موسوعة سیرة أهل البیت علیهم السلام جلد 28

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

تأليف: باقر شريف القَرشي

تحقيق: مهدي باقر القرشي

الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

المطبعة : ستار

الطبعة الثانية : 1433ه- / 2012م

عدد النسخ :1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978

ردمك الجزء «28» : 4 - 70 - 8275 - 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

الجزء الثامن والعشرون

الامام موسی بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)

تأليف

باقر شريف القَرشي

تحقيق

مهدي باقر القرشي

مؤسّسة الامام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

لإحیاء تراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

اشارة

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

الامام موسی بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

الجزء الثامن والعشرون

الامام موسی بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)

تأليف

باقر شريف القَرشي

تحقيق

مهدي باقر القرشي

مؤسّسة الامام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

لإحیاء تراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

تأليف: باقر شريف القَرشي

تحقيق: مهدي باقر القرشي

الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

المطبعة : ستار

الطبعة الثانية : 1433ه- / 2012م

عدد النسخ :1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978

ردمك الجزء «28» : 4 - 70 - 8275 - 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970

محرر الرقمي: مرتضی حاتمي فرد

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الأهداء

إلى باعث الروح والعلم في الأجيال إلى مجدّد النهضة الفكريّة في الإسلام الأمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أرفع بكلتا يدي هذا المجهود المتواضع الذي تشرفت فيه بالبحث عن سيرة ولده الأمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)وصيّه وخليفته الوحيد في محنه وبلواه، وورعه وزهده، فتفضل علىَّ أيّها الإمام العظيم بالقبول، ليكون ذخراً لي يوم الوفادة على اللّه .

المؤلّف

تقديم

1 - الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فذّ من أفذاذ العقل الإنساني، ومن كبار أئمّة المسلمين، وأحد شموع ذلك الثقل الأكبر الذي أضاء الحياة الفكريّة في لإسلام.

الإمام موسى من أئمّة العترة الطاهرة الذين قرنهم الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بمحكم التنزيل، وجعلهم قدوة لأولي الألباب، وسفناً للنجاة، وأمناً للعباد، وجعلهم باب حطّة يغفر لمن دخلها، فهم شَجَرَةُ النبوّة، وَمَحَطُ الرِّسَالَةِ، وَمُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ، وَمَعَادِنُ الْعِلْمِ، وَيَنَابِيعُ الْحِكَمِ - كما يقول الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)-.

ولهم في مدح اللّه غنى عن مدح المادحين، ووصف الواصفين، قال تعالى: «إِنَّمَا يُريدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً» (2)

نصت المصادر التالية على اختصاص الآية بآل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) : تفسير الرازي : 6: 783 تفسير الطبري : 22: 5 مسند الإمام أحمد بن حنبل : 4 : 107. سنن البيهقي : 2 : 150. صحیح مسلم : 2 : 331. الخصائص الكبرى : 2 : 264. مشكل الآثار : 1 : 334.

، لقد طهرهم اللّه من الزيغ والرجس، وبرأهم من الآفات، كما أوضح بهم معالم الدين، وأتم بهم الحجة على الخلق أجمعين.

لقد حاكت سيرتهم بجميع أبعادها سيرة جدّهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إيماناً باللّه، وحباً للخير،


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 7: 218.

2) الأحزاب 33: 33.

ونكراناً للذات.

ولو استعرضنا حياة أي إمام منهم لوجدناها مجدبة من المغريات، لم تتلوّث بأقذار المادّة، ولم تكدّر جوهرها مآثم هذه الحياة، وإنما كانت طافحة بالمآثر والفضائل فهم جميعاً في بداية حياتهم ونهايتها قدوة فذة لكلّ إنسان نبيل يتطلع إلى المثالية الكاملة، ويهفو إلى الإنسانيّة الرفيعة.

2 - ولم تكن الشيعة تقدس أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) تقديساً دينيّاً مجرّداً عن الوعي والعمق، وإنما يستند في حقيقته وجوهره، بل في جميع أبعاده، إلى الدقّة والتأمل والإدراك حسب ما دلّلوا عليه، وأقاموه من الأدلّة الوثيقة التي هي بعيدة كلّ البعد عن عنصر الجدل والنقاش.

إنّ إيمان الشيعة، بل إيمان جميع المسلمين، بلزوم مودّة أهل البيت إنّما هو مستمدّ من واقع الإسلام وروحه، ومن صميم رسالته، فقد أوجب على كلّ مسلم أن يكن لهم في أعماق ذاته، ودخائل نفسه أعمق الود وخالص الحبّ، وقد نطقت بذلك آية المودّة. قال تعالى: «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمودّة فِي الْقُرْبَى» (1)، فقد أجمع المفسرون أنها نزلت في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)(2)

فقال : تَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا اللّه وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأَنَّ محمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

قال : تسألني عليه أجراً ؟ قال : لَا، إِلَّا الْمودّة فِي الْقُرْبَى.

قال : قرباي أو قرباك ؟

قال : قُرْبای.

قال : هات أبايعك، فعلى من لا يحبّك ولا يحب قرباك لعنة اللّه.

قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : آمين.». حلية الأولياء : 3: 201. كفاية الطالب / الحافظ الكنجي : 90، الباب 11.

.

1) الشورى 42: 23.

2) تفسير الرازي : 7 : 406. الدر المنثور: 7 7، وروى أبو نعیم بسنده عن جابر، قال : «جاء أعرابي إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقال : يا محمّد، اعرض عليَّ الإسلام ؟

وإلى مضمون الآية يشير الإمام الشافعي بقوله :

يا أَهْلَ بَيتِ رَسولِ اللّه حُبُّكُمْ***فَرضُ مِنَ اللّه فِى القُرْآنِ أَنْزَلَهُ

وتواترت النصوص الصحيحة في لزوم مودّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم، وقد قرنهم بمحكم التنزيل، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : «إِنِّي تارِكٌ فيكُمْ ما إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدي ؛ أَحَدُهُما أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ : كِتابَ اللّه حَبْلٌ مَمْدودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتي أَهْلَ بَيْني، وَلَنْ يَفْتَرِنَا حتّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونى فيهما» (1).

إنّ حديث الثقلين قد أجمع المسلمون على روايته، وهو من أوثق الأحاديث النبوية وأكثرها ذيوعاً، وهو يحمل جانباً مهماً من جوانب العقيدة الإسلاميّة، كما أنه من أجلى الأدلة التي تستند إليها الشيعة في حصر الإمامة في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وفي عصمتهم من الأخطاء والأهواء؛ لأنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قرنهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا يفترق أحدهما عن الآخر.

ومن الطبيعي أن صدور أية مخالفة لأحكام الدين تعتبر افتراقاً عن الكتاب العزيز، وقد نفى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) افتراقهما حتّى يردا عليه الحوض، فدلالته على العصمة ولزوم مودّتهم ظاهرة جليّة.

وقد كرّر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هذا الحديث في غير موطن لأنه يهدف إلى صيانة الأُمّة والحفاظ على استقامتها، وعدم انحرافها في المجالات العقائدية وغيرها إن تمسكت بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ولم تتقدّم عليهم، ولم تتأخّر عنهم (2).


1) صحيح الترمذي : 2 : 308 أسد الغابة : 2 : 12.

2) حياة الإمام الحسن بن عليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 1 : 94.

وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): «إِنَّما مَثَلُ أَهْلِ بَيْتي كَسَفِينَةٍ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَها نَجا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْها غَرِقَ، وَإِنَّما مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ مَثَلُ باب حِطَّةٌ في بَني إِسْرَائِيلَ مَنْ دَخَلَهُ غُفِرَ لَهُ» (1).

يقول الإمام شرف الدين في مراجعاته القيمة في بيان الحديث، ما نصه :

وأنت تعلم أنّ المراد من تشبيههم (عَلَيهِم السَّلَامُ) بسفينة نوح أن من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأصوله عن أئمتهم نجا من عذاب النار، ومن تخلّف عنهم كان كمن أوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّه غير أنّ ذاك غرق في الماء، وهذا في الحميم، والعياذ باللّه.

والوجه في تشبيههم (عَلَيهِم السَّلَامُ) بباب حطّة هو أن اللّه تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله، والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة. هذا وجه الشبه، وقد حاوله ابن حجر إذ قال - بعد أن أورد هذه الأحاديث وغيرها من أمثالها -:

ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم، وعظّمهم شكراً لنعمة مشرفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان إلى أن قال : «وباب حطّة» يعني وجه تشبيههم بباب حطة، أنّ اللّه تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الأُمّة مودّة أهل البيت سبباً لها» (2).

هذه بعض النصوص الواردة في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهي صريحة في دلالتها على لزوم مودتهم، وهو أمر مجمع عليه بين المسلمين، إلّا أنّ الذي يهمنا هو أن نلمح بإيجاز إلى مظاهر ذلك الولاء الخالص عند الشيعة، وهل يحمل في واقعه طابع الغلو والافراط في الحبّ كما يتّهمهم بذلك بعض خصومهم، أو أنّه بعيد عن ذلك، وفيما أحسب أنّ الحديث عن أمثال هذه البحوث من موجبات الألفة والتقريب بين


1) مجمع الزوائد : 9: 168.

2) المراجعات : 54.

المسلمين، فإنّها تزيل من طريقنا ما خلفته الأجيال من عوادي السوء ومغبات التفرق والانقسام.

إنّ مظاهر الولاء للعترة الطاهرة عند الشيعة هي ما يلي :

أولاً : إنّ الشيعة تأخذ معالم الدين أصولاً وفروعاً من أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وتُجمع على أنّ التعبد بأقوالهم وأفعالهم وتقريرهم إنّما هو من السنّة التي يجب العمل بها عيناً، وبذلك فقد بنت اطارها العقائدي على ما أثر عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ولا تتعدّى في المجالات التشريعيّة إلى غيرهم من بقية المذاهب الإسلاميّة.

ولم يكن ذلك عن تحزّب أو تعصّب لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وإنما النصوص القطعيّة التي أثرت عن الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هي التي نصت على ذلك، كحديث الثقلين، وغيره من الأحاديث المتواترة التي أجمع المسلمون على صحّتها، وهي تدل بوضوح على لزوم التمسّك بالعترة الطاهرة والتعبد بما روي عنها بعد القطع أو الظنّ المعتبر بصحّة صدوره عنهم.

وقد أوضح هذه الجهة وأولاها بمزيد من البيان والاستدلال سماحة الإمام المغفور له شرف الدين في مراجعاته القيّمة.

قال (رَحمهُ اللّه) : «إن تعبدنا في الأصول بغير المذهب الأشعري، وفي الفروع بغير المذاهب الأربعة لم يكن لتحزب أو تعصب، ولا لريب في اجتهاد أئمّة تلك المذاهب، ولا لعدم عدالتهم وأمانتهم ونزاهتهم وجلالتهم علماً وعملاً.

لكنّ الأدلة الشرعيّة أخذت بأعناقنا إلى الأخذ بمذاهب الأئمّة من أهل بيت النبوّة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل، فانقطعنا إليهم في فروع الدين وعقائده، وأصول الفقه وقواعده، ومعارف السنّة والكتاب، وعلوم الأخلاق والسلوك والآداب، نزولاً على حكم الأدلة والبرهان، وتعبداً بسنة سيد النبيّين والمرسلين صلّى اللّه عليه وآله وعليهم أجمعين.

ولو سمحت لنا الأدلّة بمخالفة الأئمّة من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، أو تمكّنا من تحصيل نيّة

القربة للّه سبحانه في مقام العمل على مذهب غيرهم لقصصنا أثر الجمهور وقفونا أثرهم تأكيداً لعقد الولاء، وتوثيقاً لعرى الإخاء، لكنها الأدلة تقطع على المؤمن وجهته، وتحول بينه وبين ما يروم».

وأضاف لهذا قوله : «وما أظنّ أحداً يجرؤ على القول بتفضيلهم - أي أئمّة المذاهب - في علم أو عمل على أئمّتنا، وهم أئمّة العترة الطاهرة، وسفن نجاة الأُمّة، وباب حطّتها، وأمانها من الاختلاف في الدين، وأعلام هدايتها، وثقل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وبقيته في أُمّته، وقد قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : فَلَا تَقَدَّموهُمْ فَتَهْلَكوا، وَلَا تُفَصِّروا عَنْهُمْ فَتَهْلَكوا، وَلَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُم أَعْلَمُ مِنْكُمْ، لكنّها السياسة، وما أدراك ما اقتضت في صدر الإسلام» (1).

وقد أيّد شيخ الأزهر الشيخ سليم هذا الجانب المشرق من حديث الإمام شرف الدين، قال : «بل قد يقال : إنّ أئمتكم الإثني عشر أولى بالاتباع من الأئمّة الأربعة وغيرهم، لأنّ الإثني عشر كلّهم على مذهب واحد قد محصوه وقرروه بإجماعهم بخلاف الأربعة، فإنّ الاختلاف بينهم شائع في أبواب الفقه كلها، فلا تحاط موارده ولا تضبط.

ومن المعلوم أنّ ما يمحصه الشخص الواحد لا يكافئ في الضبط ما يمحصه اثنا عشر إماماً. هذا كله ممّا لم تبق فيه وقفة لمنصف، ولا وجهة لمتعسف» (2).

وأكّد هذه الظاهرة الشيخ شلتوت شيخ الجامع الأزهر، فأعلن أن الفقه الإمامي من أوثق ما كتب في الفقه الإسلامي أصالة في الفكر، وعمقاً في الاستدلال، وقرباً للواقع.

ومن الطبيعي أن هذه الظاهرة التي تمسّكت بها الشيعة وأعلنتها في جميع المجالات ليس فيها أي جانب من الغلو، وإنّما هي متسمة بالاعتدال وعدم الانحراف


1) المراجعات : 40 و 41.

2) المراجعات: 144.

في جميع أبعادها.

ثانياً : إنّ الشيعة تُجمع على أن أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من عباد اللّه المكرمين، الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، وأنهم أهل الذكر، وأولي الأمر، وبقيّة اللّه، وخيرته، وحزبه، وعيبة علمه، وأنهم ساسة العباد، وأركان البلاد، وأبواب الإيمان، قد عصمهم من الفتن، وطهرهم من الدنس، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ووصفهم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله :

«هُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ. يُخْبِرُكُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ حِكَم مَنْطِقِهِمْ. لَا يُخَالِفُونَ الْحَقِّ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. وَهُمْ دَعَائِمُ الْإِسْلَامِ، وَوَلَائِجُ الْاِعْتِصَامِ بِهِمْ عَادَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ، وَانْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مُقَامِهِ، وَانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ، عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَرِعَايَةٍ، لَا عَقْلَ سَمَاع وَرِوَايَةٍ. فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ» (1).

ووصفهم شاعر الإسلام الأكبر (الكميت» في إحدى روائعه بقوله :

لِلْقَريبينَ مِنْ نَدَى وَالْبَعِيدِينَ***من الجور في عُرى الأحكام

وَالمُصيبينَ باب ما أَخطأَ النّا***سُ وَمُرْسي قَواعِدِ الإِسلامِ

وَالْحُماة الكفاة في الحرب***إِنْ لَفَّ ضِراماً وَقُودُهُ بِضِرامٍ

وَالْغُيوثِ الَّذينَ إِنْ أَمْحَلَ النّا***سُ فَمَأوى حَواضِنِ الأَيْتامِ

راجحي الوزن كاملي العدل في ال***سيرَةِ طَبينَ بِالأُمور الجسام

ساسَة لا كَمَنْ يُرى رعية النا***س سَواءٌ وَرِعْيَةَ الأنعام (2)


1) نهج البلاغة / محمّد عبده : 2 : 232.

2) الهاشميّات : 2 - 4 و 11.

هذه بعض نزعات أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، كما وصفها شاعر العقيدة «الكميت»، وهو معاصر لهم قد اختلط بهم، واختبر أخلاقهم، فآمن بأنهم سلام اللّه عليهم نسخة لا ثاني لها في تاريخ الإنسانيّة علماً وسخاء وتحرجّاً في الدين.

وقد اندفع مناضلاً في سبيلهم، فنظم هاشمياته فيهم، وهي تصوّر الجانب الكبير من الفكرة الشيعيّة مع الاستدلال عليها بالآيات تارة، وبالسنّة أخرى.

وعلى أي حال، فإنّ الشيعة الإمامية تبرأ من الغلو في أئمّتهم، وتُجمع على ضلالة المغالين وخروجهم من الدين.

إنّ حقيقة الغلوّ رفع الإمام إلى منزلة الإله المعبود، فقد قال الغلاة للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أنت أنت.

قال : ومَن أنا ؟

قالوا : الخالق الباري، فاستتابهم، فلم يرجعوا عن غيّهم، فعمد إلى إحراق بعضهم، فكانوا يقولون وهم يساقون إلى النار إنّه اللّه، وإنّه هو الذي يعذّب بالنار (1).

هذا هو منطق الغلاة إلحاد في الدين، وخروج عن عبودية اللّه، وارتداد عن الإسلام، وكان موقف أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) معهم موقفاً صارماً وعنيفاً، فقد حكموا بوجوب قتلهم، وحرمة الاختلاط بهم، وعزلهم عن جماهير المسلمين، وقد لعن الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) محمّد بن بشير لما غالى فيه، ودعا عليه، وتبرّأ منه (2).

إن عقيدة الشيعة في أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) مستمدة من روح الإسلام وصميمه، وليس فيها - والحمد اللّه - أي غلوّ أو خروج عن منطق العقل، وإنما هي ناصعة تتسم بالأصالة والمنطق والدليل.

ثالثاً : إن الشيء البارز من مظاهر الولاء الذي تكنه الشيعة لأئمتها أنها تقوم بدورها


1) التنبيه والردّ على أهل البدع : 14.

2) رجال الكشي : 909/483.

بإحياء ذكرهم، والإشادة بفضلهم، فتقيم الحفلات التأبينية على ما أصابهم من عظيم الخطب وفادح الرزء، ويعرض فيها إلى سيرتهم ومثلهم الحافلة بتقوى اللّه، وحبّ الصالح العام، والتفاني في سبيل الحق وخدمة الأُمّة، كما تقوم الشيعة بزيارة تلك المراقد الطاهرة للتبرّك والتقرّب بها إلى اللّه، فإنّها من أعظم مظاهر الود الذي فرضه اللّه للعترة على جميع المسلمين.

هذه بعض مظاهر الولاء الذي تكنه الشيعة للأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وليس فيه أي شائبة للغلق أو إفراط في الحبّ، وعلى هذا الأساس المعتدل من الحب نتحدث عن الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأمانة وإخلاص شأننا في ذلك شأن الباحث الذي يخلص للحقّ مهما استطاع إليه سبيلاً.

3 - والشيء الذي يدعو إلى التساؤل هو أنا لم نجد إماماً من أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قد عاش آمناً مطمئناً في حياته بعيداً عن الخوف والفزع والارهاق، فقد عانوا جميعاً أشدّ ألوان الظلم والجور والاضطهاد، وكانت نهاية المطاف المحزن لكلّ واحد منهم القتل أو السمّ، ولعل أهم أسباب ذلك فيما نحسب يعود إلى ما يلي :

إنّهم سلام اللّه عليهم بحسب مركزهم الاجتماعي، وولايتهم العامّة على الأُمّة، كانوا مسؤولين عن رعايتها، وصيانة حقوقها، وتأمين مصالحها، وكانوا لا يقرّون على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، وكانوا ينعون على حكّام عصورهم سياستهم التي لم تحفل بالنظر للصالح العام، وإنما كانت تستهدف الإثرة والاستغلال، وإرغام الناس على ما يكرهون، فلم يؤثر عن الكثيرين منهم - أمثال معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم، ونظرائهم من ملوك الأمويّين والعبّاسيّين - أي جدّ في أُمور الرعيّة، أو إخلاص لقضاياها، أو سهر على مصالحها، وإنما كانوا جادين في إشاعة الظلم الاجتماعي، والجور على العامّة، وانصرفوا إلى اللذّة والمجون، قد حفلت قصورهم بقطاع من المغنّين والمغنّيات، وتعاطى الخمور، ولم يعد عندهم ذكر اللّه واليوم الآخر بالرغم من أنّ منطق الحكم الذي كانوا يمثّلونه كان حكماً إسلاميّاً قد عهد

إليه القيام بشؤون الدين، وهم لا يمثّلونه بقليل ولا بكثير، فقد جافت سيرتهم جميع سنن الإسلام وأحكامه حسب ما أجمع عليه المؤرّخون.

وتميّز موقف الأئمّة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) مع جبابرة عصورهم الحاكمين بالشدّة والصرامة، فلم يخلدوا معهم إلى الدعة والسكون، وإنّما أعلنوا المقاومة والمعارضة لهم، وكانت ذات طابعين :

1 - المقاومة الإيجابية

وقد اختار هذا النهج الثوري الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما أعلن طاغية عصره يزيد بن معاوية الكفر والإلحاد، والخروج عن إرادة الأُمّة، وتصميمه على إذلالها واستعبادها، وإرغامها على ما تكره، فاضطرّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى إعلان الثورة مع علمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقلّة الناصر. وخذلان الصديق، وأنه لا بد أن تتناهب السيوف والرماح جسمه الشريف، وقد أدلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك وهو في مكّة المكرّمة بقوله : «وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي إِشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلى يُوسُفَ، وَخِيْرَ لِي مَصْرَعَ أَنَا لَاتِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُها عُسْلَانُ (1)الْفَلَوَاتِ بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاءِ، فَيَمْلَأُنَ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً وَأَجْرِبَةٌ سَغْباً، لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ» (2).

لقد أخبر أبي الضيم عما يلاقيه في كربلاء من تقطيع أعضائه وأوصاله على صعيدها، وما أولهه إلى هذا المصير المشرق الذي تنتصر به مبادؤه الهادفة إلى تحقيق العدالة الاجتماعيّة بين الناس.

لقد أقدم سيّد الشهداء على تلك التضحية الجبارة ليزيل عن جسم الأُمّة ذلك التخدير الذي طعّمه بها الحكم الأموي، وكان لمقتله الشريف أثره الفعال في إيقاظ


1) العسلان : هي الذئاب.

2) اللهوف : 33.

الجماهير ووعيها، فقد تصاعدت العمليات الثوريّه حتّى أطاحت بالحكم الأموي، وأزالت جميع آثاره من العالم العربي والإسلامي.

2 - المقاومة السلبيّة

واختار هذا المنهج السليم بعض الأئمّة الطاهرين لعلمهم بأنّ المقاومة الإيجابية لا تجدي في التغلّب على الأحداث نظراً للظروف السياسيّة القأئمّة التي تؤدّي إلى حتميّة فشل الثورة، وعدم انتفاع القضيّة الإسلاميّة بها، ومن ثمّ أعلنوا المقاومة السلبية، وكان من مظاهرها حرمة الاتصال بالجهاز الحاكم، وحرمة الترافع إلى مجالس القضاء حسب ما دوّنه فقهاء الإمامية في كتاب القضاء، وهي طريقة مجدية ذات أثر بالغ في تحقيق الأهداف السليمة التي ينشدها أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

وقد أكّد هذه السياسة السلبية الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديثه مع صفوان الجماّل، وسنذكره بالتفصيل في غضون هذا الكتاب.

وسلك «المستر غاندي»، هذه السياسة النيّرة في تحريره للهند، فإنه حرّم على الهنود التعاون والتجاوب مع الاستعمار البريطاني، وقد نجحت هذه السياسة نجاحاً باهراً، فقد اضطر المستعمرون إلى الجلاء عن الهند، ومنحها الاستقلال السياسي.

ومن المؤسف أنّ العلويّين الثوّار من الحسنيّين وغيرهم لم يسيروا على وفق هذه السياسة البنّاءة المعتدلة التي رفع شعارها الأئمّة، فقد رفعوا علم الثورة على الحكم الأموي والعبّاسي، ولم يكتب لثوراتهم النجاح لعدم وضعها على خطط سليمة، فلذا منيت بالفشل، وقد جرّت لهم كثيراً من المشاكل والمصاعب، وأخلدت لهم الآلام والخطوب.

ولم يكد يخفى على السلطات الحاكمة أمر هذه السياسة السلبية التي اعتمد عليها أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد كانت الاستخبارات منتشرة في جميع الأوساط وهي تنقل إليها كلّ بادرة أو جزئية تحدث في البلاد، فقد نقلت إلى هارون قصة صفوان الجمال

حينما عمد إلى بيع جماله التي كان يكريها له في موسم الحجّ استجابة لنصيحة الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأرسل هارون خلفه ورام قتله، إلّا أنّه عدل عن ذلك.

وعلى أي حال، فإنّ الحكومات القأئمّة آنذاك قد وجهت جميع أجهزتها للعمل ضدّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد استخدمت معهم الوسائل التالية :

1 - مقابلتهم بمزيد من العنف والاضطهاد، والمبالغة في قهرهم وظلمهم إلى حدّ لا يوصف لفظاعته ومرارته، وقد أفرد أبو الفرج الأصفهاني كتاباً خاصّاً، وهو «مقاتل الطالبيّين» عرض فيه ما جرى عليهم وعلى سائر العلويّين من المحن الشاقّة والتنكيل الهائل.

2 - فرض الحصار الاقتصادي عليهم إضعافاً لشوكتهم، وقد عمد هارون إلى تطبيق هذه السياسة على الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنه حينما سافر إلى يثرب أجزل العطاء لجميع أبناء الصحابة، سوى الإمام، فإنّه لم يصله بما يتّفق مكانته.

فسأله المأمون عن ذلك، فقال له : إنّ فقره أحبّ إليَّ من غناه، ولو وصلته بما يستحقّ لخرج علَيَّ.

وقد وضع الرصد والعيون على من يصله بالأموال، فأوجب ذلك شدّة الضيق والجهد عليه، وهكذا كانت سياسة أُولئك الحكّام مع الأئمّة المعصومين متسمة بفرض الفقر والحرمان عليهم، وقد بلغ الضيق بعموم العلويّين أقصاه في أيّام المتوكّل، فكان مَن يصلهم يتعرّض للسخط والانتقام، وقد بلغت الفاقة بهم أنهم كانوا لا يملكون في بيوتهم سوى عباءة واحدة، فإذا رام أحد منهم أن يخرج ارتدى بها، وقد عمد المتوكل إلى قطع جميع مواردهم الاقتصاديّة.

3 - حجبهم عن العالم الإسلامي، وفرض الرقابة الشديدة، والمطاردة المفزعة على جميع من يتصل بهم، وقد أدّى ذلك بطبيعة الحال إلى ظهور النزعات المختلفة بين الشيعة، ولم يكن هناك أي مجال لأئمّة الهدى للعمل على توحيد صفوف الشيعة، وإزالة النزعات المذهبية الحادثة فيما بينهم.

4 - إنها أسرفت إلى حد بعيد في القسوة على الشيعة، فقد صبّت عليهم ألواناً قاسية من العذاب الأليم، وقد تحدث الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المحن الشاقّة التي واجهتها الشيعة أيّام الحكم الأموي.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَقُتِلَتْ شيعَتُنا بكُلِّ بَلْدَةٍ، وَقُطِعَتِ الأيْدي وَالْأَرْجُلُ عَلَى الظَّنَّةِ وَالتُّهمَةِ، وَكانَ مَنْ يُذْكَرُ بِحَبْنا أَوِ الْإِنْقِطاع إِلَيْنا سَجِنَ أَوْ نُهِبَ مالَهُ، وَهُدِمَتْ دارُهُ» (1).

وقد سخّرت الحكومات الأمويّة والعبّاسية جميع أجهزتها الدعائية ضد الشيعة، حتّى أصبح حبّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) عاراً ومنقصة، ويشار إلى الشيعي بالخيبة والخسران، كما حكم بعضهم أنّ حبّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) مروق من الدين، وخروج عن الإسلام، وإلى ذلك كله يشير شاعر العقيدة والجهاد «الكميت» بقوله :

يُشيرونَ بِالْأَيْدِي إِلَيَّ وَقَولُهُمْ***أَلا خابَ هذا وَالمُشيرونَ أَخيَبُ

قطائِفَةٌ قَدْ كَفَرَتْني بِحُبِّكُمْ***وَطائِفَةٌ قالوا مُسِيءٌ وَمُذْنِبُ

يعيبونني مِنْ خَبِّهِمْ (2)وَضَلالِهِمْ***على حُبِّكُمْ بَلْ يَسخَرُونَ وَأَعْجَبُ

وقالوا تُرابِيُّ هَواهُ وَرَأْيه***بذلك أدعى فيهمْ وَالقَّبُ (3)

وعلى أي حال، فإنّ تلك الإجراءات القاسية التي اتخذتها السلطات ضدّ أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قد خولف بها عما أثر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في لزوم المودّة لعترته، ووجوب رعايتها وتكريمها في كلّ شيء.

على أنّ السلطات الحاكمة في عصورهم كانت تؤمن بأن الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) لم يكن لهم أي إرب في الحكم، وإنما كانوا يستهدفون إشاعة العدل والمساواة، وتطبيق أحكام القرآن على واقع الحياة العامّة بين المسلمين، ولكن ذلك لم يكن يتفق مع سياستهم الهادفة


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 11: 43.

2) الخبّ : الخديعة.

3) خزانة الأدب : 4 : 290.

إلى الإثرة والاستغلال وصرف بيت المال على الماجنين والعابثين، فلذا كانوا يحقدون على كلّ من يطالب بالإصلاح الاجتماعي والعدالة الاجتماعيّة.

ومضافاً لذلك كلّه، فقد كان الكثيرون من أولئك الحكّام يحقدون على أئمّة الهدى نظراً لإجماع المسلمين على تكريمهم وتعظيمهم، والإشادة بفضلهم، فقد كان المنصور يعلم أنّ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان بمعزل عن الحركات السياسيّة في عصره، ولم يكن يبغي الحكم والسلطان، وأنه نهى العلويّين عن إعلان الثورة عليه، وكان قبل ذلك قد بشّره بمصير الخلافة إليه، ومع ذلك فلم يتركه وشأنه وادعاً آمناً ينشر علوم جدّه بين المسلمين، فقد جلبه غير مرّة إلى عاصمته محاولاً اغتياله، ولم يكن هناك أي دافع سوى الحقد عليه لعظم شخصيته، ومكانته عند المسلمين.

وكذلك هارون الرشيد، فإنّه كان يعلم أنّ الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن يستهدف منازعته على سلطانه، أو البغي عليه؛ إذ لم تكن عند الإمام قوى يعتمد عليها في منازعته والخروج عليه، ومع ذلك فقد نكل به أعظم التنكيل، فزجّه في ظلمات السجون، ودسّ إليه السمّ حتّى قضى على حياته، وسبب ذلك هو الحسد والحقد لما يتمتع به الإمام من سموّ المكانة عند جميع المسلمين.

4 - إنّ للإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيرة ندية عطرة امتازت بأنّها سلسلة جهاد متواصل، وثورة عارمة على أئمّة الظلم والطغيان، الذين اغتصبوا الخلافة الإسلاميّة من أهلها بالغلبة والقوّة، وأكرهوا العالم الإسلامي على الخضوع لسياستهم الملتوية التي روّعت المجتمع، وسلبته حرياته، وأفقدته الأمن والدعة والاستقرار.

في تلك الفترات العصيبة أعلن الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) للمقاومته لحكومة هارون، وتولّى بنفسه قيادة الحزب المعارض، فأصدر فتواه وحكمه بحرمة التعاون مع الأجهزة الحاكمة لأن التعاون معهم فيه دعم للظالمين، وقد حرّمه الإسلام. قال تعالى : «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِن دُونِ اللّه مِن أَوْلِيَاءَ

ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ» (1).

واستثنى من ذلك من يقوم بخدمة اجتماعية أو يمد يداً إلى الفقراء فيقضي مهامهم وشؤونهم، فإنّه لا حرج عليه في الانضمام إلى السلك الحاكم، وقد سمح لعلي بن يقطين أن يتولى منصب الوزارة لهارون حينما ضمن له القيام بذلك.

إنّ الإمام لو صانع هارون الرشيد أو تقرب إليه وجاراه - كالكثيرين من باعة الضمير - لأغدق عليه الأموال الكثيرة والثراء العريض، ولم يتعرّض إليه بأي سوء أو مكروه، إلا أنه لم يخضع له، ولم يخف من جوره وبطشه، فانطلق يعلن الحقِّ، ويندّد بالظلم، ويشجب الجور، ويدعو إلى تطبيق أحكام القرآن على واقع الحياة، وقد لاقى في سبيل ذلك العناء المرهق والجهد الشاق، وقد تلقى تلك الآلام الجسام بالصبر الجميل : وكظم الغيظ حتّى عرف بهذا اللقب واشتهر به

5 - ولم يقتصر الإمام موسى وحده على ما لاقاه من المحن والخطوب، فقد شاركه فيها جمهور شيعته والقائلين بإمامته، فقد واجهوا من العناء والجهد ما لا سبيل إلى تصويره، ويعود السبب في ذلك إلى إيمانهم الوثيق بالإمامة، وهي عنصر أساسي في كيانهم العقائدي، وتقضي هذه الفكرة بعدم شرعية الحكومات التي توالت على المسلمين، سواء أكانت من بني أميّه، أو من بني العبّاس، أو من غيرهم، فإنّ الذين تصدوا إلى الحكم لم تتوفّر فيهم الصفات التي ينشدونها في الإمام من العدالة، والتحرج في الدين، والعلم بما تحتاجه الأُمّة في جميع مجالاتها القضائية والإدارية والسياسيّة، فلذا كانوا يعملون جاهدين على إسقاط تلك الحكومات، وسلب ثقة الجماهير عنها.

وقد واجهوا في سبيل ذلك من المعضلات السياسيّة القاسية ما لم تلاقيه أي طائفة إسلامية.


1) هود 11 : 113.

وممّا زاد الشيعة على الإيمان بالنضال الشاقّ في سبيل فكرتهم أنهم رأوا أولئك الملوك الذين اختلسوا السلطة الإسلاميّة قد أمعنوا فى الظلم والجور، وجهدوا على إرغام الناس على الذلّ والعبوديّة، وعلى قطع كلّ لسان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

ورأوا أولئك الملوك الذين يزعمون أنّهم يمثلون ظلّ اللّه وعدله في الأرض، ينفقون لياليهم في الطرب والمجون والسكر، وينفقون أيّامهم في البحث عن الفتيات الحسان اللاتى يُجدن العزف ويئرن الغرام.

ورأوا خزينة الدولة تنفق بسخاء على العابثين والماجنين، وعلى ما يُفسد الأخلاق، ويثير الشهوات، ولم يعد ما يصرف منها على الشؤون العامّة إلا النزر اليسير، وأصبحت الحياة الاقتصاديّة بصورة عامة يسودها الفقر والحرمان.

ورأوا أنّ مصالح الأُمّة لا توضع على مائدة البحث، قد أهملت جميع شؤونها وأمورها، فقد أقبل أولئك الملوك على الملذات والشهوات، وتركوا أمور الرعية بأيدي غلمانهم وجواريهم ونسائهم يتصرفون فيها حسب أهوائهم وميولهم.

ورأوا شؤون الدين قد أهلمت ولم يعد لها أي ظلّ للخطوط العريضة التي ينشدها الإسلام في ظل حكمه من بسط العدل، ونشر الرفاهية، وإشاعة الدعة والاستقرار بين الناس.

ودفعتهم هذه العوامل إلى الثورات الملتهبة، وهم يطالبون بتحقيق العدالة، ورفع الغبن والأسى عن الناس، وأمعنت السلطات بعد إخماد ثوراتهم في قتلهم والتنكيل بهم وإهراقهم لدمائهم إلى حدّ لا يوصف لفظاعته ومرارته

6 - وأروع ثورة اجتماعية عرفها التاريخ الإسلامي ثورة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد العدالة الكبرى في الأرض، فقد كانت ثورته الشاملة على الظلم والغبن تستهدف إقامة مجتمع تتهيّأ فيه الفرص المتكافئة لجميع الناس على اختلاف ميولهم

وأديانهم، بحيث لا يوجد فيهم محروم أو عاطل.

لقد حاول الإمام أن يغير مجرى التاريخ، ويدفع الإنسان إلى التطور الاجتماعي، ويحقق له المزيد من المكاسب الاجتماعيّة، فيوفّر له الحرية والعدالة والمساواة في ضمن إطارها الإسلامي الأصيل.

لقد حاول الإمام بإخلاص بالغ أن يقيم على الكرة الأرضيّة نهضة فكريّة جبّارة تعنى بإشاعة العلم، وتطوير العمل، وإقامة مناهج تربويّة تغيّر السلوك العام للإنسان، فتبت في أعماقه روح الإيمان والمحبة والتعاون في المجالات الاجتماعيّة، وتزيل عنه روح الأنانية والكراهة والشر، إلى غير ذلك من الأهداف العريضة التي كان ينشدها الإمام في ظلّ حكومته.

ولم تع القوى المنحرفة عن الإسلام هذه الأهداف الاجتماعيّة التي أعلنها الإمام، فإنّها لم تكن بأي حال تهتم بمصلحة الأُمّة، وإنما كانت تسعى إلى إقامة نفوذها واستغلالها على حساب الضعيف والمحروم، فأعلنت سخطها على الإمام، وأعلنت الحرب عليه، وقد تذرّعت بدم عثمان واتخذته وسيلة لعصيانها المسلّح، فقاومها الإمام وقضى على تمردها في البصرة.

إلّا أنّه لم يمض قليل من الوقت حتّى ناجزه معاوية، وبعد صراع رهيب استطاعت جيوش الإمام أن تدحر القوى الأمويّة، إلا أنه من المؤسف أنّ الجيش الذي خفّ مع الإمام لم يقرر حقّ مصيره ومصير الأجيال الصاعدة، فقد خدعهم ابن العاص برفع المصاحف بأسلوب ساخر هزيل.

وقد أدى ذلك إلى انقلاب الجيش على أعقابه، وتقلل جميع قواعده، كما أدّى إلى خذلان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانتصار القوى المعادية للإسلام عليه، وقد نجم من ذلك أن مني العالم الإسلامي بكثير من النكبات والخطوب التي لا تزال آثارها باقية حتّى يوم الناس هذا، وقد ألمح إلى ذلك الأستاذ مالك بن نبي الجزائري في إيضاحه للمقررات التي اتخذها مؤتمر (باندونج) إذ يقول : «ولقد عرف التاريخ الإسلامي لحظة كهذه - أي

في تقرير المصير - في معركة صفّين، تلك الحادثة المؤسفة المؤثرة التي نتج عنها التذبذب في الاختيار، الاختيار الحتم بين عليّ ومعاوية، بين المدينة ودمشق، بين الحكم الديمقراطي الخليفي والحكم الأسري، ولقد اختار المجتمع الإسلامي في هذه النقطة الفاصلة في تاريخه الطريق الذي قاده أخيراً إلى القابلية للاستعمار وإلى الاستعمار» (1).

لقد كانت حادثة صفين بداية الشر وبداية الانقلاب في تاريخ الأُمّة الإسلاميّة، فقد أخلدت لها الفتن، وجرّت لها الويلات والكوارث، وكان من أظهر مخلّفاتها إماتة الوعي الإسلامي في النفوس، والخنوع أمام الظلم والجور، وقد مثل ذلك بصورة مؤلمة حقاً في مأساة الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإن هارون قد زجّه في ظلمات السجون في بغداد، وهى زاخرة بالمسلمين والقائلين بإمامته، في حين لم تنبر منهم طائفة إلى المطالبة بإطلاق سراحه، حتّى توفّي غريباً في سجن السندي بن شاهك، فعمد إلى وضع جثمانه على جسر الرصافة ببغداد محاولاً بذلك الحط من شأنه، ولم يهبّوا إلى تخليصه من أيدي الشرطة. إن سبب ذلك يرجع إلى الخنوع والذلّ الذي خيّم على النفوس.

7 - وكان من أهمّ ما عنى به الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) نشر الثقافة الإسلاميّة، وإشاعة المعارف العامّة بين الناس، وقد عملت تعاليمه الرفيعة على تنمية العقول، و تثقيف الأفكار، وتقدّم المسلمين في الميادين العلميّة.

لقد احتفّ بالإمام أثناء إقامته في يثرب جمع غفير من كبار العلماء ورواة الحديث ممّن تتلمذوا في جامعة أبيه الكبرى، التي أثارت العقل الإنساني وأطلقته من عقال الجهل.

وقد أفاض عليهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الشيء الكثير من علومه ومعارفه التي هي مستمدّة


1) الفكرة الأفريقيّة - الآسيويّة في ضوء مؤتمر باندونج : 111.

من علم جدّه الرسول، كما زوّد الفقه الإسلامي بطاقات كبيرة من آرائه الحصيفة، ورواياته عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وله تنسب مجموعة كبيرة من الأحكام الإسلاميّة بجميع أنواعها من العبادات والمعاملات، وقد دوّنت في موسوعات الحديث والفقه.

ونظراً لمركزه العلمي الخطير فقد شاع ذكره في البلاد الإسلاميّة، وتحدث الركبان بوفرة مواهبه ومقدرته العلميّة، وقد دان شطر كبير من المسلمين بإمامته، وجعلوا مودّته والأخذ بقوله فرضاً من فروض الدين.

وكان إجماع المسلمين على تكريمه وتعظيمه وتقديمه بالفضل على سائر الهاشميين وغيرهم من أعلام العصر، بل حتّى على الخلفاء، وكان ذلك موجب لإثارة الأحقاد عليه، والحسد له في نفوس خصومه، فأجمعوا على التنكيل به وحجبه عن العلماء وحرمانهم من الانتهال من نمير علومه، وبذلك فقد جنوا على العلم جناية لا تعدلها أي جناية.

لقد اضطر العلماء أثناء حبس الإمام في البصرة وفي بغداد أن يتصلوا به، ويأخذوا من علومه، ولكن كان ذلك مع تستر وخوف بالغين من السلطة التي لم تكن تهتم بالتقدم العلمي لشعوبها

8 - ونقدّم إلى المكتبة الإسلاميّة هذا المجهود المتواضع الذي هو صفحة من حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، ومثل موجز لشخصيته العظيمة، ولا نزعم أنه قد استوعب حياته، أو ألم بجميع شؤونه، فذاك أمر لا تسعه عشرات من أمثال هذا الكتاب، فإنّ الباحث المتتبع يجد صوراً مشرقة كثيرة من حياته، وما أثر عنه من حكم وآداب، سواءاً كانت في ميادين السلوك والأخلاق أم في غيرها، وإنّما أعطى صورة موجزة لبعض مثله و معارفه وتراثه، كما ذكر كوكبة من أصحابه ورواة حديثه وأبنائه مع التطرق إلى شيء من تراجمهم، وأعطى دراسة عن العصر العبّاسي الأول، وما مر فيه من الأزمات الفكريّة والأحداث الخطيرة، كما عرض إلى الأسباب التي أدّت إلى انهيار الامبراطورية الأمويّة، وبحث عن أعمال ملوك بني العبّاس المعاصرين له، وما نشروه

من الظلم والاضطهاد تجاه العلويّين، ونختلف كثيراً في هذه البحوث عن بقية المؤرّخين، فإنّا لا نقف على نقل الأحداث، وإنّما ننظر إليها بدقّة وشمول فنحلّلها، ونكشف عن أبعادها، وقد بحثنا عن ذلك كلّه يبحث موضوعي بعيد عن التحيز، ورائدنا الإخلاص للحقّ، راجين أن يكون ذلك خدمة للإسلام، وخدمة لعلم من أعلامه النابهين.

واللّه ولي التوفيق

مكتبة الإمام الحسن العامّة

باقر شريف القَرشي

النجم الأَشْرَفُ

ولادته ونشأته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

والظاهرة الفذّة التي امتاز بها الإسلام على بقيّة الأديان والمذاهب الاجتماعيّة هو أنّه رفع شعار المساواة، وهدم الحواجز بين الناس، وقد تبنّى ذلك بصورة إيجابيّة فعّالة، فجهز جميع طاقاته وإمكانياته في تطبيقها على مسرح الحياة، واعتبرها عنصراً أساسيّاً من عناصر حضارته، وعاملاً مهماً في بناء تكوينه الاجتماعي.

الناس في شريعة اللّه سواسية كأسنان المشط، لا امتياز لأحد على أحد، ولا تقديم لقوم على آخرين، فهم على صعيد واحد من ناحية حقوقهم وكرامتهم، لا تفاوت بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح الذي يقرّب الإنسان من ربّه، ويبعده عن عوامل الشرّ، ونزعات الطيش والغرور.

بهذه المبادئ العليا التي تجمع القلوب، وتوحّد ما بين المشاعر والعواطف جاء الإسلام، وعليها ارتكزت دعوته، ودعا لمن يتصدّى لتصديعها أن يُعلى وجهه بالسيوف، لئلا تكون بين المسلمين ثغرة يتصدّع بها شملهم، وتتمزق بها وحدتهم.

وقد تنكّر الأمويّون لهذه القاعدة الأساسيّة في الإسلام، فحملوا معول الهدم للعمل على نقضها، لأنّها تتنافى مع ميولهم الجاهليّة، وتتنافى مع مصالحهم الطبقية، فراحوا يعملون بقوى مسعورة إلى محوها عن الحياة الإسلاميّة، وقد تجلّى ذلك فيما عمدوا إليه من المبالغة في الذم والتقريع لمن يتزوج بأمة من العرب، ولم يقتصروا على ذلك، وإنّما تعدّوه إلى القسوة والتعذيب لمن يشذّ عن ذلك.

فقد علم طاغية من ولاتهم أن شخصاً من بني سليم قد تزوج بأمة، فأمر بإحضاره، و ضربه مائة سوط، وفرّق بينه وبين زوجه، وحلق رأسه ولحيته وحاجبيه(1).

وفي عرفهم أنه قد اقترف بذلك جناية، وسعى في الأرض فساداً يستحق عليه التنكيل

وحرّموا على ابن الأُمّة أن يتولى أي منصب من مناصب الدولة، أو يتقلد وظيفة من الوظائف العامّة، وزعموا عدم صلاحيته لها (2).

وبهذا المنطق الجاهلي احتج طاغية الأمويّين هشام بن عبدالملك على زيد بن علي شهيد الشرف والإباء، فقد قال له هشام يحاجه : بلغني أنّك تذكر الخلافة وتتمناها، ولست أهلاً لها، وأنت ابن أمة.

فانبرى إليه زيد فسدّد له سهماً من منطقه الفيّاض قائلاً له : إنّ الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لأمّ إسحاق، فلم يمنعه ذلك أن بعثه اللّه نبياً، وجعله أبا للعرب، وأخرج من صلبه خير الأنبياء محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (3).

ولما تبنّى الأمويّون هذه السياسة النكراء التي تتصادم مع واقع الإسلام انبرى إليها أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالإنكار والتشهير، فهتفوا بما جاء به جدهم المنقذ الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من المساواة العادلة بین المسلمين، وضربوا للناس أمثلة عمليّة واضحة لتأكيدها، فقد أعتق الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جارية له، وبعد العتق تزوج بها، وقد انتهز هذه البادرة خصمه عبد الملك، فراح يندد به ويعيب عليه، فبعث له رسالة يلومه فيها، وهذا نصها :

«أمّا بعد... فقد بلغني تزويجك مولاتك، وقد علمت أنه كان في أكفائك


1) الأغاني 4 :150.

2) العقد الفريد : 4 : 160.

3) الكامل في التاريخ : 5 : 84.

من قريش من تمجّد به في الصهر وتستنجبه من الولد، فلا لنفسك نظرت، ولا على ولدك أبقيت، والسلام».

ولمّا مثل الكتاب بين يدي الإمام نظر فيه، فرأى روح الجاهلية ماثلة في سطوره وحروفه، فردّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الجواب الذي تمثلت فيه مبادئ الإسلام وأهدافه، وهذا نصّه :

«أَمَّا بَعْدُ.. فَقَدْ بَلَغَني كِتابُكَ تُعَنِّفُني بِتَزويجي مَوْلاتي، وَتَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ فِي نِساءِ قُرَيْشٍ مَنْ أَمَجِّدُ بِهِ في الصُهْرِ، وَأَسْتَنْجِبُهُ فِي الْوَلَدِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مُرْتَقى في مَجْدٍ، وَلا مُسْتَزاداً في كَرَمٍ، وَإِنَّمَا كانَتْ مِلْكَ يَميني، خَرَجَتْ مِنّي بِأَمْرِ أَرادَهُ اللّه تَعَالَى الْتَمَسْتُ فِيهِ ثَوابَهُ، ثمّ ارْتَجَعْتُها عَلَى سُنَّتِهِ، وَمَنْ كَانَ زَكِيَاً في دينِهِ فَلَيْسَ يَخِلُّ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ، وَقَدْ رَفَعَ اللّه تَعَالَى بِالْإِسْلامِ الْخَسيسةَ، وَأَتَمَّ بِهِ النَّقيةَ، وَأَذْهَبَ اللُّوْمَ فَلا لُوْمَ عَلَى امْرِي مُسْلِم، إِنَّمَا اللُّومُ لُوْمُ الْجاهِلِيَّة...» (1).

