ghaemiyeh.com
سرشناسه : حسینی شاهرودی، علی، - ۱۳۳۵.
عنوان و نام پديدآور : محاضرات فیالفقه الجعفری/ تقریر بحث السیدابوالقاسم الخوئی ؛ بقلم علی الحسینیالشاهرودی؛ تحقیق السیدعبدالرزاق المقرم.
مشخصات نشر : قم: مرکز الموتمرات العلمیة و البحوث الحرة التابع لموسسة دار الحدیث، ۱۴۲۹ ق.= ۲۰۰۸ م.، ۱۳۸۷.
مشخصات ظاهری : ۴ج.: نمونه.
شابک : دوره: 978-964-2730-47-6 ؛ ج. ۱978-964-2730-48-3 : ؛ ج.۲978-964-2730-49-0 : ؛ ج.۳: 978-964-2730-50-3 ؛ ج. ۴978-964-2730-51-6 :
وضعیت فهرست نویسی : فاپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : چاپ قبلی: دارالکتبالاسلامی، ۱۳۶۵.
يادداشت : چاپ دوم.
يادداشت : ج.۱و ۲ (چاپ اول: ۱۳۸۷) (فیپا).
يادداشت : ج. ۲ و ۳ (چاپ دوم: ۲۰۰۸م. = ۱۴۲۹ق. = ۱۳۷۷).
يادداشت : ج.۳ (چاپ اول: ۱۳۸۶) (فیپا).
يادداشت : ج. ۴ (چاپ دوم: ۱۴۲۸ق. = ۲۰۰۷م. = ۱۳۸۶).
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : اصول فقه شیعه
حقوق تجارت (فقه)
Commercial law (Islamic law)
شناسه افزوده : خوئی، سیدابوالقاسم، ۱۲۷۸ - ۱۳۷۱.
شناسه افزوده : مقرم، عبدالرزاق، ۱۸۹۸ - ۱۹۷۱م.
شناسه افزوده : Muqarram, Abd al-Razzaq
شناسه افزوده : موسسه دایرةالمعارف فقه اسلامی بر مذهب اهل بیت (ع)
رده بندی کنگره : BP۱۵۹/۸/ح۵م۳ ۱۳۸۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۱۲
شماره کتابشناسی ملی : ۱۱۷۱۴۳۱
محرر الرقمي: میثم الحیدري
محاضرات فیالفقه الجعفری
محاضرات فیالفقه الجعفری
تقریر بحث السیدابوالقاسم الخوئی
بقلم علی الحسینیالشاهرودی
تحقیق السیدعبدالرزاق المقرم.
مرکز الموتمرات العلمیة و البحوث الحرة التابع لموسسة دار الحدیث
محاضرات فیالفقه الجعفری
تقریر بحث السیدابوالقاسم الخوئی
بسم الله الرحمن الرحیم
صورة
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يجوز للأب و الجدّ أن يتصرّفا في مال الطفل [1]
[1] تارة: يتصرّف الإنسان في مال نفسه مباشرة. و اخرى: يتصرّف في مال غيره مستندا إلى إذنه السابق، و هذا باب الوكالة، و في الحقيقة يكون هذا التصرّف من قبيل تصرّف المالك نفسه، لاستناده إلى إذنه، فالوكيل منزّل منزلته. و ثالثة: يتصرّف في مال غيره مستندا إلى إذنه اللاحق، و هو باب الفضولي، و قد تقدّم الكلام فيه.
و رابعة: يتصرّف في مال غيره من دون استناد إلى إذنه السابق و لا إجازته اللاحقة، و هذا باب الولاية التي هي محلّ الكلام في هذه المسألة.
و لا إشكال في ثبوت الولاية في الجملة للأب و الجدّ؛ إذ من يكون أولى بالتصرّف في أموال الولد منهما بعد كونه محجورا عن التصرّف فيها؟
و تدلّ عليه - بعد الإجماع(1)-: جملة من الأخبار الواردة في أبواب متفرّقة(2)، كباب المضاربة - في وصية الأب بالمضاربة بمال الطفل(3)- و باب الزكاة(4)و غير ذلك(5).
1) مضافا إلى السيرة الجارية بين العقلاء التي لم يردع عنها الشارع، من كون الأب و الجدّ أولى بالتصرّف في مال الطفل من غيرهما، بملاك أنّ حبّهما له أكثر من الغير (الأحمدي).
2) إذ لا تحتمل الخصوصيّة في تلك الموارد الكثيرة (الأحمدي).
3) الوسائل 57/6، الباب 92 من كتاب الوصايا، الحديث الأوّل.
4) الوسائل 57/6، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه.
5) مثل باب الحجر و أنّ وليّ الطفل قبل البلوغ و المتصرّف في ماله هو الأب و الجدّ (منية الطالب 226/2).
كما يدّل عليه أيضا: فحوى ما ورد في ولاية الأب و الجدّ على بضع البنت(1).
و هذه الفحوى و إن أنكرناها في باب الفضولي(2)تبعا للرواية، حيث حكم فيها الإمام عليه السّلام بأنّ النكاح أولى بالاحتياط لأنّ منه الولد، فجواز الفضولي فيه غير مستلزم لجوازه في البيع، و قد ذكرنا وجه كون صحّة الفضولي في النكاح موافقا للاحتياط، لأنّه إذا حكمنا فيه بالصحّة و كان في الواقع فاسدا فلا يترتّب عليه غير الزنا، بخلاف ما إذا حكمنا بفساده و كان صحيحا في الواقع، فإنّه إذا تزوّج المرأة يلزم منه الزنا بذات البعل، و هو أشدّ من الزنا بغيرها. و بالجملة فاحتمال ترتّب المفسدة على الحكم بصحّة النكاح و إن كان موجودا، إلاّ أنّ المفسدة التي يحتمل ترتّبها على الحكم بالفساد أشدّ و أقوى، و لذا كان الاحتياط في النكاح مقتضيا للحكم بالصحّة، و هذا غير جار في البيع كما هو واضح.
و لكن هذا الوجه - أعني انكار الولاية - إنّما هو فيما إذا تحقّق في الخارج نكاح فضولي و بيع فضولي أو فرض تحقّققهما، فالحكم بصحّة الأوّل لا يدلّ بالفحوى على الحكم بصحّة الثاني، و أمّا جعل الولاية للأب و الجدّ على إيجاد نكاح البنت و إنشائه ابتداء، فهو يستلزم ولايته على التصرّف في أموالها بالأولويّة بلا إشكال، فلا يقاس أحد المقامين بالآخر.
فثبوت الولاية للأب و الجدّ في الجملة غير قابل للإنكار.
و هل يعتبر فيها العدالة أو لا؟ المشهور هو الثاني(3)، و لم يخالف فيه سوى
صاحب الوسيلة(1)و الإيضاح(2)، فاعتبراها فيها.
و المصنّف قدّس سرّه استدلّ على عدم اعتبارها بالأصل و الإطلاقات و فحوى الإجماع المحكيّ في التذكرة(3)على ولاية الفاسق في التزويج.
نقول: ظاهر كلام المصنّف قدّس سرّه - حيث عطف الإطلاقات على الأصل - أنّه أراد به الأصل العملي:
فإن أراد به استصحاب(4)عدم اشتراط الولاية بالعدالة، ففيه أوّلا: أنّه استصحاب العدم الأزلي، و هو لا يرى جريان الاستصحاب في الأعدام الأزليّة، فإنّه لم تكن الولاية ثابتة في زمان غير مشروطة بالعدالة ليستصحب العدم النعتي.
و ثانيا: استصحاب عدم اشتراطها بالعدالة لا يثبت جعلها على نحو الإطلاق، كما هو ظاهر. و ثالثا: أنّ كلاّ من الإطلاق و التقييد منتزع من جعل الولاية على كيفيّة خاصّة، فأصالة عدم جعلها على نحو التقييد معارض باستصحاب عدم جعلها على نحو الإطلاق.
و إن أراد به الأصل الجاري في تصرّفات الأب و الجدّ الفاسق، ففيه: أنّ مقتضى الأصل الجاري فيها هو عدم النفوذ وضعا و عدم الجواز تكليفا كما هو واضح؛ إذ
1) لم نعثر عليه في الوسيلة، نعم اشترط في تصرّف الولي كونه ثقة. راجع الوسيلة/ 279.
2) إيضاح الفوائد 628/2.
3) التذكرة 599/2.
4) و إن أراد به أصالة البراءة، ففيه: أنّها إنّما تجري عند الشك في جزئيّة شيء أو شرطيّته في باب التكاليف، و أمّا في باب المعاملات فالأصل فيها الفساد و عدم ترتّب الأثر (الأحمدي).
الأصل عدم حصول النقل و الانتقال، و مقتضى عموم «عدم جواز التصرّف في مال أحد إلاّ بإذنه» حرمة التصرّف، و لم يعلم خروج الأب و الجدّ الفاسق عنه(1).
هذا، و لكن الإطلاقات كافية لنفي اعتبارها، كما أنّ فحوى الإجماع المحكيّ في التذكرة أيضا يدلّ عليه.
و قد استدلّ الفخر في الإيضاح على اعتبار العدالة بوجهين:
أحدهما: أنّ جعل الولاية للفاسق على الطفل الذي لا يدفع عن نفسه و لا عن ماله، مناف للحكمة.
ثانيهما: أنّه مناف للآية.
و نقول: أمّا المنافاة للحكمة فهو غير صحيح؛ فإنّه ليس أحد أرأف بالطفل من الأب و الجدّ، فإنّهم لا يتصرّفون غالبا في مال الولد إلاّ بما يرونه صلاحا له، و هذه هي الحكمة في جعل الولاية لهم دون غيرهم. نعم قد يتّفق والد يقدّم مصلحة نفسه على مصالح ابنه، فحينئذ يمنعه الحاكم من التصرّف، و يجعل عليه ناظرا في تصرّفاته.
و أمّا الآية، فإن أراد به ما أشار إليه في جامع المقاصد(2)، و هو قوله تعالى وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنّٰارُ (3)ففيه: أنّ ذيلها أعني قوله سبحانه فَتَمَسَّكُمُ اَلنّٰارُ قرينة على أنّ المراد بالركون إلى الظالم الركون إليه في امور الدين
ممّا يوجب الدخول في النار دون ما يرجع إلى امور الدنيا(1)، و لذا يجوز توكيل الفاسق و الركون إليه في المعاملات بلا شبهة.
و إن أراد بها قوله سبحانه: إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (2)كما يظهر من قول الإيضاح: «و إخباراته عن غيره» ففيه(3): أنّه - كما يشهد له ذيل الآية - ناظر إلى عدم اعتبار خبر الفاسق بما هو فاسق، لا مطلقا حتّى بما هو مالك أو ذويد أو وليّ، و لذا يقبل إقرار الفاسق بما أنّه مالك، فيقبل إخباره عن المولّى عليه بما أنّه وليّ بعد ثبوت ولايته.
1) إذ ليس في الركون فيها إلى الفاسق عقاب قطعا، و لو كان الركون أعمّ من الامور الدينيّة و الدنيويّة يلزم تخصيص الأكثر المستهجن. على أنّا لو أثبتنا الولاية له فليس منشؤه الركون إليه، بل الركون و الاعتماد على الأدلّة الدالّة عليه، فلم نركن إلى الفاسق أصلا حتّى في المعاملات (الأحمدي).
2) سورة الحجرات/ 6.
3) يرد عليه أوّلا: أنّ الآية على تقدير الدلالة لا تنفي إلاّ حجّية إقراره و إخباره في مال الطفل و لا ينفي نفوذ تصرّفاته. و ثانيا: أنّ المراد بالفاسق في الآية بمناسبة التعليل المذكور فيها - و هي إصابة القوم بجهالة - هو خصوص الفاسق من حيث الكذب، لا مطلق الخارج عن طاعة اللّه تعالى، لاستهجان النهي عن الأخذ بقول آكل الربا مثلا، معلّلا بعدم إصابة القوم بجهالة، لعدم المناسبة فالآية على تقدير الدلالة لا تنفي ولاية مطلق الفاسق. و ثالثا: أنّ النسبة بين إطلاق الآية و إطلاق أدلّة ولاية الأب و الجدّ عموم من وجه، لشمول إطلاق الآية للفاسق غير الأب و الجد و عدم شمول أدلّة الولاية له، و شمول أدلّة الولاية للعادل منهما و عدم دلالة الآية على ولاية العادل منهما و إن لم تدلّ على نفي ولايتهما أيضا، و يقع التنافي بينهما في ولاية الأب و الجدّ الفاسقين، و الترجيح لإطلاق أدلّة الولاية، لأنّ الكثرة غالبا إنّما هو في جانب الفسقة، فلو قدّمنا إطلاق الآية لم يبق تحت إطلاق أدلّة الولاية إلاّ أقلّ قليل، بخلاف العكس، لكثرة نبأ الفاسق غير الولي (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و هل يشترط في تصرّفه المصلحة [1]
و بالجملة فشيء من الآيتين لا ينافي إطلاق أدلّة الولاية أصلا، فالصحيح ثبوتها على نحو الإطلاق.
[1] هل يعتبر في صحّة تصرّف الأب أو الجدّ في مال الولد المصلحة له، أو يكفي فيها عدم المفسدة فإذا باع شيئا من ماله بما لا يكون ضررا عليه و لا مصلحة له ينفذ، أو لا يعتبر شيء من الأمرين، أو التفصيل في ذلك بين الأب و الجدّ؟ وجوه، اختار أوّلها الشيخ(1)، و نفى المصنّف عنه البعد في أوّل كلامه، و مال إليه المحقّق النائيني قدّس سرّه(2)و إن كان يظهر من آخر كلام المصنّف في المتن تقوية التفصيل(3).
و كيف كان، استدلّ على عدم اعتبار شيء من الأمرين بوجهين(4):
أحدهما: اطلاق قوله عليه السّلام في رواية سعد بن يسار: (مال الولد للوالد)(5)و اطلاق النبوي المشهور: (أنت و مالك لأبيك)(6).
و فيه: أنّ «اللام» في الحديثين ليس للملك قطعا بحيث يدلّ على كون الولد و ماله مملوكا لوالده، كما يملك المولى عبده و ما هو مملوك له بحيث اذا صار الوالد محجورا عليه و غرم أمواله غرم أموال ابنه مع أمواله، كما أنّ «اللام» ليس للملكيّة
1) راجع المبسوط 200/2.
2) كما سيأتي.
3) الذي قوّاه المصنّف أوّلا هو الوجه الثاني، أي كفاية عدم المفسدة. و مع التنزّل فالأظهر عنده التفصيل بين الأب و الجدّ و كفاية عدم المفسدة في تصرّف الأب دون الجدّ. (الأحمدي).
4) بل بوجوه كما سيأتي (الأحمدي).
5) الوسائل 196/12، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.
6) نفس المصدر، الحديث 1 و 2.
التنزيليّة، فإنّه ينافيها ما ورد من افتراض الولد من أموال والده، و ما ورد في أنّه يقوّم جارية الابن على نفسه(1)، فإنّ كلّ ذلك ينافي الملكيّة التنزيليّة. و ليس «اللام» للولاية أيضا، للاتّفاق على عدم ثبوت الولاية للوالد على نفس ولده، خصوصا بعد ورود بعض هذه الأخبار في الولد الكبير، كما في رواية الحسين بن أبي العلاء و ما حكاه من قوله صلّى اللّه عليه و آله للولد الذي قدّم أباه: (أنت و مالك لأبيك)(2)فإنّ الولد الذي قدّم والده كان كبيرا. فلا بدّ من حمل ما ورد بهذا المضمون على الحكم الأخلاقي الموافق للتكوين، كما يظهر من الآية الشريفة التي استشهد بها الإمام عليه السّلام، و هي قوله سبحانه: يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ اَلذُّكُورَ (3)فإنّ الولد موهبة من اللّه للوالد، فالمناسب أن لا يزاحمه في تصرّفاته في نفسه و ماله، فلا ربط لشيء منها بالولاية.
ثانيهما: إطلاق ما ورد في ولاية الأب و الجدّ على تزويج البنت، و بعضها واردة في تزويج الجدّ بنت ولده بدون إذنه معلّلا بأنّ البنت و أباها للجدّ(4).
و هذا أيضا ممّا ورد في الأب و ولده الكبير، نظير رواية الحسين بن أبي العلاء المتقدّمة، و يستفاد منها أقوائيّة ولاية الجدّ من ولاية الوالد.
1) راجع الوسائل 195/12، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3، و 198، الباب 79 من الأبواب، الحديث 1 و 2 و المجلّد 543/14، الباب 40 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الأحاديث 1، 3 و 4.
2) الوسائل 196/12، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8.
3) سورة الشورى/ 49.
4) الوسائل 217/14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 8.
و بالجملة: إطلاق هذه الأخبار و إن كان ثابتا إلاّ أنّه يقيّد برواية أبي حمزة الثمالي، حيث قال فيها: (ثمّ قال - أي النبي صلّى اللّه عليه و آله - لا نحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلاّ ما يحتاج إليه ممّا لا بدّ منه، إنّ اللّه لا يحبّ الفساد)(1)فإنّ نفي الحبّ بمناسبة الاستشهاد بالآية ظاهر في المنع لا الكراهة، فكأنّ التصرّف في الأزيد من مقدار الحاجة لمصلحة نفسه لا لمصلحة ولده مصداق للفساد و الممنوع منه(2).
هذا، مع أنّه لا يبعد دعوى انصراف جعل الولاية على الطفل و غيره، إلى جعل السلطنة لأن يتصرّف الولي لمصلحة المولّى عليه لا لمصلحة نفسه، فهذه الروايات منصرفة إلى ذلك، فلا حاجة إلى المقيّد.
و الحاصل أنّ ظاهر كلام المصنّف نفي البعد عن عدم اعتبار شيء من الأمرين، أعني تحقّق المصلحة و عدم المفسدة، فيصحّ تصرّف الولي في مال الطفل و إن كانت فيه المفسدة.
و هذا القول هو الذي مال إليه المحقّق النائيني في دورته السابقة(3)- و إن عدل عنه في دورته الأخيرة(4)- و قد استدلّ عليه بما ورد بما ورد: من أنّ الولد و ماله لوالده، و قد عرفت عدم دلالته على ثبوت الولاية. و بإطلاق ما ورد في ولاية الأب و الجدّ على تزويج ابنته؛ فإنّه إذا ثبتت الولاية لهما على تزويج البنت على نحو
الإطلاق فبالأولويّة تثبت ولايتهما على التصرّف في أموال الطفل كذلك على نحو الإطلاق.
هذه عمدة الوجوه التي استدلّ بها على عدم اعتبار شيء من الأمرين في تصرّف الأب و الجدّ(1).
و أمّا دعوى قيام السيرة العقلائية على تصرّف الأب و الجدّ في أموال الطفل و صرفها فيما يحتاجون إليه و إن كان مفسدة للطفل و لم يردع عنها الشارع، فهو توهّم فاسد؛ لأنّ ما ثبت بالسيرة ليس بأزيد من ارتزاقهم من مال الطفل، و لعلّ ذلك من جهة كون الأب و الجدّ ممّن يجب على الولد الإنفاق عليهم إذا كانوا فقراء و كان هو موسرا، كما ثبت عكسه أيضا، فتأمّل. و هكذا يظهر أنّه لم تثبت سيرة على تصرّفهم في ماله مع المفسدة زائدا على ذلك.
فالعمدة في الاستدلال هو إطلاق روايات ولاية الأب و الجدّ الذي قد عرفت أوّلا: انصراف الولاية إلى ما يكون فيه مصلحة للطفل لا ما يكون مفسدة له، و ثانيا:
أنّ إطلاق تلك الأخبار يقيّد بما ورد في رواية أبي حمزة المتقدّمة.
و توهّم: وجود مقيّد آخر للإطلاقات، و هو مفهوم قوله عليه السّلام في بعض أخبار
1) الوجه الثالث هو قوله عليه السّلام في صحيحة ابن مسلم: (الوالد يأخذ من مال ولده ما شاء) المؤيّد بما في العلل، من أنّ علّة تحليل مال الولد لوالده أنّ الولد موهوب للوالد، المستفاد من قوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ اَلذُّكُورَ و بما في أخبار تقويم جارية الابن على نفسه. و الجواب عن ذلك أنّ إطلاق هذه الروايات مقيّدة بما دلّ على عدم جواز تصرّفه في مال الطفل بأخذه لنفسه أكثر من قوته بغير سرف - كما في رواية حسين بن أبي العلاء - و بما في صحيحة أبي حمزة الثمالي: (لا نحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلاّ ما يحتاج إليه إنّ اللّه لا يحب الفساد) الأحمدي.
تزويج الجدّ بنت ولده إلى شخص مع تزويج الأب لها إلى آخر: (الجدّ أولى إذا لم يكن مضارّا)(1).
مدفوع: بأنّ القيد ليس راجعا إلى أصل الولاية ليكون المفهوم نفيها عند انتفاء القيد، بل راجع إلى أولويّة الجدّ على الأب، فمفهومه عدم أولويّته إذا كان مضارّا، لا نفي ولايته.
و استدلّ على اعتبار وجود المصلحة في صحّة تصرّف الأب و الجد في مال الطفل بوجوه:
أحدها: الإجماع.
و فيه: أنّ تحصيل الإجماع المصطلح الكاشف عن رأي المعصوم مشكل جدّا، خصوصا مع تصريح جمع من الأعلام بعدم اعتبارها فيه.
ثانيها: أنّ حكمة جعل الولاية للأب و الجدّ - و هي الإرفاق بالطفل و حفظ أمواله من التلف - تقتضى اختصاص ولايته بما إذا كان التصرّف مصلحة للطفل.
و فيه: أنّ من المحتمل في ولاية الأب و الجدّ أن تكون أعمّ من ذلك، أو تكون الحكمة ملاحظة حال الوالد و الجدّ لإنّهما قد أتعبا أنفسهما في تربية الولد فجعل لهما الولاية أداء لبعض حقوقهم، أو تكون الحكمة شفقتهما الذاتيّة على الطفل فغالبا لا يتصرّفان إلاّ بما فيه صلاح الطفل.
ثالثها - و هي العمدة -: الآية المباركة وَ لاٰ تَقْرَبُوا مٰالَ اَلْيَتِيمِ إِلاّٰ بِالَّتِي هِيَ
1) الوسائل 218/14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 2.
أَحْسَنُ (1)و الآية تعمّ الوالد(2)
و ثانيا: لو سلّمنا ذلك فلا يتمّ الاستدلال بالآية الشريفة في مورد تصرّف الأب المتولّد منه الولد بالمباشرة، لعدم صدق اليتيم على الطفل حينئذ، و لإطلاق روايات ولاية الأب. و عدم الفصل بين الأب و الجدّ لم يثبت بل هو ممنوع كما ذكره المصنّف. و كيف يمكن دعوى عدم الفصل مع وجود الروايات الدالّة على جواز تصرّف الوالد في مال ولده لحوائج نفسه و صرفه في قوته مع أنّه إتلاف محض لمال الولد. و لو سلّمنا عدم الفصل بينهما واقعا فنعلم إجمالا بأنّ أحد الظهورين غير مراد، إمّا ظهور آية: لاٰ تَقْرَبُوا... في شمولها للأب، أو إطلاق روايات ولاية الأب للتصرّف بغير الأحسن، فيسقط كلا الظهورين بمقتضى العلم المزبور، و يرجع إلى السيرة القطعيّة القائمة على كفاية عدم المفسدة في تصرّف الأب. و من هنا ظهر وجه القول بالتفصيل بين الأب و الجدّ باعتبار المصلحة في تصرّف الجدّ دون الأب، الذي قوّاه المصنّف بعد التنزّل عن القول بكفاية عدم المفسدة مطلقا (الأحمدي).
لو قلنا بأنّ اليتيم يعمّ اليتيم من الامّ أيضا، و إلاّ فيعمّ الجدّ فيثبت الحكم في الأب بعدم القول بالفصل. بل لا يحتاج إلى ذلك لأنّه يدلّ على اعتبار المصلحة في الأب أيضا بالأولويّة، لما عرفت من أنّ ولاية الجدّ أقوى من ولاية الأب - بمقتضى بعض روايات تزويج البنت - فإذا اعتبر وجود المصلحة في تصرّف من كانت ولايته أقوى، فيعتبر ذلك في نفوذ تصرّف الوليّ الضعيف بالأولويّة. و يؤكّد ذلك ما قيل في تقويم الوالد جارية ولده على نفسه بكونه بقيمة عادلة(3).إلاّ أنه قد يقال - تبعا للمصنّف - بأنّ إطلاقها يخصّص بما ورد في ولاية الأب
1) سورة الإنعام/ 152، و الإسراء/ 34.
2) يرد عليه أوّلا: أنّ اليتيم هو فاقد الأب و إن لم يختصّ الأب بالمتولّد منه مباشرة كما لا يخفى على من راجع الآيات و الأخبار بل المحاورات العرفيّة، لأنّه عبارة عن المنشأ للولادة و لو بالوسائط، لكن الأب و الجدّ إذا اجتمعا فيختصّ الأب بالمتولّد منه بالمباشرة.
3) الوسائل 198/12، الباب 79 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأوّل.
و الجدّ، فإنّ النسبة بين موضوعيهما العموم المطلق، و إن كانت النسبة بين نفس الحكمين عموما من وجه؛ لأنّ موضوع أدلّة الولاية خصوص الجدّ و الأب و موضوع الآية عامّ يعمّهما و غيرهما، فيقدّم إطلاق المخصّص على إطلاق العامّ، فيختصّ اعتبار المصلحة بغيرهما.
و التحقيق أن يقال: إنّه بناء على دلالة قوله عليه السّلام: (الولد و ماله لأبيه) على ثبوت الملكيّة للوالد حقيقة أو تنزيلا، فلا ينبغي الأشكال حينئذ في عدم شمول الآية للأب و لا للجدّ - بعد دلالة جملة من الروايات على أقوائيّة ولايته من ولاية الأب، كما أشار أليها المصنّف - إذ عليه يكون تصرّف الوالد أو الجدّ تصرّفا فيما هو ملك له واقعا أو تنزيلا، و ليس تصرّفا في مال اليتيم.
إلاّ أنّك عرفت عدم دلالة ذلك المضمون من الروايات على الملكيّة، بل و لا على الولاية بعد وروده في بعض الأخبار في الولد الكبير، مع أنّه لم يتوهّم أحد ولاية الأب أو الجدّ على مال الولد الكبير، و إنّما الكلام في ولايته على الطفل.
فما يحتمل أن يكون مخصّصا للآية إنّما هي الأخبار الواردة في ثبوت الولاية على تزويج البنت، و بينها و بين الآية إنّما هي الأخبار الواردة في ثبوت الولاية على تزويج البنت، و بينها و بين الآية - على تقدير تسليم دلالتها - عموم من وجه؛ فإنّ الآية ناظرة إلى الولاية و مقدار ثبوتها، و الكلام بعد في حدّ الولاية، إذ لم تثبت ولاية الأب و الجدّ مع عدم المصلحة. و إطلاق تلك الأخبار و إن كان يقتضى ذلك، إلاّ أنّه في مورد الاجتماع - أعني ولاية الأب و الجدّ مع عدم المصلحة - تقع
المعارضة بينها و بين الآية و تقدّم الآية لا محالة(1).
هذا، إلاّ أنّ الكلام في دلالة الآية(2)و كونها ناظرة إلى الولاية، فإنّه على ما تتبّعنا كتب «آيات الأحكام» لم نعثر على رواية واردة عن الأئمّة المعصومين عليهم السّلام في تفسيرها، و إن وردت في تفسير قوله سبحانه: إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ اَلْيَتٰامىٰ ظُلْماً... (3).
فنقول - و اللّه العالم -: ظاهر النهي هو الحرمة لا الفساد، إذ ليس المراد من «القرب» الذي هو متعلّق النهي، التصرّفات الاعتباريّة - كالبيع و نحوه - لأن «القرب» المنهيّ عنه إذا تعلّق بالفعل اريد به الارتكاب، و إذا تعلّق بالموضوع الخارجي اريد به أحيانا السلطنة و الاستيلاء و التملّك و نحوها، فالمراد حرمة الاستيلاء على مال اليتيم. و يشهد له تأنيث الموصول، أعني قوله تعالى بِالَّتِي و عليه فالمراد من الاستثناء - أعني إِلاّٰ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ - هو ما ثبت في الشريعة المقدّسة من الأسباب الشرعيّة دون غيرها، و هي الطريقة الوسطى، و ليس المراد به مصلحة الطفل، فسبيل هذه الآية سبيل قوله تعالى: وَ لاٰ تَأْكُلُوا
1) إمّا من جهة أن العموم في الآية وضعيّ و في الروايات إطلاقي فيقدّم كما قرّر في الاصول، أو لما ورد من طرح المعارض للكتاب بناء على شموله للمخالف و لو بالعموم من وجه. و لو فرض التعارض و التساقط فالمرجع حينئذ هو الأصل الذي يقتضي عدم النفوذ وضعا و عدم الجواز تكليفا، إذ لا يجوز التصرّف في مال الغير أو نفسه بغير إذنه (الأحمدي).
2) إذ دعوى أنّ خطاب: لاٰ تَقْرَبُوا... متوجّه إلى غير الولي من سائر الناس قريبة جدّا (الأحمدي).
3) سورة النساء/ 10.
أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ (1)و إنّما خصّ مال اليتيم بالذكر مع عموم الحكم لجميع الأموال؛ من جهة رغبة الناس في أكل أموال اليتامى بغير الأسباب الشرعيّة، إذ لا حافظ لها. فالآية أجنبيّة عن الولاية.
و بالجملة: الاستدلال بالآية في المقام مبنيّ على أمرين، أحدهما: أن يكون النهي دالاّ على الفساد و يراد من «القرب» التصرّفات الاعتباريّة، ثانيهما: أن يراد من «الأحسن» ما فيه مصلحة الطفل. و كلاهما ممنوع.
فلا يعتبر في تصرّف الأب و الجدّ أزيد من عدم الفساد بمقتضى الرواية المتقدّمة(2)
ثم لا يخفى أنّ بين كلمات المصنّف تهافتا، حيث إنّه في صورة التصرّف مع المفسدة تمسّك لعدم نفوذ تصرّف الجدّ بآية لاٰ تَقْرَبُوا و أتمّه في الأب بعدم الفصل، و في صورة عدم تقارنه بالمصلحة، قال: فلو سلّم دلالتها فهي مخصّصة بما دلّ على ولاية الجدّ، إذ يظهر من تعبيره ب «لو سلّم» مناقشته في ذلك.
ثم إنّه لو اعتبرنا في صحّة تصرّف الولي عدم المفسدة، فالمراد أن يكون تصرّفه مقرونة بالمصلحة في نوعه و إن لم تكن هناك مصلحة في شخصه، فلو كانت المصلحة في بيع مال الصغير بعشرة دنانير مثلا و يوجد هناك عدّة أشخاص يريدون شراءه بذلك المبلغ، فللولي أن يبيعه لكلّ واحد منهم و إن لم تكن فيه مصلحة زائدة على غيره، لأنّه من القرب بالتي هي أحسن عرفا (الأحمدي).
.ثمّ على فرض اعتبار المصلحة، فهي تختصّ بغير تصرّفات الولي في مال الطفل
ممّا يرجع إلى نفس الولي، كالاقتراض و تقويم الجارية على نفسه و الأكل من ماله، فإنّ جوازها منصوص(1)مع عدم المصلحة فيها، بل مع كونها فسادا لمال الطفل.
الأوّل: أنّ الميزان في المفسدة الموجبة لفساد تصرّف الولي، هل هي المفسدة بوجودها الواقعي أو العلمي؟ لم نر من تعرّض لهذا مفصّلا، و الظاهر أنّ الميزان فيها تحقّق كلا الأمرين - أعنى وجود المفسدة و إحرازها - فلا يكفى أحدهما؛ لأنّ المقيّد لإطلاق أدلّة الولاية اخذ فيه عنوان «الفساد» و هو كعنوان «المعصية» متقوّم بكلا الأمرين. و من هنا ذكرنا في «سفر المعصية» أنّه إذا تخيّلت المرأة أنّ زوجها غير راض بسفرها لم يكن سفرها معصية إذا لم يكن لها زوج أو كان راضيا واقعا، إذ ليس هناك سوى التجرّي دون المعصية، و كذا العكس، ف «الفساد» نظير «العصيان» لا يصدق إذا تصرّف الولي تصرّفا مفسدا في مال طفله لاعتقاده بأنّه مصلحة له مع أنّه أفسد ماله، و كذا إذا اعتقد الفساد و كان في الواقع صلاحا، فالميزان هو الفساد مع إحرازه.
الثاني: في ثبوت الولاية للجدّ و إن علا؟ و الظاهر ثبوتها له(2)لأنّ بعض
1) انظر الوسائل 12 /الباب 76 و 78 من أبواب ما يكتسب به.
2) أوّلا: للتعليل الوارد في تقديم هوى الجدّ على الأب لأنّها و أباها للجدّ فإنّها سارية في الجدود العليا، و ثانيا، الروايات المتقدّمة الدالّة على أنّ الولد و ماله لأبيه، معلّلاّ في بعضها بأنّ الولد موهوب من اللّه تعالى للوالد، و ثالثا: إطلاق جملة من الروايات الشاملة للجدود العليا، و عند اجتماع الجدّ الأدنى مع الأعلى يتمسّك بالتعليل المزبور و الإطلاقات على ثبوت الولاية لهما في عرض واحد. و أمّا آية اولو الأرحام فإنّها واردة في المواريث بقرينة ما قبلها فلا يشمل المقام، و لذا لم يتمسكّوا بها لشمول سائر الأرقاب - كالأخ و العمّ - في باب الولاية (الأحمدي).
الأخبار و إن كانت مختصّة بالجدّ الأدنى إلاّ أنّ بعضها مطلقة يعمّ الجدود. و لا وجه لدعوى انصرافها من الجدّ إلى الجدّ الأدنى.
الثالث: هل أنّ ولاية الجدّ ثابتة مطلقا حتّى مع عدم حياة الأب، أو مختصّة بما إذا كان الوالد حيّا؟
أمّا من حيث المقتضي، فمقتضي الإطلاق ثابت، و هو بعض المطلقات الواردة في تزويج البنت.
إلاّ أنّه ربما يدّعى وجود المانع، أعني المقيّد لتلك المطلقات، و هو ما حكاه شيخنا المحقّق في حاشيته(1)، من رواية فضل بن عبد الملك(2)، و هو المكنّى ب «أبي العباس» و الملقّب ب «البقباق» و لذا أسند الرواية في الوافي إلى «البقباق»(3)على مبناه، من ذكر بعض الرواية بعنوان الوصف و اللقب، كما صرّح بذلك في مقدّمة الوافي، فليس هناك اختلاف في الراوي.
و كيف كان، فمضمون الرواية أنّه إذا زوّج الجدّ ابنة ابنه و كان الوالد حيّا، و كان - أي الجدّ - مرضيّا جاز، فاخذ في الجملة الشرطيّة قيدان، أحدهما: كون الوالد حيّا، فمفهومه يدّل على عدم الولاية و جواز تصرّف الجد إذا لم يكن كذلك فيقيّد بمفهوم الشرط إطلاق تلك الروايات، و ثانيهما: كون الجدّ مرضيّا، و المراد به - على ما ورد في بعض أخبار الجماعة - أن يكون مرضيّا اعتقادا و عملا، و هذا هو معنى
العدالة، و عليه فهذا المفهوم دليل على اعتبار العدالة في ثبوت الولاية للجدّ و الأب، و كان الأولى التمسّك به دون الآية و الحكم العقلي.
هذا، إلاّ أنّ الرواية ضعيفة سندا و دلالة:
أمّا من حيث السند؛ فلاشتمالها على «جعفر بن سماعة» و قد ذكر صاحب الرجال الكبير: الأقوى أنّه هو جعفر بن محمّد بن سماعة، و هو موثّق، و نقل ذلك أيضا عن بعض(1). إلاّ أن الظاهر كونه اجتهادا منه، فلا يعبا به. و من هنا ضعّف الرواية جماعة، منهم المجلسي(2)، مدّعيا أن في رجاله بعض الواقفيّة، و لعلّ المراد جعفر بن سماعة. و كون الراوي واقفيّا و إن لم يخلّ بقوّة الرواية إذا كان موثّقا، إلاّ أنّ كونه كذلك غير معلوم(3).
و أمّا من حيث الدلالة، فذكر بعضهم - كما حكاه شيخنا المحقّق في الحاشية(4)- أنّ مفهوم الرواية من قبيل مفهوم الوصف لا الشرط، فليس معتبرا.
و نقول: هذه من صغريات الكبرى التي بيّناها في الاصول، من أنّ الجزاء إذا كان متوقّفا على الشرط عقلا، بأن كانت نسبته إليه نسبة الموضوع إلى حكمه، كقولك: إن رزقت ولدا فاختنه، لا يثبت للقضيّة مفهوم. و أما إن كان توقّفه على بعض القيود المأخوذة في الشرط عقليّا و على بعضها الآخر شرعيّا، يثبت المفهوم
للقضيّة بلحاظ ذاك القيد دون غيره. مثلا إذا قال: إن رزقت ولدا و كان يوم الجمعة فاختنه، فهنا يتحقّق المفهوم للقضيّة الشرطيّة بالإضافة إلى قيد «يوم الجمعة» و المقام من هذا القبيل؛ فإنّ توقّف النفوذ على التزويج الذي هو مدخول الشرط في الرواية و إن كان عقليّا، إلاّ أنّ توقّفه على القيدين شرعيّ، فيثبت مفهوم الشرط بالإضافة إليهما. إلاّ أنّه مع ذلك ليس لهذه الجملة مفهوم، لأنّ العامّة على الظاهر متّفقون على عدم ثبوت الولاية للجدّ مع وجود الأب(1)- للآية الشريفة - و من المحتمل أنّ الإمام عليه السّلام أراد من هذا القيد الإشارة إلى ذلك، أي ثبوت الولاية للجدّ و لو مع وجود الأب، فالمراد حتّى إذا كان الأب حيّا. و هذا و إن كان تأويلا للرواية، إلاّ أنّه قريب جدّا بعد اتّفاق العامّة على ما ذكرناه، فليس للقضيّة مفهوم من هذه الجهة. فالرواية ساقطة سندا و دلالة، فلا مقيّد للإطلاقات، فولاية الجدّ ثابتة مع موت الأب أيضا.
الرابع: لا إشكال في ولاية الجدّ مع وجود الأب، بل أقوائيّة ولايته كما صرّح به في بعض الروايات. و أمّا إذا فقد الأب، فهل يكون الجدّ الأعلى مشاركا مع الأدنى في الولاية أو لا؟ ربما يقال بالثاني؛ تمسّكا بقوله تعالى: وَ أُولُوا اَلْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ (2)و الصحيح هو الأوّل، لأنّ الآية راجعة إلى الإرث، و لا ربط لها بالولاية أصلا، فإطلاقات الأدلّة بعد البناء على شمولها لمطلق الأجداد لا مقيّد لها.
هذا تمام الكلام في ولاية الأب و الجدّ.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» من جملة أولياء التصرّف في مال من لا يستقلّ بالتصرّف [1]
[1] لا إشكال في أنّ الفقيه الجامع للشرائط يجوز له الإفتاء، و ليس المراد بجواز الإفتاء جوازه عليه، فإنّه لا يعتبر فيه الشرائط، بل المراد به نفوذه على مقلّديه، أعني العامي و من يجب عليه الرجوع إلى العالم، و هكذا يجوز له القضاء بما يراه حقّا، و المراد بجوازه أيضا نفوذه كما هو ظاهر.
و إنّما الكلام في ثبوت الولاية، و هي تتصوّر على وجهين:
أحدهما: استقلال الولي بالتصرّف، سواء كان في عرضه وليّ آخر يستقلّ بالتصرّف أيضا أم لم يكن.
ثانيهما: توقّف نفوذ تصرّف الغير على إذنه، سواء كان هو مستقلاّ بالتصرّف أو لم يكن(1)، كما في ولاية الأب على نكاح البنت الباكرة البالغة الرشيدة، فإنّه غير مستقلّ في ذلك، و لكن تتوقّف صحّة تزويجها على إذنه. و هكذا تصرّف المالك في سهم الإمام عليه السّلام فإنّه يعتبر في تصرّفه إذن الحاكم مع عدم كونه مستقلاّ في التصرّف.
فلا بدّ من التكلّم في مقامين.
1) و بين الولايتين عموم من وجه، فمورد ثبوت الأوّل دون الثاني تصرّف كلّ من الأب و الجد في مال الطفل مستقلاّ فإنّه يجوز و لا يتوقّف على إذن الآخر، و مورد ثبوت الثاني دون الأوّل ولاية العمّة و الخالة على نكاح بنت الأخ و الاخت فإنّ نكاحها يتوقّف على إجازتهما و ليست لها الولاية على نكاحها مستقلاّ، و مورد اجتماعهما ولاية الأب و الجدّ على الطفل فإنّ تصرّفهما في أمواله مستقلاّ جائز و يتوقّف جواز تصرّف غيرهما على إجازتهما أو إجازة أحدهما (الأحمدي).
و قبل بيانه تعرّض المصنّف قدّس سرّه لولاية الإمام بكلا معنييها.
و تفصيل الكلام في ولاية الإمام و النبي صلّى اللّه عليه و آله بالمعنى الأوّل، يقتضي البحث في امور أربعة:
الأوّل: في ولايته التكوينيّة.
الثاني: في ولايته التشريعيّة.
الثالث: في الولاية بمعنى وجوب إطاعته فيما يرجع إلى تبليغ الأحكام.
الرابع: في الولاية بمعنى وجوب إطاعتهم فيما يرجع إلى أوامرهم الشخصيّة.
أمّا الأوّل، فلا ينبغي الريب في أنّهم عليهم السّلام هم الواسطة في الخلق، فوجود الخلق لهم و بهم و إن لم يكن منهم بل من اللّه سبحانه و تعالى. و تدلّ على ذلك جملة من الروايات(1).
و أمّا الثاني، فنؤخّر البحث عنه لنكتة.
و أمّا الثالث، أعني وجوب إطاعتهم فيما يرجع إلى تبليغ الأحكام، فهو من لوازم التصديق بنبوّتهم أو إمامتهم، إذ بعد التصديق بالنبوّة أو الإمامة، يكون ما أخبر به بما أنّه نبيّ أو إمام إخبارا عن اللّه سبحانه، و إطاعته جلّ شأنه واجبة، فالقول بعدم وجوب إطاعتهم في ذلك مساوق لإنكار نبوّتهم و إمامتهم. و هذا ظاهر غير محتاج إلى البحث و الاستدلال.
و أمّا الرابع، أي وجوب إطاعتهم في الأوامر الشخصيّة، فربما ينكر لتوهّم عدم
1) كحديث (مجاري الامور بيد العلماء باللّه) و حديث (نحن صنائع اللّه و الناس صنائع لنا) و البحث عن الولاية بهذا المعنى أشبه بمسائل الكلام (الأحمدي).
قيام دليل عليه. و لكن الصحيح وجوبها.
و يدلّ عليه قوله سبحانه: أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ (1)فإنّه لا وجه لتوهّم ظهور أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ في إطاعته بما أنّه رسول، أي فيما يرجع إلى التبليغ؛ لما عرفت من أنّ وجوب إطاعة الرسول أو الإمام بما أنّه مبلّغ عن اللّه سبحانه يستفاد من قوله سبحانه أَطِيعُوا اَللّٰهَ و لم يكن وجه للتكرار، فالظاهر أنّ قوله تعالى وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ ناظر إلى طاعته في أوامره الشخصيّة، و لا أقلّ من الإطلاق، فالحيثيّة تعليليّة لا تقييديّة، فإذا أمر الرسول صلّى اللّه عليه و آله أو الامام عليه السّلام بشيء وجب إطاعته، فيدخل تحت قوله تعالى أَطِيعُوا اَللّٰهَ الذي هو إرشادي.
و قوله تعالى: وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ (2)فإنّه أيضا بإطلاقه يعمّ حكمهم في الامور الشخصيّة.
كما تدلّ على ذلك أيضا جملة من الأخبار، حتّى عقد لها في الكافي بابا(3)، كقوله عليه السّلام في زيارة الجامعة: (من أطاعكم فقد أطاع اللّه و من عصاكم فقد عصى اللّه) و في بعض الأخبار: (قال الراوي للإمام عليه السّلام: روي عنكم أنّكم قلتم: الناس عبيد لنا، فأنكر عليه السّلام ذلك، و قال: ما قلته و لا سمعت ذلك من آبائي، و إنّما قلت: الناس عبيد لنا في الطاعة)(4)أي لا في غيرها من البيع و الشراء و نحوهما من أحكام العبيد و الإماء. و هذا ظاهر في وجوب إطاعتهم في الأوامر الشخصيّة، إلى غير ذلك.
و أمّا الإجماع فهو غير تام؛ لأنّه معلوم المدرك، إلاّ أنّه غير محتاج إليه مع وجود الآيات و الأخبار.
و أمّا حكم العقل، فقد استدلّ لوجوب إطاعتهم في أوامرهم الشخصيّة بالحكم العقلي المستقلّ تارة، و غير المستقلّ اخرى.
فالمستقلّ منه، حكمه بوجوب شكر المنعم بعد كونهم عليهم السّلام أولياء النعم، و من شكرهم إطاعتهم في أوامرهم الشخصيّة.
و فيه: أنّ كونهم أولياء النعم و إن كان محقّقا - كما عرفت - إلاّ أنّ وجوب شكر المنعم بالمعنى الذي هو محلّ الكلام، أعني الوجوب المصطلح الذي يستحقّ على مخالفته العقاب، لا يستقلّ به العقل. و قد استدلّوا بهذا على وجوب معرفته سبحانه في علم الكلام، و هو غير تامّ هناك فضلا عن المقام؛ فإنّ استقلال العقل بحسن إطاعة المنعم ثابت، كما أنّه يحتمل أنّ المنعم عند عدم الشكر يسلب نعمه، إلاّ أنّه لا ربط لشيء منهما بالوجوب المصطلح - أي ما يترتّب على مخالفته استحقاق العقاب - و لذا تمسّكنا في علم الكلام لوجوب المعرفة باحتمال الضرر الاخروي عند ترك التعلّم و المعرفة و استقلال العقل بوجوب دفعه.
و بالجملة: فليس للعقل استقلال بوجوب إطاعة النبي و الامام عليهما السّلام بالمعنى الذي هو محلّ الكلام. هذا في الحكم العقلي المستقلّ.
و أمّا الحكم العقلي غير المستقلّ - و هو ما كان بعض مقدّماته شرعيّا مأخوذا من الشارع - فتقريبه: أنّ الابوّة تقتضي وجوب إطاعة الأب شرعا و لو في الجملة، فإذا اقتضت الابوّة ذلك، فالإمامة توجب الإطاعة بالأولويّة، لأنّ الحقّ هنا أعظم بمراتب، فإنّ الإمام عليه السّلام أب جسماني و روحاني.
و فيه، أوّلا: أنّه أخصّ من المدّعى؛ فإنّ وجوب إطاعة الوالد إنّما هو في موارد خاصّة، و لا يجب إطاعته فيما إذا كان ضررا على الولد، كما إذا أمره بالخروج عن أمواله - و إن ورد به النصّ إلاّ أنّه حكم أخلاقي - أو أمره بطلاق زوجته و كان ضررا عليه، و المدّعى في الإمام أزيد من ذلك.
و ثانيا: من المحتمل أن يكون وجوب إطاعة الوالد لخصوصيّة مفقودة في الإمام عليه السّلام و لو كان حقّه أعظم - كالحمل في الام مثلا - فالأولويّة ممنوعة.
و بالجملة: مع قطع النظر عن الآيات و الأخبار لا يمكن إثبات وجوب إطاعة الإمام عليه السّلام في أوامره الشخصيّة لا بحكم العقل و لا بالإجماع، إلاّ أنّ في الكتاب و السنّة غنى و كفاية.
و أمّا الولاية التشريعيّة(1)، بمعنى نفوذ تصرّفهم عليهم السّلام في أموال العباد من دون إذنهم و لا رضاهم، فيدلّ عليه قوله تعالى: اَلنَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (2)بضميمة ما ورد من الأخبار في أنّ الأئمّة عليهم السّلام بمنزلة نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله في جميع الشؤون ما عدا النبوّة، فإنّ ظاهر الأولويّة الولاية في التصرّف، لا مجرّد وجوب الإطاعة أو تقديم إرادتهم على إرادة غيرهم(3)، فكما ينفذ تصرّف المؤمن في نفسه
1) فهي على قسمين، الأوّل: ولايتهم في امور الحسبة و الحكومة بين الناس بجعل الولاة في المناطق الإسلامية و سائر ماله دخل في شؤون إدارة المملكة الإسلاميّة داخليّا و خارجيّا، و هذا ممّا لا إشكال في ثبوته لهم، لأنّهم ساسة العباد و الحكّام على البلاد، الثاني: بمعنى نفوذ تصرّفهم في أموال الناس و أعراضهم و نفوسهم بالأسباب المقرّرة شرعا من غير فرق بين الكبار و الصغار و الحاضر و الغائب (الأحمدي).
2) سورة الأحزاب/ 6.
3) حيث قد يقال بأن الآية ظاهرة في أنّه يجب على المؤمنين تقديم إرادته صلّى اللّه عليه و آله على إرادتهم لأنّه أولى بهم من أنفسهم، لا أنّ تصرّفه صلّى اللّه عليه و آله يكون نافذا فيهم من غير إجازتهم، كما استدلّ صلّى اللّه عليه و آله بهذه الآية على لزوم تقديم ارادته صلّى اللّه عليه و آله على إرادتهم في قضيّة غدير خم صلّى اللّه عليه و آله: (ألست أولى بكم من أنفسكم) (الأحمدي).
أو ماله ينفذ تصرّف النبي و أوصيائه عليهم السّلام فيه أيضا، بل هم أولى بالتصرّف من نفسه.
و لا يتوهّم أنّ لازم ذلك جواز تصرّفهم في أعراض الناس بلا سبب شرعي كالزواج؛ و ذلك لأنّ الأولويّة الثابتة لهم هي الأولويّة فيما كان سائغا لنفس المؤمن، أي بالأسباب الشرعيّة من النكاح و ملك اليمين و التحليل، و أما التصرّف بغيرها فلم يكن سائغا له، فكيف يسوغ للإمام أو النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ نعم للإمام عليه السّلام أن يطلّق زوجة الغير، فإذا انقضت عدّتها زوّجها لنفسه بالأسباب الشرعيّة(1).
ثمّ لا يخفى أنّ التزامهم عليهم السّلام بعدم التصرّف في أموال الناس و أعراضهم و قيام سيرتهم على عدم إعمال هذه الولاية، لا ينافي ثبوت هذه الولاية لهم. بل يمكن أن يقال: إنّ غير مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام لم يكن متمكّنا من ذلك، بل هو أيضا لم يكن متمكّنا منه للتقيّة. و قد ورد في رواية الترمذي من طرق بعض العامّة: (أنّ عليّا عليه السّلام في بعض الغزوات اختصّ بجارية من الغنائم، فلمّا رجعوا شكاه بعض إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله قبل أن يغيّروا لباس سفرهم، فغضب النبي صلّى اللّه عليه و آله، فقال: اتركوا عليّا فأنا أولى بكل
1) و الاستدلال على جواز تصرّف النبي صلّى اللّه عليه و آله أو الإمام في أموال الناس لنفقته و ما يحتاج إليه بلا سبب شرعي بفحوى ما ورد في جواز أخذ الوالد من مال ولده بمقدار الحاجة من أجل أنّ لهم الابوّة الروحية على الامّة التي هي أقوى من الابوّة الجسميّة، ضعيف لاحتمال مدخليّة تحمّل الآلام الجسميّة من التولّد و توابعه في ذلك، و هذه الجهات مفقودة في الآباء الروحيّين (الأحمدي).
مؤمن من نفسه، و عليّ أولى بكلّ مؤمن من بعدي)(1).
هذا كلّه في ولايتهم عليهم السّلام بالمعنى الأوّل.
و أمّا الولاية بالمعنى الثاني، أي اعتبار إذنهم في جواز تصرّف الغير، فلا إشكال في عدم اعتبار إذنهم عليهم السّلام في الامور الخاصّة للأشخاص(2). و إنّما الكلام في اعتبار إذن الإمام عليه السّلام فيما يرجع إلى الامور العامّة(3)، كالحدود و تولّي دفن الميّت و الصلاة عليه و نحو ذلك.
ظاهر صدر كلام المصنّف قدّس سرّه أنّ الأصل عدم اشتراط إذنهم في تصرّف الغير، و سيظهر المراد من الأصل و أنّه غير تامّ على نحو الإطلاق.
فنقول: إن كان هناك إطلاق مقتض لعدم جواز التصرّف إلاّ بإذنهم، أو مقتض لعكس ذلك أي جواز التصرّف و لو بدون إذنهم إلاّ ما خرج بالدليل، فيرجع إليه في الموارد المشكوكة. فمثلا بالنسبة إلى الحدود و التعزيرات و القصاص(4)، إنّ مقتضى
1) بحار الأنوار 332/39، الحديث الأوّل.
2) بالضرورة القطعيّة كالقيام و القعود و بيع الانسان ماله و غير ذلك (الأحمدي).
3) الراجعة إلى النوع أو النظام، ففي بعض الموارد ثبت اعتبار إذنهم كالجهاد الابتدائي، و في بعضها ثبت عدم اعتبار الاستيذان شخصيّا و أنّ الجميع مكلّفون بذلك على نحو الواجب الكفائي كالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و في بعضها وقع الخلاف (الأحمدي).
4) و مطلق التصرّف في مال الغير أو نفسه إلاّ أن يكون التصرّف فيه مصداقا للإحسان المحض كما لو كان ماله في معرض التلف فأخذه لحفظه و إيصاله إلى مالكه، أو كان مقدّمة لإحسان محض أهمّ من التصرّف كما لو تصرّف في مال الغير مقدّمة لحفظ نفسه عن التلف، فإنّ مثل هذه التصرّفات تعدّ إحسانا إليه و تنصرف أدلّة حرمة التصرّف في مال الغير عن مثلها (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: إنّما المهمّ التعرّض لحكم ولاية الفقيه [1]
إطلاق ما دلّ على حرمة إيذاء الغير أو التصرّف في أموال الناس عدم جواز ذلك، و قد خرجنا عنه في فرض إذن الإمام عليه السّلام، و أمّا مع عدمه فمقتض تلك الإطلاق عدم الجواز.
و بالنسبة إلى تولّي امور الميّت و الصلاة عليه بنعكس الأمر؛ فإنّ مقتضى إطلاق الأدلّة مطلوبيّة ذلك من كلّ أحد. و ما ورد من: (أنّ سلطان اللّه أحقّ بها من كلّ أحد)(1)المتيقّن منه عدم جواز مزاحمة السلطان في ذلك حتّى على وارثه، و أمّا اعتبار إذن الإمام عليه السّلام في جواز ذلك فلا يستفاد منه، و مقتضى الإطلاقات عدم اعتبار إذنه. و أمّا إذا لم يكن في البين إطلاق، فيرجع إلى الاصول العمليّة فيما إذا لم يمكن الرجوع إلى الإمام عليه السّلام لأنّ الشبهة حكميّة.
و حينئذ فإن كان الشك في اعتبار إذن الإمام عليه السّلام من حيث أصل الوجوب، فالأصل يقتضي عدمه عند عدم إذن الإمام؛ لأن الشك حينئذ في ثبوت التكليف.
و إن كان الوجوب محرزا و كان الشك في اعتبار إذنه عليه السّلام من حيث صحّة العمل، فالأصل يقتضي البراءة عن تقيّد الواجب بإذن الإمام بكلا معنييه.
[1] لا ينبغي الريب في عدم ثبوت الولاية للفقيه على أموال الناس و أنفسهم و أعراضهم بمعنى استقلاله بالتصرّف فيها، و إن نسب ذلك إلى بعض فقهائنا(2).
بل ما ثبت للفقيه من الامور الأربعة التي أثبتناها للإمام عليه السّلام ليس إلاّ وجوب
إطاعته على مقلّديه فيما يرجع إلى تبليغ الأحكام من فتاواه(1). و أمّا غيره من الولاية التكوينيّة أو التشريعية أو وجوب إطاعته فيما يرجع إلى أوامره الشخصيّة فلم يثبت له شيء منها.
و ما استدلّ به على ثبوت الولاية له، امور كلّها مخدوشة(2).
منها: قوله عليه السّلام: (إنّ العلماء ورثة الأنبياء)(3)بتقريب أن الوارث يثبت له جميع ما كان ثابتا لمورثّه، و من ذلك مسألة الولاية.
و فيه، أوّلا: أنّ الوراثة إنّما تكون فيما تركه المورّث فيما هو قابل للانتقال، و أمّا غيره ممّا لا يصدق عليه عنوان «التركة» كصفات الميّت من شجاعته و علمه و زهده فلا يثبت للوارث، بل يفوت بموت المورّث. و عليه فلا يثبت بهذا الحديث للعلماء سوى ما احرز كونه قابلا للانتقال و صدق عليه عنوان «التركة» و من المحتمل قريبا أن لا تكون الولاية من ذلك، بل تكون أمرا قائما بشخص النبيّ، كصفاته النفسانيّة ممّا تزول بموته.
و ثانيا: ذيل الحديث شاهد على أنّ العلماء ورثة الأنبياء فيما بقى من علمهم و حديثهم، و هو قوله عليه السّلام: (إنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا و لا درهما، و لكن ورّثوا
1) و نفوذ قضائه على عامّة الناس و كذا نفوذ تصرّفاته في الامور الحسبيّة بالمباشرة أو بالتسبيب من قبله (الأحمدي).
2) و الجواب الإجمالي عن الروايات المستدلّ بها أنّها واردة في ثبوت الفضيلة لهم على غيرهم كما ورد في ثبوت الفضيلة للصلحاء و المتيقّن على غيرهم و لم يتوهّم أحد من تلك الروايات ثبوت الولاية لهم على أموال الفسقة و نفوسهم، بل ليس لسان تلك الروايات إلاّ الإشادة بفضيلة التقوى و الصلاح، و كذلك الحال في هذه الروايات (الأحمدي).
3) الوسائل 53/18، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.
أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها أخذ بحظّ وافر) و قد ذكرنا سابقا أنّ هذه الجملة من الحديث ليست مجعولة من الأوّل، و إنّما اضيفت إليها جملة اخرى، و هي «و ما تركناه صدقة» فالمستفاد من الرواية أنّ الأنبياء ليس همّهم جمع المال و إبقاؤه لوارثهم، و إنّما همّهم بيان الأحكام، و إلاّ فمن الظاهر أنّهم يملكون من حطام الدنيا ما هو لازم البشريّة من اللباس و الدار و سائر اللوازم، لا أنّهم لا يورثون شيئا أصلا كما اخترعوه. و كيف كان، ذيل الحديث شاهد على أنّ الإرث إنّما هو في أحاديثهم و ما بقي من أقضيتهم و أحكامهم.
و منها: قوله عليه السّلام: (العلماء امناء الرسل)(1).
و فيه: أنّ ظاهره أنّهم امناؤهم في تبليغ الأحكام، و هم المستودعون في ذلك، قد اودعت لديهم الأحكام ليوصلوها إلى الجهّال، و لا ربط له بالولاية.
و منها: قوله عليه السّلام: (مجاري الامور و الأحكام بيد العلماء باللّه الامناء على حلاله و حرامه)(2).
و فيه، أوّلا: أنّ المراد من «العلماء» بقرينة قوله «باللّه» هم الأئمّة عليهم السّلام(3)و أنّهم
1) لم نقف عليه بهذا اللفظ في مجاميعنا الحديثيّة، بل ورد في الكافي 23/1، الحديث 5: (العلماء امناء) و في 46/1، الحديث 5: (الفقهاء امناء الرسل) نعم ورد بهذا اللفظ في كنز العمّال 183/10 و 204، الحديث 28952 و 29083.
2) تحف العقول/ 238.
3) فإنّ الفقيه عالم بأحكام اللّه في مقابل الجاهل، و أمّا بالنسبة إلى معرفة اللّه تعالى فربما لا يكون أعرف به تعالى من غيره، على أنّ ظاهر المجاري هو المجاري التكوينيّة، و حملها على المجاري في عالم التشريع - بمعنى أنّ أفعال العباد لا بدّ و أن تكون على طبق فتاواهم - فمجاز لا يصار إليه إلاّ بقرينة، و عليه فيكون المراد من العلماء باللّه هو النبي صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السّلام لأنّهم مجاري الامور التكوينيّة و ممرّ فيض الوجود. و كلمة ب «اللّه» لا يبعد أن يكون المراد منه أنّ علمهم من ناحيته تعالى، كما أن لفظ (الامناء على الحلال و الحرام) لا يبعد أن يكون إشارة إلى مقام العصمة حتّى عن الخطأ و النسيان (الأحمدي).
العالمون باللّه دون غيرهم من الفقهاء، كما يشهد لذلك قوله عليه السّلام في بعض الأخبار:
(نحن العلماء و شيعتنا المتعلّمون)(1)فإنّه حاكم على ما ثبت للعلماء من الآثار، إلاّ فيما قامت فيه القرينة على غيره.
و ثانيا: نفرض شمول عنوان «العلماء باللّه» للفقهاء أيضا، إلاّ أنّ ظاهر التوصيف و هو قوله «الامناء على حلاله و حرامه» أنّ الامور بيدهم من جهة الحلّية و الحرمة، فجريان جميع الامور يكون بيدهم، إن أفتوا بالحلّية تكون جارية و إن أفتوا بالحرمة تكون واقفة، فلا ربط له بالولاية.
و منها: قوله صلّى اللّه عليه و آله: (علماء امّتي كأنبياء بني اسرائيل)(2)و قوله صلّى اللّه عليه و آله: (منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل) كما في الفقه الرضوي(3).
و فيه، أوّلا: أنّه لم تثبت الولاية لأنبياء بني إسرائيل، و إنّما الثابت ولاية نبيّنا و الأئمّة المعصومين عليهم السّلام.
و ثانيا: أنّ التنزيل و التشبيه لا بدّ و أن يكون في الخواصّ الظاهرة(4)، و من
1) الوسائل 46/18، الباب 7 من أبواب صفات القاضي، الحديث 18.
2) عوالي اللآلي 77/4، و عنه في البحار 22/2، الحديث 67، و نقله في المستدرك 17 / 320، الحديث 30 عن العلاّمة في التحرير.
3) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السّلام: 238، و عنه في البحار 346/78، ذيل الحديث 4.
4) ظاهر التشبيه و التنزيل إنّما هو في أظهر الآثار، و أظهر آثار النبوّة هو إرشاد العباد في امور الدين (الأحمدي).
الواضح أنّ الظاهر من آثار أنبياء بني اسرائيل كان تعلّم كلّ امّة من نبيّهم، فالتنزيل إنّما هو في أنّ العلماء كالأنبياء السلف لا بدّ و أن يتعلّم كلّ فرقة من أحد منهم.
هذا، مضافا إلى أنّ التنزيل يحتمل أن يكون من جهة الفضل و الفضيلة، و لا مانع من كون عالم هذه الامّة كنبيّ من أنبياء بني اسرائيل في الفضيلة، و هذا أمر على القاعدة، كما لا ريب في أنّ تلميذ المدرسة العالية قد يكون أرقى و أفضل من معلّم المدرسة الابتدائيّة.
و منها: قوله صلّى اللّه عليه و آله: (اللهمّ ارحم خلفائي ثلاثا، قيل يا رسول اللّه: و من خلفاؤك؟ قال: الّذين يأتون بعدي و يروون حديثي و سنّتي)(1).
و فيه، أوّلا: أنّ ما فيه الخلافة قد بيّن في نفس الحديث، و هو نقل السنّة.
و ثانيا: يحتمل قريبا أن يكون المراد من «الخلفاء» الأئمّة المعصومين عليهم السّلام فإنّهم خلفاء الرسول صلّى اللّه عليه و آله و أمّا الفقهاء فهم خلفاء خلفائه، كما يشهد لذلك قوله صلّى اللّه عليه و آله «يأتون بعدي» فتأمّل.
و منها: قوله عليه السّلام (أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به)(2).
و فيه: أنّ «الأولى» فيه بمعنى الأقرب، و لا ربط له بالولاية.
و منها: قوله عليه السّلام: (فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه)(3).
و فيه: أنّ المناسب للحجّية - التي هي بمعنى التنجيز - بيان الحكم و الفتوى، دون الولاية و التصرّف في أموال الناس و أنفسهم.
و منها: قوله (عجّل اللّه تعالى فرجه) في المقبولة: (قد جعلته عليكم حاكما)(1)فإنّه ادّعي أنّ الحاكم غير القاضي، و أنّ المراد به الولاية.
و فيه: أنّ القاضي يقابله الوالي لا الحاكم و أمّا الحاكم فهو عبارة اخرى عن القاضي، أو القاضي من يحكم في المرافعات، و الحاكم من يجري حكمه، كما كان الحكّام في الأزمنة السالفة يجرون ما حكم به العلماء.
و يشهد لإرادة القضاء من الحكومة في التوقيع، أوّلا: وروده في باب المرافعة، و ثانيا: قوله عليه السّلام بعد ذلك «فإذا حكم بحكمنا» و ثالثا: قوله عليه السّلام في ذيله (فإنّهم حجّتي عليكم) لما عرفت من أنّ الحجّية تناسب التنجيز في بيان الحكم.
و من الغريب ما ادّعاه الميرزا قدّس سرّه، من وجود القرينة في التوقيع على إرادة الوالي من الحاكم، و هو جعله في قبال القاضي في السؤال(2).
فإنّ المجعول في قبال الرجوع إلى الحاكم إنّما هو الرجوع إلى السلطان، و الفرق بين القاضي و السلطان - و هو الخليفة - ظاهر واضح.
فلا دلالة لشيء من هذه الأخبار على ثبوت الولاية للفقيه. نعم إذا أفتى فقيه بثبوت الولاية له ثمّ تصرّف في امور مقلّده، وجب عليه تنفيذه من باب وجوب تقليده عليه، لا لثبوت ولايته.
هذا كلّه في ولايته بالمعنى الأوّل.
قوله قدّس سرّه: بقي الكلام في ولايته على الوجه الثاني [1]
[1] و حاصله اعتبار إذن الفقيه فيما يعتبر فيه إذن الإمام عليه السّلام في زمان حضوره(1).
و قد استدلّ عليه المصنّف قدّس سرّه بروايات، تقدّم جملة منها فلا نعيد، و أمّا ما لم يتقدّم:
منها: قوله عليه السّلام (و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا)(2).
و قد ادّعى المصنّف قدّس سرّه ظهور «الحوادث» في مطلق الامور التي لا بدّ فيها من الرجوع إلى الرئيس شرعا أو عرفا، فلا بدّ في جميعها من الرجوع إلى الفقيه و الاستيذان منه، و ليس المراد بالرجوع إليه فيها بيان حكمها.
و أقام على ذلك شواهد ثلاث:
أحدها: إرجاع نفس الحادثة إلى رواة الأحاديث كما هو ظاهر الرواية، لا حكمها(3).
ثانيها: التعليل بقوله قدّس سرّه (فإنّهم حجّتي عليكم) إذ لو كان المراد بالرجوع إليهم الرجوع اليهم في بيان المسائل الشرعيّة الواجب عليهم من اللّه سبحانه، لكان الأنسب التعليل بكونهم حجّة اللّه سبحانه، لأنه يجب عليهم من اللّه سبحانه، فالتعليل يناسب الولاية التي تكون منصوبة للإمام عليه السّلام من اللّه، و الإمام عليه السّلام يجعلها لمن ينصبه واليا، فيكون واليا من قبل الإمام لا من اللّه تعالى، كما في الولاة المنصوبين في زمان حضورهم عليهم السّلام.
ثالثها: أنّ الرجوع إلى الفقهاء لمعرفة الأحكام الشرعيّة - الذي كان أمرا بديهيّا في الإسلام - لم يكن يشكل على مثل «إسحاق بن يعقوب» حتّى يعدّه في عداد ما اشكلت عليه من المسائل، فلا بدّ و أن يكون المراد السؤال عمّن يرجع إليه في الامور العامّة و يعتبر إذنه فيها، فإنّه يمكن أن يكون مجهولا عنده، لاحتمال أن يكله عليه السّلام إلى شخص خاص.
و في جميعها نظر:
أمّا الوجه الأوّل، ففيه: أن ظاهر الرجوع في الحادثة الرجوع في حكمها، فلو كانت العبارة هكذا (فارجعوها إلى رواة حديثنا) لكان ظاهرا فيما ذكره، إلاّ أنّه ليس كذلك، و إنّما أمر بالرجوع في الحادثة إليهم، فهو نظير أن يقال: (ارجع في الأمر الكذائي إلى فلان) أي شاوره فيه، لا أن يتصرّف فيه.
و أمّا الوجه الثاني، ففيه: أنّ التعليل تامّ و لو كان المراد الرجوع إليهم في الفتوى؛ و ذلك لأنّ الفقيه و إن كان ينقل الحكم الإلهي، إلاّ أنّه ينقله بواسطة الإمام عليه السّلام، فصحّ أن يقال: إنّه حجة الإمام، بمعنى أنّه عليه السّلام يحتجّ بأقواله على العوام يوم القيامة(1)، كما ورد في بعض الأخبار: (أنّ النبي يوم القيامة يسأل عن تبليغ الأحكام، و النبي 9 يسأل الإمام 7، و الإمام يسأل الفقهاء، فإذا أثبتوا أنّهم بلّغوا تمّت به الحجّة على العوام).
و أمّا الوجه الثالث، ففيه: أنّ المعهود في زمان الحضور - كما هو معلوم - الرجوع إلى الإمام عليه السّلام فيما يقع من الحوادث بلا واسطة أو معها، و في عصر الغيبة
1) باعتبار أنّهم يبيّنون الأحكام الإلهيّة من قبلهم عليهم السّلام.
الصغرى كان الرجوع إلى النوّاب، فلا يبعد أن يشكل على بعض الأكابر من يرجع إليه في الحوادث الواقعة التي تحدث جديدا و لم يبيّن حكمها من الكتاب و السنّة، مثل الولد الذي جعلت نطفته في الرحم بالتلقيح، فبمن يلحق الولد؟ و مثل ما لو صلّى أحد في بلد ثمّ سافر بالطائرة إلى بلد آخر و وصل إليه قبل دخول وقت تلك الصلاة، فهل يجب عليه التكرار أم لا؟ فمن المرجع في هذه الحوادث؟ فيشكل عليه ذلك، فيسأل الإمام(1).
و منها: قوله صلّى اللّه عليه و آله: (السلطان وليّ من لا وليّ له)(2).
و فيه: أنّه لم يثبت كونه رواية، بل هو كلام مشهور. و على فرض ثبوته من طرق العامّة، فهو ضعيف السند، و لم ينجبر. و على تقدير تماميّة سنده، لا يطلق «السلطان» على الفقيه، بل الفقيه نائب السلطان(3).
فالروايات لا يمكن التمسّك بشيء منها لإثبات الولاية للفقيه بشيء من المعنيين.
نعم، قد يتمسّك لولاية الفقيه بوجهين آخرين، ذكرهما بعض المعاصرين:
أحدهما: أنّ العامّة يرجعون في الامور العامّة إلى رؤسائهم، و عليه السيرة، فنحن أيضا لا بدّ لنا من الرجوع فيها إلى أحد، و ليس هو العوام قطعا، فيكون
1) إذ من المحتمل أن يكون المرجع في مثل هذه الحوادث شخصا خاصّا نظير الوكلاء الأربعة، أو شخصا كلّيا له شرائط خاصّة زائدة على الإيمان و العلم و العدالة (الأحمدي).
2) المسالك 147/7، عوائد الأيّام/ 563 ذيل العائدة 54، الجواهر 188/29، و راجع الحديث في كنز العمّال 309/16، الحديث 44643.
3) و إثبات منصبه عليه السّلام لنائبه يحتاج إلى دليل آخر (الأحمدي)
المراجع رواة الأحاديث. و كأنّ هذا الاستدلال مبنيّ على كبرى مأخوذة من فعل العامّة، و هو لزوم الرجوع في الامور العامّة إلى الرئيس، لأنّهم يرجعون فيها إليه، و الصغرى معلومة وجدانا، و هي كون المرجع الفقيه دون غيره، فيثبت له الولاية في الامور.
و فيه، أوّلا: أنّ رجوع العامّة في امورهم إلى خلفائهم و ولاتهم لا يقتضي وجوب الرجوع شرعا إليهم، بل من المحتمل أن يكون ذلك كبقيّة بدعهم، فلا يلزم علينا اتّباعهم في ذلك.
و ثانيا: أيّ دليل أوجب العلم بكون المرجع لنا حينئذ الفقيه دون غيره من عدول المؤمنين و غيرهم؟
ثانيهما: أنّ الراوي في المقبولة(1)ذكر في سؤاله الرجوع إلى السلطان أو الحاكم، فردعه الإمام عليه السّلام عن ذلك و ذكر أنّ التحاكم إليهم كالتحاكم إلى الجبت و الطاغوت، و أنّ أخذ شيء بحكمهم سحت لا يحلّ، فأمر بالرجوع إلى رواة الأحاديث، فيستفاد من ذلك الرجوع اليهم في جميع الامور العامّة التي من شأنها الرجوع إلى السلطان أو واليه.
1) و تقريب الاستدلال بالمقبولة المشتملة على قوله عليه السّلام: (فارضوا به حكما فإنّي جعلته حاكما) و برواية أبي خديجة المشتملة على قوله عليه السّلام: (فإنّي جعلته حاكما) أنّ مرجع الضمائر في الروايتين هم الرواة فهم الحكّام من قبلهم عليهم السّلام و الحاكم عند المسلمين في ذلك الوقت كان متصدّيا للتصرّف في الجهات العامّة و الامور الحسبيّة من قبل الفقهاء، فيكون جعل الفقيه حاكما منصوبا من قبلهم عليهم السّلام ظاهرا في كونه كالحاكم المنصوب من قبل الخلفاء إلاّ مع التنبيه على خلافه و المفروض عدمه (الأحمدي).
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ السؤال فيها عن رجلين تنازعا في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو الحاكم، فالجواب أيضا راجع إلى المحاكمة و القضاء و إثبات هذا المنصب لهم(1)، و لا ربط له بالولاية و سائر الامور العامّة أصلا، كما يشهد لذلك قرائن فيها على ما تقدّم.
فهذه الوجوه غير تامّة(2).
فلابدّ من بيان ما يقتضيه الأصل العملي إذا شكّ في ولاية الفقيه؟ فنقول:
من الامور العامّة: ما لم يثبت جوازه لغير الإمام عليه السّلام و كان مقتضي العمومات و الإطلاقات حرمته إلاّ ما خرج بالدليل، كالحدود و نحوها، فإنّ إقامتها إنّما تجب على الإمام عليه السّلام، و أمّا على غيره حتّى الفقيه فمقتضى عموم «حرمة قتل الغير أو إيذائه» عدم جوازه، و ليس في البين عموم أو إطلاق يستفاد منه مشروعيّتها لغيره.
و في مثل ذلك لا يجوز التصدّي لنفس الفقيه مباشرة فضلا عن جوازه لغيره بالاستيذان منه.
1) و قوله عليه السّلام: (فارضوا به حكما) إشارة إلى أنّ حكمه صادر بإذنه عليه السّلام، كما أنّ الحاكم في ذلك الزمان كان متصدّيا لمنصب القضاء من قبل الخلفاء (الأحمدي).
2) و مع تسليم دلالتها على ولاية الفقيه يقع الكلام في أنّ مثل: (عون الضعيف صدقة) أو (كلّ معروف صدقة) و أمثال ذلك يعارض تلك الأدلّة في مورد اجتماع العنوانين - كما لو كانت الحادثة من المعروف، مثل بيع مال اليتيم الواقع في معرض التلف - أو أنها تكون حاكمة عليها؟ الظاهر - كما أفاده الشيخ - هو الثاني، لأنّه بعد فرض دلالة تلك الأدلّة على أنّ أمر الامور الحسبيّة و العامّة إنّما هو بيد الفقيه، فبالدلالة الالتزاميّة تدلّ على أنّ التصرّف فيها من دون إذنه لا يكون معروفا لأنّه تصرّف غصبي. و لو سلّمنا التعارض و التساقط ففي مثل التصرّفات المعامليّة يرجع إلى أصالة الفساد (الأحمدي).
و منها: ما ثبت وجوبه على غير الإمام بل على عامّة الناس في الجملة، فيحتمل دخل إذن الفقيه في وجوبه كما في صلاة الجمعة فرضا، أو في صحّته كما في صلاة الجنائز. و في الأوّل مقتضى الأصل عدم الوجوب مع عدم إذن الفقيه و لا يجب تحصيله؛ لأن شرط الوجوب لا يجب تحصيله. و في الثاني مقتضى الأصل عدم اعتبار إذنه في الوجوب، فيصحّ بدونه.
و منها: ما ثبت جوازه في الجملة، و لكن احتمل اعتبار إذن الفقيه فيه(1)، كحفظ مال القصّر، أو التصرّف في الأوقاف العامّة و نحوها؛ فإنّ جوازه ثابت في الجملة، و يشكّ في اعتبار إذن الفقيه فيه. و مقتضى الأصل في ذلك عدم جواز التصرّف و نفوذه، و المتيقّن خروجه عنه ما إذا كان التصرّف بإذن الفقيه دون غيره. فيعتبر في هذه الصورة إذن الفقيه، لكن لا من جهة الولاية، بل من جهة الأصل و أنّ المتيقّن خروج صورة إذن الفقيه في التصرّف.
و من هذا القبيل التصرّف في سهم الإمام عليه السّلام، فإنّه بعد ما ثبت جواز صرفه و عدم جواز إلقائه في البحر أو دفنه أو الإيصاء به، يشكّ في اعتبار إذن الفقيه في التصرّف فيه، و الأصل عدم نفوذه فيه بدون إذنه.
نعم، في هذا الفرض قد لا يعتبر إذنه فيه إذا اقتضت الضرورة ذلك، كما إذا توقّف حفظ نفس اليتيم - مثلا - على صرف ماله و إن لم يمكن استيذان الفقيه في ذلك.
و هكذا يجوز التصرّف فيما لم يكن جائزا أصلا حتّى للفقيه نفسه فيما إذا اقتضت
1) إمّا على وجه النيابة و الوكالة مثل إجراء الحدود على القول بجوازه للفقيه، أو كون التصرّف مقارنا لإذنه و إن كان التصرّف بعنوان نفسه كالتصرّف في مال اليتيم، أو كون التصرّف مشروطا بجعل المنصب له من قبل الفقيه كالقضاء (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» في ولاية عدول المؤمنين [1]
الضرورة، كتزويج الصغيرة إذا توقّف حفظ نفسها عليه، من باب وجوب حفظه.
و هكذا بيع أموال اليتيم و نحوه ممّا لا يكون حفظا له إذا توقّف حفظ نفسه عليه، فإنه يجوز ذلك حينئذ من غير حاجة إلى إذنه.
و بالجملة: ففي كل مورد اعتبرنا إذن الفقيه، إنّما نعتبره للأصل لا لولايته.
[1] أمّا في فرض تمكّن الاستيذان من الفقيه، فإن كان هناك إطلاق دالّ على عدم مشروعيّة ذلك التصرّف، كبيع مال القاصر و التصرّف فيه، و قد خرج عنه ما إذا كان بإذن الفقيه، و احتملنا مشروعيّته بدون إذنه، فمقتضى الأصل عدم مشروعيّته(1).
و أمّا إذا لم يكن في البين إطلاق يقتضي حرمة التصرّف، فالأصل يقتضي عدم اعتبار إذنه في مشروعيّة التصرّف و جوازه.
و أمّا إذا كان الفقيه متعذّر الوصول إليه، فهل يجوز لغيره التصرّف فيما كان للفقيه التصرّف فيه بدن إذنه أو لا؟
فإذا كان هناك إطلاق يقتضي المنع عن التصرّف - كما في بيع أموال الطفل - فلابدّ من الاقتصار فيه على المتيقّن خروجه، و هو فرض إذن الفقيه.
و أمّا إذا لم يكن في البين إطلاق يقتضي ذلك:
فإن كان لدليل ولاية الفقيه إطلاق يثبت له الولاية حتّى في فرض عدم التمكّن
1) إلاّ إذا كان التصرّف إحسانا محضا مثل حفظ مال اليتيم عن التلف، أو أنّ العقل أدرك حسنه كما لو كان التصرّف مقدّمة منحصرة لحفظ مال الغير، أو قامت السيرة العقلائيّة عليه، أو قام دليل معتبر من الشرع على جوازه مطلقا. و أمّا مثل (كلّ معروف صدقة) فقد تقدّم أنّه لا يمكن التمسّك به لمورد يحتمل اعتبار إذن الفقيه للشك في معروفيّته حينئذ (الأحمدي).
من استيذانه، فمقتضاه عدم جواز التصرّف بدون إذنه.
و أمّا إذا لم يكن شيء من الأمرين و علمنا من الخارج أن الشارع جوّز التصرّف، كبيع مال اليتيم إذا كان في معرض التلف، أو الصلاة على الجنائز، فلا مجال حينئذ لاحتمال اعتبار إذن الفقيه فيه مع تعذّره؛ فإنّ العلم بعدم رضا الشارع بالترك في فرض تعذّر الوصول إلى الفقيه مع احتمال اعتبار إذنه ممّا لا يجتمعان، فيجوز بدون إذنه.
و من هذا القبيل التصرّف في سهم الإمام عليه السّلام، فإنّه بعد ما علمنا بأنّ الإمام لا يرضى بإبقائه و إلقائه في البحر أو دفنه - لأنّه إتلاف - فلابدّ من صرفه و لو مع عدم التمكّن من الاستيذان من الإمام عليه السّلام فحينئذ لا يحتمل اعتبار إذنه فيه. نعم في فرض التمكّن منه يعتبر ذلك من باب كونه هو القدر المتيقّن.
و قد مثّل المصنّف قدّس سرّه للأوّل بالنهي عن المنكر ببعض مراتبه، فإنّه ليس داخلا في «المعروف» الذي ورد فيه أنّ: (كلّ معروف صدقة)(1)و الأصل يقتضي عدم جوازه، و المتيقّن خروج ما إذا كان بإذن الفقيه لا مطلقا.
ثمّ هل يعتبر العدالة في من جاز له التصرّف من المؤمنين غير الفقيه أو لا يعتبر ذلك بعد اعتبار الأمانة و الوثاقة على أيّ تقدير بمعنى أن لا يكون ممّن يغرّ و يخدع في معاملاته؟
أمّا من حيث الأصل العملي، فيجرى فيه التفصيل المتقدّم في احتمال إذن الفقيه، فإن التصرّف إن كان ممّا قام عموم أو إطلاق على حرمته، فلابدّ من الاقتصار في
1) الوسائل 521/11، الباب الأوّل من أبواب فعل المعروف، الحديث 5.
الخروج منه على المتيقّن، و هو العادل. و إلاّ فالأصل عدم اعتبارها في مشروعيّته، بل عند فقد العادل إذا علم أنّ التصرّف مشروع بل ممّا لا يرضى الشارع بتركه، كبيع أموال اليتيم اذا كانت معرضا للتلف - كالفواكه - فلا يحتمل اعتبار العدالة.
و أمّا الأخبار الخاصّة:
فمنها: صحيحة محمّد بن إسماعيل، قال عليه السّلام: (إذا كان القيّم مثلك و مثل عبد الحميد فلا بأس)(1)و مفهومه ثبوت البأس عند عدم المماثلة.
و احتمل المصنّف في المماثلة امورا أربعة: أحدها المماثلة في التشيّع، و الاخرى في الوثاقة، و الثالثة في الفقاهة، و الرابعة في العدالة. ثمّ ذكر أنّ الاحتمال الثالث ساقط؛ إذ عليه يكون المفهوم ثبوت البأس في غير الفقيه مطلقا و لو عند تعذّره، مع أن القيمومة لعدول المؤمنين مع تعذّر الوصول إلى الفقيه ثابتة، فهذا العلم يوجب سقوط هذا الاحتمال. فيدور الأمر بين الاحتمالات الثلاثة الاخر، فيؤخذ في مخالفة الأصل بالأخصّ منها.
و فيه، أوّلا: أنّ هذا المحذور بعينه جار في الاحتمال الرابع، فإنّ القيمومة ثابتة للفاسق أيضا عند عدم العادل، مع أنّ المفهوم ثبوت البأس فيه على نحو الإطلاق، فهو مناف للعلم الوجداني.
و ثانيا: أنّ العلم الخارجي بعدم كون الإطلاق مرادا لا يوجب رفع اليد عن ظهور اللفظ، بل يتحفّظ على ظهور اللفظ ثمّ يقيّد الإطلاق بالعلم الوجداني، لا أنّه يرفع اليد عن أصل الظهور و يحمل على خلاف ظاهره. و قد أوضحنا ذلك في بحث العام
1) الوسائل 270/12، الباب 16 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث 2.
و الخاص من الاصول. و بالجملة أصالة الظهور جارية في تعيين المراد لا في كيفيّة الإرادة بعد العلم بالمراد.
و الصحيح سقوط الاحتمال الأوّل - أعني المماثلة في التشيّع - فإن ظاهر السؤال أنّ الميّت كان من أصحابنا - أي شيعيّا - و المتعارف في نصب القيّم للميّت أن ينصب من أقرانه و أصحابه، فمن البعيد أن ينصب غير الشيعي قيّما على أموال الشيعي فتأمّل، فكان ذلك أمرا مفروغا عنه في الرواية، فيبقى الاحتمالات الاخر في المماثلة، فيعتبر جميعها في الخروج عن أصالة «عدم جواز التصرّف في مال الغير» من الفقاهة و الوثاقة و العدالة، لو لم يحتمل غيرها من المماثلة في العمر و البلد و نحو ذلك.
و يؤكّد ما ذكرناه: أنّ ظاهر السؤال فرض التمكّن من استيذان الإمام عليه السّلام في التصرّف، فإنّ الزمان كان زمان الحضور و كان المبيع متاعا و لم يكن معرضا للتلف إذا اخّر بيعه إلى حصول الاستيذان من الإمام عليه السّلام، و ليس لأحد الولاية في ذلك مع حضور الإمام عليه السّلام و إمكان الاستيذان منه، و مع ذلك قال عليه السّلام (إذا كان مثلك و مثل عبد الحميد(1)فلا بأس) فظاهره جعل الولاية بنحو القضيّة الحقيقيّة و لو للإرفاق
1) و المراد بعبد الحميد - ظاهرا - هو عبد الحميد بن سالم لأنّ الشيخ عدّه من أصحاب الرضا عليه السّلام و يحتمل بقاؤه إلى زمان الجواد عليه السّلام أيضا. و أمّا عبد الحميد بن سعد البجلّي فلم يعدّوه إلاّ من أصحاب الصادق و الكاظم عليهم السّلام فمن البعيد أن يكون هو المراد. و السيّد الاستاذ - دام ظلّه - وثق ابن سالم استظهارا من عبارة النجاشي، لكنّه بعيد جدّا بل الظاهر أنّ التوثيق راجع إلى ابنه محمّد بقرينة قوله فيما بعد: (له كتاب النوادر) فانّه راجع إلى محمّد يقينا. فعلى رأي السيّد الاستاذ يستفاد اعتبار وثاقة التصرّف من قوله عليه السّلام: (إذا كان مثلك و مثل عبد الحميد) و أمّا عدم اعتبار العدالة فلا يستفاد منه إذ من المحتمل أن يكون عبد الحميد معروفا بالعدالة في ذلك الزمان، كما أنّ من المحتمل أنّه كان فقيها. و حيث إنّ المراد من المماثلة غير معلومة و مورد الرواية إنّما هو التصرّف في أموال الناس فلابدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن من خلاف الأصل لو كان المدرك منحصرا في رواية ابن بزيع، لكن المدرك غير منحصر بها، فإنّ السيرة العقلائيّة القائمة مطلقة و غير مقيّدة بالمتصرّف الفقيه و العادل، و الرواية مجملة لا يمكن ردع السيرة بها. و رواية زرعة دالّة على كفاية الوثاقة و عدم اعتبار الفقاهة. فيظهر من جميع ذلك أنّ روايات الباب بإطلاقها تثبت ولاية غير الفقيه في عرض الفقيه إذا كان المتصرّف ثقة، فتكون إطلاقات الروايات واردة على الأصل المذكور، فلم يبق للفقيه منصب يختصّ به غير منصب القضاء (الأحمدي).
و التساهل، فلابدّ من الاقتصار فيه على المقدار المتيقّن، و هو المماثلة التامّة، إلاّ فيما يقطع بعدمه.
و منها: صحيحة علي بن رئاب و قوله عليه السّلام فيها: (إذا باع عليهم القيّم بأمرهم الناظر فيما يصلحهم و ليس لهم أن يرجعوا فيما فعله القيّم بأمرهم الناظر فيما يصلحهم)(1).
و قد حملها المصنّف قدّس سرّه على اعتبار الوثاقة، لظهور قوله عليه السّلام: (الناظر فيما يصلحهم) في ذلك، و جعلها مفسّرة للرواية المتقدّمة.
و لكن الصحيح كونها أجنبيّة عن شرائط القيّم بالكلّية و ليست في مقام بيانها، و إنّما هي في مقام بيان نفوذ تصرّف البيع إذا كان صادرا عن القيّم دون الصغار، و ليس لهم الرجوع عن بيعه، و أما القيّم من يكون؟ فليست الرواية ناظرة إليه.
و منها: موثقة زرعه و قوله عليه السّلام فيها: (إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كلّه فلا بأس).
و استظهر المصنّف منها اعتبار الوثاقة في القيّم.
1) الوسائل 269/12، الباب 15 من أبواب عقد البيع و شروطه.
و لكن الظاهر أنّ المراد ب «الثقة» هي العدالة بل الأخصّ، إذ ليس المراد بها الوثاقة في الإخبار على ما هو المصطلح عليه في علم الرجال، بل الثقة بقول مطلق، كما يطلق على الكليني «ثقة الاسلام» أي الثقة في جميع أفعاله و أقواله و يطمئنّ به من جميع الجهات، و هذا فوق العدالة، و إطلاقها يعمّ صورة تمكّن الاستيذان من الإمام عليه السّلام.
و منها: صحيحة إسماعيل بن سعد، و هي صريحة في اعتبار العدالة، لقوله عليه السّلام:
(و قام عدل في ذلك)(1).
و إطلاقها أيضا يعمّ إمكان الاستيذان من الإمام عليه السّلام، فلابدّ من حملها على جعل القيمومة لآحاد العدول بنحو القضيّة الحقيقيّة(2)، إلاّ أنه تقع المعارضة بين إطلاقها و إطلاق المفهوم في صحيحة محمّد بن إسماعيل التي استظهرنا منها اعتبار الفقاهة أيضا(3)، و مورد المعارضة هو العادل غير الفقيه، و لا يبعد تقدّم إطلاق الصحيحة
1) الوسائل 269/12، الباب 16 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث الأوّل.
2) و أمّا المناقشة في دلالتها بما عن بعض المشايخ من عدم المفهوم فيها لعدم وقوع قيام العدل بعد إذا الشرطيّة فليس المفهوم من مفهوم الشرط، و لا من مفهوم الوصف أيضا لعدم ذكر الموصوف و إنما هو لو ثبت فمن مفهوم اللقب و قد ثبت في محلّه عدم المفهوم للّقب، ففيه أنّ كلاّ من الجملتين بعد إذا جملة شرطيّة لمكان كلمة واو العطف فكلّ منهما يكون شرطا في نظر العرف ثمّ على تقدير المناقشة فيه بأن الظاهر من قيام العدل في ذلك كون القسمة قائمة على العدالة بمراعاة جميع الورثة فيها لا قيام العدل في أمر القسمة لأنّ إرادة العادل من العدل خلاف الظاهر فالمستفاد منها بإطلاقها كفاية كون القسمة عادلة و إن لم يكن المقسّم عادلا، إلاّ أنّ رواية زرعة تقيّد الإطلاق فتكون النتيجة بعد التقييد اعتبار كلا الأمرين (الأحمدي).
3) لم يتقدّم الاستظهار المذكور، و لا وجه له أيضا كما لا يخفى، إذ عبد الحميد بن سالم لم يذكروا له كتابا و لا روية أيضا في كتب الحديث، و إن ذكر النجاشي أنّه روى عن أبي الحسن موسى عليه السّلام، نعم تقدّم في التعليقة استفادة الوثاقة من الحديث في نظر السيّد الاستاذ (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: فالكلام فيه قد يقع في جواز مباشرة الفاسق [1]
الأخيرة و الموثّقة على المفهوم و لو من جهة ندرة وجود الفقيه العادل في جميع البلاد، خصوصا في الأزمنة السالفة.
فالمستفاد من هذه الأخبار جعل الإذن و الولاية لآحاد العدول بنحو القضيّة الحقيقيّة، لكن فيما هو المذكور فيها من القيمومة على جميع أموال الصغار و تقسيمها فقط، فلا تعمّ غيرها و لو مثل الشراء بمال اليتيم لليتيم فضلا عن غيره.
و أمّا في غير ذلك، فنبقى نحن و مقتضى الأصل، و قد عرفت أنّ مقتضاه عدم جواز التصرّف لغير العادل مع وجوده(1).
[1] ثمّ إن المصنّف بعد ما ذكر الروايات و ما يقتضيه الأصل العملي، ذكر أنّ الكلام في تصرّف الفاسق يقع في مقامين:
الأوّل: في جواز مباشرة الفاسق و تكليفه في نفسه.
الثاني: فيما يتعلّق من فعله بفعل الغير و تكليف الغير - كالشراء منه - إذا لم يعلم وقوعه على وجه المصلحة.
أمّا في المقام الأوّل، فقد ذهب إلى الجواز؛ لعدم اعتبار العدالة في المباشر(2)
إن قلت: أدلّة التقييد واردة في المقام الثاني أي ترتيب الآثار على فعل المتصدّي لا المقام الأوّل أي جواز التصدّي ففي رواية ابن رئاب (ليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيّم) معناه أنّه يجب عليهم ترتيب الآثار في فرض تصدّي الناظر المزبور، و في رواية اسماعيل بن سعد كان السؤال عن حليّة الشراء من المتصدّي و ترتيب الصحّة عليه، كما أنّ رواية زرعة أيضا كانت ناظرة إلى صحّة القسمة و عدمها.
قلت: يكفي في الدلالة على اعتبار الوثاقة في نفس المتصدّي بالنسبة إلى المقام الأوّل صحيحة ابن بزيع لأنّ عبد الحميد ضعف قلبه من أصل التصرّف في مال الطفل الذي كان هو الإماء و لم يكن ضعف قلبه عن بيع الإماء و جواب الإمام عليه السّلام بأنّه إن كان المتصدّي مثله و مثلك فلا بأس، ناظر إلى عدم البأس حينئذ عن التصرّف المزبور لا في ترتيب الآثار عليه، فبهذه الصحيحة تقيّد الإطلاقات. (الأحمدي).
1) من العجب أنّ الشيخ ذكر هذه الروايات في مورد تعذّر الوصول إلى الفقيه مع أنّها مطلقات بل موردها كان في صورة إمكان الوصول إلى الإمام عليه السّلام فضلا عن الفقيه، كيف و مورد رواية ابن بزيع كان بلد الكوفة مركز رواة الشيعة وفقهائهم (الأحمدي).
2) بل جعل الأمانة كافية في جواز تصرّفه في نفسه تمسّكا برواية ابن رئاب التي جعل المناط في الجواز النظر في مصالحهم، و رواية زرعة حيث إنّ الجواز فيها و إن علّق على عمل الثقة و تصرّفه لكن المقصود منها بقرينة رواية ابن رئاب كون الفعل صادرا على وجه الغبطة و ذكر الوثاقة لكون تصرّف الثقة ملازمة مع رعاية المصلحة في الغالب و تكون رواية ابن رئاب كالمفسّر للمماثلة المذكورة في رواية ابن بزيع و أنّ المراد منها المماثلة في رعاية الغبطة و المصلحة. و فيه: مضافا إلى ما تقدّم في رواية ابن رئاب من عدم دلالتها على اعتبار مراعاة الغبطة و المصلحة، أنّ رفع اليد عن الوثاقة المأخوذة في رواية زرعة قيدا للجواز و حملها على كفاية رعاية الغبطة و إن كان المتصرّف غير ثقة خلاف الظاهر جدّا، كما أنّ المراد من المماثلة المعتبرة في رواية ابن بزيع المماثلة بين الأفراد القائمين بالتصرّف قطعا، لا المماثلة في أعمالهم من حيث رعاية الغبطة لأنّه قال: إذا كان مثلك، و لم يقل إذا كان عمله مثل عملك، على أنّ رواية اسماعيل بن سعد صرّح باعتبار العدالة في المتصرّف، فتأمّل إذ المصرّح فيها قيام العدل لا قيام العادل.
لعموم قوله عليه السّلام: (كلّ معروف صدقة)(1)و قوله عليه السّلام: (عون الضعيف من أفضل الصدقة)(2)و قوله تعالى: وَ لاٰ تَقْرَبُوا مٰالَ اَلْيَتِيمِ إِلاّٰ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (3)فإنّه
خطاب إلى الجميع، فيستفاد منه جواز أن يقرب الفاسق مال اليتيم إذا كان على الوجه الحسن.
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ كبرى كون المعروف صدقة و إن كانت مسلّمة، إلاّ أنّ الكلام في الصغرى، و كيف يمكن الجزم بكون تصرّف الفاسق في مال اليتيم معروفا مع احتمال كونه منكرا شرعا؟ بداهة أنّ المراد ب «المعروف» ما كان حسنا شرعا، و إلاّ لزم صحّة بيع مال الغير إذا رأى فيه المصلحة من دون توقّف على إجازته.
و هكذا الكلام في قوله عليه السّلام: (عون الضعيف من أفضل الصدقة) فتأمّل.
و أمّا الآية الشريفة، فقد عرفت أنّها أجنبيّة عن الولاية رأسا، بل هي ناظرة إلى الأسباب الشرعيّة، فمن ثبتت له الولاية على مال اليتيم ليس له التصرّف فيه إلاّ بالوجه الأحسن.
فالصحيح عدم جواز تصرّفه في نفسه إذا لم يكن عادلا بمقتضى الأصل العملي و الروايات المتقدّمة.
و أمّا في المقام الثاني، فذهب إلى عدم جواز شراء مال اليتيم من الفاسق، و علّله تارة: بأنّ موضوع التصرّف في مال اليتيم إنّما هو عنوان بسيط(1)، و هو إصلاح ماله، و لا يمكن إثباته بأصالة الصحّة. و اخرى: بأنّه كما يعتبر أن يكون البيع مصلحة لليتيم، كذلك يعتبر أن يكون الشراء منه أيضا مصلحة له، لعموم الخطاب في الآية
1) و تحقّق هذا العنوان البسيط مشكوك، نعم لو كان المشكوك عمل شكّ في صحّته تجري فيه أصاله الصحّة. و مقامنا هذا نظير ما لو صلّى شخص و لم ندر أنّه قصد النيابة عن المنوب عنه حتّى تفرغ ذمّته أم لا، فكما لا تجري أصالة الصحّة هناك لتصحيح الصلاة عن المنوب عنه فكذلك هنا (الأحمدي).
الشريفة، و هو قوله سبحانه: وَ لاٰ تَقْرَبُوا مٰالَ اَلْيَتِيمِ للبايع و المشتري، و لا يمكن إحراز كون الشراء مصلحة لليتيم بإجراء أصالة الصحّة في فعل البائع. ثمّ ذكر أن البيع إذا كان تامّا من الطرفين و كان الثمن في يد البائع، لم يلزم بالفسخ، لاحتمال كون الثمن لليتيم، كما يحتمل كون المثمن له، و يعيّن الأوّل بأصالة الصحّة.
نقول: يرد عليه أوّلا(1): أنّه لم يؤخذ في موضوع شيء من هذه الأدلّة عنوان «إصلاح مال اليتيم» أصلا، بل المأخوذ فيها عنوان «البيع» و «التقسيم» و «القرب» و نحو ذلك، غاية الأمر قيّد ذلك بكونه حسنا بالآية المباركة، فيكون الإصلاح قيدا للموضوع، فيمكن إحرازه بالأصل، كما يمكن أن يحرز به غيره من قيود الموضوع.
و ثانيا: كيف اختار جريان أصالة الصحّة في الشقّ الثاني، و هو ما إذا كان ثمن مال اليتيم بيد الفاسق؟ فانّه إذا كان الموضوع بسيطا لا يمكن إثباته بأصالة الصحّة، لا يفرّق فيه بين ما إذا كانت جارية في فعل طرف واحد أو من الطرفين. و ما ذكر من أنّه لا يعلم أن مال اليتيم هو الثمن أو المثمن، لا وجه له؛ إذ بعد عدم جريان أصالة الصحّة يرجع فيه إلى الأصل الآخر و يعيّن به ذلك. فالصحيح عدم الفرق بين الصورتين(2).
1) مضافا إلى النقض في كليهما بما إذا كان البائع الحاكم أو العادل أو وليّ الطفل، فإنّه على هذا يلزم عدم جواز الشراء منهم مع الشك في الصلاح، لأنّ الصحّة الواقعيّة من هؤلاء أيضا - خصوصا من الأوّلين - بمقتضى عموم الآية مشروطة بوقوع التصرّف بالتي هي أحسن، و أصالة الصحّة في فعلهم لا يثبت عنوان إصلاح المال، و كذا لا يثبت كون الشراء حسنا و مصلحة لليتيم (الأحمدي).
2) لا شكّ في اعتبار عدالة التصرّف في المقام الثاني و إن لم نقل به في المقام الأوّل، و ذلك لأنّ في موثّقه زرعة قيّد صحّة المقاسمة بقيام الثقة في ذلك، و كذا في صحيحة اسماعيل نفى البأس عن الشراء إذا قام عدل في التصرّف، و جعل الوثاقة و العدالة طريقا لإحراز المصلحة و ملاحظة الغبطة في التصرّف خلاف الظاهر، و بهما يخصّص العموم المستفاد من الآية الشريفة في صحّة قرب مال اليتيم بما هو أحسن. و يستنتج ممّا ذكرنا اعتبار الوثاقة و العدالة في المقام الأوّل أيضا و إن كان مقتضى الأدلّة اعتبار هما في المقام الثاني، لأنّ الحكم بصحّة تصرّف غير العادل مع عدم جواز ترتيب آثار الصحّة يكون لغوا، نعم هذا الاستنتاج يختصّ بالتصرّفات المعامليّة القائمة بالطرفين أو التصرّفات التي تكون موضوعا لعمل الغير، لا مثل حفظ مال اليتيم و نحوه (الأحمدي).
ثمّ بناء على اعتبار العدالة، إذا أراد الفاسق بيع مال اليتيم أو باعه و أخذ الثمن و احتملنا أنّه استأذن في ذلك من مؤمن عادل، فهل تجري فيه أصالة الصحّة أم لا؟
الذي ينبغي أن يقال: إنّ أصالة الصحّة بالمعنى الذي هو محلّ الكلام، ممّا لم يرد عليه دليل لفظي، و إنّما هي مستفادة من السيرة و إجماع المسلمين، فلابدّ من الاقتصار فيه على مورد السيرة. و الظاهر أنّ موردها ما إذا ثبت للمتصرّف السلطنة على تصرّفه شرعا و شكّ في أنّه تصرّف على النحو الصحيح الذي كان مسلّطا عليه شرعا أو على النحو الفاسد الذي يتسلّط عليه شرعا؟ كما إذا شكّ في أنّه باع بالبيع الصحيح أو الربوي مثلا؟ و أمّا إذا شكّ في أصل سلطنته على التصرّف، نظير ما إذا شكّ في بلوغ البائع، فلا مجال فيه لأصالة الصحّة. و المقام من هذا القبيل؛ إذ الشكّ فيه إنّما هو في سلطنته على التصرّف في مال اليتيم بالاستيذان من العادل، فليس موردا لأصالة الصحّة.
و من هنا ظهر الحال فيما إذا شكّ في فسق المتصرّف و عدالته، فإنّه لا يحكم بعدالته بأصالة الصحّة. و هكذا إذا شك في استيذان العادل المتصرّف في مال اليتيم من الحاكم مع التمكّن منه، فإنّه لا يمكن إثباته بأصالة الصحّة. و كذا إذا ادّعى
المتصرّف الحكومة الشرعيّة لنفسه و لم يثبت ذلك، لا يمكن إثباته بإجراء أصالة الصحّة في تصرّفه. و كذلك إذا باع أحد مال الغير و لم يكن تحت يده مدّعيا الوكالة من مالكه و احتملنا كونه فضوليّا، لا يمكن إثبات وكالته بأصالة الصحّة في فعله.
نعم، إذا كان المال تحت يده و اعترف بأنّه ملك الغير و أنّه كان وكيلا عنه، سمع منه ذلك، و السيرة قائمة عليه.
و أمّا في مال اليتيم، فإن لم يعلم كون المال لليتيم إلاّ من قبل من بيده المال، كما إذا أراد أحد أن يشتري شيئا من ذي اليد و قد أخبره بأنّه ليس له بل هو لليتيم و أنّه وليّ عليه بإذن من الحاكم أو العادل، فالسيرة فيه قائمة على أصالة الصحّة و نفوذ تصرّفه، فيشتري منه من دون فحص عن صدقه في دعوى الولاية(1)
الفرع الأوّل: لو قلنا بثبوت الولاية للفاسق مطلقا أو عند تعذّر العادل أو بالوكالة عنه، فهل يسمع قوله فيما إذا ادّعى التصرّف في مال اليتيم؟ فيه تفصيل، فإن كان المال تحت يده يقبل قوله لقاعدة من ملك و قاعدة قبول قول ذي اليد، و لذا يقبل قول الأب و الجدّ و اقرارهما في مال الطفل و لو كانا فاسقين. و إن لم يكن المال تحت يده و ادّعى فيه شيئا فلا يقبل قوله و إقراره لآية النبأ.
الفرع الثاني: لو ادّعى الفاسق الوكالة عن العادل أو عن الولي، فهل يقبل قوله أم لا؟ لا يبعد فيه التفصيل المتقدّم أيضا، لأنّ اليد على شيء أمارة على مالكيّته للتصرّف فيه فيشمله قاعدة من ملك زائدا على قاعدة اليد، مع أنّ السيرة أيضا قائمة على الشراء ممّن يرون المال في يده و ان لم يكن مالكا و احتمل عدم مالكيّته للتصرّف أيضا؛ و ذلك عملا بقاعدة اليد (الأحمدي).
.1) و أمّا آية النبأ فإنّما تنفي حجّية نبأ الفاسق من حيث إنّه نبأ و لا تنفي حجّية قوله لو انطبق عليه عنوان آخر كما في المقام، حيث انطبق عليه قاعدة من ملك و قاعدة قبول قول ذي اليد. ثمّ إنّه يذكر هنا فرعان بالمناسبة:
و أمّا اذا علمنا بكون المال لليتيم من الخارج، فوضع الفاسق يده عليه مدّعيا الوكالة من العادل، لم تقم هناك سيرة على جريان أصالة الصحّة في تصرّفه و البناء على نفوذه.
و بالجملة: المصنّف فصّل في المقام الثاني بين ما إذا كان عين اليتيم في يد الفاسق و اريد شراؤه منه فلا يجوز و لا يجدي فيه حمل فعل المسلم على الصحّة، و بين ما إذا باع الفاسق مال اليتيم و حصل ثمنه في يده فيحكم بصحّة ما أوقعه من المعاملة و لا يلزم بالفسخ، إذ لا يعلم كون مال اليتيم هو الثمن أو المثمن، و أصالة الصحّة في فعل المسلم تقتضي الأوّل.
و نقول: الظاهر أنّه لا مجال لجريان أصالة الصحّة حتّى في الفرض الثاني؛ للقطع بفساد المعاملة فيه بصدوره عن الفاسق، و معه كيف يتمسّك بأصالة الصحّة مع أنّ موردها هو احتمال الصحّة؟ فلا فرق من هذه الجهة بين الفرضين.
نعم، يجري هذا التفصيل فيما إذا احتمل استيذان الفاسق من العادل في تصرّفه و كونه وكيلا عنه، فإنّه حينئذ إذا وجد ثمن مال اليتيم في يد الفاسق لم يلزم بالفسخ و يحكم بصحّة ما أوقعه من المعاملة، لأنّه مقتضى أصالة الصحّة الجارية في ما أوقعه من العقد التام، الثابتة ببناء العقلاء في فعل من كانت له السلطنة على المال و كان المال تحت يده، دون غيره ممّن ليست له السلطنة على المال.
فلا ينتقض ما ذكرناه بما إذا باع أحد دار غيره الكائنة في بلد بعيد و قبض الثمن و احتملنا كونه مأذونا من قبل مالك الدار، فإنّه لا تجري في بيعه أصالة الصحّة، إلاّ
قوله قدّس سرّه: و أمّا حكّام الشرع فهل هم كذلك؟ [1]
أنّ عدم جريانه إنّما هو من جهة عدم تسلّطه على المال خارجا.
كما لا ينتقض ما ذكرناه بما إذا شكّ في بلوغ البائع، حيث لا مجال فيه لأصالة الصحّة؛ فإنّها مختصّة بما إذا صدر الفعل ممّن له أهليّة التصرّف دون ما إذا شكّ في أصل أهليّته.
و مع جريان أصالة الصحّة لا مجال لاستصحاب عدم تحقّق الإذن و الوكالة، فإنّه محكوم لأصالة الصحّة الجارية في فرض وجود اليد على المال.
هذا كلّه في تصرّف الفاسق في الأموال.
و أمّا في غيرها، كما إذا صلّى على الميّت و احتملنا فسادها، فإن علم أصل تحقّق الصلاة منه، جرى فيها أصالة الصحّة. و أمّا إذا لم يحرز ذلك و هو أخبر به، فإخباره ليس بحجّة، بل إخبار العادل بذلك لا يفيد؛ بناء على عدم اعتبار خبر العدل الواحد في الموضوعات.
[1] ظاهر المصنّف هو التفصيل في جواز المزاحمة و عدمه بين حكّام الشرع و غيرهم ممّن ثبتت له الولاية على مال اليتيم، كالأب و الجد و عدول المؤمنين، فلا يجوز للحاكم فسخ تصرّف غيره إذا كان خياريّا، و لا يجوز له التصرّف بعد ما تصدّى له الآخر و اشتغل ببعض مقدّماته، كما إذا عرضه للبيع لشخص و أراد الآخر بيعه من شخص آخر، و يجوز ذلك لغير الحاكم ممّن ثبتت له الولاية.
ثمّ ذكر ما حاصله: أنّه ربما يتوهّم كون حكّام الشرع كالوكلاء المتعدّدين أو الأوصياء المتعدّدين، حيث إنّ بناء أحدهم على أمر مأذون فيه لا يمنع الآخر عن التصرّف المغاير لما بنى عليه الأوّل.
و أفاد في دفعه: أنّ الوكلاء إذا فرضوا وكلاء في نفس التصرّف فما لم يتحقّق
التصرّف من أحدهم كان الآخر مأذونا في التصرّف و إن بنى عليه الأوّل و شرع فيه.
و أمّا إذا فرضوا وكلاء عن الشخص الواحد مطلقا حتّى في الدخول في المعاملة، كان حكمه حكم ما نحن فيه.
و نقول: الظاهر أنّه لا معنى للتوكيل في الدخول في المعاملة؛ فإنّ التوكيل إنّما يتصوّر في الامور الاعتباريّة دون الخارجيّة، كالأكل و النوم و نحوه، فلا معنى لأن يوكّل أحد غيره في أكل ماله، فهذا التفصيل لا معنى له.
فالصحيح جواز تصرّف الوكيل الآخر حتّى بعد دخول الأوّل و شروعه في مقدّماته فيما إذا كانت الوكالة مطلقة، كما هو الحال في الأوصياء.
ثمّ إنّه قدّس سرّه ذكر في عدم جواز مزاحمة الفقيه أنّه إن استندنا في ولاية الفقيه إلى مثل التوقيع جاز المزاحمة قبل وقوع التصرّف؛ لأنّ المخاطب بقوله عليه السّلام: (فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا) هم العوام، فالنهي عن المزاحمة يختصّ بهم، و أمّا الحكّام فلا يجب على واحد منهم إرجاع الحادث إلى الآخر، فيجوز له مباشرته و إن اشتغل الآخر ببعض مقدّماته، كما لا يجوز لأحد الحاكمين تصدّي المرافعة قبل حكم الآخر و إن اشتغل الآخر بمقدّماتها و حضر عنده الشهود و بنى على الحكم، فحال كلّ من الحكّام حال الأب و الجدّ في نفوذ تصرّف السابق و إن اشتغل الآخر بالمقدّمات. و أمّا لو استندنا في ذلك إلى عموم دليل النيابة و أنّ فعل الفقيه كفعل الإمام عليه السّلام، فالظاهر عدم جواز مزاحمته إذا دخل في أمر و وضع يده عليه و بنى فيه بحسب نظره و إن لم يتصرّف بعد، لأنّ مزاحمته كمزاحمة الإمام عليه السّلام.
و نقول: فيه أوّلا: أنّه لا دليل على نيابة الفقيه عن الإمام عليه السّلام كما تقدّم(1).
و ثانيا: على تقدير ثبوت النيابة للفقيه، فالفقيه الثاني أيضا يعمّه دليل النيابة، فيكون بمنزلة الإمام عليه السّلام، فلا وجه لنفوذ تصرّف الأوّل دون الثاني، فتأمّل(2)
و مثله في الضعف دعوى أن ثبوت الولاية للآخرين مع وضع اليد من أحدهم على ماله موجب للهرج و اختلال وضعيّة مال القاصرين و صيرورته في معرض الضياع؛ فإنّ تصرّف الفقيه حيث إنّه مشروط بالغبطة و المصلحة فالفقيه الثاني لا يتصرّف على خلاف ما تصدّى له الأوّل إلاّ بعد انكشاف الخطأ في تصرّفه و كونه خلاف الغبطة، و من ذلك يظهر الحال في عدول المؤمنين أيضا.
و هنا شبهة اخرى و هي أنّ مدرك ولاية الفقيه لو كان هو الروايات فتثبت الولاية للفقيه الآخر أيضا مع تصدّي الأوّل و تجوز مزاحمته عملا بالإطلاق، و إن كان المدرك له كونه القدر المتيقّن - كما هو المختار - فتصرّف الفقيه الآخر خلاف الأصل لأنّ القدر المتيقّن صحّة تصرّف الفقيه الذي وضع يده على مال الصغير مثلا. و يرد عليه أنّ الأصل معارض باستصحاب جواز تصرّف الفقيه الثاني الذي كان ثابتا قبل وضع الأوّل يده على المال، بل الاستصحاب المذكور حاكم على الأصل كما لا يخفى، إلاّ أن يناقش بأنّ القدر المتيقّن الذي ثبت جوازه قبل وضع الفقيه يده على المال إنّما هو صرف وجود الفقيه أو أوّل الوجود لا جميع الفقهاء بنحو العام الاستغراقي فلا معارض للأصل المذكور (الأحمدي).
.1) و ما ثبت من الأدلّة على جواز تصدّي الفقيه لا تدلّ على أنّه بعنوان النيابة عن الإمام عليه السّلام (الأحمدي).
2) و دعوى أنّ ولاية الفقيه ثابتة لمال لا وليّ له بمقتضى ما روي، من أنّ السلطان وليّ من لا وليّ له، و بعد تصدّي فقيه لمال اليتيم مثلا لا يصدق أنّ اليتيم ممّن لا وليّ له حتّى تثبت الولاية للفقيه الآخر، ففيه - مع ضعف سند الحديث و دلالته لعدم صدق السلطان إلاّ على من بيده زمام الامور خارجا -: أنّ المراد من «من لا وليّ له» حسب الفهم العرفي من لا وليّ له مع قطع النظر عمّا ثبت بهذا الجعل، لا من لا وليّ له حتّى باعتبار هذا الجعل أيضا كما يظهر بملاحظة نظائره، و عليه فعنوان من لا وليّ له صادق عليه مع تصدّي أحد الفقهاء لماله أيضا فضلا عن مجرّد وضع يده عليه و إتيانه ببعض مقدّمات التصرّف فقط.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّه هل يشترط في ولاية غير الأب و الجدّ ملاحظة الغبطة [1] و الصحيح أن يقال: إنّ اعتبار إذن الحاكم في التصرّف في مال اليتيم إنّما كان من جهة أنّ الأصل عدم جواز التصرّف في مال الغير، و إذا ثبت جواز حفظ مال اليتيم شرعا في الجملة، فالقدر المتيقّن منه ما إذا كان بإذن الحاكم، و عليه فالمتيقّن في المقام هو تصرّف الفقيه الأوّل دون الثاني، فلا يجوز مزاحمة الحاكم الثاني للأوّل إذا وضع اليد على مال اليتيم من جهة الأصل لا غيره.
هذا كلّه في مزاحمة الفقيه.
و أمّا مزاحمة العدل من المؤمنين، فقد ذهب المصنّف إلى جوازها، و علّله بأنّ جواز تصرّف المؤمنين كان على وجه التكليف الوجوبي أو الندبي، لا على وجه النيابة من حاكم الشرع فضلا عن كونه على وجه النصب من الإمام عليه السّلام.
و فيه: أنّه إن أراد من التكليف أنّ الثابت للعدل من المؤمنين مجرّد حسن التصرّف و استحبابه أو وجوبه تكليفا من دون ثبوت حكم وضعي، فهو مقطوع الفساد؛ بداهة نفوذ تصرّفه، و لا معنى للولاية إلاّ هذا، فالعادل وليّ من قبل الشارع، فمزاحمته مزاحمة الشارع الذي فرض عدم جوازه، و ما ذكرناه في مزاحمة الحاكم من مقتضى الأصل العملي جار في العادل أيضا، فلا فرق بينه و بين الفقيه من هذه الجهة أصلا.
[1] ذكر قدّس سرّه: أن الشهيد رضى اللّه عنه قال إنّ فيه وجهين(1)، و لكن المعروف أنّه لا يصحّ إلاّ مع المصلحة، و ادّعي عليه الإجماع. ثمّ استدلّ عليه بالأصل و عموم قوله تعالى: وَ لاٰ تَقْرَبُوا مٰالَ اَلْيَتِيمِ إِلاّٰ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .
1) القواعد و الفوائد 352/1، القاعدة 133.
ثمّ ذكر أنّه لم يوضح معنى الآية في آيات الأحكام، فلا بأس بتوضيحه في المقام، فقال:
إنّ «القرب» في الآية يحتمل معاني أربعة، الأوّل: مطلق التقليب و التحريك حتّى من مكان إلى آخر، فلا يعمّ غيره حتّى إبقائه على حاله أو عند أحد. الثاني: وضع اليد عليه في مقابل التجنّب عنه، فلا يشمل حكم ما بعد الوضع. الثالث: ما يعدّ تصرّفا عرفا، كالاقتراض و البيع و الإجارة، فلا يدلّ على المنع عن إبقائه تحت يده لو كان التصرّف فيه أحسن. الرابع: مطلق الأمر الاختياري أعمّ من الفعل و الترك، فيدلّ على حرمة الإبقاء في الفرض المذكور، أي إذا كان الفعل أحسن من الترك.
و أمّا «الأحسن» فذكر فيه أيضا احتمالات أربعة، أحدها: أن يراد به ظاهره من التفضيل بأن يراد التصرّف الأحسن من تركه. ثانيها: أن يراد به التفضيل، لكن لا بالقياس إلى ترك التصرّف بل مطلقا حتّى من غيره من الأفعال. ثالثها: أن ينسلخ عن التفضيل و يراد به ما فيه المصلحة. رابعها: أن ينسلخ عنه و يراد به ما لا مضرّة فيه و إن لم يكن فيه مصلحة لليتيم.
ثمّ قال: الظاهر من احتمالات «القرب» هو الثالث، أي أن يراد به التصرّف العرفي من بيع و نحوه، و من احتمالات «الأحسن» هو الاحتمال الثاني، أي التفضيل المطلق. و عليه فلا يجوز بيع مال اليتيم بعشرة و لو كان فيه مصلحة له إذا أمكن أن يباع بعشرين مثلا، إلاّ إذا كان البيع بعشرين في بلد آخر ربما يحتاج نقله إليه إلى مؤنة أو مشقّة.
ثمّ ذكر أنه حينئذ إذا فرضنا أنّ المصلحة اقتضت بيع مال اليتيم بعشرة دراهم ثمّ فرضنا أنّه لا يتفاوت لليتيم إبقاء الدراهم أو جعلها دينارا، ليس للمولى تبديل
الدراهم بالدينار، إذ ليس هذا التصرّف أصلح من تركه، و إن جاز من أوّل الأمر بيع عين مال اليتيم بالدينار لعدم التفاوت، و أمّا لو جعلنا «الحسن» بمعنى عدم المفسدة فيجوز لعدم المفسدة في ذلك. و كذا إن اخترنا في «القرب» الاحتمال الرابع، فإنّ «القرب» إذا فرض أنّه يعمّ ترك التصرّف أيضا، فيكون جعل مال اليتيم نقدا حسنا، فكما كان الولي مخيّرا بين جعله دينارا أو درهما من أوّل الأمر، يكون مخيّرا بعد جعله دينارا أو درهما إذ لا مزيّة لأحدهما على الآخر.
ثمّ بعد ذلك تعرّض لبعض الروايات التي استظهر منها كفاية عدم المضرّة.
و نقول: أمّا ما ذكره في معنى «القرب» من الاحتمالات فلا يمكن المساعدة على شيء منها؛ أمّا الاحتمال الأخير فلبداهة أنّ ترك التصرّف و الاستيلاء على مال اليتيم رأسا ليس محرّما في الشريعة، كما أنّ مجرّد التصرّف الاعتباري في مال اليتيم ببيع و نحوه - أي بإنشاء الصيغة - من دون استيلاء عليه، ليس محرّما.
و تخصيص «القرب» بالتقلّبات الخارجيّة أو بوضع اليد على المال حدوثا، بلا مخصّص.
فالصحيح أنّ «القرب» إذا اسند إلى الأفعال يرد به إتيانه عرفا، و إذا اسند إلى الأعيان(1)يراد به الاستيلاء عليها حدوثا و بقاء، فيقال: (فلان لا يقرب شرب
1) و إذا اسند إلى المال فالأمر دائر بين إرادة قرب المال من حيث إنّه مال فلا يشمل التصرّفات الخارجيّة من التقليب و التقلّب فيه من مكان إلى مكان لأنّ مثله لا يكون قربا إلى المال من حيث إنّه مال، أو إرادة القرب إلى ذات المال فيشمل النهي للتصرفات الاعتبارية و الخارجيّة حتى التقليب و التقلّب المكاني فيه بل و حتّى إبقائه على حاله بعد وضع اليد عليه لأنّ الإبقاء و هو استمرار اليد عليه أمر وجودي فإبقاؤه على حاله بترك بيعه إذا كان البيع حسنا قرب بغير حسن، و الظاهر إرادة الثاني لأن حمله على خصوص الأوّل يشتمل على تقييد و مؤونة زائدة (الأحمدي).
الخمر) أي لا يفعله، و (فلان لا يقرب الوقف) أي لا يستولي عليه، و عليه فالمعنى لا تستول على مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن، و هو يعمّ الاستيلاء الحدوثي و البقائي، فإذا كان الاستيلاء حدوثا أصلح كان جائزا، و إذا صار غير أصلح بقاء يحرم، و لا مانع من اختلاف حكم الحدوث و البقاء، كما في الاستيلاء على مال غير اليتيم أيضا.
و عليه، فالنهي يكون تكليفيّا، و ليس إرشادا إلى الفساد، لعدم إضافته إلى عنوان المعاملة، و إنّما اسند إلى الفعل الخارجي - أعني الاستيلاء - فيكون حراما تكليفيّا، و لا ربط للآية بحكم تصرّفه بعد الاستيلاء من حيث الصحّة و الفساد، فالآية أجنبيّة عمّا نحن بصدده بالكلّية.
و أمّا قوله تعالى: إِلاّٰ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فليس المراد بالموصول فيها القرب، و إلاّ لكان اللازم أن يكون إلاّ بالّذي هو أحسن. و ذكر بعض المفسّرين أنّ المراد به النيّة، و بعضهم أنّ المراد به الكيفيّة أي كيفيّة القرب. و لا شاهد على شيء منهما.
و الظاهر في النظر أنّ المراد به الطرق، أي لا تقربوا إلاّ بالطرق الشرعيّة دون غيرها.
و كيف كان، فالآية أجنبيّة عن المقام(1)
الجهة الاولى: أنّ «حتّى يبلغ أشدّه» الواقعة في الآية هلى هي غاية للموضوع و هو اليتم، فيكون المعنى: مال اليتيم الذي غاية يتمه بلوغ أشدّه، أي شدّه قواه بأن يحتلم كما في بعض الأحاديث، أو غاية للمتعلّق و هو القرب، و المعنى: لا تقربوا مال اليتيم قربا غايته بلوغ الأشدّ، و عليهما فلا يثبت للآية مفهوم، لأن مرجع التحديد على الأوّل من انتفاء الحكم بانتفاء الموضوع، و على الثاني يكون من قبيل تحديد دائرة الحكم بتبع متعلّقه بالوصف. أو غاية للحكم الثابت للمنطوق أو للمفهوم، لا يمكن أن يكون غاية للأوّل لأنّ لازمه جواز القرب لمال الكبير بالتي هي غير أحسن و لو من دون رضاه، و هو باطل، و إن كان غاية للحكم المستفاد من المفهوم و هو عدم جواز القرب بالتي هي أحسن لمال من كان يتيما بعد زوال يتمه فلا محذور فيه، و حيث إنّ الظاهر من القيود المأخوذة في الكلام كونها قيودا للحكم فيتعيّن الاحتمال الأخير، إلاّ أنّه مع ذلك لا يثبت له المفهوم، بل يكون من قبيل انتفاء الحكم بانتفاء الموضوع، لأنّ الموضوع في الآية الشريفة مال اليتيم و بعد بلوغ الأشدّ حيث إنّ الطفل يخرج عن اليتم فالموضوع غير ممتدّ بعده لتدلّ الغاية على زوال الحكم مع بقاء الموضوع لكي يثبت له المفهوم.
الجهة الثانية: أنّه لو فرضنا أنّ القرب أعمّ من التصرّف الخارجي و الاستيلاء و سائر التصرّفات الاعتباريّة كالبيع و نحوه كما عرفت، فهل النهي يدلّ على بطلان تلك التصرّفات أم لا؟ فلو كان النهي في الآية للإرشاد إلى الفساد كما هو الظاهر من النواهي الواردة في المعاملات فالدلالة على البطلان ظاهرة، غير أنّ الآية حسب الفرض يشمل النهي عن قرب التصرّفات الخارجيّة و النهى عنه تكليفيّ يقينا، و استعمال النهي في كلا المعنيين - الإرشاد إلى الفساد و المولوية معا - ممكن إلاّ أنّه خلاف الظاهر، نعم على القول بأنّ المولويّة و الإرشاديّة من دواعي الاستعمال و الاستعمال في جميع الموارد إنّما هو في معنى واحد، و هو إنشاء طلب الفعل في الأوامر و طلب الترك في النواهي، و الدواعي مختلفة، فإرادة الإنشائيّة و المولويّة بمعنى تعدّد الداعي للاستعمال لا يكون خلاف الظاهر، لكن المبنى غير تام عندنا كما حرّر في الاصول، و عليه فالنهي في المقام مولويّ لا يدلّ على الفساد حتّى في النهي المتعلّق بسائر التصرّفات الاعتباريّة، و المنهي عنه ليس لفط بعت و اشتريت بالنسبة إلى مال اليتيم من دون اعتبار النقل و الانتقال لأنّه ليس حراما قطعا، و لا الاعتبار الشرعي أو العقلائي لأنّه ليس مقدورا للمكلّف، بل المنهي عنه يكون نفس اعتبار المتعاقدين لأنّه هو حقيقة المعاملة الواقعة بين الطرفين، فلا تدلّ حرمة تلك الاعتبار على الصحّة كما في النهي عن الربا، فلا وجه لما عن أبي حنيفة من أنّ النهي عن المسبّب يدلّ على الصحّة لأنّه لو لم يكن صحيحا لا يكون مقدورا للمكلّف، إذ فيه أنّ المسبّب المنهيّ عنه ليس هو اعتبار الشرع لأنّه ليس أمرا مقدورا للمكلّف، بل المنهيّ عنه هو اعتبار نفسه فالنهي عنه لا يلازم الصحّة.
