محاضرات فی الفقه الجعفری جلد 2

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

سرشناسه : ح‍س‍ی‍ن‍ی‌ ش‍اه‍رودی‌، ع‍ل‍ی‌،‫ - ‏۱۳۳۵.‏‬

‏عنوان و نام پديدآور : محاضرات فی‌الفقه‌ الجعفری/ تقریر بحث السیدابوالقاسم الخوئی ؛ بقلم علی الحسینی‌الشاهرودی؛ تحقیق السیدعبدالرزاق المقرم.

‏مشخصات نشر : قم: مرکز الموتمرات العلمیة و البحوث الحرة التابع لموسسة دار الحدیث‏‫، ۱۴۲۹ ق.‬‏‫= ۲۰۰۸ م.‬‏‫، ۱۳۸۷.‬

‏مشخصات ظاهری : ۴ج.: نمونه.

‏شابک : ‏‫‏‏دوره‬‬‏‫: ‏‬‏‫‬‭978-964-2730-47-6‬ ؛ ‏‫ج. ۱‬‬‏‬‏‫‬‭978-964-2730-48-3 :‬ ؛ ‏‫‏‏ج.۲‬‬‬‏‬‏‫‬‭978-964-2730-49-0 :‬ ؛ ‏‫‏ج.۳‬‬‏‬‏‫:‏ ‫‬‭978-964-2730-50-3‬ ؛ ‏‫ج. ۴‬‏‫‭‭978-964-2730-51-6 :

‏وضعیت فهرست نویسی : فاپا

‏يادداشت : عربی.

‏يادداشت : چاپ قبلی: دارالکتب‌الاسلامی، ۱۳۶۵.

‏يادداشت : چاپ دوم.

‏يادداشت : ج.۱و ۲ (چاپ اول: ۱۳۸۷) (فیپا).

‏يادداشت : ج. ۲ و ۳ (چاپ دوم: ۲۰۰۸م. = ۱۴۲۹ق. = ۱۳۷۷).

‏يادداشت : ج.۳ (چاپ اول: ۱۳۸۶) (فیپا).

‏يادداشت : ج. ۴ (چاپ دوم: ۱۴۲۸ق. = ۲۰۰۷م. = ۱۳۸۶).

‏یادداشت : کتابنامه.

‏موضوع : اصول فقه شیعه

• Islamic law, Shiites -- Interpretation and construction

حقوق تجارت (فقه)‬

Commercial law (Islamic law)

‏شناسه افزوده : خ‍وئ‍ی‌، سید‌اب‍وال‍ق‍اس‍م‌، ‏‫۱۲۷۸ - ‏۱۳۷۱.

‏شناسه افزوده : م‍ق‍رم‌، ع‍ب‍دال‍رزاق‌، ‏‫۱۸۹۸ - ۱۹۷۱م.‏

‏شناسه افزوده : Muqarram, Abd al-Razzaq

‏شناسه افزوده : ‏‫موسسه دایرةالمعارف فقه اسلامی بر مذهب اهل بیت (ع)‬

‏رده بندی کنگره : ‏‫‭‭‬‮‭‬‭BP۱۵۹/۸‏‫‭‬‭/ح۵م۳ ۱۳۸۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‭‭‬‮‭‬‭‏‫‭‭‬‮‭‬‭۲۹۷/۳۱۲

‏شماره کتابشناسی ملی : ‎۱‎۱‎۷‎۱‎۴‎۳‎۱

محرر الرقمي: میثم الحیدري

اشارة

محاضرات فی‌الفقه‌ الجعفری

محاضرات فی‌الفقه‌ الجعفری

تقریر بحث السیدابوالقاسم الخوئی

بقلم علی الحسینی‌الشاهرودی

تحقیق السیدعبدالرزاق المقرم.

مرکز الموتمرات العلمیة و البحوث الحرة التابع لموسسة دار الحدیث

محاضرات فی‌الفقه‌ الجعفری

تقریر بحث السیدابوالقاسم الخوئی

صورة

6-2

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سُبْحٰانَكَ لاٰ عِلْمَ لَنٰا إِلاّٰ مٰا عَلَّمْتَنٰا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ * وَ لَقَدْ جِئْنٰاهُمْ بِكِتٰابٍ فَصَّلْنٰاهُ عَلىٰ عِلْمٍ هُدىً وَ رَحْمَةً * لِيُثَبِّتَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ هُدىً وَ بُشْرىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللّٰهُ وَ اَلرّٰاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّٰا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنٰا * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰاذِبِينَ *

القرآن الكريم

قوله رحمه اللّه: و هو في الأصل - كما في المصباح - مبادلة مال بمال [1]

تعريف البيع

[1] المراد بالأصل ما سيتضح. و المراد بالمال ما يميل اليه العقلاء و يرغبون فيه و يجلبونه للانتفاع به في رفع حوائجهم، فان الانسان - على خلاف سائر الحيوانات - مدني الطبع: لا يتمكن من أن يعيش عاريا، أو من غير مسكن يأوى اليه، أو بالتغذي بالمواد الطبيعية من غير علاج و اصلاح، فلابد له من السعي في تحصيل المال لسد حوائجه.

ثم إن اضافة المال الى الانسان أولية (تارة) و ثانوية (اخرى) و الأولية قد تكون أصلية و قد تكون تبعية، و الاضافة الأولية الأصلية قد تكون (ذاتية) بمعنى عدم انتزاعها من منشأ، كأفعال الانسان، فان اضافتها اليه لا تحتاج الى منشأ، فليس لغيره أن يجبره على الفعل لأنه مختار في أفعاله: إن شاء فعل و إن شاء ترك. و يراد من هذه الاضافة السلطنة لا الملكية، لأنه لا معنى لأن يملك الانسان فعل نفسه.

و قد تكون (عرضية): لها منشأ انتزاع و هو أحد امور على سبيل منع الخلو: -

1 - فربما يكون منشأ الانتزاع (الحيازة) و قد اشتهر أن (من حاز ملك) و (من استولى على ما لم يسبق اليه أحد فهو أولى به) و ثبوت الاضافة بالحيازة أمر عقلائي لا يتوقف على ورود من الشارع كحيازة الانسان المباحات الأصلية.

2 - و ربما يكون منشأ الانتزاع (الصنعة) كما اذا أخذ أحد ما لا مالية له - كالطين - فصنعه كوزا فيكون مالا. و هذه الصنعة هي المنشأ في اضافته اليه بعنوان

أنه مال. و يترتب عليه - عند الكسر - سقوط ماليته.

3 - و قد يكون المنشأ (ما يلحق بالصنائع) من الأعمال: كما اذا أتى أحد بالماء من النهر، فانه يكون مالا و ان كان عند النهر لا مالية له، و مثله حفظ الثلج الى الصيف، فانه يكون مالا، و ان كان في الشتاء لا مالية له.

و قد يجتمع للاضافة منشأن: كحيازة الخشب و صنعه سريرا، فان المنشأ لاضافة السرير اليه أمران: من حيث المادة الحيازة، و من حيث الصورة الصنعة.

و أما (الاضافة التبعية) فهي الاضافات الثابتة فيما يوجد في ملك الانسان:

كبيض الدجاج، و صوف الغنم، و ثمر الشجر، فان اضافتها الى المالك بتبع الأصل.

و أما (الاضافات الثانوية) فهي المسبوقة بالاضافة الى شخص آخر و هي على أنحاء: (فتارة) تنشأ من سبب غير اختياري: من إرث أو وصية - بناء على كونها من الإيقاعات - أو وقف و نحوه، و (اخرى) تنشأ من سبب اختياري من بيع أو صلح و نحوه من العقود. و محل البحث انما هو القسم الأخير.

ثم ان العقلاء - بما أنهم مدنيون - يحتاجون في معاشهم الى تبديل أموالهم، كما اذا كان عند أحدهم عروضا كالحنطة و الأرز، و عند الآخر قماشا و نحوه، و احتاج كل منهما الى ما عند الآخر، فيتبادرون بما عندهم، فإذن تكون المبادلة بينهم معتبرة.

و حيث ان مالية الأشياء مختلفة، و تعيينها بالأجناس صعب، جعلوا الدراهم و الدنانير معيارا في المالية، و في تقويم الأشياء، و حنيئذ المعاوضة - للأعراض العقلائية - قد تكون بين عروضين، و قد تكون بين الدراهم و الدنانير، و قد تكون بين عروض و دراهم، فالبيع إما أن يطلق على جميع ذلك، أو يختص بالأخير.

ثم إن البيع حيث أنه تترتب عليه أحكام خاصة - كبعض الخيارات و اعتبار العلم بالوزن أو الكيل في المثمن و الثمن - إذا كانا من المكيل و الموزون - و ان لم يكن

الجهل بهما موجبا للغرر على المشهور، كما اذا كان الشعير و الحنطة متساويين في المالية، فجعل أحدهما في كفة الميزان، و بمقداره في الكفة الاخرى من دون علم بمقدار ذلك - فلابد لنا من تحقيق مفهوم البيع لنرتب عليه آثارا خاصة من بين بقية العقود.

فنقول: البيع و ان كان لفظا عربيا، إلاّ أن له ما يرادفه في جميع اللغات، ففهم معناه لا يختص بالعربي، فأهل كل لغة يرجع الى ما يرادفه في لغته، فيتضح له معناه، و لكل أحد أن يجتهد في فهم المعنى.

و ما ذكره في المصباح - في تعريف البيع - و ان لم يكن تاما، إذ لا نشك في أن البيع لا يطلق على فعل الاثنين - أعني البيع و الشراء - و انما يطلق على فعل طرف واحد منهما إلاّ أنه تعريف لفظي، كما هو شأن اللغويين، كقولهم (سعدانة نبت) و (العود خشب) فلا مجال للمناقشة فيه طردا و عكسا.

و كيف كان، فقد ذكرنا انه (تارة) يكون كل من العوضين عروضا ككتابين اريد تبديل أحدهما بالآخر، و (اخرى) يكونان من الأثمان كتبديل الدراهم أو الدنانير بمثلهما، أو تبديل أحدهما بالآخر، و (ثالثة) يكون أحدهما ثمنا و الآخر عروضا، كما هو الغالب، كما إذا كان قصد من عنده العروض نفس المال، و قصد من عنده المال العروض الشخصي بحيث لا يرغب في غير ذلك الجنس و إن كانت ماليته أكثر، لعدم تعلق غرضه بالجنس الذي ماليته أكثر، ففي هذا الفرض لا اشكال في عدم صحة اطلاق البيع على فعل من عنده الثمن. فلا يقال باع ثمنه بالكتاب، بل يقال اشترى الكتاب بثمن كذا. نعم يطلق البيع على فعل من عنده العروض، فيقال باع كتابه أو داره بثمن كذا.

و أما الفرض الأول - أعني مبادلة العروضين - (فتارة) يكون مقصود أحدهما تبديل مالية ماله، و ليس له نظر الى شخص العروض الذي يأخذه أصلا و (اخرى) تكون الخصوصية ملحوظة لكل منهما. و الصورة الاولى ملحقة بالفرض الأول، فيصدق البيع على من كان غرضه متمحضا في حفظ مالية ماله، و الشراء على فعل الآخر. و أما الصورة الثانية، فالظاهر عدم صدق البيع و الشراء على فعل كل منهما، فاذا فرضنا ان زيدا له دار خارج البلد، و عمرو له دار داخل البلد، و لكل منهما رغبة في دار الآخر فعوضاهما، لا يصدق عليه البيع و الشراء، بل هو مجرد مبادلة بين المالين، و ان كان ظاهر المصباح صدق البيع عليهما. فان الظاهر ارادة تعريف البيع بما كان متعارفا في الزمان السابق من المعاوضة بين العروضين، لعدم تعارف المعاوضة بالأثمان.

و لكن الصحيح أن البيع لا يطلق على ذلك، و تعريف المصباح مبني على المسامحة كما ذكرناه. و ما ذكره الميرزا النائيني - (أعلى اللّه مقامه) من أن أحد المتبادلين لا بعينه - في الفرض - بائع و الآخر مشتر و لا تعين لهما واقعا - غريب، فانا قد ذكرنا - غير مرة - ان أحدهما لا بعينه لا مصداق له خارجا، فالصحيح ان هذه المبادلة ليست بيعا و لا شراء أصلا، و ان كانت صحيحة بمقتضى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و كونه تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌.

و أما الفرض الثاني - أعني ما إذا كان العوضان كلاهما من الأثمان - فان كان أحد الثمنين رائجا في مملكة اخرى، كتبديل الاسكناس في العراق بالدينار، فهو ملحق بتبديل العروض بالثمن، فيكون فعل صاحب الاسكناس بيعا، و فعل الآخر شراء، و أما اذا كانا معا رائجين في البلد كتبديل دينار بدينار، أو تبديل وصف

قوله رحمه اللّه: الظاهر اختصاص المعوض بالعين [1]

اجتماعه بالتفرق، كتبديل دينار بأربعة أرباع، فليس شيء من ذلك بيعا أصلا، بل هو مبادلة يعمها أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و حلية ما كان تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌.

هذا كلّه في بيان البيع من حيث المورد.

[1] أراد به الفرق بين البيع و غيره من حيث المتعلق، فان التمليك في البيع يتعلق بالأعيان، و في الاجارة يتعلق بالمنافع و ان كان متعلق العقد في كليهما هو العين، فالاجارة كالبيع تتعلق بالعين، فيقال آجرتك الدار، و لا يقال آجرتك منفعة الدار، بل يقال ملكتك منفعة الدار، لأن تمليك المنفعة مأخوذ في مفهوم الايجار، فلا معنى لتعلقه بالمنفعة، لأنه عليه يكون تمليك منفعة المنفعة. و هذا بخلاف نفس التمليك.

و نظير ذلك الأمر و الطلب، فان الأمر يتعلق بالماهية، و الطلب يتعلق بايجاد الماهية، لأن الايجاد مأخوذ في الأمر، إذ معناه طلب الايجاد فلا معنى لتعلقه بالايجاد.

و على كل فالفرق بين البيع و الاجارة ليس من جهة متعلق العقدين، و انما هو من جهة متعلق التمليك في كل منهما. و عليه فلا وجه لما توهمه بعض من كلام المصنف قدّس سرّه من اختلاف متعلق العقدين، فأشكل عليه بأن متعلق الاجارة هو العين لا المنفعة، كما أنه لا وجه لما أورده بعض على تعريف الاجارة - الذي هو تمليك المنفعة، مثل سكنى الدار، و ركوب الدابة - بكون فعل المستأجر تحت سلطنته و ليس للآخر سلطنة عليه ليملكه، فان ما يملكه المؤجر للمستأجر ليس فعلا من السكنى و نحوه، بل هو حيثية في العين بها تكون قابلة للانتفاع.

و بعبارة اخرى: فعل المستأجر له طرفان: حيثية طرفه الى الفاعل و حيثية طرفه الى ملك المؤجر و ما يملكه اياه هو الحيثية الثانية.

و قد ظهر أن ما ورد من اطلاق البيع على تمليك المنفعة مبني على المسامحة.

لانصراف البيع عن ذلك و صحة سلبه عنه.

ثم إن المراد بالعين ما يقابل المنفعة، فالعين كل ما يحتاج في وجوده الى الحيز، كالأجسام، و المنافع لا تحتاج - في وجودها - الى الحيز، كسكنى الدار فتصدق العين على الدين و بيع الكلّي في الذمة، و الكلّي في المعين كصاع من صبرة فان كل ذلك يحتاج وجوده في الخارج الى حيز. و الفرق بين الدين و بيع ما في الذمة: أن الدين يكون قبل بيعه مملوكا للبائع، و الكلّي في الذمة ليس ملكا لصاحب الذمة، و انما له السلطنة عليه، كسلطنته على أفعاله فيملك ما في ذمته لأحد دون آخر. و أما الكلي في المعين كصاع من صبرة فهو قابل للانطباق على كل صاع من الصبرة، غاية الأمر دائرته أضيق من بيع الكلي في الذمة، اذ لا ينطبق على صاع من غيرة الصبرة، كما هو ظاهر. و البيع صادق في جميع الموارد الثلاثة.

إلاّ أنه قد يناقش في بيع الكلي: بأن الملكية من الأعراض التي لا تتحقق خارجا الا في موضوع، فاذا كان المملوك معدوما فكيف تتحقق الملكية. و قد اطيل في الجواب عنه. و محصل ما يقال فيه: أن الملكية ليست من المقولات، و انما هي أمر اعتباري عقلائي أمضاه الشارع، فيمكن تحققه مع عدم تحقق موضوعه خارجا.

و تفصيل ذلك: ان الملكية قد يراد بها (الملكية الحقيقية) و هي المختصة بالحق جل شأنه، فانه مالك جميع الموجودات، و هي بمعنى الاحاطة الحقيقية القيومية، و يعبر عنها بالاضافة الاشراقية، فان الممكن - كما يحتاج الى المؤثر في حدوثه - يحتاج اليه في بقائه، فهو - جل شأنه - مقوّم التمام الموجودات، بحيث إذا انقطعت إفاضته عن موجود انعدم لا محاة. و هذا نظير احاطة النفس بوصرها الذهنية و حضورها لدى النفس، و هذه الاحاطة ليست من المقولات، و انما هي منتزعة من

الوجود، بل هي عين الايجاد.

و قد يراد بالملكية (الملكية المقولية) المعبر عنها بالجدة، و هي هيئة حاصلة من احاطة شيء بشيء في الخارج، كاحاطة العمامة بالرأس، و هي من الأعراض، لأنها لا تتحقق الا اذا كان في الخارج محيط و محاط.

و قد يراد بالملكية (الملكية الاعتبارية) فان العقلاء قد يعتبرون السلطنة لشخص لبعض المصالح، و الملكية بهذا المعنى محل الكلام، و ليست هي من الأعراض و لذا نرى بالوجدان أنه - بعد تلفظ البائع بقوله بعت و المشتري بقوله قبلت - لا يتبدل شيء من أعراض المالك و لا المملوك، و حينئذ لا يتوقف تحققها على تحقق موضوعها خارجا، بل يمكن اعتبارها لكلي المملوك و كلي المالك، كما في الزكاة التي هي ملك لكلي الفقير.

ثم إن المبادلة ليست كبقية الأفعال مثل الأكل و الشرب و نحوهما، و انما هي من الأفعال التعلقية التي لا بد لها من متعلق، فالمبادلة بين شيئين قد تكون في المكان و قد تكون في غيره، و في البيع تكون المبادلة بين مالين في الاضافة على ما هو ظاهر المبادلة بين مالين بعنوان المالية. و اذا كان نظر صاحب المصباح في اعتبار المال في تعريف البيع الى ذلك فقد أجاد، و لا وجه للقول بكون المبادلة في الملكية، فان البيع قد يكون تبديلا في غير الملكية، كما اذا بيع سهم سبيل اللّه من الزكاة ليصرف ثمنه في تعمير المساجد أو القناطر، فان سهم سبيل اللّه ليس ملكا لأحد و لا لجهة، و سبيل اللّه يكون مصرفا له لا مالكا. فلا تبديل في الملكية، و هذا ظاهر. و لما ذكرناه لا بد في البيع أن يدخل الثمن في كيس صاحب المثمن و بالعكس، و الا فلا تكون هناك مبادلة و لا بيع. و يشهد لذلك جميع موارد استعمال

لفظ البيع و الشراء في الكتاب المجيد(1).

ثم إن في تعريف المصباح مسامحتين، و ان قلنا ان المناقشة في تعريف اللغوي بلا وجه: (احداهما) - انه لا يعتبر في المبيع أن يكون ذا مالية يرغب فيها العقلاء كما اذا اشترى أحد تصوير جده أو خطه لرغبته في حفظه، و لم يكن عند العقلاء يساوي فلسا، فيصح الشراء، فلا تعتبر في البيع - لا عرفا و لا شرعا - مالية المبيع، و لو فرضنا اعتبارها فيه شرعا، فهي غير معتبرة فيه لغة و عرفا بلا إشكال. و من الواضح أن المصباح لم يرد تعريف البيع الصحيح شرعا، و إلاّ لزم أن يضيف الى ما ذكره كل ما يعتبر في صحة البيع شرعا، كبلوغ المتعاقدين و عقلهما و غير ذلك.

(ثانيتهما) - أن المفاعلة على ما صرح به أهل الفن فعل الاثنين و ان استعمل في فعل الواحد أحيانا كما في جملة من الآيات الكريمة(2). و لا شك في أن البيع لا يطلق على مجموع فعل البائع و المشتري معا، و ان سلمنا اطلاقه على فعل المشتري كنفس الشراء، و قلنا بأنه موضوع للجامع بين فعل البائع و المشتري، و حينئذ كان الأولى لصاحب المصباح أن يعرفه بالتبديل لا المبادلة.

فالصحيح على ما ذكرناه يكون تعريف البيع تبديل عين بمال في جهة الاضافة.


1) كقوله تعالى في سورة البقرة وَ لاٰ تَشْتَرُوا بِآيٰاتِي ثَمَناً قَلِيلاً لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا اَلْبَيْعُ مِثْلُ اَلرِّبٰا وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا وَ أَشْهِدُوا إِذٰا تَبٰايَعْتُمْ‌ الآيات (41 - 79-275-282) و في سورة النساء/ 74 اَلَّذِينَ يَشْرُونَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا بِالْآخِرَةِ‌ و في سورة يوسف/ 20 وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ‌ و في سورة التوبة/ 111 إِنَّ اَللّٰهَ اِشْتَرىٰ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ‌... فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ اَلَّذِي بٰايَعْتُمْ بِهِ‌.

2) يُخٰادِعُونَ اَللّٰهَ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ مٰا يَخْدَعُونَ إِلاّٰ أَنْفُسَهُمْ وَ مٰا يَشْعُرُونَ‌ البقرة/ 9 إِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ يُخٰادِعُونَ اَللّٰهَ وَ هُوَ خٰادِعُهُمْ‌ النساء/ 142.

قوله رحمه اللّه: كالثمرة على الشجرة... [1]

[1] قد عرفت ان متعلق التمليك في البيع هو الأعيان في مقابل المنفعة. و اطلاقه - أحيانا - على تمليك المنافع - كسكنى الدار و خدمة العبد - مسامحة واضحة كما أن استعمال الاجارة في تمليك العين مسامحة. و هذا ظاهر. الا أنه لم يظهر لنا مراد المصنف رحمه اللّه من تمثيله لاستعمال الاجارة في نقل الأعيان باجارة الثمرة على الشجرة، فان المحتملات في اجارة الأشجار ثلاثة:

(الأول) - أن يستأجر الشجرة قبل ظهور الثمرة فيها، ثم تظهر الثمرة لها. و عليه لا إشكال في كون الاجارة لنقل المنفعة فقط، و هي حيثية الانتفاع بالشجرة فاذا ملك المستأجر حيثية الانتفاع بالشجرة حدثت الثمرة في ملكه تبعا، نظير نتاج الأعيان المملوكة للانسان. فالاجارة هنا لم تستعمل في تمليك العين أصلا.

(الثاني) - أن يستأجر الشجرة بعد تحقق الثمرة لتدخل الثمرة بذلك في ملك المستأجر، و هذا غير صحيح، فان الثمرة الموجودة على الشجرة يجوز بيعها مستقلا، و لا تدخل في بيع الشجرة تبعا، كما صرح به الفقهاء في كتبهم فضلا عن دخولها في اجارة البستان أو الأشجار، الا اذا اشترط ذلك في بيع الأشجار أو اجارة البستان. و أما اطلاق الاجارة على نقل الثمرة نفسها فلم نعثر عليه في كلمات الأئمة عليهم السّلام و لا في كلمات الفقهاء. و أما أهل القرى فلا اعتبار باطلاقهم المسامحي، و هو واضح.

(الثالث) - أن يستأجر الأشجار بعد وجود الثمرة لها، و لكن بحيث يكون متعلق التمليك فيها هو حيثية الانتفاع من التنزه و غيره، و يشترط في ضمنها دخول الأثمار في ملك المستأجر. و في هذا الفرض أيضا لم تستعمل الاجارة في نقل العين، و إنما يكون نقلها بالشرط في ضمن العقد. و الحاصل: أن المصنف رحمه اللّه أجمل المراد من هذه

قوله رحمه اللّه: و أما العوض فلا اشكال في جواز كونه منفعة [1]

قوله رحمه اللّه: و أما عمل الحر... [2]

النواحي الثلاث، و لم يفهم المراد من عبارته (أعلى اللّه مقامه).

[1] قد ذكرنا أن البيع إنشاء تبديل عين بمال، فمن طرف الموجب لا بد و أن يكون المنقول عينا، و من طرف القابل يجوز ان يكون عينا، كما يجوز أن يكون منفعة.

و أما الاجارة فحيث أنها تبديل المنفعة بالمال، فمن طرف الموجب يكون المنقول منفعة، و من طرف القابل يمكن أن يكون عينا - كما هو الغالب - و يجوز أن يكون منفعة كايجار دار بسكنى دار اخرى.

عمل الحر

[2] توضيح ما أفاده - أعلى اللّه مقامه - على ما ذكره بعض المحشين: أنه لا إشكال في أن عمل العبد يكون مالا و مملوكا لمولاه، و مثله عمل الحر بعد وقوع المعاوضة عليه، و لذا يضمن للمالك إذا منعه الجائر من الانتفاع بذلك، كما أنه يكون موجبا لحصول الاستطاعة في الحج. و أما عمل الحر قبل وقوعه المعاوضة عليه فليس من الأموال.

و استدل عليه بوجهين:

(الأول) - عدم كونه محققا للاستطاعة في الحج، فاذا فرضنا أحدا غير مستطيع بالفعل، و لكنه يقدر على صنعة كالكتابة يتمكن بها من تحصيل مقدار من المال يفي للحج في زمن قصير لا يكون مستطيعا، و لا يكون وجوب الحج عليه فعليا. و هذا كاشف عن عدم كون العمل مالا له.

(الثاني) - أن الحر إذا لم يكن أجيرا، و حبسه الجائر لا يضمن له ما يفوته بذلك من أعماله، و لو كانت أعماله مالا لضمنها، كما في إتلاف غيرها من الأموال فاذا لم

يكن عمل الحر مالا قبل المعاوضة لا يمكن جعله عوضا في البيع من جهة اعتبار مالية المبيع قبل وقوع المعاوضة.

(و فيه): أنه لا تعتبر في البيع الملكية في العوضين قطعا، و إلاّ لكان بيع الكلي في الذمة أولى بالاشكال، فان الانسان لا يكن مالكا لما في ذمته. و من هنا لا تتحقق به الاستطاعة، و لا يكون موجبا للضمان فيما إذا أراد أحد بيع ما في ذمته و منعه غيره منه، فالعقلاء لم يعتبروا الملكية للحر بالاضافة إلى أعماله، كما لم يعتبروا الملكية في المبيع و الثمن. و إنما المعتبر فيهما المالية، و هي ثابتة في عمل الحر، فانه مما يرغب فيه العقلاء و يكون مضافا إلى الفاعل كما بيناه سابقا، فلا مانع من جعله عوضا.

و ما ذكر من الوجهين يرد على أولهما: أن الموضوع في وجوب الحج - على ما يظهر من الأخبار(1)

2 - محمد بن علي بن الحسين في عيون الأخبار عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السّلام في كتابه الى المأمون، قال: «و حج البيت فريضة على من استطاع اليه سبيلا، و السبيل الزاد و الراحلة مع الصحة».

3 - و في كتاب التوحيد... عن هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله عز و جل: «وَ لِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ما يعني بذلك‌؟ قال: من كان صحيحا في بدنه مخلا سربه له زاد و راحلة».

الوسائل - الباب الثامن من أبواب وجوب الحج بوجود الاستطاعة. الحديث (3 و 6 و 7).

الواردة فيه - هو أن يكون عنده من المال ما يفي بزاده

1) 1 - محمد بن يعقوب باسناده عن عثمان الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه تعالى: وَ لِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ما السبيل‌؟ قال: أن يكون له ما يحج به.

قوله رحمه اللّه: و أما الحقوق الاخر... [1]

و راحلته، و هذا العنوان غير صادق في محل الكلام، فان العمل و إن كان مالا، الا أنه لا يصدق عليه عرفا أنه عنده مال، و لا ينتقض بعمل العبد و الحر الأجير، فانه يكون نظير منافع الدار مما تحصل له الاستطاعة.

و يرد على الوجه الثاني: - أن الحر اذا لم يكن كسوبا، و لكن كان له شأنية الكسب و قابليته، فلا يكون ذا مال عرفا، فلا يصدق إتلاف المال اذا حبسه الجائر و منعه عن أعماله. و أما إذا كان كسوبا بالفعل فحبسه الجائر، يكون ضامنا لما يفوته بسببه من الأعمال، لصدق (من أتلف مال غيره فهو له ضامن).

الحقوق

اشارة

[1] لم يتقدم ذكر الحقوق ليصح وصفها بالآخر. و قد ذكر السيد (أعلى اللّه مقامه) في توجيهه ما نصه: «يمكن أن يكون الوصف توضيحيا، و يمكن أن يكون تقييديا بعد اعتبار كون العين و المنفعة أيضا من الحقوق بالمعنى الأعم».

و لا يخفى ما فيه: - فان حمل القيد في المقام على التوضيح - مع عدم ترتب أية فائدة على ذكره - لغو ظاهر، و حمله على التقييد و الاحتراز بالاعتبار المذكور في كلامه غير صحيح، فان العين أو المنفعة مما يتعلق به الحق المبحوث عنه في المقام، فانه سنخ من الاعتبار و النسبة بين الانسان و ما يتعلق به، فهو مباين للعين و المنفعة فكيف يمكن حمله على ما يعمهما؟ فالظاهر أن في العبارة تقديما و تأخيرا، و لعلهما من النساخ. و الصحيح هكذا:

«و أما الحقوق، فان لم تقبل المعاوضة بالمال، كحق الحضانة و الولاية فلا إشكال، و كذا لو لم يقبل النقل: كحق الشفعة و حق الخيار. و أما الحقوق الاخر القابلة للانتقال: كحق التحجير و نحوه، فهي و ان قبلت النقل و قوبلت بالمال في الصلح...».

و كيف كان، فقد قسم المصنف رحمه اللّه الحقوق الى ثلاثة أقسام: -

(الأول) - ما لا يقبل المعاوضة بالمال، و مثل له بحق الحضانة و الولاية.

(الثاني) - ما لا يقبل النقل و إن قبل الاسقاط بل الانتقال بارث و نحوه و مثل له - على ما ذكرناه - بحق الشفعة و حق الخيار.

(الثالث) - ما يقبل النقل و الانتقال: كحق التحجير، و حكم بعدم جواز جعل الحق في القسمين الأولين ثمنا في البيع، و تردد في ذلك في القسم الثالث، مع صحة مقابلته بالمال في الصلح. و قبل التكلم في حكم كل من الأقسام لا بد من بيان الفارق بين الحق و الملكية: -

فنقول: الملكية تطلق (تارة) و يراد بها السلطنة و الاحاطة الحقيقية كملكية اللّه تعالى بالاضافة الى مخلوقاته. و (اخرى) تطلق على السلطنة الخارجية التكوينية كمالكية الانسان لأفعال نفسه أو ذمته، فان الانسان - تكوينا - يملك ذلك و ليست مالكيته لذمته أو لفعل نفسه كماليكته لعمل عبده أو أجيره، و هذه الملكية بمعنى الاختيار، بحيث إن شاء فعل و إن شاء ترك، و هذا هو المراد من قوله تعالى - حكاية عن كليمه عليه السّلام - لاٰ أَمْلِكُ إِلاّٰ نَفْسِي وَ أَخِي أي ليس تحت اختياري غير نفسي و أخي.

و (ثالثة) - تطلق الملكية على الملكية الاعتبارية، و هي سلطنة اعتبارية ثبتت باعتبار من بيده الاعتبار من الشارع و العقلاء. و هذه الملكية ليست منتزعة من الأحكام التكليفية، لثبوتها في موارد عدم ثبوت حكم تكليفي رأسا، كما اذا كان المالك محجورا عليه أو كليا أو جهة. و قد ينعكس الأمر، و قد يجتمعان، فبينهما عموم من وجه، كما أنها ليست من الأعراض المقولية.

و قد استدل شيخنا المحقق قدّس سرّه على ذلك بوجوه ثلاثة: (ثالثها) - و هو الصحيح - أن الملكية لو كانت من الأعراض لاستحال تحقها في الخارج مع عدم تحقق موضوعها، كما هو شأن الأعراض، فان وجود العرض لنفسه عين وجوده لموضوعه، و قد نرى ثبوتها للكلي كما في الزكاة، فانها ملك لكلي الفقير و للجهات، كما في الوقف على الجهات، و هكذا تعتبر الملكية للكلي في الذمة فتتحقق الملكية.

و اعتبارها للكلي شاهد على عدم كونها من الأعراض.

و أما الوجهان الآخران: فغير تامين. و حاصل الوجه الثاني أن الوجدان أقوى شاهد على أنه لا يتغير - بعد البيع و الشراء مثلا - عرض من اعراض المالك و لا المملوك.

و فيه: أنه مصادرة واضحة، إذ كيف يمكن أن يقال أنه لا يوجد في الخارج شيء بعد حصول النقل و الانتقال بالبيع أو الارث أو غيره، مع أن الملكية قد وجدت لا محالة، فان الوارث كان فقيرا قبل موت مورثه و بعده صار غنيا، و كون الملكية المتحققة عرضا أو أمرا اعتباريا هو محل الدعوى.

و أما الوجه الأول - فحاصله: أن الملكية لو كانت من الأعراض لم تختلف فيها الأنظار، مع أن الملكية تختلف فيها الأنظار، فقد يكون شيء مملوكا لأحد بنظر دون نظر (ففيه) أن اختلاف الأنظار في الامور الحقيقية غير عزيز، فليس كل أمر واقعي - من الجوهر أو العرض - غير قابل للاختلاف فيه، بل الامور على قسمين:

(أحدهما) - ما هو بديهي كاستحالة اجتماع النقيضين فلا تختلف فيه الأنظار (ثانيهما) - ما يكون نظريا يقع فيه الاختلاف لا محالة. فالصحيح من الوجوه هو الوجه الأخير في كلامه، زيد في علو مقامه.

فظهر بما بيناه أن الملكية أمر اعتباري في مقابل بقية الاعتبارات، و ليست منتزعة من الحكم التكليفي، فهو قسم من الحكم الوضعي. و قد أوضحنا حقيقة الحكم التكليفي و الوضعي في محله.

و أما الحق في اللغة فبمعنى الثابت، الا أنه بحسب الاصطلاح لا يطلق الا على الحكم القابل للاسقاط. و مرجعه الى عدم جواز مزاحمة من عليه الحق لمن له الحق، سواء كان من عليه الحق شخصا خاصا كمن عليه الخيار في البيع، فان من له حق الفسخ لا يجوز أن يزاحمه من عليه الحق في الفسخ، أو لم يكن شخصا خاصا كما في حق التحجير أو حق السبق الى الوقف و نظائره من الحقوق، فانه لا يجوز لغير من له الحق من المكلفين أن يزاحمه في تعمير مورد التحجير، أو في الجلوس في المسجد مثلا و هكذا دائما ينتزع الحق من عدم جواز المزاحمة الثابت في مورد الحقوق لكونه متعلقا بشخصين، كما عرفت. و يمكن أن يكون هذا وجها للفرق بين الحق و سائر الأحكام و من هنا لا يتعلق الحق الا بالأفعال كحق العمارة في موارد التحجير و حق القصاص و الفسخ و نحو ذلك.

فالصحيح أن يقال أن الحق لا يغاير الحكم بل هو حكم شرعي اختياره بيد من له الحق فله إسقاطه.

و الحاصل ان الحق حكم تكليفي إلزامي، أو ترخيصي، أو وضعي جوازي أو لزومي. و مرادنا من الحكم الوضعي في المقام الحكم بنفوذ التصرف و هو الجواز الوضعي، أو الحكم بعدم نفوذه و بطلانه، و هو اللزوم الوضعي لا بقية الأحكام الوضعية: كالزوجية و الرقية و نحوهما.

و مما يشهد لما ذكرناه - من أن الحق هو الحكم بعينه - أنا لا نرى فرقا بين

الجواز الحكمي غير القابل للاسقاط في جواز قتل الكافر تكليفا و بين الجواز الحقي في جواز قتل الجاني قصاصا، و هكذا لا فرق في جواز رجوع الواهب وضعا و جواز رجوع من له الخيار في البيع، مع أن الأول حكمي و الثاني حقي، و كذلك لا فرق بين اللزوم الحقي و الحكمي، فليس في موارد ثبوت الحق أمر آخر سوى الحكم الشرعي القائم بالمكلف، غاية الأمر أنه قابل للاسقاط دون غيره من الأحكام الشرعية. و لهذا قلنا أن الملكية قد تتعلق بالأعيان و الحق لا يتعلق الا بالأفعال، فان الملكية اعتبار شرعي أو عقلائي، و ليست منتزعة من الحكم التكليفي لثبوتها في موارد عدم تحقق الحكم التكليفي كالصبي فانه مالك و ليس له حكم تكليفي فالحق عين الحكم و بالعكس.

ثم إن الحكم الوضعي أو التكليفي ربما يستفاد من الدليل قابليته للاسقاط، فيعبر عنه اصطلاحا بالحق، و قد لا يكون قابلا للاسقاط، فيعبر عنه بالحكم، و قد يطلق الحق على الحكم غير القابل للاسقاط أحيانا، كما في حق المارة، فانه ليس الا جواز التصرف في مال الغير و هو غير قابل للاسقاط. هذا كله بالاضافة الى من له الحق.

و أما من عليه الحق، فلم يكن بالنسبة إليه سوى الحكم التكليفي، فان كلا من الزوج و الزوجة له حق على الآخر كما هو صريح الآية(1)الا أن حق الزوج أكثر درجة من حق الزوجة، فعلى الزوج حق الانفاق و ليس معناه الا وجوب الانفاق عليه، و على الزوجة حق التمكين و ليس معناه الا وجوبه عليها، و هكذا في غير


1) وَ لَهُنَّ مِثْلُ اَلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لِلرِّجٰالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ‌ البقرة/ 228.

ذلك من الموارد، فلم نعثر على أمر اعتباري - غير الحكم الشرعي بأقسامه يكون ثابتا لمن له الحق أو من عليه الحق - يسمى بالحق أصلا، و هكذا الحق العرفي ليس الا أحكاما عرفية على ما ذكرنا.

حكم الشك في قابلية الحق للاسقاط و النقل

إذا عرفت ما ذكرناه يقع الكلام في موارد:

(الأول) - في جواز جعل الحق القابل للنقل عوضا في البيع.

(الثاني) - فيما إذا شك في قابلية الحكم للاسقاط أو للنقل و ما تقتضيه القاعدة في ذلك.

(الثالث) - في الشك في قابلية الحق للانتقال.

(أما المورد الأول) فالظاهر عدم جواز جعل الحق عوضا سواء قلنا بأنه سلطنة ضعيفة كما هو المشهور، أو قلنا بأنه حكم شرعي كما هو المختار، فعلى الأول يكون البيع - على ما مر تعريفه من المصباح - عبارة عن المبادلة بين المالين في الاضافة أو في الملكية، فالمبادلة في متعلق الاضافة، فلا تعم مبادلة الملكيتين أو السلطنتين و إن كانت السلطنة مالا و مما يرغب فيها العقلاء، فلو كان نظر المصنف (أعلى اللّه مقامه) في تردده في جواز جعل الحق عوضا و نفي الميرزا النائيني رحمه اللّه لذلك الى ما ذكرناه، فهو متين جدا.

نعم على هذا لا مانع من جعل متعلق الحق عوضا في البيع كحل البيع في الخيار إلاّ أنه خلاف المتعارف و خارج عن محل البحث، و هو جعل نفس الحق عوضا كما لا مانع من جعل الاسقاط عوضا في البيع.

هذا بناء على كون الحق سلطنة. و أما بناء على كونه حكما شرعيا، فالظاهر أن

الحكم الشرعي - بأقسامه - لا تكون له اضافة مالية الى من يقوم به الحكم من المكلفين أصلا. و قد عرفت أن البيع هو تبديل المالين في الاضافة، فحكم الشارع بالجواز أو اللزوم و إن كان قابلا للاسقاط و النقل، و كان مما يرغب فيه العقلاء، إلاّ أنه لا يكون مضافا الى المكلف باضافة مالية أو دونها مما يكون مصححا لصدق البيع. نعم على هذا يمكن جعل اسقاطه عوضا.

و (أما المورد الثاني) و هو ما إذا شككنا في قابلية الحكم للاسقاط، فان كان لدليله اطلاق يعم ثبوته فيما بعد الاسقاط جاز التمسك به، و ان لم يكن له إطلاق:

كما إذا كان دليل الحكم الاجماع، فان قلنا بجريان الاستصحاب في الحكم الكلي الشرعي فنستصحبه، و إلاّ فمقتضى عموم مثل قوله عليه السّلام: «لا يجوز التصرف في مال أحد الا باذنه»(1)عدم جواز التصرف فينتفي الحكم السابق بالاسقاط و هكذا الكلام في الحكم الوضعي، الا أن في استصحابه اشكالا آخر و هو كونه تعليقيا.

و (أما المورد الثالث) و هو الشك في قابلية الحق للانتقال بالارث و نحوه، فالصحيح فيه الحكم بعدم الانتقال، لأن ما ينتقل الى الوارث هو ما تركه الميت.

و المراد به بحسب الفهم العرفي ما يبقى بعد ذهاب الميت و لا يكون قائما بشخصه، فان ما يكون متقوما بشخص الميت يذهب بذهابه و لا يصدق عليه عنوان ما تركه الميت، فاذا شككنا في قابلية الحق للانتقال و عدمه يشك في شمول ما تركه الميت له، و الأصل عدم انتقاله اليه.


1) لم أعثر على هذا اللفظ و الموجود في الوسائل الباب الأول من أبواب كتاب الغصب الحديث 4 عن صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه) قال «لا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه».

(و بما ذكرنا) ظهر أن القابلية للانتقال من شؤون قابلية الشيء للنقل فانه إذا كان قابلا له يصدق عليه ما ترك فينتقل الى الوارث، و اذا شككنا في قابلية الحكم للنقل فمقتضى الأصل العملي دائما و الأصل اللفظي في بعض الموارد هو عدم قابليته للنقل، و ذلك لأن الانتقال و عدم جواز مزاحمة المنقول اليه كما لم يجز مزاحمة الناقل مخالف للاصول و القواعد، ففي حق الفسخ مثلا إذا نقله من له الحق الى غيره، و شك في قابليته للنقل ففسخ المنقول اليه البيع و أخذ مال الغير منه قهرا كان هذا من أكل مال الغير بالباطل لأنه ليس بالتجارة عن تراض، و قد نهى المولى سبحانه عنه بقوله لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و المفروض أن الفسخ ليس عن تراض، و هكذا ثبوت حق التحجير لمن نقله من له الحق اليه و عدم جواز مزاحمة الناس اياه مناف لعموم (من سبق الى ما لم يسبقه اليه غيره فهو أولى به) إلى غير ذلك.

نعم تبقى في البين عمومات أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌ و قوله عليه السّلام «الصلح جائز بين المسلمين» فهل يمكن أن يستفاد منها قابلية الحكم للنقل إذا وقع عليه شيء منها أم لا؟ الظاهر العدم، لأنها لا تكون مشروعة و مبينة لما يكون للمتعاقدين السلطنة عليه و ما لا يكون، بل هي ناظرة الى نفوذ أسباب النقل و الانتقال في موارد ثبوت السلطنة التامة لكل من المتعاقدين على ماله و لو عند العرف و العقلاء، و لذا إذا فرضنا أن حدا آجر نفسه للغناء أو جعل فعله هذا عوضا في البيع، و نفرض أنا نشك في حرمة الغناء و كونه تحت سلطنته وضعا، فان الحرام لا يجعل عوضا، و لا تقع المعاملة عليه - لا يمكنا التمسك بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و الحكم بدلالته بالالتزام على صحة العقد و جواز الغناء تكليفا، و هذا ليس الا لما

قوله رحمه اللّه: ثم ان لفظ البيع ليس له حقيقة شرعية... [1]

ذكرناه من أن هذه العمومات لا تثبت السلطنة على أصل النقل، بل هي ناظرة الى أسبابه.

فالحق أن مقتضى الأصل عند الشك في قابلية الحكم للنقل هو العدم.

[1] أقول: البيع - كما عرفت - انشاء تبديل عين بمال، فيعتبر أن يكون المبيع عينا.

و أما الثمن فيمكن أن يكون عينا، كما يمكن أن يكون منفعة أو عملا. و أما الحق فقد عرفت الكلام فيه. و يعتبر في صدق عنوان البيع أن يكون غرض البائع حفظ ماليته و إن كان في شخص الثمن و غرض المشتري شخص المبيع، و إلاّ فلا يصدق البيع، كما إذا فرضنا تعلق غرض كل منهما بشخص مال الآخر كتبديل كتاب بكتاب، فانه لو سئل كان من المتبادلين هل بعت كتابك‌؟ يقول لا و لكن بدلته بكتاب آخر.

الفرق بين الانشاء و الاخبار

المشهور ذهبوا إلى أن الانشاء عبارة عن ايجاد المعنى باللفظ، فلا يتصف بالصدق و الكذب، و الأخبار عبارة عن حكاية النسبة الخارجية إثباتا أو نفيا فيمكن اتصاف الأخبار بلحاظ الخارج بالصدق و الكذب، و من هذه الجهة فرقوا بينهما.

(و الصحيح) استحالة إيجاد المعنى باللفظ، سواء كان المعنى من المقولات المتأصلة أو من الامور الاعتبارية، فان المتأصلات مستندة الى مبادئها الخارجية و الامور الاعتبارية إنما هي بيد من له الاعتبار. و اللفظ أجنبي عن كل ذلك (نعم) ربما يكون للفظ لوازم كخرقه للهواء أو ترتب انتباه الغير أو هتكه عليه، و لكنه غير ايجاد المعنى باللفظ.

و أما كون الانشاء استعمالا للفظ في المعنى، فهو و ان كان صحيحا، الا أن

الاستعمال ما يعبر عنه بالفارسية (بكار بردن) أي اعمال الشيء في مورده، و استعمال الأشياء يختلف، فمثل استعمال اللباس يكون باللبس، و استعمال الأناء يكون بالشرب و الأكل، و استعمال اللفظ عبارة عن إعمال تعهد الواضع، فان الواضع قد تعهد التوصل باللفظ الى تفهيم المعنى و احضاره في ذهن السامع، فمعنى استعمال اللفظ اعماله في ذلك، و هذا أجنبي عن ايجاد المعنى باللفظ، كما هو ظاهر.

(و بالجملة) لا يوجد بقول (بعت و اشتريت) أيّ موجود لا في الخارج و لا في الاعتبار (فالصحيح) - كما بيناه في الاصول - أن الالفاظ - من المفردات و المركبات من الجمل الخبرية و الانشائية - كلها موضوعة لابراز الأمر النفساني الذي به يمتاز الانسان عن سائر أنواع الحيوان، فانه يمكن إبراز ما في ضميره بانحاء من الكتابة و الاشارة و اراءة فرد من الطبيعي في الخارج، الا أن ذلك قد يتعسر أو يتعذر، فالواضح إنما وضع الألفاظ لذلك تسهيلا، و تعهد أن يتلفظ بلفظ خاص إذا أراد تفهيم المعنى المخصوص، فاللفظ دائما يدل على قصد التفهيم.

ثم إن الجمل الانشائية دالة على الاعتبار النفساني على اختلاف أنواع ما يتعلق به الاعتبار، فانه قد يكون ثبوت شيء في ذمة المكلف، و قد يكون الملكية أو الزوجية أو الحرية أو غير ذلك.

و (الجمل الخبرية) تدل على قصد الحكاية، و من هذه الجهة لا فرق بينهما و بين

الجمل الانشائية في عدم الاتصاف بالصدق و الكذب. و انما الفرق بينهما من ناحية المتعلق، فان متعلق الابراز في الجمل الخبرية الحكاية، و هي تتصف بالصدق و الكذب، و الانشاء عبارة عن ابراز الاعتبار النفساني الذي لا تعلق له بأمر خارجي.

ثم إن الانشاء قد يكون موضوعا لحكم الشارع أو العقلاء و امضائهم، و قد لا يكون، كما أن المسافر يكون موضوعا لوجوب القصر، و الحاضر موضوعا لوجوب التمام، و لا معنى لأن يتسبب المنشئ بالانشاء الى اعتبار الشارع كما لا يتسبب الى حكمه بوجوب القصر في السفر، و هكذا لا يتسبب المنشئ بالانشاء الى اعتبار العقلاء، بل يمكن أن يتحقق البيع مع عدم وجود عاقل في العالم سوى المتبايعين، و مع وجودهم أيضا، فالغالب أن المتبايعين لا يقصدان التسبب الى ذلك، بل يكونان غافلين عن اعتبار العقلاء.

(و بالجملة) فكما لا يوجد المعنى بالانشاء كذلك لا يتسبب به الى اعتبار الشارع أو العقلاء أصلا، بل ليس في مورده سوى ابراز الاعتبار النفساني، و ربما يترتب عليه اعتبار العقلاء أو الشارع، و هذا غير التسبيب. و ما ذكرناه جار في جميع الانشاءات من العقود و الايقاعات من غير فرق بينهما.

قوله رحمه اللّه: حيث ان البيع من مقولة المعنى دون اللفظ... [1]

إشكالات على تعريف البيع

[1] لا يخفى ما في كلامه قدّس سرّه في المقام فانه أورد - على تعريف العلامة رحمه اللّه للبيع بالايجاب و القبول الدالين على الانتقال - بأنه من مقولة المعنى دون اللفظ، و الا لم يعقل انشاؤه باللفظ، ثم قال الأولى تعريفه بأنه انشاء تمليك عين بمال و يرد عليه مثل ما أورده على العلامة رحمه اللّه بعينه.

و التحقيق أن البيع ليس من قبيل المعنى محضا و لا من قبيل اللفظ محضا، بداهة ان الاعتبار المحض القائم بالنفس لا يكون بيعا و لا صلحا و لا غيره من العقود، كما أن اللفظ المجرد لا يكون عقدا و إنما العقد عبارة عن الاعتبار المبرز كما كان الحال كذلك في الأمر و أما ما ذكره من الاشكال فيرد عليه نقضا و حلا:

(أما النقض) فمثل الاذن الذي هو من الايذان بمعنى الاعلام، فلا يطلق على الرضا ما لم يبرزه الراضي و مع ذلك ينشأ بلفظ أذنت، و هكذا الأمر معناه الطلب المبرز و يمكن انشاؤه بلفظ آمرك، و في المقام كذلك فيمكن أن يكون البيع بمعنى انشاء تبديل العين بالمال أو التبديل الانشائي، و مع ذلك ينشأ بلفظ بعت.

(و أما الحل) فهو أن هذه العناوين لم توضع لمصداق الاعتبار المبرز ليستحيل ابرازها و انشاؤها، و إنما هي موضوعة للاعتبار المنشأ الذي قد يكون موجودا، و قد يكون معدوما، فلا مانع من ايجاد هذا المفهوم و انشائه باللفظ، و لعل الشبهة نشأت من اشتباه المفهوم بالمصداق، فالبيع عبارة عن مفهوم انشاء تبديل العين بالمال أو التبديل الانشائي. فاذا أبرز اعتبار التبديل بلفظ بعت أو بغيره كان مصداقا للبيع و هكذا الحال في الأمر فانه موضوع لابراز اعتبار شيء على ذمة المأمور فاذا أبرز ذلك بلفظ آمرك أو بغيره كان مصداقا للأمر.

قوله رحمه اللّه: منها - أنه موقوف على جواز... [1]

قوله رحمه اللّه: و منها - أنه لا يشمل بيع الدين على من هو عليه... [2]

قوله رحمه اللّه: و منها - أنه يشمل التمليك بالمعاطاة مع حكم المشهور بل دعوى الاجماع على انها ليست بيعا... [3]

[1] أورد على تعريفه قدّس سرّه - البيع بأنه إنشاء تمليك عين بمال - بوجوه: (منها) أن لازمه جواز انشاء البيع بلفظ ملكت، ثم التزم بعدم الضير فيه. (أقول): لا إشكال في جواز انشاء البيع بلفظ ملكت، الا أنه لا يلازم مرادفة البيع و التمليك فان البيع يمكن إسناده الى الطرف مطلقا، سواء كان أصيلا أو وكيلا أو وليا، فيصح أن يقال في البيع للولي بعتك هذا المال بمال ابنك، و هذا بخلاف بقية عناوين العقود، ففي التزويج لا يصح الاسناد الى الولي أو الوكيل، فلا يقال زوجتك، بل يقال زوجت ابنك أو موكّلك، و التمليك أيضا يكون نظير التزويج، فلا يقال لولي المشتري ملّكتك السلعة بكذا و هكذا الوكيل. لأن دخول المثمن في كيس من يخرج الثمن من كيسه و بالعكس مأخوذ في عنوان البيع، بل قد يتحقق البيع بلا تمليك، كما إذا أوصى بصرف ماله في جهة خاصة: كعمارة المسجد و نحوها، فاشترى به مال، فانه لا يدخل في ملك أحد أصلا، و مع ذلك يصدق عليه البيع.

[2] أجاب قدّس سرّه عن هذا النقض ما تقدم الكلام فيه. و الصحيح في الجواب أن يقال إن التمليك في بيع الدين على من هو عليه ثابت، إلاّ انه تمليك بالملكية الحقيقية لا الاعتبارية، و قد ذكرنا فيما تقدم أن ما يزول عن البائع عند ما يبيع ما في ذمته من الملكية هو الذي يرجع اليه عند شرائه لما في ذمة نفسه، فلا يبقى حينئذ لما أفاده من السقوط و التهاتر وجه صحيح.

[3] فيه أولا - أن المعاطاة - على ما سيجيء الكلام فيها - بيع صحيح حقيقة بل

قوله رحمه اللّه: و منها صدقه على الشراء... [1]

لازم. و (ثانيا) - أن المنفي عند المشهور أو المجمعين انما هو صحتها، و لا ينافي ذلك صدق البيع عليها عرفا، غايته تكون بيعا فاسدا كغيرها من أقسام البيع الفاسد شرعا، لاختلال بعض ما يعتبر في الصحة. و من الواضح أن التعريف المذكور تعريف لمفهوم البيع عرفا لا البيع الممضي شرعا، و يشهد لما ذكرناه - أن المنفي عندهم صحتها لا كونها بيعا - نفس التمسك بالاجماع و الشهرة، فانه انما يرجع اليهما في الأحكام الشرعية لا في تعيين المفاهيم العرفية، فالمشهور انما نفوا صحتها أو لزومها، و ذهبوا الى كونها مفيدة لاباحة التصرف و لم ينفوا كونها بيعا عرفا.

[1] حاصله أن المشتري أيضا يملك العين بالمال، و هكذا المستأجر يملك العين غالبا بالمنفعة، و لا فرق بين الشراء و الاستيجار الا في أن العوضين في الشراء يمكن أن يكون كلاهما عينا، و في الاجارة يكون أحد الطرفين منفعة. و أجاب قدّس سرّه عن النقض بأن التمليك في الشراء ضمني، ثم عطف عليه دفع النقض بالاستيجار، و ذكر أن جوابه يظهر مما ذكره في الشراء.

(نقول): لم نفهم ما أراده قدّس سرّه من كون التمليك من جهة المشتري ضمنيا، فانه إن أراد به أن تمليكه يكون بنحو المطاوعة و القبول أي تبعا لفعل البائع، فهو لا ينافي صدق التمليك. و عليه لا بد و أن يكون الشراء بيعا تبعيا، مع أن ذلك غير معتبر في الشراء. و إن أراد أن القبول يعتبر فيه أن يتأخر عن الايجاب، ففيه أنه إنما يعتبر فيما إذا أنشأ القبول بلفظ قبلت أو رضيت و نحوه مما أخذ في معناه المطاوعة. و أما إذا أنشأ بلفظ اشتريت أو تملكت، فلا مانع من تقديمه على الايجاب فابتداء يقول المشتري اشتريت منك المتاع الفلاني بكذا درهم، فيقول البايع قبلت أو بعت، كما أن النكاح أيضا يمكن إنشاؤه من طرف الزوج، فيقول للزوجة أتزوجك في المدة

قوله رحمه اللّه: و منها - انتقاض طرده بالصلح... [1]

المعلومة بمبلغ كذا، فاذا قالت قبلت يتم النكاح و هو منصوص.

(و بالجملة) كما أن البائع يملك المشتري شيئا و يتملك منه شيئا آخر، كذلك المشتري، و القول - بأن التمليك من أحد الطرفين ضمني و من الآخر استقلالي - لا وجه له فالفرق بين البيع و الشراء إنما هو بما بيناه من أن غرض البائع لا بد و أن يتعلق بالمال، و غرض المشتري إنما يتعلق بشخص المبيع. و أما إذا كان غرض كل منهما متعلقا بحفظ المالية أو بشخص العوضين، فلا تكون المبادلة بيعا، و إنما هي معاوضة اخرى، و هكذا الحال في الاجارة، فغرض المؤجر لا بد و أن يتعلق بالمالية، و غرض المستأجر يتعلق بالانتفاع بالعين و الا فلا تصدق الاجارة.

[1] الفرق بين البيع و الصلح الواقع على المبادلة بين مالين من الجهة التي نحن بصددها - أعني من جهة المفهوم العرفي لا من حيث الحكم الفرعي - هو ما أفاده من انهما متغايران مفهوما، فان البيع تبديل عين بمال في جهة الاضافة، و الصلح هو التسالم على شيء و لذا لا يكون طلبه من الخصم اقرارا، بخلاف طلب البيع أو الهبة و منها مصالحة أحد الشريكين مع الآخر على أن يكون ما في يد كل منهما ملكا له، و هو مورد النص(1).

و توضيح الفرق - بين البيع و الصلح على ملكية عين بعوض - هو أن البيع


1) محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في رجلين اشتركا في مال فربحا فيه و كان من المال دين و عليهما دين فقال أحدهما لصاحبه أعطني رأس المال و لك الربح و عليك التوى فقال لا بأس اذا اشترطا فاذا كان شرط يخالف كتاب اللّه فهو رد الى كتاب اللّه عز و جل (الوسائل - الباب 4 من كتاب الصلح - الحديث - 1).

قوله رحمه اللّه: و أما الهبة المعوضة... [1]

• كما عرفت - إنشاء تبديل عين بمال في جهة الاضافة لكنه بنفسه متعلق التسالم لا محالة، فان البائع و المشتري ما لم يتسالما على التبديل المزبور لا يصدر منهما العقد فالعقد هو متعلق التسالم، لا أن المنشأ هو التسالم، و هذا بخلاف عقد الصلح، فان المنشأ فيه هو التسالم على شيء، فقد يكون هو الملكية بعوض فيفيد فائدة البيع، و قد يكون ملكية المنفعة فيفيد فائدة الاجارة و قد يكون غير ذلك فيفيد فائدة عقد آخر. و من هنا يظهر أن متعلق عقد الصلح لا يكون الا الملكية و نحوها من الأحكام و لا يمكن تعلقه بعين أو عمل بل يتعلق بملكيتهما مثلا، فيقال: صالحتك على أن يكون هذا ملكا لك بأزاء ملكي لما عندك. و عليه فالصلح في مورد البيع مباين له مفهوما و مصداقا و إن اتحدا في النتيجة و الغاية. نعم الصلح بالمعنى اللغوي لابد من تحققه في موارد جميع العقود كما عرفت.

[1] قد تكون الهبة مجانية، فتكون جائزة الا إذا قصد بها القربة، أو كانت الى ذي رحم، أو بين الزوج و الزوجة - على كلام - فتكون لازمة، و ربما تكون معوضة اشترط فيها شيء بأن يقول الواهب وهبتك هذا على أن تخيط ثوبي. و (ثالثة) تكون مجانية الا أن الموهوب له يهب للواهب شيئا تداركا لاحسانه. و النقض إنما هو بالهبة المعوضة، لتوهم صدق تعريف البيع عليها، لأنها تمليك بعوض.

و حاصل ما أجاب عنه المصنف قدّس سرّه أن الشرط ليس عوضا للموهوب و إلاّ دخل العوض في ملك الواهب بقبول المتهب، و ظاهرهم التسالم على عدمه، كما أن ظاهرهم تملك المتهب للموهوب و لو مع عدم العمل بالشرط.

فالصحيح أن الهبة دائما تكون مجانية بلا عوض، الا أنها قد تكون مطلقة و قد تكون مشروطة كبقية العقود، و ليس الشرط فيها الا كالشرط في ضمن البيع و نحوه

قوله رحمه اللّه: بل تمليك على وجه الضمان... [1]

الذي لا يقابل بشيء من الثمن و المثمن، و إنما يعلق عليه لزوم العقد من قبل العاقد، و لذا لا يوجب تخلفه البطلان و إنما يوجب الخيار.

ثم ان السيد رحمه اللّه ذكر في حاشيته ما حاصله أن الهبة المعوضة غير منحصرة بما إذا كان العوض مذكورا على وجه الشرطية، بل منها أن يقول وهبتك كذا بهبتك كذا بأن تكون الهبة في مقابل الهبة. و (منها) - أن يقول وهبتك كذا بكذا بأن تكون الهبة في مقابل المال أو المال في مقابل الهبة.

و نقول أما تمليك الهبة في مقابل الهبة أو المال بانشاء الهبة فهو مستحيل، لأنه مضافا إلى أن الفعل الخارجي - بعد تحققه - لا معنى لتمليكه للغير، أن تمليكها إن كان بنفس قوله وهبتك فهو غير معقول، لأن الهبة المنشأة انما تعلقت بالمال لا بنفسها و إن كان بانشاء آخر فالمفروض انتفاؤه. و أما تمليك المال بازاء الهبة فهو بيع حقيقة قد انشئ بلفظ غير صريح، و سيجيء الكلام فيه.

[1] هذا ما أجاب به عن انتقاض تعريف البيع بالقرض، و حيث خفى مراده على بعض المحشين أو رد عليه بأن التمليك على وجه الضمان إن كان تبديل العين بالمثل أو القيمة الثابتة في ذمة المديون فهو بيع، و إن كان تمليكا مجانا فما هو المضمن.

و عليه فنقول الضمان - على ما يظهر من كلامه في البحث عن المثلي و القيمي - ليس ثبوت المثل أو القيمة في عهدة الضامن، بل الضمان عبارة عن انتقال نفس العين الى العهدة، ففي الكفالة يكون الكفيل متعهدا للشخص، و في الضمان يكون الضامن متعهدا للعين. و على هذا رتبنا وجوب دفع قيمة يوم الأداء لا يوم الغصب و لا يوم التلف. و عليه فنفس هذا المعنى أعني ثبوت العين في العهدة الذي كان

قوله رحمه اللّه: و لذا لا يجري فيه ربا المعاوضة... [1]

يتحقق بالغصب - بمقتضى على اليد، أو بالاتلاف - يتحقق بالتراضي في القرض، غاية الأمر في الغصب تنتقل العين بما لها من الخصوصيات الشخصية الى العهدة، و لذا يجب ردهها مع بقائها. و في القرض تنتقل العين الى العهدة مع إلغاء خصوصياتها الشخصية، فيكون الثابت في العهدة كليا قابل الانطباق حتى على نفس العين و لذا يجوز الأداء بردها فليس في القرض معاوضة أصلا بل هو تمليك العين بثبوتها في عهدة المقترض مع الغاء خصوصياتها الشخصية.

[1] فسّره جملة من المحشين بأن الامور المعتبرة في ربا المعاوضة من كون العوضين من المكيل أو الموزون و كونهما من جنس واحد غير معتبر في ربا القرض و لذا ترى أن الزيادة في المعدود لا يكون ربا في البيع و يكون ربا في القرض، و هكذا في جنسين. فاذا اقترض أحد قيميا على أن يؤدي ما يزيد على قيمته يكون ربا محرما، مع أنهما جنسان.

و فيه - مع أنه خلاف ظاهر العبارة، اذ لو كان المراد به ذلك، كان الأنسب أن يقول: (و لذا لا يعتبر فيه شروط ربا المعاوضة) - أن ما أراده المفسرون بما حاصله أن اختلاف الحكم لا يوجب اختلاف الحقيقتين، فان بيع الحيوان يثبت فيه الخيار دون بيع غير الحيوان مع كونهما حقيقة واحدة، فمجرد كون دائرة الربا - في القرض - أوسع من الربا في البيع لا يستلزم تغايرهما، فلابد أن يكون المراد - و اللّه العالم - أن ما يكون ربا في المعاوضة لا يكون ربا في القرض. و توضيح ذلك: أن الربا إنما يتحقق باشتراط الزيادة في العقد لا بمجرد اعطائها من غير اشتراط، فانه احسان و يستحب في أداء القرض.

ثم إن الفقهاء ذكروا أن الربا المعاوضي قد يكون بالزيادة العينية كما قد يتحقق

قوله رحمه اللّه: و لا الغرر المنفي... [1]

بالزيادة الحكمية: كاشتراط أحد المتبايعين على الآخر شيئا. و أما اختلاف العوضين في وصف الجيد و الرديء فليس من الربا المعاوضي و إنما يكون ربا في القرض لأن كل قرض يجر نفعا فهو ربا، فلا يعتبر فيه ما يعتبر في الربا المعاوضي فدائرة الربا في القرض أوسع من الربا في البيع، فقد تكون الزيادة ربا في القرض و لا تكون ربا في البيع، و هذا واضح. و إنما المهم تصوير عكس ذلك: أعني ما يكون ربا في المعاوضة مع عدم كونه ربا في القرض، على ما هو ظاهر كلام المصنف رحمه اللّه و هو ما إذا اشترط المقترض شرطا في الدين، فانه ليس نفعا للمقرض، و إنما هو ضرر عليه. نعم إذا انعكس الأمر و اشترط المقرض على المقترض شيئا يتحقق معه الربا، لأنه نفع حكمي يصدق معه عنوان كل قرض يجر نفعا، فعلى هذا يتم استشهاده، فان القرض لو كان من المعاوضات، لكان مقتضى اطلاقات أدلة الربا المعاوضي ثبوت الربا في القرض لعدم ورود دليل خاص ناف للربا في المقام بخصوصه.

[1] ذكر السيد في حاشيته أن ظاهر كلامهم في باب القرض وجوب العلم بالمقدار... إلى أن قال و ناقش في ذلك صاحب الجواهر و هو في محله لاختصاص ما دل على نفي الغرر بالبيع.

(نقول): الظاهر أن الغرر لا يتعقل في القرض، فلا موضوع له، الا أنه ثابت غير منتف كما يظهر من كلام المحشي، و ذلك لأن الغرر بمعنى الخطر و هو إنما يتصور فيما إذا خرج شيء عن ملك الانسان و دخل بأزائه شيء آخر مجهول. و أما إذا فرضنا أن نفس ما يتملكه ينتقل إلى عهدته، فأي خطر يترتب على الجهل به‌؟ فالغرر منتف - في الفرض - موضوعا.

قوله رحمه اللّه: و لا ذكر العوض و لا العلم به... [1]

قوله رحمه اللّه: فما قيل من أن البيع هو الأصل في تمليك الأعيان... [2]

قوله رحمه اللّه: و يظهر من بعض من قارب عصرنا استعماله في معان... [3]

[1] ذكر بعض المحشين أن عدم اعتبار ذكر العوض في القرض إنما هو من جهة كونه بنفسه معلوما دائما فانه المثل إن كانت العين مثلية، و إلاّ فالقيمة و إنما يعتبر ذكره في البيع لعدم كونه معينا في نفسه، فلا ينافي ذلك كونه بيعا. (نقول): قد يتردد الشيء بين أن يكون مثليا أو قيميا، كما أن الشيء القيمي ربما لا تتغير له قيمة كبعض الجواهر النفسية، فليس ما ذكره مطردا في جميع الأعيان. فالصحيح أن يقال: أن القرض ليس معاوضة، ليعتبر فيه ذكر العوض أو العلم به، بل هو - كما ذكرنا - نقل العين إلى العهدة بالغاء خصوصياتها الشخصية التي ليست دخيلة في ماليتها، فعدم ذكر العوض من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

[2] حاصل ما أورده على القائل هو أنه لو أريد من الأصل الأصل اللفظي فهو تام، و الا فلا أصل في البين يعين البيع و ينفى به احتمال غيره. توضيح ذلك: انه إذا ثبت كون تمليك عين بمال هو نفس البيع فان احتمل إرادة غير البيع منه كالصلح مثلا فالأصل اللفظي - أعني أصالة الحقيقة - يعين أن المنشأ به هو البيع دون غيره. و أما إذا لم يثبت الاختصاص بل احتملنا أن يكون مشتركا معنويا بين البيع و غيره من أنواع المبادلة، أو ثبت الاختصاص و لكن لم نعرف انه انشاء التمليك أو الصلح ثبوتا، فليس حينئذ أصل يعين الواقع في البيع. نعم إذا كان لأحدهما أثر زائد يدفع بالأصل.

[3] تعرضه ثانيا لبيان معنى البيع إنما هو من حيث اعتبار القبول فيه و عدمه فحكى عن بعض معاصريه للبيع معان: «الأول» التمليك بشرط تعقبه بالقبول «الثاني»

الإيجاب و القبول معا، إما الانشائيان و إما المعنويان. «الثالث» نتيجة الايجاب و القبول - أعني الانتقال.

ثم أورد على المعنى الأول بأنه فرد من البيع قد ينصرف اليه لفظه لبعض القرائن، لا أنه معنى البيع بحيث يكون لتعقب القبول دخل في حقيقته. نعم تحقق القبول دخيل في امضاء البيع شرعا أو عرفا لا عند البائع، فانه ينشئ التمليك سواء تعقبه القبول أم لم يتعقبه.

ثم ذكر أن التمليك و الملكية يكونان من قبيل الإيجاب و الوجوب بحيث ينفك أحدهما عن الآخر، فإنه قد يوجب الأمر شيئا و لا يتحقق به الوجوب لكونه فاقد شأنية الآمرية، و ليسا من قبيل الكسر و الانكسار ليستحل تخلف أحدهما عن الآخر - انتهى.

و قد أورد عليه السيد في الحاشية باشكال متين حاصله: إن البيع إنما هو التمليك المعاملي و ليس من قبيل الإيقاعات، فهو متقوم برضا الطرفين، و لا معنى لتحقه مع قطع النظر عن قبول الطرف الآخر حتى في نظر شخص المعتبر فضلا عن غيره، و ليس ذلك إلاّ كانشاء تزويج المرأة من دون رضاها و لا علمها، فهل يكون ذلك سببا لتحقق الزوجية حتى في نظر المنشئ‌؟

و الحاصل أن المصدر المجرد لا يتخلف عن المصدر المزيد فيه، لأن معناه تعدية المجرد إلى الغير، فكيف يتحقق المزيد من دون المجرد كما في الإيجاد و الوجود و قد برهن في محله على اتحادهما حقيقة و أن تغايرهما بالاعتبار. و مثله الكسر و الانكسار و الإيجاب و الوجوب، فلا فرق بينهما في ذلك أصلا، فالوجود مطلقا لا يتخلف عن الإيجاد، سواء كان حقيقيا أو اعتباريا. كيف‌؟ و الإيجاد عبارة عن

قوله رحمه اللّه: و كذلك لفظ النقل و الإبدال و التمليك... [1]

الوجود المضاف الى الفاعل.

نعم الإيجاد الاعتباري قد تختلف فيه الأنظار كالإيجاب و الوجوب، فيكون إيجاده عند كل شخص مستلزما لتحق الوجود عنده و ان لم يتحقق عند غيره، و من هذا القبيل التمليك و الملكية بخلاف الكسر و الانكسار فانه أمر حقيقي. و عليه فحيث أن التمليك في البيع معاملي متقوم بالطرفين يستحيل أن يعتبره البائع من دون تعليقه على قبول المشتري حتى في نظره، بل لا بد و أن يعتبر التمليك المعلق على قبول المشتري، فيكون الاعتبار فعليا و المعتبر معلقا كما في الوصية و غيرها من الاعتبارات التعليقية. و لا يتوهم كون التعلق موجبا لفساد العقد، فانه من التعليق على ما يكون العقد معلقا عليه واقعا.

[1] ما أفاده - من عدم توقف صدق تلك العناوين على القبول - و إن كان متينا إلاّ أن قياس البيع عليها قياس مع الفارق. فان الإبدال ليس مرادفا للبيع بل هو عنوان جامع قد يتحقق في ضمن البيع، فتكون المبادلة بين مالين في الملكية و قد تتحقق في غيره كالتبديل في المكان، و هكذا النقل فانه يعم النقل الخارجي و النقل الاعتباري في البيع. و اعتبار القبول إنما هو في المبادلة بين مالين في الملكية.

و أما التمليك فهو مضافا الى عدم اختصاصه بالتمليك الاعتباري - لصدقه على التمليك التكويني - لا يعتبر القبول في مفهومه ان الملكية الاعتبارية أيضا قد لا تتوقف على القبول، كما في الإرث و نتاج الأملاك، بل في الوصية أيضا على الأظهر. نعم ردّ الموصى له يوجب انحلال الوصية، فلو مات و لم يفعل شيئا من الرد و القبول ينتقل المال الى وارثه، فعنوان التمليك جامع للتمليك التكويني و الاعتباري الإيقاعي و المعاملي، فعدم اعتبار القبول في صدق هذه العناوين غير مستلزم لعدم اعتباره في صدق عنوان البيع.

قوله رحمه اللّه: (و أما البيع بمعنى الأثر و هو الانتقال... [1]

قوله رحمه اللّه: (و أما البيع بمعنى العقد فقد صرح الشهيد الثاني... [2]

[1] استحسن قدّس سرّه ما حكاه من توجيه تعريف البيع بالأثر، بأن المراد بالبيع المحدود المبيعية - أعني المصدر المبني للمفعول - و لكنه لا يخفى عليك أنه ان اريد بالأثر الانتقال في نظر الشارع فليس بيعا قطعا، سواء جعل من المبني للفاعل أو من المبني للمفعول، بل هو حكم مترتب على البيع أحيانا، و ربما يتأخر تحققه عن البيع بزمان قصير أو طويل كما في بيع المكره إذا تأخر عنه الرضا و طيب النفس فان عنوان البيع متحقق قبل لحوقه بلا إشكال، و إنما الأثر متوقف على لحوقه، و ان اريد به الانتقال في اعتبار البائع فهو عين تعريف المصنف لا غيره، لأن الانتقال ليس أثر النقل بل هو عينه حقيقة، و اختلافهما - كما عرفت - بالاعتبار فإذا لوحظ صدوره من الفاعل فقط يعبر عنه بالنقل و إذا لوحظ قيامه بمتعقله يعبر عنه بالانتقال.

[2] بعد ما حكى عن الشهيد قدّس سرّه أن إطلاق البيع على العقد بعلاقة السببية استظهار أن مراده بالمسبب هو الأثر الشرعي لا النقل الحاصل من فعل الموجب، فذكر أن إضافة العقد الى البيع ليست بيانية، بل هي من اضافة السبب الى المسبب.

هذا، و قد ذكر قبل أسطر أن الظاهر اتفاق الأصحاب على إرادة هذا المعنى - أي العقد - في عناوين أبواب المعاملات حتى الإجارة و شبهها التي ليست هي في الأصل اسما لأحد طرفي العقد.

و فيما أفاده قدّس سرّه مواقع للنظر: أما عدم كون الإجارة في الأصل اسما لأحد طرفي العقد (ففيه) أن لفظ الإجارة قد يطلق و يراد به الأجرة، و قد يطلق و يراد به المعنى المصدري من الثلاثي المجرد، و على الثاني فهو مرادف للفظ الايجار، فأنه كما يصح أن يقال «آجرتك الدار» يصح أن يقال «أجرتك الدار» و الظاهر أنه أريد هذا

المعنى من قوله تعالى: عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ‌ أي تؤجرني نفسك لا صيرورته أجيرا كما في مجمع البحرين، و اختاره بعض مشائخنا المحققين قدّس أسرارهم. و على ما ذكرناه فالإجارة كالبيع اسم لأحد طرفي العقد. و أما شبه الاجارة فقد ذكر السيد قدّس سرّه في تعليقه ان المراد به الوكالة. و عليه فالجواب عنه أن الوكالة عين التوكيل حقيقة. و الفرق بينهما بالاعتبار، فان لوحظ فيها جهة الاضافة إلى الفاعل يعبر بالتوكيل، و الا يعبر عنها بالوكالة كما في الإيجاد و الوجود فالظاهر أنه ليس في ألفاظ المعاملات لفظ لم يكن في الأصل اسما لأحد طرفي العقد.

نعم لم يلحظ الفقهاء في الموردين من أبواب المعاملات جهة إضافة العقد الى الفاعل - و هما باب الوكالة و باب النكاح - حيث لم يجعل العنوان فيهما التوكيل و الإنكاح، و لعل ذلك لنكتة لم تصل إلينا أو كان لمجرد الصدفة و الاتفاق.

و أما ما ذكره في تفسير مراد الشهيد من المسبب، ففيه أن الأثر الشرعي لم يطلق عليه البيع في عرف و لا في لغة ليكون إطلاقه على العقد حينئذ بعلاقة السببية أو بعلاقة اخرى، فالظاهر - و اللّه العالم - أن مراده بالمسبب هو المنشأ و بالسبب لفظ الإيجاب و القبول، مبنيا على ما سلكه القدماء من أن الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ، فالمسبب حينئذ اعتبار المتبايعين و سببه قول «بعت و اشتريت»، فكأن البيع في الأصل اسم لاعتبار المتعاقدين، و إطلاقه على اللفظ يكون بعلاقة السببية.

هذا، و لكن قد عرفت فساد المبنى و ان الإنشاء ليس الا إبراز الاعتبار النفساني، فلا سببية في البين أصلا.

ثم الظاهر أنه لم يثبت إطلاق البيع على نفس الإيجاب و القبول في مورد من

قوله رحمه اللّه: ان البيع و شبهه في العرف إذا استعمل... [1]

الكتاب أو السنة ليتكلم في وجهه، بل لعل إطلاقه عليه يعدّ من الأغلاط. نعم يصح إطلاقه على المعاهدة بين البائع و المشتري، و منه قولهم «كتاب البيع»، و يعتبر في البيع الإيجاب و القبول، و قولهم «انعقد البيع أو لم ينعقد»، و قوله عليه السّلام: «لا بيع بينهما» و غير ذلك، و هذا الإطلاق المعبر عنه بمبادلة مال بمال معنى مجازي لا محالة، لما عرفت من أن البيع عبارة عن تبديل عين بمال إذا تعقبه القبول، و العلاقة حينئذ ليست هي علاقة السببية و المسببية، بل من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكل. و عليه تكون إضافة العقد إلى البيع و غيره إضافة بيانية.

فتحصل مما ذكر أن البيع له معنيان: «أحدهما» مبادلة مال بمال، أي المعاقدة البيعية. «ثانيهما» تبديل عين بمال إذا تعقبه القبول، و المعنى الثاني معنى لغوي و الأول معنى إجازي اصطلاحي.

[1] لابد من التكلم في مقامين: «أحدهما» في إمكان وضع ألفاظ المعاملات للصحيح. «ثانيهما» انه بناء على وضعها للصحيح كيف يتمسك بإطلاقها.

(أما المقام الأول) فقد ذكر فيه بعضهم أن الصحة أو ملزومها لا تكون دخيلة في مفاهيم المعاملات قطعا، فانها امور عرفية كانت ثابتة قبل الشرع و الشريعة، فلا معنى لدخل الإمضاء الشرعي أو ملزومه في المفهوم العرفي. و قد وجه المصنف قدّس سرّه وضع ألفاظ المعاملات كالبيع للصحيح، بأن الموضوع له فيه إنما هو المنشأ - أعني ما يعلن به الإنشاء - و هو النتيجة الحاصلة من المصدر إذا كان مؤثرا في حصول الملكية و الانتقال واقعا، فتكون الأنظار طريقا اليه، و ان اختلاف الشرع و العرف في ذلك من اختلاف الأنظار في التطبيق و المصاديق، فيكون المنشأ مصداقا للبيع عند من يراه دون غيره من لا يكون مؤثرا عنده، فالمعنى واحد و إنما الاختلاف في

قوله رحمه اللّه: و أما وجه تمسك العلماء باطلاق أدلة البيع... [1]

النظر، و المتبع في بيان المصداق نظر الشرع دون غيره، فعليه يتم وضع اللفظ للصحيح من دون استلزامه أخذ الإمضاء الشرعي في المفهوم.

و فيه ان الاختلاف في المصاديق إنما يعقل في الامور الواقعية المتأصلة، كاختلاف الأطباء في أن الدواء الكذائي حار أو بارد. و أما الامور الاعتبارية - كالملكية التي تقومها بالاعتبار و لا واقع لها سواه - فلا معنى فيها للاختلاف في المصداق، فالبيع مثلا اذا كان موضوعا للمؤثر في الجملة فهو عبارة اخرى عن الوضع للأعم، و ان كان موضوعا لخصوص المؤثر في نظر الشارع فقد عاد المحذور، فان وضعه لخصوص المؤثر في نظر الشارع فقد عاد المحذور، فان وضعه لخصوص المؤثر شرعا بدخل الإمضاء الشرعي أو ملزومه في مفهومه باطل قطعا، و أما احتمال أن يكون البيع موضوعا لما هو المؤثر في الاعتبار الصحيح الناشئ عن المصلحة الواقعية فهو - و ان كان يصح معه الاختلاف في المصداق - الا أنه باطل في نفسه قطعا، فإن صحة الاعتبار و فساده أجنبي عن المفهوم العرفي الذي تجري عليه الاستعمالات العرفية. فتحصل أن احتمال الوضع للصحيح في المعاملات باطل في نفسه و لا يقاس ذلك بالعبادات التي هي ماهيات مخترعة شرعا.

و أما ما حكاه عن الشهيد الثاني قدّس سرّه من الاستدلال على الوضع للصحيح بالتبادر و صحة السلب عن الفاسد و الأخذ بالإقرار، فيرد عليه أن ذلك من جهة الانصراف الناشئ من القرائن الخارجية.

[1] هذا هو المقام الثاني الذي لا بد من التكلم فيه، فنقول: قد بين في محله أن ألفاظ العبادات - على القول بوضعها للصحيح - تكون مجملة لا يتمسك باطلاقها

و لو كان المتلكم في مقام البيان، و ذلك لأن التمسك بالاطلاق فرع إحراز صدق المفهوم على فاقد القيد المحتمل دخله في موضوع الحكم، و مع فرض الوضع لخصوص الصحيح يشك في صدق المفهوم على فاقد ما يحتمل جزئيته أو شرطيته، و من هنا يقع الإشكال في صحة التمسك باطلاقات أدلة المعاملات عند الشك في دخل شيء في صحتها على القول بوضعها للصحيح، مع أن التمسك بها أمر ثابت خلفا عن سلف و لم يتوقف فيه أحد من العلماء، فكيف يجتمع ذلك مع القول بوضعها للصحيح.

و من هنا استدل بعضهم بفعل العلماء إنّا على الوضع للأعم، الا أن شيخنا المصنف قدّس سرّه وجّه التمسك بالإطلاق على القول بالوضع للصحيح بوجهين:

(أحدهما) - انه مبني على استعمال اللفظ في المسبب أعني المنشأ المؤثر واقعا - ما حاصله: أن البيع في قوله تعالى أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌ يحمل على المؤثر عند العرف لورود الخطابات على طريق المحاورات العرفية. و بعبارة اخرى: إن الآية الشريفة و ان لم يكن لها إطلاق كلامي لعدم احراز أول مقدمة من مقدماته، و هي ورود الحكم على المقسم كما عرفت، إلاّ أنه حيث علق التحليل و الإمضاء في الآية الشريفة بالمسبب، و هو لغو من دون امضاء سبب من أسبابه، اذ هو بمنزلة أن يصرح بالغاء جميع الأسباب، فلا يترتب حينئذ على امضاء المسبب اثر أصلا فلابد من حمله على ما هو المؤثر عند العرف صونا لكلام الحكيم عن اللغوية، فتكون النتيجة إمضاء جميع الأسباب العرفية، و يعبر عن هذا بالاطلاق المقامي.

و فيه أنه إنما يتم لو لم يكن في الأسباب العرفية متيقن الاعتبار بالاضافة الى غيرها، و إلاّ فيتعين امضاؤه شرعا و لو من باب صون الكلام عن اللغوية. فلا يثبت

الاطلاق، لاندفاع اللغوية بامضاء الميتقن من السبب.

(ثانيهما) - أن يكون المراد بالبيع في الآية نفس المصدر - أعني الإنشاءات العرفية - فاذا شك في مؤثرية انشاء عرفي كالمعاطاة تمسك باطلاق دليل حليته لاثبات تأثيره.

و فيه أنه خلاف المفروض من كون اللفظ مستعملا في المؤثر في الملكية مثلا فان الاشكال في التمسك بالإطلاق إنما كان مبنيا عليه لا على الاستعمال في معنى آخر.

هذا، و يمكن تصحيح التمسك بالاطلاق بوجه آخر. و حاصله: ان الدليل اذا كان ظاهرا في امضاء معاملة و الحكم بصحتها لا يعقل أن يكون موضوعه ما هو بمعنى قبل ذلك، فلا مناص من كونه البيع العرفي ليرد الامضاء عليه، و عليه فلا مانع من التمسك باطلاقه، و ان قلنا بكون الألفاظ موضوعة لخصوص الصحيح مثلا إذا حكم الشارع بحلية البيع و حرمة الربا، فكون الدليل في المقام الامضاء قرينة على ارادة البيع العرفي، فيتمسك باطلاقه عند الشك في اعتبار شيء في صحته شرعا.

و التحقيق أن القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح باطل جزما، و ذلك لما عرفت من أن البيع و نحوه من ألفاظ العقود و الإيقاعات لم توضع لاعتبارات خاصة مبرزة بمبرز ما في الخارج، فالبيع مثلا موضوع لاعتبار تبديل العين بالعوض في الملكية المتعقب بالقبول إذا أبرز في الخارج، سواء لحقه الإمضاء العرفي أو الشرعي أو لم يلحقه، فيصدق عنوان البيع على الاعتبار المبرز و لو لم يكن في العالم شرع و لا عاقل سوى المتبايعين، و عليه فلا دخل لامضاء العقلاء في صدق مفهوم البيع فضلا عن دخل الامضاء الشرعي فيه. و معه جاز التمسك باطلاق دليله

قوله رحمه اللّه: المعاطاة على ما فسّره... [1]

مهما شك في اعتبار شيء في صحته عرفا أو شرعا من دون فرق بين ما يستفاد منه الامضاء بالمطابقة كما في قوله تعالى: أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌، و بين ما يستفاد منه بالالتزام كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و بذلك يظهر أن التمسك بالاطلاق على ما سلكناه أوسع من التمسك به على التقريب المتقدم، فانه بناء على ما سلكناه يصح التمسك بالاطلاق حتى مع الشك في اعتبار قيد في صحة المعاملة عرفا و هذا بخلاف التقريب السابق، فانه لا بد فيه من إحراز الإمضاء الشرعي و الشك في الصحة شرعا. و هذا هو الفرق بين التمسك بالإطلاق على المسلكين.

المعاطاة

اشارة

[1] المعاطاة عبارة عن عطاء شيء و أخذ شيء كما هو المتعارف في الأسواق خصوصا في الامور اليسيرة، فيعطي أحد فلسا و يأخذ بقلا، و قد وقع الخلاف في حكمها بين الأعلام. و لا بد قبل التعرض لذلك من تقديم أمر تبعا لشيخنا المصنف رحمه اللّه، و هو أن الإعطاء الذي هو محل الكلام - بما أنه فعل اختياري - لا بد و أن يصدر عن قصد ما، فإما أن يقصد به الحفظ من دون أن يتصرف المعطى له فيما أعطاه أصلا فيكون وديعة، و إما أن يقصد به التصرف و الانتفاع مع بقاء عينه فان كان ذلك بعوض كان إجارة و الا كان عارية. و إما أن يقصد به إباحة جميع التصرفات حتى بالاستهلاك من دون تمليك، فيكون إباحة التصرف كما في تقديم الطعام للضيف، و إما ان يقصد به التمليك، فان كان بلا عوض كان هبة و ان كان بعوض كان بيعا. و المعاطاة و ان كانت جارية في جميع ذلك إلا أن محل البحث منها هو الاعطاء بقصد إباحة التصرف أو بقصد التمليك بعوض، و يظهر بذلك الحال في باقي الأقسام.

فالكلام يقع في مقامين:

(الأول) - في المعاطاة التي قصد بها اباحة التصرف، و لا ينبغي الريب في عدم

افادتها الملكية، و أن غاية ما يحصل منها هو اباحة التصرف إما مطلقا أو خصوص ما لا يتوقف على الملك و لم يخالف في ذلك أحد و لم يذهب الى حصول الملك بذلك، و إن كان الظاهر من تقريرات المحقق النائيني قدّس سرّه وقوع الخلاف فيه، الا أنه خلاف المقطوع به، إذ مع عدم قصد الملك كيف يمكن الحكم بترتب الملكية مع عدم دليل يساعد عليه. كما أن ما صنعه (الجواهر) - على ما حكاه الشيخ قدّس سرّه من حمل النزاع بينهم على المعاطاة المقصود بها إباحة التصرف المستلزم لإهمالهم القسم الآخر - غير صحيح كما أفاده المصنف.

فالمهم هو التكلم في المقام الثاني - أعني المعاطاة المقصود بها التمليك - و الأقوال فيها ستة.

(الأول) - ما عن المفيد من أنها تفيد الملك اللازم.

(الثاني) - ما ذهب اليه المحق الكركي من أنها تفيد الملك الجائز، و بالتلف أو التصرف المغير يكون لازما.

(الثالث) - التفصيل بين ما اذا كان مسبوقة بمقاولة كاشفة عن الرضا بالتمليك اللازم، و ما اذا لم تكن مسبوقة بها فتفيد الملك الجائز، و أما التفصيل بين ما اذا كان الدال على المعاملة لفظا و عدمه فهو ليس تفصيلا في محل الكلام كما هو ظاهر، و نسب كل ذلك الى بعض معاصري الشهيد الثاني.

(الرابع) - ما هو المعروف من أنها تفيد إباحة التصرف مطلقا حتى ما يتوقف على الملك.

(الخامس) - انها تفيد إباحة خصوص التصرف غير المتوقف على الملك عن بعض حواشي الشهيد على القواعد.

(السادس) - أنها معاملة فاسدة لا يترتب عليها شيء حتى الإباحة كبقية العقود الفاسدة. حكي ذلك عن العلامة في بعض كتبه و انه عدل عنه في كتبه المتأخرة، و الظاهر انه مبني على عدم شمول أدلة صحة البيع للمعاطاة فلا تفيد الملكية و أما ترتب الإباحة عليها مع أنها غير مقصودة، فهو يحتاج الى دليل آخر غير أدلة إمضاء العقود، و هو غير واضح.

و توضيح الحال في المقام يتوقف على التكلم في الأدلة لنرى انها تشمل المعاطاة أم لا، فنقول:

على المختار من أن الانشاء عبارة عن ابراز الاعتبار النفساني و لا يوجد به أيّ معنى في الخارج و أن البيع اسم للاعتبار المبرز، لا ينبغي الريب في أن المعاطاة بيع حقيقة، فان اعتبار التمليك موجود على الفرض، و لا ينحصر المبرز في كونه لفظا بل يكفي فيه الكتابة و الاشارة و الفعل الخارجي، فيعمه دليل إمضاء البيع من قوله تعالى: أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌ و قوله سبحانه: تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌، كما يعمه دليل لزوم العقد كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. و عليه فما أبداه المحقق النائيني من احتمال أن يكون للفظ دخل في وجود المعنى المنشأ خارجا يكون من السالبة بانتفاء الموضوع، و ان رده قدّس سرّه بوجوه عديدة.

نعم يمكن توهمه على القول بأن الانشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ، فالقاعدة الأولية تقتضي القول الأول المنسوب الى المفيد من أن المعاطاة تفيد الملكية اللازمة و التنزل عن ذلك لا بد و أن يكون بقيام دليل عليه، فان ثبت اجماع على عدم اللزوم في المعاطاة نرفع به اليد عن عموم دليل اللزوم - أعني أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و نخصصه بغير المعاطاة، و حينئذ لو قلنا بأن معقد الإجماع مطلق لا يفرق

فيه بين ما اذا كانت المعاطاة مسبوقة بالمقاولة اللفظية و ما لم تكن ثبت قول المحقق الكركي، و إن قلنا بأن الاجماع دليل لبي لا بد من الاقتصار فيه على القدر المتيقن، و هو ما اذا لم تكن المعاطاة مسبوقة بالمقاولة ثبت التفصيل المتقدم. و أما ان تنزلنا ثانيا - بأن ثبت اجماع أو دليل آخر و لو مثل قوله عليه السّلام: «انما يحلل الكلام و يحرم الكلام» على عدم افادة المعاطاة للملك - فمرجعه الى أن حصول الملكية بها مشروط بالتلف كاشتراطهما بالقبض في بيع الصرف و بالاقباض في الهبة، فإمضاء الملكية شرعا يكون متأخرا عن تحقق البيع أو الهبة، و ما بين الزمانين - أعني زمان العقد الى زمان التلف قد يحكم فيه الشارع بالاباحة، و الدليل عليه هو السيرة العملية، فليس هذا من قبيل ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع، كما لا يكون منافيا لقاعدة العقود تابعة للقصود التي هي من القواعد المسلمة المستفادة من نفس الآية - أعني أَوْفُوا بِالْعُقُودِ - فان الوفاء بكل عقد إنما هو باتمامه على ما قصد من غير حاجة فيها الى دليل آخر.

نعم لو كانت الإباحة الثابتة إباحة مالكية تم الإشكال، فحينئذ إن قلنا بأن السيرة القائمة على الاباحة مطلقة تعم جميع أنحاء التصرف حتى المتوقف على الملك ثبت القول الرابع. و إن قلنا بأنها دليل لبي لا بد فيها من الاقتصار على القدر المتيقن ثبت القول الخامس.

و بهذا البيان ظهر مدرك الأقوال، كما ظهر المناقشة في توجيه كل من المحقق الكركي و صاحب الجواهر الكلمات الأعلام، فان المحقق حمل الإباحة في كلامهم على الملك المتزلزل لا الإباحة المصطلحة لئلا يلزم تخلف العقود عن القصود، و صاحب الجواهر جعل مورد نزاعهم المعاطاة التي قصد بها الإباحة دون ما قصد

قوله رحمه اللّه: للسيرة المستمرة... [1]

بها التمليك قائلا: إن القول بالإباحة الخالية عن الملك مع قصد الملك مما لا ينسب الى أصاغر الطلبة فضلا عن أعاظم الأصحاب، فإن كلا التوجيهين مبني على أن يراد بالاباحة الاباحة المالكية، و قد عرفت أنها اباحة شرعية ثابتة بالسيرة العملية.

[1] قد عرفت بما بيناه أن مقتضى القاعدة في المعاطاة ما ذهب اليه المفيد من كونها مفيدة للملك اللازم، و التنزل عن كل من الجهتين يحتاج الى دليل، فلابد من التكلم في مقامين:

(الأول) - في إفادتها الملك و عدمها، و قد استدل على ذلك بامور:

«منها» - سيرة المتشرعة الكاشفة عن رضا الامام عليه السّلام، فانهم يرتبون على المأخوذ بالمعاطاة آثار الملك. مثلا: اذا اشترى أحد من غيره ثوبا بالمعاطاة فمات قبل أن يتصرف فيه يجعلونه مما تركه و يرون انتقاله الى وارثه كبقية أمواله، مع أن الارث لا يكون الا في الملك. و قد ناقش فيها المصنف بأنها سيرة ناشئة من المسامحة و عدم المبالاة في الدين، فلا تكون كاشفة عن رضا الامام عليه السّلام. و أورد عليه السيد في حاشيته بأن هذه السيرة في المقام لو لم تكن معتبرة لما أمكن التمسك بالسيرة في شيء من مواردها.

و نقول: الظاهر عدم امكان التمسك بسيرة المتشرعة في المقام، و ذلك لعدم امكان اثبات اتصالها بما هي سيرة المتشرعة و كاشفة عن رضا الشارع الى زمان المعصوم عليه السّلام. كيف و مراجع التقليد من القدماء قبل المحقق الثاني كانوا يفتون صريحا بعدم إفادتها الملك، و هل يمكن مع ذلك أن تكون سيرة المتشرعة في تلك الأعصار صحيحة ناشئة عن منشأ صحيح، و هل يشك - على فرض ثبوتها - في كونها ناشئة من عدم المبالاة. و لا تقاس هذه بالسير التي لم تكن مخالفة لفتاوى

قوله رحمه اللّه: عموم أحل اللّه البيع... [1]

مراجع التقليد في زمان ما، فما ذكره السيد قدّس سرّه مما لا وجه له.

و يشهد لما ذكرناه عدم ثبوت السيرة من المتشرعة على إفادتها الملك في الأموال الخطيرة، فما ينبغي أن يتمسك به من السيرة إنما هي سيرة العقلاء بما هم عقلاء، فانها كانت ثابتة قبل الشرع و الشريعة حتى في الامور الخطيرة، و يكفي في امضائها عدم ثبوت الردع عنها و لم يثبت، فان ما يحتمل رادعيته عنها أمران:

الاجماع، و قوله عليه السّلام: «انما يحلل الكلام و يحرم الكلام» و سيأتي عدم تمامية شيء منهما.

و الفرق بين سيرة المتشرعة و سيرة العقلاء أن في الأولى لا بد من إثبات اتصالها الى زمان المعصوم بما أنها سيرة المتدينين ليثبت إمضاؤها، و أما الثانية فيكفي فيها عدم الردع، فكأن الشك في الاولى من الشك في المقتضي و في الثانية من الشك في المانع.

[1] هذا هو الوجه الثاني مما استدل به على افادة المعاطاة للملك، قد يجعل متعلق التحليل في الآية التصرفات المترتبة على البيع كما صنعه المصنف، لأنه استظهر منه الحلية التكليفية، و حيث لم يكن موهم لحرمة البيع تكليفا حتى اذا كان فاسدا ليصح التصريح بحليته، فالتزم بتعلقه بالتصرفات واقعا، و انما اسند الى البيع لفظا من باب المجاز في الاسناد لأن البيع سبب لها، أو من باب الإضمار و المجاز في الحذف فاستند في الاستدلال بالآية على صحة البيع على الدلالة الالتزامية، فان جواز جميع التصرفات مستلزم شرعا لثبوت الملك و صحة البيع. ثم وقع في الاشكال من حيث أن جواز التصرفات تكليفا لازم أعم للملك، و لذا قالوا بثبوته الملك، و لم يتخلص من الاشكال.

و نقول: يمكننا تقريب الاستدلال بالآية بوجهين، و ان كان ثانيهما تقريبا و تتميما لكلام المصنف، و هو خلاف الظاهر في نفسه:

(الأول) - ان الحل في اللغة في مقابل العقد و الشد، يقال: «حبل محلول» في مقابل المعقود و المشدود، و قد ذكر في كتاب أقرب الموارد: «حلّ العقدة من باب نصر نقضها و فتحها، و حلّ المكان أو بالمكان من باب نصر و ضرب حلا و حلولا و حللا نزل به، و حلّ أمر اللّه عليه (ن ض) حلولا وجب، و بهما قرئ «فيحلّ عليكم غضبي». ثم ذكر بعد ذلك: أحلّ اللّه الشيء جعله حلالا. ثم ذكر بعده: الحلال (و هو صفة مشبهة على وزن جبان) ما أباحه اللّه، و سمي حلالا لانحلال عقدة الحظر عنه ضد الحرام، و الخارج من الإحرام».

فما ذكره هذا اللغوي موافق لما استظهرناه، و هو يجتمع مع كل من الحلية التكليفية و الوضعية بحسب اختلاف الموارد، فاذا أسند في كلام الشارع الى الافعال أو الموضوعات الخارجية يراد به الحلّ من حيث التكليف و عدم العقاب، و إذا اسند الى الاعتبارات العرفية يراد به - بمناسبة الحكم و الموضوع - الصحة و النفوذ كما أن الحرمة أيضا يراد بها الفساد إذا اسندت اليها. و عليه فالآية الشريفة بالمطابقة تدل على صحة البيع و إمضائه.

و أما ما ذكره شيخنا المحقق من كون «أحلّ‌» في الآية بمعنى «أقرّ» لأنه مأخوذ من الحل بمعنى الحلول، فهو - و ان كان صحيحا لغة كما عرفت، فان الحل يستعمل بمعنى الاستقرار و الثبوت في مقابل الارتحال، فتارة يتعدى بنفسه فيكون مصدره الحل يقال «حلّ المكان حلا» أي استقر فيه، و اخرى يستعمل لازما فيتعدى بالباء أو لفظة «في»، فيقال «حلّ بالمكان أو فيه»، فيكون مصدره الحلول على مقتضى

القاعدة، و قد استعمل منه أحلّ كما في قوله سبحانه: أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دٰارَ اَلْبَوٰارِ أي أقرهم فيها - إلا أن ظاهر أحلّ في الآية خصوصا بملاحظة مقابلته مع «حرم الربا» هو الحل في قبال العقد لا الثوبت و القرار، و إلاّ لكان المناسب مقابلته بالإزالة، فيقول: و أزال الربا. هذا مع أنه أريد به ذلك في أغلب موارد استعمال هذا اللفظ كقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اَلصِّيٰامِ‌، و قوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ اَلْأَنْعٰامِ و قوله تعالى: لِمَ تُحَرِّمُ مٰا أَحَلَّ اَللّٰهُ لَكَ‌ الى غير ذلك. و قد ذكر في (أقرب الموارد) أن معنى أحلّ إذا اسند الى الشارع جعله حلالا. و بالجملة فظاهر الآية المباركة الحلّ بمعنى الإمضاء، فالمطابقة تدل على نفوذ البيع.

(الثاني) - ما يرجع الى تتميم كلام المصنف و ان كان خلاف الظاهر في نفسه و يمكن تقريبه بوجهين:

«أحدهما» - التمسك بالدلالة الالتزامية العقلية، بأن يقال: إن جواز جميع التصرفات مستلزم لثبوت الملك لأن بعضها يتوقف على الملك، فمن جوازه يستكشف الملك شرعا. و يرده أن جواز التصرف المتوقف على الملك يكشف عن الملك قبله آنا ما، و أما من أول الأمر فلا كاشف عنه أصلا. و أما ما نسبة (شيخنا المحقق) إلى (الآخوند) في حاشيته في تقريب حصول الملكية من أول الأمر بما حاصله: إن فعلية جواز جميع التصرفات من حين العقد تستلزم فعلية الملك، فانه يجوز لهذا الشخص أن يتصرف في هذا المال فعلا على الفرض، و كل من جاز له التصرف فهو مالك فعلا، فهذا مالك فعلا. (ففيه) أن جواز التصرف من حين تحقق العقد - و إن كان فعليا - إلا أنه لا يستلزم فعلية الملك، لأن متعلقه هو التصرف المستلزم لحصول الملك قبله آنا ما، فمرجعه الى أنه يجوز له فعلا أن يملك

فيتصرف و هذا الجواز غير مستلزم لفعلية الملك كما لا يخفى.

ثم انه ربما يقال: بأنه لا يستفاد من الآية المباركة جواز جميع التصرفات حتى المتوقفة على الملك، بدعوى أن موضوع جواز التصرف هو الملك، و الحكم لا يثبت موضوعه، بل ربما يدعى أن دليل توقف الوطء مثلا على الملك يقتضي حصر جواز التصرف المستفاد من الآية بغير التوقف على الملك، و لكنه يندفع (أولا) بأنه بعدما استظهر من الآية اباحة التصرفات المترتبة على البيع لا نشك في أن أظهر مصاديقها عرفا هو التصرفات المتوقفة على الملك، فان العقلاء يرتبون على البيع من التصرفات ما لا يرتبونه على غير البيع من الإباحة و نحوها، كما في موارد الضيافة و تقديم الطعام الى الغير، و هذا أمر ظاهر. (و ثانيا) إن الحكم و ان كان لا يثبت موضوعه خارجا و أما كشفه عن وجوده فلا مانع منه كما في المقام، و عليه فتكون الآية كاشفة عن تحقق الملك، فلا يعقل كون دليل التوقف مخصصا للحكم المستفاد منها.

«ثانيهما» - التمسك بالدلالة الالتزامية العرفية، فان الحكم بجواز التصرف في الثمن أو المثمن تكليفا ظاهر عرفا في امضاء البيع، كما أن المنع عن التصرف فيه ظاهر عرفا في فساده، كما استظهرنا ذلك من قوله عليه السّلام: «ثمن العذرة سحت». و السر في ذلك أن إباحة التصرف إذا كانت بعنوان المالكية و مترتبة على الملك فهي عبارة اخرى عن إمضاء الملك، و لا يقاس هذه باباحة التصرف لا بذاك العنوان، و قد رتب حلّ التصرف في الآية الكريمة على البيع، فظهوره في الإمضاء عرفا غير قابل للإنكار.

قوله رحمه اللّه: وجه التمسك بقوله تعالى: إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌... [1]

قوله رحمه اللّه و أما قوله عليه السّلام الناس مسلطون على أموالهم... الخ [2]

[1] تقريب الاستدلال به على نحوين كما عرفت في الآية المتقدمة، لأن الأكل في الآية كناية عن التملك لا الأكل الخارجي، فنهى سبحانه عن تملك الأموال بالأسباب الباطلة إلا أن تكون تجارة عن تراض، فيجوز التملك بها، فحينئذ إن قلنا بأن الجواز اذا استند الى الاعتبارات العرفية يراد به الصحة فتدل الآية بالمطابقة على صحة ذلك. و إن قلنا بأنه ظاهر في الجواز التكليفي فبالدلالة الالتزامية العرفية تدل عليها على ما عرفت في الآية السابقة.

ثم لا يخفى أن ما حكي عن الغنية من دعوى الإجماع على أن المعاطاة ليست بيعا فهو مكابرة للوجدان، فان القائل بعدم افادتها الملك أيضا لا ينفي صدق البيع عليها عرفا. و من هنا حمل كلامه على نفي الصحة أو اللزوم.

[2] هذه الرواية ضعيفة السند و الدلالة: أما من حيث السند فلأنها نبوية محكية في البحار و لم تنقل في الاصول المعتبرة، و دعوى انجباره بعمل المشهور واهية لعدم احراز استناد المشهور اليها و ان ذكروها في مقام الاستدلال على انّا بيّنا في بعض مباحث الاصول أن مجرد عمل المشهور لا يكون جابرا لضعف الرواية ما لم يرجع الى توثيق راوتها، و إذا رجع إلى ذلك يكفي عمل بعضهم أيضا.

و أما من حيث الدلالة فلأن محتملاته ثلاثة:

(الأول) - أن يكون ناظرا إلى سلطنة المالك على ماله حتى من حيث أن الناس مسلطون على أموالهم، و لو بنقل أموالهم بكل سبب من أسباب النقل و لو كان مجعولا من المتبايعين، فيعم ما إذا تبانى شخصان على انتقال مال كل منهما إلى

الآخر إذا دخلا المكان الفلاني مثلا، فيكون نافذا بعموم النبوي.

(الثاني) - أن يكون ناظرا إلى السلطنة من حيث أنواع التصرفات، فاذا شك في جواز بعض التصرفات من أكل أو شرب أو إيجار شيء مثلا يلتزم بجوازه بمقتضى النبوي، و هذا الاحتمال مختار المصنف قدّس سرّه.

(الثالث) - أن يكون ناظرا الى سلطنة المالك من جهة إضافة المال إليه في مقابل الحجر لا من حيث سائر الأحكام الشرعية التي لا ربط لها بحيثية إضافة المال إلى مالكه، فمفاد النبوي أن سلطنة الناس على أموالهم من حيث إضافتها اليهم تامة فلا تتوقف تصرفاتهم المشروعة النافذة على اذن الغير و إجازته. و عليه فكلما احتملنا دخل إجازة الغير في صحة عقد بعد ثبوت جوازه تكليفا و وضعا - كما احتملوا اعتبار إذن الزوج في هبة الزوجة أموال نفسها إلى الغير - يدفع ذلك بالنبوي.

و الظاهر من الاحتمالات هو الأخير دون الاحتمالين الأولين، و من هنا لم يتمسك به أحد على جواز أكل ما يشك في حليته من أجزاء الحيوان المملوك، و لا على حلية أكل لحم الأرنب المملوك مثلا. و سر ذلك ما بيناه من عدم كون النبوي ناظرا إلى الأحكام الشرعية التي يشك فيها من غير جهة اضافة المال الى مالكه، فالنبوي أجنبي عما نحن فيه، فالاستدلال إنما يكون بالوجوه الثلاثة المتقدمة.

قوله رحمه اللّه: مستلزم لتأسيس قواعد جديدة... [1]

قوله رحمه اللّه: «منها أن العقود»... [2]

[1] لو تنزلنا عما بيناه من الاستدلال على افادة المعاطاة الملك من حين حدوثها بالسيرة و الآيتين فهل يمكن اثبات ذلك بما حكاه المصنف عن كاشف الغطاء من الاستبعادات، بأن يقال بعد الفراغ عن بطلان القول بفساد المعاطاة رأسا و عدم ترتب الأثر عليه أصلا حتى الاباحة المجردة عن الملك: ان أمرها يدور بين إفادة الملك من أول الأمر أو اباحة التصرف، فاذا كان الثاني مستلزما لتأسيس قواعد جديدة لم تكن مؤسة في الشريعة المقدسة تعين الأول، و سنين توضيح ذلك ان شاء اللّه تعالى.

[2] هذا هو الوجه الأول من وجوه الاستبعاد، و حاصله: ان ترتب الاباحة على المعاطاة مستلزم لوقوع ما لم يقصد و عدم وقوع ما قصد، و هو مناف للقاعدة المسلّمة - أعني تبعية العقود للقصود.

و قد أجاب عنه المصنف حلا و نقضا:

أما الحل فحاصله: ان المعاطاة عند القائل بالإباحة المجردة ليست من العقود الممضاة شرعا، ليكون الحكم بصحتها مع عدم ترتب الأثر المقصود عليها مستحيلا، بل هي معاملة فعلية لم يدل على صحتها دليل، و انما حكم فيها بالاباحة بدليل خاص دلّ عليها.

و أما النقض فنذكر فيه موارد قد زعم تخلف العقد فيها عن قصد المتعاقدين فليس ذلك أمرا مستنكرا في الشريعة:

(أحدها) - العقد الفاسد، فان العلماء أطبقوا على كونه مؤثرا في الضمان بالمثل أو القيمة السوقية فيما اذا كان مما يضمن بصحيحه، و عللوه بأن المتعاقدين أقدما

على الضمان مع أهما لم يقصدا إلا الضمان بالمسمى، فتخلف المقصود عما وقع.

(ثانيها) - الشرط الفاسد بناء على عدم كونه مفسدا، فان المعاملة حينئذ لم تقصد إلا مقرونة به و وقعت مجردة عنه.

(ثالثها) - بيع ما يملك و ما لا يملك كبيع الشاة و الخنزير، أو بيع مال نفسه و مال غيره مع عدم إجازة مالكه، فانه صحيح في خصوص المملوك مع أن ما قصد إنما هو بيع المجموع.

(رابعها) - بيع الغاصب لنفسه، فانه يقع للمالك اذا أجاز.

(خامسها) - ترك ذكر الأجل في عقد النكاح نسيانا اذا كان المقصود به الانقطاع، فانه ينقلب دائما.

و نقول: أما ما ذكره في الحل فالأولى تتميمه بأن يقال: إن القائل بالاباحة ان أراد ترتبها الى الأبد فما أفاده في ذلك متين جدا، لأن الواقع حينئذ ليست اباحة مالكية مستندة الى صحة العقد و انما هي اباحة شرعية ثابتة بدليل خاص.

و إن أراد ثبوتها الى زمان التصرف المتوقف على الملك فيثبت الملك قبله آنا ما، فيكون المقصود، و هو الملك واقعا و لم يقع غيره، غاية الأمر تأخر امضاؤه شرعا لاشتراطه بالتصرف كاشتراط الملك بالقبض في بيع الصرف. و الفرق بين الموردين ان التصرف في بيع الصرف غير جائز قبل القبض، و فيما نحن فيه ثبتت الاباحة الشرعية قبل التصرف. و لا ينافي ذلك تبعية العقود للقصود لأن التخلف انما يكون بحصول خلاف المقصود بعد إمضاء المعاملة.

و أما النقوض فشيء منها غير وارد:

(أما الأول) فلأن الاقدام ليس من موجبات الضمان ليلزم التخلف، و لذا لا يثبت

الضمان في نفس الفرض اذا كان التلف في يد المالك، و انما الموجب له اليد اذا لم تكن مجانية، كما في الإجازة و العارية و الوديعة و نحو ذلك، لقوله عليه السّلام: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي». و أما ذكر الاقدام في المسالك فليس للاستدلال به مستقلا و إنما هو تتميم الاستدلال باليد و بيان عدم كونها مجانية.

(و أما الثاني) فيرده أن الشرط إن رجع الى العقد بحيث قصد تعليقه عليه فهو مفسد للعقد - سواء كان فاسدا أو لم يكن - لأن التعليق في العقد و الايقاع موجب للفساد إلا في الوصية و التدبير بلا خلاف و في موارد اخر على كلام فيها، و ان لم يرجع الى العقد فالعقد مطلق بالاضافة اليه و لم يقصد اقترانه به، و انما يكون الوفاء و الالتزام بالعقد مشروطا به، فان كان الشرط صحيحا موافقا للكتاب يجب الوفاء به بمقتضى النصوص و تخلفه يوجب الخيار، و ان كان فاسدا فالوفاء به غير واجب قطعا، لما ورد من أن شرط اللّه أسبق، فيخصص عموم قوله عليه السّلام: «المؤمنون عند شروطهم» بما اذا لم يخالف الكتاب و السنة. و أما استلزام تخلفه الخيار ففيه كلام، و المختار ذلك على ما سيأتي توضيحه إن شاء اللّه تعالى.

(و أما الثالث) فالواجب عنه أن البيع المتعلق بما يملك و ما لا يملك منحل الى بيعين قد انشئا بانشاء واحد، فاذا قال البائع: «بعتك الشاة و الخنزير بعشرين» فكأنه قال: «بعتك الشاة بعشرة و الخنزير بعشرة» فيما اذا كانت قيمتهما متساوية فصحة البيع في أحدهما و فساده في الآخر لا يوجب تخلف ما قصد عما وقع، و انما يوجب تخلف الانضمام الذي هو شرط ضمني، فيثبت خيار تبعض الصفقة.

(و أما الرابع) فيرده أن تعيين المالك في البيع ليس من أركانه لأنه تبديل بين المالين، و من هنا لا يكون السؤال عن المالك متعارفا في مقام البيع و الشراء.

قوله رحمه اللّه: منها: أن يكون ارادة التصرف من المملكات... [1]

نعم لتعيين الطرفين دخل في النكاح كما هو واضح. و عليه فقصد الغاصب البيع لنفسه يكون قصدا أجنبيا عن البيع، فكيف يوجب تخلفه تخلف العقد عن القصد.

(و أما الخامس) فترك ذكر الأجل في العقد المقصود به الانقطاع يتصور على وجهين:

«أحدهما» - أن ينسى قصد الانقطاع حين العقد فيقصد به الدوام. و في هذا القسم يتحقق النكاح الدائم و لا يلزم منه تخلف العقد عن القصد لتعلقه حين العقد بالدوام، و انما كان من قصد المتعاقدين الانقطاع قبل ذلك فنسياه. و نظيره ما اذا خرج أحد من داره قاصدا شراء اللبن فاذا وصل الى السوق نسي فاشترى جبنا فهل يمكن في مثله القول بأن ما وقع لم يقصد و أن ما قصد لم يقع و على هذا القسم تحمل الأخبار و ما في كلمات بعض الفقهاء من انقلاب العقد دائما.

«ثانيهما» - أن يقصد الانقطاع حتى حين العقد و يتعلق به الاعتبار، غاية الأمر وقع الاشتباه في اللفظ فقط فلم يذكر الأجل. و في هذا الفرض لا مناص من القول بالبطلان، لأن ما اعتبر لم ينشأ و ما أبرز لم يكن معتبرا.

[1] أجاب عنه قدّس سرّه بما حاصله: نفي البعد عن ذلك إذا اقتضاه الدليل أو ضم دليل إلى آخر، فان الجمع بين دليل جواز مطلق التصرفات و بين ما دل على توقف جملة منها على الملك يقتضي حصول الملك، فاذا انضم اليهما استصحاب عدم تحققه إلى زمان التصرف ثبت كون التصرف موجبا له. و نظيره تصرف ذي الخيار فيما انتقل عنه بما يتوقف على الملك. و بهذا ظهر الحال في مملكية التلف، فانه كاشف عن ثبوت الملك قبله آنا ما على ما يقتضيه الجمع بين الأدلة - أعني الاستصحاب الاجماع على ثبوت الضمان بالمسمى عند التلف لا المثل أو القيمة. فاذا لا وجه لقوله قدّس سرّه

قوله رحمه اللّه: و منها: ان الأخماس... [1]

في التلف القهري: «ان ملك التالف» - الخ.

[1] ما ذكره المصنف في الجواب عن تعلق الأخماس و الزكوات و الاستطاعة و وجوب النفقات إلى آخرها بما في اليد مع العلم ببقاء مقابله في ملكه اما وجدانا و إما تعبدا بأصالة عدم التصرف فيه غير خال عن التشويش. و الذي ينبغي أن يقال:

إن بعض تلك الامور غير متوقفة على الملك، كوجوب الانفاق فانه متوقف على ملك التصرف، و لذا يجبر على الانفاق بمجرد ذلك و ان لم يملك العين و هكذا أداء العين و كذلك الاستطاعة، فانها قد تحصل بالبذل و قد تحصل بالملك و قد تحصل باباحة التصرف.

و أما المقاسمة فالمراد بها حق التقسيم، فان كل شريك له إفراز ما له عن مال صاحبه إذا كان مشاعا، و إذا امتنع يجبر على الافراز، فان كان المال بنفسه قابلا للقسمة يقسم و ان لم يكن قابلا للتقسيم لاستلزامه نقصا في قيمته كما في الجواهر الثمينة أو اعدامها كما في الكوز فيباع و يقسم ثمنه. و قد استبعد قدّس سرّه ثبوت هذا الحق للمعطى له فيما اذا باع الشريك حصته منه بالمعاطاة، مع انه ليس مالكا و لا شريكا في المال على القول باباحة التصرف. و الجواب عنه ان حق التقسيم غير متوقف على الملك، بل يثبت باباحة التصرف أيضا، فانه من جملة التصرفات.

و أما حق الشفعة فاستبعد قدّس سرّه ثبوته فيما اذا باع أحد الشريكين حصته بالمعاطاة لعدم تبدل في المالك أصلا، و إنما ابيح التصرف بسبب المعاطاة كما قد يباح بالاذن، و هكذا يستبعد ثبوته للمعطى له فيما اذا باع الشريك الآخر حصته من شخص آخر مع عدم كونه مالكا و لا شريكا. و الجواب عن ذلك انه اذا قامت السيرة على ثبوت الشفعة في المعاطاة فهي المرجع و المستند تبدل المالك أو لم يتبدل، و الا فلا نقول بها.

و أما الربا فهو إنما يوجب الفساد في البيع لاعتبار أن يكون مثلا بمثل، و أما الزيادة في إباحة التصرف فلم يقل أحد بكونها مفسدا، كما اذا أباح أحد للآخر التصرف في (منّ‌) من الحنطة و الآخر أباح له التصرف في (منين)، فان ذلك لا يكون فاسدا، و لذا استبعد ثبوته في المعاطاة في فرض عدم إفادتها سوى إباحة التصرف.

و الجواب عنه أن الفساد في المقام ليس من جهة كون الزيادة فيما يباح فيه التصرف ربا، و انما هو من جهة أن مورد الكلام في المعاطاة التي قامت السيرة على ثبوت الاباحة فيها هي المعاطاة الجامعة لجميع ما يعتبر في صحة البيع سوى اللفظ فلا يعم المعاطاة الفاسدة من سائر الجهات، كما اذا كان أحد المتعاطين مجنونا أو سفيها أو صغيرا أو كان البيع غرريا. و من الظاهر ان الربا في البيع موجب لفساده فاذا ثبت في المعاطاة تفسد من جهة عدم اشتمالها على ما يعتبر في صحة البيع.

و أما الغنى فهو عبارة عن القدرة على إمرار المعاش بأيّ نحو كان و لو بإعالة الغير إياه، و يقابله الفقر كما هو واضح. و أما الخمس فان قام على تعلقه بالمأخوذ بالمعاطاة دليل من سيرة المتشرعة على تفسيق تاركه أو غير ذلك نقول به و إلا فلا نقول بوجوبه في ذلك.

ثم الظاهر ان مراد كاشف الغطاء من مورد تعلق الخمس ما اذا اشترى أحد ما يساوي ألف درهم مثلا بعشرة دراهم فبقي عنده الى آخر السنة و لم يحتج الى صرفه في مؤنة سنته لاستغنائه عنه فيجب عليه اخراج خمسه مع عدم كونه ملكا له. و ليس المراد ما زعمه (شيخنا المحقق) في حاشيته من فرض التكسب بالمعاطاة مرارا عديدة الى آخر السنة و وجوب الخمس فيما زاد له من رحبها، فأشكل عليه بكونه مسبوقا بالتكسب و التصرف في المال، و هو للملك.

قوله رحمه اللّه: و أما حصوله في يد الغاصب... [1]

قوله رحمه اللّه: و منها: أن النماء الحادث... [2]

و أما الزكاة فإن كان المأخوذ بالمعاطاة بمقدار النصاب و كان مالكه مكلفا بها فتعلقها بالمال ثابت بغير إشكال، غاية الأمر يكون هناك بحث علمي في أن المكلف بالاخراج هو المالك أو المعطى له‌؟ و أما اذا لم يكن ما أخذه بالمعاطاة بنفسه بحد النصاب و انما بلغ الحد بضمه الى ما كان يملكه قبل ذلك أو كان في نفسه بحد النصاب و لكن لم يكن مالكه مكلفا بالزكاة لصغر أو جنوب و قد أخذه من وليه، فحينئذ إن لم يقم دليل على وجوب الزكاة فيه فلا نقول به، و الا فهو المرجع في ذلك.

و بما ذكرناه ظهر الجواب عن سائر الامور المذكورة في المقام.

[1] الظاهر أنه يجوز مطالبة العين من الغاصب لكل من المالك و المعطى له قبل التلف، أما المالك فلكونه مالكا، و أما المعطى له فلكونه مأذونا في التصرف و المطالبة من التصرف. و أما بعد التلف فيضمن الغاصب للمعطى له فقط لدخول العين في ملكه قبل التلف آنا ما، إذ لا فرق في ذلك بين أن يكون التلف في يد المعطى له أو يد غيره.

[2] نقول: إن ثبت دليل من سيرة أو غيرها على انتقال الفرع أو مع أصله إلى ملك المعطى له بحدوث النماء فنلتزم به، و يكون حدوث النماء كالتصرف و التلف و إلا فالنماء بحكم الأصل من حيث جواز التصرف فيه إن قام على تبعيته دليل، و إلا فلا يجوز تصرف المعطى له في النماء. هذا كله بناء على ما يظهر من كلام المصنف قدّس سرّه من عدم استناد الملك الى المعاطاة أصلا، و أما بناء على إفادته الملك بعد التصرف أو بعد التلف مثلا بنحو الشرط المتأخر لتوهم قيام الإجماع على

قوله رحمه اللّه: أوفقها بالقواعد هو الأول... [1]

عدم الملك من أول الأمر، فاندفاع كثير مما ذكره بعض الأساطين في غاية الوضوح. و عليه فلا مانع من الالتزام بملكية النماء و أصله من أول حدوثه، إذ لابد من الاقتصار في الخروج على القدر المتيقين، و هو صورة عدم حدوث النماء، و أما فرض حدوثه فيبقى تحت العام. فالانصاف أن شيئا من المذكورات لا يستلزم تأسيس قواعد جديدة ليلزم الفرار منه الالتزام بثبوت الملك في المعاطاة من أول الأمر، إلا أن في الوجوه الثلاثة المتقدمة كفاية في ثبوت المطلوب.

[1] هذا هو المقام الثاني الذي لا بد من التكلم فيه، و هو لزوم الملك الثابت بالمعاطاة، و تفصيل الكلام في ذلك هو أن العقود بعضها جائزة تنحل بالفسخ، كعقد الوكالة و الوديعة و العارية و نحو ذلك، و بعضها لازمة لا تنحل بذلك كالبيع و الإجارة، فاذا شككنا في جواز عقد و انفساخ نتيجته بفسخ أحد المتعاقدين و عدمه فالمعروف أن الأصل يقتضي لزومه و بقاء نتيجة العقد.

هذا، و مع قطع النظر عما اخترناه من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية يقع البحث في هذا الاستصحاب من جهات: «الاولى» - في أن الاستصحاب في المقام شخصي أو كلي. «الثانية» - في انه لو كان كليا فهل يكون جاريا أو غير جار. «الثالثة» - في بيان ما هو الوظيفة اذا شككنا في ذلك. و جميع الجهات الثلاث مستفادة من كلام المصنف - قدّس سرّه - مع اختصاره:

(أما الجهة الاولى) فالظاهر ان الاستصحاب شخصي، لأن اللزوم و الجواز ليسا من الخصوصيات المصنفة للملك ليقال: إن الحادث إنما هو الملك المشترك بين الجائز و اللازم. و اما الملك سنخ واحد، و هما من أحكامه المترتبة عليه بحسب اختلفا الموارد، كالهبة الى الرحم و إلى الأجنبي اذا لم يقصد بها القربة، أو اختلاف

الأسباب كالتمليك بالهبة أو بالصلح، مع ان المنشأ في جميع الموارد شيء واحد و هو الملك الدائم. و الشاهد على ذلك ما ذكره بقوله قدّس سرّه: «و يدل عليه... الخ».

و حاصله: ان اللزوم و الجواز لو كانا من الخصوصيات فتخصيص الطبيعي باحدى الخصوصيتين إن كان باعتبار المالك لزم التفصيل بين الموارد بقصد المالك الجواز أو اللزوم، و هو بديهي البطلان، مع ما عرفت من انه في جميع الموارد على نهج واحد، و إن كن بامضاء الشارع لزم تخلف ما وقع عما قصد، و هذا متين جدا.

بل التحقيق أن يقال: إن القسم الثاني من الاستصحاب الكلي متقوم بكون الحادث مرددا بين حقيقتين شخصيتين أو نوعيتين، أو غيرهما يكون اثر أحداهما البقاء و أثر الاخرى الارتفاع، و أما مجرد الشك في البقاء فهو مما يتقوم به أصل جريان الاستصحاب، فمورد الاستصحاب الكلي ما اذا علمنا مثلا بدخول انسان في الدار مرددا بين كونه زيدا و قد خرج و كونه عمروا فهو باق أو يحتمل بقاؤه، أو علمنا بنجاسة الثوب و ترددت بين الناشئة عن الملاقاة مع البول التي تبقى بعد الغسل مرة واحدة و الناشئة عن ملاقاة الدم التي تزول بذلك، أو علمنا بالحدث المردد بين الأكبر و الأصغر. و أما اذا لم يكن الحادث مرددا بين حقيقتين - كما اذا علمنا بأن النجاسة حادثة بسبب الملاقاة مع الميتة و لكن شككنا في بقائها بعد الغسل مرة واحدة للشك في كونها ملحقة بالنجاسة البولية أو ملحقة بالنجاسة الدموية - فليس من موارد الاستصحاب الكلي، فان الشك في البقاء غير الترديد، بل لا بد و ان يستصحب شخص النجاسة المتيقنة، فيكون الاستصحاب شخصيا.

و ما نحن فيه من هذا القبيل، فان المفروض ان الملك حادث بالمعاطاة، و لا ترديد في حقيقته، و انما الشك في ان المعاطاة جائزة كالهبة أو لازمة كالبيع اللفظي

قوله رحمه اللّه: كفاية تحقق القدر المشترك... [1]

فلا محالة يستصحب بقاء شخص الملك. نعم اذا شككنا في كون العقد الواقع صلحا لازما أو هبة جائزة كان الحادث مرددا بين حقيقتين، و كان من موارد جريان الاستصحاب الكلي.

[1] هذه هي الجهة الثانية و ظاهر المصنف جريان استصحاب بقاء الملك و لو فرض كون اللزوم و الجواز من الخصوصيات و كان الاستصحاب كليا. و أشكل عليه المحقق الخراساني في حاشيته بأن الشك في البقاء حينئذ من الشك في المقتضي، و هو قدّس سرّه يرى عدم جريان الاستصحاب فيه (و فيه) ان ما أراده - قدّس سرّه - من الشك في المقتضى على ما يظهر من مجموع كلماته ان يكون احتمال ارتفاع الحادث لمجرد مرور الزمان مع قطع النظر عن حدوث أيّ زماني في العالم، كالشك في ارتفاع علقة الزوجية في النكاح المردد بين الانقطاع و الدوام، أو انقضاء مدة الإجارة من جهة الشك في مقدارها المجعول في العقد أو نحو ذلك، و الا فإن كان احتمال الارتفاع مستندا الى حدوث زماني آخر فهو من الشك في الرافع، و المقام من هذا القبيل، فان احتمال ارتفاع الملك انما هو من جهة احتمال رافعية الفسخ له كما هو ظاهر.

نعم أورد على الاستصحاب الكلي إيرادان نتعرض لهما مقدمة لبيان عبارة المصنف - قدّس سرّه - في الجهة الثالثة كما ستعرف:

(الأول) - عدم اتحاد القضية المتيقنة و المشكوك فيها، فان ما يحمل بقاؤه إنما هو الفرد الطويل و لم يتعلق المتيقن بحدوثه و انما تعلق بالفرد المردد، فمتعلق اليقين و الشك أمران. و فيه ان اليقين لم يتعلق بشيء من الخصوصيتين و إنما يرى بالوجدان أنه شاك في ذلك. و من الظاهر أن المتيقن غير المشكوك فيه، كما أن الشك أيضا متعلق ببقاء الجامع.

قوله رحمه اللّه: مع انه يكفي الاستصحاب... [1]

(الثاني) - أن الشك في بقاء الكلي مسبب عن الشك في حدوث الفرد الطويل فاستصحاب عدم حدوثه حاكم عليه. و فيه أن الشك ليس في حدوث الفرد الطويل ليستصحب عدمه، و انما الشك في أن الحادث أيّ شيء هو؟ و من الواضح ان استصحاب عدم كونه من الفرد الطويل أزلا معارض باستصحاب عدم كونه من القصير كذلك، و تفصيل الكلام في ذلك موكول الى محله. و عليه فالقسم الثاني من الاستصحاب الكلي يكون جاريا مع قطع النظر عما ذكرناه من الإشكال في استصحاب الأحكام الكلية مطلقا، فلا مانع من الرجوع اليه في المقام.

[1] هذه هي الجهة الثالثة من الكلام، و هي فيما اذا لم نحرز كون استصحاب بقاء الملك من الاستصحاب الكلي لأحد الوجهين المتقدمين، و قد ظهر الحال فيها بما بيناه فان المنع عن جريان الاستصحاب الكلي إن كان مستندا الوجه الأول فالاستصحاب غير جار اذا لم يمكننا احراز كون الاستصحاب شخصيا، لأن التمسك بحديث «لا تنقض اليقين بالشك» حينئذ من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. و ان كان المستند هو الوجه الثاني - أعني وجود الأصل الحاكم - فاستصحاب بقاء الكلي جار في الفرض، لعدم الأصل الحاكم فيه، و الحكومة الظاهرية متقومة بالوصول، و لا يكفي وجوده الواقعي في رفع اليد عن الأصل المحكوم.

و بعبارة واضحة: اذا كان منشأ المنع عن جريان الاستصحاب الكلي الوجه الأول فالشك يكون في المقام في تحقق موضوع الاستصحاب فلا يجري، و ان كان هو الوجه الثاني فالشك يكون في المانع، و هو في حكم العدم. و الى هذا الوجه نظر المصنف بقوله: «مع انه يكفي في الاستصحاب الشك في أن اللزوم من خصوصيات

الملك» الى آخر ما أفاد.

و الحاصل أنه بعد البناء على المنع عن الاستصحاب الكلي لأحد الوجهين من عدم إحراز اتحاد القضيتين و حكومة أصالة عدم حدوث الفرد الطويل ذهب المصنف الى جريان الاستصحاب فيما اذا شك في كونه شخصيا أو كليا، حيث قال:

(مع انه يكفي في الاستصحاب الشك) الخ. و قد ذكرنا أنه ناظر الى ثاني الوجهين حيث أن الحكومة الظاهرية متقومة بالوصول و في فرض الشك ليس الأصل الحاكم محرزا ليمنع الرجوع الى المحكوم.

هذا و قد وجه المحقق النائيني رحمه اللّه بأنه إنما لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية فيما اذا كان المخصص المنفصل لفظيا، و أما اذا كان عقليا فلا مانع من الرجوع اليه و في المقام لم يرد مخصص لفظي دال على خروج الاستصحاب الكلي عن قوله عليه السّلام: «لا تنقض اليقين بالشك»، و انما العقل خصصه بذلك لأحد الوجوه المذكورة، فاذا شك في كون الاستصحاب كليا أو شخصيا يرجع الى اطلاق «لا تنقض اليقين بالشك».

و فيه بعد تسليم ما أفاده من الرجوع الى العام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصص لبيا - و ان كان لنا كلام في ذلك تعرضنا له في بحث العام و الخاص - انه انما يصح ذلك فيما اذا كان المشتبه داخلا في موضوع العام ذاتا، و الا فلا معنى للرجوع الى العام أصلا. مثلا: اذا ورد لعن بني امية قاطبة و استقل العقل بقبح لعن المؤمن منهم فعلمنا أن المراد من العام غير المؤمن من بني امية ثم شككنا في كون زيد مؤمنا جاز لعنه بمقتضى العموم، إلا أه اذا شك في كونه من بني امية أو من غيرهم لا معنى للحكم بجواز لعنه تمسكا بالعام. و ما نحن فيه من هذا القبيل فان

قوله رحمه اللّه: فلا اشكال في أصالة اللزوم... [1]

قوله رحمه اللّه: نعم لو تداعيا احتمل التحالف... [2]

موضوع دليل الاستصحاب انما هو عنوان نقض اليقين بالشك، و هو متقوم باتحاد المتيقن مع المشكوك فيه ليكن رفع اليد عن اليقين السابق مصداقا لنقض اليقين بالشك، فاذا لم يحرز ذلك لا محالة يشك في تحقق موضوع الاستصحاب، فلا ربط له بالتمسك بالعام في الشبهة المصداقية. فالصحيح ما ذكرناه من ان المصنف ناظر في كلامه الى الوجه الثاني، فانه هو المهم في المنع عن جريان الاستصحاب الكلي دون الوجه الأول، فانه واضح الدفع على ما بين في محله.

و قد تلخص مما تقدم ان استصحاب بقاء الملك جار إما لكونه شخصيا، و إما لجريان الاستصحاب الكلي، و إما لكفاية الشك في ذلك.

[1] بناء على المختار من جريان اصالة اللزوم عند الشك في بقاء الملك يكون مدعى اللزوم منكرا لموافقة قوله الأصل، و مدعي الجواز مدعيا لأنه الذي اذا ترك ترك، و هذا واضح.

[2] كأنه - قدّس سرّه - أراد أن يفرق بين ما اذا كان مصب الدعوى نفس اللزوم و الجواز و ما اذا كان مصبها ملزوم ذلك كما اذا ادعى احد المترادفين أن التمليك كان بالصلح و قال الآخر انه كان بالهبة فهو جائز، فأدخل الفرض الثاني في باب التداعي، لأن الأصل يقتضي عدم تحقق كلا الأمرين و بالمعارضة يسقطان إلا ان الظاهر لحوقه بالفرض الأول.

