محاضرات فی الفقه الجعفری جلد 1

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

سرشناسه : ح‍س‍ی‍ن‍ی‌ ش‍اه‍رودی‌، ع‍ل‍ی‌،‫ - ‏۱۳۳۵.‏‬

‏عنوان و نام پديدآور : محاضرات فی‌الفقه‌ الجعفری/ تقریر بحث السیدابوالقاسم الخوئی ؛ بقلم علی الحسینی‌الشاهرودی؛ تحقیق السیدعبدالرزاق المقرم.

‏مشخصات نشر : قم: مرکز الموتمرات العلمیة و البحوث الحرة التابع لموسسة دار الحدیث‏‫، ۱۴۲۹ ق.‬‏‫= ۲۰۰۸ م.‬‏‫، ۱۳۸۷.‬

‏مشخصات ظاهری : ۴ج.: نمونه.

‏شابک : ‏‫‏‏دوره‬‬‏‫: ‏‬‏‫‬‭978-964-2730-47-6‬ ؛ ‏‫ج. ۱‬‬‏‬‏‫‬‭978-964-2730-48-3 :‬ ؛ ‏‫‏‏ج.۲‬‬‬‏‬‏‫‬‭978-964-2730-49-0 :‬ ؛ ‏‫‏ج.۳‬‬‏‬‏‫:‏ ‫‬‭978-964-2730-50-3‬ ؛ ‏‫ج. ۴‬‏‫‭‭978-964-2730-51-6 :

‏وضعیت فهرست نویسی : فاپا

‏يادداشت : عربی.

‏يادداشت : چاپ قبلی: دارالکتب‌الاسلامی، ۱۳۶۵.

‏يادداشت : چاپ دوم.

‏يادداشت : ج.۱و ۲ (چاپ اول: ۱۳۸۷) (فیپا).

‏يادداشت : ج. ۲ و ۳ (چاپ دوم: ۲۰۰۸م. = ۱۴۲۹ق. = ۱۳۷۷).

‏يادداشت : ج.۳ (چاپ اول: ۱۳۸۶) (فیپا).

‏يادداشت : ج. ۴ (چاپ دوم: ۱۴۲۸ق. = ۲۰۰۷م. = ۱۳۸۶).

‏یادداشت : کتابنامه.

‏موضوع : اصول فقه شیعه

• Islamic law, Shiites -- Interpretation and construction

حقوق تجارت (فقه)‬

Commercial law (Islamic law)

‏شناسه افزوده : خ‍وئ‍ی‌، سید‌اب‍وال‍ق‍اس‍م‌، ‏‫۱۲۷۸ - ‏۱۳۷۱.

‏شناسه افزوده : م‍ق‍رم‌، ع‍ب‍دال‍رزاق‌، ‏‫۱۸۹۸ - ۱۹۷۱م.‏

‏شناسه افزوده : Muqarram, Abd al-Razzaq

‏شناسه افزوده : ‏‫موسسه دایرةالمعارف فقه اسلامی بر مذهب اهل بیت (ع)‬

‏رده بندی کنگره : ‏‫‭‭‬‮‭‬‭BP۱۵۹/۸‏‫‭‬‭/ح۵م۳ ۱۳۸۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‭‭‬‮‭‬‭‏‫‭‭‬‮‭‬‭۲۹۷/۳۱۲

‏شماره کتابشناسی ملی : ‎۱‎۱‎۷‎۱‎۴‎۳‎۱

محرر الرقمي: میثم الحیدري

اشارة

محاضرات فی‌الفقه‌ الجعفری

محاضرات فی‌الفقه‌ الجعفری

تقریر بحث السیدابوالقاسم الخوئی

بقلم علی الحسینی‌الشاهرودی

تحقیق السیدعبدالرزاق المقرم.

مرکز الموتمرات العلمیة و البحوث الحرة التابع لموسسة دار الحدیث

محاضرات فی‌الفقه‌ الجعفری

تقریر بحث السیدابوالقاسم الخوئی

صورة

6-1

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ‌ ، اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ‌ ، كِتٰابٌ أَنْزَلْنٰاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنّٰاسَ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ ، مِنْهُ آيٰاتٌ مُحْكَمٰاتٌ هُنَّ أُمُّ اَلْكِتٰابِ وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ‌ ، وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللّٰهُ وَ اَلرّٰاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ‌ .

هٰذٰا بَصٰائِرُ لِلنّٰاسِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ‌ ، ثُمَّ جَعَلْنٰاكَ عَلىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ اَلْأَمْرِ فَاتَّبِعْهٰا ، ذٰلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ‌ ، (و لا تتبع الذين لا يعلمون)، لَيْسُوا سَوٰاءً مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ أُمَّةٌ قٰائِمَةٌ يَتْلُونَ آيٰاتِ اَللّٰهِ‌ ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُسٰارِعُونَ فِي اَلْخَيْرٰاتِ‌ .

إِنَّمٰا يَخْشَى اَللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ اَلْعُلَمٰاءُ‌ ، اَلرّٰاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ‌ ، يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ‌ ، وَ لاٰ يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ اَلْكُفّٰارَ إِلاّٰ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صٰالِحٌ‌ .

وَ مٰا كٰانَ اَلْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لاٰ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‌.

القرآن المجيد

كلمة المؤلف

حمدا لك اللهم على ما فقّهتنا في الدين و علّمتنا منازل السالكين، و أخرجتنا من ظلمة الجهل، و أبصرتنا نور اليقين، و صلاة على رسولك الأقدس الذي أمتننت به على عبادك؛ لينقذهم من الجهالة و حيرة الضلالة، فكاشف في الدعاء إليك حامته، و حارب في رضاك اسرته، و قطع في إحياء دينك رحمه، و أقصى الأدنين على جحودهم، و قرّب الأقصين على استجابتهم، و والى فيك الأبعدين، و عادى الأقربين، و أدأب نفسه في تبليغ رسالتك و اتعبها بالدعاء إلى ملتك، حتى ظهر أمرك، و علت كلمتك و لو كره المشركون.

ثمّ الشكر المتواصل آناء الليل و أطراف النهار لقدسك و كبير جلالك على ما أوليتنا من معرفة امناء دينك القويم الأئمة الإثنى عشر من عترة النبي صلّى اللّه عليه و اله و أبنائه الذين أوجبت لهم العصمة، و أكملت بهم الدين، و أتممت النعمة.

و إليك يا إلهنا نبتهل بازدياد اللطف و تتابع الرحمة على أصحابهم الذين كانفوهم و أسرعوا إلى وفادتهم و تسابقوا إلى دعوتهم و استجابوا لهم حتى هجرتهم العشائر، إذ تعلقوا بعروتهم و انتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظلّهم، فأعصمهم من كيد الشيطان، و أفسح لهم في رياض الجنان.

و بعد فإنّي أرفع إلى سادتي القراء كتابي الذي عرفته ب‍ «المحاضرات في الفقه الجعفري».

و هو ما استفدته في الدورة الاولى و الثانية من المولى الشريف استاذ الفقهاء، زعيم الدراسة العالية في مدينة العلم «النجف الأشرف» آية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الخوئي لينتهلوا من بحر معارفه الطافح بأسرار الشريعة، و ليقتنوا دربه اللامع، مدّ اللّه سبحانه في أيامه، و نفع رواد العلم بإفاداته، إنّه جلّ شأنه ولي العون و التوفيق.

النجف الأشرف

علي الحسيني الشاهرودي

و ينبغي أوّلا التيمّن بذكر بعض الأخبار [1]

الأحاديث العامة

[1] الأخبار التي ذكرها عامة لا تختص بمورد، و رواية تحف العقول المنقولة في الوسائل و الحدائق و البحار مرسلة كباقي رواياته، و صاحبه أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة(1)

ذكر الشيخ ابراهيم القطيفي في خاتمة كتابه «الفرقة الناجية»: أنّ أبا محمد الحسن بن علي بن الحسين أو عيسى بن شعبة الحراني كان عالما عاملا فقيها نبيها، له تحف العقول متداول معروف.

و في أمل الأمل للحر العاملي: فاضل محدث جليل له كتاب تحف العقول عن آل الرسول، حسن، كثير الفوائد، مشهور.

و في مقدمة البحار للمجلسي: عثرنا على نسخة عتيقة من تحف العقول للحسن بن علي بن شعبة، يدل نظمه على رفعة شأن مؤلفه، و أكثره في المواعظ، و من الاصول المعلومة التي لا تحتاج إلى سند.

و في رياض العلماء لملا عبد اللّه تلميذ المجلسي تحف العقول عن آل الرسول للعالم الفاضل الفقيه المحدّث الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة، متداول.

و في تأسيس الشيعة للسيد حسن الصدر/ 413: شيخنا الأقدم، و إمامنا الأعظم، له تحف العقول في الحكم و المواعظ عن آل الرسول، كتاب جليل لم يصنّف مثله. و كان هذا الشيخ جليل القدر عظيم المنزلة، و في حقّه يقول الشيخ العالم الرباني الشيخ حسين بن علي ابن صادق البحراني في رسالته في الأخلاق: كتاب تحف العقول للفاضل النبيل الحسن بن علي بن شعبة من قدماء أصحابنا، حتى أنّ الشيخ المفيد ينقل عنه، و هو كتاب لم يسمح الدهر بمثله.

و في روضات الجنات/ 177: تحف العقول مبسوط كثير الفوائد، معتمد عليه عند الأصحاب، و ما ذكره في خطبة الكتاب فيه دلالة على غاية اعتباره، مضافا إلى أنّ غالب مرسلاته بطريق اسقاط السند للايجاز لا لابهام الراوي كما نبّه عليه في أوّل الكتاب، و هذا ظاهر في الأخبار.

و في الذريعة للشيخ أقا بزرك الطهراني 400/3: كان معاصرا للصدوق المتوفى سنة 381، و له الرواية عن أبي علي بن همام البغدادي المتوفى سنة 336. و ترجمه السيد الجليل السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة 318/22 و ذكر ما تقدم، و قال في حقّه: شيخ فقيه محدّث، جليل، من متقدمي أصحابنا.

و عيّن الحجة الشيخ هادي كاشف الغطاء في كتابه مدارك النهج/ 102 وفاته سنة 332 ه‍.

و على كلّ فالتحف مجموعة مضامين أحاديث عن الأئمة عليهم السّلام كما ذكره في مقدمة الكتاب، و مثل هذا الشيخ الجليل و إن لم يتورط في البدعة التي لا تقال عثرتها لثقته و أمانته و ورعه و نبله، و لذا جعله المجلسي و الحر العاملي و الفيض الكاشاني من مصادر ما يحدثون به في كتبهم إلاّ أنّ ما فيه لا يخرج عن الإرسال، فمن يكتفي بمثل هذا التوثيق يتخذه طريقا مهيعا كمراسيل ابن أبي عمير، و من لم يقتنع به يبقى محجما، و آراء الكل غالية.

، و إن كان جليل القدر فاضلا ثقة، و قد اشتمل كتابه

1) لقد أصاب المرمى سيدنا الاستاذ في التعريف بروايات التحف، بيد أنّي أحببت أن أرفع إلى سادتي القراء ما عثرت عليه من كلمات العلماء حول ابن شعبة فإنّ آراءهم محترمة و للقارئ اختياره، فأقول:

على فوائد جليلة إلاّ أنّ الرواية لا تخرج بذلك عن الإرسال، و القول بانجبارها بعمل المشهور لا يركن إليه فإنّ القدماء مع قرب عصرهم من زمن المعصومين عليهم السّلام لم يذكروها في جوامع الأحاديث و لا في كتب الاستدلال.

نعم، هي مشهورة على ألسنة المتأخرين نقلا لا عملا، و لا عبرة بمثل هذه الشهرة، على أنّ لنا كلاما في أصل انجبار ضعف سند الرواية بالشهرة أوضحناه في الاصول.

و لا يصغي إلى دعوى السيد الطباطبائي قدّس سرّه انجبار سندها بمطابقة مضامينها للقواعد؛ لأنّ المطابقة المزبورة لا تجبر ضعف السند، بل يكون العمل حينئذ على

مقتضى القاعدة، و هذا كدعواه وجود أمارات الصدق فيها.

و ليت شعري ما هي الأمارات المتوهمة، أهي تشويش عبارتها و اضطراب جملها باشتمالها على كلمة «له و منه و فيه» و غير ذلك ممّا يلحق بالمعمّيات، و لم يكن هناك داع إلى الاغلاق في بيان الأحكام.

أو تعرضها لأحكام لا قائل بها كحرمة لبس جلود السباع بل مطلق الانتفاع بها، و لم يذهب إليها أحد حتى من العامة مع أنّ بعض الأخبار صرحت بجواز لبسها في غير الصلاة، و كحرمة الانتفاع بالميتة حتى فيما لا يعتبر فيه الطهارة، و المحقق جوازه و إن قيل بفساد بيعها، و كحرمة جميع التقلبات في كل شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد.

أو تعرضها لتقسيم معائش العباد إلى أقسام أربعة: التجارة و الإجارة و الصناعة و الولاية مع عدم انقسامها إلاّ إلى قسمين؛ لأنّ الصناعة لا تخرج عن التجارة و الإجارة، فإنّ الصانع إن عاش ببيع مصنوعه دخل في التجارة، و إن كان عاملا لغيره دخل في الإجارة، و الولاية بنفسها من المناصب الإلهية كالرسالة لا ترتبط بالمعاملات، و أمّا عمال الوالي فعملهم له يدخل في الإجارة بمعناها الشامل للجعالة.

فمعائش العباد المعاملية المتعارفة عند العقلاء تنحصر في أمرين: التجارة بمعنى تبديل الأعيان و الاسترباح بها، و الإجارة بمعنى تبديل العمل أو المنفعة، هذا إن اريد بالمقسم ما يعيش به الإنسان من المعاملات كما هو ظاهر المرسلة.

و أمّا إن اريد بالمعايش مطلق ما يعيش به أفراد البشر تزيد الأقسام على أربعة فإنّ صيد الأسماك لقوت نفسه أو للبيع، و كذا الزرع و الاحتطاب إلى أمثالها

و حكاه غير واحد عن رسالة المحكم و المتشابه [1]

يكون قسيما للصناعة.

ثمّ لا يخفى أنّ الظاهر من قوله «فهو حرام بيعه و شراؤه و إمساكه و ملكه و هبته» الخ، كون حرمة البيع تكليفية، لذكره في سياق الإمساك و العارية و كل تقلب ممّا لا معنى فيه للفساد، فلا تكون الحرمة ارشادا إلى الفساد، و الحرمة التكليفية في جميع المذكورات كما هو ظاهرها لا قائل بها، و إنّما القائل بالحرمة أراد الحرمة الوضعية.

فما كانت المرسلة ظاهرة فيه أعني الحرمة المولوية لا قائل به، و ما قيل به من الحرمة الوضعية لا تدل المرسلة عليه، و هذا مبعّد آخر لصدور الرواية من المعصوم عليه السّلام.

فالاعتماد عليها في غير محله؛ لأنّ المعتبر في العمل بالخبر أحد أمرين الوثوق بالراوي أو بالرواية. فالانصاف أنّها ساقطة متنا و سندا.

[1] لم يعرف مراده من مرجع الضمير، فإن أراد به وجود ما دلّت عليه مرسلة تحف العقول في تلك الرسالة كما هو ظاهر الحدائق و الوسائل فهو خلاف الواقع، فإنّ ما اشتملت عليه المرسلة من حرمة بيع المذكورات ليس له عين و لا أثر في الرسالة المزبورة، و إن أراد به وجود ما فيها من تقسيم المعائش فصحيح، لكنّه بصورة غير ما دلت عليه المرسلة، فإنّ الموجود في رسالة السيد تقسيم مطلق ما يعيش به أفراد البشر إلى أقسام خمسة: الامارة(1)و العمارة و التجارة و الإجارة و الصدقات، و لم


1) المذكور في رسالة المحكم و المتشابه، و مستدرك الوسائل 426/2 نقلا عن تفسير النعماني لفظ الاشارة.

و في الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا [1]

يذكر فيه الصناعة، و بيّن لكل واحد من هذه الأقسام شاهدا من الكتاب المجيد.

فما دلت عليه المرسلة أجنبي عمّا نصّت عليه رسالة المحكم و المتشابه.

[1] لم يثبت كون الفقه الرضوي رواية ليمكن دعوى انجبار ضعف سنده بعمل الأصحاب بل فيه شواهد على كونه من فتاوى بعض العلماء(1)

و لو كان غيرها لوجب على الصدوق التعريف بالمنهل الذي استقى منه و إلاّ لكان مدلسا، و حاشا مقامه الرفيع، و كبر شأنه أن يلتوي في الطريق المهيع.

و لقد سبقه إلى ذلك المحقق الخبير ميرزا عبد اللّه أفندي في رياض العلماء، فقد جزم بأنّه عين الرسالة، و إن اشتراك ابن بابويه مع الإمام عليه السّلام في اسمه و اسم أبيه صار سببا لنسبته إلى الإمام عليه السّلام.

و عدّه صاحب الوسائل من الكتب المجهول مؤلفها، كما لم يستوضح نسبته إلى الإمام صاحب الفصول و السيد المجاهد في المفاتيح.

و جزم صاحب الجواهر بعدم حجيته في مسألة سقوط النوافل في السفر، و في مسألة نصاب الإبل عند ذكر اعتبار الصدوق ثمانين، و في مسألة عدم التحريم بالرضعات العشر، و في عدة طلاق الحامل.

و كتب السيد حسن الصدر رسالة في عدم حجيته و في اجازته الكبيرة لثقة الإسلام الشيخ أقا بزرك الطهراني ذكر أنّه نفس كتاب ابن أبي عزاقر المعروف بالشلمغاني.

و في مصباح الفقيه للهمداني عند ذهاب الصدوق إلى أنّ نصاب الإبل ثمانين، قال: يمكن أن يكون مستنده الرضوي الذي لم تثبت حجيته لدينا.

و مع ذلك فإنّي أرفع إلى سادتي القراء أسماء من ركن إليه و اعتمد عليه:

منهم المجلسي الأول المولى محمد تقي و ولده صاحب البحار، و النراقي في العوائد، و حكاه فيها عن والده و الفاضل آقا هادي الكاشاني شارح المفاتيح، و السيد علي صاحب الرياض، و الفاضل الهندي صاحب كشف اللثام، و تابعهم المحقق الشيخ يوسف البحراني في المقدمة الثانية من مقدمات الحدائق.

و حكاه عن السيد نعمة اللّه الجزائري في مقدمة شرحه على التهذيب، و على هذا الضوء مشى السيد بحر العلوم في آخر فوائده المطبوعة مستقلا في ايران، و بالغ المحدث النوري في حجيته بعد أن حكاها عن الوحيد البهبهاني، و السيد حسين القزويني في مقدمة كتابه جامع الشرائع، و الفقيه الشيخ موسى بن الشيخ الأكبر كاشف الغطاء.

، و مع

1) بالرغم ممّا أتعب جملة من علمائنا الأعلام أنفسهم في نسبة كتاب «فقه الرضا» إلى الإمام عليه السّلام لم يستوضح سيدنا الاستاذ هذه النسبة؛ لعدم الوثوق بالطرق التي ركنوا إليها مع موافقة جملة ما فيه لرسالة ابن بابويه إلى ولده.

ذلك يرد على الاستدلال به:

أوّلا: إنّ ظاهره كون حرمة بيع ما نهى عنه من جهة أكله أو شربه أو نكاحه حرمة تكليفية، و لا قائل به كما عرفت و على تقدير القول به، فلا دلالة فيه على الفساد.

ثانيا: إنّ قوله: ضار للجسم، مناف للوجدان، فإنّ أكثر المحرمات من جهة الأكل أو الشرب أو اللبس أو النكاح لا يترتب عليها مضرة جسمية أصلا.

ثالثا: ظاهر هذه الجملة جعل الحرمة دائرة مدار الضرر، و هو فاسد؛ لأنّ الأحكام الشرعية تدور مدار المصالح و المفاسد الواقعية دون الضرر، كما هو ظاهر.

رابعا: إنّ عنوان الضرر لا يعقل أن يكون موجبا لحرمة عين من الأعيان الخارجية و لا لعدم جواز بيعها، فإنّ الضرر ممّا يختلف حاله وجودا و عدما باختلاف الأشخاص و الأزمان و الأمكنة و الكميات، و ليس شيء في الخارج متمحضا في كونه مضرا أو غير مضر، نعم يمكن أن يكون عنوان المضر بنفسه موضوعا لحكم شرعي، لكنّه خلاف المفروض في المقام.

و عن دعائم الإسلام [1]

[1] يرد على هذا الخبر مضافا إلى ضعف سنده(1)

و لكن سيدي الاستاذ - نفعنا اللّه سبحانه بافاداته - لم يعبء بهذا التوثيق؛ لعدم وضوح الطريق عنده على أنّ في الكتاب ما لا يلتزم به فقهاؤنا الأعلام و العلماء نماذج منه تتعرف منها حال الكتاب.

قال في المذي: الذي لا ينقطع الوضوء لكل صلاة مع وضع الكيس على العورة ورش الاحليل بالماء ليحصل الشك عند وجدان البلل بأنّه من المذي أو الماء.

و قال: فيما يخرج من مخرج البول و الغائط من الدود و حب القرع و الدم و القيح: إنّه حدث ينقض الوضوء و يجب منه الوضوء.

و قال: لا يكون الاستنجاء إلاّ من غائط أو بول أو جنابة أو ما يخرج غير الريح.

و قال: من بدأ بالمياسير من أعضاء الوضوء جهلا أو نسيانا و صلى لم تفسد صلاته.

و قال أمروا بمسح الرأس مقبلا و مدبرا يمر يديه جميعا على ما أقبل من الشعر إلى منطقة الجبهة، ثمّ يرد يديه من وسط الرأس إلى الشعر من القفا، و يمسح مع ذلك الاذنين ظاهرهما و باطنهما يمسح ذلك مرة واحدة.

و قال في مسح الرجلين: و من غسل رجليه تنظفا و مبالغة في الوضوء و لابتغاء الفضل و خلل أصابعه فقد أحسن و لكن لا يجعل فرضا و لا يجزي الغسل للرجلين وحده بأن يصب الماء عليهما حتى يمسح باليد عليهما.

و قال في المسح: من بدأ بما أخّر اللّه من الأعضاء نسيانا أو جهلا و صلى لم تفسد صلاته.

و قال في الوضوء التجديدي: ما غسل من أعضاء الوضوء أو ترك لا شيء عليه، و قد روينا عن علي بن الحسين أنّه سئل عن المسح على الخفين فسكت حتى مر بموضع فيه ماء و السائل معه فنزل و توضأ و مسح على الخفين و على عمامته، و قال: هذا وضوء من لم يحدث. إلى غير ذلك ممّا يجده القارئ في كتاب الدعائم.

و لعل هذا و أمثاله صار منشأ لحكم صاحب الجواهر في مسألة «من فاتته صلوات متعددة» بأنّ دعائم الإسلام مطعون فيه و في صاحبه.

و مهما بالغ المحدث النوري في خاتمة المستدرك في اعتباره و تابعه السيد حسن الصدر في تأسيس الشيعة: 382 فلا تخرج رواياته عن الإرسال. و قد عرفت الوقفة في وثاقة المرسل لها.

و على كلّ فالقاضي نعمان ولد في أفريقيا سنة (259 ه‍) حيث كان أبوه هناك، و توفي بمصر أوّل رجب سنة 363 ه‍، و صلى عليه المعز، و دفن بالقاهرة، و كان مالكيا ثمّ اعتنق مذهب الإمامية.

و قد ذكر في الدعائم في مسألة حي على خير العمل ما هو صريح في تشيعه، و رأى ابن تغربردي في النجوم الزاهرة 106/4: انّه حنفي المذهب لكون مذهب مالك هو السائد في شمال افريقيا و الاندلس. و يعتقد الاستاذ الفيضي اسماعيليته منذ نعومة أظفاره غير أنّ التقية حرجت عليه الاذاعة، لكنّه بعيد عن الصواب من جهة عدم معروفية هذا المذهب قبل تأسيس الدولة الفاطمية.

و كان النعمان من المكثرين في التأليف، فقد انهى المستشرق الروسي «ايفانوف» في المرشد إلى أدب الاسماعيلية كتبه إلى أحد و أربعين في الفقه و الأخبار و العقائد و الردود، طبع منها كتاب الهمة و افتتاح الدعوة الزاهرة و المجالس، و في مرآة الجنان لليافعي حوادث سنة (363) عمل في المناقب و المثالب كتابا حسنا.

أما دعائم الإسلام فله شأن عند الفاطميين، ففي الخطط المقريزية 169/2، و كشف الظنون 755/2 بولاق أنّ الظاهر في سنة (416 ه‍) أمر الدعاة و الوعاظ أن يعظوا من كتاب «دعائم الإسلام»، و جعل لمن حفظه مالا، و في كتاب المعز لدين اللّه/ 259: أرسل الحاكم سنة (411) إلى هارون بن محمد داعيته في بلاد اليمن رسالة فيها لتكن فتواك في الحلال و الحرام من كتاب دعائم الإسلام.

و أشاد بذكر الدعائم حميد الدين الكرماني في كتابه «راحة العقل»، و كان المؤيد هبة اللّه الشيرازي يقرأ كتاب الدعائم في مجالسه التي يلقيها على أبي كاليجار البويهي ثمّ يقول في «السيرة المؤيدية» / 43: كان بناء المجالس التي تعقد بحضرة أبي كاليجار في ليالي الجمع على أن يبتدأ بشيء من قوارع القرآن و يثني من كتاب الدعائم، و قد طبع الجزء الأول منه بمصر سنة (1370 ه‍).

توجد ترجمة النعمان في وفيات الأعيان لابن خلكان بترجمته و مرآة الجنان لليافعي 379/2، و لسان الميزان لابن حجر 167/6، و الخطط للمقريزي 169/2 و اتعاظ الحنابلة: 202، و النجوم الزاهرة لابن تغربردي 106/4، و حسن المحاضرة للسيوطي 92/2، و كشف الظنون للحاج خليفة 755/2، و ذيله ايضاح المكنون 473/1، و تاريخ الإسلام السياسي 309/3، و المعز لدين اللّه/ 258، و كتاب الحاكم بأمر اللّه/ 161، و خاتمة المستدرك للنوري 313/3، و تأسيس الشيعة للسيد حسن الصدر/ 303 و 382، و الذريعة للشيخ أقا بزرك الطهراني 197/8.

:

1) لقد أكثر المؤرخون من أطراء القاضي نعمان بن أبي عبد اللّه بن محمد بن منصور بن حيون التميمي، و وصفوه بالورع في الدين و النبل و الفقه، و أنّه من أوعية العلم، و له الخبرة الدقيقة في سياسة الدولة حتى استطاع أن يجذب قلوب الفاطميين إليه، فلا يفتأتون رأيه و لم يجتنبوا نصائحه، و بذلك تولى هو و بنوه و أحفاده القضاء لهم.

و في النبوي المشهور [1]

أوّلا: إنّ قوله: «و ما كان محرما أصله منهيا عنه لم يجز بيعه و لا شراؤه» ظاهر بقرينة المقابلة في حرمة بيع ما حرم أكله من المأكول و لبسه من الملبوس، و قد عرفت عدم القائل به.

ثانيا: إنّ قوله «لا يجوز بيعه و لا شراؤه» ظاهر في الحرمة التكليفية فقط فلا يفيدنا فيما هو المهم في المسائل الآتية من صحة المعاملة و فسادها فظاهره غير معمول به.

[1] لم نجد النبوي في جوامع أحاديث العامة، و لم يثبت مضمونه في رواية و لو ضعيفة ليدعى انجبارها بعمل الأصحاب.

نعم، ذكره بعض فقهاء الإمامية و غيرهم في كتبهم(1)

و ظاهر العلاّمة الاعتراف به حيث لم يرد ابن ادريس المتمسك به و استدل به كاشف الغطاء في شرح القواعد في مسألة شرب بول ما يؤكل لحمه من كتاب البيع. و استدل به صاحب الجواهر على حرمة بيع الكلب و حكاه في أوّل البيع عن التذكرة و العوالي و في البحار 17/23 في المكاسب قال: وجدت بخط الشيخ محمد بن علي الجبعي عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه و اله قال: إذا حرم اللّه شيئا حرم ثمنه. و استدل به على حرمة بيع الادهان النجسة أو المتنجسة في الروض المربع بهامش نيل المآرب الشيخ عبد القادر بن عمر الشيباني في الفقه الحنبلي 72/2.

و استدل به على حرمة بيع الخمر و الخنزير و الميتة محمد بن عبد اللّه المعروف بابن همام الحنفي في شرح الفتح القدير 187/5.

و استدل به الدميري في حياة الحيوان 321/1 بمادة الحمامة على حرمة بيع ذرق الحمام و سرجين مأكول اللحم. و حكى علاء الدين الحنفي في بدائع الصنائع 144/5 عن أبي يوسف و محمد حرمة بيع الأشربة المسكرة غير الخمر لقوله صلّى اللّه عليه و اله: «لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها و باعوها و إنّ اللّه إذا حرم شيئا حرم بيعه و أكل ثمنه» انتهى.

و روى أحمد بن حنبل في المسند 322/1 عن ابن عباس أنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله قال: «لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا أثمانها و إنّ اللّه إذا حرم على قوم شيئا حرم ثمنه»، و هذا الحديث و إن أمكن بظاهره عده في جملة ما تقدم إلاّ أنّ سيدنا الاستاذ دام ظله احتمل قويا كونه من جملة ما يأتي من الأحاديث الدالّة على أنّ اللّه إذا حرم على قوم أكل شيء حرم ثمنه بقرينة أنّ الراوي له ابن عباس و تلك الأحاديث أيضا مروية عنه، فمن الجائز سقوط كلمة «الأكل» غفلة.

.

1) ذكره الشيخ الطوسي في الخلاف 225/1 في بيع السرجين، و 212/2 في الأطعمة في الدهن المتنجس، و ابن ادريس في السرائر في الذبائح في اختلاط المذكى بالميتة، و في مسألة اختلاط المذكى بالميتة من المختلف 131/4.

و ما ورد في حديث ابن عباس عنه صلّى اللّه عليه و اله: «إنّ اللّه إذا حرم على قوم أكل شيء حرم ثمنه عليهم»(1)

و نص الحديث: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله جالسا عند الركن فرفع بصره إلى السماء فضحك و قال: «لعن اللّه اليهود إنّ اللّه حرم عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا أثماها، و إنّ اللّه إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه»، و في بعض هذه الجوامع زيادة: لعن اللّه اليهود ثلاثا، و في بعضها اسقاط «على قوم». و من هذا النسق حديث جابر بن عبد اللّه الأنصاري المروي في صحيح البخاري 26/2 في بيع الميتة، و صحيح مسلم 629/1 في بيع الخمر و الميتة، و سنن النسائي 231/2 في بيع الخنزير، و سنن أبي داود السجستاني 279/3 في بيع الخمر و الميتة، و نيل الأوطار للشوكاني 120/5 في بيع النجاسة، و تيسير الوصول لابن الديبع 55/1، و كنز العمال للمتقي الهندي 227/2.

و نصه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عام الفتح و هو بمكة، يقول: إنّ اللّه و رسوله حرم بيع الخمر و الميتة و الخنزير و الأصنام، فقيل: يا رسول اللّه أرأيت شحوم الميتة فإنّه يطلى به السفن و يدهن بها الجلود و يستصبح بها الناس، فقال صلّى اللّه عليه و اله: لا هو حرام».

ثم قال رسول اللّه: عند ذلك قاتل اللّه اليهود إنّ اللّه لما حرم عليهم شحومها اجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه، و تجميل الشحم كما في الصحاح: إذابته.

غير النبوي المشهور لقصره التحريم على الأكل، مع أنّ ما دل عليه

1) حديث ابن عباس رواه أحمد في المسند 247/1 و 293 و البيهقي في السنن 13/6 و أبو داود السجستاني في السنن 280/3 و ابن الديبع في تيسير الوصول 55/1 و الشوكاني في نيل الأوطار 121/5.

غير معمول به عند الفريقين(1)، فإنّ كثيرا من المأكولات يحرم أكله و لا يحرم بيعه و لا ثمنه كشحم غير المأكول؛ فإنّ بيعه جائز للاستصباح و نحوه مع حرمة أكله.

و على كل لم نعثر على هذا النبوي في كتب الأخبار، و على فرض ثبوته لم يظهر انجباره بعمل الأصحاب؛ لأنّه إن اريد من قوله «حرم شيئا» تحريمه في الجملة كتحريم الأكل فيما يكون قابلا له و تحريم اللبس و النكاح في المحل القابل لهما، فمن الظاهر أنّه لا يوجب حرمة البيع و لا فساده إذا كان للمبيع منفعة اخرى ظاهرة.

و إن اريد به تحريم جمع المنافع أو الظاهرة منها فالمعروف بينهم و إن كان عدم جواز بيع ذلك إلاّ أنّه لم يعلم استنادهم إلى هذا النبوي، لاحتمال أن يكون مدركهم اعتبار المالية في المبيع و ما ليس له منافع ظاهرة إمّا في نفسه أو بمنع الشارع عنها


1) قال علاء الدين علي بن عثمان المارديني الشهير بابن التركمان المتوفى سنة 745 في هامش سنن البيهقي 13/6 عند استدلال البيهقي بحديث حرم عليهم الشحوم ما لفظه عموم هذا الحديث متروك اتفاقا لجواز بيع الآدمي و الحمار و السنور، و لا يخرق هذا الاتفاق ما حكاه النووي في شرح صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 475/6 من أنّ القاضي عياض، قال: تضمن هذا الحديث أنّ ما لا يحل أكله و الانتفاع به لا يجوز بيعه و لا يحل أكل ثمنه.

قد جرت عادة غير واحد على تقسيم المكاسب [1]

لا يكون من الأموال و عمل الأصحاب إنّما يكون جابرا للسند فيما إذا أحرز استنادهم إليه في فتاواهم كما إذا صرحوا به أو لم يكن في البين ما يحتمل استنادهم إليه سواه و كلا الأمرين مفقود في المقام.

فتحصل أن ما ذكره المصنف من الروايات غير تام السند و الدلالة، فلا يمكن الاعتماد عليها للحكم بالفساد في شيء من المسائل الآتية، و لا بد من التماس دليل خاص على الفساد في كل مورد و إلاّ فالآيات الدالّة على صحة العقود، كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌ و نحوهما محكمة.

نعم، لا يجري ذلك في الإجارة لمنفعة محرمة كإجارة شخص لقتل نفس محترمة أو لسقي الخمر في المجلس و نحو ذلك لفسادها عقلا؛ لأنّ حرمة تلك الأفعال تكليفا تنافي الأمر بوجوب الوفاء بالاجارة عليها.

و توهم: عدم منافاة حرمة المنفعة تكليفا لصحة الإجارة وضعا في حكم العقل و تترتب عليها الثمرة بنحو الترتيب.

مدفوع: بثبوت المنافاة بينهما عرفا كما هو واضح.

تقسيم المكاسب إلى الثلاثة أو الخمسة

اشارة

[1] ظاهر المصنف انقسام المكاسب إلى الأحكام الخمسة.

و مثّل للمستحب من المعاملات بالزرع و الرعي؛ لأنّ الشارع الأقدس ندب اليهما، و للواجب بالصناعة الواجبة كفاية خصوصا إذا تعذر قيام الغير بها.

و الظاهر أنّ الاستحباب في الزرع و الرعي ثابت لنفس الفعل و لو لم تكن معاملة لتوقف قوت البشر على الزراعة و حصول صفة الحلم للإنسان بالرعي.

و معنى حرمة الاكتساب حرمة النقل [1]

و أما التمثيل للواجب بالصناعة: ففيه أوّلا: ان الكلام في الواجب العيني لا الكفائي، و عدم قيام الغير بالواجب الكفائي، أو عدم وجود من يقوم به لا يخرجه من الكفائي إلى العيني.

و ثانيا: أنّ الواجب إنّما هو نفس العمل للنظام لا خصوص المعاملة عليه.

و ما ذكره بعض المحققين من أنّ الزام أرباب الصنائع بالصناعة مجانا يستلزم اختلال امور المعاش فيتعين لزوم المعاملة عليها.

يدفعه أنّ ذلك لا يقتضي إلاّ وجوب الجامع بين القسمين لا خصوص القسم الثاني، كما هو ظاهر.

و منه يظهر حال العبد إذا أسلم و مولاه كافر، فإنّ بيعه و إن كان واجبا عليه إلاّ أنّ الواجب إزالة سلطنة الكافر عنه و لو بعتقه لا التكسب به.

و أمّا وجوب التكسب للنفقة الواجبة أو لاداء الدين الواجب فهو و إن كان عينيا إلاّ أنّه ثابت بعنوان ثانوي كوجوب بيع الدار لحلف و نحوه، و استحباب بيعه لاستدعاء المؤمن.

و الحاصل أنّ تقسيم المعاملات إن كان بعنوانها الأولي فالصحيح حصره في ثلاث: المباح كأغلب المعاملات، و المكروه كالصياغة و بيع الأكفان و العبيد و الإماء، و المحرم كبيع الخمر و نحوه، و إن كان التقسيم بما يعم العنوان الثانوي فالأقسام خمسة.

معنى حرمة الاكتساب

[1] حرمة المعاملة كما تكون تكليفية تكون وضعية بمعنى الفساد و بينهما عموم من

فالاكتساب المحرم أنواع [1]

وجه فإنّ البيع قد يكون فاسدا غير حرام تكليفيا كالبيع الغرري، و قد يكون محرما غير فاسد كالبيع وقت النداء، و قد يجتمعان كبيع الخمر.

و ظاهر من المصنف قدّس سرّه اعتبار قصد ترتب الأثر المحرم خارجا في حرمة بيع المحرم، و هذا إنّما يتم لو كانت حرمة البيع من باب الإعانة على الاثم و قلنا بحرمتها، أو من حيث حرمة ايجاد مقدمة الحرام إذا قصد بها التوصل إليه و هذا لا يختص بالمحرمات بل يجري في بيع المباحات إذا قصد البائع التوصل به إلى الحرام، كما إذا علم بأن بيعه المدية من زيد يترتب عليه قتل مؤمن يتنازع معه فإنّ البيع حينئذ محرم على أحد الوجهين مع أنّ للمدية منافع محللة ظاهرة.

و اعتبار التسليط الخارجي في حرمة البيع كما عن بعض مبني على كون الحرمة من جهة الإعانة على الاثم، و مجرد البيع مع عدم التسليط على المبيع خارجا لا إعانة فيه على الاثم فلا حرمة، لكن المبنى فاسد كما عرفت.

فالصحيح عدم اعتبار شيء من الأمرين في حرمة المعاملة، و معنى حرمة الاكتساب بعنوانه الأولي إنّما هو حرمة انشاء المعاملة، و ليس مرادنا من الانشاء مجرد التلفظ بالصيغة فانه لا حرمة فيه بل المراد اظهار الاعتبار النفساني و ابرازه.

و يدل على هذا اطلاق ما ورد في الخمر من قوله عليه السّلام «لعن اللّه غارسها و بايعها»(1)، و دعوى الانصراف لا وجه لها.

فى انواع الاكتساب المحرم

اشارة

[1] ذكرها في مسائل ثمان و بعد ما عرفت الحال في الروايات العامة يسهل استنباط الحكم الصحيح منها، و يتضح سقوط كثير ممّا ذكر فيها.


1) انظر مصدره عند ذكر المصنف رحمه اللّه لحرمة الخمر.

الاولى [1]

المعاوضة على أبوال ما لا يؤكل لحمه

[1] لا وجه لحرمة بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه تكليفا لما عرفت من أنّ النجاسة و حرمة الأكل أو الشراب لا يستلزم حرمة البيع تكليفا، كما أنّ حرمتها وضعا بلحاظ حرمة شربها، أو مطلق الانتفاع بها غير ثابتة على ما تقدم.

و ما ذكره المصنف قدّس سرّه في وجه الفساد من عدم ماليتها لكون مالية الشيء عرفا بمنافعه الظاهرة التي يبذل العقلاء بازائها المال، و الأبوال خالية عنها.

ممنوع؛ لأنّه لا دليل على اعتبار المالة العرفية في المبيع كما سيجيء بل يكفي المنفعة الشخصية للمشتري في الصحة، بل لا يعتبر ذلك أيضا؛ لأنّ الثابت بالدليل فساد بيع السفيه لا البيع السفهائي، فلو فرض عدم وجود غرض عقلائي للمشتري في شراء المبيع يصح البيع فيما إذا لم يكن البائع سفيها و إن كانت المعاملة سفهائية.

و الاستدلال على اعتبار المالية في المبيع بقوله تعالى: وَ لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ (1)بدعوى أنّ مالية الشيء عند العقلاء إنّما هي بالمنافع المترتبة عليها؛ و لذا تختلف مالية الأشياء باختلاف منافعها قلة و كثرة و باختلاف كميتها وجودا، فإذا لم تكن للمبيع منفعة أصلا، أو كانت و لكن الشارع منع عنها كمنفعة الخمر فلا محالة يكون أكل المال بازائه أكلا له بالباطل.

يرده أنّ الآية أجنبية عن اعتبار المالية في المبيع و إنّما هي ناظرة إلى أسباب أكل الأموال و واردة في مقام الردع عن التوصل إلى تملك مال الغير بالأسباب


1) في سورة البقرة/ 188 وردت خالية من الاستثناء، و في سورة النساء/ 29 مع هذا الاستثناء.

فرعان: الأول: ما عدى بول الإبل من أبوال ما لا يأكل لحمه [1]

و إن قلنا بحرمة شربها كما هو مذهب جماعة؛ لاستخباثها [2]

المتعارفة في الجاهلية من الغزو و بيع الحصاة و القمار و نحوها، إلاّ التجارة عن تراض. و إذا كان الاستثناء متصلا في الواقع - كما هو الصحيح - و إن كان منقطعا بحسب ظاهر اللفظ أفاد حصر السبب المرضي للشارع بالتجارة عن تراض.

فعلى أي تقدير ليست الآية ناظرة إلى اعتبار المالية في المبيع أصلا.

[1] الكلام المتقدم يجري هنا سواء قلنا بجواز شربها أو لم نقل؛ لأنّ شرب الأبوال ليس من منافعها التي يبذل بازائها الأموال حتى يوجب جوازه ماليتها، فلا فرق بين أبوال ما يؤكل لحمه و ما لا يؤكل.

[2] الظاهر أنّ حرمة الشرب فيها لم تستند إلى خباثتها الموجبة للتنفر منها، إذ لا دليل على حرمة أكل أو شرب ما ينفر منه و المراد بالخبائث في قوله سبحانه:

وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبٰائِثَ‌ (1)

و جملة من المفسرين جمعوا بين ما في اللغة و ما ورد في الحديث من التمثيل بالميتة و الدم و الخنزير و الربا و الزنا كالخازن في تفسيره 245/2، و الرازي في مفاتيح الغيب 302/4، و ابن العربي في أحكام القرآن 226/1.

و في تفسير المنار 228/9: الخبيث من الأطعمة: ما تمّجه الطباع السليمة و تستقذره ذوقا كالميتة و الدم المسفوح، أو تصدّ عنه العقول الراجحة لضرورة في البدن كالخنزير الذي تتولد من أكله الدودة الوحيدة، أو لضرورة في الدين كالذي يذبح للتقرب به إلى غير اللّه تعالى على سبيل العبادة، و الذي يحرم أكله و ذبحه لتشريع باطل كالبحيرة و السائبة. و الخبيث من الأموال: ما يؤخذ بغير حق كالربا و الغلول و السرقة و الخيانة و السحت.

و منهم من اقتصر على ما في الحديث من الأمثلة و ما يناسبه من الحرام حكما، و كله اجتهاد في قبال أهل اللغة.

، الرجس المعبر عنه في الفارسية ب‍ «پليد».

1) في الصحاح و المصباح و القاموس: الخبيث ضد الطيب، و حكى في تاج العروس عن ابن الأعرابي في كلام العرب: هو المكروه، و إلى هذا يرجع ما في التبيان للشيخ الطوسي 718/1 الخبائث: هي القبائح و ما تعافه الأنفس.

بل للموثق عن الصادق عليه السّلام: سئل عن بول البقر يشربه الرجل قال: «إن كان محتاجا إليه يتداوى به شربه، و كذلك بول الإبل و الغنم»(1)، فإنّ مفهومه عدم الشرب مع عدم الحاجة إليه.

و لا يعارضه ما ورد من أنّ أبوال الإبل خير من ألبانها(2)المفهوم منه عرفا جواز شرب أبوالها؛ لأنّه ظاهر في بيان حكم طبي في تفضيل بول الإبل على لبنها(3)

و في مسند أحمد 293/1 عن ابن عباس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «إنّ في أبوال الإبل و ألبانها شفاء للذربة بطونهم»، و رواه في كنز العمال 176/5. و الذربة - كما في مصباح المنير -: فساد المعدة.

و في صحيح البخاري 46/1 في باب أبواب الإبل و 7/4 في كتاب الطب عن أنس قدم قوم من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي صلّى اللّه عليه و اله أن يأتوا اللقاح و يشربوا من ألبانها و أبوالها.

و في مسند الطيالسي/ 66 حديث 484 عن أبي ذر: إنّه اجتوى المدينة فأمره بمثل ذلك، و الاجتواء - كما في تاج العروس 79/10 -: استوخام هواء المدينة، و إلى هذه الأحاديث استند الطبيب الشيخ داود الانطاكي في التذكرة 10/2 فقال: إنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله إنّما أمر بأبوال الإبل و ألبانها لكون الاستسقاء من المواد الباردة اللزجة الغروية، و فيما ذكر تقطيع و تفتيح و جلاء يطابق المادة.


1) التهذيب للطوسي 81/1، و عنه الوافي 292/11 آخر المشارب، و الوسائل 192/1 و 295/3، ط - عين الدولة.

2) الكافي بهامش مرآة العقول 79/4، و التهذيب 307/2 في الأشربة، و عنهما الوافي 92/11، و الوسائل 295/3، و روى في كنز العمال 176/5، و المستدرك على الصحيحين 404/4، و الجامع الصغير للسيوطي 63/2 أحاديث الشفاء في ألبان البقر، و أنّه دواء من كل داء.

3) يشهد له ما في الكافي بهامش مرآة العقول 79/4 في الأشربة عن عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن المثنى قال: سمعت أشياخنا يقولون: البان اللقاح شفاء من كل داء و عاهة، و لصاحب البطن أبوالها، و اللقاح بالكسر، كما في صحاح الجوهري: الإبل، واحدها لقوح.

لأنّ حلية هذه في حال المرض [1]

و لا ربط له بالحكم الشرعي.

[1] هذا دفع للنقض على ما التزم به من فساد بيع ما يحرم شربه و لو كان له منفعة محللة في حال الضرورة، بأنّ الأدوية لا يجوز شربها في غير حال المرض لتضرر الجسم بها، مع أنّه يجوز بيعها.

و حاصل الدفع: أنّ الجواز إنّما هو لأجل تبدل الموضوع و العنوان، فإنّها نافعة في حال المرض، و المستفاد من كلامه في المقام امور:

الأول: أنّ جواز بيع الأدوية إنّما هو لأجل تبدل العنوان.

و ليس كذلك، فإنّ المعتبر في مالية الشيء بناء على اعتبارها في صحة البيع امكان الانتفاع به في الجملة لا في كل مكان و زمان، فإنّ الانتفاع بالشيء منفعة محللة في بعض الأحيان أو في بعض الأمكنة يكفي في كونه مالا، فالفراء لا ينتفع به إلاّ في الشتاء، و الثلج بالعكس، و الأدوية من هذا القبيل.

الثاني: أنّ المرض من قبل الاضطرار فجواز الانتفاع ببعض الأبوال عند المرض كجواز الانتفاع بكل حرام عند الضرورة.

و فيه: أنّ المرض لما كان أمرا عاديا للبشر يبتلى به عامة الناس لم يجز قياسه على الاضطرار الذي قد يبتلى به الفرد من الناس كالاضطرار إلى أكل لحم الأسد أو الأرنب أو الثعلب لدفع الهلكة، و يشهد له ما تعارف من التجارات المهمة في بيع

الأدوية دون لحوم الحيوانات المحرمة الأكل.

الثالث: أنّ الحرمة الثابتة للشيء و لو بالعنوان الثانوي كالأضرار بالجسم توجب حرمة بيعه.

و فيه: أنّ ظاهر الروايات العامة المتقدمة؛ لاشتمالها على لفظ الحرمة بقول مطلق على تقدير تسليم دلالتها تفيد الملازمة بين حرمة الشيء بعنوانّه الأولي و بين حرمة بيعه و إلاّ لزم الهرج؛ لأنّ جميع الأشياء يمكن أن تكون مضرة للجسم بلحاظ اختلاف الكمية و اختلاف الأشخاص و الأزمنة أو الأمكنة، فربّ شيء يكون مضرا لأحد دون آخر أو في زمان دون آخر أو بالاكثار منه دون القلة، فلو كان الضرر ملازما لحرمة البيع لزم جوازه لبعض دون بعض و في وقت أو مكان دون آخر و هذا لا يمكن لأحد الالتزام به.

ثم لا يخفى أنّ ما ذكرناه من أنّه يكفي في مالية الشيء مطلقا وجود المنفعة فيه و لو في بعض الأمكنة إنّما يتم إذا لم يكن مصرف النقل إلى المكان الذي ينتفع به أكثر من قيمته، و إلاّ فلا مالية له.

و من هنا يظهر عدم الضمان فيما إذا حاز أحد ماء النهر فأتلفه آخر و هو على النهر؛ لعدم المالية له هناك، و إن كانت له مالية عظيمة في الأمكنة التي لا يوجد فيها الماء، أو يكون فيها عزيز الوجود.

و مثله الاختلاف في الزمان، فما لم ينتفع به في زمان و لكن يمكن الانتفاع به في زمان آخر مع إمكان إبقائه على نحو لا يستدعي صرف مال أكثر من قيمة كان من الأموال المحلّلة، نظير الثلج في البلاد الباردة التي يدخر فيها تحت الأرض لأيام الصيف.

يحرم بيع العذرة [1]

بيع العذرة

[1] قد ظهر ممّا تقدم أنّه لا وجه للاستدلال على حرمة بيعها و فسادها(1)

و أمّا الزبل المسمّى بالسرجين و البعر فيصح بيعه، و عند الشافعية: لا يصح بيع كل نجس كالخنزير و الخمر و الزبل، و في الصحاح و القاموس: الزبل - بالكسر -: السرجين.

بالروايات العامة لا من جهة النجاسة و لا من حيث عدم وجود منفعة فيها.

و أمّا الأحاديث الخاصة فهي أربعة:

الأول: ما عن دعائم الإسلام قال روينا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن أبيه عن آبائه:

«أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله نهى عن بيع الأحرار، و عن بيع الميتة و الخنزير و الأصنام، و عن عسيب الفحل، و عن ثمن الخمر، و عن بيع العذرة، و قال: هي ميتة»، و قد بيّنا عدم الاعتماد عليه.

الثاني: خبر يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه قال: «ثمن العذرة من السحت»(2)، و رجال الحديث و إن كانوا أجلاء ثقات إلاّ أنّ فيهم علي بن السكن أو مسكين، و هو من المجاهيل لعدم ذكره في الرجال.


1) في الفقه على المذاهب الأربعة 300/2 عند المالكية: لا يصح بيع زبل ما لا يؤكل لحمه سواء كان أكله محرما كالخيل و البغال و الحمير أو مكروها كالسبع و الضبع و الثعلب و الذئب و الهرة، و عند الحنابلة: لا يصح بيع الزبل النجس دون الطاهر كروث الحمام و بهيمة الأنعام و عند الحنفية لا ينعقد بيع العذرة إلاّ إذا خلطها بالتراب بحيث يصير لها مالية.

2) رواه في التهذيب 112/2 في باب المكاسب عن محمد بن الحسن عن سماعة عن علي ابن مسكين عن عبد اللّه بن وضاح عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه، و عنه في الوافي 42/10 باسقاط محمد بن الحسن، و عنده علي بن السكن، و الوسائل 548/2 كما في التهذيب.

الثالث: حديث سماعة بن مهران قال: سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام و أنا حاضر فقال: إنّي رجل أبيع العذرة فما تقول‌؟ قال: «حرام بيعها و ثمنها، و قال: لا بأس ببيع العذرة»، و هي صحيحة(1)

و في جامع الرواة يروي محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى البجلي الذي يقول فيه الشيخ في الفهرست: كان أوثق أهل زمانه و أعبدهم، و توكل للرضا عليه السّلام و قضى لصاحبيه - علي بن النعمان و عبد اللّه بن جنذب - الصوم و الصلاة و الحج و الزكاة، و ذلك أنّهم تعاقدوا في البيت الحرام على أن من يبقى يقضي ذلك عمن مات، فمات صاحباه و بقي بعدهما و لم يذكر المامقاني روايته عن مسمع الملقب بكردين، و جلالة مسمع مشهورة.

و في الخلاصة قال الصادق عليه السّلام اني أعدك لأمر عظيم يا أبا سيار.

و في جامع الرواة أنّه يروي عن سماعة بن مهران الثقة عند النجاشي و العلاّمة و المحقق في المعتبر و الوجيزة و البلغة و الروايات الكثيرة تشهد بامامته.

.

و الرابع: خبر محمد بن مضارب بالضاد المعجمة و الباء الموحدة في آخره عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «لا بأس ببيع العذرة»(2)، و قد اقتصر عليها الكليني.

و جمع بين الروايات بوجوه:


1) رواه في التهذيب عن محمد بن أحمد عن محمد بن عيسى عن صفوان عن مسمع عن سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و نقله عنه في الوافي 42/10، و الوسائل 542/2، و رجال السند من أعيان الطائفة و ثقاتهم، فأما محمد بن أحمد فهو ابن يحيى بن عمران بن عبد اللّه بن سعد بن مالك الأشعري القمي جليل القدر، ذكر في جامع الرواة أنّه يروي عن محمد بن عيسى بن عبيد اللّه بن يقطين الموثق عند النجاشي.

2) رواه في التهذيب في باب المكاسب 112/2، و الكافي في باب جامع ما يحل الشراء و البيع منه و ما لا يحل بهامش مرآت العقول 421/3، و في الوسائل 548/2، ط - عين الدولة: و الرواة أجلاء أثبات ممدوحون، و قد تكفّل «تنقيح المقال» للحجة الشيخ عبد اللّه المامقاني شرح أحوالهم.

الأول: ما في الكفاية للسبزواري من حمل دليل المنع على الكراهة، و نفي البأس على الجواز.

و فيه: أنّ لفظ السحت(1)

و في نهاية ابن الأثير السحت كما يطلق على الحرام يطلق على المكروه، و أطلق عليهما في الحديث و يعرف بالقرينة.

و في الفائق للزمخشري: السحت: هو الهلاك، و السحت: ما لا يحل كسبه؛ لأنّه يسحت البركة.

و في مفردات الراغب الاصفهاني: السحت: هو المحظور الذي يلزم منه العار كأنّه يسحت دينه و مروءته، و على هذا سميت الرشوة سحتا، و كسب الحجام سحتا؛ لأنّه يسحت المروءة لا الدين، و لذا أذن صلّى اللّه عليه و اله في أعلافه الناضح، و ضبطه في القاموس بالضم و بضمتين.

و في التبيان 537/1 و مجمع البيان 195/3، ط - صيدا عند قوله: أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ قرأ بضم السين و الحاء، و قرأ بإسكان الحاء.

و في روح المعاني للآلوسي 140/6 في السحت أربع لغات بضم السين و الحاء و فتحهما و فتح السين و كسرها.

و إن استعمل في جملة من الأخبار في الكراهة كما في حديث الرضا عليه السّلام في تفسير قوله تعالى: أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ‌ بالهدية يقبلها الرجل و قد قضى لأخيه حاجته(2)، و خبر سماعة عن الصادق عليه السّلام من السحت كسب الحجام إذا شارط(3)، و حديث ابن عباس في تفسير قوله تعالى: أَكّٰالُونَ

1) و في الصحاح: هو الحرام، و المصباح: كل مال حرام لا يحل كسبه و لا أكله، و في تاج العروس مع القاموس: كل حرام قبيح الذكر أو ما خبث من المكاسب و حرم فلزم منه العار، و قبيح الذكر: كثمن الكلب و الخمر و الخنزير.

2) عيون أخبار الرضا/ 197، و نقله في تفسير البرهان 286/1 عن صحيفة الرضا.

3) الكافي بهامش مرآة العقول 394/3 باب السحت.

لِلسُّحْتِ‌ هو اجرة المعلمين الذي يشارطون في تعليم القرآن(1)، و حديث أمير المؤمنين عليه السّلام: «من السحت ثمن جلود السباع»(2)لأنّه لا إشكال في جواز قبول الهدية و جواز اشتراط الحجام لكون عمله محترما، و قد روى حنان بن سدير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله احتجم و أعطى الاجرة(3).

و سأل زرارة أبا جعفر عن كسب الحجام فقال: «مكروه له أن يشارط، و لا بأس عليك أن تشارطه و تماسكه و إنّما يكره له»(4)

و ذكر النووي في شرح صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 446/6: اختلف العلماء في أجرة الحجام فقيل بتحريمه مطلقا، و قيل: يحرم على الحر دون العبد، و الأكثر على عدم الحرمة و حملوا النهي على التنزيه و الارتفاع عن دنيئي الكسب.

و في نيل الاوطار للشوكاني 141/5 حمل النهي على ما يكتسبه من بيع الدم، ففي الجاهلية يأكلونه، و في المحلى لابن حزم 193/8 حرام مطلقا، استثنى منه فعل النبي صلّى اللّه عليه و اله معه.

.

و لا إشكال في أن تعليم القرآن عمل مسلم محترم يجوز أخذ الاجرة عليه، و يشهد له رواية الفضل ابن أبي قرة قلت للصادق عليه السّلام: هؤلاء يقولون: إنّ كسب


1) فقه الرضا باب التجارة و المكاسب.

2) مستدرك الوسائل 436/2، و البحار 20/23 عن دعائم الإسلام.

3) التهذيب للطوسي 107/2 باب المكاسب، و الكافي بهامش مرآة العقول 391/3 باب كسب الحجام، و رواه في باب الإجارة البخاري في صحيحه 32/2، و مسلم في صحيحه 628/1، و في مسند أحمد 90/1.

4) الكافي في باب الحجام بهامش المرآة 392/3، و في الفقه على المذاهب الأربعة 194/3 يكره اجارة الحجام و إن كانت صحيحة، و يكره الأكل من كسبه، و فيه/ 173 حمل النهي على الكراهة فيما إذا اشترط الحجام أجرا معينا.

المعلم سحت، فقال عليه السّلام: «كذبوا أعداء اللّه إنّما أرادوا أن لا يعلّموا أولادهم القرآن، و لو أنّ رجلا أعطى المعلم دية ولده لكان للمعلم مباحا»(1).

و يجوز أن يقع مهرا، ففي حديث بريد العجلي سألت أبا جعفر عليه السّلام عن رجل تزوج امرأة على أن يعلّمها سورة من كتاب اللّه تعالى فقال عليه السّلام: «ما أحب أن يدخل حتى يعلمها السورة أو يعطيها شيئا»، قلت: أ يجوز أن يعطيها تمرا أو زبيبا؟ قال:

«لا بأس إذا رضيت كائنا ما كان»(2)

و في الفقه على المذاهب الأربعة 105/4 و 106 عند الشافعية جواز تعليم القرآن مهرا، و المتحصل من الخلاف بين المالكية المنع منه ابتداء و تجويزه إذا وقع العقد عليه، و ظاهر مذهب الحنفية المنع منه، و لكن المتأخرين جوزوا جعله مهرا لتجويزهم أخذ الاجرة عليه و منعته الحنابلة.

.

إلاّ أنّه مع ذلك حمل لفظ السحت على الكراهة من دون دليل قوي بعيد، مضافا إلى أنّ متعلق السحت في الحديث هو الثمن، و لا معنى لكراهته إلاّ أن يراد به أخذ الثمن.

الثاني: ما عن المجلسي من حمل دليل المنع على البلاد التي


1) من لا يحضره الفقيه/ 269، و في الفقه على المذاهب الأربعة: 169/3-195، قال: ذهبت الشافعية إلى صحة الإجارة على تعليم القرآن مع تقدير التعليم بالزمن، و عليه المالكية مع معرفة شخص المتعلم، و منعته الحنابلة و جوزت أخذت الجعالة عليه، و أصول مذهب الحنفية تقتضي المنع منه إلاّ أنّ المتأخرين منهم جوزوه خوفا من ضياعه و تعطيله و الحقوا به تعليم العلم و الأذان و الوعظ و إمامة الجماعة لتلك العلة.

2) تهذيب الشيخ الطوسي 218/2 في باب المهور، و ورد في صحيح البخاري 219/3 و صحيح مسلم 544/1 و سنن النسائي 86/2 كلهم في باب التزويج على تعليم القرآن، و كنز العمال 249/8: أنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله زوج المرأة على تعليمها سورا من القرآن.

لا ينتفع بالعذرة فيها(1).

و فيه: أنّ السائل ذكر أنّه يبيع العذرة و لا يكون إلاّ في البلاد التي ينتفع بها و مع ذلك حكم الإمام عليه السّلام بالحرمة، على أنّه لا مانع من بيعها في مكان لا ينتفع بها إذا أمكن نقلها إلى محل ينتفع فيه بالعذرة.

الثالث: ما في تهذيب الشيخ الطوسي من حمل دليل المنع على عذرة الإنسان و الجواز على عذرة البهائم من الإبل و الغنم و البقر مستشهدا عليه بحديث سماعة بن مهران سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام و أنا حاضر فقال: إنّي رجل أبيع العذرة - الحديث، ثم قال: فلو لا أنّ المراد من قوله حرام بيعها و ثمنها ما ذكرناه لكان قوله بعد ذلك، و لا بأس ببيع العذرة مناقضا له، و ذلك منفي عن أقوالهم عليهم السّلام.

و فيه: أنّه جمع تبرعي لا شاهد عليه، فإنّ الجمع العرفي إنّما هو فيما إذا كان كل من الدليلين قرينة على الآخر عرفا كما في قوله عليه السّلام في رواية داود الرقي حيث سأل الصادق عليه السّلام عن بول الخشاشيف يصيب ثوبه: «اغسل ثوبك»(2).

و قوله عليه السّلام في رواية غياث: «لا بأس بدم البراغيث و البق و بول الخشاشيف»(3)،


1) لم أجد هذا الجمع في البحار ج 23 في باب المكاسب، و لا في مرآة العقول 421/3 في باب جامع ما يحل البيع و الشراء منه، نعم قال فيها بعد أن ذكر حمل الشيخ رحمه اللّه: لا يبعد حملها على الكراهة و إن كان خلاف المشهور.

2) الروايتان في التهذيب 75/1 و عنه الوسائل 192/1.

3) في صحاح الجوهري الخفاش واحد الخفافيش التي تطير بالليل، و يقال له: الخشاف و الخطاف، و في المصباح المنير عن الصغاني: إنّ الخشاف بتقديم الشين أفصح، و في تاج العروس يسمى الخشاف لخشفانه بالليل أي جولانه، و من هنا قال الخفاش: فاشتقاقه من صغر عينيه، و في القاموس: الخفاش: كرمان الوطواط، و عقبه في تاج العروس: بالذي يطير بالليل.

فإنّ الأول يكون قرينة على عدم ارادة الإباحة بمعنى تساوي الطرفين من نفي البأس، كما أنّه قرينة على عدم إرادة الإلزام من الأمر بالغسل، فيحمل على مجرد المحبوبية، و هذا بخلاف المقام.

و أما ما افيد من كون دليل المنع نصا في عذرة الإنسان و دليل الجواز نصا في عذرة البهائم.

يردّه أنّ لفظ العذرة ذكر في كلا الدليلين مجردا عن الاضافة، و لا معنى لكونه نصا في شيء في دليل و نصا في غيره في دليل آخر، و مجرد كون الشيء متيقن الارادة من الدليل خارجا لا يوجب نصوصيته فيه على أنّه لا يقين بارادة عذرة الإنسان من دليل المنع بالاضافة إلى سائر عذرات ما لا يؤكل لحمه فإنّ عذرة الإنسان ممّا ينتفع به في التسميد دون غيرها، فحمل دليل الجواز على عذرة الإنسان، و تخصيص دليل المنع بغيرها أولى من الحمل المزبور.

و أولى منه بناء على نصوصية الدليل في المتيقن الارادة و لو من الخارج حمل دليل المنع على عذرة غير المأكول، و الجواز على عذرة المأكول، إلاّ أنّه أيضا غير صحيح، لعدم اطلاق العذرة على فضلة مأكول اللحم و إنّما يطلق عليها الروث(1).


1) في تاج العروس: الروث: رجيع ذي الحافر، و الجمع أرواث، و البعر - يحرك -: رجيع ذي الخف، و الظلف من الإبل و الشاة، و بقر الوحش و الظباء و الأرنب، و العذرة - بكسر الذال -: غائط الانسان، و منه حديث ابن عمر أنّه كره السلت الذي يزرع بالعذرة، و في نهاية ابن الأثير: العذرة: فناء الدار و ناحيتها، و لأنهم كان يلقون الغائط في أفنية الدور سمي بالعذرة، و يرتأي صاحب الجواهر قدّس سرّه أنّها حقيقة في عذرة الانسان.

الرابع: ما قيل من حمل أخبار الجواز على الحكم التكليفي و أخبار المنع على الحكم الوضعي.

و فيه: أنّ تخصيص نفي البأس في المعاملات بالحكم التكليفي خلاف الظاهر بل غير معهود، فلو وردني دليل لا بأس بقراءة سورة العزائم في النوافل لا يستفاد منه مجرد الجواز التكليفي مع بطلان الصلاة بذلك، بل ظاهره نفي ما يراد من البأس في الكلام الموجب، و هكذا قوله: «النكاح جائز بين المسلمين» ظاهره جواز ذلك وضعا و تكليفا، و لا يمكن حمله على خصوص الثاني، بل دلالته على الأول تكون بالمطابقة، و على الثاني بالدلالة الالتزامية العرفية على أنّ قوله عليه السّلام في رواية سماعة: «حرام بيعها و ثمنها» كالصريح في الحرمة التكليفية.

هذا و إذا لم يتم الجمع بين الروايات بشيء من الوجوه المذكورة كانت متعارضة و لا بد من علاجها.

فنقول: أمّا رواية سماعة فإن كانت من قبيل الجمع في المروي بأن يكون كلا الحكمين المذكورين فيها صادرين عن الإمام في مجلس واحد فلا محالة تكون مجملة بالنسبة الينا و إن كان السائل فهم المراد بقرائن حالية أو مقالية لم تصل الينا، و إن كانت من قبيل الجمع في الرواية فقط يكون الصدر و الذيل من قبيل الروايتين المتعارضتين.

و ممّا يشهد بكون الجمع من الراوي امور:

الأول: تكرر لفظ قال في الرواية.

الثاني: الاتيان بالاسم الظاهر، و لو كانت رواية واحدة لكان الأنسب الاتيان بالضمير فيقول: و لا بأس ببيعها.

فروايات الجواز لا يجوز الأخذ بها من وجوه [1]

الثالث: سكوت الراوي عن استفهام ما أراده الإمام عليه السّلام، فإنّ الحكمين لو صدرا في كلام واحد لكانت الرواية مجملة، و احتمال وجود قرينة معينة عن الاستعلام بعيد.

ثم إنّه إذا بنينا على كون رواية سماعة مجملة فهي بمنزلة العدم.

فالمعارضة إنّما هي بين رواية يعقوب بين شعيب و رواية محمد بن مضارب، و بما أنّ الاولى ضعيفة تعين العمل بالثانية لاعتضادها برواية الكافي لها مقتصرا على نقلها بلا معارض.

و على تقدير عدم اعتبارها أيضا يكفي في الحكم بالجواز عمومات وجوب الوفاء بالعقد و حلية البيع و جواز أكل المال بالتجارة عن تراض.

و أما ما افيد من انجبار ضعف رواية يعقوب بالشهرة و الاجماعات المنقولة.

فيرده عدم ثبوت استناد القائلين بعدم الجواز إليها، بل الثابت عدمه فانّهم لم يخصوا الحكم بالعذرة بل عمموه لغيرها من النجاسات.

و أمّا إذا بنينا على كون رواية سماعة من جمع الراوي كما استظهرناه فلا بد من عمل المعارضة، و بما أنّ رواية الجواز مخالفة للعامة كما ستعرف فلا بد من الأخذ بها و طرح رواية المنع الموافقة لهم.

[1] الأول: ضعف سندها و لكن الظاهر من اقتصار الكليني على رواية محمد بن مضارب اعتماده عليها فهي من الموثق ان لم نقل من الصحيح مع أنّها منه، لأنّ رجال السند كلهم أجلاء اثبات، على أنّ رواية المنع ضعيفة و رواية سماعة إمّا مجملة أو متعارضة في نفسها فلا تنهض بالمنع.

الثاني: موافقة أخبار المنع للشهرة.

و فيه: أنّ الترجيح إنّما يكون بالشهرة في الرواية لا الفتوى مع أنّه لم يعلم استناد المشهور في الفتوى إليها بل الظاهر عدمه كما عرفت، و كلتا الطائفتين من حيث الرواية مشهورة.

الثالث: موافقة أخبار المنع للاجماعات المنقولة.

و فيه: أنّ نقل الاجماع أخبار حدسي و لا دليل على حجيته فموافقته للخبر لا يوجب ترجيحه على معارضه، و على فرض حجيته يكون الاعتماد عليه لا على الروايات و لا يثبت به اعراض الأصحاب عن أخبار الجواز، كيف و قد تصدى جملة منهم للجمع بين الطائفتين بالوجوه المتقدمة.

الرابع: موافقة الأخبار المانعة للروايات العامة المتقدمة.

و فيه: أنّ الأخبار العامة لما لم تتم سندا و دلالة، فأيّ فائدة في الموافقة لها، و هل هو إلاّ من قبيل ضم القياس إليها؟!

فتحصل أنّ الترجيح لما دل على الجواز و لمخالفته للعامة و موافقة المانع لهم فإنّهم اتفقوا على عدم جواز بيع الأعيان النجسة، نعم استثنى الشافعية بين العين النجسة أو المتنجسة فيما إذا اختلطت بالطاهر بحيث لم يمكن الافراز، كالآجر المبني في الدار بدعوى كون الثمن بأزاء الطاهر في وجه و بأزاء المجموع على وجه آخر(1)، و جوّز أبو حنيفة بيع الدهن للاستصباح به في غير المسجد(2).


1) الفقه على المذاهب الأربعة 301/2.

2) المصدر/ 302.

و الأقوى جواز بيع الأرواث الطاهرة [1]

و يرد على الأول [2]

جواز بيع الأرواث

[1] الظاهر عدم الخلاف بين الأصحاب في جواز بيعها كروث البقر و الغنم لوجود المنفعة المحلّلة المقصودة فيها كالاحراق و التسميد على ما هو المتعارف في عصرنا، و حكي المنع عن بعضهم إلاّ في بول الإبل(1)، و خالفنا العامة في خصوص أرواث الحمير(2)

و قال في 300/2: من البيوع الباطلة بيع النجس و المتنجس، و تقدم فتوى المذاهب بيع الزبل النجس، و في نهاية ابن الأثير بمادة «خبث»: الأبوال و الأرواث كلها نجسة خبيثة و تناولها حرام إلاّ ما خصنه السنة من أبوال الإبل عند بعضهم، و أرواث ما يؤكل لحمه عند آخرين.

، و لعلّه لذهابهم إلى حرمة أكله فيكون خارجا عن محل الكلام.

[2] ما أفاده من الاستدلال بالآية على عدم جواز بيع الأرواث، و الجواب عنه مبني على ارادة ما يتنفر منه من لفظ «الخبائث»، و ليس كذلك، فإنّ الخبث يقارب الرجس و يطلق على الأعيان و الأعمال كما في قوله تعالى وَ نَجَّيْنٰاهُ مِنَ اَلْقَرْيَةِ اَلَّتِي كٰانَتْ تَعْمَلُ اَلْخَبٰائِثَ‌ (3)

ثم روى عن الحسن أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال: «عشر خصال عملها قوم لوط فاهلكوا بها: اتيان الرجال بعضهم بعضا، و رميهم بالجلاهق، و الخذف، و اللعب بالحمام، و ضرب الدفوف، و شرب الخمور، و قص اللحية، و طول الشارب، و الصفر و التصفيق، و لبس الحرير، و تزيدها أمتي: اتيان النساء بعضهنّ بعضا».

.

1) في المقنعة للشيخ المفيد و المراسم لسلار بيع العذرة و الأبوال كلها حرام إلاّ بول الإبل خاصة. و فهم العلاّمة في المختلف شمول العذرة للأرواث.

2) في الفقه على المذاهب الأربعة 22/1 عند بيان أقسام النجاسات قال: و منها: فضلة ما لا يؤكل لحمه ممّا له دم يسيل كالحمار و البغل، و في الهامش ذكر تفصيل الحنفية فيما يطير كالغراب فنجاسته مخففة و إلاّ فمغلظة، و لكن يعفى عمّا يكثر في الطرقات كروث البغال و الحمير دفعا للحرج.

3) في تفسير علي بن ابراهيم/ 431 و مفردات الراغب الاصفهاني الخبائث: إنّهم كانوا ينكحون الرجال، و في التبيان للشيخ الطوسي 291/2، و مجمع البيان للطبرسي 56/7،ط - صيدا، و تفسير الخازن 245/5، و معالم التنزيل للبغوي بهامشه الخبائث اتيان الذكور في أدبارهم و التضارط في مجالسهم، و نسب الآلوسي في تفسيره روح المعاني ج 17 إلى القيل كونها الأعمال الخبيثة مطلقا.

و منفعة الروث ليست هي الأكل [1]

و يحرم المعاوضة على الدم [2]

و عليه فلا وجه لدعوى كون المراد خصوص الأكل و لا للاستدلال بها على حرمة بيع الارواث؛ لأنّ اطلاق الخبيث عليها أوّل الكلام، فالتمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

[1] و مثله العذرة النجسة فإنّ منفعتها ليست هي الأكل فلا فرق بين الأرواث الطاهرة و العذرة في شمول الأخبار العامة المتقدمة لهما، و طهارة الأرواث و نجاسة العذرة لا يوجب الفرق بينهما، إذ لم يكن الحكم بحرمة البيع معلقا على النجس في تلك الأخبار بل الموضوع فيها ما حرم أكله أو ما نهي عنه و أمثال ذلك ممّا هو ثابت في الأرواث، فلو حكم بعدم جواز بيع العذرة عملا بالأخبار العامة لزم الحكم بعدم جواز بيع الأرواث.

نعم، في رواية تحف العقول ذكر لفظ النجس، و لما لم يكن الحكم فيها معلقا بعنوانّه بل بعنوان ما يجيء منه الفساد محضا لم يشمل العذرة، فلا وجه للتفصيل بينهما من غير جهة الأدلة الخاصة.

[2] الكلام يقع تارة في الحكم التكليفي، و اخرى في الحكم الوضعي.

أمّا الأول فالمشهور فصلوا فيه بين الدم الطاهر و النجس فحكموا بالجواز في الأول دون الثاني، فإن ثبت اجماع على التفصيل كان بيع الدم النجس حراما تكليفا إلاّ أنّه غير ثابت بل مقطوع العدم، فالتفصيل لا وجه له في الدم الطاهر كالنجس في شمول الأخبار العامة له على فرض تماميتها سندا و دلالة، لأنّ حرمة البيع في غير رواية تحف العقول مرتبة على حرمة الأكل الشاملة للقسمين كما يشملهما اطلاق لفظ الدم في الفقه الرضوي الذي جعله مثالا لما نهي عنه من جهة أكله و شربه و لبسه، و رواية تحف العقول و إن علقت الحرمة على عنوان النجس فتختص الحرمة بالدم النجس إلاّ أنّ المنع فيها كان بعنوان جميع التقلبات فيه و لم يقل أحد بحرمة جميع التصرفات في الدم النجس حتى امساكه أو التسميد به، فلا وجه للتخصيص.

و أما الثاني أعني الحكم الوضعي فالظاهر جواز بيع الدم مطلقا؛ لأنّ النجاسة كما عرفت لا تمنع عن صحة البيع و المالية على تقدير اعتبارها موجودة في الدم و إن حرم أكله لعدم انحصار منفعته بالأكل.

و أما مرفوعة الواسطي الحاكية مرور أمير المؤمنين عليه السّلام بالقصابين و نهيهم عن بيع سبعة أشياء و عدّ منها الدم(1)فلا يمكن الاستدلال بها لحرمة بيع الدم مطلقا.

أوّلا: اختصاصها بالدم النجس المسفوح، فإنّ الدم الطاهر لا يبلغ من الكثرة إلى


1) رواها الكليني في باب ما لا يؤكل من الشاة و غيرها بهامش مرآة العقول 58/4 عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن أبي يحيى الواسطي رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السّلام قال: «مر أمير المؤمنين عليه السّلام بالقصابين فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة، نهاهم عن بيع الدم، و الغدد، و آذان الفؤاد، و الطحال، و النخاع، و الخصي، و القضيب»، و رواه الصدوق في الخصال 2/2 بزيادة توسط محمد بن هارون بين محمد بن أحمد و أبي يحيى الواسطي.

لا إشكال في حرمة بيع المني [1]

حدّ قابل للبيع مستقلا فلا يعمه النهي، و المتخلف منه في العروق يجوز بيعه قطعا، فالدليل أخص من المدعى.

ثانيا: أنّ النهي عن بيع الامور المذكورة فيها إنّما هو بملاحظة خصوص الأكل، و من ثم لم يقل أحد بحرمة بيع غير الدم من المذكورات في الرواية لغير الأكل، و مع هذا فهي ضعيفة السند فلا يمكن الاعتماد عليها الاّ للحكم بالكراهة تسامحا(1)

و في نيل الأوطار للشوكاني 122/5 نقلا عن فتح الباري لابن حجر الاجماع على تحريم بيع الدم.

.

بيع المني

اشارة

بيع المني[1]

حرمته التكليفية

أمّا حرمته التكليفية، فقد ظهر الحال فيه ممّا أوضحناه في الدم.

الحرمة الوضعية

و أما الحرمة الوضعية فالمني المتعلق للبيع إمّا أن يكون في الخارج أو في الرحم أو في صلب الفحل.

أما بيع ما كان منه في خارج الرحم فالوجه في توهم فساده أمران: إمّا نجاسته و قد مر أنّها لا توجب الفساد، و إمّا عدم الانتفاع به، و قد عرفت أنّ المالية غير معتبرة في المبيع مع أنّه ربما ينتفع به في بعض الامور.

و أمّا ما وقع منه في الرحم و يعبر عنه بالملاقيح فإن قلنا بأنّ البذر في الحيوانات تابع للام - كما هو الصحيح و عليه السيرة - فإنّا لا نرى أحد المتورعين يستشكل


1) في الفقه على المذاهب 300/2 و 301 ذكر عدم صحة بيع الدم عند الحنابلة و الحنفية، و فيه ص 315 في باب القدرة على التسليم ذكر فتوى المالكية ببطلان بيع ما نهي عنه لذاته كالميتة و الدم و الخنزير.

في نتاج شاته إذا حملت من فحل الغير، و لا يعامل معه معاملة مجهول المالك إذا لم يعرف مالك الفحل، فلا معنى لأنّ يبيع صاحب الفحل ذلك المني المستقر في رحم الشاة لا من صاحبها و لا من غيره لخروجه عن ملكه، و إن قلنا بتبعيته للفحل كما في الزرع فالظاهر بيعه و ينتفع به المشتري و ليس فيه غرر يمنع البيع؛ لأنّ المني لا قيمة لكميته و صفاته فتأمل.

و توهم كون المانع من بيعه نجاسة، ففيه مضافا إلى عدم تحقق نجاسة ما لم يخرج إلى الخارج عدم مانعية النجاسة عن البيع كما عرفت. و أما ما كان منه في الصلب فيجوز بيعه و يمكن تسليمه بارسال الفحل على الانثى و ليس فيه غرر و لا نجاسة يمنعان عن البيع.

فتحصل أنّ بيع المني لا إشكال فيه(1)

قال الشوكاني في نيل الأوطار 124/5: دلت أحاديث الباب على أنّ بيع ماء الفحل و اجارته حرام، لأنّه غير متقوم و لا معلوم و لا مقدور على تسليمه و إليه ذهب الجمهور، و في وجه للشافعية و الحنابلة. و عن مالك: إنّها تجوز اجارة الفحل للضراب مدة معلومة، و قال صاحب الفتح: لا خلاف في جواز عارية ذلك - الخ.

و في شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 442/6: اختلف العلماء في اجارة الفحل من الدواب و غيره للضراب، فقال الشافعي و أبو حنيفة و أبو ثور و آخرون: استئجار ذلك باطل و حرام، و لا يستحق العوض، و لا يلزمه المسمى، و لا شيء من الأموال؛ لأنّه غرر مجهول، و قال جماعة من الصحابة و التابعين و مالك: يجوز لمدة معلومة أو ضربات معلومة. و حملوا النهي على التنزيه.

، و النبوي المعروف - نهى النبي صلّى اللّه عليه و اله عن

1) في مسند أحمد 147/1، و صحيح البخاري 33/2 في الإجارة، و سنن أبي داود 267/3 عن ابن عمر: «نهى النبى صلّى اللّه عليه و اله عن عسب الفحل، و في صحيح مسلم 624/1 عن جابر: «نهى النبي صلّى اللّه عليه و اله عن ضراب الفحل».

تسعة أشياء و منها العسيب(1)

و رواه عنه في البحار 14/23 في باب جوامع المكاسب المحرمة بتمامه، و حكاه عنه في الوسائل 538/2، ط - عين الدولة في باب تحريم أجر الفاجرة إلى قوله: و عن مياثر الارجوان، و قال الصدوق في الفقيه/ 271 نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عن عسيب الفحل، و هو أجرة الضراب.

- لا يدل على فساد البيع، لضعف سنده باشتماله على ابن عروبة الغير مذكور في كتب الرجال و ابن الخطاب المردد بين امامي مجهول و بين الزنديق، و لاشتماله على ما لا مانع من بيعه؛ و لأنّ النهي فيها تكليفي، و المعارضة بما رواه حنان بن سدير قال: دخلنا على أبي عبد اللّه و معنا فرقد الحجام، فقال له: جعلت فداك إنّي أعمل عملا، و قد سألت عنه غير واحد و لا اثنين فزعموا أنّه عمل مكروه، و أنا احب أن أسألك عنه، فإن كان مكروها انتهيت عنه و عملت غيره من الأعمال، فإنّي منته في ذلك إلى قولك، قال: و ما هو، قال حجام:

قال: كل من كسبك يابن أخ و تصدق و تزوج فإنّ نبي اللّه صلّى اللّه عليه و اله قد أحجم و أعطى الأجر و لو كان حراما ما أعطاه. قلت: جعلني اللّه فداك إنّ لي تيسا أكريه فما تقول


1) رواه في الخصال 44/2 في باب التسعة قال: أخبرني أبو اسحاق ابراهيم بن محمد بن حمزة بن عمارة الحافظ فيما كتب إلي، قال: حدثني سالم بن سالم و أبو عروبة، قالا: حدثنا أبو الخطاب قال: حدثنا هارون بن مسلم قال: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري عن محمد بن علي عن أبيه عن الحسين بن علي عليهم السّلام قال: لما فتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله خيبر دعا بقوسه فاتكى على سيتها ثم حمد اللّه و أثنى عليه و ذكر ما فتح اللّه له و نصره به و نهى عن خصال: عن مهر البغي، و عن عسيب الدابة، يعني كسب الفحل، و عن خاتم الذهب، و عن ثمن الكلب، و عن مياثر الارجوان، قال أبو عروبة: عن مياثر الخمر و عن لبوس ثياب القسي و هي ثياب تنسج بالشام، و عن أكل لحوم السباع، و عن صرف الذهب بالذهب و الفضة بالفضة بينهما فضل، و عن النظر في النجوم.

فكذلك لا ينتفع به المشتري [1]

يحرم المعاوضة على الميتة [2]

في كسبه‌؟ قال: كل كسبه فانّه لك حلال و الناس يكرهونه، قال حنان: قلت: لأي شيء يكرهونه و هو حلال‌؟ قال: «لتعيير الناس بعضهم بعضا»(1).

و بما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث، قلت له: أجر التيوس قال: «إنّه كانت العرب لتعاير به و لا بأس»(2). و مقتضى الجمع بين النبوي و هذه الروايات حمله على الكراهة.

[1] مرجع الضمير إنّما هو البيع لا المبيع، فإنّ الانتفاع به موجود كما هو واضح.

المعاوضة على الميتة

اشارة

[2] يقع البحث تارة عن جواز الانتفاع بالميتة، و اخرى عن جواز بيعها، و كان الأنسب بالمصنف (أعلا اللّه مقامه) التعرض أوّلا لجواز الانتفاع، ثم جواز البيع، و أن لا يخلط بين المقامين.

الانتفاع بالميتة

أما الانتفاع بالميتة فالأصل العملي و إن اقتضى جوازه و لكن المصنف قدّس سرّه استدل على المنع بالروايات العامة كرواية تحف العقول و الفقه الرضوي حيث ذكر فيه الميتة مثالا لما نهي عن الانتفاع به.

و فيه: مضافا إلى ضعف السند و الدلالة أنّ حرمة الانتفاع في الاولى علقت على عنوان النجس، و قد علق عليه المنع عن جميع التقلبات فيه حتى امساكه و لم يعمل


1) الكافي بهامش مرآة العقول 391/3، باب كسب الحجام، و عنه في الوافي 31/10، و الوسائل 539/2.

2) التهذيب 107/2، و عنه في الوسائل 530/2.

به أحد، و بالأخبار الخاصة المنقولة في أبواب متفرقة:

منها: رواية قاسم الصيقل قال: كتبت إلى الرضا عليه السّلام: إنّي أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فيصيب ثيابي أفأصلي فيها؟ فكتب إليّ‌: «أتخذ ثوبا لصلاتك. فكتبت إلى أبي جعفر الثاني: إنّي كتبت إلى أبيك بكذا و كذا، فصعب عليّ ذلك فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية. فكتب إليّ‌: كل أعمال البر بالصبر يرحمك اللّه، فإن كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس»(1).

و فيه: أنّ الأمر باتخاذ الثوب للصلاة لا دلالة فيه على المنع من الانتفاع، بل هو دال على جواز عمله لجلود الميتة و إلاّ لكان على الإمام تعريفه بالمنع منه و نفي البأس فيما كتبه إليه أبو جعفر عليه السّلام ناظر إلى عدم الحاجة في اتخاذ الثوب للصلاة الذي صعب عليه حتى التجأ إلى العمل من جلد الحمر الوحشية الذكية، و ليس ناظرا إلى الانتفاع أصلا.

و منها: رواية القاسم الصيقل و ولده قال: كتبوا إلى الرجل: جعلنا اللّه فداك إنّا قوم نعمل السيوف و ليست لنا معيشة و لا تجارة غيرها و نحن مضطرون إليها، و إنّما علاجنا من جلود الميتة من البغال و الحمير الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها و شرائها و بيعها و مسها بأيدينا و ثيابنا و نحن نصلي في ثيابنا و نحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا إليها. فكتب عليه السّلام: «اجعل ثوبا للصلاة»(2).


1) الكافي بهامش مرآة العقول 160/3 باب الرجل يصلي بالثوب و هو غير طاهر و التهذيب 228/1 باب لباس المصلي، و عنهما في الوافي 32/4، و الوسائل 203/1.

2) التهذيب 113/2، و عنه في الوافي 42/10، و الوسائل 159/1 باب نجاسة الميتة ممّا له نفس سائله.

و قد ظهر ممّا تقدم أنّ هذه المكاتبة على خلاف المطلوب أدل.

و منها: رواية الحسن بن علي الوشا قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام فقلت له: جعلت فداك إنّ أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها. قال: «حرام. فقلت له:

جعلت فداك فنستصبح بها، قال: أمّا علمت أنّه يصيب الثوب و البدن و هو حرام»(1).

و فيه: مضافا إلى ضعف السند بالمعلى بن محمد البصري المضطرب الحديث و المذهب(2)، إنّ قوله عليه السّلام: حرام في جواب سؤاله الأول ظاهر في حرمة الأكل، و قوله في جواب السؤال الثاني: و هو حرام ظاهر في أنّ حرمة الاستصباح بها من جهة اصابتها اليد و الثوب و هي غير محرمة بالضرورة، فيكون النهي ارشادا إلى استلزام العمل نجاسة الثوب، و ربما يصعب تطهيره أو مولويا من حيث عدم صحة الصلاة فيه، و لو كان الاستصباح في نفسه حراما لم يكن وجه للتطويل بقوله: «أما علمت»، و لكان عليه أن يقتصر على قوله «لا».

و منها: رواية سماعة سألته عن جلود السباع ينتفع بها، قال: «إذا رميت و سميت فانتفع بجلده، و أما الميتة فلا»(3).


1) الكافي بهامش مرآة العقول 59/4 في باب ما يقطع من أليات الغنم، و التهذيب 301/2 باب ما يحل من الذبائح و ما يحرم، و الوافي 20/11 عن الكافي مع أنّها مروية في التهذيب، و عنهما في الوسائل 245/3.

2) تنقيح المقال للحجة المامقاني بترجمته.

3) الوسائل 203/1 في باب لا يستعمل من الجلود إلاّ ما كان طاهرا.

و منها: رواية الكاهلي سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قطع أليات الغنم، قال:

«لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح به مالك، ثم قال عليه السّلام: إنّ في كتاب علي عليه السّلام: ما قطع ميت لا ينتفع به»(1).

و منها: صحيحة علي بن المغيرة قلت لأبي عبد اللّه: جعلت فداك، الميتة ينتفع منها بشيء؟ فقال عليه السّلام: «لا، قلت: بلغنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله مر بشاة ميتة، فقال: ما كان على أهل هذه الشاة إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بأهابها. فقال عليه السّلام: تلك شاة لسودة بنت زمعة زوجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله، و كانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «ما كان على أهلها إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بأهابها»(2)، أي تذكى.

و الروايات الثلاثة الأخيرة و إن كانت معتبرة السند، ظاهرة الدلالة على المنع إلاّ أنّها معارضة برواية البزنطي صاحب الرضا عليه السّلام قال: سألته عن الرجل يكون له الغنم يقطع من الياتها و هي أحياء، يصلح أن ينتفع بما قطع‌؟ قال: «نعم يذيبها و يسرج بها و لا يأكلها و لا يبيعها»(3)، و رواه الحميري عن علي بن جعفر عن أخيه(4).

و في حديث أبي بصير عن الصادق عليه السّلام: «كان علي بن الحسين عليه السّلام رجلا صردا


1) الكافي بهامش مرآة العقول 58/4، باب ما يقطع من أليات الضأن، و الفقيه/ 302، و عنهما الوسائل 245/3 و الوافي 20/11، باب ما يقطع من أعضاء الحيوان.

2) الكافي بهامش مرآة العقول 61/4، باب ما ينتفع من الميتة، و عنه في الوافي 19/11، و الوسائل 205/3.

3) المستطرفات من جامع البزنطي المسألة 8 آخر السرائر لابن ادريس، و عنه الوسائل 245/3.

4) قرب الإسناد/ 153 طبع النجف، و عنه الوسائل 245/3.

فلا يدفئه فرو الحجاز؛ لأنّ دباغها بالقرظ فكان يبعث إلى العراق فيؤتى ممّا قبلكم بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الذي يليه، فكان يسأل عن ذلك فيقول: إنّ أهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة و يزعمون أنّ دباغه ذكاته»(1)، فإنّه ظاهر في جواز الانتفاع بالميتة و إنّما الممنوع ايقاع الصلاة فيها.

لا يقال: إنّ القاؤه الفرو حال الصلاة لعله من جهة الاحتياط و إلاّ فالفرو المزبور محكوم بالتذكية لكونه مشترى من سوق المسلمين.

فإنّه يقال: لو كان الأمر كذلك لكان عدم لبسه أولى بالاحتياط من إلقائه حال الصلاة، فإنّ الانتفاع بالميتة لو كان محرما لكان الاحتياط بتركه عند الشك فيها، و أما الصلاة في الميتة فإنّها صحيحة واقعا إذا لم تكن معلومة حال الصلاة أو قبلها فالظاهر أنّه عليه السّلام كان عالما بكون الفرو من الميتة و لو بإخبار بائعه و مع ذلك كان يلبسه في غير حال الصلاة، على أنّ فرض الجهل بحال الفرو، و الذي هو موضوع الاحتياط بعيد عن مقام الإمامة و لو قلنا بأنّ علمهم إرادي(2)

و لا مغالاة فيه بعد قابلية تلك الذوات المطهرة بنص الذكر الحكيم لتحمل الفيض الأقدس و عدم الشح في «المبدأ الأعلى» تعالت آلاؤه و الغلو في شخص اثبات صفة له يحيلها العقل، أو لعدم القابلية، و العقل لا يمنع الكرم الالهي و الحديث المستفاض يثبتها في هذه الذوات القدسية. إذا فلا مانع من استمرار الكرم الربوبي باقدارهم على التصرف في الكائنات و ايقافهم على أمر الأولين و الآخرين و ما في السماوات و الأرضين بحيث تكون الأشياء كلها نصب أعينهم.

و بهذا كان أبو عبد اللّه الصادق عليه السّلام يجاهر، كما في مختصر البصائر/ 101، ثم يسجل التدليل عليه كما في المحتضر/ 20 فيقول: «كل ما كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فلنا مثله إلاّ النبوة و الأزواج»، و هل يشك من يقرأ في سورة الجن: عٰالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاٰ يُظْهِرُ عَلىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّٰ مَنِ اِرْتَضىٰ مِنْ رَسُولٍ‌.

إنّ من كان من ربه كقاب قوسين أو أدنى هو ذلك الرسول المرتضى حيث لم يفضله أحد من الخلق و لم يبعد اللّه خلفاءه عن هذه المنزلة بعد اشتقاقهم من النور الأحمدي الذي هو لمعة من «نور الحق» عز شأنه، فالاقتصار في علمهم عليهم السّلام على الأحكام فقط أو العلم الارادي ناش من عدم الوقوف على ما امتازت به هذه الذوات القدسية التي لا يحدها إلاّ من أودع العصمة فيها.

و المتأمّل في فقه الحوادث و الروايات لا يفوته مغزى كل ما يعارضه من الحمل على التقية أو عدم قابلية السامع لهذا السر الدقيق و حديث آل الرسول «مستصعب» تنحسر العقول عن كنهه.

.

1) الكافي بهامش مرآة العقول 157/3، باب اللباس، و التهذيب 193/1 في اللباس.

2) لا يعبؤ بهذا الرأي من استضاء بالمتواتر من أحاديث أهل البيت عليهم السّلام الدالة على أنّ المولى سبحانه أعطى الأئمة منذ الولادة قوة نورية عبّر عنها كما في بصائر الدرجات للصفار/ 128 بعمود نور يرى به أعمال العباد و ما يحدث في البلدان.

فالرواية دالة على جواز الانتفاع بالميتة، و قد تقدم دلالة رواية الوشا على جواز الانتفاع باسراج الميتة، و إنّما الممنوع منه اصابة اليد و الثوب.

فتحصل ممّا ذكر أنّ ما دل على التحريم و إن كان تاما في نفسه إلاّ أنّه لا بد من رفع اليد عن ظهوره بحمله على الكراهة جمعا بينه و بين ما دل على الجواز، و يمكن حمله على المنع من الانتفاع المتعارف بنحو الانتفاع بالمذكى، هذا كله في جواز الانتفاع بالميتة.

حرمة بيعها

و أما حرمة بيعها كما هي المشهور فيستدل عليها بامور:

الأول: أنّها نجسة و لا يجوز بيع النجس، و فيه: أوّلا أنّ الكلام فيما هو أعم من الميتة النجسة و الطاهرة كميتة ما ليس له دم سائل.

و ثانيا: أنّ النجاسة من حيث هي لا تمنع من صحة البيع و إنّما مانعيتها باعتبار حرمة الانتفاع بما هو نجس، كما اعترف به المصنف قدّس سرّه في المقام و استشهد عليه ببيع كلب الصيد و بيع العبد الكافر، و حيث ثبت جواز الانتفاع بالميتة فيما لا يشترط فيه الطهارة فلا تكون النجاسة مانعة من بيعها.

الثاني: أنّ الميتة لا يجوز الانتفاع بها، و يحرم بيع ما لا ينتفع به و لو كان ذلك بالمنع الشرعي، و فيه: ما عرفت من جواز الانتفاع بها، مضافا إلى أنّ المنع مبني على اعتبار المالية في المبيع.

الثالث: قيام الاجماع على المنع، و فيه: إنّه لو سلم الاتفاق فليس اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم عليه السّلام؛ لاحتمال استناد المجمعين إلى الامور التي عرفت ما فيها.

الرابع: التمسك بالروايات الناهية عن بيع الميتة:

منها: مرسلة الصدوق: «أجر الزانية سحت - إلى أن قال -: و ثمن الميتة سحت»(1).

و منها: روايته بأسناده عن حماد بن عمرو و أنس بن محمد عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السّلام في وصية النبي صلّى اللّه عليه و اله لعلي عليه السّلام، قال: «يا علي من السحت ثمن الميتة»(2).

و لا يمكن الاستدلال بالروايتين، أما المرسلة فلعدم العلم بكونها رواية مستقلة


1) من لا يحضره الفقيه/ 271 في المكاسب.

2) من لا يحضره الفقيه، النوادر آخر الكتاب.

غير المسندة، و أما هي فلجهالة الراوين، و عدم ثبوت وثاقتهما في الرجال(1).

و منها: رواية السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و قد ذكر فيها السحت ثمن الميتة و ثمن الخمر «الحديث»، و هذه الرواية و إن رواها جمع من الأكابر و هي ظاهرة الدلالة على الفساد إلاّ أنّ سندها لا يخلو عن شيء؛ لأنّ وثاقة السكوني محل الكلام بين الأعلام(2)

«و السكوني» هو اسماعيل بن أبي زياد نسب إلى جده الأعلى سكون بن أشرس بن ثور، قحطاني من عرب اليمن، و اختلفوا في كونه من العامة أو أنّه شيعي، و في قبول حديثه، و تعرضوا لذلك فيما عثرت عليه عاجلا في مسألة اجتماع الحيض مع الحمل و تعريف دم النفاس و عتق الحامل و الانعتاق بالجذام و ميراث المجوس، و الذين أدرجوه في عداد العامة الحلي في ميراث المجوس من السرائر، و المحقق في المعتبر في تعريف دم النفاس، و العلاّمة في المنتهى في حيض الحامل، و في الخلاصة، و الشهيد الأول في غاية المراد في ميراث المجوس، و الفيض في الوافي في حيض الحامل، و السيد في الرياض في عتق الحامل، و هو ظاهر القمي في الغنائم في حيض الحامل.

و هناك من ألحقه بالشيعة، و في ذلك بالغ الداماد في الرواشح/ 57 و في ص 113 ألحق به النوفلي الراوي عنه، و هو الظاهر من النجاشي و ابن شهر آشوب فانهما لم يذكرا عاميته مع ديدنهما على ذلك، و ذكراه في الفهرست ص 19، و معالم العلماء ص 7، و الشيخ الطوسي في الفهرست ذكر طريقة في الرواية عنه و لم يطعن فيه.

و عبارته في العدة ص 61 عند ذكر قرائن صحة الخبر توهمه فإنّه قال: «عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث و نوح بن دراج و غياث بن كلوم و السكوني و غيرهم من العامة»، و لم يعلم إرادته في ارجاع الضمير إلى السكوني و من تقدمه أو لا.

و حكى الحائري في منتهى المقال ص 53 عن جده أغلبية الظن بكونه إماميا و اختلاطه بالعامة، و كونه من قضاتهم صار منشأ الالحاق بهم.

و قال السيد في مفتاح الكرامة في ميراث المجوس: لم يثبت عند المحققين كونه من العامة، و اعتقد تشيعه بحر العلوم في رجاله.

و في رجال المستدرك للنوري 576/3 كثيرا ما يتعرض البرقي في رجاله لعامية الراوي حتى عدّ جملة من أصحاب الصادق عليه السّلام من العامة، و لو كان السكوني منهم لألحقه بهم و الذي أرتئيه بعد فحص الكثير من أحاديثه أنّه من العامة، غير أنّه ليّن العريكة يعتقد في الإمام الصادق عليه السّلام ما لا يعتقده في جماعتهم، و إلاّ فأي موجب للصادق عليه السّلام عند ما يحدثه لا ينقل إلاّ الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و شيئا قليلا عن أمير المؤمنين عليه السّلام، مع أنّه لم تكن طريقته مع أصحابه الاستناد في بيان حكم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فإنّه في كثير من الأحكام يبين الحكم من نفسه، و ربما يستند فيه إلى أجداده عليهم السّلام.

و كأنّه مع هذا الرجل، أراد أن يفهمه خطأ أصحابه في الاستدلال على الأحكام بآرائهم الفاسدة، و أنّه عليه السّلام إنّما يستند في الحكم الإلهي إلى جده أمير المؤمنين و إلى رسول اللّه صلوات اللّه عليهما، و هذا لون من ألوان الدعوة الإلهية، و الأئمة يتفنون في إرشاد الامة إلى الطريق الأحب.

و أما قبول حديثه ففي المسألة الاولى أعني اجتماع الحيض مع الحمل، قال العلاّمة في المنتهى 97/1: السكوني عامي، فلا تعارض روايته الروايات الصحيحة، و في إيضاح فخر المحققين في رد المتمسك برواية السكوني بالمنع من صحة السند، و مثله في جامع المقاصد، و في الرياض لا يبلغ درجة المعارضة.

و قال في حديقة المؤمنين في سنده و دلالته ضعف و في التنقيح للمقداد: السكوني ضعيف، و ظاهر الفيض الوافي التوقف، فإنّه بعد نقل روايته قال: السكوني عامي، و في الغنائم للميرزا القمي/ 31 قال: للمانع من اجتماع الحيض مع الحمل رواية ضعيفة عامية، و في البرهان القاطع 29/1: رواية السكوني في سندها ضعف من غير جابر، و في المدراك: رواية السكوني ضعيفة السند، و في الجواهر - في فصل الاستحاضة عند قول الماتن: «أو يكون مع الحمل» -: خبر السكوني لا جابر له مع ما فيه من امارات الموافقة لاولئك، يعني العامة.

و في المسألة الثانية أعني تعريف دم النفاس قال السبزواري في الذخيرة - عند قول الماتن «الزائد عن أيام النفاس استحاضة» -: خبر السكوني ضعيف.

و في المسألة الثالثة أعني عتق الحامل قال المحقق في النافع: روى السكوني أنّ الحمل تابع لها، و فيه مع السند إشكال. الخ.

و تابعه في الرياض و في المسالك بعد أن ذكر الرواية قال: ضعف الرواية و موافقتها لمذهب العامة يمنع من العمل بمضمونها.

و في الروضة مثله و هو ظاهر اللمعة، و في المسألة الرابعة أعني الانعتاق بالجذام في كشف اللثام روى فيه خبر السكوني، و الخبر و إن كان ضعيفا لكن الأصحاب قطعوا به.

و في الروضة: المستند ضعيف، و هو ظاهر الرياض و منهاج الهداية للكرباسي، و في الكفاية للسبزواري رواية السكوني ضعيفة، و في المسألة الخامسة أعني ميراث المجوس قال الصدوق في الفقيه: لا أفتي بما ينفرد به السكوني.

و في غاية المراد للشهيد التوقف، فإنّه قال: السكوني و إن وثق إلاّ أنّه عامي، و شرط الشيخ في العدة سلامة الراوي من فساد المذهب، و في الروضة: أمر السكوني واضح، و الأردبيلي في شرح الارشاد: رواية السكوني ضعيفة.

هذا ما عليه علماؤنا الأعلام، و قد عرفت من السيد الداماد و المولى البهبهاني و السيد بحر العلوم و صاحب مفتاح الكرامة و المحدث النوري الوثوق برواياته، و هو ظاهر الكليني في الكافي و الشيخ الطوسي في التهذيب فإنّهما حدثا عنه بواسطة رجال أجلاء.

و في رسالة المهر للمفيد، الاعتماد عليه و في ميراث السرائر للسكوني كتاب يعد في الاصول، خطه ابن أشناس، و نسخته لنفسي، و ظاهر الشيخ الأنصاري الاعتماد عليه؛ فانه في مسألة الماء طاهر و مطهر من كتاب الطهارة لم يرد رواية السكوني «الماء يطهر و لا يطهر» من تلك الجهات و إنّما ادعى أنّها واردة في مقام الاهمال.

و في مبحث النفاس تمسك برواية السكوني على عدم اجتماع الحيض مع الحمل، و في رجال الشيخ محمد طه نجف: الأقوى قوة حديثه، و نقل عن شيخه الشيخ محسن خنفرد الاعتماد عليه في مشتركات الكاظمي، يروي عنه علي بن ابراهيم كثيرا، و هو معتمد القميين و ناشر حديث الكوفيين في قم مع أنّه في غاية التجنب عن الضعفاء، و قال أبو علي الحائري و السيد بحر العلوم و الداماد: من المشهورات التي لا أصل لها تضعيف السكوني.

و لكثرة رواياته عن الصادق عليه السّلام البالغة مئات في اصول الدين و الأخلاق و الأحكام و لم تكن له رواية في كتب العامة إلاّ واحدة شكك الخطيب البغدادي في راويها أنّه السكوني أو من يشاركه في الاسم. و لعل هذا هو السر في رمي العامة له بالضعف، فيقول ابن حجر في تهذيب التهذيب 268/1، و تقريب التهذيب/ 42، و لسان الميزان 407/1: السكوني قاضي الموصل مترك كذبوه، و في خلاصة تهذيب الكمال/ 29: عند ابن عدي منكر الحديث، و في ميزان الاعتدال للذهبي 107/1: عند ابن حبان دجال لا يحل ذكره في الكتب إلاّ على سبيل القدح. و المتتبع لحكمهم على من حاد عن أهل البيت عليهم السّلام و فيمن ركن إليهم يتجلى له من دون ريب أن الرجل عندهم ممّن ينضوي إلى أهل البيت عليهم السّلام، فلذا رموه بما عرفت كما رموا غيره من أكابر الشيعة بما تنفطر له السماوات و تزلزل الجبال، و إنّي و إن لم أعتقد تشيعه إلاّ أنّ كثرة رواياته عن الصادق عليه السّلام تعرفنا أنّه ممّن يتوثق بحديث الإمام و يركن إليه و يفضله على غيره من علماء السنّة.

.

و منها: رواية البزنطي المتقدمة عن الرضا عليه السّلام فيمن قطع من أليات الغنم و هي


1) ذكر النوري في خاتمة مستدرك الوسائل/ 592 طريق الصدوق إلى حماد بن عمرو و أنس بن محمد عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب عليه السّلام في وصية النبي صلّى اللّه عليه و اله له، ثم قال رجال السند مجاهيل لا طريق إلى الحكم بصحتها من جهته و إن كان متنها ما يشهد بصحتها مع أنّ أكثر فقراتها مروية في الكتب المعتمدة و ليس فيها ممّا يوهم الغلو و الخلط.

2) رواية السكوني في الكافي بهامش مرآة العقول 394/3، باب السحت و التهذيب للطوسي 110/2، و الخصال للصدوق 160/1، باب الستة، و تفسير علي بن ابراهيم/ 158 عند قوله تعالى: وَ أَكْلِهِمُ اَلسُّحْتَ‌.

أحياء، و هي و إن كانت صحيحة السند و ظاهرة الدلالة على الفساد إلاّ أنّها معارضة بما دل على جواز بيع الميتة كرواية قاسم الصيقل المتقدمة في صدر المسألة، فإنّها بالتقرير و لا دلالة الالتزام دلت على جواز بيع الميتة و شرائها.

فإن قلت: جواز البيع و الشراء في مفروض الرواية لعله من جهة الاضطرار كما صرح به فيها، فلا دلالة لها على الجواز في حال الاختيار.

قلت: الاضطرار المذكور فيها لم يقصد به الاضطرار إلى استعمال جلد الميتة فإنّه مضافا إلى بعد تحققه في نفسه ينافيه التصريح في مكاتبة قاسم الصيقل الثانية بأنّه

و يمكن أن يقال: مورد السؤال [1]

كان يعمله بعد أمره باتخاذ ثوب للصلاة من جلود الحمر الوحشية الذكية، بل المراد به الاضطرار إلى نفس العمل و الصنعة كما يشهد له قوله: و ليست لنا معيشة و لا تجارة غيرها مع الاضطرار إلى استعمال جلود الحمير و البغال، لكونها أقوى من غيرها كما يشهد له قوله: «لا يجوز لنا في أعمالنا غيرها».

فالمتحصّل من سؤاله إنّه كان مضطرا إلى عمل السيوف و جعل غمادها من جلود الحمير و البغال و كان يجعل الأغمدة من جلود الميتة فيحتاج إلى شرائها و العمل فيها و مسها و بيعها من مشتري السيوف أو مستقلة، فدل اقتصاره صلوات اللّه عليه في الجواب عن حكم المسألة باتخاذ ثوب للصلاة على جواز بيع الميتة و شرائها بالتقرير، و سيظهر لك ما في مناقشة المصنف قدّس سرّه في دلالتها هذا، و لكنها ضعيفة السند فلا يعتمد عليها.

[1] مناقشة المصنف في دلالة الرواية من وجهين:

الأول أنّ السؤال في المكاتبة ليس عن بيع خصوص الغلاف مستقلا و لا عن بيعه منضما إلى السيف فإنّه من المحتمل كونه تابعا للسيف من دون أن يقع بأزائه شيء من الثمن.

و يرده أنّ مورد السؤال لم يكن البيع وحده بل هو مع الشراء و العمل في الميتة و ملاقاتها اليد و الثوب، فإنّ قوله: «فيحل لنا عملها و شراؤها و بيعها و مسها بأيدينا و نحن نصلي» الحديث، ظاهر في السؤال عن بيع الميتة و شرائها و مسها و العمل فيها؛ ضرورة أنّه لا يشك عاقل في جواز عمل السيف و بيعه و شرائه و ملاقاته للثوب و الجسد، و عليه فالتقرير يدل على جواز بيع الميتة و شرائها مستقلة و منضمة إلى شيء آخر.

و ممّا يؤكد تقريره عليه السّلام لبيع الميتة عدم معروفية شراء السيوف مجردة عن أغمادها، بل المتعارف شراؤها مع الأغماد، فالبيع يتعلق بهما معا، و حيث إنّ عمله يستوجب شراء جلود الميتة و ملاقات يده و ثوبه لها، سأل عن جميع ذلك أي عن شراء الجلود و بيعها و مسها بيده و ثوبه، هذا مضافا إلى أنّ الغمد كثيرا ما يباع وحده لدوام السيوف دونه، فكيف يقال بأنّ بيعه تابع للسيوف‌؟!

الثاني من وجهي المناقشة، أنّ سكوت الإمام عليه السّلام و تقريره محمول على التقية، فإنّ باب التقية في المكاتبة أوسع منه في غيرها، لأنّه يتحفظ في الكتابة ما لا يتحفظ منه في الكلام مشافهة.

و يدفعه أنّ الحمل على التقية في نفسه خلاف الظاهر مع أنّه لا مجال له في مفروض الكلام؛ لأنّ العامة أطبقوا على عدم جواز بيع النجس كما عرفت و لم يخالف فيه إلاّ بعضهم في بعض الموارد كما مر.

فإن قلت: الميتة قبل الدبغ غير صالحة لكونها غلافا، و بناء العامة على طهارتها، و جواز بيعها بعد الدبغ، فالرواية موافقة لهم فلا مانع من حملها على التقية.

قلت: بيع الميتة في مفروض السؤال و إن كان بعد دبغها إلاّ أنّه لم يفرض كون الشراء بعد الدبغ أيضا، فلعله يشتري الجلد غير مدبوغ أحيانا ثم يدبغه بالمباشرة أو التسبيب، فحكم بجواز الشراء من غير استفصال ينافي التقية لا محالة، على أنّ الإمام عليه السّلام حكم بنجاسة الجلد و اتخاذ ثوب للصلاة، و مع ذلك قد حكم بجواز البيع و هو مخالف للتقية لا محالة، فإنّ من جوّز بيعه بعد الدبغ إنّما استند إلى طهارته بالدبغ، و مع الحكم بالنجاسة - كما هو المفروض - كيف يكون الحكم بجواز البيع من التقية‌؟! فالانصاف أنّ الرواية تامّة الدلالة على جواز بيع جلود الميتة، و بعدم

القول بالفصل يثبت الجواز في غيرها.

و ممّا يؤكد جواز بيع الميتة ما تقدم في رواية الكافي المتقدمة أنّ علي بن الحسين عليه السّلام كان يبعث إلى العراق فيؤتى بالفرو فيلبسه، و إذا حضرت الصلاة ألقاه - الخ، اذ الظاهر أنّه عليه السّلام كان يأمر بشراء الفرو و يعامل معه معاملة الميتة على ما عرفت.

و حينئذ تقع المعارضة بين هاتين الروايتين و الأخبار المانعة، و يمكن الجمع بينهما بوجهين:

أحدهما، حمل الأخبار المانعة على الكراهة برفع اليد عن ظهورها في الحرمة لصراحة الأخبار المجوزة في الجواز، و لا ينافيه اطلاق السحت على ثمن الميتة في بعض الروايات؛ لما عرفت سابقا من إطلاقه على غير الحرام في عدّة روايات،(1)فيكون المراد منه بيان مبغوضية أخذ الثمن بأزاء الميتة على نحو يكاد يلحق بالمحرمات.

و ثانيهما: أن يحمل دليل المنع على بيع الميتة من دون إعلام المشتري من جهة أنّه بدون الإعلام يترتب عليها آثار المذكى من الأكل و نحوه، و هذا الحمل أظهر بل هو المتعين.

ثم لو فرضنا وقوع التعارض بين الطائفتين يكون الترجيح لدليل الجواز من جهة مخالفته للعامة؛ لاتفاقهم على عدم جواز بيع النجس كما مر(2)

و في شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 475/6: أجمع المسلمون على تحريم بيع كل واحد من الميتة و الخمر و الخنزير، و علل القاضي عياض الحديث في ذلك بأنّ كل ما لا يحل أكله و الانتفاع به لا يجوز بيعه و لا يحل أكل ثمنه.

.

1) تقدم ذكره في بيع العذرة.

2) في نيل الأوطار للشوكاني 121/5 نقل ابن المنذر الاجماع على تحريم بيع الميتة، و الظاهر تحريمها بجميع أجزائها، و قيل: باستثناء السمك و الجراد و ما لا تحله الحياة.

خصوصا في المكاتبات [1]

لا يجوز بيعها منضمة إلى المذكى [2]

و إن كان مشتبها بالميتة [3]

لكن الصحيح ضعف رواية الصيقل به و بالمعلى البصري و محمد الواسطي، و رواية السجاد عليه السّلام لا دلالة فيها؛ لأنّ ظاهر السوق و يد المسلم قاض بتذكية الفراء، فالأقوى المنع عن بيع الميتة.

[1] يظهر منه قدّس سرّه المناقشة في حجية نفس التقرير و في حجيته في خصوص المكاتبات، و كلاهما لا وجه له.

بيعها منضمة الى المذكى

[2] بناء على المختار من جواز بيع الميتة منفردة لا إشكال في بيعها منضمة إلى المذكى، فإنّ انضمامه إليها لا يغيّر جواز البيع.

ان كان مشتبها بالميتة

[3] يقع الكلام فيه تارة من حيث القاعدة، و اخرى بملاحظة الروايات الخاصة. على القاعدة، إذا اشتبهت الميتة بالمذكى و لم تتميز عنه فبناء على تنجيز العلم الاجمالي، و كون المانع عن صحة بيع الميتة عدم جواز انتفاع المشتري بها لا يجوز بيع كلا المشتبهين لمشتر واحد إذا كان عالما بأنّ أحدهما ميتة و لو باخبار البائع؛ لعدم تمكنه من الانتفاع بهما شرعا، فيكون أخذ الثمن في مقابلهما من أكل المال بالباطل.

و أما لو بيع أحد المشتبهين من شخص و أتلف الآخر أو بيع من شخص ثان بحيث خرج كل منهما عن مورد ابتلاء الآخر فلا مانع من البيع لجواز انتفاع

المشتري بالمبيع، فلا يكون تصرف البائع في الثمن أكلا له بالباطل.

فعلى هذا لا بد من التفصيل بين بيعهما لشخص واحد فيفسد و بيعهما لشخصين فيصح.

و توهم أنّ أصالة عدم التذكية تمنع المشتري عن التصرف و إن لم يكن له علم اجمالي.

مدفوع: بأنّ هذا الأصل إنّما ينفي الآثار المترتبة على التذكية من الأكل و الصلاة فيه، و أما النجاسة و حرمة بقية الانتفاعات المرتبة على عنوان الميتة التي هي عبارة عن إزهاق الروح المستند إلى سبب غير شرعي فهي لا تثبت بأصالة عدم التذكية إلاّ بالأصل المثبت، و قد بيّنا تفصيل ذلك في بحث الطهارة و في مبحث أصالة البراءة، هذا كله لو كان المانع عن بيع الميتة عدم الانتفاع بها.

و أما لو كان المانع عنه هو النص أو الاجماع فالظاهر جواز بيع المشتبهين فيما إذا قصد البائع و المشتري وقوع الثمن بأزاء المذكى و كان تسليم المجموع من باب المقدمة لتسليم المذكى من غير فرق بين إمكان انتفاع المشتري به و عدمه للعلم الاجمالي، و عليه فلا وجه لما ذكره المصنف من أنّه لا ينتفع به منفعة محللة بناء على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين.

و أما الأخبار الخاصة الواردة في المقام:

فمنها: حسنة الحلبي قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «إذا اختلط المذكى و الميتة باعه ممّن يستحل الميتة و أكل ثمنه».

و منها: صحيحته قال: سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن رجل كان له غنم و بقر، و كان يدرك المذكى منها فيعزله و يعزل الميتة، ثم إنّ الميتة و الذكي اختلطا كيف يصنع به‌؟

قال عليه السّلام: «يبيعه ممّن يستحل الميتة و يأكل ثمنه فانّه لا بأس به»(1).

و قريب منه رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام قال: سألته عن حب دهن ماتت فيه فأرة، قال: «لا تدهن به و لا تبعه من مسلم»(2).

و بأزاء هذه الروايات ما عن الجعفريات عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه سئل عن شاة مسلوخة، و اخرى مذبوحة عن عمى على الراعي أو على صاحبها فلا يدري الذكية من الميتة قال: «يرمي بهما جميعا إلى الكلاب»(3).

إلاّ أنّه لا يمكن أن يعارض به الروايات المجوزة، فإنّ الرمي إلى الكلاب غير واجب قطعا، فهو كناية عن عدم الانتفاع بهما، نظير الأمر بكسر الدرهم المغشوش و إلقائه في البالوعة(4)و إهراق المائين المشتبهين(5)، فيكون من جملة الأخبار المانعة عن الانتفاع بالميتة، و قد عرفت أنّها محمولة على أحد الوجهين المتقدمين فلا بد من العمل في المقام بصحيحة الحلبي و حسنته.

ثم إنّ مورد الروايتين اختلاف الحيوان المذكى بالميتة، و الظاهر أنّه لا يقدم على شرائه إلاّ المستحل فإنّه الذي ينتفع به، و أما غيره فلا يقدم على شرائه.

و من هنا يظهر أنّ التخصيص بالبيع من مستحل الميتة لا يدل على عدم جواز


1) الكافي بهامش مرآة العقول 60/4، و عنه الوسائل 538/2.

2) قرب الإسناد/ 15، النجف.

3) المستدرك 427/2.

4) الكافي بهامش المرآة 403/3، و التهذيب 122/2.

5) نفس المصدر 9/3، باب الوضوء من سؤر الدواب، و التهذيب 70/1، و الوسائل 22/1 و 23 باب نجاسة ما نقص عن الكر.

و عن العلاّمة حمل الخبرين [1]

و يمكن حملهما [2]

البيع من غيره إذا رغب في الشراء.

و قد يستدل على عدم جواز بيع المختلط بالميتة ممّن يستحله بأنّه إعانة على الإثم؛ لكون الكفار مكلفين بالفروع.

و فيه أوّلا: أنّ هذا النحو من الإعانة غير محرم قطعا و إلاّ لحرم اطعام الكافر و سقيه الماء؛ لأنّه ينجس بملاقات شفتيه و أكل النجس و شربه عليه حرام.

و توهم أنّ تكليفه بالاجتناب عن مثل هذه المتنجسات حرجي، يندفع: بأنّ الامتناع باختيار لا ينافي الاختيار فإنّه يتمكن من امتثال ذلك غير حرج باختياره الإسلام، فهو بسوء اختياره أوقع نفسه في الحرج.

و ثانيا: أنّ حرمة البيع بعنوان الإعانة على الإثم لا يوجب الفساد، على أنّ لنا كلاما في حرمة الإعانة و ما يعتبر فيها سيأتي إن شاء اللّه.

[1] قال في المختلف في الاستدلال على بيعه من المستحل: لنا: أنّه لم يكن بيعا في الحقيقة بل هو استنقاذ مال الكافر من يده برضاه، ثم ذكر الحديثين(1).

و فيه مضافا إلى ما أورده المصنف أنّه في نفسه خلاف ظاهر الخبرين و لا موجب للاختصاص بالمستحل.

[2] فيه: أنّ ملاحظة الروايات توجب القطع بارادة الأعم، فإنّ عنوان الصحيحة إذا اختلط الذكي و الميتة، و ظاهره اللحم دون الحيوان، و في الحسنة فرض أنّ الرجل عنده الغنم و البقر و اختلط الذكي منها بالميتة و لا يتصور في البقر اجزاء لا تحلها


1) 131/2.

الرواية شاذة [1]

الميتة من غير ذي النفس [2]

الحياة ينتفع بها ليقصد بيعها كالصوف في الغنم.

[1] لا يخفى أنّ رجوع المصنف إلى حكم بيع الميتة، و نقله رواية البزنطي و كلام السبزواري في غير محله، فإنّه قد فرغ منه و دخل في المختلط، و لعل الاشتباه صدر من النسّاخ.

[2] المشهور جواز بيعها و ادعي عليه الاجماع و هو الصحيح(1)، فإنّ الأدلة المانعة عن صحة بيع الميتة واردة في أليات الغنم المقطوعة أو الشاة الميتة و نحو ذلك، فهي مختصة بما له دم سائل.

و من هنا يظهر صحة ما قلناه من أنّ المشهور لم يستندوا في حكمهم بحرمة بيع ما لا يجوزونه إلى الروايات العامة و إلاّ لحكموا بحرمة بيع ميتة ما لا نفس له أيضا، فإنّها تشارك الميتة النجسة في الدخول تحت العناوين المذكورة في تلك الأخبار من حرمة المنافع الظاهرة و هي الأكل في الميتة.

ثم إنّه ربما يستدل على حرمة بيع الميتة الطاهرة فيما إذا علم البائع بأكل المشتري لها بأنّه اعانة على الإثم.

و فيه: أنّ مجرد تمكين الغير من شيء مع العلم بأنّه يصرفه في الحرام ليس اعانة


1) في الفقه على المذاهب الأربعة 18/1 ميتة الحيوان البري الذي ليس له دم ذاتي يسيل عند جرحه كالجراد طاهرة إلاّ الشافعية، فانّهم حكموا بنجاستها عدى الجراد، و فيه 215/2 يشترط طهارة المبيع، و في ص 300 قال: من البيوع الباطلة بيع النجس أو المتنجس على تفصيل في المذاهب، و من ذلك يعلم أنّ ميتة ما ليس له دم سائل يصح بيعها.

يحرم التكسب بالكلب الهراش [1]

يحرم التكسب بالخنزير [2]

على الإثم و لا محرما، و قد ورد عنهم عليهم السّلام بيع التمر ممّن علموا أنّه يجعله خمرا(1).

حرمة التكسب بالكلب الهراش

[1] استدل عليه بالاجماع و هو في غير محله فإنّ الحرمة التكليفية لم يتحقق فيها اتفاق، و أما الحرمة الوضعية فالاجماع و إن كان ثابتا فيها إلاّ ان الأخبار مصرحة بأنّ ثمن الكلب سحت(2)و معها لا حاجة إلى التمسك بالاجماع.

مضافا إلى عدم كونه حينئذ إجماعا تعبديا؛ لاحتمال استناد المجمعين إلى الروايات، و من هنا يظهر أنّ فساد بيع الكلب في الجملة ممّا لا إشكال فيه.

حرمة التكسب بالخنزير

[2] يدل على فساد بيع الخنزير روايات:

منها: خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام قال: سألته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خمرا أو خنزيرا إلى أجل فأسلما قبل أن يقبضا الثمن، هل يحل له


1) الوسائل 556/2.

2) رواها الكليني في الكافي بهامش مرآة العقول 394/3، باب السحت، و الشيخ الطوسي في التهذيب 107/2، و الفقيه/ 271، و الخصال للصدوق 160/1، باب الستة، و تفسير علي بن ابراهيم/ 158 عند قوله: و أكلهم السحت، و مجمع البيان 196/3 عند قوله تعالى: أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ‌، و التبيان للشيخ الطوسي 537/1، و قرب الإسناد/ 170، و مستدرك الوسائل 430/2، و في صحيح البخاري 26/2 آخر البيع، و صحيح مسلم 625/1، و مستدرك الحاكم 33/2، و سنن أبي داود 279/3، و كنز العمال 200/2 نهى النبي عن ثمن الكلب.

ثمنه بعد الإسلام فقال: «إنّما له الثمن فلا بأس أن يأخذه»(1).

و منها: رواية معاوية بن سعد عن الرضا عليه السّلام قال: «سألته عن نصراني أسلم و عنده خمر و خنازير، و عليه دين، هل يبيع خمره و خنازيره فيقضي دينه‌؟ قال:

«لا».

و منها رواية ابن أبي عمير أو ابن أبي نجران عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن نصراني أسلم و عنده خمر و خنازير، و عليه دين، هل يبيع خمره و خنازيره‌؟ فقال: «لا»(2).

و منها: رواية يونس في المجوسي و في ذيلها قال: أسلم رجل و له خمر أو خنازير ثم مات و هي ملكه و عليه دين، قال: يبيع ديانه أو ولي له غير مسلم خمره و خنازيره و يقضي دينه، و ليس له أن يبيعه و هو حي، و لا يمسكه(3)، و هذه الرواية دالة على عدم جواز ذلك لو كان البيع بعد الإسلام.

و منها: ما رواه في الجعفريات عن علي بن أبي طالب من السحت ثمن الميتة إلى أن قال: و ثمن الخنزير، و في دعائم الإسلام: نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عن بيع الأحرار، و عن بيع الميتة و الخنزير(4)

قال النووي في شرح مسلم بهامش ارشاد الساري 475/6، أجمع المسلمون على تحريم بيع كل من الميتة و الخمر و الخنزير، و حكى الشوكاني في نيل الاوطار 12/5 هذا الاجماع عن فتح الباري لابن حجر، و عند جمهور العلماء أنّ العلة في التحريم هي النجاسة، و لكن المشهور عن مالك طهارة الخنزير.

و حكى ابن منذر عن الأوزاعي و أبي يوسف و بعض المالكية الترخيص في القليل من شعره، و لكن في الفقه على المذاهب الأربعة 300/2 نقلا عن المالكية و الحنابلة و الشافعية و الحنفية عدم صحة بيع النجس و عد منه الخنزير، و قال الحنفية: لو جعل الثمن خنزيرا و المبيع طاهر فسد البيع، فإذا قبض المبيع كان عليه قيمته ثمنا من المشروع.

.

1) قرب الإسناد/ 153.

2) الكافي بهامش مرآة العقول 423/3.

3) الوسائل 555/2 باب 86.

4) المستدرك 426/2 و 427، و على هذا أحاديث أهل السنة. ففي مسند أحمد 326/3 عن جابر الأنصاري، و كنز العمال 209/2 عن ابن عباس، و صحيح البخاري 24/2، و صحيح مسلم 629/1 عن جابر: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله حرم الميتة، إلى أن قال -: «و الخنزير»، و في سنن البيهقي 12/6 عد من السحت ثمن الخنزير.

و ظاهر هذه الأخبار و إن كان هو المنع عن بيع الخمر و الخنزير وضعا و تكليفا لكن تعارضه روايات دلت على صحة بيع الخنزير و إن كان فعله محرما.

منها: ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام في رجل كان له على رجل دراهم فباع خمرا و خنازير و هو ينظر فقضاه قال: «لا بأس به»، أمّا للمقتضي فحلال، و أما للبائع فحرام، و ظاهره جواز البيع وضعا لا تكليفا.

و روى زرارة عن أبي عبد اللّه في الرجل يكون لي عليه دراهم فيبيع بها خمرا و خنزيرا ثم يقضي عنها قال: «لا بأس، أو قال: خذها»(1).

و روى محمد بن يحيى الخثعمي عن الصادق عليه السّلام في الرجل يكون عليه دين فيبيع الخمر و الخنزير فيقضينا: «قال لا بأس به، ليس عليك من ذلك شيء».

و عن أبي بصير سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يكون له على الرجل مال فيبيع بين يديه خمرا و خنازير يأخذ ثمنه قال: «لا بأس»(2).


1) الكافي مرآة العقول 423/3 باب بيع العصير و الخمر و التهذيب 155/2، باب الغرر و المجازفة و ما لا يجوز.

2) التهذيب 155/2، باب الغرر و المجازفة.

و كذلك أجزائهما [1]

و اطلاقهما يعم ما إذا كان البائع مسلما إلاّ أنّها مضافا إلى انصرافها في نفسها إلى البائع الكافر لبعد صدور بيع الخمر علنا من المسلم في تلك الأزمنة، لا بد من حملها على صدور البيع من غير المسلم، لا لما في بعضها من فرض البائع نصرانيا، بل لما ذكرناه في بحث المطلق و المقيد من أنّه لا موجب لحمل المطلق على المقيد فيما إذا كان الحكم انحلاليا لعدم المنافاة بينهما، بل لما تقدم من الأخبار الدالة على فساد البيع من المسلم، فيقيد به الاطلاق في هذه الروايات.

و يمكن أن يقال إنّ ما دل على بطلان البيع مطلقا قد خصص بما إذا صدر البيع من الكافر فيختص المنع بالمسلم، فتنقلب النسبة بينه و بين ما دل على الصحة إلى العموم المطلق فيخصص به أيضا اطلاق ما دل على الصحة، و على أي تقدير يخص المنع عن بيع الخمر و الخنزير وضعا بالمسلم دون الكافر المستحل بيعها اللازم اقراره على دينه.

[1] ظاهر ما ورد من النهي عن بيع الكلب أو الخنزير هو المنع عن بيعه بصورته النوعية و لو مشاعا و مع المسامحة لا يبعد دعوى شموله للميت منهما إذا وقع البيع على مجموع أجزائه، و أما بيع أبعاضه المبانة منه كيده أو رجله، فلا يعمه دليل المنع، بداهة عدم صدق بيع الكلب على بيع نعل مصنوع من جلده، و عدم صدق بيع الخنزير على بيع غزل من صوفه.

و عليه فلا منع في بيع جلد الكلب للاستقاء به للزرع إلاّ أن يمنع عنه بما أنّه ميتة، و هكذا بيع شعر الخنزير و انما هو من بيع النجس، ضرورة أنّ نجاسة الكلب و الخنزير غير مختصة بأجزائهما التي تحلها الحياة و الموت لا يوجب طهارة النجس

يحرم التكسب بالخمر [1]

و ربما يستظهر ذلك من روايات عديدة(1).

حرمة التكسب بالخمر و كل مسكر مائع

اشارة

[1] يدل على حرمة بيع الخمر تكليفا و وضعا روايات:

منها: ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه في حديث، ثم قال: إنّ رجلا من ثقيف أهدى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله راويتين من خمر فأمر بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فاهريقتا، و قال: «الذي حرم شربها حرم ثمنها»(2).

و منها: ما رواه زيد بن علي و جابر و الحسين بن زيد عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لعن في الخمر عشرة: غارسها، و حارسها، و عاصرها، و شاربها، و ساقيها، و حاملها، و المحمولة إليه، و بائعها، و مشتريها، و آكل ثمنها(3)

و رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين 31/2، و أحمد في المسند 316/1 عن ابن عباس، و في سنن أبي داود السجستاني 326/3 مصر، و سنن الطيالسي/ 264 حيدر آباد، و سنن البيهقي 287/8، و مسند أحمد 25/2 و 71 و 97 عن ابن عمر، و رواه عنه و عن ابن عباس في كنز العمال 72/3.

.

1) الوسائل 555/2 في حكم العمل بشعر الخنزير، و الوافي 31/4 و 32.

2) الكافي بهامش مرآة العقول 422/3، باب بيع العصير و التهذيب 155/2، باب الغرر و المستدرك 137/3، باب تحريم الخمر عن لب اللباب للراوندي و الوسائل 555/2، باب تحريم الخمر.

3) هذه الأحاديث تجدها في الكافي بهامش مرآة العقول 91/4 في الصيد و الذباحة، باب الأشربة، و ص 99، و باب النوادر بعد باب صفة الشراب الحلال، و في التهذيب للطوسي 308/2، باب الأشربة المحرمة من كتاب الأطعمة، و الفقيه للصدوق/ 358 في حديث مناهي الرسول صلّى اللّه عليه و اله، و الأمالي له/ 255 مجلس 63، و فقه الرضا، باب حرمة الخمر و الغناء، و المقنع للصدوق، باب حد شرب الخمر و الغناء، و جامع الأخبار/ 84 طبع بمبي، و في المستدرك 143/3 عن الدعائم و لب اللباب للراوندي، و الوسائل 324/3.

و كل مسكر مائع و الفقاع [1]

و في رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، سألته عن ثمن الخمر قال: «اهدي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله راوية من خمر بعد ما حرمت الخمر فأمر بها أن تباع، فلما أن أدبر بها الذي يبيعها ناداه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله من خلفه يا صاحب الرواية: إنّ الذي قد حرم شربها فقد حرم ثمنها، فأمر بها فصبت في الصعيد، فقال: ثمن الخمر، و مهر البغي، و ثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت»(1).

و النهي عن بيع الخمر في هذه الروايات و لعن بائعها ظاهر في تحريمها تكليفا، و ظاهر حمل السحت على ثمنها و لعن آكله حرمة بيعها وضعا كما تدل عليهما الأخبار المتقدمة الواردة في فساد بيع الخمر و الخنزير أيضا، و قد بيّنا اختصاص الفساد بما إذا كان البائع مسلما.

[1] الوجه في الحاق الفقاع بالخمر عموم المنزلة المستفادة من روايات عديدة و للنهي عن بيعه بخصوصه، ففي حديث سليمان بن جعفر الجعفري قلت لأبي الحسن الرضا عليه السّلام: ما تقول في شرب الفقاع‌؟ فقال: «خمر مجهول، يا سليمان فلا تشربه. يا سليمان لو كان الحكم لي و الدار لي لقتلت بايعه و لجلدت شاربه».

أقول: و لعل قتل بائعه من جهة استحلاله إياه و إلاّ فمجرد الحرمة لا توجب


1) التهذيب للشيخ الطوسي 155/2 باب بيع الغرر، و في موطأ مالك 57/3 مصر باب جامع تحريم الخمر عن ابن عباس أهدى رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله راوية خمر فقال له رسول اللّه: أما علمت أنّ اللّه حرمها؟ قال: لا، فساره رجل إلى جنبه، فقال له صلّى اللّه عليه و اله بم ساررته‌؟ قال: أمرته أن يبيعها، فقال له رسول اللّه: إنّ الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح الرجل الراويتين حتى ذهب ما فيهما.

القتل، و قد وردت روايات كثيرة في حرمة شربه و نجاسة ملاقيه(1).

و أما المسكر المايع غير الخمر فيستدل على الحاقه بالخمر بوجهين:

الأول: أنّ عنوان الخمر يعم جميع المسكرات لأنّه بمعنى ما يخامر العقل، و قد يستشعر من قوله عليه السّلام: «إنّ اللّه لم يحرم الخمر لاسمه، و إنّما حرمه لعاقبته، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر»(2).

الثاني: عموم التنزيل المستفاد ممّا ورد عن أبي جعفر عليه السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:

«كل مسكر حرام و كل مسكر خمر»(3)، و عن أبي جعفر عليه السّلام: «كل مسكر من الشراب أخمر فهو خمر»(4)، و في حديث أبي عبد اللّه عليه السّلام: «حرم اللّه عز و جل على ذرية آدم كل مسكر لأنّ الماء جرى ببول عدو اللّه في النخل و الكرم، و صار كل مختمر خمر»(5).


1) الكافي بهامش مرآة العقول 97/4، باب الفقاع و التهذيب للطوسي 313/2، باب الأطعمة و الوسائل 411/3، باب 27، و الوافي 88/11.

2) الكافي بهامش المرآة 93/4، و التهذيب 310/2 في الأشربة، و عنهما الوافي 84/11، و الوسائل 320/3 باب 19.

3) الكافي بهامش المرآة 93/4، باب تحريم كل مسكر، و التهذيب 310/2 في الأشربة، و عنهما الوسائل 318/3 باب 15، و في نيل الأوطار للشوكاني 144/8 في الأشربة رواه الستة إلاّ البخاري و ابن ماجة، و روى مسلم في صحيحه 178/2 في الأشربة عن ابن عمر: «كل مسكر خمر، و كل خمر حرام».

4) تفسير علي بن ابراهيم/ 167 و في قوله تعالى: إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ، و عنه الوسائل 312/3، باب 1.

5) اصول الكافي بهامش المرآة 90/4 أصل تحريم الخمر، و عنه الوسائل 313/3، باب 2.

و قد حمل الفقهاء ذلك على خصوص الشراب المسكر، أمّا لمناسبة المنزل عليه و أما لأخذ عنوان الشراب في بعضها فلم يلحقوا المسكرات الجامدة بالخمر، بل خصّوا الحكم بالمايع منها كما صنعه المصنف، و من ثم لم يذهب أحدهم إلى نجاسة الحشيش.

و عليه فمن حيث الروايات لا مانع عن صحة بيعه، و أما من حيث القاعدة فإن لم نعتبر المالية العرفية في المبيع أو كانت في الحشيش و نحوه منفعة عرفية محللة جاز بيعه و إلاّ فلا.

نعم، في رواية الشيخ عن عمار بن مروان سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الغلول‌؟ فقال:

«كل شيء غل من الإمام فهو سحت، و أكل مال اليتيم و شبهه سحت، و السحت أنواع كثيرة: منها: اجور الفواجر، و ثمن الخمر و النبيذ و المسكر بعد البينة، فأما الرشا في الحكم فإنّ ذلك الكفر العظيم»(1)، دلالة على فساد بيع كل مسكر سواء كان مايعا أو جامدا لعطفه المسكر على باقي المحرمات، و لكن الرواية التي رواها الكليني في الكافي في باب السحت من كتاب البيع بدون «الواو» فيكون المسكر فيها صفة للنبيذ، و وافقه على ذلك الصدوق(2).

ثم لا يخفى إنّ ظاهر المسكر ما يعد مسكرا عند العرف فما يكون عرفا من الأدوية أو السموم(3)، و لكن ربما يوجب شربه الاسكار إذا كان بمقدار معين أو


1) التهذيب 110/2.

2) الخصال 160/1، و معاني الأخبار/ 64 باب 14، و رواه عنه في الوسائل 538/2.

3) في الفقه على المذاهب الأربعة 5/2: يحرم تعاطي كل ما يضر بالبدن و العقل حرمة شديدة كالافيون و الحشيش و الكوكائين و جميع أنواع المخدرات الضارة و السموم و لم يذكر خلافا لأحد المذاهب فيه.

بكيفية خاصة «كالاسبيرتو» لا يعمه حكم المسكر، و هذا نظير ما ذكروه في عدم شمول دليل المنع عن الصلاة في غير المأكول للإنسان المحمول، لكونه غير معد للأكل عرفا(1)

و لم يستشهد الأئمة عليهم السّلام بقصة حمل النبي صلّى اللّه عليه و اله إمامة ابنة زينب و لو كان لها عندهم عليهم السّلام عين أو أثر لاستشهدوا بها كما هي عادتهم.

و لكن أهل السنة في جوامعهم تعرضوا لهذه القصة، و مع حرصهم الشديد عليها لم يذكروا إلاّ رواية واحدة عن أبي قتادة، و الراوي عنه عمرو بن سليم الزرقي و عنه عامر بن عبد اللّه بن الزبير و أبو سعيد المقبري و يزيد بن غناب المجهول.

و قد اختلفوا في النقل ففي صحيح البخاري 87/1 قبل مواقيت الصلاة، و صحيح مسلم 205/1، و موطأ مالك 183/1، و سنن البيهقي 263/2، و سنن السجستاني 241/1 في باب العمل في الصلاة، و سنن النسائي 132 باب ما يجوز للامام من العمل في الصلاة، و مسند أبي عوانة 145/2 باب حمل النبي إمامة عن عامر بن الزبير، كان النبي يصلّي و يحمل إمامة على عاتقه، و يضعها إذا سجد حتى فرغ، و ليس فيه امامته للناس.

و في بعض طرق مسلم و البيهقي عنه كان يؤم الناس، و في بعض طرق السجستاني عن المقبري كنا ننتظره إلى صلاة العصر، و في ارشاد الساري شرح البخاري 475/1 عن ابن بكار كان الفعل منه في صلاة الصبح.

و قد اضطرب فقهائهم لهذا الحديث الكاشف عن العمل الكثير المبطل و للخلاف في متن الحديث، فمنهم من قال انّه منسوخ، و منهم من قال: إنّه في النافلة الجائز فيها ذلك، مع أنّ الحديث لم ينص عليها إلى غير ذلك ممّا لا يرجع إلى محصل راجع فيه نيل الأوطار للشوكاني 102/1، و فتح الباري شرح البخاري 464/2، و عمدة القاري للعيني 501/2، و شرح صحيح مسلم للنووي على هامش ارشاد الساري 198/3 يتجلى لك من اضطراب الفقهاء في توجيهه بعده عن الحقيقة، و إنّما هو أمر دبر بليل.

و لا عجب من هؤلاء إذا سجلوا أمثال ذلك و لكن العجب من الحققين في العلم و الأدب كيف أثبتوا الحديث في كتبهم و لم ينبهوا على عواره، ففي المعتبر/ 123، و المنتهى 184/1، و الذكرى، و الحدائق 496/1، و الجواهر 447/1 الاستدلال على جواز حمل المصلي حيوانا طاهرا، بهذا الحديث العامي المجهول رواته عندنا و لم يستشهد به أهل البيت عليهم السّلام في رواياتهم التي أشرنا إليها مع اضطراب الرواة في نقله.

.

1) مسألة حمل المصلي للآدمي من حيث الأصل و عدم شمول دليل المنع عن الصلاة في غير المأكول كما أفاده الاستاذ أدام اللّه أيام افاداته، و لم تتعرض له أحاديثنا المروية عن آل الرسول صلّى اللّه عليه و اله إلاّ ثلاثة روايات رواها في الوسائل 448/1 باب 24، ط - عين الدولة عن الصادق و الكاظم مختصة بالمرأة ذات الرضيع إحداها نفت البأس عن حمل المرأة صبيها و هي تصلي و ترضعه و هي تتشهد، و الاخرى منعت من حمله و هي حمله و هي قائمة و هو يبكي إلى جنبها، و الثالثة جوزت تناول الرضيع إذا كان يبكي و هي جالسة فتضعه في حجرها و ترضعه.

و في بعض الأخبار يكون لي على الرجل دراهم [1]

نعم، ايجاد المكلف صفة الإسكار في نفسه محرم بأي وجه كان و لو بغير الشرب، و لكن لا يعم أحكام الخمر كل ما يحصل به الاسكار إذا لم يكن من الأشياء المعدة للإسكار عرفا.

[1] حمل المصنف هذه الرواية(1)بعد الفراغ عن حرمة بيع الخمر، و أنّ في تطبيق الدراهم الثابتة في ذمة المديون على ما يعطيه خارجا نوع معاوضة و لا فرق بينها و بين البيع من حيث الصحة و الفساد على أحد وجهين:

أحدهما: أخذ الخمر مجانا ثم تخليلها.

و فيه: أوّلا أنّ بيع الخمر إن كان حراما فهبتها أيضا محرمة، و هكذا ايقاع كل عقد


1) في التهذيب 311/2، باب الأشربة محمد بن أبي عمير و علي بن حديد عن جميل قلت للصادق عليه السّلام: يكون لي على الرجل الدراهم فيعطيني بها خمرا قال: «خذها ثم أفسدها، قال: علي و اجعلها خلا»، و هذا اجتهاد من علي بن حديد، و ما في المتن من نسبة القول إلى ابن أبي عمير لعله اشتباه من النساخ.

عليها بل يجب اتلافها.

و ثانيا: المفروض في الرواية أنّ المديون أراد باعطائه الخمر أداء دينه و براءة ذمته لا المجانية، و إلاّ فبماذا برأت ذمته من الدين.

ثانيهما: أخذها و تخليلها لصاحبها ثم أخذ الخل وفاء عن الدراهم.

و فيه: مع أنّه خلاف ظاهر الرواية أو صريحها أنّه لا بد حينئذ من مراضات جديدة؛ لأنّه يختلف الخمر و الخل بحسب القيمة اختلافا فاحشا، و ظاهر الرواية أنّه يحسبه المديون على الدائن بقيمة الخمر لا الخل. و كيف كان فلو بني الأمر على هذه التأويلات لزم الاختلال في الاستنباط، فالظاهر تخصيص أدلة المنع عن بيع الخمر بغير صورة بيعها و أفسداها بجعلها خلا بعلاج.

و هذا التعبير متعارف في تلك الأزمنة و يشهد له بعض الروايات المجوزة لتخليل الخمر(1)، و مقتضى ذلك جواز بيعها بقصد التخليل.

و هذه الرواية و إن كانت مطلقة من حيث ترك استفصال الإمام عليه السّلام بينهما إذا كان المديون مسلما أو كافرا و لازمه جواز البيع بهذا القصد مطلقا و لو كان البائع مسلما، إلاّ أنّ اطلاقه مناف لاطلاق ما دل على حرمة بيع الخمر كقوله عليه السّلام في بعض


1) أخبار التخليل في الكافي بهامش مرآة العقول 99/4، و التهذيب 311/2، و في الوسائل عنهما 3/23 باب 31، منها: رواية زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلا، قال عليه السّلام: «لا بأس»، و رواية عبيد بن زرارة سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلا؟ قال: «لا بأس»، و روايته الاخرى عن الصادق عليه السّلام في الرجل إذا باع عصيرا فحبسه السلطان حتى صار خمرا فجعله صاحبه خلا، قال: «إذا تحول عن اسم الخمر فلا بأس».

يحرم المعاوضة على الأعيان المتنجسة [1]

الأخبار: «لا يبيعها و لا يمسكها و هو حي»(1)

ورده المجلسي في الشرح أولا بالجهالة، و ثانيا: عدم الإسناد إلى الإمام عليه السّلام و ثالثا: ورودها في صورة خاصة و هي إذا مات المديون و خلف ورثة كفارا فلهم بيعه و قضاء دين الميت منه، و لهذا حرم بيعه و امساكه في حياته.

و بمضمونها أفتى الشيخ في النهاية في الغرر، ورده صاحب الجواهر في المسألة الخامسة من كتاب الدين بمخالفة المشهور، و كونه منقطعا و جهالة السند، ثم حمل الحديث بمثل ما أفاده المجلسي.

.

و بينها عموم من وجه فإنّ اطلاقه يقتضي منع المسلم عن بيع الخمر و لو بقصد التخليل، كما أنّ اطلاق رواية بن أبي عمير(2)يقتضي جواز بيعه بهذا القصد، و المرجع بعد تساقطهما في مورد الاجتماع أعني به بيع المسلم لها بقصد التخليل هو عموم ما دل على المنع عن بيع الخمر.

و على هذا فيفصل في بيع الكافر الخمر من المسلم، بينما إذا كان بقصد التخليل فيصح و بدونه فيفسد.

فى جواز بيع الاعيان الغير المطهرة

جواز بيع المتنجس

[1] الأعيان المتنجسة الغير القابلة للتطهير على قسمين: فإنّها تارة لا ينفع بها منفعة


1) الكافي بهامش مرآة العقول 49/3 باب جامع ما يحل فيه الشراء و البيع، و التهذيب 155/2 في بيع الغرر و ما يجوز و ما لا يجوز، و عنهما الوافي 39/10 باب بيع الخمر و العصير، و الوسائل 555/2 باب 86 عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن اسماعيل بن مرار عن يونس قال: «إن أسلم رجل و له خمر و خنازير ثم مات و هي في ملكه و عليه دين يبيع ديانه أو ولي له غير مسلم خمره و خنازيره و يقضي دينه و ليس له أن يبيعه و هو حي و لا يمسكه».

2) المتقدمة الواردة في أخذ الخمر عن الدراهم.

يجوز بيع المملوك الكافر [1]

محللة ظاهرة كالحليب أو اللبن المتنجس، و اخرى ينتفع بها كالدهن في الاسراج و الطلي و الصابون و نحوه.

و قد استدل المصنف على المنع عن بيع القسم الأول بامور.

منها: رواية تحف العقول لا من حيث عنوان النجاسة، فإنّ الظاهر من وجوه النجس هي العناوين النجسة بالذات، بل لعموم العلة المذكورة فيها، و هي قوله: لأنّ ذلك كله محرم أكله و لبسه - الخ، فإنّها ثابتة في المقام.

و فيه ما تقدمت الاشارة إليه، و سيجيء بيانه أنّ الأظهر جواز الانتفاع بالأعيان النجسة إلاّ ما خرج بالدليل فضلا عن المتنجس و المصنف أيضا بنى على ذلك كما يصرح به فيما سيأتي.

و منها: خبر دعائم الإسلام و النبوي المعروف: «أنّ اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه».

و فيه: أنّه لو كان المراد بالحرمة فيهما الحرمة الذاتية فلا تجري في المقام، و إن كان المراد منها مطلق الحرمة الفعلية و لو عرضية فلا وجه للتفصيل بين ما يقبل التطهير و ما لا يقبله، هذا مضافا إلى ما تقدم من عدم الاعتماد على تلك الأخبار العامة في الأعيان النجسة فضلا عن المتنجسات.

و منها: عدم وجود منفعة محللة في ذلك.

و فيه منع الصغرى على فرض تمامية الكبرى فإنّه يجوز سقي المتنجس للصبيان و الحيوانات بل الكفار أيضا، و هذا من المنافع الظاهرة كما هو ظاهر.

جواز بيع العبد الكافر

[1] ينقسم الكافر إلى أصلي و مرتد، و المرتد إلى ملي و فطري، و ظاهر المصنف

التسالم على جواز البيع في الأولين و إنّما الخلاف في القسم الثالث و هو الفطري، و المراد به الكافر الذي ولد على الإسلام و لو لأحد أبويه أو مع اتصافه بالإسلام في أول بلوغه، فإنّ جملة من الأعلام - كالشيخ الكبير و صاحب مفتاح الكرامة و الجواهر - ذهبوا إلى المنع عن بيعه.

و الصحيح هو الجواز في جميع الأقسام، توضيح ذلك: إنّ ممّا يمكن أن يستند إليه في المنع عن بيع ما حكم بنجاسته ممّا يرجع إلى دعوى عدم المقتضي للصحة أو إلى دعوى وجود المانع منها امور أربعة:

الأول: الأخبار العامة المتقدمة.

الثاني: الاجماعات المنقولة.

الثالث: الأخبار الخاصة الواردة في المنع عن بيع بعض الأعيان النجسة كالخمر و الخنزير.

الرابع: عدم المالية و لا يمكن الاستناد إلى شيء من هذه الوجوه في المنع عن بيع المملوك الكافر.

أما الأخبار العامة: فمضافا إلى ضعف سندها لا تعم المقام، فإنّ رواية تحف العقول و إن دلت على عدم جواز بيع وجوه النجس إلاّ أنّ المنع فيها إنّما هو من حيث عدم جواز الانتفاع بها لا لمجرد نجاستها؛ لأنّه علل الحكم فيها بقوله عليه السّلام:

«لأنّ ذلك كله منهي عن أكله و شربه و لبسه»، و قد اعترف به المصنف فيما يأتي من كلامه، و عليه فلا تشمل بيع الكافر؛ لأنّ الانتفاع به في العتق و غيره جائز قطعا.

و أما خبر دعائم الإسلام و الفقه الرضوي و النبوي، فلأنّ المنع فيها معلق على ما حرمه اللّه، و لا يدخل فيه المملوك الكافر لجواز الانتفاع به.

و أما الأخبار الخاصة فلم يرد منها شيء في المقام(1)

و عن رفاعة النحاس قلت لأبي الحسن موسى عليه السّلام: «إنّ القوم يغيرون على الصقالبة و النوبة فيسرقون أولادهم من الجواري و الغلمان فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم ثم يبعثونهم إلى بغداد إلى التجارة فما ترى في شرائهم و نحن نعلم إنّهم يسرقون و إنّما غار عليهم من غير حرب كانت بينهم فقال: «لا بأس بشرائهم، إنّما أخرجوهم من دار الشرك إلى دار الإسلام».

و عن المرزبان بن عمر سألته عن سبي الديلم و هم يسرقون بعضهم من بعض و يغير عليهم المسلمون أ يحل شراؤهم‌؟ فكتب: «إذا أقروا بالعبودية فلا بأس بشرائهم».

.

و أما الاجماع فغير ثابت، بل الظاهر ثبوت الاتفاق على الجواز في الجملة.

و أما عدم المالية، فإنّ كانت من جهة النجاسة فهي غير مانعة عن المالية قطعا، و إن كانت من جهة وجوب القتل و كونه في حكم التالف فهو و إن كان ثابتا في بعض أقسامه أعني المرتد إلاّ أنّ مجرد حكم الشارع بوجوب القتل مطلقا أو معلقا على عدم التوبة لا يوجب زوال المالية عنه، و إنّما المسقط لها وقوع القتل خارجا، و لذا لو قتله أحد عدوانا يضمن قيمته للمالك بلا إشكال، و هكذا لو جني عليه بقطع بعض أعضائه يؤخذ منه الأرش، كما أنّ ذلك لا يخرجه عن ملك مولاه و لا يجعله من المباحات الأصلية، و لذا لو عمل صنعة فيما بين ارتداده إلى أن يقتل أو حاز شيئا يكون لمالكه فحكم الشارع بالقتل ليس إلاّ نظير ابتلائه بمرض لا يرجى برؤه منه، فهل يتوهم أحد استلزامه سقوط ماليته أو عدم امكان الانتفاع به و لو في العتق


1) الوارد عكسه، كما في التهذيب 53/2، باب سبي أهل الضلال، و الوسائل 434/2، باب 50، اسماعيل بن الفضل سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام: سبي الأكراد إذا حاربوا من حارب المشركين هل يحل نكاحهم و شراؤهم‌؟ قال: «نعم».

يجوز المعاوضة على غير كلب الهراش في الجملة [1]

أو فساد بيعه.

فالصحيح كما قلنا جواز بيع العبد الكافر مطلقا كجواز هبته و اجارته و نحو ذلك.

نعم، العقود التي يعتبر فيها استمرار بقاء متعلق العقد كالرهن لا تصح في العبد المرتد إذا كان في معرض القتل لا لنجاسة، بل لعدم إحراز بقائه.

جواز المعاوضة على غير كلب الهراش

[1] التقييد لأجل الخلاف في بيع كلب الحارس أو بعض أقسامه، و أما كلب الصيد فلا خلاف في جواز بيعه و إن وقع النزاع في بعض صغرياته.

و قد ورد في ذلك عدة روايات، و عنوان بعضها ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت، و أما الصيود فلا بأس، به و في بعضها: سألت أبا عبد اللّه عن الكلب الصيود يباع‌؟ قال: «نعم، و يؤكل ثمنه»، و في بعضها: سئل عليه السّلام عن كلب الصيد؟ فقال:

«لا بأس به، و أما الآخر فلا يحل ثمنه»، و في بعضها: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «لا بأس بثمن كلب الصيد».

و في رواية أبي بصير قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «ثمن الخمر، و مهر البغي، و ثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت».

و في رواية عبد الرحمن ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت، و في مرسلة الصدوق: «ثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت»(1)

ثم ذكر إنّ الأحاديث الصحيحة خالية من هذا الاستثناء و إنّما هو في مورد الأمر بقتل الكلاب، و لأجل هذا النهي حرم الجماهير العلماء كما في شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 445/6، بيع الكلب، و عدم حلية ثمنه، و لا قيمة على متلفه معلما كان أو غيره جاز اقتناؤه أو لا.

و جوز أبو حنيفة بيع ما فيه منفعة و وجوب الضمان على متلفه، و الروايات عن مالك ثلاثة: الاولى: صحة بيعه و القيمة على متلفه، الثانية: عدم صحة بيعه و القيمة على متلفه، الثالثة: لا يصح البيع و لا ضمان التلف.

و دليل الجمهور اطلاق النهي عن ثمن الكلب، و ما ورد من الاستثناء كلب الصيد أو الضاري ضعيف، و لكن في بدائع الصنائع 142/5 جواز بيع كل ذي ناب من السباع حتى الكلب مطلقا، المعلم و غيره لأنّه مال ينتفع به على جهة الحراسة و الاصطياد و مباح شرعا الانتفاع به في مطلق الأحوال فكان محلا للبيع و خص المنع بابتداء الإسلام مبالغة في الزجر لمألوفية اقتنائهم الكلاب، فلذلك أمر صلّى اللّه عليه و اله بقتلها.

و القسطلاني في إرشاد الساري 114/4 - بعد أن نقل عن سحنون المالكي و أبي حنيفة و صاحباه جواز بيع ما فيه منفعة من الكلاب ككلب الصيد و الحراسة - رجح ما عليه النووي من المنع مطلقا.

و جزم ابن حزم في «المحلى» 478/7 بحرمة بيعها مطلقا، و حكى العيني في «عمدة القاري» شرح البخاري 609/5 عن سحنون المالكي جواز الحج بثمن الكلب، و أنّ مالكا كان يأمر ببيع الكلب الضاري في الميراث و الدين و المغارم، و يكره بيعه ابتداء. و في «الفقه على المذاهب الأربعة» 300/2: المالكية لم يجوزوا بيع الكلب و إن كان ظاهرا، و استثنى بعضهم كلب الصيد و الحراسة.

و الحنابلة منعوا البيع مطلقا و جوزوا اقتنائها للصيد و الحراسة و الماشية و الحرث.

و الشافعية منعوا من البيع مطلقا.

و الحنفية جوزوا بيع كلب الصيد و الحراسة، و في ميزان الشعراني 56/2 عند أحمد، و الشافعي لا يجوز بيع الكلب و لا قيمة على متلفه.

.

1) هذه الأحاديث رواها في الكافي على هامش مرآة العقول 394/3، و الفقيه/ 271، و التهذيب 107/2 و 110، و عنهما الوافي 41/10، و الوسائل 540/2 باب 42، و المستدرك للنوري 430/2 باب 12، و روى في كنز العمال 209/2 النهي عن ثمن الكلب إلاّ المعلم و كلب الصيد، و في سنن البيهقي عن جابر و أبي هريرة: استثناء ثمن كلب الصيد من النهي.

و المتيقن من الأخبار هو الكلب السلوقي الصيود بالفعل.

و أما غير السلوقي إذا كان صائدا فقد توهم انصراف الأخبار عنه، و أنّ كلب الصيد المحكوم بجواز بيعه مختص بالسلوقي.

و فيه: أنّ الانصراف إن كان فهو بدوي ناشئ من غلبة الوجود، على أنّ غلبة أفراد الصيود من السلوقي أيضا ممنوعة، فلا وجه لدعوى الانصراف، و قد تمسك شيخنا الأنصاري لجواز بيعه في المقام بمفهوم روايتي أبي بصير و عبد الرحمن و مرسلة الصدوق، حيث رأى أنّ دعوى الانصراف على تقدير تسليمها لا تصح فيها، و ما أفاده و إن كان متيقنا في الروايتين إلاّ أنّه لا يتم في المرسلة؛ لأنّ عنوان كلب الصيد مأخوذ فيها، و إذا كان منصرفا إلى السلوقي لا يفرق فيه بين النفي و الإثبات.

و توضيح الحال: أنّ الكلب قد يكون صائدا بشخصه دون نوعه، و قد يكون صائدا بنوعه دون شخصه كالسلوقي الصغير أو الكبير غير المعلم، و قد يكون صائدا بشخصه و نوعه، و قد لا يكون صائدا لا بشخصه و لا بنوعه.

أما القسم الرابع فلا ريب في عدم جواز بيعه، كما أنّ القسم الثالث لا ريب في جواز بيعه، و أما القسمان الأولان فمعرفة الحال فيهما تتوقف على ما يستفاد من الروايات في المقام.

فنقول الأخبار الواردة على طوائف ثلاث.

الاولى: ما ورد في المنع عن بيع الكلب على اطلاقه(1).


1) يدل عليه ما في الكافي بهامش مرآة العقول 394/3، و التهذيب 110/2، و الخصال للصدوق 160/1، و تفسير علي بن ابراهيم/ 158 من رواية السكوني عن الصادق عليه السّلام: «السحت ثمن الميتة و ثمن الكلب الخ»، و في التبيان للطوسي 537/1 عند قوله: أكّالون للسحت، و مجمع البيان للطبرسي 196/3 صيدا، و المستدرك للنوري 430/2 عن علي عليه السّلام: عد من السحت ثمن الكلب، و في قرب الإسناد/ 170: ابراهيم بن أبي البلاد عن أبي الحسن الأول قال: «ثمن الكلب و المغنية سحت»، و التهذيب 107/2: الوشا سئل الرضا عليه السّلام عن شراء المغنية، فقال: «قد يكون للرجل الجارية تلهيه و ما ثمنها إلاّ ثمن كلب، و ثمن الكلب سحت، و السحت في النار».

الثانية: ما دل على جواز بيع كلب الصيد و أكل ثمنه و حرمة بيع غيره و أكل ثمنه(1).

الثالثة: ما دل على حرمة ثمن الكلب الذي ليس بكلب صيد و نفي البأس عن ثمن كلب الصيد(2)

و رواه في التهذيب 110/2، و فيه ص 155 في بيع الغرر و المجازفة عن أبي بصير عن الصادق عليه السّلام قال: «الكلب الذي لا يصطاد من السحت»، و فيه 107 عن عبد الرحمن عن الصادق عليه السّلام عن ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت، و عن أبي بصير عن الصادق عليه السّلام: «ثمن كلب الصيد لا بأس به»، و الآخر «لا يحل ثمنه»، و رواه في الفقيه/ 271 عنه مرسلا: «ثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت».

.

ثم المراد بلفظ الصيود في الطائفة الاولى من أدلة الجواز هو الصائد بشخصه، فإنّه ظاهر في النعتية، فيعم كل كلب متصف بالفعل بقابلية الصيد بأن كان صائدا بشخصه سواء كان سلوقيا أو غير سلوقي.


1) رواه في التهذيب 107/2 و الفقيه/ 271 عن أبي بصير سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن ثمن كلب الصيد قال: «لا بأس بثمنه»، و الآخر: «لا يحل ثمنه».

2) الكافي بهامش مرآة العقول 394/3 عن أبي عبد اللّه العامري سألت الصادق عليه السّلام عن ثمن الكلب الذي لا يصيد قال: «سحت فأما الصيود فلا بأس به».

و أما لفظ كلب الصيد، في الطائفة الثانية فيحتمل أن يراد به خصوص السلوقي سواء كان صائدا بالفعل أو لا فيكون من قبيل عنوان الحيوان المفترس أو الطير الجارح ممّا يكفي في صدقه شأنية الافتراس أو الجرح و إن لم يتحقق خارجا، فتكون النسبة بين موضوعي الطائفتين أعني الوارد فيها لفظ «الصيود»، و الوارد فيها لفظ «كلب الصيد» عموما من وجه كما هو ظاهر.

و يحتمل أن يراد منه ما اضيف إلى الصيد بأحد وجهيه أي بنوعه أو بشخصه، إذ يكفي في الاضافة أدنى ملابسة فتعم الأخبار الصائد بالفعل و لو لم يكن سلوقيا، و السلوقي مطلقا و لو لم يكن صائدا بالفعل لصغر و نحوه، فتكون النسبة بين الطائفتين عموما مطلقا، و هذا احتمال هو الأظهر.

و يحتمل بعيدا أن يراد به الكلب القابل للصيد بالفعل فيكون عبارة اخرى عن الكلب الصيود.

إذا عرفت هذا، فنقول: أمّا على الاحتمال الثالث البعيد فجميع الروايات المجوزة متفقة على جاز بيع الصيود و عدم جواز بيع غيره، و مقتضى ذلك حصر الجواز بما إذا كان الكلب بشخصه صائدا و إن لم يكن سلوقيا، و عدم جواز بيع السلوقي إذا لم يكن بشخصه صائدا، و أما دعوى انصراف الأدلة إلى السلوقي فقد عرفت ما فيها.

و أما على الاحتمال الأول، و هو ما إذا اريد بكلب الصيد ما يكون بنوعه صائدا و إن لم يكن بشخصه كذلك لصغر و نحوه فلا تعارض في أدلة الجواز من حيث العقد الايجابي لصلوح كل منهما لتخصيص العمومات فيخصص عمومات المنع عن بيع الكلب بكل من العنوانين الذين بينهما عموم من وجه.

و قد بيّنا ذلك في المباحث الاصولية إلاّ أن أدلة الجواز في نفسها متعارضة فإنّ كلا من الطائفتين مشتملة على عقد ايجابي و عقد سلبي، و مقتضى العقد السلبي في الطائفة الاولى عدم جواز بيع غير الصيود بشخصه و إن كان سلوقيا فهو ينافي العقد الايجابي من الطائفة الثانية الدالة على جواز بيع السلوقي مطلقا، كما ان مقتضى العقد السلبي من الطائفة الثانية عدم جواز بيع غير السلوقي و إن كان صائدا بشخصه فهو ينافي العقد الايجابي من الطائفة الاولى الدالة على جواز بيع الصائد مطلقا، فتقع المعارضة بين نفس الطائفتين بالعموم من وجه في موردين:

أحدهما الصيود من غير السلوقي، حيث إنّ مقتضى الطائفة الاولى جواز بيعه الطائفة الثاني عدم جوازه.

و ثانيهما: السلوقي غير الصيود فإنّ مقتضى الطائفة الثانية جواز بيعه، كما أنّ مقتضى الطائفة الاولى عدم جوازه، فلا مناص من تساقط كلتا الطائفتين في مورد التعارض فيرجع إلى عموم المنع عن بيع الكلب و ينتج جواز بيع الكلب الصيود السلوقي فقط دون غير السلوقي و لو كان صيودا و السلوقي الذي لا يصيد.

و على الاحتمال الثاني، الذي استظهرناه و هو أن يراد بكلب الصيد مطلق الصيود بشخصه أو بنوعه فلا معارضة بين العقدين الايجابيين أيضا، فإنّ الطائفة الاولى دلت على جواز بيع الصيود بشخصه، و الطائفة الثانية دلت على جواز بيع الصيود بشخصه أو بنوعه.

و قد أوضحنا في محله أنّ مقتضى القاعدة فيما إذا كانت النسبة بين المخصصين العموم المطلق هو تخصيص العام الأعلى بكل منهما و ينتج ذلك التخصيص بأعم المخصصين، إلاّ أنّه مع ذلك تقع المعارضة بين الطائفتين بالعموم من وجه في مورد

كلب الماشية [1]

واحد و هو السلوقي غير الصيود، فإنّ مقتضى الطائفة الاولى عدم جواز بيعه، و مقتضى الطائفة الثانية جوازه.

و أما الصيود من غير السلوقي فيجوز بيعه على كلتي الطائفتين، و بعد التساقط بالتعارض يرجع إلى عمومات المنع فالنتيجة حينئذ جواز بيع مطلق الصيود السلوقي و غيره و عدم جواز بيع غير الصيود.

[1] الجامع لما ذكر في المتن من الأقسام الثلاثة هو كلب الحارس(1)و العامة(2)متفقون على الملازمة بينه و بين كلب الصيد من حيث البيع صحة و فسادا، فالحنفية و جمع من المالكية ذهبوا إلى جواز البيع في جميع الأقسام، و غيرهم ذهبوا إلى المنع مطلقا تمسكا بنهيه صلّى اللّه عليه و اله عن بيع الكلب و أنّ ثمنه سحت.

و لعل الشهيد رحمه اللّه قد نظر إلى فتاوى العامة حيث قال فيما حكي عن حواشيه أنّ أحدا لم يفرق بين الكلاب الأربعة، و إلاّ فجملة من أصحابنا قد فرق بينها كما هو ظاهر إلاّ أن يكون كلامه قدّس سرّه ناظرا إلى جواز الانتفاع لا البيع، فراجع.

و كيف كان فالمعروف بين القدماء هو المنع عن بيع الكلب الحارس، و ذهب الشيخ رحمه اللّه و المشهور ممّن تأخر عنه إلى الجواز.

حجة القول بالمنع اطلاق ما دل على عدم جواز بيع الكلب و عدم الدليل على


1) لم نجد عنوان الكلب الحارس في الأحاديث و لا في اللغة، نعم ذكر في الجواهر شمول الأخبار للكلب الحارس من غير فرق في حراسته بين الماشية و البستان و الزرع و الدار و الخان و الدكان و غيرها، و لذا قال الاسكافي فيما حكي عنه: لا خير في الكلاب إلاّ كلب الصيد و الكلب الحارس. انتهى.

2) تقدم في كلب الصيد أقوال العامة في حرمة بيعه.

جواز بيع الكلب الحارس، و هذا إنّما يتم إذا لم تتم أدلة القائلين بالجواز و إلاّ فهي صالحة لتقييد الاطلاقات.

فالعمدة هو التكلم فيما استدل به على الجواز، و هي امور تظهر من كلام المصنف رحمه اللّه.

الأول: الاجماع المنقول على الجواز كما عن التذكرة: يجوز بيع هذه الكلاب عندنا(1).

و فيه: أنّ تحقق الاجماع في المقام مقطوع العدم كيف و أكثر القدماء ذهبوا إلى المنع مع أنّه معارض بالاجماع المنقول من الغنية على المنع.

الثاني: أنّه يجوز اجارة الكلب الحارس فيجوز بيعه.

و فيه: أنّه لا ملازمة بين جواز البيع و جواز الإجارة فإنّ جملة من الأعيان يجوز بيعها و لا تصح اجارتها، كالأعيان التي لا ينتفع إلاّ باعدامها بأكل و نحوه، كالخبز أو الماء، و جملة منها يجوز اجارتها دون بيعها كالعين الموقوفة و ام الولد، فالمتبع في جواز كل من الإجارة و البيع هو الدليل، و من الظاهر جواز اجارة الكلب الحارس على القاعدة لوجود المنفعة المحللة فيه، و هي الحراسة و لم يرد دليل على المنع عنها فيعمها العمومات بخلاف البيع حيث ورد المنع عنه في الأخبار.

الثالث: ثبوت الدية باتلافه في الشريعة و هي عشرون درهما كما في بعض الأخبار أو أربعون كما في البعض الآخر(2)، فاعتبار الشارع ماليته دال على جواز بيعه.


1) الموجود في التذكرة ما لفظه: أمّا كلب الصيد فالأقوى عندنا جواز بيعه - ثم قال -: إن سوغنا بيع كلب الصيد صحّ بيع كلب الماشية و الزرع و الحائط.

2) في الكافي على هامش مرآة العقول 220/4، و التهذيب 478/2 عن الصادق عليه السّلام: «دية الكلب السلوقي أربعون درهما»، و في الفقيه/ 400 عن الصادق عليه السّلام: «دية كلب الصيد أربعون درهما»، و في تفسير علي بن ابراهيم/ 318 عن أبي نصر عن الرضا عليه السّلام: «ان الدراهم المعدودة في ثمن يوسف عشرون درهما و هي قيمة كلب الصيد إذا قتل»، و في عمدة القاري شرح البخاري للعيني 610/5: ان عبد اللّه بن عمرو بن العاص قضى في كلب صيد قتله رجل أربعين درهما، و قضى في كلب الماشية بكبش، و في ارشاد الساري 114/4 و شرح النووي على صحيح مسلم بهامشه 446/6، و عمدة القاري 610/5: ان عثمان غرم انسانا قتل كلبا عشرين بعيرة.

و فيه: أنّ ثبوت الدية لا يلازم صحة البيع بل ظاهر تعيين دية الشيء و حصرها في مقدار معين عدم ثبوت قيمة سوقية لها نظير دية الحر و إلاّ لكانت ديته قيمته و هي تختلف غالبا.

الرابع: الأولوية، فإنّ الانتفاع بالكلب الحارس أكثر من الانتفاع بكلب الصيد، فإذا جاز بيعه جاز بيع الحارس بطريق أولى.