الجهة الثالثة: في أنّ المراد من «الأحسن» هو مطلق الحسن من غير اعتبار التفضيل، أو عدم كونه ذا مفسدة لأنّه من مصاديق الحسن أيضا على ما قيل، أو المراد به التفضيل؟ و على الأخير فالمراد أن يكون الفعل أفضل من تركه أو يكون أفضل من غيره من سائر التصرّفات؟ و الظاهر من صيغة أفعل و إن كان هو التفضيل على نحو الإطلاق فظهوره يكون في القسم الثاني من الاحتمال الأخير، لكن ربما يقال: إنّ هذا الظهور غير مراد في المقام إذ لو كان المستثنى هو القرب الأحسن حيث إنّ اللازم هو المطابقة بين الموصول و الصلة في التأنيث و التذكير فكان اللازم التعبير ب «الذي هو أحسن» فمن الاتيان بالصلة مؤنّثا نستكشف أنّ المستثنى ليس هو نفس القرب بل القرب بالطريقة التي هي أحسن كما أنّه نستكشف تقدير كلمة «من غيرها» بعد أحسن، و حيث إنّ الطريقة لا تشتمل على الحسن و الأحسن، بل إن كانت مطابقة للشرع فهو حسن و إلاّ فغير جائز، فيكون هذا قرينة على انسلاخ صيغة أفعل في المورد عن معنى الوصفيّة، و لولا هذا لم يرد على الأفضليّة النقض بما لو لم يكن في تركه و لا في سائر التصرّفات حسن أصلا فإنّ جواز القرب فيه يستفاد من الأولويّة، كما أنّه لو كان الشيئان كلاهما حسنا بنحو التساوي يكون الأحسن هو القدر الجامع فلا نقض، و فيه:
أنّه لا ينحصر المقدّر بالطريقة بل الظاهر أنّ المقدّر هو الكيفيّة فينسجم المطابقة بين الموصول و الصلة بذلك و يصير المراد من الآية: لا تقربوا مال اليتيم إلاّ القرب بالكيفيّة التي هي أحسن من غيرها، فلو كان إيجار دار اليتيم أصلح من بيعها كان قرب مال اليتيم بالكيفيّة التي هي أحسن إيجارها. نعم هنا وجه يؤيّد كون المقدّر هو الطريقة و هو أنّه حيث شبّه التصرّف بالقرب المكاني و هو يستلزم السير من طريق لحصول القرب فرتّب عليه لازمه و هو جعل التصرّف أيضا طريقا كما في سائر التشبيهات مثل أنشبت المنيّة أظفارها. لكن فيه أوّلا: أنّ الطريق بدون التاء تستعمل صلته بدون التأنيث فإذا كان هو المقدّر تكون صلته مذكرا و لا حاجة إلى جعل المقدّر الطريقة بالتاء، و ثانيا: يمكن أن يكون منشأ تأنيث الصلة أنّ الباء حيث إنّه للغاية و الغاية صلتها مؤنّثة فنزّل الباء منزلتها حكما. و على كلّ لو كان أحسن مستعملا في التفضيل في المقام لشمل الترك أيضا لأنّه بعد وضع اليد على المال يكون ترك التصرف أيضا أمرا وجوديّا لأنّه استمرار لليد فلو كان ترك التصرّف أحسن من التصرّف لكان الترك مشمولا للمستثنى، إلاّ أنّ استعمال صيغة أفعل في التفضيل في المقام مورد مناقشة من جهة أنّه ليس مقرونا باللام و لا بالإضافة و لا بلفظ «من» و الظاهر عدم استعمال هذه الهيئة في الأفضليّة إلاّ مع الاقتران بأحد الثلاثة (الأحمدي).
.1) ثمّ إنّه بقيت في الآية الشريفة جهات من البحث:
فالّذي ينبغي أن يقال: إنّ مقتضى القاعدة عدم جواز التصرّف في مال اليتيم مطلقا، إلاّ تصرّفات قد نصّ على جوازها، كالتقسيم و البيع، و في هذه الموارد يتبع النصّ. و أمّا في غيرها، فإن علمنا من الخارج أنّ الشارع لا يرضى بتلف مال اليتيم و يجوّز لنا حفظه، فكل تصرّف كان حفظا لمال اليتيم عينا أو منفعة يصبح جائزا.
و أمّا غيره ممّا لا يعدّ حفظا فلا يجوز و إن كان أصلح لمال اليتيم إذا لم نعلم بجوازه من الشارع، كما إذا فرضنا أنّ ماله لا يسوي إلاّ عشرة فاريد شراؤه بمائة مثلا، فليس لنا أن نبيعه لكون البيع أصلح بحاله، فتأمّل.
و الحاصل: أنّ ما استدلّ به المصنّف قدّس سرّه على اعتبار المصلحة في التصرّف في مال اليتيم من الآية، قد عرفت عدم تماميّته؛ لأنّها ناظرة إلى حرمة الاستيلاء على مال اليتيم تكليفا، فهي أجنبيّة عن نفوذ التصرّف وضعا.
إلاّ أنّ مقتضى القاعدة عدم جواز التصرّف في مال الغير مطلقا إلاّ ما خرج بالدليل، و قد ثبت جواز حفظ مال اليتيم من باب الحسبة قطعا، فالتصرّف بغير ذلك - و إن كان مصلحة لليتيم - غير جائز بمقتضى الأصل. و أمّا ما يكون مقدّمة للحفظ الذي ثبت جوازه، فلابدّ من الاقتصار فيه على المتيقّن، و هو ما كان أصلح لأن الدليل لبّي لا إطلاق له. فاذا كان هناك من يشتري مال اليتيم بعشرة و آخر يشتريه بخمسة، لا يجوز العدول من الأوّل إلى الثاني، إلاّ إذا كانت هناك جهة اخرى مزاحمة لذلك.
ثمّ إن المصنّف قدّس سرّه استظهر من بعض الروايات أنّ مناط حرمة التصرّف في مال اليتيم هو الضرر، فيكفي عدمه في الجواز، ففي حسنة الكاهلي: (قال لأبي عبد اللّه:
إنّا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام و معهم خادم لهم، فنقعد على بساطهم و نشرب
من مائهم... إلى أن قال عليه السّلام: إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا بأس، و إن كان فيه ضرر فلا)(1)بناء على أن يراد من «المنفعة» عدم الضرر(2)، فلا تنافي بين الصدر و الذيل.
و لكن الميرزا قدّس سرّه لم يرتض ذلك، و ذهب إلى أنّ المراد ب «المنفعة» في الصدر هي المنفعة المتعارفة، فيكون لمفهومه شقّان، و في الذيل صرّح بأحد الشقّين(3).
و الظاهر ما ذهب إليه المصنّف قدّس سرّه؛ لأنّ مورد السؤال - أعني التصرّف في مال اليتيم - هو الضرر، فمراد الإمام عليه السّلام بقرينة المقابلة أنّه إذا كان هناك نفع من المتصرّف يعود إلى اليتيم يتدارك به الضرر فلا بأس، و إلاّ ففيه بأس.
إلاّ أن الرواية أجنبيّة عما نحن فيه؛ لأنّها واردة في التصرّفات الخارجيّة، أي حكم الاستيلاء على مال اليتيم تكليفا، و هو خارج عن محلّ الكلام. و من الظاهر أنّه لو اعتبر في التصرّف في مال اليتيم رجوع نفع مصطلح إلى اليتيم لم يقدم أحد على التصرّف في مالهم و لا على الدخول عليهم و لا على الجلوس في بساطهم و هكذا، فلا يمكن حفظ كيان اليتيم.
1) الوسائل 183/12، الباب 71 من أبواب ما يكتسب 20، الحديث الأوّل.
2) بل المراد من الضرر في الذيل أن لا يوصل إلى الأيتام ما يوازي المصروف من مالهم لأنّ مورد السؤال هو خدمة خادمهم للوارد في مدّة قصيرة و أكل شيء من طعامهم و أمثال ذلك من الأشياء التي لا تقع بإزائها الثمن عادة فلو دخل عليهم و استفاد منهم هذه الأشياء اليسيرة و أوصل بإزاء ذلك خيرا اليهم فقد نفعهم يكون دخوله عليهم من القرب و التصرّف بما هو أحسن و إلاّ يكون دخوله ضررا عليهم و عليه فلا تنافي بين الصدر و الذيل حتّى يحتاج إلى التوجيه الذي ارتكبه المصنّف (الأحمدي).
3) منية الطالب 243/2.
و في رواية ابن المغيرة: (قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّ لي ابنة أخ يتيمة، فربما اهدي لها الشيء فآكل منه ثمّ اطعمها بعد ذلك الشيء من مالي، فأقول: يا ربّ هذا بهذا؟ قال: لا بأس)(1).
فإنّ ترك الاستفصال عن مساواة العوض و زيادته دالّ على ما قلناه(2)، إلاّ أن يحمل على الغالب من كون ذلك أصلح، حيث إنّ الطعام المطبوخ يفسد إذا بقي، فأكله و دفع عوضه بعد ذلك أصلح.
و على أيّ حال، هذه الرواية أيضا خارجة عمّا نحن فيه(3)
قوله قدّس سرّه: (لا لأنّ ذلك لا يتناهى)، لأن التناهي متحقّق و إن كان المدار على رعاية الأصلح فالأصلح إذ المراد به هو الأصلح فالأصلح بحسب المتعارف لا بالمداقّة العقليّة لأنّ القرب بالكيفيّة التي هي أحسن هو بيعه بالطريق المألوف في بيع ذلك الشيء لدى الناس.
ثمّ إنّه يبقى الكلام في أنّ المراد من الأحسنيّة و الأصلحيّة هي الأصلحيّة الواقعيّة أو الأصلحيّة في نظر الولي وقت التصرّف، و قد يتوهّم من رواية ابن رئاب (إذا باع الناظر في مصالحهم فليس لهم أن يرجعوا) كفاية الأحسنيّة بنظر الولي و أنّها شرط علمي و إن كانت مخالفة للواقع، و فيه أوّلا: ما تقدّم من أنّ البيع الصادر عن القيّم صحيح و أنّ الناظر في مصالحهم عبارة عن القيّم و لا يستفاد من تلك الرواية اعتبار صدور التصرّف عن المصلحة، و ثانيا: المحتمل أن يكون مورد الرواية هو القيّم المنصوب من قبل الحاكم فيكون وليّا شرعيا لليتيم فيكون المستفاد من الجمع بين تلك الرواية و الآية الشريفة التفصيل بين الوليّ الشرعي و غيره و يكفي في الأوّل مطابقة التصرّف للكيفيّة التي هي أحسن بنظر المتصرّف، لكن عرفت أنّ النهي في الآية الشريفة مولوي لا إرشادي فهي لا تدلّ على الفساد في صورة عدم المطابقة مطلقا و لعلّ السيرة قائمة على الصحّة عند كشف الخلاف مطلقا بل في بعض موارد قيام السيرة يعلم إجمالا بأنّ بعض أموال اليتيم ينباع بأرخص من قيمته كما في سوق الحراج بل كون المدار على الأحسنيّة الواقعيّة قد يوجب اختلال النظام كما لو انكشف الخلاف بعد مدّة طويلة من الزمان و وقع التصرّف في الثمن و المثمن (الأحمدي).
.1) الوسائل 184/12، الباب 71 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.
2) و يرد على الاستدلال بهذه الرواية مضافا إلى ما تقدّم في الرواية الاولى من المناقشة فإنّ الإهداء لليتيم بمال و أكل شيء من ماله مصداق للنفع في الغالب خصوصا من العمّ الذي يكرم بنت أخيه نوعا فترك الاستفصال في المقام لا يدلّ على المطلوب، أنّ من المحتمل في المورد ثبوت الولاية للعمّ شرعا فلأجل ذلك كان دخوله عليه و الأكل من ماله جائزا له و إن لم يثبت لنا ولايته فلا يمكن إلغاء الخصوصيّة في المورد (الأحمدي).
3) لأنّ كلامنا في التصرّف الاعتباري (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يشترط في من ينتقل إليه العبد المسلم [1]
فالظاهر هو اعتبار كون التصرّف الموجب لحفظ مال اليتيم أصلح و لا يجوز العدول عنه إلى غيره.
[1] استدلّ عليه أوّلا: بالإجماع و تسالم الحكم بين الأصحاب.
و ثانيا: بما ورد في منع استدامة ملك الكافر عليه لو أسلم في ملكه أو انتقل إليه بإرث - بأن كان العبد كافرا فأسلم و مات مولاه قبل أن يجبر على بيعه فانتقل إلى ولده الكافر - فإنّه يستفاد منه بالملازمة العرفيّة المنع عنه ابتداء، كما استفيد حرمة تنجيس المسجد ممّا ورد في وجوب إزالة النجاسة عنه.
و ثالثا: بما روي عن عليّ: (فبيعوه من المسلمين)(1)فإنّ تقيّده بالمسلم ليس له وجه لو لم يكن بيعه من الكافر فاسدا.
و رابعا: بقوله تعالى: وَ لَنْ يَجْعَلَ اَللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (2).
و خامسا: بالنبوي المعروف: (الإسلام يعلو و لا يعلى عليه)(1).
ثمّ ذكر المصنّف: أنّه لو اغمض النظر عن الإجماع لم يكن ما ذكروه خاليا عن الإشكال.
و أفاد في وجهه ما حاصله: أنّ الملازمة العرفيّة بين الحدوث و البقاء لو سلّمت، فهي إنّما تقتضي كون عدم الرضا بالحدوث و المنع عنه على نهج المنع عن البقاء، و من الظاهر أنّ المنع عن استقرار ملك الكافر على المسلم حكم تكليفي لا وضعي؛ و لذا لو لم يمكن إجباره على بيعه لم يخرج عن ملكه قهرا، و كذا لو لم يعلم بذلك ليجبر. فليس الثابت استدامة زوال ملكه ليكون الممنوع حدوثا ثبوت الملك له عليه وضعا. نعم على تقدير تماميّة الملازمة العرفيّة يمكن أن يستفاد من ذلك المنع عن بيع المسلم من الكافر تكليفا فقط؛ من جهة أنّ المحذور لا يندفع و الغرض لا يحصل إلاّ ببيعه من المسلم دون الكافر إذ ليست للكافر الأوّل خصوصيّة.
و أمّا ما روي عن عليّ عليه السّلام فيمكن أن يكون السرّ في ذلك حرمة بيع المسلم من الكافر تكليفا، فإنّ الامام عليه السّلام كيف يأمر بالحرام؟
و من الغريب أنّ الميرزا قدّس سرّه تمسّك بالوجهين(2)، مع أن الجواب عنهما مذكور في كلام المصنّف.
و أمّا الآية فأورد عليه:
أوّلا: بأنّ «السبيل» لا يعمّ مجرّد الملكيّة الاعتباريّة المحضة غير القابلة لترتّب
أيّ أثر عليها سوى البيع من المسلمين من دون أن يكون له السلطنة الخارجيّة، فلا يطلق عليها السبيل.
و ثانيا: أنّ ظاهر سياقها كون علّة الحكم علوّ مرتبة الإسلام و دناءة الكفر، فيكون آبيا عن التخصيص، فلابدّ من حمل «السبيل» فيها على غير الملكيّة، و إلاّ لزم تخصيص الآية في موارد ثبوت الملكيّة استدامة كما هو واضح، أو ابتداء في بعض الموارد، كمورد الإرث أو شراء الكافر لأحد عموديه و غيره ممّن ينعتق عليه، فإنّه يدخل في ملكه آنا ما فينعتق(1).
و ثالثا: أنّ صدر الآية يمكن أن يكون قرينة على أنّ المراد ب «السبيل» المنفي هو السبيل في الآخرة، و هو قوله تعالى: فَاللّٰهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ وَ لَنْ يَجْعَلَ اَللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً و إلاّ لم يكن ربط بين الجملتين.
و رابعا: أنّ «السبيل» فسّر في بعض الأخبار بنفي الحجّة للكافر على المؤمن، و هو ما روى في العيون عن أبي الحسن عليه السّلام ردّا على من زعم أنّ الحسين عليه السّلام لم يقتل بل شبّه له تمسّكا بالآية(2).
و فيه: أنّ تفسير الآية بشيء لا يدلّ على انحصار المراد به، بل هو من باب التطبيق و بيان الصغرى، و قد صرّح بهذا في جملة من الروايات التي نقلت في مقدّمة
البرهان للفاضل الفتوني(1)، و إن نسبت إلى غيره على ما في المستدرك. و مضمونها:
أنّ القرآن يجري مجرى الشمس و القمر و إذا اختصّ بطائفة دون اخرى لمات بزوالهم و موتهم.
فإذن لا يستفاد ممّا ورد في تفسير «السبيل» إلاّ أنّه لم يرد به السبيل التكويني خاصّة، و أنّ من مصاديقه الحجّة، و أمّا أن المراد به منحصر بالحجّة فلا يستفاد(2).
و أمّا ما ذكره المصنّف من تعميم الحجّة بحيث يعمّ الملكيّة، فهو تعسّف كما أفاده.
ثمّ ذكر خامسا في الإيراد على الاستدلال بالآية: بأنّها معارضة بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و غيره ممّا دلّ على صحّة البيع، و حكومة الآية عليها غير معلومة.
و فيه: أنّ المعارضة بين الآيتين على تقدير أن يراد ب «السبيل» ما يعمّ الملكيّة و إن كانت ثابتة، إلاّ أنّها بالعموم من وجه - كما هو ظاهر(3)- فالنتيجة تساقطهما و الرجوع إلى أصالة الفساد، فالنتيجة المطلوبة من الاستدلال بالآية تترتّب على المعارضة أيضا.
1) هو المولى أبي الحسن بن محمّد طاهر الفتوني النباطي العاملي الاصفهاني الغروي المتوفى في أواخر الأربعين بعد المائة و الألف، صاحب تفسير مرآة الأنوار كتبه إلى أواسط سورة البقرة و يعبّر عنه في الجواهر بجدّي العلاّمة و قد طبع مقدّمة التفسير المذكور باسم الشيخ عبد اللطيف الكازراني مولدا و النجفي مسكنا (الأحمدي).
2) و عليه فتعميم السبيل بحيث يشمل الاحتجاج و الملكيّة معا بمكان من الإمكان (الأحمدي).
3) لخروج الملك القهري عن آية نفي السبيل و مورد الاجتماع و المعارضة بينهما هو الملك الاختياري (الأحمدي).
اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ المعارضة و إن كانت بالعموم من وجه، إلاّ أنّ عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لفظيّ، و عموم الآية النافية للسبيل إطلاقيّ، فيتقدّم عموم أَوْفُوا على عمومها و لو كانت المعارضة بالعموم من وجه(1)، فحينئذ يتمّ ما أفاده المصنّف.
ثمّ بعد ذكر هذه الوجوه، استدلّ على الصحّة بالأصل بقوله: مضافا إلى أنّ استصحاب الصحّة في بعض المقامات يقتضي الصحّة، كما إذا كان العبد مسبوقا بالكفر فأسلم، أو كان المشتري مسبوقا بالإسلام فكفر، فتثبت الصحّة في غيرها لعدم القول بالفصل. و لا يعارضه أصالة الفساد في غير هذه الموارد، لأن استصحاب الصحّة مقدّم عليها.
و فيما ذكره في هذه الأسطر مواقع للنظر:
أمّا استصحاب الصحّة، ففيه أوّلا: أنّه تعليقيّ لا نقول به، و ثانيا: أنّه غير جار في الأحكام، و ثالثا: الموضوع مختلف عرفا، لأنّ المسلم موضوع آخر مغاير للكافر بنظر العرف، فبيع المسلم من الكافر موضوع، و بيع المسلم من المسلم موضوع آخر مغاير له، فلا يجري الاستصحاب.
و أمّا ما ذكره من عدم القول بالفصل، ففيه: أنّه إنّما يتمّ في الأحكام الواقعيّة، فإذا ثبت حكم واقعا لموضوع بدليله و كان هناك ملازمة بينه و بين ثبوت حكم آخر، لقلنا بثبوته أيضا. و أمّا الأحكام الظاهريّة فلا يجري فيها عدم القول بالفصل؛ لأنّ ثبوتها في كل مورد تابع لتحقّق موضوعها، و مجرّد العلم بالملازمة بين الموردين
1) لولا المناقشة فيه بأن الحكم في آية نفي السبيل من الحكم بالعنوان الثانوي فيتقدّم على آية أوفوا بالعقود و إن كان عمومه لفظيّا لأنّ الحكم الثابت فيه من الحكم بالعنوان الأوّلي أو المناقشة فيه بأنّ سياق الحكم في آية نفي السبيل آب عن التخصيص (الأحمدي).
في الحكم الواقعي غير مستلزم لاتّحادها من حيث الحكم الظاهري. مثلا لو علمنا باتّحاد الماءين من حيث النجاسة و الطهارة واقعا و كان أحدهما مستصحب الطهارة و الآخر مستصحب النجاسة، ثبت لكلّ منهما حكمه المختصّ به ظاهرا و إن علم إجمالا بمخالفة أحدهما للواقع.
و من الموارد التي يختلف فيها الحكم الظاهري مع الملازمة بين الحكمين واقعا، ما إذا شكّ في حدّ الترخّص لشبهة موضوعيّة أو حكميّة - على كلام - فإنّه إذا خرج إلى السفر يستصحب وجوب الإتمام فيتمّ صلاته، و إذا رجع و وصل إلى ذلك المحلّ استصحب القصر و صلّى قصرا، مع اتّحاد الحكم واقعا(1).
و أمّا ما ذكره من حكومة أصالة الصحّة على استصحاب الفساد، فهو إنّما يتمّ في صورة جريانها في مورد واحد، فإنّه حينئذ لو لم يقدّم أصالة الصحّة على استصحاب الفساد لم يبق لها مورد أصلا، لوجود استصحاب الفساد في جميع موارد جريانها، و أيّ ربط لهذا بما إذا كانا في موردين؟ و بالجملة لم نفهم وجها لحكومة أصالة الصحّة في مورد على استصحاب الفساد في مورد آخر.
فصدور هذه الجملات من المصنّف قدّس سرّه نعدّه من الغرائب؛ فإنّ استصحاب الصحّة غير جار في نفسه. و على تقدير الجريان لا يمكن التعدّي من مورده و إثباته في غيره بعدم القول بالفصل لعدم جريانه في الأحكام الظاهريّة. و على تقدير جريانه
1) و السرّ في ذلك أنّ الملازمة إنّما هي ثابتة بين تلك الموارد بحسب الحكم الواقعي فلو كان الدليل على الحكم في أحد الموارد هو الأمارة فبالملازمة يثبت نفس الحكم لسائر الموارد أيضا لحجّية لوازمها، بخلاف ما لو كان الدليل هو الأصل لعدم الملازمة بين تلك الموارد في الحكم الظاهري فضلا عن كون الأصل مثبتا (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ الظاهر أنّه لا فرق بين البيع و أنواع التمليكات [1]
فيها و ثبوت الملازمة تقع المعارضة بينها و بين استصحاب الفساد في بقيّة الموارد، فيسقطان بالمعارضة؛ فإنّ في بعض موارد بيع المسلم من الكافر يجري استصحاب الصحّة و في بعض الموارد الاخر يجري استصحاب الفساد، و لا وجه لتقدّم أحدهما على الآخر.
و أمّا قوله صلّى اللّه عليه و آله: (الإسلام يعلو و لا يعلى عليه) فمضافا إلى كونه نبويّا ضعيف السند، لا دلالة فيه على ذلك؛ إذ الإسلام ظاهر في قوانينه و قواعده لا المسلمين.
فالظاهر أنّه لا دليل على المنع من بيع العبد المسلم من الكافر سوى التسالم و الإجماع المنقول، فإن اعتمد عليه أحد فهو، و إلاّ فمقتضى العمومات جوازه.
[1] أمّا تمليك المسلم للكافر بعقد غير البيع - كالهبة - فممّا لا ينبغي الريب في عدم جوازه، بناء على عدم جواز بيعه؛ إذ الممنوع عنه التمليك من دون خصوصيّة للبيع.
و أمّا تمليك المنفعة كما في الإجارة، أو الانتفاع كما في العارية، أو جعل حفظه بيد الكافر كما في الوديعة، أو جعله متعلّقا لحقّه كما في الرهن، فيختلف فيها الحال باختلاف مدرك المنع:
فإن عوّلنا فيه على الإجماع، فمورده تمليك العين دون غيره، كما أنّ بعض الروايات أيضا كانت مختصّة به.
و أمّا لو استندنا إلى الآية، ففي الإجارة يفصّل بين ما إذا وقعت الإجارة على العين بحيث صار المسلم خادما لدى الكافر على النحو المتعارف، فلا إشكال في فسادها، لأنه لا سبيل للكافر على المسلم. و أمّا الإجارة لعمل خاصّ بحيث لا يملك الكافر على المسلم إلاّ الكتابة أو الخياطة في ذمّته - كما في الدين - فلا
يصدق عليه «السبيل» من دون فرق في ذلك بين الحرّ و العبد، و مجرّد أنّ العبد يقع تحت اليد فيضمنه من استولى عليه دون الحرّ لا يوجب تفصيلا في المقام(1).
و بهذا ظهر الحال في تمليك الانتفاع في العارية(2)لعدم ثبوت استيلاء للكافر عليه، و كذا في الوديعة لأنّ كون شخص موضعا لحفظ شيء أو شخص لا يصدق عليه أنّه مسلّط عليه، كما إذا استأجر المسلم شخصا كافرا لحفظ عبده المسلم.
و هكذا مسألة الارتهان خصوصا إذا لم يكن تحت يد المرتهن، فإنّه لا يصدق «السبيل» عرفا في شيء من ذلك(3)
قوله قدّس سرّه: عدم صحة وقف الكافر عبده المسلم، أقول: وقف العبد المسلم إمّا أن يكون للكافر أو للجهة الراجعة إليه و على كلّ منهما إما أن يكون إسلامه في ابتداء الوقف أو بعد الوقف، فإن كان في ابتداء الوقف مسلما فلا ينفذ وقفه للكافر لمنافاة الوقف له المستلزم للمنع عن بيعه للأمر ببيعه منه و عدم إقراره عنده، و أمّا الوقف للجهة الراجعة إلى الكافر فلا مانع منه لأنّه لا يصير ملكا للكافر، و إن كان حين الوقف كافرا ففي الوقف على الجهة يبقى على وقفيّته و لزومه بعد الإسلام أيضا لما مرّ، و أمّا على الشخص أو أشخاص الكفّار فلا يبعد جواز بيع الوقف المزبور بل وجوبه بمقتضى قوله عليه السّلام (بيعوه على المسلمين و لا تقرّوه عنده) و إن كانت النسبة بينه و بين دليل لزوم الوقف عموم من وجه لحكومة الحديث المتقدّم على أدلّة لزوم الوقف من جهة كون الحكم الثابت فيه من الحكم بالعنوان الأوّلي فتأمّل (الأحمدي).
.1) لأنّ وقوع العين تحت اليد و الاستيلاء لاستيفاء منافعه إنّما يكون في مورد يتوقّف الاستيفاء عليه كالدار لا مطلقا كما في المقام إذ لو آجر العبد لخياطة ثوبه كيفما اتّفق و لو كانت الخياطة في يوم معيّن لا يدخل العبد بذلك تحت يد المستأجر، نعم لو آجره لخياطة ثوبه في داره يمكن أن يقال بوقوعه حينئذ تحت اليد، و السرّ في ذلك أنّ المراد من اليد في قولنا بوقوعه تحت اليد، هو اليد الاعتباري لا اليد الخارجي، و هو يختلف باختلاف الموارد (الأحمدي).
2) التعبير بتمليك الانتفاع في العارية لا يخلو عن إشكال لأنّ الانتفاع إنّما هو فعل المستعير و لا يعقل مالكيّة الشخص لفعل نفسه، فالحق أن يعبّر عنه بملكيّة المنفعة أيضا، و يجعل الفارق بين الإجارة و العارية بأنّ المستأجر يملك المنفعة لنفسه و غيره و المستعير يملك حصّة خاصّة منها و هو منفعة شخص نفسه، و لو فرض أنّه في الإجارة كانت المنفعة مقيّدة بنفس المستأجر فقط فانّه يكون التخصيص فيه لأمر خارج عن نفس العقد بخلافه في العارية فإنّه بنفس عنوان العارية (الأحمدي).
3) على أنّ من المعلوم من مراجعة السير و التواريخ و الروايات أنّ استيجار الكفّار للمسلمين كان أمرا متعارفا و لم يكن مورد نكير، و حيث إنّ حمل السبيل على الملكيّة يوجب التخصيص و المفروض إباؤه عن التخصيص، فلابدّ من حمل السبيل على معنى لا يشمل الملكيّة، فلا يمكن أن يكون مدرك المنع آية نفي السبيل (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثمّ إن الظاهر من الكافر كلّ من حكم بنجاسته [1]
[1] استظهر قدّس سرّه أن المراد ب «الكافر» مطلق من حكم بنجاسته، فيعمّ المرتدّ و الناصب و الغالي، و استشهد على ذلك بما ذهب إليه الحنفيّة من حصول البينونة بارتداد الزوج.
و نقول: أمّا المرتدّ فهو داخل في عنوان الكافر حقيقة، إذ لا نعني بالكفر إلاّ إنكار الوحدانيّة أو الرسالة أو ضروريّا من الضروريّات، فلا وجه لاستشهاده قدّس سرّه على دخول المرتدّ في الكافر باستدلال الحنفيّة، مع أنّه ليس بحجّة، مضافا إلى أنّ البينونة هناك إنّما هي من جهة المنع عن تزويج المؤمنة من الكافر، لا من جهة الآية.
و أمّا ما ذكره من أنّ المراد بالكافر مطلق من حكم بنجاسته، فلا نعرف له وجها؛ لأنّ ثبوت النجاسة لبعض أصناف من انتحل الإسلام لا يستلزم صدق «الكافر» عليه، كما في النواصب حيث ورد: (إنّ اللّه لم يخلق خلقا أنجس من الكلب
قوله قدّس سرّه: و هل يلحق بذلك أطفال الكفّار؟ [1]
و الخنزير و الناصب أنجس منهما)(1)و مع ذلك لم يرتّب عليه أحكام الكافر(2)، بل يرتّب عليه أحكام المسلم و إن كان محكوما بالنجاسة، كما أنّ أهل الكتاب من الكفّار - على القول بطهارتهم - لا يجوز بيع المسلم منهم مع عدم نجاستهم، فعلى مختاره قدّس سرّه يلزم جواز بيع المسلم منهم على القول بطهارتهم، فلا يدور عنوان الكفر و الإسلام مدار النجاسة و عدمها. فالظاهر جواز بيع العبد المسلم للنواصب و الغلاة و إن لم يجز بيعهم من الكفّار.
[1] أمّا بناء على ما ذهب إليه المصنّف(3)من تعميم الكافر لكلّ من حكم بنجاسته، فلا ينبغي الإشكال في لحوقهم بالكفّار، لأنّهم محكومون بالنجاسة.
و أمّا بناء على ما ذكرناه من أن المراد بالكافر منكر المبدأ أو المعاد أو الرسالة، فنقول: الطفل المميّز إن كان معترفا بالمبدأ و المعاد و الرسالة، فهو مؤمن حقيقة، بل قد يكون إيمانه أقوى من إيمان بعض البالغين. و إن كان منكرا لها فهو كافر حقيقة، فلا يجوز بيع المسلم منه. و يثبت ذلك في غير المميّز من أطفال الكفّار؛ لعدم القول بالفصل.
1) لم نقف على هذا المضمون في المجاميع الحديثيّة، نعم ورد في النصّ: (إنّ اللّه لم يخلق خلقا أنجس من الكلب و إنّ الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه) الوسائل 159/1، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحديث 5.
2) و إطلاق الكافر عليهم في بعض الأخبار إنما هو باعتبار الآثار الاخرويّة كما اطلق الكافر على مطلق المخالف أيضا بهذا الاعتبار (الأحمدي).
3) قوله قدّس سرّه: (فيه إشكال) يمكن أن يكون منشأ الإشكال في نظره المناقشة في صدق السبيل من الكافر على المسلم بمجرّد الملكيّة مع أنّه لا ينفذ تصرّفاته بسببها في المملوك المسلم لا مباشرة و لا تسبيبا، نعم إذا كان وليّ الطفل مسلما تصحّ تصرّفاته لأنّه مسلم. و يمكن أن يكون منشأ الإشكال المناقشة في صدق الكافر على الطفل (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و يعمّ المسلم المخالف لأنّه مسلم [1]
و أمّا المجانين، فإن كانوا مجانين عن الكفر بحيث صدق عليهم مجانين اليهود أو النصارى مثلا، فلا يجوز بيع المسلم منهم. و إن لم يكن المجنون مجنونا عن كفر، ثبت فيه الحكم، لعدم القول بالفصل.
و بالجملة: فعلى فرض عدم جواز بيع المسلم من الكافر البالغ العاقل لا يجوز بيعه من الصبي أو المجنون الكافر، فتأمّل.
هذا كلّه فيما إذا لم يكن العبد المسلم بعد بيعه من الطفل أو المجنون الكافر تحت يد وليّه الكافر، و إلاّ فيكون له السبيل عليه، فلا يجوز بيعه على كلّ حال.
[1] العنوان المأخوذ في الآية و إن كان هو «المؤمن» إلاّ أنّ الإيمان عبارة عن الاعتقاد، و كان «المؤمن» في زمان نزول الآية يطلق على كلّ من اعتقد بالمبدأ و المعاد و الرسالة. و أمّا اختصاصه بمعتقدي الولاية فهو اصطلاح نشأ من زمان الصادقين عليهما السّلام و لذا إذا ورد في الأخبار يحمل على غير المخالف. و أمّا «المؤمن» في الآية فيعمّهم، فلا يجوز بيعهم من الكافر و يجوز بيع المؤمن منهم. و أمّا ما ورد من الحكم بكفرهم(1)، فهو محمول على الكفر الواقعي يوم القيامة و عدم قبول أعمالهم في الآخرة، لا على الكفر الظاهري في الدنيا كما صرّح بذلك في بعض الأخبار(2).
و أمّا «المنافق» و هو المظهر للإسلام خوفا أو طمعا مع عدم دخول الإيمان في قلبه، فالظاهر عدم صدق «المؤمن» عليه؛ لأنّ الإيمان عبارة عن الإذعان - كما هو
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّه قد استثني من عدم جواز تملّك الكافر [2]
صريح الآية المباركة(1)- فإذا علم بنفاق شخص فيجوز بيعه من الكافر، بناء على أن يكون دليل المنع منحصرا بالآية. و أمّا لو تمسّكنا بقوله صلّى اللّه عليه و آله فلا يجوز بيعه من الكافر لصدق المسلم عليه.
[2] من الموارد التي استثنيت من عدم جواز بيع العبد المسلم للكافر، ما اذا كان العبد ممّن ينعتق عليه، كعموديه من الرجال أو محارمه من النساء، فيجوز ذلك؛ لأنّ مدرك المنع إن كان هو الإجماع فإنّه غير ثابت في المقام. و كذا إن كان المدرك هو النبوي المتقدّم: (الإسلام يعلو و لا يعلى عليه) لعدم صدق «العلو» مع الملكيّة آنا ما غير القابلة إلاّ للانعتاق. كما أنّ قوله عليه السّلام: (بيعوه من المسلمين و لا تقرّوه عنده) ظاهر في الملكيّة المستمرّة، بقرينة «لا تقرّوه»، و لا يعمّ الملكيّة آنا ما. و هكذا لو جعل المدرك الآية الشريفة؛ لعدم صدق «السبيل» على الملكيّة آنا ما. هذا لو قلنا بثبوت الملكيّة آنا ما، و أمّا لو قلنا بالملكيّة الفرضيّة - كما هو أحد القولين - فالأمر أوضح.
ثمّ قد يستشكل في ذلك: بدعوى أنّ هذا منّة من الكافر على المسلم، و هو منفيّ أيضا.
و فيه، أوّلا: أنّه لا منّة فيما إذا لم يكن المشتري عالما بأنّه ينعتق عليه، إمّا لجهله بالحكم أو لجهله بالموضوع.
و ثانيا: لا دليل على انتفاء مطلق المنّة، كيف! و لازمه عدم جواز استدانة المسلم من الكافر.
1) سورة الحجرات/ 14.
المورد الثاني: ما إذا كان المسلم ممّن ينعتق على المشتري ظاهرا، أي بحسب اعترافه.
و هذا يتصوّر على وجهين؛ لأنّه تارة: يكون البيع صحيحا على تقدير صحّة اعترافه، كما إذا اعترف بأنّ المبيع ممّن ينعتق عليه. و اخرى: يكون فاسدا على فرض صحّة اعترافه، كما إذا اعترف بحرّيته.
أمّا الفرض الأوّل، فلا ينبغي الريب في صحّة البيع، كما تقدّم في المورد الأوّل؛ لعدم شمول شيء من الأدلّة لهذه الملكيّة غير المستقرّة التي لا يترتّب عليها سوى الانعتاق.
و أمّا الفرض الثاني، فالظاهر صحّة البيع فيه أيضا، فيملك البائع الثمن و ينعتق المبيع على المشتري ظاهرا لاعترافه بحرّيته. و لا يوجب اعترافه بذلك فساد البيع من طرف البائع؛ لأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، لا على غيرهم، فلا يوجب اعتراف المشتري فساد البيع من طرف البائع أصلا.
و قد أشكل المصنّف قدّس سرّه فيه: بثبوت العلم الإجمالي بفساد البيع على التقديرين؛ فإنّ المبيع لو كان حرّا فالبيع فاسد من حيث المبيع، و إن كان عبدا يفسد البيع من ناحية المشتري حيث إنّه كافر لا يملك العبد المسلم، فلا يتصوّر صورة صحيحة لشراء المبيع. ثمّ قال: إلاّ أن نمنع اعتبار مثل هذا العلم الإجمالي، ثمّ عقّبه بقوله:
فتأمّل.
نقول: الظاهر أنّ وجه منعه عن اعتبار العلم الإجمالي، ما ذكره صاحب الحدائق: من اعتبار أن يكون طرفا العلم الإجمالي من سنخ واحد، بحيث يكون لهما جامع حقيقي متعلّق للتكليف - كالعلم بنجاسته أحد الإناءين - و أمّا اذا كانا
سنخين و كان الجامع بينهما انتزاعيّا فلا يكون العلم الإجمالي منجّزا(1).
و قد تعرّض المصنّف قدّس سرّه لذلك في الرسائل، و أجاب عنه: بأنّ العقل لا يفرّق في تنجيز العلم الإجمالي بين القسمين(2). و لعلّه أشار إليه بقوله: فتأمّل. كما يحتمل أن يكون إشارة إلى وجه آخر، و هو: أنّ ما ذكره صاحب الحدائق على فرض تماميّته يختصّ بما إذا لم يتولّد من العلم الإجمالي علم تفصيلي - كما في المقام - و إلاّ فالعلم التفصيلي يكون حجّة معتبرة، فإنّه يعلم بفساد البيع؛ إمّا لحريّة المبيع أو لكون المبيع مسلما مع كون المشتري كافرا.
هذا، و لكن ما ذكر من العلم الإجمالي غير تام؛ إذ لا وجه لجعل الشقّ الثاني - أعني كفر المشتري - عدلا للشقّ الإوّل، و هو حريّة المبيع، فإنّ بيع الحرّ فاسد بلا إشكال(3)، و أمّا بيع المسلم من الكافر إذا كان ممّن ينعتق عليه ظاهرا جائز، فليس هناك علم إجمالي و لا تفصيلي، بل الحقّ صحّة البيع من ناحية البائع، فينعتق على المشتري ظاهرا.
1) الحدائق 517/1.
2) فرائد الاصول 225/2.
3) و تصحيح البيع حتّى على تقدير الشقّ الأوّل كما أفاده المحقّق النائيني بتقريب أنّ البيع المزبور من البيع الاستنقادي، كما إذا استرقّ الكافر مسلما فإنّه يجوز شراؤه منه استنقاذا و يدخل الثمن في ملك الكافر على ما التزم به بعضهم، فيه أنّه لو سلّم صيرورة الثمن ملكا للكافر يمكن أن يكون منشؤه التسليط الخارجي نظير تسلّط البائع على الثمن مع علم المشتري بفساد البيع لا أن يكون منشؤه صحّة البيع في المقيس عليه، على أنّه لا يختصّ المقام بما إذا كان المشتري ممّن يحلّ ماله للمسلم بأن يكون كافرا حربيا بل يشمل مطلق الكافر و إن كان ذمّيا محقون الدم (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و منها ما لو اشترط البائع عتقه [1]
المورد الثالث من موارد الاستثناء: ما إذا قال الكافر لمالك العبد المسلم: اعتق عبدك عنّي. و الظاهر ثبوت ملكيّته له لو اعتبرنا خروج العبد من ملك من ينعتق عليه؛ لعدم كون الملكيّة آنا ما سبيلا و لا منافيا لعلوّ الإسلام. و أمّا بناء على عدم اعتبار ذلك و أنّ المعتبر في العتق أن يكون عن ملك لا عن ملك من ينعتق عنه؛ و لذا يجوز للولد أن يعتق عن والده الميّت مع عدم انعتاقه إلاّ عن ملك المعتق، فهذا الفرض يكون خارجا عن محلّ الكلام رأسا(1).
[1] حكى قدّس سرّه جواز البيع في الفرض عن الدروس و الروضة(2)، ثمّ تنظّر في ذلك:
بأنّ المراد ب «السبيل» هو الملكيّة المستقرّة في نفسه، و هي ثابتة في الفرض، و لا يجدي تزلزلها و عدم استقرارها بالخيار.
و توضيح ذلك: أنّ الموجب لصحّة البيع في الفرض، إن كان عدم استقرار الملك بالخيار، فهو متحقّق في أكثر موارد بيع العبد المسلم من الكافر، و لا أقلّ من ثبوت خيار المجلس، أو الحيوان إن كان الثمن حيوانا بناء على ثبوت خياره حتّى إذا كان الثمن حيوانا دون المثمن. و إن كان الموجب لها عدم استقرار الملك من حيث إنّ الشارط ألزمه بالعتق و إخراجه عن ملكه، فهو أيضا ثابت في سائر الموارد، غايته
1) و الأظهر هو الثاني لأن قوله عليه السّلام (لا عتق إلاّ في ملك) لا يدلّ على أزيد من اعتبار كون المعتق مالكا سواء أعتق عن نفسه أو عن غيره و لا يدلّ على اعتبار ملكيّة المعتق عنه، و أمّا استحقاق المالك لثمن العبد المعتق على الآمر لأن الآمر مضمّن في بناء العقلاء فيه و في أمثاله، فلو قال أحد للخبّاز مثلا: أعط الخبز للفقير، فأعطاه فإنّه في بناء العقلاء يجعلون قيمة الخبز على الآمر (الأحمدي).
2) الدروس 199/3، و الروضة البهيّة 244/3.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ ما ذكرنا كلّه حكم ابتداء تملّك الكافر للمسلم [1]
أنّ حقّ الإلزام في المقام يكون بسبب الشرط للشارط، و في غيره يكون بجعل الشارع للحاكم أو غيره(1)، فلا فرق بين صورة اشتراط العتق و عدمه.
[1] تعرّض قدّس سرّه لحكم تملّك الكافر للعبد المسلم قهرا بالإرث.
و حاصل الكلام فيه: أنّ مدرك المنع عن بيع المسلم من الكافر إن كان هو الإجماع فهو لا يعمّ المقام قطعا. و إن كان قوله عليه السّلام: (بيعوه من المسلمين و لا تقرّوه عنده) فهو أيضا أجنبيّ عن المقام(2). و أمّا إن كان المدرك للمنع الآية المباركة
1) و بعبارة اخرى: إنّ الشرط لو صار موجبا لانتفاء السبيل عن العبد المسلم من جهة وجوب بيعه على الكافر و جواز إجباره عليه بالشرط فهذا ثابت بغير الشرط أيضا، و إن صار موجبا لثبوت حقّ الفسخ و صيرورة الملكيّة ملكيّة جائزه فلازمه جواز إحداث الملكيّة الجائزة مطلقا للكافر بسبب الهبة و نحوها مع أنّهم لا يلتزمون بذلك، على أنّ الشرط يرد على العقد الصحيح و لا يمكن تصحيح العقد به، نعم لو شرط عليه شرط النتيجة و هو الانعتاق بمجرّد صيرورته ملكا له و قلنا بصحّته فحاله حال الموارد المتقدّمة و يكون من موارد الاستثناء أيضا و يصير ملكيّة العبد بذلك ملكيّة محدودة غير مستقرّة، لكن الظاهر عدم صحّته لأنّ العتق من الامور التي لا يحصل إلاّ بسبب خاص و هو إنشاء العتق بصيغته أعتقت و نحوها، نعم لو شرط دخول العبد في ملك مسلم بنحو شرط النتيجة فلا مانع منه و يكون من موارد الاستثناء لأنّ إحداث الملكيّة لا يحتاج إلى سبب خاص كالنكاح و الطلاق و العتق بل تتحقّق بأيّ سبب كان إذا تحقّق إنشاء التمليك من المالك (الأحمدي).
2) لأنّ موردها فرض حدوث الملكيّة للكافر فنهى الإمام عليه السّلام عن إقراره عنده بقاء، و موردنا التكلّم في أصل الحدوث، إلاّ أن يقال بأنّ النهي عن الاستقرار عنده يكشف عن مبغوضيّة ملكيّة العبد المسلم للكافر المستلزمة ذلك لمبغوضيّة حدوثها أيضا فنكشف من ذلك أنّ الشارع لم يقرّ للكافر الملكيّة حدوثا إذ هو لا يوجد شيئا مبغوضا له. فالحقّ أنّ ادلّة المنع الواردة بلسان النهي عن إقراره عند الكافر لا يشمل المقام لأنّ إحداث الملكيّة للكافر بالإرث و نحوه أمر غير اختياري للمكلّفين فلا معنى للنهي عنه سواء كان إرشاديّا أو مولويّا، و أمّا آية نفي السبيل فلو كانت دالّة على نفي الملكيّة كانت مقدّمة على أدلّة الإرث لظهورها في كون الحكم فيها بالعنوان الثانوي فتقدّم على أدلّة الإرث بالحكومة (الأحمدي).
و للميرزا قدّس سرّه في هذا المورد كلام، حاصله: أنّ المعارضة في المقام ليست بين الآية و أدلّة الإرث، و ليست مثل معارضة الآية مع عمومات صحّة البيع ليسقطان بالمعارضة و يرجع إلى الأصل العملي؛ و ذلك لأنّ المبادلة في البيع إنّما هي بين المالين بمعنى أنّ علقة الملكيّة الثابتة بين كلّ من المالكين و ماله ينفكّ طرفها المتّصل بالمال عنه و يشدّ بالمال الآخر، و هذا بخلاف باب الإرث؛ فإنّ علقة الملكيّة التي هي بمنزلة خيط اعتباري ينفكّ فيها طرفها المتّصل بالملك و يشدّ بالوارث، فليس فيه تبديل في الملكيّة، و إنّما يجعل مالك مكان مالك آخر، فليست في الإرث ملكيّة حادثة ليعمّها نفي السبيل، بخلاف باب البيع، فإذن تكون أدلّة الإرث بلا معارض(1)
و فيه: أنّه و إن كان هذا لطيفا في نفسه، إلاّ أنّ الأمر الاعتباري القائم بطرفين يتبدّل و يزول بتبدّل أحد طرفيه، مثل الامور الاضافيّة الانتزاعيّة كالفوقيّة، فإنّ الفوقيّة المنتزعة عن السطح بلحاظ صحن الدار تزول بزوال الصحن و إن انتزعت عن السطح بلحاظ السرداب أيضا، مع أنها أقوى وجودا من الأمر الاعتباري، فإذن في باب الإرث أيضا تزول الملكيّة بموت المورّث و تحدث للوارث ملكيّة جديدة كما في البيع.
1) منيّة الطالب 255/2.
ثمّ ذكر المصنّف ما حاصله: أنّه بعد المعارضة بين الآية و دليل الإرث يرجع إلى أصالة بقاء رقيّة العبد(1)، و لكن لا يثبت بها تملّك الكافر، لأنّ الأصل عدم انتقاله إليه، فيكون الميّت بالنسبة إلى هذا المال ممّن لا وارث له، فيرثه الإمام عليه السّلام. ثمّ قال:
فالعمدة في المسألة ظهور الاتّفاق المدّعى صريحا في جامع المقاصد، انتهى.
و قد اورد عليه بوجهين:
الأوّل: أنّ ما ذكره من أصالة بقاء رقّيته مبنيّ على اعتبار القسم الثالث من استصحاب الكلّي، فإنّ الرقيّة المتيقّنة - و هي رقّيته للميّت - قد زالت قطعا، غاية الأمر يحتمل حدوث رقّية اخرى حين انعدامها، فإنّ الرقّية - كالملكيّة - قائمة بطرفيها و تزول بزوال أحد طرفيها.
و فيه: أنّ مراد المصنّف من أصالة بقاء الرقّية استصحاب عدم حرّيته، و هي غير متوقّفة على تحقّق الطرف، و لذا إذا فرض عدم وجود مالك في العالم و شكّ في خروج المال عن كونه مملوكا بعد موت مالكه مثلا يستصحب عدمه و لو فرض عدم
1) المصنّف لم يتمسّك بهذا الأصل إلاّ لبقاء أصل المال على الرقيّة و لم يتمسّك به لإثبات انتقال المال إلى الإمام بل أثبت انتقال المال إلى الإمام بمقتضى الجمع بين آية نفي السبيل و ما دلّ على أنّ الإمام وارث من لا وارث له فإنّ الأصل المذكور بعد التساقط لا يثبت أنّ الميّت ممّن لا وارث له إذ لا ملازمة عقلا و لا شرعا بين بقاء رقّيتة العبد و كون الميّت ممّن لا وارث له بل مع القطع ببقاء رقيّة أيضا يكون وارثه مجهولا لأنّه انتقل بعد موت الموّرث إمّا إلى الوارث أو إلى الإمام. و لكن يرد على المصنّف، أوّلا: ما تقدّم من أنّ آية نفي السبيل لو دلّت على نفي الملكيّة كانت حاكمة على أدلّة الإرث لا أنّهما يتساقطان و يرجع إلى الأصل المذكور، و ثانيا: أنّها لو دلّت على نفي ملكيّة الكافر للمسلم لدلّت على نفي ملكيّته قبل موته أيضا فلا تبقى له تركة من هذه الجهة حتى يتحقّق موضوع الإرث (الأحمدي).
وجود من يكون قابلا لأن يملكه.
بل يمكن أن يقال: إنّه لا نحتاج إلى الاستصحاب في انتقاله إلى الامام عليه السّلام، و ذلك للقطع ببقاء العبد في ملك مالكه الميّت إلى زمان موته، فيكون داخلا في ما تركه، و بعد استصحاب عدم انتقاله إلى الوارث يتمّ موضوع انتقاله إلى الإمام عليه السّلام لا محالة من دون حاجة إلى استصحاب بقاء رقّيته، فهذا الإيراد فاسد.
الثاني: ما اورد على ما أفاده، من أنّ استصحاب عدم انتقاله إلى الوارث معارض باستصحاب عدم انتقاله إلى الإمام عليه السّلام.
و فيه: أنّ المعارضة بين الأصلين في موارد العلم الإجمالي إنّما تثبت فيما إذا كانا في عرض واحد، و أمّا إذا كانا طوليّين فلا معارضة كما في المقام(1)فإنّ عدم انتقال المال إلى الإمام عليه السّلام يكون في طول انتقاله إلى الوارث، فاستصحاب عدمه لا يثبت انتقاله إلى الوارث لأنّه لازمه عقلا، إلاّ بناء على اعتبار الأصل المثبت. و هذا بخلاف العكس، فإنّ استصحاب عدم انتقال المال إلى الوارث أثره شرعا انتقاله إلى الإمام عليه السّلام، فإنّ موضوعه موت من لا وارث له.
و نظير هذا ما اذا كان للميّت طبقتان من الوارث - نفرضهما الابن و الأخ - و كانا كافرين و احتملنا إسلامهما، فإنّ استصحاب بقاء الطبقة الثانية - كالأخ - على كفره لا أثر له، لأنّه مثبت، بخلاف العكس. و كذا إذا علمنا بأنّه سبّب إلى قتل المورّث
1) الصحيح أن يقال: إنّ انتقال المال إلى الوارث لا يكون في طول عدم انتقاله إلى الإمام إذ ليس موضوع إرث الوارث المال الذي لم يرثه الإمام، بل موضوعه المال الذي تركه المورّث، بخلاف العكس فإنّ موضوع إرث الإمام هو المال الذي تركه الميّت و ليس له وارث فيكون إرث الإمام في طول فقدان الوارث (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثمّ هل يلحق بالإرث كلّ ملك قهري؟ [1]
و شككنا في أنّه - كالقتل - يمنع عن الارث لشبهة حكميّة؟ أو شككنا في ذلك لشبهة موضوعيّة؟ فإنّ أصالة عدم انتقال المال إلى الطبقة الثانية لا يترتّب عليه أثر شرعا، بخلاف العكس. و بالجملة في المقام يجري استصحاب عدم انتقال المال إلى الوارث، و أثره شرعا انتقاله إلى الإمام عليه السّلام.
هذا، و لكن في عبارة المتن مسامحة ظاهرة(1)حيث يظهر منه ترتّب انتقال المال إلى الإمام عليه السّلام على أصالة بقاء الرقيّة، و قد عرفت أنّه مترتّب على استصحاب عدم انتقاله إلى الوارث.
و بالجملة: فمقتضى القاعدة عدم انتقال العبد المسلم إلى الكافر بالإرث، إلاّ أنّ التسالم و الإجماع المنقول قائم على انتقاله إليه، فيباع على الوارث.
[1] ذكر المصنّف قدّس سرّه أوّلا المنع عن بيع العبد المسلم من الكافر، ثمّ بعد ذلك ألحق البيع بسائر أنحاء التمليك من الصلح و الهبة و جعله اجرة في الإجارة و غيرها من أبواب المعاوضات، ثمّ استثنى من ذلك التملّك بالارث لقيام الإجماع عليه.
ثمّ تعرّض لسائر أنحاء الملك القهري(2)و أنّه هل يلحق بالإرث، أو بالبيع، أو يفصّل بين ما إذا كان الملك القهري بسبب اختياري فيلحق بالبيع و ما إذا كان بسبب
1) هذا الإشكال إنّما هو من جهة عدم مراجعة المتن و إلاّ فإنّه قدّس سرّه صرّح بأنّ هذا الأصل لا يفيد الانتقال إلى الإمام (الأحمدي).
2) مراد المصنّف من الملك القهري الملك الذي جعل قهرا للمالك الكافر سواء كان سببه اختياريّا لغير المالك الكافر أو لم يكن له سبب اختياري أصلا، فلا يكون قوله قدّس سرّه من أنّه (أو يفرّق بين ما كان سببه اختياريّا أو غيره) مناقضا مع فرض الكلام في الملك القهري (الأحمدي).
قهري فيلحق بالإرث؟ فقال: وجوه(1)، و اختار الوسط منها، ثمّ التفصيل.
و مختاره متين، بناء على أن يكون الوجه لانتقال العبد المسلم بالإرث للوارث هو الإجماع؛ فإنّه غير ثابت في غيره من أسباب الملك قهرا، فأدلّة المنع جارية فيها.
ثمّ المراد بالسبب الاختياري في الملك القهري أن يكون سببه اختياريّا للطرف لا للبايع.
فإنّ الملك القهري قد يكون سببه قهريّا أيضا، كما فيما إذا تلف الثمن قبل القبض، فإنّه يوجب انفساخ البيع و رجوع العبد المبيع إلى الكافر، و هو غير اختياري بالنسبة إلى كلّ من البايع و المشتري. و هكذا في التلف في زمن الخيار إذا تلف الثمن في زمان خيار البائع، فإنّه يوجب انفساخ العقد أيضا.
و قد يكون سببه اختياريّا للمشتري، كما إذا كان له الخيار ففسخ.
فأقسام التملّك ثلاثة، فإنّه تارة: يكون بسبب اختياري من الطرفين، و اخرى:
1) وجه الأوّل: التعدّي في مورد الإجماع و هو الإرث إلى كلّ ملك قهري من ناحية الكافر بدعوى عدم دخل خصوصيّة الإرث بل المناط دخول المسلم في ملك الكافر من دون تسبّب منه، و وجه الثاني: عدم فهم تلك المناط من الإجماع و حيث إنّ دليل نفي السبيل يتعارض مع دليل ملكيّة الكافر للعبد المسلم بسائر الأسباب القهريّة من طرف الكافر و المرجع الأصل و هو يقتضي عدم الانتقال إلى الكافر مطلقا خرج الإرث بالإجماع فبقي سائر الأسباب تحت الأصل، و وجه الثالث: دعوى وجود مناط التعدّي للسبب غير الاختياري بنحو الإطلاق من ناحية غير الكافر لأنّه يشبه الإرث دون غيره. هذا على مبنى المصنّف و أمّا على المختار من عدم شمول آية نفي السبيل لنفي الملكيّة فالأظهر هو الوجه الأوّل عملا بإطلاق أدلّة الملك في كلّ مورد لم يدلّ دليل على خلافها (الأحمدي).
بسبب اختياري من طرف واحد، و ثالثة: بسبب قهري. و قد عرفت أنّ مقتضى ما ذكره المصنّف قدّس سرّه من خروج الإرث عن عموم «نفي السبيل» بالإجماع، عدم إلحاق التملّك القهري به بكلا قسميه. و مع التنزّل لا يلحق به إلاّ ما كان التملّك و سببه كلاهما قهريّا، فيفصّل بينه و بين غيره.
ثمّ إنّه قدّس سرّه بعد هذا تعرّض لفرعين:
الفرع الأوّل: أنّه بعد ما ثبت أنّ المسلم لا يقرّ في ملك الكافر بل يجب بيعه، فهل يكون ولاية البيع للمالك أو ليس له الولاية بل الولاية لغيره من المسلمين(1)؟
و تظهر الثمرة في اختياره لبعض الخصوصيّات، من البيع لشخص دون آخر، بثمن دون ثمن(2).
الظاهر هو الأوّل؛ لعدم الدليل على سقوط ولايته و ثبوت الولاية لغيره، و إنّما
1) فعلى الأوّل يجب أوّلا أمر الكافر بالبيع ثمّ إجباره عليه ثمّ بعد ذلك تصل النوبة إلى الحاكم أو العدول (الأحمدي).
2) وجه القول بسقوط ولايته التمسّك بآية نفي السبيل و نحوها من قوله عليه السّلام (الإسلام يعلو) بدعوى أنّها تنفي الملكيّة و السلطنة مطلقا عن الكافر و حيث علم بثبوت الملك له فيبقي إطلاق الآية و نحوها لنفي السلطنة على حالها، و وجه الثاني عدم دلالة الآية و نحوها على نفي السلطنة و إنّما الدليل على عدم ابقائه في ملكه قوله عليه السّلام (بيعوه و لا تقرّوه عنده) و الحديث المذكور لا ينفي السلطنة و الولاية على بيعه لو أراد البيع كما لا يخفى و إنّما ينفي اعتبار إذنه و ولايته عند عدم إقدامه على البيع أصلا. ثمّ إنّه لو قلنا بسقوط ولاية الكافر و إذنه مطلقا أو عند عدم إمكان الإجبار فمع الشك في جواز تصدّي غير الحاكم أو التصدّي بغير إذنه، مقتضى الأصل و إن كان عدم الجواز إلاّ أنّ مقتضى قوله عليه السّلام (بيعوه) حيث إنّه خطاب للجميع جواز ذلك و أنّه مسوق لبيان الحكم الكلّي لا أنّه إذن منه عليه السّلام ما دام حياته (الأحمدي).
المستفاد من الأدلّة عدم استقراره على ملكه، فإذا باعه هو بنفسه فهو، و إلاّ فيجبر على البيع. و لا ينافي الإجبار صحّته؛ لأنّه إكراه بحقّ لا يوجب الفساد، كما تقدّم تفصيله.
نعم، بناء على ما ذهب إليه فخر الدين في الإيضاح، من زوال ملك السيّد عنه و يبقى له حقّ استيفاء الثمن منه(1)، ليس له الولاية على البيع، لعدم كونه ملكا له.
إلاّ أنّ المبنى فاسد؛ لعدم الدليل عليه أوّلا، و قيام الدليل على خلافه ثانيا(2)، مضافا إلى أنّه بناء عليه من هو مالك العبد؟ و ملك من يباع ليدفع ثمنه إلى المالك الكافر؟
هذا، إلاّ أنّه قد يستدلّ على سقوط ولايته بقول أمير المؤمنين عليه السّلام: (اذهبوا به فبيعوه من المسلمين) حيث أمر عليه السّلام المسلمين ببيعه، و لم يعبأ بولاية المالك، فيستظهر منه عدم ثبوت ولايته.
و يردّه أمران:
الأوّل: أنّ قوله عليه السّلام (بيعوه من المسلمين) محمول على الغالب، من أن الكافر لا يرضى ببيع عبده. و يشهد له قوله عليه السّلام (و لا تقرّوه عنده) فلا يستفاد منه عدم الولاية لنفسه على البيع إذا أراده.
الثاني: أنّه من المحتمل أن يكون أمره بذلك من باب الولاية المطلقة الثابتة له عليه السّلام
على أموال الناس، فأمر ببيعه من باب الولاية، حيث رأى مصلحته في ذلك، فلا ينافي ثبوت الولاية له على البيع.
الفرع الثاني: أنّ الكافر إذا باع عبده المسلم ببيع خياري أو وهبه، فهل يثبت له الخيار أو لا(1)؟
اختار المصنّف قدّس سرّه الثاني، تبعا للمحكيّ عن الحواشي(2)لأنّه إحداث ملك فينتفي بعموم «نفي السبيل» لتقدّمه على أدلّة الخيار كتقدّمه على دليل صحّة البيع(3).
ثمّ ذكر أنّ جامع المقاصد و الدروس(4)خالفا في ذلك فحكما بثبوت الخيار،
1) كان المناسب عنوان المسألة بنحو آخر حتّى تتمحّض الكلام في ثبوت الخيار للكافر و عدمه و هو أنّه لو فرض العبد حين البيع كافرا و أسلم بعده قبل انقطاع موجبات الخيار و سقوطها كما لو أسلم في المجلس مثلا (الأحمدي).
2) حواشي الشهيد (مخطوط) و حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 180/4.
3) يرد عليه أوّلا: ما تقدم من أنّه ليس مفاد نفي السبيل نفي الملكيّة بل مفادها نفي السلطنة فلا مانع من ثبوت حقّ الفسخ له و إذا فسخ يجبر بالبيع، نعم يستفاد من النهي عن إقراره عنده مبغوضيّة إحداث الملك له بأن يباع العبد المسلم للكافر لكن هذا النهي لو فرض دلالته على الفساد لا يدلّ على سقوط الخيار و زوال حقّه في الفسخ لأنّ بالفسخ ينحلّ العقد و إذا لم يمكن إرجاع العبد إليه شرعا لمبغوضيّته ينزّل منزلة التلف و يرجع الكافر الفاسخ بالقيمة، و ثانيا: أنّه جعل التعارض في مسألة إرث الكافر العبد المسلم بين دليل الإرث و دليل نفي السبيل و بعد التساقط يرجع إلى الأصل فلما ذا لم يجعل التعارض في المقام بين الآية و إطلاق أدلّة الخيار و ما وجه تقديمها عليها في المقام؟ و ثالثا: لو سلّم دلالة الآية غايته أنّه بالفسخ لا يرجع العين بل ينفسخ العقد و يرجع الكافر بالمثل أو القيمة (الأحمدي).
4) جامع المقاصد 65/4، و الدروس 199/3.
قوله قدّس سرّه: و يشكل في الخيارات الناشئة عن الضرر [1]
لأنّه مقتضى العقد، و لا يخرج عن مقتضاه بكون المبيع عبدا مسلما لكافر، و لو اقتضى نفي السبيل ذلك لاقتضى خروجه عن ملكه.
ثمّ تنظّر في ذلك و قال: إنّ نفي السبيل لا يخرج منه إلاّ الملك الابتدائي، لقيام الدليل على خروجه، و هو لا يستلزم خروج عود الملك إليه بالفسخ - و ما أورده المصنّف واضح - و ربما يجعل حكم المسألة مبنيّة على أنّ الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد؟ فعلى الأوّل ليست هناك ملكيّة حادثة ليعمّها نفي السبيل، بل الملكيّة الابتدائية لم تزل باقية، و المفروض أنّ نفي السبيل لم يعمّها. و على الثاني فالملكيّة الناشئة من الفسخ ملكيّة حادثة تنتفي بعموم «نفي السبيل».
هذا، و لكن لم ترد على طبق هذه الجملة و لا على تعيين أحد شقّيه آية و لا رواية، و انّما هو كلام لطيف ليس مبنيّا على دليل فلا اعتبار به. بل الصحيح أنّ الملكيّة السابقة قد زالت بالعقد، و ما يتحقّق بعد الفسخ ملكيّة حادثة، فعلى تقدير كونها منفيّة بعموم «نفي السبيل» لا بدّ من القول بعدم ثبوت الخيار له.
ثمّ ذكر أنّه لا مانع من الأرش لو كان العبد أو ثمنه معيبا، فإنّه ليس سبيلا للكافر على المسلم كما لا يخفى.
[1] بعد ما بيّن حكم الملكيّة بالإرث و أنّها ثابتة بالإجماع و منع من ثبوت الخيار لكلّ من البايع و المشتري في تملّك العبد المسلم من الكافر، استثنى من ذلك ما إذا كان الخيار ناشئا من تضرّر أحدهما، ففصّل فيه، بين ما إذا تضرّر المشتري المسلم من لزوم البيع فيثبت له الخيار من جهة قوّة أدلّة نفي الضرر، و ما إذا تضرّر الكافر
فلا؛ لأنّ تضرّره يحصل من كفره، لا من لزوم البيع لينتفي بحديث «لا ضرر»(1).
و قد اورد عليه بوجوه.
منها: ما ذكره الميرزا قدّس سرّه(2)من أنّ الكفر و إن كان اختياريّا، إلاّ أنّه مقدّمة إعداديّة لا يستند إليها الضرر، بل يستند إلى لزوم المعاملة، فإذا فرضنا شمول القاعدة لضرر الكافر انتفى لا محالة. و نظيره ما إذا فرضنا أنّ المكلّف لم يتسحّر في شهر رمضان فصار صومه في النهار ضرريّا، فهل يتوهّم أحد وجوب الصوم عليه لكون الضرر مستندا لفعله الاختياري، و هو ترك السحور؟ فلا فرق بين الطرفين.
و فيه: أنّ المعلول و إن لم يكن مستندا إلى المقدّمة الإعداديّة كما في المثال، إلاّ أنّ المقام ليس من هذا القبيل، فإنّ المعاملة فيه جائزة من طرف البائع الكافر أيضا،
1) يرد على هذا التفصيل أوّلا: أنّ دليل لا ضرر غايته أنّه ينفي اللزوم لأنّه حكم ضرري و لا يثبت الخيار المترتّب عليه آثار خاصّة لأنّه ناف للحكم الضرري لا أنّه مثبت للحكم أيضا، و ثانيا: أنّ دليل لا ضرر حيث إنّه ناظر إلى الأحكام الأوليّة فلو كان نافيا للّزوم من قبل المسلم ينفي اللزوم من قبل الكافر أيضا لأنّه ينفي كلّ حكم ضرري من غير فرق بين تعلّقه بالكافر أو المسلم و كذلك لو كان مثبتا للخيار بالنسبة إلى المسلم يثبته للكافر أيضا للملاك المتقدّم، و ثالثا: قوله قدّس سرّه فإنّ الضرر إنّما حصل من كفره، فيه: أنّ الضرر حصل من المعاملة وجدانا و عدم قابليّته لتملّك المسلم لو صار سببا لإقدامه على الضرر يكون شراء المسلم منه أيضا مع عدم قابليّة الكافر للتملّك ثانيا إقداما منه على الضرر فلا فرق بينهما. فتحصّل من ذلك أنّه لو قلنا بدلالة الآية و الرواية على نفي الملكيّة أيضا لا يسقط حقّ الخيار المتعلّق بالعقد و تكون ثمرة الفسخ الرجوع بالمثل أو القيمة، نعم لو كان الحقّ أو الجواز متعلّقا بالعين كجواز الرجوع بالعين في الهبة و المعاطاة عند القائلين بعدم اللزوم فيها قبل التلف، يسقط الحق أو الجواز عند هبة العبد المسلم من الكافر أو بيعه بالمعاطاة (الأحمدي).
2) منية الطالب 260/2.
لا أنّه لازم من طرفه غايته أنّ فسخه مشروط بإسلامه، فتأمّل. فهو يوقع نفسه في الضرر بترك مقدّمة الفسخ الذي هو فعله الاختياري، و هو الإسلام، فلا يسلم ليفسخ، فيكو تضرّره باختياره، و هذا ظاهر.
و منها: إنّ قاعدة «لا ضرر»، ليس مدركا لشيء من الخيارات أصلا، كما يأتي تفصيله في مبحث خيار الغبن، فإنّه ثابت من جهة تخلّف الشرط الضمني الارتكازي، لا لحديث «لا ضرر»، فهذه الكبرى لا صغرى لها.
و منها: أنّ الوجه في ثبوت الخيار ليس هو قوّة أدلّة نفي الضرر بالنسبة إلى دليل نفي السبيل كما هو ظاهر المتن.
توضيح ذلك: أنّه إن قلنا بأنّ آية نفي السبيل ناظرة إلى خصوص السبيل التكويني في الآخرة كما يشهد به صدرها، أو أنّ السبيل فيها بمعنى الحجّة كما ورد بها التفسير - و لا يبعد رجوعه إلى التكويني - فلا تنافي بينها و بين أدلّة الأحكام أصلا.
و أمّا لو قلنا بشمولها للسبيل التشريعي:
فتارة: نبني على أنّه يعمّه و السبيل التكويني.
و اخرى: نقول باختصاصه بالسبيل التشريعي.
و على الأوّل، فلا حكومة لها، فإمّا أن نقول بأن السبيل لا يعمّ الملكيّة أصلا، و عليه لا منافاة بينها و بين أدلّة صحّة المعاملات أصلا. أو نقول بشمول السبيل للملكيّة أيضا، و عليه تقع المعارضة بين الآية و أدلّة صحّة المعاملات بالعموم من وجه. و المعارضة بينها و بين دليل صحّة كلّ معاملة بخصوصها و إن كانت بالإطلاق من الجانبين، إلاّ أنّ دليل صحّة العقود عامّ لفظي، و هو أيضا طرف المعارضة لآية
نفي السبيل فيتقدّم عليها، أي يكون قرينة على عدم ثبوت الإطلاق للآية على ما هو الشأن في معارضة العام مع المطلق بالعموم من وجه، فالنتيجة صحّة تمليك العبد المسلم من الكافر.
و أمّا على الثاني، أي لو قلنا بأن السبيل مختصّ بالسبيل التشريعي، فتكون الآية حاكمة على أدلّة الأحكام - كحكومة دليل نفي الحرج عليها - فتتقدّم عليها(1).
فتكون النتيجة عدم تملّك الكافر للمسلم مطلقا، و قد خرجنا عنه في مورد الإرث و الملك الابتدائي بالإجماع، و بقي غيره من التملّك بالبيع و غيره.
هذا كلّه في المعاملات.
و أمّا في الخيارات، فتارة: نتكلّم في الخيار الذي فرضنا قيام دليل لفظيّ على ثبوته غير دليل لا ضرر.
و اخرى: في الخيار الذي فرض انحصار دليله به.
أمّا الفرض الأوّل، فيجري فيه جميع الاحتمالات المذكورة في الآية:
فإنّه إن قلنا بأنّ السبيل مختصّ بالتكويني فلا منافاة بين الآية و أدلّة الخيار.
و إن قلنا بأنّه يعمّ السبيل التشريعي أيضا مع صدقه على الملكيّة، فتقع المعارضة بين الآية و دليل الخيار بالعموم من وجه، لعدم حكومتها عليه، و مقتضى القاعدة تقديم الآية على دليل الخيار و إن كانت المعارضة بالعموم من وجه؛ بناء على شمول ما ورد من أنّ (ما خالف قول ربّنا لم نقله) و (اضربوه عرض الجدار)
1) و هل تتقدّم على دليل لا ضرر لو قلنا بالمعارضة لأنّها أخصّ منه إذ موردها خصوص الضرر الناشئ من ناحية ملكيّة العبد المسلم للكافر؟ فيه كلام سيجيء التعرّض له فيما بعد (الأحمدي).
للخبر المعارض مع الآية بالعموم من وجه و عدم اختصاصه بالمعارضة بالتباين، فتكون النتيجة نفي الخيار.
إلاّ أنّ في المقام خصوصيّة، و هي أنّا نقطع بأنّ بيع العبد المسلم من الكافر إذا كان نافذا مع كونه ملكيّة حادثة فتملّكه له بالفسخ يكون نافذا بالأولويّة؛ لاحتمال أن تكون هي الملكيّة السابقة و إن لم تكن حادثة، و المفروض على هذا التقدير صحّة البيع لتقدّم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ على دليل نفي السبيل. و هذا العلم يوجب وقوع المعارضة بين آية نفي السبيل و دليل صحّة البيع، كقوله سبحانه: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)و إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2)في الدلالة الالتزاميّة، فتكون المعارضة بين آيتين، و بما أنّ عموم دليل الصحّة لفظيّ، فيتقدّم على عموم آية نفي السبيل الذي هو بالإطلاق.
فما ذكرناه من تقدّم الآية على الحديث عند المعارضة و لو بالعموم من وجه، إنّما هو فيما إذا لم يكن الحديث معتضدا بآية اخرى بحيث تكون الآية أيضا طرفا للمعارضة.
و أمّا إن قلنا بأنّ السبيل منحصر بالسبيل التشريعي، فتكون الآية حاكمة على أدلّة الأحكام التي منها أدلّة الخيار، فتقدّم عليها بالحكومة، و لا يثبت الخيار في بيع المسلم من الكافر.
هذا كلّه فيما اذا كان للخيار دليل لفظي غير دليل لا ضرر.
و أمّا فيما لو كان دليله منحصرا به، فبناء على عموميّة السبيل للتكويني و التشريعي و عدم حكومته على الأحكام الوضعيّة، فلا محالة يكون «لا ضرر» حاكما و مقدّما عليه؛ لأن نفي السبيل حينئذ كغيره من أدلّة الأحكام الواقعيّة، فيثبت الخيار.
و أمّا لو بنينا على اختصاصه بالسبيل التشريعي و كونه حاكما على أدلّة الأحكام الواقعيّة، فحال الآية حال حديث «لا ضرر» في كون كلّ منهما حاكما على أدلّة الأحكام، فلا محالة تقع المعارضة بينهما - أي بين دليلين حاكمين - بالعموم من وجه، و بما أنّ الآية - على ما عرفت - تتقدّم على الرواية عند المعارضة و لو كانت بالعموم من وجه، فيتقدّم عموم نفي السبيل على حديث «لا ضرر» فينتفي الخيار.
إلاّ أنه حينئذ تجري الأولويّة المتقدّمة، حيث لم يقل أحد بجواز تملّك الكافر للمسلم بالبيع دون الخيار.
نعم، بناء على حكومة آية نفي السبيل لا يبقى مجال لفرض صحّة البيع لحكومتها على أدلّة الصحّة، و لازمه الفساد، فلا موضوع لهذا الفرض لتثبت الاولويّة، فتقدّم الآية على دليل «لا ضرر» ممّا لا إشكال فيه.
هذا، و لكن الصحيح - كما عرفت(1)- عدم خيار يكون دليله منحصرا بدليل لا ضرر، كما أنّه لا يمكن إثبات شمول «السبيل» للملكيّة، و لا اختصاص «السبيل» بالتشريعي ليكون ناظرا إلى الأحكام الواقعيّة و حاكما على أدلّتها.
و عليه، فما أفاده جامع المقاصد - تبعا للدروس - على ما حكاه المصنّف قدّس سرّه من
1) لم يعلم ذلك من السابق، نعم يعلم ذلك من الأبحاث الآتية في الخيارات (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و ممّا ذكرنا يظهر أنّ ما ذكره في القواعد [1]
عدم المقتضي للخروج عمّا يقتضيه العقد الخياري، متين غايته.
[1] هذا دفع توهّم احتمله العلاّمة(1)و الظاهر أنه لم يسبقه إليه أحد، و هو القول بثبوت الخيار للكافر، غايته إذا فسخ يستردّ بدل العبد لأنّ المنع عن انتقاله إليه شرعا بمنزلة التلف حقيقة، نظير ما اذا كان الثمن أو المبيع خارجا عن ملك طرف العقد حين الفسخ.
و تنظّر المصنّف فيه، بدعوى أنّ استحقاق الكافر ثمن المسلم سلطنة له عليه، ثمّ قال: و لذا حكموا بسقوط الخيار في من ينعتق على المشتري، فتأمّل.
و نقول: يرد على المصنّف أوّلا: أن استحقاق الثمن لا يعدّ سبيلا على العبد عرفا، فليس هذا وجها للمنع، و ثانيا: ليس حكمهم بسقوط الخيار في من ينعتق على المشتري مبنيّا على هذا، بل الوجه في عدم الخيار في المقامين أنّ معنى الفسخ حلّ العقد و رجوع كلّ من المالين إلى ملك مالكه، لا رجوع بدله، غاية الأمر إذا كان أحد العينين تالفا أو بحكمه، يعتبر ملكا لمالكه الأوّل بقاء، فيكون ملكا قد تلف في يد الآخر، فينتقل إلى البدل. و هذا المعنى لا يجري في من ينعتق على المشتري، لأنّ المفروض صيرورة المبيع حرّا، و لا معنى لاعتبار ملكيّته، و في المقام البايع كافر قد منع الشارع عن اعتبار ملكيّته على العبد المسلم.
فلا يمكن الحكم بالانتقال إلى البدل في شيء من الموردين، لما ذكرنا لا لما ذكره المصنّف.
1) قواعد الأحكام 124/1.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» المشهور عدم جواز نقل المصحف إلى الكافر [1]
[1] قد عرفت أنّه لا يمكن الاستدلال على فساد بيع العبد المسلم من الكافر بآية نفي السبيل، لأنّه مبتن على حكومة الآية على أدلّة صحّة البيع و اختصاص السبيل بالتشريعي، و لا يمكن إثبات عمومه له و للسبيل التكويني لتتمّ المعارضة، فضلا عن إثبات اختصاصه به لتكون حاكمة على عمومات أدلّة البيع. فعمدة الدليل لفساد البيع كان هو الإجماع و التسالم، فإن تمّ فهو، و إلاّ فعمومات أدلّة الصحّة ثابتة.
و عليه فلا وجه للقول بحرمة بيع المصحف من الكافر أصلا، لأن الإجماع غير ثابت فيه، و الاستدلال بالآية قد عرفت ما فيه.
و مع التنزّل عن ذلك و فرض صحّة الاستدلال بالآية على فساد بيع العبد المسلم من الكافر، قد استدلّ بفحواها على المنع عن بيع المصحف إلى الكافر؛ بدعوى أنّ مناط المنع عن بيع المسلم من الكافر إنّما هو احترامه، و احترام المصحف أكثر، و حرمته أعظم من المؤمن، فإنّه أساس الدين و أصل الإيمان(1).
و قال المصنّف: ما ذكر حسن و إن كان وجهه لا يخلو عن تأمّل أو منع.
و لم نفهم الحسن مع منع الدليل، فإنّ الدعوى بلا دليل لا تكون حسنة.
1) فهو أولى بالمنع من بيع العبد المسلم، و استدلّ عليه أيضا كما في المتن بوجوب احترام المصحف و جعله أوّل الدليلين، و فيه أنّ هتك القرآن حرام و أمّا احترامه فهو مستحبّ لا واجب، و آية تعظيم الشعائر أيضا لا تدلّ على أزيد من الاستحباب، و مجرّد بيع القرآن للكافر ليس هتكا إذا لم يسلّطه عليه، بل تسليطه عليه أيضا لا يكون هتكا له إذا علم أنّ غرضه ليس الإهانة بالقرآن بل أراد ذلك لتكميل مكتبته أو مطالعة القرآن، على أنّ النهي التكليفي لا يدلّ على الفساد (الأحمدي).
و ليعلم أنّ الكلام في هذه المسألة مبنيّ على أمرين:
أحدهما: فرض جواز بيع المصحف في نفسه، و أمّا بناء على عدم جوازه حتّى من المسلم - كما اختاره المصنّف - فلا مجال للبحث عن جواز بيعه من الكافر.
ثانيهما: أن يفرض عدم انطباق عنوان آخر على بيع المصحف من الكافر من هتك و نحوه، و إلاّ فلا يجوز البيع تكليفا، فمورد البحث جواز البيع و عدمه في نفسه.
إذا عرفت ذلك فنقول يرد على الاستدلال:
أوّلا: أنّه لم يعلم كون ملاك حرمة بيع المسلم من الكافر احترامه، كيف! و ليس مجرد اعتبار الملكيّة للكافر على المسلم منافيا لحرمته من دون أن تكون له سلطنة خارجيّة عليه. و من المحتمل أن يكون الوجه فيه استلزامه تسلّطه عليه خارجا و لزوم كونه تحت إطاعته.
و ثانيا: لم يثبت كون المصحف أشدّ حرمة من المؤمن، و لذا يجوز إتلاف القرآن في مقام توقّف حفظ النفس المحترمة عليه. و ما يتقدّم على تلف النفوس المحترمة.
هذا، مضافا إلى أنّ بيع المصحف من الكافر كثيرا ما يوجب احترامه، لأنّ الكافر يطالع القرآن و يتأمّل فيما اشتمل عليه من الحكم و الآيات فيعظّمه غاية التعظيم و إن
1) و السرّ في ذلك أنّ نفس المعارف القرآنيّة و أحكامها الواقعيّة أشرف من جميع الموجودات لا هذه النقوش المنقوشة في الكتاب فإنّها وجود كتبي للمعارف، و العبد المسلم المؤمن وجوده وجود خارجي للإيمان و المعارف و من المعلوم أشرفيّة الوجود الخارجي من الوجود النقشي و الكتبي (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: يشترط في كلّ منهما كونه متموّلا [1]
لم يؤمن به.
ثمّ بعد هذا ذكر أنّ في إلحاق الأحاديث النبويّة المقطوع صدورها و الكراهة قولان، ثمّ نفى البعد عن كون الأحاديث المنسوبة إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله أو إلى الأئمّة عليهم السّلام من طرق الآحاد، حكمها حكم ما علم صدوره منهم عليهم السّلام فإنّها أيضا حجّة.
و نقول: أمّا الكراهة فلم يعلم لها وجه أصلا، كما لم نفهم وجها لإلحاق أخبار الآحاد، فإنّ غاية ما ثبتت لها هي الحجّية، و هي غير مستلزمة لذلك.
[1] ذكر قدّس سرّه ما حاصله اعتبار الماليّة في المبيع عرفا و شرعا، ثمّ ذكر أنّ ما تحقّق أنّه ليس بمال عرفا فلا إشكال في عدم جواز وقوعه أحد العوضين إذ لا بيع إلاّ في ملك(1). و ما لم يثبت فيه ذلك، فإن تحقّق كون أكل المال في مقابله أكلا بالباطل عرفا فالظاهر فساده. و ما لم يتحقّق فيه ذلك، فإن ثبت المنع عن بيعه شرعا فهو، و إلاّ فيجب الرجوع إلى عمومات صحّة البيع و التجارة، و خصوص قوله عليه السّلام في رواية تحف العقول: (و كل شيء يكون لهم فيه الصلاح...) الحديث(2).
نقول: فيما ذكره مواقع للنظر:
1) و فيه: أنّ بين المال و الملك عموما و خصوصا من وجه و لا ترادف بينهما كما ذكره قبيل ذلك فلو سلّم أنّ الحديث يدلّ على اعتبار الملكيّة فلا يمكن أن يستدلّ به على اعتبار الماليّة، على أن الحديث لو سلّم دلالته على اعتبار الملك في البيع فإنّه لا يدلّ على اعتباره في سائر المعاوضات، مع أنّ ظاهر الحديث كما أفاده قدّس سرّه في أوائل مبحث البيع اعتبار كون البائع مالكا للبيع و إن لم يكن المبيع ملكه بأن كان وليّا أو وكيلا فلا يدلّ على اعتبار ملكيّة المبيع أيضا (الأحمدي).
2) تحف العقول/ 333.
الأوّل: ما أفاده من اعتبار الماليّة العرفيّة في المبيع و عدم جواز بيع ما ليس بمال عرفا، يرد عليه:
أوّلا: أنّه لا دليل على اعتبارها، سوى المصباح الذي هو على فرض اعتباره ليس إلاّ من قبيل شرح الاسم(1)، فإذا تعلّق الغرض الشخصي بشيء - كالعقرب و الخنفساء أو كتابة والده أو صورته - لا مانع من شرائه.
و ثانيا: لو سلّمنا اعتبار الماليّة فيه، فغايته أن لا يرتّب على معاوضة غير الأموال الأحكام الخاصّة للبيع و لا تعمّها أدلّته الخاصّة، إلاّ أنّه لا يمنع شمول ما ورد في صحّة مطلق العقود، كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فتكون معاوضة صحيحة و لو لم يكن بيعا(2)و لذا ذكرنا في بعض تنبيهات المعاطاة: أنّه إذا بدّل أحد عباءته بقباء غيره يصحّ و إن لم يكن بيعا و لم يصدق البائع و لا المشتري على كلّ منهما، بل لو سئل كلّ منهما و قيل له: إنّك بعت مالك؟ أجاب بأنّي لم أبع و لكن عاوضت مالي، و مع ذلك فهي معاوضة.
الثاني: أنّ ما ذكره في فرض الشك في الماليّة العرفيّة، من أنّه إذا احرز كون أكل المال في مقابله أكلا للمال بالباطل كان فاسدا، خلف و مناقضة؛ إذ مع الشك في الماليّة لا معنى للعلم بكون أكل المال في مقابله أكلا له بالباطل، بل الشك في ذلك مستلزم للشك فيه. هذا بناء على أن يحمل الأكل بالباطل على ما حمله عليه
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّهم احترزوا باعتبار الملكيّة [1]
المصنّف، و أمّا على المختار فهو أجنبيّ عمّا نحن فيه رأسا.
الثالث: أنّ ما ذكره من الرجوع إلى عمومات صحّة البيع و التجارة إذا لم يحرز كونه من أكل المال بالباطل، يكون من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة، إذ المفروض الشك في ماليّة المبيع، فتكون الشبهة مصداقيّة. و أمّا الرجوع إلى رواية تحف العقول حيث جوّز بيع كلّ ما فيه وجه من وجوه الصلاح، فهو فاسد بعد ما عرفت من فسادها سندا و دلالة.
[1] الظاهر تفريع هذا الكلام على ما تقدّم منه، من اعتبار الماليّة في المبيع استشهادا بتعريف المصباح.
و من الظاهر عدم تفرّعه عليه؛ فإنّ الملكيّة و الماليّة أمران متغايران بينهما عموم من وجه؛ إذ قد يكون الشيء مالا و ليس بملك، و قد ينعكس الأمر، كما قد يجتمعان.
ثمّ إنّ الملكيّة غير معتبرة في المبيع و لا في الثمن(1)إذا كان كلّيا، و قد صرّح
1) اعتبار الملكيّة لم يدلّ عليه دليل بأن يكون الثمن و المثمن مملوكين قبل البيع و لذا يصحّ بيع الكلّي في الذمّة مع أنّه لا يكون ملكا له، نعم يعتبر أن يكون البائع مالكا للبيع بمعنى أن يكون أمر البيع بيده و تحت سلطته و إن لم يكن المبيع ملكا كما في بيع الكلّي في الذمّة فإنّه يملك بيع ما في ذمّته، و عليه فإن اريد من اعتبار الملكيّة اعتبار ملكيّة البيع صحّ الاحتراز به عن بيع المباحات الأصليّة إذ نسبة البائع و المشتري إليها على حدّ سواء و لا يكون للبائع خصوصيّة بحيث يكون أمر بيعها بيده دون المشتري، و لا وجه للاحتراز عنها باعتبار الماليّة في العوضين كما عن المحقّق بدعوى أنّها ليست مالا عرفا كما هو واضح، كما أنّه ليس الوجه في الاحتراز عنها اعتبار أن لا يكون البيع سفهيّا إذ فيه أوّلا: أنّ بيع السفيه باطل لا البيع السفهي، و ثانيا: إذا كان البائع قادرا على أخذ المباحات و تسليمها فتكون ثمرة هذا البيع إلزامه بأخذها و تسليمها (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و احترزوا به أيضا عن الأرض المفتوحة عنوة [1]
بذلك في بعض الروايات اعتراضا على العامّة(1).
و أمّا الشخصي، فربما قيل باعتبارها فيه تمسّكا بقوله عليه السّلام: (لا بيع إلاّ في ملك)(2)و قد ذكرنا في بعض البحوث السابقة عدم دلالته على ملك العين، بل ظاهره اعتبار ملك البيع، فليس خروج مثل بيع الوكيل أو الولي بالتخصيص، فالرواية ناظرة إلى المنع عن بيع الأنسان مال غيره ممّا ليست له سلطنة عليه ليشتريه و يسلّمه إلى المشتري. و عليه فلا مانع من بيع ما تعلّق به الحقّ - كحقّ التحجير - و لا في جعله ثمنا.
و أمّا الموارد المذكورة في المتن ممّا يشترك فيه الناس - كالماء و الكلاء و الأسماك و الوحوش قبل اصطيادها - فإن لم يكن منع عن بيعها و لو من جهة العجز عن التسليم، فلا مانع من بيعها، فيبيع السمك في البحر ثمّ يصيده و يسلّمه إلى المشتري.
[1] الظاهر كون الاحتراز عنه باعتبار الملكيّة، و هو ظاهر الفساد؛ فإنّ الأرض المفتوحة عنوة ملك للمسلمين(3).
1) الوسائل 374/12، الباب 7 من أبواب أحكام العقود، الحديث الأوّل.
2) عوالي اللآلي 247/2، الحديث 16. و المستدرك 230/13، الباب الأوّل من أبواب عقد البيع، الحديث 3 و 4.
3) غاية الأمر أنّها لا تكون ملكا خاصّا و هو ليس من شرائط المبيع و جميع الشرائط من الملكيّة و الطلقيّة و غيرها متوفّرة في تلك الأراضي و لذا يجوز بيعها لوليّ الأمر، نعم لا يجوز بيعها لغيره لفقدان شرط ملكيّة أمر البيع فيه و هو من شرائط المتعاقدين فكان المناسب استثناءه في ذلك المبحث (الأحمدي).
نعم، يحترز عنه باعتبار خصوصيّة في الملك؛ ككونه ملكا صرفا، و قد ذكر المصنّف في وجه الاحتراز أنّها غير مملوكة لملاّكها على نحو سائر الأملاك.
و قد قسّم الأملاك إلى أقسام أربعة:
فإنّ منها: ما يكون بعينها و منافعها ملكا لمالكها من دون توقّف على قبض و نحوه، و نعبّر عنه بالملك الصرف.
و منها: ما لا تكون عينه مملوكا و لكن تكون منافعها ملكا من دون توقّف على قبض، كالأوقاف الخاصّة، مثل الوقف على الذريّة، فإنّ العين و إن لم تكن ملكا للموقوف عليه، إلاّ أنّه يملك المنافع و لو لم يقبضها، و يورث منه إلى وارثه.
و منها: ما لا تكون عينه مملوكا و تكون منافعه مملوكة بعد القبض، كالأوقاف العامّة على العلماء أو المؤمنين، فإنّه إذا قبض العين الموقوفة أحد الموقوف عليهم ملك منافعه و إلاّ فلا، و لذا لا يكون قابلا للإرث و الانتقال إلى الوارث.
و منها: ما تملك عينه بالقبض، كالخمس و الزكاة، بناء على تعلّقهما بالعين لا الذمّة، فإنّ كليّ الفقير أو السيّد شريك مع الغني، إلاّ أنّه لا يملك أحدهم منه شيئا إلاّ بعد القبض لا بدونه، فلا ينتقل شيء منه إلى وارث الفقير بالإرث إذا لم يقبضه المورّث.
و ملكيّة الأراضي المفتوحة عنوة ليست من قبيل هذه الأنحاء، بل هي قسم خامس في مقابل تلك الأقسام(1)، و هي نحو ملكيّة تكون ثمرتها صرف منافعها
1) و الذي يقتضيه النظر أنّ الملكيّة حيث إنّها أمر اعتباري يجوز اعتبارها للهيئة الاعتباريّة كالدولة و الحكومة الإسلاميّة كما هو الشأن في أملاك سائر الدول و الحكومات و لذا لا ينتقل شيء منها إلى ورثة أحد أفراد الدولة إذا مات لأنّه لا يكون مالكا لتلك الأموال بل المالك لها كانت هي الهيئة و هي باقية، و كذا يجوز اعتبار الملكيّة للجهة الراجعة إلى مصالح المسلمين بأن يكون المالك نفس الجهة. (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: الأوّل ما يكون مواتا بالأصالة [1]
في مصالح الملاّك، فلا يملك أحد من المسلمين شيئا من تلك الأراضي و لا منافعها إلاّ إذا وهبه الإمام عليه السّلام و وليّ أمر المسلمين أحدا، حيث يرى في ذلك صلاح المسلمين.
و بالجملة: بما أنّ الملكيّة في الأراضي المفتوحة عنوة غير صرفة لا يجوز بيعها، بل يتصرّف فيها وليّ المسلمين و يصرفها في مصالحهم، فهي ملك لهم بهذا المعنى، كما دلّ عليه الإجماع و بعض النصوص(1).
ثمّ إنّه قدّس سرّه شرع في بيان تمام أقسام الأراضي، حيث جرى البحث في بعضها، فقسّمها إلى أربعة أقسام: فإنّها إمّا موات و إمّا عامرة، و كلّ منهما إمّا أصليّة و إمّا عرضيّة(2).
[1] يقع الكلام فيها من جهات:
الجهة الاولى: في كونها ملكا للإمام عليه السّلام.
و ادّعى المصنّف استفاضة الأخبار الدالّة على أنّها للإمام عليه السّلام.
و لكن ما عثرنا عليه ليس إلاّ روايات ثلاث أو أربع مرويّة في كتاب الخمس من
1) راجع الوسائل 273/12، الباب 21 من أبواب عقد البيع، و 330/17، الباب 4 من أبواب إحياء الموات.
2) المراد من العامرة بالأصل ما كانت عامرة طبيعيّا من غير دخالة شخص في إحيائها كالغابات في قبال ما عمّرها إنسان، و المراد من الموات بالأصل ما يكون مواتا منذ الابتداء كالصحاري و البراري في قبال ما كان عامرا ثم عرض عليها الخراب (الأحمدي).
الوسائل و غيره(1).
و في بعضها جعلت من الأنفال(2)، فتدخل تحت قوله سبحانه: اَلْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ اَلرَّسُولِ (3)و ما كان للّه و لرسوله فهو للإمام عليه السّلام.
و في بعضها اخذ عنوان الأراضي التي لا ربّ لها(4)، فإنّها ظاهرة في الموات بالأصالة، فإنّها التي لا ربّ لها، لا العامرة و لا خصوص الخربة بالعرض.
و على أيّ حال، ليست الأخبار الواردة في الموات بالأصالة منها مستفيضة.
نعم، وردت عدّة روايات في الأراضي التي ابيد أهلها، و في الأراضي الخربة الظاهرة في الخربة بالعرض، و في مطلق الأراضي، لا في خصوص الموات بالأصالة التي هي محلّ الكلام.
الجهة الثانية: لا إشكال في أنّ الإمام عليه السّلام لا يرضى بخراب الأرض، و قد أباح التصرّف فيها، و إنّما الكلام في اختصاص الإباحة و ثبوت الحقّ أو الملك بالإحياء - إن قلنا به - بالمؤمنين أو المسلمين أو أنّها ثابتة للكفّار أيضا(5)؟
1) راجع الوسائل 364/6، الباب الأوّل من أبواب الأنفال، و المستدرك 295/7، نفس الباب.
2) الوسائل 369/6، الباب الأوّل من أبواب الأنفال، الحديث 17.
3) سورة الأنفال/ 1.
4) الوسائل 365/6، الباب الأوّل من أبواب الأنفال، الحديث 4.
5) الظاهر هو الأخير لإطلاق جملة من الروايات و صراحة صحيحة محمّد بن مسلم حيث سأل الراوي عن شراء الأرض من اليهودي و النصراني فأجاب عليه السّلام بأنّ (أيّما قوم أحيوا أرضا أو عملوه فهم أحق بها) لكونها كالنص في شمولها لمورد السؤال (الأحمدي).
ظاهر النبويّين(1)و إن كان هو الاختصاص بالمسلمين و المؤمنين، بمعنى المؤمن باللّه و رسوله لا المصطلح عليه اليوم.
إلاّ أنّهما مضافا إلى ضعف سندهما(2)- لكونهما نبويّين غير مرويّين من طرقنا - لا يمكن الأخذ بإطلاقهما لظهورهما في كونها للمسلمين ابتداء من دون إحياء، و لم يقل به أحد، فلابدّ من رفع اليد عن إطلاقهما، و لذا قال المصنّف: و عليه يحمل ما في النبويّين، أي إباحة التصرّف بالإحياء.
هذا، مضافا إلى أنّ بعض الأخبار صريحة في عدم الاختصاص، حيث ذكر في بعضها أنّ: (أيّما قوم أحيوا أرضا ميتة فهي لهم)(3)فيعمّ المسلم و الذمّي، بل غير الذمّي أيضا.
الجهة الثالثة: في وجوب الخراج فيها و عدمه؟ و هو مبنيّ على صيرورتها ملكا
1) و هما: (موتان الأرض للّه و لرسوله ثمّ هي لكم منّي أيّها المسلمون) و (عاديّ الأرض للّه و لرسوله هي لكم منّي) أمّا الأوّل فلم نقف عليه بعينه في المجاميع الحديثيّة، بل الموجود (موتان الأرض للّه و لرسوله فمن أحيا منها شيئا فهو له) انظر عوالي اللآلي 480/3، الحديث الأوّل، نعم نقله العلاّمة في التذكرة 40/2، و أمّا الثاني في عوالي اللآلي 481/3، الحديث 5.
2) مع إمكان المناقشة في دلالتهما على النفي عن الغير، إنّه لا بدّ و أن يحمل على بعض المحامل كعدم الطسق لأنّ الحديث المتقدّم كالنصّ في ثبوت الأحقّية لغير المسلمين أيضا، كما أنّه يحمل على ذلك - مضافا إلى إمكان المناقشة في دلالته - ما ورد من قولهم عليهم السّلام (أنّه لشيعتنا) و كذا صحيحة مسمع بن عبد الملك الصريحة في عدم حليّة تصرّف غير الشيعة في ذلك فانّه صرّح فيها بأنّ منشأ عدم الحلّية هو عدم أدائهم للطسق الواجب عليهم (الأحمدي).
3) راجع الوسائل 326/7، الباب الأوّل من أبواب إحياء الموات، الحديث 1 و 4.
بالإحياء و عدمه، كما سننبّه عليه إن شاء اللّه.
ظاهر بعض الأخبار وجوبه، كما في صحيحة الكابلي الدالّة على أنّ الأرض كلّها للّه و قد ورثها المتّقون، ثمّ بعد ذلك قال فيها: (فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها و ليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، و له ما أكل منها)(1).
و في مصحّحة عمر بن يزيد، قال الصادق عليه السّلام: (كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له، و عليه طسقها يؤدّيه إلى الإمام عليه السّلام في حال الهدنة...) الحديث(2)
و قد حملها المصنّف على أحد وجهين لمنافاتها مع ما ورد من أنّ:
(من أحيا أرضا مواتا فهي له)(3)و ما ورد في أنّهم حلّلوها على شيعتهم(4).
أحدهما: حملها على بيان الاستحقاق و وجوب الإيصال إذا طلب الإمام.
و فيه: أنّ ظاهر الأمر بالأداء هو الوجوب الفعلي لا الاستحقاق، خصوصا بملاحظة كون السؤال فيها عن الوظيفة الفعليّة لمن أحيا الأرض.
ثانيهما: حملها على زمان الحضور.
و هو أيضا كما ترى؛ لصراحة بعضها - كرواية مسمع بن عبد الملك(5)- في عدم
1) الوسائل 329/17، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2.
2) الوسائل 383/6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 13.
3) راجع الوسائل 327/17، الباب الأوّل من أبواب إحياء الموات، الحديث 5 و 6.
4) راجع الوسائل 6 الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12 و 17.
5) الوسائل 382/6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12.
وجوب الأداء حتّى حال الحضور(1)، مضافا إلى ظهور السؤال في كونه عن الوظيفة الفعليّة.
فالصحيح تقييد إطلاقها بما إذا كان المحيي من الشيعة، فهو في حلّ من الخراج لتحليلهم عليهم السّلام، و أمّا غيرهم فتصرّفه فيها محرّم، لعدم تأديته للخراج، كما دلّت عليه رواية مسمع بن عبد الملك. و بهذا الوجه يجمع بين الأخبار.
و بالجملة: ظاهر صحيحة الكابلي و مصحّحه عمر بن يزيد وجوب أداء الخراج على من أحيا أرضا ميتة. و يعارضه - مضافا إلى تسالم الأصحاب على عدم وجوب الخراج على الشيعة - ما ورد في رواية مسمع بن عبد الملك من أنّ (كلّ ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون... الحديث) فلابدّ من حمل الصحيحة و المصحّحة على غير الشيعة.
و لا يتوهّم كون مورد السؤال فيها هم الشيعة، و تخصيص المورد مستهجن.
فإنّ صحيحة الكابلي غير مسبوقة بالسؤال، غايته أنّ الراوي من الشيعة. و مورد السؤال في المصحّحة رجل من أهل الجبل - على ما يظهر من ذيل الرواية المرويّة بتمامها في الوسائل - و غالبهم لم يكونوا من الشيعة.
و يؤيّد اختصاص المصحّحة بغير الشيعة قوله عليه السّلام في ذيلها: (فإذا ظهر القائم فليوطّن نفسه على أن تؤخذ منه) فإنّ الأرض لا تؤخذ من الشيعي إذا ظهر القائم (عجّل اللّه تعالى فرجه) فيختصّ بغيرهم، فالحمل المزبور لا يستلزم تخصيص
1) حيث إنّ موردها زمان الإمام الصادق عليه السّلام إلاّ أن يراد من زمان الحضور زمان بسط يد الإمام عليه السّلام (الأحمدي).
المورد المستهجن.
و لا ينافي ما ذكرناه من اختصاص الخبرين بغير الشيعة، ما ورد في أحدهما من استثناء الشيعة، و أنّه (عجّل اللّه تعالى فرجه) إذا ظهر يقاطعهم الأرض التي في أيديهم و لا يأخذها منهم.
فإنّ الاستثناء إنّما يكون داخلا في المستثنى مه بالإرادة الاستعماليّة لا الإرادة الجدّية، فالاستثناء لا ينافي إرادة غير المستثنى منه بالإرادة الجدّية.
و يشهد لهذا الحمل ما ورد في رواية مسمع بن عبد الملك، من أنّ الأراضي التي في أيدي الشيعة محلّلة عليهم إلى أن يظهر القائم فيأخذ منهم الطسق، و أمّا غيرهم فالأرض حرام عليهم حيث لا يؤدّون الخراج، فإذا ظهر القائم أخرجهم عنها صفرة أي صفر اليد، أو صغرة - كما في بعض النسخ - أي أصاغر، فيظهر من ذلك اختصاص الخراج بغير الشيعة قبل زمان الظهور.
و مع التنزّل و فرض المعارضة بين الصحيحتين و رواية مسمع و تساقطهما يرجع إلى عموم ما ورد من الأئمّة عليهم السّلام من أنّه (ما كان لنا فهو لشيعتنا)(1)فإنّ مقتضاه عدم وجوب الخراج عليهم.
الجهة الرابعة: في أنّ الأراضي الموات بالأصالة، تملك بالإحياء أو تصير متعلّقا لحقّ المحيي؟
الأخبار الواردة في ذلك طوائف ثلاث:
1) الوسائل 384/6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 17.
الاولى: ما ورد من أنّ: (من أحيا أرضا مواتا فهي له)(1)
الثانية: ما ورد من أنّ: (من أحيا شيئا من الأرض فهو أحقّ به)(2)
الثالثة: ما جمع فيه بين الأمرين و أنّ: (من أحيا أرضا فهو أحقّ بها و هي له)(3)
و «اللام» و إن كان ظاهرا في الملك(4)لأنّه هو الاختصاص المطلق، و يعبّر عن الجدة و الملكيّة الحقيقيّة ب «اللام» أو بما يرادفه، إلاّ أنّه لا بدّ من رفع اليد عن ظهوره في الملك و حمله على الجامع بينه و بين الحق، لما ثبت من الروايات الاخر من وجوب الخراج على غير الشيعي و أنّه محلّل على الشيعة، مع أنّ إطلاق قوله عليه السّلام:
(من أحيا أرضا ميتة فهي له) يعمّ الشيعي و غيره، و ثبوت الخراج ينافي الملكيّة، فإنّه بمنزلة إجارة الأرض، و قد صرّح في رواية مسمع بحرمة تصرّف غير الشيعة في الأراضي لأنّهم لا يؤدون الخراج.
و توهّم ثبوت الملكيّة و عدم منافاته مع وجوب الخراج و حرمة التصرّف في الملك بدون أدائه، واضح الفساد؛ فإنّ كون الملكيّة معلّقة على أداء الخراج يستدعي التعليق في الملكيّة، و هو كما ترى.
و كون التمليك فعليّا و ثبوت الخراج بالشرط الضمني، أوهن من سابقه؛ فإنّ تخلّفه لا يستلزم حرمة التصرّف.
1) الوسائل 327/17، الباب الأوّل من أبواب إحياء الموات، الحديث 5.
2) الوسائل 326/17، الباب الأوّل من أبواب إحياء الموات، الحديث 3.
3) الوسائل 327/17، الباب الأوّل من أبواب إحياء الموات، الحديث 4.
4) فيما إذا كان مدخوله قابلا لأن يكون مالكا و متعلّقه قابلا لأن يكون مملوكا كما في المورد، لا في مثل الجلّ للفرس و الشجاعة لعمرو (الأحمدي).
و بالجملة: رفع اليد عن ظهور «اللام» في الملك و حمله على الجامع، أولى من الالتزام بهذه الامور المخالفة للقواعد، كحرمة تصرّف المالك في ماله و نحو ذلك.
و يؤكّد ما اخترناه من عدم ثبوت الملك أمران:
أحدهما: ما ورد في روايتين معتبرتين منقولتين في الوسائل في إحياء الأموات(1)، مضمونهما أنّه إذا استولى أحد على أرض موات و أحياها مدّة ثمّ لم يحيها بعد ذلك، كان لكلّ أحد من المسلمين أن يحييها من دون إذنه و لا يستحقّ عليه شيئا، هذا يناسب عدم الملكيّة، فتأمّل.
ثانيهما: ما ورد من أنّ الإمام عليه السّلام إذا ظهر أخرجهم من الأرض صفرة، فإنّه أيضا لا يناسب الملكيّة.
فالصحيح أنّ الإحياء لا يوجب سوى حقّ الأولويّة، و هي مملوكة للإمام عليه السّلام قبل الإحياء و بعده، و ليس لأحد حيازة الأراضي و منع غيره عن إحيائها، فكأنّها من المصالح العامّة. هذا مقتضى الأخبار.
و الأصل العملي أيضا يقتضي بقاءها على ملك الإمام عليه السّلام و عدم خروجها عن ملكه بالإحياء.
و بهذا ظهر الحال في المسألة المسؤولة عنها كثيرا، و هي وجوب الخمس في إحياء الأراضي الموات للتجارة لا للمؤنة؟ فإنّه على ما ذكرناه من عدم كونها ملكا بالإحياء لا يجب فيها الخمس، لعدم كونها من الأرباح، فوجوب الخمس و عدمه هي ثمرة هذا البحث، أي صيرورة الأرض ملكا بالإحياء و عدمه.
1) الوسائل 328/17 و 329، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1 و 2.
ثمّ إنّ ما اخترناه لا يمنع عن بيع الأراضي الموات بعد إحيائها، غايته يكون التبديل في الحقّ لا في الملكيّة، فيكون المشتري قائما مقام البائع في كونه ذي حقّ، و أمّا المالك فهو الإمام عليه السّلام قبل البيع و بعده.
هذا كلّه في المنع عن التمسّك بالروايات المطلقة الواردة في أنّ (من أحيا أرضا ميتة فهي له) و عدم دلالتها على الملك.
و أمّا ما ورد في خصوص الشيعة من قوله عليه السّلام في رواية مسمع: (كلّ ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون) و قوله عليه السّلام: (ما كان لنا فهو لشيعتنا) فلا دلالة فيه أيضا على أنّ الشيعي يملك الأرض بالإحياء؛ و ذلك لأنّ التحليل في رواية مسمع لا يستلزم الملك، بل هو مقابل الملك، كما في تحليل الأمة. و أمّا قوله عليه السّلام في الرواية الاخرى (ما كان لنا فهو لشيعتنا) ف «اللام» فيه و إن كان ظاهرا في الملك، لكن بما أنّه غير مقيّد بالإحياء، فلابدّ من رفع اليد عن ظهوره في الملك و حمله على الإباحة، فالمعنى أنّ ما كان لنا فهو مباح لشيعتنا، فلكلّ شيعي أن يتصرّف في الأرض و يحييها، و لا يستفاد من ذلك أنّه يملكها بالإحياء. و بالجملة ظاهر الرواية أنّ ما كان للأئمّة فهو للشيعة من غير شرط، و هذا واضح الفساد، فلابدّ من حمله على ما ذكرناه، فكما لا يملك غير الشيعي الأراضي الميّتة بالإحياء، كذلك لا يملكها الشيعي أيضا(1).
1) نعم المستفاد من روايات الإحياء أنّ كل أحد يجوز له إحياء الأرض الموات بالأصل و لا يحتاج إلى الاستيذان من الإمام عليه السّلام أو نائبه و بعبارة اخرى المستفاد منها الإذن العام لكلّ أحد بالإحياء (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: الثاني ما كانت عامرة بالأصالة [1]
[1] الكلام فيها يقع من جهتين:
الجهة الاولى: في كونها ملكا للإمام عليه السّلام.
و لم يرد فيها بخصوصها ما يدلّ على كونها للإمام عليه السّلام، إلاّ أنّ العمومات كافية لإثبات ذلك، مثل ما عدّ فيها من الأنفال كلّ أرض لا ربّ لها(1)، فإنّها تعمّ العامرة بالأصل. و يدلّ عليه قوله عليه السّلام في صحيحة الكابلي: (و الأرض كلّها لنا)(2).
ثمّ ذكر المصنّف أنّ عموم ذلك لا يخصّص بمفهوم رواية حمّاد المرويّة في الكافي(3)، حيث جعل فيها من الأنفال كلّ أرض ميتة لا ربّ لها(4)، لأنّ القيد وارد مورد الغالب، لأنّ غالب الأراضي التي لا ربّ لها ميّتة، فلا مفهوم(5)
ثمّ إنّه ذكر في التقريرات أيضا أنّ الوصف الذي يتوهّم وروده مورد الاحتراز إنّما هو كلمة (لا ربّ لها) و أمّا عنوان (الميتة) فهي جزء الموضوع لا أنّه قيد حتّى يتوهّم وروده مورد الاحتراز، و فيه: أنّ الموضوع التام هو الأرض فقط، و أمّا الميتة فهي خارجة عن الموضوع و قيد له مثل كلمة (لا ربّ لها) فللأرض قيدان (الأحمدي).
.1) الوسائل 371/6، الباب الأوّل من أبواب الأنفال، الحديث 20.
2) الوسائل 329/17، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2.
3) الوسائل 365/6، الباب الأوّل من أبواب الأنفال، الحديث 4، و الكافي 539/1، باب الفيء و الأنفال، الحديث 4.
4) كما صنعه في الجواهر و حمل الموثّقة على مفاد رواية حمّاد من باب حمل المطلق على المقيّد، إذ الحمل المذكور لا وجه له و لو بناء على ثبوت المفهوم للوصف و القيد في حدّ نفسه (الأحمدي).
5) و أمّا الجواب عن ذلك كما في تقريرات المحقّق النائيني بما حاصله أنّ الوصف و لو كان مسوقا للاحتراز فلا يوجب حمل المطلق على المقيّد إلاّ إذا كان المطلوب فيهما صرف الوجود كما في (إن ظاهرت فأعتق رقبة) و (إن ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة) حيث يتحقّق التنافي بينهما و القيد مسوق للاحتراز فيحمل المطلق على المقيّد، و أمّا إذا كان المطلوب مطلق الوجود كما في (لا تشرب الخمر) و (لا تشرب الخمر العتيق) فلا يحمل أحدهما على الآخر لعدم التنافي بينهما، و موردنا من قبيل الثانيى، ففيه: مضافا إلى المناقشة في المثال الذي ذكره للقسم الثاني ب (أكرم هاشميا) و (أكرم هاشميّا عالما) حيث إنّه من قبيل صرف الوجود، أنّ عدم حمل المطلق على المقيّد في القسم الثاني إنّما هو في فرض عدم ثبوت المفهوم للقيد بأن لا يكون احترازيّا و إلاّ فلو فرض ثبوت المفهوم في الكلام فلا إشكال في لزوم حمل المطلق على المقيّد، فلو ورد (لا تشرب الخمر) و (لا تشرب الخمر إن كان من التمر) فلابدّ من تقييد إطلاق المطلق بواسطة المفهوم المستفاد من الشرط، فالصحيح في الجواب ما أفاده الشيخ.
و نقول: هذا الكلام معروف بينهم، من أنّ القيد إذا كان واردا مورد الغالب فلا مفهوم له، كما أنّه من المعروف أيضا أنّ الإطلاق يحمل على الأفراد الشائعة.
أمّا الكلام الثاني، فلا وجه له أصلا، لأن تخصّص الإطلاق بالأفراد النادرة مستهجن لا شموله لها.
و أمّا الكلام الأوّل، فثبوت المفهوم للقيد إنّما هو من جهة أنّه لو لم يكن له مفهوم لزم لغويّته، و القيد الوارد مورد الغالب لا يلزم منه هذا المحذور و لو لم يثبت له المفهوم، فلا مفهوم له، و إلاّ فلا فرق بينه و بين غيره من القيود الاحترازيّة.
الاّ أن الصحيح أنّ الوصف لا مفهوم له أصلا، لعدم لزوم اللغويّة من ذكر القيد و لو لم يكن له مفهوم؛ فإنّ ذكره قد يكون من جهة كون المقيّد مورد السؤال، أو من جهة عدم كون غيره مورد الابتلاء - كما في الرواية المزبورة حيث إنّ الأراضي التي هي مورد ابتلاء أهل العراق و الحجاز ميته - فلا معارضة بين الدليلين المثبتين و إن كان أحدهما أخصّ من الآخر لعدم التنافي بينهما.
و ليعلم أنّ هذه الرواية مرسلة، لأنّها مرويّة عن إبراهيم بن هاشم عن حمّاد عن
بعض أصحابنا عن العبد الصالح. و في الوسائل أسقط بعض أصحابنا، إلاّ أنه يرويها عن الكافي، و في الكافي هذه الزيادة موجودة.
الجهة الثانية: التصرّف في الأراضي العامرة بالأصالة بالإحياء - بأن يبني فيها دارا أو يجري فيها الأنهار - ممكن جدّا، و ثبوت الحقّ أو الملك فيها بالإحياء يكون كثبوته بالإحياء في الأراضي الميتة بالأصالة، إذ يعمّه قوله عليه السّلام: (من أحيا أرضا فهي له) و على فرض عدم صدق الإحياء على تعمير الأراضي العامرة بالأصالة، فإنّ جملة من الأخبار مشتملة على عنوان «التعمير»(1)فعلى فرض عدم شمول عنوان «الإحياء» له إلاّ أنّ عنوان «التعمير» يعمّه جزما، فمن حيث التعمير لا فرق بين الشيعي و غيره من حيث ثبوت الحقّ له بذلك في الموات و العامرة بالأصالة.
و لكن محلّ الكلام إنما هو في ثبوت ذلك بمجرّد الحيازة و وضع اليد عليها.
و قد استدلّ على ثبوته - كما في المتن - بقوله صلّى اللّه عليه و آله: (من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحقّ به)(2).
و فيه، أوّلا: أنّه نبويّ ضعيف السند.
و ثانيا: أنّه مختصّ بغير الأملاك(3)، و أمّا أملاك الناس فلا يجوز لأحد أن
1) الوسائل 336/17 و 327، الباب الأوّل من أبواب إحياء الموات، الحديث 3، 4 و 7.
2) المستدرك 112/17، الباب الأوّل من أبواب إحياء الموات، الحديث 4.
3) إنّ هذه الرواية و ما يشبهها مضمونا ليست مسوقة لبيان موارد تحقّق حقّ السبق و أنّه يتحقّق في كلّ مورد حتّى في السبق إلى مملوك الغير فلا وجه للاستدلال به في مثل المقام الذي هو ملك الإمام عليه السّلام لكونه من الأنفال، بل لا يفهم العرف منها إلاّ السبق إلى المباحات الأصليّة أو الأماكن المشتركة (الأحمدي).
يتصرّف في مال غيره إلاّ بإذنه. و بعبارة اخرى: إن اريد من عدم سبق مسلم إليه السبق في الملكيّة فهو مفروض العدم في المقام، لأن المفروض أنّ الأرض ملك للإمام عليه السّلام فلم يسبق إلى ما لم يسبق إليه غيره. و ان اريد السبق في التصرّف فلازمه جواز التصرف في ملك الغير إذا لم يسبقه إليه في التصرّف، و هو واضح الفساد.
و ثالثا: أنّه أجنبيّ عن الملكيّة، بل غاية مفاده ثبوت الحقّ به في موارد تحقّقه، و عمدة كلامنا في المقام إنّما هو في ثبوت الملكيّة لا الحق.
و ممّا يمكن أن يستدلّ به في المقام، قوله عليه السّلام: (من حاز ملك).
و فيه: أنّه لم يثبت كونه رواية و لم نعثر عليه في كتب الأخبار، و إنّما هو كلام معروف في ألسنة الفقهاء، مضافا إلى اختصاصه بحيازة المباحات الأصليّة دون أملاك الناس، فلا ربط له بالمقام.
و ممّا يمكن أن يستدلّ به أيضا، قوله عليه السّلام: (من استولى على شيء فهو له)(1).
و فيه: أنّه ليست رواية مستقلّة، و إنّما هو ذيل رواية سئل فيها الإمام عليه السّلام عمّا إذا اشتبه أموال الزوجة بأموال زوجها، و كانت الأموال تحت يدها جميعا، بأن ماتا و اشتبه ذلك؟ فحكم عليه السّلام بأنّ ما كان من الأموال مختصّا بالرجال يكون للزوج، و ما كان منها مختصّا بالنساء فهو للزوجة، ثمّ ذكر بعد ذلك أنّ من استولى على شيء فهو له، و ظاهره بيان الحكم الظاهري، و أنّ الاستيلاء أمارة على أن المستولى عليه للمستولي، و هذه قاعدة اليد، لا أنّ الاستيلاء سبب للملك واقعا، فلا ربط له بما
1) الوسائل 525/17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3، و فيه: على شيء منه.
نحن فيه من حصول الملك بالحيازة، مضافا إلى أنّه أيضا مختصّ بالاستيلاء على المباحات الأصليّة، لا الاستيلاء على أموال الناس، فإنّ أموال الناس لا يجوز التصرّف فيها بغير إذنهم.
فليس في البين ما يستفاد منه كون الحيازة أو الاستيلاء بعنوانه سببا للملك أو الحق، حتّى في المباحات الأصليّة فضلا عن غيرها.
نعم، ورد في بعض الروايات في موارد خاصّة يمكن أن يستفاد منها كون الحيازة و الاستيلاء على المباحات موجبا للملك، مثل قوله عليه السّلام في من سأل عن طير نظر إليه رجل، فاصطاده رجل آخر؟: (للعين ما رأت و لليد ما أخذت) فإنّ ظاهره أنّ الاستيلاء أوجب كون الطير لمن أخذه، و ليس للعين إلاّ النظر، و من الظاهر أنّه لا خصوصيّة للطير، فالجواب يعمّ حيازة غيره من المباحات.
و مع قطع النظر عن ذلك، فإنّ السيرة القطعيّة قائمة على أنّ الحيازة في المباحات توجب الملك. فثبوت الملك بالاستيلاء على المباحات الأصليّة ظاهر لا ريب فيه.
استدراك:
الظاهر أنّ ما ينبت في الأراضي من الأشجار و نحوها يكون ملكا لمالك الأرض بالتبع. و عليه فالأخشاب و الأشجار الموجودة في الآجام يكون للإمام عليه السّلام كنفس الأرض، و ليست من المباحات الأصليّة، فلا يملكها غير الشيعي بالحيازة، و لا يثبت له حقّ الأولويّة بالاستيلاء عليها. إلاّ أن يتمسّك لذلك بالسيرة، فإنّها قائمة على أنّ الاحتطاب لم يكن مختصّا بغير الكافر حتّى في زمان عليّ عليه السّلام، بل كان الكفّار يحتطبون و كان يشترى منهم ذلك، و لم يكونوا يردعون عنه، فتأمّل.
فيظهر من ذلك ثبوت الحقّ لغير الشيعي أيضا إذا حاز الأشجار و الأخشاب، و لا
تختصّ إباحة التصرّف فيها بالشيعي.
إلاّ أن نفس الأراضي العامرة ليست كذلك، و لا دليل على أنّها تملك بالحيازة.
نعم، يجوز للشيعي أن يتصرّف فيها لقوله عليه السّلام: (ما كان لنا فهو لشيعتنا) و قوله عليه السّلام في رواية مسمع: (كلّ ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون).
و أمّا غير الشيعي، فلم يثبت له الترخيص و إباحة التصرّف في الأراضي العامرة مطلقا، فإذا حاز أحدهم شيئا منها يجوز للشيعي مزاحمته فيها و أخذها منه. و هذا بخلاف الأراضي الموات بالأصالة، فانّه يثبت فيها الحقّ لغير الشيعي بالإحياء أيضا إذا أدّى الخراج.
و من الغريب ما صدر من الميرزا قدّس سرّه في المقام(1)، فإنّه ذكر أنّ ما ورد من تحليل الأراضي للشيعة معلّلا ذلك بأنّ لتطيب ولادتهم، يظهر منه التحليل لغير الشيعي، أيضا؛ لأنّ الكافر إذا استولى على أرض فربما تنتهى تلك الأرض إلى الشيعي، فالحكمة تقتضى أن يملكها الكافر(2).
و فيها ما لا يخفى:
أمّا أوّلا: فلأنّه لا يستفاد من تلك الأخبار إلاّ التحليل لا الملكيّة.
1) منية الطالب 267/2 و 269.
2) لأنّه إذا كان الأرض حراما عليهم فتكون ثمارها أيضا كذلك مع أنّ المسلمين يشترون الزروع و الثمار كثيرا من الكفّار فالحكمة تقتضي حلّية الأرض للكفّار أيضا، و يرد عليه أوّلا: أنّ الزروع و الثمار تكون ملكا للكفّار و إن كانوا غاصبين للأرض إذ الزرع و الثمرة للزارع و نابت الشجر و إن كان غاصبا للأرض إذا كان مالكا لحبّ الزرع و نواة الشجر، و ثانيا: حيث يكون الأرض و ما يخرج مباحا للمسلم فمن حين وصوله إلى يده يحكم بحلّيته لا قبل ذلك (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: الثالث ما عرض له الحياة بعد الموت [1]
قوله قدّس سرّه: الرابع ما عرض له الموت بعد العمارة [2]
و ثانيا: التعدّي إلى غير الشيعي لا وجه له، و انتهاء ما حازه غيره إلى الشيعي أحيانا لا يستلزم تملّك غير الشيعي لها بعد إمكان صيرورتها ملكا للشيعي أو مباحا عليه حينما تنتهي اليه.
فتلخّص من جميع ما ذكر: أنّ الأراضي سواء كانت عامرة بالأصالة أو مواتا، لا تملك بالإحياء و لا بالحيازة، بل هي ملك للإمام عليه السّلام، و يثبت حقّ الأولويّة للشيعي بالإحياء أو الحيازة(1)، و أمّا لغيرهم ففي الإحياء يثبت حقّ الأولويّة مع أداء الخراج لا بدونه، و أمّا بالحيازة فلا يثبت حقّ أصلا.
هذا تمام الكلام في الأرض العامرة و الموات بالأصالة.
[1] تقدّم تفصيله فلا نعيد، و ذكر المصنّف أنّه يصير ملكا للمحيي بالإجماع. و قد عرفت أنّه لا دليل عليه. ثمّ قال: لكن ببالي من المبسوط كلام يشعر بأنّه يملك التصرّف لا نفس الرقبة.
[2] الأراضي الميتة بالعرض(2)، هل تبقى على ملك محييها الأوّل مطلقا، أو لا تبقى في ملكه أو متعلّقة لحقّه، أو يفصّل بينما إذا كان حقّ الشخص الأوّل فيها
1) و هل يجب عليهم خراج الأرض العامرة أم لا؟ الظاهر هو الثاني كما عليه عمل الأصحاب حملا لروايات وجوب الخراج على غير الشيعة جمعا بين الروايات كما تقدّم في القسم الأوّل من الأراضي. (الأحمدي).
2) و هي على قسمين، الأوّل: ما كانت معمورة بالأصل و عرض عليها الخراب، و هذا لا إشكال في جواز إحيائها و صيرورة المحيي أحقّ بها من غيرها لأنّها ملك الإمام عليه السّلام عامرة و خرابا و قد أذن عليه السّلام إذنا عامّا بجواز إحيائها و التصرّف فيها، و إنّما الكلام في القسم الثاني و هي ما كانت عامرة من معمّر أحياها فعرض عليها الخراب (الأحمدي).
بالإحياء فيجوز لغيره إحياؤها و يكون أحقّ بها من المحيي الأوّل و ما إذا لم يكن بالإحياء بل كان بغيره - كالشراء من الإمام عليه السّلام و نحوه - فلا يزول حقّه أو ملكه بموت الأرض؟ وجوه، بل أقوال(1). و قد نسب التفصيل إلى العلاّمة في التذكرة، و نسب إليه دعوى الإجماع على ذلك. و نسبة التفصيل إليه و إن كان صحيحا، إلاّ أنّه لم يدّع الإجماع عليه، و لعلّ الاشتباه من الجواهر(2)أو كانت النسخة الموجودة عند صاحبه مغلوطة.