هذا هو منطق الإسلام في عدله ومساواته، فالشرف الواقعي في حسابه يحوم حول طاعة اللّه، والتمسك بأهداف دينه، فمن هذب نفسه وصانها عن الإثم والمنكر، وتحرّج في دين اللّه، فهو الفذ الذي له الامتياز في الإسلام، وأما التفوّق بالعنصريات وسائر الاعتبارات المادية الأخرى، فإنّها لا تدخل في منطق الفضل والشرف عند اللّه تعالى.

أي حزازة على الإمام حينما تزوج بأمة مسلمة بعدما أعتقها، فإنّه لم يجاف بذلك كتاب اللّه وسنّة نبيّه.

إنّ الإسلام بكل اعتزاز وفخر قد ساوى بين جميع المسلمين، وجعل المسلم كفؤ المسلمة، وألغى جميع التفوّقات التي ينظر إليها العرف الجاهلي، وقد زوّج


1) أعيان الشيعة : 4 : 480.

الرسول الأعظم زينب بنت جحش من مولاه زيد بن حارثة، وهو لا يدانيها في مكانتها الاجتماعيّة، وقصّة جويبر البائس المسكين مشهورة مستفيضة، وبذلك فقد أقام الإسلام قاعدة أساسيّة للرابطة الزوجية تبتني على الوحدة في الدين، والمحبّة في اللّه.

ولمّا اتّسع الإسلام في عصوره الأولى، وغزت جنوده الباسلة أكثر المعمورة في الدعوة إلى اللّه اتّسعت حركة الرقيق وجلبه اتساعاً هائلاً، لا يخلو في كثير من صوره - فيما نحسب - عن عدم المشروعيّة ؛ وذلك لعدم التزام السلطات الحاكمة في تلك العصور بما أثر عن الإسلام في كيفية الرقّ.

وعلى أي حال، فقد كانت أسواق يثرب تعجّ بالنخّاسين الذين يجلبون الرقيق لبيعه، وكان في بغداد شارع يسمّى شارع الرقيق (1)يعرض فيه الرقيق لبيعهم.

وكان موقف أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) تجاه هذا الرقيق المنكوب هو الرحمة به، والعطف عليه، فكانوا يشترون منه حسب المستطاع ويعتقونه لوجه اللّه، فكان أحمد بن الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستنسخ المصحف ثمّ يبيعه ويشتري بثمنه الرقيق ويعتقهم لوجه اللّه تعالى، وقد أعتق ألف نسمة من كدّ يده.

ولم يكتفوا بهذا البرّ، وإنّما كانوا يسدون يداً إلى من أعتقوه، فيمنحونه نصيباً وافراً من المال ليستغني به عمّا في أيدي الناس، فيتخلّص بذلك في وقت واحد من رقّ العبوديّة وكابوس الفقر.

وكان الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحفّز أصحابه ويحثّهم على اتخاذ القيان والزواج بهنّ، فقد قال لهم : «اتَّخِذوا الْقِيانَ، فَإِنَّ لَهُنَّ فُطَنَا وَعُقولاً لَيْسَتْ لِكَثيرِ مِنَ النِّساءِ: (2).

ولم يقتصر أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) على هذا الإحسان المستفيض للرقيق، وإنّما تعدّوه


1) مروج الذهب : 3: 316.

2) الاتحاف بحب الأشراف : 55.

إلى المصاهرة، وذلك للتدليل على إلغاء الإسلام للتفاوت، وتحطيماً للاجراءات الأمويّة القاسية التي اتخذت ضدّهم.

وكانت أمّ الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) من تلكم النسوة اللاتي جلبن لأسواق يثرب، وقد خصها اللّه بالفضل، وعناها بالشرف، فصارت وعاءاً للإمامة، وإناءاً للفضيلة والكرامة.

أمّا كيفيّة زواج أبي عبداللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بها، فقد حدّث عنها ابن عكاشة الأسدي، ونعرض حديثه بإيجاز، يقول : «دخلت على الإمام أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان ولده أبو عبداللّه ماثلاً بين يديه، فقدّم له عنب، فالتفت إلينا يرشدنا إلى آداب الأكل قائلاً: «حَبَّةٌ حَبَّةٌ يَأْكُلُهُ الشَّيْخُ وَالصَّبِيُّ الصَّغيرُ، وَثَلاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ يَأْكُلُهُ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَشْبَعُ، وَكُلْهُ حَبَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ...».

يقول ابن عكاشة : نظرت إلى أبي عبد اللّه الصادق فرأيته قد بلغ مبالغ الرجال، فعرضت على أبيه زواجه، فقلت له : سيدي، لأي شيء لا تزوّج أبا عبد اللّه، فقد أدرك التزويج ؟

فأخبرني الإمام عن عزمه على ذلك، وكان بين يديه صرّة، فقال لي : أَما إِنَّهُ سَيَجِيءُ نخَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَرْبَرَ، فَيَنْزِلُ دارِ مَيْمونَ، فَتَشْتَرِي لَهُ بِهَذِهِ الصُّرَّةِ جَارِيَةٌ.

وخرج القوم من ثوي الإمام، ومضت على ذلك حفنة من الزمن، فدخل عليه ابن عكاشة مع زمرة من إخوانه، فلما استقر بهم الجلوس أخبرهم الإمام بمجيء النخاس ووصول الجارية معه، وأمرهم أن يبادروا لشرائها بتلك الصرة التي رأوها من قبل، فقاموا جميعاً وقلوبهم مليئة بالغبطة والسرور.

ولما انتهوا إلى النخّاس طلبوا منه عرض ما عنده من الجواري عليهم، فأخبرهم أنّه لم يبق عنده سوى جاريتين مريضتين، إحداهما أمثل من الأخرى، فطلبوا منه إحضارهما، فقام وأخرجهما إليهم، فوقع نظرهم على الماثلة للشفاء، وسامها

عليهم بسبعين ديناراً، فراموا منه تخفيض ثمنها، فأبى، ففتحوا الصرة، فإذا بها سبعون ديناراً، فدفعوها له وأخذوا الجارية، وجاء وا بها إلى الإمام، فحمد اللّه وأثنى عليه، وقد شمله الفرح، فقال لها : ما اسْمُكِ ؟

فأجابته بصوت خافت يقطر حياءاً : حميدة (1).

وانبرى الإمام فمنحها وساماً من الشرف والتكريم قائلاً: حميدة في الدُّنْيا، مَحْمودّة فِي الْآخِرَةِ.

والتفت إلى ولده والسرور بادٍ عليه، فوهبه إيَّاها.(2).

وتزوج بها أبو عبد اللّه، فكانت من أعزّ نسائه، وأحبّهنّ إليه، وأثرهنّ عنده.

واختلف المؤرخون اختلافاً كثيراً في نسبها، فقيل : إنّها أندلسيّة، وتكنّى لؤلؤة (3).

وقيل : إنّها بربريّة (4)، وهي بنت صاعد البربري (5).

وقيل : إنها شقيقة صالح (6).

وذهب بعضهم إلى أنّها روميّة (7).


1) حُمَيْدَة بضمّ الحاء وفتح الميم وسكون الياء المثناة وفتح الدال. جاء ذلك في النفحة العنبرية : 15، مخطوط بمكتبة الإمام كاشف الغطاء العامّة، وجاء فيه : «أنه قيل إن اسمها نباتة».

2) أصول الكافي : 1 : 476. بحار الأنوار: 48 : 5، الحديث 5.

3) مرآة العقول : 1 : 451. مناقب آل أبي طالب : 3 : 437.

4) کشف الغمّة : 3 : 2.

5) دلائل الإمامة : 307، الحديث 259. الدرّ النظيم : 649. إعلام الورى : 2 : 6. بحار الأنوار :48: 6. وفي مناقب آل أبي طالب : 4 : 323 : «حميدة المصفاة ابنة صاعد البربري».

6) مختصر أخبار الخلفاء : 39.

7) تحفة الأزهار وزلال الأنهار / السيّد ضامن بن شدقم (من مخطوطات مكتبة الإمام كاشف الغطاء).

وقيل : إنّها من أجل بيوت العجم (1)، وأهمل الكثيرون من المؤرخين نسبها ولم يتعرضوا له.

وكانت السيّدة حميدة تعامل في بيتها معاملة كريمة، فكانت موضع عناية وتقدير عند جميع العلويّات، كما أن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يغدق عليها معروفه، وقد رأى فيها وفور العقل والكمال، وحسن الإيمان، وأثنى عليها ثناءاً عاطراً، فقال فيها: «حَميدَةُ مُصَفَاةٌ مِنَ الْأَدْناسِ كَسَبيكَةِ الذَّهَبِ، ما زالَتِ الْأَمْلاكُ تَحْرِسُها حتّى أُدِّيَتْ إِلَى كَرامَةٌ مِنَ اللّه، وَلِلْحُجَّةِ مِنْ بَعْدِى» (2).

لقد كانت هذه السيّدة طاهرة الذيل، نقيّة الثوب، بريئة من النقص، قد أترعت نفسها بالإيمان والصلاح، وقد غذاها الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعلومه، حتّى أصبحت في طليعة نساء عصرها علماً وورعاً وإيماناً، وقد عهد إليها الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتفقيه نساء المسلمين، وتعليمهنّ الأحكام الشرعية (3)، وأجدر بها أن تحتل هذه المكانة، وأن تكون من ألمع نساء عصرها في العفّة والفقه والكمال

الوليد المبارك

ويمتد الزمن بعد زواج الإمام بها، والعيش هادئ والحياة البيتية حافلة بالمسرّات، قد غمرتها المودّة، وترك الكلفة، واجتناب هجر الكلام ومرّه.

وفي فترات تلك المدّة السعيدة عرض لها حمل، وسافر الإمام أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بيت اللّه الحرام لأداء فريضة الحجّ، فحملها معه، وبعد الانتهاء من مراسیمه


1) الأنوار البهية : 180

2) بحار الأنوار: 48 6، الحديث.7 أصول الكافي : 1 : 477 أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 5.

3) الأنوار البهيّة : 180.

قفلوا راجعين إلى يثرب.

فلما انتهوا إلى «الأبواء» (1)

وقال ثابت اللغوي : «سمّيت الأبواء لتبوّء السيول بها، وهو حسن». معجم البلدان : 1 : 79.

أحست حميدة بالطلق، فأرسلت خلف الإمام تخبره بالأمر لأنّه قد عهد إليها أن لا تسبقه بشأن وليده، وكان أبو عبد اللّه يتناول طعام الغداء مع جماعة من أصحابه، فلما وافاه النبأ المسرّ قام مبادراً إليها، فلم يلبث قليلاً حتّى وضعت حميدة سيّداً من سادات المسلمين، وإماماً من أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

لقد أشرقت الدنيا بهذا المولود المبارك الذي ما ولد - في عصره - أيمن ولا أكثر عائدة ولطفاً على الإسلام منه.

لقد ولد أبرّ الناس، وأعطفهم على الفقراء، وأكثرهم عناءاً ومحنة في سبيل اللّه، وأعظمهم عبادة وخوفاً من اللّه.

وبادر الإمام أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتناول وليده، فأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعيّة، فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى.

لقد كانت أول صورة فتح الإمام موسى عليها عينيه صورة أبيه الذي ما أظلّت سماء الدنيا أسمى ولا أعظم شأناً منه بعد آبائه، وكانت أول كلمة قرعت سمعه كلمة التوحيد التي تنطوي على الإيمان بما له من معنى.

وانطلق الإمام أبو عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عائداً إلى أصحابه، وقد علت على ثغره ابتسامة، فبادره أصحابه قائلين : أسرّك اللّه، وجعلنا فداك، يا سيدنا ما فعلت حميدة ؟

فبشرهم بمولوده المبارك، وعرفهم عظيم أمره قائلاً: قَدْ وَهَبَ اللّه لي غُلاماً،


1) الأبواء - بالفتح ثمّ السكون وواو وألف ممدودة - : قرية من أعمال الفرع بالمدينة، وبه قبر الزاكية آمنة بنت وهب أمّ النبيّ العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، و وجه تسمية المكان بهذا الاسم -كما قيل - أنّه كان يكثر به الوباء

وَهُوَ خَيْرُ مَنْ بَرَأَ اللّه.

أجل، إنه خير من برأ اللّه علماً وتقوى وصلاحاً، وتحرّجاً فى الدين، وأحاط الإمام أصحابه علماً بأنّ وليده من أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين فرض اللّه طاعتهم على عباده قائلاً لهم : فَدونَكُمْ، فَوَاللّه هُوَ صاحِبُكُمْ (1).

وكانت ولادته في «الأبواء»، وقيل في يثرب (2)، وهو مخالف لما عليه عامة المؤرخين، وكانت سنة ولادته (128ه-) (3).

وقيل : سنة (129ه-) (4)

وجاء في تحفة الأزهار : «أنّه ولد قبل طلوع فجر يوم الثلاثاء من صفر سنة (127ه-). وجاء في بحر الأنساب : «أنّه ولد يوم الأحد لسبع ليال خلون من صفر»، وعين هذا في الدروس.

، وذلك في أيّام حكم عبدالملك بن مروان.

إطعام عامّ

ولم يطل الإمام أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المكث في الأبواء، فقد ارتحل عنها واتّجه إلى يثرب، وفور وصوله أقام تكريماً لوليده، فأطعم الناس من أجله إطعاماً عاماً ثلاثة أيّام (5).

وتوافدت عليه جماهير شيعته تهنيه بمولوده المبارك، وتشاركه في مسراته وأفراحه.


1) بحار الأنوار : 48 : 2 و 3، الحديث 17.

2) وفيات الأعيان : 4 : 395.

3) تهذيب التهذيب : 10 : 34 الطبقات الكبرى : 1 : 33 نور الأبصار : 135. مناقب آل أبي : طالب : 4: 323. کشف الغمّة : 3 : 2.

4) أعيان الشيعة : 2 : 5.

5) أعيان الشيعة : 2 : 5.

الطفولة الزاكية

وأخذ الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتدرّج في طفولته، وهو يرضع من ثدي الإيمان، ويتربى في حجر الإسلام، يغذيه الإمام أبو عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعطفه وحنانه، ويفرغ عليه أشعّة من روحه العظيمة، ويرشده إلى العادات الشريفة، ويهديه إلى السلوك النيّر، وقد التقت به في سنّه المبكر جميع عناصر التربية الإسلاميّة، حتّى بلغ في صغره من الكمال والتهذيب ما لم يبلغه أي إنسان.

حبّ وتكريم

وقطع الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) شوطاً من طفولته وهو ناعم البال، يستقبل الحياة كلّ يوم بحفاوة وتكريم، فأبوه يغدق عليه بعطفه المستفيض، وجماهير المسلمين تقابله بالعناية والتكريم، وقد قدمه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) على بقية ولده، وحمل له من الحبّ ما لا يحمله لغيره.

فمن مظاهر ودّه أنّه وهب له قطعة من أرض تسمّى البسرية، كان قد اشتراها بستة وعشرين ألف دينار (1).

وسئل عن مدى حبّه له، فقال : وَدَدْتُ أَنْ لَيْسَ لي وَلَدٌ غَيْرُهُ لِئَلَّا يُشْرِكُهُ في حُبّي أَحَدٌ (2).

وتكلم الإمام موسى وهو طفل بكلام أثار إعجاب أبيه، فاندفع أبوه قائلاً : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكَ خَلَفاً مِنَ الآباءِ، وَسُروراً مِنَ الْأَبْناءِ، وَعِوَضاً عَنِ الْأَصْدِقاءِ (3).


1) دلائل الإمامة : 49 و 50.

2) الاتحاف بحبّ الأشراف : 54.

3) بحار الأنوار: 48: 24، الحديث 39.

وتعتقد الشيعة أنّ مقام الامامة كمقام النبوّة بعيد عن المحاباة والاندفاع بعاطفة الحبّ، سوى ما يتصل بتأييد الفضيلة والإشادة بالإيمان، وعلى ضوء ذلك فالإمام أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنّما أعلن حبّه العارم ومودته الوثيقة لولده لأنه رآه صورة صادقة عنه في مواهبه وعبقرياته، ورأى أنّه الإمام من بعده على أمة جدّه.

صفته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ووصف رواة الأثر ملامح صورته، فقالوا : «كان أسمر شديد السمرة» (1).

وقيل : «كان أسود اللون» (2).

وقيل : «أزهر اللون، ربع القامة، كثّ اللحية» (3).

وقد وصفه شقيق البلخي فقال : كان حسن الوجه، شديد السمرة، نحيف الجسم» (4).

هيبته ووقاره (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وحاكى الإمام موسى في هيبته هيبة الأنبياء، وبدت في ملامح شكله سيماء الأئمّة الطاهرين من آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فما رآه أحد إلا هابه وأكبره، وقد صوّر مدى هيبته ووقاره أبو نؤاس شاعر البلاط العبّاسي حينما التقى به في الطريق، فأنشد أبو نؤاس :

إِذا أَبْصَرَتْكَ العَينُ مِنْ غَيرِ رِيبَةٍ***وَعارَضَ فيك الشَّكُ أَثْبَتَكَ القَلْبُ


1) أخبار الدول : 112. الفصول المهمة / ابن الصباغ : 214.

2) عمدة الطالب : 185. النفحة العنبرية : 15، وزاد فيه : «أنّه كان رابط الجأش، واسع العطاء».

3) أعيان الشيعة : 1 : 220 - 221.

4) بحار الأنوار: 48 : 80.

وَلَوْ أَنْ رَكْباً أَمَّموكَ لَعَادَهُمْ***نَسيمُكَ حتّى يَسْتَدِلُ بكَ الرَّكْبُ

جَعَلْتُكَ حَسْبي في أُمورِيَ كُلَّها***وماخابَ مَنْ أَضْحى وَأَنْتَ لَهُ حَسْبُ (1)

لقد كانت هذه الأبيات دفعة من دفعات الروح، ويقظة من يقظات الضمير الحي، فإنّ أبا نؤاس الذي قضى أيّام حياته في اللهو والمجون، وكان يعيش على موائد بني العبّاس، قد انبرى إلى هذا المديح العاطر في الوقت الذي كان مَن يمدح فيه أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ينال العقوبة والسخط، فقد دفعته إلى ذلك واقعية الإمام ومثاليته التي لا ند لها في عصره.

وبهرت أنوار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) شاعر المعرة أبا العلاء، فانطلق في قصيدته التي رثى بها أبا أحمد حفيد الإمام، يقول :

ويُخالُ مُوسى جَدُّكُمْ لِجَلالِهِ***في النَّفْسِ صاحِبَ سورَةِ الأَعْرافِ

ولم يكن أبو العلاء يظنّ بأحد خيراً أو يمدح إنساناً إلا أن يختبره ويقف على واقع أمره، وقد انتهت إليه أنباء الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعرف أنه نسخة لا ثاني لها، فلذا انطلق مع المادحين والواصفين.

نقش خاتمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أمّا نقش خاتمه، فيدلّ على مدى تعلقه باللّه وانقطاعه إليه، فقد كانت صورته : «الملك للّه وحده» (2).

كنيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أبو الحسن الأول، أبو الحسن الماضي، أبو إبراهيم، أبو عليّ، أبو إسماعيل.


1) مناقب آل أبي طالب : 4 : 318.

2) أخبار الدول : 112.

ألقابه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

أمّا ألقابه، فتدل على مظاهر شخصيّته ونواحي عظمته، وهي كما يلي :

الصابر

لأنّه صبر على الآلام والخطوب التي تلقاها من حكّام الجور، والفراعنة الطغاة فقد جرّعوه نغب التهمام، وقابلوه بجميع ألوان الإساءة والمكروه.

الزاهر

لأنّه زهر بأخلاقه الشريفة، وكرمه المضىء الذي مثّل به خلق جدّه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

العبد الصالح

ولقّب بالعبد الصالح لعبادته، واجتهاده في الطاعة، حتّى صار مضرب المثل في عبادته على مر العصور والأجيال، وقد عرف بهذا اللقب عند رواة الحديث، فكان الراوي عنه يقول : حدّثني العبد الصالح.

السيّد

لأنّه من سادات المسلمين، وإمام من أئمتهم، وقد مدحه بهذا اللقب الشاعر الشهير أبو الفتح بقوله :

أنا للسيد الشريف غُلامٌ***حَيْثُما كُنْتُ فَلْيُبَلَّغْ سَلامي

وإذا كُنْتُ لِلشَّريف غُلاماً***فأنا الحُرُّ وَالزَّمانُ غلامي (1)


1) أخبار الدول : 113.

الوفىّ

لأنّه أوفى إنسان خلق في عصره، فقد كان وفياً باراً بإخوانه وشيعته، وبارّاً حتى بأعدائه والحاقدين عليه.

الأمين

وكلّ ما للفظ الأمانة من معنى قد مثل في شخصيته العظيمة، فقد كان أميناً على شؤون الدين وأحكامه، وأميناً على أمور المسلمين، وقد حاز هذا اللقب كما حازه جدّه الرسول الأعظم من قبل، ونال به ثقة الناس جميعاً.

قائد العسكر

و من ألقابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائد الجيش والعسكر (1).

واستقرب ثقة الإسلام المحقق الشهير الشيخ عبّاس القمّي نضّر اللّه مثواه، أنّ السبب في ذلك أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثّل المنصور في يوم النيروز، فدخل عليه الجيش والأمراء يهنّونه ويحملون له الهدايا والألطاف، الأمر الذي لم يتّفق لأد من آبائه وأبنائه اللام، وبهذه المناسبة لقّب بذلك (2).

الكاظم

وإنّما لقّب بذلك لما كظمه من الغيظ عمّا فعل به الظالمون من التنكيل والارهاق، حتّى قضى شهيداً مسموماً في ظلمات السجون لم يبد لأحد آلامه وأشجانه، بل قابل ذلك بالشكر اللّه والثناء عليه.


1) بحار الأنوار : 50 : 235. علل الشرائع : 1 : 241. تحفة الأزهار وزلال الأنهار : 2: 105.

2) الكنى والألقاب : 1 : 176.

ويقول ابن الأثير : «إنّه عرف بهذا اللقب لصبره، ودماثة خلقه، ومقابلته الشرّ بالإحسان» (1).

ذو النفس الزكيّة

وذلك لصفاء ذاته التي لم تتلوّث بمآثم الحياة ولا بأقذار المادة حتّى سمت، وانبتلت عن النظير.

باب الحوائج

وهذا أكثر ألقابه ذكراً، وأشهرها ذيوعاً وانتشاراً، فقد اشتهر بين العامّ والخاصّ أنّه ما قصده مكروب أو حزين إلّا فرّج اللّه آلامه وأحزانه، وما استجار أحد بضريحه المقدّس إلّا قضيت حوائجه، ورجع إلى أهله مثلوج القلب، مستريح الفكر ممّا ألم به من طوارق الزمن وفجائع الأيّام، وقد آمن بذلك جمهور شيعته، بل عموم المسلمين على اختلاف طبقاتهم ونزعاتهم، فهذا شيخ الحنابلة وعميدهم الروحي أبو علي الخلّال يقول : «ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر إلّا سهّل اللّه تعالى لي ما أحبّ» (2).

وقال الإمام الشافعي : «قبر موسى الكاظم الترياق المجرّب» (3).

وقد أثقلت كوارث الدهر ومصائب الأيّام كوكبة من الشعراء والأدباء، ففزعوا إليه، ولاذوا بضريحه متوسلين به إلى اللّه في رفع محنهم وكشف ما ألم بهم من البلاء والمكروه، ففرّج اللّه عنهم ذلك، وقد قرأنا لهم الشيء الكثير من بليغ النظم،


1) مختصر تاريخ العرب : 209.

2) تاریخ بغداد : 1 : 120.

3) تحفة العالم : 2 : 20.

ولو أردنا أن نذكر ما أثر عنهم في ذلك لبلغ مجلّداً ضخماً، ولكنا نذكر بعضهم، فمنهم الحاج محمّد جواد البغدادي، فقد سعى إلى مثوى الإمام في حاجة يطلب قضاءها، وهو يقول :

يا سَمِيَّ الكَليم جِئْتُكَ أَسْعى****نَحْوَ مَغْناكَ قاصداً مِنْ بِلادي

لَيسَ تُقْضَى لَنَا الحَوائِجُ إِلَّا***عِندَ بابِ الرَّجاءِ جَدَ الجَوادِ

وقد شطرهما آية اللّه العظمى السيّد مهدي آل بحر العلوم نوّر اللّه مثواه بقوله :

يا سَمِيَّ الْكَلِيمِ جِئْتُكَ أَسْعَى***وَالهَوى مَرْكَبِي وَحُبُّكَ زادي

مَسَّني الضُّرُّ وَانْتَحَى بِيَ فَقْرِي***نَحْوَ مَغْناك قاصداً مِنْ بِلادي

ليسَ تُقضى لنا الحَوائِجُ إِلّا***عِند بابِ الحَوائِجِ المُعْتادِ

عِندَ بَحرِ النَّدَى ابْنِ جَعْفَرِ مُوسى***عند باب الرَّجاءِ جَدَ الجَوادِ (1)

وخمّسها الخطيب عبّاس البغدادي بقوله :

لَمْ تَزَلْ لِلْأَنَامِ تُحْسِنُ صُنْعاً***وَتُجِيرُ الَّذي أَتاكَ وَتَرعى

وإذا ضاقَتِ الفضا بي ذَرْعاً***يا سَمِيُّ الكَليمِ جِئْتُكَ أَسْعى

وَالْهَوى مَرْكَبِي وَحُبُّكَ زادي

أَنْتَ غَيْثُ لِلْمُجْدِينَ وَلَوْلا***فَيضُ جَدْواكُمُ الوُجودُ اضْمَحَلا

قَسَماً بِالَّذي تَعالى وَجَلّا***ليسَ تُقْضَى لَنا الحَوائِجُ إِلّا

عِند باب الرَّجاءِ جَدَّ الجَوادِ

وممن نظم في ذلك شاعر النبوغ والعبقرية المرحوم السيّد عبدالباقي العمري


1) ديوان السيّد مهدي آل بحر العلوم (مخطوط بمكتبة العلّامة السيّد صادق آل بحر العلوم).

بقوله :

لُذ وَاسْتَجِرٌ مُتَوَسِّلاً***إِنْ ضاقَ أَمْرُكَ أَوْ تَعَسَّرْ

بِأَبي الرضا جدّ الجَوا***د محمّد مُوسَى بْن جَعْفَرُ (1)

لقد كان الإمام موسى في حياته مفزعاً وملجاً لعموم المسلمين، وكذلك كان بعد وفاته حصناً منيعاً لمن استجار به ؛ لأنّ اللّه عزّ اسمه قد منحه بقضاء حوائج المستجيرين بضريحه، وإلى ذلك أشار ثابت الواعظ في قصيدته التي مدح بها يحيى بن جعفر أبا الفضل بقوله :

وفي الجانِبِ الشَّرْقِيَّ يَحيى بْنُ جَعْفَرٍ***وفي الْجانِبِ الْغَرْبِى مُوسَى بْنُ جَعْفَر

فَذاكَ إِلَى اللّه الكَريمِ شَفيعنا***وهذا إِلَى المَوْلى الإمامِ المُطَهَّرِ

لقد اعتقد أغلب المسلمين أنّ اللّه يكشف البلاء، ويدفع الضرّ بالالتجاء إلى ضريح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وروى الخطيب البغدادي قصة كان فيها شاهد عيان، فقد رأى امرأة مذهولة قد فقدت رشدها، وهامت في تيار من الهواجس والهموم لأنها أخبرت أن ولدها قد ارتكب جريمة، وألقت عليه السلطة المحليّة القبض وأودعته في السجن، فأخذت تهرول نحو ضريح الإمام مستجيرة به، فرآها بعض الأوغاد ممن لا يؤمن بالإمام فقال لها : إلى أين ؟

• إلى موسى بن جعفر، فإنّه قد حبس ابني.

فقال لها بسخرية واستهزاء : إنّه قد مات في الحبس.

فاندفعت تقول بحرارة وقد لذعها قوله : اللّهمّ بحق المقتول في الحبس أن تريني القدرة.


1) دیوان عبدالباقی : 133.

فاستجاب اللّه دعاءها، فأطلق سراح ولدها، وأودع ابن المستهزئ في ظلمات السجون بجرم ذلك الشخص (1).

وهكذا أراد اللّه أن يريها القدرة ويري ذلك الشخص كرامة الإمام عنده، وأنا شخصياً قد ألمت بي محنة من محن الدنيا كادت أن تطوي حياتي، ففزعت إليه، وهرعت إلى ضريحه بنية صادقة، ففرج اللّه عنّي، وكشف عنّي ما ألم بي، ولا شك في هذه الظاهرة التي اختص بها الإمام إلا من هو مرتاب في دينه وإسلامه.

لقد آمن المسلمون بذلك منذ فجر تاريخهم، واعتقدوا اعتقاداً لا يخامره أدنى شك في أنّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لهم المقام الكريم عند اللّه، وأنه يستدفع بهم البلاء، وتستمطر السماء، كما قال جابر بن عبد اللّه في حديثه مع الإمام علي بن الحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ)، وقال الفرزدق في قصيدته العصماء التي مدح بها الإمام زين

العابدين :

مِنْ مَعْشَر حُبُّهُمْ دينٌ وَيُغْضُهُمْ كُفْرٌ***وَقُرْبُهُمُ مَنْجى وَمُعْتَصَمُ

يُسْتَدْفَعُ السُّوءُ وَالْبَلوى بِحُبِّهِمْ***وَيُسْتَرَدَ بِهِ الإِحسانُ وَالنِّعَمُ

إنّ قبورهم ملاذ وملجأ للسائلين. يقول الجواهري :

وَالنّاصِبينَ بُيوتَهُمْ وَقُبورهم***للسّائلين عن الكرام دليلا

وَالطَّامِينَ مِنَ الْجَهالَةِ غَيْهَباً***وَالمُطْلِعينَ مِنَ النُّهى قنديلا (2)

لقد منحهم اللّه ألطافه، وخصّهم بالمزيد من كراماته أحياءاً وأمواتاً.


1) مناقب آل أبي طالب : 3 : 422. بحار الأنوار : 99: 1، الحديث 2.

2) ديوان الجواهري : 3 : 177 و 178.

عَبقريةٌ ونُبوغ

إشارة:

وقبل أن نتّحدث عن الذكاء المفرط الذي اتّصف به الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سنّه المبكر، نعرض إلى أن العوامل التربويّة التي تتكوّن منها الشخصيّة الفذّة التي قد ظفر الإمام بأروع وسائلها ومعطياتها.

لقد نصّ علماء التربية وغيرهم على العوامل المؤدّية إلى بناء الكيان التربوي، وإلى النتائج السلوكية للشخص، وهي :

العوامل المؤدّية إلى بناء الكيان التربوي

1 - الوراثة

وذهب علماء الوراثة والنفس إلى أنّ الوراثة من الأسباب الفعّالة في التكوين النفسي والنموّ الفكري، وأنّ الذكاء وسائر ألوان النضوج العقلي للشخص يستند إلى الوراثة استناداً مباشراً، فالفرع لا يقتصر في مشابهته لأصله على مظاهره الشكلية. وإنّما يشابهه في خواصه الذاتية، وفي أدق صفاته.

يقول «هكسلي» : «إنّه ما من أثر أو خاصة لكائن عضوي إلا ويرجع إلى الوراثة أو إلى البيئة، فالتكوين الوراثي يضع الحدود لما هو محتمل، والبيئة تقرّر أنّ هذا الاحتمال سيتحقق، فالتكوين الوراثي إذن ليس إلّا القدرة على التفاعل مع أية بيئة بطريق خاصّ».

ومعنى هذا أن جميع الآثار والخواص التي تكون في الأجهزة الحيّة من الإنسان ترجع إلى الوراثة أو إلى البيئة والمحيط الذي يعيش فيه الإنسان.

وأكّد «مندل» هذه الظاهرة الوراثيّة التي تسمّى بالوراثة الاقترانية، فقال : «إنّ كثيراً من الصفات الوراثيّة تنتقل بدون تجزئة أو تغيير من أحد الأصلين أو منهما إلى الفرع».

وقرّر «جنجز» ذلك بقوله : «إنّ كلّ إنسان لديه قوى موروثة كامنة، ولكنّ إظهار أيّة واحدة يقف على الظروف التي تحيط بهذه القوى عند نموّها».

وقد اكتشف الإسلام هذه الظاهرة قبل أن يكتشفها علماء الوراثة والنفس، فقد أثر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أن رجلاً من الأنصار أقبل إليه، فقال له : يا رسول اللّه، هذه بنت عمّى، وأنا فلان ابن فلان، حتّى عد عشرة آباء له، وهي بنت فلان حتّى عدّ عشرة آباء لها، وليس في حسبي ولا حسبها حبشي، وأنها وضعت هذا الحبشي.

فأطرق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ثمّ رفع رأسه وقال له : إنَّ لَكَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ عِرْقاً، وَلَها تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ عِرْقاً، فَإِذا اشْتَمَلَتْ اضْطَرَبَتِ الْعُروقُ، وَسَأَلَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ كلّ عِرْقٍ مِنْها أنْ يَذْهَبَ الشَّبَهُ إِلَيْهِ.

قُمْ، فَإِنَّهُ وَلَدُكَ، وَلَمْ يَأْتِكَ إِلَّا مِنْ عِرْقٍ مِنْكَ أَوْ عِرْقٍ مِنْها.

فانصرف الرجل آخذاً بيد امرأته وولده (1).

وفي حديث آخر : «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ فَإِنَّ الْعِرْقَ دَسّاسٌ» (2)، وأشار القرآن الكريم إلى ما تنقله الوراثة من أدقّ الصفات

قال تعالى: «وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً» (3).


1) مستدرك الوسائل / المحدّث النوري : 2 : 631.

2) السرائر : 2 : 559.

3) نوح 71: 26 و 27.

لقد دلّت الآية بوضوح على انتقال عقائد الكفر والإلحاد بالوراثة من الآباء إلى أبنائهم...

وقد حفلت موسوعات الحديث بالأخبار الكثيرة التي وردت عن أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهي تدلّ على واقع الوراثة وقوانينها وآثارها وما لها من الأهمية البالغة في حياة الإنسان.

وعلى ضوء قاعدة الوراثة نجزم بأنّ الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد ورث من آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) جميع صفاتهم التي امتازوا بها على سائر الناس من الكرم والسخاء والحلم والرحمة وحبّ الخير والبرّ بالناس والتفاني في سبيل الصالح العام.

2 - الأسرة

إنّ الأسرة إحدى العوامل الأساسية في بناء الكيان التربوي، وإيجاد عملية التطبع الاجتماعي، فلها الأثر التام في تكوين شخصية الطفل، وإكسابه العادات التي تبقى ملازمة له طوال حياته، فإنّ الطفل مقلد للغير في عاداته وسلوكه.

يقول «ماندر» : «إنّ الطفل في أصغر ما يلزمه من العادات، وفي أهمّ الخصائص العقليّة والخُلقيّة، وفى الموقف العامّ الذي يقفه من الناس، وفي وجهة النظر العامّة التي ينظر بها إلى الحياة أو العمل في كلّ هذه الأشياء مقلد إلى حدّ كبير، وقد يكون التقليد أحياناً شعورياً مقصوداً، ولكنه في أغلب الحالات يكون لا شعورياً، فإذا منح الطفل بتقليده الأشخاص المهذّبين ظلّ متأثّراً بأخلاقهم وعواطفهم، وأنّ هذا التأثير في أوّل الأمر يعتبر تقليداً، ولكنه سرعان ما يصبح عادة، والعادة طبيعة ثانية، والتقليد هو أحد الطريقين اللذين تكتسب بهما الخصائص الفرديّة، وتتكوّن بهما الأخلاق الشخصيّة» (1).


1) علم النفس في الحياة : 75.

وعلى هذا الرأي فالإمام كان وحيداً في خصائصه ومقوماته لأنه نشأ في أسرة هي معدن التقوى، وخزانة الحكمة والعلم، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل، وإليها تنتهي كلّ مكرمة وفضيلة في الإسلام.

لقد نشأ الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أحضان أبيه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ما عرف التاريخ الإنساني نظيراً له في إيمانه وتقواه وسائر نزعاته عدا آبائه الأئمّة الطاهرين.

وقد قال فيه تلميذه مالك بن أنس : «ما رأت عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق، علماً وعبادة وورعاً».

وقال عمر و بن أبي المقدام : «كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علمت أنه من سلالة النبيّين» (1).

وقال الشهيد زيد بن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «في كلّ زمان رجل منّا أهل البيت يحتجّ اللّه به على خلقه، وحجّة زماننا ابن أخي جعفر، لا يضلّ من تبعه، ولا يهتدي من خالفه» (2).

وقد سكب هذا الإمام العظيم في نفس ولده موسى جميع مثله ونزعاته حتّى صار بحكم نشأته وتربيته من أفذاذ الفكر الإسلامي، ومن أبرز أئمّة المسلمين.

3 - البيئة

وأجمع المعنيّون في البحوث التربوية على أنّ البيئة من أهمّ العوامل التي تعتمد عليها التربية، فهى التى تكوّن فى نفس الطفل الغرائز والعادات، فإذا كانت سليمة حسنت آثارها، وإذا كانت ملوّثة بالجرائم والانحراف فإنّ النشء حتماً يصاب بعاهاتها وآفاتها.


1) تهذيب التهذيب : 2 : 104.

2) مناقب آل أبي طالب : 2 : 147.

إنّ الإنسان لا يخضع في سلوكه لتكوينه الداخلي فحسب، وإنما يخضع للعوامل الخارجية التي تتفاعل معه وتؤثر فيه، وبذلك تطبع البيئة آثارها في دخائل الذات وأعماق النفس، وبها تحقق درجة عالية من التكامل الاجتماعي فيما إذا حسنت.

إنّ استقرار البيئة الاجتماعيّة، وعدم اضطراب الأسرة لها دخل كبير في استقامة سلوك النشء ووداعته وسلامته من الانحراف، وقد بحثت مؤسّسة «اليونسكو» التابعة لهيئة الأمم المتحدة عن المؤثرات غير الطبيعيّة في نفسيّة الطفل، وبعد دراسة مستفيضة قام بها الأخصائيون أدلوا بما يلي : «ممّا لا شكّ فيه أنّ البيئة المستقرّة سيكولوجيّاً، والأسرة الموحدة التي يعيش أعضاؤها في جو من العطف المتبادل، هي أوّل أساس يرتكز عليه تكيف الطفل من الناحية العاطفية، وعلى هذا الأساس يستند الطفل فيما بعد في تركيز علاقاته الاجتماعيّة بصورة مرضية، أمّا إذا شوّهت شخصيّة الطفل بسوء معاملة الوالدين فقد يعجز عن الاندماج في المجتمع..» (1).

وكانت البيئة التي عاش فيها الإمام بيئة دينية تسودها القيم الإنسانيّة والمثل العليا، وأمّا البيت الذي عاش فيه فقد كان معهداً من معاهد الفضيلة، ومدرسة من مدارس الإيمان والتقوى، قد غمرته المودّة، وعدم الكلفة، واجتناب هجر الكلام ومره، وبذلك فقد توفّرت للإمام جميع عناصر التربية الرفيعة.

ذكاء ونبوغ

إشارة:

وقسم علماء النفس الذكاء إلى نوعين : الذكاء الاجتماعي، والذكاء المجرّد، وقالوا في التفرقة بينهما : «إن الذكاء الاجتماعي يتمثل في فهم الناس فهماً صحيحاً، والسلوك معهم بحكمة وروية، والذكاء المجرّد قوامه فهم المدركات الكلّيّة والفرديّة


1) أثر الأسرة والمجتمع في الأحداث الذين هم دون الثالثة عشرة - مؤسّسة اليونسكو : 35.

التي منها فهم المذاهب العلميّة والتمييز بين الصحيح منها والسقيم» (1).

وقد جمع الإمام موسى في سنه المبكر بين هذين النوعين وذلك في فهمه للناس وسلوكه معهم بالحكمة والرويّة، وإدراكه لحقائق الأمور، ومعرفته بخفايا الأشياء التي لم يدركها كبار العلماء.

وهناك ظاهرة تملك القلوب إعجاباً ودهشة، وهي إحاطة الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سنّه المبكّر بأنواع من العلوم والمعارف، مع أنّ المرحلة الأولى من سنيّ حياة الإنسان لا تساعده على ذلك، ولا يمكن تعليل هذا الأمر إلا بما تلتزم به الشيعة، وتجمع عليه من أنّ الإمام في جميع مراحل حياته لا بد أن يكون أعلم أهل عصره، وأكثرهم دراية وإحاطة بجميع ما تحتاج إليه الأُمّة في جميع مجالاتها، وأنّ علمه إلهامي لا كسبي، كما هو الحال في الأنبياء.

ولم يختص الإمام موسى بهذه الظاهرة فقد شاركه فيها جميع أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد كان حفيده الجواد أصغر الأئمّة سنّاً، وقد رجعت إليه الشيعة وقالت بإمامته بعد وفاة أبيه الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان عمره الشريف لا يتجاوز الثمان سنين.

وقد عقد له المأمون مؤتمراً علمياً، وعهد إلى كبار الفقهاء والعلماء أن يمتحنو بأهم المسائل وأكثرها غموضاً وتعقيداً، فتقدّموا إليه وسألوه، فأسرع إلى الجواب عنها، وخاضوا معه في مختلف العلوم والفنون، وقد أجاب عن كلّ ما سئل عنه، وخرج منهم ظافراً منتصراً قد ملك قلوبهم إعجاباً به، وقد دان شطر منهم بإمامته. وقد أجمع المترجمون للإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) على تدوين ذلك عنه.

وللتدليل على مدى المقدرات العلميّة الهائلة التي كان يتمتع بها الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حال صباه نذكر بعض البوادر التي أثرت عنه في سنّه المبكّر.


1) مجلّة حياتك : العدد 6: 157، مقال البروفيسور «ثورندك».

مع أبي حنيفة

كان أبو حنيفة من الذاهبين إلى الجبر والداعين إليه، وينصّ هذا الرأي على أنّ الفعل الصادر من الإنسان ليس مخلوقاً له، وليس صادراً منه باختياره، وإنّما هو مخلوق اللّه، وصادر عن إرادة اللّه، وأنّ إرادة الإنسان وقدرته لا مدخل لها في إيجاد أي فعل، سواء أكان صادراً منه باختياره أم مكرهاً عليه.

وقد أجمعت الشيعة على بطلان ذلك، وبعده عن الصواب، وقد أثبت علماء الأصول زيفه، وقرّروا بصورة وجدانيّة أنّ أي فعل اختياري لا بد أن يسبق بمقدّمات إرادية، وهي :

1 - تصوّر الشيء في الذهن.

2 - ميل النفس له.

3 - الجزم بفائدته.

فإذا تمّت هذه الجهات في أفق النفس تعلّقت الإرادة بالفعل، وسعى الإنسان لإيجاده أو إلى الأمر به، حسناً كان ذلك العمل أو قبيحاً (1)، وليس هناك أي قسر أو إجبار للإنسان على فعله.

وعلى أي حال، فإنّ أبا حنيفة في طليعة الذاهبين إلى «الجبر»، وقد سافر إلى يثرب ليحاجج الإمام الصادق اللّه الذي عرف بأنّه من خصوم هذه الفكرة، ولما انتهى إليها قصد دار الإمام، وجلس في دهليز الدار ينتظر الإذن، وبينما هو


1) أوضح هذه الأمور وأولاها بمزيد من البيان والاستدلال الأستاذ آية اللّه العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي (قدّس سِرُّه) في بحوثه في علم الأصول، وقد استدل بالأدلة الحاسمة على بطلان الجبر والتفويض، وأثبت «الأمر بين الأمرين»، وهو ما ذهب إليه أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد دونا ما أفاده في كتابنا (تقريرات آية اللّه الخوئي) في علم الأصول.

جالس إذ خرج صبي يدرج، فبادره أبو حنيفة قائلاً: أين يضع الغريب ؟

فالتفت إليه الصبي، وقال له : عَلى رِسْلِكَ، ثمّ جلس متأدباً، واستند إلى الحائط وانبرى إليه يجيبه عن سؤاله قائلاً: تَوَقَّ شُطوطَ الْأَنْهارِ، وَمَساقِطَ الثِّمارِ، وَأَفْنِيَةَ الْمَسَاجِدِ، وَقارِعَةَ الطَّريقِ، وَتَوَارَ خَلْفَ جِدارٍ، وَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرْهَا، وَضَعْ حَيْثُ شِئْتَ.

وقد بيّن له الأماكن التي يكره ويحرم فيها التغوط.

فبهر أبو حنيفة وذهل، فإنّه لم يحسب أنّ هناك صبياً يملك هذه المقدرة العلميّة، واندفع قائلاً: ما اسمك ؟

• مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ محمّد بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

ولما عرف أبو حنيفة أنّ الصبي فرع من دوحة النبوّة والإمامة اطمأنت نفسه، وتقدّم إليه بالسؤال الذي أعده للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: يا غلام، ممّن المعصية ؟ هل هي من اللّه أو من العبد ؟

وانطلق الإمام فأجابه : لَا تَخْلو مِنْ إحْدى ثلاث : إمّا أَنْ تَكُونَ مِنَ اللّه، وَلَيْسَتْ مِنْهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِلرَّبِّ أَنْ يُعَذِّبَ الْعَبْدَ عَلى ما لَا يَرْتَكِبُ.

وَإِما أَنْ تَكونَ مِنْهُ وَمِنَ الْعَبْدِ، وَلَيْسَتْ كَذلِكَ، فَلَا يَنْبَغِي لِلشَّرِيكِ الْقَوِيُّ أَنْ يَظْلِمَ الشَّريكَ الضَّعيف.

وَإِما أَنْ تَكونَ مِنَ الْعَبْدِ، وَهِيَ مِنْهُ، فَإِنْ عَفا فَبِكَرَمِهِ وَجُودِهِ، وَإِنْ عَاقَبَ فَبِذَنْبِ الْعَبْدِ وَجَريرَتِهِ (1).

وحفل هذا الاستدلال بمقتضى الحصر العقلي بجميع مقومات الأدلّة العلميّة


1) تحف العقول : 412.

الوثيقة التي لا تقبل الحلّ أو النقض.

ووقف أبو حنيفة مبهوراً قد ملأت الدهشة إهابه، فانطلق يرفع عقيرته قائلاً: قد استغنيت بما سمعت !

وخرج منهزماً قد بان عليه العجز، ولم يجتمع بالإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد شاع ردّ الإمام عليه وعجزه عن جوابه في الأوساط العلميّة، وقد انبرى بعض الشعراء إلى نظم جوابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله :

لَمْ تَخْلُ أَفْعَالُنَا اللَّاتِي نُذَمُّ بِها***إِحْدَى ثَلاثِ مَعَانٍ حِينَ نَأْتِيها

إِمّا تَفَرَّدَ بارينا بِصَنْعَتِها***فَيَسقُطُ الدَّوْمُ عَنا حين نُنشيها

أَوْ كانَ يُشْرِكُنا فيها فَيَلْحَقُهُ***ما سَوفَ يَلْحَقُنَا مِنْ لايم فيها

أَوْ لَمْ يَكُن لإلنهي في جنايتها***ذَنْبٌ فَما الذَّنْبُ إِلَّا ذَنْبُ جانِيها (1)

لقد دلّت هذه البادرة على مدى ما وصل إليه الإمام موسى من العلوم والمعارف في سنّه المبكر، فقد أدرك ما لا تدركه أفكار كبار العلماء، حتّى لم يستطع أبو حنيفة الوقوف أمام منطقه الفياض، ولم يجد طريقاً أسلم له ولا أحفظ لمكانته سوى الانهزام، وعدم الخوض معه بأي مسألة من المسائل، وبهذا فقد ثبت أنه كان يملك رصيداً كبيراً من العلم والذكاء ما لا يملكه أي إنسان في هذا السن عدا من خصّ بالإمامة من آبائه وأبنائه.