و فيه: أنّ هذه الأولوية ظنية تلحق بالقياس فلا يرفع به اليد عن العمومات.

الخامس: قوله في رواية تحف العقول «و كل شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كله حلال بيعه و شرائه» فإنّ وجود جهة الصلاح في الكلب الحارس ممّا لا ينكر.

و فيه: مضافا إلى ضعف الرواية أنّها معارضة بما دل على المنع من بيع الكلب، و أنّ ثمنه سحت بالعموم من وجه، و يرجح الدليل المانع لأنّ تقديم رواية تحف العقول يستلزم الغاء دليل المنع بالكلية لانحصار مورده حينئذ بالكلب الهراش.

و عليه فعدم جواز بيعه إنّما يكون لعدم ماليته و عدم الانتفاع به الذي هو مانع عن صحة البيع بناء على حجية رواية تحف العقول لا لخصوصية في الكلب، مع أنّ

دليل المنع ظاهر في مدخلية عنوان الكلب في عدم الجواز.

و هذا أحد المرجحات في مورد التعارض بالعموم من وجه على ما بين في محله، و نظيره معارضة ما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه و خرئه بما دل «أنّ كل شيء يطير بجناحيه فلا بأس ببوله و خرئه» فانهما و إن كانا متعارضين بالعموم من وجه إلاّ أنّ تقديم الأول يستدعي انحصار الثاني بالطائر المأكول اللحم و طهارة بوله و خرئه حينئذ إنّما يكون بعنوان كونه مأكول اللحم فيكون أخذ عنوان الطائر لغوا.

و هكذا الحال في معارضة مفهوم قوله عليه السّلام: «الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شيء»، مع قوله عليه السّلام: «ماء النهر يطهر بعضه بعضا»، فإنّ تقديم الأول و تخصيص عدم انفعال الجاري بما إذا كان كرا يوجب سقوط عنوان الجاري كلية فيقدم الثاني.

فتحصل فيما نحن فيه ان الترجيح للدليل المانع بناء على تسليم رواية تحف العقول.

السادس: مرسلة الشيخ في المبسوط في فصل ما يصح بيعه و ما لا يصح، قال في بيع الكلاب: يجوز بيع ما كان معلما، و روي أنّ كلب الماشية و الحائط كذلك، و ما عدى ذلك كله لا يجوز بيعه و لا الانتفاع به. انتهى.

و هذا و إن كان صريح الدلالة على جواز بيع كلب الماشية و الحائط إلاّ أنّ ضعف السند بالارسال يوقف العمل بها.

و دعوى انجبارها بعمل المشهور.

«واهمية» لعدم صلوح الشهرة عند المتأخرين لجبر الرواية خصوصا مع احتمال عدم استنادهم إليها بل إلى الوجوه المتقدمة من اجماع و غيره، هذا مضافا إلى

لكون المنقول مضمون الرواية [1]

معارضتها بشهرة القدماء كما بينه المصنف قدّس سرّه.

[1] ما أفاده من ضعف الدلالة مبني على نقل الرواية بلفظ «و روى ذلك» كما حكاه المصنف فيكون المنقول مضمون الرواية، و اجتهاد الشيخ الطوسي لا لفظ الإمام عليه السّلام و لا ترجمته لعدم استقامة تعبير الإمام بلفظ «ذلك» أو بما يرادفه فلا يسعنا الاستدلال بها.

و لعل الواقف على نص ألفاظ الإمام يستفيد غير ما اسظهره الشيخ قدّس سرّه إلاّ أنّ الموجود في المبسوط غير ما حكاه المصنف كما تقدم و حكاه في الوسائل بتبديل لفظ كذلك «بمثل ذلك»، فالصحيح عدم جواز بيع ما عدى كلب الصيد.

«تنبيه»: لا يخفى أنّه لا دلالة لما ورد في المنع عن بيع الكلب الشامل باطلاقه لكلب الحارس على سقوطه عن المالية شرعا بل هو مال و ملك شرعا، كما أنّه مال عرفا غاية الأمر لا يجوز بيعه لخسته، كما أنّ ام الولد مال و ملك و لا يجوز بيعها لشرفها و عليه فيضمن من أتلف كلب الحارس لصاحبه، كما يجوز أن يوقع عليه جميع العقود التي ليست لنقل الأعيان كالاجارة و الهبة و إن كانت معوضة؛ لأنّ العوض فيها لم يكن بأزاء العين و إنّما هو شرط في الهبة يوجب تخلفه الخيار.

نعم، العقود المبنية على معاوضة العين لا تقع عليه و لو لم تكن بيعا كالصلح بعوض، فإنّ المأخوذ في الدليل إنّما هو عنوان ثمن الكلب، و قد حمل عليه السحت. و من الظاهر عدم اختصاص الثمن بما وقع عوضا في خصوص البيع بل مطلق ما يقع بأزاء العين عوضا عنها و لو في الصلح، و هذا واضح.

الأقوى جواز المعاوضة على العصير [1]

جواز المعاوضة على العصير

[1] نتكلم في العصير تبعا للمصنف في مقامين أحدهما: في ضمانه، و الآخر في جواز بيعه.

فنقول: إذا نش العصير من قبل نفسه فعلى القول بنجاسته و عدم طهارته إلاّ بالتخليل و تبدل العنوان كما ذهب إليه الجعفي من القدماء و بعض المتأخرين(1)، يلحقه حكم الخمر فلا يضمن الغاصب، كما لا يجوز بيعه.

و أما على القول بطهارته بذهاب ثلثيه كما هو المختار، فحاله حال العصير إذا غلى بالنار في أنّ نجاسته عرضية قابلة للزوال من دون تبدل العنوان، فهو مال شرعا و عرفا فيضمنه المتلف و يجب رده على مالكه إذا غصبه، و أما لو غصب عصيرا فأغلاه فظاهر المصنف وجوب رده و غرامة الثلثين و اجرة العمل فيه حتى يذهب الثلثان.

و فيه: مضافا إلى أنّ ذلك ربما يبلغ أضعاف قيمة العصير أنّه لم نعرف لضمان الغرامة و أجرة العمل وجها، فالصحيح أنّ العين يجب ردها على مالكها على أي حال، و لا يضمن له الغاصب إلاّ تفاوت القيمة بين العصير المغلي و غير المغلي إذا كان بينهما تفاوت في القيمة.

و يختلف ذلك باختلاف البلاد و الأزمان فإنّه ربما يكون المغلي أكثر قيمة من غير المغلي كما في البلاد التي يجعل فيها العصير دبسا ففي مثل ذلك لا يضمن للمالك


1) أوّل من شيد ذلك شيخنا شيخ الشريعة و صنف فيه رسالة أسماها «إفاضة القدير في حكم العصير» طبعت في قم.

زائدا على العين شيئا بل يكون محسنا، و ربما ينعكس الأمر فحينئذ يضمن الغاصب للمالك زائدا على العين فرق القيمتين، و ليس للمالك أن يطالبه بأكثر من ذلك، نظير ما إذا غصب أحد قباء الغير فنجسه فإنّه لا يضمن إلاّ برد عين القباء، و الفرق بين قيمته طاهرا و نجسا، هذا في المقام الأول.

و أما المقام الثاني: أعني جواز بيعه ففيما إذا نش بنفسه جرى فيه الخلاف المتقدم فلا يجوز بيعه بناء على كونه خمرا و لا يطهر إلاّ بزوال عنوانه، و أما على القول بحرمته فقط أو القول بنجاسته أيضا و أنّه يطهر بالتثليث فيستدل على المنع عن بيعه بالنبوي المتقدم و غيره من الأخبار العامة الدالة على عدم جواز بيع ما حرمه اللّه.

و فيه: مضافا إلى ضعف السند ان المراد بما حرمه اللّه ما كان محرما ذاتا و بعنوانّه و لا يعم ما حرم لعارض من نجاسة و نحوها و إلاّ لما جاز بيع كل ما تنجس من المأكولات كالتفاح المتنجس و نحوه و إن أمكن تطهيره، على أنّ المراد حرمة جميع الانتفاعات، لأن حذف المتعلق يفيد العموم.

و ربما يستدل على عدم جواز بيع العصير بعد الغليان برواية تحف العقول بملاك النجاسة لا حرمة الانتفاع فانّها دلت على عدم جواز بيع شيء من وجوه النجس.

و هذا الاستدلال مبني على القول بنجاسة العصير و هو غير ثابت على أنّ الرواية كما عرفت ضعيفة السند مع ان ظاهر وجوه النجس هو العناوين النجسة ذاتا فلا يعم النجاسات العرضية القابلة للزوال و إلاّ لم يجز بيع كل متنجس و إن كان قابلا للتطهير مثل الثوب المتنجس، هذا كله مضافا إلى ما عرفت أنّ حرمت البيع لم تثبت للنجس بعنوانّه و إنّما ثبتت بعنوان عدم الانتفاع به، و جواز الانتفاع بالعصير المغلي

ظاهر، فالتمسك بالأخبار العامة غير صحيح.

و أما الأخبار الخاصة في المقام فهي ثلاثة:

الاولى مرسلة محمد بن الهيثم عن رجل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلي من ساعته أ يشربه صاحبه‌؟ فقال: «إذا تغير عن حاله و غلا فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه»(1)، و المصنف قدّس سرّه استدل بها على حرمة البيع و الظاهر اجنبيتها عنه لأنّ نفي الخير كناية عن المنع من شربه.

الثانية: رواية حنان عن أبي كهمس قال: سأل رجل أبا عبد اللّه عن العصير فقال لي: «كرم و أنا أعصره كل سنة و اجعله في الدنان و أبيعه قبل أن يغلى، قال: لا بأس و إن غلا فلا يحل بيعه - ثم قال -: هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمرا»(2)

و في نوادر الشهادات من الفقيه/ 252 ما يدل على تشيعه حتى أنّ شريكا لم يقبل شهادته لتشيعه، و في خاتمة المستدرك/ 708 عد الصدوق في الفقيه كتابه من الكتب المعتمدة، و قال الشارح: الخبر قوي هو مع هذا فقد تكلموا في حنان الراوي عنه فلم يعتمد عليه بعضهم إمّا لكونه واقفيا أو كيسانيا.

.

و هذه الرواية ضعيفة السند، على أنّ ظاهر الغليان فيها الغليان بنفسه لا بالنار بمناسبة جعله في الدنان، مضافا إلى أنّ قوله عليه السّلام في آخر الحديث هو ذا نحن نبيع


1) الكافي بهامش مرآة العقول 96/4، و الوسائل عنه 313/3، و التهذيب 312/2.

2) الكافي بهامش مرآة العقول 423/3، و رمى المجلسي الرواية بالجهالة و قال في الوجيزة: أبو كهمس كنية لمجاهيل. و في إتقان المقال للشيخ محمد طه نجف/ 241 عده في الحسان، و عنده كهمش بالشين المعجمة، و في الكنى من رجال الحائري/ 350 عن التعليقة: للصدوق طريق إليه و لأجله حسّنه خالي يعني به الوحيد البهبهاني.

تمرنا - الحديث - يناسب كون مورد السؤال بيع العصير ممّن يعلم أنّه يصرفه على النحو المحرم بشربه قبل ذهاب ثلثيه الذي كان متعارفا عند العامة في ذلك الزمان، فهي أجنبية عمّا نحن بصدده من بيعه مع الإعلام لئلاّ يصرف في المحرم.

الرواية الثالثة: رواية أبي بصير(1)قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا قال: «إذا بعته قبل أن يكون خمرا و هو حلال فلا بأس»(2)

و سبقه إلى ذلك الوحيد فإنّه أيّد صلاحه بكثرة الرواية عنه.

.

و هذه الرواية أيضا ضعيفة باشتمال سندها على القاسم بن محمد، و يرد على الاستدلال بها مضافا إلى ما تقدم في رواية أبي كهمس أنّ أبا بصير مردد بين البختري و الليث المرادي، و كلاهما كوفيان و لم يكن عنب في الكوفة وافرا ليجعل عصيرا أو دبسا، فالمناسب أن يكون سؤاله عن عصير التمر و هو لا ينجس و لا يحرم بالغليان على الصحيح المعروف، و يشهد له عدم تعرض الإمام عليه السّلام في الجواب


1) تجد هذه الرواية مسندة في المكاسب إلى أبي كهمس و العكس في التي قبلها و لعل السهو من النساخ.

2) رواها في الكافي على هامش مرآة العقول 423/3، و التهذيب 155/2 في بيع الغرر، و عنهما الوسائل 556/2، و هذه الرواية رماها المجلسي في الشرح بالضعف و لعله من جهة اشتمالها على القاسم بن محمد الجوهري الضعيف في الوجيزة و المجهول في خلاصة العلاّمة و لم يتعقبه الشهيد في الحاشية عليها، و في رجال الوسائل/ 554 رام ابن داود توثيقه و مأخذ التوثيق خفى، و لكن في اتقان المقال للشيخ محمد طه نجف/ 336 - بعد مناقشة ابن داود في التوثيق - قال: لا يبعد ذلك لعدم عد ابن الغضائري له في الضعفاء و إعتماد الأعاظم عليه و رواية الحسين بن سعيد عنه و اهمال الصدوق الطعن عليه بالوقف مع أنّ طريقته هجر الراوي عند التغيير.

لحكم الغليان بل قال: «إذا بعته قبل ان يكون خمرا فلا بأس»، و اطلاقه يعم صورة الغليان و عدمه، فهي أجنبية عن عصير العنب بالكلية.

فالظاهر أنّه لا دليل على عدم جواز بيع العصير المغلي أصلا، فالصحيح جوازه(1)

و يجوز عند أبي حنيفة بيعه، و منع أبو يوسف و محمد من بيعه.

و أما العنب إذا طبخ فحكمه حكم العصير لا يحل حتى يذهب ثلثاه في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة. و في رواية الحسن عن أبي حنيفة أنّه يحل بمنزلة الزبيب حتى لو طبخ أدنى طبخة، و المطبوخ من نبيذ التمر و نقيع الزبيب يحل شربه إذا كان على النصف، و يجوز بيعه و يضمن متلفه إلاّ إذا أسكر.

و في «المحلى» لابن حزم 478/7: كل شيء أسكر كثيره أحدا من الناس، فالنقطة منه خمر حرام بيعه و شربه و ملكه، و عصير العنب و نبيذ التين و شراب القمح و السيكران و عصير كل ما سواها و نقيعه و شرابه طبخ أو لم يطبخ ذهب أكثره أو أقله سواء في كل ما ذكرناه و لا فرق. و ذكر النووي في شرحه على مسلم بهامش ارشاد الساري 218/8 الخلاف في حرمة المطبوخ منه و غيره.

.

و ذهب المشهور في هذه المسألة إلى جواز البيع و خالف فيه صاحب مفتاح الكرامة تمسكا ببعض ما تقدم فساده، و أما المحقق الثاني فهو و إن نسب إليه المنع استظهارا من قوله في حاشية الارشاد و لو تنجس العصير و نحوه فهل يجوز بيعه ممّن يستحله فيه اشكال و لا يبعد العدم - الخ، لعموم: وَ لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ‌ إلاّ أنّ كلامه أجنبي عما نحن فيه أعني العصير العنبي فإنّ العصير لما كان موضوعا للمايع المضاف المتخذ من كل شيء قابل للعصر كالتفاح و البطيخ


1) في بدائع الصنائع 115/5 لعلاء الدين الحنفي: عصير العنب إذا طبخ أدنى طبخة أو ذهب نصفه فيحرم شرب قليله و كثيره عند العلماء.

يجوز المعاوضة على الدهن المتنجس [1]

و نحوه يكون مراه من لفظ العصير مطلق ذلك لا خصوص عصير العنب، و يشهد له عطف «و نحوه» عليه؛ لأنّ المراد منه المايعات المضافة غير المتوقفة على العصر كالحليب و اللبن و تنجسها لا يحصل إلاّ بالملاقات للنجاسة و جميعها إذا تنجست لا تقبل التطهير.

و عليه لا يختص المستحل في كلامه بخصوص الكافر بل المراد به كل من يجوز الانتفاع بذاك المايع و لو لذهابه إلى عدم نجاسة ما لاقاه أو عدم تنجسه، و من الظاهر ان ذكر المستحل لم يكن لخصوصية فيه، بل لأنّ غيره لا يرغب في شرائه.

و يدل على ما استظهرناه مضافا إلى ما تقدم تعليله المنع عن البيع بكونه اعانة على الاثم، فإنّه لا وجه للاستدلال بها على المنع عن بيع العصير مع ورود الروايات به، على أنّ الإعانة على الاثم انما تكون في بيع المايع المضاف الذي لا يقبل التطهير، و أما العصير المغلي القابل للتطهير بالتثليث فأي أعانة على الإثم تكون في بيعه.

و المحقق في بحث النجاسات من جامع المقاصد لم يذهب إلى نجاسة العصير العنبي، بل ظاهره البناء على الطهارة حيث لم يتعرض لدليل القول بالنجاسة، بل ذكر في المقام ذهاب المشهور إليه، ثم ذكر خلاف الشهيد و قوله بالطهارة، و أمّا العصير الزبيبي فقد صرح بطهارته.

جواز المعاوضة على الدهن المتنجس

[1] صحة استثنائه مبينة على أحد الأمرين:

الأول: المنع عن بيع مطلق الأعيان النجسة أو المتنجسة و لو جاز الانتفاع بها

و الأخبار مستفيضة [1]

كما ذهب إليه بعض العامة(1)

و في ارشاد الساري 114/4: يجوز نقل الدهن النجس إلى الغير بالوصية كالكلب، و أما هبته و الصدقة فعن القاضي أبي الطيب معهما، و في الروضة ينبغي أن يقطع بصحة الصدقة للاستصباح و نحوه، و في عمدة القاري 606/5: يحرم بيع شحوم الميتة و أكل ثمنها، و أما الاستصباح و دهن الجلود و السفن بها فعند عطاء بن رباح و جماعة لا مانع إذا كان الذي أصابته النجاسة يغسل بالماء.

، و قد عرفت عدم قيام دليل عليه حتى من الأخبار العامة المتقدمة، فإنّ قوله في رواية تحف العقول: «أو شيء من وجوه النجس» ظاهر في العناوين النجسة بالذات، مضافا إلى أنّ المنع فيها لم يكن بعنوان نجاستها و انما هو بعنوان عدم الانتفاع بها.

الثاني: المنع عن الانتفاع بالنجس و المتنجس مطلقا بناء على اعتبار المالية في المبيع، و قد وضح بما تقدم جواز الانتفاع بالأعيان النجسة حتى الميتة التي هي أعظمها فضلا عن المتنجسات، فالاستثناء لا بد و أن يكون منقطعا و القاعدة تقتضي جواز بيع المتنجس إلاّ أنّه ورد فيه روايات خاصة لا مناص من التعرض لها.

[1] لا بد أوّلا من نقل الأخبار الواردة في الدهن المتنجس:

الأول: ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه فإنّ كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي، و إن كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به، و الزيت مثل ذلك».


1) الفقه على المذاهب الأربعة 300/2 و في إحياء العلوم للغزالي 84/2 في القسم الأول من أصناف الحلال مهما وقعت قطرة من النجاسة أو جزء من نجاسة جامدة في مرق أو طعام أو دهن حرم أكل جميعه و لا يحرم الانتفاع به لغير الأكل، فيجوز الاستصباح بالدهن النجس و اطلاء السفن و الحيوانات به.

الثاني: ما رواه معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت له: جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل، فقال عليه السّلام: «أمّا السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله و الزيت يستصبح به»(1)، و قال في بيع ذلك الزيت: «تبيعه و تبينه لمن اشتراه ليستصبح به»(2).

الثالث: ما رواه الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الفأرة و الدابة تقع في الطعام و الشراب فتموت فيه، فقال: «إن كان سمنا أو عسلا أو زيتا فإنّه ربما يكون بعض هذا، فإن كان الشتاء فأنزع ما حوله و كله، و إن كان الصيف فادفعه حتى تسرج به، و إن كان ثردا فاطرح الذي كان عليه و لا تترك طعامك من أجل دابة ماتت عليه»(3).

الرابع: ما رواه سعيد الأعرج: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الفأرة تقع في السمن و الزيت ثم تخرج منه حيا، فقال: «لا بأس بأكله، و عن الفأرة تموت في السمن


1) الحديث الأول و الثاني في الكافي على هامش مرآة العقول 60/4، باب الفأرة تموت في الطعام، و التهذيب 303/2 في الأطعمة، و عنهما في الوسائل 258/3 باب 42.

2) ما بين القوسين من التهذيب.

3) التهذيب 303/3، باب ما يحل من الأطعمة، و عنه الوسائل 258/2 باب 42 و الوافي 22/11 و فيه في الوسائل: «و إن كان بردا» بالباء الموحدة من تحت و علل الفيض تكرار البرودة بأنّه تمهيد لما بعده و الصحيح هو «الثرد» بالثاء المثلثة من فوق كما في نسخة التهذيب المطبوعة، فإنّ الثرد في الصحاح و القاموس: فت الخبز و كسره، و في تاج العروس و المصباح المنير و أساس البلاغة للزمخشري: فته و بله بالمرق وسط القصعة، و الإمام عليه السّلام تفضل بمثال آخر و هو ما لو ماتت الفأرة في الثريد، و حكم بأنّه يطرح الذي عليه و يؤكل ما حوله.

و العسل‌؟ فقال: قال علي عليه السّلام خذ ما حولها و كل بقيته، و عن الفأرة تموت في الزيت‌؟ فقال: لا تأكله و لكن أسرج به»(1).

الخامس: ما رواه ابن مسكان عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه‌؟ قال: «إن كان جامدا فيطرحها و ما حولها و يؤكل ما بقي، و إن كان ذائبا فأسرج به و أعلمهم إذا بعته»(2).

السادس: ما رواه معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك‌؟ فقال: «بعه و بيّنه لمن اشتراه ليستصبح به»(3).

السابع: ما رواه اسماعيل بن عبد الخالق قال سأل سعيد الأعرج السمان أبا عبد اللّه عليه السّلام و أنا حاضر عن الزيت و السمن و العسل تقع فيه الفأرة و تموت كيف يصنع به‌؟ فقال: «أمّا الزيت فلا تبعه إلاّ لمن تبينه فيبتاع للسراج، و أما الأكل فلا، و أما السمن فإن كان ذائبا فهو كذلك، و إن كان جامدا و الفأرة في أعلاه فيؤخذ ما تحتها و ما حولها ثم لا بأس به، و العسل كذلك إن كان جامدا»(4).

الثامن: ما رواه في الجعفريات عن الإمام جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليه السّلام أنّه سئل عن الزيت يقع فيه شيء له دم فيموت، قال: «الزيت خاصة يبيعه لمن


1) التهذيب 303/2 باب ما يحل من الأطعمة، و عنه الوسائل 258/3، باب خصوص المسألة الثانية و الثالثة المتعرضين لموت الفأرة في السمن و العسل و لموتها في السمن و لم ينقل الفقرة الاولى من الرواية.

2) التهذيب 153/2 في بيع الغرر و المجازفة، و عنه الوسائل 508/2 باب 33.

3) التهذيب 153/2 في بيع الغرر، و الوسائل 538/2 باب 33.

4) قرب الإسناد/ 80، ط - النجف.

يعمله صابونا».

التاسع: عن الجعفريات عن علي عليه السّلام قال: «و إن كان شيئا مات في الأدام و فيه الدم في العسل أو في الزيت أو في السمن، فإن كان جامدا جنبت ما فوقه و ما تحته ثم يؤكل بقيته، و إن كان ذائبا فلا يؤكل، يستسرج به و لا يباع».

العاشر: الجعفريات عن علي عليه السّلام قال: «في الزيت و السمن إذا وقع فيه شيء له دم فمات فيه استسرجوه».

الحادي عشر: دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد عليه السّلام أنّه سئل عن فأرة وقعت في سمن قال: «إن كان جامدا ألقاها و ما حولها و أكل الباقي، و إن كان مايعا فسد كله و يستصبح به».

الثاني عشر: الدعائم سئل أمير المؤمنين عليه السّلام عن الدواب تقع في السمن و العسل و اللبن و الزيت قال: «إن كان ذائبا أريق اللبن، و استسرج بالزيت و السمن»، و قال عليه السّلام: في الزيت: «يعمله صابونا إن شاء»(1).

الثالث عشر: نوادر الراوندي عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السّلام عن الزيت يقع فيه شيء له دم فيموت قال: «يبيعه لمن يعمل صابونا»(2).

هذا ما عثرنا عليه، و المتعرض منها لجواز بيع الدهن المتنجس هي الرواية الثانية و الخامسة و السادسة و السابعة و الثامنة و الثالثة عشر، و أما الباقي فهو أجنبي عن البيع، فما أفاده المصنف رضى اللّه عنه من الاستفاضة لا يتم، مع أنّ هذه الأحاديث ضعيفة


1) من الحديث الثامن إلى هنا تجده في المستدرك للنوري 136/1 و 427/2 و 77/3.

2) نوادر الراوندي/ 50 ملحق بالفصول العشرة للمفيد، طبع النجف.

منها: الصحيح عن معاوية بن وهب [1]

و زاد في المحكي عن التهذيب [2]

و منها: الصحيح عن سعيد الأعرج [3]

عدا رواية أبي بصير و معاوية بن وهب فإنّهما من الموثق كرواية قرب الإسناد عن اسماعيل بن عبد الخالق(1)، و لكنّك عرفت ان جواز البيع مقتضى القاعدة و العمومات فهذه الأخبار مؤكدة لها سواء كانت مستفيضة أم لم تكن.

[1] الظاهر أنّها أجنبية عن البيع، فإنّ جواز الانتفاع غير مستلزم لصحته؛ و لذا لم ينقلها الكافي و لا الوافي في باب البيع بل ذكراه في كتاب الأطعمة فيما يحل أكله و ما لا يحل.

[2] ظاهر العبارة كون الزيادة جزء من الصحيحة و ليس كذلك، بل هي رواية اخرى حكاها التهذيب بعد نقل الصحيحة على ما تقدم فراجع.

[3] هذه رواية الحلبي المتقدمة، و هي أجنبية عن جواز البيع، فإنّ ظاهر قوله عليه السّلام:

«فادفعه ليسرج به» هو الدفع إلى الخادم للاسراج به في المنزل لا البيع، كما يحتمل أن يراد منه الدفع عن الاستعمال في الأكل، و الظاهر أنّ الدال مصحفة عن الراء المهملة، و المقصود من رفعه عدم استعماله في الأكل.


1) في رجال النجاشي/ 20 و الخلاصة للعلامة و منتهى المقال للحائري، اسماعيل بن عبد ربه وجه وجوه أصحابنا و فقيه من فقهائنا، و زاد النجاشي هو من بيت الشيعة و أبوه و عمومته وهب و شهاب و عبد الرحمن بن عبد ربه ثقاة، و في رجال الكشي/ 256، كلهم كوفيون أخيار فاضلون من صلحاء الموالي، و في الوجيزة للمجلسي اسماعيل: ثقة على الأظهر، و في المشتركاتين ثقة، و بالغ الوحيد البهبهاني في مدحه، و من هنا أدرجه الشيخ محمد طه نجف في قسم الثقاة من اتقان المقال، و في رجال الوسائل للحر العاملي و ثقه ابن طاووس.

و يمكن أن يقال باعتبار قصد الاستصباح إذا كانت المنفعة [1]

ثم إنّ المحدث النوري حكى في المستدرك روايته في النهي عن بيع الدهن المتنجس:

إحداهما: عن الجعفريات و هي الرواية التاسعة المتقدمة، و لا بأس بها من حيث السند و الدلالة، و قد أثبتنا اعتبار ذلك الكتاب(1)، و لعل عدم نقل صاحب الوسائل عنه من جهة عدم عثوره عليه.

و الثانية: ما حكاه عن دعائم الإسلام و هو: قالوا عليهم السّلام: إذا خرجت الدابة حية و لم تمت في الأدام لم ينجس و يؤكل، و إذا وقعت فيه فماتت لم يؤكل و لم يبع و لم يشتر»(2)، و تقدم عدم اعتبار الكتاب.

و في خبر الجعفريات غنى و كفاية، و لا بد من تقييد اطلاقه بما إذا بيع الدهن المتنجس من دون قصد الاسراج به و من دون الإعلام بنجاسته؛ لأنّ الأخبار المتقدمة صرحت بجواز بيعه بقصد الاستصباح و اعلام المشتري، فيبقى الكلام في أنّه هل يستظهر منها اعتبار اشتراط الاستصباح في ضمن العقد أو قصده زائدا على الأعلام أو لا يعتبر شيء من ذلك وجوه بل أقوال ستعرف الحق منها.

[1] ظاهر المصنف هنا التفصيل بين الادهان التي يكون الاستصباح بها من منافعها الظاهرة كالزيت و الخروع و بين غيرها كدهن اللوز و البنفسج، و اعتبار قصد الاستصباح في الثاني دون الأول.

و ذكر في وجهه ان مالية الشيء انما تكون باعتبار منافعه الظاهرة المحللة، فإذا


1) ذكر النوري في خاتمة المستدرك شواهد على اعتباره.

2) المستدرك 427/2 باب 6.

فرضنا حرمة المنافع الظاهرة لشيء فلا يجوز بيعه لا مطلقا؛ لأنّ البيع المطلق ينصرف إلى كون الثمن بأزاء المنافع الظاهرة و المفروض حرمتها، و لا مشروطا بقصد المنفعة النادرة المحللة لأنها لا توجب ماليته، و لكن بما أنّ الخبر الخاص ورد على الجواز في المقام لا بد من حمله على ارادة صورة قصد الفائدة النادرة، إذ لا يكون أكل المال حينئذ بالباطل بحكم الشارع، و لكن يظهر من آخر كلامه قدّس سرّه أنّ المعتبر في صحة بيع الدهن المتنجس مطلقا بقسميه أن لا يقصد به المنفعة لحرمة لا أنّه يعتبر قصد المنفعة المحللة.

و التفصيل بين القسمين إنّما هو في مقام الاثبات لأنّ اطلاق البيع في الأول ينصرف إلى المنفعة المحللة الشايعة و لو لم يقصد و لم يذكر، و في الثاني ينصرف إلى المنفعة المحرمة الظاهرة إلاّ إذا قصد المنفعة المحللة النادرة أو ذكرت، و هذا فرق في ناحية الاثبات لا الثبوت.

و الصحيح عدم اعتبار قصد المنفعة المحللة مطلقا فضلا عن ذكرها أو اشتراطها بل قصد المنفعة المحرمة لا ينافي صحة البيع كما سيتضح.

و قبل بيان ذلك نتكلم فيما ذكره المصنف من التفصيل، فإنّه يرد عليه أنّه مبني على أن لا يكون الاستصباح من المنافع الظاهرة لمطلق الأدهان، و ليس كذلك، إذ لا فرق بينها فيه، بل لا يبعد أن يكون ضوء دهن اللوز و البنفسج و نحوه أقوى و أحسن و أطيب ريحا من دهن الزيت و الخروع غاية الأمر لغلاء قيمتها أو لترتب غرض أهم عليها لا يستعملها العقلاء في الاستصباح نظير خشب العود فإنّه لا يقصر عن بقية الاخشاب في الاحراق و لكن لا يستعمل فيه لترتب غرض أعظم عليه فإذا تعذر استعماله فيه يستعمل في الاحراق تحت القدر و نحوه، و لا يكون ذلك

من منافعه النادرة.

و الوجه في ذلك واضح، فإنّ الميزان في المنفعة النادرة أن لا تعد منفعة للشيء عرفا كوضع الجرة المكسورة في البناء بدلا عن الأجر، فإنّ هذا و إن عد منفعة لها إلاّ أنّها نادرة أو جعل بعض الحشيش في جوف الفراش، و كم فرق بينهما و بين عدم استعمال شيء في غرض لغلاء قيمته و ترتب نفع أهم عليه.

و لو تنزلنا، عن ذلك و قلنا أنّ الاستصباح بدهن اللوز و البنفسج من منافعه النادرة عند العرف فلا بد من القول بفساد بيعه إذا تنجس بناء على اعتبار المالية في المبيع و لو مع شرط الاستصباح به لعدم ماليته شرعا، و لم يرد نص خاص على صحة بيعه كما زعمه المصنف أصلا فإنّ عنوان الزيت إذا أطلق و لم يقيد يراد به عصير الزيتون على ما صرح به في اللغة(1).

نعم، يصح اطلاق الزيت على بقية الأدهان مع الاضافة فيقال زيت اللوز، و هكذا عنوان السمن لا يعم مثل دهن اللوز و البنفسج، و ليس المأخوذ في أدلة الجواز غير هذين العنوانين أعني الزيت و السمن، هذا مضافا إلى أن المنفعة الظاهرة في هذه الأدهان غير منحصرة بالأكل، إذ لها منافع اخر كالتدهين و جعلها صابونا و نحو ذلك ممّا لا يعتبر فيه الطهارة على أن المنفعة النادرة بل الغرض الشخصي كان في صحة البيع.

هذا كله في فساد التفصيل «و اتضح بما ذكرناه» أنّ عدم اعتبار قصد المنفعة


1) في الصحاح و المصباح: الزيت: دهن الزيتون، و قال ابن سيدة: هو عصارة الزيتون. و في أساس البلاغة للزمخشري: هو مخ الزيتون.

المحللة في بيع الدهن المتنجس مطلقا على القاعدة، فإنّه مال شرعا و عرفا و يجوز الانتفاع به، و لذا يضمن من أتلفه على مالكه بقاعدة «من أتلف»، و اعتبار قصد المنفعة المحللة في صحة بيعه يحتاج إلى دليل و هو مفقود و لا قرينة تدل عليه في الأخبار الخاصة كما ستعرف.

و أما قصد المنفعة المحرمة أو اشتراطها فالظاهر عدم استلزامه الفساد، لأنّ الثمن في البيع لا يقع بأزاء المنفعة و إنّما يقع بأزاء العين، و المنفعة جهة تعليلية لشرائها لا تقييدية؛ و لذا تختلف قيمتها باختلاف منافعها و وجودها قلة و كثرة فالثمن دائما يقع في مقابل العين، فلا وجه لما ذكره المصنف بقوله رحمه اللّه لأنّ الاطلاق ينصرف إلى كون الثمن بأزاء المنافع المقصودة منه - الخ.

نعم، اشتراط صرف العين في المنفعة المحرمة لا يبعد كونه حراما تكليفا و لكنّه لا يوجب فساد البيع، فإنّ شيئا من الثمن لا يقع بأزاء الشرط و الشرط الفاسد لا يكون مفسدا كما نبينه في محله ان شاء اللّه، بل الشرط ان كان سائغا يوجب تخلفه الخيار، و إن كان مخالفا للكتاب و السنة فلا يجب الوفاء به و لا يوجب تخلفه الخيار؛ لأنّ شرط اللّه أسبق كما ورد به الحديث(1)

و رواه عنه في الوسائل 147/3 باب 12، و في ص 110 باب 38 في النكاح، و رواها النوري في المستدرك 610/3 عن تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر و 5/3 عن الدعائم، و في صحيح البخاري 75/2 في باب المكاتب، و صحيح مسلم 596/9 باب الولاء لمن أعتق، و سنن أبي داود 21/4 بيع المكاتب، و تيسير الوصول 65/1 لابن الديبع عن عائشة قال صلّى اللّه عليه و اله في قصة عتق بريرة: «من اشترط شرطا ليس في كتاب اللّه فهو باطل، شرط أحق و أوثق».

.

1) الموجود في التهذيب 308/2 في الطلاق عن محمد بن قيس عن أبي جعفر قضى علي عليه السّلام في رجل تزوج امرأة و شرط لها إن هو تزوج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فهي طالق، فقضى في ذلك أنّ شرط اللّه قبل شرطكم، فإن شاء و فى لها بالشرط، و إن شاء أمسكها و اتخذ عليها و نكح عليها.

لا إشكال في وجوب الإعلام إن قلنا [1]

و أما الأخبار الخاصة المتقدمة فربما توهم منها اعتبار ذلك، و لكن التأمل فيها يقتضي الجزم بكونها أجنبية عن قصد الاستصباح و اشتراطه، فإنّ الأمر بالإعلام في بعضها لأجل ترتب الاستصباح عليه خارجا.

و بعبارة اخرى قوله عليه السّلام في رواية الشيخ و رواية معاوية بن وهب:

«ليستصبح به» غاية للتنبيه لا للشراء، فلا بد من النظر في تك الأخبار هل تدل على وجوب الإعلام نفسيا أو شرطيا مطلقا حتى فيما علم من الخارج أنّ المشتري يستصبح به و لا يصرفه فيما يشترط فيه الطهارة، أو أنّها دالة على اعتباره في خصوص ما إذا كان معرضا لذلك كما هو الأظهر أو لا يستفاد منها شيء من ذلك.

[1] ظاهره أنّ المصنف يرى الملازمة بين اعتبار اشتراط الاستصباح و وجوب الإعلام، و لذا جعله أمرا مفروغا عنه على تقدير الاعتبار.

و لكنها فاسدة؛ لأنّهما أمران أحدهما أجنبي عن الآخر، فإنّ البائع يمكنه اعلام المشتري بالنجاسة من دون أن يشترط عليه الاستصباح، كما أنّه قد يشترط الاستصباح و لا يعلمه بالنجاسة فيتخيل المشتري أنّ له غرضا شخصيا في ذلك، فلا ملازمة بين الأمرين.

وجوب الإعلام [1]

الإعلام بنجاسة الدهن عند البيع

[1] ربما يتوهم الوجوب الشرطي من قوله عليه السّلام في رواية اسماعيل و لا تبعه إلاّ أن تبين له، و قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي: «و أعلمهم إذا بعته» بدعوى ظهور الأمر و النهي إذا تعلقا بالمعاملات في الارشاد.

لكنّه توهم فاسد؛ لأنّ الأمر و النهي في المعاملات انما يكونان للارشاد عرفا فيما لم يحرز من الخارج مبغوضية متعلق النهي و محبوبية متعلق الأمر، و لذا قلنا أنّ فساد بيع الخمر لا يستفاد من النهي عنه و إنّما يستفاد من حمل السحت على ثمنه، و هكذا الدهن المتنجس فإنّ بيعه من دون اعلام المشتري بنجاسة المستلزم لإلقائه في المفسدة الواقعية مبغوض شرعا كما سنبيّنه، فلا يحمل النهي عنه أو الأمر بالإعلام على الارشاد.

و مع التنزل فرواية الشيخ في التهذيب صريحة في نفي الوجوب الشرطي من وجهين:

الأول: أنّ ظاهرها الاكتفاء بالإعلام بعد البيع و هو مناف للاشتراط إلاّ بنحو الشرط المتأخر، و هو مع بعده في نفسه لم يقل به أحد.

الثاني: أنّ الغاية المجعولة فيه للإعلام هو الاستصباح لا صحة البيع مع عدم الملازمة بينه و بين الإعلام خارجا فلو كان الإعلام شرطا في صحة البيع لكانت هي الغاية، و كان الأنسب حينئذ أن يقال: بيّنه لمن اشتراه ليصح البيع.

نعم، يستفاد منه الوجوب النفسي بل يستفاد مبغوضية الكبرى الكلية المنطبقة على المقام و هي تغرير الجاهل من جملة من الأخبار الواردة في موارد متفرقة، ما

ورد أن من أفتى بغير علم لحقه وزر من عمل بفتياه(1)، فإنّ ظاهره حرمة الافتاء بغير علم من حيث كونه اغراء للعاملين به مضافا إلى حرمته في نفسه، مع أنّ عمل مقلديه كان عن حجة شرعية و كانوا معذورين فيه، فاثبات الوزر لهم إنّما هو بلحاظ ارتكابهم للحرام الواقعي المجهول و للمفتي باعتبار تغريره لهم.

و منها: ما ورد من أنّه «ما من امام صلى بقوم فيكون في صلاتهم تقصير إلاّ كان عليه أوزارهم»(2)، و في رواية اخرى: «يكون في صلاته و صلاتهم تقصير إلاّ كان اثم ذلك عليه»(3).

و الأخبار الواردة في ذلك مختلفة فراجع مظانها، فإن تحمّل الإمام أوزار المأمومين إنّما هو فيما إذا كان التقصير في صلاتهم مستندا الى الإمام و ليس ذلك إلاّ من جهة تغريره لهم.

و منها: ما ورد في كراهة سقي البهيمة ما لا يحل للمسلم كرواية أبي بصير قال:

سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن البهيمة و البقرة و غيرها تسقى أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه أو يكره ذلك‌؟ قال: «نعم يكره ذلك»(4).


1) رواه المجلسي في البحار 101/1 باب النهي عن القول بغير علم عن محاسن البرقي، و في مستدرك الحاكم 116/1 عن أبي هريرة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «من أفتى الناس بغير علم كان إثمه على من أفتاه» و لم يتعقبه الذهبي و رواه في كنز العمال 214/5 و نقله ابن القيم الجوزية في اعلام الموقعين 189/4 عن أحمد و ابن ماجة.

2) رواه ابن شعبة في تحف العقول/ 41 في عهد أمير المؤمنين لمحمد بن أبي بكر.

3) رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 27/2، ط - مصر، في عهد أمير المؤمنين عليه السّلام لمحمد بن أبي بكر.

4) التهذيب 311/2 في حرمة الخمر و عنه الوسائل 316/3 باب 10.

و يؤيده: أنّ أكل الحرام و شربه من القبيح [1]

و المصنف قدّس سرّه استشعر منها حرمة اطعام المكلف و سقيه ما يحرم عليه واقعا، «و لكن الظاهر» أنّه ليس في كراهة سقي المتنجس للبهائم و الصبيان أدنى اشعار في ذلك.

نعم، يظهر منها كراهة ذلك بالنسبة إلى المكلف بالأولوية.

[1] أشار به إلى وجه عقلي لحرمة التغرير، لكن ارتكاب المحرم الواقعي لم يكن قبيحا إذا كان المرتكب جاهلا به و إلاّ لم يعقل أن يرخص الشارع في ارتكابه، فكان المناسب أن يبدل لفظ القبيح بالحرام الواقعي، بداهة ثبوت الحرمة الواقعية في فرض الجهل لو لم يرد بالقبيح المفسدة الواقعية الثابتة عند الجهل أيضا.

فالصحيح تقريب الوجه العقلي بوجهين آخرين:

الأول: أنّه يفهم عرفا من تحريم الشارع شيئا على عامة المكلفين حرمة ايجاده سواء كان بالمباشرة أو بالتسبيب، مثلا إذا قال المولى لعبيده لا يسافر أحد منكم في اليوم الفلاني فلم يسافر أحدهم لكنّه سبب في سفر بعض العبيد الذي لم يصل إليه حكم المولى يكون معاقبا و تحمل المسؤولية عليه و إن كان الفاعل معذورا.

و ما نحن فيه من هذا القبيل فإنّ أكل المتنجس و شربه محرم على عامة المكلفين حتى الجاهل بنجاسته، و التسبيب إلى القاء الجاهل فيه حرام أيضا.

الثاني: أنّ حرمة استعمال النجس و إن لم تكن منجزة على الجاهل بالنجاسة أو نفرض عدم ثبوتها له أصلا إلاّ أنّ ملاك الحرمة ثابت بالقياس إليه، و غرض المولى مترتب على فعله أو تركه فإنّ حديث الرفع لا يرفع الملاك بالاضافة إلى الجاهل، و لا يقاس الرفع الثابت به بالرفع في موارد التخصيصات الشرعية أو العقلية كما في الغافل غير المتمكن من الانبعاث أو الانزجار عن تكليف المولى مع عدم تقصيره في المقدمات، حيث لا يثبت هناك تكليف أصلا و لا يحرز ثبوت الملاك أيضا لعدم

طريق إلى استكشافه، فعمل الجاهل مشتمل على الملاك و تفويت غرض المولى قبيح عقلا و محرم شرعا.

إن قلت: ما ذكرت من وجوب الإعلام ينافيه رواية عبد اللّه بن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلى فيه و هو لا يصلي، فيه فقال:

«لا يعلمه‌؟ قلت: فإن أعلمه‌؟ قال: يعيد»(1)، فإنّها ظاهرة في جواز مثل هذا التغرير.

قلت: مورد الرواية انما هو لباس المصلي الذي يكتفى فيه بالاباحة و الطهارة الظاهريتين؛ فإنّ الصلاة في النجس أو المغصوب أو فيما لا يؤكل لحمه إنّما تفسد في فرض العلم و العمد دون غيره على ما هو مقتضى «حديث لا تعاد»، و من هنا قلنا بجواز الائتمام بمن يصلي في ثوب متنجس و هو لا يعلم لصحة صلاته واقعا، فليس في ترك الإعلام تغرير؛ لعدم ترتب أي محذور وضعي أو تكليفي عليه إلاّ إذا كان اللباس حريرا محضا فيترتب عليه حرمة اللبس. و عليه، فما ذكر في الحديث من اعادة الصلاة إذا أعلمه لا بد و أن يحمل على الاستحباب أو يقيد اطلاقه بما إذا أعلمه قبل أن يصلي فنسي و صلّى فيه، و هذه الرواية من أدلة حجية قول ذي اليد.

ثمّ إنّه بما بيّناه ظهر اختصاص وجوب الإعلام بما إذا كان المبيع معرضا للاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة كالأكل و نحوه، و أما إذا لم يحرز ذلك بل أحرز عدمه وجدانا أو بالتعبد الشرعي من استصحاب و نحوه فلا يجب الإعلام. أما عقلا فلعدم صدق التغرير و التسبيب إلى الحرام عرفا إلاّ إذا كان المبيع معرضا لذلك و لو لم يكن المسبب قاطعا بترتب المحرم عليه خارجا، مثلا لو فرضنا رجلين


1) قرب الإسناد/ 103، و عنه الوسائل 203/1.

بل قد يقال بوجوب الإعلام [1]

مسلمين يتضاربان و هما في أشد حال من الغضب، فاعطاء السيف لأحدهما حينئذ من أوضح مصاديق التسبيب لقتل الآخر إذا ترتب عليه خارجا، و هذا بخلاف ما إذا باعه السيف أو وهبه إياه في غير حال النزاع و الغضب و ترتب عليه قتل مؤمن في الخارج، فإنّه لا يكون حينئذ سببا للقتل عرفا و إن احتمل ترتب القتل عليه حين الدفع.

و أما بحسب الروايات المتقدمة فلأنّه جعل الاستصباح فيها غاية لوجوب الإعلام، و هو كناية عن عدم الانتفاع بالدهن المتنجس في الأكل و نحوه ممّا يشترط فيه الطهارة، إذ لا خصوصية في الاستصباح كما لا خصوصية للدهن و لا للبيع كما سنبيّنه إن شاء اللّه.

و لذا عمّمنا الحكم إلى غير البيع من العقود و إلى غير الدهن من الأعيان، فإذا كانت الغاية حاصلة بطبعها لم يبق مجال لوجوب الإعلام فينحصر مورده بما إذا كان المبيع معرضا لأن يستعمل في الحرام، و لا اطلاق في الأخبار يشمل غيره.

[1] حكم العلاّمة في اجوبة المسائل المنهائية بوجوب اعلام المصلّي إذا كان نجاسة في ثوبه للنهي عن المنكر، و استشكل فيه المصنف قدّس سرّه.

و التحقيق أن يقال: إنّ ما يرتكبه الجاهل إن كان من المفاسد العظيمة التي علم عدم رضاء الشارع بوقوعها خارجا كيف اتفق كاراقة الدماء و هتك الأعراض و اتلاف الأموال الخطيرة و لا يبعد كون شرب الخمر منها فيجب على العالم إعلامه به، بما أنّه ردع عن ايجاد ما هو مبغوض للمولى في الخارج فالواجب ردع الفاعل كيفما أمكن، فمن أقدم على قتل كافر و كان في الواقع مؤمنا وجب اعلامه و ردعه لمبغوضية قتل المؤمن واقعا.

و كذلك يجب اعلام من أقدم على التزويج باحدى محارمه و كان جاهلا بها أو أقدم على التصرف بأموال الناس مع اعتقاده الإباحة، فإنّ اهتمام الشارع بالمحافظة على النفوس و الأعراض و الأموال يحتم علينا سد باب هذه المفسدة بتنبيه الغافل و ردعه مع العناد.

نعم، في غير هذه الامور الثلاثة لا يجب الإعلام بل قد يكون مذموما شرعا لاستلزامه ايذاء الغير غالبا و تضرره بالإعلام، كما يشهد به رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «اغتسل أبي من الجنابة فقيل له قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء فقال له: ما عليك لو سكت ثم مسح اللمعة بيده»(1)

و الاشكال في الحديث أشار إليه الشيخ البهائي في الحبل المتين/ 43، و مشرق الشمسين/ 48 قال: لما لم تجامع العصمة السهو و النسيان كان الغرض من ابقاء اللمعة عمدا التعليم و التنبيه على عدم وجوب الإعلام بأكمل الوجوه و أبلغها.

و يحتمل خطأ القائل في ظنه عدم اصابة الماء ذلك الموضع و قول الإمام له أمّا سكت و مسحه الموضع لمجرد التعليم و التنبيه على ان من سهى عن شيء لا يجب تعريفه و ظاهره عدم الفرق بين الطهارة و غيرها.

و قال المجلسي في مرآة العقول لعل القائل كان مخطئا في عدم اصابة الماء ذلك الموضع و قول الإمام اما سكت و مسحه الموضع للتعليم.

و لم يناقش المحقق الخونساري في مشارق الشموس/ 169 في الاستشكال و لا في الجواب بأنّ الترك عمدا للتعليم، و لكن صاحب الحدائق أخرج الحديث عن وروده في النسيان فقال: ان الحديث و إن كان ظاهرا في الفراغ من الغسل إلاّ أنّه قد يطلق الغسل مجازا على حال الاشتغال به و الإمام هنا كان مشغولا بايصال الماء من الأعلى إلى الأسفل جزءا بعد جزء و تلك اللمعة لم يتركها سهوا و إنّما كان مشغولا بغيرها ثم يأتي عليها فاستعجل الناظر و أخبره ببقائها فعلمه الإمام بأنّه لا يجب عليه الاخبار و إمرار يده على ذلك الموضع لا لأجل تنبيه الناظر بل من جهة أنّه مشغول بغسله و منه هذه اللمعة - الخ.

و اللمعة بضم اللام كما في تاج العروس مازجا بالقاموس الموضع الذي لا يصيبه الماء في الوضوء و الغسل و هو مجاز، و منه الحديث أنّه صلّى اللّه عليه و اله اغتسل فرأى لمعة بمنكبه فدلكها بشعره أراد بقعة يسيرة من جسده.

.

1) رواه في الكافي بهامش مرآة العقول 26/3 باب صفة الغسل حديث 15، و عنه الوسائل 99/1، و رواه الشيخ الطوسي في التهذيب 114/1 أوّل غسل الجنابة من باب الأغسال عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام.

و الحاصل أنّ هنا امور أربعة [1]

و من الضروري أنّ الإمام عليه السّلام لا يغتسل فاسدا، فأما أن يكون ذلك الموضع مغسولا و لم يعلم به الناظر فتخيل بقاء لمعة فأخبر الإمام عليه السّلام بها، أو أن الموضع لم يغسل و الإمام يغسله على التدريج و لكن الناظر استعجل بالاخبار، و على أي تقدير زجر الإمام عليه السّلام له ظاهر في عدم وجوب الإعلام.

و يشهد له صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما، قال: سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما و هو يصلي، قال: «لا يؤذنه حتى ينصرف»(1)، و في بعض النسخ لا يؤذيه.

لا يقال: إنّ مورد الصحيحة خارجا عمّا نحن فيه لما تقدم من الاجتزاء في ثوب المصلي بالطهارة الظاهرية.

فإنّه يقال: قد يكون الدم الذي رآه بثوب أخيه من الدماء التي لا يعفى عنها في الصلاة، على أنّ الرواية الاولى كافية في اثبات المدعى.

[1] قسم المصنف الفعل الموجب لوقوع الغير في الحرام إلى أقسام:

الأول: أن يكون علة تامة لتحققه، كما إذا أكره غيره على المحرم، و لا


1) الكافي بهامش مرآة العقول 159/3، باب الرجل يصلي في ثوب غير طاهر حديث 8، و عنه الوسائل 203/1 باب 47.

إشكال في حرمته.

الثاني: أن يكون سببا لوقوعه فيه كمن قدم إلى غيره محرما، و جعل منه الفرع الأول أعني بيع المتنجس و عدم اعلام المشتري بالنجاسة و قوى التحريم فيه.

الثالث: ما يكون شرطا لصدور الحرام، و هو تارة يكون بايجاد الداعي له على ارتكاب المحرم اما بترغيبه في ذلك و أما بالجائه إلى فعل الحرام عنادا كسب آلهة الكفار أو آبائهم فيسبوا اللّه أو يسبوا آباء المؤمنين و اختار فيه الحرمة، و اخرى بايجاد غير الداعي من المقدمات كبيع العنب ممّن يجعله خمرا.

الرابع: ما يكون من قبيل عدم المانع كالسكوت و هو قد يكون مع تنجز التكليف على الفاعل فيجب الردع بشرائط النهي عن المنكر، و قد لا يكون التكليف منجزا عليه لجهله كما فيما نحن فيه أعني سكوت العالم عن اعلام الجاهل و اختار - أعلا اللّه مقامه - عدم وجوب الإعلام إلاّ في موردين:

أحدهما: ما إذا كان المحرم من المفاسد المهمة التي علم من الخارج وجوب دفعه كالدماء و الأعراض و الأموال الخطيرة.

ثانيهما: ما إذا كانت الشبهة حكمية و استلزم من عدم الإعلام اندراس الأحكام الشرعية.

هذا حاصل ما أفاده قدّس سرّه، و لم يتضح به الضابط في المقام، على أنّ تلك العناوين لم يرد شيء منها في الأخبار.

فالذي ينبغي جعله ضابطا و إن كان موافقا له عن بعض الجهات أن يقال: إنّ البحث تارة يقع في وجوب الإعلام بعنوان كونه اعلاما، و اخرى في الأعم من ذلك فالكلام في مقامين:

أما المقام الأول: فالإعلام إنّما يجب فيما إذا كانت الشبهة حكمية في موارد خفاء الأحكام الكلية الالهية، بل يجب الإعلام حتى إذا لم يقع الحرام في الخارج و الدليل عليه آية النفر و غيرها ممّا يستفاد منه وجوب حفظ الأحكام عن الاندراس و هو المراد بقوله عليه السّلام: «العلماء ورثة الأنبياء»، لأنهم يحفظون أحكامهم عن الضياع(1)

و في البحار 76/1 عن روضة الواعظين قال النبي صلّى اللّه عليه و اله: ألا أحدثكم عن أقوام ليسوا بأنبياء و لا شهداء يغبطهم يوم القيامة الأنبياء و الشهداء بمنازلهم من اللّه تعالى على منابر من نور؟ فقيل: من هم يا رسول اللّه‌؟ قال: الذين يحببون عباد اللّه إلى اللّه، و يحببون عباد اللّه الي، يأمرونهم بما يحب اللّه و ينهونهم ممّا يكره اللّه، فإذا أطاعوهم أحبهم اللّه».

و فيه: عن تفسير فرات عن النبي صلّى اللّه عليه و اله: «مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر. فإذا طمست أوشك أن تضل الهداة».

و فيه: ص 67 عن عوالي اللئالي قال أمير المؤمنين عليه السّلام لولده محمد: «تفقه في الدين فإنّ الفقهاء ورثة الأنبياء».

و فيه: ص 78 عن الارشاد للشيخ المفيد من خطبة أمير المؤمنين عليه السّلام: «إنّما العلماء في الناس كالبدر في السماء يضيء نوره على سائر الكواكب».

و في تحف العقول/ 56 من خطبة أمير المؤمنين عليه السّلام: «إنّ مجاري الامور و الأحكام على أيدي العلماء باللّه الامناء على حلاله و حرامه فأنتم المسلوبون تلك المنزلة و ما سلبتم ذلك إلاّ بتفرقكم و اختلافكم في السنة بعد البينة الواضحة - الخ».

.

و أما الأحكام الجزئية في الشبهات الموضوعية، فإعلامها المعبر عنه بالارشاد


1) في الكافي باب فضل العلماء عن الصادق عليه السّلام: «ان العلماء ورثة الأنبياء، و ذاك أنّ الأنبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا و إنّما أورثوا الأحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظا وافرا».

غير واجب لعدم الدليل عليه إلاّ في الموارد المهمة من الدماء و الأعراض و الأموال الخطيرة، كمن أقدم على قتل مؤمن بتخيل أنّه كافر أو أراد التزويج باخته بتخيل كونها أجنبية فيجب اعلامه لكن لا بما أنّه إعلام بل عنوان ردع الفاعل عن ذلك العمل، و لذا يجب ردعه و لو بغير الإعلام من التخويف و نحوه.

و أما المقام الثاني: فالحرام الواقعي ان كان منجزا على فاعله و يستحق عليه العقاب بوصوله إليه صغرى و كبرى يجب على غيره ردعه عنه من باب النهي عن المنكر بمراتبه، و منه يتضح حرمة ايجاد الداعي للغير على ارتكاب الحرام بالأولوية سواء كان بالترغيب أو بالقائه في الحجاج و العناد كما هو صريح قوله تعالى: وَ لاٰ تَسُبُّوا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَيَسُبُّوا اَللّٰهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ‌ (1)، و في بعض الأخبار الواردة في الشتم ان البادي أظلم(2).

و أما ايجاد غير الداعي من المقدمات كاعطاء المدية لمن يريد جرح الغير بها فحرمته مبنية على كونه مصداقا للإعانة على الاثم عرفا بناء على حرمتها فلا يحرم إذا لم يكن اعانة عليه كبيع الطعام للعصاة الفجار الذين إذا لم يجدوا الطعام لم يقدروا على العصيان، فإنّا لا نسلم صدق الإعانة عليه عرفا، و على فرض صدقها لا نقول بحرمتها.

و أما إذا لم تتنجز الحرمة على الفاعل لجهل أو غيره بحيث كان معذورا في


1) الأنعام/ 108.

2) في الكافي بهامش مرآة العقول 51/2 عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن موسى عليه السّلام في رجلين يتسابّان قال: «البادي منهما أظلم و وزره و وزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم».

ثم إنّ بعضهم استدل على وجوب الإعلام [1]

مخالفته الواقع، فإنّ رجع فعل الغير إلى تغريره أو اكراهه حرم لا من جهة كون اكراه الغير حراما لامكان فرض الفاعل مملوكا يجوز اكراهه، بل لما ذكرناه من أنّ تحريم الفعل على عامة المكلفين ظاهره حرمة ايجاده مباشرة أو تسبيبا، و أما إذا لم يرجع فعله إلى ذلك و لم يكن تحقق الحرام خارجا مستندا إليه فلا دليل على الحرمة إلاّ في الموارد المهمة على ما تقدم.

[1] حاصله: أنّ النجاسة عيب خفي فيجب اظهاره، و أورد عليه قدّس سرّه بوجهين:

الأول: أنّ الدليل أخص من المدعى، فإنّ اظهار العيب الخفي إنّما يجب في خصوص البيع، و المدعى وجوب الإعلام في كل مورد يستند وقوع الغير في الحرام إليه و لو كان بالاباحة أو الهبة أو غيرها من العقود.

الثاني: أن كون النجاسة عيبا مبني على قبح استعمال النجس الواقعي المجهول عقلا و شرعا، و عليه فإنّ ثبت ذلك حرم القاء الغير في القبيح و لو لم يجب اظهار العيب و إلاّ فليست النجاسة عيبا ليجب اظهاره.

و فيه: أنّ النجاسة عيب حتى مع قطع النظر عن قبح ارتكاب النجس لما يترتب عليه من الآثار الوضعية من تنجس ملاقيه من جسد الإنسان و لباسه و ما يتعلق به من فرشه و كتبه و أثاثه و فساد وضوئه و غسله و بقية عباداته المشروطة بالطهارة المستلزم لوجوب قضائها أو اعادتها، و أي عيب أشد من كون الشيء معرضا لهذه الآثار كان ارتكاب المتنجس قبيحا أو لم يكن، و لعل أمره بالتأمل اشارة إليه.

و أما أصل الاستدلال، فيرد عليه مضافا إلى ما ذكره المصنف أوّلا من كونه أخص من المدعى، أنّه لم يقم دليل على وجوب اظهار العيب و لو كان خفيا حتى في البيع، و إنّما قام الدليل على حرمة الغش كقوله عليه السّلام «من غش مسلما فليس

المشهور بين الأصحاب وجوب كون الاستصباح تحت السماء [1]

بمسلم» و معنى الغش ان يبيع المعيب بعنوان الصحيح، و أما إذا تبرأ البائع من عيوب المبيع و باع العين الموجودة على ما هي فلا غش.

جواز الاستصباح بالدهن المتنجس تحت الظلال

[1] قال الشيخ الطوسي في الأطعمة من المبسوط الكلام في السمن و الزيت و الشيرج و البزر: و هذه الأدهان كلها واحد فمتى وقعت الفأرة و ماتت فيه نجس كله و يجوز عندنا و عند جماعة الاستصباح به في السراج و لا يؤكل و لا ينتفع به في غير الاستصباح، و فيه خلاف و رووا أصحابنا أنّه يستصبح به تحت السماء دون السقف، و هذا يدل على أنّ دخانه نجس غير أنّ عندي ان هذا مكروه، فأما دخانه و دخان كل نجس من العذرة و جلود الميتة ليس بنجس؛ لأنّ السرجين و البعر و عظام الميتة عندنا ليس بنجس، فأما ما يقطع بنجاسته قال قوم دخانه نجس و هو الذي دل عليه الخبر الذي قدمنا من رواية الأصحاب، و قال آخرون - و هو الأقوى عندي -: إنّه ليس بنجس. انتهى.

و قال في كتاب البيع من المبسوط في فصل ما يصح بيعه و ما لا يصح يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء و لا يجوز إلاّ لذلك، و في النهاية باب الأطعمة جاز الاستصباح به تحت السماء و لا يجوز الاستصباح به تحت الظلال.

و ابن ادريس في كتاب الأطعمة من السرائر بعد أن نقل عبارة الشيخ الاولى التي يقول فيها: «غير أنّ عندي أنّ هذا مكروه» و الإشكال عليه بأنّ المنع عن الاستصباح به تحت الظلال ليس لنجاسة دخانه؛ لأنّ دخان الأعيان النجسة و رمادها طاهر عندنا بغير خلاف بيننا بل هو تعبد تعبدنا به، قال: ما ذهب أحد من

أصحابنا إلى ان الاستصباح به تحت الظلال مكروه بل محظور بغير خلاف بينهم و قول شيخنا أبي جعفر محجوج بقوله في جميع كتبه إلاّ ما ذكره هنا، فالأخذ بقوله و قول أصحابنا أولى من الأخذ بقوله المتفرد به عن أقوال أصحابنا. انتهى.

فكأنّه قدّس سرّه أورد على الشيخ بوجهين:

الأول: أنّ المنع في المرسلة حكم تعبدي و لم يعلم كون ملاكه تنجس السقف.

الثاني: أنّ المنع عن الاستصباح بالدهن المتنجس تحت الظلال اجماعي لا يمكن مخالفته.

و العلاّمة في المختلف(1)بعد نقل كلام الشيخ و ما أورده عليه ابن ادريس، قال:

الشيخ أعرف بأقوال علمائنا و المسائل الاجماعية و الخلافية و الروايات الواردة في التهذيب مطلقة غير مقيدة بالسماء، ثم ذكر صحيحتي معاوية بن وهب عن الصادق و زرارة عن الباقر عليه السّلام، و قال: إذا عرفت هذا فنقول: لا استبعاد فيما قاله شيخنا في المبسوط من نجاسة دخان الدهن المتنجس لبعد استحالته كله بل لا بد و أن يتصاعد من أجزائه قبل أحالة الدخان لها إلى أن تلقى الظلال فيتأثر بنجاسته و لهذا منعوا من الاستصباح به تحت الظلال، فإنّ ثبوت هذا القيد مع طهارته ممّا لا يجتمعان لكن الأولى الجواز مطلقا للأحاديث ما لم يعلم أو يظن بقاء شيء من أعيان النجس فلا يجوز الاستصباح به تحت الظلال. انتهى.

و المصنف نسب إليه التفصيل بين ما إذا علم بتصاعد شيء من أجزاء الدهن، و ما إذا لم يعلم ذلك و هو خلاف الواقع.


1) 133/2 في الفصل الخامس من الأطعمة و الأشربة.

هذا كله في بيان الأقوال، و قد ذكر للاستدلال على المنع من الاستصباح به تحت الظلال وجوه:

منها: الاجماع المنقول من ابن ادريس.

و فيه منع، كيف و صريح كلام الشيخ الكراهة، و لازم قول العلاّمة في الرد على ابن ادريس «أنّ الشيخ أعرف بأقوال العلماء و المسائل الاجماعية» الجواز.

و منها: الشهرة.

و فيه: مضافا إلى عدم حجيتها معلومية استناد المشهور إلى الامور المذكورة.

و منها: مرسلة الشيخ.

و فيه أوّلا: أنّ نقل الشيخ لها لو كان بعنوان روى أو روينا صح ارسال الشيخ لها و أمكننا القول بعثوره على رواية لم يعثر عليها غيره، لكنّه قال: «و روى أصحابنا» فأسند الرواية إلى جميع الأصحاب على ما هو ظاهر الجمع المضاف، مع أنّه لم يروها أحد ممّن عاصره أو تقدم عليه، و كتبهم شاهدة على ذلك و من المستبعد مشافهتهم ايّاه بها دون غيره مع أن - أعلا اللّه مقامه - لم يروها في التهذيب و الاستصبار و باقي مصنفاته.

و على هذا فلا يسعنا إلاّ حمل ما صدر منه على السهو أو تأويل الرواية بالرؤية، و لعل النسخة الصحيحة كانت بلفظ - رأى أصحابنا - فاشتبه النساخ و أثبتوها بعنوان: «روى أصحابنا»(1).


1) لا يتفق هذا مع صريح عبارة الشيخ فإنّه قال - بعد ما تقدم منه من الاستصباح به تحت السماء -: فأما ما يقطع بنجاسته قال قوم دخانه نجس و هو الذي دل عليه الخبر الذي قدمنا من رواية الأصحاب، و هذه العبارة صريحة في أنّ ما نقله الشيخ عن الأصحاب بعنوان الرواية لا الرؤية.

و على أي تقدير لم تثبت المرسلة لينجبر ضعف سندها و لا يبعد أن يكون هذا هو السر في تعبير المصنف بقوله ما يدعى من مرسلة الشيخ.

و ثانيا: أنّ المشهور إنّما اعتمدوا في المنع على نجاسة دخان المتنجس و استلزامه تنجيس السقف لا على المرسلة، حتى أنّ العلامة أيضا لم يعتمد عليها، و لذا ذهب إلى التفصيل المتقدم، و لذلك قال المصنف رحمه اللّه لو سلم انجبارها.

و قد يتخيل عدم انفراد الشيخ بنقل المرسلة بل ابن زهرة أيضا نقلها فإنّه استدل على جواز بيع الزيت المتنجس بعد دعوى الاجماع عليه بأنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله أذن في الاستصباح به تحت السماء(1)

و يحتج على من قال من المخالفين بجواز بيع الكلاب مطلقا و بيع سرقين ما لا يؤكل لحمه و بيع الخمر بوكالة عن الذمي على بيعها بما رووه من قوله صلّى اللّه عليه و اله: «إنّ اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه».

و يحتج على من منع من جواز بيع كلب الصيد و الزيت النجس للاستصباح به بعموم الآيتين اللتين قدمناها، و بما رواه جابر من أنّه صلّى اللّه عليه و اله نهى عن ثمن الكلب إلاّ أن يكون للصيد، و بما روى أبو علي عن أبي هريرة في كتاب الإيضاح من أنّه صلّى اللّه عليه و اله اذن في الاستصباح بالزيت النجس، و هذا يدل على جواز بيعه لذلك انتهى.

و ليس في هذا الحديث ذكر السماء و لا غيره و أبو علي هو الاسكافي و قد نسب إليه الاستصباح به مطلقا، و قواه فخر المحققين في الايضاح في الأشربة عند قول العلاّمة لو كان مائع نجسا جاز الاستصباح به تحت السماء لا تحت الظلال.

و تابعه على الاطلاق الشهيد الثاني في الروضة و السبزواري في الكفاية و كاشف اللثام و صاحب الرياض فيه و في حديقة المؤمنين و الأردبيلي في شرح الارشاد و صاحب الجواهر و الحدائق؛ لخلو الأخبار عن القيد، و عدم تمامية الاجماع لمخالفة كثير منهم.

.

1) قال في الغنية في أوّل البيع: و اشترطنا أن يكون منتفعا به تحرزا عمّا لا منفعة فيه كالحشرات و غيرها، و قيدنا بكونها مباحة تحفظا من المنافع المحرمة و يدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره إلاّ ما أخرجه الدليل من بيع الكلب المعلم للصيد و الزيت النجس للاستصباح به تحت السماء، و هو اجماع الطائفة.

و فيه: أنّ ما حكاه عن النبي صلّى اللّه عليه و اله إنّما هو الاذن في الاستصباح به تحت السماء لا المنع عن الاستصباح به تحت السقف كما هو مفاد مرسلة الشيخ.

و أما ما ذكره الشهيد في الذكرى من وجوب إزالة النجاسة عن الثوب و البدن و عن كل مستعمل في أكل أو شرب أو ضوء تحت ظل للنهي عن النجس و للنص، فالظاهر أنّه ناظر إلى مرسلة الشيخ قدّس سرّه اذ لا يعقل العكس.

و منها استلزام الاستصباح به تحت السقف تنجيسه.

و فيه أوّلا: أنّه لا دليل على نجاسة الدخان و لو كان مشتملا على اجزاء صغار دهنية، فإنّ الاستحالة فيه أقوى من استحالة الرماد و الأجزاء الصغار مستهكلة(1)

و يتيمم بذلك التراب و دليلهم الانقلاب إلى غير العنوان المحكوم عليه بالنجاسة إلاّ أبو يوسف صاحب أبي حنيفة فإنّه لم يحكم بطهارة الرماد من جهة بنائه أنّ أجزاء النجاسة باقية فالحكم لا يزول، و في الفقه على المذاهب الأربعة 26/1 عد من النجاسات رماد النجس المحترق بالنار و دخانه إلاّ المالكية و الحنفية قالوا بطهارتهما، و زاد الحنفية: إذا صار النجس ترابا من غير حرق يكون طاهرا، و في فتح القدير 147/1: بخار النجاسة طاهر، و قيل بنجاسته.

.

ثانيا: أنّ الدليل أخص من المدعى فإنّ السقف قد يكون عاليا لا يصل إليه


1) في بدائع الصنائع 85/1 و فتح القدير لابن همام 139/1: العذرة إذا أحرقت بالنار و صارت رمادا كان طاهرا عند محمد الشيباني، و في شرح الدر المختار للحصفكي 68/2: لا يكون نجسا رماد القذر و إلاّ لزم نجاسة الخبز في سائر الأمصار، و في المحلي لابن حزم 128/1: إذا أحرقت العذرة أو الميتة و صارت رمادا أو ترابا كل ذلك طاهر.

لإبائها في نفسها عنه [1]

الدخان أو يكون شعلة النار ضعيفة أو يجعل الدهن في سراج لا يوجد له دخان.

ثالثا: تنجس السقف لا يعد من المحرمات فإنّه يجوز تنجيسه اختيارا ببقية النجاسات(1).

[1] لم يتعرض المصنف صريحا لعدم ثبوت المرسلة و لا لعدم انجبارها بل ذكر أنّ حملها على الاستحباب أو على الارشاد أولى من تقييد المطلقات بها لابائها عن التقييد كاباء المرسلة عن كونها مقيدة.

و لم نفهم الوجه في ذلك، فإنّ إباء المطلقات عن التقييد إن كان من جهة الكثرة فهي إنّما توجب القطع بالصدور و لا تمنع عن التقييد، و لذا يقيد اطلاق الآيات و الأخبار المتواترة مع القطع بصدورها، و إن كان من جهة ورود المطلقات في مقام البيان و لا يجوز تأخير بيان قيدها، فقد بيّنا في محله جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب و التقييد انما يرد على ما ثبت له الاطلاق و كان حجة في نفسه لو لا المقيد و إلاّ فلا معنى للتقييد فانه دائما يرد على المطلق الوارد في مقام البيان، على أنّا قد بيّنا في محله جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة مع اقتضاء المصلحة، و ليست المطلقات من العناوين الممتنع فيها التقييد كحرمة العبادة لغير اللّه و حكم العقل باستحالة اجتماع النقيضين، و دعوى إباء المرسلة عن كونها مقيدة لا وجه لها إلاّ إذا علمنا أنّ ملاك المنع تنجيس السقف الذي ليس بحرام قطعا.

فحينئذ تحمل على الارشاد أو الاستحباب فلا تصلح للتقييد، و لكن لا يمكن


1) في شرح الارشاد للأردبيلي تنجيس السقف غير حرام بل أكثر السقوف و الجدر نجسة لعدم تجنب العمال عن النجاسة، و لذلك يجوز استعمال الكفار في البناء.

هل يجوز الانتفاع بهذا الدهن [1]

الجزم به مع احتمال أن يكون المنع تعبديا بملاك آخر لا نعرفه كملاك بقية الأحكام الشرعية.

فالانصاف أنّ المرسلة لو ثبتت حجيتها لا بد من تقييد المطلقات بها فيجب الاستصباح بالدهن المتنجس تحت السماء غاية الأمر يكون الوجوب شرطيا لا مولويا نفسيا بمعنى أنّه إذا أراد الاستصباح لا بد أن يكون تحت السماء دون السقف.

[1] لما لم يرد دليل خاص في الانتفاع بالدهن المتنجس بغير الاستصباح به أو جعله صابونا(1)

و رواه في ص 129 عن ميمونة ام المؤمنين و ليس فيه موت الفأرة و لا الانتفاع بالمائع من السمن بوجه، و لكن في ص 130 عن ابن جريرة عن علي عليه السّلام: «إذا وقعت الفأرة في السمن و هو جامد فماتت فخذها و ما حولها من السمن فألقه و كل السمن، و إذا وقعت في السمن و هو ذائب فخذوها و ألقوها و انتفعوا بالسمن و لا تأكلوه». و في سنن البيهقي 352/9 باب ما لا يحل أكله للمضطر عن ابن عباس عن ميمونة بنت الحارث أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله سئل عن فأرة سقطت في سمن فماتت فقال النبي صلّى اللّه عليه و اله: «خذوها و ما حولها و كلوا سمنكم»، و في ص 354 عن نافع عن ابن عمر في فأرة وقعت في زيت قال: استصبحوا به و ادهنوا ادمكم، و عن أبي سعيد بن بشر عن أبي هارون عن أبي سعيد سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عن الفأرة تقع في السمن و الزيت، قال: «استصبحوا به و لا تأكلوا».

و عن سفيان الثوري عن أبي هارون عن سعيد قال في الفأرة تقع في السمن و الزيت: استنفعوا به و لا تأكلوه، و ليس في حديث ابن عمر و لا في حديثي أبي سعيد موت الفأرة و لا التفصيل بين الجامد و المائع، و حديث جابر الأنصاري المتقدم في ص 12 كان فيه السؤال عن شحوم الميتة يطلى به السفن و يدهن به الجلود و يستصبح به الناس قال صلّى اللّه عليه و اله: «هو حرام».

و ليس في هذه الأحاديث التعرض لجعله صابونا، و لكن افتى به الحصفكي في شرح الدر المختار 67/1 قال: يطهر الزيت النجس يجعله صابونا، و في بداية الجتهد لابن رشد 120/2 في مذهب مالك جواز الاستصباح به و عمل الصابون مع تحريم بيعه.

و أجاز ذلك الشافعي مع تحريم ثمنه، و في فتح القدير 139/1: يطهر الصابون المصنوع من الزيت النجس و الوجه تغير العنوان، و في شرح صحيح مسلم للنووي على هامش ارشاد الساري 471/6: اختلفوا في الزيت و السمن و نحوهما من الأدهان التي أصابتها نجاسة هل يجوز الاستصباح بها و نحوه من الاستعمال غير الأكل و غير البدن فيجعل الزيت صابونا أو لطعم العسل النحل أو يطعم الطعام المتنجس الدواب، فالصحيح من مذهبنا الجواز.

و نقله القاضي عياض عن مالك و كثير من الصحابة و الشافعي و الثوري و أبي حنيفة و أصحابه و الليث بن سعد و هو المروي عن علي و ابن عمر و أبي موسى و القاسم بن محمد و سالم بن عبد اللّه بن عمر، و أجاز أبو حنيفة و أصحابه بيع الزيت النجس إذا بيّنه و قال عبد الملك ابن الماجشون و أحمد بن حنبل و أحمد بن صالح: لا يجوز الانتفاع بشيء من ذلك.

و في ص 470 قال في شحم الميتة عند الشافعي و أصحابه: يجوز الانتفاع به في طلي السفن و الاستصباح - الخ.

و في عمدة القاري للعيني 606/5: ممّن أجاز الاستصباح بما يقع فيه الفأرة علي و ابن عباس و ابن عمر.

و في أحكام القرآن للجصاص الحنفي 137/1: لا نعلم أحدا من الفقهاء منع من الانتفاع بالدهن المتنجس من جهة الاستصباح و دبغ الجلود، و يجوز بيعه عند أصحابنا و يبين عيبه.

و حكى عن الشافعي جواز الاستصباح به دون البيع.

و في الفقه على المذاهب الأربعة 301/2 عند الحنابلة و الحنفية يحل الانتفاع بالدهن الذي وقعت فيه نجاسة بالاستصباح في غير المسجد.

و في بدائع الصنائع 66/1: السمن إذا وقعت فيه فأرة و ماتت، فالذائب منه يستصبح به و ينتفع به في غير الأكل و يباع مع الإعلام ثم عرف الجامد و الذائب بأن ما لا يستوي من ساعته عند أخذ الفأرة فهو جامد و الذائب بعكسه.

و في فتح القدير لابن همام 147/1: الفأرة إذا وقعت في السمن الجامد قور ما حوله و ألقاه و استصبح به و أكل الباقي. و في شرح الدر المختار للحصفكي 69/1: ودك الميتة لا يدبغ به جلد بل يستصبح به في غير المسجد، و تقدم في ص 69 عند الغزالي جواز الاستصباح بالدهن النجس. و في المحلى لابن حزم 142/1 لا يجوز أن يحكم لغير الفأرة في السمن و لا للفأر في في غير السمن بحكم الفأر في السمن، و في ص 136 قال: السمن يقع فيه الفأر ميتا أو يموت فيه أو يخرج منه حيا ذكرا كان الفأر أو انثى صغيرا كان أو كبيرا ذائبا كان حين موت الفأر فيه أو حين وقوعه ميتا أو خرج منه حيا أهرق كله و لو أنّه ألف ألف قنطار أو أقل أو أكثر و لم يحل الانتفاع به جمد بعد ذلك أو لم يجمد، و إن كان حين وقوع الفأر فيه ميتا جامد و اتصل جموده يؤخذ الفأر و ما حوله و يرمي به و الباقي حلال أكله و بيعه و الادهان به قل أو كثر.

و في ص 143: حكى عن أبي حنيفة في المايع في غير الماء إذا وقعت فيه أي نجاسة من خمر و ميتة و عذرة و غيرها جواز الانتفاع به بالاستصباح و غيره و بيعه، و ذكر ابن العربي في شرح صحيح الترمذي 301/5 خلاف المالكية في الزيت و العسل و اللبن إذا وقعت فيه نجاسة من الطهارة و عدمها و جواز الانتفاع به في غير المسجد و عدمه، و في الروض المربع بهامش نيل المارب في الفقه الحنبلي 72/2: يجوز الاستصباح بالدهن المتنجس في غير المسجد؛ لأنّه يؤدي إلى تنجيسه، و لا يجوز الاستصباح بنجس العين.

فلا بد من البحث عمّا تقتضيه القاعدة، فإنّ دلت على جواز الانتفاع

1) تعرضت روايات الإمامية لجعل الدهن المتنجس صابونا، و قد مرت في ص 7، و أما أحاديث أهل السنة فلم أعثر على ما يدل منها عليه، فإنّ الموجود في كنز العمال 128/5 عن مسند أبي سعيد و أبي هريرة سئل النبي صلّى اللّه عليه و اله عن الفأرة تقع في السمن قال: «إن كان جامدا فألقوه و ما حولها، و إن كان مائعا فلا تقربوه».

قاعدة حل الانتفاع بما في الأرض [1]

بالدهن المتنجس إلاّ ما خرج بالدليل جاز طلي السفن و الحيوانات و نحوها به، و إن دلت على المنع إلاّ فيما خرج فلا يجوز الانتفاع به إلاّ في الاستصباح أو عمله صابونا للنص على جوازه. و غير خفي أنّ أصالة الحل تقتضي جواز الانتفاع بكل شيء إلاّ ما خرج بالدليل كما أنّ الاستصحاب فيما نحن فيه أعني المتنجسات يقتضي جواز ذلك بناء على جريانه في الأحكام الكلية.

[1] إن أراد بها ما دلّ عليه قوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً كما هو الظاهر فلا دلالة فيه على المطلوب، لأنّ اللام في قوله تعالى «لكم» للفائدة، و قد ذكرنا في بحث التفسير احتمالين فيه:

أحدهما: أن يراد الانتفاع بما في الأرض من الفوائد الباطنية كمعرفة اللّه و توحيده و علمه و قدرته و سائر صفاته الجلالية؛ لأنّ المخلوقات على اختلافها

دالة على وجود صانع عليم حكيم قادر.

ثانيهما: أن يراد الانتفاع بما في الأرض من الفوائد الظاهرية كالأكل و الشرب و الركوب و نحو ذلك ممّا به قوام حياة الإنسان، و على كلا الاحتمالين لا تدل الآية على المقصود أمّا على الأول فواضح، و أما على الثاني فلعدم الاطلاق فيها بالنسبة إلى جميع الانتفاعات، إذ ليست في مقام البيان من تلك الجهة بل هي في مقام بيان أنّ جميع ما في الأرض فائدته اليكم فتستفيدون به فائدة ظاهرية أو باطنية(1)

و في جوامع الجامع و الكشاف و مفاتيح الغيب استدل بها على اصالة الاباحة في الأشياء و نسبه الآلوسي في روح المعاني إلى الشافعية و الحنفية و أكثر المعتزلة و الإمام في المحصول و البيضاوي في المنهاج، و لكن ابن العربي في أحكام القرآن 7/1 نفى الدلالة عليه مدعيا أنّ المقصود مقابلة الجملة بالجملة، بمعنى أنّ جملة ما في الأرض لجملة الخلق تنبيها على القدرة المهيئة للمنفعة و المصلحة، و لا ينافيه المنع من بعض الأشياء بالدليل.

.

و إن أراد بقاعدة حل الانتفاع أخبار اصالة الحل فهي غير مختصة بالانتفاع بما في الأرض إلاّ أنّ في البراءة العقلية و الشرعية غنى و كفاية، و قد تخيل معارضتها بأمور نتعرض لها.


1) في التبيان للشيخ الطوسي 45/1، و جوامع الجامع للطبرسي/ 11، و مفاتيح الغيب للرازي 244/1، و روح المعاني للآلوسي 251/1، و الكشاف 20/1: المقصود من اللام في «لكم» التنبيه على الانتفاع به في الدنيا و التمتع منه بالمطاعم و المتاع و المراكب و المناظر البهيجة و في الدين بالنظر فيما يتضمنه من دقيق الصنعة و إحكام الخلقة الدالة على الصانع الحكيم.

سوى ما يتخيّل [1]

دل بمقتضى التفريع [2]

[1] تعرض المصنف أوّلا للانتفاع بالمتنجس، ثم للانتفاع بالأعيان النجسة، و لعل السر في ذلك أنّه إذا ثبت المنع عن الانتفاع بالمتنجس يثبت المنع عن الانتفاع بالأعيان النجسة بالأولوية فلا حاجة حينئذ إلى الاستدلال عليه، و إذا لم يثبت ذلك بقي مجال للكلام فيه.

[2] ممّا توهّم الاستدلال به على المنع قوله تعالى: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ‌ ، و تقريب الاستدلال ظهور الآية في وجوب الاجتناب عن الرجس و منه المتنجس.

و أورد عليه المصنف بوجهين:

الأول: أنّ الرجس لا يصدق على النجاسات العرضية كالتفاح المتنجس بل يختص بالعناوين النجسة بالذات.

الثاني: أنّه لو عمّ المتنجسات لزم تخيص الأكثر المستهجن؛ لأنّ أكثر المتنجسات لا يجب الاجتناب عنها و يجوز الانتفاع بها.

و يرد على الثاني: أنّ الرجس بناء على صدقه على الأعيان النجسة و المتنجسة كما يطلق عليها عنوان النجس عرفا و شرعا لا يكون اخراج المتنجس منه تخصيصا مستهجنا و إن كانت أفراده أكثر من أفراد بقية العناوين النجسة؛ فإنّ المتنجس عنوان واحد و الباقي عناوين متعددة.

و يرد على الأوّل: أنّ الرجس و إن كان ربما يطلق على الأعيان النجسة كما في خبر حماد عن حريز عن الفضل أبي العباس قال: سألت أبا عبد اللّه عن فضل الهرة و الشاة و البقرة و الإبل و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع فلم أترك شيئا إلاّ

سألت عنه، فقال: «لا بأس به» حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: «رجس نجس لا تتوضّأ بفضله»(1)، فأطلق الرجس على الكلب و لم يطلق على الأعيان المتنجسة خصوصا ما كان منها قابلا للتطهير، لا سيما إذا أمكن الانتفاع بها مع نجاستها، إلاّ أنّ الرجس في الآية لم يرد منه الأعيان النجسة كما لم يرد منه الأعيان المتنجسة بل اريد معناه اللغوي و هو الدني و القبيح و ما يرادفه في الفارسي «زشت و پليد»، فيعم الأفعال و الذوات و يكون الأعيان النجسة من مصاديقه، و ذلك لأنّه حمل على الميسر و الأنصاب و الأزلام(2)

و قد يقال: للنرد ميسر على التشبيه لأنّه يضرب عليها بفصين كما يضرب على الجزور القداح، و لأنها قمار، كما أنّ الميسر قمار و لا يقال شطرنج ميسر؛ لأنّها فارقت تلك الصفة و الهيئة إنما هو رفق و احتيال.

و في تاج العروس 6:627/3 الميسر كمجلس اللعب بالقداح و النرد، و عن علي عليه السّلام الشطرنج ميسر العجم و كل شيء فيه قمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز و زاد الآلوسي اللعب بالكعاب.

«الأزلام» في تفسير روح المعاني 59/6: إنّه جمع زلم كجمل، أو زلم كصرد.

و في تفسير المنار 147/6: إنّها هي قطع من الخشب كهيئة السهم إلاّ أنّه لا يلصق عليه الريش الذي يلصق على السهم الذي يرمى به ليحمله الهواء و لا نصل فيه.

و في «الميسر و القداح» لابن قتيبة/ 36: الأزلام: هي القداح، و الأقلام: التي يتساهم بها، و الاستسقام بها أشبه شيء بالقرعة التي جعلها رسول اللّه بابا من الحكم و انما يفترقان في أنّ استسقسام الجاهلية عند الأصنام أو الأنصاب و القرعة بغير قداح.

و في «روح المعاني» فسّرها مجاهد بسهام العرب و كعاب فارس التي يتقامرون بها، و عن وكيع: إنها أحجار الشطرنج، و على كل فهي سهام ثلاثة يكتب على أحدهما أمرني ربي، و على الثاني نهاني ربي، و على الثالث مهمل، فإنّ خرج الأمر مضوا عليه و بالناهي ينتهون، و إن خرج المهمل أجالوها مرارا إلى ان يخرج الأمر و النهي.

و قد وجه صاحب «المنار» في تفسيره 143/6 تحريم الاستقسام بها بما لا يخلو عن تكلف فإنّ تعبد الشرع لا يدور مدار الاستحسانات و من العجيب قياسه الاستخارة «بالسبحة» على استقسام الجاهلية الممنوع منه و حمل التوجيه لها بالقرعة المشروعة على قياس الشيطان حتى ألحق بها التفأل بالقرآن المجيد.

و في رحلة الآلوسي المسماة «غرائب الاغتراب» / 36 بغداد: و من البدع ما يستعمله الشيعة من التفأل بالسبحة و نحوها على سائر الكيفيات المعروفة بينهم مع اعترافه بأصل مشروعية الاستخارة حتى أنّه في ص 26 من الرحلة قال: اعلم أنّ الاستخارة ممّا درج عليها السلف و اتبع أثرهم فيها الخلف و انّه لما أراد السفر إلى اسلامبول استخار اللّه بالدعاء المأثور و تفأل بالكتاب المجيد. و نقل عن صحيح البخاري عن جابر بن عبد اللّه أنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله كان يعلمهم الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن و أطال الكلام في مشروعيتها و لكنّه لم يهضم عمل الشيعة المتلقى عن أئمتهم عليهم السّلام، و أنّ الاستخارة بالسبحة طريق إلى تعرف الخيرة من اللّه تعالى كالحصى و الرقاع. و قد رواها ابن طاووس عن السيد الآوي عن الصادق عليه السّلام و إنّي لا أشك في وقوف الآلوسي على عباداتهم و معاملاتهم و يعرف انهم يتحرجون من البدعة و التشريع في الدين و يبرؤون ممّن يقول بها برائة الذئب من دم ابن يعقوب، و لكنّه أراد أن يقول فقال: و كم له في تفسيره روح المعاني من تهجمات على الشيعة تندى منها جبهة كل حر غيور، و عند اللّه تجتمع الخصوم.

«الأنصاب» -: في مجمع البيان للطبرسي 158/3 صيدا -: حجارة.

في روح المعاني 150/7: الأنصاب حجارة لم تصور تنصب للعبادة و يذبح عندها و الأصنام ما صور و عبد من دون اللّه تعالى. و في مجمع البيان 158/3، و تفسير المنار 146/6 عن ابن جريح: النصب حجارة منصوبة حول الكعبة، و هي ثلثمائة و ستين حجرا كانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت و شرحوا اللحم على الحجارة.

«الرجس» في الصحاح: هو القذر.

و في القاموس و تاج العروس: يطلق على القذر أو الشيء القذر و المأثم و كل ما استقذره الطبع من العمل و العمل المؤدي إلى الهلاك و خصّه ابن دريد بالشر.

و في المصباح المنير: هو القذر و النتن، و قال الفارابي: كل شيء يستنقذر، و قال النقاش: إنّه النجس.

و في البارع: الرجاسة و النجاسة بمعنى واحد، و عند الأزهري تسمى القذر الخارج من بدن الإنسان و على ما ذكر يكون الرجس و القذر و النجاسة بمعنى واحد.

و في نهاية ابن الأثير: يطلق على القذر و الحرام و الفعل القبيح و العذاب و اللعنة و الكفر.

، و هي ليست من الأعيان النجسة بل الخمر أيضا

1) الوسائل 31/1 باب الأسئار.

2) الميسر في التبيان 568/1 و مجمع البيان هو القمار كله، و يدخل فيه الشطرنج و النرد و غيرها حتى اللعب بالجوز و الكعاب، و هو المروي عن أبي جعفر عليه السّلام، و في «الميسر و القداح» لابن قتيبة/ 36: الميسر الذي ذكره اللّه و حرمه و هو ضرب القداح على أجزاء الجزور قمارا.

من بعض ما ذكرنا يظهر ضعف الاستدلال على ذلك بقوله تعالى:

وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ [1]

كذلك على قول و الاجتناب عن الرجس بهذا المعنى في كل مورد بحسبه لا مطلق التقلب و هو الانتفاع به.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّ الآية أجنبية عما نحن فيه بالكلية، هذا مضافا إلى أنّ الأمر بالاجتناب في الآية لم يتعلق بطبيعي الرجس و إن فرض شموله للذوات الخارجية من النجاسات بل المتنجسات لكونها من مصاديقه و انما تعلق بحصة خاصة منه و هي التي تكون من عمل الشيطان، و ليست الأعيان النجسة و لا المتنجسة منها لا من حيث الانتفاع بها؛ لأنّ حرمتها أوّل الكلام و لا من حيث ذواتها اذ ليس للشيطان دخل في صنع البول و المني و نحوه بالضرورة.

و هذا بخلاف الامور المذكورة في الآية من الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام فإنّ صنعها و ارتكابها باغواء الشيطان كما هو واضح فالأمر بالاجتناب يختص بها و بنظائرها.

[1] بدعوى أنّ الرجز بمعنى الرجس فيعم المتنجس.

و الصحيح في المقام أن يقال: إنّ الرجز و إن كان قد يطلق على الذوات و الأعيان القذرة، و قد يطلق على العذاب كما في قوله سبحانه: فَأَنْزَلْنٰا عَلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ اَلسَّمٰاءِ‌ ، و قوله تعالى: فَلَمّٰا كَشَفْنٰا عَنْهُمُ اَلرِّجْزَ ، و قوله تعالى: وَ لَمّٰا وَقَعَ عَلَيْهِمُ اَلرِّجْزُ ، و قوله سبحانه: فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ اَلسَّمٰاءِ‌ (1)

و أصله كما في التبيان و مجمع البيان الميل عن الحق و استعمل في القذر كما في الصحاح و العذاب كما في المصباح و الفائق للزمخشري، و مع اضافة الاثم و الذنب كما في النهاية و زاد في القاموس الشرك و عبادة الأوثان، و فرق ابن دريد بينه و بين الرجس فجعله بمعنى العذاب و الرجس بمعنى الشر.

.

و قد يطلق على الأعمال القبيحة، و لا يبعد أن يكون ذلك بنحو الاشتراك اللفظي إلاّ أنّه لا بد و أن يراد به في الآية أحد الأمرين الأخيرين من العذاب أو الأفعال دون الذوات، و ذلك لأنّ اسناد الأمر بالهجر إلى الرجز بأحد المعنيين حقيقي لا يحتاج إلى مؤنة اضمار أو تقدير بخلاف اسناده إلى الرجز بمعنى الذات القبيحة، فإنّه اسناد إلى غير ما هو له فيكون مجازا محتاجا إلى تقدير و هو خلاف الظاهر.

و عليه فالآية أجنبية عن المقام بالكلية، هذا مضافا إلى أنّه لو اريد به ما يعم الذوات كان شموله للمتنجس أوّل الكلام، فالتمسك به من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية على أنّ هجر الشيء عبارة عن اجتناب منافعه الظاهرة لا مطلق الانتفاع به.


1) الرجز ورد في سورة الأعراف/ 133 و 134 و 135: وَ لَمّٰا وَقَعَ عَلَيْهِمُ اَلرِّجْزُ قٰالُوا يٰا مُوسَى اُدْعُ لَنٰا رَبَّكَ بِمٰا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا اَلرِّجْزَ إلى قوله فَلَمّٰا كَشَفْنٰا عَنْهُمُ اَلرِّجْزَ إِلىٰ أَجَلٍ هُمْ بٰالِغُوهُ‌، و في العنكبوت/ 34: إِنّٰا مُنْزِلُونَ عَلىٰ أَهْلِ هٰذِهِ اَلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ اَلسَّمٰاءِ‌، و في الجاثية/ 10: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيٰاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذٰابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ‌، و في المدثر/ 5: وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ.

و اضعف من الكل الاستدلال بآية تحريم الخبائث [1]

و أما الأخبار فمنها ما تقدم من رواية تحف العقول [2]

و منها: ما دل على الأمر باهراق المايعات [3]

[1] و هي قوله تعالى: وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبٰائِثَ‌ بتقريب: أنّ كل متنجس خبيث و التحريم المطلق ظاهر في حرمة جميع الانتفاعات.

و أورد عليه المصنف بأنّ المراد به تحريم خصوص الأكل بقرينة المقابلة، فكأنه خص حل الطيبات بحلية أكلها و لم نعرف له وجها.

و الصحيح على ما بيّنا في بحث التفسير أنّ الخبيث لا يطلق على المتنجس فلا يقال لمن تنجس بدنه هو خبيث.

نعم، قد يطلق على الذوات كما في قوله تعالى: اَلْخَبِيثٰاتُ لِلْخَبِيثِينَ‌ ، و يطلق على الأعمال كما في قوله تعالى: وَ نَجَّيْنٰاهُ مِنَ اَلْقَرْيَةِ‌ التي كانت تعمل الخبائث إلاّ أنّه لا بد و أن يراد بالخبائث في الآية خصوص الأعمال القبيحة، لما بيّناه في الآية السابقة من أنّ اسناد التكليف إلى الأعمال حقيقي لا يحتاج إلى مؤنة و عناية و اسناده إلى الذات محتاج إليها، فالآيات لا دلالة لها على المنع عن الانتفاع بالمتنجسات.

[2] فيه مضافا إلى ضعف السند عدم صحة اطلاق وجه النجس، فلا يقال للثوب إذا تنجس أنّه وجه من وجوه النجس، و لذا لم يذكروا المتنجس في باب النجاسات.

[3] كرواية السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام سئل عن قدر طبخت فإذا في القدر فأرة، فقال: «يهراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل»(1).


1) الكافي بهامش مرآة العقول 50/4، باب اختلاط الميتة بالمذكى، و عنه الوسائل 29/1 و 258/3.

و فيه: أنّ طرحها كناية عن عدم الانتفاع بها في الأكل [1]

و حديث عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام سئل عن رجل معه إناء ان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما و هو لا يقدر على ماء غيرهما، قال: «يهريقهما و يتيمم»، و رواه سماعة عن الصادق(1)، و أحاديث طرح ما حول الفأرة من الدهن و الزيت إذا كان جامدا.

[1] ظهور الأمر بالاهراق و الالقاء في المنع عن مطلق الانتفاع ممّا لا ينكر، إلاّ أن، الأمر به في الروايات المتقدمة انما هو لخصوصية موردها حيث لا يكون لها منفعة عرفية سوى الأكل أو الشرب، لا لأجل عدم جواز الانتفاع بالمتنجس فإنّ المرق إذا تنجس لا منفعة فيه خصوصا الكثير منه حيث لا يمكن سقيه للصبيان.

و كذا الإناء من الماء إذا تنجس، فإنّه و إن جاز إزالة الوسخ به إلاّ أنّ العقلاء لا يرغبون في ادخاره لهذه الغاية خصوصا مع استلزامه تنجس المحل لا سيما مع عدم وجود ماء محكوم بالطهارة يتطهر به، على أنّه من المحتمل أن يكون الأمر باهراق المائين المشتبهين لأجل تحقق موضوع التيمم و هو فقدان الماء، و قد احتاط فيه بعض الفقهاء لذلك.

و أما الدهن الجامد الذي وقعت فيه الفأرة، فموضعها من سطح الدهن لا ينتفع به غالبا لقلته و لا قيمة له معتد بها حتى يصح للإنسان استعماله و تنجيس سراجه من أجله، و من هنا ترى بناء العرف على عدم استعمال مثل ذلك مع ثبوت الفتوى بجواز الانتفاع بالدهن المتنجس.

و أما ما ورد من تنبيه المشتري لينتفع بالزيت المتنجس في الاستصباح من بين


1) التهذيب 70/1 آخر باب تطهير المياه من النجاسات.

الانتفاعات فإنّما هو من جهة انحصار المنفعة الشايعة في الدهن بالأكل و الاستصباح، و بعد تعذر الأول يتعيّن الثاني، و أما طلي السفينة و الحيوان الأجرب فهو من المنافع النادرة إذ ليس عند كل أحد سفينة أو حيوان أجرب لينتفع بالدهن المتنجس في ذلك كما ان تدهين الجسد و الأخشاب كالباب و نحوه ليس ممّا يرغب فيه عامة الناس لاستلزامه تنجيس المحل و تطهيره مشكل جدا.

و قد ورد في الحديث جعل الزيت المتنجس صابونا(1)، و لعله من جهة كون مهنة السائل عمل الصابون لا لخصوصية فيه فإنّ مورد السائل فيها قضية شخصية وقع الابتلاء بها.

و يؤيد ما ذكرناه من العموم رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام قال سألته عن فأرة أو كلب شربا من زيت أو سمن، قال: «إن كان جرة أو نحوها فلا تأكله و لكن ينتفع به كسراج و نحوه أمّا إذا كان أكثر من ذلك فلا بأس بأكله إلاّ أن يكون صاحبه موسرا يحتمل أن يهريق فلا ينتفع به في شيء»(2).

و لا يخفى وجه التأييد فإنّ قوله عليه السّلام أو نحوه، يعم جميع الانتفاعات الغير المشروطة بالطهارة و التفصيل في ذيل الرواية بين القليل و الكثير و الموسر و غيره لا بد من تأويله و لا يخل بالمقصود من صدرها فلم يثبت دلالة شيء من الروايات على المنع عن الانتفاع بالمتنجسات.

و لا يخفى أنّ ما حكاه المصنف قدّس سرّه عن نوادر الراوندي من الرواية عن أبي


1) لا حظ الرواية الثانية و الثانية عشر من الروايات المذكورة في ص 70 و 71.

2) قرب الإسناد/ 156، و في النسخة المطبوعة قال: «و إن كان الحكم أكبر» بالباء الموحدة من تحت، و لكن في الوسائل 258/3 باب 45 «أكثر» المثلثة من فوق.

و أما اجماع الخلاف [1]

الحسن عليه السّلام في الشحم المتنجس لم نجده، و لعله اشتباه في الزيت، فقد روى الراوندي في النوادر عن علي عليه السّلام عن الزيت يقع فيه شيء له دم فيموت، قال:

«يبيعه لمن يعمله صابونا»(1).

و أما الاستدلال بالاجماع على المنع من الانتفاع بالمتنجس ففيه:

أوّلا: عدم تحقق الاتفاق مع ذهاب جملة من الأكابر كالعلامة و أضرابه إلى الجواز.

و ثانيا: عدم حجية الاجماعات المحكية في المتن مع انها أجنبية عما نحن فيه.

[1] ممّن ادعى الاجماع على المنع عن الانتفاع بالمتنجس شيخنا الطوسي على ما حكاه المصنف رضى اللّه عنه في المتن فراجع.

ثم ذكر بعد نقل كلامه أنّ الظاهر أنّ معقده ما وقع الخلاف بينه و بين من ذكر من المخالفين لا ما حكم في عنوان المسألة، إذ فرق بين دعوى الاجماع بعد تحرير الخلاف، فإنّه لا يعم إلاّ مورد النزاع، و بين ادعائه بعد تحرير عنوان المسألة، فإنّه يعم الحكم المذكور فيها، انتهى.

و لم نعرف ما رواه قدّس سرّه، فإنّ مورد النزاع بينه و بين المخالفين ليس إلاّ ما حكم به في عنوان المسألة.

ثم لم يظهر لنا الفرق بين القسمين فيما أفاد بعد كون الميزان في جميع ذلك بظهور الكلام المختلف باختلاف الموارد، و ظهور عبارة الخلاف في دعوى الاجماع على ما ذكره في عنوان الكلام غير قابل للانكار، و عليه استدل باجماع


1) نوادر الراوندي/ 50، ط - النجف.

و أما اجماع السيد في الغيبة [1]

و الذي أظن و إن كان [2]

فهل يجوز بيع غيره من المتنجسات [3]

الفرقة و أخبارهم، و الظاهر أنّ مراده من الأخبار الروايات المتقدمة، هذا.

و يرد على الاستدلال بما نقله من الاجماع مضافا إلى عدم حجيته أنّ مورده خصوص الدهن المتنجس بأنواعه لا مطلق المتنجس، و لعل المجمعين تخيلوا وجود نص فيه على ما عرفت.

[1] مورد دعوى السيد الاجماع يحتمل فيه أمران:

أحدهما: أن يكون حرمة بيع النجاسات التي تستفاد من عنوان كلامه كما احتمله المصنف.

ثانيهما: أن يكون استثناء الامور المذكورة في عبارته.

و كيف كان، لو ثبت في المقام اجماع مع أنّه لم يثبت فليس هو اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم عليه السّلام، و من القريب جدا أن يكون نظر القدماء من منعهم الانتفاع بالمتنجس إلى أكله و شربه كما ذكره المصنف.

[2] لا بد و أن يريد بالظن خصوص الاطمئنان فإنّه يكون حجة عليه دون غيره، و أما مطلق الظن فإنّ كان معتبرا فهو حجة على الجميع و إلاّ فلا يغنيه كما لا يغني غيره.

[3] الاستدلال على جواز بيع الأعيان المتنجسة بالاستصحاب غير تام، لأن استصحاب جواز البيع تكليفا مبني على جريانه في الأحكام الكلية، و استصحاب الجواز الوضعي تعليقي لا نقول به، و المصنف و إن أرجعه إلى استصحاب التهيء أو الملازمة و نحوها ممّا هو تنجيزي إلاّ أنّا بيّنا في محله عدم استقامته؛ لأنّه مثبت،

فاجتنبوه [1]

بقي الكلام في حكم نجس العين [2]

لأنّ ترتب اللازم على استصحاب الملازمة غير شرعي.

و أما الاستدلال برواية تحف العقول مع ضعفها سندا و دلالة و وجود العمومات المعتبرة من الآيات و الروايات كقوله تعالى: أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌ و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ فعجيب جدا فإنّه نظير الاستدلال على جواز بيع ما لم يكن موجودا في زمان الأئمة من الأعيان و الفواكه المستحدثة برواية تحف العقول.

و مثله التمسك برواية دعائم الإسلام و غيرها من الأخبار العامة فانه غير مناسب مع وجود اطلاقات جواز البيع المعتبرة.

[1] لم يظهر لنا وجه العود إلى حكم الانتفاع بالمتنجس بعد الفراغ عنه و البناء على الجواز.

و تحصّل ممّا تقدم أنّ الصحيح جواز الانتفاع بالأعيان المتنجسة و جواز بيعها؛ لأنّها مال شرعا و عرفا واجدة لكل ما يعتبر في المبيع فتعمها الاطلاقات.

الانتفاع بالأعيان النجسة

[2] لا ريب في أنّ مقتضى الأصل جواز الانتفاع بالأعيان النجسة فيما لا يشترط بالطهارة، و لا بد في المنع من دليل مخرج عنه، و ما توهم كونه مخرجا، امور:

منها قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ‌ الآية، بدعوى ان حذف المتعلق يفيد العموم، فيكون ظاهرا في تحريم جميع الانتفاعات.

و فيه: أنّ الحرمة إذا أسندت إلى الذات فظاهرها حرمة منافعها الظاهرة أي ما هو المناسب لها من الاستعمال، فقوله سبحانه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ‌ لا ظهور له

إلاّ في تحريم نكاح الامّهات دون النظر اليهن أو اطعامهن و نحو ذلك و عليه فظاهر و تحريم الميتة و الدم هو المنع عن الأكل و الشرب دون سائر الانتفاعات.

و منها: قوله تعالى: إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ‌ فإنّ تفريع الأمر بالاجتناب على الرجس دال على وجوب الاجتناب عن كل رجس و هو بمعنى النجس، و اطلاق الاجتناب يعم جميع الانتفاعات.

و منها: قوله تعالى: وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ ، فإنّ المراد بالرجز الرجس بمعنى النجس و الهجر بمعنى التباعد و اطلاقه يقتضي الاجتناب عن مطلق الانتفاع.

و الجواب عنهما ما تقدم من أنّ المراد بالرجس الأعمال القبيحة و بالرجز العمل أو العذاب فلا نعيد.

و منها: الروايات و هي إمّا عامّة شاملة لجميع النجاسات، و إمّا خاصّة مختصة ببعضها.

أما الاولى: فهي رواية تحف العقول الدالّة على حرمة جميع التقلبات في النجس، حيث علل فيها حرمة بيعه بذلك و لم نعثر على ما يدل على حرمة الانتفاع بالنجس بعنوانه سواها.

و أورد عليه المصنف بأن المراد بالامساك و التقلب ما هو مقدمة للأكل أو الشرب.

و فيه ما لا يخفى من كونه خلاف ظاهر الاطلاق.

فالصحيح أن يجاب عنها بضعف السند و إلاّ فدلالتها على المنع عن كلية الانتفاعات ظاهرة.

و النبوي المعروف: «إنّ اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه»(1)

و في ذيل مسألة الضفادع و السلاحف من الجواهر وجه قوله صلّى اللّه عليه و اله: «إنّ اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه» بأن المراد منه تحريم ثمن ما حرمه اللّه إذا بيع في الجهة المحرمة تعريضا بما فعله اليهود الذين أحلوا المحرمات في الجهة التي حرمت عليهم، و استدل أحمد بن يحيى بن المرتضى اليمني المتوفى سنة (840 ه‍) في البحر الزخار 308/3 على حرمة بيع زبل ما لا يؤكل لنجاسته بقوله صلّى اللّه عليه و اله: (إذا حرم اللّه شيئا حرم ثمنه».

، و هو و إن نقل بغير لفظ الأكل في مسند أحمد عن ابن عباس إلاّ أنّ نقله هذا معارض بما نقلوه في صحاحهم في عين ذلك القضية عن ابن عباس، و قد ذكرت الرواية في سنن أبي داود، فراجع.

و على أي تقدير لا يمكن الاستدلال به لضعف دلالته مضافا إلى ضعف السند، فإنّه متكفل لكبرى كلية و هي لا تعين صغراها و هكذا رواية دعائم الإسلام، فإنّ حرمة الانتفاع فيهما مفروضة حيث إنّ موضوعهما ما حرم الانتفاع به فكيف يمكن استفادة حرمة الانتفاع النجس منهما على أنّ ظاهر حرمة الشيء في النبوي حرمة منافعه الظاهرة المقصودة.

و أما الثانية: أعني الروايات الخاصة:

فمنها: ما هي دالة على حرمة الانتفاع ببعض النجاسات مثل ما ورد في حرمة التقلب في الخمر، و هي مختصة بموردها و ما ورد في المنع عن الانتفاع بالميتة، و قد تقدم أنّها محمولة على الكراهة لمعارضتها مع روايات صريحة في جواز


1) تقدم في ص 11 ذكر من استدل بالحديث و نزيد عليه ما وجدناه، ففي الغنية لابن زهرة قال: و يحتج على من قال من المخالفين بجواز بيع الكلاب مطلقا و بيع سرقين ما لا يؤكل لحمه و بيع الخمر بوكالة الذمي بما رووه من قوله صلّى اللّه عليه و اله: «ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه».

و ما دل من الاجماع و الأخبار [1]

و أما توهم الاجماعات [2]

الانتفاع بها، و ما ورد في الدهن أو الزيت إذا تنجس من أنّه يستصبح به أو يعمل صابونا، و قد عرفت عدم دلالته على حصر الانتفاع بهما في الأمرين.

و منها: ما هي دالة على عدم جواز بيع بعض النجاسات كقوله عليه السّلام: «ثمن العذرة سحت»، و قوله عليه السّلام: «من السحت ثمن الميتة»، فإنّه يستدل بها على حرمة الانتفاع بتشكيل قياس استثنائي، فيقال لو جاز الانتفاع به لجاز بيعه لكنّه غير جائز فلا يجوز الانتفاع به.

و فيه: أنّ هذا الاستدلال يتوقف على ملازمة حرمة البيع لعدم جواز الانتفاع، و لا ملازمة بينهما كما صرح به الشيخ رحمه اللّه في المبسوط، فإنّه قال: سرجين ما لا يؤكل لحمه و عذرته و خرؤ الكلاب لا يجوز بيعها و يجوز الانتفاع بها في الزرع و الكروم و أصول الشجر بلا خلاف. انتهى. و بعبارة اخرى: ما ورد في المنع عن بيع النجس مختص بموارد خاصة كالميتة و العذرة ثبت فيها جواز الانتفاع.

و عليه فإنّ أراد المستدل بمورد القياس خصوص ما ورد النص في المنع عن بيعه فالملازمة غير ثابتة، و إن أراد به مطلق النجاسات فالملزوم غير ثابت؛ لعدم ورود المنع عن بيع مطلق النجاسات بعنوانّه العام فلم يثبت دلالة شيء من الروايات بأقسامها الثلاثة على المنع عن الانتفاع بمطلق النجس.

[1] لم نعرف ما رامه من الأخبار الدالّة على بيع النجس ليدعى اختصاصه، و قد تقدم جميع ذلك و لم يكن إلاّ بعض الروايات العامة و أخبار خاصّة في موارد مخصوصة.

[2] أطال الكلام في نقل الاجماعات مع أنّ تحقق الاتفاق مقطوع العدم بعد ذهاب

ثم إنّ منفعة النجس المحللة للأصل أو للنص قد يجعلها مالا [1]

الشيخ و العلاّمة و المحقق و غيرهم إلى الجواز صريحا، و ما حكاه المصنف من نقل الاجماع عن الشهيد و غيره فمورده موضوعات خاصة من النجاسات كالدهن المتنجس و الميتة و الدم لا مطلق النجاسات التي هي محل الكلام، على أنّ تلك الاجماعات محتملة المدرك لو لم يكن متيقنا.

[1] تعرض المصنف لبعض النجاسات التي منع الشارع من بيعها و لا بأس بتوضيحه.

فنقول: منع الشارع عن بيع شيء تارة يكون بالغاء ماليته شرعا كما في الخمر و الخنزير فانه لا يجوز الانتفاع بهما في شيء، و لذا لا يضمن من أتلفهما، و اخرى يكون مع حفظ ماليته كالمنع عن بيع الميتة و الكلاب الثلاثة بناء على ثبوته فيها، فإنّه ليس الغاء لماليتها، و لذا يجوز الانتفاع بها و يضمن من أتلفها.

أما القسم الأول، فلا يقع فيه البيع على العين لعدم كونها ملكا كما لا يقع عليها الصلح بعوض أيضا.

نعم، حق الاختصاص بها ثابت لصاحبها فيجوز المصالحة على رفع اليد عنه بعوض؛ لعدم ثبوت منع عنها و ثبوت حق الاختصاص في غير الأموال شرعا و عرفا ممّا لا ريب فيه، و هو إما يحصل بالحيازة على تفصيل يأتي، و إما يحصل بزوال الملكية السابقة، و لذا لو كان لأحد دجاجة فماتت و سقطت عن المالية العرفية لا يكون بحسب السيرة الجارية بين العقلاء لغير مالكها مزاحمته فيها، و ليس ذلك من جهة استصحاب بقاء الحق الثابت قبل زوال الملكية فانه غير جار كما نبينه إن شاء اللّه.

و أما القسم الثاني: كالفراء أو الحذاء من جلد الميتة مثلا فلا ينبغي الريب في

كونه مالا شرعا و عرفا يجوز الانتفاع به بمقتضى الأصل بل النص، و هو باق على ملك مالكه بشهادة الارث و ضمانه على من أتلف.

غايته منع الشارع عن بيعه فلا مانع من ايقاع بقية العقود عليه و تمليكه بعنوان آخر من سائر أنحاء التمليك كالهبة، و لو مشروطة بالعوض فإنّ العوض فيها لم يقع بأزاء العين الموهوبة و إنّما هو شرط في الهبة، فالواهب الأول هبته صحيحة و لو لم يهب الآخر غاية الأمر يثبت حينئذ للواهب الأول خيار تخلف الشرط.

نعم، لا يقع عليه الصلح المعوض لوقوع العوض فيه في مقابل العين فيكون بيعا حقيقة و المفروض المنع عنه، و هكذا يجوز اعارته أيضا.

ثم إنّ المصنف قدّس سرّه تعرض في المقام لبعض أحكام الحيازة من دون أن يكون لها ربط بما نحن فيه غير كونها أحد سببي ثبوت حق الاختصاص، فذكر ما حاصله:

اعتبار قصد الانتفاع بما حازه في ثبوت الحق بالحيازة فأشكل في ثبوت الاختصاص بما تعارف في بعض البلاد من جمع القاذورات حتى إذا صارت من الكثرة بحيث ينتفع بها في التسميد بذل بأزائه المال، فإنّ عينها غير قابلة للمعاوضة عليها، و حق الاختصاص بها لم يثبت لعدم قصد الانتفاع بتلك الأعيان، و إنّما حازها من حازها لأخذ المال عليها.

ثم تمحل في دفع الإشكال، بأن أخذ الثمن بأزاء الاذن في الدخول في الدار.

و نقول: الحيازة إذا لم تكن بداعي اللهو و اللعب فتارة تتعلق بالأوقاف العامة من المشاهد المشرفة و المساجد و نحوها، و اخرى تتعلق بالمباحات الأصلية من المياه و الأراضي و الأخشاب و نحوها.

و على الأول: لا تثبت الحيازة حق الاختصاص للحائز إذا لم يقصد عند الحيازة

الجهة التي وضع لها الوقف و كان قصده مجرد أخذ المال عليه، و معلوم أنّ المساجد و المشاهد أوقفت للعبادة فيعتبر في ثبوت الاختصاص بها قصد الانتفاع على حسب ما أوقفها أهلها، فحيازة موضع منها لا بقصد هذه الجهة لا أثر لها فلا يثبت بها حق اختصاص أصلا و إلاّ أمكن أن يحوز الرجل تمام المسجد أو المشهد بقصد أخذ الثمن من كل من أراد العبادة أو الزيارة و هو واضح الفساد.

و على الثاني: يثبت الحق بمجرد الحيازة إذا لم تكن لهوا و لعبا على ما هو مقتضى اطلاقه قوله عليه السّلام: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أولى به»(1)

و في منتقى الأخبار على هامش نيل الاوطار 256/5 عن أسمر بن مضرس قال: أتيت النبي صلّى اللّه عليه و اله فبايعته فقال: من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له، و في كنز العمال 176/3 عن الأصبغ بن نباتة قال علي عليه السّلام: «سوق المسلمين كمصلى المصلين من سبق إلى شيء فهو له يومه حتى يدعه».

و في الفيض القدير شرح الجامع الصغير 148/6 عند ذكر هذا الحديث قال: رأى البيهقي أنّه وارد في احياء الموات، و احتمل بعضهم أنّ المراد من سبق إلى «ماء» كما يحتمل ان يكون «ما» موصولة و جملة لم يسبق صلتها و هو أولى، و الحمل عليه أكمل و أتم فيشمل ما كان عين أو بئر و معدن كملح و نفط فإنّ الناس فيه سواء و من سبق لشيء منها فهو أحق بما سبق إليه، فشمل السبق إلى المسجد و الشارع و خرج الكافر.

و قوله: فهو له يأخذ منه بكفايته فإنّ زاد أزعج، قال: و من وقف على سبب الحديث علم أنّ المراد منه إحياء الموات و لذلك اقتصر عليه الإمام البيهقي و في الوسائل 314/1 باب 46 أحكام المساجد عن محمد بن اسماعيل عن بعض أصحابه قال للصادق عليه السّلام: نكون بمكة أو المدينة أو الحيرة أو المواضع التي يرجى فيها الفضل فربما يخرج الرجل يتوضأ فيجيء آخر فيصير مكانه، فقال: من سبق إلى موضع فهو أحق به يومه و ليلته.

و رواه في مستدرك الوسائل 238/1 عن كامل الزيارة لابن قولويه، و في الوسائل 314/1 عن الكليني باسناده إلى الصادق عليه السّلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل، و رواه الصدوق في الفقيه/ 276 باب السوق من كتاب التجارة، و الشيخ الطوسي في التهذيب 238/2 في باب فضل التجارة، و في مستدرك الوسائل 466/2 عن البحار.

و في المستدرك 121/1 عن دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين: سوق المسلمين كمسجدهم الرجل أحق بمكانه حتى يقوم من مكانه أو تغيب الشمس. و في كتاب استحالة المعية بالذات/ 255 حكم بأن من فارق مكانه من مسجد و غيره على أن يعود إليه لوضوء أو شغل يسير لم يبطل حقه و له أن يقيم الجالس فيه.

و اختلفوا في أنّه هل يجب فقيل بالوجوب، و قيل: يستحب و هو مذهب مالك، و لا فرق بين أن يترك فيه سجادة أو لا.

و قال عياض إذا اعتاد مجلسا من المسجد للتدريس و الفتوى فعن مالك أنّه أحق به إذا عرف به، و الذي عليه الجمهور أنّه استحسان و ليس بواجب.

و في صحيح مسلم كتاب السلام عن أبي هريرة عنه صلّى اللّه عليه و اله: إذا قام أحدكم. و في حديث أبي عوانة: من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به. و في شرح النووي على هامش ارشاد الساري 486/8 قال أصحابنا: من جلس في موضع من المسجد أو غيره ثم فارقه ليعود بأن فارقه ليتوضأ أو يقضي شغلا يسيرا ثم يعود لم يبطل حق اختصاصه، فله أن يقيم القاعد و يجب على الجالس أن يقوم إذا رجع إليه، و عند مالك يستحب للجالس مفارقته، و الصحيح الوجوب.

بأي

1) رواه في مستدرك الوسائل 149/3 عن عوالي اللئالي، و في سنن أبي داود السجستاني 177/3 في كتاب الخراج عن ام جنوب بنت ثميلة: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال: من سبق إلى ما يسبقه إليه مسلم فهو له. و في نسخة «إلى ماء» روى الاولى في كنز العمال 185/2 في إحياء الموات عن أبي داود عن الضياء المقدسي، و فيه ص 179.

داع كانت الحيازة، فإنّ كان المورد قابلا للمالك ثبتت الملكية للحائز و إلاّ فيثبت له الاختصاص، و لو لا ذلك لزم عدم ملك السقاء و الحطاب ما يجوز أنّه للانتفاع ببدله.

و إن شئت قلت: إنّ ما أفاده المصنف من اعتبار قصد الانتفاع في الحيازة إن أراد به الانتفاع بعين ما يحوزه فلا دليل عليه فضلا عن اعتبار الانتفاع به مستقلا

أو قلنا بجواز [1]

النوع الثاني: ممّا يحرم التكسّب به [2]

لا منضما، و إن أراد منه الأعم من ذلك و من الانتفاع بماليته فهو موجود بالفرض فلا وجه لإشكاله فيما هو المتعارف في بعض البلاد.

[1] الظاهر أنّ لفظ «أو» غلط و الصحيح «الواو» و إلاّ لا يتحصل من الكلام معنى صحيحا، فإنّ المعتبر في صحة أخذ العوض أمران كفاية مجرد قصد الحيازة في ثبوت الحق و جواز المعاوضة على الحقوق.

حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة

[2] المراد بالمقصد هو القصد النوعي بمعنى عدم رغبة العقلاء في الشيء إلاّ من الجهة المحرمة و إن لم يقصد به ذلك شخصا كهياكل العبادة، فإنّ من يرغب فيها من الناس لا يرغب فيها إلاّ لأجل عبادتها و الرغبة فيها باعتبار موادها خارجة عن محل الكلام.

ثم هذا النوع ممّا يحرم التكسب به امور:

منها: الهياكل المبتدعة كالصنم و الصليب، و استدل المصنف على بطلان بيعها بوجوه:

أحدها: الاجماع.

الثاني: مواضع من رواية تحف العقول كقوله: «و كل أمر يكون فيه الفساد ممّا هو منهي عنه»، و قوله: «أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد»، و قوله: «و كل منهي عنه ممّا يتقرب به لغير اللّه»، و قوله: «إنّما حرم اللّه الصناعة التي هي حرام كلها ممّا يجيء منها الفساد محضا نظير المزامير و البرابط، و كل ملهو به و الصلبان و الأصنام»

إلى قوله: فحرام تعليمه و تعلمه و العمل به و أخذ الأجرة عليه و جميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات».

الثالث: النبوي و هو قوله: «إنّ اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه».

الرابع: قوله تعالى: لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌ الآية.

و زاد السيد في الحاشية وجها خامسا و هو قوله سبحانه: فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثٰانِ‌ ، فإنّ بيعها مناف لاجتنابها على نحو الاطلاق، و قوله تعالى: إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ‌ فإنّ الأنصاب هو الأوثان.

و نقول: أمّا الاجماع المنقول فليس بمعتبر، و أما رواية تحف العقول فمضافا إلى ضعف سندها كما عرفت توضيحه لا تدل على الفساد و غاية مدلولها هي الحرمة التكليفية، و أما النبوي المشهور فقد عرفت أنّ الظاهر اشتماله على كلمة «أكل» فهو أجنبي عمّا نحن فيه، مع أنّ كثيرا من الأشياء لا يحل أكلها و لم يحرم ثمنها(1)

و الظاهر الاشتباه في نقل الحديث؛ لما عرفت فيما تقدم ص 11 و 12 اشتمال حديث تحريم الشحوم على كلمة الأكل.

، على أنّ الاستدلال به يستلزم عدم صحة البيع حتى إذا تعلق بالمادة لأنّه يصدق عليها أنّ هذا شيء حرمه اللّه فتأمّل.

1) ذكر علاء الدين الملقب بملك العلماء الحنفي المتوفى سنة (587) في «بدائع الصنائع» 144/5 في مسألة بيع الأشربة المحرمة غير الخمر كالسكر و نقيع الزبيب و المنصف و هو ما طبخ على النصف أنّ أبا يوسف و محمدا خالفا أبا حنيفة في جواز بيعها و استدلا على الحرمة بأنّ حرمة الشرب أخرجتها عن المالية، و لأن ما حرم شربه لا يجوز بيعه لما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال: «لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها و باعوها» «و إنّ اللّه إذا حرم شيئا حرم بيعه و أكل ثمنه».

و أما ما استدل به السيد من الآية فلا يمكن المساعدة عليه؛ لأنّ ظاهر الاجتناب عن الشيء ترك استعماله في المنافع الظاهرة(1)

و لهذا قلنا: لا تزال إلاّ بالماء كما لم تزل الطهارة في الأعضاء إلاّ بالماء، و في معالم التنزيل للبغوي على هامش تفسير الخازن 13/5 عن الزجاج: إنّ «من» للتنجيس أي اجتنبوا الأوثان التي هي رجس.

و احتمله الجصاص في أحكام القرآن 297/3 قال: و يحتمل أن يكون سماها رجسا للزوم اجتنابها كاجتناب الأقذار و الأرجاس.

و في مجمع البيان 82/7 صيدا، قيل: إنّهم كانوا يلطخون الأوثان بدماء قرابينهم فسمى ذلك رجسا، و عند آخرين الاجتناب عنها باعتبار عبادتها.

ففي تفسير الخازن 13/5: المأمور به ترك عبادتها؛ لأنّها سبب الرجس و هو العذاب، و سمى الأوثان رجسا لأن عبادتها أعظم من التلويث بالنجاسات.

و في أحكام القرآن للجصاص المراد: اجتناب تعظيم الأوثان.

و في روح المعاني للآلوسي 148/17 ان من بيانية، و في تعريف الرجس بلام الجنس مع الابهام و التعيين و ايقاع الاجتناب على الذات دون العبادة ما لا يخفى من المبالغة في التنفير عن عبادتها.

و في تفسير البيضاوي 102/2: اجتناب الرجس الذي هو الوثن كاجتناب النجاسة غاية المبالغة في النهي عن تعظيمها و التنفير عن عبادتها.

و في تفاسير أصحابنا الإمامية روايات تخرج الآية عما نحن فيه.

ففي تفسير علي بن ابراهيم القمي/ 440 عن الصادق عليه السّلام: «الأوثان الشطرنج و قول الزور الغناء»، و رواه ابن الشيخ الطوسي في الأمالي/ 184، و في التبيان للشيخ الطوسي 353/2 روى أصحابنا ان المراد من الأوثان في الآية اللعب بالشطرنج و النرد و سائر أنواع القمار و قول الزور الكذب، و ذكره الطبرسي في مجمع البيان 72/7.

ثم ان جماعة منهم ابن الكلبي في كتاب «الأصنام» / 53 فرق بين الوثن و الصنم، فالصنم عبارة عن صورة انسان تصنع من خشب أو ذهب أو فضة، و الوثن ما صنع من الحجارة.

و في ارشاد الساري للقسطلاني 113/4: فرق في النهاية بينهما أنّ الوثن ما كان له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب أو من الحجارة كصورة الآدمي يعمل فينصب و يعبد.

و «الصنم» الصورة بلا جثة، و قد يطلق الوثن على غير الصورة.

و في نيل الأوطار للشوكاني 121/5: بينهما عموم من وجه و مادة اجتماعهما إذا كان الوثن مصورا.

و في عمدة القاري 149/6: لم يفرق بعضهم بين الصنم و الوثن و أطلقهما على المعنيين.

، فالاجتناب عن الميسر ترك

1) اختلف المفسرون في اسناد الاجتناب إلى الأوثان باعتبار نفسها كما في أحكام القرآن لابن العربي 68/2 فإنّه قال: وصف اللّه الأوثان بأنها رجس و الرجس هو النجس، لأنّها نجسة حكما و النجاسة ليست وصفا ذاتيا للأعيان، و إنّما هي وصف شرعي من أحكام الايمان.

المقامرة به و الاجتناب عن الخمر ترك شربه و الاجتناب عن الوثن ترك عبادته، فلا دلالة لشيء من الوجوه المذكورة على فساد بيع هياكل العبادة كما ان الأخبار الخاصة لا تدل إلاّ على الحرمة التكليفية(1)

أحدهما: عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام أسأله عن رجل له خشب فباعه ممّن يتخذه برابط؟ فقال: «لا بأس». و عن رجل له خشب فباعه ممّن يتخذه صلبانا؟ قال: «لا». و رواها الشيخ في التهذيب 112/2، و عنهما الحر في الوسائل 548/2 و الفيض في الوافي 41/1.

و «البربط» كما في المعرب للجواليقي/ 71: آلة من ملاهي العجم شبيه بصدر البط، و الصدر بالفارسية: «بر» فقيل بربط فهو من الدخيل.

الثانية: بالاسناد إلى ابن محبوب عن أبان عن عيسى القمي عن عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن التوت أبيعه يصنع به الصليب و الصنم‌؟ قال: «لا».

و في التهذيب 112/2: أبيعه ليصنع للصليب و الصنم‌؟ قال: «لا».

و رواه عنهما في الوسائل 548/2، و جاء في نقل الوافي 41/10 بدل التوت بالمثناة من فوق في أوله و آخره.

«التوز» بالمثناة من فوق في أوله و بالزاء المعجمة في آخره، و فسره بشجر يصنع منه القوس و لم ينبه المجلسي في الشرح عليه، كما لم أجده في نسخ متعددة من الكافي و التهذيب.

و لعل الذي ألجأه إلى ذلك تخيله اختصاص التوت بالفاكهة فلا يصنع منه الصليب و الصنم، و لكن إذا جاز اطلاق التوت على شجرة كما هو المتعارف فلا حاجة إلى هذا التكلف.

و يظهر من الجمهرة لابن دريد اطلاق التوت على شجرة قديما فإنّه قال في 198/3: التوت الفرصاد، و العامة تسميه التوت، و في مادة فرصد من تاج العروس الفرصاد شجر معروف يسمون أهل البصرة حمله توتا، فالتوت كما يطلق حقيقة على الفاكهة يطلق بنحو من المسامحة على شجرة فمن الجائز أن يكون قصد السائل في السؤال عن التوت شجرة؛ لأنّه الذي يصنع منه الصليب كما هو المعروف عند العامة.

هذا إذا قرء «يصنع» بالنون بعد الصاد المهملة، و على قراءة «يصبغ» بالمثناة من تحت في أوله و الباء الموحدة بعد الصاد المهملة و بعدها الغين المعجمة يكون السؤال عن صبغ الصليب بهذه الفاكهة.

و رجال الرواية الثانية ممدوحون غير أبان الراوي عن عيسى بن عبد اللّه القمي فلم يظهر لي حاله، و في رجال الشيخ الطوسي أنّه يروي عن عيسى بن عبد اللّه القمي، و في رجال المامقاني بترجمة الحسن بن محبوب أنّه يروي عن أبان، و وثق شيخنا الحر في رجال الوسائل عيسى بن عبد اللّه القمي و عمر بن حريث الصيرفي مع الاقتصار عليهما الخيار.

و لا يبطل البيع و لو كان ما به التخلف مقوما حقيقة كما في اللحمين.

.

1) الأخبار الواردة هنا روايتان حسنتان كما في مرآة العقول للمجلسي رواهما الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 421/3 في باب ما يحل فيه البيع و الشراء:

و التحقيق أن يقال: إنّ الصفات الثابتة في الأشياء تكون على قسمين: منها ما يكون بنظر العرف من العوارض كالألوان، و منها ما تكون عرفا من المقومات و تكون بين المقوم بنظر العرف و العقل عموم من وجه، فالصورة الشخصية التي هي من الأعراض حقيقة قد يراها العرف مقوما كما في الأواني المصنوعة من الصفر، فإنّ ماهيتها و إن كانت واحدة و الاختلاف بالشكل إلاّ أنّ نظرة العرف البسيطة تراها

حقائق عديدة، و قد ينعكس الأمر فتكون الصورة النوعية الحقيقية بنظر العرف من الأوصاف كلحم البقر و الغنم، فانّهما و إن كانا ماهيتين حقيقة إلاّ أنّ العرف يراهما حقيقة واحدة و قد يجتمعان كما في الإنسان و البقر.

و المعتبر إنّما هو نظر العرف فإذا كان التخلف في المبيع مثلا بما هو من الأعراض عرفا كان التخلف فيما هو مقوم عرفا يثبت الفساد و إن كان من الصفات عقلا.

ثم الصورة النوعية العرفية من حيث دخلها في المالية تكون على أقسام ثلاثة:

الأول: أن تكون الصورة تمام المقوم لمالية الشيء بحيث يبذل تمام الثمن بأزائها كما في الكوز و الحب و الخطوط الجيدة و رسوم الأشخاص.

الثاني: أن لا تكون الصورة دخيلة في مالية الشيء أصلا بحيث يبذل تمام الثمن بأزاء المادة، كما في المسكوكات الساقطة دون الرائجة فانّها إذا كانت من الذهب أو من الفضة أو غيرها تباع بقيمتها في السوق.

الثالث: أن يكون لكل من الصورة و المادة قيمة سوقية كما في الثوب المصنوع من القطن أو الصوف أو الباب المصنوع من الخشب، فإنّ الصوف أو القطن أو الخشب لو لم يكن معروضا لتلك الهيئة لم يكن له تلك المالية و هكذا العكس.

إذا عرفت هذه المقدمة، نقول: إنّ الهياكل المبتدعة لا تخلو عن أحد الأقسام المزبورة و يختلف حكم بيعها باختلافها، فإنّ كانت مالية الصنم بخصوص هيئته المبغوضة للشارع كالصنم المصنوع من الطين(1)، فلا إشكال في فساد بيعه، أمّا بناء


1) في احياء العلوم للغزالي 60/2: لا يجوز بيع الصور المصنوعة من الطين كالحيوانات التي تباع في الآعياد للعب الصبيان فإنّ كسرها واجب شرعا.

على اعتبار المالية في المبيع فلعدم كون تلك الهيئة مالا عند الشارع، و لذا لا يوجب اعدامها الضمان، و أما بناء على عدم اعتبار المالية و كفاية الغرض الشخصي في صحة البيع فكذلك لعدم اعتبار الشارع الهيئة شيئا، و لذا يجب اعدامها فبيعها يكون كبيع المعدوم.

و أما إذا لم يكن للهيئة دخلا في المالية و كان بذل تمام الثمن بأزاء المادة فقط، فلا إشكال في صحة البيع كما إذا اشترى مقدارا من الحطب فكان فيه صنم أو صليب، لأنّ المبيع هو المادة و هي مال شرعا و لو كانت في ضمن الهيئة المبغوضة للشارع، و لذا يجوز للبايع إزالة الهيئة قبل التسليم و ليس للمشتري منعه عن ذلك بل لا يجوز التسليم إليه قبل تغيير الهيئة إلاّ إذا اطمأن البائع بأن المشتري يعدمها و لا يكفي مجرد الاطمينان بأنّه لا يصرفه في الحرام باعتبار انّه مسلم لمبغوضية الهيئة للشارع فيجب اعدامها.

و أما إن كان لكل من المادة و الهيئة دخل في المالية بحيث كان بذل المال بازائهما معا كما هو الغالب كبيع الصنم المصنوع من الذهب مثلا، يكون البيع فاسدا لما عرفت من عدم مالية الهيئة و أنّها بحكم المعدوم شرعا.

و توهم التبعيض في المقام كما في الخمر و الخل أو الشاة و الخنزير إذا جمعا في بيع واحد.

مدفوع بأنّ الصورة النوعية العرفية بمنزلة الصورة الحقيقية، فهي و المادة جزآن عقليان تعدان موجودا واحدا، و بيع الموجود الواحد لا بد و أن يكون صحيحا كله أو فاسدا كله و لا معنى فيه للتقسيط، و لذا لا يمكن أن تكون المادة ملكا لشخص و الهيئة ملكا لآخر، فإذا امتنعت الصحة لا جرم يتعين البطلان، و هذا بخلاف بيع

و منها آلات القمار [1]

و في المسالك [2]

الخمر و الخل فانّهما موجودان متغايران يمكن صحة البيع بأزاء أحدهما و فساده بالاضافة إلى الآخر.

و الحاصل: إنّما يصح بيع الهياكل المبتدعة فيما إذا كان الواقع تحت عنوان البيع خصوص المادة، و إلاّ فيبطل سواء وقع البيع على خصوص الهيئة أو عليهما معا، نعم إذا كان للهيئة منفعة محللة بأن كانت آلة لبعض المكائن صح بيعها إلاّ أنّه خارج عن محل الكلام.

حرمة بيع آلات القمار

[1] يجري هنا ما قلناه في هياكل العبادة من الاشكال على الاستدلال بالآيات و الأخبار و ما نقحناه.

[2] قال في المسالك: و لو كان لمكسورها قيمة و باعها صحيحة لتكسر و كان المشتري ممّن يوثق بديانته ففي جواز بيعها حينئذ وجهان، و قوى في التذكرة جوازه مع زوال الصفة و هو حسن و الأكثر أطلقوا المنع. انتهى.

و ظاهره أنّه جعل العلامة مفصلا بين صورة زوال الهيئة و بقائها فيصح البيع في الاولى دون الثانية، و لذا أورد عليه المصنف بأنّ المراد من زوال الصفة إن كان زوال الهيئة فلا ينبغي الاشكال في الجواز لأنّه في هذا الحال خارج عن العنوان المبغوض فلا ينبغي جعله محل الخلاف بين العلامة و الأكثر، و سننقل متن كلام العلاّمة و نبين ما يستفاد منه.

و قوى في التذكرة [1]

[1] قال العلاّمة في التذكرة في الشرط الثاني من شرائط العوضين و هو المنفعة، ما أسقط الشارع منفعته لا نفع له فيحرم بيعه كآلات الملاهي، مثل الزمر و هياكل العبادة المبتدعة كالصليب و الصنم و آلات القمار كالنرد و الشطرنج إن كان رضاضها لا يعد مالا، و به قال الشافعي: و إن عد مالا فالأقوى عندي الجواز مع زوال الصفة المحرمة، و للشافعي ثلاثة أوجه(1)

و للمتخذة من جوهر نفيس وجه بالصحة عند الشافعية و اختار القسطلاني المنع مطلقا، و ألحق العسقلاني بالأصنام الصلبان التي تعظمها النصارى، و في الفقه على المذاهب الأربعة 308/2: إنّ من شرائط صحة البيع حل الانتفاع فما لم ينتفع به و لو لمنع الشارع لا يجوز بيعه.

: الجواز مطلقا لما يتوقع في المال، و الفرق بين المتخذة من الخشب و نحوه، و المتخذة من الجواهر النفيسة و المنع، و هو أظهرها لأنّها آلات معصية لا يقصد بها سوها، و ظاهر كلامه عموم المنع من جميع آلات اللهو، و لا دليل على العموم عدا ما ورد من أنّ ثمن آلات الميسر سحت(2).

و في بعض الأخبار: كل ما ألهى عن ذكر اللّه فهو ميسر(3)، و لعل نظره قدّس سرّه في


1) في فتح الباري لابن حجر العسقلاني 289/4، و ارشاد الساري لابن حجر القسطلاني 289/4، و شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 474/6، و نيل الأوطار للشوكاني 121/5: إنّ العلة في المنع من بيع الأصنام عدم المنفعة المباحة اللهم إلاّ أن ينتفع برضاضها بعد الكسر فجوزه الشافعية و بعض الحنفية.

2) في كنز العمال 208/2 عن ابن عباس ثمن الميسر حرام.

3) أمالي الشيخ الطوسي/ 214 و عنه الوسائل 566/2 باب 128 تحريم استعمال الملاهي، و في بدائع الصنائع لعلاء الدين الحنفي 127/5 باب الاستحسان عن النبي صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال: كلما الهاكم عن ذكر اللّه فهو ميسر. و عن ابن عمر و مجاهد و سعيد بن جبير و الشعبي قالوا: الميسر القمار كله حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان.

التعميم إلى ذلك، كما أنّ ظاهره أيضا بل صريحه أنّ مورد كلامه ليس إلاّ ما هو محل النزاع و هو صورة بقاء الهيئة و إلاّ لم يصح جعل ما حكاه عن الشافعي مقابلا لما قواه، فإنّ الخلاف انّما يجري مع بقاء الهيئة، و أما في فرض زوالها مع كون المادة بنفسها مالا فلا خلاف في جواز البيع بل هو أجنبي عن بيع الملاهي فكيف يجعل موردا للخلاف و يثبت فيه أقوال للشافعية ليكون أظهرها حسب مختار العلاّمة المنع فلا بد من توجيه قوله قدّس سرّه مع زوال الصفة المحرمة.

قال السيد قدّس سرّه في الحاشية: لعله أراد بزوال الصفة عدم مقامرة الناس به و تركهم له بحيث خرج عن كونه آلة قمار و إن كانت الهيئة باقية.

و فيه: انّه إذا سقط عن كونه آلة القمار عرفا كان ذلك كزوال الصفة مستلزما لجواز بيعه بلا خلاف.

فالذي يمكن ان يوجه به العبارة أحد امور ثلاثة:

الأول: احتمال الاشتباه من النساخ في التقديم و التأخير بأن يكون قوله: مع زوال الصفة المحرمة مقدما على قوله: فالأقوى عندي الجواز، فتكون العبارة حينئذ هكذا: «و إن عد مالا زوال الصفة فالأقوى عندي الجواز» حتى مع عدم زوال الصفة.

الثاني: احتمال أن يكون في العبارة سقط أو اضمار بحذف المضاف فيكون المراد اشتراط زوال الصفة.

الثالث: أن يراد إزالة البائع الصفة عند التسليم أو اشتراطها على المشتري فتكون إزالة الصفة بعد البيع شرطا في صحته بنحو الشرط المتأخر.

و لا ندري ما الذي فهمه صاحب المسالك من عبارة التذكرة حتى استحسنه.

ثم ان المراد بالقمار [1]

و منها آلات اللهو [2]

و منها أواني الذهب و الفضة [3]

[1] لا اشكال في عدم جواز بيع الآلات المعدة للمراهنة عليها بهيئتها الخاصة، و أما المعدة لمجرد المسابقة من دون عوض كالطوبة و الصولجان فحرمة بيعها مبنية على ما سيجيء الكلام فيه من حرمة مطلق المسابقة أو اختصاصها بما إذا كانت مع العوض بناء على أن يكون قوله عليه السّلام: لا سبق في الإسلام(1)، بفتح الباء أو يكون السبق بسكون الباء أيضا ظاهرا في المراهنة(2)أو لكونها المتيقن.

حرمة بيع آلات اللهو

[2] فساد بيعها مبني على حرمة اللهو مطلقا، و سيأتي الكلام فيه تبعا للمصنف.

[3] تعرض الفقهاء لحكمها في آخر كتاب الطهارة، و يختلف بيعها صحة و فسادا باختلاف حكم استعمالها جوازا و منعا، فإنّ الأقوال فيه ثلاثة:

الأول: حرمة استعمالها في الأكل و الشرب فقط دون بقية الاستعمالات.

الثاني: حرمة استعمالها مطلقا مع جواز اقتنائها للزينة كما هو المتعارف منها.

الثالث: حرمة جميع ذلك.

فعلى الأولين يجوز بيعها، و على الثالث لا يجوز بيعها بهيئتها، و بمراجعة كتاب


1) لم أعثر على هذه الجملة في أحاديث الفريقين و انما الموجود في أحاديثهم لا سبق إلاّ في خف أو حافر أو نصل.

2) في الصحاح و القاموس: السبق بالتحريك، و في المصباح: بفتحتين الخطر الذي يوضع بين أهل السباق، و في النهاية لابن الأثير: عن الخطابي الرواية الصحيحة بفتح الباء و هو الجعل على السباق، و بالسكون مصدر سبقت أسبق سبقا.

و منها الدراهم الخارجة [1]

الطهارة يتضح المبنى(1)

و المحققون لم يعتدوا بخلاف داود لإخلاله بالقياس و هو أحد شروط المجتهد الذي يعتد به، و الشافعي رجع عن قوله القديم إلى القول بالتحريم.

فتحصل من الاجماع تحريم استعمالها في الأكل و الشرب و الطهارة و الأكل بملعقة من أحدهما و التجمر بمجمرة منهما و البول في إناء منهما و المكحلة و الميل و ظرف الغالية و جميع وجوه الاستعمال سواء في ذلك الاناء الصغير و الكبير، و يحرم استعمال ماء الورد و الأدهان من قارورة من أحدهما و من ابتلي بطعام فيهما فليضعه في آخر غيرهما و الدهن يفرغه باليد اليسرى.

و يحرم تزيين الحوانيت و البيوت و المجالس بالأواني منهما و من توضأ أو اغتسل من اناء ذهب أو فضة صح و عصى بالفعل، و هذا مذهبنا، و قال به مالك و أبو حنيفة و العلماء كافة إلاّ داود فمنع من الصحة.

و يصح بيع آنية الذهب أو الفضة لأنها عين طاهرة يمكن الانتفاع بها بأن تسبك.

و اختلف قول الشافعي و الأصحاب في اتخاذ هذه الأواني من دون استعمال فقيل: بالكراهة، و الأصح التحريم، و عليه لا يستحق صانعه اجرة، و لا ضمان على كاسره. و على الكراهة يستحق الصانع الاجرة و على الكاسر أرش النقص و التحريم عام للرجال و النساء.

و وافقه على المنع منهما مطلقا حتى حرمة الاستيجار على عملهما القسطلاني في ارشاد الساري 335/8 و في بدائع الصنائع 132/5 و المحلى لابن حزم 223/2 حرمة الأكل و الشرب فيهما و مطلق الاستعمال.

.

بيع الدراهم المغشوشة

[1] يقع الكلام في التصرف بهذه الدراهم في مقامين: أحدهما في جواز الانتفاع


1) في شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 339/8 حكى أنّ للشافعي قولا قديما بعدم حرمة الأكل و الشرب في آنية الذهب و الفضة، و عن داود الظاهري تحريم الشرب فيهما و جواز الأكل و سائر وجوه الاستعمال و هما مردودان بالنصوص و اجماع المسلمين على تحريم الأكل و الشرب في اناء الذهب و اناء الفضة.

بها، ثانيهما في بيعها.

أما المقام الأول فيستدل على المنع فيه برواية ابن أبي عمير عن علي الصيرفي عن المفضل بن عمر الجعفي قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فألقى بين يديه دراهم فألقى الي درهما منها، فقال: أيش هذا؟ قلت: ستوق. فقال: و ما الستوق‌؟ قلت:

طبقتين فضة و طبقة نحاس. فقال: اكسرها فانه لا يحل بيعه و لا انفاقه(1)، و رواية موسى بن بكر، قال: كنا عند أبي الحسن عليه السّلام و إذا بدنانير مصبوبة بين يديه فأخذ دينارا بيده فقطعه نصفين، ثم قال لي: ألقه في البالوعة حتى لا يباع شيء فيه غش(2).

و الرواية الاولى مع ضعف سندها(3)، لا دلالة فيها على عدم الانتفاع به، فإنّ ظاهر التعليل ارشاد إلى ما علل به من عدم حلّ بيعه و انفاقه و وجوب الكسر مولويا و الإلقاء في البالوعة مقطوع العدم.

و أما الرواية الثانية فمضافا إلى ضعف سندها(4)انها معللة بعدم جواز البيع، و أما «قطعه نصفين» فلم يأمرهم به ليكون اعدام ما كان بهذه الصفة واجبا و فعله القطع


1) التهذيب 148/2 في بيع الواحد باثنين أو أكثر و الوسائل 605/2 باب 10.

2) الكافي بهامش مرآة العقول 403/3 باب الغش و التهذيب 122/2 في أوائل فضل التجارة و الوسائل عنهما 562/2 باب 115 تحريم الغش.

3) في تنقيح المقال بترجمة المفضل بن عمر عن جامع الرواة ان علي الصيرفي يروي عنه و فيه 278/2 علي بن حنان الصيرفي عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السّلام و ظاهره كونه اماميا و لم أقف على مدح يدرجه في الحسان فضعف السند من جهته.

4) ضعف المجلسي في مرآة العقول هذا الحديث و لعل من جهة الوقف الذي نسبه الشيخ الطوسي في الرجال إلى موسى بن بكر.

بنفسه لا يدل إلاّ على الجواز أو الاستحباب(1)، و الأمر بالقاء رضاضه في البالوعة كاشف عن عدم ماليتها و إلاّ لكان اسرافا تعالى منه مقام الإمامة.

فالروايتان قاصرتان عن اثبات المنع عن الانتفاع فالحق هو الجواز.

و أما المقام الثاني: أعني بيع الدراهم المغشوشة فهو على أقسام لأنّه تارة يكون مع علم المتبايعين، و اخرى مع جهلهما، و ثالثة مع جهل المشتري فقط.

فمع علم المتبايعين لا اشكال في جواز البيع بل غيره من المعاوضات أيضا، كالصلح و الهبة و الإجارة و نحوها، كان الغش في المادة كالدراهم الرائجة في عصرنا أو في الهيئة كالدراهم المسكوكة بغير سكة السلطان لكونها ممّا ينتفع بها، و العيب معلوم على الفرض فلا غش حينئذ فيعمها عمومات حل البيع و التجارة عن تراض، و أما خبر الجعفي و موسى بن بكر فعلى فرض تسليم دلالتهما على المنع عن الانتفاع بها و المعارضة عليها، معارضة بالنص الوارد في جواز بيعها في موردين:

أحدهما: ما إذا بين البائع للمشتري مورد الغش و كانا عالمين به(2)

و رواه في الوسائل عنهما 605/2، و فيه أيضا عن التهذيب باسناده إلى ابن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: اشتري الشيء بالدراهم فأعطي الناقص الحبة و الحبتين‌؟ قال: لا حتى تبيّنه، ثم قال: إلاّ ان يكون نحو هذه الدراهم الأوضاحية التي تكون عندنا عددا. و في القاموس و تاج العروس: الدرهم الصحيح و درهم وضح نقي أبيض.

.

1) في بعض نسخ المكاسب رواها عن موسى بن بكير و في بعضها قطعه بصيغة الأمر، و في بعضها حتى لا يباع بما فيه غش و جميعها اشتباه و الصحيح الموجود في الأصل كما نقلناه.

2) الوافي 87/10 عن الكافي و التهذيب عن ابن رئاب قال: لا أعلمه إلاّ عن محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس أو غيره ثم يبيعها. فقال: إذا كان بين ذلك فلا بأس.

ثانيهما: إذا كان المغشوش رائج المعاملة(1)

و عنه أيضا عمن حدثه عن جميل عن حريز بن عبد اللّه قال: كنت عند أبي عبد اللّه فدخل عليه قوم من أهل سجستان فسألوه عن الدراهم المحمول عليها؟ فقال: لا بأس إذا كان جواز المصر.

، و به يقيد اطلاق ما دل على المنع أو يحمل على الكراهة.

و أما مع جهلهما، فالحرمة التكليفية غير ثابتة لكونها مترتبة على عنوان الغش المتقوم بالعلم و الحكم الوضعي يظهر الحال فيه من الكلام على الصورة الثالثة و هي ما لو علم البائع بالغش و المشتري جاهل به.

و لا اشكال في صدق الغش حينئذ فيحرم الاقدام عليه تكليفا للأخبار الكثيرة الناهية عنه، و أما وضعا فظاهر المصنف البطلان فيما إذا كان المبيع عنوان الدرهم المنصرف إلى المسكوك بسكة السلطان، و أما إذا وقعت المعاوضة على المادة فإنّ كان الغش في المادة ثبت خيار العيب، و إن كان في الهيئة ثبت خيار التدليس، ثم أمر بالتأمل.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن المادة السارية في جميع الأشياء المعبر عنها بالهيولي الأولية غير قابلة للبيع و لا يبذل بازائها المال و انما يبذل المال بازاء الصور النوعية العرفية و لو كانت من الأوصاف حقيقة.

و عليه، إذا كان المبيع شخصيا و تخلف بعض أوصافه فإنّ كان الوصف مقوما


1) الوسائل 605/2 عن التهذيب باسناده عن أبي نصر عن رجل عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر قال: جاءه رجل من سجستان فقال له: ان عندنا دراهم يقال لها الشاهية يحمل على الدرهم دانقين. فقال: لا بأس به إذا كانت تجوز.

و هذا بخلاف ما تقدّم [1]

للمبيع عرفا كما إذا اشترى جارية حسناء فبان عبدا أسودا بطل البيع لأن ما وقع عليه البيع لم يكن و ما كان لم يقع عليه البيع و إن لم يكن كذلك بأن كان وصفا عرفيا فلا يوجب تخلفه سوى الخيار، و إذا كان المبيع كليا، و كان ما يدفعه البائع للمشتري مخالفا له بأحد الوجهين لا يوجب ذلك الخيار و لا الفساد بل يلزم البائع بتسلم ما ينطبق عليه المبيع هذه الكبرى الكلية لموارد التخلف.

و أما تطبيقها على ما نحن فيه، فإنّ كان المبيع الدرهم الكلي المنصرف إلى المسكوك بسكة السلطان كان البيع صحيحا و للمشتري مطالبة البائع به، و إن كان المبيع شخص الدراهم بعنوانها المنصرفة إلى سكة السلطان أو المقيدة بها و ظهر الغش فيها كان تخلفها موجبا للفساد لأنها مقومة للدرهم فإنّ الدراهم المغشوشة و غير المغشوشة نوعان عرفا لا فردان من نوع واحد و إن كان المبيع هو المادة فتخلف الهيئة لا يوجب شيئا لعدم دخلها في المبيع و إن كان التخلف في المادة فإنّ عدت المادة الموجودة مباينة لما وقع عليه البيع كما إذا اشترى ذهبا فظهر كونه نحاسا بطل البيع لأنّه نظير بيع المعدوم فإنّ ما وقع عليه العقد غير موجود و ما هو موجود في الخارج لم يقع عليه العقد و إن كانت المادة مخلوطة ثبت خيار العيب إذا عد الخلط عيبا.

و أما خيار التدليس فليس خيارا مستقلا بل يرجع إلى خيار العيب.

[1] ما ذكرناه بتمامه يجري في بيع آلات القمار فيصح إذا وقع على موادها كما في الدراهم المغشوشة فإذا اشترى مقدارا من النحاس و فيه آلة الشطرنج صح فلا وجه للتفصيل.

كما لو جمع الخل و الخمر [1]

و هذا الكلام مطرد [2]

القسم الثاني: ما يقصد منه المتعاملان [3]

[1] ما أفاده (أعلا اللّه مقامه) من التفرقة بين الأجزاء العقلية و الخارجية بامكان تقسيط الثمن في الثانية دون الاولى في محله إلاّ أنّه يناسب جعله وجها للتفصيل بين بيع آلات القمار و بيع الدراهم المغشوشة، لأن الصحة في بعض صور بيع الدراهم المغشوشة لم تكن مبنية على تقسيط الثمن بأزاء الهيئة و لم يتوهمه أحد فيها.

[2] هذا الفرض أجنبي عما نحن فيه، و هو داخل في المسألة الثانية من القسم الآتي كبيع الجارية المغنية لغنائها، و ستعرف ان المختار فيها هو الصحة.

بيع ما يقصد فيه المتعاملان المنفعة المحرمة

[3] قد يكون المبيع بحيث لا يقصد منه بحسب الاستعمالات المتعارفة إلاّ الحرام، و قد لا يكون كذلك و حينئذ يكون ترتب الحرام عليه باشتراط المتعاملين أو بقصدهما أو بعلم البائع، و لذا قسم المصنف القسم الثاني إلى أقسام ثلاثة:

الأول: ان يشترط البائع المشتري صرف المبيع في الحرام كبيع العنب على أن يعمل خمرا.

الثاني: أن يكون الحرام داعيا للمشتري على الشراء كاشتراء الجارية المغنية لغنائها.

الثالث: أن يعلم البائع بصرف المشتري المبيع في الحرام كما إذا علم بائع المدية بأن المشتري يقع بينه و بين أحد المؤمنين منازعة تؤدي إلى قتله بها.

ففي القسم الأول يكون البيع بشرط أن يصرف المبيع في الحرام، و في القسم الثاني يكون البيع ممّن يقصد صرفه فيه، و في القسم الثالث يكون البيع ممّن يعلم انّه يصرفه في الحرام من دون قصد و لا اشترط.

و هذه الأقسام الثلاثة تجري في الإجارة باضافة قسم رابع يختص بها، و هو بذل الثمن بأزاء المنفعة المحرمة كاستيجار المرأة للزنا أو الرجل للكذب(1)

ثم روى عن عمر بن الخطاب ما يؤيده و الرواية ذكرها ابن حزم في المحلى 250/11 عن أبي الطفيل ان امرأة أصابها الجوع فأتت راعيا فسألته الطعام فأبى عليها حتى تعطيه نفسها و وافقته فحثا لها ثلاث حثيات من تمر و أصاب منها، و لما أخبرت عمر بن الخطاب قال: مهر مهر مهر، و درأ عنهما الحد. قال ابن حزم: و إلى هذا ذهب أبو حنيفة فلم ير الزنا إلاّ ما كان مطارقة و أما مع الاستيجار فليس بزنا و لا حد فيه.

و في الفتح القدير لابن همام الحنفي 149/4، و مجمع الأنهر 603/1 خالف أبا حنيفة الشافعي و مالك و أحمد و أبو يوسف و محمد بن الحسن، و قال ابن حزم في المحلى 250/11: العجب من الحنفيين المقلدين لأبي حنيفة ان يدرؤا الحد بثلاث حثيات من تمر و يجعلونه مهرا و هم لا يجيزون في النكاح الصحيح كون المهر أقل من عشرة دراهم و بهذا ينفتح باب للزنا و يسهل البغاء بهذه الحيلة و هو الاستيجار بتمرتين و كسرة خبز ليزني بها. انتهى.

من العجيب أن يفتح أبو حنيفة هذا الباب من الزنا و لم يهضم رأي الشيعة بالمتعة بشرائطها المعروفة من العقد على الخلية من زوج و عدة مع تعيين المهر و الأجل استنادا إلى روايات أئمتهم عليهم السّلام الحاكية تجويز صاحب الرسالة لها، فإنّ النهي لم يصدر إلاّ عن رأي عمر بن الخطاب تبعا للسياسة.

يحدث مسلم في صحيحه 535/1 عن جابر الأنصاري كنا نستمتع بالقبضة من التمر و الدقيق على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و أبي بكر و صدرا من خلافة عمر حتى نهى عمر بن الخطاب عنها في شأن عمر بن حريث، و في الاصابة لابن حجر 333/4 بترجمة سلمى مولاة حكيم بن امية ان سلمة بن امية بن خلف استمتع منها و ولدت له فجحد الولد فبلغ عمر فنهى عن المتعة و من أجل معروفية المتعة بين المسلمين تزوج ابن جريج فقيه مكة سبعين امرأة بنكاح المتعة كما في شرح الزرقاني على مختصر أبي الضياء في الفقه المالكي 76/8.

و في جمهرة أنساب العرب لابن حزم/ 150 تزوج سلمة ام اراكة بالمتعة فولدت له معبدا، و ذكر الراغب الاصفهاني في المحاضرات 94/2 ان يحيى ابن أكتم سأل شيخنا البصرة عن فتواه بجواز المتعة مع ان عمر بن الخطاب كان أشد الناس في المنع عنها؟ فأجابه الشيخ: بأن الحديث صح ان عمر صعد المنبر و قال: أيها الناس متعتان أحلهما اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و اله و اني محرمهما عليكم و أعاقب عليهما، فقبلنا شهادته و لم نقبل تحريمه.

و في المحبر لابن حبيب النسابة/ 289 كان من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و اله خالد بن عبد اللّه الأنصاري و زيد بن ثابت و سلمة بن الأكوع و عمران بن الحصين الخزاعي و عبد اللّه بن العباس يرون جواز نكاح المتعة فالتحريم ناشئ من عمر، كما في مسند أحمد 356/3، و كنز العمال 293/8، و منتخبه على هامش مسند أحمد 404/6.

و قد عرفت ان نهيه سياسي من جهة النزاع في الأولاد و لكن الجماعة اختلفوا أحاديث أسندوا النهي فيها إلى النبي صلّى اللّه عليه و اله.

و لم يقتنع أبو حنيفة بتلك الفتوى المخالفة لجميع الفقهاء حتى جاء بما هو أنكى و أمر، ففي بدائع الصنائع 35/7، و مجمع الأنهر 603/1، و شرح الدر المختار الحصفكي 53/2 لم يمنع أبو حنيفة من تزويج الرجل بمن لا تحل له كامه و ابنته و اخته و جميع المحارم، و زاد في الفتح القدير 148/4 الخامسة و المطلقة ثلاثا و منكوحة الغير و اخت الزوجة في عدتها مع العلم بالتحريم و العمد و يجب عليه المهر و يعاقب سياسة لا حدا مقدرا شرعيا.

قال ابن همام في الفتح القدير: خالفه أبو يوسف و محمد بن الحسن و الشافعي و مالك و أحمد، و في المحلى لابن حزم 253/11 العقد على المحارم كله زنا و الزواج كلا زواج، و إذا كان عالما بالتحريم عليه حد الزنا كاملا و لا يلحق به الولد في العقد.

قال بذلك الحسن و مالك و الشافعي و أبو ثور و أبو يوسف و محمد بن الحسن، و قال أبو حنيفة: لا حد عليه و الولد لا حق به و المهر واجب عليه لهن و ليس عليه إلاّ التعزير دون الأربعين فقط. و في المهذب لأبي اسحاق الشيرازي الشافعي 268/2: إذا زنا بامرأة معتقدا للتحريم وجب عليه الحد، و مثله ما لو تزوج ذات محرم فوطأها فإنّ العقد لا تأثير له فكان وجوده كعدمه.

، فإنّ المال

1) أفتى أبو حنيفة بصحة الاستيجار على الزنا و انّه لا حد على الزنى نقل ذلك شيخ زاده في مجمع الأنهر 603/1 و وجهه أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن 177/2 بأنّ اللّه تعالى سمى المهر أجرا في قوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ‌، و انما سماه أجرا لأنّه بدل المنافع فهو كمن قال أمهرك كذا، نعم هو نكاح فاسد.

الاولى: بيع العنب [1]

فيها مبذول بأزاء المنفعة دون العين.

فساد بيع العنب على أن يعمل خمرا

[1] هذا هو القسم الأول من بيع ما يقصد منه المنفعة المحرمة، و قد استدل المصنف على فساده بوجهين:

الوجه الأول: انّه اعانة على الاثم، و فيه:

أوّلا: منع الصغرى لعدم صدقها على مجرد الانشاء، نعم لا يبعد كون تسليم المبيع في الفرض مصداقا للاعانة على الاثم.

ثانيا: منع الكبرى لعدم حرمة الإعانة على الاثم كما سنوضحه.

ثالثا: مع تسليمهما يكون الثابت الحرمة التكليفية بعنوان ثانوي و هي لا تقتضي الفساد، لأن النهي انما له الظهور الثانوي في الفساد إذا تعلق بعنوان المعاملة كالنهي عن بيع الخمر أو تعلق بالثمن كما يستفاد ذلك من حمل السحت عليه، و أما النهي المتعلق بعنوان عام ينطبق على المعاملة أحيانا فلا يوجب الفساد كالبيع المستلزم ايذاء المؤمن أو قطع الصلاة.

الوجه الثاني: انّه أكل للمال بالباطل.

و فيه: ما بيناه مرارا من ان الآية الكريمة ناظرة إلى الأسباب دون غيرها، و كون البيع مع الشرط المزبور منها أوّل الكلام فالتمسك بها من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

و من الغريب ما ذكره المصنف من وقوع الثمن بأزاء المنفعة المحرمة المشروطة مع تصريحه في بحث الشروط بعدم تقسيط الثمن على الشرط و انّه التزام خارجي يوجب تخلفه الخيار فيما إذا كان موافقا للكتاب و السنة و إلاّ فلا يجب الوفاء به أصلا كما صرح به في الأخبار(1)

و في حديثه الآخر: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الشرط في الاماء لا توهب و لا تباع‌؟ قال: يجوز ذلك غير الميراث فانها تورث لأن كل شرط خالف الكتاب باطل.

و رواية المجلسي عن الصادق عليه السّلام في رجلين اشتركا في مال و ربحا فيه ربحا و كان المال دينا عليهما فقال أحدهما لصاحبه اعطني رأس المال و الربح لك و ما ترى فعليك. فقال: لا بأس به إذا اشترط عليه و إن كان شرطا يخالف كتاب اللّه فهو رد إلى كتاب عز و جل، و تقدم في الاستصباح بالدهن المتنجس ما رواه في الصحاح في قصة بريرة كل شرط ليس في كتاب اللّه فهو باطل.

.

هذا مضافا إلى أنّه لو سلم وقوع الثمن بازاء المنفعة لم يكن المقام مشمولا للآية لأن الباء فيها للسببية لا المقابلة على ان تقسيط الثمن على الشرط انما يتصور فيما إذا كان الشرط على البائع لنفع المشتري، و أما العكس كما فيما نحن فيه من اشتراط البائع على المشتري و تضييق حريته بصرف المبيع في جهة خاصة فلا معنى لتقسيط الثمن عليه، فهذه المسألة من صغريات مسألة الشرط الفاسد فبناء على كونه مفسدا كما عليه بعض(2)

و في كتاب «الرحمة باختلاف الأئمة» بهامش الميزان للشعراني 163/1: بيع العبد بشرط الولاء لمالكه لا يصح بالاتفاق، و عند الاصطخري من أصحاب الشافعي: يصح البيع و يبطل الشرط.

و في الفقه على المذاهب الأربعة 293/2: من البيوع الفاسدة البيع بشرط فاسد لا يقتضيه العقد، فالحنفية و الشافعية و المالكية حكموا ببطلان العقد إذا اقترن بشرط ينافي مقتضاه كما إذا باعه الدابة بشرط أن لا يركبها و الثوب لا يلبسه و الدار لا يسكنها.

و الحنابلة فرقوا في الشرط الفاسد فما كان منافيا لمقتضى العقد كالشراء بشرط عدم الخسارة فالبيع مردود و البيع بشرط جعله وقفا فالشرط فاسد و البيع صحيح.

يكون البيع فاسدا، و لكن الصحيح انّه غير مفسد فيكون البيع

1) في الوسائل 585/2 باب 6 من أبواب الخيار عن عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب اللّه فلا يجوز له و لا يجوز على الذي اشترط عليه و المسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب اللّه عز و جل.

2) ذكر ابن حزم في المحلى 413/8 ان كل عقد من بيع و غيره عقد على شرط باطل كان باطلا، و في شرح النووي على مسلم ارشاد الساري 338/6: شرط الولاء لمالك بريرة مبطل للبيع.

صحيحا، و لم نعرف ما في المتن من عدم ابتناء الفساد و عدمه على القولين في الشرط الفاسد.

و بما بيناه ظهر انّه لا مجال لما في المتن أيضا من ابداء الفرق بين ما نحن فيه و بين المعاوضة على الآلات المحرمة كالقمار بأن الجزء أقبل للتفكيك من الشرط و المشروط، و ذلك لعدم وقوع شيء من الثمن بأزاء الهيئة و لا بأزاء المنفعة المحرمة كي يتوهم التقسيط.

و يجاب عنه بأن التقسيط بالاضافة إلى الهيئة و المادة لكونهما جزئي المبيع أولى من التقسيط بحسب الشرط و المشروط، فإذا امتنع في الأول لأنّ المادة و الهيئة تعدان وجودا واحدا امتنع في الثاني بالأولوية.

و أما الإجارة على المنفعة المحرمة، فهي قسمين، لأن الثمن فيها تارة يقع بأزاء المنفعة المحرمة خاصة كاستيجار الغير للكذب و لا اشكال في فسادها لأن المنفعة المحرمة لا تكون مالا شرعا فأكل المال بأزائها من الأكل بالباطل، و اخرى يقع

الثمن بأزاء مطلق المنافع و تكون هي موردا للتمليك لكن مع اشتراط الانتفاع في خصوص المحرم و تطبيقها عليه فيلحقها حكم البيع و الفرق بين الصورتين ظاهر.

توضيح ذلك: ان الإجارة قد تقع على منفعة خاصة كركوب الدابة بحيث تكون هي التي ملكه المؤجر دون غيرها، و قد تقع على مطلق المنافع و لكن يشترط تطبيقها على جهة خاصة فيقول المؤجر آجرت لك الدار على أن تبيع فيها الخمر.

و نظير هذا انّه ربما يستأجر أحد غيره للزيارة و يشترط عليه ايقاعها في وقت خاص، و ربما يستأجر للزيارة في زمان مخصوص (و الثمرة بين الصورتين) تظهر فيما إذا خالف الشرط، فإنّ التخلف في الثانية يوجب الخيار للمؤجر لما تقدم فإنّ أمضى استحق اجرة المسمى و إن فسخ استحق اجرة المثل.

و في الاولى قد يقال بفساد الإجارة، و لكن لا وجه له بعد تمامية أركان الإجارة و تسليم المالك العين إلى المستأجر و تمكنه من استيفاء المنفعة غاية الأمر انّه فوت على نفسه المنفعة المملوكة له و استوفى غيرها و انما الكلام في ان المؤجر حينئذ يستحق عليه اجرتان، اجرة المسمى بسبب العقد و اجرة مثل المنفعة التي استوفاها كما هو الأظهر أو يستحق أغلا الأجرتين لعدم تمكن المالك أيضا من استيفاء كلتا المنفعتين في زمان واحد فكأنه لم يكن مالكا إلاّ لاحداهما على البدل، مثال ذلك ما إذا آجر فرسه للركوب فاستعمله المستأجر في الطاحونة و ما إذا أجره الفرس و اشترط استعماله في الركوب فاستعمله في الطحن هذا كله في المنفعة المحللة.

و أما المنفعة المحرمة، فإنّ كانت الإجارة واقعة عليها و بذل الثمن بأزائها كاستيجار أحد للكذب أو الزنا فلا اشكال في الفساد، ضرورة ان اطلاق دليل الحرمة ينافي الأمر بوجوب الوفاء و الحكم بصحة العقد المستلزمة لوجوب التسليم

خارجا(1)، و إن كانت الإجارة واقعة على مطلق المنافع و اشترط استيفاء خصوص المحرمة فتدخل في مسألة افساد الشرط الفاسد و عدمه فحال الإجارة في هذه الصورة حال البيع على القاعدة.

و لكن وردت فيها روايتان: احداهما: عن عبد المؤمن عن جابر قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل يؤاجر بيته يباع فيه الخمر؟ قال: حرام أجره.

ثانيتهما: عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذنية قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام أسأله عن الرجل يؤاجر سفينته أو دابته ممّن يحمل عليها الخمر أو الخنازير؟ قال:

لا بأس(2)

و الحديث الأول ضعفه المجلسي و لعله من جهة جابر الغير معلوم حاله، و أما على رواية الشيخ فالحديث صحيح فإنّ السند في التهذيب هكذا: أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن اسماعيل عن علي بن نعمان عن ابن مسكان عن عبد المؤمن عن صابر قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يؤاجر بيته - الحديث.

و الأول: من رجال السند هو الأشعري القمي يروي عن محمد بن اسماعيل بن بزيغ من عيون الطائفة و شيوخها كما في خاتمة المستدرك للنوري/ 657.

و الثاني: ابن بزيغ جليل القدر عظيم المنزلة يروي عن علي بن النعمان الأعلم النخعي، و في خاتمة المستدرك للنوري/ 630 أوصى علي بن النعمان بكتبه إليه.

و الثالث: هو الأعلم في رجال النجاشي/ 196 كان ثقة وجها ثبتا واضح الطريقة، و في مشتركات الكاظمي يروي عن عبد اللّه بن مسكان، و لم يذكر المامقاني في رجاله إلاّ الأعلم الراوي عن ابن مسكان و الرازي لم يذكره أهل الرجال.

و الرابع: عبد اللّه بن مسكان في خاتمة المستدرك/ 318 لم ير في أصحاب الصادق عليه السّلام أروى منه، و في رجال النجاشي ص 148 ثقة عين.

و الخامس: عبد المؤمن بن قيس بن قيس بن فهد في رجال النجاشي/ 174 ثقة و وثقه في الخلاصة و الوجيزة و المشتركاتين، و لم يذكر المامقاني في رجاله 217/2 إلاّ عبد المؤمن بن سلمة الكناني و عبد المؤمن بن عبد اللّه بن خالد العيسى و هما رجال الشيخ الطوسي من أصحاب الصادق عليه السّلام، و لم يذكر المامقاني من يروي عنهما.