و الصحيح زوال حقّ الشخص الأوّل إذا ترك الأرض حتّى ماتت، فيجوز لغيره إحياؤها من دون إذنه و رضاه مطلقا.
لا لما ذكره بعضهم من أنّ قوله عليه السّلام: (من أحيا أرضا فهي له) يعمّ المحيي الثاني أيضا؛ فإنّه فاسد، لأنّ مقتضى إطلاق قوله عليه السّلام (فهي له) أنّ الإحياء يوجب الملك أو الحقّ حدوثا و بقاء حتّى بعد موت الأرض و تركها، فيكون إحياء الثاني لها إحياء لملك الغير، و هو غير جائز وضعا و تكليفا بمقتضى ما ورد من أنّه «لا يحلّ التصرّف في مال الغير بدون إذنه و رضاه» الحاكم على سائر الأدلّة و منها دليل الإحياء(3).
1) المشهور على بقاء ملكيّة الأوّل أو أحقّيته إن لم يكن سبب ذلك الإحياء بل الإرث مثلا، و أمّا إذا كان السبب هو الإحياء فالمشهور إلى زمان العلاّمة أيضا ذلك و لكن المشهور بين المحقّقين ممّن تأخّر عن العلاّمة عدمه و أنّ الأحقّية تثبت للمحيي الثاني مطلقا و هو الأظهر (الأحمدي).
2) الجواهر 21/38.
3) و أيضا إنّ الرواية ليست إلاّ في مقام بيان أنّ الإحياء سبب للملكيّة أو الأحقّية و ليست في مقام بيان شروط الإحياء و أنّه مشروط بعدم تعلّق حقّ أحد بالأرض قبل ذلك أو غير مشروط به، و لو فرض أنّها مطلقة فبقرينة ظهور الإحياء في بقاء ملكيّة المحيي الأوّل حتّى بعد عروض الخراب للأرض و لا أقلّ من أنّه لا يبقى لدليل الإحياء إطلاق بالنسبة إلى المحيي الثاني حينئذ، و مع التنزّل يتساقط الإطلاقات و يرجع إلى الأصل و مقتضى الاستصحاب أيضا بقاء الحق للمحيي الأوّل على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب عند الشك في المقتضي بل حتّى على مختار الشيخ لأنّه من قبيل الشك في الرافع و أنّه بعد عروض الخراب يرتفع حقّ المحيي الأوّل أم لا، و الشبهة في المقام و إن كانت حكميّة إلاّ أنّ أمثال المورد ممّا كان الحكم بالأحقيّة و لو بعد عروض الخراب موردا لإمضاء العقلاء و ليست من الامور التأسيسيّة فيجري فيها الاستصحاب (الأحمدي).
بل لصحيحة الكابلي(1)و صحيحة معاوية بن وهب(2)المرويّتان في إحياء الموات من الوسائل، فإنّهما ظاهرتان سندا و دلالة في ذلك.
إلاّ أنّ رواية سليمان بن خالد المرويّة في الوسائل عن الكافي(3)تنافي ذلك، فإنّه ذكر فيها أنّه إذا طالبه المحيي الأوّل فليردّ الثاني إليه حقّه(4). و قيل: إنّ المراد بها الإيجار، و ليس كذلك؛ إذ لا وجه لإلزامه بإيجار الأرض، بل المراد ردّ الأرض التي هي حقّه إليه، فيقع التنافي بينها و بين الصحيحتين.
فقد يقال: إنّ الجمع بين الطائفتين يقتضي التفصيل المتقدّم، فإنّ صحيحة الكابلي موردها ما إذا كان الأوّل مالكا أو ذي حقّ بالإحياء فتكون أخصّ من رواية سليمان
1) الوسائل 328/17، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2. و موردها خصوص ما إذا كان سبب حقّ السابق هو الإحياء (الأحمدي).
2) الوسائل 328/17، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث الأوّل. و موردها أعم من أن يكون حقّ السابق بالإحياء أو بغير ذلك (الأحمدي).
3) الوسائل 329/17، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 3.
4) و المراد من الحقّ إمّا هو الاجرة أو عين الأرض كما هو الظاهر، و على كلّ فيتنافى مع الروايتين المتقدّمتين، و موردها مثل الرواية الثانية أعم (الأحمدي).
ابن خالد، فتخصّص بها و تنقلب النسبة بينها و بين صحيحة معاوية بن وهب من التباين إلى العموم المطلق، فتقيّد الصحيحة بالرواية، و تكون النتيجة بقاء حقّ الأوّل و عدم جواز مزاحمة الثاني له فيما إذا كان مالكا للأرض بغير الإحياء، و زواله إذا كان مالكا بالإحياء.
أقول: نحن و إن بنينا على انقلاب النسبة في محلّه، حيث استظهرنا أن المعارضة لا بدّ و أن تكون بين حجّتين لا بين ظهورين و إن لم يكونا حجّة، فإذا كان هناك عامّان متنافيان بينهما التباين و ورد على أحدهما مخصّص، لا محالة تنقلب النسبة بينهما.
و لكن يرد عليه أمران:
أحدهما: أنّ تخصيص رواية سليمان بن خالد بها إذا كان الأوّل مالكا أو ذي حقّ بغير الإحياء يكون تخصيصا بالفرد النادر، و هو مستهجن؛ فإنّ التملّك بغير الإحياء لا يكون إلاّ بالشراء من الإمام و نحوه، و أمّا الشراء ممّن ملك الأرض بالإحياء أو الانتقال بالإرث و نحوه فهو داخل في الملك بالإحياء لانتهائه إليه، بل المالك الأوّل إذا لم يكن له الحقّ بعد موت الأرض، فكيف ينتقل منه الملك المستقر بعد ذلك إلى من انتقل اليه؟ و من المعروف أنّ معطي الشيء لا يكون فاقدا له، فكيف صار فاقد الملك معطيا له(1)؟ فينحصر الملك بغير الإحياء بما إذا انتقل المال
1) هذا على المختار من أنّ الأرض باق على ملك الإمام عليه السّلام سواء كان الحق بالإحياء أو بالانتقال من جهة الإرث و نحوه كما تقدّم وجهه، نعم على القول بحصول الملكيّة للمنتقل عنه آنا ما قبل الانتقال لا يرد عليه هذا الإيراد، إلاّ أنّه لا دليل عليه في مقام الإثبات بل مقتضى إطلاق الأدلّة المتقدّمة بقاء الأرض في ملك الإمام عليه السّلام إلى الأبد (الأحمدي).
إلى الشخص الأوّل من الإمام عليه السّلام، و من الظاهر أنّه فرد نادر لا يمكن تخصيص العام أو المطلق به.
و بعبارة اخرى: نسأل من القائل بالتفصيل و انقلاب النسبة، أنّه ما المراد من الأراضي المملوكة بغير الإحياء؟ فإن أراد بها ما لا تكون مملوكة بالإحياء حتّى مع الواسطة، بأن يختصّ غيرها بما تملّكها أحد من مالكها - و هو الإمام عليه السّلام - بإرث أو شراء و نحوه و لو بالواسطة، فلازمه تخصيص رواية سليمان بن خالد بالفرد النادر الذي لا نعرف له موردا أصلا، و هو ما إذا تملّك الشخص الأوّل الأرض من الإمام عليه السّلام. و إن أراد بذلك الأراضي التي لم يملكها شخص المالك بالإحياء و إن انتهى تملّكه لها بالإحياء مع الواسطة، بأن تملّكها مورّثه أو من باعها إليه بالإحياء، فلازمه تخصيص رواية معاوية بن وهب الدالّة على عدم ثبوت الحقّ للمحيي الأوّل بعد الخراب بالفرد النادر، و هو ما إذا تملّك المحيي الأرض بالإحياء بنفسه ثمّ تركها، و هو فرد نادر أيضا، فتأمّل. فلازم انقلاب النسبة تخصيص أحد الدليلين العامّين أو المطلقين بالفرد النادر، و هو كما ترى.
لا يقال: إنّ مورد صحيحة الكابلي هو ما إذا ملك الشخص الأوّل الأرض بالإحياء ثمّ تركها فأحياها الآخر، فكيف اختصّت بالفرد النادر؟
فإنّا نقول: إنّ بيان حكم الفرد النادر غير مستهجن، و إنّما المستهجن تخصيص العام أو المطلق بالفرد النادر.
ثانيهما - و هو العمدة -: أنّ المقام ليس من موارد انقلاب النسبة، بل هو من قبيل ما إذا ورد عام و ورد عليه مخصّصان أحدهما أوسع من الآخر، كما إذا قال المولى: أكرم كلّ عالم، ثمّ قال: لا تكرم مرتكب المعاصي منهم، ثمّ قال: لا تكرم
مرتكب الكبائر منهم، فإنّ العام حينئذ يخصّص بأوسع المخصّصين، لا أنّ العام يخصّص أوّلا بالمخصّص الأضيق، ثمّ تلاحظ النسبة بينه و بين المخصّص الأوسع لتنقلب النسبة.
و ذلك لأنّ صحيحة الكابلي و صحيحة معاوية بن وهب مختصّتان بما إذا ترك الأرض مالكها الأوّل عن اختيار ثمّ أحياها الثاني، لقوله عليه السّلام في صحيحة الكابلي:
(تركها و أخربها) و في صحيحة معاوية بن وهب: (تركها فأخربها) الظاهر في كون الترك و الخراب اختياريّا، فتأمّل. فلا يعمّ ما إذا كان الترك بغير اختيار لغصب غاصب أو أمر حاكم أو غفلة و نحو ذلك.
فهما نظير المرسلة الواردة في أنّ (من ترك أرضا ثلاث سنين و لم يزرعها فليس له حقّ فيها)(1)و المستفاد منها أنّه ليس لأحد أن يعطّل الأرض، فإنّها مخلوقة لرزق العباد، فإذا عطّلها و تركها كان لغيره إحياؤها. و ليس هذا قولا شاذّا، بل أفتى به جمع، و هو المناسب لما اخترناه، من أنّ الأرض لا تملك بالإحياء، بل هي باقية على ملك الإمام عليه السّلام، فإنّه بناء على صيرورتها ملكا للمحيي، يكون زوال ملكه بالترك مخالفا للقاعدة.
و بالجملة: فمورد الصحيحتين هو الترك الاختياري، بخلاف رواية سليمان بن خالد، حيث إنّه مطلق، فتقيّد بكلا الخاصّين، و تكون النتيجة زوال حقّ الأوّل بالترك الاختياري مطلقا.
1) الوسائل 345/17، الباب 17 من أبواب إحياء الموات، الحديث الأوّل.
قوله قدّس سرّه: ثمّ القسم الثالث إمّا أن تكون العمارة فيه [1]
و أما ما ذكره شيخنا المحقّق في حاشيته(1)، من أنّ رواية سليمان بن خالد مرسلة و ضعيفة و ادّعى انجبارها بعمل الأصحاب، فإنّه بعد المراجعة عرفنا أنّها ليست بمرسلة و لا ضعيفة، فإن الوسائل نقلها مسندة إلى سليمان بن خالد من دون إرسال، و رجال السند كلّهم موثّقون، ثمّ بعد ذلك حكاها عن الشيخ في التهذيب عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبي مثله. و المذكور في كتاب المزارعة من التهذيب(2)مطابق لما حكاه في الوسائل عن سليمان بن خالد حتّى في العبارة، و من الظاهر أنّ هؤلاء الأشخاص كلّهم عدول و موثّقون، فالرواية صحيحة.
[1] تعرّض قدّس سرّه لحكم الأراضي المفتوحة عنوة بمناسبة تعرّضه لحكم الأرضين، فذكر مقدّمة ما حاصله: أنّ الأراضي التي تحت يد الكفّار - بناء على المختار من ثبوت الحقّ لهم أيضا بالإحياء - يكون لهم إمّا ملكا أو حقّا على الخلاف، فإن بقوا على كفرهم كانت الأراضي كبقيّة أموالهم من النقود و غيرها(3). كما أنّهم إذا أسلموا طوعا كانت الأراضي لهم كما تكون لغيرهم من المسلمين. و إذا انجلوا عنها بدون قهر إمّا خوفا أو لغيره أو ماتوا جميعا و لم يبق لهم وارث، كانت الأراضي من الأنفال و من الأراضي التي لا ربّ لها، فتكون للإمام عليه السّلام. و إذا انجلوا عنها قهرا و غلبة صارت الأراضي خراجيّة، و يعبّر عنها ب «المفتوحة عنوة» و هي ملك للمسلمين بالمعنى المتقدّم، أي تصرف منافعها في مصالحهم.
و هناك قسم خامس يسمى ب «الأراضي الصلحيّة» تارة و «الخراجيّة» اخرى،
و هي التي يصالح الوالي عليها مع الكفّار، و هي تكون تابعة لكيفيّة المصالحة و جعل الوالي، فإن صالحهم على أن تكون الأراضي ملكا لهم و يؤدّون الخراج كانت مملوكة لهم، و إن صالحهم على أن تكون الأراضي ملكا للمسلمين و يؤدّون الخراج فكذلك.
و الكلام في المفتوحة عنوة يقع في مقامين:
أحدهما: في أنّها تملك أم لا؟
ثانيهما: في وجوب أداء الخراج فيها على الشيعي و غير الشيعي إمّا إلى الإمام عليه السّلام، أو الوالي و لو كان جائرا، أو و لو كان فاسقا، على تفصيل تقدّم في محلّه.
أمّا المقام الأوّل، فالظاهر أنّ الأراضي المفتوحة عنوة ملك للمسلمين بالمعنى المتقدّم، و لا تملك بالحيازة و لا بالإحياء. نعم إذا ملّكها وليّ الأمر لأحد ببيع أو غيره - حيث رأى في ذلك المصلحة للمسلمين - ملكها.
و تدلّ عليه الأخبار التي حكاها المصنّف في المتن، مثل قوله عليه السّلام: (من يبيعها؟ هي أرض المسلمين! قلت: يبيعها الذي في يده. قال: يصنع بخراج المسلمين ماذا؟ ثمّ قال: لا بأس، اشتر حقّه منها... الحديث)(1)فإنّه كالصريح في أنّها ملك للمسلمين، و يجب فيها الخراج، و لا يملك ببيع و نحوه، و إنّما يباع حقّ الاختصاص.
ثمّ لا يخفى أنّ رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي(2)التي حكاها المصنّف في جملة الروايات الواردة في المقام، لم نعرف ربطها بما نحن فيه. كما أنّ مرسلة حمّاد
التي حكاها أيضا - مضافا إلى ضعف السند - مشتملة على ما لم يلتزم به فقيه، كوجوب أداء الزكاة قبل تقسيم الزرع بين الشركاء، مع أنّه لا بدّ و أن يقسّم أوّلا فإذا بلغ نصيب كلّ منهم حدّ النصاب وجبت عليه الزكاة و إلاّ لم تجب.
ثم إنّه بعد ما ثبت أنّ الأراضي المفتوحة عنوة ملك للمسلمين، فيشكل الأمر في أخذ التراب منها و بيعه بعد جعله كوزا أو جصّا أو آجرا أو تربة - كما في تربة كربلاء - حيث إنّه لا يملك كأصل الأراضي.
و ربّما يستدلّ على تملّكها بالسيرة، و ستعرف ما فيها.
و دعوى أنّ الأراضي المفتوحة عنوة تملك بتبع الآثار، كلام معروف لا دليل عليه أصلا.
فيشكل وقف تلك الأراضي، كما لا يجوز بيعها و لا ما هو من قبيله من التصرّفات، و إنّما ينتفع بها مع إذن الوالي و أداء الخراج الذي هو بمنزلة اجرة الأرض.
و الحاصل: أنّ الأراضي المفتوحة عنوة ملك للمسلمين بالمعنى المتقدّم، فلا يملكها أحدهم بالحيازة و نحوها، إلاّ إذا ملّكه الوالي حيث رأى فيه مصلحة المسلمين.
و لا ريب أنّه إذا جاز لأحد التصرّف فيها بمجوّز، وجب عليه أداء الخراج الذي هو بمنزلة اجرة الأرض، كلّ ذلك يستفاد من الأخبار.
كما أنّه لا يجوز لأحد أن يملك شيئا من أجزائها المنفصلة كترابها، و لا يجوز بيعه بعد جعله كوزا أو آجرا أو تربة إلاّ إذا اقتضاه تعمير الأرض، كما إذا حفر بئرا فيها أو بالوعة أو سردابا و ألقى ترابها إلى الخارج، فيجوز تملّكها لأنّها حينئذ لا تعدّ
من الأرض بل تعدّ من منافعها.
هذا، و لكن الكلام في تميّز الأرض المفتوحة عنوة عن غيرها(1)فإنّ جملة منها من الأراضي الصلحيّة التي يحتمل كونها ملكا للكفّار، و جملة منها من المقاطعات التي وهبها الخلفاء و سلاطين الجور إلى الأشخاص، و قد عرفت أنّ تصرّفهم فيها نافذ، فلم يعلم كون كلّ قطعة من الأرض بخصوصها من المفتوحة عنوة، و اليد أمارة الملك لا ترفع اليد عن مقتضاها.
و العلم الإجمالي بكون بعض الأراضي من المفتوح عنوة و إن كان ثابتا، إلاّ أنّه لا أثر له بعد خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء(2)، فهو كالعلم إجمالا بوقفيّة بعض دور البلد أو غصبيّتها الحاصل لكلّ أحد في جميع البلدان القديمة، فكما لا يمنع هذا عن جواز شراء بعضها أو استيجارها، كذلك لا يمنع ذاك، فإذن لا مانع من
1) لأنّ المراد بها الأراضي المحياة بيد الكفّار حال الفتح و أمّا الأراضي العامرة بالأصل أو الموات بالأصل فهي باقية على ملك الإمام و حالها حال الأراضي الواقعة في بلاد المسلمين يجوز إحياؤها و السبق إليها، و ما ورد من أنّ أرض العراق من الأراضي المفتوحة عنوة المقصود منه المحياة منها حال الفتح بيد الكفّار و تشخيص ذلك مشكل جدّا، فباليد يحكم بكون الأرض ملكا لمن هو في يده الذي انتقل إليه بأحد الأسباب (الأحمدي).
2) و ما يكون مورد الابتلاء نحتمل أن لا تكون محياة بيد الكفّار حال الفتح كما يحتمل أن تكون مملوكة لذي اليد السابق بالشراء من الإمام أو هبة السلطان الجائر الذي أمضاه وليّ الأمر، و لعلّ هذه الجهات كانت منشأ السيرة خلفا عن سلف من شراء التربة المقدّسة و نحو ذلك. و أمّا استدلال المصنّف لجواز التصرّف فيما ينفصل من الأراضي المحياة حال الفتح كالأخشاب و نحوها حال الغيبة بعموم من سبق و السيرة، ففيه: أمّا الرواية فلمّا تقدّم من المناقشة فيها سندا و دلالة، و أمّا السيرة فلعلّ منشأها عدم احراز الصغرى فجعل اليد أمارة على الملك أو غير ذلك كما تقدّم (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و خصوص رواية سليمان بن خالد [1]
شراء الأرض أو شيء منها ممّن هي في يده بمقتضى اليد التي هي أمارة على الملك(1)
بقي الكلام في جواز التصرّف في تلك الأراضي في زمان الغيبة و أنّه يجوز مطلقا أو لا يجوز مطلقا أو التفصيل فإنّ الأقوال في المسألة كثيرة على ما ذكرها المصنّف غير أنّ أظهر الأقوال ما أفاده المحقّق النائيني و هو اشتراط الجواز بإذن الحاكم الشرعي إن أمكن و إلاّ فمن السلطان الجائر، و الوجه في ذلك أنّ الجواز مطلقا ينافي التصرّف في ملك المسلمين من دون إذنهم و لا إذن وليّهم، و روايات التحليل للشيعة موردها ما هو ملك الإمام عليه السّلام كالأنفال، كما أنّ رواية الأحقّية بالسبق و الحيازة موردها المباحات الأصليّة و نحوها لا ما هو ملك المسلمين. و أمّا التفصيل بين ما إذا كان المتصرّف موردا للخراج فيجوز و إلاّ فلا فلا وجه له لأنّ كونه مصرفا للخراج الحاصل من الأرض لو أعطاه من بيده الأمر لا يوجب جواز تصرّفه في ملك المسلمين بدون إذن وليّ الأمر، و أمّا تجويز أخذ ما يعطيه السلطان الجائر من الخراج أو الأراضي الخراجيّة بعنوان المقاطعة أو غيرها من قبل ولاة الحقّ فلا يدلّ على ثبوت الولاية لهم على ذلك حتّى يتعيّن اعتبار الإذن منهم بل إنّما أجازوا عليهم السّلام لشيعتهم التصرّف و الأخذ إرفاقا لهم. و دعوى ثبوت هذا المنصب أعني الولاية على الأراضي الخراجيّة لكلّ من تصدّى للخلافة حقّا أو باطلا فممّا لا أساس له قطعا، نعم يكفي الاستيذان من الحاكم الشرعي لأنّه القدر المتيقّن بعد ما لا يحتمل عدم جواز التصرّف فيها و في منافعها حال الغيبة أصلا، و يمكن استفادة الاكتفاء بالاستيذان من السلطان الجائر و ولاته ممّا دلّ على جواز التصرّف فيما يؤخذ منه و من ولاته من الخراج المقاسمة و نحوهما (الأحمدي).
.[1] ربما يقال بجواز إحياء الأرض المحياة حال الفتح إذا عرضها الخراب بعد ذلك لعموم أدلّة الإحياء. و قد تمسّك المصنّف له برواية سليمان بن خالد، و لم نعرف وجه
1) و أمّا المقام الثاني و هو وجوب أداء خراجها فتدلّ عليه جملة من الروايات التي ذكرها المصنّف، و أمّا مقدار الخراج فهو حسب ما يراه وليّ الأمر و ليس له حدّ معيّن على ما هو المستفاد من بعض روايات الباب.
قوله قدّس سرّه: كونه طلقا [1]
دلالتها عليه(1)، و لعلّه سهو من قلمه الشريف. نعم قد يتخيّل دلالة صحيحة الكابلي و معاوية بن وهب على الجواز، إلاّ أن صحيحة الكابلي موردها إحياء الأرض الموات، و صحيحة معاوية منصرفة عمّا هي ملك المسلمين بالمعنى المتقدّم، فتأمّل.
فالظاهر أنّها لا تملك بعد الخراب أيضا.
[1] احترزوا بذلك عن بيع الوقف، و بيع العين المرهونة و المنذورة و ما تعلّق بها اليمين، و بيع امّ الولد، و جملة من الامور.
و أورد عليه المصنّف قدّس سرّه: بأنّ اعتبار هذا الشرط دوريّ؛ فإنّ المراد ب «الطلق» أن يكون المالك تامّ السلطنة على ملكه بحيث يجوز له بيعه، فالاحتراز به عمّا لا يجوز بيعه كما ترى. و أجاب عنه الميرزا: بأنّ المراد ب «الطلق» الملك المستقل و السلطنة التامّة في مقابل الملكيّة القاصرة، إمّا لقصور في المقتضي كما في الوقف، و إما من جهة الاقتران بالمانع كما في العين المرهونة(2).
و نقول ردّا عليه: إنّه لم يرد دليل على اعتبار كون العوضين ملكا طلقا، و إنّما ورد المنع عن البيع في موارد خاصّة، كالوقف و العين المرهونة على قول، و لولا ذلك لم
1) أمّا عموم أدلّة الإحياء فلأن منصرفها الأراضي التي لا مالك لها و لذا لا يتمسّك بها للأراضي التي صارت محياة بالعرض ثمّ عرض عليها الخراب، و أمّا رواية سليمان بن خالد فبقرينة قوله عليه السّلام (فإن كان يعرف صاحبها فليؤدّ إليه حقّه) يكون موردها غير الأرض المفتوحة عنوة التي هي ملك المسلمين، بل تدلّ هذه الرواية على عكس المقصود و أنّ الإحياء لا يوجب جواز التصرّف لمن أحياها ثانيا، و رواية الكابلي بقرينة صدرها يكون موردها غير ملك المسلمين فراجع (الأحمدي).
2) منية الطالب 274/2.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لا يجوز بيع الوقف [1]
نمنع عن البيع و صيرورة الثمن بدلا عن المثمن في جميع شؤونه، بأن كان الثمن متعلّقا لحقّ الغير في المرهونة، أو الوقف وقفا على الموقوف عليهم، و مجرّد عدم كون العين طلقا لا يمنع عن صحّة البيع، فالظاهر أن عنوان «الطلقيّة» منتزع من الموارد الخاصّة التي ورد فيها المنع عن البيع.
[1] يدلّ عليه - بعد الاجماع - روايات(1):
منها: قوله عليه السّلام: (الوقوف على حسب ما يوقفها أو يقفها - على اختلاف النسخ - أهلها)(2)و الوقف بمعنى السكون، و يستعمل متعدّيا أيضا، فيمكن أن يكون نسخة «يقفها» بصيغة المجرّد هو الصحيح.
و تقريب الاستدلال بها ظاهر؛ فإنّ المعنى أنّ الوقف متروك ساكن غير قابل للانتقال على ما تركه الواقف و حبسه. و بعبارة اخرى بعدما فرض أنّ الوقف لابدّ
1) الوقف لغة و عرفا هو الحبس و بهذا المعنى يطلق على الوقف المذكور في كتاب الوقف إذا الواقف يحبس العين مثلا في ملك الطبقات الموقوف عليهم على نحو التدرّج و يمنعها عن الدخول في ملك غيرهم و لازم ذلك حبس الماليّة في شخص ذلك العين أيضا فلا يصحّ للموقوف عليهم إخراج العين الموقوفة عن ملكهم و لو بتبديل ماليتها بعين آخر لأنّه مناف لحقيقة الوقف، و عليه فإمضاء الوقف و لو ب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ كاف في إثبات عدم جواز بيعه و لا نحتاج في ذلك إلى إقامة دليل آخر إذ صحّة بيع الوقف مناف لدليل نفوذه، و احتمال أن يكون الوقف عبارة عن حبس الماليّة في العين من دون نظر إلى شخص العين بل العناية بحبس الماليّة و لازمه عدم جواز هبته و إتلافه و أمّا تبديل ماليّته بعين اخرى ببيع و نحوه فلا إشكال فيه، مدفوع بأنّه خلاف الظاهر لأنّ الواقف ينشأ الوقف على شخص العين الموقوفة بقوله وقفت الدار أو البستان، و إرجاع ذلك إلى وقف الماليّة الثابتة في ذلك العين خلاف الظاهر جدّا (الأحمدي).
2) الوسائل 295/13، الباب 2 من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات، الحديث 2.
و أن يكون دائما مملوكا للموقوف عليهم بحسب جعل الواقف، ينافيه الانتقال خارجا و صيرورته ملكا لغيرهم بالشراء و نحوه.
و منها: قوله عليه السّلام في رواية علي بن راشد: (لا يجوز شراء الوقف(1)و لا تدخل الغلّة في ملكك... الحديث)(2)و المراد ب «الغلّة» ليس ما هو ظاهرها من ثمرة الزرع؛ لأنّه ملك للزارع و لو كان غاصبا، بل المراد بها ما هو تابع لنفس الأرض في الملكيّة، كالزروع التي تنبت في الأرض بطبعها و ما هو بحكمها من اجرة الأرض و إن كان ذلك خلاف ظاهر الغلّة.
و منها: ما ورد في حكاية وقف أمير المؤمنين عليه السّلام و قوله فيها: (تصدّق بداره التي في بني زريق، صدقة لا تباع و لا توهب... الحديث)(3)فإنّ الظاهر أنّ قوله (صدقة لا تباع) مفعول مطلق نوعي، و هو وصف احترازي و ليس بشرط، فإنّ الصدقة - و هي مطلق الخيرات - تكون على قسمين: منها ما يكون قابلا للبيع و الهبة، و منها ما لا يكون قابلا لذلك و هو الوقف، فكأنّه عليه السّلام أراد بيان أنّ تصدّقه من القسم الثاني، أي الوقف الذي بطبعه لا يباع و لا يوهب.
و لا ينافي ذلك - أي توصيف الوقف بأنّه لا يباع - جواز بيعه بمجوّز شرعي
1) حيث رتّب عدم جواز الشراء على الوقف فيعلم من ذلك أنّ الوقف لجهة وقفيّته موجب لفساد البيع سواء كان البائع الموقوف عليهم أو غيرهم، على أنّ من ترك الاستفصال في كلام الإمام أيضا يعلم عدم الفرق و أمّا قول الراوي (لا أعرف لها ربّا) فهو سؤال آخر سأله بعد ما أجابه الإمام عن سؤاله الأوّل و قد نشأ هذا السؤال عن أمر الإمام إيّاه بردّ الغلّة إلى من اوقفت عليه (الأحمدي).
2) الوسائل 303/13، الباب 6 من أحكام الوقوف و الصدقات، الحديث الأوّل.
3) الوسائل 304/13، الباب 6 من أبواب الوقوف و الصدقات، الحديث 4.
أحيانا، لأنّه وصف طبعي للوقف لا فعلي، فهو نظير قولك: شرب الخمر الذي هو حرام، فإنّه لا ينافي جوازه أحيانا لضرورة أو للتداوي، فيستفاد من التوصيف أنّ الوقف بحسب طبعه غير قابل للبيع. و أمّا احتمال كونه وصفا للشخص أو لقسم خاصّ من الوقف فبعيد عن ظاهر اللفظ(1)، فتأمّل. و كذا احتمال كونه شرطا خارجيّا في شخص الوقف كما في المتن(2).
و ربما يورد عليه: بأنّ اشتراط عدم البيع على نحو الإطلاق شرط فاسد، لأنّه مناف للكتاب و السنّة لجواز بيعه أحيانا، و هو مفسد على قول(3).
و أجاب عنه في المتن بوجوه ثلاثة، أوّلا: أنّ الإطلاق منصرف إلى البيع لا لعذر(4)كما في رواية علي بن راشد، و ثانيا: أنّ التقييد لا بدّ منه حتّى لو كان وصفا،
1) لأنّ قوله عليه السّلام (صدقة لا تباع) مفعول مطلق لقوله (تصدّق بداره) و هو ظاهر في بيان إرادة النوع كما يظهر من ملاحظة نظائره (الأحمدي).
2) إذ لو كان ذكره من باب الشرط الخارجي لزم التعدّي ب «على» بأن يقول (على أن لا تباع) و لم يكن وجه لتكرار كلمة «الصدقة» و لم يصحّ ذكره بعنوان الوصف و القيد ألا ترى أنّه يصحّ أن تقول (ملّكتك الدار ملكا مجانيّا) لأن المجانيّة غير خارجة عن حقيقة التمليك و لا يصحّ أن تقول (بعتك الدار بيعا على أن تخيط ثوبي) فلو كان (صدقة لا تباع) شرطا خارجا عن حقيقة الوقف لما صحّ التعبير عنه بعنوان الوصف و القيد (الأحمدي).
3) فيكون موجبا الفساد الوقف بل حتّى لو لم نقل بكونه مفسدا فإنّ الشرط الفاسد لا يصدر من الإمام عليه السّلام و هذه أيضا قرينة اخرى - كما في المتن - بأنّ المراد من الوصف بيان النوع لا الشرط الخارجي (الأحمدي).
4) أي البيع بحسب الطبع لا البيع مطلقا حتّى باعتبار الطوارئ حتّى يكون من الشرط الفاسد. و أورد عليه المحقق النائيني بأنّ الوصف إذا كان وصفا للنوع كان لانصرافه إلى ما ذكر مجال حيث إنّ أفراد النوع متعددة و مع تعدّد أفراد الشيء يصحّ دعوى أنّ المراد من الشيء طبيعيّه و الطبيعي من الشيء ينصرف عن الحالات الطارئة و أمّا الشرط الخارجي فهو أمر خارجي لا معنى للانصراف في الشيء الشخصي عن الحالات الطارئة، و فيه أنّه ليس مراد المصنّف انصراف التصدّق الذي هو المشروط حتّى يقال إنّ شخص الوقف الخارجي لا معنى للانصراف فيه بل المدّعى انصراف الشرط و هو قوله عليه السّلام «لا تباع» و من المعلوم أنّه ليس المنهيّ عنه في الشرط بيع شخصي حتّى لا يجري فيه الانصراف بل المراد من البيع في متعلّق الشرط طبيعيّ البيع فتجري فيه دعوى الانصراف (الأحمدي).
و ثالثا: يحتمل أنّ الإمام عليه السّلام كان عالما بعدم طروّ مسوّغ للبيع، فلم يكن هناك حاجة للتقييد إن كان شرطا. و هذا بخلاف ما إذا جعل وصفا، فإنّ التقييد حينئذ لازم حتّى مع العلم بعدم طروّ المسوّغ كما هو واضح. ثمّ بعد ذلك ذكر أنّ الإنصاف ظهور السياق في الوصفيّة.
و نقول: لو لم تكن الشرطيّة مخالفا لظاهر السياق - كما أفاد - أمكن أن يجاب عن الإشكال بوجه أحسن، بأن يقال(1): إنّه ما المراد من اشتراط أن لا يباع؟ فإن اريد به عدم جواز البيع فهو ممّا لا يقبل الاشتراط لعدم كونه تحت قدرة الواقف و اختياره بل أمره بيد الشارع، فلابدّ و أن يراد به عدم البيع خارجا، و عدم وقوع البيع كذلك لا ينافي جوازه عند طروّ أحد المسوّغات. نعم ينافي ذلك وجوبه فيما إذا استلزم بقاؤه تلف النفوس و الأعراض، فإطلاق الشرط غير مناف للكتاب و السنّة، فتأمّل.
1) ما هو ثابت شرعا جواز بيع الوقف عند طروّ بعض الحالات و ليس مرجع شرطيّة أن لا تباع إلى عدم جواز بيعه مطلقا بل إلى شرطيّة عدم بيعه خارجا مطلقا فلا يجوز بيعه حتّى مع الطوارئ عملا بوجوب الوفاء بالشرط و دليل الجواز في بعض الحالات يدلّ على الجواز من حيث طبعه في تلك الحالات لا على الجواز حتّى بلحاظ الشرط أيضا (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و ممّا ذكرنا ظهر أنّ المانع عن بيع الوقف امور ثلاثة [1]
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ جواز البيع لا ينافي بقاء الوقف [2]
[1] جعل قدّس سرّه المانع من بيع الوقف تعلّق حقوق ثلاثة به: حقّ اللّه تعالى حيث يعتبر في الوقف القربة فيكون العمل للّه و عوضه عليه، و حقّ الواقف حيث جعل العين محبوسة متروكة صدقة جارية ينتفع بها، و حقّ الموقوف عليهم كالبطون اللاحقة في الوقف على الذريّة.
و نقول: الظاهر عدم ثوبت الحقّ في شيء من الموارد الثلاثة، فتأمّل.
أمّا حق اللّه سبحانه، فلأنّ كون الوقف قربيّ - على فرض اعتبار القرب فيه - لا يستلزم ثبوت حقّ له تعالى في العين الموقوفة. نعم لازمه وصول القرب به بعد تحقّقه.
و أمّا الواقف، فأيّ حقّ يثبت له بعد ما وقف العين و أخرجها عن ملكه.
و كذا البطون اللاحقة، فإنّ لهم حقّ الانتفاع بالعين ما دامت باقية.
فالعمدة في المقام هي الأخبار الخاصّة و العامّة، فإنّ مقتضى قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بقاؤها محبوسة متروكة و عدم انتقالها بالبيع و نحوه. و كذا قوله عليه السّلام:
(الوقف لا يشترى) و سائر الأدلّة الخاصّة، فهي المانع عن البيع لا كون الوقف متعلّقا للحقّ، فتأمّل.
[2] قد عرفت أنّ الوقف عبارة عن السكون و الحبس، فوقف العين عبارة عن إيقافها عن الحركة و الانتقال و جعلها ساكنة، فعدم الانتقال مقوّم لحقيقة الوقف، فمفهوم الوقف يقتضي عدم جواز البيع و لو لم يكن هناك دليل خارجي يمنع بيع الوقف.
ثمّ إنّ بيع الوقف إذا جاز لمسوّغ يتصوّر على قسمين: لأنّه تارة يباع و يجعل بدله
وقفا كما كان المبدل كذلك، و اخرى يباع و يتصرّف الموقوف عليه في البدل كتصرّفه في سائر أمواله.
و على التقديرين، هل يكون جواز البيع موجبا لبطلان الوقف بحيث لا يرد البيع على الوقف فيكون جواز بيعه من باب التخصّص لا التخصيص بل يباع ما ليس بوقف، أو أنّ الوقف لا يبطل إلاّ بالبيع الخارجي، فيجوز إبطال الوقف بالبيع؟
مختار المصنّف هو الثاني، حيث ذكر أنّ مدلول صيغة الوقف و إن اخذ فيه الدوام و المنع عن المعاوضة، إلاّ أنّه قد يعرض ما يجوّز مخالفة الإنشاء، ثمّ تنظّره بالرجوع في الهبة الجائزة المنافي لمقتضى العقد و سلطنة الموهوب له على العين الموهوبة.
إلاّ أنّ كاشف الغطاء في شرحه على القواعد ذهب إلى الأوّل. و أنّ جواز البيع يبطل الوقفيّة؛ لأنّ عدم جواز البيع ليس حكما شرعيّا مترتّبا على الوقف ليكون قابلا للتخصيص مع بقاء الوقف، و إنّما هو مقوّم للوقف، فلا ينتفي إلاّ بانتفاء الوقفيّة(1).
و تبعه صاحب الجواهر، فذكر أنّ الذي يقتضيه النظر بعد إمعانه أنّ الوقف ما دام وقفا لا يجوز بيعه، بل لعلّ جواز بيعه مع كونه وقفا من التضادّ. نعم إذا بطل الوقف اتّجه حينئذ جواز بيعه(2).
و أورد المصنّف على ذلك بما حاصله أنّه: إن اريد من بطلان الوقف انتفاء بعض
آثاره، و هو عدم جواز البيع، فيثبت الجواز، لأنّ نفي النفي إثبات، فيكون جواز البيع مشروطا بجوازه، و هو ممّا لا محصّل له، لرجوعه إلى اتّحاد الشرط و الجزاء، فضلا عن احتياجه إلى النظر أو إلى إمعانه. و إن اريد انتفاء أصل الوقف و رجوعه إسلى ملك الواقف أو الموقوف عليه، فهو مخالف للإجماع؛ إذ لم يقل أحد من مجوّزي بيع الوقف بعوده ملكا عند طروّ أحد المسوّغات، و لم يجوّز أحد التصرّف فيه حينئذ كالتصرّف في بقيّة الأموال بأن يهبه إلى أحد أو يرهنه، و قد صرّح المحقّق في جامع المقاصد بالمنع عن رهنه و إن بلغ حدّا يجوز بيعه معلّلا باحتمال زوال مسوّغ البيع عند إرادة بيعه في استيفاء الدين، و كذا لم يقل أحد بانتقاله إلى الوارث بعنوان الإرث إذا لم يبع إلى أن زال المسوّغ بل يحكم بوقفيّته، مع أنّ طروّ المسوّغ لو كان موجبا لبطلان الوقفيّة احتاج رجوعه إلى الوقفيّة ثانيا إلى إنشاء ثان.
ثمّ اختار بعد ذلك أنّ المنع عن البيع ليس مأخوذا في مفهوم الوقف، فمعنى جواز بيعه ثبوت الولاية للبايع على تبديل أموال البطون اللاحقة أو جعل الشارع له حقّ إبطال الوقف.
و نقول: إن أراد صاحب الجواهر ببطلان الوقف أحد المعنيين المذكورين، أعني انتفاء بعض آثاره و هو عدم جواز بيعه، أو بطلان الوقف رأسا، فالأمر كما أفاده المصنّف، لا يمكن الالتزام بشيء منهما.
إلاّ أنّه من المحتمل أن يراد به معنى آخر، و هو بطلان الوقف من حيث إيقافه عن البيع، فإنّ الوقف - كما عرفت - عبارة عن سكون العين الموقوفة و إسقاطها عن قابليّة الانتقال بكلّ نحو من أنحائه، و قد أمضاه الشارع إلاّ من جهة البيع عند طروّ المسوّغ ما دام باقيا، فمعنى بطلان الوقف عدم إمضاء الشارع لما أنشأه
الواقف، لكن لا مطلقا ليبطل الوقف رأسا، بل من تلك الحيثيّة فقط. و عدم امضائه من بعض الحيثيّات لا يستلزم عدم امضاء ما أنشأه الواقف رأسا كما هو واضح.
و الالتزام بالبطلان بهذا المعنى لا بدّ منه؛ فإنّ إمضاء الشارع لحبس الوقف من جميع الجهات مناف لتجويز الانتقال بالبيع أحيانا، فما ذكر من أنّ بقاء الوقف و جواز البيع من التضادّ أمر تام، إلاّ أنّ بطلان الوقف ليس من جميع الجهات لتلزم المحاذير المتقدّمة، بل يكون البطلان من جهة البيع ما دام المسوّغ موجودا. و عليه لا يلزم عود الوقف ملكا و لا انتقاله بالإرث و لا جواز التصرّف فيه بغير البيع من أنحاء التصرّفات، و لا يجوز رهنه و لا غير ذلك.
ثمّ إنّه على ما ذكرناه من أنّ طروّ المسوغ للبيع لا يبطل الوقف، لا ينبغي الريب في عدم جواز البيع بعد زوال المسوّغ.
و لكن بعض الأكابر ذهب إلى جواز البيع بعد زوال المسوّغ على التقديرين، سواء قلنا ببطلان الوقف أم لم نقل به، أمّا على الأوّل فواضح، لانتفاء الوقفيّة بمجرّد طروّ المسوّغ، فليس بيعه من بيع الوقف. و أمّا على الثاني فلأنّ إطلاق دليل المنع عن بيع الوقف قد خصّص في زمان تحقّق المسوّغ، و بعد زواله لا يمكن الرجوع إلى عموم المنع، لأنّه حكم مستمرّ و قد انقطع، و عوده يحتاج إلى دليل آخر، فيستصحب بقاء حكم المخصّص، و هو جواز البيع، فمن هذه الجهة لا يترتّب أثر عملي على القول بطلان الوقف بطروّ المسوّغ و عدمه.
و نقول: التحقيق أنّ المورد على كلا التقديرين بل على جميع التقادير من موارد الرجوع إلى عموم العام، فلا يجوز البيع بعد زوال المسوّغ مطلقا.
أمّا على القول ببقاء الوقفيّة بعد طروّ المسوّغ و تخصيص دليل المنع عن البيع
قوله قدّس سرّه: لأصحابنا في الخروج عن عموم المنع في الجملة أقوالا [1] فظاهر، لأنّ عموم المنع عن بيع الوقف قد خصّص في زمان وجود المسوّغ، ففي الزائد على ذلك يرجع إلى العموم، و قد بيّنا في محلّه أنّه لا فرق في الرجوع إلى العام عند احتمال التخصيص الزائد بين العام المجموعي و العام الاستغراقي، و لا بين الأفراد العرضيّة و الأفراد الطوليّة.
و هكذا لو قلنا ببطلان الوقف عند طروّ المسوّغ مطلقا كما اختاره في الجواهر؛ فإنّ ما أنشأه الواقف كان حبس العين عن الانتقال إلى الأبد، و مقتضى عموم دليل الإمضاء كونه ممضى كذلك، أي قبل ورود المسوّغ و حينه و بعده، فللعام أفراد طوليّة ثلاث، و لا يستفاد من المخصّص أكثر من عدم تحقق الإمضاء و تخصيصه حين طروّ المسوّغ - أي ما دام موجودا - و أمّا بعده و قبله فمقتضى العموم ثبوت الإمضاء، و هو حجّة لا يرفع اليد عنه - كما حقّقناه في محلّه - و لو كان العام مجموعيّا متكلّفا لحكم واحد مستمر.
فعلى جميع التقادير يكون المورد موردا للرجوع إلى عموم العام لا إلى حكم المخصّص، فلا وجه لما ذكره بعض الأكابر من الحكم بجواز البيع بعد زوال المسوّغ مطلقا.
[1] ذكر قدّس سرّه أنّ مقتضى العموم عدم جواز بيع الوقف مطلقا، و لأصحابنا في الخروج عنه أقوال:
المنع عن البيع مطلقا، و قد حكاه الشهيد عن ابن إدريس و قوّاه، حيث قال: و ابن إدريس سدّ الباب و هو نادر مع قوّته(1).
1) الدروس 279/2 و انظر السرائر 153/3.
و الجواز في الجملة مطلقا، و لا بدّ من تقييده بغير ما هو محرّر - كالمساجد - و إن كان كلام القائل مطلقا؛ إذ لا يظنّ بأحد تجويز بيع المسجد و نحوه من المشاهد المشرّفة.
و التفصيل بين المؤيّد و المنقطع، فيجوز البيع في الأوّل دون الثاني، و هو مبنيّ على القول برجوع الوقف المنقطع إلى الواقف أو ورثته إذا انقطع الموقوف عليهم، فإنّ البيع حينئذ يكون تضييعا لحقّ الواقف، بخلاف المؤيّد حيث لا يكون بيعه منافيا لحقّ الواقف.
و التفصيل بين المؤيّد و المنقطع، بالقول بالجواز في الثاني دون الأوّل.
و التفصيل بين أجزاء الوقف كجذعه و حصوه و نحو ذلك و بين عين الوقف، و القول بجواز البيع في الأوّل دون الثاني.
و التحقيق: أنّ الوقف من حيث الموضوع ينقسم إلى منقطع و مؤبّد، و ليس المراد بالمنقطع كون الوقف محدودا، فإنّ صحّة الوقف المحدود أوّل الكلام، فالوقف في كلا القسمين مؤبّد، إلاّ أنّه قد يكون الموقوف عليه ممّن ينقطع في الخارج، فيسمّى الوقف ب «المنقطع» لانقطاع موضوعه، كالوقف على الأولاد. و قد يكون ممّن لا ينقطع، كالوقف على المسلمين أو الشيعة أو عامّة البشر، فإنّه لا ينقطع خارجا.
و من حيث الحكم، أعني كيفيّة الوقف أيضا ينقسم الوقف إلى أقسام:
فإنّه قد يكون من قبيل التحرير و فكّ الملك - نظير تحرير العبد و عتقه - بحيث لا يكون ملكا لأحد، و لذا لا يضمن من غصبه، و ليس في غصبه إلاّ مجرّد الحكم التكليفي.
و قد يكون تمليكا للبطون أو للجهة بأحد الأنحاء التي ستتّضح إن شاء اللّه تعالى.
قوله قدّس سرّه: أمّا الأوّل فالذي ينبغي أن يقال فيه [1]
و لا بدّ من التكلّم في كلّ من الأقسام.
[1] ذكر أنّ الظاهر عدم الخلاف في عدم جواز بيع الوقف المؤيّد الذي هو من قبيل التحرير، فهذا القسم خارج عن محلّ الكلام، لأنّ الكلام فيما هو ملك غير طلق لا فيما ليس بملك أصلا.
ثمّ نقل عن كاشف الغطاء المنع عن بيع الوقف العام لقصور في الملك بل لعدم الملك رأسا، و لكن مع اليأس عن الانتفاع به في الجهة المقصودة، كما إذا كان المسجد واقعا في قرية خربة لا يمرّ بها أحد ليصلّي فيه، يؤجر للزراعة مع المحافظة على الآداب اللازمة إن كان مسجدا و إحكام السجلاّت لئلاّ يغلب اليد، و تصرّف فائدتها في ما يماثلها من الأوقاف... إلى آخر ما ذكره قدّس سرّه(1).
ثمّ أورد عليه المصنّف بما حاصله: أنّ المنع عن البيع في هذه الصورة و إن كان حسنا، إذ ليس هناك مالك للوقف ليباع عنه وكالة أو ولاية أو يبيعه هو بنفسه، إلاّ أنه كما لا مجال لبيعه لا مجال لإيجاره أيضا، فإنّ نسبة الوقف إلى الموجر و المستأجر على حدّ سواء، فمن أين يثبت للموجر حقّ الإيجار؟ فذكر أنّه يمكن الحكم بإباحة الانتفاع للمسلمين لأصالة الإباحة، و لا يتعلّق عليهم اجرة.
و بالجملة: فصّل المصنّف قدّس سرّه في بيع الوقف المؤبّد بين ما كان ملكا للموقوف عليهم و ما لا يكون ملكا لأحد، بل يكون فكّا للملك و من قبيل التحرير.
فنقول: أمّا الوقوف الذي يكون نظير التحرير كالمساجد، فإنّ المسجد لا يطلق إلاّ على المكان المحرّر عن الملك الذي جعل معبدا، و لذا ذكر السيّد في العروة: أنّه
1) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 84-85.
إذا أوقف أحد مكانا على المسلمين ليعبدوا فيه من دون أن يحرّره عن الملك لا يترتّب عليه أحكام المسجد. فالمسجد للّه كما في الآية(1)، و ليس طرفا لإضافة الملكيّة أصلا، فلا يجوز بيعه و لا إيجاره لعدم كونه ملكا، كما أنّه ليس له مالك أصلا، و لا يضمنه أحد لو غصبه، إذ الضمان يكون للمالك، و ليس للمسجد مالك.
و أمّا الوقف الخاص، فهو ملك للموقوف عليهم و لهم السلطنة عليه، غايته سلطنة محصورة قاصرة ليس لهم نقله إلى الغير ببيع و نحوه، فهو ملك لهم محبوس، و لهم منافعه ملكا طلقا.
و تدلّ على كلا الأمرين كلمة «على» المذكورة في إنشائه، فيقال: وقفته عليهم، فإنّه يكون للتضيّق، و لو لم يكن ملكا لهم لم يكن في تحبيسه عليهم تضيّقا ليتعدّى بكلمة «على»، بل كان المناسب الإتيان بلفظ «اللام» و يقال: وقفته لهم، كما أنّ مفهوم الوقف يقتضي حبس العين. فالوقف الخاص تمليك العين للأشخاص الخاصّة تمليكا قاصرا ليكون لهم منافعها مع جعلها ساكنة، فتكون العين ملكا للموقوف عليهم كذلك مشاعا، كما أنّ المنافع أيضا تكون ملكا لهم طلقا، كلّ بحسب حصّته، فإذا لم يستوف أحدهم حصّته من المنفعة تبقى في ملكه إلى أن تنتقل إلى وارثه.
فإذن المقتضي لبيعه موجود، و إنّما المانع هو الوقف، فإذا زال بطروّ المسوّغ جاز البيع.
و أمّا الوقف العام فهو على قسمين لأنه:
تارة: تكون العين فيه محبوسة دون المنفعة، فتوقف العين على العلماء أو الزوّار
1) سورة الجنّ/ 18.
بحيث تصرف منافعها عليهم، كما في وقف الحمّام أو الدكّان عليهم، فإن الظاهر فيه أنّه لم يوقف ذلك لأن ينتفعوا به فقط، بل ليوجر و تعطى منافعه إليهم.
و اخرى: يوقف عليهم لأن ينتفعوا به لا لتصرف منافعه عليهم، كما في المدارس و القناطر و الخانات، فإنّها موقوفة لينتفع بها لا لتوجر و يدفع إليهم ثمنها.
و العين في هذين القسمين مملوكة للموقوف عليهم، لكن لا بنحو الإشاعة ليلزم تقسيم المنفعة على جميعهم كلّ بحسب حصّته، بل تكون ملكا للجهة، فلا مانع من إعطاء جميع منافعها إلى واحد منهم، إلاّ إذا قيّد في الوقف أمر خاص. و هذا بخلاف الوقف الخاص، فإنّه ملك مشاع بين أفراد الموقوف عليهم.
و الفرق بين نفس هذين القسمين: أنّه في القسم الأوّل تكون العين ملكا للجهة لكن محبوسة لا طلقة، و المنفعة تكون ملكا لهم طلقا، فيجوز لهم بيعه و أكل ثمنه.
و في القسم الثاني كما لا تكون العين طلقا، كذلك المنفعة ليست لهم طلقا، بل هي أيضا محبوسة بمعنى اشتراط صرفها في جهة خاصّة، و هي الانتفاع بها مباشرة، فهي مملوكة لهم بهذا المعنى. و قد عبّر المصنّف عن ذلك ب «ملك الانتفاع» و نحن لم نتعقّل لملكيّة الانتفاع معنى؛ لأنّه فعل الشخص، و لا معنى لكون الانسان مالكا لفعل نفسه، فهو مالك للمنفعة، لكن في جهة خاصّة. و لا مانع من التعبير عنه بملك الانتفاع مسامحة من باب ضيق العبارة.
و كيف كان، يدلّ على كون العين ملكا محبوسا في الوقف العام على الجهة، كلمة «على» بالتقريب الذي قدّمناه في الوقف الخاص.
مضافا إلى السيرة المستمرّة، فانّها قائمة على جميع ما ذكرناه، ففي الوقف الخاص إذا غصب أحد العين الموقوفة على الذريّة مثلا أو شيئا من منافعها، يراه
العرف ضامنا لهم، و في الوقف العام يراه ضامنا للجهة، و ليس ذلك إلاّ من جهة أنه يرى العين و المنفعة ملكا لهم، و هذا بخلاف القسم الأوّل يعنى الوقف التحريري، فإنّه لا ضمان فيه أصلا.
و بما ذكرناه ظهر أنّه لا وجه لعطف المصنّف المدارس و الربط على المساجد.
فتلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّ المسجد ليس ملكا لأحد، و إنّما هو مفكوك عن الملكيّة، و هو للّه تعالى من حيث المعبديّة، نظير الكنائس و البيع لغير المسلمين، فلا يمكن بيعه بوجه من الوجوه، و إذا تعذّر صرفه في الجهة المعدّ لها ابيح التصرّف فيه من الجهات الاخر، لعدم كونه مزاحمة لتلك الجهة. و أمّا سائر الأوقاف الخاصّة و العامّة فهي ملك للموقوف عليهم، و لا مانع من بيعها بمسوّغ.
ثمّ إنّ هناك قسما آخر من الوقف، و هو الوقف على الوقف، كوقف الدكّان أو الحمّام على المسجد أو المدرسة و نحوهما. و هو يكون ملكا للمسجد أو المدرسة غير طلق. و لا مانع من اعتبار الملكيّة لغير ذوي الشعور بعد ما صحّحنا اعتبارها للكلّي و للجهة، بل للمعدوم أيضا، فيكون المسجد مالكا لذاك الدكّان الموقوف عليه على نحو مالكيّة سائر الموقوف عليهم للوقف، كما أنّ منافعة تكون ملكا طلقا للمسجد، فيصرف عليه أو على متعلّقاته من إمام يصلّي أو غيره على حسب ما اوقف.
ثمّ الوقف على الوقف يكون على أقسام ثلاثة لأنّه:
تارة: يكون وقفا على المسجد مثلا بحيث تكون منفعته للمسجد، كالقناديل الموقوفة على المساجد و المشاهد، فإنّه ليست فيها منفعة سوى الزينة، فيتزيّن بها المسجد أو المشهد، و هي قسم من المنافع لعدم اختصاصها بالأكل و الشرب
و نحوهما، فهو نظير أن يقف أحد قلادة للعرائس لتتزيّن بها. و هذا النحو من الوقف يكون ملكا للمسجد أو للمشهد محبوسا، كما أنّ منافعه تكون ملكا طلقا له، فإذا حصل مسوّغ لبيع الوقف يصرف ثمنه في نفس المسجد لأنّه ملك له.
و اخرى: ليست فيه منفعة عائدة إلى المسجد، كما إذا فرضنا جعل شيء في المسجد في أساسه بحيث لا يتزيّن به المسجد، و إنّما يوجب تصفية هواء المسجد أو تبريده مثلا. و الوقف في هذا الفرض يكون على من يصلّي في المسجد، فيكون ملكا لهم لا للمسجد، فتأمّل. فإذا حصل له مسوّغ للبيع صرف ثمنه عليهم لا عليه.
و ثالثة: تكون فيه كلتا الجهتين، يتزيّن به المسجد و ينتفع به زوّاره أيضا. و الظاهر في هذا القسم أيضا أنّه وقف على المسجد، فيكون ملكا له؛ لأنّ انتفاع المصلّين أو الزوّار به يوجب كثرة المصلّين فيه و كثرة الزائرين له، و هي منفعة للمسجد أو للمشهد أيضا، فإذا بيع يصرف ثمنه على المسجد. و يؤكّد ما ذكرناه من كونه وقفا على المسجد لا على المسلمين المصلّين فيه أو الزائرين له، ما هو المتعارف في إنشاء وقفه، فإنّه يعبّر عنه بالوقف على المسجد لا على المصلّين فيه مثلا.
بقي الكلام في جذع يكون في مثل المسجد و حيطانه و بابه و نحو ذلك:
فإن كان حادثا بعد وقف الأرض، فلا ينبغي الريب في أنّ وقفها ليس من قبيل التحرير، و إنّما هو من قبيل الوقف على المسجد، فيجوز بيعها بمسوّغ و يصرف ثمنها عليه.
و أمّا إن كان وقفيّتهما في زمان واحد حدوثا، كما إذا جعل المكان المبنيّ مسجدا، فالظاهر أنّه أيضا كذلك، و أنّ وقف المجموع ينحلّ إلى جعل الأرض مسجدا و جعل غيره وقفا على المسجد؛ و ذلك لأنّ المسجد إنّما هو اسم للفضاء
و المكان، و أمّا غيره حتّى التراب فليس بمسجد، فتأمّل. و لذا لو نقل و جعل في مكان آخر لم يلحقه أحكام المسجد. فالمسجد نظير الكعبة و الصفا و المروة و نحوها ممّا هو اسم للفضاء، و لذا لو فرض - نعوذ باللّه - انهدام الكعبة وجب الطواف حول ذلك الفضاء و التوجّه اليه في الصلاة و الكون في ذلك الفضاء الخاص في الحج مثلا.
و يشهد لهذا ما أفاده الميرزا(1)- و نعم ما أفاد - من أنّ المناسب للمسجديّة التي هي تحرير للملك دائما، أن يتعلّق بما هو قابل للدوام و الاستمرار، و ما هو قابل له هو الفضاء دون غيره، فإذن يجوز بيع حيطان المسجد و جذوعه و بابه إلى غير ذلك ممّا يتعلّق به عند طروّ المسوّغ، و يصرف ثمنها على المسجد، فإنّها مملوكة له من غير فرق بين الصورتين(2).
1) منية الطالب 281/2 و 282.
2) و الفرق بين أرض المسجد و لوازمه من الجدران و التراب أنّ الأرض ممّا يمكن أن يكون باقيا فيصحّ تحريره و جعله للّه تعالى بخلاف سائر لوازم المسجد و أبنيته فإنّها حيث لا تبقى بحالها و المفروض أنّ الوقف فيها أيضا مؤبّد فيكون نفس ذلك قرينة على أنّ الوقف بالنسبة إليها تمليك للمسلمين ينتفعون بنفسها ما دام يمكن الانتفاع بها و إذا لم يمكن الانتفاع بنفسها يبيعونها و يصرفون ثمنها في لوازم المسجد فيكون الاختلاف بين أرض المسجد و لوازمه سببا للاختلاف في كيفيّة وقفهما و إن تعلّق الوقف بالجميع بصيغة واحدة. و قد تحصّل من ذلك كلّه أوّلا: أنّ الوقف في الجهات العامّة كالمسجديّة و الحسينيّة و نحوهما حقيقة ترجع إلى فكّ الملك و صرف منافع الموقوفة في الجهة الموقوف عليها فلا يصحّ بيعها لأنّه عبارة عن تمليك الشيء لا مجّانا و الموقوفة المزبورة مفكوكة عن الملك كما لا تصحّ إجارتها لأنّها عبارة عن تمليك المنفعة بإزاء شيء و بعد كون العين مفكوكة عن الملك فلا تكون منافعها أيضا مملوكة لأحد لأنّ ملكيّة المنافع تبع لملكيّة العين كما أنّه لو أتلف العين أو المنافع متلف فلا يكون ضامنا و الغاصب لا يكون ضامنا للأصل و لا للمنافع لأنّ إتلاف مال الغير و غصب مال الغير يوجب الضمان و علم بذلك المناقشة فيما ذكره كاشف الغطاء، و ثانيا: أنّ هذا كلّه بالنسبة إلى أصل الأرض و أمّا الزائد عليه من فراشه و لوازمه حتّى سقفه و جدرانه فلا يكون الوقف فيه من قبيل فكّ الملك بل هو تمليك للمسلمين لأن يكون سببا لحفظهم من الحرّ و البرد و انتفاعهم و يكون الحال فيه من جواز البيع مطلقا و عدمه و التفصيل حال سائر الأوقاف العامّة، و ثالثا: أنّ الوقف على هذه الجهات العامّة كجعل الدكّان وقفا للمسجد أو الحسينيّة يكون من الوقف التمليكي لهما لأن الملكيّة من الامور الاعتباريّة فلا مانع من اعتبارها لمثل المسجد و نحوه و يكون أمر تلك الموقوفات التمليكيّة بيد الحاكم العام و يكون حالها حال القسم الثاني في جواز البيع و عدمه أو التفصيل (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: فاعلم أنّ الكلام في جواز بيع الوقف [1]
و أمّا ثوب الكعبة، فقد ورد فيه في رواية مروان: (يبيع ما أراد و يهب ما لم يرد و ينتفع به و يطلب بركته. قلت: أيكفّن به الميّت؟ قال: لا)(1)و لذا وقع الكلام في أنّه كيف يجوز بيعه مطلقا بدون مسوّغ على ما هو مقتضى إطلاق الحديث؟
و التحقيق: أنّه خارج عن الوقف موضوعا، فإنّه على ما يقال - بل هو ثابت - أنّ هناك موقوفة من الأزمنة السابقة من زمان الأئمّة عليهم السّلام إلى الآن يجعل منها كلّ سنة ثوبا للكعبة، و لا معنى لأن يجعل للكعبة في كلّ سنة ثوبا بأن يكون وقفا أبديّا، إذ لا يلبس عليها إلاّ ثوب واحد، و الوقف المؤقّت باطل، فلابدّ و أن لا يكون وقفا، بل هو حبس إلى سنة، ثمّ يباح لجميع المسلمين أو لخدمة البيت، فيجوز بيعه على القاعدة. و المنع عن التكفين به ليس من جهة وقفيّته، و إنّما هو من جهة كونه خلاف الاحترام، بل موجبا للهتك.
[1] الكلام في بيع الوقف يقع في جهتين:
الاولى: في قابليّته للبيع و شأنيّته.
1) الوسائل 752/2، الباب 22 من أبواب التكفين، الحديث الأوّل.
الثانية: في فعليّة جواز البيع.
أمّا الجهة الاولى، فقد تقدّم الكلام فيها، و عرفت أنّ الوقف إن كان من قبيل التحرير و فكّ الملك - كالمساجد و المعابر - فهو غير قابل للبيع. و إن كان من قبيل التمليك - كالأوقاف الخاصّة و العامّة - ممّا تكون منفعته ملكا طلقا للموقوف عليهم، إمّا مطلقا و إمّا بحيث ينتفعون منها مباشرة - لما عرفت أنّ ملك الانتفاع ممّا لا معنى له - فهي قابلة للبيع و يجوز بيعها شأنا.
و أمّا الجهة الثانية(1)، فيقع الكلام فيها من جهتين، أحدهما: من حيث وجود المانع، و الثانية: من حيث ثبوت المقتضي. و قد تعرّض المصنّف لكلتا الجهتين، و نحن نتبعه في ذلك.
فنقول: من جملة موارد جواز بيع الوقف، ما إذا أشرف على الخراب. و المراد به سقوطه عن قابليّة انتفاع الموقوف عليهم به مع بقاء عينه، سواء كان ذلك لأجل خرابه أو لغير ذلك، كما إذا كان الوقف معمورا إلاّ أنّه لا ينتفع الموقوف عليهم به لا مباشرة و لا بالإيجار، لوقوعه في محلّ غير قابل للسكن إلاّ أن يباع للزرع مثلا.
و قد استدلّ المصنّف على جواز بيعه من الجهة الاولى بقوله قدّس سرّه: لعدم جريان أدلّة المنع(2).
1) و الوقف التمليكي على قسمين: مؤبّد و منقطع، و معنى الوقف المؤبّد أن يكون الموقوف و لو ببدله باقيا إلى أن يرثه اللّه، و المنقطع أن لا يكون له بقاء كذلك، و كلامنا الآن في الوقف المؤبّد (الأحمدي).
2) و أمّا الاستدلال على جواز البيع في صورة خروج العين عن قابلية الانتفاع و إن كانت العين معمورة بمثل ما أفاده المحقّق النائيني في وجه الجواز عند زوال الصورة النوعيّة للعين و إن كانت قابلة للانتفاع بها منفعة معتدّا بها فإنّه قدّس سرّه التزم بجواز البيع في كلتا الصورتين بدعوى أنّ للوقف ركنين حبس العين و تسبيل الثمرة فبانتفاء كلّ منهما تنتفي الوقفيّة كما في البيع فيما لو اشترى شيئا على أنّه عبد فبان أمة فإنّه يبطل البيع لأن العبديّة و الأمتيّة من الصور النوعيّة المقوّمة للمبيعيّة عرفا، فيرد عليه أنّ الصورة النوعيّة للعين مقوّمة للمبيع في باب البيع بل في كليّة المعاملات كما أفاده و لكنّها لا تكون مقوّمة لملكيّة المادّة أو ماليّتها ألا ترى أنّ الحبّة من الحنطة لو صارت مزروعة بنفسها و صارت علفا لم يخرج بذلك عن ملك مالك الحنطة و حقيقة الوقف في موردنا إنّما هو تمليك العين الموقوفة للموقوف عليهم تمليكا غير محدود بالصورة النوعيّة العرفيّة للمادّة حال الوقف فتبقى في ملك الموقوف عليهم في جميع حالاتها و تغيّراتها حتّى التغيّرات المخرجة لها عن الصورة النوعيّة من جهة عدم بقاء العين أو عدم بقاء الانتفاع بها و عليه فلا تكون القابليّة للانتفاع المقوّمة للصورة النوعيّة دخيلة في بقاء الوقف، مضافا إلى أنّ لازمه بطلان الوقف مع عدم سقوطها عن قابليّة الانتفاع أيضا كما لو صارت البستان أرضا مزروعة مثلا لعدم بقاء الصورة النوعيّة لانهدام أحد ركنيه حينئذ مع أنّ هذا القائل لا يلتزم ببطلان الوقف مع تغيّر الصورة النوعيّة للعين الموقوفة إذا كانت قابلة للانتفاع بها، و إن شئت قلت لا تكون حبس العين و تسبيل الثمرة صورة نوعيّة للوقف بل حقيقتها تمليك العين بما يأتي عليها من الصور و ثمرتها انتفاع الموقوف عليهم بنتاج الوقف إن كان له نتاج فلا يكون شيء من العين و لا قابليّة الانتفاع ركنا للوقف، و القول بأنّ حقيقة الوقف حبس العين و تسبيل الثمرة، فيه أنّ حقيقة الوقف هو إيقاف العين عن الحركة و الانتقال إلى غير الموقوف عليهم بجعل التمليك محدودا بهم و لازمه انحباس العين و درّ الثمرة عليهم لا أنّ ذلك من مقوّماته، و لو سلّم ذلك فلا يكون هذا دليلا على جواز بيع ذلك الموقوف بزوال قابليّته للانتفاع لخصوص الموقوف عليهم بل إمّا أن يكون ذلك جائزا بالنسبة إلى الموقوف عليهم و غيرهم على حدّ سواء و لا ترجيح للموقوف عليهم في جواز البيع أو يرجع المال إلى ملك الواقف أو ورثته كما في الوقف المنقطع (الأحمدي).
أمّا الإجماع فواضح، لعدم ثبوت الاتّفاق على المنع فيما إذا خرب الوقف و أشرف على التلف، بل ادّعي الإجماع على جواز بيعه حينئذ.
و أمّا قوله عليه السّلام: (لا يجوز شراء الوقف) فمورده الأرض المزروعة القابلة للانتفاع بها مع بقاء عينها بالإحياء و التعمير و إنّما خربت لعدم إحيائها(1). و يشهد لهذا قوله عليه السّلام: (لا تدخل الغلّة في ملكك إدفعها إلى ما اوقفت عليه) فإنّه يظهر من ذلك أنّ الأرض كانت لها غلّة، و محلّ الكلام غير هذا، و هو ما إذا لم يمكن الانتفاع بالأرض مع بقائها. فمورد الرواية أجنبيّ عمّا نحن فيه.
و أمّا توهّم التمسّك بإطلاق الجواب، بدعوى أنّ الميزان بعمومه و خصوصه و إطلاقه و تقييده، و لا عبرة بالسؤال.
ففيه: أنّه منصرف إلى ما إذا بقيت العين و أمكن انتفاع الموقوف عليهم بها إذا لم تبع و لم تشتر، و لا يعمّ ما إذا لزم من عدم بيعها التلف رأسا، كما أنّ الواقف أيضا يجعل العين بإنشائه الوقف محبوسا غير قابل للنقل ما دام يمكن الانتفاع به مع بقاء العين، لأنّه الغرض من الوقف، فإنّه يريد بوقفه انتفاع الموقوف عليهم مع بقاء العين.
و بالجملة إنّما منع الشارع عن بيع الوقف لينتفع به الموقوف عليهم، لا ليبقى و يتلف، فهو منصرف عن مثل الفرض.
و بهذا ظهر الجواب عن قوله عليه السّلام: (الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها) فإنّ الواقف لا يجعل العين واقفا إلاّ ما دام يمكن الانتفاع بها مع بقائها، و أمّا في فرض استلزام بقائها التلف فليس موقوفا عن البيع حتّى بحسب جعل الواقف(2)، فجواز
1) لا أنّ الخراب فيها بمعنى سقوطها عن الانتفاع به مع بقاء العين كما هو محلّ البحث بل بمعنى عدم كونها معمورة و أنّها محتاجة إلى التعمير، و أمّا الخراب بالمعنى الذي هو محلّ الكلام فلعلّه لا يتصوّر في مورد الرواية و هو وقف الأرض (الأحمدي).
2) إذ في هذه الصورة يدور الأمر بين إبقاء العين إلى أن يتلف و بين جواز تصرّف الطبقة الموجودة لأنفسهم حتّى بإتلاف العين كما لو كانت العين الموقوفة قابلة للأكل و بين جواز بيعها و تبديلها بما ينتفع به سائر الطبقات و من المعلوم تعيّن الأخير إذ الواقف وقف العين لجميع الطبقات و غرضه أن ينتفع به جميعهم فيكون إنشاؤه إيقاف العين محدودا بما أمكن الانتفاع به مع بقائه بهذه الصورة، على أنّ القول بجواز التصرّف حتّى التصرّف الإتلافي يستلزم القول بجواز البيع أيضا إذ ليس البيع أهون من سائر التصرّفات كالأكل و الإحراق و الانتفاع بناره (الأحمدي).
البيع حينئذ لا ينافي(1)عموم قوله عليه السّلام: (الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها).
و أمّا ما ذكره المصنّف من انصرافه إلى التصرّف في الوقف، أي بيان وجوب مراعاة الكيفيّة المرسومة في إنشاء الوقف، و ليس منها عدم البيع.
ففيه: ما عرفت من أنّ عدم البيع مقوّم لمفهوم الوقف سواء صرّح به أو لم يصرّح، فكيف لا يكون من الكيفيّات المنشأة بالوقف؟ فلا وجه لدعوى انصرافه عنها. مضافا إلى أنّه مع قطع النظر عمّا ذكرناه، يكفي في المنع عن البيع العمومات و غيرها ممّا يكون دليلا لإمضاء الوقف، كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنّه كاف للمنع عن البيع لو كان المنع عنه حتّى عند الخراب منشأ بصيغة الوقف(2). و بما
1) لا لما يظهر من المصنّف من أنّ عدم جواز البيع من أحكام الوقف و قوله عليه السّلام: الوقوف... ناظر إلى وجوب مراعاة الكيفيّة المرسومة في الوقف من قبل الواقف، إذ فيه أنّ حبس العين عن النقل و الانتقال من الامور التي اعتبرها الواقف في الوقف، بل حيث إنّ الواقف بالوقف الدائم حبس المال مؤبّدا - لكون العين واجدا للمراتب الثلاث - فيكون حبس العين بمراتبه الثلاث تحت إنشاء الواقف لا مجرّد كونه غرض الواقف، و عليه ففي فرض الخراب بالتفسير المتقدّم فإن مقتضى العمل بالوقف تبديل العين الموقوفة بعين اخرى لكي ينتفع به و يبقى الوقف ببعض مراتبه النازلة (الأحمدي).
2) و ما ورد في رواية وقف الأمير عليه السّلام: (صدقة لا تباع) لا يشمل المقام اذ الدار غير قابلة للخراب بالمعنى الذي هو محلّ الكلام إذ يمكن الانتفاع بها و لو بأرضها للزراعة و غيرها و لوفرض عدم إمكان الانتفاع بها أصلا لخرابها فلا يصدق عليه الدار أيضا إلاّ مجازا فلا يبقى مرجعا للضمير في قوله لاتباع حتى يثبت هذا الحكم له، و أمّا ما ذكره المصنّف من دعوى الانصراف فلا وجه له (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و الحاصل أنّ الأمر دائر بين تعطيله [1]
ذكرناه يجاب عن الجميع.
فظهر أنّ المانع عن جواز بيع الوقف مفقود فيما إذا خرب، بمعنى أنّه لا يمكن انتفاع الموقوف عليهم مع بقائه.
[1] هذه هي الجهة الثانية، أي ثبوت المقتضي لبيع الوقف في الفرض، و حاصل ما أفاده: أن الأمر حينئذ يدور بين تعطيل الوقف حتّى يتلف بنفسه - كما إذا فرضنا أنّها كانت شاة فذبحت فإنّها تتلف إذا بقيت على حالها - و من الظاهر أنّ الشارع لا يأمر بالإتلاف و التبذير، و بين انتفاع البطن الموجود به بالإتلاف - بأن يأكلوا الشاة في المثال - و بين تبديله بما يبقى و ينتفع به الكلّ، ثمّ اختار الثالث.
و نقول: الظاهر أنّه لا يدور الأمر بين الاحتمالين الآخرين أصلا، بل يتعيّن تبديله بما يبقى و ينتفع به الكلّ؛ و ذلك لأن الواقف بعد التفاته بأنّ غير العرصة و المكان من الأشياء ليس له دوام بل يتلف في مدّة طويلة أو قصيرة، إذا أوقف شيئا دائما إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها، فنفس ذلك قرينة على أنّه يوقف العين بنفسها ما دامت باقية مع انتفاع الموقوف عليهم بها، و يوقف بدلها عليهم إذا سقطت عن قابليّة الانتفاع مع بقائها، فالبدل بجعل الواقف يكون وقفا، فلا يجوز للبطن الموجود إتلاف العين، بل لا بدّ من تبديلها بما يبقى للبطون اللاحقة أيضا(1).
1) و مراد المحقق النائيني من قوله (بزوال الوقفيّة) في صورة عدم إمكان الانتفاع بالعين، زوال وقفيّته في الخصوصيّة لا زوال وقفيّته بماليّته، فلا يرد عليه ما تقدّم من الإيرادات على استدلال الجواز من زوال ركن الوقف بزوال الانتفاع به، و ملخّص مقالة النائيني أنّ الوقف إذا صار خرابا بحيث زالت منفعته مع بقاء صورته النوعيّة يجوز بيعه و أمّا إذا زالت صورته النوعيّة فعبّر عن ذلك تارة بأنّه يجوز بيعه و اخرى بأنّه يبطل الوقف، و أورد عليه المقرّر بأنّ دليله في الصورتين واحد و هو أنّ للوقف ركنين حبس العين و الانتفاع بالثمرة فإن كان زوال أحد الركنين و هو الصورة النوعيّة يوجب بطلان الوقف فيلزم أن يوجب زوال الركن الآخر بطلانه أيضا فما وجه هذا التفصيل؟ و الجواب عنه ظهر بما ذكرنا من أنّ مراده من زوال الوقفيّة بزوال الصورة النوعيّة زوال الوقف بشخصيّته لا بنوعيّته و ماليّته و مرجع هذا إلى جواز بيع الشخص فلا فرق بين الصورتين في نظره لكن أصل دعواه في بطلان الوقف و لو بشخصيّته من جهة زوال صورته النوعيّة غير تام كما تقدّم، و ملخّصه أن الملكيّة لا تتقوّم بالصورة النوعيّة للمملوك بل المادّة بأيّ صورة تصوّرت تبقى الملكيّة معها و حقيقة الوقف حيث إنّه جعل العين ملكا للموقوف عليهم فزوال صورتها مع بقاء مادّتها لا يوجب زوال الوقف و لو بشخصه بل تبقى العين موقوفة بالشخصيّة الفعليّة التي تحصّلت المادّة بها كيف ما كان (الأحمدي).
فيترتّب على ما ذكرناه جواز البيع في الفرض و لزوم تبديله بما يبقى لانتفاع البطن اللاحق دون غيره.
و من هنا ظهر فساد ما ذكره المصنّف من صيرورة الوقف ملكا طلقا لمن أدرك آخر أزمنة بقاء الوقف؛ بداهة أنّ الواقف لم ينشأ بالوقف ملكيّتين: ملكيّة غير طلقة للبطون السابقة و ملكيّة طلقة لمن أدرك آخر أزمنة بقاء الوقف، بل العين الموقوفة إذا لم تكن قابلة للبقاء لا بدّ من تبديلها بما تبقى للبطون اللاحقة لينتفعوا بها.
و بالجملة: لا يثبت شيء من موانع بيع الوقف فيما إذا خرب و دار أمره بين التلف و الإتلاف و تبديله بما يبقى للبطون اللاحقة، بل يتعيّن حينئذ تبديله؛ و ذلك لأنّ الواقف بعد التفاته إلى أنّ العين الموقوفة غير قابلة للبقاء إلى الأبد، لا مناص له من
أن يوقف العين بشخصها ما دامت باقية و بماليّتها بعد التلف، لا أنّ الواقف أوقف البدل بشخصه ليقال أنّه لم يكن ملكا له لا حدوثا كما هو واضح، و لا بقاء لأنّه حين المبادلة لم يكن المبدل ملكا للواقف، و لا بمعنى أنّه أوقف كلّي الماليّة السارية بين العين الموقوفة و بدلها، بل بمعنى أنّه أوقف العين الشخصيّة بشخصها و بماليّتها، غاية الأمر حبس شخص العين محدود بما إذا أمكن الانتفاع بها مع بقائها، و بدونه تكون الماليّة وقفا في ضمن أيّ شيء كانت، و ليست العين حينئذ محبوسة، فيجوز تبديلها.
و هذا هو السرّ في عدم جواز إتلافها على البطون الموجودة بأكل و نحوه، كما إذا كان الوقف شاة فذبحت، لا لأنّ البطون اللاحقة يملكون العين الموقوفة بالملكيّة الشأنيّة - كما في المتن - فالثمن أيضا يكون كذلك، فإنّ الملكيّة الشأنيّة ممّا لا نتعقّلها لتكون منشأة من الواقف، بل لما عرفت من أنّ الماليّة موقوفة على البطون اللاحقة و هم يملكونها من الواقف - أي بإنشائه - لا من البطون السابقة، فليس لهم إتلاف الوقف.
فإذا صحّ تبديل الوقف عند الخراب، يقع الكلام في فروع:
الفرع الأوّل: هل إنّ البدل يكون ملكا طلقا للموقوف عليهم فلابدّ لهم من إنشاء وقفه أو أنّه يكون وقفا بنفس المبادلة(1)؟
1) قد يقال بالأوّل كما ذهب إليه المحقّق في دية العبد الموقوف إذا قتل مستدلاّ بأنّه ملك للبطن الموجود فعلا فينتقل الثمن إليه و تعلّق حقّ اللاحق بالمثمن لكونه وقفا لا يستلزم تعلّق حقّ اللاحق بالثمن أيضا لعدم الملازمة إذ الثمن لم يكن وقفا بل جواز البيع موجب لزوال حقّهم عن منع البيع، و فيه ما يأتي في التعليقة الآتية من أنّ ملكيّة الطبقة الموجودة ملكيّة مؤقّتة لا دائميّة و لذا لا ينفذ إجازتهم في أزيد من زمان حياتهم فالقصور إنّما يكون من ناحية ملكيّة المالك لا من ناحية تعلّق حقّ البطون اللاحقة (الأحمدي).
الظاهر هو الثاني(1)، و ذلك لأنّه لو كان ملكا طلقا للواقف أو للموقوف عليه لم يكن لهم ملزم أن يوقفوه، و شرط الواقف ذلك - على فرض صحّته - لا يوجب الوقف على الموقوف عليه بعد عدم كونه طرفا للعقد. مضافا إلى أنّ تخلّف الشرط لا يوجب سوى العقاب لحرمته تكليفا، و هو لا يوجب الوقفيّة، فعليه يبقى البدل ملكا طلقا لهم إلى أن ينتقل إلى وارثهم بالإرث. هذا، مع أنّ نفس البدليّة تقتضي أن
1) لا لما قيل من أنّ المبدل كما كان ملكا للطبقة المتقدّمة فعلا يكون ملكا للطبقة اللاحقة أيضا شأنا فلابدّ من أن يكون الثمن أيضا كذلك بمقتضى البدليّة و بهذا أشار الشهيد بقوله: إنّ الثمن صار مملوكا على حدّ الملك الأوّل، و فيه أنّ الملك ليس على قسمين ملك فعلي و ملك شأني بل فعلي و إنشائي و المتحقّق للطبقة اللاحقة ليس إلاّ الملك الإنشائي و هو لا يوجب حقّا فعليّا للطبقة اللاحقة بل تتحقّق به قابليّة أن تصير العين ملكا لهم بانقراض الطبقة السابقة و القابليّة لا تمنع من أن تتصرّف الطبقة الموجودة في العين بالبيع، بل الوجه في ذلك قصور المقتضي في حقّ الطبقة السابقة لأنّ ملكيّتهم محدودة و الملكيّة الدائمة لم تكن لهم بل لهم و للطبقات اللاحقة فإذا بيع المملوك بالملكيّة الدائميّة فيكون الثمن في مكان المثمن طابق النعل بالنعل، و بعبارة اخرى حيث إنّ ملكيّة البطن الفعلي مؤقّتة لا دائميّة فلو فرض صحّة بيع المملوك بالملكيّة المستمرّة من الطبقة الفعليّة فلا يكون صحيحا بالنسبة إلى الزيادة عن مقدار بقائهم إلاّ بالولاية عن الطبقة اللاحقة للمتوليّ أو الاستيذان من حاكم الشرع الذي هو وليّ الغائب و بعد تصحيح البيع بأحد الوجهين فيدخل الثمن في ملك كلّ طبقة من الطبقات مرتّبة و مرجع هذا إلى وقفيّة البدل بنفس البيع. ثمّ لا يخفى أنّ منشأ عدم الملكيّة الفعليّة للبطون اللاحقة ليس من جهة كونهم معدومين إذ فيه أوّلا أنّه يمكن وجود الطبقة اللاحقة فعلا كابن العم مع العم، و ثانيا لا مانع من اعتبار الملك الفعلي للمعدوم إذا كان له أثر، بل من جهة القصور في ناحية اعتبار الملكيّة لهم و هذا شاهد على عدم مالكيّة الطبقة اللاحقة للمال الموقوف أصلا (الأحمدي).
يكون البدل مضافا إلى من انتقل عنه المبدل بالإضافة التي كانت بينه و بينه(1)، فيكون بدل الوقف بنفسه وقفا، كما ذكروا أنّ بدل الزكاة أو الخمس يكون زكاة أو خمسا ملكا للفقراء.
و نظير هذا: ما إذا أتلف أحد بعض الموقوفات، فإنّه يوجب ضمانه للموقوف عليهم، فهم يملكون في ذمّته بدل العين، لكن على حدّ ملكهم للمبدل، لا طلقا، فإذا كان البدل القهري الشرعي كذلك فالبدل الاختياري الجعلي يكون هكذا بالأولويّة(2).
و قد ذكر المصنّف تنظيرا للمقام موردين:
أحدهما: قتل العبد الموقوف، فإنّه إذا قتل العبد المملوك، فللمالك أن يرجع إلى القاتل بقيمة العبد إذا كانت أكثر من ديته، و له أن يأخذ منه الدية إذا كانت أكثر من قيمته، فإذا فرضنا أنّ العبد اوقف على الذريّة و قتل، كانت الدية أيضا وقفا كنفس العبد، مع أنّ الدية بدل عن العبد بعد تلفه بحكم الشارع(3)، فإذا كان البدل الحكمي
1) إذ معنى البدليّة قيام البدل مقام المبدل في الجهة المقصورة من التبديل و هي في المقام حفظ ماليّة الموقوف في ضمن صورة اخرى، مع أنّه إن احتاج إلى إنشاء الوقف من الواقف فربما يفرض أنّه مات و لم ينشأ وقف البدل و إن احتاج إلى إنشائه من الموقوف عليهم فربّما لا يرضون بذلك (الأحمدي).
2) إذ الثاني بدل حقيقة و الأوّل بدل تعبّدا و بدليّة الثاني مقارن لخروج المثمن و بدليّة الأوّل متأخّر عن تلف المبدّل (الأحمدي).
3) و أيضا فإنّ في المقام يكون الثمن داخلا في ملك مالك المثمن مقارنا لخروجه لا متأخّرا عن خروجه و هذا نحو أولويّة غير موجودة هناك فإنّ الدية متأخّرة عن القتل طبعا. و يرد على بطلان دعوى الأولويّة بكلا تقريبيه أنّ العبد بعد ما كان وقفا بشخصيّته و ماليّته فإذا تلفت الشخصيّة بالقتل يأتي ضمان الماليّة بذمّة القاتل بحكم قاعدة الإتلاف و حيث إنّ العبد بماليّته باق بحكم الشارع فيصير وقفا على الموقوف عليهم كأصله كما أنّ الدية بقاء للوقف بماليّته بحكم الشارع (الأحمدي).
وقفا فالبدل الحقيقي يكون وقفا بالأولويّة.
ثانيهما: بدل العين المرهونة، فإنّهم حكموا بكونه رهنا، مع أنّ حقّ المرتهن إنّما تعلّق بالمبدل بما أنّه مملوك للراهن، فإذا كان البدل بحكمه حتّى من هذه الجهة، ففي المقام يثبت قيام البدل مقام المبدل بطريق أولى، لأنّ حقّ البطون اللاحقة قد تعلّق بالمبدل بما هو، لا بما أنّه مختصّ بالبطون السابقة، فإنّهم يتلقّون الملك من الواقف لا منهم(1).
1) في الأولويّة المذكورة أيضا مالا يخفى بل ثمن الوقف مثل بدل الرهن في الحكم بوقفيّة هذا و رهنيّة ذاك لأنّ المال المرهون تارة يتلفه المتلف الأجنبي فتثبت ماليّة المرهون في ذمّته فيتعلّق الرهن بالمال الثابت في الذمّة و اخرى يغصبه الغاصب و العين باقية فالرهن يبقى متعلّقا بعين المغصوب و ثالثة يباع و بعبارة اخرى إنّ تبدّل العين المرهونة بغيرها تارة غير اختياري و اخرى اختياري أمّا الأوّل فهو كما إذا أتلف العين المرهونة متلف غير المرتهن و الراهن و أمّا الثاني فهو على قسمين لأنّه قد يكون بيع العين المرهونة من المرتهن بإذن الراهن ففي هذا القسم يكون التبديل في حقّ الرهانة و يصير الثمن متعلّقا لحقّ المرتهن بتراضي الطرفين لأنّ مرجع الإذن المذكور إلى ذلك و قد يكون البيع من الراهن بإذن المرتهن ففيه يلزم التصريح أو قيام القرينة ببدليّة الثمن للمثمن في صيرورته متعلّقا لحقّ الرهن و إلاّ فيكون مرجع الإذن في البيع إلى إسقاطه حقّ الرهانة و إطلاق كلمات الأصحاب في بطلان حقّ الرهانة ينصرف إلى هذا القسم و على كلّ فحيث إنّ الرهن كالوقف متعلّق بالعين بمراتبه الثلاث لا العين بخصوصياتها الشخصيّة يظهر عدم الفرق في الأولويّة بين الوقف و الرهن في التعلّق بالبدل و من ذلك ظهر عدم صحّة ما أفاده المصنّف في مقام الفرق (الأحمدي).
الفرع الثاني: هل يجوز تبديل البدل مطلقا من دون حصول أحد المسوّغات أو يكون بحكم المبدل من هذه الجهة أيضا؟
الظاهر هو الأوّل(1)، و ذلك لأن المنشأ من الواقف إنّما هو وقف العين ما دام يمكن الانتفاع بها(2)و البدل بالمعنى المتقدّم - أي البدل في الماليّة - إذا لم يمكن ذلك، و أمّا البدل الأوّل فلا خصوصيّة له، بل لا بدّ من بقاء الماليّة في ضمن أيّ بدل كانت، فالبدل بحكم المبدل من جميع الجهات إلاّ من هذه الجهة، فإنّ إنشاء الواقف لا يقتضي المنع عن تبديل البدل، و البدليّة إنّما تقتضي قيام البدل مقام المبدل في الخصوصيّات المترتّبة على ماليّته، لا في الأحكام المترتّبة على خصوصيّة نفسه و شخصه، و من الظاهر أنّ عدم جواز البيع كان من الأحكام المترتّبة على شخصه لا ماليّته. و إن شئت قلت: إنّ البدل صار بدلا عن الوقف في زمان جواز بيعه، فهو بحكمه من حيث جواز البيع، فتأمّل.
و بالجملة: نفس ما أنشأه الواقف - و هو حبس العين و تسبيل منفعتها ما دام الانتفاع بها مع بقائها ممكنا، و حبس ماليّتها في ضمن البدل إذا لم يمكن ذلك - يقتضي جواز تبديل البدل مطلقا و لو من غير مسوّغ، فليس البدل بحكم المبدل من هذه الجهة.
و توهّم المنع عن بيع البدل تمسّكا بإطلاق قوله عليه السّلام: (لا يجوز شراء الوقف)،
مدفوع بما تقدّم من أنّه إمضاء لفعل الواقف و ما أنشأه، و ليس حكما تعبّديا، فلا يعمّ البدل بعد ما فرضنا أنّ الواقف لم يحبسه عن النقل، فإذن لا مانع من تبديل الوقف بما لا ينتفع بعينه كالدرهم أو الدينار(1)ثمّ تبديله بما ينتفع به(2).
الفرع الثالث: هل يعتبر مماثلة البدل للمبدل مع الإمكان أم لا؟
ربّما يقال بالأوّل، كما عن العلاّمة(3)و ولده(4)و جماعة(5)، فيحتمل أنّ المماثل أقرب إلى مقصود الواقف.
و هذا نظير ما ذكره العلاّمة في كتاب الغصب في باب الضمان، من أنّ الغاصب باستيلائه على مال الغير يكون ضامنا لأوصافه النوعيّة كما أنّه ضامن لماليّته، فإذا أمكن أداء مماثله تعيّن، لأنّه أقرب إلى ما ضمنه، و إلاّ أدّى ماليّته، و هي القيمة.
و كأنّه قدّس سرّه أجرى هذا البيان في الوقف أيضا، حيث رأى أنّ المماثل أقرب إلى العين الموقوفة و إلى غرض الواقف، فيتعيّن تبديلها به مع الإمكان.
و لكنّه ممنوع صغرى و كبرى:
1) و لكن مشروطا بما إذا لم يمكن شراء المماثل للبدل فعلا و لا فيما بعد أو كان البدل المشترى ممّا لم يكن مماثلا للمبدل لعدم التمكن من شراء المماثل حال إشراف الوقف على التلف فإنّه على الثاني يجوز شراء غير المماثل و لو مع التمكّن من المماثل على ما سيأتي في الفرع اللاحق (الأحمدي).
2) بإذن الحاكم الذي هو وليّ الغائب (الأحمدي).
3) انظر المختلف 289/6.
4) ايضاح الفوائد 407/2.
5) منهم الشهيد في غاية المراد 30/2، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد 97/4 و 71/9، و الشهيد الثاني في المسالك 170/3.
أمّا الصغرى، فلأنّ غرض الواقف قد لا يتعلّق بالمماثل أصلا، كما إذا كان غرضه من الوقف عود منفعته إلى الموقوف عليهم و فرضنا أنّ غير المماثل أكثر نفعا لهم، أو كان غرضه بقاء شخص العين - كما اذا كان الموقوف خطّ والده فأراد إبقاءه و ليس له غرض ببدله أصلا - أو كان غرضه انتفاعهم بمنافعه بتأجيره و لكن المماثل كان في بلد بعيد عنهم لا يمكن الانتفاع به كذلك إلاّ بأن يؤجروه و ينتفعوا بثمنه، فليس غرض الواقف متعلّقا بالمماثل دائما.
و أمّا الكبرى، فلأنّه لا دليل على لزوم تحصيل غرض الواقف ما لم يكن اشتراط منه(1). نعم إذا شرط المماثلة إذا خرب الوقف و اريد تبديله، تعيّن ذلك بمقتضى دليل إمضاء الوقف لما أنشأه الواقف، كما أشار إليه المصنّف بقوله: إذ لا دليل على وجوب ملاحظة الأقرب... إلى آخره.
الفرع الرابع: ربما يقال باعتبار انضمام الناظر إلى الموجودين من الموقوف
1) يمكن أن يقال بوجوب شراء المماثل من جهة اخرى غير ناحية الغرض بدعوى أنّ الخصوصيّات النوعيّة للعين الموقوفة أيضا داخلة فيما أوقفه الواقف كالخصوصيات الشخصيّة ارتكازا حيث إنّ من وقف شيئا معنونا بعنوان خاص كعنوان الدار مثلا يكون وقفه موقوفا من حيث العنوان بمعنى أنّ عنوانه أيضا واقع تحت إنشاء الوقف كشخصيّته و ماليّته و يكون الوقف المذكور منحلاّ إلى الوقف من حيث الشخص و من حيث العنوان و الماليّة أيضا و حيث حصل الاضطرار إلى تبديل العين الموقوفة و رفع اليد عن الخصوصيّات الشخصيّة فيجب الاقتصار عليها، نعم إذا حصل الاضطرار إلى رفع اليد عن الجهات النوعيّة أيضا لعدم وجود المماثل فتبدّلت الماليّة بغير المماثل للعين الموقوفة فحينئذ يجوز تبديل الثاني بغير المماثل و لو في غير صورة الاضطرار لأنّ الخصوصيّات النوعيّة للبدل غير المماثل لم تكن داخلة فيما أوقفه الواقف مثل المبدل و يمكن أن يكون نظر العلاّمة في اعتبار لزوم شراء المماثل إلى هذا الوجه الذي ذكرناه (الأحمدي).
عليهم في بيع الوقف، بل ظاهر الميرزا قدّس سرّه انضمام الحاكم إليهم أيضا، لأنّه أحوط.(1)
و الظاهر عدم اعتبار شيء من ذلك:
فإنّ الواقف إن عيّن ناظرا على الوقف و بنينا على أنّ الناظر تكون له الولاية على بيع الوقف أيضا، فلا مجال حينئذ لاعتبار إذن الحاكم أصلا، لأنّه وليّ على ما لا وليّ عليه، و المفروض أنّ الناظر وليّ على بيع الوقف. كما أنّه حينئذ ليس لنفس الموقوف عليهم أن يبيعوه، لأنّ لازم جعل ولاية البيع للناظر قصر سلطنة الموقوف عليهم، فتكون ملكيّتهم قاصرة، كملكيّة الصبيّ و السفيه و المجنون، فإنّهم مع كونهم ملاّكا ليست لهم السلطنة على البيع، ففي هذا الفرض ليست ولاية البيع للفقيه و لا للموقوف عليه.
و أمّا إن لم يعيّن ناظرا على الوقف أو قلنا بأنّ الناظر ليس له التصرّف بالبيع(2)،
1) منية الطالب 284/2.
2) يمكن أن يقال إنّ المتولّي للبيع هو الناظر لأنّه جعل ناظرا لإصلاح الامور الراجعة إلى الوقف و هذا أيضا منها إذ التبديل في الوقف في فرض الإشراف على التلف في الحقيقة يكون حفظا للوقف بماليّته و المفروض أنّ إنشاء الواقف أيضا كان على إبقاء الوقف بماليّته عند عدم التمكّن من حفظ شخصه لا أنّه إعدام و إتلاف له حتّى يتوهّم أنّ الناظر ناظر في حفظ العين الموقوفة لا في إعدامه نعم لو لم يكن الناظر ناظرا في جميع مراتب الوقف بل كان ناظرا في خصوص المرتبة الاولى و هو العين بشخصه و ماليّته فحيث لا يكون ناظرا في بدل الوقف لا تثبت له الولاية في بيع البدل و أمّا لو كانت له النظارة في العين و ماليّته في جميع التبدّلات - كما هو الظاهر - كان له حقّ البيع في البدل و بدل البدل و العمدة في وجه كون الأمر بيد الناظر ما ذكرناه لا ما أفاده المصنّف من أنّه حيث تعلّق حقّه بعين الموقوفة فيتعلّق حقّه ببدلها أيضا، إذ فيه أنّه لم يثبت من دليل أنّ كلّ حكم ثبت للمبدل يثبت للبدل أيضا فلو قال زيد لعمرو: (لك أن تتصرّف في ثوبي) و غاب زيد فباع الحاكم الثوب بعباء، لايجوز لعمرو أن يتصرّف في العباء لأنّه بدل الثوب (الأحمدي).
فيكون الوقف ملكا للبطن الموجود(1)و لهم السلطنة التامّة عليه، فيجوز لهم بيعه مستقلاّ، كما يجوز لهم بيع سائر أملاكهم، و لا وجه لاعتبار انضمام الحاكم إليهم في ذلك أصلا.
و توهّم لزوم ذلك(2)من حيث كون الوقف ملكا شأنيّا للبطون المعدومة و تعلّق حقّهم به فالحاكم وليّهم، فاسد:
أمّا أوّلا: فلإمكان وجود بعض البطون اللاحقة - و نفرضه الطبقة الثانية مثلا - مع عدم كونهم ملاّكا للوقف لاعتبار الترتيب في البطون و الطبقات، فيكون اعتبار إذن الحاكم حينئذ من جهة ولايته على سائر الطبقات المعدومة، كما أنّه يلزم حينئذ انضمام إذن الموجودين(3)من الطبقة المتأخّرة أيضا، و لم يلتزم به، فتأمّل.
و أمّا ثانيا: فلأنّه قد ذكرنا في أوّل بحث الوقف أنّه ملك للموجودين من الموقوف عليهم من الطبقة الأولى(4)، و ليس ملكا - و لو شأنا - لغيرهم من
1) فيه ما لا يحفى لأنّ ملكيّتهم محدودة بزمان حياتهم و ليست لهم الملكيّة الدائمة و البيع هو التمليك الدائم و المفروض أنّ الملكيّة الزائدة على حياتهم إنّما هي للطبقات المتأخّرة و ليست للموقوف عليهم ولاية على تلك الطبقات فحينئذ لا بدّ من إذن الحاكم لأنّه وليّ الغائب و من بحكمه إن لم يجعل ناظر في الوقف و إلاّ فأمر البيع بيده، و من ذلك تظهر المناقشة في بقيّة الكلام كما سنشير (الأحمدي).
2) قد عرفت أنّ منشأ اللزوم بنظر السيد الاستاذ غير هذا (الأحمدي).
3) فيه أنّ الموجودين حيث لا حق فعليّ لهم في الوقف فيكون وجودهم كعدمهم (الأحمدي).
4) فيه أنّ ملكيّتهم محدودة بزمان حياتهم فليس لهم حقّ بيع الوقف إلاّ بإذن الناظر إن كان و إلاّ فالحاكم لأنّه وليّ الغائب، لأنّ البيع تمليك غير محدود (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّه لو لم يمكن شراء بدله [1]
المعدومين و الموجدين، كما لم يتعلّق به حقّ لهم أصلا، و هذا النحو من الملكيّة موجود في الوارث أيضا، فإنّه مالك على تقدير موت المورّث، فلابدّ من اعتبار إذنه في بيع الملك، و هذا ممّا لا يمكن الالتزام به. فانضمام الحاكم ممّا لا وجه له على جميع التقادير أصلا.
بقي الكلام في فرع تعرّض له المصنّف في أثناء الكلام، و هو أنّ الناظر على الوقف هل يكون ناظرا على بدله أولا؟
و الظاهر أنّه غير محتاج إلى البحث؛ فانّه دائر مدار جعل الواقف، فإن كان جعل له النظارة على عين الوقف لغرض خاص اختصّت نظارته بها، و إذا جعله ناظرا لغرض عام - كرفع النزاع و الاختلاف بين الموقوف عليهم أو عدم تحقّقه مثلا - كان ناظرا على البدل أيضا كما هو ظاهر.
[1] ذكر قدّس سرّه ما حاصله: أنّه إذا لم يمكن تبديل الوقف بما ينتفع به مع بقاء عينه فبدّل بالدراهم أو الدنانير، لم يجز دفعها إلى البطن الموجود، و ليس في حكم المبدل من هذه الجهة، فإنّه كان يجب دفعه إليهم من جهة توقّف انتفاعهم به على ذلك، و أمّا الثمن فالمفروض عدم إمكان الانتفاع به، و لذا منعنا وقفه إلاّ فيما أمكن استعماله في التزيين، فلا وجه لدفعه إليهم مع كونه ملكا شأنيّا للبطون اللاحقة و تعلّق حقّهم به، فيوضع عند أمين حتى يتمكّن من شراء ما ينتفع به مع بقاء عينه، و لو لم يمكن أن يشترى به ما ينتفع به إلاّ مع الخيار فلهم المطالبة بذلك، و لا يعطّل المثن إلى أن يوجد ما يشترى بغير خيار. و لو رضي الموجود بالاتّجار و كانت فيه المصلحة جاز، و الربح تابع للأصل.
و لا بدّ لتوضيح ما ذكره من التكلّم في جهات:
الجهة الاولى: في جواز تبديل الوقف بالدرهم و الدينار مع عدم إمكان الانتفاع بهما مع بقاء العين، و الوقف تتقوّم بذلك مفهوما، فإنّه عبارة عن حبس العين و تسبيل المنفعة، و من هنا منعنا عن وقفهما ابتداء، فإنّه كوقف الخبز و نحوه ممّا يكون الانتفاع به بإتلافه، إلاّ إذا كان ممّا ينتفع بهما مع بقاء العين و لو بالتزيين، و بما أنّ بدل الوقف كالمبدل وقف، لا يمكن تبديل الوقف بهما.
و فيه، أوّلا: أنّ لازم ذلك عدم جواز تبديل الوقف بالثمن، مع أن الغالب في المبادلات هو تبديل العين بالثمن، و تبديل العين بالعين نادر جدّا، فيلزم تضييع الوقف و عدم بيعه إلى أن يتلف، و هو مناف للغرض من تجويز البيع، فكأنّ التبديل بالدرهم و الدينار يقع في طريق تبديل الوقف بما ينتفع به مع بقاء عينه، فتأمّل.
و ثانيا: الواقف بعد التفاته إلى عدم قابليّة العين الموقوفة للبقاء و طروّ الفساد عليها و احتياجها إلى التبديل و أنّه غالبا يكون بالثمن، لا مناص له من جعل العين محبوسة من جميع الجهات ما لم تخرب، و عند الخراب محبوسة إلاّ من جهة التبديل، و البدل بماليّته محبوسا مع تسبيل المنفعة، إلاّ إذا كان ثمنا فإنّه حينئذ محبوس من تسبيل المنفعة، فتأمّل. فكأنّ الوقف من هذه الجهة يكون على قسمين، فلا مانع من تبديل الوقف بما لا ينتفع به مع بقائه ثمّ تبديله بما هو كذلك، فيكون التبديل الأوّل واقعا في طريق تبديل الوقف بما هو كالمبدل من حيث الانتفاع به مع بقاء العين، و لا مانع من ذلك بجعل الواقف، فتأمّل.
الجهة الثانية: في لزوم دفع الثمن إلى البطن الموجود إذا طالبوا به، و ذلك لأنّه
ملكهم(1). و دعوى كونه ملكا للبطون اللاحقة شأنا أو كونه متعلّق حقّهم، فاسدة؛ لما عرفت من اختصاص الوقف بالبطن الموجود، و أمّا البطون اللاحقة فهم يملكونه بعد انقراض البطن الموجود، و هذا ليس ملكا و لا حقّا، بل قضيّة تقديريّة لا توجب حقّا. نعم إذا كان هناك متولّ أو ناظر على الوقف تعمّ نظارته حفط الوقف و بدله، كان رأيه هو المتبّع في ذلك، و ليس للبطن الموجود المطالبة بالثمن، لأنّ ملكيّتهم له قاصرة على الفرض.
الجهة الثالثة: في شراء ما ينتفع به مع الخيار. و الكلام فيها يقع من جهتين:
الاولى: ربما يستشكل في ذلك من حيث إنّ الوقف يعتبر فيه التأبيد و الاستمرار، و هو ينافي الملك المتزلزل، فلا يجري فيه الوقف، و كذا بدله فإنّه في حكمه، فلا يجوز تبديله بشيء مع الخيار، لأنّه مناف للوقف.
و فيه: ما عرفت(2)من جواز تبديل الوقف اختيارا، و أنّه ليس كالمبدل من هذه الجهة، و عليه لا مانع من تزلزل الملك فيه، و لا يقاس بتزلزل الملك في أصل الوقف.
الثانية: أنّ الظاهر وجوب شراء ما ينتفع به و لو مع الخيار و لو لم يطالب
1) و لكنّه ملك محدود كالمبدل و عليه فإن كان ناظر أو متولّ للوقف يكون المال بيده يضعه حيث ما شاء عند الموقوف عليهم أو غيرهم ممّن يوثق به و إلاّ فيكون الأمر بيد الحاكم لأنّه من الامور الحسبيّة و اللازم مراعات سائر الطبقات و حفظ المال عن التلف بالنسبة إليهم (الأحمدي).
2) و هو أنّ البدل وقف بنوعيّته أو ماليّته لا بشخصه فلا يترتّب عليه الحكم المترتّب على العين بشخصيّته (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: بين عروض الخراب لكلّه أو بعضه [1]
الموجودون بذلك، لأنّ نفس جعل الواقف يقتضي ذلك؛ فإنّ الوقف عبارة عن حبس العين و تسبيل المنفعة، فلابدّ أن يكون الوقف بنفسه أو ببدله قابلا لأن ينتفع به متى أمكن، طالب به الموقوف عليه أو لم يطالب، فيجب تبديل الثمن بما ينتفع به و لو خياريّا، و غالبا يكون المبيع بالبيع الخياري أرخص من غيره، فإذا لم يفسخ البائع بعد ذلك كان الشراء لجميع البطون أنفع، و إن فسخ انتفع به البطون الموجودة، فتشترى بالثمن عين اخرى قابلة للانتفاع بها.
الجهة الرابعة: في الاتّجار بالثمن. و لا بأس باتّجار البطن الموجود به مع المصلحة إلى أن توجد عين تشترى به لتكون بدلا للوقف، لأنّه ملك لهم. و الربح يكون تابعا للعين لأنه جزء البدل، و ليس من قبيل المنافع بل من قبيل انتياع الوقف، فإذا اشتري بالثمن صوف مثلا صار هو بدل الوقف، فإذا بيع بثمن أغلى صار مجموع الثمن بدل الوقف، و لا وجه لعود الربح إلى البطن الموجود. فهو نظير أن تبدّل الدار الموقوفة الضيّقة بدار أوسع منها، فإنّ الدار الواسعة حينئذ بأجمعها تكون وقفا، لا أنّ المقدار الزائد يكون ملكا طلقا للبطن الموجود كالمنافع.
[1] يجوز بيع بعض الوقف إذا خرب، لعين ما ذكرناه في بيع تمام الوقف، إذ لا فرق بين الكلّ و البعض، و هذا ظاهر. ثمّ يمكن تبديل ثمنه بعين تكون وقفا كنفس المبدل، كما يمكن صرفه في الباقي فيما إذا أوجب ذلك زيادة منفعته، و ذلك لما عرفت من أنّه لا خصوصيّة في تبديل الوقف لبدل دون بدل، فكما يجوز أن تشترى بثمن نصف الدار الموقوفة الذي خرب فبيع دار اخرى و جعلها وقفا، كذلك يمكن أن يشترى به آجر أو حديد أو جذوع و يصرف في تعمير النصف الباقي، لأنّها أيضا أعيان يمكن الانتفاع بها مع بقاء العين، فإذا خربت بدّلت بشيء آخر و هكذا، كما
يمكن صرف الثمن في وقف آخر عليهم على نحو هذا الوقف.
ثمّ إنّ المصنّف ذكر في المقام فرعا آخر سيجيء الكلام فيه، و رتّب عليه فرعا آخر.
و ذلك الفرع هو أنّ الوقف إذا احتاج بقاؤه للبطون اللاحقة إلى صرف ثمن منفعته على تعميره بحيث لا يزيد التعمير في منفعة الوقف لينتفع به البطن الموجود فعلا، و إنّما يوجب دوامه للبطون اللاحقة، لأنّه إذا لم يعمّر يخرب و يضيع بعد مدّة، فهل يجب صرف المنفعة في تعميره أم لا؟
ربما يقال بوجوب ذلك تحفّظا على حقّ البطون اللاحقة. و لكن الظاهر عدم وجوبه(1)لأنّ المنفعة ملك طلق للبطن الموجود، و لا ملزم لهم أن يصرفوا ملكهم لمنفعة البطون اللاحقة، إذ لا فرق بين إلزامهم بصرف منفعة الوقف أو صرف مال آخر من سائر أملاكهم(2).
و فرّع على هذا الفرع ما إذا احتاج البعض الباقي إلى عمارة لا تزيد بها منفعته، و إنّما يتفرّع انتفاع البطون اللاحقة على ذلك، فهل يجب صرف ثمن المخروب إلى عمارة الباقي و إن لم يرض به البطون الفعليّة أم لا؟
فإنّه بناء على وجوب صرف المنفعة في ذلك، فثمن الوقف يصرف فيه بالأولويّة.
قوله قدّس سرّه: الصورة الثانية أن يخرب بحيث يسقط عن الانتفاع المعتدّ به [1] و لكن التحقيق عدم وجوب ذلك، لأنّ البطن الموجود لهم حقّ الالتزام بتبديل الثمن بما ينتفعون به فعلا و يكون قابلا للبقاء للبطون اللاحقة أيضا، و ليس لأحد إلزامهم برفع اليد عن حقّهم، فتأمّل. و قد عرفت أنّ البطون اللاحقة ليس لهم أيّ حقّ في الوقف فعلا.
ثمّ ذكر المصنّف أنّ هنا فروعا يستخرجها الماهر بعد التأمّل، و لعلّ المراد جواز بيع الوقف فيما إذا لم يخرب و لكن لم يتمكّن الموقوف عليه من الانتفاع به لاستملاك الحاكم له أو لتسلّط الغاصب عليه، بحيث يعلم بأنّه لا هو و لا وارثه لا يرفعون اليد عنه، أو لغير ذلك ممّا ظهر حكمه ممّا بيّناه، فإنّه يجوز حينئذ تبديله - إذا أمكن - بما ينتفعون به.
[1] بأن لا يسقط عن الانتفاع رأسا، و لكن لم ينتفع به نفعا معتدّا به، كما إذا فرضنا أنّ الحمّام أو الدار الفخم خرب فصار مزبلة لا تؤجر إلاّ بثمن بخس، فهل يجوز بيعه و تبديله بما ينتفع به منفعة معتدّا بها أم لا؟
نقول: بعدما تعرّض المصنّف للمنع عن بيع الوقف و ما يدلّ عليه، استثنى منه موارد:
فأوّلا استثنى ما إذا خرب الوقف بحيث سقط عن الانتفاع رأسا، و اختار فيه جواز البيع.
ثمّ استثنى هذا الفرض الذي هو محلّ الكلام، و هو ما إذا خرب بحيث سقط عن الانتفاع المعتدّ به بحيث يصدق عرفا أنّه لا منفعة فيه.
ثمّ تعرّض للصورة الثالثة، و هي ما إذا خرب بحيث قلّت منفعته إلى حدّ لا يلحق بالمعدوم، و قوّى فيها المنع عن البيع.
و في الفرض الوسط فصّل على ما يظهر من آخر كلامه بين ما إذا كان النفع الباقي قليلا في الغاية بحيث يلحق بالمعدوم، و بين ما إذا لم يكن كذلك، فاختار جواز البيع في الأوّل لانصراف دليل المنع، كقوله عليه السّلام: (لا يجوز شراء الوقف) عنه، و المنع في الثاني.
إلاّ أنّه لم نفهم مراده قدّس سرّه من «النفع المعتدّ به» حتّى قسّم فرض عدم بقائه إلى قسمين، فإنّه إذا كانت للوقف بعد الخراب منفعة عرفيّة و لو قليلة، فهو داخل في الصورة الثالثة، فلا وجه لجعله قسما لها، فتأمّل.
و بعبارة اخرى: الأقسام المتصوّرة في المقام ثلاثة لا أربعة، الأوّل: أن يسقط عن الانتفاع به عرفا و عقلا كما في الحيوان المذبوح، الثاني: أن يسقط عن الانتفاع به عرفا فقط مع بقاء الانتفاع به عقلا، الثالث: أن تقلّ منفعته العرفيّة، و لا رابع، فلا معنى لتقسيم الصورة الثانية - و هي سقوط الوقف عن المنفعة العرفيّة - إلى ما تقلّ منفعته بحيث يلحق بالمعدوم و إلى ما لا تقلّ منفعته كذلك.
و بالجملة: الظاهر أنّ المراد بسقوط الوقف عن الانتفاع المعتدّ به أن لا يترتّب عليه ما يعدّ منفعة له بنظر العرف، كما إذا خرب السرير الموقوف و لم ينتفع بأجزائه، كالحديد الموجود فيه، إلاّ بجعله وراء الباب لئلاّ يفتح، فإنّه ليس من منافع ذلك الحديد، و إن كان ذلك منفعة عقلا و أمكن إذا بته و جعله شيئا آخر.
فتفصيل المصنّف في هذا القسم لا وجه له، بل الصحيح فيه جواز البيع(1)
ثمّ إنّه لا بدّ من التوجّه إلى نكتة و هي أنّه لو فرض أنّ الموقوفة كانت دارا أو بستانا مثلا ففي مثل ذلك كما أنّ الأبنية و الأشجار موقوفة كذلك ذات الأرض أيضا موقوفة فلو فرض أنّ أرض تلك الدار أو البستان بما أنّها أرض لم تكن فائدتها قليلة بحيث لا تعدّ فائدة عرفا فحينئذ لا يجوز البيع.
ثمّ إنّه على ما ذكره بعض المشايخ في وجه الجواز و هو أهميّة حفظ غرض الواقف من حفظ خصوصية الوقف يشكل الأمر فيما أفاده المصنّف من أنّه لو كانت منفعة العين الخربة مساويا أو أزيد من بيعها و تبديلها بشيء آخر فلا ينبغي الإشكال في عدم الجواز؛ إذ لو فرض أنّ غرض الواقف كان سكنى الموقوف عليهم فبعد الخراب بحيث لا يمكن استفادة المسكن منه و لكن يؤجر لغرض آخر مساو أو أزيد ممّا كان يؤجر للسكن حال كونه معمورة فعلى ما ذكره بعض المشايخ يجوز البيع حينئذ و تبديل الثمن بدار اخرى مسكونة (الأحمدي).
و ذلك1) لا لما أفاده بعض المشايخ من أنّه يدور الأمر في هذه الصورة بين إبقاء العين الموقوفة و هو الدار مثلا فلا تباع و إن لم يحصل في إبقائها غرض الواقف من سكنى الموقوف عليهم فحينئذ تؤجر مثلا و تعطى الاجرة لهم و بين حفظ غرض الواقف و هو سكنى الموقوف عليهم فتباع و تشترى بالثمن دار اخرى يسكنون فيها و حيث إنّ حفظ الغرض أهم لأنّ الوقف إنّما كان لأجل الغرض فلابدّ من تقديمه، إذ فيه أوّلا أنّ الغرض يختلف باختلاف نظر الواقفين ففي مثل وقف الدار لا يعلم أنّ الغرض هو خصوص سكنى الموقوف عليهم مباشرة إلاّ إذا شرط ذلك عليهم في الوقف بل يمكن أن يكون الغرض انتفاعهم من الدار بالسكنى فيه أو بإجارته و الانتفاع بأجرته، و ثانيا أنّ تحصيل غرض الواقف و دواعيه غير لازم، و ثالثا إبقاء العين يكون من منشآت الواقف بل مفهوم الوقف يقتضيه و أمّا حفظ غرضه لو كان لازم التحصيل فهو من لوازم الوقف و آثاره فحفظ العين و إبقاؤها عند التزاحم مع حفظ الغرض أهم، بل الوجه في الجواز انصراف أدلّة منع بيع الوقف عمّا إذا لم تترتّب على بقائه منفعة عرفيّة.
لأنّ متعلّق غرض الواقف إنّما هو تسبيل المنفعة العرفيّة لا العقليّة، فإذا لم يمكن الانتفاع به بما يعدّ منفعة عرفيّة له، جاز تبديله بمقتضى غرض الواقف و إنشائه، على ما اخترناه من أنّ الواقف في الوقف المؤبّد يحبس العين الموقوفة ما دام الانتفاع العرفي بها ممكنا مع بقائها، و بدلها إذا لم يمكن ذلك، و الأدلّة الواردة كقوله عليه السّلام: (لا يجوز شراء الوقف) تكون امضاء لما أنشأه الواقف، فالمنفعة العقليّة
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّك قد عرفت فيما سبق أنّه ذكر بعض [1]
أجنبيّة عن غرض الواقف و لا تكون مانعا عن البيع.
[1] تعرّض المصنّف في المقام لما حكاه عن الجواهر سابقا، من أنّ طروّ المسوّغ للبيع يوجب بطلان الوقف، لفوات شرطه حينئذ، و هو قابليّة الانتفاع مع بقاء العين المعتبر فيه حدوثا و استمرارا.
فأورد عليه بما حاصله - مضافا إلى عدم الدليل(1)-: أنّ اعتبار شرط في العقد حدوثا لا يستلزم اعتباره بقاء و استدامة، و لذا يعتبر في البيع ماليّة المبيع مثلا حدوثا مع عدم اعتبارها فيه استمرارا، و لذا لا يبطل البيع إذا سقط عن الماليّة بعد البيع.
و نقول: فساد القياس واضح؛ فإنّ البيع عبارة عن المبادلة بين المالين، فإذا حدث و انتقل المبيع إلى المشتري و صار ملكا له، كان سقوطه عن الماليّة في ملك المشتري كزوال الماليّة عن سائر أمواله، لا يوجب بطلان العقد، لعدم تقوّمه ببقاء ماليّة المبيع. و هذا بخلاف الوقف المتقوّم بحبس العين مؤبّدا مع إمكان الانتفاع بها، فإنّ هذا المعنى لا يتحقّق مع سقوط العين عن قابليّة الانتفاع بها مع بقائها، فلا مناص من الالتزام ببطلان الوقف من حيث امتناع البيع إذا طرء المسوّغ، على ما هو مقتضى انشاء الواقف - فتأمّل - لا من بقيّة الحيثيّات، كجواز هبته و انتقاله إلى
1) الدليل قام على اشتراط الوقف حدوثا بأن تكون العين قابلة للانتفاع بها فلا يصحّ وقف ما لا يكون قابلا للانتفاع حدوثا و أمّا قابليّتها للانتفاع بقاء فلم يدلّ عليه دليل مع أنّه لا معنى لبطلان الوقف لأنّه بالبطلان إن رجع إلى ملك الواقف فهو خلاف مقتضى الوقف المؤبّد إذ لازمه خروج المال عن ملكه أبدا، و إن بقي في ملك الموقوف عليهم فهو بقاء بلا جهة لأنّه كان ملكا لهم بعنوان الوقف و المفروض زواله و صيرورته بالخراب من المباحات و هذا لم يتفوّه به أحد (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثم ذكر أنّه قد يقال بالبطلان أيضا بانعدام عنوان الوقف [1]
الوارث بالإرث و نحو ذلك. و قد اعترف المصنّف قدّس سرّه في بحث المعاطاة و غيره بعدم جواز رهن ما لا يقبل البقاء - كالخبز و البطّيخ و نحوهما - حيث لا يصدق عنوانه إلاّ في فرض قابليّته للبقاء و الاستمرار.
[1] ذكر صاحب الجواهر أنّ الوقف يبطل بزوال عنوانه(1)، كما إذا أوقف بستانا فانعدم عنوانه و إن أمكن الانتفاع به مع بقاء عينه في زرع و نحوه.
و ذكر في وجهه ما حاصله: أنّ متعلّق الوقف هو العنوان، و أنّ الأرض حينئذ و إن كانت وقفا إلاّ أنّها جزء من الوقف من حيث كونه بستانا لا مطلقا. ثمّ أيّد ذلك بما ذكروه في الوصيّة، من أنّه لو أوصى بدار فانهدمت قبل موت الموصي بطلت الوصيّة لانتفاء موضوعها. نعم لو لم يكن للعنوان دخل في الوقف لم يبطل بزواله. ثمّ ذكر أنّ في عود الوقف بعد ذلك إلى ملك الواقف أو وارثه و جهان.
و أورد عليه المصنّف - بعد ما ادّعاه من الإجماع على عدم بطلان الوقف بزوال العنوان - بما حاصله: أنّه إن أراد بالعنوان ما يقع مفعولا به للجملة التي ينشأ بها العقد، كما في قولك: وقفت الدار و البستان أو بعت الدكّان مثلا، فمن الظاهر أنّ التمليك المتعلّق به لا يتعلّق بالعنوان و إنّما يتعلّق بالمعنون - أعني الموجود الخارجي - فلا يدور التمليك مداره. و إن أراد بالعنوان أمرا آخر فهو خارج عن مصطلح أهل العلم و العرف، فلابدّ من بيانه(2). ثمّ ذكر أنّ قياس المقام بالوصيّة
1) إنّما ذكره صاحب الجواهر بعنوان الاحتمال، انظر الجواهر 358/22-359.
2) توضيح ما أفاده قدّس سرّه أنّ حقيقة الوقف في مورد البحث كما تقدّم هو تمليك العين لطبقات الموقوف عليهم على الترتيب و ليست الملكيّة من قبيل الأحكام التكليفيّة المتعلّقة بالعناوين كتحريم الخمر و تحليل الخلّ و أمثال ذلك حتّى تزول بزوال العنوان و الصورة بل التمليك و الوقف من قبيل الأحكام الوضعية إنّما تتعلّق بذوات الأشياء و نفس المواد لا المادّة المقيّدة بالعنوان، غاية الأمر أنّ الصور النوعيّة موجبة لإيجاد الماليّة في المواد أو زيادتها من غير أن تكون الصورة مالا كما هو الحال في الأوصاف و عليه فزوال الصورة عن العين لا يوجب زوال وقفيّة الذات و المادّة إلاّ بأحد أمرين إمّا بأن يشترط الواقف - على نحو شرط النتيجة - بطلان الوقف عند زوال الصورة لكنّه على تقدير صحّته خلاف الفرض لأنّ الكلام في الوقف المؤبّد، أو يشترط لنفسه الخيار في إبقاء الوقف و إبطاله عند زوال الصورة و هذا أيضا على تقدير صحّته خلاف دعوى صاحب الجواهر لأنّه يدّعى بطلان الوقف و الشرط المذكور يثبت جواز إبطاله بالفسخ و لو فرض أنّ الوقف تعلّق بنفس العنوان و الصورة النوعيّة فزوال تلك العنوان و الصورة و إن كان يوجب بطلان الوقف و زواله لكن عرفت أنّه لا يصحّ وقف العنوان و يكون الوقف المذكور باطلا من أصله لأنّ حقيقة الوقف في المقام إنّما هو التمليك و الملكيّة تتعلّق بذات المعنوات لا بالصور و نفس العناوين (الأحمدي).
و للميرزا قدّس سرّه في المقام تفصيل بين ما إذا كان العنوان الزائل من الصور النوعيّة العرفيّة و ما إذا كان من قبيل الأوصاف. و مثّل للثاني بما إذا أوقف البستان أو الدار فإنّه ينحلّ إلى وقف الأشجار و العرصة أو البنيان و العرصة، فإذا انعدمت الأشجار أو
1) و هو أنّ متعلّق الإيجاب و القبول لا بدّ و أن يكون واحدا و لذا لا يصحّ البيع مثلا لو كان المبيع حين الإنشاء حيوانا و حال القبول صار لحما و اعتبار بقاء الموصى به إلى حال الموت لعلّه من جهة اعتبار القبول في ذلك الحال (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: الصورة الثالثة أن يخرب بحيث تقلّ منفعته [1]
البناء و بقيت العرصة فقد زال وصفا من أوصافها و لم تتبدّل صورته النوعيّة. و المراد بالصورة النوعيّة على ما بيّناه في تخلّف الوصف في المبيع هي الصورة النوعيّة العرفيّة و لو كانت من الأوصاف حقيقة، كما إذا اشترى حبّا فبان كونه إبريقا، أو بساطا من صوف فبان كونه عباءة، فإنّ الصورة النوعيّة الحقيقيّة و إن كانت واحدة - أعني الطين أو الصوف - إلاّ أنّ الصورة النوعيّة العرفيّة متبدّلة. و مثّل للأوّل بما إذا أوقف شجرة فصار خشبا، و اختار فيه بطلان الوقف.(1)
و لكن يرد على هذه الصورة أيضا ما أورده المصنّف على صاحب الجواهر، من أنّ ما تعلّق به الوقف ليس هو الصورة النوعيّة، و إنّما هو المادّة الموجودة في الخارج بأيّ صورة تصوّرت، فتكون الصورة وقفا بالتبع، و ما أفاده المصنّف هو الصحيح، فزوال العنوان لا يوجب البطلان.
[1] من المستثنيات ما إذا خرب الوقف بحيث قلّت منفعته(2)، فيجوز بيعه حينئذ و إن أمكن الانتفاع به مع بقائه.
و فيه منع ظاهر؛ لأنّ الوقف متقوّم بأمرين، بقاء العين و إمكان الانتفاع به كذلك، و كلا الأمرين متحقّق في المقام، و أمّا قلّة المنفعة و كثرتها فليستا من مقوّمات الوقف، فمقتضى العمومات المانعة عن بيع الوقف و شرائه عدم جواز البيع في الفرض(3).
1) منية الطالب 285/2.
2) و الفرق بينها و بين الصورة السابقة أنّه في الصورة السابقة كانت القلّة بحيث تلحق العين بما لا منفعة فيها عرفا بخلاف هذه الصورة (الأحمدي).
3) و غاية ما يدّعى في وجه الجواز دعوى انصراف العمومات المانعة عن المورد، و فيه منع الدعوى و الشاهد عليه أنّ مورد قوله عليه السّلام: لا يجوز شراء الوقف، كان في فرض الخراب و لا شك أنّ خراب الأرض ملازم لقلّة الانتفاع بها (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: الصورة الرابعة أن يكون بيع الوقف أنفع [1]
[1] الظاهر أنّ عدم جواز البيع في هذه الصورة ممّا تسالم عليه الفقهاء، و لم ينسب الخلاف إلاّ إلى المفيد(1). و بما أنّ ذهابه قدّس سرّه إليه كان غريبا في نظر الحلّي قدّس سرّه أوّل كلامه إلى صورة اخرى(2).
و الصحيح هو المنع كما هو المشهور؛ لإطلاق أخبار المنع عن بيع الوقف.
و ما يوهم الجواز روايتان:
الرواية الاولى: رواية جعفر بن حيّان، و في المتن «ابن حنّان» بالنون، و لم نجده في كتب الرجال(3)، و لعلّ النسخة الصحيحة «ابن حيّان».