حكمه على أبي الخطاب

كان محمّد بن مقلاص الأسدي الكوفي الشهير بأبي الخطاب من أئمّة الملحدين في العالم العربي والإسلامي، وقد أفسد على الناشئة الإسلاميّة دينها، فقد ابتدع


1) أمالي المرتضى : 1 : 106. بحار الأنوار: 10: 248، الحديث 17.

مبدأ حارب فيه جميع النظم الإسلاميّة، وقد ذكر أصول دعوته القاضي أبو حنيفة المغربي، فقال : «وزعم أن جعفر بن محمّد إله - تعالى اللّه عن قوله - واستحلّ المحارم كلّها، ورخّص فيها، وكان أصحابه كلّما ثقل عليهم أداء فريضة أتوه وقالوا : يا أبا الخطّاب، خفف علينا، فيأمرهم بتركها حتّى تركوا جميع الفرائض، واستحلوا جميع المحارم، وارتكبوا المحظورات، وأباح لهم أن يشهد بعضهم لبعض بالزور، وقال من عرف الإمام فقد حلّ له كلّ شيء كان حرّم عليه». (1).

وقد ظهرت مبادؤه الهدّامة على مسرح الكوفة، كما ظهر في وقت كان الاضطراب السياسي في أوجه، والدعوة العبّاسية تشق طريقها في ثبات ونجاح، فساعدته الظروف أن يجمع حوله من أبناء الكوفة تلاميذاً يلقنهم تعاليمه، ويرسم لهم خطط الدعوة والتجمّع والظهور (2)

ولما بلغت بدعه وإلحاده الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) تبرأ منه، ولعنه على رؤوس الأشهاد ؛ لأنه كان من أصحابه وأتباعه، ثمّ ارتدّ بعد ذلك، وقد هرع عيسى الشلقاني إلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسأله عن رأيه في هذا الملحد الخطير.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا عيسى، ما مَنَعَكَ أَنْ تَلْقى ابني - يعني الإمام موسى - فَتَسْأَلَهُ عَنْ جَميعِ ما تُريدُ ؟

فانعطف عيسى نحو الإمام، وكان آنذاك صبياً في المكتب، فلما رآه (عَلَيهِ السَّلَامُ) انبرى إليه مجيباً قبل أن يسأله قائلا له : يا عيسى، إِنَّ اللّه تَبارَكَ وَتَعَالَى أَخَذَ مِيثَاقَ النبيّينَ عَلَى النبوّة، فَلَمْ يَتَحَوَّلوا عَنْها أَبَداً، وَأَخَذَ ميثاقَ الْوَصِيِّينَ عَلَى الْوَصِيَّةِ، فَلَمْ يَتَحَوّلوا عَنْها أَبَداً، وَأَعارَ قَوْماً الْإِيمَانَ زَماناً ثمّ سَلَبَهُمْ إِيَّاهُ، وَإِنَّ أَبَا الْخَطَابِ مِمَّنْ أَعِيرَ الْإِيمَانَ


1) دعائم الإسلام : 64.

2) حركات الشيعة : 73.

ثُمَّ سَلَبَهُ إِيَّاهُ..

وأكبر عيسى جواب الإمام، فقام إليه وضمه وقبل ما بين عينيه، وانطلق يقول : بأبي أنت وأمّي «ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (1).

ثمّ قفل راجعاً إلى الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأخبره بالعجب الذي رآه من مواهب الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فقال له أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا عيسى، إِنَّ ابْني هذا لَوْ سَأَلْتَهُ عَمَّا بَيْنَ دَفَتَى الْمُصْحَفِ لأَجابَكَ فِيهِ بِعِلْمٍ.

ثمّ إنّه أمر بإخراج ولده من المكتب، وفي ذلك الوقت أيقن عيسى بإمامة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنّه وليّ عهد أبيه وخليفته على الناس أجمعين (2).

ومن بوادر ذكائه المفرط أنّه جاء إلى أبيه فأجلسه في حجره، وكان معه لوح، فقال له : يا بُنَيَّ، اكْتُبْ : تَنَحَّ عَنِ الْقَبيح وَلَا تُرِدْهُ، فلمّا رسم ذلك قال له : يا بُنَيَّ أَجِزْهُ، فاندفع فوراً يقول : وَمَنْ أَوْلَيْتَهُ حَسَناً فَزِدْهُ.

ثم ألقى له الإمام شطراً آخر يطلب منه اجازته، وهو : سَتَلْقَى مِنْ عَدُوِّكَ كلّ كَيْدِ. فأجازه : إِذا كانَ الْعَدُوُّ فَلَا تَكِدْهُ.

وفرح الإمام بمواهب ولده وعبقريته، فضمه إليه وهو يبدي إعجابه به قائلاً: «ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ» (3).

ومن آيات نبوغه في طفولته ما حدّث به صفوان الجمال، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن صاحب هذا الأمر - أي عن الحجّة من بعده - ؟


1) آل عمران 3: 34.

2) بحار الأنوار : 58:48.

3) مناقب آل أبي طالب : 2 : 380.

فقال لي : صاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ لَا يَلْهو وَلَا يَلْعَبُ.

يقول صفوان : بينما يحدّثني عن ذلك إذ أقبل أبو الحسن موسى وهو صبي يافع ومعه بهمة عناق (1)وهو يخاطبها قائلاً : اسْجُدِي لِرَبِّكِ.

فأخذه أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وضمه إليه وهو يقول له : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَنْ لَا يَلْهو وَلَا يَلْعَبُ» (2).

نسوق هذه البوادر وهي تكشف جانباً كبيراً من نبوغه وذكائه، وكأنه بهذا الذكاء العجيب لم يمرّ في مرحلة من مراحل الطفولة.


1) البهمة : الواحدة من أولاد الضأن.

2) بحار الأنوار: 48 : 19.

في جامعة الأمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وكان من أهمّ ما عنى به الإسلام في رسالته المشرقة نشر الوعي الثقافي، وإشاعة العلم بين الناس، ومن أجل ذلك جعل طلب العلم فريضة دينية يتحتم على المسلمين القيام بها لتطوير حياتهم في المجالات الاقتصاديّة والسياسيّة، وجعلهم أمّة صالحة تتوفّر فيهم القيادة الرشيدة لشعوب العالم وأممه.

إنّ الإسلام يؤمن بالعلم، ويؤمن بمقدرته الخلّاقة في صنع الحضارة الإنسانيّة، وأنّه لا يمكن للإنسان أن يصل إلى أهدافه السليمة في بناء مجتمعه، إلا على أساس من الوعي العلمي القائم على الفهم والتعقل لحقائق الأمور، ومن ثمّ فقد جعل الإسلام التسلّح بالعلم ضرورة فردية واجتماعية.

وقد قام أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بدور إيجابي في بعث الحركة العلميّة وتطويرها في دنيا العرب والإسلام، بالرغم من المضايقات الشديدة التي كانوا يلاقونها من حكّام عصورهم.

ومن أبرز الفعاليات التي بذلوها في هذا السبيل تشكيل جامعة علمية تهدف إلى بسط العلم بجميع أنواعه، وتهدف إلى تحرير أفكار المسلمين من رواسب الجهل والجمود، ونعرض فيما يلي إلى بعض شؤونها.

المؤسّس الأوّل

والمؤسّس الأوّل لهذه الجامعة العلميّة الكبرى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرائد الأول للعلم والتطوّر في الإسلام، وقد جهد على نشر العلوم وتثقيف المسلمين، وقد اتّخذ جامع الكوفة مدرسة له، فكان يلقي من على منبره خطبه الذهبية الحافلة بعلم الاقتصاد والسياسة والإدارة والفلسفة والحكمة وأصول التربية الواعية الهادفة إلى إقامة حسن السلوك والأخلاق.

وقد خص أصحابه وحواريه بعلومه النيرة المستمدة من علوم النبيّ العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فقد أخذوا منه علم الكلام والتوحيد والفقه والشريعة والتفسير، وعلم البلاغة، وغيرها، وقد أمدوا العالم الإسلامي بمؤلّفاتهم وتراثهم، فكان منهم عبد اللّه بن عبّاس حبر الأُمّة، والمرجع الكبير لعلوم القرآن.

ومنهم أبو الأسود الدؤلي الأستاذ الأوّل في علم النحو.

ومنهم : أبو رافع الذي هو أوّل من صنف علم المغازي والسير في الإسلام (1). وهو صاحب كتاب السنن والأحكام والقضاء (2)، وكانت الصحابة تكبر هذا الكتاب وتعظمه (3)، إلى كثير من أمثال هؤلاء العلماء الذين أضاء وا الحياة الفكريّة في الإسلام.

وقام الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ريحانة الرسول وسبطه الأوّل بعد أبيه بتنمية تلك المؤسسة العلميّة ورعايتها، ولكنّها انتقلت من الكوفة إلى يثرب بعد غدر أهل العراق به، وقد اتّخذ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجامع النبوي معهداً له، فكان يلقي به محاضراته العلميّة.


1) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: 232.

2) رجال النجاشي : 1/6.

3) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 1 : 34 و 35.

وقد ذكر رواة الأثر بعض أعلام تلامذته ورواة حديثه، وهم : الحسن المثنى والمسيب بن نجبة، وسويد بن غفلة، والعلاء بن عبد الرحمن، والشعبي، وهبيرة بن يريم، والأصبغ بن نباتة، وجابر أبو خالد، وأبو الحوراء، وعمير بن مأمول - ويقال مأموم - بن زرارة، وأبو يحيى عمير بن سعيد النخعي، وأبو مريم قيس الثقفي، وطحرب العجلي، وإسحاق بن يسار والد محمّد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن عوف، وسفيان بن الليل، وعمرو بن قيس الكوفي (1).

وقد ازدهرت يثرب في ذلك العصر، فكانت من ذلك العصر، فكانت من أخصب البلاد الإسلاميّة علماً وأدباً وثقافة.

وانبرى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد وفاة أخيه إلى رعاية ذلك المعهد وتغذية طلابه بأنواع العلوم، إلّا أنّه لم يطل معهم العهد، فقد ابتلي بطاغية زمانه يزيد بن معاوية، وامتحن به امتحاناً عسيراً.

فقد أعلن يزيد الكفر والإلحاد، فرأى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن الواجب الديني يحتم عليه أن يفدي دين جدّه بدمه الغالي، وأن يقدّم الكواكب من أبنائه وأهل بيته ضحايا في سبيل كلمة التوحيد، وإنقاذ المسلمين من جور الأمويّين وبطشهم.

وقد سجّل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك أروع تضحية في سبيل الحق والمبدأ لم يشاهد التاريخ الإنساني أسمى ولا أنبل منها.

وبعد شهادة أبي الضيم انصرف ولده الإمام عليّ بن الحسين(2)

وقال أيضاً : «ما رأيت أحداً كان أفقه منه».

وقال ابن وهب عن مالك : «لم يكن في أهل بيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مثل عليّ بن الحسين». تهذيب التهذيب : 7 : 305.

إلى العبادة،

1) تهذيب الكمال : 4 : 373، نقلاً عن تاريخ مدينة دمشق : 13: 163.

2) قال الزهري : «ما رأيت قرشيّاً أفضل من علي بن الحسين».

فكان يصوم نهاره، وينفق ليله متعبداً حتّى صار كالشنّ البالي من كثرة عبادته، بالإضافة إلى الأحزان الموجعة التي تنتابه في كلّ فترة من حياته على ما حلّ بأبيه من الرزايا والخطوب.

فكانت فاجعة كربلاء ماثلة أمامه، وهو غارق في تيار من الآلام والأحزان، وقد عد أحد البكائين الخمسة الذين مثلوا الأسى واللوعة في دنيا الوجود، ومع هذه الآلام المبرحة التي لم تفارقه، فقد قام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بدور مهمّ في تزويد العلماء والرواة بأحاديثه في مختلف العلوم والفنون.

فقد روى عنه عنه أولاده محمّد وزيد وعبد اللّه، وروى عنه أبو سلمة بن عبدالرحمن وطاووس بن كيسان وأبو الزناد وعاصم بن أسلم والحكم بن عتيبة، وحبيب بن أبي ثابت، وأبو الأسود محمّد بن عبد الرحمن بن نوفل، ومسلم البطين، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة وعلي بن زيد بن جدعان، وآخرون (1).

لقد روى عنه هؤلاء الرواة مختلف العلوم، ورووا عنه «الصحيفة السجادية» التي هي زبور آل محمّد زبور آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ؛ وذلك لما حوته من الثروات الفكريّة المتميّزة بوضع قواعد الأخلاق، وأصول الفضائل، وعلوم التوحيد، وغيرها.

ورووا عنه «رسالة الحقوق» التي هي أروع رسالة ألفت في الإسلام، فقد وضعت الأسس الخلّاقة لحقوق الدولة على الشعب، وحقوق الشعب على الدولة. وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، كما صاغت البرامج العامّة لأصول التربية وأنواع السلوك وآداب التعليم، وحقوق المعلم على المتعلّمين، إلى غير ذلك من الحقوق التي لا غنى للناس عنها في حياتهم الفرديّة والاجتماعيّة.

ورووا عنه الحكم الصائبة، والآراء القيمة، والأمثال السائرة، وبذلك فقد ساهم الإمام في بناء الحياة العلميّة، وتطوير الحياة الفكريّة في الأرض.


1) تهذيب التهذيب : 7: 305.

وقام الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)بعد وفاة أبيه برعاية تلك المؤسسة الدينيّة، وتزويد علمائها وطلابها بعلوم الإسلام وآدابه، وقد ازدهرت في عصره معاهد العلم ، والتفّ حوله العلماء ينتهلون من نمير علومه، وكان المرجع الوحيد للعالم الإسلامي في عصره لعلوم الشريعة.

وفيه يقول مالك الجهني :

إِذا طَلَبَ النّاسُ عِلمَ القُرآ***ن كَانَتْ قُرِيضٌ عَلَيْهِ عِيالا

وإِن قيل إبن ابنِ بِنْتِ الرَّسو***لِ نَلْتَ بذاك فروعاً طوالا

نُجومٌ تَهَلَّلِ لِلمُدلِحِينَ***جبالٌ تُوَرّتُ عِلْماً جبالا (2)

وكان علماء عصره يتصاغرون أمامه (3)اعترافاً منهم بسموّ منزلته العلميّة التي لا يدانيها أحد.

وروى عنه ثقاة الرواة طاقات كبيرة من فقه أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، أمثال زرارة بن أعين الذي قال فيه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لَوْلا زُرارَةُ لَظَنَنْتُ أَنَّ أَحَادِيثَ أَبِي سَتَذْهَبُ» (4)ومحمّد بن مسلم، وقد سمع منه ثلاثين ألف حديث (5)، وأبو بصير، وقد قال الإمام


1) لقب بالباقر لتبحّره في العلم، وقد لقبه بذلك النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قبل أن يولد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما في حديث جابر بن عبداللّه الأنصاري، أن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال له : «يوشِكُ أَنْ تَبْقَىٰ حَتَّىٰ تَلْقَىٰ وَلَداً لِي مِنَ الْحُسَيْن، يُقالُ لَهُ : محمّد، يَبْقُرُ الْعِلْمَ بَقْراً، فَإِذا لَقِيْتَهُ فَاقْرَأْهُ مِنّي السَّلامَ». الفصول المهمّة / ابن الصبّاغ : 193، وقريب منه جاء في عيون الأخبار / ابن قتيبة : 1: 212.

2) مناقب ابن شهر آشوب : 4: 206. تاریخ دمشق : 57 : 212. سير أعلام النبلاء : 4: 404. الاتحاف بحب الأشراف : 52.

3) مرآة الجنان : 1 : 248.

4) رجال الكشّي : 210/133.

5) رجال الكشّي : 280/167.

الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه وفي إخوانه : «لَوْلا هَؤُلاءِ انْقَطَعَتْ آثَارُ النبوّة وَانْدَرَسَتْ» (1)، وعبد الملك بن أعين، وقد دعا له الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : «اللّهمّ إِنَّ أَبا الضَّريسِ كُنا عِنْدَهُ خِيَرَتَكَ مِنْ خَلْقِكَ، فَصَيِّرْهُ فِي ثِقَلِ محمّد صَلَواتُكَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (2).

وروى عنه عمرو بن دينار، وهو من رجال الصحاح الستة، والأعرج، والزهري، وأبو جهضم موسى بن سالم، والقاسم بن الفضل، والأوزاعي، وابن جريج، والأعمش، وشيبة بن نصاح، وعبد اللّه بن أبي بكر بن حزم، وعبداللّه بن عطاء، وبسّام الصيرفي، وحرب بن سريج، وحجاج بن ارطاة، ومحمّد بن سوقة ومكحول بن راشد، ومعمر بن يحيى بن بسام(3)، وغيرهم.

وقد ازدهرت الحياة العلميّة ونمت في دوره جامعة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) التي أمدّت العالم الإسلامي بجميع مقومات النهضة الفكريّة.

فى عهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وفجر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينابيع العلم والحكمة في الأرض، وفتح للناس أبواباً من العلوم لم يعهدوها من قبل، وقد ملأ الدنيا بعلمه، كما قال الجاحظ (4).

وقال ابن حجر : «ونقل عنه الناس من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان» (5).

ومن أبرز الفعاليّات التي بذلها الإمام في نشر العلم وإشاعته بين الناس تنميته


1) رجال الكشي : 286/170.

2) رجال الكشي : 301/175.

3) تهذيب الكمال : 17 : 73 و 74. تهذیب التهذيب : 9: 350.

4) رسائل الجاحظ / السندوبي : 106.

5) الصواعق المحرقة : 120.

الجامعة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ومدها بعناصر الحياة والبقاء، ونظراً لدوره الإيجابي في اتّساعها وانطلاقها من مستوى خاص إلى مستوى عال بلغت به القمة من بين المعاهد والجامعات العلميّة في جميع العصور، ولهذا فقد نسبت إليه، وأضيفت له.

لقد عملت جامعة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) على إيقاظ الفكر البشري، وبلورة العقليّة الإسلاميّة، وتطوير المجتمع الإنساني، وقد أنتجت صفوة العلماء، وقادة المفكرين والملهمين، وقد جهدوا على نشر العلم بجميع أنواعه، وببركة جهودهم نضجت الحياة الفكريّة في ذلك العصر، واستحق أن يمنح وسام العصر الذهبي في الإسلام.

وأدلى بعض الباحثين عن مدرسة الإمام بما نصّه : «والحقيقة أن مدرسة الإمام جعفر الصادق الفكريّة قد أنجبت خيرة المفكّرين، وصفوة الفلاسفة، وجهابذة العلماء، وإذا كانت هناك حقيقة يجب أن تقال فهى : إنّ الحضارة الإسلاميّة والفكر العربي مدينان لهذه المدرسة الفكريّة بالتطوّر والرقيّ والخلود، ولعميدها الصادق بالمجد العلمى، والتراث الثمين».

لقد عملت مدرسة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الانطلاق الفكري، ونشر الوعي العلمي، وقد جندت جمهرة كبيرة من العلماء للقيام بتثقيف المسلمين وتهذيبهم، وتقديمهم في الميادين العلميّة، وفيما يلي عرض موجز لشؤون هذا المعهد الكبير في عهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).

عوامل النموّ والازدهار

أمّا العوامل التي أدّت إلى نمو مدرسة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانطلاقها ففيما نحسب هي ما يلي :

1 - إنّ العالم الإسلامي في عهد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يرزح بالفتن والاضطراب، ويموج بالأهواء الفاسدة والنزعات الخاصة، قد سادت فيه الأحزاب التي أدت

إلى تفكّك المجتمع، وتفلّل قطعاته، قد اشتعلت نار الحرب في جميع حواظره وأقاليمه، وذلك بسبب انهيار الامبراطورية الأمويّة وقيام الدولة العبّاسية، وقد انصرف المسلمون بسبب تلك الأحداث الجسام عن العلوم والمعارف، واتجهوا إلى تلك الأحداث الرهيبة، فهم ما بين مؤيد للعهد المباد وبين مؤيد للحكم الجديد.

وقد انشغلوا بالدفاع عن أفكارهم السياسيّة عن طلب العلم والتوجّه الديني.

واغتنم الإمام هذه الفرصة السانحة، فانبرى يعمل مجداً في نشر الثقافة الإسلاميّة التي هي جزء من رسالة الإسلام، وقد وجد المسلمون من جديد الفرصة للرجوع إلى ظلال الإسلام الذي جعل طلب العلم فريضة من فرائض الدين، ووجدوا في حفيد الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) القائد الموجّه لبناء كيانهم الحضاري والعلمي، فأقبلوا على مدرسته ينتهلون من نميرها.

2 - إنّ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان بمعزل عن التدخل في أي شأن من شؤون الدولة الأمويّة والعبّاسية، فلم يباشر عملاً إيجابياً يصطدم بأهداف إحدى الدولتين، أو يمس الوتر الحسّاس من أهدافهم السياسيّة، فقد كان بمعزل عن الجميع، وقد أحبّوه وتطلّبوا رضاءه، ولم تراقبه السلطة المحلّيّة أو تضيق عليه، وتمنعه من نشر علومه.

وقد وجد المجال أمامه فسيحاً لفتح أبواب مدرسته وتغذية طلابه بسائر ألوان العلوم والمعارف، وقد سارع كبار العلماء والمحدثين والرواة إلى الانتماء لمعهده، وقد وجد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهم خير عون لأداء رسالته الاصلاحيّة الخالدة التي بلورت عقليّة المجتمع الإسلامي، وأنقذته من رواسب الجهل والجمود.

3 - وكان من عوامل النموّ لهذا المعهد الكبير أنّ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هو الذي كان يتولى إدارة شؤون هذا المعهد، ويقوم برعايته، وقد أجمع المسلمون على

اختلاف طوائفهم ونزعاتهم أنّه من ألمع أئمّة المسلمين في علمه وفقهه ومواهبه.

ومن الطبيعي أنّ لشخصيّة العميد الأثر التام في نجاح المدرسة وازدهارها، وبذلك فقد توفّرت جميع العوامل الحسّاسة لنجاح مدرسة الإمام ونموّها.

المركز العامّ

واختار الإمام يثرب دار الهجرة، ومهبط الوحي، فجعل فيها معهده الكبير ومدرسته العظمى، وبفضل جهوده ومساعيه كانت يثرب حاضرة من حواضر العلم في الإسلام، ومعهداً من معاهد العلوم.

أما محلّ التدريس، فكان - بالطبع - الجامع النبويّ، فيه كان الإمام يلقي محاضراته ودروسه التي خاض بها جميع الفنون، وفي بعض الأحيان كان يلقي دروسه في بهو بيته، وقد ازدهرت يثرب بطلابه واستعادت نشاطها ومكانتها في توجيه المجتمع الإسلامي.

البعثات العلميّة

ولمّا فتح الإمام أبواب مدرسته أسرع إلى الانتماء إليها جميع رواد الفضيلة والعلم من شتّى الأقطار الإسلاميّة، وذلك للانتهال من علوم الإمام، وتهذيب نفوسهم بأحكام الدين وتعاليمه، ومضافاً لذلك فإنّ الانتماء لمدرسة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من موجبات الشرف والفخر عند المسلمين، وتحدّث الأستاذ السيّد عبد العزيز الأهل عن البعثات العلميّة التي التحقت بمدرسة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : «وأرسلت الكوفة والبصرة وواسط والحجاز إلى جعفر بن محمّد أفلاذ أكبادها من كلّ قبيلة : من بني أسد، ومن غني، ومخارق، وطيّ، وسليم، وغطفان، وغفار، والأزد، وخزاعة، وخثعم، ومخزوم، وبني ضبة، ومن قريش، ولا سيّما بني الحارث بن عبد المطلب، وبني الحسن بن عليّ.. ورحل جمهور من الأحرار وأبناء الموالي

من أعيان هذه من العرب وفارس، ولا سيّما مدينة قم...» (1).

لقد اشتركت البلاد الإسلاميّة في إرسال أبنائها وأفلاذ أكبادها إلى مدرسة الإمام للانتهال من نمير علومه، وأخذ أحكام الدين من حفيد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد حقق المجتمع الإسلامي بذلك نصراً رائعاً في تأييد الحركة العلميّة، والمساهمة في بناء كيانها.

عدد طلّابها

ولمّا فتحت مدرسة الإمام أبوابها لجميع أبناء المسلمين بادر جمهور غفير من روّاد العلم إلى الالتحاق بها، فكان عددهم فيما ذكر الرواة أربعة آلاف طالب (2).

وهو عدد ضخم لم يعهد له نظير في أي معهد علمي في ذلك العصر، وكان فيهم كبار العلماء والمحدثين الذين أصبح بعضهم أئمّة ورؤساء لبعض المذاهب الإسلاميّة، وقد نقلوا عن الإمام من العلوم والمعارف ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في جميع البلدان (3).

وقد صنّف الحافظ أبو العبّاس بن عقدة الهمداني الكوفي كتاباً في أسماء الرجال الذين رووا الحديث عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فذكر ترجمة أربعة آلاف راوٍ منهم (4).

وقال المحقق في المعتبر : «وفي زمانه - أي زمان الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) - انتشر عنه من العلوم الجمّة ما بهر به العقول، وروى عنه جماعة ما يقارب أربعة آلاف رجل» (5).

وقال السيّد محمّد صادق نشأت : «كان بيت جعفر الصادق كالجامعة يزدان على


1) جعفر بن محمّد : 59.

2) غنية النزوع : 4. رياض المسائل : 1 : 17. المعتبر : 1 : 26.

3) الصواعق المحرقة : 120.

4) تاريخ الكوفة : 40.

5) المعتبر : 1 : 26.

الدوام بالعلماء الكبار في الحديث، والتفسير، والحكمة، والكلام، فكان يحضر مجلس درسه في أغلب الأوقات ألفان، وبعض الأحيان أربعة آلاف من العلماء المشهورين، وقد ألّف تلاميذه من جميع الأحاديث والدروس التي كانوا يتلقّونها في مجلسه مجموعة من الكتب تُعدّ بمثابة دائرة علمية للمذهب الشيعي أو الجعفري» (1).

وقد اتسعت بذلك الحركة العلميّة في ذلك العصر، وامتدت موجاتها إلى العصور الصاعدة وهي تبثّ النور والهدى والصلاح لجميع المسلمين.

فروعها

وقفل راجعاً إلى وطنه أغلب من تخرّج من مدرسة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وظفر بثروة علمية، وحينما استقرّوا في أوطانهم قاموا بدور مهم في بسط الثقافة الإسلاميّة، وتأسيس المعاهد العلميّة، والأندية الدينية التي عملت على تهذيب النفوس، ورفع مستوى الأخلاق، وأعظم تلك المعاهد التي أسست هو المعهد الديني الكبير الذي أقيم في جامع الكوفة، فقد التحق به من كبار المتخرجين من مدرسة الإمام تسعمائة عالم، كما حدث بذلك الحسن بن علي الوشّاء (2)

بجلي، كوفي. كان من وجوه هذه الطائفة ومن عيونها، اختص بالإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعدّ من خلّص أصحابه، ألف عدّة كتب، منها : كتاب ثواب الحج، والمناسك، والنوادر، ومسائل الرضا، وغيرها. جاء ذلك في التعليقات : 103.

، قال : «أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ، كلّ يقول : حدّثني جعفر بن محمّد» (3). وبذلك فقد اتسعت الحركة العلميّة اتساعاً هائلاً شمل جميع المناطق الإسلاميّة.

1) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : 1 : 62.

2) الحسن بن عليّ الوشّاء

3) رجال النجاشي : 80/40.

وقد أدلى بذلك الأستاذ مير عليّ الهندي بقوله : «ولا مشاحّة أن انتشار العلم ذلك الحين قد ساعد على فك الفكر من عقاله، فأصبحت المناقشات الفلسفية عامة في كلّ حاضرة من حواضر العالم الإسلامي، ولا يفوتنا أن نشير إلى أنّ الذي تزعم تلك الحركة، هو حفيد علي بن أبي طالب المسمّى بالإمام جعفر، والملقب بالصادق، وهو رجل رحب أفق التفكير، بعيد أغوار العقل، ملمّ كلّ الإلمام بعلوم عصره، ويعتبر في الواقع أوّل من أسس المدارس الفلسفية المشهورة في الإسلام، ولم يكن يحضر حلقته العلميّة أولئك الذين أصبحوا مؤسسي المذاهب فحسب، بل كان يحضرها طلاب الفلسفة، والمتفلسفون من الأنحاء القاصية...» (1).

وقد انتهلت من نمير علومه كثير من الأسر العلميّة في الكوفة، وعرفت بعد ذلك بالفقه والحديث كبيت آل حيان التغلبي، وآل أعين، وبني عطية، وبيت بني درّاج، وغيرهم من الأُسر العلميّة (2).

وقد احتفّت به هذه الأسر أثناء إقامته بالكوفة أيّام السفاح، وقد استمر بقاؤه فيها سنتين، وكان منزله في بني عبد القيس، وقد ازدحمت عليه الشيعة تستفتيه وتسأله عن أحكام دينها.

ويحدّثنا محمّد بن معروف الهلالي عن كثرة زحام الناس وإقبالهم عليه، قال : «مضيت إلى الحيرة إلى جعفر بن محمّد، فما كان لي فيه حيلة من كثرة النّاس فلمّا كان اليوم الرابع رآني فأدناني، وتفرّق النّاس عنه، ومضى يريد قبر جدّه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتبعته، وكنت أسمع كلامه وأنا معه أمشي» (3).

وعلى أي حال، فإنّ مدرسة الإمام، وسائر المنظمات العلميّة التي تفرعت منها


1) جعفر بن محمّد : 59.

2) تاريخ الكوفة : 408.

3) مناقب آل أبي طالب : 3: 363. بحار الأنوار: 47 : 93، الحديث 104.

قد أقامت صروح العلم والفضيلة في العالم الإسلامي.

الأخصّائيّون من طلابه

وتخصّص الكثيرون من طلاب الإمام في جملة من العلوم والفنون، فقد تخصّص في الفلسفة وعلم الكلام ومباحث الإمامة هشام بن الحكم، وهشام بن سالم، ومؤمن الطاق، ومحمّد بن عبد اللّه الطيار، وقيسر بن الماصر، وغيرهم.

وتخصّص في علم الفقه وأصوله والتفسير وسائر العلوم الدينية زرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم، وجميل بن درّاج، ويريد بن معاوية، وإسحاق بن عمّار، وعبيد اللّه الحلبي، وأبو بصير، وأبان بن تغلب، والفضيل بن يسار، وأبو حنيفة، ومالك بن أنس، ومحمّد بن الحسن الشيباني، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وسفيان الثوري، وأمثالهم.

وتخصّص في علم الكيمياء جابر بن حيان الكوفي، وهو أشهر عالم كيمياوي في العالم العربي - كما قال فانديك -.

وتخصص في حكمة الوجود وأسرار الخليقة المفضّل بن عمر، كما تناول في كتابه الذي أملاه عليه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أغلب أبواب علم الطب، فقد خاض فيه وظائف الأعضاء، ودوران الدورة الدموية، والجراثيم المسببة للأمراض، وتشريح الإنسان، وغيرها.

إن جامعة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكل اعتزاز وفخر قد سبقت المعاهد العلميّة في تأسيس الاختصاص بالدراسات العلميّة

تدوين العلوم

وحثّ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) طلّابه على تدوين دروسه ومحاضراته التي تناولت أغلب العلوم والفنون، وذلك خوفاً عليها من الاضطراب والضياع، وقد أكد الدعوة

على هذه الجهة في غير موطن.

روى أبو بصير قال : «دخلت على أبي عبد اللّه، فقال : ما يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْكِتابَةِ ؟ إِنَّكُمْ لَنْ تَحْفَظُوا حتّى تَكْتُبوا، إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدي رَهْطُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَشْيَاءَ فَكَتَبوها» (1).

وروى أبو بصير، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : اكْتُبُوا، فَإِنَّكُمْ لَا تَحْفَظُونَ حَتَّى تَكْتُبوا» (2).

قال عاصم : «سمعت أبا بصير يقول : قال أبو عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : اكْتُبوا، فَإِنَّكُمْ لَا تَحْفَظُونَ إِلَّا بِالْكِتابَةِ» (3).

وقد استجاب طلّابه إلى هذه الدعوة النيّرة التي تحمل في أعماقها إنارة الفكر الإنساني، وإشاعة العلم وبسطه بين الناس، وقد أقبل أصحابه على تدوين العلوم، فقد ألّف أبان بن تغلب :

1 - كتاب القراءات (4).

2 - كتاب الفضائل (5).

3 - الأصول في الرواية (6).

4 - الغريب في القرآن (7).


1) مستدرك وسائل الشيعة : 17 : 284، 293، الباب 8، الحديث 21383.

2) الكافي : 1 : 52، الحديث 9. بحار الأنوار: 2 : 152، الحديث 38.

3) وسائل الشيعة : 18 : 236.

4) فهرست ابن الندیم: 308.

5) رجال النجاشي : 7/11.

6) فهرست ابن الندیم: 308.

7) رجال النجاشي : 9/11.

وألّف محمّد بن علي البجلي الشهير بمؤمن الطاق ما يلي :

1 - كتاب الإمامة.

2 - كتاب المعرفة.

3 - كتاب إثبات الوصية.

4 - كتاب الردّ على المعتزلة في إمامة المفضول.

5 - كتاب في أمر طلحة والزبير وعائشة.

6 - كتاب افعل ولا تفعل.

7 - المناظرة مع أبي حنيفة (1).

وألّف هشام بن الحكم أبو محمّد البغدادي في مختلف العلوم والفنون، وذكر له ابن النديم سبعة عشر مؤلّفاً نذكرها في ترجمته عند عرض أصحاب الإمام موسى (2).

وألف المفضّل بن عمر كتاب التوحيد، وهو من أجل الكتب الإسلاميّة فقد عرض فيه إلى خلق الإنسان وتكوينه، وما في أعضائه من الأسرار والغرائب، كما عرض فيه إلى كثير من البحوث الطبيّة (3).

وألّف جابر بن حيان كتاباً في علم الكيمياء يقع في ألف ورقة تضمّنت رسائل الإمام التي بلغت خمسمائة رسالة (4).


1) فهرست ابن النديم : 250.

2) فهرست ابن النديم : 223 - 224.

3) علّق على هذا الكتاب وشرحه شرحاً وافياً صديقنا المغفور له الشيخ محمّد الخليلي، وقد كشف ما فيه من العلوم والأسرار والبحوث الطبية التي تتفق مع العلم الحديث، وقد سماه أمالي الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقع في جزءين.

4) مرآة الجنان : 1 : 304. الأعلام : 1 : 186.

وكانت هذه الرسائل مصدراً خصباً لعلم الكيمياء، واستفاد منها علماء هذا الفنّ فائدة كبرى، وقد أثنى على جابر وأكبر مجهوده جميع رجال العلم من المسلمين والمستشرقين، وفيما يلي كلمة رائعة للأستاذ عبد الرحمن بدوي أبدى إعجابه وإكباره بشخصية جابر التي هي إحدى شموع تلك المدرسة، وهذا نصها :

لن يستطيع الباحث في تاريخ الفكر الإسلامي أن يجد شخصية أمعنت في الغموض واكتنفها السرّ، حتّى كادت أن تكون أسطورة، وتسامت في التفكير حتّى ليقف المرء اليوم ذاهلاً أمام ما تقدّمه لنا من نظريات علميّة فلسفيّة كلّها عمق، وكلّها حياة، وأمام هذه الروح العامّة التي تسودها روح التنوير، والنزعة الإنسانيّة التي تصبو إلى اكتناه كلّ الأسرار، وتشعر بما يشيع فيها من قوى إلهيّة مبدعة فترتفع بالإنسان إلى مقام الالوهية، ويحدوها الأمل في التقدّم المستمر الوثاب للإنسانية في تطوّرها، وشخصية هذا خطها الروحي ستظلّ حيّة باستمرار ؛ لأنّها من النماذج الحيّة أبداً للإنسان السالك سبيله قدماً نحو تحقيق (الصورة) العليا على الأرض.

ولن يستطيع البحث العلمي والفيزيولوجي والحضاري أن يفرغ منها فراغاً تاماً مهما أنفق من جهد في هذا السبيل، بل ستمضي في البعد كلّما توغل في الطريق إليها، وسيزداد مقدارها كلّما تلمس المرء نواحيها.

ونحن اليوم أبعد ما نكون عن إدراكها إجمالاً، فضلاً عن الإحاطة بخطوطها الرئيسية، وتياراتها التوجيهيّة» (1).

وجابر بن حيان من أقطاب جامعة الإمام، ومن أعلامها النابهين الذين يعدّون بحق من المؤسسين للحركة الثقافية في العالم الإسلامي وغيره.

وهناك جمع غفير من نوابغ تلاميذ الإمام ألفوا في مختلف العلوم، كزرارة، وأبي بصير، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهم.


1) الإلحاد في الإسلام : 189.

وقد ترجم فقيد الإسلام الشيخ آقا بزرك نصر اللّه مثواه في «الذريعة» (1)مائتي رجل من مصنّفي تلامذة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكانت تلك المؤلفات الضخمة دائرة معارف واسعة، وأصبحت مصدراً للمذهب الشيعي، ودليلاً على مدى ثروته العلميّة والفكريّة.

اعتزاز و افتخار

واعتزّ تلاميذ الإمام بالحضور في مجلس درسه، وفخروا بذلك كثيراً، وجعلوا الانتماء لمدرسته من المآثر التي تؤهّلهم إلى المراكز العليا في المجتمع الإسلامي، وممن فخر بذلك أبو حنيفة، فقد قال : «لولا السنتان لهلك النعمان» (2).

لقد اعتزّ أبو حنيفة بالأيّام التي حضر فيها درس الإمام، وجعلها من أفضل أدوار حياته العلميّة.

وتحدّث مالك بن أنس عن أستاذه الإمام، فقد قال فيه : «ما رأت عين، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق، علماً وعبادة وورعاً» (3).

وتحدّث عنه مرّة أخرى، فقال : «ولقد كنت أرى جعفر بن محمّد، وكان كثير التبسّم، فإذا ذكر عنده النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) اصفرّ لونه، وما رأيته يحدّث عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلّا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زماناً، فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصلّياً، وإمّا صائماً، وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلّم بما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون اللّه» (4).

إنّ من الحق أن يعتزّ أبو حنيفة ومالك وأمثالهما بالانتماء لمدرسة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)


1) الذريعة : 6: 301 - 374.

2) الأعلام : 1 : 186. التحفة الاثني عشرية : 8.

3) التوسل والوسيلة : 52.

4) التوسل والوسيلة : 52.

وبالحضور في مجلس أبحاثه، فإنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المنبع الأصيل للعلوم التي ورثها من آبائه ومن جدّه الرسول العظيم الذي فجر ينابيع العلم والحكمة في الأرض.

طابعها الخاص

إن جامعة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان لها طابع خاص انفردت به عن بقيّة المؤسسات، وهو الاستقلال الذاتي المتميز بعدم الارتباط بأي جهاز رسمي، فلم يكتب للسلطة أن تستخدمها في أي غرض من أغراضها السياسيّة ؛ إذ لم يكن لها أي سلطان عليها، فقد كانت تتمتّع بالحريّة الواسعة، سواء في مناهجها التعليمية أو في مجالاتها الفكريّة، ولم تتلق من السلطة الحاكمة أي دعم اقتصادي أو مادّي، وإنما كانت منفصلة عنها، ومبتعدة في سلوكها عن جميع المؤثرات الخارجية، فهي تسير بوحي من الروح الإسلاميّة المشرقة، وتسلك في طريق واضح بعيد عن الالتواء والانحراف، هدفها خدمة الأُمّة ورائدها الحقّ.

وحاول المنصور أن يجلب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويكتسب وده وثقة تلامذته وشيعته، فكتب إليه : «لِمَ لا تغشانا كما يغشانا سائر النّاس ؟».

فأجابه الإمام عن خطّته وسلوكه قائلاً: «لِيْسَ عِنْدَنا مِنَ الدُّنْيا مَا نَحْافُكَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدَكَ مِنَ الْآخِرَةِ ما نرْجُوكَ لَهُ، فَعَلامَ نَأْتِيكَ ؟».

لم يكن عند الإمام أي شيء من حطام الدنيا حتّى يخاف عليه من سلطان المنصور، وليس عند المنصور من متع الآخرة حتّى يرجوه ويتّصل به.

وسلك المنصور طريقاً آخر، فكتب إلى الإمام : «وإنك تصحبنا لتنصحنا».

فأجابه الإمام : «مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ فَلَا يَصْحَبُكَ، وَمَنْ أَرادَ الدُّنْيا فَلَا يَنْصَحُك» (1).

وبهذا المنطق الحافل بجميع مقومات الحقّ أعرب الإمام عن سلوكه في الابتعاد


1) کشف الغمّة : 2 : 208، نقلاً عن التذكرة الحمدونية.

عن السلطة وعدم التعاون معها.

وتحدّث الأستاذ أسد حيدر عن هذا الطابع النيّر الذي امتازت به مدرسة الإمام بقوله : «كان طابع مدرسة الإمام الصادق الذي طبعت عليه، ومنهجها الذي اختصت به - من بين المدارس الإسلاميّة - هو استقلالها الروحي، وعدم خضوعها لنظام السلطة، ولم تفسح المجال لولاة الأمر أن يتدخلوا في شؤونها، أو تكون لهم يد في توجيهها وتطبيق نظامها، لذلك لم يتسنّ لذوي السلطة استخدامها في مصالحهم الخاصة، أو تتعاون معهم في شؤون الدولة، ومن المستحيل ذلك - وإن بذلوا جهدهم في تحقيقه - فهي لا تزال منذ نشأتها الأولى تحارب الظالمين، ولا تركن إليهم، كما لا تربطها وإيّاهم روابط الألفة، ولم يحصل بينهم وبينها انسجام، وبهذا النهج الذي سارت عليه.

والطابع الذي اختصت به، أصبحت عرضة للخطر، فكان النزاع بينها وبين الدولة يشتد، والعداء يتضخّم، فلا الدولة تستطيع التنازل لمنهج المدرسة فتكسب ودها وتسعد بمعاونتها، ولا المدرسة فى إمكانها أن تتنازل لإرادة الدولة فتؤازرها وتسير بخدمتها وتتعاون معها.

وكيف يكون ذلك ؟ وهي منذ نشأتها الأولى ترتبط بالثقلين كتاب اللّه، وعترة رسوله، وهما متلازمان متكاتفان لن يفترقا في أداء واجبهما لإرشاد الأُمّة وهدايتها، فالقرآن ينهى عن معاونة الظالمين والركون إليهم «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِن دُونِ اللّه مِن أَوْلِيَاءَ ثمّ لَا تُنصَرُونَ» (1)» (2).

وسارت على هذا النهج المشرق جميع المؤسسات العلميّة التي تخضع في مناهجها وسلوكها لمدرسة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كجامعة النجف الأشرف، وجامعة قم،


1) هود 11: 113.

2) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : 3: 15.

فإنّ كلاً منهما يسيران على وفق الأهداف الأصيلة التي أعلنها الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واتّخذها شعاراً ومنهجاً لمدرسته من عدم الارتباط والتعاون مع السلطات الحاكمة.

فزع السلطة

وفزعت السلطات الحاكمة من مدرسة الإمام، وهالها اتّساع نطاقها، وكثرة المنتمين إليها وهم يحملون علوم الإمام، ويحدّثون الناس عنها، وينشرون فضائله ومناقب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد أقض ذلك مضاجع المنصور وخشي على مصالحه السياسيّة، وخاف أن يفتتن الناس به - على حد قوله - فعهد إلى أبي حنيفة أن يسأل الإمام بأعقد المسائل وأكثرها غموضاً، ولنترك أبا حنيفة يحدّثنا عن ذلك.

قال أبو حنيفة : «ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد، لما أقدمه المنصور بعث إلىَّ، فقال : يا أبا حنيفة، إنّ الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمّد، فهيّئ له من المسائل الشداد.

فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إلى جعفر بن محمّد وهو بالحيرة فأحضره، فدخلت عليه، وجعفر بن محمّد عن يمينه، فلمّا بصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور، فسلمت عليه، وأومأ فجلستُ، ثمّ التفت إلى أبي عبد اللّه قائلاً: أيا أبا عبداللّه، هذا أبو حنيفة ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَعَمْ أُعْرِفُه.

ثم التفت إليَّ المنصور، وقال : يا أبا حنيفة، ألقِ على أبي عبداللّه مسائلك، فجعلت ألقي عليه فيجيبني، فيقول : أَنْتُمْ تَقولونَ كَذَا، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقولونَ: كَذا، وَنَحْنُ نَقولُ : كَذَا، فَرُبَّما تابَعَنا، وَرُبَّما خالَفَنا، حتّى أتيت على الأربعين مسألة ما أخلّ منها بمسألة واحدة» (1).


1) سير أعلام النبلاء / الذهبي : 6: 258 تاريخ الإسلام :9 90، وجاء فيه : «أنّ أبا حنيفة قال : أليس قد روينا أن أعلم الناس أعلمهم بالاختلاف».

ودلّت هذه البادرة على مدى حنق السلطة وحقدها، وحذرها من الإمام كما دلّت على مدى المقدرة العلميّة الهائلة التي يتمتّع بها الإمام.

وقد عمد المنصور إلى مكافحة مدرسة الإمام، والتقليل من أهمّيّتها، وعزل الإمام عن الأُمّة، فوجه نظره إلى مالك بن أنس، وأحاطه بكثير من التبجيل والتكريم ليجعله قبال الإمام ومرجعاً للأمة، وعهد إليه بوضع كتاب يحمل الناس بالقسر على العمل به، وامتنع مالك من إجابته، إلا أنّه أجبره على ذلك، وقال له : «ضعه، فما أحد اليوم أعلم منك» (1)فوضع مالك الموطاً.

وأمر الرشيد عامله على المدينة أن لا يقطع أمراً دون مالك، وكان الرشيد يجلس على الأرض لاستماع حديثه (2).

والتزمت الدولة مالكاً، وسخّرت جميع أجهزتها الدعائيّة لنشر مذهبه، وحمل الناس عليه، كلّ ذلك لصرف الناس عن مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذي علا أمره بسبب الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).

كما بالغ الرشيد في تعظيم أبي يوسف وإكرامه لأنّه تلميذ أبي حنيفة وناشر مذهبه، وقد بلغ من مكانته عند الرشيد أنّه ولاه منصب رئاسة القضاء، ولم يقلّد ببلاد العراق وخراسان ومصر قاضياً إلا بإشارة أبي يوسف وأمره (3).

وقال له الرشيد : «يا أبا يعقوب، لو جاز لي إدخالك في نسبي ومشاركتك في الخلافة المفضية إليَّ لكنت حقيقاً به» (4).

وهكذا أخذت السلطة العبّاسيّة تسعى جاهدة إلى تأسيس بعض المذاهب


1) شرح الموطأ / الزرقاني : 1 : 8.

2) وضوء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : 1 : 400.

3) خطط المقريزي : 4 : 144.

4) المكافأة / ابن الداية : 63.

الإسلاميّة، وإضفاء التكريم والعناية البالغة على أصحابها، وإرغام الأُمّة على الأخذ بآرائها، والعمل بما تفتي به، كلّ ذلك لصرف المسلمين عن مدرسة أهل البيت ومذهبهم (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد فتح المنصور أبواب هذا الاضطهاد الفكري، وسار من بعده ملوك بني العبّاس يقتفون أثره في إخماد الوعي الديني المستمد من رسالة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

المناهج التربويّة

إشارة:

وتناولت محاضرات الإمام وبحوثه القيمة جميع الفنون العلميّة من النقلية والعقليّة، ومذاهب الكلام، وألوان الآداب، وضروب الثقافة العالية، كعلم الفقه والحديث، وعلوم القرآن الكريم، والطب، والكيمياء والنبات، وغيرها من العلوم التي لها الأثر التام في التقدم الاجتماعي.

ومن أبرز العلوم التي تناولها الإمام بالبسط والتحليل الفقه الإسلامي بجميع أبوابه من العبادات والمعاملات والعقود والايقاعات.

ولم يقتصر الإمام في بحوثه على الناحية العلميّة، فقد توسع في محاضراته إلى نشر الآداب الاجتماعيّة، ومكارم الأخلاق، وآداب السلوك وغيرها، وفيما يلي عرض موجز لبعضها :

مكارم الأخلاق

إشارة:

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحثّ أصحابه وشيعته على التحلّي بمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، ليكونوا قدوة صالحة للمجتمع، وقد صدرت منه بهذا الصدد وصايا، منها وصيّته إلى ولده الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد جاء فيها :

«يا بُنَيَّ، إِقْبَلْ وَصِيَّتي، وَاحْفَظْ مَقالَتِي، فَإِنَّكَ إِنْ حَفِظْتَها تَعيشُ سَعيداً، وَتَموتُ حَميداً».