نعم، ذكر في الثالث و هو عبد المؤمن بن القاسم بن قيس بن قيس بن فهد ان ابن مسكان يروي عنه.

و السادس: و هو جابر على رواية الكافي لم يذكر أرباب الرجال من اسمه جابر و يروي عنه عبد المؤمن، و أما على ما في التهذيب من انّه «صابر» ففي رجال المامقاني 90/2 عن جامع الرواة رواية عبد المؤمن بن القاسم بن قيس المذكور عن «صابر مولى بسام بن عبد اللّه الصيرفي».

و صابر عند النجاشي امامي و في تعليقة الوحيد في رواية صفوان عنه و لو بالواسطة دلالة على توثيقه، و ذكر النجاشي في رجاله طريقه إلى كتابه و سلسلة السند من عيون الطائفة كما في خاتمة المستدرك/ 811 و ابن اذينة في الرواية الثانية هو عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن اذينة و ثقة الشيخ و ابن شهر آشوب و العلاّمة و غيرهم. و قال النجاشي: إنّه شيخ البصريين و وجههم. و باقي رجال السند كلهم أجلاء.

.

1) في الفقه على المذاهب الأربعة 176/3: عند المالكية لا يصح اجارة الدكان ليباع فيه الخمر و الحشيش و غيره ممّا يفسد العقل و كذا اجارة المنازل لتتخذ محلا للفسق، و فيه ص 154: عند الحنابلة لا يصح اجارة الدار لتكون محلا للفسق أو لبيع الخمر أو القمار ممّا لا يحل.

2) هذا و ما قبله رواهما الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 422/3 باب جامع ما يحل فيه البيع و الشراء الحديث 6 و 8، و رواهما الشيخ الطوسي في التهذيب 154/2 في بيع الغرر و عنده في الحديث الأول «صابر» بدل «جابر»، و عنهما في الوافي 29/10 باب اجارة السفينة و الدابة و البيت للخمر.

و هما متعارضتان و الجمع بينهما بالتفصيل بين الإجارة لبيع الخمر و الإجارة لحمله ممّا لا قائل به، كما ان الجمع بينهما بحمل خبر جابر على وقوع الإجارة على خصوص المنفعة المحرمة و حمل المصححة على اشتراط ذلك أو قصده أو

المسألة الثانية: يحرم المعاوضة على الجارية [1]

العلم به لا شاهد عليه بل ينافيه التفريع في قوله عليه السّلام فيباع فيه الخمر.

و هكذا الحال في الجمع الذي اختاره المصنف من حمل الأول على الاشتراط، و الثاني على مجرد العلم برفع اليد عن ظهور كل منهما بصريح الآخر لعدم كون شيء منهما نصا فيما ذكر، و مجرد التيقن من الخارج لا يوجب ذلك كما تقدم في بيع العذرة.

فالصحيح اما حمل خبر جابر على الكراهة لأنّه ظاهر في الحرمة و نفي البأس في خبر ابن اذينة صريح في الجواز فيرفع اليد عن الظاهر بالنص، و أما التساقط و الرجوع إلى ما تقتضيه القواعد بل قد يقال بفساد الوجه الأول أيضا لحمل الحرمة في خبر جابر على الاجرة و هو ظاهر في الفساد و لا معنى فيه للكراهة فيتعين الوجه الثاني و هو الرجوع إلى القواعد على التفصيل المتقدم.

حكم بيع الجارية المغنية

[1] هذا هو القسم الثاني من الأقسام الثلاثة المتقدمة و هو ما إذا كانت المنفعة المحرمة داعيا للمشتري على الشراء كشراء الجارية المغنية لغنائها، و الكلام فيه تارة من حيث القاعدة، و اخرى من حيث الروايات الخاصة.

أما بحسب القاعدة فالحكم فيه هو الصحة لما بيناه من ان اشتراط المنفعة المحرمة لا يوجب الفساد فكيف يوجبه مجرد قصدها مع ان قصد المنفعة لا يكون دخيلا في البيع أصلا.

و لكن المصنف قسمه إلى ثلاثة أنحاء و جزم في أحدها بالصحة و في الآخر بالبطلان و تردد في الثالث:

الأول: ما إذا كان بذل الثمن جزءا أو كلا بأزاء الصفة المحرمة كغناء الجارية و مهارة العبد في القمار أو في السرقة، و في هذا القسم يدور حكم المعاملة عنده بين الصحة مطلقا و الفساد مطلقا و التقسيط، و لا يمكن الصحة على الاطلاق من جهة أن بذل بعض الثمن بأزاء المنفعة المحرمة التي ليست بمال شرعا، كما ان التقسيط غير تام لأن الصفة جزء عقلي و مقابلته بجزء من الثمن غير معروفة شرعا و عرفا، فيتعيّن البطلان مطلقا.

الثاني: ان لا تلاحظ الصفة في بذل الثمن و كميته و حكم فيه بالصحة.

الثالث: ان تلحظ الصفة و يكون بذل شيء من الثمن بأزائها بما أنها كمال قد تستعمل في الجهة المحللة أحيانا و لو نادرا، و احتمل فيه وجهان: الفساد لأنها منفعة نادرة، و الصحة لأن ما يقابل الثمن هو الموصوف و انما يزاد ثمنه باعتبار المنفعة النادرة.

و ما ورد من حمل السحت على ثمن المغنية، محمول على المتعارف الغالب و هو ما إذا وقع شيء من الثمن بأزاء الصفة باعتبار صرفها في الحرام.

و نقول: أمّا القسم الأول: فحكمه و إن تردد بين الاحتمالات الثلاثة المذكورة إلاّ ان الصحة أجودها، لأن الثمن لا يبذل بأزاء الصفة أصلا، و مع التنزل، فالصفة الملحوظة في الجارية أو العبد انما هي القدرة على ايجاد القبيح المحرم و هي غير قبيحة و لا محرمة و لذا تكون ثابتة في المبادئ العالية أيضا غايته صدور القبيح مناف للحكمة و عليه فليس بذل الثمن بأزاء الصفة يقع بأزاء المحرم.

و أما القسم الثاني: فما اختاره فيه من الصحة متين جدا.

و أما تردده في «القسم الثالث» من جهة كون المنفعة المحللة لتلك الصفة نادرة

و قد ورد النص [1]

فلا وجه له لعدم انحصار منفعة الجارية المغنية في الغناء و عدم انحصار منفعة العبد الماهر في القمار أو السرقة فيهما بل لهما منافع اخر شائعة معتد بها كالخدمة و العتق و نحوهما، و ضم منفعة اخرى إليها نادرة و هو الغناء في الوجه الحلال لا يوجب فساد البيع بعد عدم كون بذل الثمن بأزائها كما عرفت هذا كله بحسب القاعدة.

[1] الأخبار الخاصة جملة منها ظاهرة في فساد بيع الجارية المغنية و هي خمسة:

الاولى: رواية ابراهيم بن أبي البلاد قال: أوصى اسحاق بن عمر عند وفاته بجوار له مغنيات ان نبيعهن و نحمل ثمنهن(1)إلى أبي الحسن عليه السّلام، قال ابراهيم:

فبعت الجواري بثلاثمئة ألف درهم و حملت الثمن إليه فقلت: ان مولى لك يقال له اسحاق بن عمر أوصى عند موته ببيع جوار له مغنيات و حمل الثمن اليك و قد بعتهن و هذا الثمن ثلاثمئة ألف درهم. فقال: لا حاجة لي فيه ان هذا سحت و تعليمهن كفر و الاستماع اليهن نفاق و ثمنهن سحت.

الثانية: رواية سهل بن زياد عن الحسن بن علي الوشا قال: سئل أبو الحسن الرضا عليه السّلام عن شراء الجارية المغنية‌؟ فقال عليه السّلام: قد تكون للرجل الجارية تلهيه و ما ثمنها إلاّ ثمن كلب و ثمن الكلب سحت و السحت في النار.

الثالثة: رواية سعد بن محمد الطاطري عن أبيه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سأله عن بيع الجاري المغنيات(2)؟ فقال: شراؤهن و بيعهن حرام و تعليمهن كفر


1) في التهذيب 108/2: ان يبعن و يحمل ثمنهن.

2) التهذيب 107/2 «قال: سألته عن بيع جوار» و سمى الراوي سعيدا و الصحيح كما في الكافي على الهامش 392/3 باب كسب المغنية سعد لعدم ذكر الأول في الرجال و ذكر الثاني.

و استماعهن نفاق.

الرابعة: رواية اسحاق بن يعقوب في التوقيع الصادر من الحجة عجل اللّه فرجه:

و أما ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلاّ لما طاب و طهر و ثمن المغنية حرام(1).

الخامسة: رواية ابراهيم بن أبي البلاد قال: قلت لأبي الحسن الأول: جعلت فداك ان رجلا من مواليك عنده جواري مغنيات قيمتهن أربعة عشر ألف دينار و قد جعل لك ثلثها. فقال: لا حاجة لي فيه ان ثمن الكلب و المغنية سحت(2)

و في المقام أحاديث من العامة: في كنز العمال 200/2 و 209 عن ابن ماجة القزويني عن أبي هريرة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: لا تبتاعوا المغنيات و لا تشتروهن و لا تعلموهن و لا خير في تجارة فيهن و ثمنهن حرام.

و روى ابن أبي الدنيا و ابن مردويه عن أبي إمامة انه صلّى اللّه عليه و اله قال: «لا يحل بيع المغنيات و لا شرائهن و لا تجارة فيهن و ثمنهن حرام انما نزلت هذه الآية في ذلك وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ‌.

و روى الطبراني عن عمر: ثمن القينة سحت و غناؤها حرام و ثمنها مثل ثمن الكلب و ثمن الكلب سحت و من نبت لحمه على السحت فالنار أولى به.

و في نيل الأوطار للشوكاني 131/5 قال: و يؤيد المنع من البيع مع ظن استعمال المبيع في معصية ما أخرجه الترمذي من حديث أبي إمامة ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال: لا تبيعوا القينات المغنيات و لا تشتروهن و لا تعلموهن و لا خير في تجارة فيهن و ثمنهن حرام.

و رواه عنه أحمد في المسند 264/5 و 268 قال في حديثه: لا يحل بيعهن و لا شرائهن و لا تعليمهن و لا تجارة فيهن و ثمنهن حرام (يعني الضاربات)، و في بدائع الصنائع 169/5 لو اشترى جارية مغنية على سبيل الرغبة فيها فالبيع فاسد لأن التغنية صفة محظورة لكونها لهوا فشرطها في البيع يوجب فساده.

.

1) إكمال الدين للصدوق/ 267.

2) قرب الإسناد/ 170 ط نجف و جميعها منقولة في الوسائل 541/3 باب 44، و علق المجلسي في مرآة العقول على جملة من هذه الأحاديث فصحح حديث ابن أبي البلاد و رمى خبر الطاطري بالجهل و لعله من جهة عدم ذكر أهل الرجال له غير ان الوحيد استشعر وثاقته من رواية ابن أخيه الحسن بن علي الطاطري عنه و قول الشيخ في العدة عملت الطائفة بما رواه الطاطريون و ضعف حديث الوشا و لعله من جهة سهل بن زياد الذي أعرض عنه جملة من أصحابنا الأجلاء هذه أحاديث الخاصة.

و بأزاء هذه الطائفة روايتان تدلان على الجواز قد يتوهم معارضتهما لأخبار المنع:

أحداهما: ما عن التهذيب باسناده عن أحمد بن محمد البرقي عن عبد اللّه بن الحسن الدينوري قال: قلت لأبي الحسن: جعلت فداك ما تقول في النصرانية أشتريها و أبيعها من النصراني‌؟ قال: اشتر و بع قلت: فأنكح، فسكت عن ذلك قليلا ثم نظر الي و قال شبه الاخفاء: هي لك حلال. قلت: فأشتري المغنية أو الجارية تحسن أن تغني أريد بها الرزق لا سوى ذلك‌؟ قال: اشتر وبع.

ثانيتهما: ما رواه الصدوق قال: سئل علي بن الحسين عليه السّلام عن شراء جارية لها صوت‌؟ فقال: ما عليك إذا اشتريتها فذكرتك الجنة.

و نقول: رواية التهذيب و إن كانت واضحة الدلالة على الجواز إلاّ أنّ الدينوري مهمل، و ذكر المامقاني انّه لم ينقل عنه رواية من أوّل الفقه إلى آخره غير هذه، و حديث الصدوق لما لم يكن بنحو روى بصيغة المجهول و كان نقلا جزميا لا يعد في قسم المرسل لأنّه لو لم يكن جازما بالصحة لم ينقله جزما إلاّ ان الرواية أجنبية عما نحن فيه، فإنّ حسن صوت الجارية لا يستلزم كونها مغنية، فليس لروايات المنع معارض إلاّ أنها مطلقة تشمل أقسام بيع المغنية حتى القسمين الاخيرين،

المسألة الثالثة: يحرم بيع العنب [1]

و لازمه سقوط الجارية المغنية عن المالية رأسا و لم يقل به أحد.

فلا مناص من أحد أمرين: اما الأخذ باطلاقها و اخراج القسمين منها بالاجماع و السيرة و هو بعيد، و أما حملها على الجواري المعدة للغناء المتخذة له مهنة تجلب به المال بل لا يبعد ظهور عنوان المغنية في ذلك عرفا، فتكون أجنبية عما نحن فيه.

و قد تلخص ان التفصيل بين ما فيه صفة محرمة كالعبد الماهر في القمار و السرقة و غيره لا وجه له، لأن وجود صفة في المبيع لا تصرف إلاّ في الحرام لا تخرجه عن المالية مع وجود منافع محللة فيه، كما لا وجه للتفصيل بين الأقسام التي ذكرها (أعلى اللّه مقامه) في هذا القسم.

نعم، في خصوص الجارية المغنية وردت روايات ظاهرة في فساد بيعها، و قد عرفت ان المراد من المغنية بحسب الفهم العرفي خصوص الجواري المعدة للغناء و الطرب في المحافل بل لا يبعد انصرافها إلى ما إذا وقع البيع عليها بعنوان كونها مغنية، فالبيع الواقع على من كانت بهذه الصفة بهذا العنوان غير صحيح بمقتضى الأخبار المانعة فلا تعم الجارية إذا كانت حسنة الصوت أو العارفة بالغناء إذا لم تتخذه مهنة كما لا تعم شراء المغنية بداعي منعها عن ذلك.

حكم بيع العنب ممّن يجعله خمرا

[1] هذا هو القسم الثالث من بيع ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرمة و هو بيع الشيء مع علم البائع بأن المشتري يصرفه في الحرام أو مع علم المشتري بأن البائع يصرف الثمن في الحرام كالقمار، و الظاهر صحة البيع و الشراء حتى فيما قصد الحرام منهما فضلا عمّا إذا علم بترتب الحرام إلاّ ان المصنف قدّس سرّه فصل بينما إذا كان

الحرام داعيا على البيع كبيع العنب بقصد ان يعمله خمرا و بين مجرد العلم بترتبه عليه خارجا، فاختار المنع في الأول لكونه اعانة على الاثم و نفى الخلاف عنه، و الكراهة في الثاني جمعا بين الأخبار.

و التفصيل: لا وجه له لما ستعرف من عدم اعتبار قصد ترتب الحرام من المعان في صدق الإعانة على الاثم بل يكفي فيها مجرد الالتفات إلى ذلك من دون قصد إلى وقوعه.

و بعبارة اخرى: القصد قد يطلق على الاختيار المتقوم بالعلم و الالتفات و هو بهذا المعنى معتبر في الإعانة على الاثم كما انّه متحقق في كلتا الصورتين، و قد يطلق على الداعي و هو بهذا المعنى غير معتبر في الإعانة على الاثم أصلا بداهة انّه يصدق على بائع السيف ممّن يعلم انّه يريد قتل مؤمن به انّه أعان على قتلته و لو لم يكن القتل داعيا له على البيع، كما أن الأخبار المجوزة باطلاقها تعم صورة القصد فالتفصيل لا وجه له.

فالصحيح من حيث الحكم الوضعي جواز البيع لاطلاق الأدلة و عدم ثبوت دليل على الفساد إلاّ ما ورد في بيع الخشب ممّن يعمله صنما أو صليبا و سيأتي الكلام فيه.

و أما من حيث الحكم التكليفي، فلا بد من التكلم في مقامين: أحدهما في الموارد المنصوصة من هذا القسم و ما يستفاد من النص الوارد فيها، و ثانيهما في الأدلة العامة الشاملة لها و لغيرها.

أما المقام الأول: أعني الأدلة الخاصة فقد ورد على الجواز روايات:

منها ما رواه عن أبي نصر قال «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن بيع العصير فيصير خمرا

قبل أن يقبض الثمن‌؟ فقال: لو باع ثمرته ممّن يعلم انّه يجعله حراما لم يكن بذلك بأس».

و منها رواية أبي بصير قال «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا؟ قال: إذا بعته قبل أن يكون خمرا و هو حلال فلا بأس».

و منها ما رواه محمد الحلبي قال «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن بيع عصير العنب ممّن يجعله حراما؟ فقال: لا بأس به تبيعه حلالا ليجعله حراما فابعده اللّه و أسحقه».

و منها رواية ابن اذينة قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام أسأله عن رجل له كرم أ يبيع العنب و التمر ممّن يعلم انّه يجعله خمرا أو مسكرا؟ فقال: «إنّما باعه حلالا في الأبان الذي يحل شربه أو أكله فلا بأس ببيعه».

و منها رواية أبي كهمس قال «سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن العصير، فقال: لي كرم و أنا أعصره كل سنة و أجعله في الدنان و أبيعه قبل أن يغلي‌؟ قال: لا بأس و إن غلا فلا يحل بيعه، ثم قال: هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم انّه يصنعه خمرا».

و منها رواية رفاعة قال «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام و أنا حاضر عن بيع العصير ممّن يخمره‌؟ قال: حلال ألسنا نبيع تمرنا ممّن يجعله شرابا خبيثا».

و منها رواية الحلبي قال «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن بيع العصير ممّن يصنعه خمرا؟ فقال: بيعه ممّن يطبخه أو يصنعه خلا أحب الي و لا أرى بالأول بأسا» إلى غير ذلك(1).


1) الكافي باب جامع ما يحل فيه البيع و الشراء، و جميع الأحاديث تجدها في الوسائل 556/2 باب 88.

و هذه الأخبار يعارضها ما ورد في المنع عن بيع الخشب ممّن يعمله صنما أو صليبا بعد دعوى عدم الفرق بينه و بين بيع العنب أو العصير ممّن جعله خمرا، كمكاتبة ابن اذينة قال «كتبت إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام أسأله عن رجل له خشب فباعه ممّن يتخذ منه برابط. فقال: لا بأس. و عن رجل له خشب فباعه ممّن يتخذه صلبانا.

قال: لا». و رواية عمرو بن حريث قال «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن التوت أبيعه يصنع للصليب و الصنم‌؟ قال: لا»(1).

و جمع المصنف قدّس سرّه بينهما بحمل دليل المنع على الكراهة بشهادة ما زعمه رواية رفاعة و هي للحلبي و قوله عليه السّلام فيها «بعه ممّن يطبخه أو يصنعه خلا أحب الي و لا أرى بالأول بأسا» فانه كالصريح في الكراهة.

و فيه: أوّلا: أنّ ثبوت الكراهة ينافي قوله عليه السّلام في رواية أبي كهمس «هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن يعمله خمرا»، و قوله عليه السّلام في رواية رفاعة «ألسنا نبيع تمرنا ممّن يجعله شرابا خبيثا» الظاهر في صدور ذلك عنهم مكررا بل كان ديدنهم عليه، فإنّ الإمام عليه السّلام أجل شأنا من ان يلتزم بالمكروه مع عدم انحصار المشتري بعامل الخمر و من أجله حملنا في الدورة السابقة الخمر في قوله «ممّن يعمله خمرا» على العصير لاطلاقه عليه في الأخبار و بعد التأمل اتضح ان الخمر يطلق على العصير المحرم و هو المتخذ من العنب أو الزبيب، و أما عصير التمر فهو طاهر حلال ما لم يكن مسكرا.

و ثانيا: قوله عليه السّلام في مكاتبة ابن أذينة «انما باعه حلالا في الابان الذي يحل


1) الوسائل 2 باب 70 ص 548.

و قد يجمع بينهما [1]

شربه» ظاهر في الجواز بمعنى تساوي الطرفين فلا تناسب الكراهة، كما ان ظاهر التعليل أيضا نفي القبح عن تمكين الغير من ارتكاب القبيح، كيف و قد مكن المولى سبحانه عباده من ذلك.

و ثالثا: قوله عليه السّلام: «أحب الي» لا دلالة فيه على الكراهة و الحزازة بل ظاهره عدم الرجحان و المحبوبية.

[1] هذا جمع ثان بين الطائفتين و هو حمل الأخبار المانعة على صورة اشتراط صرف المبيع في المحرم، و الروايات المجوزة على مجرد العلم بذلك من دون اشتراط.

و فيه: أوّلا: انّه مخالف لصريح الأدلة المانعة اذ المأخوذة فيها ليس إلاّ العلم بصرف المبيع في الحرام.

و ثانيا: اشتراط جعل الخشب صنما على المشتري بعيد من مسلم يدين بالشريعة المطهرة ليسأل الإمام عليه السّلام عن حكمه.

و ثالثا: في رواية واحدة و هي مكاتبة ابن أذنية ورد المنع عن بيع الخشب ممّن يصنعه صليبا و نفى البأس عن بيعه ممّن يعمله برابط فكيف يحمل الأول على الاشتراط و الثاني على مجرد العلم مع ان الكلام واحد.

فلا مناص من الالتزام بأحد أمرين، اما المعارضة بين الطائفتين بناء على عدم الفرق بين مورديهما من بيع التمر ممّن يعمله خمرا و بيع الخشب ممّن يعمله صنما.

و عليه: فالترجيح لما دل على الجواز لموافقته الكتاب «تجارة عن تراض» و «أحل اللّه البيع» و يؤيده الشهرة في الفتوى فانها و إن لم تكن من المرجحات، اذ المرجح هي الشهرة في الرواية إلاّ أنها تصلح للتأييد.

فقد يستدل على حرمة البيع [1]

و أما التفصيل بالاقتصار في كل رواية على موردها فيلتزم بالمنع في مورد الرواية المانعة و بالجواز في غيرها و قد اختار المصنف حيث ذكر انّه قول فصل لو لم يكن قولا بالفصل - و الظاهر - صحته حيث لم يثبت اجماع على نفي التفصيل، كيف و الروايات صريحة في التفصيل مع موافقته الاعتبار فإنّ عبادة الأصنام من أعلى مراتب الكفر فلا يقاس بها بقية المعاصي.

و أما المقام الثاني: فقد أشار إليه المصنف.

[1] و ليس في هذا المقام ما يمكن الاستدلال به على المنع إلاّ حرمة الإعانة على الاثم، فلا بد من التكلم في هذه الكبرى الكلية من جهات: الأولى في بيان مفهومها، الثانية في حرمتها، الثالثة في انها من العناوين القبيحة ذاتا كالظلم فلا تتصف بغير الحرمة أو هي نظير الكذب فحرمتها قابلة للتخصيص.

الجهة الاولى: الإعانة عرفا مرادف للمساعدة المعبر عنها في الفارسية ب‍ «كمك» فهي من المفاهيم العرفية الواضحة التي لا يمكن تحديدها بالدقة سعة و ضيقا كالمفاهيم العقلية و قد ذكر المصنف قدّس سرّه في كتاب الطهارة ان الماء مع كونه من أوضح المفاهيم عرفا يشك في صدقه على بعض المايعات لشبهة مفهومية كماء الكبريت و الماء المخلوط بالطين.

فيقع الكلام في بعض الخصوصيات التي اعتبرت في صدق عنوان الإعانة على الاثم، ففي العوائد للنراقي لا تصدق الإعانة إلاّ إذا تحقق المعان عليه في الخارج، و تأمل فيه المصنف بدعوى ان حقيقة الإعانة على الشيء هو الفعل بقصد حصوله سواء حصل أم لم يحصل.

و الصحيح: ما ذهب إليه النراقي فإنّ من دفع المدية لمن يريد قتل مؤمن و لم

بل يمنع حيث لم يقع القصد [1]

يتمكن منه لا يصدق عليه انّه أعان على القتل، نعم يصدق حينئذ الإعانة على التجري.

[1] حكى النراقي في العوائد عن حاشية الارشاد للمحقق الثاني و آيات الأحكام للأردبيلي في فصل الحج و الكفاية للسبزواري أنّه يعتبر في صدق الإعانة على الاثم قصد وقوع الفعل من المعادن بأن يكون هو الداعي على عمله و تبعهم المصنف في ذلك.

و فيه: ان القصد قد يطلق على الداعي و قد يطلق على الاختيار المتقوم بالالتفات و الشعور و هو بكلا معنييه غير معتبر في الإعانة لغة، و لذا يصح اسنادها إلى غير الشاعر كما في قوله تعالى: وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاٰةِ‌ و فسر الصبر بالصوم(1)

و في الوسائل 117/2 باب 1 من أبواب الصوم المندوب عن تفسير العياشي عن الصادق عليه السّلام قال: الصبر الصوم، و فيه ص 117 عن معاني الأخبار قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «كل أعمال ابن آدم بعشرة أضعافها إلى سبعمئة ضعف إلاّ الصبر - إلى أن قال -: و الصبر الصوم»، و فيه عن الصادق عليه السّلام: «إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة فليصم فإنّ اللّه تعالى يقول: و استعينوا بالصبر، يعني الصيام».

، و قوله عليه السّلام: «نعم العون على الفقر الصوم» و في الدعاء: «و أعانني عليه شقوتي» و يقال: أعاننا الريح على السير فالقصد بمعنى الالتفات لا يعتبر فيها فضلا عن الداعي.

و يؤيد ما رواه السكوني عن الصادق عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «من أكل الطين


1) في التبيان للشيخ الطوسي 73/1 عند قوله تعالى في سورة البقرة/ 45 وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاٰةِ‌ قيل: المراد من الصبر الصوم.

و قال المحقق الأردبيلي [1]

فمات فقد أعان على نفسه»(1).

نعم، تنصرف الإعانة عرفا إلى صورة العلم و الالتفات فيما إذا أسندت إلى ذي الشعور، فلا يصدق على بائع المدية أنّه أعان على قتل من قتل به فيما إذا لم يكن ملتفتا إليه و لذا يهزء بالقاتل لو ادعى معاونة بائع المدية له على القتل كما يضحك من السارق إذا ادعى معاونة صاحب الدار على سرقته باسراجه الضياء الذي لولاه لم يتمكن من السرقة لأجل الظلام.

و بالجملة: فالالتفات إلى وقوع المعان معتبر في الإعانة عرفا فيما إذا أسندت إلى العاقل المختار، و أما لغة فلا يعتبر ذلك أصلا.

[1] حاصل ما حكي عنه التفصيل بين المقدمات القريبة و البعيدة و اختيار عدم صدق الإعانة في الثاني إلاّ مع القصد.

و فيه: ان العرف لا يجد فرقا بينهما في صدق عنوان الإعانة كثرت الوسائط أو قلت، فمن توسل إلى أحد ليتوسط عند ثالث على زواج شخص صدق أنّه أعان على زواج الرجل.

نعم، لا تصدق الإعانة على ايجاد الموضوع أي المكلف، و لذا ليس العباس بن عبد المطلب معينا على قتل الأئمة عليهم السّلام لأجل أنّه أولد الخلفاء العباسيين و لا يجب علينا الاجتناب عن النساء من جهة العلم الاجمالي بأن بعض من تولده يرتكب المعصية، و أما الموضوعات الاخر كآلات القمار و الخمر و غيرها من المحرمات


1) التهذيب 304/2، و ذكر ابن حزم في المحلى 430/7 ان أكل الطين لمن لا يستضر به حلال، و في احياء العلوم 83/2 قال: و الطين الذي يعتاد أكله لا يحرم إلاّ من حيث الضرر.

و يؤيده قوله تعالى: وَ لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ [1]

فايجادها اعانة على الاثم كما ان الوالد إذا أعطى لولده دراهم مع علمه بأنّه يقامر بها كان معينا له على فعله.

فظهر بما ذكرناه صدق الإعانة على تجارة التاجر المترتب عليها أخذ العشور لعدم اعتبار القصد بمعنى الداعي و عدم الفرق بين المقدمات القريبة و البعيدة فيها، كما ظهر ان ما ذكره المحقق النائيني من كون التجارة من قبيل ايجاد الموضوع فلا يصدق عليها عنوان الإعانة على الاثم غير تام إلاّ ان الإعانة على الاثم غير محرمة.

و بالجملة: المعتبر في صدق الإعانة عرفا مساعدة الغير على ايجاد المعان عليه خارجا مع التفات المعين إلى ترتبه على فعله سواء كان بذلك الداعي أو بغيره كانت المقدمات قريبة أو بعيدة.

[1] هذه هي الجهة الثانية من الكلام التي أشرنا إليها و هي حرمة الإعانة على الاثم، وردت أخبار كثيرة في حرمة الإعانة على الظلم و اعانة الظالم و لو من غير جهة الظلم و لأجله التزم بعض بوجوب الاتمام على من اندرج في أعوان الظلمة فيما إذا رافق الظالم في سفره السائغ له مع وجوب القصر على الظالم.

و أما الإعانة على الاثم: بهذا العنوان من دون أن تكون ظلما أو اعانة لظالم فلم نعثر على حرمتها، و التعاون على الاثم المنهي عنه في الآية المباركة وَ لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ‌ غير الإعانة فانه من باب التفاعل و هو عبارة عن التعاضد في قيام جمع بارتكاب معصية واحدة لا تصدر عن كل منهم منفردا بحيث يستند الفعل

إلى مجموعهم كالغزو(1)، و الإعانة المبحوث عنها انما هي من باب الأفعال و لا تصدق إلاّ إذا صدر الاثم من شخص مباشرة و ساعده الآخر بتهيئة بعض مقدماته من دون أن يكون للمعان اعانة على فعل المعين، فالآية الشريفة أجنبية عن الإعانة.

نعم، قد تكون الإعانة على الاثم من التسبيب لفاعل المعصية على ايجادها فتحرم بعنوان التسبيب إلى ايجاد الحرام فانه محرم على ما استظهرناه من نفس أدلة التحريم و لعل منشأ ذهاب المشهور إلى حرمة الإعانة على الاثم هي الأخبار الواردة في حرمة اعانة الظلمة أو الظالم.

هذا و المتحصل ممّا تقدم ان الإعانة على الظلم حرام و هكذا اعانة الظلمة حرام و لو في أمر مباح و كذلك التسبيب إلى ايجاد الحرام حرام، و أما الإعانة على الاثم فهي و إن كانت اعانة على الظلم بالنفس إلاّ انها ليست اعانة على الظلم عرفا فلا تحرم:

أوّلا: لعدم المقتضي لما عرفت من عدم قيام دليل على حرمتها.

و ثانيا: قيام السيرة العملية المتصلة بزمان المعصوم عليه السّلام على اعارة الأواني ممّن يعلم بعدم مبالاته بأمر الطهارة بل من الكفار أيضا، و بيع العصير من العامة مع العلم بأنهم يشربونه قبل ذهاب ثلثيه، و سقي الكفار الماء و غيره من المايعات مع تنجسها


1) في تفسير ابن عباس على هامش تفسير الرازي 352/3 قال: لما كان الاعتداء غالبا بطريق التظاهر و التعاون أمروا - أثر ما نهوا عنه - بأن يتعاونوا على كل ما هو من باب البر و دخل فيه التعاون على العفو و الاغضاء و نهوا عن التعاون في كل ما هو من مقولة الظلم و المعاصي و منه الاعتداء و الانتقام.

نعم يمكن الاستدلال على حرمة [1]

بملاقاتها مع أفواهم النجسة، و تمكين الزوجة من زوجها مع علمها ببقاء الزوج جنبا اليوم أو أكثر لعدم مبالاته في الدين إلى غيره ممّا هو اعانة على الاثم عرفا.

و ثالثا: ورود النص بجواز بيع التمر ممّن يعلم أنّه يعمله خمرا مع كونه من أظهر مصاديق الإعانة على الاثم(1).

[1] قد يستدل على حرمة الإعانة على الاثم بأن دفع المنكر كرفعه واجب و لا يتم إلاّ بترك الإعانة.

و فيه: أوّلا: ما أورده المصنف من أنّه انما يتم في فرض انحصار المعين بشخص واحد بحيث لو ترك الإعانة لم يكن هناك من يعينه و لم يتحقق المنكر في الخارج و لا يقاس ببعض المحرمات كالسرقة التي لا يكون فعل الغير لها موجبا لجوازها على الآخر لكونها أحكاما انحلالية ثابتة لكل مكلف بشخصه، بخلاف دفع المنكر فانه حكم واحد ثابت لمجموع المكلفين متقوم بترك جميعهم فإذا عصى واحد منهم لم يكن دفع المنكر مقدورا للباقين، فالدليل أخص من المدعى، و هذا نظير ما إذا وجب رفع حجر على عشرة أشخاص فعصى تسعة منهم فلا محالة يسقط التكليف عن العاشر لعجزه عنه.

و ثانيا: لم يثبت دليل على وجوب دفع المنكر، و قياسه على النهي عن المنكر في غير محله لأن النهي عن المنكر بمراتبه عبارة عن زجر الغير ليترك المنكر


1) في البحر الزخار لأحمد بن يحيى بن مرتضى المتوفى 840 ه‍ 300/3: يحرم بيع العنب و العصير ممّن يعلم انّه يخمره للاعانة على المعصية، و مع الشك مكروه و كذا بيع الخشب للمزامير و نحوها و السلاح ممّن يعصى به، و مع الظن وجهان الحرمة كما لو علم و الكراهة لتجويزه خلافه فإنّ فعل لم يفسد و ظاهر المذهب جوازه و إن كره.

باختياره و دفع المنكر عبارة عن تعجيزه عنه.

نعم، يجب دفع بعض المنكرات التي علم عدم رضا الشارع بتحققها كقتل النفس و هتك الأعراض و المشاعر الدينية و نحوها.

الجهة الثالثة: ربما يتخيل ان الإعانة على الاثم كنفس الاثم و العصيان من العناوين القبيحة بالذات غير قابلة لأن تتصف بغير الحرمة شرعا و لذا أنكر صدقها على موارد قيام السيرة على الجواز كالتجارة و السفر إلى الحج و المعاملة مع الكفار و غيرها.

و لكن الصحيح: ان حرمتها على فرض ثبوتها قابلة للتخصيص لأنها ليست من الأحكام العقلية كاستحالة اجتماع النقيضين، و انما هي حكم شرعي كبقية الأحكام الشرعية مثل حرمة الكذب و الخمر و قد خصصت في موارد:

منها: ما دلت عليه بعض الروايات من جواز بيع التمر ممّن يجعله خمرا مع التسليم خارجا.

و منها: ما يلحق به ممّا يستفاد جوازه من عموم قوله انما باعه حلالا في الأبان الذي يحل شربه كبيع الدجاج ممّن يعلم انّه يأكله ميتا.

و منها: موارد قيام السيرة العملية على الجواز من الامور العامة كسقي الكفار و اقامة المجالس و فتح المقاهي ممّا يعلم عادة بتحقق الغيبة أو النميمة أو الكذب فيها، و كاجارة الدواب و السيارات و نحوها ممّن يعلم و لو اجمالا بأنّ قصده من السفر فعل بعض المحرمات و كذلك الاشتغال بالبريد مع العلم بأن في الكتب ما هو مشتمل على الكذب و حكم الجائر و نحوها و قد جرت السيرة العملية على الجواز في جميعها و غيرها و لولاها لاختل النظام.

عدم فساد البيع [1]

مع قصد المشتري خاصة [2]

الثالث: ما يحرم التحريم ما يقصد منه شأنا [3]

و منها: موارد الاكراه على الإعانة على الاثم الرافع لحرمتها بلا اشكال.

[1] ذكرنا سابقا عدم الملازمة بين الحرمة تكليفا و الفساد وضعا، فعلى فرض ثبوت حرمة البيع لكونه اعانة على الاثم لا دلالة فيها على الفساد.

[2] بناء على حرمة الإعانة على الاثم و استلزامها الفساد لو كان البيع من طرف أحد المتبايعين اعانة على الاثم دون الآخر لعدم التفاته إلى ذلك هل يمكن تصحيحه من أحد الطرفين‌؟

الظاهر العدم لكون البيع متقوما بطرفين فانه تمليك بعوض فإذا فرض عدم انتقال أحد العوضين لا معنى لانتقال الآخر.

حرمة بيع السلاح من أعداء الدين

[3] هذا هو القسم الثالث من أقسام ما يحرم التكسب به، فإنّ القسم الأول كان البحث فيه عما لا يقصد من وجوده على النحو الخاص إلاّ المنفعة المحرمة، و في القسم الثاني عما يقصد منه المتعاملان المحرم، و في القسم الثالث عما فيه قابلية الصرف في الحرام.

و الظاهر ثبوتها في جميع الآعيان فكل مبيع يفرض في الخارج قابل لأن يقصد منه ذلك إلاّ انّه لم يرد دليل عام على حرمة بيع ما فيه شأنية الصرف في الحرام و إلاّ لفسد بيع كل شيء، و انما ورد النص على المنع في موارد خاصة يقتصر عليها:

منها: بيع السلاح لأعداء الدين من دون قصد تقويتهم و لا العلم بها، و الكلام فيه

يقع في مقامات ثلاثة:

الأول: في بيع آلات القتل كالسيف و الرمح، و الروايات الواردة فيها على طوائف ثلاث: بعضها مجوزة للبيع مطلقا، و بعضها مانعة منه مطلقا، و منها ما هو مفصلة بين زمان الحرب و الهدنة.

أما الروايات المطلقة: فالمجوزة، منها: رواية أبي القاسم الصيقل قال: «كتبت إليه اني رجل صيقل أشتري السيوف و أبيعها من السلطان أ جائز لي بيعها؟ فكتب عليه السّلام: لا بأس به»(1).

و المانعة، منها: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام قال: «سألته عن الرجل المسلم يحمل التجارة إلى المشركين‌؟ قال: إذا لم يحملوا سلاحا فلا بأس»(2)، و في وصية النبي لعلي عليه السّلام «يا علي كفر باللّه العظيم من هذه الامة عشرة أصناف، وعد منها بائع السلاح من أهل الحرب»(3).

و قد جمع المصنف بينهما بحمل المجوزة على زمان الهدنة، و المانعة بحال الحرب مستشهدا بروايتين، احداهما: ما رواه أبو بكر الحضرمي قال: «دخلنا على أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال له الحكم السراج: ما ترى فيما يحمل إلى الشام من السروج و اداتها؟ فقال: لا بأس أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله انكم في هدنة فإذا كانت المباينة حرم عليكم ان تحملوا اليهم السلاح و السروج»، و ثانيتهما: رواية هند السراج قال «قلت لأبي جعفر عليه السّلام: أصلحك اللّه اني كنت أحمل السلاح إلى أهل


1) التهذيب 114/2.

2) قرب الإسناد/ 151.

3) من لا يحضره الفقيه باب النوادر آخر الكتاب.

الشام فأبيعه منهم فلما عرفني اللّه هذا الأمر ضقت بذلك و قلت لا أحمل إلى أعداء اللّه. فقال لي: أحمل اليهم فإنّ اللّه تعالى يدفع بهم عدونا و عدوكم - يعني الروم - فإذا كان الحرب بيننا فمن حمل إلى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك»(1)

و أما الحكم السراج فلم يذكر فيه أهل الرجال ما يوجب المدح سوى الوحيد البهبهاني في التعليقة فانه استظهر من هذه الرواية مدحه، و أما أبو بكر الحضرمي فمختلف فيه، فالعلامة و ابن داود ذكراه في قسم الممدوحين، و استشكل فيه الشهيد في تعليقته على الخلاصة و صاحب المدارك و المحقق الأردبيلي.

و في المصادر المذكورة رواية أحمد بن محمد عن أبي عبد اللّه البرقي عن السراد عن أبي عبد اللّه قال «قلت له: اني أبيع السلاح. قال: لا تبعه في فتنة»، و رماها المجلسي بالجهالة و لعله من جهة توسط رجل بين السراد و الصادق عليه السّلام لا يعرف حاله، لأن السراد و هو الحسن بن محبوب لا يروي ابتداء عن أبي عبد اللّه عليه السّلام لولادته بعد وفاة الإمام عليه السّلام باحدى عشر سنة فانه توفي سنة 224 عن خمس و سبعين سنة فتكون ولادته سنة 159 و شهادة الإمام عليه السّلام سنة 148 فهو من أصحاب الكاظم و الرضا و الجواد و أدرك من أيام الهادي أربع سنين، لأن الجواد استشهد سنة 220، و قد حكى الفيض في الوافي عن الاستبصار توسط رجل بين السراد و الصادق عليه السّلام و من رواية أبي عبد اللّه البرقي عن السراد نعرف انّه الحسن بن محبوب الجليل القدر المعدود من الأركان الأربعة.

.

ففصل قدّس سرّه بين الحالين و لذا أورد على ما حكاه عن حواشي الشهيد رحمه اللّه من المنع مطلقا مستدلا بأن البيع من الكافر تقوية له على المسلم:

أوّلا: بضعف دليله لأن تقوية شخص كافر بسقيه الماء أو اطعامه غير محرم و انما الحرام تقوية الكفر على الإسلام و لا يتحقق ذلك ببيع السلاح من الكفار حال الهدنة.


1) الروايتان في الكافي على هامش مرآة العقول 319/3، و التهذيب 107/2، و عنهما الوسائل 537/2، و الوافي 29/10، و قال المجلسي رواية هند السراج مجهولة و لعله من جهة هند السراج الذي لم يذكر له مدح.

و ثانيا: أنّه اجتهاد في مقابلة النص حيث صرح في الحديث بالجواز في زمان الهدنة.

و لكن ما ذهب إليه الشهيد رحمه اللّه هو الصحيح الموافق للروايات، و ما أورده عليه المصنف غير وارد.

أما ما ذكره من جواز تقوية الكافر بالطعام و نحوه فهو لا يقاس ببيع السلاح منهم المؤدي إلى تقوية شوكتهم بالضرورة بل إلى استعمار بلاد الإسلام و اضمحلال الدين و لا ريب في حرمته، ففي بيع السلاح مطلقا خصوصية لا توجد في بذل الطعام و المال، و كيف يرضى اللّه سبحانه بذلك و هو القائل في كتابه المجيد وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ‌ الآية(1)، فأوجب جل شأنه على عباده تقوية المسلمين على أعدائهم ما أمكن من ترهيب الكفار و اذلالهم فيستفاد منه حرمة تقويتهم، كما يشهد لها ما ثبت من وجوب حفظ نفس المسلم عقلا و شرعا فإنّ احترامه انما هو لأجل كونه مسلما فكيف بنفس الإسلام، و قد بذل الأئمة نفوسهم الزكية لحفظه و من


1) في التبيان للشيخ 856/1 و مجمع البيان 555/4 و جوامع الجامع للطبرسي/ 170 و روح المعاني للآلوسي 24/10 و الكشاف 132/2 و تفسير الرازي 380/4 و تفسير أبي السعود على هامشه 51/5 و تفسير الخازن 37/3 و تفسير البغوي على هامشه/ 37: ان القوة في الآية المباركة كلما يتقوى به على العدو من آلة الحرب و السلاح و الرجال و الخيل، و هو المروي في تفسير الصافي عن الكافي، و روى العياشي عن الصادق: انها سيف و ترس، و في تفسير علي بن ابراهيم/ 255: انها السلاح، و في أحكام القرآن للجصاص 84/3: انها السلاح و الكراع، و في أحكام القرآن لابن العربي 358/1: كلما يعد قوة لنا عليهم، و في شرح السير الكبير للسرخسي 75/4 عد من السلاح: الترس و البيضة و الدرع.

البديهي أنّه ينافيه تقوية الكفار.

و أما ما ادعاه من الاجتهاد في قبال النص، فيرده أن الخبرين المفصلين موردهما بيع السلاح من المخالفين من أهل الشام و أتباعهما لا من الكفار، و يشهد له التعليل في رواية السراج بأن اللّه تعالى يدفع بهم الأعداء، و في رواية الحضرمي بقوله: أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه، و غفلة المصنف عن هذا و جعله الروايتين شاهدا للجمع غريب جدا.

نعم، قد يستشعر من التعليل جواز بيع السلاح من فئتين متحاربتين من الكفار إذ به يدفع أعداء الإسلام بكثرة القتل فيهم، فلا معارضة بين الأخبار المانعة المطلقة و بين الأخبار المفصلة ليجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد لاختلاف مورد الطائفتين.

و أما المجوزة مطلقا: فتحمل على بيع السلاح من المخالفين في حال الهدنة فانه لو كان لها اطلاق شامل لمطلق أعداء الدين يقيد بالمانعة المطلقة في خصوص الكفار و بالمفصلة بين حالي الهدنة و الحرب في خصوص المخالفين.

فتحصل: ممّا ذكر ان بيع السلاح من الكفار ممنوع مطلقا(1)

و في مقدمات ابن رشد على هامش المدونة لمالك 348/3: لا يجوز ان يباع الكفار شيئا يستعينون به في حروبهم من الكراع و السلاح و الحديد و الرايات و الثياب التي يلبسونها في حروبهم و النحاس الذي يعملون منه الطبول و العبد النصراني لأنّه يكون دليلا على المسلمين.

و علل الكاساني في بدائع الصنائع 233/5: المنع من بيع السلاح منهم بأنّه اعانة على الاثم و خرج الحديد الذي لم يعد للقتان لعدم تحقق الإعانة فيه، و علله قاضي زادة في نتائج الأفكار ملحق بالفتح القدير لابن همام 127/8: بأنّه تسبيب إلى المعصية، و في الفتح القدير 297/4: بأن في بيع السلاح منهم تقوية على قتال المسلمين و لأن النبي صلّى اللّه عليه و اله نهى عن بيع السلاح من أهل الحرب و حمله اليهم.

و في شرح صحيح مسلم للنووي على هامش ارشاد الساري 424/8 عن القاضي عياض: ان المعين على الحرام يشارك فاعله في الاثم.

و قد ورد المنع عن بيع السلاح منهم في مجمع الأنهر 709/1 و الدر المختار 127/2 بلفظ يكره و المقصود منه الحرمة، و في البحر الزخار لأحمد بن يحيى بن المرتضى اليمني 301/3: لا تجوز مبايعة الكافر لآلة الحرب و لا يكره صناعة آلة الحرب و إن صارت إلى الفسق اذ الإعانة هي النية و التمكين و لم يجتمعا.

للأخبار السليمة

1) في المحلى لابن حزم 30/9: لا يجوز بيع السلاح أو الخيل ممّن يوقن انّه يعدو بها على المسلمين، و في المغني لابن قدامة 223/4: يحرم كل ما يقصد به الحرام و العقد عليه باطل كبيع السلاح لأهل الحرب و قطاع الطريق و في الفتنة و بيع الامة للغناء أو اجارتها له أو للزنا و اجارة داره لبيع الخمر فيها و لتتخذ كنيسة أو بيت نار، و في الفروع لابن مفلح الحنبلي 471/2: لا يصح بيع ما قصد به الحرام كالعصير لمن يتخذه خمرا، و السلاح و الفتنة، و المأكول و المشروب لمن يشرب عليهما المسكر، و القدح لمن يشرب بها المسكر، و الجوز للقمار، و الأمة و الأمرد لواطئ دبر.

دون ما لا يصدق عليه كالمجن و المغفر [1]

عن المعارض و لأن بيعه من المحارب يكون تقوية لهم و تضعيفا للمسلمين و هو حرام كما يستفاد من فحوى الآية المباركة و غيرها و بيعه من الذمي يوجب عزتهم و شوكتهم و قد قال جل شأنه حَتّٰى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ‌ ، و أما بيع السلاح من المخالفين فهو جائز ما لم يظهر الحجة عجّل اللّه فرجه بل قد يجب لقاعدة الميسور و قد كان الأئمة عليهم السّلام مع من عاصروه من خلفاء الجور على هذا.

[1] هذا هو المقام الثاني في بيع آلات الدفع من أعداء الدين، و الظاهر عدم الفرق بينها و بين آلات القتل في حرمة البيع من الكفار أو المخالفين.

أوّلا: ان عنوان السلاح الممنوع بيعه كعنوان لامة الحرب يشمل ما يقتل به

كالسيف و الرمح و السهم و نحوها و ما يكون دافعا عن القتل أو الجرح كالدرع و الترس و البيضة و المغفر إلى غيرها(1)

و لست بعرنة عرك سلاحي عصا مثقوبة تقص الحمارا و في مقاييس اللغة لابن فارس 94/3: السلاح كل ما يقاتل به و أبو عبيدة فرق بين السلاح و الجنة بأن السلاح ما قوتل به و الجنة ما اتقى به و احتج بقوله:

حيث ترى الخيل بالابطال عابسة ينهضن بالهندوانيات و الجنن

.

و ثانيا: ان فيه تقوية الأعداء و قد عرفت مبغوضيتها.

و ثالثا: قوله عليه السّلام في رواية هند السراج «فمن حمل إلى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك» فإنّ الاستعانة تحصل بما يكن به فيحرم بيعه.

و رابعا: رواية الحكم السراج: مانعة عن بيع السروج، و التفصيل بينهما و بين غيرها ممّا يعد من آلات الحرب لا وجه له.

و توهم: كون السروج جمع السريجية أعني السيوف.

فاسد أوّلا: ان الحكم كان صانع السروج لا السيوف.

و ثانيا: ان السريجية تجمع على السريجيات لا السروج بالواو(2).


1) في المصباح بمادة سلح: السلاح ما يقاتل به في الحرب و يدافع به و الجمع على التذكير أسلحة و على التأنيث سلاحات، و في الفائق للزمخشري 302/1: السلاحة ما أعددته للحرب من آلة الحديد و السيف وحده يسمى سلاحا، و عن أبي عبيد: السلاح ما قوتل به و الجنة ما اتقى به، و في نهاية ابن الأثير 188/2: السلاح ما أعددته للحرب من آلة الحديد ممّا يقاتل به، و في مفردات الراغب: السلاح كل ما يقاتل به و جمعه أسلحة، و في القاموس مع شرحه تاج العروس: السلاح بالكسر آلة الحرب أو حديدتها أي ما كان من الحديد كذا خصه بعضهم و السلاح القوس بلا وتر و العصا و منه قول ابن أحمر:

2) في الصحاح للجوهري بمادة سرج عن الأصمعي: السريجيات سيوف منسوبة إلى قين يقال له سريج.

و أما رواية محمد بن قيس [1]

فلا مجال لدعوى اختصاص الأدلة المانعة بآلات القتل و الرجوع في غيرها إلى أصالة الحل، كما لا مجال للتمسك برواية محمد بن قيس.

[1] قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الفئتين تلتقيان من أهل الباطل أ بيعهما السلاح‌؟ قال: بعهما ما يكنهما الدروع و الخفين(1)، و هذه الرواية و إن جوزت بيع ما يكن و منعت عن بيع غيره فإنّ التفصيل قاطع للشركة إلاّ انها محمولة على أهل الباطل من المسلمين المحقونة دمائهم للقطع بجواز بيع السلاح على فئتين متحاربتين من الكفار، بل هو راجح لاستلزامه تضعيفهم بكثرة القتل فيهم كما ان بيع ما يكنهم مرجوح لاستلزامه قلة القتل فيهم، و كذا لا ريب في جواز بيع السلاح من الفئة المسلمة المحاربة مع الكفار اذ لا حرمة لهم، فلا يمكن حمل الرواية على فئتين تكون احداهما أو كلتاهما مهدورة الدم بل لا بد من حملها على فئتين مسلمتين من أهل الباطل.

فالصحيح: عدم جواز بيع ما يكن ممّن منع بيع آلات القتل منه، بل لا يبعد عدم


1) الكافي 391/3، و التهذيب 107/2، و عنهما الوافي 29/10، و الوسائل 538/2، و الظاهر ان محمد بن قيس هو البجلي لا أبو نصر الأسدي من بني نصر بن قين لما حكي عن جامع الرواة من تمييزه برواية هشام بن سالم عنه، و كلماتهم و إن اضطربت في حقه إلاّ أن الشيخ الحر في رجال الوسائل ذكره و الأسدي مولى بني نصر و وثقهما، و في خاتمة المستدرك 664/3 عند ذكر مشيخة الصدوق انّه ثقة عين، و تابعهم الشيخ محمد طه نجف في اتقان المقال/ 129، كما وثقه المامقاني في تنقيح المقال 177/3 و هشام بن سالم الراوي عن محمد بن قيس هو الجواليقي وثقه النجاشي و العلاّمة و ابن داود و غيرهم، و من هنا حكم المجلسي في مرآة العقول بأن الرواية حسنة.

عدم التعدي إلى غير أعداء الدين [1]

النوع الثالث: ممّا يحرم الاكتساب به ما لا منفعة فيه [2]

جواز بيع غير السلاح من الكفار كالماء و الطعام إذا استلزم تقويتهم و اعلاء كلمتهم.

[1] البحث عن بيع السلاح ممّن يلحق بأعداء الدين من أهل الباطل كقطاع الطريق خارج عن هذا القسم لعدم ورود نص فيه بالخصوص فهو داخل في القسم الثاني، فإنّ كان البائع قاطعا بأنّه يصرفه في قتل النفس المحترمة لم يجز بيعه لوجوب حفظها و إن كان قاطعا بصرفه في محرم غير القتل جرى فيه ما تقدم، فحاله حال بيع العنب على من يصنعه خمرا، و إذا احتمل عدم صرفه في الحرام أصلا فلا مانع من البيع.

جواز بيع ما لا نفع فيه

[2] أي ما لا يكون فيه منفعة محللة معتد بها عند العقلاء لخسته في نفسه كالذباب أو لقلته كحبة من الحنطة، و الجامع بين القسمين عدم المالية العرفية.

و هذه المسألة كما أفاد السيد الطباطبائي قدّس سرّه أجنبية عن المكاسب المحرمة لأن المراد بها ما يحرم تكليفا كبيع الخمر ما لا مالية له عرفا ليس حراما و إن كان فاسدا بناء على اعتبار المالية في المبيع فهي داخلة في باب شرائط العوضين من كتاب البيع إلاّ انا نقتفي أثر شيخنا المصنف في البحث عنها.

فنقول: يستفاد من مجموع كلام المصنف صدرا و ذيلا امكان الاستدلال على بطلان بيع ما لا مالية له بوجوه أربعة:

الأول: ان البيع كما نص عليه في المصباح مبادلة مال بمال فإذا لم يكن المبيع مالا لا ينطبق عليه عنوان البيع فلا يعمه قوله تعالى: أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ‌ .

و فيه: أوّلا: ان تعريف اللغوي ليس إلاّ من قبيل شرح الاسم فلا يلزم أن يكون جامعا و مانعا خصوصا بعد ما نرى صحة استعمال الشراء المقابل للبيع في شراء النفوس في قوله تعالى: إِنَّ اَللّٰهَ اِشْتَرىٰ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ‌ الآية، مع انها لا تعد من الأموال عرفا فيصدق البيع على بيعها أيضا، و اطلاق الشراء المرادف للبيع فيما ليس المبيع مالا في مواضع من القرآن كقوله وَ لَبِئْسَ مٰا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ‌ أي باعوها، و قوله تعالى وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اَللّٰهِ‌ أي يبيعها، و قوله جل شأنه: بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ‌ أي باعوا به، فالظاهر عدم اعتبار مالية المبيع في صدق البيع و الشراء.

و ثانيا: سلمنا عدم صدق عنوان البيع عليه إلاّ أنّه يصدق عليه التجارة و العقد فيعمّه قوله تعالى: إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ ، و قوله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و يكفي ذلك في صحة المعاوضة على ما ليس مالا عرفا.

الثاني: ان شراء ما لا مالية له سفهي و هو فاسد.

و فيه: أوّلا: منع الصغرى لا مكان ترتب غرض عقلائي عليه من التداوي و التشريح و نحوه فلا يكون سفهائيا.

و ثانيا: منع الكبرى لعدم قيام دليل على بطلان البيع السفهائي و انما الممنوع عنه بيع السفيه، فالعاقل الرشيد إذا اشترى ما يباع في السوق بفلس بقيمة غالية لكسل عن الوصول إلى السوق صح بلا إشكال مع كونه معاملة سفهائية لعدم بذل العقلاء هذا المقدار من المال لهذا الداعي، و لا يوجب ذلك سفه المشتري فإنّ السفيه من كان نوع معاملاته كذلك.

الثالث: ان بيع ما لا مالية له أكل للمال بالباطل المنهى عنه في الآية الشريفة.

و فيه: ان الآية ناظرة إلى المنع عن أكل الأموال بالأسباب الباطلة، و قد استثنى التجارة عن تراض فهي سبب صحيح و قد خصصت في موارد عديدة كبيع الخمر و الخنزير و لم يخصص بيع ما لا مالية له.

الرابع: رواية تحف العقول فانها منعت عن بيع ما يأتي منه الفساد المحض و اعتبرت في المبيع أن يكون فيه وجه من وجوه الصلاح أي المنفعة الظاهرة العرفية.

و فيه: أوّلا: مضافا إلى ضعف سند الرواية ان اعتبار الصلاح انما هو في مقابل ما فيه الفساد المحض، فالمراد به ما فيه جهة صلاح و جهة فساد كالسيف، و أما ما ليس فيه جهة صلاح و لا فساد فهو خارج عن مورد الرواية رأسا.

و ثانيا: ان الاستدلال بها انما يتم فيما لا مالية له لخسته دون ما لا منفعة فيه لقلته كعود من الكبريت اذ فيه جهة صلاح كاشتعال النار به و إن كانت قليلة.

و ثالثا: أنّها لا تدل على الفساد بل هي ظاهرة في الحرمة التكليفية، و لم يحتمل أحد حرمة بيع ما لا مالية له، و المحتمل انما هو فساده و هو أجنبي عن الرواية.

فالصحيح: انّه لا دليل على فساد بيع ما لا مالية له، نعم كلمات العلماء ظاهرة في تسالمهم على البطلان(1)فإنّ استكشف منه اجماع تعبدي يؤخذ به إلاّ ان من


1) في الفقه على المذاهب الأربعة 216/2: عند الحنفية يشترط ان يكون المبيع مالا متقوما شرعا فلا ينعقد كل ما لا يباح الانتفاع به شرعا و لا ينعقد بيع اليسير من المال كحبة من حنطة لأنها ليست مالا متقوما، و عند الحنابلة لا يصح بيع ما لا نفع فيه أصلا كالحشرات، و ما فيه منفعة محرمة كالخمر، و ما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، و ما فيه منفعة مباحة للضرورة كالميتة حال الاضطرار، و في الفتح القدير لابن همام 357/5: لا يجوز بيع هوام الأرض كالخنافس و العقارب و الفأرة و النمل و الوزغ و القنافذ و الضب لا هوام البحر كالضفدع و السرطان لأنّه لا ينتفع بها.

و يظهر أيضا جواز بيع الهرة [1]

المحتمل قويا كون مدركهم الامور المتقدمة التي عرفت ما فيها.

[1] ما ورد في جواز بيع الهرة(1)

و يروي المحدث النوري في المستدرك 430/2 عن الدعائم «ان عليا عليه السّلام رأى رجلا يحمل هرة، فقال: ما تصنع بها؟ قال: أبيعها فلا حاجة لي بها. قال: تصدق اذا بثمنها» - الخ.

و لعله لهذا الخبر أفتى القاضي ابن البراج بالتصدق بثمن الهرة و عدم التصرف فيه بغير ذلك، و قول صاحب الجواهر لا نعرف له مأخذا، و في الدروس هذا القول متروك و الرواية مصرحة باباحته يردهما هذا الخبر.

نعم، تقدم الكلام في روايات الدعائم و لعل بيع السنانير كان معروفا في تلك الأزمنة و يؤيده الحديث 22 المروي في كتاب النكاح من الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «ان رجلا خطب إلى قوم فقالوا: ما تجارتك‌؟ قال: أبيع الدواب، فزوجوه فإذا هو يبيع السنانير، فاختصموا إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فأجاز نكاحه، و قال: السنانير دواب».

و احتفظت جوامع حديث أهل السنة بما رواه جابر بن عبد اللّه الأنصاري عن النبي صلّى اللّه عليه و اله انّه نهى عن ثمن السنور، و رواه مسلم في صحيحه 625/1، و البغوي في مصابيح السنة 3/2، و أبو داود السجستاني في السنن 278/3، و الحاكم في المستدرك 34/2، و البيهقي في السنن 10/6، و أحمد في المسند 297/3 و 339، و المتقي الهندي في كنز العمال 209/2، و لأجله أفتى ابن حزم في المحلى 13/9 بتحريم البيع و إن الواجب على من عنده فضل أعطاه لمن اضطر إليه من جهة أذى الفأر.

و في الفقه على المذاهب الأربعة 301/2 عند الحنابلة خلاف في بيع الهر و المختار عدم الجواز، و في بدائع الصنائع في الفقه الحنفي 142/5 عد من الحيوانات الجائز بيعها عند أصحابه الهر، و عند الشافعي لا يجوز بيعه و لكن النووي في شرحه على مسلم بهامش ارشاد الساري 446/6 قال: مذهبنا و مذهب العلماء حمل النهي عن ثمن السنور على ما لا ينتفع به و انّه تنزيه حتى يعتاد الناس هبته و اعارته، و أما ما ينتفع به فيصح بيعه و يحل ثمنه، و جوز الغزالي في احياء العلوم 60/2 باب 2 من كتاب المكاسب بيعه.

و قال ابن رشد في البداية 119/2: النهي عن ثابت إلاّ ان الجمهور على اباحته لأنّه طاهر العين مباح المنافع، و في شرح السير الكبير للسرخسي 279/2 بيع الهرة جائز لأنّه منتفع بها، و علله في فتح القدير 357/5 بأنّه يصيد الفأر و الهوام المؤذية، و في جامع مسانيد أبي حنيفة 12/2 قال أبو حنيفة: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: لا بأس بثمن الهر، و في الام للشافعي 179/4 قال الشافعي: ما وجدناه من أموال العدو كل شيء له ثمن من هر و صقر فهو مغنم.

و في زاد المعاد لابن القيم على هامش شرح الزرقاني للمواهب اللدنية 354/8: الصواب حرمة بيع السنور للحديث الصحيح الصريح و هو مذهب أبو هريرة و طاووس و مجاهد و جابر بن زيد و جميع أهل الظاهر و هو إحدى الروايتين عن أحمد و اختيار أبي بكر عبد العزيز قال: و نقل البيهقي ان بعض أهل العلم حمل حديث النهي عن بيعه حين كان محكوما بنجاستها و لما قال النبي صلّى اللّه عليه و اله: الهرة ليست بنجس صار المنع منسوخا.

و منهم من حمله على السنور إذا توحش، و منهم من حمله على الهر الغير مملوك و كل هذه المحامل موهونة: انتهى.

و في شرح الزرقاني على مختصر أبي الضياء في الفقه المالكي 17/5 جاز بيع ذات الهر و السبع للجلد، في المغني لابن قدامة 257/4 يحمل النهي على غير المملوك منها و لا مانع فيه منها، و في جواز بيعها قال ابن عباس و الحسن و ابن سيرين و حماد و الثوري و مالك و الشافعي و اسحاق و أصحاب الرأي، و عن أحمد انّه كره ثمنها، و في عمدة القاري 611/5 نسب جواز بيعه إلى مالك و أحمد و غيرهم.

يؤيد ما ذكرناه من عدم اعتبار المالية في المبيع اذ

1) روى الشيخ الطوسي في التهذيب 107/2 عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن أبان عن محمد بن مسلم و عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت و لا بأس بثمن الهر»، و السند لا غبار عليه فإنّ الحسين جليل في الطائفة أثنى عليه أهل الرجال، و مثله فضالة و فيه يقول النجاشي: ثقة في حديثه مستقيم في دينه، و اجماع العصابة على صحة ما يرويه أبان بن عثمان الأحمر البجلي، و محمد بن مسلم غني عن التعريف، و عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (ميمون) البصري ثقة بشهادة العلماء كما في تنقيح المقال 138/2.

لا منفعة ظاهرة للهرة.

و من الغريب تفصيل المصنف رحمه اللّه في الجواز في الهر دون القرد استنادا إلى وجود المنفعة الظاهرة في الهر مضافا إلى ورود النص و عدم وجود منفعة مقصودة في القرد مع ان الانتفاع بالقرد أكثر من الانتفاع بالهر فإنّ القرد يستخدم في الأعمال و حراسة الأموال و غير ذلك بخلاف الهر، فمن حيث المنافع و المالية يكون بيع القرد أولى بالجواز إلاّ أن يكون نظره في المنع عن بيع القرد إلى النص الوارد فيه(1)

و روى البيهقي في السنن 12/6 عن ابن عباس عد من السحت ثمن القرد.

و في مقدمات ابن رشد في ذيل المدونة 202/3: لا يجوز بيعه.

و قال ابن حزم في المحلى 430/7 القرد من الخبائث فهو و الخنزير محرمان.

و في ص 410 قال: كل ما حرم أكله فحرام بيعه و لبنه، و في حياة الحيوان للدميري بمادة القرد.

قال ابن عبد البر في أوائل التمهيد:

لا أعلم بين المسلمين خلافا في أن القرد لا يؤكل و لا يجوز بيعه لأنّه ممّا لا منفعة فيه.

و عند مالك و أصحابه يجوز بيعه و إن حرم أكله لأنّه يقبل التعليم فيمسك الشمعة و يحفظ الأمتعة.

و في بدائع الصنائع 43/5 عن أبي حنيفة روايتان في بيع القرد:

عدم الجواز لأنّه غير منتفع به شرعا فلا يكون مالا كالخنزير، و الجواز لأنّه و إن لم ينتفع بذاته إلاّ انّه ينتفع بجلده. و الصحيح هو الأول؛ لأنّه لا يشتري للانتفاع بجلده بل للهواية و هو حرام، فيكون بيع الحرام للحرام - الخ.

، لكنّه

1) روى الكليني في الكافي على هامش المرآة 421/3 باب جامع ما يحل البيع و الشراء منه عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن الحسن بن شمون عن الأصم عن مسمع عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «ان رسول اللّه عليه السّلام نهى عن القرد أن يشترى أو يباع»، و رواه الشيخ الطوسي في التهذيب 112/2 عنه و عنهما في الوسائل 547/2، و في المستدرك للنوري 426/2 باب 4 عدم جواز الانفاق من الكسب الحرام عن الجعفريات بسنده عن علي بن الحسين قال «من السحت ثمن الميتة - إلى أن قال -: و ثمن القرد و جلود السباع».

و لو غصبه غاصب كان عليه مثله [1]

خلاف ظاهر كلامه مع ان الرواية ضعيفة السند لاشتمالها على الاصم و ابن شمون و هما مجهولان(1).

فلا يمكن الاعتماد عليها في الحكم بالفساد إلاّ أن تحمل على الكراهة بناء على جريان التسامح في أدلة المكروهات، فتأمل.

[1] بقي في المقام فرعان تعرض لهما المصنف:

أحدهما: ثبوت الضمان فيما لا يكون مالا عرفا و عدمه، و الظاهر ثبوته في الغصب و الاتلاف.

توضيح ذلك: ان سبب الضمان تارة يكون هو اليد، و اخرى الاتلاف.

أما ضمان اليد: فدليله قوله صلّى اللّه عليه و اله «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»(2)

و في رواية البيهقي تؤديه، قال قتادة: ثم ان الحسن نسى، فقال: هو أمين لا ضمان عليه، و رواه البغوي في مصابيح السنة 14/2 و ابن الديبع في تيسير الوصول 172/3 و ابن تيمية في منتقى الأخبار هامش نيل الأوطار 203/5، و في الفيض القدير شرح الجامع الصغير 321/4 رواه أحمد و الأربعة و الحاكم.

و قال العيني في عمدة القاري شرح البخاري 413/6 في العارية: حسنه الترمذي، و قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري.

و رواه في كنز العمال 252/5، و رواه المحدث النوري في المستدرك 504/2 في العارية عن عوالي اللآلي و تفسير أبي الفتوح الرازي عن سمرة، و هذا الحديث لا يعبؤ بسنده فإنّ الراوي عن قتادة سعيد بن أبي عروبة المرمي في تهذيب التهذيب 63/4 بالقدر كشيخه قتادة مع انّه اختلط اختلاطا عظيما و بقى خمسين سنة يحدث و يسمعون منه و لا عبرة بحديثه.

و فيه أيضا 355/8 عن ابن حيان كان قتادة مدلسا و ضعف ابن المديني أحاديثه عن سعيد بن المسيب مع انّه يروي عنه، و أما الحسن البصري الراوي عن سمرة بن جندب ففي الفيض القدير شرح الجامع الصغير و نيل الأوطار 203/5 في سماع الحسن عن سمرة خلاف.

و في الجوهر النقي لابن التركمان بهامش سنن البيهقي 90/6: أكثر أهل العلم بالحديث رغبوا عن رواية الحسن عن سمرة، و ذهب بعضهم إلى انّه لم يسمع منه غير حديث العقيقة.

و في الترغيب و الترهيب للمنذري 203/3: اختلف في سماع الحسن من سمرة.

و في المحلى لابن حزم 172/9: رواية قتادة عن سمرة على اليد ما أخذت حتى تؤديه منقطع لأن قتادة لم يدرك سمرة، و أما رواية الحسن عن سمرة هذا الحديث فالحسن لم يسمع من سمرة و لو صح فليس فيه إلاّ الأداء و هو غير الضمان في اللغة و الحكم، وافقه في عدم الدلالة على الضمان أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن 255/3 عند قوله تعالى إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا و لكن في بدائع الصنايع 218/6 استدل بالحديث على وجوب رد العين عند قيامها و قيمتها عند هلاكها لأن العارية بعد الطلب تكون في يد المستعير كالمغصوب.

و أما علماء الإمامية (أعلا اللّه مقامهم) فاستدلوا به في المقبوض بالعقد الفاسد و العارية و الغصب على وجوب رد العين مع قيامها و رد مثلها أو قيمتها مع التلف، و ممّن تعرض لذلك الشيخ في الخلاف/ 259، و الشهيد الأول في غصب الدروس، و الشهيد الثاني في غصب المسالك، و في ضمان المقبوض بالعقد الفاسد و السبزواري في الكفاية و الكرباسي في منهاج الهداية و المحقق الثاني في الغصب من جامع المقاصد، و في الوديعة، و في ايضاح فخر المحققين في الوديعة، و وصفه كاشف الغطاء في المقبوض بالعقد الفاسد من شرح القواعد بالمستفيض المجمع على مضمونه، و في المقابيس/ 194 القوية المعروفة المجمع عليها، و في العوائد للنراقي/ 109 اشتهاره بين الأصحاب و تداوله في كتبهم و تلقيهم له بالقبول يجبر ضعفه.

و في مشارق الأحكام لملا محمد النراقي/ 302 اشتهاره في كتب الأصحاب رواية و عملا و تلقيهم بالقبول و استدلالهم به في موارد من غير نكير الجابر لضعفه بالارسال يكفي عن مؤنة البحث عن سنده بل لا يقصر عن الصحيح، و في العناوين لمير فتاح/ 286 في عنوان الضمان باليد منجبر بالشهرة و متلقى بالقبول عند العامة و الخاصة بحيث يغني عن ملاحظة سنده، و حكى شيخنا البلاغي في الجزء الأول من العقود المفصلة/ 2 عن جامع الشتات وصفه بالمشهور المقبول، و في المضاربة بالرواية المجمع عليها، و في غصب مفتاح الكرامة المشهور المعمول به في أبواب الفقه.

و أنت بعد ما عرفت ما في رجال الحديث من الطعن خصوصا سمرة بن جندب الخارج لحرب الحسين عليه السّلام المعاند لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في النخلة حتى أغضب النبي صلّى اللّه عليه و اله اتضح لك ان لا قيمة لهذا الحديث و لكن عمل أصحابنا به يحتم علينا الأخذ به لو كان جابرا.

، و لم يؤخذ

1) ابن شمون رماه علماء الرجال بالوقف و الغلو و ضعف الحديث و التهافت فيه، و الأصم و هو عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصم المسمعي قال النجاشي و العلاّمة: انّه بصري ضعيف غال يروي عن مسمع كردين و غيره له كتاب المزار فيه تخليط و مذهب متهافت و خبث عظيم، لكن المجلسي و سبطه الوحيد في التعليقة استشكلا فيه بدعوى أنّه لم يوجد في أخباره ما يدل على الغلو و ما وجد لا ينافي المعتقد و إن كان القدماء يرون مثله غلوا، و مع هذا فالمجلسي في مرآة العقول رمى هذا الحديث بالضعف و لعله لاشتماله على ابن شمون.

2) في مسند أحمد 8/5 و صحيح الترمذي بشرح ابن العربي 21/6، و سنن أبي داود السجستاني 296/3 باب تضمين العارية، و سنن البيهقي 90/6 عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جند عن النبي صلّى اللّه عليه و اله انّه قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي».

فيه عنوان المال و الموصول يعمه و غيره، و معنى «على اليد» انتقال الشيء إلى العهدة، فبمجرد الاستيلاء على العين الخارجية تنتقل العين إلى العهدة و يضمنها الغاصب و إن لم تكن من الأموال، فإنّ كانت باقية وجب ردها و إذا تلفت فإنّ كانت مثلية كحبة من الحنطة وجب رد مثلها و إلاّ فالعهدة مشغولة بها إلى يوم القيامة إلاّ بالتراضي مع المالك لأن المفروض عدم بقاء العين ليردها و عدم كونها مثلية ليرد مثلها و لا قيمية ليرد قيمتها، و تعذر الأداء لا يوجب سقوط الضمان.

و أما ضمان الاتلاف: فعمدة دليله فحوى ما دل على ضمان اليد، فإنّ مجرد الاستيلاء على ملك الغير إذا كان موجبا للضمان و لو لم يكن التلف مستندا إليه فاتلافه يوجبه بالأولوية، و هنا أيضا يعم الأموال و غيرها.

و أما قولهم: «من أتلف مال الغير فهو له ضامن»، فلم ترد به رواية كما أفاد السيد إلاّ انّه مستفاد من حكم الشارع بالضمان في موارد خاصة من اتلاف الأموال فلا

ثم إنّ منع حق الاختصاص [1]

يعم اتلاف ما ليس بمال هذا، و على تقدير كونه رواية، فمن المحتمل أن تكون العبارة هكذا «من أتلف ما للغير» بما الموصولة و لام الجر فيعم حينئذ اتلاف كل ما كان متعلقا لحق الغير.

ثم انّه حكى عن العلاّمة في التذكرة(1)عدم الضمان في المثلي كغير المثلي و أورد عليه بأن لازمه عدم الضمان فيما إذا غصب صبرة الغير تدريجا حبة حبة أو أتلفها كذلك.

و الانصاف عدم وروده عليه فإنّ قلة الشيء انما أوجبت سلب ماليته منفردا، و أما في حال الانضمام فهو مال عرفا فيعمه دليل الضمان، إلاّ انّه يرد على العلاّمة انّه لا وجه لانكار الضمان في المثلي مع شمول أدلة الضمان و امكان الرد.

[1] هذا هو الفرع الثاني و حاصله: انّه قد يتوهم عدم ثبوت حق الاختصاص بحيازة غير الأموال، لاختصاص دليلها بالاستيلاء على المال فمن حاز عقربا أو حية مثلا يجوز أخذه منه قهرا.

و فيه: ان اطلاق الموصول في قوله عليه السّلام «من سبق إلى ما لم يسبقه إليه غيره فهو أحق به»(2)، يعم غير الأموال و هو حكم امضائي لبناء العقلاء و مرتكز العرف فانا نراهم في الفرض يلومون الغاصب و لا يجوزون فعله و عليه يجوز مصالحته بالمال.


1) قال في التذكرة: الشرط الثاني: المنفعة و لا يجوز بيع ما لا منفعة فيه لأنّه ليس مالا - إلى أن قال -: و مع هذا فلا يجوز أخذ حبة من صبرة الغير فإنّ أخذت وجب الرد فإنّ تلفت فلا ضمان لأنّه لا مالية لها.

2) تقدم في ص 401 مصدر الحديث.

النوع الرابع: ما يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما [1]

المسألة الاولى: تدليس الماشطة [2]

حرمة الاكتساب بالأعمال المحرمة

[1] يدخل في هذا النوع جميع الأفعال المحرمة القابلة لوقوع المال بأزائها باجارة أو جعالة أو غيرها، إلاّ ان الفقهاء قديما و حديثا جرى ديدنهم على البحث عن جملة منها في مقدمة التجارة أعني المكاسب المحرمة، و لعل الوجه فيه أن أخذ الاجرة عليها كان متعارفا في سالف الزمان و اقتفى المصنف أثرهم فتعرض لجملة من المحرمات بترتيب حروف الهجاء.

و ليعلم: ان البحث في المقام عن حرمة الفعل و عدمه صغروي.

و أما الكبرى: أعني فساد المعاملة على العمل المحرم فهو أمر ظاهر لا اشكال فيه لما تقدم من ان حرمة الفعل تنافي وجوب الوفاء بالاجارة الواقعة عليه فلا تعمها الأدلة لأن شمولها لها تؤدي التناقض، و هذا جار في جميع المسائل الآتية إلى مسألة الولاية من قبل الجائر فالتكلم في تعيين الصغريات.

تدليس الماشطة

اشارة

[2] يقع الكلام في هذه المسألة من جهات ثلاث:

الاولى: في تدليس الماشطة،

و لا اشكال في حرمته نصا و اجماعا أن رجع إلى الغش في المعاملة كما إذا فعل ذلك بالامة المعروضة للبيع أو الحرة المعروضة للتزويج و الظاهر ان الغش و التدليس حينئذ يكون من فعل البائع أو الولي المزوج لا الماشطة.

نعم إذا علمت بترتب الغش على فعلها كان اعانة على الاثم، فما ذكر في عنوان

المسألة من اسناد التدليس إلى الماشطة غير خال عن المسامحة.

و لا يخفى: ان الغش المحرم انما هو الغش في المعاملة و أما مجرد اظهار ما ليس بموجود فغير محرم، كالشيخ يخضب لحيته ليرفع به أثر الشيخوخة و المالك يصبغ داره بلون حسن ليتخيل أنها جديدة.

الجهة الثانية: في عمل الماشطة

من الوصل و النمص و الوشم و الوشر، و هذه الأفعال الأربعة هي التي تعرض لها رواية معاني الأخبار(1)

قال علي بن غراب: النامصة التي تنتف الشعر من الوجه، و المنتمصة التي يفعل بها ذلك، و الواشرة التي تشر أسنان المرأة و تفلجها و تحددها، و المستوشرة التي يفعل بها ذلك، و الواشمة التي تشم في يد المرأة أو شيء من بدنها أو ظهر كفها بابرة حتى تؤثر فيه ثم تحشوه بالكحل أو النورة فيخضر، و المستوشمة التي يفعل بها ذلك، و الواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، و المستوصلة التي يفعل ذلك بها.

و الأول من رجال السند وثقه النجاشي و العلاّمة، و الثاني و هو القطان مجهول، و الثالث ذمه جماعة، و الرابع ليس له ذكر في الرجال، و الخامس علي بن غراب استشعر الوحيد في التعليقة عاميته، و قرنه ابن شهر آشوب في المناقب بحفص بن غياث الذي هو من العامة.

و في تقريب التهذيب لابن حجر/ 324: يتشيع و يدلس، و افرط ابن حبان في تضعيفه وعده الشيخ محمد طه نجف في اتقان المقال/ 208 من المهملين، فهذه الرواية لا يعبؤ بها كرواية القاسم بن محمد عن علي المروية في التهذيب للشيخ الطوسي 108/3 قال: «سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس ليس لها معيشة غير ذلك و قد دخلها ضيق‌؟ قال: لا بأس و لكن لا تصل الشعر بالشعر»، رواهما في الوسائل 542/2 و القاسم بن محمد الجوهري ضعيف و الذي يروي عنه علي بن أبي حمزة البطائني مختلف فيه بعد الاتفاق على انّه واقفي و يحتمل رجوع الضمير في «سألته» إلى علي.

، و أما غيرها فلا كلام

1) قال الصدوق في معاني الأخبار/ 73 باب 90 ملحق بعلل الشرايع: حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم العجلي رضى اللّه عنه قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطان قال: حدثنا بكر بن عبد اللّه بن حبيب قال: حدثنا تميم بن بهلول عن أبيه عن علي بن غراب قال: حدثني خير الجعافرة جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السّلام قال: «لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله النامصة و المنتمصة و الواشرة و المستوشرة و الواشمة و المستوشمة و الواصلة و المستوصلة».

لنا فيه لأنّه مباح بالأصل.

أما الوصل فالأخبار فيه على طوائف أربعة:

الاولى: ما دل منها على المنع مطلقا كرواية علي بن غراب المروية في معاني الأخبار، و مرسلة ابن أبي عمير(1)

و ليس فيها التفصيل بين شعر المرأة و شعر المعز كما في المتن، و هذه الرواية رماها المجلسي في الشرح بالجهالة و لعله من جهة علي بن أشيم الذي قال فيه الشيخ الطوسي في رجاله: أنّه مجهول و أدرجه العلاّمة و ابن داود في قسم الضعفاء كما ضعفه المحقق في المعتبر و المقداد في التنقيح.

و في رجال الشيخ محمد طه نجف/ 325: مجهول، و لكن في تعليقة الوحيد حكم خالي بحسنه لرواية الصدوق عنه كثيرا مضافا إلى رواية أحمد بن محمد بن عيسى عنه، و في خاتمة المستدرك للنوري 625/3 اعتمد الصدوق على كتابه ثم ذكر ما يطمئن به في وثاقته، و في ص 826 قال: ذكرنا ما يظهر منه الاعتماد عليه، هذا في أحاديث الإمامية.

و أما جوامع أهل السنة فقد احتفظت بلعن مطلق الواصلة و الواشمة و الواشرة و المتنمصة، ففي مسند أحمد 111/6 و صحيح البخاري 27/4 كتاب اللباس و صحيح مسلم 225/2 كتاب اللباس و الزينة و سنن النسائي 281/2 عن أسماء بنت أبي بكر في حديث المرأة المتزوجة و قد سقط شعرها فقال النبي صلّى اللّه عليه و اله: «لعن اللّه الواصلة و المستوصلة»، و في الترمذي مع شرح ابن العربي 281/10 و سنن أبي داود السجستاني 78/4 عن ابن عمر و في مصابيح السنة 125/2 باب الترجيل عن ابن عباس، و في الترغيب و الترهيب للمنذري 47/3 عن ابن مسعود «لعن اللّه الواشمات و المستوشمات و المتنمصات و المتفلجات للحسن و الواصلة و المستوصلة»، و لاطلاق الحديث جزم ابن حزم في المحلى 74/10 بعدم جواز وصل المرأة شعرها بشيء أصلا لا من شعرها و لا من شعر غيرها انسان أو حيوان أو صوف أو غير ذلك و هو من الكبائر و لا يحل أن تفلج أسنانها و لا أن تنتف الشعر من الوجه و لا أن تشم بالنقش بالكحل أو غيره شيئا من جسدها فإنّ فعلت فهي ملعونة و التي تفعل بها ذلك.

و قال القسطلاني في ارشاد الساري 102/8: لعن الواصلة و المستوصلة و المنع من وصل الشعر بشيء آخر من الشعر أو غيره، و في ص 476 قال: وصل الشعر زور و كذب و تغيير لخلق اللّه، و الأحاديث صريحة في تحريم الوصل مطلقا و جزم النووي في شرحه على مسلم بالتحريم مطلقا، و حكى عن أصحاب الشافعي التحريم ان وصلته بشعر آدمي رجل أو امرأة محرم أو غيره، و كذا شعر غير الآدمي إذا كان نجسا كالميتة و ما لا يؤكل لحمه و انفصل عنه في حياته و يستوي فيه المزوجة و غيرها.

و أما الشعر الطاهر من غير الآدمي فإنّ لم يكن لها زوج و لا سيد فحرام و إلاّ فثلاثة أوجه: الجواز مطلقا، و عدم الحرمة ان فعلته باذن الزوج و السيد، و الحرمة إذا كان بغير اذنهما، و منع القاضي عياض و الطبري من الوصل مطلقا الشعر و الصوف و الخرق محتجين بحديث جابر ان النبي صلّى اللّه عليه و اله «زجر ان تصل المرأة برأسها شيئا»، و تعرض لذلك العيني في عمدة القاري شرح البخاري 492/9 و 302/10، و الشوكاني في نيل الأوطار 164/6، و في مختصر المزني على هامش كتاب الام 95/1 تخصيص المنع بشعر الإنسان و ما لا يؤكل.

على ما في الوسائل خلافا للمحكي في المتن،

1) رواها الكليني في الكافي و الشيخ في التهذيب 108/2 و عنهما الوسائل 542/2 باب 47 عن أحمد بن محمد عن علي بن أحمد بن أشيم عن ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «دخلت ماشطة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فقال لها: هل تركت عملك أو أقمت عليه‌؟ فقالت: يا رسول اللّه أنا أعمله إلاّ ان تنهاني عنه. فقال: افعلي فإذا مشطت فلا تحكي الوجه بالخرق فانه يذهب بماء الوجه و لا تصلي الشعر بالشعر. انتهى.

و رواية القاسم بن محمد.

الثانية: ما دل منها على الجواز مطلقا كرواية سعد الاسكاف قال «سئل أبو جعفر عن القرامل التي يضعها النساء في رؤسهن يصلنه بشعورهن‌؟ فقال: لا بأس على المرأة ما تزينت به لزوجها. قال: فقلت: بلغنا ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لعن الواصلة

و الموصولة‌؟ فقال: ليس هناك انما لعن رسول اللّه الواصلة التي تزني في شبابها فلما كبرت قادت النساء إلى الرجال فتلك الواصلة و الموصولة»(1)

و السند فيه سالم بن مكرم، ضعفه الشيخ الطوسي في الفهرست ص 79، و في الخلاصة للعلامة و التحرير الطاووسي للسيد ابن طاووس الوجه التوقف فيه، و ضعفه ابن داود إلاّ ان النجاشي في الرجال ص 134 وثقه، و في رجال الكشي ص 226 كان من أصحاب أبي الخطاب و تاب، و في رجال الشيخ محمد طه نجف ص 187 الظاهر تحقق توبته بل وثاقته و عدالته.

و أما سعد الاسكاف: فعند النجاشي ص 127 و نقد الرجال للتفريشي ص 164 يعرف و ينكر و أدرجه العلاّمة و الشيخ محمد طه نجف في قسم الضعفاء، و في الوجيزة للمجلسي مختلف فيه، و في رجال الكشي ص 141 كان ناووسيا وقف على أبي عبد اللّه عليه السّلام ثم روى ما يدل على تشيعه.

.

الثالثة: ما فصل فيه بين مطلق وصل الشعر وصل الصوف كرواية عبد اللّه بن الحسن قال «سألته عن القرامل‌؟ قال: و ما القرامل‌؟ قلت: صوف تجعله النساء في رؤسهن. قال: ان كان صوفا فلا بأس و إن كان شعرا فلا خير فيه من الواصلة و الموصولة»(2)

و يحيى بن مهران عده الشيخ في أصحاب الصادق عليه السّلام، و لم يذكر في الرجال ليعلم حاله.

و عبد اللّه بن الحسن هو المحض جليل في العلويين، و لا عبرة بكل ما ورد في ذمة لأن دعاة بني العباس قد أكثروا من الطعن على كل من شهر سيفه عليهم، و قول مقاتل للمنصور الدوانيقي: أ تحب أن أضع لك في العباس بن عبد المطلب‌؟ كما في تاريخ بغداد 167/13 يفسر لنا حالة هؤلاء الرواة الذين يسيرون وراء المطامع و بأزاء ذلك كله روايات أوردها ابن طاووس في الاقبال في عمل يوم عاشوراء تدل على نزاهته و ولائه و ابنيه للصادق عليه السّلام، و مع هذا فلم يعلم من الذي يحدث عنه أ هو الإمام أم غيره‌؟

و مثل هذا الحديث ما رواه في الكافي بهامش مرآة العقول 510/3، و في الوافي 126/12 باب: ينبغي للنساء من الخلال عن الكافي مسندا عن ثابت بن أبي سعيد قال «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن النساء يجعلن في رؤوسهن القرامل‌؟ قال: يصلح الصوف و ما كان من شعر امرأة لنفسها و كره للمرأة أن تجعل القرامل من شعر غيرها فإنّ وصلت شعرها بصوف أو بشعر نفسها فلا يضر».

و ثابت لم يذكره علماء الرجال ليعرف حاله، و لعل من أجله قال المجلسي في الشرح الحديث مجهول.

.

1) رواية سعد الاسكاف رواها الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 392/3 باب الماشطة، و الشيخ في التهذيب 108/2، و عنهما الوسائل 542/2 باب 47 كسب الماشطة، و رواها في الوافي 32/10 باب كسب الماشطة و 126/12 باب ما ينبغي للنساء من الخلال عن الكافي فقط مع وجودها في التهذيب.

2) رواية عبد اللّه بن الحسن رواها الشيخ الطوسي في التهذيب 109/2 عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن يحيى بن مهران عن عبد اللّه بن الحسن قال: سألته عن القرامل‌؟ - الحديث.

الرابعة: ما فصل فيه بين وصل شعر المعز و شعر امرأة اخرى كمرسلة الفقيه «لا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط و قبلت ما تعطى و لا تصل شعر المرأة بشعر غيرها و أما شعر المعز فلا بأس بأن يوصل بشعر المرأة»(1).

و قد جمع المصنف بينها بالحكم بكراهة وصل مطلق الشعر و شدة الكراهة في الوصل بشعر المرأة.

إلاّ ان الصناعة تقتضي كراهة خصوص وصل الشعر بشعر المرأة و جواز وصله بالصوف أو بشعر المعز من دون كراهة(2)، و ذلك لأن ما دل من الأخبار على المنع


1) من لا يحضره الفقيه/ 269.

2) في مكارم الأخلاق الفصل الرابع من الباب الخامس عن سليمان بن خالد «قلت له: المرأة تجعل في رأسها القرامل. قال: يصلح لها الصوف و ما كان من شعر المرأة نفسها و كره أن توصل المرأة من شعر غيرها فإنّ وصلت بشعرها الصوف أو شعر نفسها فلا بأس».

المطلق يقيد بالأخبار المفصلة بين وصل شعر المرأة و غيره من شعر المعز و الصوف فيختص المنع بشعر المرأة، ثم يقيد به اطلاق ما دل على الجواز مطلقا لأن النسبة بينهما بعد التقييد عموم مطلق، فتكون النتيجة جواز وصل الشعر بغير شعر المرأة الاخرى و المنع عن ذلك فقط، ثم يحمل المنع على الكراهة لصراحة رواية سعد الاسكاف في جواز وصل الشعر بشعر المرأة حيث نفى البأس فيها عن المرأة بما تزينت به لزوجها و فسر الواصلة و المستوصلة بالقيادة(1).

و أما النمص: و هو نتف الشعر عن الوجه فمكروه بمقتضى الجمع بين دليل المنع و هو رواية معاني الأخبار و رواية سعد الاسكاف المصرحة بالجواز، بعد وضوح ان النمص من أظهر أفراد الزينة فلا يمكن تقييدها بالاولى، هذا مع انّه يدل على جوازه بالخصوص رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام «عن المرأة تحف الشعر عن وجهها.

قال: لا بأس»(2).


1) في الفقيه/ 369 في حد القيادة قال: و في خبر لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الواصلة و المؤتصلة، يعني الزانية و القوادة، و رواه عنه في الوسائل 439/3 باب في حد القيادة، و فيه ص 44 باب 25 تحريم القيادة عن ابراهيم بن زياد الكرخي قال «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: لعن اللّه الواصلة و المستوصلة، يعني الزانية و القوادة»، و روى الطبرسي في مكارم الأخلاق في الفصل الرابع من الباب الخامس عن عمار الساباطي قال «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ان الناس يروون عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله انّه لعن الواصلة و الموصولة. قال: نعم. قلت: التي تمشط و تجعل في الشعر القرامل. فقال: ليس بهذا بأس. قلت: فما الواصلة و الموصولة‌؟ قال: الفاجرة و القوادة».

2) في قرب الإسناد/ 134 عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام قال «سألته عن المرأة تحف الشعر من وجهها؟ قال: لا بأس»، و في مكارم الأخلاق/ 54 الفصل الرابع من الباب الخامس عن أبي بصير قال «سألته عن قص النواصي تريد به المرأة الزينة لزوجها؟ - إلى أن قال -: لا بأس بذلك كله».

و أما الوشر و الوشم: فلم يذكرا إلاّ في رواية معاني الأخبار و لكن حيث انهما من أظهر أفراد الزينة تكون رواية سعد الاسكاف الصريحة في جواز تزيين المرأة كالنص فيهما فتكون قرينة على حمل لعن الواشرة و الواشمة في خبر معاني الأخبار على الكراهة.

لا يقال: ان النسبة بين الروايتين عموم من وجه لدلالة رواية معاني الأخبار على المنع عن الامور الأربعة مطلقا للزوج و لغيره، و ظهور رواية سعد الاسكاف في جواز مطلق التزيين بها أو بغيرها لخصوص الزوج، فمورد اجتماعهما ما إذا كان التزيين للزوج بأحد الامور الأربعة، و الاولى تفترق عن الثانية فيما إذا كان التزيين بأحدهما لا للزوج فيحرم، و تفترق الثانية عن الاولى فيما إذا كان التزيين للزوج بغير الامور المذكورة فيحل، و لا وجه لتقديم ظهور الثانية على الاولى في مورد المعارضة و حملها على الكراهة.

لانا نقول: الملازمة القطعية ثابتة بين جواز التزيين بشيء للزوج و جوازه في نفسه اذ ليس عنوان التزيين للزوج عنوانا موجبا لاباحة الشيء المحرم في حد ذاته فدليل الجواز دال على جوازه مطلقا و لو بالالتزام فتكون النسبة حينئذ بين دليل الجواز و المنع عموما مطلقا لأخصية موضوعه منه.

إلاّ أنّه مع ذلك لا يوجب تقييده و البناء على حرمة الوشر و الوشم، لما ذكرناه من انهما من أظهر أفراد التزيين بحيث لا يمكن تقييد نفي البأس عما تتزين به المرأة

لزوجها على غير الموردين، فلا بد حينئذ من حمل دليل المنع فيهما على الكراهة و يؤكده اتحاد السياق مع الوصل و النمص المكروهين للقرائن المذكورة.

و المتحصل ممّا ذكر كراهة عمل الماشطة من الوصل بشعر المرأة الاخرى، و النمص و الوشم و الوشر في حد أنفسها، إلاّ انها قد تحرم بعنوان الايذاء و الاضرار كالوشم في الأطفال إذا لم تكن لمصلحة يراها الولي.

الجهة الثالثة: في كسب الماشطة،

و لا اشكال في جوازه للسيرة العملية و للأخبار الدالة عليه و مرسلة الفقيه «لا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط و قبلت ما تعطى و لم تصل المرأة بشعر غيرها، و أما شعر المعز فلا بأس»(1)و ظاهرها اعتبار أمرين في نفي البأس عن كسب الماشطة فإذا أخلت بأحدهما ثبت البأس، إلاّ انها لضعف سندها لا تصلح دليلا للحرمة و إن كانت ظاهرة فيها بمقتضى مفهوم الشرط، لأنها مرسلة غير معمول بها فتحمل على اعتبار اجتماع الأمرين لرفع الكراهة من باب التسامح في أدلة المكروهات فيكون كسبها مع الاشتراط أو عدم قبول ما تعطى مكروها.

ثم ان المصنف ذكر في آخر المسألة أمرين:

أحدما: ان المراد من اشتراط قبول ما تعطى في الرواية ليس هو القبول بعد العمل لأنّه لا يوجب زوال كراهة العمل بعد وقوعه، و انما المراد به البناء على القبول حين العمل، فحمل القبول الخارجي على البناء المقارن لبنائه على استحالة الشرط المتأخر.


1) من لا يحضره الفقيه/ 269 في المكاسب.

و فيه: انّه بعد ما صححنا الشرط المتأخر في محله لا موجب للتصرف في ظاهر الرواية فالبناء على القبول و عدمه أجنبي عن رفع الكراهة، فلو كانت بانية على عدم القبول ثم بدى لها بعد العمل فقبلت ما أعطيت لم يكن كسبها مكروها.

ثانيهما: ان اعتبار عدم المشارطة لما كان منافيا لصحة الإجارة من جهة اشتراط معلومية الاجرة فيها لقوله عليه السّلام «لا تستعملن أجيرا حتى تقاطعه»(1)حمل المصنف المرسلة على قصد التبرع في العمل و قبول ما تعطى على وجه التبرع، فيرتفع التنافي بين الروايتين باختلاف موضوعهما.

و فيه: انّه قد يؤدي ذلك إلى سد باب اعاشة الماشطة لعدم استحقاقها الاجرة إذا قصدت التبرع، على انّه ينافي عنوان الكسب المذكور في المرسلة.

فالصحيح: ان يقال عدم المشارطة لا يلازم قصد المجانية كي لا يستحق الاجرة


1) روى الكليني في الكافي باب استعمال الأجير قبل مقاطعته عن سليمان بن جعفر الجعفري قال «كنت مع الرضا عليه السّلام في بعض الحاجة و أردت أن أنصرف إلى منزلي، فقال لي: انصرف معي و بت عندي الليلة، فانطلقت معه فدخل إلى داره مع المغيب فنظر إلى غلمانه يعملون الطين - أواري - الدواب أو غير ذلك إذا معهم أسود ليس منهم، فقال: ما هذا الرجل معكم‌؟ قالوا: يعاوننا و نعطيه شيئا. قال: قاطعتموه على اجرته‌؟ قالوا: لا هو يرضى منا بما نعطيه. فأقبل عليهم يضربهم بالسوط و غضب لذلك غضبا شديدا، فقلت: جعلت فداك لم تدخل على نفسك. فقال: اني قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرة أن يعمل معهم أحد حتى يقاطعوه أجرته» الحديث، و رواه الشيخ الطوسي في التهذيب 175/2 و الحر العاملي في الوسائل 644/2 باب 3 كراهة استعمال الأجير قبل تعيين اجرته و الفيض في الوافي 128/10 و صحح المجلسي الحديث، و الآري - بالمد و التشديد كما في تاج العروس 15/10: هو الآخية يصنع لحبس الدواب عن الانفلات، و قال في ص 10: الاخية: عود يعرض في الحائط أو في حبل يدفن طرفاه في الأرض و يبرز طرفه كالحلقة تشد به الدابة.

المسألة الثانية: تزيين الرجل [1]

بل يستحقها العامل في المقام، و نظائره من الحجامة و الحلق و الحمالة بالأمر بذلك فيكون الآمر ضامنا للعامل بأجرة مثل عمله و يكره له أن يطالب بأكثر ممّا اعطي و إن كان أقل من اجرة المثل، و بهذا يندفع توهم التنافي بين الروايتين.

ثم ان المصنف ذكر في بيان حكمة كراهة المشارطة و عدم قبول ما تعطى، ان المماكسة في مثل تلك الامور ممّا لا يليق بشأن ذوي المروة فأمروا بترك المشارطة، كما ان الغالب ان ما يعطى للماشطة و نحوها لا يقل عن اجرة مثل عملهم فمطالبتهم بالزيادة قد توجب استحياء الطرف في العطاء و هو غير خال عن الاشكال فأمروا بتركها، و شيء من ذلك لا ينافي ما ذكرناه من استحقاق العامل لاجرة مثل عمله و جواز مطالبته ما نقص منها، إلاّ أن الاولى أن يتسامح في ذكر الاجرة ابتداء و القبول لما أعطى بعد العمل هذا مع ان الحكم تعبدي و إن لم نعرف حكمته.

تزيين الرجل بما يحرم عليه

اشارة

[1] الكلام في هذه المسألة يقع في امور ثلاثة:

الاول: في تزيين الرجل بالذهب و الحرير،

و ما أفاده المصنف من حرمة ذلك ممّا لم نجد عليه دليلا فإنّ المحرم في الحرير انما هو لبسه، و بينه و بين التزيين به عموم من وجه، لصدق التزيين به دون لبسه في ما إذا جعل قيطانا أو أزرارا أو تطريزا في الثوب كما انّه قد يصدق لبس الحرير دون التزيين به كمن يلبسه تحت الثياب و قد يجتمعان.

و قال السيد في العروة: لا بأس بغير الملبوس من الحرير كالافتراش و الركوب عليه و التدثر به و نحو ذلك في حال الصلاة و غيرها و لا بزر الثياب و اعلامها

و السفائف و القياطين الموضوعة عليها و إن تعددت.

و أما الذهب فالظاهر جواز التزيين به للرجال(1)و إن حرم لبسه، و قد عرفت ان بين العنوانين عموم من وجه فلا منع في تطريز الثوب به أو جعله أزرارا للثياب، و قد منع عنه السيد في العروة، و قوله عليه السّلام في حديث النمري «و جعل اللّه الذهب في الدنيا زينة النساء»(2)

و أما التختم بالذهب للرجال فقد ورد النهي عنه في الخصال 1/2 عن البراء بن عازب «نهانا رسول اللّه عن سبع وعد منها التختم بالذهب».

و في قرب الإسناد/ 48 عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه: «ان رسول اللّه نهى عن سبع وعد منه التختم بالذهب»، و فيه ص 66 عن حنان بن سدير عن أبي عبد اللّه «قال رسول اللّه لعلي اياك أن تختم بالذهب فانه حليتك في الجنة».

و روى الكليني في الكافي باب الخواتيم النهي عن التختم بالذهب، و في مستدرك الوسائل 202/1 و 204 عن الخصال و اللباب و النوادر النهي عن التختم بالذهب و لبس الحرير، و هكذا روى ذلك في مكارم الأخلاق/ 55 و في البحار كتاب الآداب ملحق بالسادس عشر، و في علل الشرايع/ 123 باب 57 عن عمار بن موسى عن الصادق و فيه «لا يلبس الرجل الذهب و لا يصلي فيه لأنّه من لباس أهل الجنة».

و أما لبس الصبيان للذهب فقد روى في الوسائل 391/1 باب الملابس من كتاب الصلاة عن الكافي عن أبي الصباح عن الصادق قال «سألته عن الذهب يحلى به الصبيان‌؟ فقال: كان علي عليه السّلام يحلي ولده و نساءه بالذهب».

و بذلك احتفظت جوامع أحاديث أهل السنة فروى في صحيح البخاري 20/4 و ص 72 كتاب اللباس، و صحيح مسلم 204/2 كتاب الزينة و سنن أبي داود و السجستاني 46/4 كتاب اللباس، و كنز العمال 333/3 أحاديث النهي عن لبس الرجال الحرير و الديباج و التختم بالذهب، و لأجله أفتى علماؤهم بالتحريم.

فيقول النووي في شرحه علم مسلم: لبس الحرير و الاستبرق و الديباج حرام على الرجال مطلقا في الحضر و السفر إلاّ في الحكة، و خاتم الذهب حرام على الرجال حتى لو كان كان بعضه ذهبا و بعضه فضة أو كان سن الخاتم ذهبا أو مموها لقوله صلّى اللّه عليه و اله: «ان هذين الحرير و الذهب حرام على ذكور امتي حل لاناثها».

و لم يناقش ابن حزم في المحلى 86/10 فيه، و حكى عن أبي حنيفة و الشافعي مالك و ابن سليمان و أصحابه وجوب نزعه عن الصبيان لأن حذيفة رأى على الصبيان قميص حرير فأمر بنزعه، و حكى النووى عن أصحابه جواز لبسهم الحرير و الحلي يوم العيد لعدم التكليف عليهم و أما باقي أيام السنة ففيه أوجه ثلاثة: التحريم مطلقا، و التحريم بعد سن التمييز، و في نيل الأوطار للشوكاني 96/2 عن القاضي عياض وقع الاجماع على تحريم لبس الرجال دون النساء.

لا دلالة فيه على حرمة التزيين به للرجال لأنّه فرع عليه

1) في بدائع الصنائع لعلاء الدين الحنفي 132/5: استعمال الذهب فيما يرجع إلى التزيين مكروه في حق الرجال دون المرأة لأن النبي صلّى اللّه عليه و اله جمع بين الذهب و الحرير في التحريم على الرجال دون النساء، و يريد بالمكروه الحرمة و الروايات خالية عن ذكر التزيين بهما.

2) الروايات الناهية عن لبس الحرير للرجال رواها الكليني في الكافي عن سماعة بن مهران و أبي داود يوسف بن ابراهيم و ابن بكير و محمد بن مسلم عن الباقر و الصادق عليهما السّلام، و رواها في التهذيب 195/1 في لباس المصلي، و عنهما في الوسائل 264/1، و الوافي 98/11 كتاب الملابس، و لفظ بعضها «لا يصلح للرجل أن يلبس الحرير إلاّ في الحرب» و في آخر «انما كره الحرير المبهم للرجال» و في آخر «لا يصلح لباس الحرير و الديباج، فأما بيعها فلا بأس به».

النهي عن اللبس لا التزيين به.

و بالجملة: لبس الحرير و الذهب حرام للرجال حتى مثل لبس الخاتم من الذهب(1)، و حيث ان لبسهما مانع من الصلاة تعرض له الفقهاء في كتاب الصلاة و تحقيقه موكول إلى محله.


1) في التهذيب 200/1 في لباس المصلي، و في الوسائل 270/1 باب 30 عدم جواز لبس الرجل الذهب، و الوافي 69/5 باب الصلاة في الابريسم عن محمد بن أحمد عن رجل عن الحسن بن علي عن أبيه عن علي بن عقبة عن موسى بن أكيل النمري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «في الحديد أنّه حلية أهل النار و الذهب أنّه حلية أهل الجنة و جعل اللّه الذهب في الدنيا زينة النساء فحرام على الرجال لبسه و الصلاة فيه» الحديث، و رجال السند ممدوحون غير الرجل الراوي عن الحسن بن علي لم يعلم حاله.

و ما يختص بالنساء [1]

الأمر الثاني تشبه الرجل بالمرأة و المرأة بالرجل

[1] هذا هو الأمر الثاني، و هو تشبه الرجال بالنساء في اللباس و عكسه، لا ريب في جواز تشبه كل منهما بالآخر في غير اللباس كالتشبه بالصوت أو المشي أو الصيد أو الغزل و نحو ذلك، و أما لبس كل من الرجل و المرأة ما يختص بالآخر فيستدل على حرمته بروايات ثلاث:

الاولى: النبوي المعروف المحكي عن الكافي و العلل «لعن اللّه المتشبهين من الرجال بالنساء و المتشبهات من النساء بالرجال»، و في دلالته مضافا إلى ضعف سنده قصور(1)

و الأول من رجال السند من شيوخ العامة كما استظهره السيد صدر الدين في حواشيه على منتهى المقال و ليس له ترجمة في رجال الشيعة و إن أكثر الصدوق الرواية عنه في كتبه، و الثاني ليس له ذكر، و الرابع لم يعلم حاله و حال أبيه.

و في المستدرك عن دعائم الإسلام: نهى رسول اللّه أن يتشبهن النساء بالرجال، و في مسند أحمد 237/1 و ص 254 و ص 330 و صحيح الترمذي و صحيح البخاري 24/4 عن عكرمة عن ابن عباس: لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله المتشبهين من الرجال بالنساء و المتشبهات من النساء بالرجال، و لذلك أفتى العيني بالتحريم، و حكاه المناوي في الفيض القدير 271/5 عن ابن جرير.

و في نيل الأوطار للشوكاني 99/2 قال الشافعي في الام: لا يحرم زي النساء على الرجل و انما يكره و مثله العكس، و في الزواجر لابن حجر 126/1: اختلف الفقهاء فيه على قولين: الأول الحرمة و صححه النووي و صوبه، و الثاني الكراهة و صححه الرافعي، و الصواب الحرمة لأن الأخبار الصحيحة أفادت الوعيد الشديد عليه، ثم قال: و يجب على الزوج أن يمنع زوجته ممّا تقع فيه من التشبه بالرجال.

، اذ الظاهر من التشبه فيما هو من مختصات الطبيعتين أعني اللواط

1) في مستدرك الوسائل 208/1 عن الخصال للصدوق عن أحمد بن الحسن القطان عن الحسن بن علي العسكري عن أبي عبد اللّه محمد بن زكريا البصري عن جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه عن جابر بن يزيد الجعفي قال «سمعت أبا محمد جعفر بن محمد بن علي الباقر عليه السّلام يقول: لا يجوز للمرأة أن تتشبه بالرجل لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لعن المتشبهين من الرجال بالنساء و لعن المتشبهات من النساء بالرجال».

و المساحقة كما فسر بذلك في رواية أبي خديجة و رواية يعقوب بن جعفر(1)، و هما و إن كانا ضعيفا السند لا يعتمد عليهما في التفسير إلاّ ان عنوان التشبيه حينئذ يكون مجملا خصوصا بعد القطع بعدم إرادة التشبيه في غير اللباس ممّا جرت العادة على اختصاصه بالرجال أو بالنساء.

الثانية: رواية سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يجر ثيابه «اني لأكره أن يتشبه بالنساء»(2)

و رواه النسائي في السنن 299/2 عن أبي هريرة، و قال العيني في عمدة القاري 219/10، و القسطلاني في ارشاد الساري 418/8، و النووي في شرحه على مسلم التحريم مخصوص بجر الثوب للخيلاء و إلاّ فمكروه، و في نيل الأوطار 95/2 عن ابن العربي: لا يجوز للرجال أن يتجاوز ثوبه كعبه، و قال ابن عبد ربه: لا يلحق الوعيد غير جره للخيلاء إلاّ أنّه مذموم.

، و قصور دلالتها على الحرمة ظاهر مضافا إلى الاجماع على

1) رواية يعقوب بن جعفر و رواية أبي خديجة المذكورتان في المتن رواهما الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 521/3، و المجلسي رمى الاولى بالجهالة و الثانية بالضعف.

2) رواها الكليني في الكافي بهامش مرآة العقول 106/4 باب تشمير الثياب، و المجلسي في الشرح وثقها، و رواها في مكارم الأخلاق في الفصل السادس من الباب السادس ص 74، و في الفصل الخامس من الباب السادس ص 70 عن أبي عبد اللّه بن هلال عن الصادق عليه السّلام «ما جاوز الكعبين من الثوب في النار».

ثمّ إنّ الخنثى يجب عليها [1]

جواز تطويل الرجل ثيابه على نحو يسحب ذيله في الأرض غاية الأمر كراهته للرجال و محبوبيته للنساء لما فيه من صون الساقين عن الانكشاف.

الثالثة: ما روى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يزجر الرجل أن يتشبه بالنساء و المرأة أن تتشبه بالرجال في لباسها»(1)، و دلالتها على حرمة التشبه في خصوص اللباس ظاهرة لظهور الزجر كالنهي في التحريم، و الظاهر انما حكاه الإمام عليه السّلام من زجر النبي صلّى اللّه عليه و اله انما هو بالقول لا بالفعل ليناقش في دلالته على الحرمة، فتأمل.

بقى الكلام في معنى التشبيه المنهي عنه، و المراد منه اتخاذ كل من الرجل و المرأة لباس الآخر زيا له بحيث يدخل نفسه بذلك في غير صنفه كالراقص إذا لبس لباس المرأة، و أما ما يلبسه كل منهما ممّا يختص بالآخر غير قاصد به التزي كلبس الرجل ثوب امرأته لدفع البرد أو بداعي آخر أو لبس المرأة في البيت بعض ملابس الرجل كالفراء و نحوه لبعض الدواعي أو صدفة فلا يصدق عليه التشبه.

و بما ذكرناه: ظهر انّه لا حرمة في التشبيه المتعارف في بعض البلاد أعني تشبيه بعض الرجال أنفسهم بالمخدرات حرائر الرسول المسبيات في واقعة الطف لأنّه من باب الحكاية لا التزي بزيهن و الفرق بين الأمرين واضح.

[1]

الأمر الثالث حكم الخنثى

في اللباس أن تختار ما لا يختص باحدى الطائفتين لأنها ليست طبيعة ثالثة فلا تخرج عن أحدهما فهي عالمة اجمالا بحرمة زي


1) رواه في مكارم الأخلاق/ 74 في الفصل السادس من الباب السادس، و عنه في الوسائل 280/1.

و يشكل بناء [1]

المسألة الثالثة: التشبيب [2]

احدى الطبيعتين عليها و مقتضاه لزوم الاجتناب عنهما معا(1).

[1] ما أفاده المصنف قدّس سرّه من اعتبار العلم و الالتفات في التشبيه فلا يصدق على من تشبه بغيره من دون التفات و إن كان متينا إلاّ أنّه يكفي فيه العلم و الالتفات الاجمالي الموجود في ما نحن فيه، و أما اعتبار كون التشبيه داعيا فهو واضح الفساد.

التشبيب

اشارة

التشبيب[2]

تعريفه و الدليل على حرمته

التشبيب ذكر محاسن المرأة و الغلام(2)

و استظهر المحقق الأردبيلي في شرح ارشاد العلاّمة الحلي عند ذكر عدالة الشاهد صدق التشبيب الممنوع منه على الشعر و غيره و إن فسّره بعضهم بالشعر.

، و اعتبروا في حرمته معروفيتهما و احترامهما و إيمانهما و إن يكون التشبيب بالتغزل بالشعر دون النثر.

و استندوا في حرمته إلى انّه تمني للحرام و هو محرم لكونه تجريا على المولى و هتكا لحرمته حتى الدعاء بطلب الحرام من اللّه سبحانه.

و فيه: عدم الملازمة بين تمني الحرام و التشبيب، فإنّ تمني الحرام كثيرا ما يكون بغير التشبيب كما ان التشبيب قد لا يكون على وجه تمني الحرام أصلا كما إذا كان


1) في بدائع الصنائع 329/7، و مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر 730/2 في أحكام الخنثى، و شرح البخاري للقسطلاني 461/8: لا يلبس الخنثى المشكل الحرير احتياطا، و في فتح القدير 507/8: يكره له ذلك، و فسّره صاحب العناية في الهامش بالحرمة من جهة الاتفاق على حرمة لبس الرجال الحرير.

2) في لسان العرب التشبيب في الشعر ترقيق أوله بذكر النساء و شبّب بالمرأة قال: الغزل و النسيب، و في تاج العروس مع القاموس: التشبيب النسيب بالنساء بذكرهن، و منه حديث عبد العزيز بن أبي بكر كان يشبب في شعره بليلى بنت الجودي.

و استدل عليه بلزوم تفضيحها [1]

و ايذائها و اغراء الفساق بها [2]

تخيلا صرفا و انشاء محضا فإذا بينهما عموم من وجه.

[1] هتك المؤمن و إن كان حراما إلاّ ان بينه و بين التشبيب عموم من وجه لامكان الهتك بغيره كذكر محاسن المرأة نثرا و صدق التشبيب بلا هتك كما لو نظم شعرا في محاسن امرأة معينة و لم ينشره بين من يعرفها.

[2] يرد على التمسك بالايذاء:

أوّلا: عدم الدليل على حرمة الايذاء مطلقا حتى لو عمل الإنسان عملا مباحا و ترتب عليه ايذاء الغير من دون أن يكون قاصدا له، كما لو استورد تاجر بعض الأمتعة و استورد تاجر آخر مثلها اذ لا اشكال في انّه ايذاء للتاجر الأول مع كونه مباحا، و مثله ما لو رفع أحد الجارين جدار بيته فانه مباح و لكن قد يتأذى به الجار و أمثاله كثير.

و ثانيا: بين الايذاء و التشبيب عموم من وجه، بداهة عدم استلزام التشبيب انتشار الشعر بين الناس و لا وصوله إلى المرأة التي شبّب بها و لا إلى أهلها ليلزم الايذاء و ربما لا تتأذى المرأة بذكر محاسنها بين الناس كبنات الملوك بل تعده من نتائج الشرف و الرفعة(1)

أنا و اللّه أصلح للمعالي و أمشي مشيتي و أتيه تيها

و أمكن عاشقي من لثم ثغري و أعطي قبلتي من يشتهيها إنها لا تتأذى بكل ما يصفها به الشعراء من المحاسن، و في تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان 227/1: كانت المرأة يسرها التشبيب بها، و إن ام محمد بنت مروان بن الحكم اخت عبد الملك طلبت من عمرو بن أبي ربيعة أن يشهرها بشعره.

، على انّه قد يتحقق الايذاء بغير الشعر كما إذا وصف امرأة معينة

1) يرتاب من يقرأ في شرح رسالة ابن زيدون على هامش شرح لامية العجم 11/1 ما كتبته ولادة بنت المستكفي العباسي على تاجها:

من عمومات حرمة اللهو و الباطل [1]

و منافاته للعفاف المأخوذ في العدالة [2]

بالنثر، فلا وجه لتعليل حرمة التشبيب باستلزامه الايذاء.

و أمّا إغراء الفسّاق فلا يلازم التشبيب، بل بينهما عموم من وجه، فإنّ المرأة قد تكون من ذوي المتعة و الشرف بحيث لا يصل أحد إلى ثناياها و لا تنظر الشمس محياها فالشاعر مهما شبّب بها و نشر الشعر بين الناس لا يمكن لأي أحد رؤيتها فضلا عن الوصول إليها و قد احتفظت جوامع الأدب و التاريخ بالكثير من اللواتي هذا شأنهن.

على ان الاغراء قد يتحقق بغير التشبيب بالشعر كما إذا كتب مقالا يصف فيه المرأة ببهجة الخلق و وضائة المحيا و أتى فيه على تمام محاسنها و نشره في الصحف و المجلات فلا اشكال في انّه يترتب عليه اغراء الفساق، كما ان الاغراء بالتشبيب لا يختص بالتشبيب بالمرأة المؤمنة فاعتبار هذه الامور بلا وجه.

[1] إن اريد باللهو ما يكون محرما كالقمار و نحوه فكون التشبيب منه أوّل الكلام، و إن اريد به مطلق ما يشغل عن ذكر اللّه تعالى فجميع الأفعال التي لم يقصد بها القربة له سبحانه و تعالى تكون كذلك، و لم يلتزم بحرمتها أحد.

و أما الباطل، فإنّ اريد منه الباطل شرعا أعني المحرم فكون التشبيب منه أوّل الدعوى، و إن اريد به ما يقابل الحق فجميع الأفعال التي لم يقصد بها وجه اللّه باطل.

[2] الظاهر ان التشبيب إذا كان منافيا للعفاف فلا فرق بين أن يكون بالمرأة المؤمنة

و فحوى ما دل [1]

المعينة أو بغيرها، كما لا يختص بما إذا كان بالشعر دون النثر مع ان العفاف الواجب لا ينافيه التشبيب و الذي ينافيه لا دليل على وجوبه.

[1] لا يخفى ان هذه الامور التي استدل بها المصنف قدّس سرّه لا يمكن الاعتماد على شيء منها، فإنّ حرمة النظر إلى الأجنبية و إن عللت بأنّه سهم من سهام ابليس و انّه زناء العين(1)لا ربط له بالتشبيب.

و المنع من الخلوة مع الأجنبية لم نجد له دليلا بهذا العنوان(2)

قال الشوكاني: و لأجل هذه الأحاديث وقع الاجماع على تحريم الخلوة بالأجنبية و اختلفوا فيما لو كان بينهما نساء ثقات، و في مجموع فتاوى ابن تيمية 201/2 المسألة 40: تحرم الخلوة مع الأجنبية، و في الفروع لابن مفلح 12/3: تحرم الخلوة لغير محرم مطلقا و لو بحيوان يشتهي المرأة كالقرد، و في المغني لابن قدامة 581/6 الخلوة بالمرأة لا ينشر الحرمة، و روى عن أحمد انّه أوجب بالخلوة الصداق و العدة و عدم تزويج امها و ابنتها و فسره ابن قدامة بما إذا حصلت المباشرة و إلاّ فلا توجب الخلوة بالأجنبية شيئا.

، نعم ورد المنع عن المبيت في مكان يسمع فيه نفس امرأة ليست بمحرم إلاّ انّه لا يختص بالخلوة معها لصدقه حتى لو وجد فيه رجل ثالث أو كان بين الرجل و المرأة فاصل من جدار أو شباك و كان يسمع نفسها، و مثله ما ورد من النهي عن نوم الرجل و المرأة تحت

1) الوسائل 24/3 باب 104.

2) ورد النهي عنه في أحاديث السنة، ففي سنن البيهقي 90/7 عن ابن عباس عنه صلّى اللّه عليه و اله «لا يخلون رجل بامرأة»، و في الترغيب و الترهيب للمنذري 4/3 عن أبي إمامة عن النبي صلّى اللّه عليه و اله: «اياك و الخلوة بالنساء و الذي نفسي بيده ما خلا رجل بامرأة إلاّ و دخل الشيطان بينهما»، و في منتقى الأخبار لابن تيمية مع شرحه نيل الأوطار 95/6 عن جابر «لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له ليس بينهما محرم فإنّ الشيطان ثالثهما».

لحاف واحد(1).

و أما ما ورد من أخذ النبي صلّى اللّه عليه و اله البيعة على النساء أن لا يقعدن مع الرجال في الخلاء(2)

و في الكافي على هامش مرآة العقول 510/3 عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «فيما أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله من البيعة على النساء أن لا يحتبين و لا يقعدن مع الرجال في الخلاء»، و في سنده الحسن بن شمون و عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصم، و قد تقدم ضعفهما.

.

ففيه: أوّلا: انّه مختص بالقعود مع الرجال و الخلوة بالأجنبية أعم منه.

و ثانيا: ان القعود مع الأجنبية صادق حتى في فرض وجود شخص ثالث، فبين العنوانين عموم من وجه.

و ثالثا: ظاهر القعود في الخلاء الجلوس في مكان التخلي من سطح أو غيره من المكان الوسيع المعد لقضاء الحاجة فيه كما كان متعارفا في الزمان السابق و متعارف فعلا في بعض القرى جلوسهن مع الرجال في المكان الوسيع المعد للتخلي فيه(3).


1) هذا الحديث و المنع عن المبيت في الوسائل 23/3 باب 99، و ص 41 باب 13 من أبواب النكاح المحرم، و روى النوري في المستدرك 386/2 باب 36 عن النبي صلّى اللّه عليه و اله: «أربعة مفسدة للقلوب الخلوة مع النساء و الاستماع منهن و الأخذ برأيهن و مجالسة الموتى»، و فسّره بالضال عن الايمان الجائر في الأحكام، و رواه في الوسائل 510/2 باب 38 عن أمالي ابن الشيخ الطوسي.

2) رواه في مستدرك الوسائل 553/2 عن دعائم الإسلام مرسلا عن علي عليه السّلام، و في مكارم الأخلاق للطبرسي/ 143 في الفصل التاسع من الباب الثامن عن الصادق عليه السّلام: «أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله على النساء أن لا ينحن و لا يخمشن و لا يقعدن مع الرجال في الخلاء».

3) في الصحاح و المصباح و القاموس: الخلاء بالمد المتوضأ، و حكى في تاج العروس عن شيخه: ان الخلاء في الأصل مصدر ثم استعمل في المكان الخالي المتخذ لقضاء الحاجة لاللوضوء فقط كما يوهمه قوله المتوضأ أي محل الوضوء، و في أساس البلاغة 163/1: و خلاء الأرض الفضاء.

و يشهد له أوّلا: اختصاص المنع بالقعود مع ان الخلوة مع الأجنبي أعم من القعود و النوم.

و ثانيا: ان المنع يعم القعود مع مطلق الرجال حتى المحارم مع ان الخلوة معهم لا محذور فيها.

فهذه الرواية ظاهرة فيما ذكرناه، فإنّ في القعود في مكان التخلي مع المحارم حزازة يمكن المنع عنها، و لو تنزلنا عن كل ذلك فليس للرواية ظهور في مطلق الخلوة مع الأجنبي.

و أما ما ذكره في مستدرك الوسائل/ 553 عن الخصال للصدوق عن أبي جعفر عليه السّلام: «من نصائح الشيطان لنوح عليه السّلام: اذكرني إذا كنت مع امرأة خاليا و ليس معكما أحد»، و عن لب اللباب «ان ابليس يقول: لا أغيب عن العبد إذا خلا بامرأة»، و قوله لموسى بن عمران عليه السّلام: «لا تخلون بامرأة غير محرم فاني لست أجعل رسولا بينكما غيري»، و عن أمالي الشيخ المفيد من قول ابليس لموسى بن عمران عليه السّلام: «لا تخل بامرأة و لا تخلو بك فانه لا يخل رجل بامرأة و لا تخلو به إلاّ كنت صاحبه دون أصحابي»، و عن تفسير أبي الفتوح: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «لا يخلون رجل بامرأة فإنّ ثالثهما الشيطان».

ففيه: أوّلا: ضعف السند، فإنّ رواية الخصال فيها عمرو بن شمر الضعيف عند النجاشي و العلاّمة و ابن داود و المجلسي، و رواية أمالي المفيد فيها محمد بن عيسى

و كراهة جلوس الرجال [1]

اليقطيني و سعدان بن مسلم و قد اختلف فيهما، و المرسل لا ينهض للحجية.

و ثانيا: انها ظاهرة في الارشاد إلى عدم الخلوة بالمرأة لئلا يقع في المعصية لا ان نفس الاجتماع معها معصية، و إلاّ لم يكن وجه للتعليل بالوقوع في المعصية فإنّ الفعل المحرم لا يعلل تحريمه بخوف الوقوع في المعصية لأنّه في نفسه معصية.

و أما رواية الجعفريات المذكورة في المستدرك في الصحيفة المتقدمة عن أمير المؤمنين عليه السّلام «من لم يخل بامرأة لا يملك منها شيئا كان معصوما من الشيطان و من كل بلية»، و ما رواه الصدوق في الفقيه/ 287 باب بيع الثمار عن محمد بن الطيار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام و فيه «ان الرجل و المرأة إذا خليا في بيت كان ثالثهما الشيطان» فلا دلالة فيه على أكثر من ان نتائج الخلوة مع الأجنبية و خيمة من جهة مظنة وسوسة الشيطان لهما فيقعان فيما لا يحمد عقباه من الابتعاد عن ساحة المولى الكريم سبحانه و تعالى.

فتحصل: ان الخلوة مع الأجنبية غير محرمة في نفسها، و لو تنزلنا و قلنا بحرمة الخلوة معها فلا ملازمة بينها و بين حرمة التشبيب(1).

[1] كراهة جلوس الرجل مكان المرأة رواه السكوني عن الصادق عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله انّه قال: «إذا جلست المرأة مجلسا فقامت فلا يجلس في مجلسها رجل حتى


1) روى في الوسائل 24/3 باب 104 عن العلل و العيون عن محمد بن سنان ان الرضا عليه السّلام كتب إليه في جواب مسائله و حرم النظر إلى شعور النساء المحجوبات و إلى غيرهن من النساء لما فيه من تهييج الرجال و ما يدعو إليه التهييج من الفساد و الدخول فيما لا يحل و لا يجمل و كذلك ما أشبه الشعور إلاّ الذي قال اللّه تعالى وَ اَلْقَوٰاعِدُ مِنَ اَلنِّسٰاءِ اَللاّٰتِي لاٰ يَرْجُونَ نِكٰاحاً الآية.

ثم إنّ المحكي عن المبسوط و جماعة جواز التشبيب بالحليلة [1]

و أما المعروفة عند القائل دون السامع [2]

يبرد»، و أما التكشف أمام نساء أهل الذمة و الصبي فرواه حفص بن البختري عن الصادق عليه السّلام: «لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين اليهودية و النصرانية فانهن يصفن ذلك لأزواجهن».

و روى السكوني عن الصادق عليه السّلام قال: «سئل أمير المؤمنين عليه السّلام عن الصبي يحجم المرأة‌؟ قال: إن كان يحسن أن يصف فلا»(1)و ليس المراد الوصف بالفعل بل القدرة على وصف محاسن المرأة و لا اشكال في اهتمام الشارع بكل ما فيه صيانة المرأة و عفافها عما لا يرضاه المولى تعالى و تاباه الغيرة، إلاّ ان هذه الروايات و نحوها لا يستفاد منها حرمة التشبيب خصوصا مع القيود التي اعتبروها من الايمان و التعيين.

[1] ان قلنا باستلزام التشبيب أحد الامور المذكورة من الايذاء و الهتك و نحوها فلا يجوز مطلقا و إلاّ فيجوز كذلك، و التفرقة بين الزوجة و غيرها في غير محلها.

[2] لم نفهم الفرق بين المبهمة عند السامع و القائل و بين المعينة عند القائل المبهمة عند السامع بعدم الحرمة في الأول دون الثاني، لأن الامور المذكورة لحرمة التشبيب مفقودة في صورة عدم تعيينها للسامع و لو كانت معلومة للقائل اجمالا أو تفصيلا.

و لا يخفى ان حرمة التشبيب بناء عليها لم تكن كحرمة الغيبة حتى يكون مجرد سماعه محرما كسماع الغيبة.


1) الأحاديث الثلاثة رواها الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 510/3 و 516 و 525 في النكاح: و الأول منها و هو جلوس الرجل مكان المرأة، رواه الصدوق في الفقيه / 351 باب النوادر بعد الطلاق.

و أما التشبيب بالغلام فهو محرم على كل حال [1]

[1] التشبيب بالغلام ان كان منشأه العشق المترتب عليه الوقوع في المفسدة فلا ريب في مبغوضيته، و إن كان مجرد بيان محاسنه و جمال هيئته و بديع فطرته فلا حرمة فيه(1)

و في شرح أمالي القالي للبكري 721/2 شبّب ابن رهيمة بزينب بنت عكرمة بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، فاستعدى عليه أخوها هشام بن عبد الملك فأمر بضربه خمسمئة سوط و أباح دمه.

و غضب يزيد بن معاوية على عبد الرحمن بن حسان لما شبّب باخته رملة، و استعدى عليه أباها معاوية.

و اشترى ابن معبد سحيم الشاعر فلما شبّب سحيم بابنته عميرة و شهرها عدا ابن معبد عليه فأحرقه بالنار.

و قال في 609: لما شبّب عبد اللّه بن مصعب المعروف بعائذ الكلب بامرأة من بني نصر بن دهمان و كان اسمها جمل عمد إليها إخوتها فقتلوها غيرة منهم.

و فيه ص 658: لما بلغ الحجاج الثقفي أنّ محمد بن عبد اللّه النمري شبّب باخته زينب أسمعه السباب و لم يتركه حتى كتب إلى عبد الملك بن مروان بذلك.

و فيه ص 721: أنّ الهذلي شبّب بابنة جندل بن معيد فساء ذلك أباها فعدا عليه و قتله ثم أحرقه.

و هذه جبلة معروفة في الذوات المرتكزة فيها الغيرة حتى أنّهم لا يزوجون المرأة من الرجل إذا شبّب بها، و لذلك حكم العلماء بفسق من يشبّب بالمرأة المعينة لما فيه من الهتك و الايذاء و الاغراء بها.

و الشريعة الحكيمة أوصدت أبوابها ما ينجم منه الفرقة و يفكك الوحدة، و على هذا مشى علماء الإمامية، ففي الشرائع للمحقق الحلي و التحرير و الارشاد للعلامة الحلي عند ذكر عدالة الشاهد قالا: التشبيب بالمرأة المعروفة الغير محللة موجب للفسق، و نفى في التحرير عدم البأس ممّا عدى ذلك، و ظاهر السرائر لابن ادريس الحلي اطلاق المرأة فانه قال: انشاد الشعر مباح لا تردّ شهادة فاعله ما لم يكن تشبيب بامرأة.

و قال الأردبيلي في شرح الارشاد التقييد بالمرأة الغير محللة بعدم تحريم غيرها، و في الدروس للشهيد جعل من مسقطات عدالة الشاهد التغزل بالمرأة المعروفة المحرمة لا غير بالشعر، و ألحق صاحب الجواهر بالمرأة التشبيب بالغلام نافيا عنه الخلاف، و لما فيه من اغراء الفساق بالمرأة و الولد.

و أما فقهاء السنّة: فبعضهم خص التحريم بالمرأة المعينة، و ظاهر بعضهم الاطلاق، قال الشافعي في الام 12/6: من شبّب بامرأة لم يحل له وطؤها حين شبّب بأكثر فيها و شهر مثلها بما شبّب، و إن لم يكن زنا ردّت شهادته، و من شبّب و لم يسم أحدا لم ترد شهادته، لأنّه يمكن أن يشبب بامرأته و جاريته.

و ذكر ذلك البيهقي في السنن 243/10 و لم يتعقبه، و في المغني لابن قدامة 178/9 في الشهادات ما كان من الشعر يتضمن هجو المسلمين و القدح في أعراضهم أو التشبيب بامرأة بعينها و الافراط في وصفها، فذكر أصحابنا انّه محرم.

و في الفروع لابن مفلح الحنبلي 907/3 في الشهادات: من شبّب بمدح خمر أو بأمرد أو امرأة معينة محرمة فسق لا يشبّب بامرأته أو أمته، و في إحياء العلوم للغزالي 249/2 في فصل الغناء قال: نظم الشعر إذا كان فيه وصف امرأة بعينها لا يجوز بين يدي الرجال.

و أما التشبيب بوصف الخدود و الأصداغ و حسن القد و القامة و سائر أوصاف النساء، فالصحيح أنّه لا يحرم نظمه و انشاده بلحن و غير لحن، و على المستمع أن لا ينزّله على امرأة معينة، فإن نزله فلينزله على من تحل له من زوجته و جارتيه، فإن نزله على أجنبية فهو العاصي بالتنزيل.

و في روح المعاني للآلوسي 151/19 عند قوله تعالى في سورة الشعراء: وَ اَلشُّعَرٰاءُ يَتَّبِعُهُمُ اَلْغٰاوُونَ‌ قال: من جملة المحظورات التشبيب بغلام و لو غير معين مع ذكر أنّه يعشقه، و امرأة أجنبية معينة و إن لم يذكرها بفحش، أو امرأة مبهمة مع ذكرها بالفحش. و لم يفرقوا بين انشاد ذلك و انشائه، و اعتبر بعضهم التعيين في الغلام كالمرأة فلا يحرم التشبيب بالمبهم، و استقر به الأذرعي، كما أنّه جوز التشبيب بالحليلة فيما إذا اشتمل على مجرد المحبة و الشوق.

و في الزواجر لابن حجر الهيثمي 176/2 قال: ذكر في الروضة أنّ التشبيب بالنساء و الغلمان من غير تعيين لا يخل بالعدالة، و كذا لو سمّى امرأة لا يدري من هي، و ترد شهادته إذا كان بفحش أو شبّب بامرأة بعينها، فإن شبّب بامرأته و جاريته فوجهان، و الصحيح أنّه ترد شهادته إذا ذكر حليلته بما حقّه الاخفاء لسقوط مروءته، و قال في ص 175: صرح الروياني بأنّ التشبيب بالغلام فسق و إن لم يعينه. و في التهذيب اعتبار التعيين فيه - الخ.

الوسائل 2 كتاب التجارة، باب 22 ص 564، و في المحاسن للبرقي 619/2، و في الخصال 53/1 عن الصادق عليه السّلام: «ثلاثة يعذّبون يوم القيامة: من صوّر صورة من الحيوان يعذّب حتى ينفخ فيها و ليس بنافخ فيها» الحديث، و رواه في عقاب الأعمال/ 14 ملحقا بثواب الأعمال و في صحيح البخاري 24/2 في بيع التصاوير من حديث ابن عباس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «من صوّر صورة فإنّ اللّه تعالى معذّبه حتى ينفخ فيها الروح و ليس بنافخ فيها أبدا، ثمّ التفت إلى الرجل الذي مهنته و قال: ويحك إن أبيت إلاّ أن تصنع ذلك فعليك بهذا الشجر و كل شيء ليس فيه روح»، و رواه المنذري في الترغيب و الترهيب 3/4.

و في مسند أحمد 246/1 عن ابن عباس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «من صوّر صورة كلّف أن ينفخ فيها و ليس بنافخ»، و رواه البيهقي 268/7.

و في صحيح البخاري 29/4 كتاب اللباس، و موطا مالك 135/3 عن عائشة، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذّبون يقال لهم أحيوا ما خلقتم»، و رواه البيهقي في السنن 268/7 عن ابن عمرو في الاتحافات السنية في الأحاديث القدسية/ 170 حديث 809: «يقال لأصحاب التصاوير و الصليب و النار اتبعوا ما كنتم تعبدون».

.

1) و خامة التشبيب بالمعينة لا تنكر، و قد أدت إلى اراقة الدماء و التطاحن بين القبائل، و كتب المؤرخين حافلة بذلك فهذا ابن حبيب النسابة ينص في كتاب المغتالين كما في المجموع السابع من نوادر المخطوطات/ 256 على ان زيادة ابن زيد بن مالك من بني ثعلبة بن ذبيان انّه أقبل مع هدبة بن حشرم من الشام في جماعة من قومهما فأقبل زياد يسوق الإبل و يرتجز معرضا باخت هدبة فغضب هدبة و نزل و ساق الإبل و عرض باخت زيادة و لم يزل كل منهما يعرض في شعره باخت الآخر حتى صار بين القوم سباب شبيه بالقتال و لما رجعا إلى أهاليهما تهاجيا و تفاخرا و كثر القتل بينهم.

المسألة الرابعة: تصوير ذات الأرواح [1]

حكم التصوير

[1] الأقوال في التصوير أربعة:

الأول: حرمته مطلقا.

الثاني: حرمة التجسيم مطلقا و إن لم يكن لذي روح، و عدم حرمة النقش كذلك.

الثالث: حرمته في ذوات الأرواح مطلقا، و عدم حرمته فيما لا روح له و إن كان مجسما.

الرابع: التفصيل في خصوص ذوات الأرواح بين التجسيم فيحرم، و بين النقش فلا يحرم، و اختاره صاحب الجواهر.

أما القولان الأولان: فيبطلهما صحيحة محمد بن مسلم قال «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر؟ فقال عليه السّلام: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان»(1)، فإنّه صريح في جواز تصوير غير ذوات الأرواح، و يعمّ ما لو كان

تصويرها بنحو التجسيم على ما هو ظاهر عنوان التمثال المسؤول عنه في هذه الصحيحة.

و اضافة التمثال فيها إلى الشجر و الشمس و القمر لا يوجب الاختصاص بالنقش المجرد؛ لإمكان تصوير جميع ذلك بالتجسيم، على أنّ عدم انطباقها على التجسيم لا يوجب الاختصاص.

و دفاع الإمام أبو جعفر و أبو عبد اللّه عليه السّلام عن النبي سليمان بأنّ التماثيل التي شاءها سليمان إنّما هي تماثيل الشجر و شبهه دون تماثيل الرجال و النساء(1)

و في تفسير روح المعاني للآلوسي 119/22 في نوادر الاصول للترمذي عن ابن عباس في هذه الآية: «اتخذ سليمان تماثيل من نحاس، فقال: يا رب انفخ فيها الروح فإنّها أقوى على الخدمة، فنفخ اللّه فيها الروح فكانت تخدمه»، ثم تعقبه الآلوسي بعدم الصحة و عدّه من حديث الخرافة و قال: نعم، لا يستبعد أن الجن عملوا له أسدين في أسفل كرسيه و نسرين فوقه فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، و إذا قعد أظله النسران بأجنحتهما؛ لأنّ صنائع البشر قد انتهت إلى فوق ذلك، و قيل: إنّ التماثيل في هذه الآية الطلسمات على تمثال التمساح و البعوض و الذباب لتمنع الممثل به عن الحركة عن مكانه. انتهى.

،

1) الكافي على هامش مرآة العقول 110/4 و 119، باب تزويق البيوت.

ظاهر الدلالة على جواز تماثيل غير ذوات الأرواح، و اطلاق التماثيل فيها شامل لنقش الصورة و تجسيمها، فالقول بحرمة التصوير مطلقا أو القول بحرمة التجسيم مطلقا حتى فيما لا يختص صنعه باللّه تعالى في غير محله.

و بهاتين الروايتين يقيد اطلاق ما ورد في حديث المناهي من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «من صوّر صورة كلّفه اللّه تعالى يوم القيامة أن ينفخ فيها و ليس بنافخ»(1)، و قوله صلّى اللّه عليه و اله: «من صوّر صورة من الحيوان عذّب و كلّف أن ينفخ فيها و ليس بنافخ»(2)، و قول أمير المؤمنين عليه السّلام: «إيّاكم و عمل هذه الصور فإنّكم تسألون عنها يوم القيامة»، و روى الراوندي(3)عن الصادق عليه السّلام حديث قال فيه: «من صوّر التماثيل فقد ضاد اللّه»(4).

ثم إنّه قد يستدل لاختصاص الحرمة بالتجسيم بالروايتين الاوليين، بدعوى أنّ النفخ الوارد فيهما إنّما يمكن في الجسم دون النقش، و في خبر الخصال و إن صرح بتصوير صورة من الحيوان إلاّ أنّه لا يوجب تقييد اطلاقهما كما هو واضح.

و فيه: أوّلا: أنّه من الممكن أن يكون الأمر بالنفخ في الصورة بعد الأمر بايجاد


1) من لا يحضره الفقيه/ 357، و الامالي/ 253 مجلس 66 في المناهي.

2) الخصال للصدوق 53/1 باب الثلاثة.

3) الخصال 169/2 حديث الأربعمائة.

4) مستدرك الوسائل 457/2 عن لب اللباب.

مادتها و لو مقدمة لكنّه خلاف الظاهر.

ثانيا: إمكان النفخ في الصورة بلحاظ محلها.

ثالثا: يشتمل النقش على مواد صغيرة، و يكون النفخ بملاحظة تلك المواد الصالحة لذلك.

و بهذين الجوابين الأخيرين اجيب عن الإشكال الوارد على معجزة الإمام الهادي عليه السّلام حين أمر المتوكل بعض المشعوذين أن يعمل ما يخجل به الإمام عليه السّلام فسحر أعين الجالسين فكانوا يرون أبا الحسن الهادي عليه السّلام كلّما مدّ يده إلى قرص من الخبز تطاير بين يديه فتضاحك الحاضرون، فضرب الإمام عليه السّلام بيده على صورة أسد في المسورة و قال: خذ عدو اللّه، فوثبت تلك الصورة و ابتلعت الرجل المشعوذ و عادت إلى ما كانت فتعجب الجمع و اضطربوا، و توسل المتوكل بأبي الحسن عليه السّلام أن يردّ الرجل. فقال له: «هيهات، أتسلط أعداء اللّه على أوليائه»(1)، و في بعض الأخبار أنّ مثله جرى من الرشيد مع أبي ابراهيم موسى بن جعفر عليه السّلام(2).

و لا يشكل على الجوابين باستلزام انقلاب العرض جوهرا؛ لأنّ التبدل على ما عرفت إنّما هو في صور المواد و هو أمر ممكن عادة غاية الأمر يحتاج إلى مضي زمان طويل، و بما أودع اللّه تعالى في الأئمة المعصومين عليهم السّلام من القدرة على التصرف في الكائنات أتمّ الإمام عليه السّلام سيرها الطبيعي في أقصر زمان.

و قد ورد في بعض الأخبار أنّ مادة الإنسان باقية في قبره مستديرة(3)، و قد


1) الخرائج للراوندي/ 56، ط - الهند.

2) مناقب ابن شهر آشوب 364/2، ط - ايران.

3) البحار 201/3 إثبات الحشر عن الكافي.

شوهد بالآلة المكبرة تألف ماء الرجل من ملايين من تلك المادة كماء المرأة و بواسطة التلقيح من ماء الرجل تتصور البويضة في المرأة إلى الصورة الحيوانية بعد سيرها الطبيعي(1)، و هكذا الطعام الذي يأكله الحيوان فإنّه ينقلب بمرور الزمن إلى الدم و المني، فبالإعجاز يتحقق قطع تلك المراحل في زمان قصير و هو أمر ممكن لكنّه خلاف العادة.

و هذان الجوابان و إن كانا تأمين من حيث القواعد إلاّ أنّهما بعيدان عن الفهم العرفي فلا يحمل عليهما الألفاظ، و حينئذ تختص الأخبار المتقدمة بتجسيم الصورة التي تكون قابلة لنفخ الروح فيها دون النقش.

و لكن في المقام روايات دالة على حرمة تصوير الحيوان مطلقا كقوله عليه السّلام في حديث المناهي: «و نهى أن ينقش شيء من الحيوان على الخاتم»(2)بضميمة عدم القول بالفصل بين النقش على الخاتم أو غيره.

و مفهوم رواية محمد بن مسلم المتقدمة التي يقول فيها: «لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان»، و التمثال المسؤول عنه فيها يعمّ النقش؛ لأنّه مرادف للصورة(3)

و في النهاية 82/4: مثلّث بالتثقيل و التخفيف إذا صوّرت مثالا، و التمثال الاسم منه، و ظل كل شيء تمثاله.

و في الصحاح: التمثال الصورة المصوّرة، و تبعه في المصباح، ثم قال: في ثوبه تماثيل أي صور حيوانات مصوّرة.

و قال العيني في عمدة القاري شرح البخاري 308/9: قيل: لا فرق بين التمثال و التصوير، و الصحيح أنّ الصورة تكون في الحيوان، و التمثال يكون فيه و في غيره، و قيل: التمثال ما له جرم و شخص و الصورة ما كان رقما أو تزويقا في ثوب أو حائط.

، كما

1) يرشدنا إلى ذلك الكتاب العزيز إذ يقول جل شأنه: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ‌، خَلَقَ اَلْإِنْسٰانَ مِنْ عَلَقٍ‌، فإنّ العلق هو الحيوان الخارج بين الصلب و الترائب.

2) الفقيه/ 358، و عنه الوسائل 504/2.

3) في المغرب للمطرزي 177/2: التمثال ما تصنعه و تصوّره شبيها بخلق اللّه من ذوات الأرواح، و الصورة عام.

ذكره في كشف اللثام(1)

و خبر ابن بزيع الذي أشار إليه هو ما رواه في الوسائل 273/1، باب 44 عن الكافي قال: «سألت الرضا عليه السّلام عن الصلاة في الثوب المعلم‌؟ فكره ما فيه التماثيل».

، و قد أطلق عليها في روايات كثيرة واردة في كراهة الصلاة في ثوب فيه تماثيل أو استقبالها حال الصلاة إلاّ أن تغيّر أو تغطّى(2)

و فيه ص 123: سألته عن مسجد فيه تصاوير و تماثيل يصلّى فيه‌؟ قال: «تكسر رؤوس التماثيل، و تلطخ رؤوس التصاوير و يصلّي فيه و لا بأس».

و في الوافي 108/11 عن الكافي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «لا بأس أن تكون التماثيل في البيوت إذا غيّرت رؤوسها، و ترك ما سوى ذلك».

و في الوسائل 274/1 عن الشيخ الطوسي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «و لا بأس أن تكون التماثيل في الثوب إذا غيّرت منه الصورة».

و في تيسير الوصول 147/2 و الترغيب و الترهيب للمنذري 4/4، و سنن البيهقي 270/7 عن أبي هريرة من حديث: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «قال لي جبرئيل: لم يمنعني من الدخول عليك البارحة إلاّ أنّ على الباب تماثيل الرجال، فمر برأس التماثيل أن تقطع فتصير كهيئة الشجر».

و في كنز العمال 40/8 كتاب المعيشة محظورات البيت عن ابن عباس قال صلّى اللّه عليه و اله «الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فلا صورة».

، و في جواز

1) قال في كشف اللثام عند قول العلاّمة: «و يكره الصلاة في ثوب فيه تماثيل أو خاتم فيه صورة» ما لفظه: التماثيل و الصورة هنا، و في النهاية و المنتهى و التحرير و كتب المحقق تغاير المعنى، فقد يكون المراد بالصورة صورة الحيوانات خاصة، و بالتماثيل الأعم لتفسير الآية به كما سمعت، و الفرق لورود خاتم فيه نقش هلال أو وردة و احتمال ما فيه التماثيل في صحيح ابن بزيع المعلم، و لذا كرهه الشهيد في الدروس، لكن في المغرب: المهمل اختصاص التمثال بصورة اولي الأرواح و عموم الصورة حقيقة، و أما تمثال شجر فمجاز إن صحّ - الخ.

2) في قرب الإسناد/ 113 عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام قال: سألته عن البيت فيه طير أو سمكة أو شبهه يلعب به أهل البيت هل تصلح الصلاة فيه‌؟ قال: «لا، حتى يقطع رأسه أو يفسده، و إن كان قد صلّى فيه فليس عليه اعادة». و سألته عن رجل كان في بيته تماثيل أو في ستر و لم يعلم بها و هو يصلّي في ذلك البيت ثم علم ما عليه‌؟ قال: «ليس عليه فيما لا يعلّم شيء، فإذا علم فلينزع الستر أو ليكسر رؤوس التماثيل». و سألته عن الدار و الحجرة فيها التماثيل يصلّى فيها؟ فقال: «لا تصلّي فيها و شيء منها مستقبلك إلاّ أن لا تجد بّدا فاقطع رؤوسها، و إلاّ فلا تصلّي».

استعمال الفرش و البسط و الوسائد التي فيها التماثيل(1)

و في التهذيب 200/1 فيما لا يجوز في الصلاة عن محمد بن مسلم، قلت لأبي جعفر عليه السّلام: اصلي و التماثيل قدامي و أنا أنظر اليها. قال: «لا، اطرح عليها، و لا بأس بها إذا كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجليك» الحديث.

و فيه: عن الحلبي: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «ربما قمت اصلي و بين يدي الوسادة فيها تماثيل طير فجعلت عليها ثوبا».

و في الكافي على هامش مرآة العقول 110/4 عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «كانت لعلي بن الحسين عليه السّلام و سائد و أنماط، و فيها تماثيل يجلس عليها»، و النمط كما في الصحاح: ضرب من البسط، و في المغرب: يكون من صوف يوضع على الهودج.

، هذا مضافا إلى كفاية المطلقات المانعة عن التصوير فإنّها مقيدة بما دل على جواز تصوير غير الحيوان، فيبقى اطلاقها بالاضافة إلى الباقي.

هذا كلّه بناء على عدم ثبوت المفهوم للروايات الواردة في الأمر بنفخ الروح في التصوير؛ لأنّ القيد لا مفهوم له.


1) في الخصال 164/2 في حديث الأربعمائة عن علي عليه السّلام: «لا يسجد على صورة و لا على بساط فيه صورة، و يجوز أن تكون الصورة تحت قدميه أو يطرح عليها ما يواريها».

و أما لو بنينا على ثبوته لها فتدل على جواز تصوير ما لا يكون قابلا لنفخ الروح فيه، و مصاديقه ثلاثة: نقش الحيوان، و تجسيم ما لا يقبل نفخ الروح فيه، و نقشه، فلا محالة تقع المعارضة بالعموم من وجه بين هذا المفهوم و مفهوم رواية محمد بن مسلم المتقدمة النافية للبأس ما لم يكن شيئا من الحيوان، فإنّ مفهومه حرمة تمثال الحيوان مطلقا، و مورد اجتماعهما نقش الحيوان، و مورد الافتراق من ناحية الأخبار المتضمنة للأمر بنفخ الروح نقش غير الحيوان و تجسيمه، و من جهة رواية محمد بن مسلم تجسيم الحيوان.

و حينئذ: إن بنينا على الترجيح بالسند فرواية محمد بن مسلم تتقدم، و إن بنينا على التساقط في المتعارضين بالاطلاق كما هو المختار فيسقطان و المرجع إلى المطلقات الواردة في حرمة التصوير على اطلاقه، فالنتيجة حرمة تصوير ذوات الأرواح مطلقا و هو الذي عليه أصحاب القول الثالث(1)

و في شرح النووي على صحيح مسلم على هامش ارشاد الساري 398/4: تصوير الحيوان من الكبائر مطلقا في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها، كان ممّا يمتهن أو لا، و أما غير الحيوان فلا يحرم تصويره.

و في عمدة القاري للعيني 588/5: ذهب الليث بن سعيد و الحسن بن حي و بعض الشافعية إلى كراهة التصوير مطلقا، و ذهب النخعي و الثوري و أبو حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد في رواية إلى التفصيل بين الصورة التي توطء بالأقدام فلا بأس، و ما كان على الثياب و الستائر فتحرم، و كره مالك التماثيل في الأسرّة و القباب دون البسط و الوسائد و الثياب، و ادعى القاضي عياض الاجماع على منع ما لا ظل له، و استثنى بعضهم ما لا يبقى كصور الفخار و الشمع و نحوها.

و في الفقه على المذاهب الأربعة 48/2: المنع من تصوير الحيوان الكامل الذي له ظل و جواز تصوير غيره مطلقا، أو كان من الحيوان و لم يكن كاملا أو لا ظل له.

و في الفروع لابن مفلح الحنبلي 253/1: يحرم على الكل لبس ما فيه صورة حيوان، قال أحمد: لا ينبغي كتعليقه و ستر الجدر به و تصويره، و قال: لا يحرم و إن ازيل من الصورة ما لا تبقى معه حياة لم يكره و مثله صورة شجرة و تمثال، و أطلق بعضهم تحريم الصورة.

.

1) في ارشاد الساري للقسطلاني 41/4: لا فرق في حرمة التصوير بين أن تكون الصورة لها ظل أو لا، كانت مدهونة أو منقوشة أو منقورة أو منسوجة.

و ظهر بما بيّناه أنّه لا وجه للقول الرابع و هو التفصيل في ذوات الأرواح بين المجسمة و النقش كما ذهب إليه صاحب الجواهر.

ثم مهما حرم التصوير بطلت الإجارة عليه كالاجارة على بقية المحرمات، و قد أطلق السحت في بعض الأخبار على ثمن التصوير(1).

تنبيه: لا إشكال في حرمة تجسيم الملائكة و الجن و لو خياليا، للروايات المشتملة على الأمر بنفخ الروح في التمثال، فإنّها عامة للانس و الجن و الملائكة و سائر الحيوانات، و أما النقش فحرمته مبنية على شمول الحيوان للملك و الجن.

و الظاهر أنّ الحيوان لا يراد به مطلق الحي لاستلزامه الصدق على الباري جلّ شأنه، بل المراد منه هو المعنى اللغوي و هو المادة الحية، فلا يطلق عليه تعالى و تقدس، و يعمّ الملك و الجن.

و الشاهد على ذلك أمران:

الأول: أنّ المسؤول عنه تمثال الشمس و القمر و الشجر، فلو لم يرد من الحيوان


1) في كتاب محمد بن شريح الحضرمي/ 76 في مجموع الاصول الستة عشر طبع طهران، و عنه في مستدرك الوسائل 557/2 عن الصادق عليه السّلام: «من أكل السحت سبعة: الرشوة في الحكم، و مهر البغي، و أجر الكاهن، و ثمن الكلب، و الذين يبنون البنيان على القبور، و الذين يصوّرون التماثيل، و جعيلة الأعرابي».

هذا كلّه مع قصد الحكاية [1]

في الجواب المادة الحية لانتفت المناسبة بين السؤال و الجواب، فتأمل.

الثاني: أنّ الحيوان شامل للإنسان يقينا، و لو أريد منه معناه العرفي لانصرف عنه؛ لشرافته و إن صدق عليه لغة.

[1] ذكر المصنف فروعا:

الأول: أنّ العناوين المأخوذة في أدلة المنع هي التشبيه و التصوير و التمثال، و كل ذلك متقوم بقصد الحكاية، فلا يصدق شيء منها إذا أوجد أحد صورة الحيوان بداعي آخر كبعض المخترعات التي هي على شكل الطير، فإنّه لم يقصد بشكلها الحكاية، و إنّما اريد بتلك الهيئة غاية اخرى مباحة، و قد حكي أنّ تخطيط بعض البلدان على شكل بعض الحيوانات، و هذا الوضع الهندسي لم يقصد منه حكاية ذلك الحيوان قطعا، و مثله لا يكون محرما.

و من هنا يظهر ضعّف ما ذهب إليه صاحب كشف اللثام في مسألة كراهة الصلاة في الثوب المشتمل على التماثيل من كراهة الثياب ذوات الأعلام و الثياب المحشوة بل مطلق الثياب لشبه الخياطة بالقصب و النخل و نحو ذلك، بداهة عدم كون الخياطة بداعي الحكاية و التصوير.

الفرع الثاني: أنّه على المختار من اختصاص حرمة التصوير بذوات الأرواح لا يحرم تصوير بعض أعضاء الحيوان كيده و رأسه و رجله إلاّ إذا صدق عليه تصوير الحيوان، أو كان بعض أجزائه الاخر مقدرة كما إذا صور حائطا من ورائه انسان ينظر أو بحرا غرق فيه انسان لم يظهر إلاّ رأسه، أو صوّر إنسانا جالسا لا يرى رجلاه أو كان مقدار من جسده مستورا، و هكذا لا يجوز تتميم ما صوره الآخر من أعضاء الحيوان، كما يحرم ضم الأعضاء بعضها إلى بعض بحيث يتم به صورة

الحيوان و لو لم يكن هو المصور لها لصدق عنوان التصوير على جميع ذلك.

الفرع الثالث: لا فرق في حرمة تصوير الحيوان بين كونه مقصودا من حين شروعه فيه و بين ما إذا بدى له قصد ذلك في الأثناء، فإذا قصد ابتداء تصوير بعض أجزاء الحيوان بمقدار لم يكن محرما ثم بدى له اتمامها كان ذلك حراما لصدق عنوان التصوير عليه، فإنّه نظير تصوير الأعضاء مستقلا في أوراق مستقلة ثم ضم بعضها إلى بعض، و أما إذا انعكس الأمر بأن شرع في التصوير قاصدا تصوير حيوان كامل ثم انصرف رأيه في الأثناء فلم يتمه فلا إشكال في استلزامه استحقاق العقاب؛ لكونه تجريا.

و أما حرمته الفعلية كما يظهر من المصنف فلا وجه لها، فإنّه قدّس سرّه فرق بين الواجب و الحرام بأن ترتب الثواب على الواجب و صدق عنوانّه على العمل يكون مراعى باتمامه بخلاف الحرام حيث لا يراعى فيه الاتمام بل يصدق عليه عرفا فعل المحرم بمجرد الشروع فيه.

و هذا الفرق غير واضح لاشتراكهما في صدق الانقياد و التجري بمجرد الشروع فيهما و عدم صدق الاطاعة و العصيان إلاّ بعد الفراغ عنهما.

الفرع الرابع: أنّ التصوير المتعارف في عصرنا بآلة «الفوتغراف» غير محرم؛ لأنّ ظاهر عنوان التصوير و التمثّل إحداث الصورة لا إبقاؤها، و التصوير المتعارف ليس إحداثا لها لا دفعيا و لا تدريجا، و إنّما هو إبقاء النقش و حبسه بعد انعكاسه في ذاك المحل كالانعكاس في المرآة، و لا تحرم المحاذاة لما ترتسم فيه الصورة و إلاّ لحرم الوقوف أمام المرآة و بعض الأشجار أو الأحجار التي تنطبع فيها الصور أحيانا.

و بالجملة المحرم إنّما هو احداث التمثال سواء كان دفعيا كما في آلة الطابعة أو

بقي الكلام في جواز اقتناء [1]

تدريجيا كالتصوير باليد، و أما التصوير الفني فإنّه غير محدث للصورة و إنّما إبقاء للانعكاس فلا يحرم.

و يؤكده ما ورد في بعض الأخبار المانعة عن التصوير من كونه معارضة مع اللّه سبحانه في ابداعه(1)

و في مختصر فتاوى ابن تيمية للشيخ بدر الدين الحنبلي/ 328 في الصحيح عنه صلّى اللّه عليه و اله فيما يرويه عن ربه تعالى: «و من أظلم ممّن ذهب بخلق كخلقي فليخلقوا بعوضة».

و لا يتحقق ذلك في حبس الصورة و إبقائها بعد انعكاسها في محل بسبب المحاذاة.

حكم اقتناء الصور

[1] استدل على حرمة اقتناء الصور التي يحرم ايجادها بوجوه:

الأول: أنّ الايجاد عين الوجود خارجا و الفرق بينهما اعتباري، فما دل على حرمة ايجاد التمثال يدل على حرمة وجوده و مبغوضيته للمولى فيحرم إبقاؤه و اقتناؤه.

و فيه: أنّ حديث اتحاد الايجاد و الوجود و إن كان صحيحا إلاّ أنّه أجنبي عن المقام، فإنّ الصورة إنّما هي نتيجة الايجاد.

و بعبارة اخرى: الايجاد بالمعنى المصدري الذي هو عرض قائم بالموجد متحد مع الوجود حدوثا، و أما استمرار الوجود و بقاؤه فليس متحدا مع الايجاد؛ و لذا يستمر الوجود مع فناء الموجد، فحرمة الايجاد لا تستلزم مبغوضية الوجود بقاء لأنهما أمران مستقلان، و لذا لو بنى العبد بنفسه مسجدا بغير إذن مولاه لا يجب


1) تقدمت رواية المستدرك 457/2 عن لب اللباب أنّ صور التماثيل مضادة مع اللّه تعالى.

هدمه من جهة مبغوضية ايجاده؛ لكون العبد و أعماله مملوكا للسيد، بل يحرم هدمه.

الثاني: رواية تحف العقول بضم فقرتين منها، احداهما قوله عليه السّلام: «إنّما حرم اللّه الصناعة التي هي حرام كلها التي يجيء منها الفساد محضا»، ثانيتهما قوله عليه السّلام «و ما يكون منه و فيه الفساد محضا، و لا يكون منه و لا فيه شيء من وجوه الصلاح فحرام تعليمه و تعلمه و العمل به و آخذ الاجرة عليه، و جميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات».

و هاتان الجملتان بمنزلة صغرى و كبرى، فالمستفاد من الاولى أنّ التصوير لا يجيء منه إلاّ الفساد محضا لكونه محرما، و المستفاد من الثانية أنّ كل ما لا يجيء منه إلاّ الفساد المحض يحرم جميع التقلب فيه و منها الاقتناء، فينتج حرمته.

و فيه: مضافا إلى ضعف سند الرواية على ما تقدم مرارا، أنّ ظاهر الصناعة التي يجيء منها الفساد محضا هو فعل الصانع بالمعنى المصدري لا مصنوعه و هو اسم المصدر، و كون الفعل بالمعنى المصدري فسادا لا يستلزم كون نتيجته أيضا فسادا، و لذا لو زنى أحد بامرأة فأولدها لا يستلزم فساد الفعل فساد نتيجته و هو الولد بحيث يلزم إعدامه؛ لكون مبايعته و مناكحته و مواكلته محرمة بدليل حرمة التقلب فيما يجيء منه الفساد.

و بالجملة: مفاد الفقرة الثانية حرمة التقلب فيما يكون محرما، و حرمة الصورة أول الكلام.

الثالث: رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام قال: سألته عن التماثيل هل يصلح أن

يعلب بها؟ قال عليه السّلام: «لا»(1)، فإنّ اللعب ملازم للاقتناء، فإذا حرم الأول حرم الثاني أيضا.

و فيه: أنّه إن اريد باللعب بالتماثيل ما هو المتعارف من القمار كاللعب بالشطرنج فهو خارج عن محل الكلام، و إن اريد منه مطلق اللهو الشامل للاقتناء فيبعد أن يكون للعب بها خصوصية بالقياس إلى اللعب بسائر الأشياء، فتأمل، هذا مضافا إلى أنّ اللعب بالشيء أخص من اقتناءه(2)

و في إحياء العلوم للغزالي 60/2 باب البيع: لا يجوز بيع الحيوانات المصنوعة من طين و يجب كسرها، و أما الثياب و الاطباق التي عليها صور الحيوانات فيجوز بيعها؛ لأنّه ينتفع بها من وجه، و صور الأشجار يتسامح بها، و أما الستور فيجوز بيعها و لا تستعمل منصوبة، و يجوز موضوعة.

و في المحلى لابن حزم 25/9: لا يحل بيع الصور إلاّ للعب الصبيان، و كذا لا يحل اتخاذها، و صح أنّ الصور في الستور مكروهة غير محرمة، و في الوسائد غير مكروهة.

و في السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني 210/3: لو طيّن التمثال أو قطع رأسه حتى لا يبقى ما يصدق عليه الصورة فلا حرمة.

و في الفقه على المذاهب الأربعة 49/2: جوّز المالكية و الشافعية اللعب بالبنات الصغيرة، كما جوّزوا تصويرها لهذه الغاية، لأنّ الغرض تدريب البنات و تعليمهن تربية الأولاد.

.

الرابع: ما ورد في تفسير الآية المباركة من قوله عليه السّلام: «و اللّه ما هي تماثيل الرجال و النساء» الحديث، فإنّ انكاره عليه السّلام انما كان باعتبار اقتناء سليمان للتماثيل لا عملها


1) قرب الإسناد/ 164، و عنه الوسائل 564/2 كتاب التجارة باب 122.

2) في شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 398/8: اتخاذ الصورة التي هي حيوان إن كان معلّقا على حائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة ممّا لا يعد ممتهنا فحرام، و إن كان في بساط يداس و مخدة و وسادة و نحوها ممّا يمتهن فليس بحرام.

على ما هو ظاهر اسناد المشية إلى التماثيل في الآية.

و قد أجاب عنه المصنف: بأن الانكار انما هو بلحاظ رضا سليمان بعمل الجن بل أمرهم به، و هذا هو ظاهر الآية.

و فيه: ان الرضا بفعل الجن و الأمر به انما يكون محرما لو كان العمل محرما عليهم، و هو غير معلوم فلا مناص من أن يكون الانكار من حيث اقتناء سليمان للتماثيل، إلاّ انّه لا دلالة له على حرمة ذلك بالاضافة الينا لامكان اختصاص حرمته بالأنبياء لعلو مقامهم فانه لا يليق بهم كثير من الامور المكروهة التي لم تحرم على عامة المكلفين، و اقتناء تماثيل الرجال و النساء من هذا القبيل بخلاف تماثيل الشجر و نحوه اذ ليس اقتناؤها بتلك المرتبة من الحزازة.

و من هذا الباب ما ورد من أمره عليه السّلام بتغيير رأس الطنفسة(1)، و أما ما ورد من ان عليا عليه السّلام كان يكره الدخول في بيت فيه تمثال(2)، بضميمة ما ورد من انه عليه السّلام لم يكن يكره الحلال، فلا دلالة فيه على المنع؛ لأنّ المراد من الحلال الذي لم يكن يكرهه هو المباح للقطع بأنّه عليه السّلام كان يكره المكروهات.

الخامس: صحيحة محمد بن مسلم فإنّ السؤال فيها عن التماثيل و هو جمع تمثال بكسر التاء، و هو اسم مصدر يطلق على نتيجة التصوير أعني الصورة الموجودة في الخارج، بخلاف التمثال (بالفتح) فإنّه مصدر يطلق على نفس الفعل، و هو لا يجمع إلاّ على التمثالات.


1) تقدمت الروايات في ذلك.

2) في الوافي 108/11 عن الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال «كان علي عليه السّلام يكره الصورة في البيوت».

الخامسة: التطفيف [1]

و عليه فالسؤال عن العين الخارجي أي عن التقلبات فيها بعد تحققها، نظير ما إذا سئل عن الخمر أو العصير و نحوه، و منها الاقتناء ففصّل الإمام عليه السّلام في الجواب بين الحيوان و غيره.

و على هذا فلا تصلح الصحيحة لتقييد المطلقات المانعة المانعة عن التصوير مطلقا، إلاّ أنّه لا يبعد انصرافها في نفسها إلى تصوير الحيوان، أو يكون صرف المطلقات عن اطلاقها بالسيرة القطعية القائمة على جواز تصوير غير الحيوان و عدم الردع عنها، فتكون مقيدة لها.

و كيف كان يرد هذا الاستدلال الأخبار الدالة على جواز اقتناء الصور، مثل ما ورد فيمن يصلي في بيت فيه تمثال من أنّه يجعل عليه ستارا إن كان بين يديه، إلى غير ذلك، فإنّ عدم ردع الإمام عن الاقتناء مع كونه في مقام البيان تقرير لجوازه و حمل الجواب على الحكم الحيثي لتعلق السؤال به بعيد في مثل المقام، فلم يتضح لنا دليل على المنع عن اقتناء الصور.

التطفيف

[1] التطفيف إن اريد به البخس في خصوص الكيل فلا إشكال في لحوق البخس في العد و المساحة به حكما، و إن اريد به مطلق البخس - كما لا يبعد - فيدخل فيه موضوعا(1)

و أما التطفيف ففي الصحاح و المصباح نقص المكيال، و أضاف إليه في تاج العروس: نقص الميزان، و بنقصهما فسره الشيخ الطوسي و الطبرسي و البيضاوي و الزمخشري و القرطبي و الخازن و ابن العربي و الآلوسي في تفاسيرهم عند قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ‌، و في تفسير ابن كثير 483/4: نقصانهما أو زيادتهما، فإذا أخذ ازداد، و إن أعطى نقص.

.

1) البخس في الصحاح و المصباح: هو النقص، و في تاج العروس، نقصان الحق، و في مفردات الراغب: نقصان الشيء على سبيل الظلم، و في جوامع الجامع للطبرسي في آية وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ‌ نقص المكيال و الميزان، و الكتاب العزيز شاهد له؛ فإنّ الآيات الناهية عن البخس خصصته فيهما كما ستعرف.

و كيف كان، فالاستدلال على حرمة التطفيف بالأدلة الأربعة كما في المتن غير خال عن المسامحة، فإنّ البخس و إن كان ظلما و العقل حاكم بقبحه، كما أنّ الكتاب و السنة نهيا عنه(1)

و الكتاب الوارد في التطفيف قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ‌.

و أما الأخبار: فمن طريق أهل البيت عليهم السّلام ما في الوسائل 463/2، باب 45 تعيين الكبائر عن العيون عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السّلام في كتابه إلى المأمون في تعداد الكبائر، و منها: البخس في المكيال و الميزان، و في ص 465 عن الصادق عليه السّلام في حديث شرائع الدين عد من الكبائر البخس في المكيال و الميزان، و في ص 511 باب 41 تحريم التظاهر بالمنكرات عن أبي جعفر عليه السّلام - إلى أن قال: - «و لم ينقصوا المكيال و الميزان إلاّ اخذوا بالسنين و شدة المؤنة و جور السلطان»، و فيه عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السّلام: «وجدنا في كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله - إلى أن قال -: و إذا طفف الميزان و المكيال أخذهم بالسنين و النقص»، و في ص 512 عن الصادق عليه السّلام في تعداد المحرمات - إلى أن قال -: «و رأيت الرجل معيشته من بخس المكيال و الميزان - الخ»، و فيه ص 570، باب 6 عن الكافي عن سعد بن سعد عن أبي الحسن عليه السّلام قال: سألته عن قوم يصغرون القفيز يبيعون بها؟ قال: «اولئك الذين يبخسون الناس أشياءهم».

و في مستدرك الوسائل 460/2 عن أمالي ابن الطوسي من حديث النبي صلّى اللّه عليه و اله: «لم يظهر البخس في الميزان إلاّ ظهر الخسران و الفقر»، و عن دعوات الراوندي من حديث النبي صلّى اللّه عليه و اله: «لم ينقصوا المكيال و الميزان إلاّ اخذوا بالسنين و شدة المؤنة و جور السلطان».

و في تفسير ابن كثير 483/4، و معالم التنزيل للبغوي على هامش تفسير الخازن 182/7 عن ابن عباس: كان أهل المدينة من أخبث الناس كيلا فأنزل اللّه تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ‌ فأحسنوا الكيل، و قيل: قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله المدينة و بها رجل يقال له أبو جهينة و عنده صاعان يكيل بأحدهما و يكتال بالآخر، فأنزل اللّه تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ‌.

و في تفسير القرطبي 251/19 عن ابن عباس: إنكم معاشر الأعاجم و ليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم و كانا مفرقين في الحرمين: كان أهل مكة يزنون، و أهل المدينة يكيلون - إلى أن قال -: و ما طفف قوم الكيل إلاّ منعوا النبات و اخذوا بالسنين.

و أما ما رواه أبو قتادة: أنّ عثمان كان يشتري الطعام و يبيعه قبل أن يقبضه، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «إذا بعت فاكتل، و إذا بعت فكل»، قال ابن أبي حاتم الرازي في علل الحديث 384/1: هذا حديث منكر بهذا الأسناد.

، إلاّ أنّ الاستدلال عليه بالاجماع الكاشف عن رأي المعصوم عليه السّلام

1) أمّا الكتاب ففي البخس قوله تعالى في الأعراف/ 85: فَأَوْفُوا اَلْكَيْلَ وَ اَلْمِيزٰانَ وَ لاٰ تَبْخَسُوا اَلنّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ‌، و في الشعراء/ 183: أَوْفُوا اَلْكَيْلَ وَ لاٰ تَكُونُوا مِنَ اَلْمُخْسِرِينَ وَ زِنُوا بِالْقِسْطٰاسِ اَلْمُسْتَقِيمِ وَ لاٰ تَبْخَسُوا اَلنّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ‌.

غير تام، لمعلومية مدرك المجمعين على حرمة التطفيف، و على أي تقدير فالحرمة التكليفية لا ريب فيها.