و مورد الاستدلال بها قوله عليه السّلام في ذيل الرواية، قال الراوي: (قلت: فللورثة من قرابة الميّت أن يبيعوا الأرض إذا احتاجوا و لم يكفهم ما يخرج من الغلّة؟ قال: نعم، إذا رضوا كلّهم و كان البيع خيرا لهم باعوا)(4)حيث علّق عليه السّلام جواز البيع بما إذا كان أعود و أصلح لهم.
و فيه - مضافا إلى ضعف السند بجعفر بن حنّان، فإنّه غير ممدوح و لا مذموم، و غاية ما يمكن إثباته كونه إماميّا، و أمّا الوثوق فلا -:
أوّلا: أنّ الراوي فرض أنّ الرجل أوقف غلّة له - أي أرض غلّة و إلاّ فنفس الغلّة
لا توقف على قرابة - و أوصى لرجل ثلاثمائة درهم في كلّ سنة و تقسيم الباقي، مع أنّ الوقف و الوصيّة متنافيان، فالوقف يوجب بطلان الوصيّة - سابقا كان عليها أو متأخّرا عنها - فكيف أمضى الإمام عليه السّلام كلا الأمرين؟(1)اللهمّ إلاّ أن لا يراد بالوصيّة الوصيّة المتعارفة، بل يراد بها معناها اللغوي، أعني التعهّد و الاشتراط، كما في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ (2)أي: يشترط عليكم،
1) و أيضا كون غلّة الأرض هذا المقدار في كلّ سنة غير معلوم لاختلاف الغلّة جدا بحسب السنوات و كذا قيمتها و إن كان مقدارها واحدا، و الجواب عن الإشكالين المذكورين و كذا هذا الإشكال أنّ المراد من الوصيّة هي الوصيّة العهديّة لا التمليكيّة و أنّ مرجعها إلى الشرط المذكور في ضمن الوقف بقرينة ما بعدها فالوقف متعلّق بجميع الأرض و غلّتها أجمع تكون ملكا للموقوف عليهم بمقتضى الوقف غاية الأمر يجب عليهم دفع المبلغ المزبور إلى الموصى له في كلّ سنة. و أمّا الإشكال على الرواية بأنّ موردها الوقف المنقطع لأنّه ذكر الوقف على القرابة و القرابة يمكن انقطاعها و الأعقاب فى كلام المصنّف قد وقع اشتباها إذ ليس في الرواية ذكر للفط العقب و الأعقاب و عليه فالرواية لا تشمل مورد البحث و هو الوقف المؤبّد، فقد ردّه المصنّف بأنّ الاقتصار على ذكر القرابة لا يدلّ على الاختصاص إذ الوقف المؤبّد أيضا يمكن أن يكون على القرابة غاية الأمر لو فرض انقطاعها يصرف في سبيل اللّه مثلا فمن ترك الاستفصال في مقام الجواب يعلم عدم الفرق بين القسمين. و لكن في أصل الإشكال و الجواب نظر، أمّا في الأوّل فلأنّه في الوقف المنقطع يجوز البيع إذا لم تكن للموقوف عليهم طبقة متأخّرة عن الموجودين و أمّا إذا كان بعد البطن الموجود بطن آخر فلا يجوز بعين الملاك الذي تقدّم أنّه لا يجوز بيع الوقف المؤبّد و هو عدم كون الموجودين مالكين ملكيّة أبديّة فإذا دلّ دليل على جواز البيع المنقطع بالنسبة إلى الطبقة التي بدها طبقة اخرى نستكشف منه جواز بيع المؤبّد أيضا، و أمّا في الثاني فلعدم دلالة الرواية على جواز بيع الوقف إذا كان أصلح فقط (الأحمدي).
2) سورة النساء/ 2.
فإنّ الشرط لا ينافي الوقف.
و ثانيا: أنّ الراوي فرض قلّة الغلّة بحيث لا يبلغ قيمتها مجموعا إلا خمسمائة درهم، فسأل أنّه هل يدخل حينئذ نقص على ما أوصى به؟ قال عليه السّلام: (أليس في وصيّته أن يعطى الذي أوصي له من الغلّة ثلاثمائة درهم و يقسّم الباقي على قرابته من أبيه و امّه؟ قلت: نعم، قال: ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلّة شيئا حتّى يوفى الموصى له ثلاثمائة درهم ثمّ لهم ما يبقى بعد ذلك) و هو أيضا مخالف للقواعد لأنّ اشتراط دفع المبلغ إلى الموصى له لا يوجب حرمة تصرّفهم في ملكهم - أعني الغلّة - و لو لم يفوا به أصلا، لأنّ مخالفته حكم تلكيفيّ محض، فكيف أمر الإمام عليه السّلام بعدم جواز تصرّفهم في الغلّة ما لم يؤدّوا الموصى به؟ فتأمّل.
و ثالثا: حكم فيها الإمام عليه السّلام برجوع المبلغ إلى ورثة الموصى له بعد موته. و هو و إن كان منصوصا بل على القاعدة في الوصيّة المصطلحة، إلاّ أنّه لا يتمّ في الشرط، فإذا شرط الموصي إعطاء مبلغ معيّن كلّ سنة إلى شخص خاص بداعي أنّه مقلّده و أنّه رجل عادل تقيّ، كيف يقال بلزوم دفع المبلغ إلى وارثه الذي هو فاسق فاجر عاميّ مثلا؟
و رابعا: حكم عليه السّلام برجوع المبلغ إلى ورثة الواقف إذا انقطع ورثة الموصى له و لم يبعه أحد منهم. و هو أيضا لا ينطبق على القواعد؛ فإنّ رجوع الوقف إليهم بعد خروجه عن ملكهم بلا وجه - فتأمّل - بل يكون حينئذ مال لا مالك له، فيدخل في ملك الإمام عليه السّلام.
و خامسا: مع ورود هذه الإشكالات، ليست فيها دلالة على جواز بيع الوقف لمجرّد الأصلحيّة، لأنّ المفروض في مورد حكمه عليه السّلام بجواز البيع امور ثلاثة:
احتياج الموقوف عليهم(1)و هو الصورة الآتية، و كون البيع أعود(2)، و رضى الكلّ، فلا يستفاد من ذلك كفاية أحدها في جواز البيع.
الرواية الثانية: خبر الاحتجاج: «أنّ الحميري كتب إلى الحجّة (عجّل اللّه تعالى فرجه) أنّه روي عن الصادق عليه السّلام في خبر مأثور إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم و أعقابهم فاجتمع أهل الوقف على بيعه و كان ذلك أصلح، لهم أن يبيعوه. فهل يجوز أن يشترى من بعضهم إن لم يجتمعوا كلّهم على البيع أم لا يجوز إلاّ أن يجتمعوا كلّهم على ذلك؟ و عن الوقف الذي لا يجوز بيعه؟ فأجاب عليه السّلام: إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه، و إذا كان على قوم من المسلمين فليبع كلّ قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين و متفرّقين، إن شاء اللّه»(3)و قوله عليه السّلام «فلا يجوز بيعه» أي لغير الإمام و إلاّ فالإمام عليه السّلام له الولاية على البيع.
و تقريب الاستدلال بها واضح؛ فإنّ الإمام عليه السّلام جوّز بيعه في مورد كلام الراوي،
1) فإنّه و إن كان مذكورا في كلام الراوي إلاّ أنّ جواب الإمام عليه السّلام ناظر إلى فرض السائل (الأحمدي).
2) المراد بكون البيع خيرا لهم إن كان مطلق الخير و إن لم يكن من جهة كون البيع أعود نفعا فلم يعمل بها أحد حتّى المفيد قدّس سرّه و إن كان المراد به خصوص الحاجة التي فرض في كلام السائل فيدلّ على الجواز في خصوص فرض الحاجة و بينه و بين عنوان الأعوديّة عموم و خصوص من وجه و حمل الخير على خصوص الأعوديّة ممّا لا شاهد له، مع أنّ ظاهر رواية جعفر و الحميري بيع الموقوف عليهم و صرف الثمن لا شراء شيء يكون أعود و أنفع كما هو المدّعى (الأحمدي).
3) الاحتجاج 312/2-313، و الوسائل 306/13-307، الباب 6 من أبواب أحكام الوقف و الصدقات، الحديث 9.
و هو ما إذا كان أصلح.
و يرد عليه - مضافا إلى ضعف سند الاحتجاج(1)، و لذا لا تذكر رواياته إلاّ مؤيّدا لا دليلا -:
أوّلا: أنّ ظاهر كلام الإمام عليه السّلام عدم كونه في مقام البيان من حيث مورد جواز بيع الوقف، بل السائل في فرض جواز بيع الوقف سأل عن الشراء عن بعض الموقوف عليهم دون البعض الآخر، فأجاب عليه السّلام بجواز بيعه مجتمعا و متفرّقا، و لذا لم يؤخذ عنوان الأصلحيّة في جوابه عليه السّلام، و إنّما هي مرويّة في رواية اخرى عن الصادق عليه السّلام، فضمّها الرواي إلى سؤاله، فلا ربط للرواية بما نحن فيه من جواز بيع الوقف إذا كان أصلح لعدم كونها في مقام بيانه.
و ثانيا: نفرض كونها في مقام البيان حتّى من هذه الجهة و أنّ الأصلحيّة قيد في كلامه عليه السّلام أيضا(2)، إلاّ أنّ المراد بها على ما يظهر من إسناد البيع إلى أرباب الوقف، الأصلح بحالهم، أي بيعه و تملّك ثمنه، لا تبديله بما يبقى للبطون اللاحقة، و الأصلحيّة في هذا الفرض - أي بيع الوقف و تملّك البطن الموجود - دائما يكون أعود لهم و أنفع، فالمستفاد من الرواية على هذا جواز بيع الوقف للبطون الموجودة مطلقا في جميع الموارد، فحينئذ لا تكون أخصّ من أدلّة منع بيع الوقف، بل يكون بينهما التباين، و ليست لهذه الرواية من جهة ضعفها قابليّة المعارضة مع تلك
قوله قدّس سرّه: الصورة الخامسة أن تلحق الموقوف عليهم ضرورة شديدة [1] الأخبار، فتقدّم هي عليها، أو نقول بانقلاب النسبة كما هو المختار(1)، فإنّ الأخبار المانعة عن بيع الوقف قد خصّصت بما دلّ على جواز بيعه عند الخراب و سقوطه عن الانتفاع، فتكون أخصّ منها، فتخصّصها بفرض الخراب دون غيره.
و ثالثا: الظاهر إطلاق جواب الإمام عليه السّلام و عدم تقييد جواز البيع في كلامه بما إذا كان أصلح، فيكون ظاهرا في جواز بيع الوقف مطلقا، فتقع المعارضة بينها و بين دليل المنع بالتباين، فيتقدّم دليل المنع عليها، إمّا للأقوائيّة و إمّا لانقلاب النسبة.
و رابعا: الرواية على هذا بظاهرها لم يقل بمضمونها أحد(2)، فهي ساقطة لا محالة.
فالصحيح عدم جواز البيع لكونه أعود.
[1] عن الانتصار و الغنية(3)دعوى الإجماع على جواز البيع في هذه الصورة.
إلاّ أنّ الإجماع المنقول غير معتبر في نفسه(4)، مضافا إلى أنّه في المقام
1) كما أفاده المحقّق النائيني في المقام و اخترنا أصل الكبرى في محلّه، و لكن الظاهر عدم انطباق الكبرى على المورد لأنّ جواز البيع في رواية الحميري ليست مطلقة بل مقيّدة بما إذا كان البيع أصلح كما هو مورد السؤال أو بما إذا كان خيرا كما في رواية ابن محبوب فتكون النسبة بين رواية الحميري و روايات المنع عموما و خصوصا مطلقا مثل نسبة دليل جواز البيع في صورة الخراب و أدلّة المنع فيخصّص دليل المنع بكليهما كما في كلّ عام ورد عليه مخصّصان عرضا (الأحمدي).
2) و التفصيل فيها بين كون الوقف لإمام المسلمين فلا يجوز بيعه و بين الوقف لغيره فيجوز - مع أنّه لم يقل به أحد - من الموهنات لها أيضا (الأحمدي).
3) الانتصار: 226-227، و الغنية: 298.
4) من القدماء كالسيّد المرتضى لأنّه قد يستمدّ في دعوى الإجماع بالأصل - كما في دعوى الإجماع على صحّد الوضوء بماء الورد - أو بغيره ممّا لا نعتمد عليه (الأحمدي).
معارض بالإجماع المنقول المحكيّ عن السرائر(1)على عدم الجواز، فلا يعبأ بهذا الإجماع.
و قد استدلّ على الجواز برواية جعفر بن حيّان.
إلاّ أنّها مضافا إلى ضعف سندها و ورود الإشكالات المتقدّمة عليها، لا يمكن الاعتماد عليها في المقام(2)، لأنّ المأخوذ فيها عنوان «الحاجة» أي الفقر و عدم وفاء الغلّة بمصارفهم، و بينه و بين الضرورة أو الحاجة الشديدة عموم من وجه، إذ قد يكون الإنسان فقيرا و ليس بمضطرّ، بل يدبّر معاشه بمقدار رفع الضرورة و لو بإتعاب نفسه، و ربما يكون الرجل ثريّا و قد احتاج إلى المال أشدّ الاحتياج لكون أمواله دينا في ذمّة الناس أو لبعده عن بلاده أو لغير ذلك، فلا يمكن الاستدلال بها على المقام أصلا(3).
و أمّا توهّم صحّة بيع الوقف لحديث الرفع، فالاضطرار إلى البيع يرفع مانعيّة الوقف عن صحّة البيع.
فهو فاسد؛ لأنّه لا يثبت صحّة البيع، و إنّما يوجب جوازه تكليفا، و إلاّ لجاز به بيع أموال الغير عند الاضطرار. و بالجملة مقتضى حديث رفع الاضطرار جواز دفع
1) السرائر 153/3.
2) و أمّا ما قيل في وجه طرح الرواية من أنّ جواز البيع فيها غير مقيّد بالحاجة الشديدة بل جعل المدار في الجواز على مطلق الحاجة فالرواية غير معمول بها، ففيه أنّ الإجماع على عدم الجواز في غير الحاجة الشديدة يقيّد الرواية لا أنّه يوجب طرحها (الأحمدي).
3) و دعوى أنّه بعد استفادة جواز البيع عند الفقر الشرعي من الرواية فيستفاد منها الجواز عند الضرورة بالأولويّة، فيه أنّ الحكم لم يثبت في مورد الرواية و هو الفقر حتّى نتعدّى إلى ما هو أولى منه اذا الفقهاء لم يجعلوا الفقر و الحاجة من المجوّزات (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: الصورة السادسة أن يشترط الواقف بيعه عند الحاجة [1]
الوقف إلى المشتري تكليفا ليحصّل به المثن و يرفع به اضطراره، إلاّ أنّه لا يرفع الضمان و لا يوجب صحّة المعاملة كما هو ظاهر.
فالصحيح عدم جواز بيع الوقف عند الضرورة.
[1] اختلف في جواز البيع في هذه الصورة و عدمه على أقوال، ثالثها: التفصيل بين ما إذا كان المشروط عليه ممّا يوجب طروّه جواز البيع في نفسه فيكون اشتراطه موجبا لجواز بيع الوقف و إلاّ فلا.
و التفصيل غير تام؛ و ذلك لأنّ فرض كون الشرط ممّا يوجب جواز البيع خارج عن محلّ البحث لجواز البيع حينئذ، اشترط بيعه الواقف أم لم يشترط، و مورد البحث مختصّ بغيره، فهذا ليس تفصيلا في المسألة، بل هو عين القول بالمنع.
و كيف كان، الأقوال في المسألة ثلاثة: قول بجواز الشرط، و قول بعدم جوازه و على الثاني: قول بكونه مفسدا للوقف مع فساده، و قول بعدم مفسديّته(1).
1) نقول الشرط في العقد على ثلاثة أقسام، أحدها: أن يكون منافيا لمقتضي العقد مثل أن يقول وقفت هذا العين بشرط أن لا تكون محبوسة، و مثل هذا الشرط فاسد و مفسد لأنّ به ينعدم المشروط و لا يتحقّق له وجود، ثانيها: أن يكون منافيا للكتاب و السنّة مثل قول الزوجة زوّجتك نفسي على أن لا يكون الطلاق بيدك، و لا إشكال في فساد هذا الشرط و إنّما وقع البحث في مفسديّته من جهة الخلاف في أنّ الشرط يرتبط بالالتزام المعاملي و أنّه مع الشرط ليس إلاّ التزاما واحدا فيكون فساد الشرط مستلزما لفساد العقد أو أنّه التزام آخر فلا يسري فساده إلى العقد، ثالثها: أن لا يكون الشرط منافيا لمقتضي العقد و لا للكتاب و السنّة، و مثل هذا الشرط نافذ بشرط جامعيّته لسائر الشرائط المعتبرة في نفوذ الشرط (الأحمدي).
ثمّ إنّ شرط البيع قد يكون بمعنى اشتراط بيعه(1)و تبديل الوقف بما يبقى وقفا، و قد يكون بمعنى اشتراط بيعه و أكل ثمنه.
ثمّ على التقديرين: قد يتكلّم في ذلك من جهة كونه منافيا لمقتضى العقد - و اذا كان الشرط منافيا لمقتضى العقد كان مرجع اشتراطه إلى عدم قصد حقيقة العقد - فيبطل لا محالة، و قد يتكلّم فيه من جهة كونه مخالفا للسنّة.
أمّا منافاته لمقتضى العقد(2)، فلا ينبغي الريب في عدم كون اشتراط جواز البيع منافيا لمقتضى العقد(3)إذا اريد به جواز تبديله؛ لأنّ الوقف غير متقوّم بحبس العين بشخصها، بل هو عبارة عن حبسه أو بدله، و إلاّ لما كان بيعه جائزا و لو بمسوّغ شرعي، فغايته أن يكون هذا منافيا لإطلاق الوقف، و لا مانع من تقييده بجعل الواقف، كما قيّد في موارد طروّ المسوّغ شرعا، فيكون محبوسا من جميع الجهات مطلقا، و من خصوص التبديل مطلقا إلاّ في مورد خاص.
1) و أمّا شرط النتيجة فهو أن يشترط كون العين الموقوفة مطلقا أو عند الحاجة داخلة في ملك الطبقة الحاليّة من الموقوف عليهم كلاّ أو بعضا أو شخص خارج منهم، و هذا لا إشكال في فساده بل و مفسديّته لمنافاته لمقتضى الوقف و هو التأبيد (الأحمدي).
2) و وجه توهم كونه منافيا لمقتضى الوقف فهو أنّ حقيقة الوقف إمّا هو المحبوسيّة الدائميّة أو التمليك الدائمي للبطون بتقطيع الملكيّة عليهم حسب قطعات الموقوف عليهم و يكون الحبس من لوازم الوقف بالمعنى الثاني فيكون شرط بيع الوقف منافيا لمفهومه على الأوّل و منافيا للازمه على الثاني (الأحمدي).
3) و هو التأبيد المأخوذ في مفهوم الوقف بل يكون مؤكّدا له إذ الشيء المؤبّد و ما بحكمه يمكن إبطاله و فسخه فالواقف أنشأ الوقف مؤبّدا و شرط إبطال ذلك الإنشاء و فسخه نظير ما لو باع شيئا و شرط على المشتري أن يبيعه من شخص آخر فيشترط عليه إزالة تلك الملكيّة الدائميّة (الأحمدي).
و أمّا إن اريد به جواز بيعه و أكل ثمنه، فبما أنّه يستحيل أن يكون الثمن ملكا طلقا مع كون المبدل وقفا، لأنّه مناف لمقتضى البدليّة، إذ مقتضاها كون البدل في حكم المبدل من جميع الجهات، و لذا قلنا باستحالة خروج المبدل عن كيس شخص و دخول بدله في كيس شخص آخر، فمرجع هذا الاشتراط إلى جعل حقّ فسخ الوقف للموقوف عليه بأن يفصله عن الوقفيّة، فيكون الوقف ملكا طلقا له - تأمّل - فيبيعه و يملك ثمنه.
و عليه، فربما يقال إنّه مناف للتأييد المقوّم للوقف(1)، فيقع البحث في أنّ التأبيد مقوّم للوقف أو أنّه أيضا مقتضى إطلاقه، كما قلناه في حبس شخص الوقف، و هو الصحيح(2)، بل لا دليل على بطلان الوقف المنقطع سوى الإجماع، و هو غير شامل
1) قد عرفت أنّ التأبيد لو فرض كونه مقوّما للوقف و داخلا في مفهومه لا يكون شرط الخيار مطلقا أو عند عروض الحاجة منافيا له لأنّ مرجع الخيار إلى جعل حق إزالة التأبية لنفسه أو للموقوف عليهم و هو لو لم يكن مؤكّدا للتأبيد لا يكون منافيا له نعم لو كان اللزوم داخلا في مفهوم الوقف يكون شرط الخيار منافيا له لكنّه كما ترى إذ ليس لزوم الوقف من منشآت الواقف كما في البيع بل المنشأ في كليهما الملكيّة الدائميّة غير المؤقّتة فلو لم يتحقّق رافع لها يكون بقاؤها بطبعها و لا يكون جعل الخيار منافيا للكتاب و السنّة أيضا لأنّ لزوم الوقف و عدم كونه خياريّا لم يثبت إلاّ بمثل أوفوا بالعقود و لزومه كذلك غير مناف مع كونه خياريّا بواسطة شرط الخيار كما في سائر العقود من البيع و نحوه حيث إنّ لزومها طبعا بدليل أوفوا لا ينافي شرط الخيار (الأحمدي).
2) نعم لو شرط بيع الوقف بما هو وقف لا على نحو يرجع إلى شرط الخيار بأحد القسمين في فسخ الوقف فالظاهر أنّه لا يجوز لا لإنّه مناف لمفهوم الوقف بل لمنافاته للسنّة و هو قوله عليه السّلام: (لا يجوز شراء الوقف) لو لم نقل بانصرافه من صورة شرط البيع كما سيجيء، و الظاهر من كلام العلاّمة هو هذا القسم، و أمّا شرط الخيار بأحد أقسامه الثلاثة فالرواية لا تنافيه إذ البائع لا يبيع بل بإعمال الخيار يزيل عقد الوقف المتعلّق بالمال، نعم قد يتوهّم منافاته لقوله عليه السّلام: (صدقة لا تباع) لكونه صفة للنوع، لكنّه مبني على أن يكون التوصيف توصيفا لنوع الصدقة مطلقا أي حتّى الصدقة التي شرط فيها الخيار لا لنوع الصدقة المطلق، و الظاهر من الكلام هو الثاني كما في مثل قولك: البيع لازم، فإنّ ظاهره لزوم البيع المطلق أي المجرّد عن قيد الخيار لا لزوم البيع مطلقا، و أمّا قوله عليه السّلام: (الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها) فإنّه لا ينافي هذا الشرط لأنّه وقف العين على هذا النحو و هو أن يكون له أو للموقوف عليهم حقّ البيع مطلقا أو عند عروض الحاجة بل مقتضى نفوذ الوقف على حسب وقف الواقف نفوذ الشرط المذكور، و أمّا قوله عليه السّلام: (لا يجوز شراء الوقف) فلأنّ المفروض أنّه بالشرط أثبت الخيار و بعد إعمال الخيار تزول الوقفيّة فلا يشمله النهي، فلا يكون رفع اللزوم في الوقف بالشرط مخالفا للسنّة - كما في البيع - إذ لم يثبت من دليل أنّ اللزوم في الوقف على نحو الاقتضاء بمعنى أنّ اللزوم يثبت في مطلق الوقف حتّى الوقف الذي شرط فيه الخيار. نعم لو شرط الواقف بيع نفس الوقف و لم يكن الواقف ممّن يعلم بعدم صحّة شراء الوقف حتّى يكون علمه بذلك كالقرينة على إرادة شرط الخيار و بيع العين بعد إزالة الوقفيّة بالفسخ كان الشرط المذكور مخالفا للسنّة، إلاّ أن يدّعى على بعد انصراف دليل عدم الجواز عن صورة اشتراط البيع بدعوى أنّ ظاهر الدليل المزبور كنظائره بيان ما يقتضيه الشيء بحسب طبعه و أنّه بحسب طبعه لا يجوز شراؤه لا أنّه ممّا يقتضيه مطلقا فلا يشمل صورة الاشتراط فتأمّل. و مقتضى كلام المصنّف - و يمكن أن يقال بعد التمسّك... الخ - أنّ مبنى الخلاف في صحّة الشرط المذكور و عدمه أنّه لو كان مخالفا لمقتضى الوقف يكون باطلا و لو كان مخالفا لإطلاق الوقف يكون صحيحا، و لكن يظهر من كلام العلاّمة في القواعد - ففي صحّة هذا الشرط إشكال و مع بطلان الشرط ففي بطلان الوقف معه نظر - أنّ مبنى الخلاف ليس ما أفاده المصنّف بل مبناه هو أنّ هذا الشرط مخالف للكتاب و السنّة أم لا، إذ الشرط المخالف لمقتضى العقد لا إشكال في أنّه يوجب البطلان فلا مجال لجعله محلّ النظر. و لو شككنا أنّ اللزوم في الوقف على نحو الاقتضاء حتّى يكون شرط الخيار فيه منافيا للسنّة أو على نحو اللااقتضاء بمعنى أنّ اللزوم ثبت في الوقف المجرّد من شرط الخيار فلا يمكن التمسّك لإثبات نفوذ الشرط المزبور بعموم «المؤمنون عند شروطهم» و نحوه لأنّه خرج منه الشرط المخالف للسنّة فلعلّ الشرط المزبور من أفراد الخارج و لكن يمكن التمسّك بالأصل لإثبات بقائه تحت العام الباقي، أمّا على المختار من جريان الأصل في العدم الأزلي فواضح إذ يقال هذا الشرط قبل وجوده لم يكن مخالفا للسنّة و بعد وجوده نستصحب عدم اتّصافه بالمخالفة على نحو العدم المحمولي، و أمّا على غير المختار من عدم جريان الأصل في العدم الأزلي فيجري فيه أصل العدم النعتي في مقام الجعل على طراز الأصل الجاري في الشبهات الحكميّة في سائر الموارد فيقال هذا الشرط أوائل الشرع و قبل ورود دليل يدل على مخالفة بعض الشروط في الوقف للسنّة كان متصفا بعدم المخالفة فيستصحب بقاؤه على هذا الوصف (الأحمدي).
للمقام؛ و ذلك لأنّ انقطاع الوقف يكون على ثلاثة أنحاء، أحدها: أن يحدّد الوقف بالزمان، كما إذا فرضنا أنّه أوقف عينا إلى مدّة خمسين سنة، و هذا هو مورد الإجماع القائم على البطلان، ثانيها: أن يوقف الشيء على موضوع ينقطع، كما إذا أوقفه على خمسة بطون من أولاده، فإنّهم ينقطعون لا محالة، و هذا هو مورد الخلاف، و المعروف أنّهم ذهبوا إلى بطلانه أيضا، و ثالثها: أن لا يكون الوقف محدّدا بالزمان و لا على موضوع منقطع، بل يجعل حقّ قطع الوقف و فسخه لواحد، و الظاهر عدم الدليل على بطلانه أصلا، بل مقتضى عموم قوله عليه السّلام: (الوقوف على حسب ما أوقفها أهلها) نفوذه. فلا يكون شرط البيع منافيا لمقتضى العقد على التقديرين.
و أمّا منافاته للسنّة، فإنّه غير مناف لقوله عليه السّلام: (لا يجوز شراء الوقف) فهو كاشتراط مخالفة حكم تكليفي كشرب الخمر، أو وضعي كالبيع الغرري مثلا، فحينئذ إن قلنا بكون الشرط الفاسد مفسدا كان مفسدا للوقف أيضا، و إن لم نقل به لأنّ الشرط التزام آخر - كما هو المختار - لم يكن مفسدا لأصل الوقف.
اللهمّ إلاّ أن يقال - كما نفينا البعد عنه - بأنّ قوله عليه السّلام: (لا يجوز شراء الوقف) ظاهر في إمضاء ما ينشؤه الواقف طبعا، و ليس حكما تعبّديا، و عليه ليس هذا الشرط منافيا للسنّة، بل يكون بيعه حينئذ جائزا شرعا.
بل يمكن أن يقال على ما احتملناه - من رجوع الشرط إلى جعل حقّ القطع و الفسخ للمشروط له إذا شرط بيعه و أكل ثمنه، فتأمّل -: إن البيع حينئذ ليس من بيع الوقف أصلا ليكون مخالفا لقوله عليه السّلام: (لا يجوز شراء الوقف) و لو فرضنا كونه حكما تعبّديا كما هو واضح.
و من الغريب أن المحقّق النائيني لم يتعرّض لمخالفة هذا الشرط للسنّة أصلا، بل خصّ كلامه بمخالفته لمقتضى العقد(1).
ثمّ إنّه يؤكّد ما ذكرناه من صحّة الشرط و نفوذه، ما ورد في كيفيّة وقف أمير المؤمنين عليه السّلام عين «ينبع» من قوله عليه السّلام(2): (فإن أراد - أي الحسن عليه السّلام - أن يبيع نصيبا من المال ليقضي به الدين فليفعل إن شاء، لا حرج عليه، و إن شاء جعله شروى الملك... الحديث)(3)و شروى الملك أي مثله.
و هذه الرواية صحيحة من حيث السند ظاهرة من حيث الدلالة.
و قد ذكر المصنّف - بعد ما اعترف به من صحّة السند - أنّ التأويل مشكل(4)
1) منية الطالب 288/2.
2) و مورد الاستشهاد هذه الفقرة و فقرة اخرى و هي قوله عليه السّلام: و إن أراد الحسن أن يسكن دارا اخرى فليبعها (الأحمدي).
3) الوسائل 312/13، الباب 10 من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات، الحديث 4.
4) بحمل الرواية على الوصيّة بقرينة قوله عليه السّلام في صدر الحديث (هذا ما أوصى به) إذ فيه أنّ قوله عليه السّلام (صدقة لا تباع و لا توهب) ظاهر في كونه هذه الصفات صفاتا لنوع الصدقة خصوصا فقرة «لا يورث» لأنّها لو لم تكن صفة للنوع بل كانت من قبيل الشرط فإنّ اشتراط عدم الإرث مخالف للكتاب و من المعلوم أنّ الوصيّة بنوعها ليست ممّا لا تباع و لا توهب و قوله عليه السّلام فيما بعد ذلك (صدقة واجبة حيّا كنت أو ميّتا) أيضا يدلّ على عدم كون المراد منه الوصيّة المتعارفة بل هو بمعنى العهد فإنّه يجوز الرجوع في الوصيّة ما دام الحياة و لو مع اشتراط اللزوم فيها لأنّ الجواز فيها حكمي نظير جواز الرجوع في الهبة لا حقيّ نظير الخيار و أمّا حمل قوله عليه السّلام (فليبعها إن شاء) على أنّ الدار كانت خارجة عن الوقف و داخلة في الوصيّة و أنّ ما أوصى به كان مختلفا و يكون المراد من بيع الأموال بيع ثمرتها و منافعها لا الأعيان الموقوفة ففيه أنّ الرواية ظاهرة في كون جميع ما ورد فيها على نسق واحد و أنّ الجميع مورد الوقف و أنّ الدار أيضا كانت داخلة في قوله (ما كتبته من الأموال صدقة) كما أنّ ظاهر قوله عليه السّلام (أن يبيع منها) بيع الأعيان الموقوفة و أنّ ضمير «منها» يرجع إلى العين الموقوفة لا غير (الأحمدي)
و العمل أشكل(1).
و مراده من التأويل حملها على الوصيّة. و هو كما ذكره قدّس سرّه لأنّه خلاف الظاهر،
1) لعلّه من جهة أنّ في مورده لم يبع ليجعل الثمن وقفا مكان المثمن حتّى يبقى الوقف بماليّته بل بقرينة قوله عليه السّلام فيما بعد (فإنّه يقسّم ثمنه أثلاثا) جعل الثمن ملكا لأشخاص و جهات و الالتزام بجواز البيع في مثله أشكل من الصورة الاولى لأنّه ينافي مفهوم الوقف خصوصا مع قوله (فبدا له أن يبيعها) إذ جعل المنشأ للجواز مجرّد بداء البيع للمتولّي و حمل الحديث على صورة اشتراط الخيار للمتولّي و كون البيع بعد خروجها عن الوقفيّة خلاف الظاهر جدّا. و قد أفاد بعض المشايخ في وجه الأشكليّة أنّ مورد الرواية هو الوقف العام بقرينة جعله في كلّ نفقة تبتغى في سبيل اللّه للفقراء و الحجّاج و أبناء السبيل و غير ذلك و هو لا يجوز بيعه مطلقا و أنّ مورد البحث في الجواز و عدمه الوقف الخاص، و فيه أوّلا أنّ الوقف فيه قسمان قسم عام و قسم منه وقف خاص لجعله عليه السّلام لأولاده طبقة بعد طبقة كما قد يظهر من قوله عليه السّلام (و أنّ الذي لبني فاطمة من صدقة علي مثل الذي لبني علي...) و ثانيا في موارد الوقف التمليكي - لا التحريري - لا فرق في جواز البيع من أجل شرط الخيار بين الوقف الخاص و العام لأنّ ملاك المنع هو منافاة البيع لحقّ البطون اللاحقة و الطبقات الآتية فلو أمكن حمل الرواية على البيع في صورة اشتراط الخيار و أنّ البيع فيه كان لأجل خروجه عن الوقفيّة بالفسخ لا يفرق بين الموردين في الجواز فلعلّ العمدة في وجه الأشكليّة ما ذكرناه (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: الصورة السابعة أن يؤدّي بقاؤه إلى خرابه [1]
و لذا لم يتوقّف من تنفيذه بعد وفاته عليه السّلام و لم يفحص عن كونه بمقدار الثلث أو أكثر لئلاّ يكون نافذا.
و أمّا ما ذكره من أن العمل بها أشكل، فهو غير تامّ بعد كونها رواية صحيحة ظاهرة الدلالة.(1)
فالصحيح جواز هذا الشرط، و اللّه العالم.
[1] و هي ما إذا علم بأنّ بقاء الوقف و عدم تبديله يؤدّي إلى خرابه و سقوطه عن قابليّة الانتفاع به عرفا أو ظنّ ذلك.
الصورة الثامنة: هي أعمّ من هذا، و هي ما إذا علم أو ظنّ أو احتمل عقلائيّا إداؤه إلى تلف المال أو النفس، فهي أعمّ من الصورة السابعة من وجهين.
الصورة التاسعة: أعمّ من هذه أيضا، فإنّها عبارة عمّا إذا أدّى بقاؤه إلى ضرر عظيم و لو لم يكن تلف العين الموقوفة و لا غيرها من الأموال و الأنفس.
الصورة العاشرة: ما إذا لزم منه فساد يستباح منه الأنفس، و هذه أخصّ من الصور الثلاثة المتقدّمة(2).
1) و المراد من الخراب في محلّ الكلام هو زوال ماليّة العين و إن لم يصدق عليه مفهوم الخراب كما لو علم بأنّ بقاء العين و هو الدار مثلا سيؤدّي بعد مدّة غير طويلة إلى وقوعها في الشارع فلا يمكن الانتفاع بها منفعة يصدق عليها أنّها منفعة ذلك الشيء عرفا، و أمّا مع إمكان الانتفاع بها كذلك فلم نجد حينئذ قائلا بالجواز حتّى من صاحب الجواهر و إن نسبه المصنّف إليه تبعا لشيخه مستظهرا ذلك من كلامه السابق من أنّ تغيّر عنوان الوقف مسوّغ لبيعه، لكن الاستظهار في غير محلّه لأنّ مورد كلامه سابقا هو زوال الصورة النوعيّة للوقف فعلا و أين هذا من محلّ الكلام حيث يصدق عليه العنوان فعلا (الأحمدي).
2) و ملخّص المختار أنّه في الصورة الاولى و هي العلم أو الظنّ المعتبر بأن العين ستؤدّي قريبا إلى الخراب و سقوط الانتفاع به فيفصّل بين ما إذا علم بأنّه حين الأداء إلى الخراب لا يمكن بيعه و تبديله فيجوز بيعه لانصراف أدلّة المنع عنه، و بين ما إذا علم بأنّه حين الأداء إلى الخراب أيضا يمكن بيعه و تبديله و لا يسقط عن الماليّة العرفيّة فإنّه لا يجوز بيعه فعلا، و أدلّة المنع تشمل المورد و لا وجه لدعوى انصرافها عنه، و أمّا في باقي الصور فلا يجوز البيع كما سيأتي (الأحمدي).
ثمّ اختار المصنّف جواز البيع في الاولى من هذه الصور، و هي ما إذا لزم منه تلف العين الموقوفة و خرابها بحيث تسقط عن قابليّة الانتفاع عرفا، دون باقي الصور المزبورة.
فما أفاده منحلّ إلى أمر إيجابي و هو جواز البيع في هذه الصورة، و أمر سلبي و هو عدم جوازه في سائر الصور.
أمّا جواز البيع فيما إذا علم أو ظنّ أن يؤدّي بقاؤه إلى الخراب، فالوجه فيه:
وجود المقتضي و عدم المانع.
أمّا المقتضي، فهو الملك، فإنّه يقتضي جواز البيع، لقوله صلّى اللّه عليه و آله: «الناس مسلّطون على أموالهم»(1).
و أمّا المانع، فهو منحصر بامور أربعة: من الاجماع، و الاخبار المانعة - قوله عليه السّلام:
«لا يجوز شراء الوقف» و قوله عليه السّلام: «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» - و كون البيع مخالفا لغرض الواقف، و حقّ الموقوف عليهم.
و لا يجري شيء منها في المقام:
أمّا الإجماع، فغير متحقّق لجود المخالف.
1) عوالي اللآلي 222/1، الحديث 99 و الصفحة 457، الحديث 198.
و أمّا الأخبار، فلانصرافها عن فرض التلف و خراب الوقف، فإنّ عدم جواز بيع الوقف إنّما هو لأجل أن يبقى لينتفع به الموقوف عليهم(1).
كما أنّ التبديل في فرض الخراب لا ينافي حقّ الواقف، و لا الموقوف عليهم، و هو ظاهر.
هذا، و ذكر المصنّف في وجه جواز التبديل في الفرض(2): أنّه قد مرّ الدليل على جواز بيع ما سقط عن الانتفاع، و أنّه ليس فيه منافاة لغرض الواقف، كما أنّ الأدلّة
1) و يكون هذا البيع مقدّمة لإبقاء الوقف بماليّته مع أنّه يدور الأمر بين البيع و حفظ الوقف بماليّته حتّى ينتفع به الموجودون فعلا و المعدومون بعدا و بين أن يبقى حتّى يتلف بنفسه، و الثاني ينافي غرض الواقف و حقّ الموقوف عليهم، هذا في صورة عدم مزاحمة البيع لحقّ الموجودين، و أمّا في صورة المزاحمة كما لو لم يمكن الانتفاع من العين المشترى إلاّ بعد مدّة طويلة من الزمان فقد يقرّب الجواز أيضا لأنّ المقتضي للبيع و هو إبقاء الوقف بماليّته موجود و عدم انتفاع الطبقة الموجودة في بعض الزمان لا يصلح مانعا لأنّ منشأ المانعيّة هو كونهم مالكين للمنفعة حتّى في الفرض أيضا لكن الوقف مؤبّدا قرينة على عدم كونهم مالكين للمنفعة في الفرض بل المنفعة مسبّلة لهم مشروطا ببقاء الوقف معه. و عمدة وجه الجواز في الصورتين انصراف أدلّة المنع عنهما بعد وجود المقتضي و هو بقاء الوقف بماليّته (الأحمدي).
2) محصّل هذا الوجه أن المقتضي للبيع و هو عموم أدلّته يشمل الوقف و المانع و هو دليل المنع منصرف عن المقام و لو شككنا في الانصراف فالمرجع عموم العام الدالّ على الجواز، و فيه أنّ إطلاق دليل المخصّص شامل للمورد و معه لا مجال للشك. و أمّا ما أفاده الشيخ في ردّه من التمسّك باستصحاب حكم المخصّص و هو عدم جواز البيع قبل طروّ هذه الحالة ففيه أنّه إنّما يجري الاستصحاب إذا لم يكن حكم العام انحلاليّا بل كان على نحو الإهمال و إلاّ فالمرجع التمسّك بعموم العام و المقام من هذا القبيل حيث ثبت تخصيص البيوع السابقة و لم يثبت تخصيص البيوع اللاحقة فمقتضى القاعدة التمسّك بعموم العام (الأحمدي).
الشرعيّة غير ناهضة للمنع؛ أمّا الإجماع فغير متحقّق في المقام، و أمّا الأخبار فهي منصرفة عن هذه الصورة، و المفروض إذن الموجود من الموقوف عليهم و قيام الناظر الخاص أو العام مقام المعدومين منهم.
و ذكر الميرزا قدّس سرّه(1)أنّ العلم بالتلف أو الظنّ به بمنزلة تحقّق الخراب خارجا، فإنّه حجّة(2).
و نقول: أمّا ما ذكره الميرزا فغريب؛ فإنّ كون العلم أو الظن أو الخوف حجّة، لا يستلزم ترتيب آثار المعلوم أو المظنون قبل تحقّقه، و هو ظاهر(3).
و أمّا ما ذكره المصنّف(4)، فعدم المانع عن البيع بعد تحقّق الخراب - كما في بعض الفروض السابقة - لا ربط له بالبيع قبل زمان الخراب فيما إذا علم أوله إلى الخراب. نعم ربما يتوهّم ذلك فيما إذا علم بعدم إمكان البيع فيما بعد لعدم وجود
1) منية الطالب 289/2.
2) فترجع هذه الصورة إلى الصورة الاولى و الثانية، و فيه أن الصورة الاولى هو ما إذا لم يمكن الانتفاع بالعين بصورته الخربة أصلا أو منفعة معتدا بها كما في الصورة الثانية و لكن يمكن بيعها و تبديلها بصورة اخرى لينتفع منها و أمّا الصورة السابعة فهو ما إذا علمنا بعدم الانتفاع بها أصلا و لو بتبديل صورتها و لا بيعها لعدم بقاء ماليّتها إذا صارت خربة كما إذا علمنا بأنّ الشاة الموقوفة تموت غدا أو الدار تقع في الشارع (الأحمدي).
3) مع أنّ لازمه جواز بيع كلّ عين موقوفة من أوّل الأمر للعلم بخرابه بعد ذلك، و قيام الحجّة على أنّه سيخرب يوجب تنزيله منزلة الخراب الآتي لا الخراب الفعلي (الأحمدي).
4) من أنّه إذا فرض جواز الانتفاع به بعد الخراب بوجه آخر فلا يجوز إلاّ على ما استظهره بعض، ففيه أنّ ذلك البعض و هو صاحب الجواهر أيضا لا يجوّز البيع إلاّ حين زوال عنوان الوقف حقيقة فعلا لا حين العلم بتحقّق زوال العنوان عنه فيما بعد و لو لم يتحقّق المعلوم خارجا (الأحمدي).
الراغب في الشراء حينئذ.
و هذا فرع تعرّض له المصنّف في ضمن كلامه، و هو نظير الفرع المتقدّم، و هو ما إذا توقّف بقاء الوقف للبطون اللاحقة و حفظه عن الخراب على صرف منافعه في تعميره. و قد ذكرنا هناك أنه لا يلزم على البطون الموجودة صرف أملاكهم لحفظ الوقف على غيرهم، فإنّ صرف المنافع كصرف غيرها من أموال الموقوف عليهم.
و في المقام أيضا(1)لا وجه لتضييع حقوق الموجودين بالتبديل و لو في مقدار من الزمان تحفّظا على حقوق غيرهم و أن يبقى الوقف ببدله لينتفعوا به فيما بعد.
1) و توهّم أنّ قياس المقام بالفرع المتقدّم مع الفارق فإنّ المنافع الموجودة ملك طلق للموقوف عليهم الموجودين بالفعل بخلاف العين فإنّه ملك محدود و غير طلق للطبقة الموجودة بالفعل و أمّا المنفعة فلم تتحقّق بعد حتّى تكون ملكا طلقا لهم و المناسب التمثيل بما إذا كانت العين مشرفة على الخراب بحيث إذا أخربت أو وقعت في الشارع لا تشترى و لو بقيمة زهيدة فمن الممكن في كلا الموردين استيجارها لمدة سنين و صرف الاجرة على الموقوف عليهم أو صرف الاجرة في تعمير العين لتبقى مدّة كثيرة فلا تعيّن في الشقّ الأوّل و إن ورد نقص على الطبقة الموجودة بل من المحتمل اختيار الشقّ الثاني بدعوى ان الشقّ الأوّل ينافي حقيقة الوقف الذي هو حبس العين و ينافي غرض الواقف و هو بقاء الوقف لينتفع منه البطون، مدفوع بل الموردين أيضا من قبيل الفرع المتقدّم ففي المقام أيضا مقتضى عموم لا يجوز شراء الوقف عدم الجواز و ما أفاده المصنّف غير تامّ مع أنّه لو سلّم فلابدّ من التفصيل بين ما إذا أمكن التبديل بشيء ينتفع به الطبقة الموجودة فعلا فيجوز البيع و بين ما إذا لزم من ذلك تفويت المنفعة عليهم مدّة من الزمان فلا يجوز. و من ذلك يظهر حكم ما لو دار الأمر بين بيعها و تبديلها بما ينتفع به البطن الموجود و الطبقات اللاحقة و بين إجارتها و صرف منافعها في تعمير العين المستلزم لحرمان الطبقة الموجودة مدّة من الزمان و أنّه لابدّ من اختيار الشقّ الأوّل كما أفاده المصنّف و لا وجه لمنعهم عن استيفاء حقّهم من المنافع مع إمكان إبقاء الوقف بماليّته (الأحمدي).
و بالجملة: استدلّ على جواز بيع الوقف فيما إذا أدّى بقاؤه إلى الخراب بوجوه أربعة:
أحدها: ما ذكره المصنّف بقوله قدّس سرّه: «لما مرّ من الدليل على جواز بيع ما سقط عن الانتفاع».
ثانيها: ما عن الميرزا(1)، من أنّ قيام العلم أو الظنّ أو الاحتمال بعد كونها حجّة على التلف، يوجب ترتيب آثاره.
و الجواب عنه: ما تقدّم، من أنّ الخراب الفعلي يجوّز البيع لا التلف فيما بعد، كما أنّ قيام الحجّة على الخراب يوجب ترتيب آثاره في ظرفه لا من حين قيام الحجّة، و هو ظاهر.
ثالثها: ما حكاه المصنّف أيضا، من دوران أمر الوقف حينئذ بين إبقائه على حاله لينتفع به البطن الموجود بشخصه و إن أدّى إلى الخراب، أو تبديله و انتفاع الموجودين و المعدومين ببدله إلى الأبد، و لا ريب في أنّ الثاني أوفق بغرض الواقف.
و فيه: أنّ ذكره إنّما يصحّ مؤكّدا و مؤيّدا للوجه السابق، و لا يصحّ جعله دليلا برأسه؛ بداهة أنّه مع الإغماض عن دعوى انصراف الأدلّة المانعة عن بيع الوقف و تسليم شمولها للمقام، فالخروج يحتاج إلى دليل مخصّص، و ليس مجرّد أوفقيّة التبديل بغرض الواقف دليلا مخصّصا لتلك الأدلّة(2)، و هذا ظاهر. نعم بعد المنع عن
شمول الأدلّة المانعة و انصرافها عن المقام، يكون أوفقيّة التبديل بغرض الواقف مؤكّدا للدليل.
رابعها: ما حكاه المصنّف عن التنقيح الرائع(1)، من أنّ بقاء الوقف على حاله و الحال هذه إضاعة و إتلاف للمال، و هو منهيّ عنه شرعا، فيكون البيع جائزا(2)بل واجبا.
و فيه(3): أنّ ترك المال و لو مال نفسه الذي لا سلطنة له عليه إلى أن يخرب بنفسه و طبعه لا يعدّ إضاعة و لا إسرافا، و إلاّ لزم تعمير الأوقاف المشرفة على الخراب و لو من غير جهة اختلاف أربابها و صرف المنافع عليها إذا توقّف بقاؤها عليه، و هو كما ترى(4).
1) التنقيح الرائع 330/2.
2) المراد من الجواز في كلام المصنّف هو الجواز الوضعي بمعنى النفوذ لا الجواز التكليفي فلا يرد عليه بأنّ لازم ما ذكره هو وجوب البيع إذ الجواز الوضعي يجتمع مع الوجوب التكليفي (الأحمدي).
3) أوّلا أنّ صدق التضييع و التبذير فرع القدرة و السلطنة على حفظه و إبقائه شرعا و لو بتبديله و هي متوقّفة على جواز البيع شرعا و إلاّ فيكون التلف ضياعا لا تضييعا فلا يمكن إثبات جواز البيع بالتضييع لأنّه دوريّ فعدم جواز بيع الوقف لا يرتفع من أجل أنّ ترك البيع يوجب تلف المال كما أنّ حرمة أكل المتنجّس كالدهن الذائب لا يرتفع بواسطة أنّ التطهير موجب لإعدامه فبعد فرض إطلاق (لا يجوز شراء الوقف) للمقام فالمال لا يضيّع من قبل الموقوف عليهم أو المتولّي للوقف و هذا هو مقصود المحقّق الخراساني من أنّ وضع الوقف على حاله ضياع لا تضييع (الأحمدي).
4) و ليس مراد المصنّف من عدم السلطنة عدمها خارجا حتّى يناقش بأنّ السلطنة على التصرّف موجود لمتولّي الوقف بل المراد عدمها شرعا بمقتضى إطلاق لا يجوز شراء الوقف كما أنّ كون ترك البيع ضياعا لا تضييعا ليس من جهة أنّ التضييع فعل وجودي و ترك البيع أمر عدمي إذ التضييع يصدق عرفا من جهة الأمر العدمي أيضا ألا ترى أنّه لو ترك اللحم حتّى فسد يقال إنّه أضاع ماله (الأحمدي).
فتلخّص أن شيئا من هذه الوجوه لا يمكن الاعتماد عليه في مقام تجويز البيع في الفرض(1).
بقي الكلام(2)في المكاتبة، و قد تمسّك بها كلّ من جوّز البيع في شيء من هذه الصور، و هي مكاتبة ابن مهزيار: «قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السّلام أنّ فلانا ابتاع ضيعة فأوقفها و جعل لك في الوقف الخمس، و يسأل عن رأيك في بيع حصّتك من الأرض، أو تقويمها على نفسه بما اشتراها، أو يدعها موقوفة؟ فكتب إليّ: أعلم فلانا أنّي آمره ببيع حصّتي من الضيعة و إيصال ثمن ذلك إليّ، إنّ ذلك رأيي إن شاء اللّه تعالى، أو يقوّمها على نفسه إن كان ذلك أوفق له. قال: و كتبت إليه: أن الرجل
1) و عمدة الوجه في جواز البيع في الصورة المفروضة على التفصيل المتقدّم أنّ الأمر دائر بين تلف الوقف بالمرّة و بين حفظه بماليّته و لو في ضمن عين اخرى و من الواضح أنّ الثاني موافق لغرض الواقف و لا يكون منافيا لحقّ الموقوف عليهم أيضا إذا أمكن تبديله بعين ينتفع به بالفعل أو رضوا بالتبديل و روايات المنع عن بيع الوقف أيضا منصرف عن الفرض لورودها في مقام حفظ الوقف بسبب النهي المزبور و لا يشمل ما ينجر ترك بيعه إلى انهدام الوقف رأسا و المقتضي لجواز البيع و هو رضاء الطبقة الموجودة و وليّ الطبقات و هو المتولّي للوقف أو الحاكم أيضا موجودة (الأحمدي).
2) ثمّ إنّه لو كان بقاء الوقف موجبا لترتّب ضرر على الموقوف عليهم لتشاجر بينهم أو موجبا لهتك عرض بينهم فمقتضى إطلاق قوله عليه السّلام: (لا يجوز شراء الوقف)، عدم جواز بيعه لأجل ذلك، و قد يستدلّ للجواز بوجوه يأتي التعرّض لها، منها المكاتبة و قد استدلّ بها لهذه الصور مضافا إلى بعض الصور المتقدّمة و مورد الاستشهاد قوله عليه السّلام: فإنّه ربما جاء في الاختلاف... الخ (الأحمدي).
ذكر أنّ بين من وقف عليهم بقيّة هذه الضيعة اختلافا شديدا، و ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده، فإن كان ترى أن يبيع هذا الوقف و يدفع إلى كلّ إنسان منهم ما وقف له من ذلك. فكتب بخطّه: و أعلمه أنّ رأيي إن كان قد علم الاختلاف بين أرباب الوقف، أنّ بيع الوقف أمثل، فإنّه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال و النفوس»(1).
و محلّ الشاهد في هذه الجملة، و موردها و إن كان صورة الاختلاف، إلاّ أنّ مقتضى التعليل جواز البيع إذا أدّى البقاء إلى تلف الأموال مطلقا و لو من غير جهة الاختلاف.
و على أيّ حال، هذه الرواية ضعيفة السند(2)، و لم ينجبر ضعفها بعمل المشهور، حتّى لو قلنا بانجبار ضعف السند بعمل الأصحاب، كما هو ظاهر.
كما أنّها ضعيفة الدلالة، بل الظاهر بملاحظة جملة من القرائن كونها أجنبيّة عن بيع الوقف رأسا، و هي أوّلا: أنّ أمره عليه السّلام ببيع حصّته من الوقف - و هو الخمس - أو أن يقوّمها على نفسه، لا ينطبق على شيء من القواعد لعدم طروّ مجوّز لبيعه أصلا(3). و لم يكن وجه لإحالة البيع إليه إذ الواقف بعد تمام الوقف يكون أجنبيّا(4)
بمعنى الترك و الثبات أي ثابتة على حالها. و دعوى أنّ الرواية ظاهرة في الوقف المنقطع في غير محلّه إذ غاية ما فيها عدم الدلالة على التأبيد لا أنّها ظاهرة في غير المؤبّد و يستفاد الإطلاق للمؤبّد أيضا من ترك استفصال الإمام عليه السّلام، مع أنّه في المنقطع لو جاز البيع مع عدم تحقّق أمده جاز في المؤبّد أيضا لوحدة الملاك و هو عدم ما نعيّة حقّ الطبقة اللاحقة عن صحّة البيع. و ثانيا: من الممكن أن يكون الإمام عليه السّلام محتاجا إلى ثمن الوقف و من المحتمل أن تكون الحاجة من المجوّزات للبيع و إن لم يمكن إثبات ذلك من هذه الرواية لإجمالها و لم يثبت لنا ذلك أيضا من طريق آخر، فلا طريق لنا إلى ردّه أيضا و الاحتمال موجب لعدم طرح الحديث، و أمّا إطلاقات المنع عن بيع الوقف فلا يشمل مثل هذا الوقف المنقطع الذي ليس وراء الموقوف عليه بطن آخر (الأحمدي).
.1) الوسائل 305/13، الباب 6 من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات، الحديث 5 و 6.
2) هذه الرواية من الصحاح المعتبرة جدّا رواها المشايخ الثلاث بأسنادهم عن علي بن مهزيار (الأحمدي).
3) فيه أوّلا: أنّ الخمس الذي جعل للإمام عليه السّلام لم يكن من الوقف بل الوقف كان في بقيّته و بالنسبة إلى حصّة الإمام عليه السّلام كان هبة أو هديّة و نحو ذلك لمكان قول السائل: (و جعل لك في الوقف الخمس) و لو كان حصّة الإمام عليه السّلام أيضا وقفا لقال: و جعل من الوقف الخمس لك، و أمّا قوله عليه السّلام في ذيل السؤال: (أو يدعها موقوفة) فمعناه أن يدعها متروكة، من الإيقاف
4) فيه أنّ الغالب في الأوقاف أن يجعل الواقف التولية أو النظارة لنفسه أو لمن ينتم إليه بنسب أو سبب، مع أنّه يمكن أن يكون سؤاله عن رأي الإمام عليه السّلام استيذانا منه ببيع حصّته فأذن في ذلك بقوله أعلم فلانا، و أمّا بالنسبة إلى غير حصّة الإمام عليه السّلام فمن إطلاق الوقف عليه يمكن استكشاف كون بيعه بعد القبض، و لا أقلّ من استفادة ذلك من ترك استفصال الإمام عليه السّلام بين قبل القبض و بعده فيستفاد جواز البيع بعد القبض أيضا (الأحمدي).
و الظاهر أنّ حكمه عليه السّلام لم يكن إذنا منه ولاية، و إنّما كان بينانا للحكم الشرعي، فلابدّ من حمله على ما قبل القبض و عدم تماميّة الوقف. و ثانيا: أنّه عليه السّلام جوّز البيع للواقف، و لو كان الوقف تامّا لكان الواقف أجنبيّا عن الوقف، فبأيّ وجه يبيع مال الغير؟ و ثالثا: إنّه عليه السّلام حكم بتقسيم الثمن بين الموقوف عليهم(1)، مع أنّ بدل الوقف لابدّ و أن يكون وقفا كالمبدل. و رابعا: أنّه عليه السّلام علّق جواز البيع على أن لا يأمن الواقف من
1) لأنّه مورد السؤال و قد أمضاه الإمام عليه السّلام، و يمكن الجواب عنه بطرح هذه الفقرة من الحديث فقط أو فرض مورد السؤال ما إذا لم يمكن اشتراء شيء و جعله وقفا من دون أن ينجرّ إلى الاختلاف السابق كما لا يبعد في مورد الرواية و عليه فاشتراء شيء و جعله وقفا يكون لغوا لأنّه لا بدّ من بيعه أيضا (الأحمدي).
الخلاف و علمه بتلف الأموال و النفوس، فحكم عليه السّلام حينئذ بأنّ البيع أمثل، مع أنّه لا عبرة بعلم الواقف أصلا(1). و توهم كون الجملة بصيغة المجهول مناف للسياق. و كل هذه الامور شاهد على أنّ مورد سؤال الواقف و جواب الإمام عليه السّلام هو الوقف قبل القبض.
هذا، مضافا إلى أنّه لا يمكن العمل بالرواية لو اريد بها البيع بعد تمام الوقف، فيكون مقطوع البطلان على كلّ تقدير(2)و ذلك لأنّه إن كان قوله عليه السّلام في ذيل الرواية: (فإنّه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال و النفوس) حكمة لجواز البيع، فلابدّ من الأخذ بمورد السؤال و الجواب، و هو جواز البيع بمجرّد وقوع الاختلاف بين أرباب الوقف و إن لم يخف أداؤه إلى تلف الأموال و النفوس، و هذا ممّا لم يقل به أحد ظاهرا. و إن كان علّة له - كما هو ظاهر كلمة «فإنّه» - لزم جواز البيع فيما إذا لزم من تركه تلف الأموال و النفوس و لو من غير جهة اختلاف الموقوف عليهم،
1) لعلّ منشأه جعل التولية لنفسه ما دام حيّا أو أنّ هذا إذن ابتدائي له من قبل الإمام عليه السّلام لحلّ الاختلاف (الأحمدي).
2) محصّل هذا الإشكال أنّ قوله عليه السّلام: فإنّه ربّما جاء... الخ، إن كان علّة للحكم فلا محالة يعمّم الحكم لكلّ مورد يوجد فيه المناط المزبور و هو خوف تلف الأموال و النفوس كان منشؤه سببا لتلف الأموال و النفوس و الالتزام به مشكل، و إن كان حكمة يلزم أن يكون مجرّد الاختلاف سببا لجواز البيع و لم يقل به أحد. و الجواب أنّ الظاهر من الكلام هو التعليل لكن العلّة ليس هو خوف تلف النفوس و الأموال مطلقا بل العلّة بقرينة قوله عليه السّلام: (إن كان قد علم الاختلاف بين أرباب الوقف) هي خوف تلف الأموال و النفوس الناشئ من بقاء الوقف لا مطلقا و الالتزام به لا محذور فيه فيتعدّى بعموم التعليل من اختلاف الموقوف عليهم إلى اختلاف المتولين للوقف و نحوه من كلّ ضرر ناشئ عن بقاء الوقف (الأحمدي).
كاختلاف عمّال الواقف أو الواقف أو المتولي و غير ذلك ممّا لم يقل أحد بكونه مجوّزا للبيع.
كما أنّه لو حملناها على ما بعد القبض يلزم تعميم الجواز لما إذا استلزم بقاؤه تلف الأموال و لو غير العين الموقوفة؛ فإنّ المذكور في العلّة تلف الأموال بصيغة الجمع، لا خصوص العين الموقوفة. كما يلزم تعميمه أيضا من حيث كون منشأ تلف الأموال هو الاختلاف أو غيره فيجوز بيع الوقف لإصلاح كلّ فتنة، و من حيث العلم بذلك أو الظنّ أو مجرّد الاحتمال أيضا - فتأمّل - على ما هو ظاهر قوله عليه السّلام: (ربما جاء في الاختلاف)(1).
مضافا إلى أنّ التلف غير الخراب، فإنّ التلف عبارة عن انعدام العين، بخلاف
1) مع أن المشهور لم يلتزموا بالجواز إلاّ في صورة المظنّة، و المناقشة فيه بأنّ كلمة «ربما» و إن شملت مجرّد الاحتمال أيضا إلاّ أنّه بقرينة قوله (لا يؤمن أن يتفاقم) يراد به صورة مظنّة الضرر إذ إنّ كلمة «لا يؤمن» أمارة على وجود الضرر العظيم فيما بعد، مدفوعة بأنّه لا يوجد في جواب الإمام عليه السّلام إلاّ مجرّد الاختلاف، نعم المشهور قيّدوا الجواز بصورة خوف تلف مال الوقف و لكن يمكن أن يكون منشؤه خطأهم في كون المراد من تلف الأموال خصوص تلف مال الوقف فلا يثبت إعراضهم عن الحديث. و بالجملة المصنّف ذكر أنّ المستفاد من المكاتبة بقرينة كلمة «ربما» كفاية الاختلاف الذي يوجب احتمال تلف الأموال و النفوس لا مطلق ما يؤدي إلى المحذور المذكور و إن كان سببه الخراب لعدم ظهور الذيل في التعليل و المشهور اعتبروا العلم أو الظنّ بأداء بقائه إلى الخراب و بين الأمرين عموم من وجه فالمكاتبة بظاهرها غير مفتى بها، و أجاب عن ذلك بأنّ الأصحاب استدلّوا بها و لم يعرضوا عنها غير أنّه اختلفوا في فهم المناط الذي يستفاد من الحديث، و فيه: أنّ الرواية بقرينة لفظ «فإنّه» ظاهرة في التعليل و لذلك نلتزم بالتعدّي إلى خوف تلف كلّ مال و نفس يتسبّب من بقاء الوقف و إن كان راجعا إلى غير الموقوف عليهم بل و إن كان سببه غير الاختلاف أيضا (الأحمدي).
الخراب، و مورد كلامنا هو الخراب دون التلف، و في التلف لا معنى للبيع و التبديل بعد فعليّته.
على أنّ مقتضى القاعدة عند خراب الوقف هو تبديله بما يبقى للبطون اللاحقة أيضا لينتفعوا به، لا بيعه و دفع الثمن إلى الموجودين كما هو صريح هذه الرواية.
فظاهر الرواية غير مفتى به، فلابدّ من ردّ علمها إلى أهله(1). و على كلّ لا يمكن الاعتماد عليها سندا و دلالة(2).
1) و أمّا الإشكال في الرواية بأنّ الوقف ظاهرا كان من الوقف الخاص و هو من العقود على الظاهر فيحتاج في تماميّته إلى القبول و القبض فكيف أمر الإمام عليه السّلام ببيعه مع عدم تحقّقهما، ففيه أنّ الأمر بالبيع يكشف عن القبول أو هو قبول إذ هو لازم الأمر ببيع حصّته من الوقف و إيصال ثمنه إليه، و أمّا بالنسبة إلى القبض فيمكن أن يكون الواقف قبض عن الإمام عليه السّلام فضوليّا و يكون الأمر ببيعه إجازة للقبض، هذا على تقدير صحّة قبض الفضولي إذا لحقته الإجازة و إلاّ فيمكن أن يجعل الأمر بالبيع كاشفا عن جعل الواقف وكيلا في القبض أو يكون هو بنفسه إذنا في القبض و يكون قبض المأذون بمنزلة قبض الآذن فيتمّ الوقف بذلك، على أنّه تقدّم سابقا أنّ حصة الإمام عليه السّلام لم يكن من الوقف فراجع (الأحمدي).
2) ثمّ إنّ المصنّف استدلّ على عدم جواز بيع الوقف مطلقا من ترك استفصال الإمام عليه السّلام بين الصور و حكمه بعدم جواز شراء الوقف المستكشف من ذلك عدم وجود صورة مجوّزة للبيع في جميع الصور إذ لولاه لزم استفصال الإمام بين علم المشتري بعدم وقوع البيع على بعض الصور المجوّزة الموجبة لبطلانه و بين جهله بذلك الموجب للحكم بصحّة البيع عملا بأصالة الصحّة في فعل البائع، و أورد عليه المحقّق النائيني بأنّ جريان أصالة الصحّة حيث إنّها تنحصر بما إذا كان الشك من جهة حصول الشرط أو فقد المانع بعد إحراز قابليّة المال للبيع التي هي ركن البيع و لا تجري لإحرازها و في المقام قابليّة المال للنقل مشكوكة فلا تجري فيه أصالة الصحّة و إن قلنا بجواز بيع الوقف في بعض الصور فلا يمكن استفادة الإطلاق من ترك الاستفصال. و فيه منع الصغرى في المقام بعد قبول ما أفاده كبرويّا كما سيأتي في الفرع الآتي - و محصّل الكلام في المكاتبة، أمّا من حيث السند فهو من الصحاح، و أمّا من حيث الدلالة فلا يصحّ الاستدلال بها لخصوص الصورة السابعة بحيث يختصّ الجواز بها و ينفي عن بقيّة الصور لأنّ الاستدلال بها كذلك يتوقّف على امور كلّها مخدوشة، الأوّل أن يكون تلف الأموال المذكور في الرواية من الأموال المختصّة بالموقوفة دون غيرها و أن يكون التلف مساوقا للخراب و أن يكون عطف النفوس على الأموال سبب آخر مستقل في السببيّة للجواز و أن يكون تلف المال يشمل تلف بعضه أيضا. و لا وجه لاختصاصها بعين الموقوفة كما أنّ التلف و هو الذهاب رأسا لا يصدق على الخراب و الظاهر من العطف هو الجمع خارجا و أمّا حمله على الجمع حكما بأنّ حكم تلف النفوس كحكم تلف الأموال فهو خلاف الظاهر جدّا، نعم دعوى ظهوره في أنّ كلاّ منهما مشترك في العلّية التامّة غير بعيدة كما في قولك: اغلق الباب لئلاّ يدخل الكلب و الحمار، على أنّ كلمة «ربما» يجيء في مجرّد الاحتمال و المعرضيّة الناشئة من الاختلاف فمورد الرواية على تقدير الإغماض عن سائر الإشكالات هو غير الصورة السابعة و لو قلنا بالجواز فيها فهو من أجل الفحوى و الأولويّة و هذا فرع أن نقول بمضمون الرواية في موردها. و أمّا الاستدلال بها لبقيّة الصور فوجهه في الصورة الثامنة هو الاقتصار على مضمون الحديث من احتمال تلف خصوص الأموال و النفوس، و في الصورة التاسعة دعوى أنّ ذكر الأمرين من باب المثال و أنّ الملاك هو احتمال ورود ضرر عظيم كهتك عرض أو هتك بعض محارم اللّه من أجل الاختلاف، و أمّا في الصورة العاشرة فلدعوى أنّ الملاك هو احتمال تحقّق فساد من الاختلاف ينجرّ إلى تلف النفوس و ذكر تلف المال توطئة لذكر تلف النفوس معه من باب ملازمته له غالبا. و الذي يظهر من الحديث اختصاص مورد السؤال بما إذا علم أو ظنّ تلف الأموال و النفوس إذ فرض في المورد الاختلاف الشديد الذي لا يؤمن أن يتفاقم ذلك ففي مثله تكون مظنّة التلف إلاّ أنّ في جواب الإمام عليه السّلام لم يؤخذ إلاّ مجرد الاختلاف الذي يحتمل معه التلف فإنّ كلمة «ربما» و إن لم يستعمل في مجرّد الاحتمال إذا لم يتحقّق له سبب إلاّ أنّه يشمل الاحتمال الناشئ عن السبب مطلقا و لا يختصّ بالعلم أو الظن و المدار على إطلاق الجواب، كما أنّ المستفاد منه مجرّد الاختلاف المعرّض لتلف الأموال و النفوس سواء كان من أموال الوقف و نفوس الموقوف عليهم، أو غير ذلك و وجه عدم الحكم بجعل الثمن وقفا لعلّه من جهة عدم العلاج و عدم ارتفاع الاختلاف إلاّ بزوال الوقف كليّة و بالجملة الرواية صحيحة جدّا و لا بأس بالعمل بمضمونها على نظريّة السيد الاستاذ و قد عرفت أنّ مضمونها يشمل جميع الصور عدا التاسعة فإنّ إلغاء خصوصيّة تلف الأموال و النفوس يحتاج إلى ألطف قريحة و ليس بعيدا بنظر العرف من اللفظ في مثل هذه المقامات، على أنّ غرض الواقف من الوقف التقرّب إلى اللّه تعالى و انتفاع الموقوف عليهم، و بقاء الوقف على حاله مع ترتّب ضرر عظيم عليه ينافي غرضه قطعا (الأحمدي).
و أمّا مسألة التزاحم(1)و القول بجواز البيع لمزاحمة عدمه مع تلف المال و النفس المحرّم، ففيه: أنّ التزاحم عبارة عن تنافي الحكمين من جهة عجز المكلّف عن امتثالهما، فيختصّ بالأحكام التكليفيّة، و لا مجال له في الأحكام الوضعيّة، لعدم اعتبار القدرة فيها. و عليه، فحرمة بيع الوقف تكليفيّا ترتفع للمزاحمة فيما إذا توقّف عليه حفظ النفس أو المال المحترم، و أمّا صحّة البيع لذلك و اعتبار الشارع الملكيّة به فلا وجه له أصلا.
فتحصّل عدم وجود دليل على جواز بيع الوقف في شيء من هذه الصور(2)
فرع: لو تحقّق بيع وقف في الخارج و لم نعلم أنّه كان مع المسوّغ حتّى يكون صحيحا أو بدونه حتّى يكون باطلا فهل يمكن الحكم بالصحّة بأصالة الصحّة أم لا؟ الظاهر هو الثاني، لا لما أفاده المحقّق النائيني من الشكّ في قابليّة المال للمبيعيّة و أنّه من أركان البيع و لا تجري أصالة الصحّة إلاّ بعد إحراز أركانه، إذ فيه أنّ مال الوقف أيضا قابل للمبيعيّة لأنّ عدم جواز البيع ليس مأخوذا في حقيقة الوقف بل هو من أحكامه الشرعيّة المستفادة من أدلّة المنع و لذا لم نقل ببطلان الوقف بمجرّد جواز البيع، فهو مال و ملك غاية الأمر أنّه نهى الشارع تأسيسا أو إمضاء عن بيعه إلاّ في بعض الموارد، فالشكّ في صحّة بيعه ليس شكّا في ركن المعاملة من هذه الجهة، بل الوجه في عدم جريان أصالة الصحّة أنّها إنّما تجري فيما لو كان تصرّف المتصرّف جائزا في حدّ نفسه و لكن نشكّ في أنّه تصرّف على الوجه الصحيح النافذ أو على الوجه غير الصحيح و في المقام حيث نشك في أنّه هل كان يجوز التصرّف من المتصرّف أم لا فلا تجري أصالة الصحّة، و الوجه في ذلك أنّ الدليل على أصالة الصحّة ليس لفظيّا بل هو الإجماع و السيرة و القدر المتيقّن منهما إنّما هو في صورة إحراز أركان المعاملة جميعا و الشكّ في غيرها و لذا لو أوصى الموصي بمقدار معيّن من المال و شكّ في كونه بمقدار الثلث أو أزيد فلا تجري أصالة الصحّة لإثبات عدم زيادته عن الثلث للشك في كون الموصي قادرا شرعا على هذه الوصيّة، فالحق عدم جريان أصالة الصحّة في المقام للشك في ركن المعاملة من هذه الجهة لا من الجهة التي ذكرها المحقق النائيني (الأحمدي).
و أنّ1) محصلّه أنّ بيع الوقف لدفع الضرر عن الموقوف عليهم يكون نظير التصرّف في العين الموقوفة لحفظ الغريق إذا كان متوقّفا عليه و بتقريب آخر إنّ وجوب إبقاء الوقف موجب للضرر من تلف المال أو النفس أو هتك العرض فيرفع الوجوب المذكور أو حرمة البيع بدليل لا ضرر. و يرد عليه أنّ دليل لا ضرر إنّما يرفع الضرر الناشئ عن الحكم لا الضرر الناشئ عن اختيار المكلّفين الممكن دفعه فيما بينهم بالتصالح و التسالم بل هم مأمورون شرعا بعدم إيجاد الضرر فيما بينهم كما أنّ تقديم الأهمّ على المهمّ إنّما هو فيما إذا كان التزاحم قهريّا لا اختياريّا. و بذلك يظهر الجواب عن التقريب الأوّل (الأحمدي).
2) قد عرفت جواز البيع في بعض الأقسام من الصورة السابعة و أمّا بقيّة الصور فالحقّ عدم جواز البيع فيها لشمول أدلّة المنع. ثمّ إنّه في كلّ مورد شكّ في شمول أدلّة المنع لاحتمال الانصراف فيتمسّك للجواز بعمومات مثل أوفوا بالعقود و إطلاق أحلّ اللّه البيع لأنّ جواز البيع المستكشف من أدلّة البيع يتعدّد بتعدّد البيوع و إذا خرج بعض أفراده مثل بيع الدار الموقوفة قبل طروّ بعض العوارض الموجب للشك في بقاء عدم الجواز فيتمسّك بالعموم في الأفراد الباقية إذ البيع بعد العوارض غيره قبلها و لا تصل النوبة إلى استصحاب المنع الثابت سابقا. نعم مع قطع النظر عن ذلك يمكن التمسّك باستصحاب المنع الذي كان ثابتا قبل حصول هذه العوارض و لايعارض باستصحاب عدم الجعل إذ لا يبعد أن يكون عدم جواز بيع الوقف من الامور الإمضائيّة التي كانت ثابتة قبل الإسلام أيضا من أجل أنّ مفهوم الوقف يقتضي حبس العين للذرّية و غيرها و لم يكن الوقف من الامور الحادثة بعد الإسلام.
جوازه منحصر بموردين:
أحدهما: ما إذا خرب و سقط عن قابليّة الانتفاع به أو أشرف على ذلك بحيث يعدّ خرابا فعلا، لانصراف الأدلّة المانعة عن البيع عن مثل ذلك، فيجوز البيع على القاعدة.
ثانيهما: ما إذا شرط الواقف ذلك، و الدليل عليه ما ورد في بعض أوقاف عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام.
و أمّا في غيرهما فلا دليل على الجواز، بل مقتضى اطلاقات المنع عدمه.
هذا كلّه في الوقف المؤبّد.
و أمّا الوقف المنقطع(1)، كما إذا أوقف أحد عينا على أشخاص يعلم بانقراضهم، فهل يجوز بيعه أم لا؟
قسّمه المصنّف إلى أقسام - و نعم ما صنع - و حاصله أنّه: تارة نقول بأنّ الوقف المنقطع باق على ملك الواقف و لا ينتقل إلى الموقوف عليهم و إنّما هم يملكون منافعه، و اخرى نقول بانتقاله اليهم كالوقف المؤبّد.
أمّا على الأوّل الذي مرجعه في الحقيقة إلى إنكار الوقف المنقطع و أنّه كالحبس، فلا يجوز للموقوف عليهم أن يبيعوه، لعدم كونهم ملاّكا له، فيدخل تحت قوله صلّى اللّه عليه و آله:
(لا تبع ما ليس عندك)(2).
1) و المراد به ما كان انقطاعه لكونه وقفا على من ينقرض و أمّا الانقطاع من غير هذه الجهة بأن يجعل الوقف محدودا بالزمان فلا ريب أنّه لا يكون وقفا و يكون باطلا فإن قلنا ببطلان القسم الأوّل الذي هو محلّ الكلام رأسا أو بعوده إلى الحبس فيخرج عن محلّ الكلام أمّا الأوّل فواضح لأنّه ملك طلق مثل سائر الأملاك و أمّا الثاني فلأنّ محلّ البحث بعد فرض صحّة الوقف المنقطع في جواز بيعه و عدمه من جهة الوقف فلو قلنا بعدم صحّة البيع في الثاني يكون منشؤه الغرر لا جهة الوقفيّة كما أنّ محلّ البحث إنّما هو بيع الوقف المنقطع من دون طروّ أحد المسوّغات و إلاّ فلا إشكال في الجواز لأنّ المنقطع لا يكون أسوء حالا من المؤبّد قطعا (الأحمدي).
2) السنن الكبرى 267/5، 317 و 339، و يدلّ عليه ما في الوسائل 266/12، الباب 12 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث 12.
و أمّا الواقف(1)فالظاهر أنّه لا مانع له عن بيعه مسلوب المنفعة من حيث كونه وقفا؛ فإنّه ليس من بيع الوقف، فلا تعمّه الأخبار المانعة عنه الظاهرة في إبقائه لينتفع به البطون المتأخّرة، بل الوقف الذي يملكه الموقوف عليهم إنّما هو المنافع، كما لا ينافي بيعه إنشاء الواقف(2).
نعم، ربما يمنع عن بيعه من حيث الغرر(3)، فإنّه نظير أن يؤجر أحد داره ثمّ
1) تارة يبيع الواقف من الموقوف عليهم و اخرى من غيرهم فعلى الأوّل أفاد المصنّف أنّه لا مانع من صحّة البيع المزبور من ناحية الغرر لأنّ المشتري على الفرض مالك للمنافع إلى الأبد غاية الأمر ملكيّته للمنافع من جهة الوقف في مدّة حياته و بتبع ملكيّة العين في المدّة التي بعد الحياة و إنّما المجهول ماليّة ما انتقل إليه و الممنوع الجهل بنفس ما انتقل إليه، و على الثاني المنافع المملوكة للموقوف عليهم تارة تكون منتقلة إلى الواقف بإجارة و صلح و نحوهما و اخرى باقية على ملك الموقوف عليهم ففي الصورة الاولى لا محذور من البيع للأجنبي أصلا إذ لا غرر فيه لدخول المنفعة في ملك المشتري من أوّل زمان البيع تبعا للعين و في الصورة الثانية فالظاهر عدم المانع من البيع أيضا من غير ناحية الغرر (الأحمدي).
2) أمّا من ناحية الملك فلأنّه مالك للعين على الفرض فلا يشمله دليل لا تبع ما ليس عندك، و أمّا روايات المنع عن بيع الوقف فهي منصرفة إلى الوقف المؤبّد لنفسها أو للقرائن الموجودة فيها و مع الشكّ في الانصراف أيضا فالمرجع عمومات الصحّة كما تقدّم (الأحمدي).
3) كما ذكره المصنّف و استشكل فيه من حيث لزوم الغرر و لم يفرق فيه بين رضا الموقوف عليهم بالبيع و عدمه لأنّ رضاهم لا يوجب انتقال المنافع التي هي ملكهم في مدّة حياتهم إلى المشتري، و فيه أنّ بحثنا هذا في جميع الصور راجع إلى البحث عن صحّة البيع المزبور من ناحية الوقف و المصنّف لم يتعرّض لهذه الجهة أصلا و أمّا البحث من ناحية صدق الغرر في بعض الموارد فهو خارج عن محطّ الكلام، على أنّه ليس الكلام في خصوص البيع حتّى يتمسّك بدليل الغرر لبطلانه بل في مطلق النقل و لو بالهبة مثلا، و ما أفاده بعض المشايخ من أنّ الغرر لا يكون في المبيع بل إنّما هو في المنافع و هي ليست متعلّقة للبيع ففيه أنّها و إن لم تكن متعلّقة للبيع لكنّها موجبة لزيادة القيمة كالأوصاف عنده فالجهل بها توجب صدق الغرر في البيع، و كذا لا وجه لدعوى أنّ دليل الغرر حيث إنّه لبيّ و هو الإجماع - إذ الرواية الدالّة عليه ضعيفة - فلابدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن إذ تنتقض بالأوصاف. و بالجملة إنّ دليل الغرر حيث لا يجري في مثل الصلح و الهبة فلو كان الانتقال من الواقف في المقام إلى غير الموقوف عليهم بالصلح أو الهبة و نحوهما فلا يجري فيه الإشكال من ناحية الغرر أيضا و الظاهر عدم صحّة البيع و لزوم الغرر و لو كان الموقوف عليهم المشتري لذلك العين، و هذا نظير ما إذا اشترى أحد الشريكين حصّة شريكه من الدار مع الجهل بحصّة الشريك فإنّه بشراء حصّة الشريك و إن يصير مالكا لتمام الدار لكن حيث يكون جاهلا بمقدار حصّة الشريك فيوجب الجهل بمقدار ماليّة حصّته و يلزم الغرر و كذلك في المقام، و لا يقاس المقام بالجهل من حيث القيمة السوقيّة مع العلم بالخصوصيّات الدخيلة في الماليّة حيث إنّ الجهل بالقيمة السوقيّة أيضا يوجب الجهل بماليّة الشيء غير أنّه جهل بالماليّة من جهة الأمر الخارج عن الشيء و إلاّ فالمبيع بنفسه و خصوصيّاته الدخيلة في الماليّة من حيث نفسه معلوم بخلاف المقام فإنّ المبيع بخصصوصيّاته الدخيلة في ماليّته من حيث نفسه يكون مجهولا، نعم في صورة انتقال المنافع من الموقوف عليهم إلى الواقف بصلح و نحوه لا يلزم الغرر في البيع سواء كان المشتري الموقوف عليهم أو غيرهم كما لا يخفى (الأحمدي).
ينسى مدّة الإجارة فيبيعها مسلوبة المنفعة مدة الإجارة الواقعيّة، فإنّه غرريّ.
إلاّ أن رواية حسين بن نعيم: (قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن رجل جعل داره سكنى لرجل زمان حياته و لعقبه من بعده؟ قال: هي له و لعقبه كما شرط، قلت: فإن احتاج إلى بيعها؟ قال: نعم، قلت: فينقض البيع السكنى؟ قال: لا)(1)ثمّ نقل عدم النقض عن جدّه أبي جعفر عليه السّلام - يكون مخصّصا لحديث النهي عن الغرر. إلاّ أنّه لا بدّ من الاقتصار في ذلك على موردها، إلاّ أن يقال: إنّه على هذا يكون الوقف من قبيل جعل السكنى - فتأمّل - فيكون موردا للرواية، فيجوز فيه البيع.
1) الوسائل 267/13، الباب 24 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 3.
و أمّا على الثاني، أي بناء على كون المنقطع وقفا حقيقة مملوكا للموقوف عليهم - كما هو الظاهر فإنّ عنوان الوقف المنشأ به للواقف مستعمل في القسمين بمعنى واحد - فتارة نقول بأنه يصرف في سبيل اللّه أي في وجوه البرّ، و اخرى نقول بعوده ملكا للواقف أو وراثة، و ثالثة برجوعه ملكا لورثة الموقوف عليهم.
أمّا الواقف فلا يجوز له البيع على جميع التقادير، لأنّه من «بيع ما لا يملك» الممنوع. نعم على بعض الشقوق يدخل في «من باع شيئا ثمّ ملك».
و أمّا الموقوف عليهم، فالطبقة السابقة على الأخيرة لا يجوز لهم البيع - كما هو واضح - لأنّه مناف لحقوق البطون اللاحقة، فتعمّه الأدلّة المانعة، كقوله عليه السّلام:
(لا يجوز شراء الوقف) و (الوقوف على حسب ما يقفها أهلها) فإنّ الواقف حبسها لينتفع به البطون المتأخّرة أيضا، فبيعه مناف لذلك.
و أمّا الطبقة الأخيرة، فبناء على القول بأنّه يصرف بعد انقراضهم في سبيل اللّه فلا يجوز لهم البيع؛ لوضوح منافاته لحقيقة الوقف المقتضي لصرف العين الموقوفة في مصارف البرّ، إذ على هذا المبنى لا يفرق بين ذكر التأبيد و صرف الوقف في سبيل اللّه في متن الإنشاء و عدمه، فتعمّه الأدلّة المانعة و يكون بيعه منافيا لما حكم به الشارع من صرفه في وجوه البرّ بعد انقراض الموقوف عليهم. و أمّا على المسلكين الآخرين فكذلك؛ بداهة أنّ الوقف يقتضي رجع العين الموقوفة إلى الواقف أو وارثه أو وراث الموقوف عليهم - على اختلاف المباني - و بيعها مناف لذلك، بل يكون مشمولا للأدلّة المانعة، فلا يجوز شراؤها، بل تبقى محبوسة كما أنشأها الواقف إلى أن يرد إرثا إلى الورثة، و يكون بيعه مشمولا لقوله عليه السّلام: (لا يجوز شراء الوقف) و قوله عليه السّلام: (الوقوف على حسب ما يقفها أهلها).
قوله قدّس سرّه: و من أسباب خروج الملك عن كونه طلقا صيرورة المملوكة امّ ولد [1]
قوله قدّس سرّه: و من أسباب خروج الملك عن كونه طلقا كونه مرهونا [2]
[1] كان الكلام في الموارد التي لا يجوز فيها البيع و إن كان المبيع ملكا، و من جملة تلك الموارد أمّ الولد، فإنّه لا يجوز بيعها إجماعا و إن كانت مملوكة لسيّدها؛ إمّا لتعلّق حقّ الولد بها - كما علّلوه به - فلا يكون طلقا من هذه الجهة، و إن لم يعلّل بذلك في شيء من الأخبار، و إمّا لغير ذلك. و استثنوا من ذلك موارد. و بما أنّه خارج عن محلّ الابتلاء في هذه الأعصار، لا نرى وجها للبحث عنه.
[2] المعروف عدم جواز بيع العين المرهونة.
أمّا بيع المرتهن لها فلا يجوز، لأنّه أجنبيّ عنها، و هو خارج عن محلّ الكلام، لأنّ البحث إنّما هو في بيع المالك و موارد المنع عنه لا بيع الأجنبي.
و أمّا بيع الراهن، فإن قلنا بأنّ الرهن كالوقف، يوجب خروج العين المرهونة عن ملك الراهن، فهو أيضا أجنبيّ عن العين المرهونة، فلا يجوز بيعه لعدم كونه ملكا، فيكون خارجا عن محلّ الكلام.
و أمّا إن قلنا ببقائها في ملكه، غاية الأمر تعلّق حقّ المرتهن بها لأن يستوفي منها الدين، فالمقتضي لجواز البيع له موجود، إلاّ أنّهم استدلّوا على المنع عن ذلك بوجوه ثلاثة:
أحدها: الإجماع.
و فيه: أنّه ليس اتّفاقا تعبّديا كاشفا عن رأي المعصوم عليه السّلام لاعتماد كلّ من
المجمعين على بعض الوجوه المذكورة في كلماتهم.
ثانيها: النبويّ المعروف: (الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرّف في الرهن)(1).
و هو ضعيف سندا و دلالة: أمّا سندا فظاهر، و لم يعلم استناد المشهور إليه ليكون جابرا لضعفه. و أمّا دلالة(2)فلإجمال المراد من التصرّف المذكور في النبوي بعد اليقين بجواز بعض التصرّفات على ما سيتّضح إن شاء اللّه.
ثالثها: منافاته لحقيقة الرهن و كونه وثيقة لاستيفاء المرتهن دينه منه.
و لبيان ذلك نقول: التصرّف في العين المرهونة على أنحاء ثلاثة:
الأوّل: ما يكون مقدّمة لحفظها، كسقي الدابّة و علفها. و لا إشكال في جوازها و عدم كونه مشمولا للنبوي. و يلحق به ما لا يعدّ تصرّفا، كلمس الحيوان و نقله من أعلى الدار إلى أسفلها.
الثاني: ما يكون منافيا لحقّ المرتهن و استيفاء دينه من العين المرهونة، كعتق العبد المرهون، و استيلاد الأمة المرهونة فإنّه يوجب نقصان قيمتها. و هذا لا إشكال في عدم جوازه، و هو المتيقّن من مورد النبويّ المتقدّم.
الثالث: ما يكون وسطا بين القسمين، و لا يكون من قبيل الأوّل و لا من قبيل الثاني، كإيجار الدار المرهونة مع فرض نقصان قيمتها باستيفاء منافعها مدّة الإيجار.
و الظاهر أنّه لا مانع من صحّته.
و من هذا القبيل بيع العين المرهونة، فإنّه لا ينافي حقّ المرتهن، فتأمّل - غاية الأمر إذا لم يكن المشتري عالما بكونها كذلك يثبت له خيار العين لأنّ العين المرهونة تكون معيبة، أو خيار تخلّف الشرط لو قلنا بأنّ مقتضى إطلاق البيع هو التمليك المطلق أي الطلق - لأنّ مقتضى العمومات صحّة هذا البيع مع عدم وجود مانع عنها، و قد عرفت حال الإجماع و ضعف النبوي سندا و دلالة، و لا يعتبر في الرهن أن يكون الراهن مالكا، كما لا يعتبر ذلك حدوثا، لجواز رهن العارية بلا إشكال.
و يدلّ على جوازه أيضا(1)
هذا الاستدلال غير مربوط بالمقام كما لا يخفى (الأحمدي).
عموم العلّة في قوله عليه السّلام: (إنّه لم يعص اللّه و إنّما عصى سيّده)(2)فإنّ العصيان في المقام ليس عصيانه تعالى بالأصالة، و إنّما هو مناف لحقّ المرتهن، فلا مانع من صحّته.و ربما يستدلّ على جوازه أيضا بفحوى ما دلّ على جواز بيع الفضولي(3)فإنّه
1) و لو في الجملة و مع إجازة المرتهن (محمود الهاشمي)
2) الوسائل 523/14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 1 و 2.
3) كما ذكره المصنّف و تقريبه زائدا على ذلك أنّهم حكموا ببطلان الفضولي في الإيقاعات مع أنّهم حكموا بصحّة عتق العبد المرهون إذا لحقته الإجازة من المرتهن و العتق من الإيقاعات، و أيضا الإجازة في المقام من قبيل رفع المانع و في الفضولي من قبيل المقتضي كما يأتي عن المصنّف في الفرع اللاحق. و يرد على الأوّل أنّ صحّة الفضولي في الإيقاعات أيضا على القاعدة كما تقدّم في محلّه و وجه الاكتفاء بالإجازة اللاحقة من المرتهن في العتق بناء على منع الفضولي في الإيقاعات ما يأتي في الفرع اللاحق لا تغليب جانب الحريّة و لا أولويّة صحّة الفضولي في الرهن. و يرد على الثاني أنه لا يكون في الأحكام الشرعيّة التعبدّية مجال للمقتضي و الشرط و المانع بالمعنى المذكور في الفلسفة و عليه فلا دليل على أنّه كلّما ثبت للمقتضي بمعناه المسامحي في الشرعيّات فلابدّ من ثبوته للمانع بل لا بدّ في كلّ مورد من ملاحظة الدليل فيه بخصوصه (الأحمدي).
إذا كان صحيحا مع عدم وجود المقتضي للصحّة فيه، فيصحّ بيع الراهن للعين المرهونة بطريق أولى.
و ربما يدّعى الأولويّة في عكس ذلك - أي في ناحية الفساد - فيقال: إنّ بيع الفضولي لو كان فاسدا لفسد بيع الراهن بطريق أولى.
و الصحيح أنّه لا أولويّة و لا ملازمة في شيء من الطرفين:
أمّا من طرف الصحّة؛ فلما ذكره المقابيس(1)في نكاح بنت أخ الزوجة أو بنت اختها بدون إذن الخالة و العمّة و لحوق إجازتهما فيما بعد، من عدم كفاية الإجازة المتأخّرة في ذلك بناء على صحّة الفضولي، لأنّ صحّة العقد في الفضولي كان على القاعدة، حيث إنّه لم يكن حدوثا مستندا إلى المالك، فلم يكن مشمولا لعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و بالإجازة صار عقدا للمالك، فيعمّه دليل الصحّة. و هذا بخلاف التزوّج على العمّة و الخالة، فإنّه مع كونه عقدا للمالك لم يكن مشمولا لعموم «أوفوا» فصحّته بعد الإجازة يحتاج إلى دليل آخر. و هذا جار في المقام أيضا هنا.
و لكن ذكرنا في محلّه أنّه فاسد أيضا، إذ لا مانع من عدم شمول العام لفرد في زمان و شموله له في زمان آخر. و قد بيّنا توضيحه في بحث العام و الخاص فراجع.
و أمّا من طرف الفساد، فلأنّ بطلان الفضولي يحتمل أن يكون من جهة النهي عن
1) مقابس الأنوار/ 190.
بيع ما ليس عنده، فلا يعمّ المقام(1).
ثمّ إنّه لو قلنا ببطلان بيع الراهن، فهل يكون بطلانه بمعنى سقوطه رأسا بحيث لا يترتّب عليه الأثر حتّى إذا فكّ الرهن أو أجاز المرتهن فتحتاج المبادلة بعده إلى عقد جديد، أو المراد به عدم النفوذ؟ الظاهر هو الثاني؛ و ذلك لأنّ دليل البطلان إن كان هو الإجماع فلا اتّفاق على الفساد بعد فكّ الرهن أو لحوق إجازة المرتهن، و إن كان هو النبوي فظاهر التصرّف الممنوع عنه فيه هو التصرّف استقلالا.
و بعبارة اخرى: المنع عن التصرّف عبارة عن عدم نفوذه لا سقوطه رأسا، و لذا لا ريب في نفوذ التصرّف إذا كان بإذن المرتهن، فينفذ البيع بإجارته المتأخّرة أو بفكّ الرهن.
و الحاصل: أنّه لا ريب في صحّة بيع الراهن للعين المرهونة بعد لحوق اجازة المرتهن؛ لما ذكرناه من صحّة بيع الراهن مستقلاّ للعمومات و عدم وجود مانع عنها؛ أمّا الإجماع على المنع فلما عرفت من عدم كونه تعبّديا كاشفا عن رأي المعصوم، و أمّا النبوي فلضعفه سندا و دلالة. و على فرض التنزّل فلا إجماع على البطلان مع لحوق إجازة المرتهن، كما لا يعمّه النبوي، لظهور المنع عن تصرّف الراهن و المرتهن في تصرّف كلّ منهما مستقلاّ، و لذا لم يستشكل أحد ظاهرا في صحّة تبديل العين المرهونة بغيرها مع إجازة كلّ من الراهن و المرتهن و رضاهما.
1) و دعوى مساواة بيع الرهن مع بيع الوقف و امّ الولد كما عن صاحب المقابيس، فيه أنّ بطلان البيع في الأخيرين حكم تعبّدي فلا وجه لإسرائه إلى بيع الرهن من دون دليل (الأحمدي).
كما يدلّ على صحّة بيع الراهن مع اجازة المرتهن عموم العلّة(1)في قوله عليه السّلام:
(إنّه لم يعص اللّه و إنّما عصى سيّده فإذا أجاز جاز)(2).
فهذا الشرط أعني رضاء من اعتبر رضاه في صحّة العقد، ليس كبقيّة الشرائط المعتبرة في العقد كالبلوغ مثلا، حيث يعتبر تحقّقه في العقد حدوثا، فإذا باع الصبيّ ماله ثمّ بلغ لم يكف تحقّقه بقاء في صحّة العقد، و هكذا إذا كان البيع غرريّا حدوثا فزال الغرر بقاء. و هذا بخلاف رضاء من اعتبر رضاه، فإنّه كما يمكن تعلّقه بالبيع الحالي يمكن تعلّقه بالبيع السابق، فيكون بقاء نفس ذلك العقد السابق مرضيّا به، فيعمّه عموم الأدلّة، سواء كان الرضاء المعتبر رضاء المالك أم غيره. و قد عرفت فساد ما ذكره صاحب المقابيس(3)، من أنّ عقد المالك إذا لم يكن حدوثا مشمولا
1) إذ المراد بعصيان السيّد ليس العصيان التكليفي فإنّه أوّلا: إنّ مثل إجراء الصيغة الذي هو تصرّف اعتباري لا يكون محرّما تكليفا للسيرة العقلائيّة على عدم ممنوعيّتهم عن مثل هذه التصرّفات تكليفا فلا تكون هذه التصرّفات منهم عصيانا لسيّدهم تكليفا، و ثانيا: لو كان مثل هذا التصرّف منهم بالنسبة إلى السيّد حراما تكليفا يكون عصيانا للّه تعالى أيضا فيعلم من ذلك أنّ المراد من عصيان السيّد المخالفة بالنسبة إلى الحكم الوضعي لمولاه إذ نكاح العبد لا ينفذ بدون إذن مولاه فعقده بدون إذنه مخالفة للسيّد بهذا المعنى فمن عموم هذا التعليل يعلم أنّ المخالفة الوضعيّة في كلّ عقد بالنسبة إلى من يعتبر إذنه لجهة من الجهات إذا ارتفعت بلحوق الإجازة يؤثّر العقد أثره و موردنا أحد مصاديق هذه الكبرى (الأحمدي).
2) الوسائل 523/14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل، و لفظه (فإذا أجازه فهو له جائز).
3) محصلّه الفرق بين أن يكون المبيع ملكا للغير أو متعلّقا لحقّ الغير بأنّ في الأوّل لا يتعلّق خطاب «أوفوا» إلاّ بعد الإجازة لأنّه خطاب للملاّك فبالإذن و الإجازة يحصل الموضوع للخطاب، بخلاف الثاني فإنّه من أوّل حدوثه كان مشمولا للخطاب في حدّ نفسه غير أنّه صار مخصّصا بدليل ثبوت الحقّ للمرتهن و بعد إجازة المرتهن لاحقا أو فكّ الرهن لم يوجد عقد جديد. و محصّل الجواب أنّ عدم صحّة العقد من الأوّل لم يكن إلاّ من جهة أنّ الشارع اعتبر مضافا إلى استناد العقد إلى المالك شرطا آخر هو رضا المرتهن في البيع لأنّه ذو حقّ في العين و لذا كان صحيحا من الأوّل لو كان ايجاد العقد مقارنا لإذنه فمقتضى الصحّة كان موجودا في البيع في حدّ نفسه و البيع من الامور التي اعتبر فيه البقاء عرفا و ليس مثل الامور الخارجيّة - كالضرب و نحوه - ممّا ليس له بقاء بل يحدث و ينعدم فإذا تعلّقت به إجازة المرتهن أو فكّ عن الرهن يصير متعلّقا للخطاب في مرحلة البقاء و كان منشأ عدم شمول دليل «أوفوا» للعقد قبل إجازة المرتهن عدم تحقّق شرط الصحّة و يستفاد من التعليل الوارد في صحّة عقد المملوك بإجازة مولاه لاحقا أنّ اعتبار رضاء من يعتبر رضاه مطلقا لا يعتبر تحقّقه مع حدوث العقد و ليس مثل البلوغ و نحوه ممّا تعتبر مقارنته لحدوث العقد مع أنّه - كما تقدّم - يمكن الالتزام بشمول «أوفوا» للعقد من أوّل الأمر لصحّة جعل مال الغير - فضلا عن متعلّق حقّه - رهنا لآخر كما هو المتسالم عليه عند الفقهاء غايته أنّه لو لم يرض بذلك من له الحقّ في العين يثبت الخيار للمشتري (الأحمدي).
لعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لمانع أو فقدان شرط، يحتاج صحّته بعد ذلك إلى دليل آخر.
و ذكرنا هناك أنّه يمكن أن لا يكون فرد مشمولا للعام في زمان و يعمّه في زمان آخر. فلا فرق في صحّة العقد بالإجازة اللاحقة بين الفضولي و التزويج على العمّة أو الخالة و بيع الراهن كما في المقام.
هذا، و نقل المصنّف عن بعض معاصريه(1)وجها لبطلان بيع الراهن و لو مع إجازة المرتهن، حاصله: أنّ بيع الراهن منهيّ عنه - كما يستفاد من النبوي - و النهي عن المعاملة لا لأمر خارج يدلّ على الفساد و لو كان لحقّ الغير، كما في بيع الوقف
1) هو صاحب المقابيس و الوجه السابق و إن نسبه السيّد الاستاذ إليه أيضا إلاّ أنّ ما ذكره في المقام هو هذا الوجه (الأحمدي).
و امّ الولد. و أمّا صحّة بيع المرتهن(1)بإجازة الراهن و كذا الفضولي غير المرتهن بإجازة المالك، فذكر في وجهه ما حاصله: أنّ التصرّف المنهيّ عنه إن كان انتفاعا بمال الغير، أي تصرّفا خارجيّا، فهو محرّم لا يحلّ بالإجازة اللاحقة، و إن كان تصرّفا اعتباريّا كالعقود و الإيقاعات، فيتصوّر على قسمين: فإن وقع على طريق الاستقلال و البناء على الظلم كان منهيّا عنه، و إن وقع بقصد النيابة عن المالك لا يكون منهيّا عنه، و لا يعمّه دليل المنع، كما في الفضولي غير المرتهن، فيصحّ بلحوق الإجازة به. و أمّا المالك المحجور عن التصرّف في ماله فدائما يكون تصرّفه على نحو الاستقلال مستندا إلى ملكه، و لا معنى لقصد النيابة عمّن له الحقّ في ماله، فيكون منهيّا عنه و يكون فاسدا. ثمّ ذكر أنّ التعليل الوارد في رواية نكاح العبد بدون إذن مولاه، من قوله: «إنّه لم يعص اللّه و إنّما عصى سيّده، فإذا أجاز جاز» وارد في التصرّف في ملك الغير، لأنّ العبد بنفسه مملوك لسيّده، فيتصوّر فيه قصد النيابة،
1) ملخّص ما ذكره صاحب المقابيس أنّ بيع الفضولي له شقّان فإنّ الفضولي قد يقصد ببيعه النيابة عن المالك و لا يكون تصرّفه حينئذ بعنوان الغصب و العدوان فلا يكون عقده منهيّا عنه حتّى يوجب الفساد و قد يقصد الاستقلال بالبيع و التصرّف لا بعنوان النيابة عن المالك فيكون عقده هذا محرّما لا تفيده الإجازة اللاحقة. نعم في بيع المرتهن حيث يكون قابلا للقسمين يجري فيه التفصيل المتقدّم في عقد الفضولي. و بعبارة اخرى أدلّة الفضولي إنّما يشمل البيع الفضولي الذي كان صدوره برجاء إجازة المالك لا مطلقا و هذا المعنى لا يتصوّر في بيع الراهن لأنّه مالك للمبيع. و فيه أنّ تخصيص أدلّة الفضولي بما ذكره بلا وجه ألا ترى أنّ في صحيحة محمّد بن قيس حكم الإمام عليه السّلام بصحّة بيع الولد جارية أبيه بعد الإجازة من دون استفصال لكون عقد الولد برجاء إجازة الأب أم لا، و كذا الحال في رواية بيع العبد المأذون، و لو أراد من النيابة صرف إمكان قصد الرجاء و النيابة فصرف الإمكان لا يخرجه عن الحرمة لو كان مثل ذلك التصرّف حراما (الأحمدي).
و هذا بخلاف تصرّف المالك المحجور فإنّه عصيان للّه، انتهى(1).
و قد أورد عليه المصنّف بوجوه متينة:
أوّلا: أنّ النهي التكليفي لا يدلّ على الفساد و لو تعلّق بعنوان المعاملة و لم يكن لأمر خارج، و ما يدلّ على الفساد إنّما هو النهي الإرشادي.
و ثانيا: لا وجه للفرق في الحكم(2)
و محصّل الوجه الآخر أنّ المتيقّن من الإجماع أنّ منع الراهن إنّما يكون على نحو منع المرتهن و حيث إنّ المنع في المرتهن يكون بمعنى عدم نفوذ تصرّفه من دون إذن الراهن أو إجازته فيكون النهي في الراهن أيضا كذلك.
بين البيع على وجه الاستقلال أو على وجه النيابة بعد عدم شمول دليل المنع إلا للتصرّف على نحو الاستقلال.و ثالثا: كما يمكن تصوير(3)
و يرد على ما ذكره من الاستدلال بالتعليل الوارد في النكاح ما تقدّم من أنّ المقصود منه هو أنّ العبد لم ينشأ أمرا غير نافذ شرعا كنكاح المحارم بل أنشأ ما هو نافذ في حدّ نفسه شرعا لولا مخالفة سيّده بعدم الاستيذان منه فإذا أجاز جاز و هذه العلّة موجودة أيضا في المقام لأنّ بيع العين المرهونة ليس مثل بيع الوقف أو امّ الولد ممّا يكون غير نافذ شرعا في حدّ نفسه و إنّما لم ينفد لتعلّق حقّ المرتهن به فيحتاج إلى إجازته أو إسقاط حقّه فإذا أجاز جاز.
و قول المصنّف عليه السّلام في نقل كلام صاحب المقابيس: (إذا كان الغرض من الحجر رعاية مصلحة كالشفعة) غلط مطبعي، و الصحيح: (رعاية مصلحة نفسه كالسفيه). الأحمدي.
النيابة في بيع المرتهن، يتصوّر ذلك في بيع الراهن1) و فيه أوّلا أنّه لو كان الراهن عاصيا للّه تكليفا لصدق التصرّف في حقّ الغير بإنشائه العقد على المبيع المتعلّق لحقّ المرتهن فيكون العبد أيضا عاصيا للّه تعالى بإنشائه الزواج لنفسه لإنّه يكون بإنشائه متصرّفا في ملك الغير الذي هو نفسه لوحدة الملاك بل يمكن دعوى الأولويّة فيه لأنّه تصرّف في ملك الغير و ذاك تصرّف في متعلّق حقّ الغير و ثانيا أنّ مثل إنشاء العقد لا يعدّ تصرّفا عرفا لا في ملك الغير و لا في متعلّق حقّه فلا يكون بذلك عاصيا للّه تعالى، و بعبارة اخرى دليل حرمة التصرّف إنّما ينصرف إلى التصرّفات الخارجيّة لأنّها تعدّ تصرّفا عرفا دون الاعتباريّة الصرفة (الأحمدي).
2) محصّله أنّ مجرّد العقد سواء كان على وجه الاستقلال أو النيابة لا يكون محرّما فإنّ المنصرف من أدلّة حرمة التصرّف في مال الغير إنّما هو التصرّفات الخارجيّة فلا يكون عقد الفضولي بمجرّده حراما و لو كان بنحو الاستقلال، على أنّه يمكن أن يكون البائع حين البيع غافلا عن كون المبيع رهنا (الأحمدي).
3) محصّل هذا الوجه أنّه لا معنى للنيابة في فعل الفضولي عن المالك حيث إنّه لم يكن وكيلا و لا مأذونا من قبله إلاّ بمعنى مسامحي و هو أنّه يبيع مال الغير برجاء أن يجيز فيما بعد، و هذا المعنى يتصوّر بالنسبة إلى الراهن أيضا بأن يبيع برجاء إجازة المرتهن.
قوله قدّس سرّه: و قد يتخيّل وجه آخر لبطلان البيع هنا [1]
أيضا، إذ يمكن أن يبيع متوقّعا لإجازة المرتهن لا على نحو الاستقلال و البناء على استقلاله في التصرّف عدوانا، إلى غير ذلك(1).
فالمتحصّل ممّا ذكر أنّ بيع الراهن المتعقّب بإجازة المرتهن صحيح بلا إشكال لوجهين، الأوّل: العمومات بعد انصراف دليل المنع إلى التصرّف على نحو الاستقلال. الثاني: التعليل الوارد في نكاح العبد، من قوله عليه السّلام: (لم يعص اللّه و إنّما عصى سيّده).
[1] حاصله أنّه بناء على كون إجازة المرتهن كاشفة، يلزم كون مال المشتري رهنا للبايع، أي كون العين الواحدة مبيعة و مرهونة في زمان واحد، و هو مستحيل بناء على تنافي البيع مع الرهن، فهو نظير من باع شيئا ثمّ ملك، فإنّ صحّته تستلزم
1) و يظهر من عبارة المقابيس أنّه أورد على نفسه النقض ببيع السفيه حيث إنّ بيعه صحيح بعد لحوق إجازة الولي و أجاب عنه بالفرق حيث إنّ السفيه لم يتصرّف في متعلّق حقّ غيره بخلاف الراهن. و فيه مضافا إلى ما تقدّم من أنّ مجرّد الإنشاء ليس تصرّفا في متعلّق حقّ الغير أنّ حرمة التصرّف لا يوجب فساد البيع كما تقدّم (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثمّ إن الكلام في كون الإجازة من المرتهن كاشفة أو ناقلة [1] اجتماع مالكين في زمان واحد على ملك واحد، إذ المفروض أن المبيع لم يكن حين البيع ملكا للعاقد المجيز لتكون إجازته بعد ما يملك كاشفة عن عدم ملكه، بل كان ملكا لشخص آخر، و إجازة من ملك لا تكشف عن خروجه عن ملك ذاك الشخص من حين حدوث العقد. و المقام من هذا القبيل، فإنّ إجازة المرتهن تكشف عن صحّة البيع من حين صدوره و صيرورة العين المرهونة ملكا للمشتري من حين العقد، و المفروض بقاء الرهن إلى زمان الإجازة، فيلزم المحذور المذكور، فهو ليس من قبيل بيع الفضولي و إجازة المالك. نعم هذا إنّما يتمّ بناء على تنافي البيع و الرهن.
و الجواب عنه: ما ذكره المصنّف، من أنّ إجازة الراهن كما تكون كاشفة عن صحّة البيع من حين صدوره، تكشف عن بطلان الرهن من ذلك الحين، فهي إنفاذ للبيع مطابقة و إبطال للرهن بالالتزام، فليس من قبيل من باع شيئا ثمّ ملك، بل يكون نظير الإجازة في البيع الفضولي. نعم ربما يلزم ذلك في فرض فكّ الرهن بناء على الكشف، و سيأتي الكلام فيه.
[1] بناء على كون الكشف في الفضولي على خلاف القاعدة و إنّما يصار إليه لما ورد في تزويج الصغيرين(1)- إذا مات أحدهما و أنّه يستحلف الباقي، فإن حلف على أنّه كان يجيز العقد و لو كان الزوج حيّا، يرثه(2)- و يتعدّى عن مورده أعني النكاح للقطع بعدم الفرق بينه و بين بقية العقود فيما إذا لم يكن العقد مستندا إلى أحد
العاقدين حدوثا، فلابدّ من الاقتصار على ذلك و لا يتعدّى إلى ما إذا كان العقد مستندا إلى العاقد الحقيقي حدوثا، غايته اعتبر في صحّته إجازة شخص آخر تعبّدا أو لتعلّق حقّ بالعين، كما في المقام و النكاح على العمّة أو الخالة، فتأمّل.
و ما ذكره المصنّف من الفحوى(1)و أولويّة القول بالكشف في المقام من القول به في الفضولي - و قد أيّده بجريان الإيقاعات كالعتق في الرهن و عدم جريان الفضولي فيها، و تمسّكهم لصحّة عتق الرهن بإطلاقات أدلّة العتق لا بتغليب جانب الحريّة - غير تامّ؛ لما عرفت من أنّ القول بالكشف على هذا المبنى إنّما هو للنصّ
1) بتقريب أنّ المقتضي في العقد الفضولي و هو رضا المالك و إنشاؤه كان مفقودا و في المقام المقتضي موجود و لا نقص في العقد إلاّ من جهة المانع و هو حقّ المرتهن، و فيه مضافا إلى ما تقدّم سابقا، أنّه ليس المأخوذ في متعلّقات الأحكام الشرعيّة تكليفيّة و وضعيّة إلاّ ماله دخل فيها لتوقّف انطباق الحكم خارجا عليه و العلّة الفاعليّة للأحكام ليس إلاّ ذات الشارع كما أنّ العلّقة الغائيّة لها يمكن أن تكون هي المصالح و المفاسد في المتعلّقات كما هو الغالب أو غير ذلك و نحن مسامحة نعبّر عن بعض تلك الأشياء الدخيلة ذاتها في المتعلّق بالمقتضي و عن الدخيلة تقيّدها وجودا بالشرط و عدما بالمانع و إلاّ فالجميع دخيلة في تحقّق مطابق الحكم الوضعي أو التكليفي على نحو واحد، و عليه فتشخيص المقتضي من المانع في المقام و أن رضا المالك من قبيل المقتضي و رضا المرتهن من قبيل رفع المانع بلا دليل. على أنّه لو كانت القسمة على نحو الحقيقة أيضا فإنّ الامور حيث إنّها امور تعبّدية فمن المحتمل أن يكون لعدم تحقّق المقتضي من أوّل الأمر و تحقّقه فيما بعد دخل في الحكم على نحو الكشف و لا يكون لعدم المانع من أوّل الأمر و عدمه فيما بعد دخل في الحكم على نحو الكشف و عليه فدعوى أنّ كلّ ما ثبت للمقتضي يثبت لعدم المانع بالأولويّة غير ثابتة. و محصّل الكلام إنكار المقتضي و الشرط و المانع على نحو الحقيقة أوّلا لأنّ الأحكام الشرعيّة عبارة عن المجعولات و المنشئات الشرعيّة، و عدم الدليل على تشخيص ذلك لو سلّمنا أصله ثانيا، و عدم الدليل على الأولويّة ثالثا (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و هل تنفع الإجازة بعد الردّ [1]
الوارد في النكاح، و إلاّ فظاهر ما دلّ على اعتبار الرضا هو النقل و عدم ترتّب الأثر على العقد إلاّ بعد تحقّق الرضا خارجا، و قد تعدّينا عن النكاح إلى بقيّة موارد الفضولي المصطلح - أعني ما إذا لم يكن العقد مستندا حدوثا إلى أحد العاقدين - للاطمئنان بعدم الفرق بين النكاح و غيره من العقود، و ليس لنا يقين بعدم الفرق بين هذا الفرض و ما إذا كان العقد مستندا إلى العاقد حدوثا و قد اعتبر فيه رضا شخص آخر أو إجازته كما في بيع الراهن، فلابدّ من الأخذ بظاهر ما دلّ على اعتبار رضى المرتهن. و أمّا صحّة العتق في الرهن و عدم صحّته فضولا فإنّما هو للنصّ و ما ورد من أنّه: «لا عتق إلاّ في ملك»(1)فالأولويّة لا وجه لها.
كما أنّه إذا كان وجه القول بالكشف هو الإجماع، فهو أيضا غير جار في المقام.
هذا بناء على كون الكشف على خلاف القاعدة.
و أمّا على المختار من كونه على القاعدة، فهو جار في إجازة المرتهن أيضا. نعم لا مجال للكشف في الإبراء و فكّ الرهن.
[1] أمّا الردّ بعد الإجازة فلا أثر له(2)، و إنّما الكلام في الإجازة بعد الردّ.
أمّا في الفضولي فربما يقال بأنّ ردّ المجيز الذي هو أحد العاقدين حقيقة، بمنزلة
1) راجع الوسائل 7/16-8، الباب 5 من أبواب كتاب العتق، الأحاديث 1 و 2 و 6 بناء على أن يكون المراد منه لا عتق إلاّ من المالك، لا أن يكون المراد لا عتق إلاّ لمن يملك العتق إذ على الثاني في المورد أيضا المالك لا يملك العتق (الأحمدي).
2) لأنّ مرجع الإجازة إن كان إلى إسقاط حقّه عن العين فلا أثر لردّه بعد ذلك حيث إنّه انفصل عن العين بإسقاط حقّه و إن كان مرجعه إلى أنّ لإجازته دخلا فحيث إنّه بالإجازة تخرج العين عن متعلّق حقّه فلا أثر لردّه بعد ذلك (الأحمدي).
رفع يد الموجب عن إيجابه قبل لحوق القبول، فإنّه لا يتحقّق حينئذ العقد الذي هو بمعنى الربط، إذ لا يبقى الإيجاب بعد رفع اليد عنه ليرتبط به القبول.
و ربما يجري هذا التقريب في ردّ المرتهن أيضا، لأنّه جزء مقوّم للعقد، كإجازة الفضولي.
و لكن التحقيق: أنّ إجازة المرتهن بعد الردّ نافذة، سواء قلنا به في الفضولي أم لم نقل، و ذلك لما ذكرناه في بحث الفضولي، من أنّ مقتضى رواية محمّد بن قيس في الأمة التي باعها ابن سيّدها صحّة الإجازة في الفضولي بعد الردّ و نفوذها، و القول بعدم نفوذها هناك(1)إنّما هو للإجماع، و ليس في المرتهن إجماع، فتكون الإجازة بعد الردّ منه نافذة.
1) مورد الرواية إنّما هو في الفضولي و إجازة المالك بعد ردّه و إذا حكمنا بعدم نفوذ الردّ في مورده بمقتضى الإجماع فكيف يمكن الحكم بنفوذ الردّ بعد الإجازة في غير مورده و هو إجازة من له الحقّ بعد ردّه بل لا بدّ من جعل المدرك للنفوذ بعد الردّ دعوى ان النفوذ مقتضى القاعدة لأنّ العقد حيث قد تمّ فله البقاء و خروج الفضولي عن تحته بالإجماع لا يضرّ بالتمسّك بالقاعدة في غيره، كما أنه على المسلك الآخر و هو عدم كونه على مقتضى القاعدة لا بدّ من الحكم بعدم النفوذ في المقام لعدم الدليل عليه. و أمّا التفصيل الذي ذكره المحقّق النائيني من أنّه إن كان الردّ قبل حلول الدين فحيث إنّ ردّه قبل ثبوت حقّه لا يكون نافذا فله الإجازة بعد حلول الحقّ كما أنّ له الردّ في الفرض بعد الإجازة لنفس الدليل بخلاف ما إذا كانت الإجازة أو الردّ بعد الحلول فإنّ الرد أو الإجازة لا تنفذ لسقوط حقّه حينئذ بالإجازة أو الردّ الأوّل، ففيه أنّ حقّ المرتهن تعلّق بالمال من أوّل عقد الرهن و لذا يكون المال غير طلق من الأوّل و أنّ ظرف إعمال الحقّ المزبور إنّما يكون بعد حلول الدين لا أنّ الحقّ يحدث بعد حلول الدين فلا وجه للتفصيل المذكور كما لا يخفى (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ الظاهر أنّ فكّ الرهن بعد البيع بمنزلة الإجازة [1]
[1] قد عرفت(1)صحّة بيع الرهن إذا لحقه إجازة المرتهن أو كان مقرونا بإذنه، فهل يصحّ بيعه إذا سقط حقّ المرتهن بعد ذلك بالإسقاط أو بأداء الدين أو بغيره أم لا؟
ظاهر المصنّف هو الصحّة(2)، و تبعه المحقّق النائيني قدّس سرّه(3)، و حاصل ما ذكر في وجهه: أنّ عدم تأثير بيع الراهن لم يكن لعدم المقتضي للصحّة، بل المقتضي كان تامّا، و إنّما لم يكن مؤثّرا من جهة المانع، و هو مزاحمة حقّ المرتهن، فإذا زال المزاحم وجب تأثير السبب. فلا يقاس ذلك بما إذا كان المقتضي قاصرا، كنكاح العبد بدون إذن سيّده بمجرّد انعتاقه، فإنّ المانع عن تأثيره إنّما هو قصور المقتضي و عدم صحّة تصرّف العبد رأسا بدون إذن سيّده، لا مزاحمة حقّ السيّد.
هذا، و فيه: أنّ هذه التعبيرات من المقتضي و المانع و نحوها لم يرد شيء منها في آية و لا رواية، و إنّما هي اصطلاحات محضة في الاعتباريّات و الأحكام الشرعيّة، و كلها ترجع إلى قيود الموضوع، و عليه نقول: المستفاد من الأدلّة فساد بيع الراهن
1) فرض المسألة إنّما هو على فرض اعتبار إجازة المرتهن في صحّة العقد، و حيث إنّه خلاف المختار كما تقدّم فليفرض ذلك في موت العمّة أو الخالة قبل أن تجيز نكاح بنت الأخ أو الاخت (الأحمدي).
2) هذا البحث مبتن على اشتراط صحّة البيع بعدم كون المبيع رهنا و أمّا على المختار من عدم اشتراطه فلا مجال لهذا البحث غاية الأمر أنّه في فرض الجهل يثبت الخيار للمشتري، و على مبنى الاشتراط فالمسألة تدخل في صغريات «من باع شيئا ثمّ ملك» و حيث اخترنا فيه البطلان فلابدّ من الالتزام بالبطلان في المورد أيضا إلاّ أنّ المصنّف و المحقّق النائيني فرّقا بين المسألتين بالبطلان في مسألة «من باع ثمّ ملك» دون المقام بدعوى أنّ المقتضي لصحّة البيع و هو عقد المالك كان منتفيا هناك دون المقام إذ إنّ عقد المالك أي المالكيّة للمبيع كان متحقّقا حال البيع و المانع ارتفع فيؤثر المقتضي أثره (الأحمدي).
3) منية الطالب 335/2-336.
مستقلاّ من دون رضا المرتهن، على ما هو ظاهر قوله عليه السّلام: (الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرّف) فإذا باع الراهن بدون إذن المرتهن، فإنّ بيعه حدوثا و إن كان موردا للمنع، إلاّ أنّه إذا لحقه إجازة المرتهن، فإنّه يكون نفس ذاك العقد السابق(1)بقاء مستندا إلى إجازة المرتهن، فيخرج عن دليل المنع عن تصرّف الراهن و المرتهن، و تعمّه عمومات صحّة البيع، كما يشمله عموم التعليل في قوله عليه السّلام: (لأنّه لم يعص اللّه و إنّما عصى سيّده فإذا أجاز جاز) و هذا بخلاف ما إذا باع الراهن بدون إذن المرتهن فسقط حقّه بالإسقاط أو أداء الدين و نحوهما، فإنّ سقوط الحق بعد البيع لا يخرج العقد الواقع عن كونه بيع الراهن بدون إجازة المرتهن، و لا يجعله من بيع الراهن مع رضا المرتهن حتّى بقاء(2)، بل هو نظير بقيّة الامور المعتبرة في العقد
1) هذا على القول بالكشف، و أمّا على القول بالنقل فيشكل الحكم بصحّة عقد الراهن كما يشكل في بيع الفضولي أيضا لأنّ هذا العقد أي إنشاء المبادلة من حين تماميّة الإيجاب و القبول لم يكن مشمولا للأمر بالوفاء من أوّله و الحكم بالوفاء لا يكون منحلاّ حسب الآنات و الزمان لأنّه ليس حكما تكليفيا فإذا لم يشمله من أوّل الأمر فكيف يشمله بعد ذلك، و هذا أحد الإشكالات الواردة على القول بالنقل. و أمّا على القول بالكشف فلا يرد هذا المحذور لأنّه من حين استناد البيع إلى المالك شمله الأمر بالوفاء، و الخطاب متعلّق بالملاّك، كما أنّ مفاد العقد من حين الإنشاء متعلّق للأمر بالوفاء بشرط تعقّبه بالإجازة من المرتهن في باب بيع الرهن. (الأحمدي).
2) فلابدّ من الحكم بالبطلان رأسا لأنّ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لم يشمله من الابتداء على الفرض قبل الفكّ، و ليس له عموم زماني حتّى يشمله بعد الفكّ و يستفاد هذا المعنى أي عدم العموم الزماني من الدليل الوارد في نكاح العبد المعتق حيث علّل صحّة نكاحه بأنّ سكوت المولى رضاه فإنّ المستفاد منه أنّ نكاحه بدون رضا المولى باطل و لو حصل له العتق، لكن سيأتي أنّ مرجع الإجازة أيضا إلى الإسقاط (الأحمدي).
إذا كان العقد فاقدا لها حدوثا و صار واجدا لها بقاء، كالغرر و نحوه(1). فالفرق بين الرضا و غيره من الشروط من هذه الجهة، حيث إنّ تعلّقه بالعقد السابق يجعل نفس ذاك العقد مستندا إلى المجيز بقاء، بخلاف تحقّق سائر الشروط فإنّها لا تجعل العقد السابق واجدا لها أصلا، فلا تعمّه العمومات رأسا.
و بالجملة: المانع أيضا يرجع إلى ما اخذ قيدا في الموضوع كغيره ممّا اعتبر فيه، فإنّه اعتبر في صحّة بيع الراهن أن لا يكون مستقلاّ بالبيع، على ما هو ظاهر قوله عليه السّلام: (الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرّف) المخصّص لعمومات صحّة العقود، فبيع الراهن إذا لحقته الإجازة بقاء يكون خارجا عن دليل المنع موضوعا، فتعمّه العمومات. و أمّا إذا لم يتعقّب بإجازة المرتهن و لكن سقط حقّه بالفكّ أو الإبراء، فانه يكون العقد الصادر من الراهن ممّا استقلّ به الراهن حدوثا و بقاء، و إطلاق قوله عليه السّلام: (الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرّف) يعمّ عقده المتعقّب بسقوط حقّ المرتهن. و من الواضح أنّ إطلاق دليل المخصّص مقدّم على عموم العام، و معه لا يمكن الرجوع إلى عمومات الوفاء بالعقد و نحوها.
فما ذكره المصنّف قدّس سرّه من أنّ المقام ليس من موارد الرجوع إلى الاستصحاب، و إن كان تامّا لتبدّل الموضوع، كما في فرض لحقوق إجازة المرتهن، فإنّ العقد
1) و يكون المقام أشبه شيء بما إذا باع غير المالك شيئا لنفسه ثمّ ملكه لو قلنا بأنّ الراهن ممنوع من التصرّف وضعا و تكليفا الاّ باذن المرتهن و إن قلنا بعدم تأثير إذنه في صحّة العقد و إنّما يكون موجبا للخيار بالنسبة إلى المشتري لو كان جاهلا به، يكون فكّ الرهن في اللاحق مثل إرتفاع العيب الموجود حال العقد بعده في أنّه هل يوجب سقوط خيار العيب أم لا؟ (الأحمدي).
السابق لم يكن نافذا بما أنّه ممّا استقلّ به الراهن أو لمزاحمة حقّ المرتهن، و بعد الإجازة أو سقوط حقّ المرتهن ينتفي هذا العنوان، إلاّ أنّ ما ذكره من الرجوع في فرض سقوط حقّ المرتهن إلى عمومات صحّة العقد - فاسد، لما عرفت من أنّ إطلاق دليل الخاص يتقدّم على عموم العام.
فالصحيح بطلان بيع الراهن و لو سقط حقّ المرتهن بعد ذلك.
ثمّ لو تنزّلنا عن ذلك و قلنا بصحّته، لا بدّ من القول بكون سقوط حقّ المرتهن ناقلا مؤثّرا من حينه لا كاشفا؛ أمّا بناء على أن يكون القول بالكشف في الإجازة من جهة الدليل الخاصّ - و هو رواية محمّد بن قيس - فظاهر، حيث إنها واردة في الإجازة دون غيرها. و أمّا بناء على كون كاشفيّة الإجازة على القاعدة، من باب أنّ مقتضى إمضاء الإجازة ثبوت المنشأ على النحو المنشأ، و بما أنّ الإجازة تتعلّق بالملكيّة السابقة فلازم إمضائها هو الكشف و تحقّق مقتضى العقد السابق من حينه، فعدم جريانها في سقوط حقّ المرتهن أوضح من أن يخفى، فهو نظير بيع الفضولي إذا تملّكه بعد ذلك، حيث لا مجال فيه للكشف(1).