(أما أولا) فلأن الميزان في تعيين المدعي و المنكر إنما هو بموافقة الأصل و مخالفته مع أحد المترافعين فيما له دخل بمورد النزاع لا في مصب الدعوى مطلقا و ان كان اجنبيا عن ذلك. و في المقام مورد النزاع هو اللزوم و الجواز، و أما السبب

قوله رحمه اللّه: عموم قولهم: «الناس مسلّطون»... [1]

فلا أثر له في ذلك، و قد عرفت موافقة الأصل في ذلك للقائل باللزوم.

(و ثانيا) - أن الأصل من حيث مصب الدعوى أيضا مع مدعى اللزوم و ذلك لأن استصحاب عدم تحقق الصلح مثلا غير جار في نفسه، لعدم ترتب أثر عليه في فرض تحقق الملك الا باعتبار مثبته و هو تحقق الهبة، فان أثر عدم تحقق الصلح انما هو عدم ثبوت الملك اللازم لا جواز الرجوع بعد فرض تحقق الملك كما هو المفروض. و هذا بخلاف أصالة عدم تحقق الهبة، فانه يترتب عليه اللزوم، لأن جواز الرج. ع انما رتب على عنوان الهبة، فينتفى بانتفائه فيجري بلا معارض.

ثم إن المصنف حكى عن بعض من ينكر استصحاب الملك الرجوع الى أصالة بقاء علقة المالك الأول في المال. و لعله لم يجب عن ذلك لوضوحه، فانه إن اريد بالعلقة العلقة الملكية فهي مرتفعة قطعا، و ان اريد بها حق الرجوع فهو أمر مغاير للملك، و لم يكن ثبوته متيقنا ليستصحب إلا أن يستصحب كلي العلقة، و هو من القسم الثالث من استصحاب الكلي الذي لم يقل بجريانه أحد فيما نعلم.

[1] هذا هو الوجه الثاني مما استدلّ به على أصالة اللزوم. و قد تعرض المصنف في المقام لدفع توهم، و هو أن غاية ما يستفاد من الحديث سلطنة كل انسان على ماله لا على مال غيره، و بعد الرجوع لا يعلم كون المال ملكا للمالك الثاني الا بالاستصحاب، فيرجع الى الوجه الأول.

و حاصل الدفع أن المستدل انما يستدل به لما قبل الرجوع، فان إرجاع مال الغير بدون رضاه مناف لسلطنته المطلقة. و هذا الدفع - و إن كان متينا - إلا أنه مع ذلك لا يمكن التمسك بالحديث، و ذلك لما عرفت من كونه ناظرا الى جهة سلطنة المالك و أنها تامة، فيجوز له التصرفات التيى ثبتت مشروعيتها من دون توقف على اجازة

قوله رحمه اللّه: جواز التمسك بقوله: «لا يحل»... [1]

قوله رحمه اللّه: و يمكن الاستدلال بقوله تعالى: وَ لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ‌... [2]

الغير و اذنه ما دامت السلطنة باقية، فلا يستفاد منه السلطنة على إبقاء السلطنة أو إزالتها عن نفسه، و لذا أشكل على من تمسك به لنفوذ الاعراض.

[1] هذا ثالث الوجوه. و التوهم المتقدم و جوابه جار فيه كما أفاده المصنف، الا أن الاستدلال به أيضا غير تام، لما ذكرناه من أن الحل لغة بمعنى الإرسال و في مقابله الحرمة التي هي بمعنى الضيق، فاذا أسند الى الاعتبارات العرفية يستفاد منهما الحكم الوضعي، و اذا اسند الى الأموال و نحوها يراد بهما الحكم التكليفي. و بما ان «لا يحل» في الحديث تعلق بالمال لا بد و أن يراد به الحكم التكليفي - أي عدم جواز التصرف في مال الغير بما يناسبه من أكل أو شرب أو لبس - و استظهار الحكم الوضعي منه مع ذلك كما ترى، محتاج الى مؤونة زائدة على الإظمار أو المجاز في الإسناد الذي لا بد من الالتزام بأحدهما. و عليه فلا يعمّ الإنشاءات أصلا، لأن نفس الانشاء و اللفظ غير محرم قطعا لعدم كونه تصرفا في مال الغير، و الإمضاء ليس فعل المكلف فأيّ شيء يكون حراما.

[2] أما الاستدلال بذيل الآية - أعني المستثنى - فواضح، سواء كان الاستثناء متصلا كما هو الظاهر بأن يكون «بالباطل» علة أو كان منقطعا «بالباطل» قيدا، فان الأكل كما ذكرناه كناية عن الاستيلاء بعنوان التملك، فلا يعم الأكل الخارجي في مورد الضيافة أو الإباحة و نحوها مما لا يكون الأكل بعنوان التملك، فالمعنى حينئذ لا تتملكوا أموال الناس إلاّ بالتجارة عن تراض، و من الظاهر أن التملك بالرجوع ليس منها.

قوله رحمه اللّه: و التوهم المتقدم غير جار هنا... [1]

قوله رحمه اللّه: بالجملة المستثنى منها... [2]

قوله رحمه اللّه: و قد يستدل أيضا بعموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ... [3]

قوله رحمه اللّه: و كذلك قوله عليه السّلام: «المؤمنون عند شروطهم»... [4]

[1] في بعض نسخ الكتاب سقط كلمة «غير»، و عدم جريان التوهم المزبور واضح بعد كون الموضوع في الآية هو تملك مال الغير.

[2] التمسك بصدر الآية مبني على أن يراد من الباطل الباطل العرفي، و هو فاسد، فان الباطل كسائر الألفاظ موضوع للباطل الواقعي في قبال الحق الثابت، فهو عبارة اخرى عن الإثم كما في قوله سبحانه: لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوٰالِ اَلنّٰاسِ بِالْإِثْمِ‌.

و اختلاف الشرع و العرف - كما في حق المارة و الشفعة مثلا - يكون من الاختلاف في المصاديق، و عليه فإذا شك في مورد أنه من الباطل أو الحق - كما في الرجوع بعد المعاطاة - لا يمكن الرجوع الى عموم الآية إلا بعد إجراء الاستصحاب فيرجع الى الوجه الأول.

[3] فان الوفاء بمعنى الإنهاء و الإتمام. فالوفاء بالعقد عبارة عن انهائه و عدم فسخه، و الأمر به لا بد و أن يكون إرشادا الى عدم نفوذ الفسخ و الرجوع، للقطع بعدم حرمته تكليفا فيستفاد منه لزوم المعاطاة. و توهم اعتبار اللفظ في صدق العقد واضح البطلان، فان العقد عبارة عن شدّ أحد الالتزامين و عقده بالآخر سواء كان هناك لفظ أو لم يكن، فيعم المعاطاة.

[4] الاستدلال به مبني على أن يكون الشرط بمعنى مطلق الالتزام، و هو غير ظاهر، فان الشرط لا يطلق الا على الالتزام المربوط بشيء آخر من عقد و غيره، و لذا ترى استهجان إطلاق الشرط على العقود مثل الهبة و البيع و نحوها، و عليه فلا

قوله رحمه اللّه: مثل قوله «البيعان بالخيار... [1]

قوله رحمه اللّه: إلاّ أن الظاهر فيما نحن فيه قيام الاجماع... [2]

يعم المعاطاة كما لا يعم الشروط الابتدائية، فيكون خروجها عن عموم الخبر بالتخصص لا التخصيص. هذا كله في الأخبار العامة.

[1] هذا هو دليل اللزوم في خصوص البيع، و إنما أخرناه في الذكر لذلك و تقريب الاستدلال به ظاهر. و توهم عدم صدق مفهوم البيع على المعاطاة فاسد جدا. و لذا حمل - ما حكي في الغنية من نفي البيع عن المعاطاة - على نفي الملك أو اللزوم.

و قد ظهر مما مر أن الأصل في الملك مطلقا هو اللزوم لقوله تعالى «إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌» و قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و يدل على ذلك في خصوص البيع قوله صلّى اللّه عليه و آله: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» - الحديث.

[2] أما الشهرة فكانت - الى زمان المحقق قدّس سرّه - قائمة على عدم افادتها الملك أصلا ثم ذهب المشهور الى افادتها الملك الجائز، فهناك شهرتان، إلاّ أنا قد بيّنا في بعض مباحث الأصول عدم حجية الشهرة و الا لم يكن وجه للعدول عن شهرة القدماء الى شهرة المتأخرين.

و أما الاجماع فتحصيله - على وجه يستكشف به رأي المعصوم عليه السّلام جزما - ممتنع، و قد سلم المصنف عدم تحققه على وجه يوجب القطع، إلاّ أنه قدّس سرّه ذكر أنه مظنون قويا، الا أن الظن لا يغني من الحق شيئا. و أما الاجماع المبني على قاعدة اللطف فهو - على تقدير تسليم تحققه - لا يمكن استكشاف رأي المعصوم به، لما ذكرناه في محله من بطلان أساسه و أما الاجماع المنقول فهو ثابت جزما و لكنه غير معتبر، مضافا الى ان لازمه القول بعدم الملك أيضا، فالحق انها تفيد الملك اللازم، لعموم الأدلة المتقدمة و عدم ثبوت مخصص لها.

قوله رحمه اللّه: من اعتبر مطلق اللفظ... [1]

قوله رحمه اللّه: كان متعارفا... [2]

قوله رحمه اللّه: و قد يظهر ذلك من غير واحد... [3]

[1] الظاهر وقوع الاشتباه في بيان كلام المسالك، فان الاكتفاء بمطلق اللفظ في اللزوم أو اعتبار لفظ مخصوص فيه أجنبي عما نحن فيه و عما حكاه المصنف عن المسالك، و انما هي مسألة اخرى سنتعرض لها في محلها.

و لا بأس بنقل نص عبارة المسالك، فانه قال عند شرح قول المحقق: «سواء كان في الحقير أو الخطير» ما نصه: ردّ على بعض العامّة، حيث اكتفى بالمعاطاة في المحقرات و اقامها فيه مقام البيع، و اختلفوا في تحديدها فقال بعضهم ما لم يبلغ نصاب السرقة، و أحالها آخرون على العرف كرطل الخبر و غيره مما يعتاد فيه المعاطاة، و هو تحكم، و الذي اختاره متأخر و الشافعية و جميع المالكية انعقاد البيع بكل ما دلّ على التراضي و عدّه الناس بيعا، و هو قريب من قول المفيد و شيخنا المتقدم، و ما أحسنه و أمتن دليله إن لم ينعقد الاجماع على خلافه - انتهى.

[2] من الواضح ان تعارف البيع اللفظي لا يضر ما نحن بصدده من إفادة المعاطاة الملك اللازم.

[3] إن كان المشار إليه بذلك اعتبار اللفظ في اللزوم - كما ذكره السيد في حاشيته - فلابد من حمله على سهو القلم من المصنف، لعدم ظهور شيء مما احتمله السيد من الأخبار في ذلك من قوله عليه السّلام «إنّما يحلل الكلام و يحرم الكلام» الذي تعرض له المصنف بنفسه بعد ذلك، و لا مما ورد في شراء أطنان من القصب و لا مما ورد في عدم شراء المصحف، و انه يقول: (اشترى منك الغلاف و الأديم) كما هو ظاهر. هذا مضافا الى انه لا يناسب الترقي بقوله: (بل يظهر منها ان إيجاب البيع باللفظ كان

قوله رحمه اللّه: بل ينكرون على الممتنع... [1]

قوله رحمه اللّه: قد بقي الكلام... [2]

متعارفا)، فان تعارف البيع اللفظي بين التجار لا يسوى بشيء بعد ظهور الأخبار في اعتبار اللفظ في اللزوم ليترقى منه اليه. على ان تمسكه قدّس سرّه حينئذ لاعتبار اللفظ في اللزوم بالشهرة و الاجماع مع ما فيهما من المناقشة لم يكن له وجه أصلا بعد ظهور الأخبار في ذلك، فكان الأولى له ان يذكر بعض تلك الأخبار بل الاقتصار عليه.

فمن المحتمل قريبا أن يكون مرجع الإشارة كون اللفظ قرينة على إنشاء التمليك من دون أن يكون الإنشاء به، فراجع قوله - قدّس سرّه - قبل هذا (سواء لم يوجد لفظ أصلا أم وجد و لكن لم ينشأ التمليك به...) ليظهر لك صحة هذا الاحتمال. و اللّه العالم بحقيقة الحال.

[1] كأنه - قدّس سرّه - أراد دعوى قيام سيرة المتشرعة على جواز المعاطاة و لا يخفى ما فيه، فان تلك السيرة - على فرض ثبوتها - ناشئة من فتاوى مراجع التقليد، و ليست سيرة متصلة الى زمان المعصوم عليه السّلام ليستكشف منها رضاه عليه السّلام، فان المعاريف من المفتين إذا اتفقوا في عصر على حكم يعد مخالفته منكرا عند المتشرعة، و لا يبعد أن يكون عدم اكتفائهم بالمعاطاة في الامور الخطيرة أيضا مستندا الى ذلك.

[2] هذه الفقرة - أعني «يحلل الكلام و يحرم الكلام» - وردت في رواية واحدة، و هي رواية ابن نجيح على ما في الكافي أو ابن الحجاج على نقل الوافي قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يجيئني و يقول اشتر لي هذا الثوب و أربحك كذا و كذا؟ فقال: أ ليس إن شاء أخذ و إن شاء ترك‌؟ قلت: بلى. قال: لا بأس إنما يحلل الكلام و يحرم الكلام». و قد نقله صاحب الوسائل أيضا بهذا المتن. فما ذكره شيخنا المحقق - قدّس سرّه - من أن السنخة الموجودة عنده كانت هكذا «إنما يحل الكلام و يحرم

الكلام» لابد من حمله على غلط النسخة. و قد ورد «إنما يحرم الكلام» فقط في ثلاث روايات في باب المزارعة:

منها - رواية أبي الربيع الشامي التي نقلها المصنف، و هي متعرضة للنهي عن النطق - أعني تسمية البقر و البذر - بخلاف الرواية المتقدمة، فانه ليس فيها تعرض للكلام، و السؤال في هذه الرواية لو لم يكن مشتملا على قوله «و اربحك كذا» لأمكن حمله على التوكيل في الشراء بجعالة، إلا ان «اربحك» ظاهر في الشراء، و لذا فصل الامام عليه السّلام في الجواب بأن قوله «اشترلي» إن كان مجرد مقاولة بحيث إن شاء أخذ بعد ذلك و ان شاء ترك - فلا مانع، لأن البيع يكون بعد شرائه و ان كان شراء لم يصح لأنه من بيع ما لم يملك، و هو فاسد.

و تقريب الاستدلال بهذه الفقرة ان ظاهرها حصر المحلل باللفظ، و ليس في المعاطاة لفظ.

و نقول: تمامية الاستدلال مبنية على ظهورها في الاحتمال الأول من الاحتمالات التي ذكرها المصنف - أعني حصر المحلل و المحرم في الكلام - و هو غير تام، فان الحصر إن كان بالاضافة الى جميع المحللات و المحرمات في الشريعة المقدسة - بأن يراد به ان ما كان حلالا في الشريعة المقدسة لا يحرم الا باللفظ و ما كان حراما لا يحل الا به - فهو مقطوع البطلان، بداهة عدم توقف حلية جملة من المحرمات و هكذا العكس على اللفظ، فان الماء الطاهر حلال و يحرم بالتنجس، و الافطار في ليل شهر رمضان حلال و يحرم بطلوع الفجر، و هكذا العكس.. الى غير ذلك من الموارد الكثيرة.

و إن كان بلحاظ الماليات فالمتيقن أيضا خلافه لجواز التصرف في مال الغير اذا

قوله رحمه اللّه: و الرواية يحتمل وجوها... [1]

أذن فيه كتابة أو إشارة أو استكشف رضاه من الخارج، و يحل التصرف في الأمة بالارث بعد كونه حراما قبل ذلك مع عدم وجود لفظ في البين. و هكذا إن كان الحصر بالنسبة الى العقود، فان المعاطاة تفيد إباحة التصرف من غير خلاف حتى من العلامة قدّس سرّه، فان ذهابه الى فساد المعاطاة إنما هو فيما إذا قصد بها الملك لا الإباحة، و قد رجع عن قوله فيه أيضا كما تقدم.

هذا مضافا الى ان لازم ذلك عدم انطباقها على مورد الرواية، فان الفساد فيه عدمه لم يكن من جهة اللفظ و عدمه.

[1] إن كان قدر جامع بين ما ورد في البيع و ما ورد في المزارعة فتحمل هذه الفقرة في كلتا الروايتين على معنى واحد، و الا فلابد من حملها في كل من الخبرين على معنى يناسبه.

(من المحتملات) ما تقدم و عرفت ما فيه.

(و منها) - ما حكي عن حاشية المحقق الخراساني، و حاصله: ان المراد بالكلام هو الالتزام، و اطلاق القول و الكلام على الالتزام متعارف. و فيه انه اطلاق مسامحي لا يصار اليه بغير قرينة، على انه لا ينطبق على موارد اخبار المزارعة.

(و منها) - ان المراد به الايجاب و القبول، فالمضمون أو المقصود الواحد اذا انشئ بلفظ يكون محللا و اذا انشئ بلفظ آخر يكون محرما. مثلا: الزوجية المؤقتة اذا انشئت بقول «أنكحت» تكون محللة و اذا انشئت بلفظ «آجرت» تكون محرمة. هذا بحسب اختلاف الألفاظ، و قد يكون الاختلاف بحسب الموارد كإنشاء التمليك بلفظ «بعت»، فانه محلل اذا كان بعد ملك البائع و محرم اذا كان قبله.

(و منها) - ان يراد به الكلام الواحد و يكون التحليل و التحريم بلحاظ الوجود

و العدم و هذا الاحتمال - و إن قربه المصنف و اختاره الكاشاني في الوافي أيضا - إلا ان اللفظ اذا اطلق يكون فانيا في الوجود الواقعي لا العدم، فلا معنى لإطلاق الصلاة و إرادة عدمها.

(و منها) - ان يراد من الكلام المحلل الالتزام المقاولي و من الكلام المحرم الالتزامي البيعي، و قد ظهر ما فيه مما قدمناه.

فالصحيح من الاحتمالات هو الاحتمال الثاني في كلام المصنف، و هو أن يراد بالكلام الايجاب و القبول. و عليه تنطبق على مورد كلتا الروايتين: اما انطباقها على مورد رواية البيع فيكون بلحاظ اختلاف المورد، و أما انطباقها على مورد المزارعة فبلحاظ اختلاف اللفظ من تسمية البذر و البقر و عدمه، فان المقصود الواحد - أعني اشتراط الثلث لمالك الأرض و ثلثين للزارع - اذا أنشئ مع التسمية يكون حراما و بدونها يكون حلالا.

هذا كله من حيث الكلام، و أما الحل فالمراد به حلية المقصود تكليفا - كما يظهر من جملة من الأخبار الواردة في جواز المقاولة قبل الملك، فإنها ناظرة الى الرد على بعض العامة الذين يرون مجرد المقاولة قبل الملك مانعا عن حل المقصود و لو كان البيع و الشراء بعد الملك، فكأنه عليه السّلام يريد التنبيه على فساد مذهبهم بقوله: «إنما يحلل الكلام و يحرم الكلام» و ان الايجاب و القبول محلل اذا تحقق المقصود بعد الملك. محرم اذا وقع قبله.

و أما الحرمة فالمراد بها الفساد، بقرينة ما ورد في بعض أخبار المزارعة من قوله عليه السّلام: «ليس ينبغي له أن يسمي بقرا و لا بذرا». و لعل سر التعبير عن الكلام بالمحرم مع أن حرمة التصرف إنما تستند الى عدم وجود إنشاء صحيح لا الى وجود

قوله رحمه اللّه: نعم يمكن استظهار... [1]

الانشاء الفاسد، أن الايجاب و القبول الفاسد هو الذي أوقع المكلف في الحرام، و لولاه لم يقع فيه.

[1] بعد منعه ظهور هذه الفقرة في حصر المحلل و المحرم باللفظ و سقوطها عن الدلالة على التقريب المزبور ذكر أنه يمكن استظهار اعتبار الكلام في إيجاب البيع بوجه آخر. و حاصله: أن المراد بالكلام فيها و إن كان هو الايجاب و القبول أو المواعدة و المقاولة إلا ان التعبير بالكلام في حصر المحلل و المحرم بذلك مشعر بل ظاهر في انحصاره باللفظ، و لو لم يكن هذا مرادا لكان اللازم أن يعبر بما يعم الكلام و غيره بالايجاب و القبول لا بالكلام.

هذا و لا يخفى أنه عليه يلزم القول بعدم ترتب الأثر على المعاطاة حتى اباحة التصرف، و هو مخالف للاجماع كما تقدم، إلا أن هذا التقريب أيضا غير تام لا لما و أفاده المصنف من احتمال أن يكون وجه الانحصار في الكلام عدم امكان المعاطاة في مورد الرواية - أعني بيع ما لا يملك - لأن المبيع يكون عند مالكه و ذلك لا مكان كون المبيع عند غير مالكه كما يتفق كثيرا في الدلالين، هو ظاهر الاشارة في السؤال بقوله «اشتر لي هذا الثوب». مضافا الى أنه لا يبعد تحقق عقد المعاطاة بالاعطاء من طرف واحد كالمشتري في الفرض. بل الوجه في ذلك أن مفروض السؤال تحقق الإيجاب و القبول أو المواعدة باللفظ، ففي هذا الفرض قال عليه السّلام «إنما يحلل الكلام و يحرم الكلام» فالحصر يكون إضافيا و بالقياس الى مورد السؤال لا يكون حقيقيا.

قوله رحمه اللّه: يشعر به... [1]

قوله رحمه اللّه: ينبغي التنبيه على امور... [2]

[1] ليس فيما حكاه من الأخبار أيّ اشعار في اعتبار اللفظ أصلا - فراجعها.

التنبيه الأول التعرض للمسالتين الاولى في جريان شروط صحة البيع فى المعاطاة و الثانى جريان أحكام البيع كخيار المجلس و نحوه في المعاطاة و عدمه

[2] تعرض - قدّس سرّه - فيه لمسألتين: احداهما في جريان شروط صحة البيع كعدم الغرر و عدم الزيادة في الربويين و نحو ذلك في المعاطاة و عدمه. «ثانيهما» في جريان أحكام البيع كخيار المجلس و نحوه في المعاطاة و عدمه:

(أما المسألة الاولى) فالكلام فيها يقع في مقامات ثلاث: أحدها في اعتبار ذلك في المعاطاة المقصود بها إباحة التصرف، ثانيها في اعتبارها فيما اذا قصد بها الملك و لكن على القول بترتب الملك المتزلزل عليها، ثالثها في اعتبارها في ذلك بناء على ترتب اباحة التصرف عليها، و أما على القول بترتب الملك اللازم عليها فلا مجال للبحث عن ذلك أصلا لأن المعاطاة حينئذ بيع شرعا و عرفا قد رتب عليه ما يترتب على البيع اللفظي:

«المقام الأول» - لا ينبغي الريب في عدم شمول أدلة شروط البيع كقوله عليه السّلام:

«نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر» المعاطاة المقصود بها الاباحة لعدم كونه بيعا، فعدم اشتراطها بذلك يكون من السالبة بانتفاء الموضوع.

و بعبارة اخرى: مرجع اشتراط شيء في صحة البيع الى اعتباره في حصول الملك، و هذه المعاطاة لا يحصل بها الملك أصلا كانت واجدة لتلك الشروط أم لم تكن، و هذا معنى السالبة بانتفاء الموضوع. و يبقى الكلام في دليل مشروعيتها، و ليس ذلك عموم النبوي - أعني قوله صلّى اللّه عليه و آله: «الناس مسلّطون على أموالهم» - و لا سيرة المتشرعة كما يظهر من المصنف. أما النبوي فلما عرفت من ضعفه سندا

و دلالة، و ذكرنا من أن غاية مدلوله عدم محجورية الانسان فيما ثبت مشروعيته من التصرفات و انه ليس مشرعا و لا يثبت به جواز التصرف المشكوك اباحته شرعا كمشروعية الإباحة المعاوضية مع الغرر و نحوه. و أما السيرة فهي - و ان كانت ثابتة في الجملة - إلا انه لا يعتمد عليها في المقام، للزوم الاقتصار فيها على القدر المتيقن، فالمستند في ذلك حلية التصرفات ذاتا بمقتضى العمومات و غيرها، فلا مانع عنها سوى ما ورد من اعتبار طيب نفس المالك بها، فاذا ثبت ذلك - كما هو المفروض - لا يبقى مقتض للمنع أصلا.

نعم اذا توقف التصرف على الملك كالوطي لقوله عليه السّلام: «لا وطي الا في ملك» يمنع من الرجوع فيه الى العمومات. و تفصيل ذلك: ان التصرف قد لا يكون متوقفا على الملك و قد يكون متوقفا عليه و ربما يشك في ذلك، أما ما لا يتوقف منه على الملك فمقتضى العمومات - بعد ضمها الى طيب نفس المالك - هو الجواز، و أما ما يشك في توقفه عليها فالأصل يقتضي عدمه فيلحق بالفرض الأول، و أما المتوقف على الملك فالإطلاقات غير شاملة له لما دلّ على اعتبار الملك فيه.

فظهر مما بيناه انه لا يفرق في حصول اباحة التصرف غير المتوقف على الملك بالمعاطاة بين وجدانها لشروط البيع و عدمه.

«المقام الثاني» - في المعاطاة المقصود بها الملك بناء على ترتب الملك المتزلزل عليها شرعا، و الظاهر فيها اعتبار شروط البيع، لأن المعاطاة - على هذا القول - بيع شرعا و عرفا فتعمها الأدلة. فان اللزوم و الجواز كليهما من الأحكام الشرعية المترتبة على البيع و لا دخل لشيء منهما في حقيقته. و قد عرفت ان مرجع اشتراط البيع بشيء الى دخله في حصول الملكية لا اللزوم، و المفروض حصولها في المقام. و لم

يتحصل لنا وجه ما ذهب اليه شيخنا المحقق من عدم اعتبار شروط البيع في هذا الفرض.

«المقام الثالث» - في المعاطاة المقصود بها الملك على القول بترتب الاباحة عليها شرعا و هي تكون وسطا بين القسمين المتقدمين لأنها بيع عرفا لأنه قصد به التمليك و ليست بيعا شرعا لعدم ترتب المقصود عليها. و يمكن القول باعتبار الشروط فيها لوجهين:

أحدهما - ما هو مبني على ما اخترناه من كون هذه المعاطاة بيعا مفيدة لما قصد بها من الملك، فيعمها أدلة صحة البيع، غاية الأمر اعتبر في امضائها شرعا بالسيرة أو الاجماع شرط متأخر، و هو التصرف المتوقف على الملك كما اعتبر القبض في بيع الصرف، فانها على هذا تكون بيعا حقيقة، فيعمها أدلة شروط البيع، و لا يوجب تأخر امضائها شرعا عدم جريان الشروط فيها كما لا يوجبه في بيع الصرف. هذا كله بالاضافة الى زمان حصول الملك، و أما من حيث اباحة التصرف قبل ذلك فيظهر الحال فيه من الوجه الثاني.

ثانيهما - ما هو مبني على القول بفسادها و عدم صدق مفهوم البيع عليها كما نسب الى العلامة، فانه عليه تكون الاباحة الثابتة في موردها إباحة شرعية ثابتة بالسيرة أو الاجماع و ليست اباحة مالكية، فان المالك - و ان أباح التصرف فيها بالمعاطاة - إلا انها كانت بعنوان التمليك و لم يمضها الشارع على الفرض، نظير ما يؤخذ بالقمار، فان الاباحة المالكية - و ان كانت ثابتة فيه - الا أنها كانت بعنوان الاستحقاق و لم يمض شرعا. فبناء على ذلك لا بد من الاقتصار على القدر المتيقن من مورد السيرة، و هو صورة وجدان المعاطاة لما يعتبر في صحة البيع سواء كان

قوله رحمه اللّه: بين الشرط الذي ثبت اعتباره من النص... [1]

قوله رحمه اللّه: و أما حكم جريان الخيار فيها... [2]

دليل اعتباره لفظيا أو لبيا، بل لا بد من اعتبار الشروط الخلافية المشكوك شرطيتها في البيع أيضا، لأن القدر المتيقن إنما هو الجامع لجميع ذلك دون غيره، فهذا الفرض أسوأ حالا من القسم الثاني من هذه الجهة.

و بما ذكرناه ظهر الفرق بين ما نحن فيه و بين المعاطاة المقصود بها الاباحة فان الاباحة هناك مالكية و في المقام شرعية ثابتة بالسيرة.

ثم إن في هامش بعض نسخ المكاسب حاشية من المصنف حاصلها جريان الربا في المعاطاة المقصود بها الاباحة أيضا. و لكن فساده واضح، لأنا لم نعثر في الربا على اطلاق يعم جميع المعاوضات حتى الاباحة المشروطة بمثلها.

[1] التفصيل لا وجه له، بل الشرط الذي ثبت اعتباره بدليل لبي من الاجماع و نحوه أيضا جار في المعاطاة المقصود بها الملك، فان معقد الاجماع إن كان البيع المفيد للملك و لو لم يكن لازما فيعم المعاطاة بلا اشكال، و ان كان خصوص المفيد للملك اللازم فكذلك، لأن المعاطاة تفيد الملك اللازم، غاية الأمر قلنا بجوازه الى زمان التصرف بالسيرة أو الاجماع، فكأن اللزوم فيها مشروط بأمر متأخر.

[2] هذه هي المسألة الثانية من التنبيه الأول، و قد ذكر فيها امكان نفي الخيار عن المعاطاة على المشهور، و عللها بقوله: «لأنها جائزة عندهم». و لا يخفى ما في التعليل، فان مجرد الجواز لا ينافي الخيار كما ستعرف، و المناسب تعليله بأنها إباحة. ثم قال: «و إن قلنا بافادة الملك فيمكن القول بثبوت الخيار فيه مطلقا بناء على صيرورتها بيعا بعد اللزوم». و فيه أن المعاطاة على هذا تكون بيعا قبل اللزوم أيضا، فلا وجه للتقييد.

و تفصيل الكلام في جريان الخيار في المعاطاة و عدمه يقتضي البحث في مقامات ثلاثة على ما تقدم في المسألة الاولى:

«المقام الأول» - في المعاطاة المقصود بها الاباحة، و الظاهر عدم ثبوت الخيار فيها لعدم المقتضى له لا ثبوتا و لا إثباتا: أما ثبوتا فلأن الخيار إنما يجعل فيما اذا كان ثبوته توسعة لمن له الخيار و استلزم انتفاؤه كلفة عليه. و من الظاهر ان مجرد الاباحة و الرضا بالتصرف ليس فيها كلفة على المبيع بعد عدم كونه عقدا لازما مشمولا لقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فلا معنى لجعل الخيار فيها لا شرعا و لا يجعل المتعاطين. و أما اثباتا فلأن أدلة ثبوت الخيار في البيع لا تشمل هذه المعاطاة لأنها ليست ببيع، و الخيار المستند الى ثبوت الضرر في اللزوم لا يثبت في المقام لانتفاء موضوع الضرر و هو الملك.

«المقام الثاني» - في المعاطاة المقصود بها الملك بناء على ترتب الملك المتزلزل عليها. و أما على القول بترتب الملك اللازم فلا اشكال في جريان الخيار كما عرفت في المسألة المتقدمة. و الظاهر ثبوت الخيار فيها لكونها بيعا شرعا و عرفا مبنيا على اللزوم بمقتضى العمومات، و انما ثبت الجواز فيها لغاية محدودة بالسيرة أو الاجماع، فعمها الأدلة.

نعم قد يقال: إن جعل الخيار في الملك المتزلزل ذاتا لغو لا يترتب عليه الأثر.

و الجواب عنه ان الجواز تارة يكون حقيا قابلا للاسقاط كجواز البيع الخياري، و قد يكون حكميا كجواز الهبة حيث لا يقبل الاسقاط، و هكذا اللزوم قد يكون حقيا كلزوم البيع حيث يسقط بالإقالة، و قد يكون حكميا كلزوم النكاح.

ثم الجواز بقسميه تارة يتعلق بتراد العينين و اخرى يتعلق بفسخ العقد فأقسام

الجواز أربعة. و عليه فان كان الجواز الثابت في المعاطاة ذاتا جوازا حقيا - و لا بأس بالتعبير عنه بخيار المعاطاة - فلا يستلزم لغوية ثبوت خيار آخر فيها، كما قد يجتمع في البيع اللفظي خياران كالمجلس و الحيوان، فيكون كل منهما قابلا للنقل و الاسقاط فاذا سقط أحدهما يستند الخيار الى الآخر. و ان كان الجواز الحقي في الفرض متعلقا بالتراد، فثبوت الخيار حينئذ كان أوضح. لأنه متعلق بفسخ العقد فيختلف متعلق الحقين و أما إن كان الجواز حكميا فان كان متعلقا بالتراد - كما ذكره المصنف في التنبيه السادس و صرح بأنه المتيقن في جواز المعاطاة - فلا مانع أيضا من ثبوت الخيار، فان له حينئذ أثر مغاير للجواز الذاتي - و هو حق حلّ العقد - فلا اشكال في شيء من الفروض المتقدمة، فيبقى فرض واحد هو ما اذا فرض الجواز حكميا و متعلقا بفسخ العقد.

و الجواب عنه أن الجواز لو كان أبديا و لم يكن محدودا قابلا للتبدل باللزوم لم يكن عن اللغوية دافع، إلا أنه قابل للانقلاب بالتصرف و نحوه، فلا مانع من جعل الخيار من أول الأمر، فيكون طرف أعماله بعد اللزوم بالتصرف. و بما أن الأمرين بينهما عموم من وجه لا يلزم اللغوية من اجتماعهما، إذ قد ينقلب الجواز الى اللزوم في المجلس، فيمكن اعمال خياره حينئذ. فالصحيح - تبعا لظاهر المصنف - ثبوت الخيار الجاري في البيع في هذا القسم من المعاطاة مطلقا، من غير فرق بين المختص بالبيع و غيره.

قوله رحمه اللّه: و يحتمل أن يفصل... [1]

[1] لم نعرف وجه التفصيل، فان اختصاص أدلة الخيارات المختصة بالبيع بما وضع على اللزوم لا يمنع شمولها للمعاطاة، لما عرفت من كونها مبنية على اللزوم بحسب قصد المتعاطين، غاية الأمر ثبت فيها الجواز ما لم يحصل التصرف بالسيرة و نحوها، فهي نظير البيع الخياري و لم يمنع أحد شمول أدلة الخيار له، فالصحيح جريان الخيارات الخاصة و العامة في المقام.

«المقام الثالث» - في المعاطاة المقصود بها الملك على القول بترتب الاباحة عليها إن كان الخيار حقا متعلقا برد العين فلا ينبغي الريب في عدم ثبوته فيها لانتفاء موضوعه، لأن العين لم تخرج عن ملك مالكه و لم يحصل النقل و الانتقال، و انما ابيح التصرف فيها شرعا، فما معنى ثبوت حق الرد. و إن كان الخيار بمعنى ملك فسخ العقد فالظاهر ثبوته فيها لما بينا من أنها بيع عرفا و شرعا، غاية الأمر توقف تأثيره في الملك على حصول شرط متأخر - و هو التصرف أو التلف - فتعمها أدلة الخيار، إذ يكفي في ثبوته قابلية البيع للتأثير و لو لم يكن فعليا، و أثره جواز الفسخ و الامضاء لمن له الخيار، فاذا أمضى المعاطاة و اسقط خياره ترتب عليه اباحة التصرف فعلا و لملك بعد التصرف، و اذا فسخها انتفت الاباحة بانحلال موضوعها - و هي المعاطاة - و لا يحصل الملك حين التصرف.

و نظير ذلك بيع الصرف حين القبض، فانه تعمه أدلة الخيار مع عدم فعلية تأثيره في الملك لتوقفه على القبض، فاذا سقط الخيار وجب الاقباض و ترتب عليه الملك، و اذا فسخ العقد سقط عن قابلية التأثير و لو بعد الاقباض.

قوله رحمه اللّه: ان المتيقن من مورد المعاطاة... [1]

التنبيه الثاني فى كفاية الانشاء الفعلي في المعاملات و عدمه، سواء كان معاطاة أو غيرها

[1] تفصيل الكلام في التنبيه الثاني يقع في مقامات ثلاث بعد وضوح أن عنوان المعاطاة لم يرد في آية و لا رواية، و مورد البحث عنوان عام و هو كفاية الانشاء الفعلي في المعاملات و عدمه، سواء كان معاطاة أو غيرها.

«المقام الأول» - فيما اذا قصد بالإعطاء و الأخذ اباحة التصرف. لا ينبغي الريب في حصولها بذلك لأن مدركها انما هو جواز التصرف ذاتا، و لا مانع منه سوى اعتبار طيب نفس المالك و هو حاصل على الفرض، سواء كان التعاطي من الطرفين أو الاعطاء من طرف و الأخذ من الطرف الآخر.

«المقام الثاني» - فيما اذا قصد الملك على القول بترتبه، و على هذا أيضا لا يفرق بين المعاطاة و الاعطاء من طرف و الأخذ من الطرف الآخر لصدق عنوان البيع و العقد و التجارة عليه. و دعوى تقوم مفهوم البيع بالمبادلة بين المالين و هي مفقودة في الاعطاء من طرف واحد فلا يكون بيعا كما عن المحقق النائيني قدّس سرّه. مدفوعة بأن المبادلة المعتبرة في البيع إنما هي المبادلة الاعتبارية لا المبادلة في المكان، و هي حاصلة بالاعطاء و الأخذ، بل الغالب في المعاطاة أيضا حصول المبادلة بالاعطاء و الأخذ، فيكون الاعطاء من الطرف الآخر وفاء.

«المقام الثالث» - فيما اذا قصد الملك و قلنا بترتب الإباحة. و الظاهر فيه عدم ترتب الاباحة الا إذا تحقق التعاطي من الطرفين، لأنها ليست اباحة مالكية و انما هي اباحة شرعية ثابتة بالسيرة أو الاجماع، فاذا قام شيء منهما على ثبوتها في فرض الاعطاء من طرف واحد نقول بها و إلا فلا، و التحقيق بثبوتها في المقام لتعارف البيع نسيئة أو سلفا على نحو المعاطاة، مضافا إلى ما تقدم من أن أكثر

قوله رحمه اللّه: و ربما يدعى انقعاد المعاطاة بمجرد الايصال... [1]

المعاملات النقدية من هذا القبيل فانها تتم بالاعطاء و الأخذ، و انما يكون الاعطاء من الطرف الآخر وفاء لا متمما للمعاملة، فلو فرض قيام الاجماع على عدم الملك ثبتت الاباحة نعم من حيث ترتب الملك عليه حين التلف لا فرق بينه و بين المعاطاة من الطرفين لصدق عنوان البيع عليه عرفا.

ثم ان شيخنا المحقق نقل عن بعض الاستدلال على ثبوت الاباحة في المقام بقوله صلّى اللّه عليه و آله: «الناس مسلّطون على أموالهم». ثم أورد عليه بأن التمسك به انما يتم في المقامين الأولين دون الفرض الذي لم يترتب فيه المقصود على العقد و انما بالإباحة شرعا و لم يكن مقصوده.

و نقول: الظاهر أنه ناظر الى الاشكوري حيث ذكر في حاشيته على قول المصنف: «و أما على القول بالإباحة فيشكل...» ما حاصله: ان الاشكال انما يتم بناء على التمسك بالسيرة، و أما بناء على التمسك بالنبوي فلا اشكال، و لعل السيد أيضا ناظر اليه، و على أي تقدير لا دافع للايراد، مضافا الى عدم امكان التمسك بالنبوي في اثبات مشروعية التصرف رأسا على ما تقدم الكلام فيه.

[1] هذا هو القسم الثالث من المعاطاة، و هو فرض عدم تحقق الأخذ و العطاء رأسا، و قد مثل له بامور:

(منها) أخذ الماء مع غيبة السقاء و وضع الثمن في المكان المعد له.

(و منها) الدخول في الحمام كذلك. و لكن الظاهر عدم كونها من قبيل المبادلة بين المالين، و الا لزم فسادها للغرر، فان تعيين مقدار الماء أو زمان البقاء في الحمام ليس متعارفا، بل الظاهر كونهما من قبيل اباحة التصرف و الرضا به مشروطا بوضع الفلس بنحو الشرط المتأخر، فهما خارجان عن محل الكلام.

قوله رحمه اللّه: فيتقاولان على مبادلة شيء بشيء [1]

(و منها) أخذ المحقرات كالخضريات و البقولات و وضع الثمن في المكان المعد له. و الظاهر كونه بيعا، و نفس الأخذ ايجاب وكالة و قبول أصالة، فان مالك البقل بنفس وضع بقله في الدكان كذلك يوكل كل من أراد الشراء في إيجاب البيع.

و أما ما ذكره المحقق النائيني - قدّس سرّه - من اعتبار تعيين الوكيل في صحة التوكيل انما يتم في توكيل الشخص، اذ لا يترتب عليه أثر مع عدم التعيين، و أما التوكيل النوعي فلا يعتبر فيه ذلك جزما بل لا معنى له.

(و منها) وصول كل من المالين الى مالك للآخر باطارة الريح، و الأحسن أن يفرض ذلك فيما اذا كان عند شخص واحد عروضا من زيد بعنوان الأمانة و دراهم من عمرو كذلك، ففي مقام الرد اشتبه و دفع العروض الى مالك الدراهم و بالعكس فلما علما بذلك أبقى كل منهما ماله عند الآخر، فاذا كان ذلك بعنوان التمليك يكون نفس الابقاء انشاء للبيع و الشراء، فيعمه الأدلة. الا انه على القول بعدم الملك و ثبوت الاباحة لا تثبت في الفرض لعدم تحقق السيرة فيه.

[1] هذا هو القسم الرابع، و هو فرض عدم تحقق الوصول أيضا، كما اذا تقاول كل من المالكين مع الآخر في مبادلة المالين و لم يتحقق في البين عطاء و لا أخذ و لا ايصال أصلا. ذكر المصنف ما حاصله: ان الاشكال المتقدم على الإباحة هنا آكد، و ما بناء على الملك فلا يبعد صحته.

و نقول: أما عدم ثبوت الإباحة فواضح لأنها اباحة شرعية و لم تثبت السيرة على ثبوتها في المقام، و أما الصحة بناء على الملك تمسكا بالأدلة فلم نعرف لها وجها و ذلك لأنه لو كان اللفظ غير المعتبر مجرد مقاولة و مواعدة فلم يتحقق بيع ليعمه دليله، و ان كان انشاء فاسدا لم يعتبره الشارع، فكيف يتمسك فيه بما دل على صحة

قوله رحمه اللّه: تمييز البائع من المشتري [1]

البيع، فان الرجوع اليه مع فرض الفساد مما لا يجتمعان.

التنبيه الثالث الشبهة المصداقيه و المفهوميه فى المساله

[1] قد تكون الشبهة في تمييز البائع عن المشتري مصداقية بعد وضوح مفهوم البيع و الشراء، كما اذا شك في أن أيا من المتبايعين قصد البدلية و أيهما قصد المبدلية فيما إذا لم يكن أحد العوضين عروضا و الآخر قيمة، فيشكل الأمر في تعيين ذلك، فان مجرد التقيدم في الاعطاء لا يوجب صدق البيع كما لا يوجب تأخيره صدق الشراء، فان الإبداء من المشتري في دفع الثمن ليس أمرا نادرا. و عليه فلا تثبت أحكام البائع و لا المشتري لكل منهما أصلا، بل يرجع في ذلك الى ما يناسبه من الأصل العملي. و الظاهر - بل المتيقن - أن المصنف فيما أفاده غير ناظر الى هذه الصورة.

و قد يكون الشك في الصدق، أي تكون الشبهة مفهومية، و هذا اصطلاح من المصنف - قدّس سرّه - حيث عبر في كتاب الطهارة عن حصة من الشبهة المفهومية، و هي ما اذا كان للمفهوم أفراد متيقنة و شك في سعته بالنسبة الى الأفراد المشكوكة بالشك في الصدق، فاذا كان أحد العوضين عروضا و الآخر قيمة كان صاحب العروض هو البائع و الآخر هو المشتري، و إلا فان كان غرض أحدهما متعلقا بشخص المال و غرض الآخر متعلقا بقيمته - بحيث يدفع اليه العروض بعنوان البدلية عن الدرهم أو الدينار - كان الأول مشتريا و الثاني بائعا. و أما اذا فرضنا تعلق غرض كليهما بالمالية أو بالشخص لا محالة يكون صدق البائع و المشتري على كل منهما مشكوكا. و قد ذكر المصنف في ذلك احتمالات أربعة، و زاد عليها المحقق النائيني - قدّس سرّه - احتمالا خامسا:

قوله رحمه اللّه: الرابع: أن أصل المعاطاة... [1]

(أحدها) - أن يكون كل منهما بائعا و مشتريا باعتبارين، لصدق كلا العنوانين - أعني عنوان المبادلة و عنوان ترك شيء و أخذ غيره - على فعل كل منهما بلحاظين:

و فيه: ان المبادلة و ترك شيء بأخذ غيره لازم أعم للبيع و الشراء كما لا يخفى فكل منهما صادق على كل من البيع و الشراء، و اذا قيدنا ذلك بقصد خصوص العين في الشراء و تعلق الغرض بالمالية في البيع لما صدق العنوان على شيء واحد.

(ثانيها) - أن السابق في الإعطاء هو البائع. و فيه ما عرفت من انه ليس في البيع.

(ثالثها) - أن يكون ذلك صلحا. و فيه أن عقد الصلح عبارة عن انشاء التسالم بحيث يكون هو المنشأ، و أما واقع التسالم فكل عقد يكون مشتملا عليه و مع ذلك لا يكون صلحا.

(رابعها) - ما ذكره المحقق النائيني من كون أحدهما بائعا و الآخر مشتريا بلا تعين حتى في الواقع. و فيه أنه غير معقول من جهتين أو من جهات لا تخفى.

(خامسها) أن يكون معاوضة مستقلة غير داخلة في العناوين المعروفة فيعمه التجارة عن تراض، فتكون صحيحة نافذة و لكن لا يترتب عليها آثار البيع و أحكامه و هذا هو الصحيح، و لذا في مثل ذلك اذا سئل كل منهما عن فعله لا يقول «بعت» و لا يقول «اشتريت»، بل يقول «بدلت داري» أو «عوضته باخرى» و نحو ذلك.

التنبيه الرابع أقسام المعاطاة بحسب مقصود المتعاطيين

[1] هذا التنبيه راجع أقسام المعاطاة بحسب مقصود المتعاطيين، فما ذكره المصنف من تمامية العقد بالاعطاء من جانب و الأخذ من الجانب الآخر، و ان اعطاءه يكون وفاء لا متمما للعقد أجنبى عن هذا التنبيه، و قد تقدم تفصيله.

قوله رحمه اللّه: على وجوه... [1]

قوله رحمه اللّه: أحدها أن يقصد... [2]

[1] جعلها أربعة:

(أحدها) أن يقصد المبادلة بين المالين.

(ثانيها) أن يقصد المبادلة بين تمليكين، بأن يجعل التمليك بأزاء تمليك الآخر بحيث تحصل المبادلة بين المالين تبعا. و ذكر المصنف أنه بعيد عن معنى البيع و قريب الى الهبة المعوضة. ثم أشكل في إجراء حكم الهبة المعوضة عليه لعدم تحق التمليك من الأول لو لم يملكه الآخر بخلاف الهبة، إلا أن يكون تمليك الآخر له ملحوظا على نحو الداعي لا العوض، فقال: «الأولى أن يقال انها مصالحة أو معاوضة مستقلة».

(ثالثها) أن يقصد الأول إباحة ماله بعوض و الآخر يقبلها بتمليك ماله له.

(رابعها) أن يقصد كل منهما الاباحة بازاء اباحة الآخر.

ثم أشكل عليه في حكم القسمين الأخيرين من جهتين، من حيث صحة الإباحة المعوضة بالتمليك، و من حيث إمكان إباحة جميع التصرفات حتى المتوقفة على الملك، و لا بد من التعرض لكل من الأقسام المزبورة:

[2] هذه هي المعاطاة المصطلحة التي وقع الكلام في كونها مفيدة للملك اللازم أو الجائز أو يترتب عليها إباحة التصرف أو هي فاسدة لا يترتب عليها شيء، و عرفت المختار منها.

قوله رحمه اللّه: ثانيها أن يقصد... [1]

قوله رحمه اللّه: ثالثها أن يقصد... [2]

قوله رحمه اللّه: رابعها أن يقصد كل منهما الاباحة... [3]

[1] لا نتصور وجها معقولا للمبادلة بين تمليكين، فان المبادلة لا بد أن تكون بين مالين موجودين إما خارجا و إما اعتبارا في الذمة. و أمّا ما كان موجودا في زمان و انعدم فلا معنى لتبديله و المقام من هذا القبيل، فان التمليك الذي ينعدم بقوله ملكتك لا معنى لتمليكه لشخص آخر ثبوتا، و أما إثباتا فلا يمكن إنشاؤه بقوله ملكتك الدار مثلا، بل لا بد في ذلك من وقوع عقد آخر على نفس التمليك بأن يقول آجرتك على أن تملكني دارك بأزاء تمليكي البستان لك.

و بالجملة جعل التمليك بأزاء التمليك ممنوع ثبوتا و إثباتا، فما يحتمل في هذا القسم أمران:

(أحدهما) - أن يكون التمليك مشروطا بتمليك الثاني كالهبة المعوضة.

(ثانيهما) - أن يكون تمليك الأول بداعي تمليك الآخر، فتخلفه لا يوجب الخيار أيضا. و على أي تقدير لا بد و أن يكون الغرض خارجا عن باب المعاوضات رأسا.

و أما احتمال كونه مصالحة فمدفوع بما تقدم من أن الصلح عبارة عن إنشاء التسالم، و أما واقعه فمتحقق في ضمن كل عقد.

[2] لو كان المفروض عكس ما فرض أعني قصد تملك المال بأزاء تملك الاباحة لأمكن توجيهه، إذ لا يعتبر أن يكون الثمن في البيع عينا، بل يمكن أن يكون فعلا.

و أما المفروض فيجري فيه ما نذكره في القسم الرابع.

[3] أما المبادلة بين الاباحتين أو الاباحة و التمليك فقد عرفت امتناعها ثبوتا و إثباتا فيجري فيه الاحتمالان المتقدمان بأن تكون الاباحة مشروطة أو تكون بداعي

قوله رحمه اللّه: اما اباحة جميع التصرفات... [1]

إباحة الثاني أو تمليكه، و على الأول يجب على الآخر بعد قبوله العمل بالشرط، لقوله صلّى اللّه عليه و آله: «المؤمنون عند شروطهم» بناء على شموله لمثل المقام. و أما على الثاني فلا يجب عليه شيء أصلا. (نعم) في الموردين احتمال ثالث غير جار في القسم الثاني، و هو أن تكون الاباحة معلقة على إباحة الآخر أو على تمليكه فان التعليق إنما يكون مفسدا في التمليك و لو محالا كالهبة لا الاباحة، فتكون ثابتة لمن يبيح له ماله أو يملكه إياه، فيكون الموضوع مقيدا بذلك لا يدخل فيه من لا يفعل ذلك.

و هذا نظير فعل الحمامي، فانه يبيح التصرف لكل من يضع الفلس في الدخل، و لا مانع من هذا التعليق في الاباحة، كما هو واضح. و أما غير هذه الاحتمالات فلا نتعقله في هذه الفروض.

[1] هذا أحد الموردين اللذين استشكل المصنف رحمه اللّه فيهما، و ذهب فيه إلى أنه لا يسوغ التصرف المتوقف على الملك بمجرد إذن المالك، فانه إنما يمضى فيما يجوز ذاتا دون غيره، كبيع الانسان مال غيره لنفسه الذي هو مستحيل شرعا فكيف يجوز للمالك أن يبيحه‌؟ ثم صحح ذلك بأحد وجهين أو وجوه:

(أحدها) - أن يقصد بالاباحة توكيل المخاطب في بيع ماله ثم تملكه ثمنه أو العكس، أو تكون بنفسها انشاء تمليك له و يكون تصرف المخاطب بمنزلة القبول نظير قول الرجل لمالك العبد اعتق عبدك عني بكذا، فانه استدعاء للتمليك بدلالة الاقتضاء، و اعتاق المولى جواب لذلك. و هذه الدلالة من الدلالات المقصودة، و هي التي تتوقف عليها صحة الكلام عقلا أو شرعا. و مثل في القوانين ظاهرا للأول بقوله سبحانه وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ‌ و للثاني بالمثال المذكور.

(ثانيها) - أن يرد دليل على جواز التصرف فيى مورد الاباحة، فيكون مخصصا

لعمم دليل اعتبار الملك فيه، مثل لا بيع الا في ملك، أو لا وطء الا في ملك كما خصص بما دل على جواز وطء الأمة بالتحليل بصيغة خاصة.

(ثالثها) - أن يلتزم بحصول الملك آنا ما قبل التصرف جمعا بين الأدلة، كما في شراء العمودين.

و هذه الوجوه كلها منتفية فيما نحن فيه، فلا يبقى الا عموم قوله صلّى اللّه عليه و آله: «الناس مسلّطون على أموالهم» و إثبات صحته به موقوف على عدم مخالفة مؤداه لقواعد اخر، فان غاية مدلوله سلطنة المالك على التصرفات المشروعة دون غيرها هذا حاصل ما أفاده في المقام.

(و نقول): لابد من بيان كيفية توقف التصرفات على الملك، و أنه يكون تحت جامع واحد و يختلف باختلاف الموارد (و تفصيل ذلك) يستدعى البحث في جهتين:

(إحداهما) من حيث كون التصرف للمالك (ثانيهما) من حيث كون التصرف عن المالك بحيث ترجع نتيجته اليه:

(أما الجهة الاولى) فتوضيحها أن التصرف قد يكون خارجيا غير قابل للوكالة و النيابة، و يختص جوازه شرعا بشخص المالك كالوطء حيث يستفاد اختصاصه بالزوج أو المالك من الآية المباركة، ففي مثله لا يجوز ذلك لغير المالك بالاذن و الاباحة، بداهة ان غير المالك لا يصير مالكا بشيء منهما. و النبوي إنما يثبت السلطنة للمالك بالنسبة الى التصرفات الجائزة ذاتا، فاذا لم يكن عن جواز التصرف مانع سوى كونه ملكا للغير يباح باذنه، و قد يكون التصرف مما تجري فيه النيابة أو الوكالة و يتوقف جوازه على ملك المتصرف أو كونه منتسبا الى المالك و سلطانه وراه، كما في البيع و الاجارة و نحوها من العقود، فانها متوقفة على ملك العقد و كونه

صادرا عن رضى المالك و سلطانه و لو لا حقا على ما هو ظاهر التجارة عن تراض، ففي مثل ذلك لا ينبغي الشك في صحته بالتوكيل بل بمجرد الاذن أيضا و إن لم يكن توكيل. و بهذا صححنا العقد الفضولي إذ لحقه اجازة المالك، بناء على ما سنبينه من ان الرضا المعتبر في صحة المعاملة أعم من المقارن و المتأخر.

و قد يكون التوقف على الملك بمعنى كون التصرف تصرف المالك، نظير الطلاق الذي يعتبر فيه أن يكون من فعل الزوج، و لذا لا يصح من غيره بغير الوكالة و من هذا القبيل جميع الايقاعات كالابراء و العتق و نحوه، فان المستفاد من عموم قوله عليه السّلام:

«لا عتق إلاّ في ملك» اعتبار كون العتق فعلا للمالك «فيصح من غيره بالوكالة، حيث أن فعل الوكيل فعل الموكل غايته من غير مباشرة، و لا يصح بمجرد الرضا أو الاباحة، فلو قال المالك أبحت لك أن تعتق عبدي عني لا يصح بظاهره، فضلا عمّا إذا قال أبحت لك أن تعتق عبدي عنك، فانه لا يستفاد منه بناء على ذلك فتبرأ ذمته (و عليه) فلا مقتضى في قول الرجل اعتق عبدك عني لأن يكون استدعاء للتمليك ضمنا من باب دلالة الاقتضاء.

(و أما الجهة الثانية) فتارة يكون اعتبار التصرف عن المالك بحكم عقلي، و اخرى يكون بدليل شرعي و الاول مثل اعتبار رجوع الثمن الى كيس من خرج عنه المثمن و هكذا العكس، فان البيع مبادلة المالين و هي متقومة بدخول كل من العوضين في كيس من خرج عنه الآخر، فاعتبار كون البيع عن المالك مما استقل به العقل و لو لم يكن هناك حديث (لا بيع الا في ملك) أصلا، فاذا قال المالك لغيره اشتر بمالي لنفسك شيئا لا بد و أن يكون توكيلا له في الشراء ثم تملك المثمن، أو توكيلا للتملك أولا ثم الشراء لنفسه، أو يكون تملكا له ابتداء و إلاّ فلا يصح الاذن.

(و بالجملة) في مثل ذلك إذ ثبت ما يوهم خلافه لا بد من الالتزام بالملك آنا ما جمعا بينه و بين ما استقل به العقل. و هذا نظير ما قالوا به في شراء العمودين و المحارم جمعا بين الأدلة، و يكون الملك الثابت حينئذ ملكا حقيقيا لا تقديريا كالملك الثابت للواهب أو من له الخيار إذا باع أو أعتق، و لا وجه للتفصيل بينه و بين الملك في شراء العمودين و الالتزام بالملك الحقيقي في الفروض الثلاثة و الاختلاف انما هو من حيث طول الزمان و قصره، و إلاّ فلا نتعقل الملك التقديري أصلا.

(و أما الثاني) و هو ما اذا ثبت اعتبار كون التصرف عن الملك بالدليل الشرعي، كما استظهره في (المسالك) في باب العتق، فاذا ثبت في مورد خلافه، كما ثبت جواز عتق الولد عن والده يلتزم فيه بالتخصيص، كما ذهب اليه في (المسالك) أيضا في الفرض، من دون حاجة الى الالتزام بالملكية آنا ما، هذا كله في الكبرى الكلية من الجهتين.

(بقي الكلام) في بعض صغرياتها: (منها) - ما إذا قال المالك لغيره اعتق عبدي عنك فانه يكون موردا لكلتي الجهتين، فمن حيث اعتبار كون العتق فعل المالك لابد و أن يكون الأمر بالعتق توكيلا أو تمليكا، و إلا فلا يكون المعتق هو المالك، و أما من الجهة الثانية فلا يكفي التوكيل بناء على اعتبار وقوع العتق عن المالك، فلا مناص في صحته من أن يكون الأمر بالعتق تمليكا للمخاطب، و إلاّ فلا يكون العتق عن المالك.

(و منها) - ما لو قال اعتق عبدي عني، و البحث فيه يكون من الجهة الاولى فقط، فلابد من الالتزام فيه بالتوكيل ليكون العتق فعل المالك.

(و منها) - ما لو قال اعتق عبدك عني و لا يجري فيه إلاّ من الجهة الثانية، فان

العتق على أي تقدير يكون فعل المالك، فان جوزنا العتق عن غير المالك جاز ذلك من دون حاجة الى حمله على استدعاء التمليك، و إلاّ فلابد و أن يكون السؤال استدعاء له و العتق جوابا كما أفاده المصنف قدّس سرّه.

فتلخص من جميع ما تقدم أن البيع و نحوه من الجهة الاولى يعتبر فيه أن يكون منتسبا الى المالك ليصدق عليه عنوان التجارة عن تراض، و يحصل ذلك بالرضى اللاحق فضلا عن الاذن و الاباحة السابقة (و أما من الجهة الثانية) فالعقل يستقل باعتبار كونه عن المالك على ما عرفت، فاذا ثبت خلافه في مورد - كما في شراء العمودين و انعتاقهما مع خروج الثمن عن كيس الولد - فلا محالة من الالتزام بالملك آنا ما، و هو ملك حقيقي، لعدم امكان تخصيص الحكم العقلي.

(و أما الوطئ) فالمستفاد من الآية توقفه على الملك، و لا يجوز لغيره الا بالتحليل بصيغة خاصة، و لا مانع من التخصيص، لأن التوقف شرعي (و أما العتق) و نحوه، من الايقاعات، فان ثبت إجماع على توقفه على الملك و اعتبار كون المعتق مالكا مباشرة أو تسبيبا فهو، و إلا فقوله عليه السّلام: «لا عتق إلاّ فيما يملك» لا يستفاد منه ذلك، كما لا يستظهر من قوله عليه السّلام: «لا بيع إلاّ في ملك» و قوله عليه السّلام: «لا طلاق قبل النكاح» فانها ناظرة الى نفي العتق و البيع قبل الملك كما هو المتعارف حتى في عصرنا، فالمرجع حينئذ عمومات العتق و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، لشموله الايقاع أيضا و هكذا في الطلاق.

ثم لو تنزلنا و سلمنا دلالته على اعتبار كون المعتق مالكا، فمن الجهة الثانية لا ينبغي الريب في عدم دلالته على اعتبار كون العتق عن المالك، فيصح العتق عن غيره و يثاب عليه.

بقي الكلام في أمرين: (أحدهما) - أنه بناء على صحة العتق عن غير المالك و وصول ثوابه اليه، فهل تسقط ذمته إذا كان مشغولا بالعتق بنذر أو غيره أو لا؟ ظاهر (السيد و المحقق النائيني رحمه اللّه في الحاشية هو الأول. و (الصحيح) هو الثاني، و لا يبعد كونه مختار المسالك أيضا، فان سقوط التكليف المتوجه الى أحد بفعل غيره على خلاف القاعدة، ففي كل مورد ثبت الدليل عليه - كما في عتق الولد عن والده الميت - نقل به، و إلا فلا. و مجرد الصحة لا يلازم سقوط ذمة الغير كما هو واضح.

و أما ما ذكره السيد قدّس سرّه - من التمسك بفحوى قوله عليه السّلام: «دين اللّه أحق أن يقضى» حيث طبق الامام عليه السّلام الدين على قضاء الفوائت، ثم أمر بأن دين اللّه أحق أن يقضى - فمخدوش من وجهين: (الأول) - أن تلك الرواية ضعيفة السند و لم نجد لها مأخذا صحيحا. (الثاني) - أن مؤداها حكم على خلاف القاعدة لا بد من الاقتصار على موردها: و هو أداء الدين القربى عن الميت لا عن الحي.

(ثانيهما) - أن الأمر بالعتق هل يوجب الضمان أم لا؟ و أما إذا قصد المالك التبرع أو أقام السائل قرينة على المجانية فلا إشكال في عدم الضمان، لأن المالك أتلف ماله مجانا. و أما إذا لم يكن شيء منهما فاحترام مال المسلم يقتضي ضمان الآمر بمجرد أمره، و عليه سيرة العقلاء و المتشرعة في الأموال و الأفعال، فلا وجه للقول بثبوت الضمان على الآمر من جهة دخول المال في ملكه و خروجه عنه، كما يظهر من المحقق النائيني قدّس سرّه و عليه فاذا عين الثمن في الأمر يكون الضمان به، و إلاّ فيضمن بالمثل أو بالقيمة.

ثم إنه ذكر أمثلة اخر يتوقف فيها التصرف على الملك: (منها) - ثمن الهدي حيث

ادعى اعتبار كونه ملكا للمهدى، و قد استشهد المصنف رحمه اللّه في عدم جواز وطء الجارية بالاباحة بما حكاه عن حواشي الشهيد قدّس سرّه من منعه إخراج المأخوذ بالمعاطاة في الخمس و الزكاة و ثمن الهدي و لا وطء الجارية (نقول): أما الاستشهاد بكلامه قدّس سرّه في المقام فغريب، لأن مورده المأخوذ بالمعاطاة المقصود بها الملك على القول بترتب الاباحة عليها شرعا و كلامنا في الاباحة المالكية، و لا ربط لأحدهما بالاخرى، فو أجنبي عما نحن فيه كما ذكره السيد قدّس سرّه في الحاشية.

و توضيح ذلك: أن كلامنا في المقام إنما هو في الكبرى أعني جواز التصرف المتوقف على الملك من غير المالك، و نفوذه بعد الفراغ عن الصغرى، و هي تعلق الاباحة به. و في المعاطاة بالعكس أعني إباحة جميع التصرفات حتى المتوقفة على الملك بالمعاطاة المقصود بها الملك و عدمها بعد الفراغ عن الكبرى أعني نفوذ التصرفات المتوقفة على الملك لو فرض تعلق الاباحة به، إذ المفروض كون الاباحة شرعية، فكل من المقامين أجنبي عن الآخر.

و أما أصل المطلب فالظاهر عدم اعتبار الملك في ثمن الهدي، فان ما يظهر من الأخبار وجوب سوق الهدى في حج القران، و وجوب ذبحه هناك في حج التمتع، و ليس في شيء منهما تعرض لملك الثمن أصلا، بل لا يبعد استفادة عدمه مما ورد في بذل الحج.

هذا مضافا إلى أنه لا يتصور لاخراج ثمن الهدي من مال الغير معنى معقولا و ذلك لأن المهدي إما أن يشتري الهدي بذمته ثم يؤديها مما ابيح له، و عليه يكون الثمن مال نفسه، و إنما أوفاه من مال الغير، و إما أن يشتريه بشخص مال الغير.

(و عليه) إن قصد الشراء للمالك فالهدي بنفسه يكون للمبيح، فهو نظير أن يبيح له

سوق الهدي الموروث له من والده مثلا، و ان قصد الشراء لنفسه، فهو داخل فيما هو معلوم من شراء أحد بمال الغير لنفسه شيئا، و لا معنى لاخراج ملك الغير في ثمن الهدي.

(و منها) - المهر و قد توهم اعتبار كونه ملكا للزوج، و لكن الظاهر أن أصله ليس ركنا في النكاح، فيجوز بلا مهر فضلا عن اعتبار كونها ملكا للزوج.

(و منها) - الاخراج في الخمس و الزكاة. و الكلام فيه إن قلنا بتعلقهما بمالية العين - كما هو المختار - فيكون مشتركا بين المالك و مستحقيهما، و لا ينبغي الإشكال في أن تبديل مال الغير بدون إذنه غير جائز، و إنما ثبت حق ذلك للمالك لكونه أعظم الشريكين.

و أما غيره فلم يثبت له ذلك، و إن قلنا بتعلقه بالذمة، فيجري فيه ما تقدم في الدين التبعدي و عدم سقطوه باداء الغير. هذا كله في دفع الغير عن المالك.

و أما إذا أخرجه المالك بنفسه في الخمس و الزكاة، فعلى القول بتعلقهما بالذمة ابتداء أو انتقالهما الى الذمة بتلف مضمن، فلا مانع من ذلك لجواز اداء الدين بمال الغير إذا ابيح التصرف فيه. و المفروض أنه قصد به القربة أيضا و أما على القول بتعلقهما بالعين و بقائهما كذلك، فالظاهر عدم الجواز، لأنه إن قصد به المبادلة للمالك على أن تنتقل حصة الفقراء أو السادة اليه و يكون هو الشريك معه، فلم يثبت له حق ذلك، فان غاية ما ثبت إنما هو الولاية على تبديل حصتهم بمال نفسه ليتمحض له المال كله، و إن قصد المبادلة لنفسه بأن يدخل حصتهم في ملكه مع خروج عوضها عن ملك الآخر فهو مناف لحقيقة البيع عقلا، فلا يصح.

هذا كله على القاعدة. و أما ما تقتضيه الأخبار الخاصة في إخراج مال الغير في

قوله رحمه اللّه: نظير الملك التقديري في الدية بالنسبة الى الميت... [1]

قوله رحمه اللّه: منهم قطب الدين... [2]

قوله رحمه اللّه: أما الكلام في صحة الاباحة بالعوض... [3]

الزكاة أو الخمس أو إعطاء له ذلك بالزام معاملي أو بغيره، فللبحث فيه مقام آخر.

[1] بناء على تلقي الورثة ملك الدية عن الميت، كما دل عليه جملة من الروايات فلا مناص من الالتزام بحصول الملك للميت آنا ما ملكية حقيقية لا تقديرية اذ لا نتعقّلها فان الارث متقوم بذلك عقلا (نعم) قد يقال بأن ظاهر الآية المباركة: فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلىٰ أَهْلِهِ‌ وجوب تسليم الدية الى الوارث ابتداء. و عليه لا حاجة الى الالتزام بملك الميت أصلا لا تحقيقا و لا تقديرا.

[2] سنتعرض لكلامه في بيع الفضولي إن شاء اللّه تعالى هذا تمام الكلام في الجهة الاولى.

[3] هذه هي الجهة الثانية من الكلام و لا بد أولا من التكلم في صحة العقد المركب من الاباحة و التمليك، ثم على فرض تماميته نتكلم في كونه جائزا من الطرفين أو لازما كذلك أو يفصل، فيلتزم بالجواز من طرف المبيح و اللزوم من طرف المالك وجوه: ذهب المصنف قدّس سرّه الى أن أقواهما الصحة و اللزوم.

و تحقيق ذلك أن التمليك و الاباحة قد يقعان مورد العقد الآخر من صلح أو إجازة أو بيع، كما إذا تصالح المبيح و المملك على الاباحة و التمليك و أنشأه بعنوان الصلح، أو آجر كل منهما الآخر على ذلك، أو باع أحد شيئا و جعل ثمنه الاباحة و قد تنشأ الاباحة في مقابل التمليك من دون تعلق عقد بهما.

(أما الأول) فلا إشكال في صحته و لزومه، فيجب على كل منهما العمل بما التزم به و يملك كل منما ذلك على الآخر (نعم) وجوب الاباحة على المبيح تكليفي

لا وضعي، فله الرجوع وضعا متى شاء، بخلاف التمليك على الطرف الآخر (و عليه) فان اباح المبيح و كان موردا لعقد الاباحة في الجملة لا يجوز للمالك الرجوع، لأنه من أكل المال بالباطل و أما إذا لم يبح أو كانت الاباحة مستمرة - كما هو الظاهر - و رجع في الأثناء ثبت الخيار للمالك من باب تخلف الشرط.

(و أما الثاني)، فقد عرفت فيما سبق عدم كونه من المعاوضات المالية، و إنما هو إباحة مشروطة أو معلقة، و لكنه مع ذلك صحيح على القاعدة. و يؤيده قوله صلّى اللّه عليه و آله:

«الناس مسلطون على أموالهم»، فان مقتضاه تسلط المالك على اباحة مال الغير مشروطا أو معلقا كيفما أراد، فان كانت إباحة مشروطة أي إباحة قعلية مجانية، غايته قد شرط في ضمنها على المباح له تمليك ماله، فيجب عليه الوفاء هب، لقوله صلّى اللّه عليه و آله: «المؤمنون عند شروطهم» جاز للمبيح الرجوع عن إباحته مهما أراد، و لكن المملك ليس له الرجوع ابتداء، لأن تمليكه لم يكن هبة مجانية. لتكون جائزة، و إنما كانت في مقابل الاباحة، فهي هبة معوضة لازمة، إلا إذا رجع المبيح، و حينئذ لا يبعد أن يثبت للمملك ذلك لتخلف الشرط.

(و أما إذا كانت) إباحة معلقة شخصية أو نوعية، بأن تكون فعليتها منوطة بتحقق المعلق عليه من دون أن يجب إيجاده على الطرف أصلا، لعدم التزامه به، فيجوز للمملك أيضا الرجوع ابتداء، لأن تمليكه كان هبة مجانية جائزة، إلا إذا كانت الى ذي رحم، فتكن لازمة لا يجوز له الرجوع الا اذا رجع المبيح، فيثبت له خيار تخلف الشرط، و لا ينافيه اطلاق ما دل على لزوم الهبة الى ذي رحم، فانه ناظر الى لزومها من حيث كونها هبة، فلا مانع من ثبوت الخيار فيها من جهة اخرى.

قوله رحمه اللّه: التنبيه الخامس: في حكم جريان المعاطاة في غير البيع من العقود... [1]

التنبيه الخامس قد يقال باختصاص المعاطاة بالبيع و عدم جريانها في غيره من العقود

[1] قد يقال باختصاص المعاطاة بالبيع و عدم جريانها في غيره من العقود فضلا عن الايقاعات، لتوهم انحصار دليل صحتها بالاجماع أو السيرة، و هي غير ثابتة الا في البيع، و لكن المحقق - على ما حكى عنه المصنف رحمه اللّه - استظهر جريانها في الاجارة من كلام بعض الأصحاب، حيث ذكر أنه إذا أمره بعمل على عوض معين عمله و استحق الاجرة، فانه لو كانت هذه اجارة فاسدة لم يجز العمل و لم يستحق اجرة مع علمه بالفساد، و ظاهرهم الجواز بذلك، و هكذا في الهبة.

(نقول): أما استظهار المحقق رحمه اللّه ففي غير محله، فان استحقاق المأمور للاجرة غير ملازم لصحة الاجارة، لا مكان كونه من جهة احترام عمل المسلم الذي لم يقصد به التبرع و أتى به لأمر الآمر. و أما جريان المعاطاة في غير البيع من العقود فتحقيق الكلام فيه أنه ان قلنا بتقوم العقود مفهوما باللفظ، فلا يصدق شيء منها بدونه، و لازمه القول بفساد المعاطاة رأسا. و أما ثبوت الاباحة الشرعية أو الملك في البيع المعاطاتي فبدليل خاص من سيرة أو اجماع، فلابد من الاقتصار في ذلك على المتيقن. و هو البيع دون غيره. و أما إذا لم نقل بذلك، كما هو الصحيح لامكان انشاء جميع الانشاءات من العقود و الايقاعات و غيرها بغير اللفظ، لما عرفت من أن الانشاء عبارة عن ابراز الاعتبار النفساني بشيء سواء كان بالقول أو الفعل و عليه فمن الواضح صدق عناوين العقود أو الايقاعات على الاعتبارات المبرزة بالفعل كالقول و عليه تصح المعاطاة بالفعل المبرز للاعتبار النفساني لا خصوص العطاء الخارجي، و تشملها الأدلة العامة و الخاصة. و يكون مقتضى القاعدة فيها الصحة

و اللزوم، و لا يرفع اليد عن ذلك إلا بدليل شرعي من اجماع أو غيره دالا على عدم اللزوم أو على عدم الملك.

و لا بد حينئذ في الاباحة الشرعية من الاقتصار على القدر المتيقن من مورد السيرة، و قد خرجنا عما تقتضيه القاعدة في موردين اعتبرنا فيها اللفظ للدليل الخاص و هما النكاح و الطلاق و اعتبار اللفظ في الثاني أظهر.

و بما بيناه ظهر فساد توجيه عدم جريان المعاطاة في النكاح بتقوم مفهومه في اللفظ، إذ لا فرق بينه و بين سائر العقود من هذه الجهة، كما ظهر فساد ما ذكره المحقق النائيني قدّس سرّه في ذلك من أن النكاح و السفاح متقابلان، فان الوطء قبل ايجاد العلقة يكون مصداقا للزنا، فلا يتحقق به مضاده و هو النكاح (فانه يرد عليه أولا) - أنه أخص من المدعى، لما ذكرنا من أن المراد بالمعاطاة هو العقد المنشأ بالفعل مطلقا، و لم نعتبر في ذلك فعلا خاصا، فيمكن إبراز النكاح بفعل آخر غير الوطء من إشارة أو كتابة أو نحوهما (و ثانيا) - أن تقابل النكاح و السفاح ليس من جهة اعتبار اللفظ في مفهوم النكاح، و إنما هو من جهة أن النكاح عبارة عن الوطء عن استحقاق شرعي باختلاف الشرايع. و السفاح عبارة عن الوطء بغير استحقاق و من الظاهر أن الوطء المبرز مع تحقق العلقة الزوجية بما يدل عليها ليس وطئا عن غير استحقاق، فلا يكون مصداقا للزنا.

(نعم) لا إشكال في حرمة الوطء إذا لم يكن مسبوقا بالزوجية و إن قصد به الزوجية، لظهور قوله سبحانه: إِلاّٰ عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ‌ عرفا في اختصاص الحل بما إذا تأخر الوطء عن الزوجية، فمن حيث القاعدة لا فرق بين النكاح و غيره من العقود، إلاّ أنه يستفاد اعتبار اللفظ فيه من الاجماع و تسالم الأصحاب، و من

قوله رحمه اللّه: و أما مسألة الهبة... [1]

قوله عليه السّلام في نكاح المتعة: «فاذا قالت نعم فأنت أولى الناس بها»(1)فان مقتضاه اعتبار خصوص هذا اللفظ، و قد رفعنا اليد عن الخصوصية، للقطع بعدم اعتبارها، و أما أصل اللفظ فلا وجه لنفى اعتباره، هذا كله في النكاح.

(و قد وضح) بما تقدم أيضا فساد ما ذكره المحقق النائيني قدّس سرّه من عدم جريان المعاطاة في الوصية و الضمان و الايقاعات، لعدم وجود فعل تنطبق عليه تلك العناوين خارجا، و ذلك لما عرفت أن صدق عنوان عقد أو إيقاع على فعل إنما هو بجعله مبرزا للاعتبار المعلوم له، كابرازه بالقول. و من الظاهر إمكان إبراز الاعتبار النفساني في موارد الامور المذكورة بالفعل. نعم العطاء الخارجي لا يمكن أن يبرز به التمليك بعد الموت، كانتقال الدين من ذمة المديون الى ذمة الضامن، لكن الانشاء الفعلي لا ينحصر بالاعطاء كما عرفت، فيمكن أن ينشأ الوصية أو الضمان و نحوهما بالكتابة أو الاشارة و نحوهما مما يمكن ابراز تلك الامور بها. (نعم) لابد من مناسبة و اتصال عرفي بين الفعل و ما يبرز به، بحيث يكون الفعل مصداقا لذاك العنوان عرفا، و الا فالقصور يكون من ناحية المبرز. و يشهد لما قلناه - من إمكان المعاطاة في الايقاعات - ما ورد من طلاق الأخرس و تحققه بالقاء القناع على رأس زوجته، فان الخرس لا يجعل المستحيل ممكنا فينكشف به إمكان المعاطاة في الايقاعات، غايته اعتبر في بعض الموارد دون بعض.

[1] من الموارد التي استشكل جريان المعاطاة فيها الهبة لما ذكره المصنف قدّس سرّه من أن


1) الرواية في الوسائل 77/3 باب 18 كتاب النكاح في صيغة المتعة رواها عن أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام.

توقف الملك في الهبة على الايجاب و القبول كاد أن يكون متفقا عليه. (و فيه) منع ثبوت إجماع في خصوص الهبة، كما ذكر السيد قدّس سرّه في الحاشية، و إنما ذكر الفقهاء اعتبار الايجاب و القبول في كل من العقود عند تعرضهم للبحث عنه، بل بينوا اللفظ الذي يتحقق به الايجاب و القبول في كل منها، فحال الهبة حال غيرها من العقود.

و من الموارد التي منع جريان المعاطاة فيها القرض، بدعوى أن القبض فيه شرط لحصول الملك، و الانشاء مقتض له، فاذا جرى فيه المعاطاة بالقبض، لزم اتحاد المقتضى و الشرط، و هو مستحيل، لأن المقتضي عبارة عن السبب المؤثر، و الشرط متمم لفاعلية الفاعل أو لقابلية القابل، و هما متقابلان يستحيل اتحادهما.

و فيه أولا - النقض بالهبة، فان القبض فيها شرط لحصول الملك، فاذا انشئت به لزم المحذور، مع أن جريان المعاطاة فيها خصوصا في الهبة مورد السيرة قطعا.

(و ثانيا) - بالحل و هو ما ذكرناه مرارا من أنه لا يراد بالمقتضي و الشرط في باب الأحكام ما هو المصطلح في معناها، بل المراد بالشرط الخصوصية التي قيد بها متعلق الحكم أو موضوعه، فمرجع الشرط الشرعي الى القيد المأخوذ في متعلق الحكم، و يعبر عنه بشرط الواجب، أو في موضوعه و يعبر عنه بشرط التكليف أو الوضع، كما ان المراد بالمقتضي في المقام هو المبرز. و عليه فلا محذور في كون القيد المأخوذ في موضوع حكم الشارع بالملك مبرزا للاعتبار النفساني أيضا، فاذا تحقق يتحقق به كلا الأمرين من الشرط و الإبراز، و يترتب عليه الملك.

و من الموارد التي منع فيها المعاطاة (الرهن) و قد ذكر المصنف قدّس سرّه في وجهه ما حاصله أنه لو قلنا بلزوم المعاطاة في الرهن خالفنا الاجماع المنقول على عدم

إفادتها اللزوم، و إن بنينا على جوازه فالجواز مخالف لحقيقة الرهن الذي هو بمعنى الوثيقة و إن لم يرجع الراهن خارجا. و فيه (أولا) - انه لم يحصل لنا من الاجماعات المنقولة في المقام الظن برأي المعصوم عليه السّلام فضلا عن الجزم و اليقين، فليس في مخالفتها جرأة (و ثانيا) - لو سلمنا اعتبارها، فلابد من الاقتصار على القدر المتيقن من موردها، و هي العقود التي يتصور الجواز فيها، و لم يكن منافيا لحيقتها. (و ثالثا) - ليس شيء من كلمات المجمعين التي نقلها المصنف قدّس سرّه تصريح باعتبار اللفظ في لزوم العقد، بل مضمون جميعها إلا ما شذ أن العقد لو خلي عن اللفظ أفاد الملك الجائز، كما في كلام بعضهم، أو أفاد الاباحة كما في كلام البعض الآخر.

و من الظاهر أن مورد هذا الكلام ليس إلا العقد الذي يدور أمره بين الجواز و اللزوم، فحكم عليه باللزوم تارة و بالجواز اخرى، و لا يعم ما يدور أمره بين اللزوم و الفساد، كما في الرهن فافهم، فانه لا يخلو عن دقة. (و عليه) فمقتضى إطلاق الأدلة العامة و الخاصة صحة الرهن، سواء انشئ بالقول أو بالفعل.

و من موارد المنع الوقف، فقد ذكر المصنف قدّس سرّه أن الجواز غير معروف في الوقف.

(و فيه) أنه إذا ثبت من الخارج اعتبار اللزوم في الوقف إما لكونه عباديا و ما كان للّه تعالى لا يرجع، و إما لجهة اخرى، فيلحقه حكم الرهن. و يجري ما هناك إذ لا فرق حينئذ بينهما إلا من حيث كون اللزوم في الرهن لازما حقيقة. و في الوقف لازم بحكم الشارع. و أما إذا لم يثبت من الخارج لزوم الوقف، فحاله حال البيع. و على التقديرين تجري فيه المعاطاة. و يؤكد جريانها فيه السيرة القطعية المسترمة على عدم ذكر الصيغة في كثير من الأوقاف، مثل الفرش و الحصر الموقوفة للمساجد أو المشاهد و غير ذلك، و لم يعهد رجوع الواقفين أو وارثهم الى شيء منها.

قوله رحمه اللّه: التنبيه السادس: في ملزمات المعاطاة... [1]

و مما ينبغي الاستشكال في جريان المعاطاة فيه العتق، من حيث استلزامه رجوع الحر عبدا، و هو ممنوع، إلا أن الجواب عنه يظهر مما تقدم، فانه إما ملحق بالرهن أو بالبيع.

التنبيه السادس فى الملزمات المعاطاه

[1] أما على المختار من افادتها الملك اللازم فلا مجال لهذا البحث. و أما على القول بافادتها الاباحة أو الملك الجائز فينتهي البحث الى الملزمات، و هي امور. و قد تعرض المصنف رحمه اللّه للأصل فيما إذا شك في لزوم المعاطاة و جوازها و ذلك عند طرو ما يحتمل ملزميته كالتصرف المغير، فحكم بأن الأصل - على القول بالملك - هو اللزوم، لقوله تعالى: لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ و بغيره من الوجوه المتقدمة (و على القول بالاباحة) فالأصل عدم اللزوم، لقاعدة السلطنة، و لقوله صلّى اللّه عليه و آله: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه، و استصحاب بقاء الاباحة بعد الرجوع على تقدير جريانه في نفسه غير جار مع وجود الدليل، و هو ظاهر».

نقول: ما أفاده أعلى اللّه مقامه - من أصالة اللزوم، بناء على الملك - متين جدا.

و أما على القول بالاباحة. فانما يتم بناء على ما نسب الى العلامة رضوان اللّه عليه في بعض كتبه من فساد المعاطاة رأسا، و أن الشارع حكم في موردها باباحة التصرف، كحكمه بجواز أكل المار من ثمار الغير مع بقائه في ملك مالكه فيصح حينئذ القول بأن قاعدة السلطنة تقتضي جواز الرجوع، فاذا رجع تنتفي الاباحة، لكونها شرعية ثابتة بالسيرة أو الاجماع، و موردها ما دام لم يرجع المالك.

و أما على القول بكون المعاطاة عقدا صحيحا مشمولا للعمومات، غايته رفعنا

قوله رحمه اللّه: فاعلم أن تلف العوضين ملزم... [1]

اليد عن إفادتها الملك ما لم يحدث التلف و التصرف، للسيرة و الاجماع، ففي غير المتيقن من مورد السيرة لا بد من الرجوع الى العمومات، على ما هو الشأن عند إجمال المخصص المنفصل. و معه كيف يمكن الرجوع. الى قاعدة السلطنة، و استصحاب عدم حدوث الملك بالتصرف المغير - مثلا - غير جار مع وجود الأصل اللفظي، و ليست الشبهة موضوعية، و الشك في تحقق شرط الملك ليستصحب عدم تحققه، فالأصل يقتضي اللزوم على التقديرين.

[1] علله - أعلى اللّه مقامه - بأن التلف - على القول بالاباحة - يكون من مال مالكه، و لم يحصل ما يوجب الضمان. و التمسك بقاعدة على اليد ما أخذت مندفع بما سيجيء. و على القول بالملك فمقتضى القاعدة - كما عرفت - اللزوم. و ما ثبت من مخالفتها إنما هو جواز تراد العينين، فاذا ارتفع مورده امتنع الجواز، نظير جواز الرجوع في العين الموهوبة، بل ما نحن فيه أضيق، لتعلقه بتراد العوضين معا و لم يثبت جواز حل العقد، ليستصحب بقاؤه بعد التلف، بل مجرد الشك في ذلك كاف في عدم جريان الاستصحاب، لعدم إحراز بقاء الموضوع.

نقول: أما ما ذكره من التعليل على الاباحة لا يبعد أن يكون من سهو القلم لمنافاته لما التزم به في رد استبعاد كاشف الغطاء قدّس سرّه بأن التلف مملك من الجانبين من حصول الملك قبل التلف آنا ما، و لا بعد فيه إذا كان مقتضى الجمع بين الأدلة - أي الاتفاق على عدم الضمان بالمثل أو القيمة - و قاعدة على اليد، لوضوح عدم تسليط المالك مجانا، و بذلك قد حكم بالضمان في موارد العقود الفاسدة، على ما سيجيء الكلام فيه في محله. و استصحاب عدم الملك إلا في الزمان المتيقن وقوعه فيه، فان لازم ذلك أن تكون المعاطاة مفيدة للملك آنا ما قبل التلف. هذا على مسلكه قدّس سرّه.

قوله رحمه اللّه: حكم ما لو تلف أحد العينين... [1]

و أما على ما سلكناه فالأمر واضح، فانه لا مانع من شمول العمومات و الأدلة الخاصة لمورد المعاطاة، غاية الأمر أنه ثبت بالاجماع اشتراطه بأمر متأخر و هو التلف و نحوه، كاشتراطه في الهبة و بيع الصرف بالقبض، إلا أنه ثبتت الاباحة شرعا ما لم يحصل الشرط، و لم يثبت ذلك في الهبة و الصرف، و عليه دائما يكون التلف من مال المعطى له، كما في البيع اللفظي، فيلحق بالقول بالملك أي الفرض الثاني.

و أما ذكره على القول بالملك، ففيه أنا لم نتصور لواز تراد العينين معنى معقولا، فانه إن اريد به التراد في الملكية فهو معنى فسخ العقد، و إن اريد به التراد مع بقاء كل منهما في ملك مالكه بأن يأخذه و يحفظه له، فهو خلاف المفروض. (نعم) يمكن أن يراد بالجواز حق حل العقد بالتراد بحيث يكون التراد مصداقا للفسخ أو عند تحقق التراد خارجا، نظير بيع الشرط أعني الخيار بشرط رد مثل الثمن. (و عليه) يختص الجواز بفرض بقاء العينين و لا يثبت عند تلفهما، بل احتمال ذلك كاف في المنع عن ثبوت الخيار بعد التلف.

فظهر بما بيناه فساد ما ذكره المصنف قدّس سرّه من التعليلين و إن كان أصل الدعوى - أعني كون التلف من الجانبين - ملزما صحيحا. أما على المختار فلان العمومات كانت تقتضي الملكية و لزومها من أول الأمر، و إنما خرجنا عنها الى ما قبل التلف آنا ما لقيام الاجماع على اشراط حصول الملك أو اللزوم بها بالتف و أما بعده فلم يثبت لها مخصص. و أما على ما سلكه فلدخول كل من المالين من أول الأمر أو قبل التلف آنا ما في ملك المعطى له، و الأصل في الملك هو اللزوم.

[1] ظهر بما تقدم حكم ما لو تلف أحد العوضين أو بعضه و أنه أيضا ملزم أما على المختار فلأن المتيقن - من مورد الاجماع المخصص للعمومات - إنما هو فرض

قوله رحمه اللّه: و أما على القول بالاباحة... [1]

بقاء كلا العوضين فاذا تلف أحدهما فالعمومات مكمة و أما على مسلكه فلأن المفروض دخول العين التالفة في ملك المعطى له قبل التلف آنا ما جمعا بين الأدلة كما تقدم و قد عرفت ان الأصل في الملك هو اللزوم.

[1] حكي عن صاحب الجواهر قدّس سرّه وفاقا لبعض معاصريه و تبعا لصاحب المسالك انه استوجه عدم اللزوم في الفرض لاصالة بقاء سلطنة مالك العين الموجودة و ملكه (ورد عليه) بأنها معارضة بأصالة برائة ذمته عن مثل التالف و قيمته فان مقتضى بقاء الملك جواز الرجوع فاذا رجع لا بد و ان يضمن التالف لمالكه بالمثل و القيمة و هو مناف لأصالة برائة ذمته عن الضمان فيعلم اجمالا بعدم جريان أحد الأصلين فيسقطان معا على ما هو الشأن في سائر موارد العلم الاجمالي، و لا يتوهم التمسك بعموم على اليد و المنع لذلك عن جريان البرائة و معارضتها مع استصحاب الجواز للقطع بعدم كونها يد ضمان قبل التلف بل بعده أيضا ما لم يرجع المالك فان الضمان بالمثل أو القيمة على تقدير ثبوته ضمان حادث لم يكن ثابتا بعد تحقق اليد و ثبوته.

(ثم بعد ذلك) قرب ما استوجهه بدعوى حكومة استصحاب بقاء السلطنة على أصالة البرائة من الضمان بالمثل أو القيمة فان الشك بالضمان بالمثل أو القيمة مسبب عن الشك في الجواز مع ان ضمان التالف ببدله معلوم و الكلام في ان البدل بدله الحقيقي أو الجعلي أعني المسى فلا معنى للرجوع الى البرائة عنه.

(ثم احتمل أخيرا) القول بالجواز من الطرفين لعموم قوله صلّى اللّه عليه و آله «الناس مسلّطون على أموالهم» فان مقتضاه سلطنة المالك على ماله بجميع مراتبه من عينه و بدله فلكل من المالكين الرجوع بأخذ ماله اذا كان موجودا و بأخذ بدله الحقيقي أعني المثل أو القيمة اذا كان تالفا و ستعرف الحال في جميع ذلك ان شاء اللّه.

قوله رحمه اللّه: لأصالة بقاء سلطنته... [1]

قوله رحمه اللّه: و التمسك هنا بعموم على اليد... [2]

قوله رحمه اللّه: حاكمة على أصالة عدم الضمان بالمثل... [3]

[1] الظاهر عدم جريان هذا الإستصحاب على مسلكنا و مسلكه للقطع بحصول الانتقال و انتفاء سلطنة المالك السابق بخروج المال عن ملكه و دخوله في ملك الآخر قبل التلف آنا ما حتى العين الموجودة على ما هو قانون المعاوضة فكيف يستصحب بقاء السلطنة الزائلة. و ان شئت قلت: ان الرجوع الثابت قبل التلف انما كان رجوع المالك الى ملكه و بعد التلف يكون من استرجاع ملك الغير و قد نهى عنه الشارع بقوله سبحانه لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ فالموضوع متبدل نعم لو احتمل بقاء عدم الملكية حتى في الآن المتصل بالتلف أمكن الاستصحاب لكنه خلاف الفرض.

[2] لا مانع من التمسك به في المقام لأن الخارج عما تقتضيه السيرة و الخبر من المان موردان (أحدهما) اذا ألقى المالك احترام ماله بتسليط الغير عليه مجانا فلا يكون ضامنا و عليه يبتني قاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفساده و قد ذهب بعض الفقهاء الى عدم ثبوت الدية فيما اذا اذن المقتول في قتل نفسه و ألقى احترامها.

(ثانيهما) اليد الأماني سواء كانت مالكيه أو شرعية و كلا الأمرين منتف هنا (و دعوى) عدم كون اليد يد ضمان قبل التلف (ممنوعة) بل العام شامل لها من أول حدوثها غايته كان الضمان قبل التلف بنفس العين و بعده ببدل العين.

[3] هذه الحكومة مبنية على أمرين يجل مقام المصنف قدّس سرّه على الاعتماد في شيء منهما (احداهما) القول بحكومة الاستصحاب على البرائة عند وقوع المعارضة بينهما و لو في موردين كما قربه المحقق الهمداني قدّس سرّه في قضاء الفوائت من كتاب

قوله رحمه اللّه: ما قد يقال من ان عموم الناس... [1]

الصلاة (و يرده) انه مبني على حجية مثبتات الاستصحاب و لم يلتزم به (نعم) يتقدم الاستصحاب على البرائة اذا تعارضا في مورد واحد هذا مضافا الى امكان الرجوع في نفي الضمان الى الاستصحاب فان الضمان بالمثل او القيمة لم يكن ثابتا قبل التلف فيستصحب فلا يبقي مجال لهذا الوجه (ثانيهما) ان يقال بتقدم الضمان بالمسمى رتبة على الضمان بالمثل أو القيمة فيتقدم جريان الأصل في الأول على الثاني.

(و بعبارة اخرى) منشأ الشك في الضمان بالمثل أو القيمة هو الشك في بقاء الملك فأصالة بقائه حاكم على أصالة عدم الضمان (و فيه) ان الحكومة انما تتم فيما اذا كان ترتب الضمان بالمثل أو القيمة على بقاء الملك شرعيا على ما هو الشأن في جميع موارد الحكومة و ليس كذلك فان الضمان المزبور مترتب على بقاء التالف في ملك مالكه الأول و هو من لوازم بقاء الموجود في ملك مالكه عقلا فالحكومة فاسدة.

(و بالجملة) ثبوت الضمان في المقام انما هو من جهة التضاد و امتناع اجتماع عدمه مع جواز الرجوع و لا تتحقق الحكومة بذلك.

(نعم) اثبات الضمان بالمثل أو القيمة باستصحاب بقاء كل من المالين في ملك مالكه الأول فيما اذا احتملنا ذلك فيكون تلف التالف تحت يد الآخر موجبا لضمانه له و هكذا لو أتلفه لكنك قد عرفت انه مناف للالتزام بالملكية آنا ما.

[1] التمسك به من التمسك في العام في الشبهة المصداقية لأن مفاد تسلط المالك على مال نفسه و كون التالف أو الباقي ملكا لمالكه الأول بعد التلف أول الكلام و الحكم لا يثبت الموضوع.

قوله رحمه اللّه: و لو كان أحد العوضين دينا... [1]

قوله رحمه اللّه: و لو نقل العينين أو أحدهما بعقد لازم... [2]

[1] ذهب المصنف قدّس سرّه الى لزوم هذه المعاطاة على القول بالملك لأن من في ذمته الدين يملكه فيسقط اذ لا معنى لسلطنة الانسان على ما في ذمة نفسه فيكون في حكم التالف لأن الساقط لا يعود و هذا معنى ما ذكره الفلاسفة من استحالة تخلل العدم بين الوجود الواحد فلا يجوز الرجوع بعد ذلك لانتفاء موضوعه و هو التراد ثم ذكر ان الحكم كذلك على القول بالاباحة فافهم.

و أفاد المحقق النائيني قدّس سرّه في توجيهه ان الاباحة في المقام اباحة مطلقة و هي كالسلطنة المطلقة فلا محالة يكون أثرها السقوط كالملك (و نقول) الظاهر لزوم المعاطاة في الفرض لكن لا من جهة ان الدين يستحيل ان يملكه من في ذمته لإستلزامه سلطنة الإنسان على نفسه فلابد و ان يسقط لما عرفت في تعريف البيع من امكان ذلك بل لأن الجواز الثابت في المعاطاة ليس بمعنى السلطنة على فسخ العقد و انما هو بمعنى تراد العينين فيختص بما اذا كان العوضان من الأعيان الخارجية التي يمكن فيها التراد و لذلك لا يثبت الجواز حتى فيما اذا كان أحد العوضين دينا في ذمته شخص آخر غير المتعاطين لعدم امكان التراد فتأمل.

[2] اما قبل عودها فعدم جواز الرجوع واضح و كذا الحكم اذا رجعت بفسخ أو اقالة أو غير ذلك اما على القول بالإباحة فلدخول العين قبل وقوع العقد عليها آنا ما في ملك المعطي له ساء كان العقد معاوضيا أو غير معاوضي بل و يلحق بالعقد كل تصرف متوقف على الملك كالوطئ في الجارية فينتفى بذلك سلطنة المالك على الرجوع الثابتة قبل ذلك لأنها كانت جوازا حكميا بمعنى رجوع المالك الى ملكه و لذا لم تكن قابلة للاسقاط و قد ارتفعت يقينا و الجواز بعد ذلك اذا ثبت يكون جوازا

قوله رحمه اللّه: و لو باع العين ثالث فضولا... [1]

حقيا بمعنى السلطنة على تملك ملك الغير و هو محتاج الى دليل و مجرد الشك كاف في المنع عنه.

(و أما على القول بالملك) فان كان رجوع العين الى ملك البايع بسبب آخر من ارث أو مهر أو عقد آخر فالملكية الناشئة منه ملكية اخرى و لم يكن للمالك حق الرجوع فيها و حلها و انما كان له السلطنة على فسخ الملكية السابقة و الزائلة على الفرض و ان كان بفسخ أو اقالة فالملكية العائدة و ان لم تكن مغايرة للملكية السابقة الا ان المتيقن من مورد الإجماع القائم على جواز المعاطات على القول بالملك غير ذلك و الإستصحاب غير جار للقطع بالإنتقاض في الأثناء.

(نعم) على القول بالملك لا يكون الوطئ و نحوه من التصرف المتوقف على الملك ملزما لعدم توقفه على اللزوم (و لا وجه) لقياس المقام بخيار العيب حيث يكون التصرف فيه مسقطا للخيار فان ذلك ثبت بدليل خاص على سقوطه باحداث الحدث و أي حدث أعظم من الوطئ خصوصا في الباكرة و لم يدل دليل عليه في المقام.

(اللهم الا أن يقال) على ما سلكناه ان القاعدة و العمومات كانت شاملة للمعاطات و كان مقتضاها اللزوم و انما خرجنا عنها بالإجماع و المتيقن منه اذا لم يحدث التصرف المتوقف على الملك.

[1] يقع الكلام في امور ثلاثة الأول في الإجازة الثاني في الرد الثالث في تعارضهما اما الإجازة فتنفذ من المالك و يكون ذلك رجوعا عن المعاطاة سواء قلنا بالملك أو بالإباحة و من المعطى له اذ المفروض صحة العقد المستند اليه مباشرة أو بالتوكيل و الإستناد اليه بقاء يحصل بالإجازة (و أما الرد) فيجوز من المالك لأنه على القول

بالإباحة مالك و على القول بالملك يكون فسخا للمعاطاة لأنه تصرف مالكي بل لا يبعد كونه رجوعا حتى على القول بالإباحة لأن الإباحة لم تكن مالكية و انما كانت شرعية مترتبة على المعاطاة المقصود بها انشاء الملك فاذا رد المالك فمعناه الرجوع عما أنشأه من التمليك فاذا انتفى انشاء التمليك انتفت الإباحة الشرعية المترتبة عليها لا محالة و هكذا ينفذ الرد من المعطى له على القول بالملك فلوقوع العقد الفضولي على ملكه فله رده و أما على الإباحة فربما يقال بنفوذه أيضا نظرا الى ان الرد تصرف مالكي يستكشف به دخول العين في ملكه قبل آنا ما فبعد الرد تكون العين ملكا له.

(اللهم الا أن يقال) ان التصرف المالكي من المباح له اذا كان في العين يكشف عن حصول الملك قبله آنا ما و ليس الرد تصرفا في العين و انما هو تصرف في العقد الواقع عليها و لم يثبت له جوازه أصلا (و أما تعارض الرد و الإجازة) كما اذا رد المالك الأول و أجاز فان كانت الإجازة سابقة على الرد فلا يبقى موضوع للرد و تكون الإجازة نافذة دون الرد و أما اذا تأخرت الإجازة عنه بأن سبقها الرد يكون رد المالك فسخا للمعاطاة و رجوعا عنها بالإلتزام فله يكون الرجوع مقدما على الإجازة أو هي تتقدم عليه جعله المصنف رحمه اللّه مبنيا على القول بالنقل و الكشف فعلى النقل يتقدم الرد لكونه رجوعا عن المعاطاة فلا يبقى للثاني حق الإجازة و على الكشف تكشف الإجازة عن خروج العين عن ملك المالك الأول قبل رده فلم يحصل الرد من المالك فيلغى (ثم احتمل) لغوية الإجازة لأن الكاشف انما هو اجازة المالك و هي أول الكلام.

(و نقول) اما على النقل فالرد مقدم على الإجازة كما افيد في المتن و أما على

قوله رحمه اللّه: و لو امتزجت العينان... [1]

الكشف فسيأتي ان الكشف على وجوه و ان قلنا بالمعرفية المحضة كالامارات لا يبعد تقدم الإجازة على الرد (و ان قلنا) بالشرط المتأخر أو اعتبار وصف التعقب فلا ينبغي الريب في تقدم الرد لأن الكاشف عن حصول النقل و الانتقال بالعقد الفضولي انما هو اجازة المالك أي اجازة من له الولاية عليها مع قطع النظر عن الإجازة على ما هو ظاهر قوله (تعالى) (إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌) فان المراد به رضا المالك لا الغاصب و ليس للمعطى له ذلك لأن الرد لو لا الإجازة كان نافذا و قد عرفت انه رجوع عن المعاطاة بل يجري ما ذكرناه على القول بالكاشفية المحضة أيضا فان الكاشف انما هو اجازة من يلي أمرها لا اجازة الأجنبي.

و يحتمل كلام المصنف قدّس سرّه وجها آخرا ليس فيه تبعيد المسافة و هو ان تفرض المعاوضة ابتداء بين رجوع المالك عن المعاطاة و اجازة المعطى له بل هو الظاهر من قوله قدّس سرّه: (و لو رجع الأول فأجاز الثاني) حيث عبر بالرجوع دون الرد و على هذا لا يحتاج الى اثبات كون رد المالك فسخا للمعاطاة على القول بالملك أو مطلقا.

[1] ان كان المزج ملحقا بالتلف كما اذا مزج الدهن بالمرق فلا اشكال في سقوط الرجوع و ان لم يكن كذلك فظاهر المصنف رحمه اللّه سقوط الرجوع على القول بالملك لعدم امكان التراد و ان احتمل الشركة و على القول بالإباحة فالأصل بقاء التسلط على ماله الممتزج.

و على ما سلكناه يكون اللزوم في الفرض في غاية الوضوح فان مقتضى العمومات لزوم المعاطاة، و قد خرجنا عنها بالإجماع و المتيقن من مورده امكان استرجاع الملكية الإستقلالية السابقة على ان السيرة في مثله قائمة على اللزوم.

قوله رحمه اللّه: و لو تصرف في العين... [1]

قوله رحمه اللّه: ليس جواز الرجوع في مسألة المعاطاة نظير الفسخ... [2]

[1] ذكر المصنف رحمه اللّه في التصرف المغير كعجن الدقيق و تفصيل الثوب انه غير ملزم على القول بالاباحة و أما على القول بالملك فوجهان مبنيان على جريان الاستصحاب و عدمه و زعم ان منشأ الاشكال كون الموضوع في الاستصحاب عرفيا أو حقيقيا و قد ظهر بما بيناه ان مقتضى القاعدة في الفرض أيضا هو اللزوم على ما اخترناه للاقتصار في رفع اليد عن العمومات على المتيقن من مورد الاجماع بل السيرة على اللزوم في هذا الفرض أقوى من الفرض السابق و لذا يعد الرد بعد التغيير مستهجنا خصوصا من المغير.

[2] فصّل أعلا اللّه مقامه في سقوط الرجوع بموت المتعاطين أو أحدهما و عدمه بين القول بالملك و القول بالإباحة و حاصل ما أفاده انه على القول بالملك يسقط الجواز بالموت لأن الجواز في المعاطاة حكمي قائم بالشخص غير قابل للاسقاط و الإنتقال كجواز الرجوع في الهبة و ليس حقيا في الخيار في العقود اللازمة ليورث فاذا مات أحد المتعاطين ليس لوارثه الرجوع (و أما على القول بالإباحة) فالرجوع ثابت للوارث لأن الإباحة قائمة برضى المالك كما في الطعام المهدى الى الضيف ليأكله حيث يجوز الرجوع لمالكه في كل آن فاذا انتقل المال الى الوارث جاز له الرجوع و تنتفي اباحة التصرف للمباح له برجوع المالك ثم ذكر قدّس سرّه انه لو جن أحدهما الظاهر قيام وليه مقامه في الرجوع على القولين.

(و نقول): اما ما أفاده من ان الجواز على القول بالملك حكمي لا حقى فصحيح لما ذكرناه في أول بحث البيع من ان الحق عين الحكم الا انه جعل اسقاطه بيد من له الحق فكلما لم يثبت قابلية الجواز أو اللزوم للاسقاط كان مقتضى الأصل عدم

قوله رحمه اللّه: ان الشهيد الثاني ذكر في المسالك وجهين: [1]

سقوطه بالاسقاط فيكون حكميا.

و أما ما ذكره على القول بالإباحة فانما يتم لو كانت الإباحة إباحة مالكية فانها تدور مدار رضا المالك كما في الطعام المقدم الى الضيف و لذا اذا ارتفع رضا المالك في أثناء الأكل و لو بالجنون أو بالاغماء على كلام فيه لا يجوز الأكل و لكن الاباحة في المعاطاة ليست الا اباحة شرعية مترتبة على المعاطاة المقصود بها الملك و كان مقتضى القاعدة فيها ثبوت الملك و قد خرجنا عنها بالإجماع و المتيقن منه قبل موت المتعاطين و أما حين موته أو قبله آنا ما فلم يثبت اجماع على عدم الملك فالعمومات محكمة فلا ينتقل المال الى الورثة ليكون بقاء الإباحة للمعطى له دائرا مدار رضاهم و هذا البيان يجري على القول بالملك أيضا فيلتزم بسقوط جواز الرجوع و ان بنينا على كونه جوازا حقيا.

(و ان شئت قلت) ان الجواز الثابت بالإجماع انما هو لشخص المتعاطين دون وارثهم (و أما ما ذكره) في الجنون من قيام ولي المجنون مقامه في الرجوع على القولين فلعل نظره في ذلك الى انه ليس هناك انتقال في الجواز و قد ظهر الحال فيه مما بيناه فان مقتضى العمومات ان تكون المعاطاة مفيدة للملك اللازم و قد خرجنا عنها بالإجماع و المتيقن منه ما قبل الجنون آنا ما هذا كله في الملزمات.

التنبيه السابع البحث عن جريان الخيارات المختصة بالبيع في المعاطاة و عدمه

[1] المقصود من هذا التنبيه البحث عن جريان الخيارات المختصة بالبيع في المعاطاة و عدمه و قد وعد المصنف رحمه اللّه التكلم فيه عند بحثه عن اعتبار شروط البيع غير اللفظ في المعاطاة ففي التنبيه الأول من التنبيهات و حكى عن المسالك وجهين في كون المعاطاة بيعا أو معاوضة مستقلة مقدمة لبيان المقصود.

(و ليعلم) ان مورد الكلام انما هو المعاطاة المقصود بها التمليك بناء على ترتب الإباحة عليها شرعا و أما المعاطاة التي قصد بها الإباحة فليست بيعا و لا يجري فيها الخيار كما ان المعاطاة المقصود بها الملك على القول بترتبه عليها و لو جائزا بيع بلا كلام.

(و ربما يتخيل) انه لا ينبغي الكلام عن كون المعاطاة بيعا أصلا لأنه ان اريد بالبيع البيع العرفي فهي بيع اذ المفروض ان المتعاطيين قصدا التمليك و لا يعتبر اللفظ في صدق البيع عرفا و ان اريد به البيع الشرعي فليست المعاطاة بيعا لعدم ترتب الملكية عليها (و لكن التحقيق) ان المعاطاة على القول بالملك اللازم بيع بلا اشكال و كذا على القول بترتب الملك الجائز عليها اذ لا يعتبر اللزوم في مفهوم البيع و أما على القول بالإباحة فكذلك لما مر منا مرارا من ان الإباحة المترتبة على المعاطاة ليست اباحة مالكية و انما هي اباحة شرعية ثابتة بالسيرة و الاجماع و اما المتعاطيان فقد قصدا بها التمليك و امضاه الشارع غاية الأمر مشروطا بشرط متأخر عن المعاطاة مقارن لحصول الملك من التصرف المغير أو التلف و نحوهما كاشتراط صحة بيع المكره و ترتب الأثر عليه بالاجازة اللاحقة أو اشتراط بيع الصرف بالقبض.

نعم حكم الشارع في المعاطاة باباحة التصرف ما لم يحصل شرط الملك و لم يحكم بها في بيع المكره و بيع الصرف و نحوه (و عليه) فالمعاطاة تكون بيعا من أول حدوثها على جميع الأقوال حتى الاباحة كما ان بيع المكره و الصرف ايضا بيع قبل حصول الإجازة و القبض.

و أما جريان الخيار فيها فتفصيله ان الخيار قد يكون بتعبد شرعي كخيار المجلس و الحيوان و قد يكون ناشئا من تخلف الشرط فان جعل الشرط لا معنى له

الا جعل الخيار عند تخلفه (ثم الشط) قد يكون لفظيا مذكورا في العقد و قد يكون ارتكازيا كاعتبار صحة العوضين و عدم تفاوت الثمن عن القيمة السوقية تفاوتا فاحشا في المعاوضات و لذا يكون التخلف في الأول موجبا لثبوت خيار العيب و في الثاني يكون موجبا لخيار الغبن و هذا القسم من الخيار لا إشكال في جريانه في المعاطاة.

و انما الكلام في جريان القسم الأول فيها فنقول اما على المختار من القول بافادة المعاطاة للملك اللازم من أول الأمر فلا ينبغي الاشكال في جريان جميع الخيارات فيها و هكذا على القول بافادتها الملك الجائز اذ لا مانع من ثبوت الخيار بعناوين عديدة بينها عموم من وجه و لا وجه لما ذكره المصنف رحمه اللّه من كون الجواز في المعاطاة غير متعلق بالبيع بل هو متعلق بتراد العينين (لما عرفت) من ان جواز التراد معناه التراد في الملكية و هو عبارة اخرى عن فسخ العقد فهو كبقية الخيارات كما لا وجه لما ذكره المحقق النائيني رحمه اللّه من انه لا يلحقها خصوص خيار المجلس و الحيوان لظهور دليلهما في اختصاصهما في البيع العقدي الذي مبناه على اللزوم لو لا الخيار (و ذلك) لأنه ان أراد ابتناء العقد على اللزوم بحسب قصد المتبايعين فالمعاطاة كذلك لأن المفروض ان المتعاطيين قصدا التمليك الازم و ان أراد ابتناءه عليه شرعا فهو فاسد و لذا يثبتان في البيع الجائز بشرط و نحوه مع عدم ابتنائه على اللزوم شرعا. و أما على القول بالاباحة فحال المعاطاة على ما عرفت حال بيع المكره و بيع الصرف فكما يثبت فيهما خيار المجلس و الحيوان و يترتب عليه الأثر بعد حصول الشرط فكذلك في المقام و قد ظهر بما بيناه انه لا وجه للترديد في مبدأ ثبوت خيار الحيوان في المعاطاة.

قوله رحمه اللّه: لا اشكال في تحقيق المعاطاة... [1]

التنبيه الثامن اذا اعتبر الانشاء القولى

[1] أطال المصنف رحمه اللّه الكلام في هذا التنبيه من غير حاجة الى ذلك و نحن نختصره و نقول لو اكتفينا من الانشاء القولي بكل لفظ مبرز عرفا للاعتبار النفساني فلا مجال لهذا التنبيه و اما اذا اعتبرنا فيه بعض الشروط فيقع الكلام في ان الفاقد لها يلحقه حكم المعاطاة أولا أو يفصل بين حصول القبض و عدمه الظاهر هو الثاني و هو عدم كون العقد اللفظي الفاسد معاطاة من غير فرق بين تحقق القبض بعده و عدمه فان الانشاء اللفظي اذا كان فاقدا لشرط اللزوم فلا اشكال في صحته و ترتب الأثر عليه غاية الأمر تسلط كل من المتبايعين على فسخه و إن كان فاقدا لشرط الصحة فلا مناص من الحكم بفساده و القبض المبني على العقد اللفظي ليس انشاء فعليا للتمليك بل يكون من قبيل قبض المقامر و اقباضه مترتبا على القمار من باب الوفاء بالعقد و الالتزام السابق و عليه فيجري فيه ما يجري في بقية العقود الفاسدة من عدم جواز التصرف في العوضين و من الضمان.

و لا يقال ذلك في المعاطاة على القول بعدم افادتها الملك فان الاباحة في موردها قد ثبتت بدليل خارجي من سيرة و اجماع و لم يثبت ذلك في المقام.

نعم يستثني من ذلك موردان بنحو الاستثناء المنقطع (أحدهما) ما اذا قصد بالقبض أو الاقباض انشاء التمليك مستقلا مع قطع النظر عن العقد اللفظي السابق (ثانيهما) ما اذا علم كل منهما برضاء الآخر تصرفه في ماله فيباح له التصرف ما دام عالما بذلك و لا يكفي في الاباحة عدم العلم بالرجوع كما أفاده المصنف رحمه اللّه و ذلك لأن الاذن بالتصرف انحلالي فكل تصرف في كل آن لا بد له من اذن خاص به الا اذا

قوله رحمه اللّه: مقدمة في خصوص الفاظ عقد البيع... [1]

كان الاذن المتيقن سابقا بنحو الاستمرار ثم شك في ارتفاعه بالرجوع فيحنئذ لا مانع من الاستصحاب هذا تمام الكلام في المعاطاة.

البحث في شروط الصيغة

اشارة

[1] قد ذكر في هذه المقدمة امورا منها ان اعتبار اللفظ في البيع بل في جميع العقود مما نقل عليه الاجماع الا انه مختص بفرض القدرة مع الانشاء القولي و اما مع العجز كما في الأخرس ففي فرض عدم القدرة على التوكيل لا اشكال و لا خلاف في عدم اعتبار اللفظ و قيام الاشارة مقامه و كذا مع القدرة على التوكيل لا لإصالة عدم الاشتراط لأن الاشتراط هو الأصل بل لفحوى ما ورد من ان طلاق الأخرس اشارته و تخصيصه بفرض العجز عن التوكيل تخصيص بالفرد النادر فيصح المعاطاة من الأخرس مطلقا كما يصح منه الانشاء بالاشارة و الكتابة.

(و منها) انه لو قلنا بأن الأصل في المعاطاة هو اللزوم بعد القول بافادتها الملك فالقدر الخارج صورة القدرة على مباشرة اللفظ و أما غيرها فهو باق تحت الأصل.

(و منها) ان الظاهر كفاية الكتابة مع العجز عن الاشارة و أما مع التمكن منها فقد ترجح الاشارة لكونها اصرح في الانشاء (ثم بعد ذلك) شرع في الخصوصيات المعتبرة في اللفظ من حيث المادة من كون اللفظ صريحا أو كفاية الكتابة و من حيث الهيئة الانفرادية كالماضوية و من حيث الهيئة التركيبية كالموالات و تقدم الايجاب على القبول.

و قبل بيانها لا بد لنا من التكلم في جهات (الاولى) فيما يقتضيه الأصل العملي عند الشك فى شرطية شيء أو مانعيته مع فرض عدم وجود أصل لفظي رافع للشك و قد عرفت ان ظاهر المتن ان الأصل يقتضي الاشتراط و عدم ترتب الأثر على

الفاقد لما يحتمل شرطيته (و لكن قد يقال) كما عن بعض المحشين انه مورد للبرائة فان حديث الرفع يعم الأحكام الوضعية و قد طبقه الإمام عليه السّلام على نفي الصحة عن الحلف المكره عليه فاذا ارتفعت شرطيته لا يبقى مجال للتمسك باصالة عدم ترتب الأثر لأن الشك فيه مسبب عن الشك في الشرطية.

(و فيه) ان حديث الرفع و ان كان شاملا للأحكام الوضعية كما ذكره الا انه لا يعم الشرطية و المانعية لما بيناه مرارا من انه لا يراد بهما في الأحكام الشرعية معناهما المصطلح بل الشرط الشرعي عبارة عن الأمر الوجودي المأخوذ في موضوع الحكم أو متعلقه و المانع عبارة عن الأمر العدمي المأخوذ فيه فان أخذا في الموضوع فلا محالة يكون الشرط شرطا للحكم التكليفي كالاستطاعة المأخوذة في موضوع وجوب الحج أو الوضعي كالتعدد المأخوذ في موضوع الحكم بطهارة المغسول و يكون المانع مانعا عن الحكم و ان أخذا في متعلق الحكم يكون الشرط شرطا للمتعلق و المانع مانعا عنه.

(و عليه) فمرجع الشك في شرطية شيء للحكم الى الشك في حصول الأثر و ترتبه على الفاقد للقيد المحتمل اعتباره و عدمه و ليس ذلك موردا للبرائة بل هو مورد لاصالة العدم.

(الجهة الثانية) اذا كان هناك عموم أو اطلاق يقتضي صحة العقد أو لزومه و ثبت الاجماع على اعتبار شرطه في ذلك فالظاهر اختصاص اعتباره بصورة التمكن من ايجاد ذلك الشرط و اما مع العجز فالاطلاق محكم للزوم الاقتصار على القدر المتيقن في المخصص أو المقيد اللبي و في غيره يرجع الى المطلق أو العام (و عليه) فيكتفي في عقد الأخرس بغير اللفظ من الانشاء بالإشارة أو الكتابة المقصود بها

الانشاء أو المعاطاة بعد كونها مصداقا للبيع أو العقد عرفا على ما هو الصحيح سواء كان متمكنا من التوكيل أم لم يكن من دون حاجة الى التمسك بفحوى ما ورد في الطلاق أو غيره (نعم) تكون الفحوى مؤيدة للعمومات و المطلقات (و يلحق بالأخرس) فيما ذكرنا غيره ممن لا يقدر على الانشاء اللفظي لمرض أو اضطرار أو جهل كل من المتبايعين بلغة الآخر أو غير ذلك.

(الجهة الثالثة) ربما يقال بتقديم الاشارة على الكتابة لأنها أصرح فان الكتابة قد تكون لأجل التعليم و التمرين بخلاف الاشارة و ربما تقدم الكتابة على الاشارة لكونها أضبط (و فيه) انه لو سلمنا الصغرى فلا ريب في أن الكبرى ممنوعة اذ لا دليل على الترجيح بالأصرحية أو الأضبطية و الا لزم ترجيح الكتابة على الانشاء اللفظي أيضا لأنه أضبط منه فالصحيح كما ذكرنا صحة الانشاء بكل ما يكون مصداقا له عرفا سواء كان لفظا أو كتابة أو اشارة أو تعاطيا من الطرفين أو اعطاء من طرف واحد أو غير ذلك من غير ترتيب بينهما (نعم) في خصوص الطلاق يستفاد الترتيب بين الكتابة و الاشارة من النص(1)و لكنه مختص بمورده و لا يتعدى عنه و لا وجه لما ذكره السيد قدّس سرّه في الحاشية من كون الترتيب المذكور في النص انما هو من باب بيان طبع المطلب فان ظهوره في التعيين غير قابل للانكار.


1) في الوسائل 149/3 باب 18 في الطلاق الصدوق باسناده عن البزنطي قال: «سألت أبا الحسن الرضا عليه السّلام عن الرجل تكون عنده المرأة يصمت و لا يتكلم قال اخرس هو قلت نعم و يعلم منه بغض لامرأته و كراهة لها أيجوز أن يطلق عنه وليه قال لا و لكن يكتب و يشهد على ذلك قلت فانه لا يكتب و لا يسمع كيف يطلقها قال بالذي يعرف به من حاله مثل ما ذكرت من كراهته و بغضه لها» (عبد الرزاق المقرّم).

قوله رحمه اللّه: أما الكلام من حيث المادة... [1]

هذا كله في اعتبار أصل اللفظ و يقع الكلام في خصوصياته.

[1] تفصيل الكلام في المقام انه لا اشكال في وقوع العقد بالألفاظ الصريحة في انشاء العقد كما لا ريب في وقوعه بالألفاظ الظاهرة فيه بحسب الوضع الحقيقي و ان احتمل ارادة غير معناه مجازا كما اذا أنشأ الاجازة بقوله آجرتك الدار و احتمل ارادة الوديعة بها مجازا فانه يدفع بأصالة الحقيقة و الظهور و ان كان ناشئا من الاطلاق كما اذا قالت زوجتك نفسي و احتملنا انها أرادت بها الانقطاع (و أما وقوعه بالكنايات) و المراد بالكناية استعمال اللفظ في معناه الحقيقي فيما اذا لم يكن مقصودا بالأصالة بل كان المراد أصالة لازمه كما في قولهم زيد كثير الرماد فانه و ان استعمل في معناه الحقيقي الا انا المقصود تفهيمه بالاصالة انما هو لازمه أعني الجود بل قد لا يكون لزيد رماد أصلا فاذا أنشأ العقد بالكناية كما اذا قال أحد لغيره أصرف هذا المال في مطبخك فان كان اللزوم بينا عرفا يصح ذلك من غير فرق بين كون اللازم لازما مساويا أو أعم للمعنى الحقيقي.

(و أما وقوعه بالألفاظ المجازية) فقد صرح جماعة بعدمه و ربما فصل بين المجازات القريبة و البعيدة و يظهر من المصنف أعلا اللّه مقامه التفصيل بين ما اذا كانت القرينة على ارادة المعنى المجازي مقالية أو حالية بدعوى البناء على عدم العبرة بغير الألفاظ في انشاء العقود اجماعا (و الصحيح) وقوعه بها مطلقا من غير فرق بين المجاز القريب و البعيد و لا بين كون القرنية مقالية أو حالية.

(و ليت شعري) في أي مورد بني على اعتبار اللفظ في القرينة و أي اجماع قام على ذلك فان ما بني عليه بالاجماع انما كان اعتبار اللفظ في أصل انشاء العقد لا القرينة عليه (نعم) اذا كان الاستعمال المجازي في مورد غلطا عرفا و ان كان المراد

قوله رحمه اللّه: منها لفظ بعت في الإيجاب... [1]

معلوما نظير ان يشير الى الرمان و يقول كل هذا الحجر فانه غلط و ان كان المراد واضحا و كأن يقول وهبتك موكلتي مريدا بها التزويج أو يقول اجرتك الدار مريدا بها الوديعة لا يصح لأن العناوين المأخوذة في الأدلة ظاهرة في العقود العرفية و لا يصدق ذلك اذا كان الاستعمال غلطا عرفا و لعل هذا هو المراد من المجاز البعيد في كلمات الفقهاء.

(و أعجب من هذا) التفصيل ما حكاه المصنف رحمه اللّه في الانشاء بالمشترك اللفظي أو المعنوي من انه اذا كانت القرينة المعينة حالية أو لفظية سابقة على العقد لا يصح انشاء العقد به و قد ظهر فساده.

(و بالجملة) كلما كان اللفظ المنشأ به العقد مصداقا له عرفا صح لشمول اطلاقات الأدلة له من غير فرق بين كونه صريحا أو كناية حقيقية أو مجازا قريبا أو بعيدا كانت القرينة لفظية أو عقلية و قد خرج عن ذلك موردان أحدهما بالتخصيص و الآخر بالتخصص أما ما خرج بالتخصيص فهو الطلاق حيث اعتبر فيه اللفظ الخاص بالنص و أما ما خرج بالتخصيص فهو ما اذا أنشأ العقد بلفظ بعد استعماله فيه غلطا عرفا كما اذا أنشأ البيع بلفظ أكلت فانه و ان كان مفهما للمراد شخصا و قلنا ان العقد عبارة عن الاعتبار المبرز الا أنه ليس مصداقا له عرفا فلا يعمه الاطلاقات هذا كله في الكبرى بقي الكلام في تشخيص بعض صغرياتها.

[1] لا اشكال في صحة انشاء البيع و ايجابه بلفظ بعت و توهم ان البيع بحسب تعريف المصباح فعل الاثنين فاستعمال في فعل الواحد و هو تبديل العين بالمال مجاز (مدفوع) بأنه و ان سلم ذلك الا ان استعماله في التبديل كثير شايع في العرف غير محتاج الى القرينة فلا مانع منه.

قوله رحمه اللّه: و أما لفظ شريت... [1]

قوله رحمه اللّه: و منها لفظ ملّكت بالتشديد... [2]

[1] نفى الاشكال أولا عن تحقق ايجاب البيع بلفظ شريت و ذكر انه موضوع للتمليك بالبيع على ما يظهر من القاموس و انه قد استعمل بمعنى البيع في القرآن المجيد في موارد عديدة منها قوله تعالى: وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰاهِمَ مَعْدُودَةٍ‌ ثم استشكل في صحته من جهة قلة استعماله في البيع عرفا و خلو كلام القدماء عن الايجاب به (و فيه) من المناقضة ما لا يخفى فانه نفى الاشكال عن الصحة أولا ثم وجهه بعد ذلك (على ان) اتباع القرآن المجيد هو المتعين خصوصا بعد تصريح أهل اللغة فانه المتعين و لا يعتني في قبال ذلك بخلو كلام القدماء عنه فالحق صحة انشاء البيع بقوله شريت.

[2] حاصل ما أفاده رحمه اللّه ان لفظ ملكت بالعوض مرادف للبيع و لذا عرف به كمرادفة الانسان للحيوان الناطق حيث لا فرق بينهما الا من حيث بساطة المفهوم و تركبه (نعم) لفظ ملكت مجردا عن ذكر المتعلق منصرف الى الهبة فلو اريد بلفظ ملكت بالعوض انشاء الهبة المعوضة أو قصد به المصالحة بني صحته على صحة العقد بالألفاظ المجازية و لكن السيد الطباطبائي قدّس سرّه حيث استظهر ان ما جعله المصنف قدّس سرّه مبنيا على صحة العقد بالألفاظ المجازية انما هو انشاء العقدين بلفظ ملكت و لم يلتفت الى ان الاشكال من جهة الانشاء بالتمليك بعوض (أورد عليه) بما حاصله ان صحة انشاء الهبة غير المعوضة مستلزمة لصحة انشاء الهبة المعوضة أيضا لأن حقيته في كليهما واحدة و التمليك مجاني.

(و لكن الظاهر) ان مراد المصنف رحمه اللّه انشاء الهبة المعوضة أو الصلح بلفظ ملكت بالعوض مع المتعلق و لا اشكال في كونه مجازا في الهبة المعوضة التي يكون

قوله رحمه اللّه: و أما الايجاب باشتريت... [1]

التمليك فيها مجانيا و هكذا في الصلح فان واقع التسالم و ان كان متحققا في جميع العقود الا ان المنشأ في الصلح المصطلح انما هو مفهوم التسالم و استعمال التمليك بالعوض فيه مجاز كما هو ظاهر.

[1] جريان الإشكال المتقدم في شريت أولى لعدم استعمال اشتريت في البيع في القرآن الكريم الا في مورد واحد على ما ذكره بعض المفسّرين و هو قوله تعالى:

بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ‌ حيث ذكروا انه لا معنى لشراء الانسان نفسه فلابد و ان يراد بالاشتراء في الآية البيع (و لكنا بينا) في بحث التفسير امكان ابقائه على ما هو ظاهره من الشراء المتعارف بأن يكون المعنى شراء بعضهم نفس البعض الآخر على ما هو ظاهر اضافة الجمع الى الجمع كما في قوله تعالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ‌ اذ ليس المراد منه أن يقتل كل منهم نفسه بل المراد قتل بعضهم بعضا.

فالظاهر من الآية التي هي واردة فيى علماء اليهود و عوامهم على ما يستفاد من مقارناتها انه بئس ما اشترى العوام به أنفس علمائهم فان العلماء باعوا أنفسهم من العوام تحفظا على مقامهم و جاههم و بئس ما اشترى به العلماء نفس عوامهم فانهم باعوا أنفسهم من العلماء خوفا أو طعما.

و قد فسّره بعض المفسّرين أيضا بالشراء المتعارف الا انه وجهه بتوجيه فاسد و كيف كان لم نجد استعمال الاشتراء بمعنى البيع في شيء من الآيات حتى الآية المزبورة (لكن) مع ذلك يصح ايجاب البيع به لما عرفت من جوازه بكل لفظ كان مصداقا للبيع عرفا (و ربما نوقش) في صحة ذلك بأن الاشتراء من باب الافتعال و هو ظاهر في المطاوعة و هي قبول فعل الغير فكيف يصح استعماله في الايجاب.

(و فيه) ان الافتعال و ان كان للقبول الا انه ليس لخصوص مطاوعة فعل الغير بل

قوله رحمه اللّه: و الاتكال في تعيين المراد... [1]

قوله رحمه اللّه: و أما القبول [2]

يصح اطلاقه في مورد قبول الطبيعة أعني فعل نفسه كما في الاكتساب و الابتداع و نحوه اذ لا يراد به قبول كسب الغير أو ابداع الغير بل المراد به قبول طبيعي الكسب و الابداع (و الحاصل) جواز ايجاب البيع بكل من هذه الألفاظ بل و بغيرها ممّا يكون مصداقا للبيع عرفا كلفظ نقلت و ما شاكله.

[1] في بعض النسخ بدل و الإتكال (و الاشكال) و هو غلط مطبعي و حاصل ما أفاده ان الاتكال في تعيين المراد من لفظ اشتريت و نحوه المستعمل في الايجاب بقرينة تقديمه لأن تقديم الايجاب اما لازم أو غالب غير صحيح لعدم جواز الاعتماد على القرينة الغير اللفظية في تعيين المراد من الفاظ العقود الا ان يدعى ان اعتبار الصراحة انما هو في أصل انشاء العقد أو تعينيه لا في تمييز الموجب عن القابل ثم استشكل فيه.

و نقول قد عرفت عدم اعتبار اللفظ الصريح في أصل انشاء العقد و الاكتفاء في تعيينه بالقرائن الحالية فضلا عن تمييز البايع عن المشتري على ان تعيين الموجب و القابل غير دخيل في صحة العقد أصلا هذا في ألفاظ الايجاب.

الفاظ القبول

[1] لا اشكال في وقوعه بلفظ قبلت و رضيت و ابتعت و شريت و اشتريت و ملكت بالتخفيف و تملكت و نحو ذلك مما هو مصداق للقبول عرفا و انما الكلام في وقوعه بلفظ ملكت بالتشديد أو بعت الظاهرين في التمليك الإبتدائي (و لكن على ما اخترناه) يجوز ذلك اذ غايته ان يكون من انشاء القبول بالألفاظ المجازية بل لو قلنا بأن البيع مشترك بين البيع و الشراء يكون انشاء القبول به من الإنشاء باللفظ

قوله رحمه اللّه: بلفظ الامضاء و الاجازة و الانفاذ... [1]

قوله رحمه اللّه: لو أوقعا العقد بالألفاظ المشتركة... [2]

المشترك و كلاهما صحيح كما عرفت (بل يمكن ان يقال) بكفاية الإيجاب من الطرفين في صحة العقد و لو لم يكن في البين قبول أصلا كما اذا أنشأ كل منهما تبديل عين ماله بشخص مال الآخر مقارنا فقال أحدهما بعت داري ببستانك و الآخر قال بعت بستاني بدارك صح ذلك لصدق عنوان العقد و التجارة عن تراضي على ذلك فان العقد عبارة عن الإلتزامين المربوطين أحدهما بالآخر و هو متحقق في الفرض كما ان التجارة عن تراض لم يؤخذ فيها الإيجاب و القبول.

نعم لا يصدق على ذلك البيع و الشراء كما لم يصدق على ما اذا قصد كل منهما خصوصية مال الآخر فلا يترتب عليه الآثار المترتبة على البيع.

[1] قد يستشكل فيه كما عن بعض المحشين من جهة ان الامضاء و النفوذ انما يلحق العقد التام القابل لذلك مع قطع النظر عن الامضاء كعقد الفضولي و المكره و اما الإيجاب فقط فهو مع قطع النظر عن الإمضاء لا يكون عقدا أصلا (و فيه) انه لا مانع من ابراز القبول بكل لفظ كاشف عنه عرفا فيتحقق العقد بنفس الإمضاء.

[2] لا ينحص الإختلاف بما اذا أوقعاه بالألفاظ المشتركة كما فرضه المصنف رحمه اللّه بل يمكن تصوير الإختلاف فيما لو أوقعاه بالألفاظ المختصة و لكن ادعى كل منهما انه قال بعت و الآخر قال قبلت أو بالعكس.

قوله رحمه اللّه: فلا يبعد الحكم بالتحالف ثم عدم ترتب الآثار... [1]

قوله رحمه اللّه: اعتبار العربية في العقد للتأسي... [2]

[1] الظاهر انه ليس للبيع أثر مختص به نعم يترتب الخيار على خصوص الشراء في بيع الحيوان فاذا كان أحد العوضين حيوانا و ادعى من انتقل اليه الحيوان انه كان مشتريا و ادعى الآخر انه كان بائعا (و عليه) لا يكون هذا الإختلاف من باب التداعي بل يكون مدعى اللزوم منكرا لموافقة قوله الأصل و مدعي الجواز و الفسخ مدعيا لمخالفة قوله الأصل فان مرجع اختلافهما الى ذلك (نعم) لو كان كل من العوضين حيوانا و ادعى كل منهما انه المشتري صح مع التحالف.

و بالجملة لو اقتصرنا في تعيين المدعي و المنكر بما هو مدلول مطابقي لكامهما كان المقام من قبيل التداعي لأن كلا منهما آمرا و لازمه نفى ما يدعيه الآخر و أما لو جعلنا الميزان في ذلك لوازم الكلام و الآثار المترتبة عليه فالحكم ما بيناه و لعل المصنف رحمه اللّه رجح الثاني فنفي البعد عن كون الفرض من باب التداعي.