و إنّما الكلام في الحرمة الوضعية، فإنّ المعاملة تارة تكون في المتخالفين جنسا على نحو لا يجري فيها الربا، و اخرى في المتماثلين.

أما الأول: فإنّ كان المبيع كليا فالتطفيف لا يوجب فساد المعاملة، و إن كان شخصيا و لم يكن ربويا كما يتفق في المعاملة الجزئية المتعارفة كما لو بيع السمن الخارجي بعنوان انّه ربع الحقة بثمن معين و كان أقل منه فالمصنف قدّس سرّه فرضه من باب معارضة الوصف و الاشارة، و ذكرنا في محله عدم معقولية معارضتهما رأسا لأن المحتملات في مورد اختلافهما ثلاثة:

التنجيم حرام [1]

الأول: أن يكون البيع معلقا على الوصف، فالمعاملة فاسدة للتعليق.

الثاني: أن يكون شرطا، فلا يكون البيع معلقا عليه بل الالتزام بتنفيذ الالتزام البيعي و إيفائه معلق عليه على تفصيل بين في محله، و عليه فالبيع صحيح و التخلف يوجب الخيار.

الثالث: أن لا يكون هناك تعليق أصلا، و إنّما فائدة التوصيف التقسيط كما يتفق ذلك كثيرا في المعدودات، فبيع مائة كتاب بخمس و عشرين دينارا مرجعه إلى أنّ كل كتاب بربع دينار، فإنّ نقص المبيع عن المائة صح البيع في الموجود و نقص من الثمن بمقدار الفاقد، هذا كله فيما إذا كان الثمن و المثمن من جنسين.

و أما إذا كانا من جنس واحد و كانا ربويين، فالتوصيف على الأول و هو ما إذا رجع إلى التعليق على تساوي العوضين لا يوجب البطلان، فإنّه تعليق على ما يكون البيع معلقا عليه واقعا، فإن حصل المعلق عليه صح البيع و إلاّ فلا بيع أصلا لتقع المعارضة بين الوصف و الاشارة.

و على الثاني، و هو ما إذا رجع التوصيف إلى الشرط فالبيع يكون فاسدا؛ لكونه ربويا، و مجرد اشتراط الخيار على تقدير نقصان أحد العوضين عن الآخر لا يصحح البيع الربوي.

و على الثالث فلا ربا أصلا، فيصح البيع في المقدار الموجود و يستحق البائع الثمن، و لا يستحقه فيما يقابل ما نقص.

التنجيم

اشارة

[1] لقد ورد في الأخبار ما يشهد بكفر المنجم، فمنها ما يرويه نصر بن قابوس قال:

«سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «المنجم ملعون و الساحر ملعون و المغنية ملعونة، و من آواها و أكل كسبها ملعون»، و قال عليه السّلام: «المنجم كالكاهن، و الكاهن كالساحر، و الساحر كافر، و الكافر في النار».

و يدل على حرمة التنجيم ما عن علي بن الحسين عليه السّلام: «نهى النبي صلّى اللّه عليه و اله عن خصال - إلى أن قال -: و عن النظر في النجوم»(1)

و ورد النهي عن النجوم من طريق أهل السنة، ففي مسند أحمد 78/1 عن علي عليه السّلام من حديث قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «لا تجالسوا أصحاب النجوم»، و ص 227 و ص 311 عن ابن عباس عنه صلّى اللّه عليه و اله: «ما اقتبس رجل علما من النجوم إلاّ اقتبس بها شعبة من السحر ما زاد زاد».

و في الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي/ 201 عن النبي صلّى اللّه عليه و اله: «من صدق كاهنا أو عرافا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه و اله».

قال: و لأجله أفتى بعض المالكية بقتل المنجم من غير استتابة؛ لأنّه كافر إذا قضى بالتنجيم مع دعوى العلم بوقت نزول الأمطار و حدوث الفتن و ما في الأرحام. و قال بعضهم: يقتل بعد الاستتابة و عدم التوبة. و قال بعضهم: يزجر و يؤدب. و قال بعضهم: إن كان المنجم يعتقد أن النجوم فاعلة قتل من غير استتابة إن كان مستسرا بذلك و شهدت البينة عليه أو أقر على نفسه، و إن كان معلنا يحاج عليه فهو كالمرتد يقتل بعد الاستتابة و عدم التوبة، و إن كان يعتقد بأنها دالة على الحوادث و الفاعل هو اللّه تعالى فيزجر و يؤدب حتى يتوب، فإنّ هذا الاعتقاد بدعة و تسقط شهادته.

و لكن السيد ابن طاووس في كتابه فرج المهموم في علم النجوم - طبع النجف - ذكر روايات عن أهل البيت عليهم السّلام في صحة تعلم علم النجوم، و إن جماعة من علماء الشيعة و السنة لهم علم به، و خص جواز تعلمه باعتقاد أنّها علامات و دلالات، و أنّ الموجد للحوادث هو رب الأرباب مالك الدنيا و الآخرة، فإنّه الفاعل المختار، يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، و أما إسناد التأثير لها على أنّها فاعلة مختارة فضلال و حرام قطعا.

.

1) الخصال 143/1، باب خمسة ملعونون.

فلا بد أوّلا من بيان موجبات الكفر لنعرف ما يوجبه التنجيم بأقسامه من الكفر أو الفسق، فنقول: اصول الدين التي يحكم بكفر منكر أحدها و لو عن عذر و إن لم يعاقب في القيامة ثلاثة تنحل إلى أربعة:

الأول: الإقرار بوجود الصانع و هو داخل في التوحيد؛ إذ لا معنى للاقرار بالتوحيد بدون الاقرار بالصانع، فالتوحيد ملازم لإثبات الصانع.

الثاني: التوحيد و انكار كل منهما مستلزم للكفر، و يدل عليه من الكتاب آيات منها ما في آل عمران/ 64: قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ أَلاّٰ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللّٰهَ وَ لاٰ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاٰ يَتَّخِذَ بَعْضُنٰا بَعْضاً أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّٰا مُسْلِمُونَ‌ ، و من الأخبار ما في اصول الكافي عن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن قول اللّه عز و جل فطرة اللّه التي فطر الناس عليها، ما تلك الفطرة‌؟ قال: «هي الإسلام فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التوحيد، و قال:

ألست بربكم، و فيه المؤمن و الكافر».

الثالث: النبوة أي الإقرار بنبوة محمد صلّى اللّه عليه و اله و أنّ كل ما يخبر به حق و صدق، و يدل عليه من الكتاب العزيز قوله تعالى في آل عمران/ 19: إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلْإِسْلاٰمُ وَ مَا اِخْتَلَفَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ إِلاّٰ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ فَإِنَّ اَللّٰهَ سَرِيعُ اَلْحِسٰابِ‌ ، و أما الاقرار بنبوة سائر الأنبياء فمن أخبر نبينا صلّى اللّه عليه و اله بنبوته وجب الاعتقاد بها و إلاّ فلا دليل على لزوم الاعتراف به.

الرابع: المعاد فإنّ الايمان باليوم الآخر مقرون بالإيمان باللّه تعالى في كثير من الآيات، و يجب الاعتقاد بالمعاد الجسماني الذي أنكره الكفار مدعين من يحي العظام و هي رميم‌؟ فأجابهم اللّه سبحانه قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ‌ .

فهذه الامور الأربعة اصول الدين و منكرها و لو عن عذر كافر، و انكار غيرها و إن كان حقا لا يوجب الكفر إلاّ أن يرجع إلى إنكار أحدها كانكار الصلاة، فإنّ العارف بوجوبها في الشريعة يكفر بانكارها لاستلزامه تكذيب النبي صلّى اللّه عليه و اله، و أما جديد الإسلام فلا يكفر بانكارها و يلحق به إنكار الخوارج و النصاب فضل أمير المؤمنين عليه السّلام الذي هو من الضروريات.

إذا عرفت موجبات الكفر، فنقول: التنجيم يكون على أقسام:

اقسام التنجيم

الأول: أن يعتقد المنجم تأثير الاجرام العلوية في السفلية في الجملة، و هذا لا يوجب الكفر فإنّ من البديهيات تأثير حرارة الشمس في حرارة الأرض و اشتداد نباتها، و تأثير ضوء القمر في مد البحر و جزره، و هذا كتأثير النار في الاحراق.

الثاني: أن يعتقد المنجم بأنّ الأجرام العلوية كالشمس و القمر و النجوم ذوات ارادة و اختيار كالإنسان، بل مجموع العالم هو الإنسان، و لكنّها الإنسان الأكبر، و أنّ تأثيرها في العالم السفلي كتأثير النفس في البدن إما بالاستقلال أو بالاشتراك مع الباري تعالى عن ذلك علوا كبيرا، و إلى هذا ذهب براهمة الهند و كانوا يعتقدون قدرتهم على تسخيرها لتكون تحت ارادتهم، و لا ريب في كفر من يعتقد ذلك؛ لاستلزامه انكار الصانع أو تعطيله أو اعتقاد اشتراكها معه - جلّ شأنه -

نعم، مجرد الاعتقاد بتأثيرها في العالم السفلي إمّا على نحو تفويض الباري سبحانه السببية إليها بحيث تكون تحت إرادته و اختياره أو على نحو الأمر بين الأمرين بلا جبر و تفويض لا يوجب الكفر، و إن كان مخالفا للآيات و الروايات الظاهرة في ان اللّه تعالى يفعل ما يريد، و أنّه يهب لمن يشاء و منافيا للدعاء و التضرع إلى اللّه تعالى.

الثالث: الاعتقاد بحدوث امور سماوية من حركة الأجرام العلوية كالكسوف و الخسوف نحوها، و هذا لا يوجب الكفر و ليس الأخبار به إلاّ كأخبارنا بغروب الشمس عن النقطة الكذائية بعد مضي اثني عشر ساعة غاية الأمر غروب الشمس يعرفه كل أحد و خسوف القمر يعرفه المنجم.

الرابع: اعتقاد تأثير تقارن الأجرام في العالم بجعله سبحانه الأثر لها أو بكونها علامة لحدوث بعض الامور، فإن كان مورد الأثر الاجرام العلوية كالكسوف و الخسوف و طلوع الهلال و نحوها فلا يوجب الكفر و يكون أجنبيا عن مورد الأخبار؛ لأنّه تحت حساب مضبوط يقل الخطأ فيه.

نعم، الأخبار به جزما عن غير علم كذب يوجب الفسق، و إن كان مورد الأثر الأجرام السفلية فهو في نفسه و إن لم يستلزم الكفر لا الفسق إلاّ أنّ الروايات دلت على كونه موجبا للكفر كما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السّلام في خطابه مع المنجم «فمن صدق بهذا القول فقد كذب القرآن و استغنى عن الاستعانة باللّه تعالى»(1)، مع أنّ الوجدان شاهد على عدم مطابقته للواقع، فإنّ اليوم الخاص إذا كان نحسا لتقارن كوكبين خاصين لا بد و أن يكون نحسا لكل أحد، مع أنّا نرى التجارة مثلا في كل يوم نافعة لبعض و مضرة لآخر، و هذا واضح مع قطع النظر عن الأخبار.

نعم، لا مانع من الاعتقاد بتأثير تقارن الأجرام في النحوسة و غيرها أو كونها علامة عليها فيما نصت الأخبار عليه مثل كراهة النكاح و القمر في برج العقرب مع العلم بارتفاع النحوسة بالدعوات و الصدقات، كما لا مانع من الاعتقاد بتأثير


1) نهج البلاغة 138/1، طبع مصر، المطبعة الرحمانية، في مسيره إلى الخوارج.

السابعة: حفظ كتب الضلال [1]

الأجرام العلوية أو تقارن بعضها مع بعض معلقا على مشيئته سبحانه و تعالى.

و حاصل الكلام أنّ كفر المنجم إنّما يكون فيما إذا رجع اعتقاده إلى إنكار أحد الاصول، و عليه تحمل الأخبار الواردة في ذلك.

حفظ كتب الضلال

[1] استدل العلاّمة في التذكرة و النهاية على الحرمة بعدم الخلاف، و فهم منه المصنف رحمه اللّه الاجماع، و لذا قال: حفظ كتب الضلال حرام في الجملة، و السر في التقييد هو أنّ الاجماع دليل لبّي فيقتصر فيه على القدر المتيقن.

ثم أنّه استدل على الحرمة بعد الاجماع بحكم العقل بوجوب قطع مادة الفساد.

و فيه: ان العقل لا يستقل بلزوم اعدام كتب الضلال بعد وضوح أنّ اللّه تعالى جعل الدنيا دار اختيار و امتحان كما يظهر من جملة من الآيات الكريمة، فاستقلاله على تقدير ثبوته لا بد أن يكون من جهة دخوله تحت كبرى العدل و هو غير معلوم، و إلاّ لوجب عليه سبحانه إعدام جميع ما يأتي منه الفساد كالخمر و أمثاله، لأن التمكين من مادة الفساد ظلم لا يصدر من الحكيم، كما أنّه يجب على النبي صلّى اللّه عليه و اله و خلفائه اعدام ذلك و لو بطريق الاعجاز.

و من جملة ما استدل به على الحرمة قوله تعالى: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ‌ بدعوى أنّ كتب الضلال من لهو الحديث و أنّ حفظها كشرائها مذموم.

و فيه: بناء على شمول لهو الحديث لكتب الضلال، فإنّ الاستاذ قدّس سرّه حكى عن بعض العلماء المتتبعين تفسير لهو الحديث بالجرائد التي اخترعها المشركون في

زمان النبي صلّى اللّه عليه و اله ليصدوا الناس عن استماع كلامه صلّى اللّه عليه و اله، فكانوا كل يوم تصدر منهم النشرات في المدينة حين قيام الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله بالوعظ و التحذير و النصيحة و الناس ميّالون إلى استماع الأخبار الجديدة و الجزم بهذا يحتاج إلى تتبع للآثار(1).

و على كل فلهو الحديث لو سلمنا شموله لكتب الضلال، فالآية الكريمة لا ربط لها بالمقام.

أوّلا: أنّ الذم يختص ببيع كتب الضلال و شرائها فنفرض حرمتها و عدم حصول النقل و الانتقال، و أما حفظها فكمن يشتاق إلى حفظ القصائد المشتملة على الكفر و الزندقة عن ظهر القلب من دون فساد يترتب عليه.

و ثانيا: المحرم شراؤها بداعي الاضلال، و لا ربط له بحفظ كتب الضلال مجردا عن هذا القصد.

و ممّا استدل به قوله تعالى: اِجْتَنِبُوا قَوْلَ اَلزُّورِ بدعوى شمول القول لكتب الضلال.

و فيه: أنّ فسر قول الزور بالغيبة و الكذب و شهادة الباطل فلا يعم الكتب الباطلة، بل لا يشمل الكلام اللغو الذي لا يترتب عليه غرض عقلائي، مضافا إلى أنّ ظاهر الاجتناب عن قول الزور هو ترك ايجاده في الخارج لا إبقاؤه و حفظه، فتأمل.

و من جملة الأدلة رواية تحف العقول، و الاستدلال فيها بفقرتين:


1) لعل هذا الرأي ناشئ ممّا رواه الواحدي في أسباب النزول/ 259: إنّ النضر بن الحارث كان يشتري كتب العجم و فيها سيرهم و أحاديثهم و أخبار ملوك الحيرة، و يأتي بها إلى قريش فتعكف على قرائتها و تركوا استماع القرآن فنزل قوله تعالى: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ‌.

فيحتمل أن يراد بكتبه ما وضع لحصول الضلال [1]

الاولى: قوله عليه السّلام «إنّما حرم اللّه الصناعة التي يجيء منها الفساد محضا»، و كتب الضلال من الصناعات التي لا يجيء منها إلاّ الفساد، و تحريمها بنحو الاطلاق ظاهر في حرمة جميع التقلبات، و منها الحفظ.

و فيه: مع قطع النظر عن ضعف السند أنّ الصناعة عبارة عن فعل الصانع لا مصنوعة.

الثانية: قوله: أو يقوى به الكفر - الخ.

و فيه: أنّ حفظ كتب الضلال ان ترتب عليه تقوية الكفر فلا إشكال في حرمته لاستقلال العقل بالحرمة و معه لا حاجة إلى الاستدلال بالرواية، لكنّه خارج عن محل الكلام، و إن لم يترتب عليه تقوية الكفر فلا يكون مجرد الحفظ مستلزما للإضلال.

و من الأدلة ما رواه عبد الملك بن أعين قال: قلت للصادق عليه السّلام: إنّي ابتليت بهذا العلم فاريد الحاجة، فإذا نظرت إلى الطالع و رأيت الطالع الشر جلست و لم أذهب فيها، و إذا رأيت طالع الخير ذهبت في الحاجة. فقال لي: «تقضي‌؟!» قلت: نعم.

قال: «احرق كتبك»(1)، فإنّه ظاهر في الوجوب.

و فيه: أنّها على خلاف المطلوب أدل، لأنّ الأمر فيها بالإحراق إنّما هو مقدمة؛ لأن لا يقضي بالنجوم، و لا دلالة فيها على الوجوب النفسي لإحراق كتبه.

[1] ظهر بما ذكرناه أنّ المحرم حفظ الكتب التي يترتب عليها الاضلال خارجا،


1) رواها في الوسائل 181/2، باب 14 تحريم العمل بالنجوم في فصل السفر من كتاب الحج.

و أما مجرد كونها كتب ضلال بمعنى كون داعي المؤلف الإضلال فلا يوجب الحرمة؛ فإنّ كثيرا من كتب الضلال يترتب عليها الهداية لسخافتها و تناقض ما اشتملت عليه ممّا يضحك الثكلى، ككتب البهائية و التوراة و الانجيل، و ربما يحصل للقارئ فيها اليقين ببطلان سائر الأديان المخالفة لدين الإسلام.

و قد يلحق بكتب الضلال في الحكم كتب العر فإنّ التي لم يقصد مؤلفها الاضلال بها و لكنّها قد توجبه.

فتحصّل: أنّه لا دليل على حرمة حفظ كتب الضلال في نفسه، و أما نفي الخلاف المدعى في كلام العلاّمة قدّس سرّه فمع مخالفة صاحب الحدائق في ذلك و كونه محتمل المدارك لا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقن، و هو ما إذا ترتّب على حفظه الإضلال.

و أما حكم العقل فمخصوص بما إذا ترتب عليه الإضلال أو كان مظنّة أو محتملا له باحتمال صحيح؛ لأنّ إضلال الناس من أكبر المعاصي لا يقاس بغيره، و أما مع الأمن من الضلال، فلا يكون حفظ الكتب محرما(1)

و في شرح السير الكبير للسرخسي الحنفي 277/2، طبع حيدرآباد، الدكن: إذا أصاب المسلمون غنائم و فيها مصحف لا يدرى أنّ المكتوب فيه توراة أو انجيل أو زبور أو سفر فلا ينبغي للأمير أن يبيع ذلك من المشركين مخافة أن يضلوا به - إلى أن قال -: و كذلك لا يبيع من مسلم؛ لأنّه لا يأمن من أن يضلوا به، و كذلك لا يقسمه بين الغانمين؛ لأنّه لا يأمن على من وقع في سهمه أن يبيعه من المشركين فيضلوا بسببه، و لا أن يحرقه بالنار لاحتمال أن يكون فيه شيء من كلام اللّه، و إحراقه استخفاف به، ثم أنكر احراق عثمان بن عفان المصاحف يوم جمع الناس على مصحف واحد.

و في المهذب لأبي اسحاق الشيرازي الشافعي 257/2، طبعة مصر، سنة 1343: إذا أصاب المسلمون كتبا فيها كفر لم يجز تركها على حالها؛ لأنّ قرائتها و النظر فيها معصية، و إن أصابوا التوراة و الانجيل لم يجز تركها على حالها؛ لأنّه لا حرمة لها؛ لأنّها مبدلة، فإن أمكن الانتفاع بما كتب عليه إذا غسل كالجلود غسل و قسم مع الغنيمة، و إن لم يمكن الانتفاع به إذا غسل كالورق مزق و لا يحرق؛ لأنّه إذا حرق لم يكن له قيمة فإذا مزق كانت له قيمة، فلا يجوز اتلافه على الغانمين.

و في المغني لابن قدامة الحنبلي 441/8: كتب الكفار إن كانت ممّا ينتفع بها ككتب الطب و الشعر و اللغة فهي غنيمة، و إن كانت ممّا لا ينتفع بها كالتوراة و الانجيل، فإن أمكن الانتفاع بجلودها و أوراقها بعد غسلها غسل و صار غنيمة، و إلاّ فلا يجوز بيعها.

.

1) في التذكرة و المنتهى للعلامة الحلي نفي الخلاف عن حرمة حفظها.

حلق اللحية

هذا العنوان و إن لم يتعرض له المصنف (أعلا اللّه مقامه)، إلاّ أنّ مناسبة تعرضه للمواضيع المترتبة على حروف الهجاء دعا سيدنا الاستاذ إلى شرح الحقيقة في هذه المسألة و ما أدت إليه الشريعة من الحرمة و عدمها، و البحث في حلق اللحية تارة من جهة الحرمة، و اخرى في عدها من الكبائر، و لا ريب في أنّ عدم التجاهر بحلقها و عدم الإصرار عليه لا يلحقها بالكبائر بناء على الحرمة، نعم التجاهر به و الإصرار عليه من الكبائر قطعا.

و أما حرمة الحلق فعليها المشهور و إن ذهب شرذمة إلى جوازه، و استدلوا للحرمة بأمور:

الأول: قوله تعالى: وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّٰهِ‌ و ما يأمر به الشيطان لإضلال الإنسان و إهلاكه يكون محرما، و حينئذ يترتب الشكل الأول فيقال: حلق اللحية تغيير خلق اللّه و تغيير خلقه حرام بمقتضى الآية.

و فيه: منع الصغرى و الكبرى على سبيل منع الخلو، فإنّه إن اريد من الكبرى مطلق التبديل - كما هو معناه لغة، بحيث يعمّ جميع التصرف في الموجودات حتى مثل شق الأنهار و قطع الأشجار ليشمل التغير حلق اللحية - فهي ممنوعة قطعا، بداهة عدم حرمة جعل التراب آجرا و الآجر دارا و الجبل طريقا، و جعل الشعر نصفين إلى غير ذلك من التغيير في الموجودات المباح قطعا، بل لا يصدق تغيير الخلق عرفا على مثل ذلك.

و إن اريد التغيير الخاص فصدقه على حلق اللحية ممنوع؛ لعدم الفرق في ذلك بينه و بين نتف شعرة واحدة من الوجه، فإذا تكون الآية مجملة، مضافا إلى ما حكاه الفيض قدّس سرّه في تفسير الصافي عن المجمع من تفسير تغيير الخلق بتغيير الدين الاسلامي؛ لأنّ كل مولود يولد على فطرة الإسلام التي فطر اللّه عليها الناس، و إنّما الأبوان يهودانّه و ينصرانه، فإيجاد المانع من القول بالتوحيد تغيير لخلق اللّه و فطرته، و هذه الرواية لا نريد التمسك بها لعدم الوقوف على صحة سندها إلاّ أنّ الغرض من ذكرها تأييد القول باجمال الآية، مع أنّه يحتمل ان يراد من تغيير خلق اللّه اللواط و المساحقة؛ لأنّ الغاية التي خلق لها الرجال هو الحرث لإيجاد النسل، و النساء كالأرض الصالحة للحرث، فإعراض كل منهما عما خلق له تغيير لخلق اللّه تعالى(1)

و لم أعثر في تفسير الآية بذلك على غير هاتين الروايتين المرسلتين. و كيف كان، فعلى هذا التفسير الذي دلت عليه المرسلتان اعتمد علي بن ابراهيم في تفسير الآية، و الكاشاني في الصافي و الآصفي، و قواه الشيخ الطوسي في التبيان 471/1.

و في تفسير الرازي 316/3: قال به سعيد بن جبير و ابن المسيب و الحسن و الضحاك و مجاهد و السدي و النخعي و قتادة، و ذكره في الكشاف قولا و غير هذا أقوال اخر، ففي الكشاف: قيل: المراد من تغيير خلق اللّه الخصاء، و قيل: الوشم، و قيل: التخنث، و قيل: فقء عين الحامي و اعفاؤه عن الركوب. و في تفسير الرازي قيل: المراد منه تبديل الحلال بالحرام و الحرام بالحلال.

و في التبيان للشيخ الطوسي نقلا عن الزجاج: إنّ اللّه خلق الأنعام ليأكلوها و ينتفعون بها فحرموها على أنفسهم و خلق الشمس و القمر و الحجارة ينتفعون بها فعبدها المشركون، و الآلوسي في روح المعاني بعد أن ذكر بعض هذه الأقوال قال: خص من تغيير خلق اللّه الختان و الوشم لحاجة و خضاب اللحية و قص ما زاد منها على السنّة.

فعلى هذا تكون الآية مجملة، نعم ظاهرها بموجب السياق دال على أنّ المراد من التغيير هو تغيير الدين و الشريعة.

.

1) في تفسير البرهان 255/1 عن تفسير العياشي عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام في هذه الآية: «إن تغيير خلق اللّه هو تغيير دينه و أمره»، و فيه عن محمد بن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «هو أمر اللّه بما أمر به».

الثاني: ما رواه الصدوق أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال: «حفّوا الشوارب و اعفوا اللحى و لا تشبهوا باليهود»، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «إنّ المجوس جزوا لحاهم و وفروا شواربهم، و إنّا نحن نجز الشوارب و نعفى اللحى و هي الفطرة»(1).

و روى الصدوق بالاسناد إلى علي بن غراب، قال: حدثني خير الجعافرة جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «حفّوا الشوارب و اعفوا اللحى و لا تشبهوا بالمجوس»(2).


1) من لا يحضره الفقيه/ 24، و فيه الرواية مرسلة.

2) معاني الأخبار/ 84 باب 139، و في سنده موسى بن عمران النخعي مجهول الحال، و محمد بن جعفر الأسدي ذكره الشيخ محمد طه نجف في قسم الضعفاء، و حكى عن العلاّمة توقفه فيه، و لكن الشيخ الطوسي في الغيبة وثّقه، و علي بن غراب استظهر الوحيد البهبهاني في تعليقته على رجال ميرزا محمد أنّه من العامة، و في اتقان المقال للشيخ محمد طه نجف / 208: لنا في المهملين أربعة بهذا العنوان من أصحابهما أو أحدهما.

و ربما يناقش في دلالتها بأنّ عطف إعفاء اللحى على حلق الشوارب و اقتران أحدهما بالآخر مع القطع بعدم وجوب حلق الشوارب و جواز عفوها ما لم يكن بقصد التشريع يقتضي أن يكون الأمر بعفو اللحى أيضا للاستحباب.

و قد أجبنا عنه غير مرة بأنّ رفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب في بعض متعلقه لقرينة لا يوجب رفع اليد عنه في غير مورد القرينة، كما في قوله: اغتسل للجمعة و الجنابة.

و لكن مع ذلك لا دلالة في شيء منها على حرمة حلق اللحية:

أوّلا: أنّ عفو اللحية عبارة عن إرسالها و عدم التعرض لها و عدم وجوبه واضح و إلاّ لحرم الأخذ منها و لو بمقدار لا يضر بصدق بقاء اللحية، فلا بد من حملها على الاستحباب و يتعين مقدار الإرسال بما تنص به الأخبار.

و ثانيا: أنّ هذا المضمون ورد في الفقيه بلفظ «و لا تشبهوا باليهود»، و في معاني الأخبار «و لا تشبهوا بالمجوس»، و الثابت أنّ المجوس يحلقون لحاهم و يفتلون شواربهم.

ففي مستدرك النوري 59/1: لما كتب النبي صلّى اللّه عليه و اله إلى الملوك و فيهم كسرى، كتب كسرى إلى عامل اليمن أن يبعث إليه النبي صلّى اللّه عليه و اله، فأرسل كاتبه مانويه و رجلا معه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله، فدخلا عليه و قد حلقا لحاهما و اعفيا شاربيهما فكره النظر اليهما و قال: ويلكما من أمركما بهذا؟ قالا: ربنا كسرى. فقال النبي صلّى اللّه عليه و اله: لكن ربي

أمرني باعفاء لحيتي و قص الشارب(1)

و هذا الحديث لا يعبؤ به لاشتماله على رجال طعنوا فيهم منهم محمد بن حميد الرازي، ففي تاريخ البخاري الكبير 69/1 قسم أوّل في أحاديثه نظر، و في تهذيب التهذيب 129/9 قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير و لم يوثقه النسائي، و عند الجوزجاني ردي المذهب غير ثقة، و قال صالح بن محمد الأسدي: ما رأيت أحدا أجرء على اللّه منه.

و منهم مسلمة بن الفضل الذي يروي عنه ابن حميد، قال البخاري في تاريخه الكبير 85/2: أبو عبد اللّه الأبرش سلمة بن الفضل الرازي سمع محمد بن اسحاق عنده مناكير، و في تهذيب التهذيب 153/4 ضعفه النسائي، و لم يحتج بحديثه أبو حاتم الرازي.

و منهم محمد بن اسحاق بن يسار بن خيار في تهذيب التهذيب 42/9 إلى 45 أنّه يرمى بغير نوع من البدع، و عند أحمد بن حنبل انّه يدلس و لم يحتج بحديثه في السنن، و كذبه سليمان التيمي و يحيى الفطان و وهيب بن خالد.

.

فيكون المراد النهي عن التشبه به من حيث الأمرين اعفاء الشوارب و حلق اللحى لا خصوص حلق اللحية، و حينئذ يكون المحرم مجموع الأمرين معا، و أما حلق اللحية أو الشارب فقط، فلا تستفاد حرمته من هذه الرواية.

و أما اليهود فلم يثبت جواز حلق اللحية في دينهم و لم يتعارف ذلك عندهم، بل الظاهر أنّهم يطولون لحاهم، فأمر النبي صلّى اللّه عليه و اله أوّلا باعفاء اللحى أعني إرسالها و تركها، ثم نهى عن التشبه باليهود في إرسالها المفرط، فيكون المطلوب إبقاء اللحية إلى الحد المذكور في أخبار أهل البيت عليهم السّلام، و من الواضح عدم وجوبه.

فالعمدة في المقام روايات ثلاثة:

الاولى: ما في المستدرك للنوري 59/1 عن الجعفريات «حلق اللحية من


1) في تاريخ الطبري 90/3 السنة 6 ذكر الحديث و سمّى عامل كسرى على اليمن بأذان و اسم قهرمانه بابويه، و كان كاتبا حاسبا و أن اسم الرجل الآخر خرخسره.

المثلة، و من مثّل فعليه لعنة اللّه»، و سندها معتبر كما حقّقه النوري في خاتمة المستدرك، و دلالتها على الحرمة ظاهرة حيث إنّ لعن المؤمن حرام و يستحيل صدوره من المعصوم عليه السّلام، فإذا لعن أحدا على فعل نستكشف منه حرمة ذلك الفعل و أنّه يوجب الفسق، و ليس هذا اللعن من سنخ أخباره عن اللعن و بعد العبد عن اللّه تعالى كقوله: «ملعون من أخّر الصلاة»، فإنّ هذا إخبار عن بعده عن ساحة المولى عزّ شأنه، و المكروهات قد يوجب ارتكابها البعد منه سبحانه، و أما انشاء الدعاء بلعن المؤمن فهو غير جائز قطعا، فاللعن على عمل يدل بالالتزام على حرمته، و هنا لما دعا الإمام عليه السّلام على حالق لحيته بعد إدخاله تحت عنوان المثلة المحرمة يستكشف منه حرمة حلقها، بل نفس تنزيل الحلق منزلة المثلة فيه إشعار بالحرمة هذا.

و فيه: أنّ التمثيل معناه التنكيل، و يعتبر فيه أمران: أحدهما: وقوعه من أحد على غيره، و الثاني: كونه بعنوان الهتك، و الظاهر من هذه الرواية بيان حرمة حلق لحية أحد هتكا له كحرمة قطع أنفه و اذنه، و حينئذ تكون الرواية أجنبية عن المقام.

الثانية: ما في مستطرفات السرائر عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي صاحب الرضا عليه السّلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يأخذ من لحيته‌؟ قال:

«أما من عارضيه فلا بأس، و أما من مقدمها فلا»، و رواه الحميري في قرب الإسناد / 164 عن عبد اللّه بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه، و رواه عنه في الوسائل 80/1 باب 53 بزيادة «فلا يأخذ»، و حيث إنّ ظاهر هذه الرواية حرمة الأخذ من مقدم اللحية و لو لم يصدق عليه الحلق و هو مقطوع البطلان، فلا يعتمد عليها.

الثالثة: حديث حبابة الوالبية(1): قالت: رأيت أمير المؤمنين في شرطة الخميس و معه درة لها سبابتان يضرب بها بياع الجري و المارماهي و الزمار، و يقول لهم:

«يا بياعي مسوخ بني اسرائيل و جند بني مروان»، فقام إليه الأحنف و قال: يا أمير المؤمنين ما جند بني مروان‌؟ فقال عليه السّلام له: «أقوام حلقوا اللحى و فتلوا الشوارب فمسخوا» الحديث، و هو ظاهر في الحرمة؛ لأنّ المسخ على ارتكاب شيء يدل على شدة حرمته، مضافا إلى البناء العملي من المتدينين قديما و حديثا على عدم الحلق، و هو كاشف عن ارتكاز الحرمة(2)

منهم الفيض (أعلى اللّه مقامه) في منهاج النجاة/ 28 ملحق بخلاصة الأذكر في فصل ترك المعاصي، قال: من المحرمات حلق اللحية و تصوير ذوات الأرواح و هجاء المؤمنين - الخ.

و في المفاتيح باب أصناف المعاصي عد منها حلق اللحية، قال: لأنّه خلاف السنة التي هي إعفاؤها، و لمسخ طائفة بسببه.

و في الوافي 99/4 باب جز اللحية و الشارب، قال: أفتى جماعة من فقهائنا بتحريم حلق اللحية، و ربما يستشهد لهم بقوله تعالى حكاية عن ابليس: وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّٰهِ‌.

و قال الشيخ يوسف البحراني في الحدائق 547/1 في فصل حلق الرأس و العانة و الابط: الظاهر كما استظهره جملة من الأصحاب تحريم حلق اللحية لخبر المسخ المروي عن أمير المؤمنين، فإنّه لا يقع إلاّ على ارتكاب محرم بالغ في التحريم.

و أما الاستدلال بآية وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّٰهِ‌، ففيه: إنّه ورد عنهم عليهم السّلام أنّ المراد و قال صاحب الجواهر في فصل الحلق و التقصير من كتاب الحج: الظاهر عدم حرمة حلق المرأة رأسها في غير المصاب المقتضي للجزع للأصل السالم عن معارضة دليل معتبر، اللهم إلاّ أن يكون شهرة بين الأصحاب تصلح جابرا لنحو المرسل المزبور بناء على ارادة الاطلاق فيكون كحلق اللحية للرجال.

و السيد محمود الطباطبائي في شرح منظومة بحر العلوم - بعد أن ناقش في الاستدلال على التحريم بأخبار التشبه باليهود و آية فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّٰهِ‌، و مسخ الذين فتلوا الشوارب و حلقوا اللحى قال: و كيف كان الأحوط ترك حلق اللحية حتى من جوانبها و أطارفها فوقها و تحتها.

و في مرآة الكمال/ 109 للشيخ عبد اللّه المامقاني: يحرم حلق اللحية، لما ورد من أنّه عمل قوم لوط، و لعن فاعله و توبيخه و تشبهه بالمجوس و للضرورة من المذهب بل الدين حتى أنّ مرتكبيه معترفون بحرمته مقدمون عليه باعتقاد الحرمة معتذرون بأعذار واهية، و ورد أنّ اللحية زينة لآدم و ولده إلى يوم القيامة.

و لم يعبء السيد بحر العلوم قدّس سرّه بذلك، و كأنّه لعدم وضوح الأدلة عنده فقال في المنظومة:

و سن الاستحمام و التنور و الدهن و الخضاب و التعطر

و قلم الأظفار و ترجيل الشعر و فرقه في الرأس ان شعرا أقر

و حلقه أولى و إن الأصلحا في الشارب الحف كاعفاء اللحى

وحده القبضة في الأخبار فما يزيد فهو ورد النار و في الذريعة للمحقق الشيخ أغا بزرك: ان من فتاوى السيد الداماد ميرزا محمد باقر الحسيني في رسالته الفارسية «شارع النجاة» في اصول الدين وفوعه القول بكراهة حلق اللحية و حرمة طولها، هذا كل ما عليه القوم من أدلة التحريم. و لم نعثر على دليل واضح على الحرمة.

نعم، اتفقت جوامع أهل السنّة على الاحتفاظ بالأحاديث الناهية عن الحلق و هذه نصوص ما فيها «أحفوا الشوارب و اعفوا اللحى» رواه عن ابن عمر مسلم في صحيحة 117/1 و النسائي 275/2 و الترمذي 221/10 مع شرح ابن العربي.

و في كنز العمال 328/3 ابن عدي عن أبي هريرة: «احفاء الشوارب و اعفاء اللحى»، رواه دين اللّه، فيشكل الاستدلال بها على ذلك و إن كان ظاهر اللفظ يساعده.

و في كشف الغطاء عند ذكر مكروهات الحمام بعد التعرض لتخفيف اللحية و تدويرها، قال: و يحرم حلقها.

عن ابن عمر مسلم و الترمذي و أبو داود في سننه 84/4: «قصوا الشوارب و اعفوا اللحى»، و رواه عن أبي هريرة أحمد في المسند 239/2: «خالفوا المشركين و فروا اللحى و احفوا الشوارب»، رواه عن ابن عمر البخاري في صحيحه 25/4 كتاب اللباس: «انهكوا الشوارب و اعفوا اللحى»، رواه عن ابن عمر البخاري في صحيحه 25/4 كتاب اللباس، و رواه ما قبله البغوي في مصابيح السنة 125/2 باب الترجيل: «جزوا الشوارب و ارخوا اللحى و خالفوا المجوس»، رواه عن أبي هريرة مسلم في صحيحه 117/1: «اعفوا اللحى و جزوا الشوارب و غيروا شيبكم و لا تشبهوا باليهود و النصارى»، رواه عن أبي هريرة أحمد في المسند على ما في كنز العمال 338/3: «احفوا الشوارب و اعفوا اللحى و لا تشبهوا باليهود»، رواه الطحاوي عن أنس كما في كنز العمال 338/3، و فيه ص 329 عن الطبراني عن ابن عباس عنه صلّى اللّه عليه و اله: «اوفوا اللحى و قصوا الشوارب»، و فيه عن البيهقي عن أبي امامة عنه صلّى اللّه عليه و اله «و فروا عثاثينكم، و قصوا أسبالكم».

و هذه الأحاديث و إن اختلف فيها لفظ الحكم المتعلق باللحية، و المتحصل أربعة ألفاظ: «اعفوا» و «فروا»، «ارخوا»، «أوفوا»، و معناها كلها تركها على حالها، فإنّ الاعفاء كما في الفائق للزمخشري 137/1، و النهاية لابن الأثير 277/1، و المغرب للمطرزي 50/2، و تاج العروس 248/10 هو التوفير و التكثير.

نعم، حكى السيوطي في تنوير الحوالك على موطأ مالك 123/3، و الزرقاني في شرحه على الموطأ 334/4 أنّ الباجي يحتمل ان يراد من الاعفاء و الاحفاء، و هو تقليل الكثير منها لأنّ كثرتها غير مأمور بتركها، و قد كان ابن عمر و أبو هريرة يأخذان ما فضل منها على القبضة، و سئل مالك عن اللحية إذا طالت جدا؟ قال: أرى أن يؤخذ منها و يقص.

و كيف كان، فهذه الأحاديث استند إليها فقهاء أهل السنة في الفتوى بالتحريم، ففي الفقه على المذاهب الأربعة 54/2 إلى ص 56: يحرم حلق لحية الرجل و يسن أن لا تزيد في طولها على القبضة، فما زاد عليها يقص.

و قال المالكية: يحرم حلق اللحية و يسن سنة خفيفة قص الشارب، و ليس المراد قص جميعه بل السنة أن يقص طرف الشعر النازل على الشفة العليا.

و قال الحنابلة: يحرم حلق اللحية و لا بأس بأخذ ما زاد على القبضة منها، و تسن المبالغة في قص الشارب.

و قال الشافعية: يكره حلق اللحية و المبالغة في قصها، فإن زادت على القبضة فإنّ الأمر فيه سهل خصوصا إذا ترتب عليه تشويه الخلقة و التعريض به.

و في شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 267/2: المختار ترك اللحية على حالها، و أن لا يتعرض لها بتقصير شيء.

و أنت إذا قرأت في التراجم أحوال الرجال المذكورين في أسانيد هذه الأحاديث لا تتوقف في ضربها عرض الجدار لعدم توفر قرائن الصحة فيها.

و أما الشارب ففي نيل الأوطار للشوكاني 100/1 ذكر اختلاف الفقهاء فيه قال: ذهب كثير من السلف إلى حلقه، و كان مالك يرى تأديب من حلقه، و في الموطأ يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، و أبو حنيفة يرى الاحفاء أفضل من التقصير، و المزني و الربيع يحفيان شواربهما، و كأنّه أخذاه عن الشافعي، و اختار النووي القص، و أحمد بن حنبل يفتي بأن السنة في الشارب الحف.

.

1) إكمال الدين للصدوق/ 296، و فيه أحمد بن قاسم العجلي و أحمد بن يحيى و محمد بن خداهي و عبد اللّه بن هشام، و في الوسائل هاشم، و لم تذكر لهم ترجمة.

2) لقد أغفل السيد الاستاذ أسماء علماء الإمامية الذين أفتوا بالحرمة، كما لم ينبه على أحاديث أهل السنة و فقههم فيها، و نحن ذاكرون ما وقفنا عليه من علمائنا القائلين بالحرمة:

الثامنة: الرشوة حرام [1]

الرشوة

اشارة

[1] حرمة الرشوة مورد تسالم العلماء، بل هي في الجملة من الضروريات، و يدل على الحرمة من الكتاب، قوله تعالى في سورة البقرة/ 188: لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى اَلْحُكّٰامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوٰالِ اَلنّٰاسِ بِالْإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‌ ، و هذه الآية بعد أن حرجت على العباد أكل الأموال بالأسباب الباطلة منعت عمّا هو من ذلك النوع و هو بذل الأموال و تعريضها إلى الحكام لأجل الاستيلاء بحكومتهم على أموال الناس، و هذه الأموال المدفوعة إلى الحكام و إن كانت ملكا للدافع يتصرف فيها كيف شاء، إلاّ أنّ المأخوذ بسببه لما لم يرض الشارع به يكون من أكل المال بالباطل.

و من ها هنا قارن المولى سبحانه بين أخذ الأموال بالباطل و بين إرسالها إلى الحكام للاستيلاء على أموال الناس، و في التعبير بالإدلاء نكتة بديعة؛ لأنّه في اللغة

ارسال الدلو في البئر لامتياح الماء، و المال المدفوع للحاكم يمتاح به أموال العباد بواسطة الرشاء، و الحكم على رغبة الدافع للمال سواء كان الدافع هو المدعي أو المنكر، و لا يخفى السر في اسناد الأموال إلى نفس الأكل مع أنّ حق التعبير هكذا:

«لا تأكلوا أموال غيركم بالباطل»، فإنّ فيه اشعارا بوحدة الامة و تكافلها، و أنّ الجناية الواقعة على الناس يصيب الشخص سهم منها؛ لأنّه أحد أعضائها، و أنّ احترام مال الغير عين احترام مال نفسه، فاستحلال التعدي يعرض كل مال للضياع و يكون أكل مال الغير بالباطل كجناية على نفس الأكل، إذ بهذه الجرأة الممقوتة عند الشارع و غيره يعرض الشخص غيره باستحلال ماله أيضا مهما يجد مساغا للاستيلاء عليه فتكثر الفوضى.

ثم أنّ الآية الكريمة دلت بالمطابقة على حرمة الرشوة، و هي إعطاء المال إلى الحاكم و غيره للاستعانة به على الحكم بالباطل، و دلت بالالتزام على حرمة أخذها، على أنّ الحكم بالباطل لو كان محرما كان أخذ المال بازائه محرما نظير الاجرة على الزنا فلا يحتاج إلى تكلف اثبات حرمته بالآية و الروايات الدالة على أنّ أخذ الرشوة كفر و شرك باللّه العظيم، و أنّها من السحت(1)، فحرمة إعطاء الرشوة و أخذها


1) ذكر هذه الأخبار في الوسائل 537/2، ط - عين الدولة، باب 32 تحريم أجر الفاجرة و بيع الخمر و النبيذ و الربا و الرشا، و من هذه الأخبار رواية عمار بن مروان عن أبي جعفر عليه السّلام و فيها: «فأما الرشا في الحكم فإنّ ذلك الكفر باللّه العظيم»، و رواية يزيد بن فرقد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: سألته عن السحت‌؟ فقال: «الرشا في الحكم»، و رواية الأصبغ عن أمير المؤمنين عليه السّلام و فيها: «آخذ الرشوة مشرك»، و وردت هذه الروايات في الجزء الثالث/ 396، باب 8 تحريم الرشوة في الحكم، و في مستدرك الوسائل 196/3 عن الجعفريات، و كتاب محمد بن شريح «الرشوة من السحت»، و 426/2، باب 5 مثله.

للحكم بالباطل عن علم أمر واضح.

و إنّما الكلام في أخذ الحاكم المال المدفوع إليه مع عدم علمه ببطلان حكمه أو أخذه المال مع علمه بكون الحكم حقا أمّا وجدانا أو لجريه على موازين القضاء، فالبحث في موردين:

ما إذا لم يعلم الحاكم بكون الحكم حقا أو باطلا

الأول: ما إذا لم يعلم الحاكم بكون الحكم حقا أو باطلا، فلا ينبغي الريب في الحرمة على القاعدة؛ لأنّ حكم القاضي مع عدم علمه بالحق محرم سواء طابق الواقع أو خالفه لقول أبي عبد اللّه عليه السّلام في تقسيم القضاة «رجل قضى بالحق و هو لا يعلم فهو في النار»(1)

و في كنز العمال 173/3 في القضاء عن قتادة عن أبي العالية عن علي عليه السّلام: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار و واحد في الجنة، فأما اللذان في النار رجل جار عن الحق متعمدا و رجل أجهد رأيه فأخطأ، و أما الذي في الجنة فرجل أجهد رأيه في الحق فأصاب».

و في الفتح القدير 460/5 في باب القاضي لابن همام الحنفي عن بريدة عن أبيه، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة و هو الذي عرف الحق فقضى به، و اثنان في النار من عرف الحق فلم يقض به و جار في الحكم و من لم يعرف الحق فقضى على جهل»، و رواه ابن ماجة في السنن 50/2، و سنن أبي داود 299/3 في الأقضية، و القاضي أبو المحاسن في المعتصر من مختصر مشكل الآثار 12/2.

، و إذا كان الحكم حراما يكون أخذ الاجرة عليه حراما كأخذ

1) الحديث في الكافي على هامش مرآة العقول 231/4، و الوسائل 369/3، باب 4 عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «القضاة أربعة، ثلاثة في النار و واحد في الجنة: رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار، و رجل قضى بجور و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحق و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحق و هو يعلم فهو في الجنة»، و رواه الطوسي في التهذيب 2 / 68 في القضاء.

الاجرة على بقية المحرمات.

و أما شمول الأخبار الواردة في حرمة الرشوة له فهو مبني على معنى الرشوة لغة، و قد ذكر أنّها المال الذي يعطى لإحقاق باطل أو إبطال حق(1)

و الرشوة الجعل و جمعها رشا مفرده بالحركات يجري و في الفائق للزمخشري الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة من الرشاء، و وافقه ابن الأثير في النهاية بزيادة أنّ ما يدفع لأجل أخذ الحق أو دفع الظلم فليس من الرشوة، و في المصباح و تاج العروس و مجمع البحرين: إنّها إعطاء الحاكم أو غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد، و في تعريفات السيد الشريف/ 76: إنّها الإعطاء لإحقاق باطل أو ابطال حق.

و في شرح الزرقاني على مختصر أبي الضياء في الفقه المالكي 171/7 في القضاء قال: الرشوة أخذ مال لابطال حق أو تحقيق باطل، و أما دفع مال لابطال ظلم أو تحقيق حق فجائز للدافع حرام على الآخر، و تعرض لها ابن حزم في المحلى 157/9.

، و الظاهر عند أهل العرف صدقها على ما يعطى بأزاء عمل مبني على المجانية شرعا أو عرفا، و بالقيد الأخير تفترق عن الجعالة؛ لأنّ اعطاءها لم يكن بأزاء عمل مبني على المجانية، فتفسير القاموس للرشوة بالجعل على نحو الاطلاق غير صحيح، و على هذا فبالاستصحاب القهقرى الجاري في باب الألفاظ يثبت كون ما ذكرناه معنى الرشوة لغة فيعم جميع الصور.

إذا علم الحاكم بكون الحكم حقا إما وجدانا أو بحسب موازين القضاء

و أما الثاني: و هو ما إذا علم الحاكم بكون الحكم حقا إما وجدانا أو بحسب موازين القضاء، فلا يهمنا البحث فيه من حيث أخذ الاجرة على الواجب الكفائي أو العيني، و أنّ القضاء واجب كفائي و قد يجب عينا للانحصار.

و إنّما المهم بيان أخذ الاجرة في الفرض بما أنّه عمل، و لا مانع منه لعدم جريان


1) في القاموس الرشوة - مثلثة -: الجعل، و وافقه في نيل الارب/ 43 فقال:

الوجه السابق فيه، كما لا تعمه الآية المباركة فهو من أخذ الاجرة على المباح.

نعم، الأخبار الواردة في الرشوة بناء على ما اخترناه في معناها تعمّه كقول أمير المؤمنين عليه السّلام في رواية الأصبغ عنه: «أيّما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب اللّه عنه يوم القيامة و عن حوائجه، و إن أخذ هدية كان غلولا، و إن أخذ رشوة فهو مشرك»(1)، بل بعض تلك الأخبار تعم المقام و لو مع تسليم اختصاص الرشوة ببذل المال للحكم بغير الحق كرواية يوسف بن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله رجلا نظر إلى فرج امرأة لا تحل له، و رجلا خان أخاه في امرأته، و رجلا يحتاج الناس إلى فقهه فيسألهم الرشوة»(2)، فإنّ ظاهرة المطالبة بالرشوة لبذل فقهه فيما فهمه من الحق ممّا يحتاج إليه الناس لا لاضلالهم في الحكم بالباطل فإنّه ليس من الفقه، و مثله رواية عمار بن مروان، قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «كل شيء غل من الإمام فهو سحت، و السحت أنواع كثيرة: منها: ما اصيب من أعمال الولاة الظلمة، و منها: اجور القضاة، و منها: اجور الفواجر، و ثمن الخمر و النبيذ المسكر، و الربا بعد البينة، فأما الرشا يا عمار في الأحكام فإنّ ذلك الكفر باللّه العظيم و برسوله صلّى اللّه عليه و اله»(3).

فإنّه لا إشكال في عدم صدق السحت على اجور القضاة إذا كان السلطان عادلا أو كان دخول القاضي على وجه مشروع كدخول علي بن يقطين، فلا بد و أن يراد بها الاجور بأزاء حكمهم، و الاطلاق يعم ما إذا كان الحكم حقا.


1) عقاب الأعمال/ 36 ملحق بثواب الأعمال للصدوق، و عنه في الوسائل 537/2، باب 32 تحريم أجر الفاجرة و بيع الخمر و النبيذ الميتة و الرشوة و الكهانة.

2) الوسائل 24/3 كتاب النكاح، باب 104 تحريم النظر إلى النساء الأجانب.

3) الخصال للصدوق 160/1 باب الستة.

و ظاهر رواية حمزة بن حمران [1]

فظهر أنّ الرشوة في مقابل الحكم بجميع أقسامها محرمة(1)

و من أجل هذه الأحاديث قال ابن مفلح الحنبلي في الفروع 795/3: يحرم على القاضي قبول الرشوة، و قال السرخسي الحنفي في المبسوط 67/16: الرشوة في الحكم سحت، و في شرح الزرقاني على مختصر أبي الضياء في الفقه المالكي 171/7: شهادة المتعصب لقومه كالرشوة و هي أخذ مال لابطال حق أو تحقيق باطل، و أما أخذ مال لابطال ظلم أو تحقيق حق فجائز للدافع حرام على الأخذ، و في حاشية البناني عليه بهامشه: أخذ الرشوة محرمة مطلقا و إن كان لتحقق حق.

و في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي 8/7: إذا قضى في حادثة برشوة لا ينفذ قضاؤه و إن قضى بالحق الثابت عند اللّه تعالى، لأنّه إذا أخذ على القضاء رشوة فقد قضى لنفسه لا للّه تعالى.

و في فتح القدير لابن همام 454/5، و مجمع الأنهر لشيخ زاده الحنفي 152/2: من موجبات فسق القاضي أخذه الرشوة، و في درر المنتقى بهامش مجمع الأنهر عند بعض مشائخنا قضاياه باطلة فيما ارتشى فيها و فيما لم يرتش.

و في الميزان للشعراني 164/2 كتاب الأقضية: اتفق الأئمة على أنّ القاضي إذا أخذ القضاء بالرشوة لم يصر قاضيا، و حكى في نيل الأوطار للشوكاني 223/8 عن الإمام المهدي حرمة رشوة الحاكم اجماعا، و قال الإمام يحيى: يفسق بالوعيد، ثم قال الشوكاني: الحق التحريم مطلقا سواء طلب بالرشوة حقا أو غيره لعموم الحديث، و تخصيص الحرمة بما إذا طلب بها باطلا يحتاج إلى مخصص، و في شرح السير الكبير للسرخسي 222/4 الرشوة لدفع الظلم عن نفسه خارج عن السحت و إن كان للآخذ سحت.

.

1) في مسند أحمد بن حنبل 164/2 و 190 و 194 و 212 عن ابن عمر «لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الراشي و المرتشي»، و فيه ص 387 عن أبي هريرة: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «لعن اللّه الراشي و المرتشي في الحكم»، و فيه 279/5 عن ثوبان: «لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الراشي و المرتشي و الرائش، يعني الذي يمشي بينهما»، و في سنن أبي داود 300/3 عن ابن عمر مثل ما تقدم، و زاد في كنز العمال 178/3 ذكر الساعي بينهما، و في المعتصر من مختصر مشكل الآثار 6/2 روى عن ثوان: «لعن النبي صلّى اللّه عليه و اله الراشي و المرتشي و الرائش، و هو الساعي» و روى عن جابر بن يزيد: ما وجدنا أيام زياد و ابن زياد انقع من الرشا استدفاعا للشر منهم.

و فصل في المختلف [1]

[1] ربما يستدل على جواز أخذ الرشوة في قبال الحكم بالحق برواية حمزة بن حمران قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «من استأكل بعلمه افتقره قلت: إنّ في شيعتك قوما يتحملون علومكم و يبثونها في شيعتكم فلا يعدمون منهم البر و الصلة و الاكرام. فقال عليه السّلام: ليس أولئك بمستأكلين انما ذاك الذي يفتي بغير علم و لا هدى من اللّه تعالى ليبطل به الحقوق طمعا في حطام الدنيا»(1)، فإنّها ظاهرة في جواز أخذ المال عند بث الحق و حصر الاستيكال المحرم بالباطل.

و فيه: أوّلا: أنّ ذلك في نشر العلم لا القضاء، فهو خارج عما نحن فيه.

و ثانيا: أنّها أجنبية عن أخذ الرشوة في مقابل الحق أو الباطل، و إنّما هي صريحة في دفع الصلة للمرشدين الذين كان غرضهم نصائح الناس سواء أهدي لهم من جهة التعليم و نشر أحكام الدين و إحياء أمر الشريعة أم لم يهد إليهم شيئا.

[1] نقل العلاّمة في كتاب المتاجر من المختلف عند ذكر وجوه التكسب عن المفيد أنّه لا بأس بالأجر على القضاء و تنفيذ الأحكام من قبل الإمام العادل، و عن الشيخ في النهاية أنّه لا بأس بالأجر و الرزق على الحكم و القضاء بين الناس من جهة السلطان العادل، و عن ابن ادريس تحريم الأجر على القضاء و لا بأس بالرزق من جهة السلطان العادل، و يكون ذلك من بيت المال دون الاجرة على كراهية.

ثم قال العلاّمة: الأقرب أن نقول: إنّ تعين القضاء عليه إما بتعيين الإمام عليه السّلام أو بعقد غيره أو بكونه الأفضل و كان متمكنا لم يجز الأجر عليه، و إن لم يتعين أو


1) معاني الأخبار للصدوق ملحق بعلل الشرائع 56، باب 58.

كان محتاجا فالأقرب الكراهة معللا بأنّ الأصل الاباحة على التقدير الثاني، و لأنّه فعل لا يجب عليه فجاز أخذ الأجر عليه، أمّا مع التعيين فلأنه يؤدي واجبا فلا يجوز أخذ الاجرة عليه كغيره من العبادات الواجبة. انتهى.

و صريح كلامه التفصيل بين كون القاضي غنيا فيحرم عليه أخذ الاجرة، و أما إذا كان محتاجا فيحل له، و كأنّه قدّس سرّه تخيل اختصاص دليل المنع بصورة الاستغناء.

و نقول: لم يظهر من الأدلة ما أفاده من التفصيل، فإنّ ظاهرها إطلاق حرمة أخذ الرشوة سواء كان غنيا أو فقيرا.

و بالجملة أخذ الرشوة على الحكم بالباطل حرام بالكتاب و السنة، و أخذها في مقابل ما لا يعلم كونه حقا أو باطلا حرام على القاعدة، و مقتضى الأخبار أيضا على ما بيناه من معنى الرشوة و أخذها في مقابل الحكم بالحق جائز على القاعدة، و لكن لعن النبي صلّى اللّه عليه و اله من احتاج إليه الناس لعلمه فسألهم الرشوة كما في حديث أبي جعفر عليه السّلام المتقدم يعم الرشوة على الحكم بالحق. هذا كله في القاضي.

و أما أخذ العوض في مقابل الفتوى بالحق: فمن جهة كونه واجبة كفاية أو عينا عند الانحصار فلا كلام لنا فيه، و لو فرضنا الافتاء عملا مباحا فإنّه لا مانع من أخذ الاجرة عليه إلاّ أنّ ما ورد من أنّه صلّى اللّه عليه و اله لعن من احتاج إليه الناس فسألهم الرشوة يعم الفتوى و نقلها، و يعم صورة الانحصار و عدمه بناء على ارادة الحاجة النوعية.

نعم، لا مانع من أخذ الاجرة على تعليم ما لا يحتاج إليه الناس من العلوم حتى الفقه الذي لا يحتاجونه لعملهم.

و أما الارتزاق من بيت المال [1]

ارتزاق القاضي من بيت المال

[1] لا إشكال في كون القاضي كغيره محتاجا إلى سد الخلة من الأكل و الشرب و اللباس و السكنى فارتزاقه من بيت المال لا مانع منه مع لياقته لاشغال منصب القضاء بأن كان مؤمنا عدلا فقيها، كما لا إشكال في أنّ ما يأخذه في مقابل المنصب لا القضاء و الحكم، و لذا لا يختلف ما جعل له باختلاف قضائه قلة و كثرة في الأشهر، و هذا هو الفارق بينه و بين الرشوة، فإنّها تقع بأزاء عمل القاضي و حكمه إما بنحو الجعالة أو الإجارة أو الهبة المشروطة.

و تفصيل الكلام في المقام أنّ القاضي المنصوب يتصور على أقسام ثلاثة:

الأول: أن ينصب من قبل السلطان العادل أو أحد ولاته، و لا إشكال في جواز أخذه ما قرر له من بيت المال سواء كان غنيا أو فقيرا.

الثاني: أن ينصب من قبل السلطان الجائر، و حل الأخذ له مبني على أهليته لمنصب القضاء و على حصول مجوز شرعي لدخوله في أعوان الظلمة، كتوقف حقوق الشيعة و حفظ أموالهم عليه كما في علي بن يقطين و ابن مهزيار و اضرابهما.

الثالث: أن ينصبه السلطان الجائر و لم يكن لائقا لهذا المنصب و لا مجوز شرعي لدخوله مع الظلمة، فما يأخذه منهم سحت و هو غاصب لهذا المقام كغيره ممّن تجرأ على منصب الأوصياء و الأولياء الذي اختصهم اللّه به، و على هذا القسم الثالث تحمل صحيحة ابن سنان الدالة على أنّ ما يأخذه القاضي سحت(1)

و السرخسي من الحنفية في المبسوط 102/16 جوز أخذ القاضي رزقه من بيت المال و إن كان ذا ثروة، و فرق علاء الدين في بدائع الصنائع 13/7 بين الفقير فله أن يأخذ من بيت المال، و الغني لا يأخذ، مستشهدا بعدم توقف أبو بكر و عمر و علي منه، و الكرابيسي ادعى اتفاق الصحابة و فقهاء الأمصار على عدم حرمة أخذه من بيت المال، حكاه عنه، العيني في عمدة القاري شرح البخاري 396/11.

.

1) رواية ابن سنان في الكافي على هامش مرآة العقول 232/4 باب 19 أخذ الاجرة و الرشا على الحكم، و عنه في الوسائل 396/3، باب 8 تحريم الرشوة على الحكم، و نصها: قال: سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق‌؟ فقال: «ذلك السحت»، و روى في مستدرك الوسائل 436/2 و 196/3 عن أمير المؤمنين عليه السّلام جواز ارتزاق القاضي من بيت المال، و لم يمنع المحقق في الشرائع من ارتزاق من لم يتعين عليه القضاء لوجود غيره، و المتعين عليه إذا لم تكن له كفاية.

و أما الهدية [1]

[1] مقتضى القاعدة جواز قبول الحاكم للهدية و هي التي تدفع له مجانا سواء كان الداعي للمهدي أمرا محرما، كما إذا كان غرضه الحكم له على الباطل، أو أمرا محللا، كما إذا كان غرضه الحكم له على الحق، أو لمجرد المحبة و المودة.

و غاية ما يستشهد للمنع روايات ثلاث:

الاولى: قوله عليه السّلام في رواية الأصبغ بن نباتة: «و إن أخذت هدية كانت غلولا».

الثانية: قوله عليه السّلام: «هدايا العمال غلول».

الثالثة: قوله عليه السّلام في تفسير آكالون للسحت: «الرجل يقضي لأخيه حاجته ثم يقبل هديته»(1).

و لا دلالة لها على المدعى، فإنّ المراد من الاولى الوالي لا القاضي.


1) الرواية الاولى تقدمت عن عقاب الأعمال، و الثانية رواها في الوسائل 396/3، باب 8 تحريم الرشوة عن امالي ابن الطوسي عن النبي صلّى اللّه عليه و اله: «هدية الامراء غلول»، و رواها بهذا اللفظ السرخسي في شرح السير الكبير 73/3، و الثالثة في عيون أخبار الرضا عليه السّلام/ 97، و عنه الوسائل 538/2، باب 32 تحريم أجر الفاجرة و بيع الخمر و الرشا.

و مورد الثانية عمّال الوالي و السلطان كالجابي و نحوه، و القاضي خارج عن العمال، فإنّه قد يحكم على الوالي و السلطان.

و الثالثة لا ترتبط بالقضاء و لا الهدية إلى القاضي.

ثم قبول الوالي الهدية في الرواية الاولى إن كان لتنفيذ أغراض المهدي فهو معنى الرشوة فتحرم، و إلاّ فلا ريب في عدم الحرمة، و عليه فتحمل الرواية على الكراهة إذ لا ينكر ملاحظة المهدى له جانب المهدي في بعض الامور؛ لأنّ الهدية تزرع المحبة و ترقق القلوب.

و أما الرواية الثانية: فإن اريد من هدية العمال ما يهدى إليهم بعنوان كونهم عمالا و وزراء و جباة فيحرم القبول لرجوعها إلى الرشوة، و إن اريد الاهداء مجردا عن ذلك فلا يحرم القبول، و لهذا ناسب حمل الرواية على الكراهة، على أنّه يحتمل قريبا أن يراد من نسبة الغلول إلى هدايا العمال الاشارة إلى كون أموالهم محل الشبهة فترك الأخذ من العمال أبعد عن الوقوع في المخالفة، فيكون هذا الحديث نظير قولهم عليهم السّلام: «من ترك الشبهات فهو لما استبان له أترك»، و حينئذ تكون الاضافة إلى الفاعل.

و أما الرواية الثالثة: فهي راجعة إلى قضاء الحوائج دون غيرها فتحمل على الكراهة للقطع بالجواز(1)

و فصّل في بدائع الصنائع 9/7 فقال: إن كان القاضي لا يهدى إليه قبل القضاء فإن أهدى إليه قريبه و عنده خصومة حاظرة فلا يقبل منه للتهمة، و إلاّ فلا مانع من القبول و لا يقبل من الأجنبي مطلقا، و إن كان القاضي ممّن يهدى إليه قبل القضاء فمع الخصومة لا تقبل الهدية للتهمة و مع عدمها فإنّ كان ما اهداه إليه أقل من السابق قبلها، و إن كان أكثر لا يقبل.

ذكر السرخسي في المبسوط 82/16 في القضاء و شرح السير الكبير 73/3، و في معجم البلدان 75/2 مادة البحرين، و العقد الفريد 18/1 باب ما يأخذ به من الحزم: إنّ عمر بن الخطاب استعمل أبا هريرة على البحرين و خوّله لما رأى عنده مالا كثيرا، و لما اعتذر بأنّه هدايا و خيل انتجت، قال له: يا عدو اللّه سرقت مال اللّه، هلا جلست في بيتك و نظرت هل يهدى إليك‌؟ ثم شاطره المال و جعله في بيت مال المسلمين. و قد فعل مثله مع سعد بن أبي وقاص و أبي موسى الأشعري و عمرو بن العاص و الحرث بن وهب، و كانوا عماله. و أبو هريرة هو القائل لمجاهد: كان النبي يهجر، كما في مسند أحمد 403/2.

.

1) قال السرخسي في المبسوط 82/16: الهدية و إن ورد فيها: «تهادوا تحابوا» إلاّ أنّها فيمن لم يتعين القضاء عليه، خصوصا إذا لم يهد إليه قبل القضاء، و في الفتح القدير لابن هام 455/5: إن قصد من الهدية التودد فحلال من الجانبين، و إن قصد الإعانة على الظلم فحرام من الجانبين و إن قصد المهدي كف المهدى إليه عن ظلمه فحلال من المهدى حرام على الآخذ.

وجب على الآخذ رده [1]

تتمة: لا يخفى أنّ جواز الرشوة المأخوذة على غير الحكم و الفتوى مثل التوسط عند الامراء و الوزراء في اصلاح الشؤون مبني على جواز العمل و عدمه، فإن اريد بدفع المال للساعي إثبات محرم من احقاق باطل أو ابطال حق كان عمله محرما و أخذ المال عليه حرام، و إلاّ كان جائزا و إن كان الساعي جاهلا بأحقية ما يريد اثباته أو بطلانه، فيدور جواز الأخذ مدار واقع الأمر، و أخبار حرمة الرشوة منصرفة عن هذا، بل لا يبعد دلالة رواية الصيرفي على جوازه(1).

[1] يقع الكلام في الرشوة و الهدية من حيث الحكم الوضعي أعني الضمان في مقامين:

الأول: في الهدية، و الظاهر عدم ايجابها الضمان؛ لكونها من صغرى ما لا يضمن بصحيحه.


1) رواها في الوسائل 595/2، باب 37 قبل باب العيوب.

و الثاني في الرشوة: و الظاهر عدم دخولها في ملك المرتشي، فلا يجوز له التصرف فيها؛ لعدم امضاء الشارع للعقد الواقع عليها.

و توهم رضا المالك بتصرفه فيه ممنوع فإنّه إنّما يرضى بتصرف القاضي فيما يعطى من المال بأزاء حكمه و عمله و لم يرض بذلك مجانا، و المفروض أنّ الشارع لم يمض رضاه بذلك و ليس له رضى آخر.

و حينئذ فإن كانت العين باقية وجب ردها، و إن كانت تالفة فضمان المثل أو القيمة مبني على كون العقد الواقع خارجا ممّا يضمن بصحيحه كالاجارة و الجعالة، أو لا يضمن بصحيحه، و هذه الجملة و هي «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و إن لم تدل عليه آية و لا رواية و لا اجماع لكنّها استفيدت من القواعد، هذا كله في مقام الثبوت.

و أما مقام الاثبات فنقول: إذا وقع نزاع بين الدافع و القابض فصور اختلافهما أربعة:

الصورة الاولى: التي لم يتعرض لها المصنف رحمه اللّه لخروجها عمّا نحن فيه، هي ما إذا اتفقا على صحة ما وقع في الخارج و اختلفا في نوعه فيكون من باب التداعي، فإذا أقام أحدهما البينة دون الآخر حكم له على طبق دعواه، و إلاّ فإن حلفا أو نكلا يحكم بانفساخ العقد و رجوع المال إلى مالكه.

الصورة الثانية: أن يتفقا على فساد العقد و يختلفا في نوعه، كما إذا ادعى الراشي أنّه اجارة و ادعى الحاكم أنّه هبة، فمع بقاء العين لا يترتب أثر على هذا النزاع لوجوب رد العين على كلا التقديرين، و إنّما يترتب الأثر في فرض تلف العين، فإنّ

الواقع ان كان اجارة يضمن الحاكم لأنّه ممّا يضمن بصحيحه، و إن كان هبة لا يضمن؛ لأنّها ممّا لا يضمن بصحيحها فلا يضمن بفاسدها.

و في هذه الصورة يحكم بالضمان؛ و ذلك لأنّ عموم على اليد يقتضي الضمان خرج عنه ما إذا كانت اليد بسبب عقد لا يضمن بصحيحه، و كان التسلط مجانا، و الاستصحاب يقتضي عدم تحققه، و بضم الوجدان إلى الأصل يثبت الضمان و لا يعارضه استصحاب عدم تحقق ما يضمن بصحيحه؛ لعدم ترتب الأثر عليه إلاّ بنحو الأصل المثبت.

الصورة الثالثة: إذا اختلفا في صحة العقد و فساده مع اتفاقهما على نوع العقد كما إذا ادعى الدافع أنّه كان هبة فاسدة لكونها بداعي الحكم بالباطل، و ادعى الآخذ الهبة الصحيحة، و لا يظهر لهذا الفرض أثر في فرض تلف العين؛ لأنّ الهبة لا توجب الضمان سواء كانت صحيحة أو فاسدة، و إنّما تظهر الثمرة في فرض بقاء العين إذا كانت الهبة على تقدير صحتها لازمة.

و مقتضى الأصل في هذه الصورة هو الفساد و عدم تحقق الانتقال، إلاّ أنّ بناء العقلاء بل الاجماع أيضا قائم على صحة العقد إذا اختلف المتعاقدان في صحته و فساده، كما إذا ادعى الزوج صحة النكاح و ادعت الزوجة فساده.

الصورة الرابعة: أن يختلفا في صحة العقد و فساده مع اختلافهما في نوع العقد أيضا كما إذا ادعى أحدهما الإجارة الفاسدة و الآخر الهبة الصحيحة، و الأصل فيها يقتضي الفساد؛ لأنّ السيرة إنّما قامت على الصحة فيما إذا اتفقا على نوع العقد، و أما مع الاختلاف فيه كدعوى الزوج أنّه استأجر المرأة للزنا و ادعت عقد النكاح، فلم يثبت بناء من العقلاء على الحكم بالعقد الصحيح، و أما ثبوت الضمان عند تلف

التاسعة: سب المؤمنين حرام [1]

العين فعلى ما تقدم الكلام فيه.

حرمة سب المؤمن

اشارة

[1] يدل عليه مضافا إلى أنّ سب المؤمن ظلم عليه و إيذاؤه و إذلاله حرام قد صرح بحرمتها أخبار كثيرة رواها الوسائل 236/2 باب 49 و باب 147 من أبواب العشرة الكتاب و السنة:

أما الكتاب، فقوله تعالى: وَ اِجْتَنِبُوا قَوْلَ اَلزُّورِ ، فإنّه بمعنى الكلام القبيح و من أظهر مصاديقه السب كالكذب و النميمة و شهادة الباطل، إلاّ أنّ دلالته على ذلك بعنوان عام لا بعنوان السب، و يؤكده قوله سبحانه: لاٰ يُحِبُّ اَللّٰهُ اَلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ اَلْقَوْلِ إِلاّٰ مَنْ ظُلِمَ‌ ، و لا فرق في قبح السب بين الجهر به و عدمه.

و أما السنّة، فروايات: منها: ما يرويه أبو بصير عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «سباب المسلم فسوق، و قتاله كفر، و أكل لحمه معصية، و حرمة قتاله كحرمة دمه»، و منها ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن موسى عليه السّلام في رجلين يتسابان، قال: «البادي منهما أظلم، و وزره و وزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم»(1)

و الروآية الثانية: في هذا الباب ص 351، و نص السند في روآية الكليني عن ابن محبوب ابتداء إلاّ أنّ الفيض في الوافي 16/3، باب السفه و السباب، و الحر العاملي في الوسائل 340/2، باب 158 ذكرا روآية الكليني عن العدة عن أحمد بن عيسى عن ابن محبوب عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن موسى عليه السّلام.

، فإنّ اطلاق الظلم و إثبات الوزر ظاهران في الحرمة، و الوجه في

1) الرواية الاولى في الكافي على هامش مرآة العقول 350/2، باب السباب، و في كنز العمال 121/2 عن ابن مسعود و لفظه: «سباب المسلم فسوق، و قتاله كفر، و حرمة ماله كحرمة دمه»، و في صحيح البخاري على هامش فتح الباري 357/10 كتاب الأدب عن ابن عمر: قال رسول اللّه: «سباب المسلم فسوق، و قتاله كفر»، و حكاه ابن حجر في الزواجر 46/2 عن الشيخين و الترمذي و النسائي و ابن ماجة عن ابن مسعود عنه صلّى اللّه عليه و اله، و في روايته «فسق» بدل «فسوق».

كون الوزرين على الظالم أنّه فعل محرمين الأول سبّه المؤمن، و الثاني حمله المؤمن على سبه و هو قبيح، و قد قال سبحانه: لاٰ تَسُبُّوا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَيَسُبُّوا اَللّٰهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ‌ .

و قد وقع اشتباه في حكاية المصنف رحمه اللّه للرواية الثانية حيث قال: «و وزره على صاحبه ما لم يتعذر إلى المظلوم» فاستشكل في مرجع الضميرين و اضطر إلى تكلف التقدير، و على ما ذكرناه من لفظ الرواية لا نحتاج إلى هذا التمحل و لو وافقناه فلا نحتاج إلى الإضمار أيضا؛ لإمكان ارجاع الضمير في قوله: «و وزره على صاحبه» إلى السب، و يكون المعنى وزر السب على صاحب السب إلى أن يعتذر فتكون جملة مستقلة ذكرت لبيان أنّ السب ممّا تبقى تبعته مستمرة إلى أن يعتذر إلى المظلوم فتبرأ ذمته، و لم نعرف المصدر الذي نقل عنه المصنف هذه الجملة و اهتمامه (أعلا اللّه مقامه) في تصحيح مرجع الضمير يبعد احتمال الاشتباه من الناسخ.

ثم إنّ الكليني (نور اللّه ضريحه) روى عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن موسى عليه السّلام في رجلين يتسابان، قال «البادي منهما أظلم و وزر صاحبه عليه ما لم يتعد المظلوم»(1)

و بنحو هذا المضمون ورد في صحيح مسلم 389/2 كتاب البر، و سنن أبي داود 274/4 كتاب الأدب، و مسند أحمد 235/2، و رواه عنهم بزيادة الترمذي في كنز العمال 122/2 الكتاب الثالث حرف الهمزة و لفظ الحديث عن أبي هريرة «المستبان ما قالا فعلى البادي منهما حتى يتعدى المظلوم»، و في تفسير ابن كثير 119/4 في الشورى ورد في الصحيح «المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يتعد المظلوم».

قال المناوي في الفيض القدير شرح الجامع الصغير 267/6: انما جعل اثم ما قالا على البادي؛ لأنّه السبب في المخاصمة و للمسبوب أن يتنصر بما ليس بقذف و لا كذب، و لا يأثم قال اللّه تعالى وَ لَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولٰئِكَ مٰا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ‌.

و استدل النووي في شرحه على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 19/10 بهذه الآية و بقوله تعالى وَ اَلَّذِينَ إِذٰا أَصٰابَهُمُ اَلْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ‌ على جواز انتصار المظلوم من الظالم بما لا يتجاوز ما قاله الظالم، فإذا استوفى المسبوب ظلامته برأ الأول من حقه و بقي عليه إثم الابتداء و الاثم المستحق للّه تعالى، و قيل بارتفاع كل اثم عنه و عليه اللوم فقط.

و ذكر الطبرسي من علماء الإمامية في مجمع البيان 34/9، ط - صيدا في الآية الاولى: إنّ المظلوم له أن ينتصف من الظالم و يأخذ لنفسه بحقه، و في التبيان لشيخ الإمامية أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي 558/2: يمكن أن يستدل به على أن من ظلم غيره يأخذ المظلوم من مال الظالم إذا قدر عليه بقدره.

و في تفسير روح المعاني للآلوسي 50/25 جوز السدي أن ينتصف المظلوم من الظالم فيما إذا قال له أخزاك اللّه، و أما القذف بما يوجب الحد فلا، و مثله في مجموع فتاوى ابن تيمية، و نقل ابن حبان عن الجمهور ان المظلوم لا ينتصر لنفسه بل يرفع أمره إلى الإمام أو نائبه. انتهى.

، و يتفق مضمونها مع اطلاق قوله تعالى: فَمَنِ اِعْتَدىٰ

1) رواها الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 310/2، باب السفه عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن موسى عليه السّلام، و الظاهر أنّ هذه الروآية و المتقدمة واحدة و التغيير إنّما حدث من الراوي عن ابن محبوب.

عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ‌ (1)

و في أحكام القرآن للجصاص 307/1: احتج أبو حنيفة بالآية على أنّ من قطع يد رجل ثم قتله لوليه ان يقطع يده ثم يقتله، ثم ذكر أنّ المثل و إن شمل المكيل و الموزون و المعدود و القيمة في الأموال التي لا مثل لها فلا يشمل القذف فإنّ المظلوم إذا قذف لا يرد عليه؛ لأنّ الحد المقرر بمنزلة الرد، و مثله لو شتمه بما فيه التعزير فأنّه لا يرد عليه الشتم.

و في التبيان: إنّ الآية وردت في جواز الاقتصاص في النفس أو الأطراف.

فإنّه يعمّ السب كما ذهب إليه

1) في روح المعاني 77/2 استدل الشافعي بهذه الآية على أنّ القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد أو خنق أو حرق أو تجويع أو تغريق حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح، و استدل بها على أنّ من أتلف شيئا يلزمه رد مثله و المثل قد يكون من طريق الصورة كما في ذوات الأمثال و قد يكون من طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له.

الأردبيلي فيجوز مقابلة الساب بالمثل، و يؤكده الاستثناء في قوله تعالى في سورة النساء/ 148: لاٰ يُحِبُّ اَللّٰهُ اَلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ اَلْقَوْلِ إِلاّٰ مَنْ ظُلِمَ‌ فإنّه منقطع لا محالة لعدم قبح الانتقام، و إلاّ لمنع من الترخيص فيه بل هو حسن لكونه موجبا لدفع الظلم(1)

و في تفسير علي بن ابراهيم القمي/ 145: أطلق اللّه للمظلوم أن يعارض من ظلمه بالظلم، قال: و في حديث آخر في تفسير الآية: إن جاءك رجل و قال فيك من الثناء و العمل الصالح ما ليس فيك فلا تقبله منه و كذبه فقد ظلمك.

و في التبيان للشيخ الطوسي 483/1 نقلا عن الفراء و الجبائي هو دعاء المظلوم على الظالم و ذمه و الجهر بما فعله به، و روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «يجوز للضيف إذا لم يحسنوا ضيافته ان يذكر ذلك».

و قال قطرب: المراد بمن ظلم المكره، فإنّه لا حرج عليه إذا أكره على الجهر بالسوء، و عند البلخي إلاّ بمعنى الواو فكأنه قال: لا يحب الجهر بالسوء و لا من ظلم.

و في مجمع البيان للطبرسي 131/3 دلت الآية على أنّ الرجل إذا هتك ستره و أظهر فسقه جاز اظهار ما فيه ليعرفه الناس و لا غيبة لفاسق، و فيها ترغيب في مكارم الأخلاق و نهى عن كشف عيوب الخلق و اخبار عن تنزيه ذاته تعالى عن ارادة القبائح، فإنّ المحبة إذا تعلقت بالفعل فمعناه الارادة.

و السوء و قطع مادته، و إنّما أطلق الظالم على المظلوم لمشابهة فعله

1) في روح المعاني للآلوسي 2/6 في هذه الآية قال: يجوز للمظلوم الدعاء على ظالمه أو شكوى حاله و عليه الحسن و السدي، و هو المروي عن أبي جعفر عليه السّلام.

فعل البادي، و إنّما صار البادي أظلم(1)

هكذا يسجلون في جوامعهم ما لا يتفق مع قدس الأنبياء، و هل يجوز العقل اقدام الأنبياء على الظلم و قد اختارهم المولى سبحانه مرشدين للعباد عمّا فيه التعدي و الطغيان، غفرانك اللهم من هذه الجرأة على جلالة أنبيائك و مبلغي شرائعك.

لأنّه فعل محرما في نفسه، و أوجد سبب ايجاد المحرم في غيره.

و بيّنا في بحث الإعانة على الاثم حرمة ذلك و التعبير بالوزر عن فعل المظلوم مع عدم ثبوته عليه باعتبار ذات العمل، فلا يكون فعل المقتص حراما عليه، كيف و قد صرح في الرواية بأنّ الوزر على البادي و لا مانع من كون العمل من جهة تسبيب الغير له قبيحا محرما و لا يكون محرما من حيث صدوره عن الفاعل كما إذا أكره الزوج زوجته على إتيانها في شهر رمضان، فإنّ الكفارة واجبة على الزوج مع أنّ الزوجة لا وزر عليها.

فالسب لا يقاس بغيره من المحرمات الذاتية التي لم تكن من سنخ الحقوق و لم تثبت حرمتها لأجل احترام المؤمن، كالنظر إلى اخت الغير أو زوجته فإنّه لا يجوز للزوج أو أخ المنظور إليها أن ينظر إلى اخت الناظر أو زوجته انتقاما، فإنّ حرمة سب المؤمن إنّما ثبتت لأجل احترامه و للاخوة التي سنّها الشارع بين المؤمنين، فإذا بدأ أحد بسب أخيه المؤمن خرج عن تلك الاخوة الثابتة بينهما و انقطعت العصمة منهما و يلغى احترامه فيجوز الانتقام منه بالمثل، و هذا بخلاف سائر المحرمات الإلهية.


1) ممّا يناسب التنبيه عليه هنا ما ذكره عبد الرحمن الصفوري الشافعي في نزهة المجالس/ 329: أنّ بعض الأنبياء عارضه سبع في الطريق فلطمه النبي ففعل السبع معه مثلها، فقال له النبي: يا رب أنا نبيك و هذا كلبك فأوحى اللّه إليه لطمة بلطمة و البادي أظلم. انتهى.

تنبيه: النسبة بين السب و الغيبة عموم من وجه

ذكر المصنف (أعلا اللّه مقامه) أنّ النسبة بين السب و الغيبة عموم من وجه؛ لأنّه اعتبر في السب الإيذاء و الاهانة و لم يؤخذ فيه الغيبة و لا الحضور، و اعتبر في الغيبة عدم الحضور سواء قصد بها الاهانة و الايذاء أم لا؟ ففي مورد التصادق أعني ذكر المرء في غيابه بما يسوءه و يؤذيه بقصد الاهانة تتأكد الحرمة و يتعدد العقاب.

و ذكر بعض الأساتيد رحمه اللّه أنّ النسبة بينهما التباين، فإنّ السب عبارة عن إنشاء ما يكون سببا للاهانة و الإيذاء و الغيبة إخبار عن عيوب الغير و نقائصه.

و لا يتم ما ذكراه، أمّا الأول فيرد عليه: إنّ الغيبة عبارة عن كشف أمر ستره اللّه تعالى على ما يظهر من الأخبار فلا يعتبر فيها الحضور و لا عدمه، نعم الغالب في مصاديقها غيبة المغتاب و لذا عنونت بالغيبة.

و أما الثاني فيرد عليه: أنّ السب كما يكون بالانشاء قد يتحقق بالأخبار بل السب في موارد الانشاء إنّما هو بلحاظ اشتماله على الأخبار و لو التزاما كما في قوله أيها الحمار، و هكذا الغيبة قد تتحقق بالانشاء كما إذا قال أيها الزاني و قصد كشف أمر مستور.

فالحق أنّ النسبة بينهما عموم من وجه، لا لما ذكره المصنف رحمه اللّه بل لما عرفت من أنّ معنى الغيبة كشف ما ستره اللّه(1)سواء كان بقصد الاهانة أو لم يكن، و السب هو


1) يشهد لما ذكرناه في تعريف الغيبة ما رواه الكليني في الكافي على مرآة العقول 349/2، باب الغيبة الحديث 7 عن عبد الرحمن بن سيابة قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: «الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه».

الكلام الملقى إلى الغير بقصد اهانته و ايذائه و لو كان المقول عيبا ظاهرا، فإذا كشف به أمر مستور اجتمع العنوانان السب و الغيبة.

ثم لما كان السب المحرم متقوما موضوعا بقصد الاهانة فما يلقيه الوالد إلى ولده، و السيد إلى عبده، و الاستاذ إلى تلميذه من الكلام الخشن لا يكون سبا و إن تأذى به الولد و العبد و التلميذ، لأنّه لا ينتقص به شيء من العرض و المال و البدن و الايذاء ما لم يصل إلى نقص في المال أو العرض أو البدن لا يكون محرما. نعم لا نمنع من حرمة الكلام الصادر من هؤلاء فيما إذا سبب نقص العرض أو الحط من الكرامة، و مجرد تخيل التلميذ نقص العرض لا يوجب التحريم.

و ما ذكرناه هو السر في عدم المنع ممّا يلقيه هؤلاء الثلاثة إلى الولد و العبد و التلميذ لا ما ذكر من التمسك للجواز بالسيرة، بداهة عدم ثبوتها، و الاستدلال لجواز سب الوالد ولده بقوله صلّى اللّه عليه و اله: «أنت و مالك لأبيك»(1)

و في الفتح القدير لابن همام الحنفي 144/4 عن دلائل النبوة للبيهقي عن جابر أنّ رجلا قال للنبي صلّى اللّه عليه و اله: يريد أبي أن يأخذ مالي. فقال صلّى اللّه عليه و اله: «ادعه لي، فلما أتاه عرفه بما زعمه ابنه، فقال الرجل: سله هو إلى عماته و قراباته أو ما أنفقه على نفسي و عيالي، فهبط جبرئيل و أخبر النبي صلّى اللّه عليه و اله بشعر قاله الرجل يعتب فيه على ابنه، فسأله النبي صلّى اللّه عليه و اله عن الشعر؟ فقال الرجل: ما زال اللّه تعالى يزيدنا فيك يقينا، ثم أنشد الشعر، فالتفت النبي صلّى اللّه عليه و اله إلى الولد و قال: اذهب أنت و مالك لأبيك»، و الأبيات رقيقة جدا.

لا وجه له، فإنّه حكم

1) روى ذلك الشيخ الصدوق في الفقيه/ 272 و معاني الأخبار/ 50، باب 103 ملحق بعلل الشرائع عن الحسين بن أبي العلاء قال: قلت للصادق عليه السّلام: ما يحل للرجل من مال ولده‌؟ قال: «قوته من غير سرف إذا اضطر إليه. قلت: فقول رسول اللّه للرجل الذي أتاه فقدم إليه أباه فقال أنت و مالك لأبيك. قال عليه السّلام: إنما جاء بأبيه إلى النبي صلّى اللّه عليه و اله و قال له: إنّه ظلمني، أخذ ميراثي من امي، فأخبره الأب أنّه أنفقه عليه و على نفسه، فقال صلّى اللّه عليه و اله: أنت و مالك لأبيك، و لم يكن عند الرجل شيئا، و كان صلّى اللّه عليه و اله يحبس بالابن» و روى الشيخ الطوسي في التهذيب 104/2 أوائل كتاب المكاسب عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام «إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال لرجل: «أنت و مالك لأبيك، ثم قال أبو جعفر: لا نحب أن يأخذ من مال ابنه إلاّ ما احتاج إليه ممّا لا بد منه، إنّ اللّه عز و جل لا يحب الفساد».

السحر حرام في الجملة [1]

أخلاقي؛ و لذا لا يجوز للأب أن يأخذ من مال ابنه أكثر ممّا يحتاج إليه و لا أن يفرط في أموال ابنه.

ثم لا يخفى أنّ حرمة سب المؤمن إنّما ثبتت من جهة احترامه و كون السب هتكا لحرمته، فالمتجاهر بالفسق لما أسقط الشارع حرمته كما هو صريح الأخبار(1)جاز سبه و لو لم يكن بقصد النهي عن المنكر، و غير المتجاهر بالفسق لا يجوز سبه، و المبدع في الدين إن رجعت بدعته إلى انكار بعض اصول الدين جاز سبه لكفره، و كذا المبدع في الفروع لقوله صلّى اللّه عليه و اله: «إذا رأيتم أهل البدع من بعدي فاظهروا البراءة منهم، و أكثروا من سبّهم و الوقيعة فيهم، و باهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، و يحذرهم الناس، و لا يتعلمون من بدعهم، يكتب اللّه لكم بذلك الحسنات، و يرفع لكم به الدرجات في الآخرة»(2).

حرمة السحر

اشارة

[1] يتكلم في السحر أوّلا عن حقيقته، و ثانيا عن حكمه.


1) في الوسائل 239/2، باب 154 تحريم البهتان على المؤمن عن مجالس الصدوق بسنده عن الصادق عليه السّلام: «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له و لا غيبة فيه»، و عن قرب الإسناد باسناده عن الصادق عليه السّلام، قال: «ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع، و الإمام الجائر، و الفاسق المعلن بفسقه».

2) رواه في الوسائل 510/1 باب 39 كتاب الأمر بالمعروف عن الكليني.

أما الأول فنقول: إنّ السحر يقارب ما يرادف التموية و الخديعة؛ لأنّه ابراز الباطل و ما لا واقع له بصورة الأمر الواقعي بحيث يخيل أنّه أمر حقيقي كما يظهر ذلك من اللغة(1)

و في مقدمة مرآة الأنوار/ 119 تأليف الشيخ الجليل أبي الحسن الفتوني على التحقيق و قد نبه عليه النوري في خاتمة المستدرك 385/3: السحر بمعنى الخدعة و تخليط العقل و الصرف إلى شيء عن جهته، و في المجازات النبوية/ 94، ط - مصر: السحر في الأصل التمويه و الخديعة و التلبيس و التغطية، و في مجمع البيان 170/1، ط، صيدا - عند قوله (و يتعلمون منهما): السحر عمل خفي الخفاء سببه يصور الشيء بخلاف صورته، و يقلبه عن جنسه في الظاهر دون الحقيقة.

، و بهذا المعنى جاء الكتاب العزيز فيقول سبحانه و تعالى في سورة طه/ 66: فَإِذٰا حِبٰالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهٰا تَسْعىٰ‌ فالحبال و العصي لم تنقلب أفاعي، و إنّما سحروا أعين الناس فتخيلوا أنّها حيات تسعى في الوادي.

و من هذا السنخ اطلاق قريش اسم الساحر على النبي الأقدس صلّى اللّه عليه و اله، و قد يستعمل السحر في مطلق صرف الشيء عما هو عليه سواء كان أمرا باطلا خياليا أو حقيقيا، و منه اطلاق السحر على الكلام مبالغة في الذم فيما إذا كان جالبا مع خلوه عن المحسنات كما قد يقصدون من اطلاقه عليه المبالغة في المدح لاشتماله على ما


1) في الصحاح و القاموس: السحر كل ما لطف مأخذه و دق، و في المغرب للمطرزي و المصباح: هو الخديعة، و في مقاييس اللغة لابن فارس 138/3: قال قوم: هو إخراج الباطل في صورة الحق، و يقال: هو الخديعة، وعد الراغب الاصفهاني في مفردات اللغة من معانيه اطلاقه على الخداع و التخييلات التي لا حقيقة لها، و في التهذيب أصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لما رأى الباطل في صورة الحق و خيل الشيء على غير حقيقته فقد سحر الشيء عن وجهه أي صرفه.

يأخذ بمجامع الأفئدة، و عليه نزل حديث الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله: «إنّ من البيان لسحرا»(1)

و اختلفوا في تخريج الكلام مخرج المدح أو الذم أو لهما معا، فيذهب أبو عبيد البكري في شرح أمثال القاسم بن سلام و السيوطي في مرقاة الصعود و غيرهما، أنّه خارج مخرج الذم و ذلك من جهة اضافته إلى السحر المذموم، و ابن حجر في الزواجر 83/2 يذهب إلى أنّه مدح للفصاحة لأن صاحب البيان البديع يكشف عن الحقيقة ببليغ القول فأشبه السحر الذي يستميل القلوب، و قال بهما معا أبو عبيد القاسم بن سلام، و الزبيدي في تاج العروس بمادة سحر، و إذا عرفنا سبب الحديث يظهر مخرجه.

و قد ذكره حمزة الحسيني في البيان و التعريف 247/1 قال: إنّ بكر الأسدي دخل على النبي صلّى اللّه عليه و اله فأسمعه كلاما فصيحا فقال صلّى اللّه عليه و اله ذلك، ثم علمه سورة التوحيد، و من هذا يظهر أنّه وارد مورد المدح و إن كانت الجملة تقال في المدح و الذم، و ذكر العسقلاني في فتح الباري 158/10، و القسطلاني في ارشاد الساري 408/9 سببا آخر يفيد وروده مورد المدح، و ذلك حين سمع كلام الزبرقان فأعجبه حسن بيانه و منطقه.

، و كأنّ هذا التخيل هو المصحح لإطلاق المحسورة على الفضة المموهة بالذهب.

و حكاية المصنف قدّس سرّه عن أهل اللغة: أنّ السحر ما لطف مأخذه و دق تعريف بالأعم من قبيل «السعدانة نبت»، فإنّ السحر و إن كان مأخذه دقيقا لا يعرفه غالب الناس و لكن لم يكن كل دقيق المأخذ سحرا، فإنّ مأخذ القوة الكهربائية دقيق لم يعرفه أحد و لا تدرك بالحواس و لا بالمكبرات و لا يشاهد شيء منها في جوف الأسلاك، كما لم يزدد وزنها بتلك القوة الممتدة فيها، و أثرها عجيب و خواصها


1) ورد هذا اللفظ في الشهاب للقضاعي/ 32، و المجازات النبوية/ 94 للشريف الرضي، و مسند أحمد 62/2، و صحيح البخاري كتاب الأدب، و رواه في كنز العمال 117/2 و 118 من طرق كثيرة.

غريبة، و مثلها لاقط الصوت و الهاتف فإنّ كل أحد لم يعرف مأخذ تلك الآثار البديعة الصنعة مع عدم صدق اسم السحر عليها.

و بالجملة السحر إبراز الأمر الغير واقعي بصورة الأمر الحقيقي(1)

و على ذلك المعتزلة و أبو حنيفة و أبو اسحاق الأسفرايني كما في عمدة القاري للعيني 509/6، و في 200/10 قال: ممّن أنكره أبو جعفر الاسترآبادي من الشافعية، و أبو بكر الرازي من الحنفية، و على هذا ابن حزم في المحلى 36/1، و أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن 48/1.

و اختار صاحب الجواهر و صاحب مفتاح الكرامة أنّ لبعضه حقيقة و بعضه تخييل، و يرتئي الكركي في جامع المقاصد أنّ له تأثيرا من جهة الوهم لا الحقيقة، و في مجمع البحرين للطريحي: يختص تأثيره بالتفرقة بين المرء و زوجه لا غيره، و قد ذهب إليه بعض أهل السنة، و قال المجلسي في البحار 251/14: السحر في عرف الشرع ما خفي سببه و جرى مجرى التمويه و الخداع.

و في عمدة القاري شرح البخاري 509/6 و 200/10 و ارشاد الساري 401/8 و فتح الباري 173/10 و الفتح القدير 84/4 و المهذب 241/2 و المغني 150/8 و الزواجر 82/2، إنّ له حقيقة، و نسبه الشوكاني في نيل الأوطار 149/7 و الآلوسي في روح المعاني 25/9 إلى جمهور السنة، و في الميزان للشعراني 131/2: قال به الأئمة غير أبي حنيفة.

و من العجيب استدلال ابن قدامة في المغني على وقوعه برواية عائشة المروية في البخاري في كتاب الطب «أنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله سحر حتى أنّه يخيل إليه يفعل الشيء و لم يفعله»، و في ارشاد الساري 403/8: إنّه «يخيل إليه يأتي النساء و لا يأتيهن»، و في ص 504 قال عند أحمد بقي ستة أشهر على هذا، و عند الاسماعيلي أربعين يوما، و عن الزهري سنة و هو الصحيح، و في الزواجر لابن حجر بقي سنة إلى أن رأى في النوم ملكين يتساءلان عن سحره و تذاكرا أنّه «في بئر ذي اروان» و لما انتبه أرسل من استخرجه فذهب عنه السحر.

و الأغرب ما ذكره في فتح الباري 177/10 عن العلماء من التوجيهات الباردة في ذلك، و لكن لم يعبء بهذه الأساطير الاستاذ محمد محي الدين عبد الحميد و يضربها عرض الجدار فيما علقه على المثل السائر لابن الأثير 139/1، طبع مصر سنة (1358 ه‍) لأنّها لم تتفق و قدسية من يخاطبه الجليل سبحانه وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ‌، و ذكر أنّه بين خطأ ذلك فيما كتبه في تفسير عَمَّ يَتَسٰاءَلُونَ‌.

ثم نقول لهؤلاء الذين لم يفهموا معنى الرسالة و لا قدسية النبي الأعظم: إذا بقي سنة يخيل إليه يفعل الشيء و لم يفعله، كيف يصح أخذ الأحكام منه، و إذا كان ابن تيمية كما في مختصر فتاواه ص 544 يقول: إذا بلغ السحر في أحد إلى حد لا يعلم ما يقول فطلاقه باطل إذا لا يقبل من النبي كل شيء تلك المدة المسحور فيها.

غفرانك يا نبي الرحمة من هذه الخرافات التي ألصقوها بساحة جلالك و عظيم قدسك.

، و به يفترق

1) ذهب أكثر الإمامية كما في الدروس و المسالك إلى أنّ السحر لا حقيقة له و إنّما هو تخييل، و استقر به العلاّمة في القواعد، و يظهر من الخرائج للراوندي/ 172، طبع الهند: أنّه موضع وفاق.

عن المعجز و الشعبذة، فإنّ المعجز أمر واقعي و سببه غير عادي كانقلاب العصا ثعبانا يلقف ما يأفكون. و تولد روح عيسى عليه السّلام من غير أب مع أنّ العادة قاضية بتولد الإنسان من أبوين، و الشعبذة أمر واقعي بسبب عادي، و لكن السرعة في العمل يخيل إلى الإنسان وجود الشيء بسب غير عادي.

المقام الثاني: في حكم السحر، و لا يخفى أنّ القول بتحريمه مطلقا سواء كان مضرا و موجبا لايذاء مؤمن أو لم يكن مبني على أن يكون للأخبار اطلاق، و هو بعيد، فإنّ الظاهر من قوله تعالى في البقرة/ 102: (و يتعلمون منهما ما يضرهم و لا ينفعهم) ترتب الذم على خصوص ما يضر و لا ينفع، و قد ورد في تفسير الآية ما يقرب من هذا(1)

و في الوسائل 544/2، باب 53 تحريم السحر عن عيون الأخبار عن الحسن العسكري عليه السّلام في قصة هاروت و ماروت، قال: «لأنّهم إذا تعلموا السحر ليسحروا به و يضروا به فقد تعلموا ما يضرهم في دينهم و لا ينفعهم فيه».

و في التبيان للشيخ الطوسي 132/1: من شريعة سليمان عليه السّلام أنّ من تعلم السحر بانت منه زوجته.

، و مثله ما ورد في الساحر الذي تاب اذ يقول له الإمام عليه السّلام: «حل

1) في مجمع البيان 176/1، ط - صيدا، و جوامع الجامع/ 22 للطبرسي، و تفسير الصافي / 45 و الأصفى للفيض، و ارشاد الساري للقسطلاني 402/8، و الكشاف 86/1، و روح المعاني للآلوسي 345/1، و تفسير ابن كثير 143/1 في تفسير قوله تعالى: وَ يَتَعَلَّمُونَ مٰا يَضُرُّهُمْ وَ لاٰ يَنْفَعُهُمْ‌ إنّ المراد الضرر في الدين و عدم النفع فيه؛ لأنّهم يقصدون به الشر و ليس له نفع يوازن ضرره.

و لا تعقد»(1)، فابراز ما لا واقع له بصورة الأمر الحقيقي لا حرمة فيه إلاّ إذا أوجب ضررا في عقل مؤمن أو في بدنه، و يؤيده أخذ عنوان الضرر بأحد الوجهين في موضوع السحر في بعض الكلمات التي حكاها المصنف رحمه اللّه.

ثم إنّ السحر الحرام لا يوجب الكفر قطعا ما لم يكن مستحلا، و في ايجابه القتل مطلقا أو في خصوص المستحل وجهان، مقتضى اطلاق النصوص و صريح بعض الأصحاب و اطلاق فتوى جماعة الأول، و لكن جماعة من المتأخرين قيدوا جواز القتل بصورة الاستحلال بملاحظة أنّ الغالب في عصر الأئمة عليهم السّلام كون السحرة يعتقدون تأثير الكواكب و الأجرام العلوية في العمل الخاص و اسناد الحوادث إليها.


1) في الوسائل 544/2 باب 53 تحريم السحر نقلا عن الكليني و الصدوق و الشيخ الطوسي و قرب الإسناد للحميري: إنّ عيسى بن سقفي دخل على أبي عبد اللّه عليه السّلام و كان ساحرا يأتيه الناس و يأخذ على ذلك أجرا، فقال له: جعلت فداك أنا رجل كانت صناعتي السحر، و كنت أخذ عليه الأجر، و كان معاشي، و قد حجبت منه، و منّ اللّه علي بلقائك، و قد تبت إلى اللّه تعالى، فهل لي في شيء من ذلك مخرج‌؟ فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: «حل و لا تعقد»، و رواه الشيخ في التهذيب 109/2، باب ما لا يجوز التكسب به.

و كيف كان، فلا ينبغي الإشكال في قبول توبة الساحر فإنّ التائب من ذنب كمن لا ذنب له، و رواية الصدوق عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال لامرأة سألته: إنّ لي زوجا و به عليّ غلظة، و إنّي صنعت شيئا لأعطفه عليّ‌، فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «كدّرت البحار و كدرت الطين، و لعنتك الملائكة الأخيار و ملائكة السموات و الأرض. قال: فصامت المرأة نهارها، و قامت ليلها، و حلقت رأسها، و لبست المسوخ فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه و اله، فقال: ذلك لا يقبل منها»(1).

لا يعتمد عليها أوّلا: أنّ الراوي السكوني، و قد بيّنا ضعفه(2).

و ثانيا: لم يذكر في الرواية أنّها صنعت السحر أو شيئا آخر يوجب عطف الزوج.

و ثالثا: أنّ توبة المرأة تقبل حتى عن الارتداد فضلا عن غيره، و ليس السحر أعظم من الارتداد(3)

و في المهذب لأبي اسحاق الشيرازي الشافعي 241/2: يحرم تعليم السحر، و من اعتقد اباحته مع العلم بتحريمه يكفر، و المعتقد حرمته لم يكفر، و في شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 18/9: السحر حرام تعلمه و تعليمه، فإنّ تضمن ما يقتضي الكفر كفر صاحبه و إلاّ فلا يكفر، و يستتاب و تقبل توبته، و في المغني لابن قدامة الحنبلي 151/8: لا خلاف بين أهل العلم في حرمة تعلم السحر و تعليمه، و قال أصحابنا: يكفر بتعلمه و فعله سواء اعتقد تحريمه أو اباحته، و في ص 153 قال: حد الساحر القتل و في استتابته روايتان، ثم اختار قبول توبته.

و في الفروع لابن مفلح الحنبلي 564/3: يكفر الساحر بمجرد تعلمه كاعتقاد حله، و جزم في التبصرة بعدم كفره و أبو بكر كفره بعلمه، و حمل ابن عقيل كلام أحمد في تكفيره على المعتقد له و فاعله يفسق و يقتل حدا لا لكفره، و على الأول يقتل، و في الفتح القدير لابن همام الحنفي 408/4: تعليم السحر حرام بلا خلاف بين أهل العلم، و اعتقاد اباحته كفر، و عن أصحابنا و مالك و أحمد: يكفر الساحر بتعلمه و فعله اعتقد تحريمه أو لا و يقتل، و عند الشافعي: لا يكفر و لا يقتل إلاّ إذا اعتقد اباحته.

و في عمدة القاري 510/6 عند أبي حنيفة: من تعلم السحر و استعمله كفر، و يقتل إذا تكرر منه الفعل، و عند أحمد و مالك يقتل بمجرد الفعل، و عند أبي حنيفة يقتل ساحر أهل الكتاب، و لا تقبل توبته عند مالك و أبي حنيفة و أحمد، و عند الشافعي و أحمد في الرواية الاخرى تقبل، و عن مالك: إن ظهر عليه لم تقبل كالزنديق، و إن تاب قبل أن يظهر عليه قبلت توبته.

.

1) رواها الصدوق في الفقيه/ 325 في النكاح.

2) تقدم في ص 57 البحث عنه.

3) قال مالك في الموطأ على هامش شرحه للزرقاني 202/4: الساحر الذي يعمل السحر و لم يعمل له ذلك غيره يقتل إذا عمله بنفسه، و في شرح الزرقاني عبد الباقي المالكي على مختصر أبي الضياء 63/8: يكفر المسلم بمباشرة السحر المفرق بين الزوجين أو المشتمل على الكفر، فإنّ تجاهر به قتل و ماله فيء إلاّ أن يتوب و غير المتجاهر به يقتل و لا تقبل توبته، و في الاشباه و النظائر للسيوطي 350/2: يقتل بالسيف القاتل بالسحر، و في أحكام القرآن لابن العربي 14/1 عند قوله تعالى: وَ اِتَّبَعُوا مٰا تَتْلُوا اَلشَّيٰاطِينُ‌: كل أقسام السحر حرام و كفر، قاله مالك، و قال الشافعي: السحر معصية إن قتل الساحر به قتل، و إن أضربه أدب قدر الضرر.

تنبيه: للسحر أنواع

ذكر المجلسي (أعلا اللّه مقامه) للسحر ثمانية أنواع:

الأول: استخدام الكواكب و القول بأنّها قديمة غير مخلوقة أو مخلوقة بقدم خالقها، أو أنّها حادثة و لكنّ اللّه تعالى فوض إليها امور هذا العالم فيستخدمها بعمل كان ينظر إليها طول ثلاثة أشهر، و هذا بدعة محرمة و كفر، و يستلزم ترك الواجبات الإلهية و إن لم يكن خرق العادة بنفسه أمرا محرما إذا تمكن أحد منه.

الثاني: سحر أصحاب الأوهام و النفوس القوية، و لا مانع من تحصيله بأعمال شرعية، و قد أعطى اللّه تعالى ذلك لبعض الحيوانات، فإنّ بعض أفراد الأسد على ما يقال: إذا نظر إلى حيوان تبعه قهرا، و الذئب إذا نظر إلى الشاة تبعها قهرا، إذا لا مانع من أن تكون لبعض النفوس قوة يحصل بواسطتها التأثير في الأشياء، و قد ورد في الحديث القدسي: «عبدي أطعني حتى أجعلك مثلي»(1)، فينظر صاحب هذه القوة إلى حيوان فيوقفه عن الحركة، و هذا لا مانع منه إذا لم يوجب ضررا.

الثالث: الاستعانة بالأرواح الأرضية كتسخير الجن، و لا حرمة فيه إذا كان بمقدمات مشروعة كما لا مانع من استخدام الحيوانات، فإنّ الإنسان أشرف من جميعهم، فاستخدامه من دونه لا ضير فيه، بل للأولياء أن يستخدموا الملك.

الرابع: التخييلات و الأخذ بالعيون، فإنّ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين نحوه و تتجه عيونهم إليه، فإذا استغرقهم بهذا عمل شيئا آخر بسرعة و أما شديدة فيظهر للناظرين شيء غير ما نظروا إليه فيتعجبون منه، و هذا غير محرم.

الخامس: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على نسب هندسية كتشكيل فارس على فرس بيده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد، و منه تركيب صندوق الساعات و هذا غير محرم.

السادس: و الاستعانة بخواص الأدوية الموجبة للتبلد أو لتقوية أعصاب المعقود، و لا إشكال في جوازه إذا لم يكن مضرا لمؤمن كما جاز للأطباء العارفين


1) نقله الشيخ الحر العاملي في الجواهر السنية في الأحاديث القدسية/ 281، ط - ايران عن الشيخ رجب البرسي.

التسخير [1]

بخواص العقاقير الرافعة للأمراض.

السابع: تعليق القلب بالدعاوى الباطلة كأن يدّعي الرجل معرفته بالاسم الأعظم و إن الجن ينقادون له في أكثر الامور فيعتقد به ضعيف العقل قليل الادراك فيتعلق قلبه به و يحصل الخوف منه، و حينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل ما يشاء، و لا إشكال في حرمة مثله، لأنّه كذب و اغراء بالجهل، و قد ترتب عليه مضار اخر من تعطيل الناس و تضييع أعمارهم و إهمالهم الاشتغال بما يهمهم، و هذا حرام آخر.

الثامن: النميمة و لا ريب في مجازية اطلاق السحر عليها، و لعل العلاقة كون النمام يخبر عن امور واقعية بنحو يؤثر في الشخص تهيج قواه العصبية فيوجب التفريق بين الناس كالسحر، و لا إشكال في حرمة النميمة(1).

[1] لا ريب في حرمة تسخير المؤمن؛ لأنّه تصرف في نفس الغير بلا رضاه و إيذاء له، و الناس مسلّطون على أنفسهم، كما لا إشكال في تسخير الحيوانات و استخدامها بغير التسخير المصطلح، و أما تسخير الكفار من الجن و الانس فلا ينبغي الإشكال في جوازه، و أما تسخير مؤمن الجن أو الملائكة فإنّ كان بمقدمات تستلزم تضرره في عقله أو بدنه كما هو الغالب أو كانت نفس المقدمات محرمة فهو حرام لذلك، و إن كان المقدمات مشروعة فالحرمة مبنية على حصول الايذاء، و إن كان من آثار المقدمات أنّ الجن يخدمون فاعلها كما يخدمون الأنبياء و الأولياء بالطوع و الرغبة فلا نفهم وجها للحرمة.


1) البحار 251/14 فصل السحر، و ذكر ابن حجر الهيثمي في الزواجر 84/2 هذه الأنواع بترك الثامن.

و أما الشعبذة [1]

الغش حرام [2]

[1] تقدم معنى الشعبذة و الفرق بينها و بين السحر، و قد استدل على حرمتها بأنّها لهو و باطل.

و فيه: منع الصغرى و الكبرى، أمّا الصغرى فقد تكون لغرض عقلائي، و أما الكبرى فلما سيجيء من الشيخ رحمه اللّه من منع حرمة اللهو مطلقا، و سنتعرض له.

حرمة الغش

اشارة

[2] لا خلاف في حرمة الغش مطلقا في المعاملات و غيرها لتظافر الروايات من الفريقين الواضحة الدلالة على التحذير منه، و أنّه يوجب الخروج عن سنن الإسلام.

و البحث عنه في مقامين: أوّلا عن مفهومه، و ثانيا عن حكمه التكليفي و الوضعي.

أما مفهومه: فلا لبس فيه؛ لمرادفته الخدعة و التدليس(1)

و قالوا في الخديعة و التدليس: انهما اخفاء العيب، قال ابن فارس: الدلس: هو الظلام، و منه التدليس في البيع، و هو أن يبيع من غير إبانة عيبه، فكأنه خادعه و أتاه في ظلام.

، فهو في غير المعاملات إخفاء المستشار النصيحة للمستشير، و في المعاملات إخفاء البائع العيب الذي لا يهتدي إليه عامة الناس، فالغش - الذي هو ستر العيب على الغير مخادعة و مخاتلة يتقوم - بعلم أحد الطرفين و جهل الآخر، فلا غش مع جهلهما أو علم المشتري، كما يعتبر في الغش كون العيب خفيا لا يظهر للعامة.

نعم، لا يعتبر فيه الخفاء على كل أحد غير الغاش كبيع حيوان شارب للسم


1) في الصحاح و القاموس و الفائق للزمخشري 112/2 و نهاية ابن الأثير 183/3: الغش غير النصيحة، و في مقاييس اللغة لابن فارس 383/4: الغش ألا تمحض النصيحة، و في المصباح 45/2 و المغرب للمطرزي 73/2: لبن مغشوش مخلوط بالماء.

يموت به بعد شهرين حيث لا يعرف ذلك إلاّ من قبله، فالعيب يكون على أقسام ثلاثة:

أحدها: ما يتنبه له عامة الناس بأدنى التفات.

ثانيهما: ما هو خفي على العامة لا يهتدي إليه إلاّ الخواص من أهل الخبرة كالغش في الذهب.

ثالثها: ما لا يعرفه إلاّ البائع كالحيوان الشارب للسم قبل ظهور أثره.

و الغش يتصوّر في القسمين الأخيرين، و ما ورد من أنّ البائع يبينه للمشتري(1)فهو في مورد لا يكون المشتري من أهل الخبرة، و عليه فإذا فرضنا كون العيب واضحا عند العامة و خفيا على المشتري لم يكن عدم إعلامه غشا، ثم لا يعتبر في تحقق الغش قصد البائع إخفاء العيب بمعنى أن يكون الداعي له ذلك، و إنّما المعتبر فيه كونه ملتفتا إلى ذلك و لو لم يكن العيب بفعله هذا كله في مفهوم الغش.

و أما حكمه: فلا إشكال في حرمته تكليفا لدلالة الأحاديث المتضافرة عليها من الفريقين(2)

و فيهما عن موسى بن بكر قال: كنا عند أبي الحسن عليه السّلام فإذا دنانير مصبوبة بين يديه فنظر إلى دينار فأخذه بيده ثم قطعه نصفين، و قال: «ألقه في البالوعة حتى لا يباع شيء فيه غش».

و فيهما عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لرجل يبيع التمر: يا فلان أمّا علمت أنّه ليس من المسلمين من غشهم‌؟».

و فيهما عن السكوني عن الصادق عليه السّلام: «نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله ان يشاب اللبن بالماء للبيع»، و رواه الصدوق في الفقيه/ 291 عنه.

و فيهما عن سعد الاسكاف عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «مر النبي صلّى اللّه عليه و اله في سوق المدينة بطعام فقال لصاحبه: ما أرى طعامك إلاّ طيبا، و سأل عن سعره، فأوحى اللّه إليه أن يدس يده فيه ففعل فأخرج طعاما رديا، فقال لصاحبه: ما أراك إلاّ جمعت خيانة و غشا للمسلمين».

و في التهذيب 127/2 عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن الرجل يكون عنده لونان من طعام و سعرهما شتى واحدها خير من الآخر فيخلطهما جميعا ثم يبيعهما بسعر واحد؟ قال: «لا يصلح له أن يفعل ذلك يغش به المسلمين حتى يبينه»، و في الفقيه / 359 في حديث المناهي: «من غش مسلما في شراء أو بيع فليس منّا، و يحشر يوم القيامة مع اليهود لأنّهم أغش الخلق للمسلمين»، و رواه في عقاب الأعمال/ 49 و علله بأنّ من غش الناس ليس بمسلم، و روى في عقاب الأعمال/ 50 انه صلّى اللّه عليه و اله قال: «من غش أخاه المسلم نزع اللّه منه بركة رزقه و أفسد عليه معيشته و وكله إلى نفسه»، و هذه الأحاديث رواها الفيض في الوافي 63/10، و الحر في الوسائل 562/2، باب 115 من المكاسب، و ص 584 باب 57 من البيع.

و بمثل هذه الأحاديث روى أهل السنة في جوامعهم، ففي سنن البيهقي 320/5 و مستدرك الحاكم 9/2، و صحيح مسلم 53/1، و سنن ابن ماجة 26/2، و صحيح الترمذي بشرح ابن العربي 55/6، و سنن أبي داود السجستاني 272/3، و تيسير الوصول لابن الديبع 61/1، و الزواجر لابن حجر 193/1، و كنز العمال 205/1، باب الخداع عن أبي هريرة و ابن عمر و أبي الحمراء و ابن عباس: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال: «من غشنا فليس منّا»، و في بعضها: «ليس منّي»، و روى في الزواجر قوله صلّى اللّه عليه و اله: «لا يحل لأحد يبيع شيئا إلاّ بيّن ما فيه، و لا يحل لمن علم ذلك إلاّ بيّنه».

، و أما وضعا: ففي جامع المقاصد بنى المسألة على تقديم الوصف على

1) رواه الشيخ في التهذيب 127/2 عن الحلبي.

2) أحاديث الإمامية الناهية عن الغش رويت في الكافي للكليني على هامش مرآة العقول 403/3، باب الغش، و التهذيب للشيخ الطوسي 122/2 عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ليس منّا من غش».

الاشارة أو العكس زعما منه كونها من باب تخلف الوصف عن الاشارة ناقلا عن الذكرى تنظيره بالاتمام فيما لو نوى الاقتداء بامام معين على انّه زيد فظهر عمرو، و ناقش المصنف قدّس سرّه في التنظير حيث لا ترديد للمأموم في الفرض ابتداء و انما

ينكشف له الخلاف فيما بعد.

و التحقيق: المبيع ان كان كليا و الغش في التسليم فلا ربط له بأصل البيع حتى يوجب فساده أو الخيار، و إن كان شخصيا خارجيا فيتصور الغش فيه على انحاء:

الأول: أن يكون التخلف و الغش في الصورة النوعية كما إذا باع حمارا بعنوان انّه فرس، فالتخلف يوجب الفساد لا من جهة تعليق البيع فإنّ التعليق على ما يكون البيع معلقا عليه واقعا لا يوجب فساده بل لأن ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد، فإنّ ما وقع عليه البيع و هو الفرس لم يكن موجودا و ما كان موجودا و هو الحمار لم يقع عليه البيع، لأن الثمن انما يقع بأزاء الصورة النوعية، و المادة المشتركة لا قيمة لها.

الثاني: أن يكون التخلف في صفة الكمال كما إذا باع العبد مظهرا كونه كاتبا و لم يكن له واقع، و حينئذ إن كان البيع معلقا على ذلك يبطل من جهة التعليق، و إن كان البيع غير معلق عليه فيكون من باب تخلف الوصف و هو لا يوجب الفساد؛ لأنّ الأوصاف لا يقع بأزائها شيء من الثمن استقلالا.

الثالث: أن يكون الغش في وصف الصحة كما إذا باع الامة مظهرا صحة بصرها فبان أنّها عمياء، فإذا لم يكن تعليق في البيع لا مانع من الصحة و يثبت تخلف الوصف كما في الصورة الثانية، غاية الأمر تفترق عن الثانية بثبوت الأرش و هو من جهة التعبد بالنص، فالمشتري يتخيّر بين الفسخ و الامضاء مع الأرش.

الرابع: أن تتخلف الصورة النوعية في بعض المبيع، فتارة لا يوجب نقصا في الباقي كما إذا باع منا من الحنطة فظهر نصفه ترابا فإنّ البيع يبطل بالنسبة إليه، و يرجع المشتري على البائع بما يقابله من الثمن، و اخرى يوجب التخلف نقصا في

الباقي كما إذا اشترى كتاب (الجواهر) و هو ستة أجزاء فظهر بعض الأجزاء من غير كتاب، فإنّ البيع يبطل بالنسبة إلى الجزء الذي هو غير الجواهر، و التبعيض يوجب النقص في الباقي، فيتخير المشتري و يثبت الخيار في الأجزاء الموجودة بين الفسخ و الامضاء مع الأرش، ففي هذه الصورة الرابعة يثبت بطلان البيع بالقياس إلى بعض المبيع و الخيار بالاضافة إلى البعض الآخر(1)

و في الفروع لابن مفلح الحنبلي 506/2: يثبت الخيار بكل تدليس يزيد به الثمن كتسويد الشعر و تجعيده، و تحمير الوجه، و جمع ماء الرحى، و اللبن في الضرع، و سئل أحمد عمّن يدخل بشيء إلى بلاد إن كان مغشوشا اشتروه و إلاّ فلا؟ قال: إن كان يأخذونه لأنفسهم و يعلمون غشه فجائز، و إن لم يأمن أن يصير إلى من لا يعرفه فلا.

و في نيل المآرب بشرح الطالب لعبد القادر الشيباني 86/1: التدليس حرام، و هو أن يدلس البائع على المشتري ما يزيد به الثمن كتصرية اللبن و تسويد الشعر، و به يحصل الخيار للمشتري إذا لم يعلم به.

و في مختصر المزني على هامش الام 184/2 نقل عن الشافعي ثبوت الخيار في المصراة، و في المهذب لأبي اسحاق الشيرازي الشافعي 281/1: يثبت الخيار لمن باع جارية جعد شعرها أو سوده أو حمر وجهها فبان خلاف ذلك؛ لأنّه تدليس، و في الميزان للشعراني 60/2: اتفق الأئمة على أنّ التصرية على وجه التدليس حرام، و اتفق الشافعي و مالك و أحمد على ثبوت الخيار في المصراة، و قال أبو حنيفة بعدمه.

و في المحلى لابن حزم 65/9: إذا وجد المشتري المبيع معيبا و لم يبين له فله الخيار؛ لأنّه وجده خديعة و غشا، و الغش و الخديعة حرامان.

و في شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 364/6: التصرية حرام لأنها غش و خداع، و بيعها صحيح مع أنّه حرام، و للمشتري الخيار في الامساك و الرد.

و في فتح الباري 252/4 عند ذكر التصرية قال: الخيار يثبت بالتدليس كمن باع رحى دائرة بما جمعه لها على غير علم المشتري، فإذا اطلع عليها كان له الرد، ثم نقل عن ابن عبد البر ان حديث رد المصراة أصل في النهي عن الغش، و أصل في ثبوت الخيار لمن دلس عليه بعيب، و أصل لمن لا يفسد أصل البيع.

و في عمدة القاري للعيني 59/5: أثبت الجمهور الخيار عند ظهور التصرية للمشتري، و في ص 512 قال: الكل مجمعون على أنّ التصرية حرام و غش و خداع؛ و لأجل كون بيعها صحيحا مع كونه حراما أجابوا عن مسألة رد الصاع.

.

1) اتفق فقهاء أهل السنة عدا أبي حنيفة على ثبوت الخيار فيما إذا دلس البائع بالسلعة بين الرد و الامساك، ففي المغني لابن قدامة الحنبلي 135/4: إذا لم يعلم المشتري بالتصرية له الخيار بين الرد و الامساك، روى ذلك عن ابن مسعود و ابن عمر و أبو هريرة و أنس، و إليه ذهب مالك و ابن أبي ليلى و الشافعي و اسحاق و أبو يوسف و عامة أهل العلم، و ذهب أبو حنيفة و محمد إلى نفي الخيار.

ثم إنّه قد يستدل على الفساد [1]

[1] نسب إلى الأردبيلي الاستدلال على فساد البيع إذا كان فيه غش، تارة بأنّه مصداق للغش المنهي عنه في جملة من الأخبار، و اخرى بالنهي عن بيع المغشوش كما في رواية موسى بن بكير، فإنّه عليه السّلام قال في الدينار المغشوش بعد قطعه نصفين:

«ألقه في البالوعة حتى لا يباع شيء فيه غش»، فكان النهي عن البيع بكل من العنوانين دالا على فساده(1)

ثم قال: و على تقدير البيع هل يصح‌؟ الظاهر لا؛ لأنّ الغرض من النهي في مثله عدم صلاحية بيع مثله، على أنّه غير مغشوش و لما مر، و قال في شرح الشرايع: يصح، فتأمل. انتهى.

، و لا يتم شيء منهما.

أما النهي عن البيع لكونه غشا فلا يدل على فساده لما بيّناه في محله من أنّ النهي و الحرمة المولوية الكاشفة عن المبغوضية لا يدل على الفساد، و ما يدل من النهي على الفساد فهو المتعلق بعنوان المعاملات بالمعنى الأعم الشامل للأجزاء


1) لم يتعرض الأردبيلي في شرح الارشاد في مبحث الغش للاستدلال على فساد بيع المغشوش بخبر الدينار المغشوش، و إنّما استدل على الحرمة بما في المنتهى من نفي الخلاف عن حرمة الغش و أخبار ليس منا من غش.

و الشرائط، و لا يدل على الحرمة و المبغوضية بل يكون ارشادا إلى الفساد فقط، فلو ورد في خبر لا تسجد على القير أو لا تغسل يدك من الأسفل إلى الأعلى لا يفهم منه مبغوضية ذلك و إنّما يفهم منه فساده، و عليه فحرمة المعاملة لكونه غشا غير لازمة لفسادها.

و أما النهي عن بيع المغشوش بهذا العنوان فلم يرد في رواية، و ليس في البين سوى قضية الدينار المغشوش الذي قطعه الإمام الكاظم عليه السّلام نصفين و أمر بالقائه في البالوعة، و الظاهر - كما أشرنا إليه سابقا - أنّ الغش كان في مادته بحيث لم تكن له مالية أصلا و إلاّ كان الأمر بالقائه في البالوعة بعد كسره تبذيرا، و هذا لا ربط له بما نحن فيه، مضافا إلى ورود النص بجواز بيع المغشوش إذا بيّنه البائع.

فتحصّل أنّ الغش لا يوجب فساد المعاملة حتى في الصورة الاولى المتقدمة التي كان التبدل فيها في الصورة النوعية، فإنّ الفساد فيها كان من جهة تخلف الصورة، و أنّ ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد، و هذا المانع لا يرتبط بالغش، فإنّ تبدل الصورة النوعية مفسد حتى مع جهل البائع بالحال.

تنبيه: الغش لا يختص بالمعاملات

الغش لا يختص بالمعاملات، بل الشارع المقدس سد هذا الباب في مطلق الأقوال و الأفعال، بل لا يحب الغش حتى مع الحيوانات، إلاّ أنّ المحرم منه ما أوجب ضرر الغير أو تفويت نفع عليه، و ما عداه لا يكون محرما؛ لانصراف الأخبار عنه و إن صدق عليه الغش، كما إذا أهدى لأحد شيئا مظهرا له انّه ألف دينار و كان في الواقع عشرة دنانير مثلا.

الغناء لا خلاف في حرمته [1]

حرمة الغناء

اشارة

[1] اتفق الأصحاب على حرمته و قال بها أكثر أهل السنة، و الكتاب العزيز و إن لم يكن فيه صراحة على حرمته إلاّ أنّه بضميمة ما ورد في تفسيره تام الدلالة عليها، فمن الآيات قوله تعالى في الحج/ 30: وَ اِجْتَنِبُوا قَوْلَ اَلزُّورِ ، و قوله تعالى في لقمان/ 6: مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ‌ ، و قوله تعالى في الفرقان/ 72: وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَشْهَدُونَ اَلزُّورَ ، و قد فسّر قول الزور و لهو الحديث و الزور بالغناء(1)

و الآية الثانية: في تفسير البرهان 817/2 عن الكافي عن الصادق عليه السّلام: «لهو الحديث: هو الغناء»، و في تفسير علي بن ابراهيم أنّه «الغناء و شرب الخمر و جميع الملاهي».

و مثله في الأدب المفرد للبخاري/ 185، و ذكر العيني في عمدة القاري شرح البخاري 516/10 احتمالات في هذه الآية و منها الغناء، و في روح المعاني للآلوسي 67/21 فسّر الجمهور لهو الحديث بالغناء، و هي عند الأكثرين ذم للغناء بأعلا صوت، و في أسباب النزول للواحدي/ 260 عن ابن عباس: نزلت الآية في رجل اشترى جارية تغنيه ليلا و نهارا، ثم ذكر ما ورد عنه صلّى اللّه عليه و اله من النهي عن الغناء.

و الآية الثالثة: في التبيان للشيخ الطوسي 357/2 عن أهل البيت عليهم السّلام: «ان الزور: هو الغناء»، و رواه في تفسير البرهان 760/2 عن الصادق عليه السّلام.

و في روح المعاني للآلوسي 51/19 عن مجاهد انّه الغناء، و في تفسير ابن كثير 328/3، و تفسير الخازن 91/5 عن محمد بن الحنفية: إنّه الغناء.

.

1) أمّا الآية الاولى: ففي تفسير البرهان 707/2 عن الكافي باسناده عن أبي بصير و زيد الشحام و عبد الأعلى و ابن أبي عمير عن بعض أصحابه، و عن هشام عن الصادق عليه السّلام: «قول الزور: هو الغناء»، و على هذا تفاسير الشيعة كالتبيان 354/2، و مجمع البيان 82/7، ط - صيدا، و تفسير علي بن ابراهيم/ 440، و الأصفى 48/2، و لم تنص تفاسير أهل السنة عليه.

و لا يخفى ان تفسير الآيات غالبا يكون من قبيل بيان المصاديق فلا ينافي تفسيرها بالغناء صدقها على غيره.

و أما الروايات الدالّة على حرمة الغناء فقد ادعي تواترها(1)

و هذه الأحاديث ذكرها عنه الكاشاني في الوافي 33/10، باب كسب المغنية.

و روى الطوسي في التهذيب 107/2 في المكاسب عن نصر بن قابوس، قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «المغنية ملعونة، ملعون من أكل كسبها».

و في الفقيه للصدوق/ 371 قال الصادق عليه السّلام: «الغناء ممّا أوعد اللّه عليه النار، و ذكر قوله تعالى وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ‌» الآية، قال: و سئل علي بن الحسين عليه السّلام عن شراء جارية لها صوت. فقال: «ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة»، يعني بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل التي ليست بغناء، فأما الغناء فمحظور.

و الحر العاملي روى أحاديث النهي عن الغناء في الوسائل 565/2 باب 27، و زاد عليها النوري في المستدرك 457/2.

و نقل في كنز العمال 333/7 الأحاديث الناهية عن الغناء و ذكر في 200/2 و 209 منه النهي عن بيع المغنيات، و في مسند أحمد 264/5 و 268 مثله، و قد تقدم نصها.

.

منها: ما رواه ابن فضال عن يونس بن يعقوب عن عبد الأعلى قال «سألت أبا عبد اللّه عن الغناء و قلت: انهم يزعمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله رخص في أن يقال جئناكم


1) في الكافي على هامش مرآة العقول 99/4، باب الغناء عن أبي بصير و أبي اسامة و سماعة و أبي الصباح الكناني و السكوني و غيرهم عن الصادق عليه السّلام: «إنّ الغناء عش النفاق، و البيت الذي يغنى فيه لا يؤمن فيه الفجيعة، و لا تجاب فيه الدعوة، و لا يدخله الملك، و مجلس الغناء لا ينظر اللّه إلى أهله، و إنّ الشيطان يركب على صاحب الغناء و ينفخ فيه نفخة فلا يغادر بعدها حتى تؤتى نساؤه و ينزع الحياء منه، و هو قول الزور في الآية»، و عن أبي جعفر عليه السّلام «من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يروي عن اللّه عز و جل فقد عبد اللّه، و إن كان يروي عن الشيطان فقد عبد الشيطان».

جئناكم حيونا نحييكم‌؟ فقال صلّى اللّه عليه و اله: «كذبوا ان اللّه عز و جل يقول: و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما لاعبين»(1)، و الظاهر منه كون حرمة الغناء ذاتية كما هو المعروف و ليست عرضية بلحاظ ما يستلزمه أحيانا من سائر المحرمات، كما نسب ذلك إلى الكاشاني مستدلا عليه بحديث أبي بصير: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن كسب المغنيات‌؟ فقال: «التي يدخل عليها الرجال حرام، و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس، و هو قول اللّه عزّ و جل: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ‌ (2)»، فإنّ الظاهر منه كون حرمة الغناء بلحاظ ما يقارنه من دخول الرجال على النساء، و رواية الحميري عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام قال: «سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر و الأضحى و الفرح‌؟ قال: «لا بأس به ما لم يعص به»(3)، فإنّ ظاهره نفي البأس عن الغناء ما لم يقترن بمعصية.

و فيه: أنّ ظاهر رواية الحميري تقسيم الغناء إلى ما هو محرم و عصيان بنفسه و إلى ما ليس بمحرم، و نفى البأس عن الثاني دون الأول، و أما رواية أبي بصير فهي واردة في الأعراس، و سيأتي أنّ الغناء فيه جائز كما هو مذهب جماعة و لا يستلزم منه الجواز في غير الأعراس، مضافا إلى معارضتها برواية الوشا قال: سئل أبو الحسن الرضا عليه السّلام عن شراء المغنية‌؟ فقال: «قد تكون للرجل الجارية تهليه، و ما


1) الوسائل 565/2.

2) الكافي على هامش مرآة العقول 392/3 كسب المغنية، و التهذيب للطوسي 108/2، و عنهما الوسائل 541/2، باب 43 من المكاسب، و الوافي 33/10.

3) قرب الإسناد/ 163، ط - النجف.

ثمنها إلاّ ثمن الكلب، و ثمن الكلب سحت، و السحت في النار»(1)، فإنّ ظاهرها اختصاص غناء الجارية بمالكها، و كذلك رواية عبد الأعلى، على أنّه لو لم تكن هذه الأخبار ناظرة إلى حرمة الغناء بنفسها و كان المحرم ما اقترن به، كان ضمّه إلى ذلك المحرم من قبيل ضم الحجر إلى جنب الإنسان و لم يكن وجه لعدّ الغناء من المحرمات.

و بالجملة لا يمكن رفع اليد بهذه الأخبار المجملة عن إطلاق ما دل على حرمة الغناء، كرواية الأعمش عن الصادق عليه السّلام، و فيها عدّ الملاهي من الكبائر، و مثّل لها بالغناء و ضرب الأوتار(2)، و رواية مسعدة بن زياد عن الصادق عليه السّلام فيمن كان يطيل الجلوس في المرحاض لاستماع الغناء(3)، فلو لم يكن الغناء و استماعه حراما


1) الكافي على هامش مرآة العقول 392/3، و التهذيب 107/2، و عنهما الوسائل 541/2، و الوافي 33/10.

2) رواية الأعمش في خصال الصدوق 150/2، باب شرايع الدين، و عنه الوسائل 465/2 جهاد النفس حديث 35.

3) رواية مسعدة في الكافي على هامش مرآة العقول 100/4، باب الغناء، و نصها: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال له رجل: بأبي أنت و امي إنّي أدخل كينفا لي و لي جيران عندهم جوار يغنين و يضربن بالعود، فربما أطلت الجلوس استماعا منّي لهنّ‌. فقال عليه السّلام: «لا تفعل. فقال الرجل: و اللّه ما آتيهن و إنّما هو سماع اسمعه باذني، فقال عليه السّلام: للّه أنت، أما سمعت قول اللّه عزّ و جل إِنَّ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ اَلْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً؟ قال: بلى، و لكأنّي لم أسمع بهذه الآية من كتاب اللّه عز و جل من عجمي و لا عربي، لا جرم إنّني لا أعود إن شاء و إنّي أستغفر اللّه. فقال له: قم و اغتس و صل ما بدا لك فإنّك كنت مقيما على أمر عظيم، ما كان أسوء حالك لو مت على ذلك، أحمد اللّه و سله التوبة من كل ما يكره فإنّه لا يكره، إلاّ كل قبيح، دعه لأهله، فإنّ لكل أهل».

لذاته لم يكن وجه لردع الإمام عنه؛ لأنّ الرجل لم يصدر منه إلاّ استماع الغناء من دون أن يقارنه شيء من المحرمات، إذا فالغناء حرام بنفسه لكونه لهوا كما اعترف به المصنف قدّس سرّه(1)

و على التحريم في نفسه إن لم يشتمل على محرم أكثر علماء السنة، ففي روح المعاني للآلوسي 67/21 تضافرت الآثار و كلمات كثيرة من العلماء على ذمّه مطلقا لا في مقام دون مقام، و في ص 68 قال في التتارخاينة: التغني حرام في جميع الأديان، و حكى تحريمه عن أبي حنيفة، و صاحب الذخيرة قال: الغناء كبيرة، و نقل التحريم عن جمع من الحنابلة.

و في الهداية للمرغيناني 90/3: لا تقبل شهاة المغنية؛ لأنّه صلّى اللّه عليه و اله نهى عن الصوتين الأحمقين: النائحة و المغنية، و في بدائع الصنايع 129/5: مجرد الغناء و استماعه معصية، و في ص 169: التغنية صفة محظورة لكونها لهوا، و شرطها يوجب فساد البيع، و الغناء في الجواري عيب.

و في مختصر الفتاوى المصرية ص 388 للشيخ بدر الدين الحنبلي: حكى ابن المنذر الاتفاق على أنّ الغناء حرام، و ابطال اجارة المغنية إلاّ أيام العيد، و في الفروع لابن مفلح الحنبلي 903/3: حرم الغناء جماعة، و قال أحمد: لا يعجبني، و حكى القاضي عياض: الاجماع على كفر مستحله.

و في المغني لابن قدامة 175/9: حرمه بعض الحنابلة، و يقول أحمد: إنّه ينبت النفاق في القلب فلا يعجبني، و اختار المنع مطلقا الشيخ أحمد الرملي في الطريقة المحمدية كما في شرحها الحديقة الندية للشيخ عبد الغني الطرابلسي 253/2.

و يظهر من مالك التحريم مطلقا، ففي المدونة الكبرى 397/3، كتاب الإجارة: كره مالك قراءة القرآن بالألحان، فكيف لا يكره الغناء، و كره أن يبيع الرجل الجارية و يشترط أنّها مغنية، فهذا ممّا يدل على أنّه كان يكره الغناء.

و يقابل هذا تفاصيل:

منها: التحريم إن اقترن بمحرم، ذهب إليه من الحنفية السرخسي في المبسوط 132/16 و شرح السير الكبير 72/1 و شيخ زادة في مجمع الأنهر 198/2، و من الشافعية أبو اسحاق الشيرازي في المهذب 344/2 فيمن لا تقبل شهادته، و المزني في المختصر على هامش الام للشافعي 257/5 فيمن لا تجوز شهادته، و في الفتح القدير لابن همام 36/6: الغناء المحرم: ذكر ما لا يحل كصفة الذكر، و المرأة المعينة الحية، و هجاء مسلم، و وصف الخمر المهيج له، و أما إنشاد الشعر لتعلم فصاحته و الاستشهاد به فلا يحرم.

و منها: ما ذكره الزرقاني المالكي في شرح مختصر أبي الضياء 159/7: الغناء إن تعلق بمحرم حرم فعلا و سماعا تكرر أو لا في عرس أو غيره و إن لم يتعلق بمحرم، ففي العرس و صنيع الولادة و النكاح لا يحرم بآلة و غيرها فعلا و سماعا تكرر أو لا، و في غير العرس و الصنيع فمع التكرر يحرم بآلة و غيرها فعلا و سماعا، و مع عدم التكرر يكره سماعا، و هل يمنع فعلا خلاف، و لم يأت بشاهد على هذا التفصيل.

و منها: ما في المحلى لابن حزم 60/9: إذا نوى بالغناء العون على المعصية حرم، و إن نوى الطاعة أو لم ينو شيئا فمباح، و نقل العيني في عمدة القاري 16/5 الحرمة عن أبي حنيفة و مالك و أحمد، و الكراهة عن الشافعي و أصحابه، و الاباحة عن جملة من الصحابة عمر و عثمان و ابن عوف و سعد بن أبي وقاص و ابن العاص و ابن عمر، و التفرقة بين القليل و الكثير نسب إلى الشافعي، و التفرقة بين الرجال و النساء فحرموه من الأجانب و الجواز من غيرهم، و التفصيل بين ما إذا سلم من تضييع فرض فيحل و إلاّ فيحرم، و زاد ابن حجر في كف الرعاع على هامش الزواجر 30/1: الحرمة إلاّ في بيت خال، حكى عن بعض تلاميذ البغوي.

هذا كل ما عليه القوم، و كلها دعاوى خالية عن الأثر و استحسات مبنية على التشهي لا يقام الفقه عليها؛ و لذا قال بالتحريم مطلقا جماعة كثيرة.

و أما ما يفعله الصوفية من الغناء و الرقص و الضرب بالدف فقد أفتى المذاهب الأربعة بحرمته.

ذكر ابن الحجاج المالكي في المدخل 99/3: استفتى بعضهم المذاهب الأربعة سنة (661 ه‍) عن الذين يدخلون المسجد يغنون و يرقصون و يصفقون و يضربون بالدف، فأفتى الجميع بالحرمة، و زادت الحنفية: إنّ الحصر الذي يرقصون عليها لا يصلى عليها حتى تغسل، و الأرض لا يصلى عليها حتى تحفر و يخرج ترابها، و قالت الحنابلة: عقد النكاح الصادر من أحدهم فاسد، و قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم/ 310: ما يفعله الصوفية من الغناء و الضرب بالدف بالمسجد الأقصى و نحوه من أقبح المنكرات.

، و ليست حرمته عرضية بملاحظة ما يقترن به من المحرمات كما

1) ممّا يدعم قول المصنف رحمه اللّه عدم الخلاف بين الطائفة المدعى في الحدائق و المستند، و زاد عليه في الجواهر الاجماع بقسميه مع تواتر السنة عليه و إمكان دعوى كونه ضروريا في المذهب، و مفتاح الكرامة: استند المخالف إلى اثني عشر رواية مخالفة للكتاب، و موافقة العامة، و محمولة على التقية، و معارضة بخمس و عشرين خبرا دال على التحريم مطلقا بصراحة.

ذهب إليه الفيض الكاشاني(1)

و قال في الوافي 35/10 المجلد الثالث: لا وجه لتخصيص الجواز بالعرائس لا سيما و قد وردت الرخصة به في غيرها، فالميزان حديث «من أصغى إلى ناطق فقد عبده»، فلا بأس بسماع الغناء بالأشعار المذكرة للجنة و النار كما اشير إليه في حديث الفقيه فذكرتك الجنة.

و في الكفاية للسبزواري الشائع في ذلك الزمان الغناء على سبيل اللهو في مجالس الفجور فحمل المفرد على تلك الأفراد الشايعة في ذلك الزمان غير بعيد، و في عدة من الأخبار أشعار بكونه لهوا باطلا.

.

و أما مفهوم الغناء: فقد اختلف في كونه من صفات الصوت أو المادة، و الظاهر عدم كونه وصفا للصوت؛ لعدم استقامة ذلك في نفسه، مضافا إلى ظهور تفسير «قول الزور» في الآية الكريمة بالغناء في أنّ الغناء اسم لنفس القول، أعني المادة دون الصوت الذي هو من كيفياتها.

و تفسير المصباح و الأساس الغناء بأنّه صوت يوجب الحزن و الفرح و الخفة في البدن ممّا لا يساعد عليه العرف و الشرع(2)

و أما فقهاء الإمامية، فقد اضطرب كلامهم في تفسيره، و قد أنهاها في المستند إلى اثني عشر، منها الصوت المطرب أو الصوت المشتمل على الترجيع و الطرب معا أو نفس الترجيع أو نفس التطريب أو رفع الصوت مع الترجيع أو مد الصوت أو مده مع أحد الوصفين أو كليهما أو تحسين الصوت أو مده و موالاته أو الصوت الموزون المفهم المحرك للقلب، قال: و لا دليل على تعيينها، و القدر المتيقن مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب الأعم من السار و المحزن المفهم لمعنى الغناء، و الرجوع فيه إلى العرف فيه خفاء؛ لأنّ عرف العرب غير منضبط و لا عرف للعجم فيه.

و في شرح القواعد لكاشف الغطاء: لم يكن اختلاف الفقهاء في تفسير الغناء من أنّه مد الصوت أو ترجيعه أو تحسينه أو رفعه و موالاته و مده و تحسينه أو مده و تحسينه و ترقيقه أو ترجيعه و اطرابه أو مده و ترجيعه و اطرابه أو الصوت مقيدا بالمطرب أو الرفع و الموالاة، أو الترجيع و الاطراب مبنيا على التعارض ليرجع إلى المرجحات، و إنّما قصدهم حول العرف لأنّه المفزع في فهم المعاني و تراه يحقق الغناء في صوت خال عن الحسن و الرقة مشتمل على الخشونة و الرقة، و في صوت خال عن المد المشتمل على التقطيع، و في صوت مهيج للطرب بمعنى الخفة المقرونة بالانشراح، و في صوت مقرح للفؤاد مهيج للعشاق على البكاء فليس للفقيه سوى الرجوع إليه حتى مع فرض ثبوت المعنى اللغوي، و إن أشكلت الأمور لاضطرابها رجع إلى أصل الاباحة أو إلى الاحتياط إن كان من أهله.

و عرف ابن قدامة الحنبلي في المغني 176/9: الغناء من الصوت ممدود مكسور، و في فتح الباري 302/2: يطلق الغناء على رفع الصوت و على الترنم الذي تسميه العرب النصب بفتح النون و سكون الباء و لا يسمى مغنيا و إنّما يسمى من ينشد بتمطيط و تكسير.

، بداهة أنّ كثيرا من الغناء

1) قال الكاشاني في المفاتيح الباب الثاني من كتاب النذور، الذي يظهر من الأخبار اختصاص حرمة الغناء و ما يتعلق به من الأجر و التعليم و الاستماع و البيع و الشراء بما كان على النحو المتعارف في زمن بني العباس من دخول الرجال عليهن و لعبهن بالملاهي من العيدان و نحوها دون ما سوى ذلك كما يشعر به قوله «بالتي يدخل عليها الرجال».

2) في مقاييس اللغة لابن فارس 398/4 و المقصور و الممدود لأبي ولاد/ 80: الغناء من الصوت، و في النهاية لابن الأثير 187/3: رفع الصوت و موالاته، و في القاموس: الغناء ككساء من الصوت ما طرب به، و في مجمع البحرين للطريحي: هو الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، و ما يسمى في العرف غناء و إن لم يطرب.

العرفي لا يوجب ذلك، نعم قد يتفق في غناء الماهرين، و أما المجالس المنعقدة للغناء في أيام العباسيين فلم يكن كذلك، فالتخصيص مع صدق الغناء على الأعم عرفا بلا وجه.

و تعريف بعضهم له بأنّه مد الصوت مع الترجيع لا يساعد العرف على سعته و لا الشرع أيضا، فإنّه لازمه صدق الغناء على نداء الغير من بعيد إذا كان بصوت

عال مشتمل على مد و ترجيع كما يتفق في الصحارى مع أنّ العرف لا يعدونه غناء، و كذا يصدق على تحسين الصوت في قراءة القرآن الذي ورود في استحبابه روايات و بلغ من حسن صوت الإمام السجاد عليه السّلام في قراءة القرآن أنّ السقائين يقفون استماعا لصوته(1)

و في ص 533 مسندا عن علي بن عقبة عن رجل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال «كان علي بن الحسين أحسن الناس صوتا بالقرآن، و كان السقاؤون يمرون فيقفون ببابه يستمعون قراءته»، و رواها عنه في الوافي 267/5 باب الترتيل بالقرآن، و الوسائل 373/1، باب 24 تحريم الغناء بالقرآن.

و في مستطرفات السرائر لابن ادريس الحلي من كتاب ابن محبوب قال معاوية بن حماد لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل لا يرى أنّه صنع شيئا في الدعاء و في القراءة حتى يرفع صوته. فقال: «لا بأس، إنّ علي بن الحسين كان أحسن الناس صوتا بالقرآن، و كان إذا قام من الليل و قرء و رفع صوته فيمر به مار الطريق من السقائين و غيرهم فيقومون و يستمعون إلى قراءته».

.

و تحسين الصوت لا يكون إلاّ بالمد و الترجيع، و لكن لا يقال لمن حسّن صوته أنّه يغني بالقرآن، فهذا تفسير بالأعم، كما أنّ السابق تفسير بالأخص.

و الذي ينبغي أن يقال: إنّ مفهوم الغناء ليس بذلك الضيق و لا بهذه السعة بل يعتبر فيه أمران:


1) في الكافي على هامش مرآة العقول 532/2 عن علي بن محمد النوفلي عن أبي الحسن، قال: ذكرت الصوت عنده، فقال «إنّ علي بن الحسين كان يقرأ القرآن فربما مر به المار فيصعق من حسن صوته، و إنّ الإمام عليه السّلام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس من حسنه. فقلت: ألم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يصلي بالناس و يرفع صوته بالقرآن‌؟ فقال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله كان يحمل الناس من خلفه على ما يطيقون».

الأول: أن تكون المادة باطلة لهوية، و يشهد له ما ورد من تفسير لهو الحديث بالغناء، و رواية عبد الأعلى: سألت أبا عبد اللّه عن الغناء، و قلت: يزعمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله رخص في أن يقولوا(1)

لو لا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم

و لو لا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم

:

جئناكم جئناكم *** حيونا نحييكم

فقال عليه السّلام: «كذبوا، إنّ اللّه عز و جل يقول: وَ مٰا خَلَقْنَا اَلسَّمٰاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لاٰعِبِينَ لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا إِنْ كُنّٰا فٰاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى اَلْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذٰا هُوَ زٰاهِقٌ وَ لَكُمُ اَلْوَيْلُ مِمّٰا تَصِفُونَ‌» (2).

و الثاني: أن تكون الهيئة مشتملة على المد و الترجيع فبانتفاء أحدهما لا يصدق الغناء، فتحسين الصوت في قراءة القرآن و ترقيقه، و ما تعارف به أهل الخطابة و الوعظ من الالقاء بنحو يشتمل على الترجيع خارج عن الغناء، نعم ورد النهي عن


1) هذا الرجز رواه ابن ماجة في السنن 587/2 في النكاح باب الغناء و الدف عن ابن عباس، و ابن حجر في مجمع الزواد 289/4 عن الطبراني، و العيني في عمدة القاري شرح البخاري 430/9 في النكاح باب الضرب بالدف، و البغوي في مصابيح السنة 27/2، باب اعلان النكاح و الخطبة عن عائشة، و الهندي في كنز العمال 332/7 كتاب اللهو و اللعب، و في فتح الباري 179/9 في النكاح باب النسوة التي يهدين المرأة إلى زوجها، و مجمع الزوائد 289/4، و المغني لابن قدامة 537/6 في النكاح اضافة بيتين إلى هذا الرجز و هما:

2) الحديث في الكافي على هامش مرآة العقول 10/4، باب الغناء.

قراءة القرآن بألحان أهل الفسوق(1)، أعني بالهيئة المختصة بمجالس اللهو و الطرب.

المستثنيات في الغناء

تنبيه في المستثنيات من الغناء:

الأول: الغناء في مراثي أهل البيت عليهم السّلام: و استدل لجوازه بسيرة العلماء و المتشرعة فإنّهم يحضرون المجالس المنعقدة لمأتم أبناء الرسول صلّى اللّه عليه و اله و لا ينكرون على الخطيب ألحان قراءته و أطوارها.

و فيه: إنّ هذه لم يثبت اتصالها بزمان المعصومين عليهم السّلام، و لعل الوجه عندهم في عدم الردع عدم صدق الغناء على تلك القراءة لعدم كون المادة لهوية، و حينئذ يكون خروج المراثي بالتخصص لا التخصيص، فلو فرض أنّها من لحن أهل الفسوق لما أمكن التمسك لجوازها بالسيرة، نعم عند الشك فيه يكون المرجع البراءة(2)

و فرق كاشف الغطاء قدّس سرّه بين الرثاء و الغناء موضوعا، فإنّه قال في شرح القواعد عند قول العلاّمة: «و يحرم أجر النائحة»: الفرق بينها و بين المغنية فارق للفرق بين الأصوات المهيجة للأحزان و المهيجة للأشواق، أين صرعة المحزون من تطريب العاشق المفتون‌؟! فلو طرق السمع من محل بعيد عن الأبصار صوت نداء عرف انّه من الغناء أو العزاء، فبعد التأمل في البين و ظهور الفرق بين القسمين لم يكن الرثاء استثناء من الغناء كما يظهر من بعض الفقهاء.

و هذا هو الذي جرت عليه سيرة الإمامية متلقين له بالقبول دون الانكار، و لكن وجدنا بعض التصرفات من المتخذين لقراءة التعزية من طريق الاكتساب ألحانا كألحان المغنين، و عند التحقيق و امعان النظر الدقيق علم أنّ النائح و النائحة لو مدا صوتهما تمام المد و تجاوزا في الترجيع ما فات الحد لم يخرجا عن صنعة النياحة المعروفة و لم يتصفا بصفة الغناء الموصوفة. انتهى.

.

1) الكافي على هامش مرآة العقول 532/2، باب الترتيل بالصوت الحسن، و عنه في الوسائل 373/1، باب 24.

2) في النقد النزيه للحجة الشيخ عبد الحسين الحلي قدّس سرّه 32/1: إنّ المحقق الثاني و الوحيد البهبهاني حكما باستثناء الغناء في الرثاء، و يظهر من الأردبيلي جوازه و وجود القول به قبله، و السبزواري في الكفاية جوزه و في كل ما ليس يلهو بلهو و لا باطل من قرآن و مناجاة، و بذلك صرح النراقي في المستند. و زاد ولده في مشارق الأنوار/ 158 رثاء أولاد الأئمة عليهم السّلام. انتهى.

الثاني: حداء الإبل(1)

و في المغني لابن قدامة 176/9 في الفقه الحنبلي هو انشاد الشعر الذي تساق به الإبل، و في الأذكار للنووي/ 181: يستحب الحداء للسرعة في السير، و تنشيط النفوس و ترويحها، و تسهيل السير عليها، و في عمدة القاري 299/8: أوّل من سن الحداء مضر بن نزار، و في مكارم الأخلاق للطبرسي/ 165 باب 8 في نوادر السفر عن النبي صلّى اللّه عليه و اله قال «زاد المسافر الحداء و الشعر ما ليس فيه خنا».

، و استدل على جوازه بتقرير النبي صلّى اللّه عليه و اله لعبد اللّه بن رواحة(2)

و في سنن البيهقي 227/10 في الشهادات عن قيس بن حازم: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أمر عبد اللّه بن رواحة أن ينزل و يحرك الركاب فنزل و قال:

و اللّه لو لا أنت ما اهتدينا و ما تصدقنا و لا صلينا فانزلن سكينة علينا و ثبت الأقدام ان لاقينا و في مختصر المزني على هامش الام 256/5: سمع رسول اللّه الحداء و الرجز، و قال لابن رواحة: «حرك بالقوم فاندفع يرتجز»، و في صحيح البخاري 43/3 في غزوة خيبر، و سنن البيهقي 227/10 عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا إلى خيبر فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هينهاتك‌؟ و كان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول «اللهم لو لا أنت ما اهتدينا» إلى آخر الأبيات، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «من هذا السائق‌؟ قالوا: عامر بن الأكوع. فقال: يرحمه اللّه»، و في شروح البخاري إرشاد الساري 359/6، و عمدة القارئ 299/8، و فتح الباري 326/7: إنّ هذا الشعر تقدم في الجهاد لعبد اللّه بن رواحة و لا منافاة؛ إذ لعله من التوارد. و استفادوا من قوله «يرحمه اللّه» الرخصة في الحداء، و في سيرة ابن هشام على هامش الروض الأنف 235/2 في غزوة خيبر أنّه صلّى اللّه عليه و اله هو الذي قال لعامر: «انزل يابن الأكوع فخذ لنا من هناك». قال السهيلي في الروض الأنف: أراد صلّى اللّه عليه و اله أن يحدو بهم؛ لأنّ الإبل تستحث بالحداء، و في شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 451/7 في غزوة خيبر أنّه يستحب الحداء في الأسفار، و مثله في 175/9 من كتاب الفضائل، و في أبي داود الطيالسي/ 272 و الاصابة 67/1 بترجمة انجشة: أنّ البراء بن مالك يحدو بالرجال و أنجشة الأسود، و كان حسن الصوت بالحداء يحدو للنساء، فإذا اعنقت الإبل قال النبي صلّى اللّه عليه و اله: «يا أنجشة، رويدك سوقك بالقوارير»، و هذه الجملة رواها البخاري و مسلم و البيهقي. أما جملة قوله «رفقا بالقوارير» فقد ذكرت في المهذب للشيرازي 344/2 و المغني لابن قدامة، و المجازات النبوية جمع الشريف الرضي/ 33، ط - مصر، قال الشريف: و في هذا استعارة عجيبة؛ لأنّه صلّى اللّه عليه و اله شبّه النساء في ضعف النحائز و وهن الغرائز بالقوارير الرقيقة التي يوهنها الخفيف و يصدعها اللطيف فنهى ان يسمعهن الحادي ما يحرك مواضع الصبوة و ينقض معاقد العفة. و لم تتعرض أخبار الإمامية للحداء، و لذا توقف في استثنائه جماعة كما في المستند و الرواية العامية لا تصلح للحجية فيبقى على الحرمة، و اختار النراقي عدم الحرمة للأصل، و في الجواهر عدم معلومية كون ذلك منه على صفة الغناء. و قوى كاشف الغطاء في شرحه على القواعد مباينة: الحداء للغناء بشهادة العرف، و عليه فيعم الجواز في الإبل و غيرها في حال السير، ثم قال قدّس سرّه و يقوى خروج أصوات عملة السفن عند مباشرة الأعمال و ترجيع الامهات لنوم الأطفال و النداء لتحريض الرجال على القتال و الأصوات المشجية في المناجات و الأصوات الغير المشتملة على الحروف كالهلهلة على النحو المتعارف. انتهى.

، و عدم ردعه عنه.

1) الحداء كما في الصحاح و المغرب للمطرزي: هو سوق الإبل بالغناء لها، و في القاموس: الحداء كغراب و ككتاب زجر الإبل و سوقها، و في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي 439/4: الحداء - بضم أوله و كسره و دال مهملة و مد -: ما يقال خلف الإبل من زجر و غيره، و هذا أولى من تفسيره بأنّه تحسين الصوت الشجي بالشعر الجائز، و قال السهيلي في الروض الأنف في غزوة خيبر: لا يكون الحداء إلاّ بشعر أو رجز.

2) روي عن عائشة كنّا مع النبي صلّى اللّه عليه و اله في سفر و كان عبد اللّه بن رواحة جيد الحداء و هو مع الرجال و أنجشة مع النساء فقال النبي صلّى اللّه عليه و اله: «يابن رواحة حرك بالقوم، فاندفع يرتجز فتبعه أنجشة فاعنقت الإبل، فقال النبي صلّى اللّه عليه و اله: رويدك رفقا بالقوارير، يعني النساء».

و فيه: مضافا إلى عدم ثبوت الرواية من طرقنا انا لا نعلم مادة ما قاله ابن رواحة و لا ثبت في جوامع الحديث و لعله كان من نوع الحكم و النصائح أو فضائل النبي صلّى اللّه عليه و اله و العترة الطاهرة، نظير ما حكي عن الطرماح لما التقى بالحسين عليه السّلام في طريقه إلى كربلاء(1).

الثالث: الغناء في الأعراس، و لا دليل على جوازه إلاّ روايات أبي بصير الثلاثة:

الاولى: عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير قال «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن كسب المغنيات‌؟ فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس، و هو قول اللّه عز و جل: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ‌ .

الثانية: عن الحكم الحناط عن أبي بصير، قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «المغنية التي تزف العرائس لا بأس بكسبها»(2).

الثالثة: عن أيوب بن الحر عن أبي بصير قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس ليست بالتي يدخل عليها الرجال»(3).

و الوجه في الاستدلال بها أنّ اباحة الأجر تستلزم اباحة العمل(4)

و في المغني لابن قدامة 537/6 عن أحمد: يستحب أن يظهر النكاح و يضرب فيه بالدف حتى يشتهر و يعرف، و لا بأس بالغزل بما قاله النبي صلّى اللّه عليه و اله:

اتيناكم اتيناكم فحيونا نحييكم و قيل له: ما الصوت‌؟ قال: يتكلم و يتحدث و يظهر.

و قد روى النسائي عن محمد بن حاطب أنّ رسول اللّه قال: «قل ما بين الحلال و الحرام الدف و الصوت في النكاح».

و في الفقه على المذاهب الأربعة 52/2 أباح الغزالي في الإحياء الغناء و الرقص و الضرب بالدف و اللعب بالدرق و الحراب و النظر إلى رقص الحبشة في أوقات السرور قياسا على يوم العيد، فإنّه وقت سرور، و في معناه العرس.

مضافا إلى

1) قصة الطرماح مذكورة في مقتل الحسين/ 98.

2) رواها الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 392/3، و الشيخ الطوسي في التهذيب 108/2، و عنهما روى في الوسائل 541/2، باب 33.

3) الكافي على مرآة العقول 392/3، و الفقيه للصدوق/ 368.

4) في عمدة القاري للعيني 445/9 عن التوضيح اتفق العلماء على جواز اللهو في وليمة النكاح كضرب الدف و شبهه، و قال مالك: لا بأس بالدف و الكبر في الوليمة؛ لأنّي أراه خفيفا، و لا ينبغي ذلك في غير العرس، و البوق الكبير و الصغير لا بأس به، و أصبغ لم يجوز الغناء في العرس إلاّ بما كانت الأنصار تقوله.

رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام، سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر و الأضحى و الفرح‌؟ قال: «لا بأس به ما لم يعص اللّه»(1). و قد أفتى المشهور بجوازه لذلك، و لضعف النص لم يستثن بعض الأصحاب ذلك، و الحكم بالجواز فيه متوقف على انجبار ضعفها بالعمل، فإن قلنا به كان الجواز أظهر، و حيث منعنا في الاصول من جبر العمل للضعيف فلا مقتضي لرفع اليد عن اطلاقات الحرمة(2).

الرابع: التغني بالقرآن، و استدل له أوّلا: بما ورد من الروايات في استحباب قراءة القرآن بالصوت الحسن، و لا يتحقق إلاّ مع مد الصوت و ترجيعه.

و فيه: أنّ مطلق مد الصوت و ترجيعه لا يكون غناء ليكون خروج تحسين


1) قرب الإسناد/ 163 كما في الوسائل 541/2 باب 43 تحريم كسب المغنية إلاّ لزف العرائس.

2) صحح المجلسي الحديث الأول و الثالث، و قال في الثاني مجهول، و ربما يعد حسنا لما قيل: إنّ للحكم أصل.

الصوت في قراءة القرآن تخصيصا، بل هو خارج عن الغناء تخصصا(1)

و بمثل ذلك روى أهل السنة، و منها ما في كنز العمال 150/1 آداب التلاوة عن فضالة ابن عبيد عنه صلّى اللّه عليه و اله أنّ اللّه تعالى أشد إذنا إلى الرجل حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته، ثم ذكر أحاديث كثيرة من هذا النوع.

و أما حديث: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» المروي في صحيح البخاري 186/4 كتاب التوحيد، و رواه عنه و عن مسلم في مشارق الأنوار 45/2 عن أبي هريرة، و الحاكم في المستدرك 570/1 عن ابن عباس، و في تلخيصه الذهبي عن عائشة، و أبو داود السجستاني في السنن 74/2 عن سعد بن أبي وقاص، و في كنز العمال 150/1 عن جماعة منهم أحمد في المسند، و البيهقي في السنن 229/10 في الشهادات، و مجمع الزوائد للهيثمي 171/7 عن أبي لبابة.

فلا يدل على جواز الغناء بالقرآن للاختلاف في المراد من التغني هل هو تحسين الصوت أو الاستغناء به عن غيره أو التحزن أو التشاغل به أو التلذذ و الاستحلاء له كما يستلذ أهل الطرب بالغناء، أو جعله هجيراه كما يجعل المسافر هجيراه الغناء أو الانتفاع به في الايمان و التصديق بوعده و وعيده أو لم يرتح لقراءته و سماعه، ذكر هذه المحتملات ابن حجر في فتح الباري 55/9، باب فضائل القرآن، و أشار إلى بعضها العيني في عمدة القاري 329/9 في فضل القرآن.

و فسر الشريف المرتضى في الأمالي 26/1 «من لم يتغن» بالاقامة على القرآن و عدم التجاوز إلى غيره، مأخوذ من غنى الرجل بالمكان إذا طال مقامه، و منه قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي لم يقيموا بها. و إن قيل: أليس يتعدى عن القرآن إلى السنة و الاجماع و سائر أدلة الشرع فكيف يحضر علينا تعديه، قلنا: ليس في ذلك تعد للقرآن؛ لأنّ القرآن دال على وجوب اتباع السنة و غيرها من أدلة الشرع فمن اعتمد على بعضها في شيء من الأحكام لا يكون متجاوزا للقرآن. انتهى.

و بعض هذه الوجوه ذكرها الزمخشري في الفائق 227/1 بمادة (رثث) و ص 13 مادة (اذن)، و الراغب في المفردات مادة غنى، و ابن الأثير في النهاية 187/3، و شرح النووي على هامش ارشاد الساري 86/4.

و أما حكم الغناء بالقرآن ففي عمدة القاري 329/9 لم يمنع أبو حنيفة و الشافعي من القرآن بالألحان و كره القراءة بتطرب، و في الفروع لابن مفلح الحنبلي 906/3 كره أحمد القراءة بالألحان، و في تفسير المنار 308/8 عن جمال القرآن للسخاوي: ابتدع الناس في قراءة القرآن أصوات الغناء، فبعض يسميه الترعيد كأنّه في قراءته يرعد من برد، و آخر سماه الترقيص كأن يروم الوقوف على ساكن ثم ينفر مع الحركة، و سمي التطريب و هو الترنم به فيمد في غير موضع المد و يزيد على المد، و آخر يأتي به على وجه التحزن يكاد يبكي مع خشوع و خضوع.

قال الشيخ محمد عبده: ان سلم الأخير من الريا فهو سيرة السلف، و في الحديقة الندية 253/2: التغني بالقرآن يستلزم اللحن الحرام بلا خلاف، و أما حسن الصوت فمندوب إليه.

.

1) في الوافي 266/5 باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن عن أبي بصير قال له أبو جعفر عليه السّلام: «و رجع بالقرآن صوتك، فإنّ اللّه يحب الصوت الحسن يرجع به ترجيعا»، و تقدم أنّ السجاد و الباقر عليهما السّلام كانا أحسن الناس صوتا بالقرآن.

و ثانيا: ما نسب إلى السبزواري من أنّ ما ورد في استحباب قراءة القرآن و بعض السور، و كذا ما ورد في استحباب قراءته بصوت حسن باطلاقه يعم الغناء في القراءة فتكون النسبة بينه و بين ما دل على حرمة الغناء عموم من وجه، لأن الغناء قد يكون في القرآن و قد يكون في غيره، و القراءة تكون مع الغناء و مع عدمه فيتعارضان في القرآن مع الغناء، فأما أن يترجح دليل استحباب القراءة و لو مع الغناء لكثرته، أو يتساقطان فيرجع إلى اصالة الاباحة.

و أورد عليه المصنف في المتن بأنّ دليل الاستحباب لا يقاوم دليل الحرمة، بداهة عدم جواز الزنا و اللواط تمسكا باطلاق دليل استحباب قضاء حاجة

المؤمن(1)

إذ يلزم عليه أنّ جميع أدلة المحرمات معارضة بأدلة السنن حتى الزنا و اللواط و الغيبة و الكذب و الشتم و نحوها حيث تقع بالتماس المؤمن و مع العلم بادخال السرور عليه، فلو حكمت أدلة السنن بأصالة الاباحة على أدلة التحريم لم يبق حرام، على أنّ الظاهر من أدلة تحريم الغناء أنّه قبيح عقلا لا يقبل التخصيص. انتهى.

، و السر فيه ظاهر، فإنّ دليل الاستحباب انما يدل على استحباب الفعل بعنوانه الأولي لو خلي و طبعه و لم ينطبق عليه عنوان محرم، و هكذا دليل الكراهة، فلا ينافي عروض عنوان يوجب وجوبه أو حرمته أو انطباقه عليه.

و التحقيق: أنّ التنافي بين الحكم الالزامي و غيره إن كان من جهة التزاحم بينهما و عدم تمكن المكلف من العمل بهما معا مع تغاير متعلقيهما، كما إذا طلب المؤمن قضاء حاجته و زاحمه ضيق وقت الصلاة، فإنّه لا محالة يتقدم الحكم الإلزامي على الترخيصى، و أما إن كان من جهة تعارض دليلهما فلا وجه لتقدم الحكم الالزامي مطلقا، بل إن ثبت من الخارج ما يوجب تقديم أحد الدليلين على الآخر كما في قوله عليه السّلام: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» يتقدم الحكم الإلزامي لا محالة؛ لأنّه حاكم على ما دل على استحباب إجابة المؤمن أو الوالد أو وجوب طاعة المولى و نحوه.

و هكذا إن كان أحدهما دالا على الحكم الحيثي و كان مهملا من سائر الجهات بحيث لم يكن له اطلاق يعم مورد المعارضة، و لعله الغالب في العناوين الثانوية، فإنّ دليل استحبابها غير ناظر إلى حكم الشيء في نفسه من الاباحة أو الحرمة، ففي


1) قال كاشف الغطاء في شرح القواعد في هذا الفصل: و من أعجب ما سمعت ما استند إليه بعض الفضلاء من العموم من وجه بين ما دل على استحباب قراءة القرآن و التعزية و بين تحريم الغناء، و الرخصة أوفق بالأصل.

هذا إذا كان دليل الحرمة مقتضيا لحرمة فرد باطلاقه لا يمكن أن يعارضه دليل الاستحباب، و أما إذا كانا معا مطلقين و لم تكن في البين قرينة على التقديم فلا يتقدم الحكم الإلزامي على غيره، بل تقع المعارضة بينهما و يرجع إلى قواعد المعارضة من التساقط أو الترجيح؛ و لذا ترى الفقهاء يجرون قواعد المعارضة فيما إذا ورد أمر بشيء ثم ورد نفي البأس عمّا تعلق به الأمر.

فظهر بما ذكرناه عدم تمامية ما ذكراه على اطلاقه.

و لكن الصحيح في المقام تخصيص دليل الاستحباب بدليل حرمة الغناء، فإنّه و إن كانت نسبة دليل حرمة الغناء مع كل واحد من الأخبار الواردة باستحباب قراءة القرآن العموم من وجه، إلاّ أنّ ملاحظة دليل حرمة الغناء مع مجموع ما ورد من جواز التكلم بالقصص و الروايات الخيالية، بل كل كلام و إن كان ذلك الدليل هو الأصل العملي، و ما ورد في استحباب الوعظ و الخطابة و استحباب قراءة القرآن و جواز ذكر المراثي و غير ذلك من أقسام الكلام يكون نسبته إليها نسبة العام إلى الخاص، لأنّ الغناء لا بد أن يتحقق بأحدها و لا عكس فيتقدم دليل حرمة الغناء على جميعها.

و إلى هذا يرجع ما ذكره المصنف رضى اللّه عنه في بحث الاصول من تقديم الأمارات على الاصول العملية مع الاغماض عن حكومتها عليها من أنّ نسبة دليل حجية الامارات مع دليل كل أصل من الاصول في نفسه و إن كان عموم من وجه، إلاّ أنّ اللازم ملاحظة دليل اعتبارها مع أدلة مجموع الوصول لا كل واحد منها، لأنّ جميعها تكون معارضة لها و حينئذ تكون النسبة بينهما عموم مطلق، لأنّه ما من مورد من موارد قيام الخبر إلاّ و يكون مجرى لأحد الاصول العملية و لا عكس

فيخصص جريان الاصول بغير مورد جريان الامارات.

هذا كله بناء على أن يكون الغناء كيفية خاصة في الصوت، و أما على ما اخترناه من اعتبار بطلان المادة و كونها لهوا و يكون تحسين الصوت بالقرآن خارجا عن مفهوم الغناء كما هو واضح(1)

و قال الحجة المحقق الشيخ محمد حسين الاصفهاني في مقدمة التفسير/ 84، طبع ايران: إنّ القاري إذا ترقى في مقدمات القراءة من هذا العالم إلى عالم السرور و البهاء يحدث لقراءته ملاحة بحيث يبتهج به السامع ابتهاجا روحانيا، كما يؤثر الغناء في ذلك و يشبه هذا النمط من البهاء و الحسن ما كان لداود و السجاد و الباقر عليهم السّلام، و منه يظهر عدم اختصاص تحسين الصوت بالقرآن بالتغني، بل ليس لتلك الأخبار ظهور في جواز الغناء به فضلا عن رجحانه، فالخروج بها عن اطلاق ما دل على حرمته جرأة تامة خصوصا بملاحظة قوله صلّى اللّه عليه و اله: «اقرؤا القرآن بألحان العرب و أصواتها، و إياكم و لحون أهل الفسوق - الخ». و هذا الحديث رواه في الكافي باب الغناء، و في كنز العمال 150/1.