1) لأنّ تماميّة العقد إنّما تحصل بسقوط حقّ المرتهن و هو لم يحصل قبل ذلك و لذا قد يقال بأنّه لو أجاز المرتهن أيضا لا بدّ أن نلتزم بالنقل لأنّ مرجع إجازته إلى إسقاط حقّه عن العين و إلاّ فلا حقّ له في العقد و العقد ليس عقده و لو أجاز فليس متعلّق إجازته أمر سابق حتّى يؤثّر العقد من حينه بل مرجع إجازته إلى إسقاط حقّه و لا دليل على سقوط الحقّ السابق بالإسقاط المتأخّر و من ذلك يظهر الفرق بين المقام و نكاح العبد لأنّ في نكاح العبد يعتبر رضا المولى و في المقام يعتبر عدم كون المال متعلّقا لحقّ الغير. و يمكن دفعه بأنّ مرجع بيع الراهن إلى إنشاء إسقاط حقّ المرتهن فضولا و مرجع إجازة البيع من جانب المرتهن إلى إجازة تلك الإسقاط من حينه و كذا في صورة الفكّ و الإبراء أو الإسقاط لو صحّحنا المعاملة فمقتضى القاعدة هو النقل لما تقدّم من عدم المقتضي للكشف معها و لوجود المانع لأنّه لو كان العقد صحيحا من الأوّل و المفروض عدم سقوط حقّ المرتهن عن العين من حين العقد فيلزم تعلّق حقّ المرتهن بمال المشتري و هو تصرّف في ماله بغير إذنه. و محصّل الكلام أنّه على غير المختار من عدم صحّة بيع العين المرهونة من دون إذن المرتهن أو إسقاط حقّه يشكل تصحيح المعاملة في غير صورة الإذن المقارن حتّى في صورة الإجازة المتأخّرة فضلا عن الفكّ و الإبراء (الأحمدي).
ثمّ لو تنزّلنا عن ذلك و بنينا على الكشف، فهل يكون لازما بحيث ليس للراهن فسخه و لا إبطاله أو له ذلك؟ هذه المسألة نظير ما تقدّم في بيع الفضولي، من لزوم العقد من طرف الأصيل و عدمه، و قد ذكرنا أنّ فيه احتمالان، ذهب إلى كلّ منهما بعض، فبعضهم اختار اللزوم من طرف الأصيل؛ بدعوى أنّ خطاب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعمّ كلاّ من العاقدين، و عدم شموله من جانب الفضولي لا ينافي شموله له من طرف الأصيل. و اخترنا عدمه؛ لأنّ العقد أمر واحد قائم بالطرفين، فإذا لم يكن لازما من طرف، لا يعمّه دليل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ رأسا، فلا يجب الوفاء به أصلا.
و عليه ففي المقام أيضا يكون العقد جائزا ما لم يسقط حقّ المرتهن، فله فسخه و إبطاله.
ثم لو تنزّلنا عن ذلك أيضا و بنينا على لزومه، فهل يجب على الراهن فكّ المبيع من الرهن - إمّا من باب وجوب إتمامه و إنهائه عليه و لا يتمّ إلاّ بذلك، و إمّا من باب مقدّمة تسليم ملك الغير إلى مالكه - أو لا يجب عليه ذلك؟ الظاهر عدم الوجوب، لأنّه كما بيّنا سابقا، الأمر بالوفاء بالعقود إرشاد إلى عدم انفساخ العقد(1)
فذلكة تذكر بعنوان الضابطة: و هي أنّ العقد في الفضولي و غيره تارة تكون تماميّته حقيقة بأمر متأخّر كما لو فرض أنّ عقد نكاح البكر يكون بين ثلاثة: البكر و أبوها و الزوج، و حصل عقد البكر بين الأب و الزوج ففي مثله لا يتمّ عقد النكاح إلاّ بإجازة متأخّرة من البكر، و اخرى يكون العقد بحسب الإنشاء تامّا و لكن استناده إلى المالك يتوقّف على أمر متأخّر كعقد الفضوليين أو الأصيل و الفضولي، و ثالثة يكون العقد مستندا إلى المالك من حين حدوثه و لكنّه مشروط شرعا بأمر كاشتراط صحّة عقد نكاح بنت الأخ على العمّة برضا العمّة شرعا، ففي القسم الأوّل لا بدّ من النقل و حصول الأثر من حين حصول الأمر المتأخّر لأنّه دخيل في تماميّة العقد و حاله يكون حال الإيجاب و القبول، و في القسم الثاني المختار هو الكشف حيث إنّ الإجازة تعلّقت بأمر سابق فلابدّ أن يرتّب عليه الأثر من ذلك الحين، و في القسم الثالث إن كان ذلك الأمر كالرضا مثلا من شخص آخر أعم من الرضا اللاحق و المقارن يصحّ العقد و إن تأخّر تحقّق ذلك الأمر و تكون النتيجة هي الكشف و لا يبعد أن يكون الرضا المعتبر من المرتهن في صحّة عقد الرهن على تقدير اعتباره من هذا القبيل لأنّ دليل أوفوا بالعقود حكم بصحّة عقد الراهن و المخصّص يكون منفصلا فلابدّ من الخروج عن العموم بالقدر المتيقّن من المخصّص و هو أن لا يكون العقد مشتملا على رضا المرتهن أصلا و لو متأخّرا، و إن كانت مقارنة ذلك الأمر للعقد شرطا فلابدّ من بطلان ذلك العقد و إن لحقه ذلك الأمر كاشتراط أن لا يكون العقد حين حدوثه غرريّا (الأحمدي).
،1) و أنّه على الكشف كون العقد بحيث يترتّب عليه الأثر من أوّل الأمر لو أجازه المرتهن و معنى لزومه أنّه لا يجوز لهما إبطال هذه القابليّة و أمّا فكّ الرهن فلا ملزم له و هذا نظير القبض في الصرف فإنّه لا ملزم للقبض فيه حتّى يحكم بالملكيّة فلا مجال لما أفاده المصنّف بقوله: فلو امتنع فهل يباع عليه الحقّ أم لا؟ و إن شئت قلت على فرض عدم كون الآية إرشادا إلى عدم انفساخ العقد إنّه ليس مقتضى أوفوا بالعقود إلاّ لزوم الالتزام بما التزم به على نفسه و المفروض أنّه باع هذا العين التي هي متعلّق حقّ الغير و لم يلتزم في العقد بدفع حقّ المرتهن (الأحمدي).
و لا يستفاد منه وجوب تكليفي، فمعنى الإبقاء في المقام هو أنّ الصحّة التأهّلية الثابتة بعقد الراهن لا تنعدم بفسخه، و أمّا وجوب إتمامه تكليفا بفكّ الرهن فلا، كما أنّ المبيع لم يدخل بعد في ملك المشتري ليجب فكّه مقدّمة لتسليم ملك
قوله قدّس سرّه: «مسألة» الثالث من شروط العوضين القدرة على التسليم [1] الغير، بل هو بعد مراعى.
ثم لو تنزّلنا عن ذلك كلّه و بنينا على وجوب فكّه لو امتنع، هل يباع عليه لحقّ المرتهن أو يجبر الراهن على فكّه من مال آخر جمعا بين الحقّين؟ ذكر المصنّف أنّ فيه و جهان. و نقول: إن كان للراهن مال آخر غير العين المرهونة أجبره الحاكم على فكّ الرهن لأنّه وليّ الممتنع، و إن لم يكن له مال آخر قدّم حقّ المرتهن و بطل البيع لسبق حقّه، كما هو ظاهر.
[1] من شروط العوضين القدرة على التسليم، على ما هو المشهور بين العامّة و الخاصّة - إلاّ أن العامّة خالفوا فقهاءنا في جواز بيع العبد الآبق مع الضميمة - بل ادّعي الإجماع عليه، فلا يجوز بيع الطير في الهواء و السمك في الماء.
و قد استدلّ عليه بوجوه:
الوجه الأوّل: المرسلة المعروفة، و هي قوله عليه السّلام: (نهى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر)(1).
و هي ضعيفة سندا و دلالة، و انجبار سندها مبنيّ على أن يكون هو المستند لفتوى المشهور، بناء على انجبار ضعف السند بذلك. و هو كما ترى.
و أمّا من حيث الدلالة؛ فلأنّ «الغرر» بمادّته و هيئته يستعمل متعدّيا تارة، فيقال:
1) فيه أنّ الرواية مسندة و قد ذكرها في الوسائل مسندة و كذا في المستدرك بسند آخر، و أمّا المرسلة فهي رواية (نهي النبيّ عن الغرر) التي ذكرها الشيخ في كتاب الخلاف و استدلّ بها في كتابي الشركة و الضمان (الأحمدي) انظر الوسائل 330/12، الباب 40 آداب التجارة، الحديث 3.
غرّه أي خدعه غررا و غريرا فيكون بمعنى الخدعة، و يستعمل لازما اخرى فيكون بمعنى الخطر(1)، فيقال: على غرر أي على خطر، كما يشهد له الخبر المروي عن أمير المؤمنين عليه السّلام(2). و قد صرّح بكلا المعنين جمع من أهل اللغة(3)، كالقاموس و الصحاح و غيرهما(4)على ما ذكر المصنّف قدّس سرّه. و اقتصر بعضهم على ذكر أحد المعنيين.
و كيف كان، لا يمكن الاستدلال بالمرسلة في المقام على اعتبار القدرة على التسليم(5)لاحتمال أن يراد ب «الغرر» الخديعة، كيف و ظاهر القواعد انحصار معناه
1) و معناه غير قابل للاشتقاق إلاّ في ضمن باب من الأبواب المزيد فيها كما في لفظ «الغدّة» فإنّه غير قابل للانشقاق في نفسه و يصير مشتقّا في ضمن باب الإفعال فيقال: أغدّ البعير أي صار ذا غدّة، و هنا يقال: غرّر بنفسه أي صار مدخولا في الهلاكة من قبل نفسه (الأحمدي).
2) لم نعثر عليه في مصادر الحديث، نعم نقله صاحب الجواهر في الجواهر (387/2) بلفظ: و روى ابن أبي المكارم الفقهي عن أمير المؤمنين عليه السّلام: (أنّ الغرر عمل ما لا يؤمن معه الضرر).
3) و له معنى ثالث و هو استعماله بمعنى الغفلة و ليس له اسم مفعول فلا يقال مغرور من هذا الباب بل يقال: غارّ و غرير بمعنى الغافل.
4) القاموس المحيط، مادّة «غرّة»، و الصحاح، مادّة «غرر».
5) توضيحه أنّه بعد ما فرض له معنيان أو معان ثلاث فإمّا أن يكون اللفظ مشتركا بين هذه المعاني أو يكون المعنى الحقيقي واحدا و الآخران يرجعان إليه و على الثاني لا يبعد أن يكون ذلك المعنى هو الخدعة لملازمتهما معه غالبا، فإن كان مشتركا لقطيّا تصير الرواية مجملة و لا يمكن التمسّك بها و ان كان معناه الحقيقي واحدا و هو الخدعة و رجوع الآخران إليه فيكون أجنبيّا عن محلّ الكلام، و لو سلّمنا الاشتراك اللفظي يكون المراد منها ظاهرا هو الخدعة في المورد بقرينة إضافة البيع إلى الغرر إذ لا تصح إضافته إليه بمعنى الخطر أو الغفلة لأنّ الغفلة و الخطر صار من أجل البيع لا أنّ البيع ينشأ منهما فلا تكون إضافة البيع إليهما من إضافة المسبّب إلى السبب بل الإضافة تكون بعكس ذلك و هو غير صحيح لأنّ السبب لا ينشأ من المسبّب و هذا بخلاف الغرر بمعنى الخدعة فإنّه من إضافة المسبّب إلى سببه و تكون الإضافة بتقدير «من» النشويّة فيكون الحديث على تقدير صدوره خارجا عن محلّ الكلام. هذا و لكن لقائل أن يقول إنّ لفظ الغرر بهذه الهيئة لم يستعمل إلاّ بمعنى الخطر كما فهمه العامّة و الخاصّة إذ بعد تفسيرهم الغرر بالخطر قالوا و منه قوله صلّى اللّه عليه و آله نهى النبي عن بيع الغرر و النهي في المعاملات ظاهر في الإرشاد إلى الفساد و إن استعمل سائر هيئاته في معان متعدّدة و عليه لا يكون اللفظ مجملا و يصحّ الاستدلال به على فساد البيع في فرض عدم القدرة على التسليم و أمّا المناقشة المتقدّمة من أنّه على هذا يكون من إضافة السبب إلى المسبّب و هو غير صحيح، ففيها أنّا نرى صحّة الاستعمال المزبور و ورودها في كلام الفصحاء من غير نكير كقوله تعالى وَ مَا اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا إِلاّٰ مَتٰاعُ اَلْغُرُورِ مع أنّ المتاع ليس ناشئا من الغرور و كذا قولهم «مرض الموت» و «سفر المعصية» فإنّ السفر ليس ناشئا عن المعصية بل هو سبب للمعصية. نعم ذكر المصنّف كما سيأتي أنّه أخصّ من المدّعى لعدم صدق الخطر في بيع ما يمتنع تسليمه عادة كالغريق في بحر يمتنع خروجه عادة و أجاب عنه بأجوبة غير خالية عن المناقشة. و الصحيح في الجواب أنّه نلتزم فيه بالبطلان للفحوى و الأولويّة كما قد يناقش فيه أيضا بأنّ الغرر صادق بالنسبة إلى المشتري مع أنّ البائع قادر على التسليم كما لو اشترى المال من شخص يشكّ في إقباضه المبيع لسطوته و عدم مبالاته، و فيه أنّ المدار على صدق الغرر من غير فرق بين أسبابه، و دعوى أنّه لم يقل أحد ببطلان البيع في المورد المذكور جزاف لأنّهم لم يعنونوه في الكتب بالخصوص (الأحمدي).
لغة في الخديعة، حيث قال: الغرر ما كان له ظاهر محبوب و باطن مكروه(1).
و عليه، يكون النهي تكليفيّا غير دالّ على الفساد، كما هو الظاهر من مناسبة الحكم و الموضوع. نعم لو كان المراد به الخطر كان النهي إرشاديّا إلى الفساد. و عليه فلا يحصل منها العلم الإجمالي بفساد أحد البيعين من الخطري و المشتمل على الخدعة ليكون مقتضي تنجيزه عدم جواز الرجوع إلى العمومات في كلا القسمين لأنّ أحد
1) القواعد و الفوائد 137/2، القاعدة 199.
طرفي العلم الإجمالي حكم تكليفي، فتأمّل.
و بالجملة الحديث ضعيف سندا، و هو و إن كان مشهورا بين المتأخّرين إلاّ أن شهرته بين القدماء التي تكون جابرة لضعف سنده غير معلومة، و على تقدير ثبوتها يجري النزاع الكبروي و هو كون الشهرة جابرة لضعف السند، فلا يطمأنّ بصدوره عن النبي صلّى اللّه عليه و آله. كما أنّه ضعيف دلالة(1)، لأنّ الغرر يستعمل بمعنى الخديعة و عليه يكون النهي عنه تكليفيّا لأنّ حرمة الغش و مبغوضيّته أمر مفروغ عنه، و يستعمل بمعنى الخطر و عليه يكون النهي إرشادا إلى الفساد، فهو مجمل دائر أمره بين أن يكون مفاده حرمة البيع المشتمل على الغش تكليفا و فساد البيع الغرري، فلا يمكن الاستدلال به لشيء منهما(2).
ثمّ إنّه قد يقال باختصاص الغرر بالخطر من حيث الجهل بذات المبيع و صفاته و مقداره، لا مطلق الخطر الشامل للجهل بالقدرة على التسليم(3)، لعدم لزوم
1) قد تقدّم مفصّلا أنّ الغرر بهذه الهيئة لم يستعمل إلاّ بمعنى الخطر فلا ضعف في الدلالة، كما تقدّم أنّ الرواية مسندة مرويّة في كتب الحديث المعتمدة (الأحمدي).
2) لأنّ دلالة النهي بظهوره الثانوي في المعاملات على الفساد إنّما هي فيما إذا علمنا أنّ المعاملة ليست مبغوضة للشارع أو لا أقلّ من الشكّ في المبغوضيّة، و من الواضح أن الغرر لو كان في الرواية بمعنى الخدعة يكون مبغوضا للشارع قطعا (الأحمدي).
3) لأنّ الجهل و الغرر فيه ليس في نفس البيع بل في الأمر الخارج عنه و الجهل فيه يكون جهلا بما يترتّب عليه و هو ليس منفيّا و إلاّ لزم فساد بيع الثمار و بيع مال التجارة المحمول في البحر و نحوه إذ كثيرا ما يلحق التلف و الغرق بهذه الأشياء و لا يكون المشتري مأمونا من الخطر، و فيه أنّ الجهل بقدرته على تسليم المبيع يوجب صدق الغرر على نفس البيع قطعا و تخصيص الغرر بالناشئ عن نفس البيع خلاف إطلاق الدليل و النقض بالموردين في غير محلّه أمّا بالنسبة إلى بيع الثمار فلأنّ احتمال طروّ الفساد فيها إنّما هو بعد تسليم الثمار غير الناضجة كالبسر مثلا فلا يكون الخطر فيه مقارنا للبيع، و أمّا بالنسبة إلى مال التجارة فلحصول القدرة على تسليم و تسليم المال المحمول في السفينة بنفسه أو بوكيله حال البيع و لو فرض في مورد عدم القدرة في ذلك الحال مع الشك في القدرة فيما بعد يلتزم ببطلان المعاملة فيه. و دعوى أنّ الشراء في صورة الجهل بالقدرة على التسليم مع ثبوت الخيار لا غرر فيه للمشتري، فيه أوّلا أنّ الخيار إنّما يثبت في البيع المفروض صحّته و لا يمكن تصحيح البيع بما يترتّب عليه و ثانيا مع علم المشتري بذلك لا يثبت له الخيار (الأحمدي).
مخاطرة من ذلك، خصوصا بعد الانجبار بثبوت الخيار، و إلاّ لزم فساد بيع كلّ غائب حيث لا يكون تسليمه بالفعل مقدورا.
و يقابل هذا ما حكاه المصنّف عن الشهيد في القواعد(1)بقوله: و شرعا هو جهل الحصول... إلى آخره، و حاصله: اختصاص الغرر شرعا بالخطر من حيث الجهل بالحصول و القدرة على التسليم دون الجهل بأوصاف المبيع و إن كان لغة بمعنى الخديعة. و هذا مراده قدّس سرّه من قوله في القواعد: الغرر ما كان له ظاهر محبوب و باطن مكروه.
و في كلّ من الكلامين ما لا يخفى:
أمّا الأوّل، فتنافيه الأمثلة المذكورة للغرر في كلمات اللغويّين و غيرهم، و ثبوت الخيار لا ينافي كون البيع غريرا في نفسه. و ما ذكره من أنّ لازم شمول الغرر للجهل بالقدرة على التسليم فساد بيع كلّ غائب، يردّه: أنّ بيع الغائب يمكن أن لا يكون نقدا، بل يكن البيع سلفا، فلا يعتبر فيه إلاّ القدرة على التسليم في ظرفه لا حين البيع، و قد يكون الغائب مقدور التسليم في ظرفه. نعم إذا لم يكن الغائب مقدور التسليم حتّى في ظرفه كان داخلا في محلّ البحث.
1) القواعد و الفوائد 137/2، القاعدة 199.
و أمّا ما ذكره الشهيد قدّس سرّه ففيه: أنّه لم تثبت حقيقة شرعيّة في معنى الغرر ليكون لغة بمعنى و شرعا بمعنى آخر.
فالصحيح أنّ الغرر يعمّ الجهل بذات المبيع و أوصافه و القدرة على التسليم.
ثمّ الظاهر أنّ الغرر متقوّم بالجهل، فلا يعمّ الضرر المقطوع به، إلاّ أنّ النهي عن بيع الغرر يدلّ بالظهور العرفي على المنع عمّا فيه ضرر مقطوع به بالأولويّة، فتأمّل.
و ليس المراد الأولويّة بمعنى القياس بل المراد الدلالة العرفيّة.
الوجه الثاني: ما ذكره الميرزا قدّس سرّه(1)من أنّ العجز عن التسليم يجعل المال بحكم التالف، فهو بحكم المتلف عرفا، فلا يكون مالا، و البيع مبادلة مال بمال، فلا يتعلّق به.
و نقول أوّلا: إنّ ما ذكره من أن العجز عن التسليم بحكم التلف عرفا و إن كان صحيحا في الجملة، أي في بعض أقسام العجز - نظير ما إذا كان لشخص حيوان وحشي فشرد و لا يرجى عوده فإنّه تالف عرفا - إلاّ أنّه لا يوجب زوال الماليّة عنه، كما أنّ المعادن في الأرض مال و ليس ملكا لأحد.
و ثانيا: قد ذكرنا في أوّل البيع أنّه ليس بمعنى مبادلة المال بالمال، فراجع.
ثمّ المراد بالقدرة على التسليم المعتبرة هي نتيجة ذلك(2)، لا القدرة الفاعلي.
فإذا فرضنا أنّ البايع غير قادر على التسليم إلاّ أن المشتري يقدر على التسليم،
كما إذا فرضنا أنّ السمك وقع في حوض صغير يتمكّن المشتري من أخذه إلاّ أنّ البايع غير متمكّن منه لجهله بالسباحة أو كان مغصوبا و كان المشتري لقوّته متمكّنا من استنقاذه منه، صحّ البيع. غايته يثبت للمشتري الخيار لتخلّف الشرط الضمني إذا كان جاهلا بالحال، فله أخذ الاجرة من البايع على تسلّمه و تحصيله.
ثمّ إذا فرضنا أنّ البائع حين البيع كان قادرا على التسليم فعجز عنه بعد ذلك صحّ البيع أيضا و يثبت للمشتري خيار تعذّر التسليم، إلاّ إذا كان بمنزلة التلف، فيدخل تحت قاعدة «كلّ مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بايعه» فيوجب انفساخ البيع.
ثمّ ذكر المصنّف في أواخر كلماته: أنّه لا إشكال في صحّة التمسّك لاعتبار القدرة على التسليم بالنبوي المذكور إلاّ أنّه أخصّ من المدّعى، و ذلك لأنّ الغرر يتقوّم بالاحتمال(1)، و لا يصدق مع اليقين بالغرر، مع أنّ المدّعي أعمّ من ذلك. ثمّ ذكر أنّه يكفي في الاستدلال على بطلانه بلزوم السفاهة و كون أكل الثمن في مقابله أكلا للمال بالباطل(2).
و نقول: كون البيع سفهائيّا لا يوجب البطلان(3)، كما أنّ النهي عن أكل المال
1) أي احتمال عدم القدرة على التسليم (الأحمدي).
2) و بأنّه لا يعدّ مالا عرفا و إن كان ملكا و البيع مبادلة مال بمال (الأحمدي).
3) أمّا أوّلا فلأنّه لا كليّة له إذ لو فرضنا أنّ المبيع هو العبد الآبق و كان غرض المشترى من الشراء هو عتقه فإنّه لا يكون البيع في مثله سفهيّا قطعا أو فرض أنّ ثمن المسمّى بالنسبة إلى ثمنه الواقعي طفيف جدّا فإنّه لا تكون المعاملة حينئذ سفهيّة إذا احتمل القدرة على تسليمه يوما مّا و لو احتمالا ضعيفا جدّا، و ثانيا إنّ الذي يكون باطلا هو معاملة السفيه لا المعاملة السفهيّة (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّه ربما يستدلّ على هذا الشرط بوجوه اخر [1]
بالباطل إنّما هو ناظر إلى الأسباب الباطلة كالقمار و نحوه(1)
و يرد على الاستدلال الثالث أوّلا أنّها مال عرفا لأنّ حقيقة المال عبارة عن رغبة الناس إليه بواسطة ما فيه من الخواص و المنافع و أمّا القدرة و السلطنة عليه فهي غير دخيلة في الماليّة و لذا تعدّ المعادن من الأموال و لو لم تكن لأحد يد عليها، و ثانيا ما تقدّم في أوّل البيع من أنّ حقيقته هو التبديل في الملكيّة و أنّ الماليّة غير معتبرة في صدق البيع، و ثالثا يمكن التمسّك لصحّة المعاملة به بغير دليل البيع من أوفوا بالعقود و نحوه، و قوله قدّس سرّه: و لذا لو غصب أحد ذلك المال، فيه أنّ وجوب دفع تمام القيمة في مدّة الغصب لو قلنا به إنّما يكون من باب بدل الحيلولة و إن كان المال باقيا على ماليّته قطعا كما لو علمنا بأنّ مدّة الغصب لا يكون أزيد من عشرين يوما (الأحمدي).
، فلا يمكن الاستدلال بشيء منها في المقام. إلاّ أنّ نفس النهي عن بيع الغرر دالّ بالأولويّة العرفيّة على المنع عن بيع الخطر اليقيني - أي مع اليقين بعدم السلامة - فإنّ ملاك المنع هو عدم وقوع المتبايعين في الخطر الثابت في كلا الفرضين احتمالا أو جزما.[1] منها: ما روي عنه صلّى اللّه عليه و آله مستفيضا من قوله صلّى اللّه عليه و آله: (لا تبع ما ليس عندك).
و حاصل ما ذكره في تقريب الاستدلال: أنّ أمر النبوي دائر بين احتمالات ثلاثة، أحدها: أن يراد ب «عند» الملك، فالمعنى لا تبع ما لا تملك. و يردّه أنّ المناسب حينئذ التعبير ب «اللام» و يقال: لا تبع ما ليس لك، فإنّه أخصر و أظهر.
ثانيها: أن يراد به الحضور. و يردّه جواز بيع الغائب و السلف إجماعا. و نقول: بيع السلف يكون من قبيل بيع الكلّي، و هو خارج عن مورد الرواية، فإنّ موردها أن يبيع العين الشخصيّة ثمّ يشتريها من مالكها و يسلّمها للمشتري، و إلاّ فالكلّي لا
1) و في المقام لا يكون التمليك و التملّك بتلك الأسباب و الدليل على أنّ المراد بها الأسباب الباطلة الاستثناء المذكور في ذيل الآية و هو التجارة عن تراض.
يكون ملكا أيضا، فتأمّل. و الظاهر أنّ ذكره من باب سهو القلم. ثالثها: أن يراد به مجرّد السلطنة الخارجيّة، أعني القدرة على التسليم. و يردّه فهم الفقهاء، حيث إنّهم تمسّكوا به على عدم جواز بيع ملك الغير لنفسه و لو كان البائع قادرا على التسليم خارجا(1)كما أنّه هو مورد الرواية، فتعيّن أن يكون كناية عن السلطنة التامّة الفعليّة، أي الجامع بين الملك و القدرة على التسليم(2)، انتهى.
1) كأن يكون وكيلا عن المالك في بيعه فيبيعه أوّلا لنفسه ثمّ يشتريه عن المالك وكالة و يسلّمه (الأحمدي).
2) ثمّ أجاب عن توهّم انتقاض ما ذكره ببيع الفضولي بأنّه لا بدّ من إخراج الفضولي عن تحته للأدلّة الخاصّة أو تحمل الرواية على أنّه لا يصحّ البيع للبائع لا أنّه لا يقع للمالك أيضا لو أجاز و عليه فيشمل الحديث المقام لأنّه ليست له القدرة الخارجيّة على التصرّف. و يرد عليه أوّلا أنّ حمل الحديث على هذا المعنى ينتقض بما لو كان المشتري قادرا على تسلّم المبيع خارجا و لم يكن البائع قادرا على التصرّف الخارجي فيه و تسليمه خارجا فانّه عليه يلزم بطلان البيع المزبور، و ينتقض أيضا بما لو كان المبيع مستأجرة مدّة من الزمن فالبائع لا يكون قادرا شرعا على التصرّف فيه خارجا و لا على تسليمه كذلك و إن كانت القدرة الشرعيّة ثابتة له فاللازم على هذا بطلان البيع المذكور بناء على أنّ مراده من السلطنة التامّة أعم من السلطنة الخارجيّة و الشرعيّة، و ثانيا أنّ المتعيّن في الرواية هو الاحتمال الأوّل لكون هذه المعاملة متداولة بين الدلاّلين و المخاطب أيضا كان رجلا من الدلاّلين و إطلاق «ما ليس عندك» على هذا المعنى أي ما ليس في حيطة تصرّفك شائع فلا وجه لرفع اليد عنه، على أنّ الاحتمالات في الحديث المذكور لا تنحصر بما ذكره بل هناك احتمال خامس لعلّه الأظهر لو لم يكن متعيّنا بعد رفع اليد عن الاحتمال الأوّل لظهور اللفظ فيه و هو أن يكون المراد ممّا ليس عندك ما لا يملك التصرّف فيه شرعا و عرفا بأن يكون أجنبيّا عن بيع المبيع بالكليّة و أمّا من كان جائز التصرّف شرعا لكونه مالكا أو وليّا أو وكيلا عنه فالحديث غير ناظر إليه. و إن شئت قلت إنّ ورود الخبر في مورد الدلاّلين يكون قرينة بدوا على أنّ المراد ممّا ليس عنده عدم الملكيّة لا عدم جواز التصرّف أو عدم القدرة على التسليم لكن بقرينة صحّة بيع مال المولّى عليه و الموكّل فيكون المراد عدم ملكيّة التصرّف سواء كان مالكا للعين أم لا (الأحمدي).
و نقول: الظاهر أنّ لفظة «عند» يستعمل بمعنيين من غير عناية و مسامحة، أحدهما: الملك، فيقال: عندي دار أي أملك دارا. ثانيهما: الحضور، فيقال: ما عندي ساعة، مع كونه مالكا لساعات و هي غائبة عنه. و أمّا استعماله في الجامع بين الأمرين، فالظاهر عدم خلوّه من العناية و المسامحة، فيحتاج إلى عناية، و هي مفقودة في المقام. و بما أنّ حمله على الحضور ممتنع لجواز بيع الغائب بلا إشكال، تعيّن حمله على الملك، كما هو مورد الرواية، و هي رواية حكيم بن حزام، و قد صرّح به العلاّمة(1)، فيحمل على ما هو المتعارف من بيع الشيء غير المملوك ثمّ تحصيله بشراء و نحوه و دفعه إلى المشتري. و أمّا ما ذكره المصنّف من أنّه لا شاهد على اختصاص موردها بذلك واضح الفساد(2)، مع أنّه مناف لما ذكره قبل أسطر بقوله: مع أنّه مورد الرواية عند الفقهاء، فتأمّل.
ثمّ هل يكون مفاد النبويّين بطلان بيع الغرر و ما ليس عنده رأسا، أو بطلانه ما دام هذا العنوان موجودا، فإذا زال أثّر المقتضي أثره، فيقع مراعى بانتفاء الصفة؟
استظهر المصنّف منهما الثاني(3)، ثمّ ذكر أنّه لو أبيت إلاّ عن ظهور النبويّين في الفساد و اللغويّة رأسا، يدور الأمر بين حملها على نفي العلّية التامّة و إن كان خلاف
الظاهر، و بين الالتزام فيهما بالتخصيص في موارد كثيرة: كبيع الرهن بدون إذن المرتهن، فإنّه عاجز عن التسليم حين البيع، فإذا أجاز المرتهن و حصلت له القدرة صحّ البيع. و بيع العبد الجاني عمدا، فإنّه لأولياء المجنيّ علية قتله، كما لهم استرقاقه، فالمالك عاجز عن تسليمه، فإذا باعه ثمّ أجاز وليّ المجنيّ عليه و حصلت القدرة على التسليم صحّ. و كذا بيع المحجور عليه لرقّ أو سفه أو صغر أو جنون و نحو ذلك. و ليس الالتزام بهذه التخصيصات أرجح من ارتكاب ذاك الخلاف الظاهر.
و في ما ذكره مواقع للنظر:
أوّلا: أنّ مقتضى إطلاق النبويّين فساد البيع في فرض الغرر و العجز عن التسليم مطلقا و لو بعد زوال الوصفين(1)، فطهورهما في ذلك غير قابل للإنكار، خلافا لظاهر المصنّف.
و ثانيا: أن التخصيص على فرض لزومه إنّما يلزم بالنسبة إلى النبويّ الثاني فقط دون الأوّل، إذ لا خطر في شيء من هذه الموارد أصلا ليكون مشمولا لنهيه صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر، فإنّ المرتهن في بيع الراهن و الولي في بقيّة الأمثلة إذا أجاز البيع صحّ
1) و بعبارة اخرى لو قلنا بخروج البيع غير القادر على تسليم مبيعه حين حدوث البيع - و هو أمر واحد - عن دليل أوفوا بالعقود و أحلّ اللّه البيع بالنبويّين و نحوهما فإنّه يلزم بطلانه رأسا لما تقدّم من أنّه ليس لدليل صحّة البيع أو لزومه عموم أزماني و لم يحدث بيع جديد بعد ذلك و ليس انتفاء الغرر و عدم القدرة على التسليم متأخّرا مثل الإجازة في الفضولي متعلّقا بالأمر المتقدّم حتّى يجعل العقد من أوّل الأمر نافذا، على أنّه في بيع الفضولي يستند البيع إلى المالك من حين الإجازة (الأحمدي).
و ملك المشتري المبيع، و إلاّ ملك ثمنه، فليس هناك خطر على كلا التقديرين.
و ثالثا: أنّ التخصيص اللازم في المقام ليس من الكثرة بحدّ يكون مستهجنا(1)، و إذا دار الأمر بينه و بين ارتكاب خلاف الظاهر تعيّن التخصيص، إذ ليس فيه مخالفة للظاهر إلاّ بالمقدار المتيقّن، بخلاف العكس. مثلا إذا فرضنا ورود الأمر بإكرام العلماء، و علمنا بعدم وجوب إكرام جملة منهم، و دار الأمر بين رفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب إمّا وضعا أو إطلاقا و حمله على الاستحباب فلا يلزم تخصيص، أو التحفّظ على ظهور الأمر و الالتزام بخروج تلك الأفراد عنه للعلم بخروجهم، تعيّن الثاني، إذ ليس فيه ارتكاب خلاف الظاهر إلاّ بالمقدار المعلوم، دون العكس.
نعم إذا كان التخصيص إلى حدّ من الكثرة بحيث كان مستهجنا تعيّن ارتكاب خلاف الظاهر.
و رابعا: أنّ التخصيص لا يلزم في هذه الموارد(2):
أمّا بيع المحجور عليه بأقسامه فله استنادان، فمن حيث استناده إلى البائع - أعني السفيه أو الصغير أو المجنون - لا يترتّب عليه الأثر، فإذا أجازه الولي يحصل له الاستناد إلى الولي فيكون بيعا له، و بهذا الاستناد ليس من بيع الغرر و لا من بيع ما لا يملك، فيترتّب عليه الأثر، نظير بيع الفضولي إذا أجازه المالك، إذ لا
1) إذ الباقي تحت العام كثير بحسب الأفراد و هو بيع ما لا يكون مالكا له فعلا مثل بيع الدلاّلين الذي هو كثير و شائع خارجا (الأحمدي).
2) بل خروج تلك الموارد عن النبويين يكون بالتخصّص لأنّ مراد الفقهاء من عدم القدرة هو عدم القدرة خارجا و في الموارد المذكورة البائع قادر على التسليم خارجا و إن لم يجز له التسليم شرعا (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و منها أنّ لازم العقد وجوب تسليم كلّ من المتبايعين [1]
يترتّب عليه الأثر بما أنّه بيع الفضولي، و يترتّب عليه الأثر بما أنّه يستند إلى المالك بعد الإجازة.
و أمّا العبد الجاني، فالمالك حيث يبيعه بما هو معرّض للاسترقاق و القصاص ليس فيه خطر أصلا، و هو مقدور التسليم، غايته إذا أراد وليّ المجنيّ عليه أحد الأمرين دفع اليه.
و أمّا بيع الراهن، فإن قلنا بأنّ النبويّين مختصّان بالعجز الخارجي و لا يعمّان موارد المنع الشرعي عن التسليم، فهو أيضا خارج عنهما بالتخصّص، و أمّا بناء على شمولهما لذلك أيضا، لا بدّ من الالتزام بخروجه بالتخصيص.
فتحصّل أنّه لا دلالة لشيء من النبويّين على اعتبار القدرة على التسليم في صحّة البيع، و على فرض دلالتهما فإنّ ظاهرهما المنع المطلق لا ما دام، و ليس في البين ما يوجب رفع اليد عن ظهورهما في ذلك.
[1] ممّا استدلّ به على اعتبار القدرة على التسليم: دعوى الملازمة بين صحّة العقد و وجوب التسليم، و في فرض العجز وجوب التسليم منتف، فالصحّة أيضا منتفية.
فيتشكّل هناك قياس استثنائي و يقال: لو صحّ العقد لوجب التسليم، لكن التسليم لا يجب للعجز، فالعقد لا يصحّ.
و أورد عليه المصنّف: بأنّه إن اريد وجوب التسليم مطلقا منعنا الملازمة(1)، و إن اريد مطلق وجوبه و لو مشروطا بالتمكّن فهو ثابت في المقام.
1) المناقشة في هذا الجواب واضحة فإنّ المستدلّ بمقتضى قوله فلا بد أن يكون التسليم مقدورا حتّى يجب الوفاء، أخذ القدرة في موضوع الوجوب (الأحمدي).
و نقول: في عبارته مسامحة واضحة(1)، إذ لا يعقل ثبوت تكليف مطلق من حيث التمكّن و عدمه، لاستحالة التكليف بغير المقدور، فهو في نفسه مستحيل و لا معنى لجعله طرفا للاحتمال. و الصحيح التعبير بالوجوب الفعلي فيقال: إن اريد وجوب التسليم فعلا نمنع الملازمة، و إن اريد المشروط بالتمكّن فهو موجود في المقام(2).
ثمّ ذكره قدّس سرّه: أنّه قد يعترض بأصالة عدم تقيّد الوجوب، ثمّ يدفع بمعارضته
1) و كذا في عبارة المستدلّ فلابدّ من تأويل كلامه بأنّه أراد من الوجوب المطلق الوجوب الفعلي مسامحة إذ المشروط لا يصير مطلقا حقيقة بحصول شرطه بل هو باق على مشروطيّة غايته أنّ شرطه حاصل (الأحمدي).
2) كما أنّ الجواب الصحيح هو أن التسليم لا يكون واجبا على العاجز أصلا و مع ذلك لا ينافي ذلك صحّة العقد إذ وجوب التسليم إن كان مدركه حرمة التصرّف في مال الغير و وجوب ردّه إليه فالمفروض أنّ المال ليس في تصرّفه و تحت يده حتّى يجب ردّه إليه و إن كان مدركه وجوب الوفاء بالعقد فإن كان الوجوب المستفاد من آية الوفاء هو الوجوب الوضعي فمعلوم أنّه أجنبيّ عن وجوب التسليم خارجا إذ لا ملازمة بين لزوم العقد و وجوب تسليم المبيع و إن كان الوجوب التكليفي لإبقاء العقد لأن معنى الوفاء هو الإتمام و البناء على مقتضى العقد فيجب على البائع أن يبني على مالكيّة المشتري للمبيع و أن لا يفسخ العقد و لا يفعل ما ينافي ملكيّة المشتري و أن لا يبيعه للغير مبنيّا على أنّه هو المالك و نحو ذلك لا وجوب التسليم خارجا بخصوصه لأنّ وجوب التسليم قد استفيد من بناء العقلاء أو من حديث لا يجوز التصرّف في مال الغير بتقريب أنّ الإبقاء تحت اليد أيضا تصرّف و في المقام حيث إنّ المال ليس تحت يد البائع فلا معنى لوجوب التسليم و لا لوجوب رفع اليد عنه و أمّا الشرط الضمني بتسليم كلّ منهما المال إلى صاحبه فمعلوم العدم بعد علم كلّ منهما بالعجز عن التسليم (الأحمدي).
بأصالة عدم تقيّد البيع بهذا الشرط. ثمّ قال: و في الاعتراض و المعارضة نظر(1).
و نقول: كان الأولى أن يعرض المصنّف عن ذكرهما رأسا، و ذلك لأنّ أصالة عدم تقيّد الوجوب، يردّه أوّلا: أنّه لا مجال لها بالإضافة إلى اعتبار القدرة في التكليف، فإنّ العقل ممّا يستقلّ باعتباره، فكيف يدفع بأصالة البراءة؟ و ثانيا: أنّ مقتضى الأصل عند الشك في تقييد الوجوب هو التقيّد لا عدمه، لرجوعه إلى التكليف الزائد بعد انتفاء القيد، و الأصل عدمه. نعم إذا كان الشكّ في تقيّد الواجب كان مقتضى الأصل البراءة عنه.
و أمّا الأصل المعارض، أي أصالة عدم تقيّد البيع بالقدرة على التسليم، فإن اريد بها الأصل اللفظي(2)، أي إطلاق الأدلّة، فهي مع وجودها سليمة عن المعارض و لا
1) توضيحه أنّه إن كان المراد من أصالة عدم تقيّد الوجوب استصحاب عدم التقيّد فيرد عليه أنّه لا حالة سابقة للوجوب قبل العقد حتّى يستصحب و الوجوب مقيّدا بالقدرة على التسليم بعد تحقّق العقد نعلم بتحقّقه للزوم الوفاء الذي من لوازمه وجوب التسليم فوجوب التسليم وجد إمّا مطلقا أو مقيّدا و لا ترجيح لأحدهما على الآخر، و إن أراد به التمسّك بإطلاق دليل وجوب الوفاء و نحوه فمعلوم أنّه لا إطلاق له بالنسبة إلى العاجز لأنّ التخصيص بالقادر تخصيص عقلي فلا ينعقد له إطلاق و لو كان له إطلاق فلابدّ من تقييده بما دلّ على اشتراط صحّة البيع بالقدرة على التسليم لأنّه حاكم على أدلّة لزوم الوفاء، و بعبارة اخرى إنّما الإشكال في أنّ متعلّق أوفوا هو العقد الذي من لوازمه وجوب تسليم المبيع فعلا حتّى لا يكون العقد الذي لا يكون البائع قادرا على تسليم المبيع متعلّقا لأوفوا، أو أنّ العقد الذي من لوازمه التسليم بنحو القضيّة المهملة حتّى يشمل ذلك المورد أيضا؟ و لا معنى للتمسّك بالعموم في مثله لإثبات أحد فردي الترديد (الأحمدي).
2) الذي يكون مرجعه إلى أنّ متعلّق أوفوا هو العقد الذي يكون من لوازمه وجوب التسليم فعلا كما تقدّم فعلى تقدير جريان الأصل اللفظي بهذا المعنى لا معنى لمعارضته بأصالة عدم تقييد البيع في مثل قوله تعالى أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ بذلك إذ بعد عدم تعقّل وجوب التسليم الفعلي فيما إذا كان المبيع غير مقدور التسليم فعلا فيقيّد اطلاق آية حلّية البيع بغير تلك الصورة (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و منها أنّ الغرض من البيع انتفاع كلّ منهما بما يصير إليه [1] قوله قدّس سرّه: و منها أنّ بذل الثمن على غير المقدور سفه [2]
تصل النوبة إلى هذه التكلّفات أصلا. و إن اريد بها الأصل العملي، فمقتضاه - على ما ذكرنا - الفساد و عدم حصول النقل و الانتقال.
[1] و أورد عليه المصنّف بوجهين:
أحدهما: أنّ الانتفاع قد يكون ممكنا مع عدم التسليم كما في العبد لآبق، فإنّه ينتفع به من عليه الكفّارة بالعتق(1).
ثانيهما: أن الغرض ليس إلاّ الانتفاع بعد التسلّم، و هو ممكن.
و نزيدهما(2)، بأنّ تخلّف الغرض لا يوجب بطلان البيع، كما هو ظاهر.
[2] و فيه أوّلا: ما في المتن، من أنّ بذل المال القليل بأزاء المال الكثير المحتمل حصوله و لو بعيدا - كفلس واحد بأزاء فرس جيّد - ليس سفها(3).
و ثانيا: ذكرنا أنّ بيع السفيه فاسد، لا البيع السفهي.
1) و كذا يمكن الانتفاع منه بأن يبيعه المشتري من شخص آخر و هكذا حتّى ينتهي إلى من يقدر على تسليمه أو تسلّمه و كذلك يمكن الانتفاع به بالهبة و نحوها فمطلق الانتفاع لا يتوقّف على التسلّم (الأحمدي).
2) تبعا للمحقّق النائيني (الأحمدي).
3) نعم لو اشتراه بقيمة المقدور بالفعل فربما يكون سفها على أنّه يمكن أن يكون شراؤه لأجل الكفّارة أو غيرها.
و ممّا استدلّ به في المقام: ما ذكره المحقّق النائيني(1)، من أنّ المبيع الذي لا يقدر البائع على تسليمه و لا المشتري على تسلّمه بحكم التالف، فليس بمال، فيبطل بيعه؛ لأنّه مبادلة مال بمال(2).
ثمّ أورد على نفسه: بأنّ لازم ذلك فيما إذا طرأ العجز عن التسليم و التسلّم بعد البيع أن يكون موجبا لانفساخ العقد، لأنّه يكون من قبيل التلف قبل القبض، فيدخل تحت قوله عليه السّلام: (كلّ مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بايعه)(3)مع أنّهم لم يلتزموا بذلك، بل ذهبوا إلى أنّه يوجب خيار تعذّر التسليم.
ثمّ أجاب عنه: بأنّ ذلك منصرف إلى التلف الحقيقي، و لا يعمّ التلف الحكمي، فلا يوجب الانفساخ.
و التحقيق: أنّ تعذّر التسليم يتصوّر على أقسام:
لأنّ ما تعذّر تسليمه تارة: يمكن الانتفاع به و لو من بعض الجهات من دون
1) منية الطالب 339/2-341.
2) و فيه أوّلا أنّ كون الشيء مالا عبارة عن كونه بحيث يمال إليه لذاته أو صفاته و عجز المالك عن جعل الشيء تحت يده لا يخرجه عن ذاته و لا صفاته، أترى أنّه لو أبق العبد بحيث لا يقدر المولى عليه لو رماه شخص فقتله لا يضمن للمولى لأنّه ليس بمال؟ و ثانيا لا دليل على اعتبار الماليّة في المبيع و تفسيره بمبادلة مال بمال إنّما هو تفسير لفظي مبني على الغلبة، على أنّه لو سلّم فغايته أن لا يمكن التمسّك لصحّة البيع المذكور بآية أحلّ اللّه البيع فلم لا يتمسّك لصحّته بآية أوفوا و تجارة عن تراض. و من العجب أنّ المصنّف تمسّك لسلب الماليّة بالعجز عن التسليم بما قيل من أنّه لو لم يتمكّن الغاصب من ردّ عين المغصوب يجب عليه ردّ تمام قيمته مع بقاء المغصوب على ملك مالكه، و فيه أنّ القائل بذلك إنّما قاله من جهة التزامه ببدل الحيلولة لا من جهة سلب الماليّة بالعجز عن التسليم (الأحمدي).
3) المستدرك 303/13، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث الأوّل.
تسلّمه، كالعبد الآبق حيث يمكن أن ينتفع به في العتق.
و اخرى: لا ينتفع به أصلا إذا لم يتسلّمه.
أمّا الفرض الأوّل، فلا إشكال بحسب القواعد في جواز بيعه، لأنّه مال شرعا و عرفا و إن لم يكن تسلّمه مقدورا.
و أمّا الفرض الثاني، فتارة: لا يرجى فيه زوال العجز و القدرة على التسليم، و اخرى: يرجى فيه ذلك.
و على الأوّل: تارة: لا يمكن الانتفاع به لأيّ شخص و لو غير البايع و المشتري، و اخرى: يمكن الانتفاع به لغيرهما.
أمّا فيما لا يرجى فيه زوال العجز و لا يمكن الانتفاع به لكلّ شخص - كالخاتم الواقع في البحر المحيط - فلا ينبغي الريب في فساد بيعه، لا من جهة عدم ماليّته و اعتبارها في البيع، بل لأنّه بحكم المعدوم، فليس ملكا لأحد أصلا، فلا معنى لبيعه و لو قلنا بأنّه إعطاء شيء و أخذ شيء، فإنّه يكون كلا شيء، و ليس طرفا لعلقة الملكيّة لأحد، فتأمّل. فبطلان البيع في هذا الفرض من هذه الجهة، فنوافق فيه في المدّعى لا في الدليل.
و أمّا إذا كان ممّا يرجى فيه زوال العجز عن التسليم - كالطير الأهلي الشارد - فلا يمكن التمسّك فيه بالعمومات، لأنّه من الشبهة المصداقيّة، فلا يحكم بصحّته، فتأمّل. نعم إذا بيع برجاء العود ثمّ عاد صحّ، لأنّه ينكشف به كونه مالا و ملكا عرفا، و إذا لم يعد انكشف به البطلان.
و أمّا إذا كان ممّا ينتفع به غير المتبايعين، كالدار المغصوبة جهلا أو عدوانا، فإنّه ينتفع به الغاصب و إن لم ينتفع به المالك و لا المشتري لعدم قدرتهما على التسليم
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ ظاهر معاقد الإجماعات كما عرفت كون القدرة شرطا [1] و التسلّم، فهو مال و ملك عرفا تبطل صلاة الغاصب فيه و يضمن لمالكه، فيصحّ بيعه، فتأمّل.
هذا كلّه بحسب القواعد.
إلاّ أنّ في المقام روايات واردة في بيع العبد الآبق و الجارية الآبقة منضمّا، و قد علّل الصحّة في بعضها بأنّه إذا لم يحصل العبد أو الجارية للمشتري تقع الضميمة بإزاء ثمنه، فيستفاد من العلّة اعتبار القدرة على التسليم و أنّ بيع الآبق الذي لا يقدر على تسليمه و تسلّمه فاسد إذا لم يكن مع الضميمة، فإذا اعتبر فيه القدرة على التسليم مع إمكان الانتفاع به في بعض الوجوه - كالعتق - فبالأولويّة تعتبر القدرة على التسليم في ما لا يمكن الانتفاع به مع عدم تسلّمه أصلا، كالدار و نحوه.
إلاّ أنّ مقتضى عموم العلّة جواز بيع مالا يقدر على تسلّمه مع الضميمة مطلقا، حتّى غير العبد و الجارية، و لم يلتزم به أحد، فلابدّ من رفع اليد عن العلّة رأسا، فتأمّل.
[1] ذكر قدّس سرّه أنّ ظاهر كلمات الأصحاب أنّ القدرة على التسليم شرط لصحّة البيع، لا أنّ العجز مانع عنها. و قد أكّد هذا المعنى في كلام الغنية(1)، حيث إنّه بعد حكمه بعدم جواز بيع ما لا يمكن فيه التسليم، قال: فينتفي المشروط عند انتفاء الشرط.
و لكن صاحب الجواهر(2)- على ما حكاه المصنّف(3)- استظهر من عباراتهم كون العجز مانعا، و قال: تظهر الثمرة في موضع الشك، ثمّ جعل اختلاف الأصحاب
في مسألة بيع الضالّ و الضالّة و ذهاب بعضهم إلى جوازه دليلا على أنّهم يرون العجز مانعا لا القدرة شرطا و إنّما ذهبوا إلى جواز بيع الضالّ و الضالّة مع احتمال العجز تمسّكا بأصالة عدم المانع.
و قد أورد عليه الميرزا(1)- تبعا للمصنّف - بوجوه:
أوّلا: أنّ ظاهر كلمات الأصحاب هي الشرطيّة دون المانعيّة، كما صرّح بها في الغنية.
و ثانيا: لا يعقل احتمال المانعيّة في المقام، لأنّ العجز عبارة عن عدم القدرة، فهو أمر عدمي، و لا معنى(2)لكونه مانعا، أي كون عدم العدم دخيلا في الشيء، بل الأمر الوجودي ربما يكون عدمه دخيلا في الحكم فيعبّر عنه بالمانع، فدوران الأمر بين شرطيّة شيء و مانعيّة عدمه ممّا لا معنى له. نعم يتصوّر ذلك في الضدّين، كأن تكون العدالة شرطا في الإمامة و التقليد أو كون الفسق مانعا.
و ثالثا: لا ثمرة بين القول بشرطيّة القدرة و القول بما نعيّة العجز حتّى في صورة الشك، فإنّه إذا شككنا في القدرة و عدمها لشبهة موضوعيّة(3)، فمع سبق القدرة
1) منية الطالب 347/2-350.
2) لأن المانع عبارة عمّا بوجوده يؤثر في توقيف المقتضي عن التأثير (الأحمدي).
3) الحقّ أنّ المستفاد من رواية النهي عن الغرر التي هي المدرك لاعتبار القدرة أنّ الجهل بالقدرة مانع عن صحّة البيع لأنّه مع الجهل يكون البيع خطريّا لا أنّ عدم القدرة واقعا مانع عن الصحّة و حيث إنّ العلم و الجهل من الصفات الوجدانيّة فلا يتصوّر الشكّ فيهما فإن كان جاهلا بالقدرة يبطل البيع لصدق الغرر و إن علم بها يصحّ فلا يتصوّر فيه الشبهة الموضوعيّة، نعم إن كان المانع العجز الواقعي فيتصوّر فيه ذلك، و قول المصنف قدّس سرّه لا في الشبهة الموضوعيّة و لا الحكميّة و لا غيرهما، المراد من غيرهما في كلامه هو الشبهة المفهوميّة، فإنّه تارة يشكّ في سعة مفهوم العجز و شموله للعسر و الحرج و اخرى يشكّ في العجز بعد معلوميّة مفهومه من جهة الشكّ في الامور الخارجيّة كأن لم يعلم بأنّ العبد الآخر خرج من البلد أم لا فإنّه لو لم يكن خارجا يقدر على تسليمه لكن تصوّر الشبهة الموضوعيّة كما ذكرنا يتوقّف على أن لا يكون نفس الجهل بالقدرة موضوعا لعدم الصحّة (الأحمدي).
يستصعب بقاؤها، و مع عدمها يستصحب العجز، من غير فرق بين القول بالشرطيّة أو المانعيّة.
و رابعا: أنّ اختلاف الأصحاب في مسألة بيع الضالّ و الضالّة ليس مبنيّا على شرطيّة القدرة أو مانعيّة العجز، بل هو من جهة اختلافهم في تحقّق الغرر و عدمه، كما يظهر من أدلّتهم، و سيأتي التعرّض لها.
و نقول: أمّا ما استظهره من عبارات الأصحاب و تسالمهم على شرطيّة القدرة، فعلى فرض تسليمه لا حجيّة فيه، خصوصا في مثل المورد، حيث إنّ تعبيرهم بهذه العبارات من الشرط و المانع مبنيّ على المسامحة، و من المطمأنّ به أنّهم لم يلحظوا فيها المعاني المصطلحة أصلا، بل أرادوا بها دخل ذلك الشيء في الحكم، فلابدّ من النظر إلى دليل اعتبار ذلك. و ما يستفاد منه هو ظاهر في مانعيّة العجز(1)، لأنّ قوله عليه السّلام: (نهى النبيّ عن بيع الغرر) و (لا تبع ما ليس عندك) إرشاد إلى المانعيّة،
1) لأنّ نسبة النبويين: (لا تبع ما ليس عندك) و (نهى النبي عن بيع الغرر) إلى العمومات هي التخصيص و إذا خصّص العام بأمر عدمي فلا محالة يكون عدم ذلك الشيء دخيلا في موضوع العام و ليس المانع إلاّ ما يكون عدمه دخيلا في الحكم و كذلك الحال في سائر الأدلّة التي استدلّ بها على اعتبار القدرة بالنسبة إلى العمومات و حيث إنّ الفقهاء لم يعنونوا بابا مستقلاّ للموانع فأرجعوا جميع الموانع إلى الشرائط فقالوا يشترط في البيع أن يكون المبيع طلقا و أن يكون البائع مختارا و هكذا (الأحمدي).
و لا يبعد انكشاف ذهاب المشهور إلى المانعيّة من تمسّكهم بالنبويّين.
و أمّا ما ذكره من أنّ العجز أمر عدميّ لا يعقل كونه مانعا و لا معنى لتأثير المعدوم و كونه من أجزاء العلّة، ففيه: أنّه إنّما يتمّ(1)لو كان العجز أمرا عدميّا محضا، و ليس كذلك، بل هو من قبيل عدم الملكة، أي عدم القدرة في من شأنه القدرة - كالعمى - فبما أنّ له حظّا من الوجود من حيث الاتّصاف بالشأنيّة يمكن أن يكون مانعا، كما لا مانع من جعل العمى - مثلا - مانعا عن الإمامة، فيقول: صلّ خلف كلّ عادل إلاّ الأعمى، و جميع ذلك يرجع إلى قيود الموضوع.
و أمّا ما ذكره من عدم الثمرة بين القولين، فهو و إن كان تامّا، إلاّ أنّه ليس لما ذكره من استصحاب القدرة أو العجز في الشبهة الموضوعيّة؛ و ذلك لأنّه ربما لا يكون هناك مجال للاستصحاب أصلا، كما إذا فرض عدم العلم بالحالة السابقة أو علمنا إجمالا بتحقّق كلتا الحالتين و شكّ في المتأخّر منهما، فإنّه لا مجال حينئذ لاستصحاب العجز و لا القدرة.
بل الوجه في إنكار الثمرة أنّه كما لا بدّ في الشرط من إحرازه، كذلك لا بدّ من إحراز عدم المانع أيضا، و لا يتمّ ما بنى عليه الميرزا من أنّ الشرط لا بدّ من إحرازه دون المانع، بل لا بدّ من الإحراز في كليهما، فلا ثمرة بين القولين إلاّ على القول
1) لو كان المراد من المانع هو المانع التكويني المذكور في باب أجزاء العلّة و بحسب الاصطلاح الفلسفي، لكن المراد منه المانع بالاصطلاح الفقهي و هو مجرّد ما اخذ عدمه قيدا في الموضوع، و العجز حيث إنّه عبارة عن عدم القدرة فيما اخذت فيه القابليّة و الشأنيّة للوجود فمن هذه الجهة يمكن أن يقيّد الموضوع و هو المبيع بعدم عجز البائع عن تسليمه (الأحمدي).
بقاعدة «المقتضي و المانع»(1)و قد بيّنا فسادها في محلّه. بل لا معنى للشكّ في الصحة في مثل المقام أصلا، لأنّ الموجب للفساد هو الغرر المتقوّم بالجهالة - كما ذكره المصنّف - فبمجرّد احتمال العجز يعلم بفساد البيع، و لا مجال معه للرجوع إلى أصالة عدم المانع. و القول بأنّ الأصل يحرز لنا عدم المانع مبنيّ على مسلك الشيخ، من جريان الاستصحاب فيما إذا كان الأثر مترتّبا على الإحراز لا على نفس المستصحب، خلافا لصاحب الكفاية حيث اعتبر في الاستصحاب كون المستصحب بنفسه حكما شرعيّا أو موضوعا لحكم شرعي، فعليه لا مجال للاستصحاب في المقام، حيث إنّ الأثر الشرعي مترتّب على إحراز القدرة أو العجز، لا على وجودهما الواقعي، كما أنّهما في أنفسهما ليسا أثرا شرعيّا.
و حاصل الكلام في المقام: أنّه إذا شكّ في صحّة البيع لأجل الشكّ في القدرة،
1) بأن يقال إنّ بناء العقلاء على ترتّب الأثر على المقتضي ما لم يحرز المانع و فيما نحن فيه البيع يكون مقتضيا للنقل و الانتقال فإن كان العجز مانعا فمع الشك فيه ترتّب آثار المقتضي بناء على تلك القاعدة و إن كانت القدرة شرطا فلابدّ من إحرازها حتّى على تلك القاعدة. و يرد عليه أوّلا بأنّها لو سلّم فإنّما تجري فيما إذا لم يكن المانع مسبوقا بالوجود و إلاّ فلا تجري كما هو الحال في المقام فإنّ البائع لا محالة كان عاجزا عن التسليم في وقت من الأوقات فيستصحب، و ثانيا تقدّم أنّه ليس لنا طريق في الأحكام الشرعيّة إلى تشخيص المقتضي و المانع بالمعنى الفلسفي إن صحّ وجودهما في الأحكام الشرعيّة و القاعدة على تقدير صحّتها إنّما تجري فيما إذا علم فيه المقتضي و المانع و ليست مدخلية الموضوع و قيوده في الحكم الشرعي من قبيل مدخليّة المقتضي و المانع إذ إنّها ليست منشأ للحكم الشرعي بل المنشأ له جعل الشارع و الامور المذكورة تكون من دواعي الجعل للشارع، و ثالثا لم يثبت بناء من العقلاء على ترتيب الأثر بتلك القاعدة و لم يدلّ عليها دليل (الأحمدي).
فتارة: يكون ذلك لشبهة مفهوميّة، كما إذا احتملنا أن يكون الغرر المنهيّ عنه بمعنى الخدعة أو احتملنا اختصاصه بالتعذّر أي العجز العقلي دون الشرعي أي التعسّر، و اخرى: يكون الشكّ لشبهة موضوعيّة.
ففي الأوّل، يدور أمر الخارج عن عمومات صحّة البيع بين الأقلّ و الأكثر، و لابدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقّن، و في الزائد يرجع إلى العمومات، سواء كانت القدرة شرطا أو العجز مانعا، و يحكم في موارد الشك بالصحّة(1).
و أمّا في الثاني، أي الشبهة الموضوعيّة، أعني الشك في وجود القدرة و عدمها، فهل يفرق فيه بين القولين؟
التحقيق: أنّا إن بنينا على التمسّك بحديث «نهى النبيّ عن بيع الغرر» فظاهره منعيّة الخطر لا شرطيّة القدرة و لا مانعيّة العجز، و عليه لو قامت البيّنة على ثبوت القدرة يرتفع الخطر - أعني احتمال الهلاك - تعبّدا بحكم الشارع و إن كان باقيا وجدانا، لحجيّة لوازمها و مثبتاتها، فإنّ لازم القدرة عدم الخطر. و هذا بخلاف ما اذا جرى استصحاب القدرة، فإنّ لازمها و إن كان عدم احتمال الهلاك، إلاّ أنّه لا يثبت لوازمه و مثبتاته، فتأمّل.
و أمّا إن بنينا على التمسّك بالنبويّ الآخر، و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله (لا تبع ما ليس عندك) بناء على أن يراد ب «ما ليس عند» ما لا يقدر على تسليمه لا ما لا يملكه:
فإذا كانت الحالة السابقة معلومة بأن كانت القدرة أو العجز منتفيه سابقا يستصحب، و يترتّب على استصحاب القدرة صحّة البيع و على استصحاب العجز
1) و كذلك الحال في الشبهة الحكميّة (الأحمدي).
فساده، من غير فرق بين كون القدرة شرطا أو العجز مانعا.
و أمّا إذا كان لكلّ منهما حالة سابقة و تردّد الأمر بين المتأخّر منهما، فاستصحاب كلّ من القدرة و العجز يسقط بمعارضته مع الآخر، و لا يترتّب على الاستصحاب أثر أصلا على كلا القولين.
و أمّا إذا فرضنا عدم العلم بالحالة السابقة أصلا، كما إذا فرضنا أنّ أحدا مات والده و ترك عبدا في بلد بعيد لا يعلم الوارث أنّه قادر على تسلّمه أو لا؟ ففي هذا الفرض - أي فرض عدم وجود الحالة السابقة - يترتّب الأثر في موارد دوران الأمر بين شرطيّة أحد الضدّين و مانعيّة الضدّ الآخر(1)، كشرطيّة العدالة للإمام أو مانعيّة الفسق عنه، فإنّه بناء على الشرطيّة يستصحب عدم تحقّق الشرط أزلا أو محمولا في بعض الموارد، و يترتّب عليه عدم المشروط. و بناء على مانعيّة الفسق مثلا، يستصحب عدمه، و لا يترتّب عليه ثبوت المشروط، أعني جواز الائتمام أو التقليد و نحوهما.
إلاّ أنّه لا يترتّب هذا الأثر في المقام، و ذلك لأنّ الأمر في المقام دائر بين شرطيّة القدرة و مانعيّة العجز بمعنى عدم القدرة، فإن بنينا على شرطيّة القدرة كان مقتضى الاستصحاب عدمها، و يترتّب عليه فساد البيع. و هكذا إن بنينا على مانعيّة عدم القدرة فإنّ الاستصحاب يقتضي عدم القدرة فعلا، و المفروض أنّ قابليّة القدرة
1) أي إنّما تظهر الثمرة بين الشرط و المانع فيما إذا كان هناك ضدّان وجوديّان يشكّ في أنّ وجود أحدهما شرط أو وجود الآخر مانع و كانا مسبوقين بالعدم و لم يكن الشكّ في تقدّم أحدهما و تأخّره، لا في مثل المقام الذي يكون من دوران الأمر بين الأمر الوجودي و العدمي (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ العبرة في الشرط المذكور إنّما هو في زمان استحقاق التسليم [1]
موجودة وجدانا، فيتمّ الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل، حتّى لو قلنا بأنّ المانع هو عدم القدرة في مورد قابل، أي عدم الملكة لا العدم المحض، و هو أيضا يقتضي فساد البيع. فنتيجة الاستصحاب فساد البيع على كلّ تقدير، سواء قلنا بالشرطيّة أو بالمانعيّة. نعم لو قلنا بأنّ العجز أمر بسيط منتزع من عدم القدرة - كالعمى الذي هو أمر وجودي - اختلفت نتيجة الاستصحاب باختلاف القولين. إلاّ أنّ ذلك أيضا لا يفيد في المقام، لأنّ المأخوذ في الدليل ليس عنوان العجز، و إنّما هو عنوان «ما ليس عندك» فالمانع هو عنوان «ما ليس عنده» و هو أمر عدميّ، و الاستصحاب الأزلي يقتضي تحقّقه كما عرفت.
فلا فرق بين المسلكين من حيث نتيجة الأصل العملي على جميع التقادير و الصور(1).
[1] بناء على اعتبار القدرة على التسليم في صحّة البيع(2)، فهي إنّما تعتبر في
1) و لكن ظاهر الأدلّة كما عرفت كون العجز مانعا (الأحمدي).
2) الأدلّة الدالّة على شرطية القدرة لا تدلّ على اعتباره أزيد من زمان استحقاق التسليم، أمّا النهي عن بيع الغرر فلأنّه لا خطر للمشتري فيما إذا كان البائع قادرا على التسليم حين استحقاق المشتري لتسلّم المبيع و إن لم يكن قادرا على التسليم حين البيع، و أمّا قوله عليه السّلام: لا تبع ما ليس عندك، على تقدير دلالته على اعتبار القدرة فهو بمناسبة الحكم و الموضوع لا يدلّ على أزيد من اعتبار القدرة حين الاستحقاق إذ المناسبة المذكورة تقتضي أن يكون المراد من الخبر لا تبع شيئا لا يمكنك تسليمه لأنّ النهي المذكور ليس نهيا تعبّديا صرفا حتّى يشمل عدم القدرة حال البيع إذ إنّ ظهور الحديث في النهي عن بيع ما لا يقدر على تسلميه حال البيع إنّما هو من جهة أن طبيعة البيع مع عدم تقيّد التسليم بزمان متأخّر تقتضي وجوب التسليم حينه، كما أنّ سائر الأدلّة من كون المعاملة سفهيّة أو أنّه من أكل المال بالباطل أيضا لا تقتضي إلاّ ما ذكرناه (الأحمدي).
العاقد دون المالك. كما أنّ العبرة في الغرر المانع عن الصحّة إنّما هي بالغرر الفعلي دون الغرر الشأني اللولائي كما هو ظاهر عنوان الغرر.
و أيضا إنّما تعتبر القدرة على التسليم في صحّة البيع فيما إذا كان البائع مأمورا بالتسليم دون ما إذا لم يكن هناك أمر به؛ فإنّ ظاهر قوله صلّى اللّه عليه و آله (لا تبع ما ليس عندك) بمناسبة الحكم و الموضوع ذلك، لا اعتبار القدرة على التسليم مطلقا. و هذا نظير ما إذا قال المولى لعبده: «لا تشتر من السوق ما لا تقدر على حمله إلى المنزل» فإنّه يختصّ بشراء ما يريد حمله إلى المنزل، و لا يعمّ شراء غيره ممّا يأخذه للتصدّق به على الفقراء أو للتجارة. و بالجملة فالظاهر اختصاص المنع عن بيع ما لا يقدر على تسليمه بمن هو مأمور بالتسليم، و ليس له إطلاق.
و عليه، فإذا فرضنا كون المبيع تحت يد المشتري عدوانا بحيث لا يقدر البائع على أخذه منه صحّ البيع و إن لم يكن قادرا على تسليمه إليه، فتأمّل(1).
و هكذا إذا كان لأحد عبد في مكان بعيد(2)لا يمكنه الوصول إليه لبعد الطريق أو
1) إذ لا يتفرّع هذا على ما ذكره المصنّف من القاعدة لأنّ المراد من التسليم كما تقدّم سابقا ليس هو معناه المصدري بل نتيجته و هو تسلّم المشتري ايّاه و حصول المال تحت يده (الأحمدي).
2) هذا المثال أيضا كسابقه لا يتفرّع على ما ذكره و هكذا سائر تفريعاته فإنّه و لو قلنا باعتبار القدرة على التسليم حال العقد فإنّ القول باعتبارها حين العقد أو حين الاستحقاق إنّما هو في مورد يكون المبيع قابلا للتسلّم بعنوان الملك و يكون التسليم من آثار العقد لا في مثل المثال حيث لا يجب فيه التسليم و كان الأولى للمصنّف أن يفسّر القدرة على التسليم بأنّ المراد منها نتيجة التسليم و أنّ اعتبار نتيجة التسليم إنّما هو فيما إذا كان التسليم من آثار العقد لا مطلقا فيخرج المورد عن بحث أدلّة وجوب التسليم بعد ضمّ دليل وجوب التسليم بدليل صحّة بيع العمودين و أنّه ينعتق بالبيع ثمّ يفرّع عليهما الفرعين الأوّل على الأوّل و الثاني على الثاني كما أنّه كان المناسب أن يذكر بعد ذلك أنّ اعتبار نتيجة التسليم إنّما هو حين تماميّة العقد لا حين الشروع فيه ثمّ يفرّع عليه صحّة بيع العاجز عن التسليم حين العقد إذا كان العقد فضوليّا من الطرفين أو أحدهما أو كانت المعاملة من قبيل الصرف أو السلف المشروط صحّتهما بالقبض إذ التسليم فيهما من متمّمات البيع لا من آثاره فيكون خارجا عن محلّ الكلام من هذه الجهة، و ما قيل في وجه عدم خروجه من أنّ الغرر حيث إنّه أمر عرفي و التسليم و إن كان من شرائط تماميّة العقد في الصرف إلاّ أنّه شرط شرعي لا عرفي بل العرف يرون اعتبار القبض و التسليم فيه كسائر العقود من آثار العقد فيصدق فيه الغرر عرفا بعدم القدرة عند تماميّة العقد، ففيه أنّ الغرر من الموضوعات القياسيّة فبنفس حكم الشارع باعتبار القبض في بيع الصرف يرتفع موضوع بيع الغرر شرعا عند القدرة حال القبض فيه و إن لم يكن قادرا حال العقد و يكون من قبيل الورود. و ما أجاب به بعض المشايخ من أنّ موضوع الغرر و إن كان باقيا شرعا و عرفا غير أنّ دليل النهي عن الغرر لا يشمله لأنّه يشمل المورد الذي يعمّه دليل الصحّة لولاه و المفروض أنّه لولاه أيضا لا يشمله دليل الصحّة لوجود مانع آخر و هو عدم القبض، ففيه أنّ دليل الغرر يثبت المانعيّة من هذه الجهة سواء كان المانع من الجهات الاخر موجودة م لا إذ على ما ذكره لو فرض أنّ المعاملة مقارنة لجهتين من المنع فلازم ما ذكره أن يقال إنّ دليل المانعيّة لكلّ منهما لا يشمله للملاك الذي ذكره و هو كما ترى. و الجواب الصحيح هو ما ذكرناه و يأتي توضيحه أيضا، و الحاصل أنّ كلّ دليل إنّما يثبت المانعيّة بملاحظة غيره. و كان المناسب أيضا أن يقول إنّ شرط القدرة و سائر الشروط تعتبر في البيع و المبادلة بالحمل الشائع لا البيع الإنشائي و لذا لو اكره المالكان على إنشاء العقد مع رضاهما صحّ العقد (الأحمدي).
لمانع آخر، فاشتراه منه من ينعتق عليه، صحّ البيع و إن كان البائع عاجزا عن تسليمه إليه؛ لأنوه غير مأمور بالتسليم، لا نعتاق العبد بمجرّد تحقّق البيع، كما لا يكون غررا
في مثله(1).
و ما قيل: من أنّ الميزان في الغرر إنّما هو بالغرر العرفي و هو موجود في المقام، و حكم الشارع بالانعتاق لا يوجب ارتفاع غرريّته في نفسه عرفا، بل لا مجال لثبوت حكم الشارع بالانعتاق بعد كون البيع في نفسه غرريّا مشمولا لقوله عليه السّلام (نهى النبي عن بيع الغرر)، فاسد؛ لأنّ الميزان في تشخيص الموضوع أن يقطع النظر عن حكمه صلّى اللّه عليه و آله بالمنع عن الغرر ثمّ النظر في صدق الغرر على البيع و عدمه، و من الظاهر أنّ بيع هذا العبد ممّن ينعتق عليه ليس فيه خطر أصلا، فتعمّه عمومات الوفاء بالعقود، و لا يعمّه دليل المنع.
و دعوى أنّ حكم الشارع لا يرفع غرريّة البيع عرفا واضحة الفساد(2)كيف و نظر العرف يختلف باختلاف حكم الشارع، فهذا البيع بلحاظ حكم الشارع
1) إذ حسب ما أفاده المصنّف فإنّ العرف إنّما يحكمون في المورد بالغرر قبل اطّلاعهم على الحكم الشرعي بأنّه ينعتق على المشتري، أمّا بعد الاطّلاع عليه فلا يحكمون بالغرر، و فيه أنّ العرف لا يتبدّل نظره عن الموضوع الذي يراه محقّقا عنده كالغرر، بحكم الشارع عليه في ذلك المورد بخلاف حكم الغرر، غير أنّه يقول إنّ الشارع نفى حكم الغرر فيه و يتبع الشرع في الحكم لا أنّه يخطّئ نفسه في تشخيص الموضوع. و الصحيح ما ذكرناه من أنّ الغرر ليس من الموضوعات الواقعيّة بل القياسيّة فدليل النهي عن الغرر الذي هو من كلام الشارع لا يشمل المورد (الأحمدي).
2) الدعوى و إن كانت صحيحة إلاّ أنّ حكم الشارع بالانعتاق يوجب عدم تحقّق الموضوع لوجوب التسليم إذ موضوعه - و هو وجوب تسليم مال المشتري بعد تماميّة العقد لا وجوب التسليم و إن لم يبق مال للمشتري يعد تماميّته كما في المورد - يكون واردا على دليل النهي عن الغرر، كما أنّ حكمه بعدم تماميّة العقد قبل التسليم في الصرف يرفع موضوع كون العقد غرريّا حال تماميّة العقد شرعا في مثال الصرف (الأحمدي).
بالانعتاق لا يكون غرريّا عرفا. نعم هو غرريّ في نفسه و شأنا، أي لو لم يكن هناك حكم الشارع بالانعتاق، و قد ذكرنا أن ظاهر الدليل أنّ المانع عن صحّة البيع هو الغرر الفعلي دون الشأني.
ثمّ إنّ المصنّف رتّب على ما ذكرناه من أنّ الميزان في القدرة على التسليم بزمان الاستحقاق و تحقّق الأمر بالتسليم فروعا:
منها: ما إذا لم يستحقّ التسليم بمجرّد العقد لاشتراط التأخير، فإنّ البيع يصحّ و إن لم يكن البائع قادرا على التسليم في حينه. و هذا ظاهر، و إلاّ لفسد كثير من البيوع.
و منها: بيع الفضولي من الطرفين و لو على الكشف، فإنّه لا يكون هناك أمر بالتسليم إلاّ بعد الإجازة. ثمّ أشكل فيه فيما إذا كان المشتري أصيلا، فيتحقّق الغرر بالنسبة إليه، لأنّه اشترى شيئا لا يقدر على تحصيله.
و نقول: لا يتمّ شيء من الأمرين:
أمّا الفضوليّ من الطرفين فهو خارج عن محلّ الكلام، لأنّ صحّته إنّما هي لما ذكرناه، من أنّ القدرة على التسليم إنّما تعتبر في المالك دون العاقد المجري للصيغة، و المفروض أنّ المالك في بيع الفضولي قادر على التسليم، فلا وجه لذكره في المقام أصلا.
و أمّا إشكاله فيما إذا كان المشتري أصيلا، فهو أيضا في غير محلّه(1)لأنّ منشأ
1) لأنّ وجوب التسليم إنّما يترتّب على العقد بعد تماميّته إذ الوفاء إنّما يجب على المالكين فقبل الإجازة ليس للمشتري المطالبة حتّى على الكشف لأنّ الكشف إنّما يدلّ على صحّة العقد من حين وقوعه و لا ملازمة بين صحّة العقد من حين وقوعه و استحقاق المطالبة بل استحقاق المطالبة إنّما يكون بعد الإجازة لأنّه بالإجازة يكون البيع بيع المالك و يتمّ العقد فلو كان البائع قادرا على التسليم حال الإجازة يصدق عليه أنّه قادر على التسليم حال انتساب العقد إليه فلا يكون البيع غرريّا بالنسبة إلى البائع المجيز كما أنّه لو كان البائع قادرا على التسليم حال إنشاء الفضولي و طرء عليه العجز حال الإجازة يكون العقد باطلا لا أنّه يصحّ و يكون الخيار للمشتري مثل عقد الأصيلين إذ حال انتساب العقد إلى المالك لا يكون واجدا لشرط الصحّة و هو القدرة على التسليم في المورد بخلاف الأصيلين، و أمّا المشتري الأصيل فلزوم العقد بالنسبة إليه لا يكون غرريّا إذ لا يكون ممنوعا إلاّ عن التصرّفات المنافية لصحّة العاملة كالناقلة أو المعدمة للمال بل لا يكون ممنوعا عن هذه التصرّفات أيضا لإجرائه أصالة عدم الإجازة، و لو فرض منعه من جميع التصرّفات فحيث إنّ هذه الممنوعيّة كانت بالاختيار فلا يكون ضرريّا مدفوعا بدليل «لا ضرر» كما قد يمنع عن تصرّفه في بعض ماله بنذر و شبهة (الأحمدي).
توهّم الفساد فيه إن كان الغرر فهو مفقود، إذ أيّ خطر يتوهّم في ذلك مع دوران الأمر بين أن يجيز المالك فيسلّمه المبيع أو يردّه فيأخذ ثمنه؟ فلا غرر أصلا. و إن كان من جهة المنع عن بيع ما لا يقدر على تسليمه، فقد عرفت أنّه خطاب إلى المالك، و حينما يصير البيع بيعا للمالك - و هو حين الإجازة - يكون البائع قادرا على التسليم.
ثمّ ذكر قدّس سرّه أنّ مثله بيع الرهن قبل إجازة المرتهن.
و نقول: أمّا الغرر فلا مجال له في بيع الراهن أصلا، لدوران الأمر بين إجازة المرتهن فيتسلّم المشتري المبيع وردّه فيأخذ الثمن، فلا خطر(1). و أمّا المنع عن بيع
1) لكن تفرّع هذا على عدم مانعيّة العجز حال العقد لعدم تماميّته مع القدرة على التسليم حال تماميّته و هو حين الإجازة مبنيّ على كون إجازة المرتهن دخيلة في صحّة العقد و إلاّ فيكون حاله حال سائر المعاملات غايته أنّه يثبت الخيار للمشتري الجاهل كما هو المختار (الأحمدي).
ما لا يملك(1)، فإن قلنا باختصاصه بموارد العجز عن التسليم خارجا دون العجز عنه شرعا، فلا يعمّ بيع الراهن لاحتمال قدرته على التسليم خارجا. و إن قلنا بأنّه يعمّ المنع الشرعي أيضا، فهو داخل تحت المنع، و ليكن خروجه بالتخصيص، و الدليل المخصّص له عموم العلّة في قوله عليه السّلام: (إنّه لم يعص اللّه و إنّما عصى سيّده فإذا أجاز جاز).
ثمّ تعرّض قدّس سرّه لما يكون القبض و التسليم فيه مقوّما لصحّة البيع كما في بيع الصرف و السلم، و أنّه يكفي فيه طروّ القدرة بعد البيع أو لا(2)؟ قد يقال: إنّ اعتبار القدرة على التسليم إنّما يكون في بيع يكون التسليم من أحكامه لا من شرائط صحّته، فما كان التسليم فيه شرطا لا يعتبر فيه القدرة على التسليم كالصرف و السلم، فإذا لم يكن البائع فيه قادرا على التسليم حين البيع ثمّ تجدّدت له القدرة بعده صحّ، كما إذا كان البائع عاجزا حين الإيجاب و قدر بعد القبول. و استدلّ على ذلك بأنّ القبض فيه جزء الناقل، كالإجازة في الفضولي على النقل، و على الكشف أولى منهما، فإذا لم يحصل القبض لم يتمّ النقل و الانتقال ليجب التسليم و تعتبر القدرة عليه، و بعد حصوله لا معنى لاعتبار القدرة عليه.
و قد ذكر نظيره الميرزا قدّس سرّه(3)مع اختلاف يسير في التقريب.
و نقول: أمّا أصل المدّعى فتامّ. و أمّا قياس القبض بالإجازة في الفضولي فغير تام؛ و ذلك لأنّ الإجازة من المالك مقوّم لتحقّق البيع من المالك، و بدونها لا بيع أصلا، بل يكون العقد الواقع من الفضولي أجنبيّا عن المالك، و لذا تكون قدرته على التسليم قبل أن يجيز كقدرة الأجنبي على ذلك. و هذا بخلاف القبض، فإنّ البيع بدونه تامّ من المالكين، غاية الأمر بناء على اشتراط صحّته بالقبض تكون تماميّته مشروطة. فالفرق بين الأمرين ظاهر.
و أمّا تماميّة المدّعى؛ فلأنّ فساد البيع المشروط بالقبض في فرض عدم القدرة على التسليم إن كان من جهة الغرر، فمن الواضح أنّه لا خطر في ذلك(1)، فإنّ القبض إن لم يحصل فالمشتري يأخذ الثمن، و إلاّ فيتسلّم المبيع. و إن كان من
1) جميع ما تقدّم من المناقشات في شراء العمودين من جهة النهي عن الغرر و الأجوبة عنها جار في المقام و قد تقدّم بعض الكلام في ذلك و ملخّصه أنّ البيع لا يتّصف بالتماميّة إلاّ بعد القبض و حين تماميّة العقد بحصول القبض يكون شرط القدرة موجودا. لا يقال إنّ المنفي هو البيع الغرري عرفا و هو موجود حين العقد لأنّهم لا يرون القبض دخيلا في تماميّة العقد لأنّه يقال إنّ الحكم الشرعي يترتّب تارة على ما هو الموضوع عرفا كما في أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنّ المراد من العقد في الآية ما يكون عقدا بنظر العرف و لولاه لا يستفاد شيء من الآية و من أجله قلنا بجواز التمسّك بإطلاق الآية و إن قلنا بوضع الألفاظ للصحيح و في مثله المدار على ما يفهمه العرف و يحكّم نظره، و اخرى يترتّب على موضوع تأسيسي من قبل الشرع كالقبض في بيع الصرف و السلم حيث إنّه جعل تحقّق البيع فيهما مشروطا بالقبض فقبل تحقّق القبض فيهما لا يكون البيع تامّا حتّى يرد عليه النهي عن بيع الغرر و ما ليس عنده، و مع الالتزام بكون القبض شرطا و الغرر مانعا فليست هذه الشرطيّة و المانعيّة نظير الشرائط و الموانع في العلل التكوينيّة حتّى يقال إنّ عدم الشيء يستند إلى عدم شرطه قبل استناده إلى عدم وجود مانعه (الأحمدي).
جهة نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع ما لا يملك بناء على أن يراد به ما لا يقدر على تسليمه، فقد عرفت أن ظاهر اعتبارها مقدّمة للتسليم، فيختصّ بما إذا كان البائع مأمورا به، و في الفرض ليس البيع قبل القبض تامّا ليجب فيه التسليم، و بعده هو حاصل لا معنى للأمر به.
و توهّم الأمر بالتسليم لقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فيجب إتمام العقد بالقبض في الصرف و السلم، مدفوع أوّلا: أنّ الآية مفادها حكم إرشادي، و هو لزوم العقد و عدم انفساخه بالفسخ، و لا يستفاد منها حكم تكليفيّ أصلا. و ثانيا: لو فرضنا ظهورها في الحكم التكليفي إلاّ أنّها لا تعمّ العقد المقطوع عدم تماميّته كما في الفرض؛ حيث نعلم بأنّه مشروط بشرط لم يحصل بعد، فكيف يعمّه عموم الآية؟
فالصحيح أنّ القبض في الصرف و السلم ليس واجبا.
و من الغريب أنّ الميرزا(1)استدلّ على وجوبه بقوله عليه السّلام: «و إن ترى حائطا فانز معه»(2)بداهة أنّه على فرض صحّته سندا، ليست فيه دلالة على الوجوب التكليفي بحيث يجب النزو وراء البائع، خصوصا إذا كان المشتري رجلا عاقلا كاملا موقّرا بين الناس، فبعد البيع للبائع أن يقبض المبيع، كما للمشتري أن يقبض الثمن، و له عدمه فيبطل البيع.
و على كلّ حال، القدرة على التسليم غير معتبرة في بيع الصرف و السلم.
و أمّا الرهن فكذلك بناء على اشتراطه بالقبض، إذ لا غرر فيه حينئذ مع العجز
قوله قدّس سرّه: ثمّ إن الخلاف في أصل المسألة لم يظهر إلاّ من الفاضل القطيفي [1]
عن التسليم حين العقد كما هو واضح.
[1] يظهر منه(1)عدم اعتبار القدرة على التسليم مطلقا(2)، حتّى فرّع عليه جواز بيع الآبق منفردا إذا احتمل عوده بحيث لم يكن بذل الثمن بازائه من أكل المال بالباطل.
1) الظاهر أنّه لم ينكر أصل اشتراط القدرة إلاّ أنّه قيّده بما إذا لم يكن المبيع من شأنه أن يقبض عرفا، قال في ذيل عبارة الشرائع (لو باع الآبق منفردا لم يصحّ) إنّه لا بدّ و أن يقيّد بأحد امور ثلاثة، إلى أن قال: أو كونه بحيث لا يتمكّن منه عرفا و مثّل بالآبق، و فيه أنّ الآبق من شأنه أن يقبض عرفا و لو لم يقدر المالك على تسليمه فإنّ غير المالك قد يمكن أن يقبضه فدليل النهي عن الغرر يشمله (الأحمدي).
2) قال: إنّ اعتبار القدرة إنّما هو لملاحظة حال المشتري و ليست شرطا لصحّة البيع مطلقا فلو رضي بالبيع مع فرض عدم تمكّن البائع جاز البيع، نعم لو لم يرض و لم يعلم بالحال لم يجز، و فيه إنّ ملاك هذا الشرط هو صدق الغرر بدونه و هو حاصل مع علم المشتري بعدم قدرة البائع على التسليم، على أنّ لازمه عدم الفساد مع جهله أيضا إذ الجهل يوجب الخيار لا فساد البيع كما في سائر الموارد التي لا يكون البيع مع العلم فاسدا. و ما ذكره في ذيل كلامه - من أنّه أمّا مع عدم رضا المشتري - فيه أنّه مع إقدامه على المعاملة لا معنى لعدم رضاه إلاّ مع الإكراه فلا يرتبط بطلان المعاملة حينئذ بشرط القدرة. ثمّ لا يخفى أنّ خلاف القطيفي في المسألة لا يضرّ بدعوى الإجماع على الاشتراط في الجملة لأنّه أيضا قائل بالفساد إذا لم تكن القدرة على التسليم ثابتة لغير البائع و المشتري من سائر الناس طرّا و حيث عرفت أنّ المراد بهذا الشرط هو وصول المبيع إلى المشتري فلو كان المبيع ممّا يوثق بحصوله من جهة ثالثة و لو مع عدم قدرة المتبايعين على التسليم و التسلّم صحّ البيع. و ضمير «منه» في قول المصنّف - و منه يعلم - راجع إلى دليل هذا الشرط من الإجماع و غيره فلا يكون التفرّع أجنبيّا عنه (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و لو لم يقدرا على التحصيل و تعذّر عليهما إلاّ بعد مدّة [1]
و نقول: ما ذكره بهذه السعة بحيث يرتّب عليه صحّة بيع الآبق منفردا مع أنّ المنع عنه منصوص، فاسد. نعم ما أفاده تامّ في غير المورد المنصوص و ما يلحق به.
ثمّ ذكر المصنّف قدّس سرّه أنّ المراد من القدرة على التسليم هو التسلّم، فلو كان المشتري قادرا دون البائع كفى.
كما يكفي في الصحّة ما إذا كان المبيع ممّا يوثق بحصوله في يد البائع أو المشتري، كالطير المعتاد للعود الذي يطمأنّ برجوعه و لو كان طائرا حين البيع.
و قد ناقش بعض في صحّته بدعوى أنّ عود الطائر غير موثوق به إذ ليس له عقل.
و الجواب عن هذه المناقشة واضح؛ فإنّ عدم العقل لا يوجب عدم رجوعه، بل هو الباعث له على الرجوع، و المفروض حصول الاطمئنان برجوعه، و معه كيف يحتمل عدمه؟
[1] تارة تكون مدّة التعذّر مضبوطة عادة كمجيء الحاج مثلا، و اخرى لا تكون مضبوطة.
و على الأوّل إن كانت مدّة التعذّر ممّا يتسامح فيها عرفا كساعة أو ساعتين، فلا إشكال في صحّة البيع، لعدم صدق الغرر و لا العجز عليه عرفا و إلاّ لفسد أكثر البيوع.
و أمّا إن كانت ممّا لا يتسامح فيها العرف، ففصّل فيه المصنّف بين صورة علم المشتري بذلك فذهب فيه إلى الصحّة من غير خيار، و ما إذا كان المشتري فيه جاهلا فحكم فيه بالصحّة مع ثبوت خيار تعذّر التسليم للمشتري.
و نقول: ما أفاده في الشقّ الأوّل تامّ؛ فإنّ إقدام المشتري العالم بأنّ البائع لا يقدر
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ الشرط هي القدرة المعلومة للمتبايعين [1]
على تسليم المبيع مدّة معيّنة بمنزلة اشتراط تأخير استحقاق التسليم، و ليس فيه غرر، كما لا يعمّه منعه صلّى اللّه عليه و آله عن بيع ما ليس عنده، لما عرفت من أنّه مقدّمة للتسليم الواجب، فلا يعمّ ما قبل زمان الاستحقاق.
و أمّا ما ذكره من الصحّة في الشقّ الثاني مع الخيار فلا وجه له، إذ المفروض أنّ زمان التسليم يكون نفس زمان تحقّق البيع، و ليس البائع في ذلك الحين قادرا على التسليم و لا المشتري قادرا على التسلّم، فيعمّه منعه صلّى اللّه عليه و آله عن بيع ما ليس عنده. كما أنّ الشراء حينئذ يكون غرريّا، لأنّه شراء ما لا يتمكّن من تحصيله إلاّ بعد مدّة، و من الواضح اختلاف ماليّة الأعيان باختلاف زمان إمكان الانتفاع بها، فيكون فاسدا، و لا مجال للخيار.
هذا كلّه فيما إذا كان زمان التعذّر مضبوطا عادة.
و إمّا إذا لم يكن كذلك، فأشكل المصنّف في صحّة البيع فيه لجهالة وقت التسليم.
و الصحيح فيه البطلان؛ لما عرفت من تفاوت ماليّة الأشياء بتفاوت منافعها، فيكون الشراء مع الجهل بزمان استحقاق التسليم غرريّا، فتأمّل. كما يعمّه منعه صلّى اللّه عليه و آله عن بيع ما ليس عنده فيما إذا كان زمان الاستحقاق قبل زمان القدرة.
[1] صور المطلب أربعة:
لأنّه تارة: تكون القدرة موجودة حقيقة و البائع و المشتري أيضا عالمان بذلك.
و اخرى: لا تكون القدرة موجودة واقعا و هما أيضا غير عالمين بالقدرة.
و لا إشكال في صحّة البيع في الفرض الأوّل منهما و فساده في الثانية.
و هناك قسمان آخران وسطان بين القسمين المذكورين:
أحدهما: أن تكون القدرة موجودة واقعا إلاّ أنّ البائع و المشتري لا يعلمان بهما.
ثانيهما: عكس هذا، بأن لم تكن القدرة على التسليم موجودة واقعا و لكنّهما اعتقدا وجودها.
أمّا في الفرض الأوّل منهما، فليس البيع من بيع ما ليس عنده، إذ المفروض أنّه عنده و هو قادر على التسليم و إن لم يعلم هو به. و لكن الظاهر صدق الغرر عليه، لما ذكرنا من أنّ الغرر متقوّم بالجهل و احتمال الهلاك، و هو موجود في المقام و إن لم يكن هناك هلاك واقعا.
و أمّا الفرض الثاني منهما(1)، ففصّل فيه المصنّف بين تجدّد القدرة بعد البيع و انكشاف الحال فيصحّ، و بين دوام العجز فيبطل.
و الظاهر أنّ التفصيل لا وجه له؛ لأنّ تجدّد القدرة لا يوجب انقلاب البيع عمّا وقع عليه.
و الحقّ هو البطلان مطلقا(2)لأنّه من بيع ما ليس عنده واقعا، فيعمّه النبويّ.
و أمّا الغرر، فإن قلنا بأنّه متقوّم بالجهالة موضوعيّا فلا يصدق في المقام، إذ
1) فبناء على ما ذكره الشيخ سابقا في معنى لا تبع ما ليس عندك، من أنّ المقصود منه نفي كون البيع علّة تامّة للصحّة في فرض عدم القدرة و أنّ الصحّة مراعى بالقدرة فيما بعد و عدمها إلى الأبد مراعى بعدم القدرة لاحقا، لا بدّ من التفصيل و لكنّه ظاهرا عدل عنه و اعتبر القدرة حال البيع في الصحّة مطلقا و لذا استشكل في الصحّة مع القدرة حال المطالبة، و أمّا على ما ذكرنا من أنّ الخبر لا يدلّ على اعتبار القدرة و أنّ العمدة هو دليل نفي الغرر و الغرر متقوّم بالجهل فلابدّ من الحكم بالبطلان في الفرض (الأحمدي).
2) على تقدير صحّة الاستدلال بقوله صلّى اللّه عليه و آله: لا تبع ما ليس عندك، حيث إنّه يستفاد منه اشتراط القدرة واقعا، و المستفاد من نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر اعتبار العلم بالقدرة فيستفاد من الجمع بينهما اعتبار العلم و القدرة الواقعيّة معا (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثمّ لا إشكال في اعتبار قدرة العاقد إذا كان مالكا [1]
المفروض أنّ البائع و المشتري معتقدان بعدم الخطر. و إن قلنا بأنّ الاحتمال فيه طريق إلى الهلاك الواقعي فهو ثابت في المقام.
و الحاصل: أنّه لا إشكال في أنّ المعتبر هي القدرة المعلومة، و لا تكفي القدرة الواقعيّة، لصدق الغرر و عدم ارتفاعه بمجرّد وجودها الواقعي.
[1] الوكيل قد يكون وكيلا في مجرّد إجراء الصيغة و إنشاء العقد كالوكيل في طلاق زوجة الغير، أو الوكيل في إجراء العقد في النكاح الذي هو أجنبيّ عن أصل المعاملة، بل ربما لا يعرف شيئا من خصوصيّات الزوج و الزوجة و المهر.
و لا عبرة بعجز مثل هذا الوكيل و قدرته(1)، بل المعتبر حينئذ قدرة المالك.
و قد يكون الوكيل وكيلا مفوّضا في البيع كما في المضاربة، حيث إنّ العامل يكون هو البائع حقيقة و يكون المالك أجنبيّا عن البيع.
و في مثله لا إشكال في كفاية قدرة الوكيل.
و هل يكفي في مثله قدرة المالك إذا كان الوكيل عاجزا عن التسليم؟
ظاهر المصنّف ذلك لكن مع علم المشتري بذلك إذا علم بعجز الوكيل(2).
1) فقدرة مثل هذا الوكيل على التسليم و العلم بها لا يؤثّر في صحّة العقد. نعم لو علم المشتري بأنّ هذا الوكيل يعمل قدرته و يسلّم المبيع فلا إشكال في صحّة البيع معه و لو مع عجز المالك عن التسليم و المشتري عن التسلّم لما تقدّم من أنّ القدرة لا موضوعيّة لها و إنّما هو طريقيّ لحصول المبيع في يد المشتري (الأحمدي).
2) و القول الثاني بطلان البيع إلاّ في صورة الاطمينان بتسليم الموكّل له كما ذكره بعض المشايخ، و الثالث التفصيل بين ما إذا رضي المشتري بتسليم الموكّل و رضي الموكّل برجوع المشتري إليه فيصحّ و إلاّ فلا و هو الذي اختاره بحر العلوم في مصابيحه. أمّا وجه القول الثاني فهو أنّ العقد منتسب إلى الوكيل ابتداء و شموله للموكّل متفرّع عليه و إلاّ فهو أجنبيّ عنه و عليه فإذا فرض أنّ دليل وجوب الوفاء بالعقد لا يشمل الوكيل لكونه غير قادر على الوفاء و التسليم فلا يشمل الموكّل أيضا لأنّه فرع الوكيل فلا دليل على صحّة هذه المعاملة. و فيه أنّه لا دليل على اعتبار هذا الشرط إلاّ دليل نفي الغرر و عليه فلابدّ في الحكم ببطلان المعاملة من أن تكون بنظر العرف غرريّا و من الواضح أنّ العرف لا يرون هذه المعاملة مع قدرة الموكّل على التسليم غرريّا بالنسبة إلى المشتري بل يلزمون الموكّل بالتسليم، و السرّ فيه أنّ العقد المذكور مستند من الابتداء إلى الوكيل و الموكّل في عرض واحد لكون كلّ منهما دخيلا فيه غايته أنّ دخل الموكّل من جهة التسبيب و دخل الوكيل من جهة المباشرة فيلزم الموكّل القادر على التسليم به و معه لا تكون المعاملة غرريّة فلا وجه للحكم بالبطلان إلاّ في صورة عجزهما معا (الأحمدي).
و ربما يناقش فيه(1): بلزوم تقييد الحكم بالكفاية بما إذا رضي المشتري بالرجوع إلى المالك و رضي المالك برجوع المشتري إليه؛ و ذلك لأنّ المالك لم يكن طرفا في المعاملة، فهو كالأجنبي، و المعتبر قدرة المتبايعين، فلابدّ في كفاية قدرة المالك من أن يعلم المشتري بالحال، كما أنّ الرجوع إلى المالك لا بدّ و أن يكون برضاه(2). ثمّ فرّع على ذلك بطلان الفضولي الذي صحّحناه في محلّه، بدعوى أنّ البائع و هو الفضولي غير قادر على التسليم، و قدرة المالك حين البيع لا أثر لها لأنّه أجنبيّ عن البيع، و لم يكن المشتري عالما برجوعه إليه و لا المالك راضيا بذلك، و بعد الإجازة و إن كانت قدرته قدرة البائع إلاّ أنّ المعتبر قدرة البائع حين البيع و لا يكفي تجدّدها بعده، و بالجملة قدرة البائع قبل الإجازة لم توجد و بعدها لا تنفع. ثمّ
أورد القائل على نفسه: بأنّ البائع الفضولي قد يقدر على التسليم لوثوقه بإرضاء المالك و أنّه لا يخرج عن رأيه. فأجاب عنه بوجهين، أحدهما: أنّه خارج عن الفرض، لأنّ اقتران البيع برضا المالك يخرجه عن الفضوليّة، خصوصا إذا قامت عليه علائم و قرائن. ثانيهما: أنّ من يدّعي صحّة الفضولي دعواه أوسع من هذا، يعني ممّا إذا كان البائع واثقا بأنّه يقدر على إرضاء المالك.
ثمّ قال المصنّف بعد نقل هذا كلّه: و في ما ذكره من المبنى و التفريع و الاعتراض الذي ذكره و الجواب عنه أوّلا و ثانيا نظر.
و نقول: أمّا وجه النظر في المبنى(1)فهو أنّ المشتري ليس له سوى استحقاق تسلّم المبيع بأيّ واسطة كانت، و ليس للمشتري أن يلزم البائع بأن يسلّمه المبيع بيده لا بيد ولده أو خادمه، فلا وجه لاعتبار رضاه بالتسليم من المالك. و أمّا المالك(2)فلابدّ و أن يرضى برجوع المشتري إليه، إلاّ أنّ نفس توكيله في البيع رضا منه برجوع المشتري إليه كما هو واضح.
و أمّا فساد التفريع(3)، فلأنّ بيع الفضولي لا يكون مستندا إلى المالك قبل
1) لما تقدّم من أنّ الغرر ينتفى بقدرة الموكّل على التسليم (الأحمدي).
2) فحيث إنّ العقد مستند إليه فيجبر على التسليم لو لم يرض برجوع المشتري إليه أيضا. (الأحمدي).
3) لأنّ اعتبار قدرة الوكيل على التسليم لو قلنا به في المقام فإنّه من أجل كونه مالكا للعقد و أمر بيع المال بيده حقيقة و عقده عقد تام فيعتبر فيه ما يعتبر في بيع المالك بخلاف الفضولي فإنّ بيع المال ليس بيده و لا يكون بائعا حقيقة و لا يتمّ العقد إلاّ بعد الإجازة فلا يعتبر فيه ما يعتبر في البائع الحقيقي و العقد التام بل قلنا إنّه لا يعتبر قدرة الوكيل في إجراء الصيغة أيضا مع أنّه ليس فضوليّا لأنّه لا يكون بائعا حقيقة و قدرة الفضولي و عدم قدرته على التسليم سواء (الأحمدي).
إجازته، بل ليس هناك بيع حقيقة، و ليس الفضولي إلاّ مجريا لصيغة العقد، و قد عرفت أنّ الخطابات موجّهة إلى المالك، و هو الذي تعتبر قدرته دون غيره، و المفروض أنّه حين الإجازة - الذي هو زمان البيع الحقيقي - قادر على التسليم.
و أمّا فساد الاعتراض، فلأنّ وثوق الفضولي بأنّ المالك لا يخرج عن رأيه، لا يوجب قدرته على التسليم فعلا كما هو ظاهر(1).
و أمّا فساد الجواب الأوّل فمن وجهين، أحدهما: أنّا ذكرنا في محلّه أنّ الرضا المقارن لا يخرج العقد عن الفضوليّة، لأنّ خروجه إنّما هو باستناده إلى المالك، و هو لا يحصل بمجرّد الرضا و لو كان مقارنا، و إنّما يحصل بالتوكيل أو الإذن(2).
ثانيهما: أنّ الرضا المتأخّر و العلم بحصوله فيما بعد، لا يخرج العقد عن الفضوليّة قطعا و لو سلّمنا ذلك في المقارن، كما أنّ الإجازة المتأخّرة لا تخرج العقد عن الفضوليّة و لا يزيد الرضا عليها.
و أمّا الجواب الثاني فلم نفهم وجه النظر فيه(3)، لأنّه بعد تسليم المقدّمات
1) لأن الفعل الاختياري للغير يكون واسطة في البين و لا معنى لأن يكون الإنسان قادرا على الفعل الاختياري للغير. نعم يعلم الفضولي بأنّه تتجدّد له القدرة بعد إرضاء المالك و المفروض اعتبار القدرة الفعليّة و القدرة على الإرضاء ليست قدرة على التسليم لأنّه فعل اختياري للغير و الإرضاء و إن كان مقدورا للأجنبي لأنّه فعله إلاّ أنّه ليس شرطا للصحّة، على أنّه نفرض مثله في بيع الوكيل أيضا (الأحمدي).
2) فكيف بالرضا المتأخّر مع أنه يصحّ فرضه في بيع الوكيل أيضا (الأحمدي).
3) وجه النظر فيه أنّ الرضا و الإجازة اللاحقة إن كانت كافية في الصحّة فلا وجه لاعتبار قدرة الفضولي على إرضاء المالك و إلاّ فقدرة الفضولي على إرضاء المالك فيما بعد يكون بلا ثمر بعد عدم مقارنة العقد لشرط الصحّة و هو القدرة على التسليم فعلا، على أنّ لازمه أن يلتزم بالصحّة فيما إذا علم بإجازة المالك و لو من غير جهة قدرته على إرضائه بل لحاجته إلى الثمن أو لأن ثمن المسمّى في البيع الفضولي اكثر من القيمة السوقيّة و أمثال ذلك لأنّه في هذه الصورة أيضا يكون البائع الفضولي قادرا على التسليم. و الصحيح في الجواب ما تقدّم من عدم دخل التراضي بين المشتري و الموكّل في رفع الغرر و عدم ربط عقد الفضولي بعقد الوكيل (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لا يجوز بيع الآبق منفردا [1]
السابقة، لا بدّ من الاقتصار في صحّة الفضولي على خصوص صورة وثوق الفضولي بعدم خروج المالك عن رأيه. و لعلّ المصنّف لم يرد المناقشة في كلّ واحد واحد من هذه الامور المذكورة، و إنّما أراد النظر في المبنى و التفريع و الاعتراض و الجواب من حيث المجموع، أي مجموع الجوابان لا كلّ واحد منهما.
[1] قد(1)عرفت أنّ المدرك لاعتبار القدرة على التسليم في صحّة البيع بحيث
1) هنا جهات من الكلام، الجهة الاولى: أنّه كان المناسب إلحاق البحث في اعتبار القدرة على تسليم الثمن و عدمه المذكور في هذه المسألة بالبحث السابق لأنّ الملاك فيهما واحد بملاحظة بعض أدلّة المسألة السابقة و هو النهي عن بيع الغرر، و كذا كان المناسب أن يذكر قوله في أواخر المسألة (و لو فرض أخذ المتبايعين لهذا الخيار في متن العقد) في ذيل المسألة السابقة لأنّه من لواحقها، الجهة الثانية: أنّ المنع عن بيع الآبق لكونه غير مقدور التسليم فلا فرق في عدم القدرة بين إباق العبد أو صيرورته ضالاّ أو مجحودا أو مغصوبا و نحو ذلك لأنّ ملاك البطلان هو الغرر، الجهة الثالثة: أنّ محطّ هذا الشرط هو المعاملة المبنيّة على المغابنة من غير خصوصيّة للبيع، الجهة الرابعة: أنّ الغرر لا يرتفع بالحكم الشرعي المترتّب على البيع كالخيار و كالضمان في التلف قبل القبض و لكنّه يرتفع بشرط الخيار و الضمان المأخوذ في نفس البيع، الجهة الخامسة: أنّه لا فرق من ناحية الغرر بين أن يكون المبيع بتمامه غير مقدور أو جزؤه أو شرطه إلا الجزء و الشرط الذين يعدّان من التابع (الأحمدي).
يفسد مع عجز البائع عن التسليم و المشتري عن التسلّم، إنّما هو أحد امور ثلاثة:
الإجماع، و النبويّ المعروف (لا تبع ما ليس عندك)، و قوله عليه السّلام (نهى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر) أمّا الإجماع فعلى فرض تماميّته لا بدّ من الأخذ به في مورد ثبوت الاتّفاق. و أمّا النبوي فأجنبيّ عن اعتبار القدرة على التسليم، لأنّ ظاهره النهي عن بيع ما لا يملك. و أمّا نهيه صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر(1)، فهو مختصّ بما يكون غررا بنظر الشارع أيضا، لأنّ النهي المتعلق به شرعيّ في لسان الشارع، فلا يعمّ ما إذا كان البيع غررا في نفسه و لم يكن غررا بلحاظ الحكم الشرعي. و بعبارة اخرى: ما أفاده المصنّف(2)من أنّ الميزان بالغرر العرفي لأنّ فهم العرف هو المتّبع في تعيين معاني
1) و الاستدلال به مبني على تسليم انجبار ضعفه بعمل المشهور، و أمّا ما يقال من أنّه لا بدّ من حمل الغرر فيه على الخديعة لا الخطر لعدم وجود خطر في المعاملات إذ قبل اليأس عن القدرة على المبيع يجبر الخطر بالخيار و بعد اليأس يبطل البيع و يرجع الثمن إليه لأنّه من قبيل التلف قبل القبض، ففيه أنّ الخيار أو كون التلف قبل القبض من مال البائع إنّما هي من أحكام البيع الصحيح و ما لا يكون خطريّا في حدّ نفسه، و لا ينتقض هذا ببيع الصرف و السلم مع عدم القدرة على التسليم حال العقد إذ البيع فيهما قبل القبض مع قطع النظر عن الغرر أيضا لا يكون بيعا تامّا عند الشرع بخلاف المقام فإنّه لو لا الغرر فإنّ البيع تامّ عند الشرع (الأحمدي).
2) خلاصة ما أفاده المصنّف منع صدق الغرر عرفا بملاحظة الحكم الشرعي و إن كان الغرر صادقا مع قطع النظر عنه و يترتّب على ذلك عدم صدق الغرر عرفا على بيع العمودين الآبقين بملاحظة حكم الشارع بانعتاقهما بالشراء و كذا عدم صدقه بملاحظة حكم الشارع بكون تلف المبيع قبل قبضه من مال البائع إذ لو شكّ المشتري في قدرة البائع على التسليم و كان مقدار الزمان الذي يرتفع شكّه فيه مضبوطا كثلاثة أيّام مثلا فيما لو فرض أنّه لو لم يقدر على تسليم المبيع في ثلاثة أيّام فإنّه لا يقدر على تسليمه أبدا فلا تكون هذه المعاملة غرريّة عرفا إذ لو قدر على التسليم في الثلاثة فيوصل المبيع إلى المشتري و لو لم يقدر فحيث إنّه يكون بحكم التلف و يكون التلف من مال البائع فلا يكون هناك خطر للمشتري، و قد تقدّم سابقا ضعف ذلك و أنّ العرف بملاحظة الحكم الشرعي المذكور يرى دليل مانعيّة الغرر مخصّصا بالموارد المذكورة لا أنّه بملاحظته يرى الغرر منتفيا فيها. و التحقيق هو التفصيل بين الموارد ففي مورد لم يتمّ العقد في نظر الشرع قبل حصول القدرة على التسليم كما في بيع الصرف المشروط بالقبض ففي مثله الشكّ في القدرة لا يضرّ بصحّة العقد التأهليّة لأنّه إنّما تعتبر القدرة على التسليم و عدم الغرر حين تماميّة العقد لا مطلقا، و في المورد الذي يكون العقد تامّا و نريد رفع الغرر بلحاظ الحكم المترتّب على العقد كالخيار فيما لو اشترى شيئا يشكّ في قدرة البائع على التسليم في مدّة غير مضبوطة ففي مثله لا يمكن رفع الغرر به لأنّ الخيار حكم شرعي ثابت في البيع الصحيح مع قطع النظر عنه و المفروض أنّ البيع مع قطع النظر عنه غرريّ و باطل فلا يمكن تصحيح البيع به و من ذلك يظهر ما هو الحقّ في الأمثلة الآتية (الأحمدي).
الألفاظ، غير تامّ؛ فإنّ نظر العرف إنّما هو متّبع في تشخيص المفاهيم على صغرياتها كما في المقام، فإذا فرضنا أنّ الغرر بمعناه العرفي لم ينطبق على مورد بلحاظ حكم الشارع و لو كان منطبقا عليه بنظر العرف، لم يكن مشمولا لنهيه صلّى اللّه عليه و آله.
و عليه، فإذا كان العبد الآبق ممّن ينعتق على المشتري صحّ بيعه و لو لم يكن مقدور التسليم، لعدم كونه غرريّا بلحاظ حكم الشارع، إذ لا يترتّب عليه سوى الانعتاق، و لا يفرق فيه بين التسليم و عدمه، فلا يكون غررا و لا يفسد.
و هكذا فيما اعتبر فيه التسليم شرطا لصحّة البيع كما في بيع الصرف و السلم، فإنّه ليس غريرا و لو لم يكن البائع قادرا على التسليم، إذ يبطل البيع حينئذ و يسترجع المشتري ثمنه. و هكذا إذا لم يكن البائع قادرا على التسليم و لكن ضمن الثمن
للمشتري إذا عجز عن التسليم - كما حكاه المصنّف عن الإسكافي(1)- فإنّه يندفع به الغرر. و كذا إذا كان المشتري جاهلا بإباق العبد أو شراد الفرس أو معتقدا قدرته على التسليم فبان عجزه، فإنّه يثبت له الخيار حينئذ، فلا يكون البيع غريرا. و كذلك إذا شرط الخيار للمشتري أو كان البيع في نفسه خياريّا، فإنّه ليس في مثله غرر بلحاظ الحكم الشرعي، فلا يبطل البيع من جهة الغرر في شيء من هذه الموارد، فتأمّل(2).
1) كما في المختلف 216/5.
2) إذ كما تقدّم لا يمكن رفع الغرر بالخيار الثابت في البيع الصحيح في نفسه و مع قطع النظر عن الحكم المترتّب عليه، و من ذلك يظهر عدم صحّة ما ذكره الشهيد في اللمعة من كون العقد مراعى؛ فإنّ الخيار كما أفاده المصنّف من أحكام البيع الصحيح فلا يمكن تصحيح العقد و رفع الغرر به. و لا يقاس هذا بالخيار المجعول للمتبايعين إذا لم يحصل المبيع أو الثمن في يد البائع أو المشتري في مدّة مضبوطة عند الشكّ في القدرة على التسليم فيهما حيث إنّ الخيار هنا في رتبة سابقة على صحّة البيع فيرتفع الغرر به و كذا إذا اشترط كون المبيع مضمونا على البائع لخروج البيع بهذا الشرط عن كونه غرريّا. و المعتبر في الغرر المانع عن صحّة البيع هو الغرر الشخصي لا النوعي و لذا نحكم ببطلان البيع لو كان شخص البائع غير قادر على التسليم و شخص المشتري غير قادر على التسلّم و إن كان نوع المتبايعين قادرين و العكس بالعكس، و السرّ في ذلك أن قضيّة المنع عن بيع الغرر ينحلّ إلى قضايا متعدّدة بتعدّد موضوعها لأنّها من القضايا الحقيقيّة لأنّ المأخوذ في القضيّة نفس عنوان الغرر و جعل الحكم معلّقا عليه لا أنّ الموضوع شيء آخر و جعل الغرر حكمة للحكم الثابت على الموضوع حتّى يقال إنّ المدار على الغرر النوعي كما هو الحال في سائر الموارد ممّا جعل الشيء حكمة للحكم المقرّر على موضوعاتها مثل اختلاط المياه و نحوه، و من ذلك تعرف فساد ما قيل من أنّ اشتراط التسليم إلى مدّة معلومة أو اشتراط الضمان و إن أوجبا رفع الغرر في شخص المعاملة إلاّ أنّ نوع هذه المعاملة غرريّة و المدار في البطلان على كون البيع بحسب النوع غرريّا (الأحمدي).
و كذا الحال في بيع العبد الآبق منفردا، فإنّه لا غرر فيه، لإمكان انتفاع المشتري بعتقه مع إبقائه. نعم إذا رجع أمكنه الانتفاع به أيضا من سائر الجهات، إلاّ أنّ الجهل بذلك لا يوجب الغرر و لا فساد البيع، و إلاّ لزم بطلان بيع العبد المريض، فإنّه يحتمل أن يشفى فيتمكّن المشتري من الانتفاع به في جهات و أن لا يشفى فلا ينتفع به إلاّ في العتق.
فعلى القاعدة لا مانع من بيعه منفردا، إلاّ أنّ النصّ منع عن ذلك و اعتبر فيه الضميمة معلّلا بأنّه إذا لم يقدر على تسلّمه تقع الضميمة بإزاء ما نقده، كما ادّعي الإجماع على ذلك، فاعتبار الضميمة يكون لأجل النصّ و الإجماع.
و هذا هو السرّ فيما ذهب إليه الشهيد في اللمعة(1)، من التردّد في جعل العبد الآبق منفردا ثمنا بعد الجزم بمنع جعله مثمنا، و إن قرّب أخيرا فيه المنع أيضا؛ لأنّه استند في المنع إلى النصّ و الإجماع المختصّين بجعله مثمنا، كما ذكره المصنّف مؤيّدا ذلك بحكمه بجواز بيع الضالّ و المجحود مع عدم الفرق بينهما و بين الآبق على القاعدة.
و بما ذكرناه ظهر أيضا وجه الجمع بين كلمات العلاّمة في التذكرة(2)، فإنّه ادّعى الإجماع على اعتبار القدرة على التسليم، ثمّ ادّعى الشهرة في المنع عن بيع الآبق منفردا، ثمّ ذكر الضالّ و لم يحتمل فيه إلاّ جواز البيع منفردا. و ذكر المصنّف أن التنافي بين هذه الفقرات الثلاث ظاهر، و التوجيه يحتاج إلى تأمّل.
قوله قدّس سرّه: فهل يلحق بالبيع الصلح عمّا يتعذّر تسليمه؟ [1]
و بما بيّناه ظهر الوجه في جميع ذلك؛ فإنّ اعتبار القدرة على التسليم إجماعيّ فيما إذا استلزم عدمها غرريّة البيع، و في بيع العبد الآبق منفردا لا غرر، و لذا قلنا بجوازه على القاعدة، فليس هناك إجماع. و ذهاب المشهور فيه إلى المنع إنّما هو من جهة النصّ، و بما أنّ النصّ أيضا اخذ فيه عنوان الآبق، فلا يعمّ بيع العبد الضالّ و المجحود، فليس فيهما إجماع و لا شهرة، فلا تنافي بين الفقرات أصلا.
هذا، و لكن مقتضى عموم العلّة المذكورة في دليل اعتبار الضميمة في بيع العبد الآبق، اعتباره في بيع العبد الضالّ و المجحود عن جهل أو عدوان(1)، كما أنّ مقتضاه عدم جواز جعله منفردا ثمنا أيضا، فتأمّل(2).
[1] فيه أقوال ثلاثة:
الأوّل: عدم اعتبار القدرة على التسليم فيه، لعمومات الصلح و التوسّع فيه و اختصاص الغرر المنفي بالبيع.
الثاني: اعتبارها فيه، لعدم اختصاص نفي الغرر في لسان الأصحاب بالبيع، بل
1) فيما إذا لم يعلم برفع الغاصب أو الجاحد يده عنه اختيارا أو لا يجبرهما الحاكم على ذلك و لم يعلم برجوع الضالّ لصدق الغرر في الجميع فلا يصحّ بيعها منفردا و يصحّ مع الضميمة بمقتضى العلّة المنصوصة في الآبق، و من ذلك ظهر وجه المناقشة فيما ذكره الشهيد في اللمعة من حكمه بجواز بيع الضالّ و المجحود (الأحمدي).
2) إذ مقتضى القاعدة و إن كان جواز جعل الآبق ثمنا لعدم الغرر فيه بخصوصه كما تقدّم و الحديث في ضمّ الضميمة ورد في خصوص العبد الآبق المبيع إلاّ أنّ خصوصيّة المبيعيّة ملغاة في نظر العرف و أنّ المستفاد من التعليل فيه اعتبار الضميمة في المبادلة ثمنا كان أو مثمنا حتّى أنّ المستفاد منه التعدّي إلى كلّ معاملة مبنيّة على المغابنة و لو كان بعنوان الصلح (الأحمدي).
يجرونه في غير المعاوضات من العقود كالوكالة أيضا، بل قد يرسل عنى النبي صلّى اللّه عليه و آله النهي عن الغرر مطلقا من غير تقييد بالبيع كما أفاده المصنّف. و أظنّ أنّ المرسل له العلاّمة في بعض كتبه(1).
الثالث: التفصيل بين الصلح المبنيّ على المحاباة و المسامحة و ما يكون مبنيّا على المداقّة كما في المبادلة المنشأة بعنوان الصلح، و يتحقّق ذلك كثيرا في سوق الحراج في ألسنة الدلاّلين.
و الصحيح اختلاف ذلك بحسب اختلاف مدرك نفي الغرر:
فإن جعلنا مدركه الإجماع فلابدّ من الاقتصار على المتيقّن، و هو البيع دون غيره.
1) قد يقال إنّ الرواية لإرسالها لا يمكن الاعتماد عليها و الانجبار بعمل المشهور لو سلّم لا يمكن إثبات استناد المشهور إليها لاحتمال أن يكون المستند رواية (نهى النبي عن بيع الغرر) بإلغاء خصوصيّة البيع و جعله من باب المثال لمطلق المبادلة. و الحقّ أن يقال أمّا المرسلة (نهى النبي عن الغرر) فالمرسل لها هو الشيخ في الخلاف فإنّه قدّس سرّه تمسّك بها في كتاب الشركة (المسألة 6) و في كتاب الضمان (المسألة 13) و كذلك ابن زهرة في كتاب الشركة، و معلوم أنّه ليس مراد الشيخ من النبوي حديث (نهى النبي عن بيع الغرر) بإلغاء خصوصيّة البيع إذ في باب البيع من الخلاف (المسألة 245) تمسّك بالنهي عن بيع الغرر، فمن ذلك يعلم أنّ المرسل له ليس هو العلاّمة كما علم أنّ القدماء مثل الشيخ أيضا تمسّكوا به، نعم للمناقشة في حصول الجبر بذلك مجال. و لا يخفى أنّ النبوي المشهور (نهى النبي عن بيع الغرر) ليست من المراسيل كما توهّم بعضهم مثل النائيني فإنّ صاحب الوسائل ذكر الرواية مسندة في (باب 40 من أبواب آداب التجارة حديث 3) و ذكره في المستدرك أيضا بسند آخر (الأحمدي).
و إن كان مدركه نهيه صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر، فالظاهر هو التعدّي عنه(1)و ذلك لأنّ متعلّق النهي فيه و إن كان عنوان البيع، إلاّ أنّه لا لخصوصيّة فيه، بل بما أنّه مبادلة بين مالين، سواء انشأ بعنوان البيع أو الصلح أو غيرهما، فكما أنّ المنع عن بيع المنابذة و الملامسة يعمّ الصلح مع أنّ المأخوذ في دليل المنع عنهما عنوان البيع، كذلك النهي عن بيع الغرر يعمّ الصلح الغرري(2). و هكذا إذا اشترط عدم بيع شيء في ضمن عقد لازم، يكون تبديله بعنوان الصلح أيضا منافيا للشرط. و لهذا تعدّى الفقهاء عن البيع و ذهبوا إلى مبطليّة الغرر في الإجارة و نحوها من المعاوضات مع أنّ عنوان دليل المنع هو البيع، فالنهي عن بيع الغرر يعمّ الصلح الغرري.
نعم، الصلح المبنيّ على المسامحة الذي هو الصلح الحقيقي بمعنى التسالم الخاص - لا التسالم الموجود في كلّ عقد و لذا ذكرنا في تعريف البيع أنّه غير منتقض بالصلح حيث إنّه ليست فيه مبادلة بين مالين - لا يتحقّق فيه الغرر أصلا، فإنّ من يريد نقل جميع أمواله إلى زيد لغرض فيصالحه على ذلك، لا يكون فيه خطر إذا كان في أموال المصالح عبد آبق أو فرس شارد، و هذا بخلاف المبادلة
1) إلى كلّ معاملة مبنيّة على المغابنة و إن انشأ بلفظ غير البيع كالصلح و نحوه، و الدليل عليه أمران، أحدهما عدم فهم الخصوصيّة بنظر العرف و لذا لو نهي عن بيع آلات القمار يفهم العرف منه النهي عن إجارتها أيضا، و الأمر الثاني وجود ملاك النهي عن البيع فيها أيضا (الأحمدي).
2) إذ النهي عن بيع الغرر أو عن بيع ما ليس عندك إنّما هو لحسم مادّة النزاع و هذا الملاك يوجد في كلّ معاملة مبنيّة على المداقّة، نعم المعاملة التي يكون بناؤها على المسالمة و إن كان إنشاؤها بلفظ البيع فإنّه لا يجري فيه هذا الشرط لعدم وجود الملاك المذكور فيه (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يجوز بيع الآبق مع الضميمة [1]
المنشأة بالصلح، فإنّه بيع حقيقة صلح صورة.
هذا، و لكن عرفت أنّ الغرر لا دليل على مبطليّته للبيع فضلا عن غيره(1).
[1] ما ورد في جواز بيع الآبق مع الضميمة و عدمه بدونها روايتان، إحداهما صحيحة رفاعة(2)، و الثانية موثّقة سماعة(3). و الثانية أوسع من الاولى كما في المتن.
و تقريب الاستدلال بهما: أنّهما يدلاّن على المنع عن بيع العبد الآبق بدون الضميمة و جوازه معها، فبالأولويّة تدلاّن على عدم جواز بيع غيره ممّا لا يقدر على تسليمه - كالفرس الشارد - إلاّ مع الضميمة، فكأنّ مفادهما أنّه يلزم أن يكون هناك شيء مقدور التسليم يقع الثمن بتمامه أو بعضه بازائه، فإنّ العبد مع إمكان الانتفاع به مع إباقه بالعتق إذا لم يجز بيعه بدون الضميمة، فبالأولويّة لا يجوز بيع غيره ممّا لا ينتفع به قبل تسلّمه إلاّ كذلك، فيستفاد منهما اعتبار القدرة على التسليم
1) قلنا إنّ النهي عن بيع الغرر لا يشمل بيع العبد الآبق أو الضالّ منفردا فضلا عن شموله لغيره من الصلح و نحوه لأنّ الانتفاع به من جهة العتق استحبابا أو وجوبا هو من أعظم الانتفاعات إلاّ أنّ النصّ منع عن بيع الآبق منفردا. إن قلت إنّ الجهل بجزء المبيع أو وصفه يوجب بطلان البيع حتّى مع العلم بأنّ المبيع كيف ما كان يسوي مقدار الثمن فليكن الشكّ في القدرة على التسليم كذلك و إن كان مقدار ما يسوي من الثمن من الانتفاع بالمبيع يحصل بدون القدرة على التسليم أيضا فضلا عن غيره، قلت إنّ جزء المبيع و كذا بعض أوصافه من مقوّمات البيع بخلاف التسليم فإنّه من أحكام البيع و لذا لو انكشف كون المبيع غير مملوك أو ممّا لا يصحّ بيعه كلاّ أو جزءا فإنّه يبطل البيع بالنسبة إليه بخلاف ما لو انكشف بعد العقد تعذّر تسليم المبيع كلاّ جزءا فإنّه يثبت الخيار و لا يبطل البيع (الأحمدي).
2) الوسائل 262/12، الباب 11 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث الأوّل.
3) نفس المصدر، الحديث 2.
مطلقا في العبد الآبق و غيره إلاّ مع الضميمة. و بما أنّه لم يقل أحد بجواز بيع غير العبد الآبق مع الضميمة، لا يمكن الاعتماد على شيء منهما.
ثمّ إنّ المصنّف ذكر ما حاصله: أنّ ظاهر السؤال في الاولى، و هو قوله «و أطلبها أنا؟» الاختصاص بصورة رجاء الوجدان، فإنّ الطلب لا يكون إلاّ مع رجاء الوجدان، و كذلك الجواب في الثانية و هو قوله «فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده...» فإن هذا التعبير إنّما يناسب ما إذا كانت القدرة على تحصيله محتملة، فالروايتان تختصّان بصورة رجاء الوجدان و لا تعمّان المأيوس عن الظفر به عادة الملحق بالتالف، فلا يجوز جعله جزءا من المبيع، للنهي عن الغرر السليم عن المخصّص(1)، و لأنّه أكل للمال بالباطل لو لم يكن سفهيّا. نعم يصحّ تملّكه على وجه التبعيّة بالاشتراط و نحوه.