يا بُنَيَّ، مَنْ رَضِيَ بِما قُسِمَ لَهُ اسْتَغْنى، وَمَنْ مَدَّ عَيْنَهُ إِلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِه مات فقيراً، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِما قَسَمَهُ اللّه لَهُ اتَّهَمَ اللّه في قَضائِهِ، وَمَنِ اسْتَصْغَرَ زَلَّةَ نَفْسِهِ اسْتَعْظَمَ زَلَّةَ غَيْرِهِ.

يا بُنَيَّ، مَنْ كَشَفَ حِجَابَ غَيْرِهِ انْكَشَفَتْ عَوْراتُ بَيْتِهِ، وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ، وَمَنِ احْتَفَرَ لأَخِيهِ بِتْراً سَقَطَ فيها، وَمَنْ داخَلَ السُّفَهَاءَ حُقرَ، وَمَنْ خَالَطَ الْعُلَماءَ وُفِّرَ، وَمَنْ دَخَلَ مَداخِلَ السُّوءِ اتُّهِمْ.

يا بُنَيَّ، إِيَّاكَ أَنْ تُزْرِي بِالرِّجالِ فَيُزْرى بِكَ، وَإِيَّاكَ وَالدُّخول فيما لَا يُعْنيكَ فَتَذِلُّ لِذلِكَ.

يا بُنَيَّ، قُلِ الْحَقَّ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ تُسْتَشْأَنُ مِنْ بَيْنِ أَقْرَانِكَ.

يا بُنَيَّ، كُنْ لِكِتابِ اللّه تالياً، وَلِلسَّلامِ فاشياً، وَبِالْمَعْرُوفِ آمِراً، وَعَنِ الْمُنْكَر ناهِياً، وَلِمَنْ قَطَعَكَ واصِلاً، وَلِمَنْ سَكَتَ عَنْكَ مُبْتَدِئَا، وَلِمَنْ سَأَلَكَ مُعْطِياً، وَإِيَّاكَ وَالنَّمِيمَةَ، فَإِنَّها تَزْرَعُ الشَّحْناءَ فِي قُلوبِ الرِّجالِ. وَإِيَّاكَ وَالتَّعَرُّضَ لِعُيوبِ النَّاسِ، فَمَنْزِلَةُ الْمُتَعَرِّضِ لِعُيوبِ النّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْهَدَفِ.

يا بُنَيَّ، إِذا طَلَبْتَ الْجُودَ فَعَلَيْكَ بِمَعادِنِهِ، فَإِنَّ لِلْجُودِ مَعادِنَا، وَلِلْمَعادِنِ أصولاً، وَلِلْأُصولِ فُروعاً، وَلِلْفُروع ثَمَراً، وَلَا يَطيبُ ثَمَرٌ إِلَّا بِفَرْعٍ، وَلَا فَرْعٌ إِلَّا بِأَصْلٍ، وَلَا أَصْلٌ ثَابِتٌ إِلَّا بِمَعْدَنٍ طَيِّبٍ.

يا بُنَيَّ، إِنْ زُرْتَ فَزُرِ الْأَخْيَارَ، وَلَا تَزُرِ الْفُجَارَ، فَإِنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ صَخْرَةٍ

لا يَفْجُرُ ماؤُها، وَشَجَرَةٍ لَا يَخْضَرُّ وَرَقُها، وَأَرْضِ لَا يَظْهَرُ عُشْبُها» (1).

وقد حفلت هذه الوصيّة بأعمال الخير، وألمت بمكارم الأخلاق، واحتوت على أسس الفضائل والآداب.

وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) متصلاً يزوّد أبناءه وأصحابه بمثل هذه النصائح القيمة، والدروس النافعة، ليكونوا دعاة للإصلاح والرشاد.

ووجّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالة إلى بعض أصحابه أمرهم فيها بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وقد جاء فيها :

«عَلَيْكُمْ بِحُبِّ الْمَساكِينِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مَنْ حَقَّرَهُمْ وَتَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ زَلَّ عَنْ دِينِ اللّه... وَاعْلَمُوا أَنَّ مَنْ حَقَّرَ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَلْقَى اللّه عَلَيْهِ الْمَقْتَ مِنْهُ وَالْمَحْفَرَةَ حتّى يَمْقُتَهُ النَّاسُ أَشَدَّ مَقْتاً، فَاتَّقوا اللّه في إِخْوانِكُمُ الْمُسْلِمِينَ الْمَسَاكِينِ، فَإِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً أَنْ تُحِبُّوهُمْ، فَإِنَّ اللّه أَمَرَ نَبِيَّهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِحُبِّهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُحِبَّ مَنْ أَمَرَ اللّه بِحُبِّهِ، فَقَدْ عَصَى اللّه وَرَسُولَهُ، وَمَنْ عَصَى اللّه وَرَسُولَهُ وَماتَ عَلى ذلِكَ، ماتَ وَهُوَ مِنَ الْغاوِينَ.

إِيَّاكُمْ أَنْ يَبْغِيَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ خِصَالِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ مَنْ بَعْى صَيَّرَ اللّه بَغْيَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَصارَتْ نُصْرَةُ اللّه لِمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَصَرَهُ اللّه غَلَبَ، وَأَصابَ الظَّفَرَ مِنَ اللّه.


1) حلية الأولياء : 3: 195 - 196. جمهرة الأولياء : 2: 76. دائرة المعارف / البستاني : 6 : 478.

إِيَّاكُمْ أَنْ يَحْسُدَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، فَإِنَّ الْكُفْرَ أَصْلُهُ الْحَسَدُ.

إِيَّاكُمْ أَنْ تُعِينوا عَلَى مُسْلِم مَظْلُوم يَدْعو اللّه عَلَيْكُمْ، وَيُسْتَجابُ لَهُ فيكُمْ، فَإِنَّ أَبانا رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ : إِنَّ دَعْوَةَ الْمُسْلِم الْمَظْلوم مُسْتَجابَةٌ.

إيَّاكُمْ أَنْ تَشْرَهَ نُفُوسُكُمْ إِلَى شَيْءٍ ممّا حَرَّمَ اللّه عَلَيْكُمْ، فَإِنَّهُ مَنِ انْتَهَكَ ما حَرَّمَ اللّه عَلَيْهِ هَاهُنا في الدُّنْيا حَالَ اللّه بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِها وَلَذَّتِها وَكَرامَتِها الْقأئمّة الدّأئمّة لأَهْل الْجَنَّةِ أَبَدَ الآبدينَ» (1).

لقد دعا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه بهذه الوصيّة إلى عمل الخير والأخذ بالقيم الرفيعة التي تبعد الإنسان عن الشرّ، وتوجهه نحو الكمال، وقد ورد منه بمثل هذا الشيء الكثير، وهو يحفّز فيه أصحابه على التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال.

العدل

لا شك أنّ العدل هو العرق النابض في جسم المجتمع، وعليه تبتني الحياة، وتقوم دعائم الأمن والاستقرار في الأرض، وقد حاضر فيه الإمام فوصفه بأروع معنى، وأوجز لفظ، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْعَدْلُ أَحْلى مِنَ الْماءِ يُصِيبُهُ الظَّمْآنُ، مَا أَوْسَعَ الْعَدْلَ إِذا عُدِلَ فِيهِ، وَإِنْ قَلَّ» (2).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اتَّقُوا اللّه وَاعْدِلُوا، فَإِنَّكُمْ تُعيبُونَ عَلَىٰ قَوْمٍ لَا يَعْدِلُونَ» (3).

إنّ العدل هو الهدف الأسمى لجميع الشعوب الحرّة التي ناضلت كثيراً وجاهدت


1) تحف العقول : 313 - 315، رواها الكليني في الروضة :8 : 3 و 4، الحدیث 1.

2) الکافی : 2 : 155، الحديث 14.

3) الكافي : 2 : 147، الحديث 14. بحار الأنوار: 72: 38، الحديث 36.

طويلاً في سبيل تحقيقه، وهو من الأهداف الرئيسيّة التي عملت على تدعيمها ونشرها مدرسة الإمام في المجتمع الإسلامي.

إيثار الحق

كان الإمام دوماً يشيد بالحق ؛ إذ هو ظلّ اللّه في الأرض، وقد وصفه الإمام لأصحابه فجعله لُبّ الإيمان وحقيقته، فقال فيه: «إِنَّ مِنْ حَقيقَةِ الإِيمَانِ أَنْ تُؤْثِرَ الْحَقَّ وَإِنْ ضَرَّكَ عَلَى الْبَاطِلِ وَإِنْ نَفَعَكَ» (1).

إنّ متابعة الحق واتّباعه، وتقديمه على المصالح الخاصة من أهمّ الحقائق التي هتف بها الإسلام وعزّزته مدرسة الإمام.

الإصلاح

وأفضل الأعمال وأحبّها عند اللّه هو الإصلاح بين الناس، حتّى أباح المشرّع الأعظم الكذب - الذي هو من أعظم الموبقات - في سبيل الإصلاح ورفع التخاصم وإشاعة الحب والوئام بين الناس، وقد ندب الإمام أصحابه إلى ذلك، وحثهم على هذه المكرمة، فقال : «صَدَقَةٌ يُحِبُّها اللّه : إِصْلاحُ بَيْنَ النَّاسِ إِذا تَفاسَدوا، وَتَقارُبٌ بَيْنَهُمْ إِذا تَباعَدوا» (2).

إنّ الإصلاح بمعناه الشامل هو الهدف الأقصى لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد كرّسوا حياتهم في سبيله، ولاقوا المزيد من الاضطهاد والجور من أجله.

الظلم

وتسالمت عقول البشر في جميع الأجيال والأزمان على قبح الظلم واستهجانه،


1) المحاسن : 1 : 205، الحديث 57 بحار الأنوار: 2 : 114، الحديث 7.

2) الكافي : 2 : 101، الحدیث 1.

لأنه منبع الفساد ومصدر الجرائم، وقد حرّم الإمام جميع صوره وألوانه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «الْعامِلُ بِالظُّلم، وَالْمُعينُ لَهُ، وَالرَاضِي بِهِ شُرَكَاءُ ثَلَاثَتُهُم» (1).

وحرّم (عَلَيهِ السَّلَامُ) التعاون مع الظالمين، والاشتراك معهم بأي عمل إيجابي يرجع إلى بسط نفوذهم، وتقوية سلطانه، فقد سأله بعض أصحابه عن جواز البناء لهم وكراية النهر، فقال له : «ما أُحِبُّ أَنْ أَعْقِدَ لَهُمْ عُقْدَةً، أَوْ وَكَيْتُ لَهُمْ وكاءاً، وَلَا مَدَّةً بِقَلَم. إِنَّ أَعْوانَ الظُّلَمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي سُرادِقٍ مِنَ النَّارِ» (2).

وحدّث (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه عن عظم جريمة الظلم عند اللّه، فقال لهم : «كانَ أَبي يَقولُ : اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُوم تَصْعَدُ إِلَى السَّماءِ» (3).

وحدّثهم عن أقبح أنواع الظلم، فقال لهم : «ما مِنْ مَظْلَمَةٍ أَشَدُّ مِنْ مَظْلَمَةٍ لَا يَجِدُ صاحبُها عَلَيْها عَوْناً إِلَّا اللّه تعالى» (4).

إلى غير ذلك من الأخبار التي وردت عنه في التحذير عن الظلم وتحذير جميع أنواعه، كما بسط الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه الأضرار البالغة التي تترتب عليه في كثير من محاضراته القيمة الأمر الذي دلّ على مدى اهتمامه بتحقيق الأمن والسلام بين الناس.

التعاون

وحثّ الإمام أصحابه على التعاون الوثيق فيما بينهم، لأنّ ذلك يوجب إشاعة المحبّة والألفة فيما بينهم، وقد روى صفوان الجمال، قال : «كنت عند أبي


1) جامع السعادات : 2 : 217.

2) الكافي : 5 : 107، الحدیث 7.

3) الكافي : 2 : 509، الحديث 4. بحار الأنوار: 90: 358.

4) الكافي : 2 : 318، الحديث 4.

عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذ دخل عليه رجل من أهل مكة يقال له ميمون، فشكا إليه تعذر الكراء، فالتفت إليَّ قائلاً: قُمْ فَأَعِنْ أَخَاكَ.

فقمت معه، فيسر اللّه کراه، فرجعت إلى مجلسي، فقال لي أبو عبد اللّه : ما صَنَعْ في حاجَةِ أَخِيكَ ؟

•

قضاها اللّه، بأبي أنت وأمي.

•

أَما إِنَّكَ إِنْ تُعينَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَوافِ أَسْبُوعِ بِالْبَيْتِ مُبْتَدِئَاً» (1).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجميل بن دراج : «مِنْ صالح الأَعْمالِ الْبِرُّ بِالْإِخْوانِ، وَالسَّعْي في حَوائِجِهِمْ، وَذلِكَ مَرْغَمَةٌ لِلشَّيْطَانِ، وَتَزَحْزُحَ عَنِ النيرانِ، وَدُخولٌ فِي الْجِنانِ.

يا جَميلُ، أَخْبِرْ بِهَذَا الْحَدِيثِ غُرَرَ أَصْحَابِكَ.

•

جعلت فداك، ومن غرر أصحابي ؟

•

هُمُ الْبَارُونَ بِالْإِخْوانِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ (2).

معرفة اللّه تعالى

إنّ معرفة اللّه من أهم الواجبات الإسلاميّة، وقد حث الإمام أصحابه عليها، وكشف لهم جليل آثارها، فقال : «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما فى فَضْل مَعْرفَةِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ ما مَدَوا أَعْيُنَهُمْ إِلى ما مَتَّعَ اللّه بِهِ الْأَعْداءَ مِنْ زَهْرَةِ الْحَياةِ الدُّنْيا وَنَعِيمِها، وَكَانَتْ دُنْيَاهُمْ أَقَلَّ عِنْدَهُمْ ممّا يَطَاونَهُ بِأَرْجُلِهِمْ، وَلَنَعُمُوا بِمَعْرِفَةِ اللّه جَلَّ وَعَزَّ، وَتَلَذَّذوا بِها تَلَذَّذَ


1) الكافي : 2 : 198، الحدیث 9.

2) الخصال : 96، الحديث 42. الكافي : 4 : 41، الحديث 15. بحار الأنوار: 68: 351، الحديث 3.

مَنْ لَمْ يَزَلْ فِي رَوْضَاتِ الْجِنانِ مَعَ أَوْلِياءِ اللّه.

إِنَّ مَعْرِفَةَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْسٌ مِنْ كلّ وَحْشَةٍ، وَصاحِبٌ مِنْ كلّ وَحْدَةٍ، وَنورٌ مِنْ كُلِّ ظُلْمَةٍ، وَقُوَّةٌ مِنْ كلّ ضَعْفٍ، وَشِفاءٌ مِنْ كلّ سُقْم» (1).

ثمّ إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخذ يبيّن لأصحابه ما لقيه أولياء اللّه من العناء ورهيب العذاب من أعداء اللّه تعالى، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

«قَدْ كانَ قَبْلَكُمْ قَوْمٌ يُقْتَلُونَ وَيُحْرَقُونَ وَيُنْشَرُونَ بِالمَناشِيرِ، وَتَضِيقُ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ برَحْيِها، فَما يَرُدُّهُمْ عَمَا هُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ممّا هُمْ فِيهِ، مِنْ غَيْرِ تِرَةٍ وَتَرُوا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ وَلَا أَذى، بَلْ ما نَقَموا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنوا بِاللّه الْعَزيزِ الْحَمِيدِ، فَاسْأَلُوا دَرَجَاتِهِمْ، وَاصْبِرُوا عَلى نَوائِبِ دَهْرِكُمْ، تَدْرُكُوا سَعْيَهُمْ» (2).

وهذا الوصف الرائع قد أحاط بحقيقة المتقين، وألمت بواقعهم وجهادهم وإيمانهم الوثيق باللّه.

صفات المؤمنين

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) دوماً يلقي على أصحابه وطلاب مدرسته أوصاف المؤمنين والمتقين ليهتدوا بهم، ويتّخذوهم قدوة صالحة.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمُؤْمِنُ لَهُ قُوَّةٌ في دينِ، وَحَزْمٌ في لينٍ، وَإِيمَانٌ في يَقِينِ، وَحِرْضٌ في فِقْهِ، وَنَشاط في هُدى، وَبِرٌ فِي اسْتِقامَةٍ، وَعِلْمٌ في حِلْمٍ، وَكَيْسٌ فِي رِفْقٍ، وَسَخَاءٌ في حَقٌّ، وَقَصْدٌ في غِنَى، وَتَجَمل فى فاقَةٍ، وَعَفْو في مَقْدِرَةٍ، وَطاعَةُ اللّه في نَصيحَةٍ، وَانْتِهاءٌ فِى شَهْوَةٍ، وَوَرَعٌ فِي رَغْبَةٍ، وَحِرْصُ في جهادٍ، وَصَلاةٌ في شَغْلِ، وَصَبْرٌ في


1) روضة الكافي : 8 : 247.

2) روضة الكافي : 8 : 248.

شِدَّةٍ، فِي الْهَزاهِزِ وَقورٌ، وَفي الرَّخاءِ شَكورٌ، لَا يَغْتَابُ، وَلَا يَتضكَبَّرُ، وَلَا يَقْطَعُ الرَّحِمَ، وَلَيْسَ بِواهِنٍ، وَلَا فَظًّ، وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا يَسْبِقُهُ بَصَرُهُ، وَلَا يَفْضَحُهُ بَطْنُهُ، وَلَا يَغْلِبُهُ فَرْجُهُ، وَلَا يَحْسِدُ النَّاسَ، وَلَا يُعَيِّرُ (1)، وَلَا يُعَيَّرُ (2)، وَلَا يَسْرقُ، يَنْصُرُ الْمَظْلُومَ، وَيَرْحَمُ الْمِسْكِينَ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَناءٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي راحَةٍ، وَلَا يَرْغَبُ فِي عِزّ الدُّنْيا، وَلَا يَجْزَعُ مِنْ ذَلّها، لِلنَّاسِ هَمَّ قَدْ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ، وَلَهُ هَمَّ قَدْ شَغَلَهُ، لَا يُرى في حُكْمِهِ نَقْصُ، وَلَا فِى رَأْيِهِ وَهُنَّ، وَلَا فِي دِينِهِ ضَياعٌ، يَرْشُدُ مَنِ اسْتَشَارَهُ، وَيُساعِدُ مَنْ ساعَدَهُ، وَيَكيعُ (3)عَن الْخَنا وَالْجَهْل» (4).

ووصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) المؤمن، قال : «لَا يَكونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً حتّى يَكونَ كامِلَ الْعَقْلِ. وَلَا يَكونُ كامِلَ الْعَقْل حتّى تَكونَ فيهِ عَشْرُ خِصال: الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ، يَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْخَيْرِ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَكْثِرُ قَليلَ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا يَتَبَرَّمُ بِطَلَبِ الْحَوائج قِبَلَهُ، وَلَا يَسْأَمُ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ عُمْرَه، الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعِزَّ (5)، وَالْفَقْرُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنى، حَسْبُهُ من الدُّنْيا القوتُ.

وَالْعاشِرَةُ وَما الْعاشِرَةُ ؟ لَا يَلقى أَحَداً إِلَّا قالَ : هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَأَتْقَىٰ، فَإِذَا لَقِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ تَواضَعَ لَهُ لِيَلْحَقَ بِهِ، وَإِذا لَقِيَ الَّذِي هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَأَدْنى قالَ : لَعَلَّ شَرَّ هذا ظاهِرٌ وَخَيْرَهُ باطِنٌ، فَإِذا فَعَلَ ذلِكَ عَلا وَسادَ أَهْلَ زَمانِهِ» (6).


1) بتضعيف الياء وكسرها.

2) بتضعيف الياء وفتحها.

3) يكيع : أي يجبن.

4) الكافي : 2 : 209، الحديث 4.

5) لعلّه يريد أنّ الذل في طاعة اللّه أحب إليه من العزّ في معصية اللّه.

6) أمالي الطوسي : 153، الحديث 253.

الورع

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوصي أصحابه بالورع عن محارم اللّه، ومن أقواله لهم : «عَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ، فَإِنَّهُ لَا يُنالُ ما عِنْدَ اللّه إِلَّا بِالْوَرَع» (1).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللّه، وَالْوَرَع، وَالْإِجْتِهادِ، وَصِدْقِ الْحَديثِ، وَأَداءِ الأَمانَةِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَحُسْنِ الْجِوارِ، وَكونوا دُعاةً إِلَى أَنْفُسِهِمْ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ، وكونوا زَيْناً وَلَا تَكونوا شَيْئاً» (2).

ونكتفي بهذا النزر اليسير من تعاليمه الرفيعة التي زوّد بها المجتمع الإسلامي ووضع بها قواعد الأخلاق وآداب السلوك.

في عهد الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وقطع الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) شوطاً من حياته في جامعة أبيه الكبرى، وكان من أبرز العلماء النابهين، كما شارك أباه في إلقاء محاضراته العلميّة، وسانده في تعزيزها، وتقديمها في الميادين الثقافية، وبعد انتقال أبيه إلى حظيرة القدس تولى إدارة شؤون هذه المدرسة الكبرى، وقام بنشر العلوم، وبثّ روح الفضيلة، وقد احتف به العلماء والرواة لا يفارقونه ولا يفترقون عنه، يسجّلون أحاديثه وأبحاثه وفتاواه.

فقد روى السيّد ابن طاووس (3)

هو السيّد الجليل العالم العابد رضي الدين أبو القاسم علي بن سعد الدين بن إبراهيم الحسيني، كان يسكن الحلّة الفيحاء، ولقب بالطاووس من جهة حسن وجهه، وخشونة رجليه، وهو من أجلاء السادة ومن عيونهم، وكان نقيباً لهم.

له مؤلّفات كثيرة دلّت على سعة معارفه وعلومه. وقد ذكر مناقبه وعلومه بالتفصيل الحجّة الثبت السيّد محمّدباقر الخوانساري في مؤلّفه روضات الجنّات : 3: 43 - 47.

وجاء في الكنى والألقاب : 1 : 338 : «أنّ السيّد تولّى نقابة الطالبيّين، وكان يجلس في قبة خضراء، والناس تقصده، وقد لبسوا لباس الخضرة بدل السواد، وذلك عقيب وقعة بغداد، وفي ذلك يقول عليّ بن حمزة :

فَهذا عَلِيٌّ نَجْلُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ***شَبِيهُ عَلِيٌّ نَجْلٍ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ

فذاكَ بِدَسْتٍ لِلإِمَامَةِ أَخْضَرٍ***وَهَذَا بِدَسْتِ لِلنّقابَةِ أَخْضَرِ

توفي السيّد يوم الاثنين خامس ذي القعدة سنة 664ه-.

: أنّ أصحاب الإمام وخواصه كانوا يحضرون

1) الكافي : 2 : 76، الحديث.

2) تحف العقول : 488.

3) السيّد ابن طاووس :

مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح أبنوس لطاف وأميال، فإذا نطق بكلمة أو أفتى في نازلة بادروا إلى تسجيل ذلك (1).

وقد روى عنه هؤلاء العلماء جميع أنواع العلوم على اختلافها، وتباعد أطرافها، وببركة جهوده وجهود أبيه فقد عمّت الحركة العلميّة جميع الحواضر الإسلاميّة والعربية، وأصبح تراثهما العلمي يتناقله العلماء جيلاً بعد جيل.


1) الأنوار البهيّة : 91.

من مثله العُليَا

إشارة:

وبلغ الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في مواهبه وعبقريّاته أعلى مستويات الإنسانيّة وقيمها، فهو بحكم قابلياته ومقدراته فذّ من أفذاذ العقل الإنساني، ومثل رائع من أمثلة الخير والكمال في الأرض.

لقد كان الإمام موضع اعتزاز وفخر للعالم الإسلامي، وذلك لما أثر عنه من الفضائل والمآثر كسعة العلم والحلم، ودماثة الأخلاق، والسخاء، والإحسان إلى الناس، والصمود أمام الأحداث، إلى غير ذلك من نزعاته الكريمة التي يقدسها كلّ إنسان يؤمن بالمثل العليا، والإنسانيّة الكريمة، ونعرض فيما يلي بعض نزعاته وصفاته :

إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

ومنحه اللّه الإمامة، وخصّة بالنيابة العامّة عن جدّه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فهو أحد أوصيائه وخلفائه على أمته، والإمامة - حسب ما تراه الشيعة -كالنبوّة لا يمنحها اللّه إلّا للذوات الخيّرة التي طُهرت من الأرجاس والآثام، وانمحت عنها أفانين الظلم والأباطيل، وهي من أسمى المناصب الإلهيّة، لا يتوج بها إلّا أفضل الخلق وأكرمهم عند اللّه تعالى، ولا بد لنا من وقفة قصيرة للبحث عن «الإمامة» لأنّها ترتبط ارتباطاً ذاتياً وموضوعياً بما نحن فيه.

معنى الإمامة

وحدّدها علماء الكلام فقالوا : «الإمامة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص إنساني»، فالإمام حسب هذا التحديد هو الزعيم العامّ، والرئيس المتبع الذي له السلطة الشاملة على جميع شؤون الناس الدينية والدنيوية، فالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكذلك الإمام حسب ما نص عليه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في خطابه بغدير خم حينما نصب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خليفة وإماماً على المسلمين من بعده.

الحاجة إلى الإمامة

إنّ الإمامة قاعدة من قواعد الإسلام، وأصل من أصوله، وقد اتفق المسلمون على ضرورتها وحتميتها ؛ لأنّ الشريعة الإسلاميّة مجموعة من الأحكام والقواعد، ففيها الحدود والعقوبات، وفيها الحكم بما أنزل اللّه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيها الجهاد في سبيل اللّه، والذب عن حياض الدين، وغير ذلك من الأحكام التي لا يمكن للفرد أن يقيمها من دون إمام يتولى تنفيذها.

يقول ابن تيمية : «إنّ ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، ولأنّ اللّه أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصرة المظلوم، وكذلك سائر ما أوجبه اللّه من الجهاد والعدل، وإقامة الحدود، ولا تتم إلا بالقوة والإمارة» (1).

إن المسلمين لا بدّ لوجودهم السياسي والديني من إمام يسوس أمرهم، ويعالج قضاياهم على ضوء كتاب اللّه، وسنّة نبيه، ويسير فيهم بسيرة قوامها العدل الخالص


1) السياسة الشرعية : 172 و 173.

والحق المحض.

إنّ الإمامة ضرورة من ضروريات الحياة الإسلاميّة لا يمكن الاستغناء عنها، فيها تتحقق العدالة الكبرى التي ينشدها اللّه في الأرض.

ومن أهم الأمور الداعية إليها إيصال الناس إلى معرفة اللّه وطاعته، وتغذية المجتمع بروح الإيمان والتقوى، وإبعاده عن نوازع الشرّ والغرور.

الاتفاق على وجوبها

إنّ الإمامة بمعناها القيادي للأمة قد اتفق المسلمون على وجوبها وضرورتها، سوى الخوارج، فإنّهم قالوا : «لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق فيما بينهم» (1).

وقد أجمع المسلمون على زيف ذلك وبطلانه، وقد تظافرت الأخبار على ضرورتها، فقد أثر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه قال : «مَنْ ماتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مِاتَ مِينَةٌ جاهلية» (2).

وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : «مَنْ َفارَقَ الْجماعَةَ فَمَاتَ، ماتَ مِيتَةٌ جاهِلِيَّةٌ. وَمَنْ قاتَلَ تَحْتَ رايَةِ عَصَبِيَّةٍ يَغْضَبُ لِعُصْبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلى عُصْبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عُصْبَةٌ فَقَتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ» (3).

وقال ابن خلدون : «إنّ نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين، لأنّ أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كلّ عصر من بعد ذلك، ولم تترك الناس


1) الملل والأهواء : 4 : 87.

2) بحار الأنوار :29 : 332 کنز العمال : 6: 52، الحديث 14810.

3) سنن النسائي : 7: 123.

فوضى في عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعاً دالّاً على وجوب نصب الإمام» (1).

لقد أجمع المسلمون منذ فجر تاريخهم على ضرورة الإمامة، وأنها من الواجبات التي لا تستقيم الحياة الإسلاميّة بدونها.

واجبات الإمام

وأناط الإسلام بالإمام جميع المسؤوليات الضخمة، فأوجب عليه السهر على مصالح المسلمين، ورعاية شؤونهم، والعمل على تطوير حياتهم، وإبعادهم عن جميع عوامل الانحطاط والتأخر، وقد ذكر المعنيون بهذه البحوث بعض الواجبات المهمة التي يجب عليه القيام بها، وهي :

1 - حفظ الدين، وحراسة الإسلام، وصيانته من المستهترين بالقيم والأخلاق.

2 - حماية بيضة الإسلام، والذب عن الحرم ليتصرّف الناس في معايشهم، وينتشروا في أسفارهم آمنين على أنفسهم وأموالهم.

3 - تحصين الثغور بالعُدَد، ووفور العدد، حتّى لا يظفر العدوّ بغرّة فينتهك فيها محرم، أو يسفك فيها دم مسلم أو معاهد.

4 - جهاد الكفرة المعاندين للإسلام حتّى يسلموا أو يدخلوا في ذمّة المسلمين قياماً بحق اللّه بظهور دينه على الدين كله.

5 - تنفيذ الأحكام، وقطع الخصومات حتّى لا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلوم.

6 - إقامة الحدود لتتوقّى المحارم، وتصان الأنفس والأموال.


1) مقدّمة ابن خلدون : 151.

7 - اختيار الأمناء والأكفاء، وتقليد الولايات للثقات النصحاء لتضبط الأعمال بالكفاءة، وتحفظ الأموال بالأمناء.

8 - جباية أموال الفيء والصدقات والخراج على ما أوجبه الشرع نصاً أو اجتهاداً من غير حيف ولا عسف.

9 - تقدير تقدير العطاء وما يستحقه كلّ واحد في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعه إليهم في وقت معلوم لا تأخير فيه ولا تقديم.

10 - مشارفة الأمور العامّة بنفسه غير معتمد على ولاته وعماله، فقد يخون الأمين، ويغشّ الناصح، وقد قال تعالى : «يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللّه» (1).

وفي الصحيحين من رواية ابن عمر، قال : «سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يقول : كُلُّكُمْ راع، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِها وَالْخادِمُ في مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.

قال : فسمعت هذا من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأحسبه قال : وَالرَّجُلُ في مالِ أَبِيهِ راعِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (2).

وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن مرة الجهني، قال لمعاوية : «سمعت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يقول : ما مِنْ إمام يَغْلِقُ بابَهُ دونَ ذَوي الحاجاتِ وَالْمَسْكَنَةِ إِلّا أَغْلَقَ اللّه أَبوابَ السَّماءِ دونَ خِلَّتِهِ (3)وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» (4).


1) ص 38: 26.

2) صحيح البخاري : 9 : 62. صحیح مسلم : 12 : 213.

3) الخلّة : الحاجة والفقر.

4) صحيح الترمذي : 6: 73.

ويقول محمّد بن يزداد وزير المأمون مخاطباً له :

مَنْ كانَ حَارِسَ دُنْيا إِنَّهُ قَمِنُ***أَنْ لا يَنامَ وَكُلُّ النّاسِ نُوّامُ

وَكَيفَ تَرقُدُ عَيْنا مَنْ تَضَيَّقَهُ***هَمَانِ مِنْ أَمْرِهِ نَقْضُ وَإِبْرامُ (1)

و وصفت هذه الأمور بأنّها دستور شامل لو نقلناه إلى لغة العصر ومصطلحاته لسامق، بل لتفوق فى إحاطته وشموله على ما احتوته الدساتير العالمية من واجبات الحاكمين والتزاماتهم (2).

ومن يمعن النظر فيما أثر عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى أن واجبات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشمل من ذلك، فإنّها تمتد إلى إقامة صروح الأخلاق والفضيلة وبناء مجتمع يعيش في ظلال العدل والحق وتستأصل فيه صور الانتهازية والوصولية، وبذور البغي والفساد، وقد تحدثنا عن ذلك بصورة مفصلة في كتابنا (نظام الحكم والإدارة في الإسلام).

صفات الإمام

إشارة:

ولا بدّ أن تتوفّر في الإمام جميع النزعات الخيّرة، والصفات الرفيعة، والمثل الكريمة، من العلم والتقوى، وسجاحة الرأي، وأصالة التفكير، والدراية التامة بما تحتاج إليه الأُمّة في جميع مجالاتها، وذكر المعنيون بالفقه السياسي في الإسلام الشروط التي يجب أن تتوفر فيه، وهي :

1 - العدالة على شروطها الجامعة، وهي الامتناع عن ارتكاب كبائر الذنوب وعدم الاصرار على صغائرها.


1) مآثر الإنافة في معالم الخلافة : 1: 59.

2) دولة القرآن : 82.

2 - العلم المؤدّي إلى الاجتهاد فى النوازل والأحكام.

3 - سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها.

4 - سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة، وسرعة النهوض.

5 - الرأي المفضي إلى سياسة الرعية، وتدبير المصالح.

6 - الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية بيضة الإسلام، وجهاد العدوّ.

7 - النسب، وهو أن يكون الإمام من قريش.

وقد ذكر هذه الأوصاف كلّ من الماوردي وابن خلدون (1).

وذكر الجويني والايجي والجرجاني والفارابي أوصافاً آخر ذكرناها مفصّلة فيكتابنا (نظام الحكم والإدارة في الإسلام).

وتعتقد الشيعة أنّ الإمام يجب أن يكون أفضل الناس في ملكاته وعبقرياته، وأنّه لا بدّ فيه من :

1 - العصمة

إن عصمة الإمام عند الشيعة قاعدة أساسية في الإمامة، وهي من المبادئ الأولية في كيانهم العقائدي، وقد عرّفها المتكلّمون، فقالوا : إنّها لطف من اللّه يفيضها على أكمل عباده، وأفضلهم عنده، وبها يمتنع من ارتكاب الآثام والجرائم عمداً وسهواً.

وقد أثارت عليهم هذه العقيدة الكثير من التهم والطعون، واتّهمهم قوم بالغلوّ والافراط في الحبّ. ولكنا إذا رجعنا إلى الأدلّة نجدها مؤيدة لما تذهب إليه الشيعة، ويكفينا في الاستدلال على ذلك آية التطهير. قال تعالى : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً».


1) الأحكام السلطانية : 4. مقدّمة ابن خلدون : 135.

وهي تدل بوضوح على عصمة أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من الذنوب وطهارتهم من

الزيغ والرجس، وذلك بما جاء فيها من حصر إرادة إذهاب الرجس - أي المعاصي - بكلمة إنّما التي هي من أقوى أدوات الحصر، ويدخول اللام في الكلام الخبري، وتكرار لفظ الطهارة، وكلّ ذلك يدل بحسب الصناعة على الحصر والاختصاص، كما إنّ إرادة اللّه بإذهاب الرجس عنهم يستحيل فيها أن يتخلّف المراد عن الإرادة. قال تعالى : «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ» (1)، وبهذا يتمّ الاستدلال على عصمتهم من كلّ ذنب ومعصية (2).

كما إن حديث الثقلين يدلّ على العصمة بوضوح، فقد قرن فيه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بين الكتاب وعترته، وكما إنّ الكتاب العزيز معصوم من الخطأ والزلل فكذلك العترة، وإلا لما صحّت المقارنة والمساواة بينهما، وبعد توفّر الأدلّة الحاسمة على اعتبارها في الإمام فلا مساغ للإنكار على الشيعة بذلك.

قال العلّامة الشيخ محمّد أمين زين الدين : «وما يصنع الشيعة إذا اضطرّتهم طبيعة الإسلام ذاتها إلى هذه العقيدة ؟

وما يعملون إذا قادتهم نصوص القرآن، وصحاح السنّة، ودلائل العقل ؟

ما يعملون إذا قادتهم هذه الحجج كلّها قوداً إلى هذه النتيجة ؟

والعصمة التي يشترطونها في إمام المسلمين هل تخرج به عن مصاف البشر وتلحقه بعداد الآلهة، كما يشتهى أن يقول المتقوّلون ؟

هل العصمة في ذاتها جزء إلهي حتّى إذا اشترطناها، فقد قلنا في الخليفة بالحلول ؟


1) یس 36: 82.

2) بسطنا البحث في دلالة الآية في كتابنا حياة الإمام الحسن بن عليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 1 : 74 - 79.

وهل للألوهية أجزاء لتعد العصمة من هذه الأجزاء ؟ ولتستطيع هذه الفرية أن تقف على قدم، ألم تشترطها جمهرة المسلمين في رسالة الرسول ؟

فهلّا كانت لها هذه اللازمة هناك وهل نقدها أحد هناك بمثل هذا النقد ؟ العصمة شرط في رسالة الرسول لدى جمهور المسلمين، وإن اختلفت فرقهم في تحديد هذا الشرط، أهو العصمة في عهد النبوّة فقط أم العصمة حتّى فيما قبل هذا العهد ؟».

وأضاف قائلاً: «وشيعة أهل البيت وحدهم يقولون : الشرط في رسالة الرسول وفي إمامة الإمام العصمة في كلّ أدوار الحياة من جميع أصناف الذنوب، ومن جميع أنواع النقائص حتّى من الخطأ والغفلة والسهو.

والعصمة رصيد نفساني كبير يتكون من تعادل جميع القوى النفسانية، وبلوغ كلّ واحدة منها أقصى درجة يمكن أن يبلغها الإنسان، ثمّ سيطرت القوة العقليّة على جميع هذه القوى والغرائز والركائز سيطرة كاملة حتّى لا تشذّ في أمر، ولا تستغلّ دونها في عمل.

في

هذه الحصانة الذاتيّة التي يرتفع بها الإنسان الأعلى عن الاتّضاع في طبيعته، ويمتنع بها عن الانزلاق في إرادته، ثمّ عن الانحرافات والالتواءات التي تترسّب منطقه اللاشعوري، وتتحوّل - كما يقول العلماء النفسانيون - عقداً نفسيّة تتحكّم في دوافع المرء وسلوكه وفي اتجاهاته وملكاته، وتسوقه من حيث لا يريد إلى النشوز عن الحق، والشرود عن العدل، هذه الحصانة الذاتية التي توقظ مشاعر الإنسان الكامل فلا يغفل، ويعتلي بملكاته وإشراقه فلا ينزلق ولا يكبو، والتي تكفل له صحته النفسيّة من كلّ وجه، هذه هي العصمة التي يشترطها مذهب أهل البيت في الرئيس الأعلى لحكومة الإسلام، وفي ظنّي أنه شرط بمنتهى الجلاء، كما أنّه بمنتهى الحكمة.» (1).


1) الإسلام : 283 - 285.

إنّ المنطق العلمي بجميع أبعاده يقضي بصحة ما تذهب إليه الشيعة من اعتبار العصمة في أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، أما القول المعاكس له فهو بعيد عن منطق الدليل والبرهان.

ويقي هنا شيء، وهو اعتقاد الشيعة بأنّ الإمام لا بد أن يكون أعلم الناس وأفضلهم في مقدراته العلميّة، وقد أوضح هذه الجهة وأولاها بمزيد من البيان والاستدلال سماحة المغفور له الشيخ محمّدرضا المظفر، قال : «أما علمه - أي علم الإمام - فهو يتلقّى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات عن طريق النبيّ أو الإمام من قبله، وإذا استجد شيء لابد أن يعلمه من طريق الالهام بالقوة القدسيّة التي أودعها اللّه تعالى فيه، فإن توجّه إلى شيء وشاء أن يعلمه من طريق على وجهه الحقيقي لا يخطأ فيه، كلّ ذلك مستند إلى البراهين العقليّة، ولا يستند إلى تلقينات المعلمين، وإن كان علمه قابلاً للزيادة والاشتداد، ولذا قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : رَبِّ زِدْنِي عِلْماً».

وأضاف يقول بعد الاستدلال على ذلك :

«ويبدو واضحاً هذا الأمر في تاريخ الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، كالنبيّ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فإنهم لم يتربّوا على أحد، ولم يتعلموا على يد معلم من مبدأ طفولتهم إلى سنّ الرشد حتّى القراءة والكتابة، ولم يثبت عن أحدهم أنه دخل الكتاتيب أو تتلمذ على أستاذ في شيء من الأشياء مع ما لهم من منزلة علمية لا تجارى، وما سُئلوا عن شيء إلا أجابوا عليه في وقته ولم تمرّ على ألسنتهم كلمة «لا أدري»، ولا تأجيل الجواب إلى المراجعة أو التأمل أو نحو ذلك، في حين أنك لا تجد شخصاً مترجماً له من فقهاء الإسلام ورواته وعلمائه إلا ذكرت في ترجمته وتربيته وتلمذته على غيره، وأخذ الرواية أو العلم على المعروفين، وتوقّفه في بعض المسائل أو شكه في كثير من المعلومات، كعادة البشر في كلّ عصر ومصر» (1).


1) عقائد الإمامية : 51 - 54.

وعرض سماحة الإمام كاشف الغطاء إلى صفات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال فيما يختص في مواهبه العلميّة : «وأن يكون أي الإمام - أفضل أهل زمانه في كلّ فضيلة، وأعلمهم في كلّ علم ؛ لأن الغرض منه تكميل البشر وتزكية النفوس، وتهذيبها بالعلم والعمل الصالح «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ» (1)، والناقص لا يكون مكملاً، والفاقد لا يكون معطياً، فالإمام في الكمالات دون النبيّ وفوق البشر» (2)

هذا هو الرأي الصريح للشيعة في علم الإمام، وليس فيه أي غلوّ كما يتهمهم بذلك خصومهم.

2 - تعيين الإمام

وتجمع الشيعة على أن تعيين الإمام ليس بيد الأُمّة، ولا بيد أهل الحل والعقد منها، والانتخاب في الإمامة باطل، والاختيار فيها مستحيل، فحالها كحال النبوّة، فكما أنّها لا تكون بإيجاد الإنسان ورغبته كذلك الإمامة ؛ لأنّ العصمة التي هي شرط في الإمامة - عندهم - لا يعلمها إلّا اللّه المطّلع على خفايا النفوس، ودخائل القلوب، فهو الذي يمنحها لمن يشاء من عباده، ويختاره لمنصب الإمامة والخلافة.

وما النبوّة والإمامة بما هما منصب إلهي يجوز فيهما الترشيح والانتخاب، فإن تعيينهما من مختصاته تعالى، وقد أعلن ذلك الكتاب العزيز. قال تعالى : «يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ» (3).

وقال تعالى : «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللّه


1) الجمعة 62: 2.

2) أصل الشيعة وأصولها : 103.

3) ص 38: 26.

وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» (1)، وشأن الإمامة كشأن النبوّة لا رجوع فيها إلى اختيار الشعب وإرادته.

ودلّتهم على ذلك النصوص المتظافرة عن أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ومن تلك النصوص ما استدلّ به حجّة اللّه على أرضه، وخليفته على عباده الذي يقيم اعوجاج الحقِّ، ويصلح ما فسد من نظام الدين مهدي هذه الأُمّة عجل اللّه فرجه، وذلك عندما سأله سعد بن عبداللّه عن العلة التي تمنع من اختيار الناس إماماً لأنفسهم، فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً : يَختارونَ مُصْلِحاً أَوْ مُفْسِداً ؟

•

بل مصلحاً.

•

فَهَلْ يَجوزُ أَنْ تَفَعَ خِيرَتُهُمْ عَلَى الْمُفْسِدِ بَعْدَ أَنْ لَا يَعْلَمَ أَحَدٌ بِما يَخْطُرُ بِبالِ غَيْرِهِ مِنْ إِصلاح أَوْ فَسَادٍ ؟

•

بلی.

•

فَهِيَ الْعِلَّةُ أُوْرِدُهَا لَكَ بِبُرْهَانٍ يَثِقُ بِهِ عَقْلُكَ، أَخْبِرْنِي عَنِ الرُّسُلِ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللّه تَعَالَى، وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ عَلَيْهِمْ، وَأَيَّدَهُمْ بِالْوَحْيِ وَالْعِصْمَةِ؛ إِذْ هُمْ أَعْلَامُ الْأُمَمِ، وَأَهْدَىٰ إِلَى الْإِخْتِيارِ مِنْهُمْ، مِثْلِ مُوسَى وعيسى، هَلْ يَجوزُ مَعَ وُفُورٍ عَقْلِهِما، وَكَمَالِ عِلْمِهِما إِذَا هَمَا بِالْإِخْتِيارِ أَنْ تَقَعَ خِيرَتُهُما عَلَى الْمُنافِقِ وَهُما يَظُنَانِهِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ ؟

•

لا.

•

هذا مُوسَى كَلِيمُ اللّه تَعَالَى مَعَ وُفورٍ عَقْلِهِ، وَكَمالِ عِلْمِهِ، وَنُزولِ الْوَحْى عَلَيْهِ، اخْتارَ مِنْ أَعْيَانِ قَوْمِهِ وَوُجُوهِ عَسْكَرِهِ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ سَبْعِينَ رَجُلاً مِمَّنْ لَا يَشْكُ في إيمَانِهِمْ وَإِخْلاصِهِمْ، فَوَقَعَتْ خِيرَتُهُ عَلَى الْمُنافِقِينَ. قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «وَاخْتَارَ


1) القصص 28 : 68.

مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا» (1)إِلى قَوْلِهِ : «فَقَالُوا أَرِنَا اللّه جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ» (2).

فَلَمّا وَجَدْنَا اخْتِيارَ مَنْ قَدِ اصْطَفَاهُ اللّه تَعَالَى لِلنُّبُوَّةِ وَاقِعاً عَلَى الْأَفْسَدِ دونَ الْأَصْلَحَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ الْأَصْلَحَ دونَ الْأَفْسَدِ عَلِمْنَا أَنَّ الْإِخْتِيارَ لَيْسَ إِلَّا لِمَنْ يَعْلَمُ مَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَتَكُنُ الضَّمَائِرُ» (3).

إن الطاقات البشرية قاصرة عن إدراك الأصلح الذي تسعد به الأُمّة، وإنّما أمر ذلك بيد اللّه تعالى العالم بخفايا الأمور.

كلمة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ومن أعمق الأدلة على الإمامة، وأكثرها استيعاباً وشمولاً، وبياناً لمنصبها، واستحالة الانتخاب فيها، حديث الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع عبد العزيز بن مسلم، فقد أوضح الإمام الكثير من جوانب الإمامة، وفيما يلي بعض نصوص الحديث :

قال عبد العزيز بن مسلم : «كنا في أيّام علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمرو، فاجتمعنا في مسجد جامعها، فدار أمر الإمامة بين الناس وكثر الاختلاف فيه، وبعد انتهاء الحديث قمت فدخلت على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخبرته بما خاض فيه الناس.

فتبسّم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثمّ قال : يا عَبْدَ الْعَزِيزِ، جَهِلَ الْقَوْمُ وَخُدِعوا عَنْ أَدْيَانِهِمْ، إِنَّ اللّه جَلَّ وَعَزَّ لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حتّى أَكْمَلَ لَهُ الدِّينَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فيهِ تِبْيانُ كلّ شَيْءٍ، وَبَيَّنَ فِيهِ الْحَلَالَ وَالْحَرامَ، وَالحُدودَ وَالْأَحْكامَ،


1) الأعراف : 155.

2) النساء 4: 153.

3) بحار الأنوار: 52 : 85.

وَجَميعَ ما يَحْتاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ كَمَلاً، فَقالَ : «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ» (1).

وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي حِجَّةِ الْوَداعِ، وَهِيَ آخِرُ عُمْرِهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً» (2).

وَأَمْرُ الْإِمَامَةِ مِنْ كَمالِ الدِّينِ، وَلَمْ يَمْضِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حتّى بَيَّنَ لأُمَّتِهِ مَعالِمَ دِينِهِ، وَأَوْضَحَ لَهُمْ سُبُلَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْحَقِّ، وَأَقَامَ لَهُمْ عَلِيّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ)عَلَماً وَإِماماً، وَما تَرَكَ شَيْئاً ممّا تَحْتاجُ إِلَيْهِ الأُمّة إِلَّا وَقَدْ بَيَّنَهُ.

فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللّه لَمْ يُحْمِلْ دِينَهُ فَقَدْ رَدَّ كِتابَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ رَدَّ كِتابَ اللّه تَعَالَى فَقَدْ كَفَرَ. هَلْ يَعْرِفُونَ قَدْرَ الْإِمَامَةِ وَمَحَلَّها مِنَ الأُمّة فَيَجوزُ فيها اخْتِبارُهُمْ ؟

إِنَّ الْإِمَامَةَ أَجَلُّ قَدْراً، وَأَعْظَمُ شَأْناً، وَأَعْلَى مَكاناً، وَأَمْنَعُ جانباً، وَأَبْعَدُ غَوْراً، مِنْ أَنْ يَبْلُغَهَا النَّاسُ بِعُقولِهِمْ، أَوْ يَنالُوهَا بِآرَائِهِمْ، أَوْ يُقيموا إماماً بِاخْتِيارِهِمْ.

إِنَّ الْإِمَامَةَ خَصَّ اللّه بِها إِبْرَاهِيمَ الْخَليلَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بَعْدَ النبوّة وَالْخِلَّةِ مَرْتَبَةٌ ثالِثَةٌ، وَفَضيلَةً شَرَّفَهُ بِهَا، وَأَشادَ بِها ذِكْرَهُ، فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي


1) الأنعام 6 : 38.

2) المائدة 5: 3.

قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (1)، فَأَبْطَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِمَامَةَ كلّ ظَالِمٍ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ، وَصارَتْ في الصَّفْوَةِ.

ثُمَّ أَكْرَمَهُ اللّه بِأَنْ جَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ أَهْلَ الصَّفْوَةِ وَالطَّهَارَةِ، فَقالَ : «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلَا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أئمّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ» (2).

فَلَمْ تَزَلْ تَرِثُهَا ذُرِّيَّتُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بَعْضُ عَنْ بَعْضٍ، قَرْنا فَقَرْنَا، حتّى وَرِثَها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَقالَ اللّه: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النبيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا» (3).

فَكانَتْ لَهُمْ خَاصَّةً، فَقَلَّدَها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلِيّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فَصَارَتْ فِي ذُرِّيَّتِهِللا الْأَصْفياءِ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللّه الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : «وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللّه إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (4)عَلَى رَسْم ما جَرَى، وَما فَرَضَهُ اللّه فِي وُلْدِهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِذْ لَا نَبِيَّ بَعْدَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَمَنْ أَيْنَ يَخْتارُ هَؤُلاءِ


1) البقرة 2: 124.

2) الأنبياء 21: 72 و 73.

3) آل عمران 3: 68.

4) الروم 30 : 56.

الْجُهَالُ الْإِمَامَةَ بِآرَائِهِمْ ؟

إِنَّ الْإِمَامَةَ هِيَ مَنْزِلَةُ الْأَنْبِياءِ، وَإِرْتُ الْأَوْصِياءِ.

إِنَّ الْإِمَامَةَ خِلَافَةُ اللّه، وَخِلَافَةُ رَسُولِهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَمَقامُ أَميرِ الْمُؤْمِنينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَخِلَافَةُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).

إِنَّ الْإِمَامَةَ زِمَامُ الدِّينِ، وَنِظامُ الْمُسْلِمينَ، وَصَلاحُ الدُّنْيا، وَعِزُّ الْمُؤْمِنِينَ الْإِمَامَهُ أُمُّ الْإِسْلَامِ النَّامِي، وَفَرْعُهُ السَّامِي.

بِالْإِمَامِ تَمامُ الصَّلَاةِ، وَالزَّكاةِ، وَالصِّيامِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ، وَتَوْفِيرِ الْفَيْءِ، وَالصَّدَقَاتِ، وَإِمْضَاءِ الْحُدودِ وَالْأَحْكامِ، وَمَنْعُ الثَّغور وَالْأَطْرافِ.

الإمامُ يُحَلَّلُ حَلَالَ اللّه، وَيُحَرِّمُ حَرامَهُ، وَيُقِيمُ حُدودَ اللّه، وَيَذْبُ عَنْ دِينِ اللّه، وَيَدْعو إلى سَبيل اللّه بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَالحُجَّة الْبالِغَةِ.

ويسترسل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديثه في بيان أوصاف الإمام، وما وهبه اللّه من الكمال والعبقريّات، وأدلى بعد ذلك بأنّ الناس عاجزون عن معرفة حقيقته، وإدراك فضائله، فقال :

الْإِمَامُ كَالشَّمْسِ الطَّالِعَةِ الْمُجَلَّلَةِ بِنورِها لِلْعَالَمِ، وَهُوَ بِالْأُفُقِ حَيْثُ لَا تَنالُهُ الْأَبْصَارُ وَلَا الْأَيْدِي.

الْإِمَامُ الْبَدْرُ الْمُنيرُ، وَالسَّراجُ الزّاهِرُ، وَالنُّورُ الطَّالِعُ، وَالنَّجْمُ الْهَادِي

في غَياباتِ الدُّجى، وَالدَّليلُ عَلَى الْهُدَى، وَالْمُنْجِي مِنَ الرَّدى.

الْإِمَامُ النَّارُ عَلَى الْيَفاعِ الْحارُّ لِمَنِ اصْطَلَى، وَالدَّليلُ فِي الْمَهَالِكِ مَنْ فارَقَهُ فَهالِك.

الإمامُ السَّحابُ الْماطِرُ، وَالْغَيْثُ الْهاطِلُ، وَالسَّماءُ الظَّليلَةُ، وَالْأَرْضُ الْبَسِيطَةُ، وَالْعَيْنُ غَزِيرَةُ، وَالْغَدِيرُ وَالرَّوْضَةُ.

الْإِمَامُ الأمينُ الرَّفيقُ، وَالْوَلَدُ الشَّفيقُ، وَالأخُ الشَّقيقُ، وَكَالأُمِّ الْبَرَّة بِالْوَلَدِ الصَّغِيرِ، وَمَفْزَعُ الْعِبادِ.

الْإِمَامُ أَمِينُ اللّه فِي أَرْضِهِ وَخَلْقِهِ، وَحُجَّتُهُ عَلَى عِبادِهِ، وَخَليفَتُهُ في بِلَادِهِ، وَالدّاعي إِلَى اللّه، وَالذَّابُ عَنْ حَرِيمِ اللّه.

الْإِمَامُ مُطَهَّرٌ مِنَ الذُّنوبِ، مُبَرَّءٌ مِنَ الْعُيوبِ، مَخصوص بِالْعِلْم، موسومٌ بِالْحِلْم، نِظامُ الدِّينِ، وَعِزُّ الْمُسْلِمِينَ، وَغَيْظُ الْمُنافِقِينَ، وَبَوار الْكافِرِينَ.

الْإِمَامُ واحِدُ دَهْرِهِ، لَا يُدانِيهِ أَحَدٌ، وَلَا يُعادِلُهُ عالِمٌ، وَلَا يُوجَدُ لَهُ بَدَل، وَلَا لَهُ مِثْلٌ وَلَا نَظِيرٌ. مَخْصوص بِالْفَضْلِ كُلِّهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ مِنْهُ وَلَا اكْتِسابِ، بَلِ اخْتِصاصُ مِنَ الْمُفَضَّلِ الْوَهَابِ، فَمَنْ ذا يَبْلُغُ مَعْرِفَةَ الْإِمامِ أَوْ كُنْهَ وَصْفِهِ.

هَيْهاتَ هَيْهاتَ، ضَلَّتِ الْعُقولُ، وَتاهَتِ الْحُلومُ، وَحارَتِ الْأَلْبَابُ، وَحَصَرَتِ الْخُطَباءُ، وَكَلَّتِ الشُّعَراءُ، وَعَجَزَتِ الْأَدَبَاءُ، وَعَيِيَتِ الْبُلَغاءُ

وَفَحَمَتِ الْعُلَماءُ عَنْ وَصْفِ شَأْنٍ مِنْ شَأْنِهِ، أَوْ فَضيلَةٍ مِنْ فَضائِلِهِ، فَأَقَرَّتْ بِالْعَجْزِ وَالتَّقْصيرِ، فَكَيْفَ يُوصَفُ بِكُلِّيَّتِهِ، أَوْ يُنْعَتُ بِكَيْفِيَّتِهِ، أَوْ يُوجَدُ مَنْ يَقومُ مَقامَهُ، أَوْ يُغْنِي غِناهُ، وَأَنَّىٰ وَهُوَ بِحَيْثُ النَّجْمِ عَنْ أَيْدِي الْمُتَناوِلينَ، وَوَصْفِ الْواصِفينَ ؟

أَيْنَ الْإِخْتِيارُ مِنْ هذا ؟

أَيْنَ الْعُقولُ عَنْ هذا ؟

أَيْنَ يوجَدُ مِثْلُ هذا ؟

أَيَظُنُّونَ أَنَّهُ يُوجَدُ ذلِكَ فى غير آلِ رَسولِ اللّه صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ ؟ كَذَّبَتْهُمْ وَاللّه أَنْفُسُهُمْ، وَمَنَتْهُمُ الْأباطيلَ إِذِ ارْتَقَوْا مُرْتَفَى صَعْباً، وَمَنْزِلاً دَحْضاً. زَلَّتْ بِهِمْ إِلَى الْحَضِيضِ أَقْدامُهُمْ، إِذْ رامُوا إِقَامَةَ إِمَامٍ بِآرَائِهِمْ، وكَيْفَ لَهُمْ بِاخْتِيارِ إِمَامٍ، وَالْإِمَامُ عَالِمٌ لَا يَجْهَلُ، وَراع لَا يَمْكُرُ ؟ مَعْدِنُ النبوّة لَا يُغْمَرُ فِيهِ بِنَسَبٍ، وَلَا يُدانِيهِ ذُو حَسَبٍ، فَالْبَيْتُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَالذُّرْوَةُ مِنْ هَاشِمٍ وَالْعِتْرَةُ مِنَ الرَّسولِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَالرَّضَىٰ مِنَ اللّه شَرَفُ الْأَشْرافِ، وَالْفَرْعُ عَنْ عَبْدِ مَنافٍ. نامِي الْعِلْم، كامِلُ الْحِلْم، مُضْطَلِعٌ بِالْأَمْرِ، عالِمٌ بِالسّيَاسَةِ، مُسْتَحِقُّ لِلرِّئَاسَةِ، مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ، قائِمٌ بِأَمْرِ اللّه، ناصِحُ لِعِبادِ اللّه.

وتعرّض (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد هذا إلى علم الأنبياء والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقال :

إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأئمّة صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِمْ يُوَفِّقُهُمُ اللّه، وَيُسَدِّدُهُمْ،

وَيُؤْتِهِمْ مِنْ مَخْرُونِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ ما لَا يُؤْتِيهِ غَيْرَهُمْ، فَيَكونُ عِلْمُهُمْ فَوْقَ عِلْمٍ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (1).

وَقالَ تَعَالَى فِى قِصَّةِ طَالُونَ : «إِنَّ اللّه اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ في الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّه يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ» (2).

وَقالَ في قِصَّةِ داودَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّه الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ ممّا يَشَاءُ» (3).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ : «وَأَنْزَلَ اللّه عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّه عَلَيْكَ عَظِيماً» (4).

وَقَالَ فِي الْأئمّة مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَعِتْرَتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ : «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّه مِن فَضْلِهِ - إلى قوله تعالى : - سَعِيراً» (5).

وإِنَّ الْعَبْدَ إِذا اخْتارَهُ اللّه لأُمورِ عِبادِهِ شَرَحَ صَدْرَهُ لِذلِكَ، وَأَوْدَعَ قَلْبَهُ يَنابيعَ الْحِكْمَةِ، وَأَطْلَقَ عَلَى لِسانِهِ، فَلَمْ يَعْيَ بَعْدَهُ بِجَوابِ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ غَيْرَ صَوابٍ، فَهُوَ مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ مُؤَيَّدٌ، قَدْ أَمِنَ مِنَ الْخَطَأُ وَالزَّلَل.


1) يونس 10 : 35.

2) البقرة 4: 113.

3) البقرة 2: 251.

4) النساء 3: 113.

5) النساء 54:4 و 55.

خَصَّهُ بِذلِكَ لِيَكُونَ ذلِكَ حُجَّةٌ عَلى خَلْقِهِ، شَاهِداً عَلَى عِبَادِهِ، فهَل يَقْدِرُونَ عَلى مِثلِهذا فَيَخْتارُونَهُ أَوْ يَكونُ مُخْتارُهُمْ بِهَذِهِ الصَّفَةِ فَيُقَدِّمُوهُ» (1).

وانتهى بذلك حديث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو حافل بأروع صور الاستدلال والحجّة على ضرورة الإمامة، واستحالة الاختيار والانتخاب فيها، ووجوب رجوع التعيين في ذلك إلى اللّه تعالى وحده، فهو الذي يختار لهذا المنصب الرفيع من يشاء من عباده ممّن تتوفّر فيه صفات الخير والكمال، وطهارة النفس، وصفاء الذات، وعدم الانقياد والخضوع لدواعي الهوى، ونوازع الشرور والغرور حتّى يصلح لهداية الناس وإصلاحهم، وغرس روح الثقة والفضيلة في نفوسهم.

نصوص الإمامة

إشارة:

إن تعيين الإمام عند الشيعة ينحصر في النص، ولا سبيل لغيره في ذلك، وعليه فيجب على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أن يعيّن من يخلفه من بعده، وكذلك يجب على الإمام من بعده أن ينص على الخلف الذي يجب أن يرجع إليه الناس، وقد حفلت جميع كتب الحديث التي تعرّضت لهذ المواضيع بتدوين صور النصوص في ذلك، فقد قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الدار : «هذا أخي، وَوَصِنِّي، وَخَليفَتِي فِيكُمْ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعوا» (2).

وأخرج الطبراني بالإسناد إلى سلمان الفارسي، قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : إِنَّ وَصِنِّي، وَمَوْضِعَ سِرّي، وَخَيْرَ مَنْ أَتْرُكُ بَعْدِي، وَيُنْجِزُ عِدَتي، وَيَقْضِي دَيْني


1) تحف العقول: 436 - 442. عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 216 - 222. أصول الكافي : 1 : 203.

2) كنز العمّال : 6: 392.

عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب» (1).

وأخرج أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء : عن أنس، قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يا أَنَسُ، أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْكَ مِنْ هذَا الباب إمامُ الْمُتَّقِينَ، وَسَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ، وَقائِدُ المُحلينَ، وَخاتِمُ الْوَصِيِّينَ.

قال أنس : فجاء عليّ، فقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مستبشراً فاعتنقه، وقال له : أَنْتَ تُؤَدِّي عني، وَتُسْمِعُهُمْ صَوْتي، وَتُبَيِّنُ لَهُمْ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بَعْدى» (2).

وأخرج الطبراني في المعجم الكبير بالإسناد إلى أبي أيوب الأنصاري، عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قال : «يا فاطِمَةً، أَما عَلِمْتِ أَنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَاخْتارَ مِنْهُمْ أَباكَ فَبَعَثَهُ نَبِيّاً، ثمّ اطَّلَعَ ثانِيَةً فَاخْتارَ بَعْلَكِ، فَأَوْحَى إِليَّ فَأَنْكَحْتُهُ، وَاتَّخَذْتُهُ وَصِيّاً» (3).

وروى محبّ الدين الطبري بسنده عن أنس، قال : «قلنا لسلمان : سل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَن وصيّه ؟

فقال سلمان : يا رسول اللّه، من وصيّك ؟

قال : يا سَلْمانُ، مَنْ كانَ وَصِيُّ مُوسَى ؟

قال : يوشع بن نون.

قال : فَإِنَّ وَصِنِّي وَوارِثي يَقْضِي دَيْنِي، وَيُنْجِزُ مَوْعِدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ» (4).

وروى محبّ الدين الطبري عن بريدة، قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : لِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِيٌّ


1) كنز العمال : 6 : 154.

2) حلية الأولياء : 1: 63.

3) كنز العمّال : 6: 153. مجمع الزوائد : 8: 353.

4) الرياض النضرة : 2 : 178.

وَوارِثٌ، وَإِنَّ عَلِيّاً وَصِنِّي وَوارِثي» (1)

وفي كنوز الحقائق / المناوي : 121 أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال : «لِكُلِّ نَبِيٌّ وَصِيَّ وَوارِتٌ، وَعَلِيٌّ وَصِيَّي وَوارثِي».

.

ووردت نصوص نبوية متواترة رواها الفريقان في إمامة السبطين والريحانتين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فقد قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فيهما : «أنتما الإمامانِ وَلَا مِّكُما الشَّفاعَةُ» (2).

وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وهو يشير إلى الحسين : «هذا إمام ابْنُ إِمَامٍ، أَخو إِمَامٍ، أَبو أئمّة تِسْعَةِ» (3).

وأخرج الصدوق في الإكمال بالإسناد إلى سلمان، قال : «دخلت على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فإذا الحسين بن عليّ على فخذه، وهو يلثم فاه، ويقول : أَنْتَ سَيْد ابْنُ سَيْدٍ، أَنْتَ إمامٌ ابْنُ إِمَامٍ، أَخو إِمَامٍ، أبو الْأئمّة، وَأَنْتَ حُجَّةُ اللّه وَابْنُ حُجَّتِهِ، وَأَبو حُجَجٍ تِسْعَةٍ مِنْ صُلْبِك، تاسِعُهُمْ قائِمُهُمْ» (4).

واستفاضت كتب الحديث بنصوص نبوية أخرى تحصر الإمامة في اثني عشر إماماً كلّهم من قريش.

فقد روى جابر بن سمرة، قال : «سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يوم جمعة - عشيّة رجم الأسلمي، يقول : لَا يَزالُ الدِّينُ قائِماً حتّى تَقومَ السَّاعَةُ، وَيَكونُ عَلَيْهِمْ إِثْنا عَشَرَ خليفَةً كُلَّهُمْ مِنْ قُرَيْشِ» (5).


1) الرياض النضرة : 2 : 178

2) الاتحاف بحبّ الأشراف : 129. نزهة المجالس : 2 : 184.

3) منهاج السنّة : 4 : 210.

4) إكمال الدين : 362، الحديث.9 بحار الأنوار 36 : 241، الحديث 47.

5) إكمال الدين: 259، الحديث 4. صحيح مسلم - كتاب الإمارة مسند أحمد بن حنبل : 5: 89. صحيح البخاري : 4 : 164.

وأخرج الصدوق في الإكمال بسنده إلى الإمام الصادق، عن أبيه، عن جده، قال : «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : الأئمّة إِثْنا عَشَرَ، أَوَّلُهُمْ عَلِيٌّ، وَآخِرُهُمْ الْقائِمُ، هُمْ خُلَفائي وأوصيائي» (1).

وروی الحافظ أبو نعيم بسنده عن ابن عبّاس، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَحْيى حَياتي، وَيَموتَ مَماتي، وَيَسْكُنَ جَنَّةَ عَدْنٍ غَرَسَها رَبِّي، فَلْيُوالِ عَلِيّاً مِنْ بَعْدِي، وَلْيُوالِ وَلِيَّهُ، وَلْيَقْتَدِ بِالْأئمّة مِنْ بَعْدِي، فَإِنَّهُمْ عِتْرَتِي، خُلِقوا مِنْ طينتي، وَرُزِقوا فَهُما وَعِلْماً، وَوَيْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بِفَضْلِهِمْ مِنْ أُمَّتي، الْقاطِعينَ فيهِمْ صِلَتي، لَا أَنا لَهُمُ اللّه شَفاعَتي» (2).

ويضاف إلى تلك النصوص النبوية النصوص التي رواها الثقات والمتحرّجون في دينهم عن أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في نص كلّ إمام منهم على الإمام الذي يخلفه من بعده، فقد أوصى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما حضرته الوفاة إلى ولده الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال له : «يا بُنَيَّ، أَمَرَني رَسولُ اللّه أَنْ أُوصِي إِلَيْكَ، وَأَنْ أَدْفَعَ إِلَيْكَ كُتُبي وَسِلاحي، كَمَا أَوْصَى إِلَيَّ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَدَفَعَ إِلَيَّ كُتُبَهُ وَسِلاحَهُ، وَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَكَ إِذا حَضَرَكَ الْمَوْتُ أَنْ تَدْفَعَها إِلى أَخِيكَ الْحُسَيْن».

ثم أقبل على الحسين، فقال : «وَأَمَرَكَ رَسولُ اللّه أَنْ تَدْفَعَها إِلَى ابْنك هذا - وأشار إلى زين العابدين - ثمّ أخذ بيد عليّ بن الحسين وقال : «وَأَمَرَكَ رَسولُ اللّه أَنْ تَدْفَعَها إِلَى ابْنِكَ محمّد، فَاقْرَأْهُ مِنْ رَسُولِ اللّه وَ مِنِّي السَّلامَ» (3).

وهناك مئات أمثال هذه النصوص حفلت بها كتب الحديث، وهي تدلّ على


1) إكمال الدين: 259، الحديث 4.

2) حلية الأولياء : 1 : 86.

3) كشف الغمّة : 2 : 155 أصول الكافي : 1 : 297، الحدیث 1.

لزوم النصّ في الإمامة وبطلان غيره، وقد أخذت بها الشيعة في بناء عقيدتها في الإمامة.

النصّ على إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وعرف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) شيعته بإمامة ولده موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) منذ أن أشرقت الدنيا بولادته، وكان في كلّ مناسبة يحيطهم علماً بذلك ويوصيهم بضرورة الكتمان خوفاً عليهم وعلى ولده من السلطة الحاكمة، ولمّا أخذ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعنق الستّين من سنّي حياته هرعت إليه طائفة الشيعة تسأله عن الإمام من بعده لتعقد له الولاء والطاعة، وترجع إليه في أمور دينها، فأجابهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنّ الحجّة من بعده ولده موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفيما يلي عرض لتلك النصوص :

1 - المفضّل بن عمر

والمفضّل بن عمر الجعفي (1)من عيون الشيعة وأعلامها النابهين، وقد سأل الإمام جعفر بن محمّد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عن الحجّة من بعده ليتولاه ويدين بإمامته، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا مُفَضَّلُ الْإِمَامُ مِنْ بَعْدِي ابْني مُوسى، الْخَلَفُ الْمَأمولُ الْمُنْتَظَر» (2).

2 - يزيد بن سليط

ويزيد بن سليط ثقة أمين سليط ثقة أمين من أهل الورع والعلم (3)، قصد بيت اللّه الحرام ومعه زمرة من أصحابه، فالتقى في أثناء الطريق بالإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان معه ولده وحاشيته، فبادر إلى الإمام يسأله عن الحجّة من بعده، قائلاً بأبي أنتم وأمي، أنتم الأئمّة المطهرون، والموت لا يعرى منه أحد، فمن القائم من بعدك ؟


1) تأتي ترجمته في كوكبة الرواة والأصحاب.

2) بحار الأنوار: 48 15، الحديث 5.

3) تأتي ترجمته في كوكبة الرواة والأصحاب.

فأشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ولده موسى، وأخذ يبيّن له ما تحلّى به ولده من المثل العليا، قائلاً: فَعِنْدَهُ عِلْمُ الْحِكْمَةِ، وَالْفَهْمُ، وَالسَّخاءُ، وَالْمَعْرِفَةُ بِما يَحْتاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ فيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِ دينِهِمْ، وَفِيهِ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَحُسْنُ الْجِوارِ، وَهُوَ بَابٌ مِنْ أَبْوابِ اللّه، وَفِيهِ أُخْرَى هِيَ خَيْرٌ مِنْ هذا كُلِّهِ.

•

بأبي أنت وأمي، وما هي ؟

•

يُخْرِجُ اللّه تَعَالَى مِنْهُ غَوْثَ هَذِهِ الأُمّة وَغِياثَها وَعَلَمَها وَنورَها وَفَهْمَها وَحَكيمها، خَيْرُ مَوْلُودٍ وَخَيْرُ ناشِيُّ، يَحْقِنُ اللّه بِهِ الدّماءَ، وَيُصْلِحُ بِهِ ذاتَ الْبَيْنِ، وَيَكُم بِهِ الشَّعْثَ، وَيَشْعَبُ بِهِ الصَّدْعَ، وَيَكْسو بِهِ الْعَارِيَ، وَيُشْبِعُ بِهِ الْجائِعَ، وَيُؤْمِنُ بِهِ الْحَائِفَ، وَيُنْزِلُ بِهِ الْقَطْرَ، وَيَأْتَمِرُ لَهُ الْعِبادُ، خَيْرُ كَهْل، وَخَيْرُ ناشِيُّ يُبَشِّرُ بِهِ عَشِيرَتُهُ قَبْلَ أَوانِ حِلْمِهِ، قَوْلُهُ حُكْمٌ، وَصَمْتُهُ عِلْمٌ، يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ» (1).

وقد أخبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما منح اللّه به ولده بأن جعل من ذرّيّته مهدي آل محمّد (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذي بشِّر به النبيّ والأئمّة من بعده، وهو الذي يقيم الاعوجاج، ويصلح ما فسد من نظام الدنيا والدين، ولا يخرج حتّى يسود الفساد، ويعمّ الظلم، وتنتشر الفوضى، ويشيع التفسّخ، وتموج الأرض بالفتن والاضطراب، عجّل اللّه فرجه، وجعلنا من دعاته وأنصاره.

3 - داود بن كثير

وهرع داود بن كثير إلى الإمام أبي عبد اللّه يسأله عن الإمام من بعده قائلاً: جعلني اللّه فداك، وقدمني للموت قبلك، إن كان كون فإلى من أرجع ؟

• إلى ابنى موسى.

1) بحار الأنوار : 48 : 12، الحدیث 1.

واطمأن داود بذلك، واستراح ضميره، فلم يداخله الشكّ ولم يتحيّر في معرفة الإمام كما حدث بذلك بقوله : ما شككت في موسى طرفة عين (1).

4 - الفيض بن المختار

وتشرّف الفيض بزيارة الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فجرى بينهما حديث في شأن أبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبينما هما يتحدّثان في أمره إذ دخل الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فالتفت أبو عبد اللّه إلى الفيض قائلاً: يا فَيْضُ، هُوَ صاحِبُكَ الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ، فَقُمْ فَأَقِرَّ لَهُ بِحَقِّهِ. فاندفع الفيض يلثم يد الإمام ورأسه، ويدعو اللّه له بالبقاء والحياة، والتفت إلى أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: جعلت فداك، أفأخبر به أحداً ؟

• نَعَمْ، أَهْلَكَ، وَوَلَدِكَ، وَرُفَقاءَكَ.

وبهذا نقف على مدى التكتم الشديد من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشيعته خوفاً من السلطة الجائرة، وانبرى الفيض إلى خلّص أصحابه فأتحفهم بهذا النبأ المسرّ، وكان من جملتهم يونس بن ظبيان، فأراد أن يزداد يقيناً، فبادر إلى ثوى الإمام، فلما انتهى إليه بادر إليه الإمام أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: يا يُونُسُ، الْأَمْرُ كَما قالَ لَكَ الْفَيْضُ.

فانصرف يونس وهو مثلوج القلب، قد غمره الفرح والسرور بهذه النعمة التي ظفر بها (2).

5 - إبراهيم الكرخي

وزار إبراهيم الكرخي الإمام جعفر بن محمّد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وبينما هو جالس بخدمة الإمام إذ أقبل أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقام إليه إبراهيم إجلالاً، فالتفت إليه أبو عبد اللّه.

يا إِبْراهِيمُ، أَما إِنَّهُ صاحِبُكَ مِنْ بَعْدي، أما لَيَهْلِكَنَّ فِيهِ قَوْمٌ، وَيَسْعَدُ فِيهِ آخَرُونَ،


1) بحار الأنوار : 48 : 14، الحدیث 2.

2) أصول الكافي : 1 : 309. رجال الكشّي : 643/2. بحار الأنوار: 48 : 14، الحديث 3.

فَلَعَنَ اللّه قاتِلَهُ، وَضاعَفَ الْعَذابَ عَلى روحِهِ، أَما لَيُخْرِجَنَّ اللّه مِنْ صُلْبِهِ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي زَمَانِهِ، سَمِيُّ جدّه - يعني محمّد المهدي عجل اللّه فرجه سمي النبي وشبيهه في تحطيمه للظلم والقضاء على الظالمين - وَوارِثُ عِلْمِهِ، يَقْتُلُهُ جَبَارُ بَني فُلانٍ بَعْدَ عَجائِبٍ طَرِيفَةٍ حَسَداً لَهُ، وَلَكِنَّ اللّه بَالِغُ أَمْرِهِ وَلَوْ كَرِهِ الْمُشْرِكُونَ.

وأخذ يتحدّث عن ولده، وما منحه اللّه من اللطف والكرامة قائلاً: يُخْرِجُ اللّه مِنْ صُلْبِهِ تَمامَ اثْنَى عَشَرَ مَهْدِيّاً، اخْتَصَّهُمُ اللّه بِكَرامَتِهِ، وَأَحَلَّهُمْ دارَ قُدْسِهِ، الْمُقِرُ بِالثَّانِي عَشَرَ مِنْهُمْ كَالشَاهِرِ سَيْفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَذُبُّ عَنْهُ.

ولما انتهى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى هذه الفقرات من حديثه دخل عليه بعض عملاء الأمويّين فقطع (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحديث، وأراد إبراهيم إتمامه فلم يظفر به، فرحل عن يثرب إلى وطنه، ولما كان العام المقبل تشرّف بالمثول بين يدي الإمام، وهو يتحرق شوقاً إلى سماع بقية كلامه فأدرك (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك، فقال : يا إِبْراهِيمُ الْمُفَرِّجُ الْكَرْبَ عَنْ شِيعَتِهِ بَعْدَ ضَنَكِ شَديدٍ، وَبَلاء طَوِيلٍ، وَجَزَعٍ وَخَوْفٍ، فَطُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَهُ.

ثم قال له : حَسْبُكَ يا إِبْرَاهِيمُ.

وفرح إبراهيم بهذا الكلام من حديث الإمام وانطلق يقول : ما رجعت بشيء أسرّ من هذا لقلبي، ولا أقر لعيني» (1).

6 - عيسى العلوىّ

ودخل عيسى بن عبداللّه العلويّ على الإمام جعفر بن محمّد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) يسأله عن الحجة من بعده قائلاً : إن كان كون - ولا أراني اللّه ذلك - فيمن أنتمّ ؟

فأوما (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ولده موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فانبرى عيسى قائلاً : فإن حدث بموسى حدث


1) بحار الأنوار: 48 : 16، الحديث 6.

فيمن ائتم ؟

•

بِوَلَدِهِ.

•

فإن حدث بولده حدث، وترك أخاً كبيراً وابناً صغيراً، فيمن أنتم ؟

•

بِوَلَدِهِ، ثمّ هكذا أَبَداً.

•

فإن لم أعرفه، ولا أعرف موضعه ؟

•

تَقولُ : اللّهمّ إِنِّي أَتَوَلَّى مَنْ بَقِيَ مِنْ حُجَجِكَ مِنْ وَلَدِ الْإِمَامِ الْمَاضِي، فَإِنَّ ذلِكَ يجزيك» (1).

7 - معاذ بن كثير

وقصد معاذ بن كثير (2)الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسأله عن الإمام الذي يتولاه من بعده، قائلاً : أسأل اللّه الذي رزق أباك منك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك قبل الممات مثلها.

•

قَدْ فَعَلَ اللّه ذلِكَ.

•

مَن هو جعلت فداك ؟

فأشار إلى ولده موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو راقد قائلاً: هذَا الرّاقِدُ، وكان آنذاك غلاماً» (3).

8- منصور بن حازم

ودخل منصور بن حازم على الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يطلب منه تعيين الإمام


1) أصول الكافي : 1 : 309. بحار الأنوار: 48 : 16، الحديث 8.

2) معاذ بن كثير الكسائي الكوفي من خواص الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و من فقهاء هذه الطائفة، وأحد أعلامها، جاء ذلك في التعليقات : 335.

3) كشف الغمة : 3 : 10. أصول الكافي : 1 : 308. بحار الأنوار: 48: 17، الحديث 15 الإرشاد : 2 : 217.

من بعده قائلاً بأبي أنت وأمي، إنّ الأنفس يُغدا عليها ويراح، فإذا كان ذلك فمن ؟

فقال أبو عبد اللّه : فَهذا هُوَ صاحِبُكُمْ، وأشار إلى أبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثمّ وضع يده على منكب ولده مدلاً عليه، وكان عمره آنذاك خمس سنين» (1).

9 - سلیمان بن خالد

وحدّث سليمان بن خالد، قال : كنت جالساً أنا وجماعة من أصحابي عند الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فدعا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولده موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما مثل بين يديه التفت إلى أصحابه قائلاً : عَلَيْكُمْ بِهذا بَعْدي، فَهُوَ وَاللّه صاحِبُكُمْ بَعْدي» (2).

10 - صفوان الجمّال

تقدم نصّ حديثه الذي استدللنا به على ذكاء الامام وعبقريته في دور طفولته (عَلَيهِ السَّلَامُ).

11 - إسحاق بن جعفر

وحدّث إسحاق ابن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «كنت عند أبي، فسأله عمران بن عليّ عن الإمام من بعده قائلاً: جعلت فداك، إلى من نفزع ويفزع الناس بعدك ؟

• إلى صاحِب الثَّوْبَيْن الأَصْفَرَيْن الطَّالِع عَلَيْكُمْ مِنَ الْباب.

فجعل عليّ يتشوّف ويترقب الداخل من الباب، فلم يلبث أن خرج إليهم الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو صبي يافع وعليه ثوبان أصفران، وعنده غديرتان» (3).


1) أصول الكافي : 1 : 309.

2) الإرشاد : 265. أصول الكافي : 1: 310.

3) کشف الغمّة : 3 : 12. الإرشاد : 2 : 219.

12 - علىّ بن جعفر

وروى عليّ نجل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : سمعت أبي جعفر بن محمّد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) يقول لجماعة من خاصّته وأصحابه : اسْتَوْصوا بِابْني مُوسى خَيْراً، فَإِنَّهُ أفْضَلُ وَلَدى، وَمَنْ أخَلَّفُ بَعْدِي، وَهُوَ الْقَائِمُ مَقامي، وَالْحُجَّةُ للّه تَعَالى عَلى كافةِ خَلْقِهِ مِنْ بَعْدي» (1).

13 - يزيد بن أسباط

ودخل يزيد بن أسباط على الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عائداً له في مرضه الذي توفّي فيه، فالتفت له الإمام قائلاً : يا يَزيدُ، أَتَرى هذا - وأشار لولده موسى - إذا رَأَيْتَ النّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَاشْهَدْ عَلَيَّ بِأَنِّى أَخْبَرْتُكَ أَنَّ يُوسُفَ إِنَّمَا كَانَ ذَنْبُهُ عِنْدَ إِخْوَتِهِ حَتَّىٰ طَرَحوهُ فِي الْجُبِّ، الْحَسَدَ لَهُ حِينَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ رَأَى أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَهُ ساجِدِينَ، وَكَذلِكَ لا بُدَّ لِهَذَا الْغُلامِ مِنْ أَنْ يُحْسَدَ.

ثم استدعى أولاده عبداللّه وإسحاق ومحمّد والعبّاس وموسى، فقال لهم : هذا - وأشار لولده موسى - وَصِيُّ الْأَوْصِياءِ، وَعالِمُ الْعُلَماءِ، وَشَهِيدٌ عَلَى الْأَمْواتِ وَالْأَحْياءِ» (2).

14 - سلمة بن محرز

وندّد بعض المنافقين من العجليّة في عقيدة الشيعة التي تنص على أن الإمام لا بد أن يخلفه إمام، والإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس له خلف ليقوم مقامه، وقد ذكر ذلك أمام سلمة بن محرز، فلمّا سمع کلامه فزع إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وهو متألّم - لينقل له حديثه، ويطلب منه تعيين الإمام من بعده قائلاً: سيّدي، إنّ رجلاً من العجلية


1) كشف الغمة : 3 : 12 و 13. الإرشاد : 2 : 220.

2) بحار الأنوار: 48 : 21.

قال لي : كم عسى أن يبقى لكم هذا الشيخ - يعني أبا عبد اللّه - إنّما سنة أو سنتان حتّى يموت، ثمّ تصيرون ليس لكم أحد تنظرون إليه.

فقال له أبو عبد اللّه : أَلا قُلْتَ لَهُ : هذا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ قَدْ أَدْرَكَ مَا يُدْرِك الرجال... الخ» (1).

15 - زرارة بن أعين

وروى زرارة بن أعين (2)

وقال للفيض بن المختار : إِذا أَرَدْتَ حَديثاً فَعَلَيْكَ بِهذَا الْجالِسِ - وأوما بيده إلى زرارة -.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَلَوْلا زُرارَةً وَنُظَرَاؤُهُ لانْدَرَسَتْ أَحاديثُ أَبِي».

وروى زرارة الكثير من فقه أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأحاديثهم، وكل ما رواه فهو صحيح مقبول، ونظراً لاتصاله الوثيق وقربه بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) فقد طعن فيه أعداؤهم ومخالفوهم، فاتهموه بشتّى التهم والطعون، ولم يحطّ ذلك من كرامته ومنزلته، فقد عرف الجميع ما الزرارة من أيادٍ بيضاء على العلم والدين.

توفي سنة 150ه-. راجع ترجمته في النجاشي والكشي والفهرست، والتعليقات، ولسان الميزان، وغيرها.

، قال : «دخلت على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان عنده سيّد ولده أبو الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفي مجلسه جثمان قد غطّي بثوب، فأمرني أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن أحضر له داود الرقي وحمران، وأبا بصير، فخرجت لدعوتهم، فصادفني المفضّل بن عمر قاصداً نحو الإمام، ورأيت الناس تتوافد على بيت الإمام فمضيت مسرعاً، فدعوت القوم إليه، فلمّا تشرّفوا بمقابلته التفت (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى داود

1) بحار الأنوار: 48 : 23، الحدیث 37.

2) زرارة بن أعين الشيباني : من أقطاب الشيعة، وفي طليعة علمائها في الفقه والحديث والكلام كما قال ابن النديم - وقد اعتز به الإمام أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فنصبه علماً للفتيا بين شيعته.

الرقّى، فقال له : اكْشِفْ عَنْ وَجْهِ إِسْمَاعِيلَ، فكشف عن وجهه وإذا به جثّة هامدة لا حراك فيها.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لداود : يا دَاوُدُ، أَهُوَ حَيٌّ أَمْ مَيِّتٌ ؟

قال : يا سيّدي، بل هو ميّت.

وجعل يعرض ذلك على جميع حضّار مجلسه يشهدهم على وفاته، ويطلب منهم الإقرار والاعتراف بموته، وإنّما فعل ذلك ليفنّد مزاعم بعض الشيعة الذين ذهبوا إلى أنّ إسماعيل هو الإمام بعد أبيه نظراً لصلاحه ووفور علمه، فأراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يثيبهم إلى الرشاد، ويرجعهم إلى الصواب، ويدلّهم على أنّ الإمام من بعده ولده موسی (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، ثمّ إنه أمر بتجهيزه، فغسل وأدرج في أكفانه، ثمّ أمر المفضّل بن عمر أن يحسر عن وجهه ثانياً ليراه الناس ويقطعوا بموته، حتّى لا يبقى مجال للشك في ذلك، وبعد هذا أراد الزيادة في التأكيد ونفي الريب، فالتفت إلى جميع أصحابه قائلاً: أَهُوَ حَيٌّ أَمْ مَيِّت ؟

فهتفوا جميعاً معترفين بموته، فرفع (عَلَيهِ السَّلَامُ) يديه إلى السماء وانطلق يقول : اللّهمّ اشْهَدْ، فَإِنَّهُ سَيَرْتابُ فيهِ الْمُبْطِلُونَ، يُريدونَ إِطْفَاءَ نُورَ اللّه - وأشار لولده موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) - بِأَفْوَاهِهِمْ، وَاللّه مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.

ثمّ إنّه أمر أن يوارى الجثمان في مقرّه الأخير، وبعد أن وسّد في ملحود قبره وأهيل عليه التراب التفت إلى أصحابه ليرفع عنهم الشبه والظنون قائلاً: الْمَيِّتُ، الْمُكَفِّنُ، الْمُحَنَّطُ، المَدفون فى هَذَا اللَّحْدِ مَنْ هُوَ ؟

فانبروا جميعاً قائلين : إنّه إسماعيل.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللّهمّ اشْهَدْ، ثمّ أخذ بيد ولده موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يقول : هُوَ الْحَقُّ، وَالْحَقُّ مَعَهُ، وَمِنْهُ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللّه الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها» (1).


1) بحار الأنوار: 48: 21.

وقد فنّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه التصريحات المتكرّرة الشبه التي حامت عند بعض أصحابه حول إمامة ولده إسماعيل، وقد بيّن لهم غير مرّة أنّ الإمامة ليست بيده، وإنما هي بید اللّه تعالى، فهو الذي يمنحها لمن يشاء من عباده، وقد روى أبو بصير، قال : «كنت عند أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فذكر أصحابه الأوصياء وذكروا إسماعيل.

فالتفت إلىَّ الإمام قائلاً: لا واللّه يا أبا محمّد، ما ذاكَ إِلَيْنا، وَما هُوَ إِلَّا للّه عَزَّ وَجَلَّ يُنزل واحِداً بَعْدَ واحِدٍ» (1).

وقد صرّح (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن تعيين الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرجع إليه، وإنّما هو بيد اللّه تعالى، فهو الذي يختاره من بين عباده ممن تتوفّر فيه النزعات الخيّرة والمواهب الكريمة، وليس لأحد - بعد ذلك - أن يختار، وقد عرف ذلك وآمن به الخواص من الشيعة.

كما حدث بذلك ظريف بن ناصح (2)، قال : كنت مع الحسين بن زيد ومعه ابنه عليّ إذ مرّبنا أبو الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسلّم وانصرف.

فقلت للحسين : جعلت فداك، يعرف موسى بقائم آل محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟

قال : إن يكون أحد يعرفه فهو، ثمّ قال : وكيف لا يعرفه ؟ ! وعنده خط عليّ بن أبي طالب، وإملاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

فانبرى إليه ولده قائلاً : كيف لم يكن ذلك عند أبي زيد بن عليّ ؟!

قال : يا بني، إنّ عليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ سيّدا الناس وإماماهم، فلزم - يا بني - أبوك زيد أخاه، وتأدّب بأدبه، وتفقّه بفقهه.

يا أبة، إن حدث بموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) حدث يوصي إلى أحد من إخوته.


1) بحار الأنوار : 48 : 26، الحديث 44.

2) ظریف بن ناصح : كوفي، نشأ ببغداد، ثقة في حديثه، ألّف عدّة كتب منها كتاب الديات، وكتاب الحدود، وكتاب النوادر، جاء ذلك في التعليقات : 186.

قال : لا واللّه لا يوصي إلا إلى ابنه» (1).

16 - بعض الشيعة

ودخل على الإمام بعض شيعته يطلب منه أن يعين له الإمام من بعده، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : سابِعُكُمْ قائِمُكُمْ، أَلا وَهُوَ سَمِيُّ صاحِبِ التَّوْراةِ - يعني موسى بن عمران (عَلَيهِ السَّلَامُ) -» (2).

17 - بعض أصحابه

وتشرّف بعض أصحاب الإمام بمقابلته، فطلب منه أن يعيّن له الحجّة من بعده، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : عُدَّ الأيّام، فعدّها من الأحد حتّى بلغ السبت، فقال له الإمام : كَمْ عَدَدْتَ ؟

قال : سبعة.

فانبرى قائلاً: سَبْتُ السُّبوتِ، وَشَمْسُ الدُّهورِ، وَنورُ الشُّهورِ، مَنْ لَا يَلْهو، وَلَا يَلْعَبُ، وَهُوَ سَابِعُكُمْ فَائِمُكُمْ، ثمّ أشار لولده موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (3).

إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض النصوص الواردة من الإمام جعفر بن محمّد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في إمامة ولده أبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي تفيد القطع بإمامته والإمامة -كما ذكرنا - من أهم ألطاف اللّه تعالى التي خص بها أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فبها تلتقي جميع عناصر الصلاح والكمال، ونعرض فيما يلي - إلى بعض مثله الأخرى التي ى التي تكشف عن سرّ إمامته.

مواهبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) العلميّة

كان الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعلم أهل عصره بجميع أنواع العلوم العقليّة والنقلية،


1) زيد بن عليّ : 193، نقلاً عن قرب الإسناد : 1227/317.

2) دائرة المعارف / فريد وجدي : 9 : 594.

3) دائرة المعارف / فريد وجدي : 9 : 594.

وكان علمه إلهاميّاً كعلم الأنبياء والأوصياء لا كسبيّاً كبقية الناس، وقد أقام المتكلمون من الشيعة على ذلك سيلاً من الأدلة لا تقبل الجدل والشك، وشهد للإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوفور علمه أبوه الإمام جعفر بن محمّد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فقال في حقه لعيسى : «إِنَّ ابْني هذا لَوْ سَأَلْتَهُ عَمَا بَيْنَ دَفَّتَي الْمُصْحَفِ لَأَجَابَكَ فِيهِ بِعِلْمٍ.

وقال فيه : وَعِنْدَهُ عِلْمُ الْحِكْمَةِ، وَالْفَهْمُ، وَالسَّحَاءُ، وَالْمَعْرِفَةُ بِمَا يَحْتاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ فيما اخْتَلَفوا فيهِ مِنْ أَمْرِ دينهم.

ويكفي للتدليل على سعة علومه رواية العلماء عنه جميع الفنون من علوم الدين وغيرها ممّا ملأوا به الكتب، وألّفوا المؤلّفات الكثيرة، حتّى عرف بين الرواة بالعالم.

وقال الشيخ المفيد : «وقد روى الناس عن أبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأكثروا، وكان أفقه أهل زمانه» (1).

عبادته وتقواه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

نشأ الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيت القداسة والتقوى، وترعرع في معهد العبادة والطاعة، بالإضافة إلى أنّه ورث من آبائه حبّ اللّه والإيمان به، والإخلاص له، فقد قدموا نفوسهم قرابين في سبيله، ويذلوا جميع إمكانياتهم في نشر دينه والقضاء على كلمة الشرك والضلال ؟

فأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أساس التقوى، ومعدن الإيمان والعقيدة، فلولاهم ما عبداللّه عابد، ولا وحده موحد، وما حقت فريضة، ولا أقيمت سنة، ولا ساعت في الإسلام شريعة.


1) الإرشاد : 2 : 235.

لقد رأى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميع صور التقوى ماثلة في بيته، فكان أبوه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يخلو - كما يقول مالك - من خصال ثلاث : إمّا صائماً، وإمّا قائماً، وإمّا ذاكراً، وكان يطعم الفقراء ويكسوهم حتّى لم يبق لعياله شيء من طعام وكسوة (1)، بذل كلّ ذلك بسخاء في سبيل اللّه والتقرب إليه.

رأى الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لذلك من أبيه، فتطبع عليه وصار من مقوّمات ذاته، ومن عناصر شخصيّته، وحدّث المؤرّخون أنه كان أعبد أهل زمانه (2)، حتّى لقب بالعبد الصالح، ويزين المجتهدين ؛ إذ لم تر عين إنسان نظيراً له قط في الطاعة والعبادة، ونعرض أنموذجاً من مظاهر طاعته وعبادته :

1 - صلاته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إنّ أجمل الساعات وأثمنها عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هي الساعات التي يخلو بها مع عزّ اسمه، فكان يقبل عليه بجميع مشاعره وعواطفه، وقد حدث الرواة أنه إذا وقف بين يدي اللّه تعالى مصلّياً أو مناجياً أو داعياً، أرسل ما في عينيه من دموع، وخفق قلبه، واضطرب موجدة وخوفاً منه.

وقد شغل أغلب أوقاته في الصلاة، فكان يصلّي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح، ثمّ يعقب حتّى تطلع الشمس، ويخر اللّه ساجداً فلا يرفع رأسه من الدعاء والتمجيد حتّى يقرب زوال الشمس (3).

من مظاهر طاعته أنه دخل مسجد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في أول الليل فسجد سجدة واحدة وهو يقول بنبرات تقطر إخلاصاً وخوفاً منه : «عَظُمَ الذَّنْبُ عِنْدِي فَلْيَحْسُنِ الْعَفْوَ مِنْ


1) صفوة الصفوة : 2 : 98.

2) جوهرة الكلام : 139.