اعتبار العربية

[2] استدل على اعتبار العربية في العقد بوجوه ثلاثة الأول التأسي فان النبي صلّى اللّه عليه و آله و الأئمة عليهم السّلام كانوا ينشئون العقود بالعربية و التأسي بهم واجب (الثاني) الأولوية فان عدم صحة العقد الواقع بالعربي غير الماضي يستلزم عدم صحته بغير العربي بطريق أولى (الثالث) ما حكاه المصنف رحمه اللّه عن بعضهم من المنع عن صدق العقد على غير العربي مع التمكن من العربي (أما الوجه الأخير) ففساده ظاهر (و اما الوجه الثاني) فيرده ان فساد العقد العربي الواقع بغير صيغة الماضي انما يقتضي فساد العقد العجمي الواقع بغير الماضي بالأولوية و لا يقتضي فساد العقد العجمي مطلقا (و أما الوجه الأول) فيدفعه ان التأسي بهم انما يجب في خصوص الأحكام الشرعية دون

قوله رحمه اللّه: و هل يعتبر عدم اللحن... [1]

الامور العادية و لذا لم يتوهم أحد لزوم التكلم بالعربي مطلقا تأسيا بهم (على ان التأسي) لو فرضناه واجبا فانما هو في الوجوب التكليفي و هو لا يستلزم الوجوب الشرطي الوضعي فلم يثبت دليل على اعتبار العربية في العقود (و عليه) فبناء على ما هو الصحيح من ثبوت العموم أو الإطلاق لأدلة صحة العقود لا بد من التمسك بها لاثبات صحة كل ما يكون مصداقا للعقد عرفا سواء كان عربيا أو غيره الا في الطلاق للنص الدال على اعتبار اللفظ الخاص به و كذا النكاح للاحتياط لكون المورد من الموارد المهمة لدى الشارع.

(و أما اذا فرضنا) عدم تمامية الاطلاق لتلك الأدلة و كان الدليل على صحة العقود هو الاجماع فلابد من الاقتصار على المتيقن أعني العقد العربي دون غيره.

[1] هذه هي المسألة الثانية و هي غير متوقفة على اعتبار العربية في العقود و حاصلها اعتبار عدم اللحن في ألفاظ العقد من حيث المادة و الهيئة و عدمه سواء كان عربيا أو عجميا أو عدمها (ظاهر المصنف رحمه اللّه) تقوية الأول بناء على لزوم الاقتصار على المتيقن من أسباب النقل (و نقول) ان كان اللحن في الهيئة أو المادة متعارفا كما تعارف التعبير عن زوجت بلفظ جوزت و عن بعت بلفظ بعت بكسر العين فلا ينبغي الاشكال في صحته لصدق العنوان عليه عرفا و أما اذا كان لحنا شخصيا كما اذا قال بغت بالمعجمة عوض بعت يكون ذلك فاسدا و هكذا في غير العربي.

قوله رحمه اللّه: هل المعتبر عربية جميع أجزاء الايجاب و القبول‌؟ [1]

قوله رحمه اللّه: ثم انه هل يعتبر كون المتكلم عالما تفصيلا؟ [2]

قوله رحمه اللّه: المشهور كما عن غير واحد اشتراط الماضوية... [3]

[1] قواه المصنف رحمه اللّه بناء على ما حكاه عن الشهيد في (غاية المراد) من وجوب ذكر العوضين في الإيجاب (و لكن الظاهر) عدم اعتباره لعدم الدليل على العربية في ذكر العوضين و غيرهما من متعلقات العقد كالشرط و نحوه سواء وجب ذكرهما في متن العقد أو لم يجب (مضافا) الى ان ذكر العوضين في العقد غير لازم أصلا اذا كانا معلومين من المعاولة السابقة أو غيرها و هكذا الشرط.

[2] هذه مسألة غير مترتبة على اعتبار العربية في العقد كما يظهر من المتن و قد استظهر المصنف رحمه اللّه اعتبار علم العاقد تفصيلا بمعاني الألفاظ التي يستعملها في انشاء العقد و يستعمل كل منها في معناه بأن يعرف مثلا ان لفظ البيع معناه التمليك بالعوض و لفظ التاء للمتكلم و هكذا ليكون الاستعمال مستندا الى الوضع و لا يكفي علمه اجمالا بأن هذه الجملة مضمونها هذا المعنى و يستعمل الجملة في المضمون فانه ليس استعمالا مستندا الى الوضع (و لكن الصحيح) عدم اعتبار ذلك بعد صدق العقد عرفا على انشاء المضمون بمجموع الجملة و لو لم يكن الاستعمال على طبق قانون الوضع و ليس هذا الا كالأخبار عن قيام زيد بجملة زيد قائم مع عدم تمييز معنى القائم عن معنى لفظ زيد.

اشتراط الماضوية

[3] وجه المصنف رحمه اللّه اعتبار الماضوية في العقود بوجهين أحدهما صراحة الماضي في الانشاء و أما المستقبل فهو أشبه بالوعد و الأمر بالاستدعاء ثانيهما ان قصد الانشاء في المستقبل خلاف المتعارف ثم حكى عدم اعتبارها عن القاضي و وجهه

باطلاق البيع و التجارة و عموم العقود و ما دل على بيع الآبق و بيع اللبن في الضرع من الايجاب بلفظ المضارع و فحوى ما ورد في النكاح ثم قواه لكن قيده بما لو فرض صراحة المضارع في الانشاء على وجه لا يحتاج الى قرينة المقام ثم عقبه بقوله (فتأمل).

(و نقول) اما ما ذكره من عدم تعارف الانشاء بالمضارع (ممنوع أولا) فيما يكون ظاهرا في الانشاء عرفا من المضارع و الأمر كقولهم (خذه) في مقام انشاء الهبة فان استعماله شايع و ان كان الانشاء بصيغة الماضي أغلب (نعم) قد لا يكون المضارع أو الأمر ظاهرا في الانشاء أصلا فلا يصح لا من جهة كونه خلاف المتعارف بل لعدم كونه مصداقا للعقد العرفي و لا كلام لنا في ذلك لأن البحث كبروي.

(و ثانيا) انه لا اعتبار بالتعارف و عدمه بعد كون الصيغة مبرزة للاعتبار النفساني عرفا و تحقق مصداق العقد خارجا و هو الالتزامين المربوطين (و دعوى) انصراف الأدلة الى المتعارف (فاسدة) لا وجه لها.

(و أما ما ذكره) من عدم صراحة المضارع و الأمر في الانشاء ثم تقييد جواز الانشاء بالمضارع بما اذا فرض صراحته في الانشاء (ففيه) ان الصراحة سن حيث الهيئة غير معتبرة جزما اذ ليس في هيئات الفاظ العقود ما تكون متمحضة في الانشاء حتى هيئة الماضي فانها تستعمل في الأخبار كثيرا.

ثم انه كان ينبغي للمصنف رحمه اللّه التعرض للإنشاء بالجمل الاسمية و الظاهر كونه متعارفا أيضا عند الناس فينشؤ البهة بقوله هذا لك بدون ذكره العوض و البيع مع ذكره كما يتعين انشاء الطلاق بالجملة الإسمية على النحو الخاص و هو صحيح على ما عرف (نعم) بعض الجمل الإسمية غير ظاهرة في الإنشاء أصلا كقوله أنا بائع أو

قوله رحمه اللّه: الأشهر كما قيل لزوم تقديم الايجاب... [1]

أنت مشتري أو هذا مبيع أو مشترى باضافة البيع أو الشراء الى العين الا ان بيانها خارجة عن محل البحث لما عرفت ان البحث كبروي لا صغروي.

(فتحصل) عدم اعتبار هيئة خاصة في ألفاظ الايجاب و القبول هذا كله في الخصوصيات المعتبرة في ألفاظ الايجاب و القبول من حيث المادة و الهيئة الافرادية و في المسألة الآتية نتكلم فيما يعتبر فيهما من حيث الهيئة التركيبية.

تقديم الايجاب

[1] ادعى الاجماع على ذلك و ذكر المصنف رحمه اللّه خلاف الشيخ لهم في النكاح من المبسوط و ان وافقهم في كتاب البيع منه و احتمل كون ما ذكره في كتاب النكاح عدولا عما اختار في كتاب البيع و كيف كان لم يتحقق في المقام اتفاق أصلا فلا يهمنا التعرض لخلاف الشيخ رحمه اللّه و انه عدول أو من باب التفصيل بين البيع و النكاح أو غيرذلك فالمعتمد هو الأدلة و ما يستفاد منها (و المصنف رحمه اللّه) فصل في ذلك بين ألفاظ القبول و الظاهر انه أول من فصل في المقام و حاصل ما أفاده ان انشاء القبول ان كان بلفظ ملكت و تملكت أو اشتريت و نحوه مما هو ظاهر بنفسه في انشاء التملك و التمليك التبعي فلا بأس بتقدمه على الايجاب اذ لا يعتبر في صدق العقد عنوان القبول بل هو متقوم بالتزامين مبرزين أحدهما مربوط بالآخر و توهم كون التفعل و الإفتعال للمطاوعة فكيف يتقدم على الإيجاب قد عرفت دفعه.

و أما اذا كان بلفظ قبلت أو رضيت و نحوه مما ليس له في نفسه مجردا عن سبق الإيجاب ظهور في انشاء التمليك نظير تحريك الرأس و ظهوره في الأمر أو النهي اذا كان مسبوقا بالسؤال و عدم ظهوره فيهما اذا لم يكن كذلك فلا يجوز تقديمه على الايجاب لعدم كونه حينئذ انشاء للتملك و التمليك الذي هو أحد ركني المعاوضة بل

غاية مدلوله الرضا بما ينشؤه الموجب فيما بعد و هذا بخلاف قبول المعاوضة المنشأة سابقا فانه انشاء للتملك و التمليك حالا.

و هذا هو مراده قدّس سرّه من تبعية القبول للايجاب و كونه فرعا له و لذا أشكل على ما حكى عن بعض المحققين في رد الدليل المزبور من ان التبعية في المقام تبعية فرضية تنزيلية و هي متحققة قدم القبول أواخر (بما حاصله) ان القبول المعتبر في العقد ليس مجرد الرضا و انما هو انشاء للتملك و التمليك كما تقدم و هو لا يتحقق بلفظ قبلت و نحوه الا اذا سبقه الايجاب ثم تعرض لتقدم القبول بلفظ الأمر على الايجاب و انه غير جائز لأن غاية ما يدل عليه الأمر المتقدم انما هو الرضا بالمعاوضة المستقبلة و لا يدل على النقل بالحال.

(ثم قال في بعض الصغريات) ان ما ذكرناه جار في كل قبول يؤدي بانشاء مستقل كالإجارة و النكاح و أما ما لا انشاء في قبوله (الا لفظ قبلت) أو ما يتضمنه كارتهنت في الرهن و اتهبت في الهبة و اقترضت في القرض فلا يجوز فيه تقديم القبول على الإيجاب مطلقا لما تقدم من عدم دلالة تلك الألفاظ على انشاء القبول اذا لم يسبقه الإيجاب فالمانع اثباتي و هو عدم وجود اللفظ الدال على انشاء القبول مستقلا.

و أما المصالحة المشتملة على المعاوضة فبما ان الالتزام الحاصل من كل منهما نظير الالتزام المنشأ من الآخر و لا ميز بين الموجب و القابل من غير جهة التقدم و التأخر فان البادي في الصلح يكون موجبا و الآخر قابلا و قد انعقد الاجماع على توقف العقد على القبول لزم أن يكون الالتزام من الآخر بلفظ القبول و نحوه لئلا يلزم تركب العقد من ايجابين فاذا انحصر فيه القبول بلفظ قبلت و نحوه تعين تأخيره

عن الايجاب لما تقدم بيانه انتهى ملخصا.

و حاصله المنع من تقدم القبول فيما اذا أنشأ بلفظ دال على المطاوعة من جهة المادة أو الهيئة سواء أمكن انشاؤه بغيره أو لم يمكن.

(و نقول) أما ما ذكره في انشاء القبول بلفظ قبلت و نحوه فانما يتم فيما اذا لم يذكر متعلقه في الكلام و لم يكن متعينا من مقاولة سابقة و نحوها بحيث لم يتحقق له الظهور أصلا و أما فيما تم ظهوره في انشاء التملك بعوض فلا مانع من تقديمه على القبول لعموم الأدلة و قد عرفت ان بحثنا كبروي لا صغروي.

و على ما ذكرناه لا نحتاج الى التمسك بفحوى رواية سهل(1)

و في موطأ مالك 63/2 كتاب النكاح باب ما جاء في الصداق و الحباء، و في سنن البيهقي الكبرى 57/7 كتاب النكاح باب ما ابيح له من التزويج بالمرأة من غير استئمارها.

و في منتهى الأخبار لابن تيمية على هامش شرحه نيل الأوطار للشوكاني 145/6 كتاب النكاح باب جعل القرآن صداقا.

و ورد مضمونه في اصول أصحابنا الامامية ففي الوسائل 103/3 كتاب النكاح باب جعل المهر تعليم شيء من القرآن عن الكافي للكليني عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام و ذكر مضمونها و هو مجيىء المرأة الى النبي صلّى اللّه عليه و آله و ما جرى بينهما و عقبهما المجلسي في مرآة العقول 461/3 بان مضمونها متفق عليه بين الفريقين. (عبد الرزاق الموسوي المقرم).

التي ذكروا شهرتها

1) سهل المذكور هو سهل بن سعد الساعدي و حديثه مروي في صحيح مسلم كتاب النكاح باب جواز كون الصداق تعليم القران و في صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن باب خيركم من تعلم القرآن و علمه و في باب القرائة عن ظهر القلب و في كتاب النكاح باب المهر بالعروض و خاتم حديد و في سنن الترمذي على هامش شرحه لابن العربي المالكي 34/5 كتاب النكاح باب مهور النساء. و في سنن ابن ماجة 584/1 كتاب النكاح باب صداق النساء. و في سنن النسائي 82/2 كتاب النكاح باب التزويج على سورة من القرآن. و في سنن أبي داود 236/2 رقم 2111 كتاب النكاح باب التزويج على العمل يعمل.

بين الفريقين و ان لم نجدها كذلك و أما ما ذكره من الفرق بين القرض و الهبة و نحوهما و بين البيع و نظائره (ففيه) انه كما يمكن انشاء قبول البيع أو الإجارة لفظ ملكت أو تملكت كذلك يمكن انشاء القبول في القرض بلفظ تملكت بالضمان و في الهبة بلفظ تملكت مجانا و هكذا. و أما ما ادعاه في الصلح من الاجماع على توقف العقد على القبول فهو مناف لما ذكره سابقا من ان المسلم من الإجماع هو اعتبار القبول من المشتري بالمعنى الشامل للرضا بالايجاب و أما تحقق مفهوم القبول المتضمن للمطاوعة و قبول الأثر فعلا.

(على انا لو سلمنا) اعتبار المطاوعة في العقد فليس المراد بها مطاوعة فعل الموجب بمعناه المصدري فانه غير معتبر قطعا بمعناه الاسم المصدري أعني المنشأ من المبادلة و نحوها كما مر في الاكتساب و الاحتطاب و هي غير متوقفة على تحقق الايجاب.

(فالتحقيق) ان الانشاء الصادر من الموجب اما ان يكفي ترتب أثره عليه من دون حاجة الى انشاء آخر غاية الأمر انه محتاج الى رضاه فيكون في الحقيقة ايقاعا مشروطا بالرضا كما في الوصية التمليكية على القول باعتبار اذن الموصى له فيها تمسكا بفحوى قوله «الناس مسلّطون على أموالهم» فان انتقال المال الى الانسان قهرا عليه مناف لسلطنته و اعتبار الرضا حينئذ يشابه اعتبار رضا العمة و الخالة بالتزويج عليها و في مثل ذلك يكتفي بما يكون مبرزا للرضا و ان كان متقدما على الايجاب (و أما ما يتوقف) فيه ترتب الأثر على الانشاء من الطرف الآخر فلا مناص من كون ما يصدر منه مبرزا لاعتباره النفساني على ما تقدم من ان حقيقة الانشاء عبارة عن ذلك فان تحقق تم العقد و ترتب أثره عليه تقدم الايجاب أو تأخر

قوله رحمه اللّه: و من جملة شروط العقد الموالاة [1]

و ان لم يتم ذلك لم يترتب الأثر لعدم تمامية العقد فصح أن يقال انه لا يعتبر تقدم الايجاب على القبول مطلقا.

(و بما ذكرنا) ظهر ما في كلام المحقق النائيني قدّس سرّه من منع تقدم القبول على الايجاب مطلقا بدعوى اعتبار المطاوعة في القبول و هي لا تتحقق الا مع التأخر.

الموالاة

[1] حكي المصنف أعلا اللّه مقامه عن قواعد الشهيد قدّس سرّه اعتبار الموالاة بين الايجاب و القبول فانه مأخوذ من اعتبار الاتصال بين الاستثناء و المستثنى منه و حيث ان الارتباط بين الاستثناء و المستثنى منه في الكلام في غاية الشدة بحيث يوجب الاستثناء قلب المستثنى منه من المدح الى الذم و من الصدق الى الكذب و من الايمان الى الكفر و من الاقرار الى الانكار و بالعكس كان اعتبار الموالاة بينهما في غاية الوضوح و لذا لو فصل بينهما لا يصح الاستثناء فاذا أقر لزيد بمقدار ثم بعد يوم استثنى منه شيئا عد ذلك انكارا بعد الاقرار و اذا أنكر (صانع العالم) حكم بكفره و ان استثنى بمدة (اللّه تعالى شأنه) الى غير ذلك.

و اعتبار الموالاة و ان كان ثابتا في كل قرينة و ذيها و لذا قلنا ان المخصص المنفصل انما ينافي العام في حجيته لا في ظهوره الا انه من جهة وضوحه في الاستثناء و المستثنى منه جعل مأخذا لاعتبارها في سائر الامور المتصلة أو انتقل منه اليها.

ثم رتب على ذلك فروعا من فورية استنابة المرتد و السكوت الطويل في أثناء الاذان و القراءة و التشهد و الايتمام في الجمعة و الجماعة (و لكن الظاهر) عدم ترتب شيء منها على ذلك كما بينه المصنف رحمه اللّه كما لا يترتب على ذلك اعتبار الموالاة في

قوله رحمه اللّه: فالعقد المركب... [1]

العقود فلابد من التكلم فيما استدل به على اعتبارها فيها.

[1] حاصله ان العقد عبارة عن الكلام المرتبط بعضه ببعض فاذا تخلل الفصل بين ايجابه و قبوله لم يحصل الارتباط فلا يتحقق عنوان العقد و زاد على هذا الاستدلال المحقق النائيني قدّس سرّه دليلا آخر و هو ان العقد عبارة عن الخلع و اللبس نظير خلع الثوب من شخص و ان يلبسه شخص آخر فتخلل الفصل يوجب تحقق الخلع مع عدم ثبوت اللبس.

(و نقول) ما ذكره النائيني قدّس سرّه من الخلع و اللبس فيه ان الخلع و اللبس أمر اعتباري فان اريد اعتبار الموجب فكلا الأمرين موجود في اعتباره و ان اريد اعتبار العقلاء أو الشارع فلا يتحقق في اعتبارهما شيء من الأمرين قبل تحقق القبول (و أما ما ذكره المصنف رحمه اللّه) ففيه أولا ما أفاده من عدم انحصار الدليل بما هو مشتمل على عنوان العقد فنفرض عدم صدق العقد عند عدم الموالاة الا ان في بقية الأدلة كأحل اللّه و نحوه كفاية (و لا يتوهم) ان لازمه عدم امكان الحكم بلزوم مثل ذلك العقد لأن دليل اللزوم منحصر بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و بقية الأدلة دليل للصحة (و ذلك) لا مكان التمسك للزوم بقوله تعالى: لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌ فان الأكل بالفسخ ليس تجارة عن تراض فيكون من الأكل بالباطل.

(و ثانيا) ان العقد و ان اعتبر فيه الارتباط الا انه ليس اسما للمبرز أعني اللفظ و انما هو اسم للمبرز أعني الالتزامين و الارتباط معتبر فيهما فاذا تحقق التزام الموجب و بقي موجودا في نفسه و لو بحيث لا ينافيه النوم و الغفلة يرتبط به القبول المتأخر عند تحقق فيتحقق عنوان العقد بل السيرة القطعية قائمة على عدم اعتبار الموالاة في بعض موارد المعاطاة كاهداء شيء الى أحد من بلد بعيد بحيث يفصل

قوله رحمه اللّه: من جملة الشرائط التي ذكرها جماعة التنجيز في العقد [1]

بينه و بين وصول المال الى المهدى له و قبول زمان طويل.

(و دعوى) الفرق بين المعاطاة و العقود اللفظية واضحة الفساد و ما ذكره (المحقق النائيني قدّس سرّه) من عدم الفصل بين الاعطاء و القبول في امثال ذلك لأن الاعطاء يكون زمانه طويلا نظير من مدّ يده من المشرق و اهدى الى غيره في المغرب فان نفس فعل الاعطاء يحتاج الى زمان (مردود) بمخالفة الوجدان و هكذا السيرة قائمة على صحة المعاملات الدارجة (بالتلفون و البرقية و المكاتبة) مع عدم الموالاة بين الايجاب و القبول فيها و التفصيل في الموالاة بين الزمان الطويل و القصير كما ترى و لذا أشكل من اعتبر الموالاة في الفصل بينهما حتى بالتحميد و الصلاة على النبي و آله عليهم السّلام فصح ان يقال ان الموالاة بين الايجاب و القبول غير معتبرة في العقود مطلقا (نعم) لابد من بقاء التزام الموجب و عدم رفع اليد عنه حتى يرتبط به التزام القابل عند تحققه.

التنجيز في العقد

[1] ادعى الاجماع على ان التعليق في العقد مطلقا موجب لفساده سواء صرح به باداة الشرط بأن يقول أنت وكيل اذا كان يوم الجمعة أو كان التعليق لازما للكلام كما اذا قال أنت وكيلي في يوم الجمعة لرجوعه الى قضية شرطية مقدمها ثبوت الموضوع فالمعنى اذا تحقق يوم الجمعة فأنت وكيلي إلا أن يرجع القيد الى ما تعلق به التكيل لا الى نفس الوكالة كما اذا صرح بذلك بأن قال وكلتك في بيع داري و لا تبعها الا في يوم الجمعة أو قال أنت وكيلي في بيع داري يوم الجمعة بأن كان الظرف متعلقا بالبيع لا بالوكالة.

ثم ان كلمات الأصحاب على ما ذكرها المصنف رحمه اللّه مختلفة فظاهر جملة منها

مبطلية التعليق مطلقا سواء كان على أمر معلوم العدم أو معلوم التحقق أو مشكوكا فيه و ظاهر بعضها خروج الفرض الأول عن مورد البحث فإن التعليق على أمر مقطوع العدم مبطل على أي تقدير سواء اعتبرنا التنجيز أم لم نعتبره أما على الأول فواضح و أما على الثاني فلعدم تحقق المعلق عليه.

و من هذه الجهة قسمه المصنف رحمه اللّه الى أقسام ثمانية فان المعلق عليه اما يكون معلوم التحقق و أما يكون محتمل التحقق و على التقديرين اما ان يكون أمرا حاليا و اما ان يكون استقباليا و على التقادير الأربعة أما يتوقف عليه صحة العقد شرعا و اما لا يكون كذلك فالأقسام ثمانية.

و لكن الاولى جعل الأقسام اثنى عشر فان المعلق عليه على التقادير الأربعة اما يتوقف عليه حقيقة المنشأ و واقعه كتوقف البيع على القبول أو الطلاق على الزوجية و اما يتوقف عليه صحته شرعا كالقبض في الهبة و القدرة على التسليم في بيع السلم و أما لا يكون شيء من ذلك فالأقسام اثنى عشر.

ثم ان التعلق على ما يكون المنشأ معلقا عليه ذاتا لا يكون مبطلا لعدم كونه تعليقا حقيقة بل ليس الا بيان واقع المنشأ و من الواضح ان مجرد التلفظ بذلك ليس موجبا للبطلان (و أما التعليق) على ما يتوقف صحة العقد عليه شرعا فالعقد و ان لم يكن معلقا عليه في نفسه كما توهم الا ان عمدة دليل مبطلية التعليق انما هو الاجماع و هو غير ثابت في ذلك كيف و قد صرح الشيخ رحمه اللّه بجوازه بنحو الارسال المسلم.

و أما التعليق على ما لا توقف للعقد عليه أصلا فان كان المعلق عليه أمرا حاليا معلوم التحقق فلا ينبغي الشك في صحته بعد كون البيع تنجيزيا و يلحق بهذا ما اذا

قوله رحمه اللّه: العمدة في المسألة هو الاجماع [1]

كان التعليق على أمر متأخر معلوم الحصول بنحو الواجب المعلق فانه أيضا لا ينبغي الشك في صحته لأن العقد منجز أيضا.

و حينئذ تبقى الأقسام الباقية و هي ثلاثة داخلة في محل النزاع (أحدها) التعليق على أمر استقبالي مشكوك الحصول كقوله بعتك أن قدم الحاج أو حالي كذلك كقوله بعتك ان كان زيد راكبا أو على أمر استقبالي متيقن الحصول لكن سمي بالواجب المشروط لا المعلق.

(و الانصاف) ان الحكم فيها من العويصات فان اطلاق الأدلة التي لم تقيد بالتنجيز مقتضاها الصحة في جميع الفروض و الاجماعات المنقولة و تسالم الأصحاب يقتضي الفساد (الا انه) لم يحصل لنا الاطمئنان منها برأي المعصوم عليه السّلام خصوصا بعد التعليلات المذكورة في كلماتهم فلابد من النظر في بقية الوجوه التي ذكرت في المقام فان تم شيء منها فهو و الا فالقول بالصحة مطلقا هو القوي.

[1] قد عرفت عدم كونه اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم عليه السّلام لأن جملة من المجمعين ذكروا مستندهم في ذلك فيكون معلوم المدرك خصوصا مع اختلاف مورد كلماتهم فان ظاهر الشهيد في القواعد و العلامة هو ان التنجيز شرط في صحة العقد و الا فيفسد معللا بعدم الجزم في الانشاء فاذا فرض ثبوته مع التعليق أيضا كالتعليق على ما يتوقف عليه حقيقة العقد مثل الزوجة في الطلاق و القبول في البيع كان صحيحا بل التعليق على أمر معلوم الحصول لا ينافي الجزم كما عرفت.

و يظهر من جملة منهم ان التعليق في الكلام مانع عن الصحة تعبدا و ان لم يكن منافيا مع الجزم في الانشاء كما في المثالين المزبورين و مع هذا الاختلاف كيف يمكن التعويل على الاجماع.

قوله رحمه اللّه: عدم قابلية الانشاء للتعليق... [1]

قوله رحمه اللّه: ترتب مسببه عليه حال وقوعه... [2]

[1] هذا هو الوجه الثاني من وجوه مبطلية التعليق و حاصله دعوى استحالة التعليق في الانشاء كالتعليق في الأخبار و في ايجاد الامور التكوينية اذ لا معنى لأكل الشيء معلقا على كونه رمانا (و الجواب) عنه ان التعليق في الانشاء و ان كان أمرا مستحيلا الا ان التعليق في العقود انما هو تعليق في المنشأ أعني ما تعلق به الانشاء لا في الانشاء كالتعليق في باب الحكاية كالاخبار بقيام زيد معلقا على مجيء عمرو مثلا فان الأخبار جزمي و اما التعليق في المخبر به و المحكى و هو قيام زيد على تقدير لا مطلقا و قد بينا امكان ذلك في بحث الواجب المشروط من الاصول و مثلنا له بالوصية التمليكية فانها من هذا القبيل لأن المنشأ فيها هو الملكية المقيدة بما بعد الموت.

[2] هذا هو الوجه الثالث و حاصله ان ظاهر الأدلة صحة العقد أو البيع من حينه فاذا لم تشمل العقد في مورد من حين حدوثه لا يعمه فيما بعد أيضا (و فيه) ان شمول الأدلة لكل عقد يقتضي ترتب أثره عليه على طبق مدلوله و مؤداه كان منجزا أو معلقا نظيرا لعهد أو النذر المتعلق بأمر متأخر فانه يعمه دليل وجوب الوفاء بالعهد على النحو الواقع خارجا فيجب ترتيب الأثر عليه باتيان متعلقه في ظرفه.

و أجاب المصنف رحمه اللّه عن هذا الوجه بوجوه (منها): ما تقدم (و منها): ان دليل الصحة و اللزوم غير منحصر باوفوا بالعقود لأن دليل حلية البيع و تسلط الناس على أموالهم كاف في اثبات ذلك (و فيه) ان المحذور لم يكن مختصا باوفوا بالعقود فان تم يجري في جميع الأدلة (و منها): عدم جريانه في التعليق على ما يتوقف عليه حقيقة العقد (و منها): عدم جريانه في التعليق على أمر متحقق حين العقد و ان لم

قوله رحمه اللّه: مع ان تخلف الملك عن العقد كثير... [1]

قوله رحمه اللّه: لا يجري في غيره من العقود... [2]

قوله رحمه اللّه: بتوقيفية الأسباب الشرعية... [3]

يكن متيقنا فان العقد حينئذ لا يكون معلقا و ان كان مراعى فلا يلزم تخلف الأثر عن العقد (و منها): انتقاضه ببعض العقود التي قد يتأخر مقتضاها لتوقفه على أمر متأخر كالقبض في الهبة أو بيع الصرف بل يتخلف الأثر عن العقد في البيع الخياري أيضا و لا أقل من خيار المجلس فان البيعان بالخيار ما لم يفترقا فلا يترتب عليه الأثر أعني اللزوم قبل ذلك.

[1] نقول ليس هذا ردا على الاستدلال المزبور فان القول بالتخلف لدليل خاص و لو في موارد كثيرة لا يستلزم امكانه في غير مورد الدليل و يجري ما ذكرنا في نقضه قدّس سرّه بالهبة و بيع الصرف و البيع الخياري أيضا.

[2] ان أراد به الوصية و التدبير فهما خارجان عن محل النزاع و ان أراد به الاجارة كما قيل فان الأثر أعني الملكية فيها غير متخلفة عن العقد و انما متعلقها أمر متأخر و هي المنفعة المستقبلة فلم يتحصل لنا مراده من غير البيع مما يتخلف فيه الأثر.

[3] استدل بهذا جملة من القدماء منهم القاضي في جواهره فانه استدل على المنع من المضاربة بغير الدرهم و الدينار فكان عدم الدليل عندهم دليلا على العدم (و الجواب) انه يكفينا العمومات و الاطلاقات دليلا على صحة العقد التعليقي (و في المقام وجه آخر) ذكره المحقق النائيني قدّس سرّه و حاصله ان العقود المتعارفة كلها تنجيزية و أما التعليقية فغير معهودة الا عند الملوك و الدول أحيانا و الأدلة منصرفة الى العقود المتعارفة.

(و فيه) منع الكبرى و الصغرى (أما الكبرى) فانه لا وجه لدعوى انصراف الأدلة

قوله رحمه اللّه: من جملة الشروط التطابق... [1]

الى الأفراد المتعارفة خصوصا العمومات منها فان المطلق لتوقفه على عدم البيان ربما يتخيل كفاية التعارف العرفي في مقام البيان و اتكال المتكلم عليه فلا يتم الاطلاق حينئذ و أما العام فسريانه في الأفراد غير متوقف على ذلك.

(و أما الصغرى) فان المعاملات التعليقية أيضا متعارفة عند العرف فانا نراهم يهبون المال للغير بعد أيام من جهة حاجتهم اليه فيها (فتحصل) عدم العثور على دليل في اعتبار التنجيز أو مانعية التعليق الا ان الاحتياط يقتضي ذلك خصوصا في النكاح.

[1] لا اشكال في اعتبار التطابق في الجملة و ليس هو شرط تعبدي و انما يقتضيه نفس العقد فانه كما عرفت مرارا عبارة عن التزامين مربوطين فاذا لم يطابق الايجاب القبول لم تحصل المعاهدة و المطابقة التي تتقوم بها العقود (ثم التطابق) قد يلحظ بالاضافة الى الثمن أو المثمن و قد يلحظ بالقياس الى البايع أو المشتري و قد يكون من حيث الشروط أو الاجزاء (فأما التطابق) من حيث الثمن أو المثمن فمعتبر جزما فلو اختلف المتبايعان في ذلك كان يقول البايع بعتك داري و يقول المشتري قبلت شراء بستانك لم ينعقد البيع و كذا لو قال البايع بعتك بألف و قال المشتري قبلت بمائة لم يصح لعدم تحقق المعاهدة و المعاقدة.

(و أما من حيث البايع و المشتري) فالتعيين لم يكن دخيلا في صحة العقد الا في النكاح فان الزوجين ركن فيه و لذا لو قالت المرأة زوجت نفسي من زيد و قال قبلت التزويج لعمرو لم يصح و هذا بخلاف البيع و من هنا لم يكن الاستفسار عن المالك متعارفا في البيع و الشراء فيما اذا لم يكن الثمن و المثمن كليا في الذمة و الا فذمم الأشخاص مختلفة من حيث الاعتبار فلا محالة يكون التعيين مقوما فيلزم التطابق

فيه فاذا قال البايع بعتك داري بمائة و قال المشتري قبلت لموكلي أو لشخص أجنبي فضولا لم يصح.

(و أما من حيث الشروط) فالشروط في باب العقود أجنبي عن الالتزام العقدي و لا يستلزم تعليقه عليه و الا لزم تعليق العقد بل التعليق في الشرط انما هو في الالتزام بالوفاء بالعقد و اتمامه فحقيقته جعل الخيار على تقدير التخلف و لذا يعلل به الفسخ عند عدم الوفاء بالشرط (و عليه) فلو اختلفا في الشرط بأن قال البايع: بعتك داري على أن تخيط ثوبي و قال المشتري: قبلت بلا شرط كان الالتزام البيعي من الطرفين محققا و انما اختلافهما من حيث الالتزام بالوفاء فاذا رضي البايع بسقوط شرطه صح البيع.

(و أما من حيث الاجزاء) فتارة يكون الاختلاف في العوضين كما اذا قال البايع بعتك الدار بمائة درهم و قال المشتري قبلت نصفها بخمسين (و اخرى) في المشتري كما اذا خاطب البايع شخصين و قال بعتكما الدار بمائة فقال أحدهما اشتريت نصفها بخمسين (أما الفرض الأول) فالظاهر فيه الصحة و عدم اعتبار التطابق و ذلك لانحلال البيع الى بيع كل جزء من المبيع بما يقابله بنسبته من الثمن و لذا قلنا في بيع ما يملك و ما لا يملك كالشاة و الخنزير بالصحة فيما يملك بنسبته من الثمن و في بيع ملكه و ملك غيره بنفوذه في ملكه و توقفه على الاجازة في ملك غيره ففي المثال بيع كل ربع من الدار بربع من الثمن و هكذا.

(و عليه) فاذا قبل المشتري البيع في بعض المبيع بما يقابله من الثمن يصح ذلك غاية الأمر انتفى وصف الانضمام المشروط ضمنا فيدخل من هذه الجهة في الاختلاف من حيث الشرط (و أما الفرض الثاني) فظهر صحته بما بيناه فان بيع الدار

قوله رحمه اللّه: من جملة الشروط أن يقع كل من الايجاب و القبول في حال... [1]

الواحدة من شخصين ينحل الى بيع نصفه لأحدهما اذ لا يمكن بيع تمامها من شخصين مستقلا فاذا قبل أحدهما صح بالنسبة اليه غايته يلزم تخلف شرط الانضمام فيدخل فيما تقدم (و ليعلم) ان مورد الخلاف بيننا و بين المصنف رحمه اللّه في الفرضين انما هو فيما اذا أنشأ بيع المجموع أو الى الشخصين بانشاء واحد و أما اذا كان بانشائين فلا اشكال و لا خلاف في الصحة فيهما.

[1] الوجه في قابلية كل من الموجب و القابل للانشاء حين الايجاب و القبول انما هو تحقق المعاهدة و المعاقدة بدونه و أفاد المحقق النائيني قدّس سرّه بأن اعتبار هذا الشرط من القضايا التي قياساتها معها و لكن السيد قدّس سرّه في الحاشية فصل بين الموجب و القابل فذهب الى اعتبار قابلية القابل حال الايجاب و الا لم يصح العقد دون العكس فاذا سقط الموجب عن القابلية حين القبول لنوم أو اغماء أو موت صح.

(و نقول) ما ذكره الميرزا قدّس سرّه من البداهة لا نعرفه و أما ما ذكره رضوان اللّه عليه من التفصيل فالصحيح عكسه فيعتبر بقاء الموجب على القابلية حين تحقق القبول و أما القابل فلا يعتبر قابليته حين الايجاب (و الوجه فيه) ان العقد هو الربط بين التزامين لا بين كلامين فاذا كان الموجب قابلا للالتزام حين تحقق التزام القابل لا محالة يرتبط الالتزامان فيتحقق عنوان العقد و ان لم يكن القابل حين الايجاب أهلا للقبول كما اذا فرضنا لم يكن بالغا فلما بلغ قبل البيع و لا يقاس ذلك بالفسخ قبل القبول الذي هو ابطال للالتزام كما هو ظاهر فان الموجب اذا سقط عن القابلية حين القبول بموت أو اغماء أو نوم كان التزامه الاعتباري معدوما في بعض الصور و في حكم العدم في البعض الآخر فلا يبقى التزامه ليرتبط به التزام القابل.

قوله رحمه اللّه: يجوز لحوق الرضا لبيع المكره... [1]

اعتبار الرضا في بيع المكره

[1] بعد ما اعتبر المصنف رحمه اللّه وجدان كل من الموجب و القابل لشروط الايجاب و القبول عند انشاء الآخر نقضه بما صرحوا به من جواز لحوق الرضا لبيع المكره فان مقتضاه عدم اعتبار ذلك حين العقد في نفس المنشئ فضلا عن الطرف الآخر ثم أجاب عنه بقوله اللهم إلاّ ان يلتزم بكون الحكم في المكره على خلاف القاعدة لأجل الاجماع.

(و نقول) ان صحة بيع المكره و ان لم تكن على خلاف القاعدة الا انها أجنبية عما نحن بصدده فان مورد كلامنا في الامور المعتبرة في مصدر الايجاب و القبول يعني العاقد بما هو عاقد بحيث يعتبر صدور العقد عنها كالبلوغ و العقل و نحوها (و أما الرضا) فقد يراد به الارادة و الاختيار و هو بهذا المعنى معتبر في مصدر العقد فلابد من صدوره عن ارادة و اختيار فاذا فرضنا ان أحدا أنشأ بيع ماله هزلا ثم بعد ذلك اختاره لم يصح و لا يجتزي به (و قد يراد به) طيب النفس بأن لا يكون الاختيار ناشئا عن اجبار الغير و اكراهه و هو بهذا المعنى يعتبر في المالك دون العاقد بما هو عاقد و لذا يصح العقد من المكره على اجرائه اذا كان المالك راضيا فلا يعتبر صدور العقد عنه فيجوز لحوقه بالعقد (نعم) لابد و أن يستفاد من الأدلة كقوله تعالى: تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و لو بالقرائن الخارجية ان المعتبر في صحة العقد الأعم من الرضا المقارن و المتأخر و سنتكلم فيه في محله ان شاء اللّه تعالى. و على أي حال لا يقاس بيع المكره بالمقام.

قوله رحمه اللّه: لو اختلف المتعاقدان... [1]

[1] اذا اختلف المتعاقدان في شروط الصيغة كما اذا فرضنا ان الموجب يرى جواز العقد بالفارسي و القابل يرى بطلانه فهل يجوز لكل منهما الاجتزاء بما يقتضيه اجتهاد الآخر أو تقليده مطلقا أو لا يجوز مطلقا وجهان و هناك تفصيلان.

(أحدهما): بينما اذا كان العقد المركب منهما مما لا قائل بصحته كالعقد المركب من الماضي الغير العربي و العربي غير الماضي في فرض انحصار المجتهد بشخصين أحدهما يرى اعتبار الأول و الآخر يرى اعتبار الثاني فيفسد دون غيره.

(ثانيهما): التفصيل بينما اذا كان اختلاف كل من المتخالفين بحيث يسري إلى الآخر فيوجب فساد المجموع كالتعليق و الموالات و الترتيب و بينهما اذا لم يكن كذلك كالعربية و الماضوية و قد مثل المصنف رحمه اللّه له بالترتيب و لكنه مثال للأول كما هو ظاهر و هذا التفصيل حقيقته تحرير محل البحث و أما التفصيل الأول فلا وجه له لأن عدم وجود القائل بالصحة غير مخل بصحة العقد مع احتمال صحته واقعا لاشتباه كلا المجتهدين بل المجموع المركب عنوان انتزاعي ليس بنفسه موردا للقول بالصحة أو الفساد.

و نظير هذه المسألة ما ذكره السيد رحمه اللّه في (العروة) في الاجتهاد و التقليد من انه اذا كان هناك مجتهدان متساويان و كان أحدهما يرى عدم وجوب السورة و لكنه لا يجتزي بمرة واحدة في التسبيحات الأربعة و الاخر يرى الاجتزاء بها و لكنه يرى وجوب السورة فقلد المقلد كلا منهما في فتواه فصلى بغير السورة مقتصرا على المرة الواحدة في التسبيحات الأربعة و لنفرض انحصار المجتهد في العالم بهما.

فان هذه الصلاة لا قائل بصحتها حينئذ و مع ذلك يجتزى بها لأن المقلد معتمد في كلا عمليه على حجة شرعية و هي فتوى من يقلده و المقام أيضا كذلك فان كلا

قوله رحمه اللّه: و الأولان مبنيان... [1]

من المتعاقدين معتمد على حجة شرعية معتبرة كان هناك قائل بصحة المركب أو لم يكن فهذا التفصيل أردأ الوجوه كما ذكر المصنف رحمه اللّه.

[1] جعلهما مبنيين على القول بالسببية أو الطريقية في باب الطرق و الامارات فعلى الموضوعية يكون قيام الطريق موجبا لحدوث المصلحة في مؤداه و ان لم يكن موافقا للواقع فيتبدل به الواقع أو يكون الواقع تابعا له و على أي تقدير يكون مؤداه حكما واقعيا ثانويا و يكون بمنزلة الاضطرار الموجب لتبدل الواقع حقيقة بالعنوان الثانوي فيجتزى به غيره أيضا.

و أما على الطريقية فمؤديات الامارات ليس الا أحكاما عذرية لمن لم ينكشف الخلاف لديه فلا يمكن الاجتزاء بها لمن يراها فاسدة و لو صدرت ممن يرونها صحيحة الا في باب النكاح فان الأصحاب تسالموا على لزوم ترتيب آثار الصحة على النكاح الصادر ممن يراه صحيحا حتى على الطريقية.

و كان شيخنا (الشريعة) أعلا اللّه مقامه يقول: و لو لا ذلك لأمكن أن يتزوج الولد زوجة أبيه عند اختلافهما في صحة النكاح و بالعكس ثم يعلله رضوان اللّه عليه بصدق زوجة الأب أو الابن عليها عرفا.

و لكن التحقيق أن الوجه فيما تسالموا عليه انما هو ما ورد «لكل قوم نكاح»(1)فانه اذا شمل نكاح أهل الأديان الفاسدة المقطوع فساده فبالأولوية يعم نكاح المؤمن الذي يحتمل صحة العقد و لو كان مخالفا له في الرأي و هذا مختص بالنكاح لا يشمل البيع و لا غيره من العقود.


1) رواه في الوسائل 98/3 باب تحريم قذف الاماء و العبيد طبع عين الدولة.

ثم انه أشكل على المصنف قدّس سرّه انه على السببية أيضا لا يصح الاجتزاء به فان السببية و تبديل الواقع انما يكون بالاضافة الى من قام عنده الطريق لا من يرى فساده (واجبات عنه) شيخنا المحقق رحمه اللّه بما حاصله ان الأمر في الأحكام التكليفية كذلك فاذا قام الطريق عند أحد على وجوب القصر في مورد لا يتبدل به الحكم عند غيره و أما الأحكام الوضعية فيختلف الحال فيها فمثل الطهارة أو النجاسة أو المانعية أو الشرطية التي يمكن ثبوتها بالاضافة الى شخص يصح ذلك كما اذا قامت الامارة عند أحد على كفاية غسل المتنجس مرة واحدة و لم يتم عند غيره فانه على السببية يجوز الاكتفاء بالغسل الواحد للأول و يكون المغسول محكوما بالطهارة بالاضافة اليه دون الآخر.

و أما الملكية فبما انها غير قابلة الاختلاف بالاضافات فاذا حكم واقعا بملكية زيد للمبيع بالعقد الفارسي لقيام الطريق عنده على صحته و سببيته للانتقال فغيره الذي لم يتم عنده الطريق اذا أخذه منه فقد أخذ من مالكه الواقعي و لا معنى حينئذ لعدم كونه مالكا فتأمل.

و ما أفاده قدّس سرّه متين جدا و قد نبه عليه في موارد ثلاثة من الفقه و الاصول فالاشكال المتوهم غير وارد على المصنف رحمه اللّه الا ان الكلام في أصل السببية و قد بينا فسادها في الاصول حتى بناء على المصلحة السلوكية فالحق عدم جواز اجتزاء من يوافق رأيه الاحتياط بفعل غيره عند الاختلاف مطلقا.

قوله رحمه اللّه: لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه... [1]

المقبوض بالعقد الفاسد

اشارة

[1] استظهر السيد قدّس سرّه في الحاشية من كلام المصنف رحمه اللّه و من (الجواهر) اختصاص محل النزاع بالتلف السماوي و أما الاتلاف فلا اشكال في ثبوت الضمان به لقاعدة (من أتلف) ثم أشكل على ذلك بما حاصله ان قاعدة على اليد ما أخذت حتى تؤدي موجبة للضمان في التلف السماوي كما ان قاعدة من أتلف موجبة له في الاتلاف و اذا كان اذن المالك موجبا لعدم شمول الأول فكذا الثانية و الاشكال متين جدا فالتخصيص لا وجه له.

(و كيف كان) المقبوض بالعقد الفاسد بمنزلة المغصوب في كونه موجبا للضمان و هذا من صغريات القاعدة المعروفة (كلما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) و بالعكس و المراد بالضمان ليس وجوب دفع المثل أو القيمة و انما المراد به انتقال المال الى العهدة كما هو معناه لغة و عرفا و دفع المثل أو القيمة من الآثار المترتبة على الضمان و هذا واضح لا ينبغي اطالة الكلام فيه.

ثم انهم استدلوا على الضمان في المقام بأمرين (أحدهما) ما ورد في الامة المبتاعة اذا وجدت مسروقة بعد أن أولدها المشتري من ان الجارية يأخذها صاحبها و يأخذ الرجل ولده بالقيمة(1)فان ضمان الولد مع انه نماء لم يستوفه المشتري و انما منع المالك من استيفائه نظير من قفل باب دار الغير و القي المفتاح في


1) الرواية في الوسائل 98/3 باب 86 كتاب النكاح طبع عين الدولة عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «في رجل اشترى جارية فأولدها فوجدت الجارية مسروقة قال: يأخذ الجارية صاحبها و يأخذ الرجل ولده بقيمته». (المقرم الموسوي).

البحر فانه يستدعى ضمان الأصل بالأولوية (ثانيهما) النبوي المعروف و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» (و في كل من الأمرين نظر) أما الأول فلأن الرواية الواردة في الامة المسروقة أجنبية عما نحن فيه فان مورد الكلام في الضمان بالعقد الفاسد ما اذا كان العقد للمالك و لكن كان فاسدا فانه حينئذ ربما يتخيل القاء المالك احترام ماله فلا ضمان و أما اذا كان البايع غاصبا فلا وجه لتوهم عدم الضمان (و من الغريب) عدم تنبه المصنف رحمه اللّه و المحشين قدس اللّه أسرارهم لذلك.

و أما الثاني فانه لم يثبت من طريقنا و انما هو مروي عن أهل السنة عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب(1)

و في شرح النهج لابن أبي الحديد 368/1 طبعة مصر الاولى كان الحسن البصري يبغض عليا عليه السّلام و يذمه و من المخذلين عن نصرته و قد أنكر على أمير المؤمنين اراقته الدماء الكثيرة فقال له: أوساءك ذلك قال نعم فقال (أبو الحسن) عليه السّلام «لا زلت مسوءا فما رؤي الحسن البصري بعد هذا الا مهموما عابسا الى أن مات».

و أما سمرة فقصته مع الأنصاري في النخلة و اغضاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و عدم اجابته أمر رسول السماء معروف و لو اطلع أصحابنا الامامية على سند الحديث و عرفوا من رواه لرموه عرض الجدار و ان كان مضمونه معقول المعنى. (المقرم الموسوي).

و انجباره بالشهرة مبني على انجبار ضعف السند

1) تقدم في الجزء الأول المعقود للمكاسب المحرمة/ 148 المصادر المذكور فيها هذا الحديث من جوامع أهل السنة و تقدم الطعن في رجال سنده كأبي قتادة و الراوي عنه سعيد بن أبي عروبة و أما الحسن البصري فمضافا الى انكار جماعة منهم سماعة من سمرة انه من المنحرفين عن أمير المؤمنين عليه السّلام و له كلمة جافة في حقه لا تصدر الا ممن عانده و ناوأه قال المبرد في الكامل 118/3 طبعه محمد علي صبيح بمصر سنة 1347 ه‍ كان الحسن البصري ينكر الحكومة و يترحم في مجلسه على عثمان ثلاثا و يلعن قتلته و يذكر عليا فيقول لم يزل على رحمة اللّه يتعرفه النصر و يساعده الظفر حتى حكم فلم تحكم و الحق معك ألا تمضى قدما لا أبا لك و أنت على الحق قال المبرد (ان هذه كلمة فيها جفاء).

بها و هو ممنوع على ما بيناه في الاصول فالعمدة في الضمان انما هو سيرة العقلاء القائمة على ثبوت الضمان في المأخوذ بالعقود الفاسدة اذا كانت مما يضمن بصحيحها كما اذا اشترى أحد خبزا بالبيع الفاسد فأكله فانه يكون ضامنا له عند العقلاء و لو مع قطع النظر عن الشرع و الشريعة و لم يثبت عنها ردع فتكون متبعة بل أغلب ما يرجع الى الماليات و أبواب المعاملات يكون المدرك فيها سيرة العقلاء.

ثم انه ليس المراد من العقد في القاعدة أصلا و عكسا ما يكون بنوعه موجبا للضمان أو لا يكون موجبا له كذلك نظير العارية فانها لا توجب بنوعه الضمان و انما ثبت الضمان في صنف منه و هو عارية الذهب و الفضة أو المشروط فيها الضمان و عليه يدخل عارية الذهب و الفضة فيما لا يضمن كما انه ليس المراد به ما يوجب الضمان بصنفه و عليه تدخل عارية الذهب و الفضة فيما يضمن بل المراد ما يضمن بشخصه و ما لا يضمن بشخصه فان القاعدة من قبيل القضايا الحقيقية فالمعنى ان كل عقد يضمن بصحيحه إذا فرض تحققه في الخارج صحيحا يضمن بفاسده اذا تحقق فاسدا و هكذا العكس و لا يعتبر فيه تحقق صنف صحيح من العقد و صنف فاسد منه (و السر في ذلك) انه لم يرد في هذه القاعدة دليل لفظي ليحمل على النوع أو على الصنف و انما هي على طبق السيرة و قوله صلّى اللّه عليه و آله: «على اليد ما أخذت» على فرض اعتباره فما ينطبق عليهما انما هو ما ذكرناه دون غيره.

و على ما ذكرناه لا يعتبر أن يكون الضمان و عدمه من مقتضيات نفس العقد في طبعه بل القاعدة جارية و لو كان الضمان أو عدمه في العقد لخصوصية فيه فالبيع بلا ثمن و الاجارة بلا اجرة لا ضمان فيهما.

(ثم ان الباء) في القاعدة يحتمل ان تكون للظرفية و يحتمل أن تكون للسببية

قوله رحمه اللّه: ثم ان المدرك لهذه الكلية... [1]

و ذلك من جهة ان سبب الضمان في العقد الصحيح أو الفاسد و ان كان هو القبض الا انه انما يوجب الضمان اذا كان بعنوان الوفاء بالعقد و الا فالقبض في نفسه مع قطع النظر عن كونه مترتبا على العقد المعاوضي لا يوجب الضمان قطعا و أما كونه للسببية التامة فغير محتمل لعدم كون العقد علة تامة للضمان لا تكوينا و لا تشريعا فان كل مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بايعه كما ان ما ذكره المصنف رحمه اللّه في سببية العقد الفاسد من انه منشأ للقبض الذي هو سبب للضمان لا يمكن المساعدة عليه فان الضمان حينئذ لا يستند الى العقد فانه نظير اسناد نجاسة الميتة أو العصير الى الشمس لكونه سببا للموت أو للغليان و هو واضح الفساد.

مدرك ما يضمن بصحيحه

[1] استدلوا للقاعدة الكلية و هي كل عقد شخصين يكون صحيحه موجبا للضمان كذلك يوجبه اذا فرض فاسدا بالاقدام و هو اقدام الأخذ على الضمان و صريح المسالك انه وجه مستقل لثبوت الضمان حيث استدل به عليه في قبال قاعدة اليد بل ربما يستظهر ذلك من المبسوط أيضا حيث علل الضمان في موارد من البيع و الاجارة الفاسدة بدخوله على أن يكون المال مضمونا عليه بالمسى فاذا لم يسلم له المسمى لعدم امضائه شرعا لكون العقد فاسدا رجع الى المثل أو القيمة.

و قد أورد عليه المصنف رحمه اللّه (أولا) بأنهما انما أقدما و تراضيا بالعقد الفاسد على ضمان خاص و هو الضمان بالمسمى لا الضمان بالمثل أو القيمة و المفروض ان ما أقدما عليه لم يمض شرعا (و توهم) بقاء مطلق الضمان في ضمن خصوصية اخرى (مدفوع) بأنه لم يكن هناك اقدامان أحدهما على طبيعي الضمان و الآخر خصوصية كونه بالمسمى و انما كان اقداما واحدا خاصا فاذا لم يمض

شرعا فقد انتفى ما أدما عليه رأسا.

(ثانيا): ان بين التعليل و القاعدة عموم من وجه فهو غير مطرد و لا منعكس اما من حيث الطرد فلأنه قد يكون الاقدام متحققا و لا ضمان كما في التلف قبل القبض فانه من مال بايعه و أما العكس فلأنه قد لا يكون في العقد الفاسد اقدام و مع ذلك يكون الضمان موجودا و مثل له بموارد ثلاثة (أحدها) البيع بلا ثمن (و الثاني) الاجارة بلا اجرة (و الثالث) ما اذا اشترط في عقد البيع ضمان المبيع على البايع فان الضمان في جميعها ثابت مع انه ليس في شيء منها اقدام على الضمان فدليل الاقدام منقوض طردا و عكسا.

(و نقول) ان أراد المستدل بكون الاقدام بنفسه أحد المضمنات ففساده واضح و لذا لم يتوهم أحد ثبوت الضمان فيما إذا ضمن أحد مال غيره ابتداء و يكفي في فساده عدم المقتضى و هو الدليل على كونه مضمنا الا انه من المحتمل قريبا أن يكون مراد المستدل كون المال محترما سواء كان من الأعيان أو الأعمال أو المنافع فلا يذهب هدرا الا اذا ألقى المالك احترامه ببذله للغير مجانا فاذا لم يقدم المتعاقدان على المجانية كان الضمان على القاعدة كما عليه السيرة فمرادهم من الاقدام على الضمان بيان عدم الاقدام على المجانية.

(و عليه) فلا مجال لما أورده المصنف أعلا اللّه مقامه (أولا) من كون ما أقدما عليه انما كان للضمان بالمسمى و لم يسلم و الضمان بالمثل أو القيمة لم يقدما عليه كما لا تتجه النقوض المذكورة في كلامه (ثانيا) أما النقض بالتلف قبل القبض (ففيه)

ان الاقدام على الضمان انما كان مشروطا بالقبض لا مطلقا و لذا ترى السيرة قائمة على عدم الضمان فيما اذا باع العين الخارجية فذهب ليأتي بها الى المشتري فوجدها مسروقة فعدم الضمان في الفرض انما هو من جهة عدم الاقدام على الضمان على الاطلاق.

(و أما النقض بالبيع بلا ثمن) و الاجارة فيدفعه عدم ثبوت الضمان فيهما على ما بيناه لأنهما حقيقة من الهبة المجانية و ليسا بيعا و لا اجرة بل هما صورة بيع و اجارة فيدخلان في عكس القاعدة أعني ما لا يضمن لا في نفسها فكما لا اقدام في الموردين لا ضمان فيهما أيضا.

و أما الضمان فيما اذا شرط في عقد البيع ضمان المبيع على البايع فهو و ان كان ثابتا الا ان الاقدام على الضمان موجود في الالتزام البيعي لما عرفت من ان الشرط أجنبي عن الالتزام العقدي و انما هو التزام آخر فالمتبايعان أقدما على الضمان في البيع غاية الأمر اشترط في ضمنه كون ضمان المبيع على البايع فاذا فرض فساده يفسد الشرط أيضا فيثبت ضمان المبيع على المشتري بمقتضى اقدامه البيعي فالنقوض بأجمعها مدفوعة.

و الاستدلال على الضمان بالاقدام بهذا المعنى متين جدا و يرجع الى السيرة التي بيناها و هي تشمل ضمان الأعيان و الأفعال و المنافع أجمع.

قوله رحمه اللّه: و أما خبر اليد... [1]

[1] قد ذكرنا انه ضعيف السند بالحسن البصري و سمرة بن جندب عامل زياد بن أبيه على البصرة(1)و من روى عن الحسن أيضا و لم يعلم استناد أصحابنا الامامية اليه ليكون جابرا له على أنا بينا في محله عدم انجبار ضعف سند الرواية بعمل المشهور نعم مضمونه موافق لما عليه سيرة العقلاء و هو تام من حيث الدلالة على الحكم الوضعي.

و توهم ظهور كلمة «على» في الحكم التكليفي.

مدفوع بأنه فيما اذا اسندت الى الأموال دون الأفعال على تقدير الأغماض عن سنده فالظاهر اختصاصه بضمان الأعيان و عدم شموله للمنافع لا لما توهم من عدم قبولها للأخذ فان الأخذ عبارة عن الاستيلاء و الاستيلاء على كل شيء بحسبه فيمكن الاستيلاء على المنافع تبعا للاستيلاء على العين كما يكون تسليمها بتسليم العين (نعم) الأعمال غير قابلة للأخذ فان الفعل و ان صدر بأمر الآمر إلا أنه لا يصدق عليه انه أخذه فخياطة الثوب و ان صدرت من مالك الثوب الا انه لا يقال أخذ الخياطة و انما يقال أخذ الثوب المخيط فعنوان الأخذ يعم للمنافع و لا يشمل الأفعال.

و انما العمدة في عدم شمول الأخذ للمنافع ذيل النبوي المذكور و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله:

(حتى تؤدي ما أخذت) فانه ظاهر في أداء نفس عين المأخوذ فان المنافع و الأعمال غير قابلة لأن تؤدى بنفسها فيكون هذا قرينة على ان المراد بالموصول خصوص الأعيان دون المنافع و الأعمال و لذا استدلوا على ضمان المنافع و الأعمال


1) لاحظ المحاضرات 148/1.

قوله رحمه اللّه: لا يحل مال امرء مسلم... [1]

قوله رحمه اللّه: و ان حرمة ماله كحرمة دمه... [2]

بامور اخر نحن في غنى عنها لأن مورد السيرة يعم مطلق الأموال.

[1] الظاهر ان اسناد نفي الحل الى الأموال انما هو بلحاظ التصرف فيها و الا فلا يستقيم بأي معنى كان الحل فهو ظاهر في الحل التكليفي دون الوضعي و يشهد له قوله عليه السّلام الا بطيب نفسه فهو نظير الخبر المعروف لا يجوز التصرف في مال أحد الا باذنه و حينئذ يكون خارجا عن محل الكلام مضافا الى كونه ضعيف السند(1)

و في تحف العقول لابن شعبة عند ذكر خطبة النبي صلّى اللّه عليه و آله يوم الغدير قال فيها: «لا يحل لمؤمن من مال أخيه الا عن طيب نفس منه» و مثله في المستدرك على الوسائل 145/3 كتاب الغصب عن غوالي اللئالي و لكنه حكى عن دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين عليه السّلام بلفظ: «لا يجوز أخذ مال المسلم بغير طيب نفس منه» و لم أجده في الدعائم في باب الغصب. و أما أهل السنة فروى البغوي في مصابيح السنة 14/2 عن سعيد بن زيد و البيهقي في السنن الكبرى 97/6 عن ابن عباس و روى أبو بكر الهيثمي في مجمع الزوائد 117/4 و أحمد في المسند 113/5 من الطبع الأول و البيهقي في السنن 97/6 و الهندي في كنز العمال 327/5 كلهم في الغصب عن عمرو بن يثربي الضبي قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «لا يحل لامرء من مال أخيه الا ما طابت به نفسه». (عبد الرزاق الموسوي المقرم).

.

[2] المراد بالحرمة فيه الاحترام لا الحكم التكليفي فالاستدلال به على الضمان و ان كان صحيحا في الجملة و يعم المال و الأعيان و غيرها الا انه لا يتم على نحو


1) في كمال الدين للصدوق/ 287 آخر باب التوقيعات الواردة عن صاحب الأمر عجّل اللّه فرجه و في الاحتجاج للطبرسي/ 268 المطبعة الحيدرية فيما ورد عن صاحب الزمان عليه السّلام «و أما ما سألت عنه من أمر الضياع التي لناحيتنا هل يجوز القيام بعمارتها و أداء الخراج و صرف ما يفضل من دخلها الى الناحية احتسابا للاجرة و تقربا الينا فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه فكيف ذلك في مالنا من فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحل منا ما حرم عليه».

قوله رحمه اللّه: مضافا الى أدلة نفي الضرر... [1]

الاطلاق فانه يختص بصورة اتلاف العين أو استيفاء المنفعة أو صدور العمل بأمر منه و لا يثبت الضمان فيما اذا اشترى شيئا ببيع فاسد و بالغ في حفظه فتلف بآفة سماوية أو مات فان احترام المال لا يقتضي ضمانه عليه و بهذا يظهر الحال في الاستدلال بقوله عليه السّلام: «لا يصح أو لا يصلح ذهاب حق أحد هدرا»(1)فان ثبوت الحق عليه من دون اتلاف أو أمر أو استيفاء أول الكلام.

[1] قد بينا في محله ان لا ضرر انما يرتفع به الحكم الوجودي المجعول الناشي منه الضرر و أما اذا ترتب الضرر في مورد على عدم الحكم فحديث لا ضرر لا يقتضي اثباته و المقام من هذا القبيل فان المالك انما يتضر من عدم الحكم بالضمان.

و على فرض التنزل لا يمكن الاستدلال به الا في فرض الاتلاف أو الاستيفاء أو الأمر و الا فكما يكون عدم الضمان موجبا لتضرر المالك يكون ثبوته موجبا لتضرر القابض من دون تعمد و اتلاف و بعبارة اخرى لا فرق حينئذ بين القابض و غيره من الناس فالقول بضمانه دونهم بلا جهة و مرجح فاذا وجب تدارك ضرر المالك فلماذا يجب على القابض فليجب تداركه من بيت المال أو من ساير المسلمين.

على انه في صورة الاتلاف و نحوه أيضا لا يمكن الاستدلال به على ضمان القابض بأكثر من المسمى فيما اذا كان قيمة المال أكثر من المسمى فانه ضرر لم يقدم عليه لأنهما انما أقدما على الضمان بالمسمى لا أكثر منه فتحصل ان مدرك القاعدة المطرد في جميع مواردها منحصر بالسيرة على ما بيناه.


1) لم أعثر عليه مع الفحص في معاجم الحديث.

قوله رحمه اللّه: في بعض الأعمال المضمونة... [1]

قوله رحمه اللّه: بين جهل الدافع بالفساد... [2]

[1] لا ينبغي الريب في اختصاص الأدلة المذكورة في كلام المصنف و غيره بما اذا كان مورد العقد الفاسد عينا من الأعيان قد قبضها الأخذ أو منفعة استوفاها أو عملا صادرا عن أمره فاذا لم يكن شيء من ذلك كالسبق في المسابقة الفاسدة فانه ليس مما استوفاه الآخر و انتفع به بل يتضرر به كما انه لم يكن صادرا بأمره بل كان يكرهه و ليس عينا وقعت تحت يده فالقول فيها بالضمان لا وجه له.

نعم: سيرة العقلاء قائمة في مثل ذلك على الضمان و لكن بما انها مبنية على المقامرة و المغالبة و لم يمضها الشارع الا في العقد الصحيح فهي مردوعة عنها فلا يحكم فيها بالضمان.

[2] أما بناء على ما سلكناه في الاستدلال على القاعدة بسيرة العقلاء فعدم الفرق بين الصورتين أعني علم الدافع بالفساد و جهله واضح لقيامها على الضمان في الصورتين سواء كان القابض عالما بالفساد أيضا أو كان جاهلا به و أما بناء على المسلك المعروف فقد استدل المصنف رحمه اللّه على عدم الفرق باطلاق النص و الفتوى و المراد من النص حديث على اليد و غيره من الأخبار بناء على صدق الأخذ على مطلق الاستيلاء لا خصوص العدواني كما ذهب اليه المحقق النائيني رحمه اللّه.

و أما القول بالفرق و عدم الضمان في فرض علم الدافع بالفساد فقد توهم الاستدلال عليه بوجهين دفعهما المصنف رحمه اللّه.

(أحدهما): أن الدافع اذا كان عالما بالفساد فقد سلط القابض على ماله مجانا و هذا التعبير ظاهر كلامه في بيع الغاصب و في المقام عبر بتعبير آخر و هو كون المال حينئذ أمانة مالكية عند القابض و المطلب واحد و هذا الوجه جار في كلا فرضي

علم القابض بالفساد و جهله.

(ثانيهما): مختص بفرض جهل القابض بالفساد و حاصله أن القابض حينئذ يكون مغرورا قد غره الدافع و المغرور يرجع على من غره فلا ضمان عليه.

و في كلا الوجهين من حيث انطباقهما على ما نحن فيه نظر و أما من حيث الكبرى فللبحث عنها محل آخر.

(أما الوجه الثاني) فلأن التغرير متقوم بأمرين علم الغار و جهل المغرور و لا يصدق عنوان التغرير اذا انتفى أحدهما كما هو ظاهر و عليه فالقابض في الفرض و ان كان جاهلا بفساد المعاملة الا انه عالم بالضمان و هو مقدم عليه غايته الضمان بالمسمى لا أكثر و لا كلام لنا فعلا في ذلك بل لا يبعد القول بعدم كونه ضامنا بالاضافة الى ما زاد عن المسمى (نعم) بصدق التغرير فيما اذا كانت المعاملة مبنية على المجانية نظير ما اذا قدم أحد لغيره الطعام بعنوان الهدية أو الضيافة و كان ذلك فاسدا من جهة كون المال لغير المهدي فيكون مغرورا فيرجع فيما اغترمه على الغار.

(و أما الوجه الأول) فهو خلاف الوجدان لأن الدافع انما يسلط القابض على ماله بعنوان المعاوضة و على انه مالك و لو تشريعا كما في بقية المعاملات الفاسدة من القمار و نحوه و الا لزم عدم ضمان القابض لما يأخذه في القمار و بيع الخمر و الاجارة على الزنا و غيره من الفواحش اذا كان الدافع عالما بالفساد فان التسليط حينئذ يكون مجانيا غير موجب للضمان خصوصا اذا كان القابض جاهلا بالفساد لشبهة موضوعية فان توهم التغرير أيضا يكون جاريا فيه.

(نعم) فيما كان الجهل لشبهة حكمية لا مجال للتغرير لأنه كان مكلفا بالفحص

قوله رحمه اللّه: و أما عكسها... [1]

فلم يفعل فليس بمغرور و هذا مناف للفتاوى و لاطلاق الأدلة الواردة في ان ثمن الخمر و مهر البغي و نحو ذلك سحت فكلا التوهمين فاسد و الصحيح عدم الفرق في الضمان بين الصور.

[1] عدم الضمان فيما لا يضمن بصحيحه واضح على ما سلكناه و يكون من باب عدم المقتضى فان دليل الضمان انما هو السيرة و لم تثبت فيما لا يضمن بصحيحه فلا تخصيص أصلا و أما على المعروف فمقتضى اطلاق أدلة الضمان ثبوته حتى في موارد العقود التي لا يضمن بصحيحها فلابد من اقامة الدليل على تخصيصها و عمدة القاعدة المستفادة من أن من استأمنه المالك على ملكه لا يضمن و سيأتي الكلام فيها. و لكن اذا تمت فلا محالة من تخصيصها لحديث على اليد لأنه موردها و لا معنى لكونها معارضة له كما توهم.

ثم ان المصنف رحمه اللّه أورد نقوضا على عكس القاعدة:

«منها»: الاجارة الفاسدة فان العين المستأجرة اذا تلفت تحت يد المستأجر لا تكون مضمونة عليه في الاجارة الصحيحة لكن صريح الرياض و جامع المقاصد على ما حكاه المصنف كونها مضمونة عليه اذا كانت الاجارة فاسدة و ربما يحكى ذلك عن غيرها أيضا.

و نقول: «تارة»: يكون تلف العين المستأجرة قبل دخولها تحت يد المستأجر و لا ضمان في مثل ذلك فانه نظير ما اذا استأجر أحد غيره لعمل فمات «و اخرى»:

يكون تلف العين بعد دخولها في يد المستأجر و لكن لا يكون دخولها من مقتضيات الاجارة بل تكون من جهة اخرى كما اذا اكترى أحد حيوانا لنقل متاعه و اشترط على مالكه أن يسوق الحيوان بنفسه ثم استدعى المالك من المستأجر أن يأخذ

قوله رحمه اللّه: و لعل الحكم بالضمان في المسألة... [1]

الحيوان معه فتلف تحت يده فهذا الفرض خارج عن محل الكلام و لا ضمان فيه و (ثالثة): تدخل العين تحت استيلاء المستأجر بمقتضى عقد الاجارة فتتلف عنده و هذا هو مورد الكلام.

و بالجملة مورد الخلاف و النقض و الابرام انما هو فيما اذا توقف استيفاء المنفعة على العين و تلفت تحت يد المستأجر و اما غيره فلا مقتضى فيه للضمان.

[1] ذكر المصنف رحمه اللّه للقول بالضمان وجهين:

«أحدهما»: ان قاعدة ما لا يضمن مخصصة في الاجارة الفاسدة لأنها ليست من القواعد العقلية الغير القابلة للتخصيص و المخصص لها خبر اليد (و فيه) ما تقدم من ان القاعدة على فرض تماميتها تكون مخصصة لخبر (على اليد) لأن موردها انما هو اليد و الاستيلاء فكيف يعقل تخصيصها به «نعم» اذا كان في المقام مخصص آخر من اجماع أو غيره أمكن الالتزام بالتخصيص.

«ثانيهما»: ان الاجارة الفاسدة خارجة عن القاعدة بالتخصص و ذلك لأنها انما تجري في مورد العقد و مورد الاجارة انما هو المنفعة لا العين فالاجارة من حيث المنفعة داخلة في أصل القاعدة و هو ما يضمن بصحيحه لكون المنفعة في الاجارة الصحيحة مضمونة على المستأجر و أما العين فهي خارجة عن الأصل و العكس.

و عليه فاذا كانت الاجارة صحيحة كانت امانة مالكية و شرعية عند المستأجر فلا تكون مضمونة عليه لكون يده أمانية و أما اذا كانت فاسدة فليس في البين اذن شرعي كما لا تكون العين أمانة مالكية لأن المؤجر انما دفعها اليه من جهة البناء على استحقاقه للمنافع و لو لا ذلك لم يسلمها اليه فمقتضى حديث (على اليد) الحكم بضمانها فهي أجنبية عن قاعدة (ما لا يضمن) رأسا.

قوله رحمه اللّه: منها الصيد الذي استعاره المحرم... [1]

(و فيه): ان العين و ان لم تكن موردا لعقد الاجارة بمعنى طرفي المبادلة الا انها داخلة فيه بمعنى آخر كما سيتضح الا ان الصحيح تبعا لمن يلوح من كلامه كما ذكره في جامع المقاصد هو عدم الضمان فلا ينتقض به القاعدة.

(توضيح ذلك): ان الاجارة انما هي بمعنى تمليك المنفعة فالمبادلة تكون بينها و بين مال الاجارة و لكن بما ان المفروض توقف استيفاء المنفعة للمستأجر على استيلائه على العين ينحل عقد الاجارة الى المبادلة المزبورة و شرط ضمني ارتكازي و هو تسليم العين الى المستأجر مجانا و بلا عوض كما ان اشتراط التسليم ثابت في البيع أيضا فتكون العين داخلة في عقد الاجارة بهذا المعنى و هي من هذه الجهة تدخل فيما لا يضمن بصحيحه فلا ضمان في فاسده أيضا.

(و توهم) ان التسليط المجاني انما كان مبنيا على استحقاق المستأجر فلا رافع للضمان (مدفوع) بثبوت هذا البناء و التعليق في جميع العقود التي لا يضمن بصحيحها اللازمة منها و الجائزة كالعارية و الهبة و نحوهما.

[1] لابد و أن يفرض ذلك في خارج الحرم فان الصيد في الحرم غير جائز لغير المحرم أيضا كما اذا فرضنا ان أحد الشخصين محرم خارج الحرم و الآخر غير محرم فصاد الثاني حيوانا و استعاره منه المحرم فانه لا اشكال في وجوب ارساله عليه و الا وجب عليه الفداء فالمسألة لها شقان:

(أحدهما): ما اذا أرسله المحرم فانه لا خلاف في ضمانه له الا انه خارج عن محل الكلام و لا ينتقض به القاعدة لأن العارية انما تكون مما لا يضمن بصحيحه في فرض التلف دون الاتلاف و لو كان باذن الشارع و انما قلنا بعدم الضمان بالاتلاف في العقود المتضمنة لاذن المالك فيه كالهبة و الهدية و تقديم الطعام الى الضيف.

(ثانيهما): ما اذا تلفت العين المستعارة بآفة سماوية كما اذا ماتت أو كانت طائرا فطار و هذا الفرض هو مورد النقض على القول بفساد استعارة المحرم وضعا و قد وقع الخلاف في ثبوت الضمان فيه و عدمه فذهب جمع الى الضمان مع ان صحيح العارية لا ضمان فيه.

(و قد وجّهه) المصنف رحمه اللّه بما حاصله ان الضمان فيها انما يتحقق بمجرد استيلاء المحرم على العين لكونه مأمورا بالارسال فليس الضمان مستندا الى التلف لينتقض به لأن مورد القاعدة ما اذا استند الضمان الى التلف.

(و فيه) ان الثابت انما هو وجوب الارسال تكليفا و هو غير مستلزم للضمان وضعا و استقراره العين في الذمة و لم يدل دليل على ثبوته بمجرد وضع اليد و لذا لو لم يرسلها بل أداها اليه لم يضمن له شيئا و ان كان عاصيا بذلك فالضمان لا يتحقق الا بعد التلف و يكون مستندا اليه.

بل يمكن ان يقال انه لم يثبت وجوب الارسال أيضا و غاية ما هناك حرمة الامساك و وجوب الفداء على تقديره و اين هذا من وجوب الارسال و عليه فلا مانع من الرد الى المالك.

و أجاب عنه المحقق النائيني قدّس سرّه بما حاصله ان الضمان في الفرض انما يتحقق بمجرد وضع يد المحرم على الصيد لخروجه بذلك عن ملك المعير فالضمان مستند الى الاتلاف دون التلف.

(و فيه) انه لا دليل على ذلك فان ما يظهر منها عدم ثبوت ملك للمحرم على الصيد و لو بقاء فاذا صاد المحرم شيئا أو ابقاه عنده الى ان أحرم خرج عن ملكه و جاز لغيره أخذه منه و لو بدون رضاه و أما خروج الصيد عن ملك المحل بمجرد

قوله رحمه اللّه: في البيع الفاسد بالنسبة الى المنافع... [1]

استعارة المحرم أو جعله وديعة عنده فلا.

(مضافا) الى انه عليه قد يكون المالك مقدما على اتلاف ماله فيما اذا كان عالما بالحال اللهم الا ان يقال انه مستند الى الجزء الأخير من علته و هو استعارة المحرم (و لعلّه) لهذه الجهات ذهب صاحب الجواهر قدّس سرّه الى عدم الضمان في الفرض و ان كان ظاهر الشرايع ثبوته حيث قال لا يجوز للمحرم أن يستعير من محل صيدا لأنه ليس له امساكه فلو أمسكه ضمنه و ان لم يشترط عليه ذلك.

فان التقييد ظاهر في التلف اذ لو كان ناظرا الى الاتلاف كان ذكر القيد لغوا لعدم دخل الاشتراط و عدمه في ثبوت الضمان عند الاتلاف.

و قد استظهر السيد قدّس سرّه في الحاشية اختصاص كلام الشرايع بصورة الاتلاف حيث أضاف الى كلام الشرائع ما ليس فيه و هو قوله (ثم أرسله) فقال و هذه العبارة كما ترى مختصة بصورة الاتلاف. و لكن الصحيح كما نبه عليه المحقق النائيني قدّس سرّه عدم وجود تلك الجملة في الشرايع و انما هي من كلام الجواهر و تخيل كون تلك الجملة من المتن و على أي حال لا دليل على ضمان المحرم في المقام فالنقض غير وارد علينا.

[1] لم نعرف الوجه في تقييدها بغير المستوفاة مع انه لا فرق بينهما من حيث النقض لأن المستوفاة أيضا غير مضمونة في البيع الصحيح و مضمونة في البيع الفاسد و أجاب عنه المحقق النائيني قدّس سرّه بأن القاعدة انما تجري في مورد العقد و المنافع خارجة عنه في البيع و عليه فان كان صحيحا فقد استوفاها المشتري في ملكه فلا معنى للضمان و اذا كان فاسدا فمقتضى عموم على اليد و نحوه هو الضمان.

(و فيه): ان المنافع في البيع اذا لم تكن موردا للعقد لزم ان لا تكون موردا لعقد

قوله رحمه اللّه: نقض القاعدة بحمل المبيع فاسدا... [1]

الهبة أيضا فاذا كانت فاسدة لا بد فيها من القول بضمان المنافع و هو كما ترى «و عبارة اخرى» يرد عليه أحد أمرين اما دخول منافع المبيع في مورد البيع فلا يتم ما ذكره في المقام و أما خروج منافع العين الموهوبة عن مورد الهبة فلابد من ضمانها.

(فالصحيح) ان يقال انه لا ملازمة بين تمليك العين و تمليك المنفعة فان التخلف بينهما كثير اذ ربما يملك العين شخص و لا يملك المنفعة و قد ينعكس الأمر و قد يجتمعان لشخص واحد (و عليه) فمقتضى اطلاقات التمليك في البيع تمليك المبيع بما له من المنافع فتكون أيضا موردا للعقد بالتبع فتأمل و هي مضمونة في البيع الصحيح فتدخل في أصل القاعدة و في الهبة أيضا كذلك غير مضمونة في صحيحها فتدخل في عكس القاعدة فالنقض مدفوع رأسا.

نعم في الاقالة و الفسخ لا تكون المنافع مضمونة لكون استيفائها في ملك المستوفى فان الفسخ عبارة عن استرجاع الملك السابق من حينه لا من السابق بما له من الشؤون و لذا تكون الخصوصيات المنتفية حين الفسخ أو الاقالة مضمونة.

مثلا اذا كان الحيوان المبيع صحيح البدن حين البيع و انكسرت رجله حين الفسخ فزال عنه شأنية الركوب فان المشتري يكون ضامنا لها و هذا بخلاف الفساد.

[1] وقع الخلاف في ضمان الحمل في البيع الفاسد كما ذكره المصنف رحمه اللّه و لا يبعد الجمع بينهما بحمل كلام النافي للضمان على ما اذا لم يشترط ضمانه على المشتري فانه يكون امانة عنده فلا يكون مضمونا عليه و حمل القول بالضمان على ما اذا اشترط ضمانه عليه فيدخل حينئذ فيما يضمن بصحيحه فلا ينتقض به القاعدة و ربما يتوهم النقض بصفات المبيع و لكن يظهر جوابه مما تقدم.

قوله رحمه اللّه: و يمكن النقض أيضا بالشركة الفاسدة... [1]

[1] فان صحيحها لا يوجب الضمان فاذا كان فاسدها كالشركة الوجاهية موجبا له لزم النقض (و من الغريب) ما استدل به المصنف قدّس سرّه على الضمان في الشركة الفاسدة من عدم جواز التصرف في فرض الفساد فيكون عدوانيا فيوجب الفساد فان عدم التصرف تكليفا غير مستلزم للضمان وضعا كما ان جواز التصرف غير مناف له فلمس أمة الغير أو تقبيلها غير جائز شرعا و لا يوجب الضمان و التصرف في الهبة الفاسدة غير جائز واقعا و لا يوجب الضمان فالضمان في الفرض غير ثابت لينتقض به.

ثم انه قد ينقض أصل القاعدة بالنكاح الفاسد، فانه في حكم العقود المعاوضية فيضمن بصحيحه و لا يضمن بفاسده.

(و الجواب عنه) بالالتزام بالتخصيص فان القاعدة ليس عقلية غير قابلة للتقييد كما يمكن الجواب عنه بالالتزام بالتخصص فان المهر في النكاح ليس في مقابل الانتفاعات بالزوجة من المقاربة و مقدماتها فان شرفها يأبى أن يقابل بالمال و لذا تستحق المرأة المهر بمجرد العقد و ان لم يسع الوقت للانتفاع بها من جهة موتها قبله بل يكون المهر بأزاء الزوجية الاعتبارية سواء كانت دائمية أو انقطاعية (نعم) خصص ذلك في بعض الموارد بثبوت اجرة المثل في الوطي بالشبهة و بتنصيف المهر اذا حصل الموت أو الطلاق قبل الدخول.

و على هذا فليس في مورد النكاح شيء يضمنه الزوج بالتلف أو بالاتلاف لأن المهر يستقر في ذمته بنفس العقد، و مورد القاعدة انما هو ما اذا كان الضمان على تقدير ثبوته مستندا الى أحد الأمرين و المقام خارج عنها و حينئذ ان كان النكاح صحيحا شرعا ثبت به الضمان و ان كان فاسدا فلا موجب للضمان أصلا.

قوله رحمه اللّه: ثم ان مبنى هذه القضية السالبة... [1]

قوله رحمه اللّه: و هي عموم ما دل على... [2]

[1] اما على ما سلكناه فعدم الضمان فيها من باب عدم المقتضى له في مقام الاثبات لاختصاص مورد السيرة على الضمان بالعقود التي يضمن بصحيحها و اما فيما لا يضمن بصحيحها فسيرة العقلاء قائمة على عدم الضمان و لذا لا يرونه ثابتا في الهبة الفاسدة بحسب قانونهم.

و أما على مسلك القوم من التمسك للضمان بخبر على اليد فلابد من اقامة الدليل على تخصيصه و هو صعب جدا فتأمل.

[2] كان من المناسب جدا تعيين تلكم الأدلة فانا لم نعثر الا على بعض الأخبار الواردة في ان الأمين غير ضامن أو لا تتهمه أو ليس عليه الا اليمين(1)و من الظاهر اختصاصها بموارد الاستيمان أعنيى الأمانة الممضاة شرعا فتأمل و لا يعم العقود الفاسدة كيف و قد بنى المصنف قدّس سرّه على كون التصرف عدوانيا و مع هذا فاستدلاله بدليل الاستيمان غريب جدا و أغرب منه استناده الى الأولوية في الهبة الفاسدة لما عرفت من عدم استلزامه نفي الضمان عن غير مورد الاستيمان فضلا عن الأولوية.


1) من الأحاديث ما في الوسائل 642/2 باب العارية عن الصادق عليه السّلام: «ليس على مستعير عارية ضمان و صاحب العارية و الوديعة مؤتمن» و سئل أبو جعفر عليه السّلام عن العارية اذا هلكت قال: «ان كان أمينا فلا غرم» و فيه ص 641 باب الوديعة عن الصادق عليه السّلام: «ليس لك أن تتهم من ائتمنته». (المقرم الموسوي).

قوله رحمه اللّه: الثاني من الامور... [2]

رد المقبوض بالعقد الفاسد

[2] ذكر المصنف رحمه اللّه من جملة أحكام المقبوض بالعقد الفاسد وجوب رده الى مالكه فورا و استدل عليه بقوله عليه السّلام: «لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره باذنه» ثم قال: و لو نوقش في كون الامساك تصرفا كفى عموم قوله عليه السّلام: «لا يحل مال امرء مسلم لأخيه الا عن طيب نفسه» فانه يدل على تحريم جميع الأفعال المتعلقة به التي منها الامساك ثم تعرض لمؤنة الرد فقال بوجوبها على المشتري من باب المقدمة للرد الواجب عليه الا اذا كان ضرريا.

و تفصيل الكلام في ذلك يكون في جهات:

«الجهة الاولى»: في حرمة التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد و جوازه و قد يستدل على الجواز بأن التصرف يكون باذن المالك ضمنا اذا كان عالما بالفساد فانه سلط المالك على ماله باختياره.

و ذكر السيد قدّس سرّه في الحاشية في الرد على المصنف رحمه اللّه ان دعوى كون الاذن بالملكية غير حاصل مدفوعة ثم ذكر في دفعها ما حاصله ان الاذن انما تكون مبنية على الملكية الانشائية أي بحسب اعتقاد المالك و بنائه و لو تشريعا و هي حاصلة لا على الملكية الشرعية التي لم تحصل ثم أشكل على ذلك بقوله: (ان قلت) لم يصدر من البايع الا التمليك و قد صار لغوا في حكم الشارع فأين الاذن (و اجاب عنه) بأن التمليك له حيثيتان فانه اذن من جهة و تمليك من جهة اخرى فلا مانع من كونه مؤثرا من احداهما دون الاخرى.

(و نقول): الظاهر حرمة التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد و ذلك لأن المستثنى في قوله عليه السّلام: «لا يجوز لأحد التصرف في مال غيره الا باذنه» انما هو اذن المالك في

التصرف في ملكه لا في أملاك الناس».

(توضيح ذلك): ان الأفعال «منها» ما لا يتعلق الا بالموضوعات الخارجية دون العناوين كالأفعال الخارجية من الضرب و القتل و الأكل و نحوه و من هذا القبيل التبعية و الايتمام في باب الجماعة فانها تكون بالشخص و العنوان يكون من قبيل الداعي و «منها»: ما يتعلق بالعناوين كالأفعال الاعتبارية من الرضا و الاذن و طيب النفس (و عليه) فظاهر قوله عليه السّلام «الا باذنه» ارادة اذن المالك في التصرف في ماله بعنوان انه تصرف في مال نفسه لا أنه ملك الغير.

و في مورد العقود الفاسدة انما يأذن الدافع للقابض أن يتصرف في ملك نفسه و لو تشريعا كما في القمار و نحوه فلا يكون التصرف فيها داخلا في المستثنى بل يبقى تحت المستثنى منه (نعم) اذا فرضنا ان المالك اذن في التصرف مع عدم البناء على ملكية القابض و لو تشريعا دخل ذلك في المستثنى لكنه خارج عما نحن فيه فيكون عارية صحيحة.

(و بالجملة) يعتبر في جواز التصرف أحد أمرين اما دخول المال في ملكه فيكون تصرفه خارجا عن مورد الرواية من باب السالبة بانتفاء الموضوع و اما الاذن بالتصرف من المالك بعنوان انه مالك و كلا الأمرين مفقود في المقام على الفرض.

«الجهة الثانية»: الظاهر عدم اختصاص حرمة التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد بالعقود المعاوضية التي يضمن بها بل تعم موارد العقود الغير المعاوضية كالهبة المجانية التي لا يضمن بها فان عدم الضمان فيها من جهة كون القبض مبنيا على عدم الضمان غير ملازم لجواز التصرف فانه متوقف على طيب نفس المالك و اذنه في التصرف في ماله و المفروض عدم تحققها بل لو كان الاذن أيضا متحققا

و لم يكن ممضى شرعا لا يترتب عليه أثر و من هنا لا يجوز التصرف في موارد العارية الفاسدة أيضا مع ان المالك راض بالتصرف في ملكه.

«الجهة الثالثة»: في وجوب الرد و حرمة الامساك. و عدمه المستفاد من الأدلة انما هو وجوب التخلية بين المال و مالكه و اما ايصاله اليه فلا دليل على وجوبه كما ان المحرم انما هو مزاحمة المالك و منعه عن التصرف في ماله و اما مجرد الامساك بمعنى بقاء المال عنده غير مستند اليه فليس تصرفا فلا يكون حراما و التمسك في ذلك بعموم (لا يحل الخ) بدعوى ان الحل لا يصح اسناده الى المال فلابد و ان يكون متعلقه محذوفا فيكون المقدر جميع الأفعال المتعلقة به و منها الامساك (ممنوع) لأن الظاهر بل الأظهر ان يكون المقدر في كل مورد ما يناسبه ففي قوله سبحانه:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ‌ يكون المقدر النكاح لا النظر و اللمس و في قوله تعالى:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ‌ المقدر هو الأكل لا سائر استعمالاته.

و في المقام المناسب تقدير الأكل بالمعنى الذي بيناه في قوله تعالى لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌ أو عموم التصرفات و الانتفاعات لا مطلق الأفعال المتعلقة بالمال ليعم النظر و نحوه لنحتاج في اخراج بعضها الى دعوى التخصص بالسيرة أو غيرها.

و قد يستدل على وجوب الرد بقوله عليها السّلام «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» و تقريب الاستدلال به على وجهين:

(أحدهما): ما ذكره المحقق النائيني قدّس سرّه بما حاصله ان كلمة (على) في النبوي و ان كان مدلوله المطابقي استقرار الضمان على ما هو ظاهرها عند اسنادها الى الموجود الخارجي و لكن بما ان الضمان اذا لم يكن مستتبعا لوجوب الرد لا يترتب عليه الأثر فبالالتزام يدل عليه.

(و فيه): انه انما يتم لو كان أثر الضمان منحصرا في وجوب الرد بالمعنى المعروف و ليس كذلك اذ يكفي في أثره ترتب وجوب الرد عليه بالمعنى الذي اخترناه و هو التخلية بين المال و مالكه.

(ثانيهما): ما ذكره بعض المحققين من دلالة النبوي بالمطابقة على كلا الحكمين من استقرار الضمان و وجوب الرد فمعنى على اليد ما أخذت ثبوت ضمانه و وجوب رده لإمكان استعمال لفظ (على) فيما يعم الحكم الوضعي و التكليفي.

(و لهذا التقريب) مبعدان:

(أحدهما) انه لا بد حينئذ من الالتزام بالتقدير و عدمه و هو غير ممكن فانه اذا اريد من لفظ (على اليد) الحكم التكليفي لا بد من استناده الى الفعل و اذا اريد منه الحكم الوضعي لا بد من اسناده الى الموضوع الخارجي فعلى الأول لا بد من تقدير الفعل و هو الرد و على الثاني لا حاجة الى التقدير و الجمع بين الأمرين أعني التقدير و عدمه مستحيل.

(ثانيهما): ان الغاية المذكورة في النبوي انما تناسب الضمان و لا تناسب وجوب الرد تكليفا اذ لا معنى لجعل الاتيان بالواجب غاية لوجوبه نظير أن يقال: يجب عليك الصلاة الى أن تصلي فانه من توضيح الواضح و هو لغو (فالصحيح) ظهوره في استقرار الضمان فقط و لا دلالة فيه على وجوب الرد لا بالمطابقة و لا بالالتزام هذا مع ما فيه من ضعف السند.

«الجهة الرابعة»: هل يكون مؤنة الرد على تقدير وجوبه على المالك مطلقا أو على القابض كذلك أو التفصيل ذهب المصنف رحمه اللّه الى الأخير و ادعى ان المؤنة ان كانت بمقدار يقتضيها الرد بطبعه فهي على القابض لكونها مقدمة للرد الواجب عليه

و لا يرفعه (حديث لا ضرر) فانه لا حكومة له على الأحكام المبتنية على الضرر في أنفسها كوجوب الخمس و لا زكاة و الجهاد و نحوها مما يكون الواجب بنفسه مستلزما لمقدار من الضرر فانه لا يرتفع به وجوبه الا اذا استلزم ضررا زائدا على ما يقتضيه بطبعه كما في الصوم فانه يقتضي الضعف بنفسه في الجملة فلا يرتفع به وجوبه.

(نعم) اذا أوجب ضررا لا يبتني عليه طبع الصوم كالحمى و نحوها ارتفع وجوبه و بالجملة حديث لا ضرر انما يكون حاكما على الأحكام الغير المقيدة بالضرر و لا بعدمه و عليه فالرد بطبعه مستلزم لصرف مقدار من المؤنة فاذا توقف على أزيد منها ارتفع وجوبه و الا فلا هذا محصل ما أفاده أعلا اللّه مقامه.

(و الصحيح) ان المؤنة على المالك مطلقا و ذلك لعدم توقف الرد بطبعه و لا في غالب أفراده على صرف المؤنة مثلا رد الكتاب أو الخاتم أو فصه أو نحو ذلك لا مؤنة تصرف في سبيل الرد فليس وجوب الرد من الأحكام المبتنية على الضرر فاذا توقف عليه في مورد يرفع بحديث لا ضرر من غير فرق بين القليل و الكثير.

«الجهة الخامسة»: ان ما ذكرناه من عدم وجوب الرد انما هو بالاضافة الى الرد الى المالك دون الرد الى البلد الذي قبض المال فيه.

و تفصيل ذلك: انه قد يكون المال و المالك كلاهما موجودين في بلد واحد سواء كان بلد المعاملة أو غيرها و قد لا يكون كذلك و على الثاني فربما يكون المال باقيا في بلد المعاملة و المالك مسافر الى مكان آخر و ربما ينعكس الأمر فيكون المالك في بلد المعاملة المال قد نقله القابض الى بلد آخر، و ثالثة يكون كل منهما منتقلا من بلد المعاملة الى مكان آخر كأن سافر المالك الى بلد و القابض نقل المال الى بلد

آخر. (اما اذا كانا في محل واحد) فيجب على القابض التخلية بين المالك و ماله و بناء على القول بوجوب الرد يجب عليه الرد اليه اذا طلبه منه و ليس له منعه منه لأنه غصب واضح نعم للمالك أن يطالبه بنقل المال الى بلد المعاملة كما ستعرف و أما اذا كان المال باقيا في بلد المعاملة و المالك سافر عنه الى بلد آخر فليس للمالك ان يطالب القابض بنقل المال اليه حتى بناء على القول بوجوب الرد.

و أما اذا انتقل المال عن بلد المعاملة و المالك باقيا فيه فله أن يطالب القابض بنقل المال الى بلد القبض و أما اذا كانا معا منتقلين عنها فللمالك أن يطالب القابض بنقل المال الى بلد المعاملة لا البلد الذي هو فيه.

و الوجه في جميع ذلك ان الواجب على القابض ارجاع السلطنة التي أزالها عن المالك اليه بما لها من الخصوصيات التي تتفاوت بها الرغبات و من الواضح ان اختلاف البلاد مما يختلف به قيمة الأموال و لا يجب على القابض ارجاع أزيد من ذلك فكون المال في بلد المعاملة من الخصوصيات التي أزال القابض سلطنة المالك عنها فيجب عليه ردّها اليه و ان توقف على مؤنة كثيرة أو قليلة دون غيره (فظهر بما بيناه) ان مؤنة الرد انما تكون على القابض فيما اذا توقفت التخلية بين المال و مالكه عليها لا الرد المصطلح.

حديث الخراج بالضمان

من جملة أحكام المقبوض بالعقد الفاسد ضمان المنافع المستوفاة و قد وقع الخلاف فيه بين الأصحاب و المعروف بينهم هو الضمان و نسب عدمه الى ابن حمزة في الوسيلة مستدلا عليه بقوله صلّى اللّه عليه و آله «الخراج بالضمان» فيقع الكلام في دليل الضمان فان لم يقع عليه دليل كفى في نفيه الأصل و لا وجه للتعرض لما استدل به ابن حمزة

من النبوي(1)

و فيه ص 80 عن مسلم بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ان رجلا اشترى عبدا في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و به عيب لم يعلم به فاستغله ثم علم العيب فرده فخاصمه الى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال يا رسول اللّه استغله منذ زمان فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: (الغلة بالضمان).

و في سنن ابن ماجة 31/2 المطبعة التازية كتاب البيع باب الخراج بالضمان بالاسناد عن مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ان رجلا اشترى عبدا فاستغله ثم وجد به عيبا فرده فقال يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انه قد استغل غلامي فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: (الخراج بالضمان).

و رواه الخطيب في تاريخ بغداد 298/8 ترجمة خالد بن مهران أبو الهيثم البلخي بالاسناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: (الخراج بالضمان).

و رواه ابن تيمية في منتقى الأخبار على هامش شرحه نيل الأوطار للشوكاني 181/5 كتاب البيع باب الكسب الحادث لا يمنع الرد بالعيب عن عائشة ان النبي صلّى اللّه عليه و آله قضى ان الخراج بالضمان (رواه الخمسة). قال و في رواية ان رجلا ابتاع غلاما فاستغله ثم وجد به عيبا فرده بالعيب فقال البايع غلة عبدي فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله: (الغلة بالضمان).

و في كتاب اختلاف الحديث للشافعي على هامش الجزء السابع من كتاب الام ص 332 باب المصراة الخراج بالضمان عن سعيد بن سالم عن ابن أبي ذيب عن مخلد بن خفاف عن عروة بن الزبير عن عائشة ان رسول اللّه قال الخراج بالضمان ثم قال اخبرنا مسلم عن هشام عن أبيه عن عائشة ان رسول اللّه قال: (الخراج بالضمان).

و في الرسالة للشافعي ص 448 رقم 1232 تحقيق أحمد محمد شاكر قال: أخبرنا من لا أتهمه عن ابن أبي ذيب عن مخلد بن خفاف قال ابتعت غلاما فاستغللته ثم ظهرت منه على عيب فخاصمت فيه الى عمر بن عبد العزيز فقضى لي برده و قضى علي برد غلته فأتيت عروة فأخبرته فقال: أروح اليه العشية فأخبره ان عائشة أخبرتني ان رسول اللّه قضى في مثل هذا ان الخراج بالضمان فعجلت الى عمر فأخبرته ما أخبرني به عروة عن عائشة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال عمر فما أيسر على من قضاء قضيته اللّه يعلم اني لم أرد فيه الا الحق فبلغتني فيه سنة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأرد قضاء عمر و انفذ قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فراح اليه عروة فقضى لي أن أخذ الخراج من الذي قضى علي به له.

و هذا الحديث رواه عن الشافعي بهذا الاسناد السبكي في اجوبة مسائله 21/2 تحت عنوان (خاتمة في نقض القضاء).

و رواه في كنز العمال 211/2 رقم 4571 باب خيار العيب عن أحمد و الحاكم و البيهقي عن عائشة (الخراج بالضمان).

و فيه رقم 4572 عن عائشة الغلة بالضمان.

و في الجامع الصغير للسيوطي 11/2 حرف الخاء عن عائشة (الخراج بالضمان) و في الدرر المنتثرة للسيوطي على هامش الفتاوى الحديثة لابن حجر/ 155 حديث الخراج بالضمان. رواه الأربعة عن عائشة و في الاشباه و النظائر للسيوطي ص 121 القاعدة الحادية عشر قال الخراج بالضمان حديث صحيح أخرجه الشافعي و أحمد و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابن حبان من حديث عائشة و في بعض طرقه ذكر السبب و هو ان رجلا ابتاع عبدا فأقام عنده ما شاء اللّه أن يقيم ثم وجد به عيبا فخاصمه الى النبي صلّى اللّه عليه و آله فرده عليه فقال الرجل يا رسول اللّه قد استعمل غلامي فقال الخراج بالضمان.

و ذكره عبد اللّه بن سليمان الجرهزي الشافعي في المواهب السنية على هامش الاشباه و النظائر للسيوطي ص 264 و عمدة ما عنده ان الشافعي و غيره خرجه ثم ذكر السبب المتقدم.

و قال ابن رشد المالكي في بداية المجتهد 165/2 فصل العيوب من كتاب البيع قوله صلّى اللّه عليه و آله: (الخراج بالضمان) أصل متفق عليه و أرسله ابن الديبع الشيباني في تيسير الوصول 78/1 الباب التاسع الرد بالعيب عن عائشة ثم قال خرجه أصحاب السنن.

رجال السند:

قال الترمذي في سننه حديث حسن صحيح و عده البغوي في مصابيح السنة من الحسان و صححه الحاكم في المستدرك و لم يتعقبه الذهبي في التخليص و قال الزبيدي في تاج العروس شرح القاموس 211/2 مادة خرج نقل الجلال في التخريج ان الترمذي و ابن حيان و الحاكم و ابن القطان و المنذري و الذهبي صححوه و اتخذه الأئمة المقلدون قاعدة من قواعد الشرع بنوا عليه فروعا واسعة.

و لكن ابن حزم لم يعبأ به فانه في (المحلى) 136/8 كتاب الاستحقاق و الغصب و الجنايات قال لا يصح حديث الخراج بالضمان لانفراد مخلد بن خفاف و مسلم بن خالد الزنجي به و فيه 81/9 رقم 1590 مسألة الرد بالعيب قال: و عهدنا بهم يصححون الخبر الفاسد الخراج بالضمان و يحتجون به في المغصوب و الجنايات ثم خالفوه ههنا.

و تنظر الذهبي في ميزان الاعتدال في رواية ابن أبي ذيب عن مخلد بن خفاف و في الجرح و التعديل لابن أبي حاتم الرازي 4 القسم الأول/ 347 مخلد بن خفاف الغفاري روى عن عروة بن الزبير و روى عنه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذيب سمعت أبي يقول لم يرو عنه غير ابن أبي ذيب و ليس هذا اسناد تقوم به الحجة يعني الحديث الذي يروي مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله ان الخراج بالضمان غير اني أقول: به لأنه أصلح من آراء الرجال.

و في تهذيب التهذيب لابن حجر 74/10 بعد أن ذكر ما عند ابن أبي حاتم و ان البخاري تنظر في حديث مخلد بن خفاف قال في سماع ابن أبي ذيب عن مخلد عندي نظر.

و قال الزبيدي في تاج العروس 211/2 ضعف البخاري حديث مخلد بن خفاف.

و أما السند الثاني لهذا الحديث الذي يرويه مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة و ان صححه الحاكم في المستدرك الا ان الذهبي في ميزان الاعتدال 165/3 طبعة مصر حكى اختلاف كلام ابن معين فيه فتارة يقول: لا بأس به و اخرى انه ثقة - و ثالثة انه ضعيف و عند الساجي كثير الغلط و يرمي بالقدر ثم ذكر الذهبي أحاديث عنه و عقبها بقوله: هذه الأحاديث و أمثالها لا تفيد قوة الرجل و يضعف.

و في تهذيب التهذيب 129/10 عن ابن سعدانة كثير الغلط و قال عثمان الدارمي ليس بذاك في الحديث و قال الساجي صدوق كثير الغلط و يرمي بالقدر و كان يحدث بالمناكير عن أبي هريرة و عن عكرمة مولى ابن عباس و ذكره ابن البرقي في باب من نسب الى الضعف ممن يكتب حديثه.

و في تاريخ البخاري 4 /القسم الأول/ 260 مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريح و عن هشام بن عروة منكر الحديث و أما هشام بن عروة و أبوه عروة بن الزبير فحدثا و أكثرا كما شاءت لهما الرغبة.

الخراج عند أهل اللغة:

في الصحاح مادة خرج و مقاييس اللغة لابن فارس 175/2 الخراج و الخرج الاتاوة و في الفائق للزمخشري 340/1 طبعة مصر كل ما خرج من شيء من نفعه فهو خراجه فخراج الشجر ثمره و خراج الحيوان نسله و دره و في المصباح مادة خرج الخراج و الخرج ما يحصل من غلة الأرض و لذلك اطلق على الجزية. و في المغرب للمطرزي مادة خرج الخراج ما يخرج من غلة الأرض أو الغلام و منه (الخراج بالضمان) أي الغلة بسبب ما ضمنته ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا فيقال: ادى خراج أرضه و أدى أهل الذمة خراج رؤوسهم يعني الجزية.

و في مفردات الراغب الخراج مختص في الغالب بالضريبة على الأرض و قيل للعبد يؤدي خرجه أي غلته و الرعية تؤدي الى الأمير الخراج و في (الأموال) لأبي عبيد القاسم بن سلام/ 73 الخراج في كلام العرب الكراء و الغلة ألا تراهم يسمون غلة الأرض و الدار و المملوك خراجا و منه حديث النبي صلّى اللّه عليه و آله انه قضى ان الخراج بالضمان ثم ذكر سند الحديث عن ابن أبي ذيب عن مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة ثم قال هو ان يشتري الرجل العبد فيستغله ثم يجد به عيبا كان عند البايع انه يرده بالعيب و تطيب له تلك الغلة بضمانه لأنه لو مات في يد مات من ماله.

و قال موهوب الجواليقي في شرح أدب الكاتب لابن قتيبة/ 74 بعد قوله (الخراج بالضمان) الخراج هو الغلة ثم حكى نص أبي عبيد المتقدم في معنى الحديث و قال هذا معنى قول شريح لرجلين احتكما اليه في مثل هذا فقال للمشتري رد الداء بدائه و لك الغلة بالضمان.

و في لسان العرب 52/3 دار الفكر بيروت قال الزجاج الخراج اسم لما يخرج و الخراج - غلة العبد و الامة و الخراج الاتاوة تؤخذ من أموال الناس ثم قال و الخراج الذي وظفه (عمر) على السواد و أرض الفيء معناه الغلة تؤخذ كل عام و لذلك يسمى خراجا و قيل للجزية التي ضربت على رؤوس أهل الذمة خراج لأنها كالغلة الواجبة عليهم و قال ابن الاعرابي الخرج على الرؤوس و الخراج على الأرضين و حكى في تاج العروس 30/2 مادة خرج عن الرافعي ان أصل الخراج ما يضربه السيد على عبده ضريبة يؤديها اليه فسمي الحاصل منه خراجا و قال القاضي الخراج اسم لما يخرج من الأرض ثم استعمل في منافع الأملاك كربع الأرضين و غلة العبد و الحيوانات.

و في مجمع البحرين للطريحي مادة خرج الخرج و الخراج بفتح العين فيهما ما يحصل من غلة الأرض و قيل يقع اسم الخراج على الضريبة و الفيء و الغلة و منه خراج العراقين.

و في نهاية ابن الأثير 321/1 طبعة مصر مادة خرج (الخراج بالضمان) يريد ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبدا كان أو امة أو ملكا و ذلك ان يشتريه فيستغله زمانا ثم يعثر على عيب قديم لم يطلعه البايع عليه أو لم يعرفه فله رد العين المبيعة و أخذ الثمن و يكون للمشتري ما استغله لأن المبيع لو تلف في يده لكان من ضمانه و لم يكن على البايع شيء و الباء في (بالضمان) متعلقة بمحذوف تقديره الخراج مستحق بسبب الضمان انتهى.

رأي الفقهاء

اختلف فقهاء أهل السنة في العمل بالحديث و بعمومه و عدمهما و اليك كلمات أرباب المذاهب ننقلها بنصها و لا يخفى ان البخاري و مسلما لم يخرجاه في صحيحهما لعدم الاعتماد عليه كما لم يستند اليه مالك في الموطأ 123/2 باب العيب في الرقيق من كتاب البيع و انما استند الى عمل أهل المدينة قال الرجل يشتري العبد فيواجره بالاجارة العظيمة أو الغلة القليلة ثم يجد به عيبا يرد منه انه يرده بذلك العيب و تكون له اجارته و غلته و هذا الأمر الذي عليه الجماعة ببلدنا و ذلك لو ان رجلا ابتاع عبدا فبنى له دارا قيمة بنائها يساوي ثمن العبد أضعافا ثم وجد به عيبا يرد منه رده و لا يحسب العبد عليه اجارة فيما عمل له فكذلك تكون له اجارته اذا آجره من غيره لأنه ضامن له و هذا الأمر عندنا.

و استدل له الزرقاني في شرحه على الموطأ 257/3 بما رواه أبو داود و غيره عن عائشة أن رجلا ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء اللّه ثم وجد به عيبا فخاصمه الى النبي صلّى اللّه عليه و آله فرده عليه فقال الرجل قد استغل غلامي قال صلّى اللّه عليه و آله (الخراج بالضمان).

• الشافعية:

و عمل بالحديث أبو اسحاق الشيرازي في المهذب 283/1 كتاب البيع باب اذا وجد العيب و قد زاد المبيع فيما اذا كانت الزيادة منفصلة كاكتساب العبد فانه يرد العبد و يمسك الكسب و استدل عليه بحديث الخراج بالضمان و قاس عليه غير مورد الحديث مثل اذا كانت الزيادة بهيمة ولدت عند المشتري أو أثمرت عنده أو كان المبيع جارية حملت عنده و ولدت أو جارية ثيبا و وطأها فانه يرد الجارية وحدها و لا شيء عليه.

و في الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر 252/2 كتاب البيع سئل عن هذا الحديث هل هو عام للملك و غيره من الغصب و السوم و الوديعة اذا تعدى عليها ام هو مختص بالملك كما هو مورد الحديث (و الجواب) ان الحديث له قصة أشار اليها السائل و كان معناه ان فوائد المبيع للمشتري في مقابلة ما كان في ضمانه.

و في مختصر المزني على هامش كتاب الام 186/2 باب التصرية استدل على انه اذا رد المصراة رد معها صاعا من تمر ثمنا للبن التصرية و لا يرد اللبن الحادث في ملكه لأن النبي صلّى اللّه عليه و آله قضى ان الخراج بالضمان. و لم يبد ابن حجر العسقلاني رأيه في الحديث و لا في معناه و لا من عمل به و انما ذكر في فتح الباري 251/4 حديث المصراة و ذكر الخلاف في تقديم حديث الخراج بالضمان عليه و عدمه.

الحنابلة:

في المغني لابن قدامة 144/4 كتاب البيع فصل ردّ المبيع قال اذا كان للمبيع المعيب زيادة منفصلة من غير عين المبيع كالكسب و الخدمة و الاجرة و ما يوهب له أو يوصى به له فكل ذلك للمشتري في مقابلة ضمانه لأن العبد لو هلك هلك من مال المشتري و هو معنى قوله صلّى اللّه عليه و آله (الخراج بالضمان) و لا نعلم في هذا خلافا ثم ذكر رواية أبي داود و ابن ماجة و الشافعي عن عائشة: الخراج بالضمان و في سنن أبي سعيد عن مسلم بهذا الاسناد و فيه (الغلة بالضمان).

ثم قال بهذا قال أبو حنيفة و مالك الشافعي و لا نعلم عن غيرهم خلافا و تعرض لمسائل لم يبتن فقهها على هذا الحديث.

الحنفية:

في فتح الغدير لابن همام 152/5 كتاب البيع باب خيار العيب.

بعد أن ذكر ان معاذا قال لأهل اليمن في قوله صلّى اللّه عليه و آله بيع المسلم المسلم دليل على ما كان سليما قال و يدل عليه قضاؤه بالرد فيه على ما في سنن أبي داود بسنده الى عائشة أن رجلا ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء اللّه أن يقيم ثم وجد به عيبا فخاصمه الى النبي صلّى اللّه عليه و آله فرده عليه فقال الرجل يا رسول اللّه قد استغل غلامي فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الخراج بالضمان و لم يذكر غير هذا الفرع و لا فروع المسألة و ظاهره صحة حديث (الخراج) عنده.

و مثله العيني في عمدة القاري شرح البخاري 510/5 في مسألة التصرية قال يرد حديث التصرية حديث الخراج بالضمان فان المراد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبدا كان أو امة أو ملكا و ذلك بأن يشتريه فيستغله زمانا ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البايع عليه أو لم يعرفه فله رد العين المبيعة و أخذ الثمن و للمشتري ما استعمله لأن المبيع لو تلف في يده لكان من ضمانه و لم يكن له على البايع شيء انتهى.

المالكية:

في كتاب الاحوذي شرح سنن الترمذي للقاضي ابن العربي الاندلسي 28/6 كتاب البيع باب الخراج بالضمان قال هذا حديث مجمع على معناه في الجملة و ان نفاه البخاري و الخراج في العربية عبارة عن كل خارج من شيء موضوع فائدة طرأت على آخره و يقول كثير من أهلها انه مخصوص بالغلات و الأمر كما ذكرته لكم و موضع الاجماع فيه ان الرجل اذا ابتاع بيعا فاستغله أو استخدمه ثم طرأ فسخ على بيعه فان له ما استغل و ما استخدم فما كان له ضامنا من الأصل لو طرأ عليه تلف فاذا نتجت الغنم أو ولدت الماشية عند المشتري أو اغتلها فلا يرد شيء من ذلك عند الشافعي و قال مالك يرد الأولاد خاصة و قال أهل الرأي يرد الدار و الدابة و العبد و له الغلة و قالوا في الماشية و الشجر اذا أخذ غلتها ليس له ان يرد بالعيب لكنه يأخذ الأرش و قال أبو حنيفة يأخذ ذلك كله و يرد بالعيب الى أن قال و أما الغاصب فاختلف الناس فيه فمنهم من حمله على الملك و جعل له الخراج بالضمان و منهم من قطعه عنه و حكم برد كل ما اغتل و الحق لا يلحق عاص بمطيع و لا ظالم بعادل و لا حجة في عموم الحديث لأنه ليس من قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و انما هو أخبار عن قضية في عين فلا ترى حقيقة الحال فيها فاذا حصلت صورة بالاجماع فلا تدخل اخرى الا بالنظر و لا نظر يلحق العاصي بالمطيع انتهى.

رأي الشوكاني:

في نيل الأوطار 181/5 باب الكسب الحادث لا يمنع الرد بالعيب قال ظاهر الحديث عدم الفرق بين الفوائد الأصلية و الفرعية و الى ذلك ذهب الشافعي و فصل مالك فقال يستحق المشتري الصوف و الشعر دون الولد و فرق أهل الرأي و الهادوية بين الفوائد الفرعية و الأصلية فقالوا يستحق المشتري الفرعية كالكراء دون الأصلية كالولد و الثمر و هذا الخلاف مع انفصال - الفوائد عن المبيع و أما اذا كانت متصلة وقت الرد وجب ردها بالاجماع و مال الجمهور الى ان هذا الحكم مختص بمن له ملك في العين التي انتفع بخراجها كالمشتري الذي هو سبب ورود الحديث و قالت الحنفية ان الغاصب كالمشتري قياسا و لا يخفى ما في هذا القياس لأن الملك فارق يمنع الالحاق و الأولى ان يقال ان الغاصب داخل تحت عموم اللفظ و لا عبرة بخصوص السبب كما تقرر في الأصول انتهى.

ابن القيم:

في الموقعين لابن القيم الجوزية 367/1 الخراج في هذا الحديث هو الغلة مثل كسب العبد و اجرة الدابة دون الولد و اللبن انتهى.

عند الشيعة:

ممن عمل بالحديث من علماء الامامية أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قال في الخلاف/ 211 رقم 176 طبع الحجر بايران اذا اشترى جارية حاملا فولدت في ملك المشتري عبدا مملوكا ثم وجد بالام عيبا فانه يرد الام دون الولد و للشافعي فيه قولان أحدهما مثل ما قلناه و الثاني له ان يردهما معا لأنه لا يجوز ان يفرق بين الام و الولد فيما دون سبع سنين و الأول أصح عندهم دليلنا عموم قوله صلّى اللّه عليه و آله (الخراج بالضمان).

و قال في المبسوط بعد الفراغ من بيع المصراة فصل في أن الخراج بالضمان اذا كان لرجل مال فيه عيب فأراد بيعه وجب عليه ان يبين للمشتري عيبه و لا يكتمه أو يتبرأ اليه من العيوب و الأول أحوط و ان لم يبينه و اشتراه انسان فوجد به عيبا كان المشتري بالخيار ان شاء رضي و ان شاء رده بالعيب و استرجع الثمن فان اختار فسخ البيع ورد المبيع نظر فان لم يكن حصل من جهة المبيع نماء رده و استرجع ثمنه و ان كان قد حصل نماء و فائدة فلا يخلو من ان يكون كسبا من جهته أو نتاجا و ثمرة فان كان كسبا مثل أن يكتسب بعمله أو تجارته أو يوهب له أو يصطاد شيئا أو يحتطب أو يحتش فانه يرد المعيب و لا يرد الكسب بلا خلاف لقوله صلّى اللّه عليه و آله (الخراج بالضمان) فالخراج اسم للغلة و الفائدة التي تحصل من جهة المبيع (الى أن قال) و قوله صلّى اللّه عليه و آله الخراج بالضمان معناه ان الخراج أن يكون المال يتلف من ملكه و لما كان المبيع يتلف من ملك المشتري لأن الضمان انتقل اليه بالقبض كان الخراج له انتهى.

و في المختلف للعلامة الحلي 123/2 آخر الفصل التاسع من كتاب التجارة في مسألة البيع الفاسد اذا انتفع به المبتاع و لم يعلما بفساده و استرد البايع المبيع لا يسترد ثمن ما انتفع به و استرد الولد ان حملت به امه عنده و ولدت لأنه لو تلف لكان من ماله و قوله عليه السّلام الخراج بالضمان محمول على الصحيح و الا لكان الغاصب مالكا انتهى.

و في الجواهر المسألة الرابعة من أحكام الخيار و هي ملك المشتري المبيع الخياري بالعقد و انقضاء الخيار و استدل على ذلك بامور منها النبوي الخراج بالضمان الذي معناه ان الربح في مقابلة الخسران فان الخراج اسم للفائدة الحاصلة في المبيع و المراد انها للمشتري كما ان الضرر الحاصل بالتلف عليه فهو دال على المطلوب و ان كان مورد الحديث خيار العيب انتهى.

هذا ما تيس لي عاجلا في هذا الحديث. (عبد الرزاق الموسوي المقرم).

و ان قام عليه الدليل لا بد من البحث عن وجود ما يعارضه و عدمه

1) الكلام في الحديث أولا فيمن رواه و ثانيا في رجال سنده و ثالثا فيما عليه أهل اللغة و رابعا من عمل به من فقهاء الاسلام أما الأول فرواه الترمذي في سننه على هامش شرحه الأحوذي للقاضي ابن العربي المالكي 285/5 كتاب البيع باب شراء العبد و استغلاله ثم يجد به عيبا بالاسناد عن أبي عامر العقد عن ابن أبي ذيب عن مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قضى الخراج بالضمان و رواه النسائي في سننه 215/2 كتاب البيع باب الخراج بالضمان و رواه ابو داود في سننه 284/3 رقم 3508 كتاب البيع باب من اشترى عبدا فاستغله ثم وجد به عيبا و رواه البيهقي في سننه الكبرى 321/5 كتاب البيع باب المشتري يجد فيما اشتراه عيبا و قد استغله زمانا و رواه البغوي في مصابيح السنة 10/2 كتاب البيع باب المنهي عنه من البيوع و رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ص 206 الجزء السادس طبع حيدرآباد و رواه الحاكم في المستدرك 15/2 كتاب البيع و رواه أحمد في المسند 208/6 الطبع الأول عن ابن أبي ذيب عن مخلد بن خفاف بن رحضة الغفاري عن عروة عن عائشة قالت: قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ان خراج العبد بضمانه و كانوا اختصموا في عبد اشتراه رجل فوجد به عيبا.

فنقول قد استدل على ضمان المنافع مطلقا بوجوه:

«منها»: قوله صلّى اللّه عليه و آله على اليد ما أخذت حتى تؤدي فان المنافع تقع تحت اليد كالأعيان (و فيه) مضافا الى ضعف السند أن ذيله قرينة على اختصاصه بالأعيان دون المنافع التي ليست منها فانها غى قابلة للأداء بأنفسها و ظاهر الغاية ذلك.

و «منها»: ما ورد في احترام مال المسلم و انه كحرمة دمه (و فيه) ان غاية مدلوله حرمة التصرف فيه تكليفا و لا يستفاد منه الضمان بعد التلف.

و «منها»: قوله عليه السّلام لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه فان المنافع من الأموال (و فيه) ان غاية ما يستفاد منه انما هو المنع عن التصرف في مال الغير تكليفا لا الضمان فالعمدة في المقام وجهان:

(أحدهما): السيرة العقلائية بضميمة عدم الردع عنها على ضمان المنافع المستوفاة كنفس الأعيان و قد تمسكنا بهذه السيرة في قاعدة (ما يضمن بصحيحه).

(ثانيهما): قاعدة من أتلف مال الغير فهو له ضامن فان الاتلاف هو الاعدام فيعم ما اذا كان بالاستيفاء أو بغيره.

و لا يخفى ان السيد قدّس سرّه في الحاشية و ان ذهب الى كونها رواية نبوية الا انه لم

يظهر لنا ذلك بل الظاهر كونها من كلام الفقهاء مستفادة مما ورد في الموارد المختلفة كما استفيد تنجيس ما يلاقي النجس مما ورد في الموارد المختلفة و استظهر كونها من باب المثال لا لخصوصية فيها (و كيف كان) يمكن التمسك بهذين الوجهين لاثبات الضمان في المقام و لا يعارضها ما استند اليه ابن حمزة من قوله صلّى اللّه عليه و آله (الخراج بالضمان) (اولا) لضعف سنده و لم يعلم استناد المشهور اليه (و ثانيا) لقصور دلالته فان المحتمل فيه وجوه:

(منها): و هو الأظهر و ان لم أجد من ذكره ان يراد بالخراج خصوص ما يقابل المقاسمة دون مطلق المنافع و المعنى ان خراج الأراضي الخراجية يكون بسبب الضمان و تقبلها من السلطان العادل أو الجائر فاذا ضمن أحد شيئا يكون هو المطالب بخراجها و ان انتفع بها شخص آخر (و عليه) يكون أجنبيا عمّا نحن فيه.

و (منها): أن يراد بالخراج مطلق المنافع و حينئذ يحتمل أن يراد بالضمان مطلق الضمان سواء كان اختياريا أو غير اختياري و على هذا الاحتمال يتم ما أفتى به أبو حنيفة من عدم ضمان الغاصب لما استوفاه من منافع العين المغصوبة و لا يلتزم به (ابن حمزة) و لا غيره.

و (منها): أن يراد به خصوص الضمان الاختياري الثابت بالالتزام اذا كان ممضى شرعا و قد اختاره العلامة رحمه اللّه و غيره فيكون المعنى من تقبل العين بعقد صحيح يملك منافعها بالتبع (و عليه) يكون أجنبيا عما نحن فيه.

و (منها): أن يراد بالضمان خصوص الاختياري لكن أعم من كونه ممضى شرعا، و على هذا يتم استدلال ابن حمزة و انى له باثباته مع كونه مرجوحا بل هو مقطوع البطلان لأن لازمه أن يكون البايع ضامنا للمشتري منافع المبيع بالبيع الفاسد

قوله رحمه اللّه: و أما المنفعة الفائتة بغير استيفاء... [1]

اذا لم يسلمه اليه و هكذا اذا غصبه منه شخص ثالث لا بد أن يكون ضامنا لمنافعه للمشتري دون البايع و لا يمكن الالتزام بشيء من ذلك.

[1] لا يخفى انا لو بنينا على عدم الضمان في المنافع المستوفاة فلا مجال للبحث عنه في غير المستوفاة لانتفاء الضمان فيها بطريق أولى و أما لو بنينا على ثبوته في المستوفاة فيقع البحث في المنافع التي لم يستوفها القابض التالفة تحت يده و قد وقع الخلاف بين الأصحاب و الأقوال ثلاثة الضمان مطلقا و عدمه كذلك و التفصيل بين علم البايع و جهله بالفساد و أما التوقف مطلقا أو في فرض علم البايع فهو بمعنى عدم العلم فلا ينبغي عده قولا في المسألة.

ثم القول بالتفصيل لا وجه له بعد القول بالضمان على الاطلاق في المنافع المستوفاة فان التفصيل انما هو من جهة ان المالك في فرض علمه بالفساد هو الذي سلط القابض على ماله و اذن له في التصرف فلا ضمان و هذا الوجه جار في المنافع المستوفاة أيضا و لم يفصل فيها.

(فالعمدة) القولان الأولان ثم ان عبارة المصنف رحمه اللّه في المقام مشوشة فانه في صدر كلامه نفى الضمان و في وسطه ذكر ان للتوقف مجالا و في ذيله قوى ثبوته و قبل التعرض لبيان ما هو الصحيح من الأقوال نتعرض لحكم المنافع غير المستوفاة في المغصوب.

(فنقول) قد تكون المنفعة الغير المستوفاة منفعة شأنية بمعنى ان المالك لم يكن يستوفها و لو كانت العين تحت يده كما اذا فرضنا ان المالك من الأغنياء يملك أعيانا كثيرة من أراض و بساتين و سيارات و غيرها و فرضنا انه لا ينتفع بها الا في وقت خاص مع كونها قابلة للانتفاع فاذا غصبها أحد لا يضمن له تلك المنافع لأنه لم

يتلفها و لم يستوفها فاذا لم تكن مضمونة في الغصب لا تكون مضمونة في المقبوض بالعقد الفاسد بطريق أولى.

و قد تكون منفعة فعلية بحيث كان المالك يستوفها لو لا الغصب و لا اشكال في ضمان الغاصب لها لأنه أتلفها على المالك و ان لم يستوفها فهذا القسم من المنافع هل يكون مضمونا على القابض في العقد الفاسد؟ الظاهر هو العدم لعدم جريان الوجهين المذكورين في ضمان المنافع المستوفاة هنا.

اما قاعدة من أتلف فلأن القابض لم يتلف المنفعة على المالك و لم يمنعه من التصرف في ماله و لم يزاحمه كما هو المفروض كما انه لم يستوفها ليقال ان الاستيفاء في حكم الاتلاف.

و أما السيرة فلعدم ثبوت قيامها على الضمان لمجرد تلف المنفعة تحت يد القابض من دون استناد اليه (و أما الوجوه المذكورة في المتن) فلا يتم شيء منها. أما حديث على اليد فلأمرين (أحدهما) ما في المتن من عدم صدق عنوان أخذ المال على الاستيلاء على المنافع (ثانيهما) ما تقدم من ان ظاهر قوله عليه السّلام (حتى تؤدي) أداء نفس ما أخذ و ليست المنافع قابلة للأداء بنفسها.

و أما دليل احترام مال المسلم فلا يستفاد منه الا توقف جواز التصرف فيه على اذن المالك.

و أما حديث (لا يحل) فقد عرفت كونه ظاهرا في حرمة الأفعال المتعلقة بمال الغير بدون طيب نفسه أو خصوص أكله بمعنى تملكه كما هو مفاد الآية المباركة أو مطلق التصرف فيه.

فلم يبق الا الاجماع المنقول في السرائر و غيره و ليس بحجة كما بين في محله

قوله رحمه اللّه: اذا تلف المبيع فان كان مثليا وجب مثله [1]

مضافا الى قصور دلالته فان المنقول هو الاتفاق على ان المقبوض بالعقد الفاسد يكون في حكم المغصوب و من الواضح انه ليس بمنزلته في جميع الأحكام مثلا الامة المغصوبة اذا وطأها الغاصب فأولدها لا يلحق الولد بالواطي لأنه زان و لا يجري هذا الحكم فيما اذا كانت مقبوضة بالعقد الفاسد (فالظاهر) ان مورد الاتفاق انما هو كونه بمنزلة المغصوب في وجوب رد العين دون بقية الأحكام و بالجملة لم نعثر على ما يدل على ضمان المنافع الغير المستوفاة في المقام.

الضمان بالمثل و القيمة

اشارة

[1] المعروف بين الأصحاب ان المغصوب و ما في حكمه ان كان مثليا يضمن بمثله و ان كان قيميا يضمن بقيمته اذا تلف و لم ينسب الخلاف فيه الا الى الاسكافي فانه ذهب الى ثبوت الضمان بالقيمة حتى في المثلي على ما هو ظاهر ما حكاه المصنف رحمه اللّه في صدر المسألة الا ان ما حكاه عنه في الأمر السابع في ضمان القيمي بالقيمة ينافي ذلك فان المنقول هنا عدم التزامه بوجوب دفع القيمة في القيمي و هو مقطوع الفساد لأن لازمه القول بوجوب القيمة في المثلي و المثل في القيمي و لعل في المحكي سقط و على كل فلم تظهر لنا فتوى الاسكافي و المهم بيان الدليل.

و تفصيل الكلام في ذلك يقع في مقامين (احداهما) في الكبرى و (ثانيهما) في الصغرى.

(أما الكبرى) فقد استدل على اثباتها بوجوه كلها مخدوشة:

(منها): قوله عليه السّلام على اليد ما أخذت حتى تؤدي.

(و فيه) ان غاية مدلوله اثبات أصل الضمان و وجوب رد العين اذا كانت باقية و أما التفصيل بين المثلي و القيمي فلا. مضافا الى ضعف سنده كما تقدم.

و (منها): ما ورد من ان حرمة مال المسلم كحرمة دمه و ما ورد من انه لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه.

(و فيه) ان المستفاد منه ليس الا الحكم التكليفي و عدم جواز التصرف في مال أحد الا بأذنه و طيب نفسه.

و (منها): ما ورد من الحكم بالضمان في الموارد الخاصة.

(و فيه) انه لم يذكر الضمان بالمثل في شيء من ذلك بل في بعضها صرح بوجوب دفع القيمة.

و (منها): قوله «تعالى» فَمَنِ اِعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ‌ و فيه ان الآية كانت مختصة بمورد نزولها فهي أجنبية عما نحن فيه و ان كانت مطلقة كما هو الظاهر فغاية مفادها اختصاص حرمة الاعتداء بالابتدائي و جواز الاعتداء اذا كان في مقابل الاعتداء و اعتبار المماثلة في ذلك من حيث نفس الاعتداء و المعتدى به و أما ضمان المثلي بالمثل فلا يستفاد من الآية.

و (منها): الاجماع و فيه منع خصوصا مع اختلافهم في تعيين المثلي و لو تنزلنا عن ذلك و اقتصرنا في مورده على القدر المتيقن فنقطع بعدم كونه اجماعا تعبديا لاحتمال اعتماد المجمعين على الوجوه المذكورة أو غيرها.

فينحصر المدرك لهذه الكبرى بقيام السيرة العقلائية عليها فان من أتلف مال الغير يغرمونه بالمثل اذا كان مثليا كالدينار لا بقيمته و لعله من هذه الجهة لا نرى تعرضا لبيان المثلي و انه يضمن بالمثل.

(و أما الصغرى) فقد عرف المثلي بامور كلها شرح الاسم و لا يبعد رجوعها الى وجه واحد:

(منها): ما حكي عن جمع كما في المتن من انه ما يتساوى اجزاؤه من حيث القيمة و الظاهر ان مرادهم بالاجزاء هو الافراد و انما عبروا بالاجزاء من باب فرض مجموع الافراد شيئا واحدا و الافراد بمنزلة اجزائه فالمعنى ان المثلي ما تساوت افراده من حيث القيمة مثلا الحنطة اذا كان (المن) منها بدرهم (فالمن) الآخر منها يقوم بدرهم بخلاف القيمي فان افراده مختلفة القيمة (كالفيروزج).

و لكن المصنف رحمه اللّه قرر الاجزاء على ظاهره و فسر التعريف بوجه آخر حيث قال (بمعنى كون قيمة كل بعض الخ) و حاصله ان يكون قيمة كل بعض من اجزاء الحقيقة الواحدة مساوية للبعض الآخر بحسب نسبته اليه من حيث الكمية فتأمل.

و هو غير تام اذ لا اشكال في اختلاف قيمة الأشياء باختلاف كميتها من حيث الزيادة و النقصان فان (المن) من الحنطة اذا قوم بست دراهم (فالحقة) منها لا تقوم بدرهم واحد مع ان الحقة سدس (المن) بل تقوم بأكثر من درهم فالصحيح فيى تفسيره ما ذكرناه و اليه يرجع ما حكاه المصنف رحمه اللّه عن (السرائر) انه ما تماثلت اجزاؤه و تفاوتت صفاته و ما حكاه عن الدروس و الروضة و غيرها.

(توضيح ذلك): انه لا ريب في اختلاف الموجودات من حيث الخصوصيات بل لا يوجد في الخارج موجودان متساويان في جميع الخصوصيات و قد برهن على ذلك بأنه لا تكرار في التجلي الا ان خصوصيات الافراد مختلفة.

فان منها ما لا دخل لها في تفاوت رغبات الناس فيها و اختلاف ماليتها و مثلها لا يكون ميزانا للمثلي و القيمي و لذا لا يجب على الغاصب و من بحكمه ردها على مالكها اذا تلفت و لو أمكن ذلك باعجاز و نحوه نعم يجب ردها ما دامت موجودة.

و منها ما تكون دخيلة في ذلك و بها ميزان المثلية و القيمية فان أفراد الصنف

الواحد أو النوع الواحد اذا كانت متساوية في تلك الخصوصيات كان ذلك النوع أو الصنف مثليا و اذا كانت مختلفة كان قيميا و المراد بالتساوي هو التقارب فان احراز التساوي الحقيقي متعسر أو متعذر مثلا (الأرز) من المزرعة الواحدة تكون أفراده متقاربة من حيث تلك الخصوصيات الدخلية في الرغبات من الطعم و الرائحة و نحوها فهو مثلي و ان كانت أفراده مختلفة من الخصوصيات الاخر و هكذا الدراهم و الدنانير المصنوعة (بالمكاين) و كذا الأقمشة المصنوعة بها دون المصنوعة باليد و الجوهر كالياقوت لا يتساوى أفراده من تلك الجهات بل على ما يقال لا يوجد فردان منه متساويين فيها و إن كانا متساويين من حيث القيمة لوجود بعض الصفات في أحدهما و بعض الصفات في الاخر فهو قيمي و هذا هو الضابط الصحيح للمثلي و القيمي و عليه لا يبقى مورد يشك في كونه قيميا و مثليا.

ثم لو فرض الشك في مورد فهل يتعين دفع القيمة أو يتخير الضامن أو المضمون له أو الرجوع الى الأصل العملي أو الى القرعة وجوه:

(أما تعيين دفع القيمة) فهو مبني على كون المقام من قبيل الأقل و الأكثر بتخيل ان رد المالية واجبة على الضامن قطعا و يشك في وجوب رد الخصوصيات المثلية أعني الأوصاف و الأصل عدمه.

(و فيه) انه مبتن على ان يراد بالقيمة المعتبرة ردها في القيميات المالية المشتركة بين جميع الأموال و ليس كذلك بداهة عدم كفاية رد مالية القيمي التالف في ضمن جنس آخر مثلا اذا كان التالف (حديدا) لا يجوز رد ماليته في ضمن الدهن أو الجبن بل المراد بالقيمة ما هو متمحض في المالية و هو الدرهم و الدينار و لذا تكون خصوصياتهما الشخصية ملغاة عند العقلاء (و عليه) فيدور الأمر في المقام بين

متباينين أعني المثل أو الدرهم و الدينار لا الأقل و الأكثر.

(و أما تخيير الضامن) فهو مبني على كون المورد من قبيل المتباينين و لكن بما ان الموافقة القطعية بدفع المثل و القيمة معا ضرر على الضامن أو مخالف للاجماع فهي ليست بواجبة فيكتفي بالموافقة الاحتمالية و هي حاصلة بأداء كل من المثل أو القيمة فالضامن مخير في دفع أي منهما شاء.

(و أما تخيير المالك) فهو أيضا مبني على ذلك لكن بدعوى ان الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني و هو يحصل بالتراضي مع المالك و دفع ما اختاره.

(و فيه) ان تخيير الضامن بعد عدم وجوب الموافقة القطعية لأحد الوجهين المذكورين انما يتم لو كان الأمر منحصرا بالموافقة الاحتمالية و ليس كذلك لاحتمال وجوب الرجوع الى ما يقتضيه الأصل أو القرعة التي هي لكل أمر مشكل.

و هكذا في تخيير المالك فانه لا وجه لالزام المالك الضامن بخصوص المثل أو القيمة اذا لم يتراضيا عليه و مجرد كون الاشتغال اليقيني مقتضيا للفراغ اليقيني لا يصحح ذلك بل يرجع في أمثال المقام الى القرعة كما في موارد التنازع أو فيما اذا علم أحد بالاقتراض من زيد و لم يعلم ان ما اقترضه كان درهما أو عرضا فانه بعد عدم وجوب دفع كليهما عليه يتعين أحدهما بالقرعة.