هذا، و نقول صور المسألة ثلاثة:
لأنّ العبد الآبق قد يكون مرجوّ الحصول، كما إذا أبق العبد في مملكة قانونيّة يرجى الحصول عليه عادة. و لا إشكال في أنّه هو المتيقّن من مورد الروايتين.
و قد لا يرجى العثور عليه عادة لذهابه إلى بلد لا يمكن الوصول إليه عادة و لكن يحتمل ذلك وجدانا، فإنّ اليأس العادي لا ينافي الاحتمال الوجداني. و الظاهر دخوله أيضا في مورد الروايتين، فيعمّه السؤال في الاولى إذ يصحّ طلبه للاحتمال الوجداني، كما يعمّه الجواب في الثانية(2).
1) الظاهر أنّه من سهو القلم إذ الغرر تتقوّم بالجهالة فكيف يصدق مع اليأس عن الظفر إلاّ أن يتمسّك به من باب الفحوى و هو كما ترى (الأحمدي).
2) فيكون دليله أخصّ من المدّعى مع أنّ مفاد الجملة الشرطيّة المذكورة أنّها حكمة و ليست بعلّة لعدم وجود أمارة تدلّ على كونها بنحو العلّة فلا يدور الحكم مداره (الأحمدي).
و ثالثة: لا يحتمل العثور عليه أصلا. و هذه الصورة غير داخلة تحت السؤال في الاولى إذ لا معنى لطلب ما لا يحتمل العثور عليه، إلاّ أنّها داخلة تحت الثانية(1)، لأنّ العناية في كلا جوابيه عليه السّلام إنّما هي في وقوع الضميمة بإزاء الثمن إذا لم يقدر المشتري على تسلّم العبد، و أمّا أنّ العبد لا بدّ و أن تحتمل القدرة على تسلّمه فلا.
و بعبارة اخرى: ما أفاده الإمام عليه السّلام كبرى كليّة موضوعها العبد الآبق، و ربما يكون مقدور التسليم و قد لا يكون، فإذا لم يقدر على تسلّمه وقع ما نقده بإزاء الضميمة.
و عليه، فلا مجال لما في المتن: من أنّ المأيوس عادة من الظفر به الملحق بالتالف لا يجوز جعله جزءا من المبيع.
و الاستدلال عليه على ما في بعض النسخ بأنّه من أكل المال بالباطل لو لم يكن سفها، و في بعض النسخ أنّه غرر منفي، إنّما يصحّ لو لم يكن جوازه منصوصا كما عرفت.
1) إلاّ أنّ الجواب في الصحيحة مطلق لأنّ مورد السؤال و إن كان مرجوّ الحصول لكن لم يذكر رجاء الحصول قيدا للموضوع في السؤال إذ لم يكن السؤال عن الجارية الآبقة المرجوّة الحصول حتّى يكون الجواب أيضا واردا على المقيّد و إنّما ذكر رجاء الحصول لبيان أنّ داعيه على الشراء رجاء حصوله فبعد صحّة الشراء يطلب المبيع الآبق، نعم في موثّقه سماعة الجملة الشرطيّة مذكورة في جواب الإمام عليه السّلام إلاّ أنّ استظهار اختصاص الجواب و الحكم بالجواز فيه بخصوص رجاء الحصول مبني على ظهور الجملة المذكورة في التعليل مع أنّها غير ظاهرة فيه بل المحتمل لو لم يكن الظاهر أنّ الجملة المذكورة وردت لبيان الحكمة في اعتبار الضميمة فلا يدور الحكم في الجواب مدارها (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و أيضا الظاهر اعتبار كون الضميمة ممّا يصحّ بيعها [1]
هذا، مضافا إلى أنّ النهي عن أكل المال بالباطل قد عرفت أنّه ناظر إلى الأسباب، و السبب في الفرض تجارة عن تراض، و البيع في الفرض يمكن أن لا يكون سفهيّا لاشتراء العبد المأيوس منه بقيمة رخيصة، مع ما عرفت من أن بيع السفيه فاسد لا البيع السفهي. و الغرر لو كان جاريا في المقام و كان مفسدا للبيع، كيف ذهب المصنّف إلى جواز تملّك العبد الآبق في الفرض على وجه التبعيّة بالاشتراط(1)، مع أنّ غرريّة الشرط تسري إلى البيع و تجعل البيع غرريّا؟ و لذا صرّح هو قدّس سرّه في بحث الشروط بأنّ الشرط الفاسد و إن لم يكن مفسدا، إلاّ أنّه إذا كان غرريّا يوجب فساد البيع.
[1] هل يعتبر في الضميمة أن تكون قابلة للبيع أو لا؟ ثمّ هل يعتبر كونها قابلة للبيع منفردة أو لا؟
أمّا اعتبار قابليّتها للبيع فهو أمر واضح على ما هو ظاهر إسناد الشراء إليها في الروايتين، فإذا فرضنا أنّ الضميمة لم تكن مالا شرعا كما إذا كان خمرا، أو عرفا كما إذا كان خنفساء أو حبّة من الحنطة مثلا(2)، لم يصحّ البيع أصلا.
و أمّا قابليّة الضميمة للبيع منفردا فلم يعتبرها المصنّف، و تبعه في ذلك
1) نعم هو المختار في خصوص الآبق لما تقدّم من أنّ مقتضى القاعدة جواز بيع الآبق و أنّه لا يكون غرريّا إلاّ أنّه خرج بالنصّ خصوص التمليك بالبيع منفردا و بقي التمليك بغير ذلك تحت القاعدة، نعم اشتراط تمليك شيء آخر غير العبد و الجارية من الأشياء التي يشكّ في القدرة و الاستيلاء عليها في خصوص البيع غير جائز و يوجب غرريّة البيع و بطلانه إذ الظاهر كما عليه المشهور سراية غرريّة الشرط إلى المشروط كما هو المتسالم عليه في الجزء (الأحمدي).
2) أو كانت منفعة و لم تكن عينا (الأحمدي).
الميرزا قدّس سرّه(1)، فأجاز بيع العبد الآبق منضمّا إلى شيء آخر لا يقدر على تسليمه أيضا، و لا أدري من أين استظهر جواز بيع العبد الآبق منضمّا إلى مثله؟ مع أنّه خلاف ظاهر الموثّقة(2)، حيث أفاد فيها وقوع ما نقده من الثمن بإزاء الضميمة إذا لم يقدر على تسليم العبد الآبق، فإذا فرضنا الضميمة فرسا شاردا أو طيرا طائرا، فبإزاء أيّ شيء يقع الثمن(3)؟ فالظاهر فساد بيع العبد الآبق إذا انضمّ إليه مثله، إلاّ إذا علم إجمالا العثور على أحدهما.
و أمّا جعل الضميمة منفعة، فإن علمنا أنّ الغرض من حكمه عليه السّلام باعتبار الضميمة إنّما هو عدم بقاء الثمن مجّانا من دون أن يقع بإزاءه شيء كما في المتن، فيكفي ضمّ المنفعة. و لكن مقتضى الجمود على الروايتين(4)و ظاهر إسناد الشراء إلى
1) بل الصحيح و خالفه في ذلك الميرزا مصرّحا باعتبار كون الضميمة ممّا يصح بيعها منفردة (الأحمدي) انظر منية الطالب 358/2.
2) هذه العبارة في غير محلّه فإنّ المصنّف لم يستظهر ذلك بل بمقتضى بعض النسخ بعد قوله (و الظاهر اعتبار كون الضميمة ممّا يصحّ بيعها) قال: و أمّا صحّة بيعها منفردة فلا يظهر من الرواية (الأحمدي).
3) قال النائيني (فعلى فرض إطلاق الروايتين من هذه الجهة إلاّ أنّ مناسبة الحكم و الموضوع يوجب تقييده) و توضيحه أنّ الضميمة التي لا يصحّ بيعها منفردة يكون هو العبد الآبق أو غيره كالطير في الهواء، أمّا على الأوّل فكلا الآبقين تحتاج صحّة بيعهما إلى ضميمة اخرى لأنّ الرواية لم تفرض أنّ المبيع فرد واحد من الآبق بل موردها شراء طبيعيّ الآبق الشامل للواحد و الأكثر، و أمّا على الثاني فلما تقدّم من أنّ ضمّه إلى مقدور التسليم يوجب فساد البيع لسراية الغرر إليه فكيف بالمقام و النصّ إنّما ورد في صحّة الضميمة في خصوص الآبق (الأحمدي).
4) مقتضى الاستثناء المفيد للحصر في الصحيحة بقوله (إلاّ أن تشتري منهم ثوبا) و في الموثّقة (إلاّ أن يشتري معه شيئا) عدم جواز ضمّ المنفعة لأنّها لا تشترى لدخول المنفعة في المستثنى منه و حمل الشراء في المستثنى على تملّك شيء في مقابل الثمن و جعل الثوب و الشيء كناية عن مطلق ما يتملّك خلاف الظاهر جدّا (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّه لا إشكال في انتقال الآبق إلى المشتري [1]
الضميمة أيضا عدم كفاية كونها منفعة لعدم إمكان شرائها.
[1] هل المستفاد من الروايتين(1)وقوع تمام الثمن بإزاء الضميمة ابتداء و عدم دخول العبد الآبق في ملك المشتري ما دام آبقا فليس له بيعه إلى الغير مع الضميمة
1) الغرض من هذا البحث أنّه إذا تلف الآبق و ما بحكمه حقيقة قبل الوصول إلى المشتري فهل يرجع المشتري إلى البائع بمقدار قيمة التالف عملا بمقتضى تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه أم لا؟ و هذا مبنيّ على أنّ المستفاد من قوله (و إن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه) كون المبيع بالأصالة هو الضميمة فقط و يكون حال الآبق حال التوابع الداخلة في المبيع كالبيض بالنسبة إلى الدجاجة فلو كان البيض موجودة في بطنها تكون للمشتري و لو لم تكن لم ينقص من الثمن لأنّ الثمن بتمامه في مقابل الدجاجة فقط أو أنّ المستفاد منه أنّ المقابلة بحسب مقام التسليط الخارجي في مقابل الضميمة فقط لا في مقام المعاملة و المبادلة الاعتباريّة بل المبيع حقيقة هو مجموع الآبق و الضميمة معا و أنّ اعتبار الضميمة إنّما هو لأجل أن يصل شيء إلى المشتري في قبال ما نقده خارجا، و على الأوّل يكون المورد خارجا عن قاعدة (كلّ مبيع تلف قبل قبضه) تخصّصا و أمّا على الثاني فيكون المورد داخلا تحت تلك القاعدة إلاّ أنّه خرج منه تخصيصا. و الظاهر من الروايتين هو الثاني لأنّ ظاهر قوله عليه السّلام (إلاّ أن يشتري معه شيئا) و ما بمضمونه، أنّ المبيع كلاهما حقيقة و منجّزا و حمل الروايتين على أنّ الآبق جزء المبيع معلّقا على تقدير الوصول و خارج عنه على تقدير عدم الوصول و أن جزئيّته مراعى خلاف الظاهر جدّا، و على هذا فتلف الآبق و ما بحكمه سواء كان قبل اليأس أو بعده داخل تحت قاعدة تلف المبيع قبل القبض إلاّ أنّ المستظهر من الروايتين تخصيص القاعدة في هذا المورد مطلقا و أنّ قوله عليه السّلام (فإن لم يقدر... الخ) بيان لعدم اشتراط القدرة على التسليم بالنسبة إلى العبد في صحّة بيعه و أنّه لا يكون تلفه من مال البائع (الأحمدي).
و لا عتقه و إنّما يدخل في ملكه بعد حصوله كما هو الظاهر من بعض كلام كاشف الرموز(1)على ما في المتن، أو أنّ مفادهما دخوله في ملك المشتري كالضميمة؟
ظاهر الصحيحة هو الثاني و أنّ العبد الآبق أيضا جزء المبيع، غايته أنّ اليأس عنه الذي هو بحكم التلف لا يوجب الرجوع إلى البائع بما يقابله من الثمن على ما هو مقتضى قوله عليه السّلام: (كلّ مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بائعه) فتكون مخصّصة له في المقام(2)، كما يكون مخصّصا أيضا لقاعدة «كلّ مبيع تلف في زمان الخيار فهو ممّن لا خيار له».
هذا كلّه في اليأس الذي هو بحكم التلف، فإنّه لا يوجب رجوع المشتري إلى البائع فيما يقابله من الثمن، كما لا يوجبه التلف الحقيقي بعد اليأس الذي هو في حكم التلف.
و أمّا إذا تلف العبد الآبق حقيقة قبل اليأس عنه و قبل حصوله، فهل يوجب ذلك فساد البيع و الرجوع إلى البائع بما يقابله من الثمن أم لا؟
أشكل المصنّف في ذلك و لم يرجّح أحد الاحتمالين، إلاّ أنّ مقتضى إطلاق قوله عليه السّلام «فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه» عدم وقوع شيء من الثمن بإزاء العبد إذا لم يقدر عليه، سواء كان ذلك من جهة إباقة أو من جهة تلفه قبل اليأس.
قوله قدّس سرّه: و لو تلفت الضميمة قبل القبض [1]
[1] إن كان ذلك بعد حصول الآبق في يد المشتري أو ما بحكمه كما إذا تصرّف المشتري فيه بعتق أو قتل و نحو ذلك ممّا هو متلف له، فلا إشكال في انفساخ العقد بما يقابل الضميمة من الثمن، فيرجع فيه إلى البائع، كما أنّ العقد ينفسخ بتلف الضميمة إذا كان بعد اليأس عن حصول العبد الآبق.
و أمّا إذا كان التلف قبل حصوله في يده و قبل اليأس عنه، فهل يوجب ذلك فساد البيع في العبد الآبق أيضا لاشتراط صحّته بالضميمة و هي منتفية بقاء، أو لا يوجب فساده لأنّ بيع العبد الآبق كان مشروطا بالضميمة حدوثا لا بقاء، و تلف الضميمة إنّما يوجب انفساخ العقد بالإضافة إليها من حينه لا من الأوّل، إذ ليس التلف إلاّ بمنزلة الردّ إذا كان البيع في الضميمة فضوليّا فلم يجزه المالك، فإنّه يوجب عدم تحقّق الضميمة من الأوّل، فلا يوجب تلف الضميمة سوى انفساخ البيع بالإضافة إليها بما يقابلها من الثمن و يبقى صحيحا بالإضافة إلى العبد الآبق؟
احتمل المصنّف فيه الوجهين، ثمّ رجّح الأوّل، و هو الصحيح(1)لأنّ ظاهر النصّ أنّ العبد الآبق لا يقع بإزائه شيء من الثمن على تقدير عدم الظفر به، فكيف
1) قد يتوهّم أنّ الصحيح هو الوجه الثاني في خصوص بيع العبد الآبق مع الضميمة لأنّ القاعدة كانت تقتضي صحّة بيعه و لو بلا ضميمة كما تقدّم و الخارج عن القاعدة يقينا إنّما هو الفاقد للضميمة حدوثا فقط فغيره باق تحت القاعدة و أمّا المستفاد من النصّ فهو أنّ الحكمة في جعل الضميمة أن لا يكون المشتري صفر اليد خارجا في مقابل ما نقده لا أنّه لا يقع بإزاء الآبق شيء من الثمن اعتبارا على تقدير عدم الظفر به، و فيه أنّه إذا انفسخ بالنسبة إلى الضميمة يرجع المشتري بما يقابله من الثمن و إذا لم يوجد الآبق بعد ذلك لا يكون الثمن الذي بإزاء الآبق واقعا بإزاء ما وصل إله خارجا مع أنّ المستفاد من الحديث أنّه إن لم يقدر على العبد كان ما نقده فيما اشترى معه (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: نعم لو عقد على الضميمة فضولا [1]
يقسّط عليه الثمن و هو على إباقه؟
[1] بقي في المقام فرعان:
أحدهما: أنّ الضميمة إذا كانت ملكا لغير مالك العبد الآبق فانضمّت إليه في البيع فضولة.
ذكر المصنّف أنّه ينفسخ العقد في المجموع إذا ردّ البيع في الضميمة مالكها(1).
و نقول: الظاهر فساد البيع في المجموع مطلقا، أجاز مالك الضميمة بيعها أو ردّه؛ و ذلك لأنّ الضميمة إذا كانت ملك الغير، فلا محالة يكون مقدار من الثمن بازائها داخلا في ملك مالكها، فيكون المقدار الباقي من الثمن داخلا في كيس مالك العبد الآبق، فإذا لم يقدر على تحصيله كان ما دفعه إليه بلا عوض، و هو مخالف لما ورد به النصّ.
و بعبارة اخرى: ظاهر قوله عليه السّلام في الموثّقة (فيقول: أشتري منك هذا الشيء
1) و أمّا إذا أجاز المالك ففي تقريرات النائيني أنّ في صحّة العقد كلام، فإن كان نظره في ذلك إلى أنّ الثمن لا يقع إلاّ بإزاء الضميمة في صورة عدم تسلّم العبد لقوله 7: كان ما نقده فيما اشتراه معه، فاللازم أن يكون تمام الثمن للمجيز و لم يقل به أحد، و فيه ما تقدّم سابقا من أنّ المقصود من الرواية ليس وقوع الثمن حقيقة بتمامه في مقابل الضميمة بل الغرض منه أن يصل إلى المشتري شيء خارجا ليقع قبال ما نقده بحسب التسلّط الخارجي فيقسّط الثمن في الفرض لا محالة، على أنّه يمكن فرض الكلام فيما لو باع مالك العبد الآبق العبد مع الضميمة لنفسه و أجازه المالك كذلك بناء على ما هو المختار من عدم لزوم دخول الثمن في كيس من خرج منه المثمن، و إن كان نظره إلى الوجه الذي اخترناه فلابدّ من التفصيل بين إجازة المالك لنفسه فلا يجوز و بين ما لو باع الجميع لنفسه و أجازه المالك بالنسبة إلى الضميمة كذلك فإنّه يصحّ في المجموع كما هو واضح (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» المعروف أنّه يشترط العلم بالثمن قدرا [1]
و عبدك بكذا و كذا) و في الصحيحة (أشتري منكم جاريتكم فلانة و هذا المتاع بكذا و كذا) أن تكون الضميمة أيضا ملكا للبائع ليكون الشراء منه حقيقة لا من غيره، ففي فرض الإجازة أيضا يكون البيع فاسدا في المجموع فضلا عن فرض الردّ.
ثانيهما: أنّ المشتري لو وجد عيبا سابقا في الآبق كان له الرجوع إلى البائع بأرشه و لو قبل حصوله بيده.
و الوجه فيه ظاهر بعد ما ذكرناه من دخول العبد الآبق في ملك المشتري من حين العقد و أنّ المستفاد من الروايتين أنّ تلفه باليأس عنه لا يكون مضمونا على البائع. نعم على ما نسب إلى كاشف الرموز من عدم دخول العبد ابتداء في ملك المشتري و إنّما يملكه بعد حصوله في يده، ليس له الرجوع بالأرش قبل ذلك.
[1] و قد استدلّ عليه بوجوه ثلاثة(1):
أحدها: الإجماع.
و الثاني: حديث نفي الغرر.
و الثالث: رواية حمّاد عن أبي جعفر عليه السّلام: (أنّه كره أن يشتري الثوب بدينار غير
1) لا إشكال في اعتبار العلم بقدر الثمن في الجملة لأنّه ممّا لا خلاف فيه قطعا و للنهي عن بيع الغرر فإنّ الجهل بقدر الثمن من أوضح أنحاء الغرر، نعم لو باعه شيئا بالقيمة السوقيّة و لكن لا يدري المشتري أو كلاهما القيمة السوقيّة حين البيع فالظاهر الصحّة إذ لا دليل على اعتبار العلم بالقيمة السوقيّة حال البيع إذ لا خطر في هذا البيع كما سيجيء و لم يثبت إجماع تعبّدي على بطلان البيع المذكور (الأحمدي).
درهم - أي إلاّ درهم - لأنّه لا يدري كم الدينار من الدرهم)(1)أي: قد لا يدري المشتري أنّ الدينار كم درهم؟ كما يتّفق ذلك للغرباء غالبا، فلا يدري أنّه اشترى بدينار إلاّ عشر دينا أو أقلّ أو أكثر، أي بأيّ مقدار من الدينار.
و نقول: أمّا الإجماع، فإن تمّ و كان حجّة فهو، و إلاّ فلا اعتبار به.
و أمّا الغرر، فقد عرفت ما فيه سندا و دلالة. نعم قد يكون الثمن مجهولا من جميع الجهات، كما إذا اشترى الثوب بشيء غير معيّن، فلا يصدق حينئذ على المعاوضة عليه عنوان البيع و الشراء عرفا، فيكون فاسدا، لعدم شمول أدلّة صحّة البيع له. و أمّا إذا كان معيبا في الواقع و كان مجهولا عند المشتري، كما إذا باعه بالقيمة السوقيّة، فلا خطر في ذلك و إن كان مجهولا.
و أمّا رواية حمّاد فلا دلالة فيها على الفساد، لأنّ الكراهة ظاهرة في الحكم التكليفي دون الوضعي.
ثمّ إنّه قد يستدلّ على الجواز في المقام(2)بصحيحة رفاعة: «قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام فقلت له: ساومت رجلا بجارية له فباعنيها بحكمي فقبضتها - إلى أن قال - فقال عليه السّلام: أرى أن تقوّم الجارية بقيمة عادلة، فإن كان قيمتها أكثر ممّا بعثت إليه كان عليك أن تردّ ما نقص من القيمة، و إن كان قيمتها أقلّ ممّا بعثت إليه كان عليك أن تردّ ما نقص من القيمة، و إن كان قيمتها أقلّ ممّا بعثت إليه فهو له...
الحديث»(1)فإنّها ظاهرة في جواز البيع بحكم المشتري.
إلاّ أنّه قد يناقش في الرواية؛ لأنّه إن كان المراد بحكمه ما يعيّنه المشتري، فلا وجه لتقويم الجارية و دفع الزيادة إلى البائع إن كانت القيمة أكثر ممّا بعثه إليه. و إن كان المراد به القيمة السوقيّة - كما استظهره صاحب الحدائق(2)فحمل الرواية عليه - فلماذا تكون الزيادة للبائع إذا كان ما دفعه المشتري إليه أكثر من القيمة السوقيّة؟
و قد أوّل المصنّف الرواية بما يلحق بالطرح، فإنّه قدّس سرّه حمل البيع على المساومة و أنّ المراد بقوله «باعنيها بحكمي» أنّه ساومه على ما يراه قيمة سوقيّة لها ثمّ أنشأ البيع على ما عيّنه من القيمة وكالة أو فضولة. و حكمه عليه السّلام بدفع الزيادة إمّا من جهة أنّ البائع يسقط خياره للغبن أو للحيوان - بناء على ثبوته للبائع - و العبارة «يسقط» بضمّ الياء من باب الإفعال، لا بالفتح كما توهّمه بعض الأكابر و أورد عليه بأنّ دفع الزيادة لا يوجب سقوط الخيار، أو لأنّ الجارية غير قابلة للردّ حتّى مع فساد البيع للاستيلاد أو التلف فيجب دفع القيمة السوقيّة. و ذكر المصنّف قدّس سرّه أنّ الحمل الأخير - أي على صورة التلف - ينافيه قوله عليه السّلام فيما بعد: (ليس عليك أن تردّها عليه).
و نقول: كلّ ذلك خلاف الظاهر؛ فإنّ ظاهر قوله «فباعنيها» أنّه باعها إيّاه بحكمه، لا أنّه ساومه ثمّ اشتراها بما رآه قيمة لها وكالة أو معاطاة. كما أنّ كون دفع الزيادة لأجل إسقاط الخيار أيضا خلاف الظاهر، بل ظاهر قوله عليه السّلام: (أرى أن تقوّم
الجارية بقيمة عادلة فإن كان قيمتها أكثر ممّا بعثت إليه كان عليك أن تردّ ما نقص من القيمة) إنّما هو من جهة أنّه من ثمن الجارية، لا أنّ هناك معاملتين.
هذا، و لكن يمكن توجيه الرواية بوجه آخر، بأن نقول: إنّ الثمن إنما كان هو القيمة السوقيّة لا بشرط عن الزيادة، كما هو المتعارف في الحمّالين، فإنّهم كثيرا ما لا يعيّنون الاجرة، بل يقولون - إذا سألهم صاحب المتاع عن الاجرة -: كلّما تريد، و من الظاهر أنّه لا يرضون بأقلّ من الاجرة السوقيّة، فهم يريدون القيمة السوقيّة لا بشرط عن الزيادة. و هذا نظير ما ذكرناه في بحث الصحيح و الأعم، من إمكان وضع اللفظ لمعنى لا بشرط عن الزيادة، كلفظة «الكلمة» الصادقة على القليل و الكثير، و لفظة «الدار» الموضوعة لحائط مشتمل على قبّة فصاعدا.
و بالجملة: كما يمكن في الأحكام التكليفيّة أن يأمر المولى بشيء لا بشرط عن الزيادة كما إذا أمر برسم خطّ، فإنّه إذا أوجد خطّا طويلا دفعة واحدة كان مصداقا للمأمور به، و إذا أوجد خطّا قصيرا كان هو المصداق له، كذلك في الوضعيّات يمكن أن يجعل الثمن كلّي الجامع بين بشرط شيء و بشرط لا.
فالبائع يملك الكلّي الجامع بين الأمرين في ذمّة المشتري، فله أن يطبّقه على الزائد، كما له أن يطبّقه على القيمة السوقيّة، فإذا طبّقه على الزائد كان بما فيه من الزيادة مصداقا للثمن، و لذا ليس له بعد ذلك الرجوع إليه.
و مورد الرواية من هذا القبيل، و لذا إذا زاد ما بعثه إليه عن القيمة السوقيّة ليس له الرجوع في الزيادة، لأنّها صارت جزءا من الثمن، و إذا نقص عنها لزم ردّه إليه، كما هو ظاهر. و عليه يندفع الإيراد عن صاحب الحدائق، حيث حمل الرواية على البيع
قوله قدّس سرّه: العلم بقدر المثمن كالثمن شرط بإجماع علمائنا [1]
بالقيمة السوقيّة(1)، و ليس في ذلك خطر أصلا.
فتلخّص ممّا قدّمناه: أنّ الإجماع على اعتبار العلم بمقدار الثمن إن تمّ فهو، و إلاّ فمجرّد الجهل بالثمن لا يستلزم خطرا في البيع فيما إذا باع أحد متاعا بالقيمة السوقيّة و لم يكن عالما بها. و رواية حمّاد قد عرفت عدم دلالتها على الفساد.
و بما ذكرنا ظهر الحال فيما حكاه المصنّف عن الإسكافي من تجويز قول البائع «بعتك بسعر ما بعت» فإنّه إن كان قوله «بسعر ما بعت» كناية عن القيمة السوقيّة - كما هو المتعارف في هذا التعبير - صحّ البيع. نعم إن أراد به ما قوّمه به في نفسه كان غررا، فيبطل بناء على مبطليّة الغرر(2).
و أمّا ما ذكره من ثبوت الخيار للمشتري فلم نعرف له وجها، فإنّ البيع لو لم يكن غرريّا صحّ و لا دليل على الخيار، و إن كان غرريّا باطلا فلا مجال فيه للخيار.
و بالجملة صحّة البيع مع ثبوت الخيار ممّا لم نعرف وجهه، بل هما متنافيان في المقام.
[1] يقع الكلام في اعتبار العلم بقدر المثمن في مقامين:
المقام الأوّل: في اعتبار ذلك فيه لا من جهة اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون. و الدليل على ذلك هي الامور المتقدّمة، إذ لا فرق بين الثمن و المثمن من هذه الجهة.
بل يدلّ على اعتبار العلم بالمثمن و عدم جواز المجازفة فيه تقرير الإمام عليه السّلام السائل على ما اعتقده من عدم جواز المجازفة فيه في الرواية المحكيّة في الوسائل، حيث سأله عن كيل ما لا يستطاع عدّه كالجوز، فيكيل مقدارا منه و يعدّه ثمّ يكيل الباقي بحسابه؟ فقال عليه السّلام: «لا بأس»(1)حيث إنّ الإمام عليه السّلام لم يردعه عمّا اعتقده و لم يقل له إنّ المجازفة في البيع غير مضرّة، فتأمّل. و بعدم الفصل بين الثمن و المثمن نتعدّى في الحكم إلى الثمن أيضا، فهذه الرواية تكون دليلا على اعتبار عدم المجازفة في كلّ من الثمن و المثمن، فتأمّل.
المقام الثاني: في اعتبار الكيل أو الوزن في المكيل و الموزون، فإنّ الوزن أضبط من الكيل، و هو طريق إليه.
و تدلّ عليه صحيحة الحلبي: (في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم و أنّ صاحبه قال للمشتري: ابتع منّى هذا العدل الآخر بغير كيل فإنّ فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعت، قال: لا يصلح إلاّ بكيل. قال: و ما كان من طعام سمّيت فيه كيلا، فإنّه لا يصلح مجازفة، هذا ممّا يكره من بيع الطعام)(2)و في رواية الفقيه: (لا يصح مجازفة)(3)و المعنى واحد. و تقريب الاستدلال بها ظاهر.
إلاّ أنّه قد يناقش فيها، من جهة إجمالها تارة، و أنّها غير معمول بها اخرى.
أمّا الإجمال، فأوّلا: من جهة أنّ ظاهر قوله عليه السّلام «سمّيت فيه كيلا»(4)التنويع،
1) الوسائل 259/12، الباب 7 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث الأوّل.
2) الوسائل 254/12، الباب 4 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث 2.
3) انظر من لا يحضره الفقيه 226/3، الحديث 3838.
4) فإن اريد بما سمّيت أي عيّنت فيه الكيل فلا يستقيم مع قوله عليه السّلام بعد ذلك فلا يصحّ مجازفة إذ التعيين كيلا مع المجازفة لا يجتمعان و أيضا تعيين البايع و كذا المشتري لا أثر له و لا دخل له قطعا و ظاهر تاء الخطاب دخل تعيين البائع في عدم الجواز مجازفة و أيضا قوله عليه السّلام سمّيت فيه كيلا يحتمل أن يكون معناه اشتريته بالكيل فيكون المراد من لا يصلح مجازفة عدم الصلاحيّة في مقام التسليم و القبض مجازفة و لا يكون مربوطا بالمقام و يحتمل أن يكون المراد منه تسمية الكيل في مقام المقاولة لا حين البيع و عليه فمفاده غير معمول به و يحتمل أن يكون معناه ما يكون مكيلا عرفا فانه لا يصلح بيعه مجازفة حتّى يكون دليلا على الحكم في المقام و على الاحتمالين الأخيرين فإنّ ضمير لا يصلح يرجع إلى البيع و رابعا من جهة توصيف الطعام بكونه سميت فيه كيلا مع أنّ الطعام ليس فيه قسمان فالتوصيف يكون قرينة على وجود التنويع فيه و هو ينافي مع ما ذكر من أنّ الطعام ليس فيه إلاّ المكيل فقط و خامسا من جهة قوله هذا ممّا يكون فإنّه أعم من عدم الصحّة إذ يحتمل أن يكون المراد منه الكراهة المصطلحة (الأحمدي).
و هو غير مستقيم لأنّ الطعام كلّه من المكيل و الموزون، و ليس منه ما لا يكون كذلك.
و ثانيا: أنّ قوله عليه السّلام: (هذا ممّا يكره من بيع الطعام) يكون قرينة على عدم إرادة نفي الصحّة من قوله «لا يصلح أو لا يصحّ مجازفة» و يوجب إجماله.
و أمّا عدم كونها معمولا بها، فلأنّ المعروف أنّ البائع يصدّق في إخباره بالكيل، و لو باع المكيل بغير كيل و لا وزن مبنيّا على كيل أو وزن خاص صحّ بلا خلاف، و قد صرّح في الرواية بعدم تصديق البائع في ذلك.
و لكن الظاهر عدم تماميّة شيء من الوجوه:
أمّا المناقشة الاولى فيردّها: أنّ ظاهر قوله عليه السّلام (سمّيت فيه كيلا) أي كان من المكيل عرفا(1). و يمكن أن يكون قيدا توضيحيّا لا احترازيّا، و إنّما جيء به
1) فإنّ هذا التعبير شائع كما يقال يصحّ الوضوء بما تسمّيه ماء أو التيمّم بما تسمّيه ترابا أي ما يكون ماء أو ترابا عرفا و المناقشة المذكورة مبنيّة على أن يكون معنى سمّيت فيه كيلا أي عيّنت كيله و أخبرت المشتري بذلك و أمّا على ما ذكرناه في معنى العبارة أي ما كان مكيلا في بلادك فلا موضوع لهذه المناقشة، و أمّا وجه التوصيف بكونه عندك مع تسليم كون القيد و الوصف احترازيّا فإنّه لما سيجيء من احتمال إرادة التنويع به فيكون وجه انتساب الكيل إلى تعيين البائع أو المشتري باعتبار كونهما في البلد الذي لا يباع فيه الشيء إلاّ مكيلا و يحتمل أن يكون المراد من قوله فإنّه لا يصلح بيعه مجازفة نفي صحّة البيع جزافا و لا ينفي صحّة بيع المكيل وزنا كما يمكن الجواب عنه بأن يراد منه التنويع بلحاظ البلدان فإنّه في بعض البلدان يباع الطعام بالكيل و في البعض الآخر بالوزن و عليه فتكون الرواية دليلا على عدم جواز بيعه في البلاد التي يباع فيها بالكيل مجازفة و أمّا بيعه بالوزن أو بيعه بالكيل في البلاد التي يتعارف فيها الوزن فالرواية ساكتة عنه و اجيب عنه بغير ذلك أيضا مثل حمل فلا يصحّ مجازفة على قبض ما بيع كيلا مجازفة و بدون الكيل كأن باعه عشرين طنّا من الحنطة بنحو بيع الكلّي ثم في مقام القبض يعطيه مقدارا جزافا بإزاء ذلك و عليه يكون سمّيت بمعنى عيّنت و لا يرد عليه الإشكال و الأظهر من الجميع ما ذكرناه تبعا للمصنّف (الأحمدي).
للإشعار بالعلّية، أي لبيان علّة الحكم بلزوم الكيل، و بهذا يخرج ذكر القيد عن اللغويّة. و لا ملزم لأن يكون ذكره للتنويع ليقال إنّ الطعام دائما من المكيل، و ليس فيه غير المكيل و الموزون، فما معنى التنويع؟
و أمّا المناقشة الثانية فيردّها: أنّ «يكره» ظاهرة في الكراهة اللغويّة، أي المبغوضيّة التي هي القدر الجامع بين الحرمة و الكراهة المصطلحة، فلا ينافي نفي الصحّة و لا يوجب إجمالها(1)لعدم صلاحيّتها للقرينيّة بالإضافة إليها.
1) بل يكون صدر الرواية و هو كلمة لا يصلح الذي هو بمعنى عدم الصلاح قرينة على إرادة الحرمة و المبغوضيّة من لفظ الكراهة لو لم نقل بظهورها في لسان الأخبار في خصوص المبغوضيّة المستلزمة للحرمة بقرينة ما ورد من أنّ عليّا عليه السّلام لم يكن يكره الحلال و بالجملة لا بأس بالاستدلال بالرواية المزبورة على الحكم المذكور و كذا بمفهوم صحيحة ابن محبوب المذكورة في المتن و مورد الصحيحة و إن كان خصوص المرابحة إلاّ أنّه يتعدّى عنه لعدم القول بالفصل و لا وجه لإطالة الكلام في بقيّة الروايات المذكورة في الكتاب (الأحمدي).
و أمّا المناقشة الثالثة(1)فيردّها: أنّ تصديق البائع في إخباره بالكيل الذي ورد به النصّ و الفتوى، إنّما هو فيما إذا كان إخباره مستندا إلى كيله، أي إلى الحسّ، كما يظهر من صحيحة ابن محبوب(2)و غيرها، دون ما إذا كان مستندا إلى الحدس، و مورد الصحيحة هو الثاني، و يشهد لهذا قوله عليه السّلام بعد ذلك (و لا يصحّ مجازفة) فليس ما ذكر في الصحيحة منافيا لما دلّ على حجّية قول البائع في إخباره بالكيل، فالاستدلال بها على اعتبار الكيل في المكيل لا بأس به.
و بالجملة: الدليل على اعتبار الكيل أو الوزن في المكيل أو الموزون أحد امور ثلاثة: من الإجماع، و نهيه صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر، و الأخبار الخاصّة.
1) و قد أجاب عنها في التذكرة بما حاصله أنّ وقوع العقد مبنيّا على ما أخبر به البائع يرفع الغرر إذا كان بحيث لو ظهر نقصه يجبر النقص و إلاّ فلا يرفع الغرر بمجرّد وقوع العقد مبنيّا على إخباره و لا يخرج عن كون البيع مجازفة به و لا يبعد أن يكون قوله في الرواية (فإنّه لا يصلح مجازفة) ناظرة إلى القسم الأخير أي عدم الخروج عن المخالفة بمجرّد الإخبار و قد يقال إنّ الأولى في الجواب أنّ قول البائع بما هو بائع من دون أن يتّصف بصفة الصدق و المأمونيّة في الإخبار لا يرفع الغرر و لذا لا يقبل قوله و لا يخرج عن البيع مجازفة بإخباره. و الجواب الأوّل و هو ما أفاده المصنّف تبعا للعلاّمة موافق لظاهر الخبر فإنّ قول البائع (اشتر منّي العدل الآخر فإنّ فيه مثل الذي اشتريته) مسوق لأخذ المشتري العدل الآخر كيف ما كان من دون التزام البائع بجبر الوزن إذا ظهر نقصه و وجه تنكير لفظ الكيل في قوله «سمّيت فيه كيلا» اختلاف المكاييل في حدّ نفسها و كذا اختلافها بحسب اختلاف الطعام (الأحمدي).
2) الوسائل 257/12، الباب 5 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث 7.
أمّا الإجماع، فعلى فرض تماميّته لا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقّن، و لا يعمّ الموارد المشكوكة.
و أمّا النهي عن بيع الغرر، فقد عرفت ما فيه. و على فرض التنزّل لا غرر فيما إذا باع طعاما بما يساويه في المقدار من جنسه أو غير جنسه، أو بضعفه في المقدار إذا كان من غير جنسه و كانت قيمته أغلى منه بمقدار الضعف أيضا، فإنّه لا غرر و لو لم يكن المكيال أو الميزان معلوما، و كذا إذا كان للبائع حدس قوي نادر التخلّف فحصل منه العلم بمقدار المبيع من دون كيل و لا وزن، و كذا إذا كان المبيع قليلا لا يوضع له كيل و لا وزن عرفا لقلّته و إن كان في نفسه من المكيل أو الموزون كحمّصة من الدهن بفلس أو فلسين، أو كان المبيع كثيرا لا يمكن وزنه في أكثر البلاد كزبر الحديد، فلا غرر في شيء من هذه الموارد.
و قد جعل المصنّف شمول نهيه صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر لهذه الموارد مبنيّا على أن يكون الغرر حكمة للحكم فليس منوطا بالغرر الشخصي، لا علّة ليدور مداره، فتأمّل.
و نقول: الظاهر أنّ ما ذكره من الترديد لا مجال له في المقام، لأنّه إنّما يصحّ فيما إذا جعل الحكم على موضوع ثمّ علّل بشيء فيقع الكلام في أنّه علّة أو حكمة، كما إذا قال: (لا تشرب الخمر لأنّه مسكر) فإن كان قوله (لأنّه مسكر) علّة يتعدّى عن الخمر إلى غيره من المسكرات و نقتصر في الخمر على ما هو مسكر دون ما لم يكن مسكرا لعارض، و هذا بخلاف ما إذا قلنا إنّه حكمة، فإنّه يقتصر حينئذ في الحكم على الخمر سواء كان مسكرا أو لم يكن.
و ليس المقام من هذا القبيل(1)، بل الغرر فيه عنوان للموضوع، و هو ظاهر في
1) إذ الغرر لم يذكر في الروايتين المتقدّمتين و لا غيرهما لا عنوانا و لا تعليلا عن المكيل و الموزون و ما في التقرير من أنّ الغرر فيه عنوان للموضوع إلى آخره اشتباه كما لا يخفى فلا وجه للنزاع في أنّ الغرر في المورد شخصي أو نوعي بل أدلّة المقام أجنبيّة عن الغرر بالكلّية و إنّما تدلّ على اعتبار أمر آخر زائد على مسألة عدم كون البيع غرريّا فما استظهره المصنّف من الأخبار من أنّ اعتبار الكيل و الوزن لأجل رفع الغرر و تكلّم بعد ذلك في أنّ اعتبارهما لرفع الغرر الشخصي أو النوعي في غير محلّه، نعم لا بأس بالتكلّم في الفروع التي ذكرها و الظاهر هو الحكم بصحّة البيع في جميع تلك الموارد حسب التفصيل الآتي، ففيما لو بيع الطعام كالحنطة بما يقابله من الحمّص في الميزان مثلا فالوجه في الحكم بالصحّة فيه أوّلا أنّ اعتبار الكيل المستفاد من أدلّة اعتباره إنّما هو طريقي لأجل معرفة الكمّية و المقدار المتعارف لمناسبة ذلك مع فهم العرف لا أنّ للكيل موضوعيّة و عليه فلو علم المقدار من الوزن و الكيل بغيرهما كإخبار المعصوم أو الحدس القوي يصح بيع المكيل و الموزون بدونهما كما أنّ المقصود من تلك الروايات و من قوله (لا تبعه إلاّ بكيل) في نظر العرف بمناسبة الحكم و الموضوع خروج المعاملة عن كونها جزافيّة و عليه فبيع الشيء بما يقابله في الوزن المتساويان قيمة يخرجه عن البيع جزافا و إن لم يعلم مقداره كما هو واضح، و ثانيا ذيل الرواية و هو قوله عليه السّلام فإنّه لا يصلح أو لا يصحّ مجازفة ظاهر في التعليل و أنّ المدار على خروج الشيء عن البيع الجزافي المؤيّد ذلك بأنّه من البعيد وجوب الكيل تعبّدا و بحكم الفقهاء بجواز تبديل المكيل بالوزن لأنّه أضبط و بقوله عليه السّلام في رواية العطّار (إذا ائتمنك فلا بأس) المشعر بأنّ تصديق قول البائع عند الائتمنان إنّما هو لكون اعتبار الكيل طريقيّا و المتحصّل من رواية الحلبي بضميمة ما تقدّم من التعليل و المؤيّدات اعتبار أحد الأمرين في المكيل و الموزون إمّا الكيل و الوزن على نحو الطريقيّة أو خروج المعاملة عن الجزافيّة، و في صورة ما إذا عرف المتبايعان الكمّية بالحدس القوي الموجب للاطمينان بالكمّية تصحّ المعاملة أيضا لما تقدّم في الصورة المتقدّمة، و أمّا صحّة معاملة الغرباء بالأوزان المتداولة في البلد كالحقّة في العراق مع أنّه لا يعرفون مقدار الأوزان فإنّه لعدم صدق البيع مجازفة إذ المجازفة على ما يظهر من اللغة هو الأمر المتسامح فيه و لذا يقال في حقّ من لا يضبط كلامه أنّه مجازف في القول كما أنّه يرفع غرره بالمشاهدة، نعم لو اشترى الغريب بنحو الكلّي لا يصحّ شراؤه لصدق الغرر في حقّه و إن لم يكن البيع مجازفة (الأحمدي).
الغرر الشخصي، كحديث نفي الضرر و دليل نفي الحرج الظاهرين في الحرج و الضرر الشخصي، فلا يرتفع الوضوء عن شخص إذا لم يكن ضررا أو حرجا عليه و لو كان ضرريّا أو حرجيّا لنوع المكلّفين. و هكذا الغرر يكون المعيار فيه بالغرر الشخصي فما لم يكن البيع بشخصه غررا لا يعمّه نهيه صلّى اللّه عليه و آله.
و أمّا الأخبار الخاصّة الظاهرة في اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون، فهل هي قابلة لتقييد إطلاقات أدلّة البيع مطلقا، أو ليست قابلة لتقييدها مطلقا، أو يفصّل بين الموارد؟
الظاهر هو الأخير(1)لأنّها لا تعمّ الموارد المذكورة:
أمّا صورة العلم أو الاطمئنان بمقدار المبيع فهي خارجة عنها، لأنّ الكيل و الوزن ليست لهما موضوعيّة، و إنّما هما طريقان لمعرفة المقدار، و لذا إذا فرضنا أنّ المعصوم عليه السّلام أخبر بالوزن أو الكيل، أو أنّ البيّنة قامت على وزن المبيع أو كيله بأن أوزنه غير البائع، لم تكن حاجة إلى كيل البائع أو وزنه، و هكذا إذا كانت معرفة المقدار بالحدس القوي الموجب للاطمئنان.
و أمّا فرض عدم تعارف الميزان لقلّة المبيع أو كثرته فليس موردا للعمومات، لأنّ ظاهرها - كقوله عليه السّلام (سمّيت فيه كيلا) - إنّما هو فيما يكون المبيع من المكيل
1) إذ لا خفاء في أنّ صحيحة الحلبي المتقدّمة الدالّة على اعتبار الكيل في المكيل أظهر دلالة من سائر الروايات على ذلك و أنّها و سائر الروايات تدلّ في الجملة على اعتبار أمر زائد في المكيل و الموزون على عدم الغرر (الأحمدي).
و الموزون في البيع فعلا بشخصه، و لا يعمّ ما إذا كان كذلك في نفسه - أي في أصله - كما هو المراد من المكيل و الموزون في باب الربا على ما يستفاد من أدلّته.
فالدراهم و الدنانير - مثلا - تعدّان في باب الربا من الموزون و يجري فيهما الربا لأنّهما من الموزون في أصلهما و في نفسهما، و لا يجري عليهما حكم الموزون في المقام، فلا يعتبر في بيعها الوزن، و سرّ الفرق ما ذكرناه(1).
و عليه، فالقليل من الدهن و كذا زبر الحديد(2)ليسا من المكيل فعلا و إن كانا منه في نفسهما، فلا يعتبر فيهما الكيل و الوزن.
و بالجملة: اعتبار الكيل و الوزن إنّما هو فيما يكون من المكيل و الموزون في مقام البيع، لا فيما هو كذلك باعتبار أصله كالدرهم و الدينار، فلا يعتبر فيهما الكيل و الوزن، بل هما فعلا من المعدود. و لذا إذا فرضنا أنّ درهما أو دينارا اشترى به شيئا فبان نقصانه عن الوزن المتعارف فيه، لا يعدّ ذلك من باب تبّعض الصفقة ليسترجع ما يقابله من عوضه، بل يكون من باب ظهور العيب فيثبت به الخيار أو الأرش، بل في غير الدرهم و الدينار من المسكوكات التي موادّها من غير الذهب و الفضّة - كالصفر و الحديد و النيكل - ممّا لا يكون الناقص و الممسوح منها معيبا عرفا، لا
1) نعم في بعض المسكوكات التي يكون الميزان بوزنها عند العرف و لو في هذا الحال أيضا كالليرة الذهبيّة يعتبر في صحّة بيعها أن تكون بالوزن و نلتزم بالبطلان بدونه، و في غيرها ممّا ليس المعيار فيه بالوزن عند العرف تصحّ بدونه، نعم إذا نقص عن الوزن المقرّر يكون المبيع أو الثمن معيوبا فيجيء فيه خيار العيب و يدلّ على ما ذكرنا ظاهر صحيحة ابن عبد الرحمان (الأحمدي).
2) ممّا لا يكيل لقلّته أو كثرته إذ بنظر العرف لم يوضع لمثلهما المكيال و الميزان (الأحمدي).
يثبت الأرش و لا الخيار أيضا، كما يشهد لذلك صحيحة ابن عبد الرحمن(1)المذكورة في المتن(2).
ثمّ ما يعتبر فيه الكيل أو الوزن يعتبر فيه أمران:
فلابدّ أن يكال أو يوزن بما هو المتعارف بين الناس، فلا يكفي أن يأتي أحد بصخرة و يقول أبيعك بوزنها طعاما بكذا، بل لا بدّ و أن يوزن بما هو المتعارف بين الناس.
كما يعتبر فيه أيضا أن يكون الوزن أو الكيل معلوما للبايع و المشتري في الجملة و لو بالمشاهدة، فإذا فرضنا أنّ أحدا دخل بلدا فاشترى منّا من الحنطة من غير أن يعلم أنّ المراد ب «المنّ» هو المنّ التبريزي أو الخراساني أو العراقي لم يصحّ، فلابدّ
1) الوسائل 473/12، الباب 10 من أبواب الصرف، الحديث 7.
2) و الحاصل أنّه في بيع الدرهم و الدينار و نحوهما من المسكوكات تتصوّر صور، أحدها أن يكون مقدار ماليّته بمقدار وزنه كالمسكوك من الذهب ففي مثله لا يصحّ بيعه إلاّ بالوزن كما تشير إليه صحيحة عبد الرحمان و يجيء فيه الربا، ثانيها أن يكون الميزان في ماليّته بنفس المسكوكيّة و لكن مشروطا بعدم نقصانه عن المقدار المتعارف و في مثله لا يعتبر الكيل و الوزن في صحّة بيعه و لا يجري فيه الربا لكن لو ظهر نقصانه يكون للمشتري خيار تخلّف الشرط، ثالثها أن يكون المدار في ماليّته على المسكوكيّة من دون اشتراط شيء من عدم الزيادة و عدم النقصان فيه ففي مثله لا يعتبر الكيل و الوزن و لا يجري فيه الربا و تخلف الزيادة و النقصان فيه لا يوجب الخيار و إليه يشير قول الصادق عليه السّلام (إلاّ أن يكون من الدراهم الأوضاحيّة فإنّها تكون عندنا عددا) و من هذا التعليل يظهر عدم صحّة ما أفاده المحقّق النائيني من أنّ عدم اعتبار الكيل و الوزن في الأوضاحيّة لعدم نقصانها عن المقدار المتعارف إذ ما أفاده لا يلائم مع التعليل المزبور بل يلائم مع التعليل بأنّها لا تزيد و لا تنقص (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ الحكم في المعدود و وجوب معرفة العدد فيه [1]
و أن يعرفه و لو بالرؤية، بأن يريه البائع الكيل أو الوزن المتعارف فيشتري به. نعم العلم بذلك بالجملة غير لازم، بل غير ممكن لأكثر الناس، بل للجميع، لعدم معرفة الناس بمثاقيل الأوزان و المكاييل، بل لا يمكن معرفته بالدقّة أصلا، لرجوع الأوزان إلى جزء لا يتجزّأ، و لا وجود له خارجا، و لذا تكون الأوزان في بلد واحد مختلفة، حتّى في أوزان الصيّاغ التي هي أضبط من غيرها على ما قيل، فيكفي العلم بها في الجملة و لو لم يعرف أنّ الوزن الخاص - كالكيلو - كم غرام؟ أو كم مثقال؟ و كم المثقال من الحمّصة؟ و هكذا.
[1] الظاهر اعتبار العدّ في المعدود(1)، كما صرّح به في رواية الجوز(2)، غايته يكتفى عن العدّ بالوزن كما في الرواية.
ثمّ غير المكيل و الموزون و المعدود ممّا يباع بالأمتار، فالظاهر اعتبار الذرع فيه و إن لم يكن حكمه مذكورا في الأخبار صريحا، إلاّ أنّه يمكن استفادة اعتبار ذلك فيها من الأخبار للقطع بعدم الفرق، فلابدّ من معرفة مقدارها، و لا يكون إلاّ بالذرع.
و أمّا غير المعدود من المكيل و الموزون فلابدّ فيه من الرجوع إلى متعارف البلاد، و هي تختلف كما لا يخفى.
1) و قد خالف في ذلك المحقّق الأردبيلي من جهة دعوى أنّه لا دليل عليه، و فيه أنّ صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام (أنّه سئل عن الجوز لا نستطيع أن نعدّه فيكال بمكيال ثمّ يعدّ ما فيه ثمّ يكال ما بقي على حساب ذلك العدد؟ قال لا بأس به) دليل عليه، إذ المفروض في ذهن السائل كان لزوم العدّ و لذا سئل عن طريقيّة الكيل للعدّ و قد قرّره على ما في ذهنه بقوله عليه السّلام لا بأس، فتقريره دليل على الاعتبار، و سيأتي بيان ما يكون من المعدود و تميّزه عن غيره و أنّه هل يصحّ جعل الوزن أمارة عليه أم لا (الأحمدي).
2) الوسائل 259/12، الباب 7 من أبواب عقد البيع و شروط، الحديث الأوّل.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لو قلنا بأنّ المناط في اعتبار تقدير المبيع [1]
[1] يقع الكلام تارة في جواز بيع الموزون بالكيل أو المكيل بالوزن، و اخرى في بيع المعدود بالوزن أو الكيل، فهنا مقامان:
المقام الأوّل: لا إشكال في جواز بيع المكيل بالوزن و كذا العكس، بناء على كون اعتبارهما من جهة ارتفاع الغرر الشخصي.
و أمّا بناء على استفادة ذلك من الأخبار، فالأقوال فيه ثلاثة:
ثالثها: التفصيل بين بيع المكيل بالوزن فيصحّ، و بين عكسه فلا يصحّ.
أمّا الجواز مطلقا، فالوجه فيه(1)رواية وهب(2)، فإنّها إمّا ظاهرة في ذلك، و إمّا مجملة كبقيّة الروايات الواردة في اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون فيرجع إلى عمومات حلّ البيع و التجارة عن تراض.
و فيه: أنّ الرواية ظاهرة في اللفّ و النشر و اعتبار الكيل في المكيل و الوزن في الموزون، و لا يستفاد منها كفاية المجموع عن المجموع، أي كلّ من الأمرين عن
1) حكي عن الدروس جوازه مطلقا مستدلاّ برواية وهب نقلا عن نقل إلى أن ينتهي إلى علي عليه السّلام (لا بأس بسلف ما يوزن فيما يكال و ما يكال فيما يوزن) لكنّه من الواضح عدم صحّة الاستدلال بها لقصورها سندا و دلالة، أمّا سندا لضعف وهب المعروف بأبي البختري، و أمّا دلالة فإنّها ظاهرة في جواز جعل ثمن المكيل في بيع السلف من الموزون و بالعكس فإنّه يقال أسلف الشيء في شيء أي جعله ثمنا في بيع السلف و عليه فلا ربط لها بالمقام و يؤيّد ذلك أنّ الشيخ قدّس سرّه ذكرها في باب إسلاف الزيت في السمن، نعم بناء على ما تقدّم من أنّ الميزان في صحّة معاملة المكيل و الموزون أحد الأمرين، من الكيل و الوزن على نحو الطريقيّة إلى تعيين مقدار المبيع أو خروج المعاملة عن كونها جزافيّة، لا يبعد صحّة بيع المكيل بالوزن دون العكس إذا لم يكن غرريّا بأن يكون المبيع مشهودا للمشتري كي يرى مقدار الحجم أيضا (الأحمدي).
2) الوسائل 63/13، الباب 7 من أبواب السلف، الحديث الأوّل.
الآخر(1)، و من الواضح أنّ ما يكون قوام ماليّته بالوزنه فبيعه بالكيل يكون جزافا،
1) فالتحقيق أن يقال إنّه تارة يكون كيل ما يوزن و بالعكس من باب الطريقيّة بأن يجعل الكيل مثلا طريقا إلى تعيين الوزن و اخرى لا تلاحظ فيه الطريقيّة بل يجعل كيل ما يوزن في عرض الوزن ملحوظا بنفسه و كذا العكس، و على الأوّل تارة لا يتفاوت الكيل مع الوزن و الوزن مع الكيل إلاّ بالمقدار المتسامح فيه و اخرى يكون التفاوت ممّا لا يتسامح فيه، لا إشكال في جواز القسم الأوّل من الشقّ الأوّل مطلقا كما تقدّم وجهه سابقا و اعتبر العلاّمة في جوازه تعسّر الوزن و احتمل المصنّف أن يكون وجه نظره رواية عبد الملك (قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام أشتري مائة راوية من زيت فأعترض راوية أو اثنتين فأزنهما ثمّ آخذ سائره على قدر ذلك؟ قال لا بأس) فإنّ وزن مائة راوية يكون متعسّرا غالبا، لكن فيه أنّ وزن مائة راوية لا يكون عسرا غالبا و يحتمل أن يكون وجه نظر العلاّمة إلى صحيحة الحلبي المتقدّمة في عدّ الجوز المكيل حيث إنّ السائل قال لا نستطيع أن نعدّه، فإنّ ظاهره أنّ عدم جواز ذلك فيما كان مستطاعا عدّه مرتكز في ذهنه و قد قرّره على ذلك إذ لم يردعه عنه فيكون ذلك قرينة على أنّ الجواز مختصّ بصورة تعذّر العدّ، و فيه أنّ ذكر كلمة (لا نستطيع عدّه) في كلام السائل لم يعلم أنّه كان لأجل توهّم دخله في ذهن السائل في الحكم بالجواز بل لعلّ ذكره لبيان الغالب فإنّ عدّ المقدار الكثير من المعدود يكون متعسّرا غالبا فلا يتمّ ما رامه من الاستدلال بها على عدم الجواز في غير صورة التعسّر. و أمّا القسم الثاني من الشقّ الأوّل فظاهر كلام المصنّف هو الجواز أيضا لأنّ الكيل فيما يوزن أمارة على الوزن و بالعكس حسب الفرض فلا يصدق عليه الجزاف بل يكون نظير إخبار البائع بالمقدار و يتخيّر المشتري لو انكشف التفاوت بالنقص، و فيه مع المناقشة في صدق الأماريّة مع تحقّق الاختلاف غير المتسامح فيه بين الكيل و الوزن إذ كيف يمكن أن يكون الشيء أمارة على شيء مع كونه مؤدّيا إلى خلافه اللهمّ إلاّ أن يكون تحقّق الاختلاف المزبور قليلا و نادرا و هو خلاف الفرض، أنّ المعاملة المزبورة بالنسبة إلى بيع الموزون بالكيل مع فرض الاختلاف الفاحش مصداق للجزاف فإنّ مجرّد الكيل في الموزون و بالعكس لا يوجب رفع الجزافيّة إلاّ أن يكون التفاوت بينهما قليلا و متسامحا فيه و إلاّ فلا فرق بين أن يباع الموزون بهذا الكيل أو بملأ اليد و مجرّد البناء على أنّه يبيع بالوزن لا يوجب صحّة البيع المجهول وزنه و إلاّ يمكن فرض هذا البناء في المجازفة أيضا، نعم لو لم يكن الوزن طريقا للكيل بل لوحظ استقلالا لا يبعد صحّة البيع المزبور إذا لم يكن غرريّا كما تقدّم، و أمّا الشقّ الثاني فالأقوال فيه ثلاثة، ثالثها التفصيل المذكور في التعليقة و التزم به المصنّف تبعا للمشهور للوجه المذكور، و فيه أوّلا أنّ كون الوزن أصلا للمكاييل من سابق الزمان هو أوّل الكلام و لم يثبت بدليل و إن سلّمنا أنّه فعلا يكون أصلا لها، و لو سلّمنا ذلك ففيما إذا صار المدار في بيع شيء و بالعرض عند العرف بالكيل فبيعه بالوزن مستقلاّ من دون لحاظ كونه طريقا إلى الكيل قد يقال إنّه من أوضح الجزاف إذ المقصود في مثله الحجم دون الثقل مع أنّ الجنس الواحد مع الاتّحاد في الحجم كالآجر و الرمل يختلف بعض أفراده مع البعض الآخر في الثقل و الخفّة، و فيه ما عرفت من أنّه مع بيع الشيء بالوزن لا يصدق أنّه باعه مجازفة، فظهر من ذلك بطلان الكيل في الوزن دون العكس في الشقّ الثاني (الأحمدي).
و كذا بالعكس، فيدخل في دليل المنع عن بيع المكيل و الموزون جزافا، فهذا القول ساقط.
و أمّا القول بالتفصيل، فمنشؤه أنّ الأصل في التقدير هو الوزن، و الكيل إنّما جعل طريقا إليه للسهولة أو لتعذّر الوزن غالبا، و لذا ترى أنّ الأكيال لا ترجع إلى كيل واحد، بخلاف الأوزان فإنّها ترجع إلى المثقال أو إلى الحمّصة، فلابدّ من أن يكون مأخذها الوزن، فإذا كان الوزن هو الأصل فلا مانع من الرجوع إليه. و أمّا العكس فيما لم يجعل الكيل فيه طريقا إلى الوزن، فإنّه من بيع المجازفة فيما يكون ماليّة المبيع متقوّمة به، و هو ممنوع.
و ما أفاده ثانيا و إن كان صحيحا، إلاّ أنّه يرد على ما ذكره أوّلا أنّه إنّما يتمّ فيما علم أنّ الكيل فيه جعل طريقا إلى الوزن، و قد ذكرنا أنّ اعتبار الوزن في الموزون ليس لموضوعيّة فيه، و إنّما هو من جهة معرفة المقدار، و لذا يكفي التعيين
و الاطمئنان به من أيّ سبب حصل، كما دلّ على ذلك رواية عبد الملك في شراء مائة راوية(1). و أمّا فيما لم يجعل الكيل فيه طريقا إلى الوزن، فالاكتفاء في مثله بالوزن عن الكيل يكون من المجازفة فيما تتقوّم به ماليّة المبيع.
فالصحيح هو المنع مطلقا، إلاّ إذا جعل أحد الأمرين طريقا إلى الآخر.
و احتمال التفاوت إن كان ممّا يتسامح به فلا يوجب الخيار أيضا، لأنّه موجود في الأوزان المتعارفة في بلد واحد أيضا، و إلاّ فيثبت الخيار للمشتري إذا ظهر النقص، كما أشار المصنّف إلى ذلك بقوله قدّس سرّه: فالظاهر أيضا الجواز مع البناء على ذلك المقدار المستكشف من التقدير... إلى آخره.
و قد أورد عليه الميرزا قدّس سرّه: بأنّ لازمه جواز البيع مبنيّا على مقدار خاص و لو لم يكن هناك كيل و لا وزن أصلا(2).
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ مورد كلام المصنّف ما إذا أخبر البائع بمقدار المبيع - لطريقيّة الكيل عن الوزن - و باعه مبنيّا على ذلك الوزن، و قد فرضنا أنّ إخبار البائع حجّة لقوله عليه السّلام: (إذا ائتمنك فلا بأس)(3)فكيف يقاس به ما إذا لم يخبر البائع بالمقدار و إنّما يبيعه مجازفة مبنيّا على مقدار خاص، فتأمّل.
ثمّ إنّ المصنّف بعد ما ذكر اعتبار علم كلّ من المتبايعين بالوزن في الموزون، رتّب عليه فساد المعاملة إذا وقعت بوزن معلوم عند أحدهما دون الآخر و إن كان متعارفا في البلد، كالحقّة و نحوها من الأوزان المتعارفة في العراق التي لا يعرفها
قوله قدّس سرّه: و أمّا المعدود [1]
الأعاجم و أنّها تساوي أيّ مقدار من الأوزان المتعارفة عندهم و إن كان مشاهدا، فإنّ المشاهدة أو ذكر أحد هذه العناوين لا يوجب معرفة الجاهل.
و نقول: لا يستفاد من الأدلّة الواردة في اعتبار الوزن أو الكيل أكثر من اعتبار أمرين:
أحدهما: أن يكون ذلك بما هو متعارف البلد.
ثانيهما: أن يكون معلوما لدى المتبايعين في الجملة و لو بالمشاهدة، و أمّا المعرفة تفصيلا فلا يحصل إلاّ للأوحديّ من الناس حتّى من أهل البلد، إذ الغالب من أهل العراق أيضا لا يدرون أنّ الحقّة كم مثقال و المثقال ينتهي إلى أيّ شيء، فلو اعتبرنا ذلك لزم عدم جواز معاملة أكثر الناس.
هذا كلّه في المكيل و الموزون.
[1] ظاهر صحيحة الحلبي الواردة في بيع الجوز(1)اعتبار العدّ في المعدودات، حيث إنّ السائل بحسب ظاهر السؤال كان معتقدا لذلك و قرّره الإمام عليه السّلام على اعتقاده و لم يردعه.
كما يستفاد أيضا من ذيلها جواز جعل الوزن طريقا إلى العدّ.
و توهّم اختصاص ذلك بالاضطرار لتقييد السؤال به فاسد؛ لأنّ التقييد إنّما هو من جهة أنّ العدّ لو كان ميسورا و كان عدد المبيع قليلا لم يكن داع على وزن مقدار منه أو كيله ثمّ كيل ما بقي أو وزنه بذلك الحساب لأنّه أصعب من العدّ حينئذ، و ليس التقييد لأجل دخل القيد في الحكم، فلا مانع من جعل الكيل أو الوزن طريقا إلى
1) الوسائل 259/12، الباب 7 من أبواب عقد البيع و شروطه.
قوله قدّس سرّه: بقي الكلام في تعيين المناط في كون الشيء مكيلا أو موزونا [1] العدّ مطلقا.
ثمّ هل يكفي فيها الوزن أو الكيل أصالة، أو لا يكفي شيء منهما، أو يفصّل بين الوزن و الكيل فيكفي الأوّل دون الثاني كما اختار المصنّف و استظهره من بعض الكلمات؟ وجوه.
و الصحيح هو المنع مطلقا، لأنّه من بيع المجازفة، إذ لا نعني بها إلاّ أن لا يكون ما به قوام ماليّة شيء عرفا معلوما للمتبايعين، و قد فرضنا أنّ المعدود تكون ماليّته بالعدد(1)، و هو لا يعرف بالوزن و لا بالكيل، فتكون من بيع المجازفة.
1) في هذا التعبير ما لا يخفى إذ لا معنى لأن يكون قوام ماليّة شيء عرفا بالعدّ بل الصحيح في التعبير أن يقال المعدود يعيّن مقدار ماليّته عند العرف بالعدّ فلا يصحّ بيعه بدونه للغرر، لكن حسب ما تقدّم من أنّ المستفاد من التعليل في صحيحة الحلبي (فإنّه لا يصلح مجازفة) أنّه يصحّ البيع غير الجزافي و بما أنّ بيع المعدود وزنا لا يكون مصداقا للجزاف فإذا رفع الغرر عنه بالمشاهدة بأن تكون المشاهدة طريقا لتعيين العدد يصحّ بيعه وزنا، نعم لو لم يرتفع عنه الغرر بالمشاهدة فإنّ مجرّد عدم صدق بيعه جزافا لا يكفي في الصحّة فاللازم هو التفصيل (الأحمدي).
2) و أمّا غير المعروف فعلى وجوه منها أن يكون الاعتبار بما يكون مكيلا أو موزونا في خصوص زمان الشارع فلا اعتبار بما صار كذلك بعده و إن كان حدوث ذلك الشيء بعد عصر صاحب الرسالة صلّى اللّه عليه و آله، و منها أن يكون الاعتبار بما يكون مكيلا أو موزونا فعلا و عدمه من دون ملاحظة حالته في زمان الشارع أصلا، و منها التفصيل بين باب الربا و المقام ففي الأوّل الاعتبار بالوجه الأوّل و في الثاني بالثاني (الأحمدي).
3) الحدائق 471/18.
الجواهر(1)
و كيف كان فإنّ ما كان من المكيل أو الموزون في عصرنا لا إشكال في عدم جواز بيعه بغير الكيل و الوزن لإطلاق الأدلّة و إنّما الإشكال فيما كان من المكيل أو الموزون في عصرهم عليهم السّلام أو عصر النبي صلّى اللّه عليه و آله و خرج منهما في عصرنا، و قد استدلّ لاثبات حكم المكيل و الموزون عليه في عصرنا أيضا بوجهين، أحدهما: دعوى لزوم حمل لفظ المكيل و الموزون في الروايات كسائر الألفاظ و المفاهيم على المكيل و الموزون في عرفهم عليهم السّلام إن كان لهم عرف خاص و إلاّ فعلى العرف العام إذ أوّلا مفهوم المكيل و الموزون من المفاهيم الواضحة سابقا و لاحقا و المفهوم منه سابقا هو المفهوم منه لا حقا و ليس اصطلاح خاص لعرف زمان الشرع بالنسبة إليهما قطعا و الاختلاف بين الزمانين إنّما هو في المصداق و المنطبق عليه فقط فليس النزاع في تعيين مفهوم هذين اللفظين بل حقيقة النزاع ترجع إلى أنّ مصبّ هذه الروايات مصبّ القضايا الخارجيّة فلا تصدق إلاّ على ما هو المكيل و الموزون في زمانهم عليهم السّلام أو أنّ مصبّها مصبّ القضايا الحقيقيّة حتّى يكون المدار على المكيل و الموزون الفعلي بحسب كلّ عصر و لا خفاء في ظهور القضايا في الثاني و لأجله قلنا بأنّه ما كان من المكيل و الموزون في عصرنا يثبت له حكم المكيل و الموزون قطعا حتّى عند المصنّف و صاحب الحدائق و الجمع بين القضيّتين الحقيقيّة و الخارجيّة في لفظ واحد بحمله على الخارجيّة بالنسبة إلى المكيل و الموزون في عصرهم و على الحقيقيّة في غير ذلك ممّا لا شاهد عليه إذ لو قلنا بصحّة استعمال اللفظ وارادة المعنيين منه فإنّه خلاف الظاهر مع أنّه في المقام ليست إرادتهما معا من استعمال اللفظ في المعنيين بل من قبيل الجمع بين اللحاظ اللآلي عند إرادة القضيّة الخارجيّة من اللفظ أي ما يكون مشيرا إلى الأفراد أعنى ما كان مكيلا و موزونا في عصر صاحب الرسالة و اللحاظ الاستقلالي عند ارادة القضية الحقيقيّة و لوصحّ ذلك يحتاج إلى قرينة قطعا. الوجه الثاني دعوى الإجماع على ذلك بتقريبات ثلاثة ذكرها المصنّف، أحدها ما نقله عن المبسوط و التذكرة من عدم الخلاف في أنّ المكيال مكيال أهل المدينة و الميزان ميزانهم و من ذلك يظهر ما في كلام صاحب الجواهر حيث قال لم أجد ذلك في كلام أحد من الأساطين، الثاني أنّه ذكروا في باب الربا البيعي عدم جواز التفاضل في المكيل و الموزون و ذكروا أيضا عدم جواز بيع المجازفة فيهما كما ذكروا في مقام تحديدهما في باب الربا ما عرفته من المبسوط و التذكرة فالظاهر أنّ التحديد المذكور فيهما تحديد لموضوع كلا الحكمين لا خصوص الربا المعاملي، الثالث أنّه يستفاد من كلمات جماعة نقل كلامهم التسالم على أنّ من شرائط الربا أن يكون ممّا يكال أو يوزن كما أنّه يستفاد من كلماتهم أنّ ما كان مكيلا أو موزونا في عصر صاحب الرسالة صلّى اللّه عليه و آله يأتي فيه الربا و لو تبدّل عن ذلك في غير ذلك العصر و من ضمّ الحكمين المذكورين المتسالم عليهما يستفاد أنّ الاعتبار في الكيل و الوزن بما كان مكيلا أو موزونا في عصره صلّى اللّه عليه و آله لكن ضعف الوجه الأخير ممّا لا يخفى فإنّ غاية ما يستفاد منه اعتبار أن يكون الشيء مكيلا أو موزونا في الجملة و لو في عصر صاحب الرسالة في جريان الربا فيه و لا يستفاد منه ما رامه من النتيجة كما أنّ دعوى كون التحديد المذكور في المبسوط و التذكرة تحديدا لكلا الموضوعين إنّما يتمّ لو كانت المسألتان مذكورتين في موضوع واحد لكنّه ليس كذلك فلا وجه لجرّ ما حدّدوه في باب الربا إلى باب البيع و من ذلك تعرف المناقشة في الوجه الأوّل لأنّ المبسوط و التذكرة إنّما ذكرا نفي الخلاف في باب الربا فلا وجه لجرّه إلى محلّ الكلام.
ثمّ إنّه بعد ما اتّضح أنّ المدار في المكيل و الموزون على المكيل و الموزون حال البيع بالفعل يقع الكلام في أنّ المدار على المتّصف بهما في العرف العام بمعنى أن يكون أكثر ما يقع في القطر عليه أو يكون المدار على المكيل و الموزون بحسب بلد البيع كيف ما كان و الظاهر هو الثاني لأنّه مع اختلاف البلدان ينصرف قوله عليه السّلام (و ما كان مكيلا أو موزونا فلا تبعه بغير كيل و وزن) إلى المتعارف في بلد البيع مع أنّ تشخيص العرف العام بالمعنى المتقدّم لغالب الناس خصوصا في الزمان السابق مشكل جدّا فيكون ذلك أيضا قرينة على إرادة المتعارف في البلد. و قد تحصّل من ذلك كلّه أنّه من حيث المكان يكون المدار على متعارف ذلك المكان لا عرف المتبايعين بالخصوص إن فرض لهما عرف خاص، و لا عرف أكثر البلدان و نحوه فإنّ ظاهر قوله عليه السّلام ما سمّيت فيه كيلا، إشارة إلى ما هو متعارف بحسب بلده و مكانه و أمّا حمل اللفظ على العرف العام فهو إنّما يكون عند اختلاف العرف العام و الخاص من حيث المفهوم لا مثل المقام، و أمّا مقطوعة ابن هاشم (و لا ينظر فيما يكال أو يوزن إلاّ إلى العامّة) فإنّها و إن كانت ظاهرة في الرجوع إلى العامّة إلاّ أنّه لا يدلّ على العرف العام بالمعنى المتقدّم إذ لعلّ المراد منه عامّة كلّ بلد و متعارفهم لا الشواذّ منهم مع أنّ الرواية من جهة ضعفها لا يحتجّ بها و من باب عدم الردّ يحمل على صورة تعذّر الاطّلاع على عامّة بلد المتبايعين بأن يراد من العامّة عامّة كلّ بلد كما يشهد به قوله عليه السّلام: (فإن كان قوم يكيلون اللحم) فإنّ ظاهر القوم فيه هو الجماعة من أهل البلد الواحد فبقرينة المقابلة يستكشف أنّ المراد من العامّة عامّة كلّ بلد، و مع الإغماض عن ذلك أيضا تقع المعارضة بينها و بين الصحيحة المتقدّمة الظاهرة فيما ذكرناه بالعموم من وجه فإن قلنا إنّ المرجع في تعارض العامين من وجه هو التساقط و الرجوع إلى العمومات و إلاّ فالأصل ففي المقام يكون المرجع عمومات الصحّة مثل أحلّ اللّه البيع و أوفوا بالعقود المقتضية لصحة البيع الواقع مطابقا لعرف البلد و إن كان مخالفا لعرف عامّة البلاد، و إن قلنا بأنّ المرجع المرجّحات السنديّة كما هو الحقّ فيكون الترجيح للصحيحة، هذا كلّه في باب المكيل و الموزون من حيث البيع.
و أمّا المكيل و الموزون من حيث الربا فملخّص القول فيه أن الروايات هنا على قسمين، روايات عامّة مثل لا يجوز التفاضل في بيع ما يوزن و نحوه و ظاهرها أنّها من قبيل القضايا الحقيقيّة المحمولة على ما يصدق عليه المكيل و الموزون بالفعل في كلّ زمان كما في نظائرها فتدلّ على حرمة بيع المكيل و الموزون في هذا العصر و إن لم يكن منهما في العصر النبوي و على حلّية ذلك إن لم يكن من المكيل و الموزون في عصرنا و إن كان كذلك في العصر النبوي، و روايات خاصّة كثيرة واردة بالنسبة إلى عناوين خاصّة كالتمر و الزبيب و الشعير و نحوها و ظاهرها إثبات الحكم على تلك العناوين سواء تبدّلت عن كونها من الموزون أم لا، فالنتيجة لزوم التفصيل في باب الربا لو لم نعتمد على ما ذكره الشيخ و العلاّمة من نفي الخلاف أو لم نقل بعدم القول بالفعل بين العناوين الخاصّة المنصوصة و بين غيرها.
ثمّ إنّه لو شكّ في متاع أنّه كان مكيلا أو موزونا في زمان الشارع أم لا؟ فبالنسبة إلى البيع لا أثر لهذا الشك لأنّ الاعتبار فيه بالمكيل و الموزون الفعلي كما تقدّم، و أمّا بالنسبة إلى الربا فلو كان الشيء مكيلا أو موزونا بالفعل فلا أثر لهذا الشكّ أيضا لأنّه يجري فيه حكم الربا على كلّ تقدير و أمّا لو لم يكن كذلك بالفعل و كان اتّصافه بذلك في زمان الشرع محتملا مع الالتزام بعدم الفصل بين العناوين المنصوصة و غيرها فيمكن التمسّك باستصحاب عدم اتصافه بالمكيل و الموزون إلى ذلك الزمان لإخراجه من المكيل و الموزون في زمان الشارع (الأحمدي).
، أنّ الميزان في تعيين المكيل و الموزون هو أنّ ما كان مكيلا أو موزونا1) الجواهر 427/22-428، فإنّه ادّعى أنّه لم يجد هذا القول في كلام أحد من الأساطين فكيف بالمشهور و ما ذكروه في باب الربا أجنبيّ عن المقام و المصنّف أورد عليه بأنّ الشيخ ذكره في الخلاف مدّعيا عدم الخلاف فيه و ذكره العلاّمة في التذكرة لكن دعوى عدم الخلاف من الشيخ لعلّه غير مستند إلى تتبّع كلمات الفقهاء كما نرى ذلك كثيرا في كلماته فلا تثبت بذلك الشهرة كما أفاده المحقّق النائيني.
في زمان الشارع فهو من المكيل و الموزون إلى الأبد و إن صار من المعدود بعد ذلك، و ما لم يكن من الموزون أو المكيل في زمان الشارع فالميزان فيه هو متعارف عامّة الناس، و مع الاختلاف في كلّ بلد يكون الميزان بما تعارف فيه. و قد ذكروا هذا المعنى في الربا أيضا.
و نقول: إن ثبت دليل خاص من إجماع و نحوه على أنّ المكيل و الموزون في زمان الشارع أو زمان صدور الروايات من هذا القبيل إلى الأبد فهو، كما أنّه إن دلّ دليل خاص على ثبوت الربا في مورد و إن لم يكن من الموزون كالدرهم و الدينار يؤخذ به، و إلاّ فالجمع بين الأمرين - أي بين أن يكون الموزون و المكيل في زمان الشارع كذلك إلى الأبد، و في غيره يرجع إلى متعارف العامّة - ربما يكون من المستحيل؛ و ذلك لأنّ الأخبار الواردة إن كانت من قبيل القضايا الخارجيّة فشمولها لما هو المكيل و الموزون في زمان صدورها و إن كانت مسلّمة و لو زال عنهما هذا العنوان، إلاّ أنها لا تشمل ما لم يكن من هذا القبيل في زمانهم. و إن كانت من قبيل القضايا الحقيقيّة فبالعكس، لأنّها تدور مدار ثبوت عنوان موضوعها وجودا و عدما، فكيف يكون المكيل أو الموزون في زمان كذلك إلى الأبد؟ و هذا ظاهر. و بما أنّ الروايات ظاهرة في القضايا الحقيقيّة لا بدّ و أن يكون المعيار بالمتعارف في كلّ زمان، سواء كان في زمان الشارع مكيلا أو موزونا أم لم يكن.
و بالجملة: تحصّل ممّا بيّناه أنّ ما نسبه البحراني إلى المعروف، من أنّ ما كان من المكيل أو الموزون فهو كذلك إلى يوم القيامة و إن صار بعد ذلك من المعدود، و ما لم يكن كذلك في زمان الشارع يرجع فيه إلى العرف العام - غير تام، بل يستحيل الجمع بينهما لما عرفت، و بما أنّ الأخبار الواردة ظاهرة في كونها من قبيل القضايا
قوله قدّس سرّه: و لو تعاقدا في الصحراء [1]
الحقيقيّة فيكون ثبوت الحكم فيها دائرا مدار صدق الموضوع، من غير فرق بين زمان الشارع و غيره. نعم إذا فرض أنّ شيئا كان من الموزون بحسب أصله و صار معدودا - كالدراهم الأوضاحيّة - و ورد الدليل على ثبوت الربا فيه نلتزم به للنصّ(1).
ثمّ لو فرضنا اختلاف مكان البيع و مكان المبيع - كما إذا باع في مكان شيئا في مكان آخر - و اختلف المبيع من حيث كونه من الموزون أو المعدود باختلاف البلدين، فهل المعتبر بلد البيع أو مكان المبيع؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ المبيع الموجود في محلّ يلحقه حكم ذلك المكان، فيكون بيعه من بيع الموزون.
[1] ما حكاه المصنّف عن بعض الأساطين(2)في المقام كلّه قابل للمناقشة.
و الصحيح أنّ الصحراء إن كانت من توابع بلد يلحقها حكمه(3)، و إلاّ فمقتضى العمومات صحّة البيع و لو بدون الوزن و الكيل؛ و ذلك لأنّ عنوان المخصّص هو
1) و قد ظهر بما ذكرناه دفع الإشكال الذي ذكره المصنّف فيما إذا علم كونه مقدّرا في زمان الشارع و لكن لم يعلم أنّه كان مقدّرا بالوزن أو الكيل فإنّ المدار على عرف بلد المعاملة فعلا كيف ما كان، كما ظهر بما ذكرناه دفع الإشكال عن الفرع الآخر و هو ما لو علم كون الشيء غير مكيل أو موزون في زمان الشارع أو في العرف العام مع لزوم الغرر فيه بدون الكيل أو الوزن عند قوم خاص فإنّه لا بدّ من اعتبار الكيل أو الوزن بالنسبة إليهم لكن لا يوجب كون البيع غرريّا إن لم يرتفع الغرر بالمشاهدة كما هو الفرض لأنّ النهي عن بيع الغرر أمر عام في جميع البيوع و اعتبار الكيل و الوزن أو عدم الجزافيّة شيء زائد عليه اعتبر في المكيل و الموزون (الأحمدي).
2) و هو كاشف الغطاء في شرح القواعد (مخطوط) / 76.
3) و لا اعتبار بالقرب ما لم يكن من توابع البلد (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لو أخبر البائع بمقدار المبيع [1]
المكيل و الموزون، فإذا لم يتعارف بيع شيء بالوزن أو الكيل في مكان، كان داخلا تحت العمومات، و هو واضح.
[1] الكلام فيها يقع من جهات ثلاث:
الجهة الاولى: في اعتبار إخبار البائع بالوزن أو الكيل، و هو المستفاد من رواية محمّد بن حمران و رواية أبي العطارد و قوله عليه السّلام فيها: (إذا ائتمنك فلا بأس) و إن كانتا ضعيفتي السند(1). و لا تنافيهما صحيحة الحلبي المتقدّمة، لما ذكرنا و ذكره المصنّف في تأويله، و إن كان الأظهر هو الذي ذكرناه(2).
1) أمّا منشأ ضعف رواية ابن العطارد فلأنّه مجهول في كتب الرجال، و أمّا منشأ ضعف رواية محمّد بن حمران مع صحّة باقي السند فلتوهّم اشتراكه بين الثقة و هو النهدي و المجهول و هو محمّد بن حمران بن عيسى المذكور في فهرست الشيخ و رجاله لكن السيد الاستاذ في رجاله ذهب إلى أنّ محمّد بن حمران متى اطلق فهو النهدي الثقة و عليه فالرواية صحيحة (الأحمدي).
2) من أنّ مورد الصحيحة هو إخبار البائع عن المقدار حدسا بقرينة ذيل الصحيحة و مورد روايات صحّة الاكتفاء بإخبار البائع ما إذا أخبر بالمقدار عن حسّ فلا تنافي بينهما و يأتي له وجه آخر و الاستدلال بالروايتين مع ضعف السند مبنيّ على ما ذكره السيّد الاستاذ قديما من انجبار ضعف الرواية بعمل المشهور و قد رجع عنه غير أنّك عرفت صحّة رواية محمّد بن حمران. و أمّا حمل رواية الحلبي على الكراهة كما عن المحقّق النائيني ففيه مضافا إلى أنّ الحمل المذكور مشروط بعدم وجود المقيّد و إلاّ فلا تصل النوبة إليه، أنّ المستفاد من ذيل الصحيحة «فإنّه لا يصحّ مجازفة» أنّ البيع بمجرّد إخباره يكون من بيع المجازفة و هو باطل لا أنّه يكون مكروها، كما أنّ ما أفاده المصنّف من أنّ الميزان في الصحّة هو دفع الغرر و هو يحصل بإخبار البائع مع البناء عليه و إن لم يفد الظنّ و قد حمل الصحيحة على ما باعه من غير بناء على المقدار المخبر به بل سواء زاد أو نقص و لكنّه خلاف الظاهر لأنّ الظاهر من إخباره بمقدار المبيع في مقام البيع أنّه ملتزم به، ففيه مضافا إلى أنّه لا يدفع ذلك كون المبيع مجازفة و قد مرّ أنّه في المكيل و الموزون يشترط الكيل و الوزن أو عدم كون البيع جزافا، أنّ لازمه التزامه قدّس سرّه بالصحّة إذا لم يخبر البائع بالمقدار و لكن وقع البيع مبنيّا على مقدار خاصّ إذ بذلك يرتفع الغرر مع أنّه لا يلتزم بصحّة البيع في مثله (الأحمدي).
و بالجملة: ليست للوزن و لا للكيل موضوعيّة، و إنّما هما طريقان لمعرفة المقدار، و يكفي إخبار البائع بذلك إذا أوجب الوثوق.
الجهة الثانية: الظاهر أنّ كفاية إخبار البائع إنّما هو من جهة طريقيّته عرفا، فيختصّ اعتباره بما إذا كان موثوقا به، و أمّا إذا كان كذّابا لا يعتمد على إخباراته و إنّما يحتمل صدق إخباره هذا من باب الاتّفاق و أنّ كلّ خبر يحتمل الصدق و الكذب، فلا يكفي إخباره في جواز البيع و لو مبنيّا على الوزن الذي أخبر به، فإنّ ذلك يوجب صحّة بيع الموزون بغير وزن إذا كان مدرك اعتبار الوزن فيه هو الغرر الشخصي لا الأخبار الخاصّة(1).
الجهة الثالثة: فيما إذا حصل الاختلاف بين ما أخبر به و وقع البيع عليه و بين
1) و في المسألة و جهان آخران: جواز الاعتماد على إخبار البائع مطلقا و إن لم يفد الظنّ فضلا عن الاطمينان عملا ببعض المطلقات، و جواز الاعتماد مع إفادة الظن بدعوى أنّ إخبار البائع من الطرق العرفيّة و طريقيّته عرفا يختصّ بخصوص ذلك و المراد الظن النوعي و أمّا الظن الشخصي فلا يعتبر لعدم لزوم تحقّقه في الطرق العرفيّة و الوجه في اعتبار الاطمينان مفهوم رواية ابن العطارد (إذا ائتمنك فلا بأس) و ما في آخر من قوله عليه السّلام إذا صدّقك فلا بأس، و من ذلك تعرف وجه ضعف القولين الآخرين لأنّ المطلق يقّد بدليل التقييد و إن كان للإطلاق قوّة الظهور في الإطلاق على ما حرّر في محلّه خلافا لصاحب الكفاية و بهما يجمع بين ما دلّ على كفاية إخبار البائع على نحو الإطلاق و بين رواية الحلبي الدالّة على عدم كفايته بحمله على صورة عدم حصول الاطمينان من قوله (الأحمدي).
الواقع(1)، فإن كان بالنقيصة فهل يوجب البطلان - كما نسبه المصنّف إلى جامع المقاصد(2)- لأنّ المبيع المعنون بعنوان الكلّ كعشرة أمنان، مباين للجزء كستّة أمنان، فما وقع البيع عليه مباين لما هو موجود في الخارج، أو أنّه ليس من قبيل التباين، فيكون من قبيل تبعّض الصفقة، فيوجب الخيار؟
ثمّ على التقدير الثاني، هل يرجع فيما نقص بما يقابله من الثمن، أو بأقلّ من ذلك، أو أكثر؟ وجوه.
و الحاصل: أنّه إذا حصل الاختلاف بين ما وقع العقد مبنيّا عليه من الوزن أو الكيل بإخبار البائع أو بغيره من الطرق العرفيّة، يتكلّم من نواحي ثلاث:
الاولى: في أنّه يوجب بطلان البيع - كما احتمله جامع المقاصد على ما حكاه المصنّف في المتن - لكونه من قبيل ما إذا باعه ثوبا على أنّه من كتّان فبان قطنا فيكون الموجود الخارجي مباينا لما وقع عليه البيع، أو يوجب الخيار - كما اختاره المصنّف - لأنّ الاختلاف من قبيل تبدّل الوصف.
و التحقيق كما ذكرنا غير مرّة: أنّ الهيولي الأوّلية المشتركة بين جميع الأشياء - بل الثانويّة و الثالثيّة و هكذا - لا تقابل بشيء من المال، و إنّما يبذل المال بإزاء الصورة النوعيّة العرفيّة. و عليه فإن كان الاختلاف فيها أوجب ذلك فساد البيع، لأن المبيع حينئذ يكون مبانيا لما هو في الخارج، و إلاّ فلا يوجب سوى الخيار، و من الظاهر أنّ مقدار المبيع ليس من الصور النوعيّة له، فينحلّ بيع عشرة أمنان بعشرة
دراهم - مثلا - إلى بيع كلّ منّ بدرهم، فتخلّفه لا يوجب البطلان، غاية الأمر إذا بان نقصان المبيع عن ذاك المقدار تثبت الخيار لتخلّف وصف الانضمام الذي كان شرطا ضمنيّا.
الثانية: الظاهر أنّ هذا الخيار في المقام ليس خيار الغبن، كما ربما يستظهر من عبارة العلاّمة(1)المنقولة في المتن، فإنّ النقصان في المقام إنّما هو في كمّ المبيع لا في ماليّته و قيمته السوقيّة. و الظاهر أنّ التعبير بالغبن في كلام العلاّمة مسامحة، و ليس بمعناه المصطلح، نظير تعبير الشهيد قدّس سرّه(2)ب «المغبون» في خيار الرؤية، و إنّما هو خيار تخلّف الشرط أو تبعّض الصفقة(3)، حيث إنّ انضمام المقدار الموجود بالمقدار المعدوم معتبر في ضمن العقد ارتكازا، و لا يعتبر في خيار تخلّف الوصف أو الشرط ذكر ذلك في العقد صريحا، بل تخلّف عنوان المبيع يوجبه إذا لم يكن من الصفات النوعيّة العرفيّة.
ثمّ الظاهر عدم ثبوت الخيار للبائع فيما إذا بانت زيادته على المقدار المبيع(4)،
1) القواعد 143/1.
2) اللمعة الدمشقيّة/ 96.
3) و الحقّ أنّ الثابت في المقام هو خيار تبعّض الصفقة لأن التخلّف فيه إنّما هو في الكمّ لا في الكيف أو سائر الأوصاف (الأحمدي).
4) لأنّ الشركة لا تكون في الثمن حتّى يكون عيبا بالنسبة إلى البائع و الشركة في المقدار الزائد من المثمن أجنبي عن مورد البيع نعم إذا اشترط البائع أيضا عدم زيادة المبيع على المقدار المبنيّ عليه يثبت له خيار تخلّف الشرط و حيث يكون المقدار الزائد للبائع فيثبت للمشتري خيار تخلّف الوصف حيث اشترط أن يكون المبيع كلّه يرجع إليه و بما ذكرناه ظهر حكم التخلّف من حيث الزيادة و النقصان في غير صورة إخبار البائع من الطرق أيضا كالبيّنة و أن حكمه حكم ذاك و مقتضى ما ذكره المحقّق الثاني هو البطلان في هذه الصورة أيضا لتخلّف العنوان و لا فرق فيما ذكرناه بين المكيل و الموزون و المعدود و المزروع لوحدة الملاك (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» قال في الشرائع: يجوز بيع الثوب و الأرض مع المشاهدة [1]
بل الزائد حينئذ لا يدخل في ملك المشتري.
الثالثة: ظهر ممّا بيّناه أنّ الإمضاء إنّما هو بحصّة من الثمن نسبتها إلى المجموع نسبة الموجود من المبيع إلى المعدوم، فإنّ بيع مجموع المبيع بمجموع الثمن ينحلّ إلى بيع كلّ جزء بما يقابله من الثمن، فإذا كان بعض المبيع معدوما يبقى ما يقابله من الثمن بلا عوض، فيكون باقيا على ملك المشتري.
[1] ذكرنا أنّ المكيل و الموزون يعتبر فيهما الكيل و الوزن، كما أنّ ما يكون من المعدود عرفا يعتبر فيه العدّ للأخبار المتقدّمة.
و أمّا اعتبار الذرع و المساحة في المذروع(1)، فلم يدلّ عليه دليل بالخصوص، و إنّما يستفاد اعتباره فيه من الأخبار الواردة في المكيل و الموزون و المعدود، لعدم
1) المصنّف أشكل في جواز بيع هذا و نحوه بالمشاهدة لأنّه لو فرض - كما هو الواقع - أنّ تعيين مقدار ماليّة شيء عند العرف كان بالذرع مثلا فلا يفرق من حيث الغرر بين الجهل به فيه و الجهل بالكيل و الوزن في المكيل و الموزون، أقول بل ربما يقال إنّ الثوب و الأرض يعدّان من المعدود لأن المعدود غير منحصر بالكمّ المنفصل بل يكون في المتّصل أيضا ففي مثل الكرباس يعدّونه عرفا من المعدود بالزرع نعم قد يتّفق فيما يكون تعيين مقدار ماليّته بالذرع بحسب الطبع أن يعدّ من المعدود بالكمّ المنفصل لبعض العوارض كما لو جعل المذروع فراشا فإنّه قد يكون الاعتبار فيه بالعدد من دون نظر إلى مقدار ذرعه فلا يعتبر في بيع مثله أن يحسب بالذراع (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» بيع بعض من جملة متساوية الأجزاء كصاع من صبرة [1]
خصوصيّة فيها، فلابدّ في الكرباس من الذرع و في الأراضي من المسح(1). نعم في مختلف الأجزاء كالدار، لا يعتبر ذلك، لعدم كونه من المذروع و إن كان أصل الأرض كذلك، و يكفي فيه المشاهدة لكونه من هذا القبيل، لتفاوت قيمته بخصوصيّات بنائه.
و أمّا ما حكاه المصنّف، من كفاية المشاهدة في قطيع الغنم، فيرد عليه ما أشكل به في المتن من كون بيعه بالمشاهدة عين المجازفة. نعم قد يكتفى بالمشاهدة من باب كونها طريقا إلى العدد، و حينئذ فإن حصل الاختلاف و كان بما يتسامح فيه عرفا لا يبطل البيع، و إلاّ ثبت الخيار أيضا. و إن كان بما لا يتسامح فيه، كما إذا كان الاختلاف بالنصف مثلا، فإنّ قطيع الغنم قد يكون مائة رأس و قد يكون خمسين، فيصحّ في الموجود بما يقابله من الثمن، فما في المتن من أنّه تظهر الثمرة في ثبوت الخيار، على إطلاقه غير تام.
[1] قد يكون المبيع شخصا معيّنا، و قد يكون بعضا من جملة كصاع من صبرة.
و هو يتصوّر على أقسام:
1) نعم لو كانت المشاهدة طريقا عرفا إلى تعيين مقدار الذرع و المساحة فلا بأس بها كما مرّ في المكيل و الموزون و المعدود أيضا فإن حصل الاختلاف فالحال فيه ما تقدّم في المكيل و الموزون، هذا فيما كان تعيين مقدار ماليّته عند العرف بالذرع و فيما لم يكن كذلك كالقطعة الكبيرة من الأرض أو القماش فإنّ تعيين مقدار ماليّتهما يكون بالمشاهدة عند تجّار الأرض و القماش ففي مثله تكفى المشاهدة كما تقدّم (الأحمدي).
الأوّل: أن يراد به الكسر المشاع المقدّر بمقدار خاص كمنّ من صبرة، فيكون المشتري شريكا مع البائع بنحو الإشاعة، نظير ما إذا فرض انتقال المال إليهما بالإرث مثلا.
و لا إشكال في صحّة البيع حينئذ، من غير فرق بين أن يكون المبيع الكسر المشاع من صبرة واحدة أو متعدّدة. و الجهل بنسبة المبيع من الصبرة لعدم معرفة مقدارها، لا يوجب جهالة المبيع و لا غررا في البيع.
و لا فرق فيما ذكر بين بيع منّ من الصبرة مشاعا، و بيع أحد العبدين كذلك أي نصف كلّ منهما.
و لا وجه لما حكاه المصنّف عن التذكرة(1)، من بطلان بيع أحد العبدين من ناحية مقام الإثبات و أنّ أحد العبدين ليس ظاهرا في الإشاعة عرفا، و قد اعتبروا في إنشاء العقد كون اللفظ قالبا عرفيّا لما ينشأ به.
و فيه - مضافا(2)إلى أنّه مناقشة في مقام الإثبات(3)-: أنّ المعتبر إنّما هو ظهور الكلام الذي ينشأ به نفس العقد في المعنى عرفا، و لا يعتبر كون لفظ متعلّقات العقد أيضا كذلك، لعدم الدليل عليه قطعا، فإذا فرضنا أنّ كلاّ من البائع و المشتري
1) التذكرة 470/1.
2) مضافا أيضا إلى أنّ هذا التوجيه لكلام العلاّمة أجنبيّ عمّا نحن بصدده من كونه على فرض الصحّة واقعا على نحو الإشاعة أم لا لأنّه على تقدير تماميّة الوجه المذكور ينفي الصحّة من رأس (الأحمدي).
3) و لا كلّية فيه إذ قد ينصب معه القرينة القطعيّة الدالّة على الإشاعة فيكون بحكم الصريح في إرادة الإشاعة (الأحمدي).
قصدا من بيع أحد العبدين الكسر المشاع لم يكن به بأس. فلا فرق بين بيع أحد العبدين مشاعا و بين بيع منّ من الصبرة كذلك.
الثاني: أن يراد به الكلّي في المعيّن(1)، في مقابل الكلّي في الذمّة كما في الدين، فإنّ من له العين يكون مالكا للكلّي حقيقة، و له نقله إلى غيره، كما له استيفاؤه، غايته أنّه ليس للكلّي في الذمّة إضافة إلى الخارج بخلاف الكلّي في المعيّن، فإنّه مضاف إلى ما في الخارج، فيكون المشتري في الفرض مالكا لمنّ خارجيّ ملغى عنه الخصوصيّات الشخصيّة، فللبائع تطبيقه على كلّ منّ أراد، و ليس للمشتري إلزامه بتطبيقه على الجانب الشرقي أو الغربي مثلا.
و البيع من هذا القسم صحيح(2)، و هو الذي جعله المصنّف ثالث الأقسام في المتن.
الثالث - و هو الثاني في المتن -: أن يراد به الواحد أو البعض المردّد.
و المعروف فيه فساد البيع على ما حكاه المصنّف و إن ناقش فيه
1) فانّه تارة يجعل المال كلّيا و غير مشخص من جميع الجهات و يعبّر عنه بملك ما في الذمّة و اخرى يجعل غير مشخّص إلاّ من جهة الخارج و يعبّر عنه بالكلّي الخارجي و ثالثة يقيّد الخارج بقيد خاص كالكلّي من صبرة كذائيّة فيكون من الكلّي في المعيّن (الأحمدي).
2) نعم ذكر المصنّف أنّه يظهر من الإيضاح وجود الخلاف في صحّة بيع الكلّي بل هو اختار البطلان و تبعه بعض المعاصرين و مراده صاحب الجواهر و استدل في الجواهر لبطلان بيع الكلّي في المعيّن بوجوه تأتي الإشارة إلى جملة منها في بيع الفرد المنتشر مع ردّها، و منها أنّ الفقهاء اتّفقوا على تنزيل المستثنى في مثل ما إذا قال البائع بعتك ثمرة هذه الأشجار إلاّ خمسين رطلا مثلا على الإشاعة، و فيه أنّه من المحتمل أن يكون الاتّفاق المذكور من جهة اللفظ عندهم في الإشاعة (الأحمدي).
المحقّق الأردبيلي(1).
و قد استدلّ على فساده: بالجهالة، و الغرر، و الإبهام، و كون الملك صفة وجوديّة محتاجة إلى محلّ تتقوّم به و الواحد على البدل غير قابل لذلك.
و نقول: إن اريد من الفرد المردّد و المنتشر ما لا تعيّن له في الواقع، فهو مستحيل خارجا و غير قابل لوقوع البيع عليه ليستدلّ على بطلان بيعه بالوجوه الأربعة المذكورة.
و إن اريد به الواحد المعيّن في الواقع المردّد في نظر البائع و المشتري(2)فله تعيّن واقعا - نظير الإتيان بالبسلمة لأن يكون جزءا من السورة المكتوبة في ظهر الصحيفة مثلا، فإنّها تكون جزءا لها و إن لم تكن معلومة لدى القارئ - فيكون البيع صحيحا، و لا يرد عليه شيء من المحاذير المذكورة: أمّا الغرر فمنفيّ لتساوي الأفراد على الفرض، و أمّا الإبهام الواقعي فكذلك لتعيّن المبيع، فهو نظير ما لو تلف أحد العبدين فباع المالك الباقي منهما من دون أن يعلم أيّهما التالف، و بما أنّه موجود في الخارج قابل لتقوّم الملك به، فلا يبقى في البين إلاّ مجرّد جهل البائع و المشتري، فإن دلّ دليل من إجماع و نحوه على كون مجرّد الجهالة موجبا لفساد البيع فهو، و إلاّ فمقتضى العمومات هو الصحّة.
1) مجمع الفائدة 182/8.
2) كأن يكون المبيع على نحو النكرة المعيّنة في الواقع سواء كان معيّنا عند البائع أيضا كأن يقول للمشتري بعتك عبدي الذي يكون بالفعل باقيا في ملكي و هو قد باع جميع عبيده إلاّ واحدا معيّنا منهم أو لم يكن معيّنا عند البائع أيضا كما لو علم البائع أنّ وكيله باع جميع عبيده إلاّ واحدا معيّنا عند الوكيل (الأحمدي).
فتلخّص ممّا قدّمناه أنّ بيع بعض من الجملة يتصوّر على أقسام ثلاثة:
الأوّل: أن يكون من قبيل بيع الكسر المشاع، و هو صحيح و لو لم يعلم بمقدار المجموع ليعلم بنسبة مقدار المبيع إليه، لأنّ الجهل بذلك لا يخلّ بالبيع، من غير فرق بين كون المجموع متساوية الإجزاء أو متفاوتها كبيع أحد العبدين على نحو الإشاعة. و لا وجه للمناقشة في صحّة بيع أحد العبدين بنحو الكسر المشاع؛ لأنّ اعتبار اللفظ الصريح إن قلنا به فإنّما هو فيما ينشأ به عنوان العقد، فلا يجوز إنشاء البيع بلفظ «آجرت» و لو نصب على ذلك قرينة، و لا يعتبر في متعلّقات العقد، فلا مانع من إبرازها بلفظ مجازا أو غلطا إذا أراده البايع و المشتري منه، كما إذا قال بعتك حمارا، و أراد به العبد الأبله مثلا.
الثاني: أن يكون من قبيل الكلّي في المعيّن في مقابل الكلّي في الذمّة، و هذا أيضا صحيح، فإنّه كما يكون مالكا للكلّي الموجود في ضمنه، فإنّ له أن يبيعه، و بيع الكلّي من البيوع المتعارفة، فتعمّه العمومات. مضافا إلى ورود دليل خاصّ في جوازه، و هو ما سمّاه المصنّف برواية «الأطنان»(1)الواردة في من له مائة طنّ من القصب فباع منها عشرة أطنان فتلف جميعها إلاّ عشرة أطنان، فحكم عليه السّلام بأنّ ما بقي للمشتري. فإنّ مقتضاه كون البيع من قبيل بيع الكلّي في المعيّن، إذ لو كان من قبيل الكسر المشاع لكان التالف يحتسب على البائع و المشتري معا، فيبطل البيع بالإضافة إلى حصّة المشتري التالف.
الثالث: أن يكون من قبيل الفرد المنتشر، و هو على قسمين:
1) الوسائل 272/12، الباب 19 من أبواب عقد البيع و شروطه.
فإن اريد به الواحد لا بعينه الذي لا تعيّن له واقعا، فهو ممّا لم يوجد و لا يوجد و ليس بموجود بالفعل، فلا معنى لبيعه(1).
و إن اريد به المعيّن واقعا المردّد عند المتبايعين حين البيع، فلا مانع من صحّته، إذ ليس فيه غرر و لا إبهام في المبيع واقعا و هو موجود خارجي متأصّل.
فليس في البين ما يتوهّم كونه مانعا عن صحّة البيع(2)، سوى تخيّل عدم كون بيع الفرد المردّد متعارفا لدى المتشرّعة و عدم كونه معنونا في كلمات الفقهاء، و وجود الجهالة.
و يردّ الأوّل: أن الوصيّة بأحد العبدين معنونة في كلماتهم و إن لم يكن بيعه معنونا، فتمليك أحد الفردين ليس أمرا مستنكرا عندهم، مضافا إلى أن عدم تعارف
1) إذ مثله لا يعتبر طرفا لاعتبار علاقة الملكيّة عند العقلاء لا لأنّه ليس شيئا أصلا لأنّ المردّد لا وجود له بل لأنّه لا يترتّب أثر عليها لعدم تعيّنه حتّى في علم اللّه فيكون اعتبار التمليك فيه لغوا عرفا و هذا هو الوجه الصحيح لبطلان هذا النحو من البيع و إلاّ فإنّ بيع المعدوم صحيح كما في البيع على الذمّة كما يصحّ التمليك على المعدوم كالوقف على البطون، فالوجوه الأربعة التي ذكرها المصنّف لبطلان هذا القسم منظور فيها و العمدة هو اللغويّة إذ لا ماليّة له عرفا (الأحمدي).
2) و دعوى أنّ الغرر الشرعي أخصّ و أعمّ من وجه من الغرر العرفي لأنّه يصح بيع الآبق مع الضميمة مع أنّه غرر عرفي و لا يصحّ البيع في صورة الجهل مطلقا مع أنّ مطلق الجهل لا يكون موجبا للغرر عرفا ففيه أمّا الأوّل فلأنّ جواز بيع الآبق مع الضميمة شرعا يكون من قبيل التقييد لدليل النهي عن الغرر لا أنّه يكشف عن عدم كون المورد داخلا في الغرر شرعا و أمّا الثاني فلما تقدّم من أنّ الجهل بنفسه لا دليل على كونه مانعا من صحّة البيع شرعا إلاّ في المكيل و الموزون فإنّه يعتبر فيهما أمران: عدم الغرر عرفا وكيله أو وزنه أيضا تعبّدا و لو مع عدم الغرر عرفا و هذا لا يدلّ إلاّ على اعتبار أمر زائد في المكيل و الموزون (الأحمدي).
البيع في الأزمنة السابقة لا يوجب فساده.
و يردّ الثاني: أنّه لا دليل على كون محض الجهالة موجبا لفساد البيع. فالظاهر هو الصحّة.
ثمّ لا بأس ببيان المراد من الكسر المشاع و الكلّي في المعيّن.
فنقول: ربما يقال إنّ الإشاعة في الكسر المشاع إنّما تكون في الكلّي، فكلّ منّ من المنّين الكليّين مثلا مشاع بين الشريكين دون الخصوصيّات الخارجيّة.
و يرد عليه - مضافا إلى عدم تعارف ذلك -: أنّ الخصوصيّات الشخصيّة حينئذ تكون مملوكة لمن؟ و من هو مالكها؟
و قد يقال بأنّ الإشاعة ثابتة في الخصوصيّات أيضا، من غير فرق بين القول باستحالة الجزء الذي لا يتجزّأ و أنّ كلّ جزء قابل للتجزئة و لو وهما باعتبار اختلاف طرفيه و إن لم تكن آلة لتجزئته خارجا، و القول بإمكانه و أنّ الأجسام مركّبة من جواهر غير قابلة للتجزئة، فعلى كلا القولين بعض الأجزاء التي لا تقبل التجزئة خارجا لعدم قابليّتها لذلك أو لعدم وجود آلة لتجزئتها، يكون ملكا لأحد الشريكين، و الباقي ملكا للآخر.
و يرد عليه: أنّه أيّ مرجح لدخول بعض الخصوصيّات في ملك أحد الشريكين بالإرث أو بالمعاملة و دخول بعضها الآخر في ملك الشريك الآخر؟ و لماذا لم ينعكس الأمر؟ فكلا الأمرين فاسد.
و الصحيح أن يقال في الإشاعة: إنّ الشريكين أو الشركاء يكونون بمنزلة مالك واحد، فجميع المال ملك لكلّ منهما، غايته بالملكيّة الضعيفة غير المستقلّة.
و نظير هذا ما إذا فرضنا أنّ كلّ جزء من أجزاء المال ملك لأحد و ليس كل جزء
منها مالا منفردا و إذا اجتمعت الأجزاء صار المجموع مالا - كعيدان الكبريت مثلا - فإذا جمعت الأجزاء فمن يكون طرفا لإضافة الماليّة؟ فإنّ الظاهر أنّ الطرف مجموع الأشخاص لا كلّ واحد منهم. و هكذا فيما إذا لم يكن كلّ من الأجزاء ملكا - لقلّته - و كان مجموعها موردا لاعتبار الملكيّة، فمن منهم يكون مالكا للمجموع الذي فرض كونه ملكا؟ و هكذا في الشركة في الأعراض - كالمنافع - كما إذا مات المورّث و قد آجر شخصا لأن يحضر في أحد المشاهد المشرّفة مثلا، فأيّ من الورثة يكون مالكا لذلك مع أنّ العرض و الحضور غير قابل للانقسام؟ فلا بد و أن يكون المالك له مجموع الورثة.
و بالجملة: الإشاعة في الكسر المشاع في الكلّي من غير تعيين يستلزم بقاء الخصوصيّات الشخصيّة بلا مالك، و الاشتراك في الشخص المستلزم لكون الجزء غير القابل إلاّ للانقسام إلى قسمة واحدة بعضه المعيّن لأحد الشريكين بخصوصيّاته الشخصيّة و بعضه لشريكه الآخر كذلك يستلزم الترجيح بلا مرجّح، فلابدّ و أن تكون الشركة بنحو الإشاعة بمعنى كون مجموع الشريكين أو الشركاء بمنزلة مالك واحد، بمعنى أنّ كلاّ منهم نصف المالك أو ربعه أو ثلثه و هكذا. فإذا فرضنا انتقال المال إلى أخوين بالإرث كان كلّ منهما نصف المالك، و إذا فرضنا انتقاله إلى أخ و اخت كانت الاخت ثلث المالك و الأخ ثلثا المالك.
ثمّ المالك لتمام المال بالملكيّة التامّة كما يمكنه أن يملّك تمام ماله و النصف المعيّن من ماله إلى شخص آخر بالملكيّة التامّة فيبيعه تمام الصبرة أو النصف الشرقي منها مثلا بثمن خاص، كذلك له أن ينقل إليه نصف ملكيّته لتمام المال ببيع نصفه المشاع له، فينتقل إليه نصف ملكيّته بثمن معيّن. و التعبير ب «النقل» مسامحة لما
بيّنا في محلّه أنّ الإضافة غير قابلة للنقل و الانتقال، بل تنعدم إضافة و توجد إضافة اخرى. ففي المقام تنعدم الإضافة التامّة للمالك إلى المال و توجد له إضافة ناقصة و للمشتري أيضا إضافة ناقصة إلى المال، كما توجد للبائع إضافة تامّة إلى الثمن.
و هكذا من ثبتت له الملكيّة الناقصة بسبب اختياري أو غير اختياري، له نقل تلك الملكيّة إلى شخص آخر بإزاء ثمن خاص. و كلّ ذلك مشمول للعمومات و يكون صحيحا.
فالتعبير المتعارف في الشركة على نحو الإشاعة بأنّ المال مشترك و مشاع بين الشركاء لا بدّ و أن يراد به ما ذكرناه، فهو غير خال عن المسامحة، و إلاّ فلا يتعقّل للشركة على هذا النحو معنى معقول.
ثمّ إنّه وقع الخلاف بين العامّة و الخاصّة في حقيقة القسمة، فالمعروف بينهم أنّها من قبيل البيع، فكلّ من الشريكين أو الشركاء يبيع حصّته من الآخر. و الخاصّة ذهبوا إلى أنّها من قبيل تعيين الحقّ، فيعيّن بالقسمة حصّة كلّ من الشركاء.
كما وقع الخلاف بينهم في حقيقة ضمان الدين، فذهب العامّة إلى أنّه ضمّ ذمّة إلى ذمّة، و الخاصّة إلى أنّه انتقال ذمّة إلى ذمّة.
و نقول: إن أراد الخاصّة بقولهم: «إنّ القسمة تعيين الحقوق» ما هو ظاهره المستلزم لكون حقّ كلّ من الشركاء مبهما يتعيّن بالقسمة، فهو إنّما يلائم الاحتمال الأوّل من الاحتمالات الثلاثة المذكورة في معنى الكسر المشاع، و هو أن يكون الاشتراك في الكلّي، فإنّه عليه يكون حقّ كلّ منهم مبهما فيتعيّن بالقسمة. لكنّك عرفت فساده، و لا يستقيم مع الاحتمالين الآخرين، إذ على كلّ منهما تكون حصّة كلّ منهم معيّنا في نفسه واقعا - كما هو واضح - فلا معنى للتعيين.
و إن أرادوا بذلك نفي ما ذهب إليه العامّة، من كون القسمة بيعا يرتّب عليه آثاره من خيار المجلس و الحيوان و نحو ذلك، فهو حقّ، لأنّ البيع إنّما يكون فيما إذا كان هناك ثمن و مثمن و يباع المثمن بالثمن على ما تقدّم تفصيله، و ليس المقام كذلك، إذ أيّ من الشريكين أو الشركاء في مقام القسمة يكون بائعا و أيّهم مشتريا؟
و بالجملة كلام كلّ من الخاصّة و العامّة بظاهره غير تام.
و الصحيح أن يقال: إنّ القسمة نحو معاوضة، نظير أن يعطي أحد كتابا إلى آخر بإزاء كتابه مثلا، فإنّه و إن لم يكن بيعا متعارفا و لا شراء، إلاّ أنّه نحو معاوضة يعمّه التجارة عن تراض، و تكون صحيحة.
هذا كلّه في بيع الكسر المشاع.
و أمّا بيع الكلّي في المعيّن، فما المراد به بعد وضوح استحالة إرادة الفرد المبهم منه واقعا(1)؟ إذ ليس الفرد المبهم في الواقع موجودا و لا يوجد أصلا.
1) منشأ الإشكال في تصويره أنّ المبيع إن كان هو نفس الطبيعة و الكلّي من جميع الجهات إلاّ من جهة واحدة كطبيعة الحنطة مثلا بقيد كونه في الذمّة فيكون من بيع الذمّي و إن كان هو الفرد المعيّن في الواقع و عند اللّه تعالى دون المتبايعين أو أحدهما فيكون من بيع النكرة و هو داخل في البيع الشخصي حقيقة و إن كان هو الفرد المعيّن عند المتبايعين فيكون من البيع الشخصي و إن كان على نحو الإبهام المحض فهو الفرد المردّد و قد عرفت أنّه لا ماليّة له و حيث إنّ وجود الطبيعي متّحد مع وجود الأفراد و لا يكون لها وجود منحاز فلا يوجد الطبيعي إلاّ في ضمن أحد الأقسام و إن اريد به صرف الوجود فهو بالمعنى المصطلح عليه عند أهل المعقول الذي يعبّرون عنه بالفيض المنبسط عبارة عن حقيقة الوجود و من البديهي أنّه بهذه الصرافة لا يكون مبيعا و إن اريد به ناقض العدم فمن الواضح أنّ جميع ما في الصبرة ناقض العدم لا خصوص فرد منها مثلا (الأحمدي).
و ربما يقال: إنّ المراد به الكلّي في الذمّة، غايته يشترط على البائع أن يؤدّيه من الموجود الخارجي، فلا فرق بين الكلّي في الذمّة و الكلّي في المعيّن إلاّ من جهة الاشتراط.
و فيه، أوّلا: أنّه عليه يكون تصرّف البائع في الموجود الخارجي جائزا وضعا(1).
و ثانيا: أنّه إذا لم يف بالشرط و أدّى الكلّي المبيع من غير الموجود الخارجي فقد أدّى إلى المشتري ما هو المبيع، غايته تخلّف الشرط، و هو لا يوجب سوى الخيار(2)، و هذا ممّا لم يلتزموا به.
و قد يقال: إنّ المبيع في الكلّي في المعيّن إنّما هو الكلّي في الذمّة، لكنّه مقيّد بامور كلّية بحيث لا يقبل الانطباق إلاّ على الموجود الخارجي، و تقييد الكلّي بمثله و تضييق دائرته لا يخرجه عن كونه كلّيا و لا يجعله موجودا خارجيّا، نظير أن يبيع كلّي العبد الذي هو من ولد لقمان و نفرض انحصار أفراد هذا الكلّي الضيّق بفردين أو فرد واحد في الخارج، فالمبيع هو الكلّي في الذمّة المقيّد بقيود توجب عدم انطباقه إلاّ على الموجود الخارجي.
و فيه أوّلا: أنّ لازمه جواز تصرّف البائع في الموجود الخارجي وضعا لبقائه في ملكه و كون المبيع كلّيا في الذمّة، و إن لم يجز ذلك تكليفا لوجب أداء المبيع إلى المشتري و ينافيه إتلافه.
و ثانيا: إذا فرضنا أنّ الموجود الخارجي تلف، لم يكن المبيع تالفا ليوجب انفساخ العقد لكونه من التلف قبل القبض، و إنّما يوجب تلفه تعذّر تسليم المبيع، و هو لا يوجب الفساد، بل ينتقل إلى المثل أو القيمة.
و ربما يقال - كما عن شيخنا المحقّق(1)- بأنّ المبيع كلّي غير مضاف إلى الذمّة و لا إلى الخارج و إن اشترط اداؤه من العين الخارجي، فيحنئذ يفترق عن الكلّي في الذمّة بعدم إضافته إلى ذمّة شخص، و عن الفرد المبهم بأنّ فيه إحدى الخصوصيّات على البدل تكون دخيلة في المبيع، بخلاف الفرض.
و يردّه - مضافا إلى ورود الأمرين المتقدّمين(2)-: أنّ الكلّي إذا لم يكن مضافا إلى ذمّة خاصّة لا يكون مالا، بل هو من المعدوم، و ليس قابلا للبيع، كما أنّ الكلّي
1) حاشية كتاب المكاسب 335/3، فإنّه قدّس سرّه تعرّض لوجوه عديدة في تصوير الكلّي في المعيّن و ناقشها، منها أن يكون المراد منه الطبيعة المضافة إلى صرف الوجود و اورد عليه بأنّ المراد من صرف الوجود إن كان معناه الفلسفي أي بمعنى الغاء جميع الحدود عنه الذي هو أمر واحد بسيط و هو فيضه تعالى فلا معنى لإضافة الطبيعة إليه و إن كان بمعنى ناقض العدم فالطبيعة المضافة إلى الوجود بهذا المعنى قابلة الانطباق على مجموع الصبرة كما أنّها قابلة الإنطباق على بعضها و عليه يكون البيع غرريّا لأنّ المشتري لا يدري ما هو المبيع هل مجموع الصبرة أو بعضها؟ ثم قال: إنّ المبيع في بيع الكلّي في المعيّن هو الطبيعي أي الحنطة المقيّدة بكونها من الصبرة الفلانيّة من غير تقيّدها بالوجود لما تقدّم من أنّ الوجود بأيّ نحو من أنحائه خارج عن هذا المبيع و عليه فلا يكون المشتري مالكا لوجود الحنطة و إن كان اللازم على البائع أن يسلّمه من الحنطة الموجودة في الصبرة المعيّنة (الأحمدي).
2) أمّا الأوّل فواضح و أمّا الثاني فلأنّ التلف متعلّق بالأفراد الموجودة فلا محالة لا يتعلّق التلف بمال المشتري لأنّه مالك للطبيعي غير المقيّد بالوجود الخارجي بل يتعلّق بمال البائع لأنّه مالك لما في الخارج (الأحمدي).
غير المضاف نسبته إلى جميع الناس نسبة واحدة، فأيّ جهة أو جبت أن يبيعه شخص خاص؟
و الصحيح أن يقال(1): إنّ المبيع في الكلّي في المعيّن إنّما هو الكلّي الموجود بالجامع بين الوجودات الخاصّة - أي الوسيع القابل للانطباق على كلّ من تلك الوجودات - من غير أن يكون للخصوصيّات دخل فيه، بل الخصوصيّات تكون باقية في ملك البائع، و لذا يكون أمر تطبيق المبيع بيده، و الفرق بينه و بين الوجوه السابقة واضح(2).
1) إنّ الكلّي لا ينحصر فيما هو قابل الصدق على الأفراد الكثيرة عرضا بل هو على ما في الكفاية قسمان و القسم الآخر ما يكون قابل الصدق على الكثيرين طولا و هو الكلّي المقيّد بالوحدة من الطبيعة كما لو قال أكرم إنسانا واحدا، فهذا الكلّي المقيّد بالواحد يصدق على جميع أفراد الإنسان لكن طولا لا عرضا. إذا عرفت هذا ففي المقام يكون المبيع الكلّي في المعيّن و هو صرف وجود الحنطة مثلا المقيّد بالمنّ الواحد من الحنطة المضافة إلى هذه الصبرة و هذا الوجه هو الوجه الذي أشار إليه بعض مشايخه و ناقشه لعدم إلحاق قيد الواحد به و معه يرتفع ما أورده عليه من إشكال لزوم أن يكون المبيع جميع الأفراد أو مردّدا بين الجميع و البعض و بما ذكرنا في بيع الكلّي في المعيّن تحقّق موضوع المسألة الآتية (الأحمدي).
2) و توضيح ذلك أنّ الإطلاق و إن كان معناه رفض القيود بحيث يقبل الانطباق على الأفراد المختلفة إلاّ أنّ الإطلاق المزبور على قسمين أحدهما أن يكون قبوله للانطباق على الأفراد المختلفة في عرض واحد بنحو الاستيعاب كقوله تعالى أحلّ اللّه البيع و هو المسمّى باسم الجنس، ثانيهما أن يكون قبوله لذلك لا في عرض واحد بل على سبيل المبادلة و هذا يسمّى بالفرد المنتشر و قد يعبّر عنه بالنكرة كقول المولى لخادمه أضف أحد عبيدي فإنّ مفهوم أحد العبيد ينطبق على كلّ واحد من عبيده على البدل و الخصوصيّات كلّها خارجة عن مفهومها و لا يلزم من الإطلاق على النحو الثاني استغراق الأفراد و يكون حاله من هذه الجهة حال النكرة و موردنا و هو بيع الكلّي في المعيّن من هذا القبيل فالفرد الموجود من هذه الصبرة المعيّنة الساري في جميع أفراده على البدل هو المبيع و جميع ما يقع في الخارج من الوصيّة بأحد الشخصين أو عتق أحد العبيدين و نحو ذلك هو من هذا القبيل بل الواجب التخييري أيضا على ما حقّق في محلّه هو من هذا القبيل و لا يرد عليه شيء من الإشكالات المتقدّمة و غيرها فإنّ المبيع هو مثلا فرد من الطبيعة المقيّدة بالوجود من الصبرة المعيّنة على نحو البدل و حيث إنّه لا بشرط عن الخصوصيّات فهي غير مملوكة للمشتري و يكون اختيار التعيين بيد البائع و لكن لو تلف الجميع يكون المبيع أيضا تالفا لأن المبيع الذي هو وجود فرد لا بشرط من الطبيعة المقيّدة بالصبرة المعيّنة صار تالفا قهرا و لو بقي مقدار المبيع تتعيّن الطبيعة فيه (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لو باع صاعا من صبرة فهل ينزّل [1]
و بالجملة: كما يمكن تصوير الجامع الحقيقي بين جميع الأفراد و هو حقيقة الوجود، و تصوير الجامع المفهومي بينها أيضا و هو مفهوم الوجود، كذلك يمكن تصوير ذلك بين فردين أو أفراد خاصّة و هو الوجود الخاص و أحد الوجودات أو الوجودين، فيكون هو المبيع لكن بنحو صرف الوجود القابل
للانطباق على كلّ منها لا بنحو الاستيعاب و العام الاستغراقي، فتأمّل.
[1] البائع و المشتري قد يتّفقان في ما اريد من بيع الصاع من الصبرة و شرائه، بأن يعترفا بأنّهما أرادا منه الكلّي في المعيّن أو الكسر المشاع، فلا إشكال في صحّة البيع حينئذ.
و قد يختلفان في ذلك، بأن يدّعي البائع أنّه أراد الكلّي في المعيّن و المشتري أنّه أراد الكسر المشاع، و لا إشكال في الفساد في هذه الصورة.
و أمّا إذا تردّد الأمر و لم يعرف ما اريد من بيع الصاع من الصبرة، و هو يكون في موردين، أحدهما: ما إذا عرض النسيان للبائع و المشتري فلم يعرفا ما قصداه حين
البيع، و الثاني: ما إذا ماتا و انتقل المالان إلى وارثيهما و لم يعلم الورّاث ما اريد من بيع الصاع من الصبرة.
فهل يحمل بيع الصاع من الصبرة أو أحد العبدين و نحوهما على الكلّي في المعيّن أو على الكسر المشاع أو على غير ذلك(1)؟ و جهان أو وجوه.
و الظاهر هو الأوّل لوجهين:
أحدهما: رواية بريد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: (عن رجل اشترى عشرة آلاف طنّ من أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة، و الأنبار فيه ثلاثون ألف طنّ، فقال البائع:
قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طنّ. فقال المشتري: قد قبلت و اشتريت و رضيت، فأعطاه المشتري من ثمنه ألف درهم و وكّل من يقبضه، فأصبحوا و قد وقع في القصب نار فاحترق منه عشرون ألف طنّ و بقي عشرة آلاف طنّ، فقال عليه السّلام:
العشرة آلاف طنّ التي بقيت هي للمشتري، و العشرون التي احترقت من مال البائع)(2)فإنّ ترك استفصاله عليه السّلام في الجواب يقتضي حمل ملك الجملة على بيع الكلّي في المعيّن عند الشك تعبّدا، و إلاّ لم يكن وجه لكون المقدار الباقي للمشتري و التالف من البائع على ما حكم به الإمام عليه السّلام، و لا مانع من التعبّد في باب الظهورات إذا شكّ فيها، فيعبّدنا الشارع بالبناء على ظهور اللفظ في معنى عند الشك، لأنّه أمر واقعيّ وقع الشك فيه، و هو قابل للتعبّد.
ثانيهما: أنّ أخذ العنوان في الحكم ظاهر في أنّه هو الموضوع، لا أنّه طريق إلى
ما هو الموضوع، فعنوان «المنّ» أو «الصاع» إذا وقع عليه البيع، كان ظاهره أنّ المبيع هو نفس هذا العنوان الكلّي(1)، لا أنّه طريق إلى الكسر المشاع، كالنصف أو الربع الذي نسبته إلى مجموع الصبرة نسبة المنّ أو الصاع إليها.
و بالجملة: فإرادة الكسر من العنوان الكلّي المأخوذ في المبيع خلاف الظاهر، فلابدّ من تنزيل بيع الصاع من الصبرة على الكلّي في المعيّن، كما أنّ الفهم العرفي أيضا يساعده هنا. و قد عرفت أنّ ما ذكره بعضهم من عدم جواز استعمال الألفاظ المجازيّة في المعاملات إنّما هو في عنوان نفس المعاملة، و أمّا متعلّقاتها فيمكن إرادتها من اللفظ المجازي بقرينة خارجيّة، بل يصحّ إرادتها من اللفظ مع نصب قرينة على ذلك و لو كان غلطا.