3) كشف الغمة : 3 : 20.

عِنْدِكَ، يا أَهْلَ التَّقْوى وَيا أَهْلَ الْمَغْفِرَةِ».

وجعل يردّد هذه الكلمات بإنابة وخشوع وبكاء حتّى أصبح الصبح (1)، ولمّا أودعه طاغية زمانه الملك هارون الرشيد في ظلمات السجون تفرّغ للطاعة والعبادة حتّى بهر بذلك العقول وحيّر الألباب، فقد شكر اللّه على تفرّغه لطاعته قائلاً: «اللّهمّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّى طالما كُنْتُ أَسْأَلُكَ أَنْ تُفَرِّغَنِي لِعِبَادَتِكَ، اللّهمّ وَقَدْ فَعَلْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلى ذلِكَ» (2).

لقد ضرب الإمام الرقم القياسي للعبادة، فلم يضارعه أحد في طاعته وإقباله على اللّه، فقد هامت نفسه بحبّه تعالى، وانطبع في قلبه الإيمان العميق.

وحدّث الشيباني (3)

وقال الشافعي : حملت من علم محمّد بن الحسن وقر بعير». وقال أيضاً : «ما رأيت أحداً يسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت في وجهه الكراهة إلا محمّد بن الحسن».

توفّي بالري سنة،187ه-، وهو ابن ثمان وخمسين سنة. جاء ذلك في طبقات الفقهاء : 114.

عن مدى عبادته، فقال : «كانت لأبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بضع عشرة سنة سجدة في كلّ يوم بعد ابيضاض الشمس إلى وقت الزوال (4)وقد اعترف عدوه هارون الرشيد بأنّه المثل الأعلى للإنابة والإيمان، وذلك حينما أودعه في سجن الربيع (5)

فقال له الربيع : ما طابت الدنيا إلا بالموت

قال له : وكيف ذلك ؟

فأجابه : لولا الموت لم تقعد هذا المقعد.

فقال له : صدقت.

وقال له المنصور لما حضرته الوفاة : بعنا الآخرة بنومة.

ويقال : إن الربيع لم يكن له أب يُعرف، وأن بعض الهاشميين وفد على المنصور فجعل يحدثه ويقول له : كان أبي (رَحمهُ اللّه)، وكان، وكان، وأكثر من الترحّم عليه.

فقال له الربيع : كم تترحم على أبيك بحضرة أمير المؤمنين ؟

فقال له الهاشمي : أنت معذور لأنك لا تعرف مقدار الآباء، فخجل أشدّ الخجل.

ومن أبدع الصدف التي اتّفقت للربيع مع المنصور أنّه لما دخل المدينة قال له : ابغني رجلاً عاقلاً عالماً ليوقفني على دورها، فقد بعد عهدي بديار قومي، فالتمس له الربيع فتى من أعلم الناس وأعقلهم، فكان لا يبتدئ بالإخبار عن شيء حتّى يسأله المنصور فيجيبه بأحسن عبارة، وأجود بيان، وأوفى معنى، فأعجب المنصور به، فأمر له بمال فتأخر عنه، ودعته الضرورة إلى استنجازه، فاجتاز المنصور ومعه الفتى ببيت عاتكة الأمويّة، فقال له : يا أمير المؤمنين، هذا بيت عائكة التي يقول فيها الأحوص بن محمّد الأنصاري :

يا بَيْتَ عَائِكَةَ الَّذي أَتَغَزَّلُ***حَذَرَ العِدَى وَبِهِ الْفُؤادُ مُوَكَّلُ

إِنِّي لَأَمْنَحُكَ الصُّدودَ وَأَنَّني***قَسَماً إِلَيْكَ مَعَ الصُّدودِ لأَمْيَلُ

ففكّر المنصور في قوله، وقال : إنّه لم يخالف عادته بابتداء الإخبار دون الاستخبار إلّا لأمر، وأقبل يردّد القصيدة ويتصفحها بيتاً فبيتاً حتّى انتهى إلى قوله فيها :

وَأَراكَ تَفْعَلُ ما تَقولُ وَبَعْضُهُمْ***مَذِقُ الحَديثِ يَقولُ ما لا يَفْعَلُ

فقال المنصور للربيع : هل أوصلت إلى الرجل ما أمرنا له به.

فقال له : تأخّر عنه لعلّة.

فقال: عجله له مضاعفاً، وهذا ألطف تعريض من الفتى، وأحسن فهم من المنصور.

توفي الربيع سنة 170ه-. جاء ذلك في وفيات الأعيان : 1 : 231 - 233. ط. بولاق.

، فكان يطل من أعلى القصر فيري ثوباً مطروحاً في مكان

1) وفيات الأعيان : 4 : 293. كنز اللغة : 766.

2) مناقب آل أبي طالب : 3: 433.

3) الشيباني : هو أبو عبداللّه محمّد بن الحسن مولى لبني شيبان، حضر مجلس أبي حنيفة سنين، وتفقه على أبي يوسف، وصنّف الكتب الكثيرة، ونشر علم أبي حنيفة.

4) بحار الأنوار : 48 : 107.

5) الربيع بن يونس : كان حاجباً للمنصور، ثمّ صار وزيراً له بعد أبي أيوب، وكان المنصور كثير الميل إليه، حسن الاعتماد عليه. قال له يوماً : ويحك يا ربيع ! ما أطيب الدنيا لولا الموت.

خاصّ من البيت لم يتغيّر عن موضعه، فيتعجب من ذلك ويقول للربيع : ما ذاك لثوب الذي أراه كلّ يوم في ذلك الموضع ؟!

• يا أمير المؤمنين، ما ذاك بثوب، وإنّما هو موسى بن جعفر، له في كلّ يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال.

فبهر هارون وانطلق يبدي إعجابه : أما إنّ هذا من رهبان بني هاشم !!

والتفت إليه الربيع بعدما سمع منه اعترافه بزهد الإمام وعزوفه عن الدنيا طالباً أن يطلق سراحه ولا يضيّق عليه قائلاً: يا أمير المؤمنين، مالك قد ضيّقت عليه في الحبس ؟ !

فأجابه هارون بما انطوت عليه نفسه من عدم الرحمة والرأفة قائلاً: هيهات، لا بدّ من ذلك» (1).

إنّ هارون يعلم مآثر الإمام وزهده، ولكنّ حرصه على الدنيا وحبّه للملك هو الذي أعماه لأن يضيّق على الإمام، وسنوضح ذلك بمزيد من البيان عند التعرّض لما لاقاه الإمام منه من الخطوب الهائلة والمحن السود.

وروت شقيقة السندي بن شاهك - حينما سجن الإمام في بيت أخيها - عن عبادة الإمام، فقالت : إنّه إذا صلّى العتمة حمد اللّه ومجده ودعاه إلى أن يزول الليل، ثمّ يقوم، ويصلّي حتّى يطلع الصبح، فيصلي الصبح، ثمّ يذكر اللّه حتّى تطلع الشمس، ثمّ يقعد إلى ارتفاع الضحى، ثمّ يرقد ويستيقظ قبل الزوال، ثمّ يتوضأ ويصلّي حتّى يصلّي العصر، ثمّ يذكر اللّه تعالى حتّى يصلّي المغرب، ثمّ يصلّي ما بين المغرب والعتمة، فكان هذا دأبه إلى أن مات (2).


1) بحار الأنوار: 48: 220 و 221، الحديث 24.

2) البداية والنهاية : 2: 12.

وهذه البوادر التي نقلت دلّت على شغف الإمام بالعبادة، وإقباله على اللّه، وقد شغل أغلب أوقاته في الصلاة، ولكثرة سجوده فقد كانت له ثفنات كثفنات البعير، وكان له غلام يقص اللحم من جبينه وعرنين أنفه، وقد ألمح إلى ذلك بعض الشعراء بقوله :

سجودٍ مِنْهُ ثَفْنَتُهُ***فَقَرَّحَتْ جَبْهَةٌ مِنْهُ وَعِرنِينا

رأى فَراغَتَهُ في السِّجْنِ مُنْيَتَهُ***وَنِعْمَةٌ شَكَرَ الْبارى بها جينا (1)

2 - صومه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أنفق الإمام أغلب أيّام حياته في طاعة اللّه، فكان يصوم في النهار ويقوم مصلّياً في الليل، خصوصاً لما سجنه هارون، فإنّه لم يبارح العبادة الاستحبابية بجميع أنواعها من صوم وغيره، وهو يشكر اللّه ويحمده على هذا الفراغ الذي قضاه في عبادته.

3 - حجّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وما من شيء يحبّه اللّه وندب إليه إلّا فعله الإمام عن رغبة وإخلاص، فمن ذلك أنه حج بيت اللّه ماشياً على قدميه، والنجائب تقاد بين يديه، وقد حجّ معه أخوه عليّ بن جعفر وجميع عياله أربع مرات، وحدّث علي بن جعفر عن الوقت الذي قطعوا به طريقهم، فقال : «كانت السفرة الأولى سنّاً وعشرين يوماً، والثانية كانت خمساً وعشرين يوماً والثالثة كانت أربعاً وعشرين يوماً، والرابعة كانت إحدى وعشرين يوماً» (2).


1) الأنوار البهيّة : 93.

2) بحار الأنوار: 48: 100، الحدیث 2. قرب الإسناد : 165.

وكان في أغلب أسفاره إلى بيت اللّه يتنكب الطريق، وينفرد عن الناس، قد تعلّق قلبه وفكره باللّه تعالى، وقد حجّ الا مرة فلم يصحب معه أحداً، وجرت له قصّة مع شقيق البلخي (1)

وقد لبس ثياب الصوف الخشنة عشرين سنة، وقال : «عملت في القرآن عشرين سنة حتّى ميزت الدنيا من الآخرة في حرفين، وهو قوله تعالى : «وَمَا أُوتِيتُم مِن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا وَمَا عِندَ اللّه خَيْرٌ وَأَبْقَى» القصص 28 : 60.

وكان يقول : ثلاث خصال هي تاج للزهد :

الأولى : أن يميل على الهوى ولا يميل مع الهوى.

والثانية : ينقطع إلى الزهد بقلبه.

والثالثة : أن يذكر كلّما خلا بنفسه كيف مدخله في قبره وكيف مخرجه، ويذكر الجوع والعطش والعري وطول القيامة، والحساب، والصراط، وطول الحساب، والفضيحة البادية، فإذا ذكر ذلك شغله عن ذكر دار الغرور، فإذا كان ذلك كان من محبّي الزهّاد، ومن أحبهم كان معهم، وقال : من أراد أن يعرف معرفة باللّه فلينظر إلى ما وعده اللّه، ووعده الناس بأيهما قلبه أوثق، وقال لبعض أصحابه اتق الأغنياء فإنّك متى ما عقدت قلبك معهم و طمعت فيهم فقد اتخذتهم رباً من دون اللّه عزّ وجلّ، جاء ذلك في حلية الأولياء : 8: 59 – 71.

وقد ذكر له صاحب الحلية الشيء الكثير من الكلمات الحكميّة والوصايا الرفيعة، وجاء في لسان المیزان : 3: 151 و 152 : «إن مناقب شقيق كثيرة جدّاً لا يسعها هذا المختصر، وأنه استشهد في غزوة (كولان) سنة 194ه-.

أجمع على ذكرها أغلب من ترجم للإمام، وهذا نصها :

خرج شقيق حاجّاً بيت اللّه الحرام سنة 149ه- أو سنة 146، فنزل القادسية، ولما استقر به المكان أخذ يشرف على الحجّاج، وينظر إلى استعدادهم، وبينما هو


1) شقيق البلخي : من كبار العباد والزهاد في العالم الإسلامي، كان في بداية أمره من المرابين، فتاب إلى اللّه توبة نصوحة، فتصدق بأمواله البالغة ثلثمائة ألف درهم. وكانت له ثلثمائة قرية، فتصدق بها حتّى إنه لما استشهد في غزوة (كولان) لم يكن يملك كفناً يلف به.

مشغول بالنظر إلى الحجيج إذ وقع بصره - كما يقول - على شاب حسن الوجه، شديد السمرة، نحيف الجسم، فوق ثيابه ثوب من صوف، قد جلس وحده منفرداً عن الناس، بعيداً عن شؤونهم، لم يختلط معهم، فدار في خلده أنّ هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون عبئاً ثقيلاً على الحاج حيث لا متاع عنده، ولم يصحب معه ما يحتاج إليه المسافر من المتاع اللازم.

فصمم شقيق على أن يمضي إليه، ويوبخه ليرتدع عما هو فيه، ويثوب إلى الصواب، فلما دنا منه انبرى إليه الفتى قبل أن يفتح معه الحديث قائلاً له بنبرات تقطر لطفاً : يا شقيقُ، «اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» (1).

ولم يتكلّم بأكثر من هذا، ثمّ إنّه تركه وانصرف عنه، فبهر شقيق وبقي حائر الفكر مذهول اللبّ من أمر الفتى الذي نطق باسمه، وعرف دخائل نفسه، وقد داخله الشيء الكثير من الإكبار له، واطمأنّ بأنّه من عباد اللّه الصالحين، وقد ندم على ما فرّط في أمره، فصمم على الالتحاق به ليعفو عنه، ويحلّه من خطيئته، فجد في طلبه فلم يدركه.

فلمّا نزلت القوافل بوادي (فضّة) نظر شقيق وإذا بصاحبه واقف يصلّي وأعضاؤه تضطرب خوفاً من اللّه، ودموعه تتبلور على خديه، فصبر حتّى فرغ من صلاته، فالتفت إليه الفتى قبل أن يسأله قائلا له : يا شقيق، اتْلُ : «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثمّ اهْتَدَى» (2).

ثمّ إنّه تركه وانصرف عنه، وهام شقيق في تيار من الهواجس والأفكار، وأخذ يقول : ياللّه ! يا للعجب ! إنّه تكلّم بما انطوت عليه نفسي مرتين.

إنّه من الأبدال.


1) الحجرات 49: 12.

2) طه 20: 82.

إنّه من المنيبين المهتدين، وأخذ يطيل التفكير فى شأنه، وسارت القافلة تطوي البيداء، فلما انتهت إلى (الأبواء) خرج شقيق يتجوّل فيها، فوقع نظره على الفتى فبادر إليه، وإذا به واقف على بئر يستقي منها، وبيده ركوة قد سقطت في البئر فرمق السماء بطرفه، وجعل يخاطب اللّه بمنتهى الخضوع والإيمان قائلاً:

أَنْتَ شِرْبي إِذا مِنْتُ مِنَ ال***ماءِ وَقُوتي إِذا أَرَدْتُ الطَّعاما

إلهي وسيدي، ما لِي سِواكَ فَلا تَعْدِ مُنِيها.

ولم يزد على ذلك حتّى ارتفع الماء فوراً إلى رأس البئر والركوة طافية عليه، فمد يده فتناولها ثمّ توضأ منها، وصلّى أربع ركعات، ثمّ مال إلى كثيب من الرمل فتناول منه قبضة وجعلها في الركوة فحرّكها وشرب منه، فسلّم عليه شقيق وقال له : أطعمني ممّا رزقك اللّه.

• يا شَقِيقُ، لَمْ تَزَلْ نِعَمُ اللّه عَلَيَّ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةٌ، فَأَحْسِنْ ظَنَّكَ بِرَبِّكَ، ثمّ ناوله الركوة فشرب منها، فإذا فيها سويق وسكّر، فما شرب شقيق - كما يقول - شراباً قط ألذ ولا أطيب منه، وبقي أيّاماً وهو لا يشتهي الطعام والشراب، ثمّ إنّه مضى عنه، فلم يجتمع به إلا بمكة، فرآه إلى جانب (قبّة الشراب) في غلس الليل البهيم وهو قائم يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتّى انبثق نور الفجر.

ثمّ إنّه قام إلى (حاشية المطاف) فركع ركعتي الفجر، وصلى صلاة الصبح مع الناس، ثمّ انعطف نحو البيت، فطاف فيه بعد شروق الشمس، وبعد الفراغ من الطواف صلّى صلاة الطواف، ثمّ خرج من البيت فتبعه شقيق يريد السلام عليه والتشرف بمقابلته، وإذا بالخدم والموالى قد طافوا حوله وأحاطوا به يميناً وشمالاً وانكبت عليه جماهير الناس تلثم يديه وأطرافه، فتعجب شقيق من ذلك، وبادر إلى مَن حوله يسأله عن اسم صاحبه.

فقيل له : هذا موسى الكاظم.

فعند ذلك آمن شقيق وتيقن بأن تلك الكرامة جديرة بالإمام (1).

ونظم بعض الشعراء هذه البادرة بقوله :

سَلْ شَقِيقَ الْبَلْخِيَّ عَنْهُ بما شا***هَدَ مِنْهُ وما الذي كانَ أَبْصَرْ

قالَ لَمّا حَجَجْتُ عَايَنْتُ شَخصاً***شاحِبَ اللُّونِ ناحِلَ الْجِسْمِ أَسْمَرْ

سائراً وحَدَهُ وَلَيسَ لَهُ زا***دٌ فَما زِلْتُ دَائِماً أَتَفَكَّرُ

وَتَوَهَّمْتُ أَنَّهُ يَسْأَلُ النّاسَ***وَلَمْ أَدْرِ أَنَّهُ الحَيُّ الأَكْبَرُ

ثُمَّ عاينتُهُ وَنَحْنُ نُزول***دونَ فَيْدٍ عَلى الكَثيبِ الأَحْمَرُ

يَضَعُ الرَّمْلَ في الإناءِ وَيَشْرَبهُ***فَنادَيتُه وعَقْلي مُحَيَّر

اسقِني شربَةٌ فَلَمّا سَقاني***منه عايَنتُهُ سَوِيقاً وَسُكَّرْ

فَسَأَلْتُ الحَجيجَ مَنْ يَك هذا***قيل هذا الإمامُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرُ (2)

لقد دلّت قصة شقيق على بعض كرامات الإمام وما اتصف به من الإيمان والعلم بما انطوت عليه النفوس.

4 - تلاوته (عَلَيهِ السَّلَامُ) للقرآن

كان الذكر الحكيم رفيق الإمام في خلواته، وصاحبه في وحشته، وكان يتلوه بإمعان وتدبّر، وكان من أحسن الناس صوتاً به، فإذا قرأ يحزن ويبكي السامعون لتلاوته (3).


1) أخبار الدول : 112. جوهرة الكلام : 140 و 141. مختار صفوة الصفوة : 153. جامع کرامات الأولياء : 2 : 229 نور الأبصار : 135، وغيرها.

2) مناقب آل أبي طالب : 3 : 420 مطالب السؤول : 84. بحار الأنوار : 48 : 78.

3) مناقب آل أبي طالب : 3: 433 و 433.

وحدّث حفص عن كيفية تلاوته للقرآن، فقال : «وكانت قراءته حزناً، فإذا قرأ فكأنّه يخاطب إنساناً (1).

بهذه الكيفيّة كان يتلو آيات الذكر الحكيم، فكان يتمعن في تعاليمه، ويتمعّن في آدابه، ويتبصّر في أوامره ونواهيه وأحكامه.

5 - بكاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خشية اللّه تعالى

وكان الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أكثر الناس خشية، وأعظمهم خوفاً من اللّه، فكان كجده أمير المؤمنين الا في مظاهر خوفه وخشيته من اللّه، وقد حدث الرواة عن مدى خوفه من اللّه فقالوا : «إنّه كان يبكي من خشية اللّه حتّى تخضل كريمته الشريفة من دموع عينيه» (2).

6 - عتقه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للعبيد

ومن مظاهر طاعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و عاطفه وإحسانه على الرقيق، فقد أعتق العبيد متأسّياً بفعل أمير المؤمنين وجده زين العابدين حيث أعتقا منهم ألف مملوك (3)، كلّ ذلك لوجه اللّه، وابتغاء مرضاته، والتقرب إليه.

زهده (عَلَيهِ السَّلَامُ)

كان الإمام في طليعة الزاهدين في الدنيا، والمعرضين عن نعيمها وزخارفها، فقد اتجه إلى اللّه ورغب فيما أعده له في دار الخلود من النعيم والكرامة، وقد حدثنا عن مدى زهده إبراهيم بن عبد الحميد، فقال : «دخلت عليه في بيته الذي كان


1) بحار الأنوار: 48 : 111، الحديث 18.»

2) كشف الغمة : 3 : 20.

3) الدر النظيم في مناقب الأئمّة : 244. وانظر : دلائل الإمامة / الطبري : 310.

يصلّي فيه، فإذا ليس في البيت شيء سوى خصفة، وسيف معلق، ومصحف» (1).

لقد كان عيشه زهيداً، وبيته بسيطاً، فلم يحتو على شيء حتّى من الأمتعة البسيطة التي تضمها بيوت الفقراء، الأمر الذي دلّ على تجرده من الدنيا وإعراضه عنها.

على أنه كانت تجبى له الأموال الطائلة، والحقوق الشرعية من العالم الشيعي. بالإضافة إلى أنّه كان يملك البسرية وغيرها من الأراضي الزراعية التي تدرّ عليه بالأموال الكثيرة.

وقد أنفق جميع ذلك بسخاء على البائسين والمحرومين في سبيل اللّه تعالى وابتغاء مرضاته، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) دوماً يتلو على أصحابه سيرة أبي ذرّ الصحابي العظيم الذي ضرب المثل الأعلى لنكران الذات والتجرّد عن الدنيا، والزهد في ملاذها فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «رَحِمَ اللّه أَبا ذَرّ، فَقَدْ كانَ يَقُولُ : جَزَى اللّه الدُّنْيا عَنِّى مَذَمَّةً بَعْدَ رَغِيْفَيْن مِنَ الشَّعِيرِ أَتَغَذَّى بِأَحَدِهِمَا وَأَتَعَشَّىٰ بِالْآخَرِ، وَبَعْدَ شَمْلَتي الصُّوفِ أَتَّزِرُ بِإِحدَاهُما وَأَتَردَىٰ بالأخرى» (2).

وهكذا كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد وضع نصب عينيه سيرة العظماء الخالدين من صحابة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يشيد بذكراهم، ويتلو سيرتهم الوضّاءة على أصحابه لتكون لهم قدوة حسنة في هذه الحياة.

جوده وسخاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

والإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) من أرقى أمثلة التكامل الإنساني في مواهبه، ومن تلك المواهب الكريمة الماثلة فيه أنّه كان نديّ الكفّ، مبسوط اليدين بالعطاء.


1) قرب الإسناد : 310، الحديث 1208. بحار الأنوار : 48 : 100، الحدیث 1.

2) أصول الكافي : 2 : 134. أمالي الطوسي : 702. بحار الأنوار : 22 : 401، الحديث 10.

وممّا لا شبهة فيه أنّ السخاء إنّما ينم عن طيب النفس، إذا كان بداعي الخير والإحسان لا بدواع أخرى، كحب الظهور، وذيوع الاسم، فإن ذلك لا يعد من السخاء، بل يباينه بكل ما للتباين من معنى.

لقد تجلّى الكرم الواقعي والسخاء الحقيقي في الإمام، فكان مضرب المثل للكرم والمعروف، فقد فزع إليه البائسون والمحرومون لينقذهم من كابوس الفقر وجحيم البؤس.

وقد أجمع المؤرّخون أنّه أنفق (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميع ما عنده عليهم، كلّ ذلك في سبيل اللّه لم يبتغ من أحد جزاءاً ولا شكوراً، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صلاته يتطلّب الكتمان وعدم الذيوع لئلا يشاهد على الآخذ ذلة الحاجة، وكان يلتمس في ذلك وجه اللّه ورضاه، ولهذا كان يخرج في غلس الليل البهيم فيصل الطبقة الضعيفة ببره وإحسانه وهي لا تعلم من أي جهة تصلها تلك المبرّة، وكان يصلهم بصراره التي تتراوح ما بين المائتي دينار إلى الأربعمائة دينار (1).

وكان يضرب المثل بتلك الصرار، فكان أهله يقولون : «عجباً لمن جاءته صرار موسى وهو يشتكي القلة والفقر» (2).

وبلغ من عطفه المستفيض أنه إذا بلغه عن شخص يؤذيه ويسيء إليه بعث له بصرّة فيها ألف دينار (3).

وقد قامت هباته السريّة وصلاته الخفيّة بإعاشة فقراء يثرب، فكانوا جميعاً يرتعون بنعمته، ويعيشون من عطاياه.

وقد ذكر المؤرّخون جمهرة كبيرة ممّن أغدق عليهم الإمام ببرّه، نقتصر منهم


1) تاریخ :بغداد : 13 : 28. كنز اللغة : 766.

2) عمدة الطالب : 185.

3) تاریخ بغداد : 13: 27.

على ما يلي :

1 - محمّد البكرى

وكانت لمحمّد بن عبداللّه البكري ديون على جماعة من أهالي يثرب، فقدم إليهم ليستحصل ديونه منهم، فبقي مدّة يطالبهم، ويلحّ عليهم، فلم يظفر بشيء من ديونه، فعنّ له أن يتشرّف بمقابلة الإمام، ويشكو له الحاجة والفقر، فمضى إليه وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض ضياعه (بنقمی) (1).

ولمّا وصل إلى محلّ الإمام خرج (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان بخدمته غلام معه منسف (2)فيه قديد (3)مجزع (4)، فأكلوا منه جميعاً، وبعد الفراغ من تناول الطعام سأله الإمام عن حاله، فأخبره بقصته وضيق حاله.

فقام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فدخل البيت ثمّ خرج، فأمر غلامه بالانصراف لئلّا يراه فيكون ذل على السائل، ثمّ أعطاه صرّة فيها ثلاثمائة دينار - لعلّها أكثر من ديونه - فأخذها محمّد وانصرف شاكراً للإمام وداعياً له بالخير (5).

2 - غلام زنجي

وخرج الإمام من يثرب مع حاشيته وبعض أولاده إلى ضياعه الواقعة بساية (6)،


1) نقمى - بالتحريك والقصر - : من النقمة، وهي العقوبة، موضع من أعراض المدينة كان لآل أبي طالب. معجم البلدان : 8: 310.

2) المنسف - بالكسر - : يستعمل في تصفية الحبّ وغربلته.

3) القديد اللحم المشرّر الذي قطع وشرّر. تاج العروس : 2 : 461.

4) المجزع : كلّ شيء اجتمع فيه سواد وبياض.

5) تاریخ بغداد : 13 : 28.

6) ساية : واد من حدود الحجاز فيه مزارع.

وقبل الانتهاء إليها استراحوا في بعض المناطق المجاورة لها، وكان الوقت آنذاك شدید البرد.

فبينما هم جلوس إذ خرج إليهم عبد زنجي فصيح اللسان، وهو يحمل على رأسه قدراً يفور، فوقف أمام غلمان الإمام وقال لهم : أين سيدكم ؟

•

هو ذاك، وأشاروا إلى أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ).

•

أبو مَن يكنّى ؟

•

أبو الحسن.

فوقف بين يديه وهو يتضرّع قائلا له : يا سيدي، هذه عصيدة أهديتها إليك.

فقبل الإمام هديّته، وأمره بأن يضعها عند الغلمان، فوضعها عندهم، ثمّ انصرف، فلم يلبث إلا قليلاً حتّى أقبل ومعه حزمة من الحطب، فوقف قبال الإمام وقال له : يا سيدي، هذا حطب أهديته إليك.

فقبل (عَلَيهِ السَّلَامُ) هديته، وأمره أن يلتمس له قبساً من النار، فمضى قليلاً ثمّ جاء بالنار، فأمر الإمام بكتابة اسمه واسم مولاه، وبعد تسجيله أمر بعض ولده بالاحتفاظ به عند الحاجة. ثمّ إنّهم رحلوا إلى ضياعهم، فمكثوا فيها أيّاماً، وبعدها اتجهوا إلى بيت اللّه الحرام، فاعتمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه، وبعد فراغه أمر صاعداً أن يفتش عن مالك العبد، وقال له : إذا عَلِمْتَ مَوْضِعَهُ فَأَعْلِمْنِي حتّى أَمْشِيَ إِلَيْهِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَدْعُوهُ وَالْحَاجَةُ لي.

فمضى ففتّش عن الرجل حتّى ظفر به، فعرفه وعرف أنّه ممّن يدين بالإمامة، وبعد السلام عليه سأله الرجل عن قدوم الإمام، فأنكر عليه صاعد ذلك.

ثمّ سأله عن سبب مجيئه، فأخبره بأنّ له حوائج دعته إلى السفر، فلم يقتنع الرجل بذلك وغلب على ظنه تشريف الإمام إلى مكّة.

ثم ودعه صاعد وقفل راجعاً إلى الإمام، فتبعه الرجل وسار على أثره، فالتفت صاعد فرآه يسير خلفه، فكلما أراد التخلّى عنه فلم يتمكّن.

فسارا معاً حتّى أقبلا إلى الإمام، فلما مثلا عنده أخاذ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يؤنّب صاعداً على إخبار الرجل بقدومه، فاعتذر له بأنّه لم يخبره، ولكنّه تبعه بغير اختيار منه، وبعدما استقرّ الرجل التفت (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه قائلاً: غُلامُكَ فُلانٌ تَبيعُهُ ؟

قال : جعلت فداك، الغلام لك والضيعة، وجميع ما أملك.

• أَما الضَّيْعَةُ فَلا أُحِبُّ أَنْ أَسْلِبَكَها.

وجعل الرجل يتضرّع إلى الإمام ويتوسل إليه ليقبلهما منه، والإمام ممتنع من إجابته، وأخيراً اشترى (عَلَيهِ السَّلَامُ) الغلام مع الضيعة بألف دينار، فأعتق الغلام، ووهب له الضيعة، كلّ ذلك ليجازي الإحسان بالإحسان، ويقابل المعروف بالمعروف، وقد وسّع اللّه على العبد ببركة الإمام حتّى أصبح أبناؤه من أثرياء مكة وصرّافيها (1).

3 - عيسى بن محمّد

وحدّث عيسى بن محمّد القرظي، قال : «زرعت بطيخاً وقثّاء وقرعاً (2)فيموضع بالجوانيّة (3)

معجم البلدان : 2: 175.

على بئر يقال لها أمّ عظام.

فلمّا قرب الخير واستوى الزرع بغتني الجراد فأتى على الزرع كلّه، وكنت قد غرمت عليه مع ثمن جملين مائة وعشرين ديناراً، فبينما أنا جالس إذ طلع عليَّ الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فسلّم، ثمّ قال لي : كَيْفَ حالك ؟

• أصبحت كالصريم (4)بغتني الجراد فأكل زرعي.

1) تاریخ بغداد : 13 : 29 و 30. البداية والنهاية : 10 : 183.

2) القرع : نوع من اليقطين، الواحدة : قرعة.

3) الجوانية - بالفتح وتشديد ثانيه وكسر النون وياء مشدّدة : موضع أو قرية قرب المدينة.

4) الصريم : الأرض المحصود زرعها.

•

كَمْ غَرِمْتَ فِيهِ ؟

•

مائة وعشرين ديناراً مع ثمن الجملين.

فالتفت (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعرفة، وقال له : زِنْ لابْنِ الْمُغِيثِ مِائَةٌ وَخَمْسِينَ ديناراً.

ثمّ قال لعيسى : فَرِبْحُكَ ثَلاثُونَ ديناراً مَعَ ثَمَنِ الْجَمَلَيْنِ» (1).

4 - فقير

ودخل على الإمام فقير يسأله العطاء، فأراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) اختباره ليكرمه على مقدار معرفته، فقال له : لَوْ جُعِلَ لَكَ التَّمَنِّي في الدُّنْيا ما كُنْتَ تَتَمَنِّى ؟

• كنت أتمنّى أن أرزق التقيّة في ديني، وقضاء حقوق إخواني.

فاستحسن الإمام جوابه، وأمر أن يعطى ألف دينار (2).

وقد حفلت كتب التاريخ بذكر الكثير من بره وإحسانه على البائسين، فقد أغدق عليهم من جوده ومعروفه ما أغناهم به عن الحاجة والسؤال.

ومن آيات كرمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه أولم وليمة في مناسبة لبعض أولاده، فأطعم أهالي يثرب إطعاماً شاملاً ثلاثة أيّام، فعابه على ذلك بعض حسّاده، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما آتَى اللّه نَبِيّاً مِنْ أَنْبِيائِهِ شَيْئاً إِلَّا وَقَدْ آتى محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَزادَهُ ما لَمْ يُؤْتِهِم. قَالَ تَعَالَى لِسُلَيمانَ بْن دَاوُدَ: «هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ» (3)» (4).

وكان يقول : «مِنْ موجِباتِ الْمَغْفِرَةِ إِطْعَامُ الطَّعام» (5).


1) تاریخ بغداد : 13: 29. کشف الغمّة : 2 : 243.

2) وسائل الشيعة : 16 : 223، الحديث 21417.

3) ص 38: 39.

4) فروع الكافي : 6 : 281، باب الولائم، الحديث 1.

5) وسائل الشيعة : 16 : 329، الحديث 21680.

وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يرى للمال قيمة سوى ما يرد به جوع جائع، أو يكسو به عارياً، وقد تلقّى هذه الصفة الرفيعة من آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين ضربوا أسمى الأمثلة للجود والسخاء والمعروف.

حلمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

واهتمّ الإسلام اهتماماً بالغاً في تركيز الحلم في نفوس المسلمين، وجعله عادة لهم، وقد أثرت عن النبيّ وأئمّة الهدى طائفة كبيرة من الأخبار تحثّ على التحلّي به، فقد قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): «اللّهمّ أَغْنِنِي بِالْعِلْمِ، وَزَيَّنّي بِالْحِلْمِ» (1).

وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): «ما أَعَزَّ اللّه بِجَهْلٍ قَطُّ، وَلَا أَذَلَّ بِحِلْمٍ قَطُّ» (2).

وقال الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مالكَ وَوَلَدُكَ، وَلكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُر عِلْمُكَ وَيَفْطُمَ حِلْمُكَ» (3).

وقال الإمام السجّاد (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّهُ لَيَعْجِبُنِي الرَّجُلُ أَنْ يَدْرِكَهُ حِلْمُهُ عِنْدَ غَضَبِهِ» (4).

وقال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كَفَى بِالْحِلْمِ ناصِراً». (5).

وكانت هذه الظاهرة من أبرز صفات الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كان مضرب المثل في حلمه وكظمه للغيظ، وكان يعفو عمّن أساء إليه، ويصفح عمّن اعتدى عليه، ولم يكتف بذلك، وإنما كان يحسن لهم ويغدق عليهم المعروف ليمحو بذلك روح الشر والأنانية من نفوسهم


1) مصباح المتهجّد : 544. المصباح / الكفعمي : 565. بحار الأنوار: 94: 380.

2) الكافي : 2 : 112، الحديث 5. بحار الأنوار: 68: 404، الحديث 15.

3) كشف اللثام : 2 : 531. بحار الأنوار: 75: 65، الحديث 1.

4) الكافي : 2 : 112، الحديث. بحار الأنوار : 68: 404، الحديث 13.

5) الكافي : 2 : 112، الحديث 6. بحار الأنوار: 68: 404، الحديث 16.

وقد ذكر المؤرخون بوادر كثيرة من حلمه، فقد رووا أنّ شخصاً من أحفاد عمر بن الخطاب كان يسيء للإمام، ويكيل السب والشتم لجدّه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأراد بعض شيعة الإمام اغتياله، فنهاهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك، ورأى أن يعالجه بغير ذلك. فسأل عن مكانه، فقيل : إنّه يزرع في بعض نواحي المدينة، فركب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بغلته ومضى إليه متنكراً، فوجده في مزرعته فأقبل نحوه، فصاح به العمري : لا تطأ زرعنا، فلم يعتن الإمام إذ لم يجد طريقاً يسلكه غير ذلك. ولما انتهى إليه جلس إلى جنبه وأخذ يلاطفه ويحدثه بأطيب الحديث، وقال له بلطف ولين : كَمْ غَرِمْتَ عَلَىٰ زَرْعِكَ ؟

•

مائة دينار.

•

كَمْ تَرْجُو أَنْ تُصِيبَ مِنْه ؟

•

أنا لا أعلم الغيب.

•

إِنَّما قُلْتُ لَكَ : كَمْ تَرْجُو أَنْ يَجينَكَ مِنْه ؟

•

أرجو أن يجيئني منه مائتا دينار. فأعطاه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاثمائة دينار، وقال : هذهِ لَكَ وَزَرْعُكَ عَلَى حالِهِ.

فتغيّر العمري، وخجل من نفسه على ما فرّط من قبل في حق الإمام، وتركه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومضى إلى الجامع النبوي، فوجد العمري قد سبقه، فلما رأى الإمام مقبلاً قام إليه تكريماً وانطلق يهتف : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته في من يشاء.

فبادر إليه أصحابه منكرين عليه هذا الانقلاب، فأخذ يخاصمهم، ويتلو عليهم مناقب الإمام ومآثره، ويدعو له، فالتفت (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أصحابه قائلاً: أَيُّما كانَ خَيْراً ما أَرَدْتُم أَمْ ما أَرَدْتُ إِنِّي أَصْلَحْتُ أَمْرَهُ بِالْمِقْدارِ الَّذِي عَرَفْتُمْ، وَكُفِيْتُ شَرَّهُ» (1).

لقد كان موقف الإمام مع جميع مناوئيه ومبغضيه موقف اللطف والإحسان،


1) تاریخ بغداد 13 : 28 و 29. كشف الغمة : 3 : 18. الإرشاد : 2 : 233. إعلام الورى : 2: 26 دلائل الإمامة : 311.

فقد وضع نصب عينيه قوله تعالى : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» (1)، وبذلك فقد أعطى لأصحابه درساً رائعاً لكيفية النصح والإرشاد، وبيّن لهم أنّ الدعوة والتبشير لا بد أن يبتنيان على الحق الرفيع، ويرتكزان على سعة الصدر والحلم، وإذا لم يحفّها ذلك فإنّها لا تكاد تجدي في ميادين الإصلاح.

ومن آيات حلمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه اجتاز على جماعة من حسّاده وأعدائه، وكان فيهم ابن هياج، فأمر بعض أتباعه أن يتعلّق بلجام بغلة الإمام ويدعيها، فمضى الرجل إلى الإمام وتعلّق بزمام بغلته فادّعاها له، فعرف الإمام غايته، فنزل عن بغلته وأعطاها له (2). لقد أقام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك أسمى مثل للإنسانية الفذة والحلم الرفيع.

وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوصي أبناءه بالتحلي بهذه الصفة الرفيعة ويأمرهم بالصفح عمّن أساء إليهم، فقد جمعهم وأوصاهم بذلك، فقال : «يا بَنِيَّ، إِنِّي مُوصِيكُمْ بِوَصِيَّةٍ فَمَنْ حَفِظها لَمْ يَضِعْ مَعَها، إِنْ أَتَاكُمْ آتِ فَأَسْمَعَكُمْ فِي الْأُذُنِ الْيُمْنَى مَكْرُوها، ثمّ تَحَوَّلَ إِلَى الْأُذُنِ الْيُسْرَى فَاعْتَذَرَ وَقالَ : لَمْ أَقُلْ شَيْئاً، فَاقْبَلُوا عُذْرَهُ» (3).

وبهذه الوصيّة نقف على مدى حلمه، وسعة خلقه، ويترتب على ذلك كثير من الفوائد الاجتماعيّة، فإنّ قبول عذر المسيء وعدم مقابلته بالمثل من أهم الوسائل الداعية للتآلف، والمحبّة، وجمع الكلمة، وإزالة البغضاء بين الناس.

إرشاده وتوجيهه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إن إرشاد الناس إلى الحق وهدايتهم إلى الصواب من أهم الأمور الإصلاحية التي


1) فصّلت 41: 34.

2) بحار الأنوار : 48 : 148، الحديث 23.

3) كشف الغمة : 2 : 218.

كان الإمام بعني بها، فقد قام بدور مهم في إنقاذ جماعة ممّن غرتهم الدنيا وجرفتهم بتياراتها، وببركة إرشاده ووعظه لهم تركوا ما هم فيه من الغيّ والضلال، وصاروا من عيون المؤمنين.

وقد ذكر المؤرّخون بوادر كثيرة له في هذا المجال، فقد رووا قصته مع بشر الحافي، فقد كان في بداية أمره فيما يقول الرواة يتعاطى الشراب، ويقضي لياليه وأيّامه في المجون والدعارة.

فاجتاز الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على داره ببغداد فسمع الملاهي وأصوات الغناء والقصب تعلو من داره، وخرجت منها جارية وبيدها قمامة، فرمت بها في الطريق.

فالتفت الإمام إليها قائلاً: يا جارِيَةً، صاحِبُ هذِهِ الدّارِ حُرِّ أَمْ عَبْدٌ ؟

•

حرّ.

•

صَدَقْتِ، لَوْ كانَ عَبْداً لخافَ مِنْ مَوْلاهُ

ودخلت الجارية الدار، وكان بشر على مائدة السكر، فقال لها : ما أبطأك ؟

فنقلت له ما دار بينها وبين الإمام، فخرج بشر مسرعاً حتّى لحق الإمام، فتاب على يده، واعتذر منه وبكى (1).

وبعد ذلك أخذ في تهذيب نفسه، واتصل باللّه عن معرفة وإيمان حتّى فاق أهل عصره في الورع والزهد، وقال فيه إبراهيم الحربي : «ما أخرجت بغداد أتمّ عقلاً، ولا أحفظ للسانه، من بشر بن الحارث، كان في كلّ شعرة منه عقل» (2).

وقد أعرض عن زينة الحياة الدنيا، ورضي بالقناعة، وقال فيها : «لَوْ لَمْ فِي الْقَناعَةِ


1) الكنى والألقاب : 2 : 150، نقلاً عن منهاج الكرامة للعلامة، وذكر المناوي هذه البادرة في الكواكب الدرية : 208، إلّا أنّه لم يصرح باسم الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).

2) تاریخ بغداد 7: 73.

شَيْءٌ إِلَّا التَّمَتُّعَ بِعِزّ الْغِناءِ لَكانَ ذلِكَ يَجْزي،، ثمّ أنشأ يقول :

أَفَادَتْني القَناعَةُ أَيَّ عِزَّ***وَلَا عِزَّ أَعَزُّ مِنَ القَناعه

فَخُذْ مِنْها لِنَفْسِكَ رَأسَ مال***وَصَيَّرْ بَعدَها التَّقْوى بضاعه

تَحُز حالين يُغْنِي عَنْ بَخيلٍ***وَتَسعَدُ في الجِنانِ بِصَبرٍ سَاعَه

وكان يتذمّر من أهل عصره، ويكره الاختلاط بهم، وذلك لفقدان المؤمنين والأخيار، وكثرة الأشرار والمنحرفين، لذلك ابتعد عن الاجتماع بكثير من الناس حتّى أن المأمون تشفّع بأحمد بن حنبل في أن يأذن له في زيارته، فأبى ولم يجبه (1).

ومن شعره في تذمّره من أهل زمانه قوله :

ذَهَبَ الرّجالُ المُرْتَجى لِفِعَالِهِمْ***وَالْمُنْكِرُونَ لِكُلِّ أَمْرٍ مُنْكَرٍ

وَبَقيتُ في خَلَفٍ يُزَيِّنُ بَعْضُهُمْ***بَعْضاً لِبَدفَعَ مُعْوِرٌ عَنْ مُعْوِرٍ (2)

وتجرّد عن الدنيا، وانقطع إلى اللّه حتّى صار من أقطاب العارفين، كلّ ذلك ببركة وعظ الإمام وإرشاده له (3).

وممن أرشدهم الإمام إلى طريق الحق : الحسن بن عبداللّه، فقد كان شخصيّة مرموقة عند الملوك زاهداً في الدنيا، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا تأخذه في اللّه لومة لائم، فاجتمع بالإمام، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : يا أبا عَلِيٌّ، ما أَحَبُّ إِلَيَّ ما أَنْتَ عَلَيْهِ، وَأَسَرَّني بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَتْ لَكَ مَعْرِفَةٌ فَاطْلُبِ الْمَعْرِفَةَ.


1) الكواكب الدرية : 1 : 208.

2) تاریخ بغداد : 7: 77.

3) توفّي بشر سنة 227ه- ودفن في بغداد، وله جامع يقع بجانب مسجد الإمام الأعظم، وأما القبر المشهور بقبر شيخ بشار، فإنّه ليس بقبر بشر الحافي، كما توهم بعضهم، بل هو لبشار المعروف بالزهد.

•

وما المعرفة ؟

•

تَفَقَّة واطلبِ الْحَديث.

فذهب الرجل فكتب الحديث عن مالك وعن فقهاء أهل المدينة، وعرضه على الإمام فلم يرض (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأرشده إلى فقه أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأخذ الأحكام منهم، والاعتراف لهم بالإمامة، فانصاع الرجل لذلك واهتدى (1).

لقد كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدعو الناس إلى فعل الخير ويدلّهم على العمل الصالح، ويحذرهم لقاء اللّه واليوم الآخر، فقد سمع رجلاً يتمنى الموت فانبرى (عَلَيهِ السَّلَامُ) له قائلاً : هَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللّه قَرابَةٌ يُحابيكَ لَها ؟

• لا.

فَأَنْتَ إِذَنْ تَتَمَنَّى هَلاكَ الأَبَدِ» (2).

لقد عنى الإمام بإرشاد المسلمين إلى فعل التقوى وعمل الخير، وسنذكر بعض نصائحه الرفيعة، وإرشاداته القيمة الحافلة بالنصح والتوجيه عند عرض تراثه العلمي والأدبي.

إحسانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الناس

وكان الإمام باراً بالمسلمين، محسناً لهم، فما قصده أحد في حاجة إلّا قام بقضائها، فلا ينصرف منه إلا وهو ناعم الفكر، مثلوج القلب، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى أنّ إدخال الغبطة على الناس، وقضاء حوائجهم من أهم أفعال الخير، فلذا لم يتوان قط في إجابة المضطرّ، ورفع الظلم عن المظلوم، وقد أباح لعلي بن يقطين الدخول في حكومة هارون، وجعل كفّارة عمل السلطان الإحسان إلى الاخوان، مبرراً له،


1) مناقب آل أبي طالب : 3: 407.

2) الاتحاف بحب الأشراف : 55.

وقد فزع إليه جماعة من المنكوبين فكشف آلامهم، وملأ قلوبهم رجاءاً ورحمة.

ومن هؤلاء الذين أغاثهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الشخص من أهالي الري كانت عليه أموال طائلة لحكومة الري، فلم يتمكن من أدائها، وخاف على نعمته أن تسلب منه، فأخذ يطيل الفكر فيما يعمل، فسأل عن حاكم الريّ، فأخبر أنّه من الشيعة، فطوت نيته على السفر إلى الإمام ليستجير به، فسافر إلى يثرب، فلما انتهى إليها تشرف بمقابلة الإمام، فشكا إليه حاله وضيق مجاله.

فزوّده (عَلَيهِ السَّلَامُ) برسالة إلى والي الري جاء فيها بعد البسملة : «اعْلَمْ أَنَّ للّه تَحْتَ عَرْشِهِ ظِلَا لَا يَسْكُنُهُ إِلَّا مَنْ أَسْدِى إِلى أَخِيهِ مَعْرُوفاً، أَوْ نَفْسَ عَنْهُ كُرْبَةٌ، أَوْ أَدْخَلَ عَلَى قَلْبِهِ سُرُوراً، وَهَذا أَخُوكَ، وَالسَّلَامُ».

وأخذ الرسالة، وبعد أدائه لفريضة الحج، اتجه إلى وطنه، فلما وصل مضى إلى الحاكم ليلاً، فطرق عليه باب بيته فخرج غلامه، فقال له : من أنت ؟

• رسول الصابر موسى ؟

فهرع إلى مولاه فأخبره بذلك، فخرج حافي القدمين مستقبلاً له، فعانقه وقبل ما بين عينيه، وجعل يكرّر ذلك، ويسأله بلهفة عن حال الإمام، ثمّ إنّه ناوله رسالة الإمام فقبلها وقام لها تكريماً، فلما قرأها استدعى بأمواله وثيابه فقاسمه في جميعها وأعطاه قيمة ما لا يقبل القسمة وهو يقول له : يا أَخِي، هَلْ سَرَرْتُكَ.

• إي واللّه وزدت على ذلك.