(و يمكن القول) بتعين المثل لأن مقتضى على اليد أو السيرة العقلائية استقرار ضمان الطبيعي و الصفات و الخصوصيات الشخصية على ذمة الضامن لاستيلائه على جميعها فيجب ردها أجمع اذا كانت العين باقية و أمكن ردها و اذا تعذر رد الخصوصيات وجب رد الطبيعي أعني المالية و الأوصاف و يكون ذلك برد المثل و اذا تعذر رد الأوصاف أيضا اقتصر على رد المالية المحضة.

قوله رحمه اللّه: فلو فرض نقصان المثل عن التالف من حيث القيمة... [1]

(و بعبارة اخرى) مقتضى السيرة و حديث على اليد وجوب أداء الأوصاف التي استولى عليها الضامن الا فيما قام الدليل على عدم وجوب ردها و هو ما اذا كان التالف قيميا فما لم يثبت ذلك يجب فيه رد الأوصاف بأداء المثل.

(و بالجملة) دوران الأمر بين تخيير المالك أو الضامن مبني على كون المقام من قبيل المتباينين بأن يتردد ما استقر على ذمة الضامن بين المثل و القيمة و ليس كذلك فان الضمان لغة بمعنى الاشتمال و انما يطلق في المقام باعتبار اشتمال الذمة على نفس العين و استقرارها فيه مطلقا بما لها من الخصوصيات الشخصية و الأوصاف النوعية فاذا أمكن أداءها برد العين وجب و الا فيجب رد الأوصاف النوعية الا فيما أحرز عدم وجوبها فليس أمر الضمان دائرا بين متباينين لتصل النوبة الى التخيير.

(و لو تنزلنا) عن ذلك فالمرجع هو القرعة فانها لكل أمر مشكل و لا وجه للقول بسلطنة الضامن على الزام المالك بقبول خصوص المثل أو القيمة اكتفاء بالموافقة الاحتمالية أو العكس تحصيلا للفراغ اليقيني فان كل ذلك يحتاج الى دليل.

(فان قلت) اذا توقف تحصيل العلم بفراغ ذمة الضامن على جعل الاختيار بيد المالك وجب ذلك بحكم العقل من دون التماس دليل آخر.

(قلت) نعم إلاّ ان الضامن ربما يكون مجنونا أو صغيرا لا يجب عليه تفريغ الذمة فيبقى جهة الكلام فيما ثبت في ذمته مع القطع بعدم الفرق بينهما و بين غيرهما و لا يمكن حينئذ جعل الاختيار بيد المالك لأنه على خلاف مصلحة القاصر.

و يجري ما ذكرناه من الرجوع الى القرعة في كثير من موارد اختلاف المتبايعين في الثمن أو المثمن و اختلاف الزوجين في المهر الى غير ذلك.

[1] الظاهر تعيين رد المثل و لو نقص قيمته و لا ينتقل الى القيمة و ذلك لأن نقصان

قوله رحمه اللّه: مع سقوط المثل في زمان الدفع عن المالية... [1]

المالية لا يكون مضمونا على الغاصب و من بحكمه و لذا لو فرضنا تاجرا صنع شيئا أوجب نقص مالية أموال تاجر آخر لا يكون ضامنا لنقص المالية بل لو سقطت به عن المالية لا يكون ضامنا فالمضمون ليس الا المال لا المالية و عليه فالواجب على الضامن رد المال الذي أخذه و ان نقصت ماليته و لا يقاس بما اذا سقط المثل عن المالية رأسا (و يؤيده) ما ورد فيمن اقترض دراهم فأسقط رواجها السلطان و روج غيرها فان عليه الدراهم الأولى(1)

و رواه في الوسائل 607/2 باب 19 في أحكام الصرف طبع عين الدولة.

و رواه في الكافي على هامش مرآة العقول 430/3 آخر باب الصرف. (المقرم الموسوي).

.

و توهم سقوطها بذلك عن المالية رأسا فاسد فان الدراهم المتعارفة في تلك الاعصار لم تكن من القرطاس و انما كانت من الذهب و الفضة فكان لموادها مالية فلم يكن اسقاط السلطان لها موجبا لزوال ماليتها رأسا و انما كان موجبا لنقصانها في المالية.

[1] لو فرض سقوط المثل عن المالية حين الأداء كما في الدنانير الرائجة في عصرنا اذا أسقطها السلطان فهل ينتقل الضمان الى القيمة أو يكتفى برد المثل‌؟ الظاهر الانتقال الى القيمة في الفرض لأن مقتضى السيرة و حديث على اليد لزوم رد


1) في التهذيب 150/2 باب بيع الواحد بالاثنين و ما يجوز منه و ما لا يجوز و في الاستبصار 100/3 طبع النجف عن محمد بن عيسى عن يونس قال كتبت الى أبي الحسن الرضا عليه السّلام انه كان لي على رجل دراهم و ان السلطان أسقط تلك الدراهم و جاء بدراهم أغلا من تلك الدراهم الاولى و لها اليوم وضيعة فأي شيء لي عليه التي أسقطها السلطان أو الدرهم التي أجازها السلطان فكتب عليه السّلام الدراهم الاولى.

قوله رحمه اللّه: و هذا يقتضي اعتبار المثل حتى في القيميات... [1]

قوله رحمه اللّه: لو لم يوجد المثل الا بأكثر من ثمن المثل... [2]

المال المأخوذ فاذا فرضنا سقوطه عن المالية لم يصدق على رده أداء المال الذي استولى عليه و قد مثل له المصنف رحمه اللّه بما اذا كان زوال المالية من جهة اختلاف الزمان كالثلج في الصيف و الشتاء أو المكان كالماء على النهر أو في البر الذي لا يوجد فيه الماء.

[1] اذا فرضنا في القيمي تمكن الضامن من رد مثله بأن كان مالكا لما يساوي التالف من حيث الصفات اما خارجا و اما في ذمة المضمون له فهل يجب على الضامن حينئذ دفع المثل في الأول و يحكم بالتهاتر في الثاني أو يبقى التالف على قيمته فيجب أداء قيمته‌؟

(الظاهر) هو الأول لما ذكرناه من ان مقتضى القاعدة وجوب رد الصفات النوعية الا اذا قام الدليل على عدم وجوبه و ليس في البين اطلاق يقتضي عدم وجوب ردها في القيميات مطلقا حتى في مثل الفرض و ان صرح برد القيمة في بعض أخبار الضمان فلابد من الاقتصار في ذلك على المتيقن و هو صورة عدم تمكن الضامن من رد المثل.

[2] قد عرفت انتقال العين الى عهدة الضامن بمجرد استيلائه عليها بما لها من الخصوصيات الشخصية و النوعية فاذا أمكن رد الخصوصيات الشخصية بأن كانت العين باقية وجب و اما اذا تلفت و امتنع ردها بنفسها و ببدلها فلا محالة من رد الأوصاف النوعية برد المثل و هو الكلي المشتمل على تلك الصفات فاذا تعذر ذلك أيضا وجب رد القيمة المجردة.

(و عليه) اذا فرضنا أن المثل لا يوجد الا بأكثر من ثمنه فله صورتان الاولى أن

قوله رحمه اللّه: لو تعذر المثل في المثلي... [1]

تكون الزيادة من جهة ارتفاع القيمة السوقية و الثانية أن تكون الزيادة من جهة انحصار البايع بمن لا يرضى ببيعه الا بأكثر من قيمته عنادا أو لغير ذلك و حينئذ ففي لحوقه بأعواز المثل و صيرورته قيميا حكما في الصورتين أو بقائه على مثليته كذلك أو التفصيل بينهما بالالتزام بوجوب رد المثل في الاولى و القيمة في الثانية وجوه:

أما عدم وجوب رد المثل مطلقا فلأنه ضرري يرفع بحديث لا ضرر.

و أما وجوب المثل مطلقا فوجهه ان الضامن هو الذي أقدم على ضرر نفسه باستيلائه على العين فلا يكون موردا لقاعدة نفي الضرر.

و أما التفصيل فالوجه تضرر الضامن في الصورة الاولى برد المثل لأنه لا يدفع الى المالك الا ما اشتغلت به ذمته و تفاوت الامور الاعتبارية من زيادة المالية أو نقصانها لا يكون ضررا عليه و هذا نظير ما اذا كانت العين بنفسها باقية و ارتفعت قيمتها السوقية فهل يتوهم انتقالها الى القيمة لكون ردها ضرريا و أما في الصورة الثانية فرد المثل مستلزم لتضرره بأكثر مما ثبت في عهدته فيعمه القاعدة.

(و بعبارة اخرى) نفس الحكم بالضمان ضرري بطبعه فكلما لم يكن أداء المثل متوقفا إلاّ على مقدار من الضرر يستدعيه طبع الضمان كما في الصورة الاولى لا يرتفع وجوبه بحديث (لا ضرر) و اما اذا استلزم ضررا زائدا على ما كان يقتضيه الضمان فيعمه دليل نفي الضمان كما في الصورة الثانية فينتقل الى القيمة.

[1] لابد في فرض اعواز المثل من التكلم في جهتين:

(احداهما) من حيث الزام الضامن المالك بقبول القيمة.

(ثانيتهما) في ان المالك له ان يلزم الضامن بدفع القيمة أم لا.

أما الجهة الاولى فالظاهر ان الضامن ليس له حق الزام المالك بالقيمة بل للمالك

قوله رحمه اللّه: ان العبرة في قيمة المثل... [1]

قوله رحمه اللّه: بما اذا طرأ تعذر المثل... [2]

أن يمتنع من قبولها و ينتظر زوال العذر لأن الأوصاف النوعية كما ذكرنا ثابتة في عهدته و لا تسقط في الفرض إلا برضى المالك.

أما الجهة الثانية فلا ينبغي الريب في ان المالك له الزام الضامن بدفع القيمة لأن الأوصاف النوعية من حقوق المالك على الضامن و له رفع اليد عن حقه و اسقاطه بقبول غيره بدلا عنه كما ان المبيع اذا كان مشتملا على أوصاف فللمشتري رفع اليد عنها و رضاه بالمبيع الفاقد لها و السيرة العقلائية تساعد ما ذكرناه فانهم يلزمون الضامن بدفع القيمة عند اعواز المثل اذا طالب بها المالك.

[1] الأقوال في المقام خمسة على ما ذكره العلامة في القواعد و هي مبتنية على انتقال المثلي أو المثل أو الجامع بينهما الى القيمة و هو غير صحيح بل العين بنفسها تنتقل الى العهدة و عليه يتعين قيمة يوم الدفع لبقاء العين في الذمة الى زمانه و فيه يحصل الفراغ عنها.

(و توهم) تعين قيمة وقت المطالبة لأنه زمان سقوط الأوصاف النوعية عن عهدة الضامن باسقاط المالك (فاسد) لأن المطالبة بالقيمة ليست اسقاطا للأوصاف و الا لزم عدم جواز المطالبة بالمثل اذا طالب بالقيمة و ان لم يدفعها الضامن ثم تيسر له المثل بل لا يبعد عدم قابلية الأوصاف للاسقاط فتأمل فالمتحقق في المقام رضاء المالك بغير الجنس عن الجنس و لا يتحقق ذلك الا بالدفع خارجا فيكون الميزان بالقيمة يوم الدفع لا غير.

[2] قد ذكرنا غير مرة ان العين بمجرد الاستيلاء عليها تنتقل من الخارج الى عهدة الضامن و من وعاء التكوين الى وعاء الاعتبار من دون أن تنقلب الى المثل أو القيمة

قوله رحمه اللّه: ثم المراد باعواز المثل... [1]

قوله رحمه اللّه: ثم ان في معرفة قيمة المثل... [2]

قوله رحمه اللّه: و لو كان في غير بلد الضمان... [3]

و لا يفرق في ذلك بين المثلي و القيمي كما لا يفرق في القيمي بين ما اذا كان تعذر المثل ابتدائيا أو طارئا بعد التمكن منه سواء كان مستمرا دائما أو كان مما يرجى زواله.

[1] حكى المصنف رحمه اللّه عن التذكرة ان المراد باعواز المثل عدم وجوده في البلد و ما حوله و زاد عليه في المسالك كونه مما ينتقل اليه عادة كما ذكروه في السلم و عليه اذا فرض وجوده في نواحي البلد و لكن لم يكن مما ينقل اليه عادة لا ينافي صدق الأعواز.

(و نقول) لم يرد الأعواز في دليل شرعي ليدعى انصرافه الى ذلك كما لم يرد تحديده به شرعا و القاعدة على ما ذكرناه تقتضي وجوب رد المثل الا اذا تعذر فيكون الميزان بالتعذر الشخصي من غير فرق بين وجوده في البلد أو نواحيه و عدمه فانه ربما يكون المثل موجودا فيها و لا يتمكن الضامن من تحصيله و قد لا يوجد الا في البلاد البعيدة و لكن يقدر الضامن على تحصيله بلا مؤنة زائدة فالميزان بالتعذر الشخصي و يلحق به ما اذا استلزم تحصيله ضررا زائدا على ما يقتضيه رد المثل في طبعه.

[2] قد تختلف بحسب اختلاف الازمنة كالفواكه في أول فصلها و في وقت وفورها و لكن على ما بيناه لا اشكال في ذلك لأن المعيار انما هو بقيمة يوم الدفع على جميع التقادير.

[3] اذا فرض تعذر المثل في البلد و لكن من باب الصدفة و الاتفاق اجتمع الضامن

قوله رحمه اللّه: خروجه عن القيمة... [1]

قوله رحمه اللّه: ثم تمكن من المثل... [2]

و المضمون له في بلد آخر و كان أداء المثل فيه ميسورا وجب عليه رده و ان كانت قيمته فيه أكثر من قيمته في بلد القبض كما ان العين بشخصها لو كانت موجودة فيه وجب ردها اذا طلبها المالك هناك و ان كانت قيمتها أكثر من قيمتها في بلد القبض.

[1] اذا تعذر المثل من حيث المالية بأن سقط عن المالية رأسا كالثلج في الشتاء فليس رده مصداقا لقوله صلّى اللّه عليه و آله (حتى تؤدي) الظاهر في وجوب أداء المال الموافق للسيرة فلا محالة يكون في حكم تعذر الرد فيجب رد القيمة فتأمل.

ثم الميزان في القيمة انما هو بأدنى القيم أعني قيمة الزمان المتصل بوقت سقوطه عن المالية الذي هو بمنزلة زمان تلف المثل و سقوط الأوصاف النوعية عن ذمته اذ لا دليل على ضمانه بأزيد من ذلك.

[2] فصل قدّس سرّه في عود المثل المتعذر في ذمة الضامن اذا تمكن منه بعد ما أدى القيمة الى المالك بين المباني أعني القول ببقاء المثل في الذمة بعد الأعواز أو القول بانقلاب المثل قيميا و بين القول بانقلاب المثل الى القيمة فذهب الى عدم العود على القولين الأولين و احتمل العود على القول الثالث بتخيل ان القيمة حينئذ بدل الحيلولة عن المثل فيعود المبدل عند انتفاء الحيلولة.

(و ما ذكره قدّس سرّه) من الغرائب فانه لو قام دليل على بدل الحيلولة لكان جريانها على القول الأول أولى لأن المالك حينئذ يملك المثل على ذمة الضامن فعند التعذر له ان يأخذ البدل و أما على القولين الآخرين فلا مجال لتوهم ذلك أصلا فان ما يملكه المالك على عهدة الضامن ليس الا القيمة فلا معنى لكونها بدل الحيولة.

قوله رحمه اللّه: لو كان التالف المبيع فاسدا قيميا... [1]

قوله رحمه اللّه: اختلفوا في تعيين القيمة... [2]

[1] قد استدل على ذلك بالاجماع و الأخبار الواردة في موارد متفرقة إلاّ انه ليس لها اطلاق يعم جميع الفروض كما ان السيرة العقلائبة أيضا قائمة على عدم انتقال الأوصاف النوعية الى عهدة الضامن فيما اذا لم تكن قابلة للأداء فيختص ذلك بما اذا لم يكن أداء المثل ميسورا للضامن و لو كان قيميا كالعبد و الامة فاذا كان متمكنا من ذلك بأن كان مالكا للمثل اتفاقا يجب عليه أداء المثل كما انه اذا كان مالكا له على ذمة المالك يحكم بسقوطه بالتهاتر القهري.

و ذلك لما عرفت من ان مقتضى القاعدة انتقال العين التالفة الى ذمة الضامن مطلقا بما لها من الأوصاف النوعية الا اذا لم يكن متمكنا من دفعه (و على هذا) فالفرق بين المثلي المتعذر و القيمي انما هو من حيث ان الضامن ليس له في المثلي ان يلزم المالك بقبول القيمة بل له ان يصبر حتى يوجد المثل أو يتمكن من أدائه و أما في القيمي فللضامن الزامه بقبول القيمة لأن ما انتقل الى عهدته انما هو العين بماليتها دون أوصافها النوعية فلا يضمن له غيرها.

تعيين القيمة

[2] قد عرفت انه ليس لدليل ضمان القيميات بالقيمة اطلاق فلابد من الاقتصار فيها على المتيقن و هو ما اذا لم يتمكن الضامن من أداء المثل فحينئذ ينتقل الى القيمة فيقع الكلام في تعيينها و هل ان الميزان بقيمة يوم القبض كما نسب الى الأكثر أو بقيمة يوم التلف كما اختاره المصنف رحمه اللّه أو بقيمة يوم الدفع و قد نسب الى جمع أو أعلا القيم من يوم القبض الى يوم التلف أو الى يوم الدفع أو من يوم التلف الى يوم الدفع وجوه.

أما القول بقيمة يوم القبض فهو مناف لما يقتضيه الضمان في طبعه اذ لا وجه لانتقال العين الى القيمة مع فرض بقائها خارجا فمجرد الاستيلاء على العين لا يوجب الضمان بالقيمة ليكون الميزان بقيمة ذاك الوقت فهو على خلاف القاعدة و المدرك فيه منحصر (بصحيحة أبي ولاد) الواردة في الغصب(1)

قال أبو ولاد فلما انصرفت من وجهي ذلك لقيت المكاري فأخبرته بما أفتاني به أبو عبد اللّه عليه السّلام و قلت له قل ما شئت حتى أعطيكه فقال حببت الي جعفر بن محمد عليه السّلام و وقع في قلبي له التفضيل و أنت في حل و ان أردت أن أرد عليك الذي أخذت منك فعلت. (عبد الرزاق الموسوي المقرم).

بعد البناء على ان

1) رواية أبي ولاد بتمامها رواها الكليني في الكافي 413/1 و على هامش مرآة العقول 432/3 باب الرجل يكتري الدابة فيجاوز بها الحد كتاب الاجارة حديث 6 و رواها الشيخ الطوسي في التهذيب 176/2 كتاب الاجارة و في الاستبصار 134/3 طبع النجف في الاجارة في نفس الباب و عن الكافي و التهذيب 126/10 مجلد 3 في الاجارة في نفس الباب و نصها قال أبو ولاد: اكتريت بغلا الى قصر ابن هبيرة ذاهبا و جائيا بكذا و كذا و خرجت في طلب غريم لي فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبرت أن صاحبي توجه الى النيل فتوجهت نحو النيل فلما أتيت النيل خبرت انه توجه الى بغداد فاتبعته و ظفرت به و فرغت فيما بيني و بينه و رجعت الى الكوفة و كان ذهابي و مجيئي خمسة عشر يوما و أخبرت صاحب البغل بعذري و أردت أن أتحلل منه مما صنعت و أرضيه فبذلت له خمسة عشر درهما فأبى أن يقبل فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقصة و أخبره الرجل فقال لي ما صنعت بالبغل فقلت قد رجعته سليما قال نعم بعد خمسة عشر يوما قال ما تريد من الرجل قال أريد كراء بغلي فقد حبسه علي خمسة عشر يوما فقال اني ما أرى لك حقا لأنه اكتراه الى قصر ابن هبيرة فخالف و ركبه الى النيل و الى بغداد فضمن قيمة البغل و سقط الكراء فلما رد البغل سليما و قبضته لم يلزمه قال فخرجنا من عنده و جعل صاحب البغل يسترجع فرحمته مما أفتى به أبو حنيفة و أعطيته شيئا و تحللت منه و حججت تلك السنة فأخبرت أبا عبد اللّه عليه السّلام بما أفتى به أبو حنيفة فقال في مثل هذا القضاء و شبهه تحبس السماء ماءها و تمنع الأرض بركاتها قال فقلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام فما ترى أنت قال أرى له عليك مثل كراء البغل من الكوفة الى النيل و مثل كراء البغل من النيل الى بغداد و مثل كراء بغل من بغداد الى الكوفة توفيه اياه قال فقلت له جعلت فداك فقد علفته بدراهم فلي عليه علفه قال لا لأنك غاصب فقلت أ رأيت لو عطب البغل أو نفق أ ليس كان يلزمني قال نعم قيمة بغل يوم خالفته قلت فان أصاب البغل كسر أو دبر أو عقر قال عليك قيمة ما بين الصحة و العيب يوم ترده عليه قلت فمن يعرف ذلك قال أنت و هو اما ان يحلف هو على القيمة و يلزمك فان رد اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل يوم اكترى كذا و كذا فيلزمك قلت اني أعطيته دراهم و رضي بها و حللني قال انما رضي و أحلك حين قضى عليه أبو حنيفة بالظلم و الجور و لكن ارجع اليه و أخبره بما أفتيتك به فان جعلك في حل بعد معرفته فلا شيء عليك بعد ذلك.

المقبوض بالعقد الفاسد بمنزلة المغصوب اجماعا كما ادعاه الحلي في (السرائر) أو من جهة القطع بأن المقبوض بالعقد الفاسد ليس أسوأ حالا من المغصوب فاذا لم تكن زيادة القيمة من زمان الغصب الى زمان التلف مضمونة في المغصوب بمقتضى الصحيحة لا تكون مضمونة في المقبوض بالفاسد أيضا فيكون الميزان بقيمة يوم القبض زادت بعد ذلك أو نقصت و سنتكلم فيها ان شاء اللّه.

و أما القول بقيمة يوم الدفع فهو و ان كان مقتضى القاعدة أعني بقاء المثل في الذمة و عدم سقوطه الا بالدفع الا انه مناف لما بنينا عليه من ان الضامن له الزام المالك بقبول القيمة فان لازمه عدم ثبوت شيء في عهدة الضامن سوى القيمة (و عليه) فقيمة يوم التلف تكون هي المتعين لأنه زمان انتقال العين الى القيمة فطبعا يكون الميزان بقيمة ذاك الوقت الا ان الصحيحة دلت على خلاف ما تقتضيه القاعدة فلابد من التكلم فيما اشتملت عليه.

(منها): قوله عليه السّلام بعد ما سأله الراوي و قال أ رأيت لو عطب البغل أي هلك أو نفق أي مات أ ليس كان يلزمني (نعم قيمة بغل يوم خالفته) و هذه الجملة مورد الاستدلال في المقام و التمسك بها مبني على رجوع القيد و هو قوله عليه السّلام (يوم خالفته) الى القيمة اما باضافة القيمة الى البغل و البغل الى اليوم بنحو تتابع الاضافات كقولك عباد غلام زيد و قول الشاعر (و ليس قرب قبر حرب قبر) أو باضافة القيمة الى البغل و اليوم معا أو اضافة المتحصل من المضاف و المضاف اليه أعني قيمة البغل الى اليوم و أما بأن يكون اليوم ظرفا للقيمة من دون اضافة شيء اليه.

أما تتابع الاضافات فغير صحيح في المقام لأن البغل من الذوات و هي غير قابلة للتقييد بالزمان و أما اضافة القيمة الى كلا الأمرين فهو غير معهود بل لا يبعد كونها مستحيلة.

و أما اضافة المجموع المتحصل من المضاف و المضاف اليه فهو مما لا بأس به فتكون الحصة الخاصة من القيمة و هي قيمة البغل مضافة الى يوم المخالفة فيكون المعنى ضمان قيمة البغل في يوم المخالفة و نظير هذا كثير في الاستعمالات العرفية فيقال ماء رمان زيد مع عدم وجود رمان له أصلا و انما اشترى ماء الرمان ابتداء و يقال بيض دجاج زيد مع عدم وجود دجاجة له أصلا.

و أما كون اليوم ظرفا للقيمة فهو أيضا ممكن لأن القيمة بمعنى ما يتقوم به و هو معنى حدثي قابل لأن يقيد بالزمان و لكن يحتمل رجوع القيد أعني يوم خالفته الى قوله عليه السّلام (نعم) الذي بمعنى يلزمك و عليه يكون أجنبيا عن تعيين القيمة فتكون الصحيحة مجملة الا انه يمكن تبعيد الاحتمال الثاني بوجهين (أحدهما) ما يستفاد من كلام المصنف رحمه اللّه و هو أن ذكر القيد يكون لغوا لا يترتب عليه أي فائدة لأن

قوله رحمه اللّه: أو يأتي صاحب البغل... [1]

قوله رحمه اللّه: عليك قيمة ما بين الصحة و العيب يوم ترده [2]

المعني حينئذ أنّه يلزمك قيمة البغل و الضمان يوم المخالفة و هذا كان أمرا واضحا و لم يكن هو المسؤول عنه فلا وجه لذكره.

(ثانيهما) ان لازم رجوع القيد اليه انتقال العين الى القيمة قبل تلفها لأن السائل فرض المخالفة مع بقاء العين و قد حكم عليه السّلام بضمان قيمة البغل و لم يقل به أحد فتعيين الاحتمال الأول و هو رجوع القيد الى القيمة بأحد الوجهين المتقدمين.

[1] قد يتوهم منافاة الجمل المذكورة في ذيل الصحيحة لما استظهرناه من صدرها و هو رجوع القيد الى القيمة و تعين قيمة يوم القبض (منها هذه الجملة) حيث أمر فيها بتعيين الشهود لقيمة البغل حين اكترى و لا وجه له اذا كان الميزان يوم الغصب (و الجواب عنه) ان ضمان قيمة يوم الاكتراء من حيث كونه يوم الاكتراء واضح الفساد اذ لا وجه له لعدم كون البغل مغصوبا حينئذ فلابد و أن يكون ذكره لنكتة لا لخصوصية عرفناها أو لم نعرفها فلا يجوز أن يجعل منافيا لتعيين قيمة يوم المخالفة في الجملة الاولى.

و لا يبعد أن يكون السر في ذلك اتحاد يوم الاكتراء مع يوم المخالفة في مورد السؤال فان المتعارف في الأسفار القريبة اكتراء الدابة في وقت الحركة أو قبله بساعات لا توجب اختلافا في القيمة و قد فرض السائل مخالفته عند وصوله الى (قصر ابن هبيرة) بعد ان أخبر بخروج غريمه الى (النيل) فلم يكن فصل بين وقت الاكتراء و زمان الغصب يعتد به.

[2] هذه الجملة الثانية المتوهم منافاتها لما استظهرناه بتخيل ان الظاهر رجوع القيد أعني (يوم ترده) الى القيمة فيستفاد منه كون العبرة بيوم الرد في قيمة ما بين

قوله رحمه اللّه: فان العبرة لو كانت بخصوص... [1]

الصحيح و المعيب و لا فرق من هذه الجهة بين تلف العين و صفاتها.

(و الجواب عنه) بوجوه:

(الأول) ان هذه الجملة منقولة في التهذيب على ما حكاه في (الجواهر) بدون لفظ يوم و نصها هذا (قيمة ما بين الصحة و العيب ترده) فيكون ترده وصفا سواء قدر كلمة ان أو لا.

(الثاني) ما يستفاد من كلام المصنف رحمه اللّه من كون الميزان في تعيين الأرش قيمة يوم الدفع مخالف للاجماع و قد طالبه السيد و المحقق النائيني بمدرك ما ادعاه من الاجماع (و نقول) الاتفاق و لو لم يكن متحققا الا ان مخالفته للقواعد واضح.

(الثالث) ان قاعدة الأقرب يمنع الأبعد تقتضي رجوع القيد الى العيب دون القيمة فالمعنى حينئذ وجوب رد قيمة العيب الموجود حين الرد دون ما زال و ارتفع و ان لم يكن موجودا سابقا و وجد حين الرد و هذا هو مقتضى (على اليد) الموافق لسيرة العقلاء فان الصفات التي تتفاوت بها الرغبات انما تكون مضمونة ما لم ترد و الا فالغاية و هي قوله عليه السّلام (حتى تؤدي) حاصلة فلا وجه لما ذكره المصنف رحمه اللّه من كونه مخالفا للفتوى.

[1] الجملة الثالثة من الصحيحة التي توهم منافاتها لما قدمنا قوله عليه السّلام - (اما أن يحلف) فانه ظاهر في ثبوت جميع الحقوق من الحلف و الرد و البينة للمالك و هو مخالف لقاعدة البينة على المدعي و اليمين على من أنكر فالتجأ المصنف رحمه اللّه الى حمل توجه اليمين الى المالك في صورة اختلافهما في أصل قيمة البغل و توجه الحلف اليه على ما اذا اتفقا على أصل القيمة و اختلفا في نقصان القيمة أو زيادتها و عدمه و جعل ذلك مبنيا على كون الاعتبار في القيمة بيوم التلف.

ثم ذكر قدّس سرّه لفرض توجه الحلف الى المالك صورتان.

(احداهما) ما اذا اتفقا على قيمة البغل قبل يوم الغصب ثم ادعى الضامن نقصانها و أنكره المالك فان الأصل يوافقه فيتوجه اليه اليمين.

(ثانيتهما) ما اذا اتفقا على القيمة الفعلية و لكن الضامن ادعى زيادة القيمة بعد التلف و أنكرها المالك فان الأصل أيضا يوافقه فيتوجه اليه الحلف.

(و نقول) ما ذكره في الثانية غير صحيح اذ ليس هناك أصل يوافق قول المالك إلاّ الاستصحاب القهقري الذي لا نقول به الا في باب الألفاظ بل الأمر بعكس ما ذكره لأن المالك في مركز النزاع يدعي زيادة القيمة الموجبة لضمان الغاصب لها و ينكرها الضامن فقوله هو الموافق للأصل نعم ما أفاده في الصورة الاولى متين و لكن الحمل على الصورتين خلاف الظاهر فان كلمة (اما) و لفظ (أو) في قوله اما أن يحلف أو يأتي صاحب البغل بشهود ظاهرين في التخيير دون التقدير و ان المالك مخير بين الامور الثلاثة نعم اذا وصلت النوبة الى ذلك فيمكن تصوير كلا الوجهين مع اعتبار يوم الغصب أيضا كما هو ظاهر الا انه لا مناص من الأخذ بظاهره فيكون مخصصا لقوله عليه السّلام البينة على المدعي و اليمين على من أنكر فانه لم يكن من الأحكام العقلية الغير قابلة للتخصيص و لا من الأحكام الفرعية التي لم يرد عليها تخصيص فلقد خصص في موارد كثيرة ذكرت في (الشرايع) و غيرها يسمع فيها قول الرجل أو المرأة مع الحلف و يلحق بها مورد الغصب و يكون جميع الحقوق فيه مجعولة للمالك دون الغاصب على ما هو مقتضى القاعدة في الجمع بين العام و الخاص اذ لم يسمع الى الآن رفع اليد عن ظهور الخاص تحفظا على عموم العام بل يتحفظ على ظهور الخاص و يجعل مخصصا للعام و هذه احدى الجهات التي يقال فيها الغاصب يؤخذ

قوله رحمه اللّه: و أضعف من ذلك... [1]

بأشق الأحوال و قد اختار ذلك الشيخ الطوسي في كتاب الاجارة على ما حكاه عنه المصنف رحمه اللّه.

و اذا وصلت النوبة الى الحمل على الصورتين فيمكن تصويرهما مع كون الاعتبار بقيمة يوم الغصب كما هو واضح و أما حمل الحلف و اقامة الشهود على ما هو المتعارف بين الناس في رفع اختلافاتهم فيوجب ذلك اطمئنان الطرف فهو مخالف لظاهر قوله عليه السّلام (فيلزمك) الظاهر في اللزوم أو الالزام الشرعي الذي لا يترتب الا على حجة شرعية (مضافا) الى ان حلف المالك الذي هو رجل مكاري يحلف على أقل من قيمة البغل أو الضامن الفاسق الغاصب لا يفيد الاطمئنان.

(فظهر) انه ليس شيء في الجمل المذكورة في ذيل الصحيحة منافيا لما استظهرناه من الجملة الاولى الظاهرة بحسب الدلالة في كون العبرة بيوم الغصب كما انها صحيحة بحسب السند.

[1] استدل على وجوب دفع أعلا القيم من يوم الغصب الى يوم التلف بالصحيحة المتقدمة و الظاهر عدم كونها ظاهرة فيه و قد يوجه الاستدلال بأن المراد من يوم التخلف طبيعي المخالفة المنطبق على جميع أيامها و بما ان الجمع في الأداء بين القيم غير لازم فلا محالة من اندراج القيم السافلة تحت القيمة العالية فيتعين دفعها.

(و لكن يرده) أمران:

الأول ان قوله عليه السّلام (يوم خالفته) ظاهر في صرف وجود يوم المخالفة المنطبق على أول أيامها و لذا لو تعلق حكم تكليفي بيوم المخالفة لا يستظهر منه عرفا الا أول الأيام.

(الثاني) ان ما ذكره الامام عليه السّلام في ذيل الصحيحة من ان صاحب البغل يأتي

قوله رحمه اللّه: بأن العين مضمونة... [1]

قوله رحمه اللّه: من قاعدة نفي الضرر... [2]

بشهود يشهدون ان قيمة البغل يوم اكترى كانت كذا و كذا صريح في عدم الاعتبار بأعلا القيم لأنه يوم خاص معين و قد ذكرنا اتحاده في مفروض السؤال مع يوم المخالفة فيكون الميزان بها لا به ثم انه قد استدل على اعتبار أعلا القيم بوجوه مذكورة في المتن كلها فاسدة لا بأس بذكرها و التعرض لما يرد عليها.

[1] هذا أحد الوجوه و تقريبه ان العين كانت مضمونة على الغاصب في زمان ارتفاع قيمتها فيجب عليه الخروج عن العهدة بدفع أعلا القيم.

(و فيه) ان اريد بضمانها عند ارتفاع القيمة انها لو تلفت في ذلك الوقت لزم تداركها بأعلا القيم فهو مسلم على تقدير كون الاعتبار بيوم التلف (لكنه غير نافع) في المقام لفرض عدم التلف حينئذ (و ان اريد) به وجوب التدارك بأعلا القيم بمجرد ارتفاع القيمة و ان لم تتلف العين وردت الى مالكها (فهو واضح الفساد) لعدم القول به (و ان اريد به) وجوب تداركها بأعلا القيمة مشروطا بما اذا تلفت العين و لو بعد نزول قيمتها فهو مصادرة لأنه عين المدعى.

[2] هذا هو الوجه الثاني و تقريبه ان منع المغصوب منه عن التصرف في ماله حين ارتفاع قيمته كان ضررا عليه لأنه لو لم يمنع عن ماله لتمكن من بيعه بأعلا القيم فيكون ضرره مستندا الى الغاصب فيجب عليه تداركه لحديث نفي الضرر (و فيه) ان لا ضرر انما يجري فيما اذا توجه نقص في النفس أو العرض أو المال و أما النقص في المالية فليس ضررا عرفا ليكون موردا لدليل نفي الضرر و لذا لا يجري فيما اذا استورد تاجر أموالا نقص بها أموال تاجر آخر فلا يكون ضامنا لذلك (و يشهد له

قوله رحمه اللّه: لاشتغال ذمته بحق المالك... [1]

قوله رحمه اللّه: باستصحاب الضمان... [2]

بداهة) عدم ضمان زيادة المالية فيما اذا بقيت العين المغصوبة الى أن أديت الى مالكها بعد نزول قيمتها.

[1] هذا هو الوجه الثالث و حاصله ان اشتغال ذمة الضامن بمال المالك يقيني و لا يحصل الفراغ عنه الا بأداء أعلا القيم (و فيه) عدم كون المورد من موارد الاشتغال فانه ان قلنا بانتقال العين الى الذمة حتى في القيميات كما في المثليات لزم كون العبرة بقيمة يوم الدفع و ان قلنا بانقلابها الى القيمة بمعنى انتقال العين بقيمتها الى العهدة للاجماع أو لبعض الأخبار فلم يثبت الاشتغال اليقيني الا بالاضافة الى القدر المتيقن و يكون اشتغال الذمة بالزائد مشكوكا فيه فيدفع بالبرائة.

[2] هذا هو الوجه الرابع و حاصله الاستدلال باستصحاب الضمان الثابت بحديث (على اليد) (و فيه) ان الضمان بالمقدار الزائد من القيمة ليست له حالة سابقة ليستصحب فلم يبق في البين الا الوجه الخامس الذي ركن المصنف رحمه اللّه اليه و حاصله ان الضمان يتحقق بأحد أمرين من الاتلاف و الحيلولة بين المال و مالكه و في المقام و ان لم يتحقق الاتلاف من الغاصب حين ارتفاع قيمة العين و وصولها الى أعلا القيم و لكن تحقق ما هو بحكم الاتلاف من حيث السببية للضمان كما انه الحيلولة كانت ثابتة في ساير أوقات الغصب أيضا الا ان القيم النازلة تندرج تحت القيمة الأعلا فيجب ردها.

(و فيه) أولا ان الحيلولة غير مسلمة و لا دليل على انتقال العين الى القيمة بالحيلولة و ثانيا على تقدير تسليمها انما يكون ذلك عند مطالبة المالك بالقيمة لا مطلقا و ثالثا ان قاعدة الحيلولة اذا كانت ثابتة فهي انما تكون في فرض تعذر تسليم

قوله رحمه اللّه: ثم انه حكى عن المفيد و القاضي... [1]

قوله رحمه اللّه: ثم انه لا عبرة بزيادة القيمة بعد التلف... [2]

قوله رحمه اللّه: و أما اذا كان بسبب الأمكنة... [3]

العين على الغاصب و لم يفرض في المقام تعذر الدفع على الغاصب و لا المطالبة بالقيمة من المالك فلم يتم شيء من هذه الوجوه.

ثم لو فرض تمامية بعضها تكون معارضة للصحيحة على ما استظهرناه منها من كونه الاعتبار بقيمة يوم الغصب اللهم الا ان يفرض اجمالها من تلك الجهة أو ظهورها في أعلا القيم.

[1] ذهبوا الى ان الضمان بقيمة يوم البيع في المقبوض بالبيع بحكم المشتري فانه فاسد من جهة الغرر و لا وجه لذلك كما ذكره المصنف رحمه اللّه على جميع المباني سواء اعتبرنا يوم القبض أو يوم التلف أو يوم الدفع أو أعلا القيم اذ لا خصوصية لفساد البيع من جهة تفويض الثمن الى حكم المشتري و لعلهم أرادوا قيمة يوم القبض و انما عبروا عنه بيوم البيع لاتحاده معه غالبا كما عبر في الصحيحة عن يوم الغصب بيوم الاكتراء فكأنهم تبعوها في التعبير.

[2] هذا واضح الا على القول بانتقال العين بخصوصياتها النوعية الى العهدة حتى في القيميات فانه حينئذ يكون لتوهم ذلك مجال لكنك عرفت مخالفته للنص و ان كان موافق للقاعدة.

[3] لا اشكال في اختلاف القيمة باختلاف الأمكنة غالبا كاختلافها بحسب اختلاف الأزمنة و من ثم وقع الكلام في ان الاعتبار بمكان القبض أو التلف أو غير ذلك و بما ان المصنف رحمه اللّه اختار يوم التلف عند اختلاف القيمة من حيث الزمان ذهب في المقام الى ان العبرة بمكان التلف (و لكن الصحيح) ان العبرة بمكان القبض و يدل عليه

قوله رحمه اللّه: حاصلا من زيادة العين... [1]

قوله رحمه اللّه: حكم تعذر الوصول... [2]

سكوت الامام عليه السّلام في الصحيحة المتقدمة فان تعيين سائر الأمكنة يحتاج الى مؤنة زائدة فاذا لم يبين تعين مكان التخلف و زمانه معا (و يؤكده) قوله عليه السّلام في ذيل الصحيحة (أو يأتي بشهود يشهدون ان قيمة البغل حين اكتري كذا و كذا) فانه بحسب المتعارف يؤتى بالشهود من بلد الاكتراء لا من غيره ممن لم يشاهد البغل كما ان الشهود بحسب الطبع يعينون قيمة بلدهم لا البلاد النائية.

[1] لا اشكال في ضمان الزيادات العينية لدخولها تحت اليد كنفس العين و وقت استقرار ضمانها هو زمان حدوثها و انما الكلام في تعيين قيمة تلك الزيادات الفائتة هل هو بيوم ضمانها أو يوم فواتها أو بأعلا القيم أو بغير ذلك (و الظاهر) كون العبرة قيمتها يوم قبض العين فيقوّم العين واجدة لتلك الصفة يوم الاستيلاء عليها (و ذلك) ان الصفات لا تقابل بالمال عرفا و يظهر ذلك من بعض كلام المحقق النائيني قدّس سرّه و لذا لم يكن بيع نقش الفرش أو صفة العباءة بيعا عرفيا و لا يحصل به الشركة بين البايع و المشتري بأن تكون المادة ملكا لأحدهما و الهيئة ملكا للآخر بل الصفة دائما توجب زيادة مالية العين (و عليه) لا معنى لتقويم الصفة مستقلا وقت حدوثها فانها كما عرفت تابعة للعين موجبة لزيادة ماليتها فتتبعها في التقويم أيضا فتقوم العين كما ذكرنا واجدة لتلك الصفة بقيمة يوم قبض العين و ان كان حدوث الضمان بالاضافة الى المالية الزائدة بسبب تلك الصفة انما هو وقت حدوث الصفة هذا كله في فروع الضمان في القيميات.

بدل الحيلولة

اشارة

[2] لو لم تكن العين تالفة و لا في حكم التالفة و لكن تعذر الوصول اليها فالمعروف

ضمان الغاصب و من بحكمه لبدل الحيلولة و استدل عليه بامور:

(الاول) قاعدة لا ضرر فان الحيلولة بين المالك و ماله ضرر عليه فلابد من تداركه بضمان بدل الحيلولة.

(و فيه) أولا ان الاستدلال بها مبني على كونها شاملة للحكم الذي ينشأ منه الضرر و عدم اختصاصها بالموضوع الضرري كالوضوء أو الغسل الناشىء منه الضرر و الضرر في المقام انما ينشأ من عدم جعل الضمان و ليس له موضوع ضرري.

(و ثانيا) ان جعل الحكم لترتب الضرر على عدمه و ان كان ممكنا ثبوتا الا ان دليل لا ضرر اثباتا ظاهر في نفي الحكم المجعول اذا استلزم الضرر فلا يكون مثبتا للحكم اذا ترتب الضرر على عدمه كما في المقام فان المدعى اثبات الضمان لكون عدمه ضررا على المالك.

(و ثالثا) بين حديث لا ضرر و بين ما التزموا به من بدل الحيلولة عموم من وجه فانه قد يتضرر المالك اذا حيل بينه و بين ماله في مدة قصيرة كيوم أو أقل منه و لم يلتزموا فيه ببدل الحيلولة و قد ينعكس الأمر فقد لا يتضرر المالك بالحيلولة بينه و بين ماله في مدة طويلة من جهة عدم الحاجة اليه مع التزامهم فيه بها فكيف يمكن أن يكون هو المدرك لها؟!

(و بالجملة) لو كان المدرك لبدل الحيلولة قاعدة لا ضرر لزم ان لا يفرق في ثبوتها بين كون زمان التعذر طويلا أو قصيرا.

(و رابعا) ان لازم التمسك بلا ضرر لثبوت بدل الحيلولة حتى فيما اذا كانت الحيلولة بتبعيد المالك عن ماله و حبسه في مكان يتعذر الوصول اليه الى مدة طويلة فانه يتضرر بذلك كما في عكسه و لم يلتزم أحد به.

(و خامسا) بعد الاغماض عن جميع ما تقدم تقع المعارضة بين تضرر المالك و تضرر الضامن فانه كما يتضرر المالك من عدم جعل ضمان بدل الحيلولة يتضرر الضامن من جعله فان اللازم عليه رد نفس ما أخذه و استولى عليه و لم يكن فيه ضرر عليه و اما ضمانه لأمر آخر من المثل أو القيمة زائدا على لزوم رد العين فهو ضرر عليه فلا يعم قاعدة نفي الضرر شيئا منهما.

(الثاني من الامور) التي استدل بها لبدل الحيلولة النبوي الضعيف السند: الناس مسلّطون على أموالهم فان مقتضى السلطنة على المال جواز المطالبة بمثله أو قيمته عند تعذر أداء نفسه.

(و فيه) مضافا الى ضعف السند ان لازم التمسك به ان لا يفرق في ثبوت بدل الحيلولة بين طول زمان التعذر و قصره.

(و حل المطلب) ان غاية مفاد النبوي جواز تصرف المالك في ماله خارجا أو اعتبارا وضعا و تكليفا و من مصاديقه مطالبة الضامن بعين ماله و أما المطالبة بما هو مغاير لماله من البدل فهي أجنبية عن النبوي رأسا.

(الثالث من الامور) قوله عليه السّلام من أتلف مال غيره فهو له ضامن و الغاصب و من بحكمه بحيلولته بين المالك و ماله فوت سلطنته عليه فيكون ضامنا لها.

(و فيه) (ان اريد) منها السلطنة الشرعية أعني جواز التصرفات الخارجية و الاعتبارية فان المالك لا يجوز له بيع ماله و لا ايجاره مع تعذر تسليمه و الوصول اليه فلا اشكال في كونها حكما شرعيا ليس اعدامه موجبا للضمان و لا يعمه دليل اتلاف مال الغير فانه ليس بمال.

(و ان اريد) بها السلطنة الخارجية أعني الانتقال بالمال فهي و ان كانت من

الأموال و الغاصب فوتها عليه فيما اذا كانت العين قابلة لأن ينتفع بها مع بقائها في ملكه كالدار و الفرس و لم يكن مما يتوقف الانتفاع به على اعدامه كالخبز فيكون ضامنا لتلك المنافع الا انه لا ربط لها بضمان بدل الحيلولة كما هو واضح على انه لا يفرق حينئذ في ثبوت بدل الحيلولة بين الزمان القصير و الطويل و لا بين ايجاد المانع في المال أو في المالك و لا بين اليأس عن الوصول اليه و العلم به.

(الرابع من الامور) قاعدة على اليد فانها تقتضي لزوم أداء المأخوذ بما له من الخصوصيات الشخصية فاذا تعذر رد العين وجب رد مثلها أو قيمتها و هذا معنى بدل الحيلولة.

(و فيه) أولا ان الاستدلال بها انما يتم فيما اذا كان الرد مصداقا لأداء ما أخذه و لا يتم على ما سلكه المصنف رحمه اللّه في الجواب عن المحقق و الشهيد الثانيين في ايرادهما على فتوى المشهور بوجوب دفع العين الى المالك اذا ارتفع التعذر لبقاء الخصوصيات الشخصية في ملكه و ليس للضامن بعد رد العين استرجاع بدل الحيلولة لدخولها في ملك المالك و حاصل ايرادهما ان ذلك مستلزم للجمع بين البدل و المبدل و العوض و المعوض (و أجاب) المصنف عنه بأن بدل الحيلولة غرامة و ليست بدلا عن العين (فانه عليه) لا يكون دفعها أداء لما استولى عليه و لا لما في حكمه من رد المثل أو القيمة (و بعبارة اخرى) ان كان بدل الحيلولة مصداقا لرد العين يتوجه الاشكال المتقدم و ان كان غرامة كما صرح به المصنف رحمه اللّه فالاستدلال حينئذ غير تام.

(ثانيا) لازم الاستدلال باليد عدم الفرق في بدل الحيلولة بين قصر الزمان المتعذر و طوله و لا بين اليأس عن زواله و العلم به كما في اللوح المثبت في السفينة

قوله رحمه اللّه: و يؤيده ان فيه جمعا بين الحقين... [1]

قوله رحمه اللّه: لو كان زمان التعذر قصيرا... [2]

اذا لزم من نزعه تلف نفس أو مال من غير الغاصب و المشهور لم يلتزموا بها في مثل ذلك.

(ثالثا) ان على اليد ظاهر في الحكم الوضعي و ان هو استولى على مال الغير فهو ضامن له بمعنى ان عينه ان كانت موجودة فيجب ردها و ان كانت تالفة وجب تداركها بأداء المثل أو القيمة و أما دفع بدل الحيلولة مع فرض بقاء العين فلا يستفاد منه.

[1] ثبوت حق المطالبة بالبدل للمالك مع بقاء العين أول الكلام و قد ظهر من جميع ما تقدم عدم الدليل عليه فان تم هناك اجماع تعبدي على ضمان بدل الحيلولة يعمل به في مورده و الا فلا (نعم) المنافع التي فوتت على المالك تكون مضمونة و يجب على الضامن رد اجرتها و لكنها أجنبية عن بدل الحيلولة و أما نفس العين فضمانها بالبدل يدور مدار تلفها حقيقة أو حكما بتعذرها مع اليأس عن الوصول اليها ثم بعد البناء على ثبوت بدل الحيلولة لا بد من الكلام في فروع سيتضح كلها.

فروع على بدل الحيلولة

[2] هذا أول الفروع و هنا يقال هل يختص بدل الحيلولة بصورة عدم تمكن الضامن من ايصال المال الى مالكه رأسا و يأسه عنه أو يجري في فرض تمكنه منه اذا كان الايصال متوقفا على مدة طويلة يتضرر بها المالك وجهان و يختلف ذلك باختلاف المباني فان المستند لبدل الحيلولة ان كان هو الاجماع فلابد من الاقتصار على المتيقن و هو فرض التعذر رأسا و ان كان هو الأخبار كحديث لا ضرر أو من أتلف مال الغير أو على اليد فاطلاقها يقتضي ثبوت الضمان في الصورتين لصدق عنوان

قوله رحمه اللّه: ليس كثبوتها مع تلفها... [1]

قوله رحمه اللّه: ثم ان المال المبذول يملكه... [2]

الضرر و اتلاف السلطنة و اليد في كلتيهما.

[1] هذا هو الفرع الثاني و حاصله ان بدل الحيلولة هل هو حق للمالك فقط أو للضامن أيضا بحيث يكون له الزام المالك بقبوله كما في التلف الحقيقي الظاهر هو الأول و الفرق بين التلف و التعذر انه عند تلف العين تسقط الخصوصيات عن عهدة الضامن قهرا بالتلف فلا يبقى في ذمته الا الطبيعي أعني المثل أو القيمة فيكون للضامن حق الزام المالك بقبول ذلك لأنه عين ما يملكه في عهدته بالفعل و أما في صورة التعذر فالخصوصيات غير ساقطة و ذمة الضامن مشغولة بها غاية الأمر للمالك اسقاطها و الاغماض عنها و الرضا بالطبيعي أو القيمة فيكون ملزما بدفعها و أما الضامن فلا حق له في الزام المالك باسقاط حقه.

[2] هذا هو الفرع الثالث و حاصله أن مأيخذه المالك من بدل الحيلولة هل يملكه المالك أو يباح له التصرف فيه فقط؟ الظاهر اختلاف ذلك باختلاف المباني فان المدرك ان كان حديث لا ضرر فلا يستفاد منه دخول البدل في ملك المالك لأن مقتضاه تدارك ما تضرر به المالك من جهة الحيلولة و المفروض انه لم يتضرر من جهة زوال الملكية لأن ملكيته على عين ماله باقية ما لم تتلف العين و له ان يتصرف فيه بما ليس التعذر مانعا عنه كالعتق و انما تضرر من جهة عدم تمكنه من التصرف في ماله و يتدارك هذا باباحة التصرف في البدل و به ينجبر ضرره (نعم) اذا تصرف في البدل بما يتوقف على الملك مما منع عنه في ماله من جهة الحيلولة نلتزم بالملكية آنا ما كما في المعاطاة.

و هكذا الحال ان تمسكنا بحديث من أتلف فان التالف ليست الملكية لتكون

مضمونة و انما هي قدرته على التصرف في ماله خارجا فيجب ردها في البدل (و أما ما ذكره المحقق النائيني) قدّس سرّه من ان الضامن أتلف مالية العين فلم نتعقل له معنى محصلا.

و أما ان كان المدرك قاعدة على اليد فمقتضاه كون البدل أداء لنفس العين المأخوذة ليعمه قوله عليه السّلام (حتى تؤدي) و لا يكون ذلك الا باغماض المالك عن خصوصيات ماله و حينئذ يكون البدل عين ماله فيملكه لا محالة و هكذا الحال في التلف فان الخصوصيات تسقط عن عهدة الضامن بتلف العين فيبقى الطبيعي فاذا أداه فقد أدى عين ماله.

و من هنا يتضح الحال في (الفرع الرابع) و هو دخول العين في ملك الضامن بعد ما أدى بدلها من المثل أو القيمة فان مالكية المالك لكل من العين و البدل و ان كان أمرا ممكنا ثبوتا بأن يجعل البدل غرامة عن السلطنة التي فوتها على المالك و حال بينها و بينه كما ذهب اليه المصنف رحمه اللّه فلا يلزم منه الجمع بين البدل و المبدل الا انه في مقام الاثبات لا دليل على ضمان السلطنة سواء كانت شرعية أو خارجية لانحصار الدليل على الفرض بحديث (على اليد) و مفاده ضمان نفس العين المأخوذة و وجوب أدائها و هذا أجنبي عن ضمان السلطنة.

و الظاهر التفات المحقق و الشهيد الثانيين الى هذا الاحتمال و انما أعرضا عنه لعدم الدليل فلابد و أن يكون المبذول بدلا عن نفس العين ففي فرض تلف العين يتحقق معاوضة قهرية بعد حكم الشارع بوجوب البدل فينتقل البدل الى المالك بدخول العين التالفة في ملك الضامن بقاء بنحو الكشف الحكمي فيما اذا ترتب أثر على اعتباره مالكا لها بقاء كما في مسألة تعاقب الأيادي.

و بهذا يندفع الاشكال المعروف فيها و حاصله ان المالك له الرجوع الى كل من الأيادي فاذا رجع الى اللاحق ليس له الرجوع الى سابقه و لكن له الرجوع الى الأيادي اللاحقة و قد أشكل سرّ ذلك على كثير من الاعلام و على ما بنينا عليه يتضح وجهه فان من رجع اليه المالك و أدى الغرامة يعتبر مالكا للعين بقاء فله الرجوع الى الأيادي اللاحقة بمقتضى قوله عليه السّلام (على اليد) لدخول ملكه بقاء تحت استيلائها و أما بالاضافة الى الأيادي السابقة فليس له الرجوع لتحقق الغاية بالاضافة اليها و هي الأداء و المصنف رحمه اللّه تعرض للاشكال في بيع الفضولي و وجهه بما لا يخلو عن مناقشة كما ستعرف.

هذا في التلف الحقيقي (و أما التلف الحكمي) أعني اليأس من الوصول الى العين مع بقائها كما في الحيوان الشارد أو المال المسروق أو الملقى في البحر مثلا فيلحقه حكم التلف الحقيقي و من هذا القبيل الوضوء بالماء المغصوب فان الرطوبات الباقية بحكم التالف فيصح المسح بها بعد أداء قيمة الماء.

(و أما مع فرض التعذر) فان تمسكنا لوجوب دفع بدل الحيلولة بحديث لا ضرر أو بحديث من أتلف و بنينا على أن البدل غرامة فدخولها في ملك المالك لا يقتضي دخول العين في ملك الضامن و أما اذا تمسكنا فيه بقاعدة على اليد و قلنا ان المبذول يكون عين ما أخذه الضامن و استولى عليه بعد اغماض المالك عن خصوصيات ماله فيجب على الضامن رده اليه فلا محالة يتحقق هناك أيضا معاوضة قهرية بعد حكم الشارع بالزام الضامن بدفع البدل فيدخل في ملكه (و يؤكد) ما ذكرناه السيرة العقلائية في جميع موارد أداء الغرامة فان العقلاء يرون التالف راجعا الى من دفع الغرامة لا الى مالكه الأصلي (و يؤيده أيضا) ما ربما يظهر من النص من دخول

قوله رحمه اللّه: فلا يضمن ارتفاع قيمة العين... [1]

الحيوان (الموطوء الذي يراد ظهره) في ملك الواطي بعد أدائه لثمنه.

(و يتفرع على هذا) فروع في الفقه منها جواز المسح ببلة الوضوء فيما اذا توضأ أحد بماء الغير جهلا ثم عرف ذلك فأدى قيمته (ثم انه ظهر) بما ذكرناه التهافت بين القول بدخول البدل في ملك المالك و عدم دخول العين في ملك الضامن.

ثم لا يخفى ان جواز استرداد المالك للعين بعد زوال التعذر مبني على كون الملك الثابت في المقام ملكية جائزة أو لازمة و قد عرفت فيما سبق ان مقتضى عموم قوله (تعالى) لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض هو اللزوم و عدم امكان الاسترجاع فيما نحن فيه و أما تمسك المصنف رحمه اللّه لذلك بقوله عليه السّلام الناس مسلطون على أموالهم فغير صحيح فان الحكم لا يثبت موضوعه على ما تقدم فلا نعيد.

[1] أما بناء على انتقال العين الى القيمة من يوم القبض و ثبوتها في عهدة الضامن لصحيحة أبي ولاد فلا ريب في عدم ضمان الغاصب لزيادة القيمة و لا لنماء العين و هكذا ان تمسكنا لوجوب البدل بحديث على اليد و بنينا على انه أداء نفس العين فانه بعد أداء البدل لا وجه لكونه ضامنا لزيادة القيمة و لا لنماء العين كما هو الظاهر.

و أما لو قلنا بانتقال نفس العين الى ذمة الضامن و ان ما يدفعه انما هو بدل عن السلطنة لا عن العين و انما يجب دفعه لحديث لا ضرر و من أتلف أو لكونه جمعا بين الحقين فلا وجه لعدم كونه ضامنا لنماء بعد كونه حادثا في ملك المالك (و بعبارة اخرى) ان قلنا بأن المبذول بدل عن التالف و لو مع بقائه في ملك المالك فالقول بعدم الضمان و ان كان وجيها الا ان لازمه الجمع بين البدل و المبدل و ان قلنا بأنه غرامة فالمحذور و ان لم يكن جاريا إلاّ ان نفي الضمان حينئذ لا وجه له فالجمع بين

قوله رحمه اللّه: و لا يخفى ان العين... [1]

الأمرين غير صحيح.

[1] تعرض قدّس سرّه لموجبات الضمان فقسم أسبابه الى أقسام أربعة:

(الأول): التلف الحقيقي و ذكر ان العين به تسقط من الملكية عرفا فيكون الغاصب و من بحكمه ضامنا.

(الثاني): التلف الحكمي و هو ذهاب سلطنة المالك عن ماله بحيث لا يكون عودها مرجوا و هذا مورد بدل الحيلولة فتكون السلطنة عن البدل بدلا عن السلطنة عن العين.

(الثالث): تلف الأوصاف التي تخرج بها العين عن المالية رأسا مع بقائها على الملكية فيكون المبذول حينئذ عوضا عن المالية لا بدلا عن العين فتبقى العين ملكا لمالكها.

(الرابع): ذهاب الأوصاف التي بها تخرج العين عن الملكية أيضا أما شرعا كما في الخل المتبدل خمرا و إما عرفا كما في الكوز المكسور و حينئذ تبقى العين متعلقا لحق المالك.

(و نقول) أما ما ذكره في القسم الأول أعني التلف الحقيقي من زوال ملكية المالك عن العين متين جدا غاية الأمر بعد دفع الضامن الغرامة قد تعتبر ملكا له فيما اذا ترتب عليها الأثر كما في تعاقب الأيادي.

و ما ذكره في القسم الثاني من كونه موردا لبدل الحيلولة غير تام لأن موردها صورة بقاء العين مع تعذر الوصول اليها بحيث يرجى زوال العذر أيضا و اما اذا كان العثور عليها مقطوع العدم و كان الضامن مأيوسا من الوصول اليها كما في المال المسروق أو الملقى في البحر فهو تالف عرفا فيلحق بالقسم الأول اذ ليس المراد من

التلف الانعدام الحقيقي الذي ذهب بعض فلاسفة العصر الى استحالته بل المراد التلف العرفي فلا يكون موردا لبدل الحيلولة المصطلحة.

و ما ذكره في القسم الثالث من زوال المالية مع كون العين مملوكة فربما يناقش فيه كما عن السيد قدّس سرّه في الحاشية بأن ذهاب الوصف ان أوجب سقوط العين عن قابلية الانتفاع بها فتسقط عن الملكية أيضا و الا فهي مال.

و لكن الظاهر انه لا منافاة بين بقاء العين على قابلية الانتفاع بها و بين سقوطها عن المالية.

و توضيحه: ان الصفة الزائلة تارة توجب قلة الانتفاع بالعين كما في الاناء البلور فانه اذا انفطر يقل الانتفاع به لأنه لا يجعل فيه الشيء الحار و قد كان ذلك ممكنا قبل الانفطار فزوال هذا الوصف لا يقتضي سقوط أصل المالية و ان أوجب نقصا فيها.

(و اخرى توجب) سقوط العين عن قابلية الانتفاع بها مستقلا و لكن يمكن أن ينتفع بها منظما كالقلم من الخشب اذا انكسر اذ لا يمكن الانتفاع بكل قطعة منه مستقلا في الكتابة الا ان الانتفاع به منظما الى البقية في الاحراق و نحوه ممكن و زوال هذه الصفة يوجب سقوط العين عن المالية لا الملكية و من هذا القبيل الحبة الواحدة من الحنطة أو الأرز و هكذا الرطوبة الباقية على أعضاء الوضوء أو الخيط الباقي في الثوب المخيط.

(و ثالثة) يكون زوال الصفة موجبا لسقوط العين عن قابلية الانتفاع رأسا لا مستقلا و لا منضما فتسقط عن المالية و الملكية معا و لكن تكون متعلقة لحق أولوية المالك و اختصاصه بحكم الشارع و من هذا القبيل الخل المنقلب خمرا و الكوز المكسور و الحيوان الميت و هذا كله ظاهر.

و انما الكلام في الدليل المثبت لحق الأولوية و الاختصاص بالاضافة الى العين بعد سقوطها عن الملكية فقد يستدل عليه باشتمال الملكية عليها فاذا زالت الملكية بقيت الأولوية أو يقال ان عدم جواز التصرف في ملك الغير باق بعد سقوطه عن الملكية بالاستصحاب.

(و يرد الأول) ان الملكية ليست مشتملة على الأولوية لتبقى بعد زوالها فانها أمر مغاير للملكية.

(و يرد الثاني) ان عدم جواز التصرف بدون اذن المالك انما كان بعنوان الملكية و قد ارتفعت فلا مجال للاستصحاب (فالصحيح) ان يستدل عليها بالسيرة العقلائية المتصلة بزمان المعصوم عليه السّلام فان العقلاء يرون العين مختصة بمالكها بعد سقوطها عن الملكية و لا يجوز مزاحمته فيها (و يشهد) لذلك كونها ملكا للمالك السابق بعد عود الصفة الزائلة التي بها قوام المالية اذ ليس ذلك الا من جهة أولويته بها حين زوال تلك الصفة.

(و أما ما ذكره شيخنا المحقق) من أن سبب الملكية من الارث أو الشراء أو غيره كان مقتضيا للملكية و قد زاحمه مانع عن تأثيره فلم يؤثر فاذا زال المانع يستند الأثر اليه.

(فيرده) أولا ان المقتضي و المانع و الشرط المصطلحة أجنبية عن الأحكام الشرعية و ليس هناك الا الحكم و الموضوع (مضافا) الى ان العين بعد عود الصفة الزائلة منها تكون مباينة لها قبل زوال الصفة عنها فالخل المنقلب خمرا مباين للخل المنقلب عن الخمر فكون السبب السابق مقتضيا لملكيتها قبل زوال الصفة لا يستلزم كونه في ملكيتها بعد عود الصفة.

قوله رحمه اللّه: و هل الغرامة المدفوعة... [1]

(ثانيا) ان السبب انما كان يقتضي الملكية الواحدة المستمرة لا الملكية في كل آن فالمقتضي قد ارتفع بالمانع و لم يكن السبب مقتضيا لملكية اخرى.

(فالحق ما ذكرناه) مع قيام السيرة على بقاء حق الأولوية للمالك فاذا عادت العين مملوكة لا محالة تكون ملكا لمالكها السابق (ثم ان حق الأولوية) بالعين ينتقل الى الضامن بعد أدائه الغرامة بناء على كونها أداء لمال المالك بعد اسقاطه للخصوصيات كما عليه سيرة العقلاء و هكذا اذا كانت الغرامة بدلا عنه.

[1] اذا تعذر رد العين فأدى الضامن بدلها و كان التعذر مستمرا فلا اشكال في عدم جواز مطالبة المالك بماله ثانيا لأنه أدى بدله و أما اذا زال التعذر فعلى مسلك القوم يكون للمالك مطالبة عين ماله و يجب على الضامن تحصيله و لو توقف على مقدمات وجب تحصيلها و اذا حصلت في يده وجب أداءها و كل ذلك على ما سلكوه واضح.

(و انما الكلام) في انه هل يجب على المالك دفع الغرامة الى الضامن بمجرد تمكنه من تحصيل العين و لا يجوز له ابقاءها و لا التصرف فيها أو لا؟

أما بناء على كون الغرامة أداء للعين أو بدلا عنها فلا يجب عليه ردها و لازمه عدم جواز مطالبته بالعين و أما بناء على كونها بدلا عن سلطنة المالك على الطالبة بحقه الفائت بالتعذر فيجب عليه حينئذ ردها لرجوع السلطنة اليه بمجرد تمكن الضامن من أداء العين و ارتفاع تعذره (و توضيحه) اذا فرض ان الضامن تسامح عن أداء الغرامة الى ان ارتفع التعذر و تمكن من أداء العين غايته توقف أداؤها على الاتيان بها من داره فانه في مثل هذا ليس للمالك المطالبة بالبدل لتمكنه من المطالبة بعين ماله فعند ارتفاع التعذر لا يجوز له المطالبة بالبدل بقاء (و بالجملة) الحكم

قوله رحمه اللّه: المشهور كما عن الدروس و الكفاية بطلان عقد الصبي [1]

بكون المذول عوضا عن حق المطالبة و الحكم بجواز التصرف فيه بعد زوال التعذر مما لا يجتمعان (فالمتحصل) من جميع ما ذكر ان بدل الحيلولة لا دليل عليه الا اذا قام عليه اجماع تعبدي يعمل به في مورده.

شروط المتعاقدين

اشارة

[1] هذا هو المعروف بينهم و مقتضى اطلاق كلماتهم عدم الفرق بين اجازة الولي و عدمها و لا بأس قبل تحقيق ذلك من التكلم في مطلق أفعال الصبي فيما يرجع الى الاصول و الى الفروع مما لا يعتبر فيه القصد أو مما يعتبر فيه ذلك من العبادات أو المعاملات بالمعنى الأعم.

أما ما يرجع الى اصول الدين فقد ذكروا انه لا اعتبار بكفر الصبي و اسلامه و لذا جعلوا اسلام مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام قبل بلوغه من مختصاته و قد ناقش فيه بعض العامة(1)

(أولا) انا لا نقول ان أمير المؤمنين أول من آمن و ان كان هو أول من وافق الرسول صلّى اللّه عليه و آله على مبدأ الاسلام لما صدع بالأمر و صافقه على اظهار الدعوة و لكنا نقول متى كفر علي عليه السّلام حتى يؤمن‌؟! و انما كان هو و صاحب الدعوة الالهية عارفين بالدين و تعاليمه معتنقين له منذ كيانهما في عالم الأنوار قبل خلق الخلق غير ان ذلك العالم مبدء الفيض الأقدس و وجودهما الخارجي مجراه (فمحمد نبي و علي وصي و آدم بين الماء و الطين).

(ثانيا) ان رسول السماء العارف بالأحكام الالهية و شرايع النبوات قبل اسلام ابن عمه أنجز له جميع ما وعده من الاخوة و الوصاية و الخلافة العامة حين أجاب دعوته و وازره على هذا الأمر و قد أحجم عنه عشيرته و قرباه يوم نزول قوله (تعالى) وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ‌. و هل ترى ان النبي صلّى اللّه عليه و آله كان يومئذ يجد في شريعته عدم الجدوى باسلام (علي) عليه السّلام لصغره الا انه حاباه - كلا و حاشا - و انما قابله بكل ترحيب و خوله ما لم يخول أحدا لصحة اسلامه عنده بحيث كان على أساس رصين فاتخذه ردءا له كمن اعتنق الدين عن قلب شاعر و لب راجح و عقلية ناضجة يغتنم بذلك محاماته و مرضاة أبيه في المستقبل.

و اذا أكبرنا النبي صلّى اللّه عليه و آله عن كل مداهنة و مصانعة فلا نجد مسرحا في المقام لأيّ مقال الا ان نقول ان اسلام (أمير المؤمنين) عليه السّلام كان عن بصيرة و ثبات مقبول عند اللّه و رسوله و كان ممدوحا منهما عليه كما تمدح هو عليه السّلام بذلك غير مرة و هو أعرف الامة بتعاليم النبي الكريم صلّى اللّه عليه و آله فقال أنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي الا كاذب مفتر صليت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قبل الناس بسبع سنين و قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنت أول المؤمنين ايمانا و اسلاما كما مدحته الصحابة بذلك و هم أبصر من غيرهم يوم كانوا يغترفون من مستقى العلم و منبع الدين و على هذا الأساس تظافر الثناء عليه من العلماء و المؤلفين و الشعراء و ساير طبقات الامة بأنه أول من أسلم.

لكن هناك ضالع في سيره حسب شيئا فخانته هاجسته و هوى الى مدحرة الباطل فقال (أسلم علي و هو صغير) يريد بذلك الحط من مقامه و ليس هناك.

(ثالثا) لو تنازلنا عن جميع ذلك فمن أين علمنا ان اشتراط البلوغ في التكليف كان مشروعا في أول البعثة فلعله كبقية الأحكام التدريجية نزل الوحي به فيما بعد و لقد حكى الخفاجي الشافعي في شرح الشفا 125/3 باب دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله على صبي عن البرهان للحلبي و السبكي ان اشتراط الأحكام بالبلوغ نزل الوحي به بعد (أحد) و في السيرة الحلبية 304/1 باب انه أول الناس ايمانا كان الصبيان مكلفون و انما رفع القلم عن الصبي عام خيبر و عن البيهقي ان الأحكام انما تعلقت بالبلوغ في عام الخندق أو الحديبية و كانت قبل ذلك منوطة بالتمييز.

(رابعا) انا معاشر الامامية نعتقد في أئمة الدين انهم حاملون اعباء الحجة متحلون بالفضائل كلها منذ الولادة كما يبعث عيسى في المهد نبيا و اوتي الحكم يحيى صبيا غير انهم بين مأمور بالكلام أو مأمور بالسكوت و بذلك تقرأ على كل واحد منهم الصحيفة الخاصة به فلهم أحكام يمتازون بها عن أحكام الرعية و من أقلها قبول اجابة الدعوة منذ الصغر و حينئذ لا مساغ للبحث في ذلك. (عبد الرزاق الموسوي المقرم).

و الصحيح صدق عنوان المسلم و الكافر بأقسامه و المرتد و المشرك على

1) لقد أكثر رواة الحديث من قصة اسلام (أبي الحسن) عليه السّلام - حال الصغر - و تردد ذلك في الجوامع و تضاربت الأقوال فيها و لا يهمنا اطالة البحث انما المهم الفات نظر القارئ الكريم الى البون الشاسع بين اسلامه و اسلام الصبي.

الصبي اذا أقر أو أنكر حقيقة فيعمه أدلة الأحكام الثابتة لتلك العناوين الا ما ارتفع عن الصبي بحديث (رفع القلم) مثل وجوب قتل المرتد عن فطرة و حبس المرتدة كذلك في أوقات الصلاة لتتوب فانها غير ثابتة لغير البالغ (لرفع القلم) و لولاه لم يمكن الحكم بالحاق الصبي بوليه من حيث الاسلام و الكفر لعدم الدليل على التبعية فتأمل و على هذا فليس قبول اسلام سيدنا أمير المؤمنين عليه السّلام من مختصات ليناقش فيه.

(و أما أفعال الصبي من حيث الفروع) فالتي لا يعتبر فيها القصد كالطهارة و النجاسة و الجنابة بالجماع و نحوها فالظاهر شمول أدلتها للصبي أيضا فتأمل غايته لا يترتب عليها الحكم التكليفي قبل البلوغ (و أما التي يعتبر فيها القصد) فما كان من العبادات المستحبة فأدلتها تعم الصبي و لا ترتفع بحديث رفع القلم لكونه واردا في مقام الامتنان تحقيقا أو تقريبا فلا يرتفع به الا ما كان في رفعه امتنانا على الصبي أو المجنون و يكون ثبوته كلفة عليه و ليس في الاستحباب كلفة (و أما العبادات الواجبة) فأدلتها مثل أقيموا الصلاة شاملة في نفسها للصبي و لذا ذكروا ان حديث (رفع القلم) يرفع الالزام بالاضافة الى الصبي فتبقى المطلوبية المطلقة.

(و فيه) ان الوضع الواحد للحكم اما يكون الزاميا بالاضافة الى جميع أفراد موضوعه و اما يكون ترخيصيا كذلك و أما كونه الزاميا في بعض أفراد موضوعه و ترخيصيا في البعض الآخر فهو غير ممكن فتأمل (و عليه) فمقتضى حديث رفع القلم عن الصبي خروجه عن العمومات بالكلية فكيف تثبت به المطلوبية المطلقة (لكن) يمكن اثباتها بما ورد من أمر الآباء ان يأمروا صبيانهم بالصلاة فان الأمر بالأمر أمر و بعد ضم حديث رفع القلم الى ذلك و رفع الالزام تثبت المطلوبية لا

محالة و بضميمة عدم القول بالفصل ثبت ذلك في الجميع.

(و أما غير العبادات من المعاملات) بالمعنى الأعم من العقود و الايقاعات فالكلام فيها من جهات ثلاث:

(الاولى): في تصرف الصبي في مال نفسه باجازة الولي أو بغير اجازته.

(الثانية): في تصرفه في مال الولي باذنه.

(الثالثة): في تصرفه في مال الغير بالوكالة المطلقة عن المالك.

و في كل من هذه الجهات يقع البحث في مقامين (المقام الأول) في معاملات الصبي مستقلا بحيث يكون الفعل فعله حقيقة سواء كان ذلك في مال نفسه أو في مال الولي أو ملك الغير بالوكالة المطلقة عنه على نحو كان مفوضا.

(و الظاهر في هذا المقام) وفاقا للمعروف عدم نفوذ تصرفات الصبي اذا كان مستقلا فيها و يدل عليه قوله - تعالى - وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا اَلنِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ‌ فان ظاهره يفيد اناطة استقلال الصبي في التصرف بأمرين بلوغ النكاح و هو كناية عن الخروج عن حد الصبي و استيناس الرشد منه و الا كان ذكر الغاية بقوله (حتى اذا بلغوا) لغوا فلا وجه لما ذهب اليه أبو حنيفة من التفصيل في نفوذ معاملة الصبي بين ما اذا كان رشيدا فينفذ و بين ما اذا لم يكن رشيدا فلا ينفذ(1)

و قال ابن قدامة في المغني 246/4 كتاب البيع باب تصرف الصبي يصح تصرف الصبي المميز بالبيع و الشراء فيما اذا اذن له الولي في احدى الروايتين و هو قول أبي حنيفة و الثانية لا يصح حتى يبلغ و هو قول الشافعي لأنه غير مكلّف فأشبه غير المميز و في (روح المعاني) للآلوسي 204/4 في هذه الآية الاختبار قبل البلوغ عند أبي حنيفة.

فانه مناف للقيد المذكور في الآية المباركة.

1) أبو حنيفة يفصل بين الصبي المميز فينفذ تصرفه و ان لم يكن بالغا و بين ما اذا لم يكن مميزا فلا ينفذ يدل عليه ما في أحكام القرآن للجصاص 74/2 عند قوله (تعالى) في النساء/ 4 وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا اَلنِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ‌ قال أبو بكر الجصاص اختلف الفقهاء في اذن الصبي في التجارة فقال أبو حنيفة و أبو يوسف و محمد و زفر و الحسن بن زياد و الحسن بن صالح جائز للأب ان يأذن لابنه الصغير في التجارة اذا كان يعقل الشرى و البيع و كذلك وصي الأب و الجد اذا لم يكن وصي أب و يكون بمنزلة العبد المأذون له.

و لعل السر باختبار الرشد قبل البلوغ مع عدم وجوب دفع المال الا بعده ان لا يمنع البالغ الرشيد عن ماله بعد بلوغه حتى بمقدار زمان الاختبار فانه بحسب الغالب يحتاج الى مدة و لو قصيرة فاذا كان الاختبار بعد البلوغ لا بد و أن يمنع في زمان الاختبار عن تسليم ماله اليه و لا وجه له.

ثم لا يخفى ان الآية الشريفة و ان كانت مختصة بتصرف اليتيم في أموال نفسه مستقلا و لا يعم تصرفه في مال غيره الا انه يمكن الحاقه بعدم القول بالفصل أو بالأولوية (نعم) يعم جميع الصور رواية ابن سنان (متى يجوز أمر اليتيم قال حتى يبلغ أشده قال ما أشده قال احتلامه)(1)

و رواها عنه في الوسائل 629/2 باب 2 حد ارتفاع الحجر عن الصغير كتاب الحجر كما نقلناه عن الخصال (و أبو الحسين الخادم لم يذكر في الرجال). (عبد الرزاق الموسوي المقرم).

فان المراد من الجواز المضي و النفوذ

1) الرواية في خصال الصدوق 89/2 باب الثلاثة عشر من الطبع الأول قال حدثنا أبي عن سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر البزنطي عن أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال سأله أبي و أنا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره قال حتى يبلغ أشده قال و ما أشده قال احتلامه قال قلت قد يكون الغلام ابن ثمانية عشر سنة أو أقل أو أكثر و لا يحتلم قال اذا بلغ و كتب عليه الشيء جاز أمره الا أن يكون سفيها أو ضعيفا و رواها عنه في البحار 39/24 كتاب الحجر باب حد البلوغ و لكن فيه (عن البزنطي عن الحسين أبي الخادم عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام الخ.

و الأمر من العناوين العامة نظير عنوان الشيء فيعم جميع أفعاله مما يصدق عليه انه أمره سواء كان في مال نفسه أو في مال غيره.

(و أما المقام الثاني) و هو ما اذا كان الصبي آلة للغير بمنزلة شفتي الانسان في اجراء العقد أو الايقاع فالظاهر فيه هو الجواز بداهة عدم شمول الآية له كما ان الرواية المتقدمة أيضا غير شاملة له لعدم صدق أمر الصبي على ما ليس مستقلا فيه فتأمل بل يكون بمنزلة الآلة و يكون الفعل فعل غيره حقيقة و لذا ذكرنا تبعا للمحققين ان الخيار لا يثبت للوكيل في اجراء الصيغة لعدم صدق البيع عليه و كذا حديث (رفع القلم عن الصبي) فان المرفوع به و ان لم يكن خصوص المؤاخذة كما زعم المصنف رحمه اللّه لكون الرفع لا بد و ان يتعلق بما يكون أمر رفعه و وضعه بيد الشارع ابتداء و هو الأحكام كما بيناه في حديث الرفع الا انه انما يرفع الاحكام التكليفية المتوجهة الى نفس الصبي و لا يرفع الحكم عن غيره الا اذا كان الصبي واسطة في البين.

و بعبارة اخرى بعد ما كان الفعل الصادر من الصبي مستندا الى البالغ فلا يرتفع بحديث رفع القلم الاحكام المتوجهة اليه لكون الآلة صبيا و هو أجنبي عن رفع القلم عن الصبي كما هو ظاهر فلم يبق في البين ما يتمسك به لعدم نفوذ مطلق معاملة الصبي سوى ما ورد من ان عمد الصبي خطأ فلابد من البحث عن اختصاصه بباب الجنايات و الكفارات فلا يعم المقام و عدمه.

قوله رحمه اللّه: و يمكن ان يستأنس له أيضا... [1]

[1] الأخبار الواردة في المقام على طوائف ثلاث:

(الاولى): رواية رفع القلم و رواية ابن سنان المتقدمتين و قد عرفت ان مفاد رفع القلم عن الصبي ليس الا رفع الأحكام التي فيها كلفة على الصبي أي فعله القابل للمضي و عدمه بمناسبة اسناد الجواز اليه و لا يصدق ذلك إلاّ فيما اذا كان الصبي مستقلا في تصرفه و لو بالوكالة المطلقة عن الغير فلا يعم ما اذا كان آلة محضا لاجراء الصيغة فان الأمر لم يكن أمره و لا الفعل فعله.

(الطائفة الثانية): ما ورد من ان عمد الصبي و خطأه واحد من غير تقييد بباب الجنايات فاطلاقها شامل لجميع الموارد.

(الطائفة الثالثة): ما ورد من ان المجنون و المعتوه الذي لا يفيق و الصبي الذي لم يبلغ عمدهما خطأ تحمله العاقلة و قد رفع عنهما القلم و ظاهره الاختصاص بباب الجنايات فانها التي تحمله العاقلة.

(و ربما يتوهم) تقييد الاولى بها من باب حمل المطلق على المقيد و لكنه غير صحيح لعدم التنافي بينهما بعد كونهما مثبتين (الا انه) لا يمكن الأخذ باطلاقها لوجهين وجود المانع و عدم المقتضي اما المانع فهو القطع بعدم ارادة الاطلاق فان لازمه صحة صوم الصبي اذا أفطر متعمدا و صحة صلاته اذا قطعها لأن عمده بحكم الخطأ و هكذا اذا سلم على غيره لا يجب الرد عليه لكونه بحكم الخطأ الى غير ذلك مما لا يلتزم به فالاطلاق غير مراد جزما.

و أما عدم المقتضي فانه لم يرد في الرواية ان عمد الصبي كلا عمد و انما ورد ان عمده و خطأه واحد فيختص بموارد كان الفعل فيها بعنوان العمد موضوعا لحكم و بعنوان الخطأ محكوما بحكم آخر فيكون صدور ذلك الفعل من الصبي بمنزلة

صدوره من البالغ خطأ و هذا المعنى مختص بباب الجنايات و لا يجري في غيرها حتى كفارات الحج التي زعم المحق النائيني قدّس سرّه جريانه فيها فان بيع الخطأي انما يحكم بفساده لا بعنوان انه بيع خطأ بل من جهة عدم تحقق البيع العمدي الذي هو الموضوع للأثر و هكذا في بقية الموارد حتى الكفارات في الحج فانها مترتبة على الفعل العمدي فعدم ترتبه على الخطأ انما هو من جهة عدم تحقق الموضوع فتعميم مورد الرواية الى الكفارات لا وجه له.

و هذا بخلاف الجنايات فانها على أقسام ثلاثة الجناية العمدية و الجناية الخطأية و الملحقة بالخطأ و هو ما اذا كان أصل الفعل مقصودا دون عنوانه مثل ان يرمي شبحا باعتقاد كونه غزالا مريدا قتله فصادف انسانا فقتله فهذا ملحق بالخطأ.

و قد رتب في الشريعة المقدسة على كل من العمد و الخطأ حكم فيصح ان يقال الفعل الصادر من الصبي عمدا يلحقه حكم الصادر من البالغ خطأ.

نعم قد يوجد أحيانا موارد رتب فيها الأثر على الفعل الصادر خطأ. كما في بعض موجبات الكفارة في الحج مثل نتف الشعر فان عمده محكوم بحكم و خطأه محكوم بحكم آخر و هكذا بعض الامور التي يوجب تعمدها بطلان الحج و خطأها الكفارة الا انها أيضا خارجة عن مورد الرواية بعد ضم حديث رفع القلم اليها.

و ذلك لتوجه التكليف فيها الى نفس الفاعل الذي صدر عنه الفعل خطأ كوجوب الكف من الطعام في المثال المتقدم و قد عرفت ان حديث رفع القلم رفع جميع التكاليف عن الصبي فبعد ضمه اليها ينحصر المورد بما اذا كان الفعل الخطأي موضوعا للأثر و لم يكن الأثر تكليفا متوجها اليه بل كان متوجها الى غير البالغ كالعاقلة في باب الجنايات فان الدية عليها لا على الصبي.

و بالجملة المتحصل من الطائفة الاولى أعني حديث رفع القلم عن الصبي و رواية ابن سنان خصوصا بملاحظة اضافة الأمر فيها الى اليتيم و اسناد الجواز اليه ليس إلاّ عدم نفوذ تصرف الصبي فيما يصدق عليه أمر الصبي و يكون قابلا للنفوذ و عدمه كبيع الصبي و نكاحه و طلاقه مستقلا.

و أما مجرد اجرائه الصيغة فلا يصدق عليه ذلك لأن العقد حينئذ يكون عقد الموكل أو الولي و مجرد اجراء الصيغة ليس أمرا قابلا للنفوذ و عدمه فتأمل فما هو قابل للمضي ليس الا فعل البالغ و لا يمنع نفوذ فعله وساطة الصبي في اجراء الصيغة بعد كون الفعل فعلا له حقيقة كما ان عدم نفوذ تصرف الصبي حال صباه لا ينافي ترتب الأثر عليه بعد بلوغه كما اذا أتلف الصبي مال غيره فانه يصدق عليه حديث من أتلف بعد بلوغه فيجب عليه الخروج عن عهدته و أما الطائفة الثانية و الثالثة فلا اطلاق لهما لاختصاصهما بباب الجنايات على ما عرفت.

نعم تمسك المصنف رحمه اللّه باطلاق ذيل خبر البختري(1)و هو قوله عليه السّلام (و قد رفع عنهما القلم) لم يقيد بما اذا كان الصبي مستقلا في التصرف و لا بباب الجنايات و قد استظهر ذلك بأحد وجهين يرتبط به هذه الجملة مع الجمل السابقة بأن تكون علة لقوله عليه السّلام (تحمله العاقلة) فيتمسك باطلاق العلة و ان كان المعلول مختصا بالجنايات أو معلولا لقوله عليه السّلام عمد الصبي خطأ.


1) رواية أبو البختري وهب بن وهب القرشي عن الصادق عليه السّلام في قرب الاسناد/ 95 المطبعة الحيدرية سنة 1369 قال عليه السّلام في المجنون و المعتوه الذي لا يفيق و الصبي الذي لم يبلغ عمدهما خطأ تحمله العاقلة و قد رفع عنهما القلم و نقله عنه في الوسائل 472/3 باب 36 حكم غير المبالغ و غير العاقل في القصاص. (عبد الرزاق الموسوي المقرم).

قوله رحمه اللّه: عدم مؤاخذتهما بالاتلاف... [1]

و لكن الظاهر عدم تمامية شيء منهما اما فساد كونه علة لثبوت الدية على العاقلة فلعدم الملازمة بين الأمرين فضلا عن العلية فان ارتفاع القلم عن الصبي لا يستلزم ثبوت الدية على العاقلة اذ يمكن ارتفاع الدية رأسا و على فرض لزوم الدية من باب عدم ذهاب دم المسلم هدرا فيمكن ان تكون ثابتة على بيت المال أو على جميع المسلمين و على أي حال رفع القلم عن الصبي ليس علة لثبوت الدية على العاقلة.

و أما عدم كونه معلولا لقوله عليه السّلام عمد الصبي خطأ فلأنه لو اريد به كون عمده خطأ تكوينا أمكن تقريب العلية بوجه الا انه كذب محض فلابد و أن يكون ذلك تنزيلا بنحو الحكومة بمعنى ان الشارع نزل عمد الصبي بمنزلة الخطأ و معنى التنزيل نفي آثار المنزل عنه و اثبات آثار المنزل عليه و يكون المراد من التنزيل هنا نفي آثار العمد كالقصاص و ما هو شبه العمد كالدية من مال الجاني عن فعله و اثبات آثار الخطأ له لكن في خصوص ما اذا كان متوجها الى الغير لا الى الصبي لما قدمناه و هذا معنى رفع القلم عنه فهو متمم و مبين له لا معلوله.

و عليه لا بد و أن يختص بباب الجنايات لما بيناه من اختصاص تنزيل العمد منزلة الخطأ ثم لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا دلالة هذه الجملة على نفي الاعتبار عن التزامات الصبي مطلقا سواء كان باذن الولي أو بدونه كما استظهره المصنف رحمه اللّه فلا ربط لها بما نحن بصدده من سلب عبارة الصبي حتى في مجرد اجراء الصيغة مع استناد العقد و الالتزام الى غيره فلم يظهر لنا من الأحاديث المتقدمة شيء من ذلك.

[1] تعرض المصنف قدّس سرّه لفروع منها مسألة اتلاف الصبي و سببيته للضمان و عدمه و نقول اما ما ورد من ان عمد الصبي خطأ فلا يعم الاتلاف و نحوه مما لا يفرق فيه

قوله رحمه اللّه: كالتعزير... [1]

بين العمد و الخطأ كما هو ظاهر و هكذا رواية ابن سنان لعدم صدق أمر اليتيم خصوصا بعد اسناد الجواز و عدمه اليه على اتلافه و أما حديث رفع القلم فقد عرفت ان مفاده رفع الالزامات عن الصبي في الدنيا و الآخرة و استقرار الضمان ليس منها نعم انما يوجب الحكم التكليفي بالأداء بعد البلوغ حيث يعمه حديث من أتلف و لو باعتبار الاتلاف السابق عليه (و لا ينتقض) ببيع الصبي حيث لا يترتب عليه لزوم الوفاء حتى بعد البلوغ فانه غير نافذ بمقتضى رواية ابن سنان بخلاف الاتلاف حيث لم يكن مشمولا لها.

[1] لا اشكال في ثبوته على الصبي و انما الكلام في ان خروجه عن الأخبار المتقدمة بالتخصص أو التخصيص و يبتني ذلك على شمولها لنفي الأحكام الثابتة للصبي أو اختصاصها بنفي ما ثبت للبالغين فعلى الأول يكون خروج التعزير تخصيصا و على الثاني تخصصا و الأمر فيه سهل على أي حال.

بحث في التقاط الصبي و حيازته

لا يخفى ان بعض أفعال الصبي كالحيازة و احياء الموات و الالتقاط و نحوها ذكروا عدم ترتب الأثر عليها أيضا و الكلام فيها مبتن على أمرين:

(الأمر الأول): أن يكون القصد معتبرا في حصول الملك بها و هو خلاف اطلاقات أدلتها مثل قوله عليه السّلام من حاز ملك و قوله عليه السّلام من أحيا أرضا ميتة فهي له و قوله من سبق الى ما لم يسبق اليه غيره فهو أولى به الى غير ذلك.

(الأمر الثاني): أن يستفاد من الأخبار المتقدمة سقوط قصد الصبي أيضا عن الاعتبار و هو ممنوع لأنه لم يرد في شيء منها أن قصد الصبي كلا قصد و ما ورد من

قوله رحمه اللّه: و وصيته و ايصال الهدية و اذنه في الدخول... [1]

ان عمده خطأ مختص بباب الجنايات و حديث رفع القلم مفاده رفع الالزام عنه و رواية ابن سنان مختصة بما يصدق عليه أمر الصبي و يكون قابلا للنفوذ و عدمه فتأمل.

فتحصل مما تقدم ان العمدة من الروايات في المقام ما ورد من عدم جواز أمر الصبي حتى يحتلم و لا يعم الا ما يصدق عليه عنوان أمر الصبي مما هو قابل للجواز و عدمه فلا يشمل ما اذا كانت المعاملة مع البالغ و كان الصبي واسطة في اجراء الصيغة أو لمجرد القبض كما لا تعم احياء الموات و الحيازة و الالتقاط اما بناء على عدم اعتبار القصد فيها فواضح و أما بناء على اعتباره فيها فكذلك لعدم صدق الأمر على القصد و لم يرد في شيء منها ان قصد الصبي كلا قصد فتكون هذه الامور نافذة من الصبي.

[1] أما الوصية من الصبي البالغ عشر سنين فمنصوص عليها(1)و أما ايصال الهدية و اذنه في الدخول فلم نعرف وجها لاستثنائهما لعدم دخولهما في المستثنى منه فان مورده تصرفات الصبي التي تكون موضوعا لأثر شرعي و ليس شيء من الأمرين كذلك (أما ايصال الهدية) فلعدم كونه مقوما لعقد الهبة و لذا يمكن تحققه بواسطة


1) في الوسائل 673/2 باب 44 طبع عين الدولة روي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال اذا بلغ الغلام عشر سنين و أوصى بثلث ماله في حق جازت وصيته و عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام سألته عن وصية الغلام هل تجوز قال اذا كان ابن عشر سنين جازت وصيته و عن عبد الرحمن بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال اذا بلغ الغلام خمسة أشبار أكلت ذبيحته و اذا بلغ عشر سنين جازت وصيته و عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال اذا أتى على الغلام عشر سنين فانه يجوز له في ماله ما اعتق أو ما تصدق أو أوصى على حد معروف و حق فهو جائز.

قوله رحمه اللّه: بين أن يكون من الأشياء اليسيرة أو الخطيرة... [1]

حيوان و نحوه (و أما الاذن في الدخول) الى دار الغير فليس في نفسه موضوعا لجواز الدخول فان حصل منه الاطمئنان برضى المالك كما هو الغالب فهو المعتبر و الا فلا يجوز التصرف في مال الغير سواء كان الآذن بالغا أو صبيا فلا معنى لاستثنائهما بعد

عدم دخولهما في مورد البحث.

[1] استدل على التفصيل بين الامور الحقيرة و غيرها بقيام السيرة على نفوذ معاملة الصبي في الاولى و بقوله عليه السّلام نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن كسب الصبي ما لم يحسن صنعة بيده معللا بأنه ان لم يجد سرق(1)بدعوى ظهور التعليل بالأمر العرضي في ذلك فان عقد الصبي لو لم يكن نافذا كان الأنسب أن يعلل النهي به.

(و لكن الظاهر) عدم دلالة شيء منهما (أما السيرة) فان كان المدعي قيامها على نفوذ معاملة الصبي فيما اذا كان آلة لاجراء العقد أو القبض فهو و ان كان حقا كما عرفت الا انه غير مختص بالأشياء اليسيرة فانا بيّنا في المعاطاة عدم توقفها على الأخذ و الاعطاء أصلا على ما هو المتعارف كما في دخول الحمام و وضع الثمن في دخل الحمامي و لا يقل قبض الصبي عن عدمه و لا عن كوز الحمامي.


1) في الكافي 128/5 باب السحت رقم الحديث 8 مطبعة الحيدري بطهران عن السكوني عن أبي عبد اللّه قال نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن كسب الاماء فانها ان لم تجد زنت الا امة عرفت بصنعة يد و نهى عن كسب الغلام الذي لا يحسن صناعة بيده فانه ان لم يجد سرق و على هامش مرآة العقول 394/3 نفس الباب و رواه عنه في الوسائل 546/2 باب 61 كراهة كسب الصبيان الذين لا يحسنون صناعة و من لا يجتنب المحارم من أبواب ما يتكسب به طبع عين الدولة. (عبد الرزاق الموسوي المقرم).

قوله رحمه اللّه: قصدهما لمدلول اللفظ [1]

و بالجملة ما عليه السيرة من نصب الصبي على الدكان انما هو من جهة ان لا يسرق أحد من الدكان شيئا لا من جهة المعاملة معه مستقلا فانه بمنزلة كوز الحمامي (نعم) فيما اذا كان القبض مقوما للعقد كما في الهبة لا اعتبار بقبض الصبي لا بما انه قبض بل من حيث كونه التزاما مقوما لقبول العقد و هو مرفوع عن الصبي.

(و ان كان المدعى) قيام السيرة على نفوذ معاملة الصبي مطلقا فهو ممنوع من المتدينين و اما الاستدلال بالخبر فهو مضافا الى ضعفه بالسكوني ان المراد بالكسب ان كان معناه المصدري فلا محالة يكون النهي تنزيهيا متوجها الى أولياء الصبي للحكمة المذكورة فيه و عليه فهو أجنبي عن المقام و ان كان المراد به المكسوب فالمنهي عنه هو أخذ مطلق ما يحصل في يد الصبي نظير النهي عن كسب الاماء معللا بانهن ان لم يجدن زنين.

قصد المتعاقدين اللفظ و المعنى

[1] الكلام في المسألة يقع من جهات (الاولى) اعتبار قصد اللفظ و المعنى و هذا هو المعروف فلابد أن يقصد كل من المتبايعين اللفظ بأن لا يكون صدوره منه لسبق اللسان و نحوه كما انه لا بد من قصدهما المعنى و هو ابراز اعتبار المبادلة بين المالين فاذا قصد اللفظ و لم يقصد المعنى كما في الهازل أو من كان في مقام عد الصيغ فقال بعت فانه لا يتحقق به البيع و بعبارة اخرى قد تقدم ان البيع متقوم بأمرين الاعتبار النفساني و ابرازه خارجا فلابد في تحققه من ثبوت كلا الأمرين فقصد اللفظ و المعنى من مقومات البيع فلا يصح التعبير عنهما بشرط العقد أو المتعاقدين فان الشرط انما يطلق على الأمر الخارج عن حقيقة المشروط.

قوله رحمه اللّه: لعدم تحقق القصد في عقد الفضولي و المكره [2]

[2] ذكر الشهيد في المسالك انهما قاصدان للفظ دون المعنى و نقول اما المكره فهو بحسب الغالب قاصد للمعنى كما انه قاصد للفظ الا اذا كان ملتفتا فيجري العقد بنحو التورية و لا يقصد معناه فالاكراه غير مستلزم لعدم قصد المعنى كما ان الاكراه على الامور الخارجية من الأكل و الضرب و نحوه لا يستلزم عدم قصد حقيقتهما فما يكون عقد المكره فاقدا له ليس الا طيب النفس و لذا ينفذ اذا لحقه و لو لم يكن المكره قاصدا للمعنى فحقيقة البيع لا تكون متحققة فكيف ينفذ بلحوق طيب النفس به الذي هو مما اتفقت عليه آراء الخاصة في قبال العامة(1)

الاكراه يوجب فساد البيع لفقده الرضا و يزول الاكراه باجازته و رضاه و قال في ص 188 اذا كان البائع و المشتري مكرهين جميعا على البيع و الشراء فلكل منهما خيار الفسخ و الاجازة لأن البيع فاسد في حقهما و الثابت بالبيع الفاسد ملك غير لازم فان أجازا جميعا جاز و ان أحدهما دون الآخر جاز في جانبه و بقي الخيار في حق صاحبه و في المبسوط للسرخسي الحنفي 93/24 كتاب الاكراه باب الاكراه على البيع اذا أكرهه على بيع عبده يساوي عشرة آلاف درهم من هذا الرجل بألف درهم ففعل و قبض الثمن و لما تفرقوا من المجلس قال البايع أجزت البيع كان جائزا لأن الاكراه لا يمنع انعقاد أصل البيع فقد وجد ما به ينعقد البيع من الايجاب و القبول من أهله في محل قابل له و لكن امتنع نفوذه لانعدام تمام الرضا بسبب الاكراه فاذا أجاز البيع غير مكره فقد تم رضاه به فاذا أجاز بيعا باشره غيره نفذ باجازته فاذا أجاز بيعا باشره هو بنفسه فهو أولى به (انتهى) و حكى عن الحنفية في الفقه على المذاهب الأربعة 208/2 مثل ذلك.

نعم عند الحنابلة و المالكية و الشافعية بطلان بيع المكره و عدم تأثير لحوق الاجازة فيه و في الفروع لابن مفلح الحنبلي 442/2 و بتل المآرب لعبد القادر الشيباني الحنبلي 83/1 في البيع شرطه الرضا فلا يصح بيع المكره بغير حق (و في المدونة) لمالك 391/2 باب العتق قال مالك لا يجوز على المستكره شيء من بيع و عتق و نكاح و وصية و صلح سواء أكرهه السلطان أو غيره و في مختصر أبي الضياء في فقه مالك 8/5 لا يلزم في الجبر على البيع اجماعا و لا على سببه على المذهب لقوله (تعالى) إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و قوله صلّى اللّه عليه و آله لا يحل مال امرء مسلم الا عن طيب نفس.

و في المهذب لأبي اسحاق الشيرازي الشافعي و المنهاج للنووي/ 39 و شرحه تحفة المحتاج لابن حجر 7/2 كتاب البيع لا يصح عقد المكره في ماله بغير حق لعدم الرضا و استدل له في المهذب بقوله عليه السّلام انما البيع عن تراض فدل على انه لا بيع عن غير تراض.

و بذلك نقل فتواهم في الفقه على المذاهب الأربعة 208/2.

.

1) الحنفية وافقوا الخاصة بصحته مع الاجازة اللاحقة و هذه نصوصهم في كتبهم الفقهية قال الكاشاني الحنفي في بدايع الصنائع 186/7 كتاب الاكراه:

و أما الفضولي فهو أيضا قاصد للفظ و المعنى معا بطيب نفسه و لذا ينفذ بيعه بلحوق الاجازة فان عقده لا يفقد عدى شرط من شروط صحته و هو رضا المالك و اجازته فاذا تحقق رتب عليه الأثر لا محالة فلا معنى للقول بأن الفضولي غير قاصد للمعنى.

و أما ما يتوهم من عدم قصدهما للامضاء الشرعي لعلمهما بعدم ترتبه على العقد الصادر منهما ففيه (أولا) ان المكره كثيرا ما يتخيل ترتب الأثر شرعا على بيعه الصادر عن اكراه و لذا يكره انشاءه نعم قد يكون عارفا بالحكم الشرعي و لكن عدم قصد الامضاء الشرعي غير ملازم للاكراه بل قد يتحقق ذلك في غير مورد الاكراه كما اذا اعتقد الأب جريان الربا بين الوالد و الولد فأوقع المعاملة الربوية مع ولده لا بقصد الامضاء الشرعي و هكذا في بيع الفضولي فانه قد يقصد الامضاء الشرعي بزعمه انه مالك للبيع لشبهة موضوعية أو حكمية مثل ما اذا تخيل اختصاص الحبوة بالولد الأكبر فباع غيره حصته منها فان البيع فضولي مع قصد الامضاء الشرعي.

(ثانيا) نفرض عدم كون المكره و الفضولي قاصدين للبيع الممضى شرعا الا انه

قوله رحمه اللّه: هل يعتبر تعيين المالكين‌؟ [1]

أي أثر يترتب على ذلك مع انه لا دليل على اعتباره أصلا كما انه ليس مقوما لحقيقة البيع (فتلخص) ان بيع المكره و الفضولي لا يفقدان سوى طيب النفس في الأول و رضى المالك في الثاني و الشاهد عليه نفوذه بلحوق الاجازة و طيب النفس.

[1] هذه الجهة الثانية و هي اعتبار قصد من يقع عنه البيع و تعيينه سواء كان عن نفسه أو غيره ثم على فرض اعتباره هل يلزم تعريفه للمشتري أم لا و هكذا من طرف المشتري فيقال هل يلزم تعيين من يقع البيع له و قصده و تعريف البائع به و تفصيل الكلام فيه تارة في البيع الشخصي و اخرى في البيع الكلي. أما البيع الشخصي فتعيين المالك فيه ثبوتا يغني عن تعيينه اثباتا بالقصد أو باللفظ (و بعبارة اخرى) اعتبار شيء في البيع لا بد و ان يكون لأحد أمرين اما لدخالته في ماهيته و تقومها به و اما لقيام الدليل على اعتباره و المفروض فقدان كلا الأمرين في المقام فلا يقاس هذا بالنكاح الذي يعتبر فيه تعيين الزوجين لكونهما ركنا فيه بخلاف البيع فانه بمعنى المبادلة بين المالين و ليس للمالكين دخل في حقيقته أصلا ليلزم تعيينه.

ثم لو فرضنا قصد البيع أو الشراء لغير المالك فهل يصح أو لا فيه تفصيل و يتصور بحسب مقام الثبوت على صور ثلاثة.

(الاولى) أن يقصدا حقيقة البيع أعني انتقال الثمن الى مالك المثمن و بالعكس غاية الأمر يجعل فائدة البيع لشخص ثالث و هذا متعارف مثلا يعطي أحد البزازين دراهم ليقطع ثوبا الى ولده أو خادمه أو يعطي الثمن للخباز و يقول له اعط زيدا خبزا.

(الثانية) أن يقصدا حقيقة البيع و يقصدا نقضه أيضا و في هاتين الصورتين يتحقق البيع و يحصل النقل و الانتقال و قصد رجوع الفائدة الى الغير أو قصد النقض لا أثر له

بعد ذلك أصلا فتأمل.

(الثالثة) أن لا يكونا قاصدين للمبادلة أعني دخول الثمن في كيس من خرج المثمن منه و بالعكس بل يقصد دخوله في ملك شخص آخر و في هذه الصورة يكون البيع فاسدا هذا كله في مرحلة الثبوت.

و أما مرحلة الاثبات فاذا ذكر ذلك في اللفظ بأن قال بعتك ثوبي بدراهم عمرو لا يترتب عليه الأثر لأنه من قبيل الكلام المحتف بما يصلح للقرينية فلا يكون مبرزا لحقيقة البيع.

(و أما اذا كان الثمن و المثمن كليا) فلا مناص من تعيين من يقع البيع عنه أو يكون الشراء له لا من جهة اعتباره في نفسه بل لأن الكلي لا يكون مالا قابلا للمملوكية ما لم يضف الى ذمة معينة فوقوع البيع عليه متوقف على ذلك (و من هنا يظهر) ان قياس المقام ببيع أحد عبديه أو طلاق احدى زوجتيه (مع الفارق) فان البيع أو الطلاق في المثالين انما يتعلق بالموجود الخارجي بالقاء الخصوصيات الشخصية كما في بيع صاع من صبرة فان المبيع فيه ليس الكلي الطبيعي و قد اشترط أداءه من الصبرة خارجا ليوجب تخلفه الخيار بل المبيع هو الموجود الخارجي لكن الخصوصيات الشخصية ليست موردا للبيع بل هي باقية في ملك البايع و سيأتي الكلام فيه انشاء اللّه فبيع أحد العبدين يكون المبيع فيه خارجيا لا كليا.

(و حاصل الكلام) في اعتبار تعيين البايع و المشتري انه قد يكون المبيع و الثمن شخصيا و قد يكون كليا اما اذا كان شخصيا فالتعيين بقصد البايع و المشتري غير معتبر قطعا لأن البيع عبارة عن المبادلة بين المالين و هي متحققة بقصد المبادلة بين المالين الشخصيين و لو لم يقصد من يقع البيع له و من يقع الشراء له (نعم) قد يقصد

خلاف ذلك و هو وقوع البيع لغير البايع و الشراء لغير المشتري كان يقول بعتك هذا ليكون الثمن ملكا لعمرو فهل يحكم في مثل هذا بفساد البيع أو بصحته و لغوية قصد الخلاف أو يفصل بين ما اذا ذكر ذلك في اللفظ فيفسد البيع و بين القصد المجرد فلا يبطل كما ذهب اليه التستري وجوه بل أقوال.

(و التحقيق) ان قصد الخلاف قد يرجع الى عدم حقيقة البيع و المبادلة بين المالين بل يكون المقصود الهبة فلا بيع حينئذ ليكون صحيحا أو فاسدا و التعبير بفساد البيع مسامحة و قد لا يرجع الى ذلك بأن يكون واقع البيع مقصودا و هذا يتصور على صور:

(أحدها) أن يقصد رجوع نتيجة البيع و فائدته الى شخص آخر.

(ثانيها) أن يكون تمليكا للغير بعد تحقق البيع و من هذا القبيل شراء الوالد لولده و المولى لعبده و لا اشكال في صحته.

(ثالثها) أن يقصد الخلاف من باب الادعاء و عقد القلب على كون غير المالك مالكا تشريعا و من هذا القبيل بيع اللصوص و الغاصبين و من يتوكل عنهم فانه مبني على كون غير المالك مالكا تنزيلا.

(رابعها) أن يكون ذلك من باب الخطأ في التطبيق مثل الوكيل عن غيره في بيع أمواله فتخيل أن العين الفلانية مملوكة للموكل فباعها له ثم ظهر كونها ملكا لشخص آخر و في هاتين الصورتين يتحقق البيع للمالك غاية الأمر يتوقف نفوذه على اجازته.

و بما ذكرناه ظهر فساد التفصيل فان قصد الخلاف ان كان مخلا بقصد واقع المبادلة بين المالين كان البيع فاسدا سواء ذكر في اللفظ أم لم يذكر و الا فلا يفسد

على التقديرين.

و يلحق بالمبيع الشخصي ما اذا كان المبيع أو الثمن كليا في ذمة شخص خاص و قصد البيع أو الشراء لشخص آخر فانه يجري فيه الصور المذكورة هذا كله في الشخصي.

و أما الكلي فلابد من تعيين البايع اذا كان المبيع كليا و المشتري اذا كان الثمن كليا و لا يصح البيع اذا اضيف الى واحد غير معين كان يقول بعتك منا من الحنطة في ذمة أحد هؤلاء و عدم الصحة لا من جهة اعتبار التعيين في البيع بل من جهة ان الطبيعي لا مالية له اذا لم يضف الى ذمة معينة فلا يكون قابلا لوقوع البيع عليه.

(و لا يقاس) ببيع الكلي في المعين فان مالك الشخص يكون مالكا للكلي في ضمنه فكما له بيع الشخص له بيع الكلي المشتمل عليه لأنه مال حقيقة و هذا بخلاف الطبيعي.

(كما انه لا يقاس) ذلك بطلاق احدى زوجتيه أو عتق أحد عبديه فانه مضافا الى كونهما منصوصين ان الواجد لزوجية الزوجتين واجد لزوجية الجامع بينهما و مالك العبدين مالك للجامع بينهما فله طلاق الجامع بين الزوجتين و عتق أحد العبدين و اختيار احدى الخصوصيتين بعد ذلك.

و هذا بخلاف الطبيعي فانه في مقام الثبوت اذا قصد اضافة الكلي الى ذمة معينة يكون قابلا لوقوع البيع عليه و الا فلا و اما مقام الاثبات اذا باع الكلي من دون اضافة الى ذمة معينة أصلا يكون هو المطالب به لانصراف الاطلاق الى ذمته فيلزم هو به في مقام النزاع و الترافع و ليس هذا تفصيلا في مقام الثبوت كما تخيله المحقق النائيني قدّس سرّه بل هو انصراف في مقام الاثبات و النزاع و لذا يجري في طرف الثمن أيضا

قوله رحمه اللّه: و أما تعيين الموجب لخصوص المشتري... [1]

و اما من حيث الثبوت فصحة البيع واقعا و عدمه مبتنية على قصد الذمة المعينة و عدمه.

هذا كله في تعيين البايع و المشتري في نفسه.

[1] لابد من التكلم هنا في جهات لم يتكلم المصنف رحمه اللّه الا في بعضها:

(الجهة الاولى): هل يلزم معرفة المشتري من يقع عنه البيع انه الموجب أو وكيله و من هو الموكل و هل يلزم أن يعرف البايع المشتري بمعنى ان القابل نفس المشتري أو وكيله أو لا يعتبر سوى تعيين البايع بحسب قصد الموجب و المشتري بحسب قصد القابل مقتضى اطلاق قوله «أوفوا بالعقود» و قوله «أحل اللّه البيع» هو الثاني لعدم قيام دليل على التقييد و لا فرق بين العقود التي يكون المتعاقدان فيها ركنا للعقد كالنكاح أو يكونان ركنا فيه كالبيع فيصح أن تزوج المرأة نفسها لمن قصده القابل سواء كان نفسه أو غيره المعين عنده و كذا لا مانع من أن يطلب القابل أن يهب المالك ماله لمن قصده سواء كان نفسه أو غيره المعين عنده و ان لم يكن معينا عند الواهب و هكذا في الوصية يوصي بماله لمن قصده القابل سواء كان نفسه أو شخصا آخر معينا عنده فان الواضح كون المراد من ركنية الطرفين هو تقوم العقد بهما لا لزوم تعين كل منهما عند الآخر.

(الجهة الثانية): اذا قصد الموجب الايجاب لشخص المخاطب و قصد القابل القبول لغيره كموكله فالظاهر فساده لأنه يعتبر في العقد التطابق بين الايجاب و القبول بأن يرد القبول على ما ورد عليه الايجاب مثلا اذا زوجت المرأة نفسها من الشخص المخاطب و قبل المخاطب التزويج لموكله فلا يصح لأن ما ورد عليه القبول و بالعكس و هذا اذا باع أحد شيئا بثمن في ذمة لشخص المخاطب فقبل بثمن

في ذمة موكله لم يتحقق التطابق بين الايجاب و القبول.

(نعم) فيما اذا كان الثمن أو المبيع شخصيا و كان عدم التطابق من جهة الخطأ في التطبيق صح العقد كما اذا قصد البايع البيع لشخص المشتري بثمن شخصي باعتقاد انه المالك له و كان المالك في الواقع موكله صح البيع لأنهما قصدا حقيقته و قصد خصوص المشتري انما كان من الخطأ فلا اعتبار به.

(الجهة الثالثة): هي التي تكلم فيها المصنف رحمه اللّه و حاصلها انه اذا لم يعلم ان الموجب قصد المخاطب بشخصه في مقام الايجاب أو قصده الأعم من شخصه أو كونه وكيلا عن الغير مثلا اذا قال الموجب زوجتك و قال القابل قبلت لموكلي فهل يجوز مثل هذا أو لا فصل المصنف قدّس سرّه بين العقود و حاصل ما ذكره ان لفظ الخطاب و ان كان ظاهرا في المخاطب بشخصه الا انه تبدل ظهوره الأولي بظهور ثانوي في بعض العقود كالبيع لقرينة عامة و هي عدم كون خصوصية البايع و المشتري ملحوظة فيه غالبا فقول الموجب بعتك يكون ظاهرا في ايجاب البيع للمخاطب أعم من كونه قابلا لنفسه أو لموكله (نعم) في غير البيع من العقود كالاجارة أو الهبة أو النكاح يكون ظهور الخطاب باقيا على حاله و لم يتبدل بظهور ثانوي.

(و التحقيق) انه تارة يعلم ان الموجب قصد في الايجاب المخاطب بشخصه و حينئذ لا يجوز القبول لموكله (و اخرى) يعلم انه قصد الأعم من كونه هو القابل أو لموكله و في هذا يجوز القبول لنفسه أو عن موكله (و ثالثة) لم يحرز قصده فلا يجوز القبول الا لنفسه لا لموكله.

(و بعبارة اخرى) لابد في صحة القبول عن كل من احراز كون الايجاب للمخاطب أعم من نفسه أو من موكله و الا فلا يصح القبول عن الموكل لأن الشبهة

قوله رحمه اللّه: من شرائط المتعاقدين الاختيار [1]

مصداقية لا مفهومية لأن مفهوم البيع واضح مبين و هو المبادلة بين المالين و الشبهة في كون الايجاب الخاص مع القبول عن الموكل هل هو مصداق له أم لا فيكون التمسك بالعام حينئذ من التمسك به في الشبهة المصداقية.

(الجهة الرابعة): ان الموجب اذا قصد الايجاب لموكل المخاطب فهل يجوز له بلفظ الخطاب كان يقول بعتك و يقصد البيع لموكله أو يقول زوجتك و يقصد التزويج لموكله الظاهر عدم صحة ذلك الا فيما اذا كان للفظ ظهور عرفي في المنشأ لأنه يعتبر في العقد أمران الاعتبار النفساني و ابرازه خارجا بما هو مبرز له و أما ما لا يكون في العرف مبرزا له كابراز المبادلة بين المالين بلفظ ضربت فلا يصح ذلك و فيما نحن فيه اذا أبرز علقة الزوجية بين المرأة و موكل القابل بلفظ زوجتك الذي هو غير مبرز له لا يصح العقد و هذا ظاهر و لذا لا يصدق الزوج على مجري القبول.

(نعم) لا يبعد كون بعتك مبرزا عرفا لانشاء العقد للمخاطب الأعم من كونه بنفسه مشتريا أو الشراء لموكله.

الاختيار و الاكراه

اشارة

[1] قد عرفت في المسألة السابقة اعتبار قصد اللفظ و المعنى لكون العقد متقوما بأمرين الاعتبار النفساني و ابرازه بمبرز دال عليه و لا يتحقق الا بقصد اللفظ و المعنى و في هذه المسألة يقع الكلام في اعتبار كون القصد ناشئا عن اختيار و ليس المراد به الارادة في مقابل الجبر بل المراد به الرضا و طيب النفس و يستعمل كل ذلك بمعنى و قد استعملت الارادة بمعنى الرضا في قوله (لاطلاق الا ارادة)(1)بأن يكون الداعي


1) لم أجد هذا اللفظ في الوسائل و المستدرك و الموجود في الوسائل 154/3 باب 36 قول أبي عبد اللّه عليه السّلام الطلاق من غير استكراه و لا أضرار.

له طيب نفسه و رضاه النفساني لا الاجبار من الغير و المعروف بين الخاصة اعتبار ذلك و خالفنا العامة في الطلاق جزما حيث ذهبوا الى صحة المكره و لعلهم يلتزمون به في سائر العقود و الايقاعات أيضا(1)

و اختلف المذاهب في البيع ففي الفقه على المذاهب 208/2 و ما بعدها عند الحنابلة و المالكية و الشافعية يشترط الاختيار واقعا في نفوذ البيع و قال الحنفية كل عقد يكره عليه الشخص ينعقد غاية الأمر أقواله التي يكره عليها منها ما يحتمل النسخ كالبيع و الاجارة و منها ما لا يحتمله كالنكاح و الطلاق و العتاق و النذر ففي الأول يقع البيع فاسدا فله أن يجيزه بعد زوال الاكراه و له أن يفسخه و في الثاني يمضى عقد المكره و ليس له أن ينقضه. (عبد الرزاق الموسوي المقرم).

.

و كيف كان فلابد لنا من التكلم في جهات:

(الجهة الاولى): في بيان ما ذكره الشهيدان و العلامة اما الشهيدان فذكرا ان الفضولي و المكره قاصدان اللفظ دون المعنى و ظاهره ان فساد عقدهما ليس من جهة فقدان طيب النفس و انما هو من جهة عدم قصد المعنى و يلوح ذلك من كلام العلامة قدّس سرّه حيث ذكر ان طلاق المكره صحيح اذا كان ناويا.

و المحتمل في عبارة الشهيدين وجوه:


1) في المغني لابن قدامة 118/7 كتاب الطلاق قال لا تختلف الرواية عن أحمد ان طلاق المكره لا يقع و روي ذلك عن عمر و علي و ابن عمر و ابن عباس و ابن الزبير و جابر بن سمرة و به قال عبد اللّه بن عبيد بن عمر و عكرمة و الحسن و جابر بن زيد و شريح و عطاء و طاوس و عمر بن عبد العزيز و ابن عون و ايوب السخيتاني و مالك و الأوزاعي و الشافعي و اسحاق و أبو ثور و أبو عبيد (و أجازه) أبو قلابة و الشعبي و النخعي و الزهري و الثوري و أبو حنيفة و صاحباه لأنه طلاق من مكلف في محل يملكه فينفذ كطلاق غير المكره.

(الأول) أن يراد بهما انهما غير قاصدين مدلول اللفظ نظير الهازل و من هو في مقام عد الصيغة.

(و يرده) أولا انه خلاف الوجدان فان المكره و الفضولي قاصدان المعنى قطعا.

(ثانيا) ان لازمه عدم نفوذ العقد بلحوق الاجازة و الرضا و عليه فلم يتحقق عقد في الخارج أصلا.

(ثالثا) عليه تكون فتواهما مطابقة لفتوى أهل السنة و هو كما ترى.

(الوجه الثاني) أن يكون المراد ما ذكره المصنف قدّس سرّه من كونهما قاصدي للّفظ و المدلول و عدم قصدهما مضمون العقد و هو الأثر الشرعي أو الممضى عند العقلاء لأنهما يعلمان بعدم ترتب الأثر على عقدهما شرعا و عرفا.

(و فيه) انه لو اريد بالمضمون اعتبار المتعاملين فهو متحقق في افق النفس بعد قصد اللفظ و المدلول على ما هو المفروض لا محالة و ان اريد به اعتبار العقلاء أو الشارع:

(فأولا) ليس الاكراه و الفضولي مستلزما لذلك دائما بل انما يكون ذلك فيما اذا كان المكره أو الفضولي عالما بفساد عقده و الا فربما يقصد الامضاء الشرعي خصوصا الفضولي اذا أخطأ في التطبيق و تخيل كونه مالكا لمال غيره فباعه.

(و ثانيا) انه لا دليل على اعتبار قصد ذلك في صحة المعاملة و لذا يصح من غير المتدينين أيضا مع اعتقدادهما بالشرع فضلا عن قصدهما للامضاء الشرعي فهذا الاحتمال ممنوع صغرى و كبرى.

(الوجه الثالث) ان يراد من العبارة ما احتمله (المحقق النائيني) قدّس سرّه من عدم كونهما قاصدين لما هو ظاهر كلامهما فان ظاهر قول الموجب بعت انه مالك للبيع

و انه بداعي طيب نفسه لا باكراه الغير و يستظهر المشتري منه ذلك و المفروض انه لم يرد ذلك و أراد غيره.

(و فيه) أولا انه قد يكون في البين قرينة على الفضولية و على الاكراه بل ربما يصرح بذلك للمشتري و معها كيف يكون اللفظ ظاهرا في ذلك‌؟!

(و ثانيا) قصد خلاف الظاهر بهذا المعنى لأي وجه يوجب فساد العقد و الى الآن لم يظهر معنى صحيح لعبارة الشهيدين.

و أما عبارة العلامة قدّس سرّه فهي أجنبية عما نحن فيه بل راجعة الى مسألة اخرى و هي عدم تحقق الاكراه مع التمكن من التورية فاذا أكره أحد على الطلاق و كان متمكنا من التورية فلم يفعل و نوى حقيقة الطلاق صح لعدم كونه مكرها عليه و في ذيل العبارة شاهد عليه فراجع.

(الجهة الثانية) في دليل اعتبار طيب النفس في صحة العقود و هو امور:

(الأول): قوله (تعالى) لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ فانه سبحانه و تعالى نهى عن تملك الأموال بجميع الأسباب سوى التجارة عن تراض و المراد بالتراضي ليس الارادة و الاختيار كما توهمه بعض المحققين فانه خلاف الظاهر أولا و ثانيا لو اريد به الارادة لزم اللغو فان التجارة متقومة بالارادة فذكر الرضا بمعناها بعدها يكون لغوا.

(الثاني) قوله صلّى اللّه عليه و آله لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه فان اسناد عدم الحل الى العين الخارجية ظاهر في عدم حل جميع التصرفات حتى الاعتبارية فلا يستقر شيء منها الا بطيب النفس و المراد به الرضا لا الاختيار كما عرفت.

(الثالث) ما ورد في الطلاق انه لا طلاق الا بارادة و لا بد أن يراد بها الرضا دون

ما يقابل الجبر فان الطلاق لا عن اختيار لا يكون طلاقا عقلا فلا مجال لنفيه شرعا و بعدم القول بالفصل يثبت اعتباره في ساير العقود و الايقاعات.

استدارك

لقد ذكرنا في الآية المتقدمة إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ ان المراد منه طيب النفس لا الاختيار في مقابل الاكراه و تقريبه بوجهين:

(الأول) ظهور الرضا في طيب النفس و لذا يصح ان يقال بعت مالي بدون رضاي فيما اذا باعه عن اكراه و لو كان الرضا بمعنى الاختيار لم يصح السلب (الثاني) انه لو كان بمعنى الاختيار لزم اللغو لأن التجارة متقومة بعنوان الاختيار فالتقييد به ثانيا لغو ظاهر.

(و توضيحه) ان الاختيار افتعال من الخير بمعنى طلب الخير و هو اعمال القدرة فيما يراه الانسان خيرا لنفسه.

ثم ان الفعل الاختياري في مقابل الفعل الطبعي و القسري يكون على ثلاثة أقسام:

(الأول) أن يراه الفعل خيرا لترتب فائدة دنيوية أو اخروية عليه كما اذا رأى ان المشتري يشتري متاعه بثمن جيد فيختار بيعه أو يتصدق بماله للفقراء لأن فيه فائدة اخروية فيختارها بطيب نفسه.

(الثاني): ان يراه خيرا لنفسه بعنوان ثانوي كما اذا ابتلي بمرض و توقف علاجه على بيعه داره و صرف الثمن في المعالجة فان بيع الدار حينئذ و ان لم يكن خيرا له بعنوانه الأولي الا انه يراه خيرا لنفسه بالعنوان حيث يكون مقدمة لدفع ضرر خارجي متوجه اليه في نفسه أجنبي عن المعاملة و في هذا الفرض يكون البايع

طيب النفس للبيع و يحمد ربه (تعالى) على ما سهل عليه من بيع الدار لمعالجته.

(الثالث) أن يراه خيرا لنفسه بعنوان ترتب ضرر على نفس ترك المعاملة و في هذا الفرض و لو كان الاختيار موجودا لأنه يراه خيرا لنفسه بعنوان ثانوي الا انه ليس طيب النفس به و انما يغضبه ذلك و لذا لا يحمد ربه (تعالى) على طلاق زوجته ففي هذه الصورة الاختيار موجود دون الرضا و لا بد من حمل التراض على هذه الصورة لئلا يلزم اللغو.

(الوجه الرابع) حديث الرفع و الاستدلال به على ما اخترناه من عدم الحاجة الى التقدير فيه واضح فان لكل من الأفعال التي تعلق بها الحكم الشرعي أو جعل موضوعا لحكم شرعي موجود في عالم التشريع فيصح اسناد الرفع اليه حقيقة فيكون المعنى رفع المتعلق للحكم أو الموضوع لحكم شرعي اذا تحق عن اكراه أو اضطرار أو خطأ و معنى رفعه عدم تعلق الحكم به و عدم كونه موضوعا للأثر الشرعي.

(و عليه) فيستفاد منه رفع الأحكام الوضعية عند الاكراه بلا حاجة الى التمسك باستشهاد الامام عليه السّلام به لفساد الحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك و ان كان يستفاد منه الكبرى الكلية أعني رفع الآثار الوضعية بحديث الرفع و ان كان الحلف بغير اللّه (تعالى) باطلا عندنا.

ثم انه ظهر من مطاوي ما ذكرناه أمران:

(الأول): انه اذا اضطر الانسان الى معاملة لكونها مقدمة لدفع ضرر أهم متوجه اليه كما في الفرض الثاني من الفروض الثلاثة المتقدمة فهل يحكم فيه بالفساد للإضطرار أم لا و التمسك للفساد بالآية المباركة أو النبوي المتقدم لا وجه له لتحقق

طيب النفس و الرضا في المعاملة الصادرة عن اضطرار كما عرفت.

نعم ربما يتوهم الاستدلال على ذلك بحديث الرفع لاشتماله على رفع ما اضطروا اليه و لكن لا يقام له وزن لورود حديث الرفع مورد الامتنان و ليس رفع الآثار الوضعية في مورد الاضطرار امتنانا على الامة بل هو مناف للإمتنان (نعم) ارتفاع الحكم التكليفي كحرمة الخمر اذا اضطر الى شربه موافق للإمتنان.

(الثاني) ان الاكراه اذا كان عن حق كاكراه النبي صلّى اللّه عليه و آله أو الامام عليه السّلام أو ولي الأمر على معاملة لا يوجب فسادها و الا كان الاكراه لغوا بل لم يكن اكراه على المعاملة و انما هو اكراه على مجرد اللفظ و حينئذ اذا اكره المحتكر على بيع الطعام أو المديون على أداء دينه أو الممتنع عن الإنفاق على زوجته على طلاقها صح ذلك لأنه اكراه عن حق.

(و حاصل الكلام) في المقام ان الصحيح اعتبار طيب النفس في المعاملة و قد استدللنا عليه بالنبوي المعروف و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله لا يحل مال امرء مسلم الا عن طيب نفسه و قوله (تعالى) الا أن تكون تجارة عن تراض و ذكرنا ان المراد بالتراضي طيب النفس الا الإرادة و لا مباديها فان التجارة من العناوين القصدية و ليست من قبيل الأفعال الخارجية كالأكل و الشرب و نحوه فهي متقومة بالقصد و لا يتحقق بدون الإرادة و مباديها فلابد و ان يراد بالتراضي طيب النفس لئلا يلزم اللغوية هذا مع امكان الإستدلال على فساد معاملة المكره بحديث الرفع.

(اذا عرفت ذلك) فلابد من التكلم في جهات:

(الأولى): انه بناء على التمسك لبطلان معاملة المكره بحديث الرفع لا بد في بطلان المعاملة من وجود مكره على ذلك و الا فلا يتحق الإكراه (و عليه) فاذا اعتقد

أحد وجود مكره له على بيع داره مثلا فباعها و لم يكن في الواقع مكره صح ذلك البيع بناء على كون الوجه في البطلان حديث الرفع على ما ذكره السيد في (الحاشية) فانه ناقش في دلالة الآية بدعوى ظهور التراضي في الإرادة لتقوم الإكراه بوجود المكره فلا اكراه.

أما على ما سلكناه من كون الفساد من جهة عدم طيب النفس فيفسد البيع لذلك لأن طيب النفس أمر قلبي يتبع الإعتقاد فاذا اعتقد وجود المكره فباع لم يكن بيعه صادرا عن الرضى النفساني و لو لم يكن هناك مكره واقعا و اذا انعكس الأمر ينعكس كما اذا كان هناك مكره على بيع داره و لم يحرزه البايع لعدم معرفته بلغته فباع داره صح بيعه لصدوره عن طيب نفسه.

فالثمرة تظهر بين مسلكنا و ما ذهب اليه المصنف رحمه اللّه و السيد في الحاشية في صورة اعتقاد وجود المكره له على بيع داره فباعها مع فرض عدم وجود المكره في الواقع.

(الجهة الثانية) هل يعتبر في الاكراه كون الضرر المترتب على الترك صادرا من الآمر أو يكفي ترتبه و لو من غيره مثلا اذا أمره أحد ببيع داره و لم يكن الضرر على الترك مترتبا من قبله بل يحصل الضرر من قبل شخص آخر كما اذا كان الآخر عزيزا عند السلطان و ظن صاحب الدار ان مخالفة عزيز السلطان تحمل السلطان على اضراره فاذا باع الدار في هذا الحال فهل يفسد البيع أو لا؟ الظاهر فساده اما بناء على طيب النفس فواضح لعدم تحققه في الفرض و اما بناء على مانعية الاكراه فلأن أمر الآخر و ان لم يكن اكراها الا انه موضوع لأمر السلطان و اكراهه و ترتب الضرر على مخالفته و نظيره ما اذا أمر السلطان شخصا ببيع داره و مضى فان الضرر

على الترك يكون من قبيل خدمه و شرطته فان أمر السلطان يكون موضوعا لاكراه الخدم فالاكراه موجود لا محالة.

(و أما اذا فرضنا) ان الضرر المتوجه على الترك سماوي كما اذا علم البايع انه اذا خالف أمر السيد أو المؤمن الخاص ببيع داره فلم يفعل يتضرر بمرض أو موت أو نحوهما فباعها فالظاهر صحة البيع لما عرفت ان اكراه الشارع على المعاملة لا يوجب فسادها لأن الشارع هو المالك حقيقة و مرجع اكراهه الى الرخصة في المعاملة و امضائها في مورد خاص و ان فرضنا صدور المعاملة عن غير طيب النفس و الا لزم اللغو كما عرفت و لذا لم يستشكل أحد في صحة الوقف لو بنى أحد مسجدا خوفا من زوال نعمه اذا لم يفعله و لم يقل أحد ببقاء ذلك على ملك مالكه.

(الجهة الثالثة) هل يعتبر في الاكراه الظن بالضرر أو يكفي الاطمئنان أو احتمال الخوف ظاهر المصنف رحمه اللّه اعتبار الظن و لا يبعد ذلك بناء على ان الموجب للفساد هو عنوان الاكراه و ربما يقال بتقومه بظن الضرر و ان كان قابلا للمناقشة و أما بناء على المختار فلا ينبغي الاشكال في كفاية الاحتمال و لذا اذا قال له أحد: بع دارك و الا حبستك فاحتمل صاحب الدار ان الآمر رجل عادي لا يتمكن من حبسه ثم احتمل انه حاكم البلد فخاف منه و باع داره فلا يكون هذا البيع عن طيب نفس بالضرورة فيقع باطلا.

قوله رحمه اللّه: هل يعتبر في موضوع الاكراه... [1]

التورية

[1] هذه الجهة الرابعة مما يتعلق بالاكراه و هي هل يعتبر في صدق الاكراه اعتبار عدم التمكن من التفصي بالتورية أو بغيرها أو لا يعتبر أقوال:

(ثالثها) التفصيل بين الاكراه على المعاملة و الاكراه على غيرها من الأفعال كالشرب و نحوها فيعتبر ذلك فيها دون المعاملات.

(و رابعها) التفصيل بين امكان التفصي بغير التورية فينافي الاكراه و بين امكان التفصي بالتورية فقط فلا يخل بصدق الاكراه.

(خامسها) التفصيل بين الحكم و الموضوع فيقال باعتبار عدم التمكن من التفصي في صدق الاكراه موضوعا و عدم اعتباره فيه حكما فاذا اكره أحد على بيع داره و أمكنه التفصي فلم يفعل و باع الدار كان فاسدا و ان لم يصدق عليه عنوان الاكراه.

ثم ليعلم ان التورية لا تختص باللفظ الموهم للمخاطب أو السامع خلاف ما قصده المتكلم بل هي عبارة عن مطلق الابهام و قد فسرت به فتعم التورية في القول أو الفعل فاذا فعل الانسان فعلا أوهم للغير وقوع فعل آخر كان مصداقا للتورية فالتورية تارة تكون في القول و اخرى في الفعل كما اذا اكره على شرب الخمر - مثلا - فصبه في جيبه بنحو تخيل المكره انه شربه.

«و عليه» فلا وجه لما صنعه بعض المحققين من التمثيل لما اذا تمكن المكلف من التفصي بغير التورية بالتورية في الفعل كالمثال المتقدم فانه من التورية في الفعل.

اذا عرفت ذلك نقول: الذي ينبغي أن يقال هو ان الاكراه لا موضوعية له في فساد المعاملة الصادرة عن اكراه و انما الموضوع للبطلان عدم تحقق طيب النفس الذي هو معتبر في صحة المعاملة. و انما نحكم بصحة المعاملة الصادرة عن اكراه من

جهة فقدانها طيب النفس.

«و عليه» فاذا أكره احد على معاملة كبيع داره - مثلا - و كان متمكنا من التفصي و قد مثل له المصنف بما اذا كان المكره - بالفتح - جالسا في حجرته وحده فاكرهه المكره على بيع داره و كان له خدم خارج الغرفة و كان متمكنا من الاستعانة بهم في رفع المكره - بالفتح - من دون استلزامها الحرج أو الضرر أو المشقة التي لا تتحمل عادة فلم يفعل و باع داره فالظاهر صحته لصدوره عن طيب النفس و الرضا و ليس صادرا عن الاكراه. لأنا ذكرنا ان الميزان في صدور المعاملة عن اكراه أن تكون صادرة عن خوف ضرر مالي أو عرضي أو بدني المفروض في المقام عدم صدور البيع عن ذلك فلا محالة يكون صادرا عن طيب نفسه و لو لم يكن راضيا به لم يفعله.

فلا وجه لما ذهب اليه المصنف رحمه اللّه من فساد ذلك لعدم صدوره عن طيب النفس و فصل بين تعلق الاكراه بهذا النحو بالمعاملة فيوجب فسادها لاستلزامه صدورها لا عن طيب النفس و بين تعلقه بغيرها كشرب الخمر - مثلا - فلا يوجب رفع حرمته لعدم صدق الاكراه مع التمكن من التفصي بدون ضرر و حرج و مشقة فالتفصيل بين المعاملات و غيرها من الاكراه لا وجه له.