ثمّ ربما يقال(2): إنّه لا بدّ من حمل بيع صاع من الصبرة على الفرد المنتشر، لأن
1) إذ لفظ الصاع اسم جنس موضوع لنفس الطبيعة بحيث يصدق على القليل و الكثير نظير لفظ الرجل و الأظهر في تنوينه أن يكون تنوين التنكير كما مثّل في الانموذج لتنوين التنكير بالتنوين الداخل على أسماء الأجناس و عليه فتستفاد الوحدة من التنوين و على فرض كون التنوين تنوين التمكّن أي التنوين الموجب لتمكّن الاسم من دخول الإعراب عليه فتستفاد الوحدة من الإطلاق الصادق على الواحد أيضا و من لفظ «من» الظاهرة في التبعيض دون التبيين كما حقّق في محلّه و الصبرة اسم لمجموع الكومة لا لجميعها و لا لكلّ جزء منه حتّى يقال إنّ بعض الجميع ظاهر في الكسر المشاع و عليه يكون ظاهر هذه الجملة كون المبيع صاعا واحدا ملغى عنه جميع التشخّصات سوى كونه صرف الوجد المقيّد بالصاع الواحد من الصبرة المعيّنة و هذا هو الكلّي في المعيّن (الأحمدي).
2) كما ذكره المصنّف أيضا بأنّ ظهور اللفظ و كذا الرواية في الإشاعة لمكان «من» الظاهرة في التبعيض، و فيه أنّ التبعيض قد يكون في أجزاء المركّب و قد يكون في أفراده كقولك: (الخاتم من فضّة) إذ ليست «من» فيه بيانيّة بل سيقت لبيان أنّ الخاتم فرد من طبيعة الفضّة و نحوه قولك: (العشرة من المائة) و (المائة من الألف) و لا يختصّ التبعيض بالأوّل و على هذا ف «من» في المقام تبعيضيّة باعتبار أنّ الصاع المقيّد بكونه واحدا بعض من الصبرة المشتملة على عشرة صيعان مثلا، على أنّه على المختار في الإشاعة لا بدّ من حمل لفظ الصاع على الكلّي في المعيّن أي الطبيعة المقيّدة بالوحدة لأنّ إطلاق لفظ الصاع و إرادة الإشاعة منه على المعنى المختار لم يكن شايعا منه و إن كان شايعا في لفظ النصف أو العشر مثلا (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّه يتفرّع على المختار من كون المبيع كلّيا امور [1]
«الصاع» أو «المنّ» منوّن بتنوين التنكير، و ظاهر النكرة هو الفرد المنتشر.
و فيه، أوّلا: قد عرفت أنّه أمر مستحيل في الخارج، فلا معنى لبيعه.
و ثانيا: ليس المبيع ملازما للتنوين، فيمكن أن يقول البائع: بعتك الصاع من الصبرة، أو صاع الحنطة من الصبرة.
و ثالثا: أنّ الأصل في التنوين أن يكون للتمكّن، فإنّ الاسم المعرب يكون منوّنا إذا لم يكن فيه مانع عن ذلك، فكونه للتنكير في المقام أوّل الكلام.
[1] لا يخفى ما في العبارة من المسامحة، فإنّ ظاهرها أنّ الفروع مترتّبة على مختاره قدّس سرّه، و من الظاهر أنّها ثمرة للنزاع المتقدّم.
و كيف كان، فالثمرة بين القولين و الفارق بينهما أمران، كما في المتن:
أحدهما: أنّ المبيع لو كان كلّيا فلا يملك المشتري سوى الطبيعة المعرّاة عن الخصوصيّات الشخصيّة، فليس له اقتراح شيء من الخصوصيّات في المبيع أصلا، بل اختيار التطبيق يكون بيد البائع، كما هو الحال فيما إذا أوصى الميّت لرجل بواحد من متعدّد، فإنّ التعيين يكون بيد الوارث دون الموصى له. خلافا لما حكاه المصنّف عن الميرزا القميّ في جامع الشتات(1)، حيث أفتى بأنّ الاختيار بيد
1) جامع الشتات 95/2، المسألة 72.
قوله قدّس سرّه: و منها أنّه لو فرضنا أنّ البائع بعد ما باع صاعا [1]
المشتري(1). و لم يعلم وجهه.
و قد قاس المصنّف ما نحن فيه بما إذا تعلّق الطلب بالطبيعة، فإنّه ليس للآخر مطالبة المأمور بشيء من الخصوصيّات، بذلك الطلب المتعلّق بالجامع.
و أمّا على الكسر المشاع فالخصوصيّات مشتركة بينهما، إمّا على النحو المعروف، و إمّا بالنحو الذي ذكرناه(2).
ثانيهما: أنّه لو تلف بعض الجملة و بقي مقدار المبيع، لا يحسب التلف على المشتري أصلا، بل يجب على البائع تطبيق الكلّي على الباقي، لانحصار مصداقه به بتلف الباقي. و هذا بخلاف الإشاعة، فإنّه بناء عليه يكون كلّ جزء مملوكا لهما معا بأحد النحوين، فيحسب التلف عليهما، كلّ بنسبة حصّته.
[1] حاصل ما ذكره في هذا الفرع هو: أنّ البائع إذا باع جملة من الصبرة من شخص بعد ما باع مقدارا منها من المشتري الأوّل، كان المبيع الثاني كلّيا معيّنا ممّا عدا ما باعه من المشتري الأوّل، لأن المبيع الثاني سار في ملك البائع، و هو ما عدا ما باعه من الأوّل. و عليه فإذا تلفت الصبرة و لم يبق منها سوى مقدار ما باعه من
1) قياسا بباب التكليف فإنّه كما يكون أمر التطبيق بيد المكلّف في باب الأوامر لو أمر المولى بالطبيعة كالإتيان بالماء مثلا كذلك في المقام يكون الاختيار في التطبيق بيد المشتري، و فيه ما لا يخفى و يا ليته قاس الكلّي في المعيّن بباب الأوامر كما فعله المصنّف لأنّه في طلب الطبيعة حيث إنّ الآمر لا يملك إلاّ كلّي العمل على رقبة المأمور فليس له مطالبة الخصوصيّة من المأمور كذلك في المقام حيث لا يملك المشتري إلاّ الكلّي المقيّد بالواحد من البائع فليس له مطالبته بالخصوصيّات الشخصيّة فيكون أمر التطبيق بيد البائع (الأحمدي).
2) و عليه فلا يجوز تصرّف أحدهما من دون إذن الآخر و لا يجوز إفراز البائع لعدم الولاية له على شريكه إلى غير ذلك من أحكام الشركة (الأحمدي).
المشتري الأوّل، كان الباقي للأوّل، و قد تلف المبيع الثاني قبل القبض، فيوجب انفساخ البيع الثاني، و هذا بخلاف ما لو قلنا بالإشاعة.
و نقول: ذكرنا أنّ المبيع في بيع الكلّي في المعيّن إنّما هو الجامع بين الوجودات، المتقوّم بعنوان «أحد الصيعان» مثلا، و لا مانع من تعلّق الملكيّة بذلك، و قد بيّنا في بحث العلم الإجمالي أنّ المعلوم بالذات هناك ليس إلاّ أحد الأمرين أو الامور بما أنه مرآة للمعنون و فان فيه، من غير أن يكون أحد الطرفين أو الأطراف معيّنا معلوما بالعرض، بل إذا فرضنا أنّ أحد الإناءين كان نجسا في الواقع و الآخر طاهرا، لم يكن النجس الواقعي هو المعلوم بالعرض، لاتّحاد نسبة العلم و الانكشاف إليهما.
نعم يكون النجس الواقعي حينئذ مطابقا بالذات للمعلوم. فإذا أمكن تعلّق العلم به مع أنّه من الصفات الحقيقيّة النفسانيّة، و كذا القدرة إذا تعلّق بأكل أحد الرغيفين مثلا، أمكن تعلّق الملكيّة به بطريق أولى؛ حيث إنّما أمر اعتباريّ قائم بنفس المعتبر.
و عليه، فلا تعيّن للمبيع الأوّل، بل تكون جميع الخصوصيّات باقية في ملك البائع بعد البيع أيضا، فله أن يبيع جملة اخرى من تمام الصبرة ثانيا و ثالثا من المشتري الثاني و الثالث و هكذا كما في بيع الكلّي في الذمّة، و ليس ذلك من قبيل بيع العين الشخصيّة من شخصين ليكون مستحيلا، بل المبيع هو الكلّي في المعيّن، من غير أن يكون له تعيّن في الخارج، فالمبيع الثاني مقدار معيّن من مجموع الصبرة كالمبيع الأوّل، لا ممّا عداه كما في المتن، و نسبة الباقي إليهما على حدّ سواء، إذ لا فرق بين البيع الأوّل و الثاني إلاّ من حيث التأخّر في الزمان، و هو لا يوجب فرقا، فالقول بتعيّن الباقي في الصاع الأوّل بلا وجه.
بل الصحيح أن يقال: إنّ صحّة كلا البيعين حينئذ غير ممكن لاستحالة تسليم
الموجود الواحد لشخصين، و فسادهما معا لا وجه له، و لا مرجّح لأحدهما على الآخر، و كون التخيير بيد البائع كما كان مخيّرا في التطبيق قبل التلف بلا دليل، إذ الموجود قابل لأن يكون مملوكا لكلّ من المشتريين، فلابدّ من القول بصحّة كلّ من البيعين في الجملة، بمعنى صحّة كلّ منهما في مقدار من الباقي - كالنصف مثلا - و بطلانه في المقدار الآخر، لكون التلف فيه قبل القبض. و ثبوت الخيار لتبعّض الصفقة و عدمه حينئذ يختلف باختلاف الأجناس، فإن كان المبيع ممّا يكون لوصف الانضمام فيه غرض عقلائي يثبت الخيار للمشتريين، و إلاّ فلا.
و بالجملة: بما أنّ المبيع لا تعيّن له في الخارج و إن كان هو الكلّي الموجود في الخارج، كان تمام الصبرة باقيا في ملك البائع بعد البيع أيضا، فيكون المبيع الثاني ساريا في تمام الصبرة كالأوّل، فنسبة الباقي و التالف إلى كلّ منهما نسبة واحدة، فلا مناص من القول بالصحّة في الجملة كما ذكرنا، فتأمّل.
و حاصل الكلام: أنّ المبيع في بيع صاع من عشرة صيعان مثلا، هو كلّي الصاع الساري في العشرة، أي الجامع بينها، من غير تعيّن واقعي، فبعد البيع أيضا تكون الصيعان الخارجيّة بأجمعها ملكا للبائع، و لذا كان التطبيق بيده، إذ التمليك لم يتعلّق إلاّ بالجامع المعبّر عنه ب «أحد الصيعان» القابل للانطباق على كلّ صاع منها، فالمبيع الثاني أيضا صاع من عشرة صيعان كالمبيع الأوّل. و ليس هذا من قبيل بيع العين الشخصيّة من شخصين دفعة واحدة على نحو الاستقلال ليكون كلاهما فاسدا، كما إذا باع المالك العين الشخصيّة من شخص في حين باعها وكيله من شخص آخر، أو زوّجت المرأد نفسها من شخص في حين زوّجها وكيلها من شخص آخر، فيكون
كلا العقدين فاسدا، لعدم مرجّح في البين(1). و عليه فإذا تلفت الصبرة و لم يبق منها إلاّ صاع واحد، لا وجه لأن يتعيّن الباقي للمشتري الأوّل و يكون التالف من المشتري الثاني، مع أنّ نسبة البيعين إلى الصبرة نسبة واحدة و لا فرق بينهما إلاّ من حيث السبق الزماني، كما أنّ صحّة كلا البيعين أيضا غير ممكن لأنّ أحد المبيعين تلف قبل القبض، و فسادهما معا - كما في بيع العين الشخصيّة من شخصين - لا وجه له لبقاء أحد المبيعين، و ترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجّح، و كون الخيار بيد البائع كما كان مخيّرا في التطبيق قبل التلف بلا وجه، لأنّ البائع إنّما كان مخيّرا في التطبيق حيث ما كانت الصبرة موجودة، و أمّا بعد التلف و انحصار الباقي بفرد واحد فالانطباق يكون قهريّا، فموضوع خيار البائع في التطبيق منتف بعد التلف، فلابدّ من القول بصحّة كلا البيعين في الجملة، بمعنى صحّة كلّ منهما في نصف الصاع و فساده في الآخر؛ و ذلك لأنّ بيع الصاع بدرهم - مثلا - ينحلّ إلى بيع كلّ
1) و أمّا ما أفاده المحقّق النائيني من أنّ تعلّق حقّ المشتري الأوّل بالباقي مسبقا يكون مانعا من تعلّق حقّ المشتري الثاني به نظير تزاحم أمرين أحدهما كان سابقا في مقام الفعليّة كصيام أحد اليومين إمّا اليوم الأوّل أو الثاني من شهر الصيام إذ سبق تكليف اليوم الأوّل يكون مانعا عن فعليّة التكليف باليوم الثاني كذلك في المقام سبق تعلّق حقّ الأوّل بالباقي يكون مانعا من أن يتحقّق حق للثاني به، ففيه أنّ التزاحم بين المتقدّم و المتأخّر إن كان في الحدوث فالأمر كما أفاده كما في مثال الصوم حيث إنّ التزاحم بينهما في مقام حدوث الفعليّة بخلاف التزاحم في البقاء بعد تحقّق الحدوث لكليهما كما في المقام حيث إنّ المفروض أنّ البيع الثاني أيضا كان قبل تحقّق التلف فثبت حقّ المشتري الثاني أيضا في الصبرة و عند تحقّق التلف يكون التزاحم في بقاء كلا الحقّين و في البقاء لا سبق لأحدهما على الآخر حتّى يكون مانعا عنه (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: ثمّ اعلم أنّ المبيع إنّما يبقى كلّيا ما لم يقبض [1]
نصف صاع بنصف درهم، و كلّ ربع صاع بربع درهم و هكذا، فإذا تلفت من الصبرة تسعة صيعان فقد تلف نصف صاع من المبيع الأوّل و نصف صاع من المبيع الثاني(1)، و تطبيق نصف الصاع الكلّي المملوك لكلّ من المشتريين على الصاع الباقي يكون بيد البائع.
و لا يقاس المقام ببيع العين الشخصيّة من شخصين حيث حكمنا ببطلانهما معا، لأنّ البيعين هناك كانا متزاحمين في جميع أجزاء المبيع، فإنّ كلّ جزء من أجزاء المبيع قد وقع عليه كلا البيعين و لا مرجّح، و في النكاح لا معنى للتبعيض، بخلاف المقام لعدم المزاحمة فيه بين البيعين، و لم يتلف من المبيعين إلاّ نصفهما، فيصحّ البيعان في الباقي.
و أمّا ثبوت الخيار بتبعّض الصفقة للمشتري و عدمه، فهو تابع لكون وصف الانضمام دخيلا في المبيع و لو ارتكازا و عدمه.
[1] إذا أقبض البائع المبيع للمشتري منفردا بأن عيّنه و أقبضه، فلا إشكال في أنّه إذا تلف بعد ذلك كان من مال المشتري.
و إذا لم يعيّنه و لكن أقبضه مجموع الصبرة أمانة أو توكيلا له في التعيين و القبض، فلا إشكال في عدم حصول التعيّن و القبض بذلك، فإذا تلفت كان من مال البائع.
و هذا واضح.
و إنّما الكلام فيما إذا أقبضه مجموع الصبرة من غير تعيين بأن يكون ما يملكه
1) و لا يفرق فيما ذكرنا بين كون أجزاء المجموع منحازا بعضها عن بعض كالعبيد أو غير منحاز كالصبرة و يدلّ على ما اخترناه مضافا إلى الوجه المتقدّم قاعدة العدل و الإنصاف أيضا (الأحمدي).
المشتري منه وفاء و الباقي أمانة، فهل يكون هذا إقباضا للمبيع فيحصل به الشركة، فإذا تلفت جملة منها يحسب على البائع و المشتري معا كلّ بحسب حصّته، أو لا يكون ذلك إقباضا و التلف يحسب على البائع فقط؟
ظاهر المصنّف هو الأوّل، لحصول ماله في يده و عدم توقّفه على التعيين.
و لكن التحقيق أنّ الكلام يقع في مقامين:
أحدهما: في تحقّق إقباض المبيع الكلّي بذلك، فلا يكون التلف بعد ذلك قبل القبض ليوجب انفساخ العقد. و لا إشكال في حصوله بذلك، إذ المبيع كان هو الكلّي الموجود في الصبرة و قد حصل في يد المشتري بإقباض المالك له إيفاء.
ثانيهما: في تحقّق التعيين بمجرّد الإقباض في ضمن المجموع. و الظاهر عدم ثبوته، لما عرفت من أنّ الخصوصيّات الشخصيّة تكون ملكا للبائع، و انتقالها إلى المشتري لا يكون إلاّ بتعيين المالك و لو مقدّمة لتسليم الكلّي إيّاه. و أمّا الشركة بنحو الإشاعة فحصولها يحتاج إلى معاملة و تراض جديد، كما هو واضح(1). و عليه فالمبيع بعد إقباض المجموع أيضا باق على كلّيته و إن كان تحت يد المشتري، فإذا تلف شيء من الصبرة لا وجه لاحتسابه عليه أصلا و لو بحسب حصّته.
1) و يحتاج إلى أن يكون هناك مالان منحازان فاختلط أحدهما بالآخر بحيث لا يكون تمايز بينهما عرفا و إن كانا متمايزين في الواقع و في علم اللّه تعالى كالحنطة المختلطة أو لم يكن بينهما تمايز في الواقع بعد الخلط لتحقّق حقيقة ثانويّة بالخلط كالدبس المختلط بالخلّ، و أمّا في المقام حيث إنّه لم يكن لمالك الكلّي تعيّن في ماله فالشركة بين ماله و مال البائع المالك للتعيّنات لا تتحقّق من جهة الخلط و لم تتحقّق معاملة بينهما توجب الشركة من أجلها (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: فيما لو باع ثمرة شجرات و استثنى منها أو طالا معلومة [1]
[1] بعد ما اختار المصنّف أنّ بيع الصاع من الصبرة منصرف إلى الكلّي في المعيّن - كما يستفاد من رواية بريد المتقدّمة - فإذا تلف من الصبرة مقدار و بقي مقدار المبيع تعيّن في ذلك و يجب تسليمه إلى المشتري، أشكل عليه الأمر في ما ذكره المشهور فيما لو باع ثمرة شجرات و استثنى منها أرطالا معلومة، من حمل المستثنى على الإشاعة و أنّه إذا تلفت الثمرة سقط من المستثنى بحسابه(1)إذ لا فرق بين الأرطال إذا تعلّق بها البيع أو تعلّق بها الاستثناء، فإذا كان منصرفا إلى الكلّي كان كذلك في الموردين، و إذا كان ظاهرا في الإشاعة فكذلك فيهما، فما الفارق بين الموردين؟
و ذكروا في الفارق وجوها:
أحدها: أنّ الفارق بين المسألتين هو النصّ، و أنّ القاعدة تقتضي الإشاعة في كلا الموردين، إلاّ أنّ النصّ أوجب الحمل على الكلّي في البيع، و هو رواية بريد.
و اورد عليه بوجوه:
أوّلا: أنّ النصّ لو كان على خلاف القاعدة و كان مقتضاها الإشاعة، كان اللازم الاقتصار في الخروج عن القاعدة بمورد النصّ، و هو بيع القصب، و عدم التعدّي عنه حتّى في البيع، و إلاّ لزم بيان الفارق بين البيع و الاستثناء.
1) مع أنّهم جعلوا تعيين المستثنى بيد المشتري و حكموا بجواز تصرّف المشتري في جميع الثمرة على نحو البدل و لو كان المستثنى شخصا و كانت الثمرة مشتركة و على نحو الإشاعة كيف يكون تعيين الثمرة المستثناة بيد المشتري و كيف يصحّ تصرّفه في الجميع على البدل و الجمع بين هذين الحكمين مع حكمهم بحساب التالف على البائع كأنّه من الجمع بين المتضادّين (الأحمدي).
و فيه: أنّ التعدّي عن بيع القصب إلى بيع غيره إنّما هو من جهة القطع بعدم الفرق، و عدم الفرق غير متيقّن بين البيع و الاستثناء، فهذا الإيراد غير تام(1).
و ثانيا: ما يظهر من آخر عبارته، و هو أن المستثنى لو كان مشاعا لزم عدم جواز تصرّف المشتري فيما انتقل إليه بدون إذن البائع، كما هو الحال في تصرّف كلّ من الشريكين في المال المشاع بينهما، مع أنّهم يفتون بجوازه عليه.
و ثالثا: أنّه عليه ما الفرق بين التلف السماوي و الإتلاف المستند إلى المشتري، حيث فرّقوا بينهما بأنّ التلف في الأوّل يكون مشتركا بيع البائع و المشتري و في الثاني يكون من المشتري فقط(2)؟
و رابعا: أنّ اللفظ لو كان ظاهرا في الإشاعة كان النصّ مخالفا لما هو المتّفق عليه من أنّ العقود تابعة للقصود، فإنّه مناف له، بل هو نظير أن يقيم البائع و المشتري قرينة على إرادة الإشاعة و ثبت التعبّد بحمله على الكلّي، و هو كما ترى.
ثانيها: أنّ الفارق هو الإجماع القائم على الإشاعة في مسألة الاستثناء، بخلاف البيع، حيث ذكر المصنّف أنّه لم يعرف من جزم فيه بالإشاعة.
و فيه: أنّ حصول الاتّفاق مشكل جدّا، و لعلّ هناك جماعة توقّفوا في ذلك فلم يتمّ الاتّفاق، كما لم يتمّ الاتّفاق على الحمل على الكلّي في البيع، غاية ما هناك أنّ
1) نعم يرد أنّ الحكم المذكور كما تقدّم يكون على القاعدة و أنّ ظهور العبارة يقتضي ذلك و إن لم يكن نصّ في المسألة أيضا فلا وجه لجعل الفارق هو النصّ (الأحمدي).
2) و يصير المستثنى متعلّقا بالباقي لو فرّط المشتري مع أنّه على الإشاعة لا بدّ و أن يكون المشتري حينئذ ضامنا للمثل أو القيمة و يحسب التالف عليهما معا (الأحمدي).
المصنّف لم يعرف من جزم فيه بالإشاعة، و لعلّ جماعة توقّفوا هناك أيضا(1).
هذا، مضافا إلى ورود المحاذير المتقدّمة عليه.
ثالثها: أنّ الفارق هو وجوب الإقباض على البائع و اعتباره في لزوم البيع، فإذا تلف من الصبرة مقدار وجب عليه دفع الباقي لوجوب الإقباض عليه، فلا يحسب التلف على المشتري، بخلاف الاستثناء(2)، حيث لا يجب على المشتري إقباض المستثنى إلى البائع، و ليس لزوم شرائه مشروطا بذلك.
و فيه(3): أنّا لم نعرف منه معنى محصّلا، كما يظهر ممّا أفاده المصنّف أيضا، فإنّ وجوب الإقباض و اعتباره في لزوم البيع أمر، و حمل المبيع على الإشاعة أمر آخر لا ربط بينهما، و ثبوت الأوّل لا يستلزم الثاني.
و بعبارة اخرى: إذا كان المبيع كلّيا و تلف مقدار من الصبرة وجب على البائع تسليم المبيع إلى المشتري بعد تطبيقه على ما بقي من الصبرة، لأنّ المبيع لم يتلف، و إذا تلف مجموع الصبرة انفسخ البيع لتلف المبيع قبل القبض. و هذه الكبرى ممّا لا إشكال فيه، و إنّما الكلام في الصغرى و أنّ المبيع كلّيّ ليكون كذلك، أو مشاع ليحسب التلف عليهما و يفسد البيع في المقدار التالف(4).
1) مع أنّ كون الإجماع تعبّديا غير معلوم بل لا يبعد أن يكون منشأ نظرهم الوجوه المذكورة في المسألة (الأحمدي).
2) و نظائره من الزكاة و غيرهما ممّا يحمل على الإشاعة (الأحمدي).
3) مضافا إلى أنّ الإقباض بمعنى التخلية بين العين و مالكه واجب في الزكاة و نظائرها أيضا و إن لم يجب الإيصال (الأحمدي).
4) و وجوب إقباض الباقي فرع بقاء المبيع و إثباته بوجوب الإقباض دور واضح مع أنّه يجب الإقباض على المشتري أيضا في مسألة الاستثناء و الزكاة و نحوها غايته أن يفرق بين الإقباضين بكفاية التخلية في الاستثناء و نحوه و اعتبار الزيادة على ذلك بالنسبة الى البائع، و أيضا نقطع بعدم مدخليّة وجوب الإقباض في الفرق فإنّه على تقدير تأخير الإقباض أو تعذّره يثبت الخيار للمشتري لا أنّه يوجب أن يصير المبيع غير الكلّي كلّيا (الأحمدي).
رابعها(1): أنّ المبيع كالمستثنى و إن كان كلّيا، إلاّ أنّ القبض في المستثنى حاصل بكون تمام الثمرة تحت يد البائع قبل البيع و تسليمها إلى المشتري، و هو يوجب الشركة. و هذا نظير ما التزم به المصنّف قدّس سرّه في تسليم مجموع الصبرة إلى المشتري في بيع الصاع من الصبرة، حيث ذكر أنّه يوجب الإشاعة. فالاشاعة في المستثنى من جهة حصول القبض فيه دون البيع.
و فيه، أوّلا: أنّه أخصّ من المدّعى، إذ ربما لا يكون المبيع تحت يد البائع أصلا حتّى قبل الشراء، كما إذا فرضنا أنّه كان مغصوبا عند المشتري من أوان انتقاله إلى البائع ثمّ تاب فاشتراه منه.
و ثانيا: لو سلّمنا أنّ إقباض البائع مجموع الصبرة في بيع صاع من الصبرة موجب للتعيّن و الإشاعة - مع أنّا قد ناقشنا فيه(2)- إلاّ أنّه إنّما يسلم فيما إذا كان الإقباض
1) و هو ما عن مفتاح الكرامة و أنّه في مسألة بيع صاع من الصبرة يحسب التالف على خصوص البائع لوجوب الإقباض عليه و يرد عليه ما تقدّم من أنّه ليس لوجوب الإقباض مدخليّة في كون التلف محسوبا على البائع و غاية ما يلزم من عدم تحقّق الإقباض هو ثبوت الخيار للمشتري (الأحمدي).
2) إذ في تلك المسألة لا وجه لأن يكون المشتري مالكا للخصوصيّات بمجرّد قبضه للكلّي بعد أن كانت الخصوصيّات ملكا للبائع و لم يملّكها للمشتري فيكون التلف محسوبا على البائع فقط و في مسألتنا هذه يكون عكس ذلك لا أن يكون التلف محسوبا عليها إن كان المبيع الصيعان بخصوصيّاتها الشخصيّة و يكون الاستثناء للبائع على نحو الكلّي و إن كان المبيع كلّي الصيعان عدا صاع واحد يلزم أن يكون التلف محسوبا على البائع لأن الخصوصيّات باقية في ملكه بعد و التلف يقع على مالك الخصوصيّات حسب الفرض (الأحمدي).
مستندا لمالك المجموع إيفاء للكلّي، و أمّا مجرّد كون مجموع المال تحت يد مالك الكلّي في زمان فليس قبضا و لا موجبا للإشاعة.
هذا، مضافا إلى أنّه يرد عليه أمران من الامور الموردة على الوجه الأوّل، و هما:
لزوم عدم جواز تصرّف المشتري في شيء من المال، و بيان الفارق بين التلف و الإتلاف.
و بالجملة: في الاستثناء امور ثلاثة لا بدّ من الجمع بينها، أحدها: أنّه لو فسدت الثمرة سقط من المستثنى بحسابه، ثانيها: أنّه لو أتلفها المشتري لم يسقط من المستثنى شيء، ثالثها: يجوز للمشتري أن يتصرّف في تمام المال. و الجمع بين هذه الامور الثلاثة لا يتمّ بشيء من الوجوه المتقدّمة(1).
1) و من الوجوه ما أفاده المحقّق النائيني من أنّه في الاستثناء يملك البائع الكلّي المقيّد بالخصوصيّة أيضا بخلاف بيع الصاع من الصبرة و مقتضى تملّك البائع للخصوصيّة أن يحسب التالف عليه أيضا، و فيه أنّ الخصوصيّة التي يكون الكلّي مقيّدا بها هي مفهوم الخصوصيّة لا واقعها فإنّه مقطوع العدم و التقيّد به لا يوجب التشخّص بل يكون الكلّي باقيا على كلّيته فيكون ملك البائع في الاستثناء أيضا كلّيا كما هو الحال في بيع صاع من الصبرة. و لتوضيح ما أفاده في الجواب مع مناقشته نقول كما أنّه في الأحكام التكليفيّة كالصلاة مثلا يكون المأمور به هو الطبيعي الساري في جميع الخصوصيّات و المنطبق على تمام الوقت مثلا، كذلك في الامور الاعتباريّة كالملكيّة يمكن أن يكون المملوك هو الطبيعي و الكلّي من الصاع المتخصّص بخصوصيّة سارية و منطبقة على جميع الصيعان الموجودة في الصبرة كما أنّ المالك أيضا يكون كلّيا قابلا للانطباق على كلّ فرد من الأفراد كعنوان طبيعي السيّد المالك للخمس، و عليه فالمستثنى هو الصيعان المتخصّصة بخصوصيّة سارية و قابلة للانطباق على جميع الأفراد و كذلك المستثنى أيضا هو الصاع المتخصّص بخصوصيّة سارية و قابلة للانطباق على كلّ فرد و عليه فالخصوصيّات حيث إنّها مملوكة للبائع و المشتري معا فيحسب التالف عليهما على حدّ سواء في صورة عدم تفريط المشتري إذ لا رجحان لتخصيص التالف بالمشتري حينئذ بخلاف صورة تفريطه فإنّ انطباق الصاع المتخصّص بخصوصيّة مّا صادقة بعد على الباقي فينطبق عليه ملك البائع فقط لأنّه مع المرجّح، و أجاب عن إشكال جواز تصرّف المشتري بدون إذن البائع و كون تعيين الصاع المستثنى بيد المشتري بأنّ منشأه الشرط الضمني الذي بنى عليه المتعاملان ارتكازا نوعا، و يمكن دفع محذور التلف عليهما أيضا من باب الشرط الضمني. و ملخّص الإيراد عليه أنّ التقييد بالخصوصيّة إن أراد به التقيّد بالخصوصيّة المفهوميّة فهو و إن كان موجبا لتضييق الكلّي كما في تقييد الماء بالبارد إلاّ أنّ الخصوصيّة الواقعيّة هل هي باقية في ملك البائع و لازمه أن يكون التلف محسوبا عليه أو دخلت في ملك المشتري و لازمه أن يكون التلف على المشتري؟ و إن أراد به التقيّد بالخصوصيّة الواقعيّة غير المتعيّنة في الواقع فلا يمكن أن تكون سارية في الجميع مع أنّه يكون مرجعه إلى الفرد المردّد الذي هو محال و لا ماهيّة له و لا وجود، و إن أراد به التقيّد بالخصوصيّة المتعيّنة في الواقع المجهولة عند المتعاملين فالبيع باطل على المشهور للجهل بالمبيع. و الحاصل أنّ ما أفاده النائيني في الفرق بين المسألتين هو أنّه في مسألة بيع صاع من الصبرة حيث إنّ المشتري يتلقّى الملك من البائع و المفروض أنّ المبيع حيث لا يكون معنونا إلاّ بعنوان كلّي صادق ما بقي فرد من الصيعان فيجب تسليمه للمشتري بخلافه في الاستثناء حيث إنّ البائع لا يتلقّى الملك من المشتري بل إنّ مرجع قوله (بعتك هذه الصبرة إلاّ صاعا واحدا) إلى أن المبيع تسعة من هذه الصيعان فيبقى واحد منها في ملك البائع بكلّيته و شخصيّته و عليه فيندفع إشكال احتساب التالف عليهما لأنّ نسبة التالف اليهما على حدّ سواء و يدفع إشكال جواز تصرّف المشتري بدون إذن البائع بالشرط الضمني، لكن فيه أنّه لا يدفع محذور صيرورة التالف عن تفريط محسوبا على المشتري فقط مضافا إلى ما تقدّم من المناقشات (الأحمدي).
و من هنا ذكر المصنّف للفرق بين المسألتين وجهين آخرين، أحدهما على الإشاعة و الثاني على الكلّي في المعيّن.
أمّا الوجه الأوّل، فهو ما أفاده بقوله: إلاّ دعوى أنّ المتبادر من الكلّي المستثنى هو الكلّي الشائع فيما يسلم للمشتري، لا مطلق الموجود وقت البيع، انتهى(1).
و لا يخفى أنّه بظاهره على خلاف المطلوب أدلّ؛ فإنّ كون المخرج ما يسلم للمشتري من الثمرة لا يوجب احتساب التلف عليهما، بل لازمه احتسابه على المشتري فقط و دفع المستثنى ممّا يسلم، إلاّ أن يكون في العبارة سقط أو تقدير، أو كان في نفسه قدّس سرّه أمر آخر أراد بيانه، كما لا يبعد ذلك و نشير إليه.
و أمّا الوجه الثاني، فحاصله أنّ المستثنى إن كان كلّيا لزم أن يكون المستثنى منه - و هو المبيع - أيضا كلّيا، مثلا إذا باع مائة رطل من الثمرة و استثنى منها عشرة
1) و محصّله أنّه بعد ما رأينا من استقرار بناء المتعاملين و العقلاء و ارتكازهم في صورة استثناء كلّي غير مقيّد بخصوصيّة كذراع أو صاع من المبيع للبائع فتلف الجميع إلاّ مقدار منه بتلف سماوي يحسبون التالف على البائع و المشتري و الباقي لهما كلّ حسب حصّته فمن ذلك يفهم أنّ المراد من لفظ الصاع أو الذراع و نحوهما ليس ما هو الظاهر منه لولا تلك القرينة بل لو فرضنا أنّ الصيعان عشرة أصوع مثلا و قال (بعتك جميع هذه الصيعان إلاّ صاعا واحدا) يكون المراد منه بتلك القرينة أنّي بعتك جميع هذه الأصوع بخصوصيّاتها الشخصيّة إلاّ أنى استثني منها مقدارا نسبته إلى ما يسلم في يد المشتري نسبة الواحد إلى التسع و عليه فيندفع جميع الإشكالات، أمّا إشكال التلف عليهما فلأنّ المستثنى و إن كان كلّيا إلاّ أنّ المستثنى ليس نفس الصاع كما هو ظاهره بل المستثنى يكون شيئا من مقدار ما يسلم في يد المشتري للبائع تكون نسبته إلى مال المشتري نسبة الواحد إلى العشرة فما تلف بتلف سماوي حيث لم يسلم للمشتري يحسب منهما و أمّا المتلف بإتلاف المشتري فإنّه يعدّ واقعا في يده و مسلّما له، و أمّا جواز تصرّف المشتري بدون إذن البائع و كذا كون التعيين بيده فلأنّه المالك للخصوصيّات و المفروض أنّ كلّي المستثنى بعد التصرّف أيضا يبقى، و عمدة الإيراد عليه أنّ استثناء مقدار ما يسلم بالمعنى المزبور حيث يكون مجهولا و مختلفا فيه و لا ضابطة تعيّنه فإنّه يكون موجبا للغرر بالنسبة إلى البائع و المشتري (الأحمدي).
أرطال، فكما أنّ المشتري يملك تسعين رطلا في ضمن مائة رطل، كذلك البائع يملك عشرة أرطال في ضمن المائة، فكلّ منهما يملك كلّيا في المعيّن، فحينئذ نسبة التالف و الباقي إليهما على حدّ سواء(1)إذ كما يمكن انطباق مال البائع على الباقي، كذلك يمكن انطباقه على ما يملكه المشتري عليه، فالترجيح بلا مرجّح، فلا محالة يحسب التالف عليهما، انتهى(2).
و فيه، أوّلا(3): أنّ كون المبيع في الفرض كلّيا خلاف المتفاهم العرفي، بل ما يفهمه العرف من بيع ثمار الأشجار إلاّ أرطالا معيّنة إنّما هو تمليك الثمار من المشتري بخصوصيّاتها الشخصيّة، و مجرّد كون المستثنى كلّيا لا يقتضي كون المستثنى منه - أعنى المبيع - كلّيا، كما أنّ بيع الكلّي في المعيّن لا يقتضي خروج
1) و هذا بخلاف مسألة بيع صاع من الصبرة فإنّ مال البائع حيث لم يكن ملحوظا بعنوان كلّي بل كان مال المشتري كذلك فالخصوصيّات باقية على ملك البائع فيكون التلف محسوبا عليه لأنّ الكلّي باق ببقاء ما يمكن أن ينطبق عليه (الأحمدي).
2) و عليه تندفع المحاذير أمّا احتساب التالف عليهما في صورة عدم التعدّي فلأنّ نسبة التالف إليهما على حدّ سواء و أمّا جواز تصرّف المشتري بدون إذن البائع فلأنّ الخصوصيّات ليست مالا للبائع و المفروض بقاء مقدار ما ينطبق عليه حقّ البائع و احتساب التالف على المشتري في صورة التفريط لتعدّيه (الأحمدي).
3) إذ كون المبيع أيضا كلّيا مستلزم لدخوله في مسألة بيع صاع من الصبرة إذ لا فرق في تلك المسألة بين صاع واحد أو صيعان متعدّدة و تبقى الخصوصيّات في ملك البائع لأنّه كان مالكا للخصوصيّات قبل البيع و المفروض عدم إخراجها عن ملكه و لازمه أن يكون التلف محسوبا عليه كما في المسألة السابقة غايته أنّه في تلك المسألة كان الصاع المقيّد بالواحد على النحو الكلّي مبيعا و في هذه المسألة الصاع المقيّد بالتسعة على النحو الكلّي يكون مبيعا (الأحمدي).
الخصوصيّات الخارجيّة عن ملك البائع. و يشهد لما ذكرناه من انتقال الأفراد الخارجيّة إلى المشتري، كون التطبيق بيده، و إلاّ لم يكن لذلك وجه أصلا.
و ثانيا(1): أنّه على هذا يلزم بقاء الخصوصيّات الخارجيّة بلا مالك، كما يلزم عدم جواز تصرّف المشتري فيها، و يلزم عدم الفرق بين التلف و الإتلاف.
و لعلّ المصنّف لهذه الامور لم يرتض هذا الوجه أيضا، و أوكل تحقيق المقام إلى نظر الناظر الخبير الماهر(2).
1) لازم ما ذكر جواز تصرّف البائع في مقدار حصّته أيضا بدون إذن المشتري إذ هما على حدّ سواء و ثانيا التعدّي و الإتلاف لا يوجب جعل الكلّي منطبقا على الباقي بل يوجب ضمان المتعدّي بالنسبة إلى التالف و تبقى نسبة الباقي إلى كليهما على حدّ سواء (الأحمدي).
2) و قد أجاب عنه بعض مشايخنا المحقّقين (حاشية كتاب المكاسب 342/3) بعد تقريب الإشكال بأنّ المبيع إن كان نفس الصبرة و المستثنى كلّي الصاع يلزم أن لا يحسب التالف على البائع حيث إنّ الكلّي لا تلف له إلاّ بتلف جميع الصبرة و إن كان المبيع تسعة أصوع مثلا فيما كانت الصبرة مشتملة على عشرة أصوع بجعل المستثنى و المستثنى منه تحديدا للمبيع كان المبيع كالمبيع في المسألة السابقة لا يحسب التالف على المشتري و على أي تقدير لا يحسب التالف عليهما معا، و أجاب عنه على التقدير الأوّل بأنّ ظهور الاستثناء في الاتّصال يوجب أن يكون المستثنى جزئيّا استثني من الجزّئيّات و المراد من هذه الجزئيّة هي الجزئيّة باعتبار جزئيّة منشأ انتزاعه و هو الكسر المشاع أعني عشر الموجود مثلا لا الجزئيّة بمعنى الاشتمال على الخصوصيّة الواقعيّة لأنّ مرجعها إلى المجهوليّة أو التردّد الواقعي و ظاهر لفظ الصاع من الصبرة و إن كان هو الكلّي المضاف إلى الصبرة بإلغاء الخصوصيّات عنه لكنّه ظهور إطلاقي من باب عدم القرينة على دخل الخصوصيّة و نفس الاستثناء قرينة على دخل الخصوصيّات في المستثنى لظهوره في كون المستثنى من جنس المستثنى منه و لذا قالوا إنّ ظاهر الاستثناء أن يكون متّصلا و حيث إنّ المستثنى منه يكون الشخص فيكون المستثنى أيضا هو الشخص لا الكلّي و حيث إنّ الخصوصيّة غير معيّنة و حملها على الفرد المجهول يوجب البطلان و على المردّد غير ممكن فلا محالة يحمل على الكسر المشاع و بذلك يدفع احتساب التالف عليهما، لكن فيه أوّلا أنّه و إن كان يمكن أن يكون فارقا بين وقوع الصاع مبيعا أو مستثنى في حساب التالف عليهما في الثاني دون الأوّل في صورة التعدّي و عدمه لكن يبقى الإشكال على حاله فيما إذا كان بالتعدّي و التفريط من المشتري فإنّهم تسالموا على أنّ التلف حينئذ يكون من مال المشتري فقط مع أنّ مقتضى الجواب المذكور عدم الفرق بين صورة التفريط و عدمه في أنّ التالف يحسب على الجميع و إن كان على المتعدّي أداء بدله مثلا أو قيمة بالنسبة إلى حصّة الشريك، و ثانيا أنّ ظهور الاستثناء في المتّصل و أن المستثنى بحيث لولا الاستثناء كان داخلا في المستثنى منه حكما و أثرا و إن كان ممّا لا ينكر إلاّ أنّ لزوم كون المستثنى من جنس المستثنى منه بحيث لو كان المستثنى منه شخصا كان المستثنى أيضا شخصا غير معلوم فمثلا في قولك (أكرم العلماء إلاّ واحدا) مع أنّ الاستثناء متّصل و المستثنى منه فيه هو الأشخاص لكن المستثنى كلّي و هو الواحد من الجماعة القابل للانطباق على كلّ واحد على البدل من غير دخل خصوصيّة فيه إذ لا يعلم من الاستثناء المزبور بنظر العرف إلاّ الكلّي المقيّد بالوحدة، مع أنّ الظاهر أنّ دلالة لفظ «صاعا» بالتنوين على الكلّي المقيّد بالوحدة أيضا بالوضع لأنّ التنوين يدلّ على الوحدة فلا يكون ظهور الاستثناء في الاتّصال أقوى من ظهور لفظ «الصاع» في الدلالة على الكلّي، على أنّ الجواب المذكور لو تمّ لا يكفى لدفع بقيّة المحاذير كما لا يخفى و يحتاج إلى ضميمة اخرى من الشرط الضمني و نحو ذلك. و أجاب على التقدير الثاني بأنّ حفظ ظهور الصاع في الكلّي و حفظ ظهور الاستثناء في الاتّصال يقتضي حمل المستثنى منه على الكلّي فيما يملكه البائع و المشتري كلاهما و نسبة التالف إليهما على حدّ سواء و أنت خبير بأنّ جميع الإشكالات المتقدّمة من لزوم عدم الفرق بين صورة التلف و الإتلاف و عدم وفاء الجواب المذكور بحلّ باقي المحاذير واردة عليه (الأحمدي).
و التحقيق: أنّ الكسر كما يمكن أن يكون مشاعا، كذلك يمكن أن يلحظ بنحو الكلّي في المعيّن، فيبيع المالك كلّي النصف أو الربع أو الخمس من الصبرة، فيكون أمر تطبيقه بيد البائع، و ليس للمشتري اقتراح تعيين شيء من الخصوصيّات عليه،
بأن يقول له: أعطني من النصف الشرقي أو الغربي و هكذا، إذ لا فرق بين عنوان المنّ أو الصاع و عنوان الكسر من هذه الجهة.
ثمّ قد يكون ذلك من قبيل القضايا الخارجيّة كأن يبيع نصف الصبرة الخارجيّة المعيّنة، و قد يكون من قبيل القضيّة الحقيقيّة، غاية الأمر لا يصحّ ذلك في البيع، لاستلزامه الغرر بناء على مفسديّته. و يمكن تصويره في الوصيّة و غيرها، مثلا يوصي لشخص بنصف ما يملكه عند موته في النجف مثلا، فيكون الموصى به كسرا كلّيا من حصّة خاصّة من مال الموصي بنحو القضيّة الحقيقيّة، و لا يكون مشاعا، و لذا لا تحصل الشركة بين الورثة و بين الموصى له، بل تكون الخصوصيّات بأجمعها ملكا للورثة و يكون التطبيق بيدهم، لأنّ الموصى له لا يملك سوى الكسر الكلّي.
و عليه ففي المقام المستثنى و إن كان عنوان الأرطال، إلاّ أنّ المراد به الكسر بنسبة تلك الأرطال إلى المجموع، و ليس كسرا مشاعا بل كسرا كلّيا، و ليس من قبيل القضيّة الحقيقيّة بل من قبيل القضايا الخارجيّة، أي ممّا يسلم للمشتري من الثمار.
و بالجملة: يكون المبيع الثمار الخارجيّة بخصوصيّاتها، و المستثنى كسرا كلّيا ممّا يسلم للمشتري، لا من الثمار الموجودة حين البيع. و الذوق العرفي يساعد إرادة هذا المعنى و إن كان المأخوذ في المستثنى عنوان الأرطال، فإذا فرضنا ما يسلم للمشتري ستّين رطلا و المستثنى ستّة أرطال، كان المستثنى حقيقة هو العشر الكلّي ممّا يسلم للمشتري.
و به يمكن الجمع بين الامور الثلاثة التي التزموا بها في المسألة، و هي: جواز
تصرّف المشتري في مجموع الثمار، و كون التلف منه و من البائع كلّ بحصّته، و الفرق بين التلف و الإتلاف. أمّا جواز تصرّف المشتري في الثمار فلانتقالها إليه بأجمعها، و أمّا حساب التلف عليهما فلأنّ مخرج الكسر هو ممّا يسلم للمشتري فيسقط التالف منهما معا، و أمّا عدم احتساب التالف على البائع إذا كان مستندا إلى المشتري فلأنّ إتلافه قبضه و تسلّمه، فما أتلفه بغير الأكل فهو نظير ما أتلفه بالأكل، فالإتلاف قبض حقيقة، و لذا لا يحسب ممّا أتلفه على البائع شيئا.
و يمكن تصوير الجامع بين الامور الثلاثة بوجه آخر، و هو أن يراد بالأرطال الكسر لا من مجموع الصبرة(1)بل من كل قسمة منها، فإذا فرضنا مقدار الصبرة مائة رطل مثلا و كان المستثنى عشرة أرطال، كان المستثنى هو العشر لا من مائة رطل بل من كل عشرة أرطال، و عشرين من كل خمسة أرطال و هكذا، و يتنقّح هذا بإفراز كلّ عشرة أرطال و جعلها صبرة مستقلّة و استثناء العشر من كلّ صبرة منها، و عليه إذا تلفت صبرة منها لا محالة يحسب التلف على المشتري أيضا(2)، فتأمّل.
1) بحيث يكون الاستثناء من العام المجموعي بل من قبيل الاستثناء من العام الاستغراقي فكأنّه استثنى من كلّ صاع عشره أو خمسه مثلا لا أنّه استثنى من المجموع صاعا أو أرطالا و القرينة على إرادة هذا المعنى بأحد التفسيرين اللذين ذكرناهما ما هو المرتكز عند العرف من أنّه عند تلف الكومة غير الباقية منه إلاّ مقدار المستثنى يحسبون التالف على البائع و المشتري و لا يخصّصون البائع بالمقدار الباقي، هذا كلّه على تقدير تسليم ما هو المنقول من الفقهاء و تطمئنّ به النفس من الفرق بين المسألتين على ما تقدّم و إلاّ فمقتضى القاعدة حساب التالف على المشتري في المسألة الأخيرة لأنّ المبيع هو مجموع الصبرة و المستثنى هو المقيّد بالوحدة بحسب ظاهر اللفظ عكس المسألة السابقة (الأحمدي).
2) و يمكن حمل كلام المصنّف في جوابه الأوّل على أحد هذين اللذين ذكرناهما (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: قال في الروضة تبعا للمحكيّ عن حواشي الشهيد [1]
إلاّ أنه يبقى أمران:
أحدهما: جواز تصرّف المشتري في مجموع الصبرات بإتلاف و نحوه، و أنّه كيف يسوغ له ذلك مع اشتمال كلّ صبرة على مال البائع؟
ثانيهما: لماذا إذا أتلف المشتري صبرة من تلك الصبرات انتقل ما كانت تلك الصبرة مشتملة عليه من مال البائع إلى ما بقي من الصبرات؟ مثلا لو فرضنا أنّ المشتري أتلف خمسة منها كان ما يملكه المشتري في ضمن الخمسة الباقية.
و لا بد من أن يكون كلا الأمرين للشرط الضمني، فتأمّل.
هذا ما خطر بالبال في حلّ الإشكال، و لعلّ غيرنا أتى بأحسن من ذلك.
[1] ذكر الشهيد قدّس سرّه ما حاصله: أنّ صور بيع الصبرة خمسة، و بإضافة العلم و الجهل بمقدارها تكون الأقسام عشرة(1).
أمّا فرض العلم، فتارة: يبيعها أجمع، و لا إشكال في صحّة البيع لعدم وجود مانع عنها. و اخرى: يبيع كسرا مشاعا منها كالنصف أو الربع، و هذا أيضا صحيح. و ثالثة:
يبيع الكلّي المعيّن منها، و هو أيضا صحيح. و رابعة: يبيع كلّ قفيز منها بدرهم، و المشهور فيه البطلان - كما اختاره الميرزا أيضا(2)- للجهالة(3)، و لكن الظاهر
1) راجع الروضة البهيّة 209/2 و 210، و حكاه عن حواشي الشهيد في مفتاح الكرامة 275/4.
2) منية الطالب 394/2.
3) معلّلا بأنّ تردّد متعلّق العقد بين الأقلّ و الأكثر يقتضي الجهل به و استظهر من قول العلاّمة في بعض كتبه من صحّة الإجارة في الشهر الأوّل لو قال (آجرتك الدار كلّ شهر بكذا) صحّة البيع في المقام بالنسبة إلى صاع واحد أيضا، و بعده قال: لكن الأقوى البطلان في كلا المقامين للتعليل المتقدّم. لكن الاستظهار المذكور من كلام العلاّمة في غير محلّه ظاهرا إذ الالتزام بالصحّة في باب الإجارة بالنسبة إلى الشهر الأوّل لا يستلزم الالتزام بالصحّة بالنسبة إلى صاع واحد لأنّ اليوم و الشهر متشخّص بنفسه عن غيره من الأيّام و الشهور و لذا يكون اليوم الأوّل أو الشهر الأوّل متعلّق الإجارة قطعا بخلاف المقام فإنّ الصاع الواحد لا تشخّص فيه حتّى يكون البيع متعلّقا به يقينا إذ المراد بالصاع الواحد إن كان الشخصي منه فهو من قبيل المجهول أو المردّد و إن كان الكلّي منه فلا تشخّص فيه حتّى يكون من قبيل المقيس عليه نعم يمكن الالتزام فيه بالصحّة بالنسبة إلى فرد واحد منه على نحو الكلّي و على البدل لأنّه القدر المتيقّن من الكلام المزبور فتأمّل (الأحمدي).
و أمّا فرض الجهل بمقدار الصبرة، فأقسامه خمسة على حذو أقسام فرض العلم: أمّا الصورة الاولى - و هي بيع مجموع الصبرة - ففاسد للجهل و الغرر. و كذا بيع الكسر المشاع، لأنّ المخرج إذا كان مجهولا كان الكسر أيضا مجهولا و غرريّا لا محالة(2). و أمّا بيع كلّ قفيز بدرهم فحاله حال صورة العلم، يصحّ في قفيز واحد
1) إلاّ توهّم الجهل بمقدار مجموع الثمن غالبا حال البيع لاحتياج جمع ثمن كلّ صاع إلى الحساب بل و إلى الكتابة في بعض الأحيان لكن لا دليل على اعتبار العلم بالثمن بهذا النحو (الأحمدي).
2) و أمّا الصورة الثالثة و هو بيع الكلّي المعيّن منها فيصحّ في المقدار الذي تشتمل عليه الصبرة يقينا إذ لا جهالة و لا غرر في المبيع و الجهل بنسبة المبيع إلى مجموع الصبرة غير مضرّ، و لو لم يعلم اشتمالها عليه فالأقوال فيه ثلاثة: البطلان كما حكي عن ظاهر القواعد و ينسب إلى الشهيدين، و الصحّة كما ينسب إلى الشيخ في المبسوط و استقر به الشهيد في اللمعة، و التفصيل بأنّه إن تبيّن اشتمالها عليه يكون صحيحا و إلاّ يكون باطلا، لكن الاحتمال الأخير لا وجه له إذ الغرر ليس له وجود واقعي يتعلّق به العلم تارة و الجهل اخرى بل معناه الخطر و هو قائم بذهن المتبايعين أو أحدهما حسب المفروض كان البيع مشتملا على الخسارة أم لا و تبيّن الاشتمال لا يوجب رفع الغرر الثابت حال البيع، و الأظهر قول رابع و هو التفصيل بالنسبة إلى المقدار الذي يشتمل عليه يقينا في نظر المتبايعين و غيره بالصحّة في ذلك المقدار لتحقّق الشرائط فيه و البطلان في الزائد عليه لفقد شرائط الصحّة من العلم و عدم الغرر و الوجه فيه انحلال البيع إلى بيوع متعدّدة كما في نظائره من ضمّ ما يملك إلى ما لا يملك (الأحمدي).
و يفسد في الباقي(1)، فتأمّل. و أمّا بيع مجموع الصبرة كلّ قفيز بكذا، فالظاهر فيه الصحّة(2)لعدم الغرر و وقوع البيع على عنوان الوزن و عدم كونه جزافا، و الجهل بمقدار مجموع المبيع غير مضرّ. و الفرق بين هذه الصورة و الصورة السابقة إنّما هو في أنّ المبيع في هذه الصورة معلوم - و هو مجموع الصبرة - بخلاف الصورة السابقة، و لا يعتبر في صحّة البيع أكثر من أن لا يكون غرريّا و لا يكون جزافا و يكون المبيع معلوما(3)- فتأمّل - و في الصورة السابقة لا يعلم أنّ المبيع أيّ مقدار. و أمّا بيع مقدار كلّي معيّن من الصبرة فهو صحيح في فرض العلم، بل في فرض الجهل أيضا.
و بالجملة: صورة العلم و فرض الجهل يتّفقان في بعض الأقسام من حيث الصحّة، و في بعضها في الفساد، و يفترقان في بعضها.
أمّا اختلافهما ففي القسمين الأوّلين، أعني: بيع مجموع الصبرة بكذا فإنّه يصحّ في فرض العلم و يبطل في فرض الجهل بمقدار الصبرة للغرر، و بيع الكسر المشاع منها فإنّه يصحّ في فرض العلم لعدم الغرر و يبطل في فرض الجهل للغرر.
و أمّا مورد اتّفاقهما في الفساد، فهي الصورة الثالثة، أعني بيع كلّ قفيز بدرهم، فإنّه باطل في الزائد على المقدار المتيقّن، و هو بيع قفيز واحد.
و صورة اتّفاقهما في الصحّة بيع مجموع الصبرة كلّ قفيز بدرهم، فإنّه يصحّ في فرض العلم و الجهل بمقدار الصبرة.
و أمّا بيع الكلّي المعيّن منها، ففي فرض العلم بمقدار الصبرة لا إشكال في صحّته.
و أمّا في فرض الجهل بذلك، فإن علم باشتمال الصبرة على مقدار المبيع - كالمنّ مثلا - فلا إشكال في الصحّة.
و أمّا إن لم يعلم ذلك أيضا، فقد يقال ببطلان البيع - كما هو محكيّ القواعد و حواشي الشهيد - للغرر، و أيّ غرر أعظم من الجهل بوجود المبيع.
و الصحيح هو الصحّة:
أمّا أوّلا: فلأنّ الجهل بوجود المبيع إنّما يوجب الغرر لو لم يكن البيع معلّقا على وجوده، و إلاّ فأيّ خطر فيه، فإنّ المبيع حينئذ لو لم يكن موجودا، للمشتري إعدام موضوع الغرر بالفسخ، فيكون الغرر المتصوّر مندفعا باشتراط الخيار، و قد مرّ فيما تقدّم - وفاقا للمصنّف - ارتفاع الغرر بجعل الخيار من المتبايعين و إن لم يرتفع الخيار الشرعي. و التعليق في المقام لا يوجب بطلان البيع، لأنّه تعليق على وجود الموضوع، و هو خارج عن مورد الإجماع، فلا غرر يوجب البطلان.
و ثانيا: سلّمنا عدم التعليق(1)و بقاء الغرر الموجب للبطلان، إلاّ أنّه بناء على المختار من انحلال البيع المنشأ بإنشاء واحد إلى بيوع عديدة، يكون ذلك من قبيل ضمّ بيع فاسد إلى بيع صحيح و إنشائهما بإنشاء واحد، نظير بيع ما يملك و ما لا يملك بإنشاء واحد؛ و ذلك لأنّ بيع منّ من الصبرة بثمن، ينحلّ إلى بيع كلّ نصف منّ بنصف ذلك الثمن و هكذا، فإذا فرضنا العلم باشتمال الصبرة على نصف المنّ، كان البيع فيه صحيحا و إن كان فاسدا في الزائد على ذلك للجهل باشتمال الصبرة عليه، فيكون من قبيل بيع ما يملك و ما لا يملك بإنشاء واحد، و هو صحيح فيما يملك و إن كان فاسدا فيما لا يملك، فالقول بالبطلان مطلقا لا وجه له.
و ثبوت خيار تبعّض الصفقة للمشتري إذا ظهر النقصان يختلف باختلاف الموارد؛ فإنّه يثبت إمّا من جهة تخلّف الشرط الذي اقترحه البائع و المشتري في متن العقد، و إمّا من جهة تخلّف الشرط الضمني الثابت بالارتكاز العقلائي، و المفروض في المقام أنّ وصف الانضمام لم يذكر في متن العقد. و الارتكاز العقلائي
1) لكن تمام الثمن إن كان واقعا بإزاء نفس الموجود كيف ما كان، كانت المعاملة غرريّة لكن الأمر ليس كذلك بل لو لم تكن الصبرة مشتملة على مقدار ما يقابله من الثمن يبطل البيع بمقداره و ينقص من الثمن بحسابه لانحلال البيع فبيع ستين قفيزا من الحنطة بستين دينارا ينحلّ إلى بيع نصفه بثلاثين دينارا و ربعه بخمسة عشر و هكذا، فإذا علم اشتمال الصبرة على نصف المقدار المذكور فالبيع بالنسبة إلى هذا المقدار يكون صحيحا لأنّ مقدار الثمن و المثمن كلاهما معلومان و بالنسبة إلى الزائد عليه يكون باطلا للجهل بوجود المثمن و المفروض أنّ انحلال البيع من الامور الارتكازيّة العرفيّة و إلاّ لما صحّت المعاملة في الفروع المتسالم على الصحّة فيها عند الفقهاء لأنّها كلّها مبنيّة على الانحلال (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» إذا شاهد عينا في زمان سابق على العقد عليها [1]
في ذلك يختلف باختلاف الموارد، فإن كان المبيع ممّا يكون لوصف الانضمام فيه غرض عقلائي - كمصراعي الباب - أوجب تخلّفه الخيار، و إن لم يكن كذلك فلا خيار و إن كان الانضمام متعلّقا لغرض المشتري شخصيّا؛ حيث إنّه لم يذكر في متن العقد. و تمام الكلام في محلّه.
[1] يقع الكلام في مقامين:
المقام الأوّل: في صحّة البيع و عدمه.
فنقول: أمّا بيعها مبنيّا على تلك الصفات فلا ينبغي الإشكال في صحّته إذ لا غرر فيه؛ فإنّه لا يقلّ عن إخبار البائع و الشراء منه مبنيّا عليه، فإذا تخلّف الوصف ثبت الخيار.
و أمّا بيعها غير مشروط بوجود تلك الصفات التي شاهدها فيها، فعلى أقسام:
لأنّ العادة إمّا أن تقتضي بقاء تلك الصفات، كما إذا رأى المشتري الجارية قبل يوم - مثلا - بصفات خاصّة، و عادة لا تتغيّر صفاتها بمرور يوم واحد، فيطمئنّ ببقائها، فيصحّ فيه البيع تعويلا على الرؤية السابقة، إذ لا غرر فيه.
و إمّا أن تقتضي العادة زوالها، كما إذا رآها قبل أربعين سنة - مثلا - شابّة جميلة قويّة، و عادة لا تبقى تلك الصفات بعد مرور أربعين سنة، فيطمئنّ بزوالها و تبدّلها بأوصاف اخر، و لا إشكال في فساد البيع حينئذ للغرر.
و إمّا أن لا تقتضى العادة زوالها و لا بقاءها، فيشكّ في ذلك، فهل تكفي الرؤية السابقة فيصحّ البيع، أو لا يكفي ذلك فيبطل؟
ظاهر المصنّف هو الأوّل؛ تمسّكا باستصحاب بقائها و عدم تبدّلها،
و الاستصحاب طريق يتعارف التعويل عليه عند العقلاء.
و قد أورد عليه المحقّق النائيني بما حاصله: أنّ الأثر في المقام لم يترتّب على بقاء الصفات السابقة بوجودها الواقعي ليرتّب بالاستصحاب، بل الأثر مترتّب على إحراز بقائها، فلا يجري الاستصحاب.(1)و نقول: ما ذكره الميرزا مخالف لمبناه، من قيام الأمارات و الاصول العمليّة مقام القطع الطريقي و المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقيّة، خلافا لما بنى عليه المحقّق الخراساني من قيامها مقام القطع الطريقي المحض دون غيره؛ إذ عليه و لو كان موضوع الأثر هو إحراز بقاء الصفات قام مقامه الاستصحاب. فالصحيح في الجواب أن يقال: إنّ الأثر في الفرض لم يترتّب على بقاء الصفات واقعا و لا على العلم ببقائها، و إنّما هو مترتّب على لازم العلم ببقاء الصفات، و هو عدم احتمال الضرر الذي هو الموضوع للغرر، فاستصحاب بقاء الصفات لا يترتّب عليه أثر إلاّ على القول بالأصل المثبت(2)، و لا نقول به. و بعبارة اخرى: ما له الأثر - و هو عدم كون البيع غرريّا - ليست له حالة سابقة ليجري فيه الاستصحاب، و ماله حالة سابقة لا أثر له(3)، فلا مناص من القول
1) منية الطالب 396/2.
2) فإنّ الغرر الذي هو الموضوع للبطلان حيث إنّه بمعنى الخطر و هو من الأوصاف النفسانيّة الموجودة بالوجدان فعلا و الاستصحاب المذكور لا يرفع الغرر تعبّدا إلاّ بالأصل المثبت (الأحمدي).
3) هذا على القول بحجيّة الاستصحاب من باب التعبّد و أمّا دعوى أنّ العمل بالحالة السابقة ممّا يعوّل عليه عند العقلاء فقد ذكرنا عدم ثبوت بنائهم عليه مطلقا بل عملهم على الحالة السابقة إمّا في فرض الاطمئنان بالبقاء أو من باب الاحتياط أو الذهول و الغفلة و نحو ذلك (الأحمدي).
ببطلان البيع في هذه الصورة.
المقام الثاني: ما إذا بيعت العين تعويلا على الرؤية السابقة فانكشف تغيّر تلك الصفات.
فالأقوال فيه ثلاثة: بطلان البيع، و صحّته من دون خيار، و صحّته مع ثبوت الخيار(1)للبائع إذا كان زوالها موجبا لزيادة القيمة، و للمشتري إن كان موجبا لنقصانها.
أمّا القول بالبطلان(2)، فلأحد وجهين:
1) و هذا الخيار ليس من خيار الغبن لأنّه إنّما يكون في صورة النقصان عن القيمة السوقيّة بل هو من خيار تخلّف الوصف و الشرط فما في عبارة المصنّف من أنّ الخيار للمغبون منهما لا يخلو عن مسامحة واضحة (الأحمدي).
2) و هو منسوب إلى النهاية و كذا إلى العلاّمة بدعوى أنّ الصفات إن كانت مقوّمة للمبيع فتخلّفها موجب لبطلان البيع و إلاّ فلا وجه للخيار و نسبة هذا الاستدلال إلى العلاّمة بعيد عن مثله و جوابه واضح على ما أفاده المصنّف من أنّها مع عدم كونها من مقوّمات المبيع إذا اعتبرت فيه ببناء العقلاء أو بذكرها في العقد صريحا أو ارتكازا يكون فواتها موجبا لفوات حقّ المشتري و لذا يوجب الخيار، و لو كان مدركه هذا كان لازمه القول بالبطلان في صورة تخلّف الشرط المذكور في العقد أيضا مع أنّه لا يقوله به. و لعلّ دليله على عدم الخيار و بطلان العقد في المورد أحد أمرين، الأوّل: أنّ الشرط غير المذكور في العقد غير لازم الوفاء لما ورد من الروايات في باب النكاح من اعتبار ذكر الشرط في العقد فحينئذ لا يرتفع الغرر بالبناء عليها من دون ذكرها في العقد فيكون العقد باطلا، و فيه أنّ اعتبار ذكر الشرط في العقد إنّما هو من باب اعتبار المظهر و المبرز في الشرط النافذ كان المبرز اللفظ أو القرينة الحاليّة و نحوها لا من باب خصوصيّة في اللفظ و اعتبار ذكره في متن العقد في موارد الروايات التي اشير إليها لكون الشرط من الامور الخارجيّة غير الارتكازيّة بخلاف المقام حيث إنّ كون الثمن و المثمن متساويين في القيمة السوقيّة هو من الامور الرتكازيّة حيث إنّ الغرض من التبادل هو التبديل في الصورة النوعيّة مع حفظ الماليّة، الثاني: أن يكون إشارة إلى ما التزم به العلاّمة في باب الغرر من أنّ الغرر و عدمه إنما هو بلحاظ نفس البيع من حيث هو لا بلحاظ الطوارئ و العوارض الخارجيّة من الاشتراط و نحوه فلابدّ في صحّة البيع من أن يكون في نفسه غير غرري و حيث إنّ البيع في المقام غرريّ من حيث نفسه و إن لم يكن كذلك من حيث الاشتراط فيكون باطلا و لعلّ من هذه الجهة خصّ البطلان بتخلّف الأوصاف الدخيلة في الماليّة دون الشروط المذكورة في العقد، و فيه ما عرفت سابقا في باب الغرر من أنّه إنّما يلحظ في البيع من حيث المجموع لا البيع من حيث نفسه فقط و عليه فالبيع لا من حيث نفسه بل بلحاظ ضمّ الشرط إليه لو لم يكن غرريّا لا يشمله النهى عن بيع الغرر (الأحمدي).
أحدهما: أنّ الثمن إنّما يبذل بإزاء الصفات، فإذا لم تكن موجودة كان من قبيل «ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع» فلا محالة يوجب البطلان.
و الجواب عنه: أنّ الثمن يبذل بإزاء الموصوف، و الصفات توجب زيادة ماليّته، و إلاّ لزم البطلان في جميع موارد تخلّف الوصف، لا في الصفات النوعيّة العرفيّة فقط حيث تكون مقوّمة للمبيع و يقع الثمن بازائها، و لذا التزمنا في تخلّفها بالبطلان، كما إذا اشترى عبدا فبانت جارية.
ثانيهما: أنّ الصفات المرئيّة شرط للبيع، و ينتفى المشروط بانتفاء شرطه.
و الجواب عنه: أنّ الشرط قد يطلق و يراد به ما هو من أجزاء العلّة، و هو الذي ينتفي المشروط بانتفائه، و ليست الصفات من أجزاء علّة البيع حتّى بالجعل و تعليق البيع عليها، و إلاّ لبطل البيع و لو كانت الصفات موجودة، لأنّه من التعليق المجمع على بطلانه. و قد يطلق و يراد به الالتزام في الالتزام، و تخلّفه حينئذ لا يوجب سوى الخيار - كما نبيّنه إن شاء اللّه في بحث خيار الشرط - فالقول بالبطلان لا وجه له.
و أمّا القول الثاني، و هو الصحّة من دون خيار، فالصحّة للعمومات بعد فساد وجهي القول بالبطلان، و عدم الخيار من جهة أنّ الشرط إنّما يوجب تخلّفه الخيار فيما إذا ذكر في متن العقد، و ليست الصفات المرئيّة كذلك.
و أجاب عنه المصنّف: بأنّ اعتبار ذكر الشرط في العقد إنّما يلزم فيما لا تكون صحّته مبنيّة عليه، و إلاّ فهو شرط و دخوله في العقد أولى من غيره ممّا ذكر في متن العقد.
و قد أوضح الميرزا ذلك بما حاصله(1): أنّ الشرط في العقد يكون على أقسام أربعة، الأوّل: ما هو مذكور في متن العقد صريحا بالدلالة المطابقيّة، و تخلّفه يوجب الخيار. الثاني: ما يكون مذكورا فيه بالدلالة الالتزاميّة، بأن يكون اعتباره في العقد من المرتكزات العقلائيّة، ككون التسليم في بلد العقد، فالعقد بالالتزام العرفي يدلّ على اعتباره و إن لم يذكر في العقد صريحا، و من هذا القبيل موارد الغبن، و هذا أيضا تخلّفه يوجب الخيار. الثالث: أن لا يكون هذا و لا ذاك، بل كان الشرط متعلّقا لغرض المتبايعين فقط، و لم يذكر في العقد صريحا، إلاّ أنّ صحّة العقد كان مبنيّا عليه، كما في المقام، فإنّ عدم اشتراط بقاء الصفات يوجب الضرر في البيع، فصحّته مبنيّة على اشتراطها، و هذا أيضا يوجب تخلّفه الخيار لا محالة.
الرابع: ما إذا لم يذكر في متن العقد، و لم يكن موردا لارتكاز العقلاء، و لم يكن العقد مبنيّا عليه، بل كان متعلّقا لغرض أحد المتعاملين، و هذا لا يوجب تخلّفه الخيار أصلا.
1) منية الطالب 397/2.
و حاصل الجواب: أنّ اعتبار ذكر الشرط في متن العقد إنّما هو فيما إذا لم تكن صحّة العقد مبنيّة عليه، و إلاّ فتخلّفه يوجب الخيار و إن لم يذكر في متن العقد.
و فيه منع الصغرى و الكبرى:
أمّا الصغرى، فلأنّه قد لا تكون صحّة العقد مبتنية على اشتراط بقاء الصفات المرئيّة سابقا، كما إذا كانت ممّا اقتضت العادة بقاءها، فإنّ البيع حينئذ بدون الاشتراط أيضا لا يكون غرريّا، فليست صحّته مبنيّة عليه. و كذا فيما إذا أخبر البائع بالصفات و كان موثوقا، به، و مع ذلك يوجب التخلّف فيها الخيار. نعم فيما نحن فيه بخصوصه يتوقّف صحّة البيع على اشتراط بقاء الصفات.
و أمّا الكبرى، فلأنّ مرجع توقّف صحّة العقد على الشرط إلى جعل الخيار على تقدير تبدّل الصفات، و لذا قلنا إنّ جعل الخيار يرتفع به الغرر.
و بعبارة اخرى: لا معنى لتعلّق التزام المتبايعين بما هو خارج عن قدرتهما، كبقاء الصفات خارجا، فكون العقد مبنيّا عليها لا معنى له سوى أحد أمرين: إمّا التقييد و تعليق البيع عليه و هو يوجب البطلان مطلقا و لو كانت الصفات باقية للإجماع، أو جعل الخيار على تقدير زوالها، و هذا هو المتعيّن، فلابدّ من ذكره في متن العقد كبقيّة الشروط، و إلاّ فيفسد البيع، فلا فرق في الشرط بين ما يتوقّف عليه صحّة العقد و غيره.
فالصحيح أن يقال: إنّه لا يعتبر في ثبوت الخيار بتخلّف الشرط سوى كونه مبرزا في ضمن العقد، سواء كان بالصراحة أو بقرينة حال أو مقال. نعم مجرّد وجود البناء في نفس المتعاملين من دون قيام مبرز عليه لا يكفي في الاعتبار، بل لا يطلق على
قوله قدّس سرّه: فرعان، الأوّل لو اختلفا في التغيير [1]
مجرّد البناء النفساني عنوان الشرط أصلا(1).
[1] الفرع الأوّل: المعروف - كما في المتن - تقديم قول المشتري عند الاختلاف في التغيّر؛ لموافقة قوله الأصل، و هو براءة ذمّته من وجوب دفع الثمن، فهو المنكر، و البائع يدّعي وجوبه عليه.
و قد استدلّ على ذلك بوجوه:
الأوّل: أنّ المشتري له اليد على الثمن، فلا ينتزع عنه إلاّ بإقراره أو بقيام البيّنة عليه.
و فيه: ما أورده عليه المصنّف، من أنّ يد المشتري على الثمن بعد اعترافه بتحقّق الناقل الصحيح يد أمانة، فليست أمارة على الملكيّة، غايته أنّه يدّعى سلطنته على الفسخ، و لا يمكن إثباته باليد.
ثمّ ذكر المصنّف: إلاّ أن يقال إنّ وجود الناقل لا يكفي في سلطنة البائع على الثمن بناء على ما ذكره العلاّمة في أحكام الخيار و لم ينسب خلافه إلاّ إلى بعض الشافعيّة، من عدم وجوب تسليم الثمن و المثمن في مدّة الخيار و إن تسلّم
1) لا يخفى ما في قول المصنّف (تخيّر المغبون) من المسامحة كما تقدّم، كما لا يخفى ما في قوله (حيث إنّ البيع لا يصحّ...) من المصادرة لأنّ الكلام إنّما هو في صحّة العقد المبتني على الشروط و إثبات صحّتها بتوقّف صحّة البيع عليها ممّا لا ينبغي، و للقائل بالبطلان أن يقول حيث إن الالتزامات القلبيّة و الأمور المبنيّة عليها العقد من الصفات الدخيلة في الماليّة حيث لا أثر لها لعدم ذكرها في العقد فالعقد المبنيّ عليها يكون باطلا للغرر و الجواب الصحيح ما تقدّم من أنّها بمنزلة المذكور لكون اشتراط العقد بها يكون من الامور الارتكازيّة (الأحمدي).
الآخر(1)، فالشكّ في ثبوت الخيار يوجب الشكّ في سلطنة البائع على أخذ الثمن، فيحتمل أن لا تكون يد المشتري عليه يد أمانة بل تكون أمارة على سلطنة عليه(2).
و فصّل الميرزا قدّس سرّه في ذلك: بأنّ الخيار إن كان زمانيّا، كخيار المجلس و الحيوان
1) التذكرة 537/1.
2) إذ اليد كما تكون أمارة على الملك تكون أمارة على السلطنة أيضا و زوال الملك بالبيع لا يستلزم زوال السلطنة و أورد المصنّف على ما أفاده العلاّمة في أحكام الخيار بأنّي لم أجد لهذا الحكم وجها و لم أر من تعرّض له و عنونه فكيف جعله من المتسالم عليه، لكن المحقّق النائيني دافع عن العلاّمة و قال مراده من ذلك خصوص الخيار المجعول شرعا إرفاقا لذي الخيار كخيار المجلس و يلحقه الخيار المشروط مدّة، و يظهر من المصنّف في خيار المجلس كون ما ذكره العلاّمة مفروغا عنده أيضا، و ملخّص ما أفاده المحقّق المزبور في وجه التفصيل أنّ في الخيار الزماني حيث إنّ الخيار فيه بمعنى حقّ فسخ العقد و السلطنة عليه، و مقتضى السلطنة على العقد إبقاء و إزالة السلطنة على تمام شئونه و آثاره و منها تسليم الثمن و المثمن إلى الطرف الآخر و عدمه فمن أجل ذلك يكون لذي الخيار في الخيار الزماني حقّ الامتناع من التسليم بخلاف الخيار غير الزماني فإنّ معنى الخيار فيه و المجعول فيه ليس هو جواز استرداد الثمن أو المثمن و حقّ إرجاع العين فليس فيه تسلّط على العقد حتّى يثبت له التسلّط على آثاره و شئونه و السرّ في الفرق المذكور أنّ في الخيارات غير الزمانيّة كالغبن و نحوه حيث إنّه تحقّق نقص في أحد طرفي المبادلة فجعل الخيار فيها لأجل التمكّن من إزالة النقصان و هذا لا يقتضي أزيد من جعل جواز الاسترداد بخلاف الخيارات الزمانيّة فإنّه لم يتحقّق هناك نقص في أحد الطرفين بل الشارع جعل لذي الخيار السلطنة على العقد، و فيه ما تقدّم و يأتي من أنّ المجعول في باب الخيارات كلاّ إنّما هو حقّ فسخ العقد و السلطنة عليه و أمّا حقّ الاسترداد لو ثبت فإنّما هو في بيع المعاطاة فقط على أنّه لو سلّم فالسلطنة على العقد لا تقتضي إلاّ السلطنة على إبقائه و إزالته و لا تقتضي السلطنة على آثاره إبقاء و إزالة مع بقاء العقد و عدم فسخه (الأحمدي).
حيث إنّهما محدودان بالزمان، فلا يجب فيه التسليم و إن تسلّم الآخر، مستشهدا بكلام المصنّف في ثبوت خيار المجلس في بيع الصرف و السلم و ظهور ثمرته، حيث قال: «لو قلنا بوجوب التقابض فيه» فإنّ تعبيره بلفظ «لو» ظاهر في عدم التزامه بوجوب التسليم. و في غير الخيارات الزمانيّة، كخيار العيب و الشرط و الغبن مثلا، يجب التسليم، إلاّ أنّ ما نحن فيه من قبيل الثاني(1).
و نقول: ما ذكره الميرزا قدّس سرّه من غرائب الكلام، خصوصا استشهاده بعبارة المصنّف، فإنّها مذكورة في بيع السلم الذي يكون التقابض فيه شرطا لحصول النقل و الانتقال، فوجوب التقابض فيه بمجرّد تحقّق العقد أوّل الكلام بل الصحيح عدم وجوبه، فينبغي التعبير عنه بقوله: لو قلنا بوجوبه(2)، و أي ربط له بغير بيع السلم من سائر البيوع التي يتمّ فيها النقل و الانتقال بمجرّد تماميّة العقد قبل حصول التقابض و إن كان البيع خياريّا.
و بالجملة: عدم وجوب التسليم في بيع السلم لا يستلزم عدم وجوبه في غيره و لو كان خياريّا، و عبارة المصنّف في الأوّل دون الثاني، و محلّ كلامنا من قبيل الثاني، بل الصحيح وجوب تسليم الثمن على المشتري إذا تسلّم الثمن و لو كان له الخيار؛ فإنّه مال البائع و إن كان قادرا على نفي موضوعه بفسخ البيع، إلاّ أنّ الثمن ما لم يفسخ البيع يكون ملكا للبائع فيجب ردّه إلى مالكه.
هذا، مضافا إلى أنّ هذا الدليل أخصّ من المدّعى؛ لأنّه يمكن أن لا تكون
للمشتري يد على الثمن، كما إذا فرضناه دينا على ذمّة البائع فاشتراه منه بما يطلبه في ذمّته، فإنّه يسقط حينئذ، و ليست للمشتري يد عليه، و كذا إذا فرضناه تحت يد البائع قبل الشراء بغصب أو غيره.
الثاني: أنّ البائع يدّعي علم المشتري بالوصف الموجود فعلا و هو الهزال مثلا، و الأصل عدمه(1).
و أورد عليه المصنّف أوّلا: أنّه معارض بأصالة عدم علم المشتري بالمبيع على وصف آخر و هو السمن مثلا، و ثانيا: أنّه مسبّب عن الشك في وجود وصف آخر و عدمه(2)، و الأصل عدم وجود وصف آخر في المبيع، الذي مرجعه إلى أصالة عدم تغيّره عمّا كان عليه، و معه لا تصل النوبة إلى أصالة عدم علم المشتري بالصفات الموجودة أو السابقة أصلا. و قد ارتضاه الميرزا قدّس سرّه(3).
1) و يكون لازمه وقوع العقد مبنيّا على اتّصافه بوصف آخر و هو السمن مثلا و حيث إنّه غير متحقّق فيكون الخيار للمشتري، و يرد على أصل الاستدلال أنّ اللازم المذكور من اللازم العقلي للأصل المذكور فلا يثبت حتّى يثبت به الخيار للمشتري (الأحمدي).
2) إنّه مسبب عن الشكّ في تغيّر المبيع عمّا وقع عليه حال العقد و عدمه و الأصل عدم تغيّره عنه و هذا الأصل مقدّم على الأصل الجاري في طرف المشتري لأنّ منشأ الشكّ هو احتمال التغيّر، و فيه مضافا إلى سائر الإشكالات المتقدّمة و الآتية أنّ هذا من الاستصحاب القهقري إن اريد إجراؤه في جميع الموارد و هو غير حجّة و إن اريد به الاستصحاب المصطلح أيّ جرّ اليقين السابق فهو مختلف بحسب الموارد فقد يكون الأصل المذكور في طرف البائع و قد يكون في طرف المشتري و قد تكون الحالة السابقة على العقد غير معلومة أو تواردت عليه الحالتان و لا يعلم الأخير منهما (الأحمدي).
3) بل الميرزا نفى السببيّة و المسببيّة حتّى العقليّة صريحا و في الجواب الأوّل قال: و هذا الأصل و إن لم يكن بنفسه ذا أثر شرعي لأنّ الخيار لم يجعل في دليل من أثر هذا الأصل، إلى أن قال: فلا إشكال في التعارض (الأحمدي). انظر منية الطالب 401/2.
و لكن كلّ هذه الامور بعيدة عن مبانيهما؛ و ذلك لعدم ترتّب أيّ أثر على عدم وجود صفة اخرى في المبيع و لا على العلم بها و لا على العلم بالصفة الموجودة فعلا، و إنّما الأثر مترتّب على لازم ذلك عقلا، و هو اشتراط الخيار على تقدير عدم وجود الصفة كالسمن و عدمه، فكلّ هذه الاصول تكون من المثبتة(1)، فإنّ الخيار و عدمه في المقام ليس من آثار علم المشتري و جهله بالحال، و هما لا يقولان بالاصول المثبتة. هذا، مضافا إلى أنّ السببيّة في الفرض عقليّة و ليست بشرعيّة(2).
الثالث: أنّ الأصل عدم وصول حقّ المشتري إليه.
و أورد عليه المصنّف: بأنّ حقّ المشتري من نفس العين قد وصل إليه قطعا، و ثبوت حقّ له في الوصف المفقود أوّل الكلام، فعليه إثباته.
و نقول: بناء على المختار من وقوع الثمن بتمامه بازاء الموصوف، لا معنى لاشتراط الصفة سوى جعل الخيار على تقدير عدم وجودها، فلا يتحقّق للمشتري حقّ بالوصف أصلا، سوى ثبوت الخيار له على تقدير التخلّف، و الأصل عدم جعل الخيار.
1) لوقوع البيع على الموصوف بالصفة الاخرى و هي المهزولة حتّى ينطبق المبيع على الموجود الخارجي فيكون العقد واجب الوفاء و أمّا نفس عدم التغيّر فليس في نفسه موضوعا لأثر شرعا (الأحمدي).
2) و الأصل في السبب الشرعي يرفع موضوع المسبّب الشرعي لا مطلقا، و ثانيا على ما أفاده المحقّق النائيني لا سببيّة و لا مسببيّة بين العلم و المعلوم، و الجواب الصحيح عن الأصل المذكور ما أشرنا إليه من أنّ أصالة عدم علم المشتري بالوصف الموجود لا يثبت وقوع العقد على الموصوف بالصفة الاخرى إلاّ على القول بالأصل المثبت (الأحمدي).
و للمناقشة في هذه الوجوه فصّل المصنّف في ذلك بحسب اختلاف المباني، فذكر أنّ رؤية الصفات السابقة إن كانت بمنزلة اشتراطها في ضمن العقد - و لذا لا يلزم من تخلّفها سوى الخيار - فالقول عند الاختلاف هو قول البائع، لأنّ الأصل عدم اشتراط خلاف الوصف الموجود في المبيع. و إن كانت بمعنى أخذها في المعقود عليه بحيث يكون متعلّق البيع هو المقيّد بها - و لذا لا يجوز إلغاؤها كما يجوز إلغاء الشروط الضمنيّة(1)- و إن كان أخذها قيدا أيضا لا يترتّب عليه سوى الخيار عند تخلّفها، فالقيديّة من هذه الجهة كالاشتراط، لكنّها حينئذ ليست شيئا مستقلاّ لينفيها الأصل(2)، فالقول قول المشتري، لأنّ الأصل عدم وقوع البيع على ما ينطبق على الشيء الموجود - هو المهزول مثلا - ليلزم به المشتري. و لا يعارضه أصالة عدم وقوع البيع على المقيّد بالوصف المفقود - و هو السمن - لأنّه مثبت لا يثبت به وقوع العقد على الموجود الذي هو المؤثّر في اللزوم(3). و أمّا
1) فيكون القول قول المشتري لأصالة عدم وقوع العقد على هذا الموجود الفاقد لوصف السمن من جهة احتمال وقوع العقد على الموصوف و المقيّد بالسمن، قال بعد ذلك: لكن الإنصاف أنّه على المبنى الثاني أيضا... (الأحمدي).
2) فيرجع النزاع على المبنى الثاني إلى وقوع العقد على ما ينطبق على الشيء الموجود حتّى يلزم الوفاء به أو عدمه (الأحمدي).
3) لما تقرّر في الاصول من أنّ نفي أحد الضدّين بالأصل لا يثبت الضدّ الآخر و لا مجال للتمسّك بأصالة اللزوم بعد فرض اتّفاقهما على أنّ المبيع صار ملك المشتري و الثمن دخل في ملك البائع و إنّما الشكّ في الانفساخ بفسخ المشتري فينفى الشك بقاعدة اللزوم لأنّ الشكّ فيه ناشئ من الشكّ في تعلّق العقد بهذا الموجود و الأصل عدم وقوعه عليه و هو وارد على أصالة اللزوم (الأحمدي).
أصالة عدم تقيّد المبيع بالوصف المفقود، فهي و إن كانت مؤثّرة في عدم الخيار و ليست من الاصول المثبتة، إلاّ أنّها غير جارية؛ لعدم وجود الحالة السابقة فيها، إذ لم يكن المبيع غير مقيّد به في زمان ليستصحب. ثمّ نظّر ذلك بما إذا شكّ في كريّة ماء مخلوق الساعة، فذكر أنّ استصحاب عدم كرّيته و إن كان مثبتا لقلّته إلاّ أنّه غير جار لعدم الحالة السابقة، و استصحاب عدم وجود الكرّ جار لكنّه لا يثبت قلّة الماء الموجود. هذا ملخّص ما أفاده المصنّف في المقام.
و نقول: لا بدّ من التكلّم في مقامين:
أحدهما: في بيان الكبرى، و أنّ مقتضى الأصل في موارد الاشتراط ما هو؟ و في موارد التقييد ما هو؟
ثانيهما: في بيان الصغرى، و أنّ المقام من قبيل الاشتراط أو التقييد؟
أمّا المقام الأوّل، فإذا اختلفا في اشتراط شيء في العقد و عدمه، كان مرجعه إلى النزاع في ثبوت التزام آخر زائد على ما اتّفقا عليه من الالتزام بأصل العقد، و الأصل عدمه، فمدّعي الاشتراط هو المدّعي و منكره هو المنكر الموافق معه الأصل، و في الفرض هو المشتري.
و أمّا إذا اختلفا في تقييد المبيع و عدمه، كما في بيع الكلّي فإنّه قابل للتقييد و به تتضيّق دائرة المبيع:
فتارة: يدّعي كلّ منهما تقيّد المبيع بقيد وجودي يباين ما يدّعيه الآخر، كما إذا فرضنا أنّ البائع ادّعى كون المبيع هو الأرز المقيّد بكونه «نعيمة» و المشتري ادّعى تقيّده ب «العنبر» فيكون من باب التداعي بلا إشكال، لأنّ كلاّ منهما ينكر ما يدّعيه الآخر و يدّعي ما ينكره الآخر، فيجري فيه حكمه.
و اخرى: يدّعى أحدهما الإطلاق و الآخر تقييده بأمر وجودي، كما إذا ادّعى البائع أنّ المبيع هو مطلق الأرز على سريانه و إطلاقه فينطبق عليه النعيمة و ليس للمشتري اقتراح غيره عليه، و المشتري يدّعي تقيّده بالعنبر مثلا، و الظاهر أنّ هذا أيضا ملحق بالفرض السابق؛ لما بيّناه في بحث الاصول، من أنّ الإطلاق في مقام الثبوت ليس أمرا عدميّا كالإطلاق في مقام الإثبات، بل هو أمر وجوديّ متقوّم بلحاظ السريان و رفض القيود، فليست له حالة سابقة، فمدّعي الإطلاق أيضا يدّعي أمرا وجوديّا، فأصالة عدم وقوع العقد على المقيّد يعارضها أصالة عدم وقوع العقد على المطلق، كما أنّ أصالة عدم تقييد المبيع بذلك القيد - بناء على جريان الأصل في الأعدام الأزليّة كما هو المختار - يعارضها أصالة عدم وقوع العقد على المطلق الساري. هذا كلّه في الكبرى.
و أمّا المقام الثاني، و هو الصغرى(1)، فالظاهر أنّ المقام من قبيل الاشتراط لا التقييد، لما بيّناه في محلّه، من أنّ التقييد إنّما يكون في المفاهيم الكليّة، و أمّا
1) و توضيح الكلام فيه أنّ القيد فيه ليس قيدا للمبيع الكلّي حتّى يكون القيد فيه تضييقا لدائرة الكلّي كما لا يكون من الأمر الخارج عن المبيع و غير متّحد معه وجودا نظير اشتراط كنس المسجد حتّى يكون الحال فيه واضحا من كونه من قبيل الشرط و الالتزام في ضمن العقد بل هو قيد للمبيع الشخصي الخارجي و متّحد معه وجودا و مع ذلك لا تتضيّق به دائرة المبيع فإنّ الأمر الشخصي قد تضيّق بالوجود بحيث لا ينطبق إلاّ على نفسه نعم يمكن التضييق بحسب الحالات في التكاليف كأكرم زيدا في حال اشتغاله بالعلم، إلاّ أنّه في مقام البيع حيث لا يمكن تضييقه بحسب الحالات إلاّ على نحو التعليق كما في قولك (بعت داري لكونه مجاورا لدار زيد) إذ مرجعه إلى أنّي بعت داري إن كان مجاورا لدار زيد و التعليق باطل في البيع فيكون مرجع التقييد في الأمر الشخصي إلى الاشتراط (الأحمدي).
الموجود الخارجي فهو على ما هو عليه إن كان واجدا لقيد فهو مقيّد به، و إلاّ فلا، و لا معنى لتقييده(1). و بعبارة اخرى: إن اريد من تقييد المبيع تعليق البيع على القيد، فهو و إن كان ممكنا إلاّ أنّه يوجب البطلان بالإجماع، و إن اريد به تقييد الشخص فهو مستحيل، فبناء البيع على الصفات المرئيّة عبارة عن جعل الخيار على تقدير تبدّلها، و الأصل عدمه عند الشك، فالقول هو قول البائع في الفرض خلافا للجميع عدا العلاّمة قدّس سرّه(2).
1) و من ذلك تعرف ما فيما أفاده المحقّق النائيني بقوله (و أمّا من حيث واقع البناء فهو قيد ملحوظ في العقد...) إذ هو مع كونه خلاف التحقيق مخالف لما أفاده في غير المقام أيضا و معنى الاشتراط و الالتزام في الالتزام لا يرجع إلى التزام البائع بتسليم الوصف أو الشرط حتّى يدفع بأنّ الالتزام بالامور الخارجة عن قدرة البائع غير معقول و بلا فائدة بل مرجع ذلك الى أنّ التزام المشتري بالوفاء بالعقد المذكور مشروط بتحقّق الشرط أو الوصف (الأحمدي).
2) نعم لو قلنا بصحّة تقييد الموجود الخارجي و أنّ المقام من هذا القبيل يكون أصالة عدم وقوع العقد على هذا الموجود رافعا للزوم دفع الثمن إلى البائع عند تسليمه المهزول و رافعا للزوم تقبّل المهزول و إن كان الأصل المذكور لا يثبت الخيار خلافا لظاهر كلام المصنّف لأنّ ثبوت الخيار فرع وقوع العقد على السمين حتّى يثبت تخلّف الوصف و هو لا يثبت بالأصل المذكور لا يقال أصالة عدم وقوع العقد على المهزول يعارض بأصالة عدم وقوع العقد على السمين لأنّه يقال لا يترتّب على الثاني أثر شرعي إن كان مرجعه إلى مفاد ليس التامّة أي أصالة عدم وقوع العقد على السمين إذ به لا يرفع موضوع أصل المشتري و هو عدم وقوع العقد على المهزول إلاّ بالأصل المثبت و لا يترتّب عليه في نفسه أثر شرعي و إن كان مرجعه إلى استصحاب العدم النعتي بمعنى استصحاب عدم اتّصاف العقد بالوقوع على السمين بناء على جريان الأصل في الأعدام الأزليّة فلا يجري في المقام لعدم ترتّب أثر شرعي على عدم اتّصاف العقد بالوقوع على السمين فإنّ ما اخذ في الموضوع لترتّب الأثر الشرعي ظاهرا من حيث التزام المشتري بأخذ المبيع و ردّ الثمن هو العقد المتّصف بعدم وقوعه على السمين و هو المهزول و استصحاب عدم اتصاف العقد بالوقوع على السمين لا يثبت ذلك إلاّ بالأصل المثبت من باب استحالة ارتفاع النقيضين و قد مرّ أنّه لا يعارض الأصل المتقدّم بأصالة اللزوم إن كان مرجعه الأصل العملي لكونه محكوما بذلك الأصل أي أصالة عدم وقوع العقد على المهزول لأنّه أصل موضوعي و إن كان مرجعه إلى التمسّك بالإطلاقات و العمومات مثل أوفوا بالعقود و أحلّ اللّه البيع و نحوهما لإثبات لزوم العقد و مثل لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال غيره، بعد اعتراف المشتري بدخول الثمن في ملك البائع، ففيه أنّ التمسّك بها عند الشكّ في تخلّف الوصف من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة لأن الإطلاقات صارت مخصّصة بغير صورة تخلّف الوصف و بعد إعمال الخيار بالفسخ من المشتري يحتمل أن يكون الثمن رجع إليه لثبوت الخيار له بتخلّف الوصف. و قد يعارض الأصل كما في كلام المصنّف بأصالة عدم وقوع العقد على ما لا ينطبق على الموجود الخارجي و أجاب عنه المصنّف بقوله أوّلا و ثانيا، و ما أفاده في الجواب متين إلاّ أنّ مرجع الأصل المذكور إلى أصالة عدم وقوع العقد على السمين بعينه لا أنّه شيء زائد عليه. و قد يناقش الأصل المتقدّم أيضا بأصالة عدم تغيّر المبيع عمّا كان عليه بدعوى أنّ الأصل المذكور و سائر الاصول مسبّبة عنه و أجاب عنه المصنّف أوّلا بأنّ الأصل المذكور قد يفيد الجواز كما لو اعترفا بأنّ المبيع كان متّصفا بالسمن لكن البائع ادّعى هزاله قبل وقوع البيع عليه و ادّعى المشتري وقوع البيع على ما كان عليه سابقا، و ثانيا لا يثبت بها اللزوم لأنّ الوجود الواقعي لعدم السمن لا أثر له و الأثر و هو اللزوم إنّما هو لوقوع الالتزام على الفاقد للسمن أو المطلق و هذا لا يثبت بأصالة عدم السمن حال المشاهدة إلاّ بالأصل المثبت (الأحمدي).
فتحصّل: أنّ معنى بناء العقد على الصفات المرئيّة إنّما هو اشتراطها، و ليس اشتراطها بمعنى تعليق العقد عليها، فإنّه يوجب البطلان إلاّ في الصفات النوعيّة التي تخلّفها يوجب البطلان، فإنّ تعليق العقد عليها من التعليق على وجود الموضوع، كما إذا اشترى جارية فبان كونه حمارا مثلا، بل المراد بالاشتراط هو جعل الخيار
على فرض عدمها، و عليه فالنزاع في المقام يرجع إلى الخلاف في جعل المشتري لنفسه الخيار على تقدير زوال الوصف و عدمه، و الأصل عدم الاشتراط، فيكون القول قول البائع المنكر للخيار(1). و إذا انعكس الأمر بأن ادّعى البائع لنفسه الخيار و أنكره المشتري، كما إذا ادّعى البائع أنّه باع الحيوان على أن يكون مهزولا و قد زال الهزال فصار سمينا، و أنكر المشتري ذلك، فإنّ القول حينئذ قول المشتري(2)،
1) نعم لو تنزّلنا عمّا ذكرناه و التزمنا بمقالة الشيخ من أنّ الاشتراط و التوصيف في المبيع الشخصي أيضا مثل الكلّي في إفادة التقييد و التضييق يكون البائع مدّعيا و المشتري منكرا لأصالة عدم وقوع العقد على هذا الموجود الخارجي باعتبار قيده فلا يجب على المشتري الإيفاء بهذا العقد بتسليم البائع للثمن لأصالة عدم الالتزام العقدي بهذا الموجود الفاقد لوصف السمن مثلا فيثبت بالأصل المذكور نتيجة الخيار للمشتري و إن لم يثبت تخلّف الوصف فيثبت الخيار فبناء على صحّة رجوع التقييد إلى المبيع الخارجي فالأصل مع المشتري بمعنى عدم لزوم تسليم الثمن عليه لا أنّه يثبت الخيار له كما هو الحال في طرف البائع بناء على المختار و لا يرد على الأصل المذكور على التقييد و التضييق معارضته بأصالة عدم وقوع العقد على السمين فإنّه إن أراد به العدم المحمولي أي عدم وقوع العقد على السمين لعدم تحقّق موضوعه و هو العقد فلا يثبت به عدم الوصف و هو السمانة حال العقد أيضا لعدم الملازمة و إن أراد به العدم النعتي أي عدم اعتبار الوصف حال وجود الموضوع و هو العقد فالأصل بهذا المعنى و إن كان جاريا على المختار من جريان الأصل في الأعدام الأزليّة إلاّ أنّه لا يجري في المقام إذ لا يثبت وقوع العقد على غير السمين حتّى يترتّب عليه الأثر فيكون معارضا للأصل الجاري في طرف المشتري لأنّه لازمه العقلي لا الشرعي (الأحمدي).
2) بناء على رجوع التوصيف إلى الشرط أي الالتزام في الالتزام كما هو المختار و إن قلنا بأنّ مرجعه إلى تقييد المبيع فالأمر بالعكس و لا وجه لجعل الأصل في كلتا المسألتين مع المشتري على ما ذكره الشهيد و ما وجّه المحقّق النائيني به كلام الشهيد من قوله إلاّ أنّ الغالب أنّه أي البائع يقدم على البيع كائنا ما كان و لا ينظر إلى الوصف الزائد على ما رآه المشتري سابقا فادّعاء البائع أنّه باعه مبنيّا على الهزال كما رآه المشتري سابقا خلاف الظاهر، ففيه أوّلا أنّه يختلف غرض المشتري فقد يكون غرضه شراء المبيع كيف ما كان لغرض دعاه إلى ذلك من غير نظر إلى سمنه و هزاله كما قد يكون غرض البائع بيع المبيع كيف ما كان و قد يكون غرض البائع بيع المبيع لكونه مهزولا فيبيعه مبنيّا على الهزال كما قد يكون غرض المشتري شراء المبيع مبتنيا على كونه سمينا و ما ادّعاه النائيني من الغلبة لا شاهد له، نعم الغالب عليهما ملاحظة تساوي الماليّة في الطرفين و هو من الشروط الضمنيّة الارتكازيّة و لأجل ذلك يثبت خيار الغبن للغابن بائعا كان أو مشتريا، و ثانيا على ما ذكره لو أقرّ المشتري على أنّه حين ما رآه كان مهزولا و حال البيع كان سمينا لا يثبت الخيار للبائع لأنّه باعه غير مبنيّ على الهزال فلا يترتّب أثر على هذا النزاع و مورد البحث عند ترتّب الأثر على أحد الطرفين لو ثبت بالدليل أو الأصل (الأحمدي).
لأنّ الأصل عدم جعل البائع لنفسه الخيار، و لا بدّ له من إثباته. هذا في الفرع الأوّل.
الفرع الثاني: ما إذا اعترفا بتغيّر المبيع عما شوهد عليه من الصفات السابقة، و اختلفا في تقدّم ذلك على البيع و تأخّره عنه، مثلا أقرّ بأنّ المبيع كان سمينا حين المشاهدة و طرء عليه الهزال بعد ذلك، لكن البائع ادّعى أنّ زوال الصفة كان بعد البيع فهو في ملك المشتري و لا يوجب له الخيار، و ادّعى المشتري أنّه كان قبل البيع فله الخيار.
و من الظاهر أنّ تحرير النزاع هكذا إنّما يتمّ بناء على عدم كون تلف الصفات قبل القبض موجبا للانفساخ كتلف المبيع، و إلاّ فيحرّر النزاع هكذا: بأن يدّعى البائع أنّ زوال الصفة كان بعد قبض المشتري أو وكيله، و المشتري يدّعي كونه قبل ذلك(1).
1) هذا في موضوع محلّ النزاع و أمّا حكمه فتارة يكون تاريخ التغيّر و تاريخ البيع أو القبض كلاهما مجهولين و اخرى يكون تاريخ التغيّر معلوما و الآخر مجهولا و ثالثة بالعكس و لا رابع و الأصل مع المشتري على جميع التقادير، أمّا لو كان البيع أو القبض معلوم التاريخ فإنّ أصالة عدم التغيّر من زمان المشاهدة إلى زمان البيع أو القبض حيث لا يثبت اللزوم لأنّه لا يثبت به وقوع العقد على المبيع حالكونه واجدا للوصف فتجري أصالة عدم وصول حقّ المشتري إليه بناء على أنّ الأوصاف بحكم الأجزاء و هذا و إن كان لا يثبت الخيار له و لكن ينتج عدم كون المشتري ملزما بهذا البيع و لا يعارض بأصالة عدم البيع إلى زمان التغيّر لعدم جريانها لوجهين كما تقدّم و يأتي، و أمّا لو كانا مجهولي التاريخ فتجري أيضا أصالة عدم التغيّر إلى زمان البيع أو القبض المنتج للنتيجة السابقة و لا يعارض بأصالة عدم البيع أو القبض إلى زمان التغيّر لعدم أثر له في نفسه و لا يثبت ماله الأثر إلاّ على القول بالأصل المثبت، و أمّا لو كان زمان التغيّر معلوما فعلى المسلك المختار من جريان الأصل في معلوم التاريخ أيضا تجري أصالة عدم التغيّر إلى زمان البيع أو القبض من دون معارض و تترتّب النتيجة السابقة عليه، نعم على مسلك صاحب الكفاية تصل النوبة إلى الأصل الحكمي و هو أصالة عدم وصول حقّ المشتري إليه على مسلك الشيخ المثبت للنتيجة السابقة أو أصالة عدم حصول ما علّق عليه الخيار المثبت للّزوم على المختار (الأحمدي).
ذكر المصنّف أنّ الموجود الخارجي، و هو المبيع في هذا الفرض، قد طرأ عليه حادثان يشكّ في تقدّم كلّ منهما على الآخر، و الأصل عدم تحقّق زوال الصفة إلى زمان البيع، كما أنّ الأصل عدم وقوع البيع عليه إلى زمان زوال الوصف، إلاّ أنّه لا يترتّب على شيء منهما الأثر، بل الأثر مترتّب على وصول حقّ المشتري الموجب للزوم العقد، و عدمه الموجب للخيار، و لا يثبت بهما شيء من الأمرين، فالأصل عدم وصول حقّ المشتري إليه، فيثبت له الخيار.
و نقول(1): قد ذكرنا أنّ المشتري لم يتعلّق له حقّ إلاّ بنفس العين المبيعة، و قد
1) لو قلنا بأنّ التلف قبل القبض يعمّ الأجزاء و الأوصاف المتحقّقة في الشيء كالسمن و نحوه كما هو مفروض البحث فالقول قول المشتري لأنّ موضوع اللزوم حينئذ عنوان من العناوين و هو كون المبيع بذاته و وصفه واصلا إلى المشتري لا أنّه مركّب من شيئين بقاء الذات حال وجود الوصف و بقاء الوصف حال وجود الموصوف مثلا و استصحاب بقاء الوصف إلى بعد القبض لا يثبت ذلك العنوان إلاّ من باب اللوازم العقليّة، نعم لو لم نقل بكون تلف الأوصاف الداخليّة قبل القبض من مال البائع بل يوجب الخيار للمشتري فقط كالشروط الخارجيّة يكون القول قول البائع لما في المتن، و هذا التفصيل الذي ذكرناه جار في جميع صور الاختلاف كما لا يخفى (الأحمدي).
وصلت إليه، فلا معنى للرجوع إلى أصالة عدم وصول حقّه إليه، فالنزاع بعد اتّفاقهما على جعل الخيار إنّما هو في حصول ما علّق عليه الخيار و عدمه، و الأصل عدم حصول موضوع الخيار - أعني به كون زوال الوصف قبل البيع أو القبض - فيثبت اللزوم، فالقول في هذا الفرع أيضا قول البائع كما في الفرع الأوّل، غايته لوجهين، و المشتري لا بدّ له من الإثبات في كلا الفرعين. و لا يعارض هذا الأصل - أعني أصالة عدم تحقّق موضوع الخيار - بأصالة عدم وقوع العقد على الموجود الفعلي، لأنّه مثبت لا يثبت بها وقوعه على الفاقد للوصف الذي هو المؤثر في ثبوت الخيار.
و أمّا إذا انعكس الأمر، بأن اعترف البائع و المشتري بحدوث وصف كمال في المبيع لم يكن حين المشاهدة، و اختلفا في زمانه، فادّعى البائع حدوثه قبل البيع فله الخيار، و ادّعى المشتري حدوثه في ملكه بعد البيع فليس للبائع الخيار، فالقول قول المشتري المنكر للخيار، لأنّ الأصل عدم تحقّق موضوع الخيار للبائع(1).
1) و أمّا ما هو الظاهر من كلام المصنّف و صريح كلام المحقّق النائيني من أنّ القول قول البائع فلم يعلم وجهه لأنّ أصالة عدم وقوع البيع قبل التغيّر لا يثبت وقوعه بعده مضافا إلى معارضتها بأصالة بقاء التغيّر إلى زمان البيع الذي مرجعه إلى أصالة عدم وقوع البيع على المهزول و بعد المعارضة تصل النوبة إلى أصالة اللزوم، و أمّا ما استدركه المحقّق المزبور بعد ذلك بقوله إلاّ على ما احتملناه سابقا من إقدام البائع على البيع كيف ما كان المبيع، فيه أنّه خروج عن مورد البحث و هو أنّه لو فرض إقرار المنكر بما يدّعيه المدّعي يترتّب عليه الأثر و في الاستدراك الذي فرضه لو أقرّ المنكر أيضا لا يترتّب عليه الأثر كما هو واضح و لعلّه لأجل ذلك أمر بالتأمّل و الحاصل لا تسليم و تسلّم على المشتري بالنسبة إلى المبيع و وصفه فلا معنى لأصالة عدم وصول حقّ البائع إليه و أصالة تأخّر البيع عن ذهاب السمانة لا يثبت وقوع العقد على المبيع حالكونه سمينا حتّى يثبت موضوع الخيار للبائع (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: و لو وجد المبيع تالفا بعد القبض [1]
[1] إذا فرضنا أنّ عينا مرئيّة سابقا بيعت على تلك الصفات فتلفت بعد القبض(1)و كانت العين ممّا يكفي في إقباضها التخلية و رفع اليد عنها، كإعطاء مفتاح الدار في قبض الدار مثلا، فوجدت تالفة بعد ذلك، فوقع فيها الخلاف بين المشتري و البائع، فادّعى البائع أنّ التلف كان بعد البيع و القبض فالبيع صحيح، و المشتري أنّه كان قبل البيع فوقع البيع على المعدوم فلا يصحّ، فهل يقدّم في ذلك قول البائع أو المشتري؟
ظاهر المصنّف هو الثاني؛ تمسّكا بالأصل، و هو أصالة بقاء ملك المشتري على ماله، زعما منه أنّ الاصول الموضوعيّة غير جارية لكونها مثبتة.
و نقول: تارة يكون الكلام فيما إذا كانت العين تحت يد المشتري قبل البيع بعارية و نحوها فتلفت ثمّ وقع الخلاف في زمان التلف، كما إذا فرضنا أنّ ثوب زيد استعاره أحد ثمّ اشتراه منه و بعد ما باعه ذهب إلى المنزل فوجد الثوب تالفا. و اخرى فيما إذا لم تكن العين قبل البيع مقبوضة للمشتري و كان تماميّة البيع منوطا بإقباض المبيع بعد البيع، و لكن كان ممّا تكفي التخلية في إقباضه.
أمّا في الفرض الأوّل، فالمبيع وقع عليه حادثان، أحدهما البيع و الآخر التلف، و شكّ في المتقدّم منهما، و الاصول فيهما متعارضة، فإنّ أصالة عدم تحقّق التلف
1) المقصود من هذا البحث تلف ذات المبيع سواء بيعت على الصفات المرئيّة أو بدون ذلك القيد و تصويره لا يمكن إلاّ فيما إذا كانت العين تحت يد المشتري بنحو العارية أو الأمانة أو نحو ذلك (الأحمدي)
إلاّ أنّه عليه يجري فيه حكم الحادثين المشكوك تقدّم كلّ منهما على الآخر، فمن يفصّل بين مجهول التاريخ و معلومه لا بدّ له من التفصيل في المقام، و من يقول بتساقط الاصول فيهما مطلقا - كما هو المختار - يقول بذلك فيما نحن فيه أيضا.
فتظهر الثمرة على القول الأوّل فيما إذا كان تاريخ البيع معلوما و تاريخ التلف مجهولا، فإنّه يجري حينئذ أصالة عدم التلف إلى زمان البيع، و تحقّق البيع محرز بالوجدان، فيلتئم الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل، لأنّ ما يترتّب عليه حصول النقل و الانتقال ليس إلاّ تحقّق البيع و وجود المبيع إلى زمان البيع، و أحد الأمرين
1) و لكن الصحيح أنّه في جميع الصور لا يترتّب الأثر على إجراء شيء من الاصول الموضوعيّة لأنّ أصالة عدم وقوع التلف إلى ما بعد البيع لا يثبت وقوع العقد على العين الموجودة حتّى يثبت قول المشتري و كذا أصالة عدم البيع إلى زمان التلف لا يثبت وقوع البيع على التالف حتّى يثبت قول البائع و كلا الأثران الصحّة و البطلان ليسا من آثار نفس المستصحب لأنّ صحّة البيع متقوّم بتحقّق المبادلة بين المالين و بطلان البيع متقوّم بعدم تحقّق المبادلة بين المالين و وقوع المبادلة بين التالفين أو تالف و موجود، و شيء من هذا لا يثبت بالأصلين المتقدّمين و هذا كلّه من غير فرق بين ما تحقّق فيه القبض قبل البيع و عدمه لأنّ تحقّق القبض قبل البيع، بضمّ أصالة عدم التلف إلى بعد البيع لا يثبت وقوع البيع على الموجود إلاّ بالأصل المثبت (الأحمدي).
محرز بالوجدان و الآخر بالاستصحاب، و القبض حاصل على الفرض، فيثبت اللزوم، و لا تصل النوبة للرجوع إلى الأصل الحكمي.
و أمّا الفرض الثاني، فبما أنّ القبض لم يكن متحقّقا، فلا محالة يرجع الشكّ في تقدّم البيع على التلف و عدمه إلى الشكّ في تحقّق أصل القبض، إذ المعدوم لا معنى لقبضه، فيستصحب عدم تحقّق القبض، و هو يوجب الفساد.
و بالجملة: في الفرض الثاني بما أنّ أصل تحقّق القبض مشكوك فيه، إذ لا يعقل القبض في المعدوم، لا أنّه متحقّق يشكّ في سبقه و لحوقه، لا تظهر فيه الثمرة، إذ الأصل عدم تحقّق القبض، و يترتّب عليه الفساد لا محالة. و لا يعارضه استصحاب بقاء المبيع إلى زمان التخلية، لأنّه مثبت لا يثبت تحقّق القبض. و أمّا في الفرض الأوّل فتظهر فيه الثمرة بناء على القول بجريان الاستصحاب في مجهول التاريخ دون معلومه فيما إذا فرضنا تاريخ البيع معلوما، فإنّه يجري حينئذ استصحاب بقاء العين و عدم التلف إلى زمان البيع، فيلتئم موضوع النقل و الانتقال بضمّ الوجدان إلى الأصل.
إلاّ أنّه بالتأمّل يظهر عدم الفرق بين الفرضين، و ذلك لأنّ موضوع الأثر ليس هو الإنشاء، بل هو حقيقة البيع، و هو التمليك لا مجّانا بل بعوض بحسب اعتبار المتعاملين و العقلاء، في مقابل الهبة التي حقيقتها التمليك بلا عوض و مجانا، فهو الموضوع للأثر، و من الواضح أنّ تحقّقه غير محرز لا بالوجدان و لا بالتعبّد، فإنّ المبيع لو كان تالفا حين البيع يستحيل تعلّق الالتزام العقلائي بل المتعاملى بتمليكه في مقابل الثمن. نعم إنشاء التمليك محرز وجدانا، إلاّ أنّه لا يكفي في ترتّب الأثر، كما هو واضح.
فعلى كلّ تقدير، لا مناص من الرجوع إلى الأصل الحكمي، و هو عدم انتقال الثمن عن ملك المشتري، فيثبت البطلان.
ثمّ إنّه قد يتمسّك لصحّة البيع في المقام بأصالة الصحّة في فعل المتعاملين(1).
و فيه، أوّلا(2): أنّها عين قاعدة الفراغ، إلاّ أنّها تجري في فعل نفس الفاعل، و هي تجري في فعل الغير، و قد بيّنا في محلّه أنّها إنّما تجري فيما إذا كان الشكّ في فعل اختياري للفاعل، و أمّا إذا كانت صورة العمل محفوظة و الشكّ في المصادفة الخارجيّة و عدمها فليس لجريانها مجال. و في المقام ليس الشكّ في فعل البائع و المشتري، و إنّما الشكّ في كون التلف قبل البيع اتّفاقا، فهو نظير ما إذا توضّأ بمائع معيّن ثمّ شكّ في كونه مطلقا أو مضافا. نعم فيما نحن فيه إذا علمنا بالتلف ثمّ احتملنا إيقاع البيع بعده و قبله، لا مانع من هذه الجهة عن جريان أصالة الصحّة في البيع.
1) و أصالة الصحّة مقدّمة على الأصل الموضوعي فضلا عن الحكمي فأصالة الصحّة في فعل المتعاقدين يقتضي الحكم بوقوع البيع قبل التلف (الأحمدي).
2) إنّ مدرك أصالة الصحّة في عمل الغير بمعنى ترتيب آثار العمل الصحيح عليه الإجماع أو السيرة العقلائيّة و أمّا الأخبار مثل ضع فعل أخيك على أحسنه و نحوه فلا يستفاد منها إلاّ عدم الحمل على الفاسد أي ما لا يجوز شرعا فمثلا لو تكلّم أحد بكلمة و لم يعلم أنّه سبّ أو سلّم فيبنى على أنّه لم يسبّه لا أنّه يبنى على أنّه سلّم عليه حتّى يجب عليه ردّه فإنّه ممّا لم يلتزم به أحد، و أمّا الإجماع و السيرة فلابدّ من الأخذ فيهما بالقدر المتيقّن و الحاصل أنّ مصبّ الروايات على دفع التهمة و سوء الظن عن المسلم لا حمل فعله على الصحّة الواقعيّة ففي المقام حمل فعل المسلم على الصحّة إنّما يكون عبارة عن عدم إيقاع المعاملة من الطرفين أو أحدهما مع علمهما أو علم أحدهما بتلف المبيع حال البيع (الأحمدي).
و ثانيا: ذكرنا - خلافا لما ذهب إليه المصنّف في الرسائل - عدم جريان أصالة الصحّة فيما إذا كان الشكّ في قدرة المكلّف على إيجاد الفعل و لو لعدم قابليّة المورد، لأنّ دليلها هو الإجماع و لم يثبت في ذلك، و في المقام يكون الشكّ في قدرة المتبايعين على البيع، لاحتمال عدم قابليّة المبيع لوقوع البيع عليه، فهو نظير ما إذا طلّق أحد زوجة غيره و احتملنا كونه وكيلا عن الزوج، فإنّه لا يمكن إثبات صحّته بأصالة الصحّة.
و ثالثا: ذكرنا في بحث الاصول - تبعا للمصنّف - أنّه يعتبر في جريان أصالة الصحّة تحقّق الفعل الجامع بين الصحيح و الفاسد خارجا، و إلاّ فلا مجال لها، كما إذا رأينا شخصا واقفا على الجنازة و لم نعلم أنّه يصلّي عليها أو يقرأ الفاتحة، فإنّه لا يمكن الحكم بسقوط صلاة الميّت عن غيره بأصالة الصحّة، بل لا بدّ و أن يكون تحقّق العنوان الذي يراد إجراء أصالة الصحّة فيه محرزا و الشك في تحقّق ما اعتبر في صحّته شرعا، فيجري فيه أصالة الصحّة و يحكم بصحّته من تلك الجهة. مثلا في البيع لا بدّ و أن يكون البيع العرفي المتعاملي متحقّقا في الخارج فإذا شكّ في صحّته من جهة الامور المعتبرة فيه شرعا - كالعربيّة - جرى فيه أصالة الصحّة. و أمّا إذا كان الشكّ في أصل تحقّق البيع العرفي و المتعاملي، كما في المقام، حيث عرفت أنّ حصول التمليك العرفي العقلائي مشكوك(1)، و إنّما الواقع في الخارج يقينا ليس إلاّ
1) لأنّه لو كان أحد طرفي البيع معدوما في الواقع لم يكن البيع واقعا أصلا حقيقه و لذا أورد المصنّف على من تمسّك بأصالة الصحّة فيما لو اختلف المتبايعان في تقدّم بيع الراهن عن رجوع المرتهن عن إذنه في البيع - بعد فرض الإذن و الرجوع عنه - حتّى يصحّ أو تأخّره عنه حتّى لا يصحّ، بأنّ الشكّ إنّما هو في أصل ثبوت البيع لأنّه لو كان الرجوع قبل البيع لم يتحقّق بيع أصلا (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لا بدّ من اختبار الطعم و اللون و الرائحة [1]
مجرّد الإنشاء، و هو ليس بيعا، فلا مجال لإجراء أصالة الصحّة فيه أصلا. و هذا الوجه هو الذي ركن إليه المصنّف في الجواب عن أصالة الصحّة هنا.
[1] قد يكون المبيع ممّا لا يفسد بالاختبار كالروائح، و قد يكون مما يفسد بذلك كالبطّيخ و الجوز و نحوهما، و قد يكون الوصف وصف الصحّة، و قد يكون وصف كمال.
و كلمات الأصحاب في المقام و إن كانت مختلفة فيما يعتبر في الاختبار، إلاّ أنّه لا يهمّنا التعرّض لها بعد عدم وجود نصّ خاصّ في البين(1)، فكلّهم تكلّموا على القاعدة، فنبيّن المختار و نقول(2):
1) عدا رواية واحدة سيجيء التعرّض لها.
2) الأوصاف تارة ممّا لا تكون دخيلة في الماليّة و لا يكون الغرض المتعلّق بها من الأغراض العقلائيّة بل تكون من قبيل الأغراض الشخصيّة مثل ما لو اشترى من شخص رقيقا من الحبشة للفحص منه عن أقاربه القاطبين هناك أو اشترى مكتوبا بزعم أنّه خطّ والده و اخرى تكون من الأغراض النوعيّة العقلائيّة الموجبة للماليّة أو زيادتها، أمّا الأوّل فلا ريب في عدم اعتبار إحرازها أصلا و أنّ تخلّفها لا يوجب شيئا حتّى الخيار إذا لم تشترط في العقد و إن كان تخيّل وجودها داعيا للشراء، و أمّا الثاني فتارة تكون دخيلة في أصل صحّة المبيع أو الثمن و اخرى تكون دخيلة في كمالهما مثل أن يكون العنبر من العنبر الراقي، و الأوّل أيضا على قسمين لأنّ وصف الصحّة في الشيء تارة يكون مقوّما لأصل الماليّة فيه كالعطر و الجلاّب و البيض فأنّ الفاسد منها لا ماليّة له أصلا و قد لا يكون كذلك كالبطّيخ الفاسد إلى درجة فإنّ له ماليّة باعتبار أنّه يرغب فيه بعض الضعفاء لكونه رخيصا، ففي القسم الأوّل تبطل المعاملة عند تخلّف وصف الصحّة لأنّ مبنى البيع على التبدّل في الصورة مع حفظ الماليّة و لو في الجملة، و في القسمين الآخرين يوجب الخيار لأجل الشرط الضمني الارتكازي، و يثبت الأرش شرعا لصيروة العين معيبا (الأحمدي).
أمّا وصف الصحّة، فلا ينبغي الريب في لزوم إحرازه في البيع، و إلاّ كان البيع غرريّا، لأنّ الغرر بلحاظه قد يكون أعظم من الغرر من حيث الجهل بالوزن أو الكيل.
و طريق ارتفاعه فيما لا يفسد بالاختبار أحد امور: الاختبار لإمكانه فيرتفع به الجهل و الغرر، و الاشتراط لما عرفت من أنّ جعل الخيار يرفع الغرر، و إخبار البائع و توصيفه و إيقاع البيع مبنيّا عليه.
و أمّا البراءة من العيب، فإن اريد بها براءة المبيع أو الثمن من العيب فهو راجع إلى التوصيف، و إن اريد بها تبرّي البائع من عيب المبيع فهو مؤكّد للغرر لا رافع له.
و بعبارة اخرى: إن كان المشتري عالما بصحّة المبيع - و لو من جهة إخبار البائع - فلا غرر و صحّ البيع و لو لم يتبرّأ البائع من العيب، و إلاّ فالتبرّي يزيد في الغرر(1).
فما ذكره بعضهم من أنّ التبرّي من العيب يرفع الغرر غير صحيح(2).
1) نعم فيما أحرز المشتري فيه وجود الوصف فلا بأس على البائع أن يشترط براءته من العيوب حيث إنّه مع إحراز الوصف لا يوجب هذا الشرط غرريّة البيع (الأحمدي).
2) كما لا يصحّ الاعتماد على أصالة السلامة في الموردين فإنّ أصالة السلامة - كما أفاده المصنّف في صدر كلامه و إن لم يجزم به أخيرا لمكان قوله و الإنصاف في ذيل هذه المسألة و في صدر المسألة الآتية صرّح بخلافه - ليست من الاصول العقلائيّة المعتمد عليها عندهم بل من حيث إنّ الغالب في الأعيان المعرّضة للبيع هو السلامة فإنّ هذا يوجب الاطمينان عندهم و لأجله يقدمون على الشراء و في غير مورد الاطمينان لا يقدمون إلاّ بالاختبار أو التوصيف و نحو ذلك، هذا إن اريد بإجراء أصالة السلامة من جهة الغلبة المفيدة للاطمينان و إن اريد بها الاستصحاب فسيأتي ما فيه و لم يثبت للعقلاء بناء على أصالة السلامة في غير مورد الغلبة المفيدة لاطمينان مّا فلو مضت على البطّيخ السالم و نحوه مدّة يزيد على المتعارف بقاؤه سالما لا يعتمدون على أصالة السلامة في شرائه لعدم وجود غلبة السلامة في مثله بل يحتاجون في إحراز سلامته إلى الاختبار أو التوصيف الراجع إلى اشتراط السلامة بمعنى جعل الخيار عند التخلّف (الأحمدي).
و ممّا يرفع الغرر إطلاق البيع في مقام الإثبات و عدم تقييد المبيع بكونه معيبا، فإنّه ينصرف إلى الصحيح، و هو بمنزلة اشتراط وصف الصحّة بحسب ارتكاز العقلاء(1). و هذا هو المراد من أصالة الصحّة في المبيع الثابتة ببناء العقلاء، لا الأصل المحرز لصحّة المبيع، كما يظهر من المصنّف و الحلّي(2)فإنّ أصالة الصحّة المحرزة لصحّة المبيع ليست ممّا ثبت عليها بناء العقلاء، و استصحاب الصحّة يختصّ بما إذا كانت الحالة السابقة فيه هي الصحّة(3)، و أمّا أصالة الصحّة المعتبرة لوصف الصحّة فلا يعتبر فيها وجود الحالة السابقة، و هي التي أثبتها بناء العقلاء.
و بالجملة: فالغرر يرتفع بأحد امور أربعة: الاختبار، و الاشتراط، و التوصيف، و الإطلاق المنصرف إلى اشتراط الوصف ارتكازا.
1) و يكون نتيجة هذا الإطلاق هو التقييد و التضييق كما هو الحال في إطلاق الأمر فإنّ نتيجته التقييد و هو العينيّة و التعيينيّة (الأحمدي).
2) ما عثرت على كلام للحلّي فيما ذكره المصنّف من الكلمات يعتمد على أصالة السلامة و أمّا المصنّف فقد صرّح بالاعتماد عليها في صدر المسألة الآتية كما تقدّم (الأحمدي). راجع القواعد 126/1.
3) و مع ذلك لا يجري في المقام لعدم الأثر لنفس المتيقّن إذ عدم الغرر في البيع مترتّب على العلم بوصف الصحّة و مجرّد البناء الواقعي على وجود وصف الصحّة لا يرفع الغرر (الأحمدي).
و قد يتوهّم اعتبار خصوص الاختبار من رواية محمّد بن العيص(1)المحكيّة في المتن، إلاّ أنّه ظاهر الفساد؛ فإنّها في مقام بيان جواز الذوق عند الشراء و عدمه من دون قصده، لا اعتبار خصوص ذلك، كما ذكره المصنّف(2).
و بما بيّناه ظهر عدم الفرق في لزوم إحراز وصف الصحّة بين ما يكون له دخل قويّ في ماليّة المبيع و بين ما لم يكن دخله فيها بتلك المرتبة من القوّة، فإنّ الجهل بالعيب و لو كان طفيفا موجب للغرر، فلا وجه لتفصيل المصنّف بينهما. و قد مثّل للثاني بما إذا اشترى جارية بسنّ من تحيض و لم تكن تحيض، فإنّه عيب، لكنّه ضعيف لا يوجب كثرة نقصان ماليّة الجارية، لامكان الاستمتاع بها و استخدامها.
و للأوّل بما إذا ظهرت خنثى، فإنّه لا يمكن الاستمتاع بها أيضا، فينتقص بذلك ماليّتها نقصا فاحشا(3).
هذا كلّه فيما لا يفسده الاختبار.
و أمّا ما يفسده، فلا معنى فيه للاختبار، لأنّه إفساد لمال الغير، إلاّ أنّ الغرر فيه يرتفع بأحد الامور الثلاثة المتقدّمة: من الاشتراط، و التوصيف، و الإطلاق.