.

و بالجملة التغني بالقرآن بمعنى قراءته بألحان أهل الفسوق محرم و عقابه شديد بل ربما يوجب الكفر؛ لأنّه اتيان بالعبادة على الوجه المحرم فهو موجب للهتك.

ثم لا يخفى أنّه لا يعتبر في الغناء أن يكون الصوت مفرحا أو موجبا للخفة بل هو متقوم بالأمرين كما ذكرنا.


1) قال كاشف الغطاء قدّس سرّه في شرح القواعد ما لفظه: إنّ التعارض إنّما يثبت حيث نجعل الغناء من الأصوات، و أما لو جعلناه من الكيفيات كما هو أقوى فلا معارضة، إذ لا مناقضة لعدم تعارض الموضوع، و العجب ممّن زعم أنّ حسن الصوت يستلزم الغناء فأخذ الروايات الدالة على حسن صوت داود عليه السّلام بحيث تسقط له الطير، و صوت زين العابدين حتى نقل سقوط بعض المارين حجة على جواز الغناء، و منشأ الاشتباه عدم الفرق بين الحسن الذي هو من عطاء الرحمن جل شأنه، و التحسين الناشئ من الترجيع الذي هو من دعوة الشيطان. انتهى.

الغيبة حرام [1]

هذا حال الغناء، و أما استماعه فهو حرام أيضا لقول أبي عبد اللّه عليه السّلام لمن كان يطيل الجلوس في المرحاض لاستماع الغناء عند جيرانه، فقال عليه السّلام: «أما سمعت قول اللّه عز و جل: إِنَّ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ اَلْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً» ، و لما أظهر الرجل الاستغفار و التوبة قال عليه السّلام: «قم و اغتسل وصل ما بدا لك فإنّك كنت مقيما على أمر عظيم، ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك»، و روى علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام قال: سألته عن الرجل يتعمد الغناء يجلس إليه‌؟ قال: «لا»(1).

الغيبة

اشارة

[1] يقع البحث في الغيبة من جهات:

الاولى: في حرمتها، و لا إشكال و لا خلاف في الحرمة، و اتفقت الروايات مع الكتاب العزيز على النهي عنها و التحذير من وخامتها، و أنّها توجب البعد عن ساحة الكرم الربوي، و الكتاب العزيز ينادي بأعلا صوته بالمنع من الاقدام عليها بتاتا، فيقول سبحانه و تعالى في الحجرات/ 12: وَ لاٰ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ‌ .

فالغيبة لما كانت كاشفة لحجاب المؤمن و كاسرة لعرضه أكد سبحانه و تعالى تحريمها باستعارة لطيفة فشبهها بنهش لحوم الأموات، و حيث إنّ المغتاب - بالفتح - غالبا لا يكون حاضرا عند ذكره بالسوء ليثأر بحقه و يصول على من انتقصه أشبه الميت الذي لا يدفع عن نفسه ضرا و لا يجلب لها نفعا، و الاضافة إلى الأخ حث


1) الوسائل 566/3، باب 127 تحريم الغناء عن قرب الإسناد.

على الانزجار حيث لا يرغب أي انسان في أكل لحم أخيه خصوصا ميتا(1)

و استحسن في روح المعاني للآلوسي 158/26 ما ذكره أبو زيد السهيلي في توجيه هذا المثل، فإنّه قال: المراد من ضرب هذا المثل لأخذ العرض بأكل اللحم هو أنّ اللحم ستر على العظم، و الشاتم لأخيه كأنّه يقشر و يكشف ما عليه.

و في الزواجر لابن حجر الهيتمي 6/2: الوجه في التشبيه أنّ الإنسان يتألم قلبه من قرض عرضه كما يتألم بدنه من قطع لحمه لأكله، بل أبلغ؛ لأنّ عرض العاقل عنده أشرف من لحه و دمه، و كما لا يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لا يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى لأنّه ألم، و وجه الآكدية في لحم أخيه أنّ الأخ لا يمكنه مضغ لحم أخيه فضلا عن أكله.

و قوله «ميتا» يدفع ما قيل: إنّ حرمة الغيبة في الوجه من جهة التألم بخلافها في الغيبة؛ لعدم اطلاع المغتاب به على ما قيل فيه، و وجه الدفع أنّ أكل لحم الأخ الميت لا يوجب تألم الميت، و مع أنّه في غاية القبح على ان المغتاب لو فرض اطلاعه على ما قيل فيه لتألم.

.

و هذا المعنى - أعني تشبيه الغيبة بأكل اللحم - واضح بناء على تجسم الأعمال(2)

و ذكر الشيخ محمد حسين الاصفهاني النجفي في مقدمة التفسير/ 74: إنّ الأعمال الحسنة و السيئة تتجسم و تتمثل و تبقى في عالم البرزخ مع الميت، و قراءة القرآن منها بل من أولى افرادها و كتابة القرآن عمل يتجسم.

كما يظهر ممّا حكي عن النبي صلّى اللّه عليه و اله في قصته مع الصائم الذي تقيأ،

1) في المثل السائر لابن الأثير 203/2، طبع مصر، سنة (1358) النوع 19 في الكناية و التعريض: إنّ الوجه في الكنية عن الغيبة بأكل الإنسان لحم مثله هو أنّ الغيبة ذكر المثالب و تمزيق الأعراض المماثل لأكل اللحم بعد تمزيقه و جعلها كلحم الأخ في الكراهة، فلأنّ لحم انسان مستكره عند انسان آخر و أشد منه كراهة لحم أخيه، و العقل و الشرع متفقان على كراهة الغيبة و آمران بالبعد عنها، فجعلت بمنزلة لحم الأخ في الكراهة، و جعله ميتا لأنّ المغتاب لا يشعر بغيبته و وصله بالمحبة لما جلبت عليه النفوس من الميل إليها مع العلم بقبحها.

2) ذكر الشيخ البهائي في الأربعين/ 185 في الحديث 39 ورود أحاديث متكثرة من طرق المخالف و المؤالف في تجسيم العمل في النشأة الاخروية، و يكون قرين الإنسان في قبره و حشره، و في ص 172 ذكر حديثا عن الكافي عن الصادق عليه السّلام و فيه: إنّا رأيك الحسن الذي كنت عليه و عملك الصالح الذي كنت تعمله، و قال: هذا صريح في تجسيم الاعتقاد.

فخرج من بطنه لحم منتن(1)

و رواه عن أنس الشهيد الثاني في كشف الريبة عن أحكام الغيبة/ 229 ملحقة بكشف الفوائد للعلامة الحلي، و رواه الغزالي عن أنس في احياء العلوم 123/3 في الآفة الخامسة من آفات اللسان، و في هامشه تعريف الاحياء للشيخ عبد القادر العيدروس: إنّ حديث أنس خرجه ابن أبي الدينا في الصمت و ابن مردية في التفسير، و روى بعضه في كنز العمال 120/1، و أشار إلى أنّ مصدره مسند الطيالسي.

، و يؤيده ما روي أنّ المغتابين يأكلون من لحوم أبدانهم في نار جهنم(2)، فهذه الآية دالة على حرمة الغيبة بصراحة، نعم الآيات الاخر التي استدل بها المصنف رحمه اللّه على حرمة الغيبة غير واضحة الدلالة.

أما قوله تعالى في النور/ 19: إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفٰاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ‌ فلا دلالة له


1) في مسند أبي داود الطيالسي/ 282 حديث 2102 عن الربيع عن يزيد عن أنس: إنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله أمر الناس أن يصوموا يوما و لا يفطرن أحد حتى آذن له، فصام الناس فلما أمسوا جعل الرجل يجيء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فيقول: ظلت منذ اليوم صائما فأذن لي فلأفطر، فيأذن له، حتى جاء رجل و قال: يا رسول اللّه ان فتاتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين فأذن لهما فلتفطرا، فأعرض عنه ثم عاد عليه فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: ما صامتا، و كيف صام من ظل يأكل لحوم الناس‌؟! اذهب فمرّهما ان كانتا صائمتين ان تستقيئا ففعلتا، فقاءت كل واحدة منهما علقة، فأتى النبي صلّى اللّه عليه و اله فأخبره فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «لو ماتتا و هما فيهما لأكلتهما النار».

2) في الوسائل 241/2 باب 164 عن عقاب الأعمال للصدوق عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال: قال في حديث: و أما الذي يأكل لحمه و هو في النار هو الذي يأكل لحوم الناس بالغية و النميمة.

على حرمة الغيبة، إلاّ إذا أحرز صدق الفاحشة عليها و اريد من اشاعة الفاحشة ذكرها، و الظاهر أنّ المراد من اشاعة الفاحشة اشاعة نفس الأعمال المحرمة بين المؤمنين بأن يهيأ لهم أسباب المعاصي من فتح حوانيت الخمور و محال المومسات، فلا دلالة لها على حرمة الغيبة(1)، نعم يمكن الاستدلال بها بضميمة استشهاد الإمام الصادق عليه السّلام بها على حرمة الغيبة في رواية ابن أبي عمير.

و أما قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ‌ فغير دال على حرمتها، فإنّ المراد من الهمز و اللمز السخرية و الاستهزاء، فبينها و بين الغيبة عموم من وجه كما هو واضح فالقول بحرمة الغيبة المقترنة بالهمز و اللمز نظير القول بحرمتها فيما إذا استلزمت قتل النفس، و هذا غير ما نحن فيه(2)، و مثله قوله تعالى النساء/ 147: لاٰ يُحِبُّ


1) في التبيان للشيخ الطوسي 332/2، و مجمع البيان للطبرسي 132/7، ط - صيدا: فسر اشاعة الفاحشة باظهار الأفعال القبيحة، و في تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن الأول عليهما السّلام: «الفاحشة المنهي عنها اذاعة ما يراه من المؤمن أو يسمعه عنه ليهدم به مروته و يشين سمعته»، و به فسرها ابن كثير في تفسيره 275/3، و في روح المعاني للآلوسي 123/18: إنّها الخصلة المفرطة في القبح كالفرية و الرمي بالزنا أو نفس الزنا.

2) في التبيان 790/2: الهمزة كثير الطعن على غيره بغير حق و العايب له بما ليس فيه، و ابن عباس خص الهمزة بالطعان و اللمزة بالمغتاب، و في تفسير الآصفي للكاشاني 363/2 و تفسير البيضاوي: شاع الهمزة في كسر الأعراض و الطعن فيها، و في روح المعاني 131/30 عن مجاهد: الهمز الطعن في الناس و اللمز الطعن في الأنساب، و عن أبي العالية: الهمز الطعن في الوجه و اللمز في الخلف، و الآية نزلت إما في الأخنس بن شريق لأنّه يغتاب أو أبي بن خلف الجمحي لأنّه يعيب النبي صلّى اللّه عليه و اله أو الوليد بن المغيرة؛ لأنّه يغتاب الرسول صلّى اللّه عليه و اله.

اَللّٰهُ اَلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ اَلْقَوْلِ‌ فإنّ القول و إن كان بيانا للسوء و اريد من الجهر به الفرد الجلي لا الخصوصية فيه، إلاّ أنّه يدفع الاستدلال بها على ما نحن فيه أمران:

الأول: أنّ صدق القول السوء على الغيبة أوّل الدعوى و كون متعلقها سوءا لا يستلزم كون الذكر سوءا حتى عرفا.

الثاني: عدم الحب لا يستلزم البغض و الحرمة(1)، و كيف كان ففي الآية الاولى و الأخبار كفاية في الدلالة على الزجر عن الغيبة و مبغوضيتها الشديدة للمولى سبحانه(2)

الاولى: النهي عن غيبة المؤمن أو الأخ المؤمن، و هي رواية سليمان بن خالد و أبي الورد عن أبي جعفر عليه السّلام، و رواية ابن أبي عمير عن بعض أصحابه و علقمة بن محمد و المفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و أبو ذر الغفاري في وصية النبي صلّى اللّه عليه و اله له.

الثانية: النهي عن غيبة المسلم أو الأخ المسلم، و هي رواية ربعي عن رجل عن أبي عبد اللّه، و السكوني عنه عليه السّلام، و حديث النبي صلّى اللّه عليه و اله في المناهي، و في وصيته لعلي عليه السّلام، و في خطبة له.

الثالثة: النهي عن غيبة أخيك في وصية النبي صلّى اللّه عليه و اله لأبي ذر، «و أن تقول لأخيك»، و في رواية داود بن سرحان: «و أن تقول في أخيك» في رواية عبد اللّه بن سنان عن الصادق عليه السّلام.

و من طريق أهل السنة وردت أحاديث كثيرة في التحذير عنها رواها ابن حجر في الزواجر 7/2، و ابن كثير في التفسير 216/4 سورة الحجرات، و المنذري في الترغيب و الترهيب 102/3 و لشدة التحذير عنها كان بعض فقهاء السنة كما في حلية الأولياء لأبي نعيم 35/7: يتوضأ من الغيبة كما يتوضأ من الحدث.

.

1) في مجمع البيان 131/3، ط - صيدا عن مجاهد: القول السوء: ذكر الإنسان بسوء، قال الطبرسي: و فيها دلالة على عدم جواز هتك الإنسان إلاّ إذا أظهر ما فيه، و فيها ترغيب على مكارم الأخلاق و منها الكف عن عيوب الخلق، ثم ذكر أقوالا فيها: منها التخصيص بالشتم بمعنى من شتمك اشتمه، و منها عدم الاحسان إلى الضيف فإنّه يجوز له ذكر سوء الضيافة، و روى في تفسير الصافي: أنّ قول السوء مدح الشخص بما ليس فيه، و في تفسير علي بن ابرهيم: إنّه مطلق الظلم، و في روح المعاني للآلوسي: جواز الرد على من قال له يا زاني بمثله.

2) الأخبار الواردة عن أهل البيت عليهم السّلام في النهي عن الغيبة على ثلاثة طوائف رواها الحر العاملي في الوسائل 237/2 و 238 و 239 في كتاب العشرة في أوائل الحج:

الجهة الثانية: من مباحث الغيبة التعريف عن كونها كبيرة أو صغيرة، و قد استظهر المصنف رحمه اللّه كونها من الكبائر حاكيا له عن جماعة و لا يترتب أثر عملي على عنوان كونها من الكبائر أو الصغائر، فإنّ ما يترتب على ذلك إنّما هو عنوان العدالة على المشهور حيث اعتبروا فيها اجتناب الكبائر دون الصغائر إلاّ مع الإصرار لكونها مع كبيرة، و لذا قالوا: لا صغيرة مع الإصرار، و لكنّا ذكرنا في كتاب الصلاة أنّ المعتبر في العدالة ترك الصغائر و الكبائر، لأنّ العدالة عبارة عن الاستقامة في جادة الشرع فالخروج عنها بأي نحو كان ينافي العدالة إلاّ أن يتعقبها بالتوبة، فلا تترتب ثمرة مهمة على تحقيق الكبائر و الصغائر؛ لأنّ كل معصية إذا قيست إلى المولى جل شأنه تكون كبيرة(1)

و في الزواجر لابن حجر 10/2 نقل القرطبي المفسر و غيره الاجماع على أنّ الغيبة من الكبائر، و من تتبع الاثار علم أنّها من الكبائر و لم أر من عدها من الصغائر غير الغزالي و صاحب العدة، و مال إليه الجلال البلقيني و صرح الأذرعي و تلميذه في الخادم و الكرابيسي في أدب القضاء على أنّها كبيرة.

، و إن كان عظم المعاصي يختلف باختلاف العاصين.

1) في التبيان للطوسي 422/1 عن ابن عباس: كلما نهى اللّه عنه فهو كبير، و رواه في روح المعاني 18/5 في هذه الآية عن الطبراني عن ابن عباس قال: و في رواية: «كلما عصى اللّه فيه فهو كبيرة»، و إلى هذا يرجع ما قاله القاضي عبد الوهاب من أنّه لا يقال في معصية صغيرة إلاّ على معنى أنّها تصغر عند اجتناب الكبائر، و قد أنكر جماعة كون بعض الذنوب صغيرة، بل سائر المعاصي كبائر منهم أبو اسحاق الاسفرايني و أبو بكر الباقلاني و إمام الحرمين في الارشاد و ابن القشيري في المرشد، و إنّما يقال لبعضها صغيرة و كبيرة بالاضافة.

نعم، إذا قيست الذنوب بعضها إلى بعض تكون مختلفة، فإنّ الزنا أعظم من تقبيل الأجنبية و هو أعظم من لمسها و النظر إليها، و قد ورد في النساء/ 31: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً .

ثم لا يخفى إنّهم ذكروا في ضابط الكبيرة أمرين و عليهما تكون الغيبة من الكبائر:

الأول: أنّ الكبيرة ما أوعد العذاب عليها، و قد أوعد اللّه تعالى العذاب على الغيبة في قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفٰاحِشَةُ‌ بعد استشهاد الإمام عليه السّلام بالآية على حرمة الغيبة.

الثاني: لن يرد في معصية أنّها أشد عقابا من الاخرى التي أوعد عليها العقاب، و قد ورد في الغيبة أنّها أعظم خطيئة من ست و ثلاثين زنية، كما في حديث أنس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله(1).

و أما استدلال المصنف بقوله صلّى اللّه عليه و اله في حديث أبي ذر: «إيّاك و الغيبة فإنّها أشد من الزنا، إنّ الرجل يزني فيتوب إلى اللّه تعالى فيتوب اللّه تعالى عليه، و الغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها»(2)، فغير تام؛ لأنّ أشدية الغيبة هنا كما صرح به في نفس


1) في الزواجر لابن حجر 7/2 عن أنس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند اللّه خطيئة من ست و ثلاثين زنية يزنيها الرجل و إنّ أربى الربا عرض الرجل المسلم»، و في آخر: «إنّ أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه»، و في ثالث: «و أخبث من الربا انتهاك عرض المسلم و انتهاك حرمته».

2) أمالي الشيخ الطوسي/ 341 في وصية النبي صلّى اللّه عليه و اله لأبي ذر، الوسائل 237/2.

الحديث من حيث اشتمالها على حق الناس لا من جهة العقاب، و لذا يتقدم الغيبة على الزنا عند التزاحم، و كذا الحال في حديث العلل و الخصال.

الجهة الثالثة: من مباحث الغيبة إرادة المعنى الخاص من المؤمن المنهي عن غيبته و هو الإمامي الإثنى عشري، و أما غيره فتجوز غيبته.

أما أوّلا: فلأن المنافق يجوز لعنه كما ورد في الأدعية فتجوز غيبته بطريق أولى؛ لأنّها أهون من اللعن.

و ثانيا: أنّ المتجاهر بالفسق تجوز غيبته و لو في غير ما تجاهر به إذا كان أهون ممّا تجاهر به، و من الواضح أنّ انكار الخلافة الإلهية من أعظم القبائح بعد انكار النبوة. و عليه فالمقصر الذي ينكر الخلافة جهرا يجوز ذكر سائر قبائحه لتجاهره بقبيح أعظم منها، و أما القاصر فاثبات جواز غيبته بعدم القول بالفصل إذا سلم من المناقشة بعدم تحقق ملاك الجواز في القاصر.

و أما ما استدل به المصنف رحمه اللّه من ان الموضوع في جملة من الادلة هو عنوان الأخ في الدين أو المؤمن(1)، فلا يعم المنافقين، فهو من المؤيدات، و لا يصلح لأن يكون دليلا لورود روايات في حرمة الغيبة عنوان موضوعها المسلم أو الأخ من غير


1) في اصول الكافي على هامش مرآة العقول 348/2، باب الغيبة عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «من قال في مؤمن ما رأته عيناه و سمعته اذناه فهو من الذين قال اللّه عز و جل: إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفٰاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ‌» و فيه ص 341 عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يواخي الرجل على الدين فيحصي عليه زلاته ليعيره بها يوما ما»، و عن أبي بصير: «سباب المؤمن فسوق، و قتاله كفر، و أكل لحمه معصية».

اضافة(1)، و لا تنافي بينها ليحمل المطلق على المقيد لتوافقهما في الحكم.

نعم، يمكن الاستدلال بطريق آخر، و هو أنّ الغيبة فسرت في جملة من الروايات بذكر مساوي الأخ المؤمن أو ما يرادفه(2)، و في المحرمات و إن لم تحمل المطلق على المقيد لعدم التنافي، إلاّ أنّه فيما إذا لم يكن المقيد مفسرا للمطلق و إلاّ فيحمل عليه لا محالة، فيستفاد من ذلك أنّ المحرم غيبة الأخ المؤمن دون غيره من المخالفين، فإنّ اخوتنا لهم ظاهرية من باب المجاملة.

ثم إنّ المصنف رحمه اللّه ذكر وجها آخر لجواز غيبة المخالفين، و هو أنّ ملاك حرمة الغيبة حفظ عرض المغتاب و حرمة هتكه و لا حرمة لعرض المخالف إلاّ بمقدار الضرورة ممّا يستقيم به امور معاش المسلمين.

و فيه: أنّ غير المؤمن و إن لم يكن عرضه محترما إلاّ أنّه لم يثبت كون الحكمة في حرمة الغيبة احترام عرض المغتاب، و لعل حكمتها أمر آخر لم نعرفه(3)

و في شرح القواعد لكاشف الغطاء استمرت الطريقة من قديم الزمان على لعنهم و الطعن فيهم، و أن انكاره يعد من المنكرات، و الطعن فيهم من أفضل الطاعات، و حلية مجالس المتقين و حديث هجاء المشركين يدل بالأولى على جواز غيبتهم لأنّهما في الكفر كفرسي رهان إلاّ في مسألة الأموال و الأبدان، و من وقع في خياله ثبوت الملازمة بين حرمة عرض المخالف و ماله فقد اشتبه كل الاشتباه للغفلة و قلة الانتباه.

و نبّه صاحب الجواهر (أعلا اللّه مقامه) قال: و إن هجاءهم على رؤوس الأشهاد من أفضل العبادات ما لم تمنع التقية منه، و أولى من ذلك غيبتهم التي جرت سيرة الشيعة عليها في جميع الأعصار و الأمصار من علمائهم و عوامهم، فلا غرابة في دعوى تحصيل الاجماع كما عن بعضهم، بل يمكن دعوى كون ذلك من الضروريات فضلا عن القطعيات، و الاخوة التي سنّها الكتاب إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ‌ تكون بين المؤمنين لا غيرهم، و كيف تتصور الاخوة بين المؤمن و المخالف بعد تواتر الروايات و تظافر الآيات في وجوب معاداتهم و البراءة منهم‌؟! و حينئذ فلفظ الناس و المسلم يجب ارادة المؤمن منهما.

و من الغريب ما عن المقدس الأردبيلي و صاحب الكفاية من المنع من اغتياب المخالف استنادا إلى عموم الكتاب و السنة، فإنّه لم يخف على الخبير الماهر الواقف على ما تظافرت به النصوص من لعنهم و شتمهم و كفرهم، و إنّهم مجوس هذه الامة و أشر من النصارى و أنجس من الكلاب، و لعل ما صدر منه لشدة تقدسه و ورعه و ما أبعد ما بينه و بين الخواجة نصير الملة و الدين الطوسي و العلاّمة الحلي و غيره ممّن يرى قتلهم حتى وقع منهم ما وقع في بغداد و نواحيها. انتهى كلام صاحب الجواهر (أعلا اللّه مقامه و نوّر ضريحه).

و في مفتاح الكرامة: لا ريب في اختصاص تحريم الغيبة بمن يعتقد الحق كما في مجمع البحرين و الرياض، و هو ظاهر عبارات الأصحاب و الأخبار الدالة على أنّهم أشر من النصارى و أنجس من الكلاب، إلى أن قال في الرد على الأردبيلي: و الأخبار الواردة بلفظ المؤمن من أربعة، فيحمل عليها ما ورد بلفظ المسلم.

و في منهاج الهداية للكرباسي: لا يحرم غيبة الكافر و لو ذميا بل المخالف و غير الاثنى عشري؛ لاختصاص حرمتها بما يكون في المؤمن.

أما رأي أهل السنة فيمن تحرم غيبته تعرض له ابن حجر الهيتمي في الزواجر 14/2، و الآلوسي في روح المعاني 160/26 قال: أفتى الغزالي بحرمة غيبة الكافر إذا قصد بها ايذاؤه، و يكره إذا كان المقصود مجرد نقصه و الذي يحرم غيبته كالمسلم، لأنّ المقصود من تحريمها البعد عن ايذاء المسلم، و الشارع عصم مال الذمي و دمه و عرضه، و الحربي تحرم من جهة الايذاء لا التنقيص، و المبدع ان كفر ببدعته فكالحربي و إلاّ فكالمسلم و لا يكره ذكره ببدعته لكن ابن المنذر استفاد من قوله صلّى اللّه عليه و اله: «ذكرك أخاك بما يكره» أن من أخرجه كفره و بدعته من الإسلام فلا تحرم غيبته إذ لا اخوة له.

.

1) في أمالي الصدوق/ 258 مجلس 66 و من لا يحضره الفقيه له/ 360 من حديث المناهي: نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عن الغيبة و قال: «من اغتاب امرءا مسلما بطل صومه و نقض وضوؤه و جاء يوم القيامة يفوح من فيه رائحة أنتن من الجيفة يتأذى به أهل الموقف، و إن مات قبل أن يتوب مات مستحلا لما حرم اللّه»، و معلوم أنّ بطلان الوضوء كناية عن عدم قبول المولى سبحانه لهما و إن كانا مجزيين، و إلاّ فلا إشكال عندنا في عدم البطلان بالغيبة.

2) في الوسائل 238/2 باب 152 العياشي في تفسيره بأسناده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «الغيبة أن تقول في أخيك ما قد ستره اللّه عليه»، و في خبر المجالس «قلت: يا رسول اللّه و ما الغيبة‌؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره».

3) قال النراقي قدّس سرّه في المستند المستفاد من اطلاق رواية السكوني الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الأكلة في جوفه و في غيرها حرمة غيبة المخالف، إلاّ أنّ صريح جماعة التخصيص بالمؤمن بل نفى بعضهم الريب عنه و قد رخص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في الوقيعة بأهل الريب و البدع و الوقيعة هي الغيبة.

و لا فرق فيمن يحرم غيبته بين المرأة و الرجل، و ذكر الأخ و نحوه من باب المثال لا لخصوصية فيه و التعبير بالمذكر مع عموم الحكم كثير في الأخبار.

و أما الصبي المؤمن فالظاهر عدم جواز غيبته إذا كان مميزا لصدق عنوان الأخ عليه كما في قوله تعالى في البقرة/ 220 يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْيَتٰامىٰ قُلْ إِصْلاٰحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخٰالِطُوهُمْ فَإِخْوٰانُكُمْ‌ بل ربما يكون ايمانه أكمل من البالغين بمراتب، و لا وجه لما ذكره بعض العامة من عدم قبول ايمان الصبي لأنّه مؤمن ارتكازا و يصدق عليه العنوان و يترتب عليه حكمه كما يصدق عليه سائر المشتقات إذا اتصف بمبادئها مثل عنوان المجتهد و الشاعر و نحوها، نعم كثيرا ما لا يكون ذكر مساوي الصبي من الغيبة لعدم كونه سوءا و لا نقصا بالنسبة إليه فيكون خارجا عن الغيبة موضوعا.

و أما المجنون من المؤمنين فلا تجوز غيبته لصدق العنوان عليه فهو أخ مؤمن إلاّ أن يكون جنونه قويا بحيث يلحقه بالبهائم كالصبي الغير المميّز فنقصه خارج عن الغيبة موضوعا.

الجهة الرابعة: في مفهوم الغيبة و قد فسّرت في كلمات بعض اللغويين و النبوي

الشريف بأنها: ذكرك أخاك بما يكره(1)

و في صحيح مسلم 389/2 كتاب الأدب و الأذكار للنووي/ 271 و مصابيح السنة للبغوي 152/2 عن أبي هريرة: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «أ تدرون ما الغيبة‌؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم. فقال: ذكرك أخاك بما يكره، و قال رجل: أ رأيت إن كان في أخي ما أقول‌؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، و إن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته».

و في موطأ مالك 150/3: سأل رجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله ما الغيبة‌؟ قال: ان تذكر من المرء ما يكره ان يسمع و إن كان حقا، و إن كان باطلا فذلك البهتان.

و فيه: ان قول اللغوي غير حجة، و النبوي ضعيف السند أوّلا: بارسال لأن أبا بصير لم يجتمع بالنبي صلّى اللّه عليه و اله ليروي عنه بلا وساطة، و الوسائط بينهما غير مذكورة و لعلنا لا نثق بهم كما نتردد في المراد من أبي بصير(2)

و ذكرنا هناك ان المجلسي و سبطه الوحيد لم يعبئا بنسبة الغلو إلى الأصم، و قد اعتمد عليه ابن قولويه في كامل الزيارة فانه نقل عشرين رواية في سندها عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصم، و وقع في سند مجالس الشيخ الطوسي «الهنائي» نسبه إلى جده كما في هامش تهذيب التهذيب لابن حجر 164/11.

و وثقه في التقريب/ 543 و لم يذكر ابن حجر رواية الفضيل بن يسار عنه، كما ان مصنفات رجال الإمامية لم تذكر روايته عنه، و في اللباب لابن حجر 294/3: «الهنائي» بضم الهاء و فتح النون و بعد الألف ياء من تحت نسبة إلى هنائة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بطن من الازد و نسب إليه نفر منهم أبو يزيد يحيى بن زيد بن مرة الهنائي تابعي.

في الصحاح للجوهري و مجمع البحرين للطريحي: الغيبة أن يتكلم خلف انسان مستور بما يغمه لو سمعه، فإنّ كان صدقا سمي غيبة، و إن كان كذبا سمي بهتانا، و في تاج العروس مثله مع زيادة أو يذكره بسوء و لا يكون إلاّ من ورائه، و في المصباح المنير: اغتابه إذا ذكره بما يكره من العيوب و هو حق، و في النهاية: الغيبة أن تذكر انسان في غيبته بسوء و إن كان فيه و إن لم يكن فيه فهو البهت.

و في القاموس: غابه عابه و ذكره بما فيه من السوء و تكون حسنة و قبيحة، و في مقاييس اللغة لابن فارس 403/4: الغيبة الوقيعة في الناس لأنها لا تقال إلاّ في غيبته، و ظاهر الصحاح و غيره و إن كان التخصيص بالقول فلا تشمل الاشارة و الحكاية و التعريض إلاّ ان تفسير ابن فارس عام لذلك لأنّه خصها بالوقيعة كتفسير القاموس لها بالعيب الشامل للقول و غيره.

و لعل هذا منشأ ذكر الشهيد الثاني في رسالته الغيبة تعريفين لها، الأول: ذكر الإنسان حال غيبته بما يكره نسبته إليه ممّا يعد نقصا في العرف بقصد الانتقاص و الذم، و الثاني: التنبيه على ما يكره نسبته إليه، و هو أعم من الأول لشموله مورد اللسان و الاشارة و الحكاية، و هو أولى لما سيأتي من عدم قصر الغيبة على اللسان.

و ارتئا صاحب الجواهر قدّس سرّه ان حرمتها بالقول من جهة افادة السامع ما ينقصه و يعيبه و حينئذ يعم الحكم كلما يفيد ذلك حتى الكتابة التي هي أحد اللسانين و الحكاية التي هي أبلغ في التفهيم من القول و التعريض و التلويح و لعله اريد من التعريف بالقول الأعم من القول بالذكر اذ دعوى انها بمعنى القول واضحة المنع.

و ما أشار إليه من النكتة في التعميم للقول و الاشارة و نحوها نص عليه النووي في الأذكار / 280 و الصفوري في نزهة المجالس/ 184 و ابن حجر في الزواجر 15/2 و تابعهم الآلوسي في تفسيره «روح المعاني» 158/26 فانه قال: المراد بالذكر الصريح و الكناية، و يدخل في الأخير الرمز و الاشارة و نحوهما ممّا يؤدي مؤدى النطق فإنّ علة النهي عن الغيبة الايذاء بتفهيم الغير نقصان المغتاب و هو موجود حيث افهمت الغير ما يكرهه المغتاب بأي وجه كان من طرق الافهام.

.

1) في مسند أحمد 384/2 و سنن أبي داود 269/4 كتاب الأدب و صحيح الترمذي مع شرح ابن العربي 120/8 كتاب الصلة و الكفاية للخطيب البغدادي/ 37 عن أبي هريرة قيل: يا رسول اللّه ما الغيبة‌؟ قال: «ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أ فرأيت إن كان في أخي ما أقول‌؟ فقال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته و إن لم يكن فيه فقد بهته».

2) نقل الشيخ الحر في الوسائل 237/2 كتاب العشرة باب 152 تحريم اغتياب المؤمن عن مجالس الشيخ الطوسي عن أبي بصير عن النبي صلّى اللّه عليه و اله في وصيته لأبي ذر - الخ فالرواية مرسلة و لكن الطوسي في المجالس لم يذكر أبا بصير في حديث الوصية و هذا نص ما في ص 334 من المجالس مجلس يوم الجمعة سنة 457: حدثنا الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي رحمه اللّه قال: أخبرنا جماعة عن أبي الفضل قال: حدثنا رجاء بن يحيى بن الحسين العبرتائي الكاتب سنة 314 و فيها مات حدثنا محمد بن الحسن بن شمون قال: حدثني عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصم عن الفضيل بن يسار عن وهب بن عبد اللّه بن (أبي ذبي) الهنائي قال: حدثني أبو حرب بن أبي الأسود عن أبيه أبي الأسود قال: قدمت الربذة فدخلت على أبي ذر (جندب بن جنادة) فحدثني أبو ذر، قال: دخلت ذات يوم صدر النهار على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في مسجده فلم أر أحدا من الناس إلاّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و علي عليه السّلام إلى جنبه جالس فاغتنمت خلوة المسجد، فقلت: يا رسول اللّه بأبي أنت و امي أوصني وصية ينفعني اللّه بها. فقال: نعم و أكرم بك يا أبا ذر انك منا أهل البيت و اني موصيك بوصية فاحفظها فانها جامعة لطرق الخير و سبله فانك ان حفظتها كان لك بها كفيلا، يا أبا ذر اعبد اللّه كأنك تراه، ثم ساق الوصية إلى قوله في ص 341، قلت: يا رسول اللّه ما الغيبة‌؟ قال: ذكرك أخاك بما يكرهه. قلت: فإنّ كان فيه ذاك الذي يذكر به. قال: اعلم ان ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته و إن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته - الخ، و في هذا السند ابن شمون و الأصم و قد تقدم الكلام عليهما ص 220.

و ثانيا: انّه ضعيف الدلالة فانه اما ان يراد من الموصول نفس الذكر فيكون معنى الغيبة حينئذ ذكر الأخ بلفظ يسوؤه و لو كان الذكر بيان محاسنه إذا لا يرضى بافشائها و هذا التفسير فاسد قطعا، و أما أن يراد من الموصول متعلق الذكر.

و عليه، فلو فرض شخص يشرب الخمر رغبة فيه فمن يخبر عنه بأنّه يشرب الخمر لا يكون من الغيبة لأن الفعل لا يسؤه، و إلاّ لما أقدم عليه و إن كان لا يرضى باظهاره بين الناس، فهذا التفسير غير تام كما انّه لم يرد في رواية معتبرة و انما ذكره بعض أهل اللغة(1) و ورد في نبويين احداهما النبوي المتقدم، و الآخر ما حكاه

المصنف رحمه اللّه عن النبي صلّى اللّه عليه و اله انّه قال: «أ تدرون ما الغيبة‌؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم. فقال:

ذكرك أخاك بما يكره»(1)، و قد عرفت عدم تماميته في نفسه، و الرواية ضعيفة.

فالصحيح: الرجوع إلى ما ورد في تفسيره من روايات أهل بيت العصمة عليهم السّلام، فقد ورد عنهم صلوات اللّه عليهم: ان تقول في أخيك أمرا ستره اللّه عليه، كما في رواية العياشي، و عليه فيعتبر في الغيبة امور:

الأول: أن يكون المذكور نقص المغتاب في الدين أو العرض أو النسب أو غيره، و يدل عليه أوّلا: قوله عليه السّلام: «ان تقول في أخيك» فإنّ لفظ القول في الشخص ظاهر فيما ينقصه، و ثانيا: قوله عليه السّلام: «ستره اللّه عليه» فإنّ الستر يناسب القبائح دون الكمالات و المحاسن فذكرها لا يكون من الغيبة.

الثاني: أن يكون المذكور أمرا مستورا، و أما ما كان شائعا ظاهرا للناس لا يكون اظهاره حتى عند من لا يعرفه من الغيبة لأنّه لا يصدق عليه اشاعة ما ستره اللّه و إن صدق عليه التعيير و نحوه من العناوين المحرمة، و يشهد له رواية أبان «قال لي أبو الحسن عليه السّلام: من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه ممّا عرفه الناس لم يغتبه و من ذكره من خلفه بما هو فيه ممّا لم يعرفه الناس فقد اغتابه و من ذكره بما ليس فيه فقد بهته»، و روى عبد الرحمن بن سيابة قال «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه و أما الأمر الظاهر مثل الحدة و العجلة فلا»، و قال داود بن سرحان «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الغيبة‌؟ قال: «هي أن تقول لأخيك في


1) روى هذا اللفظ أبو هريرة كما في صحيح مسلم 389/2 و مصابيح السنة للبغوي 152/2 و الأذكار للنووي/ 271، و هو مثل ما تقدم عن أبي داود و الترمذي غير انّه عندهما لم يصدر بلفظ «أتدرون» فإنّ الراوي واحد.

دينه ما لم يفعل و ثبت عليه أمرا قد ستره اللّه عليه لم يقم عليه فيه حد»(1)فإنّ ظاهر هذه الروايات ان العبرة بالستر النوعي، أمّا دلالة الاولى و الثانية عليه فواضحة، و أما اقامة الحد في الثالثة فلمعرفة العامة بها و لذا اعتبر عدمه قيدا في الغيبة و استثنى الحدة و العجلة منها.

الثالث: عدم صدق الغيبة على نفي الكمال كما إذا قال لا يعرف زيد الكتابة أو الخياطة، إلاّ أن يرجع إلى اثبات نقص فيه بان كان للمغتاب شأنية الوجدان لذلك الكمال مثل أن يشتغل بطلب العلم مدة طويلة فنفي العلم عنه يلازم نقصا ذاتيا كالبلادة أو عرضي كعدم اشتغاله بتحصيل العلم، و من هنا يكون نفي العدالة عن شخص غيبة له لأن العدالة يجب تحصيلها على كل مسلم فنفيها مستلزم لاثبات ارتكاب المعاصي و هو نقص ظاهر.

تنبيه فيه امور:

الأول: يظهر من رواية داود بن سرحان اختصاص الغيبة حكما أو موضوعا بذكر ما ثبت فيه الحد دون غيره

الأول: يظهر من رواية داود بن سرحان اختصاص الغيبة حكما أو موضوعا بذكر ما ثبت فيه الحد دون غيره من العيوب بل المعاصي.

و فيه: أوّلا: معارضتها بالأخبار المطلقة كقوله في رواية عبد الرحمن بن سيابة «ان تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه»، و لم يستثن إلاّ الأمر الظاهر مثل الحدة و العجلة مع كونه في مقام البيان.


1) الروايات الثلاث ذكرها الكليني في اصول الكافي على هامش مرآة العقول 348/2 و 349 باب الغيبة، و عنه رواها الحر العاملي في الوسائل 238/2 باب 154 فيما تجوز فيه الغيبة، و الفيض في الوافي 63/3 باب الغيبة و البهت.

و ثانيا: فساد التحديد به من ضروريات الفقه، فلا بد من حمل الرواية على بيان بعض مصاديق الغيبة الشديدة دون التحديد(1)

و تابعهم الآلوسي في روح المعاني 158/26 قال: و خصها القفال بالصفات التي لا تذم شرعا فذكر الشخص بما يكره ممّا يذم شرعا ليس بغيبة عنده و لا يحرم، و احتج بقوله صلّى اللّه عليه و اله «اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس» و الحديث ليس بشيء عند البيهقي، و منكر عند أحمد و محمول على فاجر معلن بفجوره.

.
الأمر الثاني: قد يدعى ظهور رواية عبد الرحمن بن سيابة في أعمية عنوان الغيبة

الأمر الثاني: قد يدعى ظهور رواية عبد الرحمن بن سيابة في أعمية عنوان الغيبة ممّا فسرناه به من اظهار ما ستره اللّه عليه، و نص الرواية من الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه و إن من البهتان أن تقول في أخيك ما ليس فيه(2)، بتقريب ان كلمة «من» ظاهرة في التبعيض فيكون مدخولها الذي نصت عليه بعض أفراد الغيبة.

و فيه: ان لفظ «من» في أمثال هذه التعبيرات لو لم يكن زائدا فهو ظاهر في بيان المصداق كما في قولك خاتم من فضة أو ثوب من قطن، فكأنه عليه السّلام فرض قولا خارجيا فحكم بأنّه من الغيبة لكونه أحد مصاديقها، و مصداقها الآخر ما يصدر من شخص آخر، و هو نظير أن يقال قولك هذا من الصدق أو الكذب، و كثيرا ما يكون الموضوع في القضايا الحملية شخصا خارجيا و المحمول مفهوما كليا كما في قولك


1) في الأذكار للنووي/ 269 و الزواجر لابن حجر الهيثمي 13/2 علم من قوله صلّى اللّه عليه و اله «بما يكره» العموم لما إذا كان متعلقا ببدنه أو نسبه أو خلقه أو دينه أو دنياه أو دابته أو ولده أو زوجته أو خادمه أو غير ذلك ممّا يعلم انّه يكرهه لو بلغه.

2) رواه الصدوق في معاني الأخبار 57 باب 167 ملحق بعلل الشرايع، و في الوسائل 232/2 عنه و عن أمالي الصدوق.

النار حارة و الماء سيال، و على هذا فلا يستفاد من لفظ «من» وجود قسم آخر للغيبة غير ما نصت به الرواية «و هو اظهار ما ستره اللّه».

الأمر الثالث: ذكر عيوب المؤمن من دون أن يكون هناك سامع يفهم لا يدخل تحت الغيبة

الأمر الثالث: ظهر بما بيناه ان ذكر عيوب المؤمن من دون أن يكون هناك سامع يفهم لا يدخل تحت الغيبة إذا لم يظهر أمرا ستره اللّه، كما ان اشاعة عيب المؤمن المجهول أو المردد في غير محصور لا يكون من الغيبة اذ لم يحصل به كشف الأمر المستور، لأن كل أحد يعرف وجود أحد في البلد يشرب الخمر مثلا.

نعم، لو كان المجهول عنوانا لجماعة بحيث يكون تعريضا بجميعهم كان يقول في مقام ذم طالبي العلم رأيت بعض الطلاب يفعل كذا كان من الغيبة، و إذا كان المغتاب - بالفتح - مرددا بين محصور كأن يقول أحد هذين يشرب الخمر ففي كونه غيبة لهما معا أو لأحدهما أو لخصوص المتصف بالعيب واقعا أو عدم كونه غيبة وجوه تختلف باختلاف تفسير الغيبة.

و الصحيح على المختار عدم كونه غيبة لأنّه لم يظهر أمرا ستره اللّه اما بالاضافة إلى غير الفاعل فواضح، و أما بالاضافة إلى الفاعل فلأن السامع لم يعرفه انّه المرتكب للعيب و انما يحتمله كاحتماله قبل السماع، نعم قد يكون هذا محرما من جهة التعريض بالمؤمن كما إذا قال احتمل ان هذا الرجل يشرب الخمر أو سرق مال زيد و التعريض بالمؤمن قبيح.

الأمر الرابع: قد يستظهر من كلام بعض أهل اللغة و الآية الشريفة و بعض الأخبار و مرتكز العرف انّه يعتبر في صدق الغيبة غيبة المغتاب و أن يكون الكلام في نقصه من ورائه، و على ما تقدم في اختيار تفسيرها لا فرق بين حضور المغتاب

كفارة الغيبة الماحية لها [1]

و غيبته(1)

و على ذلك جملة من علماء أهل السنة على ما حكاه عنهم ابن حجر في فتح الباري 360/10 منهم ابن التين و الزمخشري و أبو نصر القشيري و ابن خميس و المنذري و جملة اخرى آخرهم الكرماني، ثم قال ابن حجر: الأرجح اختصاص بالغيبة مراعاة لاشتقاقها و جزم أهل اللغة به. انتهى.

و قال ابن حجر الهيثمي في الزواجر 14/2: المعتمد عدم الفرق في حرمة الغيبة بين الحضور و الغيبة، و في روح المعاني للآلوسي 158/26: المراد بالغيبة غيبته عن ذلك الذكر سواء كان حاضر في مجلس الذكر أو لا، و الظاهر من النووي في الأذكار/ 271 و الصفوري في نزهة المجالس/ 184 التعميم للحضور و الغيبة و عبارتها: ضابط الغيبة كلما افهمت به غيرك نقصان مسلم و هذا يشمل تنقيصه حتى مع المواجهة، و كأنهما استندا في ذلك إلى ظاهر حديث أبي هريرة في تعريفها «ذكرك أخاك بما يكره».

، نعم الغالب تحققها بذكر مساوي المؤمن في حال غيبته، و أما مواجهته بها فمن تمام الصلافة و الوقاحة و الآية المباركة بعد أن شبهت الغيبة بأكل لحم المؤمن شبهت غيبته بموته لكون الغالب فيها عدم حضور المغتاب و إلاّ فلا اشكال في قبح أكل لحم الحي كأكل لحم الميت و الأخبار المتعرضة لحرمتها تحمل على الغالب منها.

[1] الأخبار الواردة في كفارتها على نحوين الاستحلال من المغتاب - بالفتح - أو الاستغفار له، و لأجلها جمع بعض العلماء بينهما عملا بكلتي الطائفتين لعدم التنافي بينهما، و بعضهم ذهب إلى التخيير بينهما لأن الذنب الواحد له كفارة واحدة، و بعضهم


1) التزم فقهاء الإمامية باعتبار عدم الحضور في حرمة الغيبة و إن كان مواجهة الحاظر بما يحط من كرامته و توهينه أشد حرمة، و ممّن تعرض لذلك الكركي في جامع المقاصد، و كاشف الغطاء في شرح القواعد، و السيد جواد العاملي في مفتاح الكرامة، و صاحب الجواهر فيها، و الكرباسي في منهاج الهداية تبعا لأهل اللغة و الروايات الظاهرة في عدم حضور المغتاب - بالفتح -.

إلى خصوص الاستحلال لضعف سند رواية الاستغفار، و ربما يفصل بين ما أمكن فيه الاستحلال و بين عدمه(1)

و رواها في الوسائل 239/2 في آداب العشرة، و فيه ص 479 في جهاد النفس عن السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: من ظلم أحد أو فاته فليستغفر اللّه فانه كفارة له»، و رواه في مستدرك الوسائل 108/2 عن الجعفريات قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «من أظلم أحدا فعابه فليستغفر اللّه له كما ذكره فانه كفارة له»، و فيه ص 343 عن الجعفريات عنه صلّى اللّه عليه و اله: «من ظلم أحد ففاته فليستغفر اللّه له كلما ذكره فانه كفارة».

و عن دعائم الإسلام عن أبي عبد اللّه عليه السّلام من حديث قال فيه «و من نال من رجل شيئا من عرض أو مال وجب الاستحلال من ذلك»، و في احياء العلوم 133/3 عن أنس بن مالك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «كفارة من اغتبته أن تستغفر له»، و في تخريج الاحياء بهامشه أخرج الحديث ابن أبي الدينا في الصمت و الحارث بن أبي اسامة في مسنده بسند ضعيف، و في مستدرك الوسائل 108/2 رواه الشيخ المفيد في الأمالي عن أنس بن مالك، و في الزواجر لابن حجر 9/2 عن أبي الدينا و الطبراني و البيهقي «الغيبة أشد من الزنا، قيل: و كيف‌؟ قال: الرجل يزني ثم يتوب فيتوب اللّه عليه و إن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه» وراه ابن عيينة غير مرفوع.

و هذه الأحاديث لا تخلو من مناقشة فإنّ حفص بن عمر مجهول، و حديث العلل مرفوع، و السكوني و الدعائم تقدم البحث فيهما، و الجعفريات لم يعلم حالها، و مع ذلك فقد التزم فقهاء الإمامية بالجمع بينهما.

ففي مرآة العقول للمجلسي 349/2 يمكن حمل خبر الاستغفار على من لم تبلغه الغيبة و الاستحلال على ما لو بلغته، و الاستحلال أحوط ان لم يسبب الفتنة، و نقل الشيخ يوسف البحراني في الحدائق عن بعض الأصحاب حمل التحلل على ما إذا كان حيا و الاستغفار فيما لو مات.

و في مفتاح الكرامة ظاهر خبر حفص كفاية الاستغفار للحي و الميت، لأن الاستحلال ربما يثير الحقد و البغض و سوء الظن، و في الجواهر الظاهر ان الغيبة من حقوق اللّه تعالى و متعلقه الناس فيكفى التوبة المجزية عن المعاصي كلها، و تعلقها بالناس لا يتوقف على رضاهم فانه في المال دل الدليل الخاص على اشتغال الذمة لو لا الابراء، و خبر التحليل ضعيف السند و معارض بخبر الاستغفار و محمول على الاستحباب دون الفرض و لذا لم يذكر في الكفارات. انتهى.

و في حاشية الايرواني على المقام ان الجمع بين رواية السكوني و ما دلّ على الاستحلال اما ببلوغ المغتاب و عدم بلوغه أو بالتمكن من الاستحلال و عدمه كما دل عليه رواية الكافي، و دعاء يوم الاثنين تبرعي يحتاج إلى مساعد، و معه تكون أطراف المعارضة ثلاثة.

و أطلق نصير الدين الطوسي في التوبة من التجريد وجوب الاعتذار من المغتاب و لكن العلاّمة الحلي و القوشجي في شرحيهما عليه فصّلا بين بلوغ المغتاب و عدمه فعلى الاول يجب الاعتذار لأنّه أوصل إليه ضربا من الغم و على الثاني لا يجب الاعتذار و لا الاستحلال لأنّه لم يفعل به ألما و على النحوين يلزمه الندم، و إلى هذا ذهب الفاضل المقداد في شرحه على نهج المسترشدين للعلامة/ 206، و ظاهر العضدي في المواقف كفاية التوبة مع عدم بلوغ المغتاب لأنّه أوجب الاعتذار مع البلوغ، و علله الجرجاني في شرح المواقف 345/3 بأنّه أوصل إليه ضربا من الغم بخلاف ما إذا لم يعلم بالغيبة، و في الحالين يلزمه التوبة. انتهى.

و ظاهر النووي في الأذكار/ 278 و الغزالي في الاحياء 133/3 و ابن حجر الهيثمي لزم الاستحلال مطلقا، و نقل الآلوسي في روح المعاني 129/26 عن الخياطي و ابن الصباغ كفاية الندم و الاستغفار مع عدم البلوغ و نقل عنهما، و عن النووي و ابن المبارك و ابن الصلاح و الزركشي فيما إذا اغتاب امام جماعة انهم حكموا بالرجوع اليهم و تعريفهم بعدم حقيقة ما قال. انتهى.

و في الأذكار للنووي/ 279 في كفارة الغيبة الأظهر لزوم الاستحلال على التفصيل و لا يكفي الابراء على الاجمال كأن يقول: أبرأتك ممّا اغتبتني به، و إن قال بكفايته بعض أصحاب الشافعي.

.

1) الأحاديث الواردة في كفاردة الغيبة في الكافي على هامش مرآة العقول 348/2 بالاسناد إلى هارون بن الجهم عن حفص بن عمر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «سئل النبي صلّى اللّه عليه و اله ما كفارة الاغتياب‌؟ قال: تستغفر لمن اغتبته كلما ذكرته»، و في علل الشرايع للشيخ الصدوق/ 186 باب 346 عن اسباط بن محمد يرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه و اله «قال: الغيبة أشد من الزنا، قيل: يا رسول اللّه و لم ذاك‌؟ قال: أمّا صاحب الزنا يتوب فيتوب اللّه عليه، و أما صاحب الغيبة فلا يتوب اللّه عليه حتى يكون صاحبه الذي يحلّه».

و تحقيق المقام في جهتين: الاولى: فيما يقتضيه الأصل العملي، و حيث ان الشك في وجوب كل منهما شك في التكليف فالأصل البراءة منه، و ما تمسك به الشيخ الأنصاري قدّس سرّه لوجوب الاستحلال عند الشك فيه من استصحاب بقاء حق المغتاب - بالفتح - ما لم يستحل منه، غير تام لا لمجرد المنع عن جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية، بل لأن ما ثبت للمؤمن من الحق على المؤمن أن لا يغتابه(1)، فإذا خالف هذا الحق لم يثبت له حق آخر حتى يشك في بقائه بعد التوبة فيستصحب.

و بعبارة اخرى: ان قام الدليل على ثبوت حق في ذمة المغتاب - بالكسر - بسبب الغيبة فلا يشك في سقوطه بمجرد التوبة ليستصحب و إلاّ فلا يقين بحدوثه، فالاستصحاب لا مجال له.

و قد يتمسك لوجوب الاستحلال بقاعدة الاشتغال، و ذلك لأن المغتاب - بالكسر - بمجرد الغيبة استحق العقاب و قبل الاستحلال يشك في زواله، و العقل يستقل بتحصيل المؤمن اليقين لبقاء احتمال العقاب فيجب دفعه عقلا.

و فيه: عدم تماميته مع اطلاق أدلة التوبة، لأن قوله عليه السّلام: التائب من ذنب كمن لا ذنب له(2)

و المجلسي في شرح الاصول ضعف الحديث و لعله من جهة الكلام في يوسف بن السخت أبو يعقوب البصري المعدود في رجال الشيخ الطوسي من رجال العسكري عليه السّلام يروى عنه محمد بن سنان، فإنّ العلاّمة و ابن داود عدوه في القسم الثاني المعدود للضعفاء، و لكن الوحيد البهبهاني مال إلى صلاحه، و نقل المامقاني بترجمته في 335/3 رواية تدل على وثاقته و على هذا فأبو جعفر عليه السّلام هو الإمام الجواد عليه السّلام.

و مثله ما في الوسائل 481/2 في التوبة عن الباقر عليه السّلام «أكثروا من الاستغفار فانه ممحاة للذنوب»، و عن أمير المؤمنين عليه السّلام «عجبت ممّن يقنط و معه الممحاة. قيل: و ما الممحاة‌؟ قال: الاستغفار».

، ينفي احتمال الضر حتى في موارد حقوق الإنسان إلاّ أن يثبت دليل

1) في الكافي على هامش مرآة العقول 168/2 الحديث 5 باب اخوة المؤمنين بعضهم لبعض بالاسناد إلى المثنى الحناط عن الحرث بن المغيرة «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «المسلم أخو المسلم هو عينه و مرآته و دليله لا يخونه و لا يظلمه و لا يكذبه و لا يغتابه».

2) في الكافي على هامش مرآة العقول 414/2 عن يوسف بن أبي يعقوب بياع الأرز قال «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: التائب من ذنب كمن لا ذنب له و المقيم على الذنب و هو يستغفر منه كالمستهزء»، و رواه عنه في الوسائل 442/2 باب 84 وجوب التوبة.

على وجوب أدائه، و معه لا مجال لقاعدة الاشتغال.

فالصحيح كما ذكرنا من ان الأصل هو البراءة عن وجوب الاستحلال و الاستغفار له لعدم ثبوت حق للمغتاب - بالفتح -.

الجهة الثانية: فيما تقتضيه الأخبار الواردة في المقام، و ظاهر المصنف رضى اللّه عنه استفاضة الروايات في وجوب الاستحلال من المغتاب و لم نتحققها، فإنّ جملة منها واردة في مطلق الظلم و لم يقل أحد بوجوب الاستحلال في مطلق الظلم(1)، فلا بد من حملها على حكم أدبي أخلاقي.

و منها ما ورد فيمن اغتاب مسلما لم يقبل اللّه تعالى صلاته و صيامه(2)، و من


1) في مستدرك الوسائل 343/2 باب 78 عن دعائم الإسلام من حديث الصادق عليه السّلام «و من نال من رجل شيئا من عرض أو مال وجب عليه الاستحلال من ذلك».

2) في جامع الأخبار/ 81 ط هند، قال صلّى اللّه عليه و اله: «من اغتاب مسلما أو مسلمة لم يقبل اللّه صلاته و لا صيامه أربعين يوما و ليلة إلاّ أن يغفر له صاحبه. و الحديث مرسل و لم يذكره ابن حجر في الزواجر و لا ابن كثير في التفسير عند قوله تعالى: وَ لاٰ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ‌ و لا الغزالي في الاحياء مع انهم ذكروا ممّا ورد في الزجر عن الغيبة، و هذا الحديث رواه في مستدرك الوسائل 106/2 باب 132 عن جامع الأخبار.

الواضح عدم ارادة الفساد من عدم القبول بل معناه عدم احتسابه في ديوان الحسنات كما تشهد به آثار أهل البيت عليهم السّلام و قد ورد هذا المضمون في جملة من المعاصي بل و غيرها.

و منها ما ورد في خصوص الغيبة كقوله صلّى اللّه عليه و اله لأبي ذر: «و الغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها»(1)، و لكنّه لم يبلغ حد الاستفاضة، و على تقدير بلوغها فكلها ضعاف و من الواضح ان ضم الضعيف إلى مثله لا يؤثر في الحجية، و بالجملة لم نعثر على رواية معتبرة دالة على وجوب الاستحلال من المغتاب - بالفتح -(2).

و أما وجوب الاستغفار عنه فقد يستدل عليه بما رواه الشيخ الطوسي عن السكوني من ان كفارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته كما ذكرته، و في بعض النسخ «كلما ذكرته» و نوقش فيه بضعف السند بالسكوني، و هذا النص رواه الكليني في الكافي عن غير السكوني و لم نعرف الوجه في عدول الشيخ رحمه اللّه عما رواه الكليني إلى هذه الرواية(3)، و كيف كان لا تدل الرواية على الوجوب لعدم الأمر فيها


1) لم أجد الحديث عن أبي ذر، نعم رواه في علل الشرائع/ 186 باب 346 و صاحب الوسائل عنه في 238/2 عن اسباط بن محمد و تقدم ذكره، و رواه في مستدرك الوسائل 108/2 عن لب اللباب مرفوعا عن النبي صلّى اللّه عليه و اله، و فيه ص 106 عن جابر و أبي سعيد عنه صلّى اللّه عليه و اله.

2) تقدمت كلمات العلماء في ذلك.

3) لم أجد للسكوني رواية في الاستغفار كما لم يرو الشيخ الطوسي عنه ذلك، نعم في مجالس ابن الطوسي رواية السكوني عن الصادق ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أوصى أبا ذر في اجتناب الغيبة و نصرة المغتاب في الذب عنه، و في الوسائل 239/2 و 237 عن السكوني عن الصادق: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الاكلة في جوفه».

فيما استثني من الغيبة [1]

بالاستغفار، و انما الإمام عليه السّلام علم السائل طريق التخلص لمن أراده و بيّن كيفية الكفارة و لعلها تكون مستحبة.

و أما رواية الجعفريات عن النبي: «من ظلم أحدا ففاته أو فعابه فليستغفر اللّه فانه كفارة له»، فلا تدل على وجوب الاستغفار لأنها واردة في مطلق الظلم الذي لا يجب فيه الاستغفار و التخصيص بالغيبة يستلزم تخيص الأكثر، فلا مناص من حملها على حكم أخلاقي أدبي من باب مقابلة التعدي بالاحسان نظير ما ورد في الدعاء (39) من أدعية الصحيفة الكاملة و دعاء يوم الاثنين الملحق بها و المراد من قوله «فاته» بالفاء اخت القاف انّه فاته حفظ حرمة المؤمن بسبب انتقاصه فيكون بمعنى «عابه» بالعين المهملة و ليس المراد بالفوت عدم الوصول إلى المظلوم للاستحلال منه كما توهم.

المستثنيات من حرمة الغيبة

اشارة

[1] ذكر المحقق الكركي في جامع المقاصد: ان ضابط الغيبة كل ما يقصد به هتك عرض المؤمن و التفكه به و اضحاك الناس منه، و أما ما كان لغرض صحيح فلا يحرم كنصح المستشير و التظلم و سماعه لعدم صدق الغيبة عليه، و المبنى غير تام لجواز أن يكون له غرض عقلائي في غير الموارد المنصوصة.

ثم ان المصنف قدّس سرّه استدل على جواز الغيبة في موارد الاستثناء بالأخبار تارة، و بمزاحمة مفسدة الغيبة لمصلحة أهم منها اخرى.

و هذه المزاحمة إذا تحققت تعين الأهم منهما أو محتمل الأهمية فيحكم على طبقه و إلاّ فيحكم بالتخيير، لكنها جارية في جميع المحرمات فلا اختصاص لها

بالغيبة، مضافا إلى أنّ التزاحم قد لا يتحقق في جميع الموارد المستثناة كالمشورة، فإنّ بيان الواقع فيها لم يكن من الواجبات ليقع التزاحم بينه و بين حرمة الغيبة، فالاستدلال على هذه الموارد بالمزاحمة لا يتم، فلا بد من الرجوع في موارد الاستثناء إلى الأخبار.

الأول: المتجاهر بالفسق، فانه تجوز غيبته على تفصيل يأتي، و يدل عليه روايات:

منها: رواية هارون بن الجهم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له و لا غيبة»(1)، و المراد بالفاسق الملتوي عن جادة الشرع المتجاوز عن الحد، و من هذا الباب اطلاق الفويسقة على الفأرة، و يراد بالمتجاهر المعلن بهذا الانحراف عند الناس فلا يبالي بظهور فسقه.

و منها: قوله عليه السّلام: «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له»(2)، و المراد منه بمناسبة


1) في الوسائل 239/2 باب 154 عن مجالس الصدوق عن هارون بن الجهم «قال أبو عبد اللّه الصادق عليه السّلام: «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له و لا غيبة»، و في المستدرك 107/2 عن الراوندي في لب اللباب عنه صلّى اللّه عليه و اله: «ثلاثة لا غيبة لهم منهم الفاسق المعلن»، و عنه نوادره: «قال صلّى اللّه عليه و اله: أربعة ليس لهم غيبة منهم الفاسق المعلن بفسقه».

2) في مستدرك الوسائل 108/2 عن الاختصاص للمفيد و لب اللباب للراوندي عن الرضا عليه السّلام: «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له»، و أرسل الغزالي في احياء العلوم 133/3 عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له»، و في تخريج الاحياء بهامشه أخرجه ابن عدي و أبو الشيخ في كتاب ثواب الأعمال من حديث أنس بسند ضعيف و ضعفه ابن حجر في الزواجر 14/2.

الحكم و الموضوع عدم المبالاة بالمعاصي أمام الناس(1)، لا من ألقى ستر الحياء بينه و بين خالقه لثبوته في كل متمرد على أحكام المولى سبحانه، و لا من ألقى جلباب الحياء في الأمور العادية كالخارج من بيته حافيا حاسرا.

و منها: قوله عليه السّلام: «ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع، و الإمام الجائر، و الفاسق المعلن بفسقه»(2).

و منها: رواية عبد اللّه بن أبي يعفور(3)الواردة في العدالة و انّه يكفي فيها التستر فلا يجوز التفتيش عن سرائر من كان متسترا بين الناس.

و منها: قوله عليه السّلام: «من عامل الناس فلم يظلمهم و وعدهم فلم يخلفهم و حدثهم فلم يكذبهم كان ممّن حرمت غيبته و ظهر عدله و وجبت اخوته»(4)، فإنّ مفهومه ان


1) في شرح الارشاد للأردبيلي في القذف عند قول العلاّمة «و كل تعريض بما يكره المواجه» قال: إذا تظاهر الفاسق بالفسق و مع ذلك يتأذى بالقول له يا فاسق أو ذكره بين الناس بالفسق فيمكن المنع عن ذلك و كونه موجبا للتعزير أيضا، لعموم ما يدل عليه و على عدم جواز الغيبة إلاّ أن يكون المقصود من ذكره امتناعه بذلك عنه و عدم طريق أسهل إلى منعه منه، ثم قال: و يفهم من كلام الأصحاب عدم جواز ايذاء المخالف بل بعض الكفار. انتهى.

2) الوسائل 239/2 باب 154 عن أبي البختري عن الصادق عليه السّلام.

3) في الفقيه للصدوق/ 245 في عدالة الشاهد، و عنه في الوسائل 416/3 باب 41 قال ابن أبي يعفور «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: بم تعرف عدالة الرجل حتى تقبل شهادته‌؟ قال: أن تعرفوه بالستر و العفاف - إلى أن قال -: أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك و يجب عليه تزكيته و اظهار عدالته في الناس» الحديث.

4) الوسائل 237/2 باب 152 عن الكليني عن سماعة بن مهران، و في 417/3 باب 41 فيما تعرف به عدالة الشاهد.

من لم يجتمع فيه تلك الخصال، أي لم يكن متسترا جاز غيبته.

و منها: مفهوم قوله عليه السّلام: «من لم تره بعينك يرتكب ذنبا و لم يشهد عليه شاهدان فهو من أهل العدالة و الستر و شهادته مقبولة و إن كان في نفسه مذنبا، و من اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية اللّه تعالى داخل في ولاية الشيطان، و لقد حدثني أبي عن أبيه عن آبائه ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال: من اغتاب مؤمنا بما فيه لم يجمع اللّه بينهما في الجنة أبدا، و من اغتاب مؤمنا بما ليس فيه انقطعت العصمة بينهما و كان المغتاب في النار خالدا فيها و بئس المصير»(1).

هذا ما استدل به على جواز غيبة المتجاهر بالفسق، و الروايات الثلاثة الأول ظاهرة فيما استدل له، و أما الثلاثة الأخيرة فلا تخلو عن مناقشة.

فإنّ صحيحة ابن أبي يعفور واردة في بيان الطريق إلى معرفة العدالة و هو كون الإنسان ساترا لعيوبه فيحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك، و مفهومه ان لم يكن ساترا لعيوبه لا يحرم التفتيش و هذا من باب السالبة بانتفاء الموضوع، لأن من لم يكن ساترا لعيوبه فقد تظاهر بها و معه لا معنى للتفتيش عنه.

و أما مفهوم الروايتين الأخيرتين، و هما قوله عليه السّلام: من لم تره بعينك - الخ، و قوله عليه السّلام: «من عامل الناس فلم يظلمهم» - الخ، فتخيل ظهور المفهوم فيهما في جواز غيبة مطلق الفاسق و لو لم يتجاهر به و بالدليل خرج غير المتجاهر، إلاّ أن التأمل لا يساعد فيه، فإنّ قوله عليه السّلام: من لم تره بعينك، ظاهر في اعتبار عدم علم السامع بما يذكر له من العيوب و إلاّ فليس من الغيبة موضوعا كما سيتضح.


1) الوسائل 417/3 عن علقمة عن الصادق عليه السّلام.

و أما الرواية الاخرى، و هي قوله: من عامل الناس، فأشكل عليها أوّلا: بأن الجزاء مجموع الجمل المذكورة فالمنفي عند انتفاء الشرط مجموعها لا كلّ واحد منها، فلا ينافي ذلك ثبوت بعضها و حينئذ لا دلالة فيها على انتفاء حرمة غيبة من لم يكن واجدا لتلك الشروط.

و ثانيا: ان كلمة «من» ظاهرة في التبعيض فيكون المعنى ان الواجد لتلك الخصال بعض أقسام من تحرم غيبته فلا ينافي ذلك حرمة غيبة الفاقد لها لكونه من القسم الآخر الذي يحرم غيبته أيضا.

و لكن يرد على الأول: ان الشرط و إن كان مجموع الامور المذكورة في الجملة الشرطية إلاّ أن الجزاء بحسب الظهور العرفي كل جملة من المذكورات مستقلا، فإنّ ظاهر الجملة الشرطية ان كل ما يذكر في الجزاء بنفسه مترتب على الشرط و إلاّ يكون ذكره مستهجنا، و من هنا لا تصح الزيادة على هذه الجمل في الرواية فيقال و يحرم قتله و يوجب دفنه و الصلاة عليه مع ان المجموع من حيث المجموع مترتب على الشرط.

و يرد على الثاني: ان لفظ «من» و إن كان للتبعيض إلاّ أن التبعيض قد يكون من قبيل الجزء و الكل و قد يكون من قبيل الجزئي و الكلي، و ظاهر التعبير في الرواية بيان المصداق و إن المذكور من أفراد الطبيعي لا انّه قسم و هناك قسم آخر، و على هذا يحمل قوله عليه السّلام: «ان من الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه»(1)، فإنّ


1) معاني الأخبار للصدوق/ 57 باب 167، و في الوسائل 238/2 باب 152 عنه و عن أمالي الصدوق.

ظاهره بيان المصداق لا ان للغيبة قسمان و هذا قسم منه، فظهر ان دلالة الرواية على انتفاء الحرمة عن غيبة من لم يكن واجدا لتلك الشروط واضحة.

بقي الكلام في دلالتها على اختصاص الحرمة بغيبة العادل و جواز غيبة الفاسق مطلقا و لو لم يكن متجاهرا و تقريبه: ان من حدّث الناس فكذبهم و لو مرة و عاملهم فظلمهم و لو كان متسترا يدخل في المفهوم.

و فيه: ان العناوين المذكورة في الرواية ظاهرة في من كان دأبه ذلك فلا يعم من صدر منه خلافها أحيانا، و من الظاهر ان من كان دأبه الكذب في الحديث و الظلم في المعاملة لا محالة يشيع كذبه و ظلمه بين الناس و يكون متجاهرا فلا بأس بالاستدلال بها للمقام كما يستفاد منها مفهوم الغيبة أيضا و أنّه كشف الأمر المستور.

و أما قوله في رواية علقمة: «من لم تره بعينك يرتكب ذنبا و لم يشهد عليه شاهدان فهو من أهل العدالة» فحيث رتب فيه الحرمة على عدم رؤية الشخص يرتكب الذنب و لم تشهد البينة بذلك لم يمكن حمله على بيان من يحرم غيبته، لأن لازمه جواز غيبة من علم فسقه أو شهدت به البينة و إن لم يتجاهر به، فتختص حرمة الغيبة بالعدول و لا يمكن الالتزام به لمخالفته صريح الأخبار المفسرة للغيبة.

و منها: رواية داود بن سرحان «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الغيبة‌؟ قال: أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل و ثبت عليه أمرا قد ستره اللّه عليه لم يقم عليه فيه حد»(1)، و حينئذ لا بد من حمله على بيان معنى الغيبة و انها انما تتحقق إذا لم يعلم السامع الذنب بالوقوف عليها أو بشهادة البينة، فيكون معنى الرواية من لم تره بعينك


1) الكافي على هامش مرآة العقول 348/2، و عنه في الوسائل 238/2 باب 154.

يرتكب ذنبا و لم يشهد عليه شاهدان لا يجوز أن يغتابه أحد عندك و من اغتابه فهو خارج من ولاية اللّه تعالى، و مفهومها أن من علمت ارتكابه الذنب لا مانع من أن يذكر عندك به لأنّه لم يكن اظهار ما ستره اللّه حيث كنت عالما به فيكون خارجا عن موضوع الغيبة، فهذا الخبر كغيره من الأخبار الناظرة إلى بيان مفهوم الغيبة و هو كشف الأمر المستور.

و ليس معنى الخبر من لم تره يرتكب الذنب لا يجوز لك غيبته ليكون مفهومه إذا رأيته كذلك يجوز لك غيبته و ذكر ذنبه عند الناس، و هذا واضح جدا فالرواية أجنبية عما نحن فيه.

تنبيهات:
الأول: اعتبر بعضهم في جواز غيبة المتجاهر أن يكون بداعي النهي عن المنكر

الأول: اعتبر بعضهم في جواز غيبة المتجاهر أن يكون بداعي النهي عن المنكر، و حكى المصنف رحمه اللّه عن الشهيد الثاني احتمال اعتبار قصد النهي عن المنكر في جواز سب المتجاهر مع اعترافه بأن ظاهر النص و الفتوى عدمه(1)

و لم أجد في الروضة ما نسبه إليها، نعم ذكر في المسالك في عنوان هجاء المؤمنين ما نصه «خرج بالمؤمنين غيرهم فيجوز هجاؤه كما يجوز لعنه، و لا فرق في المؤمن هنا بين الفاسق و غيره، اللهم إلاّ أن يدخل هجاء الفاسق في مراتب النهي عن المنكر بحيث يتوقف ردعه عليه فيمكن يجوازه حينئذ ان فرض». انتهى.

، و اطلاقات الأدلة كما أفاده الشهيد (أعلا اللّه مقامه) تمنع اعتبار قصد النهي عن المنكر في غيبة المتاجهر

1) ذكر المصنف رحمه اللّه في عنوان سب المؤمنين ما لفظه «ثم انّه يستثنى من المؤمن المتظاهر بالفسق لما سيجيء في الغيبة من انّه حرمة له و هل يعتبر في جواز سبه كونه من باب النهي عن المنكر فيشترط بشروطه أم لا؟ ظاهر النصوص و الفتاوى كما في الروضة الثاني و الأحوط الأول». انتهى.

بالفسق و سبه، فانه لما بارز خالقه جل شأنه بالعصيان و تمرد على قدس أحكاه أسقط الشارع حرمة عرضه فيجوز للمؤمن سبه و غيبته على ما هو ظاهر قوله عليه السّلام «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له و لا غيبة»، و قد يؤدي التجاهر بالعصيان إلى حد يكون دمه مهدورا.

و بالجملة اطلاق أخبار استثناء المتجاهر يدفع اعتبار قصد النهي عن المنكر في جواز غيبة المعلن بالفسق، مع انّه لا معنى لقصد النهي عن المنكر هنا لأن المتجاهر لا يتأثر من ذكر ما تجاهر به ليرتدع بذلك.

الثاني: في مقدار ما يجوز به غيبة المتجاهر بالفسق هل هو خصوص ما تجاهر به أو يعم

الثاني: اختلفوا في مقدار ما يجوز به غيبة المتجاهر بالفسق هل هو خصوص ما تجاهر به أو يعم ما دونه من المعاصي أو عموم المعاصي على وجوه، فذهب صاحب الحدايق إلى الأخير لاطلاق الأدلة، و ذهب بعض إلى الأول نظرا إلى ان الأصل في المسلم هو الحرمة فلا بد من الاقتصار في رفع اليد عنه على المتيقن، و ذهب المصنف إلى التفصيل نظرا إلى دخول الداني في العالي.

و نقول لا وجه لما أفاده (نوّر اللّه ضريحه) فإنّ أدلة الاستثناء ان كان لها اطلاق فلا مناص من القول بجواز غيبة المتجاهر مطلقا، لأن اطلاق المخصص يتقدم على اطلاق العام، و إن لم يكن لها اطلاق فلا بد من الاقتصار على المتيقن.

و دعوى اندراج الداني تحت العالي، ممنوعة على اطلاقها و المسلم منها ما إذا كان الداني مدلولا للعالي تضمنا أو التزاما كالمتجاهر بالزنا، فإنّ ذكره به يستلزم ذكره باللمس و النظر و القبلة للملازمة بين هذه الأشياء، و أما إذا لم يكن بين الداني و العالي ملازمة فليس الداني مندرجا في العالي، فلا يجوز ذكره بالداني لكونه متجاهرا بالمعصية العالية، فالمتجاهر بقتل المؤمن لو كان متسترا بالنظر إلى

الأجنبية لا يجوز ذكره بأنّه ينظر إليها و إن كان ما تجاهر به و هو قتل المؤمنين أعظم معصية من النظر إليها.

و اذ لم يتضح دليل التفصيل يكون الأمر دائرا بين الاحتمالين الآخرين، و الصحيح منهما ما ذهب إليه صاحب الحدايق، لأن الأخبار الواردة في استثناء المتجاهر ظاهرة في التخصيص دون التخصص، و إذا اقتصرنا على المتيقن كما قبل كان خروجه تخصصا لا تخصيصا فإنّ ذكر المرء لما تجاهر به ليس فيه كشف لما ستره اللّه فلم يكن لاستثنائه و بيانه وجه صحيح، هذا و اطلاق تلك الأدلة يعم ذكر المتجاهر بجميع عيوبه، فكأن من كان معارضا لحكم المولى سبحانه بالتجاهر و لو بمعصية واحدة لا حرمة له و لا غيبة لأن اللّه تعالى ألقى حرمته بهذه الجرأة و التعدي.

الثالث: ان الموضوع في الأدلة هو المعلن بالفسق فلا بد من إحرازها

الثالث: ان الموضوع في الأدلة هو المعلن بالفسق فلا بد من إحرازهما و عند الشك في كونه متجاهرا لا يجوز الاقدام على غيبته، كما إذا رأينا أعمى يشرب الخمر في الطريق و احتملنا انّه تخيل عدم وجود أحد يراه فلا يصدق عليه التجاهر بالفسق، و مثله ما إذا لم نحرز كون ما يرتكبه معصية أو احتملنا لا يراه معصية لشبهة حكمية أو موضوعية.

: ان المجاهرة بالفسق من العناوين العرفية

الرابع: ان المجاهرة بالفسق من العناوين العرفية كالمتجاهر بالامور الخارجية فلا يراد به التجاهر عند عامة الناس أو جميع أهل بلده أو محلته فانه أمر لا يتحقق عادة، بل المراد من يذنب بلا اكتراث بالناس في مقابل من يتستر منهم فيجوز غيبته حتى عند من لا يعرفه كذلك و إن كان مستنكفا عن ظهور حاله لديه و يتأذى بذلك.

و من الغريب ان المصنف رحمه اللّه فرق هنا بين الغيبة و السب فيما إذا تأذى من اظهار العيب، فيجوز سبه بما لا يكون كذبا لكون السب مبنيا على المذمة و التنقيص و لا

الثاني: تظلم المظلوم [1]

تجوز غيبته إلاّ بمقدار الرخصة، لأن مبنى الغيبة على اظهار العيب للناس.

و فيه: انّه (أعلا اللّه مقامه) ذكر في مبحث السب ان دليل جواز سب المتجاهر ما ورد من انّه لا حرمة له و لا غيبة، فاذا يشترك السب و الغيبة في الدخول تحت دليل الجواز.

[1] و استدل لاستثنائه من عمومات النهي عن الغيبة و جواز اغتياب المظلوم لمن ظلمه بما ورد في تفسير الآية المباركة لاٰ يُحِبُّ اَللّٰهُ اَلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ اَلْقَوْلِ إِلاّٰ مَنْ ظُلِمَ‌ ، و أورد عليه بأنّه من رواية العياشي و القمي، و هو نبوي ضعيف و لا يرفع اليد به عن عمومات النهي عن الغيبة(1)

و التفسير الأول لم يسنده إلى النبي صلّى اللّه عليه و اله أو أحد الأئمة عليهم السّلام و الظاهر منه أنّه رواية لأنّه قال بعده: و في حديث آخر - الخ، و كل من العياشي و القمي لم ينقلا عن النبي صلّى اللّه عليه و اله تفسير الآية باغتياب المظلوم للظالم و إن لم يسلم مستندهما من الضعف.

.

و فيه: عدم الحاجة إلى هذه الأخبار الضعيفة، فإنّ نفس الآية الكريمة عليه دالة بعد ما ثبت ان الغيبة من مصاديق قول السوء، و مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي أن يكون لعنوان الظلم دخل في جواز غيبة الظالم فيجوز غيبته فيما ظلمه به لا في غيره، فلا يقاس الظالم بالمتجاهر الذي لا حرمة له و لا غيبة.

ثم ان دعوى اختصاص جواز غيبة الظالم بما إذا كان القول فيه سببا لتدارك


1) رواية العياشي عن الصادق عليه السّلام فسّر الآية فيمن أضاف قوما و أساء ضيافتهم فلهم أن يقولوا فيه، كما في تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني 260/1 و القمي علي بن ابراهيم بعد أن ذكر في تفسيره/ 145 انّه أطلق للمظلوم أن يعارض الظالم بالظلم، قال: و في حديث آخر: ان جاءك رجل و قال فيك ما ليس فيك من الخير و الثناء و العمل الصالح فلا تقبله منه و كذبه. انتهى.

ظلمه لا فيما إذا كان لمجرد التشفي، لعدم عموم في دليل الاستثناء فيقتصر في رفع اليد عن عموم حرمة الغيبة على المتيقن.

ممنوعة: فانه ان اريد من عدم عموم دليل الاستثناء العموم اللفظي فالأمر كذلك، و إن اريد الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة فهو ممنوع، لأن دليل الاستثناء مطلق يتمسك باطلاقه، و أما ما رواه العياشي في تفسير الآية من ان من أضاف قوما و أساء ضيافتهم فهو ممّن ظلم فلا جناح عليهم فيما قالوه فيه، فهو موافق لظاهر الآية و لا يستفاد منه جواز غيبة تارك الأولى كما توهم، فإنّ الاساءة إلى الضيف كناية عن هتكه في مقام الضيافة لا مطلق ترك الأولى، و هذا التعبير متعارف بين الناس مضافا إلى ضعف الرواية في نفسها و عدم ثبوت ضابط لترك الأولى.

و الوجوه الأربعة التي ذكرها المصنف رحمه اللّه تأييدا للاستدلال بالآية في المقام لا يتم شيء منها.

أما الأول: و هو الحرج في منع المظلوم عن الغيبة، فالوجدان على خلافه لكثرة ما نرى المظلومين واقفين عن غيبة من ظلمهم من دون حرج عليهم.

و الوجه الثاني: و هو كون غيبة الظالم مظنة لردعه عن الظلم و هي مصلحة خالية عن المفسدة، ممنوع صغرى و كبرى و إلاّ لزم غيبة غيره أيضا.

و الوجه الثالث: و هو التمسك بقوله عليه السّلام: «ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع، و الإمام الجائر، و الفاسق المعلن بفسقه» بتقريب: ان تعليق الحكم على الجائر ظاهر في ان العلة في عدم احترامه جوره لا تجاهره بالفسق فيجوز غيبة كل جائر.

فيه: انّه لم يرد بالامام الجائر الغاصب للخلافة فانه تجوز غيبته لعدم كونه

مؤمنا، كما لا يراد به ولاة الغاصبين لمنصب الإمامة لتجاهرهم بالفسق فلا وجه لاستثنائه في مقابل استثناء المتجاهر بالفسق و تثليث الأقسام، فالظاهر ان المراد بالامام الجائر من تصدى من المؤمنين لرئاسة قوم و ائتموا به فجارهم في الحكم و هذا خارج عما نحن فيه، و يشهد له انّه تجوز غيبته لكل أحد و لا يختص بالمظلوم، و المؤيد الرابع و هو النبوي «لصاحب الحق مقال»(1)

و نحوه في تيسير الوصول لابن الديبع 97/2 كتاب الدين بزيادة ان صاحب الحق قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: أوفيتني أوفاك اللّه، ثم قال: و أخرجه الخمسة إلاّ أبو داود، و يعني بهم البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و ابن تيمية في منتقى الأخبار على هامش نيل الأوطار للشوكاني 196/5 باب الزيادة عند وفاء الدين ذكر ما في تيسير الوصول، و لم يذكر قوله «ان لصاحب الحق مقالا»، و لكن في الشرح قال: و قد وقع في بعض ألفاظ الصحيح ان الرجل أغلظ على النبي صلّى اللّه عليه و اله فهم به أصحابه، فقال: دعوه فإنّ لصاحب الحق مقالا.

و في مبارق الأزهار لابن الملك شرح مشارق الأنوار للصغاني 147/1 عن عائشة و ذكر الحديث، و فيه «ان لصاحب الحق مقالا»، و في سنن ابن ماجة 79/2 باب حسن القضاء من أبواب الديون عن ابن عباس و ذكر الحديث، و في آخره «مه فإنّ صاحب الدين له سلطان على صاحبه حتى يقضيه»، و في تهذيب تاريخ ابن عساكر 306/2 بترجمة ابراهيم بن هشام المخزومي والي المدينة: ان رجلا لقيه فسلم عليه فتغير وجهه فسئل عنه قال ان له علي دينارا و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و اله: ان لصاحب الحق مقالا.

ضعيف دلالة و سندا.

و أما الاستدلال بقوله تعالى: وَ لَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ‌ الآية، فغير صحيح لأن


1) في صحيح البخاري 37/2 باب الوكالة في قضاء الدين، و في كتب الاستقراض و الديون / 51 و صحيح مسلم 639/1 باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه عن أبي هريرة «أتى رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه و اله يتقاضاه فأغلط له فهم به أصحابه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «دعوه فإنّ لصاحب الحق مقالا، ثم قال: اعطوه سنا مثل سنه. قالوا: يا رسول اللّه لا نجد إلاّ أمثل من سنه. فقال: اعطوه فإنّ خيركم أحسنكم قضاء».

و كذا لو لم يكن ما فعل به ظلما بل كان من ترك الأولى [1]

صدر الآية قرينة واضحة على ان مفادها جواز انتقام المظلوم من الظالم بالمثل كقوله تعالى: فَمَنِ اِعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ‌ ، و هذا لا يرتبط بجواز غيبة الظالم(1)

و عين هذا قول السدي في تفسير الآية بأنّه إذا قال له: أخزاك اللّه رد عليه بمثله، و إذا قذفه بالزنا بما يوجب الحد فليس له ذلك. و يحكى أبو حيان عن الجمهور ان المظلوم يرفع أمره إلى الإمام أو نائبه و لا ينتصر بنفسه من دون اذنه نقله عنه في روح المعاني 50/27، و في الفروع لابن مفلح الحنبلي 513/3 في التعزير ظاهر قول الحنفية لو تشاتم اثنان عزرا.

.

[1] استظهر المصنف رحمه اللّه شجواز الغيبة لذلك من روايتين:

الاولى: ما رواه حماد بن عثمان قال «دخل رجل على أبي عبد اللّه عليه السّلام فشكا إليه رجلا من أصحابه فلم يلبث ان جاء المشكو، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام ما لفلان يشكوك‌؟ قال: يشكوني اني استقضيت منه حقي. قال: فجلس أبو عبد اللّه عليه السّلام مغضبا ثم قال: كأنك إذا استقضيت حقك لم تسئ‌؟! أ رأيتك ما حكى اللّه تعالى و يخافون سوء الحساب أترى انهم خافوا اللّه ان يجور عليهم‌؟! لا و اللّه، ما خافوا إلاّ


1) ما ذكر في آيتي الانتصار و الاعتداء عليه الشيخ الطوسي في التبيان 558/2 و الطبرسي في مجمع البيان 34/9 ط صيدا، و ابن كثير في تفسيره 114/4 و الرازي في تفسيره 400/7 و الآلوسي في روح المعاني 47/25 فانهم ذكروا: ان المولى الجليل سبحانه شرع للمظلوم ان ينتصف من ظالمه بأخذ حقه و قيده بالمثل، فقال: جزاء سيئة سيئة مثلها، لأن النقصان عن المثل حيف و الزيادة عليه ظلم و التساوي هو العدل، فجاز للمظلوم الاقتصاص بالنفس و بالجوارح، و تسميته سيئة مع ان الشارع أجاز للمجني عليه الاقتصاص من الجاني للازدواج.

الاستقضاء فسماه اللّه تعالى سوء الحساب فمن استقضى فقد أساء»(1)فدل عدم ردع الإمام عليه السّلام الشاكي مع ان المشكو عليه لم يظلمه، و انما استقضاه دينه على جواز الغيبة لترك الأولى.

و فيه: ان من المحتمل ان المديون لم يكن متمكنا من الأداء، فكان استقضاء الدين منه ظلما عليه و هتكا له، بل لا بد و أن يكون كذلك و إلاّ لكان على الإمام أن يأمر المديون بأداء الدين لوجوبه عليه عند تمكنه منه، و لقد ورد عن النبي صلّى اللّه عليه و اله «لي الواجد يحل عرضه و عقوبته»(2)

و في صحيح البخاري 51/2 باب لصاحب الحق مقالا من كتاب الاستقراض قال و يذكر عن النبي صلّى اللّه عليه و اله: «لي الواجد يحل عرضه و عقوبته»، و في فتح الباري 39/5 بعد أن فسّر اللي بالمماطلة و الواجد بالغني قال وصل الحديث أحمد و اسحاق في مسنديهما و أبو داود و النسائي عن عمرو بن الشريد عن أبيه و ذكر الطبراني انّه لا يروى إلاّ بهذا الإسناد.

و في عمدة القاري للعيني 52/6 استدل بالحديث على حبس المديون إذا كان قادرا على الوفاء تأديبا له لأنّه ظالم و الظلم محرم و إن قل، و مع الاعسار منع الشافعي و مالك من ملازمة الغريم له و لم يمنع أبو حنيفة ملازمته.

.

الرواية الثانية: مرسلة ثعلبة بن ميمون المروية في الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:


1) رواية حماد بن عثمان في الكافي على هامش مرآة العقول 389/3، و التهذيب 63/2 في الديون، و عنهما في الوسائل 623/2.

2) في الوسائل 622/2: استشهد أبو الحسن الرضا عليه السّلام بقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «لي الواجد يحل عرضه و عقوبته ما لم يكن دينه فيما يكره اللّه تعالى»، و هذا الحديث ذكره النسائي في السنن 233/2 باب مطل الغني من كتاب الاستقراض، و ابن ماجة في سننه 80/2 باب الحبس في الدين عن عمر بن الشريد عن أبيه «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: لي الواجد يحل عرضه و عقوبته»، و رواه عنهما ابن الديبع في تيسير الوصول 96/2.

فيبقى من موارد الرخصة لمزاحمة الغرض الأهم صور تعرضوا لها، منها: نصح المستشير [1]

«كان عنده قوم يحدثهم فذكر رجل منهم رجلا فوقع فيه و شكاه، فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: و انّى لك بأخيك الكامل»، أي الرجل المهذب.

و فيه: أوّلا: عدم العلم بكون شكواه من جهة ترك الأولى أو لظلمه اياه أو لغير لغير ذلك.

و ثانيا: قوله عليه السّلام: انّى لك بأخيك الكامل، صالح للردع فكيف يقال انه عليه السّلام لم يردعه.

[1] الموارد التي استثناها المصنف قدّس سرّه على أنحاء:

منها ما يكون خارجا بالتخصص كذكر المؤمن الأعرج و نحوه، فانه لم يكن فيه كشف الأمر المستور فهذا خارج عن موضوع الغيبة، اللهم إلاّ أن يحصل التعيير بذلك فيحرم لأجله.

و منها ما يكون خارجا للمزاحمة بواجب أهم، كما لو توقف حفظ النفس على غيبة المؤمن فانه يتقدم عليها للأهمية، و أما مع تساوي مصلحة الواجب لمفسدة الغيبة فالتخيير، كما انّه تتقدم حرمة الغيبة إذا كانت المفسدة أقوى.

فالخروج على النحو الأول لأجل انتفاء الموضوع، و على النحو الثاني لأجل المزاحمة التي لا تختص بالغيبة، اذا فتعرض المصنف لهما بلا وجه.

و منها ما يكون خروجه بالتخصيص و هو على قسمين، لأن التخصيص قد يكون بعنوان عام غير مختص بمحرم دون آخر مثل عنوان الحرج و الضرر فإنّ جميع المحرمات تتخصص به، و قد يكون بعنوان خاص، و التعرض للأول في المقام بلا وجه لعدم خصوصية للغيبة فيه، بل الأولى الاقتصار على ما كان من الشق الثاني

و هو الخارج بعنوان خاص، إلاّ أن المصنف رحمه اللّه تعرض لجميعها و نحن نتبع أثره.

و نقول: أمّا «نصح المستشير» فإنّ لم يدل دليل على وجوبه فلا تجوز الغيبة فيه إلاّ إذا علم من الخارج أهمية مصلحة النصيحة من مفسدة الغيبة، كما إذا رأينا مؤمنا يريد السفر مع شخص نعلم باغتياله اياه في الطريق فإنّ الواجب من باب حفظ النفس نصحه و لو ابتداء و تحذيره من ذلك الشخص و إن استلزم الغيبة، لأن حفظ المؤمن أهم من مفسدة غيبة الفاسق و لو كان متسترا.

و أما بناء على وجوب نصح المستشير بعد الاستشارة، كما ربما يستظهر من الروايات(1)، فإنّ كان النصح متحدا مع الغيبة فلا محالة تقع المعارضة بين أخبار وجوب النصح و بين أخبار حرمة الغيبة بالعموم من وجه، و بعد سقوطهما في مورد الاجتماع بالمعارضة يرجع إلى أصالة البراءة عن الحرمة و الوجوب فتثبت الاباحة و إن كان النصح يتولد من الغيبة تكون المسألة من باب التزاحم فيتقدم الأهم، و إن لم يكن فالتخيير.

و الانصاف انا لم نعثر على ما يدل على وجوب نصح المستشير، فإنّ صاحب الوافي ذكر في باب المعاشرة و باب حقوق المؤمن أخبارا على طوائف ثلاث:


1) في الوسائل 208/2 باب 23 عن عمر بن يزيد عن أبيه «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «من استشار أخاه فلم ينصحه محض الرأي سلبه اللّه رأيه»، و في المستدرك للنووي 66/2 ممّا كتبه أبو عبد اللّه عليه السّلام إلى النجاشي «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال: من استشار أخاه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه اللّه لبه»، و في كتاب أمير المؤمنين عليه السّلام إلى محمد بن أبي بكر بمصر «و انصح لمن استشارك»، و في فقه الرضا «حق المؤمن أن يمحضه النصيحة في المشهد و المغيب كنصيحته لنفسه».

و منها: الاستفتاء [1]

الاولى: ما ورد في وجوب كون المؤمن بصدد الخير لأخيه، و هذه الطائفة لم يعمل بها، فانه لا يجب على المؤمن أن يكون دائما بصدد ايصال الخيرات للمؤمنين لعدم سعة الوقت لذلك.

و ثانيها: ما ورد في خيانة المؤمن اذ ائتمنه اخوه المؤمن و وكّل إليه أمره، و هذه أجنبية عن نصح المستشير.

و ثالثها: ما ورد أن من لم ينصح المؤمن إذا استشاره سلبه اللّه لبّه، و في رواية يسلبه رأيه، و هذا اللسان بالكراهة أشبه فإنّ اللّه سبحانه إذا أنعم على العبد بالعقل الكامل كان من شكر هذه النعمة العظيمة استعمال لبه و رأيه في نصيحة من جعله دليلا لمهماته، و إلاّ فقد كفر بهذه النعمة الجليلة.

فلا دلالة في شيء من الروايات على وجوب النصيحة، إلاّ انّه مع ذلك تجوز الغيبة إذا توقف عليها نصح المستشير بالسيرة القطعية و إلاّ لاختل النظام في باب المعاملات و الأنكحة و نحوها.

[1] استدل المصنف (أعلا اللّه مقامه) على جواز الغيبة في مورد الاستفتاء بروايتين.

الاولى: ما حكي عن هند زوجة أبي سفيان انها قالت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: ان أبا سفيان رجل شحيح و ليس عندي ما يكفيني، و ولدي إلاّ ما أخذت منه و هو لا يعلم.

فقال: خذي ما يكفيك و ولدك(1).


1) استدل به على ذلك النووي في الأذكار/ 274 و ابن حجر الهيثمي في الزواجر 12/2 و الغزالي في الاحياء 132/3، و في تخريج أحاديثه بهامشه ان الحديث متفق عليه عن عائشة، و ذكره ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 409/9 كتاب النفقات باب الرجل إذا لم ينفق فللمرأة أن تأخذ بغير علمه انّه يستفاد منه جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء، و جواز استماع أحد الخصمين غيبة الآخر، و جواز سماع صوت الأجنبية على القول بأنّه عورة، و جواز القضاء على الغائب لأن أبا سفيان لم يكن حاضرا عند النبي صلّى اللّه عليه و اله و جواز المقاصة من مال الظالم، و قبول قول الزوجة في قبض النفقة و انها مقدرة بالكفاية و إن العبرة فيها بحال الزوجة و إن نفقة الأولاد على الأب و إن المرأة تقوم بكفالة أولادها و إن نفقة خادمها على الزوج، ثم ذكر آراء الفقهاء في هذه الفروع.

الثانية: رواية عبد اللّه بن سنان عن الصادق عليه السّلام «ان رجلا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه و اله فقال: ان امي لا تدفع يد لامس» الحديث(1).

و وجه الاستدلال بهما ان ذكر الشح عيب و لم يردعها النبي صلّى اللّه عليه و اله كما لم يردع الرجل عن غيبة امه و احتمال تجاهر المرأة بما وصفها به ولدها مدفوع بالأصل.

و التحقيق في المقام: ان كان الاستفتاء واجبا للابتلاء به و لم يكن المستفتي متمكنا من الاستفتاء بنحو كلي لا يستلزم الغيبة، فتجوز من باب التزاحم لأهمية تعلم الحكم الالهي، و إلاّ فلا تجوز الغيبة كما هو واضح.

و حديث هند لا يصلح شاهدا لأن أبا سفيان لا تحرم غيبته، و لأنّه كان متجاهرا بما ذكرته هند مع انها كانت متظلمة عند النبي صلّى اللّه عليه و اله فلا ربط لذلك بالاستفتاء، و رواية عبد اللّه بن سنان قضية شخصية مع احتمال كون المرأة كافرة أو متجاهرة، و الأصل


1) روى الصدوق في من لا يحضره الفقيه/ 374 باب نوادر الحدود عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فقال: ان امي لا تدفع يد لامس. قال: فاحبسها. قال: قد فعلت. قال: فامنع من يدخل عليها. قال: قد فعلت. قال: قيدها فانك لا تبرها بشيء أفضل من ان تمنعها من محارم اللّه»، و رواه عنه في الوسائل 336/3 باب 48 جواز منع الام من الزنا، و فيه باب 43 عن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال «جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه و اله و قال: ان امرأتي لا تدفع يد لامس. قال: فطلقها. قال: يا رسول اللّه اني احبها. قال: فامسكها».

ردع المغتاب عن المنكر الذي يفعله [1]

القدح في مقالة باطلة [2]

و إن كان العدم إلاّ أن اصالة عدم تجاهرها لا تثبت لوازمها فلا يترتب عليها كون عدم ردع النبي صلّى اللّه عليه و اله لأجل الاستفتاء، فالتمسك بالأصل من الغرائب بل الظاهر من نفس الرواية كون المرأة متجاهرة بما ذكره ولدها، حيث لم تكن تدفع يد لامس حتى مع حرص ابنها على الانكار عليها فإنّ ذلك ملازم للتجاهر، هذا و من المحتمل عدم معرفة النبي صلّى اللّه عليه و اله بالرجل و لا بامه لكونهما من أهل البادية فتكون الغيبة لامرأة مجهولة أو كان صلّى اللّه عليه و اله عارفا بكل ذلك فلم يكن هناك كشف أمر مستور.

[1] الاستدلال على جواز الغيبة في هذا الحال بان ردع الشخص عن المنكر أولى من الستر عليه، و لأن اغتيابه حينئذ احسان إليه و أولى بالجواز من غيبته عند خوف الضرر الدنيوي عليه مخدوش، بأنّه لم يثبت كون حرمة الغيبة لمجرد حق المغتاب - بالفتح - لترتفع برضاه و كونها احسانا إليه مع انّه قد لا يرضى بها فتكون ظلما على المغتاب - بالكسر - و لا يجوز الاحسان إلى الغير بارتكاب المعصية.

فالصحيح عدم جواز ذلك كما لا يجوز ارتكاب غيرها من المحرمات للردع عن المنكر، إلاّ في موارد خاصة ورد الدليل على جوازها كالشتم و الضرب، نعم إذا كان المنكر من الامور المهمة التي يجب المنع عنها على كل مكلف بأي وجه كان كحفظ الدماء و الأعراض جاز دفعه بالغيبة لأهميته.

[2] لا إشكال في جواز غيبة المبتدع في الدين ليرتدع عن بدعته و ضلاله و لئلا يغتر به أهل الجهل، و انقاذ هؤلاء من مخالب الباطل أولى من غيبة شخص واحد و هتكه، و يشهد له حديث البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه السّلام: «ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع، و الإمام الجائر، و المعلن بفسقه»، و رواية داود بن

و منها: جرح الشهود [1]

و منها: من ادعى نسبا [2]

و منها: دفع الضرر عن المغتاب [3]

سرحان عن الصادق عليه السّلام عنه صلّى اللّه عليه و اله: «إذا رأيتم أهل البدع من بعدي فاظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبهم و القول فيهم و الوقيعة و باهتوهم»(1).

[1] جواز الغيبة في ذلك ثابت بالسيرة القطعية، فانه لو حرم بيان أحوال الفساق لابيحت الأعراض و الأموال على خلاف الموازين المقررة من الشارع الأقدس و ضاعت الحقوق و صارت طعمة للخائنين يتلمظون بها، و بعين هذا البيان يستثنى جرح الرواة فإنّ الأحكام الالهية أهم من الأموال و الأعراض.

[2] لا دليل على جواز الغيبة فيه، فيدخل في باب المزاحمة فإذا ترتب على دعوى النسب هتك عرض أو أكل مال مهم وجب على العالم ببطلان دعواه بيانه لتحفظ الأعراض و الأموال، و إن لم يترتب ذلك على دعوى النسب بأن كانت لمجرد غرض بسيط فلا تجوز الغيبة فيه.

[3] إذا كان ملاك حرمة الغيبة حفظ الاخوة بين المؤمنين فتجوز الغيبة لدفع الضرر عنهم، فانه احسان و معروف يسدى اليهم تقتضيه الاخوة، و كلام الإمام عليه السّلام مع عبد اللّه بن زرارة لا يستفاد منه اغتيابه عليه السّلام لزرارة، فإنّ غاية ما دل عليه تعريف الناس بعدهم عليهم السّلام عن زرارة حفظا لسلامته عند اولئك الذين تنطف سيوفهم من كل من يعرف منه الموالاة لأهل البيت عليهم السّلام، و اظهار انحرافهم عليهم السّلام عن زرارة و أمثاله لا يتوقف على الغيبة، بل لذلك أساليب من البيان يخرج بها الإمام عليه السّلام عن الغيبة


1) الحديثان في الوسائل 238/2 و 51.

و منها: ذكر الشخص بعيبه الذي صار بمنزلة [1]

يحرم استماع الغيبة [2]

و الكذب و الافتراء و تفيد السامع قطع وثائق المودة بينهما، و استشهاده صلوات اللّه عليه بخرق السفينة يؤكده، ثم يلحق بهذا الغيبة للتقية و دفع الضرر عن المغتاب - بالكسر - فانه يجوز للأهمية.

[1] الصفات المميزة للإنسان كالعرج و العور و نحوها خارجة عن موضوع الغيبة لأنّه لم يكن فيها كشف أمر مستور، فلا يحرم ذكرها إلاّ بعنوان الذم و الايذاء، و مثلها ذكر العيب لمن هو عالم به فانه لا كشف فيه عن أمر مستور.

حرمة استماع الغيبة
اشارة

[2] ظاهر المصنف رحمه اللّه عدم الخلاف في حرمة استماع الغيبة، و الظاهر عدم تمامية الدليل فإنّ روايات المستدرك مراسيل لا يعبؤا بها، و منها ما في مجموعة الشهيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الغيبة كفر و المستمع لها أو الراضي بها مشرك».

و منها: ما في تفسير أبي الفتوح عن النبي صلّى اللّه عليه و اله: «السامع للغيبة أحد المغتابين»(1).

و ما في جامع الأخبار قال عليه السّلام: «ما عمر مجلس بالغيبة إلاّ خرب من الدين فنزهوا أسماعكم عن استماع الغيبة فإنّ القائل و المستمع لها شريكان في الاثم»، و إن كان مع ارساله بمنزلة المسند لما ذكرناه من ان التعبير بلفظ «قال» الظاهر في الأخبار الجزمي لا يصح إلاّ مع وثوق الناقل بالصدور، إلاّ أنّه لم تثبت نسبة الكتاب إلى الصدوق(2)

و نقل في الرياض عن بعضهم انّه لصاحب مجمع البيان، و في ايقاظ الهجعة للحر العاملي انّه للحسن صاحب مكارم الأخلاق، و ذكر أيضا في اجازته للشيخ محمد مهدي المشهدي المذكورة في اجازات البحار/ 161، و اختار النوري انّه لأحد علماء القرن الخامس الذين زكاهم الشهيد في درايته، و في روضات الجنات بترجمة الشيخ عبد اللطيف بن علي بن أحمد بن أبي جامع العاملي في بعض المجاميع انّه للشيخ المفيد، و كأنه لما يوجد في بعض نسخه من التصريح بنسبته إلى محمد بن محمد المفيد الشهير بابن المعلم، و الظاهر انّه من خطأ النساخ فإنّ مصنفه من علماء القرن السادس كما يدل عليه روايته عن بعض المشايخ في شهر رمضان سنة 508 ه‍ انتهى الروضات.

.

1) في تخريج أحاديث احياء العلوم بهامش الجزء الثالث/ 127 في الغيبة من آفات اللسان (الحديث) رواه الطبراني من حديث ابن عمر و هو ضعيف.

2) ذكر النوري في الفائدة الثانية من خاتمة المستدرك و الباب الثاني عشر من كتابه نفس الرحمن اختلافا كثيرا بين العلماء في مصنف جامع الأخبار، فالظاهر من بعض أسانيده و صرح به السيد حسين المفتي الكركي انّه للصدوق، و احتمل المجلسي اعتمادا على فهرست منتجب الدين انّه لأبي الحسن علي بن أبي أسعد بن أبي الفرج الخياط، و اختار صاحب رياض العلماء انّه لمحمد بن محمد الشعيري، و في كتاب الرجعة للشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي انّه لجعفر بن محمد الدوريستي.

و ممّا استدل به ما ورد في حديث المناهي «و نهى عن الغيبة و الاستماع إليها» و كيف كان على تقدير تمامية دلالتها و سندها لا بد من تقييدها بما إذا تمكن السامع من الرد و لم يفعل، كما يشهد له ما في حديث المناهي «من تطول على أخيه في غيبة سمعها فيه في مجلس فردها عنه رد اللّه تعالى عنه ألف باب من الشر في الدنيا و الآخرة، فإنّ هو لم يردها و هو قادر على ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة»(1).


1) حديث المناهي في من لا يحضره الفقيه/ 360 و الأمالي مجلس 258/66، و روى في الوسائل 239/2 باب 156 أخبار كثيرة دالة على ان: من اغتيب عنده أخوه و هو يقدر على نصره و عونه و لم ينصره و يدفع عنه خذله اللّه في الدنيا و الآخرة، و في عقاب الأعمال عنه صلّى اللّه عليه و اله في حديث قال فيه «و من لم يرد عنه و اعجبه كان عليه كوزر من اغتاب».

فالسماع الاختياري انما يكون حراما إذا لم يرد السامع، و إلاّ فقد يكون مستحبا، و ذلك لأن روايات حرمة السماع بناء على اعتبارها تعم صورة الرد و عدمه و تختص بالاختيار، و رواية «من سمع غيبة أخيه فردها رد اللّه عنه ألف باب من الشر» تعم الاستماع الاختياري و السماع القهري و تختص بصورة الرد، فالنسبة بينهما عموم من وجه، ففي مورد الاجتماع يتساقطان و يرجع إلى اصالة الاباحة، و بملاحظة المرجح يكون الترجيح للثانية لقوة سندها و هذا ممّا يساعده الاعتبار، لأن حق الاخوة يلزم بالذب عنه، و أما السماع مع العجز عن الرد فلا يبعد الاستدلال على جوازه بمفهوم الشرط لتعليق الحرمة على عدم الرد مع التمكن، فالشرط مجموع الأمرين و ينتفي بانتفاء أحدهما.

و الاستدلال على حرمة سماع الغيبة بالنهي عن الجلوس في مجالس المعصية كالجلوس على مائدة يشرب فيها الخمر(1)

و عن الصدوق قال: قال الصادق عليه السّلام: «لا تجالسوا شراب الخمر فإنّ اللعنة إذا نزلت عمت من في المجلس»، و في الزواجر لابن حجر 164/2: الجلوس مع شراب الخمر و نحوه من أهل الفسوق و الملاهي المحرمة مع القدرة على النهي أو المفارقة عند العجز عن إزالة المنكر من الكبائر.

، و بالآية الكريمة فَلاٰ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرىٰ مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظّٰالِمِينَ‌ ، يرده عدم ورود النهي عن الجلوس في مجلس يعصى اللّه تعالى فيه على نحو الاطلاق، كما لم يرد دليل على حرمة سماع ما يكون حراما كالكذب.

1) الكافي على هامش مرآة العقول 99/4 باب 9 النوادر آخر حرمة الخمر عن عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «انّه سئل عن المائدة إذا شرب عليها الخمر أو مسكر؟ فقال عليه السّلام حرمت المائدة» الحديث، و في الوسائل 324/3 باب 33 رواه عنه.

دون ما علم حليتها [1]

تنبيه: بعد تسليم حرمة سماع الغيبة لا وجه للمناقشة في كونها من الكبائر

بعد تسليم حرمة سماع الغيبة لا وجه للمناقشة في كونها من الكبائر كنفس الغيبة، فإنّ مقتضى الأخبار تنزيل السماع منزلة الغيبة في الاثم فيلحقه حكمها من الحرمة و كونه كبيرة، فلا وجه لتفصيل المصنف رحمه اللّه(1).

[1] تحصل ممّا ذكرناه انّه لا دليل على حرمة سماع الغيبة، و على تقدير ثبوت الحرمة تكون مقيدة بصورة عدم الرد لما دل على حسن ردها، و المستفاد منه ان سماع الغيبة مع عدم الرد محرم سواء كانت الحرمة من جهة السماع أو من جهة عدم الرد.

ثم إذا جازت الغيبة للمغتاب - بالكسر - فهل يجوز للسامع الاستماع أيضا فيكون الاستماع تابعا للغيبة جوازا و منعا كما يستظهر ذلك من قوله عليه السّلام: «السامع أحد المغتابين» أم لا؟ الكلام في ذلك يقع في موردين، أحدهما: ما إذا جازت الغيبة للمغتاب واقعا، ثانيهما: ما إذا احتمل جوازها على المغتاب فحكم به تمسكا باصالة الصحة في فعله.

أما المورد الأول: أي إذا جاز الغيبة للمغتاب واقعا فجواز الاستماع في موضعين، أحدهما: فيما إذا كان ملاك الجواز مشتركا بين السامع و المغتاب كما إذا


1) في الزواجر لابن حجر 10/2 عن الاذرعي: السكوت على الغيبة رضا بها مع القدرة على دفعها يشبه أن يكون حكمه حكمها، نعم لو لم يمكنه دفعها يلزمه عند التمكن مفارقة المغتاب و قال الزركشي: السكوت عليها مع القدرة على الدفع كبيرة، و القول بأنّه صغيرة ضعيف أو باطل.

تجاهر المغتاب - بالفتح - بالمعصية، و ثانيهما: أن يكون دليل جواز الغيبة دالا بالملازمة العرفية على جواز سماعها كما في مورد التظلم، فإنّ الملاك و إن كان مختصا بالمظلوم دون السامع إلاّ أن جاز الغيبة للمظلوم مع الحرمة على السامع لغو لعدم ترتب الأثر من الانتقام و التشفي و الاقتصاص، و أما إذا لم يثبت الاشتراك في الملاك و لا ثبتت الملازمة العرفية فلا يجوز السماع و إن جازت الغيبة كما إذا اكره الإنسان على الغيبة، فإنّ الحرمة على المغتاب - بالكسر - و إن ارتفعت مع الاكراه لكنها ثابتة على السامع مع عدم الرد.

و أما المورد الثاني: و هو إذا حكم السامع بجواز الغيبة للمغتاب - بالكسر - من جهة اجراء اصالة الصحة في فعل المسلم، ففي جواز سماعها مع عدم الرد أو انّه يجب عليه الرد احتمالان، ظاهر المصنف رحمه اللّه هو الأول حيث زعم استلزام الرد هتك حرمة المغتاب مع احتمال جواز الغيبة له.

و فيه: ان للرد جهتين، أحدها: كونه ردعا عن المنكر، و ثانيها: كونه دفاعا عن المؤمن المغتاب - بالفتح - و بين العنوانين عموم من وجه، فإذا لم يحرز حرمة الغيبة فلا يجب الرد من الجهة الاولى، و أما من الجهة الثانية فيجب الرد و لا يلزم من ذلك التمسك بالعام في الشبهة المصداقية أي بعموم وجوب الرد في مورد احتمال ان لا يكون المغتاب ممّن يجب رد الغيبة عنه، لأن استصحاب عدم اتصافه بما يخرجه عن الاحترام لا يوجب دخوله في العموم، مضافا إلى انّه لو لا ذلك لزم حمل عموم دليل الرد على الفرد النادر و هو ما إذا أحرز عدم جاز الغيبة و لم تجر اصالة الصحة في فعل المغتاب - بالكسر -

ثم انّه قد يتضاعف عقاب المغتاب [1]

و اعلم انّه قد يطلق [2]

في بعض ما ورد من حقوق المسلم على أخيه [3]

[1] في بعض الروايات أخذ عنوان ذو لسانين، و المراد به أن يمدح الانسان

المؤمن في حضوره و يذمه في غيابه فيكون له لسانان من نار(1)، و مدح الإنسان و إن لم يحرم إلاّ انّه إذا انضم إليه ذمه في الغيبة اما سابقا أو لاحقا بنحو الشرط المتأخر يكون المدح قبيحا و محرما، فأحد اللسانين من النار يكون لمدحه و الآخر لذمه.

[2] ظاهر المصنف رحمه اللّه ان النسبة بين الغيبة و البهتان عموم من وجه، فقد يجتمعان فيكون عقاب الكذب و عقاب الغيبة، و لكنّه مبني على تعريف المشهور للغيبة ذكرك أخاك بما يكرهه، و أما على المختار من انّه كشف لما ستره اللّه فلا يجتمعان، لأن البهتان متقوم بالكذب و ليس فيه كشف أمر مستور أصلا، و على كل فلا اشكال في حرمة البهتان و بذلك صرحت الأخبار الكثيرة و في بعضها انقطعت العصمة بينهما(2)و ظاهره ان عقابه أشد من الغيبة، بل لم يرد مثله حتى في قتل النفس المحترمة.

[3] حمل المصنف رواية الكراجكي(3)الناصة على حقوق المؤمن على أخيه على


1) في الوسائل 235/2 باب 143 عن أبي جعفر عليه السّلام: «بئس العبد يكون ذا وجهين و لسانين يطرى أخاه شاهدا و يأكله غائبا»، و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «يأتي يوم القيامة و له لسانان من نار»، و عن علي عليه السّلام: «انقطعت العصمة بينهما».

2) في الوسائل 238/2 باب 152 عن الصادق عليه السّلام من حديث قال فيه «من اغتاب مؤمنا بما ليس فيه انقطعت العصمة بينهما» و في باب 153 عنه عليه السّلام «من بهت مؤمنا أقامه اللّه على تل من نار يوم القيامة حتى يخرج مما قال».

3) في الوسائل 229/2 باب 122 في وجوب أداء حق المؤمن.

الملتزم بها، و أما المضيع لتلك الحقوق فلا يلزم مراعاتها معه و تسقط بالتهاتر القهري لعدم اختصاصه بالأموال بل يجري حتى في الحقوق، و استشهد لنفي الاخوة عمن لم يراع حقوق أخيه المؤمن بما عن أبي جعفر عليه السّلام من تقسيم الاخوان إلى اخوان ثقة و اخوان مكاشرة فإذا كنت من أخيك على ثقة فابذل له مالك و يدك فانهم كالكف و الجناح و الأهل و المال(1).

و عن الوصافي عن أبي جعفر عليه السّلام: «قال لي: أ رأيت من كان قبلكم اذ كان الرجل ليس عليه رداء و عند بعض اخوانّه يطرحه عليه‌؟ قلت: لا. قال: فإذا كان ليس عنده ازار يوصل إليه بعض اخوانّه بفضل ازاره حتى يجد له ازار. قلت: لا. فضرب بيده على فخذه، و قال: ما هؤلاء باخوة»(2).

و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «لا تكون الصداقة إلاّ بحدودها و من لم يكن فيه فلا تنسبه إلى الصداقة - إلى أن قال -: في الخامسة و هي مجمع الخصال أن لا يسلمك عند النكبات»(3).

و في رواية ابن أبي عمير عن خلاد رفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه و اله: «أبطأ رجل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فقال له: ما أبطأك‌؟ قال: العرى. فقال صلّى اللّه عليه و اله: أمّا كان لك جار له ثوبان يعرك


1) الصدوق في الخصال 26/1 باب الاثنين و مصادقة الاخوان/ 2، و رواه عنهما في الوسائل 204/2 باب 3 كيفية المعاشرة مع الاخوان.

2) مصادقة الخوان/ 8 باب مواساة الإخوان بعضهم لبعض، و عنه في الوسائل 205/2 باب 14 مواساة الاخوان.

3) الوسائل 205/2 باب 13 مصادقة من يحفظ صديقه.

الخامسة عشر: القمار حرام اجماعا [1]

أحدهما؟ قال: بلى. قال: ما هذا لك باخ»(1).

و فيه: ان هذه الأخبار ظاهرة في نفي الاخوة الكاملة، و إن شئت فقل: نفي الصداقة و هي أخص من الاخوة، و لا دلالة فيها على تقييد ما دل على ثبوت الاخوة بمجرد الايمان، فلا حكومة لها على رواية الكراجكي و إلاّ فلا بد من القول بجواز غيبة من لم يكن جامعا لتلك الخصال لاختصاص حرمة الغيبة بالأخ كما في قوله تعالى أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ، و رواية يونس بن ظبيان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «اختبروا اخوانكم بخصلتين فإنّ كانتا فيهم و إلاّ فأعزب ثم أعزب المحافظة على الصلوات في مواقيتها و البر في الاخوان في اليسر و العسر»، أجنبية عن أداء الحقوق، فإنّ المراد من قوله عليه السّلام أعزب التجنب عن الصداقة التامة.

فتحصل: انّه لا دليل على التقييد و الاختصاص بأن ينظر المؤمن أخاه فإنّ قام بحقوقه قابله بمثلها و إلاّ فلا، نعم لا بأس بالقول باسقاط الحقوق بالتهاتر، فإذا لم يقم الأخ بحقوق أخيه لا ضير على الرجل إذا ترك حقوق من قصر معه مقاصة.

و أما ما ربما يقال: ان التكليف بأداء تلك الحقوق إلى جميع المؤمنين غير مقدور لعدم سعة الوقت له، فيه: ان كل واحد منها في نفسه مقدور عليه و إن لزم ذلك من مجموعها، و بعبارة اخرى نتيجة التكليف بغير المقدور لا بأس بها، فيدخل في باب التزاحم كما في بقية المستحبات المتزاحمة التي لا يتمكن المكلف من الجمع بينها.

حرمة القمار

اشارة

[1] الكلام هنا يقع في موردين، الأول: حرمة التكسب بآلات القمار، و الثاني:


1) مصادقة الاخوان للصدوق/ 8، و عنه في الوسائل 206/2 باب 14.

حرمة لعب القمار.

التكسب بآلات القمار

أما التكسب بها فلا اشكال في حرمته لدلالة الكتاب و السنة عليه(1)، و أما

اللعب بها

اللعب بها فالكلام فيه في مسائل:

الاولى: القمار بالآلات المعدة له مع المراهنة، و لا خلاف في حرمته و هو المتيقن من الأدلة لأن فيه أكل المال بالباطل، و قد قال سبحانه و تعالى في البقرة/ 188: وَ لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌ ، و قال في النساء/ 29: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ ، و قال تعالى في المائدة/ 91: إِنَّمٰا يُرِيدُ اَلشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدٰاوَةَ وَ اَلْبَغْضٰاءَ فِي اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌ ، و الميسر في هذه الآية و التي قبلها إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ‌ ، هو القمار كله كما قال أبو جعفر الباقر عليه السّلام: و يدخل فيه الشطرنج و النرد و غيرها حتى اللعب بالجوز(2).

فكما ان السكران يقدم على كثير من القبائح الملحقة للبغضاء و لا ينفعه الندم بعد ارتفاع السكر عنه، يكون المقامر مثله، فانه قد ينتهي به الحال إلى أن لا يبقى عنده شيء حتى يقامر على ولده و أهله(3)، فيتسبب من ذلك احتدام النفس على من غلبه و يشتد العداء إلى حد يرديه في التهلكة، و هذا يفارق التجارة المأمور بها


1) تقدم الكلام فيه.

2) تقدم الحديث فيه.

3) في الوسائل 546/2 باب 63 عن الكافي عن زياد بن عيسى قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قوله تعالى: وَ لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ؟ قال: كانت قريش يقامر الرجل بأهله و ماله فنهاهم اللّه تعالى عنه».

في الآية الكريمة فانه قد يتفق عدم الربح لصاحبها بل قد يترتب عليها الخسران المفرط، لكنها لا توجب معاداة البائع للمشتري كما هو الحال في القمار مع المراهنة.

اللعب بآلات القمار بلا مراهنة

المسألة الثانية: اللعب بآلات المعدة للقمار كالنرد و الشطرنج و نحوها بلا مراهنة، و استدل المصنف رحمه اللّه على حرمته بقوله عليه السّلام في روايات تحف العقول «و ما لا يجيء منه إلاّ الفساد محضا» الخ.

و فيه: أوّلا: ضعف سند الرواية و عدم ثبوت انجبارها بعمل الأصحاب.

و ثانيا: كون آلات القمار لا يأتي منها إلاّ الفساد مبنيا على حرمة جميع التقلب فيها، و أما لو فرض جواز اللعب بها لترويح النفس فليس ممّا لا يأتي منه إلاّ الفساد.

و كذلك لا يمكن الاستدلال على الحرمة بما ورد في حرمة القمار(1)

و في مستدرك الوسائل 436/2 في فقه الرضا: ان اللّه تعالى نهى عن جميع القمار، و في كنز العمال 332/7 ثلاث من الميسر: القمار و الضرب بالكعاب و الصفير بالحمام، و في سنن البيهقي 213/10 عن ابن عمر: الميسر القمار، و عن مجاهد.

لا من جهة

1) الأخبار الواردة في النهي عن القمار بعنوانّه ما في الوسائل 465/2 باب 63 تحريم كسب القمار عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «لا تصلح المقامرة و لا النهبة»، و عن محمد بن علي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه: لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ‌ نهي عن القمار»، و في المقنع للصدوق: و اجتنب الملاهي و اللعب بالخواتيم و الأربعة عشر و كل قمار فإنّ الصادقين نهوا عن ذلك.

الانصراف فانه قابل للمنع، بل لأن القمار متقوم عرفا بالمراهنة(1)، فلا يصدق على مجرد اللعب و لو بآلات القمار، و لا أقل من الشك فيه فيكون مجملا.

نعم العمدة في الدليل على حرمة اللعب بآلات القمار و لو بلا مراهنة الأخبار الناهية عن اللعب بالنرد و الشطرنج و نحوهما(2)، و اللعب بآلات القمار غير عنوان القمار، فانا و إن قلنا بأن عنوان القمار لا يتحقق إلاّ مع المراهنة إلاّ أن اللعب بآلات القمار يصدق و لو بلا معاوضة. و دعوى انصراف الأخبار إلى اللعب بها مع المراهنة كما عليه المصنف رحمه اللّه في غير رواية أبي الربيع و زرارة، ممنوعة لأن الانصراف انما يكون فيما إذا كان بعض الأفراد خارجا عن الطبيعي بنظر العرف كماء الكبريت الذي ينصرف عنه الماء لغلظته و كثافته، و اللعب بآلات القمار بلا مراهنة لم يكن من هذا القبيل، و كون اللعب بها مع العوض أكثر تحققا في الخارج لو سلم فلا يوجب الانصراف، بل اللعب بها بلا عوض أيضا كثير كلعب الأمراء و الملوك و نظائرهم ممّن لا يهمهم تحصيل المال، و انما الغرض تشحيذ الفكر و ترويح النفس مع ان التأمل قاض بأنّه لا فرق في عدم الانصراف بين رواية أبي الربيع و غيرها من الأخبار.


1) في القاموس: قامره مقامرة و قمارا فقمره كنصره، و تقمر راهنه فغلبه و هو التقامر، و في تعريفات الشريف الجرجاني: القمار أن يأخذ من صاحبه شيئا فشيئا في اللعب و في زماننا كل لعب يشترط فيه من المتغالبين أخذ شيء من المغلوب و هو ظاهر ابن فارس في مقاييس اللغة 26/2، و في الصحاح: قمرت الرجل إذا لاعبته فيه فغلبته، و في المصباح المنير قامرته عليه غلبته في القمار، و في أساس البلاغة: القمار خداع و قامرته غلبته.

2) في الوسائل 567/2 باب 130 عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال «نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عن اللعب بالشطرنج و النرد»، و في حديث المناهي «نهى رسول اللّه عن اللعب بالنرد و الكوبة و العرطبة».

ففي رواية أبي الربيع الشامي «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن الشطرنج و النرد؟ فقال:

لا تقربوهما»(1)، فإنّ القرب المنهي عنه كناية عن اللعب لا القرب المكاني، و عليه يكون المنهي عنه مطلق اللعب و إن كان بلا عوض، هذا مضافا إلى أنّ قوله عليه السّلام: «ما يقامر به ميسر»، أو «ما قومر به ميسر»(2)ظاهر في أنّ كل ما يقامر به من آلات يكون بمنزلة نفس العمل الذي أمر بالاجتناب عنه في الآية الكريمة و استدلال بذلك على حرمة اللعب بها مطلقا تام سواء قلنا بانصراف اللعب أو القمار إلى خصوص المشتمل على المراهنة أم لم نقل، و مثله خبر أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام و فيه «النرد و الشطرنج ميسر و كل قمار ميسر - إلى أن قال -: و كل هذا بيعه و شراؤه و الانتفاع بشيء منه حرام محرم»(3).

فإنّ المراد بالقمار هو الآلة المعدة له دون عمله بقرينة ما حمل عليه من حرمة البيع و الشراء.

نعم، ما استدل به المصنف رحمه اللّه على الحرمة بما ورد في اللهو و اللعب من أنّ المؤمن مشغول عنه(4)لا دلالة فيه على الحرمة، و إلاّ لزم حرمة الشواغل الدنيوية لصدق اللهو و اللعب عليها و لم يقل به أحد، و المتأمل لا يفوته الاذعان بأنّ لسان


1) الوسائل 567/2 تحريم اللعب بالشطرنج.

2) الوسائل 547/2 باب 63 تحريم كسب القمار/ 567 و 568 باب 130 تحريم اللعب بالشطرنج.

3) تفسير علي بن ابراهيم/ 168.

4) في الوسائل 567/2 عبد الواحد بن المختار، سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن اللعب بالشطرنج‌؟ قال: «إنّ المؤمن لمشغول عن اللعب».

هذه الأخبار بالأدب أشبه، فإنّها ظاهرة في الارشاد إلى أنّ أوقات المؤمن ثمينة لا تصرف إلاّ في طلب العلم أو الوعظ أو الكسب أو محاسبة النفس(1)

و سأل زرارة أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الشطرنج و لعبة شبيب التي يقال له لعبة الأمير و عن اللعبة الثلاث‌؟ فقال عليه السّلام: أ رأيتك إذا ميز الحق من الباطل مع أيهما تكون‌؟ فقلت: من الباطل. قال: لا خير فيه.

و في الفقيه/ 242 و التهذيب 75/2 في الشهادات عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «لا تقبل شهادة صاحب النرد و الأربعة عشر و صاحب الشاهين»، و في خصال الصدوق 112/1 عن أمير المؤمنين عليه السّلام «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله نهى أن يسلم على أربعة: السكران و من يعمل التماثيل و اللاعب بالنرد و الأربعة عشر، قال: و أنا أزيدكم الخامسة أنهاكم أن تسلموا على أصحاب الشطرنج». و في مستطرفات السرائر من جامع البزنطي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «بيع الشطرنج حرام و أكل ثمنه سحت، و اتخاذه كفر و اللعب به شرك و السلام على اللاهي به معصية و كبيرة موبقة، و الخائض يده فيه كالخائض يده في لحم الخنزير، و لا صلاة له حتى يغسل يده كما يغسلها من مس لحم الخنزير، و الناظر إليه كالناظر إلى فرج امه و اللاهي به و الناظر إليه في حال ما يلهى به، و السلام على اللاهي به في حالته تلك في الاثم سواء، و من جلس على اللعب به فقد باء مقعده من النار و اياك و مجالسة اللاهي المغرور بلعبه فانه من المجالس التي باء أهلها بسخط من اللّه تعالى يتوقعونه في كل ساعة فيعمك معهم».

و رواه الصدوق في الفقيه/ 371 في حد شارب الخمر بزيادة «و اللاعب بالنرد قمارا مثله كمثل من يأكل لحم الخنزير، و مثل الذي يلعب به من غير قمار مثل من يضع يده في لحم الخنزير أو في دمه، و لا يجوز اللعب بالخواتيم و الأربعة عشر و كل ذلك و أشباهه حتى لعب الصبيان بالجوز هو القمار، و اياك و الضرب بالصوالج فإنّ الشيطان يركض معك و الملائكة تنفر عنك، و من أبقى في بيته طنبورا أربعين صباحا فقد باء بغضب من اللّه عز و جل».

و بازاء هذه الأحاديث ما احتفظ به أهل السنة في جوامعهم من النهي عن الشطرنج و آلات القمار، ففي سنن البيهقي 212/10 في الشهادات خمس روايات عن أمير المؤمنين عليه السّلام ناهية عن الشطرنج، و جملتها: الشطرنج ميسر الأعاجم و لئن يمس جمرا حتى يطفأ خير له من أن يمسها و انّه التماثيل التي عناها اللّه تعالى بقوله مٰا هٰذِهِ اَلتَّمٰاثِيلُ اَلَّتِي أَنْتُمْ لَهٰا عٰاكِفُونَ‌، و صاحبه أكذب الناس، و قال عليه السّلام لجماعة رآهم يلعبون به: أمّا و اللّه لغير هذا خلقتم، و كان أبو جعفر عليه السّلام يقول: دعونا هذه المجوسية.

و في كنز العمال 332/7 و 333 عن أبي هريرة و ابن عباس عنه صلّى اللّه عليه و اله «لا تسلموا على الذين يلعبون بالشطرنج و إن سلّموا عليكم لا تردوا عليهم، فإنّ اللّه ينظر كل يوم ثلاثمائة و ستين نظرة لا ينظر فيها إلى صاحب الشطرنج، ان أصحاب الشاه في النار»، و في الزواجر لابن حجر 2 / 166 عن أبي هريرة عنه صلّى اللّه عليه و اله «الذين يلعبون بالشطرنج يأتيهم الشيطان بجنوده، فكل من ذهب ليصرف بصره عنه لكزه الشيطان فما زالوا يلعبون حتى يتفرقوا كالكلاب اجتمعوا على جيفة فأكلت منها حتى ملأت بطونها ثم تفرقت».

و في نيل الأوطار للشوكاني 80/8: ان عليا أمر بحرق رقعة الشطرنج و اقامة كل واحد ممّن لعب به معقولا على فرد رجل إلى صلاة الظهر.

و في سنن أبي داود 285/4 و سنن ابن ماجة 411/2 عن أبي موسى الأشعري عنه صلّى اللّه عليه و اله: «من لعب بالنرد فقد عصى اللّه و رسوله»، و عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال صلّى اللّه عليه و اله «من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزيره و دمه».

و هذه الأحاديث الكثيرة تطابقت في النهي الأكيد عن اللعب بآلات القمار و لو بلا عوض خصوصا الشطرنج التي هو التماثيل و الرجس من الأوثان، و لم يتباعد علماء الإمامية عما أفادته الأحاديث من حرمة أنواع القمار خصوصا النرد و الشطرنج و لو بلا عوض و مراهنة بأن كانت الغاية مجرد الحذق و ترويح النفس ذهب إلى ذلك الشيخ أبو جعفر الطوسي المتوفى سنة 460 في الخلاف و النهاية و المبسوط، و ابن ادريس المتوفى سنة 598 في السرائر، و المحقق الحلي جعفر بن الحسن بن يحيى المتوفى سنة 676 في الشرايع و مختصر النافع، و العلاّمة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر المتوفى سنة 726 في التذكرة و المنتهى و الارشاد و القواعد و التحرير.

و تابعه شارحي القواعد المحقق الكركي علي بن عبد العالي المتوفى سنة 940 في جامع المقاصد، و الفاضل الهندي محمد بن الحسن بن محمد الاصفهاني المتوفى سنة 1137 في كشف اللثام، و الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي المتوفى سنة 786 في الدروس، و الشهيد الثاني زين الدين علي بن أحمد العاملي المتوفى سنة 966 في المسالك، و الأردبيلي ملا أحمد المتوفى سنة 993 في شرح الارشاد، و الشيخ يوسف البحراني المتوفى سنة 1186 في الحدايق، و ملا أحمد النراقي المتوفى سنة 1244 في المستند، و الشيخ الأكبر كاشف الغطاء المتوفى سنة 1228 في شرح القواعد، ذكروا ذلك في المكاسب المحرمة و في كتاب الشهادات فيمن لا تقبل شهادته، و عباراتهم متفقة على ان اللعب بالشطرنج و جميع آلات القمار حرام و إن لم يقصد به المراهنة بأن كان الغرض مجرد الحذق و تشحيذ الخاطر أو اللهو.

و على هذا فقهاء المذاهب عدى الشافعي في الشطرنج و نصه في الام 216/6 فيمن لا تقبل شهادته لا نحب اللعب بالشطرنج و هو أخف من النرد، و في شرح الدر المختار للحصفكي/ 629 في البيع وافق الشافعي في اباحة الشطرنج أبو يوسف فيما إذا لم يقامر و لم يداوم اللعب به و لم يخل بواجب و إلاّ فحرام بالاجماع، و ظاهر الحصفكي اختيار التحريم مطلقا كشيخ الإسلام المرغيناني في الهداية 71/4، و في درر المنتقى على هامش مجمع الأنهر 198/2 نقلا عن الجواهر ان مجرد اللعب به قادح، و في الزواجر 166/2 الشطرنج عند أكثر العلماء كبيرة و إن خلا عن القمار.

و قال ابراهيم النخعي: اللاعب بالشطرنج ملعون، و فسر وكيع بن الجراح و سفيان قوله تعالى: وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلاٰمِ‌ بالشطرنج، و في المدونة الكبرى 76/4: كان مالك يكره أن يلعب بالشطرنج و يراه أشد من النرد و شهادة اللاعب به لا تقبل مع الأدمان، و في الموطأ 132/3 باب ما جاء في النرد قال يحيى: سمعت مالكا يقول لا خير في الشطرنج و كرهها، و سمعته يكره اللعب بها، و في شرح الزرقاني على الموطأ 356/4 المراد من كراهة مالك له التحريم، ثم نقل اجماع العلماء على تحريم الشطرنج و عليه الأئمة الثلاث.

و حكى مالك اجماع الصحابة على حرمته و هو أعرف بأقوال الصحابة من علماء الحديث، و في المغني لابن قدامة الحنبلي 171/9: الشطرنج كالنرد في التحريم، و في الفقه على المذاهب الأربعة 63/2 ذكر اتفاق الأئمة الثلاث على حرمة اللعب بالشطرنج بعوض أو بغيره، و الشافعية منعوا منه مع العوض، و النردشير اختلفوا فيه إلى أربعة أقوال ذكرها ابن حجر في الزواجر 166/2.

ثم لا يخفى ان العلاّمة قدّس سرّه نقل في نهج الصدق فصل 17 في القضاء المسألة 10 عن أبي حنيفة و مالك: ان اللعب بالشطرنج غير حرام لكن ترد به الشهادة، و قال الشافعي: غير حرام و لا ترد به الشهادة و قد خالفوا قول النبي صلّى اللّه عليه و اله حيث نهى عن اللعب بالشطرنج، و قال في مسألة 12: قال الشافعي: اللعب بالنرد ليس بحرام و لا ترد به الشهادة، و قد خالف قول النبي صلّى اللّه عليه و اله: من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزيره و دمه، و لعله أراد من نسبة عدم حرمة الشطرنج إلى أبي حنيفة و مالك أنّه كذلك عند من يذهب إلى قولهما و كذلك ما ذكره النرد.

.

1) استفاضت الأخبار عن النبي و أهل بيته عليهم السّلام في النهي عن اللعب بآلات القمار مطلقا حتى بلا عوض، روى الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 100/4 خمسة عشر حديثا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و أمير المؤمنين و الباقر و الصادق و الكاظم عليهم السّلام و جملتها «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله نهى عن لعب الشطرنج و النرد، و إن النرد و الشطرنج و الأربعة عشر بمنزلة واحدة و كل ما قومر عليه فهو ميسر، و النرد و الشطرنج هما الميسر و إن المقلب يده فيهما كالمقلب يده في دم الخنزير عليه أن يغسل يده، و المطلع في الشطرنج كالمطلع في النار و إن اللّه يغفر في شهر رمضان إلاّ ثلاثة: صاحب مسكر و صاحب شاهين و مشاحن، و إن الشطرنج من الباطل».

المراهنة بغير آلات القمار

المسألة الثالثة: المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدة للقمار كالمراهنة على حمل الشيء الثقيل و المسابقة بالأقدام و السفن و الطيور و المصارعة، و قد ادعي الاجماع و نفي الخلاف عن حرمته و صرح به السيد الطباطبائي، و صاحب الجواهر حمل ذلك على الحكم الوضعي أعني الفساد، و قد أجاد المصنف رحمه اللّه في الرد عليه فإنّ النافي للخلاف في المقام جعل مورد الخلاف المسابقة بغير رهان و لا معنى فيه للحرمة بمعنى الفساد، و المقابلة تقتضي كون الوفاق و الخلاف في الحكم التكليفي.

فالانصاف ان حرمة المسابقة مع الرهان مورد تسالم الأصحاب، و يمكن الاستدلال عليها مضافا إلى الاجماع بقول الصادق عليه السّلام في رواية محمد بن علي بن الحسين عليه السّلام: «ان الملائكة تنفر عند الرهان و تلعن صاحبه ما خلا الحافر و الريش و النصل»، و في رواية علاء بن سيابة «ان الملائكة تحضر الرهان في الخف و الحافر

و الريش و ما سوى ذلك فهو قمار» فانه يعم المراهنة بغيرها و لو بالآلات الغير المعدة للقمار، و في المتن سهو في نقل الروايتين، حيث جعل متن الثانية للاولى(1)، و خبر معمر بن خلاد عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام: «كل ما قومر به فهو ميسر»(2)، و خبر جابر عن أبي جعفر عليه السّلام: «قيل: يا رسول اللّه ما الميسر؟ قال: كلما تقومر به حتى الكعاب و الجوز»(3).

بل لا يبعد الاستدلال بما ورد في حرمة القمار، اذ لا معنى للقول بأن القمار لغة موضوع للمراهنة بخصوص الآلات المعدة له، فإنّ لازمه عدم تحققه في الآلات المخترعة حديثا للقمار و هو كما ترى، بل ربما يلزم منه الدور، فتأمل.

و ربما يتوهم من رواية محمد بن قيس الواردة في المواكلة جواز المراهنة بغير آلات القمار تكليفا و إن كان فاسدا وضعا من جهة عدم ردع الإمام عليه السّلام السائل عن ذلك و انما بين الفساد وضعا، و أجاب المصنف رحمه اللّه بأن السؤال انما هو عن الحكم الوضعي فالجواب كان على طبقه و لم يكن في مقام بيان الحكم التكليفي، ثم أمر بالتأمل.

و نقول: الظاهر ان الرواية أجنبية عن المراهنة، فإنّ موردها اباحة المالك ماله مشروطا بأكل جميع اللحم على نحو الشرط المتأخر، و هذه الاباحة نافذة، و إذا لم يتحقق الشرط خارجا لم تحصل اباحة الأكل و يبقى اللحم على ملك المالك فيستحق على الأكل المثل أو القيمة، نعم ما التزما به من دفع مقدار المال أكثر من


1) سيأتي مصدر الروايتين.

2) في الوسائل 567/2 باب تحريم اللعب بالنرد.

3) الوسائل 546/3 باب تحريم كسب القمار.

قيمة اللحم المأكول بلا ملزم، اذ لم يكن ببيع أو صلح ليكون نافذا لأنّه لا معنى لبيع العين معلقا على تلفها، و هذا أجنبي عن المراهنة.

و بالجملة لا ينبغي الاشكال في حرمة المراهنة مطلقا و لو بغير الآلات للتسالم على ذلك و اطلاق الأخبار و صدق القمار عليه فانه عبارة عن المغالبة مع المراهنة المعبر عنها «ببرد و باخت».

و أما رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السّلام: «قضى أمير المؤمنين في رجل أكل و أصحاب له شاة، فقال: ان أكلتموها فهي لكم و إن لم تأكلوها فعليكم كذا و كذا، فقضى فيه أن ذلك باطل لا شيء في المواكلة من الطعام ما قل منه و ما كثر و منع غرامته فيه»(1)، فهي أجنبية عن المراهنة كلية، فإنّ أكل في الرواية من باب المفاعلة لا من المجرد، لأن أكل من المجرد لا تتناسب مع فاء التفريع المذكورة بعدها و هي «فقال: ان أكلتموها فهي لكم» اذ لا معنى لهذا القول بعد تحقق الأكل، فلا بد أن يكون من باب المفاعلة(2)، فتكون مصدرة بهمزة قبل الألف و بعدها كاف ثم اللام و يراد من ذلك اجراء عقد المواكلة، و القرينة على هذا قوله عليه السّلام: «لا شيء في المواكلة»، و هذا العقد ينحل إلى عقدين أحدهما الاباحة المشروطة، و ثانيهما جعل


1) رواها الكافي على هامش مرآة العقول 237/4 باب النوادر من القضاء و التهذيب 88/2 أوائل الزيادات من القضاء، و عنهما في الوافي 169/9 المجلد الثالث باب قضايا غريبة، و الوسائل 216/3 باب 5 كتاب الجعالة.

2) في الصحاح و القاموس: أكلته ايكالا أطعمته، و أكلته مواكلة أكلت معه فصار أفعلت و فاعلت على صورة واحدة، و لم يجوز في الصحاح و أكلته بالواو، و أنكره الصاغاني كما في تاج العروس و جوزه في القاموس.

ثم ان حكم العوض من حيث الفساد حكم سائر الأموال المأخوذة بالمعاملات الفاسدة [1]

عوض خاص للشاة على تقدير عدم تحقق الشرط، و هذا الجعل و الالتزام فاسد شرعا كما حكم أمير المؤمنين عليه السّلام بنفى الغرامة المجعولة و لم ينف الضمان بالبدل الواقعي فليس هناك مراهنة و مغالبة.

[1] لا اشكال في حرمة ما يؤخذ من المال بالقمار لأنّه من أكل المال بالباطل و لو كان المالك راضيا به لأن طيب نفسه مبني على تلك المعاملة الفاسدة، و هي القمار التي لم يمضها الشارع، نعم لو علم طيب نفس المالك بأكل ماله مستقلا بلا أن يبتني على القمار جاز أخذه، فالمال المأخوذ بسبب القمار يكون كسائر الأموال المغصوبة في وجوب ردها على أربابها ان كانت موجودة و إلاّ فالمثل أو القيمة.

و هذا لا اشكال فيه إلاّ انّه ورد في رواية ان الإمام عليه السّلام أكل بيضا و لما قيل له ان الغلام قامر به تقيأ ما أكله(1)

و لذلك رماه المجلسي في الشرح بالجهالة، مع انّه لا يتفق مع عصمة الإمام عن كل رجس المنفي في آية التطهير، و استلزامه جهل الإمام بالمحرم و قد أودع اللّه تعالى فيه الخبرة العامة بالكائنات و ما يحدث في البلدان و يفعله العباد، و قد استفاضت الآثار به، و منها ما في مختصر البصائر/ 101 من قول الصادق عليه السّلام: «اني أعلم ما في السماوات و الأرضين حتى كأن الأشياء كلها نصب عيني»، و كأن أبو جعفر يقول لميسرة بياع الزط «إذا كان الجدران تحجبنا كما تحجبكم اذا لا فرق بيننا و بينكم» و من هذا حاله لا يخفى عليه أمر البيض، على ان الرواية لم تتعرض لقيمة التالف على المالك، و لقد أجاد في الجواهر حيث ردها بمنافاتها للعصمة التي هي الطهارة من الرجس.

، و ربما يستشكل في ذلك فإنّ البيض بعد الأكل صار

1) رواه الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 293/3 باب 39 النهبة و القمار الحديث الثالث عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد و أحمد بن محمد جميعا عن ابن محبوب عن يونس بن يعقوب عن عبد الحميد بن سعيد قال «بعث أبو الحسن عليه السّلام غلاما يشتري له بيضا، فأخذ الغلام بيضة أو بيضتين فقامر بها فلما أتى به أكله، فقال مولى له: ان فيه من القمار فدعا بطست فقاءه»، و في الحديث سهل بن زياد تكلموا فيه، و عبد الحميد بن سعيد من المجهولين.

تالفا أو بحكمه فيجب رد عوضه (لكن الظاهر) ان القيء لأجل أن لا يصير الحرام الواقعي جزءا من بدن الإمام عليه السّلام.

و قد يشكل على الرواية من جهة اقدام الإمام على الأكل و هو محرم واقعا و لم يفته العلم بالحرمة فانه ينافي المذهب، إلاّ أن هذا الاشكال يتجه بناء على تمامية مقدمتين:

الاولى: تسليم علم الإمام عليه السّلام فعلا بالموضوعات كالأحكام، و أما إذا قلنا بأن علمه بالموضوات ارادي فإذا أراد أن يعلم شيئا علمه، فلا مانع من الأخذ بالرواية و لا يلزم منه القدح في الإمامة من جهة الاقدام على أكل ما قومر به، و الروايات في علم الإمام عليه السّلام مختلفة و تحقيقة يتوقف على تتبع و فحص، و المصنف رحمه اللّه في بعض تنبيهات البراءة ذكر ان مقدار علم الإمام عليه السّلام و كيفيته لا يظهر من الأخبار ما يطمئن به لاختلافها كثيرا فنؤمن بما هو الواقع.

الثانية: كون(1)الإمام مكلفا بالعمل على طبق علمه بالواقع، و أما إذا قلنا بأن الواجب العمل على طبق علمه العادي لا بعلم الإمامة و إلاّ لوقعوا في حرج شديد كما هو ظاهر بعض الأخبار، مثل ما ورد ان أمير المؤمنين عليه السّلام كان يرش الماء على طرف ثوبه حين دخوله إلى بيت الخلاء و يقول «لا ابالي بعد ذلك»(2)

أما الحديث المذكور في المتن فالامامي لا يؤمن به بعد الاذعان للأئمة بأنهم يعلمون ما كان و يكون و ما هو كائن حتى كأن الأشياء نصب أعينهم على حد تعبير صادقهم عليه السّلام فمن أعطاه اللّه السعة في العلم لا يكون بدنه أو ساتره في الصلاة نجسا في الواقع، على اني لم أعثر عليه بعد الفحص في الاصول، و ما نقلناه عن التهذيب فمع ان رواية حفص بن غياث من قضاة العامة غاية ما يدل عليه المبالاة باصابته البول إلاّ مع عدم العلم به، و أما مع العلم بالبول كما يقتضيه علمهم العام فلا بد من التطهر.

، و في خبر

1) تقدم ما استفدناه من الأخبار في علم الإمام وسعته.

2) الموجود في التهذيب 72/1 باب تطهير الثياب من النجاسات عن حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه عن أبيه «ان عليا عليه السّلام قال: ما ابالي أبول أو ماء إذا لم أعلم»، و رواه عنه في الوسائل 200/1 «كل شيء طاهر حتى يعلم ورود النجاسة».

عن الصادق عليه السّلام: «اني أدخل السوق و أشتري اللحم و لا أظن هؤلاء السودان يسمون»(1)

و أبو الجارود زياد بن المنذر لم يوثقه علماء الرجال و ذكروا ما ورد من ذم أبي عبد اللّه عليه السّلام له، و التأمل في الحديث يوقفنا على ان الإمام عليه السّلام أراد تعليم الناس بشراء ما لم يعلم فيه الحرام، و أما نفسه فلا دلالة للرواية على شرائه المشتبهة بالحرام، فإنّ قوله عليه السّلام «اعترض السوق فاشترى اللحم و ما أظن كلهم يسمون» لا يفيد أزيد من عدم ظنه بتسمية جميع القصابين و انّه يشتري اللحم و الجبن و السمن من سوق فيه من يسمي و من لا يسمى، و أما شراؤه من مشتبه الحال فلا دلالة عليه فلعله كان يعلم بمن يسمي عند الذبح فيشتري منه.

، فحينئذ لا اشكال على الرواية، لأن الإمام انما أكل البيض عملا باليد أو باصالة الصحة في فعل المسلم.

1) روى البرقي في المحاسن 495/2 عن أبيه عن محمد بن سنان عن أبي الجارود قال «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الجبن، فقلت له: أخبرني من رأى انّه يجعل فيه الميتة‌؟ فقال عليه السّلام: من أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم ما في جميع الأرضين، إذا علمت انّه ميتة فلا تأكله، و إن لم تعلم فاشتر و بع و كل، و اللّه اني لاعترض السوق فاشتري بها اللحم و السمن و الجبن، و اللّه ما أظن كلهم يسمون هذه البربر و هذه السودان»، و رواه عنه في الوسائل 3 / 295 باب 61 جواز أكل الجبن و نحوه ما فيه حلال و حرام حتى يعلم الحرام بشاهدين.

و ما ربما يقال: كيف ارتكب عليه السّلام أمرا فيه المفسدة الواقعية و لو كان مباحا ظاهرا.

فيه: ان هذا الاشكال على تقدير تسليمه وارد على الشارع حيث جوز ذلك، و قد أجبنا عنه في بحث الاصول و قلنا بتدارك المفسدة بالمصلحة السلوكية أو غيرها من مصلحة التسهيل على النوع، و عليه فلا اشكال، و بالجملة حيث لم تثبت المقدمتان فلا اشكال في الأخذ بالرواية لعدم كونها مخالفة لاصول المذهب.

و أما قيء الإمام عليه السّلام للبيض لعله من جهة التنزه عن ان يكون ما قومر به جزءا لبدنه الشريف لا من جهة وجوب رد مال الغير كما توهم، فلا ينافيه كون جميع الأشياء ملكا للامام عليه السّلام بحسب الواقع كما يظهر من رواية من أتى بخمس ماله إلى الإمام عليه السّلام فقال له جميع ذلك لنا لا خصوص الخمس و لكن أبحناه لشيعتنا(1)، فالقيء لتنزيه بدنه الشريف عن القمار كامتناعه من أكل الزرع الذي يسقى من بئر وقعت فيه قطرة من خمر(2)، مع ان هذا الزرع لا اشكال في حليته و طهارته،


1) في الوسائل 67/2 باب 14 اباحة حصة الإمام للشيعة من الخمس عن الشيخ الطوسي باسناده إلى مسمع بن عبد الملك في حديث «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: اني كنت و ليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم و قد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، و كرهت أن أحبسها عنك و أعرض بها و هي حقك الذي جعل اللّه تعالى في أموالنا. فقال: ما لنا من الأرض و ما أخرج اللّه منها إلاّ الخمس، يا أبا سيار الأرض كلها لنا فما أخرج اللّه من شيء فهو لنا. قال: قلت له: أنا أحمل اليك المال كله. فقال لي: يا أبا سيار قد طيبناه لك و أحللنا لك منه، فضم اليك مالك، و كل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه يحللون و محلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم فإنّ كسبهم من الأرض حرام حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم فيخرجهم منها صغرة».

2) لم أجد هذا الحديث في الأصل.

الرابعة: المغالبة بغير عوض في غير ما نص على جواز المسابقة [1]

و التنزه عن أكله لا يختص بالامام بل ربما يصدر مثله عن بعض المؤمنين.

و ما ذكره المصنف رحمه اللّه في دفع الاشكال عن الرواية بأن التصرف من المحرمات العلمية لا نفهم له وجها لعدم الفرق بينه و بين سائر المحرمات الواقعية التي يكون تنجزها بالعلم، و الصحيح ما بيناه.

[1] هذا هو القسم الرابع من الأقسام المتقدمة، و المغالبة بغير رهان بغير آلات القمار تتصور في مثل المصارعة و المسابقة بالأقدام و نحوها، و قد استدل على حرمتها بوجوه:

الأول: الاجماع المنقول في التذكرة و غيرها.

و فيه: مضافا إلى عدم حجيته، انّه لم يثبت اتفاق على المنع من هذه المغالبة، بل السيرة قائمة على فعلها و المتشرعة يفعلونها في الأعياد و نحوها بمرئى من العلماء و المجتهدين الأبرار و لم يثبت عنهم المنع عنها.

الثاني: ما ورد من انّه لا سبق إلاّ في ثلاث: الخف و الحافر و النصل(1)

الأول: «لا سبق إلاّ في خف أو حافر أو نصل» رواه الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 377/3 عن الأشعري عن المعلى بن محمد عن الوشا عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق عليه السّلام و ضعفه المجلسي في الشرح و لعله من جهة الغمز في المعلى بن محمد. و رواه أيضا عن ابن أبي عمير عن حفص عن الصادق عليه السّلام، و حفص بن غياث القاضي من العامة أدرجوه في قسم الضعفاء، و حفص البصري مجهول. و رواه الحميري في قرب الإسناد/ 58 عن الحسين بن علوان عن الصادق عليه السّلام، و ابن علوان من رجال العامة أدرجه الجزائري في قسم الضعفاء من الحاوي.

الثاني: «ان الملائكة لتنفر عند الرهان و تلعن صاحبه ما خلا الحافر و الخف و الريش و النصل» رواه الصدوق في الفقيه/ 247 فيمن لا تقبل شهادته عن العلاء ابن سيابة عن الصادق عليه السّلام، و الطريق إليه صححه النوري في خاتمة المستدرك/ 623 عند ذكر مشيخة الفقيه قال: و العلاء و إن لم يذكر بمدح أو ذم إلاّ انّه ثقة لرواية ابن أبي عمير و أبان عنه و اعتماد الصدوق على كتابه.

الثالث: «ان الملائكة تحضر الرهان في الخف و الحافر و الريش و ما سوى ذلك فهو قمار حرام» رواه الشيخ الطوسي في التهذيب 86/2 في الشهادات عن موسى بن أكيل النميري عن العلاء بن سيابة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و هذه الروايات رواها عنهم في الوافي 26/9 المجلد 3 في الجهاد و الوسائل 660/2 كتاب السبق.

و الموجود من ألفاظ المسابقة في روايات أهل السنة أربعة:

الأول: «لا سبق إلاّ في خف أو حافر» رواه أحمد في المسند 256/2 و 385 و 425، و البيهقي في السنن الكبرى 16/10، و ابن ماجة في السنن 206/2 عن أبي هريرة، و في السند محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص ضعفه يحيى بن سعيد، و روى له البخاري مقرونا بغيره، تهذيب التهذيب 376/9.

الثاني: «لا يحل سبق إلاّ على خف أو حافر» رواه النسائي في السنن 206/2 عن أبي هريرة، و فيه أبو عبد اللّه مولى الجندعيين و هو كما في تهذيب التهذيب 150/12 عن الهذلي انّه نافع بن أبي نافع المرمي بالجهالة عند علي بن المديني كما في تهذيب التهذيب 410/10.

الثالث: «لا سبق إلاّ في خف أو حافر أو نصل» رواه البيهقي و النسائي و أبو داود السجستاني 29/3 عن أبي هريرة، و فيه ابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة في تهذيب التهذيب 306/9 يقول بالقدر، و فيه عباد بن صالح في تهذيب التهذيب 265/5 عن تاريخ البخاري الصغير انّه منكر الحديث، و رواه الطبراني عن ابن عباس كما في مجمع الزوائد للهيثمي 263/5 قال فيه عبد اللّه بن هارن الفروي و هو ضعيف بهذا الحديث غيره.

الرابع: «لا سبق إلاّ في حافر أو نصل أو جناح» رواه عن أبي هريرة الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 324/12، و فيه غياث بن ابراهيم يقول فيه ابن معين: كذاب خبيث غير ثقة و لا مأمون، قال الخطيب: و هذا الحديث رواه ابراهيم للمهدي العباسي و كان يحب الحمام الذي يجيء من البعد و على هذه الرواية أعطاه عشرة آلاف درهم و لما قام من المجلس قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله ما قال رسول اللّه جناح و لكنّه أراد أن يتقرب إليّ ثم أمر بالحمام فذبحت.

هذا شأن الأحاديث و لكن العلماء عملوا بها مضافا إلى الاجماع على جواز المسابقة.

و أما ألفاظ الحديث عند أهل اللغة:

«فالنصل» في الصحاح و القاموس السهم و السيف و السكين و الرمح.

«و الخف» في الصحاح واحد اخفاف البعير، و في تاج العروس عن المحكم يكون للنعام أيضا و سووا بينهما اما للتشابه أو انّه لا يكون إلاّ لهما.

«و الحافر» في القاموس مع التاج انّه واحد حوافر الدابة الخيل و البغال و الحمير.

«و الريش» في القاموس السهم الذي يلزق عليه الريش، و في أساس البلاغة ريشت السهم جعلت له ثلاث ريشات.

و أما الفقهاء فالمحقق في الشرايع قال: النصل هو السهم و النشاب و الحراب و السكين و السيف، و الخف الإبل و الفيلة، و الحافر الفرس و الحمار و البغل.

و الشافعي في الام 148/4 خص الخف بالابل، و النصل بكل ما ينكأ العدو، و الحافر بالخيل و البغال و الحمير، و لكن المزني في مختصره على هامش الام 217/5 نقل عن الشافعي تخصيص الحافر بالخيل، و النصل بالسهم و النشاب و هو اختيار ابن قدامة الحنبلي في المغني 652/8 و ابن مفلح الشيباني في الفروع 773/3، و في المحلى لابن حزم 354/7: الخف اسم يقع على الإبل و الحافر و الخيل و البغال و الحمير، و النصل السيف و الرمح و النبل.

.

1) ألفاظ المسابقة الواردة في أخبار الإمامية ثلاثة:

و فيه: عدم وضوح ارادة السبق بفتح السين و سكون الباء بمعنى المغالبة، لاحتمال أن يراد منه السبق بفتح السين و الباء بمعنى جعل المال رهنا، فيكون حينئذ أجنبيا عمّا نحن فيه و لا أقل من الاجمال فيرجع إلى البراءة.

الثالث: ما ورد من النهي عن اللعب و اللهو، و من تعليل حرمة اللعب و النرد و الشطرنج بكونه باطلا أو لعبا.

و فيه: مضافا إلى امكان كون المسابقة لغرض عقلائي فلا تكون من اللعب المبغوض، انّه لا شك في عدم حرمة اللعب مطلقا بحيث يشمل اللعب بالسبحة و الأصابع و اللحية.

القيادة حرام في الجملة [1]

الرابع: دعوى صدق القمار على المغالبة.

و فيه: انا مهما شككنا في شيء فلا نشك في عدم صدق القمار على المغالبة بغير عوض و بغير آلات القمار، فلا يقال للمتسابقين في السباحة انهما يقامران و لا للملاحين الذين يجرون السفينتين و يتسابقون انهم يقامرون، نعم لا يبعد صدقه على اللعب بآلات القمار من دون مراهنة بنحو من المسامحة للتشابه و نحوه كما قربنا كفاية المراهنة في صدقه و لو لم تكن بآلات القمار.

فالانصاف انّه لا دليل على حرمة المغالبة بغير عوض بل السيرة على جوازه.

[1] لا اشكال كما لا خلاف في حرمتها الموجبة للضرب عليها ثلاثة أرباع حد الزاني و هو خمس و سبعون جلدة و انها من الكبائر(1)

و لم أجد في جوامع أهل السنة التي عندي حدا للقيادة، نعم في الزواجر لابن حجر 42/2 قال: الكبيرة الثانية و الثمانون بعد المائتين الدياثة و القيادة بين الرجال و النساء و بين المرد، و ذكر من الأحاديث قوله صلّى اللّه عليه و اله: «ثلاثة حرم اللّه عليهم الجنة مدمن خمر و عاق و الديه و الديوث الذي يقر الخبيث في أهله» ثم نقل عن لسان العرب الديوث القواد على أهله و التدثيث هي القيادة.

و في المحكم الديوث الذي يدخل الرجال على حرمه بحيث يراهم، و قول صاحب اللسان أولا تختص الدياثة بالقيادة على الأهل، و ثانيا تشمل القيادة بين الرجال و النساء، و عند الرافعي و غيره انهما متغايران و الحاصل مع ترادفهما تكون الأحاديث الواردة في حرمة الدياثة شاملة للقيادة و إلاّ فالقيادة خارمة للمروءة، لأن حفظ الأنساب مطلوب شرعا، و في الطبايع البشرية ما يقتضيه ففاعل ذلك مخالف للشرع و الطبع و فيه اعانة على الحرام. انتهى الزواجر.

.

1) في الوسائل 438/3 باب 5 حد القيافة عن الكافي مسندا عن عبد اللّه بن سنان «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: اخبرني عن القواد ما حده‌؟ قال: لا حد على القواد أ ليس انما يعطى الأجر على ان يقود؟ قلت: جعلت فداك انما يجمع بين الذكر و الانثى حراما. قال: ذاك المؤلف بين الذكر و الانثى حراما. فقلت: هو ذاك‌؟ قال: يضرب ثلاثة أرباع حد الزاني خمسة و سبعين سوطا و ينفى من المصر الذي هو فيه» و رواه الشيخ الطوسي في التهذيب 407/2 في الحدود.

القيافة حرام في الجملة [1]

حرمة القيافة

اشارة

[1] و الكلام هنا في مقامين: الأول عمل القائف، و الثاني في ترتيب الأثر على قوله.

الأول عمل القائف

أما الأول: فالظاهر انّه لا بأس بعمل القائف لمجرد تحصيل العلم بالأنساب فانه على الظاهر لا بأس بتحصيل العلم بالنسب بأي نحو كان، و هذا العمل في نفسه لم يكن من المحرمات و لم يدل دليل على حرمته، و لو شك فالأصل الاباحة.

الثاني في ترتيب الأثر على قوله

و المقام الثاني: و هو ترتيب الأثر اعتمادا على قول القائف(1)

و القيافة و القافة جمع قائف، و هو الذي يتبع الآثار و يعرف شبه الرجل بأخيه و أبيه و يحكم بالنسب، و للقيافة عند العرب شأن و لا خلاف بين علماء الإمامية في حرمة تعلمها و تعليمها و إن اختلفوا بين من ظاهره اطلاق الحرمة كالعلامة في المنتهى و التذكرة و القواعد و التحرير و الارشاد و النهاية و ابن ادريس في السرائر و الشهيد في اللمعة و السبزواري في الكفاية و المقداد في التنقيح و السيد الطباطبائي في الرياض، و بين من قيد التحريم بما إذا رتب عليها محرم أو جزم بالالحاق بها كالشهيد في المسالك و الروضة و المحقق الثاني في جامع المقاصد و الأردبيلي في شرح الارشاد و الميرزا الكرباسي في المناهج و صاحب الجواهر فيها.

و استظهر صاحب الحدائق عدم الحرمة مستندا إلى حديث الرضا عليه السّلام مع اخوته في قصة ولده الجواد عليه السّلام، ورده في الجواهر بالقصور عن معارضة الاجماع و احتمال أن يكون قوله عليه السّلام: «ابعثوا أنتم إليهم» لبيان عدم المشروعية لا لدفع التهمة، بل لعل ذلك منه لعلمه بصدق القيافة هنا و استظهارا بما اقترحوه لاثبات الحجة عليهم، و إلاّ فلا يتخيل من له أدنى دراية بالشريعة عدم جواز الأخذ بها و العمل عليها على وجه تترتب عليه المواريث و الأنكحة وجودا و عدما بل مشروعية اللعان أوضح شيء على عدم اعتبار القيافة. انتهى.

و أما فقهاء السنة فمن عمل به استند إلى حديث عروة عن عائشة قالت «دخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري ان مجززا نظر إلى زيد بن حارثة و اسامة بن زيد، فقال: ان بعض هذه الأقدام لمن بعض» و قد كان زيد أبيض اللون و اسامة شديد السواد فإنّ امه ام أيمن سوداء، و قد احتفظ به أرباب الحديث في جوامعهم كأنه صك نزل به وحي السماء.

فرواه البخاري في صحيحه 105/4 آخر كتاب الفرائض باب القائف و مسلم في صحيحه 565/2 آخر كتاب الرضاع، و أبو داود السجستاني في السنن 280/2 كتاب الطلاق، و النسائي في السنن 108/2 كتاب اللعان باب القافة، و البيهقي في السنن 262/10 كتاب التداعي و البينات و الترمذي مع شرحه لابن العربي 290/8 آخر باب الولاء و الهبة بعد الوصايا و عنهم نقله ابن الديبع في تيسير الوصول 152/4 كتاب اللعان، و ابن تيمية في منتقى الأخبار كما في شرحه نيل الأوطار 239/6 كتاب اللعان و حكاه ابن دقيق العيد في أحكام الأحكام 72/4 عن أحمد.

و اختلفوا في العمل به، ففي عمدة القاري للعيني شرح البخاري 123/11 عمل على طبق الحديث أنس بن مالك و هو أصح الروايتين عن عمر و عطاء و مالك و الأوزاعي و الليث و الشافعي و أحمد و أبو ثور، و قال الكوفيون و الثوري و أبو حنيفة و أصحابه: الحكم بالقيافة باطل لأنها حدس و لا يجوز ذلك في الشريعة، و ليس حديث الباب حجة في اثبات الحكم به لأن اسامة ثبت نسبه قبل ذلك و لم يحتج الشارع في اثباته إلى قول أحد و انما تعجب من اصابة مجزز كما يتعجب من ظن الرجل الذي يصيب ظنه حقيقة الشيء و ترك النبي صلّى اللّه عليه و اله الانكار عليه لعدم تعاطيه ذلك في اثبات الحكم.

و في شرح النووي على ارشاد الساري 226/6 مورد العمل بالحديث فيما لو وطأ المشتري و البائع الجارية في طهر واحد قبل الاستبراء من الأول و جاءت بولد لستة أشهر من وطئ الثاني ولدون أربع سنين من وطئ الأول، فإذا ألحقه القائف بأحدهما ألحق، و إن أشكل عليه أو نفاه عنه ترك الولد حتى يبلغ فينتسب إلى من يميل إليه منهما، و إن ألحقه بهما فمذهب عمر بن الخطاب و مالك و الشافعي يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من يميل إليه، و قال أبو ثور و سحنون يكون ابنا لهما، و قال الماجشون و محمد بن مسلمة المالكيان يلحق بأكثرهما شبها. انتهى.

و هذه المسألة تذكر في كتب الحنابلة في المغني لابن قدامة 697/5 باب اللقيط و الفروع لابن مفلح 306/3 باب ما يحلق بالنسب، و زاد المعاد لابن القيم على هامش شرح المواهب اللدنية للزرقاني 367/7 و تعرض لها مالك في المدونة 359/2 كتاب الاستبراء بعد اللعان، و شرح الزرقاني على مختصر أبي الضياء في فقه مالك 110/6 باب الاستلحاق و تعرض لها علاء الدين الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع 244/6 في الدعوى و الشافعي في الام 265/6 باب دعوى الولد و تبعه ابن حجر في شرح المنهاج 318/4 و الفتاوى الفقيه 333/4 و أبو اسحاق الشيرازي في المهذب 443/1 في اللقطة فيما لو تداعى نسبه رجلان و الغزالي في الوجيز 64/12 باب دعوى النسب من كاب التداعي و البينات و ابن حزم في المحلى 435/9 في الشهادات.

و أبطل العمل بالقيافة أبو المحاسن يوسف الحنفي في المعتصر من مختصر مشكل الآثار للطحاوي 46/2 معللا بأن الإسلام رد أحكام الأنساب إلى الفراش مضافا إلى اختلاف أهل العلم فيه، فأبو حنيفة و الكوفيون لا يعملون به، و مالك يستعمله في الاماء دون الحرائر، و الشافعي فيهما فدل ذلك على عدم صحة الركون إليه، و ذكر ابن دقيق العيد ان الشافعي استفاد من هذا الحديث كفاية قول القائف الواحد.

ثم ان القائف في هذا الحديث هو مجزز بضم الميم و فتح الجيم و بعدها زاءان معجمتان مع تشديد الاولى و كسرها لقب به لأنّه كان يجز ناصية الأسير في الجاهلية و يطلقه نص عليه ابن حجر القسطلاني في ارشاد الساري 446/9 و العسقلاني في فتح الباري 44/12 و العيني في عمدة القاري 123/11 كلها شروح للبخاري و ساق نسبه النووي في تهذيب الأسماء و اللغات 82/2 فقال مجزر بن الأعور بن جعدة بن معاذ بن عتوارة بن عمرو بن مدلج الكناني المدلجي، و في الوجيز للغزالي 164/2 باب دعوى النسب: ان الذي يلحق الأنساب كل مدلجي مجرب، و في غير المدلجي إذا تعلم القيافة وجهان و التجربة بأن يعرض ولد بين ثلاثة أصناف من النساء ليس فيهن امه ثم صنف رابع فيهن امه فإنّ أصاب في الكل قبل قوله بعد ذلك. انتهى.

و أما حديث الولد للفراش و للعاهر الحجر:

فرواه الإمامية كما في الوسائل 94/3 في نكاح العبيد و الاماء باب 54 و 56 عن الكافي و التهذيب عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام و عن قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى الكاظم عليه السّلام.

و عند أهل السنة كما في عمدة القاري 402/5 انّه مروي في صحيح البخاري و مسلم و النسائي عن عائشة، و رواه أبو داود و الطحاوي عن عثمان بن عفان، و رواه مسلم و الترمذي و الطحاوي عن أبي هريرة و أبي إمامة، و رواه ابن ماجة و الشافعي في مسنده عن عمر بن الخطاب، و رواه الترمذي عن عمر بن خارجة، و رواه أبو داود عن عبد اللّه بن عمر، و رواه الطبراني في غدير خم عن زيد بن أرقم، و رواه النسائي عن عبد اللّه بن الزبير و عبد اللّه بن مسعود، و قال في فتح الباري 30/12 كتاب الفرائض: هذا الحديث أصح ما يروى عن النبي صلّى اللّه عليه و اله فانه جاء عن بضعة و عشرين صحابيا.

و تكلم ابن القيم في فقه الحديث فقال في زاد المعاد على هامش شرح الزرقاني على المواهب اللدينة 363/7 اختلف الفقهاء فيما تصير به فراشا على أقوال ثلاثة:

الأول: ما ذهب إليه أبو حنيفة من ان نفس العقد يسبب الفراش و إن علم انّه لم يجتمع بها بل لو طلقها عقيب العقد في المجلس.

الثاني: مذهب الشافعي و أحمد و هو العقد مع امكان الوطئ.

الثالث: مذهب ابن تيمية و هو العقد مع الدخول المحقق لا امكانه المشكوك فيه، قال ابن القيم: و هذا هو الصحيح المجزوم به، و إلاّ فكيف تصير المرأة فراشا مع عدم الدخول و كيف تأتي الشريعة بالحاق نسب من لم يبن بامرأته و لا دخل بها و لا اجتمع بها.

و في عمدة القاري للعيني 110/11 شذ أبو حنيفة فيما إذا عقد على امرأة و طلقها عقيب النكاح من غير امكان الوطء فأتت بولد لستة أشهر من وقت العقد فانه ألحقه بالزوج، و هذا خلاف ما جرى اللّه به العادة من ان الولد انما يكون من ماء الرجل و ماء المرأة.

و في هامش أحكام الأحكام 70/4 لابن دقيق العبد ان أبا حنيفة بنى على ان الفراش في حديث اسم للزوج و استند فيه إلى قول جرير «باتت تعانقه و بات فراشها» و بمجرد العقد صار الزوج فراشا فقوله صلّى اللّه عليه و اله: «الولد للفراش» أي للزوج. انتهى.

و في مقاييس اللغة لابن فارس 486/4 الفراش في الحقيقة المرأة لأنها هي التي توطأ و لكنّه اعير للزوج.

قلت: على هذا الأساس الواهي العاري عن القرينة التي لا تصح الاستعارة بدونها بنى أبو حنيفة فروعا كثيرة:

منها: إذا غاب الزوج غيبة طويلة و بلغ الزوجة خبر الوفاة فاعتدت ثم تزوجت من آخر و جاءت منه بأولاد ثم جاء زوجها الأول، فقد حكم أبو حنيفة بأن الأولاد للأول لأنّه صاحب الفراش.

و منها: لو وطئت امرأته بشبهة في طهر لم يصبها فيه و اعتزلها حتى أتت بولد لستة أشهر من حين وطء الثاني، فالأولاد عند أبي حنيفة للأول لأنّه صاحب الفراش.

و منها: لو تزوج مشرقي بمغربية و لم يجتمعا أصلا و جاءت بولد لستة أشهر من حين العقد فإنّ الولد يلحق بالزوج حتى لو طلقها عقيب العقد بلا فاصل، كما نص عليه في عمدة القاري.