«و أما ما ورد» في رواية ابن سنان عن الصادق عليه السّلام لا يمين في قطيعة رحم و لا في جبر و لا في اكراه، قلت أصلحك اللّه، و ما الفرق بين الجبر و الاكراه، قال: الجبر من السلطان و يكون الاكراه من الزوجة و الام و الأب و ليس ذلك بشيء. فلا يستفاد منه عدم اعتبار عدم التمكن من التفصي في صدق الاكراه فان الاكراه من الأب و الام و الزوجة لا يمكن التفصي عنه و يترتب على مخالفتهم اختلال امور معائش الانسان و أي ضرر أعظم منه.

«و أما التفصيل» بين التمكن من التفصي بالتورية فقط و بغيرها أيضا كما صرح به في المتن بدعوى انه عند التمكن من التفصي بالتورية يترتب الضرر على ترك الفعل و لو بنحو القضية الشرطية، أي اذا علم المكره بذلك ضره و يكفي هذا في صدق الاكراه و هذه القضية الشرطية غير متحققة عند التمكن من التفصي بغير التورية.

(ففيه) انه لم ندر من أي لغوي عرف المصنف رحمه اللّه تقوم الاكراه بالقضية الشرطية و من فسره بذلك‌؟ حتى مع القطع بعدم تحقق المقدم و ان المكره لا يعرف ذلك بل دائرة الإكراه أضيق من ذلك.

«نعم» اذا احتمل بالإحتمال العقلائي ان المكره يعرف ذلك و حصل له الخوف حرم ذاك التورية و تحقق عنوان الاكراه، فهو متقوم بالقضية الشرطية مع احتمال وصول الأمر الى المكره لا مع القطع بعدمه، فهذا التفصيل أيضا ساقط.

«و بالجملة» لا فرق في اعتبار عدم التمكن من التفصي في صدق الاكراه و رفعه للآثار بين الآثار التكليفية و الوضعية فاذا أكره أحد على معاملة و كان متمكنا من التفصي و لم يفعل كما في المثال المتقدم لا يكون الاكراه رافعا لأثر المعاملة لأنها حنيئذ تكون صادرة عن طيب النفس لعدم كونها صادرة عن الخوف فتكون صحيحة كما اذا اكره على شرب الخمر مثلا و كان متمكنا عن التفصي لا يكون مثل هذا الاكراه رافعا للحكم التكليفي، فالتفصيل بينهما بدعوى عدم طيب النفس في المعاملة فاسدة.

كما ان التفصيل في امكان التفصي بالتورية فقط و بغيرها و القول بارتفاع الأثر بالاكراه في الأول لصدق القضية الشرطية دون الثاني لعدم صدقها أيضا فاسد إذ لا يكفي في تحقق الاكراه مجرد القضية الشرطية مع الجزم بعدم تحقق مقدمها و ان

المكره - بالفتح - لا يعلم بالتورية، بل لا بد في تحقق الاكراه من احتمال ذلك المورث للخوف فان التورية حينئذ تكون محرمة فيتحقق عنوان الاكراه و لو مع التمكن منها.

«و أما ما استدل به المصنف رحمه اللّه» في عدم اعتبار العجز عن التفصي بالتورية من اطلاقات كلمات الأصحاب و الأخبار و حملها على فرض العجز من الحمل على الفرد النادر. فعجيب منه قدّس سرّه لأن موضوع الروايات و كلماتهم انما هو عنوان الاكراه فاذا فرض تقومه بالعجز لا يعم غيره ليكون تخصيصه بصورة العجز من الحمل على الفرد النادر بل لا يعمها الموضوع رأسا.

«و أما التمسك» بحديث عمار و تقريره صلّى اللّه عليه و آله إياه على عدم التورية حيث لم ينبه النبي صلّى اللّه عليه و آله عمارا بها، ففيه:

(أولا): أن جلالة قدر عمار يقتضي انه ورّى في ذلك و لم يقصد الكفر و التبري من النبي صلّى اللّه عليه و آله و دينه حقيقة، فأظهر الكفر صورة، كما ان الكافر اذا اكره على الشهادتين يورّي فيهما من دون قصد المعنى و عقد القلب عليهما. و لذا لم يأمر النبي صلّى اللّه عليه و آله بها.

(ثانيا): لا يبعد القول بعدم امكان التورية في اظهار الكفر و التبري كما لا يمكن ذلك في السب و الهتك، فلا يكون التورية رافعا لحرمته. مثلا: اذا سبّ أحد بعض الأكابر علنا على رؤوس الأشهاد و قصد في نفسه شخصا فاجرا لضرب على فعله لأن مجرد قصد غيره لا يرفع عنوان هتك المؤمن الكبير و قبحه، فليس في عدم تنبيه النبي صلّى اللّه عليه و آله للتورية تقرير لعدم لزومها.

و الظاهر ان ما ذكره المصنف رحمه اللّه من صراحة بعض الأخبار بحسب المورد في

قوله رحمه اللّه: لو أكرهه على بيع واحد غير معيّن... [1]

فرض التمكن من التورية أراد به حديث عمار، لأن غيره لا ظهور له في ذلك فضلا عن الصراحة.

«و أما التمسك» برواية ابن سنان المتقدمة. بدعوى ان الغالب التمكن من التفصي عن اكراه الوالدين و الزوجة، فغير تام أيضا. لما عرفت ان الموضوع فيها عنوان اكراه الزوجة فلا يعم الا صورة عدم التمكن من مخالفتهم و ترتب الضرر عليها.

«نعم» يستفاد منها أمر، و هو كفاية الضرر الخفيف في رفع الأثر الوضعي كاليمين و ان لم يكن رافعا للأثر التكليفي كالحرمة لضعفه و قلته فتأمل. لأن الغالب ان الضرر المترتب على مخالفة الأبوين أو الزوجة ضعيف جدا مثل النزاع و الجدال الداخلي، لا يرفع الحكم التكليفي و لذا لا يكتفى بمثله في رفع الحرمة اذا أكرهت الزوجة زوجها على شرب الخمر و لا يترتب على تركه الا الاختلال الداخلي و لكن يرتفع به الأثر الوضعي في المعاملات و منها اليمين فتأمل. فالصحيح اعتبار العجز عن التفصي في صدق الاكراه.

«و أما التفصيل» بين الاكراه من حيث الموضوع دون الحكم، بدعوى ان جريان حكم الاكراه مع القدرة على التورية تعبدي، فلم نعرف له وجها لأن ذلك يحتاج الى قيام الدليل على ثبوت حكم الإكراه لغير الإكراه و هو مفقود هذا كله في بيان أصل الإكراه فيقع الكلام في فروعه.

[1] المحكي عن جماعة صحة العقد اذا اكره على الجامع بينه و بين غيره كما اذا اكره على بيع داره أو طلاق زوجته فطلقها بدعوى ان ما وقع في الخارج ليس بشخصه متعلقا للإكراه لأن الإكراه انما تعلق بالجامع دون الشخص فهو صادر عن طيب النفس فيترتب عليه الأثر. و قد أورد عليه المصنف رحمه اللّه:

(أولا): بالنقض و ان الاكراه على الجامع لو لم يكن رافعا لأثر ما وقع في الخارج لكونه واقعا عن طيب النفس لزم عدم ترتب الأثر على الإكراه مطلقا لأن الإكراه دائما يكون على الجامع و الطبيعي و الخصوصيات تكون خارجة عن حيز الإكراه.

مثلا يكره على البيع و أما من حيث الخصوصيات الشخصية من المكان و الزمان و الفارسية و غيرها، فلم يتعلق بها اكراه و يكون تحققها بطيب النفس.

(و فيه): أن النقض غير واد لأن الخصوصيات على قسمين:

«منها»: ما تكون دخيلة في موضوع الأثر بل تكون هي الموضوع حقيقة كما في الإكراه على الجامع بين البيع و الطلاق، فان خصوصية الطلاق هي المؤثر في أثر البينونة و المفروض تحققها بطيب النفس، و ليس ذاك الأثر مترتبا على الجامع الذي تعلق به الإكراه فما تعلق به الإكراه ليس موضوعا للأثر و ما هو الموضوع للأثر لم يتعلق به الاكراه.

و «منها»: ما لا تكون دخيلة في الأثر أصلا كالخصوصيات الشخصية في البيع فانها و ان لم تكن متعلقة للإكراه الا انها لا يترتب عليها أثر أصلا، و انما الأثر للطبيعي و المفروض تعلق الإكراه به، فلا يقاس احدى الخصوصيتين بالاخرى.

و الذي ينبغي أن يقال: انه اذا تعلق الاكراه بالجامع بين الأفراد العرضية و لو انتزاعيا ليس كل من افراده بخصوصه متعلقا للاكراه لما عرفت من ان الفعل انما يكون مكرها عليه فيما اذا كان صادرا عن خوف ترتب ضرر على تركه، و من الواضح ان ترك كل من الأفراد أو الفردين العرضيين لا يترتب على تركه الضرر اذا كان تركا الى بدل، أي تركه باتيان الفرد الآخر و هكذا العكس، فليست الأفراد حينئذ مكرها عليها، و انما هي مصداق للمكره عليه لا نفسه و كذلك الحال في

الاضطرار الى الجامع.

و قد ذكرنا في بحث الأوامر ان متعلق الأمر في الوجوب التخييري ليس إلاّ عنوان أحد الأشياء، أو الشيئين، و أما الأفراد بخصوصياتها فليست متعلقة للأمر.

مثلا اذا قال المولى صل أو صم ليس المأمور به خصوص الصوم و لا خصوص الصلاة، بحيث من يختار الصلاة كانت هي الواجبة في حقه، و من اختار الصوم كان هو الواجب عليه، فانه مناف للإشتراك في التكليف، بل كل من الأفراد يكون مصداقا للمأمور به، و يجري هذا في تعلق كل من الإكراه أو الاضطرار الى الجامع.

اذا عرفت هذا «نقول»: صور الاكراه على الجامع خمسة. لأنه «تارة» يتعلق الإكراه أو الإضطرار بالجامع بين محرمين فيكرهه على أحد الأمرين من شرب الخمر أو قتل النفس. و «اخرى»، يتعلق بالجامع بين الحرام و المباح. و «ثالثة» يتعلق بالجامع بين المباح و المعاملة. و «رابعة» يتعلق باحدى المعاملتين بالمعنى الشامل للعقود و الإيقاعات. و «خامسة» يتعلق بالجامع بين الحرام و المعاملة أي بين ما تعلق به الحكم التكليفي و الوضعي.

«أما الصورة الاولى»: و هي تعلق الاكراه بأحد المحرمين، فقد عرفت ان كلا منهما بخصوصه ليس مكرها عليه، و انما الاكراه متعلق بالجامع فترتفع حرمته بالإكراه فيجوز ارتكابه بل قد يجب، و لكن بما ان الجامع لا يمكن ايجاده الا في ضمن احدى الخصوصيتين، فمقدمة لارتكاب الجامع المكره عليه يضطر المكلف بارتكاب احدى الخصوصيتين فيثبت الترخيص في احداهما بنحو التخيير. فاذا أتى بالجامع في ضمن احداهما لم يرتكب محرما.

«نعم» اذا أتى بالجامع في ضمن كلتا الخصوصيتين، فقد ارتكب المحرم لعدم

ثبوت الترخيص الا في احداهما. فاذا كانت الخصوصيتان متساويتين في الأهمية يتخير المكلف بينهما، و ان كان احداهما أهم، كما اذا اكره على شرب الخمر أو شرب الماء المتنجس تعين ارتكاب المهم دون الأهم، لأن شرب الخمر في المثال مشتمل على شرب النجس و زيادة.

«و أما الصورة الثانية»: و هي الإكراه على الجامع بين الحرام و المباح، فهو غير رافع لحرمة الحرام، و ان صدق الإكراه الى الجامع بينه و بين المباح. و لا أثر لمثل هذا الاكراه لأن الجامع بين الحرام و المباح لم يكن حراما، و ليس المكلف مضطرا الى ارتكاب الخصوصية المحرمة مقدمة لإتكاب الجامع الذي اكره عليه، بل يكون المقام نظير ما اذا كان المكلف متمكنا من التفصي بغير التورية.

«و أما الصورة الثالثة»: و هي تعلق الإكراه بالجامع بين المباح و المعاملة، كما اذا اكره أحد على السكوت أو بيع داره مثلا، فالإكراه فيها أيضا لا يرفع أثر المعاملة اذا اختارها، لما تقدم في الصورة السابقة، فان المعاملة في الفرض تكون صادرة عن طيب النفس، اذ لا نعني بها الا ما يقابل المعاملة الصادرة عن الخوف، و من الظاهر ان الاقدام عليها في الفرض ليس من أجل الخوف على الترك فتصح.

و من هنا ظهر الحال، فيما اذا اكره على الجامع بين المعاملة الصحيحة و الفاسدة بأن قال له: بع دارك أو أوقع معاملة غررية مثلا، فان الإكراه على الفاسدة لا أثر لها، فاذا اختار الصحية صحت اذا كان عالما بفساد المعاملة الغررية، لصدورها عن طيب النفس لا الإكراه، و لا الإضطرار الجامع بينهما خوف الضرر على الترك اذ ليس في ترك الصحيحة ضرر ليكون صدورها عن اكراه أو اضطرار. و هكذا ظهر الحال اذا اكره على الجامع بين المعاملة الصحيحة و ما يكون مورد حق الغير، كما اذا

اكره على الجامع بين بيع داره و إيفاء دينه.

«و أما الصورة الرابعة»: و هي ما اذا اكره على أحد المعاملتين كطلاق زوجته أو بيع داره، فتفسد فيها المعاملة التي يختاره المكره، و ذلك لأن الإكراه و ان لم يتعلق بكل من المعاملتين، و انما تعلق بالجامع، الا انك عرفت اضطرار المكره الى ارتكاب احدى الخصوصيتين مقدمة لدفع الضرر المترتب على ترك الجامع، فهو مضطر الى احدى المعاملتين، و هذا الاضطرار يرفع الأثر عما يختاره المكره خارجا.

و هذا الاضطرار لا يقاس بالإضطرار الذي قلنا بعدم كونه رافعا للأثر الوضعي، لأن شمول حديث الرفع له خلاف الإمتنان، و ذلك لأن الإضطرار هناك كان ناشئا عن الضرر الخارجي، و في المقام الإضطرار ناش من ضرر داخلي أعني الضرر المترتب على ترك الجامع من جهة الإكراه عليه و هذا رافع للأثر الوضعي أيضا، بل ينافي طيب النفس.

«و أما الصورة الخامسة»: و هي ما اذا تعلق الإكراه بالجامع بين الحكم التكليفي و الوضعي، كما اذا أكره على بيع داره أو شرب الخمر مثلا. فلابد من التكلم فيها من وجهين. أحدهما من حيث الحكم التكليفي و انه يرتفع الحرمة بالإكراه أو لا؟ و ثانيهما من حيث الحكم الوضعي.

«أما الحكم التكليفي» فالظاهر عدم ارتفاعه، و ذلك لأن المعاملة ليست من المحرمات و انما هي من المباحات، فيكون المقام من قبيل الإكراه على الجامع بين الحرام و المباح، فيكون المكلف متمكنا من التفصي عن ارتكاب الحرام باختيار المعاملة، فالحرمة لا ترتفع بذلك.

«و أما الحكم الوضعي» اذا اختار البيع. فالظاهر عدم ترتبه عليه، و ذلك لصدوره عن خوف ترتب الضرر على الترك، بعد فرض بقاء الحرمة في الطرف الآخر.

«و بعبارة اخرى» شرب الخمر ضرر في نفسه فيترتب على ترك البيع أحد ضررين:

اما شرب الخمر. و اما الضرر المتوعد عليه من طرف المكره، فليس صادرا عن طيب النفس بل يكون صادرا عن خوف الضرر الجامع بين الإكراه و الإضطرار. هذا كله في الإكراه على الجامع بين الأفراد العرضية.

«و أما الإكراه» على الجامع بين الأفراد الطويلة، كما اذا اكره على فعل محرم في اليوم أو في الغد - مثلا - أو اكره على بيع داره في اليوم أو بعده، فهل يكون رافعا للأثر عن أحدهما، من غير فرق بين الفرد السابق و اللاحق في الأحكام التكليفية و الوضعية، أو لا يكون رافعا للأثر الا عن الفرد اللاحق مطلقا، أو يفصل بين التكاليف و الوضعيات، ففي التكليفيات لا يرتفع الأثر الا عن الفرد اللاحق بخلاف الوضعيات، فانه يرتفع الأثر بالإكراه فيه و لو اختار الفرد السابق لسراية الاكراه اليه، و لتساوي الفردين بالنسبة الى الجامع المكره عليه، كما ذكره المحقق النائيني رحمه اللّه و ذكر في الاصول تعين الفرد السابق في التكليفيات في صورة واحدة:

و هي ما اذا كان الفرد اللاحق أهم في نظر الشارع، كما اذا اكره على شرب النجس في اليوم أو قتل مؤمن في الغد، فانه يتعين عليه دفع الإكراه بالفرد السابق و اختياره، لأن أهمية الفرد اللاحق يكون معجزا شرعيا عنه فيجب حفظ القدرة على الفرد اللاحق بارتكاب الفرد السابق‌؟

«و نقول»: أما ما أفاده في فرض أهمية اللاحق، فهو تام «و أما ما ذكره» من التفصيل فغير تام.

«توضيح ذلك»: ان الإكراه على الجامع بين الأفراد الطويلة لا يوجب كون الفرد السابق صادرا عن خوف الضرر على تركه الذي هو الجامع بين الإكراه و الإضطرار، لعدم ترتب ضرر على تركه في نفسه، و انما يترتب الضرر على تركه المنضم الى ترك الفرد اللاحق، و لذا لا يجوز للمكلف ارتكابه.

و هكذا الحال في التكاليف الوجوبية، اذا اكره المكلف على ترك أحد واجبين طوليين لا يجوز له ترك الفرد الأول حفظا للقدرة على ارتكاب الفرد اللاحق. بل لابد له من الاتيان بالواجب المتقدم، فيتعين ترتب الضرر على الثاني فيجوز تركه لا محالة.

«نعم» يختص ما ذكرناه، بالواجبات الاستقلالية دون الضمنية، كما اذا اكره أو اضطر الى ترك التشهد مثلا في الركعة الثانية أو الرابعة فانه لا يتعين فيه ترك الفرد اللاحق و الاتيان بالسابق الا في الموارد المنصوصة؛ «و ذلك» لأن الأمر بالمركب يسقط بتعذر بعض أجزائه لا محالة.

«الا انه» في الصلاة ثبت الأمر بالمقدار الميسور منها، اما للإجماع، أو للروايات، أو لغير ذلك. و هذا الأمر الحادث بعد التعذر يدور أمره بين ان يكون يكون متعلقا بالصلاة مع التشهد في الركعة الثانية، أو بخصوص الصلاة مع التشهد في الركعة الأخيرة، أو مع التشهد في الجملة، فيكون من صغريات دوران الأمر بين التعيين و التخيير، و قد بينا في الاصول ان الأصل يقتضي البراءة عن التعيين، فلا يقاس الإضطرار أو الإكراه بالجامع في الواجبات الضمنية بالواجبات الاستقلالية، لأن الشك هناك في سقوط التكليف عن الفرد الأول بالإكراه بالجامع و في المقام في حدوث التكليف و تعلقه بخصوص الفرد الأول.

قوله رحمه اللّه: ثم إن اكره أحد الشخصين... [1]

«نعم» في بعض الأجزاء يظهر من الأدلة تعين الإتيان بالفرد السابق مع الإضطرار الى ترك الجامع، كالقيام، لقوله عليه السّلام: «اذا قوى فليقم». فانه يصدق التمكن منه في الركعة الاولى، اذا لم يتمكن منه الا في إحدى الركعات. هذا كله في التكاليف.

و قد ظهر الحال في الوضعيات أيضا، فان الفرد السابق من المعاملة التي اكره على الجامع بينها و بين الفرد اللاحق ليس مما يخاف الضرر على تركها في نفسه إلاّ منضما بترك الآخر، ليكون مكرها عليها أو مضطرا اليها، فاذا اختارها المكره كان صدورها عن طيب نفسه و اختياره، فتصح. و هذا بخلاف الفرد اللاحق، فانه يصدر عن خوف الضرر على تركه بعد ما ترك الفرد الأول لا محالة.

«نعم» بناء على ما اختاره في المتن من عدم تحقق طيب النفس بمجرد الإكراه مع امكان التفصي بالخروج عن المحل الذي هو فيه، و لو لم يكن فيه حرج و لا ضرر و لا مشقة، أمكن القول بعدم ترتب الأثر على الفرد الأول من المعاملة في المقام اذا اختارها، الا انك عرفت فساد المبنى.

[1] اكراه أحد الشخصين أو الأشخاص يكون نظير الواجب الكفائي الذي ذكرنا تعلق الوجوب فيه بالجامع بين الشخصين أو الأشخاص، ففي اكراه أحد الشخصين أيضا يكون متعلق الإكراه هو الجامع بينهما، و هو «تارة» يكون في مورد الأحكام التكليفية، و «اخرى» في الأحكام الوضعية. و على الثاني «تارة» يكون المكره عليه متعددا مع قطع النظر عن المصدر و «اخرى» يكون تعدده بلحاظ المصدر، فالأقسام ثلاثة:

«أما القسم الأول»: أعني اكراه أحد الشخصين على فعل محرم، فالظاهر انه لا

يرفع الأثر التكليفي - أي الحرمة - عن فعل كل منهما، الا اذا اطمأن بأن الآخر لا يأتي به، أو احتمل ذلك احتمالا عقلائيا لخوف الضرر على تركه. «و ذلك» لأن التكليف ينحل الى تكاليف عديدة بحسب أفراد المكلفين، و يكون لكل منهم تكليفا مغايرا لتكليف الآخر أجنبيا عنه. و لا يسقط التكليف عن كل منهما الا اذا اطمأن بالضرر، فانه حجة، أو احتمله احتمالا عقلائيا، «و الا» فاذا احتمل ان الآخر يرتكبه، لكونه غير مبال بالدين مثلا، بحيث ارتفع عنه خوف الضرر على الترك فالتكليف المتعلق به باق لا بد له من إمتثاله، و لا يجوز مخالفته.

«و أما القسم الثاني»: و هو ما اذا تعلق الإكراه بالجامع بين الشخصين في الوضعيات مع فرض تعدد المكره عليه في نفسه، كما اذا اكره الجائر أحد الشخصين على بيع داره، فان بيع كل من الدارين في نفسه يغاير بيع الدار الآخر و هذا القسم يكون ملحقا بالقسم الأول، فان كلا منهما ان احتمل عقلائيا رافعا للخوف صدور البيع من الآخر و مع ذلك أقدم على بيع داره، لا محالة يكون بيعه بطيب نفسه، و لا يكون صادرا عن خوف الضرر، فيكون صحيحا. و أما اذا لم يحتمل ذلك، أو احتمله و لم يكن احتمالا رافعا للخوف، فيكون العقد الصادر منه مستندا الى الخوف، فيكون فاسدا.

«و أما القسم الثالث»: و هو الفرض مع اتحاد المكره عليه في نفسه و كون تغايره بلحاظ تغاير المصدر كما اذا اكره أحد الوكيلين على بيع دار موكله الشخصية فان المكره عليه حينئذ يكون أمرا شخصيا خارجيا و الاختلاف يكون من ناحية مصدر بيع الدار الشخصية، أو نفرض تعلق الإكراه بما يعم الوكيلين و الموكل.

«و الظاهر» ارتفاع الأثر عن العقد في هذا القسم على جميع التقادير «و ذلك» لأن

قوله رحمه اللّه: و اعلم ان الإكراه قد يتعلق... [1]

موضوع الأثر فيه ليس هو العقد الصادر عن الوكيل بمعناه المصدري، و انما هو العقد المستند الى الموكل بالمعنى الاسم المصدري، و العقد بهذا المعنى - أي العقد المستند الى الموكل - لا يكون صادرا عن طيب النفس، بل يكون صادرا عن اكراه و لو لم يكن بمعناه المصدري كذلك.

«و بعبارة اخرى» مورد الامضاء الشرعي هو العقد الصادر عن الجامع بين الوكيلين لا عن خصوص كل منهما، و المفروض كون العقد الصادر عن الجامع مكرها عليه، فيكون فاسدا سواء علم المصدر بعدم اقدام الآخر عليه أو احتمله أو علم بخلافه.

[1] صور المسألة ثلاثة: لأنه قد يتعلق الإكراه بالمالك العاقد كما هو الغالب و قد يتعلق بالمالك دون العاقد. و قد ينعكس الأمر فيتعلق الإكراه بالعاقد دون المالك.

«أما الصورة الاولى»: فقد تقدم الكلام فيها و ان الإكراه فيها رافع للأثر، سواء كان وضعيا أو تكليفيا على تفصيل تقدم.

و «أما الصورة الثانية»: كما اذا اكره المالك على توكيل غيره في بيع داره، و بعد تحقق الوكالة باعها الوكيل باختياره و طيب نفسه، فالإكراه فيها لا محالة يكون في التوكيل، فيكون فاسدا. فان حصل للممالك طيب النفس بالوكالة في أثناء الإكراه و وقوع العقد، فتصح الوكالة بناء على صحة العقد الصادر عن اكراه اذا لحقه طيب نفسه مالكه، فتنفذ معاملة الوكيل مطلقا. و الا فتكون المعاملة الصادرة عن الوكيل فضولية.

فان كانت قابلة للحوق الاجازة بها و لحقته الاجازة صحت، كما في العقود. و أما اذا لم تكن قابلة، بأن كانت ايقاعا، كما اذا اكره الزوج على توكيل غيره في طلاق

زوجته فوكله، فطلقها اختيارا. فانهم ادعوا الإجماع على بطلان الايقاع الفضولي و عدم قابليته للحوق الإجازة به، و ان كان مشمولا لدليل صحة الفضولي على ما سيأتي الكلام فيه فلا محالة تكون فاسدة لا يترتب عليها الأثر و هكذا اذا كانت قابلة للاجازة و لكن لم يجزها المالك.

و «أما الصورة الثالثة»: و هي ما اذا تعلق الإكراه بالعاقد دون المالك. و في هذه الصورة «تارة» يكون المكره - بالكسر - هو المالك و «اخرى» يكون غيره و على الثاني «تارة» يكون المكره - بالفتح - وكيلا عن المالك للعقد و «اخرى» يكون شخصا أجنبيا عنه.

«أما ان كان المكره هو المالك»: كما اذا اكره الزوجة عالم البلاد على تزويج نفسها لشخص خاص، أو أكرهه المالك على بيع داره. فالظاهر هو الصحة و لا يترتب الأثر على الاكراه. «و ذلك» لعدم شمول شيء من أدلة رفع الأثر عن الإكراه للمقام.

«أما قوله سبحانه»: الا أن تكون تجارة عن تراض. فلأنه انما يعتبر التراضي في التجارة، و لا تصدق التجارة على فعل مجري الصيغة ليعتبر صدوره عن طيب نفسه، و المعتبر فيها على ما استظهرناه من الآية رضا المالك و من بمنزلته من الولي و الوكيل دون غيره. و المفروض تحققه في المقام.

و «أما النبوي»: و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله: لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه. فهو و ان كان شاملا للتصرفات الاعتبارية، مثل: النقل و الانتقال، لأن حذف المتعلق يفيد العموم. «الا» ان المعتبر في الحل طيب نفس من له المال دون غيره.

و «اما حديث الرفع»: فلأنه لا يعم الا ما يكون موردا للوضع لو لا الإكراه أو

الإضطرار. و فعل مجري الصيغة بنفسه ليس موضوعا للأثر فتأمل.

«و بعبارة اخرى»: ليس في رفع الأثر في الفرض منة على المالك فتأمل، ليعمه حديث الرفع الذي عرفت وروده في مقام الامتنان.

و أما ان كان المكره غير المسالك و كان المكره - بالفتح - أجنبيا. فلا أثر لإكراهه، لعين البيان المتقدم، فيكون العقد الصادر منه فضوليا يصح اذا كان قابلا للحوق الإجازة به، و لحقته، و الا فيفسد.

و أما ان كان المكره - بالفتح - وكيلا مفوضا من قبل المالك. فقد استشكل فيه صاحب المسالك، و ذهب فيه الى فساد العقد.

«و التحقيق»: ان الوكيل المفوض يكون لطيب نفسه و رضاه موضوعية في صحة العقد و لذا يصح منه العقد و لو كان معزولا ما لم يصل اليه عزله، لكن بما انه بدل تنزيلي عن الموكل.

«و ان شئت قلت»: ان المعتبر انما هو رضا أحد الشخصين من الوكيل و الموكل.

«و عليه»: ان كان المالك راضيا بالعقد دون الوكيل، فالعقد الصادر منه يكون صحيحا، لما عرفت من أن الإكراه على إصدار العقد بمعناه المصدري لا أثر له. و ان لم يكن راضيا به، فان لحقه الرضا من الموكل أو الوكيل يصح، بناء على ما سننبه من صحة العقد الواقع عن إكراه اذا لحقه رضا المالك: و الا فيفسد.

«و لعل الوجه» فيما ذكره صاحب المسالك من الفساد حتى اذا رضى الموكل، هو: أن من صدر منه العقد عن إكراه، لم يتحقق منه الرضا، و من رضى بالعقد - و هو الموكل - لم يكن العقد صادرا منه «و قد عرفت» ان صدور العقد بالمعنى المصدري لا يترتب عليه أثر أصلا.

قوله رحمه اللّه: و لو أكرهه على بيع واحد غير معين... [1]

«و يؤكده» الفرع الآتي و هو صحة عقد المكره، اذا تعقبه طيب نفس المالك فان حيثية صدوره عن اكراه لا يرتفع بالرضا المتأخر، فلو كان له أثر لم يرتفع بالرضاء بالعقد فيما بعد، و هذا ظاهر.

[1] بعد ما عرفت من ان الإكراه رافع للأثر، حتى الأثر الوضعي: يقع الكلام فيما اذا اختلف المكره عليه مع ما وقع في الخارج. و في فرض الإختلاف. «تارة» يكون الواقع في الخارج أمرا مباينا مع المكره عليه. و «اخرى» يكون أكثر أو أقل منه.

أما اذا كان ما وقع في الخارج أكثر من المكره عليه: كما اذا أكرهه الجائر على بيع أحد عبديه فباعهما معا. «فتارة» يكون المكره عليه هو الأقل بشرط لا عن الزيادة، و يكون ما أوقعه المكره في الخارج بشرط شيء. و لا اشكال في صحة المقدار الزائد في هذا الفرض، لأنه مباين للمكره عليه، و لم يتعلق به الإكراه، كما هو ظاهر. «و اخرى» لا يكون المكره عليه بشرط لا عن الزيادة، بل ما وقع عليه الإكراه هو الجامع بين الأمرين، كما في المثال.

«و عليه» أيضا: «تارة» يكون لانضمام كل من الشيئين دخل في مالية الآخر، كفردي النعال، أو مصراعي الباب. و في هذا الفرض اذا أكرهه الجائر على بيع أحدهما فباعهما معا، بطل البيع في الجميع، لاستناده الى خوف ضرر الجائر فان المكره عليه و ان كان بيع أحدهما، الا انه انما يختار بيع كليهما من باب كونه أقل ضررا، اذ لو باع واحد منهما لبقى الآخر بلا فائدة، و لا يحصل رغبة في شرائه فبعد ما اكره على بيع أحدهما، اذا لم يبع شيئا منهما يقع في ضرر الجائر، و اذا باع أحدهما دون الآخر تضرر من جهة بقاء الآخر بلا راغب يرغب في شرائه، و لا ينتفع به. فلا محالة يبيعهما معا، فيكون بيع كليهما مستندا الى خوف

ضرر الجائر فيبطل.

«و اخرى» لا يكون لانضمام كل من الشيئين دخل في مالية الآخر، كما اذا اكرهه الجائر على بيع أحد فرسيه فباعهما معا دفعة واحدة، كما هو المفروض. فهل يصح البيع في كليهما، كما اختاره المصنف رحمه اللّه، لأن ما وقع خارجا - و هو بيع كليهما - لم يكن مكرها عليه أو يعين الصحيح منهما بالقرعة. أو يبطل البيعان، لأن صحتهما معا غير ممكن، لكون أحدهما مكرها عليه و لا تعين له في الواقع، فيبطل كلا البيعين اذ لا معنى لامضاء أحدهما الغير المعين، كما عن بعض مشايخنا المحققين رحمه اللّه وجوه.

«و الظاهر» هو صحة أحدهما. و يتعين باختيار البايع من دون حاجة الى القرعة.

أما صحة البيع في أحدهما، فلاطلاق الأدلة من قوله تعالى: أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ و نحوه. و أما فساده في الآخر فللعلم بان عمومات صحة البيع قد خصصت في أحد الشيئين قطعا بحديث رفع الإكراه. و هذا نظير ما اذا أكره أحد على شرب الانائين اللذين فيهما الخمر فشربهما معا، فانه لا مجال فيه للقول بحرمة كلا الشربين و تعدد العقاب، لاطلاق دليل حرمة شرب الخمر فانه مخصص في أحدهما بدليل رفع الإكراه قطعا، كما لا مجال للقول بجواز شرب كليهما عليه، لأن الإكراه لم يتعلق إلاّ بواحد منهما، بل يكون أحد الشربين مباحا و الآخر حراما عليه. و المقام أيضا كذلك، فيكون أحد البيعين جائزا لاطلاقات الأدلة، و أحدهما فاسدا لحديث رفع الإكراه.

و أما كون التعيين باختيار البايع، فلأن ما تعلق به طيب النفس انما هو بيع أحد المبيعين، فيكون من هذه الجهة من بيع الكلي في المعين، فتكون الخصوصيات

الشخصية خارجة عن المبيع، و تبقى في ملك البايع فيكون تعيين الكلي باختيار البايع.

«نعم» في بعض الموارد لا يكون التعيين باختيار البايع، فلا مناص فيها من الرجوع الى القرعة. و هي ما اذا كان المشتري متعددا، كما اذا باع من شخصين ببيع واحد بناء على صحة ذلك، فانه لا مجال حينئذ لكون البايع مخيرا في تعيين الصحيح من البيعين، فان كلا من المشتريين يريد صحة شرائه، فلابد من القرعة.

«و توهم» اختصاصها - أي القرعة - بما اذا كان الواقع معينا في نفس الأمر.

«مدفوع» باطلاق دليل القرعة. و قد عمل بها الفقهاء فيما لا تعين له واقعا، كما فيما اذا كان لرجل ثلاث مزوجات، و تزوج بنفسه و بوكيله بالرابعة و الخامسة في آن واحد، فان تزويج احداهما صحيح من دون تعين، فذكروا: ان ذلك تعين بالقرعة.

الى غير ذلك من الموارد. ففي المقام أيضا يعين الصحيح بالقرعة.

«ثم ان ما ذكرناه» انما يجري فيما اذا لم يكن المكره عليه معينا، اما بتعيين المكره، و اما بتعين ذلك، نظير الوضع التعييني و التعيني. و أما اذا كان متعينا، كما اذا أكرهه الجائر على بيع أحد العبدين معينا، فباعهما معا. يكون الفاسد بيع المكره عليه دون غيره. و هكذا اذا تعين بفعل البايع، كما اذا باع العبدين تدريجا فان المبيع أولا يتعين في كونه مكرها عليه، فيبطل دون بيع الفرد الآخر.

«و لا مجال» حينئذ لتوهم جعل الثاني مكرها عليه باختيار البايع، نظير تبديل الامتثال بامتثال آخر. فان موضوع الإكراه ينتفي بالإتيان بالفرد الأول، فكيف يمكن أن يكون الفرد الثاني مصداقا للمكره عليه، و هذا واضح. هذا كله فيما اذا كان الواقع في الخارج أكثر من المكره عليه.

و أما اذا كان أقل منه كما اذا اكرهه الجائر على بيع داره أو عبده، فباع نصف ذلك.

«فتارة» يكون بيع النصف مع كونه عازما على بيع النصف الآخر، غاية الأمر يأتي تدريجا، لزعمه ان المكره عليه هو الجامع بين البيع التدريجي و الدفعي. و في هذا الفرض لا اشكال في فساد البيع، لكونه مكرها عليه. و لا وجه لما ذكره المصنف رحمه اللّه و اشكاله في سماع دعوى ذلك في مقام الإثبات بقوله: لكن في سماع دعوى البايع ذلك مع عدم الإمارات نظر؛ فان نفس الإكراه قرينة على صدق دعواه.

«و اخرى» ببيع النصف لاحتمال ان الجائر يكتفي به عن المجموع. و في هذا الفرض أيضا لا اشكال في الفساد، لأن الإكراه على كل مقدار ينحل الى الاكراه على ابعاضه، مثلا: الاكراه على دفع مئة درهم اكراه على دفع الخمسين.

«و ثالثة» يكون المكره عليه بشرط شيء و يأتي المكره بالأقل بشرط لا. و في هذا الفرض ربما يتوهم ان ما وقع مغاير للمكره عليه فيكون صحيحا.

«و نقول»: نفرض الكلام فيما اذا كان الواقع في الخارج مبائنا حقيقة مع المكره عليه و يتضح به حكم المقام - مثلا - اذا فرضنا ان الجائر أكرهه على بيع كتابه فباع ردائه بدلا عنه، من باب أهميته لديه أكثر من الرداء كان بيع الرداء فاسدا مع كونه مبائنا للمكره عليه «و ذلك» لأن الدليل لرفع الاكراه كان أمران.

(أحدهما): حديث الرفع، و هو غير شامل للمقام، لأن بيع الرداء لم يكن مكرها عليه.

(ثانيهما): قوله تعالى: إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ و هو شامل للمقام، فان

قوله رحمه اللّه: قال في التحرير لو اكره على الطلاق... [1]

بيع الرداء على الفرض لم يكن بطيب النفس، فيكون أكل المال بازائه من الأكل بالباطل. ففي المقام أيضا بيع نصف الدار أو العبد لم يكن صادرا عن طيب نفس المالك، فيكون أكل المال به من أكل المال بالباطل.

[1] لابد في تفصيل الاكراه على الطلاق و نحوه من بيان أقسام الاكراه، فانه يتصور على صور:

(احداها): أن يكرهه الجائر على الطلاق و نحوه، الا انه متمكن من دفع ضرر المكره، أو يوطن نفسه على تحمل الضرر و مع ذلك يوقع الطلاق. و لا اشكال في الصحة في هذه الصورة. و الظاهر خروجه عن مورد كلام العلامة رحمه اللّه.

(ثانيها): أن يكرهه على الطلاق، فيوقعه خوفا من ضرر الجائر. و لا اشكال في الفساد في هذه الصورة أيضا، من غير فرق بين كون المكره - بالفتح - معتقدا صحة العقد الواقع عن اكراه لجهله بالمسألة، أو اعتقد بأن دفع الضرر لا يكون الا بقصد حقيقة العقد أو الطلاق فقصده، و بين غيره. فان ذلك لا ينافي صدق الاكراه.

«و يؤيده» تمسك الامام عليه السّلام بحديث رفع ما استكره عليه لفساد الحلف اكراها على الطلاق و العتاق. من غير استفصال بين من يرى صحة الحلف الصادر عن اكراه و بين من يرى فساده، مع ان أغلب العامة يرون صحة ذلك و وقوعه. فاحتمال الصحة، كما زعمه المصنف رحمه اللّه في الفرض لا يناسب مقامه قدّس سرّه.

«ثم انه» لا فرق في تحقق الإكراه بين أن يكون الضرر الموجود متوجها الى نفس المكره أو ماله أو عرضه، أو يكون متوجها الى بعض متعلقيه، كولده مثلا فاذا قال الولد لوالده: طلق زوجتك و الا قتلت نفسي فطلقها، بطل، لأن موت الولد ضرر على الوالد. و لذا لو أوعده الأجنبي بقتل ولده على ترك عمل، صدق عليه عنوان

الإكراه، و هذا ظاهر.

(و ثالثتها): أن يكرهه الجائر على الطلاق و يكون له الداعي النفساني على الطلاق أيضا، الا انه ليس كلا من الأمرين، تام الداعوية. فاذا انضم أحدهما الى الآخر تم داعويته، فكان كل من الإكراه و الداعي النفساني جزء المقتضي. و في هذا الفرض يكون الطلاق مستندا اليهما معا، فيكون فاسدا لأنه و ان لم يكن مصداقا للمكره عليه، و لا يمكن التمسك فيه بحديث رفع الإكراه، الا انه لا يكون صادرا عن طيب النفس أيضا، لصدوره عن كلا الأمرين معا. و قد ذكرنا أن مقتضى قوله تعالى: إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ اعتبار صدوره عن طيب النفس و هو مفقود.

(رابعتها): أن يكون كل من الاكراه و الداعي النفساني - كسوء خلق الزوجة في نفسه، في المثال المذكور - تام الداعوية لطلاق الزوج، بحيث لو فقد أحدهما أثر الآخر، الا أن الأثر الفعلي لا محالة يستند اليهما معا. ففي هذه الصورة لا بد من الحكم بالصحة، لاستناد الأثر الى طيب النفس التام في مقام الداعوية. و انضمام الاكراه اليه لا يوجب عدم تأثيره، لأن الاكراه ليس مقتضيا للفساد و لا مانعا من الصحة، و انما نقول بفساد المعاملة الصادرة عن الاكراه لعدم المقتضي - و هو طيب النفس - لا لوجود مقتضى الفساد. فانضمامه الى الداعي النفساني المقتضي للصحة لا يمنع عن تأثيره و كثيرا ما ينضم الداعي النفساني الى الداعي القربي في العبادات، و يكون كل منهما تام الداعوية في نفسه، و لا يخل بعباديتها.

«و عليه» فلا وجه لقياس هذه الصورة بالصورة السابقة، و القول بالبطلان فيها عن الميرزا رحمه اللّه بدعوى استناد الأثر في كلتا الصورتين الى مجموع الاكراه و الداعي النفساني. فان الداعي النفساني في الصورة السابقة لم يكن تام الداعوية، بخلافها

بقوله رحمه اللّه: لو رضي المكره بما فعله صح العقد [1]

في هذه الصورة، فان طيب النفس فيها تام الداعوية، غايته انه انضم اليه ما ليس مقتضيا للصحة.

«ثم مع التنزل» و فرض كون الاكراه مانعا عن الصحة نقول: شمول دليل رفع الاكراه لمثل المقام الذي يكون المالك طيب النفس خلاف الامتنان.

«ثم ان المكره» اذا تمكن من التورية و لم يفعل، فالظاهر عدم صدق الاكراه لما ذكرنا سابقا من تقوم الاكراه بالعجز حتى عن التورية، و ان مجرد القضية الشرطية لا يحقق عنوان الاكراه. و لعل هذا مورد حكم العلامة بالصحة، و مراده من قوله: لو طلق ناويا فالأقرب وقوع الطلاق.

[1] ربما يقال بعدم ترتب الأثر على عقد المكره حتى بعد لحوق الرضا به، و الوجه في ذلك أحد أمرين:

(الأول) اعتبار مقارنة طيب نفس المالك و رضاه مع العقد في مفهومه، فلا يصدق عنوان العقد مع عدم مقارنة الرضا. (و فيه) أن العقد ليس الا كبقية المفاهيم مثل الأكل و الشرب و نحوهما، و من الواضح أن الداعي لا دخل له في شيء من تلك المفاهيم، فالأكل يصدق على الأكل الخارجي بأيّ داع حصل من طيب النفس أو الإكراه أو غير ذلك، و هكذا مفهوم الشرب، و كذلك مفهوم العقد. و لو لا ذلك لزم عدم صدق العقد على بيع الفضول و عدم صدقه على بيع المكره بحق فلابد و أن يكون ترتب الأثر عليه بالتعبد الشرعي لا بما انه عقد، و هو كما ترى.

(الثاني) اعتبار مقارنة رضا المالك في صحة العقد لا في مفهومه. و هذا و ان لم يكن كسابقه بديهي الفساد الا أن اعتبار ذلك في الصحة مع عدم صدق العقد بدونه يحتاج الى دليل، و لا دليل على اعتباره و الا لزم بطلان العقد الفضولي و ان لحقته

الإجازة لعدم اقترانه برضا المالك.

و هناك وجهان آخران، و هو اعتبار مقارنة رضا العاقد في مفهم العقد أو في صحته. و قد ظهر الجواب عنهما بما تقدم، مضافا الى أن لازمه فساد بيع العاقد المكره على انشاء الصيغة من قبل المالك، و قد مرّ صحته.

(و بالجملة) صحة بيع الفضولي بلحوق الرضا تستلزم صحة بيع المكره بلحوق طيب نفس المالك، بل في بيع المكره مرجح للصحة، و هو صدور العقد من المالك دون بيع الفضول، فانهما مشتركان في عدم مقارنة العقد بطيب نفس المالك، إلا ان الانشاء أيضا في بيع الفضولي غير ناش من المالك بخلاف بيع المكره.

(اللهم) الا أن يدعى الفرق بين البيع الفضولي و بيع المكره. و يدعى قيام الدليل على اعتبار مقارنة العقد مع الرضا:

(أما الفرق) بين بيع الفضولي و المكره فهو أن ظاهر قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ توجه الخطاب الى الملاك و وجوب وفاء كل مالك بالعقد المستند اليه، و ليس الخطاب متوجها الى غير الملاك و لا الى المالك الذي لم يستند العقد اليه كما أن ظاهر قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرٰافِقِ‌ وجوب غسل كل شخص وجه نفسه و يديه، لا أن يغسل كل أحد وجه غيره و يديه، فالأمر بالوفاء بالعقد أيضا كذلك لا يراد به لزوم وفاء المالك بالعقد الصادر عن غيره.

(ثم) ان العقد الفضولي لا يكون عقدا للمالك و لا يستند اليه قبل إجازته و رضاه، و عليه فخروجه عن عموم «أوفوا بالعقود» قبل لحوق الإجازة به يكون بالتخصص، لعدم كونه عقدا للمالك، فإذا لحقته الاجازة يدخل حينئذ في عنوان العقود فيعمه حكمها. و هذا بخلاف عقد المكره، فإن خروجه عن عموم الآية إنما يكون

بالتخصيص بمقتضى حديث رفع الاكراه، لأنه قبل لحوق الاجازة أيضا عقد مستند الى المالك، فاذا خرج عن العموم بالتخصيص رجوعه اليه بعد لحوق الرضا يحتاج الى دليل، و هذا هو الفارق بينهما.

ثم اذا استفدنا الحصر من قوله تعالى: إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ كما هو الصحيح، لأن الاستثناء فيه متصل لا منقطع كما زعمه المصنف في المقام، و المعنى لا تأكلوا أموالكم بوجه من الوجه فإنه باطل إلا أن تكون تجارة عن تراض، فيفيد حصر سبب حل الأكل بالتجارة عن تراض، و يصدق التجارة عن تراض على بيع الفضولي إذ ألحقته الاجازة، و لا يصدق التجارة الناشئة عن الرضا على بيع المكره بعد لحوق الرضا اليه، لتأخر الرضا عن تجارة المالك.

(و بالجملة) يمكن الفرق بين بيع الكره و بيع الفضولي بما ذكرناه من أن بيع المكره من حين صدوره يستند الى المالك، فاذا خرج عن عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بالتخصيص فعوده اليه بعد لحوق الرضا يحتاج الى دليل. و هذا بخلاف بيع الفضولي فانه إنما يستند الى المالك و يدخل في موضوع الآية حين لحوق الاجازة، فيثبت له الحكم و يترتب عليه الأثر.

إلا ان المصنف استدل على صحة بيع المكره بعد لحوق الرضا بوجهين:

(أحدهما): أن رفع أثر بيع المكره بعد لحوق رضاه - أعني صحته حينئذ - خلاف الامتنان عليه، فلا يعمه حديث الرفع، إذ لعل البيع يكون صلاحا له فيرضى به. نعم ترتب الأثر عليه قبل لحوق الرضا به موافق للامتنان.

(و فيه) أن ما أفاده مناف لما أوضحه في بحث الاصول من أن حديث الرفع إنما يرفع الآثار المترتبة على الموضوعات بعناوينها اذا كان رفعها موافقا للامتنان، و لا

يعم الأثر المترتب عليها بعنوان العمد أو بعنون الاكراه و نحوه من الامور المذكورة في الحديث. و عليه فصحة بيع المكره اذا لحقه الرضا إن دلّ عليه دليل يكون حكما ثابتا لعنوان الاكراه، فلا يعمها حديث الرفع، سواء كان رفعها موافقا للامتنان أو مخالفا له. نعم لا دليل في مقام الاثبات على صحة عقد المكره بعد لحوق الرضا.

(ثانيهما): ما أطال فيه الكلام، و حاصله منع حكومة حديث الرفع على أدلة صحة البيع وجوب الوفاء بالعقود، و ذلك لأن قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌ مخصص بالمرضي بحكم العقل و غيره فليس له إطلاق، و عليه فالعقد الغير المرضي به ليس موضوعا لأدلة الصحة ليعمه حديث الرفع، و أما المرضي به فإن كان الرضا به مقارنا يستحيل أن يتعلق به الاكراه أيضا و يكون مكرها عليه أيضا، فانهما متناقضان فلا يعمه رفع الاكراه، و أما إن كان الرضا به لاحقا فذات العقد الملحوق بالرضا جزء للسبب و ليس موضوعا للأدلة ليعمه حديث رفع الاكراه، فعلى أي تقدير ليس الرفع حاكما على أدلة صحة العقود.

(و فيه) انه إنما يتم لو كان تخصيص دليل الوفاء بالعقد بحديث الرفع في طول تخصيصه بحديث «لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه» و قوله تعالى إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ و غيره مما دلّ على اعتبار الرضا في صحة العقد، و ليس الأمر كذلك بل تخصيصه بكل من المخصصين عرضي، فان حديث الرفع أيضا مخصص لعموم الوفاء بالعقود غايته بلسان الحكومة، و قد ذكرنا في بحث انقلاب النسبة أنه اذا ورد مخصص على عام واحد يخصص بهما معا. (و عليه) يخصص عموم الآية بكل من حديث رفع الاكراه و ما دلّ على اعتبار طيب النفس، و يخرج عنه العقد المكره عليه، و رجوعه الى الحكم العام بعد لحوق الرضا يحتاج الى دليل

و هو مفقود، فلا يتم شيء من الوجهين اللذين أطال المصنف الكلام فيهما.

الا أن الصحيح مع ذلك كله صحة عقد المكره بعد لحوق الرضا به، و ذلك، لأنه ليس المراد من العقد انشاؤه الذي لا بقاء له، بل المراد به الأمر الاعتباري من المبادلة و حصول النقل و الانتقال الذي له بقاء و استمرار في عالم الاعتبار، و عليه فما لم يلحق به الرضا يكون العقد مكرها عليه فيعمه حديث رفع الاكراه. و أما اذا لحقه الرضا فليس العقد بقاء مصداقا للمكره عليه.

(و من الواضح) ان حديث رفع الاكراه انما يرفع الأثر ما دام الاكراه متحققا و يصدق عليه عنوان المكره عليه، فاذا رضي به المالك بقاء صار العقد مصداقا للتجارة عن تراض، فيعمه دليل الصحة.

(و بعبارة اخرى) اذا كان للعام أو المطلق استمرار فورد عليه المخصص في مقدار من الزمان لا مانع من التمسك به في الزائد على ذلك المقدار من الزمان، فقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ له استمرار من حيث الزمان، و قد خصص ما دام العقد كان مكرها عليه، و أما اذا رضي به المالك و خرج عن عنوان المكره عليه فيعمه الآية المباركة، و يؤكده المقابلة بين التجارة عن تراض و أكل المال بالباطل في الآية الشريفة، فانه اذا غصب أحد من غيره شيئا فهو مصداق لأكل المال بالباطل ما لم يرض به المالك، فاذا رضي لم يكن من الأكل بالباطل، فلا محالة يكون مصداقا للتجارة عن تراض.

(و الحاصل) ان الظاهر صحة عقد المكره اذا لحقه رضا المالك، الا انه ربما يستشكل فيها بما ذكر فارقا بين عقد المكره و عقد الفضولي: من أن عقد الفضول إنما يستند الى المالك مقارنا لحصول طيب نفسه و رضاه، فيعمه عموم أَوْفُوا

بِالْعُقُودِ، بخلاف عقد المكره فانه يكون مستندا الى المالك قبل طيب نفسه و رضاه و مع ذلك لم يكن مشمولا لعموم الدليل، فشموله له بعد الرضا يحتاج الى دليل.

(و لكنك) قد عرفت أن هذا الفرق ليس بفارق، فان عقد المكره - و إن لم يكن مقارنا مع رضا المالك حدوثا - الا انه مقارن معه بقاء، فيعمه عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بقاء كما عرفت، فلا فرق بينه و بين العقد الفضولي.

ثم انه يمكن تقريب صحة بيع المكره بوجه آخر يقرب من أول الوجهين المذكورين في كلام المصنف و هو أن الآثار المترتبة على الأفعال بعناوينها الأولية:

(منها): ما يكون رفعها موافقا للامتنان مطلقا كالأحكام التكليفية كحرمة شرب الخمر، فان رفعها موافق للامتنان في مورد الإكراه و الإضطرار و الخطأ و النسيان مطلقا.

(و منها): ما يكون رفعها مخالفا للامتنان كذلك كالآثار الوضعية في مورد الإضطرار، فان رفعها مخالف للامتنان على الإطلاق.

(و منها): ما يكون رفعها موافقا للامتنان في بعض الحالات دون بعض، فحديث الرفع بناء على كونه واردا مورد الامتنان - كما هو الظاهر - يكون رافعا لما هو من قبيل الأول مطلقا و لا يكون رافعا لما هو من قبيل الثاني مطلقا، و في الثالث يرفع الأثر في الحال الذي يكون رفعه امتنانا و لا يكون رافعا له فيما ليس رفعه امتنانا ففي المقام ارتفاع أثر بيع المكره في حال قبل لحوق الرضا موافق فيرتفع، للامتنان و في حال لحوق الرضا مخالف للامتنان فلا يرتفع.

(و بعبارة اخرى) لدليل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ اطلاق أزماني، فيثبت به الملكية مستمرة من زمان تحقق العقد الى الأبد، ففي بيع المكره يقيد اطلاقه بحديث الرفع

قوله رحمه اللّه: رضا المتأخر ناقل أو كاشف... [1]

في الحال الذي يكون فيه الرفع موافقا للامتنان - و هو ما قبل لحوق الرضا - و أما في غيره فيتمسك باطلاق الآية و يترتب عليه الأثر لعدم جريان حديث الرفع فيه.

و الفرق بين هذا الوجه و ما أفاده المصنف واضح، فانه قدّس سرّه ذكر أولا أن المرفوع في حديث الرفع هو المؤاخذة، ثم ذكر بعد ذلك أن رفع صحة بيع المكره بعد لحوق رضاه مخالف للامتنان. و قد أوردنا عليه بعدم الدليل على صحة بيع المكره اذا لحقه الرضا، و أما على ما ذكرناه فإطلاق الآية بنفسه دليل على ترتب الأثر على بيع المكره اذا لحقه الرضا كما عرفت.

[1] لا ريب في أن مقتضى الأصل العملي هو النقل. الا انه ربما يدعى وجود الدليل على الكشف، و هو ما ورد في ارث الصغير أو الصغيرة التي تزوجه كبير أو كبيرة أو صغير مثله ثم مات فاذا بلغ أجاز النكاح من انه يستحلف على اجازته، و انه لو كان حيا أيضا لأجاز النكاح فيورث منه(1)مع ان ارثه منه مبني على الكشف ليتحقق موضوع موت الزوج أو الزوجة عن وارث، و الإستحلاف إنما هو من جهة كونه موردا للتهمة و ان الاجازة من جهة الارث.

(هذا) الا أن الرواية واردة في الفضولي، و التعدي الى المكره مبني على إلغاء الخصوصية، و ان الميزان إنما هو تعلق الاجازة أو الرضا بالعقد السابق، و هو موجود في عقد المكره أيضا كما يتعدى الى غير النكاح أو بالأولوية، و الا فالكشف حكم مختص بمورده و هو النكاح الفضولي، و لا يتعدى عن مورد النص.

و لكن قد يدعى أن الكشف يكون على القاعدة، إذ فرق بين اشتراط صحة العقد


1) راجع الوسائل 3 /طبع عين الدولة في الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج.

بالرضا المتأخر و غيره كالقبض في الصرف و الهبة، لأن الرضا و الإجازة إنما يتعلق بالعقد السابق. فاذا قام دليل على اعتباره لا بد من ترتيب الأثر من حين العقد نظير ما اذا باع أحد داره فعلا قبل عشرة أيام و قام دليل على اعتباره و لو كان العمومات لو لم يكن منصرفا عن مثل ذلك لكونه خلاف المتعارف، فان لازمه الكشف و ترتيب آثار الملكية السابقة و الإجازة أيضا كذلك.

ثم أورد عليه بما حاصله: ان الإجازة لم تتعلق بالملكية من حين العقد، و إنما تعلقت بطبيعي الملكية، و مقتضى ظاهر الأدلة التي تعتبر اشتراط نفس الإجازة في صحة العقد و ترتب الأثر عليه لا وصف التعقب عدم ترتب الأثر الا بعد حصول الشرط، و هو لا ينافي تعلق الإجازة بالعقد السابق.

ثم أجاب بما حاصله: انه انما يتم لو قلنا بالكشف الحقيقي و أما الكشف الحكمي أعني حكم الشارع بعد حصول الإجازة و الرضا بالملكية السابقة من زمان البيع، فلا ينافي شرطية نفس الإجازة و الرضا.

ثم أشكل عليه بأن الملكية عين حكم الشارع، فلا يمكن تخلفهما (و فيه) ما نبيّنه في بحث الفضولي من أن الجعل غير المجعول، فالجعل - و هو الحكم - عبارة عن نفس الاعتبار و الملكية تكون متعلقة للحكم و هو المجعول، فكما يمكن أن يكون الاعتبار فعليا و متعلقه أمرا لاحقا - كما في الوصية - يمكن أن يكون الاعتبار فعليا و متعلقه أمرا سابقا.

(و هذا) نظير أن ينشئ أحد - فعلا - ملكية داره لزيد من قبل سنة - بأن يكون الانشاء فعليا و المنشأ أمرا متقدما - فاذا فرضنا قيام الدليل على صحته كما اذا فرض عدم كونه خلاف المتعارف و شملته الاطلاقات لزم الحكم

قوله رحمه اللّه: و إن شئت توضيح ما ذكرنا فلاحظ مقتضى فسخ العقد... [1]

قوله رحمه اللّه: مسألة: و من شروط المتعاقدين اذن السيد... [2]

بترتب آثار الملكية من الأول لا من حين العقد، و الاجازة أيضا كذلك فلازم تعلقه بالعقد السابق ترتب آثاره من حين حدوثه، و ذلك لأن مقتضى إطلاق قوله تعالى:

أَوْفُوا بِالْعُقُودِ امضاء اعتبار المتعاملين من حين حدوثه، و قد رفعنا اليد عن ذلك في مقدار من الزمان لحديث رفع الإكراه، و بعد ارتفاعه و حصول الرضا يكون مقتضى اطلاق العام امضاء اعتبار المتعاملين المتحقق سابقا. و هذا معنى الكشف.

[1] الفسخ يقابله الإمضاء لا الإجازة، و ما يقابل الإجازة إنما هو الرد و ان كان جميعها متعلقا بالعقد السابق، فلا وجه لقياس الإجازة و جعلها مقابلة للفسخ، و ذلك لأن الإجازة عبارة عن إمضاء العقد من حينه، و يقابله ردّ العقد الذي هو عبارة عن فسخه من حينه - أي حدوثا - و أما الفسخ في مقابل الإمضاء فهو عبارة عن حل العقد من حين الفسخ - أي بقاء لا حدوثا - كما هو ظاهر أدلة الخيار في موارد ثبوته كخيار الحيوان و المجلس و نحوهما، فكون الفسخ حل العقد بقاء و من قبيل النقل لا يستلزم كون الإجازة إمضاء للعقد كذلك، فالقياس مع الفارق.

شرطية اذن السيد

[2] ذكروا من جملة شروط صحة العقد كون العاقد حرا، فلو فرض كونه عبدا لم يصح ما لم يأذن مولاه، فجعل العبد حد وسط بين الحر و بين الصبي و المجنون فان الحر مستقل في تصرفاته، و المجنون - و كذا الصبي على قول - ساقط انشاؤه مطلقا حتى مع اذن الولي، و أما العبد فهو وسط بينهما، فليس كالحر بحيث يستقل في تصرفاته و ليس كالمجنون بحيث لا ينفذ تصرفه أصلا حتى مع اذن الولي، بل ينفذ تصرفه مع اذن المالك و لا ينفذ بدونه اذنه. (و استدل) على ذلك بقوله تعالى عَبْداً

مَمْلُوكاً لاٰ يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ‌ حيث وصف العبد بكونه غير قادر على شيء، و المراد بالقدرة المنفية إنما هو استقلاله في التصرف لا أصل التصرف، فان من لا يكون مستقلا في تصرفه فهو ليس بقادر عليه.

ثم انه ليس المراد بالقدرة القدرة العقلية و بالشيء الأفعال الخارجية، بداهة ان الرقية و الحرية لا دخل لشيء منهما في القدرة العقلية على الامور الخارجية، فمن يقدر على الخياطة فهو قادر عليها تكوينا عبدا كان أو حرا، فيحتمل أن يراد من القدرة القدرة الشرعية، و التعبير عن المنع الشرعي بعدم القدرة متعارف، فيكون المعنى أن العبد ممنوع عن كل شيء. و هذا أيضا لا يمكن الإلتزام به، بداهة عدم حرمة جميع الأفعال على العبد بدون اذن سيده حتى الأفعال الضرورية كالتنفس و تحريك اليد و الرأس و العين و التكلم و نحو ذلك، فلابد و أن يراد بالقدرة القدرة الوضعية - أعني النفوذ - فيكون المراد من قوله «لا يقدر على شيء» نفي نفوذ تصرفاته.

(فيقع الكلام) في أن المنفي نفوذ تصرفه في خصوص نفسه و ماله، أو أعم منه و من تصرفه في مال سيده، أو أعم من ذلك و من تصرفه فيما لا يرجع الى سيده كالوكالة في انشاء العقد عن غيره‌؟ وجوه، ظاهر المصنف هو الأخير، و كأنه أرسله ارسال المسلمات و شرع في إجازة السيد و حكمها، و تبعه في ذلك المحقق النائيني رحمه اللّه. الا أن مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي أن يكون المنفي نفوذ تصرف العبد في نفسه و في ماله لو قلنا بأنه يملك - كما هو أحد القولين في المسألة - نظير قوله عليه السّلام: «الناس مسلّطون على أموالهم أو على أنفسهم».

و يؤكدها أن ذكر قوله تعالى مَمْلُوكاً في الآية، مع أن العبد و المملوك

قوله رحمه اللّه: و أما مع الإجازة اللاحقة فيحتمل... [1]

مترادفان لا بد و أن يكون لنكتة و ليس قيدا توضيحيا كما ذكره الميرزا قدّس سرّه. و النكتة في ذلك إنما هو عليه المملوكية للحكم، و عليه فلابد و أن يكون المنفي ما يكون المملوكية علة له، و ليس ذلك الا نفوذ تصرفه في نفسه و ماله، فيصح أن يقال: لا يصح تصرفه في نفسه لأنه مملوك، و أما التصرف في مال السيد فعدم نفوذه ليس معلولا للملوكية، و لذا لا ينفذ تصرف الحر في مال غيره أيضا، و هكذا الوكالة عن الغير في انشاء العقد، و لا أقل من الاجمال فيرجع في مورد إجمال المخصص - و هو انشاء العبد للغير - الى العمومات و الاطلاقات.

(و عليه) فلابد من التفصيل بين وكالة العبد عن الغير في مجرد انشاء الصيغة و توكيله الغير و الالتزام بالفساد في الثاني، لأن العبد لم يكن له التصرف بنفسه فضلا عن توكيله الغير. و بالصحة في الأول لعدم الدليل على توقف إنشاء العبد على اذن السيد كما ان الظاهر عدم كونه حراما تكليفا لعدم الدليل على حرمة التلفظ و نحوه من التصرفات الضرورية، و على فرض حرمته تكليفا فهي لا تدل على الفساد لعدم تعلقها بعنوان المعاملة.

[1] أما بناء على المختار من عدم توقف إنشاء العبد على اذن سيده لانصراف الآية عن مثله لمناسبة الحكم و الموضوع أو لظهور أخذ المملوك في العلية، و أما الروايتان(1)

محمد بن علي بن الحسين باسناده عن ابن أذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام قالا: المملوك لا يجوز طلاقه و لا نكاحه الا باذن سيده، قلت: فان السيد كان زوّجه بيد من الطلاق‌؟ قال: بيد السيد ضرب اللّه مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، أفشيء الطلاق.

ثم ان اطلاق الرواية المذكورة معارضة بما ورد من تجويز طلاق العبد ان كانت زوجته حرة أو من غير مولاه. و قد عقد في الوسائل بابا لذلك. منها ما رواه عن محمد بن يعقوب، عن أحمد، عن ابن فضال، عن مفضل بن صالح، عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن العبد هل يجوز طلاقه‌؟ فقال: ان كانت امتك فلا، إن اللّه عز و جل يقول: عَبْداً مَمْلُوكاً لاٰ يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ‌ و ان كانت أمة قوم آخرين أو حرة جاز طلاقه.

و ظاهر هذه الرواية عدم المنافاة بين جواز طلاق العبد لزوجته ان كانت حرة أو أمة لغير مولاه. و بين كوه مملوكا لا يقدر على شيء.

(ثانيهما): ما استعان به الشيخ رحمه اللّه و نقل بعض فقراته مؤيدا لكلامه في المسألة المذكورة أيضا. و قد ذكره في الوسائل في الباب 24 من أبواب نكاح العبيد الاماء ج 14 من الوسائل المطبوعة أخيرا. و اليك نصه:

محمد بن يعقوب، عن علي بن ابراهيم، عن ابن عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سألته عن مملوك تزوج بغير اذن سيده، فقال: ذاك الى سيده إن شاء أجازه و إن شاء فرق بينهما، قلت: أصلحك اللّه، ان الحكم بن عيينة و ابراهيم النخعي و أصحاهما يقولون: إن أصل النكاح فاسد و لا تحل إجازة السيد له، فقال أبو جعفر عليه السّلام: إنه لم يعص اللّه، و إنما عصى سيده، فاذا أجاز فهو له جائز. و رواه الصدوق باسناده عن ابن بكير، عن زرارة.

فعدم شمولهما الانشاء المجرد الظاهر، لورودهما في تزويج العبد

1) (أحدهما): ما نقله الشيخ في صدر هذه المسألة و هو مذكور في الوسائل في الباب 45 من أبواب الطلاق 15 من الوسائل المطبوعة أخيرا/ 343. و اليك نص الرواية:

لنفسه و طلاقه زوجته و لو زوجه السيد، و كلاهما من التصرف في نفس العبد، و هذا أجنبي عن إنشائه الصيغة للغير و لذا يكون فاسدا. و لو كان المنشئ للصيغة غير المملوك - أي وكل غيره في انشاء العقد - بل لو لا ما ورد في ذيل الرواية من تطبيق الآية على ذلك لاقتصرنا فيها على خصوص نكاح العبد و طلاقه و لم نتعد الى سائر تصرفاته في نفسه، فلا مجال للبحث عن نفوذ إجازة السيد بعد ذلك و عدمه.

(و أما) على مسلك المصنف فيقع الكلام في نفوذ انشاء المملوك اذا لحقه اجازة السيد و عدمه. و قد احتمل المصنف أولا كلا الأمرين من عدم النفوذ، لأن المنع ليس من جهة المنشئ و عدم رضا المالك به، و إنما هو من جهة الإنشاء الصادر و ما وقع لا ينقلب عما وقع عليه، اذ ليس له بقاء لينقلب عما وقع عليه بقاء.

ثم قوى النفوذ و لحوق الإجازة، لكون المعتبر هو الرضا الأعم من المقارن و اللاحق. و استدل عليه بوجهين:

أحدهما يرجع الى نفي المقتضى لاعتبار خصوص الاذن السابق، و الآخر يرجع الى وجود الدليل على عدم اعتباره:

(أما الوجه الأول): فحاصله: ان ما دل عليه المخصص انما هو نفي استقلال العبد في التصرف و عدم نفوذه في نفسه من دون ضميمة لا مطلقا و لو لحقه إجازة السيد، و لا أقل من الاجمال فيجع في مورده - و هو لحوق الاجازة الى عموم دليل أوفوا بالعقود.

(و أورد عليه) المحقق النائيني بعدم الاجمال في المخصص، فان المخوذ في الرواية عنوان الاذن، حيث قال عليه السّلام: «لا يجوز نكاحه و لا طلاقه الا باذن سيده»، و الاذن ظاهر في الاذن المقارن.

و فيه (أولا): أن الظاهر أن المصنف ناظر في المخصص الى الآية لا الرواية لما عرفت من أن الرواية أجنبية عن انشاء العبد للغير و انما هي واردة في نكاح العبد لنفسه أو طلاقه زوجته، فلا تعم الانشاء المجرد أصلا، و ليس في الآية عنوان الاذن ليدعى ظهوره في المقارن.

(و ثانيا) لو تنزلنا عن ذلك فلم يظهر لنا ظهور الاذن في المقارن، بل كل من

الاجازة و الاذن يستعمل في الرضا السابق و المقارن و اللاحق، فاذا فرضنا ان أحدا غصب دار غيره مدة و تصرف فيها ثم رضى به المالك يصح أن يقول «أجزت تصرفاته» أو يقول «أذنت فيها».

(و بعبارة اخرى) قوله عليه السّلام «لا يجوز» في الرواية قرينة على أن المراد بالنكاح و الطلاق إنما هو المنشأ لا الإنشاء فان المنشأ هو القابل للجواز و عدم الجواز لقابليته للبقاء دون الانشاء. و عليه فان المنشأ قد لا يكون مقرونا للاذن أصلا و قد يكون مقرونا بالاذن السابق و ربما يكون مقرونا بالاجازة اللاحقة، فنفى الجواز عما ليس مقرونا بالاذن أصلا و أثبته للمقرون باذن سواء كان سابقا أو لاحقا.

(و أما الوجه الثاني) الراجع الى وجود الدليل على نفي اعتبار خصوص الاذن السابق فقربه بوجهين:

(الأول): ان الاذن في الرواية أعم من الاجازة اللاحقة، لأنه ذكر فيها النكاح، و لا اشكال في نفوذ نكاح العبد اذا لحقه اجازة سيده فيكون ذلك قرينة على ارادة الأعم من الاذن.

(و أورد) عليه الميرزا بايراد متين، و حاصله: ان كون النكاح في الرواية هو الأعم، و الا فلم لا ينعكس الأمر و يقال: إن الطلاق المذكور في الرواية و عدم نفوذه بالإجازة اللاحقة اجماعي، فيكون هذا قرينة على ان المراد من الاذن هو خصوص الاذن السابق، فهذا الوجه غير تام.

و حاصل الكلام انه بناء على توقف مجرد إنشاء العبد على اذن السيد يقع الكلام في انه اذا أنشأ عن غيره بدون اذن سيده فأجازه السيد بعد ذلك هل يكون انشاؤه قابلا للحوق الرضا أم لا؟ احتمل المصنف أولا المنع من جهة عدم تعلق حق السيد

بمضمون العقد - أعني المنشأ - ليكون قابلا للاجازة، لعدم كون العوضين متعلقا لحقه، و إنما تعلق حقه بمجرد الانشاء، و ليس هو قابلا للاجازة لعدم البقاء فيه و الاستمرار.

ثم قوى قابليته للحوق الاجازة، و أفاد في وجهه وجهين:

(الأول) - و هو ما يرجع الى منع المقتضي عن اعتبار أزيد من الاذن في الجملة، و حاصله: ان مقتضى عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ صحة انشاء العبد مطلقا، خرج عنه بمقتضى قوله تعالى: لاٰ يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ‌ الدال على نفي استقلال العبد في التصرف حتى الانشاء على الفرض و احتياجه الى السيد ما اذا لم يكن انشاؤه مقرونا بالرضا رأسا لا سابقا و لا لاحقا. و بما انه مجمل بالاضافة الى انشائه الملحوق باجازة السيد يرجع فيه الى عموم العام و يحكم بصحته.

و هذا الوجه و إن كان تاما من حيث الحكم الفرعي الا انه ليس جوابا عن الاشكال، فالمصنف قدّس سرّه و إن بين الحكم الفقهي الا انه لم يجب عن الاشكال - أعني انشاء العبد قابلا للاجازة - فنقول في حله: ان الانشاء ليس الا ابرازا للإعتبار، و لا يترتب عليه بما هو انشاء أثر أصلا، و انما الأثر مترتب على المنشأ - أعني مضمون العقد - و الاعتبار النفساني لكن لا مطلقا بل بما انه برز، فنفس الانشاء حيث لا يترتب عليه الأثر لا معنى للحوق الاجازة به، بل لا بد و أن يلحق الاجازة بمضمون العقد.

(و توهم) كونه متعلقا لحق مالك العبد لعدم كونه مالكا للعوضين، ممنوع، فان تعلق الحق بمضمون العقد لا ينحصر بما اذا كان ذا الحق مالكا لأحد العوضين، بل يثبت الحق لمالك العبد متعلقا بمضمون العقد الذي أنشأه مملوكه من حيث كونه

برزه مملوكه.

(و بعبارة اخرى) ما اعتبره العبد في مقام الانشاء هو متعلق لحق مالكه و يتعلق به الاجازة، و هو أمر له البقاء و الاستمرار و يؤكده اسناد الجواز و عدمه في الروايتين الى نفس الطلاق و النكاح، و قوله عليه السّلام «أفشيء الطلاق» و هو ظاهر في حقيقة العقد أو الايقاع الخاص و لم يسند شيء من ذلك الى الانشاء، فالاشكال مندفع من أصله.

و نظير اعتبار اجازة العمة و الخالة في تزويج ابن أخيها أو ابن اختها، فانها تتعلق بمضمون العقد و واقع الزوجية لا بالانشاء السابق، و لذا صححنا فيها الاجازة اللاحقة و لم نعتبر في صحته الاذن السابق منها.

(و أما الجواب الثاني) الذي ذكره المصنف الراجع الى اقامة الدليل على كفاية الاجازة المتأخرة فقد عرفت أنه قدّس سرّه قربه بوجهين:

(أما الوجه الأول) فقد تقدم الكلام فيه فلا نعيده.

(و أما الوجه الثاني) فهو التمسك بالروايات الواردة في تزويج العبد لنفسه من وجهين:

أحدهما قوله عليه السّلام فيها «فاذا أجاز جاز» و مقتضاه صحة تزويج العبد لنفسه و لو كان هو المنشئ للعقد.

(و بعبارة اخرى) تزويج العبد لنفسه غير نافذ لأنه تصرف في مملوك المولى و لو كان المنشئ للعقد شخصا آخر، و انشاؤه للعقد غير نافذ و لو كان التزويج لشخص آخر، و قد اجتمع كلتا الجهتين في مورد الرواية فحكم فيها بالصحة اذا لحقت الاجازة، فيستفاد منها لحوق الاجازة بانشاء العبد أيضا.

(و ببيان ثالث) كل من تصرف العبد في نفسه و انشاؤه العقد ممنوع عنه وضعا،

و اجتمعا في تزويج العبد لنفسه. ففيه جهتان لعدم النفوذ و مع ذلك حكم الامام عليه السّلام بصحته اذا لحقته الاجازة، فاذا لم يكن في البين الا جهة واحدة - بأن أنشأ العبد النكاح لغيره - كان أولى بالصحة اذا لحقته اجازة المالك.

و قد أورد عليه الميرزا بما حاصله: ان لحوق الاجازة بانشاء العبد بنحو المعنى الحرفي، أي تبعا لاجازة مضمون العقد لا يستلزم لحوقها اليه بنحو المعنى الاسمي - أي مستقلا - (و فيه) أنا لم نفهم المراد من المعنى الحرفي و الاسمي في المقام، فان الانشاء معنى حرفي دائما، غاية الأمر في مورد الرواية يكون اجازته بالدلالة الالتزامية. فان اجازة التزويج يستلزم اجازة الانشاء أيضا، و في غيره يكون لحوق الاجازة به بالمطابقة، فاذا كان قابلا للحوق الاجازة لا يفرق فيه بين كونه بالمطابقة فاذا كان قابلا للحوق الاجازة لا يفرق فيه بين كونه بالمطابقة أو بالالتزام، الا أن أصل استدلال المصنف بترك الاستفصال فاسد، و ذلك لأنه عليه السّلام قال: «اذا أجاز جاز»، و تختص الاجازة بما يكون قابلا، فاذا فرضنا عدم قابلية تزويج العبد لنفسه اذا كان بانشائه للحوق الاجازة لا يعمه اطلاق الرواية و يختص بالصورة الاخرى - أعني ما اذا كان تزويجه لنفسه بانشاء غيره -

(و بعبارة اخرى) لو ورد نص بالخصوص على لحوق الاجازة بتزويج العبد فيما اذا كان هو المنشئ لرفعنا اليد عن الاشكال بسبب التعبد، و أما اذا لم يكن في البين إلا اطلاق متوقف على جريان مقدمات الحكمة فنفس ما بنينا عليه من استحالة لحوق الإجازة بالإنشاء كاف في عدم تمامية المقدمات، فلا يتحقق الإطلاق.

(التقريب الثاني) تمسكه بذيل بعض الروايات، و هو قوله عليه السّلام: «انه لم يعص اللّه و إنما عصى سيده» فانه عليه السّلام في مقام تعليم الإستدلال و الرد على بعض العامة القائل

بفساد انشاء العبد بعد لحوق الإجازة كابراهيم النخعي بين كبرى كلية، و هي ان المنع إن كان من جهة عصيان من لا يبدل عصيانه بالرضا لإستحالة البداء في حقه - كما في المحرمات الذاتية كالتزويج بالمحارم أو في العدة - لا يصح الإجازة، و أما ان كان من جهة عصيان من يمكن البداء في حقه و بدله بالرضا - كما في عصيان المولى العرفي فان الإنسان كثيرا ما لا يرضى بشيء ثم يبدو له فيرضى به و يراها صلاحا لنفسه - فيصح بلحوق الاجازة، و هذه الكبرى الكلية تنطبق على انشاء العبد عن غيره، فانه ليس من المحرمات الذاتية بل المنع عنه انما هو من جهة عصيان السيد فيرتفع اذا تبدل بالرضا.

و يرد على هذا التقريب الايراد المتقدم و الجواب المتقدم كما يردّ الاستدلال ما ذكرناه من اختصاص ذلك بما هو قابل للإنقلاب و التبدل، فاذا فرضنا ان الانشاء يوجد و ينعدم و لا بقاء له و يستحيل تبدل العصيان فيه بالرضا فلا محالة يكون خارجا عن هذه الكبرى.

(فتحصل) من جميع ما ذكرنا ان انشاء العبد لا يتوقف على اذن السيد أصلا، و على تقدير توقفه عليه فينفذ بلحوق الاجازة، و الإشكال يندفع بأنها تتعلق بمضمون العقد - أعني ما أنشأه العبد - لا بنفس الإنشاء بما هو، و هو أمر مستمر قابل لذلك.

(فذلكة البحث) و نتيجة ما تقدم بنحو الإجمال هو أن دليل المنع عن تصرف العبد بدون اذن سيده أمران:

(أحدهما): الآية المباركة، و هي قوله تعالى: لاٰ يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ‌ و لا يصح أن يراد به نفي القدرة تكليفا، بداهة جواز كثير من أفعاله اليسيرة الضرورية و عدم

توقفه على اذن سيده، فلابد و أن يراد به نفي القدرة الوضعية - أي النفوذ - و حينئذ ينحصر موردها بما يكون قابلا للنفوذ و عدمه، فلا يعم انشاؤه للغير، فان الإنشاء بما انه انشاء لا يترتب عليه الأثر ليكون قابلا للنفوذ. كما ان مقتضى أخذ عنوان المملوك في الآية اختصاصها بما يكون رفع الأثر عنه معلولا للمملوكية فلا يعم تصرفه في أموال مولاه، فيخرج وكالته في الإنشاء من الغير عن مورد الآية لكون المراد من نفي القدرة القدرة الوضعية بمعنى النفوذ، كما ان تصرفه في أموال المولى يخرج عن الآية، لظهور أخذ المملوك في العلية. و هذا مراد المصنف من اجمال المخصص و الرجوع الى العمومات.

(ثانيهما): قوله عليه السّلام: «المملوك لا يجوز نكاحه و لا طلاقه الا باذن سيده» - الحديث. و ظاهر النكاح و الطلاق هو نكاح العبد لنفسه و طلاقه لنفسه، و هو تصرف في نفس العبد و لا ربط له بانشائه للغير، و على فرض التنزل و شمول ذلك لإنشائهما - و لو للغير - و ظهور الإذن في الإذن السابق لا بد من رفع اليد عنه، لا لما ذكره المصنف من قرينة ما دل على لحوق الإجازة بنكاح العبد بدون اذن مولاه على أن المراد بالإذن في الرواية أعم من السابق و اللاحق، بل لحكومة قوله عليه السّلام «انه لم يعص اللّه بل عصى سيده فاذا أجاز جاز». و عليه فان هذه الكبرى الكلية ناظرة الى نكاح العبد بدون اذن السيد سابقا، و قد حكم فيها بقابليته للحوق الإجازة اذا لم يكن عصيانا له تعالى غير قابل لتبدله بالرضا، و لو لم يكن إجماع على عدم لحوق الإجازة بالايقاعات لقلنا بصحة طلاقه أيضا بالإجازة اللاحقة، فلا دليل على اعتبار خصوص الإذن السابق في صحة انشاء العبد أصلا.

(ثم) كان المناسب أن يتعرض المصنف لبيان أن اجازة السيد تكون كاشفة أو

قوله رحمه اللّه: لو أمر العبد آمر أن يشتري... [1]

ناقلة، فنقول: أما لو قلنا بالكشف الحكمي على القاعدة و انه مقتضى تعلق الإجازة بالعقد السابق فنقول به في المقام أيضا، و أما لو قلنا بالكشف الحقيقي و أن المعتبر في صحة العقد تعقبه بالرضا و الإجازة. فحيث انه على خلاف القاعدة فلابد من القول بالنقل في المقام، لأصالة عدم حصول الأثر الى زمان تحقق الإجازة.

[1] حاصل هذا الفرع: انه لو أمر العبد أمر بشراء نفسه من مولاه أو بغير الشراء من بقية العقود ففعل فهل يصح ذلك أم لا؟ حكى المصنف بعد ما قوى الصحة البطلان عن القاضي، و قد استدل عليه بوجهين:

(الأول) استلزامه اتحاد الموجب و القابل، لأن العبد بمنزلة المالك.

(و فيه) أنه أولا لم نعثر على ما يدل على اعتبار تعدد الموجب و القابل، فلا مانع من كون شخص واحد وكيلا عن البايع و المشتري، فأوجب العقد و قبله.

و ثانيا لا اشكال في أن العبد شخص مغاير للمالك، فهما شخصان لا شخص واحد، و لا معنى لكونه بمنزلة المالك.

(الثاني) انه يعتبر في صحة العقد وجدان كل من الموجب و القابل لشرائط العقد من آن الشروع في العقد الى حين انتهائه، و من الواضح أن العبد ليس واجدا لشرط و هو اذن السيد حين تحقق الإيجاب، فان الإذن في الإنشاء انما يحصل له بالإيجاب بالدلالة الالتزامية، فحين الإيجاب ليس قابلا للقبول.

(و فيه) أولا انا لا نسلم اعتبار ذلك كما مر في شرائط المتعاقدين و سيأتي ان شاء اللّه، و على فرض التسليم إنما نسلم اعتبار البقاء في الشرائط التي تكون دخيلة في صحة مجموع العقد لا في خصوص الموجب أو القابل كبقاء المال في ملك الموجب مثلا، فاذا فرضنا - بعد الايجاب و قبل القبول - خروج المال عن ملك الموجب ببيع وكيله المال لشخص آخر يبطل بيع المالك، و أما ما يعتبر في الموجب أو القابل فانما يعتبر فيه ما دام موجبا أو قابلا لا قبله و لا بعده. مثلا: اذا جن الموجب بعد الإيجاب و قبل القبول أو أغمي عليه صح البيع بعد لحوق القبول الى الايجاب، و هكذا لا يعتبر أن يكون القابل واجدا لما يعتبر في القبول إلاّ حين القبول لا سابقا عليه و من حين الايجاب. و من الظاهر أن العبد يكون واجدا لشرط القبول حين انشائه و لو لم يكن واجدا له حين الايجاب. ثم على فرض التنزل أيضا لا وجه للبطلان، بل يصح لحوق الاجازة كما عرفت، اللهم الا أن يراد بالبطلان هذا المعنى.

هذا كله اذا أمر بالشراء من المالك، و أما اذا أمره بالشراء من وكيل المالك فان كان الوكيل مفوضا - حتى في اذن العبد في شراء نفسه - فحاله حال المالك يجري فيه ما ذكرناه، و أما اذا كان وكيلا في خصوص البيع فلا محالة يكون إنشاء العبد للقبول بدون اذن المالك فيتوقف على اجازة المالك.

قوله رحمه اللّه: و من شروط المتعاقدين أن يكونا مالكين أو مأذونين... [1]

اشتراط كون المتعاقدين مالكين أو مأذونين

[1] تارة يكون العقد صادرا من المالك - أي من له السلطنة على العقد، سواء كان مالكا أو مأذونا، و هذا لا اشكال في صحته من هذه الجهة. و اخرى يكون صادرا من غير المالك من دون أن يحلقه الاجازة لاحقا، و هذا لا اشكال في فساده. و هناك وسط بينهما بأن يكون العقد صادرا من غير المالك الا أنه يلحقه الاجازة، و هذا هو مورد البحث في هذه المسألة.

ثم ان المصنف تعرض قبل الشروع في البحث لبيان أمرين: (أحدهما) دخول الايقاعات في كل البحث، أعني جريان الفضولي في الايقاعات و صحتها بلحوق الاجازة و عدمه.

(ثانيهما) ان عقد الفضولي اذا كان مقرونا برضا المالك من دون مبرز - سواء علم به العاقد من الخارج أو لم يعلم به - يكون خارجا عن الفضولي و لا يحتاج الى الاجازة، بحيث يجب على المالك بينه ما بين اللّه اذا كان راضيا بالعقد حين تحققه تنفيذه أو يحتاج الى الاجازة أيضا.

(أما الأمر الأول) فدخول الايقاعات في الفضولي مبني على كون صحة عقد الفضولي على القاعدة و عدمه. فان قلنا بأن صحته على القاعدة بمقتضى عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و هي العهود كما هو الصحيح فلا محالة لا بد و أن يكون اخراج الايقاعات عنها بالدليل، و لم يقم دليل على ذلك سوى الاجماع المنقول في غاية المرام على بطلان الفضولي في الايقاعات.

(و فيه) أنه قد ذكرنا في محله عدم حجية نقل الاجماع خصوصا اذا لم يكن متكررا، فان الظاهر أن ناقل الاجماع في المقام منحصر بغاية المرام فانه موهن

لصحة النقل، و على فرض حصول الاتفاق فالظاهر أن مورده خصوص العتق و الطلاق. فلا يعم سائر الايقاعات كالابراء و نحوه. مضافا الى احتمال استنادهم الى ما ورد في الطلاق من قوله عليه السّلام «الطلاق بيد من أخذ بالساق» و قوله عليه السّلام في العتق «لا عتق الا في الملك» و لا دلالة لشيء من ذلك على اعتبار الاذن السابق، فانه نظير ما ورد في البيع من انه «لا بيع الا في ملك».

(و بالجملة) فبناء على صحة الفضولي على القاعدة الظاهر صحة الايقاع الفضولي أيضا حتى الطلاق و العتق، و أما بناء على كون صحته على خلاف القاعدة بمقتضى النص فالايقاعات - و ان كانت خارجة لعدم ورود نص فيها - الا أن لازم ذلك عدم صحة الفضولي في جملة من العقود أيضا كالهبة و الاجارة، لاختصاص النص بالنكاح و البيع، فالتعدي لا وجه له.

(و أما الجهة الثانية): فظاهر المصنف صحة العقد الفضولي اذا كان مقترنا مع رضا المالك و طيب نفسه و عدم احتياجه الى لحوق الإجازة، و استدل عليه بوجه:

(الأول) عموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

(الثاني) قوله تعالى إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌.

(الثالث) قوله عليه السّلام «لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفسه» فان الرضا و طيب النفس موجود على الفرض.

(الرابع) رواية عروة البارقي، فان انشاء العقد على مال الغير بدون اذنه و إن لم يكن ممنوعا منه الا أن قبضه و إقباضه لا يحل بدون الرضا المقارن و الا فيكون حراما، و تقريره صلّى اللّه عليه و آله لفعل عروة يدل على كفاية الرضا المقارن.

(الخامس) ما ورد في نكاح العبد و سكوت مولاه(1)

«محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم عن معاوية بن وهب قال: جاء رجل الى أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال: إني كنت مملوكا لقوم، و إني تزوجت إمرأة حرة بغير إذن موالي ثم أعتقوني بعد ذلك، فأجدد نكاحي إياها حين اعتقت‌؟ فقال له: أكانوا علموا أنك تزوجت امرأة و أنت مملوك لهم‌؟ فقال: نعم و سكتوا عني و لم يغيروا عليّ قال: فقال: سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم. اثبت على نكاحك الأول».

و هكذا ما ورد في سكوت البكر و انه رضا منها(2)

«محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: قال أبو الحسن عليه السّلام: في المرأة البكر إذنها صماتها، و الثيب أمرها اليها».

.

ثم انه قدّس سرّه ذكر انه لو أشكل في عقود غير المالك فلا ينبغي الاشكال في عقد العبد نكاحا أو بيعا مع العلم برضا السيد و لو لم يأذن له، و لكن الميرزا ناقش في كفاية الرضا المقارن مطلقا، و أصر في الإنكار على المصنف (و نقول) الصحيح هو التفصيل، بين ما اذا كان العقد مستندا الى من يعتبر استناده اليه مع قطع النظر عن الرضا و الإجازة و ما إذا كان استناده اليه غير ثابت و اريد اثباته بالرضا المقارن فيكفي الرضا و طيب النفس في الأول دون الثاني: أما عدم الكفاية في الثاني فلفساد استدلال المصنف بالوجوه المتقدمة:

(أما الوجه الأول) فيرده ما ذكرناه من أنه خطاب الى العاقدين، و لا يكون العقد عقد المالك و لا يستند اليه بمجرد رضاه ما لم يجزه لاحقا أو يأذن فيه سابقا.


1) عقد في الوسائل بابا لهذه المسألة/ 525، الباب 26 من أبواب نكاح العبيد و الاماء 14 الطبع الحديث نقل فيها ثلاثة أحاديث و اليك بعضها:

2) ذكر في الوسائل في الباب 5 من أبواب أولياء عقد النكاح 206/14 روايات ثلاث دلّت على كفاية سكوت البكر على نحو يظهر منه عدم الكراهة في استيذانها. و اليك بعضها:

(و أما الوجه الثاني) فكذلك يرده أن التجارة و التكسب لا يصدق الا بعد الإذن، و لا يصدق بمجرد رضا المالك بعقد غيره انه اتجر أو تكسب.

و بهذا يظهر الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى: أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌ لو استدل به أحد، فان موضوعه أيضا هو البيع المستند الى المالك.

و أما حديث «لا يحل» و تخيل بعض المحشين أنّه آية توهما من عطف المصنف فزعم انه معطوف على قوله تعالى تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ و هو ظاهر الفساد، ففيه: ان الحل لو اريد به الحل التكليفي فهو خارج عن محل الكلام، لأنه ليس بحثنا في جواز إيقاع الإنشاء على مال الغير تكليفا برضاه أو بدونه فانه أمر واضح، و ان اريد به الأعم - كما هو الظاهر لأن الحل بمعنى الارسال و فتح الطريق في مقابل السد - فيرد عليه ما ذكرناه في بعض مباحث الاصول، و على الظاهر كان في أواخر باب النواهي ردا على أبي حنيفة، حيث استدل على عدم دلالة الاستثناء على الحصر بقوله عليه السّلام «لا صلاة الا بطهور» و «لا صلاة الا بفاتحة الكتاب» و قلنا انه في موارد نفي الحقيقة ليس الاستثناء حقيقيا كقوله «جاء القوم الا زيدا» ليدل على الحصر، و انما هي صورة استثناء. و في الحقيقة اشارة الى الشرطية أو الجزئية.

(و بعبارة اخرى) لسان هذه التراكيب لبيان النفي - أي نفي الصحة - عند فقدان القيد لا الاثبات، أعني كفايته في الصحة و كونه علة تامة لها، فمعنى قوله عليه السّلام «لا صلاة الا بفاتحة الكتاب» اعتبارها فيها، لا ان حقيقة الصلاة هي القراءة أو الطهور ليدل على الحصر، و النبوي أيضا من هذا القبيل ليس فيه دلالة على الحصر، بل غاية مفاده اعتبار طيب النفس في الحل، و أما كون الحل به فقط فلا يستفاد منه فلا ينافيه اعتبار الاستيذان بدليل.

قوله رحمه اللّه: مع ان كلمات الأصحاب... [1]

و أما رواية عروة فيحتمل أن تكون أجنبية عن الفضولي رأسا و كونه وكيلا مفوضا من قبل النبي صلّى اللّه عليه و آله لأنها واردة في قضية شخصية، و ثانيا ما يستفاد منها انما هو كفاية الرضا في التصرفات الخارجية من القبض و الاقباض، و لا اشكال في كفاية الرضا الباطني فيها، و انما الكلام في كفايته في التصرفات الاعتبارية و لا دلالة فيها على ذلك.

(و أما ما تمسك به قدّس سرّه) مما دل على ان علم المولى بنكاح العبد و سكوته اقرار منه، و هكذا ما ورد في سكوت الباكرة (ففيه) أما سكوت الباكرة فلا يبعد أن يكون كاشفا عرفيا عن الرضا، فانها لعفّتها تخجل عن التصريح فتسكت و الا فمن أين يستكشف رضاها، و عليه فلا ربط له بالمقام، و أما سكوت المولى فيمكن أيضا كونه كاشفا عرفيا و يكون إذنا منه، و مع التنزل لا بد من الاقتصار على مورد الرواية و ما يكون من قبيله، أي العقود التي يكون الاستناد فيها متحققا مع قطع النظر عن الرضا، كالتزويج ببنت أخ الزوجة أو ببنت اختها، فان استناد العقد الى الزوج موجود، و انما اعتبر فيه رضا العمة أو الخالة، فيكفي طيب نفسها و لو لم يكن مبرزا، و هكذا بيع الغير المرهونة، و لا يتعدى عن ذلك الى العقد الفاقد للاستناد كبيع الفضولي المقرون بطيب نفس المالك، فعليه لا بد من التفصيل بين القسمين كما ذكرناه، و لا وجه لما ذكره الميرزا رحمه اللّه من اعتبار الاذن أو الإجازة في كلا القسمين.

[1] تمسك قدّس سرّه بكلمات بعض العلماء، و استظهر منها كفاية الرضا المقارن في صحة العقد، كقولهم في الاستدلال على صحة الفضولي اذا لحقه الرضا: ان الشرائط كلها حاصلة الا رضا المالك، و ان السكوت لا يكفي في الإجازة لأنه أعم من الرضا.

(و فيه) أولا لا يبعد أن يكون مرادهم خصوص الرضا المبرز. فانهم ذكروا من

قوله رحمه اللّه: لو سلم كونه فضوليا... [1]

قوله رحمه اللّه: مع انه يمكن الاكتفاء... [2]

جملة شروط العقد الاختيار، و الظاهر أن مرادهم بالرضا في المقام هو الاختيار الذي اعتبروه، و هو عبارة عن الرضا المبرز.

و ثانيا ليس كلماتهم آية و لا رواية لتكون حجة يتمسك بها.

[1] ذكر انه و لو سلم كون عقد الفضولي المقارن لرضا المالك داخلا في الفضولي موضوعا الا أنه ليس كل فضولي متوقفا على الإجازة، لعدم ثبوت دليل مطلق في المقام، كما احتمل عدم التوقف على الإجازة فيمن باع ملك غيره ثم ملكه.

(و فيه) انه ان دلّ دليل على كفاية الرضا المقارن في صحة العقد فالعقد المقرون به لا يكون فضوليا، و الا فلابد من الإجازة اللاحقة.

(و بعبارة اخرى) إن قلنا بتحقق الإستناد بمجرد الرضا و شمول عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ للعقد الفضولي المقرون برضا المالك فلا وجه لكونه فضوليا و الا فلابد من الإجازة، و لا يكفي الرضا المقارن و لا واسطة بين الحدين.

[2] الاكتفاء بالرضا الحاصل بعد البيع و لو آنا ما في الاجازة لا معنى له، لأنه لو كان مبرزا يكتفى بتحققه مقارنا للعقد، و الا فلا يكتفى بالرضا الحاصل بعد البيع كما لا يكتفى بالمقارن منه.

(ثم انه) قد يستدل على صحة العقد المقرون برضا المالك بما ورد من قوله عليه السّلام في الضيعة «لا تشترها الا من مالكها أو بأمر منه أو برضاه» حيث قرن الرضا بأمر المالك. و قد ورد هذا المضمون في روايتين(1)

«محمد بن الحسن، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث قال: سأله رجل من أهل النيل عن أرض اشتراها بفم النيل، و أهل الأرض يقولون هي أرضهم، و أهل الأسنان يقولون هي من أرضنا، فقال: لا تشترها الا برضا أهلها.

و رواه الكليني، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد و أحمد بن محمد، عن ابن محبوب».

«أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في (كتاب الإحتجاج) عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري أنه كتب الى صاحب الزمان عليه السّلام: أن بعض أصحابنا له ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب للسلطان فيها حصة و اكرته ربما زرعوا و تنازعوا في حدودها، و تؤذيهم عمال السلطان، و تتعرض في الكل من غلات ضيعة، و ليس لها قيمة لخرابها، و انما هي بائرة منذ عشرين سنة، و هو يتحرج من شرائها لأنه يقال: ان هذه الحصة من هذه الضيعة كانت قبضت من الوقت قديما للسلطان، فان جاز شراؤها من السلطان كان ذلك صونا - أو صوابا - و صلاحا له و عمارة لضيعته، و انه يزرع هذه الحصة من القرية البائرة بفضل ماء ضيعته العامرة، و ينحسم عن طمع أولياء السلطان، و ان لم يجز ذلك عمل بما تأمره به ان شاء اللّه. فأجابه: الضيعة لا يجوز ابتياعها الا من مالكها أو بأمره أو رضى منه».

احداهما لا بأس بها من حيث السند،

1) و قد ذكرهما في الوسائل في باب 1 من أبواب عقد البيع/ 248 من الجزء 14 المطبوعة أخيرا، و اليك نصهما:

قوله رحمه اللّه: ثم اعلم ان الفضولي قد يبيع للمالك... [1]

و الظاهر أن المصنف ذكرها في بيع الأراضي الخراجية.

و كيف كان يرد عليه (أولا) انه لا يبعد ان يراد به الرضا المبرز لا مطلقا، و على فرض التنزل تكون نظير قوله عليه السّلام «لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه» و قد ذكر أن لسانه النفي دون الاثبات، و لا يستفاد منه صحة العقد بمجرد رضا المالك، كما لا يستفاد منه الإكتفاء بمجرد أمره أو كون الشراء من المالك و عدم اعتبار بقية الشرائط، و هذا واضح.

[1] ذكر أن البحث عن الفضولي يقع في مسائل ثلاث:

«الاولى» أن يبيع من لا يملك البيع للمالك من دون أن يسبقه منع منه.

«الثانية» أن يبيع للمالك مع سبق المنع منه.

«الثالثة» أن يبيع لغير المالك إما لنفسه و إما لشخص ثالث.

و من الظاهر أن المسألة الاولى تكون أساسا للمسألتين الأخيرتين، فانه لو قلنا بالفساد في المسألة الاولى من جهة عدم حدوث البيع مستندا الى المالك فلابد من القول بالفساد في الثانية و الثالثة أيضا. لأن تلك الجهة جهة مشتركة بين المسائل الثلاث، فالمسألتان الأخيرتان مشتملتان على تلك الجهة مع شيء زائد، و هو سبق منع المالك في الثانية و وقوع البيع لغير المالك في الثالثة، فاذا أوجب ذلك فساد البيع في الاولى لأوجبه فيهما أيضا (و أما لو قلنا) بصحة البيع في المسألة الاولى لعدم استلزام عدم استناد البيع حدوثا الى المالك الفساد فيكون للبحث عن المسألتين الأخيرتين مجال، فيبحث عن أن سبق المنع من المالك يوجب الفساد أم لا؟ و عن أن وقوع البيع عن غير المالك الذي هو مناف لمقتضى العقد يوجب الفساد أم لا؟

بيع الفضولي للمالك

اشارة

(أما المسألة الاولى) فهي المتيقن من مورد الحكم بصحة الفضولي كما ذكره المصنف رحمه اللّه و المشهور بين القدماء فيها هو الصحة، و قد خالف فيها بعض المتأخرين كالأردبيلي و السيد الداماد، و يدل على صحته عموم قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و إطلاق قوله تعالى أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌، فانا ذكرنا في الخطاب فيهما الى الملاك لا الى غيرهم، فلابد و أن يكون البيع مستندا الى المالك ليعمه العموم أو الاطلاق، الا انه لا يختص بما اذا كان العقد مستندا الى المالك حدوثا، بل يعم ما اذا كان مستندا اليه

قوله رحمه اللّه: بقضية عروة البارقي... [1]

و لو بقاء. و من الظاهر أن التصرفات الاعتبارية ليست كالأفعال الخارجية التي لا تستند الى غير الفاعل بالاذن و لا بالإجازة كالأكل أو الشرب، فانه لا يكون أكل الآذن لاذنه فيه، بل هي قابلة للإستناد الى المالك إما حدوثا كما في عقد الوكيل و إما بقاء كما في العقد الفضولي اذا لحقه إجازة المالك، فانه أمر له استمرار و بقاء قابل للحوق الإجازة به، فيكون بقاء عقد المالك، فيعمه العمم و الإطلاق.

و الظاهر أن هذا مراد المصنف من قوله «و هو مدفوع بالأصل» أي الأصل اللفظي، أعني أصالة العموم أو أصالة الإطلاق لا الأصل العملي، اذ ليس في المقام أصل عملي يقتضي نفي اعتبار مقارنة الإذن للعقد، بل الأصل العملي يقتضي الفساد.

(و بالجملة) فنفس العموم أو الإطلاق كاف في صحة العقد الفضولي اذا لحقه الإجازة من دون حاجة الى التمسك بدليل خاص.

[1] استدل على صحة الفضولي بروايتين:

(احداهما): رواية عروة البارقي، فان بيعه كان فضوليا بلا اشكال كما أفاد المصنف، و يحتمل كون شرائه أيضا فضوليا، فان ما اذن النبي صلّى اللّه عليه و آله في شرائه إنما كان شراء شاة واحدة لا شاتين، فشراؤهما يكون فضوليا لا محالة.

و قد اجيب عنه بأن المأذون فيه إنما كان شراء طبيعي الشاة لا خصوص الواحدة كما ذكره السيد في حاشيته، و لكن الظاهر أن المأذون فيه إنما كان الشاة الواحدة للأضحية لا جنس الشاة، الا انه مع ذلك لم يكن الشراء فضوليا، لأن شراء الشاة الواحدة بدينار كانت مأذونا فيها بالمطابقة و شراء الشاتين بدينار بالالتزام أو بالأولوية - فتأمل. فالشراء لم يكن فضوليا.

و قد ذكر المصنف أن الاستدلال بها مبني على أن يكون العقد المقرون برضا المالك داخلا في الفضولي، لأن ظاهر تقرير النبي صلّى اللّه عليه و آله أن قبض عروة و إقباضه لم يكن حراما، فلابد إما من الإلتزام باقتران الشراء و القبض و الإقباض برضا المالك أو القول بجواز التصرف في البيع الفضولي اذا علم عروة بلحوق الإجازة أو علم برضا النبي باقباض ماله للمشتري حتى يستأذن و كون دفع الثمن من المشتري على نحو استيمان البائع. ثم اختار أن الظاهر هو الأول، فيكون الاستدلال بها مبنيا على ما ذكره.

(و نقول) يرد على الاستدلال بهذه الرواية:

(أولا) انها ضعيفة السند لأنها عامية مروية من طرقهم و لم يعلم استناد الأصحاب اليها، فانهم - و إن ذكروها في مقام الاستدلال على صحة عقد الفضولي من الشيخ و من تأخر عنه - الا أن اعتمادهم عليها في مقام العمل و الفتوى غير ثابت لأنهم ذكروها في جملة الأدلة، و كثيرا ما تذكر رواية عامية في ضمن الأدلة للتأييد و نحوه من غير اعتماد عليها.

(و ثانيا) انها قضية خارجية، و من المحتمل أن عروة كان وكيلا مفوضا من قبل النبي صلّى اللّه عليه و آله ففعله خارج عن الفضولي.

(ثانيتهما) صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السّلام في وليدة باعها ابن سيدها و أبوها غائب فاستولدها الذي اشتراها فولدت منه فجاء سيدها فخاصم سيدها الآخر فقال: وليدتي باعها ابني بغير اذني.

فقال عليه السّلام: الحكم أن تأخذ وليدته و ابنها. فناشده الذي اشتراه فقال له: خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ البيع لك. فلما رآه أبوه قال له: أرسل ابني. قال: لا و اللّه لا

أرسل ابنك حتى ترسل ابني. فلما رأى ذلك سيد الوليد أجاز البيع».

و قد استدل بها على صحة الفضولي بالإجازة، و هي من حيث السند صحيحة لا بأس بها، و إنما الكلام في دلالتها، فانه ربما يقال: انها غير معمول بها في موردها - و هو الاجازة بعد الرد - فانها فاسدة اجماعا فلابد من رد علمها الى أهلها. و الشاهد على الرد فيها امور ثلاثة:

(الأول) اخذ الوليدة و ابنها، بل و حكمه عليه السّلام به على نحو الاطلاق، فانه ظاهر في رد البيع عرفا.

(الثاني) مخاصمته الى أمير المؤمنين عليه السّلام، و لا معنى له لو لا الرد.

(الثالث) مناشدة المشتري له عليه السّلام، فانه أيضا ظاهر في رد البائع و ان المشتري طلب من الإمام عليه السّلام علاجا لرده.

(و لكن الظاهر) عدم الدلالة في شيء منها على الرد، لأن الرد إنما هو بمعنى حل العقد، و هو غير الكراهة، و لا بد له من مبرز، و ليس أخذ الوليدة و ابنها مبرزا لحل العقد، بل هو أعم منه، فانها ما لم يتحقق الإجازة تكون باقية في ملك المالك الأول، فله أن يأخذ ماله حتى يتأمل في الرد و الإجازة، فان رد فهو و إن أجاز يرد المال الى المشتري، و اطلاق حكمه عليه السّلام بالأخذ تكون من هذه الجهة. و هكذا المخاصمة فانها انما كانت من جهة بقاء المال على ملك المالك الأول فأراد استنقاذها من المشتري حتى يتأمل في ان صلاحه في الرد أو في الإجازة. و أما مناشدة المشتري للإمام عليه السّلام فيمكن أن يكون من جهة علاج عدم الإجازة لا الرد، فسأل الامام أن يعمله طريقا لأن ينتهي الأمر الى اجازة المالك، فاذا ليس مورد الرواية الاجازة بعد الرد.

(و الحاصل) ان الصحيحة ليس فيها أدنى ظهور في أن الاجازة بعد الرد، و ذلك لأن الرد ليس مجرد عدم الرضا و إنما هو بمعنى حل العقد نظير الفسخ، فلابد فيها من مبرز إما لفظ صريح أو فعل يكون لازما مساويا للرد، كما ان الفسخ بالفعل أيضا لا يكون الا بفعل مساو له. مثلا: اذا باع المالك لنفسه في المجلس ماله لشخص آخر ثانيا فانه لازم مساو لفسخ البيع الأول، و هكذا إذا وطئ الأمة التي باعها في زمان الخيار فانه مساو للفسخ فيكون فسخا، و هكذا في الرجوع فان النظر الى المطلقة بما لا يجوز النظر اليها لغير الزوج أو وطئها يكون لازما مساويا للرجوع فيدل عليه بالالتزام.

و أما اذا لم يكن الفعل لازما مساويا لذلك فلا يكون مصداقا له، و في الصحيحة ليس شيئا من الأفعال الثلاثة لازما مساويا للرد بل كلها لازم أعم له، فانها لازم لعدم الرضا، فليس فيها دلالة التزامية على الرد. أما الأخذ فلأنه يمكن أن يكون من جهة عدم رضائه بالبيع، و كون الوليدة باقية في ملكه و لا يرضى ببقائها تحت يد الأجنبي، و هكذا المخاصمة. و أما مناشدة المشتري فيحتمل أن يكون طلبا لعلاج عدم رضاء السيد بالبيع، فليس في هذه الامور دلالة على الرد لتكون الإجازة بعد الرد.

و المصنف حيث سلم ظهورها في الرد قرب الاستدلال بالصحيحة بوجه آخر و حاصل ما أفاده: هو أن الاستدلال ليس بالحكم الشخصي و هو الإجازة بعد الرد ليكون التعدي منحصرا بما يساويه في الخصوصيات و هو الإجازة المسبوقة بالرد، و المفروض قيام الإجماع على عدم نفوذها فلا يمكن ذلك، بل الإستدلال يكون بذيل الصحيحة، أعني قوله عليه السّلام «فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز البيع» الصريح في

صحة بيع الفضولي بلحوق الإجازة، و ان لم يكن تطبيق ذلك على مورد الصحيحة.

(و فيه) ما لا يخفى، فان الرواية ان كانت مشتملة على عموم أو اطلاق يستفاد منها كبرى كلية و لم يمكننا تطبيقها على المورد أمكن القول بأن الاستدلال ليس بالحكم الشخصي الثابت للمورد، و إنما يستدل بالكبرى الكلية فيما ليس من قبيل المورد و إن لم يعرف تطبيقها عليه نظير ما ورد في رواية ابن بكير التي سأل فيها الامام عن السنجاب و السنور و الفنك، فأخرج كتابا باملاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و فيه ما حاصله: «إن الصلاة في وبر ما لا يؤكل لحمه و شعره و جلده فكل شيء منه غير جائز و لا يقبل اللّه تلك الصلاة حتى يصليها في غيره مما أحل اللّه أكله»(1)

محمد بن يعقوب، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن عمير، عن ابن بكير قال: سأل زرارة أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصلواة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر، فأخرج كتابا زعم أنه إملاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شيء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل اللّه أكله. ثم قال: يا زرارة هذا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاحفظ ذلك يا زرارة فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شيء منه جائز اذا علمت أنه ذكي و قد ذكاه الذبح، و إن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله و حرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسد، ذكاه الذبح أو لم يذكه. انتهى. و الكبرى المذكورة في هذه الرواية انما لا ينطبق على موردها - أعني السنجاب - لو فرض كون السنجاب مما يحرم أكله و مع ذلك يجوز الصلاة فيه و الا فهي منطبقة على موردها كما هو واضح.

فان الصلاة في السنجاب جائز قطعا، فالكبرى لا تعم موردها، الا أنه يمكن التمسك بها لغير ذاك المورد.

و أما اذا لم تكن الرواية مشتملة على عموم و لا على إطلاق و إنما كانت مشتملة


1) أصل الرواية على ما في الوسائل/ 250 من الجزء الثالث المطبوع حديثا هكذا.

على حكم شخصي و لم يكن معمولا بها في ذاك المورد و أمثاله فليس هناك حكم آخر يتمسك به. و في المقام من هذا القبيل، فان ما ذكر في الصحيحة ليس الا حكم القضية الشخصية - أعني بيع الوليدة بتلك الخصوصيات - فاذا لم تكن معمولة بها في ذلك المورد و ما يساويه ليس فيها عموم أو اطلاق يتمسك به.

(هذا) و لكن عرفت أنه ليس فيها أدنى ظهور في الرد، فلا تصل النوبة الى هذه التطويلات أصلا، كما لا مجال حينئذ لما ذكره السيد في حاشيته من التمسك بالصحيحة في موردها و الحكم بجواز الإجازة بعد الرد اذا كان فعليا، و ذلك لأن دليل عدم نفوذ الإجازة بعد الرد إنما هو الاجماع، و هو دليل لبي لا بد من الاقتصار فيه على المتقين، و هو ما اذا كان الرد قوليا دون ما اذا كان فعليا لدلالة هذه الصحيحة على جوازها.

نعم يرد عليه اشكالان:

(احدهما) أن ظاهر الصحيحة أن المشتري لم يكن عالما بأن البائع - و هو ابن السيد - فضولي، لقول السيد: وليدتي باعها ابني بغير إذني. فانه مشعر بعدم كون المشتري عالما بذلك، كما ان عدم تعرض الامام عليه السّلام لجهة كون المشتري زانيا من اقامة الحد عليه أو طلب الشهود على ذلك أيضا شاهد على جهله بالحال و انه اعتمد على يد ابن المولى، فانها امارة الملكية أو الوكالة اذا علم عدم كونها مالكية، و عليه فيكون الولد حرا لأنه من الوطي بالشبهة، و إذا كان حرا لا وجه لحكمه عليه السّلام بأخذه.

و توهم ان حبس الولد إنما كان لامتناع المشتري من دفع قيمته الى السيد فانه الذي أتلفه عليه فيستحق قيمة مثله يوم الولادة، كما يظهر من بعض كلمات المصنف و صرح به الميرزا.

(مدفوع) أولا بأنه لو قلنا بأن المديون يحبس إذا تسامح في أداء الدين فهو الذي يحبس و لا وجه لحبس حر غيره كالولد مع انه ليس بمجرم أصلا.

و ثانيا نفرض إمكان حبس الولد الحر لتسامح والده في أداء دينه إلا انه عليه لا يكون الامام عليه السّلام مبينا حكم المسألة في الصحيحة، فان حكم السؤال كان أخذ الوليدة و أخذ قيمة الولد، و أما حبسه عند امتناع المشتري من الدفع فهو حكم آخر لم يكن مسؤولا عنه في الرواية.

(ثانيهما) ما بيّنه الامام عليه السّلام للمشتري من انه يأخذ ابن السيد، فانه أيضا لا وجه له. و توهم أن حبسه كان من جهة قبضه الثمن - كما هو المتعارف في أغلب البيوع الفضولية - و إتلافه إياه.

(مدفوع) أولا بأنه عليه كان اللازم أن يحكم عليه السّلام ابتداء بأنه يطالبه بالثمن و بما يغرمه السيد من قيمة الولد، و إذا تسامح عن الدفع يحبسه.

و ثانيا انه مخالف لقول المشتري عند ما طالبه السيد بارسال ابنه «لا و اللّه لا أرسل ابنك حتى ترسل إبني» فانه صريح في ان حبسه لم يكن من جهة دفع الثمن و إنما كان من جهة أن يجيز السيد البيع، و لم نعرف لذلك وجها، و لعل القضية لم تنقل بتمامها الينا و كان فيها خصوصيات تقتضي أخذ الولد، و كيف ما كان لا يضر عدم فهمنا لذلك بالاستدلال ببقية جملات الصحيحة على صحة الفضولي بالاجازة، و ذلك واضح.

(و مما استدل به) على صحة بيع الفضولي قوله عليه السّلام في نكاح العبد بدون اذن سيده «انه لم يعص اللّه و إنما عصى سيده فاذا أجاز جاز» و قد ركن اليه المحقق النائيني بدعوى أن المستفاد من الكبرى الكلية: ان سبب عدم نفوذ العقد إن لم يكن عصيان

اللّه تعالى كالنكاح في العدة بل كان عدم رضا السيد أو من هو بمنزلة السيد كالملك ينفذ بلحوق الاجازة منه، و العصيان في بيع الفضولي ليس إلا عصيان المالك، فينفذ اذا أجاز.

(و فيه) انه إن استند عقد الفضولي الى المالك بالاجازة اللاحق، و شمله عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الذي هو خطاب الى الملاك، فلا حاجة الى التمسك بهذه الرواية و أمثالها، و الا فلا يمكن الاستدلال بها أيضا، لأن غاية مفادها انما هي كفاية الرضا المتأخر فيما اذا كان العقد بنفسه مستندا الى من يلزم الاستناد اليه، و لكنه كان فاقدا لرضا من يعتبر رضاه فيه كما في مورد الرواية، فنتعدى الى أمثاله كالتزويج ببنت أخ الزوجة أو بنت أختها حيث اعتبر رضاها في صحته، و اما العقد الفاقد للاستناد فلا دلالة في الرواية على صحته بمجرد الرضا المتأخر أو الاجازة المتأخرة.

(و بعبارة اخرى) غاية مفاد الرواية أن الاجازة المتأخرة من السيد تكفي في حصول الرضا لا أنها تكفي في استناد العقد الى من يلزم استناده اليه.

(و مما استدل به) على الصحة أيضا الأخبار الواردة في اباحة الخمس للشيعة و هي كثيرة:

(منها) ما ورد في غنائم الحرب و شراء الجواري منها، فانها إما ملك للامام عليه السّلام بتمامها إذا لم تكن الحرب باذنه و إما للامام فيها الخمس اذا كان الحرب باذنه، و على أي تقدير أباح الامام ذلك لشيعته لطيب ولادتهم.

(و منها) ما ورد في المساكن و المتاجر، أي ما يشتريه الشيعي ممن لا يعتقد بالخمس و قد ورد في بعضها ما مضمونه «انا ما انصفناكم إن كلفناكم اليوم» أي الوقت الذي لم يتمكنوا من استنفاذ أموالهم من الناس لعدم وصول الخلافة الظاهرية

اليهم، فان تكليف الشيعة حينئذ بأداء الخمس مما يشترونه من العامة خلاف الانصاف.

و كيف كان هذه الأخبار بعضها صادرة عن مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام و في بعضها تصريح بعدم اختصاص الاباحة بامام دون امام، فيستفاد منها صحة المعاملات الواقعة على أموالهم عليهم السّلام فضولة و بغير إذنهم.

(و نقول) الاستدلال بهذه الأخبار يصح على تقدير و لا يصح على تقدير آخر، فانه إن قلنا بخروج العقد عن عنوان الفضولي إذا كان مسبوقا بالرضا المبرز مع عدم وصوله الى العاقد فلا محالة تكون مورد هذه الأخبار خارجا عن الفضولي و أما إن قلنا بأن الخروج عن الفضولية متقوم باستناد العقد الى المالك و هو متقوم بالاذن - أعني وصول الرضا المبرز الى العقاد و لا يكفي في ذلك مجرد الابراز كما لا يكفي فيه الرضا النفساني المجرد عن المبرز - فالاباحة في الأخبار تدل على المقصود و الظاهر هو الثاني لأن الاستناد الى غير العاقد إنما يكون فيما اذا وقع العقد عن اذن المالك و مستندا اليه، و أما اذا فرض ان المالك رضي بالعقد بل وكّل غيره في بيع داره مثلا و أبرز ذلك لأهله و لكن قبل وصول ذلك الى الوكيل باع الدار فضولة لعدم مبالاته لا يقال عرفا ان المالك باع داره بمجرد رضاه المبرز مع عدم وصوله الى العاقد (و عليه يكون شراء ما تعلق به حق الامام عليه السّلام أيضا من الفضولي و تكون الاباحة بمنزلة الاجازة المتأخرة، فيمكن التمسك بهذه الأخبار على الفضولي(1).


1) المقصود منها هو الأخبار الواردة في إباحة الخمس للشيعة. و قد نقلها في الوسائل 6 /من المطبوع حديثا باب 4 من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام/ 378.

(و مما يستدل به) أيضا ما ذكره المصنف بقوله: «و ربما يستدل أيضا بفحوى صحة عقد النكاح من الفضولي» - الخ، و قد ورد في بعض الأخبار صحة تزويج الولي العرفي كالأم لابنه أو الأخ لأخيه أو العم لابن أخيه الى غير ذلك إذا أجازه الزوج بعد ذلك(1)، و من الظاهر أن لا خصوصية للولي العرفي فلا وجه لما نسب إلى ابن حمزة من القول بصحة تزويج الولي العرفي كالولي الشرعي (و عليه) فاذا صح تمليك البضع بالاجازة اللاحقة مع أهميته - لأنه يكون منه الولد كما صرح به في بعض الأخبار و هو أولى بمراعاة الاحتياط فيه - فتمليك المال يصح بطريق أولى.

(و فيه) ان أهمية النكاح من سائر المعاملات غير قابلة للانكار كما صرح به جملة من الأخبار، فان قوام العالم به و لذا رغب فيه الشارع و حذر عن مقابله و هو الزنا، الا أن الكلام في ان أهمية المسبب يوجب التضييق في سببه أو التوسعة فيه، فان المناسب للأمر المهم المرغوب فيه أن يوسع في سببه ليسهل الوصول إليه لكل أحد، لا أن يجعل سببه ضيقا، فانه مناسب للأمر المكروه للشارع، كالطلاق الذي هو مزيل للنكاح و لذا ضيق في سببه من جهات. ألا ترى ان سبب النكاح لو خص باللفظ العربي الفصيح باللهجة العربية لما أمكن الوصول اليه لجملة من أهل القرى و البر بخلاف ما اذا اكتفى بكل لغة (و عليه) فالتوسعة في سبب النكاح لا يستلزم التوسعة في سبب البيع الذي ليس بتلك المرتبة من الأهمية، و لذا لم يرغب فيه شرعا، فالأولوية ممنوعة.


1) ذكر بعضها في الوسائل 14 /الباب 211/8 الطبع الجديد.

و المصنف رحمه اللّه بما انه مسلم بالأولوية جعلها معارضا بالنص الوارد في الرد على العامة الفارقين بين تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل و بين بيعه، بالصحة في الثاني دون الأول، لأن المال منه العوض بخلاف البضع، قال عليه السّلام في ردهم «سبحان اللّه ما أجور هذا الحكم و أفسده، فان النكاح أولى و أجدر أن يحتاط فيه لأنه الفرج و منه يكون الولد»(1)فانه قدّس سرّه زعم أن المراد بالإحتياط في النكاح هو الحكم بصحته دون البيع، فيمكن أن يصح النكاح في مورد دون البيع بعكس الأولوية، فصحة البيع بدون اذن المالك تستلزم صحة النكاح بدون اذن الزوج دون العكس.

(نعم) عليه اذا قام دليل على بطلان التزويج بدون إذن الزوج يدل بالأولوية على بطلان البيع بدون اذن المالك أيضا، فتنعكس الأولوية بمقتضى هذه الرواية (و فيه) ما لا يخفى، فان حكم العامة بصحة البيع في مفروض الرواية لم يكن مبنيا على الاحتياط، فان الاحتياط فيه من حيث الفتوى انما يقتضي التوقف عن الحكم بكل من الصحة و الفساد، لأن كلا منهما مبني على وجوه استحسانية، فهو من مصاديق قوله تعالى: قُلْ آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللّٰهِ تَفْتَرُونَ‌. و أما من حيث العمل فالأمر دائر بين محذورين، لأن كلا من الثمن و المثمن يدور أمره بين أن يكون ملكا للمشتري أو ملكا للبائع، فليس الحكم بأحد الطرفين موافقا للاحتياط و انما الاحتياط يقتضي الصلح باقالة أو بيع جديد أو نحو ذلك. كما ان الحكم بصحته أيضا ليس موافقا للاحتياط و هكذا الحكم بفساده: أما من حيث الفتوى فواضح، و أما من حيث العمل فلان القول بالصحة اذا لم يطابق الواقع يوجب الوقوع في الزنا، و القول بالبطلان


1) نقله في الوسائل 13 /الباب 2 من كتاب الوكالة/ 287. طبع جديد.

قوله رحمه اللّه: ربا يؤيد صحة الفضولي بل يستدل عليها... [1]

مستلزم لجواز تزويج المرأة نفسها للغير، فاذا خالف الواقع لزم منه الزنا بذات البعل، فالاحتياط يقتضي تجديد عقد النكاح أو الطلاق.

(و عليه) لا يمكن أن يراد بكون النكاح أجدر و أحرى بالإحتياط من البيع الأولوية من حيث الحكم بالصحة، لأنها في البيع لم تكن مبنية على الاحتياط بل هي مخالفة له، و انما يصح هذا التعبير لو كانت صحة البيع من جهة الاحتياط، فلابد و أن يكون مراده عليه السّلام من ذلك - و اللّه العالم - أن العامة اذا تجرأوا و لم يحتاطوا في البيع حيث لم يتوقفوا و لم يرجعوا الى أهل البيت عليهم السّلام و أفتوا فيه بالصحة اعتمادا على وجوه عقلية فالأجدر بهم أن يتوقفوا عن ذلك و يحتاطوا في النكاح لأهميته و انه يكون منه الولد، فأولوية النكاح بالصحة عن البيع أجنبية عن هذه الرواية.

(فقد ظهر) من جميع ما ذكرنا صحة العقد الفضولي بالاجازة بمقتضى العمومات و صحيحة محمد بن قيس و ان كانت موردا للمناقشة من عدة جهات. و أما ما ورد في النكاح الفضولي فلا دلالة فيه على صحة غيره من العقود الفضولية.

[1] من الوجوه التي أيد بها صحة الفضولي بلحوق الاجازة ما ورد في المضاربة في رجل دفع الى رجل مالا ليشتري به حزما من المتاع مضاربة فاشترى غير الذي أمره - بأن عين له طريقا خاصا أو سلعة خاصة فخالفه العامل في ذلك - فقال عليه السّلام:

«هو ضامن و الربح بينهما على ما شرطه»(1).

و ذكر المصنف قدّس سرّه انه يستأنس منه صحة الفضولي على تقدير، و يستدل به عليها على تقدير آخر، لأن الرواية اذا بقيت على ظاهرها من عدم توقف الصحة على


1) في الوسائل المطبوع حديثا 13 /الباب الأول من كتاب المضاربة/ 180.

الإجازة - كما نسب ذلك الى بعض الأصحاب - لكان موردها خارجا عن الفضولي، الا انه يستأنس منه عدم اعتبار اذن المالك سابقا في صحة البيع و أما إن حملناها على صورة الاجازة بمقتضى ما دل على اعتبار رضا المالك في حصول النقل و الانتقال في ماله لكان موردها من العقد الفضولي، و احتمال اختصاص الحكم بالصحة بموردها - أعني المضاربة - و إن كان موجودا و لا يمكن التعدي عنها الا أن ذلك يكون مؤيدا للمقام.

و نقول: الظاهر عدم امكان التمسك بهذه الأخبار أصلا لا تأييدا و لا استدلالا:

(أما على التقدير الأول) فلأن الحكم بصحة مال الغير تعبدا في مورد بدون اذن المالك سابقا و لا اجازته لاحقا أجنبي عمّا نحن فيه من حصول الصحة بالإجازة اللاحقة التي هي محل الكلام، فلا وجه لاستيناسها منه أصلا (و أما على التقدير الثاني) فلأن الظاهر بحسب ما هو المرتكز في أذهان التجار أن اشتراط المالك على العامل أن يشتري نوعا خاصا من المتاع أو لا يشتري الا من مكان خاص ليس لغرض شخصي و انما هو لاعتقاده ان الربح يكون فيما يعينه للعامل دون غيره فاذا كان الربح في الواقع فيما منعه عنه و كان اعتقاده مخالفا للواقع فهو راض بتلك المعاملة.

(و عليه) فاذا خالفه العامل و ربح تكون المعاملة باذن المالك على حسب المضاربة، و اذا خسر يكون ضامنا، لأنه لم يعمل حسب شرط المالك، فمورد الرواية أجنبي عن الفضولي بالكلية (و يؤكده) أن معاملة العامل لو كانت فضولية لم يكن وجه للحكم بالصحة مطلقا، بل كانت صحتها متوقفة على اجازة المالك، مضافا الى ان الربح حينئذ كان جميعه للمالك و لم يكن وجه للحكم بتقسيمه على

حسب الشرط.

و توهم كون التقسيم من جهة عمله فانه عمل مسلم محترم (مدفوع) بأن عمله لو سلم كونه محترما - مع انه ممنوع و الا لزم دفع الاجرة اليه حتى في فرض الخسارة و لم يقل به أحد - يوجب استحقاقه لاجرة المثل لا لشيء من الربح.

(و الحاصل) ان المصنف ذكر ما توضيحه: ان هذه الأخبار الواردة في المضاربة اذا أبقيت على ظاهرها و لم يقيد إطلاقها بما اذا أجاز المالك إتجار العامل فهي - و ان كانت خارجة عن عنوان الفضولي بل مفادها حكم تعبدي - الا انه يمكن استيناس صحة الفضولي منها، لأنه يستفاد منها عدم توقف صحة العقد على الإذن السابق، و إن قيدت إطلاقها بصورة لحوق الإجازة بمقتضى ما دل على اعتبار رضا المالك في صحة العقد الواقع على ماله، فيكون مورد الرواية داخلا في عنوان الفضولي إلا انها لعدم اشتمالها على كبرى كلية تختص بموردها و لا يتعدى عنها الا انها تكون مؤيدة للمطلوب.

و نقول: الظاهر أنه لا يستأنس منها صحة الفضولي على التقدير الأول، كما لا يمكن الاستدلال بها على التقدير الثاني: (أما على الأول) فلأن الحكم بصحة العقد الواقع على مال الغير تعبدا من دون اذنه و رضاه لا ربط لها بصحة بيع الفضولي مبنيا على اجازة المالك، فلا معنى لأن يستأنس من ذلك صحة البيع مثلا بالإجازة اللاحقة (و أما على التقريب الثاني) فلا يمكن الالتزام بكون مورد الرواية داخلا تحت عنوان الفضولي، لمنافاته مع حكمه عليه السّلام فيها بأن الربح يقسم بينهما، فان البيع لو كان فضوليا لزم رجوع جميع الربح الى المالك، و لا وجه لتقسيمه حسب قرار المضاربة، كما انه ينافي ذلك كون الخسارة على العامل، لأن المعاملة لو كانت

فضولية لم تكن الخسارة على العامل على تقديري الصحة و الفساد، لأنه على فرض الصحة تكون الخسارة على الملاك و على تقدير الفساد و عدم الإجازة يأخذ المالك عين ماله من المشتري الا اذا كانت تالفة، فحينئذ يمكن أن يغرم العامل.

هذا كله في دفع الاستدلال بهذه الأخبار في المقام، و أما حكم هذه المضاربة و أن تقسيم الربح بين المالك و العامل و كون الخسارة على العامل هل يمكن تطبيقه على القواعد أو انه حكم تعبدي (ربما) يوجه التقسيم بأن غرض المالك المضارب من المضاربة انما هو الاسترباح على ما هو شأن التجار، فاذا منع العامل عن شراء شيء أو السفر الى بلد فليس ذلك لغرض شخصي و انما هو لاعتقاده الربح في ذلك و الخسران في الآخر، فاذا كان خاطئا في التطبيق و فرضنا أن العامل اتجر بما منعه المالك عنه و ربح يكشف منه رضا المالك به من أول الأمر، فتكون المعاملة موردا للمضاربة حقيقة و ان لم يفهمه المالك من باب الخطأ في التطبيق، و من هذه الجهة يقسم الربح بينهما على حسب القرار.

(و فيه): (أولا) إن باب الفرض و الداعي أجنبي عن مداليل الألفاظ و المعتبر هو الثاني، فاذا فرضنا أن أحدا و كل شخصا في شراء دار فرأي الوكيل أن شراء الطعام أربح له من شراء الدار فاشترى له الطعام لكونه موافقا لغرضه فهل يتوهم صحته لذلك‌؟ و هكذا إذا وكلت المرأة أحدا في تزويجها لشخص لكونه مثريا فزوجها الوكيل لرجل أثرى منه لموافقته لغرضها فهل يمكن القول بصحة التزويج فان الميزان إنما هو مداليل الألفاظ لا الدواعي و الأغراض.

(و ثانيا) انه لا يمكن دعوى أن الغرض للتاجر المضارب في تعيين متاع أو طريق للعامل هو الاسترباح كلية، اذ قد يكون له غرض آخر، كما اذا فرضنا انه

رجل مقدس يمنع العامل من بعض المعاملات لكونها مكروهة شرعا كالتعاطي في الأكفان مثلا.

(و ثالثا) هذا التوجيه أخص من مورد الرواية، فانه انما يتم فيما اذا كان ما فعله العامل أكثر ربحا من المعاملة التي أمر بها المالك، و إلا فلا يستكشف رضا المالك المضارب بها واقعا، فتوجه تقسيم الربح فاسد.

و أما كون الخسارة على العامل فقد وجه على القاعدة بوجهين:

(أحدهما) انه يكون من جهة الشرط الضمني، فان مرجع المنع عن معاملة خاصة الى اشتراط كون الخسارة على العامل عند المخالفة، و لا ينافي ذلك ما هو المعروف المسلم من عدم كون العامل ضامنا للخسارة في المضاربة، فان المراد به أن المضاربة لا تقتضي ضمان العامل لأنه عامل، فلا ينافيه ثبوت الضمان بالإشتراط من الخارج، و قد ورد في بعض الأحاديث أن العباس كان له مال كثير و كان يعطيه الى الناس بعنوان المضاربة و يشترط عليهم أن لا ينزلوا بطن واد و لا يشتروا رطبا و الا كانت الخسارة عليهم.

(ثانيهما) ما ذكره الميرزا، و حاصله: أن ذلك إنما هو على القاعدة لا من جهة الشرط، فان تصرف العامل لما لم يكن على طبق الشرط فلا محالة يكون عدوانا، فما كان باقيا من ماله تحت يد العامل يجب رده اليه و ما تلف أو صار بحكم الاتلاف بالإتجار يكون ضامنا له.

و نقول: أما التوجيه الأول (ففيه) انه لا وجه لرجوع تعيين الطريق الخاص أو المتاع المخصوص الى اشتراط كون الخسارة على العامل مطلقا حتى من غير الملتفت الى ذلك، مضافا الى أن صحة هذا الشرط محل الكلام بين الأعلام، بل

قوله رحمه اللّه: الأخبار الواردة في اتجار غير الولي بمال اليتيم... [1]

المعروف عدم كون العامل ضامنا حتى بالإشتراط.

(و أما التوجيه الثاني) ففيه: أولا ما عرفت من معاملة العامل لو كانت فضولية لا تكون الخسارة على العامل على كلا تقديري الصحة و الفساد.

و ثانيا انه مناف لما هو ظاهر بعض الأخبار الواردة في المقام، حيث جعل فيها الوضعية - أعني الخسارة - مقابلا للضمان و قال عليه السّلام عند مخالفة العامل للشرط أنه يكون ضامنا ثم بعد ذلك قال عليه السّلام ان ربح يقسم الربح بينهما و إن خسر كانت الخسارة على العامل، فان ظاهره أن ضمان الخسارة و النقصان يكون مقابلا لضمان العين الثابت بمقتضى «على اليد» أو حديث «من أتلف»، فلا يتم شيء من هذه التوجيهات، بل الظاهر أن تقسيم الربح و كون الخسارة على المالك حكم تعبدي على خلاف القاعدة، كما أن نفوذ عقد الوكيل المعزول قبل وصول عزله اليه أيضا على خلاف القاعدة، و قد ثبت بالتعبد.

[1] تقريب الاستيناس بها ظاهر(1)فانها لو قيدت بصورة إجازة الولي - كما صرح به بعض - كان موردها داخلا في الفضولي و إلا فيستأنس بها لصحة الفضولي، لأن صحة الاتجار بمال الغير بدون إذن سابق و لا اجازة لاحقة يقتضي صحتها بعد الاجازة بطريق أولى.

(و فيه) إن جملة من الأخبار الواردة في الاتجار بمال اليتيم واردة في اتجار الولي و انه ان كان مليا و ضمن المال - أي بالضمان الاختياري أعني الاقتراض -


1) هذه الأخبار نقلها في الوسائل 12 /الباب 75 من كتاب التجارة/ 190 من المطبوع أخيرا.