ثم استدعى السجل فشطب على جميع الديون التي عليه، وأعطاه براءة منها، وخرج الرجل وقد طار قلبه فرحاً وسروراً، ورأى أن يجازيه على إحسانه ومعروفه فيمضي إلى بيت اللّه الحرام فيدعو له، ويخبر الإمام بما أسداه إليه من البرّ والمعروف، ولما أقبل موسم الحج مضى إليه ثمّ اتجه إلى يثرب، فواجه الإمام وأخبره بحديثه، فسرّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك سروراً بالغاً، فقال له الرجل يا مولاي هل

سرّك ذلك ؟

• «إِيْ وَاللّه لَقَدْ سَرَّنِي، وَسَرَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللّه لَقَدْ سَرَّ جَدِّي رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَلَقَدْ سَرَّ اللّه تعالى» (1).

وقد دلّ ذلك على اهتمامه البالغ بشؤون المسلمين، ورغبته الملحة في قضاء حوائج الناس، وبذلك ينتهي بنا الحديث عن ذكر بعض مثل الإمام وصفاته.


1) بحار الأنوار: 48 : 174.

انطباعَاتُ عَن شَخصيتِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وظاهرة أخرى من حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ربما تكون أعمق وأكثر شمولا من غيرها، وهي إجماع معظم المسلمين على اختلاف ميولهم ومذاهبه- على إجلاله وتعظيمه، وأنّه في مقدّمة القافلة من أئمّة المسلمين في علمه وتقواه وزهده وتحرّجه في الدين، وأنّه ممّن طبّق العالم شذى وعبيراً بسيرته وسلوكه ورسوخ يقينه، وقد سجل كبار العلماء والمؤلّفين وغيرهم انطباعاتهم وأحاسيسهم، وهي مليئة بالإكبار والتعظيم له.

وفيما يلي عرض لذلك :

1 - الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأشاد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بفضل ولده، وبيّن للمسلمين ما مثل فيه من المواهب والعبقريات، فقال : «وَلَدي مُوسَى شَبيهُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ» (1).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَقَدْ عُلَّمَ الْحُكْمَ، وَالْفَهْمَ، وَالسَّخاءَ، وَالْمَعْرِفَةَ بِما يَحْتاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ فيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِ دينِهِمْ، وَفِيهِ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْجِوارِ، وَهُوَ بابٌ مِنْ أَبْوابِ اللّه» (2).


1) دائرة المعارف / محمّد فريد وجدي : 9 : 594.

2) الإمامة والتبصرة : 78، الحديث 68. الكافي : 1 : 314، الحديث 14.

وأثرت عنه كثير من الأخبار وهي تشيد بفضل ابنه الا وبيان مآثره ومواهبه.

2 - هارون الرشيد

واعترف هارون الرشيد - الذي هو خصم الإمام وأعدى أعدائه - بمواهب الإمام ومناقبه، وأنّه أحق بالخلافة من غيره، وقد صرّح بذلك حينما سأله ولده المأمون عن إكباره وتقديره له، فقال له : «يا بني، هذا إمام الناس، وحجّة اللّه على خلقه، وخليفته على عباده، أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر، وأنه واللّه لأحقّ بمقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) منّي ومن الخلق جميعاً، وواللّه لو نازعني في هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناه، فإنّ الملك عقيم».

وأضاف إلى ذلك قوله : «يا بني، هذا وارث علم النبيّين. هذا موسى بن جعفر إن أردت العلم الصحيح تجده عند هذا» (1).

3 - ابن الساعي

أما الإمام الكاظم، فهو صاحب الشأن العظيم، والفخر الجسيم، كثير التهجد الجاد في الاجتهاد، المشهود له بالكرامات، المشهور بالعبادات، المواظب على الطاعات، يبيت الليل ساجداً وقائماً، ويقطع النهار متصدّقاً وصائماً، ولفرط حلمه، وتجاوزه عن المعتدين عليه كان كاظماً، يجازي المسيء بإحسانه إليه، ويقابل الجاني بعفوه عنه، ولكثرة عبادته يسمى بالعبد الصالح، ويعرف بالعراق بباب الحوائج إلى اللّه لنجح المتوسلين إلى اللّه تعالى به، كراماته تحار منها العقول، وتقضي بأن له قدم صدق عند اللّه لا تزول» (2).


1) ينابيع المودّة : 3: 165.

2) مختصر أخبار الخلفاء : 39.

4 - اليافي

قال عبد اللّه بن أسعد اليافي : «الإمام موسى كان صالحاً، عابداً، جواداً، حليماً، كبير القدر، وهو أحد الأئمّة الاثنى عشر المعصومين في اعتقاد الإماميّة، وكان يدعى بالعبد الصالح لعبادته واجتهاده، وكان سخيّاً كريماً كان يبلغه عن الرجل ما يؤذيه، فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار» (1).

5 - ابن الجوزي

«موسى بن جعفر كان يدعى العبد الصالح، وكان حليماً وكريماً، إذا بلغه عن رجل ما يؤذيه بعث إليه بمال» (2).

6 - أبو حاتم

«موسى بن جعفر ثقة صدوق، إمام من أئمّة المسلمين» (3).

7 - الذهبي

«كان موسى من أجواد الحكماء، ومن العباد الأتقياء، وله مشهد معروف ببغداد» (4).

8 - القرماني

«موسى هو الإمام الكبير الأوحد، الحجّة، الساهر ليله قائماً، القاطع نهاره


1) مرآة الجنان : 1 : 394.

2) مختار صفوة الصفوة : 152.

3) تهذيب التهذيب : 10 : 34.

4) ميزان الاعتدال: 3 : 209.

صائماً، المسمّى لفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين كاظماً، وهو المعروف بباب الحوائج لأنه ما خاب المتوسل به في قضاء حاجته قطّ» (1).

9 - الزركلى

«موسى بن جعفر الصادق ابن الباقر، أبو الحسن، سابع الأئمّة الاثني عشر عند الإمامية، كان من سادات بني هاشم، ومن أعبد أهل زمانه، وأحد كبار العلماء الأجواد» (2).

10 - البخشي

«هو الإمام الكبير القدر، والكثير الخير، كان رضي اللّه عنه يسهر ليله، ويصوم نهاره، وسمّي كاظماً لفرط تجاوزه عن المعتدين، وهو المعروف عند أهل العراق باب الحوائج، لأنه ما خاب المتوسل به في قضاء حاجته قطّ، وكانت له كرامات ظاهرة، ومناقب باهرة، تسنّم ذروة الشرف وعلاها، وسما أوج المزايا فبلغ أعلاها» (3).

11 - الخزرجي

«موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسن الكاظم، المدني. روى عن أبيه، وعنه ابنه عليّ الرضا، وأخواه عليّ ومحمّد ابنا جعفر بن محمّد، وطائفة. قال أبو حاتم : ثقة، صدوق، إمام من


1) أخبار الدول : 112.

2) الأعلام : 3 : 108.

3) النور الجليّ في نسب النبيّ / الحسن بن عبد اللّه البخشي : 97، مخطوط نفيس توجد نسخة منه بخط المؤلّف بمكتبة الأستاذ الشيخ علي الخاقاني.

أئمّة المسلمين.

وقال يحيى بن الحسين : إنّه إذا بلغه عن رجل يؤذيه يبعث إليه بصرّة فيها ألف دينار، وحبسه المهدي ثمّ أطلقه» (1).

12 - العسقلاني

«موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن عليّ أبو الحسن الهاشمي، المعروف بالكاظم، صدوق، عابد، من الطبقة السابعة» (2).

13 - فکری

«قال بعض أهل العلم : الكاظم هو الإمام الكبير القدر، الأوحد، الحجّة، الحبر، جمع من الفقه والدين بما لا مزيد عليه». (3).

14 - زكي مبارك

«كان موسى بن جعفر سيّداً من سادات بني هاشم، وإماماً مقدّماً في العلم والدين» (4).

15 - ابن الصبّاغ

«وأما مناقبه وكرامته الظاهرة، وفضائله وصفاته الباهرة تشهد له بأنه اقترع (5)


1) خلاصة تهذيب الكمال / أحمد بن عبداللّه الخزرجي : 334.

2) تقريب التهذيب : 366.

3) أحسن القصص / السيّد علي فكري : 4 : 293.

4) شرح زهر الآداب / الدكتور زكي مبارك : 1 : 132.

5) اقترع : أي اختار.

قبة الشرف وعلاها، وسما إلى أوج المزايا، فبلغ أعلاها وذللت له كواهل السيادة فامتطاها، وحكم في غنائم المجد فاختار صفاياها فاصطفاها» (1).

16 - الطبرسي

«قد اشتهر بين الناس أنّ أبا الحسن موسى كان أجل ولد الصادق شأناً، وأعلاهم فى الدين مكاناً، وأفصحهم لساناً وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأفقههم» (2).

17 - محمّد أمين غالب

«وكان العلويّون يقتدون بالرجل العظيم الإمام موسى الكاظم، المشهور بالتقوى، وكثرة العبادة حتّى سماه المسلمون «العبد الصالح»، وكان يلقب أيضاً بالرجل الصالح تشبيهاً له بصاحب موسى بن عمران، المذكور في القرآن، وكان كريماً سخّياً» (3).

18 - السيّد كاظم اليماني

«موسى الكاظم وهو خامس سبط وسابع إمام، سمّي الكاظم لكظمه الغيظ وحلمه، وكان يخرج بالليل وفي كمه صرر من دراهم فيعطي من أراد بره، وكان يضرب المثل بصبر موسى وسيرته، وكان إذا صلّى العشاء لم يزل يحمد اللّه ويدعو إلى نصف الليل، وإذا صلى الصبح ذكر اللّه تعالى إلى طلوع الشمس، وكان هذا دأبه» (4).


1) الفصول المهمّة : 214.

2) إعلام الورى في أعلام الهدى : 2 : 25.

3) تاريخ العلويّين / محمّد أمين غالب : 157 و 158.

4) النفحة العنبرية في أنساب خير البرية / السيّد كاظم اليماني : 15.

19 - ابن معيّة

«الإمام موسى الكاظم، ويلقب بأبي الحسن، وأبي إبراهيم، وأمّه أُمّ ولد، وكان عظيم الفضل، جليل القدر، حبسه الهادي ثمّ أطلقه لمنام رآه، ثمّ حبسه الرشيد ومضى في حبسه شهيداً» (1).

20 - ابن شهرآشوب

«وكان الإمام أجل الناس شأناً، وأعلاهم في الدين مكاناً، وأسخاهم بناناً، وأفصحهم لساناً، وأشجعهم جناناً، قد خصّ بشرف الولاية، وحاز إرث النبوّة، وتبوأ محل الخلافة، سليل النبوّة، وعقيد الخلافة» (2).

21 - ابن شدقم

«السيّد الكريم، والإمام الحليم، وسميّ الكليم، والصابر الكظيم، صاحب العسكر، ذو الشرف الأنور، والنور الأزهر، والمجد الأظهر، والنسب الأطهر، الصالح الأمين، الصابر الصائم، القائم، الحاكم على المحكوم، الشهيد المسموم، المشهود له بالكرامات، المُجدّ في العبادات، المواظب على الطاعات، المقيم ليله راكعاً وساجداً، الصائم نهاره، وفي سبيل اللّه مجاهداً، المجازي المسيء بإحسانه، الكاظم غيظه، المنتشر حلمه وامتنانه، قائد الجيش، المدفون بمقابر قريش، الإمام بالحقّ أبو إبراهيم، وأبو الحسن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق» (3).


1) سبك الذهب في سبك النسب : مخطوط، توجد منه نسخة بمكتبة الإمام كاشف الغطاء العامّة.

2) مناقب آل أبي طالب : 2 : 383.

3) المصباح / الكفعمي : 719.

22 - الصوفى

«كان موسى عظيم الفضل، رابط الجأش، واسع العطاء، وقيل : إنّ أهله كانوا يقولون : عجباً لمن جاءته صرار موسى فشكا القلّة» (1).

23 - الصبّان

«أمّا موسى بالكاظم، فكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند اللّه، وكان من أعبد أهل زمانه، ومن أكابر العلماء الأسخياء» (2).

24 - الهيتمى

«موسى الكاظم : هو وارث أبيه علماً ومعرفة، وكمالاً وفضلاً، سمّي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند اللّه، وكان أعبد أهل زمانه، وأعلمهم وأسخاهم» (3).

25 - ابن واضح

«كان موسى بن جعفر الا من أشدّ الناس عبادة، وكان قد روى عن أبيه» (4).

26 - الشعراني

«موسى الكاظم أحد الأئمّة الاثني عشر، وهو ابن جعفر بن، وهو ابن جعفر بن محمّد بن علي بن


1) المجدي : 106.

2) إسعاف الراغبين (المطبوع على هامش نور الأبصار) : 213.

3) الصواعق المحرقة : 121.

4) تاريخ اليعقوبي : 3: 145.

الحسين بن عليّ بن أبي طالب، كان يكنى بالعبد الصالح لكثرة عبادته واجتهاده وقيامه بالليل، وكان إذا بلغه عن أحد يؤذيه يبعث إليه بمال» (1).

27 - النبهاني

«موسى الكاظم أحد أعيان أكابر الأئمّة من ساداتنا آل البيت هداة الإسلام رضي اللّه عنهم أجمعين، ونفعنا ببركتهم، وأماتنا على حبّهم وحبّ جدّهم الأعظم» (2).

28 - الشافعي

موسى بن جعفر الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن الكبير، المجتهد الجاد في الاجتهاد، المشهور بالكرامات، يبيت الليل ساجداً وقائماً، ويقطع النهار متصدّقاً وصائماً، ولفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه دعي كاظماً، كان يجازي المسيء بإحسانه إليه، ويقابل الجاني بعفوه عنه، ولكثرة عبادته كان يسمى العبد الصالح، ويعرف بالعراق بباب الحوائج إلى اللّه لنجح مطالب المتوسلين إلى اللّه تعالى به، كراماته تحار منها العقول، وتقضي بأن له عند اللّه تعالى قدم صدق لا تزل ولا تزول» (3).

29 - الشيخ المفيد

«كان أبو الحسن موسى أعبد أهل زمانه، وأفقههم وأسخاهم كفاً، وأكرمهم نفساً، وكان أوصل الناس لأهله ورحمه، وكان يتفقد فقراء المدينة في الليل فيحمل إليهم


1) تاریخ بغداد : 13: 29 وانظر : كشف الغمة : 3: 43، نقلاً عن ابن الجوزي، شرح إحقاق الحقّ : 12 : 304 و 305.

2) جامع کرامات الأولياء : 2 : 229.

3) مطالب السؤول : 83.

الزنبيل فيه العين والورق، والأدقة والتمور فيوصل إليهم ذلك ولا يعلمون من أي جهة هو» (1).

30 - حفص

«ما رأيت أحداً أشد خوفاً على نفسه من موسى بن جعفر، ولا أرجى للناس منه» (2).

31 - الشبلنجي

«قال بعض أهل العلم : الكاظم هو الإمام الكبير القدر، الأوحد، الحجّة، الحبر، الساهر ليله قائماً، القاطع نهاره صائماً، المسمّى لفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين كاظماً، وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج إلى اللّه وذلك لنجح المتوسّلین به» (3).

32 - الإربلي

«مناقب الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفضائله ومعجزاته الظاهرة، ودلائله وصفاته الباهرة، ومخائله تشهد أنّه اقترع قمة الشرف وعلاها وسما إلى أوج المزايا، فبلغ أعلاها، وذللت له كواهل السيادة فركبها وامتطاها، وحكم في غنائم المجد فاختار صفاياها واصطفاها.

تُركَتْ وَالحُسنُ تَأخُذهُ***تَصْطَفِي مِنْهُ وَتَنْتَجِبُ


1) الإرشاد : 2 : 174.

2) بحار الأنوار: 48 : 111.

3) نور الأبصار : 135.

فَانْتَقَتْ مِنْهُ أَحَاسِنَهُ***وَاسْتَزادَتْ فَضلَ ما تَهَبُ

طالت أصوله قسمت إلى أعلى رتب الجلال، وطابت فروعه فعلت إلى حيث لا ينال.

يأتيه المجد من كلّ أطرافه، ويكاد الشرف يقطر من أعطافه، أتاه المجد من هنّا وهنا، وكان له بمجتمع السيول السحاب الماطر قطرة من كرمه، والعباب الزاخر نَغْبَة من نُغَبِهِ (1)، واللباب الفاخر من عد من عبيده وخدمه، كأن الشعرى (2)علقت في يمينه، ولا كرامة للشعر العبور، وكأنّ الرياض أشبهت خلايقه، ولا نعمى لعين الروض الممطور وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) غرّة في وجه الزمان، وما الغرور والحجول (3)وهو أضوأ من الشمس والقمر، وهذا جهد ما يقال.

بل هو واللّه أعلى مكانة من هذه الأوصاف، وأسمى وأشرف عرقاً من هذه النعوت وأنمى.

فكيف تبلغ المدائح كنه مقداره، أو ترقى همة البليغ إلى نعت فخاره، أو تجري جياد الأقلام في حلبات صفاته، أو يسري خيال الأوهام في ذكر حالاته.

كاظم الغيظ، وصائم القيظ. عنصره كريم، ومجده حادث وقديم، وخلق سؤدده وسيم، وهو بكل ما يوصف به زعيم.

الآباء عظام والأبناء كرام، والدين متين، والحق ظاهر مبين، والكاظم في أمر اللّه قوي أمين، وجوهر فضله غال ثمين وواصفه لا يكذب ولا يمين، قد تلقّى راية الإمامة باليمين، فسماه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الخيرات منقطع القرين.

وأنا أحلف على ذلك فيه وفي آبائه باليمين، كم له من فضيلة جليلة، ومنقبة


1) النغبة - بفتح النون وسكون الغين - : الجرعة، وبضمها وفتح الغين جمع.

2) الشعرى - بالكسر : الكوكب الذي يطلع في الجوزاء وطلوعه في شدّة الحرّ

3) الحجول : يوم مضيء مشرق بالسرور.

بعلو شأنه كفيلة، وهي إن بلغت الغاية بالنسبة إليه قليلة، ومهما عدّ من المزايا والمفاخر فهي فيهم صادقة، وفي غيرهم مستحيلة، إليهم ينسب العظماء، وعنهم يأخذ العلماء، ومنهم يتعلم الكرماء، وهم الهداة إلى اللّه تعالى، فبهداهم اقتده» (1).

33 - الخطيب البغدادى

«وكان الإمام موسى سخيّاً كريماً، وكان يبلغه عن الرجل أنّه يؤذيه، فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار، وكان يصرّ الصرر ثلثمائة دينار وأربعمائة ومائتين ثمّ يقسمها بالمدينة، وكانت صرر موسى بن جعفر إذا جاءت الإنسان استغنى» (2).

34 - الدكتور محمّد يوسف

«ونستطيع أن نذكر أنّ أوّل من كتب في الفقه هو الإمام موسى الكاظم الذي مات سجيناً عام 183ه-، وكان ما كتبه إجابة عن مسائل وجهت إليه تحت اسم (الحلال والحرام)». (3).

35 - خواجه کلان

«موسى الكاظم وهو وارثه - أي وارث أبيه جعفر بن محمّد - علماً ومعرفة وكمالاً وفضلاً، سمّي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان عند أهل العراق معروفاً بباب قضاء الحوائج، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم» (4).


1) كشف الغمّة : 2 : 256.

2) تاریخ بغداد : 13 : 27 و 28.

3) الفقه الإسلامي - مدخل لدراسة نظام المعاملات فيه : 160.

4) ينابيع المودّة / الشيخ سليمان (المعروف بخواجه کلان) : 362.

36 - النسّابة أحمد بن عليّ

«كان موسى الكاظم عظيم الفضل، رابط الجأش، واسع العطاء، لقّب بالكاظم لكظمه الغيظ وحلمه، وكان يخرج في الليل وفي كمه صرر من الدراهم فيعطي من لقيه ومن أراد برّه، وكان يضرب المثل بصرة موسى، وكان أهله يقولون : عجباً لمن جاءته صرّة موسى فشكا القلّة» (1).

37 - القراغولى

«موسى بن جعفر وارث أبيه علماً ومعرفة، وكمالاً وفضلاً، سمّي بالكاظم لكظمه الغيظ، وكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند اللّه، وكان أعبد أهل زمانه، وأعلمهم وأسخاهم» (2).

38 - السويدى البغدادي

«موسى الكاظم هو الإمام الكبير القدر، الكثير الخير، كان يقوم ليله، ويصوم نهاره، سمي الكاظم لفرط تجاوزه عن المعتدين» (3).

39 - جمال الدين الأتابكي

«كان موسى يدعى بالعبد الصالح لعبادته، وبالكاظم لعلمه (4). ولد بالمدينة


1) عمدة الطالب / النسابة أحمد بن عليّ : 185.

2) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام / محمود بن وهيب القراغولي : 139.

3) سبائك الذهب / محمّد أمين السويدي البغدادي : 73.

4) إنّما لقب الإمام بالكاظم لكظمه للغيظ، وسعة حلمه لا لعلمه، فإنّه لا مناسبة بين الأمرين.

سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائة، وكان سيّداً عالماً فاضلاً سنياً جواداً ممدوحاً مجاب الدعوة» (1).

40 - الدكتور عبدالجبار الجومرد

«الإمام الكاظم : هو موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان ذا تاريخ حافل بالزهد والورع والكرم ودماثة الخلق، وقد لقب بالكاظم لأنه كان يحسن إلى من يسيء إليه» (2).

هذه بعض الآراء التي دوّنها كبار العلماء في مؤلّفاتهم، وهي تحمل طابع التقدير والإكبار للإمام، وقد أجمعت على اتصاف الإمام بما يلي :

1 - إنّه أعلم أهل زمانه وأفقههم.

2 - اجتهاده في العبادة والطاعة إلى حد لا يجاريه أحد.

3 - إنّه أحلم الناس، وأكظمهم للغيظ، وأنه يقابل الجاني والمعتدي عليه بالعفو والإحسان.

4 - إنّه من أجود الناس وأسخاهم وأنداهم كفّاً، فبصرره يضرب المثل، ويستغني بكرمه من يصله.

5- إنّه باب للحوائج عند اللّه، وقد خصه تعالى بهذه الكرامة ومنحه هذا اللطف، فضمن لمن توسل به أن يقضي حاجته ومهمته، ولا يرجع إلى أهله إلا وهو مثلوج الفؤاد ناعم الفكر

6 - إنّه ذو كرامات تحار منها العقول والألباب.


1) النجوم الزاهرة / جمال الدين الأتابكي : 2 : 112.

2) هارون الرشيد / الدكتور عبد الجبار الجو مرد : 1 : 177.

7 - إنه أوصل الناس لأهله ورحمه.

8 - إنه من أفصح الناس وأبلغهم.

9 - إنّه إمام من أئمّة المسلمين، ومن حجج اللّه على خلقه

10 - إنّه بلغ القمّة في تواضعه ودماثة أخلاقه.

وروى المؤرّخون ما يدعم هذه الظاهرة الكريمة فيه، فقالوا : إنّه مرّ برجل من أهل السواد ذميم المنظر، فسلّم عليه ونزل عنده، وحادثه طويلاً، ثمّ عرض عليه القيام بحاجته، وقضاء شؤونه، وانصرف عنه، وثقل ذلك على بعض من صحب الإمام، فأنكر عليه صنعه، وأخذ يندد بالإمام قائلاً له : يابن رسول اللّه، أتنزل إلى هذا، ثمّ تسأله حوائجه، وهو إليك أحوج ؟

فغاظ ذلك الإمام، وانطلق يجيبه بروح الإسلام ووعيه الذي لا يفرّق بين المسلمين قائلا له : عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللّه، وَأَخٌ فِي كِتابِ اللّه، وَجَارٌ فِي بِلادِ اللّه، يَجْمَعُنا وَإِيَّاهُ خَيْرُ الآباءِ آدَمُ، وَأَفْضَلُ الأَدْيَانِ الإِسْلامُ، وَلَعَلَّ الدَّهْرَ يَرُدُّ مِنْ حَاجَتِنا إِلَيْهِ فَيَرانا بَعْدَ الزَّهْو عَلَيْهِ مُتَوَاضِعِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ.

إنّه ليس من الإسلام في شيء التفرقة بين صفوف المسلمين، فهم جميعاً على صعيد واحد، وأن أكرمهم عند اللّه أتقاهم.

بهذه الروح الفواحة بالإيمان والتقوى كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعالج النفوس المريضة التي أترعت بالأنانية، والآفات الاجتماعيّة.

وهذه الصفات الماثلة في الإمام هي السرّ في عظمته، والسرّ في إجماع العلماء على إكباره واتّفاق المسلمين على محبّته.

من تُراثه الفكريّ

إشارة:

أمّا تراث الإمام الفكري الذي زوّد به أصحابه وطلاب مدرسته فهو من أروع ما خلّفه أئمّة المسلمين من الثروات الفكريّة، ومن أنفس ما أبقاه علماء الإسلام من التراث العلمي، فقد تناول كثيراً من العلوم كعلم الحكمة والكلام، وعلم الفقه والتفسير والحديث وغيرها من العلوم، ويضاف إليها حكمه وآراءه القيمة التي تناولت آداب السلوك والأخلاق، وقواعد الاجتماع وهي حافلة بأروع الفصاحة والبلاغة البالغتين حدّ الاعجاز، وفيما يلي عرض موجز لبعضها :

رسالته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في العقل

إشارة:

العقل هو القوّة المبدعة التي منحها اللّه للإنسان وشرّفه وميّزه به على بقيّة الموجودات، وجعله خليفة في الأرض، وقد استطاع بعقله وتفكيره أن يستخدم الكائنات، ويكشف أسرارها، ويميط الحجاب عن دقائقها، وأن يغزو الفضاء، ويصل إلى الكواكب، ويكتشف ما فيها كلّ، ذلك وصل إليه الإنسان وسيصل في مستقبله القريب أو البعيد إلى ما هو أعمق وأشمل من ذلك.

لقد انتهى الإنسان في انطلاقه الرائع إلى هذه الاكتشافات المذهلة بفضل عقله وإدراكه وعلمه، وقد تحدث الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أهم آثار العقل، واستدلّ على فضله بالآيات الكريمة، وذلك في حديثه الذهبي الذي زوّد به تلميذه هشام بن الحكم، ويعتبر هذا الحديث من أهم الثروات الفكريّة التي أثرت عن الإمام،

وقد شرحه شرحاً فلسفياً صدر المتألهين الأخوند ملّا صدرا (1)

هو محمّد بن إبراهيم الشيرازي الحكيم المتألّه المعروف كان أعلم أهل زمانه في الحكمة، متقناً لجميع فنونها، كما قال صاحب السلافة، له الأسفار الأربعة، وشرح أصول الكافي وكتاب تفسير بعض السور القرآنية وكتاب كسر الأصنام الجاهليّة، وكتاب شواهد الربوبية وغيرها.

توفّي بالبصرة في حال توجهه إلى الحج سنة 1050. الكنى والألقاب : 2 : 372.

.

وقال في تقريضه ما نصه : «هذا الحديث مشتمل على بيان حقيقة العقل بالمعنى المذكور - أعني المرتبة الرابعة من العقول الأربعة المذكورة في علم النفس -، ومحتو على معظم صفاته وخواصه ومدائحه، ومتضمّن لمعارف جليلة قرآنية، ومقاصد شريفة إلهية لم يوجد نظيرها في كثير من مجلدات كتب العرفاء، ولم يعهد شبيهها في نتائج أنظار العلماء النظار ذوي دقائق الأفكار، إلا منقولاً عن واحد من الأئمّة الأطهار أو مسنداً من طريقهم أو طريق العامّة إلى الرسول المختار (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

والحديث مشتمل على خطابات ذكر في كلّ منها باباً عظيماً من العلم، بعضها في العلوم الإلهيّة، وبعضها في علم السماء والعالم، وبعضها في علم الفلكيات، وبعضها في علم الأكوان والمواليد، وبعضها في علم النفس، وبعضها في تهذيب الأخلاق وتطهير النفوس من الرذائل، وبعضها في السياسات المدنية، وبعضها في المواعظ والنصائح، وبعضها في علم الزهد وذمّ الدنيا، وبعضها في علم المعاد والرجوع إلى اللّه، وبعضها في مذمة الكفرة والجهلة وسوء عاقبتهم وانقلاب نشأتهم إلى نشأة البهائم، وأنّهم صم بكم عمي لأنّهم لا يعقلون، إلى غير ذلك من العلوم والمعارف...».

ونقدّم نصّ حديث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشفوعاً بشرح موجز اقتبسنا بعضه مما ذكره


1) الشيخ ملا صدرا :

فيلسوف الإسلام الشيخ ملا صدرا في تفسيره لهذا الحديث.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا هِشَامُ، إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَشَّرَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَالْفَهْم في كِتابِهِ، فَقالَ.، فَقالَ : «فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللّه وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ» (1).

استدل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآية الكريمة على تقديم أهل العقول المستقيمة على غيرهم لأنّ اللّه قد بشّرهم بالهداية والنجاح، وقد تضمّنت الآية التي استشهد بها الإمام جملة من الفوائد العلميّة نذكر فائدتين منها :

1 - وجوب الاستدلال

إنّ الإنسان إذا وقف على جملة من الأمور فيها الصحيح والفاسد، وكان في الصحيح هدايته وفي السقيم غوايته، فإنّه يتحتم عليه أن يميّز بينهما ليعرف الصحيح منها فيتبعه والفاسد فيبتعد عنه، ومن الطبيعي أن ذلك لا يحصل إلا بإقامة الدليل والحجّة، وبهذا يستدل على وجوب النظر والاستدلال في مثل ذلك.

2 - حدوث الهداية

ودلّت الآية على حدوث الهداية وعروضها، ومن المعلوم أن كلّ عارض لا بد له من موجد كما لا بد له من قابل، أما الموجد للهداية فهو اللّه تعالى ولذلك نسبها إليه بقوله : «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ»، وأما القابلون لها فهم أهل العقول المستقيمة، وإلى ذلك أشار تعالى بقوله : «وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَاب».

ومن المعلوم أنّ الإنسان إنّما يقبل المعرفة والهداية لا من جهة جسمه وأعضائه، بل من جهة عقله، فلو لم يكن كامل العقل امتنع عليه حصول المعرفة والفهم كما هو


1) الزمر 39 : 17 و 18.

ظاهر، وقد أقام الشيخ ملا صدرا اللّه الدليل على حدوث الهداية وعلى أنّ فاعلها هو اللّه تعالى، وأطال الكلام في ذلك

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا هِشَامُ، إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعالى أَكْمَلَ لِلنَّاسِ الْحُجَجَ بِالْعُقُولِ، وَنَصَرَ النبيّينَ بِالْبَيانِ، وَدَلَّهُمْ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ بِالْأَدِلَّةِ، فَقالَ : «وَإِلهُكُمْ إِلهُ وَاحِدٌ لَا إِله إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللّه مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كلّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَاب الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (1).

أفاد الإمام في حديثه أنّ اللّه أكمل نفوس أنبيائه بالعقول الفاضلة، ليكونوا حججاً على عباده، وهداة لهم إلى طريق الخير والنجاة، ولو لم يمنحهم ذلك لما صلحوا لقيادة الأمم وهدايتها، فإنّ الناقص لا يكون مكملاً لغيره.

لقد نصر اللّه أنبياءه ببيان الحق، وآيات الصدق، ودلّهم على ربوبيته، وعلّمهم طريق معرفته وتوحيده بأدلة حاسمة تشهد على وجوده، وتدل على وحدانيته، والآيات التي دلّهم عليها من آثار خلقه.

ومن المعلوم - حسب ما ذكره المنطقيون - أنّ المعلول يدلّ على العلّة، والأثر يدلّ على المؤثر، وقد تضمّنت الآية الكريمة التي تضمنها حديث الإمام جملة من الآثار العظيمة التي يستدلّ بها على وجود اللّه تعالى، وهي :


1) البقرة 2 : 163 و 164.

من الآثار العظيمة التي يستدلّ بها على وجود اللّه تعالى:

1 - خلق السموات

إنّ من أعظم آيات اللّه الباهرات خلقه للسموات التي زينها بالكواكب التي تسبح في الفضاء، وتسير في مداراتها، وتتباعد بعضها عن بعض حسب قواعد الجاذبية، وهي مسخّرة في حركاتها، وانجذابها وجذبها بأمر اللّه تعالى، يبلغ حجم الواحدة من بعض الكواكب أضعاف حجم الأرض عشرات الآلاف، وبعضها أكبر من الأرض عدة ملايين، وهي تسير في أفلاكها ومنحنياتها لا يصطدم بعضها ببعض، وهي تنادي بوجود اللّه جلت قدرته.

قال سماحة المغفور له الشيخ محمّد عبده : «تتألف هذه الأجرام السماوية من طوائف، لكلّ طائفة منها نظام كامل محكم، ولا يبطل نظام بعضها نظام الآخر ؛ لأنّ للمجموع نظاماً عاماً واحداً يدل على أنه صادر عن إله واحد لا شريك له في خلقه وتقديره وحكمته وتدبيره.

وأقرب تلك الطوائف إلينا ما يسمونه النظام الشمسي نسبة إلى شمسنا هذه التي تفيض أنوارها على أرضنا، فتكون سبباً للحياة النباتيّة والحيوانيّة، والكواكب التابعة لهذه الشمس مختلفة في المقادير والأبعاد، وقد استقرّكل منها في مداره، وحفظت النسبة بينه وبين الآخر بنسبة إلهيّة، ولولا هذا النظام لانفلتت هذه الكواكب السابحة في أفلاكها فصدم بعضها بعضاً، وهلكت العوالم بذلك فهذا النظام آية على الرحمة الإلنهيّة كما أنّه أيّة على الوحدانية» (1).

إنّ ما اكتشفه العلم الحديث من النجوم هو بمقدار من الكثرة بحيث لو كنا نعد النجوم كلّها بسرعة 1500 نجم في الدقيقة لاستغرق عدنا 700 سنة، أما نسبة الأرض إليها فهي أقل كثيراً من نقطة على حرف في مكتبة تضم نصف مليون من


1) تفسير المنار : 2 : 60.

الكتب من الحجم المتوسط (1).

وممّا لا شبهة فيه أنّها لم تكن ناشئة عن الصدفة، وهل أنّها المدبّرة والخالقة لهذه العوالم إذ كيف يمكن أن تفسّر هذه العلميات المعقدة المنظمة بتفسير يقوم على المصادفة والتخبّط العشوائي «وكيف نستطيع أن نفسّر هذا الانتظام في ظواهر الكون والعلاقات السببيّة والتكامل والفرضيّة والتوافق والتوازن التي تنتظم بسائر الظواهر، وتمتد آثارها من عصر إلى عصر، كيف يعمل هذا الكون من دون أن يكون له خالق مدبّر هو الذي خلقه وأبدعه، ودبّر سائر أموره».

يقول جون وليام كوتس : «إنّ هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الاتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة، إنّه مليء بالروائع والأمور المعقدة التي تحتاج إلى مدبّر، والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى. ولا شك أن ال قد ساعدتنا على زيادة وفهم وتقدير ظواهر هذا الكون وهي بذلك تزيد من معرفتنا باللّه ومن إيماننا بوجوده» (2).

2 - الأرض

من عجائب آيات اللّه خلقه لهذا الكوكب الذي نعيش عليه، فقد جعله تعالى يدور حول محوره في كلّ 24 ساعة مرّة واحدة، وسرعة حركته (1000) ميل في الساعة، ولو كان يدور حول محوره بسرعة 100 ميل في الساعة لكان طول الليل عشرة أمثال ما عليه الآن، وكذا طول النهار، وكانت الشمس محرقة في الصيف لجميع النبات، وفي الليالي الباردة كان ينجمد ما عليها من نبات وحيوان، كما أنّه لو اقتربت الشمس من الأرض أكثر ممّا عليه الآن لازدادت الأشعة التي تصل إليها بدرجة تؤدّي إلى امتناع الحياة فوقها، كما أنّها لو ابتعدت عنها أكثر ممّا عليه لحدث


1) اللّه يتجلّى في عصر العلم : 48.

2) اللّه يتجلّى في عصر العلم : 48.

العكس عليها، ولو أنّ الأرض كانت صغيرة كالقمر أو حتّى أن قطرها كان ربع قطرها الحالي لعجزت عن احتفاظها بالغلاف الجوي والمائي اللذين يحيطان بها، ولصارت درجة الحرارة فيها بالغة حد الموت، ولو كان قطرها ضعف قطرها الحالي لأصبحت جاذبيتها للأجسام ضعف ما هي عليه وانخفض تبعاً لذلك ارتفاع غلافها الهوائي، وزاد الضغط الجوي وهو يوجب تأثيراً بالغاً على الحياة، فإنّ مساحة المناطق الباردة تتسع اتساعاً كبيراً، وتنقص مساحة الأراضي الصالحة للسكنى نقصاً ذريعاً، وبذلك تعيش الجماعات الإنسانيّة منفصلة أو في أماكن متنائية فتزداد العزلة بينها، ويتعذر السفر والاتصال، بل قد يصير ضرباً من ضروب الخيال.

ولو كانت الأرض في حجم الشمس لتضاعفت جاذبيتها للأجسام التي عليها إلى 150 ضعفاً ونقص بذلك ارتفاع الغلاف الجوّي، ووصل وزن الحيوان إلى زيادة 150 ضعف عن وزنه الحقيقي، كما تتعذر الحياة الفكريّة بصورة عامّة (1).

وخصّ اللّه الأرض بميزة أخرى بأن جعل لها غلافاً غازياً كثيفاً سمكه يقدر ب- 800 کیلومتر، وهو يتكوّن من جميع العناصر الضرورية للحياة، وهو السبب في حيلولة الشهب القاتلة إلى الأرض، كما أنّه السبب في إيصال حرارة الشمس بصورة معتدلة إلى الأرض بحيث يمكن أن تعيش على سطحها النباتات والحيوانات، كما أنّ له الأثر في نقل المياه والبخار من المحيطات إلى القارات، ولولاه لتحوّلت القارات إلى أرض قاحلة.

وليس لبعض الكواكب هذا الغلاف ممّا سبب عدم ظهور الحياة عليها، فالمريخ له غلاف غازي، ولكنّه رقيق جداً وغير صالح للحياة لخلوه من الأوكسجين والزهرة لها غلاف غازي، ولكنّه مكوّن من ثاني اوكسيد الكربون ممّا يجعله غير صالح لظهور الحياة، وكذلك القمر له غلاف، ولكنّه رقيق، وخال من العناصر الضروريّة


1) اللّه يتجلّى في عصر العلم : 10 و 11.

للحياة مثل الأوكسجين (1).

وممّا ميّز اللّه به الأرض أن جعلها غبراء اللون لتكون قابلة للإنارة والضياء، وجعلها متوسطة في الصلابة ليمكن المشي عليها، ولتقبل الزرع والحرث، وناهيك بما فى مائها وأنهارها وجبالها ومعادنها من الآيات والعجائب.

قال سماحة الإمام المغفور له كاشف الغطاء : «حقّاً إنّ من أعظم تلك الآيات التي نمرّ عليها في كلّ وقت وعلى كلّ حال هذه الأرض التي نعيش عليها، ونعيش منها ونعيش بها، منها بدونا وإليها معادنا، منها بدأناكم وإليها تعودون، لا نزال نمشى على الأرض، ونثير ترابها في الحرث والنسل، ونتقلب عليها للضرع والمرع، ونزاولها في عامة شؤون الحياة، ولا تزال تدرّ علينا بخيراتها وبركاتها ونحن ساهون لاهون، وعن آياتها معرضون غافلون عمّا فيها من عظيم القدرة، وباهر الصنعة، ودلائل العظمة والقوة، هذا التراب الذي قد نعدّه من أحقر الأشياء وأهونها، والذي هو في رأي العين شيء واحد وعنصر فرد، كم يحتوي على عناصر لا تحصى، وخواص لا تتناهي، تنثر فيه حبّ القمح فيعطيك أضعافاً من نوعه، وتنثر فيه الفول والعدس وأمثالهما من القطانيّات المختلفة في الطعوم والخواص فتعيدها إليك مضاعفة مترادفة، وتغرس في نفس ذلك التراب نواة النخل وبذرة الكرم، وأقلام التين والتفاح، وأمثالها من الفواكه، فتثمر تلك الثمار الشهيّة المختلفة الأذواق المتغايرة الخواص.

وقال (رَحمهُ اللّه) : الأرض هي أمّ المواليد الثلاثة : الجماد، والنبات، والحيوان، وتحوطها العناية بالروافد الثلاثة : الماء، والهواء، والشمس، فهي الحياة وهي الممات، وفيها الداء ومنها الدواء، وقد تحصى نجوم السماء أمّا نجوم الأرض فلا تحصى.

نعم، لا تحصى نجوم الأرض ولا معادن الأرض ولا عناصر الأرض، ولا تزال


1) التكامل في الإسلام : 6 : 128.

الشريعة الإسلاميّة قرآنها وحديثها يعظم شأن الأرض، وينوه عنها صراحة وتلميحاً فيقول : «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً» (1)، «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا» (2)، «فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَيْنَا الْمَاءَ صَبَاً * ثمّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقَاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبَاً * وَعِنَبَاً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةٌ وَأَباً» (3). (4)

إنّ الأفكار الثاقبة والعقول الجبارة التي استخدمت جميع وسائل العلم الحديث لم تصل إلى تحليل جميع عناصر الأرض واستخراج جميع كنوزها، مع أنها بعض مخلوقات اللّه، بل من أبسطها، فسبحانه ما أجل قدرته، وأعظم صنعه.

3 - اختلاف الليل والنهار

ومن آيات اللّه تعالى اختلاف الليل والنهار، وذكر علماء التفسير للاختلاف وجهين :

أحدهما : أنّه افتعال مأخوذ من خلفه يخلفه إذا ذهب الأوّل وجاء الثاني، فيكون المراد باختلاف الليل والنهار تعاقبهما في الذهاب والمجيء.

الثاني : الاختلاف في الطول والقصر، والنور والظلمة، والزيادة والنقصان، وكما أنهما يختلفان في الزمان فكذلك يختلفان في المكان، فكل ساعة فرضت معيّنة في موضع من الأرض بأنها صبح - مثلاً - فهي في موضع آخر ظهر، وفي مكان ثالث عصر، وفي رابع مغرب، وهلم جراً، وذلك لكروية الأرض، وهذا الاختلاف من آثار النظام الشمسي الذي يدلّ على وحدة اللّه ووجوده، وهناك مصالح


1) المرسلات 77: 25 و 26.

2) النازعات 79: 30 و 31.

3) عبس 80: 24 و 31.

4) الأرض والتربة الحسينية : 10 - 13.

لا تحصى ترتبت على هذا الاختلاف كانتظام أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة في النهار وطلب الراحة والنوم في الليل (1).

إلى غير ذلك من المصالح الحيوية التي ذكرها العلماء في سرّ هذا الاختلاف الذي يكشف عن وجوده تعالى وجميل صنعه وعظيم قدرته.

4 - جريان الفلك

ومن آياته تعالى جريان الفلك في الماء، فإنّه لولا توسّط الماء في اللطافة والخفّة لما أمكن جريان البواخر والسفن فيه، كما أنّه لولا الرياح المعينة على تحريكها إلى الجهات المختلفة حسب أغراض الناس لما أمكن النفع بها، وقد جعل اللّه تلك الرياح متوسطة في الهدوء، ولو كانت عاصفة لتحطّمت البواخر، بالإضافة إلى أن مواد السفن من الخشب والحديد وغيرها هي من خلق اللّه تعالى ومن إيجاده، وإن كانت الهيئة التركيبية من الناس (2).

وجميع هذه الأمور التي ألمحنا إليها من فعل اللّه ومن آثاره.

5 - نزول الماء من السماء

ومن عظيم آيات اللّه تعالى إنزاله الماء من السماء، فإنّه من عجائب صنعه وباهر قدرته، فقد خلقه مركباً من الأوكسجين والهيدروجين وغيرهما بنسب متفاوتة ومقادير معيّنة. وكل عنصر من أجزائه يختلف عن العنصر الآخر ويخالفه، وجعله تعالى سبباً للحياة الأجسام النامية، فقال : «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كلّ شَيْءٍ حَيٍّ» (3)، كما جعله تعالى سبباً لحياة الإنسان وسبباً لرزقه ومعيشته فقال : «وَفِي السَّمَاءِ


1) تفسير الرازي : 2 : 65 و 66.

2) تفسير الرازي : 2 : 68.

3) الأنبياء 21 : 30.

رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ» (1).

وإنّما كان نزول المطر حياة الأرض كما صرّحت به الآية الكريمة - لأنّ فيها قوة الحياة الحيوانيّة والنباتيّة، وإن كانت القوّة بعيدة بالقياس إلى الحيوانيّة، فإذا نزل عليها الماء ظهر فيها من العشب والكلأ وما شاكله من النباتات التي يعيش بها الإنسان وتحيى بها دواب الأرض، أو لأنه يحصل للأرض بسبب نزول المطر النبات والأزهار والرياحين، فتكسى بذلك ثوباً من الحسن والجمال، تبعث على البهجة والمسرة لمن نظر إليها، وهذا هو المراد من حياتها، وعلى كلّ ففي ذلك آيات وشواهد على وجود الصانع وباهر قدرته.

ولو أمعن الإنسان في النبات والزرع وما فيها من العجائب لأمن بقدرة اللّه وجمال صنعه وتدبيره، فإنّ الزرع يخرج على الحد الذي يحتاج إليه العباد في أوقات معلومة، فما يخرج في موسم الربيع لا يدرك في الخريف وما يخرج في الصيف لا يوجد في الشتاء، ومضافاً إلى ذلك تغاير الأشجار والثمار فإنّها متغايرة بألوانها وطعمها ورائحتها مع أنها تسقى بماء واحد وتخرج من أرض واحدة، فلو نظر الإنسان إلى ذلك بعين البصيرة لأمن بربّه وما زاغ قلبه، وما خرج عن جادة الإيمان

6 - بثّ الدواب فى الأرض

ومن آيات اللّه العظيمة بثّ الحيوانات في الأرض المختلفة في أنواعها وأصنافها وأشكالها وشرفها وخستها المتباينة في أخلاقها وطبائعها ومعيشتها والإنسان من جملة الحيوانات، ولكنّه من أشرفها وأرقاها، فهو خليفة اللّه في أرضه لأن فيه انموذجاً لجميع ما في العالمين : عالم الملك وعالم الملكوت، خصوصاً بحسب وعيه وإدراكه، وإحاطته بكثير من الحقائق والمعلومات الكلّيّة والجزئيّة، فهو عالم


1) الذاريات 51: 22.

بنفسه، بل هو أكبر من العالم.

يقول الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):

أَتَحْسَبُ أَنَّكَ جُرْمٌ صَغِيرٌ***وَفِيكَ انْطَوى العالَمُ الأَكبَرُ

إنّ الإنسان بحسب تكوينه من أعظم آيات اللّه، ففيه من الأجهزة الدقيقة ما لا تحصى ولا تعدّ كتكوين العين التي تحتوي على التنظيمات التلسكوبية والمكروسكوبية، وهي تحتوي على 130 مليون من مستقبلات الضوء، وهي أطراف أعصاب الأبصار، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب الذي يقيها ليلاً ونهاراً، وتعتبر حركته حركة لا إرادية، ويمنع عنها الأتربة والذرّات كما يكسر من حدّة الشمس، وجعل لها السائل المحيط بها المعروف بالدموع من أقوى المطهرات والمعقمات، إلى غير ذلك ممّا هو أبلغ دليل على وجود اللّه، وفي الإنسان حاسّة السمع، وهي من أعجب أجهزة الإنسان، فإنّ فيه التيه

وقد قال فيه العالم (كورثي) : «إنّ التيه يشتمل على نوع من الأقنية بين لولبيّة، ونصف مستديرة، وإنّ في القسم اللولبي وحده أربعة آلاف قوس صغيرة متصلة بعصب السمع في الرأس».

ما طول تلك الأقواس ؟

ما حجمها ؟

كيف ركبت ؟

إنّها دقّة تحيّر الألباب، فسبحان اللّه المكوّن والمصوّر، وفي الإنسان حاسة الشم، وهي من أعظم آيات اللّه، فإنّ مركز هذه الحاسة منطقة محدودة من الغشاء المخاطي المبطن لتجويف الأنف، تسمّى منطقة الشمّ، وهي خالية من الأهداب، وبها عدة خلايا شمّيّة طويلة رقيقة تنقل الأثر إلى المخ، وذلك في جزء من الأنف،

وهو المدخل الرئيسي للجهاز التنفسي الذي يتوقف عليه حياة الإنسان.