1) الوسائل 279/12، الباب 25 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث الأوّل.
2) و أمّا النهي عن شرائه بدون ذوقه بقوله عليه السّلام (و لا يذوقنّ) فلا يبعد أن يكون للإرشاد إلى ما هو المتعارف في إحراز معرفة المذوقات و أنّه الطريق الوحيد المأمون سلوكه فيما لا يراد مضافا إلى ضعف سنده (الأحمدي).
3) نعم يظهر الفرق بينهما فيما لو انكشف الخلاف فإنّه لو كان كشف الخلاف في القسم الأوّل من وصف الصحّة المقوّم للماليّة يكون البيع فاسدا لأنّه ظهر أنّ المبيع لم يكن ممّا يصحّ بيعه لعدم ماليّته و لعدم كونه ممّا قصد و في القسم الثاني يكون البيع صحيحا و يتخيّر المشتري بين الفسخ أو الإمضاء مع أخذ الأرش (الأحمدي).
و الحاصل: أنّ وصف الصحّة فيما لا يفسد بالاختبار لا بدّ من إحرازها بأحد وجوه أربعة: الاختبار، و الاشتراط، و التوصيف، و الاعتماد على أصالة الصحّة الثابتة ببناء العقلاء(1)التي مرجعها إلى اشتراط الخيار، و قد عرفت أنّها ليست محرزة للصحّة، إذ لم يثبت من العقلاء بناء على صحّة ما يشكّ في صحّته حتّى مع وجود الحالة السابقة، و إنّما ثبت على اعتبار وصف الصحّة في المبيع و الثمن عند الإطلاق، فجميع هذه الامور رافعة للغرر. فلا وجه لما ذكره الحلّي من اعتبار خصوص الاختبار(2)، أو ما ذكره آخر من اعتبار أحد الأمرين: الاختبار قوله قدّس سرّه:
و التوصيف. و لا يفرق فيما ذكرناه بين ما إذا كان وصف الصحّة دخيلا في معظم ماليّة المبيع أو الثمن أو لم يكن كذلك. و أمّا غير وصف الصحّة من الأوصاف الكماليّة التي تختلف بها قيمة المبيع أو الثمن، فلابدّ من إحرازه أيضا، فإن أمكن ضبطها بالتوصيف و البيان، كماء الورد المعبّر عنه في الفارسيّة ب «يك آتشه و دو آتشه» كان طريق إحرازه بأحد أمرين، من الاختبار و التوصيف، و إلاّ تعيّن إحرازه بخصوص الاختبار(3). هذا كلّه فيما لا يفسد بالاختبار.
1) فيه ما تقدّم من المناقشة في أصالة الصحّة و الصحيح أن يبدّل ذلك و يجعل مكانه و الإطلاق المنصرف إلى الصحيح كما تقدّم و مرجع الإطلاق إلى توصيف المبيع بكونه صحيحا (الأحمدي).
2) السرائر 331/2.
3) لعدم لزوم الغرر و لا يكون الدخيل في صحّة البيع إلاّ إحراز الوصف باختباره بنفسه أو باختبار من اختبره إذا وثق بقوله أو بتوصيف البائع غاية الأمر لو لم يذكر الوصف في ضمن العقد و انكشف خلافه فإنّه لا يوجب الخيار للمشتري لوقوع العقد على المبيع الشخصي و تخلّف الوصف فيه يكون من قبيل تخلّف الداعي بخلاف وقوع العقد مبنيّا على الوصف فإنّ تخلّفه يوجب الخيار (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يجوز ابتياع ما يفسده الاختبار من دون اختبار [1]
[1] و أمّا ما يفسده الاختبار - كالبطيخ - فمن حيث وصف الصحّة، لا فرق(1)بينه و بين ما لا يفسد بالاختبار، إلاّ من حيث إنّ طريق الإحراز فيه بامور ثلاثة(2)لا رابع لها. و أمّا من حيث الأوصاف الكماليّة، فإن كان الوصف ممّا ينضبط بالتوصيف تعيّن ضبطه به، و إلا فلا يعتبر إحرازه؛ و ذلك لعدم دخل مثله في زيادة ماليّة العين عرفا، و الشاهد عليه هو الرجوع إلى العرف، فإنّا نراهم يبيعون البطّيخ بقيمة معيّنة - نفرض الحقّة بأربعين فلسا - و المشتري مخيّر في اختيار أيّ من الصبرة أراد، مع أنّ أفرادها تختلف في الصفات، كالحلاوة و اللين و نحو ذلك، فلا يفرقون في السعر بين الحلو و غير الحلو، و لا بين الريّان و غيره و هكذا، فيعرف من ذلك أنّ مثل هذه الصفات لا دخل لها في الماليّة أصلا(3)، فالجهل بها لا يوجب الغرر، فتأمّل.
1) فإنّ العقلاء يرون الإقدام فيه من دون إحراز وصف الصحّة بأحد الامور الثلاثة غرريّا و ما يرى من الإقدام فيه من دون وصف و شرط فإنّما هو في فرض الاطمينان بصحّته للغلبة كما تقدّم سابقا و لذا لو بان كونه معيبا فإنّه يرجع المشتري إلى البائع لأجل أصالة الإطلاق المنصرف إلى الصحيح (الأحمدي).
2) التوصيف و الاشتراط و الإطلاق المنصرف إلى الصحيح و مرجع التوصيف أيضا إلى الاشتراط (الأحمدي).
3) و بعبارة اخرى المبيع في الأشياء التي لا يمكن اختبارها إلاّ بكسرها هو العين الموصوفة بوصف الصحّة فقط من غير ملاحظة وصف الكمال فيه لعدم وجود الطريق إليه غالبا فلا يتحقّق هناك غرر لأنّ المبيع لم يلحظ فيه وصف الكمال في الغرض النوعي العقلائي بل الملحوظ فيه هو وصف الصحّة فقط و المفروض وجوده فيه و لو فرض صدق الغرر فإنّ قيام السيرة على بيع هذه الأشياء من غير إلزام البائع بالفسخ لو ردّه المشتري من جهة فقدانه وصف الكمال يكون مخصّصا للنهي عن الغرر (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: فإذا تبيّن فساد المبيع [1]
[1] تعرّض المصنّف في المقام لحكم ظهور العيب، مع أنّ البحث عنه يأتي في بحث الخيار، لنكتة. فقسّمه إلى أقسام: لأنّه قد يكون المعيب مساويا مع الصحيح في القيمة و الماليّة - كما إذا اشترى قدرا من الصفر و كان المطلوب منه عرفا مادّته كما اتّفق في بلادنا في بعض الأزمنة السابقة فإنّ القدر المكسور يساوي الصحيح حينئذ في الماليّة - و اخرى يتفاوتان في القيمة، و عليه تارة لا يسوي المعيب بشيء أصلا(1)- كالجوز الخالي من اللبّ - و قد يسوي بأقلّ من قيمة الصحيح، كما هو الغالب.
و بعبارة اخرى: قد يكون المعيب مساويا في الماليّة مع الصحيح، و قد يكون أقلّ قيمة منه، و قد لا يسوي بشيء أصلا و يسقط عن الماليّة.
و على التقادير قد يكون ظهور العيب قبل الكسر، و قد يكون بعده، فالصور ستّة.
أمّا الصورة الاولى، فالمشتري فيها مخيّر بين الفسخ و الإمضاء، و له الردّ لظهور العيب، و ليس له الأرش لتساوي قيمة الصحيح فيها مع المعيب و عدم التفاوت بين القيمتين.
و أمّا الصورة الثانية، فالمشتري فيها مخيّر بين الردّ و أخذ الأرش، و هو التفاوت بين القيمتين.
و أمّا الصورة الثالثة، فيتعيّن فيها فساد البيع رأسا، لعدم كون المعيب مالا، فلم يقع بإزاء الثمن شيء متموّل. و بعبارة اخرى: ما وقع عليه البيع و هو الصحيح
1) كالبيض الفاسد أو يسوي بأقلّ لكن لا بعنوان المبيع فإنّ الجواز الخالي قد يسوي بشيء لكن بما أنّه خشب لا بما أنّه جوز (الأحمدي).
المتموّل مباين عرفا للموجود(1)، و هو المعيب الذي ليس بمال.
و أمّا في الصورة الرابعة، فليس للمشتري شيء أصلا، لا الأرش لتساوي القيمتين، و لا الردّ لأنّ التصرّف و إحداث الحدث في المعيب يوجب سقوطه، للنصّ.
و أمّا في الصورة الخامسة، فليس له الردّ(2)و لكن يثبت له حقّ الأرش و الرجوع إلى البائع في التفاوت بين القيمتين، أمّا عدم الردّ فلإحداث الحدث، و أمّا ثبوت الأرش فلتفاوت القيمتين، و لكن له الرجوع إليه في تفاوت ما بين الصحيح و المعيب قبل الكسر لا بعده، لأنّ الكسر حصل في ملك المشتري، و هو أجنبيّ عن البائع، و ربما يسقط عن الماليّة رأسا بعد الكسر و إن كان مالا معيبا قبله، فما يرجع إليه ليس إلاّ التفاوت بين الصحيح و المعيب قبل أن يكسر لا بعده.
و أمّا الصورة السادسة، فيتعيّن فيها البطلان، لعدم ماليّة المبيع بناء على اعتباره فيه، و كذا بناء على عدم اعتبارها، لأنّ مثل هذا الوصف يكون من قبيل الصفات النوعيّة العرفيّة التي يوجب تخلّفها البطلان. مثلا بناء على عدم اعتبار الماليّة في المبيع و إن كان بيع الحشرات جائزا، إلاّ أنّه إذا باع عصفورا فبان كونه من الحشرات، يبطل البيع، لعدم تحقّق ما وقع عليه البيع. هذا كلّه واضح.
1) و هو الجوز الخالي الذي يباع بما أنّه خشب أو المعيب الذي لا ماليّة له بأيّ عنوان كالبيض الفاسد، و ما ادّعاه بعض الأعاظم من عدم بناء السيرة على الرجوع بالثمن في مثل ذلك أو عدم قبول المردود غير ثابت نعم قد لا يقبله بعض غير المبالين (الأحمدي).
2) للسيرة و لما ورد من أنّ حقّ الفسخ يزول بحدوث الحدث في المبيع أو عدم قيامه بعينه (الأحمدي).
ثمّ الصحيح فساد البيع من حين تحقّقه لا من حين ظهور العيب(1)، وفاقا للمصنّف و الأكثر.
إلاّ أنّ المحكيّ عن الشهيد في الدروس هو الانفساخ من حين ظهور العيب و الرجوع إلى البائع في تمام الثمن(2).
و أورد عليه المصنّف: بأنّ المعيب إن لم يكن من الأموال فسد البيع من حينه، و إن كان مالا فلا وجه لرجوع المشتري إلى البائع في تمام الثمن.
ثمّ وجّهه: بأنّ المعيب كان مالا ما لم يظهر العيب، و لذا كان للمشتري إمضاء العقد فيكون المكسور ملكا له، و بظهور العيب في ملك المشتري يسقط عن الماليّة، إلاّ أنّه حيث كان ناشئا من العيب السابق المتحقّق في ملك البائع المضمون عليه، لزم تداركه، و لا يكون تداركه إلاّ بردّ تمام الثمن.
ثمّ أورد على التوجيه: بأنّ العلم إن كان طريقيّا فلم يكن المعيب مالا من حين البيع فلابدّ من فساده من حينه، و إن كان موضوعيّا فالسقوط عن الماليّة لم يتحقّق إلاّ في ملك المشتري، فليس له الرجوع إلى البائع بشيء أصلا. و لو سلّم كون المنشأ عيبا فهو كالعبد الأرمد يعمى بعد الاشتراء و المريض يموت بذاك المرض كذلك، ليس للمشتري أن يرجع إلى البائع بتمام الثمن، و إنّما له الرجوع بتفاوت ما بين الصحيح و المعيب حين البيع.
و نقول: ما أورده عليه المصنّف متين غايته، و لا بدّ من الالتزام بفساد البيع من
حينه لما بيّناه.
ثمّ قد يقال: بأنّه أيّ ثمرة تترتّب على هذا النزاع، مع أنّ القائل بفساد البيع من حين ظهور العيب أيضا يقول برجوع المشتري إلى البائع في تمام الثمن؟
فذكر المصنّف أنّ الثمرة تظهر في موردين:
أحدهما: في تصرّف البائع في الثمن الشخصي، فإذا اشترى به شيئا، فعلى المختار يكون فضوليّا، فإن أمضاه المشتري كان له، و إن ردّه بطل. و على ما ذكره الشهيد كان الشراء بماله، و المشتري بعد ظهور العيب يرجع إلى مثل ثمنه أو قيمته لأنّه بحكم التالف(1).
ثانيهما: ما ذكره في اللمعة(2)، من ظهور الثمرة في مؤنة النقل عن محلّ الشراء إلى محلّ الاختيار، فعلى المختار يكون على البائع، و على الثاني على المشتري لوقوعها في ملكه(3). و كأنّ المصنّف ارتضاه. ثمّ حكى عن جامع المقاصد(4)كونها على المشتري مطلقا، إذ لا مقتضي لرجوعه فيها إلى البائع، لأنّه نقله بغير أمره. و في قباله ما حكاه عن بعض الأساطين، و لعلّه هو كاشف الغطاء(5)، من نفي البعد عن كونها على البائع مطلقا و لو كان الانفساخ من حين تبيّن العيب.
و نقول: الصحيح هو القول الرابع و عدم تماميّة شيء من الوجوه الثلاثة المذكورة.
أمّا التفصيل فلعدم ورود نصّ على كون مؤنة النقل على مالك العين ليفصّل بين الصورتين، كما أنّ القولين المطلقين أيضا لا وجه لهما، بل لا بدّ و أن يقال: إنّ صرف المؤنة إنّما هو فعل مباشر من المشتري، فإن لم يكن ينسب إلى البائع و تغريره إيّاه لم يكن لرجوعه فيها إليه وجه أصلا سواء كان الصرف في ملك نفسه أو في ملك البائع، و إن كان بتغرير البائع إيّاه بأن كان عالما بالعيب و المشتري جاهلا به - على ما اعتبرناهما في صدق الغرور في بحث الفضولي - رجع المشتري بالمؤنة إلى البائع، لأنّه مغرور يرجع على من غرّه، من غير فرق أيضا بين كون الصرف على ملك البائع أو المشتري. هذا كلّه في مؤنة النقل.
و أمّا مؤنة الإرجاع، فذكر المصنّف أنّها على البائع على التقديرين لو كان المكسور مع عدم تموّله ملكا، لأنّه بعد الفسخ ملك للبائع، و إن لم يكن قابلا للملك فلا يبعد مؤاخذة المشتري به، و في رجوعه على البائع ما تقدّم.
و نقول: أمّا إن كان المكسور ملكا فلا ينبغي الريب في كون مؤنة الإرجاع على المشتري(1)فإنّ المرتكز عند العرف و العقلاء لزوم إرجاع المبيع و كذا الثمن إلى مالكه في محلّ التسليم إذا انفسخ العقد و لو بالإقالة، و كذا إذا كان حقّا، و لا وجه لرجوعه بها إلى البائع، إلاّ إذا كان مغرورا قد غرّه البائع فإنّ المغرور يرجع على من غرّه. هذا فيما إذا وجب التفريغ لمطالبة المالك.
و أمّا إذا وجب لكون المحلّ مسجدا أو مشهدا و نحو ذلك و لم يكن المالك مطالبا
1) بشرط أن لا يكون البائع غارّا له (الأحمدي).
لذلك أو لم يكن موردا لحقّه أيضا و كانت المؤنة لتفريغ المحلّ الواجب من جهة كون إشغاله به هتكا، فهل تكون المؤنة على المشتري، أو أنّ جميع الناس في ذلك على حدّ سواء، كما فيما إذا تنجّس المسجد بفعل أحد فإنّه و غيره في إزالة النجاسة عن المسجد يكون على حدّ سواء؟
لكن الظاهر أنّ المقام ليس من قبيل تنجّس المسجد، بل المؤنة تكون على المشتري، لبناء العقلاء على تحميلها على من حصل اشتغال المكان بوضع يده و كان هو الشاغل للمحلّ، و لا يجعلونه مساويا مع غيره و إن وجب على الجميع التفريغ تكليفا. و هذا من غير فرق بين أن يكون المشتري مغرورا و عدمه، و ذلك لأنّ التعزير إنّما يوجب رجوع المغرور على الغارّ فيما غرّه فيه و فيما هو من لوازمه، و من الظاهر أنّ التغرير في المقام لم يكن في نقل المبيع إلى المسجد أو المشهد، و لم يكن نقله إليها من لوازم البيع كما هو ظاهر، فليس له الرجوع إليه فيما يحمل عليه من مصارف التفريغ.
ثمّ إنّ المصنّف تعرّض في المقام لحكم التبرّي من العيوب، و قد ذكرنا أنّ البيع لو كان مبنيّا على السلامة من جهة الاختبار أو الاشتراط أو التوصيف أو الاعتماد على أصالة الصحّة، فالبيع صحيح تبرّأ البائع من العيوب أو لم يتبرّأ، و إذا لم يكن كذلك كان البيع غرريّا فاسدا على التقديرين، و لعلّ مرادهم من التبرّي اشتراط تبرّي المبيع عن العيوب، فيرجع إلى اشتراط الصحّة و يرتفع به الغرر، إلاّ أنّه مخالف لظاهر كلماتهم(1)، لكن حمل كلامهم على خلاف الظاهر أولى من حمله على الغلط.
1) إذ عليه لا وجه لعطفها عليه بلفظ «أو» لأنّها عينها حينئذ (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» المشهور من غير خلاف يذكر جواز بيع المسك في فأره [1]
[1] قد يناقش في بيعه من وجهين:
أحدهما: أنّ المسك متحوّل من الدم، فهو نجس، و بيع النجس فاسد.
و فيه، أوّلا: لم يثبت تحوّله من الدم.
و ثانيا: على فرض تسليمه، ليس كلّ دم نجس(1)، و هو طاهر بالضرورة و الإجماع(2).
و ثالثا: النجاسة غير مانعة عن البيع، كما اعترف به المصنّف في بيع الميتة(3).
ثانيهما: كون بيع المسك في فأره غرريّا.
و يندفع: بأنّ الغرر إن كان من جهة الجهل بوصف الصحّة، فيدفعه أحد الوجوه المذكورة سابقا: من الاختبار، و التوصيف، و الاشتراط، و الإطلاق(4). و إذا ظهر معيبا، فإن كان قبل الفتق تخيّر المشتري بين الردّ و الأرش، و إن كان بعده فله الأرش خاصّة، لأنّه تصرّف في المبيع.
و إن كان من جهة الجهل بالأوصاف الكماليّة الدخيلة في ماليّته(5)، فيرتفع بأحد
1) و لأنّه مستحيل عن الدم بعد صيرورته مسكا مضافا إلى ورود الروايات بجواز بيعه (الأحمدي).
2) و لدلالة الأخبار على ذلك كما حقّق في كتاب الطهارة (الأحمدي).
3) فيما إذا كانت فيها منفعة محلّلة و لا شك أنّ المسك فيه فائدة محلّلة (الأحمدي).
4) و أصالة السلامة الناشئة من الغلبة (الأحمدي).
5) و فيه أنّه حيث جرت السيرة على شراء المسك في الفأرة من دون اختبار فانّها تكون مخصّصة لدليل النهي عن الغرر كما خصّص في بيع مثل البطيخ من جهة الأوصاف الكماليّة (الأحمدي).
الأمرين: من الاختبار، و التوصيف إن أمكن ضبطها بالوصف، و إلاّ تعيّن الاختبار.
و طريقه - كما ذكره المصنّف -: بإدخال خيط بإبرة في الفأرة و اختبار المسك.
و ذكر قدّس سرّه أنّ الأولى أن يفعله البائع، لاحتمال ضمان المشتري للنقص إذا فعله و لم يشتر، بناء على كون المأخوذ بالسوم مضمونا بصفاته على الآخذ.
و نقول: إنّ المقام أجنبيّ عن بحث ضمان المأخوذ بالسوم، قلنا به حتّى في الصفات أو لم نقل؛ لأنّه في مورد التلف(1)، و في المقام إتلاف، و هو موجب للضمان في المأخوذ بالسوم قطعا. و لكن في المقام لا ضمان، لأنّه كان برضا البايع المالك و إذنه و إن كان إتلافا(2).
ثمّ إنّ المصنّف قدّس سرّه - تبعا للعلاّمة - فصّل بين بيع اللؤلؤ في الصدف و بيع البيض في بطن الدجاج، بالجواز في الأوّل دون الثاني إذا لم يعرف لذاك الدجاج فرد معتاد.
و الظاهر أنّ التفصيل لا وجه له؛ لأنّ اللؤلؤ أيضا تختلف أفراده، بل يكون تفاوت القيمة بين أفراده أكثر بمراتب من تفاوت أفراد البيض، فلابدّ من ارتفاع الجهالة في الموردين.
1) و المالك لم يرض إلاّ أن يراه و ينظر إليه لا أزيد من ذلك و حينئذ يده في فرض التلف يد ضمان لقاعدة اليد (الأحمدي).
2) و يعلم المالك بأنّ المشتري إن لم يرتضه لا يشتريه و قد شرط عليه أنّه إنّما يشتريه لو ارتضاه بعد الاختبار و مع ذلك رضي بأن يختبره و العمدة في الفرق بين البابين أنّ بناء العرف على المجانيّة و عدم الضمان في باب الاختبار مطلقا من دون خصوصيّة لشراء الفأرة دون باب المقبوض بالسوم (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لا فرق في عدم جواز بيع المجهول بين ضمّ معلوم إليه و عدمه [1]
[1] المعروف بين القدماء جواز بيع المجهول مع الضميمة، و المشهور بين المتأخّرين عدم جوازه، خلافا للمحقّق الأردبيلي(1)و الكاشاني(2)و جمع آخر.
و مقتضى القاعدة في ذلك عدم الجواز فيما إذا لم يكن المجهول من توابع المبيع، كمفتاح الدار و جروزها مثلا، بداهة أنّ بعض أجزاء المبيع المستقلّة في البيع إذا كانت مجهولة كان البيع غرريّا و سرت الجهالة إلى مجموع المبيع لا محالة. و بعبارة اخرى: ضمّ معلوم إلى مجهول لا يرفع الغرر عنه، و إلاّ لم يكن البيع غرريّا في مورد أصلا، لكون مقدار من المبيع معلوما في جميع الموارد.
إلاّ أنّ في صحّة بيع المجهول مع الضميمة روايات، هي المستند للقائلين بالجواز، و فيها الموثّقة و الصحيحة.
منها: ما ورد في جواز بيع ما في الأجمة منضّما بكفّ من السمك.
و منها: ما ورد في جواز أن يشترى ما في الضرع من اللبن منضّما بما في سكرّجة.
و منها: ما ورد في جواز شراء الحمل منضّما إلى الصوف.
و منها: ما ورد في جواز تقبّل الخراج(3).
1) مجمع الفائدة 185/8-186.
2) مفاتيح الشرائع 56/3.
3) و إطلاق بعضها كرواية الكرخي يشمل جميع صور الجهل من الجهل بأصل الوجود أو بحصوله في يد المشتري و الجهل بأوصافه و مقداره فإنّ مورد رواية الكرخي اشتراء أصواف مائة نعجة و ما في بطونها من حمل و إطلاق ما في بطونها يشمل جميع الصور، و المناقشة فيها بأنّ ظاهر الرواية جواز البيع حتّى مع الجهل بأصل الوجود مع أنّ وجود المبيع ممّا به قوامه فلا محالة يكون البيع بالنسبة إليه معلّقا، فيه أنّه يمكن تخصيص دليل بطلان التعليق بمثل المورد كما خصّص دليل الغرر (الأحمدي).
و قد ناقش المصنّف فيها بوجوه ثلاثة:
أحدها: أنّ موردها الجهل بأصل وجود المبيع، و محلّ الكلام هو الجهل بالأوصاف أو أعمّ من ذلك.
ثانيها: أنّ التعدّي عن مواردها إلى غيرها لا وجه له بعد كون الحكم على خلاف القاعدة.
ثالثها: أنّها غير معمول بها حتّى في موردها، لأنّ القائل بجواز بيع المجهول مع الضميمة إنّما يقول بالجواز فيما إذا كانت الضميمة معلومة، و في موارد الروايات الضميمة أيضا مجهولة؛ فإنّ السمك في الاولى من الموزون و لذا يجري فيه الربا و لم يفرض العلم بوزن السمك الذي يجعل ضميمة بل الظاهر عدم العلم بوزنه، و كذا في السكرّجة في بيع ما في الضرع، و كذا الأصواف التي على ظهر الحيوان في بيع الحمل، و كذا ما ورد في تقبّل الخراج.
و نقول: الظاهر عدم ورود شيء من المناقشات:
أمّا الأولى، فلأنّ بيع المجهول مع الضميمة إن صحّ في فرض الجهل بوجود المبيع الذي يكون الغرر فيه أعظم، فبالأولويّة يصحّ عند الجهل بالأوصاف.
و أمّا الثانية، فلظهور الأخبار في التعليل(1)، كما في الأخبار الواردة في بيع
1) ليس في الأخبار إلاّ خبر واحد ادّعي دلالته على التعليل و هو قوله قدّس سرّه (فإن لم تقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه) و نحو هذا التعبير ورد في موثّقة سماعة و رواية ابراهيم الكرخي المذكورتين فيما نحن فيه و أنت خبير بأنّه ليس في ذلك أيّ اشعار بالعلّية فضلا عن الظهور إذ ملخّص ما في كلام الإمام عليه السّلام أنّه في تلك الموارد الثلاث إن حصل المجهول يقع الثمن بإزاء الجميع و إلاّ يقع بإزاء ما نقده ممّا اشترى معه و أين هذا من التعليل، نعم لو كانت العبارة (لا بأس فإنّه اشترى معه شيء محقّق معلوم) أو ما أشبه ذلك كانت دعوى التعليل في محلّها (الأحمدي).
الآبق مع الضميمة، فإنّها معللّة بوقوع الثمن بإزاء ما علم وجوده إذا لم يكن المجهول موجودا، فلعموم العلّة يتعدّى إلى غير موارد الأخبار.
و أمّا الثالثة، فأوّلا: الروايات ناظرة إلى جهة جواز بيع المجهول إذا كان مع الضميمة، و أمّا ما يعتبر في الضميمة فليست الأخبار ناظرة إلى بيانها(1)، فهي لابدّ و أن تكون على شرائطها المعتبرة فيها من الخارج. و ثانيا: الضميمة في رواية السمك معلومة، لأنّه يباع تارة بالوزن و اخرى بالعدّ عرفا، و جريان الربا فيه إنّما هو من جهة جريانه فيما كان من الموزون في الجملة في بعض الأزمنة أو الأمكنة، و المفروض أنّ عدد السمك الذي يجعل ضميمة لما في الأجمة معلوم. و أمّا السكرّجة فيحتمل أن تكون كيلا متعارفا، كما أنّ الصوف المجعول ضميمة للحمل لم يعلم من الرواية كونه على ظهر الحيوان(2)، و على فرض كونه كذلك فيمكن العلم بوزنه بإخبار أهل الخبرة و نحوه.
1) فيه أنّ هذا الجواب صحيح لو كان التعبير بمثل (شيء من السمك) كما في بعض تلك الروايات لا في مثل قوله عليه السّلام (كفّا من سمك) الذي هو من الموزون و لو كان من المعدود أيضا لم يعتبر العدّ فيه و يمكن أن تكون الأسماك من قسم الصغار جدّا التي لا يعلم عددها بمجرّد المشاهدة (الأحمدي).
2) مضافا إلى أنّه يمكن أن لا يكون الصوف قبل الجزّ من الموزونات (الأحمدي).
فالروايات لا مناقشة فيها، و هي تامّة سندا و دلالة، فالصحيح جواز بيع المجهول مع الضميمة(1).
هذا، مضافا إلى أنّه مع قطع النظر عن الأخبار، إن اعتمدنا في فساد البيع الغرري بقوله عليه السّلام: (نهى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر) كان مقتضاه الفساد و لو كان بعض أجزاء المبيع غرريّا، إلاّ أنّك عرفت ضعفه سندا و دلالة. و أمّا إذا اعتمدنا في ذلك على الاتّفاق و الإجماع، فمن الظاهر عدم تحقّقه في المقام، لذهاب المعروف من القدماء إلى جواز بيع المجهول مع الضميمة.
ثمّ القائلون بعدم جواز بيع المجهول حتّى مع الضميمة، استثنوا منه ما إذا كان المجهول تابعا، و من هنا وقع الكلام في معنى التابع.
و نقول: التابع العرفي الذي لا يضرّ الجهل به - و إن لم يكن مربوطا بالمقام - هو الأجزاء المتّصلة بالمبيع، كأساس الدار و اصول الأشجار و صوف الأغنام إلى غير ذلك من الأجزاء المتّصلة بالمبيع التي تعدّ تابعا عرفا، فإذا لم يكن أساس الدار أو أصل الشجر الذي هو تحت الأرض أو الصوف الموجود على ظهر الحيوان معلوما، لا يضرّ بصحّة بيع أصل الدار و الشجر و الحيوان، لأنّ جميعها من التوابع، إلاّ أنّ هذا أجنبيّ عن ضمّ المجهول بالمعلوم، كما هو واضح(2).
1) قد عرفت عدم إمكان التعدّي عن موارد تلك الروايات إلاّ إلى الجهل بالأوصاف في خصوص موارد تلك الروايات مع أنّ في مواردها أيضا فرض الجهل بالأوصاف كما لا يخفى على من لاحظها (الأحمدي).
2) فإنّ دخول هذه الأشياء في ملك المشتري إنّما هو بتبع الأصل و لا يحتاج إلى ضمّها إليه في البيع حتّى يكون من ضمّ المجهول إلى المعلوم (الأحمدي).
و ربما يقال: إنّ المراد من التابع ما يشترط دخوله في المبيع، في مقابل ما يكون جزءا مستقلا من المبيع(1). و هذا المعنى ذكره العلاّمة قدّس سرّه(2).
و أورد عليه جامع المقاصد(3): بأنّه لا اعتبار بالألفاظ(4).
و بما ذكرناه ظهر أنّه لا وجه لعدّ التابع العرفي قولا في المقام في مقابل الشرط و الجزء كما عن المصنّف؛ فإنّ التابع العرفي إنّما يكون في الجزء المتّصل بالمبيع كما ذكرنا، و أمّا الأمران المستقلاّن فلا وجه لجعل أحدهما تابعا عرفيّا للآخر، إلاّ بمعنى الاشتراط إمّا من المتعاملين و إمّا من جهة الارتكاز العقلائي العرفي.
و الحاصل: أنّ الأقوال في تابعيّة المجهول أربعة:
أحدها: ما ذكره العلاّمة و اختاره المحقق النائيني(5)، من أنّ جزء المبيع يكون هو المقصود، و ما دخل فيه بالاشتراط هو التابع، فلا يوجب الجهل به غرريّة البيع، بدعوى أنّ الغرر إنّما يتحقّق فيما إذا كان ما بذل بإزائه الثمن أو المثمن مجهولا،
1) فلو قال (بعتك هذا السمك المعيّن مع ما في الأجمة من السمك بكذا) لا يصحّ لأنّ ما في الأجمة من السمك جزء للمبيع و هو مجهول، بخلاف ما لو قال (بعتك هذا السمك المعيّن المشهود على أن يكون لك ما في الأجمة بكذا) صحّ البيع لأنّ ما في الأجمة و إن كان مجهولا إلاّ أنّه صار مملوكا للمشتري بالشرط لا بأصل البيع (الأحمدي).
2) القواعد 153/1 و التذكرة 493/1.
3) جامع المقاصد 385/4.
4) و أنّ الاختلاف في العبارة لا يغيّر الواقع عمّا هو عليه و باقي السمك المجهول في الأجمة جزء للمبيع حقيقة سواء ادّي ذلك بلفظ الاشتراط أو غيره و يقع مقدار من الثمن بازاء المجهول لا محالة (الأحمدي).
5) منية الطالب 410/2.
دون ما لم يبذل بازائه شيء كالشرط(1).
1) و اورد على المحقّق الثاني بأنّ الاختلاف بين الأمرين ليس في مجرّد اللفظ و العبارة بل الاختلاف بينهما يكون واقعيّا لأنّه على الشرط لا يقع شيء من الثمن بازاء المجهول بل الثمن بتمامه يقع في مقابل المعلوم فقط و تخلّف الشرط يوجب الخيار بخلاف ما لو وقع الشيء جزءا للمبيع فإنّه يقسّط عليه الثمن و تخلّفه يوجب ردّ الثمن بحسابه و به يتحقّق خيار تبعّض الصفقة فإذا كان الشيء مجهولا يسري الغرر منه إلى الجزء الآخر المعلوم أيضا. و يرد على ما أفاده أنّ الفرق المذكور بين الجزء الشرط صحيح في شرط الفعل دون شرط النتيجة و المورد من قبيل الثاني، توضيحه أنّه لو كان المجهول من قبيل شرط الفعل كما لو باع داره بألف دينار على أن يخيط المشتري ثوبه الموجود في الصندوق غير المشاهد و غير الموصوف فلو صحّ الشرط يجب على المشتري الوفاء به إلاّ أنّ البائع لا يملك، متعلّق الشرط و هو الخياطة بنفس هذا الشرط إذ المشتري التزم بأن يأتي بالخياطة بعد ذلك فالبائع ذو حقّ بالنسبة إلى فعل المشتري لا أنّه مالك لنتيجة فعله و أمّا لو كان المجهول من قبيل شرط النتيجة فعلى تقدير صحّة الشرط يملك البائع متعلّق الشرط و نتيجة الفعل بنفس العقد لأنّ تملّك المجهول يحتاج إلى سبب من الأسباب و المفروض أنّه لا يتوقّف حصول النتيجة للمشروط له إلى سبب آخر زائدا على العقد الخاص فهو السبب التام لحصول النتيجة و عليه يكون مرجع شرط نتيجته تمليك المجهول إلى جعل المجهول مع المعلوم ملكا للمشتري بإزاء الثمن حقيقة و يكون الاختلاف بين لفظ الجزء الشرط في مثل ذلك لفظيّا إذ لا ترجع حقيقة الشرط فيه إلى الالتزام بالفعل بل مرجعه إلى الالتزام العقدي أعني التمليك بإزاء التمليك أي تمليك متعلّق الشرط مثل الجزء بإزاء الثمن و موردنا هذا من قبيل شرط النتيجة لا شرط الفعل لأنّ المشتري يملّك متعلّق الشرط كالجزء بنفس العقد لا أنّ البائع يملك عليه الفعل أي فعل التمليك كما لا معنى للالتزام بملكيّة المجهول لأنّ الالتزام يتعلّق بما يكون تحت سلطنة الملتزم و هو فعله الاختياري و هو تمليك المجهول كتمليك المعلوم و حيث إنّ التمليك المزبور يكون بإزاء الثمن لا مجّانا فيكون مرجعه إلى ما ذكرنا، على أنّ الجهالة في شرط الفعل أيضا توجب غرريّة البيع لأنّ الفعل المشروط يوجب كثرة و قلّة التفاوت في بذل المال بازاء المثمن كثرة و قلّة فالجهل به يوجب غرريّة البيع أيضا (الأحمدي).
ثانيها: التابع العرفي الذي عرفت ما فيه.
ثالثها: أن يراد بالتابع ما يكون تابعا بحسب بناء العقلاء، كما إذا اشترى قصب الآجام و كان فيها قليل من السمك أو بالعكس، فإنّ السمك القليل ليس موردا لغرضهم، بمعنى أنّ ما بذل من الثمن إنّما يبذل عند العقلاء بازاء القصب و يقصد مثله بمثله.
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّه إن اريد بذلك أنّ التابع لا قيمة له عند العقلاء فلا يوجب الجهل به غرريّة المبيع فهو خارج عن محلّ الكلام. و إن اريد به أنّ الضميمة تسوي عند العرف بما بذل في مقابلها من الثمن فلا خطر، فهو و إن كان كذلك بالنسبة إلى المشتري، إلاّ أنّ البيع حينئذ غرريّ للبائع، إذ يحتمل أن يكون المبيع مشتملا على ما يسوي ضعف الثمن.
رابعها: أن يراد التابع بحسب قصد المتبايعين، كما إذا كان ما تعلّق به غرض المشتري هو السمك دون القصب، و لا يتيسّر له شراؤه إلاّ بشراء ما في الآجام و فيه القصب أيضا و هو مجهول.
و فيه(1): أنّه عليه يلزم أن لا يكون البيع غرريّا فيما إذا كان غرض المشتري
1) التبعيّة في القصد على وجهين لأن التبعيّة فيه قد يكون في نظر نوع المتعاملين مثل السرج و اللجام في شراء الفرس فإنّهما تابعان له عرفا بحسب القصد ففي مثله لا يضرّ الجهل بالخصوصيّات لأنّ المبيع حقيقة هو الفرس و هو معلوم و أمّا السرج و اللجام فلأنّهما غير منظور إليهما بحسب نوع المتعاملين فالجهل بهما لا يعدّ غررا و إن ذكرا داخلا في المبيع، و قد يكون بحسب شخص المتبايعين في خصوص المورد و في هذا القسم لا وجه لصحّة البيع فإنّه لو كان مقصود المشتري شراء مقدار من الفضّة و لكن لا يمكن له تحصيله إلاّ مع الفصّ فالفصّ مقصود بالتبع في خصوص نظر هذا المشتري و مع ذلك جهله بالفصّ أنّه من عقيق اليمن أو من الزجاج يوجب بطلان البيع قطعا للغرر (الأحمدي).
متعلّقا بشراء مطلق الفلزّ لحاجة له، فاشترى فلزّا مردّدا بين الذهب و الصفر مثلا، و هو كما ترى.
و بالجملة: قد يراد بالتابع أجزاء المبيع الشخصي التي ليست دخيلة في الماليّة عرفا كاسس الدار، فإنّ بعض الدور لا يكون لها أساس و هي مبنيّة على الأرض كالمبنيّة على الأراضي الجبليّة، و بعضها لها أساس، و يختلف أساسها، إلاّ أنّ الاسس لا دخل لها في ماليّة الدار عرفا، و كذا جذور الأشجار التي هي تحت الأرض، فالجهل بها لا يوجب غررا في المبيع. و قد يراد بالتابع ما لم يكن جزءا من المبيع، لكنّه داخل في المبيع بالشرط الارتكازي العرفي، و إن كان المتبايعان غافلين عن ذلك بالكليّة بحيث كان خروجه عن المبيع متوقّفا على الإخراج و الاستثناء، كالمسامير المثبتة في الدار أو أنابيب الماء المجعولة فيها، فإنّها داخلة في بيع الدار إلاّ أن ينصّ بخروجها عن المبيع، و الجهل بها أيضا لا يوجب الغرر في البيع. إلاّ أنّ كلا المعنين أجنبيّ عمّا نحن فيه.
و أمّا التابع في المقام فمحتملاته أربعة:
الأوّل: أن يراد ما هو داخل في المبيع بعنوان الشرط في مقابل الجزء، فالجهل بالشرط لا يضر بخلاف الجزء. و هو الذي ذكره العلاّمة و اختاره الميرزا، بدعوى أنّ الغرر إنّما يتحقّق فيما إذا كان المجهول ما وقع بإزائه الثمن أو المثمن، و أمّا غيره و إن كان داخلا في المبيع بالاشتراط، لكن الجهل به لا يوجب الغرر، حيث لم يقع بإزائه
شيء من المال. و هذا يتمّ لو لم تختلف ماليّة العوضين باختلاف الشروط(1).
الثاني: أن يراد بالتابع التابع العرفي، فالجهل به لا يوجب الفساد.
و فيه: أنّه إن اريد بالتابع العرفي(2)كون المجهول ممّا يدخل في المبيع بالارتكاز العقلائي، فهو و إن كان صحيحا، إلاّ أنّه راجع إلى الوجه المتقدّم، و ليس هو تفصيلا في مقابل التفصيل بين الجزء و الشرط، بل هو تفصيل في الشرط بين ما إذا كان داخلا في المبيع بالارتكاز العقلائي و ما إذا كان داخلا فيه باشتراط المتبايعين.
و بعبارة اخرى: هذا بيان لمورد من موارد عدم الغرر، فتأمّل. و إن اريد به معنى آخر، فلا نتعقّله.
الثالث: أن يراد به ما يكون تابعا بحسب قصد المتبايعين.
1) مع أنّه تختلف ذلك وجدانا فيلزم الغرر في البيع على أنّك قد عرفت أنّ الشرط الخارج عن البيع ما كان مرجعه إلى التزام آخر غير الالتزام البيعي بأن يكون متعلّق الالتزام فعلا اختياريّا له أن يفعل و له أن لا يفعل ففي مثله لا يكون الثمن بإزاء الشرط كشرط الخياطة لا مثل شرط النتيجة فإنّه بعد تحقّقه تقع النتيجة قهرا و بدون اختيار الشارط فمرجع ذلك إلى الجزء حقيقة و لا فرق بينهما إلاّ في مجرّد العبارة و التابع المجهول الذي صار مملوكا للمشتري بالشرط من هذا القبيل فيكون مرجعه إلى الجزء و يقع الثمن بإزائه و تسري جهالة هذا الجزء إلى جهالة المبيع و المجموع (الأحمدي).
2) ما يكون جزءا للمبيع حقيقة إن كان لها وجود كاسس الدار و نحوها فقد عرفت خروجها عن محلّ الكلام و إن أريد بها غير ذلك ممّا يكون خارجا عن ذات المبيع و أجزائه حقيقة غير أنّه بالارتكاز العرفي اشترط تمليكها للمشتري إلاّ أن تنصّ على خروجها كالمسامير المبنيّة في جدران البيت ففيه أوّلا أن تسميتها تابعا مسامحي لأنّه لم يتبع المبيع حيث إنّ المبيع دخل في ملك المشتري بالعقد و ذاك بالشرط و ثانيا أنّ مرجعه إلى تفصيل العلاّمة لكن لا بتلك التوسعة بل على تفصيل فيما بين الشروط (الأحمدي).
و فيه: أنّه إن اريد به الغرض الشخصي فمن الواضح أن الأغراض الشخصيّة لا توجب رفع الغرر عن المعاملة(1)، إذ لا دخل للغرض الشخصي بماليّة الأشياء، و إلا لزم صحّة بيع الشيء المردّد بين الذهب و الصفر فيما إذا كان غرض المشتري شراء الفلز مثلا. و إن اريد به الغرض النوعي، فإن رجع إلى ما ذكرناه من التبعيّة العرفيّة(2)- كالمسمار المثبت في الدار - فهو ليس تفصيلا في المقام. و إن رجع إلى ما يظهر من بعض الكلمات(3)، من كونه مثل المعلوم ممّا يبذل بإزاء مثله الثمن، فالجهل به يوجب الغرر إذ لا يعلم المشتري ما يدخل في ملكه بالشراء، و ربما يكون المجهول أكثر قيمة من المعلوم، بل لا يعلم ما يقع من الثمن بإزاء المعلوم أيضا.
الرابع: ما حكي عن المحقّق الأردبيلي، من أنّ ما يتعلّق به البيع لا بدّ و أن يكون معلوما دون غيره(4).
1) في كثير من الموارد كما لو أراد شراء مقدار من الفضّة لغرض شخصي له و لا يتيسّر له شراؤه إلا بشراء خاتم فضّة مردد بين الياقوت و الزبرجد فإنّهما بحسب غرضه الشخصي تبعى و على هذا التفصيل يلزم عدم المانع من جهالتهما كمّا و كيفا و كذا لو أراد شراء الحصر و لم يمكن له إلاّ بشراء الدار مثلا (الأحمدي).
2) ممّا هو من أجزاء المبيع الشخصي و إن لم يكن له دخل في الماليّة كأساس البنيان أو ما هو تابع للمبيع بالشرط الارتكازي (الأحمدي).
3) ما كان تابعا للمبيع قبل البيع كما في السرج للدابّة و اللباس الموجود في البدن إن كان داخلا في المبيع بحسب الشرط غير الارتكازي أو بجعله جزءا للمبيع كالمتبوع فإنّ الجهل به يوجب الغرر (الأحمدي).
4) و بعبارة اخرى المراد بالتابع ما كان تابعا بحسب الصورة و الإنشاء و إن كان هو المقصود بالأصالة معنى و لبّا و المراد بالمتبوع ما كان متبوعا بحسب عالم الإنشاء و أنّ التابعيّة كذلك مصحّحة لبيع المجهول كما أنّ الضميمة الصوريّة و الإنشائيّة مفيدة للخروج عن الربا المعاوضي، و انقلاب المدّعي منكرا صورة كاف لصيرورته منكرا في باب المخاصمات و الدعاوي، و يرد عليه أنّ التابعيّة بالمعنى المزبور لا تخرج المعاملة عن كونها غرريّة و المدار في صحّة المعاملة على عدم كونها غرريّة (الأحمدي).
و فيه: أنّا لا نعرف له معنى محصّلا، إلاّ أن يرجع إلى الاشتراط و الجزئيّة - و هو ما اختاره العلاّمة - و إلاّ فالتفصيل بين ما إذا قال: (بعتك المعلوم و المجهول) فيصحّ، و بين ما إذا قال: (بعتك المجهول و المعلوم) فلا يصح، بمجرّد التقديم و التأخير في الذكر، لا وجه له.
فتحصّل: أنّ شيئا من هذه التفصيلات ليست تفصيلا في المقام، سوى تفصيل العلاّمة بين الجزء و الشرط، فلابدّ من تحقيق صحّته و فساده. و أمّا سائر التفاصيل فليست قابلة للبحث، لعدم كونها تفصيلا في المقام.
فنقول: الصحيح التفصيل فيما أفاده العلاّمة من التفصيل، بأنّه لو قلنا بأنّ مدرك فساد البيع الغرري هو الرواية، أعني قوله عليه السّلام: (نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر) فلا وجه للتفصيل، لأنّ غرريّة الشرط توجب غرريّة البيع لا محالة، لأنّ الشرط التزام في ضمن الالتزام البيعي، و ليس التزاما مستقلاّ(1)، و من هنا صرّح المصنّف بأنّ
1) ألا ترى أنّه لو باع البائع شيئا للمشتري بدينار مثلا و اشترط عليه خياط أثواب عشيرته مع الجهل بعدد أفرادهم فإنّه يعدّ هذا البيع من أوضح أنحاء الغرر و ثانيا لو سلّم أن غرريّة الشرط و الجهل به لا تسري إلى البيع فإنّما هو فيما إذا كان الشرط شرطا حقيقة كالمثال المتقدّم لا فيما إذا كان جزء المبيع حقيقة و لكن في مرحلة الإنشاء انشأ بلفظ الاشتراط كما في المقام لأن تغيير اللفظ لا يرفع الغرر و الوجه في عدم كون الشرط في المقام شرطا حقيقة أنّه لا معنى للالتزام بأمر غير اختياري، و هو كون المجهول ملكا للمشتري فلا محالة يرجع حقيقة إلى تمليك المجهول بعوض لكن بلفظ الشرط و في مثله ليس الغرر حقيقة إلاّ في المبيع و بالجملة يرجع ما أفاده العلاّمة في معنى التبعيّة إلى مجرّد التبعيّة في اللفظ و لذا أورد عليه المحقّق الثاني بأنّ مجرّد تغيير العبارة لا يرفع الغرر، و لو كان مدرك فساد بيع الغرر هو الإجماع فإنّه لا إجماع على الفساد في صورة الجهل بالشرط الحقيقي لا فيما اذا كان شرطا صورة و لفظا و جزء المبيع حقيقة كما في المقام فما ذكره العلاّمة في معنى التابع غير صحيح على جميع المدارك (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يجوز أن يندر لظرف ما يوزن مع ظرفه [1]
الجهل بالشرط مفسد للبيع لأنّه موجب للغرر. و أمّا إن بنينا على أنّ المدرك هو الإجماع، فليس في فرض الجهل بالشرط اتّفاق على الفساد يستكشف به رأي المعصوم عليه السّلام، و المخالف موجود، كما هو واضح(1).
[1] لا إشكال في جواز الإندار في الجملة، و إنّما الإشكال في تفاصيله.
و الأقوال فيه ستّة:
الأوّل: جوازه فيما إذا كان متعارفا مطلقا و لو علم الزيادة، و في غير المعتاد بقصد احتمال التساوي.
1) و أمّا بحسب الأخبار الخاصّة فقد يستظهر صحّة البيع في جميع موارد ضمّ المجهول بالمعلوم - سواء كانت الضميمة بنحو التابعيّة أو الجزئيّة - من الأخبار المتفرّقة لأنّ جملة من الأخبار دلّت على صحّة البيع فيما إذا كانت الضميمة مشكوكة الوجود كما في موارد بيع ما في البطون، و منها ما دلّت على الصحّة في موارد تسليم الضميمة للمشتري كما في موارد بيع العبد الآبق و تقبّل الخراج و الجزية و منها ما دلّت على الصحّة عند الجهل بالضميمة من حيث الكمّ و الكيف و الوصف كما في موارد بيع ما في الأجمة من السمك، و فيه أنّه لا وجه للتعدّي عن موارد الأخبار المذكورة إلى غيرها بعد كون الحكم على خلاف القاعدة و عدم وجود عموم أو إطلاق أو علّية فيها بحيث يستفاد منها التعدّي و قد تقدّم توضيح ذلك سابقا (الأحمدي).
الثاني: فيما إذا كان متعارفا و لم يعلم بزيادة ما يندره.
الثالث: عطف النقيصة على الزيادة من حيث اعتبار عدم العلم بها.
الرابع: اعتبار عدم العلم بالزيادة و النقيصة مطلقا و لو لم يكن معتادا، و ما علم الزيادة فيعتبر فيه التراضي.
الخامس: عطف العلم بالنقيصة على العلم بالزيادة. و هو الذي اختاره المحقّق الثاني(1)ناسبا له إلى كلّ من لم يذكر النقيصة لعدم الفرق بينهما.
السادس: التفصيل بين ما إذا استلزم الغرر فلا يجوز، و ما إذا لم يستلزمه فيجوز.
و هو مختار كاشف الغطاء(2).
و نقول: الظاهر أنّ النفي و الإثبات في الأقوال لم يردا على محلّ واحد.
و الصحيح أنّ البحث في الإندار يقع في مسألتين:
أحدهما: في الإندار في مقام الوفاء فقط دون البيع، كما إذا فرضنا أنّ المظروف بيع كلّ منّ بكذا - فإنّه ليس غرريّا على ما تقدّم في بيع الصبرة - أو بغير هذا النحو بنحو لا يوجب الغرر، و في مقام الوفاء يندر مقدار للظرف.
فيجوز الإندار حينئذ إن كان متعارفا و كانت الظروف متساوية من حيث الوزن إلاّ بما يتسامح فيه عرفا، كما في الصفائح التي هي ظروف النفط، فإنّ وزن أفرادها متساوية إلاّ بمقدار يسير، فحينئذ يندر ذلك المقدار، سواء رضي به الآخر أو لم يرض، و إلاّ فيصحّ بالتراضي، فإنّه يرجع إلى رفع اليد عن الحقّ و لا مانع منه؛ إذ كما
يجوز لكلّ من المتبايعين رفع اليد عن حقّه أجمع، له أن يرفع اليد عن بعضه. و في هذا الفرض باقي التفاصيل لا وجه لها، من عدم العلم بالزيادة أو النقيصة أو بهما معا، كما هو ظاهر.
نعم، لو لم يكن الإندار متعارفا و لم يحصل التراضي بينهما، كان مقتضى استصحاب عدم اشتغال ذمّة المشتري بأزيد من ثمن المقدار المتيقّن أو أصالة عدم وجود المقدار الزائد على المتيقّن في الظرف، جواز إندار المشتري و لو احتمل الزيادة.
ثانيهما: ما إذا كان الإندار في نفس البيع(1)، كما إذا اريد بالإندار
1) و هو على وجوه، الأوّل: أن يوزن المظروف مع الظرف و يشتري المظروف بثمن معيّن و في هذا الفرض لا فائدة في الإندار لأنّ المبيع هو المظروف فقط كيف ما كان بالثمن المعيّن لكنّه باطل قطعا للجهل بمقدار المبيع و هو المظروف فيكون البيع غرريّا و الوزن المعلوم للجملة لا أثر له لعدم حصول العلم بوزن المبيع إلاّ أن يكون الإندار طريقا عرفيّا لمعرفة وزن المظروف فيخرج بذلك عن الجهالة، الثاني: أن يوزنا معا و بعد العلم بوزن المجموع يكون المبيع المظروف من باب كلّ منّ بكذا و يسقط مقدار من الوزن لأجل تعيين مقدار المظروف، مثلا كان مجموعها عشرة أمنان فيندر منّان لأجل الظرف حتى يكون المبيع و هو المظروف ثمانية أمنان، و هذا الإسقاط أيضا تارة يكون قبل إيقاع المعاملة بحيث يجعل المظروف بعد الإسقاط بحكم المعلوم ثمّ يوقع البيع عليه و اخرى يشترط المشتري على البائع أن يندر مقدارا معيّنا من الوزن بإزاء وزن الظرف و على كلا التقديرين لو كان الإندار بنحو الموضوعيّة أو كان الإندار طريقا عرفيّا لكن المتعاملين لم يلحظا طريقيّته بأن لم يعلما أنّ المقدار المندر طريق عرفي لكشف وزن الظرف تكون المعاملة باطلة للجهل بمقدار المثمن فيكون موجبا للغرر و مجرّد التراضي لا يصحّح البيع ما دام يصدق عليه الغرر كما ذكر كاشف الغطاء في مقام الإيراد على العلاّمة و إن لم يكن ظاهر كلام العلاّمة في هذا الفرض و لكن ايراده على هذا الفرض متين، و إن كان بنحو الطريقيّة و لاستكشاف مقدار المظروف فيصحّ البيع فيما إذا كان الإندار المزبور طريقا عرفيّا لكشف مقدار المظروف لرفع الغرر بأن يكون الوزن للمظروف مطابقا في الغالب مع الإندار المتعارف لا مجرّد بناء العرف على إندار مقدار معيّن من دون غلبة مطابقة ذلك للوزن الواقعي غير المسامحي فإنّه لا يكفي لرفع الغرر و لا بدّ من اعتبار تراضيهما بذلك أيضا لاحتمال أن يكون المقدار الساقط زائدا أو ناقصا عن المقدار الذي جعل طريقا إليه و في فرض كون الإندار بالمقدار المعيّن طريقا عقلائيّا لتعيين وزن المظروف بأن يكون الاختلاف بينه و بين المقدار الواقعي مسامحيّا غالبا فلو فرض ظهور الاختلاف فيه بما لا يتسامح يتدارك زيادة و نقصانا و إن كان المشتري اشترط أن يكون المثمن كذا مقدار فيثبت له خيار تبعّض المثمن و إلاّ فلا (الأحمدي).
معرفة وزن المظروف.
و في هذا الفرض إن كان الإندار معتادا و كان المتبايعان ملتفتين إلى ذلك، صحّ لعدم الغرر، و إلاّ فلا يجوز للجهل بوزن المبيع حتّى مع التراضي، فإنّه لا يرفع الغرر، كما لا يجوز البيع الغرري. و مجرّد العلم بوزن مجموع الظرف و المظروف غير رافع للغرر، و إلاّ لجاز بيع مقدار من المال المجهول إذا كان مجموعه مع الباقي منه معلوم المقدار، فإناطة الحكم فيه بالغرر هو الصحيح(1).
ثمّ على المسألة الاولى نحمل ما ورد في خبر الزيّات(2)الوارد في الإندار(3)،
1) خلافا لما قد يظهر من المصنّف من صحّة البيع المزبور مطلقا مدّعيا نسبة ذلك إلى معقد إجماع الفخر من كفاية العلم بوزن المجموع في صورة الإندار و إن كان نفس المبيع مجهولا و لعلّ كلام المصنّف ناظر إلى صورة ما إذا كان الإندار طريقا عرفيّا لمعرفة وزن المظروف (الأحمدي).
2) الوسائل 273/12، الباب 20 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث 4.
3) فإنّ ظاهر الفاء الدالّ على التفريع في قول السائل في موثّقة حنّان «فيحسب لنا النقصان» يشعر بأنّ الإندار كان بعد البيع و في مقام الوفاء مع أنّه المتعارف كما سيأتي و على كلّ فلا يستفاد من تلك الروايات ما يكون على خلاف القاعدة (الأحمدي).
من قوله عليه السّلام: (إن كان يزيد و ينقص فلا بأس - أي إن كان ممّا يحتمل الزيادة و النقصان(1)بمعنى أنّ الإندار في مثله كان متعارفا فلا بأس(2)- و إن كان يزيد و لا ينقص فلا تقر به)(3)فإنّ المتعارف أنّ الزيت يباع بالوزن ثمّ في مقام الوفاء يندر الدلاّل مقدارا من الوزن، و غالبا يراعي الدلاّل جانب المشتري ليشتري منه، فأمر 7 بأنّه إن كان متعارفا و يزيد أو ينقص بما يتسامح فيه فلا بأس، و إلاّ فلا تقربه لأنّه أكل مال الغير بغير إذن المالك، فتأمّل.
و بالجملة: إن كان الإندار دخيلا في صحّة البيع فيعتبر فيه أن يكون رافعا للغرر، بأن يكون متعارفا و علم به المشتري و البائع، و أمّا غيره من التراضي و نحوه فلا
1) حاصله أن يكون مقدار الإندار نوعا محتملا للزيادة و النقيصة للعلم بالنقص إجمالا في بعض الظروف عن مقدار الإندار و الزيادة في بعضها الآخر فيكون هذا الشخص من المبيع مشكوكا و هذا نظير قوله عليه السّلام (كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام) و القرينة على إرادة هذا المعنى أنّ معمّر الزيّات كان شغله ذلك فلم يكن سؤاله عن قضيّة شخصيّة بل كان سؤاله عن جميع معاملاته و على هذا فذكر الجواب المذكور لبيان أنّه لو كان دائما يزيد في مقدار الإندار فلا يرضى البائع به فلا تقربه و إلاّ بأن يحتمل فيه الأمران يكون البائع أيضا راضيا فلا بأس به، و يشهد لذلك أيضا عطف النقيصة على الزيادة بالواو الظاهر في الجمع، و رواية علي بن جعفر عليه السّلام ظاهرة في كون الإندار في مقام الوفاء بقرينة الفاء في «فيقول ادفع» بعد قوله نشتري المتاع وزنا، و أمّا رواية علي بن أبي حمزة فيحتمل أن يكون عين الرواية الاولى من حيث المورد بقرينة نقله سؤال معمّر الزيّات عن الإمام الصادق عليه السّلام و جوابه و على تقدير أن تكون غيرها فمضافا إلى ضعف سنده بعلي بن أبي حمزة فالرواية و إن كانت مطلقة غير أنّ تلك الروايتين المتقدّمتين و المتعارف الخارجي توجب حملها على الإندار في مقام الوفاء (الأحمدي).
2) لرجوع ذلك إلى هبة الزائد المحتمل من الثمن أو المثمن من قبل مالكه (الأحمدي).
3) لعدم رضا البائع بهبة المقدار الزائد في هذا الفرض قطعا (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يجوز بيع المظروف مع ظرفه الموزون معه [1]
يكفي فيه. و إذا انكشف فيه الخلاف ثبت الخيار، إمّا للمشتري أو للبائع، لأنّه من قبيل ما إذا باع صبرة على أنّها عشرة صيعان فظهر الخلاف.
و إن كان الإندار في مقام التسليم و الوفاء، كما إذا باع المظروف كلّ رطل منه بكذا و احتجنا إلى الإندار في مقام وفاء الثمن، فيمكن ذلك بالمتعارف الخارجي، و بالتراضي لأنّه يرجع إلى أنّ كلاّ منهما يبرئ ذمّة صاحبه على فرض الزيادة من قبله، كما يمكن ذلك بالأصل على ما تقدّم. فإذا اندر تعويلا على الأصل ثمّ انكشف الخلاف لا يثبت الخيار في الفرض، بل تبقى ذمّة من أخذ الزائد مشغولة للآخر، فلابدّ له أن يؤدّي الزائد مشتريا كان أو بائعا. و هذا كلّه ظاهر(1).
[1] ادّعى على جوازه الإجماع(2)، و ذكر المصنّف ما حاصله: أنّ في ما نحن فيه
1) ثمّ إنّه لو اختلف البائع و المشتري في مقدار الإندار كما لو تلف الظرف و المظروف بعد تسلّم المشتري و لم يمكن تعيين مقدار الظرف فيظهر من مطاوي كلمات المصنّف أنّ الأصل عدم زيادة المبيع عن المقدار المتعيّن، و أورد عليه المحقّق النائيني بأنّ أصالة عدم الزيادة على النحو النعتي لا سابقة لها و المحمولي لا يثبت أنّ المظروف أقلّ ممّا يدّعيه المشتري، و فيه أوّلا أنّا لمختار جريان الأصل على النحو النعتي أيضا كما قرّر في بحث العام و الخاص و ثانيا تجري أصالة عدم اشتغال ذمّة المشتري بأزيد من ثمن المثل و أصالة براءة ذمّته عن لزوم دفع الزائد (الأحمدي).
2) صور المسألة - و هي بيع الظرف و المظروف أو كلّ شيئين منضمّين مجموعا لا كلّ منهما مستقلاّ و اريد بيع مجموعهما - ثلاثة، الاولى: ان يكون الظرف و المظروف بحيث يجوز بيع كلّ منهما منفردا بأن يباع أحدهما و لا يباع الآخر معه كما إذا كان الإندار طريقا عرفيّا لكشف مقدار المظروف ففي هذا القسم لا بأس ببيعهما معا و ينحلّ البيع إلى بيعين بيع معدود و بيع موزون لعدم الغرر في كلّ منهما، الثانية ان يكون كلاهما من الموزون و لكن لا يصحّ بيع كلّ منهما منفردا لعدم معرفة وزنه بالخصوص و هذا أيضا على قسمين لأنّه إمّا أن لا يلزم من بيع المجموع معا غرر نوعي كما لو فرض أنهما مساويان في القيمة كأن يكون مقدار من الحنطة في نحاس فلا إشكال في صحّة بيعهما معا لعدم الغرر في البيع و لا يكون من بيع المجازفة أيضا للعلم بوزن مجموع المبيع و إن لم يصحّ بيع كلّ منهما منفرد العدم المعرفة بوزنه و إن لزم الغرر من ذلك لاختلافهما في القيمة فقد ادّعي الإجماع على الجواز في مورد الإندار (الأحمدي).
و أمّا في غير موارد الغرر فلا مانع منه، لكفاية العلم بوزن المجموع في خروج البيع عن كونه مجازفة. و لو كان أحد الموزونين يجوز بيعه منفردا مع معرفة وزن المجموع دون الآخر، فإن كان تابعا - كالشمع في بيع الفضّة المحشيّة به دون العكس - صحّ البيع، و إلاّ فلا.
و نقول: تارة يكون الظرف من غير الموزون - كالخزف و نحوه ممّا لم يتعارف في إنداره مقدار معيّن - و اخرى يكون الظرف من الموزون، كالنحاس.
أمّا على الأوّل، فلا إشكال في البطلان، لأنّه غرر، حيث لا يعلم المشتري أنّه اشترى أيّ مقدار من الدهن مثلا بالثمن، فهو من قبيل الصورة الاولى من الصور
المذكورة في المتن - أي بيع المظروف مع ظرفه بعشرة مثلا - المحتاج إلى التقسيط إذا ظهر الظرف مثلا مستحقّا للغير، فإنّه حينئذ لا بدّ من تقويم المجموع و تقويم كلّ من الظرف و المظروف ثمّ ملاحظة النسبة ليعيّن ثمن المظروف وحده. بخلاف الصورة الثانية - أعني بيع كلّ رطل بكذا - فإنّه لا يحتاج فيها إلى التقسيط، كما هو واضح.
و أمّا على الثاني، أي إذا فرضنا كون الظرف أيضا من الموزون كالصفر، فالظاهر أنّه لا يوجد فيه الغرر أصلا(1)، إذ ليس المراد بالغرر الجهل بقيمة المبيع في السوق،
فإنّه لا يوجب بطلان البيع، و إنّما يوجب الخيار بشرائط الغبن، و إنّ صحّ إطلاق الغرر لغة، بل المراد به الجهل بصفات الثمن أو المثمن ممّا هي دخيلة في زيادة ماليّته. و عليه ففي المقام إذا بيع الذهب مثلا كلّ مثقال بدينار، و الفضّة أو
1) إذا بيع المجموع الموزون على حساب كل مثقال بكذا التحقّق شرط البيع بواسطة صيرورة المجموع موزونا فلا يكون البيع من البيع الجزافي و لا يلزم الغرر أيضا لأنّه بيع كلّ منهما بقيمته المعيّنة كلّ مثقال بكذا و في مقام أداء الثمن يوزن كلّ منهما منفردا ليعلم مقدار الثمن، نعم لو بيع المجموع بمجموع الثمن المعيّن و كانا غير متساويين في القيمة لا يصحّ البيع للزوم الغرر و اختاره المصنّف و الذي يقتضيه النظر صحّة هذا البيع أيضا فإنّ المعتبر في صحّة بيع الموزونات تعيّن وزن مجموع المبيع لا وزن خصوص كلّ جزء من المجموع و الغرر المنفي هو الغرر الحاصل من الجهل بأصل المبيع أو أوصافه الدخيلة في الماليّة و هذا منتف فيما نحن فيه و إنّما المجهول القيمة السوقيّة للمجموع من جهة الجهل بوزن كلّ منهما منفردا و هذا غير مضرّ قطعا إذ يصحّ شراء شيء لا يعلم قيمته السوقيّة أصلا و عليه فلو وزن قطعة من الذهب و الفضّة و بيع المجموع بقيمة معيّنة يصحّ ذلك لوجود شرائط الصحّة فيه (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» المعروف بين الأصحاب استحباب التفقّه في مسائل الحلال و الحرام [1]
الرصاص كلّ مثقال بدرهم، فأيّ غرر يكون في ذلك؟ و لو لم يكن وزن كلّ منهما معلوما فعند التسليم و الوفاء يعيّن وزن كلّ منهما و يدفع الثمن بحسابه، و ليس هذا إلاّ أن يباع مجموع الصبرة كلّ رطل بكذا، و قد صحّحنا بيع ذلك فيما تقدّم، فالغرر غير موجود. و أمّا كونه من بيع المجازفة، يدفعه العلم بوزن المجموع، فإنّه يخرج البيع عن كونه جزافا، كما إذا بيع مقدار من الحنطة و الشعير بعشرة مع العلم بوزن المجموع و الجهل بوزن كلّ منهما منفردا في فرض تساوي قيمتيهما لئلاّ يلزم الغرر(1).
[1] ظاهر تعبيراتهم هو استحباب التفقّه في الأحكام الشرعيّة(2).
1) بقي الكلام في الصورة الثالثة و هو ما إذا كان بيع أحدهما المعلوم وزن مجموعها منفردا صحيحا دون الآخر كما إذا كان أحدهما من المعدود و كان عدده معلوما فيصحّ البيع فيه دون الآخر الموزون لعدم معرفة مقداره فيكون بيعه من الجزاف. ثمّ إنّه في مورد صحّة بيع المجموع لو ظهر أحدهما مستحقّا للغير فيقوّم كلّ منهما منفردا و يؤخذ من الثمن بحسابه و هذا جار في جميع صور الصحّة و في صورة بيع المجموع بثمن واحد يثبت خيار التبعّض للمشتري أيضا (الأحمدي).
2) لا إشكال في وجوب التفقّه بمعنى تعلّم الأحكام الشرعيّة في الجملة و القدر المتيقّن منها هو الشبهات البدويّة قبل الفحص و تدلّ على ذلك أخبار الاحتياط و الأخبار الدالّة على وجوب التعلّم و لا يخفى أنّه لا يكون تحصيل المقدار الواجب منه بهذا المعنى معارضا مع وجوب التكسّب لإمكان تحصيل العلم بالأحكام و لو تقليدا بحيث لا ينافي التكسّب. و أمّا التفقّه بمعنى الاجتهاد في تحصيل الأحكام الشرعيّة أو المقدار الممكن منه فلا إشكال في وجوبه الكفائي لآية النفر و غيرها في كلّ عصر و أمّا وجوبه العيني فقد يقال به أيضا من وجهين، أحدهما: كونه مقدّمة واقعيّة في بعض الموارد و بالنسبة إلى بعض الأشخاص أو مقدّمة علميّة أي لإحراز مطابقة العمل للواقع فعلا أو تركا بالنسبة إلى كثير من الموارد و كثير من الناس لإتيان الواجبات و ترك المحرّمات و عليه فيجب التعلّم من جهة الوجوب المقدّمي في الواجبات كما يجب في الواجبات و المحرّمات من جهة الوجوب الطريقي المستفاد من روايات وجوب الاحتياط فإنّ القدر المتيقّن من أخبار وجوب الاحتياط هو الشبهة قبل الفحص و الاحتياط لا يتحقّق إلاّ بالتعلّم و ثانيهما: من جهة الوجوب النفسي كما عليه المحقّق الأردبيلي لآية النفر و الروايات الواردة في وجوب التعلّم. و يرد عليهما على تقدير التسليم أنّ المقدار الواجب المستفاد من الدليلين غير ما هو محلّ الكلام و هو التحصيل الواصل إلى درجة الاجتهاد (الأحمدي).
لكن الصحيح أنّه تارة يتكلّم في تعلّم الأحكام الخارجة عن محلّ ابتلاء المتعلّم عادة حفظا لها من الاندراس. و هو واجب كفائي، و يدلّ على وجوبه قوله تعالى:
فَلَوْ لاٰ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ (1)و هذا التعلّم لا بدّ و أن يكون عن اجتهاد.
و اخرى يتكلّم في تعلّم المكلّف الأحكام التي يحتمل كونها موردا لابتلائه. و هذا واجب عقلا للعلم الإجمالي، فيستقلّ العقل باستحقاق التارك للتعلّم العقاب إذا استلزم وقوعه في مخالفة الواقع - و وقع الخلاف في أنّ العقاب حينئذ يكون على ترك التعلّم أو على مخالفة الواقع؟ ذهب المحقق الأردبيلي إلى الأوّل(2)، و المشهور إلى الثاني - و شرعا للروايات الواردة في التعلّم، و قد تعرّضنا لها في بحث الاصول(3). و وجوب التعلّم في المقام عينيّ، و لا يلزم أن يكون عن اجتهاد، بل
يكفي فيه التعلّم عن تقليد.
هذا كلّه في موارد الأحكام التكليفيّة.
و أمّا المعاملات، فإنّه مضافا إلى ما ذكرناه - من استحقاق العقاب إذا لزم من ترك التعلّم مخالفة الحكم التكليفي - لا يجوز فيها للجاهل أن يتصرّف في شيء ممّا انتقل عنه و ما انتقل إليه:
أمّا فيما انتقل إليه فشرعا و عقلا، أمّا شرعا: فلأصالة الفساد، أي عدم دخوله في ملكه و انتقاله إليه، فتأمّل. و أمّا عقلا: فلوجوب دفع الضرر المحتمل.
و أمّا فيما انتقل عنه فعقلا فقط، لوجوب دفع الضرر المحتمل عقلا. و لا يجري فيه استصحاب بقائه في ملكه و جواز تصرّفه فيه، لأنّ الشبهة حكميّة لا يجري فيها الأصل قبل الفحص، فلابدّ له من الاجتناب عن كليهما.
و أمّا إذا كان الحكم خارجا عن مورد ابتلاء المكلّف عادة و يطمئنّ بذلك - كالفقير الذي يعلم عادة بأنّه لا يبتلي بمسائل الزكاة و لا الحجّ - فتعلّم الأحكام عليه مستحبّ، لأدلّة الاحتياط و التحفّظ على الواقع المحتمل و لو احتمالا ضعيفا موهوما، كما يستحبّ على الرجل أن يتعلّم أحكام الحيض مثلا، لا من جهة الاندراس لوجود من به الكفاية، بل لأنّه يرشد غيره، فإنّه مستحبّ أيضا، إلى غير ذلك، فلابدّ في التعلّم من التفصيل كما ذكرنا.
ثمّ إنّه ربما يتوهّم وقوع التعارض بين أخبار التفقّه و أخبار التكسّب، و قد ورد في الخبر: (ملعون من ألقى كلّه على الناس)(1).
1) الوسائل 18/12، الباب 6 من أبواب مقدّمات التجارة، الحديث 10.
و قد جمع صاحب الحدائق بين الطائفتين(1): بأنّ أخبار التعلّم تكون مخصّصة لأخبار التكسّب، فطالب العلم ليس مأمورا بالتكسّب. و استشهد بما حكاه الشهيد قدّس سرّه(2)من الأخبار الواردة في التوكّل.
و فيه: منعه ثبوتا و إثباتا:
أمّا ثبوتا، فللقطع بعدم خروج طالب العلم عن عمومات التكسّب بحيث لا تعمّه و لو فرضنا أنّه متمكّن من التكسّب من دون أن يزاحم تحصيله للعلم، كما إذا فرضنا أنّه جيّد الخطّ جدّا فيتمكّن من كتابة سطر واحد في كلّ يوم ساعة أو أقلّ فيشترى منه بدينار مثلا، فيقال بعدم استحباب التكسّب على مثله و لا وجوبه عليه، فإنّه واضح الفساد.
و أمّا إثباتا، فلعدم التنافي بين الطائفتين رأسا، و أخبار التوكّل لا ينافي الأمر بالتكسّب، و لذا نرى الأئمّة عليهم السّلام مع شدّة توكّلهم لم يكونوا متكاسلين عن التكسّب، كما أنّه لا يظهر من الشهيد اختياره لهذا الجمع.
فالصحيح ما ذهب إليه المصنّف، من عدم المعارضة بين أخبار الحثّ على طلب العلم و أخبار الحثّ على التكسّب أصلا، فإذا فرضنا أنّ التكسّب كان واجبا على أحد لقوت نفسه أو عياله أو أداء دينه، و لم يكن التعلّم واجبا عليه بل كان مستحبّا، فلا مزاحمة بين الواجب و المستحبّ، بل يتعيّن عليه الكسب، و كذا العكس. و إذا فرضنا استحباب كلا الأمرين عليه، فليس من باب التزاحم المصطلح - أي
الموجب للضيق على المكلّف - بل هو من قبيل تزاحم المستحبّين، و للمكلّف ترك كلا الأمرين معا، و لكن الأولى له أن يأخذ بالأهمّ منهما، نظير دوران الأمر بين زيارة الأمير عليه السّلام و زيارة مسلم بن عقيل. و إذا فرضنا وجوب كلا الأمرين(1)، فإن كان أحدهما عينيّا و الآخر كفائيّا تعيّن العيني، و إلاّ فلابدّ من الرجوع إلى مرجّحات باب التزاحم فيتعيّن الأخذ بالأهمّ منهما. مثلا إذا فرضنا أنّ التكسّب واجب عليه لحفظ عياله و التعلّم أيضا واجب عليه، و لكن إذا لم يتعلّم يلزم اندراس الدين، تعيّن عليه التعلّم و إن لزم منه موت عياله. و إذا فرضنا أنّ ترك التعلّم أهون ضررا من ترك التكسّب انعكس الأمر. و هذا كلّه ظاهر.
ثمّ هل يجوز لمن اشتغل بتحصيل العلم مع تمكّنه من التكسّب أن يعيش من الوجوهات أم لا؟
أمّا من الصدقات المستحبّة فلا إشكال في جوازه.
و أمّا من سهم الإمام عليه السّلام، فالظاهر جوازه أيضا إذا كان ممّن يخدم الإمام عليه السّلام و يترتّب على تحصيله فعلا أو فيما بعد خدمة للدين و كان متديّنا؛ للعلم بالرضا.
و أمّا من الزكاة و الخمس، فالظاهر عدم الجواز، لأنّ المأخوذ فيهما عنوان الفقر، و لا يصدق إلاّ مع عدم الغنا فعلا و شأنا، فلو لم يكن غنيّا فعلا و لكن كان متمكّنا من الكسب و لم يفعل لاشتغاله بالتحصيل، لم ينطبق عليه عنوان الفقير، فهو نظير من كان متكّنا من التكسّب و لم يفعل و اشتغل بالصلوات المستحبّة و أراد العيش من
1) فالوجوب المتعلّق بالتفقّه المستفاد من الآيات و الروايات لا يكون معارضا مع الأدلّة الدالّة على وجوب التكسّب بل بينهما المزاحمة فإنّ من الواضح أنّ من كان قادرا على الجمع بينهما يجب عليه الجمع و هذا آية التزاحم (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لا خلاف في مرجوحيّة تلقّي الركبان [1]
الزكاة أو الخمس، إلاّ إذا كان طلب العلم واجبا عليه شرعا، فإنّه معجز له عن التكسّب فيكون فقيرا. نعم في فرض الاستحباب يجوز لغير الهاشمي أن يعيش من الزكاة من سهم سبيل اللّه لا الفقراء.
[1] الأقوال في(1)التلقّي ثلاثة: الحرمة(2)، و الكراهة، و الجواز من دون كراهة.
أمّا الحرمة، فمدركها هي الأخبار(3)الواردة في النهي عن تلقّي الركبان، و هي ضعيفة السند، فالاعتماد عليها إن كان لكونها أخبار ثقات لا وجه له، و إن كان من جهة العلم الإجمالي بصدور بعضها - كالتواتر الإجمالي - فإنّما يصحّ لمن اطمأنّ بصدور بعضها، و لم يحصل لنا ذلك(4)
و قد يتمسّك للاعتماد على الروايات الواردة في المقام بوجهين، الأوّل: أنّها و إن كانت ضعيفة في نفسها إلاّ أنّها من الروايات المشهورة بين الأصحاب و هي كافية لجبر سندها على ما في المقبولة و لا يعتبر أن تكون مشهورة عن نفس الإمام عليه السّلام و لذا لو فرضنا أنّ عشرين نفرا من الأصحاب نقلوا عن زرارة أنّ الصادق عليه السّلام قال كذا و نفران من الأصحاب نقلوا عنه أنّه سمع الصادق عليه السّلام خلاف ذلك فإنّه يعدّ الأوّل من المشهور و الثاني من الشاذ النادر و عليه فتكون روايات المقام حجّة من جهة كونها مشهورة من الراوي و هو المنهال، مضافا إلى كونها مرويّة في المجاميع الثلاثة المعتبرة الموجبة للاطمينان بصدورها عن المعصوم. الثاني: أنّ الراوي عن منهال هو ابن أبي عمير و ابن محبوب و الأوّل من أصحاب الإجماع بالاتّفاق و الثاني منهم عند بعض الأصحاب. لكن الجميع كما ترى فإنّ مجرد نقل خمسة من شخص لا يوجب كون الرواية مشهورة عنه مع أنّ الشهرة المنتهية إلى غير الثقة لا توجب الاطمينان بصدور الرواية عن المعصوم فضلا عن صيرورتها ممّا لا ريب فيه، و نقل الرواية في المجاميع المعتبرة لا يوجب جبر السند كما قرّر في علم الرجال، كما أنّ كون الراوي من أصحاب الإجماع لا يوجب عدم النظر في المروي عنه حسب ما حقّق في محلّه (الأحمدي).
، فالقول بالحرمة لا وجه له.1) لم يعلم وجه تعرّضه لهذه المسألة و ما بعدها في المقام بل كان المناسب ذكرها في آداب التجارة و قد تعرّض لبعضها و هو حرمة النجس في المكاسب المحرّمة (الأحمدي).
2) و قد نسب ذلك إلى الشيخ و العلاّمة في المنتهى و الشهيد في الدروس و نسب القول بالكراهة إلى المشهور (الأحمدي).
3) تبلغ عددها ثمانية، خمسة منها تنتهي إلى منهال القصّاب و هو مجهول الحال، نعم بناء على مسلك من يقول إنّ مسانيد ابن أبي عمير من المجاهيل بحكم الثقة في حجّية روايته تكون بعض تلك الروايات صحيحة و الرواية السادسة في سندها عمرو بن شمر و قد ضعّف و عروة بن عبد اللّه و هو مجهول الحال و الرواية السابعة و الثامنة رواهما الصدوق مرسلا (الأحمدي).
4) و قد نوقش في تلك الروايات من جهات اخر، منها أنّها محمولة على التقيّة من جهة أنّ العامّة قائلون بالحرمة و اشتمال بعض تلك الروايات على أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نهى عنه، لكنّه كما ترى لأنّ الحمل على التقيّة يختصّ بمورد التعارض و اشتمال بعضها على الحرمة للاستدلال بنهي النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يوجب حمله على التقيّة كما في غير المقام فضلا عن حمل غيره على التقيّة. و منها المناقشة في دلالتها من جهة أنّه ورد في رواية منهال (لا تلقّ و لا تشتر ما يتلقّى و لا تأكل) و ظاهر النهي عن الأكل و الشراء ممّا يتلقّى فساد المعاملة إذ لا وجه لحرمة الأكل إلاّ ذلك و حيث لم يقل أحد من الأصحاب غير الاسكافي بذلك فلابدّ و أن يحمل النهي عن الأكل على الكراهة و بقرينة وحدة السياق يحمل النهي عن التلقّي أيضا عليها و إذا حمل النهي عن التلقّي على الكراهة في هذه الرواية تكون هذه الرواية قرينة على إرادة الكراهة من النهي في سائر الروايات أيضا بل يحتمل اتّحاد روايات منهال الخمسة و الاختلاف في التعابير من جهة النقل بالمعنى، و اورد عليه بأنّ حرمة الأكل و الشراء تكليفا لا يستلزم أن يكون من جهة فساد المعاملة بل يمكن أن يكون من باب التأديب و التغريم ليرتدعوا من التلقّي، و دعوى أنّ حرمة الأكل و لو بعنوان التأديب أيضا خلاف الإجماع، فيه أنّ جماعة من الأساطين أفتوا بالحرمة و دعوى أن الحكم بالكراهة أيضا خلاف الإجماع فلا فرق بين الكراهة و الحرمة من هذه الجهة فإذا لم يمكن حملها على الكراهة أيضا فتسقط هذه الفقرة لإعراض الأصحاب عنها و تبقى باقي الفقرات على حالها، يمكن المناقشة في نفي الكراهة عند المشهور بأنّ عدم تعرّضهم لكراهة أكل المتلقّي لا يدلّ على التزامهم بعدم الكراهة لعدم التزامهم بعدّ المكروهات و يرد على حمل النهي على التأديب أنّ ظاهر الرواية حرمة الأكل لكلّ أحد لا خصوص المتلقّي حتّى يحمل على التأديب فتكون الرواية ظاهرة في الفساد، و العمدة في الجواب أنّ كون النهي في فقرة واحدة من الرواية - و هي لا تأكل - محمولة على الكراهة لقرينة خارجيّة لا يصلح أن يكون قرينة على إرادة الكراهة من سائر الفقرات أيضا بقرينة وحدة السياق حيث إنّ النواهي متعدّدة و مستقلّة، نعم لو كان ذلك مستفادا من قرينة داخليّة أو كان النهي واحدا كان للدعوى المذكورة مجال، مع أنّ الظاهر تعدّد الروايات المنقولة عن منهال لاختلاف مضامينها.
و أمّا الكراهة، فهي مبتنية على تماميّة أخبار التسامح و دلالتها على الحكم المولوي لا الإرشادي المحض و التعدّي عن المستحبّات إلى المكروهات أيضا، فإذا تمّ كلا الأمرين ثبتت الكراهة للأخبار الضعاف المذكورة.
و ما توهّمه بعض الأعلام: من عدم ثبوت الكراهة حتّى بعد تماميّة المقدّمتين؛ لأنّ الأخبار الواردة في المقام ظاهرة في الحرمة فإذا لم يمكن إثباتها بها لضعف سندها لا بدّ من إسقاطها لا حملها على الكراهة.
فيه: ما بيّناه في بحث التسامح، من أنّ الخبر الدالّ على الوجوب يدلّ على ترتّب الثواب على الفعل و ترتّب العقاب على الترك، فإذا كان ضعيفا لم يمكن إثبات العقاب به، و أمّا الثواب فيثبت بأخبار التسامح، و كذا الحال في الخبر الضعيف الظاهر في الحرمة.
فالقول بالكراهة مبنيّ على تماميّة المقدّمتين و إلاّ فيثبت الجواز.
و أمّا شروط التلقّي:
فأحدها: أن يكون الخروج إلى أربعة فراسخ، و الحدّ خارج، أي ما دون الأربعة. و أمّا الأربعة فما زاد فهو جلب و سفر ليس بحرام و لا مكروه، كما دلّ على
ذلك الأخبار(1).
ثانيها: أن يكون الخروج بعنوان التلقّي، فإذا خرج الإنسان لا بقصد تلقّي الركب بل لحاجة اخرى فصادف الركب و أراد أن يشتري منهم، لم يكن بذلك بأس؛ لعدم صدق عنوان التلقّي عليه(2). و لا ينافيه ما في بعض الأخبار، من قوله عليه السّلام:
(المسلمون يرزق اللّه بعضهم من بعض)(3)لأنّه حكمة و ليست بعلّة، مضافا إلى أنّه أيضا من المسلمين، و ليس هذا إلاّ نظير أن يكون حانوت أحد في ابتداء البلد و الركب تجيء إليه فيشتري منهم.
ثالثها: أن يكون التلقّي بقصد التجارة، فإذا خرج لتلقّي الركبان لا للتجارة بل لغرض آخر - كاستقبالهم لكونهم من أرحامه مثلا - فاشترى منهم شيئا، لم يكن به
1) لم أعثر عليه في روايات الوسائل نعم في حديث قال ابن أبي عمير بعد نقل الحديث: «و ما فوق ذلك فليس بتلقّ» و في مرسلة الفقيه: «فإذا جاز إلى أربعة فراسخ فهو جلب رزق» و في رواية المنهال: «قلت و ما حدّ التلقّي؟ قال دون الغدوة و الروحة قلت و كم الغدوة و الروحةّ قال عليه السّلام أربعة فراسخ» و منه يظهر أنّ أربعة فراسخ خارج عن التلقّي لأنّه حدّد التلقّي بأقلّ من روحة لكن في حديث آخر: «قلت له و ما حدّ التلقّي؟ قال روحة» و من الظاهر تنافي التحديد بروحة و دون روحة و عبارة المنتهى صريحة بأنّه لا خلاف بين علمائنا في أنّ حدّ التلقّي إلى أربعة فإن زاد على ذلك كان تجارة و جلبا و هو قدّس سرّه جعل الأربعة موردا لصدق التلقّي بالاتّفاق (الأحمدي).
2) إذ هو بمعنى الخروج للاستقبال و أخذ في مفهومه القصد إلى اللقاء و لذا لو وقع الحجر على رأسه من السقف مثلا لا يقال إنّه تلقّى و موضوع الحرمة هو تلقّي الركب و الشراء منه تلقيّا لا مجرّد الشراء من الركب (الأحمدي).
3) الوسائل 327/12، الباب 37 من أبواب آداب التجارة، الحديث الأوّل.
بأس، لعدم صدق تلقّي التجارة عليه عرفا.
و بالجملة المستفاد من الروايات ليس إلاّ عدم المبادرة إلى التجارة مع الركب بتلقّيهم خارج البلد لحكمة في ذلك، لا المنع عن معاملتهم خارج البلد و لو من غير مبادرة إليها.
ثمّ ورد المنع في بعض هذه الأخبار عن بيع حاضر لباد(1). و الظاهر منه أن يتولّى الحاضر بيع أموال الباد فمنع الشارع عن ذلك؛ فإنّ البادي إذا تولّى بيع تجارته بنفسه، قد يبيعها بأقلّ، و من يشتري منه أيضا يبيعه بأرخص، فيرخص السعر في البلد، بخلاف ما إذا تولاّها الحاضر.
ثمّ الظاهر ثبوت حكم التلقّي فيما إذا خرج الإنسان لأن يبيع من الركب شيئا، لأنّ المأخوذ في بعض الأخبار عنوان تلقّي التجارة(2)، و هو صادق فيما إذا خرج للبيع أو الشراء أو لإيجار الدار و المكان(3). كما أنّه لا يفرق في ذلك بين أن تكون المعاملة بعنوان البيع أو الشراء أو بعنوان الصلح و نحوه؛ فإنّ كلّها تجارة(4).
1) الوسائل 327/12، الباب 37 من أبواب آداب التجارة، الحديث الأوّل.
2) الوسائل 326/12، الباب 36 من أبواب آداب التجارة، الحديث 5.
3) و فيه أنّ الظاهر عدم صدق تلقّي التجارة عرفا على ما ذكر لأنّ الظاهر من تعلّق التلقّي بالتجارة عرفا هو التلقّي لأجل شراء مال التجارة منه و باقي الروايات ناظرة إلى صورة الشراء فقط و أمّا ما في عبارة المصنّف من أنّ الظاهر دلالة الروايات على عدم مرجوحيّة هذا النحو من التلقّي فلا يخفى ما فيه فإنّ تلك الرايات ليست لها دلالة على ذلك و عدم المرجوحيّة هو مقتضى الأصل و القاعدة (الأحمدي).
4) و ربما يقيّد حرمة التلقّي أو كراهته بجهل الركب بسعر البلد، و فيه أنّه خلاف إطلاق الأدلّة و دعوى استفادة المناط و هو توسعة الرزق المستلزم لجهل الركب من قوله عليه السّلام (لا تلقّ و لابيع حاضر لباد إنّ اللّه يرزق بعض عباده من بعض) مبنيّ على رجوع التعليل إلى الفقرتين و بقرينة سائر الروايات لا يبعد رجوع التعليل إلى الفقرة الأخيرة مع أنّه لو سلّم ذلك فاستلزامه لجهل الركب محلّ منع كما لا يخفى لا مكان ارتزاق بعض من بعض حتّى مع علم البادي بالسعر إذ قد يبيع بالأقل لأجل السهولة و نحوها من المتلقّي، و التمسّك أيضا بالنبوي (إذا دخل الركب السوق فله الخيار) لجهل البادي بالسعر، محلّ منع أيضا بل مقتضى الإطلاق الحكم بثبوت الخيار إذا دخل السوق و إن كان عالما بالسعر، و المناط فيه غير معلوم مضافا إلى ضعف السند و عدم الانجبار فإنّه يدلّ على الخيار مع الغبن و عدمه و لم يلتزموا به (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يحرم النجش على المشهور [1]
ثمّ إنّه ربما قيل بثبوت الخيار للركب إذا دخلوا السوق؛ تمسّكا بقوله صلّى اللّه عليه و آله: (فإذا أتى السوق فهو بالخيار)(1).
و نقول: إن كان مغبونا فلا إشكال في ثبوت خيار الغبن له و إلاّ فلا خيار له؛ لضعف النبوي المزبور سندا و دلالة؛ أمّا سندا فواضح، و أمّا دلالة فنفس التقييد بإتيانه السوق قرينة عرفيّة على تقيّد الخيار بفرض ظهور الغبن، و إلاّ لم يكن وجه للتقييد، فتأمّل.
[1] النجش(2)بالسكون أو الفتح، استدلّ على حرمته بروايتين:
1) السنن الكبرى 348/5، باب النهي عن تلقّي السلع.
2) و هو عبارة عن أن يزيد الغير في ثمن السلعة ليرغب من يريد الشراء للزيادة، و لا يعتبر فيه مواطاة الناجش و المنجوش له كما التزم به المصنّف لإطلاق الدليل لو تمّ بعد عدم أخذ المواطاة في مفهومه لغة كما يتمسّك بإطلاق الدليل لحرمة النجش سواء كان للإضرار بالمشتري أو غير ذلك (الأحمدي).
قوله قدّس سرّه: «مسألة» إذا دفع إنسان إلى غيره مالا ليصرفه في قبيل [1]
أحدهما: لعنه صلّى اللّه عليه و آله الناجش و المنجوش(1).
ثانيهما: النبوي المحكّي عن معاني الأخبار: (لا تناجشوا و لا تدابروا)(2).
و هما لضعف سندهما ساقطان عن الاعتبار.
و قد تقدّم تفصيل الكلام في ذلك و استدلال المصنّف لحرمته بالوجوه الاخر، من كونه غشّا و نحوه، و لعلّه قدّس سرّه نسى فأعاد الكلام ثانيا.
[1] قد يكون الدفع بعنوان ولاية المدفوع إليه على المال، كما في دفع الوجوه من الأخماس و الزكوات إلى الفقهاء المجتهدين لأنّهم أولياء الغائب أو الفقراء، فتنقطع علاقة المعطي عن المال بعد دفعه إليه و تبرء ذمّته عن الاشتغال بذلك المال بعد الدفع؛ و لذا ليس للدافع استرداد ما دفعه إليهم بعد الدفع، و هكذا الحال في الدفع إلى وكلاء المجتهدين. و في هذا الفرض ليس لرضا الدافع دخل في جواز تصرّفه في المال أصلا، بل له التصرّف فيه بما يراه صلاحا. و هذا ظاهر.
و قد يكون الدفع بعنوان التوكيل، فيوكّله الدافع في إيصال المال إلى مصاريفه، و لذا يجوز له عزله عن ذلك بعد الدفع إليه، فهل يجوز للمدفوع إليه في هذا الفرض أن يأخذ لنفسه شيئا من ذلك المال إذا كان من موارده أم لا يجوز له ذلك؟
قد تكون هناك قرينة على رضا الدافع بأخذه لنفسه فلا ريب في جوازه.
و قد تكون القرينة قائمة على عدم رضاه بذلك، كما إذا عيّن الدافع له مقدارا خاصّا و أمره بدفع الباقي إلى المساكين مثلا، فإنّه قرينة على عدم رضاه بالأخذ
لنفسه من الباقي، فلا يجوز له الأخذ. و حكم هاتين الصورتين واضح.
و أمّا إذا لم تكن في البين قرينة على أحد الأمرين، أو كانت هناك قرينة على جواز أخذه لنفسه إلاّ أنّ ما عيّنه من الحصص كان مختلفا، فعيّن للطلاّب عشرة دراهم و للمجتهدين مائة دينار، و كان المدفوع إليه في نظر الدافع و اعتقاده من الطلاّب، و هو يعتقد نفسه من المجتهدين، فهل يجوز له الأخذ بحسب ما يعتقد لنفسه من العنوان أو لا بدّ له من الاقتصار على ما يعتقده الدافع في حقّه(1)؟
الصحيح أنّ أمر الدافع بالدفع إن كان من قبيل القضايا الحقيقيّة - و عبّر عنها المصنّف بالموضوعيّة - أي إذا تعلّق الإذن بالدفع إلى كلّ من هو معنون بذاك العنوان جاز له الأخذ لنفسه. و إن كان ذلك من قبيل الداعي لم يجز(2).
1) الأقوال في أصل المسألة أربعة: قول بالجواز مطلقا و قول بعدمه كذلك و التفصيل بين ما إذا كانت الصيغة بلفظ ضعه فيهم أو ضع فيمن يحلّ له فيجوز أخذه لنفسه و بين ما إذا كانت بصيغة الدفع فلا يجوز لظهور الدفع في كون الدافع غير المدفوع إليه أو التفصيل بين علم المالك بكون الوكيل من مصاديق عنوان المصرف و عدمه فعلى الأوّل لا يجوز إذ عدم تصريحه بأخذ الوكيل لنفسه مع علمه بانطباق عنوان المصرف عليه قرينة على عدم رضاه و على الثاني يجوز لكن التفصيلان ليسا من التفصيل في محلّ الكلام حقيقة كما يأتي بل مرجعهما إلى تعيين مصاديق القسمين السابقين (الأحمدي).
2) لأنّ الصور الذهنيّة إنّما تصير داعيا لتعيين مقدار حقّه بحسب المصداق المرتكز في ذهن الدافع و من دون إناطة الواقع و دخله في ذلك و المفروض أنّ المال ماله و تعيين المصداق بيده و قد فرّع الشيخ و غيره فروعا كثيرة على كون الشيء مأخوذا بنحو الموضوعيّة أو الداعويّة كالاقتداء في الجماعة بالإمام الحاضر على أنّه زيد و غير ذلك، و الحقّ كما أفاده المحقّق النائيني في تلك المقامات - أي ما كانت من قبيل الأفعال كالاقتداء - عدم دوران الأمر فيه مدار الموضوعيّة أو الداعويّة بل لا بدّ من التفصيل بين الأفعال فإن كان الفعل من الأفعال الخارجيّة كالاقتداء فيكون لا محالة متعلّقا بالأمر الخارجي و يكون تخلّف العنوان فيه من قبيل تخلّف الداعي لأنّ الاقتداء بالإمام الحاضر لا يتخلّف عن كونه كذلك إذا كان الاقتداء به بعنوان أنّه زيد فبان أنّه عمرو كما أنّ أكل خبز زيد لا يتخلّف عن كونه كذلك إذا كان أكله باعتقاد أنّه خبر عمزو و إن كان من الأفعال الاقلبيّة كالرضا و نحوه فلا محالة يتعلّق بالعناوين لا بالامور الخارجيّة فالرضا بدخول الدار متعلّق بمن كان صديقا في الواقع و التخلّف في تطبيقها على العدوّ بنظر المالك يكون من التخلّف في تطبيق الموضوع و عليه فلا يبقى مورد للشك (الأحمدي).
و أمّا إذا لم يكن للّفظ ظهور في أحد الأمرين، فمقتضى الأصل و الإطلاقات عدم جواز أخذه لنفسه من ذلك المال(1).
و يؤيّده ظهور اللفظ في مغايرة المأمور للمدفوع إليه، و لذا قالوا بفساد النكاح في من وكّلته امرأة أن يزوّجها من شخص فزوّجها من نفسه، و بفساد البيع فيما إذا وكّله في شراء دار فباعه دار نفسه.
هذا(2)، مضافا إلى مصحّحة ابن الحجّاج الناهية عن الأخذ حتّى يأذن له صاحبه(3). و هي و إن نقلت مضمرة أيضا، إلاّ أنّه لا ينافي صحّتها، لأنّ الإضمار إنّما حدث من التقطيع، كما بيّنا ذلك في بعض روايات الاستصحاب التي نقلت مضمرة و نقلها بحر العلوم مسندة.
1) و كذلك الحال في المال المدفوع بعنوان الزكاة و نحوها ممّا يكون أمر تعيين المصرف بيد المزكّي و نحوه تجري فيه أصالة عدم الرضا (الأحمدي).
2) هذا مقتضى القاعدة و لكن في المقام روايات بعضها دالّة على المنع كمصحّحة ابن الحجّاج و بعضها دالّة على الجواز و هي متعدّدة كرواية سعد بن يسار و ابن هاشم و صحيحة ابن الحجّاج أيضا (الأحمدي).
3) الوسائل 206/12، الباب 84 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.
و نقل المصنّف في هذا الفرض تفصيلين:
أحدهما: التفصيل بين ما إذا قال المعطي: «ضعه في محلّه و ما يقرب من معناه» فيجوز له الأخذ، و ما إذا قال: «ادفعه أو أعطه» فليس له الأخذ.
ثانيهما: التفصيل في الفرض الثاني بين ما إذا علم المعطي بفقر المعطى له فلا يجوز له الأخذ لنفسه، و بين ما إذا لم يعلم ذلك فيجوز؛ لأنّه في فرض العلم لو كان راضيا بأخذه لصرّح بذلك، فإذا لم يصرّح به يعلم عدم رضاه.
و نقول: الظاهر أنّ شيئا من التفصيلين لا ربط له بالمقام، فإنّ البحث في كلّ منهما صغرويّ، بمعنى تشخيص ظهور اللفظ في الرضا و عدمه، و قد فرضنا فعلا أنّ الصيغة مجملة، فالتفصيل لا وجه له.
و أمّا المجوّزون، فقد استندوا في ذلك بروايات ثلاثة، أحدها صحيحة ابن الحجّاج أيضا(1).
و ذكر المصنّف قدّس سرّه أنّ حمل الطائفتين من الأخبار على التعبّد بجواز الأخذ أو بعدم جوازه حتّى فيما إذا استكشف رضاه من اللفظ أو عدم رضاه، بعيد جدّا، بل لا معنى لأن يكون هذا مورد السؤال و الجواب، فلابدّ من حمل الصحيحة المانعة على ما إذا لم يعلم الآمر بفقر المأمور و كان أمره بالدفع إلى الفقراء بعنوان الداعي، و حمل أخبار الجواز على خلافه(2)، فيرتفع به التعارض بينهما. و على تقدير المعارضة إن
1) الوسائل 200/6، الباب 40 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3.
2) و هو ما إذا لم يكن عنوان السكنة و نحوها داعيا للدفع بل اخذ بعنوان الموضوعيّة و يرد عليه أوّلا أن هذا الجمع جمع تبرّعي لا شاهد عليه و ثانيا أنّه لا معنى للداعويّة و الموضوعيّة في أمثال المقام إذ لو كان متعلّق الحكم هو الشخص و الجزئي الموجود في الخارج فلا مجال فيه لموضوعيّة العنوان بل يكون من القضيّة الخارجيّة و إن كان المتعلّق كلّيا فلا محالة يكون العنوان بنحو الموضوعيّة و من القضايا الحقيقيّة إلاّ أن يكون مراده من الداعي و الموضوعيّة القضيّة الخارجيّة و الحقيقيّة فيرد عليه الإيراد الأوّل فقط (الأحمدي).
كان للصيغة ظهور في رضا المالك بأخذ الدافع لنفسه أو في عدم رضاه اخذ به لعدم صارف شرعي عن ذاك الظهور العرفي لمكان التعارض، و إن لم يكن للصيغة ظهور أصلا فبعد تساقط الأخبار المتعارضة يرجع إلى العمومات المانعة عن التصرّف في مال الغير بدون رضاه.
و نقول: ما صنعه المصنّف من حمل الأخبار المجوّزة على صورة ظهور لفظ المعطي في رضائه بأخذ الدافع لنفسه، و حمل الصحيحة المانعة على ما إذا لم يكن كذلك - بأن كان ظاهرا في عدم الرضا أو كان مجملا - غير صحيح(1)، إذ لا وجه في الصورتين للسؤال عن جواز الأخذ و لا لجواب الإمام عليه السّلام؛ فإنّ الجواز في فرض ثبوت رضا المالك واضح، كما أنّ المنع في فرض عدم رضاه به واضح. فلابدّ و أن يكون مورد كلتا الطائفتين ما إذا لم يكن للفظ المعطي ظهور في شيء من الأمرين، و إنّما أمره بالدفع و لم يعلم من اللفظ كونه من قبيل القضيّة الحقيقيّة أو من قبيل الداعي، فالمعارضة باقية.
و قد جمع بينهما: بحمل المنع على الكراهة و إن كان ظاهرا في الحرمة؛ لصراحة أدلّة الجواز في الجواز، فيحمل الظاهر على النصّ.
1) إذ فيه مضافا إلى أنّه جمع تبرّعي لا شاهد له ينافيه ما في الرواية المجوّزة من أنّه لا تؤخذ الزيادة من الباقين إذ هذا الجمع يكون جواز أخذ المقدار الزائد و عدمه - كأصل الأخذ - تابعا لرضا المالك و عدمها (الأحمدي).
و فيه: أنّ الغاية المذكورة في الصحيحة المانعة، و هي قوله عليه السّلام: (حتّى يأذن له صاحبه) تأبى الحمل على الكراهة، فإنّها إشارة إلى ما ثبت من حرمة التصرّف في مال الغير بدون إذنه.
و ربّما يجمع بينهما: بحمل المانعة على ما إذا تعلّق غرض المعطي بالأفراد و كان العنوان من قبيل الداعي، و حمل المجوّزة على خلاف ذلك.
و فيه: أنّ تنكير الرجل في الصحيحة المانعة و جعل المدفوع إليه فيها المحاويج و المساكين، يأبى هذا الحمل.
فالصحيح أن نحمل الصحيحة على ما إذا كان المال المدفوع ملكا شخصيّا للمعطي فأمر الدافع بإعطائه لعنوان كان هو داخلا فيه، و الأخبار المجوّزة على ما إذا كان المال من الزكوات و الأخماس ملكا للفقراء أو السادة فأمره بدفعه إلى مواضعه و هو منها، فتأمّل.
و الشاهد على هذا: أمّا في الصحيحة المانعة فهو قوله عليه السّلام فيها: (حتّى يأذن له صاحبه) و ظاهره مالكه. و أمّا في الأخبار المجوّزة، ففي رواية سعد بن يسار صرّح بعنوان إعطاء الزكاة(1)، و في خبر ابن هاشم قال: (في رجل أعطى مالا لصرفه في من يحلّ له)(2)و هو قرينة على أنّ المال المدفوع من الصدقات الواجبة التي تحلّ على بعض و لا تحلّ على بعض، و في الصحيحة قال: (يعطي الرجل الدراهم يقسّمها و يضعها في مواضعها و هو ممّن تحلّ له الصدقة) فقوله (يضعها في
قوله قدّس سرّه: «مسألة» احتكار الطعام [1]
مواضعها) كقوله (هو ممّن تحلّ له) قرينة على أنّ المال من الصدقات الواجبة التي لها مواضع خاصّة، فأذن الإمام عليه السّلام ولاية بأخذ الدافع لنفسه مثل ما يعطي غيره لا أكثر لئلاّ يلزم منه محذور أحيانا(1)، فيرتفع التعارض من البين.
[1] الكلام فيها يقع في مقامين، الأوّل: في حكمه، و الثاني: في مورده.
أمّا حكمه، فالمعروف حرمة الاحتكار(2)إذا لم يكن هناك باذل، فإلزام الحاكم
1) و تقييد جواز الأخذ لنفسه بأن لا يكون أزيد ممّا يعطيه لغيره أيضا مؤيّد لكون المورد من الحقوق لا ملك الدافع إذ لو كان ملكا شخصيّا يدور جواز أخذ الأزيد و عدمه مدار رضا الدافع و هو صاحب المال و عدم رضاه و على تقدير عدم تماميّة الجمع المزبور فالمتعيّن حمل الرواية المانعة بلسان لا يأخذ على الكراهة لصريح الجواز المستفاد من قوله «لا بأس» في الرواية المجوّزة (الأحمدي).
2) و هو كما عن المصباح جمع الطعام و حبسه و محلّ الكلام فيه إنّما هو في صورة احتياج الناس إليه و كونهم في شدّة من أجله و في هذه الصورة المعروف هو الحرمة و قد قيل فيه بالجواز مع الكراهة إذ التتبّع في الكلمات يوجب الاطمينان بأنّ كلامهم ليس في مطلق الاحتكار و عليه فالاحتكار إمّا أن يكون مع وجود الباذل أو لا فمع وجود الباذل الظاهر أنّه لا حرمة و لا كراهة لعدم الدليل على الكراهة حينئذ على ما يأتي و عدم القائل بها معه أيضا فما يظهر من المصنّف من أنّ كراهة الاحتكار مع وجود الباذل أيضا مسلّمة غير تام كما أنّ ما أفاده من التفصيل بين الحرمة و الكراهة و كذا نقل الأقوال في مطلق الاحتكار غير سديد، نعم رواية السكوني و إن كان ظاهرها كراهة الاحتكار حتّى في الخصب و كذلك إطلاق النبوي و وصيّة العلوي إلى الأشتر تدلّ على كراهة الاحتكار مطلقا و مفهوم الاحتكار أيضا هو حصر الطعام مطلقا الشامل لحال الخصب أيضا لكن يظهر أوّلا من إطلاق عدم البأس في صحيحة الخيّاط عدم الكراهية أيضا إلاّ أن يقال إنّ السؤال حيث كان عن الجواز فلا يكون لعدم البأس إطلاق حتّى من جهة الكراهة بل يكون ناظرا إلى الجواز في فرض الخصب و ثانيا بعض الروايات الدالّة على عدم البأس بالحبس في صورة عدم الحاجة بكلمة «إنّما» الدالّة على الحصر يكون مقيّدا لتلك الإطلاقات على تقدير تماميّتها من حيث السند كما يكون حاكما على مفهومه اللغوي و مضيّقا له بصورة الحاجة (الأحمدي).
المحتكر على ترك الاحتكار إنّما هو لحرمته لا لأمر آخر. و ذهب بعض إلى كراهته.
و ظاهر الروايات هي الحرمة، كصحيحة سالم الحنّاط، حيث سأل الإمام عليه السّلام عن جواز الاحتكار؟ فقال عليه السّلام: (يبيعه أحد غيرك؟ قال: قلت: ما أبيع أنا من ألف جزء جزءا، فقال عليه السّلام لا بأس)(1)فيستفاد منه ثبوت البأس إذا لم يكن من يبيع غيره(2).
و كذا ما حكاه الإمام عليه السّلام في هذه الصحيحة من قصّة حكيم بن حزام، فإن التحذير بقوله صلّى اللّه عليه و آله (إيّاك) ظاهر في الحرمة مع الانحصار، فتأمّل. و كذلك كتاب أمير المؤمنين عليه السّلام إلى مالك الأشر(3)الآمرة بالتنكيل على من خالف حكمه بترك الاحتكار و عقابه، إذ لو لم يكن الاحتكار حراما لم يكن موقع للمعاقبة.
و أمّا قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي: (فإنّه يكره أن يحتكر)(4)فلا ينافي الحرمة المستفادة من الروايات المتقدّمة، إذ الكراهة إذا استعملت في الأخبار لا يراد بها الكراهة المصطلحة، و إنّما يراد بها الكراهة بالمعنى اللغوي أي المبغوضيّة، فغاية ما
1) الوسائل 316/12، الباب 28 من أبواب آداب التجارة، الحديث 3.
2) و ظاهر البأس في غير المركّبات من الأفعال هو الحرمة و عدم الجواز كما في قول المولى لعبده «لا بأس أن تمشي إلى السوق عند الحاجة» كما أن ظاهره في المركّبات هي المانعيّة الوضعيّة مثل قوله عليه السّلام «لا بأس بترك السورة عند الخوف» الدالّة على أنّ ترك السورة مضرّ بصحّة الصلاة عند عدم الخوف (الأحمدي).
3) نهج البلاغة، الكتاب 53 و الوسائل 315/12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 13.
4) الوسائل 313/12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 2.
هناك عدم كونها ظاهرة في الحرمة، و أمّا كونها منافية معها فلا.
ثمّ إنّ المصنّف أيّد حرمة الاحتكار برواية أبي مريم الأنصاري(1): (أيّما رجل اشترى طعاما فحبسه أربعين صباحا يريد به الغلاء للمسلمين ثمّ باعه و تصدّق بثمنه لم يكن كفّارة لما صنع)(2)و ذكر قدّس سرّه ما حاصله صحّة سندها، لأنّها مرويّة من كتب بعض بني الفضّال و قد قال العسكري عليه السّلام فيهم: (خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا)(3)و هذا الحديث أولى بالدلالة على عدم وجوب الفحص عمّا قبل هؤلاء من الإجماع الذي ادّعاه الكشّي(4)على تصحيح ما يصحّ عن جماعة(5).
و نقول: هذه الرواية ضعيفة سندا و دلالة:
أمّا دلالة، فلأنّ أربعين يوما ليست لها خصوصيّة(6)، فإن كان هناك موجب للمنع فأربعة أيّام كأربعين يوما، و إن لم يكن موجب للمنع فالسنة كأربعين يوما، فالظاهر أنّه حكم أخلاقي، و العقاب إنّما هو على خبث سريرة هذا الشخص الذي يريد بفعله غلاء الطعام في بلد المسلمين، فلا يستفاد منه التحريم.
1) ذكر الاستاذ أنّ هذه الرواية ضعيفة السند و لعلّه لمجهوليّة بعض رواتها و هو علي بن محمّد الزبير عنده كما كان بناؤه على ذلك سابقا و إلاّ فباقي السند كلّهم ثقات (الأحمدي).
2) الوسائل 313/12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 6.
3) الوسائل 103/18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.
4) انظر اختيار معرفة الرجال 673/2، الرقم 705 و الصفحة 830، الرقم 1050.
5) و ذكر نحو هذا الكلام في مواضع اخر منها في رواية داود بن فرقد في باب أوقات الصلاة (الأحمدي).
6) هذه المناقشة من قبيل الاجتهاد في مقابل النصّ و الظاهر تماميّة الرواية من حيث الدلالة (الأحمدي).
و أمّا سندا، فلما بيّنا في محلّه من أنّ الحديث الوارد في بني فضّال إنّما هو وارد في أنّ فساد عقيدتهم لا يوجب سقوط روايتهم(1)، لا أنّ روايتهم بأجمعها صحيحة. و بعبارة اخرى: لا نحتمل أن يكون بني فضّال بعد فساد مذهبهم أعلى مرتبة و مقاما من أنفسهم قبل ذلك، و لا مثل زرارة و أضرابه، حيث إنّهم قبل فساد عقيدتهم كانوا ثقاتا و مع ذلك إذا رووا عن مجهول الحال لم يكن لنا بدّ من الفحص عنه، كما أنّ زرارة إذا أخبر عن شخص كان علينا أن نفحص عن حاله، و أمّا أنّ بني فضّال بعد ما خالفوا الحقّ صاروا من أجل ذلك بحيث لا يلزم الفحص عن الواسطة إذا أخبروا عن طريقها عن الإمام شيئا، فهذا واضح الفساد(2). و أمّا إجماع الكشّي فهو أيضا غير تامّ، على ما بيّناه في محلّه.
ثمّ بعد ما بنينا على حرمة الاحتكار، يقع الكلام في مورده(3)، و الظاهر اختصاص ذلك بالطعام، أي ما يكون قوتا للناس، و هو يختلف باختلاف البلدان،
1) و مفاد الرواية أنّ الإمام عليه السّلام بصدد بيان عدم تحقّق مانع من قبول رواية بني فضّال من جهة فساد عقيدتهم لا أنّ فساد عقيدتهم أوجب وجود المقتضي لأخذ ما لا يصحّ أخذه منهم قبل فساد عقيدتهم أو أنّهم متميّزون عن سائر الثقات (الأحمدي).
2) و أمّا قياس المورد بما عن الكشّي من إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عن جماعة فلا ينظر إلى المرويّ عنه ففي غير محلّه لأنّ معنى العبارة المزبورة على ما فهمه جماعة أنّ أصحاب الإجماع لا يروونإلاّ رواية يثقون بصدورها عن المعصوم أو لا يروون إلاّ عن الثقة و لأجل ذلك لا ينظرون إلى المرويّ عنه و قد بيّنا في محلّه أنّ استفادة المعنى المزبور من عبارة الكشّي غير تام فالأمر في المقيس عليه أيضا لا يخلو عن المناقشة (الأحمدي).
3) حيث إنّ الاحتكار لغة عبارة عن الحبس فليس مقيّدا بمورد خاص بل يشمل جميع ما يحتاج إليه الناس غير أنّه وردت روايات بلسان الحكومة حدّده بموارد خاصّة كقوله عليه السّلام: ليس الحركة إلاّ في ستّة الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الزيت و السمن (الأحمدي).
ففي بعضها يكون طعامهم الأرز فيحرم احتكاره فيه، و في بعضها ليس الشعير من الطعام - كالهند - فلا يحرم احتكاره فيه، و في بعضها التمر طعام - كالبلاد الحارّة - فيحرم احتكاره فيها، و في بعضها الزبيب كذلك.
و يلحق بالطعام ما هو مقوّم للطعام كالزيت، و لا يبعد أن يكون ذكره في بعض الأخبار لهذه الجهة، فإنّ الحنطة أو الشعير - مثلا - لا يؤكل وحده، بل يؤكل مع الزيت أو السمن مثلا. و الظاهر أنّ هذا هو الوجه في إلحاق الملح بالطعام، فإنّه مقوّم لطعاميّته. كما أنّ مقدّمات طعاميّته أيضا ملحق به، كالفحم و النفط و نحوهما، فإنّ الطعام لا يؤكل نيّئا، فيحرم الاحتكار في جميع ذلك، لصدق عنوان الطعام و لو بتنقيح المناط عليها، فالمراد بالطعام ما يعمّه و مقارناته و مقدّماته.
و أمّا ما ورد من الأخبار في مورد الاحتكار، فهي على ثلاثة أقسام: بعضها حصرت الحكرة في أربعة: الحنطة و الشعير و الزبيب و التمر(1)، و في بعضها زيد عليها الزيت(2)، و في بعضها زيد عليها السمن(3)، فصارت ستّة، إلاّ أنّ جميعها ضعيفة السند(4)
قوله قدّس سرّه: في الملح و لعلّه لفحوى... فيه أنّ الحاجة ليست علّة للحكم حتّى تكون معمّمة بل حكمة له مع أنّه لو كانت علّة فلابدّ من التعدّي إلى جميع الحاجيّات كالارز و العدس و غيرهما من دون خصوصيّة للملح أيضا على أنّ الحصر المستفاد من موثّقة غياث: «ليس الحكرة إلاّ في...» ينفي الحكرة في الملح (الأحمدي).
لا يمكن أن يرفع بها اليد عن إطلاق حرمة احتكار الطعام1) الوسائل 313/12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 4.
2) نفس المصدر، ذيل الحديث.
3) نفس المصدر، الحديث 10.
4) بل رواية غياث بن ابراهيم على نقل الفقيه موثّقة و هي مشتملة على خمسة: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن، و لا يبعد شمول السمن إذا لم يذكر معه الزيت للزيت أيضا و رواية السكوني أيضا معتبرة على ما اختاره السيّد الاستاذ أخيرا.
و حصرها بالامور المذكورة.
ثمّ في رواية السكوني ورد: (إنّ الحكرة في الخصب أربعون يوما، و في الغلاء و الشدّة ثلاثة أيّام)(1)إلاّ أنّها ضعيفة السند(2)، و قد عرفت عدم استقامة التحديد(3). و قد حملها الشهيد على بيان مورد الحاجة في الصورتين(4)، و نعم ما صنع.
ثمّ قد يتوهّم من قضيّة حكيم بن حزام و حصر الحكرة في صحيحة الحلبي بشراء الطعام، اختصاص حرمة الاحتكار بما إذا كان بالشراء دون غيره.
و هو فاسد لأنّ رواية حكيم غير مشتملة على الحصر، و إنّما موردها الشراء، فلا دلالة فيها على الحصر. و أمّا الصحيحة فالحصر فيها إنّما هو بلحاظ القيد المذكور فيها، و هو أن يكون في المصر طعام غيره، و الشاهد على ذلك قوله عليه السّلام في ذيل الصحيحة: (فإن كان في المصر طعام غيره فلا بأس) فإنّه مفهوم الحصر قد صرّح به.
و يدلّ على عدم الاختصاص بالشراء التعليل في بعض الأخبار(5)بترك الناس
و ليس لهم طعام، فلا يفرق في الاحتكار بين أن يكون بالشراء(1)أو الزرع أو الإرث أو غير ذلك.
ثمّ إنّ الاحتكار في نفسه إمّا أن يتّصف بالحرمة أو الكراهة و هو في مورد الحاجة و الشدّة، و إمّا أن يتّصف بالجواز و هو في مورد الرخاء، و أمّا غيرهما من الأحكام فلا يتّصف بها الحركة في نفسها بعنوانها الأوّلي، و إنّما يتّصف بها بعناوين ثانويّة، كالوجوب فيما إذا توقّف حفظ أنفس الناس في وقت الحاجة على أن يحتكر لهم الطعام فعلا مثلا، أو الاستحباب فيما إذا احتكر الطعام لإراحة الزوّار بعد ذلك، و هكذا.
ثمّ إنّ المحتكر يجبره الحاكم على الترك، لأنّه محرّم لا بدّ من الردع عنه، و قد دلّت عليه الأخبار. و لكن لا يسعّر عليه للدليل على عدمه، و في النبوي حين سئل عن التسعير؟ قال صلّى اللّه عليه و آله: (إن الغلاء و رخص السعر بيد اللّه سبحانه)(2)نعم إذا سعّره بسعر غير مناسب - كما إذا قوّم ما يسوي درهما بدينار مثلا - يجبر على تنزيل التسعير؛ لأنّه احتكار حقيقة، إذ لا نعني بالاحتكار إلاّ منع الناس من الشراء بأيّ نحو كان و لو بتسعيره بسعر غير مناسب.
هذا تمام الكلام في البيع.
1 - القرآن الكريم.
2 - الاحتجاج، لأبي منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي، ط/دار النعمان في النجف الأشرف.
3 - اختيار معرفة الرجال، المعروف ب «رجال الكشّي» تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسي، من منشورات مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث.
4 - الانتصار، للسيّد الشريف المرتضى، علم الهدى أبي القاسم عليّ بن الحسين الموسوي، ط/دار الأضواء.
5 - إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد، للشيخ أبي طالب محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي، الملقّب ب «فخر المحقّقين» ط/مؤسّسة مطبوعات إسماعيليان.
6 - بحار الأنوار، للعلاّمة المولى محمّد باقر بن المولى محمّد تقي المجلسي، ط/المكتبة الإسلاميّة بطهران.
7 - تحرير الأحكام، للعلاّمة الحلّي، جمال الدين الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهّر، الطبعة الحجريّة.
8 - تحف العقول عن آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله، لأبي محمّد الحسن بن عليّ بن الحسين بن شعبة الحرّاني، ط/المطبعة الحيدريّة في النجف.
9 - تذكرة الفقهاء، للعلاّمة الحلّي، الطبعة الحجريّة.
10 - التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، للفقيه جمال الدين مقداد بن عبد اللّه السيوري، من منشورات مكتبة آية اللّه المرعشي بقم.
11 - تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، للشيخ الطوسي، ط/دار الكتب الإسلاميّة بطهران.
12 - جامع الشتات، للمحقّق القمّي، الميرزا أبي القاسم بن الحسن الجيلاني، ط/مؤسّسة كيهان.
13 - جامع المقاصد في شرح القواعد، للشيخ علي بن الحسين الكركي، المعروف ب «المحقّق الثاني» ط/مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث.
14 - جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، للشيخ محمّد حسن النجفي، ط/دار الكتب الإسلاميّة بطهران.
15 - حاشية كتاب المكاسب، للشيخ محمّد حسين الأصفهاني المعروف ب «الكمپاني» من منشورات پايه دانش.
16 - الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، للشيخ يوسف البحراني، ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
17 - الدروس الشرعيّة في فقه الإماميّة، للشهيد الأوّل، أبي عبد اللّه محمّد بن مكّي العاملي، ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
18 - الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، للشهيد الثاني، زين الدين بن عليّ الجبعيّ العاملي، ط/مجمع الفكر الإسلامي بقم.
19 - السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، للفقيه أبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي، ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
20 - السنن الكبرى، تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ط/دار المعرفة - بيروت.
21 - شرح القواعد، للشيخ جعفر بن خضر بن يحيى، المعروف ب «كاشف الغطاء»، من مخطوطات مكتبة آية اللّه المرعشي بقم، تحت الرقم 4996.
22 - صحاح اللغة، لإسماعيل بن حمّاد الجوهري.
23 - عوائد الأيّام في بيان قواعد الأحكام، للمولى أحمد النراقي، من منشورات مكتبة بصيرتي بقم.
24 - عوالي اللآلي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة، لابن أبي جمهور الأحسائي، الشيخ محمّد بن علي بن إبراهيم، ط/مطبعة سيّد الشهداء بقم.
25 - عيون أخبار الرضا عليه السّلام، للشيخ الصدوق، أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي، ط/انتشارات جهان، طهران.
26 - غاية المراد، للشهيد الأوّل، ط/مركز الأبحاث و الدراسات الإسلاميّة.
27 - غنية النزوع، للسيّد أبي المكارم بن زهرة، من منشورات مؤسّسة الإمام الصادق عليه السّلام.
28 - فرائد الاصول، للشيخ مرتضى الأنصاري، ط/مجمع الفكر الإسلامي بقم.
29 - الفقه على المذاهب الأربعة، لعبد الرحمن الجزيري، ط/دار إحياء التراث العربي.
30 - الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السّلام، ط/مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث بقم.
31 - القاموس المحيط، لمجد الدين محمّد بن يعقوب الفيروز آبادي.
32 - قواعد الأحكام في معرفة الحلال و الحرام، للعلاّمة الحلّي، الطبعة الحجريّة.
33 - القواعد و الفوائد، للشهيد الأوّل، ط/مكتبة المفيد بقم.
34 - الكافي، لثقة الإسلام الكليني، أبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق، ط/دار الكتب الإسلاميّة.
35 - كنز العمّال، لعلاء الدين علي المتّقي الهندي، ط/مؤسّسة الرسالة.
36 - اللمعة الدمشقيّة، للشهيد الأوّل، ط/منشورات دار الفكر بقم.
37 - المبسوط في فقه الإماميّة، للشيخ الطوسي، ط/المكتبة المرتضويّة لإحياء الآثار الجعفريّة.
38 - مجمع الفائدة و البرهان في شرح إرشاد الأذهان، للمولى أحمد بن محمّد، المعروف ب «المقدّس الأردبيلي» ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
39 - محاضرات في الفقه الجعفري، تقريرات السيد الخوئي، تأليف السيّد علي الحسيني الشاهرودي، ط/مطبعة الآداب في النجف الأشرف.
40 - مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، للعلاّمة الحلّي، ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
41 - مرآة العقول، للعلاّمة المجلسي محمّد باقر، ط/دار الكتب الإسلاميّة.
42 - مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام، للشهيد الثاني، ط مؤسّسة المعارف الإسلاميّة بقم.
43 - مستدرك الوسائل، للميرزا حسين النوري الطبرسي، ط/مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث بقم.
44 - معجم رجال الحديث، للسيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي، من منشورات مدينة العلم بقم.
45 - مفاتيح الشرائع، للمولى محمّد محسن، المعروف ب «الفيض الكاشاني» ط/مجمع الذخائر الإسلاميّة بقم.
46 - مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة، للسيّد محمّد جواد الحسيني العاملي، الطبعة الحجريّة.
47 - مقابس الأنوار، للشيخ أسد اللّه التستري، الطبعة الحجريّة.
48 - المقنعة، لأبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي، الملقّب ب «الشيخ المفيد» ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
49 - منتهى المقال، تأليف أبو علي الحائري، الشيخ محمّد بن إسماعيل المازندراني، ط/مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث.
50 - من لا يحضره الفقيه، للشيخ الصدوق، ط/دار الكتب الإسلاميّة.
51 - منية الطالب في شرح المكاسب، تقريرات المحقّق النائيني، تأليف الشيخ موسى بن محمّد النجفي الخوانساري، ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
52 - منية المريد في آداب المفيد و المستفيد، للشهيد الثاني، ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
53 - نهج البلاغة، من كلام الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، جمع الشريف الرضي.
54 - الوافي، للفيض الكاشاني، من منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام بأصفهان.
55 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، ط/دار إحياء التراث العربي - بيروت.
56 - الوسيلة إلى نيل الفضيلة، لعماد الدين أبي جعفر محمّد بن علي الطوسي، المعروف ب «ابن حمزة» ط/مكتبة آية اللّه المرعشي بقم.
ولاية الأب و الجدّ 7
ولاية المعصوم 25
ولاية الفقيه 32
ولاية عدول المؤمنين 44
بيع العبد المسلم من الكافر 69
بيع المصحف من الكافر 100
شرائط العوضين 102
أقسام الأرضين و أحكامها 107
بيع الوقف 133
بيع امّ الولد 212
بيع العين المرهونة 212
القدرة على التسليم 232
بيع العبد الآبق 274
العلم بقدر الثمن 291
العلم بقدر المثمن 295
بيع صاع من صبرة 322
بيع العين المشاهدة سابقا 362
لزوم الاختبار 387
بيع المجهول منضّما إلى معلوم 401
الإندار للظرف 412
بيع المظروف مع ظرفه 417
التفقّه في مسائل التجارات 420
تلقّي الركبان 425
دفع المال للصرف في قبيل 430
احتكار الطعام 437
مصادر التحقيق 445