و منها: لو تزوج رجلان اختين و زفت كل واحدة إلى زوج الاخرى اشتباها و وطأ كل منهما من زفت إليه و حملت فإنّ الولد للزوج المعقودة له، لأن الولد للفراش، نص على هذه الفروع و غيرها ابن قدامة في المغني 431/7.

و منها: لو كانت جارية بين ثلاثة أو أربعة و ادعوا الولد جميعا، فقال أبو حنيفة بثبوت نسبه اليهم فهو ابنهم جميعا و الجارية ام ولد لهم مستدلا بأن أصل الملك يثبت النسب من دون فرق بين أن يكون المالك واحدا أو أكثر، نص عليه الكاساني الحنفي في بدايع الصنايع 244/6 مسائل دعوى النسب.

و خالفه فقهاء الإسلام في جميع هذه الفروع. و من شذوذه عدم الالزام بالحد على اللواط خرقا للاجماع و صراحة الأحاديث «اقتلوا الفاعل و المفعول به» متأولا لها بالمستحل أو على أمر سياسي، و قد صرح علماء الحنفية بهذه الفتوى منهم ابن نجيم في البحر الوائق 16/5 و ابن همام في فتح القدير 150/4 و الكاساني في بدائع الصنائع 35/7 و شيخ زاده في مجمع الأنهر 603/1 في الحدود، و الشعراني في الميزان 135/2.

و قال ابن حزم في المحلى 186/7 مسألة 850: من عجائب الدنيا ابطال أبي حنيفة الحج بوطئ الرجل امرأته ناسيا لاحرامه و قد صح ان اللّه تعالى لا يؤاخذ بالنسيان، ثم لا يبطل الحج بتعهد القصد إلى أن يلوط في احرامه أو يلاط به فهل في الفضائح و القبائح أكثر من هذه المصيبة و أعجب شيء دعواهم الاجماع عليه. انتهى.

و الذي اعتقده ان الخضوع لوفر الخلفاء و أبنائهم و الوزراء و أمثالهم جرأ هؤلاء الفقهاء الشذوذ في الفقه الاسلامي، و اتخذوا ذلك ذريعة لسد رغباتهم، و سترا على اولئك المتمريدن على القوانين الالهية لئلا تشملهم الفضيحة و تجرح عواطفهم السنة العامة و الخاصة، و اني و إن لم أعثر على قرائن تصرح بذلك إلاّ أن ما يرويه ابن تغربردي في النجوم الزاهرة 263/5 و 532 يمكن أن يتعرف منه القراء سيرة الخلفاء و أبناءهم، و يقول ان الراشد بن المسترشد العباسي وطأ جارية و عمره تسع سنين فحملت منه فأنكر ذلك أبوه المسترشد، و لكن الجوار حلفن ان الجارية لم يصبها غيره و قال له الناس ان صبيان تهامة يحتلمون لتسع سنين فصدقهم. انتهى.

و في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي 158/8 قسم أوّل حوادث سنة 529 لما ولي الخلافة كان عنده نيف و عشرون ولدا لأنّه بلغ و له تسع سنين.

بالنسب، فالظاهر حرمته لأنّه عمل بغير علم في مقابل ما جعله الشارع من القواعد و الامارات من

1) وقع البحث هنا عن أمرين: القيافة و حديث الفراش:

كون الولد للفراش، مع عدم قيام دليل على حجيته فيعمه ما ورد من النهي عن العمل بغير العلم، فالمحرم هو ترتيب الأثر على قول القائف لا مجرد اتيانه.

و على ذلك يحمل ما ورد من المنع عن اتيان القائف كما في خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام المروي في الوسائل 545/2 باب 54 تحريم الكهانة و القيافة «قال عليه السّلام: من تكهن أو تكهن له فقد برأ من دين محمد صلّى اللّه عليه و اله. فقلت: فالقيافة‌؟ قال: ما أحب أن تأتيهم. و قيل: ما يقولون شيئا إلاّ كان قريبا ممّا يقولون. فقال: القيافة فضلة من النبوة ذهبت في الناس حين بعث النبي صلّى اللّه عليه و اله».

و مثله ما في اصول الكافي 323/1 حديث 14 طبع طهران عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن زكريا بن يحيى بن النعمان الصيرفي المصري «انّه سمع علي بن جعفر عليه السّلام يحدث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين فيما جرى لأبي الحسن الرضا عليه السّلام مع اخوته و عمومته في أمر الجواد عليه السّلام حين قالوا: ما فينا امام حائل اللون فبيننا و بينك القافلة. فقال عليه السّلام: ابعثوا أنتم إليه و أما أنا فلا و لا تعلموهم لما دعوتموهم إليه» الحديث.

و الخدشة فيه من وجهين: الأول: ان القافلة لما حضروا قالوا هذا عمه و هذا عم أبيه و هذه عمته، و ظاهره كون العمة مكشوفة الوجه فتأمل، و لا يليق ذلك بنساء أهل البيت عليهم السّلام حتى على القول بجواز كشف الوجه أو الكفين(1).

الثاني: ان أعمام الجواد عليه السّلام أجل شأنا من ان يتوهموا ذلك فيواجهوا الإمام به


1) هذا الحديث رماه المجلسي في مرآة العقول 237/1 بالجهالة، و ذلك لأن راويه زكريا ابن يحيى و لم يذكره أهل الرجال.

الكذب حرام [1]

فإنّ كان لا يرون الإمام إلاّ مجرد كونه عالما بالأحكام بحيث يكون حاله كالفقيه العالم بها، فلا يضر في هذا العلم سمرة اللون أو بياضه، و إن حسبوا الإمامة منصبا الهيا يختار اللّه تعالى لها زبد العالم و صفوة الخلق بعد نبي الإسلام لا يدانيه أحد في محاسن الأخلاق و جمال الخلقة فانكارهم على أبي الحسن الرضا صلّى اللّه عليه و اله في ابنه الجواد عليه السّلام رد للامامة المجعولة من المولى سبحانه، فكيف أنكروا عليه حتى رجعوا إلى القائف، فالأولى رد علمها إلى أهلها.

و كيف كان فحرمة الأخذ بقول القائف اجماعي، و أما ما حكي عن النبي صلّى اللّه عليه و اله من الاستناد إلى القيافة فغير ثابت بل ممنوع كما يظهر من صدر رواية زكريا بن يحيى.

حرمة الكذب

اشارة

[1] لا ريب في حرمة الكذب كما دل عليه قوله تعالى: (ألا لعنة اللّه على الكاذبين) مضافا إلى الأحاديث، و استدل المصنف على حرمته بالاجماع و بحكم العقل لكنّه غير تام، أمّا الاجماع فلمعلومية مدركه، و أما العقل فلأنه لا يستقل بقبح الكذب خصوصا إذا صدر عن غرض عقلائي، و لكن في الأحاديث الناهية عنه كفاية(1)

و من صفات الكاذب انّه شر الفساق و لا ايمان له، و يسود وجهه يوم القيامة و يتغير ريح فمه و يتباعد الملك عنه مسافة ميل، و يلعنه اللّه و يصل نتن ريحه إلى العرش فيلعنه حملته كما يلعنه ألف ملك، و يكتب عليه سبعين زنية أهونها كمن زنى مع امه و يغرس العداء في القلوب و لا يعتبر برأيه في المشورة، و أقل الخلق مروؤة و يسقط عن مقام الاخوة و لا يهديه اللّه إلى الحق، و قد نهي عن مصاحبته و يعذب في القبر بعذاب خاص و يخذله اللّه و هو أكبر العاصين. انتهى.

و قد نص على بعضها الحر العاملي في الوسائل 233/2 كتاب العشرة باب 138 تحريم، و النوري في مستدرك الوسائل 100/2، باب 120 في العشرة في السفر و الحضر، و في كنز العمال 126/2 و تيسير الوصول لابن الديبع 129/4 و مسند أحمد 131/3.

.

1) ذكر شيخنا النوري في اللؤلؤ و المرجان/ 91 بالفارسية ما استفاده من الأحاديث من صفات الكذب و الكاذب، فقال: ان من صفة الكذب عده من قول الزور و شر من الخمر و الحاقه به و بالقمار، و انّه يخرب الايمان و يمنع من طعمه، و أحد علائم النفاق و مفتاح بيت جشوة الخبائث، و هو من الفجور و أقبح الأمراض النفسانية و أعظم من الربا و يورث الفقر و من ابواب النفاق و أكبر الخبائث و من الكبائر و يهلك صاحبه و يحرمه من التهجد و الرزق و يسلبه البهاء و يبعده عن الايمان.

و لا اشكال في كونه من الكبائر لما رواه الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السّلام في كتابه إلى المأمون «الايمان أداء الأمانة و اجتناب الكبائر و هي قتل النفس التي حرمها اللّه و الزنا و السرقة - إلى أن قال -: و الكذب»(1)، و في رواية الأعمش عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «و الكبائر محرمة و هي الشرك باللّه - إلى أن قال -: و الكذب»(2).

و الأخبار التي ذكرها المصنف رحمه اللّه للاستدلال على كونه كبيرة لا دلالة فيها عليه فإنّ رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «ان اللّه تعالى جعل للشر أقفالا و جعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب و الكذب، و الكذب شر من الشراب»(3)، و إن نصت على كون الشراب مفتاح الشر لأنّه يزيل العقل فيكون صاحبه كالمجنون لا يدري ما يصدر منه و قد وقع ممّن تمكن السكر منه مفاسد خطرة أدت إلى الهلكة في النفس و المال، إلاّ انّه لا يلزم ممّا هو مفتاح الأخطار أن يكون من الكبائر فكذلك


1) عيون أخبار الرضا عليه السّلام للصدوق/ 264 و هذه القطعة/ 269، و عنه في الوسائل 464/2 في جهاد النفس باب 45 تعيين الكبائر.

2) الخصال للصدوق 150/2، و عنه في الوسائل 265/2 باب تعيين الكبائر.

3) الكافي على هامش مرآة العقول 324/2 باب الكذب، و عقاب الأعمال للصدوق 26 عقاب شرب الخمر، و عنهما في الوسائل 233/2 تحريم الكذب من جهاد النفس.

ما هو شر منه.

و أما ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و اله: «من أن المؤمن إذا كذب لعنه سبعون ألف ملك و كتب عليه بتلك الكذبة سبعين زنية أهونها كمن يزني مع امه»(1)، فلا يعبأ به، فانه مضافا إلى أن رواية قتادة عن أنس اشتمل على ما لا يؤمن به العقل، فإنّ الكذبة الواحدة التي لا يترتب عليها مفسدة اخرى كيف يترتب عليها من العقاب أكثر من شرب الخمر أو الزنا بتلك الخصوصية، مع انّه لا خلاف كما لا اشكال في تعين الكذب إذا دار الأمر بينه و بين شرب الخمر أو الزنا.

و ما عن العسكري عليه السّلام: «جعلت الخبائث كلها في بيت واحد و جعل مفتاحها الكذب» لا يستلزم كونه كبيرة، و قوله تعالى: إِنَّمٰا يَفْتَرِي اَلْكَذِبَ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ‌ ، و إن قرنه بالكفر و جعل الكاذب غير مؤمن إلاّ ان المراد منه بقرينة ما قبله من الآيات الافتراء على اللّه تعالى، و طبعا المفتري على اللّه بما لم ينزله ملحق بالكافرين و الكذب الصادر منه من أعظم الكبائر فهو خاص بجماعة هذا شأنهم، و أين هذا من جعل الكذب بنفسه من الكبائر.

ثم ان المصنف رحمه اللّه اختار كون الكذب مطلقا من الكبائر لا خصوص الكذب على اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و اله لاطلاق روايتي الفضل بن شاذان و الأعمش مؤيدا بما جاء في وصية النبي صلّى اللّه عليه و اله لأبي ذر الغفاري: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك الناس»(2).


1) مستدرك الوسائل 100/2 عن جامع الأخبار.

2) وصية النبي صلّى اللّه عليه و اله لأبي ذر الغفاري ذكرها الشيخ الطوسي في المجالس الملحق بمجالس ولده/ 334، و فيها قال صلّى اللّه عليه و اله: «يا أبا ذر ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم و ويل له و ويل له و ويل له».

و التحقيق ان يقال: ان روايتي الفضل بن شاذان و الأعمش و إن كان ظاهرهما كون الكذب مطلقا من الكبائر، إلاّ ان رواية أبي خديجة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام نصت على ان الكذب على اللّه تعالى و على رسوله و على الأوصياء من الكبائر، و لا يبعد ظهورها في الحصر بمفهوم العدد، فاذا يتقيد ظاهر روايتي الفضل بن شاذان و الأعمش برواية أبي خديجة، مضافا إلى ان الروايتين واردتان في عد الكبائر و ليس لهما اطلاق فيما عدته من الكبائر لأنهما لم يكونا في مقام البيان من هذه الجهة، و غاية ما يفيد انّه كون الكذب كبيرة في الجملة، و المتيقن كون الكبيرة ما كان منه على اللّه و رسوله و الأوصياء فلا دليل معتد به على كون الكذب باطلاقه كبيرة(1)

الاولى: روايتي الفضل بن شاذان و الأعمش فانهما نصتا على كون الكذب من أفراد الكبائر.

الثانية: رواية الكليني في الكافي كما في الوسائل 233/2 باب الكذب على اللّه و رسوله بالاسناد إلى أبي خديجة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «الكذب على اللّه و على رسوله من الكبائر».

الثالثة: ما في محاسن البرقي 118/1 عن أبي خديجة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «الكذب على اللّه و رسوله و على الأوصياء من الكبائر».

و مسألة تكفير من يكذب على اللّه و رسوله محل الكلام و إن ذهب أبو محمد الجويني إلى الكفر، إلاّ ان الجمهور خالفوه، قال ابن حجر في الزواجر 80/1: تعمد الكذب عليهما في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض و انما الكلام في الكذب عليهما فيما سوى ذلك، و تنظر فيه الحافظ العسقلاني في فتح الباري 145/1 باب اثم من كذب عليه صلّى اللّه عليه و اله، و قال العيني في عمدة القاري 550/1: حديث النبي صلّى اللّه عليه و اله: «من كذب علي فليتبوء مقعده من النار» فيه دلالة على تعظيم حرمة الكذب عليه و انّه كبيرة.

و المشهور ان فاعله لا يكفر خلافا لامام الحرمين، و انّه لا فرق في تحريم الكذب عليه في الأحكام و السنن و المكروهات، و حكي على القرطبي ان بعض فقهاء العراق استجاز نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول اللّه نسبة قولية و حكاية فعلية، فيقول في ذلك قال رسول اللّه كذا و شحنوا كتبهم بأحاديث موضوعة هذا أساسها لا تشبه فتاوى الفقهاء و لا جزالة كلام سيد البلغاء فهؤلاء يشملهم النهي و الوعيد. انتهى.

، و كون بعض الكذب صغيرة بالاضافة إلى البعض الآخر بلحاظ ما يترتب

1) لا يخفى ان الأخبار الناصة على كون الكذب كبيرة على ثلاثة طوائف:

عليه من المفسدة، كما يشهد له قوله عليه السّلام: «اتقوا الكذب الصغير منه و الكبير»(1)، لا ربط له بما نحن فيه من كون الكذب بنفسه كبيرة.

و على كل فلا يترتب على كونه كبيرة أثر عملي اما في العدالة فلما ذكرناه من ان ارتكاب كل ذنب يخل بالعدالة سواء عد من الكبائر أو الصغائر، اللهم إلاّ أن يستنير بالحق فيتراجع إلى الندم و التوبة و يسير على الصراط السوي، و اما من حيث تكفير السيئات كما في قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ‌ ، فالكذب لا يكون من الكبائر بالمعنى الذي اريد من الكبائر في هذه الآية أي من الجملة الشرطية فإنّ رواية عبد العظيم(2)فسرت الكبائر بما أوعد اللّه تعالى عليه النار في الكتاب، ثم بين الإمام عليه السّلام ما كان من هذا القبيل و لم يعد الكذب منه، فالثمرة المترتبة على الكبيرة انما هي بلحاظ هذين الموردين أعني عدم الاخلال بالعدالة و مسألة تكفير السيئات، و قد وضح عدم ترتب شيء منهما على الكذب.


1) الكافي على هامش مرآة العقول 324/2 باب الكذب الحديث 2، و عنه في الوسائل 2 / 234.

2) الكافي على هامش مرآة العقول 260/2 باب الكبائر من الذنوب حديث 22، و الوسائل 464/2 باب 45 تعيين الكبائر.

ثم هل يحرم الكذب مطلقا سواء كان عن جد أو هزل أو تختص حرمته بما إذا كان عن جد؟

التحقيق: ان الكذب الهزلي على نحوين:

الأول: ان يكون الهزل في الداعي فقط، كما إذا قصد الكاذب الحكاية بداعي أن يضحك الناس، و هذا كثيرا ما يقع في الخارج.

الثاني: أن لا يقصد الحكاية أصلا و انما يقصد مجرد الكلام هزلا، و هذا خارج عن الكذب أصلا، لأن الكذب أخبار على خلاف الواقع، و هنا لم يقصد المتكلم بالجملة الملقاة إلى الغير الإخبار عن شيء و انما كان الغرض القاء مجرد الألفاظ المركبة.

فالنحو الأول يدخل في الكذب لأن المتكلم قاصد الأخبار و الحكاية عن شيء غايته كان الداعي هو الهزل، فتشمله مطلقات حرمة الكذب حيث لم يعتبر فيه ان لا يكون بداعي الهزل.

و النحو الثاني حيث لم يقصد المتكلم به الحكاية فلا يكون من الكذب فلا يعمه دليل حرمة الكذب بل سيرة المتشرعة على جوازه، كما ان الأخبار الواردة في حرمة الكذب الهزلي لا تشمل هذا القسم، اما مرسلة سيف بن عميرة عمن حدثه عن أبي جعفر عليه السّلام: «كان علي بن الحسين عليه السّلام يقول لولده: اتقوا الكذب الصغير منه و الكبير في كل جد و هزل»(1)، فلضعف سندها بالارسال، و لأن الهزل خارج عن


1) الكافي باب الكذب الحديث 2، و الوسائل 234/2 باب 140 تحريم الكذب في الصغير و الكبير.

عدم دخول خلف الوعد في الكذب [1]

الكذب موضوعا كما عرفت، فلا يمكن أن يستدل على حرمته بما ورد بعنوان الكذب.

و مثله ما جاء في وصيته صلّى اللّه عليه و اله لأبي ذر «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم»، و أما رواية الحارث الأعور عن علي عليه السّلام: «لا يصلح الكذب في جد أو هزل» فقاصرة عن الدلالة على الحرمة مع ان عنوانها الكذب، و الهزل خارج عنه موضوعا، و رواية الأصبغ بن نباتة عن علي عليه السّلام: «لا يجد عبد طعم الايمان حتى يترك الكذب هزله و جده»(1)، فيها مع كون عنوانها الكذب ان الحكم أخلاقي و بالكراهة أشبه، لأن عدم ذوق طعم الايمان لا يستلزم الحرمة.

فالمتحصل: ان الكذب الهزلي الغير مقصود منه الحكاية لا يكون حراما، نعم ينبغي أن ينصب المتكلم قرينة تخرج الكلام عن الأخبار و الحكاية، بل ينبغي للمؤمن أن يترك الهزلي لأن المؤمن في شغل عن اللعب و اللهو.

[1] الكلام في الوعد في مقامين: الأول: من حيث صدق الكذب عليه، الثاني: من حيث الخلف.

أما المقام الأول: فالوعد على أقسام ثلاثة:

الأول: أن يخبر من وعد بشيء عن عزمه و التزامه بالعمل، و هذا في الحقيقة أخبار عن شيء نفساني كالأخبار عن علمه أو جهله، و كالأخبار عن أمر خارجي فيكون قابلا للصدق و الكذب و صدقه بثبوت العزم و كذبه بعدم العزم، و أما الوفاء


1) هذه الأحاديث مذكورة في الوسائل 234/2 باب 140 تحريم الكذب الصغير و الكبير في الجد و الهزل.

بالوعد و العمل على طبق العزم أو التخلف عما عزم عليه فأجنبي عن صدق الوعد و كذبه.

الثاني: أن ينشأ الوعد بأن يعتبر على ذمته شيئا و يبرزه باللفظ نظير النذر، فكما يقول في النذر «للّه علي كذا» يقول في الوعد «لك علي كذا»، و هذا لا معنى للصدق و الكذب فيه كبقية الانشاءات نعم يتصف بالجد أو غيره.

الثالث: أن يكون الوعد أخبارا بتحقق متعلقه في المستقبل كما هو الغالب في الوعد، و وعد الباري جل شأنه دائما على هذا، و صدق هذا النحو من الوعد و كذبه يدور مدار تحقق المخبر به في الخارج و عدمه و لا ربط فيه للعزم و عدمه، فإنّ المخبر به ان لم يتحقق في ظرفه يكون الأخبار كذبا واقعا و تنجز حرمته منوط بالوصول كما في بقية المحرمات، و عليه إذا كان معتقدا بتحققه في الخارج فأخبر به و لكنّه لم يتحقق لمانع و نحوه لا يكون معاقبا، و انما العقاب فيما لو اعتقد بعدم تحققه في الخارج و أخبر به فانه حينئذ يكون كذبا منجزا، فالنسبة بين خلف الوعد و الكذب المنجز حرمته عموم من وجه.

ثم في هذا الفرض إذا كان المكلف متمكنا من جعل وعده صدقا بالوفاء بما وعد به فهو أوجد فعلا مشتركا بين الحلال و الحرام يتمكن بعد ذلك من جعله مصداقا للحلال و جعله مصداقا للحرام فهل الواجب عليه أن يجعله مصداقا للحلال، يبتني ذلك على كون دليل حرمة الكذب ظاهرا في حرمة إحداث الكلام المتصف بالكذب أو كونه ظاهرا في الأعم منه و من ايجاد صفة الكذب فيما أوجده في الخارج من الكلام، و قد تعرضنا لمثل ذلك في بحث الزيادة من مباحث الصلاة، و ذكرنا ان ظاهر هذه التعبيرات في الأخبار كقوله عليه السّلام: «من زاد في صلاته فليستقبل صلاته» هو

الأحداث لا ايجاد الصفة و هو الظاهر في المقام أيضا، و عليه فمن حيث الكذب لا يجب على المخبر الاتيان بالعمل خارجا.

و أما المقام الثاني: فخلف الوعد في جميع الأقسام المتقدمة انما هو بمخالفة ما وعد به من الفعل أو الترك في ظرفه، و ليس ذلك من الكذب المصطلح و هو الكذب في الكلام ليعمه أدلة حرمة الكذب، نعم هو كذب في الوعد فيقال وعد صادق و وعد كاذب، و أخبار حرمة الكذب منصرفة عنه فليس محرما بهذا العنوان.

و قد يستدل على وجوب الوفاء بالعهد و حرمة الخلف بعنوانّه بقوله تعالى في الصف/ 2 يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ‌، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ‌ ، و الظاهر ان الآية أجنبية عن الوفاء بالوعد لأنها لو كانت واردة لبيان الوفاء به لكان اللازم أن يكون التوبيخ على ترك العمل بعد القول فيقول: لم لا تفعلون ما تقولون لا على القول بلا عمل(1)

و في التبيان للشيخ الطوسي 674/2 قال قوم هذا الخطاب جار مجرى يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنّ القول الذي يجب الوفاء به هو القول الذي يعتقد بفعل البر على طريق الوعد لأنّه من غير طلب، و انما أطلق قوله كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ مع انّه ليس كل قول يجب الوفاء به، لأنّه معلوم انّه لا عيب بترك الوفاء فيما ليس بواجب الوفاء، و إن الذم انما يستحق بترك ما هو واجب أو ما أوجبه الإنسان على نفسه بالنذر و العهد فهذا المرتكز يصرف الاطلاق، و المقت هو البغض ضد الحب و هو تارة بصرف العقل عنه و اخرى الطبع و انما جرى على صيغة واحدة لبيان ان صارف العقل في التأكيد كصارف الطبع. انتهى.

، فالمراد بالآية أحد أمرين: اما النهي

1) في روح المعاني للآلوسي 83/28: ان مدار التوبيخ في الحقيقة عدم فعلهم، و انما وجه إلى قولهم تنبيها على تضاعف معصيتهم ببيان أن المنكر ليس ترك الخير الموعود فقط بل الوعد أيضا، و قد كانوا يحسبونه معروفا، و لو قيل لم لا تفعلون ما تقولون لفهم منه ان المنكر هو ترك الموعود، ثم قال: و استدل بالآية على وجوب الوفاء بالنذر. انتهى.

عن الكذب و الأخبار بما لا يفعل، و اما النهي عن النفاق كأن يأمر الإنسان بما لا يفعله أو ينهى عن شيء و يرتكبه فيكون بمعنى قوله تعالى: أَ تَأْمُرُونَ اَلنّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ‌ ، و قد ورد النهي عن ذلك في روايات كثيرة فهو من المحرمات، لأنّه قسم من النفاق و كيف كان فالآية الكريمة لا يمكن الاستدلال بها في المقام.

و لكن ورد الأمر بالوفاء بالوعد في روايات كثيرة، ففي رواية شعيب العقرقوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليف إذا وعد»، و في رواية هشام بن سالم سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول «عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له فمن أخلف فيخلف اللّه»، و قال أبو الحسن الرضا عليه السّلام لسليمان الجعفري «أ تدري لم سمي اسماعيل صادق الوعد؟ قلت: لا أدري. قال: وعد رجلا فجلس حولا ينتظره»، و عن عبد اللّه بن سنان سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول «وعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله رجلا إلى صخرة، فقال: أنا لك ههنا حتى تأتي. قال: فاشتدت الشمس عليه، فقال له أصحابه: يا رسول اللّه انك لو تحولت إلى الظل. قال: قد وعدته ههنا و إن لم يجيء كان منه المحشر»(1).

و لا ينكر استظهار الوجوب من رواية شعيب الامرة بالوفاء و هشام بن سالم التي شبهت الوعد بالنذر، إلاّ ان اعراض المشهور عنه و عدم اعتناء العلماء بالقول بالوجوب حتى المحدثين منهم يوهن ذلك، فإنّ صاحب الوسائل عنون الباب باستحباب الوفاء بالوعد، و لو انّه ممّن يرتئ الوجوب لقال باب وجوب الوفاء


1) هذه الأخبار ذكرها الشيخ الحر في الوسائل 222/2 باب 109 استحباب الوفاء بالوعد.

بالنذر، فمسألة الوفاء بالوعد بما انّه ممّا يبتلى بها عامة الناس لو كان لوجوبه أثر في الشريعة لما خفي على المشهور، فذهابهم إلى عدم الوجوب يوجب وثوق النفس بعدم الوجوب(1)

و قول ابن شبرمة و إن يستشهد له بما في الصحيح عن عبد اللّه بن عمر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا و من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب و إذا عاهد غدر و إذا وعد أخلف و إذا خاصم فجر»، و عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه و اله: «من علامة النفاق ثلاثة و إن صام و صلّى و زعم انّه مسلم: إذا حدث كذب و إذا عاهد غدر و إذا وعد أخلف و إذا اؤتمن خان» إلاّ انهما لا يمكن الأخذ بظاهرهما، لأن من وعد بما لا يحل لا يجوز له الوفاء كمن وعد بزناء أو خمر أو نحوهما فلا يكون كل من أوعد فأخلف مذموما و لا عاصيا، اللهم إلاّ من وعد بواجب عليه كانصاف من دين أو أداء حق، و أما من حلف و استثني فقد سقط عنه الحنث بالنص و الاجماع انتهى. و هذان الحديثان رواهما البخاري و مسلم/ 1 باب علامة المنافق.

و في عمدة القاري 258/1 باب علامة المنافق قال العلماء يستحب الوفاء بالوعد بالهبة و غيرها استحبابا مؤكدا و يكره اخلافه كراهة تنزيه لا تحريم، و يستحب ان يعقب الوعد بالمشيئة ليخرج عن صورة الكذب، و يستحب اخلاف الوعيد إذا كان التوعد به جائزا و لا يترتب على تركه مفسدة. انتهى.

و في فتح الباري 67/1 يستحب اخلاف الوعد بالشر، و قد يجب ما لم يترتب على تركه مفسدة، و أما خلف الوعد بالخير فلا يقدح إذا كان العزم عليه مقارنا للوعد. انتهى.

و أشكل على الحديث بأن بعض هذه الخصال قد تكون فيمن هو مصدق بقلبه و لسانه مع انّه لا يحكم عليه بالكفر و النفاق الموجب للخلود في النار، و أجاب عنه النووي في شرحه على مسلم بهامش ارشاد الساري 367/1 بأن المراد أن صاحب هذه الخصال شبيه بالمنافق في التخلق بأخلاقه.

، على ان سيرة المتشرعة على الجواز فانهم لا ينكرون

1) ذكر ابن حزم في المحلى 28/8 باب الوعد آخر النذور: لو وعد شخص آخر على مساعدته لم يلزمه الوفاء به و يكره له ذلك سواء حلف له أو لم يحلف، و به قال أبو حنيفة و الشافعي و أبو سليمان، و قال مالك: لا يلزم شيء إلاّ أن يدخله بوعده في كلفة فيلزمه و يقضي عليه، و قال ابن شبرمة: الوعد كله لازم و يقضي به على الوعد و يجبر، و ما ذهب إليه مالك لا يعضده دليل، و ما يقال ان الموعود إذا وقع في كلفة اغترارا بالوعد فإذا لم يف بالوعد كان ضررا عليه، قلنا لا دليل يوجب الغرم على من أخر باضر و ظلمه و غره.

لا ينبغي الاشكال في ان المبالغة [1]

على من أخلف الوعد كانكارهم على من فعل المحرمات و لا يعاملون معه معاملة الفساق، نعم الوفاء بالوعد و إن لم يكن واجبا إلاّ ان الاحتياط بالعمل به لا ينبغي تركه.

و الكلام في الوعيد من حيث الكذب كالوعد، و أما الخلف فيه فحسن، و لذا ورد في الكتاب المجيد إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُخْلِفُ اَلْمِيعٰادَ و لم يرد فيه لا يخلف الوعيد.

فى المبالغة

[1] المبالغة تارة تكون في الاستعارة كاطلاق الحمار على البليد و القمر على المحبوب و لا اشكال في عدم صدق الكذب عليه، و اخرى تكون في زيادة النسبة الكلامية على النسبة الواقعية كما إذا دفع إليه شخص درهما فيقول مبالغة أعطاني مائة درهم و هذا كذب واضح، نعم لو كان العدد ممّا يستعمل مجازا في الكثرة كالستين و السبعين و الألف فلا يكون كذبا و يحتمل كونه من قبيل الأول كقوله تعالى إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اَللّٰهُ لَهُمْ‌ فانه لم يرد منه العدد الخاص و انما جيء به لبيان الكثرة، و في الحديث «علمني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب»، فانه لم يرد منه الاقتصار على خصوص الألف و انما اريد منه التعريف بالكثرة، و لذا ورد في بعض الروايات «يفتح لي من كل باب ألف ألف باب»(1)

و في الزواجر لابن حجر 163/2 قال الغزالي: لم يكن من الكذب المحرم ما اعتيد من المبالغة كجئتك ألف مرة، لأن المراد تفهم المبالغة لا المرات فإنّ لم يكن جاء إلاّ مرة واحدة فهو كاذب، و ذكر العيني في عمدة القاري 107/1 باب امور الايمان انّه ورد الايمان بضع و ستون شعبة، و في مسلم و غيره بضع و سبعون، و المراد من العددين المبالغة لا التكثير و إن استظهره الطيبي، و قال أبو حاتم بن حبان البستي في كتاب وصف الايمان بما حاصله اني تتبعت ما ورد في الكتاب من الطاعات التي عدها من الايمان و ضممت إليه ما وجدت في السنن عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله بعد اسقاط المتكرر فإذا هو بضع و سبعون لا تزيد و لا تنقص كما نص عليه الحديث، و قد ذكر في ص 149 الحكمة في ذكر الستين و السبعين بما لا يتحمله المقام، فراجعه.

.

1) في خصال الصدوق 275/2 إلى ص 277 «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله علّم عليا عليه السّلام ألف باب من العلم و ألف كلمة ينتهي كل باب منها إلى ألف باب و ألف كلمة»، و في بصائر الدرجات للصفار / 88 عن زين العابدين عليه السّلام قال «علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عليا عليه السّلام كلمة يفتح ألف كلمة و يفتح كل كلمة ألفي كلمة»، و في الخصال/ 175 عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال: «ان رسول اللّه علمني ألف باب من الحلال و الحرام و ممّا كان و يكون إلى يوم القيامة كل باب يفتح ألف ألف باب حتى علمت علم المنايا و البلايا و فصل الخطاب»، و رواه عنه في البحار 766/6 باب وصيته صلّى اللّه عليه و اله عند وفاته.

و أما التورية [1]

التورية

[1] التورية عبارة عن ايراد لفظ ظاهر في معنى و ارادة المتكلم خلافه، و أما إذا كان اللفظ ظاهرا عرفا فيما اراده المتكلم و لكن السامع لقصور فهمه لم ينتقل إليه فهو خارج عن التورية.

و لا اشكال في جواز التورية لدلالة الروايات عليها، منها: ما عن عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في الرجل يستأذن عليه فيقول للجارية قولي ليس هو ههنا قال «لا بأس ليس بكذب»(1)، و سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن قوله تعالى بَلْ فَعَلَهُ‌


1) مستطرفات السرائر ممّا استطرفه من روآيات عبد اللّه بن بكير بن أعين بعد ما استطرفه من التهذيب، و عنه في الوسائل 234/2 باب 141 جواز الكذب في الاصلاح.

كَبِيرُهُمْ‌ ؟ قال: «ما فعله كبيرهم و ما كذب ابراهيم عليه السّلام. قيل: و كيف ذلك‌؟ قال: انما قال ابراهيم ان كانوا ينطقون فما نطقوا و ما كذب ابراهيم عليه السّلام»، و سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن قوله تعالى: أَيَّتُهَا اَلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ‌ ؟ قال «انهم سرقوا يوسف من أبيه ألا ترى انهم قالوا: نفقد صواع الملك، و لم يقولوا: سرقتم صواع الملك»، و سئل أبو عبد للّه عليه السّلام عن قوله تعالى «إِنِّي سَقِيمٌ‌» ؟ قال عليه السّلام «ما كان ابراهيم سقيما و ما كذب انما عنى سقيما في دينه»(1).

و روى سويد بن حنظلة قال «خرجنا نريد رسول اللّه و معنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا و حلفت أنا أنّه أخي فخلوا سبيله، فأتينا رسول فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا و حلفت أنا أنّه أخي. فقال: صدقت المسلم أخو المسلم»(2).

و كون التورية خارجة عن الكذب مذهب الكثير و إن ادعى البعض انها كذب جائز معللا بأن الميزان في الصدق و الكذب مطابقة مراد المتكلم و عدمها، اما للواقع كما هو رأي المشهور أو للاعتقاد كما يراه النظام أو لهما معا كما يراه الجاحظ و لا بد في تحقيق المطابق - بالكسر - و المطابق - بالفتح - بعد كون الميزان في الصدق و الكذب بالمطابقة و عدمها من بيان معنى الجمل الخيرية.

فنقول: ان الجمل الخبرية كما لا تكون كاشفة تصديقية عن ثبوت النسبة أو نفيها


1) الاحتجاج للطبرسي/ 194 ط نجف، و عنه الوسائل 234/2 باب 141 جواز الكذب في الاصلاح.

2) تيسير الوصول لابن الديبع 263/4، و سنن أبي داود السجستاني 224/3 باب المعاريض في اليمين.

واقعا، بداهة ان السامع لا يصدق بذلك بمجرد سماع الخبر إلاّ أن تحصل لديه قرائن خارجية بواسطتها يحصل له التصديق بالنسبة ككون المخبر ممّن لا يجوز عليه الكذب، أو كون الخبر متواترا و مع عدم القرائن، فالجملة تحتمل الصدق و الكذب كما هو المعروف في تعريفها، مضافا إلى عدم تحقق النسب الخارجية في بعض الجمل كالاخبار بامتناع شريك الباري سبحانه، نعم لا ينكر فيها الكشف التصوري و لكن الكاشفية التصورية لم تكن مدلولة للخبر و انما هي شأن المفردات و ربما يحصل من سماعها و لو من احتكاك حجر بحجر، كذلك لا تدل أيضا على اعتقاد المخبر بتحقق النسبة في الخارج، لأن المخبر قد يصدر منه الكذب في الأخبار.

فالصحيح: ان الهيئة في الجمل الخبرية موضوعة لابراز الأمر النفساني و هو الحكاية، فإنّ اللّه سبحانه ميز الإنسان عن الحيوان بالبيان و مكنه من ابراز مقاصده النفسانية للسامع بالألفاظ الدالّة عليها، و أشار إلى هذا بقوله تعالى عَلَّمَهُ اَلْبَيٰانَ و الألفاظ موضوعة لهذا الغرض، فالجمل الانشائية موضوعة لابراز اعتبار النفساني، و الجملة الخبرية موضوعة لابراز الحكاية سواء تعلقت بأمر نفساني أو خارجي فمدلولها الحكاية دائما، فإذا أبرز الإنسان دعواه ألزم بها لبناء العقلاء على مطابقة المراد الاستعمالي للمراد الجدي و لا يسمع منه دعوى خلاف ذلك.

فالخبر من حيث مدلوله لا يتصف بالصدق و الكذب لأن الحكاية و الأخبار يتحقق بالقاء الجملة لا محالة كما في الانشاء بل هو انشاء للخبر، و انما تتصف بها من حيث مطابقة المحكي للخارج و عدمها، و مرادنا بالخارج هو نفس الأمر الذي لا يحتاج في تحققه إلى فرض فارض فيعم الوجودات النفس الأمرية، فإذا أخبر أحد بأنّه عالم يكون صدق دعواه بالمطابقة مع الواقع و كذبها بعدم المطابقة مع

الواقع، و حينئذ يكون اتصاف الكلام بالصدق و الكذب من قبيل الوصف بحال المتعلق.

و قد اتضح بذلك فساد جعل الميزان في الصدق و الكذب من حيث المطابق - بالكسر - بمطابقة مدلول الكلام، فإنّ مدلوله هي الحكاية و الأخبار الذي لم ينفك عن نفس التلفظ بالجملة الخبرية، كما ظهر بطلان رأي النظام في جعل الميزان للاتصاف بالصدق و الكذب من حيث المطابق - بالفتح - هو مطابقة مدلول الجملة للاعتقاد و عدمه.

و استدلاله على ذلك بقوله تعالى إِذٰا جٰاءَكَ اَلْمُنٰافِقُونَ قٰالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اَللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ لَكٰاذِبُونَ‌ ، بتقريب: انّه سبحانه و تعالى أطلق الكذب على اخبارهم بأنّه رسول اللّه، فلو كان المناط في الكذب عدم المطابقة للواقع لما صح اطلاق الكذب على خبرهم لمطابقته للواقع، نعم هو غير مطابق لاعتقادهم، فاسد لأن المنافقين لم يخبروا عن الرسالة و انما أخبروا عن شهادتهم بالرسالة و علمهم بها لأن الشهود بمعنى الحضور، فكأن أخبارهم مخالفا للواقع و مجرد الاظهار باللسان كما هو شأن المنافقين، و لذا أطلق عليه الكذب.

إذا عرفت ذلك فنقول: في التورية ان كان المراد الجدي مطابقا لظاهر اللفظ غاية الأمر لم ينتقل السامع إليه لغباوته أو لانتقال ذهنه إلى أمر آخر، كما إذا طلب شخص من أحد مالا فقال في جوابه ليس في يدي شيء و أراد به المعنى الظاهر و تخيل السامع انّه أراد نفي المال، فهي خارجة عن الكذب سواء كان الكذب مخالفة المراد للواقع أو مخالفة ظاهر الكلام.

و إن كان المراد مخالفا لظاهر اللفظ مطابقا للواقع، كما في جواب بعض العلماء

حين سئل عن الخلفاء فقال أربعة أربعة أربعة، فإنّ ظاهر اللفظ يقتضي التأكيد و أما المراد فهو الأخبار عن كون عددهم اثنى عشر، و الظاهر ان مثل هذا الكلام خارج عن الكذب أيضا لأن الابراز لا يتصف بالصدق و الكذب و المبرز - بالفتح - و هو المراد لم يكن مخالفا للواقع.

و يؤيده ما ورد في الكتاب العزيز من الحكاية عن فعل ابراهيم الخليل عليه السّلام بالأصنام و قوله «بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون»، فانه جعل الكسر معلقا على نطقهم، و الظاهر مخالفة ما أراده عليه السّلام لظاهر الكلام من رجوع الشرط إلى قوله «فاسألوهم» خصوصا بلحاظ دخول الفاء عليه، و كذلك قوله عليه السّلام «اني سقيم» فإنّ ظاهر الكلام كونه سقيم البدن و مراده غير ذلك لأنّه كان صحيح البدن.

و قد توهم ان أخبار ابراهيم عليه السّلام من الكذب لو جعل القيد راجعا إلى اخباره بفعل الكبير غاية الأمر يجوز في هذا المقام للضرورة، و توضيحه ان صدق القضية الشرطية أو كذبها انما هو بثبوت الملازمة بين المقدم و التالي و عدمه، و في الآية الكريمة لا ملازمة بين فعل الكبير و نطق الأوثان فانه على فرض نطقها لم يكن الكسر مستندا إلى فعل الكبير، فكلامه لم يطابق الواقع سواء رجع الشرط إلى الخبر أو إلى قوله «فاسألوهم».

و يجاب عنه بما أوضحناه في الاصول في الواجب المشروط، فقد ذكرنا ان الشرط في القضية الشرطية كقوله ان جاءك زيد فاكرمه ثبوتا بتصور على ثلاثة أنحاء: الأول: أن يرجع إلى الانشاء فيكون انشاء وجوب الاكرام معلقا على مجيء زيد، الثاني: ان يرجع إلى المنشأ و هو الطلب أو المعتبر، الثالث: ان يرجع إلى المادة أعني الاكرام فيكون الطلب الفعلي متعلقا بأمر على تقدير.

و ذكرنا هناك استحالة رجوع القيد إلى الانشاء كما صرح به المصنف قدّس سرّه في بحث التعليق في البيع لأن الانشاء انما يتصف بالوجود أو العدم، و رجوعه إلى المادة و إن أمكن ثبوتا و نتيجته الواجب التعليقي إلاّ انّه غير ممكن اثباتا فإنّ أداة الشرط موضوعة لربط مفاد جملة بجملة لا ربط المفردات كما هو واضح، فينحصر الأمر في الاحتمال الثاني أعني رجوع القيد إلى المنشأ و هو طلب الاكرام في المثال.

و هذا الذي ذكرناه في بحث الانشاء جار بعينه في الأخبار، فإنّ المتكلم إذا أوجد جملة شرطية خبرية فقال: ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، احتمل رجوع القيد إلى ابراز الحكاية و الأخبار فيكون معلقا على الشرط و هذا غير معقول كما في الانشاء، و احتمل رجوعه إلى المادة أعني وجود النار و هو مخالف لظاهر أداة الشرط، فيتعين الاحتمال الثالث و هو رجوعه إلى المبرز - بالفتح - أعني الادعاء و الحكاية فيكون ادعاء وجود النهار معلقا على طلوع الشمس و هذا هو ظاهر القضية.

إذا عرفت ذلك فنقول: ان القيد في الآية المباركة بناء على كونه قيدا لصدر الآية و هو قوله «بل فعله كبيرهم» لا يصح ارجاعه إلى الابراز لاستحالته كما عرفت و لا إلى المادة و هي صدور الكسر من الكبير لمخالفته ظاهر أداة الشرط مع انّه كذب لعدم صدور الفعل من الكبير مطلقا سواء نطقوا أم لم ينطقوا، فتعين رجوع القيد إلى المبرز - بالفتح - و هو الادعاء و الأخبار، فيكون المعنى ان حكايتي صدور الكسر من الكبير معلق على كونهم ينطقون، ففي الحقيقة لم يكن هناك أخبار ليتصف بالصدق و الكذب لكون ادعائه معلقا على أمر مستحيل.

فتحصل عدم كذب ابراهيم الخليل عليه السّلام و إن جاز له دفعا له للضرر، و عدم ورود

الاشكال على رواية الاحتجاج عن الصادق عليه السّلام «انّه ما فعله كبيرهم و ما كذب ابراهيم عليه السّلام»(1)

المسألة الاولى: التورية في أصل اللغة كما في الصحاح و تاج العروس مأخوذة من الستر و الخفاء كأن المتكلم يتستر بالمعنى الذي يريده، و أوضحه صاحب مصباح المنير بأن المتكلم يطلق اللفظ الظاهر في معنى و هو يريد خلاف ظاهره، و هذا المعنى هو حاصل ما أورده كل من عرف التورية كابن حجة الحموي في خزانة الأدب/ 239 و ابن الأثير في المثل السائر 215/2 طبع مصر سنة 1358 النوع العشرين في المغالطات المعنوية، و السيد علي خان في أنوار الربيع/ 573 و السبزواري في الكفاية آخر الايمان، و ابن حجر في فتح الباري 451/10، و العيني في عمدة القاري 461/10 كتاب اللباس باب المعاريض، و ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الحديثية/ 106، و النووي في الأذكار/ 307.

و قال الشهيد الثاني في المسالك في لواحق كتاب الايمان: المسألة الاولى التورية ان يقصد باللفظ غير ظاهره اما في مفرده كان يقصد بالمشترك معنى غير المطلوب الحلف عليه، ففي قوله ما لفلان عندي فراش و يقصد الأرض أو ماله لباس و يقصد الليل، و اما في الإسناد فيقول ما فعلت كذا و يقصد غير الزمان و المكان الذي فعل فيه. و قال الشيخ المفيد في المقنعة/ 87 كتاب الايمان: التورية أن يظهر عند اليمين خلاف ما يظهر فيقول لمن استحلفه على ما عنده ليس عندي ما تستحقه.

المسألة الثانية: خروجها عن الكذب، صرح به العلاّمة في التحرير/ 57 باب الحيل قبل الخلع و ص 266 في الوديعة فيما لو طلبها الظالم فورى بعدمها، و هو ظاهر التذكرة في الوديعة، و صرح السبزواري في الكفاية آخر الايمان، و الأردبيلي في شرح الارشاد في الوديعة، و الكركي في جامع المقاصد في المكاسب المحرمة و الشيخ يوسف البحراني في الحدايق/ 382 في المكاسب، و السيد المجاهد في المناهل في الوديعة، و صاحب الجواهر في الوديعة في المقصد الرابع من الطلاق باب الحيل الشرعية آخر الطلاق.

و في قبالهم من أدرجها في الكذب صرح به الشهيد الثاني في الروضة في الوديعة قال: انها كذب مستثنى ترجيحا لأخف القبيحين حيث تعارضا، و قال السيد في آخر الايمان من الرياض التورية و إن لم تخرج اليمين عن الكذب إلاّ انها قريبة من الصدق، و استظهره الكركي من العلاّمة في الوديعة من القواعد ثم أنكر عليه و العبارة لا يظهر منها ما فهمه الكركي، و في مفتاح الكرامة و شرح القواعد لكاشف الغطاء قدّس سرّه عند قول العلاّمة في المكاسب المحرمة من القواعد «و يحرم الكذب» التورية و الهزل داخلان في اسمه أو حكمه.

و على هذا أهل السنة، ففي الفتاوى الحديثة لابن حجر/ 106 و الأذكار للنووي/ 307 التورية ضرب من الخداع و الغرر، فإنّ دعت إليها المصلحة فلا بأس بالتعريض، و إلاّ فلا و على هذا يحمل ما ورد من اباحته و من عدمها. انتهى.

المسألة الثالثة: وجوب الاتيان بالتورية على العارف بها، نص عليه العلاّمة في القواعد في الوديعة، و الكركي في جامع المقاصد في المكاسب، و الشهيد الأول في اللمعة في الوديعة، و السيد المجاهد في المناهل في الوديعة، و صاحب الجواهر في الوديعة، و قال الشهيد الثاني في الروضة في الوديعة: انما تجب التورية مع علمه بها و إلاّ سقطت، و قال السبزواري في آخر الايمان من الكفاية: لا ريب في حسن التورية، و في وجوبها على من حلف لتخليص نفس مؤمن أو ماله نظر، و في منهاج الهداية للكرباسي: لو توقف الانكار على الحلف موريا مع علمه بها و تمكنه منها فعل و إلاّ حلف بدونها.

و قد اختلف فقهاء السنة فيها، ففي الهداية لشيخ الإسلام المرغيناني 202/3 باب الاكراه إذا أكره على الكفر باللّه تعالى أو سب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و خاف على نفسه أو عضو من أعضائه وسعه أن يظهر ما أمر به و يوري فإنّ أظهر ذلك و قلبه مطمئن بالايمان فلا اثم عليه، و هو ظاهر ابن حزم في المحلى 329/8 باب الاكراه فانه قال: كل من أكره على قول و لم ينوه مختارا له فانه لا يلزمه، و في روح المعاني للآلوسي 238/14 في النحل قوله تعالى إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ‌، متى أمكنه تعريض النفس للتلف أو اخراج الكلام على نية الاستفهام الانكاري لم يجب عليه تعريض النفس لذلك اجماعا.

و لكن ابن حجر في شرح المنهاج 126/4 كتاب المرتدين قال: المكره لا تلزمه التورية.

و في الفروع لابن مفلح الحنبلي 896/3 فيمن لا تقبل شهادته ذكر الخلاف في وجوب التورية فبعضهم التزم بوجوبها تحرزا عن الكذب مطلقا فيما يباح به، و في أحكام القرآن للقاضي ابن العربي المالكي 26/2 عند قوله تعالى في النحل إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ‌ قال: ان المحققين من علمائنا قالوا: إذا تلفظ بالكفر لا يجوز ان يجري على لسانه إلاّ جريان المعاريض، و متى لم يكن كذلك كان كافرا، و هو الصحيح فإنّ المعاريض لا سلطان عليها، مثاله ان يقال له اكفر باللّه فيقول أنا كافر باللّه و يريد به اللاهي بحذف الياء كما تحذف من الغازي و القاضي و الرامي، و كذلك إذا قيل له اكفر بالنبي صلّى اللّه عليه و اله فيقول أنا كافر بالنبي صلّى اللّه عليه و اله و هو يريد بالنبي المكان المرتفع من الأرض، و لما كان هذا الأمر متفقا عليه عند العلماء ألف ابن دريد كتاب الملاحن فجاء ببدع في العالمين و ركب عليه المتفجع الكاتب فجمع مجموعا وافرا حسنا. انتهى.

و الظاهر من القاساني في بدائع الصنائع 175/7 باب الاكراه عدم وجوب التورية.

المسألة الرابعة: في الأخبار الواردة فيها، ففي الوسائل 222/3 باب 19 عن مسعدة بن صدقة قال: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام و قد سئل عما يجوز من النية و الاضمار في اليمين‌؟ قال: يجوز في موضع و لا يجوز في آخر، فأما ما يجوز، فإذا كان مظلوما فما حلف به و نوى اليمين فعلى نيّته، و أما إذا كان ظالما فاليمين على نية المظلوم»، و فيه عن اسماعيل بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال «سألته عن رجل حلف و ضميره على غير ما حلف‌؟ قال: اليمين على ضمير المظلوم»، و في مستدرك الوسائل 52/3 باب 15 عن دعائم الإسلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله «اليمين إذا كان مظلوما فعلى نية الحالف و إن كان ظالما فعلى نية المستحلف».

و روى أبو داود السجستاني في سننه 224/3 باب المعاريض و ابن الديبع في تيسير الوصول 263/4 و الشيخ الطوسي في الخلاف 97/2 آخر الايمان، و في المبسوط آخر الطلاق باب الحيل الشرعية عن سويد بن حنظلة قال «خرجنا و معنا وائل بن حجر نريد النبي صلّى اللّه عليه و اله فأخذه أعداء له و تحرج القوم أن يحلفوا فحلفت باللّه انّه أخي فخلى عنه العدو، فذكرت ذلك للنبي صلّى اللّه عليه و اله فقال صلّى اللّه عليه و اله: صدقت المسلم أخو المسلم».

و في صحيح البخاري باب المعاريض من كتاب اللباس قال اسحاق: سمعت انسا يقول: مات ابن لأبي طلحة، فقال: كيف الغلام‌؟ قالت ام سليم: هدأ نفسه و ارجو أن يكون قد استراح و ظن انها صادقة. قال العيني في عمدة القاري 461/10 عقيب هذا الحديث: ان ام سليم زوج أبي طلحة و هي ام أنس ورت بكلامها هذا: ان الغلام قد انقطع بالكلية بالموت.

و في المثل السائر لابن الأثير 218/2 النوع العشرين في المغالطات يروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر ان النبي صلّى اللّه عليه و اله كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب، فقال: ممّن القوم‌؟ قال النبي صلّى اللّه عليه و اله: من ماء، فأخذ الرجل يفكر أي بطون العرب يقال له ماء و كان قصد النبي صلّى اللّه عليه و اله ان يكتم أمره. و في باب الحيل الشرعية آخر الطلاق من كتاب الجواهر ورد في بعض الأخبار التعجب ممّن يكذب مع ان للكلام وجوها اخر، و قال الصادق عليه السّلام لأبي حنيفة و قد عبر رؤيا: أصبت يا أبا حنيفة، ثم انه عليه السّلام عبرها بغير ما قال به أبو حنيفة، و قال: انما أردت بقولي أصبت أنّه أصاب الخطأ.

.

1) من المناسب جدا التعريف بمسائل أربع - أ - معنى التورية - ب - خروجها عن الكذب - ج - وجوب الاتيان بها عند التمكن منها للتخلص من الظالم - د - الأخبار الواردة فيها.

مسوغات الكذب [1]

مسوغات الكذب

[1] ذكر المصنف (أعلا اللّه مقامه) من مسوغات الكذب أمرين: التقية و الاضطرار، و استدل على جواز الكذب عند الضرورة بالأدلة الأربعة: أمّا الاجماع و إن كان ثابتا إلاّ ان المدرك معلوم، و العقل و إن استقل بجواز الكذب عند الضرورة في الجملة إلاّ انّه مخصوص بما إذا كانت المفسدة المترتبة على تركه أهم من مفسدته تقديما لأخف المفسدتين، و أما إذا لم يكن كذلك كما إذا فرضنا ان الخسارة المالية التي تلحقه على تقدير ترك الكذب لا تضر بحاله لكون ثروته طائلة مثلا لا يستقل العقل بجواز الكذب.

و أما الكتاب و إن دل على الجواز إلاّ أنّه مخصوص بالاكراه و التقية، قال سبحانه في النحل/ 106 مَنْ كَفَرَ بِاللّٰهِ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِهِ إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ‌ (1)

و رواه أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن 236/3 عن أبي عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر، و في روح المعاني للآلوسي 238/14 ذكر الخلاف في ارتكاب المعاصي جوازا أو وجوبا لأجل انقاذ نفسه من الهلكة، و في المغني لابن قدامة 145/8 كتاب الردة: من أكره على الكفر لم يكفر عند مالك و أبي حنيفة و الشافعي، و قال محمد بن الحسن: هو كافر في الظاهر تبين منه امرأته و لا يرثه المسلمون ان مات و لا يغسل و لا يصلى عليه و هو مسلم فيما بينه و بين اللّه لأنّه نطق بكلمة الكفر فأشبه المختار. ثم استدل على بطلان قول محمد بن الحسن بقبول النبي صلّى اللّه عليه و اله ما صدر من عمار بن ياسر حتى قال له ان عادوا فعد لهم، و لأنّه اكراه على غير حق فلم يثبت حكمه، نعم إذا زال الاكراه يؤمر بالاسلام فإنّ أظهر فمسلم و إلاّ فكافر، و مع هذا فالصبر على التعذيب دون اظهار كلمة الكفر أفضل.

و في بدائع الصنائع 176/7 يرخص اجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالايمان إذا كان الاكراه تاما، و الرخصة لا ترفع الحرمة و انما تسقط المؤاخذة لعذر الاكراه كما قال اللّه تعالى إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ‌ و إن كان الامتناع أفضل و إن أدى إلى القتل و له ثواب المجاهدين، ثم ذكر فروعا لما يصح ارتكابها و ما لا يصح عند الاكراه، و الاكراه الذي رخص له في الارتكاب ما غلب على ظنه تحقق الايعاد و الهلكة و إلاّ فلا.

،

1) في أسباب النزول للواحدي/ 212 عن ابن عباس انها نزلت في عمار بن ياسر، و ذلك ان المشركين أخذوه أسيرا مع أبيه و امه سمية، فأما سمية فانها ربطت بين بعيرين و وجئ قبلها بحربة، و قيل لها: انك أسلمت من أجل الرجال، فقتلت و قتل زوجها ياسر، و هما أوّل قتيلين في الإسلام، و أما عمار فانه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها و لما أخبر النبي صلّى اللّه عليه و اله بذلك قال له: ان عادوا فعد لهم.

و قال تعالى في آل عمران/ 28 لاٰ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللّٰهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ‌ (1)

و قال الآلوسي في روح المعاني 121/3 في هذه الآية دلالة على مشروعية التقية، و عرفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء سواء كان العداء لأجل اختلاف الدين أو للأغراض الدنيوية، غاية الأمر في صورة اختلاف الدين تجب الهجرة إلى أرض يسلم فيها على دينه، و في صورة الأغراض الدنيوية خلاف بينهم في الهجرة، وعد قوم من باب التقية مداراة الكفار و الظلمة و الفسقة و الانة الكلام لهم و التبسم في وجوههم و الانبساط معهم و لا يعد من الموالاة لهم المنهي عنها فإنّ ذلك سنة و أمر مشروع، ثم أطال الكلام في مناقشة الشيعة في التقية.

و في تفسير المنار 281/3 قصارى ما تدل عليه هذه الآية ان للمسلم أن يتقي من مضرة الكافرين و قصارى ما تدل عليه في سورة النحل إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ‌ انّه مرخص له من باب الضرورة العارضية لا من اصول الدين المتبعة دائما. انتهى.

و مع انكارهم على الشيعة في التزامهم بالتقية فقد عملوا بها، فهذا ابن تيمية يقول في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم/ 176: إذا كان المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدى الظاهر لما عليه من الضرب بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين و الاطلاع على باطن أمرهم، لأخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين أو نحو ذلك من المقاصد الصالحة. و في التبصير في الدين للاسفرايني/ 164 حقيقة الايمان ان يقر به عند التمكن منه، و إن أنكر عند المخافة من غير أن يغير من اعتقاده شيئا فلا حرج عليه فيه قال اللّه تعالى إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ‌.

و في أحكام القرآن للقاضي ابن العربي 223/2 عند قوله تعالى لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ‌ ان الشافعي و نظرائه يجوزون إمامة الفاسق، و من لا يؤتمن على حبة من مال كيف يصح أن يؤتمن على قنطارين، و أصل هذا ان الولاة الذين كانوا يصلون بالناس لما فسدت أديانهم و لم يمكن ترك الصلاة وراءهم و لا يستطاع ازالتهم صلى معهم وراءهم، كما قال عثمان: الصلاة أحسن ما يفعل الناس فإذا أحسنوا فأحسن معهم و إذا أساؤوا فاجتنب اساءتهم، ثم كان من الناس من إذا صلى معهم تقية أعاد الصلاة للّه تعالى، و منهم من كان يجعلها صلاته، و بوجوب الاعادة أقول، فلا ينبغي لأحد أن يترك الصلاة خلف من لا يرضى من الأئمة و لكن يعيد سرا في نفسه و لا يؤثر ذلك عنه غيره. انتهى.

و قال الآلوسي المفسر في رسالته الاجوبة العراقية/ 225 السؤال 22: كنت أصلي الظهر بعد صلاة الجمعة في البيت و أنكر في قلبي على من يصليها في الجامع جماعة و انّه ليضيق صدري و لا ينطلق لساني. انتهى. و فيه دلالة على انّه كان يتستر في رأيه و اجتهاده تقية. و قال أبو طالب المكي في قوت القلوب 63/1 فصل 11: صلاة الجمعة أحب اعادتها ظهرا إذا صليت خلف مبتدع. انتهى. و على هذا تكون صلاته للجمعة تقية.

و في الفروع لابن مفلح الحنبلي 482/1: في صلاة الجمعة لا تصح إمامة الفاسق مطلقا و إذا لم تصح صلى معه خوف اذى و يعيد، و قرأ المروزي على أحمد ان انسا كان يصلي المكتوبة في منزله و يصلي الجمعة خلف الحجاج. انتهى.

أقول: و أما حديث «صلوا خلف كل بر و فاجر» فانه دبر بليل لتصحيح الصلاة خلف الامراء و كلهم فسقة مارقون عن الدين، و لم يتباعد عما ارتئيناه القاساني الحنفي في بدائع الصنائع 156/1 فقال: ان الحديث و إن ورد في الجمع و الأعياد لتعلقها بالامراء و كلهم فساق لكنّه بظاهره حجة فيما نحن فيه اذ العبرة بعموم اللفظ لا خصوص السبب، و قد اقتدى التابعون بالحجاج مع انّه أفسق أهل زمانه. انتهى. و لم يخالفهم ابن قدامة في المغني 186/2.

و قال الوزير اليماني في الروض الباسم 41/2: طعن الشافعية صريحا في يزيد، و سائر الأئمة صرحوا تارة و لوحوا اخرى، و انما لم يصرحوا في جميع الأحوال تقية من بني امية. انتهى. و في روضة المناظر لابن الشحنة على هامش كامل ابن الأثير 194/12: ان تيمور لنك لما دخل حلب و قتل و نهب، جمع الفقهاء و سألهم عن علي و معاوية و يزيد. فقال له عبد الجبار بن العلاّمة نعمان الدين الحنفي: الحق مع علي و لم يكن معاوية من الخلفاء، فانه صح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال: الخلافة ثلاثون سنة و قد تمت بعلي. فقال تيمور: قل علي مع الحق و معاوية ظالم علي. انتهى. و انما قال عبد الجبار ذلك خوفا من القتل و التنكيل. فهذه القضايا إلى الكثير من أمثالها تدل على عمل أهل السنة بالتقية لدرء الضرر المتوجه اليهم، و لكنّه إذا قيل لهم ان الشيعة تعمل بالتقية ازداد غيضهم و احتدمت نفوسهم و نسبوهم إلى الضلال و البدعة و لم ينكروا على أبي حنيفة حين يعمل بالتقية خوفا من القتل كما في تاريخ بغداد 380/3.

، و ليس في الآيتين تصريح بجواز الكذب، إلاّ أنّه يستفاد بالأولوية من

1) في مجمع البيان 430/2 ط صيدا كان أصحابنا يرون جواز التقية في الأحوال كلها عند الضرورة، و ربما وجبت لضرب من اللطف و لا تجوز في قتل و لا ما يغلب على الظن انّه استفساد في الدين، و ذكر أبو جعفر الطوسي ان ظاهر الروايات وجوبها عند الخوف على النفس كما ورد انها رخصة في الافصاح بالحق، ثم ذكر حديث الرجلين اللذين أخذهما مسيلمة ليكفرا بالنبي صلّى اللّه عليه و اله فأحدهما كفر ظاهرا و سلم و الآخر لم يكفر و قتل فاستحسن النبي صلّى اللّه عليه و اله فعلهما.

جواز التبري عن الدين عند الاكراه مع انّه من أهم المعاصي الترخيص في الكذب عند الاكراه.

و أما السنة فالروايات مستفيضة، ذكرت في الوسائل 234/2 كتاب العشرة باب 140 و 219/3 الحلف باليمين الكاذب، و عليه فلا اشكال في الجواز في الجملة، و انما الكلام في اعتبار العجز من التفصي عند الضرورة بالتورية و عدمه.

و قد حكى المصنف رحمه اللّه عن جماعة اعتباره في جواز الكذب، و لا دلالة فيما حكاه من كلامهم عليه، فإنّ كلام الغيبة و السرائر و النافع و القواعد و اللمعة و جامع المقاصد انما هو في التورية في اليمين الكاذب، و لم يتعرضوا للاتيان بالتورية للتخلص عن الكذب المجرد عن اليمين، و لا إشكال في أنّ اليمين أنّ الكذب أعظم من مجرد الكذب لما فيه من عدم الاعتناء بمقام ذلك الجناب الرفيع تعالت قدسيته، و اعتبار العجز عن التورية في اليمين الكاذبة لا يلزم اعتبارها في الكذب المجرد عنه.

و ظاهر الشيخ المفيد عدم اعتبار العجز عن التورية و نص عبارته في المقنعة/ 87 كتاب الايمان: من كان عنده أمانة فطالبه ظالم بتسليمها إليه و خيانة صاحبها فيها فليجحدها ليحفظها على المؤتمن له، و إن استحلفه على ذلك فليحلف له و يوري في نفسه ما يخرج به عن الكذب، و لا كفارة عليه و لا اثم بل له عليه أجر كبير. انتهى.

فإنّ اطلاق قوله «فليجحد» و جعل التورية في خصوص الحلف شاهد لما ذكرناه و كلمات المصنف في المقام مضطربة، فقد يظهر من بعضها الميل إلى الاعتبار نظرا إلى المعارض للاطلاقات و الرجوع على فرض التساقط إلى عموم حرمة الكذب و يظهر من بعضها العدم لبعد تقييد الاطلاقات.

و أما المطلقات التي يستفاد منها بالاولية جواز الكذب مطلقا حتى مع التمكن من التورية فكثيرة، رواها في الوسائل 219/3 باب 12 كتاب الايمان في الحلف كاذبا للتقية، منها ما عن اسماعيل بن سعد الأشعري «سألت الرضا عليه السّلام عن رجل أحلفه السلطان بالطلاق و غير ذلك فحلف‌؟ قال: لا جناح عليه. و عن رجل يخاف

على ماله من السلطان فيحلفه لينجو به منه‌؟ قال: لا جناح. و عن الرجل يحلف على مال أخيه كما يحلف على ماله‌؟ قال: نعم»، و روى أبو الصباح الكناني عن الصادق عليه السّلام انّه قال من حديث «ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة».

و روى السكوني عن الصادق عن آبائه «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: احلف باللّه كاذبا ونج أخاك من القتل»، و قال زرارة لأبي جعفر عليه السّلام «انا نمر بالمال على العشار فيطلبون منا ان نحلف لهم و يخلون سبيلنا و لا يرضون منا إلاّ بذلك. قال: فاحلف لهم فو أحلى من التمر و الزبد»، و عن الحلبي «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يحلف لصاحب العشور و يحرز بذلك ماله‌؟ قال: نعم»، و قال الصادق عليه السّلام «اليمين على وجهين - إلى أن قال -: فأما الذي يؤجر عليها الرجل يحلف كاذبا و لم تلزمه الكفارة فهو أن يحلف الرجل في خلاص امرء مسلم أو خلاص ماله من متعد يتعدى عليه من لص أو غيره»، إلى غير ذلك من الأخبار التي لم تكن مقيدة بالعجز عن التورية.

و لذا استصعب المصنف رحمه اللّه تقييدها أولا ثم ذكر ان الاحتياط يقتضيه بل هو المطابق للقواعد لوقوع المعارضة بين هذه الاطلاقات و بين مفهوم قوله عليه السّلام في رواية سماعة «إذا حلف الرجل لم يضره إذا أكره أو اضطر إليه، و قال: ليس شيء ممّا حرم اللّه إلاّ و قد أحله لمن اضطر إليه»(1)، و النسبة بينهما عموم من وجه فإنّ مفهوم رواية سماعة يدل على حرمة الكذب إذا لم يضطر إليه و لو بالتمكن من


1) الوسائل 220/3 باب 12 من كتاب الايمان.

التورية سواء توقف عليه النجاة أم لا، و الاطلاقات تدل على جواز الحلف كاذبا إذا توقف عليه النجاة سواء تمكن المكلف من التورية أم لم يتمكن، و مورد اجتماعهما الحلف الكاذب للنجاة مع التمكن من التورية فإنّ مقتضى خبر السكوني و نحوه جوازه و مقتضى رواية سماعة عدم جوازه لعدم الاضطرار إلى الكذب إذا لم يكن علة منحصرة و تمكن من التورية، فيتساقطان و يرجع إلى عمومات حرمة الكذب فتكون النتيجة هي الحرمة.

و لبعض الأعاظم ممّن علق على الكتاب كلام لم نعرفه فانه، أوّلا: نفى أن يكون لرواية سماعة مفهوم، لأن قوله عليه السّلام: «ما من شيء حرمه اللّه إلاّ و قد أحله عند الضرورة» لا ينفي الحل عن غير مورد الضرورة ليتعارض مع الاطلاقات، فهي مشتملة على عقد سلبي أعني ارتفاع الحرمة عند الاضطرار، و لم تتعرض للعقد الايجابي و هو اثبات الحرمة عند عدم الاضطرار.

و فيه: ان الذي أوقعه في الاشكال ما صدر من المصنف قدّس سرّه من ذيل الحديث، و الصحيح ان المعارضة مع صدره فتأمل و هو قوله «إذا حلف الرجل لم يضره إذا اكره»، و من الظاهر ثبوت المفهوم له، و معه لا يبقى مجال لما أفاده (أعلا اللّه مقامه).

و ثانيا: ذكر ان المرجع بعد تسليم المعارضة المذكورة اصالة الحل لا عمومات حرمة الكذب، لأنها طرف المعارضة مع الاطلاقات بالعموم من وجه، فإنّ أدلة حرمة الكذب مطلقة من حيث التمكن من التورية في مقام النجاة و عدمه، و المطلقات في المقام أيضا لها اطلاق من تلك الجهة، فتقع المعارضة بين الاطلاقين فيسقطان و يرجع إلى اصالة الحل، فتكون النتيجة جواز الكذب لدفع الضرورة حتى مع التمكن من التورية.

و فيه: ان الاطلاقين و إن كانا ثابتين إلاّ أن النسبة بين الطائفتين عموم مطلق، و لا اشكال في تقديم اطلاق دليل المخصص على اطلاق العام، فلا مجال للتساقط ليرجع إلى اصالة البراءة.

و بالجملة: حاصل ما ذكره المصنف رحمه اللّه وقوع المعارضة بين مفهوم رواية سماعة و رواية السكوني و نظائرها بالعموم من وجه، فإنّ مفهوم الرواية ظاهر في عدم جواز الكذب عند عدم الاضطرار و لو توقف عليه النجاة، و خبر السكوني باطلاقه دال على جواز الكذب المنجي حتى عند عدم الاضطرار، فيتساقطان و يرجع إلى عمومات حرمات الكذب، و الوجه في الرجوع إليها سقوط المخصص لها، و هكذا في كل ما ورد على العام خاصان و سقطا بالمعارضة و لم يبق له مخصص فيؤخذ بعمومه، و لهذا قلنا يرجع بعد تساقط المتعارضين إلى عموم العام الفوقاني.

و لكن التحقيق لا يعتبر في جواز الكذب للنجاة عدم التمكن من التورية، فانه مضافا إلى بعد تقييد الاطلاقات المستفيضة في نفسها بصورة عدم التمكن من التورية لا يمكن تقييد اطلاق بعضها بصورة الاضطرار، و ذلك لأن ما دل على جواز الكذب للنجاة لو كان مختصا بنجاة النفس المحترمة التي يجب حفظها لكان لتقييد اطلاقه بصورة الاضطرار مجال اذ يمكن فيه تحقق الاضطرار، و ليس كذلك فإنّ في بعضها ذكر نجاة مال الغير أيضا، و من الظاهر ان حفظ مال الغير عن التلف لم يكن من الواجبات ليضطر المكلف من أجله إلى الكذب أحيانا، كما لم يقل بوجوبه أحد و لو لم يتوقف على الكذب، فلا معنى لتقييد ذلك بما إذا اضطر إليه و لم يتمكن من التورية.

فيعلم من هذا ان جواز الكذب في المقام انما ثبت بعنوان النجاة لا الاضطرار كما

ثم ان أكثر الأصحاب مع تقييدهم جواز الكذب بعدم القدرة على التورية [1]

جاز الكذب للاصلاح على ما نبينه ان شاء اللّه تعالى، فلا ربط له بالاضطرار أصلا و عليه فيؤخذ باطلاق الأخبار و يحكم بجواز الكذب المنجي و لو لم يكن مضطرا إليه، و ليس الكذب من القبائح العقلية التي لا تقبل التخصيص و لا يجوز إلاّ عند الاضطرار، اللهم إلاّ أن يقال: ان اطلاق الأخبار مسوق لما هو الغالب من عدم التمكن من التورية فانه من الصعب على الإنسان غالبا معرفة التورية ليلتفت إليها من أول الأمر، بل لا يمكن التورية في بعض الكلمات أصلا.

[1] لا يخفى ان الفقهاء فرّقوا بين الاكراه على الكذب و بين الاكراه على المعاملات، حيث قيّدوا جواز الكذب بصورة عدم القدرة على التورية و أطلقوا الحكم ببطلان العقود و الايقاعات الصادرة عن اكراه و لم يقيّدوا ذلك بالعجز عن التورية و لو بعدم قصد الانشاء، بل صرّح بعضهم بذلك كالشهيد في الروضة و المسالك في كتاب الطلاق، و وجهه المصنف رحمه اللّه بأن الموضوع لجواز الكذب هو الاضطرار و لا يصدق مع التمكن من التورية و لو عملا، و الموضوع في المعاملات الاكراه و هو يصدق مع التمكن من التورية لأن الاكراه في المعاملة على الواقعي منها لا الصوري فلو باع المكره - بالفتح - يكون بيعه مصداقا لما اكره عليه و لو كان متمكنا من التورية فيعمه حديث الرفع.

و هذه التفرقة لا يصادق عليها التأمل، فإنّ الاضطرار في باب العقود و الايقاعات و إن لم يكن موجبا للغويتها لمنافاتها للامتنان كما بيّن في محله من كتاب البيع، إلاّ ان ما ذكره (أعلا اللّه مقامه) في الاكراه على المعاملة جار في الاكراه على المحرمات مع انّه اعتبر فيه عدم التمكن من التورية، مثلا إذا اكره على الافطار في

شهر رمضان أو على شرب الخمر و تمكن من التورية عملا باغفال المكره - بالكسر - فبالضرورة لا يجوز له الشرب أو الأكل مع انّه مصداق للمكره عليه، فلا فرق بين الاضطرار و الاكراه حينئذ، نعم قد يفرق بينهما لخصوصية الموردين، فإنّ المعتبر في فعلية الأحكام التكليفية انما هو القدرة و الاختيار و لا أثر لاختلاف الدواعي فيها، فشرب الخمر مع القدرة على تركه حرام بأي داع كان و لو بداعي رفع العطش، و أما المعاملات بالمعنى الأعم أعني الأحكام الوضعية فالمعتبر فيها الداعي فإذا كان الداعي على ايجاد المعاملة طيب نفس المالك تصح و إلاّ تفسد.

و توضيحه: ان الاختيار الارادة يستعمل تارة في مقابل القسر و الحركة الطبيعية كحركة النبض و وقوع من ألقي من شاهق على الأرض، و اخرى يراد به الرضا و طيب النفس، و المعتبر في مورد الأحكام التكليفية بعد القدرة و الاختيار بالمعنى الأول، و هو صدور الفعل عن التفات و شعور و هذا متحقق عند الاكراه مع القدرة على التورية، و أما في المعاملات فيعتبر فيها الاختيار بلا معنييه فلا تصح إلاّ إذا صدرت عن شعور و التفات و كان الداعي لايجادها الرضا النفساني على ما هو المستفاد من قوله تعالى إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ ، فالتجارة متقومة بالشعور و الالتفات و ذكر التراضي تقومها أيضا بالرضا و طيب النفس، و هذا هو الفارق بين الموردين أي الأحكام التكليفية و الأحكام الوضعية ان قلنا بالفرق بينهما، و عليه فالمعاملة الصادرة عن اكراه لا تكون عن طيب النفس و لو كان المكره - بالفتح - متمكنا من التورية أو من دفع الاكراه بنحو آخر فتكون فاسدة، نظير ما لو صدرت عن حياء و خجل فانها تفسد لكونها بلا طيب نفس، و مع هذا سيأتي في محله ان الصحيح اعتبار العجز عن التفصي بالتورية في الاكراه في الأحكام الوضعية أيضا.

فتحصل ممّا ذكر ان جواز المحرمات غير الكذب في صورة الاضطرار إليها أو الاكراه عليها انما هو عند عدم التمكن من التفصي عنها بتورية أو غيرها لعدم صدق الاضرار و الاكراه على المحرم بدون ذلك، و أما الكذب فإنّ كان للانجاء فهو جائز مطلقا سواء اضطر إليه لعدم التمكن من التورية أم لم يضطر إليه للتمكن منها لاطلاق الأخبار الواردة فيه كما عرفت.

و ما الاكراه على المعاملة بالمعنى الأعم من العقود و الايقاعات فيمكن القول ببطلانها مطلقا سواء تمكن المكلف من التفصي عن ذلك بالتورية أو بغيرها من المباحات أم لم يتمكن، لعدم صدور المعاملة حينئذ عن الرضا و طيب النفس المعتبران في صحتها.

و بالجملة: يمكن الفرق بين الاكراه الرافع للحكم في باب المحرمات و الاكراه الرافع للحكم في المعاملات، فالاكراه انما يسوغ ارتكاب المحرم مع العجز عن التفصي، و الاكراه الرافع لأثر المعاملة لا يتوقف على العجز، و السر في ذلك ما ذكرناه من ان المعتبر في ثبوت الحكم التكليفي هو القدرة عليه فقط و المعتبر في المعاملة القدرة عليها مع الرضا و طيب النفس، و لم يتحققا في صورة الاكراه على المعاملة و لو مع امكان التفصي بتورية أو غيرها. و أما الكذب فعلى القاعدة يكون كبقية المحرمات لا يسوغ إلاّ عند عدم امكان التفصي عنه على ما هو مقتضى حديث الرفع و دليل نفي الضرر، إلاّ انّه بالدليل الخاص نقول بجوازه فيها إذا توقف الانجباء عليه و لو مع امكان التفصي، و ليس الكذب من المحرمات العقلية التي لا تقبل التخصيص إلاّ في مورد الاضطرار، فما ذكره المصنف رحمه اللّه من ان الضرر المسوغ للكذب هو المسوغ لسائر المحرمات لا وجه له على المختار.

يستحب تحمل الضرر المالي الذي لا يجحف [1]

ثم ان الأقوال الصادرة عن أئمتنا [2]

[1] ما أفاده المصنف رحمه اللّه و ما استدل عليه بما في نهج البلاغة لا يخلو من نظر، فإنّ الضرر المالي إذا كان طفيفا بحيث تنصرف عنه الأدلة المسوغة للكذب عند دفع الضرر فلا يجوز أصلا، كما إذا فرضنا انّه يتضرر بعشرة أفلاس إذا لم يكذب و إلاّ جاز الكذب. و دعوى استحباب الترك حينئذ تحتاج إلى دليل، فانه كبقية الأحكام الشرعية ان لم يقم الدليل عليه يكون التدين به تشريعا محرما.

و أما الاستدلال على ما أفاده بما في النهج من ان ايثار الصدق الذي يتضرر به على الكذب النافع من علائم الايمان فغير تام، لأن المراد من الضرر بمقتضى مقابلته بالنفع هو عدم النفع و قد يطلق الضرر عرفا على عدم النفع و مورده ما إذا دار الأمر بين أن يكذب الإنسان فينتفع أو يصدق فلا ينتفع، فمن علائم الايمان ان يختار الصدق و لو مع فوات النفع على الكذب النافع، و من الواضح حرمة الكذب الجالب للنفع فيكون تركه من علائم الايمان و فعله موجبا للفسق، و قد ورد في بعض الأخبار «ان المؤمن لا يزني و هو مؤمن»(1)، و لا اشكال ان المؤمن لا يكذب و هو مؤمن، فإنّ لازم الايمان بالنبوة و الشريعة الخالدة التجنب عن كل ما حذرت عنه الشريعة.

[2] الأخبار الواردة عن الأئمة عليهم السّلام إذا دار الأمر فيها بين الحمل على كونها كذبا جائزا لأجل التقية أو الحمل على ارادة خلاف الظاهر منها من دون نصب قرينة


1) في الوسائل 463/2 باب 45 تعيين الكبائر عن محمد بن عبيد «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: يزني الزاني و هو مؤمن. قال: لا» الخبر، و فيه/ 464 عن الكاظم عليه السّلام من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله «لا يزني الزاني و هو مؤمن و لا يسرق السارق و هو مؤمن».

و من هنا يعلم انّه إذا دار الأمر [1]

عليه و هو التورية، فالذي عليه المصنف رحمه اللّه ان الأليق بمقام الأئمة هو الثاني.

و فيه: ان الكذب لما جاز للتقية و كان كبقية المباحات و ليس فيه قبح عقلي حتى لا يحسن ارتكابه فلا مجال حينئذ لدعوى أولوية التورية عليه، و أما ما ورد من التصريح بارادتهم عليهم السّلام خلاف الظاهر في بعض الموارد كقوله عليه السّلام «النافلة فريضة»، و لما تعجب السامع منه قال عليه السّلام: «أردت الوتر على النبي صلّى اللّه عليه و اله»، فلا يستفاد منه ضابطا كليا لجميع الموارد فما لم يبين فيه التورية يحتمل الأمران و لا مرجح.

[1] يرد على ما أفاده المصنف رحمه اللّه أن مفروض الكلام في الأمر و لا معنى للكذب في الانشاءات ليرجح فيها المجاز على التقية لأنها لا تخرج عن الكذب.

و لا يخفى كان المناسب جعل هذه المسألة من القواعد الاصولية لجريانها في الأمر المردد بين التقية و الاستحباب، و النهي المردد بين الحرمة و الكراهة، و على هذا تتفرع فروع كثيرة و لا بأس بتوضيحها فإنّ الأثر الالزامي من حيث العمل و إن لم يترتب عليها، إلاّ أنها ذات أثر من حيث فتوى الفقيه بالاستحباب.

فنقول: إذا ورد أمر مخالف بظاهره لمذهب الشيعة موافق لمسلك أهل السنّة يدور أمره بين الحمل على التقية و رفع اليد عما عليه بناء العقلاء من كون الكلام صادرا لبيان الواقع بداعي الجد أو التحفظ على هذا، و تقييد الاطلاق بصورة ابتلاء المكلف بالتقية مع ابقاء ظهور الأمر في الوجوب أو الحمل على الاستحباب و ابقاء الاطلاق، و كل ذلك خلاف الظاهر و الترجيح يختلف باختلاف لسان الدليل فانه يتصور على وجوه ثلاثة:

الأول: أن يشتمل الخبر المخالف لظاهر مذهب الشيعة على حكم وضعي محض، كما ورد الرعاف ناقض للوضوء.

الثاني: أن يشتمل على حكم تكليفي محض، كما لو ورد الأمر بشيء واجب عند أهل السنة غير واجب عندنا.

الثالث: أن يكون الحكم بحسب ظهوره الأولي الشخصي تكليفيا و لكن قامت قرينة خاصة أو عامة صارفة له إلى ظهور ثانوي فعلي في الحكم الارشادي الوضعي كالأمر الارشادي إلى الجزئية و الشرطية.

فأما ما كان من قبيل الأول فيتعيّن فيه الحمل على التقية، لأن البطلان الاستحبابي لا معنى له، و حمله على استحباب الاعادة من باب الكناية و استعمال اللفظ و ارادة لازمه ان صح في نفسه فهو بعيد عن الفهم العرفي يمتنع حمل اللفظ عليه.

و ما كان من قبيل الثاني فعلى المختار من كون الوجوب بحكم العقل و إن الأمر مستعمل في ابراز الاعتبار لا بد من التحفظ على ظاهر الكلام من كونه صادرا لبيان الواقع لا للتقية و التحفظ على ظهوره في الاطلاق، ثم يحمل الأمر على الاستحباب لاقترانّه بالدليل على الترخيص في الترك و هو الاجماع و ضرورة المذهب، و ضم أحد الأمرين إلى الثاني يثبت الندب من دون لزوم ارتكاب خلاف الظاهر. و أما على المسلك المعروف من كون الالزام جزء من معنى الصيغة فيكون الكلام مجملا لدوران الأمر بين الأمور بين الامور الثلاثة المتقدمة و لا مرجح لأحدها على الآخر.

و أما ما كان من قبيل الثالث كما إذا ورد من رعف يعيد الوضوء و كان ارشادا إلى ناقضية الرعاف، فهو ملحق بالقسم الأول بل حمله على الاستحباب أبعد لتوقفه على ارتكاب مخالفة ظاهرين، أحدهما حمل ما ظاهره الفعلي الارشادي على الحكم المولوي، و ثانيهما حمل الأمر الظاهر في الوجوب على فرض كونه تكليفيا

الثاني من مسوغات الكذب: ارادة الاصلاح [1]

جواز الوعد الكاذب مع الزوجة [2]

على الاستحباب، و هو خلاف الظاهر ففي هذا القسم على المختار في معنى الأمر أيضا لا يمكن الحمل على الاستحباب كما هو ظاهر.

فتحصل: ان ما أفاده المصنف (أعلى اللّه مقامه) لا يستقيم في واحد من هذه الوجوه الثلاثة، إلاّ في الوجه الثاني على ما سلكناه بالملاك الذي سلكناه لا بما بيّنه قدّس سرّه.

[1] الاصلاح قد يكون بين شخصين و قد يكون بين الكاذب و بين غيره، و لا اشكال في جوازه مطلقا، و يدل عليه قول أبي عبد اللّه عليه السّلام في صحيحة معاوية بن عمار «المصلح ليس بكذاب»، و عن الرضا عليه السّلام من حديث «ان الرجل يكذب على أخيه يريد نفعه فيكون عند اللّه صادقا»(1)، و لا يخفى ان احتمال اعتبار عدم التمكن من التورية في جواز الكذب للاصلاح موهون جدا، و ذلك لحكومة هذه الأخبار على أدلة حرمة الكذب، فإنّ ظاهر قوله «يكون عند اللّه تعالى صادقا»، و قوله عليه السّلام: «ليس بكذاب» عدم صدق الكذب عليه بحكم الشارع، و معه لا وجه لاعتبار العجز عن التورية في جوازه.

[2] ورد في رواية عيسى بن حسان عن الصادق عليه السّلام «كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوم القيامة إلاّ كذبا في ثلاثة، و الثالث منها رجل وعد أهله و هو لا يريد أن يتم لهم»(2)، و ظاهره جواز الكذب مع العيال و منهم الزوجة، كما ان الظاهر منه جواز


1) الحديثان في الوسائل 234/2 باب 141 الكذب في الاصلاح.

2) الوسائل 234/2 باب جواز الكذب في الاصلاح.

الكهانة حرام [1]

الكذب من حيث خلف الوعد لا من حيث الاخبار، فلا يجوز أن يحكي عن تحقق الأمر في المستقبل مع علمه بعدم تحققه في الخارج.

نعم إذا وعد أهله بنحو الانشاء لا الاخبار يجوز أن يخلفه و لو قلنا بوجوب الوفاء بالوعد، و لكن لا ينبغي الشك في رجحان ترك خلف الوعد حتى مع الأهل لأن من يضمه البيت يأخذ بمجامع الأخلاق الحميدة و الذميمة من رب البيت المتكفل اعاشتهم و تربيتهم على ما دعت إليه الشريعة من محاسن الآداب و مجانية ما يوجب الانحطاط و الضعة.

حرمة الكهانة

اشارة

[1] يقع الكلام في امور ثلاثة: الأول: عمل الكاهن، الثاني: حرمة اتيان الكاهن، الثالث: الاخبار عن المستقبل.

عمل الكاهن

أما الأول: فلا ينبغي الريب في تحقق الكهانة كما يستفاد من الأخبار(1)، و هي عبارة عن الاخبار عن المغيبات بتوسط رئى من الجن كما يظهر من القواعد،


1) في مستدرك الوسائل 434/2 باب 23 تحريم اتيان العراف و الكهانة عن دعائم الإسلام عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال: «كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله ذات ليلة اذ رمي بنجم، فقال رسول اللّه للقوم: ما كنتم تقولون في الجاهلية مثل هذا؟ قال: كنا نقول مات عظيم و ولد عظيم. قال: انّه لا يرمى لموت أحد و لا لولادة أحد، و لكن ربنا إذا قضى أمرا سبح له حملة العرش، و قالوا قضى ربنا بكذا فيسمع أهل السماء الذي تليهم فيقولون ذلك حتى يبلغ أهل سماء الدنيا، فيسترق الشياطين للسمع فيأتون به الكهنة فيزيدون و ينقصون فتخطئ الكهنة و تصيب ثم ان اللّه عز و جل منع السماء بهذه النجوم فانقطعت الكهانة».

و الرئى فعيل من رئى بمعنى صاحب الرأي و يقال فلان رئى القوم أي صاحبهم(1)

«الكاهن» في عمدة القاري 198/10 الكهانة بكسر الكاف و فتحها و الفتح أشهر ادعاء علم الغيب بالأخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، أو هي الأخبار بما يكون في أقطار الأرض. و في نيل الأوطار للشوكاني 151/7 عن القاضي عياض الكهانة في العرب على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع و قد بطل هذا بالبعثة، الثاني: أن يخبره بما يطرء في الأرض و لا يبعد وجوده، و نفى المعتزلة و بعض المتكلمين هذين الضربين، الثالث: المنجمون. في فتح الباري 290/4: حلوان الكاهن حرام بالاجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل، و في معناه التنجيم و الضرب بالحصى.

«العراف» في فتح الباري 168/10: العراف بفتح المهملة و تشديد الراء من يستخرج المغيبات من فعل أو قول. و في المصباح المنير و مجمع البحرين مادة عرف: العراف مثقلا المنجم، و الكاهن يستدل على معرفة المسروق و الضالة بكلام أو فعل، و قيل: العراف يخبر عن الماضي، و الكاهن يخبر عن الماضي و المستقبل. و في تاج العروس مع القاموس 193/6 العراف - كشدّاد -: الكاهن أو الطبيب. و في النهاية هو المنجم أو الحازي الذي يدعي علم الغيب، و عند الراغب هو الكاهن إلاّ أن العرف خصه بمن يخبر بالأحوال المستقبلة و الكاهن يخبر بالأحوال الماضية. و في الزواجر لابن حجر 91/2 قيل هو الكاهن، و يرده حديث البغوي من أتى عرافا أو كاهنا - الخ. و قيل هو الساحر، و فسّره البغوي بالذي يعرف الامور الكائنة من أسباب خاصة.

، و يظهر من الأخبار ان الكهانة قبل البعثة ثم منع الشياطين من استراق السمع برجم

1) في الصحاح الرئي فعيل مثل ضئين، يقال به رئي من الجن أي مس، و في تاج العروس 140/10 الرئي كغبي و يكسر جني يتعرض للرجل يريه كهانة أو طبا، يقال مع فلان رئي. و في المحكم هو الجن يراه الانسان، و في نهاية ابن الأثير 58/2 مادة رأي يقال للتابع من الجن رئي بوزن كمي و هو فعيل أو فعول سمي به لأنّه يترائى لمتبوعه أو هو من قولهم فلان رئي قومه إذا كان صاحب رأيهم و قد تكسر راؤه لاتباعها ما بعدها. و مثله الزمخشري في الفائق 220/1 ط حيدرآباد.

الشهب كما قال سبحانه «إِلاّٰ مَنِ اِسْتَرَقَ اَلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهٰابٌ ثٰاقِبٌ‌» و كانت قبل البعثة أخبارا عما وقع في الخارج و عما يقع في المستقبل بتوسط الجن، و بعد منعهم صارت الكهانة بالأخبار عما وقع دون ما يقع في المستقبل لأن الشياطين بعد ما يرجموا لم يتمكنوا من استماع الأخبار المستقبلة من السماء، فكانوا يستخبرون ما وقع في الأرض و يخبرون أولياءهم من الكهنة.

و قد روى الطبرسي في الاحتجاج ان بعض الزنادقة اجتمع بأبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام فسأله عن مسائل كثيرة، منها: قوله من أين أصل الكهانة‌؟ قال عليه السّلام:

«الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الامور فيخبرهم عن أشياء تحدث و ذلك من وجوه شتى فراسة العين و ذكاء القلب و وسوسة النفس و فتنة الروح مع قذف في قلبه، لأن ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة يعلمه الشياطين و يؤديه إلى الكاهن و يخبره بما يحدث في المنازل و الأطراف».

و أما أخبار السماء فإنّ الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع و هي لا تحجب و لا ترجم بالنجوم، و انما منعت من استراق السمع لئلا يقع في الأرض سبب تشاكل الوحي من خبر السماء فيلبس على أهل الأرض ما جاء عن اللّه لاثبات الحجة و نفي الشبهة، و كانت الشياطين تسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث من اللّه في خلقه فيتخطفها ثم يهبط بها إلى الأرض فيقذفها إلى الكاهن، فإذا زاد عليها كلمات من عنده اختلط الحق بالباطل، فما أصاب الكاهن من خبر ممّا كان يخبر به فهو ما أداه إليه الشيطان ممّا سمعه، و ما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه، و منذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة، و اليوم انما تؤدي

الشياطين إلى الكهان إخبارا للناس بما يتحدثون به و ما يحدثونه و الشياطين تؤدي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق يسرق و قاتل يقتل و غائب غاب، و هم بمنزلة الناس صدوق و كذوب. انتهى.

و يشهد لصدق الكاهن فيما يخبر به من أخبار الأرض جملتان من هذه الرواية، احداهما: قوله في صدرها «لان ما يحدث في الأرض من الحوادث»، و الثانية:

قوله في ذيلها «ما يحدث في البعد عن الحوادث من سارق يسرق» فالمراد من انقطاع الكهانة، الكهانة الكاملة، فيعم دليل الحرمة كلا القسمين.

و بالجملة الكهانة قبل البعثة و بعدها حرام لما في حديث أبي سعيد قال رسول للّه صلّى اللّه عليه و اله: «لا يدخل الجنة عاق و لا منان و لا ديوث و لا كاهن و من مشى إلى كاهن فصدقه فقد برأ ممّا أنزل اللّه تعالى على محمد»(1).

حرمة اتيان الكاهن

و أما الثاني: و هو اتيان الكاهن، فالمراد منه الأخذ منه و تصديقه و العمل بقوله لا مجرد الاتيان إليه لغرض آخر، و هذا أيضا لا يجوز على القاعدة لأنّه من العمل بما لم يجعله الشارع حجة بل مخالف للكتاب و السنة و ما جعل طريقا شرعيا للشبهات في باب القضاء و غيرها، و يدل على حرمته روايات، منها: رواية الخصال عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه قال: «من تكهن أو تكهن له فقد برأ من دين محمد صلّى اللّه عليه و اله»، و في مستطرفات السرائر من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن الهيثم «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: «عندنا بالجزيرة رجل ربما أخبر من يأتيه عن الشيء يسرق أو شبه ذلك فنسأله. فقال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذب يصدقه


1) مستدرك الوسائل 435/2 باب تحريم العراف و الكهانة.

بما يقول فقد كفر بما أنزل اللّه من كتاب»، و في حديث المناهي «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله نهى عن اتيان العراف، و قال: من أتاه فصدقه فقد برأ ممّا أنزل اللّه على محمد»(1)

و قد روى أهل السنة عن النبي صلّى اللّه عليه و اله مثل هذه الأحاديث ففي مجمع الزوائد للهيثمي 117/5 كتاب الطب عن عمر بن الخطاب عن النبي صلّى اللّه عليه و اله «من أتى عرافا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»، و رواه في تيسير الوصول 158/2 حرف السين عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي صلّى اللّه عليه و اله، و في مجمع الزوائد عن أنس عنه صلّى اللّه عليه و اله: «من أتى كاهنا فصدقه فقد برأ ممّا أنزل على محمد صلّى اللّه عليه و اله، و من أتاه غير مصدق له لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»، و عن واثلة بن الأسقع عنه صلّى اللّه عليه و اله: «من أتى كاهنا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة، فإن صدقه بما قال فقد كفر»، و قد روى نحو هذه الأحاديث أبو داوود في سننه 15/4 كتاب الطب، و منتقى الأخبار لابن تيمية هامش نيل الأوطار 150/7 و كنز العمال 394/3 و صحيح مسلم 261/2 كتاب الطب و الزواجر لابن حجر 90/2.

.

الاخبار عن المستقبل

و أما الثالث: و هو الاخبار عن المغيبات من الامور المستقبلة بغير الرئي من الجن، كالاخبار عنها بفراسته أو نوم أو نحو ذلك و ربما يطلق عليها الكهانة مسامحة و على تعريف النهاية تصدق الكهانة عليه حقيقة، و على أي حال تارة تكون أخبارا عن المغيبات جزما عن غير علم فتحرم من حيث انها أخبار عن غير علم على ما يظهر من الآية الشريفة، و أحيانا يقتضيها العلم الاجمالي فإنّ من لا يعلم صدق ما يخبر به قد يعلم اجمالا بكذب بعض أخباره عادة و هو منجز يقتضي


1) هذه الأحاديث في الوسائل 545/2 باب 54 تحريم العراف و الكهانة، و في مستدرك الوسائل 434/2 عن الجعفريات عن علي عليه السّلام «من السحت ثمن الميتة - إلى أن قال -: و أجر الكاهن»، و عن دعائم الإسلام «من جاء عرافا فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه و اله»، و عن كتاب درست بن منصور عن أمير المؤمنين عليه السّلام «ان اللّه تعالى أوحى إلى نبي أخبر قومك انهم قد استخفوا بطاعتي و انتهكوا معصيتي - إلى أن قال -: و أخبر قومك انّه ليس مني من تكهن أو تكهن له».

الاجتناب و لكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام فإنّ عنوان المقام القول بغير علم و لا ربط له بعنوان الكذب، بل بينهما عموم من وجه فإنّ الكذب عبارة عن عدم المطابقة واقعا، نعم إذا كان المخبر شاكا فيما اخبر به و مع ذلك يخبر جزما استحق العقاب من باب التجري.

و اخرى: يكون الاخبار عن الامور المستقبلة عن علم و جزم، و الظاهر عدم حرمة ذلك اذ لا دليل عليها، كما لا دلالة على التحريم فيما استدل به المصنف قدّس سرّه و لا ما ذكره تأييدا.

و أما ما استدل به من رواية الحسن بن محبوب عن الهيثم المتقدمة عن مستطرفات السرائر، بدعوى أن ظاهرها حصر الاخبار عن المغيبات في الثلاثة و كلها محرمة.

ففيه: أوّلا: ان المتيقن من مورده هو الاخبار عن الامور المتحققة و هو غير محرم إذا كان المخبر جازما، و المصنف رحمه اللّه لا يقول بحرمته أيضا و ذلك، لأن المتعارف في سؤال العريف استخباره عما تحقق من السرقة أو القتل لا استخباره عما يقع منها في المستقبل فانه غير متعارف، بل ظاهر السؤال في الرواية ذلك.

و ثانيا: ليس في الخبر ما يدل على حرمة الطوائف الثلاثة، بل ظاهره ان من مشى إلى هؤلاء الطوائف فقد كفر، و الذي بالجزيرة من أحدهم.

و ثالثا: لا يستفاد منه حصر المخبر عن الأمر المستقبل بالطوائف الثلاثة حتى يفرض حرمة اخبارهم، و بالجملة لا يستفاد منه حرمة الاخبار عن المغيبات مطلقا.

و أما تأييد الاستدلال بحديث المناهي المروي في الفقيه، ففيه: ان غاية ما يدل عليه حرمة اتيان العراف و من يخبر عن المغيبات و تصديقه بما يخبر به، و ليس فيه

دلالة على حرمة اخباره مضافا إلى أن ظاهره الاخبار عما تحقق في الخارج لا عن الامور المستقبلة، مع أن صاحب الوسائل فسر العراف بالمنجم(1).

و أما المؤيد الثاني الذي استند إليه المصنف رحمه اللّه و هو قوله عليه السّلام في الاحتجاج «لئلا يقع سبب يشاكل الوحي من خبر السماء»، ففيه: ان ظاهره مبغوضية معارضة الوحي الالهي و الأنبياء بالاخبار عن المغيبات كما كان متعارفا لا مجرد الاخبار بها مع الإعلام بأن مدرك خبره النوم أو الحدس أو الفراسة من دون اقترانّه بدعوى أصلا.

فظهر انّه لا دليل على حرمة الاخبار عن الامور المستقبلة إذا كان عن علم و جزم. ثم ان ظاهر كلام المصنف رحمه اللّه اعتبار بعض العلوم كالجفر و الرمل و لم يثبت لنا وجهه(2)

و سئل ابن عباس عن علم الرمل‌؟ فقال: انّه من الاثارة التي أخبر عنها الكتاب اذ يقول «ائتوني بكتاب من قبل هذا أو اثارة من علم ان كنتم صادقين»، و روى أبو الأسود الدؤلي أن النبي صلّى اللّه عليه و اله سئل عن علم الرمل‌؟ فقال: ان نبيا من الأنبياء كان يأتيه أمره في خط الرمل فمن وافق خطه علم باذن اللّه تعالى.

.

1) تقدم عن أهل اللغة انّه غيره.

2) في نفائس الفنون تأليف محمد بن محمود الاملي في زمن السلطان محمد خدا بنده و مدرس في السلطانية و له مناظرات مع عضد الدين الايجي ذكره في كشف الظنون و مجالس المؤمنين، قال: واضع علم الرمل النبي دانيال عليه السّلام و ذلك لما دعا الناس إلى التوحيد و لم يسمع منه أحد في بلاده تركها إلى بلاد اخرى و فتح حانوتا و جعل يخط في الأرض خطوطا و يخبر الناس عن الماضي و المستقبل ثم علم جماعة بهذا العلم و لما اتقنوه أرسلهم في البلدان يدعون إلى وجود نبي في العالم.

اللهو حرام [1]

حكم اللهو

فى حرمته

[1] كلمات فقهاء الإمامية في حرمة اللهو مختلفة، فيظهر من بعضها اطلاق القول بحرمة اللهو، و قد يستظهر الاطلاق ممّن قال بحرمة الصيد اللهوي لأن الصيد لا خصوصية له، و بعضهم لا يوافق على اطلاق المنع عن اللهو.

و التحقيق: ان حرمة الصيد اللهوي لا دليل عليها فإنّ عدم تقصير الصلاة في هذا السفر لا يلازم كونه معصية، و أول من تنبه لذلك المحقق البغدادي و تبعه جملة من محققي المتأخرين، و على فرض كونه معصية فليس من جهة اللهو بل بعنوان خاص لا يتعدى إلى غيره.

فى اقسامه

اشارة

ثم ان اللهو ينقسم إلى أقسام ثلاثة حسبما أفادته الأخبار الواردة فيه:

الأول: اللعب بالآلات المعدّة له

الأول: اللعب بالآلات المعدّة له المعبّر عنها بالمعازف كالمزمار و البربط، و لا اشكال في حرمته بل في بعض الأخبار انّه من الكبائر، و رواية سماعة دلت على ان أول من اخترع هذه الآلات الشيطان بعد قتل هابيل فكان هو و قابيل يلعبون بها شماتة بآدم عليه السّلام لأنّه أظهر الجزع على موت ولده.

و في الحديث عن الرضا عليه السّلام «انّه سئل أمير المؤمنين عليه السّلام عن هدير الحمام الراعبية‌؟ قال: انها تدعو على أهل المعازف و المزامير و العيدان»، و في حديث الصادق عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: أنهاكم عن الزفن و المزمار و الكوبات و الكبرات»(1)

و قد ورد في كتب أهل السنة ما يقارنها ففي المحلى لابن حزم 55/9، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «كل شيء يلهو به الرجل باطل إلاّ رميه بقوسه، و تأديبه فرسه، و ملاعبته امرأته؛ فانّهن من الحق»، و في كنز العمال 331/7 عن جابر بن عبد اللّه عنه صلّى اللّه عليه و اله «كل شيء ليس من ذكر اللّه فهو لهو و لعب إلاّ أربعة: مشي الرجل بين الفرضين و تعليمه السباحة و تأديبه فرسه و ملاعبته امرأته»، و في شرح السير الكبير للسرخسي 207/3 المكروه طبول اللهو بمنزلة الدفوف، و المكروه في لسان الحنفية يراد منه الحرام.

و لأجل هذه الأحاديث و غيرها أفتى شيخ الإسلام في الهداية 170/4 باب الكراهية بحرمة كل لهو عدى الثلاثة المستثناة، و في نتائج الأفكار لقاضي زاده 89/8 تكملة فتح القدير: الملاهي كلها حرام حتى التغني بضرب القضيب و استدل بتلك الروايات.

، و هذا ظاهر في تحريم اللعب بهذه الآلات.

1) هذه الروايات في الوسائل 566/2 باب 128 تحريم استعمال الملاهي، و في المستدرك للنوري 458/2 باب 79 تحريم استعمال الملاهي عن كتاب زيد النرسي و لب اللباب للراوندي و دعائم الإسلام، و فيها نهى النبي صلّى اللّه عليه و اله عن الضرب بالدف و عن اللعب كله و حضوره و الاستماع إليه، و نهى عن الصوت عند النغمة باللهو و اللعب بالمزامير إلى غيرها.

الثاني: اللعب بغير الآلات المعدة للهو

الثاني: اللعب بغير الآلات المعدة للهو و كان صادا عن ذكر اللّه تعالى و شاغلا عن العبادة، و لا اشكال في حرمته لرواية الأعمش فانها عدت من الكبائر الاشتغال بالملاهي الصادة عن ذكر اللّه كالغناء و ضرب الأوتار(1)، و لا تختص الرواية باللهو بالآلات المعدة له كما في القسم الأول، فإنّ لفظ الملاهي فيها جمع ملهى(2)، مصدر أو وصف حيث مثل له بالغناء و ضرب الأوتار، و هما مصدران و لا يراد من الصد عن ذكر اللّه تعالى ما يصد عن العبادة من جهة المضادة، فإنّ المباحات كلها تصد عن العبادة كذلك، بل المراد ما يكون اللاهي بها راغبا عن الطاعة و الأعمال المقربة من المولى سبحانه و لم يخف ذلك على كل من يحضر مجلس اللهو، و على


1) رواية الأعمش رواها الصدوق في الخصال 150/2، و في الوسائل 465/2 باب 45 تعيين الكبائر حديث 36.

2) في تاج العروس 10 مادة لهى، الملاهي آلات اللهو جمع لهو على غير قياس، أو جمع ملهاة لما من شأنه أن يلهى به.

العكس منه المشتغل بالمستحبات كتلاوة القرآن و الذكر و التسبيح فانها توجب القرب من المولى الجليل و تستوجب الألطاف الرحمانية و العطف الربوي.

الثالث: اللعب بالأشياء المباحة

الثالث: اللعب بالأشياء المباحة التي لا تصد عن ذكر اللّه تعالى و لم يكن له داع عقلائي، كاللعب بالسبحة فقد يستدل على حرمته باطلاق قوله عليه السّلام: «كلما لهى عن ذكر اللّه فهو من الميسر»، و ما دلّ على ان اللهو من الباطل بضميمة ما يتوهم ظهوره في حرمة الباطل كقوله عليه السّلام: «كل لهو المؤمن باطل ما خلا ثلاثة تأديبه فرسه و ملاعبته زوجته و رميه عن قوسه»، إلاّ انّه لم يعمل باطلاقها، مع ان السيرة المستمرة على خلافه، فلا بد من حمل الرواية على أحد القسمين المتقدمين.

و لا يخفى الفرق بين اللغو و اللهو و اللعب، فإنّ اللغو من صفات الكلام الصادر بغير داع عقلائي، و اللعب مرادف للهو، و لعل الفرق بينهما بحسب المراتب و ربما يقال اللغو مرادف للهو(1)

و أما اللغو: ففي النهاية و مفردات الراغب و المصباح: هو الكلام الذي لا فائدة فيه و كل كلام قبيح يسمى لغوا.

، و أما قوله تعالى في سورة الحديد/ 20 أَنَّمَا اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفٰاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكٰاثُرٌ فِي اَلْأَمْوٰالِ‌ يحتمل فيه ان يراد من

1) في مقاييس اللغة لابن فارس 213/5: اللهو كل شيء شغلك عن شيء، و في الفروق لأبي هلال العسكري/ 210: كل لهو لعب و قد يكون بلا لهو كاللعب للتأدب بالشطرنج و غيره، و قيل: اللعب عمل للذة لا يراعى فيه الحكمة كلعب الصبي، و في روح المعاني للآلوسي 184/27 في هذه الآية: اللعب لا ثمرة فيه و اللهو تشاغل الإنسان بما لا يعنيه، و في تاج العروس: اللهو هو اللعب و العبث الاشتغال بأمر غير معلوم الفائدة، و في الفروق لأبي هلال العسكري: العبث ما خلا عن الارادات إلاّ ارادة وقوعه و اللهو و اللعب يتناولهما غير ارادة حدوثهما.

اللعب ما يصدر من الإنسان أيام صباه لاشتغاله في غالب أوقاته بأفعال غير عقلائية و بعد وصوله إلى مرتبة التمييز يشتغل باللهو و الطرب، ثم يصل إلى مرتبة التفاخر بالأموال و الأولاد، و بالجملة: الفرق بين هذه الأمور باختلاف المراتب، و لا ثمرة مهمة في تحقيقه بعد عدم حرمة شيء منها على الاطلاق.

ثم أنّه ورد في حديث أبي خالد الكابلي عن زين العابدين عليه السّلام: «ان الذنوب التي تهتك العصم شرب الخمر و اللعب بالقمار و تعاطي ما يضحك الناس من اللغو و المزاح و ذكر عيوب الناس و مجالسة أهل الريب»(1)، فتوهم من ذلك حرمة اللغو و الكلام الصادر لضحك الناس.

و فيه: أوّلا: قيام السيرة القطعية على جوازه كما هو المتعارف.

و ثانيا: ان المراد بالعصمة التي تهتكها الذنوب حفظ كرامة المؤمنين بعضهم لبعض و عدم الحط من مقامهم لا لعصمة بين الخالق و المخلوق، فانها تنهتك بجميع المعاصي، و بمناسبة الحكم و الموضوع يراد من العصمة بين المؤمنين ألا يصدر من أحدهم في حق أخيه ما يوجب الشحناء و التنافر من الاستهزاء و التعيير فانه حرام بلا اشكال، و تفسير العصمة بهذا المعنى يتناسب مع المذكورات في الحديث، فإنّ شرب الخمر حيث يترتب عليه إزالة العقل قد يصدر من السكران ما ينافي العصمة بين المؤمنين، و كذلك المقامر فانه عند مغلوبيته تحتدم نفسه و تجيش فاكرته فلا يؤمن منه في هذا الحال صدور ما لا يتفق مع الانسانية و يذهل عن محظورات


1) انظر كتاب الإمام زين العابدين/ 150 ط مطبعة الغري في النجف عن معاني الأخبار/ 137.

مدح من لا يستحق المدح [1]

الشريعة، فيتعدى على حقوق الناس بما يوجب العداوة و البغضاء و لقد حذرت الشريعة الحنيفية عن كل ما يسبب التباعد بين المؤمنين و يحل عرى التضامن و الاجتماع و النصرة في السراء و الضراء(1).

[1] كلمات المصنف (أعلا اللّه مقامه) في الاستدلال على الحرمة مضطربة، فانه تارة استدل عليها بحكم العقل المستلزم للحرمة شرعا، و اخرى من حيث حرمة الكذب، و ثالثة من جهة حرمة حب الغني طمعا في ماله و دنياه و قد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عن ذلك بقوله: «من عظم صاحب دنيا و احبه طمعا في دنياه سخط اللّه عليه و كان مع قارون»، و رابعة بالنهي عن مدح سلطان جائر و الركون إليه و قد قال اللّه تعالى: وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنّٰارُ (2).


1) يشهد لذلك ما في عيون الأخبار الرضا عليه السّلام/ 216 و الأمالي/ 267 مجلس 18 كلاهما للصدوق، و تهذيب كامل المبرد 54/1 عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله انّه قال: «لو تكاشفتم لما تدافنتم»، فانه صلّى اللّه عليه و اله أراد التعريف بأن هتك عورة المؤمن و كشف ستره و اسقاط محله بين الناس يسبب التباعد عن ذلك المؤمن و من يمت إليه بصلة فلا يؤخذ بعضد هذا المذيع للفاحشة و لا تدفع الشرور عنه حتى لو شاهدوه ميتا لا يقدمون على مواراته عن الهوام و الوحوش الضارية مضافا إلى حرمانه من الفيوضات الالهية، و من لم يغمره اللطف الربوبي يكون كالسفينة تتقاذفها الأمواج، فمجالسة أهل الريب مع انها بنفسها مبغوضة للمولى سبحانه قد تجر من لم يكن منهم إلى الوقوع فيما هم عليه مضافا إلى توجه التهم السيئة إليه و سقوط محله فلا يصغى إلى عظته و لا يهتدى بارشاده و لا تقبل نصائحه، و الشارع الأقدس يحب أن يكون المؤمن في السنام الأرفع من الفضائل متحليا بالمحامد هدى للعامة و مقتدى لمن يتطلب آثار الحقايق المقربة من فاطر السماء عز شأنه.

2) في الوسائل 549/2 باب 73 ذكر الأخبار في تحريم صحبة الظالمين، و في تفسير البرهان 489/1 سورة هود/ 113 عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ان هذه الآية وَ لاٰ تَرْكَنُوا، و ارادة في الرجل يأتي السلطان فيجب بقاءه إلى أن يدخل يده في كيسه فيعطيه، و في التبيان للشيخ الطوسي 79/2 الركون إلى الشيء السكون إليه و المحبة و انما نهاهم عنه لما فيه من الانس بهم.

معونة الظالمين في ظلمهم حرام [1]

و نقول: ما أفاده قدّس سرّه من العناوين المتعددة المحرمة ممّا لا اشكال فيه، إلاّ انها أجنبية عن مدح من لا يستحق المدح و غير مختصة به، فإنّ الكذب حرام مطلقا، و تعظيم الغني طمعا في دنياه موجب لسخط الرب جل شأنه لما فيه من الركون في استدرار الرزق إلى أضعف مخلوقه لا يقدر على استرداد ما يسلبه الذباب منه، و هكذا مدح الجائر تقربا إليه فإنّ الميل إلى الظلمة و الانس بهم انما منع منه الشارع لأجل كونهم حائدين عن النهج القويم الذي سنه لنا رب العالمين فالشريعة مانعة عن السكون اليهم و الانصات لقولهم سواء استلزم مدحهم أو لا، فجميع هذه العناوين مغايرة مع عنوان المقام، و هو مدح من لا يستحق المدح و على هذا لا دليل على مدح الفقير ببذل النائل و مدح البليد بجودة الفهم إذا لم يرجع ذلك إلى الأخبار ليكون كذبا لأن الأوصاف قبل العلم بها أخبار و قبحه في نفسه ممنوع عقلا.

اعانة الظالمين

في اعانة الظالمين عناوين ثلاثة:

اشارة

[1] ذكر المصنف (أعلا اللّه مقامه) في اعانة الظالمين عناوين ثلاثة:

الأول: الإعانة على الظلم

الأول: الإعانة على الظلم، و هو بنفسه مستقل كالاعانة على الاثم الذي تقدم الكلام في عدم الدليل على حرمتها إذا لم تكن الإعانة على الاثم ترغيبا في المحرم و تسبيبا إليه، بل ورد الدليل على جوازها كبيع العنب ممّن يعلم انّه يجعله خمرا اللهم إلاّ في بيع الخشب ليعمل صنما فقد ورد المنع منه. و أما الإعانة على الظلم فلا

اشكال في حرمتها، و يشهد له رواية أبي حمزة عن علي بن الحسين عليه السّلام: «اياكم و صحبة العاصين و معونة الظالمين»، و رواية طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«العامل بالظلم و المعين له و الراضي به شركاء»، و رواية الحسين بن زيد عن الصادق عليه السّلام عن آبائه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في حديث المناهي قال: «ألا و من علق سوطا بين يدي سلطان جعل اللّه ذلك السوط ثعبانا من النار طوله سبعون ذراعا يسلطه عليه في نار جهنم» إلى كثير من نظائرها(1)، بل ورد ان أمير المؤمنين عليه السّلام أمر بقلع عين من نظر إلى من قتل ظلما(2).

الثاني: عنوان اثبات الاسم في ديوان الظلمة و لو لم يعنهم

الثاني: عنوان اثبات الاسم في ديوان الظلمة و لو لم يعنهم على الظلم كما لو فرض ان الخليفة رتب شخصا لقيادة جيش يحارب الكفار فقط و لم يتدخل في امور المسلمين أصلا فانه محرم، و يشهد له رواية الوليد بن صبيح الكاهلي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «من سود اسمه في ديوان سابع(3)حشره اللّه يوم القيامة خنزيرا»، و رواية السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال: «إيّاكم و أبواب السلطان و حواشيه فإنّ أقربكم من السلطان و حواشيه أبعدكم من اللّه تعالى» و عنه أيضا:

«ينادى يوم القيامة أين أعوان الظلمة و من لاق لهم دواة أو ربط كيسا أو مد لهم مدة


1) الوسائل 548/2 باب اعانة الظالمين.

2) في الوسائل 467/3 باب 17 حكم من أمسك رجلا فقتله و آخر ينظر اليهم عن السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ثلاثة رفعوا إلى أمير المؤمنين عليه السّلام واحد منهم أمسك رجلا و أقبل الآخر فقتله و الثالث يراهم فقضى أن تسمل عين الناظر و الممسك يسجن حتى يموت و القاتل يقتل».

3) سابع مقلوب عباس، و كثيرا ما استعمل أهل البيت عليهم السّلام الرموز للاشارة إلى هذه الذرية الخائنة حذرا من سيفهم المشهور.

قلم فاحشروه معهم»(1).

و لهذا الأخبار أفتى الحجة اليزدي في العروة الوثقى ان السلطان إذا سافر سفرا مباحا كالزيارة قصر في صلاته لكون سفره مباحا و أما خدمه فيتمون الصلاة لأن سفرهم في خدمته و هو معصية للّه تعالى. فتحصل ان مجرد درج الاسم في ديوان الظلمة محرم، إلاّ أن يريد بذلك دفع الظلم عن المؤمنين.

الثالث: المعاملة مع الظلمة من دون أن يعينهم على ظلمهم أو يثبت اسمه في ديوانهم

الثالث: المعاملة مع الظلمة من دون أن يعينهم على ظلمهم أو يثبت اسمه في ديوانهم، و ذلك فيما لو احتاج السلطان إلى بناء دار أو مسجد فيقوم بهذا العمل اما باجرة أو تبرعا، و الظاهر جوازه.

أما أوّلا: فللسيرة المستمرة على المعاملة معهم.

و ثانيا: ان رواية صفوان(2)

قال صفوان فذهبت و بعت جمالي عن آخرها فبلغ ذلك هارون فدعاني، و قال لي: يا صفوان بلغني انك بعت جمالك‌؟ قلت: نعم. قال: و لم‌؟ قلت: أنا شيخ كبير و إن الغلمان لا يفون بالأعمال. فقال: هيهات هيهات اني لأعلم من أشار عليك بهذا أشار عليك موسى بن جعفر. قلت: مالي و لموسى بن جعفر. فقال: دع هذا منك فو اللّه لو لا حسن صحبتك لقتلتك».

ظاهرة في الجواز حيث لم يردعه الإمام عليه السّلام عن

1) الوسائل 548/2 باب اعانة الظالمين.

2) نصها على ما في رجال الكشي/ 276 «قال أبو الحسن موسى عليه السّلام: يا صفوان كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيء واحد. فقال له: جعلت فداك أي شيء؟ قال عليه السّلام: كراؤك جمالك من هذا الرجل - يعني هارون الرشيد - فقال له: و اللّه ما اكريته اشرا و لا بطرا و لا للصيد و لا للهو و لكني اكريته لهذا الطريق - يعني طريق مكة - و لا أتولاه بنفسي و لكني أبعث معه غلماني. فقال عليه السّلام: يا صفوان أ يقع كراؤك عليهم‌؟ قلت: نعم جعلت فداك. فقال لي: أ تحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك‌؟ قلت: نعم. فقال: من أحب بقاءهم فهو منهم و من كان منهم كان ورد النار.

ايجار جماله لهارون، و انما اللوم تطهيرا لنفسه عن الرضا ببقاء الظالم ليستوفي اجرته، و يعلم من ذلك ان من أوقع معاملة معهم بالنقد و لم يتحقق فيه الرضا ببقاء دولتهم كانت المعاملة صحيحة و لا تلحق البائع بذلك مفسدة في الدين، اللهم إلاّ المعنى الأدبي التنزيهي و هو ترك معاملتهم ليتبين لهم بغض الناس لهم و انهم مفرطون معتدون على قوانين الشريعة.

و قد يستظهر من بعض الروايات حرمة العمل لهم و لو لم يكن ظلما و لم يوجب رسم الاسم في ديوانهم:

منها: رواية يونس بن يعقوب قال أبو عبد اللّه: «لا تعنهم على بناء مسجد».

و منها: رواية محمد بن عذافر عن أبيه قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «نبئت انك تعامل أبا أيوب و الربيع فما حالك إذا ندي بك في أعوان الظلمة. قال: فوجم أبي و لما رأى أبو عبد اللّه ما أصابه، قال: إنّما خوفتك بما خوفني اللّه به».

و منها: رواية ابن أبي بصير قال: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن أعمالهم‌؟ فقال: يا أبا محمد لا و لا مدة قلم ان أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئا إلاّ أصابوا من دينه مثله».

و منها: رواية ابن أبي يعفور قال «كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام اذ دخل عليه رجل من أصحابنا فقال له: جعلت فداك ربما أصاب الرجل منا الضيق و الشدة فيدعا إلى البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسناة يصلحها فما تقول في ذلك‌؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام ما أحب اني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء و إن لي ما بين لابتيها لا و لا مدة بقلم ان أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم اللّه بين العباد».

و منها: رواية السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال: إذا

كان يوم القيامة نادى مناد أين أعوان الظلمة و من لاق منهم دواة أو ربط لهم كيسا أو مد لهم مدة قلم فاحشروه معهم».

و منها: رواية العياشي عن سليمان الجعفري «قلت لأبي الحسن الرضا عليه السّلام: ما تقول في أعمال السلطان‌؟ فقال: يا سليمان الدخول في أعمالهم و العون لهم و السعي في حوائجهم عديل الكفر و النظر اليهم على العمد من الكبائر التي يستحق بها النار»(1)و هذه الأخبار مع ضعف أسناد جملة منها يمكن توجيه دلالتها، و لا يبعد في الاولى أن يكون بناء المسجد موجبا لزيادة شوكتهم و ذكر المسجد يناسبه، و الثانية واردة في شخص خاص و لم يتبين لنا كيفية معاملته معهم مضافا إلى ان ظاهر قوله «انك تعامل أبا أيوب و الربيع»، و قوله «إذا نودي بك في أعوان الظلمة» هو استمرار المعاملة معهم فيكون مصداقا لتحقق عنوان معاونة الظلمة الذي هو محرم بلا اشكال، و إن النهي في الثالثة ارشاد إلى استلزام أخذ الاجرة منهم النقص في الدين، و مورد السؤال في الرابعة أن يرفع الإنسان في المعاملة الضيق في معاشه و لا يكون ذلك إلاّ بالدخول في أعمالهم برهة طويلة و لا يبعد استلزامه رسم الاسم في ديوانهم فيصدق عليه عنوان الإعانة لهم خصوصا في مثل الامور المذكورة في الرواية من كري النهر و اصلاح المسناة، على ان قوله عليه السّلام في الجواب لا أحب - الخ، لا يستفاد منه الحرمة و قوله عليه السّلام بعد ذلك ان أعوان الظلمة - الخ، بيان لكبرى كلية قد تنطبق على مورد السؤال، و أما الخامسة فمع الاعراض عن ضعف سندها


1) هذه الروايات الست في الوسائل 548/2، باب 71 تحريم معونة الظالمين. و ص 550، باب 74 تحريم الولاية من قبل الجائر.

النجش حرام [1]

بالسكوني أن ربط الكيس و مد القلم يحققان كون الفاعل من عمال الظلمة و كتابهم و هو محرم و السادسة أجنبية عن المعاملة معهم.

و بالجملة: لا بد من رفع اليد عن هذه الأخبار للسيرة المستمرة على جواز المعاملة معهم و ما ورد من ردع الإمام عن الكتابة لهم أجنبي عن المقام، لأن الكاتب يتقوم به أمر السلطنة و هو من أهل الديوان و كلامنا في جواز المعاملة معهم بعد تمامية سلطانهم بما لا يتقوم به سلطنتهم. و ممّا ذكر ظهر ان ما حكاه المصنف رحمه اللّه عن بعض انّه سأله رجل و قال «اني أخيط ثوب السلطان فهل تراني بذلك داخلا في أعوان الظلمة‌؟ فقال له: المعين من يبيعك الابر و الخيوط و أما أنت فمن الظلمة أنفسهم»، فانه غير تام صغرى و كبرى مع انّه لم يعرف قائله»(1).

حرمة النجش

[1] النجش: تارة يفسر بالزيادة في الثمن و هو لا يريد الشراء، و اخرى تعريف السلعة في مقام المعاملة.

و بالمعنى الأول: ادعى الاجماع على حرمته مضافا إلى انّه غش، فإنّ ظاهر الزيادة في ثمن السلعة انها تسوى هذه القيمة و إن الناجش راغب في الشراء بهذا المقدار ففيه تغرير للمشتري و اضرار فيما إذا زادت على القيمة السوقية، و لا فرق في النجش بين أن يكون ذلك بتواطي من البائع كما هو الغالب و لذا تعرضوا للنجش


1) في الزواجر لابن حجر 103/2 باب ظلم السلاطين و الامراء و القضاة: جاء خياط إلى سفيان الثوري فقال: اني أخيط ثياب السلطان أفتراني من أعوان الظلمة‌؟ فقال له سفيان: بل أنت من الظلمة أنفسهم و لكن أعوان الظلمة من يبيع منك الابرة و الخيوط.

في كتاب المكاسب، أم لم يكن بتواطى منه، و سواء كان حبا للبائع أم بغضا للمشتري، و في النبوي «لعن اللّه الناجش و المنجوش له»، و لا بد من حمله على صورة التواطي من جهة اشتماله على المنجوش له و لو لم يكن متواطيا مع الناجش لما جاز لعنه، فهو نظير لعن النامصة و المتنمصة، و من هذا القبيل قوله عليه السّلام «و لا تناجشوا»، فلا يستفاد منه حرمة النجش مطلقا، فينحصر دليل حرمته على الاطلاق بالوجهين الأولين، إلاّ أن يقال: ان النبوي انما دل على لعن المنجوش له مع التواطي من جهة انّه تسبيب إلى ايجاد القبيح في الخارج و هو النجش، و إذا ثبت قبحه يحرم ايجاده و لو بغير التواطي.

و أما النجش بالمعنى الثاني: أعني تعريف السلعة، فإنّ كان مدح من لا يستحق المدح لعدم وجود جهة المدح في المبيع حقيقة فهو حرام بلا اشكال لأنّه كذب و غش و اضرار أحيانا، و لو فرضنا عدم كون المدح بعنوان الاخبار أو خرج عن الكذب بالتورية أو المبالغة فيحرم لكونه غشا و تغريرا، و أما إذا كان المدح بما هو موجود في المبيع حقيقة فلا نعرف دليلا على الحرمة، بل السير قائمة على جوازه و صدق عنوان النجش على مثله لو لم يكن مقطوع العدم، فلا أقل من الشك فيه و الشك بين الأقل و الأكثر للشبهة المفهومية مورد اصالة الاباحة، نعم لو شمل هذا القسم من النجش النبويان أو ترددا بين المعنيين وجب الاجتناب عنهما لكن لا مطلقا بل في خصوص التواطي مع البائع(1)

و الأحاديث الواردة في النجش أربعة:

الأول: عن ابن عمر «نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عن النجش»، رواه البخاري في الصحيح على هامش فتح الباري 244/4 و مسلم في صحيحه 602/2 و ابن ماجة في سننه 13/2 و النسائي في سننه 216/2 و مالك في الموطأ 171/2 و البيهقي في السنن 343/5.

الثاني: عن أبي هريرة «لا تنجاشوا»، رواه البخاري و أبو داود في السنن 269/3 و البغوي في مصابيح السنة 7/2 و البيهقي في السنن 344/5.

الثالث: عن عبد اللّه بن أبي أوفى عن النبي صلّى اللّه عليه و اله «الناجش آكل ربا ملعون» رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 83/4، و في رواية البخاري عنه «الناجش آكل ربا خائن و هو خداع باطل لا يحل».

الرابع: عن عصمة «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: لا حمى في الإسلام و لا مناجشة»، رواه في مجمع الزوائد 83/4.

و حكم النجش عند الإمامية و فقهاء السنة الحرمة، و الناجش عاص و البائع مثله ان واطأه.

و حكم البيع مختلف فيه عند الإمامية، فعند المشهور الصحة و أبطله ابن الجنيد و جعل القاضي فيه الخيار للمشتري لأنّه تدليس، و في المبسوط عدم الخيار واطأه البائع أو لا، و قيد المحقق و العلاّمة الخيار بالغبن كغيره من العقود، و في القواعد الخيار فوري، و في شرح القواعد لكاشف الغطاء هو المشهور.

و أما السنة فعند مالك الخيار للمشتري، و عند الشافعي و أبي حنيفة الصحة، و عند أحمد البطلان، و اليك كلماتهم: قال الشافعي في الام 80/3: النجش منهي عنه و لا يفسد البيع، و تبعه الغزالي في الوجيز 84/1 و ابن حجر في شرح المنهاج 47/2، و في المهذب للشيرازي 1 / 289 يصح البيع و لا خيار للمشتري إذا لم يكن للبايع صنع، و أما معه ففيه قولان، و في فتح القدير 239/5 النجش حرام و لا يفسد البيع، و في المغني لابن قدامة 212/4 قال أحمد بالبطلان، و في بداية المجتهد 157/2 عند مالك المشتري بالخيار ان شاء أمسك و إن شاء رد.

.

1) النجش كما في المغرب للمطرزي 201/2 بفتحتين، و في فتح الباري 243/4 بفتح النون و سكون الجيم، و أصله كما في مقاييس اللغة لابن فارس 394/5 اثارة الشيء و منه استثارة الصيد، و معناه في الصحاح و المصباح و المقاييس الزيادة في ثمن المبيع ممّن لايريد الشراء ليرغب الغير فيقع فيه، و به فسره مالك في الموطأ 171/2 و الشافعي في الام 80/3، و في شرح الزرقاني على مختصر أبي الضياء في الفقه المالكي 90/5 عن المازري ان الزيادة في السلعة قد يكون بقدر ثمنها أو أقل، و في فتح الباري قد يقع بالمواطاة مع الناجش و قد يقع بغير علم البائع و انما سمي نجش لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة.

النميمة حرام بالأدلة الأربعة [1]

حرمة النميمة

[1] استدل (أعلا الله مقامه) على حرمة النميمة بآيات من الكتاب:

منها: قوله تعالى في البقرة/ 27 وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اَللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ‌ .

و فيه ان ظاهره قطع ما أمر القاطع بوصله وجوبا فلا يعم قطع ما أمر غيره بوصله أو لم يؤمر بوصله أحد إلاّ ندبا، كالسعي للقطع بين أشخاص مأمورين بالتواصل بينهم كالأرحام أو لم يؤمروا بها إلاّ ندبا كالمؤمنين بعضهم مع بعض، فالنمام القاطع للصلة بين المومنين بما يلقيه بينهم من موجبات النفرة و التباعد خارج عن الآية، و من هنا فسّر متعلق الصلة اما بالأئمة عليهم السّلام لكون جميع الناس مأمورين بصلتهم أو خصوص الأرحام.

و منها: قوله تعالى: وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ‌ (1).

و فيه: انّه لا يرتبط بالنميمة اذ ليس كل نميمة فسادا، فإنّ السعي في النفرة بين شخصين فقيرين غريبين لا يترتب عليه سوى انهما يتسابان و لا يصدق عليه الافساد في الأرض، نعم لا يبعد صدق الفساد على من كان ديدنه ذلك، و مثله النمام بين رئيسين لكل منهما حاشية و أتباع بحيث يتسبب من النميمة بينهما القتال و اراقة الدماء فيدخل تحت قوله تعالى: إِنَّمٰا جَزٰاءُ اَلَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاٰفٍ‌ ، و أما النميمة من حيث هي


1) في مجمع البيان و التبيان اختلفوا في معنى الفساد في الأرض من الاستدعاء إلى الكفر أو أخافتهم السبيل أو ارادة كل معصية تعدى ضررها إلى غير فاعلها، و ارادة العموم هو الاولى.

ليست افسادا في الأرض إذا لم يترتب عليها سوى البغض بين الشخصين أو الأشخاص و ترك التوصل بينهم(1).

و من الآيات قوله تعالى في البقرة/ 216 يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرٰامِ قِتٰالٍ فِيهِ قُلْ قِتٰالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ إِخْرٰاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اَللّٰهِ وَ اَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اَلْقَتْلِ‌ ، و مورد الآية القاء الفتنة بين المسلمين التي ربما يتولد منها القتال، فعرفهم سبحانه بأن الفتنة أشد من القتل، و إلاّ فمن المقطوع به ان القاء الفتنة بين شخصين بحيث لا يترتب عليها سوى زوال المحبة بينهم لا تكون أشد من قتلهما، و النميمة من هذا القبيل فانها تقطع و شائج الحب و علائق المودة(2).

و من الآيات قوله تعالى في سورة القلم/ 11 هَمّٰازٍ مَشّٰاءٍ بِنَمِيمٍ‌ ، و ظاهرها فيمن يكون ديدنه النميمة، لأن مادة فعال بتشديد العين تستعمل في الكثرة و الغلبة، و أما من ينم مرة واحدة أو مرتين فلا تشمله الآية.


1) في التبيان لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي 43/1 و مجمع البيان 70/1 ط صيدا معناه الأمر بصلة كل من أمر اللّه بصلته من أوليائه، و القطع هو البراءة من أعدائه، و هذا عام يدخل فيه ما قاله قتادة من ارادة صلة الرحم، و ما قاله الحسن: من ارادة صلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله، و تابعهما الآلوسي في روح المعاني 211/1، و في جامع البيان للطبري 416/1 ط ثاني، تأول بعضهم ان اللّه تعالى ذمهم بقطعهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و المؤمنين و أرحامهم معتمدا على عموم ظاهر الآية و هو غير بعيد عن الصواب لكن اللّه ذكر المنافقين في كتابه في غير آية و وصفهم بقطع الأرحام و هذه نظيرها، و على كل فهي دالة على ذم كل قاطع قطع ما أمر اللّه بوصله رحما أو غيره.

2) في التبيان 231/1 و مجمع البيان 312/1 و روح المعاني 109/2 و جامع البيان للطبري 307/4 المراد الفتنة في الدين بالكفر و هي أعظم من القتل في الشهر الحرام، و في تفسير البرهان 131/1 عن أبي جعفر عليه السّلام انها الشرك.

النوح بالباطل [1]

و على هذا فلا دلالة للآيات على حرمة النميمة، و لكن في الاجماع و الروايات كفاية ففي بعضها أوعد عليها النار كقوله صلّى اللّه عليه و اله: «من مشى في نميمة بين اثنين سلط اللّه عليه تنينا أسود ينهش لحمه حتى يدخل النار»(1)، و المعصية التي توجب دخول النار و لو بالاقصار عليها من الكبائر لا من الصغائر التي يكفرها اجتناب الكبائر، كما في قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ‌ ، و في بعضها ان النميمة توجب عدم دخول الجنة و كل فعل لا يتوفق فاعله لنعيم الجنان لا بد و أن يكون معصية.

و مفهوم النميمة، و شاية بين اثنين بنقل كلام أحدهما إلى الآخر فيما يسوؤه و يغضبه، و ربما تصدق معها الغيبة فتتضاعف الحرمة و يشتد العقاب، و قد تباح فيما إذا توقفت عليها مصلحة كحفظ نفس أو مال أو عرض.

النياحة بالباطل

[1] الظاهر عدم حرمة النياحة في حد نفسها، و انما تحرم إذا اقترنت بمدح الميت بما ليس فيه لكونه كذبا، و يشهد له ما في الفقيه/ 36 روي انّه قال «لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا»، و به يقيد اطلاق رواية أبي بصير «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميت»، و رواية عذافر «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام


1) الوسائل 241/2 باب 164 تحريم النميمة عن عقاب الأعمال، و ذكر (أعلا اللّه مقامه) في هذا أحاديث كثيرة في تحريم الجنة على النمام، و لسان بعضها لا يدخل الجنة نمام، و بعضها حرمت الجنة على ثلاثة منهم النمام.

و قد سئل عن كسب النائحة‌؟ فقال: تستحله بضرب احدى يديها على الاخرى»(1).

كما يقيد بمفهومه اطلاق المنع عن النياحة في رواية عمر الزعفراني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «من أنعم اللّه عليه بنعمة فجاء عند تلك النعمة بمزمار فقد كفرها، و من أصيب بمصيبة و جاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفرها» و رواية الحسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي صلّى اللّه عليه و اله «أربعة لا تزال في امتي إلى القيامة وعد منها النياحة فإنّ النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة و عليها سربال من قطران»(2).

ثم انّه يستفاد جواز النياحة في الجملة من وصية الإمام عليه السّلام ببعض أمواله لنوادب يندبنه بمنى(3)

ان التأمل في هذه الوصية يفيدنا بصيرة بأن الأئمة من آل الرسول عليهم السّلام لم يزالوا يتحرون الوسائل الدقيقة للتعريف بما لهم من حقوق مفروضة على الإمامة، و قد اغتصبها أهل المطامع و الأهواء، كما يوقفنا على النكتة في اختيار الإمام عليه السّلام أيام منى على عرفات و المشعر من جهة اشتغال الناس في هذين الموقفين بالعبادة و الشخوص إلى المولى سبحانه فيما يهمهم من أمر الدين و الدنيا مع قصر زمانهما فلا يوجد من يصغي لاعلان النوادب بمآثر أبي جعفر عليه السّلام و ما له من حقوق مغتصبة، نعم في أيام منى حيث انها ثلاثة و هي أيام عيد و فرح و قد أحل الناس من بعض ما حرم عليهم، فبالطبع يستفز السامع من البكاء في أيام المسرات و يتساءل عن الأسباب الموجبة له و يتعرف أعمال هذا المندوب و ما هي دعوته، فيسطع له حينئذ بصيص من ألق الحق المحجوب بظلم الجائرين فإنّ نور اللّه تعالى لا يطفى.

و هذا النبأ يتناقله الزائرون بيت اللّه الحرام من مختلف الأقطار إلى من كان نائبا عن هذا الموقف عند الأياب إلى أمصارهم، فتصل الدعوة الحقة إلى الغائبين بهذا اللون من البيان و به تتم الحجة، و لا يسع كل من يبلغه هذا النبأ الاعتذار بعدم الوصول إلى بلد «حجة اللّه على الخلق» يوم نصب الموازين فلا يبقى جاهل قاصر على الأغلب.

.

1) الوسائل 542/2 باب 45 كسب النائحة.

2) الأحاديث في الوسائل 542/2 باب 45.

3) في من لا يحضره الفقيه/ 36 «أوصى أبو جعفر الباقر عليه السّلام ثمانمائة درهم لمأتمه و إن يندب في الموسم عشر سنين»، و في التهذيب للطوسي 108/2 كتاب المكاسب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «قال لي أبي أبو جعفر عليه السّلام: أوقف لي من مالي كذا و كذا للنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى»، و رواه العلاّمة الحلي في المنتهى 112/2 و الشهيد في الذكرى المبحث الرابع من أحكام الأموات عن يونس بن يعقوب عن الصادق عليه السّلام.

الولاية من قبل الجائر حرام [1]

الولاية من الجائر

اشارة

[1] لا اشكال في حرمة الولاية من قبل الجائر و لو لم تستلزم اعانة الظلمة، و يشهد له ما ورد في رواية زياد بن أبي سلمة عن أبي الحسن موسى عليه السّلام: قال له: يا زياد ان أهون ما يصنع اللّه بمن تولى لهم عملا أن يضرب عليهم سرادق من نار إلى أن يفرغ اللّه من حساب الخلايق»، و رواية الكاهلي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال «من سود اسمه في ديوان الجبارين من ولد سابع حشره اللّه يوم القيامة خنزيرا»، و رواية ابن أبي يعفور «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: ما أحب اني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء و إن لي ما بين لابتيها و لا مدة قلم، ان أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم اللّه بين العباد»، إلى غيرها ممّا ظاهره اطلاق المنع عن الدخول معهم(1).

و يؤيده التعليل في رواية التحف «ان في ولاية الجائر دروس الحق كله و احياء الباطل كله»، و الرواية و إن لم نستوضح صحة سندها إلاّ أن الاذعان بما أفاده التعليل لا مناص عنه، فإنّ الوالي من قبل الجائر لا مندوحة له عن القيام بما سنه له من القوانين التي ما جاء به من كتاب، فلا ينبغي الريب في كون الولاية من الجائر


1) هذه الأحاديث و أمثالها في الوسائل 548/2 و 549 و 550.

من المحرمات. و النسبة بينها و بين سائر العناوين المحرمة في نفسها عموم من وجه، يجتمعان في الوالي المعين للجائر على الظلم، كما ان الإعانة على الظلم تتحقق من غير الولاية، و تتحقق الولاية من دون ظلم العباد.

و انما الكلام في ارتفاع الحرمة في مسألتين: الاولى: إذا قصد بها اصلاح أمر الشيعة، الثانية: الاكراه على الولاية.

أما الاولى: فقد استدل المصنف رحمه اللّه على الجواز بأن في قيام هؤلاء بالولاية مصالح أهم من انخراطهم في أعوان الظلمة كدفع المفاسد و الأضرار عن المؤمنين و الأخذ بحقوقهم، و الظاهر ان دفع الضرر عن الشيعة مستحب فلا يزاحم حرمة الولاية من قبل الجائر، و لكن في الأخبار الدالة على جواز الولاية عنهم لهذه الغاية الثمينة كفاية، و قد تعرض لها صاحب الوسائل 550/2 باب 75 جواز الولاية لنفع المؤمنين.

ثم جواز الولاية هل يراد منه الاباحة بالمعنى الأخص أو الكراهة أو الاستحباب يظهر من بعض الكلمات عدم اتصاف الولاية بالاستحباب و الكراهة و الوجوب.

و التحقيق أن يقال: يستفاد من رواية محمد بن أبي نصر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام هي الكراهة «قال: سمعته يقول: ما من جبار إلاّ و معه مؤمن يدفع اللّه به عن المؤمنين و هو أقلهم حظا في الآخرة بصحبته الجبار»(1)، فإنّ من يكون بعمله أقل نصيبا في الأجر من المؤمنين لا بد أن يكون ذلك العمل مكروها للشارع، و لذا كان فاعله أقل ثوابا يوم المجازاة على الأعمال، كما ان رواية محمد بن اسماعيل بن بزيع تفيد


1) الوسائل 549/2 باب 74 تحريم الولاية عن الجائر إلاّ ما استثني.

الاستحباب، فقد روى عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام أنّه قال: «ان للّه تعالى بأبواب الظلمة من نوّر اللّه له البرهان و مكن له في البلاد ليدفع بهم عن أوليائه، و يصلح اللّه به امور المسلمين اليهم ملجأ المؤمن من الضر و اليهم يفزع ذووا الحاجة من شيعتنا و بهم يؤمن اللّه روعة المؤمن في دار الظلمة، أولئك المؤمنون حقا أولئك امناء اللّه في أرضه أولئك نور اللّه في رعيته يوم القيامة و يزهو نورهم لأهل السماوات كما تزهو الكواكب الدرية لأهل الأرض، أولئك من نورهم يوم القيامة تضيء منهم القيامة خلقوا و اللّه للجنة و خلقت الجنة لهم، فهنيئا لهم ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله. قلت: بماذا جعلني اللّه فداك‌؟ قال: يكون معهم فيسرنا بادخال السرور على المؤمنين من شيعتنا فكن منهم يا محمد»(1).

و هذه الرواية صريحة في استحباب الولاية من قبل الجائر لهذه الغاية الثمينة و هي نفع المؤمنين و دفع الشرور عنهم، فإنّ الإمام عليه السّلام لا يأمر بالمكروه و حيث لا يمكن كون العمل الواحد مكروها و مستحبا فلا بد من حمل الخبر المفيد للكراهة على ما إذا كان الداعي للمتولي عن الجائر مشتركا بين اصلاح امور المؤمنين و التوسعة في معيشته، و حمل الخبر المفيد للاستحباب على ما اذ تمحض لاصلاح امور المؤمنين، و يشهد له ما في ذيله من قوله عليه السّلام «ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله»، و حينئذ تكون رواية ابن بزيع مقيدة لاطلاق رواية ابن أبي نصر، و أما الولاية الواجبة فتختص بما إذا كانت مقدمة لواجب فعلي متوقف عليها كالأمر بالمعروف.


1) رجال النجاشي/ 233.

و بالجملة: كلمات الأصحاب مختلفة هنا، فذهب بعضهم إلى جواز الولاية في الفرض، و بعضهم إلى استحبابها، و بعضهم إلى وجوبها، و جمع المصنف رحمه اللّه بينها بحمل الجواز في كلامهم على المعنى الأعم في مقابل المنع، و الاستحباب على العيني الذي لا ينافي الوجوب الكفائي كما قيل باستحباب التولي للقضاء مع انّه واجب كفائي، و ذهب صاحب الجواهر إلى التخيير بين قبول الولاية و الأمر بالمعروف و بين تركهما معا، بدعوى وقوع المعارضة بين دليل حرمة الولاية من قبل الجائر و بين دليل وجوب الأمر بالمعروف بالعموم من وجه، و أورد عليه المصنف رحمه اللّه بأن مقتضى القاعدة في المتعارضين التساقط.

و الصحيح: ان ما نحن فيه أجنبي عن باب التعارض فإنّ مجرد ثبوت الاطلاق للدليلين لا يوجب المعارضة ما لم يرد الحكمان على شيء واحد، فقوله «لا تدخل المكان الفلاني»، و قوله «اشرب الماء» لا تعارض بينهما مع ان كلا منهما مطلق بالاضافة إلى الآخر، و السر فيه ما بيناه في الأصول من ان التعارض انما يكون فيما إذا كان ثبوت الحكمين في مرحلة الجعل مستحيلا، و تشريع الحكمين في المقام غير مستحيل لاختلاف موردهما غاية الأمر لا يتمكن المكلف من امتثالهما فيكون من صغريات باب التزاحم و توقف الواجب على الحرام، فمع أهمية أحدهما يتعين سواء قلنا بوجوب المقدمة أم لا، و مع التساوي يثبت التخيير على مسلكنا و تترجح حرمة المقدمة على مسلك المحقق النائيني (أعلا اللّه مقامه) فلا وجه لما أفاده صاحب الجواهر، كما لا وجه لما ذكره المصنف قدّس سرّه، هذا كله على القاعدة.

و أما بلحاظ الروايات فبعد تخصيص حرمة الولاية من قبل الجائر بالأخبار الدالة على جواز قبول الولاية لاصلاح امور المسلمين الشاملة بالأولوية للأمر

بالمعروف و النهي عن المنكر، يتعين الوجوب إذا توقف عليه واجب فعلي فانه مقدمة جائزة في نفسها فيكون واجبا شرعا بناء على القول بوجوب مقدمة الواجب شرعا و إلاّ فتتصف بالوجوب العقلي، فتحصل ان الولاية من قبل الجائر بجميع انحائها محرمة، نعم إذا دخل المكلف في ديوان الظلمة على النحو المحرم تكون خدمته للمؤمنين و اصلاح امورهم كفارة لذلك واحدة بواحدة كما في نص الخبر(1)إلاّ أن حرمة الولاية خصصت في موردين:

أحدهما: ما لو قصد بها الاصلاح فتستحب لذلك على القول بوجوب المقدمة على ما تقدم الكلام فيه.

ثانيهما: ما لو اكره المكلف على قبولها بالتوعيد من الجائر بما يوجب ضررا بدنيا أو ماليا فترتفع الحرمة لقوله عليه السّلام «ما من شيء حرمه اللّه إلاّ و قد أحله في مورد الضرورة»(2)، و قوله عليه السّلام: «التقية في كل ضرورة»(3)، و حديث «رفع ما استكرهوا


1) في الوسائل 550/2 باب 75 جواز الولاية من الظالم لنفع المؤمنين عن الكليني مسندا عن زياد بن أبي سلمة عن أبي الحسن موسى عليه السّلام «يا زياد لئن أسقط من حالق فانقطع قطعة قطعة أحب الي من أتولى لأحد منهم عملا، أو أطأ بساطا - الى أن قال -: يا زياد فان وليت شيئا من أعمالهم فأحسن الى اخوانك، فواحدة بواحدة و اللّه من وراء ذلك».

2) في الفصول المهمة للشيخ الحر العاملي/ 81 باب 43 عن الشيخ الطوسي مسندا عن أبي بصير قال «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المريض هل تمسك له المرأة شيئا يسجد عليه‌؟ قال: لا إلاّ أن يكون مضطرا ليس عنده غيرها، و ليس شيء ممّا حرم اللّه إلاّ و قد أحله لمن اضطر إليه»، و فيه عن سماعة قال «سألته عن الرجل يكون في عينه الماء فينزع منهما فيستلقي على ظهره الأيام الكثيرة أربعين أو أقل أو أكثر فيمتنع من الصلاة الأيام و هو على حاله‌؟ فقال: لا بأس بذلك و ليس شيء ممّا حرم اللّه إلاّ و قد أحله لمن اضطر إليه».

3) في الوسائل 502/2 وجوب التقية في كل ضرورة عن الكليني مسندا عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «التقية في كل ضرورة و صاحبها أعلم بها حين تنزل به»، و رواه في مستدرك الوسائل 374/2 عن نوادر أحمد بن عيسى و في الفصول المهمة للحر العاملي/ 117 كتاب الايمان باب 6 عن الصادق عليه السّلام «إذا حلف الرجل تقية لم يضره إذا هو اكره و اضطر إليه، قال: و ليس شيء حرمه اللّه إلاّ و قد أحله لمن اضطر إليه».

عليه»، و غيره من الأخبار، و هذا ممّا لا اشكال فيه فترتفع بالاكراه حرمة الولاية كما يرتفع به كل تكليف متمحض للّه سبحانه كالصلاة و الصوم و نحوهما.

و انما الكلام في رفع الاكراه لوازم الولاية من قبل الجائر كظلم المؤمن و لو من غير ولاية، أو لا يرفعها مطلقا من جهة اختصاص رافعية الاكراه للتكليف بغير حقوق الناس، أو يفصل فيلاحظ أقل الضررين وجوه، اختار المصنف رحمه اللّه جواز الاضرار بالغير بمجرد الاكراه عليه و لو كان أضعاف ما توعده الجائر على تركه الولاية، بل و لو كان ما توعد عليه ضررا خفيفا في أقل مراتب الاكراه الرافع للتكليف و استدل عليه بوجوه:

الأول: عموم لا ضرر(1)

و عن عبد اللّه بن مسكان عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام نحو هذه القصة، و في آخرها «قال رسول اللّه لسمرة: انك رجل مضار و لا ضرر و لا اضرار»، و ورد في فروع الكافي 414/1 باب لا يمنع فضل الماء في حديث عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «قضى رسول اللّه بين أهل البادية انّه لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل كلاء، و قال: لا ضرر و لا ضرار» و فيه 410/1 و الفقيه/ 252 باب الشفعة انه صلّى اللّه عليه و اله قال: «لا ضرر و لا اضرار» و فيه 414/1 انه صلّى اللّه عليه و اله: «قال لسمرة: انك رجل مضار و لا ضرر و لا ضرار على مؤمن»، و في الفقيه/ 441 في ميراث أهل الملل قال «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام».

و قصة سمرة مع الأنصاري وردت في مصابيح السنة للبغوي 18/2 باب احياء الموات قال: كانت لسمرة بن جنذب عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار و مع الرجل أهله فكان سمرة يدخل عليه فتأذى به فأتى النبي صلّى اللّه عليه و اله فذكر له ذلك فطلب إليه النبي صلّى اللّه عليه و اله أن يبيعه فأبى فطلب أن يناقله فأبى قال: فهبه له و لك كذا و كذا أجرا رغبة فيه فأبى، فقال: أنت مضار، فقال للأنصاري: اذهب فاقطع نخله.

و بمثله روى الزمخشري في الفائق 80/2 ط حيدرآباد مادة عضد، و روى أحمد في المسند 313/1 عن عكرمة عن ابن عباس «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: لا ضرر و لا ضرار» و فيه 327/5 عن عبادة بن الصامت ذكر في جملة اقضية لرسول اللّه انّه قال صلّى اللّه عليه و اله: «لا ضرر و لا ضرار» و رواه البيهقي في السنن 157/2 عن عبادة بن الصامت في باب دفع الضرر عن الناس من كتاب احياء الموات، و في مجمع الزوائد للهيثمي 110/4 عن جابر بن عبد اللّه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام»، و رواه في نهاية ابن الأثير مادة ضرر بهذا اللفظ، و في مستدرك الحاكم 58/2 عن أبي سعيد الخدري قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «لا ضرر و لا ضرار، من ضار ضاره اللّه، و من شاق شاق اللّه عليه» حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم و لم يخرجاه، و لم يتعقبه الذهبي في تلخيص المستدرك.

و في أربعين النووي مجلس 32 عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخزرجي ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال: «لا ضرر و لا ضرار»، قال: انّه حديث حسن رواه ابن ماجة و الدارقطني و غيرهما مسندا، و رواه مالك في الموطأ مرسلا و له طرق يقوي بعضها بعضا، و في جامع الصغير للسيوطي 202/2 عنه صلّى اللّه عليه و اله: «لا ضرر و لا ضرار» و في كنز العمال 181/3 في الأقضية عن الحجاج بن ارطاة و ساق الحديث - إلى أن قال -: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله «لا ضرر في الإسلام».

و قد استدل فقهاء أهل السنة بقوله صلّى اللّه عليه و اله: «لا ضرر و لا ضرار» على عدم جواز التصرف بالعين المرهونة إذا استلزم الضرر على المرتهن، كما في المهذب للشيرازي 311/1 و استدل به ابن قدامة في المغني 542/5 في احياء الموات على عدم جواز ما يحدثه الجار ممّا يضر بجاره، و في بدائع الصنائع لعلاء الدين الحنفي 153/5 في مسألة التصرف في مال الصغير انّه لا بد أن يكون من التصرف الغير ضار بالمولى عليه لقوله صلّى اللّه عليه و اله «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام»، و في المبسوط للسرخسي 81/16 في آداب القضاء للقاضي ان يقدم الغرباء على أهل المصر إذا لم يضر بأهل المصر عملا بقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام».

و في أحكام القرآن للقاضي ابن العربي المالكي في النساء/ 113 لاٰ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوٰاهُمْ‌ عن ابن عمر «ان النبي صلّى اللّه عليه و اله قال: «إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث»، و علل بأن ذلك يحزنه و هو ضرر و الضرر لا يحل باجماع و بالنص لا ضرر و لا ضرار، و حينئذ فدعوى ابن حزم في المحلى 281/8 بأن هذا الخبر لا يصح لأنّه جاء مرسلا أو من طريق فيه زهير بن ثابت و هو ضعيف لا يصغى إليها بعد أن اعترف النووي بأن طرقه يقوي بعضها بعضا.

و أما عند الإمامية فالحديث متواتر كما نص عليه فخر المحققين في الايضاح مبحث الرهن فصل 7 باب التنازع، و النراقي في العوائد/ 17 و ولده في مشارق الأنوار/ 185، و مير فتاح في العناوين/ 98، و كتب آية اللّه الشيخ الشريعة الاصفهاني رسالة فيه طبعت في قم وعد في الذريعة رسائل كثيرة.

، فإنّ حرمة الاضرار بالغير حينئذ ضرر على المكره فيرتفع.

1) حديث نفي الضرر رواه الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 433/3 باب 149 الضرار، و عن عبد اللّه بن بكير عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «ان سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل انصاري، و كان منزل الأنصاري بباب البستان فكان يمر به إلى نخلته و لا يستأذن، فكلمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى سمرة، فلما تأبى جاء الأنصاري إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فشكا إليه و خبره الخبر فأرسل إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و خبره بقول الأنصاري، و قال: إذا أردت الدخول فاستأذن، فأبى فساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه، فأبى أن يبيع فقال: لك بها عذق يمد في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول اللّه للأنصاري: اذهب فاقلعها و ارم بها إليه، فانه لا ضرر و لا اضرار».

الثاني: حديث «رفع ما استكرهوا عليه».

الثالث: لا حرج، فإنّ وجوب تحمل الضرر لدفع الضرر عن الغير حرجي.

الرابع: قوله «انما شرعت التقية للدم فلا تقية إذا وصل إلى الدم»، و مفهوم جواز التقية فيما لم يصل إلى الدم.

الكلام فى تحقق الاضطرار و الاكراه

و التحقيق: ان الاضطرار و الاكراه يتصور في فروع خمسة:

الأول: أن يكون هناك ضرر سماوي أو من جائر متوجه إلى الغير من دون مباشرة هذا الشخص

الفرع الأول: أن يكون هناك ضرر سماوي أو من جائر متوجه إلى الغير من دون مباشرة هذا الشخص، كما لو فرضنا ان السيل توجه إلى دار أحد و تمكن الآخر من وضع ما يمنع وصوله إلى دار فانه لا يجب دفع الضرر عنه لعدم الدليل.

و توهم ان جواز ترك دفع الضرر عن الغير حكم ضرري بالاضافة إلى الغير فيرتفع بحديث لا ضرر، مدفوع بأن وجوب الدفع ضرر على الدافع و جواز تركه ضرر على الآخر، فثبوت أحد الضررين لا بد منه، فلا مجال في المقام لحديث لا ضرر لأنّه قد خصص فيه قطعا.

الثاني: ان يتوجه الضرر التكويني إلى أحد و يتمكن من رفعه

الفرع الثاني: ان يتوجه الضرر التكويني إلى أحد و يتمكن من رفعه بتوجيهه إلى الغير، كما لو فرضنا ان السيل المتوجه إلى داره يدفعه عنه بحيث يتوجه إلى الغير، و هذا لا يجوز لحرمة الاضرار بالغير و لم يرد له مخصص في المقام.

و دعوى جريان حديث لا ضرر من جهة ان حرمة الاضرار بالغير ضرري، لا مجال لها لما بيناه من انّه لا بد من تخصيصه في المقام، كما لا مجال لشمول حديث الرفع لمنافاته الامتنان، نعم إذا فرضنا ان الضرر المتوعد عليه من قبيل تلف النفس أو نحوه ممّا لا يرضى الشارع بتحققه كقتل النفس و نحوه يجوز اضرار الغير لدفع القتل عن نفسه ما لم يكن الاضرار بالغير أيضا قتلا، كما انّه في الفرع الأول يجب دفع القتل عن الغير بتحمل الضرر الذي لا يساويه، و هذان الفرعان في الاضطرار.

الثالث: ما إذا اكره الجائر شخصا على اضرار الغير فكان تضرره بمباشرة المكره و كان الاكراه بتوعيده

الفرع الثالث: ما إذا اكره الجائر شخصا على اضرار الغير فكان تضرره بمباشرة المكره - بالفتح - و كان الاكراه بتوعيده على تركه بأمر مباح عليه و إن كان حراما على المكره - بالكسر - كما لو قال له خذ من زيد مائة دينار و إلاّ أخذت منك عشرة دنانير و فرضنا ان دفع العشرة ضرر على المكره كما ان اعطاء العشرة دنانير إلى الجائر محرم حتى لو كان بالاختيار، و في هذا الفرع ذهب المصنف رحمه اللّه إلى ارتفاع الحرمة تمسكا بالوجوه المتقدمة من عموم نفي الضرر و الحرج و الاكراه.

لكن الصحيح: انّه لا يجوز للمكره اضرار الغير، لأن مقتضى القاعدة و العمومات حرمة ايذاء المؤمن و اضراره و التصرف في ماله بدون رضاه، و ليس لها مخصص إلاّ الأدلة الحاكمة و لا يجري شيء منها، أمّا حديث لا ضرر فلما عرفت من ثبوت حكم ضرري لا محالة، و حديث نفي الاكراه لا يجري لأنّه خلاف الامتنان بالنسبة إلى من يوقعه المكره - بالكسر - في الضرر و إن كان موافقا للامتنان بالنسبة إلى المكره - بالفتح - و بعبارة اخرى: كما كانت حرمة الاضرار على المكره ضرر عليه كذلك جواز الاضرار ضرر على من يقع عليه الضرر و لا ترجيح في البين. و ببيان أوضح الغرض من تشريع نفي الاكراه انما هو دفع الضرر، فإذا كان مستلزما لضرر كان جعله منافيا للغرض، و هكذا حديث لا حرج فانه أيضا وارد مورد الامتنان فلا يمكن أن يقال ان حرمة الاضرار بالغير بتضرر نفسه حرج فترتفع بلا حرج.

و أما ما يظهر من المصنف رحمه اللّه من ان الضرر في الاكراه متوجه ابتداء إلى الغير، و ما يأخذه الجائر من المكره بتوعيده كأنه غرامة لترك الاضرار، و لا يجب على المكلف أن يدفع الضرر عن غيره بصرفه إلى نفسه، و ليس ملاك نفي الاكراه إلاّ نفي الضرر المتوجه إلى المكره لا الضرر المتوجه إلى الغير لتقع المعارضة بين الضررين، كما ان الامتنان الملحوظ فيه انما هو الامتنان في دفع توجه الضرر من المكره إلى المكره لا رفع الضرر الثابت بثبوت مقتضيه و هو ارادة المكره - بالكسر - و صرفه إلى شخص آخر، ممنوع صغرى في بعض الأمثلة و هو إذا لم يكن الضرر الموعود به غرامة كما إذا كانا من سنخ واحد، و كبرى في جميع الأمثلة.

أما الصغرى فلأن الاكراه في مثل الفرع متوجه إلى الجامع و إن كان اللفظ موهما خلافه، فكأن الجائر يريد منه عشرة دنانير سواء أداها من كيسه أو أخذها من غيره

فهو مخير حقيقة بين الأمرين، نعم قد يكون متعلق التوعيد غرامة لترك اضرار الغير إذا لم يكن الضرر من سنخ المكره عليه، فالجواب عنه منحصر بمنع الكبرى، فما أفاده المصنف رحمه اللّه في الصغرى من كون الضرر متوجها إلى الغير ممنوع على اطلاقه، و كذلك الكبرى فانا و إن سلمنا كون الضرر متوجها إلى الغير إلاّ ان عدم وجوب دفعه عن الغير أوّل الكلام، فإنّ الضرر المتوجه إلى الغير ان كان تكوينيا و لم يكن للمكره - بالفتح - دخل فيه لا مباشرة و لا تسببا لا يجب دفعه بتضرر نفسه، و أما إذا كان بمباشرة المكره - بالفتح - و بفعله وجب عليه دفعه و لو استلزم تضرر نفسه لأنّه في الحقيقة اضرار بالغير و هو غير دفع الضرر عنه، و قد عرفت ان مقتضى الاطلاقات حرمة اضرار المؤمن من دون مخصص لها في المقام و الأدلة الحاكمة أيضا غير شاملة للمقام.

ثم ان المصنف رحمه اللّه تعرض للفرق بين الاكراه و الاضطرار، حيث أنكر الرجوع إلى حديث نفي الضرر في الفرع السابق و تمسك بدليل نفي الاكراه في المقام، و ذكر في وجه الفرق ضعف المباشر في هذا الفرع بحيث لا يسند إليه الفعل، فلا يقال انّه أضر بالغير لدفع الضرر عن نفسه، و هذا بخلاف الفرع السابق أعني مسألة اضطرار فانه يصدق عليه انّه أضر بالغير و لكنّه غير صحيح فإنّ فعل المكره يكون من قبيل الجزء الأخير للعلة التامة، و ربما لا يتمكن المكره من الاضرار لو لا مباشرة المكره - بالفتح - فلا فرق بين الصورتين.

و أما استدلاله (أعلا اللّه مقامه) بقوله عليه السّلام: «انما شرعت التقية لأجل الدم فإذا بلغت الدم فلا تقية»، ففي غير محله.

أوّلا: أن الكلام في الاكراه و التقية من الاضطرار، و قد صرح المصنف رحمه اللّه بأنّه لا

يسوغ الاضرار بالغير عند الاضطرار لأنّه خلاف الامتنان.

و ثانيا: ان المراد من الحديث تشريع التقية بقول مطلق أي المرتبة الأعلى منها التي ترتفع بها حرمة كل محرم لأجل حفظ الدم فإذا بلغ اراقة الدم فلا تقية لأنّه نقض الغرض، و هذا معنى الحصر و إلاّ فلا ريب في جواز التقية في غير ذلك حتى لتأليف القلوب فضلا عن حفظ الأموال و الأعراض، غير انّه في صورة حفظ المال لا تجوز التقية لحفظه باتلاف مال الغير، و كذا في صورة الشتم و الضرب فانه لا تجوز التقية للتخلص من الشتم أو الضرب بشتم المؤمن الآخر أو ضربه أو نحو ذلك من حقوق الناس، لأن التقية حكم امتناني و لا امتنان في أمثال هذه الصور.

و بالجملة: أراد عليه السّلام بقوله «شرعت التقية» بيان الفرد الأعلى منها و هو ما يجوز لأجلها ارتكاب كل محرم حتى من حقوق الناس، و أراد بقوله: «إذا بلغت الدم فلا تقية» بيان ان دماء المؤمنين متكافئة فلا ترجيح لأحد على الآخر، فإذا دار الأمر في التقية بين ان يقتل مؤمنا أو يقتل نفسه فلا تقية اذ لا ترجيح. و من العجيب ما ذكره المصنف رحمه اللّه من جواز الاضرار بالغير بغير القتل لدفع الضرر عن نفسه لأنّه جعل حد التقية الدم، مع ان هذا المعنى على خلاف مدعى المصنف رحمه اللّه أدل، فانه يستفاد منه ان التقية لغير القتل لا تجوز ما أخذ مال الغير و الاضرار به.

الرابع إذا كان متعلق التوعيد محرما على المكره

الفرع الرابع: إذا كان متعلق التوعيد محرما على المكره - بالفتح - كما إذا أكره المرأة على اضرار الغير و إلاّ فيهتك عرضها، و في هذا الفرع لا محالة تقع المزاحمة بين الحكمين و هما حرمة الاضرار و حرمة الزنا فيتقدم الأهم منهما و إلاّ فالتخيير.

الخامس إذا اكره على اضرار أحد مؤمنين أو على ضررين لشخص واحد

الفرع الخامس: ما إذا اكره على اضرار أحد مؤمنين أو على ضررين لشخص واحد، و في هذا الفرض أيضا تقع المزاحمة بين الضررين فيتعين الأهم منهما و مع

الثاني: ان الاكراه يتحقق [1]

التساوي يتخير بينهما.

[1] كل ما تقدم انما هو في الاكراه على اضرار الغير إذا كان الضرر المترتب على ترك ما اكره عليه متعلقا بنفس المكره أو بمن يخصه من أبيه و أخيه أو ولده، و هنا فيما إذا كان الضرر المترتب على ترك ما اكره عليه متوجها على غير المكره من المؤمنين الذين لا يرجع ضررهم إليه، كما إذا أكرهه الجائر على عمل و أوعد على تركه اضرار غيره من المؤمنين، و قد أطال المصنف رحمه اللّه الكلام فيه و بما انا خالفنا مسلكه قدّس سرّه لا بد لنا من توضيح هذه المسألة فنقول:

تارة يكون المكره عليه عنوان التقية التي أعظم أنحائها اظهار البراءة عن أهل البيت عليهم السّلام و اخرى يتعلق الاكراه بقبول الولاية، و ثالثة الاكراه على بقية المحرمات و في جميع هذه الفروض الاكراه منتف موضوعا، لأن الاكراه متقوم بتوجه الضرر على نفس المكره - بالفتح - عند تركه لما اكره عليه، و أما تضرر غير المكره فليس من الاكراه.

و على هذا فالقسم الأول تجوز فيه التقية لدفع الضرر عن المؤمنين بل هي جائزة و لو لم يتعلق به الاكراه من الجائر، كما صرح به خبر الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال: «و لئن تبرأ منا ساعة بلسانك و أنت موال لنا بجنانك، لتقي على نفسك روحها الذي هو قوامها، و مالها الذي به نظامها، و جاهها الذي به تمسكها و تصون من عرف بذلك من أوليائنا و اخوانك، فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك و تنقطع به عن عملك في الدين و صلاح اخوانك المؤمنين و اياك ثم اياك أن تترك التقية التي أمرتك بها فانك شائط بدمك و دم اخوانك، معرض بنعمتك و نعمتهم إلى الزوال مذل لهم في أيدي أعداء دين اللّه و قد أمرك باعزازهم، فانك ان

خالفت وصيتي كان ضررك على اخوانك و نفسك أشد من ضرر الناصب لنا الكافر بنا» الحديث(1).

و استدلال المصنف رحمه اللّه على جواز قبول الولاية و ارتكاب سائر المحرمات إذا خاف على بعض المؤمنين بخبر الاحتجاج، حيث جوز البراءة ممّن فرض اللّه امامته على العباد تقية من الظالمين و ابقاء للنفس و للمؤمنين من أن ينالهم الاضرار و البراءة من الإمامة من أعظم المعاصي، فبالأولوية يدل على جواز غيرها لذلك.

فيه: ان البراءة في الحقيقة و إن كانت كذلك، إلاّ ان الحديث لم يشملها، و البراءة الصورية التي هي مورد الحديث ليست كذلك.

و أما الفرع الثاني: و هو ما إذا عرض عليه الولاية و ترتب على ترك قبوله لها تتضرر المؤمن، فلا اشكال في جوازه لأنك عرفت جواز الولاية بمجرد قصد الاحسان إلى المؤمنين، فكيف بما إذا اكره عليها و ترتب ضرر المؤمن على تركها.

و أما الفرع الثالث: و هو ما لو كان الاكراه على غير الولاية و غير البراءة من الأئمة عليهم السّلام كما لو أكرهه الجائر على شرب الخمر و أوعد على تركه ضرر مؤمن من ضرب و نحوه، فلا اشكال في عدم الجواز حتى لو فرض المكره عليه اضرار المؤمن و كان قليلا بالنسبة إلى الضرر الموعود على تركه، كما لو أكرهه على ضرب المؤمن بعصا واحدة و إلاّ فيضر به المكره - بالكسر - عشر ضربات فإنّ المكره - بالفتح - لا يجوز له ضرب المؤمن عصا واحدة، لأن ارتكاب الغير أعني المكره للمحرم لا يجوز للمكره أن يرتكب حراما، نعم إذا ترتب على ترك المكره


1) نقل عنه في الوسائل 504/2 باب 29.

الثالث: ذكر بعض مشائخنا [1]

الرابع: ان قبول الولاية [2]

• بالفتح - لما اكره عليه تلف نفس أو ذهاب بيضة الإسلام و نحوه ممّا يجب على المكره حفظه، فتقع حينئذ المزاحمة بينهما فيتعين الأهم ان كان و إلاّ فيتخير.

[1] الظاهر انّه صاحب الجواهر و قد تبع صاحب المسالك في شرحه على الشرائع في اعتبار العجز عن التفصي في صدق الاكراه، فنسب إلى الأصحاب ثلاثة أقوال ثالثها: التفصيل في اعتبار العجز عن التفصي بين قبول الولاية فقط من دون ارتكاب لوازمها فلا يعتبر العجز، و بين ترتب لوازمها من سائر المحرمات فيعتبر العجز و ذكر أيضا انّه إذا تمكن من التفصي عن قبول الولاية و لو ببذل مال كثير لم يجز ذلك.

و نقول: الظاهر انّه لا فرق بين الولاية و غيرها من المحرمات، اذ ليس في البين نص خاص و انما الميزان بصدق الاكراه و عدمه، و عليه فإذا أمكن التفصي عن الحرام بما لا يكون ضررا عليه لم يصدق الاكراه كما إذا اكره على شرب الخمر و كان هناك مايع حلال يمكن شربه و ايهام المكره - بالكسر - انّه المكره عليه، فانه لا اشكال في عدم جواز ارتكاب المحرم حينئذ لعدم صدق الاكراه و لم يفت أحد بجواز ارتكاب المحرم في مثل الفرض حتى من أهل السنة، و أما إذا لم يمكن التفصي إلاّ ببذل مال كثير فلا إشكال في صدق الإكراه لأن دفع المال ضرر على المكره، فانه نظير امكان التفصي عن الحرام بقتل نفسه. و بالجملة امكان التفصي ان كان من قبيل الأول فيعتبر عدمه في صدق الاكراه، و إلاّ فلا يعتبر لصدق الإكراه، و لا فرق بين الولاية المحرمة و بين غيرها من المحرمات.