قوله رحمه اللّه: و ربما يؤيد المطلب برواية ابن الاشيم... [1]

فالربح له و الخسارة عليه، و الا فالربح لليتيم و الخسارة على الولي، و بعض الأخبار و إن كانت مطلقة الا انه لا يبعد حملها على الولي أيضا و في بعضها: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «ليس في مال اليتيم زكاة الا أن يتجر به فان اتجر به فالربح لليتيم و ان وضع فعلى الذي يتجر به». و المراد بالزكاة الزكاة المستحبة في الاتجار.

(و بالجملة) المستفاد من هذه الروايات غير الولي مطلقا، و الولي اذا لم يكن مليا أو لم يضمن مال اليتيم و اتجر به لنفسه كان الربح لليتيم و الخسارة عليه، فانه تصرف عدواني و لو من الولي. و على أي تقدير - أي سواء كان التصرف من الولي لنفسه أو من الأجنبي - كان أجنبيا عما نحن فيه، أما لو كان هو الأجنبي فلعدم ذكر الاجازة من الولي في الروايات أصلا، بل لو كان موردا للفضولي لزم أن يكون الوضعية كالخسارة على اليتيم، و لم يكن وجه لكون الربح له و الخسارة على التاجر.

(و توهم) أن الشارع ولي الكل و هو أجاز ذلك. فيه ما لا يخفى، فان محل الكلام اجازة من يملك العقد و أما الشارع فأجازته حكمه، و هو إن كان ثابتا فثابت قبل العقد لا بعد تحققه، فالظاهر أن ذلك حكم تعبدي ثابت في مال اليتيم و لا ربط له بالفضولي أصلا.

[1] مضمون الرواية أن أحدا دفع الى العبد المأذون في التجارة مالا ليشتري به نفسها و يعتقها و يحجه عنه أو يحج عنه - بصيغة المبني للمفعول - فمات فاشترى المأذون أباه و اعتقه و دفع اليه باقي المال و حج عنه ثم تنازع مولى المأذون و مولى الأب و ورثة الدافع و ادعى كل منهم انه اشتراه بماله. فقال أبو جعفر عليه السّلام ما مضمونه:

إن الحج يمضي على ما هو عليه، و أما المملوك فيرد رقا لمولاه و أي الفريقين أقاموا

البينة بعد ذلك على انه اشترى بماله كان رقا له الحديث(1).

و تقريب الاستدلال أو التأييد بها: ان الشراء لو كان بمال مالك العبد المعتق كان فاسدا لأنه اشترى بمال مالكه، و ان كان بمال مالك العبد المأذون صح و لكنه خارج عن الفضولي، و أما ان كان بمال الميت فلا محالة يكون الشراء فضوليا، لأن الشراء كان بعد موته بدون اذن الورثة، و المفروض انهم أجازوه بعد تحققه، فان مطالبتهم للعبد يكون اجازة للشراء، و قد حكم الامام عليه السّلام بأنهم اذا أقاموا البينة على انه اشترى بمالهم كان رقا لهم، و معناه صحة الشراء الفضولي اذا فرض انهم أقاموا البينة على ذلك.

(هذا) و فيه - مضافا الى ضعف السند بأن ابن الأشيم غير ممدوح - ضعف الدلالة لأن من المحتمل أن الورثة أيضا كان لهم مال عند المأذون، فيدعون أن العبد اشترى بمالهم، فيخرج الشراء حينئذ عن الفضولية - فتأمل. فكون الشراء فضوليا مبني على أحد أمرين: إما أن يكون دفع الميت المال الى المأذون بعنوان الوصية، و لكن الورثة يدعون أن العبد لم يشتر بالمال الذي عينه الميت لذلك و انما اشتراه بمال آخر من الميت لم يعينه لذلك، و الا فاذا أقروا بالوصية و ان العبد اشترى بالمال الذي عينه الميت و لم يكن زائدا على الثلث لم يكن لهم حق المخاصمة أصلا. و إما ان الورثة ينكرون الوصية و يدعون أن الميت انما دفع المال الى المأذون بعنوان الوكالة و قد بطلت بموت الموكل، و المفروض ان الشراء كان بعد موته و انتقال المال اليهم فيدعون أن العبد اشترى بمالهم. و هذا الاحتمال - أي انكار الوصية - يجري


1) راجع الوسائل - الطبع الحديث - 52/13 الباب 25 من أبواب بيع الحيوان.

في الرواية، اذ لم يصرح فيها بأن الميت أوصى بذلك، كما ان ظاهر مخاصمتهم أيضا ذلك.

و دعوى انهم كانوا يطالبون ولاء العتق - كما عن الميرزا - ينافيها حكم الإمام عليه السّلام بأن العبد يعود ملكا لهم إذا أقاموا البينة، الظاهر في فعلية العود الى الرقية (و كيف كان) بما أن الإحتمال الأول جار لا يمكن الاعتماد على الرواية لا استدلالا و لا تأييدا.

هذا مضافا الى جريان اشكالين آخرين فيهما:

(أحدهما): أن الامام عليه السّلام كيف حكم برجوع العبد رقا الى مالكه الأول - أعني بفساد البيع الذي هو مقتضى الاستصحاب مع وجود أصل حاكم عليه و هو أصالة الصحة في العقد، و قاعدة الاقرار أعني «من ملك شيئا ملك الاقرار به»، فان المأذون كان مالكا للعقد، و هو يعترف بالشراء بمال الميت فكيف يقدم عليها الاستصحاب.

(و الجواب عنه) أن أصالة الصحة غير جارية في المقام، لا لما ذكره الميرزا من اختصاصها بما اذا لم يكن الشك في أركان العقد، بل لأنها انما تجري فيما اذا كان تحقيق العقد مفروغا عنه و شك في صحته و فساده، لا فيما اذا كان الشك في أصل تحقق العقد خارجا كما في المقام، فان الشراء لو كان بمال مالك العبد المعتق لم يكن هناك بيع حقيقة و لم تتحقق مبادلة بين المالين أصلا، إذ لا معنى للمبادلة بين مالي شخص واحد، بل هنا صورة بيع، فالأمر دائر بين وقوع العقد و عدم وقوعه، فليس موردا لأصالة الصحة.

و أما قاعدة «من ملك شيئا ملك الاقرار به» فليست موردا لعموم أو اطلاق، و انما

قوله رحمه اللّه: و مما يؤيد المطلب أيضا صحيحة الحلبي... [1]

هي مستفادة من تسالم الأصحاب، فلابد من الاقتصار فيها على المتيقن و هو ما اذا كان حين الاقرار مالكا، و أما اذا لم يكن له السلطنة حين الاقرار فلا اعتبار باقراره و إن كان له السلطنة سابقا. و من هنا إذا باع أحد داره و بعد ذلك اعترف بأنها كانت مغصوبة من عمرو مثلا لم يسمع دعواه، و هكذا لو ادعى انه كان نجسا. ففي المقام إذا كان إقرار المأذون قبل موت الدافع لكان مسموعا لسلطنته على الشراء له و أما بعد موته فلا يعتبر إقراره لزوال سلطنته بموته، فالحكم بالفساد تمسكا بالاستصحاب لا بأس به.

فيبقى الاشكال الثاني - و هو كيف حكم الامام عليه السّلام بصحة الحج مع ابتنائها على امور غير ثابتة، و كيف يصح حج من حكم بكونه رقا لمالكه الأول، و كيف يستحق الاجرة مع انه ملك الورثة ظاهرا؟ فلا يمكن الاستدلال بها من هذه الجهة و للإحتمال المتقدم.

[1] من الروايات التي استدل بها على صحة الفضولي ما ورد في الإقالة بوضيعه فان الاقالة بما انها عبارة عن حل العقد السابق و ليست معاملة جديدة لا يمكن أن تكون بوضيعة أو بزيادة، و قد سئل في صحيحة الحلبي منها فقال عليه السّلام «لا يصح له أن يأخذ بوضيعة»(1)، و ظاهره الفساد لتعلقه بالمعاملة لا الكراهة، ثم قال: «فان جهل و أخذه فباعه بأكثر من ثمنه رد على صاحبه الأول ما زاد»، و ظاهره بعد حكمه بفساد الاقالة صحة البيع الواقع على الثوب فضولة، بل صحة الفرد الخفي منه و هو بيع الفضول لنفسه لا للمالك.


1) نقله في الوسائل 12 الباب 17 من كتاب التجارة/ 392.

(و فيه) عدم امكان تطبيق الصحيحة على الفضولي لوجهين:

«أحدهما» أن البيع لو كان فضوليا لزم رد تمام الثمن الى المشتري و استرداد ما دفعه اليه أولا بالاقالة منه لا خصوص المقدار الزائد.

«و ثانيهما» لو كان البيع الواقع على الثوب فضوليا لتوقف نفوذه على إجازة المشتري. و لم يتعرض الامام عليه السّلام لها أصلا مع انه ليس البيع بالزائد موردا لاجازة المشتري أصلا، إذ لعل المبيع صار موردا للترقي بحسب القيمة السوقية فيما بين زمان الاقالة و زمان البيع، بحيث لا يجيزه المشتري فعلا لو علم بفساد الإقالة و بقاء العين في ملكه، بلى الصحيح انه أجنبي عن الفضولي، بل موردها هو البيع المقرون برضا المالك، و ذلك لأن الرضا بالإقالة بوضيعة يستلزم الرضا بالمبادلة بأزيد من ذلك جزما.

(و بعبارة اخرى) اقتران العقد بالرضا المقارن - و ان ذكرنا انه لا يخرجه عن الفضولية و لا يحصل به الاستناد الى المالك - الا ان الرضا في المقام برز، و بروزه انما هو نفس الاقدام على الاقالة، فانه بالدلالة الالتزامية يدل على الرضا بالمبادلة بأكثر من ذلك و ان لم يعرفه المالك، فيكون البيع باذن المالك لا فضوليا.

(و أما فقه الحديث) فلا يمكن حمل الرد فيه على معاملة جديدة لمنافاته مع حكم الامام عليه السّلام بعدم الصلاحية مع الوضيعة كما هو ظاهر. و أما قوله عليه السّلام: «ردّ على صاحبه الأول ما زاد» فربما يتوهم منه أن الضمير راجع الى المال فالمعنى يرده على مالكه الأول، فتخيل منه صحة الاقالة في الفرض أو كون المراد من الرد معاملة جديدة و حمل نفي الصلاح على الكراهة ليتحقق للمال مالكان: المالك الأول قبل الإقالة و هو المشتري، و الثاني بعدها و هو البائع.

قوله رحمه اللّه: بموثقة عبد اللّه بن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن السمسار يشتري بالأجر... [1]

(و فيه) أولا -: انه مناف لقوله عليه السّلام «فان جهل فأخذه» - الحديث فان الاقالة لو كانت صحيحة لم يكن وجه لاختصاص الحكم بفرض الجهل.

و ثانيا: - لا يستقيم ذلك، و رجوع الضمير الى المال حتى على فرض صحة الاقالة، فان المال حينئذ و ان كان له مالكان الا ان أحدهما هو الراد، و ليس للمال غيره سوى مالك واحد، فلا يستقيم التعبير بأنه يرده الى المالك الأول، مع ان المالك غير الراد ليس إلاّ واحد، فالصحيح رجوع الضمير الى البائع، فان له صاحبان:

أحدهما المشتري الأول و هو صاحبه الأول و الآخر المشتري الثاني و هو صاحبه الثاني، فحكم عليه السّلام أن البائع يرد الزائد على صاحبه الأول دون الثاني.

[1] المحتملات فيها ثلاثة:

(الأول) أن يكون القيد - و هو قوله عليه السّلام «يشتري بالأجر»(1)- توضيحا لا بملاحظة القضية الشخصية، فيكون بيانا لمعنى السمسار، و يكون دفع الورق اليه بعنوان القرض و شراؤه يكون لنفسه لا للدافع. و عليه تكون الرواية أجنبية عن الفضولي، و لكن الاحتمال في نفسه بعيد لظهور القيد في الاحتراز به، فان السمسار معناه واضح لا يحتاج الى بيان.

(الثاني) أن يكون ذلك توكيلا له في الشراء، و يكون القيد بملاحظة القضية الشخصية غاية الأمر يأمر الدافع بأن يجعل له الخيار في كل ما يشتريه له، فيأخذ ما أحب و يرد ما لا يحب. و عليه أيضا تكون الرواية أجنبية عن الفضولي.


1) نقل هذه الرواية في الوسائل 12 /الباب 20 في أحكام العقود/ 394 الطبع الحديث.

قوله رحمه اللّه: و ربما يؤيد المطلب بالأخبار الدالة على نكاح العبد... [1]

(الثالث) أن يكون الدفع اليه لمجرد تمكينه من الشراء فضولة من دون أن يكون توكيلا أو قرضا، غاية الأمر يخبره عن اجازته لاحقا بعد الشراء لما أحب ورده لما كره. و عليه ينطبق على الفضولي. و بما ان الامام عليه السّلام حكم بالصحة من دون استفصال يظهر منه صحة الفرض الأخير أيضا.

هذا، و فيه: (أولا) ان الاحتمال الثالث بعيد في نفسه كالاحتمال الأول، فان المتعارف في دفع الورق الى السمسار ليس ذلك، بل الظاهر هو الاحتمال الثاني أعني التوكيل.

(و ثانيا) مع التنزل عن ذلك لا يمكن التمسك في المقام بترك الاستفصال لأنه لا يتم في القضية الشخصية، اذ لعل الامام علم بالحال من الخارج أو من نفس السؤال فأجاب عن حكمه.

(و بعبارة اخرى) انما يتمسك بترك الاستفصال فيما اذا كان المسؤول عنه مرددا و منقسما الى أقسام عديدة بأن كان حكما كليا، و لا يجري ذلك فيما اذا كان المسؤول عنه قضية شخصية.

[1] ذهب بعض المحققين الى أنّ التعليل الوارد في تلك الأخبار من أقوى الأدلة على صحة عقد الفضولي بعد لحوق الاجازة لأنه يستفاد منه كبرى كلية، و هي أن عدم نفوذ العقد إن كان من جهة كونه عصيانا له تعالى فلا يصح وضعا بلحوق الاجازة، و كلما لم يكن ذلك من جهة عصيان اللّه بل كان من جهة كونه عصيانا لمن يمكن تبدل عصيانه بالرضا جاز بالاجازة، و من الظاهر أن عقد الفضولي ليس عصيانا له تعالى و انما هو عصيان المالك وضعا، فاذا أجاز جاز.

(و فيه) أن مورد التعليل انما هو نكاح العبد لنفسه الذي يكون استناده الى من

قوله رحمه اللّه: و احتج للبطلان بالأدلة الأربعة، أما الكتاب فقوله تعالى:

لاٰ تَأْكُلُوا [1]

يعتبر استناد العقد اليه متحققا، غاية الأمر يكون فاقدا لرضا السيد المعتبر في نفوذه من الخارج، فعموم العلة يقتضي التعدي الى ما يكون من هذا القبيل، كالنكاح على بنت أخ الزوجة أو بنت اختها أو بيع العين المرهونة من دون اذن المرتهن. و أما اذا كان العقد الواقع فاقدا للاستناد - كما في الفضولي - فلا يقتضي عموم التعليل صحته باجازة أصلا.

(و بعبارة اخرى) في مورد التعليل يكون العاقد مشمولا لعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، غايته اعتبر رضا السيد في نفوذه، فلا يتعدى عنه الا فيما كان من هذا القبيل في الأمثلة المتقدمة دون ما اذا لم يكن العاقد مشمولا لعموم «أوفوا» كما في الفضولي، فالاستدلال بعموم العلة على صحة الفضولي باطل. الا أنك قد عرفت أن العمومات تقتضي صحته في العقود و الإيقاعات لو لم يتحقق في الإيقاعات اجماع على الفساد.

[1] استدل به على الفساد تارة من جهة مفهوم الحصر المستفاد من الاستثناء و اخرى من حيث مفهوم الوصف و القيد، فانه يدل على الانتفاء عند الانتفاء، فلو فرضنا ان الاستثناء لم يكن مذكورا في الآية و ورد دليل هكذا «التجارة عن تراض سبب لحل المال» لدل ذكر الوصف على انتفاء الحكم عند الوصف.

و قد أشكل المصنف على كل من التقريبين:

(أما على التقريب الأول) فبأن الاستثناء في الآية منقطع لعدم دخول المستثنى في المستثنى منه، و هو بمنزلة جملتين مستقلتين فلا يدل على الحصر. مثلا: قولك «ما جاءني القوم الا حمارهم» بمنزلة أن تقول «ما جاء من القوم أحد و جاءني

حمارهم»، فلا وجه للحصر.

(و أما على التقريب الثاني) فبوجهين:

أحدهما: أن الوصف لا مفهوم له.

و ثانيهما: أن قوله تعالى عَنْ تَرٰاضٍ‌ ليس وصفا و انما هو خبر، فيكون تأنيث الفعل باعتبار الخبر الأول و هو التجارة.

و نقول: لا يتم شيء مما أورده على التقريبين:

(أما ما أفاده) من أن الوصف ليس له مفهوم لاحتمال وروده لعلة اخرى غير الانتفاء عند الانتفاء، فهو انما يتم فيما اذا لم يكن الوصف واردا في مقام التحديد.

مثلا: اذا قال «ماء الكر لا ينجسه شيء» لا يدل القيد فيه على المفهوم، و أما اذا كان في مقام التحديد فالوصف يدل على المفهوم كما بين في محله.

(و أما ما ذكره) من كون الوصف خبرا بعد خبر، ففيه:

(أولا) أن ظاهر السباق و اتصال الكلام أن يكون قيدا للتجارة لا خبرا مستقلا كما هو الغالب، و قد اعترف المصنف بغلبة توصيف النكرة.

(و ثانيا) نسلم كونه خبرا ثانيا الا أن اعتبار نشوء التجارة عن تراض لم يكن مبنيا على التوصيف بل هو مستفاد من كلمة الجر، و هي لفظ «عن» سواء كان مدخوله وصفا أو خبرا بعد خبر - فتأمل.

فما أورده على التقريب الثاني فاسد بوجهيه، و أما ما أورده على التقريب الأول (ففيه) أن الاستثناء المنقطع - أعني خروج المستثنى منه - غير معقول، بداهة استهجان أن يقول أحد «ما رأيت أحدا من العلماء الا بطيخا» مثلا، بل لا بد من دخول المستثنى في المستثنى منه و لو ادعاء لكونه من توابعه، فيصح ان يقال «ما

قوله رحمه اللّه: و أما السنة فهي أخبار، منها النبوي المستفيض... [1]

جاءني أحد من العلماء الا أولادهم» لكونهم منهم ادعاء (و عليه) فالاستثناء في الآية متصل و ليس المستثنى منه فيها الأكل و لا الأموال و لا الباطل التي هي مذكورة فيها، و انما هو محذوف قد جعل مقامه علته كما هو المتعارف كما في قوله تعالى:

وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعٰالَمِينَ‌ فان العلة اقيمت مقام معلولها المحذوف و هو «فلا تحزن»، ففي المقام أيضا يكون المستثنى منه مقدارا، و هو بشيء من الأسباب، فالمعنى لا تأكلوا أموالكم بشيء من الأسباب فانه باطل الا بالتجارة عن تراض، فيكون الاستثناء متصلا مفرغا.

(فالصحيح) ما أورده عليه آخر العبارة من ان الخطاب في الآية متوجه الى الملاك، فيكون المراد من التجارة واقع المبادلة لا إنشاؤها، فالمعنى لا تملكوا أموالكم بشيء من الأسباب الا بالمبادلة و التجارة المبرزة الناشئة عن تراض. و من الظاهر أن الفضولي انما يصير مبادلة المالكين بعد الاجازة و ان كان انشاؤها سابقا، فتكون المبادلة ناشئة عن الرضا في العقد الفضولي.

[1] و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله: «لا تبع ما ليس عندك»(1)، فانه ليس المراد بلفظ «عندك» الحضور المكاني، بداهة صحة بيع الانسان ما غاب عنه من ماله، بل المراد به عدم تملكه للمبيع، و النهي بما انه متعلق بعنوان المعاملة - و هو البيع - يكون ظاهرا في الفساد، فيستفاد منه فساد البيع الفضولي.

(و فيه) ان المراد بلفظ الموصول إنما هو العين الشخصية و لا يعم الكلي أولا لوجود الشاهد على ذلك في صدر الحديث، و ثانيا ان جواز بيع الكلي الغير المملوك


1) راجع الوسائل 12 /الباب 7 من أبواب العقود/ 373 الطبع الحديث.

حين البيع اتفاقي بين الخاصة كما انه منصوص أيضا. (نعم) ذهب العامة الى المنع عن بيع الكلي حالا تمسكا باطلاق النبوي و لكنهم أجازوه سلما، و لذا نقض عليهم الامام بعد ما اعترف الراوي بأنهم يجوزون بيع الكلي سلما، لأنه سلم بعدم الفرق بين بيعه حالا و مؤجلا اذا كان مشمولا للنبوي، فما ذكر في تقرير المحقق النائيني من انكار العامة لبيع الكلي رأسا من سهو القلم أو من سبق اللسان.

(و كيف كان) فالموصول كناية عن العين الشخصية (و عليه) فاما أن يراد بيع عين الغير عن نفسه، بأن يكون هو طرف الالتزام البيعي ثم من باب المقدمة للتسليم يمضي فيشتريها من مالكها كما احتمله العلامة في التذكرة و يشهد له سؤال الراوي، و عليه يكون أجنبيا عما نحن فيه بل يكون دليلا على المسألة الآتية، و عدم جواز البيع فيها منصوص مضافا الى انه غرري، إذ قد لا يرضى ببيعه المالك و لا بهبته الى البايع، فهو غير قادر على التسليم كما سيتضح إن شاء اللّه تعالى.

و أما أن يراد مجرد إنشاء البيع على مال الغير فضولة، و عليه يكون دليلا على بطلان الفضولي، الا أن الإحتمال الأول هو الظاهر بقرينة السؤال، و لا أقل من الاجمال.

(و على فرض التنزل) و ظهور النبوي في بيع الفضولي إما بالخصوص أو بالاطلاق و شموله لكل من بيع مال الغير عن نفسه و عن مالكه فالنهي الوضعي عنه انما هو باعتبار كونه بيع مال الغير، فلا يعم ما اذا استند البيع الى المالك بالاجازة فصار بيع المالك.

(و بهذا البيان) ظهر الحال في النبوي الآخر، و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله «لا يجوز بيع ما ليس

يملك» بعد قوله: «لا طلاق الا فيما يملك و لا عتق الا فيما يملك»(1)فانه إن قرأ بصيغة المجهول يكون أجنبيا عن المقام، لأن المعنى حينئذ فساد بيع غير المملوك كالسمك في البحر و عتق العبد قبل استرقاقه و طلاق الزوجة قبل التزويج بأن يطلقها أولا ثم يتزوج بها ليؤثر الطلاق بعد النكاح، و أما ان قرئ بصيغة المعلوم فيجري فيه ما ذكرناه في النبوي المتقدم.

(و على فرض التنزل) عن جميع ذلك و تسليم شمول النبويين للبيع الفضولي حتى بعد الاجازة لا محالة يقع المعارضة بينهما بين الأدلة الخاصة الواردة في صحة البيع الفضولي التي عمدتها صحيحة محمد بن قيس، فان العمومات - و ان لم تكن قابلة للمعارضة مع النبويين لكونهما أخص مطلقا منها - الا أن الأدلة الخاصة قابلة للمعارضة معهما فيخصصان بها لأنها وردت في البيع عن المالك بعد الاجازة.

(ثم انه) قد يتخيل أن المعارضة بين الطائفتين بالتباين لتوهم اختصاص المنع في النبوي بالبيع عن المالك، فانه المتعارف بخلاف البيع عن نفس البائع غير مبني على اجازة المالك فانه لا معنى له، و عليه تكون النسبة هو التباين (و فيه) انه مناف لما عليه سيرة الجهلاء الجارية في بيع الأموال المغصوبة و المنهوبة و المسروقة، فان السراق يبيعون الأموال المسروقة عن أنفسهم، و هكذا غيرهم من الغاصبين، و نهيه صلّى اللّه عليه و آله وضعا انما هو عن ذلك.


1) قد ذكر مضمون هذا في أحاديث كثيرة يذكر بعضها في الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضا من كتاب النكاح من الوسائل/ 290 المطبوعة أخيرا 14 /و بعضها في 15 /الباب 12 من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه/ 286 و بعضها في الباب 5 من كتاب العتق 3 /في المطبوع قديما/ 199.

قوله رحمه اللّه: و ما عن الحميري... [1]

(و ذكر) بعض المحققين من المحشين أن المعارضة تكون بالعموم من وجه، و ذلك لأعمية صحيحة محمد بن قيس عن النبوي من حيث شمولها لبيع مال الغير لنفسه أو لمالكه و اخصيتها عنه من جهة اختصاصها بما بعد الإجازة، و النبوي بالعكس.

و يرد عليه وجوه تنبه المستشكل لأحدها:

(الأول) ان مورد المعارضة حينئذ إنما هو بيع مال الغير لنفسه مع لحوق الإجازة، و هو خارج عما نحن فيه فعلا، لأنا ذكرنا في أول بحث الفضولي أن فيه مسائل ثلاث:

(الأولى) بيع مال الغير للمالك مع عدم سبق النهي منه، فكلامنا فيها لا في المسألتين الأخيرتين.

(الثاني) انه بناء على أن يختص النبوي ببيع الغير لنفسه ينتفي المعارضة رأسا لأن صحيحة محمد بن قيس مختصة بغير هذه الصورة. و إن شئت قلت: انه ينافي مبنى الاستدلال بالنبوي رأسا، فانه كان مبنيا على شمول النبوي للبيع عن المالك و الا فهو أجنبي عما نحن فيه.

(الثالث) ما تنبه اليه المستشكل، و هو أن المعارضة بالعموم من وجه يقتضي التساقط ثم الرجوع الى العمومات و الإطلاقات ك‍ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌ فتثبت الصحة لا الفساد.

[1] بقي في المقام روايات ثلاث(1)استدل بها على بطلان الفضولي:


1) ذكرت هذه الأخبار في الباب الثالث من أبواب عقد البيع و شروطه من الجزء 12 /من كتاب الوسائل/ 248 المطبوع حديثا.

أما صحيحة محمد بن القاسم في رجل اشترى من امرأة من آل فلان (و ذكر السيد أن المراد بفلان آل عباس و لم يصرح بهم للتقية) بعض قطائعهم، فكتب كتابا قد قبضت المال و لم تقبضه (أي أعطي صكا بقبض المال فيتمكن المشتري من منعها فيعطيها المال أو يمنعها). قال عليه السّلام: «قل يمنعها أشد المنع» فهي أجنبية عن الصحة و الفساد، بل مفادها منع الفضولي عن الثمن، و هو أمر واضح صح البيع الفضولي أم فسد. و العجب من المصنف كيف ذكرها في المقام، بل يمكن استشعار صحة الفضولي منها حيث علل فيها المنع بأنها باعت ما لم تملكه، و لم يعلله بفساد البيع، مع انه لو كان فاسدا كان الأولى التعليل به.

و أما صحيحة محمد بن مسلم الواردة في أرض بفم النيل اشتراها رجل و أهل الأرض يقولون هي أرضنا و أهل الاستاف يقولون هي من أرضنا؟ فقال: «لا تشترها الا برضاء أهلها» فمفادها اعتبار صدور الشراء عن رضا المالك في الشراء الحقيقي كما بيناه في الآية الشريفة، و الشراء الحقيقي في الفضولي إنما يكون بعد الاجازة. و أما كيفية معرفة الامام عليه السّلام أن الشراء لم يقع برضا المالك فمما لم نعرفه.

(و أما) رواية الحميري أن الضيعة لا يجوز ابتياعها الا عن مالكها أو بأمره أو رضى منه، فهي أيضا كالآية الشريفة مفادها اعتبار الصدور عن الرضا في البيع الحقيقي دون الانشائي، و الشراء الحقيقي في الفضولي إنما يكون بعد تحقق الاجازة و لا يبعد دلالتها على صحة الفضولي لمقابلة الرضا الذي عرفت أن المراد به الرضا المبرز لا مجرد الرضا النفساني بأمر المالك، فانه لو اريد به الرضا المقارن كان ذكره

قوله رحمه اللّه: الثالث - الإجماع... [1]

قوله رحمه اللّه: الرابع - ما دل من العقل و النقل على عدم جواز التصرف في مال الغير الا باذنه [2]

مستدركا، فلابد و أن يراد به الرضا المتأخر - أعني الاجازة -

(و بالجملة) فمفاد هذه الأخبار ليس الا عدم نفوذ البيع الصادر عن غير المالك بما انه صادر من غير المالك لا بعد استناده الى المالك بقاء بالاجازة اللاحقة.

[1] ادعاه الشيخ و لكنه بنفسه خالفه في كتاب النهاية الذي قيل انه آخر كتبه.

(و فيه) أن المحصل منه غير ثابت، و أما المنقول فعلى فرض حجية نقل الاجماع فانما هي من باب دخوله في حجية الخبر الواحد إنما يكون حجة فيما اذا لم نقطع بخطأه في المدرك، كما في جملة من الاجماعات المنقولة للسيد قدّس سرّه فانا نقطع بعدم تحقق الاتفاق، مع تصريح جمع من المحققين بصحة الفضولي، و منهم نفس الشيخ في النهاية.

[2] بيان الاستدلال: ان التصرف في مال الغير بدون اذنه منهي عنه، و بيع مال الغير تصرف فيه عرفا، فيكون منهيا عنه، و النهي في المعاملات يوجب البطلان فيكون فاسدا.

و أجاب الشيخ عنه بوجوه خمسة:

(الأول) إن العقد على مال الغير متوقعا لاجازته غير قاصد لترتيب الآثار عليها ليس تصرفا فيه - الخ. و هذا الجواب في غاية المتانة.

(الثاني) انه لو فرض كونه تصرفا فمما استقل العقل بجوازه، مثل الاستضاءة و الاصطلاء بنار الغير و نوره، و فيه ان كون جواز هذا التصرف من المستقلات العقلية بحيث لا نحتاج فيه الى دليل كحسن العدل و قبح الظلم مما لا نفهمه، فهذا الدعوى

لا معنى له. نعم ادعاء القطع بجوازه له وجه مع انه أول الكلام، و ما نرى من عمل عامة الناس في بعض التصرفات - كدق باب دار الغير مثلا - فمن جهة قيام السيرة القطعية على ذلك أو قيام امارة نوعية على رضا المالك لا من جهة استقلال العقل بجوازه، ففي كل مورد قام الدليل على جوازه أو على رضا المالك به فهو، و الا فيكون داخلا في عموم عدم جواز التصرف في مال الغير.

(الثالث) انه قد يفرض الكلام فيما اذا علم الاذن في هذا من المقال أو الحال و هذا الجواب لا ينافي استدلال المستدل على الفساد موجبة جزئية.

(الرابع) أن تحريمه لا يدل على الفساد.

أقول: للمحقق النائيني قدّس سرّه في المقام كلام يذكر في الاصول بطوله، و ملخصه بحيث يناسب المقام: أنّ النهي في المعاملة تارة يتعلق بنفس السبب بما هو كالنهي عن البيع في وقت النداء أو في أثناء الصلاة مثلا، و اخرى يتعلق بالمسبب كالنهي عن بيع الخمر مثلا.

(أما الأول) فلا يدل على الفساد لعدم الملازمة بين حرمة السبب و ترتب المسبب عليه و صحته.

(و أما الثاني) فيدل على الفساد بالالتزام، و ذلك لأن من شرائط صحة العقد الاختيار و القدرة، و النهي عن الشيء يدل بالالتزام على سلب قدرة المكلف عنه شرعا، و حيث يكون مسلوب القدرة عن إيقاعه و يوقعه يقع فاسدا - انتهى ملخصا.

و لا يخفى ما فيه نقضا و حلا:

(أما نقضا) فيما لو كانت المعاملة واجبة - كما لو اشترط بيع داره في ضمن عقد لازم أو اضطر الى بيعه لنفقة عياله مثلا إذ سلب القدرة شرعا لا يختص بالنواهي

غايته ان النهي يسلب القدرة عن الفعل و الأمر يسلب القدرة عن الترك شرعا، و لا يمكن الالتزام بفساد المعاملات الواجبة، و لا يلتزم به و ان عطفه على المعاملات المحرمة في تقريرات الشيخ الخوانساري قدّس سرّه.

(و أما حلا) فما تكون المعاملات مشروطة بها هي القدرة الوضعي أي العقلي لا التكليفي أي الشرعي، و ما يسلبه الأمر و النهي هو الثاني لا الأول. و بقية الكلام موكول الى محله.

(فالأولى) في تقريب أصل الجواب أن يقال أن النهي في المعاملات تارة يتعلق بنفس المعاملة - كما في النهي عن بيع الغرر مثلا - و اخرى يتعلق بعنوان آخر متحد معها وجودا - كما في المقام - فان كان من قبيل الأول يدل على الفساد لا لما ذكره الاستاذ النائيني قدّس سرّه من ملازمة النهي مع الفساد، بل من جهة ظهور النهي حينئذ في الفساد فيكون إرشاديا، نظير الأمر بأجزاء المركبات، كما نقول «اقرأ الحمد» أو «اركع في الصلاة» فانه لا يكون أمرا مولويا بل ارشادا الى جزئيته في الصلاة، و كذلك النهي عن شيء فيها كما نقول «لا تكفر في الصلاة» فانه يكون ارشادا الى المانعية، و أما إن كان من قبيل الثاني فظاهر في التكليفي كما هو واضح فلا يدل على الفساد، و المقام من هذا القبيل، فهذا الجواب أيضا متين جدا.

(الخامس) انه لو دلّ لدلّ على بطلان البيع، بمعنى عدم ترتب الأثر عليه و عدم استقلاله - الخ. و ملخصه: ان البيع بعد الإجازة يكون بيع المالك، و من هذه الجهة يكون صحيحا لا من جهة استناده الى البائع. و هذا الجواب - و ان ارتضاه المحقق النائيني قدّس سرّه - و لكن فيه ما لا يخفى، فان هذا الاشكال بعد تسليم أن نفس انشاء البيع يكون تصرفا منهيا عنه و أن النهي موجب للفساد، و عليه فيكون ذات الانشاء فاسدا

قوله رحمه اللّه: و قد يستدل للمنع بوجوه اخر ضعيفة أقواها ان القدرة على التسليم [1]

و ملغاة في نظر الشارع و غير قابل لترتب أثر عليه و لو بعد الإجازة، و لحوق الاجازة بالانشاء الفاسد لا يجدي.

[1] جوابه واضح كما ذكره قدّس سرّه:، و لذا ترى صحة عقد الوكيل في انشاء العقد فقط و ان لم يكن قادرا على التسليم، فالمعتبر قدرة المالك على التسليم بل قدرة المشتري على التسلم و ان لم يكن المالك قادرا على التسليم كالمال الواقع في البحر اذا كان المشتري قادرا على اخراجه و لم يكن البائع قادرا عليه، و تعبير الفقهاء بالقدرة على التسليم من باب الغلبة. و بالجملة هذا الاستدلال لم نفهم له وجها.

(و أما الاستدلال الثاني) الذي ينسب الى السيد بحر العلوم، و هو أن الفضولي غير قاصد حقيقة الى مدلول اللفظ كالمكره. فأجابوا عنه بأن قصد انشاء المعنى باللفظ الذي يعتبر في العقود موجود في الفضولي، و قصد ترتب الأثر عليه شرعا غير معتبر فيها بل لا يمكن قصده لكونه خارجا عن الاختيار و مترتبا على الانشاء.

نعم يمكن أن يكون داعيا له.

(هذا) و لكن الذي يقتضيه النظر أن مراد السيد قدّس سرّه ليس ما استفادوا من كلامه، لأن ما فهموه واضح الفساد كما أجابوا عنه، بل مراده أن بين قصد انشاء المعنى باللفظ و قصد ترتب الأثر عليه واسطة، و هي اعتبار التبادر في نظره، و اعتباره بحيث يرى في عالم اعتباره خروج المبيع عن ملك البائع و دخول الثمن في ملكه و في جانب المشتري بالعكس، و هذا الاعتبار و القصد يكون معتبرا في صدق العقد و الا لزم صحة عقد الهازل اذا تعقبه الرضا، لأن قصد انشاء المعنى باللفظ موجود فيه أيضا، و هو موجود حتى في الوكيل في اجراء الصيغة فقط، و هذا المعنى غير

قوله رحمه اللّه: المسألة الثانية: أن يسبقه منع المالك... [1]

مقصود للفضولي.

و أصل هذا الدعوى - و ان كان صحيحا جدا - و لكن كون الفضولي غير قاصد لهذا المعنى ممنوع، بل هو أيضا يعتبر التبادل في نظره لكن معلقا على اجازة المالك، و التعليق على اجازة المالك لا يوجب الفساد في العقد لكونها مما يتوقف صحته عليها، و تقدم أن التعليق على ما يكون العقد معلقا عليه واقعا لا يضر.

بيع الفضولي المسبوق بمنع المالك

[1] ذكروا للمنع عن صحة الفضولي مع سبق نهي المالك وجهين:

أحدهما من جهة عدم المقتضي فيه للصحة، بمعنى عدم شمول الأدلة المجوزة عموما و خصوصا له.

ثانيهما من جهة وجود المانع فيه عن الصحة، و هو النهي الدال على الكراهة الموجودة حال العقد أو بعده و لو آنا ما قبل الاجازة، بناء على انه لا يعتبر في الرد سوى الكراهة الباطنية في العقد فيقع الكلام في كل من الجهتين:

(أما الجهة الاولى) فنقول: لا ريب في شمول العموم و الاطلاقات لها، لأنه لا مانع من شمولها له الا عدم استناده الى المالك و بالاجازة يستند اليه. و أما الأدلة الخاصة التي استدل بها الشيخ قدّس سرّه في المقام فرواية عروة البارقي أجنبي عنه، لأنه لم يكن مع نهيه صلّى اللّه عليه و آله، و صحيحة محمد بن قيس فلا يمكن الاستدلال بها للمقام من جهة ترك استفصال الامام عليه السّلام، لأن مورد السؤال هو صورة عدم اذن المالك لا نهيه، و لذا قال السائل: «وليدتي باعها ابني بغير اذني»، و عدم الاذن - و ان كان لا ينافي المنع - و لكن ظهره فيه لا ينكر. و أما رواية باب المضاربة فان موردها و ان كان مسبوقا بنهي المالك لكن عرفت انها أجنبية عن بيع الفضولي. و أما الروايات الواردة

في بيع مال اليتيم فلا ربط لها بالمقام لعدم سبق المنع عن المالك أو الولي هناك.

(نعم) لا مانع من التمسك بما دل على جواز نكاح العبد بدون اذن سيده، بأنه لم يعص اللّه و إنما عصى سيده فاذا أجاز جاز، فان عصيان السيد يصدق مع نهيه و ان كان الواقع في مورد الرواية هو التصرف بدون اذنه، و لكن عموم العلة كاف لنا، لأن شأن العلم التوسعة و التضييق. و كيف كان فالعمومات و هذه الرواية تكفي للصحة.

(و أما الجهة الثانية) فأصل مسألة ان الرد مانع عن لحوق الاجازة محل منع، لأنه لا دليل عليه سوى استحسانات لفّقها الشيخ قدّس سرّه و الاجماع المنقول، و سيجيء الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

(هذا) مع ان الاجماع لو سلمنا حجيته فالمتيقن من مورده صورة انشاء الرد لا مجرد الكراهة الباطنية كما في المقام، و ما ذكره الشيخ قدّس سرّه تأييدا لكفاية الكراهة الباطنية في صدق الرد من حكم بعضهم بأنه اذا حلف الموكل على نفي الاذن في اشتراء الوكيل انفسخ العقد حمله المحقق النائيني قدّس سرّه على المعاملة الخيارية في زمان الخيار، فانه بانكار الوكالة ينفسخ العقد، لأنه لا يعتبر في أعمال الخيار زائدا على اظهار الكراهة لفظ مخصوص، و لكن هذا الحمل على الظاهر غير وجيه فنقول:

إن انكار الوكالة يتصور على قسمين: لأن الموكل تارة يكون في مقام رد أصل الشراء، و على هذا يكون الترافع و الحلف أقوى مظهر للكراهة و يكون انشاء للرد و به ينفسخ العقد، لكنه خارج عن محل الكلام، لأنه انشاء الرد لا مجرد الكراهة، و أما ان لم يكن المدعي وكالته في مقام رد أصل الشراء بل يريد دفع تنجز الشراء عليه فعلا حتى يتفكر في أن مصلحته الرد أو الاجازة فلا نحكم بانفساخ العقد حينئذ بل يبقى معلقا على اجازته، و المتيقن من مورد كلامهم هو الأول (فتحصل)

قوله رحمه اللّه: المسألة الثالثة: أن يبيع الفضولي لنفسه... [1]

أن المعاملة الفضولية مع سبق النهي من المالك صحيحة من جهة وجود المقتضي و عدم المانع.

بيع الفضولي لنفسه

[1] أقوى ما يتوهم مانعيته عن صحة بيع الفضولي لنفسه أمران كلاهما مبتنيان على أن يكون عنوان البيع متقوما بدخول الثمن في كيس من خرج عن كيسه المثمن و المعوض.

(و بعبارة اخرى) يكون حقيقته تبديل طرفي الاضافة في الملكية: أحدهما عدم انشاء المنشي حقيقة البيع. ثانيهما عدم لحوق الإجازة بما أنشأ لو أجاز المالك البيع لنفسه لا للمنشئ.

(و بعبارة اخرى) لو أجاز البيع لنفسه لا يصح، لأنه اجازة لما لم ينشأ و لو أجازه المنشئ لم يصح أيضا لأنه أجاز ما ليس قابلا للاجازة لعدم وقوعه.

(هذا) و تحقيق المقام أن نقول: ان بيع غير المالك - سواء كان غاصبا أو غير غاصب - لنفسه يتصور على أقسام أربعة:

(القسم الأول): أن يبيع لنفسه، بمعنى انه يكون غايته و داعيه من البيع للمالك التصرف في الثمن كما كان يتصرف في المثمن في بيع الغاصب مثلا، و يتفق بالنسبة الى غير الغاصب أيضا، كأن يحتاج الشخص في الغربة الى الثمن فيبيع دار صديقه عالما بأنه يجيزه ليتصرف في ثمنه، فهذا القسم مما لا اشكال فيه، لأن المنشئ قصد حقيقة البيع و يلحقه الاجازة بلا شبهة

(و يقابله القسم الثاني): و هو أن يبيع لنفسه و يقصد دخول الثمن في كيسه حقيقة من دون بناء على مالكيته للمثمن، كما يتحقق ذلك في بيع الغاصبين كالسارق مثلا.

و هذا القسم على مبنى العلامة قدّس سرّه و من تبعه يكون باطلا غير قابل للاجازة لا للمالك و لا للمنشئ، و أما بناء على ما حققناه و بنينا عليه في بيان حقيقة البيع من أنه ليس الا اعطاء لا مجان و لا يعتبر فيه دخول العوض في كيس من خرج عن كيسه المعوض و بالعكس لما يرد على العلامة و من تبعه من النقض ببيع الكلي و بيع الأوقاف و الزكوات و أمثال ذلك فلا اشكال في صحته، و انه يقع للمالك اذا أجاز، و مجرد اقتران الانشاء بقصد لغو لا يمنع عن الصحة.

(القسم الثالث) ان يكون البيع لنفسه بالبناء على انه مالك ادعاء و عدوانا، و في هذا القسم أفاد الشيخ قدّس سرّه بأن هذه الحيثية - أي حيثية المالكية - تكون دخيلة في تملك الثمن، فالبائع يقصد دخول المعوض في كيسه بما انه مالك ادعائي و ما يعرض للشيء من حيثية تقييدية يكون ثابتا لنفس تلك الحيثية، فالمسند اليه الملك حقيقة هو المالك، الا أن الفضولي لما بنى على انه المالك للثمن اسند ملك المثمن الى نفسه، و على هذا فالمنشأ هو التملك المسند الى المالك، فيصح أن يلحقه الاجازة و يقع للمالك - انتهى.

و فيه: أن كون هذه الحيثية حيثية تقييدية أول الكلام، بل يكون من قبيل الدواعي و حيثيات تعليلية كما هو الظاهر، فان البائع لا يبيع المال بما انه مالك (هذا) مع ان الشيخ قدّس سرّه أراد بما أفاد دفع الاشكال عن مطلق البيع الفضولي لنفسه، و لا يتم ما أراد، لأن ما أفاده يختص بما اذا كان البائع بانيا على الملكية و قصد الحيثية التقييدية، لأنه لا بد و أن يقصد حتى يقع للمالك الواقعي، فان مجرد البناء و الاعتقاد بالملكية مع عدم قصد الحيثية لا يوجب وقوعه لحيثيته.

(نعم) يمكن تصحيحه على مبني العلامة و من تبعه ببيان آخر، و هو أنه - و لو لم

تكن الحيثية تقييدية بل كان من الدواعي كما هو الصحيح - و لكن حيث يبيع لنفسه بانيا على الملكية فانشاؤه بالمطابقة يدل على تملكه للمعوض اذا كان بمثل تملكت و امثال ذلك، و بالدلالة الالتزامية يدل على المبادلة بالمعنى المذكور - أي دخول العوض في كيس من خرج عنه المعوض - فيصح للمالك اجازة هذا المدلول الالتزامي فتقع المبادلة له.

(القسم الرابع) أن يكون البيع لنفسه مع قصده انشاء التملك بنفس قوله «بعت» بمعنى انه بانشاء البيع ينشأ أمرين مترتبين: أحدهما انشاء الملك فضولة، و ثانيهما انشاء البيع لنفسه.

(و بعبارة اخرى) ينشأ التمليك و ينشأ البيع لنفسه مترتبا عليه معلقا على اجازة المالك ذلك التمليك، نظير انشاء بيع شيء لو كان ملكه و ان يقول: إن كان هذا الشيء لي فبعته إياك بكذا، و التعليق على هذا الأمر - يعني اجازة المالك ذلك التمليك - لا يضر بصحة البيع، لتوقف صحته عليه واقعا كما عرفت سابقا.

(و في هذا القسم) لو أجاز المالك التمليك يقع البيع للمنشئ لا للمالك، كما لو أذن له المالك بالبيع لنفسه، فانه أيضا انشاء ضمني للتمليك فيقع البيع له و في ملكه.

و ما أورده الشيخ قدّس سرّه على هذا القسم بقوله: «لأن الاذن في التمليك لا يؤثر التمليك فكيف اجازته» غير وارد على ما ذكرنا، لأن الظاهر أن ايراده - و هو عدم تأثير الاذن و الاجازة في التمليك - مبتن على كون التملك بمعنى البناء على الملكية فقط من دون انشاء للملك، فانه حينئذ غير قابل للاجازة، لأن الجازة إنما يلحق المنشأ لا ما بنى عليه الغاصب (و أما بناء) على ما ذكرنا من انه بنفس قوله «بعت» ينشئ الملك ضمنا فلحوق الاجازة به لا بأس به، و كذلك لو اذن البائع بتملكه و انشاء

قوله رحمه اللّه: ثم ان مما ذكرنا - الى أن يقول - يظهر اندفاع اشكال آخر في صحة البيع لنفسه مختص بصورة علم المشتري [1]

التملك ضمنا يصح بلا اشكال، و كأن الشيخ قدّس سرّه غفل من أن نفس البيع للنفس انشاء للملك ضمنا و تخيل انه مجرد البناء على الملكية، و لذا أورد عليه بأن الاذن لا يؤثر التملك - أي مجردا من دون تحقق انشاء للتملك - فكيف بالاجازة - أي المجردة - فتأمل.

[1] ملخص الاشكال: ان الأصحاب حكموا فيما اذا كان الأصيل في البيع عالما بكون طرفه غاصبا و انه يبيع لنفسه و مع ذلك باعه و سلطه ليس له الرجوع الى الغاصب لو ردّ المالك البيع، و لازم هذا الحكم أن الغاصب بمجرد تسليط الأصيل إياه يكون مالكا لما سلطه عليه، فلا يبقى مورد للحوق الاجازة، لأنه بتسليطه خرج المال عن ملكه فلو أجازه و صح يكون بيعا بلا ثمن، و هذا ينافي حقيقة البيع فلابد و أن يكون باطلا.

هذا تقريب أصل الاشكال، و أفاد الشيخ قدّس سرّه في دفعه امورا ثلاثة:

(أولها) أن هذا الاشكال يتوجه على من يلتزم بهذا الحكم، و هذا أول الكلام بل مقطوع العدم لعدم الدليل عليه.

(ثانيها) انه بناء على تسليم هذا الحكم انما يصح اذا كان التسليط مطلق لا مراعى على اجازة المالك.

(ثالثها) ان الاشكال انما يتوجه على النقل، لأنه حينئذ يكون المال منتقلا الى الغاصب قبل انتقاله الى المالك المجيز و أما على الكشف فالاجازة تكشف من أن التسليط كان لغوا و تسليطا لمال الغير.

(أقول) ما أفاده أولا و ثانيا في غاية المتانة و لكن هذا الوجه الأخير لا نفهمه، لأن

قوله رحمه اللّه: بقي هنا أمران: الأول انه لا فرق على القول بصحة بيع الفضولي بين كون مال الغير عينا أو في ذمة الغير [1]

الكشف الذي يمكن أن نلتزم به انما هو الكشف الحكمي أو اشتراط الاجازة بنحو الشرط المتأخر، أو اشتراط وصف التعقب و أمثال ذلك، و على هذا فقبل حصول الاجازة لا ينتقل المال الى المجيز، فيكون تسليط المالك تسليطا في ملكه (نعم) على الكشف الحقيقي و عدم تأثير الاجازة في حصول الملكية أصلا و بأي وجه يتم ما ذكره، و لكن لا يمكن الالتزام به. و لا يخفى ان هذا الاشكال انما يصح بناء على أن يكون البيع جائزا من طرف الأصيل.

بيع الفضولي في الذمة

[1] و أيضا لا فرق بين أن يكون الكلي دينا في ذمة الغير أو لم يكن كذلك، كأن يشتري لزيد بعشر قرانات يكون له على ذمة عمرو و تعيين الذمة تارة يكون باللفظ و ذلك واضح، و اخرى بالقصد - أي بقصد الفضولي - و بعد تعيينه الذمة يقع العقد له بحسب طبعه ما لم يقيد، فان كان التعيين بالقصد و أجاز صاحب الذمة فلا كلام، و ان رد و ادعى طرف الأصيل كذب الفضولي و حلف نفي علمه بالفضولية هل يقع البيع للفضولي واقعا أو ظاهرا أو يبطل أصلا؟ وجوه سيأتي التعرض لها.

ثم لو أضاف الكلي الى ذمة شخص و اشترى به لنفسه أو باعه لنفسه أو أضاف الكلي الى ذمته و اشترى به لغيره، ففي الصورة الثانية احتمل الشيخ البطلان و احتمل إلقاء أحد القيدين و تصحيح المعاملة لنفسه أو لغيره، و في الصورة الاولى احتمل وقوع البيع أو الشراء للغير، و صاحب الذمة اذا أجازه بعد تصحيحه بالبناء على المالكية و جعل الحيثية تقييدية كما مر الكلام فيه، و احتمل الصحة و وقوعه لنفسه بالغاء قيد ذمة الغير لأن تقييده بكونه لنفسه يوجب إلقاء ما ينافيه من اضافة الذمة

قوله رحمه اللّه: الا أن الطرف الآخر لو لم يصدقه على هذا العقد و حلف على نفي العلم حكم له على الفضولي [1]

الى الغير. ثم قال: و المسألة تحتاج الى تأمل.

(أقول) إلغاء ذمة الغير لكونه منافيا لتقييده بكونه لنفسه ما لا نتعلقه، و ذلك لأن العاقد انما قصد البيع لنفسه بكيفية خاصة، و هو أن يكن ثمنه في ذمة زيد و لم يقصد البيع الذي يكون ثمنه في ذمته، فيكون هذا من أظهر أفراد وقوع ما لم يقصد (و كيف كان) التحقيق أن الأقسام الأربعة بعينها تجري في المقام من دون تفاوت، سوى الوجه الأخير منها، و هو أن يكون انشاء البيع لنفسه انشاء للتملك أولا و انشاء للبيع مترتبا على ذلك، فان تملك ذمة الغير لا يمكن بالاذن السابق فكيف بالاجازة اللاحقة. و أما باقي الأقسام فتجري: أما القسم الأول فواضح، و كذلك القسم الثاني، و أما القسم الثالث فكمن يبني على تملك الكلي على ذمة الغير اعتقادا أو عدوانا كالمقامر و نحوه ثم يوقع البيع على ذلك الكلي بعنوان انه مالك فيجري فيه ما ذكره الشيخ قدّس سرّه من كون الحيثية تقييدية، و ما ذكرناه من الدلالة الالتزامية على المبادلة كما مر، فعلى مبنانا يصح البيع و يقع للمالك لو كان من القسم الثالث، أما لما ذكره الشيخ أو لما ذكرناه، و لا وجه لإلغاء قيد ذمة الغير و وقوعه للعاقد.

(و أما الصورة الثانية) و هو ما لو اشترى للغير بمال في ذمته فعلى مبنانا يقع للغير و لكن يحتاج الى إجازته، لأن تملك الغير من دون اذنه و إجازته مخالف لتسلط الناس على أنفسهم، و أما على مبنى غيرنا فيقع باطلا، فلا وجه أيضا لما احتمله الشيخ قدّس سرّه من إلغاء أحد القيدين و تصحيح المعاملة لنفسه أو للغير.

[1] فيما لو ادعى أحد المتبايعين انه قصد إضافة الكلي الى غير من قصده الآخر، فأما أن يكون مصدّقا و يصدقه الطرف الآخر فيكون البيع باطلا لأن كلا منهما قصد

قوله رحمه اللّه: و ان كان في الذمة لغيره و أطلق اللفظ... [1]

غير ما قصده الآخر، الأول يصدقه الآخر و يرجع أمرهم الى الترافع فتارة كل منهما يكذب الآخر - مثلا: البائع يدعي أن المشتري قصد الشراء لنفسه بذمته و هو أيضا قصد البيع له بمال في ذمته و المشتري يدعي انه اشتراه للغير فضولا و قصد اضافة الذمة اليه و البائع أيضا قصد هذا الذي قصده - فهذا الفرض يكون من باب التداعي و يدخل في ذلك الباب، و اخرى أن المدعي للفضولية سواء كان بائعا أو مشتريا لا ينكر أن طرفه قصد نفسه و أضاف الكلي اليه - كما هو ظاهر كل عقد في حد نفسه - و لا يدعي انه قصد الغير الذي هو قصده حسب ادعائه، و لكن يدعي انه هو لم يقصد ما هو ظاهر العقد، و ما قصده البائع من اضافة الكلي الى نفسه و إيقاع العقد له بنفسه، بل قصد اضافة الكلي الى غيره على خلاف ما قصده طرفه و لكن الطرف ينكر ما ادعاه من الفضولية (ففي هذا الفرض) المدعي هو الطرف الذي يدعي الفضولية، لمخالفة قوله لظاهر العقد و أصالة الصحة، لأنه على ادعائه يكون العقد باطلا و على قول طرفه يكون العقد صحيحا، فالقاعدة تقتضي في هذا الفرض لزوم إقامة البينة على المدعي للفضولية، و حيث ان القصد أمر قلبي لا يمكن اقامة البينة عليه تصل النوبة الى حلف المنكر، فلابد و أن يحلف المنكر على عدم قصد طرفه للفضولية لا على عدم العلم كما أفاده الشيخ، لأن عدم علمه لا ينافي قصده و حيث لا يتمكن المنكر من الحلف على عدم قصده للفضولية لكونه أمرا قلبيا فلا محالة يرجع الحلف الى المدعي، فيحلف و يحكم ببطلان العقد.

(هذا) ما تقتضيه القاعدة في هذا الفرع، فما أفاده الشيخ قدّس سرّه من انه لو لم يصدقه و حلف على نفي العلم حكم له على الفضولي بظاهره لا ينطبق على القواعد.

[1] يمكن حمل كلام العلامة بحيث ينطبق على القواعد على ما اذا كان المشتري

مثلا يشتري شيئا بمنّ من الحنطة و يلتزم هو بأدائه إما من مال زيد فيكون الشراء له، و إما من ماله فيكون الشراء لنفسه، و لكن الملتزم للأداء هو لا زيد، و ينحل هذا الشراء الى شرائين طولا، فيشتري للغير فان أجاز يقع له و الا فيشتري لنفسه.

(و لا يقال) إن هذا التعليق موجب لبطلان العقد لوجهين:

(الأول) أن المعلق عليه مما يتوقف عليه صحة العقد واقعا.

(الثاني) أن الدليل على مانعية التعليق في البيع هو الاجماع، و المتيقن منه غير مورد التعليق بهذا النحو - أي انشاء بيعين مترتبا و طولا - و كيف كان لا دليل على بطلان هذا العقد، و لا مانع من شمول الأدلة له، و على هذا لو أجاز ذلك الشخص يقع له و الا يقع للعاقد.

و كلام السيد قدّس سرّه في الحاشية إن كان ناظرا الى ما قلنا فمتين، و ان كان مراده أن العاقد من جهة انه لم يعين اضافة الكلي الى نفسه و الى غيره و قصد وقوع العقد للغير يقع له لو ردّه الغير فمما لا نعقله. (و لا يخفى) ما في كلامه قدّس سرّه من الاقلاق، و تصدى الحقق النائيني قدّس سرّه لتطبيقه على القاعدة بوجهين:

(أحدهما) أن يكون مراد العاقد وقوع المعاملة لنفسه مع كون المال في ذمته و يكون قصده للغير من باب جعل تولية العقد للغير، و حينئذ فان أجاز الغير التولية يكون العقد له و الا يكون للعاقد. و فيه أن هذا خلاف الفرض، لأن المفروض انه لو أجاز ينتقل المال من مالكه اليه لا انه لو أجاز ينتقل المال من ملك العاقد اليه و على التولية ينتقل المال من ملكه الى العاقد و منه الى المجيز.

(و ثانيهما) أن يكون مراده وقوع البيع للغير و قصد اضافة الكلي الى ذمة الغير، غايته انه ضمن ذمة الغير بناء على أن لا يكون الضمان موجبا لانتقال المال الى ذمة

قوله رحمه اللّه: الظاهر انه لا فرق فيما ذكرنا من أقسام بيع الفضولي بين البيع العقدي و المعاطاة [1]

الضامن - كما عليه العامة - فيكون كل منهما ضامنا بنحو الطويلة. ثم صحح ضمان ما لا يجب بما أفاده قدّس سرّه، و فيه:

(أولا) انه على هذا يلزم على الضامن أداء المال لو أجاز العقد من وقع له البيع و لم يؤد المال، و أما لو لم يجز العقد فلا معنى لكون الضامن ملزما و لا لوقوع البيع له.

(و ثانيا) انه لو أجاز و لم يؤد المال لا بد و أن يلتزم بأن الضامن ملزم بأدائه.

جريان المعاطاة في الفضولي

[1] ملخص الكلام: انه هل يجري الفضولي في بيع المعاطاة مطلقا أو لا يجري مطلقا أو يفصل‌؟ التحقيق هو التفصيل ان كان قصد المتعاطيين مجرد الاباحة للتصرفات لا الملكية، فلا يجري فيها الفضولي، و ذلك لأن الاباحة المالكية يكون تمام المؤثر لها نفس رضا المالك من دون حاجة الى الانشاء. و عليه فلا يترتب إعطاء الفضول بقصد الإباحة شيء أصلا و لا يدخل تحت عنوان من العناوين بل تترتب الاباحة على رضا المالك بعد حصوله، سواء كان مسبوقا باعطاء الفضول أم لم يكن.

(نعم) لو قلنا بلزوم الاباحة الحاصلة من المعاطاة - و لو قصد الاباحة لا الملكية - يمكن أن يكون للإعطاء دخل في اللزوم، لكنه غير مربوط بأصل الاباحة، و ان قصدا به الملكية و قلنا بترتبه عليه - كما تقدم تفصيله - فالظاهر جريان الفضولية فيه لأنه انشاء فعلي.

و غاية ما يمكن أن يرد عليه وجهان:

(الأول): ما ذكره الشيخ قدّس سرّه، و هو كون الاعطاء منهيا عنه. و جوابه واضح، و هو انه يمكن فرضه فيما لم يكن منهيا عنه أولا - كما فيما اعتقد الفضول انه ملكه أو انه مأذون في التصرف فبان خلافه مثلا، أو كان المالك راضيا بذلك، بناء على عدم خروجه بذلك عن الفضولية - و ثانيا ان النهي في المقام غير دال على الفساد لتعلقه بعنوان يتحد مع الاعطاء، و قد تقدم أن النهي المتعلق بالمعاملة و المسبب بواسطة عنوان آخر لا يدل على الفساد فكيف بما اذا تعلق بنفس السبب، كما في المقام.

(الثاني): ما أفاده المحقق النائيني قدّس سرّه، و ملخصه: ان الاجازة إنما تتعلق بما يكون قابلا للبقاء، كما في البيع الغير المعاطاة، فانه بالعقد الذي هو بيع بالمعنى المصدري يتحقق أمر قابل للبقاء و الاستمرار - أي تبديل طرفي الاضافة - و يعبر عنه باسم المصدر، و يلحق الاجازة ذلك الأمر الباقي اعتبارا، و أما الاعطاء الخارجي فليس الا تبديل مكاني، و لا ينفك اسم المصدر فيه عن المصدر، بمعنى ان اسم مصدر الاعطاء ليس الا العطاء الخارجي، و هذا غير قابل الانفكاك عن الاعطاء، و لهذا لا يكون مصداقا للبيع، فلا يبقى مورد للاجازة و لا يعمه أدلة البيع - انتهى.

(و فيه) ما مر في المعاطاة من انه مصداق للبيع حقيقة، و لا فرق بين الانشاء أن يكون بالفعل أو بالقول، كما ان الإخبار يمكن أن يكون بالقول تارة و بالفعل اخرى.

و أما على القول بأنه مفيد للاباحة الشرعية مع قصدهما الملكية فأفاد الشيخ قدّس سرّه امكان القول بالبطلان لوجهين:

(أحدهما): انه على خلاف القاعدة فيقتصر على المتيقن و هو صورة تعاطي المالكين.

(ثانيهما): أن حصول الاباحة قبل الاجازة غير ممكن.

(أما الوجه الأول) فكما أفاده قدّس سرّه الاباحة على خلاف القاعدة، و لكن قد تقدم في المعاطاة عند نقل استبعاد بعض الأساطين بقوله: إن القول بالاباحة المجردة مع فرض قصد المتعاطيين التمليك مستلزم لتأسيس قواعد جديدة - الخ. ان العقود تكون تابعة للقصود، و التصرف لا يكون من المملكات، بل المعاطاة بنفسه يفيد الملكية، غايته يكون مشروطا بالتصرف المتوقف على الملكية، كما في اشتراط بيع الصرف بالقبض و توقفه عليه.

(و بعبارة اخرى) المعاطاة مقتضاه الملكية من حينه، و لكن بالاجماع نرفع اليد عما اقتضاه و نخصصه الى ما قبل التصرف. نعم في هذه المدة ثبتت الاباحة الشرعية على خلاف القاعدة، فراجع ما ذكرناه هناك.

(و عليه) فافادته للملكية حين التصرف المتوقف على الملك يكون على وفق القاعدة، فلا مانع من جريان الفضولي فيه من هذه الجهة لا من جهة الاباحة الشرعية الثابتة الى زمان حصول الملك على خلاف القاعدة.

(و أما الوجه الثاني) فان كان مراده عدم قيام الدليل على حصوله قبل الاجازة فمتين، و ان كان مراده عدم الامكان - كما هو ظاهر عبارته - فلا نفهم وجهه.

(و بالجملة) شمول المطلقات للمعاطاة اذا وقع فضوليا مما لا ريب فيه، و أما الأدلة الخاصة الواردة في الفضولي فلا يمكن الاستدلال بها للمقام أصلا: أما رواية عروة فهي في قضية خاصة يحتمل أن يكون بيعه بغير نحو المعاطاة، بل هو الظاهر بمقتضى لزوم حمل فعل المؤمن على الصحة، بناء على عدم صحة المعاطاة، و لا يكون في الرواية ما يظهر منه وقوعه بنحو المعاطاة (و العجب) منه قدّس سرّه كيف ذكرها مؤيدة.

قوله رحمه اللّه: القول في الاجازة و الرد... [1]

(و أما رواية) محمد بن قيس و ترك استفصال الامام عليه السّلام فلا تدل على صحة المعاطاة، و لذا لم يسأل الامام من أن هذا البيع وقع غرريا أم لا، و لا من انه وقع بلفظ الماضي أم بغيره الى غير ذلك (و السر) في ذلك أن جهة السؤال لا بد و أن يجاب عنه و يفرض المسؤول عنه صحيحا من غير جهة السؤال بمقتضى الحمل على الصحة.

هذا تمام الكلام في جريان المعاطاة في الفضولي.

الكلام في الاجازة

اشارة

[1] بعد ما ثبتت صحة عقد الفضولي و كون الاجازة اللاحقة كالاذن المقارن للعقد، يقع الكلام في كونها ناقلة أو كاشفة، بمعنى أن العقد السابق الفضولي هل يكون كالعقد الصادر حين الاجازة، فتكون النتيجة هو النقل، أو أن الاجازة اللاحقة تكون كالاذن المتحقق حين العقد، فتكون النتيجة هي الكشف‌؟ المشهور على ما نسبه اليهم المهرة من أهل الخبرة هو الكشف.

(فنقول) قد يقال كما قيل على الكشف المتأخر: بأن الاجازة المتأخرة ليست إلاّ امارة معرفة عن صحة العقد من حين تحققه، من دون أن يكون لها أي تأثير في صحة العقد السابق، و عليه فالقول بالكشف الحقيقي - و ان كان ممكنا - الا انه مخالف لظاهر الأدلة، كقوله تعالى إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ فان ظهوره في اعتبار صدور العقد عن الرضا و شرطية الرضا في صحة العقد مما لا ينكر، و هذا ينافي القول بكون الرضا امارة محضة.

(و ربما يقال) بأن الاجازة المتأخرة بنفسها تكون مؤثرة في صحة العقد السابق و انها شرط لصحة العقد كما هو ظاهر الأدلة، الا أن الشروط الشرعية ليست

كالشروط العقلية بحيث يستحيل فيها تأثير اللاحق في السابق، فيمكن أن يكون الأمر المتأخر أو السابق شرطا مؤثرا في الأمر السابق أو المتأخر، كما وقع ذلك في موردين:

(أحدهما): غسل المستحاضة، فان الواجب عليهما اغسال ثلاثة، و قيل بشرطية غسلها للعشاء في صحة صومها في النهار. و هذا القول - و ان كان شاذا - الا ان اعتبار غسلها وقت الفجر في صحة الصوم غير قابل للانكار، و الأقوى أن تغتسل بعد دخول الفجر لا قبله كما أفتى به السيد في العروة. و على أي تقدير يكون غسل المستحاضة إما قبل دخول الفجر أو بعده دخيلا في صحة الصوم.

(ثانيهما) أجزاء العبادات التدريجية كالصلاة، فان الجزء اللاحق كالتسليمة دخيل في صحة الجزء السابق كتكبيرة الإحرام، فانها انما تكون مصداقا للمأمور به و مسقطا للأمر فيما اذا لحقها بقية الأجزاء، فليكن المقام من هذا القبيل (و فيه) ما لا يخفى، فانه لا فرق بين أن يكون المشروط أمرا خارجيا أو يكون أمرا شرعيا في استحالة تأثير المعدوم أصلا كما أفاده المصنف. و في المثالين لا بد و أن يكون المؤثر هو وصف السبق أو اللحوق، فانه مما يتفاوت به الأغراض و الرغبات في الامور العرفية أيضا.

(نعم) هناك احتمال ثالث يعقل عليه القول بالكشف ثبوتا، و هو أن يكون الشرط هو وصف التعقب بالرضا لا نفسه، و عليه يكشف لحوق الاجازة عن كون العقد السابق واجدا لشرائط الصحة من حين حدوثه. و من هنا ذهب بعضهم الى جواز ترتيب آثار الصحة على العقد قبل لحوق الاجازة فيما اذا علم بتحققه فيما بعد، إلاّ انه لا دليل على كفاية وصف التعقب بالرضا في صحة العقد، بل ظاهر الأدلة اعتبار

قوله رحمه اللّه: و استدل عليه كما عن «مع صد» و «ضة»... [1]

نفس الرضا المبرز كما عرفت.

(و قد أغرب) بعض الأعلام في المقام حيث ذهب الى الكشف، بدعوى ان الاجازة اللاحقة كاشفة عن اقتران العقد بالرضا التقديري، أي لو علم المالك به كان راضيا.

(و فيه) أولا أن ظاهر الأدلة اعتبار الرضا الفعلي، بل الرضا الفعلي أيضا غير كاف ما لم يبرز كما عرفت فضلا عن التقديري.

و ثانيا ان هذا الدليل أخص من المدعى، فانه قد لا يكون المالك راضيا بالعقد حين تحققه ثم يرضى به بعد مدة، فان البداء مستحيل في حقه تعالى لا في المخلوقين، فالكشف الحقيقي بجميع احتمالاته فاسد.

[1] استدل المحقق و الشهيد الثانيان على الكشف بوجهين:

(الأول) ان السبب التام للملك هو العقد، لعموم قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ففي الفضولي بالاجازة يتبين تمامية العقد.

(و فيه) انهما لو أرادا من كون العقد سببا تاما للملكية ان مجرد العقد هو السبب لها و لو لم يكن مقرونا برضا المالك فهو واضح الفساد على ما عرفت سابقا، مضافا الى ان لازمه عدم الحاجة الى الاجازة حينئذ، و صحة عقد الفضولي و لو لم تلحقه الاجازة رأسا، و ان أرادا أن الشرط للصحة هو وصف التعقب فاذا تحققت الاجازة يتبين حصوله من حين تحقق العقد فهو مصادرة، و قد عرفت عدم قيام الدليل على شرطية وصف التعقب.

(الثاني) أن الاجازة من الامور التعلقية، فلا محالة تتعلق بالعقد السابق و ليست كالقبض مما لا تعلق له الا بالمقبوض الخارجي، فهي رضا بالبيع السابق بالمعنى

الاسم المصدري، أعني المبادلة بين المالين من حين تحققه، فكأن مضمون البيع هو المبادلة المقيدة بالزمان السابق، و تعلق الاجازة و الرضا بها يقتضي حصولها من حينه.

(و قد أورد) عليه المصنف و تبعه بعض الأعلام منهم المحقق النائيني قدّس سرّه بوجهين:

(أحدهما) ان مضمون البيع ليس الا انشاء طبيعي المبادلة من بين المالين لا المبادلة المقيدة بزمان خاص و الا لزم القول بثبوت الملكية من حين الايجاب فيما اذا كان القبول متأخرا، لأنه أيضا رضى بالايجاب السابق (نعم) بما ان الانشاء أمر زماني يقع في الزمان فالمنشأ أيضا يكون متحققا من زمان تحقق الانشاء، لا انه مقيد بالزمان، فمتعلق الاجازة ليست المبادلة المقيدة بالزمان السابق.

(ثانيهما) انه و لو سلم تقيد مضمون البيع بالزمان السابق و تعلق الاجازة بالأمر المقيد الا ان المعتبر هو امضاء الشارع، و من الظاهر ان الامضاء الشرعي انما يكون بعد تحقق الاجازة لا قبلها، لأن العقد بعد الاجازة يستند الى المالك، و أما قبلها فهو أجنبي عنه، فلا تعمه أدلة الصحة، فتكون الملكية ثابتة من زمان الامضاء الشرعي لا من زمان الامضاء الشرعي لا من زمان الانشاء.

(و نقول) لابد من النظر فيما أورده المصنف على العلمين:

(أما الوجه الأول) فهو انما يتم بناء على القول بأن الانشاء عبارة عن ايجاد المعنى باللفظ، فانه حينئذ يمكن أن يقال بأن متعلق الايجاد غير مقيد بالزمان و انما يتحقق الموجد في زمان تحقق الايجاد، فيكون الزمان ظرفا له و لا يمكن أن يكون قيدا. و لكنك عرفت فساد المبنى و ان الانشاء انما هو عبارة عن ابراز الاعتبار النفساني، و من الظاهر - كما بيناه في محله - أن المعتبر يستحيل فيه الاهمال ثبوتا،

فيدور أمره بين الاطلاق و التقييد و تقيد الملكية بزمان خاص واضح الفساد، بل التقييد من خاص مخالف للاجماع في البيع، فلابد من الاطلاق - بمعنى لحاظ الخصوصيات و رفضها - فيثبت الاستمرار، فيكون المنشأ في البيع اعتبار الملكية المستمرة لا مقيدة بالاستمرار بل بمعنى رفض الخصوصيات، فاذا تعلقت الاجازة بها و المفروض نفوذها لا بد و ان تثبت الملكية من حين صدور العقد، و يتضح ذلك بالنظر الى الاجازة.

(و أما النقض) في القبول ففي غير محله، فان الايجاب يكون معلقا على لحوق القبول دائما سواء ذكر التعليق في اللفظ أو لم يذكر، فلا يترتب عليه الأثر ما لم يتحقق القبول، و هذا بخلاف الاجازة، فان المنشأ في العقد الفضولي غير معلق عليها غالبا، خصوصا فيما اذا كان العاقد بانيا على كونه مالكا إما خطأ أو عدوانا (نعم) قيد يعلق عليها و هو خارج عن محل الكلام.

(و أما الوجه الثاني) ففيه أن دليل الامضاء - و ان لم يكن شاملا لعقد الفضولي إلاّ بعد لحوق الاجازة - الا انه لا مانع من كون الامضاء المتأخر متعلقا بأمر سابق كما يمكن عكسه، ففي باب الوصية يكون الامضاء سابقا و الممضى هي الملكية المتأخرة، و فيما نحن فيه يكون الإمضاء متأخرا و الممضى هي الملكية السابقة.

(و بالجملة) ملخص الوجه الثاني الذي استدل به المحقق و الشهيد الثانيان على الكشف هو أن الاجازة تتعلق بمضمون العقد السابق، و هي الملكية من حين العقد فاذا كانت الاجازة نافذة - كما هو المفروض - لابد من ثبوت الملكية السابقة، و ذكرنا ان المصنف أورد عليه بوجهين:

(أحدهما) مضمون العقد السابق، أعني الملكية، لم تكن مقيدة بالزمان و انما كان

الزمان السابق ظرفا لها.

(و قد أجبنا عنه) بأنه لا واسطة بين الاطلاق و التقييد فاذا لم تكن الملكية المعتبرة مقيدة فلابد من الاطلاق و استمرارها من حين حدوث العقد، و لا تقاس الاجازة بالقبول، فان القبول مقدم على العقد بخلاف الاجازة.

(و ثانيهما) أن الاجازة - و ان تعلقت بالملكية من حين العقد - الا أن الممضى شرعا انما هي الملكية المرضية للمالك، و لا تكون المبادلة مرضية له الا بعد الاجازة فحينئذ يلحقها الامضاء الشرعي.

(و الجواب عنه) أن تحقق الامضاء و الاعتبار الشرعي - و ان كان بعد لحوق الاجازة بالعقد - الا انه لا مانع من أن يكون متعلقه الملكية السابقة من حين صدور العقد، فيكون ظرف الامضاء و الاعتبار متأخرا و ظرف المعتبر سابقا.

(توضيح ذلك) أن الامور الاعتبارية ليس لها وعاء إلاّ في عالم الاعتبار، فيوجد الأمر الاعتباري حقيقة بنفس الاعتبار في وعائه، و قد يكون زمان الاعتبار و المعتبر و متعلقه متحدا، فيعتبر من الآن الملكية الفعلية للأمر الفعلي و قد يكون زمان الاعتبار سابقا على زمان المعتبر فيكون الاعتبار فعليا و المعتبر أمرا متأخرا، كما في الوصية فان الموصي يعتبر فعلا الموصى له ملكا لماله بعد موته، فيكون المعتبر هو الملكية بعد الموت، فقبل الموت لم يتحقق أمر سوى الاعتبار، و اذا تحقق الموت يصير المعتبر أيضا فعليا.

(و الفرق) بين هذا و بين الواجب التعليقي هو أن المعتبر في الوجوب التعليقي فعلي و متعلقه أمر متأخر، و من ثم يجب تحصيل مقدمات الواجب، و هذا بخلاف باب الوصية و نحوها، فانه لم يتحقق فيها المعتبر أيضا و انما تحقق نفس الاعتبار

و المعتبر أيضا أمر متأخر و كل منهما أمر ممكن (و من هنا) قلنا في باب التعليق انه لو لم يكن اجماع على بطلان التعليق في العقود لقلنا بامكان أن يبيع الانسان ماله من بعد مدة.

و قد يكون الاعتبار متأخرا و المعتبر أمرا سابقا فمن الآن يعتبر الملكية قبل سنة، و هذا أيضا أمر ممكن و لذا قلنا انه لو لا بعد البيع من السابق عن المرتكز العرفي و انصراف الأدلة عنه لقلنا بجواز أن يبيع الانسان ماله فعلا من السابق، بأن ينشأ فعلا الملكية السابقة و يرتب آثارها، فاذا أمكن ذلك نلتزم به في الفضولي و نقول بتحقق الاعتبار بعد الاجازة متعلقا بالملكية السابقة من حين حدوث العقد، لدلالة الخبر الوارد في الارث و الوارد في النكاح على ذلك. و هذا غير الكشف الحكمي الذي التزم به المصنف بمعنى ترتيب آثار الملكية السابقة بعد الاجازة، فانه - و ان كان ممكنا - الا انه لا دليل عليه اذا تم ما ذكرنا.

(نعم) لو لم يتم هذا لقلنا بالكشف الحكمي من باب اللابدية للخبرين المزبورين (و قد) أورد على ما اخترناه بوجهين:

(أحدهما): ما ذكره الميرزا رحمه اللّه في الخروج عن الدار المغصوبة من استحالة ثبوت حكمين مختلفين في زمان واحد و ان كان زمان اعتبارهما مختلفا، فان الميزان في ذلك بزمان الفعلين لا بزمان الاعتبارين، فلا يمكن أن يحكم على شيء واحد بحكم في يوم الخميس ثم يحكم عليه بما يخالفه في يوم الخميس أيضا، و يجري ذلك في المقام فيقال: ان العبرة في التضاد بزمان المعتبر لا الاعتبار (و قد أجبنا عن ذلك) بأنه انما يستحيل في الأحكام التكليفية، لكونها ناشئة من المصالح أو المفاسد الثابتة في متعلقاتها، فلا يمكن أن يكون شيئا موافقا للغرض و مخالفا له في زمان

واحد الا بنحو البداء المستحيل في حق الشارع، و أما الأحكام الوضعية الناشئة من المصالح أنفسها فلا مانع من اجتماعهما اذا كان زمان الاعتبار مختلفا، ففي يوم الأربعاء يعتبر زيد مالكا لشيء يوم الجمعة لقيام المصلحة به، و في يوم الخميس يعتبر عمرو مالكا له في يوم الجمعة لقيام المصلحة باعتبار ذلك (نعم) يستحيل ذلك اذا كان زمان الاعتبار أيضا واحدا، لأن اعتبار الملكية لزيد بمعنى استقلاله في التصرف ينافي اعتبارها لعمرو لاستلزامه نفي استقلال زيد في التصرف، و أما اذا كان زمان الاعتبار متعددا فلا مانع من ذلك - فتأمل.

(ثانيهما) ما ربما يقال أو قيل من أن كون زمان الاعتبار متأخرا و زمان المعتبر سابقا انما يتصور فيما اذا كان الاعتبار من قبيل القضايا الخارجية كاعتبار المتعاملين، و أما اعتبار الشارع - الذي هو محل الكلام في بحث الكشف و النقل - فلا يجري فيه ذلك، لأن الأحكام الشرعية تكون مجعولة بنحو القضايا الحقيقية، فيكون اعتبار الشارع ثابتا أزلا أو حين تحقق الشريعة على الموضوعات المقدر وجودها، فاذا كان الاعتبار سابقا - و المفروض ان المعتبر سابق على الاجازة - فلا محالة يثبت الكشف بنحو الشرط المتأخر المحال.

(و بعبارة اخرى) إن كان الاعتبار الشرعي سابقا على الاجازة لزم الكشف المستحيل، و ان كان بعدها كان منافيا لكون الأحكام الشرعية من قبيل القضايا الحقيقية. مضافا الى استلزامه القول بالنقل - فتأمل.

(و يرد عليه أولا) ان هذا الاشكال مبني على أن يكون للشارع اعتبار الملكية بعد الاجازة و لا ملزم لذلك، ان يمكن أن يقال: ان الشارع انما ينفذ اعتبار المالك - أي اجازته المتعلقة بالملكية السابقة - و معنى تنفيذ الشارع جعل المالك مطلقا

و مرسل العنان في الاجازة و الرد - فتأمل. و بما ان اعتبار المالك يكون بعد الاجازة و معتبره الملكية السابقة يثبت ما ذكرناه.

(و ثانيا) نفرض ان الشارع أيضا يعتبر الملكية و اعتباره أزلي، الا ان موضوع حكمه بالملكية انما هو المجيز، فيعتبر المجيز مالكا للثمن، و من الظاهر ان الحكم مشروط بوجود موضوعه و لا يكون فعليا الا بعد فعلية موضوعه، فاعتبار الشارع للملكية إنما يصير فعليا بعد تحقق المجيز خارجا بتحقق الاجازة و متعلقه الملكية السابقة، فالكشف بهذا المعنى الموافق للذوق العرفي مما لا مانع منه ثبوتا، و يدل عليه في مقام الاثبات ظهور رواية محمد بن قيس لو قبلنا دلالتها على صحة الفضولي، و صراحة صحيحة أبي عبيدة(1)الواردة في نكاح الصغيرين اذا مات أحدهما قبل أن يجيز الآخر، فانها صريحة في الكشف اذ لا معنى للنقل مع موت أحد الزوجين، و إن لم يبين فيها كون الكشف بالمعنى المستحيل أو بمعنى اعتبار وصف التعقب أو الامارية المحضة، و لكن بما انا بينا استحالة الأول و قلنا ان الثاني لا دليل عليه و الثالث مخالف لظاهر الأدلة فلا محالة يتعين الكشف بالمعنى الذي اخترناه، و مع التنزل لا بد من حملها على الكشف الحكمي، بمعنى ترتب آثار الملكية السابقة و ان لم يثبت أصلها.

(بقي الكلام) في وجه حكم الامام عليه السّلام في الصحيحة بعزل نصيب الزوجة من الارث و عدم دفعه الى الورثة مع ان استصحاب عدم لحوق الاجازة يقتضي دفعه اليهم، و الظاهر ان ذلك من باب الاحتياط في الأموال، كما ورد نظيره في ارث


1) تقدم مصدر هذين الخبرين فراجع.

الحمل و انه يعزل من الارث بمقدار نصيب ذكرين، مع ان استصحاب عدم الولد الثاني بل استصحاب عدم كون الحمل ذكرا يكون جاريا.

(و الحاصل) ان الكشف الحكمي بمعنى تنزيل غير المالك بمنزلة المالك في جميع الآثار لا يكون ممكنا ثبوتا، و ذلك لأن المنزل عليه في باب التنزيل قد يكون أمرا خارجيا كقوله الفقاع خمر و الصلاة طواف و قد يكون أمرا اعتباريا شرعيا يكون وضعه و رفعه بيد الشارع، ففي القسم الأول يصح التنزيل - سواء كان في بعض الآثار أو في جميعها - و أما في القسم الثاني فلا يصح التنزيل فيه الا اذا كان في بعض الآثار و أما في تمام الآثار فلا معنى للتنزيل أصلا بل يثبت حينئذ نفس المنزل عليه، فاذا نزلت المطلقة الرجعية مثلا منزلة الزوجة في جميع الآثار فهي زوجة حقيقة، و هكذا إذا نزل غير الواجب بمنزلة الواجب كذلك فهو واجب و لا معنى للتنزيل، و المقام من قبيل الثاني فان الملكية الشرعية التي هي محل كلامنا اعتبار شرعي، فاذا نزل غير المالك منزلة المالك في جميع الآثار فلا محالة اعتبر مالكا (و عليه) فالكشف الحكمي بهذا المعنى فاسد ثبوتا فينحصر الكشف فيما ذكرناه.

(ثم ان) فخر المحققين استدل على الكشف و بطلان النقل بوجه عقلي كما هو دأبه في الفقه على ما قيل، و حاصله: ان القول بالنقل يستلزم تأثير المعدوم، و هو محال، فان العقد حين الاجازة و تحقق الأثر - أعني الملكية - معدوم.

(و فيه) أولا: ما أورده المصنف من النقوض، فان لازم ما ذكره تحقق الملكية من حين الايجاب و ان تأخر عنه القبول و الا يلزم تأثير المعدوم، و هكذا في بيع الصرف يلزم حصول الملك قبل القبض و إلاّ لزم المحذور المزبور، و كذلك يلزم انكار

قوله رحمه اللّه: بقي الكلام في بيان الثمرة... [1]

الوصية التمليكية، فان ظرف حصول الأثر فيها بعد حصول الموت و انعدام العقد.

(و ثانيا) ان تأثير المعدوم في الموجود لا استحالة فيه، بل هو موجود في جميع العلل التدريجية فيشرب السم و يتحقق أثره بعد مدة مديدة، و انما المستحيل تخلف المعلول عن الجزء الأخير من علته التامة، فلو كان عكس قدّس سرّه المطلب و استدل بما ذكره على استحالة الكشف، لأن الشرط - أعني الاجازة - حين العقد معدوم كان أولى.

ثمرات المسألة

[1] ذكر قدّس سرّه: في هذه الأسطر ما لم نفهمه و لم ندر ماذا فهمه منها غيرنا فانه ذكر أولا في بيان الثمرة بين الكشف الحقيقي على القول بكون الاجازة بنفسها شرطا على نحو الشرط المتأخر و بين كون الشرط وصف التعقب انه على الثاني يجوز تصرف كل منهما فيما انتقل اليه بانشاء الفضولي اذا علم اجازة المالك فيما بعد و على الأول لا يجوز ذلك.

(و فيه) انه لا وجه لهذا الفرق بعد فرض الاجازة شرطا متأخرا يؤثر مع عدم تحققه في حصول الأثر سابقا من باب التفرقة بين الشروط الشرعية و العقلية أو غير ذلك، اذ عليه أيضا اذا علم بتحقق الاجازة فيما بعد يجوز التصرف من حين العقد.

(ثم بعد ذلك ذكر) في الثمرة بين الكشف الحقيقي و الحكمي مع كون نفس الاجازة شرطا انه على الكشف الحقيقي يكون التصرف قبل الاجازة - كالوطي مثلا - حلالا واقعا حراما ظاهرا، لأصالة عدم الاجازة، و كشف الاجازة عن وقوعه في ملكه واقعا.

(و فيه) ما لا يخفى، فانه قدّس سرّه قبل سطر أو أقل صرح بعدم جواز التصرف على

الكشف و كون نفس الاجازة شرطا حتى فيما اذا علم بلحوق الاجازة، و معه كيف حكم في المقام بحلية الوطي واقعا على الكشف الحقيقي و كون الاجازة بنفسها شرطا، و لعل ذلك صدر من قلمه الشريف سهوا. و الصحيح انه بناء على الكشف الحقيقي بأقسامه يكون التصرف حلالا واقعا. و أما على الكشف الحكمي - حتى على ما اخترناه من كون ظرف الاعتبار متأخرا و ظرف المعتبر سابقا - فلا يحل التصرف فضلا عن النقل.

(هذا) و أما ما ذكره قدّس سرّه من أنه لو أولدها صارت أم ولد - الخ، ففيه: ان ظاهر أدلتها اعتبار حيلة الوطي ظاهرا و الا فلا تكون الامة ام ولد، فلا وجه لما ذكره في المقام أيضا (و تفصيل الكلام) في بيان الثمرة بين الكشف بأقسامه و النقل تارة يقع في الأحكام الخارجية المترتبة على جواز التصرف و عدمه، و اخرى في نفس تصرف من انتقل عنه المال، و ثالثة في تصرف من انتقل اليه، فلابد من البحث في جهات:

(الاولى) في الأحكام المترتبة على جواز التصرف، فنقول: اذا بيعت الأمة فضولة فوطئها المشتري قبل اجازة المالك فعلى القول بالكشف الحقيقي يكون الوطي في ملكه و لا يكون زنا بذات البعل، و اذا استولدها يحكم بكونها ام الولد، لأن الاستيلاد وقع في ملكه. و أما على الكشف الذي اخترناه فالوطي يكون زنا بذات البعل و تترتب عليه آثاره من الحد و الحرمة المؤبدة لعدم وقوعه في ملكه، و اذا استولدها لا يحكم عليها بكونها ام ولد، لأن ظاهر أدلة أحكام أم الولد كون الاستيلاد في الملك حدوثا و لا يعم ما اذا كان كذلك بقاء، كما ذكرنا ذلك في حديث «من زاد في صلاته»، و قلنا: ان ظاهر «زاد» ايجاد الزيادة - أي الزائد حدوثا - لا

ايجاد وصف الزيادة في الشيء بقاء، فاذا قال المصلي «ايا» مثلا ثم بدى له أن يعيده فقال «إياك نعبد» لا تبطل به الصلاة، لأن كلمة «إيا» لم تحدث زيادة و انما اتصف بالزيادة بقاء حين التكرار فلا يعمه الدليل، و المقام كذلك، فان أدلة الاستيلاد منصرفة عن استيلاد المملوك حدوثا لا بقاء، و على الكشف بالمعنى المختار يكون الاستيلاد استيلاد المملوك بقاء من حين الاجازة و اعتباره مالكا من حين العقد، و أما حدوثا فلم يكن استيلادا لمملوكه فلا تعمه الأدلة. و هكذا على الكشف الحكمي، فان التنزيل عليه يكون بعد لحوق الاجازة و ان كان متعلقه الآثار السابقة و أما على النقل فالأمر واضح.

(الجهة الثانية) في نفوذ تصرف من انتقل عنه المال فيما بين وقوع العقد و الاجازة، كما اذا فرضنا ان الفضولي باع مال أحد فباعه المالك لآخر من غير أن يكون ردا بل كان لعدم علمه بعقد الفضولي أو لجهله به ثم علم به فأجازه، فهل يكون البيع الثاني نافذا دون الفضولي أو تكون الاجازة نافذة دونه‌؟ تارة يكون العقد الثاني منافيا مع العقد الفضولي الأول و اخرى لا يكون منافيا، أما اذا كان منافيا له - كما اذا زوج أحد امرأة فضولة لشخص ثم زوجت المرأة نفسها لرجل آخر من غير علم بالنكاح الفضولي ثم علمت فأجازته - كان العقد الثاني نافذا دون الأول حتى على الكشف الحقيقي (و السر) في تقديمه عليه هو السر في تقدم الامارات على الاصول العملية، فان العقد الثاني تام الأجزاء و الشرائط و مستند الى من يعتبر استناده اليه، فشمول العمومات له فعلي غير مراعى - فتأمل.

(و هذا) بخلاف شمولها للعقد الأول، فانه مراعى بعدم نفوذ العقد الثاني ليستند الأول الى المالك باجازته، من غير فرق بين القول بالكشف أو القول بالنقل (نعم)

على القول بالامارية المحضة لا يبعد دعوى العكس على كلام فيه لاحتمال أن يكون المعرف خصوص الاجازة التي لا يسبقها ما ينافي العقد السابق.

(و أما) اذا لم يكن العقد الثاني منافيا مع الأول - كما اذا باع المالك المبيع الفضولي قبل الاجازة جهلا أو غفلة لأن يكون ذلك ردا منه أو اعتقه كذلك - فهل يكون العقد الثاني نافذا دون الأول، كما قواه المصنف و ان احتمل خلافه أولا و تبعه الميرزا، أو يقدم الأول مطلقا، أو تفصيل بين الكشف و النقل‌؟ وجوه و الظاهر هو صحة العقد الأول على الكشف (و ذلك) لأن المالك يكون حينئذ أجنبيا عن المال، فبيعه أو عتقه له يكون بمنزلة بيع غير المالك و عتقه.

و ما ذكره الميرزا من أن المجيز لا بد و أن يكون مالكا حين الاجازة.

(يرد عليه أولا) أن المجيز لا بد و أن يكون مالكا حين العقد لا حين الاجازة، فانه مستحيل على القول بالكشف حتى في فرض عدم تحقق البيع و العتق منه.

(و ثانيا) ان الاجازة و الرد لم يتعلقا بالمال و انما هما متعلقان بالعقد كالفسخ و الرد، فالمعتبر أن يكون المجيز مالكا للعقد حين الاجازة لا للمال، و من الظاهر كون المجيز كذلك في المقام، فان العقد واقع على ملكه.

(ثم لا يخفى) أن ما ذكرناه غير جار في الفرض الأول من جهة الفرق الظاهر بينهما، فان العقد الثاني في القسم الأول مناف للعقد الفضولي، اذ لا يمكن تزويج المرأة لشخصين، و هذا بخلاف القسم الثاني، فان العقد الثاني فيه لا ينافي الأول، اذ يمكن صحة كليهما، فيكون العقد الأول صحيحا و يصح الثاني أيضا، غايته يكون فضوليا على الكشف الحقيقي و بمنزلة الفضولي على الكشف الحكمي، فيغرم المالك الأول للمشتري في فرض العتق لكونه متلفا لماله - فتأمل. و يكون البيع له في البيع.

(و بالجملة) يقع الكلام في الثمرة بين الكشف و النقل: تارة في الأحكام الخارجية المترتبة على التصرف فيما بين العقد و الاجازة، و اخرى في تصرف المالك للمبيع الفضولي في العين المنتقلة عنه، و ثالثة في نماءاتها، و رابعة في تصرف المنقول اليه فيما انتقل اليه:

(أما الجهة الاولى) فاذا بيعت الأمة فضولة و وطئها المشتري ثم أجاز المالك فهل يكون الوطي حلالا؟ و اذا حصل منه الاستيلاد تصير الأمة بهذا ام ولد، أو الوطي يكون زنا بذات البعل و لا تكون الامة بذلك ام ولد؟ ظاهر المصنف انه على الكشف الحقيي يكون الوطي حلالا واقعا، و اذا حصل به الولد صارت الامة ام ولد، و أما على الكشف الحكمي فاحتمل تحقق الاستيلاد و عدمه أيضا لعدم حدوث الاستيلاد في الملك. و ذكر المحقق النائيني ان صيرورة الامة بذلك ام ولد مستحيل، لأن الاستيلاد حدث في ملك الغير.

(و نقول) لا استحالة في ذلك، إذ للشارع أن يرتب أحكام ام الولد باستيلاد الواقع على المملوك و لو بقاء، و يحكم بصيرورة الامة بذلك ام ولد لا يجوز بيعها إلاّ في موارد خاصة، إلاّ أن الدليل في مقام الاثبات لا يساعد ذلك، فان الظاهر من الأدلة حدوث الاستيلاد في الملك، كما بيناه في حديث «من زاد».

(و أما الجهة الثانية) - أعني تصرف من انتقل عنه المال فيما انتقل عنه فيما بين العقد و الاجازة - فنسب الميرزا فيه الى المصنف التفصيل بين القول بالكشف الحقيقي فتكون الاجازة نافذة دون النقل أي العقد الثاني، لأن تصرف المالك حينئذ فيما انتقل عنه يكون تصرف الأجنبي في المال، و احتمل كون النقل نافذا لكونه ردا قهريا للعقد السابق، و على الكشف الحكمي يكون العقد الثاني نافذا، و الوجه في

هذه النسبة انه استظهر صحة هذه النسخة «و لو نقل المالك ام الولد» فان في بعض النسخ» و لو نقل المالك الولد»، و عليه يتم الاستناد. و على أي حال ذهب هو قدّس سرّه الى نفوذ العقد الثاني مطلقا، حتى على القول بالكشف الحقيقي و عدم نفوذ الإجازة.

(و نقول) أما اذا كان العقد الثاني تزويجا - كما اذا زوجت المرأة فضولة لشخص ثم زوجت هي نفسها لآخر جهلا منها بالنكاح الفضولي و بعد ذلك علمت به فأجازته - فالظاهر هو صحة العقد الثاني حتى على الكشف الحقيقي، و عدم نفوذ الإجازة كما ذكره الميرزا رحمه اللّه، و ذلك لأن الزوجين ركن في النكاح و ليسا كالعوضين في المبيع، و قد دلّ الدليل على اعتبار أن تكون الزوجة خلية عن الزوج حين الاجازة - فتأمل. فاذا فرض انها زوجت نفسها لآخر قبل الاجازة لا تكون اجازتها نافذة لعدم صدورها من الخلية فتأمل (و هذا) هو المرتكز في أذهان العقلاء و المتشرعة أيضا، و لذا لا يقول أحد بفساد النكاح الصادر منه إذا أجازت النكاح الفضولي السابق بعد عشر سنين و رجوعها الى حبالة الشخص الآخر بالاجازة.

(و أما) اذا كان العقد الثاني بيعا أو عتقا فالظاهر صحة العقد الثاني أيضا على الكشف الحقيقي، لا لما ذكره الميرزا من اعتبار أن يكون المجيز مالكا للعين حين الاجازة، زعما منه أن الاجازة حق متعلق بالعين، لأن الاجازة تكون كالفسخ و الرد و الامضاء متعلقا بالعقد لا بالعين، فالفسخ حل العقد السابق و هكذا الرد. و الفرق بينهما أن الأول رفع و الثاني دفع، و كذلك الامضاء و الاجازة فهي متعلقة بالعقد، و لذا لا وجه لاعتبار كون المجيز مالكا للعين أصلا، بل لأن الكشف الحقيقي على خلاف القاعدة و من باب اللاأبدية و لو لما ذكره فخر المحققين، و لذا لا يلتزم به إلاّ في المقدار المتيقن، و هو ما اذا كان المجيز مالكا للعين لو لا الاجازة دون ما اذا لم

يكن كذلك كما في الفرض، فلا تكون الاجازة فيه كاشفا عن صحة العقد السابق، فيكون العقد الثاني صحيحا.

(و الفرق) بين ما ذكره الميرزا و ما ذكرناه: ان ما أفاده يكون من قبيل ابداء المانع، و ما اخترناه يكون من قبيل عدم المقتضي. و تظهر الثمرة بينهما على الكشف الحكمي كما سيتضح، و أما على الكشف الحقيقي فالفرق علمي محض، و أما على الكشف الحكمي الذي اخترناه فبما انه على طبق القاعدة و العمومات فتأمل و اطلاقها يقتضي ثبوته، حتى فيما اذا لم يكن المجيز مالكا للعين لو لا الإجازة، فلابد من الالتزام بصحة الاجازة و نفوذها، و حينئذ بما أن العقد الثاني أيضا كان صادرا عن المالك حدوثا و مشمولا للعمومات و يبعد عدم شمولها بقاء، و لا بد من الحكم بصحته غاية الأمر إن كان قابلا للجازة كالبيع يكون فضوليا مراعيا على اجازة المالك و ان لم يكن قابلا لها كالعتق يكون تالفا، فيطالب المشتري المجيز بالمثل أو القيمة. و هذا هو مقتضى الجمع بين الأدلة كما في البيع الخياري اذا كان المبيع تالفا حين الفسخ، فانه ينتقل حينئذ الى المثل أو القيمة.

(الجهة الثالثة) في تصرف المالك في نماء ما انتقل عنه، كما اذا فرضنا ان المدة بين زمان العقد و زمان الاجازة طالت و كان المبيع حيوانا أو شجرا و حصل له النماء و تصرف المالك فيه ببيع أو غيره، فعلى القول بالنقل يكون تصرفه فيه تصرفا في ملكه، فيكون نافذا، إذ المفروض بقاء العين على ملكه و يتبعها النماء. و أما على الكشف الحقيقي فالظاهر بطلان تصرفه لكونه تصرفا في ملك الغير، إذ المفروض انتقال النماء الى المشتري تبعا للعين، وفاقا للمصنف لو كانت العبارة «لو نقل الولد» بدون كلمة الام، و لكنه قدّس سرّه بعد حكمه ببطلان التصرف في النماء احتمل صحته أيضا،

لاحتمال كونه بمنزلة الرد للعقد الفضولي (بدعوى) ان تصرف المالك في النماء و نقله مستلزم لعدم التزامه بكون النماء ملكا للمشتري، و هو مستلزم لعدم كون العين أيضا ملكا له و هو معنى الرد، فنقله بالالتزام يكون ردا للعقد غايته ردا بالفعل لا بالقول، و لا يفرق في الرد بين الفعلي و القولي كما سيتضح ان شاء اللّه.

(و فيه) أن الرد بناء على شمول العمومات للعقد الفضولي يكون قطعا، و هو كالاجازة أمر قصدي، فاذا كان المالك في مقام نقل النماء ملتفتا الى لازم فعله و قاصدا له لا بأس بكونه مصداقا للرد الفعلي، و لكن اذا لم يكن قاصدا له بذلك بل لم يكن ملتفتا الى الملازمة أصلا فكيف يمكن القول بكونه مصداقا للرد، و هذا ظاهر، فالصحيح هو بطلان النقل و صحة الاجازة كما أفاده أولا و لا يقاس التصرف في النماء بالتصرف في العين، حيث ذكرنا فيه بطلان الاجازة على الكشف الحقيقي أيضا، اذ التصرف في النماء ليس تصرفا فيما تعلق به العقد، ليحتمل مانعيته عن صحة الاجازة و كاشفيتها، و هذا بخلاف التصرف في العين، فانه كان متعلقا بما تعلق به العقد فلذا احتمل مانعيته.

(و أما على الكشف الحكمي) فتصرف المالك في النماء حدوثا كان تصرف المالك في ملكه و مشمولا للعمومات و إن لم يكن بقاء بعد حصول الاجازة كذلك، الا انه يبعد كونه مشمولا للعمومات ابتداء و عدم شمولها له بقاء، فلابد من الحكم بصحته، فان كان قابلا للفضولية - كالبيع - كان مراعى باجازة المشتري، و ان لم يكن قابلا لها كالعتق كانت العين بحكم التالف و يغرم المالك بالمثل أو القيمة. و لا وجه لما ذكره الميرزا قدّس سرّه من أن النماء حين الاجازة قد يكون معدوما، و لا معنى لاعتبار ملكية المعدوم، فان المعتبر على الكشف الحكمي انما هو ملكية النماء

حال وجوده و ان كان طرف الاعتبار بعد ذلك.

ثم الظاهر أن النسخة الصحيحة من المتن غير مشتملة على كلمة «الام»، و العبارة هكذا: «و لو نقل المالك الولد»، و المراد بالولد هو ولد الحيوان لا ولد الأمة فانه حر على الكشف الحقيقي، و هكذا لو كانت النسخة ام الولد، فان ام الولد لا يجوز بيعها في نفسها إلاّ في الموارد المنصوصة.

(و الدليل) على ما ذكرنا من عدم اشتمال النسخة الصحيحة على كلمة الام انه على فرض اشتمالها عليها يلزم التهافت بين هذه العبارة و ما ذكره قدّس سرّه بعد أسطر من قوله «و إن نافى الاجازة كاتلاف العين» - الخ، فانه صريح في أن تصرف الملاك في العين على الكشف الحكمي مفوت لمحل الاجازة، و العبارة السابقة - بناء على اشتمالها على كلمة الام ليكون التصرف في العين - صريح بصحة تصرفه مع بقاء محل الاجازة و نفوذها، فيكون على المجيز قيمة ما نقله، فلابد و أن تكون العبارة الاولى ناظرة الى تصرفه في النماء، فلا يفوت به محل الاجازة على الكشف الحكمي، و العبارة الأخيرة ناظرة الى تصرف المالك في العين، فيفوت به محل الاجازة، و هذا هو الذي يقتضيه حفظ مقام المصنف قدّس سرّه، و لم نعرف لماذا فهم الميرزا عكس ذلك.

(و أما الجهة الرابعة) - أعني تصرف من انتقل اليه المال فيه قبل الاجازة - فعلى القول بالكشف الحقيقي يكون حلالا تكليفا و نافذا وضعا و لكنه تجر و حرام ظاهرا لاستصحاب عدم لحوق الاجازة فيما بعد، فاذا كان التصرف عباديا - كالوضوء بالماء المبيع فضولة - فسد لمنافاة الحرمة الظاهرية مع قصد القربة، كما انه على النقل يكون حراما تكليفا و وضعا اذا كان التصرف بالبيع يدخل فيمن باع شيئا ثم

قوله رحمه اللّه: منها: النماء... [1]

ملك (و أما) على الكشف الحكمي فتصرفه حرام تكليفا، و أما وضعا فحدوثا لا يكون نافذا لأنه تصرف في ملك الغير إلاّ انه بعد الاجازة يكون بقاء مستندا الى المالك، فتعمه العمومات و يكون نافذا.

الثمرة بين الكشف و النقل من حيث النماء

[1] تعرض المصنف لحكم النماء مع انه كان يستفاد مما ذكره سابقا، و لعله كان من جهة التعرض لكلام الشهيد قدّس سرّه. و على أي حال اذا حدث للثمن أو للمثمن أو لهما معا نماء فعلى القول بالنقل يكون النماء لمن انتقل عنه المال لحدوثه في ملكه تبعا للعين، و على القول بالكشف ينعكس الأمر، و لكن الشهيد ذكر: فان جعلناها كاشفة فالنماء المنفصل المتخلل بين العقد و الاجازة الحاصل من المبيع للمشتري و نماء الثمن المعين للبائع، و لو جعلناها ناقلة فهما للمالك المجيز و ظاهره كون نماء الثمن و المثمن معا لشخص واحد و هو المجيز، و هو بظاهره فاسد فيحمل على سهو القلم. و لكن وجه كلامه بتوجيهين:

(أحدهما) توجيه المراد منه بحمله على خلاف الظاهر.

(و الثاني) توجيه الحكم مع التحفظ على ظاهر الكلام.

و قد ذكر المصنف أن التوجيه الأول هو الأولى، و حاصله أن يراد من المجيز طبيعي المجيز لا الشخص، و يفرض البيع فضوليا الطرفين، فاذا أجاز مالك المبيع

انتقل اليه نماء الثمن، و اذا أجاز مالك الثمن انتقل اليه نماء المبيع، فالنماء يكون للمجيز بهذا التفصيل.

(و لا يخفى) ما فيه من مخالفة الظاهر، فان قوله «فهما للمالك المجيز» ظاهر في كون كلا النمائين لشخص واحد.

(و أما التوجيه الثاني) فحاصله انه يمكن أن يكون نماء كل من العوضين لشخص واحد على القاعدة كما اذا كان البيع من طرف المبيع فضوليا دون غيره، فيكون نماء المبيع للمالك المجيز لحدوثه في ملكه، و يكون نماء الثمن له أيضا لاقدام المشتري على تمليكه له باقدامه على الشراء من الفضولي و فيه:

(أولا) انه يمكن أن لا يكون المشتري عالما بالفضولية، بل تخيل ان البايع مالك أو ولي أو وكيل.

(و ثانيا) يمكن أن يكون الشراء أيضا فضوليا كالبيع.

(و ثالثا) الاقدام على التمليك ليس أحد المملكات.

(و رابعا) هو لم يقدم على تمليك النماء للبائع مجانا، و انما أقدم على تمليكه بعوض، فهذا التوجيه غير تام و الصحيح حمل العبارة على خلاف ظاهرها أو حملها على سهو القلم.

قوله رحمه اللّه: و منها: ان فسخ الأصيل... [1]

الثمرة بين الكشف و النقل بلحاظ فسخ الأصيل

[1] لا ريب في أن المالك غير الأصيل له حلّ العقد بالرد كما له امضاؤه بالإجازة، و إنما الكلام في الأصيل و ان له أن يفسخ العقد و يرفع اليد عن إلزامه ما لم يجز الطرف الآخر، أو يتصرف بتصرف نتيجته انفساخ العقد، أو ليس له ذلك، أو يفصّل بين القول بالكشف و النقل، فالأقوال ثلاثة:

ذهب المصنف الى التفصيل، و انه على الكشف ليس له ذلك لتمامية العقد و لزومه لشمول العمومات له و ان لم يكن الأصيل عالما به، بل يستصحب عدم تحقق الاجازة فيما بعد، إلاّ انا لمفروض لحقوها واقعا. و أما على النقل فيما أن العقد غير تام بعد و غير مشمول لأدلة اللزوم يكون جائزا و له أن يفسخه، نظير رفع الموجب يده عن التزامه قبل لحوق القبول و إلغائه له، و من قال بجواز الفسخ مطلقا ناقش فيما أفاده قدّس سرّه على الكشف، بأن الفسخ بعدم موضوع الاجازة بحيث يبقى لها مجال و ان كان العقد بحيث لو لحقته الاجازة كان تاما من حين حدوثه.

و المحقق النائيني رحمه اللّه حيث ذهب الى عدم نفوذ فسخه حتى على القول بالنقل ناقش فيما أفاده المصنف على النقل بما بناه على كون مفاد العمومات كقوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هو الحكم التكليفي لا الوضعي، فمعناه لزم انهاء الالتزام تكليفا، فلا ينافي شموله لعقد مع عدم ثبوت الحكم الوضعي له و عدم ترتب الأثر عليه، لأن كلا من الحكمين أجنبي عن الآخر، فيمكن أن يعم العموم عقد الأصيل و التزامه مع عدم ترتب الأثر عليه فعلا و كونه مراعى بلحوق الاجازة.

(و بعبارة اخرى) إن كان المراد بالعقد في الآية معناه الاسم المصدري - أعني

نتيجة العقد و هو حصول المبادلة و الملكية - فلا يمكن أن تعم عقد الأصيل قبل الاجازة، لعدم حصول نتيجته حينئذ، و أما إن كان المراد معناه المصدري - و هو الالتزام - فلا مانع من شموله لالتزام المالك، فيجب عليه الوفاء و لا يجوز له الفسخ، و هذا جار في جميع العقود إلا المنصوصة كالوقف قبل القبض و لا ينتقض ذلك بالايجاب و القبول، فان العقد غير متحقق بمجرد الايجاب قبل لحوق القبول.

و يرد عليه أمران:

(أحدهما) ما سنذكره على القول بالكشف.

(و ثانيهما) راجع الى ما ذكره مع النقل من كون مضمون الآية حكما تكليفيا لا وضعيا، فانه يرد عليه انه بناء على ان يكون الأمر فيها تكليفيا يكون معنى الآية وجوب إنهاء الالتزام و اتمامه، و معناه عدم فسخه فيكون الفسخ حراما، و من الظاهر انه ليس المحرم هو مجرد التلفظ بلفظ فسخت، بل الحرام هو واقع الفسخ الممضى شرعا، فاذا حرم ذلك لزم أن يكون مقدورا للمكلف، بحيث لو عصى النهي و فسخ كان فسخه نافذا شرعا و لازمه جواز البيع من طرفه، فاذا ثبت الجواز نقطع عدم حرمة فسخ العقد الجائز تكليفا فيجوز، فلهذا لا بد و أن يكون الأمر في الآية ارشادا الى لزوم العقد وضعا كما تمسكنا بها للزوم العقود، فلا يعم العقد الذي لم يتم و كأنّ ترتب الأثر عليه مشروطا بشرط غير حاصل.

(و عليه) فيجوز الفسخ في جميع الموارد التي لم يتم العقد بعد كالصرف أو الهبة أو الوقف قبل القبض على القاعدة (و بالجملة) على النقل يجوز للأصيل فسخ المعاملة لأنه تصرف في ملكه، و بعده لا يبقى موضوع للاجازة.

(و ما) أفاده المحقق النائيني من أن وجوب الوفاء بالعقد حكم تكليفي فيكون

انحلاليا فيجب على كل من المتعاملين انهاء التزامه.

ففيه (أولا) ان لازم كون وجوب الوفاء بالعقد حكما تكليفيا جواز العقد، فان الأمر بانهاء الالتزام انما يصح فيما اذا كان المخاطب متمكنا من عدمه، أي من رفع اليد عن التزامه، بحيث اذا خالف الحكم التكليفي و فسخ العقد كان ذلك ممضى منه شرعا، و هذا معنى جواز العقد، فلا مناص من كون وجوب الوفاء بالعقد ارشادا الى ترتيب آثار الملكية، فلا يعم إلاّ العقد التام من حيث الأجزاء و الشرائط الذي يترتب عليه الأثر، و هو الملكية.

(و ثانيا) نفرض كون الخطاب تكليفيا إلاّ انه خطاب الى الملاك، و موضوعه العقد - أعني الارتباط بين التزامي المالكين - و ليس التزام الأصيل مصداقا له على القول بالنقل ما لم تتحقق الاجازة، و بهذا يفرق المقام عن النذر، فله أن يرفع اليد عنه، فينتفي به موضوع الاجازة.

(و أما على الكشف) فتارة يتكلم في فسخ الأصيل، و اخرى في جواز تصرفه فيما انتقل عنه تكليفا، و ثالثة في نفوذ تصرفه فيه وضعا، فالكلام يقع في جهات:

(الاولى) في فسخ الأصيل، و هو نافذ على الكشف لتمامية العقد على الفرض من الطرفين و ان لم يعلم بذلك، فهو مشمول لعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و يدل على عدم نفوذ فسخه أيضا قوله سبحانه إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ فان فسخ الأصيل ليس مصداقا لها، و هكذا الاستصحاب بل جميع الوجه الثمانية التي استدل بها على اللزوم في باب المعاطاة أو أكثرها.

(الجهة الثانية) في جواز تصرفه فيما انتقل عنه تكليفا، ظاهر المصنف هو العدم تمسكا بعموم الآية الشريفة، و لكن الصحيح جوازه، فان حرمة التصرف ليست من

آثار الالتزام بملكية الغير، و انما هي من الآثار المترتبة على ملك الغير شرعا و لم يعلم قبل الاجازة صيرورة العين ملكا لمن انتقل اليه المال، بل المعلوم عدمه و لو بمقتضى الاستصحاب فما أفاده المصنف من حرمة تصرفه حتى مع علمه بعدم لحوق الاجازة لا بد و أن يعدّ من غرائب الكلام.

(فتحصل) مما ذكرنا أنه لا يجوز للأصيل أن يتصرف فيما انتقل عنه على القول بالكشف أيضا اذا علم بعدم لحوق الإجازة أو احتمل ذلك، حتى على القول بكون الاجازة امارة محضة من دون أن يكون لها أي تأثير في تمامية العقد، لأن العقد المؤثر إنما هو الملزوم للاجازة التي هي معرّفة و لم يعلم قبل لحوق الاجازة كون العقد ملزوما لها، بل المفروض عدم كونه كذلك بالعلم الوجداني أو التعبدي بمقتضى استصحاب عدم تحقق الاجازة فيما بعد، و لا ينافي التصرف عموم قوله سبحانه أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و أما بناء على كونه ارشادا الى ترتيب آثار الملكية فواضح، لأن الملكية لم تتحقق إما وجدانا أو تعبدا.

(و على هذا التقريب) يجوز لكل من المتعاملين رفع اليد عن التزامه قبل تمامية شرط حصول الملك، كما في بيع الصرف قبل حصول القبض أو الهبة كذلك، بناء على كونها عقدا متقومة بالقبول. و أما بناء على كون وجوب الوفاء بالعقد حكما مولويا فلأن موضوعه العقد، و هو المبادلة بين مالكين و لا يكون العقد الفضولي كذلك إلاّ بعد لحوق الاجازة المنتفي على الفرض.

(و على هذا التقريب) ليس لأحد المتبايعين في بيع الصرف أن يرفع اليد عن التزامه قبل القبض أيضا، لأن العقد و المبادلة بين المالكين قد تم و انما لم يحصل ما هو شرط حصول الملكية و هو القبض، و هذا بخلاف المقام (نعم) اذا علم الأصيل

بلحوق الاجازة فيما بعد لا يجوز له التصرف فيما انتقل عنه على الكشف لأنه عالم بخروجه عن ملكه، إلاّ ان لازمه جواز تصرفه فيما انتقل اليه للعلم بدخوله في ملكه و بما ذكرناه ظهر الحال في الجهة الثالثة أيضا، فان تصرف الأصيل في الصورتين الأوليين يكون نافذا، فاذا تحققت الاجازة استكشف بها فساد تصرفه.

(ثم لا يخفى) انه لا فرق فيما ذكرناه بين النكاح و بقية المعاملات، فاذا زوجت المرأة نفسها لرجل فضولة لها أن تتزوج بشخص آخر ما لم تتحقق الاجازة فاذا تحققت انكشف فساد العقد الثاني، فما حكاه المصنف عن جملة من المحققين من لزوم ترتب آثار المصاهرة من طرف الأصيل قبل لحوق الاجازة، فاذا تزوج أحد بالرابعة لا يجوز له النكاح على الخامسة قبل الاجازة، و لا يجوز له النكاح على اختها أو امها الى غير ذلك إن كان لخصوصية في النكاح فلا يمكن المساعدة عليه و ان كان من جهة الاختلاف في المبنى فهو صحيح إلاّ أن المبنى غير تام - كما عرفت.

(هذا) و ربما يتمسك لنفي اعتبار استصحاب عدم لحوق الاجازة بما ورد في تزويج الصغيرين و موت أحدهما من انه يعزل حصة الباقي منهما من الارث الى أن يكبر فيستحلف على الاجازة، فان هذه الرواية و ان لم تكن مما نحن فيه لعدم وقوع بيع فضولي على المال لا في حياة المورث و لا بعد موته، إلاّ أن الشك في انتقال تمام المال الى الورثة الموجودين حال موت المورث و عدمه سبب عن الشك في لحوق الاجازة و عدمه، فالشك سببي و مسببي، فمن هذه الجهة يكون مورد الرواية مشتركا مع ما نحن فيه، و قد ألغى الامام عليه السّلام اعتبار هذا الاستصحاب.

(و الجواب) عنه ظاهر، فان سقوط الاستصحاب عن الاعتبار في مورد خاص

لمصلحة لا يكون دليلا على سقوطه في جميع الموارد، كما الغي الاستصحاب أيضا في مسألة ارث الحمل، فانه ورد في الحديث عزل نصيب ذكرين، مع ان الأصل عدم تولد الحمل فيما بعد لاحتمال عروض موت له أو لامه، و الأصل عدم كون المولود ذكرا بناء على جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية.

(ثم ان المصنف) قدّس سرّه تعرض لمسألة النذر على نحو الاجمال، فنقول تبعا له: ان الكلام فيه في مقامين:

(الأول) في الحكم التكليفي، و تفصيله: أن النذر قد يكون منجزا غير معلق على شيء، و في مثله لا ينبغي الريب في عدم جواز تصرف الناذر فيما تعلق به النذر، أما في نذر النتيجة فواضح لخروجه عن ملكه بمجرد النذر، و أما في نذر الفعل فلان جواز التصرف المنافي للنذر ينافي وجوب الوفاء بالنذر، و أما ان كان النذر معلقا على شيء فتارة يكون الالتزام فعليا و ظرف متعلقه فيما بعد نظير الواجب المعلق، و اخرى لا يكون الالتزام فعليا بل يكون مشروطا بتحقق أمر في المستقبل كالواجب المشروط. و على التقديرين اذا علم الناذر بتحقق المعلق عليه في ظرفه لا يجوز له التصرف المنافي للنذر، أما لو كان الالتزام فعليا فلكونه منافيا لوجب الوفاء به، و أما في المشروط فلما ذكرناه في المعذرات المفوتة من عدم جواز تفويت الملاك الملزم في ظرفه المعلوم.

و أما اذا علم بعدم تحقق ما علق عليه النذر أو احتمل ذلك و استصحب عدمه فان كان من قصده الالتزام بابقاء العين أيضا الى زمان يقطع فيه بعدم حصول المعلق عليه، كما أن ابقاء العين بشرط ضمني في البيع الخياري المشروط برد مثل الثمن، و قد التزموا فيه بذلك، و لذا إذا أراد المشتري أن يبيع العين قبل انتهاء المدة يمنعه

البائع عن ذلك و يقول له: لابد لك أن تصبر الى تمام المدة و لعلي آتيك بتمام الثمن و آخذ داري مثلا، فان كان النذر أيضا التزاما بابقاء العين ليس للناذر التصرف فيها بما ينافي ابقاؤه، و الا فيجوز له التصرف تكليفا.

(و أما المقام الثاني) - أعني جواز تصرف الناذر في العين المنذورة وضعا - ففي الموارد التي يجوز فيها التصرف تكليفا - و هي ما اذا كان النذر معلقا على أمر غير معلوم التحقق بناء على عدم تعلق النذر بابقاء العين - فلا ينبغي الريب في جواز التصرف وضعا أيضا بمقتضى العمومات، و انما الكلام في الموارد التي يحرم فيها التصرف وضعا، كما اذا كان النذر منجزا أو معلقا على أمر مقطوع الحصول أو كان النذر متعلقا بالابقاء أيضا، فنقول:

اذا كان النذر بنحو نذر النتيجة و كان منجزا لا يجوز التصرف في العين وضعا لأنه تصرف في ملك الغير فلا ينفذ، و أما اذا كان من قبيل نذر الفعل بحيث لم يكن في البين إلاّ وجوب الوفاء تكليفا فمقتضى عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ صحة التصرف وضعا و ان كان حراما تكليفا، و لا بد في المنع من اقامة دليل مخصص للعمومات، و ما توهم كونه مخصصا لها وجهان:

(أحدهما) ان ما تعلق به النذر ليس ملكا طلقا، و انما هو متعلق حق المنذور له و يعتبر في المبيع أن يكون ملكا طلقا.

(و فيه) منع الصغرى و الكبرى: أما الصغرى فلأن العين المنذورة لا تصير متعلق حق المنذور له و لا الجهة المنذور لها، و وجوب الوفاء بالنذر حكم لاحق للمنذور له، و لذا لا يكون قابلا للاسقاط. و هذا هو الفرق بين الحق و الحكم على ما بيناه في أول بحث البيع، فالعين بعد النذر أيضا يكون ملكا طلقا للمالك. و أما الكبرى

فنفرض تعلق حق الجهة أو المنذور له بالعين، إلاّ انه ليس في البين اطلاق أو عموم دال على اعتبار كون المبيع ملكا طلقا، و انما هو كلام الفقهاء و هو مأخوذ مما ورد من المنع عن بيع ما تعلق به حق الغير في الموارد الخاصة كبيع الوقف و العين المرهونة و ام الولد، و لا يمكن التعدي عنها الى غير الموارد المنصوصة و تخصيص العمومات بلا موجب.

(ثانيهما) ما ذكره الميرزا رحمه اللّه من أن الأمر بصرف العين في الجهة المنذور لها يقتضي المنع عن صرفها فيما ينافي صرفها في تلك الجهة، و من القضايا المشهورة أن الممنوع شرعا كالممتنع عقلا، و كان قدّس سرّه يعبر عنه في مجلس بحثه بأنها غير مقدور التسليم شرعا، و اعتبار القدرة على التسليم في صحة البيع واضح.

(و فيه) ان المعتبر في البيع انما هو القدرة على التسليم خارجا لا جواز التسليم تكليفا، و من الظاهر أن البائع فيما نحن فيه قادر على تسليم المبيع تكوينا و انما يحرم ذلك عليه تكليفا من باب التضاد، و منافاته مع ما هو مأمور به من صرف العين في تلك الجهة المنذور لها العين، و هذا النهي لا يكون ارشادا الى الفساد لعدم تعلقه بعنوان المعاملة.

و من هنا قلنا في بحث «ان الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده» ان النهي الناشئ عن التضاد اذا كان متعلقا بالمعاملة لا يدل على فسادها، و مجرد الحرمة التكليفية لا ينافي صحة المعاملة وضعا، كما اذا حلف أن لا يبيع الشيء المعين فباعه فان البيع صحيح وضعا و ان كان حراما تكليفا لكونه حنثا موجبا للكفارة.

(هذا) كله اذا كان التصرف منافيا لصرف العين في الجهة الخاصة، و أما اذا لم يكن منافيا لذلك - كما اذا كان الناذر متمكنا من العمل بنذره بعد بيع العين المنذورة أيضا

قوله رحمه اللّه: ثم إنّ بعض المتأخرين... [1]

بشرائها من المشتري أو استيمانها أو بوجه آخر - فلا يكون تصرفه حراما تكليفا أيضا. هذا تمام الكلام في النذر.

ما عدّه بعض المتأخرين من ثمرات الكشف و النقل

[1] منهم الشيخ الكبير كاشف الغطاء رحمه اللّه، فانه جعل من جملة ثمرات القول بالكشف و النقل ما اذا مات أحد المالكين - و نفرضه الأصيل - قبل تحقق الاجازة و سقط بذلك عن قابلية التملك فانه على الكشف يكون البيع صحيحا، لأن الاجازة تكشف عن حصول المبادلة في ظرف قابلية الأصيل للتملك، و يبطل على النقل لسقوط المالك الأصيل عن قابلية التمليك و التملك في زمان تحقق المبادلة و هو ظرف لحوق الاجازة.

(و أورد عليه) في الجواهر بما حاصله: ان البيع فاسد على القول بالكشف أيضا، لأنه يعتبر في صحة عقد الفضولي بقاء المالك على قابلية التملك من حين العقد الى زمان لحوق الاجازة لتكشف الاجازة عن الملكية المستمرة من حين العقد الى زمان الاجازة على ما هو ظاهر الأدلة.

و أورد عليه المصنف بالنقض و الحل (أما النقض) فبما اذا وقعت بيوع متعددة على مال المجيز فانهم صرحوا بصحة جميع البيوع باجازة البيع الفضولي، مع انه على الكشف ليس مالكا حين الاجازة لخروجه عن ملكه بالبيوع المتأخرة (و أما الحل) فادعى ظهور بعض الأخبار و صريح الآخر في عدم اعتبار حياة المتعاقدين حال الاجازة. و الظاهر أن نظره من الأخبار الى ما ورد في الاتجار بمال اليتيم و ان الربح و الخسارة على المتجر، و ما ورد في المضاربة فيما اذا خالف العامل لعقد

المضاربة من ان النفع يكون للمالك و الخسارة على العامل، فان اطلاقهما يقتضي عدم الفرق بين بقاء اليتيم أو المالك الى زمان ظهور الربح و موته، و أن مراده من الخبر الصريح ما ورد في العبد المأذون و ان العبد يرد رقا لمن أقام البينة على انه اشترى بماله، فان الورثة اذا أقاموا البينة على ذلك يرد العبد رقا لهم مع أن الأصيل قد مات على الفرض - فتأمل.

و نقول: لا يتم شيء مما ذكره من النقض و الحل:

(أما الحل) فلما ذكرنا فيما سبق من أن هذه الأخبار أجنبية عن الفضولي رأسا، و قد ذكرها المصنف بعنوان التأييد.

(و أما النقض) فصدوره منه غريب، لأن محل الكلام سقوط المالك عن قابلية التملك قبل الاجازة في نفسه بالموت، و في مورد النقض انما يسقط المالك عن القابلية بنفس الاجازة، ففي الحقيقة يتلقى المشتري الملك من المجيز و يتلقى المشتري الثاني الملك من المشتري الأول و هكذا، و هذا مما لا اشكال في صحته.

(فالذي ينبغي أن يقال) ان البيع صحيح في فرض موت المالك على الكشف و النقل، لأنه ان قلنا بأن البيع الفضولي على خلاف القاعدة و انما ثبت صحته بدليل خاص كرواية محمد بن قيس و حكاية عروة أمكن القول بفساد البيع بموت أحد المالكين قبل الاجازة، من غير فرق بين الكشف و النقل، فان صريح رواية محمد ابن قيس بقاء المالكين حيا، كما ان المفروض في حكاية عروة حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله، و يبعد احتمال موت بائع الشاة في تلك المدة القصيرة (و على أي حال) لابد من الاقتصار فيهما على القدر المتيقن، فيصح حينئذ دعوى الجواهر من ظهور الأدلة في بقاء المالكين و كشف الاجازة عن الملكية المستمرة الى زمان الاجازة. هذا على

الكشف و أما على النقل فالأمر واضح.

(و أما بناء) على ما بيّناه من صحة العقد الفضولي على القاعدة و ان أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و غيره يعم العقد الفضولي بعد استناده الى المالكين، فلا ينبغي الاشكال في صحة بيع الفضولي. و لو سقط المالك عن قابلية التملك بالموت أما على الكشف فلأن الاجازة تكشف عن تمامية العقد و استناده الى المالك من حين حدوثه، و أما على النقل فلأن المبادلة الواقعة على المالين لا تسقط عن الاعتبار، بل غايته أن تكون المبادلة واقعة على مال ورثة الميت بقاء، فتكون عقدا فضوليا من جهتهم، فتصح بالإجازة.

(و قد عرفت) اجمالا و ستعرف مفصلا انه لا يعتبر في المجيز أن يكون مالكا للعين من حين تحقق العقد (نعم) بناء على اعتباره أشكل الأمر في صحة هذا البيع، و كذا في فرض سقوط أحد المالين عن قابلية الملكية على الكشف و النقل، لعدم كون ورثة الميت ملاكا للعين حين العقد. هذا كله في موت الأصيل.

و ظهر مما ذكرناه الحال في فرض موت المالك الآخر الذي وقع البيع على ماله فضولة و فيما اذا كان البيع فضوليا من الطرفين و ان البيع لا يفسد بالموت في شيء منها.

و من جملة الثمرات

التي جعلها الشيخ الكبير ثمرة للقول بالكشف و النقل ما اذا ارتد المتبايعين، و ظاهر كلامه قدّس سرّه التفصيل في ظهور الثمرة بين المرتد الفطري و الملي، و انه جعل مورد ظهور الثمرة في المرتد الملي خصوص ما اذا كان ما انتقل اليه مصحفا أو عبدا مسلما بخلافه المرتد الفطري فجعله فيه مورد ظهور الثمرة مطلقا، من غير فرق بين

كون ما انتقل اليه مصحفا أو عبدا مسلما أو شيئا آخر، و انه على الكشف يصح البيع، لأن انتقال المبيع اليه كان قبل ارتداده غايته يجبر على البيع في المصحف و العبد المسلم، و لا يصح على النقل لكونه مرتدا في زمان الانتقال، و المرتد الفطري لا يملك أصلا و الملي لا يملك المصحف و العبد المسلم.

(هذا) و نقول: التفصيل مبني على القول بأن المرتد الفطري لا يملك شيئا رأسا حتى ما يحصّله بعد الارتداد بحيازة و نحوها، و لا دليل عليه بل ظاهر الأدلة أن ما يملكه حين ارتداده ينتقل الى ورثته، و عليه فالتفصيل لا وجه له - فتأمل. بل لابد من فرض مورد ظهور الثمرة فيما اذا كان المنقول الى المرتد مصحفا أو عبدا مسلما في المرتد الملي و الفطري.

(ثم) ان ما ذكره الشيخ الكبير يجري في فرض الارتداد كما يجري ما ذكره في الجواهر و كذا ما ذكره المصنف (و التحقيق) انه على الكشف يكون البيع صحيحا على ما عرفت، فيجبر المرتد على بيع المصحف و العبد المسلم، و أما على النقل فان قلنا بأن الكافر لا يملك المصحف و لا العبد المسلم أصلا فيفسد البيع و الا فيصح أيضا، غايته يجبر على البيع كما عرفت.

(و الحاصل) انه في فرض موت أحد المالكين قبل لحوق الاجازة يصح البيع على الكشف و النقل، غايته على النقل يكون البيع فضوليا من طرف الأصيل أيضا اذا كان هو الميت، لكونه واقعا على مال الورثة بقاء بدون اذنهم، فيتوقف نفوذه على اجازتهم. فما جعله الشيخ الكبير ثمرة من صحة البيع على الكشف و فساده على النقل غير تام.

(و أما فرض الارتداد) مع كون ما انتقل اليه عبدا مسلما أو مصحفا فقد عرفت

ظهور الثمرة فيها، فيصح البيع على الكشف لكون ما انتقل اليه المصحف أو العبد المسلم مسلما حين تحقق الانتقال، و يفسد على النقل لكونه كافرا حين تحقق النقل و الانتقال، و لا بد في مورد ظهور الثمرة خصوص المرتد الفطري من فرض الثمن كليا، و أما اذا كان شخصيا فلا يبطل البيع على النقل أيضا، بل يكون البيع بقاء واقعا على مال الورثة كما في الموت، فيكون فضوليا متوقفا على اجازتهم، و هذا بخلاف ما اذا كان الثمن كليا فانه يبطل البيع على النقل لعدم قابلية المرتد لانتقال المصحف أو العبد المسلم اليه. نعم لا يعتبر ذلك في الملي كما هو ظاهر.

(و من) جملة موارد ظهور الثمرة: ما اذا تخلل سقوط أحد المالين عن الملكية فيما بين العقد و الاجازة بتلف أو ما هو بحكم التلف كانقلاب الخل خمرا، فان البيع حينئذ صحيح على الكشف و فاسد على النقل، لأن البيع لا يقع على المعدوم.

و تفصيل الكلام في ذلك يقع في موردين:

أحدهما ظهور الثمرة فيه و عدمه.

ثانيهما في جريان كلام الجواهر من دعوى اعتبار استمرار بقاء الملكية الى زمان الاجازة حتى على الكشف و عدمه:

(أما المورد الأول) فربما أورد على الشيخ الكبير - و من الموردين الميرزا قدّس سرّه - بأن تلف المال في بيع الفضولي يكون قبل القبض و هو من مال بائعه كما في النص، و ليس المراد به ثبوت ضمانه على البائع بل المراد به انفساخ البيع قهرا بتلف أحد العوضين قبل القبض، فيفسد به البيع على الكشف و النقل.

(و فيه) انه يمكن توجيه كون التلف بعد القبض من وجهين:

(أحدهما) ان يفرض كون المال تحت يد من انتقل اليه قبل العقد باذن المالك من

جهة اجازة أو أمانة أو غير ذلك فباعه اياه أحد فضوله فتلف قبل الاجازة فيكون التلف بعد القبض باذن المالك و ان لم يكن بعنوان انه مالك، اذ لا يعتبر في القبض ذلك، فلا يعمه «كل مبيع تلف قبل القبض» - الحديث.

(ثانيهما) ان يفرض البائع الفضولي مأذونا من المالك في اقباض أمواله الى أي شخص أراد و ان لم يكن مأذونا في البيع فباع و اقبض ثم تلف قبل اجازة المالك فانه أيضا يكون بعد القبض الصحيح المستند الى المالك، فاذا يمكن في الفضولي فرض تلف أحد العينين بعد القبض الصحيح، فتظهر فيه الثمرة على ما تقدم.

(ثم) ان المصنف جعل من جملة أمثلة هذا الفرض - أعني سقوط أحد المالين عن الملكية - ما اذا تنجس المبيع المائع.

(و فيه) ما لا يخفى، فان تنجسه غير موجب لزوال ملكيته بل هو بعد التنجس مملوك و لمالكه التصرف فيه بما لا يعتبر فيه الطهارة من الطلي و الاستصباح و نحو ذلك، غايته لا يجوز بيعه على كلام تقدم في المكاسب المحرمة، فعليه كان الأولى أن يجعله المصنف مثالا لما اذا فقد بعض شرائط صحة البيع قبل لحوق الاجازة، و أما المثال لما نحن فيه كما ذكرنا ما اذا انقلب الخل خمرا قبل الاجازة. هذا كله في المورد الأول.

(و أما المورد الثاني) - و هو التعرض لما ذكره صاحب الجواهر - فقد عرفت ما أوردناه عليه من انه تام بناء على كون صحة العقد الفضولي على خلاف القاعدة بالنص الخاص، و أما على المختار من شمول العمومات له فمقتضى اطلاقها عدم اعتبار شيء من ذلك. و أما المصنف فقد أورد عليه بوجوه:

(أحدها) ان عدم اعتبار ذلك مما هو صريح بعض الأخبار و ظاهر البعض الآخر،

و نقول: أما الأخبار الظاهرة فلعلّه أراد بها ما ورد في الاتجار بمال اليتيم و في المضاربة على خلاف مقتضى عقدها من ان الربح لليتيم أو المالك و الخسارة على العامل، فان الامام لم يستفصل فيها بين ما اذا كان طرف المعاملات الواقعة على مال اليتيم أو غيره حيا أو ميتا، فهي مطلقة.

(و فيه) ان هذه الأخبار أجنبية عن بيع الفضولي. و أما الخبر الصريح فلم نعرفه، و ان كان نظره الى رواية ابن أشيم حيث فرض فيها موت الدافع.

(ففيه) ان الدافع و كل العبد المأذون في الشراء فلم يكن فضوليا.

(ثانيها) ما تمسك به على عدم اعتبار ذلك من الخبر الوارد في تزويج الصغيرين بدعوى ان الزوجين في النكاح ركن كالعوضين في البيع، فكما لا يخل تلف أحد الزوجين بصحة النكاح لا يضر تلف أحد المالين بصحة البيع.

(و هو غريب منه) أما أولا - فلأن لازم ذلك صحة البيع و لو كان التلف قبل القبض، لعدم تحقق قبض و اقباض في مورد خبر الزوجين، بل لا معنى فيهما للقبض.

(و ثانيا) نفرض ان العوضين في البيع بمنزلة الزوجين في النكاح، إلاّ ان التعدي عن النكاح الى البيع لماذا؟ مع انه ليس في الخبر عموم علة، ظاهر المصنف انه بالفحوى و الأولوية و من الواضح عدم ثبوت أولوية في مورد الخبر، و ذلك لأنا و ان سلمنا أولوية بيع الفضولي بالصحة من النكاح الفضولي إلاّ ان ذلك انما هو في النكاح المستلزم للوطي و يكون منه الولد، فلا محالة يكون أهم من البيع، و أما النكاح في مورد الخبر الذي فرض فيه موت أحد الزوجين فلا يترتب عليه وطي و لا ولد سوى انتقال المال بالارث الذي هو ثابت في البيع أيضا، فالأولوية غير

ثابتة فيه، فالتعدي لا بد و أن يكون بالقياس و لا نقول به، فلابد من الاقتصار على مورد الخبر.

(ثالثها) التمسك بحكاية عروة حيث لم يستفصل النبي صلّى اللّه عليه و آله و لم يسأل عن حياة الشاة و موته و لا عن ذبحه، فظهر منه عدم اعتبار بقاء العوضين.

(و فيه) أما الموت فالمطمئن به عدم تحققه في تلك المدة القصيرة، و على فرض عدمه فالاستصحاب جار، و أما الذبح فهو أيضا كذلك، مضافا الى انه لا يسقط الشاة عن الملكية و لا عن المالية.

(و بالجملة) قد عرفت ان البيع الواقع على الثمن الشخصي فضولة لا يفسد بموت المالكين على القولين، بل اذا كان المالك الميت هو الأصيل يكون البيع بقاء واقعا على مال وارثه على النقل فيتوقف على اجازته، و أما الفساد فلا.

(و سره) ان المالك ليس ركنا في البيع و إنما الركن فيه هو العوضان. و أما اذا طرأ ارتداد أحد المالكين ففيما إذا وقع البيع على الثمن الشخصي تظهر الثمرة بين القولين في خصوص المرتد الملي في انتقال المصحف أو العبد المسلم اليه، فان البيع على الكشف صحيح و على النقل فاسد، لعدم قابليته لانتقال العبد أو المصحف اليه (و أما الارتداد الفطري) فحاله حال الموت، فلا يفسد به البيع الواقع على الثمن الشخصي بل يكون البيع بعد الارتداد واقعا على مال وارثه، فيصح باجازته لانتقاله اليه بالارتداد الفطري فهو موت شرعا.

(و أما في الثمن الكلي) فتظهر الثمرة بين الكشف و النقل في الموت، اذ على الكشف يصح البيع و يكون الثمن الثابت في ذمة الميت كبقية ديونه فيخرج من أصل تركته و عوضه ينتقل الى وارثه، و أما على النقل فيفسد لعدم وقوع البيع على الثمن

قوله رحمه اللّه: و كذا لو قارن العقد فقد الشرط... [1]

الشخصي ليقع للورثة و عدم كون الميت قابلا لأن ينتقل اليه المال. و هكذا تظهر الثمرة في الثمن الكلي في الارتداد الفطري، فانه على الكشف يصح البيع فأما أن يخرج الثمن من أمواله و ينتقل الباقي الى ورثته كما في الموت، و أما أن يجبر المرتد نفسه على الأداء بأن يكتسب و يحصل المال و يؤدي دينه بناء على القول بأنه يملك ما يحصّله بعد ارتداده. و على النقل يفسد البيع لعدم قابليته لانتقال المصحف و العبد المسلم اليه، أو لعدم كونه قابلا لتملك المال رأسا على القول به، فلا فرق بين الموت و الارتداد الفطري في الموردين - أي الثمن الشخصي و الكلي الذمي -.

(نعم) بينهما فرق فيما اذا كان الثمن فعلا، فانه في فرض الموت يفسد البيع لأنه من قبيل تلف الثمن قبل القبض، فيدخل تحت قاعدة «كل مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بائعه». و أما في فرض الارتداد يصح البيع و يجبر المرتد على العمل فيما اذا أمكن ذلك و ينتقل عوضه الى وارثه. (نعم) قد يكون العمل مما لا يقدر عليه المرتد كالنيابة في العبادات فيبطل. هذا كله في تفصيل ما تقدم - أي فيما اذا كان العقد واجدا للشرائط و تخلل فقدانه لها قبل لحوق الاجازة - بقي الكلام في العكس.

[1] ظاهر المصنف في هذا الفرض هو بطلان البيع مطلقا و ان ذكر بعد ذلك أن باب المناقشة و ان كان واسعا إلاّ أن الأرجح ما ذكرناه، و لكن الصحيح هو التفصيل بين الشروط، فما كان منها معتبرا في العقد حدوثا كشرائط المتعاقدين - من البلوغ و العقد - يكون فقدانه موجبا للفساد، فاذا كان العاقد صبيا أو مجنونا حين العقد فبلغ أو أفاق قبل الاجازة فسد البيع لا محالة، لأن المحقق كان فاقدا للشرط و بعد تحقق الشرط لم يتحقق عقد آخر، و هكذا الغرر المعتبر عدمه في العقد فاذا فرضنا كون البيع حين حدوثه غرريا ثم ارتفع قبل الاجازة لا يوجب زواله صحة ما وقع فاسدا.

و أما الشروط الاخر مما يعتبر في العوضين فهي على قسمين. فان كان الشرط الفاقد هي المالية العرفية كما اذا كان المبيع هي الثمرة قبل بدو صلاحها ثم بدا صلاحها فيما بينه و بين الاجازة، أو المالية الشرعية كما اذا كان المبيع خمرا فصار خلا قبل الاجازة بحيث كان ما وقع عليه البيع مباينا عرفا أو شرعا مع ما ورد عليه الاجازة فلا اشكال في الفساد أيضا، لأن ما وقع البيع عليه غير قابل للمبادلة و ما هو قابل لها لم يقع عليه البيع.

و أما اذا لم يكن التبدل في المالية بل كان التبدل في صفة أو مانع - بأن كان هناك مانع عن الصحة فارتفع - أو لم يكن المبيع أو الثمن واجدا لصفة معتبرة في صحة البيع فوجدت تلك الصفة، كما اذا فرضنا ان المبيع كان مائعا متنجسا - بناء على مانعية نجاسته عن البيع فطهر بالاتصال بجار أو مطر أو كان المبيع وقفا و لم يكن مجوز لبيعه فوجد أو كان ام ولد فمات ولدها الى غير ذلك مما لا يوجب تباين الأمرين - فالظاهر هو الصحة، لأن البيع واقع على العين الموجودة، و المفروض وجدانها لشرط الصحة حينما يستند البيع الى المالك و يعمه عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فلا مانع من صحته على القول بالنقل.

(و أوضح) من هذا ما اذا كان الفاقد شرطا للمالكين - كاسلام من يشتري المصحف أو العبد المسلم - فاذا كان المشتري لهما حين الشراء كافرا ثم أسلم حين الاجازة لم نر مانعا من الصحة على النقل، بل لا يبعد الصحة في الفرضين حتى على الكشف، فان معنى الكشف ليس حصول المبادلة من حين حدوث البيع، بل حصولها قبل الاجازة في الزمان الذي يمكن تحققها فيه على ما يأتي تفصيله، و هو مختار المصنف أيضا، فلا مانع من الالتزام بصحة البيع في الصورتين من حين تحقق

قوله رحمه اللّه: و ربما يقال بظهور الثمرة... [1]

شرط الصحة و كشف الاجازة عنها.

ظهور الثمرة في الأحكام

[1] قيل ظهورها في الأحكام المتعلقة بملك البائع أو المشتري بنذر أو يمين أو التزام في ضمن عقد لازم أو غير ذلك (و نقول) ان كان الحكم المترتب على ملك البائع أو المشتري موضوعه مجرد الملك و لم يؤخذ فيه أمر آخر - كما اذا نذر المشتري أن يتصدق بكل ما يملكه في هذا الشهر فاشترى شيئا من الفضولي و أجازه المالك في شهر آخر - فلا محالة يظهر فيه الثمرة على القولين، اذ على الكشف يجب عليه التصدق بما اشتراه و على النقل لا يجب ذلك، و أما ان كان موضوعه التملك مع جواز التصرف فيه شرعا - كما في الزكاة فيما اذا اشترى أحد مالا زكويا من فضولي و أجازه المالك بعد حول مثلا - فلا يظهر فيه ثمرة بين القولين من ناحية المشتري، فانه لا يجب عليه الزكاة: أما على النقل فواضح، و أما على الكشف فلأنه و ان كان مالكا للمال من أول الحول إلاّ انه كان ممنوعا من التصرف فيه شرعا بمقتضى الاستصحاب.

(نعم) تظهر الثمرة بالاضافة الى البائع، فانه على الكشف لا يجب عليه اخراج الزكاة كما لم يجب على المشتري أيضا، لأنه لم يكن مالكا على الكشف و على النقل يجب عليه الاخراج لأنه كان مالكا يجوز له التصرف شرعا و كان المال تحت يده خارجا فيجب عليه اخراج زكاته.

ظهور الثمرة في الخيارات

اشارة

(و قيل) أيضا بظهور الثمرة في الخيارات، و نقول: اما خيار الحيوان فتظهر فيه الثمرة بلا اشكال، فان قوله عليه السّلام «صاحب الحيوان المشتري» بالكسر أو الفتح،

المراد من الصاحب فيه هو المالك، و على الكشف يكون المشتري من الفضولي مالكا من حين العقد، فيكون مبدأ خياره من ذاك الزمان، و على النقل لا يكون مالكا للحيوان الا بعد الاجازة، فيكون منه مبدأ خياره.

(و أما خيار الغبن و العيب) فالظاهر عدم ظهور الثمرة فيها بين القولين. و ليعلم أن من له خيار العيب في المقام ليس له المطالبة بالأرش من الطرف، لأنه غير ملتزم بشيء قبل الاجازة، فكيف يطالب بدفع الأرش مع عدم التزامه بالعقد بعد، و انما يكون مخيرا بين أمرين من فسخ البيع و امضائه. و تظهر الثمرة بين الفسخ و الرد في النماءات فان الفسخ رفع و الرد دفع، ففي فرض الفسخ يكون نماء المبيع الى زمان الفسخ للمشتري و نماء الثمن للبائع، و هذا بخلاف فرض الرد كما هو ظاهر.

(و أما خيار المجلس) فالظاهر أن الميزان فيه بمجلس الاجازة لعدم صدق البيع على كل من المتعاقدين إلاّ بعد لحوقها حتى على الكشف و ثبوت الملكية من زمان حدوث العقد، و لا ينافي ذلك عدم صدق عنوان البيع إلاّ بعد لحوق الاجازة فانه نظير ما اذا أنشأ الملكية السابقة بالبيع في غير الفضولي بناء على صحته، فان المنشأ حينئذ يكون هي الملكية السابقة و لا يصدق عنوان البيع و الشراء إلاّ من حين تحقق البيع. و أما ما ذكره الميرزا من عدم تحقق خيار المجلس في البيع الفضولي فلم نفهم له وجها.

(و أما خيار الشفعة) الثابت لكل من الشريكين اذا باع الآخر حصته فتظهر فيه الثمرة بين القولين فيما اذا فرضنا شركة أخوين مثلا في دار فباع فضول حصة أحدهما لشخص ثم باع الأخ الآخر بنفسه حصته من شخص آخر قبل اجازة أخيه للبيع الواقع على حصته ثم أجاز، فعلى الكشف يكون خيار الشفعة للمشتري من

قوله رحمه اللّه: في العقود المترتبة... [1]

قوله رحمه اللّه: و ينبغي التنبيه على امور: الأول... [2]

الفضولي على المشتري من الأصيل، لأنه كان حين شرائه شريكا مع البائع، و على النقل ينعكس الأمر.

[1] سيأتي البحث عنها و ان الاجازة قد تتعلق بالعقد الأول و اخرى بالوسط و الثالثة بالأخير، و حكم كل من ذلك على الكشف و النقل.

تنبيهات المسألة

[2] من التنبيهات التي أفادها في المقام أن النزاع في كون الاجازة ناقلة أو كاشفة ليس في معناها اللغوي أو الانصرافي، و انما هو في الحكم الشرعي المترتب عليها بملاحظة الأدلة، ثم ذكر أن المجيز لو قصد بالاجازة خلاف ما أفتى به الفقيه من الحكم الشرعي المترتب عليها من الكشف أو النقل، ففي صحتها وجهان.

(و نقول) الصحيح هو التفصيل، فانه لو قلنا بالكشف و قصد المجيز الملكية من حين الاجازة فلابد من البطلان، و ذلك لأن عمدة الدليل على الكشف ما ذكرناه من أن البيع الفضولي عقد واجد لجميع الشرائط سوى رضا المالك، فاذا لحقه الرضا يكون مشمولا للعمومات من حين صدوره. و من الظاهر أن المنشأ به انما هي الملكية المطلقة، اذ التقييد مفروض العدم و الاهمال غير معقول، فاذا فرضنا أن الإجازة لم تتعلق بها بل تعلقت بالملكية من حينها، فما تحقق - و هو العقد - لم يلحقه الرضا و ما تعلق به الرضا لم يكن منشأ أصلا ليعمه العمومات فيفسد لا محالة. و يتضح هذا بتصويره في الاجازة الفضولية فيما اذا أجازها المالك من وسط المدة.

(و بالجملة) كان عمدة الدليل على صحة الفضولي على الكشف هو شمول

قوله رحمه اللّه: الثاني انه يشترط في الاجازة... [1]

العمومات للبيع الفضولي المتعقب بالاجازة و رضا المالك الموجب لاستناده اليه، فاذا فرضنا ان المنشأ بالبيع هي الملكية المطلقة و الاجازة تعلقت بالملكية من حينها فلا محالة لا يكون عقد الفضولي ملحوقا باجازة المالك فيفسد، و هذا بخلاف العكس أي اذا قلنا بالنقل و تعلقت الاجازة بالملكية من حين صدور العقد، فان زمان تحقق الملكية المنشأة بالعقد على الفرض يكون مقارنا بزمان الاجازة، فتعلق الاجازة بالملكية قبل ذلك يكون لغوا و لا يوجب الفساد - فتأمل. كما اذا قصد القابل في غير الفضولي الملكية من حين الإيجاب.

[1] استدل على اعتبار اللفظ في الاجازة بوجهين:

(الأول) ان الاجازة تكون كالبيع في كونها موجبة للزوم. و قد أورد عليه المصنف بأنه يشبه المصادرة.

(الثاني) أن ما ثبت بالاستقراء في النواقل الاختيارية اللازمة هو اعتبار اللفظ، و النقل الحقيقي في باب الفضولي لا يكون إلاّ بالاجازة و لا بد فيها من اللفظ.

(و فيه) انه على فرض تسليم ذلك و ان المعاطاة لا تفيد اللزوم لا تقاس الاجازة التي هي من شرائط صحة العقد بنفس العقد الذي به تنشأ الملكية، فاعتبار شيء فيه لا يستلزم اعتباره فيها مع تحقق العقد باللفظ سابقا تام الأجزاء و الشرائط غير فاقد الاستناد الى المالك.

(و من هنا يظهر) انه لو اعتبرنا في العقد اللفظ الصريح لا يوجب ذلك اعتبار الصراحة في الاجازة فالصحيح كفاية كل مبرز عرفي في تحقق الإجازة، سواء كان لفظا صريحا أو كناية أو فعلا، من رفع الرأس أو وضعه أو أكل الخبز المشترى فضولة أو نحو ذلك.

(ثم ان) ماله الموضوعية في باب الاجازة هل هو الرضا المجرد المعبر عنه بطيب النفس و لو استكشف من غير طريقه أو لا بد فيه من مبرز؟ ظاهر المصنف هو الأول، و قد استدل عليه بروايات و بكلمات العلماء:

(من الروايات) ما ورد في أن سكوت البكر رضا منها بالنكاح «و فيه» ان السكوت منها مبرز عرفي للرضا و الا فلم يكن في الانكار و الرد ما يوجب الخجل.

(و منها) ما ورد فيمن زوجت نفسها في حال السكر من انها اذا قامت معه بعد ما أفاقت فذلك رضا منها.

«و فيه» مضافا الى ما ذكر انه أجنبي عن الفضولي الذي هو محل الكلام، اذ استناد العقد في مورده الى من يعتبر استناده اليه تام غاية الأمر اعتبر رضاه لصدوره في غير حال الشعور.

(و منها) ما ورد في سكوت المولى في نكاح العبد و انه لم يعص اللّه و انما عصى سيده و معصيته ترتفع بالرضا.

«و فيه» مضافا الى ما عرفت من كون السكوت مبرزا عرفيا انه أجنبي عن الفضولي كما عرفت.

(و منها) ما ورد فيمن له خيار الحيوان من قوله «أ رأيت أن لامس أو قبل فذلك رضا منه» فحمل الرضا على الفعل المسقط للخيار.

«و فيه» - مضافا الى كون ذلك مبرزا فعليا و لذا حمل الرضا على الفعل و في الظاهر انه مباين معه فالمعنى ان ذلك الفعل رضا عملي منه، أي مبرز للرضا النفساني منه - أن سقوط الخيار لا ربط له بالاجازة.

(و أما) ما تمسك به من كلمات العلماء فمنها ما ذكروه في عدم كفاية السكوت

قوله رحمه اللّه: الثالث: من شروط الاجازة أن لا يسبقها الرد [1]

في الاجازة من انه أعم من الرضا، فيظهر من ذلك أن المعتبر عندهم هو الرضا (و فيه) أن السكوت ليس أعم من الرضا بل هما متباينان، لأن الرضا صفة في النفس و السكوت فعل، فمرادهم من الأعمية الأعمية من حيث الكاشفية، فان الأعم - كما ذكر في المنطق - لا يدل على الأخص، فهذا يؤيد ما ذكرناه من اعتبار المبرز في الاجازة و ان السكوت لا يكفي لعدم كونه مبرزا عرفيا عنه لكونه أعم منه في مقام الكاشفية.

(و منها) ما ذكروه من أن الموكل اذا أنكر ما أوقعه الوكيل من المعاملة فحلف انفسخت لأن الحلف يدل على كراهتها، فيظهر أن الميزان عندهم في الفسخ هو الكراهة.

(و فيه) انه تارة يفرض ذلك في العقد الخياري - أي في مورد ثبت فيه الخيار للموكل كما حمله عليه الميرزا - و اخرى في غيره، أما على الأول فنفس التبري من العقد يكون فسخا، و أما على الثاني فاذا لم يثبت التوكيل لا محالة يكون العقد فضوليا و يكون التبري عنه ردا فعليا.

(ثم) على فرض التنزل ليس قول العلماء و فتاواهم حجة على غيرهم، فالصحيح اعتبار المبرز في الاجازة، غايته كل مبرز عرفي و هو الذي اعتبرناه في الاذن السابق أيضا.

(و تظهر الثمرة) فيما اذا رضي المالك بالبيع ثم أراد الرد فان قلنا بأن مجرد الرضا اجازة ليس له الرد بعد ذلك لأنه رد بعد الاجازة و الا فيجوز رده.

[1] استدل عليه بامور:

(الأول) الاجماع. و يرده: أولا - أن تحقق الاجماع في مسألة أول من تعرض لها

الشهيد قدّس سرّه و ليس في كلام من سبقه منها عين و لا أثر مشكل جدا. و ثانيا - على فرض تحقه ليس اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم و وصوله الينا يدا بيد كما هو ظاهر.

(الثاني) ان العقد انما هو بمعنى الربط بين طرفيه - أعني الالتزامين - فلابد من بقاء كل من الالتزامين حين تحقق الالتزام الآخر ليحصل الارتباط بينهما، فاذا فرضنا ان الموجب مثلا رفع اليد عن التزامه حين تحقق القبول لم يحصل العقد و في المقام يكون المجيز أحد طرفي العقد، فاذا رفع اليد عن التزامه برد العقد الفضولي يسقط ما تحقق من العقد الفضولي عن قابلية الارتباط (و فيه) ان محل الكلام ليس رد الأصيل و رجوعه عن التزامه لينفسخ به العقد و انما الكلام في رجوع المالك المجيز، و المفروض تحقق العقد سابقا بين الفضول و الأصيل و بقاؤه، غايته لم يكن العقد من طرف الفضول مستندا الى المالك و يحصل الاستناد بالاجازة و لو بعد الرد.

و بعبارة اخرى:

(أولا) لا نسلم ذلك في المقيس عليه، فاذا فرضنا ان القابل رد الايجاب و لم يرض به ثم قبل لا نرى به بأسا و لم يدل دليل على مانعيته.

(و ثانيا) على فرض تسليمه في المقيس عليه لا نسلمه في المقام، لأن المفروض فيه تمامية العقد و لم يبق إلاّ الاستناد الى المالك برضاه، فكما لا تضر بالصحة كراهته النفسيّة لا يضر به اظهار عدم القبول أيضا.

(الثالث) انه بعد تحقق العقد الفضولي يوجد في المال شأنية المبادلة و قابلية النقل و الانتقال نظير الوجود الهيولائي، فانه لم يكن قبل العقد قابلا لذلك و بعد تحققه صار قابلا، و هذا حق مالكي فللمالك أن يعدمه بالرد كما له ان يجعلها فعلية

بالاجازة بمقتضى عموم «الناس مسلطون على أموالهم».

(و فيه) منع الصغرى و الكبرى: أما الصغرى فممنوعة نقضا و حلا، أما نقضا فلأن ما يوجد بالعقد الفضولي إن كان حقا مالكيا فكان عدم ثبوته رأسا عند كراهة المالك أولى من القول بثبوته و تسلط المالك على اعدامه. و أما حلا فلأن ما يوجد بالعقد الفضولي ليس إلاّ بعض أجزاء موضوع حكم الشارع بالمبادلة نظير الايجاب الذي هو أحد جزئي العقد الذي هو الموضوع للمبادلة شرعا، فكما لا يوجد بالايجاب حق مالكي في المال كذلك بالعقد الفضولي و انما يوجد بهما جزء الموضوع.

(و أما الكبرى) فلما ذكرناه سابقا من أن النبوي مع ضعف سنده ليس مشرعا و انما مفاده نفي حجر الانسان عن التصرف في ماله كما في الصبي و المجنون، و لذا لم يتمسك به أحد على جواز التصرفات التي يشك فيها.

(و بالجملة) الاستدلال على مانعية الرد عن الاجازة بأنه بالعقد الفضولي يثبت حق للطرف في مال المالك، و يعبر عنه بالقابلية و شأنية الانتقال اليه بالاجازة و للمالك اسقاطه بمقتضى عموم سلطنة الناس على أموالهم.

(يرد عليه أولا) أن النبوي مع الاغماض عن ضعف سنده ليس مشرعا.

(و ثانيا) لو بنينا على مشرعيته و امكان التمسك بعمومه لجواز التصرف في المال مطلقا إلاّ انه لا يثبت بالعقد الفضولي إلاّ جزء موضوع حكم الشارع بالملكية لا أنه يوجد بالعقد شيء في مال المالك يعبر عنه بالقابلية ليكون مقتضى سلطنة الناس على أموالهم جواز اسقاطه، و الا لكان عدم تحققه بدون رضاه هو المتيقن فلابد من القول ببطلان الفضولي (نعم) له أن يتم ما وقع باسناده الى نفسه بالاجازة كما له أن

لا يفعل ذلك، فلا يقاس الرد بالفسخ في باب الخيار فانه حق ثابت لمن له الخيار يتمكن به من حل المبادلة الواقعة كما له امضاءه باسقاط حقه.

(فتحصل) انه لا دليل على اعتبار عدم سبق الرد في نفوذ الاجازة. و يؤكد ما ذكرناه رواية الوليدة، فانا - و ان ذكرنا أن أخذ الولد يمكن أن لا يكون ردا - إلاّ انه مع ذلك لا يخلو عن الاشعار في الرد.

و أما ما ذكره الميرزا رحمه اللّه من قياس الاجازة بعد الرد بالرد بعد الاجازة فقياس مع الفارق، لأن المال بعد الاجازة مستقر في ملك الطرف و يخرج عن ملك المجيز، فالرد يكون تصرفا في مال الغير فلا ينفذ، و هذا بخلاف الاجازة بعد الرد فانه تصرف في ماله كما هو واضح، فعدم نفوذ الثاني لا يستلزم عدم نفوذ الأول - أعني ما نحن فيه -

بقي الكلام في أمرين

(أحدهما) انه لو ثبت للنبوي عموم وقعت المعارضة فيه من حيث شموله لكل من الرد و الاجازة، فانه كما يقتضي حينئذ نفوذ اجازته بعد الرد كذلك يقتضي نفوذ رده السابق، و لا يمكن نفوذ كليهما كما هو ظاهر، فلا محالة يصير مجملا.

(و فيه) أن شموله لهما ليس في عرض واحد - فتأمل. بل هو طولي لأن شموله لكل منهما يوجب زوال موضوع الآخر، فاذا فرض شموله للرد لسبقه مثلا لا يبقى مجال للاجازة و كذا العكس، فلا وجه للاجمال.

(ثانيهما) ان المصنف بعد ما أورده على التمسك بالصحيحة لجواز الاجازة بعد الرد من احتمال عدم كفاية الفعل كأخذ المبيع في الرد ذكر ما حاصله: ان الرّد هنا ليس بأولى من الفسخ في البيع الخياري لأن الرد دفع و الفسخ رفع، فاذا اكتفى في

قوله رحمه اللّه: الرابع: الاجازة أثر... [1]

الثاني بالفعل كما صرحوا به اكتفى به في الأول بطريق أولى. ثم أجاب بأن الفعل الذي يحصل به الفسخ لا بد و أن يكون من لوازم الملك كالوطي أو العتق فيما انتقل عنه لا مثل أخذ المبيع.

(و نقول) الظاهر تحقق الفسخ بأخذ المبيع أيضا، خصوصا اذا انضم به بعض القرائن الحالية أيضا من حدة و نحوها.

(و الصحيح) أن يدفع الاشكال بنحو آخر بأن يقال: ان القول بأن الفسخ رفع و الرد دفع و أولوية تحقق الثاني بالفعل عن الأول، كل ذلك مما لا أساس له و مغالطة ظاهرة، بل يكون تحق الفسخ بأخذ المال في مورد الخيار من جهة المال قد خرج عن ملك من له الخيار، فتصرفه فيه بغير عنوان الفسخ يكون محرما شرعا فمقتضى حمل فعل المسلم على الصحة و انه لا يفعل المحرم أن يكون أخذه و تصرفه بعنوان الفسخ، و هذا بخلاف تصرف المالك في البيع الفضولي، فانه تصرف في ماله و لو لم يكن بعنوان الرد فيكون جائزا، فمن هذه الجهة يكون تصرف من له الخيار فسخا و لا يكون تصرف المالك المجيز ردا.

[1] نفوذ الاجازة ليس إلاّ حكم الشارع بجواز البيع المستفاد من اطلاق قوله تعالى أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌، فهي من آثار سلطنة المالك على ماله فله أن يبيع ماله حدوثا كذلك له أن يسند البيع الواقع على ماله فضولة الى نفسه، فليست الاجازة من الحقوق لينتقل بموت المالك الى وارثه بل نفس المال ينتقل اليهم، فيكون لكل من الورثة اجازة البيع فيما انتقل اليه بناء على عدم اعتبار كون المجيز مالكا حال العقد على ما تقدم و سيجيء بتفصيله في مسألة من باع مال أبيه فبان ميتا، غايته مع ثبوت خيار تبعض الصفقة للطرف الآخر اذا أجاز بعض الورثة ورد الآخر، و من

قوله رحمه اللّه: اجازة البيع ليست اجازة للقبض... [1]

الظاهر جواز تبعض البيع الواحد و صحته بالاضافة الى بعض المبيع و الثمن دون بعض - كما اذا بيع مال الغير فضولة منضما الى ما لا يقبل البيع أصلا فأجاز المالك، فانه يصح فيما هو مقابل للبيع دون غيره - الى غير ذلك.

ثم انه تظهر الثمرة بين الوجهين في موردين:

(أحدهما) فيما اذا وقع الفضولي على ما لا ينتقل الى بعض الورثة كالعقار، فان له اجازة العقد بناء على كونها من الحقوق لانتقاله اليه و ان لم ينتقل اليه المال، و ليس له الاجازة بناء على كونها من الأحكام و عدم انتقالها الى الورثة بل ثبوتها لهم لأجل انتقال المال اليهم.

(ثانيهما) انه وقع الكلام في كيفية انتقال الحقوق - كحق الخيار مثلا - الى الورثة فذهب بعض الى انتقاله الى طبيعي الوارث كالخمس و الزكاة و نحوه، فكل منهم يسبق على إعماله ينفذ منه، و ذهب بعضهم الى انتقاله الى المجموع، فكأنهم مجموعا بمنزلة الميت و لا ينفذ أعماله إلاّ اذا اجتمعوا اليه، و قد اختار المصنف الأول كما ان المختار

هو الثاني، و هناك وجه ثالث ضعيف و هو تقسيط الحق عليهم بحسب حصصهم من المال (و عليه) فان قلنا بكون الاجازة من الحقوق يجري في انتقالها الى الوارث ما نقلناه، و أما بناء على كونها حكما شرعيا ثابتا للمالك فلا ينبغي الريب في ان لكل من الورثة الاجازة و الرد في خصوص ما انتقل اليه من المال.

اجازة البيع ليست اجازة للقبض

[1] ليست اجازة البيع اجازة للقبض و الاقباض إلاّ في موارد يكون اجازة البيع فيها دون اجازة القبض لغوا كما في بيع الصرف و السلم. ثم اذا صرح المجيز باجازة

القبض و الاقباض أو فهم منه ذلك من باب صون كلامه عن اللغوية فهل يكون ذلك نافذا منه بحيث لو تلف المال بعده لم يكن من التلف قبل القبض، أو ان نفوذ الاجازة في الامور التكوينية يحتاج الى دليل و لا يكفي فيه دليل صحة العقد الفضولي‌؟ فصل المصنف في ذلك بين الثمن و المثمن الكلي و الشخصي، فاختار الصحة في الثاني دون الأول، بدعوى أن مرجع اجازة القبض الى اسقاط ضمان الثمن عن عهدة المشتري و هو أمر نافذ، و مرجع اجازة الاقباض الى أن حصول المبيع في يد المشتري باجازة المالك، و لا نريد في القبض إلاّ استيلاء القابض على المالك برضا المالك، و يتحقق ذلك بالاجازة بعد حصول المال تحت يد القابض بأي نحو كان. و أما الكلي فتعينه في الموجود الخارجي و تشخصه فيه بالاجازة المتأخرة يحتاج الى دليل.

(و نقول) أما ما ذكره في الشخصي و ان كان تاما من ناحية الاقباض إلاّ انه لا يتم في قبض الفضولي، فان المال بعد اجازة المالك أيضا غير واصل اليه بل بعد تحت يد الفضول، فاذا تلف يصدق عليه التلف قبل القبض و انه من مال بائعه، فيوجب انفساخ البيع - فتأمل. و اذا فرض استناده الى المالك بالاجازة لم تكن اجازة التعيين في الكلي موجبا لاستناده الى المالك، فلابد من البحث عما يؤثر فيه الاجازة، و هو قابل للاستناد الى المجيز باجازته و تعيينه عن غيره.

(و نقول) الظاهر نفوذ الاجازة اللاحقة فى كل ما ينفذ فيه الاذن السابق، فكما ان الاذن في القبض و الاقباض و تعيين الكلي كاف في صحته كذلك الاجازة المتأخرة، فانه كالتوكيل السابق في كونه موجبا لاستناد العمل الى المجيز، فيصح اجازة القبض و الاقباض مطلقا حتى في الثمن و المثمن الكلي.

(و الحاصل) اجازة العقد غير مستلزم لاجازة القبض إلاّ فيما اذا كان اجازة العقد دون القبض لغوا، كما في بيع الصرف و السلم اذا حصل التقابض بين فضوليين أو الأصيل و الفضولي و تحققت الاجازة بعد تفرقهما.

(ثم) اذا أجاز القبض صريحا أو بالالتزام فهل ينفذ ذلك أو لا؟ فصّل المصنّف في ذلك بين الكلي و الشخصي، و قد ذكرنا انه لا فرق بينهما أصلا فإما نقول بنفوذها مطلقا أو نقول بعدم نفوذها كذلك. و الصحيح هو القول بالنفوذ مطلقا، لأن القبض ليس من قبيل بعض الامور الخارجية كالضرب و الأكل و الشرب و نحوها مما لا يستند الى غير الفاعل المباشر بالاجازة أو الاذن و انما هو نظير الرجوع مما يستند الى غير الفاعل بالاذن و كذا بالاجازة مع قطع النظر عن قيام الاجماع على عدم جريان الفضولية في الايقاعات (و ضابط ذلك) ان كلما يستند الى غير الفاعل بالاذن السابق يستند اليه بالاجازة اللاحقة، و من الظاهر جريان التوكيل و الاذن في القبض، فيجري فيه الاجازة السابقة أيضا. و يشهد لذلك أن ذلك أمر عرفي، و لذا لو اذن الدائن أن يدفع المديون دينه الى أحد فسلمه اياه فتلف ليس له عرفا أن يطالب المديون ثانيا، و هكذا اذا دفعه المديون الى شخص فأجاز الدائن.

(ثم ان ما ذكره) المصنف من كون اجازة العقد اجازة للقبض بالالتزام في مثل بيع الصرف و السلم يرد عليه انه انما يكون كذلك اذا كان المجيز عارفا بالملازمة و ان اجازة البيع من دون اجازة القبض يكون لغوا فيقصد اجازة القبض أيضا. و أما في غير هذا الفرض فلا وجه لكون اجازة البيع اجازة للقبض مع انها أمر قصدي لابد و أن يقصد.

(و من الغريب) ما ذكره قدّس سرّه بعد ذلك من انه اذا أجاز العقد ورد القبض ففي بطلان

قوله رحمه اللّه: الاجازة ليست على الفور... [1]

العقد أو الرد وجهان، اذ لا وجه للحكم ببطلان الرد و اثبات اجازة القبض على رقبته مع تصريحه بالرد أصلا - فتأمل. بل يكون رده للقبض نافذا، فلا يبقى أثر لاجازته العقد لفقدان شرطه و هو القبض في المجلس فيبطل.

(ثم لا يخفى) أن نزاع الكشف و النقل غير جار هنا بل لا بد من الالتزام بالنقل فيه، و ذلك لأن القبض ليس من الامور التعليقية كاجازة البيع ليكون مقتضى نفوذه و شمول العمومات له الحكم بتحقق الملكية و المبادلة السابقة من حين تحقق الاجازة، بل يكون اجازة القبض كقبض المجيز، و هو انما يتحقق من حينه فتأمل.

فاذا فرضنا ان العقد الواقع فضولة كان هي الهبة المشروطة بالقبض يكون حصول الملكية بها من حين اجازة القبض و هذا معنى النقل، و اذا فرضنا اعتبار أزيد من ذلك في صحة العقد - كأن يكون القبض في مجلس البيع بمقتضى قوله عليه السّلام «يدا بيد» - فبما ان مجلس البيع الحقيقي يكون مجلس الاجازة لأنها بيع المالك حقيقة، فاذا أجاز فيه القبض السابق حصل القبض في المجلس لا محالة، و لا يعتبر في الصرف قبض كل من المتبايعين بنفسه من دون واسطة، و هو ظاهر.

ليست الاجازة على الفور

[1] لمّا عرفت من ان اجازة المجيز بيعه، فكما للمالك أن يبيع و أن لا يبيع كما له المسابقة اليه و له تأخيره كذلك في الاجازة، و هذا مقتضى سلطنته على ماله، و هذا ظاهر. إنما الكلام في انه اذا لم يجيز المالك حتى لزم تضرر الأصيل بناء على لزوم العقد من طرفه و عدم جواز تصرفه فيما انتقل عنه و انتقل اليه فهل يتدارك ضرره بالخيار أو اجبار المالك على أحد أمرين أو لا يثبت شيء من ذلك‌؟ قوى المصنف الأول و لكن الثاني هو الصحيح، أما اجباره فلا وجه له لأنه مسلط على ماله و لم

قوله رحمه اللّه: السابع: هل يعتبر في صحة الاجازة مطابقتها؟ [1]

يحدث منه ما يوجب الاجبار و لا دليل عليه، و أما الخيار فبعض العقود غير قابلة له لا بالجعل و لا بغيره كالنكاح إلاّ في موارد خاصة لأسباب مخصوصة، و أما في غيره مما يقبل الخيار فلا يثبت أيضا، لأن الأصيل هو المقدم على الضرر و لا أقل من القصير الغير الموجب للخيار، و لا فرق في الضرر بين قصيره و طويله. و لكن الصحيح عدم لزوم العقد من طرف الأصيل في نفسه كما ذكرناه سابقا، و هذا أيضا أحد مؤكداته.

اعتبار مطابقة الاجازة للعقد

[1] تارة تكون الاجازة مطابقة للعقد و اخرى تكون مخالفة له، و على الثاني تارة يكون اختلافهما بالتباين، و اخرى بالجزئية و الكلية و ثالثة بالاطلاق و التقييد. أما في فرض التباين فلا اشكال في البطلان و هو واضح، كما لا اشكال في الصحة في فرض التطابق، و أما في فرض العموم و الخصوص - أعني الاختلاف بالجزء و الكل كما اذا باع الفضولي مجموع الدار فأجاز المالك بيع النصف - فالظاهر هو الصحة، لانحلال البيع بحسب أجزاء المبيع و الثمن، فكأنه بيع كل جزء بما يقابله من الثمن، ففي أي مقدار حصلت الاجازة صح البيع و فسد في الباقي، فيكون من قبيل بيع ما يملك و ما لا يملك أو بيع المال المشترك بين شخصين فأجاز أحدهما ورد الآخر، غاية الأمر يثبت للطرف الآخر خيار تبعض الصفقة.

(و أما صورة) الاختلاف بالاطلاق و التقييد - كما اذا وقع العقد مشروطا فأجازه المالك بلا شرط - فتارة يكون الشرط فيها للمالك المجيز أو الفضولي على الأصيل و اخرى من الأصيل على المجيز، أما ان كان الشرط للمجيز أو الفضولي على الأصيل فلم يجزه المالك فلا بأس به لرجوعه الى اسقاط ما التزم به الأصيل على

نفسه - فتأمل. كما لو فرضنا ان الفضولي باع شيئا و اشترط في ضمنه على الأصيل خياطة ثوب نفسه أو ثوب المالك فأجاز المالك البيع مجردا عن الشرط. و أما فيما اذا انعكس الأمر - بأن اشتراط في ضمن البيع للأصيل على المالك شيئا كخياطة الثوب مثلا فأجاز المالك البيع المجرد عن الشرط - فذكر المصنف أن الأقوى فيه عدم الجواز، لأن التبعيض في العقد من حيث الأجزاء و ان كان أمرا ممكنا إلاّ أن التبعيض من حيث الشرط غير ممكن، اذ لا يقع بأزائه شيء من الثمن.

(و لكن) الميرزا قدّس سرّه أنكر عليه ذلك و ذهب الى صحة البيع، و ذكر في وجهه ما حاصله: ان الالتزام الشرطي التزام آخر أجنبي عن الالتزام البيعي، فعدم اجازة الشرط لا يستلزم عدم اجازة البيع بل يكون ذلك نظير تعذر الشرط الموجب للخيار.

(و نقول) ما أفاده قدّس سرّه من كون الشرط بالمعنى المصدري لا الاسم المصدري التزام آخر و لا يرجع الى تعليق الالتزام المعاملي و ان كان صحيحا، و الا فان كان الالتزام بالشرط أو الوصف مما علق عليه الالتزام البيعي لزم بطلان البيع أولا؛ لأن التعليق في العقود يوجب البطلان (و ثانيا) ان التخلف حينئذ لا بد و أن يكون موجبا للبطلان لا الخيار، إلا انه لا بد و أن يكون مربوطا بالالتزام البيعي على ما هو ظاهر عنوان الشرط لغة، و الا فان كانا التزامين كل منهما أجنبي عن الآخر، غاية الأمر وجدا مقارنين في الزمان لم يكن وجه لثبوت الخيار عند التخلف، و ذلك واضح.

(و كيفية ارتباطهما) هو أن الالتزام البيعي - أعني اعتبار المبادلة بين المالين - غير معلق على شيء أصلا إلاّ ان التزام الشارط بالوفاء بذاك الالتزام و الاعتبار و اتمامه و عدم رفع اليد عنه مشروط بتحقق الشرط أو الوصف في الخارج و الا فهو

بالخيار و ليس ملتزما باتمام العقد.

(و عليه) فالمنشأ بالعقد المشروط انما هي المبادلة الخاصة - أي المقرونة بالخيار عند تخلف الشرط - على ما هو مقتضى تقييد العقد، فاذا فرضنا تعلق الاجازة بالعقد المطلق الذي لم يقيد بذاك القيد فلا محالة لا يكون العقد الواقع في الخارج متعلقا للاجازة فيفسد، فالمعنى الذي ذكره الميرزا - و ان كان متينا و هو مختار المصنف أيضا - إلاّ أن البناء غير تام، و الصحيح هو البطلان وفاقا للمصنف.

و حاصل الكلام

في اختلاف الاجازة و العقد ان الاختلاف تارة يكون بالتباين كما اذا بيع الدار الصغيرة فضولة و أجاز المالك بيع داره الكبير مثلا و لا اشكال في فساده، و اخرى يكون بالجزء و الكل، و قد ذكر أن الحكم فيه هو الصحة لأن البيع ينحل الى بيوع عديدة بحسب الأجزاء، و ثالثة بالاطلاق و التقييد، بأن وقع البيع مشروطا و أجازه المالك مطلقا بدون شرط، و في هذا الفرض ان كان الشرط على الأصيل فيرجع اجازة البيع على نحو الاطلاق الى تجاوز المالك عن حقه و اسقاطه فتأمل، و هذا لا بأس به. و اذا انعكس الأمر - بأن كان الشرط للأصيل على المالك - و قد ذكرنا أن الظاهر فيه هو البطلان، و ذلك لأن الشروط أو الأوصاف المأخوذة في العقد لا يكون العقد معلقا على شيء منها و الا لزم البطلان بل يكون الالتزام به و اتمامه معلقا عليها، إلاّ أن نفس الالتزام الثاني مقوم للالتزام الأول - أي الالتزام المعاملي - فالالتزام المعاملي يكون على قسمين: تارة يكون مقيدا بأن يكون الالتزام به معلقا على تحقق شرط أو وصف في الخارج و اخرى يقيد بكون الالتزام به على نحو الاطلاق (و لا يبعد) أن يكون مرجع الأول الى تعليق الالتزام البيعي على رضا

الطرف بثبوت الخيار له عند تخلف الوصف أو الشرط، و هذا التعليق غير موجب للبطلان لأنه معلق عليه واقعا - فتأمل.

(و عليه) فاذا فرضنا أن المنشأ بالعقد الفضولي هو القسم الأول و ما تعلق به الاجازة هو القسم الثاني بطل لا محالة إلاّ اذا رضي به الأصيل بعد ذلك فانه يصح كما سيتضح وجهه.

(و لا يقاس) ذلك بتعذر الشرط الموجب للخيار لأن العقد فيه تام، و المفروض فيه ورود الالتزامين على أمر واحد و هو المبادلة الخيارية، غاية الأمر تعذر ايجاد الفعل خارجا إما عقلا و أما شرعا، كما اذا كان الشرط تسليم الخمر اياه مثلا، و هذا لا ربط له بما هو محل الكلام من عدم ورود الالتزامين على مورد واحد فما أفاده المحقق النائيني في غير محله.

(و بما ذكرناه) ظهر دفع ما ربما يتوهم من جريان ما ذكرناه بعينه في فرض الاختلاف بالجزء و الكل بتخيل أن المبيع اذا كان هو المجموع فلا محالة يكون مشروطا بشرط الانضمام و مقيّدا به، فاذا تعلقت الاجازة ببعضه - أي بالخالي عن الانضمام - لم يكن الالتزامان واردين على مورد واحد (و ذلك) لأن المنشأ على الفرض انما هو بيع كل من الأجزاء بالالتزام الخياري عند تخلف الشرط الارتكازي، و هو الانضمام و ما يتعلق به الاجازة أيضا بيع بعض الأجزاء مع ثبوت الخيار، فالالتزام البيعي و الالتزام المتحقق بالاجازة كلاهما وارد على البيع الخياري فلا اختلاف.

هذا كله فيما اذا عقد الفضولي مشروطا و أجاز المالك بلا شرط، و أما اذا انعكس الأمر - بأن عقد الفضولي مجردا عن الشرط و أجاز المالك مع الشرط - فتارة يكون

الشرط على الأصيل للمالك المجيز و اخرى يكون للأصيل على المجيز: أما الصورة الاولى فالمحتملات فيها ثلاثة: البطلان مطلقا، و التفصيل بين ما اذا رضي به الأصيل فيصح و بين ما اذا لم يرض به فيبطل، و الصحة مطلقا، و الظاهر منها هو الوجه الوسط. أما وجه البطلان اذا لم يرض الأصيل بالشرط فقد ظهر مما قدمناه، لأن ما أنشأ بالعقد كان بيعا غير خياري و ما لحق به الاجازة هو البيع الخياري فلم يردا على مورد واحد، و أما وجه الصحة اذا رضي الأصيل بالشرط فهو أن وجوب الوفاء بالشرط و ان كان مختصا بالشروط الضمنية و لا يعم الشروط الابتدائية إما للاجماع و إما لظهور عنوان الشرط في خصوص الالتزام المربوط إلاّ انه لا يعتبر في ذلك ورود الايجاب و القبول على الشرط، بل مقتضى عموم قوله عليه السّلام «المؤمنون عند شروطهم» وجوب الوفاء بالشرط مطلقا، غايته خرج عنه الشروط الابتدائية للاجماع أو لظهور اللفظ، فاذا فرضنا تحقيق الشرط في ضمن القبول فقط و رضي به الموجب لزمه الوفاء به لعدم كونه ابتدائيا، و حينئذ البيع الصادر - و ان كان حدوثا بيعا مجردا عن الشرط - إلاّ انه بعد رضا الموجب يكن بقاء بيعا خياريا فيتحد مورد الايجاب و القبول، و فيما نحن فيه يتحد المنشأ بالعقد الفضولي مع ما تعلق به الاجازة بقاء، و هذا بخلاف ما اذا لم يرض الأصيل بالشرط كما هو ظاهر.

(و أما الصورة الثانية) - أعني ما اذا كان الشرط للأصيل على المجيز - فلا حاجة فيها من اجازة الأصيل للشرط صريحا، بل رضاه بالعقد المجرد عن الشرط بالفحوى و الأولوية يكون رضا بالعقد المشروط بالخيار، فاذا أراد أعمل خياره و اذا أراد أسقطه. و هذا نظير ما ذكرناه في رواية محمد بن قيس من ان اذنه صلّى اللّه عليه و آله بشراء الشاة الواحدة بدينار بالفحوى يكون اذنا بشراء الشاة بنصف دينار. هذا كله فيما

قوله رحمه اللّه: فاستقصائه يتم ببيان امور: الأول يشترط... [1]

قوله رحمه اللّه: الثاني: هل يشترط... [2]

يعتبر في الاجازة و يقع الكلام في المجيز.

اشتراط نفوذ تصرف المجيز حين الاجازة

[1] مما يعتبر في المجيز أن يكون نافذ التصرف حين الاجازة، و هو واضح، لأن المجيز بالاجازة يسند العقد الى نفسه فيعتبر فيه ما يعتبر في نفس المتعاقدين من غير فرق بين القول بالكشف أو النقل: أما على النقل فواضح، و أما على الكشف فلأن الاجازة ممن له أهليتها يكشف عن الملكية السابقة لا الاجازة من غيره.

اشتراط وجود المجيز حين العقد

[2] استدل في محكي القواعد للعلامة على اعتبار وجود المجيز حين صدور العقد بوجهين:

(الأول) انه اذا لم يكن المجيز موجودا حين العقد امتنع صحته، فاذا امتنعت في زمان امتنعت دائما (ثانيهما) لزوم تضرر الأصيل من صحة العقد، لعدم جواز تصرفه فيما انتقل عنه و فيما انتقل اليه، فينتفي بحديث لا ضرر.

(و نقول) تتصور هذه المسألة على وجوه ثلاثة:

(أحدها) أن يراد بالمجيز ذاته، و عدم وجود المجيز بهذا المعنى غير متصور في الماليات على مسلك الامامية لولاية الامام عليه السّلام عليها، بل على مسلك العامة أيضا، لأن الخليفة أو المنصوب من قبله له الولاية عليها (نعم) يتصور ذلك في نكاح الصغير أو الصغيرة بناء على عدم ثبوت الولاية للامام عليه السّلام على ذلك.

(ثانيها) أن يراد بالمجيز عنوان المجيزية، كما اذا فرضنا ان ذات المجيز موجود الا أن الوصول اليه يحتاج الى مرور زمان، أو انه نائم فعلا و لا يمكن ايقاظه إلاّ بعد

يوم مثلا، و هذا يتصور في الماليات في المالك و الولي، بل لا يكون المجيز بهذا المعنى موجودا حال العقد غالبا.

(ثالثها) أن يراد من عدم وجود المجيز وجود المانع عن الاجازة شرعا، كما اذا فرضنا ان مال اليتيم أو داره بيع بنصف قيمته و لم تكن الاجازة ذات مصلحة من وقوع البيع ثم بعد مضي مدة سقط عن المالية لحكم السلطان بتخريبه أو وقوعه في الشارع مثلا، فحدثت المصلحة في اجازة البيع السابق، أما وجود المجيز حين العقد بأحد المعنيين السابقين فاعتباره واضح الفساد لعدم الدليل عليه، بل ما ورد في نكاح الصغيرين بترك الاستفصال فيه يدل على عدم اعتباره، و انما الكلام في اعتبار وجود المجيز بالمعنى الثالث و الظاهر عدم اعتباره أيضا، فان زمان الاجازة هو ظرف استناد البيع أو الشراء الى المجيز لا قبله، فكان المجيز بالاجازة يبيع أو يشتري، فلابد من كونه حين الاجازة واجدا للأهلية لا قبلها.

و يتضح ذلك بفرض الكلام في عكس المسألة، و هو ما اذا كان البيع حين وقوعه مصلحة لليتيم، ثم صار على خلاف المصلحة حين الاجازة لتفاوت القيمة السوقية أو لغير ذلك، فانه لا اشكال حينئذ في عدم جواز الاجازة. فيعلم منه أن المعيار في المصلحة و عدمها بزمان الاجازة لا العقد.

(فتحصل) انه لا يعتبر وجود المجيز حال العقد بجميع معانيه الثلاثة، أي لا يعتبر وجود ذاته و لا تمكنه من الاجازة عقلا و لا تمكنه من الاجازة شرعا، بقي الكلام في الدليلين اللذين اقيما على اعتبار وجود المجيز حين العقد من انه اذا لم يكن المجيز موجودا حال العقد أو لم يكن متمكنا من الاجازة عقلا أو شرعا امتنع صحة العقد، فاذا امتنع في زمان امتنع دائما، و من لزوم الضرر على المشتري لامتناع

قوله رحمه اللّه: الثالث: لا يشترط في المجيز كونه جائز التصرف حال العقد [1]

تصرفه في الثمن و المثمن.

و نقول: أما لزوم الضرر ففيه:

(أولا) انه مبني على لزوم العقد من طرف الأصيل، و قد عرفت أن الصحيح جوازه من طرفه.

(و ثانيا) ينتقض ذلك بما اذا كان المجيز موجودا حال العقد و لكنه لم يجز و لم يرد بحيث لزم منه تضرر المشتري، فما تقولونه هناك نقول به في المقام.

(و أما الامتناع) فلم نفهم مراد العلامة قدّس سرّه منه، فان الشيء اذا امتنع ذاتا في زمان كامتناع اجتماع النقيضين امتنع دائما كما أفاد، و أما اذا امتنع شيء في زمان بالغير - أي لعدم تحقق علته - فلا مانع من وجوبه بعد ذلك لوجود علته. و من الظاهر أن امتناع صحة العقد في المقام ليس امتناعا ذاتيا، و انما هو امتناع بالغير من جهة عدم تحقق العلة، و هي استناد العقد الى من يعتبر استناده اليه لعدم وجود المصلحة أو لغير ذلك، فاذا وجدت المصلحة و تحققت الاجازة و الاستناد وجبت الصحة، فالصحيح عدم اعتبار وجود ذات المجيز و لا تمكنه من الاجازة عقلا و لا شرعا.

اشتراط كون المجيز جائز التصرف حال العقد

اشارة

[1] قد يكون عدم جواز تصرفه حال العقد لعدم المقتضي - أي لعدم كونه مالكا - و اخرى لفقدان الشرط، كما اذا لم يكن المالك حين العقد بالغا أو عاقلا أو رشيدا، و ثالثة لوجود المانع كما اذا كان العين مرهونة حال البيع ثم فكها المالك من الرهن فأجاز البيع أو وجد الشرط في الفرض الثاني أو حصل الملك بناقل قهري أو اختياري في الأول حين الإجازة، فهل يكفي ذلك في صحة العقد أو لا؟ و ظاهر المصنف كون المسائل ثلاث على ما بيّناه إلاّ انه لم يتعرض إلاّ لمسألتين.

(و بالجملة) عدم جواز تصرف المجيز حال العقد قد يكون لعدم المقتضي و قد يكون لوجود المانع، و عدم المقتضي قد يكون من جهة عدم كون المجيز مالكا حال العقد و قد يكون من جهة كونه فاقدا للشرط من بلوغ أو عقل أو رشد و وجود المانع مثل كون المال متعلقا لحق الغير. ثم عدم ملكية المجيز تارة يكون واقعيا كمن باع ثم ملك، و اخرى ظاهريا ثم ينكشف الخلاف كمن باع مال أبيه مع استصحاب حياته ثم بان موته، و ثالثة يكون اعتقاديا كمن اعتقد كون المال لغيره فباعه ثم انكشف الخلاف، فهنا مسائل:

(الاولى) فيما اذا كان المجيز فاقدا للشرط حين البيع بأن كان صبيا أو سفيها أو مجنونا، و الظاهر فيها الحكم بالصحة اذا أجاز الولي أو صار هو الولي على ماله فأجاز، بناء على ما تقدم من عقد الصبي اذا أجاز الولي فيما اذا كان هو المنشئ للبيع لا غيره البائع، و ذلك لأن العقد الواقع - و ان كان حين حدوثه مستندا الى المالك - الا أن هذا الاستناد كان ملغى في نظر الشارع و لم يعتبره لفقدان الشرط، و لم يكن العقد مستندا الى من يعتبر استناده اليه، فلابد من تحقق الاستناد بعد تحقق الشرط، فاذا تحقق الاستناد صح (نعم) لو قلنا بسقوط انشاء الصبي و من بحكمه لم يكن العقد الصادر منه قابلا للصحة، و يدل عليه أو يؤكده الأخبار الواردة في نكاح الصغار.

(الثانية) فيما اذا كان المبيع متعلقا بحق الغير حين العقد، و في هذا الفرض تارة يكون البائع هو المرتهن و اخرى يكون شخصا أجنبيا و ثالثة يكون هو الراهن أما اذا باع المرتهن العين المرهونة فلا اشكال في صحته اذا أجاز المالك لرجوع بيعه الى اسقاط حقه، و هكذا اذا باع الأجنبي فأجاز المالك الراهن و المرتهن معا، فانه أيضا

لا اشكال فيه من الجهة التي تذكر في الصورة الآتية، و انما الكلام فيما اذا كان البائع هو الراهن ثم أدى دينه و فك الرهن فانه ربما يفصل بينه و بين الفرضين السابقين، فيحكم فيه بالبطلان بدعوى أن العقد الواقع من حين حدوثه مستند الى المالك على الفرض، و لذا لا حاجة الى اجازته بعد ذلك، و مع ذلك لم يكن مشمولا للعمومات فلا يقاس بالعقد الفضولي الذي ليس مستندا الى من يعتبر استناده اليه قبل الاجازة و بعد ما استند اليه يعمه العمومات. (و من هنا) فرقوا في النكاح بين ما اذا كان فضوليا غير مستند الى الزوجين و ما كان استناده تاما و كان المانع من جهة تعلق حق الغير، كالنكاح ببنت أخ الزوجة أو اختها، فانه لا يصح إلاّ بالاذن السابق لعين ما تقدم.

(هذا) و لكن الحق هو الصحة و عدم الفرق بين هذه الصورة و الصورتين السابقتين، و ذلك لأنه انما يرفع اليد عن العمومات في موارد تعلق حق الغير كالعين المرهونة أو النكاح ببنت أخ الزوجة أو بنت أختها من جهة ورود الدليل على اعتبار رضى من له الحق، فيكون ذاك الدليل مخصصا زمانيا للعمومات لا افراديا، فما دام لم يتحقق رضاؤه لا تعم العمومات للدليل و بعد حصول رضاه تعمه (و مما يوضح ذلك) ما ورد في نكاح العبد بدون اذن سيده من انه لم يعص اللّه و انما عصى سيده فاذا أجاز جاز، فان استناد النكاح فيه الى الزوج كان محققا من حين حدوثه غاية الأمر اعتبر فيه رضا السيد فلم يكن يعمه العمومات إلاّ بعد لحوقه، فالتفصيل بين الصور لا وجه له.

(و الحاصل) اذا باع الراهن العين المرهونة فأجاز المرتهن فلا اشكال في الصحة و لكنه خارج عن محل الكلام، و أما اذا باعه الراهن و لم يجز المرتهن الى أن فكها

المالك من الرهن فهل يصح البيع بذلك أم لا؟ ربما يتوهم البطلان، بدعوى أن أدلة صحة بيع الفضولي غير شامل للفرض، لأنها ظاهرة في صحة العقد بعد استناده الى المالك، و المفروض في المقام عدم الصحة بعد تمامية الاستناد أيضا لكون العين متعلقا لحق المرتهن، و المفروض عدم تحقق عقد آخر بعد سقوط حقه و لكن الصحيح أن مقتضى العمومات - مع ما دل على اعتبار رضى المرتهن أو كون الملك طلقا - هو الصحة بعد لحوق رضاه أو سقوط حقه، و هذه من صغريات الكبرى المعروفة، و هي ما اذا ورد دليل و دار أمره بين التقييد و التخصيص - كما اذا ورد وجوب اكرام العلماء و علمنا بعدم وجوب اكرام زيد العالم - و دار الأمر بين خروجه مطلقا و خروجه في زمان خاص، و الصحيح هو التقييد للاقتصار على القدر المتيقن.

و فيما نحن فيه أيضا نقتصر في رفع اليد عن العمومات بما اذا لم يسقط حق المرتهن دون ما اذا سقط برضاه أو بأداء دينه.

و هذا واضح و انما الكلام في موردين:

(الأول) في انه هل يحتاج الى اجازة المالك بعد فك الرهن أو لا حاجة اليها؟ الظاهر هو الثاني، و ذلك لأن الاحتياج الى الاجازة انما كان من جهة حصول الاستناد الى المالك، و في الفرض الاستناد اليه موجود تكوينا و شرعا، و انما كان المانع عن الصحة تعلق حق المرتهن بالعين، و قد سقط على الفرض فلا موجب لاجازة المالك.

(الثاني) في أن نزاع الكشف و النقل هل يجري في المقام و هل يحتمل فيه الكشف أم لا؟ الظاهر هو الثاني و تعين القول بالنقل لكن بالمعنى الذي نبينه، و ذلك لأنا انما قلنا بالكشف في بيع الفضولي من جهة أن الاجازة كانت متعلقة بالبيع

قوله رحمه اللّه: أما المسألة الاولى... [1]

السابق و استند بها البيع السابق الى المالك، فكان مقتضى صحته ترتب آثار الملك من حين صدور العقد، و أما فيما نحن فيه فالعقد كان من حين صدوره مستندا الى المالك و انما كان عدم صحته من جهة اعتبار أحد أمرين في صحة البيع: إما كون المال ملكا طلقا، و إما تحقق الرضا ممن له الحق في المال فلا يترتب الأثر عليه إلاّ بعد حصول الشرط و هو سقوط حق المرتهن و صيرورة الملك طلقا للبائع لا قبله نظير القبض في بيع الصرف و السلم، فان الأثر لا يترتب عليه إلاّ بعد حصول القبض لا أن القبض يكشف عن ترتب الأثر عليه من حين صدوره.

(و من هنا) يعلم أن البائع للعين المرهونة لو كان فضوليا - أي غير المالك - فأجاز المالك بعد ما فك العين عن الرهن يترتب عليه آثار المبادلة من حين سقوط حق المرتهن لا قبله، و هذا أيضا نقل بمعنى كما ذكرنا. هذا كله فيما اذا كان عدم جواز تصرف المجيز حين العقد من جهة فقدان الشرط أو وجود المانع.

المسألة الاولى فيما اذا كان عدم جواز تصرفه من جهة عدم المقتضي
اشارة

[1] هذه المسألة فيما اذا كان عدم جواز تصرفه من جهة عدم المقتضي - أي عدم كونه مالكا - و قد جعلها المصنف على أقسام ثلاثة: لأنه تارة لا يكون مالكا حين العقد واقعا فيبيع مال الغير لنفسه مع العلم بأنه ليس له، فيملكه بعد ذلك بسبب اختياري أو قهري، و اخرى يبيع مال الغير لنفسه مع عدم كونه مالكا ظاهرا فينكشف الخلاف، و ثالثة يعتقد أنه مال الغير فيبيعه لمالكه ثم ينكشف خطأه و انه له.

(أما الفرض الأول) ففيه قولان الصحة و البطلان، و قد نسب الصحة الى الشيخ استنادا الى ما ذكره في المال الزكوي قبل اخراج زكاته من صحة البيع في جميع

المال اذا اغترم المال حصة الفقراء فان الفقراء شركاء في المال بأحد معاني الشركة من الشركة في العين أو في المالية أو بنحو الكلي في المعين، فلم يكن البائع مالكا لحصتهم حين البيع ثم يملكها بعد أداء الزكاة من ماله الآخر. و لذا أورد عليه المحقق في المعتبر من ابتناء الصحة فيها على صحة بيع من باع ثم ملك (و لكن الصحيح) عدم ابتنائها على ذلك، فان هذه المسألة منصوصة، و قد ذكر المصنف النص الوارد فيها في كتاب الزكاة(1)كما نقلها المحقق أيضا، و مضمونه أن المشتري في الفرض يؤدي الزكاة ثم يتبع البائع - أي يسترجع منه ما يقابله من الثمن أو يؤدي البائع لنفسه الزكاة - فيصح البيع في الجميع، فمن المحتمل قريبا أن يكون منشأ ذهاب الشيخ الى الصحة التعبد بمقتضى الصحيحة لا القاعدة، فلا وجه لما ذكره المحقق كما لا وجه لما اعترض به المصنف عليه من توجيه ما ذهب اليه الشيخ بحمله على احتمال أن لا يكون مسلك الشيخ في الزكاة شركة الفقراء مع المالك بجميع معانيها و كونه قائلا بتعلق حقهم بالمال، فانه على ما بيناه مع التزامه بالشركة و التزامه بعدم صحة البيع فيمن باع شيئا ثم ملك يمكنه القول بصحة بيع جميع المال البالغ حد النصاب للنص الوارد فيها (و كيف كان) فلا يمكن اسناد القول بصحة البيع فيمن باع شيئا ثم ملك الى أحد بمجرد ذهابه الى صحة بيع المال الزكوي، فلابد من التكلم


1) ذكر في الوسائل 86/6 في الباب 12 من كتاب الزكاة، المطبوع حديثا. ما هذا لفظه: محمد بن يعقوب، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل لم يزك إبله أو شاته عامين فباعها على من اشتراها أن يزكيها لما مضى‌؟ قال: نعم تؤخذ منه زكاتها و يتبع البايع أو يؤدي زكاتها البايع. انتهى.

فيما تقتضيه القاعدة في ذلك.

(و الحاصل) لا ملازمة بين ما نحن فيه - أعني من باع ثم ملك - و بين بيع المال الزكوي، فانه و إن كانت من صغريات هذه الكبرى إلاّ انه مورد للنص الخاص، و لا يرفع اليد عنه بكونه مخالفا للقاعدة مثلا، و لذا قلنا بعدم امكان اسناد القول بالصحة في المقام الى الشيخ لذهابه الى الصحة في بيع المال الزكوي.

(ثم ان المسألة) كما عرفت في نفسها ذات قولين، و سنتعرض الى الحاجة الى الاجازة بعد ما ملك و عدمه، ففرض الكلام فعلا فيما اذا لحقته الاجازة بعد حصول الملك، و لا يثبت في أن مقتضى العمومات هو الصحة كما صرح به المصنف إلاّ أن المحقق التستري ذهب الى البطلان و استدل عليه بوجوه:

الوجوه التى استدل بها المحقق التستري على البطلان فيما اذا لحقته الاجازة بعد حصول الملك

الوجه الأول مما استدل به المحقق التستري على البطلان (منها) ما تقدم في بطلان بيع الغاصب، و ما ذكر هناك امور:

(أحدها) أن الغاصب غير قاصد لحقيقة المبادلة، و انما يقصد تملك مال الغير بخروج مال شخص آخر عن ملكه لأنه ليس طرف الاضافة.

(و قد أجبنا) عنه هناك بوجهين:

«أحدهما» ما ذكره الميرزا من أن الغاصب يرى نفسه مالكا ادعاء، فكأنه يسترق الاضافة من المالك أيضا، نظير المجاز الادعائي الذي يدعيه السكاكي، فيقصد تبديل طرفي الاضافة و ان كانت اضافة العين المغصوبة اليه اضافة ادعائية.

(و هذا الجواب) على تقدير تماميته غير جار في المقام، لأن من يبيع مال غيره ثم يملكه لا يرى نفسه مالكا حتى ادعاء.

(و توهم) كونه طرف الاضافة بالأول و المشارفة واضح الفساد، فانه لا يوجب

تحقق الاضافة فعلا حتى بنحو الادعاء، و لعل المحقق التستري نظر الى هذا الجواب حيث قال على ما حكاه المصنف: «و ربما لا يجري فيه بعض ما ذكر هناك» أي من الجواب عن الاشكال (و لكن) هذا الجواب فاسد في نفسه، اذ لا معنى للادعاء في الأمر الاختياري كما لا معنى لسرقته، و الغاصب إنما يسرق المال لا الاضافة.

«ثانيهما» ما يظهر من كلمات المصنف أيضا و هو أن حقيقة المبادلة ليست متقومة بالمالكين و انما هي متقومة بالمالين، فقصد وقوع البيع للمالك قصد لغو كما أن قصد وقوعه لغيره قصد غلط لا اعتناء به.

(ثانيهما) ان ما ينشأ ببيع الغاصب - و هو بيع العين لنفسه - لا يتعلق به الاجازة، فان المالك انما يجيز البيع لنفسه لا للغاصب، فلا يرد البيع و الاجازة على مورد واحد.

(و هذا) الوجه غير جار في المقام، لأن المفروض أن المجيز يجيز البيع لنفسه بعد ما يملك - و هو المنشأ بالعقد - و هذا هو مراد المصنف بقوله: «و ربما يسلم هنا من بعض الاشكالات الجارية هناك».

(ثالثها) الأخبار الناهية عن بيع ما ليس عندك و انه لا بيع إلاّ في ملك، و قد تعرضنا لمفادها هناك(1)، إلاّ أن المحقق التستري جعلها وجها مستقلا في المقام، و هو الوجه السابع، و نتعرض له هناك تبعا له قدّس سرّه.


1) راجع ص 319.

قوله رحمه اللّه: الثاني: إنّا حيث جوزنا... [1]

الوجه الثاني

[1] هذا هو الوجه الثاني من وجوه المنع، و حاصله: انه يعتبر في البائع امور ثلاثة حين البيع: أن يكون مالكا، و أن يكون راضيا، و أن يكون قادرا على التسليم.

و تحققها في بيع الأصيل ظاهر، و أما اذا كان البائع فضوليا فبما أن البائع الحقيقي هو المالك المجيز يعتبر تحقق هذه الامور الثلاثة فيه حين البيع و الا فيبطل، و أما فيمن باع ثم ملك فليس المجيز واجدا لشيء من هذه الامور حين البيع - انتهى.

و المصنف حلل هذا الوجه الى جهتين: احداهما عدم وجود الرضا بالبيع ممن يعتبر رضاه في البيع. ثانيهما عدم القدرة على التسليم كذلك.

(و أجاب عن الاولى) بأنه لا يستفاد من دليل اعتبار الرضا و هو قوله تعالى: إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ أكثر من اعتبار رضا المالك المجيز حين الاجازة و استناد العقد اليه و صيرورته تجارة له.

(و عن الثانية) بأن القدرة على التسليم حين البيع - و ان كان معتبرا في صحته - إلاّ انها لا بد و أن تكون مفروضة في المقام، لأن الكلام في بيع الفضولي انما هو في فرض استجماعه لسائر الشرائط عدا كون البائع مالكا، فالمناقشة في المقام من حيث فقد بقية الشرائط لا وجه لها.

استدراك

ذكرنا أن مقتضى العمومات فيمن باع شيئا ثم ملك و أجاز هو الصحة، فلو لم يكن مانع في البيع لا بد من الالتزام بها، فلابد من البحث عما احتمل كونه مانعا و هو امور ذكرها التستري:

(الأول) انه غير قاصد لحقيقة البيع و المبادلة كما في بيع الغاصب. و قد أجبنا عنه

في بيع الغاصب بأنه يدعي نفسه مالكا إما عدوانا أو باعتبار العقلاء أو الفساق، فهو يقصد حقيقة المبادلة بين المالين من حيث طرفي الاضافة و يستعمل اللفظ في ذلك حقيقة و يكون المجاز و الادعاء في التطبيق، و هذا هو المجاز الادعائي الذي قال به السكاكي (و هذا) الوجه غير جار فيما نحن فيه، فالصحيح أن يقال: ان من باع شيئا ثم ملك إما ان يقصد المبادلة بين المالين بعد انتقال المبيع اليه - بأن يكون الانشاء فعليا و المنشأ أمرا استقباليا كما في الوصية - و حينئذ يكون قاصدا لحقيقة البيع، إلاّ ان الاشكال فيه انما هو من جهة التعليق المجمع على بطلانه - أعني التعليق على ما لا يكون البيع معلقا عليه في نفسه فتأمل - و إما يقصد المبادلة الفعلية، و حينئذ لا يكون قاصدا لحقيقة البيع الذي هو عبارة عن تبديل طرفي الاضافة كما ذكر المحقق التستري، و لا يجري فيه ما ذكر في بيع الغاصب، لأن البائع لا يرى نفسه مالكا و طرفا للاضافة حتى ادعاء فكأنه ينشأ هبتين مجانيتين لا المبادلة بين المالين، فلا يصح و لو أجاز المالك أيضا لعدم تحقق البيع ليلحق به الاجازة.

(و بالجملة) البيع و ان لم يكن متقوما بالمالكين بل هو متقوم بالمالين - كما ذكرنا - إلاّ انه عبارة عن المبادلة بين المالين في جهة الاضافة، فلابد من قصدها عند الانشاء، فاذا باع غير المالك مال غيره لنفسه فان كان يرى نفسه طرفا للاضافة إما عدوانا كما في الغاصب و إما من جهة الخطأ و اعتقاد أنه ملك له، كما قد يتيقن ذلك في المال المودع عند شخص كان قاصدا لحقيقة البيع، غاية الأمر كان مخطئا في تطبيقه، فيصح اذا أجاز المالك (و أما) إن لم يكن بانيا على انه طرف للاضافة و مع ذلك باع الشيء لنفسه و قصد خروج المال عن ملك شخص و دخول عوضه في كيسه فهو غير قاصد للبيع أصلا، و لا يكون قابلا للصحة لا باجازة المالك الأصلي

و لا باجازة نفسه بعد ما يملك.

(هذا كله) استدراك للوجه الأول، فنرجع الى ما كنا فيه من الوجه الثاني، و قد ذكرنا أن المصنف جعله منحلا الى وجهين:

أحدهما: اعتبار رضا المالك حين البيع، و الثاني: اعتبار قدرة البائع على التسليم.

(و أجاب عن الأول) بأن المستفاد من أدلة اعتبار الرضا ليس إلاّ اعتباره من المالك المجيز حين الاجازة و استناد العقد اليه (و عن الثاني) بأن القدرة على التسليم و إن كانت معتبرة حين البيع إلاّ انه لا بد و أن يقدر مفروض الوجود في المقام، فان الكلام في صحة الفضولي إنما هو في فرض استجماع العقد لجميع الشروط عدا رضا المالك، فكأنه قدّس سرّه التزم بالبطلان في المقام اذا لم يكن المالك قادرا على التسليم من حين البيع.

(و نقول) لا وجه لهذا الالتزام، و ذلك لأنه لم يرد دليل خاص على اعتبار القدرة على التسليم بعنوانها، بل دليل اعتبارها منحصر بالاجماع و الغرر (أما الاجماع) فلابد من الاقتصار فيه على المتيقن، و هو اعتبار القدرة على التسليم حين تحقق حقيقة البيع، و استناده الى المالك و هو زمان الاجازة لا من حين الانشاء (و أما النهي عن الغرر) فموضوعه الخطر و لا خطر من عدم قدرة المالك على التسليم قبل تحقق الاجازة، و إنما يلزم الخطر منها بعد تحقق حقيقة البيع - فلابد من ثبوت القدرة على التسليم من حين الاجازة لا حين العقد - (و بالجملة) المنهي عنه هو البيع الغرري لا العقد الغرري، فاذا لم يكن في البين غرر حين الاجازة لا مانع من الصحة.

(ثم لا يخفى) أن ما هو شرط صحة البيع هو القدرة على التسليم، و أما التسليم

قوله رحمه اللّه: الثالث: ان الاجازة حيث صحت كاشفة... [1]

الخارجي فهو شرط ارتكازي في ضمن البيع، و تخلفه يوجب الخيار لا البطلان.

الوجه الثالث

[1] حاصله ان مقتضى العمومات هو أن الاجازة كاشفة عن تحقق المبادلة من حين صدور العقد، فاذا فرضنا صحة البيع في المقام لا محالة تكون الاجازة كاشفة عن دخول المال في ملك المشتري من حين صدور العقد، و في ذاك الوقت لم يكن داخلا في ملك المجيز ليخرج عنه الى المالك المشتري، فيكون الخروج قبل الدخول، و من الظاهر توقفه عليه.

(و أجاب عنه) المصنف بأن الاشكال مبني على أن تكون الاجازة كاشفة عن الملك من حين العقد، و ليس كذلك بل المراد بالكشف كشفها عن الملك من حين القابلية، ففيما نحن فيه تكون الاجازة كاشفة عن ثبوت الملك من حين انتقال المال الى المجيز، ثم ذكر في طي كلامه أن المقتضي للصحة في المقام موجود - و هي العمومات - و لا مانع عن الصحة سوى رضا المالك المجيز، فاذا تحقق رضاه يكشف ذلك عن ثبوت الملكية من أول أزمنة القابلية و لا يلزم من الالتزام بالكشف بهذا المعنى محال عقلي و لا شرعي (ثم ذكر) ان المقام لا يقاس بما اذا خصص المالك المجيز الاجازة بزمان متأخر عن العقد بأن أجازه من حين الاجازة، فان البطلان هناك كما لا يستلزم الفساد في المقام لأن العقد هناك قابل لترتيب الأثر عليه من حينه بخلاف ما نحن فيه الذي لا قابلية لحصول الملك إلاّ في زمان متأخر عن البيع - انتهى.

(و أورد) المحقق النائيني على ما ذكره من عدم المانع عن الصحة بما حاصله ان المانع عنها موجود، و هو بيع المالك، فانه رد للبيع الأول. و بعبارة اخرى: يعتبر في

قابلية العقد للحوق الاجازة به أن لا يفصل بينه و بين الاجازة ما يسقطه، و في المقام بيع المالك الأول يكون ردا للبيع، فلا موضوع لاجازة البائع بعد ما ملك و قد مر أن المالك كما له إجازة العقد الواقع على ملكه له رده و اسقاط الأمر الاعتباري الذي وجد في ماله.

و فيه: (أولا) لو سلمنا أن للمالك رد البيع الواقع على ماله و اسقاطه لأنه من شؤون سلطنة الناس على أموالهم إلاّ ان موضوع قوله عليه السّلام «الناس مسلّطون على أموالهم» هو مال شخص الانسان لا مال غيره، فليس للمالك الأصلي إسقاط العقد الواقع على مال غيره بقاء كما في المقام.

(و ثانيا) ان هذا إنما يجري فيما اذا ملك البائع ما باعه في الشراء و لا يجري فيما اذا ملكه بالارث.

(و من الغريب) ما ذكره المحقق المذكور بعد ذلك من أن تأثير الاجازة في حصول الملك لا من حين العقد يحتاج الى دليل، و انه لا يقاس مسألتنا على مسألة الارث، لأنه لو أجاز الوارث العقد الواقع على ملك مورثه تؤثر اجازته على الكشف من حين العقد و لا يمكن الالتزام به في المقام - انتهى.

و أما ما ذكره المصنف من التفرقة بين المقام و بينما اذا خصص المالك المجيز الاجازة بزمان متأخر عن العقد فغير تام، لجريان وجه البطلان هناك في المقام، اذ الوجه فيه ليس إلاّ أن المنشأ بالعقد إنما هي الملكية المطلقة من حين العقد، فاذا تعلقت الاجازة بالملكية المتأخرة عنه لم تتعلق الاجازة بما وقع، فما وقع لم يجز و ما اجيز لم يقع، و في المقام أيضا يجري هذا الوجه، لأنه اذا سئل المشتري من أيّ زمان اشتريت‌؟ أجاب بأني اشتريت من حين العقد، و المفروض عدم تعلق الاجازة

قوله رحمه اللّه: الرابع: إنّ العقد الأول... [1]

بالملكية من حين الشراء و لو كان ذلك لمانع شرعي، فلو قلنا بالبطلان هناك لابد من القول به في المقام أيضا.

الوجه الرابع

[1] حاصله ان صحة هذا العقد على الكشف يستلزم كون المال ملكا لشخصين في زمان العقد: أحدهما المشتري، و الآخر المالك الأصلي، و هو مستحيل (و بعبارة اخرى) يلزم من مالكية المشتري عدم كونه مالكا، و ذلك لأن المشتري انما يتلقى الملك من المجيز، و هو يتلقاه من المالك الأصلي، فملكية المشتري متوقفة على مالكية الأصيل - أي المالك الأول - مع ان مالكيته بنفي مالكية المالك الأصلي - فيلزم من مالكية المشتري عدم مالكيته، و هو محال.

(و الجواب عنه) ان لزوم ذلك مبني على كاشفية الاجازة عن الملكية من حين العقد، و قد عرفت فسادها، و انما تكشف الاجازة عن الملكية من حين القابلية - و هو زمان انتقال المال الى المجيز - (الا انه يبقى اشكال عام) في جميع موارد الفضولي على الكشف، و هو لزوم اجتماع مالكين على مال واحد في زمان البيع و هو المالك الأصيل و من انتقل اليه المال، و في المقام يلزم ذلك من حين انتقال المال الى المجيز.

(و حاصل الاشكال الرابع) هو أن المفروض أن المال الواحد وقع عليه عقدان، و صحة الأول منهما متوقف على صحة العقد الثاني، و الا لم يكن لاجازة العقد الأول اثر في صحته أصلا، و صحة العقد الثاني متوقفة على بقاء المال على ملك مالكه الأول، و هو ينافي صحة العقد الأول، اذ لازمه على الكشف خروجه عن ملك المالك الأصلي و دخوله في ملك المشتري أو الالتزام باجتماع مالكين على مال

واحد في زمان واحد، و هو محال لأنهما متضادان.

ثم ذكر المحقق التستري بعد بيان هذا الوجه: (فان قلت) مثل هذا لازم في كل عقد فضولي، لأن صحته على الكشف تقتضي أن يكون المشتري مالكا من حين العقد، مع ان صحته متوقفة على بقائه في ملك المالك المجيز لتنفذ اجازته و المفروض انه كاشف عن ملكية المشتري من حين العقد (و أجاب عن ذلك) بأنه يكفي في الاجازة الملكية الظاهرة الحاصلة من الاستصحاب، لأنها في الحقيقة رفع اليد و اسقاط للحق، و لا يكفي الملك الصوري في البيع الثاني.

(و أجاب الميرزا قدّس سرّه) عن الاشكال بالالتزام بمالكية كل منها و انه لا مانع من ذلك لكونهما طوليّين، كما فيما يملكه العبد، فانه مملوك له و مملوك لمولاه أيضا لكن طولا (و فيه) ان الالتزام بذلك في العبد و ما يملكه و ان كان ممكنا اذ لا مانع من اعتبار ملكية ضعيفة للعبد تترتب عليها بعض الآثار و اعتبار مالكية المولى للعبد، فيكون مالكا لما يملكه أيضا بالتبع، نظير مالكية اللّه تعالى لعبيده و أملاكهم (الا ان ذلك) غير جار في المقام، اذ لا طولية لملكية المشتري و المالك المجيز غير كون مالكية المشتري معلولة لمالكية المجيز، و الا فهما ملكيتان مستقلتان و التنافي بينهما واضح، فما أجاب به قدّس سرّه غير تام.

(و أما) ما ذكره التستري فأورد عليه المصنف بوجوه كلها صحيحة (أولا) ان المالكية الصورية غير كافية في الاجازة، و لذا لو فرضنا أن مال أحد بيع فضولة ثم باعه وكيله من شخص آخر و لم يعلم به المالك فأجاز البيع الفضولي لم تصح الاجازة مع ثبوت الملكية الاستصحابية له (و ثانيا) ان الاجازة كالبيع لأنها اسناد العقد الواقع فضولة بالمالك، فكأنه يبيع حقيقة بالاجازة، فلا فرق بينهما و بين البيع

قوله رحمه اللّه: إنّ الإجازة المتأخرة... [1]

(و ثالثا) نسلم أن الاجازة اسقاط حق، إلاّ ان اسقاط الحق انما يتم في الحق المتعلق بمال نفسه لا بمال غيره.

(ثم) ان المصنف كأنه التزم بالاشكال على القول بالكشف الحقيقي، و لكن الظاهر انه لا وجه للالتزام به (و ذلك) لأنه لو قام دليل على الكشف كذلك لحكمنا بعدم اعتبار الملكية الحقيقية في المجيز، اذ لا مانع من ان يعتبر الشارع اجازة الأجنبي في صحة الفضولي، لكن الأجنبي الذي باجازته يكون أجنبيا و لو لم يجز يكون مالكا فيكفي في المجيز الملكية لو لا الاجازة، فبالاجازة يستكشف ان المال كان ملكا للمشتري من حين العقد و خارجا عن ملك مالكه الأول كذلك. هذا كله في دفع الاشكال العام، و أما دفع الاشكال الوارد في المقام فقد مر جوابه، فلا نعيد.

الوجه الخامس

[1] حاصله: ان البيع الثاني بما انه واقع على مال المشتري على الكشف فصحته تتوقف على اجازته، و المفروض ان اجازته أيضا متوقفة على صحة العقد الثاني، فيتوقف كل منهما على الآخر، و هو محال ثم يلزم أيضا تملك المشتري للمبيع بلا ثمن أو مع شيء زائد أو بأنقص من الثمن. مثلا: اذا فرضنا انه اشترى البايع بدرهم فبما أن البيع الثاني وقع على ماله كان ثمنه ملكا له، فان كان الثمن فيه أيضا درهما ملك المبيع بلا ثمن، و ان كان أزيد ملك الثمن و المثمن مع شيء زائد، و ان كان نصف درهم مثلا ملكه بنصف درهم.

(و أجاب) عنه المصنف بأن كل ذلك مبني على كاشفية الاجازة عن ملك المشتري من حين العقد، و قد مر فساده و هو صحيح كما هو ظاهر.

قوله رحمه اللّه: السادس: إنّ من المعلوم... [1]

قوله رحمه اللّه: السابع: الأخبار المستفيضة... [2]

الوجه السادس

[1] هذا الوجه - أعني كون البيع الثاني من المالك ردا فعليا للبيع الأول - قد تقدم تفصيله فلا نعيد (و يرد) عليه أولا ان الرد إنما يكون مانعا عن اجازة الراد لا غيره و في المقام المجيز غيره (و ثانيا) ان الرد و ابطال العقد و ان كان من شؤون سلطنة الناس على أموالهم فهو مختص بمال نفسه لا مال غيره، و في المقام يكون المال بقاء ملك البائع الأول (و ثالثا) ان البيع ليس ردا و انما هو معدوم لموضوع الاجازة بالقياس الى البائع، فلا مجال معه لاجازته لا بالقياس الى شخص آخر، و هو المشتري منه.

الوجه السابع

[2] الروايات الواردة في المقام على طوائف ثلاث(1):

(الاولى) ما تكون صريحة في البيع الشخصي كروايتي ابن الحجاج، أي يحيى بن الحجاج و خالد بن الحجاج.

(الثانية) ما تكون ظاهرة في البيع الكلي كصحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام يجيئني الرجل فيطلب بيع الحرير - الحديث، فان المراد بالحرير إما الابريسم و إما الثوب المنتوج منه.

(الثالثة) ما تكون عامة تشمل البيع الشخصي و الكلي كقوله صلّى اللّه عليه و آله «لا تبع ما ليس عندك» فان النكرة في سياق النهي ظاهره في العموم، فيعم الشخصي و الكلي.


1) ذكرها في الوسائل 12 باب 7 و 374/8.

و لا يبعد أن تكون صحيحة ابن مسلم من قبيل البيع الشخصي، فان قول الرجل فيها «ابتع لي متاعا لعلي اشتريه منك بنقد أو نسية» لا يمكن أن يكون هو الذي اشتراه المشتري، بأن يكون المشتري نكرة كما هو ظاهر لفظ المتاع مع التنوين، بل انما سأل السائل هذا العنوان من باب أن متاعا دون متاع لا خصوصية له من حيث الحكم الشرعي، لا أن المشتري أراد منه شراء متاع على التعيين، بل الظاهر ان المشتري شخص ما يبتاعه البائع، و هو مرجع الضمير في قوله «لعلي اشتريه منك».

(و كيف كان) الطائفة المطلقة لا وجه لحملها على التقية و لا على الكراهة، بل لابد من تقييدها بغير الكلي للقطع بجواز بيع الكلي خلافا للعامة، فانهم منعوا عن بيع الكلي إلاّ في الصرف و السلم، و قد نقض عليهم في بعض الروايات بعدم الفرق بين بيع الصرف و السلم و بين غيره، فاذا جاز بيع الكلي فيه جاز في غيره أيضا، فقوله عليه السّلام «لا تبع ما ليس عندك» كأنه مقيد بكلمة الاستثناء «الا في بيع الكلي».

(و أما الطائفة الظاهرة في بيع الكلي) فلا مناص من حملها على التقية أو على الكراهة لما عرفت.

(و أما الطائفة الثالثة) - أعني الصريحة في بيع العين الشخصية - فظهور النهي في بعضها و اثبات اليأس في بعضها الآخر في الفساد غير قابل للانكار، و انما الكلام في انها تحمل على فساد البيع غير مبني على الاجازة من المالك، بمعنى عدم ترتب الأثر على مجرد البيع ممن ليس بمالك، و لا ينافي ذلك ترتب الأثر عليه بعد الاجازة، و هذا الحمل هو الذي حكاه المصنف و ان لم يرتضه.

(و الظاهر) انه خلاف الظاهر، و لا وجه له، لأن إطلاق البيع يعم ما بعد الاجازة أيضا و لا وجه لتقييده، و يشهد لذلك ابتناء نفي اليأس في بعض الأخبار على عدم

تحقق الالتزام المعاملي من طرف المشتري أيضا، كقوله عليه السّلام «أ ليس ان شاء أخذ و إن شاء ترك‌؟ قلت: بلى. قال: لا بأس» و المراد به الالتزام الشخصي من المشتري لا اللزوم الشرعي لما ذكرناه من جواز المعاملة الفضولية من طرف الأصيل أيضا ما لم تحصل الاجازة، فمورد نفي البأس أن لا يتحقق التزام معاملي أصلا دون ما اذا تحقق ذلك، فان فيه بأس مطلقا و لو مع لحوق الاجازة.

(ثم لا يخفى) ان ما ذكرناه غير مستلزم لفساد بيع الفضولي، و ذلك لأن البيع فيه يكون للمالك لا لغيره و باجازته يستند اليه، فليس من بيع ما ليس عنده، و هكذا في بيع الغاصب فانه أيضا يقصد تبديل طرفي الاضافة و يبيع للمالك، غايته يدعي نفسه مالكا عدوانا فلا يكون مشمولا للأخبار، و هذا بخلاف من يبيع لنفسه فانه مصداق لمورد الفحص عن بيع ما ليس عنده.

(و يؤكد ما ذكرناه) ما في رواية الحسن بن زياد الطائي(1)قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: اني كنت رجلا مملوكا فتزوجت بغير اذن مولاي ثم اعتقني فأجدد النكاح‌؟ فقال: علموا أنك تزوجت‌؟ قلت: نعم قد علموا فسكتوا. قال: ذلك اقرار منهم - الخبر. فان عتق العبد في نكاحه بمنزلة من يملك فيمن باع مال غيره، و مع ذلك جعل عليه السّلام صحته مبنية على كون سكوت المولى اقرارا منه لا على كفاية اجازة العبد بعد عتقه (فالصحيح في المقام) هو المنع للوجهين السابقين و لهذه الأخبار، و هي عمدة الوجوه.


1) هذه الرواية آخر رواية ذكرت في الوسائل في هذا الباب/ 526 ج 14 باب 26.

قوله رحمه اللّه: غير مترتب لإجازة المالك... [1]

قوله رحمه اللّه: و لو باع عن المالك فاتفق انتقاله الى البائع فأجاز... [2]

[1] لا اشكال في أن القدر المتيقن من مورد الأخبار هو ما اذا باع مال غيره منجزا غير معلق على اجازة المالك و لا على الشراء منه، كما انه أيضا مورد استدلال العلامة على الفساد بالغرر و عدم القدرة على التسليم، و أما اذا باعه معلقا على اجازة المالك أو على أن يشتريه منه أو كان البيع منجزا و لكن علق لزومه على أحد الأمرين الذي مرجعه الى جعل الخيار لنفسه اذا لم يجز المالك أو لم ينتقل المال اليه بحيث لا يجب عليه تحصيله فهو خارج عن مورد كلام العلامة كما افيد، إلاّ أن كون القدر المتيقن من مورد الأخبار صورة التنجيز لا ينافي شمول اطلاقها لصورة التعليق أيضا، فان كل مطلق يكون له قدر متيقن، فمقتضى اطلاق الأخبار المانعة عدم جواز بيع العين الشخصية لنفسه قبل أن يملكها الانسان مطلقا منجزا أو معلقا و ان لم يكن في المعلق مانع عن الصحة من حيث الغرر و لا من جهة عدم القدرة على التسليم. هذا كله فيما اذا باع الانسان ما لا يملكه لنفسه.

[2] هذا الفرع - أعني ما اذا باع غير المالك للمالك ثم انتقل المال اليه بسبب قهري أو اختياري فأجاز - و ان كان خارجا عن مورد بعض الأخبار المانعة عن بيع الانسان ما لا يملكه كالنبوي، اذ المفروض في المقام أن البيع يكون للمالك لا للبائع فلا يعمه المنع عن بيع ما ليس عنده لظهوره في بيعه لنفسه لا للمالك، إلاّ ان بعضها الآخر يعمه، كقوله في رواية ابن الحجاج «لا تواجبها قبل أن تستوجبها أو تشتريها» و قوله عليه السّلام في صحيحة ابن مسلم «ليس به بأس انما يشتريه منه بعد ما يملكه» فان المستفاد منهما انه لا بد و أن يقع الشراء من المالك. و في الفرع الشراء السابق لم يكن من المالك، و بعد ما ملك البائع لم يتحقق شراء منه - فتأمل، فيكون

قوله رحمه اللّه: لو باع لثالث معتقدا لتملكه... [1]

داخلا في مورد البأس - فتأمل، فلا وجه لما ادعاه المصنف من خروجه عن مورد الأخبار.

(هذا) مضافا الى ان القاعدة فيه تقتضي البطلان و لو سلمنا عدم شمول الأخبار، و ذلك لأن البيع - و ان لم يكن متقوما بالمالكين بل هو مبادلة بين المالين - إلاّ ان المبادلة لا بد و أن تكون في اضافة المالين، أي الاضافة الشخصية الثابتة لشخص المالك لا لكليه (و عليه) فما قصده البائع - و هو تبديل الاضافة الثابتة للمالك الأصلي - المفروض عدم تحققه و عدم تعلق الاجازة به، و ما يتعلق به الاجازة و هو تبديل الملكية الجديدة فهو غير منشأ بالعقد.

(و ما) ذكره المصنف من امكان دفع هذا الاشكال بما اندفع به سابقا الاشكال في عكس المسألة، و هو ما لو باعه الفضولي لنفسه فأجازه المالك لنفسه غير تام (و ذلك) لأن في بيع الغاصب لنفسه كان الغاصب قاصدا لتبديل الاضافة الشخصية الثابتة لشخص خاص، غاية الأمر كان يدعي هو عدوانا، و هكذا فيمن باع مال غيره لنفسه باعتقاد كونه له، و هذا بخلاف المقام - فتأمل. فلا يقاس بشيء من الموردين، و لعله لهذا أمر المصنف فتأمل.

[1] هذا هو النوع الثالث - أعني ما اذا باع غير المالك لشخص أجنبي لا لنفسه و لا للمالك معتقدا كونه مالكا ثم ملك فأجاز فهل يصح ذلك أم لا؟ بما ذكرناه ظهر أن الصحيح فيه هو الفساد أيضا، لما عرفت من ان ما أنشأ بالعقد هو تبديل طرف الاضافة، و هو شخص المالك الأصلي و لم يتعلق به الاجازة (و بالجملة) لابد في صحة العقد الفضولي من كون المجيز هو المالك حين العقد بسبب قهري أو اختياري فأجاز فسد البيع.

قوله رحمه اللّه: و هي ما لو لم تجز المالك... [1]

(و من الغريب) ما ذكره الميرزا من التفصيل بين مورد الارث و غيره، و ذهابه الى صحة البيع في الأول، بتخيل أن الوارث بمنزلة المورث فاذا أجاز يستكشف منه صحة البيع من زمان حياة المورث، فانه أي دليل قام على التنزيل و ليس في البين الا ان ما تركه الميت فلوارثه. و أما التنزيل فلم نعثر له على دليل، و الصحيح ما بيّناه.

[1] أما بناء على فساد بيع من باع شيئا ثم ملك فأجاز فلا ينبغي البحث عن هذا الفرع - أعني من باع شيئا ثم ملك فلم يجز البيع - فانه فاسد بالأولوية، و أما لو بنينا على صحة البيع في فرض الاجازة فيقع الكلام في ذلك: و البيع فيه تارة يكون للمالك و اخرى لنفسه، أما اذا باع للمالك فملك و لم يجز فالفساد مما لا اشكال فيه (و ذلك) لعدم صدور التزام منه بالمبادلة أصلا، اذ المفروض انه باع عن المالك لا عن نفسه، و هذا واضح.

و أما اذا باع لنفسه فربما يقال فيه بالصحة تمسكا بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فانه لم يكن شاملا له قبل أن يملك لكونه أجنبيا، فيعمه «اذا ملك». و لكن الصحيح فيه أيضا هو الفساد، لأن البائع يقصد المبادلة بين ملكه و مال شخص آخر و انما قصد دخول الثمن في كيسه بأزاء خروج عوضه عن كيس شخص آخر، فهو لم يقصد حقيقة البيع.

و أما «أوفوا» فهو خطاب متوجه الى الملاك، و البائع حين البيع لم يكن مالكا ليكون مخاطبا بالوفاء، و بعد ما ملك لم يصدر منه بيع، فهذا البيع خارج عن عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بالتخصص لا بالتخصيص.

(و من هنا) يظهر ما ذكره المصنف من أن المقام مقام استصحاب حكم الخاص لا مقام الرجوع الى حكم العام، فان الدوران بين الأمر انما يكون فيما اذا خرج فرد

قوله رحمه اللّه: الثالثة: ما لو باع معتقدا لكونه غير جائز التصرف... [1]

من أفراد العام عن حكمه بالتخصيص في زمان ثم شك بعد ذلك في دخوله تحت العام، و أما الخروج عن العام فيما نحن فيه فهو بالتخصص لا بالتخصيص (ثم) لو تنزلنا عن ذلك و قلنا بشمول عموم «أوفوا» لهذا البيع فلابد من تخصيصه و رفع اليد عنه بقوله سبحانه إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌، فان المفروض عدم رضا البائع بعد ما ملك، فيدخل تحت عنوان أكل المال بالباطل.

(هذا) مضافا الى ان الأخبار المانعة عن بيع ما ليس عندك كافية في اثبات فساد هذا البيع، بل هو القدر المتيقن من موردها، لأنه بيع غير المالك مال الغير لنفسه مع عدم الاجازة اذا ملكه (نعم) هناك فرع رابع، و هو ما اذا باع مال غيره معلقا على تملكه فانه غير محتاج الى الاجازة بعد حصول الملك مع قطع النظر عن كون التعليق فيه مفسدا، اذ البيع في ظرف فعليته مستند الى المالك و لا حاجة فيه الى الاجازة.

(و من الغريب) ما ذكره الميرزا رحمه اللّه من انكار الفرق بين فرض الاجازة و عدمها، فان قلنا بالصحة لا بد منه في كلا الفرضين، و كذا لو قلنا بالفساد (و ذلك) لأن الاجازة في الفضولي انما يحتاج اليها إما من جهة حصول الرضا أو من جهة تحقق الاستناد بها، و كلا الأمرين ثابت في الفرض بدون الاجازة، فان المالك هو الذي باع المال لنفسه بطيب نفسه.

(و فيه) ان الاجازة و ان كان اعتبارها من جهة الاستناد الا أن المعتبر استناد العقد الى المالك بعد ما ملك و هو غير حاصل قبل الاجازة، فلا مانع مع قطع النظر عما تقدم من القول بالصحة في فرض الاجازة و القول بالفساد في فرض عدمها.

[1] هذه المسألة كما ذكر المصنف تتصور على أربعة صور: لأن انكشاف جواز

قوله رحمه اللّه: الثانية: أن يبيع لنفسه... [1]

التصرف تارة يكون بانكشاف كونه وليا. و المراد بالولاية ما يعم الاذن و التوكيل لا خصوص الولاية الشرعية، و اخرى بانكشاف كونه مالكا، و على التقديرين تارة يبيع للمالك و اخرى يبيع لنفسه.

(الاولى) أن يبيع عن المالك فينكشف كونه وليا - كما اذا باع شخص مال طفل فبان كونه ولده - و الظاهر فيه الصحة، لأنه عقد صادر من الولي و المفروض استجماعه لبقية الشروط أيضا، إلاّ انه حكي عن القاضي ابن البراج التفصيل في بيع العبد المأذون في التجارة مع عدم وصول الاذن اليه، بينما اذا أبرز المولى اذنه لشخص آخر فيصح بيعه و بين ما اذا لم يبرز لأحد أصلا فيفسد. و لم نعرف لذلك وجها، فانا و ان لم نكتف في الاستناد و خروج العقد عن الفضولية بمجرد الرضا الباطني إلاّ انه يكفي فيه الرضا المبرز و ان لم يصل الى المأذون و لا الى غيره، فاذا فرضنا ان المولى كتب الى العبد يأذنه في التجارة و هو باع ماله قبل وصول الكتاب اليه صح بلا اشكال، لأن مجرد الكتابة مبرز للرضا خصوصا في بيع العبد مال نفسه الذي هو محل الكلام، فانه كما ذكرنا لا قصور فيه إلاّ من ناحية رضا المالك المعتبر فيه شرعا، فلا حاجة فيه الى الابراز أصلا.

المسألة الثانية اذا باع مال غيره لنفسه فبان كونه مأذونا من قبل المالك في البيع عنه

[1] اذا باع مال غيره لنفسه فبان كونه مأذونا من قبل المالك في البيع عنه فمن حيث صحة العقد لا اشكال، لما عرفت من عدم تقوم البيع إلاّ بالمالين فقصد بيع مال الغير لنفسه قصد لغو لا يضر و لا ينفع، فالبايع قاصد لحقيقة البيع و المبادلة بين المالين، و المفروض كونه مأذونا فيه.

و أما من حيث توقفه على الاجازة فوجهان: ربما يتوهم توقفه عليها بتخيل أن

قوله رحمه اللّه: الثالثة: أن يبيع عن المالك ثم ينكشف كونه مالكا... [1]

ما وقع في الخارج - و هو البيع لنفسه - لم يكن البائع مأذونا فيه، لأن البائع انما كان مأذونا في البيع للمالك لا البيع لنفسه، فلم يقع البيع على الوجه المأذون فيه، فلابد من الاجازة في صحة البيع. و بعبارة اخرى كانت الحيثية تقييدية لا تعليلية (و فيه) ان الاجازة أيضا لا تتعلق بما وقع و انما تتعلق بالبيع للمالك الذي تعلق الاذن به أيضا، فاذا أثرت الاجازة اللاحقة فيه فالاذن السابق أولى بالتأثير.

(و بالجملة) الأمر في هذا البيع دائر بين الصحة بدون الحاجة الى الاجازة و الفساد حتى مع الاجازة، فان قصد وقوعه لنفسه ان كان لغوا صح بلا حاجة الى الاجازة و الا فسد مع الاجازة أيضا لتعلقها بغير ما وقع في الخارج.

المسألة الثالثة فى مثاله المعروف ما لو باع مال أبيه له معتقدا حياته فبان كونه ميتا و انتقال المبيع اليه بالارث

[1] مثاله المعروف ما لو باع مال أبيه له معتقدا حياته فبان كونه ميتا و انتقال المبيع اليه بالارث، و الكلام فيه يقع في مرحلتين:

(المرحلة الاولى) في حكمه من حيث الصحة و الفساد، و الأقوال فيه أربعة:

الصحة مطلقا من غير حاجة الى الاجازة، و البطلان كذلك، و الصحة مبنية على الاجازة، و الصحة الجائزة. و الفرق بين الأخيرين ظاهر، فانه على الأخير يكون البيع صحيحا و لو لم يجز المالك غايته اذا فسخ يخل البيع من حينه، و هذا بخلاف سابقيه فان صحة البيع عليه يكون مبنيا على الاجازة فلو لم يجز فسد من الأول.

و المشهور بين الأصحاب الموافق للقاعدة هو الصحة، لما عرفت من ان قصد وقوع البيع عن الغير لا يقدح كما لا يقدح ذلك في بيع الغاصب و من اعتقد كونه مالكا لشيء و لم يكن مالكا، فهو بيع صادر من أهله واقع في محله. و ما ذكره فخر المحققين في الايضاح من الوجوه الثلاثة للبطلان غير تام كما ذكر المصنف:

(أما الوجه الأول) - و هو انه قصد البيع عن الأب لا عنه - فقد عرفت الجواب عنه و ان البيع غير متقوم بالمالكين و انما هو متقوم بالمالين، و المفروض انه قصد المبادلة بينهما حقيقة، و قصد كونه عن غيره قصد لغو، و لذا لم يستشكل أحد فيما اذا باع الفضولي مال عمرو معتقدا كونه لزيد فأجاز مالكه و هو عمرو في أنه يقع البيع له.

(و أما الوجه الثاني) - و هو ان البيع حينئذ و ان كان منجزا صورة إلاّ انه معلق على موت المورث واقعا (ففيه) انه يناسب الفرع الرابع، و هو ما اذا باع لنفسه فبان كونه مالكا، و أما في هذا الفرض فأي معنى لتعليق البيع على موت المالك مع انه يبيع له، و لعل ما ذكره في المقام من سهو القلم هذا مضافا الى ان التعليق على فرض ثبوته صوري لا واقعي.

(و أما الوجه الثالث) و هو كون البائع عابثا في بيعه اذا كان عالما بأن المال ليس له.

(ففيه) انه لا يستلزم العبث و اللغو في الالتزام المعاملي و الا لزم فساد البيع الفضولي مطلقا (نعم) من حيث اللزوم الشرعي يمكن أن لا يكون قاصدا حقيقة، و هذا معنى ما ذكره الشهيد في المسالك من ان المكره و الفضولي قاصدان للفظ دون المعنى، إلاّ ان هذا خارج عن حقيقة البيع. هذا كله في أصل الصحة.

(و أما المرحلة الثانية) - أعني توقفه على الاجازة - فربما يدعى عدم توقفه عليها، لأن المالك هو المباشر للعقد، و أي اجازة أقوى من صدور العقد من المجيز كما ربما يدعى توقفه عليها، كما عن المحقق قدّس سرّه بدعوى ان البائع لم يقصد نقل

الملك، و انما قصد نقله مبنيا على اجازة المالك، فلابد من الاجازة.

(و ليعلم) ان هذا هو مراد المحقق من قوله انه لم يقصد البيع الناقل للملك من الاذن بل مع الاجازة لا من حيث زمان العقد أو زمان الاجازة كما تخيله المصنف فأورد عليه بمنافاته لما بنى عليه المحقق من كون الاجازة كاشفة عن نقل الملك من حين العقد، و عليه فقصد البائع للنقل من حين الاجازة يكون موجبا للفساد، فلا وجه لهذا الايراد أصلا على ما بيناه (و لكن) يرد على أصل الاستدلال ان كون البيع مبنيا على الاجازة أو غير مبني عليها ليس دخيلا في حقيقة البيع ليعتبر قصده أو يقدح قصد خلافه، و انما هو من الأحكام الشرعية فاعتبر شرعا في صحة العقد الواقع على مال الغير لحوق الاجازة من المالك، و لعل هذا هو مراد المحقق من قوله «الا أن يقال» الخ.

(هذا) و لكن مع ذلك الصحيح توقف هذا البيع على الاجازة، لما أفاده المصنف من ان الخطاب في أَوْفُوا بِالْعُقُودِ متوجه الى الملاك، فيكون منصرفا الى العقد المنتسب الى المالك بما انه مالك بهذا العنوان، و كذلك «التجارة عن تراض» و هكذا دليل «لا يحل مال امرىء مسلم إلاّ عن طيب نفسه» فالمستفاد من جميع ذلك اعتبار رضا المالك في حل ماله بعنوان انه مالك، فاذا لم يكن ملتفتا الى كون المال له ليس رضاه بعنوان كونه مالكا، و ان كان رضا ذات المالك متحققا، و هذا نظير التكلم في أثناء الصلاة غفلة عن كونه في الصلاة، فان التكلم - و ان كان عمديا - إلاّ ان التكلم في الصلاة بهذا العنوان ليس عن عمد، و هكذا الأكل في نهار رمضان، فان ذات الأكل - و ان كان عن عمد - إلاّ انه ليس الأكل في نهار رمضان بهذا العنوان عن عمد، و لذا لا يحكم به ببطلان الصوم أو الصلاة، و هذا التنظير ذكره

قوله رحمه اللّه: ثم إنّه ظهر ممّا ذكرناه... [1]

الميرزا و هو تنظير حسن.

(و بالجملة) ظاهر الأدلة اعتبار رضا المالك و استناد التجارة اليه بعنوان كونه مالكا، و لا يتحقق ذلك إلاّ باجازة البيع بعد علمه بأنه مالك، و الأمثلة التي ذكرها المصنف بعضها شاهد على ما ذكرنا و بعضها مؤيد له، أما الشاهد فهو ما مثل به من انه لو قدم أحد لغيره طعاما أو شيئا آخر و أباح له التصرف فيه معتقدا كونه لغيره و المأذون يعلم بأنه ليس له التصرف فيه، و أما المؤيد فهو ما ذكره فيما اذا أعتق عبده باعتقاد انه عبد الغير أو طلق زوجته باعتقاد كونها زوجة الغير فانه لا ينعقد العقد و الطلاق، و الوجه في كونهما مؤيدا لا شاهدا إمكان الفرق بين الطلاق و العتق و بين البيع لأن الزوجة مقوم في الطلاق و العبد مقوم في العتق، فلا يقاس بالبيع الذي هو متقوم بالمالين لا المالكين.

[1] قد عرفت أن أحد الأقوال في المسألة صحة البيع متزلزلا فللمالك خيار الفسخ لا الاجازة و قد نسب هذا القول الى صاحب الجواهر مستدلا على ثبوت الخيار بقاعدة لا ضرر، و على الصحة بالعمومات و الجمع بينهما يقتضي الصحة مع ثبوت الخيار.

(و فيه) كما ذكره المصنف ان الضرر إن كان لعيب في أحد العوضين أو لنقصان قيمته السوقية عما بذل بأزائه فلا محالة يكون لزوم البيع ضرريا، فينتفي بحديث لا ضرر و يثبت الخيار، و أما ان كان الضرر في نفس انتقال مال الشخص عن ملكه بدون رضاه فحديث لا ضرر يقتضي بطلان البيع رأسا بدون لحوق اجازة المالك و رضاه لا الخيار.

(و بالجملة) تارة يكون أصل صحة البيع مفروغا عنه و يكون لزومه ضرريا،

قوله رحمه اللّه: ثم إنّ الحكم بالصحة في هذه الصورة غير متوقف على القول بصحة العقد الفضولي [1]

فيتمسك بحديث لا ضرر لنفيه، و أما اذا لم يكن البيع صحيحا في نفسه فلا مجال لرفع لزومه بلا ضرر (و بعبارة اخرى) اذا كانت العمومات شاملة للبيع حدوثا و كان بقاؤه ضرريا يتمسك بحديث لا ضرر و يخصص به العام أو المطلق، فالتمسك بلا ضرر انما هو لتخصيص العام الشامل للمورد لو لا حديث لا ضرر، و أما اذا لم تكن العمومات شاملة للبيع في حد نفسها - كما في المقام لما عرفت من أنها خطاب الى الملاك فلا يعم البيع ما لم يكن مستندا الى المالك بما انه مالك - فأي معنى للتمسك بحديث لا ضرر و أيّ عام يخصص به.

[1] فيمكن القول بصحة البيع فيما نحن فيه و ان قلنا بفساد العقد الفضولي، و ذلك لأن عمدة ما استند عليه في بطلان العقد الفضولي إنما هو ما ورد في المنع عن بيع ما ليس عندك، و قد أجبنا عن ذلك بأن البيع بعد الاجازة يكون بيع المالك، فاذا فرضنا عدم تمامية هذا الجواب و التزامنا بفساد الفضولي لا يستلزم ذلك القول بفساد البيع في المقام لأنه بيع المالك واقعا، فليس من بيع ما ليس عنده كما هو ظاهر.

(نعم) لو تمسكنا لفساد الفضولي بقبح التصرف في مال الغير عقلا و حرمته شرعا و ان العقد على مال الغير تصرف فيه جرى ذلك في المقام، لأن بيع ما يعتقد البائع كوه للغير قبيح أيضا لأنه تجري فيكون فاسدا. هذا و لكن من الظاهر انه انما يتم لو قلنا بحرمة التجري شرعا، و أما على المختار من كونه قبيحا عقلا فقط فلا يجري فيه هذا الوجه أيضا.

(و قد تحصل من جميع ما ذكر) صحة البيع في هذا الفرع بمقتضى العمومات و الاطلاقات و توقفه على الاجازة لاعتبار رضا المالك به بعنوان انه مالك على ما

قوله رحمه اللّه: الرابعة: أن يبيع لنفسه... [1]

استظهرناه من الأدلة، و على هذا يختص الحكم بالصحة في أمثال المقام بما اذا كان المنشأ قابلا للحوق الاجازة كالعقود، و أما اذا لم يكن قابلا لها كالإيقاعات بناء على قيام الاجماع على عدم قابليتها للاجازة فلا مناص فيها من البطلان، كما في مثال عتق العبد باعتقاد أنه للغير فبان كونه له، و طلاق الزوجة باعتقاد انه زوجة الغير المتقدمين، فلابد فيهما من الحكم بالبطلان رأسا بناء على التوقف على الاجازة كما اخترناه.

(نعم) من قال في الفرض بالصحة مطلقا غير متوقفة على الاجازة أمكنه القول بالصحة فيما كان من قبيل الايقاعات أيضا.

المسألة الرابعة فى صور المساله و حكمها

[1] صحة البيع في هذه الصورة واضحة على ما تقدم في الصورة السابقة عليها، بل الظاهر عدم توقفه على الإجازة أيضا، و ذلك لأن البائع لنفسه يبني على انه مالك فيرضى بالبيع بعنوان انه مالك و لو ادعاء. مثلا: اذا فرضنا ان أحد المتقامرين ربح في القمار و كان ما حصله في الواقع عين ما أخذه الطرف منه بالقمار قبل يوم مثلا و هو لا يعلم به فباعه، فانه في هذا الفرض يرى نفسه مالكا باعتبار نفسه بل بحسب اعتبار العرف و العقلاء حتى المسلمين الغير المتشرعين، فانهم يعتبرون الملكية في هذه المواقع و أمثالها، و لذا يعدون ما حصله الانسان بهذه الأسباب من أملاكه و أمواله، فهو في اعتباره المعاملي قاصد للمبادلة في هذه الملكية و بعنوان كونه مالكا و مجرد أنه يرى نفسه غير مالك في حكم الشارع لكونه متشرعا لا ينافي طيب نفسه بالمبادلة بعنوان انه مالك بحسب اعتباره، و لا يعتبر في شمول العمومات أكثر من هذا - فتأمل. إذ يصدق حينئذ أن التجارة ناشئة عن رضا المالك بها بما هو

قوله رحمه اللّه: الأول: يشترط فيه كونه جامعا... [1]

مالك، فلا حاجة فيه الى الاجازة بعد التفاته الى انه مالك شرعا أيضا.

شرائط العقد المجاز

اشارة

[1] بعد الفراغ عن شرائط المجيز شرع في شرائط العقد المجاز. لا اشكال في انه يعتبر في صحته كل ما يعتبر في صحة العقد عدى رضا المالك، فان الاجازة اللاحقة لا تكون أقوى من الاذن السابق، فاذا كان العقد فاقدا لبعض الشرائط المعتبرة فيه لا يصح بالاذن السابق فضلا عن الاجازة اللاحقة، بل لا يصح اذا صدر من نفس المالك فضلا عما اذا لحقته إجازته.

(و بالجملة) الاجازة لا تصح العقد الفاسد في نفسه، و هذا ظاهر (و عليه) فلابد من أن يكون العقد واجدا لشرائط العقد. كما يعتبر أن يكون واجدا لشروط المتعاقدين بما هما متعاقدان، و أما شرائط العوضين فكذلك، بداهة انه لو باع نفس المالك ام الولد يفسد بيعه و لو مات ولدها بعد البيع، و هكذا لو باع الخمر فصار خلا بعد البيع فكيف ببيع الفضولي. كل ذلك من غير فرق بين القول بالكشف و القول بالنقل.

(نعم) ما يعتبر في صحة العقد لابما انه عقد بل كان دخيلا في ترتب الأثر عليه مما هو معتبر في المالك كاعتبار أن لا يكون المشتري للمصحف أو العبد المسلم كافرا أو شرط معتبر في ترتب الأثر على العقد لا في نفسه كالقدرة على التسليم فالمتبع فيه دليله، أما القدرة على التسليم فهي معتبرة في زمان وجوب التسليم، و هو قد يكون زمان العقد و قد يكون زمان الاجازة و قد يكون متأخرا عنهما كما في بيع السلم بعد مدة طويلة متأخرة عن زمان الاجازة، فلا يعتبر حينئذ القدرة على التسليم لا في زمان العقد و لا في فزمان الاجازة، فزمان اعتباره يختلف

باختلاف الموارد.

و أما اعتبار كون مالك المصحف أو المسلم مسلما فدليله - بعد التسالم و الاجماع - قوله تعالى وَ لَنْ يَجْعَلَ اَللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً، و لا يستفاد منه إلاّ عدم استيلاء الكافر على المسلم، و لا يتحقق الاستيلاء بمجرد العقد الفضولي أما على النقل فواضح، و أما على الكشف فلان زمان اعتبار الملكية متأخر و ان كان زمان المعتبر سابقا، فلا يلزم استيلاء الكافر على المصحف اذا صار مسلما حين الاجازة (نعم) لو قلنا بالكشف الحقيقي بنحو الشرط المتأخر المستحيل أمكن القول بالفساد اذا لم يكن مسلما حين العقد و لو أسلم حين الاجازة.

(ثم) هل يعتبر بقاء تلك الشروط الى زمان الاجازة أو لا، أما شرائط العقد فانتفاؤها يكون بانتفاء الموضوع اذ لا عقد حين الاجازة، و هكذا شرائط المتعاقدين، فاذا فرضنا أن أحد المتعاقدين جنّ حين الاجازة أو سفه لم يكن ذلك مخلا بصحة العقد، اذ العقد السابق كان تاما و لم يكن فيه قصور سوى الاستناد الى المالك.

(و أما) شرائط العوضين فظاهر المصنف اعتبار استمرارها الى زمان الاجازة على النقل دون الكشف، و لكن الظاهر عدم اعتبار البقاء فيها حتى على النقل فضلا عن الكشف، لأن كلامنا انما هو فيما يعتبر في العوضين من حيث النقل و الانتقال لا فيما يكون دخيلا في الملكية، كما اذا تبدل الخل بالخمر قبل الاجازة، فانه حينئذ لا تكون الاجازة مؤثرة، لعدم كون المبيع مالا للمجيز و عدم كونه مالكا له، و المؤثر انما هو اجازة المالك.

و أما فيما ليس مانعا عن الملكية و انما يكون مخلا بالنقل و الانتقال - كما اذا

قوله رحمه اللّه: الثاني: يشترط... [1]

فرضنا ان الامة المبيعة فضولة لم تكن ام ولد حين الاجازة - فان ذلك لا يوجب زوال الملكية عنها، بل هي مملوكة بعد ذلك و تنتقل بالارث الى غير مالكها الأول غاية الأمر تنعتق من نصيب ولدها، و هكذا اذا تنجس المبيع و كان مائعا لا يقبل التطهير قبل الاجازة فانه أيضا لا يوجب زوال الملكية و انما يمنع البيع على القول به.

(و مثل) هذه الامور لا يعتبر استمرارها الى زمان الاجازة حتى على القول بالنقل، لأن النقل و الانتقال السابق يستند بالاجازة الى المالك و ان ترتب الأثر عليه من حين الاجازة، و ليست الاجازة مبادلة جديدة و المفروض ثبوتها حين تحققه، و ان كان ترتب الأثر عليه متوقفا على لحوق الاجازة به.

(نعم) يبقى في المقام فرع، و هو انه اذا سقط المبيع عن المالية بعد البيع ثم رجع اليها قبل الاجازة - كما اذا صار خمرا ثم صار خلا - فانه يصح البيع حينئذ على الكشف، لأن التبدل عليه يكون في مال المشتري، و يفسد على النقل، لأن الملكية أو المالية حادثة عرفا و لم يقع عليها المبادلة ليصح بالاجازة، و ما تعلق به البيع انعدم - فتأمل.

هل يعتبر العلم بالمجاز

[1] هل يعتبر في المجاز أن يكون معلوما بالتفصيل للمجيز أو لا يعتبر فيه ذلك فيكفي علمه الاجمالي بوقوع عقد على ماله قابل للاجازة و لو مبهما إلاّ اذا كان الابهام بحد يضر في التوكيل أيضا كتوكيل الغير في شيء ما غير معين‌؟ و هل يعتبر علم المجيز بتحقق عقد فضولي على ماله، بأن تكون اجازته منجزة أو يكفي مجرد احتماله فيجيز تعليقيا؟ فلابد من التكلم في مقامين، و نقدم المقام الثاني لأن الأول

من فروعه:

(فنقول) قد يقال بلزوم علم المجيز بوقوع العقد على ماله، و لا تصح الاجازة التعليقية، لأن الاجازة - و ان لم تكن من العقود - إلاّ انها بحكم العقد، و التعليق فيه موجب للبطلان.

(و فيه) أولا - لم يقم دليل على مبطلية التعليق فيما يكون بحكم العقد، و انما دليله الاجماع فيقتصر فيه على المتيقن.

و ثانيا - التعليق في المقام تعليق على الموضوع، و هو غير مخل بالصحة على ما مرّ مرارا.

(هذا) و ربما يستدل على بطلان التعليق في الاجازة بأنها ايقاع، و لا معنى للتعليق في الإيقاع.

(و فيه) انه لو سلمنا كون الاجازة ايقاعا إلاّ أن التعليق في الإيقاع أيضا غير مخل، و قد وقع في بعض الموارد من غير أن يوجب البطلان، كما في التدبير و الوصية، فلا دليل على اعتبار العلم بوقوع العقد في صحة الاجازة.

(و أما المقام الثاني) فهو من فروع المقام الأول و من ثم قدمناه خلافا للمتن، و ذلك لأنه اذا علم اجمالا بوقوع عقد على ماله و لو لم يعلم بكونه بيعا أو صلحا أو هبة بل و لو لم يعلم بموضوعه أصلا كما اذا علم اجمالا بوقوع البيع على داره أو الايجار على فرسه فأجاز يرجع اجازته الى اجازة البيع على تقدير كونه هو الواقع و الصلح على تقدير تحققه و هكذا، و ليس في هذا محذور سوى التعليق، و قد عرفت انه لا يوجب البطلان، غاية الأمر لا موضوع للاجازة في بعض المذكورات، فليس هذا إجازة الفرد الخارجي المردد على اطلاقه ليقال - كما عن الميرزا - من ان

قوله رحمه اللّه: الثالث: المجاز اما العقد... [1]

الفرد لا اطلاق له، فلا معنى لأن يجيز العقد الخارجي مطلقا، أي سواء كان بيعا أو صلحا أو هبة، اذ الواقع في الخارج ليس إلاّ احدها، بل الاجازة - على ما بيّناه - في الحقيقة متعلقة بواقع ما على ابهامه، و صحة الاجازة في ذلك أوضح من التوكيل فيه، لأن التوكيل في أحد الأمرين أو الامور اذا انحل الى توكيلين فهو و الا فالتوكيل في الجامع بين عقدين أو عقود لا أثر له.

الكلام في تتبع العقود

[1] قد يقع العقد على عين مال الغير و اخرى يقع على عوضه، و الاجازة تارة تتعلق بالعقد الواقع على عين ماله و اخرى تتعلق بالعقد الواقع على عوض ماله، و على التقديرين تارة تتعلق الاجازة بالعقد الأول الواقع على عين ماله و اخرى تتعلق بالعقد الآخر الواقع على عين ماله و ثالثة تتعلق بالعقد الوسط الواقع على عين ماله.

و تجري الأقسام الثلاثة فيما اذا كان المجاز العقد الواقع على عوض ماله لا على عينه.

(ثم) العقد الوسط اذا كان هو المجاز تارة يكون عقدا واقعا على عين ماله و اخرى على عوضه و كل منهما تارة يكون وسطا بين عقدين واقعين على عين المال بأن يكون طرفاه كذلك، و اخرى يكون وسطا بين عقدين واقعين على عوض ماله و ثالثة يكون مسبوقا بعقد واقع على عين ماله و ملحوقا بعقد واقع على عوض ماله و رابعة ينعكس الأمر، فالأقسام ثمانية، و نتعرض أولا لاجازة العقد الواقع على عين ماله، ثم بعد ذلك نذكر تعلق الاجازة بالعقد الواقع على عوض ماله بأقسامه، كما انا نتعرض صورة تعلق الاجازة بالعقد الوسط و ما يترتب عليه من حكم العقود السابقة و اللاحقة، و بذلك تتضح صورة تعلق الاجازة بأول العقود أو

بآخرها، و نقول:

حكم المسألة - و ان كان واضحا - إلاّ أن تصويرها لا يخلو عن اشكال، و نمثل لها بما جعله المصنف مجمعا للكل، فتفرض ان عبد المالك بيع بفرس ثم بيع بكتاب ثم باعه المشتري بدينار، فالى هناك يكون بيع العبد بكتاب وسطا بين بيعين واقعين على عين العبد، و هو بيع العبد بفرس و بيعه بدينار، ثم باع البائع الفرس بدرهم و باع الثالث الدينار بجارية، فيكون بيع العبد بكتاب وسطا بين عقدين واقعين على عوض ماله و هو بيع الفرس بدرهم، و هو السابق على بيع العبد بكتاب و بيع الدينار بجارية و هو لاحق عليه، فاذا فرضنا ان المالك أجاز البيع الوسط الواقع على عين ماله - و هو بيع العبد بالكتاب - فالعقود السابقة الواقعة على عين ماله كبيع العبد بالفرس - تبطل، لأن اجازة غيره رد له، كما ان العقود السابقة الواقعة على عوض ماله كبيع الفرس بدرهم يكون أجنبيا عن المجيز، لأنه عقد واقع على مال الغير، فلابد من اجازة مالكه.

و على كل تقدير العقود السابقة الواقعة على عين ماله أو على بدله يكون أجنبيا عن المجيز، و أما العقود اللاحقة فالعقود المتأخرة الواقعة على عين ماله تصح على الكشف بلا اشكال، لأنه بالاجازة يستكشف كونه من المالك و واقعا على ملكه، و أما على النقل فيدخل فيمن باع شيئا ثم ملك، فان قلنا بصحته مع الاجازة أو بدونه نلتزم بها في المقام و الا فلا، و هكذا العقود اللاحقة الواقعة على عوض ماله كبيع الدينار بجارية، فاجازة العقد الوسط الواقع على عين ماله تستلزم فساد العقود السابقة عليه الواقعة على عين ماله أو على عوضه، كما يستلزم صحة العقود اللاحقة الواقعة عليه على الكشف، سواء كانت واقعة على عين ماله أو على بدله،

و على النقل يبتنى صحتها على صحة «من باع شيئا ثم ملك».

و لكن ما ذكرناه انما يتم فيما اذا أجاز المالك البيع الواقع على عين ماله لنفسه فانه يستلزم رد العقود السابقة و صحة العقود اللاحقة عليه، و أما اذا أجاز للبائع فهو تستلزم صحة العقد السابق عليه لا فساده كما هو ظاهر، و أما العقد اللاحق عليه فصحته حينئذ مبتنية على اجازة المالك للبيع بالعقد السابق كما هو ظاهر.

(و ليعلم) ان المراد من السبق و اللحوق في المقام ليس هو التقدم و التأخر في الزمان، بل المراد منه التقدم و التأخر الرتبي، فالمراد من العقود اللاحقة ما تتوقف صحتها على صحته و من العقود السابقة ما لا تتوقف صحته على صحته.

(هذا كله) فيما اذا كان العقد المجاز واقعا على عين ماله، و أما اذا كان واقعا على عوض المال فمثاله الجامع لأقسامه الأربعة: ما اذا بيع العبد بفرس، و الفرس بدرهم، و الدرهم برغيف، و الدرهم بحمار، و الرغيف بعسل. فبيع الدرهم بالرغيف وسط بين عقدين سابقين أحدهما واقع على عينه و هو بيع الفرس بدرهم و الآخر على عوضه و هو بيع العبد بفرس، و عقدين لاحقين أحدهما واقع على عينه و هو بيع الدرهم بحمار و الآخر على عوضه و هو بيع الرغيف بعسل، فهذه البيوع الخمسة تكون جامعا للأمثلة كما هو واضح، فاذا أجاز الوسط - أي بيع الدرهم بالرغيف - فهي مستلزمة لاجازة العقدين السابقين - أعني بيع العبد بالفرس و الفرس بدرهم - ليكون باجازتهما مالكا للدرهم، و ينفذ اجازته في بيعه بالرغيف و صحة هذه الاجازة بناء على الكشف واضح، و أما على النقل فصحتها مبتنية على عدم اعتبار مالكية المجيز حين العقد. و أما العقدان اللاحقان عليه فبيع الدرهم بحمار - أعني الواقع على عين المال - فهو أيضا يصح بعد ما أجاز الدرهم بالرغيف، و هذا بناء

على الكشف ظاهر و أما بناء على النقل فالصحة مبنية على صحة بيع من باع شيئا ثم ملك و أما بيع الرغيف بعسل أعني الواقع على عوض العقد المجاز فيكون صحيحا بعد اجازة بيع الدرهم بالرغيف ان كان المجيز هو البائع، و هو على الكشف واضح و أما على النقل فيدخل فيمن باع شيئا ثم ملك، و ان كان البائع أجنبيا فحكمه حكم البيع الواقع على المعوض ابتداء كما ذكر المصنف فيحتاج الى الاجازة.

(و بالجملة) فاجازة العقد الوسط يوجب صحة العقود السابقة الملزومة لصحته كما يوجب صحة العقود اللاحقة التي يستلزم العقد الوسط صحتها، و هذا هو الميزان لا ما ذكره الشهيد في الدروس، و حكي عن الايضاح أيضا من ان الاجازة ان تعلقت بالعقد الواقع على المبيع صح و ما بعده و في الثمن ينعكس، اذ لا فرق فيما ذكرناه بين ما اذا كان عين مال المالك المجيز أو عوضه مبيعا في العقد المجاز أو ثمنا (اللهم) إلاّ ان يريد بذلك ما قلناه من تعلق الاجازة بالعقد الواقع على عين مال المالك، و عبر عنه بالمبيع، أو بالعقد الواقع على عوضه، و هو مراده بالواقع على الثمن، و على هذا أيضا اطلاق كلامه ممنوع كما ظهر أيضا بما قلناه فساد ما ذكره المصنف في ترتيب العقود المتعددة على مال المجيز من انها اذا وقعت من أشخاص متعددة كان اجازة الوسط منها فسخا لما قبله و اجازة لما بعده، و اذا وقعت من شخص واحد انعكس الأمر (و ذلك) لما عرفت من ان تعدد العاقد و وحدته لا ربط له بذلك أصلا، اذ يمكن أن يوقع شخص واحد بيوع عديدة مترتبة على مال الغير و على عوضه و هكذا العكس، فالميزان الكلي ما ذكرناه من ان اجازة العقد الوسط يوجب صحة ملزوماته من العقود السابقة و لوازمه من العقود اللاحقة.

قوله رحمه اللّه: ثم إنّ هنا اشكالا... [1]

هل يضمن البائع الغاصب للمشتري العالم بالغصب‌؟

[1] حاصله: ان الغائب اذا باع شيئا فالمشتري منه ان كان جاهلا بكونه غاصبا فلا اشكال في صحته التأهلية فينفذ باجازة البائع و هكذا الحال في العقود المتتابعة، و أما إن كان عالما به و مع ذلك أقدم على الشراء منه فهو مسلط له على ماله مجانا لعلمه بفساد البيع و الشراء، فاذا اشترى البائع بالثمن شيئا لنفسه يملك ما اشتراه من دون أن يضمن شيئا للمشتري الأول، لأن ماله قد تلف بالدفع الى البائع أو هو في حكم التالف، فلا يبقى مجال بعد ذلك لأن يجيز المالك العقد الواقع على الثمن لنفسه - أي يجيز العقد الثاني - و كيف يجيز عقدا ما لم يقع على ماله.

و هذا الاشكال مبني على ما هو المعروف من أن تسليط المالك غيره على ماله خارجا يوجب عدم ضمانه اذا تلف تحت يده أو أتلفه، فكأن التلف حينئذ يكون في ملكه و التسليط يكون مملكا في فرض التلف (هذا كله) في اجازة العقد الثاني، بل يجري الاشكال في العقد الأول أيضا بناء على ما ذكره بعضهم من ان التسليط الخارجي يوجب الملكية أو اباحة التصرف من الأول قبل التلف، فاذا اشترى شخص من الغاصب شيئا مع علمه بكونه غاصبا فقد اذن له في الاتلاف، و لا معنى حينئذ لجعله ثمنا، فلا مجال لاجازة المالك البيع الأول أيضا.

(و هذان) الاشكالان تعرض للأول منهما العلامة و القطب و لهما معا الشهيد في حواشيه (و نقول) يردهما أولا فساد المبنى، فان مجرد التسليط الخارجي لا يوجب ارتفاع الضمان الثابت بمقتضى عموم على اليد المثبت للضمان و ليس أحد المملكات، و من الظاهر أن تسليط المشتري الغاصب على الثمن ليس مجانيا و انما هو تسليط بعوض بحسب اعتبار المتبايعين أو العقلاء أيضا و لو لم يكن ممضى

شرعا، و قد ذكرنا غير مرة ان عدم الامضاء الشرعي و الفساد بحكم الشارع لا يوجب كون التسليط مجانيا و لا ينافي الاعتبار المعاملي. و ثانيا لو سلمنا ذلك فهو انما يتم على النقل دون الكشف، اذ على الكشف تكشف الاجازة عن خروج الثمن عن ملك المشتري الى ملك المالك المجيز قبل التسليط على مال الغير، و هو لا يوجب الملك و لا اباحة التصرف (نعم) على النقل يجري الاشكال، بل الظاهر عدم جريانه على النقل أيضا، و ذلك لأن التسليط انما يكون مجانيا في فرض بطلان البيع و عدم لحوق الاجازة، و أما اذا كان البيع صحيحا و لحقه الاجازة فالتسليط يكون بعوض حتى في حكم الشارع - فتأمل.

و أما ما ذكره فخر المحققين في الايضاح وجها رابعا لدفع الاشكال من ان الثمن في الفرض يكون متعلقا لحق المالك المجيز أيضا، اذا المفروض انه جعل ثمنا لماله و ان كان متعلقا لحق الغاصب أيضا إلاّ انه يقدم عليه حق المالك، لما ورد من ان الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال.

(ففيه) أولا - لم يرد دليل على انه يؤخذ بأشق الأحوال بل لا يؤخذ إلاّ بما ثبت في حقه شرعا.

و ثانيا - ذكرنا ان وقوع العقد على مال الغير لا يوجب له حقا، و الاجازة انما هو حكم شرعي لا حق مالكي (هذا) مضافا الى انه يعتبر في صحة الاجازة عدم كون موردها متعلقا لحق الغير و الا فلا تنفذ، فالصحيح في الجواب عن الاشكال ما ذكرناه.

قوله رحمه اللّه: مسألة في أحكام الرد... [1]

الرد و أحكامه

اشارة

[1] يقع الكلام فيها من جهات:

(الاولى) في الرد القولي و الفعلي. و لا يخفى ان البحث عنه انما يكون له أثر بناء على عدم نفوذ الاجازة بعد الرد و كون تخلل الرد بين العقد و الاجازة مانعا عنها، و أما لو قلنا بنفوذها بعد الرد أيضا فلا مجال للبحث عنه، فبعد فرض مانعية سبق الرد عن لحوق الاجازة نقول:

أما الرد القولي فلابد أن يكون بلفظ «رددت» و نحوه مما يكون مبرزا عرفا و أما الرد الفعلي فظاهر المحقق النائيني ان النزاع فيه صغروي، اذ لم يتعرض فيه للكبرى و انما ناقش في الصغرى، و ان الأمثلة المذكورة في المتن ليس شيء منها مصداقا للرد و انما هي معدمة للموضوع.