[2] تفصيله (أعلا اللّه مقامه) بين التضرر بالمال اليسير فيتخير بين قبول الولاية و بين بذل المال اليسير لكون جواز قبول الولاية حينئذ رخصة، و بين التضرر بالمال

الخامس: لا يباح بالاكراه قتل المؤمن [1]

الكثير فيتعين عليه قبول الولاية و لا يجوز له دفع المال، في غير محله، فإنّ الرخصة ثابتة في الموردين، لأن بذل المال للجائر لم يكن من المحرمات، و حديث رفع الاكراه انما يرفع حرمة قبول الولاية و يحتاج وجوبها إلى دليل.

و توهم: ان قبول الولاية جائز بالاكراه و اعطاء المال للجائر سواء كان قليلا أو كثيرا حرام لأنّه اعانة على الاثم.

مدفوع: بأن اعطاء المال للجائر لم يكن اعانة على الاثم مطلقا، فإنّ الإعانة عليه ان كانت بلحاظ صرف الجائر المال في الحرام فلعدم تعينه في هذه الجهة لامكان ان يصرفه في الحلال، و إن كانت بلحاظ عدم طيب نفس المالك فلا يكون مجرد ذلك كافيا في صدق الإعانة على الاثم، و قد تقدم عدم صدقها في التجارة المستلزمة لأخذ العشور و نحوها، مضافا إلى ان الإعانة على الاثم غير محرمة على الاطلاق كما تقدم البحث فيه.

عدم اباحة قتل المؤمن بالاكراه

[1] قتل المؤمن تارة يكون للتقية، و اخرى للاكراه، أمّا في صورة التقية كما إذا توقف حفظ النفس على قتل المؤمن ليوهم به على المخالفين انّه منهم، فلا يباح قتل المؤمن لقوله عليه السّلام: «انما جعلت التقية لحقن الدم» من غير فرق بين العالم و الجاهل و الرجل و المرأة و الحر و العبد، و قد عرفت انّه لا تقية في أخذ الأموال و الأعراض أيضا إلاّ إذا توقف عليه حفظ النفس، و لكن المحقق الايرواني في حاشية المكاسب ناقش في ذلك و أفاد في معنى قوله عليه السّلام: «إذا بلغ الدم فلا تقية» ان التقية انما شرعت لحقن دم من يتقي من الظالم، و أما إذا وصل الأمر إلى ان المتقي

مقتول فلا تقية له حينئذ.

و نقول: ان هذا المضمون ورد في روايتين، احداهما: عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «انما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فلا تقية»، و ثانيهما: عن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «انما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية»(1)فللاحتمال المزبور مجال في الرواية عن أبي جعفر عليه السّلام، و أما الرواية عن الصادق عليه السّلام فانها ظاهرة في ما أفاده المصنف قدّس سرّه هذا كله في التقية.

و أما الاكراه فلا يرفع حرمة قتل المؤمن و إن ترتب على تركه قتل نفس المكره - بالفتح - من غير فرق بين أن يكون المكره مؤمنا أو منافقا أو كافرا، و بهذا يفترق الاكراه عن التقية و ذلك لأن شمول حديث الرفع(2)له مناف للامتنان فيكون دليل حرمة قتل النفس محكما من غير فرق بين من اكره على قتله كبيرا أو صغيرا حرا أو مملوكا رجلا أو امرأة.

نعم قد ترتفع الحرمة لأجل المزاحمة، فإنّ المقام نظير الاضطرار إلى قتل أحد الشخصين، مثل أن يرمى من شاهق فيدور أمره بين أن يقع على أحد شخصين فيقتله مع التمكن في أن يحرك بدنه عند الهوي فيتجنب أحدهما و يقع على الآخر فيدخل في باب التزاحم، فإنّ كان أحدهما أهم من الآخر تعين اجتنابه نظير انقاذ أحد الغريقين، و مقامنا من هذا القبيل فانه كما يجب عليه حفظ نفسه عن القتل


1) رواهما في الوسائل 505/2 كتاب الأمر بالمعروف باب 31.

2) سيأتي ذكر حديث الرفع و بيان مصادره عند الشيعة و السنة.

يحرم عليه قتل المؤمن و لا محالة تقع المزاحمة بينه و بين المؤمن، فيترجح حفظ الأهم منهما، و لا ينافيه ما ورد من ان المؤمنين أكفاء(1)، فانه وارد في القصاص بمعنى أن الشريف إذا قتل مؤمنا وضيعا اقتص منه و لا يبطل دم الوضيع لأجل كون القاتل شريفا، نعم قد يستفاد من بعض الأخبار أهمية المؤمن(2)، و لا يخفى ان المزاحمة جارية في التقية.

ثم إذا كان من أكره على قتله مهدور الدم، فهل يجوز قتله أم لا؟ ذكر المصنف رحمه اللّه فيه قسمين، و الحق أن تكون الأقسام ثلاثة، الأول: أن يكون مهدور الدم بالقياس إلى جميع المسلمين بلا ان يتوقف قتله على اذن الإمام، الثاني: عين المسألة مع توقف قتله على اذن الإمام، الثالث: أن يكون مهدور الدم بالاضافة إلى طائفة خاصة كأولياء المقتول في القصاص.

أما الأول: فلا اشكال في جواز قتله بدون الاكراه و التقية، فضلا عما إذا اقتضته التقية أو الاكراه.

و أما القسم الثاني: فبعد حكم الحاكم يكون ملحقا بالأول، و ذلك كمن زنى بمحارمه و ثبت عند الحاكم و حكم بقتله، و إلاّ فلا يجوز قتله و يلحق بباب التزاحم.

و أما القسم الثالث: فيجوز القتل بدون اكراه أو اضطرار و أما لغيرهم فلا يجوز


1) رواه في الوسائل 9/3 باب الكفائة و ص 470 باب قصاص الوضيع من الشريف، قال عليه السّلام: «المؤمنون اخوة تتكافى دماؤهم».

2) في الوسائل باب لا يقتص الناصب من المؤمن عن بريد العجلي «قلت لأبي جعفر عليه السّلام: «مؤمن قتل ناصبا غضبا للّه تعالى أ يقتل به‌؟ قال: أمّا هؤلاء فيقتلونه به و لو دفع إلى امام عادل ظاهر لم يقتله، و لكن يدفع الإمام من بيت المال دية لورثة المقتول».

هجاء المؤمن حرام [1]

و يلحق بباب المزاحمة، نعم الذمي و المخالف المحكوم بالاسلام ظاهرا و إن لم يجز قتله ابتداء إلاّ انّه يجوز قتله عند المزاحمة، لما ورد من ان المؤمن لا يقتل بالمنافق.

فتحصل من جميع ما ذكر ان التقية إذا توقفت على اضرار المؤمن بجميع انحائه فلا يجوز لأنها انما شرعت لحقن دماء المؤمنين و حقوقهم، فجوازها في هذه الموارد يكون نقضا للغرض من تشريعها فلا تقية في مثل ذلك، و أما إذا ترتب على تركها تلف النفس المعبر عنه بالدم في بعض الأخبار فتثبت التقية عند الأهمية كما عرفت، و هكذا إذا اكره أحد على اضرار المؤمن فإنّ الاكراه لا يرفع حرمة الاضرار، لأنّه خلاف الامتنان و يكون الاضرار بالمؤمن حراما حتى عند الاكراه عليه، هذا إذا كان الضرر المترتب على ترك التقية أو الاكراه مباحا بالنسبة إلى المكره أو المضطر كالسجن أو اعطاء المال، و أما إذا كان حراما كتعريض النفس للقتل فانه حرام إلاّ لمصلحة عامة كما في الجهاد، فتقع المزاحمة بين الاضرار و ذلك الحرام فإنّ كان احدهما أهم أو محتمل للأهمية تعين، و مع التساوي يتخير بينهما.

و بهذا ظهر الحال فيما ذكره المصنف رحمه اللّه من أن التقية أو الاكراه إذا توقف على جرح بدن المؤمن كان محرما و لا ترفعه التقية و لا الاكراه، فإنّ التقية انما شرعت لحقن الدم و شمول دليل الاكراه له خلاف الامتنان.

حرمة هجاء المؤمن

معنى الهجاء

[1] الهجاء ما قابل المدح و الاطراء(1)، و هو قد يكون بالانشاء أو بالفعل أو


1) في المصباح و القاموس و تاج العروس الهجاء ككساء الشتم بالشعر و تعداد المعايب فيه، و قال الليث هو الوقيعة بالأشعار، و الصحاح الهجاء خلاف المدح، و في مجمع البحرين هجاء القوم ذكر معايبهم.

بالاخبار، فأما إذا كان بالانشاء فهو محرم لكونه ايذاء للمؤمن و هتكا له و قد عظمه اللّه سبحانه و لا يبعد صدق الهمز على جميع أنحاء الهجاء، و مثله ما لو كان بالفعل، و أما الاخبار فمضافا إلى كونه تحقيرا للمؤمن و ايذاء له قد يكون غيبة له إذا كان كشفا لما ستره اللّه عليه، و قد يكون بهتانا و كذبا فيما إذا لم يكن الأخبار صدقا فتكون الحرمة من جهات مختلفة(1)

و لذلك أفتى المحقق في الشرائع و العلاّمة في القواعد و الفاضل في كشف اللثام بالتعزير في كل تعريض يكرهه المواجه و لم يوضع للقذف لغة و عرفا، و تابعهم صاحب الجواهر قدّس سرّه.

و بأزائها في أحاديث أهل السنة ما في مجمع الزوائد للهيثمي 122/8 باب الهجاء عن أبي إمامة عن النبي صلّى اللّه عليه و اله: «من أحدث هجاء في الإسلام فاقطعوا لسانه» و في فتح الباري 292/10 عن عائشة مرفوعا «أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل هجا رجلا فهجا القبيلة»، و لهذا أفتى فقهاؤهم بفسق من يهجو أحدا انشاء انشادا و ترد شهادته، قال ابن همام الحنفي في فتح القدير 36/6: ترد شهادة من هجا مسلما، و في الوجيز للغزالي 150/2 يحرم نظم الهجو و انشاده، و في شرح المنهاج لابن حجر الشافعي 442/4 ترد شهادة من يهجو في شعره معينا غير حربي و يحرم هجاء غير المتجاهر بالفسق و البدعة و إن صدق و يحرم حاكيه دون منشيه إلاّ أن يكون هو المذيع له.

و في المغني لابن قدامة الحنبلي 178/9 الشاعر الذي يهجو المسلمين ترد شهادته و أعظم الناس ذنبا رجل يهاجي رجلا فيهجو القبيلة بأسرها، و في الزواجر لابن حجر 177/2 عن الجرجاني من أنشد شعرا أو انشأه في هجو مسلم ترد شهادته، و قال الروباني: إذا هجا المسلمين فسق، و أطلق الشيخان رد الشهادة بهجو مسلم صدقا أو كذبا، و قول البلقيني لا يلزم من ردها التحريم فانه قد يكون الرد لمنافاة المروة، رده أبو زرعة بان سببه التحريم و عليه يكون الهجو كبيرة لعدم الرد بالصغيرة. انتهى.

.

1) في الوسائل 442/3 باب 19 فيمن سب و لم يصرح بالقذف عن أبي مريم عن أبي جعفر عليه السّلام: «ان أمير المؤمنين عليه السّلام قضى في الهجاء التعزير»، و عن اسحاق بن عمار عن أبي جعفر عليه السّلام: «ان أمير المؤمنين عليه السّلام يعزر في الهجاء و لا يجلد إلاّ في الفرية المصرحة» الخبر.

و ليعلم ان حرمة الهجاء مختصة بالمؤمن دون المخالف و المبدع في الدين، فانه لا حرمة لغير المؤمن و لا تختص الحرمة بالمؤمن العادل فإنّ المؤمن الفاسق لا يجوز هجاؤه كما لا تجوز غيبته، و ما ورد من قوله «محصوا ذنوبكم بذكر الفاسقين»(1)، محمول على المتجاهر منهم للقطع بحرمة هجاء غير المتجاهر من الفساق لما دل باطلاقه على حرمة غيبة الفاسق إذا لم يتجاهر بالفسق. و لا يخفى انّه لا يجوز هجاء المخالف بالبهتان مطلقا، لأن حرمة البهتان عليه لم تكن من جهة احترامه بل من جهة كونه كذبا، و لذا لا يجوز البهتان على الحيوانات فيصفها بما ليس فيها لكونه كذبا محرما و أما المبدع في الدين فلا يجوز الافتراء عليه في حد نفسه إلاّ إذا توقف دفع بدعته عليه، لأن دفع البدعة أهم من حرمة الكذب عليه فيكون من فروع باب التزاحم.

قذف المخالفين

و أما قذف المخالفين بالزنا فقد يتوهم جوازه لرواية أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السّلام: «قلت له: ان بعض أصحابنا يفترون و يقذفون من خالفهم فقال عليه السّلام: الكف عنهم أجمل، ثم قال: و اللّه يا أبا حمزة الناس كلهم أولاد زنا ما خلا شيعتنا، ثم قال:

نحن أصحاب الخمس قد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا»(2)، فانه عليه السّلام لم


1) لم أعثر عليه في كتب الحديث و الذي أراه انّه من كلام العلماء، نعم في روح المعاني 26 / 158 انّه ورد عنه صلّى اللّه عليه و اله: «اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس».

2) الحديث طويل نقله في الوافي عن الكافي المجلد الثاني 45/6 باب 39 تحليلهم الخمس لشيعتهم، و اختصره في الوسائل 477/2 باب 72 تحريم القذف حتى للمشركين عن الكليني كما ذكره الشيخ الأنصاري (أعلا اللّه مقامه).

الهجر بالضم هو الفحش [1]

يردع عنه و انما وجه صحة القذف بانهم استحلوا حقوق آل محمد صلّى اللّه عليه و اله فحرم عليهم الوطئ و به كان أولادهم من الزنا، و في ذيل الحديث أشار إلى انّه لا افتراء في قذفهم به لكونهم أولاد بغايا، فيكون أجنبيا عما نحن فيه، و على هذه الرواية يختص القذف بخصوص الزنا دون باقي العيوب كشرب الخمر و نحوه، إلاّ ان الرواية قابلة للمناقشة فإنّ حقوقهم عليهم السّلام و إن تعلقت بأعيان الأعمال اما بنحو الشركة أو بنحو تعلق الحق لكن المهر لم يكن ركنا في النكاح الدائم، و حرمته لا توجب فساد النكاح.

و يمكن توجبه الخبر بحمله على الاماء المجلوبات من دار الحرب، فإنّ للامام عليه السّلام حق في أعيانهن فيكون وطؤهن حراما و الولد بغي و لو بوسائط، إلاّ ان من الواضح ان وطأ الاماء لم يلتزم به جميع أهل السنة و ليسوا كلهم أولاد اماء.

فالصحيح ما ذكرناه من عدم جواز الافتراء بالنسبة اليهم لكونه كذبا محرما.

[1] الفرق بين الهجر و السب واضح، فإنّ الهجر ذكر ما يستقبح من الألفاظ، و يدل على حرمته الأخبار التي أوردها المصنف رحمه اللّه خصوصا صحيحة أبي عبيدة و من الواضح ان المؤمن من أجل من أن يتكلم بما يستقبح ذكره(1)

و شددت أحاديث النبي صلّى اللّه عليه و اله و أهل بيته عليهم السّلام في الزجر عنه، ففي الوسائل 476/2 باب 70 و الكافي على هامش مرآة العقول 312/2 باب النداء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهم السّلام: الفحش من النفاق، و لو كان مثالا لكان مثال السوء، و انّه يفسد معيشة الرجل و ينزع منه بركة رزقه، و إن اللّه يبغض الفاحش المتفحش، و هو شر الناس.

و في أحاديث السنة ما في كنز العمال 121/2 عن عائشة و ابن عمر و اسامة بن زيد و محمد بن عبد اللّه بن عمر و ابن عثمان عن النبي صلّى اللّه عليه و اله: ان اللّه يبغض الفاحش المتفحش، و الجنة حرام عليه، و شر الناس منزلة يوم القيامة، و إن أربى الربا شتم الأعراض.

.

1) في تاج العروس و النهاية و المغرب للمطرزي الهجر بالضم الفحش في المنطق، و في المصباح الفحش و في مقاييس اللغة 35/4 رماه بالهاجرات هي الفضائح، و فرق أبو هلال العسكري في الفروق بينه و بين السب فقال: الهجر تقبيح أمر المشتوم و السب و الأطناب في الشتم و الفحش كما في القاموس و تاج العروس العدو إن في الجواب، و كلما يشتد قبحه من الذنوب أو كل ما نهى اللّه عنه.

الخامس: ممّا يحرم التكسب به ما يجب على الإنسان فعله [1]

الاجرة على الواجبات

[1] ادعى المحقق الثاني في جامع المقاصد الاجماع على عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات مطلقا لكن المصنف لم يرتض ثبوته لوجود المخالف من القدماء و المتأخرين، و أنكر على المحقق الثاني ايراده على تفصيل الفخر في الايضاح بين الواجبات الكفائية التوصلية و غيرها بمخالفته لنص الأصحاب، حيث قال: ان الفخر أعرف بنص الأصحاب من المحقق الثاني - الخ.

و لكن على تقدير تحقق الاتفاق فهو ليس اجماعا تعبديا يعتمد عليه، لأن مدرك المجمعين هي الوجوه المذكورة في كلماتهم، فانهم استدلوا على عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات تارة بعدم وصول نفع منها إلى باذل المال، و اخرى بأن الشارع ألغى ماليتها و حكم بمجانيتها.

و الاستدلال بها لا ينبغي في المقام لعدم اختصاصها بالواجبات، بل يجريان في كل ما أسقط الشارع ماليته أو لم يصل منه نفع إلى صاحب المال، كالاستيجار على أكل الطعام أو على أن يصلي الأجير لنفسه صلاة الليل و نحو ذلك ممّا ليس فيه نفع عائد إلى المستأجر أو بذل المال في مقابل الأذان أو عسيب الفحل أو نحوه ممّا عرف مجانيته من مذاق الشرع.

و بالجملة لا بد و أن تفرض الإجارة هنا تامة من حيث الأجزاء و الشرائط التي ثبت اعتبارها في كتاب الإجارة، و يكون البحث متمحضا في جهة وجوب العمل على الأجير و أنّه مانع عن أخذ الاجرة أم لا؟ فالاستدلال بعدم تعلق غرض المستأجر بما هو واجب على الغير أو بالغاء الشارع مالية الواجب لا يناسب المقام.

و التحقيق ان أخذ الاجرة في الواجبات على أنحاء ثلاثة:

الأول: أخذ الاجرة على الواجبات و لو كانت توصلية.

الثاني: أخذ الاجرة على العبادات و لو مستحبة و بينهما عموم من وجه.

الثالث: أخذ الاجرة على العبادات الواجبة و بملاحظة ما يقال في النحوين يتضح الحال فيه، فالبحث يقع في مقامين:

المقام الأول: أخذ الاجرة على الواجبات، و الواجب الذي تقع عليه الإجارة قد يكون تخييريا و قد يكون كفائيا و قد يكون عينيا تعيينيا.

أما التخييري، فلا تكون الاجرة عليه اجرة على الواجب، لأن الواجب بالوجوب التخييري هو الجامع بين الأمرين، و ما تقع عليه الإجارة هو الفرد لا الجامع، مثاله ما لو كان المسافر في أمكنة التخيير و استأجره حاضره على أن يصلي تماما ليأتم به، فإنّ الواجب في هذه المسألة هو الجامع بين القصر و التمام و لم تقع عليه الإجارة، و ما وقعت عليه و هو التمام أحد فردي التخيير لم يكن متعلقا للوجوب.

و أما الواجب الكفائي، فكذلك لأن التكليف فيه يتوجه إلى طبيعي المكلف دون الأفراد، فالأجير بشخصه لم يجب عليه العمل، و بهذا البيان يندفع اشكال المصنف قدّس سرّه في أخذ الاجرة على الصنايع كالخياطة و النجارة و أمثالها ممّا هو من

الواجبات الكفائية، هذا على المختار من تعلق التكليف في الواجب التخييري بالجامع و يتوجه إلى طبيعي المكلف في الكفائي، و على المسلك الآخر يحلقان بالعيني يالتعييني كما هو الحال إذا انقلب إلى العيني التعييني بالعرض عند الانحصار.

و أما الواجب العيني التعييني، فإنّ كان أخذ الاجرة فيه على خصوص بعض أفراده، كما لو فرضنا تعين غسل الميت أو دفنه على شخص فأخذ من الولي الأجر بأزاء دفنه في مكان خاص أو غسله بماء معين، فليس ذلك من أخذ الاجرة على الواجب لأن الخصوصيات لم تكن واجبة عليه فيلحق بالواجب التخييري. و إن كانت الاجرة على الاتيان بالطبيعي الواجب فبعد فرض اشتماله على نفع عائد إلى المستأجر و عدم حكم الشارع بمجانيته مقتضى اطلاق الادلة هو الجواز، و لا بد من اقامة دليل مخرج عنه.

و عمدة ما توهم مانعيته ما ذكره المصنف رحمه اللّه من الأمرين:

الأول: الاجماع الذي ادعاه المحقق الثاني، و وهنه بوجود الخلاف فيه من أعيان القدماء و المتأخرين، و كونه محتمل المدرك.

الثاني: ان الواجب يكون مملوكا للّه تعالى و المملوك لا يملك ثانيا و لذا لو أجر نفسه لشخص في يوم معين فليس له أن يؤجر نفسه لشخص آخر في ذلك اليوم.

و للمحقق النائيني قدّس سرّه في تقريبه وجه آخر و هو: ان المعتبر في متعلق الإجارة القدرة عليه عقلا و شرعا، فإنّ الممنوع شرعا كالممتنع عقلا، و ما أوجبه الشارع لا يكون مقدور الترك لسلبه القدرة عليه كما سلب القدرة على فعل المحرمات.

و الجواب عنه على تقريب المصنف رحمه اللّه هو ان مملوكية العمل للّه تعالى تكون

بمعنى غير مملوكية المستأجر له و لا منافاة بينهما، فإنّ مالكية اللّه سبحانه للأشياء بمعنى سلطنته و قيموميته لها و جميع الأشياء مملوكة له جل شأنه بهذا المعنى، و ملكية المستأجر انما هي ملكية اعتبارية و لا منافاة بين الملكيتين، و كذا لو اريد بملكية اللّه تعالى الالزام بالشيء فانه لا ينافي كون العمل مملوكا لأحد بملكية اعتبارية.

و أما على تقريب النائيني رحمه اللّه فنقول: لم يعتبر في متعلق الإجارة القدرة بمعنى تساوي الفعل و الترك، حيث لم يؤخذ في الأخذ عنوان القدرة، و انما المعتبر فيه القدرة بمعنى التمكن من التسليم عقلا، فإذا كان متعلق الإجارة من المحرمات كانت الإجارة فاسدة لعدم القدرة على التسليم شرعا، و أما إذا كان من الواجبات فلا مانع لعدم منع الشارع من تسليمه، و اعتبار القدرة عليه بمعنى تساوي الطرفين بلا وجه، و من هنا لم يستشكل أحد في اشتراط الواجب في ضمن العقود اللازمة و جواز تعلق النذر و العهد به مع ان القدرة معتبرة فيها، و لذا لم يجوزوا اشتراط المحرم و لا تعلق النذر أو العهد به.

ثم ان المصنف رحمه اللّه ذكر وجها آخر للبطلان و حاصله: ان من يجب عليه الفعل يكون مقهورا و للمستأجر أن يجبره عليه من دون اجارة و لا طيب نفس منه على العمل، و حينئذ يكون أكل المال بأزائه أكلا للمال بالباطل.

و فيه: أوّلا: ان الآية الشريفة ناظرة إلى الأسباب الباطلة كما تقدم توضيحه.

و ثانيا: ان حق الاجبار على الواجب بدون الإجارة حق نوعي بعنوان الأمر بالمعروف، و من هذه الجهة يشترك عامة المسلمين، و الحق الثابت للمستأجر بالاجارة شخصي مختص به، فهما حقان لا يغني أحدهما عن الآخر، و من هنا

يكون الحق الثاني هو المعتبر في المحاكم العرفية و به تقوم الدعوى، و أما الحق الأول فليس قابلا للترافع عليه أصلا، فمجرد كون المسلم له أن يأجر المكلف على ايجاد الفعل الواجب عليه لا يمنع من وقوع الإجارة عليه كما لم يمنع اشتراطه في ضمن العقد اللازم.

ثم ان المصنف رحمه اللّه بعد ما ناقش في الاجماع و ذكر تفصيل فخر المحققين ورد المحقق الثاني عليه قال ما حاصله: ان الكلام في المقام تارة يقع في صحة الإجارة على الواجب، و اخرى في صحة العمل الواقع عليه الإجارة و لا ملازمة بينهما، فمقتضى القاعدة جواز أخذ الاجرة و الجعالة على كل عمل له منفعة محللة مقصودة و لو كان فاسدا لا يسقط به الأمر، لأن الإجارة انما تتعلق بالعمل الصحيح في نفسه لو لا الإجارة، و أما صحة العمل فإنّ صلح ذلك الفعل المقابل بالاجرة لامتثال الايجاب المذكور أو اسقاطه به أو عنده سقط الوجوب مع استحقاق الاجرة، و إن لم يصلح استحق الاجرة و بقي الواجب في ذمته لو بقي وقته و إلاّ عوقب على تركه هذا ما أفاده المصنف رحمه اللّه.

و نقول: لا يخلو كلامه من اغلاق و توضيحه: ان المراد بصلاحية العمل للامتثال كون مورد الإجارة واجبا تعبديا أو توصليا لم يعتبر الشارع فيه المجانية فأتى به الأجير بقصد القربة، فانه صالح لكونه امتثالا للايجاب على المختار من عدم منافاة الإجارة مع اخلاص النية.

و المراد باسقاطه به أن يكون المأتي به مصداقا للواجب من دون أن يكون امتثالا، و هذا يتحقق في الإجارة على الواجبات التوصلية إذا أتى بها الأجير بغير قصد القربة كتطهير المسجد، فانه يسقط به الواجب قهرا و إن لم يكن امتثالا.

و المراد بالسقوط عنده أن يكون المأتي به معدما للموضوع من دون أن يكون امتثالا و لا مصداقا للمأمور به لتقيده بقصد القربة أو اعتبار المجانية فيه، كتجهيز الميت أو تكفينه أو دفنه على مسلك من ذهب إلى اعتبار المجانية فيها شرعا، فإذا أجر أحد غيره على دفن الميت فدفنه بقصد الاجرة لم يكن عمله امتثالا و لا مصداقا للواجب، فانه على الفرض مقيد بالمجانية المفقودة و لكنّه مسقط للوجوب إذ لا يجب اخراجه من القبر ليدفن مجانا و مع ذلك يستحق الاجرة لأنّه أتى بمتعلق الإجارة و هو الواجب في نفسه مع قطع النظر عن تعلق الإجارة به لا الواجب الفعلي مع وقوع الإجارة عليه، و على هذا لا منافاة بين صحة الإجارة و استحقاق الأجير الاجرة و عدم سقوط الأمر لعدم صلاحية الفعل لشيء من الامتثال، و لا الاسقاط به و لا السقوط عنده بأن كان مورد الإجارة واجبا تعبديا موسعا و بنينا على منافاة أخذ الاجرة مع قصد القربة، فإذا أتى به الأجير استحق الاجرة مع عدم سقوط التكليف فيجب امتثاله لبقاء الوقت، هكذا ينبغي تفسير عبارة المصنف رحمه اللّه لا كما ذكره بعض من علق على المكاسب، هذا كله في المقام الأول.

و أما المقام الثاني: و هو أخذ الاجرة على العبادات، فالكلام فيه يقع في موردين عبادة الأجير عن نفسه، و عبادته عن غيره بعنوان النيابة، و أخذ المال عليها قد يكون بعنوان الإجارة و قد يكون بعنوان الجعالة.

المورد الأول: و هو أخذ الإنسان المال على عبادة نفسه، و ليس الوجه في عدم جوازه منافاته لخلوص النية بل منافاته للقربة في العبادة، فإنّ العمل يكون للمال فيفسد فيندرج تحت متعذر التسليم.

و فيه: ان متعلق الإجارة لا يعتبر فيه الخلو عن قصد القربة، غاية الأمر ان الأمر

الناشئ من قبل الإجارة توصلي لا يتوقف سقوطه على قصد القربة، فلا ينافي الإجارة عبادية العمل بل تكون مؤكدة لعباديته، فإنّ الاتيان بالعمل صحيحا بعد الإجارة لا يكون لتملك المال لأن تملكه حاصلا بنفس الإجارة، و إلاّ لأجل أن يأخذ المال خارجا فانه يتمكن من أخذه مع عدم الاتيان بالعمل أو الاتيان به فاسدا فالأجير انما يأتي بالعمل الذي وقعت الإجارة عليه تام الأجزاء و الشرائط خوفا من المولى سبحانه و وفاء بعقد الإجارة المطلوب منه شرعا، فتكون الإجارة على العبادة نظير اشتراط الاتيان بها ضمن عقد لازم أو النذر أو الحلف عليه فإنّ جميعها مؤكدة لعبادية العبادة.

و لا يقاس المقام بالرياء المنافي للخلوص المفسد للعبادة بالنص الخاص.

ثم ان ظاهر المصنف رحمه اللّه عدم جريان التقريب في الجعالة من جهة ان العامل فيها لا يستحق المال لا بالعمل، و لا يجب عليه الاتيان به أصلا، فالاتيان به يكون للمال لا للّه تعالى.

و الجواب: ان العامل أيضا متمكن من الاستيلاء على المال بالاتيان بصورة العمل و لو فاسدا، و انما يأتي به صحيحا خوفا من المولى سبحانه حتى يكون ما يأخذه من المال حلالا شرعا، و هذا من الدواعي المحبوبة للّه تعالى فلا فرق بين الإجارة و الجعالة.

و لا بأس ببيان كبرى كلية يندفع بها الاشكال عما هو من قبيل المقام، و هي ان المعتبر في العبادات اضافة العمل إلى اللّه تعالى، و أما الخلوص في النية فغير معتبر قطعا فإنّ ما عدى المعصومين عليهم السّلام لا يعقل أن تكون عبادته خالصة لوجه اللّه تعالى بحيث لا ترجع إلى حب النفس من الطمع في زيادة النعمة في الدنيا و الثواب في

الآخرة أو الخوف من زوال النعم و الخزي في الآخرة، و حتى ان عبادة الأحرار مع انهم القدوة لغيرهم لا تخلو من التلذذ بأداء وظيفة العبودية من جهة إنعام المولى سبحانه عليهم برفعهم إلى مقامات عالية أو اتحافهم بالكرامات، فهم يأنسون بالعبادة له جل شأنه لأجل هذه الفيوض من الجليل سبحانه، و لو لا حبّ النفس بأحد الوجوه لم يعقل أن يوجد لشخص عادي داع إلى العبادة(1)

و ذكر الفيض الكاشاني قدّس سرّه في الوافي 70/3 المجلد الثاني في الحديث الأول من أحاديث النية في العبادة، ان المطلوب في عبادة اللّه تعالى امتثال أمره سواء كان لوجهه سبحانه أو للتوصل إلى ثوابه أو الخلاص من عقابه و اللّه تعالى يثيب العباد على قدر منازلهم و درجاتهم، نعم المرتبة الراقية ما أشار إليها سيد الموحدين أمير المؤمنين عليه السّلام «ما عبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنتك و لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك»، و لو كانت هذه النيات مفسدة للعمل لكان الترغيب و الترهيب و الوعد و الوعيد عبثا، مع أن امير المؤمنين عليه السّلام كتب في بعض أوقافه «هذا ما أوصى به في ماله عبد اللّه علي ابتغاء وجه اللّه ليولجني به الجنة و يصرفني به عن النار»، فلو كانت هذه النية مخلة لما أظهرها عليه السّلام للناس، لكن غايته تقريب العباد من اللّه تعالى لتكون الآخرة ملحوظة.

و على هذا فلا يصغى لما عليه المتكلمون من بطلان العبادة إذا كانت لأجل الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب كما ذكره الرازي في تفسير قوله تعالى اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً‌ الأعراف/ 204، و نص وقف علي عليه السّلام ذكر الشيرازي في المهذب 450/1 في الوقف، و في مجموع الفتاوى المصرية لابن تيمية 258/2 ان بعض الشيوخ يجعل الخوف و الرجاء من مقامات العامة و إن المقربين يقصدون التلذذ بالنظر إليه، و إن لم يكن هناك مخلوق يتلذذون به، و من قال من هؤلاء لم أعبدك شوقا إلى جنتك و لا خوفا من نارك فهذا يظن ان الجنة اسم لما يتمتع فيه المخلوقات و النار اسم لما لا عذاب فيه إلاّ ألم المخلوقات، و هذا قصور عن فهم مسمى الجنة فإنّ كل ما أعد اللّه لأوليائه فهو من الجنة، و لهذا كان أفضل الخلق يسأل اللّه الجنة و يستعيذ به من النار. انتهى.

و لم يفهم ما أشار إليه سيد الأوصياء عليه السّلام فانه أراد بيان ان الباعث له على العبادة أهلية المولى سبحانه لها حتى لو لم يكن هناك جنة و لا نار، بل حتى لو أدخل العاصي و المطيع النار فانه لم يلتفت إلى هذه الأحوال و انما غايته تلك الذات القدسية تعالت آلاؤها.

.

1) في اصول الكافي على هامش مرآة العقول 100/2 باب العبادة الحديث 5 عن هارون بن خارجة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «العباد ثلاثة: قوم عبدوا للّه خوفا فتلك عبادة العبيد، و قوم عبدوا اللّه لطلب الثواب فتلك عبادة الاجراء، و قوم عبدوا اللّه حبا له فتلك عبادة الأحرار و هي أفضل العبادة»، و أشار المجلسي (أعلا اللّه مقامه) إلى هذا الحديث في رسالته الموسومة بالاعتقادات و السير و السلوك مطبوعة في آخر التوحيد للصدوق/ 502.

و أما المعصومون عليهم السّلام فعقولنا قاصرة عن ادراك كنههم و صفاتهم، و أنى للفكر أن يصل إلى ادراك كنه شخصية سيدهم أمير المؤمنين عليه السّلام التي لا يعرفها إلاّ فاطرها و حبيبه خاتم انبيائه(1)، و على هذا فجميع العبادات يكون مرجع الداعي فيها للعامل هو حب النفس و لا يكون منافيا لقصد القربة فليكن أخذ الاجرة و الجعالة مثله، و قد ثبت في الشريعة المقدسة عبادات لأغراض دنيوية كصلاة الخوف و الجوع و نحوها.

و توهم الفرق بينها و بين ما نحن فيه بان تلك الآثار تكون باعطاء اللّه تعالى بخلاف المال المأخوذ بالاجارة و الجعالة غير فارق كما هو ظاهر، و أما الرياء فكما عرفت مانع عن العبادة شرعا و لذا يبطل به العمل و لو كان في بعض خصوصياته الغير الواجبة.

هذا كله في المورد الأول و هو أخذ الإنسان المال على عبادة نفسه.


1) في المحتضر/ 165 و مختصر البصائر/ 125 للحسن بن سليمان الحلي من أعلام القرن التاسع قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لعلي عليه السّلام: «ما عرف اللّه إلاّ أنا و أنت، و ما عرفني إلاّ اللّه و أنت، و ما عرفك إلاّ اللّه و أنا».

و أما المورد الثاني و هو النيابة عن الغير تارة يتكلم عنها اثباتا، و اخرى ثبوتا و هو تصحيح عمل النائب على نحو يوجب فراغ ذمة المنوب عنه.

أما الأول فالمرجع فيه هو الدليل، ففي كل مورد دل الدليل على صحة النيابة فيه يعمل على طبقه سواء تصورنا كيفية النيابة أم لم نتصورها، و قد ورد في النيابة عن الوالدين، و كل مورد لم يرد الدليل على النيابة فيه منعنا عنها كالنيابة عن الاحياء في الجملة، فإنّ مقتضى اطلاقات الأدلة وجوب العمل على المكلف سواء أتى به غيره أم لم يأت به، و كذا الأصل العملي فإنّ النيابة نظير الحجية في ان الأصل عدمها إلاّ أن يدل الدليل عليها.

و أما الثاني: أعني مقام الثبوت، فالبحث عنه علمي محض، لأن مجرد صحة عمل النائب ثبوتا لا يكفي في مشروعية النيابة ما لم يقم عليها دليل شرعي، و إذا ثبت الدليل على ذلك ثبت امكانه و إن لم نتمكن من تصويره، و نظيره البحث عن امكان التعبد بالامارات الغير العملية.

و كيف كان فالمشهور كما يظهر من المصنف رحمه اللّه ذهبوا إلى ان الصادر من النائب فعلان، أحدهما نفس العمل، و الآخر النيابة أعني تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه، و لذا ذكر المصنف رحمه اللّه انّه إذا شك في اتيان النائب بالعمل صحيحا جرى فيه اصالة الصحة، و أما إذا شككنا في انّه قصد النيابة أم لم يقصدها لم تجر فيه اصالة الصحة، و حيث ان الفعل الثاني توصلي لا يعتبر فيه قصد القربة لا مانع من أخذ الاجرة عليه و هو مورد الإجارة، فالنائب يأخذ الاجرة لتنزيل نفسه منزلة المنوب عنه، و أما العبادة فيأتي بها بداعي القربة، و ليست متعلقة للاجارة ليتوهم منافاتها للعبادية.

و فيه: ان اريد ان هناك فعلان حقيقيان خارجيان كما هو ظاهر كلامهم فهو

فاسد، بداهة انّه لا يصدر من النائب في الخارج إلاّ فعل واحد و هو الصلاة عن الغير، نعم قصد النيابة و التنزيل الذي هو أمر نفساني موجود واقعا إلاّ انّه غير متعلق الإجارة قطعا و إلاّ لاستحق الأجير الاجرة بمجرد القصد و لو لم يأت بالعمل في الخارج و هو كما ترى و إن اريد صدق العنوانين على الفعل الواحد نظير القيام بقصد التعظيم حيث يكون الفعل الواحد مصداقا للقيام و بعنوان التعظيم، فهو و إن كان صحيحا إلاّ أن النيابة تكون حينئذ أمرا انتزاعيا لا يقابل بالمال و يكون في الحقيقة متعلق الإجارة منشأ انتزاعه و هو الفعل الخارجي أعني العبادة.

ثم ان المحقق النائيني رحمه اللّه ذكر ان النائب يقصد فراغ ذمة المنوب عنه بامتثال الأمر المتوجه إليه فيفرغ ذمته.

و فيه: أوّلا: انّه لا معنى لأن يقصد أحد امتثال الأمر المتوجه إلى غيره فانه لا يصلح للداعوية بالاضافة إليه، فهو نظير أن يقصد الشخص بالصوم امتثال الأمر المتعلق بالصلاة، اذ لا فرق بينهما إلاّ من حيث ان الاختلاف في الأول يكون من ناحية الموضوع، و في الثاني من ناحية المتعلق.

و ثانيا: سلمنا امكان داعوية الأمر المتوجه إلى شخص لغيره، فلماذا تفرغ ذمة المكلف بفعل الغير مع انّه لم يأت بما تعلق به تكليفه.

و ثالثا: قد يكون المنوب عنه ميتا غير مكلف بشيء فإنّ الموت غاية التكليف.

و رابعا: ان النيابة قد تكون في امور لم يكلف بها المنوب عنه في زمان حياته كالنيابة عنه في الحج و لم يكن مستطيعا.

و خامسا: ان النيابة في المستحبات قد تصل في الكثرة إلى حد خارج عن استطاعة المنوب عنه، كما لو طاف ألف رجل عن شخص واحد فإنّ هذا الطواف

جائز و مندوب و لو لم يكن المنوب عنه قادرا على الاتيان به، و الظاهر ان رجلا واحدا لا يتمكن هذا المقدار من الطواف ليكون مأمورا به.

فالذي ينبغي أن يقال: انّه في المقام أوامر ثلاثة:

الأول: الأمر المتعلق بالمنوب عنه، و لا يكون هذا ملاكا لصحة النيابة لما عرفت من سقوطه عند النيابة غالبا بموت و نحوه، و على فرض بقائه لا يمكن للنائب أن يقصد امتثاله.

الثاني: الأمر المتعلق بالنائب فانه يستحب لكل أحد أن ينوب عن غيره فانه احسان إليه، و هذا هو الذي تدور عليه صحة النيابة، و النائب انما يقصد هذا الأمر، و عليه فيدخل في المورد الأول أعني أخذ الاجرة على عبادة نفسه، فإنّ النائب على هذا انما يأخذ الاجرة على ما هو عبادة لنفس الفاعل غاية الأمر قد تكون عبادة الإنسان ممّا ينتفع بها غيره أيضا.

الثالث: الأمر بالوفاء بعد تحقق الإجارة فيصير العمل حينئذ واجبا، فلا وجه لتثليث المقامات بالبحث تارة عن أخذ الاجرة على الواجبات، و اخرى عن أخذ الاجرة على عبادة نفس الأجير، و ثالثة عن العبادة عن الغير نيابة، لأن أخذ الاجرة في العبادة دائما يكون على عبادة نفس الأجير على ما عرفت(1)

و الشافعي في كتاب الام 98/2 نفى الخلاف عن جواز النيابة في الحج عن الميت، و تابعه المزني في مختصره على هامش الام 42/2 و الغزالي في الوجيز 67/1 و الشيرازي في المهذب 199/1 و ابن حجر في شرح المنهاج 737/1 و لم يخالفه ابن قدامة الحنبلي في المغني 234/3 و قال ابن حزم في المحلى 62/7: المستطيع إذا مات يحج عنه مقدما على الديون أوصى به أم لم يوص ان لم يوجد من يحج تطوعا، و عند مالك و أبي حنيفة لا يحج عنه إلاّ إذا أوصى به و يكون من الثلث.

و في المدونة 360/1 سئل ابن القاسم عن رأي مالك فيمن مات و لم يحج و هو صرورة أ يتطوع عنه ولده أو أجنبي‌؟ قال: رأى مالك أن يتطوع عنه بغير هذا بأن يتصدق و يعتق عنه، و في بداية المجتهد لابن رشد 294/1 عند مالك و أبي حنيفة الحي العاجز عن أداء الفريضة لا تلزم النيابة عنه، و عند الشافعي تلزم بشرط القدرة على المال، و أما الميت فلا خلاف بين المسلمين في وقوع الحج عنه تطوعا و انما الخلاف في الوقوع عنه فرضا، و في ص 275 ذكر الخلاف في الصوم عن الميت.

و في الفقه على المذاهب الأربعة 169/3 و 179 و 188 و 195 ذكر خلاف المذاهب في صحة الإجارة على الطاعات العينية الكفائية فراجعه.

.

1) عند الحنفية كما في بدائع الصنائع 212/2 كتاب الحج ان العبادة البدنية المحضة كالصلاة و الصوم لا تقبل النيابة عن الحي و الميت لقوله صلّى اللّه عليه و اله «لا يصوم أحد عن أحد و لا يصلي أحد عن أحد»، و العبادة المالية المحضة كالزكاة و الصدقات تجوز فيها النيابة لأن الغاية اخراج المال، و العبادة البدنية المالية كالحج تجوز النيابة عن الحي العاجز عن الأداء أو الميت و قد وجب عليه لقوله صلّى اللّه عليه و اله «حق اللّه أحق أن يقضى»، و في/ 221 قال: من وجب عليه الحج و مات و لم يوصي به اثم و تسقط عنه في أحكام الدنيا، لأن العبادات تسقط بالموت مالية أو بدنية اللهم إلاّ أن يحب الوارث الاتيان به.

و أما الحرام فقد عرفت [1]

[1] متعلق الإجارة لا يخلو من اتصافه بأحد الأحكام الخمسة التكليفية أمّا إذا كان محرما فلا تصح اجارته، و يكفي دليل الحرمة في المنع عن صحة اجارته فانه لا يجتمع المنع من ايجاد الشيء و وجوب الوفاء بالعقد الواقع عليه، و قد ورد في فساد الإجارة على بعض المحرمات دليل خاص يمنع من وقوع الاجرة كالاجارة على الزنا أو الغناء أو الكذب و النميمة(1).


1) في الفقيه/ 271 قال عليه السّلام: «أجر المغني و المغنية سحت»، و في الوسائل 541/2 باب 43 تحريم كسب المغنية عن النضر بن قابوس عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «المغنية ملعونة و ملعون من أكل كسبها»، و رواه في الخصال 143/1 باب الخمسة بزيادة «و من آواها»، و في الوسائل 538/2 باب 32 تحريم أجر الفاجرة - الخ. ذكر روايات كثيرة في تحريم أجر الزانية، و في تحف العقول كل أمر ينهى عنه من جهة من الجهات فمحرم اجارة نفسه له أو لشيء منه.

و أما الاجارة على الواجب فلا مانع من صحتها سوى التوهم المتقدم أعني كون الواجب ملكا له تعالى فلا يملك لغيره، و قد مر الجواب عنه فتصح الإجارة عليه خصوصا إذا كان الواجب تخييريا شرعا أو عقلا أو كفائيا لما عرفت من ان مورد الإجارة في مثل ذلك مغاير لما تعلق به الوجوب.

و أما الإجارة على المستحب أو المكروه فصحتها أوضح فيما إذا كان المورد قابل لأن يملك بأن كان ممّا ينتفع به و لم يعتبر الشارع ايجاده مجانا، كما إذا فرضنا ان أحدا يصعب عليه الأذان و الاقامة فيستأجر غيره على أن يؤذن و يقيم لصلاة نفسه بصوت عال فيسمعه و يكتفي به، أو يستأجره لأن يأتم به أو يؤمه فإنّ الإمامة كالايتمام لم تكن أمرا تعبديا و انما هو كايقاع الصلاة في مكان خاص، فيجوز الائتمام بداعي انّه وسواسي يصعب عليه القراءة أو لداع آخر، نعم إذا كان المستحب عبادة ربما يناقش فيه من حيث الاخلاص، و قد مر الجواب عنه فتصح الإجارة في جميع الصور إلاّ إذا كان متعلقها محرما فتفسد.

و ممّا ينبغي التنبيه عليه المسائل التي تعرض لها المصنف قدّس سرّه:

المسألة الاولى: أخذ الاجرة على الأذان، و قد استدل المصنف رحمه اللّه على عدم جوازها بروايتين، الاولى: عن علي عليه السّلام: «قال له رجل: اني أحبك. فقال عليه السّلام: لكني لا أحبك. فقال: و لم‌؟ قال: لأنك تبغي على الأذان كسبا و تأخذ على تعليم القرآن أجرا»، الثانية: ما رواه حمران عن أبي عبد اللّه عليه السّلام من حديث طويل في تحريم

التظاهر بالمنكرات قال عليه السّلام: «و إذا رأيت الأذان بالأجر و الصلاة بالأجر»، و استدل السيد الطباطبائي في الحاشية برواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «لا تصلي خلف من يبغي على الأذان أجرا و الصلاة بالناس أجرا و لا تقبل شهادته»(1)

و قد منع الفقه الحنفي من صحة الإجارة على الأذان كما في الهداية لشيخ الإسلام 175/3 و بدائع الصنائع 191/4 و المبسوط للسرخسي 140/1 و علله الأول بأن كل طاعة يختص بها المسلم عدم جواز الاستيجار عليها، ورده ابن همام في فتح القدير 180/7 بالنقض بالحج الذي جوز شيخ الإسلام الاستيجار فيه.

و في الفقه على المذاهب 170/3 جوز بعض الحنفية أخذ الاجرة على الأذان، و في فقه الحنابلة المنع من الإجارة على كل قربة كالأذان و الإمامة، نص عليه ابن قدامة في المغني 506/5 و ابن مفلح في الفروع 754/2، و في الفقه على المذاهب 195/3: يجوز أخذ الراتب من باب الرزق لا الاجرة.

و في الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي/ 82 سئل أحمد عن الإمام في المسجد يعطى الاجرة على الصلاة و الأذان‌؟ قال: ما زلنا نصلي في المسجد الجامع خلف هؤلاء الذين يعطون أجرا، و في المحلى لابن حزم 145/3 من أذن للاجرة لم يجز أذانه، و لا أجزأت الصلاة به إلاّ أن يرزقه الإمام.

و قال الشافعي في الام 72/1: ليس للامام أن يرزق أحد المؤذنين و هو يجد من يتطوع به، و إن لم يجده فليرزقه من سهم النبي صلّى اللّه عليه و اله خمس الخمس لا من الفيء فإنّ لكله مالكا، و جوز ابن حجر في شرح المنهاج 456/2 و الغزالي في الوجيز 139/1 الاستيجار على الأذان لعدم وجوب النية فيه و الفائدة معرفة الوقت دون الإمامة لوجوب النية فيها.

و في المدونة 397/3: لا بأس أن يستأجر الرجل على أن يؤذن لهم و يقيم و يصلي بهم صلاته، فإنّ الإجارة لم تقع على الصلاة بهم و انما هي على الأذان و الاقامة و القيام على المسجد و في الميزان للشعراني 82/2 عند أحمد و أبي حنيفة لا يصح الاستيجار على الأذان و الإمامة، و عند مالك و الشافعي تجوز في الإمامة، و استدل المانعون من الاجرة بما رواه أحمد في المسند 21/4 و الترمذي في صحيحه 44/1 و البيهقي في السنن 429/1 و الحاكم في المستدرك 199/1 و النسائي في السنن 109/1 و أبو داود في السنن 146/1 عن عثمان بن أبي العاص الثقفي: أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أن لا أتخذ على الأذان أجرا.

و في نيل الأوطار للشوكاني 49/2 جوز ابن العربي أخذ الاجرة على الأذان و الصلاة و القضاء و جميع الأعمال الدينية و النائب عنه يأخذ الاجرة عليها. و في فتاوى الرملي على هامش الفتاوى الفقهية لابن حجر 215/2 في الوكالة، قال: لا يصح التوكيل في الأذان لأنّه قربة أجرها لفاعله فلا تقبل النيابة.

.

1) الرواية الاولى في الوسائل 336/1 تحريم أخذ الاجرة على الأذان، و الثانية في الوسائل 511/2 باب 41 تحريم التظاهر بالمنكرات، و الثالثة في الفقيه/ 246 و التهذيب 75/2 فيمن لا تقبل شهادته، و في مستدرك الوسائل 254/2 عن علي عليه السّلام: «من السحت أجر المؤذن و لا بأس أن يجري عليه من بيت المال».

و دلالة الاولى على الحرمة واضحة إذا انضم إليها ما ورد من ان عليا عليه السّلام لا يبغض ما كان حلالا، و كذلك الثانية فإنّ ما يوجب اضمحلال الدين لا اشكال في حرمته، و يستفاد منها أيضا حرمة أخذ الاجرة على الإمامة في الصلاة و على الائتمام فيها، و أما الثالثة فالنهي فيها ظاهر في الارشاد إلى فسق من يطلب الاجرة على الأذان فلا تصح الصلاة خلفه.

فظهر ان مقتضى القاعدة و إن كان جواز أخذ الاجرة على الأذان، إلاّ ان النص الخاص يمنع منه، و لا يستفاد من هذه الروايات كون الأذان عبادة، كما لا يستفاد من الثانية كون الائتمام عبادة فيجوز أن يأتي به بداعي آخر غير داعي الاجرة من سقوط القراءة و نحوها.

المسألة الثانية: الاجرة على الطواف، و هي تارة تكون على أن يطاف بشخص، و اخرى على أن يطاف عنه نيابة و كلا العنوانين مذكور في الروايات، أمّا الطواف عن الغير فقد ثبت في موارد:

منها: ما إذا ابتلي المكلف بعدم استمساك بطنه، فقد ورد انّه يطاف عنه نيابة.

و منها: إذا حاضت المرأة في أثناء الحج و لم تقدر على البقاء بمكة إلى النقاء، فانه يطاف عنها.

و منها: ما لو نسي الطواف و لم يذكره إلاّ في بلده و لم يقدر على الرجوع إلى مكة ثانيا فيطاف عنه(1)

و لم أعثر على الرواية الثانية، نعم روى في الوسائل 327/2 باب 84 أحكام الحيض عن أيوب بن ابراهيم بن عثمان الخزاز قال «كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام اذ دخل عليه رجل، فقال: أصلحك اللّه ان معنا امرأة حائضا و لم تطف طواف النساء فأبى الجمال ان يقيم عليها، فأطرق و هو يقول: لا تستطيع أن تتخلف عن أصحابها و لا يقيم عليها جمالها تمضي فقد تم حجها»، قال الشيخ الحر العاملي محمول على انها تستنيب في الطواف لما مر، و لم يعين الحجة الشيخ عبد الصاحب الجواهر في الاشارات محل الشاهد له، و يظهر من تعليق الشيخ الحر عدم عثوره لما يشهد لمسألة الطواف عنها كما في المتن.

و الثالثة في الفقيه/ 190 باب السهو في الطواف و الوسائل 315/2 باب 32 من نسي من الطواف.

. و لا يخفى ان الأجير عن الغير في الطواف لا يصح له أن يقصد بهذا الطواف الطواف عن نفسه، كما لا يجوز له أن يجعله عن شخص آخر لأن العمل مستحق للأول فلا يقع عن نفس العامل و لا عن غيره، نعم لو تبرع عن الغير جاز أن يجعله عن شخصين، و قد وردت النيابة عن جماعة في زيارة المعصومين صلوات اللّه عليهم(2).

1) مضمون الرواية الاولى في التهذيب 350/1 و الوسائل 320/2 باب 49 جواز الطواف عن المريض عن معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «الكسير يحمل فيطاف عنه و المبطون يرمي فيطاف عنه و يصلى عنه».

2) في الوسائل 154/2 باب أوّل في النيابة في الحج و ص 158 باب 24 رجحان التطوع بالحج و العمرة بالحج و العتق عن المؤمنين و الأقارب الأحياء و الأموات و عن المعصومين الأحياء و الأموات، و ذكر أخبارا كثيرة في صحة الحج و العمرة و الطواف عن الغير، و إن اللّه تعالى يكتب لمن حج عنه أو اعتمر عنه أجرا و للعامل عشرا، و يغفر اللّه تعالى له و لأبيه و امه و ابنه و ابنته و أخيه و اخته و عمه و عمته و خاله و خالته ان اللّه واسع كريم، و في ص 158 باب 25 ان أبا عبد اللّه عليه السّلام قال «لو شركت ألفا في حجتك لكان لكل واحد حجة من دون أن ينقص من حجتك شيء، و كذلك إذا أتيت قبر النبي صلّى اللّه عليه و اله فقل: السلام عليك يا نبي اللّه مني و من أبي و امي و زوجتي و ولدي و جميع أهل بلدي حرهم و عبدهم أبيضهم و أسودهم، فلا تشاء أن تقول للرجل قد اقرأت رسول اللّه عنك السلام إلاّ كنت صادقا، و يكون لكل واحد أجر الزيارة و يزاد العامل أجرا بما وصل»، و لعل الإمام عليه السّلام يشير إلى قوله تعالى مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا.

و أما الطواف بالغير: فقد شرع فيما لو قصد ولي الصبي الطواف به و المريض إذا لم يتمكن من الطواف بنفسه فانه يطاف به، و أما احتساب هذا الطواف عن نفسه أو عن غيره تبرعا، ففي المسالك جوازه إذا كان الطواف به تبرعا أو بنحو الجعالة أو الإجارة على أن يحمله في الطواف، و منع منه فيما إذا استأجره على الحمل مطلقا بدعوى ان الحركة الخاصة حينئذ صارت مستحقة للغير، فلا يجوز صرفها لمنفعة نفسه.

و التحقيق: ان هناك فعلان: أحدهما الطواف عن نفسه، و الآخر الطواف بالغير و بينهما عموم من وجه، فانه قد يطوف بغيره و لا يطوف عن نفسه اما لعدم قصد ذلك أو لعدم تمامية شروط الطواف فيه، كما إذا كان محدثا فيكون كالجمل الذي يحمل الإنسان عند الطواف، و قد يطوف بنفسه و لا يطوف بغيره كما إذا لم يحمل الغير، و قد يجتمعان بأن ينوي الطواف عن نفسه و هو حامل لغيره، و المستأجر انما يملك

الطواف بالغير، و أما الحركات الخاصة من الأجير فهي مقدمة للتسليم إلى المالك و ليست بنفسها متعلقا للاجارة، فلا مانع من ايقاعها لنفسه، هذا على القاعدة.

و قد ورد التصريح بجواز ذلك في رواية حفص بن البختري عن الصادق عليه السّلام «في المرأة تطوف بالصبي و تسعى به هل يجزي ذلك عنها و عن الصبي‌؟ قال: نعم»(1)، و رواية هثيم بن عروة التميمي «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: اني حملت امرأتي ثم طفت بها و كانت مريضة، و قلت له: اني طفت بها بالبيت في طواف الفريضة و بالصفا و المروة و احتسبت بذلك لنفسي فهل يجزيني‌؟ فقال: نعم»(2).

المسألة الثالثة: تحمل الشهادة و أدائها الذي عليه المشهور هو الوجوب و عدم جواز أخذ الاجرة عليه، لأنّه حق للمشهود له على الشاهد استظهارا من قوله تعالى في البقرة/ 382 وَ لاٰ يَأْبَ اَلشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا المفسر في الصحيح بالدعاء إلى تحمل الشهادة(3)

و هذا الرأي لم يصادق عليه الشيخ أبو جعفر الطوسي في التبيان 287/1 ط ايران، فإنّه بعد ان رجح دلالتها على اثبات الشهادة و اقامتها، رد على الطبري بأنّه سبحانه أطلق اسم الشاهد على من لم يكن متحملا لها فقال «و استشهدوا شهيدين من رجالكم»، و ابن حزم في المحلى 429/9 وافق على عمومها للشهادة و الأداء، و يذهب الحجة الشيخ محمد جواد البلاغي في آلاء الرحمن 249/1 إلى ارادة التحمل منها متبعا في ذلك ما استصحه من روايات الكافي و التهذيب عن الصادق و الكاظم عليهما السّلام و إن قولهما عليهما السّلام «لا ينبغي» للتنزيه.

و لم يتباعد عن هذا الرأي القاضي ابن العربي المالكي في أحكام القرآن 108/1 بدعوى ان حالة الأداء مبينة بقوله تعالى وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ‌، و اختار أن يكون التحمل فرض كفائي لا عيني كما عليه الشافعي، و لا ندب كما هو رأي غيره، قال: لأن إباء الناس كلهم اضاعة للحقوق و الزامهم جميعا تضييع للاشغال، و لهذا المعنى كان الخليفة و نائبه يقيمون للناس شهودا معينين شغلهم تحمل حقوق الناس و أحياءها بالأداء و كفايتهم من بيت المال و ليست هي شهادة بالاجرة. انتهى.

و يظهر من الكاساني في بدائع الصنائع تجويزه فانه في 10/7 قال: نصب القضاة في زماننا للعدل تيسيرا للأمر عليهم لتعذر طلب العدل في كل شاهد فاستحسنوا نصب العدل، و لكن ابن حجر في شرح المنهاج 404/4 في آداب القاضي منع من اتخاذ شهود معينين لا يقبل غيرهم لما فيه من التضييق و اضاعة الحقوق. و في السرائر لابن ادريس الحلي من أجلاء الإمامية قال في كتاب القضاء: أوّل من رتب الشهود لا يقبل غيرهم اسماعيل بن اسحاق القاضي المالكي، و ذكر السيوطي في مسامرة الأوائل/ 108، و على رده في محاضرة الأوائل/ 98 انّه أوّل من رتب الشهود ببغداد معللا بفساد الناس و لا سبيل إلى ضبط الشهادة إلاّ بهذا، و في كتاب تاريخ القضاء في الإسلام/ 133 لمحمود بن عرنوس ذكر الشهود المعدلين و أول من أحدث الوظيفة في مصر و بغداد و ذكر هذا القاضي، و في الديباج المذهب/ 95 توفي ببغداد سنة 282 و له ترجمة مفصلة في المنتظم لابن الجوزي و البداية لابن كثير و مرآة الجنان لليافعي حوادث سنة 282، و في تاريخ بغداد 284/6.

، و لكن ما يدعيه المصنف (أعلا اللّه مقامه) أوسع من دليله، فانه

1) التهذيب 350/1 و رواه عنه في الوسائل 320/2 باب 50، من حمل انسانا و طاف به، و في الوافي 135/8 المجلد 3.

2) التهذيب 350/1، و عنه في الوسائل 320/2، و الوافي 135/8، و في الفقيه/ 192 عن الهيثم التميمي «قلت للصادق عليه السّلام: رجل كانت معه صاحبة لا تستطيع القيام على رجلها، فحملها زوجها في محمل و طاف بها طواف الفريضة بالبيت و بالصفا و المروة أ يجزيه ذلك الطواف عن نفسه طوافه بها؟ فقال عليه السّلام: ايها و اللّه اذا»، و معنى الجملة الأخيرة صدقت و اللّه، فإنّ كلمة ايها للتصديق.

3) في معاني القرآن للفراء 185/1 المراد ما دعوا إلى الحاكم و ظاهره ارادة اقامتها، و عليه الزمخشري في الكشاف و أبو عبيدة في مجازات القرآن 83/1، و في تفسير المنار 125/3 انّه الظاهر الذي لا تجوز فيه و ارادة التحمل تستلزم التجوز، و في تفسير الرازي 367/2 الأصح انّه نهى عن الامتناع من أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها، و استصوبه الطبري في تفسير جامع البيان 73/6 طبعة دار المعارف بمصر، و أيده بان اسم الشاهد لا يطلق إلاّ بعد التحمل و إلاّ فكل أحد يصدق عليه انّه شاهد، اما لأنّه سيشهد أو يصلح لأن يشهد و هو خطأ، مع أن الألف و اللام تشير إليه فانه نهى المتحملين للشهادة عن امتناع أدائها، و إلاّ لقال تعالى (و لا يأب شاهد إذا ما دعي).

ذكر عدم جواز أخذ الاجرة على الشهادة من غير المشهور له أيضا كما إذا كانوا عشرة شهود و أجر بعضهم غيره على أداء الشهادة ليستريح منها، مع ان الدليل الذي ركن إليه المصنف رحمه اللّه لا يثبت ذلك.

فالأولى الاستدلال بتقريب آخر، و هو ان هذا الواجب أعني الشهادة له خصوصية من بين سائر الواجبات من جهة اعتبار المجانية فيه، و تستفاد هذه الخصوصية من قوله تعالى وَ لاٰ يَأْبَ اَلشُّهَدٰاءُ‌ الظاهر في ان من يدعى إلى الشهادة ليس له حق الامتناع و يستشعر منه المجانية(1)، و نظيره مطالبة الزوجة بالاجرة على مطاوعتها في حقوقه المفروضة عليها.

و بالجملة: لا يجوز أخذ الاجرة على الشهادة لا من المشهود له و لا من غيره، لاعتبار المجانية في تحملها و أدائها، اللهم إلاّ أن يطلب المشهود له حضور الشاهد لتحملها في مكان خاص، فله أن يطلب الاجرة على خصوصية الحضور الذي لا يجب عليه إلاّ من جهة المقدمية، و وجوب المقدمة لا ينافي صحة الإجارة.

المسألة الرابعة: أخذ الاجرة على القضاء، القضاء كالأذان و الإمامة لا يجوز أخذ الاجرة عليه للدليل، إلاّ انّه يجوز الارتزاق من بيت المال لعدم كونه اجرة في


1) في شرح المختار للحصكفي 343/2 الشهادة فرض كفاية إذا لم يكن شاهدان للتحمل أو الأداء، و لا يأخذ الشاهد اجرة حتى لو ارتكبه بلا عذر لم تقبل، و في الوجيز للغزالي 2 / 153 يجب الأداء على كل متحمل للشهادة و لا يستحق الشاهد اجرة إلاّ اجرة الركوب، و في شرح المنهاج لابن حجر 468/4 الشهادة فرض كفاية في النكاح و كتابة الصكوك على الأصح إلاّ مع عذر المشهود عليه بالمرض أو الحبس أو كون المرأة مخدرة، و له أخذ الاجرة و إن تعين عليه ان كان عليه كلفة المشي و نحوه الأداء.

يحرم بيع المصحف [1]

الحقيقة، و لم يعتبر المشهور الفقر، و ظاهر من المصنف رحمه اللّه في آخر كلامه اعتباره.

و الصحيح: التفصيل بين الأذان و الإمامة و بين القضاء، اما فيهما فمن جهة كونهما عملا مستحبا و الاتيان به من المصالح العامة فلا مانع من اعطاء المال من بيت المال المعد للمصالح العامة، و أما القضاء فلا تؤخذ الاجرة عليه لوجوبه على القاضي و لا يتركه بعد فرض كونه عادلا فلا مصلحة في ارتزاقه من بيت المال، نعم إذا كان لبقائه في بلد مصلحة عامة و أراد أن يرتحل إلى بلد آخر للقضاء فيه فيجوز اعطاؤه من بيت المال لابقائه في البلد لما فيه من المصلحة النوعية(1).

بيع المصحف

اشارة

[1] الأخبار الواردة في حرمة بيع المصحف حمله بعض الأصحاب على الكراهة(2)

و صرح ابن القيم الجوزية بالتحريم، و في المغني لابن قدامة 263/4 قال أحمد: لاأعلم في بيع المصاحف رخصة، و رخص في شرائها، و قال: الشراء أهون، و رخص في بيعها الحسن و عكرمة و الشافعي و أصحاب الرأي لأن البيع يقع على الجلد و الورق و بيع ذلك مباح، و لنا قول الصحابة و لا نعلم مخالفا لهم، و لأنّه يشتمل على كلام اللّه تعالى فتجب صيانته عن البيع، و إن اشترى الكافر مصحفا فالبيع باطل و قال الشافعي، و أجازه أصحاب الرأي قالوا و يجبر على بيعه لأنّه أهل للشراء و البيع محل له.

، و قبل التعرض لبيان الصحيح لا بد من معرفة موضوع الحكم بالحرمة أو

1) في المحلى لابن حزم 435/9 و المبسوط للسرخسي 102/16 و الهداية لشيخ الإسلام 72/4 و المغني لابن قدامة 37/9: يجوز للقاضي الارتزاق من بيت المال لا الاجرة، و في بدائع الصنائع 13/7: يجوز للقاضي الفقير الارتزاق من بيت المال مع الكفاية و الأفضل للغني الأخذ، لأنّه عامل للمسلمين، و لئلا يصير تركه سنة فيجحف بالمحتاج، و قد رسم السلاطين ابطال الرزق فهو اجحاف بالفقراء، و قد تقدم في ص 207 و ص 108 بعض الكلام فيه.

2) في المهذب للشيرازي 260/1 يجوز بيع المصاحف و كتب الأدب، و في المحلى لابن حزم 44/9 يجوز بيع المصاحف و كتب العلوم عربيها و عجميها و هو رأي مالك و أبي حنيفة و الشافعي و أبي سليمان، ثم ذكر جماعة حكموا بالكراهة، و في الميزان للشعراني 58/2 اتفق الأئمة الثلاثة على اباحة بيع المصحف من غير كراهة مع قول أحمد و الشافعي في قوليه بكراهته.

الكراهة، فنقول: المصحف اسم للخطوط، و هي الهيئة الخاصة القائمة بالقرطاس أو الخشب أو الحبر إذا كان له جسم، و بما ان الهيئة من الأعراض التي لا مالية لها مستقلة لا يقع عليها البيع كنقش الفرش، فإنّ المالك لا يصح له تمليك النقش وحده و بقاء العين في ملكه، غاية الأمر النقش يوجب زيادة قيمة العين من دون أن يكون شيء من الثمن بأزائه، و انما يقع تمامه في مقابل العين المتصفة بالنقش.

ثم لا ينبغي الاشكال في قابلية المصحف للتمليك، فإنّ السيرة بين المسلمين شاهدة على تملك المسلم للقرآن الذي يكتبه لنفسه أو المهدى إليه أو انتقل إليه بعنوان الحبوة، و ثبوت الضمان على من أتلف خط المصحف و لو لا الملكية له لما ثبت الضمان، و غاية ما يستفاد من الأخبار المانعة أن القرآن لعظم شأنه لا يقابل بالمال لأنّه غير قابل للتمليك و التملك مطلقا، كما يستفاد هذا من المنع عن بيع الخمر.

فلا بدّ من النظر في الأخبار الواردة فيه:

منها: رواية أبان عن عبد الرحمن بن سيابة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «ان المصاحف لا تشترى فإذا أشتريت فقل أشتري منك الورق و ما فيه من الأديم و حليته و ما فيه من عمل يدك بكذا»، و عن جراح المدايني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في بيع المصحف قال:

«لا تبع الكتاب و لا تشتري وبع الورق و الأديم و الحديد»، و عن سماعة بن مهران قال: سمعت أبي عبد اللّه عليه السّلام يقول: «لا تبيعوا المصاحف فإنّ بيعها حرام. قلت: فما تقول في شرائها؟ قال: اشتر منه الدفتين و الحديد و الغلاف، و اياك أن تشتري منه الورق و فيه القرآن مكتوب فيكون عليك حراما و على من باعه حراما»، و روايته الاخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «سألته عن بيع المصاحف و شرائها؟ قال: لا تشتري كتاب اللّه و لكن اشتري الحديد و الورق و الدفتين و قل أشتري منك هذا بكذا»، و مضمرة عثمان بن عيسى قال «سألته عن بيع المصاحف و شرائها؟ قال: لا تشتري كلام اللّه و لكن اشتري الحديد و الجلود و الدفتر و قل أشتري هذا منك بكذا»، و مضمرة عبد اللّه بن سليمان قال «سألته عن شراء المصحف‌؟ فقال: إذا أردت أن تشتري فقل أشتري منك ورقه و أديمه و عمل يدك بكذا».

و هذه الأخبار ظاهرة الدلالة في حرمة بيع القرآن، أعني الأوراق المتصفة بالنقوش بحيث تكون النقوش ملحوظة في مقام البيع، لما عرفت من عدم قابلية النقوش لأن تكون مبيعا أو جزء مبيع.

ثم لا تنافي بين رواية سماعة المصرحة بالمنع عن شراء الورق و فيه القرآن مكتوب، و بين ما دل على جواز شراء الورق فانه محمول على بيع الأوراق بما هي لا بما ان القرآن مكتوب فيها.

نعم يعارض الأخبار المانعة رواية عنبسة الوراق قال «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام و قلت: أنا رجل أبيع المصاحف فإنّ نهيتني لم أبعها. فقال: أ لست تشتري ورقا و تكتب فيه‌؟ قلت: بلى و أعالجها. قال: لا بأس بها»، و عن أبي بصير «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن بيع المصاحف و شرائها؟ فقال: انما كان يوضع عند القامة و المنبر،

قال: و كان بين الحائط و المنبر قيد ممر شاة أو رجل منحرف فكان الرجل يأتي و يكتب البقرة و يجيء آخر و يكتب السورة كذلك كانوا ثم انهم اشتروا بعد ذلك.

فقلت: فما ترى في ذلك‌؟ فقال: أشتريه أحب الي من أن أبيعه»، و رواه روح بن عبد الرحيم بزيادة «قلت له: ما ترى ان أعطي على كتابته أجرا؟ قال: لا بأس و لكن هكذا كانوا يصنعون»(1)

ثم لا يخفى ان رواية عبد الرحمن بن سيابة التي نقلها صاحب الوسائل عن الكافي جاءت في نص الكافي على هامش مرآة العقول. و الوافي عن الكافي بلفظ عبد الرحمن بن سليمان بدل ابن سيابة، و بعد ملاحظة ما ذكره علماء الرجال اتضح لنا ان الصحيح ما في الوسائل، و هذا نص السند «محمد بن يحيى عن عبد اللّه بن محمد عن علي بن الحكم عن أبان عن عبد الرحمن بن سيابة».

و الأول شيخ الكليني جليل في الطائفة، و الثاني ثقة، و الثالث موثق في الفهرست و الخلاصة، و الرابع عده الكشي ممّن اجمعت العصابة عليهم، و عبد الرحمن بن سيابة و إن لم يذكره العلاّمة في الخلاصة، و في المختلف 119 في مسألة الشك في عدد الطواف قال: لم يحضرني الان حاله، و في المدارك في هذه المسألة و شرح الارشاد للأردبيلي انّه مجهول، و لكن الوحيد اعتمد عليه لرواية الاجلاء عنه و لمدح صاحبي الوجيزة و البلغة، و هو الذي دفع إليه الصادق عليه السّلام دنانير يقسمها على عيالات من اصيب مع عمه زيد الشهيد.

و أما عبد الرحمن بن سليمان المذكور في الكافي على مرآة العقول فلم يتبين حاله، و لم يزد في جامع الرواة على تعيين روايته في الكافي باب المصاحف و انّه من أصحاب الباقر عليه السّلام، و في نسخته من الكافي: علي بن الحكم عن أبان عن عبد الرحمن بن سليمان فلم يتبين حاله، فقول المجلسي في مرآة العقول الحديث مجهول، أمّا لجهالة عبد الرحمن ابن سليمان أو للكلام في بعض رجال السند.

، فانها ظاهرة في الجواز، و حيث ان الموضوع في

1) رواية عبد الرحمن بن سيابة، و سماعة، و روح بن عبد الرحيم، و عنبسة بن الوراق مذكورة في الكافي على هامش مرآة العقول 393/3 باب بيع المصحف، و رواية ابن عيسى و عبد اللّه بن سليمان، و جراح المدايني، و أبي بصير، و عبد الرحمن عن أبي عبد اللّه مذكورة في التهذيب 110/2، و هذه الروايات نقلها في الوافي 37/10 مجلد 3، و في الوسائل 546/2 باب 59 عدم جواز بيع المصحف.

الطائفتين عنوان المصحف تحمل المانعة على الكراهة لصراحة الاخرى في الجواز.

ثم لو قلنا بعدم جواز بيع الخطوط و انما يباع الورق، قد يستشكل في بيع المصحف بناء على المختار من القول بتملكه بما حاصله: ان بقى المصحف على ملك البائع لزم شركته مع مشترى الورق و هو خلاف السيرة، و إن انتقل إلى المشتري فإنّ كان بجزء من العوض فهو البيع المنهي عنه، و إن انتقل إليه قهرا تبعا للورق فهو خلاف قصد المتبايعين مع ان نتيجته الالتزام بكون المبيع هو الورق المقيد بوجود النقوش، فيكون المنع عن البيع مجرد تكليف صوري.

و نقول: يمكن أن يكون المبيع الورق و يملك المشتري النقوش مجانا، لكون الخطوط اعراضا لا تقابل بمال مستقلا و انما توجب زيادة قيمة المادة كنقوش الفرش و نحوها، فتكون تابعة لملكية موضوعاتها.

و توضيحه: ان الملحوظ حين البيع قد يكون مجرد المادة، و قد يكون مجرد الصورة كالأواني المصنوعة من الخزف، فإنّ المادة بنفسها لا رغبة فيها و انما الملحوظ في البيع الصورة نفسها، و قد يكون الملحوظ الأمرين معا غير ان العوض في أي شيء من الصور لا يقع بأزاء الهيئة لعدم الانتفاع بمجردها، و عدم كونها أموالا مستقلة، و انما هي مقومة لمالية المادة أو موجبة لزيادة قيمتها من غير فرق بين الصورة النوعية العرفية أو الحقيقية و بين الأوصاف، سوى ان التخلف في الاولى يوجب البطلان، و في الثانية يوجب الخيار و لكن في جميعها تنتقل إلى المشتري تبعا.

إذا عرفت ذلك نقول: بيع المصحف بعنوان كونه مصحفا كبقية الأعيان المتصفة بأوصاف خاصة مورد النهي، فإذا بيع الورق و الجلد و الحديد مجردا عنها انتقلت الخطوط إلى المشتري بالتبع سواء اشترط بقاءها أو لا، و حينئذ يكون النهي صوريا كما أفاده المصنف رحمه اللّه، و ان ابيت عن ذلك فلا مناص من الالتزام بكون البيع مشروطا بتملك المشتري للخطوط مجانا، و هو شرط ارتكازي عرفي فانا لا نرى عاقلا يقدم على شراء الورق و الجلد بالثمن الكثير مجردا عن المصحف.

فرع: لم أر من تعرض له، و هو شمول حكم بيع المصحف لا بعاضه فنقول: قد ينضم إليها غيرها من الشرح ما يخرجها عن عنوان القرآنية و تصير جزء لكلام آخر و قد ينضم إليها من البيان ما لا يخرجها عن القرآنية كما في كتب التفسير، و قد يشتمل الكتاب على آيات من المصحف كما قيل في كتاب المغني لابن هشام من اشتماله على ستة أجزاء من القرآن.

و التحقيق: ان النحو الأول لا مانع من بيعه لعدم صدق بيع المصحف، و النحو الثاني لا ريب في كونه من بيع المصحف، و أما النحو الثالث فإنّ العنوان المأخوذ في الأدلة و إن كان هو المصحف فلا يعم الابعاض لعدم اطلاقه عليها لأنّه انما يطلق على تمام القرآن أو جله، إلاّ ان عمدة أدلة المنع موثقة سماعة و فيها «اياك أن تشتري الورق و فيه القرآن»، و القرآن يعم الابعاض أيضا الموجودة في ضمن الكتب، و حيث ان السيرة قائمة على بيع الكتب المشتملة على آيات من القرآن تكون مؤكدة لحمل المنع على الكراهة.

تنبيه: لا يخفى عدم البأس بأخذ الاجرة على كتابة المصحف، رواه علي بن

ثم إنّ المشهور [1]

جعفر قال «سألته عليه السّلام عن الرجل يكتب المصحف بالاجرة‌؟ قال: لا بأس»(1)، و عن البزنطي عن الرضا عليه السّلام «سألته عن الرجل يكتب المصحف بالاجر؟ قال: لا بأس به»(2).

بيع المصحف من الكافر

[1] نسب قدّس سرّه إلى العلاّمة و المشهور ممّن تأخّر عنه القول بعدم جواز بيع المصحف من الكافر على النحو الجائز بيعه من المسلم، ثم قال: و لعلّه لفحوى ما دل على عدم تملك الكافر للمسلم، و نقول استدل عليه بوجوه:

الأول: قياس المصحف بالعبد المسلم إذا ارتد مولاه، فإنّه ينتقل إلى وارثه لئلاّ يكون للكافر عليه سلطة، فالمصحف أهم منه.

و فيه: أوّلا: عدم ثبوت الحكم في المقيس عليه، فإنّ العبد المسلم لا يستقر في ملك الكافر، و إنّما يباع عليه قهرا كما هو صريح قوله عليه السّلام «اذهبوا فبيعوه و لا تقروه عنده» إلاّ أنّه لا يملكه بل لا يبعد جواز شراء الكافر العبد المسلم الذي ينعتق عليه، و هذا نظير عدم استقرار ملك الولد لوالديه، و كان حق القياس أن يقاس المصحف بالعبد الكافر للمولى الكافر إذا أسلم العبد و مولاه على الكفر لا بما إذا ارتد المولى، فإنّ الارتداد قد يوجب انتقال جميع أموال المرتد فلا خصوصية للمصحف.

و ثانيا: قياس المصحف بالعبد المسلم مع الفارق، فإنّ السلطنة على العبد و كون تصرفه ملكا للكافر فيه نوع ذلة للمسلم بخلاف تملكه المصحف ليس فيه ذل للإسلام.


1) قرب الإسناد/ 153 ط نجف.

2) مستطرفات السرائر من جامع البزنطي.

الثاني: قوله صلّى اللّه عليه و اله «الإسلام يعلو و لا يعلى عليه»(1)

و روى في كنز العمال 17/1 عن الروماني و الدارقطني و البيهقي و الضياء عن عائذ بن عمر عنه صلّى اللّه عليه و اله «الإسلام يعلو و لا يعلا».

.

و فيه: مضافا إلى ضعف السند، أنّه مجمل و لا نرى في تملك الكافر للمصحف ذلة للاسلام فيما إذا نسخه بيده و لم يتنجس بملاقات بدنه، و قد ذكر في معنى الحديث وجوه أحسنها أن يراد بالعلو العلو في مقام البرهان، فإنّ الإسلام لوضوح دلائله و برهانه و بعده عن الخرافات يفوق سائر الأديان، و لذا كان الناس في صدر الإسلام يدخلون في دين اللّه أفواجا، و عليه يكون أجنبيا عن تملك الكافر للقرآن.

الثالث: أنّه مستلزم للهتك.

و فيه: أنّ بين الهتك و التملك عموم من وجه، فإنّه ربما يكون المسلم غير مبال بالدين فيوجب تسليطه على القرآن هتكا له، و الكافر قد يملك مكتبة عالية و يريد أن يكون المصحف فيها فلا يكون تسليطه عليه هتكا له، و ربما يجتمعان، و لو تنزلنا فالهتك إنّما يكون في التسليط الخارجي، و أما مجرد تملكه له فلا يكون هتكا أصلا كما إذا فرضنا أنّ للكافر وكيلا في بلد غير بلده فاشترى له القرآن و باعه له فليس في شرائه اهانة، و مع التنزل النهي بعنوان الهتك لا يوجب الفساد.

الرابع: أنّه موجب للتنجيس، و قد ظهر الجواب عنه.


1) رواه بهذا اللفظ السرخسي الحنفي في المبسوط 134/16 في مسألة شهادة المسلمين على غيرهم من الملل، و استدل به المعلق على أحكام الأحكام لابن دقيق العيد 18/4 على منع ارث الكافر من المسلم، و استدل به العلاّمة الحلي في نهج الصدق فصل 11 في المواريث في ميراث المسلم من الكافر ردا على المذاهب النافية له.

جوائز السلطان و عماله [1]

أما الاولى فلا إشكال [2]

فالانصاف: انّه لا دليل على المنع من بيع المصحف من الكافر و لا عن تملكه له، و ممّا يؤكده ما في المبسوط من دخول المصحف الموجود في دار الحرب في الغنائم، فانه لو لم يكن ملكا للكافر لم يكن من الغنيمة بل يكون مجهول المالك و مع كل ذلك فكأن المسألة من المسلمات فإن ثبت الاجماع على المنع فيتبع و إلاّ فالجواز هو المحكم، و إذا جاز بيع المصحف من الكافر فبيع الأدعية و اسماء الأئمة عليهم السّلام يصح بالأولوية.

جوائز السلطان

اشارة

[1] موضوع البحث ما أخذ من الجائر أعم من أن يكون السلطان أو عماله أو السارق، و سواء كان بعنوان الهدية أو اجرة العمل أو عوضا عن العين، و الوجوه التي صورها المصنف رحمه اللّه أربعة: فإنّ الأخذ إما أن لا يعلم بوجود الحرام في أموال الجائر أصلا، و إمّا أن يعلم بوجود الحرام في جملة أمواله، و على تقدير العلم به إمّا أن لا يعلم باشتمال المأخوذ من أمواله على الحرام، و إمّا أن يعلم به تفصيلا أو اجمالا.

و إن شئت قلت: الأخذ تارة يعلم تفصيلا بحرمة المال المأخوذ من الجائر، و اخرى يعلم اجمالا باشتماله على الحرام، و ثالثة لا يعلم بشيء من ذلك، و عليه إمّا أن يعلم باشتمال أموال الجائر على مال حرام يحتمل انطباقه على المأخوذ، و إمّا أن لا يعلم بهذا أيضا، و نبين الأقسام الأربعة على ترتيب المتن.

فى اقسامه

اشارة

فى اقسامه[2]

القسم الأول: ما إذا لم يعلم الأخذ بوجود الحرام في مال الجائر، أو انّه يعلم به و لكن لا يحتمل انطباقه على ما أخذه منه

القسم الأول: ما إذا لم يعلم الأخذ بوجود الحرام في مال الجائر، أو انّه يعلم به و لكن لا يحتمل انطباقه على ما أخذه منه و مع ذلك يحتمل حرمته لاحتمال كونه

غصبا، و لا ينبغي الاشكال في جوازه(1)

و في مختصر فتاوى ابن تيمية/ 445 باب النفقات لم يذكر أحد من الفقهاء الذين يفتى بقولهم جواز التناول من الجهات السلطانية، فإذا كان رزق الرجل على هذه الجهات فللولي أن لا يزوج موليته منه إلاّ إذا كان الزوج متأولا.

لأن الجائر من هذه الجهة كبقية الفساق المحتمل كون ما أخذ منهم حراما، و المصنف رحمه اللّه نفى الحرمة عن هذه الصورة من جهة الاجماع و الأصل و الأخبار.

أما الاجماع التعبدي الكاشف عن رأي المعصوم عليه السّلام فغير ثابت.

و أما الأصل، فإن أراد به قاعدة اليد، فالتمسك بها و إن كان تاما لكون اليد امارة الملكية مطلقا حتى يد الكافر و الجائر، إلاّ أنها لم تفد أكثر ممّا تفيده الأخبار.

و إن أراد به اصالة الحل لجريانها في الأموال أيضا كما تعرض له المصنف في بعض تنبيهات البراءة فهي إنّما تجري في الأموال التي لم يجر عليها ملك غير المتصرف كما في المباحات الأصلية، و أما إن كان التصرف مترتبا على ملك الغير فالأصل عدم انتقاله عن ملكه، و حينئذ إن كان المال المأخوذ من الجائر غير


1) في المغني لابن قدامة 443/6 فصل جوائز السلطان، كان الإمام أبو عبد اللّه يتورع عن جوائز السلطان و يمنع بنيه و عمه منها، و هجرهم حين قبلوها و سد الأبواب بينه و بينهم حين أخذوها، و لم يكن يأكل من بيوتهم و أمرهم بالصدقة بما أخذوه لكون أموالهم تختلط بالحرام من الظلم و غيره فيصير شبهة لقوله صلّى اللّه عليه و اله «الحلال بين و الحرام بين و بين ذلك امور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه و عرضه و من وقع في الشبهات أو شك أن يقع في الحرام كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه»، و قال صلّى اللّه عليه و اله «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، و مع ذلك فانه لا يرى حرمة أموال السلطان، و يقول هي أحب الي من الصدقة لأنها أوساخ الناس صين عنها النبي صلّى اللّه عليه و اله، و لأن جوائزه لها وجه في الاباحة. انتهى.

و ربما يوهم الأخبار [1]

مسبوق بملك الغير فالشك فيه مجرى لأصالة الحل، و إن كان مسبوقا بملك الغير و شك في الانتقال إلى الجائر فاستصحاب بقاء ملكية الغير له حاكم على اصالة الحل و يثبت به عدم جواز تصرف الجائر، كما يجري فيه أيضا استصحاب عدم الانتقال إلى الآخذ من الجائر.

و إن أراد به اصالة الصحة في فعل المسلم أعني الجائر كما توهم، ففيه انّه لم يكن لأصالة الصحة دليل لفظي و انما هو منحصر بالسيرة، و المتيقن من مورد جريانها في العقود صورة تمامية أركان العقد التي منها إحراز سلطنة العاقد على ايقاع العقد، و بعد تمامية الأركان يكون الشك في وجدان العقد لما يعتبر في صحته منفيا بأصالة الصحة، و أما إذا كانت سلطنة العقاد على ايقاع العقد مشكوكة فلا تجري أصالة الصحة لإثباتها و لم تثبت السيرة عليه، و لذا لا يقدم أحد من العقلاء على شراء ما لم يكن تحت يد البائع من دون أمارة اخرى على الملكية حتى بثمن بخس، فالصحيح التمسك بالأخبار.

[1] المنشأ في توهم توقف حلية ما يؤخذ من الجائر على العلم بثبوت مال حلال له رواية الاحتجاج عن الحميري «أنّه كتب إلى الحجة (عجّل اللّه فرجه و جعلنا من أنصاره) يسأله عن الرجل من وكلاء الوقف مستحل لما في يده لا يتورع عن أخذ ماله، و ربما نزلت في قريته و هو فيها أو أدخل منزله و قد حصر طعامه فيدعوني إليه، فإنّ لم آكل من طعامه عاداني، فهل يجوز لي أن آكل من طعامه و أتصدق بصدقة، و كم مقدار الصدقة، و أن أهدى هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر فيدعوني إلى أن أنال منها و أنا أعلم أن الوكيل لا يتورع عن أخذ ما في يده فهل علي فيه شيء أن أنا نلت منه‌؟ الجواب: إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده

و أما الثانية [1]

فكل طعامه و أقبل بره و إلاّ فلا»(1)، فقد استظهر منه عدم جواز الأكل من ماله و لا قبول بره إذا لم يعلم ذلك و احتمل حرمة جميع أمواله.

و فيه: إنّ مورد السؤال في الرواية العلم بحرمة أموال الوكيل الجائر على الوقف، و في هذا الفرض يكون جواز الأخذ منه موقوفا على العلم بوجود مال له حلال ليمكن الأخذ منه، فالرواية أجنبية عمّا نحن فيه، و لعل ذكرها هنا من اشتباه النساخ فقد قيل: إنّ المصنف (أعلا اللّه مقامه) يكتب على هامش الكتاب بعض الامور و لم ينصب قرينة على مرجعها من المتن و قد اشتبه الكتاب بعد ذلك في نسخها، و لعل المقام من هذا القبيل.

القسم الثانى: ما إذا علم بوجود الحرام في أموال الجائر و احتمل انطباقه على المأخوذ منه

[1] الصورة الثانية: ما إذا علم بوجود الحرام في أموال الجائر و احتمل انطباقه على المأخوذ منه، فقد يكون العلم الاجمالي فيه منجزا و قد لا يكون منجزا، إما لكون الشبهة غير محصورة أو لخروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء، و حكم الصورتين واحد، و قد أفاد المصنف رحمه اللّه في وجهه ما حاصله: عدم تنجز التكليف الفعلي بالاجتناب عن الحرام الواقعي المردد في الأطراف لكون بعضها خارجا عن محل الابتلاء، بل يكون وجوب الاجتناب بالنسبة إليه مشروطا بوقت الابتلاء، فلا مانع من الرجوع إلى قاعدة اليد فيما هو داخل في محل الابتلاء من دون معارض.

و نقول: قد بيّنا في محله أن كون الشبهة غير محصورة أو خروج بعض الأطراف


1) الاحتجاج للطبرسي/ 270، ط - النجف، و عنه في الوسائل 554/2 باب 80 جوائز السلطان حلال.

صرح جماعة بكراهة الأخذ [1]

عن محل الابتلاء لا يمنع شيء منهما عن تنجز العلم الاجمالي، و إنّما المانع عجز المكلف عن بعض الأطراف و هو موجود في مال الجائر غالبا، بل و في غيره أيضا ممّن يعلم بوجود الحرام في أمواله كجملة من الفساق، فلا مانع من الرجوع إلى قاعدة اليد فيما هو المقدور من الأطراف، و يلحق به ما إذا كان بعض الأطراف حراما تفصيلا لعدم ترتب الأثر على جريان قاعدة اليد في الحرام المتقين فيجري في الطرف الآخر بلا معارض، مثاله ما إذا رخص الجائر بالتصرف في أحد دوره المعين فقط فإنّه لا يجوز للمأذون له التصرف في غيره قطعا؛ لكونه غصبا على أي تقدير، فتجري القاعدة فيما رخص فيه بلا معارض.

[1] استدل على كراهة الأخذ من الجائر بوجوه ثلاثة:

الأول: أخبار الاحتياط كقوله عليه السّلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، و قوله عليه السّلام:

«من ترك الشبهات نجى من المحرمات»(1)

و في صحيح البخاري 1 كتاب الايمان باب فضل من استبرأ لدينه، و في أوّل البيوع باب الحلال البيّن عن النعمان بن بشير انّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول: «الحلال بيّن و الحرام بيّن و بينهما شبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه و عرضه، و من وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه إلاّ أن حمى اللّه محارمه» الخ، و هذا الحديث رواه في أوّل البيوع مسلم في صحيحه 636/1، و أبو داود في السنن 243/3 أوّل البيع باب اجتناب الشبهات، و النسائي في السنن 211/2 أوّل البيع، و ابن ماجة في السنن 476/2 في كتاب الفتن، و الترمذي في صحيحه مع شرح ابن العربي 198/5 أوّل البيع، و البيهقي في السنن 264/5 أوّل البيع.

و عدّه البغوي في مصابيح السنة في أوّل البيع من الصحاح و لم يذكر رواية، و روى الهيثمي في مجمع الزوائد 73/4 أوّل البيع عن عمار بن ياسر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله التقسيم إلى الثلاثة مع التمثيل بمن يرعى حول الحمى.

و في عمدة القاري للعيني 348/1، و في فتح الباري 94/1 تكلم الفقهاء في الحديث و قالوا في الشبهات: إما أن يؤخذ بالحل أو بالحرمة أو بالتوقف.

.

1) في اصول الكافي 68/1، ط - مطبعة الحيدري، طهران. و على هامش مرآة العقول 45/1 باب اختلاف الحديث عن عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام و هو طويل و فيه «إنما الامور ثلاثة أمر بين رشده فيتبع، و أمر بين غيه فيجتنب، و أمر مشكل يرد علمه إلى اللّه تعالى و إلى رسوله صلّى اللّه عليه و اله. حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ الشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم» الحديث، و روى هذه القطعة الشيخ الحر في الفصول المهمة 66، باب 10.

الثاني: أنّ أخذ المال منهم يورث المحبة لهم لكون القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها حتى الحيوانات.

الثالث: ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر عليه السّلام و فيه «إنّ أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئا إلاّ أصابوا من دينه مثله»(1)، و قول الإمام الكاظم عليه السّلام «لو لا أنّي أرى من أزوجه من عزاب آل أبي طالب لئلاّ ينقطع نسله ما قبلته»(2).

و في هذه الوجوه نظر، أمّا الأول: فلأنّ الريب بحسب الحكم الظاهري غير متحقق بعد جريان قاعدة اليد، و بالنسبة إلى الحكم الواقعي و إن كان موجودا إلاّ أنّه غير مختص بأموال الجائر بل هو جار في جميع الأموال، على أنّ أدلة الاحتياط لا تفيد إلاّ حسن التورع عن الأموال المشتبهة لا كراهة التصرف، و هذه لا ترتفع إلاّ بالبناء على كل مال يحتمل حرمته أنّه مجهول المالك كما هو دأب بعض المقدسين فيعامل به معاملته.


1) في التهذيب 100/2، و عنه في الوسائل 548/2 باب 71 تحريم معونة الظالمين، و عن عقاب الأعمال للصدوق.

2) عيون أخبار الرضا عليه السّلام/ 45، و عنه في الوسائل 554/2، باب 80 جوائز الظالم.

ثم إنّهم ذكروا ارتفاع الكراهة بامور: منها: إخبار المخبر [1]

و أما الثاني: فلأن النسبة بين أخذ المال المشتبه من الجائر و ما يورث حبهم و الميل اليهم عموم من وجه، فإنّ الأخذ من الجائر قد يكون مقابل عمل يعمله أو شيئا يبيعه منه و هذا لا يورث الحب له بل قد يورث البغض له، و قد ينعكس الأمر فيأخذ الجائزة من مال الجائر المعلوم حله و يكون الأخذ منه سببا لمحبته، بل قد تحصل المحبة للجائر من حسن عشرته و انبساطه في القول و تنجيز ما يتشفع فيه، ففعل ما يوجب حبهم و إن كان أمرا مكروها كما يستفاد من رواية صفوان الجمال(1)، إلاّ أنّه غير ملازم لما نحن فيه.

و أما الثالث: فمن المحتمل بل الظاهر ان كراهة قبول الإمام هدية الجائر لما فيه من الامتنان المنافي لمقام الإمامة و لعظمة من أقدره المولى سبحانه على التصرف في الكائنات، نعم ألجأه كثرة العزاب من آل أبي طالب على التنازل إلى قبول هدية الرشيد لتزويجهم، و لو لا خوفه من انقطاع هذا النسل الطيب لما قبلها، فلا ربط له بما نحن فيه.

[1] الموجب لارتفاع الكراهة ان كان من جهة حجية إخباره بما أنّه ذو اليد فمجرد تقديمه الطعام أو المال إلى الغير من دون اخبار حجة أيضا موجبة للاباحة الظاهرية لأن اليد امارة الملكية، و إن كان من جهة أنّه يورث الاطمينان فالظاهر أنّ اخبار الفاسق لا يوجب الاطمينان بإباحة ما تحت يده، و إن حصل الاطمئنان في مورد فهو نادر و يخرج بذلك عن محل البحث و يدخل في معلوم الاباحة، و إن كان من


1) رواية صفوان الجمال ذكرها الكشي في رجاله/ 276، و عنه في الوسائل 549/2، باب 71.

إخراج الخمس [1]

جهة أنّه يوجب الوثوق فليس اخبار الفاسق إلاّ كفعله غير موجب للوثوق، و إن حصل منه أحيانا فاحتمال الحرمة الواقعية موجود و لو ضعيفا، و معه يحسن التورع و الاحتياط كما تقدم، فلا فرق بين اخبار المخبر و عدمه.

[1] استدل على استحباب اخراج الخمس من المال المأخوذ من الجائر، و ارتفاع الكراهة به بوجوه:

الأول: ما أفتى به في النهاية و السرائر من استحباب ذلك بناء على شمول أدلة التسامح لفتوى الفقيه أيضا.

و فيه: ان استحباب اخراج الخمس من المال المأخوذ من الجائر لا يلازم ارتفاع كراهة التصرف في الباقي.

الثاني: الأولوية التي حكاها المصنف رحمه اللّه عن المنتهى، و تقريرها: أنّ المال المختلط بالحرام اليقيني يحل واقعا باخراج الخمس منه مع وجود الحرام فيه قطعا، فالمال المحتمل حرمته يحل بذلك بالطريق الأولى، و معه لا مجال للرجوع إلى أدلة الاحتياط لعدم احتمال الحرمة.

و فيه: أنّ القياس فاسد من وجهين: أوّلا: أنّ ما ثبت اخراج الخمس فيه هو المال الحلال المختلط بالحرام إذا لم يعلم مقدار الحرام منه، و هنا يحتمل أن يكون جميع المال حراما.

و ثانيا: أنّ إخراج الخمس واجب في المال المختلط بالحرام و لم يقل أحد بوجوبه هنا، و اثبات الاستحباب هنا قياسا على الوجوب الثابت هناك من أردأ أنحاء القياس، و لا أولوية في البين و ذلك لأن اخراج الخمس في مورد الاختلاط بالحرام شبه مصالحة قررها الإمام عليه السّلام لعامة الناس لتحل بها الأموال سواء كان

الحرام الواقعي بمقدار الخمس أو أكثر، فكيف يقاس به المال المحتمل حرمته أجمع.

الوجه الثالث: الروايات الكثيرة الواردة في ثبوت الخمس في الجائزة مطلقا.

و فيه: ما ذكره السيد في الحاشية من كونها ناظرة إلى كون الهدايا من جملة أرباح المكاسب، و هي الغنيمة المفسرة بمطلق الفائدة و حكم المشهور باستحباب اخراج الخمس، و في المستند حكم بالوجوب كما هو ظاهرها، و استظهره الحجة الطباطبائي رحمه اللّه في العروة الوثقى.

و بالجملة: الأخبار أجنبية عما نحن فيه، و إلاّ لزم اخراج الخمس مرتين أحدهما من جهة كونه من الجائر، و ثانيها من جهة انّه من الأرباح، و هو كما ترى مضافا إلى أنّ احتمال الحرمة لا يرتفع باخراج الخمس، فاستحباب الاحتياط يكون ثابتا.

الوجه الرابع: قوله عليه السّلام في الموثقة المسؤول فيها عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل قال: «لا إلاّ أن لا يقدر فإنّ فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسة إلى أهل البيت عليهم السّلام»(1)، و موردها و إن كان ما يؤخذ بأزاء العمل إلاّ أنّه يثبت الحكم في الهدايا بعدم القول بالفصل.

و فيه: أنّه لا مناص من الالتزام بأحد أمرين في الموثقة كلاهما على خلاف


1) في التهذيب 100/2، و عنه في الوسائل 61/2، باب 10 وجوب الخمس في المال الحلال المختلط بالحرام بالاسناد إلى عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: أنّه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل‌؟ قال: «لا، إلاّ أن لا يقدر على شيء يأكل و لا يشرب و لا يقدر على حيلة، فإنّ فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت عليهم السّلام».

أنّ الكراهية ترتفع بكل مصلحة [1]

و إن كانت الشبهة محصورة [2]

الظاهر، إمّا الحمل على الاستحباب، و إمّا التقييد بما زاد على مؤنة السنة، و ليس الأول أولى من الثاني، فلا يمكن الاستدلال بها.

[1] من جملة ما توهم رافعيته الكراهة صرف المال المأخوذ من الجائر في مصلحة أهم في نظر الشارع من الاجتناب عن الشبهة، لما في اعتذار الإمام الكاظم عليه السّلام في قبول الهدية من الرشيد بتزويج العزاب من آل أبي طالب لئلا ينقطع نسله من الاشارة إلى ذلك.

و فيه: أنّ كراهته عليه السّلام لقبول الهدية من الرشيد لم تكن لاحتمال حرمة المال؛ لعدم الحرمة عليه يقينا لأنّ مال السلطان ان كان من الخمس أو مجهول المالك فهو للامام عليه السّلام و كذلك الخراج، فالوجه في الكراهة استلزامه المنة عليه و يصعب عليهم و لذا كانوا يردونها إن تمكنوا من الرد.

المال المشتبه بالحرام

[2] هذا هو القسم الأول: و هو ما إذا كان العلم الاجمالي بوجود الحرام في أموال الجائر منجزا لكون جميع الأطراف مقدورة للأخذ، كما إذا كان الشخص وكيلا مفوضا عن الجائر يتصرف في أمواله كيف شاء، و الكلام فيه تارة من حيث القاعدة، و اخرى فيما تقتضيه الأخبار.

أما على القاعدة، فتوضيح الحال فيه: أنّ الجائر تارة يجيز لغيره التصرف في بعض الأطراف معينا دون الباقي، و اخرى يجيز له التصرف في جميع الأطراف على نحو العموم الشمولي، فالصور ثلاثة:

أما الاولى: فخارجة عن محل الكلام و داخلة في القسم السابق، فيجوز التصرف فيه و لو مع احتمال انطباق الحرام المعلوم عليه، و ذلك لانحلال العلم الاجمالي بالشك البدوي في الطرف المرخص فيه و العلم التفصيلي بالحرمة في الطرف الآخر إمّا لكونه مملوكا للجائر و لم يرخص في التصرف فيه، و إمّا كونه مملوكا للغير، فلا مجال لجريان الأصل فيه، فيجري في الطرف الآخر بلا معارض.

الصورة الثانية: و هي ما إذا جاز له التصرف في بعض الأطراف على نحو العموم البدلي، فعن بعض من علق على المكاسب القول بعدم تنجيز العلم الاجمالي فيه فيلحق بالقسم السابق؛ لأن المفروض أنّ المرخص فيه ليس إلاّ بعض الأطراف لا بعينه، و مرجعه إلى الرضا بخصوص ما يختاره فيكون اختياره محققا لموضوع ما رضي به و الباقي غير مرخص فيه، فيجري الأصل فيما يرتكبه بلا معارض.

و فيه: أنّ الميزان في جريان الأصل في الأطراف إنّما هو احتمال حلية كل منهما في نفسه و التمكن من ارتكابه كذلك لا منضما إلى الباقي، و لذا لو علم اجمالا بأنّه يحرم عليه اللبث في أحد مكانين في زمان واحد يكون العلم منجزا عليه، مع أنّ الشخص الواحد لا يقدر على الكون في مكانين في آن واحد، و لكن بما أنّه متمكن من كل منهما في نفسه كانا موردا للأصل فيتعارض الأصلان، و المقام من هذا القبيل فإنّ الجمع بين الأطراف و إن لم يكن مقدورا للمكلف شرعا إلاّ أنّ كلا منهما في نفسه مأذون فيه على البدل، فيمكن جريان الأصل فيه و يسقط بالمعارضة، فيكون هذا الفرض ملحقا بالصورة الآتية.

الصورة الثالثة: ما إذا كان الأذن في التصرف استيعابيا، و القاعدة فيه تقتضي الاجتناب، إلاّ أنّ ظاهر المشهور جواز التصرف فيه كما صرح به في المسالك

و السيد (أعلا اللّه مقامه) في الحاشية، و لكن في محكى الشرائع و النهاية و الدروس حرمة جوائز السلطان الظالم ان علم حرمتها بعينها، و الظاهر أنّهم استندوا في الجواز إلى النص لا القاعدة، و ما يمكن التمسك به للجواز وجوه:

الأول: قاعدة اليد، و قد عرفت أنّها معارضة بمثلها في بقية الأطراف فتسقط، و الاستصحاب يقتضي عدم ملكية الجائر و الأخذ حتى بالنسبة إلى المباحات الأصلية و ما يحتمل حدوثه في ملكه بناء على جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية.

الثاني: دعوى الجائر الملكية لأنها بلا معارض، و فيه: أنّ دعوى المدعي و إن كانت حجة مع عدم المعارض و عليها السيرة، و قد يستفاد ممّا ورد في الكيس الملقى بين جماعة فيدعيه أحدهم و يسكت الباقون(1)، إلاّ أنّها كقاعدة اليد مبتلاة بالمعارض، لأنّ المفروض دعوى الجائر ملكيته لجميع الأطراف فتسقط المعارضة، فإنّ الأمارات تتساقط في أطراف العلم الاجمالي كالاصول، هذا مضافا إلى احتمال اختصاصها بالشبهة البدوية التي هي مورد الرواية.

الثالث: أصالة الصحة، و فيه: إن اريد جريانها في فعل الجائر، فلا يترتب عليها ملكيته للمال بل غاية ما يترتب عليه أنّه لم يفعل محرما، نظير ما ذكره المصنف رحمه اللّه من أنّ من سمع شخصا يتكلم و لم يعرف أنّه يسلم عليه أو يشتمه، فأصالة الصحة


1) في الوسائل 402/3، باب 17 في أحكام الدعوى عن الكليني عن علي عن أبيه عن بعض أصحابه عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قلت له: عشرة كانوا جلوسا وسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا أ لكم هذا الكيس‌؟ فقالوا كلهم: لا، و قال واحد منهم: هو لي، فلمن هو؟ قال: «للذي ادعاه»، و رواه التهذيب 88/2 أوائل زيادات القضاء.

في فعل المسلم و إن انتفى بها احتمال الشتم إلاّ أنّه لا يثبت بها السلام ليجب الرد، و إن اريد اجراءها في العقد فيصح لإثبات صحته من حيث الأجزاء و الشرائط و لا يثبت بها ملكية الجائر للمال.

فتلخص ممّا ذكرناه ان مقتضى القاعدة في المقام عدم جواز التصرف في شيء من أموال الجائر للعلم الاجمالي بوجود الحرام فيها، و من ذهب إلى الجواز فمنشأه الوجوه المذكورة لا القاعدة و قد عرفت ما فيها، و ما ذكره المصنف رحمه اللّه في المقام من حكومة قاعدة الاشتغال على اصالة الحل لا نعرفه، فإنّ التحقيق حكومة اصالة الاباحة عليها على فرض جريانها؛ لأنّ الاشتغال العقلي في طول اصالة الاباحة إلاّ أنّ اصالة الاباحة لا تجري في الأموال لجريان استصحاب عدم الملكية فيها، فثبوت الاشتغال لعدم جريان اصالة الاباحة لا لحكومته عليها، هذا كله فيما تقتضيه القاعدة.

و أما الأخبار فقد تمسك السيد الطباطبائي قدّس سرّه في الحاشية بروايات لم يتعرض لها المصنف رحمه اللّه:

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: أتى رجل أبي فقال: اني ورثت مالا و قد علمت ان صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي، و قد أعرف ان فيه ربا و استيقن ذلك، و ليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه، و قد سألت فقهاء أهل العراق و أهل الحجاز، فقالوا: لا يحل أكله. فقال أبو جعفر عليه السّلام: «إن كنت تعلم بأنّ فيه مالا معروفا ربا و تعرف أهله فخذ رأس مالك ورد ما سوى ذلك، و إن كان مختلطا فكله هنيئا، فإنّ المال مالك و اجتنب ما كان يصنع صاحبه، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قد وضع ما مضى من الربا و حرم عليهم ما بقي، فمن جهل وسع له جهله حتى يعرفه

فإذا عرف تحريمه حرم عليه و وجبت عليه فيه العقوبة إذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا».

و سأل أبو الربيع الشامي أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أربى بجهالة ثم أراد أن يتركه، قال «أما ما مضى فله و ليتركه فيما يستقبل، ثم قال: إنّ رجلا أتى أبا جعفر عليه السّلام فقال: إنّي ورثت مالا» و ذكر الحديث(1).

و يستفاد منهما جواز التصرف في المال المعلوم فيه الحرام اجمالا، و فيه: أنّ للربا أحكاما خاصة لا يقاس عليها سائر المحرمات المالية، و قد ورد في تفسير قوله تعالى في البقرة/ 275 وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اَللّٰهِ وَ مَنْ عٰادَ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ . ما رواه محمد بن مسلم قال «دخل رجل من أهل خراسان على أبي عبد اللّه عليه السّلام قد عمل الربا حتى كثر ماله، ثم أنّه سأل الفقهاء فقالوا ليس يقبل منك شيء إلاّ أن ترده إلى أصحابه، فجاء إلى أبي جعفر عليه السّلام و قص عليه قصته، فقال أبو جعفر عليه السّلام: مخرجك من كتاب اللّه تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف و أمره إلى اللّه. قال:

الموعظة التوبة»، و روى أحمد بن عيسى في نوادره عن أبيه قال: «إنّ رجلا أربى دهرا من الدهر فخرج قاصدا أبا جعفر الجواد عليه السّلام، فقال له: مخرجك من كتاب اللّه يقول اللّه: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف. و الموعظة هي التوبة فجهله بتحريمه ثم معرفته به، فما مضى فحلال، و ما بقي فليستحفظ»(2).


1) الروايتان في الوسائل 598/2، باب 5 حكم من أكل الربا بجهالة.

2) الروايتان في الوسائل 599/2، باب 5 في أحكام الربا.

و هذا الحكم مختص بالربا فلا يجري في المال المسروق، و يحتمل أن يكون مورد الرواية أعني الأرث ممّن يأخذ الربا من هذا القبيل بل تكون الحلية للوارث بالطريق الأولى، فإنّ مفروض السؤال في رواية الحلبي و أبي الربيع الشامي عدم معرفة الوارث بمن أخذ منه الربا و إنما يعلم بأنّ مورثه كان يأخذ الربا.

و أما الأخبار التي ذكرها المصنف رحمه اللّه فعلى طائفتين:

أحدهما: الأخبار العامة كرواية عبد اللّه بن سليمان قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الجبن‌؟ فقال: «لقد سألتني عن طعام يعجبني، ثم أعطى الغلام درهما، فقال: يا غلام ابتع لنا جبنا، ثم دعا بالغداء فتغدينا معه فأتى بالجبن فأكل و أكلنا فلما فرغنا من الغداء، قلت: ما تقول في الجبن‌؟ قال: أ لم ترني أكلته‌؟ قلت: و لكنّي أحب أن أسمعه منك. فقال: سأخبرك عن الجبن و غيره، كل ما كان فيه حلال و حرام فهو حلال لك حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه»(1)، و عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق عليه السّلام «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»(2).

و يرد الاستدلال بها أنّ العلم الاجمالي يمنع من جريانها في جميع الأطراف


1) الكافي على هامش مرآة العقول 79/4، باب الجبن، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن محبوب عن عبد اللّه بن سنان عن عبد اللّه بن سليمان - الخ، و رواه عنه في الوسائل 295/3، باب 61 جواز أكل الجبن، و اقتصر الشيخ الحر في الفصول المهمة/ 83 على قوله «سأخبرك عن الجبن و غيره - الخ».

2) الفصول المهمة للحر العاملي/ 82، باب 47 من الكليات في اصول الفقه فيما اشتبه فيه الحلال و الحرام.

لاستلزامه الترخيص في المعصية، و في بعضها المعيّن ترجيح بلا مرجح، و الواحد لا بعينه لم يكن فردا آخر كما أفاده المصنف رحمه اللّه و بيّناه في محله، فلازم التمسك بها سقوط العلم الاجمالي عن التنجيز مطلقا.

ثانيها: الأخبار الخاصة فعن أبي ولاد «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما ترى في الرجل يلي أعمال السلطان ليس له مكسب إلاّ من أعمالهم و أنا أمر به فأنزل عليه فيضيفني و يحسن إلي، و ربما أمر لي بالدراهم و الكسوة، و ربما ضاق صدري من ذلك‌؟ فقال لي: كل و خذ منه فلك المهنا و عليه الوزر».

و عن أبي المعزى قال: سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام و أنا عنده، فقال: أ صلحك اللّه أمر بالعامل فيجيزني بالدراهم آخذها؟ قال: «نعم. قلت: و أحج بها؟ قال: نعم»، و عن محمد بن هشام، قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أمرّ بالعامل فيصلني بالصلة أقبلها؟ قال: «نعم، و حج بها»، و عن جميل بن دراج عن محمد بن مسلم و زرارة قالا:

سمعناه يقول: «جوائز السلطان ليس بها بأس»(1).

و قد يدعى ظهورها في جواز التصرف في مال الغير بمجرد وقوعه في يد السلطان الجائر أو مطلق الجائر، نظير جواز التصرف في اللقطة على الشروط المعتبرة فيها مع كونها مال الغير، و جواز التصرف في مال المحتكر عند المجاعة، و جواز التصرف في غنائم الحرب مع العلم بأن فيها الخمس.

و نقول: ان أراد المستدل بها اثبات الحلية الواقعية في جوائز السلطان و إن كانت


1) هذه الروايات في التهذيب 102/2، و عنه في الوسائل 553/2، باب 80 جوائز السلطان و طعامه حلال.

مغصوبة لا يرضى أربابها بالتصرف فيها، فهو و إن كان أمرا ممكنا في نفسه، فإنّ حرمة التصرف في مال الغير لم تكن من الأحكام العقلية التي لا تقبل التخصيص و إنّما هي حكم شرعي و قد خصص بموارد منها لقطة الأموال و الغنم الضالة في البر التي ورد فيها هي لك أو لأخيك أو للذئب(1)، و الأنهار و الأراضي الواسعة مع عدم منع صريح من المالك، و كلامنا فعلا في الجامع بينه و بين عدم الأذن إلاّ أنّ لازم ذلك الحكم بالجواز حتى مع العلم التفصيلي بالحرمة، و لا يلتزم به القائل بالجواز في المقام.

و إن أراد بها اثبات الحلية الظاهرية - كما لا يبعد أن يكون هو الظاهر من الأخبار - فيجري فيه ما ذكرناه في وجه عدم جريان اصالة الحل في أطراف العلم الاجمالي فلا بد من حملها على المتعارف من فرض عدم العلم و لو اجمالا بوجود الحرام في جوائز السلطان، أو خروج بعض الأطراف عن القدرة.

و بالجملة: سبيل هذه الأخبار سبيل أدلة أصالة الاباحة المختصة بالشبهات البدوية، فلا تجري في أطراف العلم الاجمالي؛ لأنّ بعض هذه الأخبار واردة في إباحة جوائز السلطان، و بعضها في اذن الجائر و ترخيصه التصرف كما في مورد الضيافة، فإذا أخذنا بها و فرضنا أنّ الجائر أعطانا بعض أمواله بعنوان الجائزة و أباح التصرف في الباقي فمقتضى عموم الأخبار جواز التصرف في الجميع، و هو ترخيص في المعصية، و الأخذ ببعضها دون بعض بلا مرجح، فلا بد من تخصيصها بموارد


1) التهذيب 115/2، باب اللقطة آخر المكاسب، و في مجمع الزوائد للهيثمي 167/4، باب اللقطة عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: و سئل عن ضالة الغنم‌؟ فقال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب».

الصورة الثالثة أن يعلم تفصيلا [1]

الجهل بالحرمة.

بل قول الراوي في بعضها «و قد ضاق صدري»(1)قرينة على ذلك، مع أنّه لو كان لها اطلاق لا بد من تقييده برواية أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سألته عن الرجل منا يشتري من السلطان من ابل الصدقة و غنم الصدقة، و هو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم‌؟ فقال: «ما الإبل إلاّ مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه» الخبر(2)لأنّ نفي البأس في هذه الرواية مقيد بما إذا لم يعلم بالحرام، فكأن هذه الأخبار تشير إلى قاعدة اليد الجارية في الشبهات البدوية و منها أموال الجائر.

القسم الثالث: العلم التفصيلي بكون المأخوذ مال الغير تارة يحصل قبل الأخذ، و اخرى بعده،
اشارة

[1] العلم التفصيلي بكون المأخوذ مال الغير تارة يحصل قبل الأخذ، و اخرى بعده، أما على الأول فلا اشكال في حرمة الأخذ بقصد التملك بعد ما بنينا وفاقا للمصنف رحمه اللّه على ان مرور يد الجائر على المال المغصوب لم يكن من محللاته و لو كان بانيا على ارضاء المالك فيما بعد، فانه لا يؤثر في جواز التصرف السابق و إن رضي المالك فيما بعد أو ترتب عليه وصول المال إليه، و يكون ضامنا للمالك إذا تلف عنده لأن يده يد عدوان.

و أما إذا كان بعنوان الرد، ففيه صور:

الاولى: أن يعلم بعدم رضا المالك حتى بنية الرد إليه لغرض يدعوه إلى ذلك و في هذه الصورة لا يجوز الأخذ بقصد الرد لأنّه معارضة لسلطانه و ظلم له، نظير ما لو


1) في الوسائل 80/2، باب جوائز السلطان و طعامه حلال في رواية أبي ولاد.

2) في الوسائل 554/2 باب 81 جواز شراء ما يأخذه الظالم من الغلات.

أرسل أحد فرسه في الصحراء لغرض عقلائي أو غير عقلائي، فليس لغيره ارجاعه و لا حبسه و لو فعل كان ضامنا.

الثانية: أن يطمئن برضاه و لا يبعد حصوله نوعا لا سيما إذا كان المالك عاجزا عن الاسترجاع، و لا اشكال في جواز الأخذ لأنّه احسان إلى المالك و لا يكون ضامنا إذا تلف، لأن يده امانة مالكية لأنّه احرز رضا المالك لا شرعية كما زعمه المصنف رحمه اللّه، و عليه فلزوم الرد إلى المالك فورا أو عدمه تابع لعلمه الشخصي برضا المالك.

الثالثة: أن يشك في رضا المالك، و الظاهر جواز الأخذ، و يظهر من المصنف رحمه اللّه توجيهه بكونه محسنا و إن يده امانة شرعية.

و فيه: ان أراد بذلك انّه يستكشف الأخذ من كونه محسنا رضا المالك بالأخذ فلازمه أن تكون يده على المال أمانة مالكية لا شرعية فلا يبقى حينئذ مجال للفروع التي تعرض لها فيما بعد من وجوب الأعلام إلى الحول ثم التصدق به أو اعطائه إلى الحاكم أو غير ذلك، فإنّ كل هذا يتبع ما استكشفه من رضا المالك بالتصرف و مقداره.

و إن أراد ان الشارع أذن في التصرف إذا كان احسانا إلى المالك لقوله تعالى في التوبة/ 90 مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ‌ ، بل أوجب ذلك في الأموال الخطيرة فهو و إن كان صحيحا، الا انّه مختص بما إذا لم يحرز منع المالك و الا لم يكون التصرف احسانا إليه بل يكون ظلما له، و كثيرا ما يعد التصرف في مال الغير بعنوان الحفظ احسانا إليه في فرض الشك برضا المالك، و لا يعد احسانا مع العلم بعدم رضاه.

و بالجملة: جواز التصرف في مال الغير بعنوان الحفظ انما هو في فرض الشك برضا المالك، لعدم صدق عنوان الظلم و العدو إن حينئذ لتقومهما بعدم الرضا.

و ربما يتوهم المنع عن ذلك من قوله صلّى اللّه عليه و اله «لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه»(1)

و في منتقى الأخبار لابن تيمية على هامش نيل الأوطار للشوكاني 268/5 عن الدارقطني عن أنس، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله «لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه»، و في كنز العمال 317/5 كتاب الغصب عن أنس عنه صلّى اللّه عليه و اله «لا يشترين أحدكم مال أخيه إلاّ بطيب من نفسه»، و فيه: عن عمرو بن ثيربي عنه صلّى اللّه عليه و اله «لا يحل لامرء من مال أخيه شيء الا بطيب نفسه منه»، و فيه: و في الزواجر لابن حجر 212/1 عن أبي حميد الساعدي عنه صلّى اللّه عليه و اله «لا يحل لامرء أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه و ذلك لشدة ما حرم اللّه مال المسلم على المسلم».

و في مجمع الزوائد للهيثمي 172/4 عن أبي حرة الرقاشي عن عمه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله «لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفس منه»، قال الشوكاني في نيل الأوطار 268/5: خصص هذا الحكم المجمع عليه عند كافة المسلمين، و قد اتفق فيه العقل و الشرع بأخذ الزكاة و الشفعة و اطعام المضطر و القريب المعسر و قضاء الدين و كثير من الحقوق المالية. انتهى.

و استدل الشيرازي في المهذب 249/1 في الأطعمة بالحديث على حرمة أكل من يمر ببستان الغير من دون اذنه و لم يكن مضطرا إليه.

، و قوله صلّى اللّه عليه و اله «لا يجوز التصرف في مال أحد إلاّ باذنه» بدعوى ان الأخذ و لو بقصد الرد تصرف يتوقف جوازه على اذن المالك و طيب نفسه.

1) رواه في تحف العقول/ 8 في خطبة النبي صلّى اللّه عليه و اله في حجة الوداع و لفظه «لا يحل لمؤمن مال أخيه الا عن طيب نفس منه»، و في مستدرك الوسائل 145/3 تحريم الغصب عن دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين عليه السّلام «لا يحل مال المسلم الا عن طيب نفس منه»، و في الفصول المهمة للشيخ الحر العاملي/ 123 في القصاص قال عليه السّلام «لا يحل دم امرء مسلم و لا ماله الا بطيب نفسه».

و فيه: ان ظاهر الحل في الرواية الاولى حلية المنافع الظاهرة للشيء كأكل الخبز و شرب الماء و الأخذ بنية الرد لا منفعة فيه للأخذ، و انما هو منفعة للمالك و ربما يكون مشقة على الأخذ، و أما الرواية الثانية فإنّ التصرف فيها غير صادق على الأخذ لأجل الرد إلى المالك، لأن التصرف فيها من صرف بمعنى تقلب فيه(1)الملازم لقصد التملك، و لو فرض الصدق عليه لغة فلا مناص من انصرافه عنه عرفا، فانه نظير ما إذا وقع شيء من شخص في الطريق فأخذه بعض المارة و دفعه إليه لا يصدق عليه انّه تصرف في مال الغير عرفا فتبين انّه لا دليل على حرمة هذه التصرفات لنحتاج إلى دليل مجوز، و لا ينتقض هذا بما ذكرناه في فرض إحراز منع المالك عن هذه التصرفات، لأن عدم جواز التصرف حينئذ لم يستند إلى الروايتين، و انما المستند فيه قوله صلّى اللّه عليه و اله: «الناس مسلّطون على أموالهم»(2)، فإنّ التصرف في مال الغير مع منعه عنه مناف لسلطانه، و لذا لا ترى أحدا يستشكل في طرق باب دار الغير إذا احتاج إليه و لكن لا يجوز ذلك فيما إذا منع المالك منه.

و لا ينتقض أيضا بما ذكره بعض من علق على المكاسب من ان الاحسان إذا كان مجوزا للتصرف لزم صحة بيع مال الغير بقيمة عالية إذا أراد مالكه بيعه من شخص


1) في الصحاح صرفت الرجل في امري تصريفا فتصرف فيه و اصطرف في طلب الرزق، و في القاموس صرفته في الامور تصريفا فتصرف، قلبته فتقلب، و اصطرف تصرف في طلب الكسب.

2) رواه العلاّمة الحلي في كشف الحق و نهج الصدق فصل 19 بعد القضاء و في مسألة العبد المشترك بين اثنين إذا كاتب كلا منهما على حصته من دون اذن الشريك، و رواه المجلسي في البحار 153/1 باب ما يستنبط من الآيات و الروايات من مسائل اصول الفقه عن عوالي اللآلي.

آخر بأرخص منه، و صحة النكاح للغير إذا أراد أحد أن يتزوج بامرأة فزوجه غيره بأحسن منها، فانه محسن في كلا الفرضين، و ذلك لأن الفساد في البيع انما هو من جهة عدم رضا المالك، و قد قال سبحانه: إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ‌ ، و كذا في النكاح لا من حيث عدم جواز التصرف.

فظهر بما ذكرناه ان أخذ المال من الجائر بقصد الرد إلى مالكه حلال واقعا و لا ضمان فيه، فيكون للقصد دخل في الحلية الواقعية من دون ربط لما نحن فيه بمسألة اعتبار قصد التوصل في وجوب مقدمة الواجب كما توهم.

و إذا أكرهه الجائر على الأخذ أو اضطر إليه تقية، فهل يجوز له الأخذ مطلقا و لو بدون قصد الرد لحديث رفع الاكراه(1)

و في الخصال للصدوق 44/2 باب التسعة عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: رفع عن امتي تسعة الخطأ و النسيان و ما اكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما لا يعلمون و ما اضطروا إليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة».

و قد احتفظت جوامع أهل السنة برفع ثلاثة، ففي المستدرك الحاكم على الصحيحين 198/2 عن ابن عباس «قال رسول اللّه: تجاوز اللّه عن امتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه»، و رواه السيوطي في الجامع الصغير 72/1 و ابن ماجة في السنن 63/1 باب طلاق المكره عن أبي ذر الغفاري و عن ابن عباس، و البيهقي في السنن الكبرى 356/7 في طلاقا لمكره عن ابن عباس و عقبة بن عامر، و في روايتهم «وضع» بدل «تجاوز»، و في سنن ابن ماجة عن أبي هريرة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله «ان اللّه تعالى تجاوز لامّتي عما توسوس به صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم به و ما استكرهوا عليه»، و اقتصر المناوي في كنوز الدقايق على هامش الجامع الصغير للسيوطي 56/1 على قوله صلّى اللّه عليه و اله «ان اللّه وضع عن امتي الخطأ و النسيان».

و هذا الحديث و إن ضعف سنده الزيلعي كما في فيض القدير للمناوي 267/2 الا أن ابن حجر قال: رجاله رجال الصحيح، و صححه ابن حزم فانه قال في المحلى 205/7 و 334/8: صح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و ذكر حديث ابن عباس، و في فتح الباري لابن حجر 314/9 في طلاق المكره قال: حديث ابن عباس أخرجه ابن ماجة و صححه ابن حيان و لم يتعقبه.

و عمل به فقهاء أهل السنة منهم ابن قدامة الحنبلي في المغني 395/6 في الوديعة جحدها و لم يفعل و 118/7 في طلاق المكره، و ابن بخيم الحنفي في البحر الرائق 169/8 في حلية الذبيحة إذا نسي التسمية، و في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي 18/7 باب الاكراه فيما لو اكره على القتل و 188/2 في الناسي إذا لبس المخيط و هو محرم، و الشيرازي الشافعي في المهذب 284/2 في حد الزنا لا يجب على المرأة إذا اكرهت على الزنا و 194/1 في المعتكف إذا باشر ساهيا، و ابن حجر في الفتاوى الفقهية 171/4 في مسائل الطلاق و صححه.

، و أخبار التقية أو لا يجوز له، و الظاهر كما

1) حديث الرفع ذكره الكليني في اصول الكافي آخر الأيمان و الإيمان و الكفر 462/2 باب ما رفع عن الامة، ط - مطبعة الحيدري بطهران سنة 1375 عن عمرو بن مروان قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: رفع عن امتي أربع خصال خطأها و نسيانها و ما اكرهوا عليه و ما لم يطيقوا ذلك»، و عن محمد بن أحمد الهندي رفعه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: وضع عن امتي تسع خصال: الخطأ و النسيان و ما لا يعلمون و لا يطيقون و ما اضطروا إليه و ما استكرهوا عليه و الطيرة و الوسوسة في التفكر في الخلق و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد».

في المتن هو الثاني لامتناع التمسك بهما في المقام، فإنّ حديث الرفع لا يجري مع وجود المندوحة لعدم تحقق الاكراه و الاضطرار حينئذ، و من هذا ذكرنا ان المكلف إذا اكره على شرب أحد مائعين يعلم خمرية أحدهما لا يكون مكرها على شرب الخمر و انما هو مكره على الجامع.

و هنا كذلك فانه اكره على مجرد الأخذ فيمكنه الأخذ بقصد الرد، و أخبار التقية

و إن لم تتقيد بعدم المندوحة في تمام الوقت و لذا جاز البدار و صحت الصلاة مع التمكن من اتيانها بلا تقية فيما بعد، الا ان عنوان التقية لا يتحقق الا مع عدم المندوحة حين العمل فيعتبر فيها ذلك لأجل صدق التقية لا لأجل التقييد به في الأخبار، و من هنا صحت الفتوى بأن من صلى من العامة و أمكنه السجود على ما يصح السجود عليه لا يجوز له أن يسجد على غيره تقية، و المقام من هذا القبيل فانه متمكن من الأخذ من الجائر بقصد الرد على المالك فلا رافع للحكم التكليفي، هذا كله فيما إذا كان الآخذ عالما بالحرمة حين الأخذ، و أما ان كان جاهلا فأخذه بزعم انّه للجائر بمقتضى يده فقصد التملك ثم علم بالحرمة.

فمن حيث الحكم التكليفي يعذر الجاهل في الأخذ حدوثا لجوازه له في الظاهر، و أما بقاء بعد علمه بالحال فيجري فيه ما تقدم من الأقسام بلا تفاوت، و أما من حيث الحكم الوضعي و هو الضمان، فالكلام فيه يقع في مسألتين، احداهما: ما لو تلف المال قبل العلم بالحرمة أي من حيث أخذه المال بقصد التملك مع قطع النظر عن تبدل يده باليد الأماني فيما بعد فهل يوجب ذلك الضمان أو لا، و ثانيهما:

ما لو تلف بعد العلم بالحرمة.

المسألة الاولى: الظاهر فيها ثبوت الضمان لعموم اليد الشامل للمقام، فانه لا يفرق فيه في الأحكام الوضعية بين حالتي العلم و الجهل، فإذا كانت العين موجودة وجب ردها و إن كانت تالفة وجب رد بدلها. و أما ما ذهب إليه المحقق النائيني قدّس سرّه من ظهور عنوان الأخذ في الاستيلاء على مال الغير بالقهر و الغلبة المتقومين بالعلم و الالتفات فلا يعم مورد الجهل، ممنوع على ما بيناه في محله، فاطلاقه يثبت الضمان هنا غاية الأمر استقرار الضمان يكون على الجائر لأنّه الذي غره و خدعه،

فإذا رجع المالك على الأخذ رجع هو على الجائر، و ذهب الشهيد الثاني في المسالك إلى عدم الضمان تمسكا باستصحاب عدمه، و لم يتضح المراد من الاستصحاب، فإنّ غاية ما يمكن أن يوجه بتوجيهين:

الأول: استصحاب عدم اشتغال الذمة بالمثل أو القيمة الذي هو معنى الضمان فإنّ المال لم يكن مثله منتقلا إلى الذمة قبل التلف فيستصحب بعد التلف.

و فيه: ان الضمان لم يكن معناه اشتغال الذمة بالمثل أو القيمة و انما هو عبارة عن كون الشيء في العهدة، و لذا يتحقق الضمان بمجرد الاستيلاء على المال و يكون في عهدته غايته يختلف اداؤه، فيجب رد العين قبل التلف ورد المثل أو القيمة بعده فمن حين وضع اليد على المال كان الضمان ثابتا و لم يكن مسبوقا بالعدم ليستصحب، و ملاحظة حال قبل وضع اليد عليه لا أثر له لانقلاب الموضوع و تبدله بوضع اليد على المال.

الثاني: ان الجاهل بكون المال لغير الجائر كان الأخذ له جائزا ظاهرا لقاعدة اليد، فكان المال في يده امانة شرعية لا تجب الضمان عند التلف حال الجهل، و بعد العلم بأنّه لغيره يشك في انقلابه إلى الضمان فيستصحب عدمه. و فيه: أوّلا: النقض بجميع موارد الاستيلاء على مال الغير جهلا بمعاملة أو ارث أو نحوه، و كما في موارد تعاقب الأيدي على المال المغصوب مع الجهل بالغصبية مع انّه لا اشكال في ضمان جميع الأيادي، نعم يستقر الضمان على الغاصب الأول لعلمه بالغصبية، و غيره مغرور يرجع على من غره، و لا نحتمل انكار الشهيد الثاني ضمان الأيادي مع جهل أربابها بالغصب، و مثله وديعة المغصوب فإنّ الشهيد على ما حكاه المصنف رحمه اللّه يلتزم بجوازه رجوع المالك إلى الودعي كما له الرجوع إلى الغاصب.

و ثانيا: بالحل و هو ان يد الأمانة الشرعية متقومة بأمرين، أحدهما: قصد حفظ المال ورده إلى المالك، و ثانيهما: كون الاستيلاء على المال حلالا واقعا، و كلا الأمرين مفقود في المقام.

و بالجملة: الجواز في المقام جواز ظاهري في ظرف الشك لا واقعي الذي هو موضوع يد الأمانة الشرعية، كما إذا كان عالما من الأول بأنّه للغير و أخذه بقصد الرد إليه، فعموم على اليد يقتضي ثبوت الضمان على من استولى على مال الغير و لو جهلا بالحال.

المسألة الثانية: إذا بقى المال تحت يد الأخذ و لم يتلف إلى ان علم بأنّه للغير فتلف، و لها صورتان:

الصورة الاولى: أن يعرف صاحبه فيستأذنه في التصرف بالمال، فيأذن له في ذلك فيكون أمانة مالكية عنده و لا ضمان عليه بعد ذلك، فإنّ مجرد الاستيذان من المالك في البقاء عنده بمنزلة التخلية بينه و بين ماله، و كأنه أداه إليه و خرج من عهدة الضمان الذي كان ثابتا عليه.

الصورة الثانية: أن لا يستأذن المالك في ابقائه عنده و لا يعلم برضاه في تصرفه به و إن كان ثابتا في الواقع، فإنّ أبقى المال عنده لا بنية الرد إلى المالك فلا اشكال في الضمان لكون يده عادية، و إن أبقاه بقصد الحفظ و الرد إلى المالك ففي ثبوت الضمان خلاف بين المصنف رحمه اللّه و السيد الطباطبائي (أعلا اللّه مقامه)، فالمصنف رحمه اللّه أوجب الضمان تمسكا بالاستصحاب، لأن الجاهل حين أخذه المال من الجائر لم يقصد الرد إلى مالكه لزعمه انّه مال الجائر، فكان ضامنا بعموم على اليد و بعد العلم بالحال و نية الرد يشك في ارتفاع الضمان عنه فيستصحب بقاءه.

و اختار السيد رحمه اللّه فيما علقه على المكاسب عدم الضمان لعدم جريان الاستصحاب عنده بتبدل الموضوع بعد حصول العلم بأنّه مال الغير و نية الرد إليه، فاليد حال الجهل بأنّه مال الغير و إن كنت عادية موجبة الضمان، الا انها تبدلت باليد المحسنة و الأمانة الشرعية و حكمها عدم الضمان. و توهم ان ثبوت اليد العدواني في زمان كاف في تحقق الضمان إلى الأبد، مدفوع بأن الأحكام تدور مدار موضوعاتها، فمقتضى عموم قوله تعالى في التوبة/ 90 مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ‌ (1)

و بعد ان اختار الآلوسي في روح المعاني 158/10 عموم الاحسان قال: استدل ابن الفرس بالآية على ان قاتل البهيمة الصائلة لا يضمنها، و لم يتباعد عن الاذعان بافادتها عموم الاحسان رضا رشيد في تفسير المنار 588/10. و استدل الرازي في تفسيره بالآية على براءة ذمة كل مسلم عن كل شيء إلاّ ما ثبت بدليل منفصل، فهي أصل معتبر في الشريعة، قال: و استدل بها أصحاب الظاهر على نفي القياس معللين بأن القياس اما أن يدل على براءة الذمة أو على شغلها، و الأول عبث لثبوت البراءة بالآية، و الثاني: باطل لأنّه يفيد تخصيص عموم هذا النص، و النص أقوى من القياس.

، ارتفاع اليد العادية و تبدلها بيد الأمانة الشرعية.

و نقول: الصحيح ما ذهب إليه المصنف رحمه اللّه من ثبوت الضمان، لا لما استند إليه من استصحاب فانه غير جار لما بنينا عليه في الاصول من عدم جريانه في الشبهات


1) في جوامع الجامع للشيخ الجليل الطبرسي/ 183، و الأصفى للفيض الكاشاني و الكشاف للزمخشري انها واردة في رفع الجناح عمن قعد عن الجهاد لمرض أو ضعف، و اختاره في مجمع البيان ثم نسب إلى القيل العموم لكل محسن، و في التبيان لأبي جعفر الطوسي 851/1 الاحسان ايصال النفع إلى الغير مع التعري عن القبيح و يصح أن يحسن الإنسان إلى نفسه بأن يفعل الجميل الذي يستحق به المدح، و المراد من الآية انّه لا طريق على من فعل الحسن الجميل.

الحكمية، لمعارضته بأصالة عدم الجعل، بل لاطلاق قوله صلّى اللّه عليه و اله «على اليد» فإنّ مفاده ثبوت الضمان بمجرد حدوث اليد التي لم تكن امانة شرعية و لا مالكية حتى يؤدى ما استولت عليه إلى مالكه و لو زالت اليد من أصلها كما إذا خرج المغصوب عن يد الغاصب أو بعنوان انها عادية، كما إذا ندم الغاصب من عدو انّه و نوى حفظ المال ورده إلى مالكه فتلف، فالمعروف في ذلك ثبوت الضمان على الغاصب.

و ما أفاده السيد (أعلا اللّه مقامه) من تبدل الموضوع و إن كان متينا الا انّه لا ينافي ثبوت الضمان على ما بيناه، لأن قوله تعالى مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ حكم طبيعي ينفي الضمان عن اليد المحسنة بما هي محسنة، و لا ينافيه ثبوت الضمان من جهة اخرى لكونها عادية في السابق أو اشتراط الضمان في ضمن عقد أو نحو ذلك، فإنّ الحكم الحيثي الناشئ من عدم المقتضي لا ينافي غيره من الأحكام، فحلية الشيء لذاته لا ينافي حرمته لكونه غصبا و كذلك ثبوت الضمان لليد العادية في السابق لا ينافي عدمه لأمانيتها الحادثة.

و بعبارة اخرى: مفاد دليل الاحسان ان اليد المحسنة لا تقتضي الضمان لا انها تقتضي عدم الضمان حتى لا تجتمع مع الضمان و تقع المعارضة بينه و بين عموم «على اليد» الموجب للضمان بالعموم من وجه، و بعد التساقط يرجع إلى استصحاب الضمان على مسلك المصنف رحمه اللّه، و إلى البراءة عنه على المختار، فإنّ ما لا اقتضاء فيه لا ينافي ما فيه الاقتضاء، و اليد الاولى العادية كانت مقتضية للضمان إلى زمان الرد و لو كانت مقرونة بالجواز التكليفي ظاهرا لجهل الأخذ بالحال، و ذلك لاطلاق دليل الضمان المغيى بالرد الذي لم يحصل على الفرض و نية الرد لم تكن أداء، و اليد الثانية المقرونة بنية الرد لا تقتضي عدم الضمان فلا تنافي بينهما.

فالصحيح: ثبوت الضمان في كلتا المسألتين، ثم المالك قد يكون معلوما و قد يكون مجهولا، فينبغي التكلم في موردين:

الأول: في معلوم المالك، و لا اشكال في وجوب الرد إليه فورا بنحو لا يوجب العسر سواء كان عالما بالحال من الأول أو علم به بعد ذلك، و انما الكلام في وجوب تسليمه بالحمل إليه أو يكفي فيه اعلامه بذلك و التخلية بينه و بين ماله، و الظاهر هو الثاني خصوصا إذا استلزم الحمل إليه الضرر، بل كان مصرف الحمل إليه أكثر من قيمة المال، و ذلك لأن عنوان الأداء المأخوذ غاية لقوله صلّى اللّه عليه و اله «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» لم يكن بمعنى القبض المأخوذ في لزوم الهبة أو صحتها، و في التلف قبل القبض في البيع الذي هو عبارة عن التسليط الخارجي، و انما الأداء بمعنى التخلية بين المال و بين سلطنة المالك عليه، و هذا هو المرتكز في أذهان أهل العرف بالنسبة إلى رد الأمانات إلى أهلها لا أكثر، و لذا لو أودع أحد ماله عند شخص فليس له المطالبة بايصاله إلى داره أو مكان آخر، بل اللازم على الودعي ارجاع سلطنة المالك على ما كانت عليه في السابق بجميع الخصوصيات الموجبة لتفاوت القيمة على ما يقتضيه حديث على اليد.

المجهول المالك

الثاني: في مجهول المالك، و الكلام فيه يقع من جهات:

الجهة الاولى: وجوب الفحص عن المالك و عدم جواز التصدق بالمال قبل ذلك، و احتمل المصنف رحمه اللّه عدم وجوب الفحص في خصوص المقام و جواز التصدق بالمال قبل الفحص لاطلاق الروايات الامرة بذلك في المال المأخوذ من السلطان،

منها ما ورد فيمن كان من عمال السلطان و تاب على يد الإمام عليه السّلام، فأمره بالخروج عن جميع أمواله ورد ما يعرف مالكه إليه و التصدق بالباقي، و ضمن له الجنة و وفى عليه السّلام بذلك(1)

و هذا الحديث اشتمل على رجلين ممدوحين و هما ابن بندار شيخ الكليني و عبد اللّه بن حماد الأنصاري جليل في الطائفة، و أما ابراهيم بن اسحاق الأنصاري و هو الأحمر النهاوندي، ففي رجال النجاشي و الخلاصة و الوجيزة للمجلسي ضعيف، و علي بن أبي حمزة هو البطائني أدرجه العلاّمة في الضعفاء، و نقل عن علي بن الحسن بن فضال أنّه كذاب ملعون متهم لا استحل أن أروي حديثه، و ضعفه المجلسي في الوجيزة، و أدرجه الشيخ محمد طه نجف في الضعفاء من اتقان المقال/ 322، و لعل قول الشيخ الطوسي في العدة عملت الطائفة باخباره يريد به قبل الوقف على الإمام الكاظم عليه السّلام، و في كتاب اللقطة روايات في مطلق مجهول المالك لا بعنوان اللقطة فلتراجع، و أما ما ورد منها في اللقطة لا ينفع في المقام، فإنّ اللقطة لها أحكام خاصة.

.

الا ان الصحيح: لزوم رفع اليد عن تلك الاطلاقات و وجوب الفحص لوجهين:

الأول: ما ورد من الأمر بالفحص في عدة روايات واردة في نظائر المقام، كرواية معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «في رجل كان له على رجل حق ففقد يطلبه، و لا يدري أين يطلبه و لا يدري أحي هو أم ميت، و لا يعرف له وارثا و لا نسبا و لا بلدا؟ قال: اطلب. قال: ان ذلك قد طال فأتصدق به‌؟ قال: اطلبه»(2)، و في خبر آخر


1) هذه الرواية وردت في الكافي على هامش مرآة العقول 390/3 باب 30 عمل السلطان و جوائزه، و في التهذيب 100/2، و عنهما في الوسائل 551/2 باب 76 وجوب رد المظالم إلى أهلها، و في الوافي 25/10 باب 26 عمل السلطان و جوائزه مجلد 3.

2) رواه الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 159/4 و الصدوق في الفقيه/ 442 و الشيخ الطوسي في التهذيب 386/2 كلهم في ميراث المفقود، و رواه في الوسائل 366/3 في ميراث المفقود عن الكليني و الصدوق، و في الوافي عنهم جميعا 50/10 باب 53 المال المفقود صاحبه في المكاسب، و هذا الحديث رماه المجلسي في شرح الكافي بالجهالة، و لعله من جهة اهمال ابن عون.

«ان لم تجد له وارثا و عرف اللّه عز و جل منك الجهد فتصدق به»(1).

و رواية هشام بن سالم في الأجير المفقود قال «سأل خطاب الأعور أبا ابراهيم عليه السّلام و أنا جالس، فقال: انّه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالاجرة، ففقدناه و بقي له من أجره شيء و لا نعرف له وارثا. قال: فاطلبوه. قال: قد طلبناه فلم نجده.

فقال: مساكين و حرك يده. قال: فأعاد عليه. قال: اطلب و اجهد فإنّ قدرت عليه و إلاّ فهو كسبيل مالك حتى يجيء له طالب، فإنّ حدث بك حدث فأوص به ان جاء له طالب أن يدفع إليه»(2)

أما خطاب الأعور فهو على ما في تنقيح المقال للحجة المامقاني 399/2 هو ابن عبد اللّه الهمداني عده الشيخ الطوسي من أصحاب الصادق عليه السّلام، و في جامع الرواة 299/1 و المستدرك للنوري 799/3 عن هشام بن سالم قال: سأل خطاب الأعور أبا ابراهيم عليه السّلام و أنا جالس - الخ، فيستفاد منه انّه من أصحاب الكاظم عليه السّلام أيضا، و كأنه لذلك عده ميرزا محمد في رجاله من أصحاب الكاظم، و لم يتعقبه الوحيد في التعليقة، و أهمل ذكره العلاّمة في الخلاصة و المجلسي في الوجيزة و صاحب الوسائل في رجاله الملحق بالوسائل، و أبو علي الحائري في منتهى المقال و الشيخ محمد طه نجف في اتقان المقال، و لم يتعرض لمدحه أو ذمه النوري في رجال المستدرك، و لذلك قال الحجة المامقاني: الظاهر انّه امامي مجهول، و لكن المجلسي في مرآة العقول صحح الحديث.

و أما حفص الأعور فلم يذكر أهل التمييز في المشتركات رواية هشام بن سالم عنه، فلعل ما ذكر في التهذيب و الفقيه اشتباه مع انّه مهمل في الرجال.

.

1) الفقيه/ 442، و عنه في الوافي 50/10.

2) رواه الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 159/4 و الشيخ الطوسي في التهذيب 386/2 و الصدوق في الفقيه/ 442 كلهم في ميراث المفقود، و عنهم في الوافي 15/10 في المال المفقود في المكاسب، و في الوسائل 366/3 عن الكافي في ميراث المفقود. و ليعلم ان السائل في الكافي، و في رواية في التهذيب و الوسائل «خطاب الأعور» بالخاء المعجمة بعدها طاء مهملة متصلة بألف و بعدها باء موحدة، و في رواية في التهذيب و الفقيه، و عنهما في الوافي «حفص الأعور» بالحاء المهملة ثم الفاء و بعدها الصاد المهملة.

و في مال المفقود روايات اخر(1)، و مثله ما ورد في اللص الذي أودع عند شخص مالا فإنّ الواجب فيما يؤخذ من اللصوص الرد إلى أصحابها(2)

وراه الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 439/3 في أحكام وديعة اللص حديث 21 بهذا المتن و السند و لم يذكر أبا أيوب و لا حفص بن غياث، فانه قال: علي بن ابراهيم عن علي بن محمد القاساني عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود عن رجل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام - الخ.

و هذا الحديث نقله في الوسائل عنهما 333/3 في اللقطة باب 18 فيما يؤخذ من اللص، و في الوافي 112/10 مجلد 3 كتاب الضمانات باب وجوب أداء الأمانة و لو إلى الكافر نقله عن الفقيه و التهذيب عن القاسم بن محمد عن المنقري عن حفص - الخ، فلم يتوسط بين القاسم و المنقري أحد، و على هذا يحتمل الخطأ في المطبوع من التهذيب حيث ذكر توسط أبي أيوب بينهما، و يؤيده أن النجاشي في رجاله/ 131 كنى سليمان بن داود المنقري بأبي أيوب و لقبه بالشاذكوني، و هذه الكنية حكاها عنه الاسترآبادي في منهج المقال/ 173 و الأردبيلي في جامع الرواة 379/1 و عليه يكون القاسم بن علي راويا عن المنقري بلا واسطة.

و الحديث ضعفه المجلسي في الشرح، و لعله من جهة سليمان بن داود المنقري الضعيف عنده في الوجيزة و عند ابن الغضايري و العلاّمة، نعم في تعليقة الوحيد من القريب كونه موثقا، و قال الشيخ محمد طه نجف في قسم الثقات ليس بالمتحقق بنا غير انّه روى عن جماعة من أصحابنا من أصحاب أبي عبد اللّه عليه السّلام، و عند النجاشي انّه ثقة، و في قسم الضعفاء نقل تضعيفه عن ابن الغضائري، و عن النجاشي توثيقه ساكتا على ذلك، و ما ذكره في قسم الثقات عين عبارة جامع الرواة. و ترجمه الذهبي في ميزان الاعتدال 413/1 ط مصر، و ابن حجر في لسان الميزان 84/3 و ذكرا كنيته أبا أيوب و لقبه الشاذكوني و الخلاف في توثيقه و تضعيفه و انّه مات سنة 234 ه‍.

و أما الراوي عن المنقري و هو القاسم بن محمد الاصبهاني يعرف بكاسولا في رجال النجاشي/ 222 و الخلاصة/ 120 و منهج المقال/ 265 غير مرضي، و حكى التضعيف في جامع الرواة 21/2 و لم يتعقبه، و أدرجه في اتقان المقال/ 335 في الضعفاء، و في ميزان الاعتدال للذهبي 343/2 و لسان الميزان لابن حجر 466/4 يروي عن سليمان الشاذكوني تكلموا فيه و لم يترك و عندهما اسم أبيه «منده».

و أما حفص بن غياث في فهرست الشيخ الطوسي/ 61 و معالم العلماء لابن شهر آشوب / 37 له كتاب معتمد، و ذكر النجاشي كتابه ساكتا عليه، و عن ابنه عمران لأبيه كتاب عن جعفر بن محمد عليه السّلام فيه مائة و سبعون حديثا، و ترجمة الذهبي في ميزان الاعتدال 266/1 و نقل توثيقه عن جماعة إلاّ داوود بن رشيد و انهم كتبوا عنه أربعة آلاف حديث، وعده الشيخ الطوسي في عدة الاصول/ 61 طبع ايران من رجال أهل السنة المعمول بأخبارهم، فانه قال: و قد عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث و غياث بن كلوم و نوح بن دراج و السكوني و غيرهم من العامة عن أئمتنا عليهم السّلام و استظهر الوحيد في تعليقته على رجال ميرزا محمد كونه من الشيعة، و جعله قاضيا من قبل الرشيد ببغداد حتى مات فيه بعده، غايته انّه كالسكوني يعرف منزلة الصادق عليه السّلام و انّه يحدث عن جده عن جبرئيل عن الباري.

.

1) تعرضوا لهذه الروايات في ميراث المفقود.

2) الحديث في التهذيب 118/2 في اللقطة عن الصفار عن علي بن محمد القاساني عن القاسم بن محمد عن أبي أيوب عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث قال «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا و اللص مسلم يرده عليه‌؟ فقال: لا يرده فإنّ أمكنه أن يرده على أصحابه فعل، و الا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرفها حولا، فإنّ أصاب صاحبها ردها عليه و الا تصدق بها، فإنّ جاء صاحبها بعد ذلك خيره بين الأجر و الغرم، فإنّ اختار الأجر فله الأجر، و إن اختار الغرم غرم له و كان له الأجر».

و ممّا يطمئن به ان لا خصوصية لهذه الموارد، و انما يجب الفحص لأجل ايصال المال إلى أهله، اذا لا فرق بين المال الكلي كما في الدين و الإجارة و المال

الشخصي كما في مورد للنص و اللقطة، و لا بين ما يؤخذ من اللص و ما يؤخذ من الجائر، و لا بين ما إذا كان المالك معلوما باسمه و رسمه ثم فقد و ما إذا لم يكن معلوما من الأول، فتكون هذه الأخبار مقيدة لاطلاق ما ورد في التصدق به و لو قبل الفحص. و لكن من القريب جدا أن يكون الأمر بالتصدق على الاطلاق من جهة اليأس عن العثور على مالكه، فإنّ مورد رواية علي بن أبي حمزة كذلك، لكون الأموال التي وقعت بيد الفتى لا علامة فيها، و قد أخذت من حكام بني امية و المملكة وسيعة فلم يستطع الفتى عادة معرفة أربابها، و على هذا فلا يكون للرواية اطلاق.

و من الروايات الظاهرة في التقييد بل هي أظهر من غيرها رواية يونس بن عبد الرحمن في الكافر قال «سألت عبدا صالحا عليه السّلام، فقلت: جعلت فداك كنا مرافقين لقوم بمكة فارتحلنا عنهم و حملنا بعض متاعهم بغير علم، و قد ذهب القوم و لا نعرفهم و لا نعرف أوطانهم، و قد بقي المتاع عندنا فما نصنع به‌؟ قال: تحملونه حتى تلحقونهم بالكوفة. فقال يونس: قلت له: لست أعرفهم و لا ندري كيف نسأل عنهم.

فقال: بعه واعط ثمنه أصحابك. فقلت: جعلت فداك أهل الولاية‌؟ قال: نعم»(1).

و روى الشيخ الطوسي بسنده عن يونس بن عبد الرحمن قال «سئل أبو الحسن الرضا و أنا حاضر، فقال: رفيق لنا كان بمكة فرحل عنها إلى منزله و رحلنا إلى منازلنا، فلما أن صرنا في بعض الطريق أصبنا بعض متاعه، فأي شيء نصنع به‌؟


1) الكافي على هامش مرآة العقول 439/3 في أحكام وديعة اللص و اللقطة، و الحديث صحيح عند المجلسي.

قال: تحلمونه إلى الكوفة. قال: لسنا نعرف بلده و لا نعرف كيف نصنع. قال: إذا كان كذلك فبعه و تصدق بثمنه. قال له: على من جعلت فداك‌؟ قال: على أهل الولاية»(1)، فإنّ مفهوم قوله «إذا كان كذلك» ظاهر في عدم التصدق به قبل الفحص و اليأس و قد سقطت هذه الجملة من المتن مع انها العمدة في الاستدلال، و قد عرفت عدم الفرق في ذلك بين كون المالك معلوما فجهل أو كونه مجهولا من الأول.

الوجه الثاني: حرمة التصرف في مال الغير بدون اذنه المقتضي لعدم جواز التصدق بمال الغير ما لم يثبت ترخيص شرعي بعد وقوع المعارضة بالعموم من وجه بين أخبار التصدق و بين قوله تعالى إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا ، فانه يقتضي وجوب الفحص مقدمة لعدم بقاء المال بلا مالك، فيكون لمالكه الأول ما دام يمكن استصحاب حياته، و مع طول المدة القاطع لاستصحاب حياته و حياة و الديه يستصحب عدم وجود وارث آخر له من أخ و نحوه، فيكون ملكا للامام، و بعد وقوع المعارضة و التساقط يكون المرجع إلى العام الفوقاني، و هو عموم النهي عن التصرف في مال الغير إلاّ باذنه.

و توضيح ذلك: ان الآية الشريفة تعم الأمانات المالكية كالوديعة و العارية، و الأمانة الشرعية كاللقطة فهي من هذه الجهة أعم من الأخبار لاختصاصها بالمال المأخوذ من الجائر الذي يكون أمانة شرعية إذا قصد به الرد، و تكون الآية أخص من الأخبار من جهة تقيدها بصورة التمكن من الأداء و الفحص، و إلاّ لزم التكليف


1) التهذيب/ 118 في اللقطة، و في الوافي 51/10 باب المال المفقود صاحبه عن الكافي و التهذيب، و بينهما تفاوت، و عنهما أيضا في الوسائل 331/3 باب 7 جواز الصدقة باللقطة.

ثم لو ادعاه مدع [1]

بما لا يطاق و هو قبيح، و الأخبار تعم صور التمكن من الفحص و عدمه، فكل من الآية و الأخبار أعم من جهة و أخص من جهة، و تقع المعارضة بينهما فيما إذا شك في التمكن من الأداء و عدمه، فإنّ مقتضى الآية وجوب الفحص لعدم جريان البراءة عند الشك في القدرة، و اطلاق الأخبار عدم وجوبه، و بعد تساقطهما يرجع إلى عموم المنع عن التصرف في مال الغير بغير اذنه حتى التصدق عنه فانه لا يجوز، نعم لا يشمل الحفظ بقصد الرد حبسه أو تسليمه إلى الحاكم، لأن ملاك المنع عن التصرف في مال الغير احترامه على ما يستفاد من قوله صلّى اللّه عليه و اله «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، و من الضروري أن الحفظ بقصد الرد لا ينافي احترامه، فلا يعمه أدلة المنع عن التصرف في مال الغير، كما انها لا تعم وضع اليد على مال الغير بقصد الحفظ و الرد.

[1] هذه هي الجهة الثانية، و هي دفع المال لمن يدعيه بعد الفحص إذا لم يكن له معارض، و تصور على وجوه ثلاثة:

الأول: جواز الدفع إليه بمجرد دعواه جوازا بالمعنى الأعم من الوجوب، فإنّ دعواه لو كنت حجة مجوزة شرعا للدفع إليه وجب ذلك مطالبته.

الثاني: عدم جواز الدفع إلاّ مع التوصيف.

الثالث: عدم جواز الدفع إلاّ مع الثبوت بالبينة.

و لكل منها وجه، أمّا وجه الأول فمبني على اعتبار قول المدعي بلا معارض، و الثاني مبني على الحاق المقام باللقطة، و الثالث مبني على بطلان الوجهين السابقين، فلا يجوز دفع مال الغير الا إلى من ثبت كونه ملكا له شرعا، و الظاهر هو الأخير لأن دليل اعتبار قول المدعي بلا معارض لا يشمل المقام.

و الرواية الواردة في ذلك موردها ما إذا لم تثبت يد لأحد على المال و لم يكلف أحد بأدائه، كالكيس الذي فيه دراهم بين جماعة و لم يدعه إلاّ أحدهم فدفعوه إليه و امضاه الإمام عليه السّلام، و الدينار الذي يجده الرجل في السوق و ادعى بأنّه له و لم يدعه أحد غيره فبما انّه تحت يده بلا معارض يحكم بأنّه له، و هذا هو المتيقن من مورد السيرة دون ما نحن فيه من وقوع المال تحت يد الأخذ مع كونه مأمورا بايصاله إلى مالكه.

و أما اصالة الصحة في دعواه فلا يترتب عليها ملكيته للمال، و غايتها عدم صدور الكذب المحرم منه، و أما ما ورد في اللقطة من الدفع إلى من يدعيها بمجرد الطلب كما في رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام فانه قال عليه السّلام «يعرفها سنة فإنّ جاء لها طالب و إلاّ فهي كسبيل ماله»، و في رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام «عرفها سنة ثم اجعلها في عرض مالك حتى يجيء لها طالب»(1)، فلا دلالة فيه على كون الدفع إلى المدعي بمجرد دعواه أو بعد اقامة الحجة و انها بأي شيء تثبت، بل الظاهر ان التعريف انما هو لحصول الاطمينان بالمالك، كما يشهد له قوله عليه السّلام في حديث البزنطي «و إن جاء طالب لا تتهمه رده عليه»(2)، فانه ظاهر في اعتبار


1) رواهما في التهذيب 116/2 في اللقطة، و عنه في الوسائل 330/3 باب 2 تعريف اللقطة.

2) في التهذيب 117/2 في اللقطة عن محمد بن أبي نصر قال «سألت أبا الحسن الرضا عليه السّلام عن الرجل يصيد الطير الذي يسوى دراهم و هو مستوي الجناحين و هو يعرف صاحبه أ يحل له امساكه‌؟ فقال: إذا عرف صاحبه رده عليه، و إن لم يكن يعرفه و ملك جناحيه فهو له، و إن جاءك طالب لا تتهمه رده عليه»، و رواه في الوسائل 333/3 باب 15، و في الوافي 50/10 كلاهما في اللقطة.

ثم ان المناط صدق اشتغال الرجل بالفحص [1]

الاطمئنان، و أما التوصيف فلا دليل معتد به على اعتباره كما انّه لا يوجب الاطمئنان غالبا لاحتمال أن يكون الطالب عارفا بأوصاف المال عند المالك، و حينئذ فإنّ حصل الاطمئنان بأن المدعي هو المالك أو قامت امارة معتبرة عليه جاز دفعه إليه، و الا فالأخذ مأمور بايصاله إلى المالك لا إلى المدعي.

[1] هذه هي الجهة الثالثة المبحوث عنها في المال المجهول مالكه، و كان الأنسب تقديمها على الجهة الثانية و لكنا تبعنا المصنف رحمه اللّه في البحث، و على كل لم يرد في كيفية الفحص دليل خاص، فهو موكول إلى نظر العرف و يكفي فيه ما يصدق عليه الفحص عرفا من الإعلام في المجتمعات و المشاهد و النشر في الصحف اليومية، و يشهد له رواية الجعفي(1)

و قد اختلفت النسخ في بيان هذا المحل الذي تنحى إليه في منى، ففي اصول الكافي «الموقوفة» بالواو بعد الميم، و في النسخة المطبوعة من التهذيب «الماقوفة»، و في الوسائل عين الدولة «المافوقة» بالهمزة على الألف المتصلة بالميم، و في الوافي «الماء فوقه» بالهمزة بعد الألف المتصلة بالميم، و لم يتعرض أهل اللغة لهذه المادة كما لم يذكرها في معجم البلدان و مراصد الاطلاع و المعجم للبكري، و الظاهر انّه اسم مكان في منى.

الامرة بتعريف اللقطة في مشاهد الناس و مجامعهم دون

1) في الكافي على هامش مرآة العقول 397/3 باب اللقطة الحديث 6 عن ثعلبة بن ميمون عن سعيد بن الجعفي، و في التهذيب 116/2 في اللقطة نسخة بدل بالجعفي الخثعمي، و عنهما في الوسائل 331/3 باب 6 و الوافي 48/10 كلاهما في اللقطة، و نصها من الكافي «قال: خرجت إلى مكة و أنا من أشد الناس حالا، فشكوت إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام فلما خرجت من عنده وجدت على بابه كيسا فيه سبعمائة دينار فرجعت إليه من فوري ذلك فأخبرته، فقال: يا سعيد اتق اللّه عز و جل و عرفه في المشاهد، و كنت رجوت أن يرخص لي فيه، فأخبرته و أنا مغتم فأتيت منى، و تنحيت عن الناس و تقصيت حتى أتيت المأفوقة فنزلت في بيت متنحيا عن الناس، ثم قلت: من يعرف الكيس فأول صوت صوته، فإذا رجل على رأسي يقول: أنا صاحب الكيس، فقلت: في نفسي أنت فلا كنت قلت: ما علامة الكيس فاخبرني بعلامته فدفعته إليه فتنحا ناحية وعدها فإذا الدنانير على حالها، ثم عد منها سبعين دينارا فقال: خذها حلالا خير من سبعمائة حراما، فأخذتها ثم دخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام فأخبرته كيف تنحيت و كيف صنعت، فقال: أمّا أنك حيث شكوت الي أمرنا لك بثلاثين دينارا يا جارية هاتيها فأخذتها و أنا من أحسن قومي حالا». انتهى.

الأمكنة الخالية عنهم، و هذا أمر معتبر في الفحص عرفا فالرواية شاهدة على ما قلناه.

و أما تحديد الفحص بالحول فلم يرد في مجهول المالك بعنوانه، نعم وردت رواية حفص بن غياث المتقدمة في وديعة اللص، و قال صاحب الجواهر قدّس سرّه: قد عمل بها من لا يعمل إلاّ بالخبر المعلوم، و وردت روايات في اللقطة حددت مقدار الفحص فيها بالسنة(1)

و قد ورد التعريف سنة في أحاديث السنة ففي سنن ابن ماجة 102/2 و كنز العمال 324/7 و تيسير الوصول لابن الديبع 147/4 و الموطأ لمالك 226/2 عن زيد بن خالد الجهني «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله سئل عن اللقطة‌؟ فقال: اعرف وعاءها و وكاءها ثم عرفها سنة فإنّ جاء من يعرفها و إلاّ فشأنك بها».

و العقاص الوعاء، الذي تكون فيه اللقطة، و الوكاء، الخيط الذي يربط به الوعاء.

و اختلف الفقه السني في قدر التعريف ففي الام للشافعي 287/3 لقطة المال تعرف سنة ثم يأكله ان شاء مؤسرا أو معسرا فإنّ جاء صاحبه غرمه له، و في المدونة 365/4 كان مالك يرى في لقطة المال الدراهم أو الدنانير أو الثياب أو العروض أو الحلي المصوغ أو شيئا من متاع أهل الإسلام التعريف سنة فإنّ جاء صاحبها، و إلاّ لم يأمره بأكلها، و نقل ابن حجر في فتح الباري 49/5 عن ابن المنذر ان لعمر أقوالا أربعة في تعريف اللقطة ثلاثة أعوام، و عام واحد، و ثلاثة أشهر، و ثلاثة أيام، و زاد ابن حزم عن عمر قولا خامسا و هو أربعة أشهر.

و قال ابن المنذر: لم يقل أحد من أئمة الفتوى ان اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلاّ شيء جاء عن عمر حكاه الماوردي عن شواذ الفقهاء، و الاشتباه جاء من رواية أبي بن كعب انّه أصاب صرة فيها مائة دينار فأمره النبي صلّى اللّه عليه و اله أن يعرفها حولا فعرفها فلم يجد لها أهلا و جاء بعد الحول و ذكر للنبي صلّى اللّه عليه و اله ذلك، فأمره أن يعرفها حولا فلم يجد لها و ذكره للنبي صلّى اللّه عليه و اله، فأمره أن يعرفها حولا فعرفها فلم يصب لها أحدا، فقال له صلّى اللّه عليه و اله: احفظ وعاءها و عددها و وكاءها فإنّ جاء صاحبها و إلاّ استمتع بها، و حكى ابن حجر في فتح الباري عن ابن الجوزي تعليل الأمر باعادة التعريف من جهة انّه لم يقع على الوجه الذي ينبغي. انتهى.

و حكى ابن قدامة في المغني 632/5 عن أبي أيوب الهاشمي تعريف ما دون خمسين درهما ثلاثة أيام إلى سبعة و عند الثوري الدرهم يعرف أربعة أيام، و عند اسحاق ما دون الدينار يعرف جمعة، و في ص 634 قال: ظاهر المذهب لا فرق في التعريف في يسير اللقطة و كبيرها الا اليسير الذي لا تتبعه النفس كالتمرة و الكسرة و الخرقة و ما لا خطر له، فانه لا بأس بأخذه من دون تعريف و به قال مالك و الشافعي و أصحاب الرأي و النخعي، و ليس لأحمد في تحديد اليسير قول و عند أبي حنيفة لا تعريف فيما لا يقطع به السارق و هو عشرة دراهم و ربع دينار عند مالك لأن ما دونه تافه و لا تعريف فيه. انتهى.

و قال ابن حزم في المحلى 257/8: تعريف المال الذي يسقط من أحد سنة قمرية، فإنّ جاء بعلامته و إلاّ فهو للواجد يتصرف فيه كيف شاء غنيا أو فقيرا، فإنّ جاء صاحبه و صدق في صفته ضمنه له و إن كانت اللقطة دينارا واحدا أو لؤلؤة واحدة أو ثوبا واحدا أو أي شيء، كذلك لا رباط له و لا عفاص فهو للذي يجده من حين يجده و يعرفه طول حياته، فإنّ جاء من يقيم عليه ببينة ضمنه له هو أو ورثته من بعده. انتهى.

و الأحاديث خالية عن التعرض لهذه التفصيلات، اللهم الا ما رواه ابن حجر في مجمع الزوائد 169/4 عن عمر بن عبد اللّه بن يعلى بن مرة عنه صلّى اللّه عليه و اله «من التقط لقطة يسيرة من ثوب أو شبهة فليعرفه ثلاثة أيام، و من التقط أكثر من ذلك ستة أيام» مع انّه ضعف الحديث بعمر بن عبد اللّه بن يعلى، و في شرح المنهاج لابن حجر 558/2 لا يكفي سنة مفرقة بأن يعرف كل سنة شهرا حتى تتم اثنا عشر سنة لأن المفهوم من السنة في الخبر التوالي.

، و اختلف الأصحاب فيما يراد من السنة في باب اللقطة إلى

1) روى في الوسائل 330/3 كتاب اللقطة عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «اللقطة يجدها الرجل و يأخذها، قال: يعرفها سنة فإنّ جاء لها طالب و إلاّ فهي كسبيل ماله»، و مثله في تحديد التعريف بالسنة رواية حنان بن سدير عن الصادق عليه السّلام، و الحسين بن كثير عن أبيه عن أمير المؤمنين عليه السّلام.

أقوال ثلاثة:

الأول: أن يكون التحديد من حيث المنتهى، بمعنى انّه إذا لم يحصل اليأس من الأول أو في الأثناء لزم التعريف إلى آخر السنة، فهو تحديد في فرض الرجاء، ذهب إليه السيد قدّس سرّه في الحاشية.

الثاني: أن يكون طريقا إلى حصول اليأس، اذ الغالب حصوله بالفحص سنة و لا يحصل بأقل منها، فالميزان للفحص هو اليأس سواء حصل قبل سنة أو بعدها.

الثالث: أن يكون له موضوعية فيكون التحديد بالفحص سنة تعبديا بحيث لو حصل اليأس قبل السنة لم يعمل عليه، و هذا هو الصحيح المشهور.

فإنّ الأول تقييد لا وجه للمصير إليه، و الثاني ممنوع فإنّ الحول لا خصوصية له في حصول اليأس به و دعوى الغلبة في حصول اليأس بالحول ممنوعة، فيتعين الثالث فانه لا وجه لرفع اليد عن ظهور الأخبار في التحديد بالحول و التقييد بحصول اليأس و لو قبله عدول عن الظاهر، فإنّ اليأس عبارة عن الاطمئنان بالعدم المجامع لاحتمال الخلاف و لو ضعيفا، و الشارع ألغى حجية الاطمئنان في خصوص المقام تعبدا. نعم إذا علم بالعدم سقط الفحص، لأنّه بمنزلة طلب الماء في البحر، إلاّ أن هذا التحديد مختص باللقطة فلا يتعدى عنها إلى ما نحن فيه من مجهول المالك.

و أما وديعة اللص فالأقوال فيها ثلاثة:

الأول: نسب إلى المشهور التعدي عنها إلى وديعة كل غاصب و لو غير اللص كالغاصب للمال علانية، فيجب فيه التعريف و لكن في خصوص ما إذا كان الأخذ من الغاصب بعنوان الوديعة، و لا يعم الأخذ بعنوان الجائزة الذي هو محل الكلام.

الثاني: ما نسب إلى ابن ادريس، و هو التعدي إلى مطلق المال المأخوذ من

الغاصب و لو غير اللص بأي عنوان كان و لو بغير العارية، فيعم مطلق مجهول المالك.

الثالث: الحاق وديعة اللص بمجهول المالك.

ثم الرواية الواردة فيها و إن كانت ضعيفة السند بحفص إلاّ أن الأصحاب عملوا بها، و فيها قال صاحب الجواهر عمل بها من لا يعمل إلاّ بالقطعيات، و عليه فإنّ بنينا خلافا للمختار على انجبار ضعف السند بالعمل، فلا بد من العمل بها في خصوص موردها و هي وديعة اللص، و لا وجه للتعدي عنها إلى مطلق مجهول المالك و لا إلى وديعة مطلق الغاصب، فإنّ كل ذلك قياس لا نقول به، و إن لم نقل بالانجبار فمورد الرواية يلحق ببقية الأموال المجهول مالكها، و مقتضى القاعدة بعد وجوب الفحص التحديد بحصول اليأس أعني الاطمئنان بعدم العثور على المالك فانه حجة بلا اشكال إلاّ في خصوص اللقطة، حيث استظهرنا سقوطه عن الحجية فيها، هذا كله بناء على ما قويناه حتى الآن من وجوب الفحص في المأخوذ من الجائر إذا كان مجهول المالك.

و لكن التأمل و دقيق النظر يقتضي الذهاب إلى عدم الفحص فيه كما احتمله المصنف رحمه اللّه لا لاطلاق الأخبار، بل تمسكا بأصالة البراءة كما سيتضح، فإنّ ما ورد فيما نحن فيه كله آمر بالتصدق على الاطلاق و لم يرد بوجوب الفحص فيه رواية ضعيفة، و ما ورد في وجوب الفحص روايات في موارد خاصة لا وجه للتعدي عنهما، و لا لدعوى الاطمئنان بعدم الفرق بينهما و بين مطلق مجهول المالك أو المال المأخوذ من الجائر كما عن المحقق النائيني قدّس سرّه.

و توضيح ذلك: ان ما ورد فيه الأمر بالفحص موردان: أحدهما: مجهول المالك، و الآخر معلومه.

و مجهول المالك موضعان:

أحدهما: اللقطة و قد اختصت بأحكام فلا يتعدى منها إلى غيرها و من تلك الأحكام تحديد الفحص بالحول، فقد ورد في عدة روايات و هو و إن كان على اطلاقه محل تأمل بل منع، لما ورد في بعض الروايات من كفاية الفحص ثلاثة أيام إذا أراد التصدق بها عن مالكها، كما في رواية أبان بن تغلب(1)

و هذه الرواية صحيحة لأن الرواة كلهم أجلاء في الطائفة و من هنا التجأ الشيخ الحر العاملي إلى حملها على حصول اليأس من معرفة صاحبها بعد الثلاثة، أو على جواز الصدقة مع الضمان للمالك عند ظهوره و إن لم يسقط التعريف سنة.