(و نقول) كأنه قدّس سرّه تخيل انحصار الرد الفعلي بتلك الأمثلة، و لا وجه له، فان من مصاديقه الاشارة، فاذا سئل المالك عن انه يرد العقد الواقع على ماله فأشار برأسه «نعم» يكون ذلك ردا فعليا فالظاهر تحققه بما هو مبرز للرد عرفا سواء كان قولا أو فعلا.

(الجهة الثانية) في تصرف المالك في ماله تصرفا ناقلا أو مخرجا له عن الملكية كالبيع و العتق و نحوه و انه هل ينفذ بعده اجازته للبيع السابق فيكون عقده اللاحق فاسدا أو لا يبقى بعده موضوع لاجازته‌؟ المحتملات فيه ثلاثة، و ظاهر المصنف انه على الكشف يصح العقد السابق بالاجازة و ينكشف بها وقوع التصرفات في ملك الغير، فتكون صحتها مراعى باجازة مالكها الجديد ان كان قابلا للاجازة، و على النقل ينعكس الأمر لأنه قبل تمامية سبب النقل انتقل المال الى غيره أو خرج عن

ملكه (و لكن) الصحيح فساد العقد السابق حتى على الكشف فضلا عن النقل، و ذلك لأن الاجازة انما تكشف عن صحة العقد من حين صدوره فيما اذا صدر من المالك لو لا الاجازة، و مع صحة النقل لا يكون المجيز مالكا كذلك، فان الخطاب في أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و نظائره متوجه الى الملاك، و لا بد في صحة العقد السابق من أن يستند الى المالك باجازته، و الا فلا تعمه الأدلة، فصحة الاجازة متوقفة على فساد العقد اللاحق، و المفروض ان فساده متوقف على نفوذ الاجازة و كشفها عن صحة العقد السابق، و هذا دور ظاهر (فالصحيح) في هذا الفرع الحكم بصحة العقد اللاحق دون الاجازة على الكشف بجميع أقسامه فضلا عن النقل.

(و بالجملة) اذا تصرف المالك فيما بين العقد و الاجازة بتصرف متلف للعين أو ما هو بحكمه فلا يبقى بعد ذلك محل للاجازة لا من جهة ان الاجازة تتعلق بالعين، لما ذكرنا سابقا من انها متعلقة بالعقد بل لأن الخطاب في أدلة صحة العقود متوجه للملاك، فلابد من أن يكون البيع بيعا للمالك فتعمه الأدلة، فاذا فرضنا ان المبيع خرج عن ملك المجيز قبل اجازته و استناد البيع اليه فيستحيل أن يكون هذا البيع بيعا للمالك، لأنه حين وقوعه لم يكن بيع المالك و حين تحقق الاستناد لا يكون المالك مالكا، فلا تعمه الأدلة.

(هذا) مضافا الى ان بعض ما ورد في النهي عن بيع ما لا يملك(1)يعم المقام، كقوله عليه السّلام في بعضها «لا بأس لأنه لا يشتريه بعد ما يملكه» و في بعضها «يبيع بعد ما يملك» فانه يستفاد منه المنع اذا لم يكن البيع و الشراء في ملك لا يفرق فيه بين أن


1) راجع ص 319.

لا يكون البائع مالكا حين البيع فيملك بعده فيجيز أو يكون حين وقوع العقد مالكا و لم يكن مالكا حين الاجازة، فان البيع الحقيقي لا يكون في ملك البائع، و ما ذكرناه جاز على القول بالكشف و النقل و ان كان على النقل أوضح من الكشف و على الكشف الحكمي أوضح من الكشف الحقيقي.

(و يلحق) بالبيع فيما ذكرناه التزويج، فاذا زوجت امرأة فضولة لشخص ثم هي زوجت نفسها لشخص آخر لا يبقى بعد ذلك مجال لأن تجيز النكاح الأول أصلا، لأن التزويج الثاني تزويج صادر ممن له أهلية التزويج و واقع في محله، فيكون نافذا.

(و أما الاستيلاد) فالظاهر انه مانع عن الاجازة، لأن بيع المالك لها انما هو باجازته، و المفروض انها ام ولد حينئذ. اللهم إلاّ أن يقال ان المنع إنّما هو عن انشاء البيع على ام الولد و ليست الاجازة انشاء لبيعها، و انما هي استناد البيع السابق الى المالك.

(هذا كله) في عقد المالك الواقع على عين المبيع فضولة، و أما اذا كان العقد الواقع من المالك على منافع العين المبيعة فضولة لا على عينها فان كان منافيا للعقد الفضولي - كما اذا آجر الفضولي دار زيد لمدة ثم آجرها المالك أيضا في تلك المدة - ففي مثله لا بد من القول بفساد العقد الفضولي لما تقدم، و أما ان لم يكن منافيا للعقد الفضولي - كما اذا فرضنا ان دار زيد بيعت فضولة ثم آجرها المالك لمدة ثم أجاز البيع - فان الاجازة لا تنافي البيع، لأن المشتري انما يملك المنافع بتبع مالكيته للعين فيكون المبيع موردا للاجازة لا محالة، غايته يكون مسلوب المنفعة الى مدة معينة، و الظاهر صحة البيع الفضولي في هذه الصورة: أما على النقل

فلان المبيع ينتقل الى المشتري مسلوب المنفعة في مدة الاجازة، فيثبت للمشتري خيار العيب لأنه أقدم على شرائه تام المنفعة، و أما على الكشف فلما ذكرناه من ان المجيز لا بد و أن يكون مالكا لو لا الاجازة، و بالنسبة الى منافع مدة الاجازة لاكون كذلك فلا ينفذ اجازته فيه.

هذا في الاجازة، و أما في تزويج الامة اذا بيعت فضولة فزوجها المالك ثم أجاز المالك البيع فالظاهر فيه أيضا الصحة، لأنه غير مانع عن البيع غاية الأمر يثبت للمشتري الخيار كما عرفت في الاجازة.

(و أما الرهن) فيما اذا رهن المالك العين المبيعة فضولة ثم أجاز البيع فظاهر المحقق النائيني كونه مانعا عن صحة الاجازة، و لكن التحقيق انه ان تمسكنا في منع الراهن عن التصرف في العين المرهونة بالنبوي الضعيف السند الذي لم ينجبر ضعفه بعمل الأصحاب و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله «الراهن و المرتهن ممنوعان عن التصرف» فلا يجوز له الاجازة في الفرض لأنها تصرف في العين المرهونة. و أما بناء على القائه - كما هو الصحيح - فمقتضى القاعدة هو المنع عن التصرف في العين المرهونة بما ينافي حقيقة الرهن كاتلاف العين دون غيره، و بما ان تمليك العين المرهونة لا ينافي حقيقة الرهن، اذ لا يلزم أن يكون العين المرهونة ملكا للراهن بل يجوز رهن ملك الغير باذن مالكه، كما يجوز بيع العين المرهونة كذلك - يعني متعلقا لحق المرتهن بحيث يكون حق استيفاء دينه من المبيع اذا امتنع المديون من الأداء - فعليه لا مانع من اجازة المالك البيع الفضولي الواقع على ماله بعد ما رهنه للغير، غايته يثبت للمشتري خيار العيب كما هو ظاهر.

(و بالجملة) ما كان من تصرف المالك مصداق للرد الفعلي - كالاشارة و نحوها -

قوله رحمه اللّه: في التصرفات الغير المنافية... [1]

فهو كالرد القولي في كونه موجبا لانحلال العقد الواقع على ماله و زوال علقة الطرف عنه، و أما التصرف المتلف للمبيع أو بما يجعله بحكم التالف كالبيع ثانيا لشخص آخر فهو كما ذكرنا لا يبقى موضوع للاجازة حتى على الكشف فضلا عن النقل، و لكنه لا يوجب انحلال العقد السابق، اذ المفروض عدم كونه ردا له، فغايته انه يوجب سقوط العقد عن قابلية الاجازة بالنسبة الى المالك بالفعل فقط و لا يسقطه عن الصحة التأهلية مطلقا، بحيث لم يكن قابلا للاجازة بالاضافة الى المالك الجديد أيضا إلاّ اذا كان التصرف تصرفا موجبا لسقوط العقد عن قابلية الاجازة مطلقا كالعتق، فان بيع الحر غير جائز مطلقا.

(هذا كله) في البيع و قد عرفت حكم التزويج و الاستيلاد أيضا، فان الاستيلاد - و ان لم يكن مخرجا للامة المستولدة عن الملك - إلاّ انه مانع عن بيعها و بيع المالك اجازته.

التصرف غير المنافي لا يكون ردا

[1] كعرض المالك المبيع للبيع أو بيعه ببيع فاسد، و قد فصل فيه المصنف بين ما اذا كان المالك حين تصرفه ملتفتا الى وقوع البيع الفضولي و عدمه، و ذهب في الأول الى انه رد للعقد الفضولي، و استدل عليه أولا بما ورد في نكاح العبد و الأمة بغير إذن مولاه (و فيه) ما ذكره المصنف انه لا تعرض في ذلك لكيفية الرد و الغريب تمسكه قدّس سرّه بذلك، فالعمدة في المقام أمران آخران:

(أحدهما) كون العرض على البيع أو البيع الفاسد ردا عرفا.

(و فيه) منع، بل قد يعرض المالك ليرى هل يباع بأكثر من ثمن بيع الفضولي فيبيعه أو لا فيجيز العقد السابق.

(ثانيهما) فحوى الاجماع المدعى على حصول الفسخ بالفعل في العقد الجائز بالذات كالهبة أو بالعرض كالبيع الخياري، فاذا صلح الفعل لرفع أثر العقد الثابت فبالأولوية يصلح للرد.

(و فيه) ما ذكرناه من الفرق بين الفسخ و الرد، فان من له الخيار لا يتمشى منه قصد بيع ما انتقل عنه بالعقد الجائز ما لم يفسخ العقد، اذ لا معنى لقصد بيع الانسان لنفسه مال الغير (و عليه) فنفس البيع الثاني بالدلالة الالتزامية دال على الفسخ، و غير البيع من تصرفاته الاخر يكون فسخا من باب الحمل على الصحة، و هذا بخلاف الفعل المنافي في مورد الرد، فانه ليس فيه دلالة التزامية على الرد كما لا يقتضيه الحمل على الصحة.

(نعم) خصوص الوطي في العدة يكون رجوعا و لو قصد به الزنا، لأن المطلقة رجعية قبل انقضاء عدتها زوجة حقيقة، فالصحيح ان العرض للبيع لا يكون ردا للعقد السابق، و كذا البيع الفاسد (و بما ذكرناه) ظهر الحال في الوكالة و الوصية للبيع أو ايقاع العقد الفاسد عليه لا يوجب بطلانهما (و أما الايجار و الرهن) فقد عرفت الكلام فيهما فلا نعيد.

قوله رحمه اللّه: مسألة لو لم يجز المالك... [1]

حكم ضمان المبيع فضولة

[1] أما اذا أجاز المالك البيع الواقع على ماله فلا اشكال في انه يملك الثمن و له انتزاعه من يد المشتري أو البائع ان كان موجودا، كما له الرجوع ببدله ان كان تالفا، و أما اذا رد البيع الواقع على ماله فضولة فان كان المبيع في يده فهو و الا فله انتزاعه ممن وجده في يده ان كان باقيا و مع التلف يرجع ببدله الى من تلف عنده أو وقع تحت يده فله الرجوع الى البائع، سواء كان غاصبا أو كان جاهلا، و الى المشتري أيضا اذا وقع يدهما عليه، كما في بقية موارد تعاقب الأيادي.

و هذا واضح و انما الكلام في انه عند التلف يكون الضمان بقيمة يوم الغصب أو يوم التلف أو يوم الدفع أو أعلى القيم وجوه، و قد ذكرنا في قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» ان مقتضى القاعدة هو الضمان بقيمة يوم الدفع، إلاّ أن ظاهر صحيحة أبي ولاد أن الميزان بقيمة يوم الدفع - على ما تقدم الكلام في ذلك.

ثم لو قلنا بضمان أعلى القيم فالمراد بها أعلى القيم من زمان وقوع المبيع في يد الضامن الى زمان الدفع. فلو فرضنا زيادة القيمة في يد البائع ثم نقصت قبل وقوعه في يد المشتري ليس للمالك الرجوع اليه بالزيادة، بل إما يرجع بأصل القيمة و زيادتها الى البائع أو يرجع الى المشتري في أصل القيمة و يرجع في الزيادة الى البائع.

(هذا كله) في رجوع المالك بالاضافة الى عين المبيع أو بدله، و أما المنافع فللمالك أيضا الرجوع الى أي منهما شاء، أما في المستوفاة فبلا اشكال و في غير المستوفاة الى زمان التلف على كلام، و السر في ذلك ان وضع اليد على العين في ان واحد يكون استيلاء على جميع منافع العين الى وقت تلفها بالتبع فيضمن للمالك

قوله رحمه اللّه: و أما حكم المشتري مع الفضولي... [1]

جميعها، و لذا للمالك الرجوع الى كل منها في المنافع من حين وقوعها تحت استيلائه الى زمان تلف العين.

(و أما الأوصاف) فلا اشكال في كونها مالا و يضمنها من استولى عليها، فاذا فرضنا وقوعها تحت يد كل منها و تلفها بعد ذلك فللمالك أن يرجع فيها الى كل منها، و أما اذا فرضنا وجودها تحت يد المشتري دون البائع فالظاهر انه لا يرجع فيها المالك إلاّ اليه دون البائع، خلافا للميرزا رحمه اللّه حيث قاس الأوصاف بالمنافع في دخولها تحت اليد بتبع العين و لو لم تكن موجودة حين الاستلاء على العين، و ذلك للفرق بينها و بين المنافع و عدم كون الأوصاف تابعة للعين في الضمان، كما هو ظاهر. هذا كله في حكم رجوع المالك الى المشتري أو البائع في المبيع و منافعه و أوصافه.

حكم المشتري مع الفضولي

اشارة

[1] تارة يقع الكلام في رجوعه اليه بالثمن و اخرى في رجوعه اليه بما غرمه المالك زائدا على الثمن من قيمة المنافع أو زيادة القيمة السوقية، فهنا مسألتان:

(الاولى) في رجوعه اليه بالثمن، أما اذا كان المشتري جاهلا بفضولية البائع فلا ريب في انه يرجع اليه بالثمن ان كان تالفا، اذ لم يصدر منه ما يوجب عدم ضمان البائع من التسليط المجازي و لا غيره سوى اعترافه بأنه مالك، و اعترافه بذلك يتصور على ثلاثة أنحاء: لأنه قد يعترف به من باب اليد قبل قيام البينة على عدم كونه مالكا، و اخرى يعترف به من باب العلم كما اذا اعترف بذلك بعد قيام البينة أيضا، و ثالثة لا يكون في البين قرينة على احدى الكيفيتين: أما على الأول فليس اقراره مانعا عن الرجوع لسقوطه بسقوط اليد بعد قيام البينة على خلافها، كما هو

قوله رحمه اللّه: و ان كان عالما بالفضولية... [1]

الحال في جميع موارد قيام البينة، فانها تقدم على اليد دائما، بل البينة بالالتزام دالة على جواز الرجوع اليه بالثمن، و أما على الثاني فليس له الرجوع اليه لاعترافه بأن الثمن ملك له غايته قد أخذ منه المبيع بحسب الحكم الشرعي الظاهر، و هو لا يجوز له أخذ مال الغير، و أما الثالث فذكر فيه المصنف ان في الأخذ بظاهر الحال من استناده الى اليد أو الأخذ بظاهر اللفظ وجهان، و لم يرجح أحدهما على الآخر إلاّ أن الظاهر إلحاقه بالقسم الأول و سقوطه بالبينة (و ذلك) لأن مقتضى عموم على اليد أو قاعدته ثبوت الضمان إلاّ فيما اذا علم المالك بعدم بالضمان و ان المال له، و في المقام اعترافه به مشكوك، فلا يمكن رفع اليد فيه عما اقتضاه القاعدة.

(و بعبارة اخرى) دليل البينة بالالتزام دال على سقوط الاعتراف و جواز الرجوع الى البائع، إلاّ فيما اذا ثبت كون اعترافه عن علم و غير مستند الى اليد.

[1] يمكن فرض ذلك من طرف البائع و من طرف المشتري، كما اذا علم بأن البائع غير مالك للمبيع و مع ذلك دفع اليه الثمن، أو علم البائع بأن المشتري غير مالك للثمن و مع ذلك دفع اليه المبيع. و يقع الكلام في هذه الصورة - أعني ما اذا كان المشتري عالما بأن البائع لا يملك المبيع - في جهات ثلاث:

«الاولى» في جواز رجوعه اليه بالثمن الذي دفعه إياه مع بقاء عينه.

«الثانية» في جواز تصرف البائع فيما يأخذه من المشتري من الثمن.

«الثالثة» في جواز رجوع المشتري الى البائع ببدل الثمن اذا كان تالفا عنده.

(أما الجهة الاولى) فالظاهر فيها جواز الرجوع الى الثمن اذا كان باقيا، و قد استدل عليه المصنف - على ما يستفاد من مجموع كلامه - بوجوه ثلاثة:

«الأول» عدم المقتضي لانتقال الثمن الى البائع.

«الثاني» ان مجرد التسليط لو كان موجبا لانتقال المال اليه لزم حصول الانتقال في البيوع الفاسدة أيضا لتسليط كل من المتبايعين صاحبه على ماله، و هذا كأنه نقض في المقام.

«الثالث» ان تملك البائع للثمن يستلزم عدم صحة البيع لو أجازه المالك لفوات محلها بذلك، ثم أمر بعد ذكر هذا الوجه بالتأمل.

(و نقول) أما الوجه الأول فمتين جدا، اذ لا موجب لانتقال الثمن الى البائع مع ان المشتري لم يسلطه عليه مجانا و انما سلطه عليه مبنيا على انه وفاء للعقد. و الأولى أن يضاف الى هذا الوجه ما ذكره المصنف في الجهة الثانية من أن تملك البائع للثمن في الفرض أكل للمال بالباطل، فيقال: ان ظاهر قوله تعالى: لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ حصر سبب الحل بالتجارة الناشئة عن رضا المالكين لا رضا كل أحد، و هي مفقودة في المقام، لأن البائع انما يتملك الثمن ببيع مال غيره، اذ المفروض عدم كون التسليط مجانيا فيكون داخلا في المستثنى منه، أعني أكل المال بالباطل.

(و أما الوجه الثاني) فيرده الفرق بين البيع الفاسد من جهة انتفاء أحد العوضين و البيوع الفاسدة شرعا من الجهات الاخر، فان تسليط كل من المتبايعين صاحبه على ماله في البيع الفاسد ليس تسليطا بلا عوض، بل هو تسليط مع العوض غاية الأمر لم يمضه الشارع بل حكم بفساده، و هذا بخلاف التسليط في فرض انتفاء أحد العوضين، كما في شراء مال الغير، فان المشتري حينئذ يسلط البائع على الثمن بلا عوض، فالتسليط مجاني. و قد أشار المصنف قدّس سرّه الى هذا الفرق بعد أسطر فهو ملتفت اليه، و ذكر هذا الوجه مع ذلك منه غريب.

(و أما الوجه الثالث) فيرده أمران قد ذكرناهما سابقا في أحكام المجاز:

(أحدهما) أن اجازة المالك تكشف عن ان تسليط المشتري البائع على الثمن كان تسليطا له على مال الغير فلا يفيد الملك، هذا على الكشف.

(ثانيهما) ان التسليط المجاني - مع العلم بأن البائع غير مالك - انما هو في فرض بطلان البيع و عدم اجازة المالك، و هذا جار على النقل أيضا، فكون التسليط مجانيا في فرض الرد لا يستلزم انتفاء موضوع الاجازة.

(هذا) و قد ذكر الميرزا وجها آخر لجواز رجوع المشتري الى حين الثمن، و كأنه لم يرتض ما أفاده المصنف، حاصله: ان التسليط المجاني لا يزيد على الهبة الجائزة، فنفرض انه مفيد للمالك إلاّ انه لا مانع من الرجوع مع بقاء العين، كما يمكن الرجوع الى العين المرهونة في الهبة.

(و فيه) ان جواز الرجوع الى الثمن لو كان من باب الهبة لاختص بما اذا كان الثمن قائما بعينه و لا يجوز الرجوع اليه في فرض زوال بعض أوصافه، كما اذا كان قميصا ففصله للخياطة أو كان حيوانا فذبحه (و عليه) لم يجز الرجوع أيضا فيما اذا كان البائع رحما للمشتري، فان الهبة الى ذي الرحم تكون لازمة. و من الظاهر انه بناء على جواز رجوع المشتري الى الثمن لا يفرق فيه بين هذه الصورة، فالعمدة في المقام هو الوجه الأول في كلام المصنف.

(و أما الجهة الثانية) فبما ذكرناه ظهر الحال فيها، فان تصرف البائع في الثمن مع انه عالم بعدم انتقاله اليه و عدم اذن مالكه له في التصرف بعنوان أنّه مالك يكون من أكل المال بالباطل كما أفاده المصنف، اذ المالك انما سلطه عليه بعنوان كونه وفاء للعقد.

(الجهة الثالثة) في جواز رجوع المشتري الى البائع في بدل الثمن في فرض تلفه، و ذهب بعض الى الجواز، و المعروف عدمه كما اختاره المصنف و الميرزا رحمهما اللّه و غيرهما. و الوجه فيه ان المالك سلط صاحبه على ماله بلا عوض، فلا مقتضى للضمان.

(و قد) أوضحه المصنف بما حاصله: ان الضمان إما يكون لليد - أي الاستيلاء فانه موجب للضمان للحديث أو للسيرة العقلائية - و إما لقاعدة الاقدام على الضمان، و الأول مخصص بفحوى ما دل على عدم الضمان في موارد الاستيمان من الوديعة و العارية و الاجازة و نحوها، فاذا لم تكن العين مضمونة في هذه الموارد مع عدم الاذن من المالك في الاتلاف، لأن الدفع في الوديعة يكون لمجرد الحفظ و في العارية و الاجازة للانتفاع بالعين مع ابقائه، فبالأولوية لا ضمان في المقام الذي يكون التسليط فيه على التصرف و الاتلاف (و أما الثاني) - أعني الاقدام على الضمان - فعدم جريانه في المقام أوضح، لأن البائع انما أقدم على الضمان بشيء يعلم المشتري بأنه ليس له، فاذا لا مقتضى للضمان.

(ثم) أورد المصنف على ذلك بأن تسليط المشتري البائع على الثمن ليس مجانيا و انما هو بأزاء المبيع بعد بنائهما على ان البائع مالك للمبيع و لو عدوانا كما في بيع الغاصب، فالتضمين المالكي متحق و ان لم يمضه الشارع، و لو لا ذلك لم يتحقق قصد المعاوضة الحقيقية من المتبايعين و لم يصح بيع الغاصب.

(و أجاب عنه) بما حاصله: الفرق بين البيع و التضمين، فان البيع - كما ذكرناه - مبادلة بين مالين و ليس لخصوصية المالكين دخل فيه، فاذا بنى الغاصب على انه مالك و لو عدوانا يقصد المبادلة بين المالين حقيقة، فتقع صحيحة للمالك اذا أجاز،

و هذا بخلاف التضمين فان معناه كون العين المضمونة في عهدة الضامن و خسارته عليه، فاذا فرضنا ان المضمون به ليس للضامن و المضمن عالم به فكيف يضمنه به مع انه لو تلف لم يخرج بشيء من كيسه و لو بني على مالكيته عدوانا. ثم ذكر انه على هذا يلزم عدم الضمان في صورة الجهل بعدم مالكيته البائع أيضا، لأن المشتري في هذا الفرض أيضا ضمنه الثمن بأزاء مبيعه الشخصي الذي هو ملك الغير، فلم تتحقق حقيقة التضمين.

(و أجاب عنه) بالفرق بين الصورتين، فان المشتري في فرض الجهل لم يأذن للبائع في التصرف في ماله إلاّ بعنوان كونه ضامنا له بالمبيع الذي اعتقد كونه مالكا له، فلم يطب نفسه بالتصرف فيه من دون ضمان، و هذا بخلاف فرض العلم، فان المشتري اذن فيه للبائع في الاتلاف و التصرف من دون ضمان له بماله و لو اعتقادا.

(ثم ذكر) انه لا ينتقض عدم الضمان في المقام - أعني فساد البيع لخلل أحد العوضين بثبوته في البيوع الفاسدة لجهة اخرى من غرر و نحوه، لأن التضمين هناك متحقق غايته لم يكن الضمان الخاص ممضى في نظر الشارع، فيبقى أصل الضمان ثابتا، و هذا بخلاف ما نحن فيه.

هذا ملخص ما أفاده المصنف في نفي الضمان في المقام، و المحقق النائيني و ان ناقشه في بعض خصوصيات كلامه إلاّ انه تابعه في المدعى - أعني عدم الضمان - (و نقول) قد عرفت فيما تقدم سابقا ان دليل الضمان انما هو قاعدة «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» التي عليها بناء العقلاء، و معنى على اليد هو الاستيلاء على مال الغير، و أما الاقدام على الضمان فلا دليل على كونه مضمنا و انما يضم على قاعدة على اليد لنفي الاقدام على عدم الضمان فانه مانع عنه و الغاء لاحترام المال، و قد مر

قوله رحمه اللّه: و لكن اطلاق قولهم: كل عقد يضمن بصحيحه... [1]

تفصيله في بيان قاعدة ما يضمن و ما لا يضمن (و عليه) فلابد و ان ننظر في ان المشتري في محل البحث هل أقدم على المجانية و الغي احترام ماله بتسليط البائع على ماله مجانا فلا ضمان أو انه سلطه عليه وفاء للعقد السابق الواقع بينهما و ان كان فاسدا شرعا، و هذه هي النكتة للضمان و عدمه و لم يتعرض لها المصنف.

(و من الواضح) ان المشتري لم يسلط البائع على ثمنه إلاّ مبنيا على العقد السابق و تملكه للمبيع، و لو كان مثل هذا التسليط مجانيا موجبا لعدم الضمان لزم انتفاء الضمان فيما يأخذه الغالب من المتغامرين من المغلوب، و هذا فيما يبذله مشتري الخمر و الخنزير الى بائعه من الثمن مع علمه بالحال، فالصحيح ثبوت الضمان في المقام بمقتضى عموم على اليد بعد عدم كون التسليط مجانيا، و لا ينتقض ما ذكرناه بالبيع بلا ثمن أو الاجازة بلا اجرة، فانه في الحقيقة هبة مجانية عبر عنها بالبيع أو الاجازة، فالتسليط فيها مجاني بلا عوض، كما لا ينتقض بدفع الثمن الى ثالث - أي الى غير البائع - فان دفعه اليه لا بد و ان يكون مجانيا بلا عوض، فلا يقاس بالدفع الى البائع في مقابل المبيع.

(و من الغريب) ان المصنف ذهب في الجهة الثالثة الى عدم الضمان مع اختياره في الجهة الثانية عدم جواز تصرف البائع في الثمن، لعدم انتقاله اليه و عدم اذن المالك له بالتصرف بعنوان انه مالك مع وضوح ملازمته مع الضمان، فان التسليط ان كان مجانيا بلا عوض فهو ترخيص في التصرف فكيف منع عنه، و ان لم يكن تسليطا مجانيا بل كان بعنوان الوفاء بالعقد السابق كما هو الصحيح فلا وجه لعدم الضمان (و بالجملة) التفصيل بين الأمرين لم نعرف له وجها.

[1] قد مر الكلام في قاعدة ما يضمن و ما لا يضمن، و ذكر انه ليس شيء منهما

قوله رحمه اللّه: ثم إنّ مقتضى ما ذكرناه... [1]

مضمون دليل لفظي و لا معقد اجماع، بل كلام ذكره الشيخ قدّس سرّه و الشهيد في المسالك و تبعهما غيرهما، فلا وجه لما أتعب به المصنف نفسه الزكية في بيان عباراتها و تطبيقها على مواردها و بيان المراد منها، إلاّ انا بينا في محله ان معناها ان كل فرد من عقد يضمن به اذا فرض صحيحا يضمن به اذا كان فاسدا أيضا، و ينطبق حينئذ على ما نحن فيه على ما بيّناه. و يلخص مما بيّناه ثبوت الضمان في الفرض، لأن المشتري لم يقدم على تسليط البائع على الثمن مجانا و انما سلطه عليه بعوض، فعموم دليل على اليد مثبت للضمان.

(نعم) اذا فرضنا عدم عدم قابلية المبيع للمبادلة أصلا حتى عند العقلاء - كما اذا باعه السماء الرابعة أو الحر - و علم المشتري بذلك لا يكون البائع ضامنا للثمن اذا سلطه عليه لعدم تحقق قصد المبادلة منها حقيقة، فليس تسليطه على الثمن تسليطا بعوض حتى بحسب الاعتبار للمتبايعين، بل لكون المبادلة في هذه الصورة حقيقة كالبيع بلا ثمن فلا ضمان، و لا يقاس هذا بشراء الخمر أو الخنزير و نحوه مما هو مال عرفا و لكنه ليس بمال شرعا، فان قصد المبادلة الحقيقية موجود فيه حقيقة، فيكون دفع الثمن الى بائعه بعنوان الوفاء بالعقد السابق و مع العوض فيضمنه لا محالة، و هذا بخلاف بيع ما ليس بمال حتى عرفا، فان قصد المعاوضة حينئذ مفقود واقعا و ليس دفع الثمن الى البائع إلاّ تسليطا مجانيا.

فروع: تستثنى عن المسألة السابقة

[1] تعرض المصنف في ذيل هذه المسألة لفروع:

(منها) انه اذا باع الفضولي للمالك لا لنفسه و علم المشتري بذلك و دفع اليه الثمن لكونه واسطة في ايصاله الى المالك فتلف في يده يكون ضامنا، لعدم تسليطه عليه

قوله رحمه اللّه: المسألة الثانية - أن المشتري اذا اغترم للمالك... [1]

و لا اذن له في التصرف (و فيه ما لا يخفى) فان ما ذكره من الضمان في الفرض ان أراد به ضمان الاتلاف فهو خارج عن محل الكلام لأن محل البحث انما هو التلف و الضمان بدليل على اليد، و ان أراد به ضمان اليد - كما هو الظاهر - فلم نعرف له وجها، لأن المفروض ان المشتري استأمنه في ايصال الثمن الى المالك، و لا ضمان في مورد الاستيمان، فكان الصحيح المتعين على المصنف ان يعكس المطلب، أي يقول بالضمان في الفرض السابق و بعدمه في الفرض.

(و منها) انه قدّس سرّه حكم بالضمان فيما اذا أخذ البائع الثمن من دون اذن المشتري له في ذلك، بل أخذه بناء على العقد الواقع بينهما، لعدم تحقق تسليط من المشتري.

و هذا متين.

(و منها) حكمه بالضمان فيما اذا اشترط المشتري على البائع الضمان، أي الرجوع اليه بالثمن اذا أخذ منه المبيع صاحبه، و هذا أيضا ظاهر.

(و منها) عدم الفرق بين كون الثمن كليا فدفع اليه بعض أفراده و بين كونه شخصيا، و هذا أيضا واضح.

المسألة الثانية

[1] يقع الكلام فيها في موارد:

(الأول) فيما يغرمه المشتري للمالك في مقابل العين، كزيادة القيمة على الثمن أو زيادة القيمة السوقية عنده.

(الثاني) فيما يغرمه المالك بازاء ما استوفاه من المنافع، سواء كانت عينية كلبن الشاة أو صوفه أو غير عينية كسكنى الدار أو خدمة الجارية.

(الثالث) فيما خسره المشتري و لم يحصل له في مقابله نفع أصلا مثل ما صرفه

في تعمير المبيع و اصلاحه كتسوية الأرض أو اجراء الماء فيها أو نحو ذلك.

و أولا يقع البحث في القسم الثالث (فنقول) المعروف فيه الرجوع اذا كان المشتري جاهلا، و قد استدل عليه بوجوه:

(الأول) حديث لا ضرر (و فيه) ما تقدم من أن ثبوت الضمان - و ان كان يتدارك به ضمان المشتري - إلاّ انه ضرر على البائع، فلا يتمسك به في مثل ذلك.

(الثاني) اقوائية السبب من المباشر (و فيه) ان ذلك ليس مفاد دليل، و الميزان فيه انما يكون باسناد الفعل الى السبب عرفا. مثلا: اذا أمر أحد حيوانا بافتراس مسلم يستند قتله اليه عرفا فيقال الآمر قتله، و هكذا إذا بعث أحد جاهلا على قتل شخص أو حفر بئر في الطريق فوقع فيه مؤمن ففي جميع هذه الفروض يصح عرفا اسناد القتل اليه، لعدم توسط فعل عاقل مختار في البين، فيثبت آثاره عليه لا محالة. و أما اذا أمر أحد غيره بأكل مال الغير و أصر عليه في ذلك حتى أوجد له الداعي على الأكل فأكله لا يسند اليه الفعل لتوسط ارادة فاعل مختار في ذلك. و ما نحن فيه من هذا القبيل - أي الثاني - فلا يقال عرفا ان البائع خسره - فتأمل.

(الثالث) التغرير، و في النبوي «المغرور يرجع الى من غر»، و هذا النبوي و ان كان ضعيف السند و انجباره بعمل الأصحاب غير معلوم - مضافا الى ما بيّناه في محله من أصل تحقق الانجبار بالعمل - إلاّ انه يمكن استفادة ذلك من بعض الأخبار الواردة في موارد خاصة، فان ثبت ذلك يكون موجبات الضمان ثلاثة: اليد، و الضمان، و التغرير.

(و بالجملة) البحث في هذه المسألة يقع من جهات ثلاث:

«الاولى» في رجوع المشتري الى البائع فيما يغرمه للمالك زائدا على الثمن في

مقابل العين، كما اذا اشتراها بأقل من ثمنها الواقعي فأخذ منه المالك تمام القيمة.

«الثانية» في رجوعه اليه فيما يغرمه المالك في مقابل المنافع التي استوفاها.

«الثالثة» فيما يغرمه المالك في مقابل المنافع الغير المستوفاة أو ما خسره في غير ذلك مما لم يرجع اليه نفعه.

(أما الجهة الاولى) فاستدل فيها على الرجوع بوجوه:

(الأول) دليل لا ضرر. و قد عرفت ان ثبوت الضمن - و ان كان مزيلا لضرر المشتري - إلاّ انه ضرر على البائع، فلا يجري في المقام، مضافا الى عدم اثباته الضمان في نفسه.

(الثاني) قاعدة التسبيب، فان البائع هو الذي أوقع المشتري في تلك الخسارة، (و فيه) انها ليست مورد آية، بل لا بد فيها من استناد الفعل الى السبب عرفا لضعف المباشر و كونه بمنزلة الآلة، كما اذا فتح أحد باب قفص الحيوان فطار أو أمر مجنونا بقتل أحد. و من هذا القبيل شاهد الزور الذي رجع عن شهادته، فانه يصدق انه خسر المحكوم عليه لأن الحاكم معذور.

(نعم) في ثبوت الضمان على من قدم طعاما لغيره فأمره بالأكل كلام يمكن أن نتعرض له، فالعمدة هو (الوجه الثالث) أعني الغرر. و قد ورد في النبوي أن المغرور يرجع الى من غر، و هو ضعيف السند و لم يعلم انجباره بعمل الأصحاب، اذ لعلهم استندوا في هذه القاعدة الى الروايات الواردة في موارد خاصة، و قد ذكرها بعضهم:

منها ما ورد(1)

عنهم - يعني محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا - عن سهل، عن أحمد بن محمد، عن رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام «الى أن قال» و سألته عن البرصاء فقال: قضى أمير المؤمنين عليه السّلام في إمرأة زوّجها وليها و هي برصاء أن لها المهر بما استحل من فرجها و أن المهر على الذي زوجها، و انما صار عليه المهر لأنه دلسها، و لو أن رجلا تزوج إمرأة و زوجه إياها رجل لا يعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شيء، و كان المهر يأخذه منها. قال صاحب الوسائل: و رواه ابن إدريس في (آخر السرائر) نقلا عن كتاب نوادر أحمد بن ممد بن أبي نصر البزنطي عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و رواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب.

في أن ولي المرأة اذا زوجها و كانت معيبة فان كانت عوراء أو

1) ذكر بعضها في ج 4 من الوسائل - كتاب النكاح - في الباب الثاني من أبواب العيوب و التدليس/ 596. و اليك بعضها:

برصاء أو مجنونة يكون المهر على الولي المزوج.

و منها(1)

محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن اسماعيل بن جابر قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل نظر الى إمرأة فأعجبته فسأل عنها فقيل: هي ابنة فلان، فأتى أباها فقال: زوّجني ابنتك، فزوّجه غيرها فولدت منه فعلم بها بعد أنها غير ابنته، و أنها أمة، قال: ترد الوليدة على مواليها و الولد للرجل، و على الذي زوّجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غرّ الرجل و خدعه.

و نقل أيضا أحاديث اخر تدل على ذلك في ص 577 باب 67 من ج 14 كتاب النكاح.

ما ورد فيما اذا ظهرت المرأة المزوّجة مملوكة للغير و لم تكن ببنت مهيرة ان المهر يكون على المزوّج. و هذه الطائفة أجنبية عمّا نحن فيه، لأن ضمان المزوّج للمهر في موارد خاصة غير مستلزم لكون التغرير موجبا للضمان مطلقا.

و يؤكد ذلك ما في بعضها من رجوع المالك الى المشتري في قيمة الولد، فان مقتضى القاعدة أن يكون الولد رقا للمالك لأنه من توابع الأم و منافعها كولد الشاة و اثمار الأشجار و نحوها، كما في فرض الزنا بأمة الغير يكون الولد ملكا لمالكها، إلاّ انه


1) ذكر في الوسائل 602/14 كتاب النكاح:

بما ان الوطي وطي شبهة فيما نحن فيه يكون الولد حرا، فيرجع المالك الى المشتري بقيمته.

(و بالجملة) في المقام روايتان معللتان يمكن استفادة العموم و الاطلاق منهما:

(احداهما) رواية اسماعيل بن جابر الواردة في رجوع الزوجة الى الزوج بالمهر معللا بقوله عليه السّلام «كما خدعه و غره» أي لأنه خدعه و غره.

(و فيه) أولا - انها ضعيفة السند بمحمد بن سنان، فان أقوال أهل الرجال فيه مختلفة بين قادح و مادح، و القدح فيه أكثر حتى نقل انه في أواخر حياته دفع كتابه الى شخص و نهى عن أن يروي عنه شيئا و قال: اني أخذت ذلك من أهل السوق.

و بالجملة على أي تقدير لم يثبت وثاقته. و ثانيا - دلالتها قاصرة، فان عموم العلة انما يقتضي الرجوع الى غير الزوج في المهر و لا يقتضي الرجوع في غير المهر من المصارف حتى الى المزوج فضلا عن الرجوع الى الغار مطلقا في جميع الموارد.

(ثانيهما) ما حكي من قضايا أمير المؤمنين عليه السّلام فيمن تزوّج فبان كون المرأة برصاء أو عمياء فانه يرجع الى المزوّج لأنه غره و خدعه.

(و فيه) أيضا - مضافا الى ضعف السند بسهل بن زياد - انها ضعيفة الدلالة، لما بيّناه في الرواية المتقدمة.

(و بالجملة) قاعدة التغرير - أعني رجوع المغرور الى من غره - مما لم يعمل بها الفقهاء في جميع الأبواب، و انما استندوا اليها في باب البيع فقط، و الروايات التي يستدل بها على القاعدة بين ما هي ضعيفة السند أو الدلالة أو هما معا، فالنبوي و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله «المغور يرجع الى من غر» و ان كانت دلالته تامة إلاّ انه ضعيف السند، و أما الروايتان المعللتان فهما ضعيفتان من حيث السند و الدلالة: أما من حيث السند فلما

عرفت، و أما من حيث الدلالة فلأن عموم العلة لا يقتضي إلاّ ضمان التغرير في خصوص المهر دون غيره.

(هذا) مضافا الى انه لو تم الاستدلال بها كان الدليل أخص من المدعى، لأن رجوع الزوج الى الغار في المهر انما هو في فرض علمه بالعيب دون ما اذا جهل به، كما صرح بذلك في بعضها و ذكر فيها انه مع الجهل لا شيء عليه. كما ان عنوان الغرور و التدليس أيضا لا يصدق إلاّ في فرض علم الغار بالعيب و نحوه، لأنه مرادف للخديعة و لا يصدق مع الجهل، فعلى فرض تمامية دلالة هذه الأخبار على ثبوت الضمان بالتغرير لا يتم الاستدلال بها للمقام لأنها أخص من المدعى. و محل الكلام في المقام رجوع المشتري الى البائع فيما يغرمه المالك مطلقا، سواء كان البائع جاهلا بالحال أو عالما به - فتأمل، فيكون الدليل أخص من المدعى.

(و أما) رواية جميل(1)و قوله عليه السّلام فيها: «و يرجع على من باعه بثمن الجارية و قيمة الولد التي أخذت منه» فهي قويّة من حيث السند كما انها قوية دلالة أيضا من حيث ورودها في البيع و صراحتها في رجوع المشتري الى من باعه بالثمن و قيمة الولد، إلاّ انه يرد عليه احتمال اختصاص رجوع الحكم بالولد فان له أحكاما خاصة، و قد عرفت ان مقتضى القاعدة فيما اذا استولد أحد جارية الغير أن يكون الولد رقا لمالكها للتبعية، إلاّ انه حكم الشارع في وطى الشبهة بحريته و رجوع المالك الى والده بقيمته، فمن المحتمل أن يكون مختصا بحكم آخر، و هو رجوع المشتري الى


1) و هي آخر رواية ذكرها صاحب الوسائل في باب حكم ما لو بيعت الأمة بغير اذن سيّدها فولدت من المشتري 592/14.

البائع في قيمته أيضا، فلا يمكن التعدي عنه الى بقية الموارد.

و بما بيّنا ظهر انه لا وجه لما ذكره بقوله: فان حرية ولد المشتري إما ان يعد نفعا عائدا عليه أولا، و على التقديرين يثبت المطلوب.

و أما قوله قدّس سرّه: «مع أن في توصيف قيمة الولد انها أخذت منه نوع اشعار لعلية الحكم فيطرد في سائر ما أخذت منه» - الخ (ففيه) انه نظير ما ذكره بعض العامة في قوله صلّى اللّه عليه و آله: «في الغنم السائمة زكاة» من دلالتها على الزكاة في غير الغنم من الحيوان السائم، بتوهم ان علة الحكم هو الوصف فيدور الحكم مداره و لو في موضوع آخر و هو غير صحيح و أجنبي عن مفهوم الوصف، بل الظاهر أن أخذ عنوان الأخذ انما هو من جهة أن رجوعه الى البائع انما يكون بعد أخذ المالك منه و الا فليس له الرجوع كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى في تعاقب الأيادي، فان المالك في تعاقب الأيادي اذا رجع الى الغاصب الأول و أخذ منه المال له أن يرجع الى الثاني، و أما اذا عفى و لم يأخذ منه أو فرضنا انه متردد في الأخذ بعد فليس للسابق أن يرجع الى اللاحق، فاعتبار الأخذ في المقام يحتمل أن يكون لهذه النكتة أولا من جهة بيان انه يرجع الى البائع، بمقدار ما أخذ منه لا أقل و لا أكثر، فان ما يأخذه المالك من المشتري يختلف باختلاف القيمة السوقية، و له الرجوع الى البائع بمقدار ما أخذ منه دون غيره، فلا اشعار فيه في علية الأخذ للرجوع ليثبت في جميع موارد الأخذ إلاّ على مسلك بعض العامة الذي هو بديهي الفساد.

أما رواية زرارة(1)فسكوته عليه السّلام عن بيان رجوع المشتري الى البائع دليل على


1) ذكرها في الوسائل 592/14 كتاب النكاح. و اليك نصها: محمد بن الحسن باسناده عن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن صفوان بن يحيى، عن سليم الطربال أو عمّن رواه، عن سليم، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل اشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها الى أرضه فولدت منه أولادا، ثم إن أباها يزعم أنها له، و أقام على ذلك البيّنة، قال: يقبض ولده و يدفع اليه الجارية و يعوضه في قيمة ما أصاب من لبنها و خدمتها.

عدم الرجوع لو كان في مقام البيان، فيقيد حينئذ اطلاقه بما دل على الرجوع بقيمة الولد من الروايات الاخر.

و أما رواية زريق(1)فقد ذكر فيها رجوع المالك الى المشتري في قيمة الأرض المبتاعة و ما كان فيها من غرس أو بناء و نحو ذلك و تلف في يد المشتري، كما حكم فيها بأن المشتري اذا أحدث في الأرض شيئا من غرس أو بناء و نحوه ليس للمالك إلزامه بقلعها بل يتخير المشتري بين قلعها و بين أخذ قيمتها من المالك. و هذا نظير حصول الشركة القهرية في بعض الموارد، و هذا هو مقتضى العدل و الانصاف و لا تعرض فيها لرجوع المشتري الى البائع، لأن البائع في موردها هو القاضي، و هو مكره من قبل الشارع في البيع بعد قيام البيّنة، فلا يكون ضامنا.

(و بالجملة) لا وجه لرجوع المشتري الى البائع فيما يغرمه المالك بأزاء المنافع، لأن عمدة المستند في رجوعه اليه قاعدة التغرير، و لا دليل عليها سوى الروايات الخاصة الواردة في موارد خاصة كرجوع الزوج الى المزوج أو غيره في المهر اذا ظهرت الزوجة معيبة أو كانت أمة و لم تكن بنت مهيرة أو بان كونها بنت أمة، و الرجوع اليه بقيمة الولد اذا بان كونها أمة، و لا يمكن التعدي عنها، كما ان اثبات


1) نقلها في الوسائل 253/12 كتاب التجارة. و هي طويلة لا يسعنا المجال لذكرها، فراجعها هناك.

الضمان بحديث لا ضرر غير ممكن خصوصا في المنافع المستوفاة حيث لا يتضرر المشتري بدفع قيمة ما استوفاه غالبا.

(و أما) الاجماع المدعى في الايضاح فهو مبني على اقوائية السبب من المباشر و قد عرفت عدم تماميتها إلاّ فيما اذا كان المباشر بمنزلة الآلة للسبب، بحيث كان الفعل مستندا اليه عرفا، كأمر الصبي أو المجنون بشيء. و من هذا القبيل المكره، فان فعله يستند الى المكره. و من هذا القبيل شاهد الزور، فان الخسارة تستند اليه لا الى الحاكم، لأنه بمنزلة المكره في الحكم و القضاء، فيكون الضمان على السبب لا أن قرار الضمان عليه.

(نعم) المنافع التي يرجع المالك فيها الى المشتري يمكن أن تكون على قسمين:

لأنها تارة تكون مما استولى عليها البائع أيضا يتبع استيلاؤه على العين كسكنى الدار مثلا فان حيثية السكنى من منافع الدار التابعة لها في الملكية و الاستيلاء، فليستولي عليها بالاستيلاء على عين الدار فاذا فرضنا استيلاء البائع على الدار أوّلا ثم باعها على المشتري فقد استولى البائع أيضا على تلك المنفعة، و اخرى لا يكون كذلك و لم تدخل تحت استيلاء البائع أصلا كالمنافع العينية التي تجددت للعين بعد دخولها تحت يد المشتري و لم تكن موجودة حين استيلاء البائع عليها كالثمرة و اللبن و نحوهما، فان البائع لم يستول عليها و لم يضمنها.

(أما القسم الثاني) فليس للمالك الرجوع فيه الى البائع أصلا، لعدم دخول تلك المنافع تحت يده ليكون ضامنا له كما انه ليس بمتلف لها، فاذا رجع بها المالك الى المشتري ليس له الرجوع الى البائع لعدم الدليل على ما عرفت. و أما القسم الثاني فللمالك أن يرجع الى كل من البائع و المشتري، لأن كلا منهما ضامن لها، فيقع

الكلام في انه اذا رجع الى البائع فهل له الرجوع الى المشتري، أو اذا رجع الى المشتري فهل للمشتري أن يرجع الى البائع أو ليس له ذلك‌؟

(فنقول) سيأتي ان شاء اللّه تعالى في باب تعاقب الأيادي تصوير ضمان أشخاص عديدة لمال واحد إما بنحو الواجب الكفائي و إما بنحو اشتغال ذمة الجميع و سر الضمان أن الوجه في رجوع السابق الى اللاحق بعد ما رجع اليه المالك هو أن الغاصب أو من بحكمه يملك المال بقاء بعد أداء مثله أو قيمته بالسيرة العقلائية و تسالم الأصحاب، و لذا لو فرضنا أن أحدا أتلف زولية من غيره أو تلف تحت يده فأخذ منه المالك قيمته ليس له أن يطالبه بالأجزاء الصغار الباقية منها، خلافا للمصنف حيث اختار جواز رجوعه اليه، فمقتضى ذلك جواز رجوع البائع الى المشتري أن رجع اليه المالك، إلاّ ان في المقام خصوصية، و هي انه اذا أقدم أحد طعام نفسه الذي هو ملكه حدوثا واقعا بعنوان انه له ليأكله مع اعتقاده انه ليس له فأكله و بعد ذلك علم انه كان ملكا له واقعا ليس له الرجوع الى الأكل ببدله، و هذا موافق للسيرة و مورد تسالم الفقهاء أيضا. و أما عكسه - أي اذا أقدم مال الآكل واقعا اليه بعنوان انه ملكا له لا للآكل كما اذا ذبح شاة الغير و قدمه اليه بعنوان انه لا للآكل فأكله الآكل اذا علم بذلك أن يرجع الى المقدم، و هذا أيضا موافق للسيرة و مورد للتسالم. و لا فرق في كلا الموردين بين الملك حدوثا و بقاء.

(و عليه) ففيما نحن فيه اذا رجع المالك الى البائع ليس له الرجوع الى المشتري، لأنه من قبيل من قدم ملك نفسه حدوثا الى غيره ليأكله بعنوان انه ملكه مع اعتقاده بأنه ليس له، بل لا فرق بينهما إلاّ في كون المال ملكا له حدوثا في الفرض و بقاء فيما نحن فيه، و قد عرفت انه لا يوجب فرقا من حيث الضمان و عدمه و أما اذا رجع

المالك الى المشتري فله أن يرجع الى البايع لأنه قدم اليه مال نفسه بقاء بعنوان انه له فيكون ضامنا له، كما كان ضامنا في فرضه كونه مالا له حدوثا، فالصحيح في المقام هو التفصيل كما ذكرنا.

(و مما بيّناه) ظهر الحال في المنافع المستوفاة أيضا، فان في مورد رجوع المشتري الى البائع في المنافع غير المستوفاة يكون الرجوع اليه في المستوفاة ثابتا بالأولوية، و في مورد عدم رجوعه اليه لا يفرق بين المستوفاة و غيره كما هو ظاهر، فما حكاه المصنف عن الرياض على اطلاقه غير تام.

(و الحاصل) ان قاعدة التغرير و رجوع المغرور الى من غره مما لا دليل عليها، فاذا في المنافع التي لم يستول عليها البائع - كنتاج المبيع من صوفه أو لبنه أو نحو ذلك - ليس للمالك و لا للمشتري اذا رجع اليه المالك الرجوع الى البائع، و أما ما استولى عليه البائع من المنافع بتبع استيلاؤه على العين كسكنى الدار، فهي نظير طعام الآكل الذي هو ملكه واقعا فيقدمه أحد اليه ليأكله بعنوان انه له لا للآكل فأكله ثم بان انه له واقعا، فانه يرجع الآكل اليه لأنه أتلف مال الآكل بفعله عرفا فهو ضامن له من باب الاتلاف لا اليد، فيثبت عليه الضمان و لو لم يدخل المال تحت يده.

و هكذا اذا قدم مال شخص ثالث اليه بعنوان انه له ليأكله فأكله ثم رجع المالك الى الآكل فيأخذ منه قيمته، فانه يملكه بقاء و له الرجوع الى المقدم و يكون قرار الضمان عليه، كما ان المالك اذا رجع في الفرض الى المقدم ليس له الرجوع الى الآكل، و هذا مورد السيرة و تسالم الأصحاب ظاهرا.

و الظاهر انه لا فرق في ذلك بين العمد و الاشتباه، فاذا تخيل المقدم ان الطعام له فقدمه الى غيره فأكله ثم بان انه للأكل واقعا يجوز له الرجوع اليه لإتلافه اياه عرفا.

(هذا كله) في تقديم الطعام، و اما البيع فالظاهر فيه هو التفصيل بين صورة تغير البائع للمشتري و عدمه بحسب السيرة، فاذا كان البائع عالما بأن المبيع للغير فخدعه للمشتري أن يرجع اليه بما غرمه المالك بازاء المنافع، و يكون قرار الضمان عليه لأنه هو الذي أتلفها عرفا بتقديمها للمشتري مجانا و بلا عوض كما في تقديم طعام الغير اليه ليأكله، و أما اذا لم يكن عالما بالحال بل كان مشتبها فالظاهر عدم الرجوع اليه، كما اذا فرضنا ان أحدا تخيل ان الأرز المعين له فباعه الى شخص فقير بثمن زهيد و اشترط عليه أن يأكله ارفاقا عليه ثم ظهر انه لم يكن له بل كان مال الغير يكون قرار الضمان على المشتري الآكل، فان رجع المالك الى الآكل أو بان كونه ملكا للفقير نفسه واقعا ليس له الرجوع الى البائع - فتأمل. و السيرة جارية على هذا.

(و بالجملة) فحال فساد البيع في فرض اشتباه البائع من هذه الجهة حال فساده من غير جهة كون المبيع للغير، فكما لا يكون البائع ضامنا للمنافع منه لا يكون ضامنا لها في المقام أيضا، فصح ما ذكره في الحدائق من حكمه بعدم الضمان في الفرض.

(ثم) انه لا يفرق فيما ذكرناه بين المنافع المستوفاة و غيرها، ففيما جاز الرجوع في غير المستوفاة جاز فيه الرجوع في المستوفاة بالأولوية، كما انه فيما لم يجز الرجوع من المستوفاة فعدم جاز الرجوع فيه في فرض عدم الاستيفاء أوضح (و بما بيّناه) ظهر الحال فيما يغرم المالك المشتري من زيادة الثمن، فانه يرجع به الى البائع لأنه المتلف لها على المشتري، كما ظهر الحال أيضا فيما يأخذه المالك من البائع بأزاء الأوصاف التالفة، من غير فرق بين وصف الصحة و بقية الأوصاف، و تفصيل المصنف بين وصف الصحة و انها بمنزلة الأجزاء دون غيرها مما لا يقسط عليه

الثمن بلا وجه، فان وصف الصحة أيضا لا يقسط عليها الثمن، و الأرض انما ثبت بالدليل و لذا لو فرضنا انه اشترى معيبا و كان صحيحا في الواقع ليس للبائع أن يأخذ منه أكثر من الثمن.

(و الحاصل) ان مقتضى القاعدة عدم رجوع المشتري الى البائع فيما يرجع اليه المالك مطلقا، لأن التلف يكون تحت يده فيكون قرار الضمان عليه، إلاّ انا خرجنا عن ذلك بالسيرة فيما اذا كان في غير الثمن المسمى فيما اذا كان البائع غارا للمشتري.

(ثم ان) رجوعه اليه انما هو فيما اذا لم يكن البيع فاسدا من جهة اخرى، و أما اذا كان فاسدا مع قطع النظر عن كذب البائع - كما اذا فرضنا كونه ربويا - فضمان المشتري ليس مستندا الى كذب البائع و انما هو مستند الى يده العادية التي لم تنشأ من سبب صحيح شرعي فليس له الرجوع اليه.

(ثم ذكر) المصنف ان كلما لا يرجع به المشتري الى البائع اذا رجع اليه المالك يرجع به البائع الى المشتري اذا رجع اليه، لأن قرار الضمان يكون عليه لأن التلف صار في يده.

(ثم) أورد على نفسه بأنه لماذا يرجع البائع في ذلك الى المشتري - أي السابق الى اللاحق - مع حصول العين في يد كل منهما، و هي السبب للضمان و لم يحصل من اللاحق اتلاف على الفرض ليكون اتلافه موجبا لاستقرار ضمان السابق، فبهذه المناسبة تعرض لبحث تعاقب الأيادي و ذكر فيه أمرين:

تعاقب الأيادي

(الأول) كيفية اشتغال ذمم متعددة بمال واحد و صيرورته في عهدة أشخاص

عديدة، و أفاد في بيان ذلك ما حاصله: ان معنى ضمان أشخاص عديدة لمال واحد أن يكون ذمة كل منهم مشغولة بالمال على البدل، بحيث لو خرج واحد منهم عن ذلك سقط ذمم الجميع و الا كان ذمم الجميع مشغولة، و هذا نظير الواجب الكفائي فكما يمكن أن يكون المطلوب واحدا و المطلوب منه متعددا كذلك يمكن أن يكون المال واحدا و ضمانه متعددا.

ثم نظّر ذلك بما ذكره العامة في ضمان الذمم، فانهم قالوا انه اذا ضمن أحد ما في ذمة المديون يكون ذلك من قبيل ضم ذمة الى ذمة، فجعلوا الضمان فيه من باب ضم، و لكن الخاصة ذهبوا الى انه من ضمن و انه من قبيل انتقال المال من ذمة الى ذمة اخرى، فعلى مسلك الجمهور يكون كل من المديون و الضامن ضامنا لما في الذمة على البدل، و هكذا ما ذكره بعض فقهائنا في ضمان الأعيان في أحد العوضين.

(مثلا) اذا أراد أحد بيع عين و لم يكن المشتري مأمونا من كونها له بل يحتمل أن تكون العين مسروقة فيطالب البائع بالضامن لما يدفعه اليه من الثمن اذا ظهرت العين مستحقة للغير، فاذا ضمنه شخص يكون الثمن في عهدتهما، فيكون البائع ضامنا للثمن لليد و يكون الضامن ضامنا له بالاختيار، و هكذا في العارية المضمونة فيما اذا لم يطمئن المعير بالمستعير فضمنه الآخر، فان المستعير يكون ضامنا لليد و الضامن بالاختيار، و كذلك الحال في ضمان شخصين لمال واحد على سبيل الاشتراك، بأن يكون كل منهما ضامنا لبعضه و على سبيل الاستقلال أيضا، فباب تعاقب الأيادي يكون نظير هذه الموارد.

(هذا) حاصل ما ذكره المصنف في حال المالك بالاضافة الى الضامنين. و قد

أورد عليه الميرزا بما حاصله: انه لا يقاس الضمان بالوجوب الكفائي، فان في الواجب الكفائي يكون التكليف متوجها الى كل واحد من المكلفين، غاية الأمر مقيدا بعدم اتيان الباقي بما تعلق به الأمر. و أما في الضمان إن كان ضمان كل من ذوي الأيادي مقيدا و مشروطا بعدم ضمان الباقي يكون مرجعه الى عدم ضمان الجميع كما هو ظاهر. ثم ذكر ان ضمان شخصين في باب الذمم أو غيرها يمكن أن يكون طوليا، بمعنى ان الضامن يكون ضامنا للدائن، فاذا طالبه بالمال و أداه بما ان ضمانه له كان بأمر المديون يكون المديون ضامنا له، فالضامن ضامن للدائن و المديون ضامن للضامن.

(و بالجملة) ربما يقال في تعاقب الأيادي انه كيف يمكن أن يكون الذمم العديدة مشغولة بمال واحد، ثم كيف لا يرجع اللاحق الى السابق اذا رجع اليه المالك إلاّ اذا كان مغرورا و يرجع السابق الى اللاحق إلاّ اذا كان غارا له، مع ثبوت يد كل منهما على المال و نسبة الضمان اليهما على حد سواء، و المفروض ان اللاحق لم يتلف المال ليقال انه صار سببا لاستقرار الضمان على السابق.

(و قد أجاب المصنف) عن الأول بما حاصله: ان معنى اشتغال الذمم بمال واحد أن يكون كلا منها مشغولا للمالك على البدل، فاذا رجع الى أحدها و استوفي منه ما ضمنه سقط ذمة الباقي، اذ المال الواحد ليس له إلاّ بدل واحد، و المفروض عدم اشتغال الذمم بغير عنوان بدل التالف. و هذا نظير الواجب الكفائي.

(و قد أورد) عليه الميرزا بما حاصله الفرق بين الضمان و بين الواجب الكفائي فان في الواجب الكفائي يكون اطلاق الوجوب بالاضافة الى كل مكلف مشروطا بعدم اتيان غيره بالواجب، و هذا المعنى في الضمان غير ممكن، لأن ضمان كل

منهما مشروطا بعدم ضمان الآخر مرجعه الى عدم ضمان الجميع، فان هذا لو كان ضامنا فالآخر غير ضامن و كذا العكس، و لذا التزم قدّس سرّه في موارد الضمان بالضمان الطولي، بمعنى ان الضامن ضامن للمالك، و المديون ضامن لما ضمنه بعد ما أدى البدل الى المالك، و كذا في تعاقب الأيادي.

(و نقول) ما ذكر فاسد بناء و مبنى: أما المبنى فلأن الواجب الكفائي - على ما بيّناه في محله - ليس وجوبا مشروطا، بل هو سنخ وجوب متعلق بطبيعي المكلف نظير الواجب التخييري الذي يكون الطلب فيه متعلقا بالجامع بين الأمرين أو الامور، ففي الوجوب التخييري يكون الفعل كليا و في الكفائي يكون الفاعل كفائيا (و ذلك) لأن الملاك و المصلحة كما أنه قد تكون متحققة في الجامع، و حينئذ يكون الأمر بخصوص حصة أو فرد دون غيره ترجيح بلا مرجح، كذلك قد تكون قائمة بصرف وجود الفعل الصادر من طبيعي المكلف الملغي عنه الخصوصيات فتوجيه الأمر حينئذ الى أحد الأفراد دون غيره ترجح بلا مرجح، و توجيه التكليف الى جميع الأفراد مستقلا بلا مصلحة و ملاك، فلابد و أن يتعلق الوجوب بطبيعي المكلف، فاذا أتى أحدهم بالواجب سقط عن الجميع و الا ثبت استحقاق العقاب على الجميع، و في الضمان أيضا نلتزم بضمان كفائي، بأن يكون الضمان ثابتا على الجامع - أعني طبيعي من استولى على المال الملغى عنه الخصوصيات الفردية - لعدم الفرق بين هذه الجهة بين التكليفية و الوضعية، اذ كما يمكن أن يكون المملوك هو الطبيعي الملغي عن الخصوصيات - كما في بيع صاع من صبرة فان المملوك حينئذ طبيعي الصاع من الصبرة من غير دخل لخصوصيات الصاع فيه - و يمكن أن يكون المالك كليا - كما في الزكاة و نحوها، فان مالكها كلي الفقراء - كذلك يمكن

أن يكون الضامن كليا.

(هذا كله) في فساد المبنى، و أما البناء فلأنه لو سلمنا ان الوجوب الكفائي وجوب مقيد إلاّ انه كما ان القيد فيه عدم اتيان الباقي بذات الواجب لا عدم الوجوب على الباقي و الا جرى فيه الاشكال المزبور أيضا، كذلك في الضمان يكون القيد لضمان كل واحد عدم خروج غيره عن عهدة المال لا عدم ضمانهم، فيندفع الاشكال.

فعلى أي تقدير لا مانع من ضمان أشخاص عديدة لمال واحد بنحو الواجب الكفائي، و انما لم نلتزم به في ضمان ما في الذمم لعدم الدليل، بل لوجود الدليل على الخلاف لا الاستحالة و ان نسب الى العلامة (نعم) ضمان المديون و الضامن معا للمالك عرضا بنحو الاستقلال - بأن يكون لماله الواحد بدلان أحدهما في ذمة المديون و الآخر في ذمة الضامن - مستحيل بالمعنى الذي تقدم، اذ ليس لمال واحد سوى البدل الواحد.

(هذا كله) في تصوير ضمان أشخاص عديدة لمال واحد، و أما رجوع السابق الى اللاحق دون العكس فقد ذكر في وجهه امور:

(الأول) ما ذكره السيد في الحاشية، و حاصله انه لا فرق بين تلف المال تحت يد اللاحق و اتلافه له، لأنه كما صار سببا لثبوت الضمان على ذمة السابق في فرض الاتلاف - حيث انه لو لم يتلفه لكان يرجع المالك الى عين ماله و لهذا يرجع اليه السابق - كذلك في فرض التلف لو كان اللاحق ارجع مال الغير الى مالكه و لم يحبسه الى أن يتلف لسقط اشتغال ذمة السابق للمالك، و بما ان الرجوع ثابت في فرض الاتلاف فلابد و أن يثبت في التلف أيضا لوحدة الملاك.

(و فيه) مضافا الى ان الرجوع في فرض الاتلاف أيضا قابل للمناقشة لأن ضمان السابق مستند الى يده و استيلائه و ليس مسببا عن اتلاف اللاحق (نعم) لا يبعد كونه من قبيل ايجاد ما علق عليه الضمان. و على فرض كونه سببا له عرفا فهو لا يوجب الرجوع إلاّ على القول بالضمان في التسبيب، انه فرق بين الاتلاف و التلف، فانه في فرض الاتلاف أوجب المتلف بفعله تبدل ضمان السابق بالعين الى ضمانه بالبدل، و هذا بخلاف صورة التلف، اذ لم يصدر منه فعل اختياري يوجب اشتغال ذمة السابق بالبدل. و دعوى انه لو لم يحبسه و دفعه الى المالك فرغ ذمة السابق اشكال مشترك بين السابق و اللاحق، فان اللاحق أن يقول للسابق لماذا ما رددته أنت للمالك ليفرغ ذمتك.

(و بالجملة) لو سلمنا استقرار الضمان على اللاحق في فرض الاتلاف فلا موجب له في فرض التلف، فهذا الجواب غير تام.

(الجواب الثاني) ما أفاده المصنف، و حاصله: الفرق بين الضامن الأول و غيره، من حيث ان الضامن الأول بوضع يده على مال الغير ينتقل الى ذمته العين بالقاء الخصوصيات الشخصية، فهو يضمن مجرد العين الملغي عنها الخصوصيات و أما الضامن الثاني اذا استولى على العين فقد استولى على العين المضمونة بكونها ذا بدل، و هذا بخلاف الضامن الأول فانه لم يتول إلاّ على العين المجردة عن هذا العنوان، فلم يضمن سوى نفس العين، و أما الضامن الثاني فهو استولى على العين المعنونة بكونها ذات بدل ثابت في ذمة الضامن الأول، فهو يضمن الجامع بين العين و البدل - أي أحد الأمرين - نظير الواجب التخييري، و هذا هو مراده بقوله قدّس سرّه «فقد ضمن شيئا له بدل» فهذا الضمان يرجع الى ضمان واحد من البدل و المبدل على

سبيل البدل.

(و بالجملة) فاذا رجع المالك الى الأول سقط أحد طرفي التخيير - أعني اشتغال ذمة اللاحق بالعين للمالك - اذ لا معنى لضمان اللاحق له بعد وصول ماله اليه فيتعين الطرف الآخر - أعني اشتغال ذمته بالبدل للسابق - فله الرجوع اليه، غايته بعد ما رجع اليه المالك و دفعه اليه لا قبله. و هذا هو الفرق بين الضامن الأول و غيره.

(هذا) و يرد عليه قبل كل شيء ان العين لا تعنون بكونها ذات بدل إلاّ بعد التلف، و أما قبله فبمجرد استيلاء الضامن الأول عليها لا تكون ذات بدل، فنسبة كل من اليدين على المال نسبة واحدة، و لا فرق بينها إلاّ من حيث السبق في الزمان و اللحوق، فأولا اشتغل ذمة الضامن الأول بالمال ثم اشتغل ذمة الضامن الثاني به، و لا أثر للسبق الزماني.

(هذا) و أورد عليه السيد في حاشيته بوجوه سبعة يمكن الجواب عن بعضها و ما لا دافع عنه ثلاثة.

(أحدها) ان مقتضى ذلك أن يكون الضامن اللاحق ضامنا للمالك بأحد أمرين من العين و البدل لا ضمانه للضامن الأول، فان البدل في ذمة الضامن الأول ملك للمالك، فبدله الثابت في ذمة الضامن اللاحق أيضا يكون ملكا للمالك لا للضامن السابق.

(ثانيها) انه اذا فرض رجوع العين الى الضامن السابق و تلفه في يده لازم ذلك جواز رجوع الضامن السابق الى اللاحق أيضا، مع ان الأمر بالعكس.

(ثم أورد) على نفسه بأن رجوع المال الى الضامن السابق يستلزم كون السابق لاحقا و اللاحق سابقا، فيكون السابق ضامنا لماله البدل.

(فأجاب عنه) بأن يده الثابتة لا توجب الضمان، اذ المفروض ثبوت الضمان بيده الأولي، و هو باق بعد و لم يرتفع.

(ثالثها) ان لازم ذلك جواز رجوع الضامن السابق الى اللاحق قبل دفع البدل الى المالك، و هو أيضا كما ترى.

(هذا) و قد أورد الميرزا على السيد بما حاصله: انه لم يعبر كلام الشيخ على وفق مراده، ثم حمل قدّس سرّه كلام المصنف على الطولية، بمعنى ان السابق ضامن للمالك و اللاحق ضامن لما ضمنه، كما في الضمان العقدي، فان من ضمن المديون يكون هو الضامن للمالك الدائن لا المديون، و أما المديون فهو ضامن طولا لما ضمنه بمعنى أن الضامن بعد ما دفع الدين الى مالكه له أن يرجع الى المديون بما دفعه، لأن ضمانه كان بأمره و في المقام كذلك.

(و نقول) ان ما أفاده - و ان كان ممكنا ثبوتا و معقولا - إلاّ انه لا دليل عليه اثباتا، فان دليل الضمان في تعاقب الأيادي منحصر في اليد، و نسبته الى السابق و اللاحق واحدة، و لا وجه لكون السابق ضامنا للاحق و اللاحق ضامنا لما ضمنه السابق، بل مقتضى القاعدة ضمان كل منهما للمالك، و انما التزمنا به في الضمان العقدي للدليل و هو مفقود في المقام.

(هذا) مضافا الى ان لازم ذلك أن لا يجوز للمالك الرجوع الى الضامن اللاحق، لأنه ليس ضامنا للمالك و انما هو ضامن للضامن السابق على الفرض، كما في الضمان العقدي في باب الدين و الذمم، و هذا مما لا يمكن الالتزام به في المقام، فالظاهر ان مراد المصنف هو الذي فهمه السيد و أورد عليه قوله قدّس سرّه:

قوله رحمه اللّه: و ربما يقال... [1]

[1] انتهى كلامنا الى الوجه في رجوع الضامن الأول الى الثاني - أي السابق الى اللاحق - و التعبير بالأول و الثاني نظير عنوان المعقولات الثانوية التي تعم الثاني و ما زاد. و كيف كان قد مر الوجه الأول في بيان ذلك الذي ذكره المصنف.

(الوجه الثاني) ما حكاه عن الجواهر، و حاصله: ان من تلف المال في يده خطابه ذمي، فتكون ذمته مشغولة بالبدل للمالك، و أما غيره فخطابه تكليفي و ليس له اشتغال ذمة بالاضافة الى المالك، و عليه فاذا رجع المالك الى غير من تلف المال في يده و طلب منه البدل وجب عليه الأداء، فاذا أداه يملك ما في ذمة من تلف المال في يده من مال المالك بالمعاوضة القهرية أو يملك التالف كذلك، و لا مانع من ملكية العين التالفة كما في الخيار اذا فسخ من له الفسخ بعد تلف العين فله الرجوع اليه، و هذا بخلاف ما اذا رجع المالك بالبدل الى من تلف عنده المال، فانه لا يمكنه الرجوع الى غيره لعدم اشتغال ذمته الى المالك و انما خطابه كان تكليفيا محضا و قد سقط بوصول مال المالك اليه، و بهذا فرق بين الضامن الأول و الثاني.

(و قد أورد) عليه المصنف بوجوه: تارة من حيث كون خطاب الأول تكليفيا و خطاب الثاني ذميا، و اخرى من حيث المعارضة القهرية، أما ما أورده على الأول فامور:

(أحدها) راجع الى مقام الثبوت، و حاصله: عدم الفرق بين الخطاب التكليفي و الخطاب الذمي، فان الخطاب الوضعي منتزع عنده من الخطاب التكليفي كوجوب أداء العين أو المثل أو القيمة في المقام، و ليس الخطاب الذمي بنفسه مجعولا مستقلا في قبال الخطاب التكليفي بل هو منتزع منه (و فيه) انه مبني على مسلكه قدّس سرّه الذي بينه في الاستصحاب من كون الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية، و هو

غير تام على ما بيناه في محله، فان الخطاب التكليفي قد يثبت في مورد الخطاب الوضعي أيضا و قد لا يثبت، كما في وجوب الانفاق على الولد و وجوب الانفاق على الزوجة بشرائطه، فان الأول تكليفي محض و لذا لو خالف لا يثبت له الضمان، بخلاف الثاني فانه وضعي أيضا و لذا لو خالف و لم ينفق الرجل على زوجته يكون ضامنا و مديونا له، فهذا الوجه الراجع الى مقام الثبوت غير تام، و أما بقية الوجوه فهي راجعة الى مقام الاثبات.

(ثانيها) ان موجب الضمان لكل من الضامنين ليس إلاّ اليد، و أما وقوع التلف في يد الثاني دون الأول فهو ليس من موجبات الضمان، و من الظاهر ان دليل ضمان اليد واحد، و هو النبوي المعروف «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»، فكيف يمكن أن يكون مفاد الدليل الواحد حكما تكليفيا في مورد و خطابا ذميا في مورد آخر؟!

(ثالثها) انه لو نقطع النظر عن كون دليل الضمان واحدا و لا يمكن أن يستفاد منه الحكم الوضعي في مورد التكليفي في مورد آخر، إلاّ انه لا ريب في عدم الفرق بين الأيادي من حيث الآثار، بمعنى انه رتب آثار اشتغال الذمة على الضامن الأول من اجباره على الدفع، و تقديم ما في ذمته على الوصية، و جواز المصالحة على ما في ذمته الى غير ذلك، كما رتب جميع ذلك على ما في ذمة من تلف المال عنده، فيعرف من ذلك اشتغال ذمته كاشتغال ذمة الضامن الثاني. ثم بعد ذلك ذكر تالي فاسد آخر، و حاصله: ان لازم ذلك عدم جواز رجوع السابق اذا رجع اليه المالك إلاّ الى من تلف عنده المال دون غيره من الضامن اللاحق الذي لم يتلف المال في يده، مع ان المسلّم جواز رجوع كل سابق الى اللاحق مطلقا.

(هذا كله) فيما أورده عليه في دعواه ان الخطاب السابق تكليفي و اللاحق ذمي

(و أما ما أورده) على ما ذكره من المعاوضة القهرية الشرعية فحاصله: ان مجرد دفع البدل ممن لم يتلف المال في يده ليس من أسباب المعاوضة شرعا، لا من الأسباب القهرية كما في الارث و لا الاختيارية كما في البيع.

(هذا كله) في الوجوه الخمسة التي أوردها على الجواهر، و نقول بناء على ما سلكه صاحب الجواهر من بنائه الفرق على مقدمتين ما أورده المصنف متين خصوصا بعضها، إلا انه يمكن بيان الفرق بين السابق و اللاحق من غير حاجة الى المقدمة الاولى، بأن نبني على ان الخطاب بالاضافة الى كل من السابق و اللاحق وضعي، و كل منهما أو منهم ضامن لبدل المال غايته على نحو الواجب الكفائي، بأن يكون البدل ثابتا على ذمة كل من الضامنين على البدل لا عينا فانه مستحيل، لأن المبدل الواحد لا يعقل أن يكون له أبدال عديدة بعنوان البدلية، و كما يمكن أن يكون الطلب واحدا و المتعلق متعددا كذلك يمكن أن يكون الضمان واحدا و الضامن متعددا (و اذا ثبت ذلك) فنكتفي بالمقدمة الثانية و نقول: اذا أدى أحدهم البدل الى المالك يملك التالف بقاء بالمعاوضة القهرية، كما عليه السيرة العقلائية و يشهد لها أمران:

(أحدهما) ما اذا فرضنا ان أحدا أتلف مال الغير حقيقة - كما اذا غصب فرس الغير فقتله أو ذبحه - فأدى الى مالكه المثل أو القيمة ليس للمالك ان يطالبه بميتة ذاك الفرس، بل يكون متعلق حق الدافع و ليس للمالك مزاحمته في ذلك.

(ثانيهما) ما اذا فرضنا أن أحدا غصب مال غيره و غصبه منه شخص ثاني و ألقاه في البحر مثلا بحيث صار بحكم التالف ثم رجع المالك الى الغاصب الأول فأخذ منه البدل يكون ما في البحر ملكا له لا للمالك و يجوز له تصرفه فيه، فاذا فرضنا ان

الغاصب الثاني أخرجه من البحر لا بد من ارجاعه الى الغاصب الأول الذي دفع البدل الى المالك لا الى المالك الأول، فالسيرة قائمة على تحقق المعاوضة في أمثال ذلك، و المقام من هذا القبيل، فاذا ثبت ذلك يتم المقصود من رجوع السابق الى اللاحق دون العكس.

(و الحاصل) انه لا اشكال في ضمان كل من ذوي الأيادي في تعاقبها للمالك غايته على البدل بنحو الوجوب الكفائي، فاذا رجع المالك الى أحدهم فأخذ منه البدل صار بأدائه مالكا للمبدل بقاء، و لا مانع من اعتبار ملكية التالف فيما اذا لم يكن لغوا و ترتب عليه الأثر، و يدل على هذه المعاوضة أمران:

(أحدهما) انه اذا تلف مال الغير عند شخص أو أتلفه فأدى مثله أو قيمته الى المالك لا يكون اجزاؤه الباقية مالكا للمالك، سواء كانت تسوى بقيمة زهيدة أو لم تكن لها قيمة أصلا، بل يكون بنظر العقلاء ملكا لمن أدى العوض و ليس للمالك مزاحمته فيها.

(ثانيهما) انه اذا تلف المال عرفا لا حقيقة - كما اذا كان فصا فألقي في البحر - فرجع المالك الى من ألقاه و أخذ بدله منه كان المال ملكا لمن أدى البدل، و لذا لو فرضنا أن أحدا فتح باب قفص الطير فطار فأدى قيمته الى المالك ثم قتله شخص آخر في الهواء ببندقة و نحوها كان ضامنا لمن أدى بدله لا للمالك، و السيرة العقلائية قائمة على ذلك و لم يردع عنها، فيعرف من ذلك ان من أدى البدل في موارد الضمان يكون هو المالك للمبدل.

(و ببيان أوضح) انه لا اشكال في أن وجود كل من الفعلين في الواجب التخييري مباين لوجود الفعل الآخر، و ان كان الطلب متعلقا بالجامع بينهما، فالامتثال انما

يحصل بخصوص الفعل المأتي به لا بالجامع، كما ان الثوب أيضا يترتب على الفعل الخاص لا على الجامع، و كذا في الواجب الكفائي، فان التكليف و إن كان متعلقا بطبيعي المكلف إلاّ ان وجود كل مكلف مباين مع وجود الآخر، فاذا امتثل التكليف أحدهم يكون هو المثاب بخصوصه دون الطبيعي و ان كان هناك أثر آخر يترتب عليه دون غيره، كما اذا فرضنا ورد في الدليل ان من صلّى على الجنازة تقبل شهادته، فقبول الشهادة يترتب على من صلّى دون غيره من المكلّفين، و هذا جار في باب الضمان أيضا فانه و ان كان متعلقا بالجامع إلاّ ان الأثر المترتب على الضمان - و هو ملكية المبدل عند دفع البدل - يترتب على خصوص من خرج عن الضمان بأداء البدل دون غيره، فاذا أدى أحدهم البدل الى المالك هو يكون مالكا للمبدل بقاء دون طبيعي الضامن و يكون نازلا منزلته، فله الرجوع الى من تلف المال في يده و من كان بينه و بينه ممن وقعت أيديهم على التالف.

(ثم) بعد ثبوت ذلك و كون من أدى البدل مالكا للمبدل بقاء فهو بمنزلة المالك، فلماذا لا يجوز له الرجوع إلاّ الى اللاحق دون السابق كما كان للمالك الرجوع اليه أيضا بمقتضى «على اليد»، و هو أيضا يقتضي رجوع المالك بقاء الى كل منهما.

(و قد) ذكر السيد في وجهه ان اللاحق صار سببا لاستقرار الضمان على السابق بحبس المال و عدم دفعه الى مالكه، و هذا هو الذي ذكره في أصل المسألة، و قد أجبنا عنه بأنه ممنوع صغرى و كبرى: أما الكبرى فلان التسبيب لا يوجب الضمان، و أما الصغرى فلأن اللاحق ليس سببا لضمان السابق، و انما سبب ضمانه اليد، و اللاحق كان له ان يرفع ضمان السابق بأداء المال الى مالكه فلم يفعل، فهو لم يرفع ضمانه لا انه صار سببا لضمانه (فالصحيح) ان الوجه في ذلك هو ان دليل الضمان

هو على اليد، و هو مغيى بالأداء و الغاية حاصلة بالاضافة الى السابق دون اللاحق، فان اللاحق قد أخذ المال من السابق، و لأخذه هذا بقاء عند العقلاء، و لذا لو فرضنا ان الغاصب الوسط ملك المال بالأرث بقاء لا يدفع البدل ليس له الرجوع الى السابق لأنه أداه اليه.

(و بعبارة اخرى) اللاحق أخذ من السابق، و أما السابق فلم يستول على مال اللاحق ليكون ضامنا له، و هذا هو السر في رجوع السابق الى اللاحق الى أن ينتهي الأمر الى من تلف المال عنده فيكون قرار الضمان عليه دون العكس.

(ثم انه هل للمالك ان يبرئ ذمة أحد الضامنين بحيث لا يسقط ضمان الباقي أم لا؟ الظاهر هو الثاني، و ذلك لأنه لم يكن للمالك الا حق واحد في ذمة الجميع على البدل، فابراؤه لواحد منهم معناه اسقاط حقه، فلا يبقى له شيء يشتغل به ذمة الباقي، فلا يقاس الضمان بالوجوب الكفائي حيث يمكن سقوطه عن بعض و بقاؤه على غيره.

(ثم) لو سلمنا ذلك - و هذا هو المقام الثاني - و قلنا للمالك ابراء ذمة بعضهم و مع ذلك يجوز له أن يرجع الى غيره من الضامنين فهل لمن أبرأ ذمته أيضا أن يرجع الى لاحقه بعد ابراء ذمته، كما لو كان سقوط ذمته بدفع البدل أم ليس له ذلك‌؟ الظاهر هو الثاني، لأن رجوع السابق الى اللاحق انما كان لأجل صيرورته مالكا للمبدل بقاء، و الابراء لا يوجب ذلك (نعم) له ذلك في الهبة و الاعطاء و هو ظاهر.

(ثم) اذا فرضنا وجود العين غائبة و توقف ردها على صرف مؤنة فالظاهر وجوبها على الغاصب مقدمة للرد (و دعوى) كونه ضررا يدفع بحديث الرفع، فاسدة لأن عدم وجوبه عليه ضرر على المالك، فانه مستلزم لعدم وصوله الى ماله و هو

ضرر عليه، كما انه اذا تصدى المالك لتحصيله استحق من الغاصب اجرة مثل عمله لأنه فعل مسلم محرم (نعم) اذا انحصر القادر على تحصيله بالمالك و طلب من الغاصب أكثر من اجرة عمله ففي وجوبه عليه و عدمه و لحوقه بالتعذر وجوه كما في المتن.

(و بالجملة) لا اشكال في ان مؤنة رد العين تكون على الضامن، و لا يمكن دفع وجوبه بلا ضرر، لأن عدم وجوبها عليه مستلزم لمنع المالك عن التصرف في ماله، و هو ضرر عليه فلا مجال لحديث لا ضرر أصلا.

فروع

ثم ان في المقام فروعا ثلاثة:

(أحدها) انه اذا انحصر القادر على رد العين بالمالك له أن يطالب الضامن بأجرة عمله لأن فعله عمل مسلم محترم فيجب على الضامن دفعها اليه.

(ثانيها) انه اذا لم ينحصر القادر على رد العين في المالك هل له أن يلزم الضامن بأنه يدفع الاجرة اليه ليرده لنفسه أو يكون الخيار في ذلك بيد الضامن‌؟ الظاهر هو الأول لأن الناس مسلّطون على أموالهم فله أن لا يرضى بتصرف غيره في ماله و لو بالرد.

(ثالثها) انه اذا طالب المالك من الضامن أكثر من اجرة مثل عمله فهل يجب على الضامن دفعه اليه أو لا؟ الظاهر هو الثاني لحديث لا ضرر، فان الزامه بدفع الزائد ضرر عليه، و ليس عدم وجوبه في الفرض مستلزما لتضرر المالك، كما كان عدم وجوب صرف مؤنة الرد على الضامن ضررا على المالك، بل هو عدم نفع بالقياس الى المالك، فلا مزاحمة بين الضررين، فيرفع وجوب دفع الزائد على الضامن

قوله رحمه اللّه: لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه... [1]

بحديث لا ضرر، و أما ما هو المعروف من ان الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال فلا دليل عليه.

(ثم انه) اذا كان رد العين محتاجا الى طول مدة فهل يؤخذ من الضامن بدل الحيلولة أو لا؟ قد عرفت سابقا ان بدل الحيلولة مما لا دليل عليه (و عليه) فان كان العين تالفة و لو عرفا يرجع المالك الى الضامن ببدلها، و ان كان مجرد فوت المنفعة في تلك المدة فيرجع اليه المالك باجرة مثل منافعها في تلك المدة، و أما بدل الحيلولة فلا أساس له. هذا تمام الكلام في تعاقب الأيادي.

بيع الفضولي مال غيره مع مال نفسه

[1] تارة يتكلم في ذلك على القول بصحة الفضولي و اخرى على القول بفساده، و تارة في فرض لحوق الاجازة و اخرى في فرض عدمها، و على كل حال يقع الكلام في هذه المسألة في جهات:

(الاولى) في حكم البيع بالاضافة الى ما يملكه البائع من المبيع، بناء على القول بفساد بيع الفضولي، و قد ادعي الاجماع على صحته و لم ينسب خلافه الى أحد سوى المحقق الأردبيلي (و تفصيل المقام) انه يدخل - بناء على فساد بيع الفضولي - في المسألة الآتية من بيع ما يملك و ما لا يملك كبيع الشاة و الخنزير، فان قلنا بصحة البيع هناك فيما يملك فنقول بها في المقام أيضا. و نقول: ما يتوهم مانعا من صحة البيع فيما يملك ليس إلاّ أمران:

(أحدهما) ان ما قصد انما هو بيع المجموع، و هو لم يقع في الخارج، فاذا وقع غيره فقد وقع ما لم يقصد، و هذا الوجه جار في المقام أيضا، اذ يقال ان ما قصد انما هو بيع مجموع مال نفسه مع مال غيره و هو لم يقع على الفرض، فاذا وقع بيع مال

نفسه فقط فقد وقع ما لم يقصد.

(و فيه) ان البيع و ان كان واحدا اثباتا - أي من حيث المبرز - إلاّ انه ينحل ثبوتا الى بيوع عديدة بحسب أجزاء الثمن و المثمن، كما ينحل الحكم التكليفي الى أحكام عديدة بحسب أفراد موضوعه في العام الاستغراقي، غايته يكون هناك شرط ضمني و هو وصف الانضمام، و تخلفه لا يوجب البطلان و انما يوجب الخيار.

(ثانيهما) انه مستلزم للجهل بما يقع من الثمن بأزاء ما يملكه البائع، و هو يوجب الفساد، و هذا أيضا جار في المقام لأن البائع لا يعلم بما يتقسط على ماله من الثمن حين البيع في القيمي بل و في المثلي أيضا اذا لم يكن مقدار ماله معلوما له تفصيلا.

(و فيه) ان ما يوجب بطلان البيع انما هو الغرر - كبيع شيء بما في الكيس مع الجهل بما فيه - و هو مفقود فيما نحن فيه، اذ لا يترتب على جهل البائع بالثمن خطر أصلا، فهو نظير ما لو باع من يملك صبرة من الحنطة لا يعلم مقداره كل منّ منه بدرهم، فان الجهل بمقداره في هذا الفرض غير مستلزم للخطر أصلا. و أما مانعية الجهل بمجرده عن صحة البيع فلا دليل عليه سوى ما يدعى من الاجماع، و هو غير شامل للمقام، لما ذكرناه من دعوى الاجماع على صحة البيع فيما يملكه البائع في الفرض مع ان الجهل بالثمن موجود فيه.

(و مما يؤكد) ان مجرد الجهل لا يمنع صحة البيع ان لازم مانعيته فساد البيع فيما اذا باع أحد مال نفسه مع مال غيره باذن منه لا فضولة، فان الجهل بما يقع بأزاء ماله من الثمن موجود فيه أيضا، مع انه لم يستشكل أحد في صحته، فشيء من الوجهين لا يتم، فصحة البيع فيما يملكه البائع بما يقابله من الثمن يكون على القاعدة مضافا الى كفاية الاجماعات المنقولة في صحته. و مع الغض عن جميع ذلك يكفي في

الصحة رواية صفار فانها تعم المقام - فتأمل.

(هذا كله) على القول بفساد الفضولي، و أما على القول بصحته فلا اشكال في صحة البيع اذا أجاز المالك، و أما اذا رد بطل البيع فيما يملكه من حين حدوثه، لأن الرد كاشف عن الفساد من أول الأمر و ان قيل بالنقل في الاجازة، فيجري بالاضافة الى ما يملكه البائع ما تقدم على القول بفساد الفضولي من الوجهين و الجواب عنهما و رواية صفار بأجمعها.

(ثم) انهم ذكروا أن صحة البيع في المملوك في فرض الرد انما تكون فيما اذا لم يكن الرد مستلزما لخلل في بيع مال البائع من لزوم الربا أو عدم القدرة على التسليم (و بعبارة اخرى) صحة البيع في مال البائع في المقام ينحصر بما اذا لم يكن لبيع مال الغير دخل في صحة بيع مال نفسه و الا فساده يوجب فساده أيضا. و قد مثلوا للزوم الربا بما اذا كان للبائع درهما و للآخر دينارا فباعهما مالك الدرهم بدرهمين و دينارين فانه يصح البيع اذا أجاز المالك، و قد عللها الفقهاء بأن كل من الدرهم و الدينار يقع بأزاء ما يخالفه من الثمن، و أما اذا رد البيع مالك الدينار فلا محالة يقع بأزاء الدرهم أكثر من درهم فيلزم الربا.

(و أوضح) من هذا المثال ما اذا باع مالك الدرهم درهم نفسه مع دينار غيره بخمسة عشر درهم مثلا فرد مالك الدينار فحينئذ يقع بأزاء الدرهم درهم و جزء واحد من أحد عشر جزءا من أربعة دراهم، فان الدينار يعادل عشرة دراهم و الدرهم يعادل الدرهم و الأربعة الباقية تسط، فجزء من أحد عشر أجزائه يقع بأزاء الدرهم أيضا، و هو ربا يوجب الفساد (و مثلوا) للعجز عن التسليم بما اذا باع المالك عبده الآبق منضما بمال غيره فرد الآخر، فانه حينئذ يكون البيع بيع العبد الآبق من

دون ضميمة، و هو فاسد.

(و نقول) فساد البيع في الصورتين غير مستند الى الرد بل يكون الفساد ثابتا حتى في صورة الاجازة، و ذلك لأن عدم لزوم الربا في فرض انضمام الدينار بالدرهم اذا بيع بالمثل مع الزيادة الذي هو منصوص انما هو فيما اذا كانت الضميمة أيضا ملكا للبائع - أي كان الدرهم و الدينار كلاهما ملكا لشخص واحد - فان دليل الربا منصرف عن مثله، اذ لا يصدق بيع المثل بالمثل مع وجود الضميمة، كما ان هذا هو مورد النص، و أما اذا كانت الضميمة ملكا لشخص آخر و قد فرضنا انحلال البيع فيصدق بيع المثل بالمثل مع الزيادة، فيكون ربا موجبا للفساد، سواء رد المالك البيع الواقع على ماله أم أجازه.

و أما العبد الآبق فلأن الدليل دل على فساد بيعه، و قد خرج عنه(1)ما اذا انضم اليه شيء آخر معللا بأنه لو فاته العبد فلا تفوته الضميمة، فمقتضى القاعدة في بيع العبد الآبق هو الفساد، و قد خرجنا عنها فيما اذا انضم اليه شيء من مال مالكه و أما التعدي الى غيره - أي فيما اذا كانت الضميمة ملكا لشخص آخر - فلا وجه له كما لا يتعدى عن صحة البيع مع الضميمة الى صحة اجازة الآبق مع الضميمة، فالفساد في الموردين ليس من جهة الرد بل يكون لما ذكرناه.

(و الحاصل) ان الصحيح هو صحة البيع فيما يملكه البائع على القاعدة على جميع التقادير و الأقوال سواء قلنا بفساد الفضولي أو بصحته، أجاز المالك ما وقع


1) هناك روايتان مذكورتان في الوسائل 262/12 تدلان على صحة بيع الآبق اذا انضم اليه شيء آخر فراجعهما.

على حصته من البيع أو رده، لأن البيع - و ان كان واحدا بحسب مقام الاثبات و المبرز - إلاّ انه منحل بحسب مقام الثبوت و المبرز، نظير انحلال العام الاستغراقي، و ان كان فرق بين الانحلالين.

(نعم) ذكروا أن فساد البيع في حصة غير البائع اذا كان مستلزما لفساده في حصة البائع أيضا للزوم الربا أو كون ماله عبدا آبقا، فسد البيع بأجمعه، كما اذا باع دينار غيره منضما بدرهم نفسه بخمسة عشر درهم مثلا و باع العبد الآبق لنفسه منضما الى مال غيره (الا انا قلنا) ان الفساد في هذا الفرض - و ان كان ثابتا - إلاّ انه غير مستند الى الرد بل من جهة كون الضميمة مال الغير، و لذا يبطل فيه البيع مطلقا و لو أجاز المالك (و ذلك) لأن بيع المكيل أو الموزون بمثله فاسد مع الزيادة، فاذا كان كل من الدرهم و الدينار ملكا للبائع فباعهما بدرهمين و دينارين لم يصدق انه باع مثلا بمثله مع الزيادة، لانصراف الأدلة عما اذا كان المبيع جنسين و لو كان الثمن أيضا كذلك فلا يلزم الربا المفسد للبيع. و أما اذا فرضنا ان الضميمة كان ملكا لغير البائع فالبائع انما هو بائع حقيقة لمال نفسه فانه مكلف بالوفاء بالاضافة الى العقد الذي أوقعه على ماله و ليس بائعا حقيقة لمال غيره، اذ ليس مكلفا بالوفاء بالاضافة اليه حتى لو أجاز المالك فهو بائع لجنس واحد بمثله مع الزيادة، ففي المثال يكون بائعا لدرهمه بدرهم و جزء واحد من أحد عشر جزءا من أربعة دراهم، و هو ربا يوجب الفساد أجاز المالك أو لم يجز، و كذا الكلام في ضميمة مال الغير الى العبد الآبق. هذا كله في الجهة الاولى.

(الجهة الثانية) لا اشكال في ثبوت الخيار للمشتري بعد رد المالك اذا كان جاهلا بالموضوع، لأنه انما التزم بالوفاء بشرائه مشروطا بتسليم البائع جميع المبيع اليه،

فاذا فرضنا أن البائع لم يقدر على ذلك برد المالك ثبت للمشتري خيار تخلف الشرط، و هذا بخلاف ما اذا كان عالما بالحال، فانه حينئذ أقدم على إلغاء الشرط فلا خيار له، و هذا واضح.

(و أما البائع) فظاهر الشيخ تقوية ثبوت الخيار له أيضا، و ظاهر الغنية الجزم بعدمه، و أيده الشيخ الأنصاري بقوله عليه السّلام في صحيحة الصفار(1)

«محمد بن الحسن الطوسي باسناده عن محمد بن الحسن الصفار أنه كتب الى أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السّلام في رجل له قطاع أرضين «أرض نسخه بدل» فيحضره الخروج الى مكة و القرية على مراحل من منزله، و لم يكن له من المقام ما يأتي بحدود أرضه، و عرف حدود القرية الأربعة فقال للشهود: إشهدوا أني قد بعت فلانا يعني المشتري جميع القرية التي حد منها كذا، و الثاني و الثالث و الرابع و انما له في هذه القرية قطاع أرضين، فهل يصلح للمشتري ذلك و انما له بعض هذه القرية و قد أقر له بكلها؟ فوقع عليه السّلام لا يجوز بيع ما ليس يملك، و قد وجب الشراء من البايع على ما يملك». و روى هذه الرواية الصدوق باسناده عن محمد بن الحسن الصفار. و رواها الكليني، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن.

«و وجب الشراء فيما يملك»، و حمل كلام الشيخ الطوسي على فرض جهل البائع بالموضوع، و كلام الغنية على صورة علمه بالحال (و نقول) كما يمكن أن يكون في الانضمام غرض للبائع فيما اذا كانت الضميمة مال نفسه، بحيث لا يرضى ببيع عبائه الجديد إلاّ مقدمة لخلاصه عن عبائه العتيق الذي لا يرغب في شرائه أحد كذلك يمكن ثبوتا أن يكون للبائع غرض في ضم مال غيره في بيع مال نفسه، بحيث لا يرضى ببيع ماله إلاّ اذا انضم الى مال الغير و ان كان هذا نادرا بخلاف الأول.

1) ذكرت هذه الصحيحة في الوسائل 252/12 و اليك نصها:

(و عليه) فاذا كان البائع جاهلا بالموضوع و اعتقد ان الضميمة ملكه أيضا أو علم بأنها للغير إلاّ انه زعم انه و كله في بيعه فهو مأذون عن المالك فباع ماله مع مال نفسه ثم انكشف الخلاف ورد المالك ما وقع على ماله من البيع ثبت للبائع خيار تخلف الشرط، إلاّ انه يحتاج في مقام الاثبات الى قيام قرينة عرفية على الاشتراط.

(الجهة الثالثة) في تقسيط الثمن، و ظاهر كلام الأعلام اختصاص التقسيط بصورة الرد إلاّ انه يجري في فرض الاجازة أيضا، غايته في فرض الرد يكون التقسيط بين البائع و المشتري و في فرض الاجازة يكون بين البائع و المالك (و كيف كان) ظاهر كلماتهم في كيفية التقسيط انه يقوّم كل من المالين منفردا ثم يقومان معا مجتمعا فيؤخذ لكل منهما جزء من ثمن المسمى يكون نسبته الى مجموع الثمن نسبة قيمته الى قيمة المجموع.

(و هذه) قاعدة تامة فيما اذا لم يكن لوصف الانضمام دخل في زيادة القيمة أو نقصانها و لا تتم فيما اذا كان للانضمام دخل في زيادة القيمة و لذا يوجب تخلفه الخيار للمشتري، و اذا فرضنا ان لوصف الانضمام دخلا في زيادة القيمة - كما في زوج فراش أو مصراعي الباب - لا محالة يكون قيمة المجموع أكثر من قيمتهما منفردا. مثلا: إذا قوّم زوج الزيلو بثلاثين فكل منهما لا يقوم إلاّ بعشرة، فيكون نسبة حصة المالك الى قيمة المجموع هي الثلث، فبناء على هذه القاعدة يرجع المشتري الى البائع بثلث ثمن المسمى، فاذا فرضناه ستين مثلا يرجع الى البائع بعشرين، فيكون ثمن حصة البائع ثلثي الثمن و هو أربعون في الفرض، مع ان نسبة الثمن الى كل من المالين كانت واحدة على الفرض، فهذا ترجيح بلا مرجح، لأي وجه يجعل ثمن حصة البائع ثلثي الثمن و ثمن حصة غيره ثلث واحد مع تساوي النسبة على

الفرض، بل لا بد و أن يأخذ البائع من المشتري بالمقدار الذي يكون حصته من الثمن على تقدير الاجازة لا أكثر من ذلك.

(و من هنا) ذهب بعضهم الى عكس ذلك، أي الى ان البائع يرجع الى المشتري في الثمن بهذه النسبة، ففي المثال المتقدم يأخذ من المشتري عشرين و يرد اليه الباقي - أعني الأربعين - و ذلك لأن أجزاء المبيع كأنه يكون ثلاثة: هذا الزيلو، و ذاك الفرد، و الاجتماع. و يقع ثلث الثمن بأزاء كل من الأجزاء الثلاثة، و ما سلمه البائع الى المشتري ليس إلاّ الجزء الواحد من الأجزاء الثلاثة، و هو ملكه وحده و لم يسلم مال الغير كما لم يسلم اليه وصف الانضمام، فلا يستحق منه إلاّ ثلث الثمن، و لا بد له من ارجاع ثلثي الثمن اليه.

(هذا) و فيه: (أولا) ان الهيئة لا تقابل بالمال، و لذا لا تباع وحدها، بل هي توجب زيادة قيمة المادة (و ثانيا) انه في فرض كون وصف الانضمام موجبا لنقصان القيمة قد يؤدي ذلك الى لزوم الجمع بين العوض و المعوض، و مثّل المصنف لهذا بما اذا بيعت الجارية و امها بثمانية مثلا و فرضنا ان قيمة الجارية وحدها ثمانية و قيمة الام اثنان و قيمة المجموع خمسة مثلا فان قيمة الجارية وحدها تعادل تمام الثمن، فاذا رجع بها المشتري الى البائع لزم تملكه للجارية مجانا و بلا عوض.

(و من هناك) ذكر المصنف طريقا آخر للتقسيط، و هو تقويم كل منهما منفردا و الجمع بين القيمتين و ملاحظة النسبة بين قيمة كل منهما مع مجموع القيمتين و رجوع المشتري الى البائع بنسبة ماله، و هذا الطريق جار في جميع الصور. (و قد) أورد السيد في حاشيته على هذه الكيفية أيضا بأنها انما تتم فيما اذا كانت القيمة الموجبة لزيادة القيمة أو نقصانها بالاضافة الى كل من المالين على حد سواء، و أما

اذا كانت نسبتها الى كل منهما مختلفة فلا يتم ذلك أيضا، كما اذا فرضنا ان الضميمة توجب زيادة قيمة أحدهما بأكثر مما يوجبه من زيادة القيمة في الآخر، أو فرضنا انها توجب الزيادة في قيمة أحدهما و لا توجب الزيادة في أحدهما و النقصان في الآخر، فان جميعها فروض ممكنة، و حينئذ لا يمكن بهذه الكيفية احراز ما وقع بأزاء كل من المالين من الثمن، و لذا ذكر للتقسيط كيفية اخرى، و هي: ان يقوّم كل من المالين في حال انضمامه بالآخر فيجمع بين القيمتين فحينئذ يكون مجموع القيمتين قيمة المجموع لا محالة، فيؤخذ بحسب النسبة لكل منهما من الثمن، و هذا جار في جميع الفروض. ثم ذكر انه يحتمل أن يكون هذا مراد المحقق و العلامة من قولهما: يقومان جميعا ثم يقوم أحدهما - الخ.

(و نقول) ما أفاده السيد هو الصحيح الجاري في جميع الموارد.

(ثم ذكر) المصنف انه لا فرق فيما ذكر من كيفية التقسيط بين ما اذا كان المالان متعددين في الوجود - بأن كانا مفرزين - أو كان ملكهما مشاعا - كما اذا بيع دار ثلثه لزيد و ثلثاه لعمرو - فيجري التقسيط بالكيفية المزبورة في الثاني أيضا، و لا يكفي تقسط الثمن بدون ملاحظة النسبة - أي أثلاثا - لأن المقدار القليل لا يساوي في القيمة و لا يباع بقيمة الكثير لاختلاف الرغبات في ذلك فلابد من ملاحظة النسبة، و هذا أيضا ظاهر.

(ثم قال) هذا كله في القيمي، و أما المثلي فان كانت الحصة مشاعة قسط الثمن على نفس المبيع، أي لا يحتاج الى ملاحظة النسبة في مقام التقسيط بل يقسط الثمن بحسب نسبة حصة كل منهما بالاضافة الى الآخر و ان كانت حصة كل منهما معينة - أي كانت مفرزة - كان الحكم كما في القيمي من ملاحظة قيمتي الحصتين

قوله رحمه اللّه: مسألة - لو باع من له نصف الدار نصف تلك الدار... [1]

و تقسيط الثمن على المجموع.

(و نقول) ان كان ما أفاده في القسم الأخير - أعني في المثلي المفرز - من لزوم ملاحظة النسبة و التقسيط بالكيفية المزبورة من جهة اختلاف الحصتين من حيث الجودة و الرداءة، و ان كانتا مثليتين فهو و ان كان صحيحا إلاّ انه لم يذكر ذلك في كلامه، و ان كان من جهة تفاوت الرغبات في الشراء بالقلة و الكثرة فهو ممكن التصوير في فرض الاشاعة أيضا. فلماذا خص هذا الحكم بصورة الاقرار و تعين الحصتين (و كيف كان) لم نفهم نحن كما لم يفهم غيرنا أيضا وجها لما ذكره في المقام. هذا تمام الكلام في جهات هذه المسألة.

بيع من له النصف

[1] يتصور ذلك على صور ثلاثة: لأنه تارة يقصد نصفه المختص به أو بيع حصة غيره أو بيع نصف المجموع و هذا لا كلام فيه، و اخرى يقصد بيع مفهوم نصف الدار عرفا أي ما يفهمه العرف من هذه العبارة، فحينئذ يقع الكلام في ان المفهوم منها عرفا هل هو بيع نصفه المختص أو المشاع بعد الفراغ عن عدم ظهور اللفظ في بيع نصف شريكه، و ظاهر المصنف اختصاص البحث بهذه الصورة - أي بما اذا قصد انشاء مبادلة ما يفهم من هذه الجملة عرفا - و ثالثة لا يعلم انه قصد أيا منها - أي بيع حصة شريكه أو نصف نفسه أو النصف المشاع - و الظاهر جريان البحث على هذا التقدير أيضا، لأن الظهور العرفي حجة على المراد، فاذا ثبت ظهور اللفظ الصادر من البايع في شيء يحمل عليه مراده فلا ينحصر البحث بالتقدير الثاني بل يجري على الاحتمال الثالث أيضا.

(و الحاصل) لو باع من يملك نصف الشيء - كالدار مثلا - نصف ملك الدار فتارة

يعلم من الخارج انه قصد بيع حصة شريكه أو خصوص حصة نفسه أو النصف المشاع، و لا كلام في هذه الصور، و اخرى يقصد ما يفهم من اللفظ عرفا و ينصب قرينة على ذلك فرضا، و هذه الصورة على قسمين، لأنه إما ان يقصد بيع ما يفهم من لفظ نصف الدار عرفا، و عليه لا مجال للبحث بناء على ما ذهب اليه المصنف من ظهور النصف في النصف المشاع عرفا، و لذا أورد عليه السيد في الحاشية بأنه اذا علم من الخارج ان البائع قصد بيع مفهوم النصف و المفروض ظهوره في المشاع فيما معنى البحث و رفع اليد عن ظهوره في المشاع، لظهور الانشاء في البيع لنفسه دون الغير و ظهور التصرف في كونه في ماله دون مال الغير، و اشكاله وارد عليه لو أراد هذا القسم، و لكن هناك قسم ثان و هو أن يقصد بيع ما يفهم عرفا من مجموع هذه الجملة مع ما احتفت بها من القرائن، مثل ظهور التصرف في كونه في مال نفسه و ظهور الانشاء في البيع لنفسه، و عليه لا بد من البحث و انه هل يرفع اليد عن ظهور النصف في المشاع للظهورين المزبورين أو يتقدم ظهوره عليهما؟ فذكر المصنف ان فيه احتمالان - أي في هذا القسم - ثم أبدى الفرق بينه و بين ما استدل الفخر من قول البائع بعت غانما مع اشتراك الاسم بين عبده و عبد غيره، حيث ثبت الاتفاق على انصرافه الى عبده، فالمقام كذلك، فذكر المصنف ان المبيع في المثال لم يكن حقا ظهور في مال الغير، غايته كان مجملا فصار الظهوران المزبوران رافعا لاجماله، و هذا بخلاف المقام حيث ان المبيع ظاهر في نفسه في مال الغير، فالقياس مع الفارق.

(و بالجملة) مورد كلام المصنف هذا القسم دون القسم الثاني، فلا يرد عليه ايراد السيد أصلا. فهذه أقسام ثلاثة، و رابعة نعلم بأن البائع قصد أحد الأمرين أو الامور

من بيع مال نفسه أو مال غيره أو النصف المشاع، إلاّ انا لا نعرف مراده الجدي، و في هذا القسم أيضا يجري النزاع في تعيين ظهور اللفظ لأنه حجة على المراد الجدي، فاذا فرض ظهوره في أحدها يحمل عليه مراد البائع أيضا لدلالة لفظه عليه، فلا موجب لتخصيص البحث بالصورة الثالثة - كما يظهر من المصنف - أصلا.

(ثم انه) ربما يتوهم فساد البيع في الصورة الثالثة، حيث لم يكن المبيع معينا عند البائع، فهو لم يقصد بيع مال نفسه و لا بيع مال غيره، بل قصد بيع المفهوم مع اجماله عنده فيكون فاسدا.

(و فيه) ان نصف الدار معين خارجا، و قصد بيعه البائع و الاجمال انما هو في المالك و ان مالك النصف المبيع هل نفسه فقط أو هو و شريكه‌؟ و قصده غير معتبر في البيع فيما اذا كان المبيع معينا خارجا و لم يكن كليا ليكون ماليته باضافته الى شخص معين.

(و كيف كان) ذكر المصنف ما حاصله ان النصف ظاهر عرفا في النصف المشاع، الا ان انشاء البيع ظاهر في كونه عن نفس البائع لا عن غيره، و ظاهر التصرف - أي التمليك - أيضا ان متعلقه مال نفسه لا مال غيره، و يعارض بهما ظهور المتعلق - أعني النصف في المشاع -

(و نقول) بناء على كون النصف ظاهرا عرفا في النصف المشاع لا يعارضه الظهوران المزبوران اما ظهور الانشاء في كون البيع عن نفسه فهو ممنوع فيما اذا كان المالين معينا في الخارج (نعم) اذا كان الثمن أو المثمن كليا كان هذا الظهور ثابتا كما اذا قال البائع «بعتك هذا بدينار» فقال المشتري «قبلت» ثم ادعى انه قبل الشراء عن غيره، لم يسمع منه ذلك. و أما ظهور التصرف في كونه في مال نفسه فهو - و ان

لم يكن قابلا للانكار - إما للغلبة أو لغير ذلك - إلاّ انه لا يقاوم ظهور المتعلق في شيء (نعم) يمكن أن يكون رافعا لاجماله اذا كان مجملا كما في مثال فخر الدين، و أما معارضته مع ظهوره فيما كان ظاهرا في شيء فلا، و لذا لو قال البائع «بعتك اللبن» و كان اللبن مال الغير و كان له حليب مثلا لا يحتمل معارضة ظهور اللبن في معناه مع ظهور التصرف في كونه في مال نفسه بل يؤخذ بظهور المتعلق و يسقط ظهور التصرف الى غير ذلك من الأمثلة العرفية، فبناء على كون النصف في نفسه ظاهرا في المشاع لا يعارضه شيء بل يحمل البيع على النصف المشاع، إلاّ ان كون النصف ظاهرا في ذلك أول الكلام.

(و بالجملة) بناء على ظهور النصف في النصف المشاع بين الحصتين لا بد من حمل مراد البائع في المقام بقوله «بعتك ملك نصف الدار» على المشاع بين الحصتين كما هو المعروف، اذ لا دافع لهذا الظهور، أما ظهور البيع في البيع عن نفسه - لأن البيع عن الغير يحتاج الى مؤنة زائدة - فهو انما يكون اذا كان المبيع كليا دون ما اذا كان عينا شخصيا، اذ لا يعتبر فيه قصد البائع و تعيينه، كما اذا باع منا من الحنطة و كان هو مالكا للمن منه و صاحبه أيضا مالكا له فانه ظاهر في البيع عن نفسه، و أما ظهور التمليك في تمليك مال نفسه فهو - و ان كان ثابتا - إلاّ انه أيضا غير قابل لأن يعارض ظهور المتعلق في مال الغير بعد امكان بيع مال الغير مع بيع مال نفسه (نعم) اذا كان المتعلق مجملا صلح هذا الظهور لرفع اجماله، كما في مثال فخر الدين.

(هذا) و لكن ظهور النصف في المشاع بين الحصتين ممنوع، اذا لا وجه لهذا الظهور لا من ناحة الوضع و لا من ناحية الانصراف (نعم) ينصرف النصف الى النصف المشاع، لأن النصف المعين كالنصف الواقع في الجهة الشرقي أو الغربي أو

غيره يحتاج الى مؤنة زائدة، و أما كون النصف مملوكا للبائع أو لغيره أو لهما معا فكل ذلك خارج عن مفهوم النصف عرفا.

(و ما) ذكره السيد في حاشيته من ظهوره في المشاع بين الحصتين فهو انما يتم اذا كان النصف بلحاظ الملكية لا نفس الدار كما هو ظاهر، فان كل شيء ينقسم الى نصفين فله نصفان كما له ثلاثة أثلاث و أربعة أرباع و خمسة أخماس، فظاهر نصف الدار نصفها المشاع في مقابل النصف المعين، و أما المشاع بين الحصتين فليس لعنوان النصف ظهور فيه (و عليه) فحال نصف الدار يكون من هذه الجهة حال الغانم في المثال - أي يكون مجملا من حيث المالك - فيكون ظهور انشاء البيع و التمليك في كون متعلقه مال نفس البائع رافعا لاجماله، كما اذا باع منا من الحنطة فيحمل على بيع مال نفسه في الصورتين - أي ما اذا قصد بيع المفهوم أو لم نعلم مراده الجدي -.

(و بما ذكرناه) ظهر الفرق بين بيع نصف ملك الدار و اقرار أحد الشريكين بأن نصف الدار لزيد مثلا، حيث ذكروا أنه يحمل على المشاع بين الحصتين، فيكون نافذا في نصف حصة المقر و هو ربع الدار، فان الإقرار إخبار و ليس تصرفا ليكون ظاهرا في كونه في مال نفسه دون مال غيره، فيكون النصف مجملا من هذه الجهة، فيؤخذ فيه بالقدر المتيقن و هو نصف حصته.

و أما مسألة الطلاق فهي نظير البيع، فانهم ذكروا أن الزوج لو أصدق زوجته نصف عين - كالدار مثلا - فوهبت نصفها المشاع لشخص ثم طلقها الزوج قبل الدخول استحق الزوج بالطلاق النصف الباقي لا نصفه و قيمة النصف الموهب فالنصف في الفرض يحمل على النصف المختص بها لا المشاع بين حصتها و بين ما

يكون لزوجها بعد الطلاق.

و أما مسألة الصلح فيما اذا أقر من بيده المال لأحد المدعيين للمال بسبب مشترك بينهما - كالارث في أخوين مثلا - فصالحه المقر له على ذلك النصف فانهم ذكروا أن النصف كان مشاعا بينهما فحمل فيها النصف على المشاع بين الحصتين فلا منافاة بينها و بين المقام، حيث ان اعتراف ذي اليد انما هو اعتراف بالربع لكل منهما لاشتراكهما في السبب كما هو المفروض، فلا مناص من كون المبيع هو المشاع بين الحصتين، فيحتاج في نصفه الى اجازة المدعي الآخر. و العجب من المصنف كيف جعل هذه المسألة منافية لما ذكروه.

(و بالجملة) اذا باع من يملك نصف الدار نصفه فظاهر النصف هو المشاع و أما من حيث كونه مشاعا بين الحصتين فلا ظهور له، فيكون نظير «بعتك غانما» فظهور التصرف في كونه في مال نفسه يرفع اجماله و يوجب اختصاصه بحصة نفسه و ما على ما سلكه المصنف رحمه اللّه من ظهوره في النصف المشاع بين الحصتين ففيه احتمالان لتعارض الظهورين كما في المتن.

و أما مسألة الاقرار فليس للأخبار ظهور في انه يعترف في خصوص حصته فاذا كان نافذا في حق شريك المقر أيضا أخذ به و حمل النصف على المشاع بين الحصتين، و حيث لا يكون نافذا إلاّ في حصة نفسه فيؤخذ به في الربع المختص به.

و أما الطلاق فهو نظير ما نحن فيه، فان الزوج بطلاقه قبل الدخول يملك نصف صداق المرأة بملكية جديدة، كما في البيع و الشراء، غايته من دون رضا الزوجة، فاذا فرضنا أنها قد أخرجت نصفه عن ملكها بمصالحة أو شراء و نحوه انتقل النصف الباقي الى الزوج لا محالة.

و أما مسألة الصلح و الاقرار فمقتضى اقرار من بيده المال لأحد المدعين المشتركين في سبب الملكية بالنصف و اقرار المقر له باشتراك المدعي الآخر معه في المال أن يكون النصف المقر به مشتركا بينهما، فيكون الصلح الواقع عليه نافذا في الربع و مراعي على اجازة المدعي الآخر في الربع الآخر. و أما لو أقر أحد الرجلين الشريكين الثابت يد كل منهما على نصف العين - بأن ثلثها لشخص ثالث - فان أقر الشريك الآخر أيضا يقسم العين بينهم أثلاثا، و ان أنكر فالمعروف أن المقر يدفع الى المقر له نصف ما في يده.

(و ربما يقال) بأن المقر لا يدفع الى المقر له إلاّ سدس ما في يده، و أما السدس الآخر فقد تلف منه بانكار الشريك الآخر، و دفع النصف اليه لا وجه له (و فيه) أن هذا إنما يتم في المال المفرز، فان معنى اقرار أحد الشريكين حينئذ ان للمقر له مما بيده السدس و له فيما بيد شريكه أيضا، و أما في المشاع فلا يتم ذلك، لأنه ما يأخذه المنكر - و ان كان بحكم الشارع عملا باليد - إلاّ انه نظير ما اذا أخذ الغاصب عدوانا يحتسب على كل من المقر و المقر له، لأن نسبته اليهما على حد سواء، فالسدس الزائد عند المنكر الذي هو بحكم التالف يحتسب نصفه على المقر و نصفه الآخر على المقر له، و لا وجه لاحتساب جميعه عليه (نعم) لو قلنا بصحة التقسيم مع الغاصب و من بحكمه تمحض ما يأخذه الغاصب في حصة المغصوب منه - أعني المقر له دون المقر -

(و أما) اقرار أحد الشريكين في الارث بالنسب لشخص - كما اذا كان هناك اخوان وارثان من والدهما فأقر أحدهما بأن زيدا أيضا أخوهما - فقد ذكروا فيه انه لو أنكر الآخر دفع المقر الى المقر له المقدار الزائد عما يستحقه باعتقاده، و لا يجب

عليه التنصيف فيحسب جميع الخسارة - أي ما يأخذه المنكر زائدا عن حقه على المقر له دون المقر -

و الظاهر عدم الفرق بين الإقرار بالنسب و بين ما نحن فيه من حيث القاعدة أصلا، بل القاعدة في الاقرار بالنسب تقتضي التنصيف أيضا لما بيّناه، إلاّ أن الفارق بينهما انما هو النص، فقد ورد فيه أن المقر من الورثة لو كان متعددا و كانا عدلين نفذ اقرارهما على سائر الورثة أيضا لكونه بيّنة شرعية، و الا فيلزم المقر منهم في حقه.

و هذا هو مدرك التفصيل، و ضعف الروايات منجبر بعمل المشهور على مسلكهم، و لكن الصحيح عدم تماميتها سندا و دلالة: أما سندا فواضح، و أما دلالة فلأنه لم يبيّن فيها مقدار ما يلزم المقر في حقه، فالظاهر عدم الفرق بين ما اذا كان التلف من جهة اليد - كما في الفرض السابق - أو من جهة الانكار كما في الاقرار بالنسب، فلابد من التنصيف و احتساب التالف على كل من المقر و المقر له مطلقا و ان فرق بينهما السيد في الحاشية.

(و بالجملة) مقتضى القاعدة في اقرار أحد الشريكين بالثلث و انكار الآخر أن ينصف المقر حصته مع المقر له، لأن مرجع اقراره الى تساوي نسبه المال الى كل من الشركاء الثلاثة بحسب اقراره، فيحسب المقدار التالف بانكار المنكر عليهما معا، و كذا الحال في اقرار أحد الوارثين بالنسب، لما عرفت من ضعف الأخبار الواردة فيه سندا و دلالة.

(و أما) ما ذكره في الجواهر - على ما حكاه السيد - من الفرق بين الموردين من انه في الفرض الأول انما يأخذ زائدا عن حقه مستندا الى اليد التي هي حجة شرعا و في نسبتها الى كل من المقر و المقر له على حد سواء، فيكون التلف بحكم الشارع

فيقسط التالف عليهما. و أما في انكار النسب فالمستند لأخذ المنكر للمقدار الزائد ليس إلاّ انكاره لحصة المقر له، فهو يختص به دون المقر.

(و نقول) لم نفهم واقع مراده، فان الأخذ في الفرض الثاني أيضا مستند الى حكم الشارع للانكار و موافقته للأصل، و نسبته الى كل منهما على حد سواء - كما في الفرض الأول - فتأمل.

(و أما) ما أورده الميرزا رحمه اللّه على التنصيف في الفرض الأول من ان المقر لا يعترف إلاّ بأن ثلث ما يأخذه للمقر له و ثلث حصة شريكه له أيضا، فهو لا يعترف في حصة نفسه إلاّ بالثلث، فلا وجه لدفع نصف ما يأخذه اليه أصلا، فهو الذي فطن اليه المصنف، و أجاب عنه بما حاصله: انه انما يتم في المفرز، كما اذا فرض ان الجانب الشرقي من الباب لزيد و جانبه الغربي لعمرو فاعترف أحدهما بثلث مجموع الدار لبكر فان مرجعه الى ان له الثلث من حصته و الثلث من حصة شريكه، فبما ان اقراره غير معتبر في حق غيره فيؤخذ منه ثلث حصته فقط لا نصفه و أما في المشاع فلا يتم ذلك، لان كل جزء من المال حينئذ مشترك بين الثلاثة بحسب اقرار المقر، فلابد له في تقسيم ما في يده أن يكون برضاه و دفع نصفه اليه و احتساب ما تلف بانكار المنكر عليهما، و هذا هو السر في التنصيف الذي هو مركز كلام المصنف، فان كان للميرزا كلام فليتكلم في هذا المورد، فالصحيح هو تنصيف ما للمقر مع المقر له في الموردين.

(هذا كله) فيما اذا باع من يملك نصف الدار نصفها في فرض كون الدار مشاعا بينهما و أما في فرض الافراز فالظاهر حمل النصف على نصفه المختص أيضا، لأن النصف كلي يعم النصف المفرز أيضا، فيكوين ظهور التصرف رافعا لاجماله.

قوله رحمه اللّه: مسألة - لو باع ما يقبل التملك و ما لا يقبله... [1]

(هذا كله) اذا كان البائع أجنبيا عن حصة شريكه، و أما اذا كان وليه أو مأذونا عنه في البيع فباع نصف الدار فهل يحمل على الاشاعة أو النصف المختص به‌؟ ذكر المصنف فيه وجهين - بناء على ظهور النصف في المشاع بين الحصتين - مبنيين على ان المعارض لهذا الظهور هل هو ظهور التصرف في كونه في مال المتصرف فيه أو ظهور الانشاء في الأصالة‌؟ فان الأول يعارض ظهور النصف في الفروض بخلاف الثاني إلاّ أنه يتقدم عليه ظهور النصف في المشاع بين الحصتين لورود ظهور المقيد على ظهور المطلق.

(و نقول) الظاهر عدم ثبوت المعارض لظهور النصف رأسا: أما ظهور التصرف فواضح، و أما ظهور الانشاء في الأصالة فلما عرفت من انه ليس للانشاء هذا الظهور اذا كان متعلقه ظاهرا في مال الغير، إلاّ أن الصحيح - كما عرفت - عدم ظهور النصف في نفسه في المشاع بين الحصتين لا وضعا و لا انصرافا (نعم) ظهوره في الاشاعة انصرافا، لأن المفرز محتاج الى مؤنة زائدة غير بعيد، فالصحيح هو حمل النصف على حصة نفسه في جميع الفروض إلاّ فيما اذا نصب قرينة على الاشاعة بين الحصتين أو خصوص حصة شريكة فيحمل عليها.

بيع ما يقبل التملك مع ما لا يقبله

[1] لا ينبغي الريب في انحلال البيع الواحد انشاء الى بيوع عديدة بحسب ما لكل من المبيع و الثمن من الأجزاء كل جزء من المبيع بما يخصه من الثمن و ان كان الانشاء واحدا، فاذا باع عشرة أمنان من الحنطة بعشرة دنانير فقد باع كل منّ منها بدينار واحد، غاية الأمر بشرط الانضمام، و اذا باع الشاة و الخنزير صفقة واحدة فقد باع الشاة حقيقة بما يخصه من الثمن و باع الخنزير أيضا كذلك، فيعم العمومات بيع

ما يملك - أي الشاة في المثال - و ان لم يعم بيع ما لا يملك كالخمر و الخنزير، فصحة البيع فيما يملك على القاعدة.

و يدل عليها أيضا رواية الصفار المتقدمة و قوله عليه السّلام فيها «وجب الشراء من البائع على ما يملك»، فان موردها - و ان كان فساد البيع في جزء من المبيع من جهة عدم اجازة المالك، و في المقام الفساد من جهة عدم قابلية جزء المبيع للتملك - انه يستفاد منها قابلية البيع الواحد صورة للتبعيض و الصحة في جزء من المبيع و عدمها في الجزء الآخر، فمقتضى العمومات و الرواية الخاصة صحة البيع فيما يملك، إلاّ انه قد استشكل فيها من وجوه:

(الأول) ما تقدم عن الشافعي من ان البيع الواحد لا يمكن أن يتصف بالصحة و الفساد معا، فاذا لم يمكن صحة البيع في تمام المبيع لا بد و أن يكون فاسدا في تمامه (و فيه) ما تقدم من ان البيع انما هو واحد بحسب الابراز و الا فالمبرز بيوع عديدة، فلا مانع من الصحة في البعض و الفساد في البعض الآخر.

(الثاني) ان التراضي انما وقع على بيع المجموع و المفروض ان الشارع لم يمضه و ما يكون ممضي - على تقدير تحققه - انما هو بيع خصوص ما يملك و لم يقع عليه التراضي (و فيه) انه بناء على الانحلال كما ان التراضي وقع على المجموع وقع على كل جزء أيضا، فلا مانع من شمول الأدلة لبيع جزء دون آخر.

(الثالث) ان الشرط اذا كان فاسدا فهو مفسد للعقد، لأجل ان ما وقع عليه التراضي هو البيع المشروط، و المفروض ان الشارع لم يمضه، و البيع بدون الشرط لم يتعلق به التراضي. و قد أورد عليه الميرزا بالفرق بين فساد الجزء و فساد الشرط (و نقول) لو قلنا بأن الشرط الفاسد مفسد و كان ذلك على القاعدة بالبيان المتقدم

لجرى في فساد الجزء أيضا، لأن بيع ما يملك في الفرض مشروط بالانضمام بما لا يملك، و هذا الشرط فاسد، فاذا كان مفسدا أوجب فساد البيع كبقية الشرائط الفاسدة. إلاّ ان الذي يسهل الخطب عدم كون الشرط الفاسد مفسدا على ما نبيّنه إن شاء اللّه تعالى في محله، فهذا الوجه أيضا ساقط.

(الرابع) انه مستلزم لجهل البائع بالثمن و هو يوجب الفساد (و فيه) ان الجهل اذا كان مستلزما للغرر فهو موجب للفساد مطلقا، لقوله عليه السّلام «نهى النبي عن بيع الغرر أو عن الغرر» كما في مرسلة العلامة، و أما مجرد الجهالة فدليل مبطليته الاجماع، و لا اجماع على ذلك في المقام لذهاب كثير من الأصحاب الى صحة البيع فيما يملك (و بعبارة اخرى) الجهالة التي توجب فساد البيع هو الجهل بالثمن في العقد، و أما اذا كان الثمن المذكور في العقد معلوما و كان الجهل من حيث امضاء الشارع و انه يمضي البيع شرعا في أي مقدار من الثمن فلا دليل على كونه مفسدا للبيع.

و مما ذكرناه ظهر فساد التفصيل بين صورتي علم المشتري و جهله بالحال، كما ظهر أيضا فساد ما توهّم من وقوع مجموع الثمن في مقابل ما يملك في فرض علم المشتري بأن بعض المبيع مما لا يملك لاقدامه على بذل تمامه بأزاء ما يملك، فان مقتضى الانحلال خلافه و انه انما أقدم على شراء كل من الجزئين بما يخصه من الثمن لا أكثر (نعم) لو سلطه على تمام الثمن مع علمه بفاسد البيع فيما لا يملك كان التسليط موجبا لتملك البائع لتمامه، بناء على ان التسليط المجاني يوجب ارتفاع الضمان و هو غير تام كما تقدم، فالحق صحة البيع فيما يملك بما يقابله من الثمن.

(بقي الكلام) في كيفية تقسيط الثمن، و المختار فيها - على ما تقدم - ان يقوم كل من الجزئين بشرط انضمامه مع الآخر ثم يجمع بين القيمتين، و طبعا يكون مجموع

القيمتين قيمة المجموع، فيرجع المشتري الى البائع في الثمن بحسب النسبة. و قد ذكر المصنف في طريق معرفة قيمة غير المملوك انه ان كان حرا يفرض عبدا بصفاته فيقوم، و ان كان خمرا أو خنزيرا يقوم عند من يراه مالا. ثم ذكر انه يشكل تقويم الخمر و الخنزير بضميمتها اذا بيع الخنزير بعنوان انه شاة و الخمر بعنوان انه خل فبان الخلاف، بل جزم بعض هنا بوجوب تقويمها قيمة الخل و الشاة كالحر (و بالجملة) استشكل المصنف في تقويم ما لا يملك بعنوانه فيما اذا بيع بغير عنوانه الواقعي كما اذا تخيل المشتري ان كلا الحيوانين شاة فاشتراهما فبان كون أحدهما خنزيرا.

(و أورد) عليه الميرزا بما حاصله: انه لا بد من تقويمه بعنوانه الواقعي في هذا الفرض أيضا، و ذلك لأن ما وقع عليه البيع انما هو الموجود الخارجي المعنون بعنوانه الواقعي، و توهم انطباق عنوان آخر عليه و قصده لا يوجب كون المبيع عنوانا آخر غير ما هو الموجود في الخارج.

(و فيه) ان ما أفاده انما يتم فيما اذا فرض صحة البيع، فانه يكون المبيع حينئذ نفس الموجود الخارجي بما له من العنوان الواقعي، و لا يلزم البائع بايجاد ذلك العنوان المتوهم في المبيع، لأن ما وقع عليه العقد هو الموجود الخارجي لا العنوان، و أما اذا فرض فساد البيع في ذلك المورد و أريد استرجاع ما يقابله من الثمن فلابد من تقويمه بالعنوان الذي وقع عليه البيع.

(و بعبارة اخرى) في فرض فساد البيع بالقياس اليه يكون الغرض من التقويم استكشاف قيمة الجزء الآخر من المبيع و ما وقع بأزائه من الثمن بحسب بناء المتعاملين و قصدهما، فلابد و أن يقوم كل من الجزئين بعد فرضه معنونا بالعنوان المقصود، و لا وجه لتقويمه بما له من العنوان الواقعي، فانه ربما يزيد قيمته بعنوانه

الواقعي على قيمته بما تخيل له من العنوان، فيكون ما يرجع به المشتري الى البائع من الثمن أكثر مما يستحقه منه، فيكون ظلما على البائع، و اذا انعكس انعكس.

(و الحاصل) الغرض من التقويم ليس إلاّ تعيين ما وقع بأزاء ما يملك من الثمن بحسب قصد المتعاملين، و لا يتعين ذلك إلاّ بتقويم ما لا يملك بما قصد فيه من العنوان لا بعنوانه الواقعي.

(فتحصل) ان الصحيح في بيع ما يملك و ما لا يملك هو صحة البيع فيما يملك و فساده فيما لا يملك بما يقابله من الثمن. هذا فيما اذا كان ما لا يملك مالا عرفا، و أما اذا لم يكن من الأموال العرفية - كما اذا بيع شاة و خنفساء صفقة واحدة - فان الخنفساء ليس لها قيمة أصلا، فلا يجري فيه ما ذكرناه من التقسيط و صحة البيع في بعض المبيع و فساده في البعض الآخر، بل يلزم من القول بصحة البيع فيما يملك منه وقوع تمام الثمن بأزائه، اذ لا قيمة للجزء الآخر، و هو خلف، اذ المفروض انه جزء من المبيع و قد وقع بأزائه شيء من الثمن، فلابد من الحكم ببطلان البيع رأسا لعدم تعين ثمن لما يملك واقعا، و هو يوجب بطلان البيع.

العناوين

تعريف البيع 11

عمل الحر 18

الحقوق 20

حكم الشك في قابلية الحق للاسقاط و النقل 25

الفرق بين الانشاء و الاخبار 28

إشكالات على تعريف البيع 31

في المعاطاة 48

البحث في شروط الصيغة 126

الفاظ القبول 133

اعتبار العربية 135

اشتراط الماضوية 137

تقديم الايجاب 139

الموالاة 143

التنجيز في العقد 145

اعتبار الرضا في بيع المكره 153

المقبوض بالعقد الفاسد 157

مدرك ما يضمن بصحيحه 160

رد المقبوض بالعقد الفاسد 176

حديث الخراج بالضمان 181

الضمان بالمثل و القيمة 194

تعيين القيمة 206

بدل الحيلولة 217

فروع على بدل الحيلولة 221

شروط المتعاقدين 230

بحث في التقاط الصبي و حيازته 240

قصد المتعاقدين اللفظ و المعنى 243

الاختيار و الاكراه 252

استدارك 256

التورية 261

شرطية اذن السيد 291

اشتراط كون المتعاقدين مالكين أو مأذونين 304

بيع الفضولي للمالك 311

بيع الفضولي المسبوق بمنع المالك 347

بيع الفضولي لنفسه 349

جريان المعاطاة في الفضولي 357

الكلام في الاجازة 360

ثمرات المسألة 370

الثمرة بين الكشف و النقل من حيث النماء 379

الثمرة بين الكشف و النقل بلحاظ فسخ الأصيل 381

ما عدّه بعض المتأخرين من ثمرات الكشف و النقل 389

و من جملة الثمرات 391

ظهور الثمرة في الأحكام 399

ظهور الثمرة في الخيارات 399

تنبيهات المسألة 401

بقي الكلام في أمرين 407

اجازة البيع ليست اجازة للقبض 409

ليست الاجازة على الفور 412

اعتبار مطابقة الاجازة للعقد 413

و حاصل الكلام 415

اشتراط نفوذ تصرف المجيز حين الاجازة 418

اشتراط وجود المجيز حين العقد 418

اشتراط كون المجيز جائز التصرف حال العقد 420

الوجه الأول مما استدل به المحقق التستري على البطلان 426

استدراك 428

شرائط العقد المجاز 450

هل يعتبر العلم بالمجاز 452

الكلام في تتبع العقود 454

هل يضمن البائع الغاصب للمشتري العالم بالغصب‌؟ 458

الرد و أحكامه 460

التصرف غير المنافي لا يكون ردا 464

حكم ضمان المبيع فضولة 466

حكم المشتري مع الفضولي 467

فروع يستثنى عن المسألة السابقة 474

تعاقب الأيادي 487

فروع 501

بيع الفضولي مال غيره مع مال نفسه 502

بيع من له النصف 511

بيع ما يقبل التملك مع ما لا يقبله 520