، فلا بد من حمل تلك الروايات على ما إذا أراد الملتقط تملك اللقطة، و تحقيق الكلام فيه موكول إلى محله.

و ثانيهما: وديعة اللص، و قد ورد فيها رواية حفص بن غياث و هي ضعيفة السند كما تقدم(2)، و على فرض تمامية سندها بالعمل أو بغيره لا يتعدى عن موردها.

و أما ما ورد في معلوم المالك إذا فقد، ففي ثلاثة مواضع: أحدها اجرة الأجير، و الثاني دين الدائن، و الثالث المال الذي وجده بعض المسافرين و هو لبعض


1) الرواية في التهذيب للشيخ الطوسي 118/2 في اللقطة و عنه في الوسائل 330/3 و الوافي المجلد 3 ج 49/10 في اللقطة، و أول السند محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي عن محمد بن موسى الهمداني عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني عن علي بن الحكم عن أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب قال «أصبت يوما ثلاثين دينارا فسألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن ذلك‌؟ فقال: أين أصبته‌؟ قلت: كنت منصرفا إلى منزلي فأصبتها. فقال عليه السّلام: صر إلى المكان الذي أصبت فيه فعرفه فإنّ جاء طالبه بعد ثلاثة أيام فاعطه و إلاّ تصدق به».

2) تقدم روايته و الكلام فيه.

أصحابهم بعد المفارقة و هو مورد رواية يونس بن عبد الرحمن المنقولة بمتنين و بسند واحد كما في الوافي(1)، أو المال الباقي في الفندق و قد حث الإمام عليه السّلام في الموردين على الفحص عن صاحبها(2)

أقول: لم يذكر في الرجال نصر بن حبيب، و في رجال المامقاني ذكر فيض بن حبيب و قال: انّه مجهول الحال، كما ان الهيثم بن أبي روح غير مذكور فحاله مجهول، و من هنا قال المجلسي في ميراث المفقود من مرآة العقول 159/4: الحديثان مجهولان.

، و كل ذلك خارج عما نحن فيه، فإنّ موردها ما إذا كان المالك معينا معلوما باسمه و رسمه و خصوصياته لا يمكن الوصول إليه إلاّ بالفحص فلا مناص من طلبه، و هذا بخلاف ما نحن فيه فكيف يمكننا دعوى القطع بعدم الفرق بينهما، فاطلاقات ما ورد من الأمر بالتصدق في المقام تبقى بلا مقيد.

1) تقدم الروايات في المسائل الثلاثة.

2) المال الموجود في الفندق وردت فيه روايتان في ميراث المفقود رواهما الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 159/4: الاولى: عن علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس عن نصر بن حبيب صاحب الخان قال «كتبت إلى عبد صالح عليه السّلام قد وقعت عندي مائتا درهم و أربعة دراهم و أنا صاحب فندق، فمات صاحبها و لم أعرف له وارثا فرأيك في إعلامي حالها و ما أصنع بها فقد ضقت بها ذرعا؟ فكتب: اعمل فيها و أخرجها صدقة قليلا قليلا حتى يخرج»، ثم روى بهذا السند عن يونس عن الهيثم بن أبي روح صاحب الخان قال «كتبت إلى عبد صالح عليه السّلام: اني أتقبل الفنادق فينزل عندي الرجل فيموت فجأة لا أعرف بلاده و لا ورثته، فيبقى المال عندي كيف أصنع به و لمن ذلك المال‌؟ فكتب: اتركه على حاله»، و رواهما الشيخ الطوسي في التهذيب 386/2 في ميراث المفقود، و سمى راوي الاولى «فيض بن حبيب»، و عنهما في الوسائل 366/3 في ميراث المفقود و الوافي 50/10 جلد 3 في المال المفقود، و لم ينبها على ما ذكره في التهذيب من اسم الراوي في الاولى.

و تلك المطلقات كثيرة:

منها ما ورد في بعض كتّاب بني امية(1).

و منها ما ورد في بيع تراب الصياغة(2).

و منها روايتي علي بن راشد و زرارة(3).

و منها رواية الدعائم(4).

و كلها مطلقات من حيث جواز التصدق قبل الفحص، إلاّ انها يعارضها اطلاق قوله تعالى إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا بالعموم من وجه، و بعد التساقط يرجع إلى أصل البراءة عنه و يلتزم بعدم وجوب الفحص، و حينئذ يدور أمر من بيده المال بين أمرين اما التصدق به و أما ابقائه بقصد الحفظ و الرد إلى المالك ثم الوصية به، و الأول تصرف في مال الغير لا يجوز إلاّ عند إحراز رضاه، فيتعين الثاني لأنّه احسان ينصرف إليه التصرف المنهي عنه بخلاف الأول.


1) تقدمت الرواية منقولة عن التهذيب 100/2 و الوسائل 551/2.

2) في الوسائل 607/2 باب 15 عن الكافي و التهذيب عن علي بن ميمون الصائغ قال «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عما يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به‌؟ قال: تصدق به فأما لك و أما لأهله قلت: فإنّ فيه ذهبا و فضة و حديد فبأي شيء أبيعه‌؟ قال: بعه بطعام. قلت: فإنّ كان لي قرابة محتاج أعطيه منه‌؟ قال: نعم».

3) الوسائل 331/2.

4) في المستدرك 440/2 باب 40 وجوب رد المظالم عن الدعائم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال فيه «من نال من رجل شيئا من عرض أو مال وجب عليه الاستحلال منه و الانفصال من كل ما كان منه إليه، و إن كان قد مات فيوصله إلى ورثته، و من لم يعرف أهله تصدق به عنه على الفقراء و المساكين».

ثم الظاهر ان وجوب الحفظ و الابقاء بقصد الرد محدود بما إذا لم يحصل له اليأس عن العثور على مالكه و إلاّ فيسقط ذلك، فإنّ الاطمئنان حجة و لم يردع عنه في المقام فلا بد حينئذ من التصدق أو الرجوع إلى الحاكم على كلام سيأتي.

و توهم كفاية الفحص في الجملة، مناف لما ورد من الحث على الطلب و الاجتهاد فيه، كما ان التحديد بالسنة لا دليل عليه شرعا و لا عقلا، و اعتبار القطع الوجداني بعدم العثور على المالك مناف للمرتكز عند العقلاء من حجية الاطمئنان مضافا إلى ان حصول القطع بعدم العثور على المالك في المستقبل ممّا لا يحصل إلاّ للأبله، فالميزان ما ذكرناه من اليأس و الاطمئنان بعدم العثور على المالك. و أما التصدق ابتداء فلا يجوز ما دام يرجى العثور على المالك، و سيأتي تفصيل الكلام في انّه عند اليأس هل يرجع إلى الحاكم لأنّه ولي الغائب أو التصدق به عن المالك.

و بما ذكرناه ظهر الحال في مقدار الفحص فيما يجب فيه الفحص و لم يرد تحديد فيه، كما في طلب الأجير و الدائن و المال الباقي عند أحد نسيانا و هو لغيره فانه يجب في جميعها الفحص إلى حصول اليأس عن العثور على المالك، نعم في اللقطة و وديعة اللص ورد النص بتحديد الفحص و هو خارج عن محل الكلام.

الجهة الرابعة: فيمن يجب عليه بذل اجرة الفحص في موارد وجوبه من اجرة الدلال الذي يصيح في الأسواق و الجوامع بالمال المفقود أو النشر في الصحف و المجلات، فهل هو على آخذ المال و يكون الصرف من كيسه، أو يتولاه الحاكم ولاية عن الغائب ثم يخرجه من العين ان كانت قابلة له، أو انّه يستدين على ذمة المالك فإذا وجد يؤخذ منه، الظاهر هو الثاني.

و احتمل المصنف قدّس سرّه الأول، بدعوى ان الفحص واجب على من وقع بيده المال،

و بذل المال يكون مقدمة للفحص فيجب بوجوبه، و نسب ذلك إلى جماعة في اللقطة.

و فيه: أوّلا: ان المقدمة طبيعي البذل، و له فردان: الأول البذل من كيسه الخاص، و الثاني البذل من مال المالك اما من عين المال أو منافعه، و أما يكون دينا عليه و المتولي له على الثاني اما الحاكم لأنّه ولي الغائب أو نائبه المأذون من قبله، و حينئذ لا يجبر الأخذ على البذل من ماله الخاص فيتعين الثاني و لم يكن من التصرف المتوقف على اذن المالك حتى يقال ان أحد فردي المقدمة محرم فيتعين الآخر، و ذلك لأنّه احسان إلى المالك و صلاح يعود له، اللهم إلاّ ان يوجد متبرع أو تقوم قرينة على عدم رضاه بذلك فلم يجز للحاكم حينئذ الصرف منه، و يكون المالك هو المقدم على اتلاف ماله.

و لهذه المسألة نظائر، منها: بذل المال لحفظ الحيوان الضال في الصحراء المشرف على الهلاك فإنّ مصارف حفظه و علفه و سقيه على المالك بلا خلاف ظاهرا(1). و منها: ما إذا توقف حفظ النفس المحترمة على بذل المال و هو لا يسمح بالصرف من ماله لحفظ نفسه، فانه يؤخذ من ماله قهرا و يصرف عليه و المتولي هو الحاكم لأنّه ولي الممتنع و السر في الجميع ما تقدم.

و ثانيا: الفحص بطبعه لم يتوقف على بذل المال لأنّه قد يحصل بغير ذلك، و توقفه على بذل المال أحيانا يجعله ضرريا و يرتفع وجوبه بحديث نفي الضرر.


1) في الجواهر في مسألة البعير الضال يجب الاتفاق عليه و لا يجوز بيعه، و في الرجوع به مع نيته وجهان، من دخوله تحت التعدي الموجب لعدم الرجوع و من الأمر بالانفاق شرعا حين يتعذر عليه أحد الأمرين فلا يتعقب الضمان. انتهى.

ثم الحكم بالصدقة هو المشهور [1]

نعم إذا وجد متبرع لبذل المال وجب عليه الفحص لأنّه لا ضرر عليه، هذا كله فيما إذا كانت يده على المال أمانة شرعية أو مالكية. و أما إذا كانت اليد عارية و لو حدوثا، فلا يجري في موردها حديث لا ضرر لأنّه أقدم على ضرر نفسه، فتكون مؤنة الفحص عليه كمؤنة الحفظ و الرد، و هذا ممّا لا خلاف فيه ظاهرا و قد ورد في بعض الأخبار انّه إذا غصب أحد خشبة فجعلها في أساس البناء ثم جاء مالكها يطلبها وجب عليه ردها و لو كان ذلك بهدم البناء(1)

و أما الفقه السني فالذي عليه أحمد و مالك و الشافعي الزام الغاصب برد العين ما دامت موجودة و إن استلزم هدم البناء، و شذ أبو حنيفة في الالزام بالقيمة، نص عليه ابن قدامة في المغني 260/5، و علله ابن همام الحنفي في القدير 379/7 بأن ضرر الغاصب يهدم بنائه لا يجبر بشيء و ضرر المالك يجبر بالقيمة فيراعى الضرر الذي لا يجبر، و ذكر الشعراني هذا الخلاف و التعليل في الميزان 77/2 و فصل الغزالي في الوجيز 128/1 في الساجة المدرجة في البناء و التي في السفينة باللتي في البناء يهدم و ترجع إلى صاحبها، و التي في السفينة يعطي قيمتها إن خيف على نفس الغاصب أو حيوان محترم أو مال محترم.

، و من هنا ذكروا ان الغاصب مأخوذ بأشق الأحوال.
مصرف مجهول المالك

[1] هذه هي الجهة الخامسة في مصرف مجهول المالك بعد اليأس عن الظفر بمالكه، و المعروف فيه ما ذكره المصنف رحمه اللّه و استدل عليه بأخبار التصدق و بما أرسله في السرائر بقوله «روى أصحابنا» الخ، و عند المصنف رحمه اللّه ارساله منجبر


1) في الوسائل 64/2 باب الأنفال عن الكافي عن حماد عن العبد الصالح عليه السّلام من حديث قال فيه «و للامام صوافي الملوك ما كان في أيديهم من وجد الغصب، لأن الغصب كله مردود»، و بذلك أفتى فقهاء الإمامية، و ادعى صاحب الجواهر عليه الاجماع بقسميه و النصوص تساعدهم.

بالشهرة المحققة، و الظاهر ان ابن ادريس قدّس سرّه أراد بما رواه الأصحاب اطلاقات أخبار التصدق و لم يكن ما رواه رواية اخرى، فلا مجال لدعوى الإرسال و لا لتكلف جبره بالعمل.

و على كل فالروايات الواردة في المقام على طوائف:

منها: ما يدعى دلالتها على أنّ مجهول المالك ملك للامام عليه السّلام، و هو ما رواه داوود بن أبي يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «قال له رجل: اني قد اصبت مالا و اني قد خفت فيه على نفسي، و لو أصبت صاحبه دفعته إليه و تخلصت منه. فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

و اللّه ان لو أصبته كنت تدفعه إليه‌؟ قال: أي و اللّه. قال: فانا و اللّه ما أعرف له صاحب غيري. قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره. قال: فحلف. فقال: اذهب فقسمه في اخوانك و لك الأمن ممّا خفت منه. قال: فقسمته بين اخواني».

و لأجل ذلك احتاط المصنف قدّس سرّه في الاستئذان من الحاكم بالتصدق، و هذه الرواية منفردة في بابها، إلاّ انها ضعيفة السند و الدلالة، اما السند فلاشتمالها على موسى بن عمر المجهول حاله لدى علماء الرجال و إن ذكروا انّه امامي و وثقه الحجة المامقاني(1)

و في جامع الرواة 503/1 ذكر الحجال و من يروي عنه وعد منهم موسى بن عمر، ثم عين روايته في الكافي باب اللقطة و الضالة، و قال موسى بن عمر: هذا هو ابن عمر بن يزيد على ما بينا قراءته في ترجمته، و في 278/2 ذكره و من يروي عنه و لم يطعن فيه، فمن العجيب اهمال العلاّمة له، و ترجمه ميرزا محمد في منهج المقال و لم يطعن فيه، و لم يتعقبه الوحيد في التعليقة.

، و أما الدلالة فإنّ موردها واقعة شخصية، و من المحتمل ان ما أصابه

1) هذا الحديث مروي في الكافي باب اللقطة عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن موسى بن عمر عن الحجال عن داوود بن أبي زيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و هؤلاء الرجال أجلاء في الطائفة، و أما موسى بن عمر فهو ابن يزيد بن ذبيان الصيقل، فمن المعتمد عليهم كما في رجال ابن داوود، و من الحسان كما في اتقان المقال للشيخ محمد طه نجف/ 238، و في خاتمة المستدرك/ 852 أوضحنا وثاقته برواية شيوخ الطائفة عنه أشار بذلك إلى ما ذكره في ص 608.

السائل كان ملكا شخصيا للامام عليه السّلام و ضاع منه، و يحتمل علمه عليه السّلام بموت مالكه و عدم الوارث له، و يحتمل أيضا ان هذا المال كان من صفايا دار الحرب المخصوصة بالامام عليه السّلام، فلا دلالة في الرواية على كونه مجهول المالك. و ممّا يؤيد الاحتمالات السابقة حكمه عليه السّلام قبل أن يقبضه بأنّه صاحبه، و المعروف في مجهول المالك انما يصير ملكا للامام عليه السّلام بعد القبض.

و منها: ما ادعي دلالتها على كون المال ملكا بيده بعد اخراج الخمس منه، و هي رواية ابن مهزيار الطويلة حيث عد فيها ما يجب فيه ما لا يعرف صاحبه(1)، و قد اسظهر منها المحقق الهمداني رحمه اللّه في كتاب الخمس كون مجهول المالك ملكا لمن هو بيده، و ادعى الايرواني قدّس سرّه في الحاشية صراحتها في ذلك.

و نقول: الظاهر عدم دلالتها عليه، أوّلا فلأنها في مقام بيان ما يجب فيه الخمس


1) روى الشيخ الطوسي في التهذيب 258/1 باب الزيادات من الخمس مسندا عن علي بن مهزيار ان أبا جعفر عليه السّلام كتب إليه و ذكر الكتاب بطوله، و كان فيه «و الغنائم و الفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء، و الفائدة يفيدها و الجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر، و الميراث الذي لا يحتسب من غير أب و لا ابن، و من عدو يصطلم فيؤخذ ماله، و مثل مال يؤخذ و لا يعرف له صاحب و ما صار إلى موالي من أموال الخرمية الفسقة، فقد علمت ان أموالا عظاما صارت إلى قوم من موالي، فمن كان عنده شيء من ذلك فليوصله إلى وكيلي، و من كان نائيا بعيد الشقة فليتعمّد لايصاله و لو بعد حين فإنّ نية المرء خير من عمله» الحديث، و رواه في الوسائل 61/2 باب 8 وجوب الخمس في فاضل مؤنة السنة حديث 5.

لا في مقام بيان تملك من بيده المال المجهول المالك، و عليه يمكن أن يكون وجوب الخمس في خصوص مجهول المالك الذي يجوز لمن بيده تملكه بدليل خاص خارجي، كاللقطة التي وردت فيها روايات على انها ملك للملتقط بعد تعريفها حولا كاملا ثم يتخير الملتقط بين تملكها و اخراج الخمس منها و بين التصدق بها عن المالك، و ما يوجد في بطن الحيوان المبتاع إذا لم يعرف البائع ذلك الموجود في بطن الحيوان فانه يتملكه المشتري حينئذ(1)، و ما يوجد في بطن الحيوان المصطاد من البر أو البحر فانه رزق ساقه اللّه إلى الواجد، و قد وردت بجميع ذلك روايات(2)

و بهذا الحديث استدل صاحب الرياض و صاحب الجواهر في كتاب اللقطة على ملكية المشتري للؤلؤة. و به أفتى علاء الدين الحنفي في بدائع الصنائع 167/5، و فرق ابن قدامة الحنبلي في المغني 650/5 في الدرة التي عليها أثر آدمي و ما لا أثر عليها، فانه في الأول تكون لقطة للمشتري و مثل ذلك ما لو وجد المشتري في جوف السمكة دراهم أو دنانير، و في الثاني تكون للبائع، و في الفقه على المذاهب الأربعة 376/2 عند المالكية ان كانت اللؤلؤة مثقوبة أو مغشاة بحلية صناعية تكون لقطة يعرفها المشتري سنة ثم يودعها في بيت المال، و إن لم تكن عليها علامة انها سقطت من أحد فاختار بعضهم انها لمشتري السمكة، و صوب بعضهم انها للبائع، و فصل ثالث بأن السمكة ان بيعت وزنا فهي للمشتري، و إن بيعت جزافا فهي للبائع.

.

1) في الوسائل 331/3 باب 9 عن الكليني و الشيخ الطوسي باسنادهما إلى عبد اللّه بن جعفر قال «كتبت إلى الرجل عليه السّلام أسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة للأضاحي، فلما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة لمن يكون ذلك‌؟ فوقع عليه السّلام: عرفها البائع فإنّ لم يكن يعرفها فالشيء لك رزقك اللّه اياه».

2) روى الصدوق في الأمالي/ 271 مجلس 69 و الفتال في روضة الواعظين/ 168 عن الزهري «ان بعض أصحاب علي بن الحسين عليه السّلام شكال إليه عجزه من وفاء دين عليه يبلغ خمسمائة درهم، فبكى الإمام عليه السّلام لأنّه لم يجد عنده ما يسد به خلة المؤمن، فطعن بعض من كان منحرفا عن أهل البيت في الإمام عليه السّلام و قال: عجبا من هؤلاء يدعون ان كل شيء في طاعتهم ثم يعجزون عن اعانة خواصهم و كبر هذا على الرجل، فقال للسجاد: ان قولهم هذا فيك أشد عليّ من حاجتي، فطمنه زين العابدين بالفرج ثم دعا بفطوره و جيء إليه بقرصين، و قال للرجل: خذهما فسيكشف اللّه تعالى بهما كربتك، فأخذهما و خرج من عند الإمام عليه السّلام و مر بسماك بارت عليه سمكته، فابتاع السمكة بقرص و اشترى بالقرص الآخر ملحا، و جاء بالسمكة إلى أهله فلما شق بطن السمكة وجد في جوفها لؤلؤتين، و بينا هو يفكر في هذه النعمة إذا بصاحب السمكة و الملح يقولان ان جهدنا في القرصين فلم نقدر على شيء منهما، فخذهما و قد سوغناك السمكة و الملح فباع الرجل اللؤلؤتين بمال كثير و أرسل إليه الإمام عليه السّلام يطلب القرصين لأن اللّه فرج كربته ببركتهما». انتهى باختصار. و رواه في الوسائل 333/3 عن الصدوق.

و ثانيا: سلمنا كون الرواية في مقام البيان من تلك الجهة أيضا فغاية الأمر ثبوت الاطلاق لها لا الصراحة، فتقيد بما دل على وجوب التصدق بمجهول المالك في الموارد الخاصة تعيينا.

و منها: ما ادعي دلالتها على جواز تصرف من بيده المال فيه ثم التصدق به قليلا قليلا تدريجا، و هي رواية نصر بن حبيب صاحب الخان قال «كتبت إلى العبد الصالح قد وقعت عندي مائتا درهم و أربعة دراهم و أنا صاحب فندق، فمات صاحبها و لم أعرف له ورثة. فكتب عليه السّلام: اعمل فيها و اخرجها صدقة قليلا قليلا حتى يخرج»(1)، و لم يفت بمضمونها أحد من العلماء على ما نعرف، و التأمل في الرواية يفيدنا فرض موت صاحبه و عدم وجود وارث له و انتقاله إلى الإمام عليه السّلام من جهة انّه وارث من لا وارث له، و تفيد اجازة الإمام للسائل التصدق من المنافع قليلا قليلا


1) تقدمت في ص 627.

الرخصة في التصرف بما يعود إليه، فانه عليه السّلام قرر جهل صاحب الفندق بعدم العثور على صاحب المال أو وارثه و انّه لم يعلم بوجد أبويه و لو استصحابا فيكون عالما بموتهما، و أما وجود غيرهما من الورثة فمدفوع بالأصل، و الفحص في الشبهات الموضوعية غير لازم، فهذه الرواية أجنبية عما نحن فيه.

و منها: ما ادعي في دلالتها على وجوب حفظ المال للمالك ثم الوصية به حين الموت إلى أن يجيء صاحبه، و هي رواية هشام بن سالم في اجرة الأجير المفقود و لم يعلم له وارث، و قد تقدمت بنصها(1)، و خبره الآخر المروي في الفقيه «سأل حفص الأعور و أنا حاضر، فقال: كان لأبي أجير و كان عنده شيء فهلك الأجير و لم يدع وارثا و لا قرابة و قد ضقت بذلك فكيف أصنع‌؟ فقال عليه السّلام: رأيك المساكين رأيك المساكين. فقلت: جعلت فداك اني ضقت بذلك فكيف أصنع‌؟ فقال عليه السّلام: هو كسبيل مالك فإنّ جاء طالب اعطيته»(2)، و نحوهما غيرهما.

و قد عدها المصنف في الأخبار الدالة على وجوب التصدق بمجهول المالك كما ان السيد نقلها في الحاشية و لم ينبه على عدم دلالتها على ذلك و انها تدل على حفظ المال و الوصية به إلى أن يوجد مالكه، بل أنكر الإمام عليه السّلام في الثانية التصدق. و كيف كان ظاهر هذه الأخبار وجوب حفظ ما يكون في الذمة من مال الأجير و الوصية به، فإنّ الكلي لا يكون معرضا للتلف بخلاف العين الخارجية فهي أجنبية عن حكمها مضافا إلى انها واردة في ما كان مالكه معلوما ففقد دون مجهول المالك، و لا


1) كان السائل فيها خطاب الأعور، و قد تقدم في ص 612 مصدر الرواية و الكلام في هذا السائل.

2) الفقيه في ميراث المفقود و عنه في الوسائل 366/3 في ميراث المفقود.

يقاس أحدهما بالآخر.

و منها: ما ورد في موارد مختلفة من التصدق بمجهول المالك، مثل ما ورد في بعض كتّاب بني امية، و ما ورد في وديعة الغاصب، و ما ورد فيما بقي من بعض المسافرين عند الآخر من المتاع في سفر الحج، و ما ورد في الدين الباقي على ذمة المديون مع فقد الدائن، فإنّ مفادها وجوب التصدق بمجهول المالك، الا انّه لا بد من تقييدها بما بعد اليأس عن الظفر بالمالك، فإنّ مقتضى الآية وجوب رد الأمانة إلى أهلها مع التمكن، و لا معارض لها من هذه الناحية و إن كانت معارضة لأخبار التصدق من حيث اقتضائها وجوب الفحص. و على فرض المعارضة بعد التساقط يرجع إلى حرمة التصرف في مال الغير بالتصدق قبل اليأس عن الظفر بمالكه، فيخص مورد اخبار التصدق بما بعد اليأس حيث لا يعمه اطلاق الآية.

فذلكة البحث: لقد تلخص ممّا ذكرنا ان المحتملات في مجهول المالك خمسة:

أ: أن يكون للامام عليه السّلام.

ب: أن يكون للواجد مع أداء الخمس.

ج: التصرف فيه ثم التصدق به قليلا قليلا.

د: وجوب الحفظ للمالك ثم الوصية به.

ه‍: التصدق به مطلقا.

و الأول مدفوع بعدم تمامية دليله سندا و دلالة، و الثاني مدفوع بعدم ثبوت الاطلاق لها، و على فرض ثبوته تقيد بأخبار التصدق لأن النسبة بينهما عموم مطلق، و الثالث قد عرفت الكلام في مدركه، و الرابع يختص بصورة عدم اليأس من الظفر بالمالك و امكان الدفع إليه، و ما ورد فيه من الرواية مختص بالكلي في الذمة

الذي لا يخاف عليه من التلف.

فيتعين الخامس و يقيد بصورة العجز عن الوصول إلى المالك، حيث لم يرد في غيرها اذن بالتصدق لا من المالك كما هو واضح و لا من الشارع، لأن مقتضى قوله سبحانه «إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا» وجوب الرد مع التمكن فيجب الحفظ مقدمة. و على تقدير وقوع المعارضة بينها و بين أخبار التصدق بالعموم من وجه يسقط الاطلاقات و ينحصر موردها بما بعد اليأس.

ثم ان ظاهر الأمر بالتصدق هو الوجوب تعيينا، فلا يجوز لمن بيده المال ابقاؤه عنده بعد اليأس لأنّه تصرف في مال الغير بدون اذنه و دعوى ان الأمر بالتصدق في مقام توهم الحظر فلا يدل على الوجوب لأنّه عمل و غايته هو الجواز فيثبت له التخيير بين الحفظ للمالك و الوصية به و بين التصدق، مدفوعة بأن جل الأخبار الواردة في التصدق ظاهرة في بيان الوظيفة، فإنّ المسؤول عنه في جملة منها هو طريق لتخلص السائل عن مال الغير و بيان ما يحصل به فراغ ذمته عنه، و صحيحة معاوية بن عمار و إن لم يكن لها هذا الظهور فلا يسري اجمالها إلى ظهور غيرها.

ثم انّه قد يحتمل في المقام احتمالا سادسا، و هو دفع المال إلى الحاكم، و يستدل عليه بوجهين: أحدهما: انّه ولي الغائب، ثانيهما: انّه ولي الفقراء و اعرف بموارد الصدقة، و في الوجهين ما لا يخفى.

أما الأول: ففيه: ان ولاية الحاكم انما تكون فيما إذا لم يجعل الشارع الولاية لغيره فانه ولي من لا ولي له و لذا لا ولاية للحاكم على اليتيم مع وجود الأب و الجد، و في المقام جعل الشارع لمن بيده المال الولاية على التصدق به و قد جعل هذا وظيفة له، فهو ولي الغائب من هذه الجهة فلا مجال لثبوت الولاية عليه للحاكم

ثم ان حكم تعذر الايصال إلى المالك [1]

و هذا نظير ما إذا علم رضا المالك بالتصرف في ماله بنحو خاص كالانفاق به على أهله فانه يتعين عليه ذلك، لأن ايصاله إليه بهذا الطريق كما لا يجوز الدفع إلى الحاكم لاحتمال عدم جواز تصرفه فيه، و على هذا يشكل الدفع إلى الحاكم في المقام أيضا، نعم الأحوط الاستيذان منه أو الدفع إليه بعنوان التوكيل في التصدق بالمال.

و أما الوجه الثاني: ففيه ان ولاية الحاكم على الفقراء لم تثبت الا في موارد خاصة كالزكاة و الخمس و إن جاز للمالك صرفها على تفصيل ذكر في محله، و ليس المقام منه، و أما كونه أعرف بالموارد، فإنّ كانت الشبهة حكمية فلا ريب في ان الحاكم هو العارف بحكمها فالرجوع إليه انما هو في تعيين المورد لا دفع المال إليه، و أما في الشبهة الموضوعية فكون الحاكم أعرف بالموارد ممنوع، اذ ربما يكون غيره أعرف منه بالفقراء لكثرة معاشرته معهم.

[1] المالك ان كان معروفا معينا عند من بيده المال باسمه و رسمه و يعرفه إذا رآه لكنّه تردد بين غير محصور و لم يعلم مكانه كما هو مورد رواية يونس و رواية الأجير، فيجب الفحص و الطلب للأخبار و القاعدة، و إن كان غير معروف أصلا و تردد بين جميع الناس، فقد تقدم تفصيل الكلام فيه، و إن كان معلوما بشخصه و خصوصياته و بلده فعلا الا انّه لا يمكن الوصول إليه لحبس مؤبد أو منع سلطان و نحوه لا يرجى زواله، فيجب التصدق به، فإنّ ظاهر المؤثقة انّه وظيفة من بيده المال بما انّه عاجز عن ايصاله إلى مالكه و لا يفرق فيه بين أساب ذلك، و من هنا أجرى صاحب الجواهر قدّس سرّه على سهم الإمام عليه السّلام حكم مجهول المالك من حيث

ثم ان مستحق هذه الصدقة هو الفقراء [1]

صرفه في موارد الصدقة، فجوز اعطاءه إلى الغني ان جوزنا اعطاء الصدقات إليه(1).

و ما أفاده و إن كان صحيحا كبرويا، إلاّ ان الصغرى ممنوعة، فإنّ وجوب التصدق بمال من تعذر ايصاله إليه انما هو فيما إذا لم يعلم رضاه بصرفه في مورد خاص فهو حينئذ آخر طريق لايصاله إليه، و في سهم الإمام عليه السّلام نقطع برضاه في صرفه على العلويين من أهل العلم بل مطلق أهل العلم الذين يخدمون الشريعة المطهرة.

[1] لا يخفى ان عدم جواز الصدقة إلى الأغنياء من جهة الانصراف إلى الفقراء و لا يصدق عرفا أن يقول أحد تصدقت بمالي على الأغنياء و إن قصد به وجه اللّه تعالى، مضافا إلى قوله تعالى إِنَّمَا اَلصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ‌ فانها و إن فسرت بالزكاة الا ان التعبير بالصدقات يشعر بالعموم.

ثم ان مقتضى اطلاقات الأخبار الواردة في المقام كقوله عليه السّلام: «تصدق به على اخوانك أو أصحابك» جواز اعطاء الهاشمي لصدق هذه العناوين عليه، فإنّ المحرم


1) قال صاحب الجواهر قدّس سرّه في ذكر مصرف سهم الإمام عليه السّلام و أما حقه فالذي يجول في الذهن ان حسن الظن برأفة مولانا صاحب الزمان (روحي لروحه الفداء) يقضي بعدم المؤاخذة في صرفه على المهم من مصارف الأصناف الثلاثة الذين هم عياله في الحقيقة، بل و لا في صرفه في غير ذلك ممّا يرجح على بعضها من مصارف غيرهم و إن كان هم أولى و أولى عند التساوي أو عدم وضوح الرجحان، بل لا يبعد في النظر تعين صرفه فيما سمعت بعد البناء على عدم سقوطه اذ غيره من الوصية به أو دفنه أو نحوهما تعريض لتلفه و اذهابه من غير فائدة قطعا، بل هو تلف له، و أقوى من ذلك معاملته، معاملة المال المجهول مالكه باعتبار تعذر الوصول إليه (روحي له الفداء) اذ معرفة المالك باسمه و نسبه دون شخصه لا تجدي، بل لعل حكم مجهول المالك باعتبار تعذر الوصول إليه للجهل به، فيتصدق به حينئذ نائب الغيبة عنه، و يكون ذلك وصولا إليه على حسب غيره من الأموال التي يمتنع ايصالها إلى أصحابها. انتهى.

عليه من الصدقة خصوص الزكاة لأنها أوساخ الأموال و الأبدان كما في الأخبار(1)، و لا يبعد الحاق الصدقة لدفع البلاء به لأن في أخذها ذل لا يتناسب مع مقام الهاشمي دون مطلق الصدقة حتى مثل أوقاف أمير المؤمنين عليه السّلام.

بقي شيء و هو ان التصدق بمجهول المالك هل يوجب الضمان أم لا؟ فيه وجوه بل أقوال: الضمان مطلقا، و عدمه كذلك، و التفصيل بين يد الأمانة و العدوان، و التفصيل بين ما إذا وجد المالك و طالبه بماله و عدمه.

و الصحيح: عدم الضمان مطلقا الا في وديعة اللص للدليل على ضمانها بالخصوص و قد دلت عليه رواية حفص المنجبر ضعفها بعمل الأصحاب بناء على انجبار ضعف الخبر به.

و قبل بيان ذلك لا بد من الاشارة إلى الفرق بين اللقطة التي هي بعض أقسام مجهول المالك(2)، و بين ما نحن فيه، و الفرق بينهما من وجهين مع قطع النظر عما


1) في الوسائل 35/2 باب 28 تحريم الزكاة الواجبة على بني هاشم حديث 2 عن محمد بن مسلم و أبي بصير و زرارة عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام قالا «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الصدقة أوساخ أيدي الناس، و إن اللّه تعالى حرم علي منها و من غيرها، و إن الصدقة لا تحل لبني عبد المطلب».

2) في الجواهر في فصل تعريف اللقطة، قال: الفرق بين موضوعي مجهول المالك و اللقطة هو اعتبار صدق اسم الضياع من المالك في الثاني دون الأول، بل الأصل عدم ترتب أحكام اللقطة مع عدم تحقق اسم الضياع، و لذا قال في جامع المقاصد: ليس من اللقطة ما يؤخذ من يد السارق و الغاصب و نحوهما لعدم صدق اسم الضياع من المالك، ثم قال: ظاهر الأدلة كون العنوان فيها اللقطة، و هي عرفا و لغة المال الضايع لا مطلق ما لا يد عليه من المال و إن لم يعلم كونه ضايعا، و منه يعلم عدم الشاهد لدعوى اصالة الحكم باللقطة في كل ما لا يد عليه و إن لم يتحقق وصف الضياع فيه. انتهى.

تقدم من وجوب الفحص:

أحدهما: ان اللقطة يجوز أخذها ابتداء بقصد التملك من حين الالتقاط إذا لم تكن لها علامة أو كانت أقل من الدرهم أو بعد الفحص حولا إذا كانت علامة لورود أخبار كثيرة في جواز تملكها بنية الضمان مع الكراهة، لما يظهر من بعض الأخبار، و هذا بخلاف مجهول المالك فانه لا يجوز أخذه لمنفعة نفسه إلاّ بنية الرد إلى المالك من باب الحسبة و الاحسان إليه، فلو وضع أحد مالا في مكان أو دفنه فيه فغاب و لم تعرف حياته و تعذر الوصول إليه أو إلى وارثه، فلا يجوز أخذ المال و الرد إلى صاحبه، و إذا حصل له اليأس عن الظفر بمالكه لا بد له من التصدق به لا التملك.

ثانيهما: الاشكال في ثبوت الضمان في اللقطة إذا تملكها الملتقط أو تصدق لقيام الدليل عليه بخلاف المقام، حيث لم يرد فيه دليل على الضمان الا في وديعة اللص، و الرواية ضعيفة السند فلا بد من اثبات الضمان فيه من التماس دليل آخر غير الأخبار، و تحقيقه في مقامين:

الأول: أن تكون اليد من حين حدوثها أمانة شرعية و لم يسبقها يد ضمان كالأخذ من الجائر بنية الرد إلى المالك.

الثاني: أن تكن اليد حدوثا عدوانية، كما إذا أخذه ابتداء لمصلحة نفسه و قصد التملك اما لجهله بالحال أو عصيانا ثم ندم و قصد الرد إلى المالك و لم يتمكن منه فتصدق به.

و في المقام الأول: عدم الضمان ظاهر، لأن الموجب للضمان أحد امور ثلاثة:

اليد أو الاتلاف أو الدليل الخاص.

أما اليد فالمفروض انها في المقام يد أمانة لأنّه أخذ المال بنية الرد فلا يعمها

دليل «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» بل يعمها قوله تعالى مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ‌ و ما ورد من نفي الضمان عن الأمين.

و أما الاتلاف فربما يتوهم كون التصدق بالمال اتلافا على المالك فيعمه دليل «من أتلف»، و لا ينافي ثبوت الضمان وجوب التصدق بالمال تكليفا كما في أكل مال الغير في المجاعة فالجائع يجب عليه الأكل تكليفا مع ثبوت الضمان عليه، و السر فيه ظاهر فإنّ الاضطرار يرفع الحكم التكليفي دون الوضعي.

الا انّه توهم فاسد، أوّلا: ان شمول «من أتلف» لمثل المقام مستلزم للتسلسل، فانه إذا تصدق بالمال صار مديونا للمالك بالمثل، و هذا الدين أيضا مجهول المالك فيجب التصدق به، و يكون ذلك اتلافا له موجبا للضمان و اشتغال الذمة بالمثل أو القيمة ثانيا بما انّه دين مجهول المالك فيجب التصدق به، و هكذا إلى ما لا نهاية له.

و ثانيا: لا ينبغي الشك في انصراف دليل الاتلاف إلى ما إذا كان الاتلاف على المالك، فهو قاصر عن الشمول لما إذا كان الاتلاف للمالك كما في المقام، حيث ان التصدق بالمال يكون نفعا للمالك و لو في الآخرة، و من هنا لم نقل بالضمان فيما كان أحد مشرفا على الهلاك من الجوع و ممتنعا من الأكل من ماله فأجبره أحد على الأكل منه، أو وقعت النار في دار شخص و توقف اطفاؤها على صرف بعض أمواله من الهدم و نحوه ففعله أحد لا يكون ضامنا، لأنّه احسان للمالك ينصرف عنه دليل الاتلاف، هذا مضافا إلى انّه لم يقل أحد بأن التصدق بنفسه موجب للضمان في المقام بحيث يكون المتصدق ضامنا و إن لم يظهر المالك، و انما المحتمل ضمانه بعد ظهور المالك و مطالبته.

و أما الدليل الخاص على الضمان فلم يثبت الا في وديعة اللص، حيث يظهر من

رواية حفص كون المتصدق ضامنا للمالك إذا ظهر و طالب بماله، و الأصل عدم الضمان.

ثم لا يخفى انّه ليس للمالك الرجوع على الفقير و إن كانت العين باقية، لأن ما كان للّه لا يرجع على ان العين بعد دخولها في ملك الفقير بحكم الشارع يكون خروجها عن ملكه محتاجا إلى دليل، و إذا شك في لزوم التصدق و جوازه فأصالة اللزوم في العقود محكمة، كما ان ضمان الفقير للمالك بالمثل أو القيمة أيضا محتاج إلى دليل و الأصل عدم الضمان.

و أما المقام الثاني: و هو ما إذا كانت اليد يد عدوان، كما إذا أخذ المال بنية التملك جهلا بالحال زعما منه انّه للجائر أو عصيانا أو انّه بنفسه غصب مال الغير ثم ندم و أراد الرد، فربما يقال مقتضى اليد ثبوت الضمان بالتصدق، و نية الرد لا يرفع الضمان الثابت لعموم على اليد، لما عرفت من ان نية الرد ليست مقتضية لعدم الضمان بل غايته انّه ليس فيها اقتضاء الضمان و لا مزاحمة بين ما فيه الاقتضاء و ما لا اقتضاء فيه.

و فيه: ان التصدق بحكم الشارع ان كان رافعا للضمان الثابت ابتداء باليد العادية فتلحق هذه الصورة بالصورة المتقدمة التي عرفت فيها عدم الرجوع و الا فيلزم التسلسل بالبيان المتقدم، فإنّ ضمان العين بعد التصدق يتبدل بضمان الدين فيجب فيه التصدق، و هكذا إلى ما لا نهاية له فلا يترتب على التصدق أثر أصلا، و هذا مخصص عقلي لشمول دليل ضمان اليد للمقام.

فمقتضى القاعدة في كلتي الصورتين عدم الضمان، هذا مضافا إلى الأخبار الظاهرة في كون التصدق بالمال مفرغا للذمة، مثل ما ورد في الفتى الذي كان من

عمال بني امية فأمره عليه السّلام بالخروج عن ماله(1)، فانه كالصريح في كون التصدق موجبا للتخلص من أموال الناس من حيث الحكم التكليفي و الوضعي فلا يكون مرتكبا للحرام بعد ذلك و لا مديونا، و مثله صحيحة معاوية الواردة في الدين فإنّ ظاهر السؤال ان السائل يريد فراغ ذمته عن الدين المجهول مالكه فأمر عليه السّلام بالتصدق بعد اليأس، و كأن فراغ الذمة عن أموال الناس بالتصدق في هذه الموارد تفضل من المولى سبحانه على العباد لئلا يبقوا مشغولي الذمة.

و المتحصل: من جميع ما ذكرناه ان التصدق بمجهول المالك لا يوجب الضمان من غير فرق بين ما إذا كانت اليد يد ضمان أو غير ضمان، فما ذهب إليه المصنف أوّلا من ثبوت الضمان فيما إذا كانت اليد يد ضمان تمسكا بالاستصحاب ثم التزامه بالضمان فيما إذا لم تكن اليد يد ضمان تمسكا بعدم القول بالفصل و استيناسا من مرسلة السرائر، ممنوع أمّا الاستصحاب فلا يجري لليقين بارتفاع الضمان بسبب التصدق، لما ذكرناه من لزوم التسلسل مع بقائه، و هذا مخصص عقلي لدليل الضمان، و التعدي عن الموارد من جهة عدم القول بالفصل لا مجال له في الأحكام الظاهرية على ما بين في محله، و أما المرسلة فلا يبعد كونها رواية حفص بن غياث الضعيفة السند الواردة في وديعة اللص، و على فرض انجبارها بالعمل لا موجب للتعدي عن موردها كما لا يتعدى في الحكم المذكور فيها، و لم يحكموا بوجوب الفحص حولا في مطلق مجهول المالك كما حكموا به في اللقطة، و على فرض كونها غيرها فهي أيضا مرسلة لم يعلم انجبارها بل لم يعمل بها الأصحاب، فلا


1) تقدمت هذه الرواية في ص 61.

ثم الضمان هل يثبت بمجرد التصدق‌؟ [1]

يمكن العمل بها في كون التصدق موجبا للضمان.

[1] في الموارد التي ثبت الضمان فيها بمجرد التصدق كاللقطة و وديعة اللص و مطلق مجهول المالك بناء على ثبوت الضمان فيه هل يثبت الضمان بمجرد التصدق بحيث يضمن المتصدق المنافع المتخللة فيما بين زمان التصدق و مطالبة المالك و الاجازة تكون رافعة للضمان على الكشف أو النقل، أو ان الضمان يثبت برد المالك و مطالبته بماله من حين المطالبة نقلا أو كشفا، بمعنى ان مطالبة المالك تكشف عن ضمان المتصدق بالمال من حين التصدق به وجوه.

أما وجه ثبوت الضمان من حين التصدق به فلقاعدة «من أتلف» الظاهرة في ان الاتلاف علة تامة لثبوت الضمان، لكنك عرفت عدم امكان التمسك بها في المقام للانصراف و لزوم التسلسل.

و أما وجه الضمان من حين الرد على نحو النقل فلعدم دلالة الأخبار على أكثر منه(1)

منها ما عن الحسين بن كثير عن أبيه قال «سأل رجل أمير المؤمنين عليه السّلام عن اللقطة‌؟ قال: يعرفها فإنّ جاء صاحبها دفعها إليه، و الا حبسها حولا فإنّ لم يجيء صاحبها أو من يطلبها تصدق بها، ان شاء اغترمها الذي كانت عنده و كان الأجر له و إن كره ذلك احتسبها و الأجر له»، و لا يستفاد منه أكثر من وجوب دفع الغرامة إذا طالبه المالك بالمال. و منها ما عن قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام قال «سألته عن الرجل يصيب اللقطة فيعرفها سنة ثم يتصدق بها فيأتي صاحبها ما حال الذي تصدق بها و لمن الأجر، هل عليه أن يرد على صاحبها قيمتها؟ قال: هو ضامن لها و الأجر له الا أن يرضى صاحبها فيدعها و الأجر له»، و هذه الرواية أيضا لا تدل الا على الضمان بعد ظهور المالك في اللقطة، و بما ان مجرد ظهوره غير موجب له فلا بد من حمله على ما إذا ظهر ورد الصدقة. و منها رواية حفص المتقدمة. و منها ما في المستدرك 152/3 باب 2 وجوب تعريف اللقطة عن دعائم الإسلام عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال في اللقطة «إذا وجدها الرجل عرفها سنة، ثم جعلها في عرض ماله يجري عليها ما يجري على ماله حتى يجد لها طالبا، و إن مات أوصى بها و إن تصدق بها فهو لها ضامن، فإنّ جاء صاحبها و طالبه بها ردها عليه أو قيمتها». المؤلف رحمه اللّه.

، و عليه فلا وجه لمطالبة المالك بضمان المنافع قبل الرد و احتمال ثبوته قبل

1) في الوسائل 331/3 باب 2 تعريف اللقطة سنة، ذكر جملة من الروايات:

لو مات المالك [1]

ذلك مدفوع بالأصل، و أما وجه الكشف فلدعوى ظهور الروايات فيه.

[1] في المقام فرعان:

الأول: إذا مات المالك فهل يقوم وارثه مقامه في اجازة التصدق أو الرد أو لا؟ لا ينبغي الريب في ان المالك حين التصدق هو الذي له حق الاجازة أو الرد لا المالك حين الأخذ أو الالتقاط، و عليه إذا مات المالك قبل التصدق و انتقل المال إلى وارثه و وقع التصدق في ملكه كان للوارث حق الاجازة أو الرد بلا اشكال، لوقوع التصدق في ملكه واقعا و إن أخطأ المتصدق في التطبيق حيث انّه قصد التصدق عن المورث و هذا واضح، و انما الكلام فيما إذا مات المالك بعد التصدق ثم ظهر وارثه فهل له حق الاجازة أو لا؟

و الذي قواه المصنف رحمه اللّه أوّلا الانتقال زعما منه انّه من الحقوق المالية فيعمه قوله عليه السّلام «ما ترك الميت من حق أو مال فلوارثه»(1)، ثم احتمل العدم لأن المفروض


1) في الوسائل 361/3 باب من لا وارث له عن الصدوق عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك مالا فللوارث و من ترك دينا أو ضياعا فالي و علي»، و في كنز العمال 4/6 عن أحمد عن ابن كريمة قال صلّى اللّه عليه و اله: «و من ترك مالا فلورثته»، و عن ابن سعيد عن جابر «قال صلّى اللّه عليه و اله: أحسن الهدى هدى محمد، و شر الامور محدثاتها و كل بدعة ضلالة، و من مات و ترك مالا فلأهله و من ترك دينا أو ضياعا فالي و عليّ‌».

ان التصدق لازم فليس لأحد الرجوع إلى العين، و الرجوع إلى المثل أو القيمة لم يثبت الا للمالك حين التصدق.

و الصحيح: هو الثاني لأن الثابت من الأخبار ليس جواز الرد، و الاجازة للمالك حين التصدق و انتقاله إلى الوارث فرع كونه من الحقوق المالية القابلة للاسقاط و النقل و الانتقال كالخيار و حق الشفعة و نحوه و لم يثبت كونه كذلك، بل يحتمل أن يكون حكما من الأحكام الشرعية كجواز الشرب من الأنهار، و مجرد الشك في كونه من الحقوق كاف في عدم امكان التمسك بما دل على انتقال الحقوق بالارث، بل الأصل عدم ثبوت حق للمالك بالرجوع إلى المثل أو القيمة بعد سقوط حقه من استرجاع نفس العين المتصدق بها، هذا بناء على أن يكون الضمان على المتصدق من حين الرد كما استظهرناه، و أما لو قلنا بأن ضمانه من حين التصدق فلا مناص من الالتزام بالانتقال إلى الوارث، اذ ذمة المتصدق حينئذ تكون مشغولة للمالك فيكون مديونا له و ينتقل إلى وارثه لا محالة.

الفرع الثاني: عكس الأول و هو إذا مات المتصدق ثم ظهر المالك ورد الصدقة، فهل ينفذ رده و يجب على الوارث اخراج الغرامة من تركته أو لا؟ و قد يتوهم عدم الوجوب على الورثة بدعوى ان وجوب الخروج عن عهدة المال كان مجرد حكم تكليفي على المتصدق و قد سقط بموته فليس على وارثه شيء فهو نظير وجوب الانفاق على الأرحام في كونه مجرد حكم تكليفي، الا ان الظاهر وجوبه لاطلاق قوله عليه السّلام في رواية حفص(1)على ما في المتن «فإنّ جاء صاحبها بعد ذلك خير بين


1) كان التمسك بالرواية في المقام اعتمادا على نقل المصنف رحمه اللّه لها، و بعد مراجعة التهذيب 118/2 آخر المكاسب و الوسائل 333/3 باب 18 ما يؤخذ من اللصوص عن حفص بن غياث و وجدنا فيها «يعرفها حولا فإنّ وجد صاحبها ردها عليه، و الا تصدق بها، فإنّ جاء صاحبها بعد ذلك خيره بين الأجر و الغرم، فإنّ اختار الأجر فله الأجر و إن اختار الغرم غرم له و كان له الأجر»، و ظاهره فرض حياة المتصدق فلا يعم موته، نعم يمكن التمسك في المقام بما ورد فيمن تملك ما التقطه من الدراهم بعد اليأس فاشترى بها جارية و كانت ابنة مالك الدراهم، فإذا ظهر المالك لم يكن له حق في الجارية لأنّه اشتراها من قوم آخرين و انما له الدراهم، و هذا حكم على القاعدة لأن تملك الدراهم بعد اليأس و شراء الجارية بملكه لا بملك غيره، و المالك له حق التغريم بالدرهم. و على كل فمن الممكن التمسك باطلاق هذا الخبر لثبوت حق المالك بالتغريم حتى بعد موت المتصدق. المؤلف رحمه اللّه.

الغرم و الأجر فإنّ اختار الغرم غرم له»، و مقتضاه تعلق حقه بما تركه الميت، و كذا الحال في اللقطة لأنّه عليه السّلام نزل الوديعة بمنزلة اللقطة، فكأن الحكم فيها مفروغ عنه و لا مانع عقلا و لا شرعا من حدوث الضمان للميت من حين رد المالك للصدقة، بعد ما يرى اعتبار العقلاء اشتغال الذمة للميت و دلالة الرواية المتقدمة عليه.

و قد ثبت ضمان الميت في موارد كثيرة، منها ما إذا رمى أحد حجرا فكسر اناء الشخص أو ألقى النار في دار شخص فأحرق ماله و مات قبل وصول الحجر إلى الأناء و احراق النار مال الغير، فانه يكون ضامنا للأناء و لما احترق من المال و يخرج من تركته، و منها إذا حفر بئرا في الطريق فوقع فيها شخص و مات بعد موت الحافر فانه يخرج ديته من تركته.

و مثل السيد الطباطبائي في الحاشية بعكسه و هو ما إذا نصب شبكة للصيد فوقع فيها الصيد بعد موته فانه ينتقل إلى وارثه، و هكذا إذا اشترط لنفسه في ضمن عقد لازم و المدة معينة فمات قبل انتهائها فينتقل ذلك المال إلى الوارث. و بالجملة: لو

و لو دفعه إلى الحاكم فتصدق به [1]

مات المتصدق و ظهر الوارث ورد الصدقة أخرج المال من تركته كسائر ديونه.

[1] عنوان المسألة ان من بيده المال إذا دفعه إلى الحاكم ليتصدق به فهل عليه الضمان أم على الحاكم‌؟ و المصنف رحمه اللّه فصل بين ما إذا كان بيده المال المكلف بالتصدق به لليأس عن الظفر بصاحبه فدفعه إلى الحاكم بعنوان التوكيل في التصدق، يضمن لأنّه المتصدق حقيقة دون الحاكم و ليس من باب تعاقب الأيدي، و بين ما إذا دفع المال إلى الحاكم قبل اليأس عن الظفر بالمالك بعنوان انّه ولي الغائب، فيكون الحاكم هو المكلف بالفحص بعد يأسه عن الظفر بالمالك، و يكون هو الضامن غاية الأمر يؤديه من بيت المال لأنّه لم يأخذه بعنوان الشخصي و انما أخذه بعنوان حكومته الشرعية، فيكون نظير خطأ القضاة المؤدى من بيت المال.

و نقول: أوّلا: ان ولاية الحاكم على المالك ان كانت بعنوان الولاية على الغائب، ففي المقام ممنوعة صغرى و كبرى.

أما الصغرى فلاحتمال أن يكون المالك حاضرا لدى الحاكم و الملتقط و يسمع التعريف غير انّه لم يعرف كون المال له، نظير إذا اشترى أحد شيئا و ضاع منه ثم مات المالك فانتقل ماله الضايع إلى الوارث من دون علمه به.

و أما الكبرى فلعدم قيام دليل لفظي على ثبوت ولاية الحاكم على الغائب أو كان للغائب ولي شرعا، و انما نقول بولاية الحاكم عليه من باب الحسبة و القدر المتيقن، و لا تثبت في مثل المقام الذي يكون تصرفه خلاف الاحسان بالنسبة إلى الغائب، و أما من بيده المال فإذا تصدق به ضامنا للمالك إذا رد الصدقة فيصل إليه ماله و لو بعد حين مع ولايته على التصدق ثابتة شرعا، و معها لا مجال لولاية الحاكم.

و بالجملة عدم ثبوت ولاية الحاكم في المقام لأمرين قصور المقتضي و وجود

و أما الصورة الرابعة و هو [1]

المانع، فتصرف الحاكم في مال الغائب لا يصح الا إذا كان احسانا إليه و مصلحة له، كتعمير داره المشرفة على الانهدام و لم يكن له ولي ففيه تثبت له الولاية على الغائب لكون جواز هذا التصرف هو القدر المتيقن.

و ثانيا: لو سلمنا ولاية الحاكم على الغائب و فرضنا كون المالك غائبا لم يكن مجال للتفصيل المذكور، فإنّ ولاية الحاكم لو ثبتت كانت يده بمنزلة يد المالك و ايصال المال إليه بمنزلة ايصاله إلى المالك، فيكون الدفع إليه مبرءا للذمة قطعا بأي داع كان و لو بقصد توكيله في الايصال إلى المالك، فإنّ هذا القصد لغو لا دخل له في الضمان و عدمه بعد ثبوت الولاية، و هذا نظير دفعه إلى نفس المالك أو وكيله بهذا العنوان جهلا منه بأنّه هو المالك أو وكيله.

فتحصل: ممّا ذكر انّه بناء على المختار من عدم ولاية الحاكم في المقام يكون دفع المال إليه ابتداء بعنوان الولاية مشكلا بل هو ممنوع، نعم يجوز دفعه إليه بعد اليأس من الظفر بالمالك بعنوان التوكيل في التصدق، لأنّه أعرف بالموارد مع عدم سقوط الضمان عنه. و أما بناء على ثبوت الولاية له فلا مانع من الدفع إليه ابتداء لأنّه بمنزلة المالك كالوكيل، فيجوز الدفع إليه بعد اليأس عن الظفر بالمالك بعنوان الولاية أو التوكيل في التصدق و يسقط به ضمانه بأي قصد كان الدفع.

القسم الرابع: المال المشتمل على الحرام سواء كان من الجائزة أو غيرها
اشارة

[1] قد عرفت سابقا عدم اختصاص الأحكام بالمال المأخوذ من الجائر و جريانها في مطلق مجهول المالك، فمورد البحث المال المشتمل على الحرام سواء كان من الجائزة أو غيرها، و قد قسمه المصنف إلى أقسام خمسة، أربعة منها في صورة الاشاعة، و خامسها صورة عدم الاشاعة، فإنّ اختلاط أحد المالين بالآخر قد لا يوجب الشركة كما إذا اشترى أحد فراشا و سرق فراش آخر و اشتبها، و قد يوجبها

كاختلاط الدهن بالدهن و الحنطة بمثلها، و على الثاني قد يكون القدر و المالك كلاهما معلوما و قد يكون كلاهما مجهولا، و قد يختلفان، و الاختلاف على وجهين فهذه أقسام أربعة و بضمها إلى القسم الأول أعني ما لا يحصل فيه الشركة تكون الأقسام خمسة.

و لكن الصحيح: جريان الأقسام الأربعة المذكورة في فرض الاشاعة في القسم الأول أعني صورة عدم الاشاعة أيضا، فإذا علم بأن بعض الفراش للغير فتارة يكون مال الغير و مالكه معلومين، و اخرى مجهولين، و ثالثة المالك معلوم دون ماله، و رابعة بالعكس، فالأقسام ثمانية و لا وجه للاختصاص.

و أما حكمها فإنّ كان القدر و المالك كلاهما معلوما حصلت الشركة القهرية في فرض الاشاعة، فإنّ رضي المالكان ببقاء الشركة بقيت على حالها، و الا قسم المال بينهما بحسب حصتهما، و في فرض عدم الاشاعة تعين الحرام في مال الغير و وجب رده إليه.

و إن كان القدر و المالك كلاهما مجهولا، ففي صورة الاشاعة يكون المحلل للمال تخميسه على المشهور لما ورد في المال المختلط بالحرام الشامل لما نحن فيه. ثم هل يختص وجوب التخميس و طهارة المال به بما إذا لم يكن مقدار المال الحرام معلوما أصلا بحيث احتمل كونه بمقدار الخمس أو أقل منه أو أكثر أو يعم ما إذا علم مقداره اجمالا بأن علم بكونه أكثر من الخمس أو انّه أقل منه و إن لم يعلم بالمقدار تفصيلا. و قد ذهب السيد الطباطبائي قدّس سرّه في حاشيته إلى التعميم مستظهرا ذلك من اطلاق الأخبار، فإنّ قول القائل في رواية الحسن بن

زياد(1)«أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه»، يعم جميع الصور الثلاثة المتقدمة، و لم يفصل الإمام عليه السّلام في مقام الجواب، فكان التخميس نحو مصالحة جعلها الشارع سببا لحلية الباقي.

و لكن التحقيق: هو اختصاص الحكم بما إذا لم يعلم مقدار الحرام رأسا بأن لم يعلم كونه أقل من الخمس و لا أكثر، و لا تعم الأخبار صورتي العلم بكون الحرام أقل من الخمس أو كونه أكثر منه.

أما عدم شمولها لما إذا علم بكونه أقل من الخمس، فلأن تشريع هذا الحكم على ما يظهر من بعض أخباره انما هو لأجل الامتنان و التوسعة على الامة، و من الظاهر ان وجوب المصالحة على أقل من الخمس خلاف الامتنان. و دعوى ان الامتنان انما هو بلحاظ عدم جواز التصرف في المال المختلط بالحرام رأسا للعلم الجمالي و لزوم تعطيله لو لا حكم الشارع بالحلية بعد اخراج الخمس فجواز التصرف بعد ذلك منة و توسعة على المكلف، فاسدة لامكان تطهيره بالتصدق بمقدار الحرام المشاع المجهول مالكه، فيحصل لها الشركة في المال فيقسم بينهما بحسب حصة كل منهما، فمن ذلك يعلم انحصار مورد وجوب التخميس بما إذا لم يعلم


1) في التهذيب 252/1 باب الخمس و الغنائم عن أبي همام عن الحسن بن زياد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال «ان رجلا أتى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال: يا أمير المؤمنين اني أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه. فقال له: أخرج الخمس من ذلك المال، فإنّ اللّه تعالى قد رضي من ذلك المال بالخمس و اجتنب ما كان صاحبه يعلم»، و رواه عنه في الوسائل 61/2 باب الخمس في المال المختلط بالحرام. و الحسن بن زياد هو العطار الضبي الكوفي ثقة كما في جامع الرواة 201/1 يروي عنه ابن همام.

بكون الحرام في البين أقل من الخمس.

و أما عدم شمول الأخبار لما إذا علم بكون الحرام في البين أكثر من الخمس.

فأولا: بعدم القول بالفصل بين الصورتين، فانا لم نعثر على من التزم بخروج ما علم كون الحرام أقل من الخمس عن الأخبار و دخول ما علم كونه أكثر منه فيها.

و ثانيا: انصراف الأخبار عنه لأنها لم ترد لتحليل أموال الناس لغيرهم، و الا لأمكن لكل أحد أن يسرق مال غيره ممّن لا يعرفه و يخلطه ببعض أمواله ثم يخرج خمسه ليحل له جميع المال بهذه الحيلة، و الأخبار غير ناظرة لهذا النحو من الاشاعة قطعا.

فالصحيح: انّه لو كان مقدار الحرام مجهولا رأسا وجب اخراج خمس المال ليحل الباقي، و إن علم بكون الحرام أقل من الخمس أو أكثر عومل مع المقدار المتيقن معاملة مجهول المالك. هذا كله فيما لو حصلت الاشاعة بالخلط.

و أما فيما لا يحصل فيه الاشاعة ككتابين أو فراشين و نحوهما مع كون عين الحرام و مالكه مجهولين، فذهب المصنف إلى التعيين بالقرعة لأنها لكل أمر مشكل(1)

و استدل لها أوّلا: بما ورد في الكتاب العزيز في آل عمران/ 44 إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ‌، و في الصافات/ 141 فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ‌، و في الآية الاولى يقول الطبرسي في مجمع البيان 441/2 ط صيدا في هذه الآية دلالة على ان للقرعة مدخلا في تمييز الحقوق، و قد قال الصادق عليه السّلام «ما تقارع قوم فوضوا امورهم إلى اللّه تعالى الا خرج بينهم المحق»، و قال «أي قضية أعدل من القرعة إذا فوض الأمر إلى اللّه تعالى يقول: فساهم فكان من المدحضين»، و قال الباقر عليه السّلام: «أول من سوهم عليه مريم ابنة عمران عليهما السّلام ثم يونس عليه السّلام ثم عبد اللّه بن عبد المطلب لما نذر إذا بلغ ولده عشرة أن ينحر أحدهم فخرج السهم على عبد اللّه و لم يقدر أن يذبحه و رسول اللّه في صلبه، فجاء بعشرة من الإبل فساهم عليها و على عبد اللّه فخرجت السهام على عبد اللّه فزاد عشرة، و لم تزل السهام على عبد اللّه و يزيد عشرا، فلما ان بلغت مائة خرجت السهام على الإبل، فقال عبد المطلب: ما انصفت ربي عز و جل فأعاد السهام ثلاثا فخرجت على الإبل، فقال: الآن علمت رضى ربي بها فنحرها».

و الآلوسي في روح المعاني 159/3 نقل نص ما في مجمع البيان إلى حديث الباقر عليه السّلام و لم يتعقبه كما لم ينسبه إلى الطبرسي (أعلا اللّه مقامه)، و في الآية الثانية ذكر العيني في عمدة القاري 398/6 ان الآية دالة على صحة العمل بالقرعة و إن كانت في شرع قبلنا لأنّه لم يمنع منها شرعنا، و لكن في فتح الباري 186/5 باب القرعة في المشكلات قال في مورد الآية: منع شرعنا منه لاستواء النفوس في العصمة.

و ثانيا: بأخبار أهل البيت عليهم السّلام البالغة تسعة و عشرين كما في العناوين لمير فتاح/ 109، و ثلاثة و أربعين كما في العوائد للنراقي/ 223، و من تلك الأخبار ما في الفقيه و التهذيب عن محمد بن حكيم «سألت أبا الحسن موسى عليه السّلام عن شيء؟ فقال: كل مجهول ففيه القرعة. قلت له: القرعة تخطئ و تصيب. فقال: كل ما حكم اللّه به فليس بمخطئ»، و في قواعد الشهيد/ 273 ثبت عندنا قولهم عليهم السّلام «كل أمر مجهول ففيه القرعة»، و في العناوين/ 112 ورد من طريق العامة «ان القرعة لكل أمر متشبه» كما في رواية «و لكل أمر مشكل» كما في اخرى.

و عمل بالقرعة مطلقا مالك و الشافعي و الجمهور كما في نيل الأوطار للشوكاني 239/6 باب الشركاء يطؤن الامة في طهر واحد، و في عمدة القاري للعيني شرح البخاري 179/6 باب هل يقرع في القسمة من كتاب الشركة عن ابن بطال القرعة سنة لكل من أراد العدل في القسمة بين الشركاء، و الفقهاء متفقون على القول بها، و منعها بعض الكوفيين معللا بأنها تشبه الأزلام المنهي عنها، و حكى ابن المنذر ان أبا حنيفة جوزها و إن كانت على خلاف القياس قائلا نترك القياس للآثار. و استدل ابن حجر في فتح الباري 186/5 لصحة العمل بالقرعة بأربعة أحاديث، و صحح ابن قدامة في المغني 359/9 العمل بالقرعة.

، أو البيع و حصول الشركة في الثمن، فكأنه قدّس سرّه يراه خارجا عن مورد

1) لا اشكال في العمل في القرعة في الجملة عند الإمامية.

أخبار التخميس فيها لصدق عنوان ما لا يعرف حلاله من حرامه على مجموع

المالين، بل الغالب في موارد اصابة المال المختلط التي هي مورد السؤال عدم الاشاعة كالمأخوذ من السلطان و نحوه، فيجري فيه ما ذكرناه في فرض الاشاعة من التفصيل.

و أما ان كان مقدار الحرام معلوما في فرض الاشاعة و العين معينة في فرض عدم الاشاعة مع الجهل بالمالك، فهو من مجهول المالك يتصدق به عن مالكه، و قد تقدم تفصيل الكلام فيه.

و إن كان المالك معلوما و المقدار مجهولا مرددا بين الأقل و الأكثر في فرض الاشاعة أو كانت عين الحرام مجهولة في فرض عدم الاشاعة.

ففي الأول تارة يكون هناك امارة على تعيين المالك في الزائد على المتيقن حرمته، كما في المال المأخوذ من الجائر إذا علم بأن بعضه مغصوب من زيد و تردد بين الأقل و الأكثر، فإنّ يد الجائر امارة ملكيته و انما يرفع اليد عنها فيما يعلم بعدم كونه ملكا له وجدانا و هو الأقل، و ما الزائد على ذلك فيحكم بكونه ملكا له بمقتضى اليد. و هكذا إذا كان المال تحت يده فعلم اجمالا بأن بعضه لزيد و تردد بين الأقل و الأكثر، فإنّ يده امارة ملكية نفسه.

و اخرى لا يكون في البين امارة معينة، كما لو فرضنا ان الودعي دفع إليه مالا و قال بعضه ملك لك و بعضه ملك لزيد و لم يعرف مقداره، فانه حينئذ لا يكون في البين امارة على ملكية أحدهما، و في هذا الفرض لا بد من الأخذ بالقدر المتيقن من الطرفين و يقرع فيما زاد فانها لكل أمر مشكل، أو يتصالحان عليه ان رضيا بالصلح، أو يحكم فيه بالتنصيف الذي هو صلح قهري لقاعدة العدل و الانصاف المستفادة من

و اعلم ان أخذ ما في يد الظالم ينقسم [1]

بعض الأخبار(1).

و أما في الفرض الثاني و هو ما إذا لم يكن الاختلاط موجبا لحصول الشركة فاما أن يتراضيا بالصلح، و أما أن يباع المالين فيحصل الاشاعة في الثمن، و اما أن يقرع بينهما على أن يكون احدى العينين لأحدهما و الاخرى للآخر، فبين كيفية القرعة في المقام و القرعة في الفرض السابق فرق واضح.

[1] ظاهره اتصاف نفس الأخذ من الجائر بالأحكام الخمسة، و باعتبار اضافته إلى المال إلى ثلاثة، لكن الصحيح أن الأخذ من الجائر بما انّه جامع بين الأقسام لا حكم له كالشرب الجامع بين شرب الماء و شرب الخمر، فانه بما هو شرب لا حكم له و انما يتصف بالحلية أو الحرمة بعد اضافته إلى متعلقه من الماء أو الخمر فإنّ الجامع بين الحلال و الحرام لا حكم له، فانقسام الأخذ لا بد و أن يكون باعتبار أقسام المال المأخوذ، فإنّ كان مغصوبا حرم أخذه، و إن كان مشتبها كره أخذه و حسن الاحتياط فيه، و إن كان ممّا يجب استنقاذه من يده و لو على الحاكم لكونه من حقوق الناس كان الأخذ واجبا عليه و لو بعنوان المقاصة.

و لا يبعد اتصاف أخذ المال من الجائر إلى الأحكام الخمسة بلحاظ الغايات المترتبة عليه، ككونه مقدمة للانفاق الواجب أو للزيارة المستحبة أو سببا لعمل محرم إلى غير ذلك.


1) في الوسائل 633/2 كتاب الصلح عن الصدوق و الشيخ الطوسي باسنادهما عن السكوني عن الصادق عن أبيه عليهما السّلام «في رجل استودع رجلا دينارين، و استودعه آخر دينار فضاع دينار منها. قال: يعطى صاحب الدينارين دينارا، و يقسم الدينار الباقي بينهما نصفين».

لا اشكال في كون ما في ذمته [1]

[1] ما تقدم من الصور انما كان في أخذ المال من الجائر، و أما أخذ الجائر من غيره عدوانا فهو حرام بلا كلام، فإذا كان عين مال الغير باقية في يد الجائر وجب عليه ردها، و كذا إذا كانت منتقلة إلى يد غير الجائر وجب عليه ردها إلى مالكها، و إن كانت تالفة ضمن للمالك بالمثل أو القيمة سواء في ذلك الجائر و غيره ممّن انتقل إليه ذلك المال و هذا واضح.

انما الكلام في ان ما في ذمة الجائر و من بحكمه من قيمة المتلفات المغصوبة يكون من جملة ديونه، نظير ما استقر في الذمة بقرض أو ثمن بيع أو صداق و نحوها فيجب عليه الأداء ما دام حيا، و إذا مات يخرج من أصل تركته و يقدم على الوصية و الارث كما هو صريح الآية الشريفة، أو انّه ليس كذلك بل يخرج من الثلث فإنّ وفى فهو و الا فيبقى في ذمته، ذهب كاشف الغطاء إلى الثاني، و استدل عليه تارة بمنع المقتضي و اخرى بابداء المانع.

أما منع المقتضي: فبدعوى انصراف الدين عن مثل ذلك و إن كان منه حقيقة فلا يصدق عرفا عنوان المديون أو المفلس على من بيده أموالا كثيرة أخذها غضبا و عدوانا من الناس، باعتبار عدم كون تلك الأموال له و قد اشتغلت ذمته بما أتلفه منها، بل يعد عرفا من المثرين كما ترى ذلك في الظلمة الموجودين في عصرنا، فاطلاق دليل الوصية و الارث لا مقيد له في المقام.

و أما المانع: فهو قيام السيرة من أوّل الإسلام إلى يومنا هذا على عدم تقديم مثل هذه الديون على الارث و اخراجها من أصل التركة، و لو فرض صدق عنوان الدين عليها تكون السيرة مخصصة لما دل على اخراج الدين من أصل المال، كقوله سبحانه مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ‌ .

ما يأخذه السلطان المستحل [1]

و قد أجاب المصنف عن منع المقتضي، بأن الدين عبارة عن اشتغال الذمة بمال الغير و هو ثابت فيما نحن فيه، و لذا لا يرى العرف فرقا بين ما أتلفه الظالم نسيانا و ما غصبه عدوانا، كما لا يفرق بين ما أتلفه الظالم من أموال الناس و بين ما أتلفه غيره ممّن لا يعد من الظلمة و إن كان ظالما في خصوص الاتلاف، هذا مضافا إلى انّه لا ينبغي الريب في ترتب آثار الدين على ما ثبت في ذمة الجائر من بذل أموال الناس حال حياته من جواز المقاصة من ماله و عدم ثبوت الاستطاعة له، و عدم تعلق الخمس به إذا حصل له مال و دار أمره بين صرفه في ذلك أو في أداء دينه، و لو تم الانصراف المذكور لم يفرق بين حال حياته و ممّاته.

و أجاب (أعلا اللّه مقامه) عن ابداء المانع بأنّه لم يثبت بناء شخص واحد من المتدينين على عدم اجراء حكم الدين على ما ثبت في ذمة الظلمة و من بحكمهم فضلا عن قيام السيرة على ذلك، و ما يراه عامة الناس من كون الغاصب مالكا فلقلة مبالاتهم في الدين، و لذلك لا يفرقون في ذلك بين حال حياته و موته و بين بقاء أعيان أموال الناس في أيديهم مع العلم بملاكها تفصيلا و بين غير ذلك، كما لا يفرقون بين الظلمة و بين من اشتغلت ذمته بالحقوق الواجبة من الخمس و الزكاة أو بأموال الناس من جهة فساد معاملاته.

و بالجملة: ان اريد من السيرة سيرة المتشرعة فلم تثبت، و إن اريد غيرها فلا اعتبار بها حتى تكون مخصصة، لما دل على تقديم الدين على الارث و الوصية.

[1] كان البحث فيما بيد الجائر من أموال الناس، و الكلام هنا فيما بيده من الحقوق المالية التي فرضها اللّه سبحانه على العباد، و هي ثلاثة أو أربعة: الخمس و الزكاة و الخراج و المقاسمة، و الفرق بين الأخيرين أن الخراج ما يضعه السلطان على من

بيده الأرض الخراجية و هي الأراضي المفتوحة عنوة التي هي ملك المسلمين، و لا بد في التصرف فيها من المعاملة مع وليهم بالمال المعين من الدرهم و الدينار و غيرهما، و المقاسمة ما يجعله عليه بنحو الكسر المشاع من منافع الأرض و نمائها كالعشر و الربع و نحوه، فباعتبار انهما حق في الأرض يحسبان حقا واحدا فتكون الحقوق ثلاثة، و باعتبار الفرق المذكور تكون أربعة.

و أما الخمس فليس مورد ابتلاء الجائر لعدم اعتقاده بوجوبه ليأخذه استنادا إلى منع الخليفة الثاني حق ذوي القربى و وافقه أصحابه و ادعوا الاجماع عليه، فلا بد من التكلم فيما بيده من الزكاة و الخراج و المقاسمة. و البحث فيه يقع من جهات ثلاثة:

الاولى في براءة ذمة من عليه الزكاة أو الخراج بأخذ السلطان منه، بحيث يتعين عليه الدفع إليه و لا يجب عليه الدفع إلى السلطان العادل ثانيا.

الثانية في حكم الجائر هل يجوز له الأخذ تكليفا أو لا يجوز، بحيث يكون ضامنا بالتصرف في تلك الأموال أو لا يكون.

الثالثة في جواز أخذ المال المذكور من الجائر مجانا أو بعوض و عدمه.

و الكلام فيها تارة فيما تقتضيه القواعد، و اخرى فيما تقتضيه الأخبار الواردة في المقام.

أما الحكم على القاعدة فظاهر، لأن الجائر ليس له الولاية على المسلمين و لا على الفقراء و انما هو غاصب هذا المنصب ممّن له الأمر، فلا يكون أخذه للمال بأحد العنوانين المذكورين موجبا لتعين حق الفقراء و المسلمين فيه، بل يكون باقيا على ملك مالكه فلا يجوز له الأخذ تكليفا و هو ضامن لما يكون بيده من غير فرق بين أن يكون أخذه منه بالتراضي أو بالقهر، لأن رضا المالك بأخذه انما كان بعنوان

كون المال زكاة أو خراجا، و المفروض عدم تعينه فيها لأن السلطان لا ولاية له على المسلمين و الفقراء، بل هو جائر و غاصب فلا تبرأ ذمة المكلف بأدائه الزكاة أو الخراج إلى السلطان الجائر، كما لا يجوز لشخص ثالث أخذه من يد الجائر لأنّه مال الغير الا على نحو الحسبة ليرده إلى مالكه، و الظاهر ان قول المصنف ما يأخذه الجائر باق على ملك المأخوذ منه مبني على القاعدة.

و أما ما تقتضيه الأخبار فمن الجهة الاولى أعني براءة ذمة من عليه الزكاة أو الخراج، فهي دالة على تعين الخراج و الزكاة فيما يأخذه السلطان و براءة ذمة الدافع بالدفع إليه فلا يجب عليه الاخراج ثانيا، و من تلك الأخبار صحيحة الحذاء الآتية، فانها تدل على ان تعين الصدقة في الإبل و الغنم التي يأخذها السلطان بعنوان الزكاة كان مفروغا منه، و لكنّه يسأل عن شرائها إذا كان مشتملا على الزائد الحرام كما يظهر ذلك من غيرها من الأخبار، و لعل الحكمة فيه هي التقية إلى زمان ظهور الحجة (عجّل اللّه فرجه) و كون وجوب الدفع على الشيعي ثانيا اجحاف عليه، و قد ورد في بعض الأخبار جواز احتساب ما يأخذه السلطان زكاة(1)، و في بعض الأخبار و إن ورد الأمر بالدفع إلى المستحق ثانيا الا انها تحمل على الاستحباب لصراحة كثير من الأخبار في عدم الوجوب، و قد ورد في بعضها يحتسبها ان شاء(2)، و هذا شاهد على ما ذكرناه.


1) الوسائل 2 كتاب الزكاة باب 32/19.

2) في الوسائل 33/2 باب 19 ما يأخذه السلطان على وجه الزكاة عن يعقوب بن شعيب قال «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن العشور التي تأخذ من الرجل أ يحتسب بها من زكاته‌؟ قال: نعم ان شاء».

و من الجهة الثانية لا دلالة فيها على جواز أخذ السلطان الا إذا صرفها في مواردها الشرعية، فحينئذ لا يكون ضامنا وضعا لأنها حقوق أداها إلى أهلها. نعم يظهر من الأخبار ان الإمام عليه السّلام أمضى أخذه فيتعين الزكاة أو الخراج فيما يأخذه و تبرأ به ذمة المالك، و تدل الأخبار أيضا على امضاء تصرفات الجائر في تلك الأموال ببيع أو هبة أو نحوها فيملكها الأخذ بشراء أو اتهاب أو اجرة و نحوها، و لا ينافي ذلك حرمة تصرف الجائر فيها تكليفا و ضمانه لها وضعا، فإذا أتلفها و لو بالهبة إلى الغير اشتغلت ذمته بالبدل من المثل أو القيمة، و لا ينافي امضاء الهبة ضمان الجائر لما وهبه فإنّ امضائها امضاء لانتقال المال إلى ذمة الجائر و تضمينه له كما انه امضاء لتبديل عين الزكاة أو الخراج بعين اخرى، و هذا يكون من باب الولاية على المال و على السلطان فيكون الموهوب له مالكا و الواهب ضامنا على ما يقتضيه الجمع بين الأخبار، و لا يقاس امضاء الهبة في المقام بامضاء المالك هبة الغاصب الموجب لبراءة ذمته، لأن المالك ليس له تضمين الغاصب بل له اجازة الهبة وردها بخلاف المقام، فإنّ الإمام عليه السّلام له تضمين السلطان بما أتلفه من الحقوق مع امضاء معاملاته و لو ارفاقا على الامة لولايته عليهم.

و قد يتوهم دلالة الأخبار على عدم ضمانه للحقوق التي يأخذها من وجهين:

الأول: ان الروايات تدل على اعطاء الإمام عليه السّلام الولاية للسلطان بعد تصديه لمنصب خلافة المسلمين و إن كان ذلك عليه حراما فيجوز له بنحو الترتب التصرف وضعا و تكليفا في تلك الأموال بعد ارتكابه الحرام في تصديه لذلك المنصب، أو يقال ان الولاية على هذه الامور راجعة إلى المنصب نظير الأوقاف التي جعل متوليها سلطان الوقت فمن غصب الخلافة ثبتت له الولاية و صحت تصرفاته من

دون ضمان، و هذا و إن كان ممكنا ثبوتا الا انّه لا دلالة للأخبار عليه اثباتا، لأن غاية مدلولها امضاء الإمام عليه السّلام أخذ السلطان لتلك الأموال و معاملاته فيها.

الثاني: ما ذكره السيد الطباطبائي قدّس سرّه في حاشيته من ان صحة المعاملة من أحد الطرفين تستدعي صحتها من الطرف الآخر، لأن المعاملة الواحدة غير قابلة لأن تكون صحيحة من طرف و فاسدة من طرف آخر فإذا صح الشراء صح البيع أيضا، فلا يكون السلطان ضامنا.

و فيه: ان صحة المعاملة من الطرفين لا تستلزم عدم ضمان البائع، لما ذكرناه من ان امضائها عبارة عن امضاء تبدل تلك الأموال بأثمانها، فتكون الأثمان معنونة بتلك العناوين، و تكون مضمونة على البائع كما ان الأعيان يملكها المشتري.

و بالجملة: الظاهر عدم قيام دليل على جواز تصرف السلطان في الحقوق تكليفا و لا على عدم ضمانه لها وضعا و لا يهمنا البحث عن وظيفة السلطان، و المهم بيان:

الجهة الثالثة: و هي جواز أخذها من السلطان مجانا أو بعوض، و يدل عليه جملة من الأخبار، منها صحيحة الحذاء(1)

و رواه عنه في الوسائل 554/2 باب 81 جواز شراء ما يأخذه الظالم من الغلات باسم المقاسمة، و هذه الرواية بعينها رواها في الوافي عن الكافي و التهذيب 43/10 شراء السرقة و الخيانة و متاع السلطان عن محمد عن أحمد عن الحسين بن علي عن أبان عن اسحاق بن عمار قال «سألته عن الرجل منا يشتري من السلطان» إلى آخر ما في رواية أبي عبيدة.

المشتملة على فقرات ثلاثة:

1) في الكافي على هامش مرآة العقول 422/3 باب جامع ما يحل البيع و الشراء منه الحديث الثاني عن أبي عبيدة «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الرجل منا يشتري من السلطان من ابل الصدقة و غنم الصدقة و هو يعلم انهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم‌؟ فقال: ما الإبل و الغنم الا مثل الحنطة و الشعير، و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه. قيل له: فما ترى في متصدق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا فنقول بعناها فيبيعناها فما ترى في شرائها منه‌؟ قال: ان كان قد أخذها و عزلها فلا بأس. قيل له: فما ترى في الحنطة و الشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا و يأخذ حظه فيعز له بكيل فما ترى في شراء ذلك الطعام منه‌؟ فقال: ان كان قبضه بكيل و أنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه بغير كيل».

الفقرة الاولى: سؤال الراوي عن شراء ابل الصدقة و غنمها من السلطان مع علم المشتري بأنهم يأخذون من الناس أكثر من الحق الذي يجب عليهم، فأجاب عليه السّلام عنها بالجواز حتى يعرف الحرام بعينه فيجتنب، و يظهر من السؤال مفروغية جواز الشراء لو لا الاشتمال على الحرام، و يظهر من الجواب امضاء الإمام عليه السّلام لذلك مضافا إلى تجويزه عليه السّلام له مطلقا حتى في فرض الاشتمال على الحرام إذا لم يكن الحرام معلوما بعينه للمشتري، فيظهر من هذه الجملة جواز شراء الصدقات من الجائر حتى مع العلم بذلك.

و ناقش المحقق الأردبيلي في دلالتها على ذلك بأنها ليست نصا في الجواز و انما هي ظاهرة فيه، ثم ناقش في ظهورها أيضا و حكم بكونها مجملة لمنافاتها لحكم العقل و النقل بقبح التصرف في مال الغير، فلا يمكن حملها على ظاهرها بل هو غير مراد قطعا للاتفاق على حرمة ما أخذه الجائر، و لا يبعد أن يكون الموجب للاجمال فيها هو التقية.

و نقول: لقد اعترف قدّس سرّه أوّلا بظهور هذه الجملة في الجواز، ثم عدل إلى دعوى الاجمال، و تناقضه لا يخفى على مثله، فلا بد من حمل الاجمال في كلامه على الاجمال الحكمي من حيث عدم امكان الأخذ بالظاهر لقيام القرينة على خلافه

و هو العقل و النقل كما زعمه قدّس سرّه فهو كالمجمل.

و كيف كان يرد عليه أوّلا: ان الرواية صريحة في الجواز، فإنّ الضمير في قوله عليه السّلام «لا بأس به»، راجع إلى شراء ابل الصدقة و غنمها و لا يحتمل فيه غيره، مضافا إلى أن التنزل من الصراحة إلى الظهور لا فائدة فيه، فإنّ العقل ان استقل بقبح ذلك كما زعمه لزم طرح الرواية ان كانت صريحة، و الا لزم الأخذ بظاهرها.

و ثانيا: ما تخيله من منافاة ذلك لحكم العقل و النقل ممنوع، فإنّ النقل و هو عموم ما دل على حرمة الغصب يخصص بهذه الرواية، و أما حكم العقل و هو استقلاله بقبح التصرف في مال الغير لأنّه ظلم فهو مبني على عدم ورود ترخيص من المالك أو وليه في ذلك، و قد رخص الإمام عليه السّلام في المقام و له الولاية على المسلمين، كما رخص عليه السّلام في التصرف فيما فيه الخمس بل في عين الخمس أيضا فلتكن الزكاة كذلك. و أما الاتفاق على عدم حلية ما أخذه الجائر فهو أيضا غير ثابت، لأن المشهور عملوا بهذه الأخبار بل ادعي الاجماع على حليته.

الفقرة الثانية: قوله «قلت: فما ترى في متصدق» الخ، تدل على أمرين:

أحدهما: جواز شراء الزكاة من المتصدق بعد عزلها و أخذها لقوله عليه السّلام «ان كان قد أخذها و عزلها فلا بأس»، و سر التقييد بذلك ان الجائر ليس له الولاية على بيع مال الناس، فإذا عزلها بعنوان الصدقة جاز شراؤه منه.

و ثانيهما: تعين الزكاة بأخذه و قبضه لأنّه عليه السّلام اعتبر في جواز شرائها ذلك و لو لم يتعين به لم يكن لاشتراطه وجه أصلا، لعدم ترتب أثر عليه على الفرض، فحينئذ يفسد الشراء لبقاء الغنم على ملك مالكها بعد قبض المتصدق أيضا، فيكون بذل الثمن من المشتري بأزائها من بذل الثمن بأزاء مال نفسه فهو بلا عوض حقيقة،

فيعرف من اشتراط الإمام عليه السّلام ذلك تعين الزكاة بأخذ الجائر و قبضه و خروجه عن ملك مالكه فيصح له شرائها بعد ذلك.

ثم بعد ظهور هذه الجملة فيما ذكرناه من الأمرين لا يهمنا فهم الوجه في سؤال الراوي ثانيا عن شراء زكاة نفسه بعد سؤاله الأول عن شراء الصدقات على الاطلاق و لعل وجهه توهم انّه لا يعود إلى ملك الإنسان ما خرج عنه بعنوان الزكاة و لو بالشراء، فهو نظير أن يشتري الإنسان مال نفسه.

الفقرة الثالثة: قوله «فما ترى في الحنطة و الشعير يجئنا القاسم» الخ، يدل على جواز شراء الخراج و المقاسمة و تعينه فيما قبضه القاسم، و لعل السائل كان ناظرا في سؤاله هذا إلى الاكتفاء بالكيل الأول و عدم كيله ثانيا عند الشراء فأجاب عليه السّلام بكفاية ذلك إذا كانوا حضورا عند الكيل الأول و كان مضبوطا فإنّ الحضور لا موضوعية له.

و كيف كان يستفاد من حكمه عليه السّلام بذلك جواز الشراء و تعين الخراج و المقاسمة بقبض العامل، فانه لولاه لم يصح الحكم بالاكتفاء بالكيل الأول في مقام الشراء إذا كان مضبوطا بل يكون الشراء فاسدا، نعم يكون المشتري باذلا للمال لأجل استنقاذ ما أخذه الجائر بعنوان حقوق المسلمين، كما يدل ذلك بالالتزام على براءة ذمة المعطى.

هذا و قد ناقش في دلالتها، الفاضل القطيفي و تبعه المحقق الأردبيلي من وجهين:

أحدهما: احتمال أن يراد بالقاسم زارع الأرض في المقاسمة، فيكون السؤال و الجواب راجعين إلى جواز شراء حق المزارع بعد القسمة.

و فيه: أوّلا: ان ظاهر عنوان القاسم من كان شغله التقسيم، فلا يصح اطلاقه على

الزارع إذا اقتسم منافع الأرض مع شريكه.

و ثانيا: ان سياق الرواية يأبي عن الحمل على وقوع عقد صحيح و وقوع التقسيم فيه، بل يقتضي أن يكون القاسم من عمال السلطان كالمتصدق في الفقرة السابقة.

ثانيهما: احتمال أن يكون المراد بالقاسم خصوص قاسم الزكاة لا ما يعم القاسم في الخراج و المقاسمة و لا خصوص الثاني، فيكون الدليل أخص من المدعى.

و فيه: أوّلا: ان لفظ القاسم أعم من القاسم في الزكاة و في الخراج، فالتخصيص بلا وجه.

و ثانيا: ان مقتضى مقابلة القاسم بالمتصدق أن يكون قسيمه، و الا لم يكن وجه لتغيير العبارة.

و ثالثا: ان ترك استفصال الإمام عليه السّلام بين قاسم الزكاة و قاسم الخراج كاف في عدم الفرق.

و رابعا: لو ثبت جواز أخذ الصدقات منهم ثبت جواز أخذ الخراج أيضا بعدم القول بالفصل.

و أما احتمال أن يكون المراد بالسلطان السلطان العادل دون الجائر واضح الفساد:

أوّلا: لعدم معهودية اطلاق السلطان في الأخبار بل في العرف أيضا على الإمام عليه السّلام.

و ثانيا: ان الراوي فرض في السؤال ان عماله يظلمون الناس و يأخذون منهم الزيادة، و عامل الإمام لا يجور و إذا جار وجب عزله، فهذه الاحتمالات واهية لا يعمل عليها.

و منها رواية أبي بكر الحضرمي [1]

ثم لا يخفى ان أخذ العامل الزيادة ممّن عليه الحق يتصور على قسمين، فانه اما يأخذ ابلا أو شاة معينة غصبا بعد أخذ الصدقة، و حكم هذه الصورة جواز الأخذ الا إذا عرف الحرام بعينه، و اما أن يأخذ من الأول زائدا على المقدار الواجب دفعة واحدة فيكون الحرام فيما أخذه بنحو الكسر المشاع، و يمكن تصحيح الشراء في هذه الصورة بايقاعه على ما هو الحلال في الواقع، ثم بعد قبض المجموع يرد الزائد إلى مالكه إذا كان معروفا بالتقسيم معه برضاه، و الا كان من المال المختلط بالحرام فيترتب عليه حكمه.

و من الأخبار الدالة على جواز الأخذ من السلطان بعوض أو بلا عوض رواية اسحاق بن عمار قال «سألته عن الرجل يشتري من العامل و هو يظلم‌؟ قال:

يشتري منه ما لم يعلم انّه ظلم فيه أحدا»(1)، و ظاهر الشراء من العامل شراء ما يأخذه من الحقوق ممّا هو عامل فيه من قبل السلطان مثل الخراج و الزكاة، لا أموال نفسه ليكون دليلا على جواز أخذ مال الجائر من عمال السلطان و إن احتمله بعض، و لا أقل من الاطلاق الشامل لأخذ الصدقة من عاملها.

[1] اشتملت على جملتين(2): الجملة الاولى: قوله عليه السّلام «ما يمنع ابن أبي سماك أن


1) رواه في الوسائل 555/2 باب 82 جواز الشراء من غلات الظالم.

2) في التهذيب 102/2 و عنه في الوسائل 554/2 باب 80 جوائز السلطان حلال، و عن أبي بكر الحضرمي قال «دخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام و عنده اسماعيل ابنه، فقال: ما يمنع ابن أبي سماك أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس و يعطيهم ما يعطي الناس، ثم قال لي: لم تركت عطاءك‌؟ قلت: مخالفة على ديني. قال: ما يمنع ابن أبي سماك أن يبعث اليك بعطائك، اما علم ان لك في بيت المال نصيبا».

يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفي الناس و يعطيهم ما يعطي الناس»، و هي تدل على جواز أخذ الاجرة من بيت المال في الجملة، فانه معد لأن يجمع فيه حقوق المسلمين من الزكاة و الخراج و غيرهما، و قد أنكر عليه السّلام على ابن أبي سماك تعصبه في عدم استعمال شباب الشيعة فيما يقوم به أبناء أهل السنة من أعمال السلطان. و قد يناقش فيها من حيث ظهورها في جواز الدخول مع الظلمة و معونتهم في أعمالهم.

و فيه: ان سوق الكلام في الاعتراض على ابن أبي سماك في عدم استعماله شباب الشيعة كغيرهم من أهل مذهبه، و ليس الكلام مسوقا للاعتراض على شباب الشيعة من حيث عدم دخولهم في جملة عمال السلطان. نعم يستفاد منه جواز الدخول معهم في الجملة فيما هو سائغ لهم، و أما الموارد التي تسوغ لهم الدخول في عمل السلطان فيحتاج بيانها إلى مراجعة الأدلة.

الجملة الثانية: قوله عليه السّلام «ما منع ابن أبي سماك أن يبعث إليك بعطائك» الخ، فانها تدل على أمرين:

أحدهما: تعين الحقوق فيما يأخذه الجائر من الناس بتلك العناوين فتبرأ ذمتهم منها.

و ثانيهما: جواز أخذها منه، و لكن لا دلالة فيها على ما هو محل الكلام من جواز أخذ الزكاة و الخراج من السلطان مطلقا ببيع و نحوه بأي مقدار كان و المشتري أي شخص كان، لأن ظاهر التعليل بقوله عليه السّلام «أما علم أن لك في بيت المال نصيبا» اختصاص جواز الأخذ بخصوص من له حق في بيت المال بمقدار حقه لا أكثر، بل مقتضى ذلك هو عدم جواز الأخذ لغيره فالدليل أخص من المدعى بل أجنبي عن المقصود.

و منها الأخبار الواردة في أحكام تقبل الخراج [1]

و هذا هو الوجه في منع دلالتها لا ما ذكره المحقق الأردبيلي من احتمال أن يكون شيء في بيت المال يجوز أخذه و أعطاؤه للمستحقين بأن يكون منذورا أو وصية لهم، فانه فاسد:

أوّلا: لقلة وجود هذا النحو من المال في بيت المال بل هو بعنوانّه مختص بالزكاة و الخراج دون الوقوف و النذور و نحوها.

و ثانيا: ترك الاستفصال فانه ينفي هذا الاحتمال.

[1] و هي على طائفتين: احداهما: ما دل على جواز تقبل نفس الأراضي الخراجية(1)

و عن الفيض بن المختار «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك ما تقول في أرض أ تقبلها من السلطان‌؟ قال: لا بأس به كذلك أعامل أكرتي» إلى غيرها، و رواها في الوسائل 639/2 كتاب المزارعة باب 15 و 17، و في الوافي 139/10 باب 165 قبالة الأرضين و المزارعة و الإجارة في المجلد 3.

، و هي أجنبية عما نحن فيه من جواز تقبل نفس الخراج، لأن غاية ما يستفاد منها اجازة الشارع لتقبل منافع الأرض، و لعل الحكمة في ذلك ان أمر الأراضي الخراجية في عصر الظلم دائر بين ان تبقى عاطلة و لا يرضى به الشارع لاستلزامه الغلاء و فناء الناس من الجوع أو ان يعطي الشيعي خراجين و هو اجحاف به، أو اجازة معاملة الجائر و هو المتعين، و لا يلزم منه جواز تصرف الجائر فيما

1) الروايات في تقبيل الأرض الخراجية من السلطان في التهذيب 172/2 في المزارعة، منها: ما عن ابراهيم بن ميمون قال «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قرية لأناس من أهل الذمة لا أدري أصلها لهم أم لا، غير انها في أيديهم و عليهم خراج فاعتدى عليها السلطان فطلبوا الي فاعطوني أرضهم و قريتهم على ان أكفيهم السلطان بما قل أو كثر ففضل لي بعد ما قبض‌؟ قال: لا بأس بذلك لك ما كان من فضل».

و لا يخلو عن قصور [1]

يأخذه من الخراج الذي هو ملك المسلمين، لأنّه بدل حقوقهم في الأراضي، و قد أجاز ولي المسلمين هذه المعاملة و إن كان الجائر ظالما لنفسه في أخذ الخراج اذ لا ولاية له على ذلك.

الثانية: ما دل على تقبل نفس الخراج و جزية الرؤس من السلطان(1)

و في الوسائل 555/2 باب 82 جواز الشراء من غلات الظالم إذا لم يعلم انّه لم يظلم عن الشيخ الطوسي عن اسحاق بن عمار قال «سألته عن الرجل يشتري من العامل و هو يظلم‌؟ قال: يشتري منه ما لم يعلم انّه ظلم فيه أحدا».

، و هي التي تكون دليلا للمقام، اذ لا يحتمل الخصوصية في التقبل مع العوض، و يظهر من بعضها ان أصل التقبل كان أمرا مسلما متعارفا فكان الرجل يتقبل من السلطان ذلك بمال أو جاه أو شفاعة أو نحو ذلك، ثم انّه لم يظهر لنا ذكر السمك و الطير و نحوها في رواية اسماعيل بن الفضل مع عدم ثبوت الخراج فيها شرعا، و لعل ذكرها من جهة كونها من توابع الأراضي التي هي مورد الخراج و يختلف خراجها لوجودها فيها و إن لم يتعلق بأنفسها الخراج.

[1] ذكر قدّس سرّه روايتان:

احداهما: صحيحة جميل بن صالح الواردة في شراء تمر عين أبي زياد، و موردها قضية شخصية مجهولة خصوصياتها.

ثانيها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الواردة في شراء الطعام، و قصور


1) هذه الروايات في التهذيب/ 102 في المكاسب، منها: ما عن معاوية بن وهب «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أشتري من العامل الشيء و أنا أعلم انّه يظلم‌؟ فقال: اشتره منه» و رواها في الوسائل 554/2 باب 81 جواز شراء ما يأخذ الظالم، و في الوافي 43/10 باب 44 شراء السرقة و الخيانة و متاع السلطان.

و ينبغي التنبيه على امور [1]

الاول: ظاهر عبارات الأكثر [2]

دلالتها من جهة اجمال المراد من الطعام و كون الإجارة شخصية.

ثم لا يخفى ما في قول المصنف قدّس سرّه إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في باب قبالة الأرض - الخ، فانا لم نعثر على رواية اخرى غير ما ذكره المصنف في المتن و نقلناها في التعليقة.

[1] ممّا ينبغي التنبيه عليه و لم أر من تعرض له عدى ما ظهر من المصنف في ضمن كلماته في بعض التنبيهات الآتية، و هو حكم اقطاع السلطان الأرض الخراجية لشخص خاص و تمليكها اياه سواء كان مجانا أو بعوض.

و الصحيح: عدم جواز ذلك لأن الأراضي الخراجية تكون ملكا للمسلمين على ما يستفاد من الأخبار، تصرف منافعها في مصالحهم العامة و ليس لأحد التصرف في شيء منها الا الإمام العادل الثابتة ولايته عليهم أو المأذون من قبله، و عليه فلو استفيد من الروايات المتقدمة ثبوت الترخيص في جميع تصرفات السلطان في الأراضي الخراجية حتى مثل الاقطاع أو ثبت له الولاية على ذلك كالامام العادل، كان اقطاعه الأرض نافذا و صارت الأرض بذلك ملكا شخصيا للمقطوع له.

و لكنك قد عرفت ان غاية ما يستفاد منها امضاء معاملاتهم على الزكاة و الخراج وضعا و جواز أخذها منهم تكليفا، و لم نعثر على نص خاص دال على جواز اقطاع نفس الأرض، و مقتضى القاعدة الأولية عدم نفوذ تصرفات الغاصب مطلقا، فليس له الاقطاع و لا لغيره قبوله.

[2] قد عرفت جواز أخذ الزكاة و الخراج من السلطان مع العوض و بدونه بعد قبضه لها و حصولها في يده، فهل يخص الجواز بصورة القبض لها أو يعم ما إذا لم يقبضها

بأن يشتري ما في ذمة المستعمل للأرض أو الحوالة عليه أو على من يجب عليه دفع الزكاة خلاف، حكى المصنف ان ظاهر عبارات الأصحاب اختصاص الحكم بما بعد العزل و القبض فلا يجوز المعاملة على الزكاة و لا على الخراج قبل قبض السلطان له.

و أنت خبير بعدم امكان الاعتماد على كلماتهم خصوصا، بعد احتمال كون تعبيرهم بما يوهم الاختصاص، كالتعبير بما يأخذه الجائر مبنيا على الغالب أو ما يعم الأخذ الشأني مع كون مرادهم التعميم، و قد صرح جماعة منهم بعدم الفرق بين ما قبل القبض و ما بعده، و حكى عليه الاجماع كما عن المحقق الثاني.

فالمهم هو الرجوع إلى الأخبار، و هي دالة على عموم الجواز، كقوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي «لا بأس بأن يتقبل الرجل الأرض و أهلها من السلطان»(1)

و الظاهر من قوله في رواية التهذيب «و الخبر هو النصف» الاقتصار عليه، و لم يساعد عليه أهل اللغة، ففي القاموس المخابرة المزارعة على النصف و نحوه كالخبر - بالكسر -، و في مقاييس اللغة 239/1 المخابرة المزارعة على النصف و الربع و الثلث و الأقل و الأكثر و يقال له الخبر أيضا و المخابرة مشتق من اسم خيبر، و في النهاية و تاج العروس أصل المخابرة من خيبر لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أقرها في أيدي أهلها على النصف من محصولها فقيل خابرهم أي عاملهم في خيبر. انتهى. و الخيبر هو الاكار كما في مقاييس اللغة و القاموس و هو العامل في الأرض.

، فانه

1) هذه الرواية ذكرها الشيخ الطوسي في التهذيب 172/2 باب المزارعة و نصها عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام انّه قال في القبالة «ان يأتي الرجل الأرض الخربة فيتقبلها من أهلها عشرين سنة، فإنّ كانت عامرة فيها علوج فلا يحل له قبالتها الا أن يتقبل أرضها فيستأجرها من أهلها، و لا يدخل العلوج في شيء من القبالة فانه لا يحل. و عن الرجل يأتي الأرض الخربة الميتة فيستخرجها و يجري أنهارها و يعمرها و يزرعها ماذا عليه فيها؟ قال: الصدقة. قلت: فإنّ كان يعرف صاحبها؟ قال: فليرد إليه حقه، و قال: لا بأس أن يتقبل الرجل الأرض و أهلها من السلطان. و عن مزارعة أهل الخراج بالربع و النصف و الثلث، قال: نعم. لا بأس به قد قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أهل خيبر أعطاها اليهود حين فتحت عليه بالخبر، و الخبر هو النصف»، و رواها عنه في الوسائل 636/2 في المزارعة باب 81 جواز قبالة الأرض و عدم جواز قبالة جزية الرؤس و لم ينقلها بتمامها، و رواها بتمامها في الوافي المجلد 3-138/10 باب قبالة الأرضين.

لا معنى لتقبل الأرض و أهلها الا تقبل ما في ذمم مستعملها من خراج الأرض و غيرها، و يظهر العموم في بقية الروايات الواردة في تقبل الخراج، فإنّ الخراج صنفان خراج السنة الماضية و خراج السنة القادمة، و كل منهما قابل للتقبل باطلاق الأخبار، فإذا ثبت العموم في الخراج ثبت في الزكاة أيضا بعدم القول بالفصل.

ان قلت: ان مفهوم قوله عليه السّلام في صحيحة الحذاء المتقدمة «ان كان قد أخذها و عزلها فلا بأس» هو عدم جواز الشراء قبل ذلك، و احتمال اختصاص الحكم بالزكاة التي هي مورد الصحيحة فلا ينافي الجواز في الخراج المستفاد من الأخبار المتقدمة، فاسد لأن عدم القول بالفصل بين الزكاة و الخراج يوجب وقوع المعارضة بينهما و بين اطلاقات تقبل الخراج.

قلت: ظاهر صحيحة الحذاء ابتداء و إن كان ذلك، الا ان التأمل فيها يقتضي خلافه، فلا تنافي الاطلاقات أصلا، و ذلك لأن شراء الصدقات انما يجوز من السلطان أو من هو مأذون من قبله في البيع دون غيره، و المفروض في الصحيحة الشراء من المتصدق و هو عامل جباية الصدقات، و الظاهر من هذه الوظيفة خصوص جمع الصدقات و حملها إلى السلطان فلا يجوز الشراء منه، الا أن يعلم

هل يختص حكم الخراج [1]

من الخارج كونه مأذونا في البيع أو يقوم عليه دليل معتبر شرعا و الا فلا تسمع دعواه لذلك، و قد بينا ان اصالة الصحة لا تثبت سلطنة البائع على البيع، هذا قبل قبضه للمال.

و أما بعده فقاعدة اليد تقتضي جواز الشراء منه، لأن يده امارة ملكيته للتصرفات و هذا نظير ما إذا ادعى أحد الوكالة على بيع ملك الغير أو اجارته فانه تسمع دعواه إذا كان المال تحت يده و الا فدعواه غير مسموعة، فالتفصيل في مورد الرواية تفصيل على القاعدة، و لا ربط له بما نحن فيه من تقبل الخراج أو الزكاة من نفس السلطان قبل قبضه لها.

[1] الكلام هنا في ان السلطان الغاصب للخلافة الالهية هل يستحق أخذ الزكاة و المقاسمة بحيث تكون له الولاية عليهما كما للامام أو الفقيه في عصر الغيبة فيجب الدفع إليه و لا يجوز منعه عنهما، أو انّه لم يثبت له سوى امضاء تصرفاته فيهما بعد أخذهما، و الغاية من الامضاء اباحة تصرفات المؤمنين الذين ابتاعوهما من السلطان و لتبرأ ذمة من أخذت منه لئلا يقعوا في الحرج، نظير المعاملة الفضولية فيكون الدفع إلى السلطان من باب التقية و يختص جواز الأخذ منه بصورة الاضطرار إليه، و الظاهر من الأخبار هو الثاني بل ورد المنع عن دفع الصدقات إليه اختيارا كقوله في رواية ابن القاسم «و لا تعطوهم شيئا ما استطعتم»(1)

و هذا الحديث صحيح، فإنّ الأول من شيوخ الاجازة و قد أكثر الكليني الرواية عنه حتى قيل انّه روى عنه في الكافي ما يزيد على خمسمائة حديث، و الفضل بن شاذان النيسابوري جليل القدر من عيون الطائفة، و صفوان غني عن التعريف فانه الذي تعاقد في الكعبة المقدسة مع عبد اللّه بن جندب و علي بن النعمان على ان من مات منهم صلى و صام و حج و زكى عنه من بقي منهم فماتا و وفى صفوان بما عاهدهما عليه، و العيص بن القاسم بن ثابت بن عبيد بن مهران البجلي الكوفي قال النجاشي انّه ثقة و عين من أصحابنا.

، و معه لا مجال للقول

1) رواية ابن القاسم رواها الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 194/3 كتاب الزكاة باب 25 ما يأخذه السلطان من الخراج عن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان عن صفوان بن يحيى عن عيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال «ما أخذ منكم بنو امية فاحتسبوا به و لا تعطوهم شيئا ما استطعتم، فإنّ المال لا يبقى على هذا ان تزكيه مرتين».

بعدم جواز منعها عنه كما ذهب إليه بعض الأعلام(1)

و في شرح القواعد لكاشف الغطاء قدّس سرّه يقوى حرمة سرقة الحصة و خيانتها و الامتناع عن تسليمها أو عن تسليم ثمنها بعد شرائها من الجائر و إن حرمت عليه، و دخل تسليمها في الإعانة على الاثم في البداية أو الغاية لنص الأصحاب على ذلك و دعوى الاجماع فيه.

.

و أما الخراج فلم يرد دليل على المنع، الا انّه لم يرد دليل على وجوب الدفع اختيارا، و ما ورد محمول على المتعارف من فرض عدم امكان التخلص منه، مضافا إلى عدم القول بالفصل بين الزكاة و الخراج، و قد ورد ان الإمام عليه السّلام قال لعلي بن يقطين «ان كنت و لا بد فاعلا فاتق أموال الشيعة فكان يجيبها منهم علانية و يردها اليهم سرا»(2)، فإنّ الظاهر ان المراد بأموالهم الخراج و الزكوات التي تثبت عليهم.


1) في رسالة الخراج للمحقق الكركي/ 44 ما زلنا نسمع من كثير ممّن عاصرناهم لا سيما شيخنا الأعظم علي بن هلال (قدّس اللّه روحه) - و غالب ظني انّه بغير واسطة بل بالمشافهة - انّه لا يجوز لمن عليه الخراج و المقاسمة سرقته و لا جحوده و لا منعه و لا شيئا منه لأن ذلك حق عليه. انتهى.

2) في الكافي على هامش مرآة العقول 391/3 باب 31 من اذن له في الولاية بسنده عن ابراهيم بن أبي محمود عن علي بن يقطين قال «قلت لأبي الحسن عليه السّلام: ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال: ان كنت لا بد فاعلا فاتق أموال الشيعة، قال: فأخبرني علي انّه كان يجيبها من الشيعة علانية و يردها عليهم سرا».

ثم لو قلنا بولاية الجائر فانما هي لمن كان له السلطنة على المعطي دون سلطان القطر الآخر، كما انّه إذا زالت سلطنته تزول ولايته أيضا.

فلا مجال لتوهم وجوب ايصال الزكاة إليه بعد ذلك كما أفتى به بعض مجتهدي عصرنا، و لعله على هذا أو سابقه تحمل رواية ضريس عن محمد بن الحسن باسناده عن زرارة قال «اشترى ضريس بن عبد الملك و اخوه من هبيرة أزرا بثلاثمائة ألف»(1)، فإنّ من المحتمل قريبا ان الأزر كانت من المقاسمة، و حيث كان الشراء لها في أواخر دولة بني امية و في أو إن انقضائها و كانوا مشغولين عن جباية الأموال لاشتغالهم بما هو أهم، فكان ضريس متمكنا من منعهم عن المال اختيارا، فعض الإمام عليه السّلام على اصبعه تضجرا من فعله، و سائر المحامل للرواية ضعيف كما أشار إليه المصنف. و بالجملة: لم يثبت ولاية سلطان الجور على تلك الأموال بل هو غاصب إذا أخذها، فلو تمكن من وجب عليه شيء منها عن الامتناع بأي نحو كان وجب عليه ذلك، و لا يكون الدفع إليه مجزيا لأنّه اعطاء لغير المستحق، بل لا بد له من مراجعة الحاكم إذا تمكن منه لأنّه المتولي لهذه الامور في عصر الغيبة و الا فالى عدول المؤمنين.


1) روى الشيخ الطوسي في التهذيب 102/1 كتاب المكاسب عن ابن أبي عمير عن علي بن عطية عن زرارة قال «اشترى ضريس بن عبد الملك و أخوه من هبيرة أزرا بثلاثمائة ألف، فقلت له: ويلك أويحك انظر إلى خمس هذا المال و ابعث به إليه و احتبس الباقي فأبى علي. قال: فأدى المال و قدم هؤلاء فذهب أمر بني امية. فقلت ذلك لأبي عبد اللّه عليه السّلام. فقال مبادرا للجواب: هو له هو له. فقلت له: انّه قد أداها، فعض على اصبعه»، و رواه عنه في الوسائل 2 / 455 باب 81 جواز شراء ما يأخذه الظالم من الغلاة باسم المقاسمة.

الثالث: ان ظاهر الاخبار [1]

[1] الأراضي باعتبار أخذ الخراج منها على أقسام ثلاثة:

أحدها: الأراضي المفتوحة عنوة المعمورة حين الفتح أو المأخوذة من الكفار صلحا، فانها أراضي خراجية باتفاق الفريقين و هي ملك لجميع المسلمين يصرف خراجها في مصالحهم العامة.

ثانيها: الأنفال و هي الأراضي الموات حين الفتح، و هذه ملك للامام عليه السّلام واقعا و قد ملكها لمن أحياها من المؤمنين، لما ورد من ان من أحيى أرضا فهي له، و لكن العامة يعتقدون كونها من الأراضي الخراجية.

ثالثها: ما تعتقده العامة أيضا عدم كونها خراجية كالأراضي التي هي ملك الأشخاص بارث أو شراء أو التي أسلم أهلها طوعا، أو وقع الصلح معهم بجزية رؤسهم و لكن مع ذلك يأخذ السلطان من ملاكها الخراج ظلما حتى بحسب اعتقاده لا الخراج الشرعي كما يؤخذ ضريبة الأملاك من المالكين في عصرنا.

إذا عرفت هذه الأقسام نقول: القدر المتيقن من أدلة جواز أخذ الخراج من السلطان هو القسم الأول أعني ما إذا كان من الأراضي الخراجية واقعا، كما ان المتيقن خروج القسم الثالث منها و هو المأخوذ من الأراضي التي لا يعتقد السلطان كونها خراجية لعدم صدق عنوان الخراج عليه أصلا و انما هو مال مغصوب، فيكون من الحرام المعلوم حرمته كسائر الأموال المغصوبة.

و انما الكلام في دخول القسم الثاني و هو ما يعتقد السلطان كونه خراجيا، كالأنفال و لم يكن خراجيا عندنا، و الظاهر فيه وفاقا للمصنف الحاقه بالقسم الأول في حل الخراج المأخوذ منها، لاطلاق الأخبار و ترك الاستفصال فيها مع كون أخذ الخراج منها شايعا في تلك الأزمنة. اللهم الا أن يقال بعدم ثبوت الاطلاق لها من

الرابع: ظاهر الأخبار و منصرف كلمات الأصحاب [1]

هذه الجهة، لأنها واردة في الأراضي التي يكون أخذ الخراج منها من حقوق الإمام عليه السّلام لكونها ملكا للمسلمين و هو وليهم، فأجاز عليه السّلام أخذ غيره ارفاقا على الامة فلا يعم الأراضي التي ليس للامام أخذ الخراج منها، و لا أن يأذن فيه لكونها ملكا شخصيا لمن أحياها، فحكم الخراج المأخوذ من هذه الأراضي حكم الزكاة المأخوذة ممّا لا زكاة فيه عندنا فانها غصب بلا اشكال لا يجوز شراؤها منهم، و هذا لو لم يكن أقوى فلا ريب في انّه أحوط.

[1] هل يكون جواز أخذ الزكاة و الخراج من السلطان مختصا بما إذا كان مدعيا للخلافة العامة، أو يعم غيره ممّن خرج على سلطان الوقت و استولى على بعض الأراضي و أخذ من أهلها الخراج أو كان السلطان مؤمنا معترفا بأنّه غاصب لذلك المقام لا يدعي لنفسه الرئاسة العامة حتى في مقام العمل أو استولى كافر على بلاد الإسلام و أخذ من أهلها الخراج. ربما يدعى العموم كما يظهر من صدر كلام المصنف تمسكا بدليل نفي الحرج، و اطلاق بعض الأخبار كقوله عليه السّلام في صحيحة محمد بن مسلم «كل أرض دفعها اليك سلطان فعليك فيما أخرج اللّه منها الذي قاطعك عليه»، و قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي «لا بأس أن يتقبل الرجل الأرض و أهلها من السلطان».

و لكن الصحيح: هو الاختصاص بالسلطان العام المدعي للخلافة و إن كان على خلاف اعتقاده، فإنّ الاعتقاد لا أثر له بل لا نشك في شمول أخبار جواز أخذ الخراج و الزكاة من خلفاء بني العباس و بني امية و من تقدمهم الذين يعتقدون واقعا غصبهم لهذا المنصب الالهي.

و أما التمسك للعموم بدليل نفي الحرج، فإنّ اريد به لزوم الحرج من حرمة أخذه

السلطان الذي لا يدعي الخلافة العامة.

ففيه: أوّلا: منع لزوم الحرج من ذلك لأن المال المأخوذ منه مجانا أو بعوض ان علم بكونه من الخراج أو الزكاة وجب رده إلى أهله، و الا فمقتضى اليد جواز أخذه منه و إن احتمل كونه منه لوجود املاك خاصة له بل و لو كان طرفا للعلم الاجمالي، فإنّ العلم الاجمالي بحرمة بعض أموال المعطي لا يوجب حرمة الأخذ منه مع خروج الأطراف عن محل ابتلاء الآخذ، نظير الأخذ ممّن يعلم بأنّه ممتنع عن أداء الحقوق الواجبة من الخمس و الزكاة، و من الظاهر عدم لزوم الحرج في الامتناع عن أخذ ما علم بكونه خراجا أو زكاة من السلطان الذي لا يدعي الخلافة.

و توهم: لزوم الحرج من حيث ان السلطان يعطي الخراج و الزكاة إلى خدمه و حشمه و عماله في البلاد على كثرتهم، فيكثر ابتلاء الناس بمعاملاتهم فيكون حرمة أخذ تلك الأموال منهم حرجيا.

فاسد: لما عرفت من ان حرمة الأخذ منهم مختصة بما إذا علم تفصيلا كون ما في أيديهم من تلك الأموال، و الا فقاعدة اليد جارية فيهم لاحتمال وجود أموال محللة عندهم، و حينئذ يكون العلم بان ما بأيديهم محرم نادرا.

و ثانيا: إذا كان هذا حرجيا فالمنع عن أخذ غير الزكاة و الخراج ممّا يأخذه السلطان بعنوان العشور من غير الأراضي الخراجية و الكمارك و نحوها أيضا حرجي، فلا بد و إن يرتفع بحديث نفي الحرج و هو بديهي الفساد، و لعل هذا مراد المصنف بقوله و يمكن أن يرد لزوم الحرج بلزومه على كل تقدير، فإنّ السلطان يأخذ الخراج غالبا من الأراضي الخراجية و يأخذ غيره من وجوه الظلم و يجمع جميعه في محل واحد بلا مايز بينها.

و إن اريد بلزوم الحرج هو اجتزاء الدافع إلى السلطان بما دفعه إليه لعدم براءة ذمته بذلك، فيكون وجوب الدفع عليه ثانيا حرجيا.

ففيه: ان تشريع الخراج و الزكاة مبني على الضرر و الحرج، فلا يرتفع بالعناوين الثانوية الرافعة للتكليف بمعنى ان وجوبها لا يسقط بكون الاعطاء حرجيا. و بعبارة اخرى أخذ الجائر من الأموال بمقدار الخراج أو الزكاة جورا يكون نظير ما إذا غرق أو احترق أو سرق من أمواله بمقدار الزكاة، فكما لا يسقط به وجوب الزكاة و الخراج فلا يسقط أيضا بما يأخذه الجائر، و الا لزم القول ببراءة ذمته في جميع تلك الفروض، لأن لزوم الاعطاء عليه حرجي، و كذا يلزم القول ببراءة ذمة المديون عن الدين إذا سرق منه بمقداره أو أخذ منه ظلما و لو بذاك العنوان، لأن اشتغال ذمته بعد ذلك حرج عليه.

و الحاصل: ان دليل نفي الحرج لا يوجب براءة ذمة الإنسان عما اشتغلت به و إن كان الموجب للحرج أخذ المال منه ظلما بذاك العنوان الذي اشتغلت به ذمته، اذ لا ربط لظلم الغير بذلك أصلا.

و أما اطلاق الأخبار فهو أيضا ممنوع، لعدم كونها في مقام بيان أي سلطان يأخذ المال، فإنّ الأخذ من السلطان كان فيها مفروغا عنه عند السائل و انما السؤال عن الجهات الاخر التي أشار إليها المصنف قدّس سرّه، مثل جواز ادخال أهل الأرض الخراجية في تقبل الأرض كما في صحيحة الحلبي، و جواز أخذ أكثر ممّا تقبل به الأرض من الاكرة، و جواز التقبل مع احتمال ان لا يحصل له شيء من الأرض و ما يتعلق بها، فتكون الروايات من الجهة المبحوث عنها كالقضية الشخصية دون الحقيقية، فليس لها اطلاق، و المتيقن منها هو السلطان المدعي للخلافة كما كان حال السلاطين في

الخامس: الظاهر انّه لا يعتبر في حل الخراج [1]

السادس: ليس للخراج قدر معين [2]

عصر الأئمة عليهم السّلام هذا مضافا إلى انّه لا يبعد انصراف السلطان إلى ذلك فأخذ غيره الخراج يكون باقيا تحت القاعدة الأولية لعدم المخصص.

[1] قد يتوهم اختصاص جواز أخذ الخراج و الزكاة من السلطان الجائر بما إذا كان المأخوذ منه معتقدا باستحقاق السلطان لها، و لا يعم من لا يعتقد ذلك بأن كان الدفع إلى السلطان تقية و اضطرارا كالمؤمنين من الشيعة أو الكافر، و يتمسك لذلك بما ورد في الأخبار في باب النكاح و الارث بالزامهم بما التزموا به على أنفسهم(1).

لكن الصحيح: هو التعميم، اذ ليس الوجه في الجواز قاعدة الالزام، و الا لما احتجنا إلى الروايات الخاصة بل المدرك لذلك هو الاخبار و هي مطلقة بل بعضها مختص بالمؤمن، كرواية الحذاء حيث قال في الجملة الثانية منها «قلت: فما ترى متصدق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا فنقول بعناها» الحديث، فإنّ مورد السؤال فيها ان المأخوذ منه من الشيعة.

[2] من الواضح ان الزكاة لها مقدار معين، و أما الخراج فليس له قدر معين، فيكون المناط فيه ما وقع عليه التراضي مع السلطان، و يختلف ذلك حسب اختلاف الأراضي من حيث قلة الماء فيها و كثرته و صلاحيتها للعمران و غير ذلك ممّا له دخل في سهولة الزرع و السقي و صعوبته و لو كان ذلك أكثر من اجرة مثل الأرض. نعم يعتبر في ذلك أن يكون بمقدار صالح لا يضر بحال العامل و لا يكون اجحافا به،


1) في الوسائل 368/3 باب 3 من ميراث المجوس عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن عليه السّلام قال «الزموهم بما الزموا به»، و في المستدرك 172/3 عن عوالي اللآلي روى انّه قال «كل قوم دانوا بشيء يلزمهم حكمهم»، و رواه في الوسائل في هذا الباب.

السابع: ظاهر اطلاق الأصحاب [1]

بحيث لم يتمكنوا مع أدائه الا من العيش الضنك، خصوصا إذا لم يكن المتقبل مختارا في القبالة لاضطراره إلى مساقاة تلك الأرض التي كان يزرعها عدة من السنين فيتضرر بالارتحال عنها، فيكون أخذ الزائد على المتعارف غصبا، و لا يكون من الخراج لعدم طيب نفس المعطي و عدم رضاه بذلك.

و يشهد لهذا قوله عليه السّلام في مرسلة حماد بن عيسى «على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج النصف أو الثلث أو الثلثان، و على قدر ما يكون لهم صالحا و لا يضر بهم» الحديث(1)

و لم يذكرها بتمامها في الوسائل، و انما ذكر قطعة منها في أوّل الخمس الباب 2 الحديث 5، و قطعة اخرى في باب الأنفال الحديث 4، و القطعة المذكورة هنا ذكرها في كتاب الجهاد باب 41 كيفية قسمة الغنائم الحديث الثاني، و الكليني ذكر هذه القطعة المذكورة هنا في الكافي على هامش مرآة العقول 376/3 باب 18 قسمة الغنيمة من كتاب الجهاد الحديث 4.

، فإنّ من عمّر أرضا يصعب عليه الارتحال عنها غالبا.

[1] هل يختص جواز قبول هدية السلطان من الخراج و المقاسمة بما إذا كان بمقدار استحقاقه من ذلك المال، أو يعم ما إذا كان أكثر.

الصحيح: هو الأول حيث لم نعثر في جواز أخذ هدية السلطان من الخراج أو


1) مرسلة حماد بن عيسى طويلة ذكرها بتمامها الكليني في اصول الكافي في كتاب الحجة باب الفيء و الأنفال و تفسير الخمس، و تجدها في النسخة المطبوعة بطهران مطبعة الحيدري 529/1 الحديث 4 و النسخة التي على هامش مرآة العقول 343/1 حديث 4، و ذكرها الشيخ الطوسي بتمامها في التهذيب 254/1 باب قسمة الغنائم قبل الأنفال، و ذكرها بتمامها الفيض الكاشاني في الوافي المجلد 2-39/6 جملة الغنائم و الفوائد عن الكافي و التهذيب.

الثامن: ان كون الأرض خراجية [1]

الزكاة على رواية واحدة، فإنّ الروايات المتقدمة كانت واردة في امضاء الإمام عليه السّلام معاملة الناس مع السلطان بشراء الزكاة أو الخراج منه و من عماله أو تقبله أو تقبل الأرض الخراجية، و من الواضح أن المعاملة مبنية على التراضي و لا يعتبر في صحتها استحقاق كل منهما لما ينتقل إليه، فيبقى أخذ ذلك منه بعنوان الهدية تحت القاعدة الأولية المقتضية للاقتصار على مقدار الاستحقاق، كما ان قوله عليه السّلام في رواية الحضرمي «ما يمنع ابن أبي سماك أن يبعث اليك بعطائك، اما علم ان لك نصيبا في بيت المال» لا يدل على جواز أخذ أكثر من مقدار الاستحقاق بل ظاهره الاختصاص.

نعم ورد في جوائز السلطان روايات مطلقة، و قد تقدم الكلام فيها و في أقسامها، و عرفت ان الجواز فيها يكون القاعدة لأن الأخذ لا يعلم بأن ما يأخذه أكثر من استحقاقه من الخراج أو الزكاة، لاحتمال كونه من أموال السلطان الشخصية.

و هذا تمام الكلام في بعض أحكام الخراج، و الزكاة المأخوذة من السلطان، و قد اقتصرنا فيها على الجهات المهمة لعدم ترتب أثر عملي عليه، حيث لا يمكننا اثبات خراجية الأرض أوّلا، و ثانيا ليس في عصرنا سلطان مدعي الخلافة العامة على المسلمين.

[1] بعد ما عرفت ان مقتضى الأخبار جواز أخذ الخراج و الزكاة من السلطان بعنوان المعاملة و المعاوضة بأي مقدار كان و بعنوان الهبة بمقدار استحقاق الأخذ لا أكثر و كذا فيما يؤخذ من الأنفال بعنوان الخراج، و لا بد لنا في تعين الأراضي الخراجية و بيان ما يعتبر فيها امور ثلاثة:

الأول: أن تكون الأرض مفتوحة عنوة بالقهر و الغلبة، و يلحق بها الأراضي التي

وقع عليها الصلح على أن تكون للمسلمين، فإنّ غيرها لا يجوز أخذ الخراج منها سوى الأنفال على رأي أهل السنة، و ثبوت هذا بالعلم الوجداني و بالشياع المفيد للاطمئنان أو بالبينة العادلة، و بأخبار العدل الواحد بناء على اعتباره في الموضوعات ممّا لا اشكال فيه، و أما بغير ذلك من قول المؤرخ أو اصالة الصحة في فعل السلاطين أو السيرة على أخذ الخراج من الأرض ممنوع، الا إذا كانت السيرة مستمرة إلى زمان مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام بحيث يثبت انه عليه السّلام كان يأخذ الخراج من الأرض المعينة، فانه لا اعتبار بسيرة سلاطين الجور كما لا تجري في فعلهم اصالة الصحة.

و التحقيق: ان البحث في المقام يقع في جهات ثلاثة:

الاولى: في وظيفة من بيده الأرض التي يشك في كونها من المفتوحة عنوة و قد تقبلها من السلطان.

الثانية: في جواز تقبلها أو أخذ خراجها من السلطان.

الثالث: في جواز الأخذ ممّن أخذ من السلطان.

أما الجهة الاولى: فبعد ما علم المتصرف في الأرض بعدم كونها له فجواز تصرفه مبني على ثبوت مجوز شرعي لتصرفه فيها، فإنّ علم من القرائن و الامارات بمرور يد على تلك الأرض سابقا التي هي امارة الملكية، فلا بد أن يعامل معها معاملة مجهول المالك إذا علم ببقاء المالك السابق أو وارثه أو استصحبه، و إذا علم بانقراضه و عدم الوارث له و لو بالاستصحاب كانت الأرض ملكا للامام عليه السّلام لأنّه وارث من لا وارث له، فيحكم بكونها ملكا للزارع إذا كان مؤمنا لأنّه عليه السّلام ملك الأراضي للشيعة.

و إن لم يعلم بسبق يد مالكية عليها، اما للعلم بعدم سبق يد على تلك الأرض أصلا، أو كنت مسبوقة بيد غير مالكية فاستصحاب عدم كونها معمورة حال الفتح و عدم انتقالها إلى المسلمين يقتضي أن تكون من الأنفال، فهي للامام عليه السّلام ابتداء ثم تصير ملكا لمن أحياها بتمليك الإمام عليه السّلام، كما صرح بذلك في الروايات فلا يكون المتصرف فيها مشغول الذمة بالخراج، و ما يأخذه السلطان منه بهذا العنوان غصب فأمر المتصرف في تلك الأراضي دائر بين الأمرين المذكورين.

و أما توهم ان اصالة الصحة في فعل المسلم يقتضي صحة عقد الخراج، و اجرائها في فعل السلطان يقتضي كون الأرض خراجية.

فاسد لأن غاية ما تقتضيه هذه القاعدة على ما يستفاد من الأخبار ان المسلم لم يفعل قبيحا محرما تكليفا، و أما الصحة وضعا فلا، و لذا ذكر المصنف قدّس سرّه انّه لا يجب رد السلام على من تكلم بكلام يشك المخاطب في انّه شتم له أو سلام عليه باجراء اصالة الصحة في فعله.

ان قلت: قد قام الاجماع القطعي على جريان اصالة الصحة في المعاملات إذا شك في صحتها و فسادها و ترتيب آثار الصحة عليه من حصول النقل و الانتقال و غير ذلك، فأي مانع من جريانها في عقد الخراج الذي هو في الحقيقة عقد اجارة للأرض فيثبت به كون الأرض خراجية.

قلت: انما تجري اصالة الصحة من حيث الحكم الوضعي فيما إذا كانت ولاية العاقد على العقد و مالكيته له محرزة من الخارج و كان الشك في الصحة من الجهات الاخر، و أما إذا احرز عدم ولايته لذلك كما في المقام لأن السلطان الجائر ليس له ولاية عقد الخراج على الأرض الخراجية، و انما أمضى الإمام عليه السّلام بعض معاملاته

و هو لا يستلزم الولاية له على العقد، و كذا إذا شككنا في ان العاقد له ولاية العقد أو ليست له كما إذا باع شخص مالا لم يكن تحت يده و احتملنا كونه له فلا دليل على جريان اصالة الصحة هناك أصلا.

ان قلت: ان يد السلطان الثابتة على الأرض تقتضي صحة معاملاته عليها، فإنّ اصالة الصحة من حيث الحكم الوضعي ممّا يترتب على اليد لا محالة، و يستكشف بذلك كون الأرض خراجية.

قلت: ان اليد انما تكون معتبرة فيما إذا لم يعلم كونها عادية كما في المقام، فإنّ السلطان لم يكن له وضع اليد على تلك الأراضي و لا التصرف فيها و انما كان ذلك وظيفة الإمام عليه السّلام، فالسلطان غاصب جائر و قد أمضى الإمام عليه السّلام بعض معاملاته الواقعة على الأرض، و قد ذكرنا أنّه لم تثبت له الولاية، على ان ترتب اصالة الصحة على اليد انما يكون فيما إذا احتمل كون ذي اليد ممّن يراعي الامور الشرعية المعتبرة في المعاملة فيحمل بسبب اليد فعله على الصحيح، و أما إذا علم عدمه و لو من جهة العلم بغفلته و كان احتمال الصحة لمجرد المصادفة الواقعية كما إذا علمنا بأن المتوضئ بمايع معين غافل عن أنّه ماء أو مايع مضاف فلا مجال لأصالة الصحة فيه، و فيما نحن فيه ليس السلطان الجائر ممّن يراعي المجوز الشرعي في أخذ الخراج.

و التمسك بسيرة السلاطين لا عبرة به ما لم يثبت امضاؤها من الإمام عليه السّلام، و لو بكونها في مرأى منه و لم يردع عنها مع التمكن منه، و من المحتمل قريبا عدم تمكن الأئمة عليهم السّلام من الردع عن سيرة السلاطين فهي ساقطة جزما.

و أما الجهة الثانية: و هي حكم من يريد أخذ خراج تلك الأراضي من السلطان

الثاني: أن يكون الفتح [1]

فابتداء لا بد له من الرجوع إلى الزارع و لكن بما انّه يعلم بعدم كون الأرض ملكا له فيجري في حقه ما تقدم في وظيفة الزارع، من انّه إذا علم بسبق يد مالكية على الأرض كان المال الواقع بيده من مجهول المالك لأنّه ليس في تلك الأرض خراج، فما أخذه بذاك العنوان غصب إلاّ إذا ثبت انتقالها إلى الإمام عليه السّلام بعنوان كونه وارث من لا وراث له، و الا فهي من الأنفال و يجوز الأخذ بناء على جواز ذلك في الأنفال كما تقدم.

و أما الجهة الثالثة: و هي أخذ المال ممّن أخذه من السلطان، فإنّ احتمل في اليد المتوسطة ان تكون معتبرة ناشئة من سبب صحيح و مع الفحص عن المجوز الشرعي و ثبت لديه كون الأرض خراجية فلا مانع من اجراء اصالة الصحة في فعله فيجوز الأخذ منه، و الا فإنّ كانت اليد المتوسطة مثل يد نفس الجائر فحكم الأخذ منها حكم الأخذ من الجائر.

[1] هذا هو الشرط الثاني من الشروط الثلاثة، و هو أن يكون الفتح باذن الإمام عليه السّلام، و المعروف اعتباره و الا فتكون ملكا للامام عليه السّلام، و قد نسب فيه الخلاف إلى بعض، فينبغي التكلم فيه صغرى و كبرى، و نعني بالكبرى الشبهة الحكمية و هي اثبات أصل الاشتراط، و بالصغرى الشبهة الموضوعية و هي اثبات اذن الإمام عليه السّلام في أي أرض.

أما الكبرى فالدليل على اعتبار اذن الإمام عليه السّلام ما في الوسائل باسناده عن العباس الوراق عن رجل سماه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال «إذا غزى قوم بغير اذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلها للامام عليه السّلام، و إذا غزوا بأمر الإمام عليه السّلام فغنموا كان للامام

الخمس»(1)، و العمل بها مبني على القول بانجبار ضعف الخبر بعمل الأصحاب بعد فرض استناد المشهور إليها، و كلا الأمرين ممنوع، هذا مضافا إلى انّه لا يبعد دعوى انصراف الغنيمة إلى الأموال المنقولة من الأمتعة و غيرها، فلا يعم الأراضي، و يؤكد ذلك وجوب اخراج الخمس منها.

و على فرض الاغماض عن جميع ذلك و تسليم الاطلاق و القول بأن الانصراف بدوي تقع المعارضة بينها و بين اطلاق ما ورد من كون الأراضي المفتوحة عنوة ملكا للمسلمين بالعموم من وجه كقوله عليه السّلام في مرسلة حماد بن عيسى «و الأرضون التي أخذت عنوة بخيل و ركاب فهي موقوفة متروكة في أيدي من يعمرها و يحميها و يقوم عليها و يقوم على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج النصف و الثلث أو الثلثان» الحديث.

فإنّ المرسلة أعم من هذه الأخبار، لأن موضوعها الغنيمة التي تشمل الأموال المنقولة و الأراضي، و أخص منها باعتبار اشتراط اذن الإمام عليه السّلام فيها، و الأخبار تكون أعم من المرسلة لعدم اشتراط الاذن فيها، و أخص منها لأن موضوعها خصوص الأراضي، و مورد المعارضة الأراضي المفتوحة عنوة بغير اذن الإمام عليه السّلام، و بما ان التعارض بالاطلاق فالقاعدة تقتضي التساقط، فيرجع إلى عموم قوله تعالى وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ‌ (2)

الأول: رأي الإمامية انّه ينقسم على ستة أسهم كما نص به القرآن الكريم و صريح أحاديث أهل البيت عليهم السّلام و المراد من ذي القربى هو الإمام من قبل اللّه تعالى فالأسهم الثلاثة الأول له خاصة، و في زمن الغيبة إلى نظر الفقيه الجامع للشرائط، و لم يعبء المحققون منهم بمن شذ عن هذا الرأي فحكم بالوصية به أو دفنه أو غيرهما لما فيه من التعريض للتلف و اذهاب المال بغير فائدة كما نبه عليه في الجواهر.

و قول الآلوسي في تفسيره روح المعاني 5/10 في الأنفال على رأي الشيعة يخبأ سهم الإمام في السرداب إلى ان يرجع من غيبته ناش عن عصبية ممقوتة، و كم له من تهجمات على الشيعة في هذا التفسير و في رحلته الكبيرة و في رسالته الأجوبة العراقية تأباها الانسانية الحرة، و لا فبمرئ منه كتب الشيعة الحاوية لآراء المحققين منهم، و الكل ينادون بصراحة بأن مرجع حصة الإمام عليه السّلام إلى نظر الفقيه النائب عنه في عصر الغيبة أو يصرفه على الفقراء من بيده حق الإمام عليه السّلام كما حكاه في الجواهر عن الغرية للمفيد و الحدائق للمحدث البحراني.

الثاني: مذهب أبي العالية، و هو كما في تهذيب الأسماء للنووي 251/2 رفيع بالتصغير بن مهران مولى امرأة من تميم أعتقته سايبة و أسلم بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و اله بسنتين و صلى خلف عمر، و في تهذيب ابن حجر 285/3 أدرك أمير المؤمنين عليه السّلام و لم يسمع منه، و نقم عليه حديث الضحك في الصلاة حتى قال الشافعي في أدبه/ 222 حديث الرياحي رياح.

و أبو العالية وافق الإمامية في التقسيم إلى ستة أسهم، الا انّه انفراد في تفسير سهم اللّه تعالى فانه قال يقبض الإمام من المال ما يحمل كفه فيجعله للكعبة حاكيا فعل النبي صلّى اللّه عليه و اله كذلك، و لم يجتمع بالنبي صلّى اللّه عليه و اله ليرى فعله أو يسمع منه و لا رواه غيره، حكى هذا الرأي عنه ابن قدامة الحنبلي في المغني 405/6 و العيني في عمدة القاري شرح البخاري 140/7، و لكن ابن حجر في فتح الباري 133/6 نسب إليه تخميس القسمة على أن يكون السهم الأول و هو سهم الرسول صلّى اللّه عليه و اله عبارة عن سهمين سهم للّه تعالى و سهم لرسوله و بعده فالامام يضعه حيث ما يراه.

الثالث: قسمته على خمسة أسهم بأسقاط سهم اللّه تعالى، اما لأن سهم اللّه و سهم رسوله واحد كما في المغني لابن قدامة 406/6، أو لأن اللام الداخلة على لفظ الجلالة للتبرك و التيمن باسمه الشريف كما في أحكام القرآن لابن العربي 351/1 و البحر الرائق لابن نجيم الحنفي 91/5، و روى ابن قدامة في المغني عن الحسن بن محمد بن الحنفية ان اللام جيء بها للافتتاح باسمه الشريف. و في فتح الباري 133/6 اجمعوا على ان اللام للتبرك. و على كل فالأسهم الأربعة الاخر لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل، و قال ابن حزم في المحلى 329/7: ذهب إلى هذه القسمة الخماسية الأوزاعي و سفيان الثوري و أبو ثور و اسحاق و أبوسليمان و النسائي، و عليها استقر رأي أبي يوسف القاضي و الشافعي.

و ممّن صرح بالنسبة إلى الشافعي الرازي في التفسير في الأنفال و الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع 124/7، و ابن قدامة في المغني 405/6 و ابن رشد في البداية 359/1 الفصل الأول من الجملة الثانية، و اختاره من الشافعية ابن حجر في شرح المنهاج 113/3 و الشيرازي في المهذب 263/2، و قد نص الشافعي في الام 77/4 باب الخمس فيما لم يوجف عليه على تخميس قسمة الخمس و إن اللام في «للّه» تعالى للافتتاح. و على هذا التقسيم إلى خمسة أسهم أفتى الحنابلة منهم القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية/ 121 و ابن قدامة في المغني 408/6 و ابن مفلح في الفروع 608/3.

الرابع: مذهب أبي حنيفة و هو أن يقسم إلى ثلاثة أسهم اليتامى و المساكين و ابن السبيل و لا يكون للنبي صلّى اللّه عليه و اله بعد وفاته، لأن ما يأخذه في حياته كالصفايا و بموته يسقط كما تسقط الصفايا، و لا يكون الذي القربى سهم لأن النبي صلّى اللّه عليه و اله انما أعطاهم للحاجة فيدخلون في الثلاثة الاخر، نص عليه الكاساني في بدائع الصنائع 124/7 و الشعراني في الميزان 155/2 و ابن حزم في المحلى 329/7 و الرازي في التفسير في الأنفال، و قال ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق 90/5: الخلفاء الأربعة قسموه على ثلاثة أسهم و كفى به قدوة. انتهى.

الخامس: مذهب مالك من ان الخمس كله يجعل في بيت المال و يعطي الإمام أقرباء النبي صلّى اللّه عليه و اله على ما يرى، نص عليه ابن قدامة في المغني 405/6 و الرازي في تفسير مفاتيح الغيب، و عبارة «المدونة الكبرى» 386/1 ألفيء و الخمس سواء يجعلان في بيت المال يعطي الإمام أقرباء النبي صلّى اللّه عليه و اله على قدر ما يرى و يجتهد. انتهى.

و لعل مستنده ما رواه في الموطأ باب ما جاء في الغلول 29/3 من شرح الزرقاني عليه عن عمرو بن شعيب ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال «و الذي نفسي بيده ما لي ممّا أفاء اللّه عليكم و لا مثل هذه الا الخمس و الخمس مردود عليكم». انتهى.

و في تلخيص المدونة لابن رشد في ذيلها 384/1 ان مذهب مالك في الفيء و الخمس يوضعان في بيت المال لمنافع جميع المسلمين و لا يختص بذلك الأصناف المذكورة في الآيتين. انتهى. و به أفتى ابن رشد في بداية المجتهد 359/1 الفصل الأول من الجملة الثانية، و تابعه الزرقاني في شرحه على مختصر أبي الضياء في فقه المالكية 127/3.

السادس: ما في عمدة القاري للعيني 140/7 كتاب الجهاد باب قول اللّه فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ الخ، من النسبة إلى ابن عباس ان الخمس يقسم إلى أربعة أسهم فربع للّه و لرسوله و ما كان لهما فهو لقرابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و لم يأخذ النبي من الخمس شيئا، و الثلاثة أرباع للأقسام الثلاثة، و نسبه إلى ابن عباس الصولي في أدب الكاتب/ 202.

السابع: ما نسبه العيني في عمدة القاري 140/7 إلى القيل من اختصاص ذوي القربي بجميع الخمس. انتهى.

و لم يذكر المستند فيه كما لم يبين المراد هل العموم الشامل لبني عبد شمس و بني نوفل أم لا، و في أدب الكاتب للصولي/ 202 ان اليتامى و المساكين يشمل عموم الناس غير بني هاشم و ابن السبيل الضعيف الفقير، و على كل فما في التبيان للشيخ الطوسي و مجمع البيان للطبرسي عند قوله تعالى في الأنفال فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ‌ من نسبة تربيع القسمة إلى الشافعي لا أعرف مستنده، و لعله اشتباه من النساخ.

و سهم الرسول صلّى اللّه عليه و اله بعد وفاته عند الشافعي يصرف في المصالح العامة من بناء القناطر و المساجد و ارزاق القضاة - الخ، و عند أحمد يصرف على الذين دونت أسماؤهم للجهاد و حفظ الثغور، نص عليه الشعراني في الميزان 155/2.

و ممّا يضحك الثكلى ما في شرح المنهاج لابن حجر 114/3 من تعليل عدم الملك للأنبياء بأنهم لو كانوا يملكون لتمنى وارثهم موتهم و هو كفر، و من هنا لا يطرأ عليهم الشيب لأن النساء يكرهنه و كراهتهن له كفر و أيضا لو كانوا يملكون لتمنوا جمع المال الكثير حتى يرثه من بعدهم و قد تنزهوا عن تمني جمع المال. انتهى.

، فإنّ ظاهره اختصاص حصة الإمام بالخمس دون

1) الوسائل 2 كتاب الخمس/ 65 باب الأنفال للامام.

2) آراء الفقهاء في قسمة الخمس ترتقي إلى سبعة:

غيره، و بما ان الباقي لا يحتمل أن يكون ملكا لخصوص المجاهدين فلا محالة يكون من الأراضي الخراجية التي تصرف في مصالح المسلمين عامة، و يؤيده أمران:

الأول: ما ورد في السؤال عن حكم الأرض الخراجية و تقبلها، فانه ظاهر في السؤال عن الأرض التي يعامل معها معاملة الأرض الخراجية في تلك الأعصار، و لم يفصل الإمام عليه السّلام فيها بين ما كان فتحها باذن الإمام و ما لم يكن كذلك، و ترك الاستفصال دليل عدم الاعتبار.

الثاني: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «سألته عن سيرة الإمام عليه السّلام في الأرض التي فتحت بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله‌؟ فقال عليه السّلام: ان أمير المؤمنين عليه السّلام قد سار في أهل العراق بسيرة هي أمام لسائر الأرضين، و قال: ان أرض الجزية لا ترفع عنهم الجزية و انما الجزية عطاء المهاجرين، و الصدقات لأهلها الذين سمى اللّه في كتابه ليس لهم في الجزية شيء، ثم قال: ما أوسع العدل ان الناس يتسعون إذا عدل فيهم و تنزل السماء رزقها و تخرج الأرض بركتها باذن اللّه تعالى»(1)فانها دالة على انه عليه السّلام كان يأخذ الخراج من أرض العراق التي فتحت عنوة، و جعل أبو جعفر عليه السّلام هذه السيرة كبرى كلية لحكم سائر الأرضين التي فتحت أو تفتح عنوة بعد ذلك في عهد الخلفاء. و احتمال اعتبار اذن الإمام عليه السّلام موهون جدا فاشتراط اذن الإمام عليه السّلام غير ثابت و إن كان مشهورا و ادعى عليه الاجماع.

و أما الصغرى: و هي تعيين الأراضي التي فتحت باذن الإمام عليه السّلام، فإنّ ثبت بالعلم أو الشياع المفيد للاطمئنان أو البينة أو شهادة العدل الواحد بناء على اعتبارها في الموضوعات فيؤخذ به، و الا فالأصل عدم استناد الفتح إلى اذن الإمام عليه السّلام لو اعتبرنا الاستناد فانه عدم أزلي، أو ان الأصل عدم تحقق اذن الإمام ان اعتبرناه، و حينئذ فلا بد من النظر فيما يقطع هذا الاستصحاب.

و قد يستدل على اثبات اذن الإمام عليه السّلام مطلقا أو في الجملة بامور:

منها: رواية الخصال التي تمسك بها المصنف رحمه اللّه لكون ما فتح في زمن عمر بن


1) التهذيب 250/1 في الزيادات من الزكاة باب مستحق اعطاء الجزية من المسلمين، و في الوسائل 438/2 كتاب الجهاد باب 29 من يستحق الجزية عن الكافي و التهذيب.

الخطاب من الأراضي عن اذن أمير المؤمنين عليه السّلام، و مورد الشاهد فيها قوله عليه السّلام «و أما الرابعة - أي من المواطن التي امتحن بها بعد النبي صلّى اللّه عليه و اله، ان القائم بعد صاحبه - و كان يشاورني في موارد الامور فيصدرها عن رأي و يناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأي لا أعلمه أحدا و لا يعلمه أصحابي و لا يناظرني غيره» الحديث(1)

و الموارد التي كان عمر يستشير بها أمير المؤمنين عليه السّلام و يمضي على رأيه كثيرة، منها ما ذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج 425/2 و 426 من استشارته عليا عليه السّلام في المسير لحرب الفرس في القادسية فمنعه أمير المؤمنين عليه السّلام و عمل بمشورته.

و في الأخبار الطوال للدنيوري/ 135 في واقعة نهاوند، و في شرح النهج 389/2 في واقعة الروم، و في المغرب في حلى المغرب لابن سعيد 17/1 استشار عمر عليا عليه السّلام في مسير عمرو بن العاص إلى مصر و عمل بمشورته، و في الاستيعاب على هامش الاصابة 546/3 كان علي عليه السّلام يشير على عمر و يعمل بمشورته و يقول، أنت أفضلنا رأيا و اعلمنا، و في المبسوط للسرخسي 71/16 ذكر ذلك.

، و لا اشكال في ان أهم الامور الخروج لجهاد المشركين، فهو داخل في عموم المشاورة في الامور التي لا يصدرها الا عن رأي أمير المؤمنين عليه السّلام، كما ان الامور المنافية لرياسته و خلافته خارجة عنه قطعا، فمورد المشاورة الامور الملتئمة مع منصب خلافته.

و هذه الرواية ضعيفة السند، و اعتماد القميين عليها و اثباتهم لها في كتبهم لا يوجب اعتبارها، و إن عرف عنهم التحرج في اثبات الخبر الضعيف إذا لم يحتف بما يعضده، لأن الثابت عنهم الاهتمام بالأخبار المتضمنة للأحكام الالهية، و أما


1) هذه الرواية بطولها في خصال الصدوق 14/2 باب السبعة عند ذكر الأشياء التي امتحن بها الأوصياء في حياة أنبيائهم و بعد ممّاتهم، و الخصلة الرابعة المذكورة هنا في الخصال / 20، و في السند رجال لم يذكرهم علماء الرجال ليتعرف أحوالهم.

الحوادث التاريخية فلم يعرف ذلك عنهم، فالخبر الضعيف السند لا يمكننا الاعتماد عليه ما لم يحصل الوثوق به، و لم نحرز القرينة المساعدة على هذا الحديث.

و منها: ما هو المعروف من حضور أبي محمد الحسن بن أمير المؤمنين عليه السّلام في بعض الغزوات، و خروج بعض خواص الأئمة عليهم السّلام مع الجيش، فيستفاد منه اذن الإمام عليه السّلام في الجهاد.

و فيه: عدم ثبوت ذلك، و عدم معلومية الوجه في حضورهم، و لعله للتقية(1)

و في تاريخ ابن خلدون 2 /القسم الثاني/ 128 و الاستقصاء بأخبار المغرب الأقصى 39/1 كان الحسنان عليهما السّلام في فتح افريقيا، و في تاريخ الطبري 57/5 و ابن خلدون 135/2 كانا في فتح طبرستان، هذا ما عند المؤرخين قصدا إلى تبرير أعمال رؤساء الأمة، و الا فلماذا لم يخرج أمير المؤمنين عليه السّلام مع الجيش مع ان مغازي الرسول صلّى اللّه عليه و اله قامت بسيفه و جهاده و هكذا أيام خلافته، و لو تنازلنا إلى موافقة المؤرخين فإنّ الغاية الفذة للامامين عليهما السّلام تثبيت الجيش و ارشاده إلى سنن الحق و ابداء التعاليم الناجعة فيما يكون به الفتح المبين، و هذا هو الوجه في مسير أتباع الأئمة مع الغزاة و قبول الأعمال من الخلفاء اقامة للعدل و تثقيفا للاود و كبحأ لسورة الضلال و إن كان امام الحق مغلوبا مقهورا.

و على هذا قبل سلمان الفارسي ولاية المدائن و حضر في غزوة بلنجر كما في تاريخ الطبري 78/5 و كامل ابن الأثير 50/3، و صرح بوجوده في هذه الغزوة زهير بن القين على ما نص به الشيخ المفيد في الارشاد، و الفتال في روضة الواعظين/ 153 و ابن نما في مثير الأحزان، و الخوارزمي في المقتل 225/1 و ابن الأثير في الكامل 17/4 و البكري في المعجم ممّا استعجم 376/1، و كان أبو ذر و المقداد في فتح قبرص كما في تاريخ الطبري 15/5، و حذيفة بن اليمان في فتح نهاوند و طبرستان كما في تاريخ الطبري 234/4 و تاريخ ابن خلدون 135/2.

.

1) حكى الفاضل القطيفي في رسالته الخراجية/ 135 عن الفاضل علي بن عبد الحميد الحسيني انّه قال في شرحه على النافع حاكيا عن فخر المحققين: ان العراق مفتوح عنوة، لأن الحسن و الحسين عليهما السّلام كانا مع الجيش في فتح العراق و كان باذن علي عليه السّلام، و في النهج استشار عمر عليا عليه السّلام في الخروج مع الجيش فنهاه علي عليه السّلام، و هو يقتضي أن يكون مسير الجيش باذنه عليه السّلام.

و منها: اصالة الصحة.

و فيه: أوّلا: توقف جريانها اما على حرمة الغزو بدون اذن الإمام عليه السّلام، و اما أن يكون للغزو قسمان: أحدهما صحيح، و الآخر فاسد كالبيع، و ما نحن فيه لم يكن من هذا القبيل و انما الجهاد له شقان لكل منهما حكم يخصه، فإنّ المفتوح ان كان باذن الإمام فهو ملك للمسلمين، و إن لم يكن باذنه فهو ملك له خاصة و حينئذ لا مجال لجريان اصالة الصحة لعدم وجود شق فاسد حتى يحمل الفعل على صحيحه.

و ثانيا: لا معنى لحمل فعل السلطان أو الغزاة على الصحة من حيث استيذانهم من الإمام عليه السّلام، فإنّ السلطان غاصب لمقامه بل من ألد أعدائهم، و الغزاة بعد أن تركوا نصرته و بايعوا عدوه لا معنى لاستئذانهم منه عليه السّلام، مضافا إلى ان الجندي غالبا ليس له الاختيار في ترك ما يأمره به رئيسه فكيف يستطيع أن يستأذن من الإمام أو غير الإمام، فاستئذانهم منه مقطوع العدم، فأصالة الصحة غير جارية سواء اريد اجراؤها في فعل السلطان أو الغزاة.

و منها: ان اعتبار الاذن من الإمام عليه السّلام انما هو طريق إلى استكشاف رضاه، و يمكن استكشافه بشاهد الحال في جميع الغزوات التي ترتب عليها الفتح، اذ لا اشكال في رضا الأئمة عليهم السّلام بالفتوحات الاسلامية.

و نقول: هذا الوجه و إن كان متينا في الجملة الا ان إحراز رضاه بكل غزوة

بخصوصها مشكل جدا، فإنّ فتح المسلمين بلاد الكفار و إن كان في نفسه أمرا مرغوبا فيه الا انّه يحتمل ترتب مفسدة عظيمة في كل غزوة لا يعلمها الا المعصوم عليه السّلام المستمد من اللوح المحفوظ، كاندحار الجيش بنحو لا تتدارك مفسدته بمصلحة الفتح المتعقب له، فاذا لا يمكن إحراز كون الفتح المخصوص أو جميع الفتوحات عن رضى الإمام عليه السّلام. نعم إذا علم في مورد خاص عدم ترتب مفسدة على الفتح يستكشف رضاه عليه السّلام، و انى لنا باثباته.

فالوجوه التي ذكرها المصنف رحمه اللّه لاثبات اذن الإمام لا ترجع إلى محصل فلا بد من الرجوع إلى الأصل العملي و هو استصحاب عدم تحقق الاذن من الإمام عليه السّلام، و يثبت به كون الأرض المفتوحة من الأنفال فهي ملك للامام عليه السّلام، فإنّ الفتح محرز بالوجدان و عدم اذن الإمام بالأصل، و بضم الوجدان إلى الأصل يترتب عليه انها له عليه السّلام، فلا يكن الأصل مثبتا كما توهم.

ثم لا يخفى ان ما رواه العماني قدّس سرّه من استشارة عمر أمير المؤمنين عليا عليه السّلام في اموره، فمع ضعف سنده انا نقطع بالعدم، كيف و قد صدرت من عمر امور مبتدعة لا تقرها شريعة الرسول صلّى اللّه عليه و اله كتحريم المتعتين و صلاة التراويح إلى الكثير من نظائرها، اللهم الا أشياء يضيق عليه المخرج منها و تجهل الصحابة الوجه فيها فيلتجأ إلى باب مدينة علم النبي صلّى اللّه عليه و اله فيرفع له بصيصا من ألق الحق ترتفع به غشاوة الشبهات فيئوب الخليفة فيها ببرهان نير مجاهرا بقوله «لو لا علي لهلك عمر»(1).


1) رواه من أهل السنة المحب الطبري في ذخائر العقبى/ 82 و الرياض النظرة 194/2، و المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير 354/4، و ابن قتيبة في مختلف الحديث/ 202، و الفخر الرازي في الأربعين/ 466 ط حيدرآباد، و الكنجي في كفاية الطالب /105، و القوشجي في شرح التجريد/ 407 ط ايران، و القاضي عضد الدين في المواقف كما في شرحه للجرجاني 332/3، و ابن عبد البر في الاستيعاب بترجمة علي عليه السّلام، و ابن أبي الحديد في شرح النهج 6/1، و سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص/ 87، و ابن طلحة في مطالب السؤال/ 13.

الثالث: أن يثبت كون الأرض المفتوحة عنوة باذن الإمام محياة حال الفتح [1]

[1] الكلام في هذا الشرط تارة يكون كبرويا لشبهة حكمية، و اخرى صغرويا لشبهة موضوعية.

اما في الشبهة الحكمية فيثبت اعتبار هذا الشرط بضم مقدمتين:

الاولى: ان الأرض الخراجية لا بد و أن تكون من الغنائم التي تؤخذ من الكفار بالقتال، فتختص بما كان للكفار و لا تعم ما لم يكن ملكا لهم كالمغصوب و العارية من مسلم فانه يرجع إلى مالكه، و كذلك ما يباح لهم التصرف فيه فانه مردود إلى صاحبه.

الثانية: ان الأرض الموات ملك للامام عليه السّلام لأنها من الأنفال و لو كانت تحت يد الكفار و كانت مسبوقة بالعمران، لاطلاق الأخبار الواردة في تفسير الأنفال كقوله عليه السّلام في رواية أبي البختري «الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب»، و قوله عليه السّلام في رواية حماد بن عيسى الطويلة «و الأنفال كل أرض خربة قد باد أهلها و كل أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب»(1)

و في الأموال لأبي عبيد/ 306 باب الأنفال عند العرب كل احسان فعله فاعل تفضلا، و منه النفل الذي أحله اللّه للمؤمنين تطولا منه عليهم بعد ان كانت الغنائم محرمة على الامم و انما كانت نار تنزل من السماء فتحرقها، و في ص 308 النفل يقع على أربعة وجوه:

الأول: نفل لا خمس فيه، و هو سلب المشرك إذا انفرد المسلم بقتله.

الثاني: نفل بعد اخراج الخمس من الغنيمة، و هو ما يجعل للسرية الموجهة إلى أرض الحرب من الربع قبل خمس الغنيمة أو الثلث بعد خمسها.

الثالث: نفل من الخمس نفسه، و هو ما يراه الإمام من اعطاء بعض المسلمين زيادة على ما عنده، و هذا يكون من نفس الخمس الذي هو في يده.

الرابع: نفل من الغنيمة قبل الخمس و هو ما يعطيه الإمام للادلاء على عورات العدو و رعاة الماشية، فإنّ هؤلاء ممّا ينفعون العسكر.

و ذكر الرازي و ابن كثير و الزمخشري و الخازن في تفسيره آية الأنفال خلافا في المراد من الأنفال في الآية مثل ما أشار إليه الشيخ الطوسي في التبيان الا انه لم يذكر تفسير الباقر و الصادق عليهما السّلام له.

.

1) في التبيان للشيخ الطوسي 780/1 أوّل الأنفال المروي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام «الأنفال كلما أخذ من دار الحرب بغير قتال إذا انجلى عنها أهلها و ميراث من و لا ورث له، و قطايع الملوك إذا كانت في أيديهم من غير غصب، و الاجام و بطون الأودية و الموات فانه للامام القائم مقام الرسول صلّى اللّه عليه و اله يضعه حيث يشاء». و ذهب عطاء و مجاهد و قتادة و عكرمة و الضحاك و ابن عباس إلى انها غنائم يوم بدر، و قال علي بن صالح بن يحيى: هي غنائم السرايا، و قال عطا: ما شذ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو جارية من غير قتال، و في رواية ما سقط من المتاع بعد قسمة الغنيمة.

فإنّ عنوان الأرض الميتة أو الخربة و نحوها يعم باطلاقه الأراضي الميتة، التي هي في يد الكفار فانها مغصوبة، كما صرح به علم الهدى في رسالته المحكم و المتشابه عن تفسير العماني باسناده عن علي عليه السّلام فانه قال بعد ذكر الخمس ان للقائم بامور المسلمين بعد ذلك الأنفال التي كانت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فتكون مغصوبة في يد الكفار لا محالة، فإنّ المراد بالأرض الميتة التي ورد في الأخبار انها للامام ما كان مواتا و قابلا للاحياء دون ما لا قابلية له كصحراء افريقيا، و الظاهر ان جميعها كان تحت سلطة الكافرين، فإذا خصصنا أخبار الأنفال بما لم يكن تحت يد الكفار

نعم لو ماتت المحياة حال الفتح فالظاهر بقاؤها على ملك المسلمين [1]

لزم تخصيص الأنفال بخصوص الأراضي الغير قابلة للاحياء و هو ظاهر الفساد.

فيظهر من ضم احدى المقدمتين إلى الاخرى ان الأراضي الموات غير داخلة في الغنائم، فلا تكون للمسلمين و لا يتوقف هذا على القول بأن يد الكافر على الأرض الموات عدواني، بل يجري ذلك و لو قلنا بأن الكافر له حق احياء الأرض و يملكها به.

فإنّ قلت: اطلاق هذه الأخبار يعارض باطلاق ما ورد من ان الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين و لو لم تكن محياة حال الفتح.

قلت: قد ثبت ان ما يكون للمسلمين من الأرض المفتوحة عنوة انما هو بعنوان الغنيمة و لا تتحقق فيما لا يملكه الكفار.

[1] يرد ما استظهره المصنف قدّس سرّه من بقاء المحياة حال الفتح إذا طرأ عليها الموات على ملك المسلمين اطلاق ما ورد كل أرض ميتة فهي للامام(1)، فإنّ ظاهره اختصاص الإمام عليه السّلام بجميع الأراضي الميتة و إن كانت محياة حال الفتح، نعم خرج عنه قوله عليه السّلام «من أحيى أرضا فهي له»(2)، و هو و إن كان مطلقا بالنسبة إلى المسلم و الكافر و الذكر و الانثى، الا انّه لا اطلاق له من حيث استمرار ملكية المحيى لها


1) ذكر في الوسائل 64/2 باب الأنفال و كل أرض موات فهو للامام روايات محمد بن مسلم و رواية سماعة بن مهران و محمد بن علي الحلبي و اسحاق بن حماد عن الباقر و الصادق عليهما السّلام و فيها «كل أرض خربة فهي من الأنفال و الفيء».

2) ذكر في الوسائل 327/3 أوّل كتاب احياء الموات عن محمد بن مسلم و زرارة و أبي بصير و الفضيل و حمران عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال: من أحيى أرضا مواتا فهي له».

حتى إذا طرأ عليها الخراب، لكونه غير ناظر إلى حال ما بعد زوال الموضوع، كما لا نظر لقوله عليه السّلام المتغير ينجس لما بعد زوال التغير فلا يدل على نجاسة المتغير بعد زوال تغيره، فالاحياء سبب للملك ما دام باقيا و إذا زال زالت الملكية و عادت الأرض ملكا للامام لاطلاق تلك الأخبار.

و استصحاب بقاء الملكية إذا شك فيها بعد خراب الأرض و إن كان جاريا في نفسه بناء على جريانه في الأحكام الكلية و الشبهات الحكمية، الا انّه في المقام محكوم باطلاق الأخبار التي أشرنا إليها.

على انّه وردت روايات خاصة تدل على رجوع الأرض بعد موتها إلى الإمام عليه السّلام ثم تصير ملكا لمن احياها ثانيا، منها: ما رواه عمر بن يزيد قال «سمعت رجلا من أهل الجبل يسأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أخذ أرضا مواتا تركها أهلها فعمرها و كرى أنهارها و بنى فيها بيوتا و غرس فيها نخلا و شجرا؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: من أحيى أرضا من المؤمنين فهي له و عليه طسقها يؤديه إلى الإمام في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه»(1).

و منها: ما رواه معاوية بن وهب قال «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: أيما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها و كرى أنهارها و عمرها فإنّ عليه فيها الصدقة، فإنّ كانت أرضا لرجل قبله فغاب عنها و تركها فأخرجها ثم جاء بعد يطلبها فإنّ الأرض للّه تعالى و لمن عمرها»(2).


1) الوسائل 67/2 باب 4 اباحة حصة الإمام للشيعة.

2) الوسائل 327/3 باب 3 من أحيى أرضا ثم تركها فخرجت فهي لمن أحياها.

و منها: مرسلة حماد بن عيسى الواردة في تفسير الأنفال فإنّ فيها «و الأنفال كل أرض خربة قد باد أهلها و كل أرض ميتة لا رب لها».

ثم انّه قد يتوهم المعارضة بين هذه الأخبار الحاكمة بأن الارض الميتة للامام، و ما ورد في الغنائم انها للمسلمين بالعموم من وجه، و لكن لو سلمنا المعارضة يتقدم عموم الأخبار على اطلاق ما ورد في الغنائم كما بين في محله.

فرعان لم يتعرض لهما المصنف رحمه اللّه:

الأول: أن تكون الأرض معمورة قبل الفتح في يد الكفار ثم صارت ميتة و فتحها المسلمون حال مواتها، فقد يتوهم انها ملك للمسلمين لبقاء ملك الكافر عليها و لكن مقتضى العمومات الواردة في الأنفال عودها إلى الأمام فلا تكون من الغنائم.

الفرع الثاني: أرض ميتة في زمان الفتح و لم يسبق عليها احياء من الكفار فصارت معمورة في أيدي المسلمين ثم خربت، فهي للامام عليه السّلام الا في حال كونها محياة فانها للمحيى في هذا الحال فقط.

فتلخص: ان الأرض ان كانت معمورة حال الفتح كانت للمسلمين و أرضا خراجية، و ان كانت ميتة فهي للامام سواء سبق العمران أو لا. هذا كله في الشبهة الحكمية.

و أما الشبهة الموضوعية: و هي ما إذا شك في أرض انها مسبوقة بالاحياء حال الفتح أو انها كانت خربة، فإنّ كانت الأرض تحت يد أحد يدعي ملكيتها فمقتضى اليد ثبوت دعواه من غير فرق بين أن يكون مدعيا لملكيتها بالشراء أو بالاحياء أو بالارث فيحكم بأنها له مطلقا، و إن علم بأن الأرض كانت محياة حال الفتح و شك

في بقائها على ذلك إلى الآن، فإنّ مرجع هذا إلى ان هذه الأرض التي هي خراجية سابقا هل انها باقية على ذلك أو لا، بأن احتمل صيرورتها ملكا لمن هي بيده فعلا باقطاع من السلطان أو الحاكم أو السلطان الجائر بناء على نفوذه، لأن استصحاب بقاء حياتها حال الفتح الذي يترتب عليه كونها ملكا للمسلمين محكوم باليد الفعلية، اللهم الا إذا كانت لليد حالة سابقة على الملكية بأن كانت عارية أو اجارة فتكون محكومة بالاستصحاب، فلا تكون امارة على الملكية.

و عليه فلا مانع من شراء أرض العراق و لو كانت من المفتوحة عنوة و علم بكون أكثرها معمورا حال الفتح فيما إذا كانت معمورة فعلا بيد من يدعي ملكيتها الا إذا اريد شراء أرض كبيرة يعلم اجمالا بأن بعضها من الأراضي الخراجية فعلا، و أما إذا لم تكن الأرض تحت يد من يدعى ملكيتها فعلا، بأن كانت تحت يد السلطان أو يد من تقبلها منه فلا يحكم بخراجيتها، فإنّ يد السلطان عادية و يد المتقبل و إن لم تكن عادية الا انها لا تدل على الملكية لعدم اقترانها بدعواها، فإذا علم بكونها معمورة حال الفتح استصحب بقاء عمرانها فيحكم بأنها للمسلمين، و إذا لم يعلم ذلك و تردد الأمر بين كونها معمورة حال الفتح أو مواتا جرى استصحاب كونها ميتة إلى زمان الفتح، و بما انها محياة فعلا تكون ملكا لمن عمرها لأن الاحياء من المملكات القهرية، و تكون مجهول المالك إذا علم وجوده و لو بالاستصحاب، و أما إذا علم موته و أحرز عدم وجود وارث له غير الأبوين الميتين حكم بكونها للامام لأنّه وارث من لا وارث له.

و بما ذكرنا ظهر انّه لا فرق في الحكم بكون الأرض ملكا لذي اليد المدعى الملكية بين العلم بعمرانها حال الفتح و بين عدمه، لما عرفت من امكان صيرورة

الأرض الخراجية ملكا شخصيا بأحد الوجوه، فلا مانع من شرائها منه.

و الحمد للّه رب العالمين و صلّى اللّه على محمد و آله الطاهرين المعصومين و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

اللهم اليك نشكو فقد نبيّنا، و غيبة امامنا و ولينا، و كثرة عدونا، و قلّة عددنا، و شدّة الفتن بنا، و تظاهر الزمان علينا، فصلّ اللهم على محمّد و آله، و أعنا على ذلك بفتح منك تعجّله، و سلطان حقّ تظهره، و نصر تعزّه، و رحمة منك تجللناها، و عافية منك تلبسناها، يا أرحم الراحمين، و صلّى اللّه على محمّد و آله.

العناوين

الأحاديث العامة 11

تقسيم المكاسب إلى الثلاثة أو الخمسة 22

معنى حرمة الاكتساب 23

المعاوضة على أبوال ما لا يؤكل لحمه 25

بيع العذرة 30

جواز بيع الأرواث 40

بيع المني 43

المعاوضة على الميتة 46

حرمة التكسب بالكلب الهراش 65

حرمة التكسب بالخنزير 65

حرمة التكسب بالخمر و كل مسكر مائع 69

جواز بيع المتنجس 76

جواز بيع العبد الكافر 77

جواز المعاوضة على غير كلب الهراش 80

جواز المعاوضة على العصير 91

جواز المعاوضة على الدهن المتنجس 96

الإعلام بنجاسة الدهن عند البيع 107

جواز الاستصباح بالدهن المتنجس تحت الظلال 118

حكم الانتفاع بالدهن المتنجس 125

الانتفاع بالأعيان النجسة 138

حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة 146

حرمة بيع آلات القمار 153

حرمة بيع آلات اللهو 156

بيع الدراهم المغشوشة 157

بيع ما يقصد فيه المتعاملان المنفعة المحرمة 162

فساد بيع العنب على أن يعمل خمرا 165

حكم بيع الجارية المغنية 171

حكم بيع العنب ممّن يجعله خمرا 176

حرمة بيع السلاح من أعداء الدين 188

جواز بيع ما لا نفع فيه 196

الاكتساب بالأعمال المحرمة/تدليس الماشطة 206

تزيين الرجل بما يحرم عليه 216

تشبه الرجل بالمرأة و المرأة بالرجل 219

التشبيب 222

حكم التصوير 232

حكم اقتناء الصور 243

التطفيف 247

التنجيم 250

حفظ كتب الضلال 255

حلق اللحية 259

الرشوة 268

ارتزاق القاضي من بيت المال 276

حرمة سب المؤمن 282

حرمة السحر 289

حرمة الغش 299

حرمة الغناء 306

المستثنيات في الغناء 316

الغيبة 326

المستثنيات من حرمة الغيبة 350

حرمة القمار 377

اللعب بآلات القمار بلا مراهنة 379

المراهنة بغير آلات القمار 385

حرمة القيافة 396

حرمة الكذب 402

التورية 414

مسوغات الكذب 423

حرمة الكهانة 438

حكم اللهو 445

اعانة الظالمين 450

حرمة النجش 455

حرمة النميمة 458

النياحة بالباطل 460

الولاية من الجائر 462

عدم اباحة قتل المؤمن بالاكراه 477

حرمة هجاء المؤمن 480

الاجرة على الواجبات 484

بيع المصحف 505

بيع المصحف من الكافر 511

جوائز السلطان 513

المال المشتبه بالحرام 522

المجهول المالك 541

مصرف مجهول المالك 560

فرعان لم يتعرض لهما المصنف رحمه اللّه: 631