وفي الإنسان الجهاز العظمي، وهو يتكوّن من 206 عظم، ويتصل بعضها ببعض بالمفاصل التي تحرّكها العضلات، وهذه العظام مصنع الحياة في الجسم ؛ إذ أنّها تكوّن الكريات الدموية الحمراء والبيضاء، وأنّها أساس الحياة.

ومن عجيب أمر هذه الكريات أنّها في كلّ دقيقة من حياة الإنسان يموت منها ما لا يقل عن مائة وثمانين مليوناً بسبب دفاعها عن الجسم ضد الميكروبات الوافدة، وإضافة لما تصنعه العظام من كريات الدم، فإنّها مخزن تحفظ للجسم ما يزيد على حاجته من الغذاء، سواء كان ذلك في داخل العظام نفسها، كالمواد الدهنيّة والزلاليّة، أو على العظام نفسها، كالمواد الجيرية.

أمّا ملاءمة العظام لما خلقت له فهذا أمر عجيب، فعظام الجمجمة التي تحمي المخ أشدّ صلابة من غيرها، وأكثر سمكاً لأنها تحمي أنسجة رقيقة ودقيقة.

إلى غير ذلك ممّا في الإنسان من الأجهزة المحيّرة، كالجهاز العصبي والجهاز التناسلي والجهاز اللمفاوي والجهاز العضلي (1)، وهي تدل بوضوح على مكوّنها وخالقها، فإنّها لا يمكن أن تتكوّن صدفة، فإن حديث المصادفة أصبح من الخرافات التى لا يؤمن بها من كان له أدنى تفكير وشعور.

7 - تصريف الرياح

من آيات اللّه تصريفه للرياح، فإنّها تأتى جنوباً وشمالاً، وقبولاً ودبوراً، هذا هو كيفية تصريفها (2).


1) يراجع في هذه البحوث بصورة مستفيضة المصادر التالية : اللّه والعلم الحديث، أمالي الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، اللّه يتجلّى في عصر العلم، العلم يدعو للإيمان.

2) تفسير الطبري : 2 : 65.

إنّ الرياح هي حركة الهواء الموجود في الطبقات السفلى من الجوّ إذا سارت متوازية مع سطح الأرض، وتختلف سرعة الرياح حتّى تصل إلى مائة كيلومتر في الساعة، وتسمّى زوبعة، وإذا زادت عليها تسمّى إعصاراً، وقد تصل سرعتها إلى 240 كيلومتراً في الساعة، وهذه الرياح هي العامل المهمّ في نقل بخار الماء وتوزيعه، كما أنّها من أهمّ الوسائل لتلقيح النباتات.

فقد ثبت أنّ هناك قسماً كبيراً من النبات لا يتم تلقيحه إلّا بالهواء، قال تعالى : «وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْفَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ» (1).

8 - تسخير السحاب

ومن آياته تسخير السحاب، فقد سخّره في أوقات مخصوصة لإحياء العباد والبلاد، ولو دام وجوده لعظم ضرره لأنه يستر أشعة الشمس كما يؤدّي إلى فساد جميع المركبات التي تتوقف على الجفاف، وبانقطاعه يعظم الضرر لأنه يؤدّي إلى القحط فيهلك الإنسان والحيوان، فكان تقديره بالأوقات الخاصة والفصول المعينة لأجل الصالح العامّ.

إنّ السحاب يتكوّن من تكاثف البخار في الهواء، ويختلف ارتفاع السحب على حسب نوعها، فمنها ما يكون على سطح الأرض كالضباب، ومنها ما يكون ارتفاعه بعيداً إلى أكثر من 12 كيلو متراً كسحاب (السيرس) الرقيق.

وعندما تكون سرعة الرياح الصاعدة أكثر من ثلاثين كيلومتراً في الساعة لا يمكن نزول قطرات المطر المتكوّن وذلك لمقاومة الرياح لها، وكلما تناثرت النقط تشحن بالكهرباء الموجبة، وتنفصل عنها الكهرباء السالبة التي تحملها الرياح. وبعد مدة


1) الحجر 15: 22.

تصير مشحونة شحناً وافراً بالكهرباء، وعندما تقترب الشحنتان بعضها من بعض بواسطة الرياح.. يتمّ التفريغ الكهربائي، وذلك بمرور شرارة بينهما، ويستغرق وميض البرق لحظة قصيرة ويكون شكله خطاً منكسراً، ويسمع بعده الرعد وهو عبارة عن الموجات الصوتية التي يحدثها الهواء، وتخيّم السحابة، وينزل منها المطر، فتأخذ منه الأرض ما قدر اللّه لها من الماء.

فانظر كيف ولدت الرياح الكهرباء بنوعيه في السحب، وسبّبت نزول المطر منها (1)، كلّ ذلك بتقدير اللّه العزيز العليم، وتحدّث الطنطاوي في تفسيره عن السحب وفوائدها، قال : «تعجب كيف كان السحاب ليس يرتفع عن وجه، الأرض في الجوّ أكثر من ستة عشر ألف ذراع، وإنّ أقربه ما كان مماساً لوجه الأرض نادر في بعض البلدان إذ لو كان السحاب مماساً لوجه الأرض لأضرّ ذلك بالحيوان والنبات وأمتعة الناس، إلى أن قال : كما أنه لو كان بعيداً شديد الارتفاع في الهواء حتّى لا يرى لكانت الأمطار والثلوج تأتي مفاجأة والناس والحيوان عنها غافلون لا يتحرّزون فيكون الضرر عامّاً» (2).

هذا بعض ما في الآية الكريمة من الشواهد والأدلة على وجود اللّه تعالى الذي هو المصدر لوجود هذه العوالم، وقد استدل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآيات لدعم حقيقة الإيمان باللّه، وتحرير العقول من خرافات الشرك، وفيما يلي فصل آخر من حديثه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : یا هِشَامُ، قَدْ جَعَلَ اللّه ذلِكَ (3)دَليلاً عَلى مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّ لَهُمْ مُدَبِّراً، فَقالَ : «وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ


1) اللّه والعلم الحديث : 174 و 175.

2) تفسير الجواهر : 1 : 155.

3) اسم الإشارة يرجع إلى الآية المذكورة أو لكلامه المتقدم.

مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (1).

وَقالَ : «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثمّ مِن نُطْفَةٍ ثمّ مِن عَلَقَةٍ ثمّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثمّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثمّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (2).

وَقالَ : «وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللّه مِنَ السَّمَاءِ مِن رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (3).

وَقالَ: «يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (4).

وَقالَ : «وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأَكْلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (5).

وَقالَ : «وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (6).


1) النحل 16: 12.

2) غافر 40 : 67.

3) الجاثية 5:45.

4) الحديد 57: 17.

5) الرعد 13 : 4.

6) الروم 24:30.

وَقالَ: «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِن إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّه إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (1).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «هَل لَكُم مِن مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (2).

استدلّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآيات الكريمة على آثار اللّه تعالى الدالّة على وجوده ووحدانيته، وقد بسطنا الكلام في بعضها، وإنّما أعادها الا للتنبيه على وثاقة الأدلة، فإنّه لو أمعن بها العاقل المفكر وتدبرها لأمن بذلك ولم يبق عنده أي مجال للشك، ولذاكررها تعالى في كتابه الحكيم، ثمّ إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذكر بعض الموبقات والجرائم التي حرمها القرآن، وهي :

1 - الشرك باللّه.

2 - عصيان الأبوين.

3 - قتل الأولاد خشية إملاق.

4 - الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

5 - قتل النفس المحترمة.

ولولا خوف الإطالة لبسطنا الكلام في بيان بقيّة الآيات التي استشهد بها الإمام


1) الأنعام 6: 151.

2) الروم 30 : 28.

في حديثه، ولننتقل إلى فصل آخر من كلامه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :يا هِشَامُ، ثمّ وَعَظَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَرَغْبَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، فَقالَ: «وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ» (1).

استدلّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة على ترغيب اللّه تعالى لعباده العقلاء في دار الخلود والنعيم وذمه لدار الدنيا لأنّها محصورة على الأكثر في اللهو واللعب فينبغي للعقلاء أن يزهدوا فيها ويجتنبوا شرّها وحرامها، ويعملوا للدار الباقية التي أعدت للمتقين والصالحين، ولننتقل إلى فصل آخر من حديثه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : یا هِشَامُ، ثمّ خَوَّفَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ عِقابَهُ فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ» (2).

وَقالَ : «إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (3).

استدلّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآيات الكريمة على تدميره تعالى للذين لا يعقلون من الأمم السالفة التي كفرت باللّه، وقد نزلت الآيات في قوم لوط حينما جحدوا اللّه وكفروا بآياته، فأنزل تعالى بهم عقابه، وجعل موطنهم بحيرة منتنة قبيحة المنظر، وجعلها


1) الأنعام 6: 32.

2) الصافات 37: 136 – 138.

3) العنكبوت 29: 34 و 35.

بسبيل مقيم يمر بها المارون ليلاً ونهاراً، ولذا قال تعالى : «وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ» (1)، وقد جعلهم تعالى عبرة وموعظة للذين يعقلون، فإنّ فيه تحذيراً لهم من مخالفة المرسلين والمصلحين، فإنّ عاقبة المخالفة والعصيان الدمار والهلاك (2).

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا هشام، إِنَّ الْعَقْلَ مَعَ الْعِلْمِ، فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ» (3).

استدلّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة على ملازمة العقل للعلم، فإنّ العقل بجميع مراتبه لا ينفك عن العلم ولا يفترق عنه، وسبب نزول الآية فيما يقوله المفسرون أن الكافرين قالوا : إنّ اللّه كيف يضرب الأمثال بالهوام والحشرات كالبعوض والذباب والعنكبوت، والأمثال ينبغى أن تضرب بغير ذلك من الأمور الخطيرة.

وهو منطق هزيل، فإنّ التشبيه إنّما يكون بليغاً فيما إذا كان مؤثراً في النفس، فإذا قال الحكيم لمن يغتاب إنساناً إنّك بهذه الغيبة كأنك تأكل لحم الميتة لأنك تغتابه، فإنّ هذا يؤثر في ردعه أكثر ممّا يؤثر قوله : إنّ الغيبة حرام أو تورث العتاب والشحناء بين الناس.

وأشار تعالى بقوله: «وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ» (4)إلى أن معرفة حقيقة الأشياء والتمييز بين صحيحها وسقيمها لا يعقلها إلا من حصل له العلم والمعرفة، فغير العالم لا يفقه ذلك (5)، ولننتقل إلى فصل آخر من كلامه.


1) الصافات 37 : 137 و 138.

2) روح المعاني : 7: 313.

3) العنكبوت 43:29.

4) العنكبوت 43:29.

5) تفسير الرازي : 25 : 70.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): یا هِشَامُ، ثمّ ذَمَّ الَّذين لَا يَعْقِلُونَ فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ : «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّه قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ» (1).

وَقالَ: «وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ» (2).

وَقالَ فِيهِمْ : «وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ» (3).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ : «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً» (4).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُریً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بَأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ» (5).

وَقالَ : «وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ» (6).


1) البقرة :2 : 170.

2) البقرة 2 : 171.

3) يونس 42:10.

4) الفرقان 25: 44.

5) الحشر 14:59.

6) البقرة 2 : 44.

استدل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآيات الكريمة على ذمّ مَن لا يعقل، ونتعرّض فيما يلي إلى بعض معانيها ليتّضح استشهاد الإمام بها :

استدلّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآيات الكريمة على ذمّ مَن لا يعقل

الآية الأولى

دلّت على ذمّ من يتبع أسلافه ومشايخه في الأمور الدينية من غير بصيرة ولا دليل، فإنّ الذي يحفّزهم إلى اتباعهم إنّما هو الجهل والغباوة والتعصب، وقد نزلت الآية في اليهود حينما دعاهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلى الإسلام فرفضوا ذلك، وقالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فإنّهم كانوا خيراً منّا (1)، ولو كانت لهم عقول مستقيمة، ونضوج فكري لفقهوا أنّ التقليد في العقائد لا يقرّه العقل السليم، فالعقيدة لا بد أن تؤخذ من الدليل العلمي الصحيح، فإنّها أساس لحياة الإنسان وسلوكه.

قال الإمام الشيخ محمّد عبده في تفسيره:

«لو كان للمقلّدين قلوب يفقهون بها لكانت هذه الحكاية كافية بأسلوبها لتنفيرهم من التقليد، فإنّهم في كلّ ملّة وجيل يرغبون عن اتباع ما أنزل اللّه استئناساً بما ألفوه ممّا ألفوا آباءهم عليه، وحسبك بهذا شناعة إذ العاقل لا يؤثر على ما أنزل اللّه تقليد أحد من الناس مهما كبر عقله وحسن سيره، إذ ما من عاقل إلا وهو عرضة للخطأ في فكره، وما من مهتد إلا ويحتمل أن يضل في سيره، فلا ثقة في الدين إلا بما أنزل اللّه، ولا معصوم إلّا من عصم اللّه، فكيف يرغب العاقل عما أنزل اللّه إلى اتباع الآباء مع دعواه الإيمان بالتنزيل، على أنه لو لم يكن مؤمناً بالوحي لوجب أن ينفره عن التقليد قوله تعالى : «أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ» (2)».


1) تفسير التبيان : 1 : 188.

2) تفسير المنار: 1 : 100.

الآية الثانية

متّصلة بالآية الأولى، ومتمّمة لها، فإنّه تعالى لما حكى حالة الكفار في إصرارهم على التقليد الأعمى عند دعوتهم إلى الإسلام ضرب اللّه للسامعين مثلاً عن حالهم لئلا ينخدعوا بهم، بأنهم كالأنعام والبهائم التي لا تعي دعاء الراعي لها سوى سماع الصوت منه دون أن تفهم المعنى، فكذلك هؤلاء لا يتأملون دعوة الحق ولا يعونها، فهم بمنزلة من لا يعقل وهذا أعظم قدح وذم للذين لا يعقلون.

الآية الثالثة

حكى فيها تعالى حال بعض الكفّار بأنّهم في منتهى القسوة وجمود الطبع وخمود نار الذهن، فإنّهم يستمعون إلى ما يتلى عليهم من الآيات، على صحة دعوة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ولكنهم صم من ناحية إدراك المعنى وتفهمه، وأنه لا جدوى ولا فائدة في دعوتهم إلى اعتناق هذا الدين، فقد بلغوا النهاية في أمراضهم العقليّة والنفسية بحيث لا يجدي معهم العلاج والنصح.

الآية الرابعة

خاطب اللّه فيها نبيه بأنه لا يطمع في إيمان بعض الكفرة لأنّهم كالأنعام في عدم الانتفاع بما يقرع آذانهم من الآيات الباهرة، فهم أضل سبيلاً من الأنعام ؛ لأنها تنقاد لصاحبها الذي يتعهدها وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وتأوي إلى معاطنها ومرابضها، وهؤلاء لا ينقادون لربّهم وخالقهم ورازقهم، فلا يعرفون إحسانه ونعمه بالإضافة إلى أن الحيوانات لم تعطّل قوّة من قواها المودعة فيها، بل صرفت كلّ قوة إلى ما خلقت له، وأما الكفرة فقد عطّلوا قواهم العقليّة، فضيعوا الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها، وهي معرفة اللّه والإيمان به، فلذا كانوا أضل سبيلاً من البهائم.

الآية الخامسة

احتوت على ذمّ الكفرة لأنّ فيهم ثلاث من الصفات الذميمة، وهي :

1 - الجبن عن الحرب.

2 - البأس الشديد فيما بينهم.

3 - تشتّت قلوبهم.

وعلّل تعالى الصفات الثلاث أو الأخيرة بعدم العقل، فإنّ العاقل لا يكون جباناً كما أنّه لا يقع بأس أو خلاف بينه وبين غيره، فإنّ ذلك ينشأ من الجهل والغباوة : وذلك لا يتصف به المؤمنون.

وقد أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليهم بقوله : «الْمُؤْمِنونَ يَدٌ َواحِدَةٌ عَلى مَنْ سِواهُمْ»، وذلك لاتّحاد أفكارهم، ووحدة اتجاههم، فلا يعقل التفرّق والانقسام بين صفوفهم.

الآية السادسة

نزلت في علماء اليهود، فقد كانوا يقولون لأقربائهم من المسلمين : اثبتوا على ما أنتم عليه وهم لا يؤمنون بالإسلام (1)، وكان الأحرى بهم أن يعتنقوا الإسلام ثمّ يأمرون الغير بالتمسك به.

إلى هنا ينتهي بنا الحديث في بيان الآيات التي استدل بها (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ذمّ من لا يعقل من الناس، ولننتقل إلى فصل آخر من كلامه

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ثمّ ذَمَّ اللّه الْكَثْرَةَ فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّه» (2).

وَقالَ : «وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّه قُلِ


1) مجمع البيان: 1 : 98.

2) الأنعام 6 : 116.

الْحَمْدُ للّه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (1).

وَقالَ : «وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللّه قُلِ الْحَمْدُ للّه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ» (2).

استدلّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآيات الثلاث على ذمّ أكثر الناس لأنّهم قد حجبوا عن نفوسهم الحقِّ، وتوغّلوا في الباطل، وغرقوا فى الشهوات، إلا من رحمه اللّه منهم، وأخرجه من الظلمات إلى النور، ونعرض فيما يلي إلى مدلول الآيات بإيجاز :

استدلّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآيات الثلاث على ذمّ أكثر الناس

الآية الأولى

خاطب فيها تعالى نبيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأراد به غيره أو أن الخطّاب له ولغيره في أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لو أطاع الجمهور من الناس وسار على وفق أهوائهم وميولهم لأضلّوه عن دين اللّه وصرفوه عن الحقّ.

الآية الثانية

دلّت بحسب مفهومها على أنّ أكثر الناس يقولون ما لا يعلمون، وأنّهم لا يؤمنون باللّه في قلوبهم، بل إنّما يجري على ألسنتهم من دون أن ينفذ إلى أعماق نفوسهم.

الآية الثالثة

خاطب فيها تعالى نبيه بأنّه لو سأل المشركين من هو الذي أنزل الماء من السماء الذي هو سبب رزقهم وحياتهم ؟ لأجابوه بأنّه هو اللّه تعالى الموجد للممكنات بأسرها، ومع ذلك فإنّهم يشركون به ويعبدون بعض مخلوقاته التي لا يتوهّم منها القدرة على إيجاد أي شيء، فالحمد للّه على إظهارهم الحجة واعترافهم بأنّ الخالق


1) لقمان 31: 25.

2) العنكبوت 29: 63.

لأصول النعم وفروعها هو اللّه تعالى، فيكون الحمد الذي ذكره تعالى كالحمد عند رؤية المبتلى (1)، ونعرض إلى فصل آخر من كلامه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :يا هِشَامُ، ثمّ مَدَحَ الْقِلَّةَ فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَقَلِيلٌ مِن عِبَادِيَ الشَّكُورُ» (2).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ : «وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» (3).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللّهُ» (4).

وَقالَ: «وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ» (5).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (6).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ» (7).

استدلّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآيات الكريمة على مدحه قلّة المؤمنين، وندرة وجودهم، وقد صرّحت الأخبار الواردة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بذلك، فقد قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «الْمُؤْمِنَةُ أَعَزُّ مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنَ أَعَزُّ مِنَ الْكِبْريتِ الْأَحْمَرِ، فَمَنْ رَأَى مِنْكُمُ الْكِبْرِيتَ


1) تفسیر روح المعاني : 6: 423.

2) سبأ 34: 13.

3) ص 38: 24.

4) غافر 40: 28.

5) هود 11: 40.

6) الأنفال 8: 34 والأنعام 6: 37.

7) المائدة 5: 103.

الأحمر؟» (1).

ویعود السبب في هذه القلّة إلى أن الإيمان الحقيقي باللّه من أعظم مراتب الكمال التي يصل إليها الإنسان، وهناك موانع كثيرة تحول دون الوصول إلى هذا الإيمان، كانحطاط التربية، وسوء البيئة، وغيرهما من الحواجز التي تؤدّي إلى حجب الإنسان عن خالقه وتماديه في الإثم.

والمراد من قوله تعالى : «وَقَلِيلٌ مِن عِبَادِيَ الشَّكُورُ» ليس معناه التلفظ بكلمة الشكر اللّه، بل معناه صرف العبد جميع ما أنعم اللّه عليه فيما خلق لأجله، وهذه مرتبة عظيمة لا تصدر إلّا ممن عرف اللّه واعتقد بأنّ جميع النعم والخيرات صادرة منه، فيعمل على تحصيل الخير، ومحاربة آفات نفسه، وحينئذ يكون من الشاكرين للّه والشكر بهذا المعنى من المقامات العالية التى لا يتصف بها إلا القليل، ونعرض إلى فصل آخر من كلامه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا هِشَامُ، ثمّ ذَكَرَ أُوْلِي الْأَلْبابَ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ، وَحَلَاهُمْ نَسَن الْحِلْيَةِ، فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ : «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ» (2).

وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كلّ مِن عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ» (3).

وَقالَ : «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ


1) الكافي : 2 : 242، الحديث 1.

2) البقرة 2 : 269.

3) آل عمران 3: 7.

لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي الْأَلْبَابِ» (1).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ» (2).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَاب» (3).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ : «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ» (4).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ * هُدى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ» (5).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ : «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» (6).

استدلّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآيات الكريمة على مدح العقلاء الكاملين، وتفوقهم على غيرهم، فقد مدحهم تعالى بأحسن الصفات، وأضفى عليهم أسمى النعوت، ونقدّم بياناً


1) آل عمران 3 : 190.

2) الرعد 13: 19.

3) الزمر 9:39.

4) ص: 38 : 29.

5) غافر 40: 53 و 54.

6) الذاريات 55:51.

موجزاً عن مفادها حتّى يتضح استشهاد الإمام بها :

استدلّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآيات الكريمة على مدح العقلاء الكاملين

الآية الأولى

دلّت على أنه تعالى منح بعض عباده (الحكمة)، وهي من أعظم المواهب ومن أجل الصفات، فقد قيل في تعريفها: «إنّها العلم الذي تعظم منفعته، وتجلّ فائدته».

ووصف تعالى من منح الحكمة بأنه أوتى خيراً كثيراً، كما أنه تعالى ذكر أنّه لا يعلم معنى الحكمة أو القرآن إلا أولوا الألباب.

الآية الثانية

وصف تعالى فيها عباده الكاملين في عقولهم بثلاثة أوصاف :

1 - الرسوخ في العلم.

2 - الإيمان باللّه.

3 - العرفان بأنّ الكلّ من عند اللّه (1).

وحكم تعالى بأنّ المتصفين بهذه النعوت الشريفة هم العقلاء الكاملون الذين هم ذوو الألباب.

الآية الثالثة

سبق الكلام في تفسيرها وبيانها.

الآية الرابعة

دلّت على التعجب والإنكار على من يدعي المساواة بين العالم بأحكام القرآن وبين غيره، مع أنّ الفرق بينهما كالفرق بين الأعمى والبصير، والحيّ والميت


1) أي كلاً من المتشابه والمحكم.

الآية الخامسة

دلّت على التفاوت بين من يسهر ليله في طاعة اللّه وبين غيره الذي يقضي أوقاته بالملاهي والملذات، وهو معرض عن ذكر اللّه، فكيف يكونان متساويين.

الآية السادسة

دلّت على أنّ القرآن الكريم لما كان مشتملاً على أسرار عظيمة، ومعارف جليلة، وآيات باهرة، أنزله تعالى إلى عباده ليتدبروه ويتفهموه، ولكنّ هذا التدبر إنّما يظفر به من له تفکیر سلیم.

الآية السابعة

دلّت على أنّه تعالى أورث بني إسرائيل الكتاب فجعلهم حملة له، وإنما منحهم ذلك ليكون هدى وذكرى لأولى الألباب.

الآية الثامنة

خاطب اللّه فيها نبيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بالاستمرار في الذكر وعدم بالاستمرار في الذكر وعدم الاعتناء بالجاهلين الذين لا يعون ولا يتدبرون دعوته، فإنّ شأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الإفاضة ونشر التعليم وبسط القوى الروحيّة، ولم ينتفع بذلك إلا المؤمنون.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا هشام، إِنَّ اللّه يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ» (1)، يَعْني عَقْلٌ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ» (2)، يعني : الْفَهْمَ وَالْعَقْلَ.

ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه ليس المراد بالقلب الذي ذكر في الآية الأولى هو العضو الخاصّ


1) ق 37:50.

2) لقمان 31 : 12.

الموجود في الإنسان وسائر البهائم، بل المراد منه هو العقل الذي يدرك المعاني الكلّيّة والجزئية، ويتوصل إلى معرفة حقائق الأشياء، وهو في الحقيقة الكيان المعنوي للإنسان، وأشارت الآية الثانية إلى نعمته تعالى على لقمان، فقد وهبه الحكمة وهي من أفضل النعم وأجلها، وأخذ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتلو على هشام بعض حكم لقمان ونصائحه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

یا هِشَامُ، إِنَّ لُقْمَانَ قالَ لابْنِهِ : تَواضَعْ لِلْحَقِّ (1)تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ، وَإِنَّ الْكَيْسَ لَدَى الْحَقِّ يَسيرٌ. يا بُنَيَّ، إِنَّ الدُّنْيا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فيها عالَمٌ كَثيرٌ (2)

قوله : «وحشوها الإيمان»، أي : ما تحشى فيها وتملأ منها، والشراع - ككتاب - الملاءة الواسعة فوق خشبة تصفقها الريح فتمضي بالسفينة، والقيّم : مدبّر أمر السفينة.

، فَلْتَكُنْ سَفِينَتُك فيها تَقْوَى اللّه، وَحَشْوُها الْإِيمَانُ، وَشِراعُها التّوكُلُ، وَقَيِّمُها الْعَقْلُ، وَدَلِيلُها العِلْمُ، وَسُكَانُها الصَّبْرُ.

عرض (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديثه لبعض وصايا لقمان، فقد أوصى ولده بالتواضع للحق وهو أن لا يرى الإنسان لنفسه وجوداً إلا بالحق ولا قوة له ولا لغيره إلا باللّه، والتواضع من أفضل الأعمال، وقد ورد عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قال : «مَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللّه، وَمَنْ تَواضَعَ للّه رَفَعَهُ اللّه».

إنّ الإنسان كلّما تجرّد عن الأنانية ومحا عن نفسه التكبر زاده اللّه شرفاً وفضلاً.

وشبّه لقمان الدنيا بالبحر، ووجه الشبه تغيّر الدنيا وتغيّر أشكالها وصورها في كلّ لحظة، فالكائنات التي فيها كالأمواج التي تكون في البحر معرضاً للزوال والفناء،


1) قوله : «تواضع للحق» أي للّه عزّ وجل بإيمانك وطاعتك، أو المراد تواضع لكل حق إذا ظهر لك بقبوله.

2) قوله : «قد غرق فيها عالم كثير» وبفتح اللام كلّ شيء ما سوى اللّه، وللكسر وجه.

ويحتمل أن يكون وجه الشبه أنّ الدنيا كالبحر الذي يعبر عليه الناس، فكذلك الدنيا يعبر عليها الناس إلى دار الآخرة، وتكون النفوس فيها كالمسافرين، والأبدان كالسفن والبواخر تنقلهم من دار الدنيا إلى دار الخلود، وقد غرق عالم كبير من الناس في هذه الدنيا، وإنّما غرقوا لتهالكهم على الشهوات، وإذا كانت الدنيا بحراً توجب الغرق والهلاك، فلانجاة منها، ولا سلامة إلا بسفينة التقوى والصلاح، وليكن شراعها التوكل على اللّه والاعتماد عليه في جميع الأمور، كما أنه لا بد من عقل يكون قيماً لتلك السفينة ورباناً لها، والعقل دليله العلم، فإنّ نسبته إليه كنسبة النور من السراج والرؤية من البصر.

ومع هذه الخصال لا بد من الصبر، فإنّ ارتقاء الإنسان وقربه من ربِّه لا يحصل إلّا بمجاهدات قوية للنفس، ولننتقل إلى مشهد آخر من كلامه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا هِشَامُ، إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ دَليلاً (1)، وَدَليلُ الْعَقْلِ التَّفَكُرُ، وَدَليلُ التَّفَكُرِ الصَّمْتُ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ مَطِيَّةً، وَمَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّواضُعُ (2)، وَكَفَىٰ بِكَ جَهْلاً أَنْ تَرْكَبَ ما نُهِيتَ عَنْهُ.

يا هِشَامُ ما بَعَثَ اللّه أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ إِلى عِبادِهِ إِلَّا لِيَعْقِلُوا عَن اللّه، فَأَحْسَنُهُمُ اسْتِجَابَةً أَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةٌ، وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللّه أَحْسَنُهُمْ عَقْلاً، وَأَكْمَلُهُمْ عَقْلاً أَرْفَعُهُمْ دَرَجَةً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.


1) قوله : «يا هِشَامُ، إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ دَليلاً، وَدَليلُ الْعَقْلِ التَّفَكَّرُ»، ومعنى كون التفكّر دليل العقل إنّ العاقل بالفكر يصل إلى مطلوبه.

2) قوله : «مَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّواضُعُ»، أي مع التواضع يقوى على ما يدل عليه عقله، ويؤيّد من اللّه تعالى بإعماله، ومع التكبر وعدم طاعة اللّه يضعف عقله، ولا يقدر على إعماله في الأمور، كالرجل العاجز عن الوصول إلى المطلوب.

استدلّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلامه الأخير على شرف الأنبياء وفضلهم بكمال عقولهم، وقد قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا عَلِيُّ، إِذا تَقَرَّبَ النّاسُ إِلى خالِقِهِمْ بِأَنواع الْبِرِّ فَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ أَنْتَ بِالْعَقْلِ حَتَّىٰ تَسْبِقَهُمْ».

إنّ من أفضل ما يمنح اللّه الإنسان وفور العقل إذ به يتوصل إلى سعادة الدنيا، والفوز في دار الآخرة.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا هِشَامُ، إِنَّ للّه عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ : حُجَّةً ظَاهِرَةً وَحُجَّةً باطِنَةً، فَأَمَا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِياءُ وَالْأئمّة، وَأَمَّا الْباطِنَةُ فَالْعُقُولُ.

يا هِشَامُ، إِنَّ الْعاقِلَ الَّذي لا يَشْغَلُ الْحَلالُ شُكْرَهُ، وَلا يَغْلِبُ الْحَرامُ صَبْرَهُ.

تعرّض (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الفقرات الأخيرة من كلامه إلى بعض أحوال العقلاء من أنهم لا تمنعهم كثرة نعم اللّه عليهم من شكره تعالى كما لا تزيل صبرهم النوائب والكوارث.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا هِشَامُ، مَنْ سَلَّطَ ثَلاثاً عَلَى ثَلاثٍ فَكَأَنَّما أَعانَ عَلى هَدْمِ عَقْلِهِ : مَنْ أَظْلَمَ نُورُ تَفَكَّرِهِ (1)بِطُولِ أَمَلِهِ، وَمَحا طَرَائِفَ حِكْمَتِهِ بِفُضولِ كَلامِهِ، وَأَطْفَأَ نُورَ عِبْرَتِهِ بِشَهَوَاتِ نَفْسِهِ، فَكَأَنَّما أَعانَ هَواهُ عَلى هَدْمِ


1) قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «نورُ تَفَكَّرِهِ» وهو بالرفع إذ لم ترد «أظلم» متعدّياً، وإضافته إلى الفكر إمّا بيانيّة أو لاميّة، وسبب ذلك أن طول الأمل يكون سبباً للإقبال إلى الدنيا ولذاتها، فيشغل عن التفكر. والطريف الأمر الجديد المستغرب الذي فيه نفاسة ومحو الطرائف بالفضول إمّا لأنّه إذا اشتغل بالفضول شغل عن الحكمة في زمان التكلّم بالفضول، أو لأنه لما سمع النّاس منه الفضول لم يعبأوا بحكمته، أو لأنّه إذا اشتغل به محا اللّه عن قلبه الحكمة.

عَقْلِهِ، وَمَنْ هَدَمَ عَقْلَهُ أَفْسَدَ (1)دينَهُ وَدُنْياهُ.

تعرض (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلامه إلى أنّ في الإنسان قوتين متباينتين، وهما : العقل والهوى، ولكلّ واحدة منهما صفات ثلاث تضادّ الصفات الأخرى، فصفات العقل : التفكّر والحكمة والاعتبار، وصفات الهوى : طول الأمل، وفضول الكلام، والانغماس في الشهوات.

أما طول الأمل في الدنيا فإنّه يمنع من التفكّر في أمور الآخرة، ويحمل النفس على الإقبال على أمور الدنيا، وهذا هو المراد من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَظْلَمَ نُورُ تَفَكَّرِهِ بِطُولِ أَمَلِهِ». إنّ طول الأمل يبدّد نور الفكر بالظلمة، ويحجبه عن الانطلاق في ميادين الخير.

أمّا فضول الكلام فإنّه يمحو طرائف الحكمة من النفس.

وأمّا الاشتغال باللذات، والانصراف إلى الشهوات فإنّه يعمي القلب، ويذهب بنور الإيمان، ويطفئ نور الاستبصار والاعتبار من النفس، فمن سلّط هذه الخصال الشريرة على نفسه فقد أعان على هدم عقله، ومن هدم عقله فقد أفسد دينه ودنياه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :یا هِشَامُ، كَيْفَ يَزْكُو (2)عِنْدَ اللّه عَمَلُكَ وَأَنْتَ قَدْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ عَنْ أَمْرِ رَبِّكَ، وَأَطَعْتَ هَواكَ عَلى غَلَبَةٍ عَقْلِكَ.

يا هشام، الصَّبْرُ عَلَى الْوَحْدَةِ عَلامَةُ قُوَّةِ الْعَقْلِ، فَمَنْ عَقَلَ (3)عَن اللّه


1) في الكافي والبحار زيادة : «عليه».

2) يزكو : الزكاة - لغة - : الطهارة والنماء، وهي تطلق على العين والمعنى فيقال : زكى ماله، أي : نما ماله، ويقال : زكى عمله : أي طهر عمله، ويحتمل كلا المعنيين في المقام.

3) قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَمَنْ عَقَلَ عَن اللّهِ»، أي : حصل له معرفة بذاته وصفاته وأحكامه وشرائعه، أو أعطاه اللّه العقل أو علم الأمور بعلم ينتهي إلى اللّه بأن أخذه عن أنبيائه وحججه إما بلا واسطة أو بلغ عقله إلى درجة يفيض اللّه عليه علومه بغير تعليم بشر.

اعْتَزَلَ أَهْلَ الدُّنْيا وَالرّاغِبينَ فيها وَرَغِبَ فيما عِنْدَ اللّه، وَكانَ اللّه انْسَهُ فِي الْوَحْشَةِ، وَصاحِبَهُ فِي الْوَحْدَةِ، وَغِناهُ فِي الْعَيْلَةِ، وَمُعِزَّهُ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَةٍ (1).

يا هِشَامُ، نَصْبُ الْحَقِّ (2)لِطاعَةِ اللّه، وَلَا نَجَاةَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَالطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ بِالتَّعَلَّمُ، وَالتَّعَلُّمِ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ (3)، وَلا عِلْمَ إِلَّا مِنْ عالِم رَبَّانِيُّ، وَمَعْرِفَةُ الْعِلْمِ بِالْعَقْلِ.

يا هِشَامُ، قَليلُ الْعَمَلِ مِنَ الْعالِم مَقْبُولٌ مُضاعَفٌ، وَ كَثِيرُ الْعَمَلِ مِنْ أَهْلِ الْهَوى وَالْجَهْلِ مَرْدُودٌ.

مراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ قليل العمل من العالم مقبول وسببه أنّ بالعلم صفاء القلوب وطهارة النفوس، والتوصل إلى معرفة اللّه عزّ شأنه.

وفضيلة كلّ عمل إنّما هي بقدر تأثيرها في صفاء القلب، وإزالة الحجب، والظلمة عن النفس، وهي تختلف بحسب الأشخاص، فربّ إنسان يكفيه قليل العمل في صفاء نفسه نظراً للطافة طبعه، ورقة حجابه، وربّ إنسان لا يؤثر العمل الطيب الذي يصدر منه في صفاء ذاته، نظراً لكثافة طبعه وكثرة الحجب على نفسه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا هشام، إِنَّ الْعاقِلَ رَضِيَ بِالدُّونِ مِنَ الدُّنْيا مَعَ الْحِكْمَةِ


1) العشيرة : القبيلة والرهط الأدنون.

2) قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «نَصْبُ الْحَقِّ» هو إما مصدر أو فعل مبني للمجهول، أي : إنّما نصب اللّه الحق والدين بإرسال الرسل، وإنزال الكتب ليطاع في أوامره ونواهيه.

3) وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَالتَّعَلَّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ»، أي : يشتد ويستحكم.

وَلَمْ يَرْضَ بِالدُّونِ مِنَ الْحِكْمَةِ مَعَ الدُّنْيا، فَلِذلِكَ رَبِحَتْ تِجارَتُهُ.

يا هِشَامُ، إِنَّ الْعُقَلَاءَ تَرَكوا فُضُولَ الدُّنْيا فَكَيْفَ الذُّنُوبُ ؟ وَتَرْلُ الدُّنْيا مِنَ الْفَضْل، وَتَرْكُ الذُّنُوبِ مِنَ الْفَرْضِ.

یا هِشَامُ، إِنَّ الْعاقِلَ نَظَرَ إِلَى الدُّنْيا وَإِلى أَهْلِها فَعَلِمَ أَنَّها لا تُنالُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ، وَنَظَرَ إِلَى الْآخِرَةِ فَعَلِمَ أَنَّها لا تُنالُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ، فَطَلَبَ بِالْمَشَقَّةِ أَبْقاهُما.

یا هِشَامُ، إِنَّ الْعُقَلَاءَ زَهَدُوا فِي الدُّنْيا وَرَغِبوا فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيا طالِبَةٌ وَمَطْلُوبَةٌ (1)، وَالْآخِرَةَ طَالِبَةٌ مَطْلُوبَةٌ، فَمَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيا حتّى يَسْتَوْفِيَ مِنْها رِزْقَهُ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيا طَلَبَتْهُ الْآخِرَةُ فَيَأْتِيَهُ الْمَوْتُ فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ.

وتوضيح الفقرات الأخيرة من حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله : «الدُّنْيا طالِبَةٌ وَمَطلوبَةٌ»، يعني أنّ الدنيا توصل الرزق المقدّر إلى من هو فيها، وبهذا الاعتبار تكون طالبة، وأمّا مطلوبيتها فهو سعي أبنائها وجدّهم لتحصيل.نعمها.

وأمّا طلب الآخرة فهو إتيان الموت وحلول الأجل المحتوم لجميع من في الدنيا، فهي تطلبهم لتنقلهم من الدنيا إليها، وأما مطلوبيتها فهو سعي أبنائها الصلحاء في تحصيل الأعمال الصالحة ليكونوا آمنين من العقاب والعتاب.


1) أي الدنيا طالبة للمرء؛ لأن يوصل إليه ما عندها من الرزق المقدّر، ومطلوبة يطلبها الحريص طلباً للزيادة، والآخرة طالبة تطلبه لتوصل إليه أجله المقدر، ومطلوبة يطلبها الطالب للسعادات الأخروية بالأعمال الصالحة، وفي حذف الواو في الثاني مع وجودها في الأوّل إشارة إلى كمال الاتصال هنا وعدمه هناك.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): یا هِشَامُ، مَنْ أَرادَ الْغِنى بِلا مالٍ، وَراحَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْحَسَدِ، وَالسَّلامَةَ في الدِّينِ، فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِي مَسْأَلَتِهِ بِأَنْ يُكَمِّل عَقْلَهُ، فَمَنْ عَقَلَ فَنَعَ بِما يَكْفِيهِ، وَمَنْ فَنَعَ بِمَا يَكْفِيهِ اسْتَغْنى، وَمَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِما يَكْفِيهِ لَمْ يُدْرِكِ الْغِنى أَبَداً.

يا هِشَامُ، إِنَّ اللّه تَعَالَى حَكَى عَنْ قَوْمٍ صَالِحِينَ أَنَّهُمْ قالوا : «رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (1)حينَ عَلِمُوا أَنَّ الْقُلوبَ تَزيغُ وَتَعُودُ إِلى عَمَاهَا وَرَداها، إِنَّهُ لَمْ يَخَفِ اللّه مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللّه، وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللّه لَمْ يَعْقِدْ قَلْبَهُ عَلَى مَعْرِفَةٍ ثَابِتَةٍ يُبْصِرُها، وَيَجِدُ حَقيقَتَها فِي قَلْبِهِ، وَلا يَكُونُ أَحَدٌ كَذلِكَ إِلَّا مَنْ كانَ قَوْلُهُ لِفِعْلِهِ مُصَدِّقاً، وَسِرُّهُ لِعَلانِيَتِهِ مُوافِقاً؛ لأنَّ اللّه تَبَارَكَ اسْمُهُ لَمْ يَدُلُّ عَلَى الْباطِنِ الْخَفِيّ مِنَ الْعَقْلِ إِلَّا بِظَاهِرٍ مِنْهُ وَناطِقٍ عَنْهُ.

أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكلامه الأخير إلى أنّ المؤمن إذا لم يكن قلبه مستضيئاً بنور اللّه تعالى وعقله مهتدياً بهدي اللّه، فإنّه لا يكون آمناً من الزيغ كما لا يكون آمناً من الارتداد بعد الدخول في حضيرة الإسلام، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة. قال تعالى : «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثمّ كَفَرُوْا فَطُبعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ» (2).

وقال تعالى : «وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ» (3)، ولذلك يدأب الصالحون بالسؤال من اللّه في أن لا تزيغ قلوبهم، وأن لا يضلوا عن دينه، فإنّ


1) آل عمران 3: 8.

2) المنافقون 63: 3.

3) البقرة 2 : 217.

النفوس البشرية بحسب نشأتها وخلقتها إذا لم يساعدها التوفيق لا تنجو من وساوس الشيطان وغوايته.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا هِشَامُ، كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقولُ : مَا عُبِدَ اللّه بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ، وَمَا تَمَّ عَقْلُ امْرِى حَتَّىٰ يَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ شَتّى : الْكُفْرُ وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونانِ، وَالرُّشْدُ وَالْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولانِ، وَفَضْلُ مالِهِ مَبْذُولٌ، وَفَضْلُ قَوْلِهِ مَكْفُوفٌ، وَنَصيبُهُ مِنَ الدُّنْيا الْقُوتُ (1)، لَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْم دَهْرَهُ، الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مَعَ اللّه مِنَ الْعِزَّ مَعَ غَيْرِهِ، وَالتَّواضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ يَسْتَكْثِرُ قَليلَ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَسْتَقِلُّ كَثيرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْراً مِنْهُ، وَأَنَّهُ شَرُّهُمْ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ تَمامُ الأمر.

استدلّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مقصوده بكلام جدّه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي تعرض فيه لصفات العقلاء وخصائص أفعالهم.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا هشام، إِنَّ الْعاقِلَ لَا يَكْذِبُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَواهُ.

يا هشام، لا دينَ لِمَنْ لا مُرُوةَ لَهُ، ولا مُرُوَّةَ لِمَنْ لا عَقْلَ لَهُ، وَإِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ قَدَراً الَّذِي لا يَرَى الدُّنْيا لِنَفْسِهِ خَطَراً، أَمَا إِنَّ أَبْدَانَكُمْ لَيْسَ لَهَا ثَمَنْ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلا تَبِيعُوها بِغَيْرِها.

وتوضيح ما أفاده في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَما إِنَّ أَبْدانَكُمْ لَيْسَ لَهَا ثَمَنْ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلا تَبِيعُوها


1) لم ترد (الواو) في الكافي، ووردت في البحار.

بِغَيرها هو أنه لا يليق أن يكون ثمناً لهذه الأبدان سوى الجنّة.

ونقل صاحب الوافي عن أستاذه إيضاحاً لمقالة الإمام ما نصه : «إنّ الأبدان في تناقص يوماً فيوماً، وذلك لتوجّه النفس منها إلى عالم آخر، فإن كانت النفس سعيدة كانت غاية سعيه في هذه الدنيا وانقطاع حياته البدنية إلى اللّه سبحانه وإلى نعيم الجنان لكونه على منهج الهداية والاستقامة، فكأنه باع بدنه بثمن الجنّة معاملة مع اللّه تعالى، ولهذا خلقه اللّه عزّ وجلّ، وإن كانت شقيّة كانت غاية سعيه وانقطاع أجله وعمره إلى مقارنة الشيطان وعذاب النيران لكونه على طريق الضلالة، فكأنه باع بدنه بثمن الشهوات الفانية، واللّذات الحيوانيّة التي ستصير نيراناً محرق محرقة، وهي اليوم كامنة مستورة عن حواس أهل الدنيا، وستبرز يوم القيامة «وَبُرَّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى» (1)معاملة مع الشيطان، وخسر هنالك المبطلون» (2).

قالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): يَا هِشَامُ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَانَ يَقُولُ : إِنَّ (3)عَلَامَةَ الْعَاقِلِ السلام أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلاثُ خِصالٍ : يُجيبُ إِذا سُئِلَ، وَيَنْطِقُ إِذا عَجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْكَلامِ، وَيُشيرُ بِالْرَّأْيِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ صَلاحُ أَهْلِهِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلاثِ شَيْءٌ فَهُوَ أَحْمَقُ. إِنَّ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالَ: لا يَجْلِسُ في صَدْرِ الْمَجْلِسِ إِلَّا رَجُلٌ فيهِ هَذِهِ الْخِصالُ الثَّلاثُ، أَوْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُنَّ فَجَلَسَ فَهُوَ أَحْمَقُ.

وَقالَ الْحَسَنُ بْنُ عَليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): إِذا طَلَبْتُمُ الْحَوائِجَ فَاطْلُبُوها مِنْ أَهْلِها.


1) النازعات 79: 36.

2) الكافي : 1 : 19.

3) في الكافي : «إنّ من».

فَقِيلَ لَهُ : يَابْنَ رَسُولِ اللّه، وَمَنْ أَهْلُها ؟

قالَ : الَّذِينَ قَصَّ اللّه فِي كِتَابِهِ وَذَكَرَهُمْ فقال: «إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ» (1)، قالَ : هُمْ أَوْلُوا الْعُقُولِ.

وَقالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسينِ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): مُجالَسَةُ الصَّالِحِينَ داعِيَةٌ إِلَى الصَّلاح، وَآدابُ الْعُلَماءِ زيادَةٌ فِى الْعَقْلِ، وَطاعَةُ وُلاةِ الْعَدْلِ تَمامُ الْعِزَّ، وَاسْتِثْمَارُ الْمَالِ تَمامُ الْمُرُوَّةِ، وَإِرْشَادُ الْمُسْتَشير قضاءٌ لِحَقِّ النِّعْمَةِ (2)، وَكَف الأذى مِنْ كَمالِ الْعَقْلِ، وَفِيهِ راحَةُ الْبَدَنِ عاجِلاً وَاجِلاً.

يا هشام، إِنَّ الْعاقِلَ لا يُحَدِّثُ مَنْ يَخافُ تَكْذِيبَهُ، وَلا يَسْأَلُ مَنْ يَخافُ مَنْعَهُ، وَلا يَعِدُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلا يَرْجُو ما يُعَنَّفُ برَجائِهِ، وَلا يُقْدِمُ عَلى ما يَخافُ فَوْتَهُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ» (3).

أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الفقرات الأخيرة إلى حزم العاقل واحتياطه في أقواله وتحفظه على شرفه ومنزلته، وتوقفه عن الإقدام على ما لا يثق بحصوله.

وانتهت هذه الرسالة الرفيعة على رواية ثقة الإسلام الشيخ الكليني (4)، وقد ذكر زيادة عليها الحسن بن علي الحراني في كتابه (تحف العقول)، وقد أهملها


1) الرعد 13: 19.

2) في الكافي : «النعم».

3) أبو عبداللّه الأشعري، عن بعض أصحابنا رفعه، عن هشام بن الحكم، قال : قال لي أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ).. - الكافي : 1 : 56، كتاب العقل والجهل، الحديث 12. بحار الأنوار : 1 : 132، كتاب العقل والجهل، الباب 4، الحديث 30.

4) أصول الكافي : 1 : 13 - 20، وذكرت أيضاً في الوافي : 1 : 26 - 28.

الكليني، وقد رأينا أن نقتطف منها بعض الوصايا من دون أن نعلّق عليها إيثاراً للاختصار، وإتماماً للفائدة، وإلى القرّاء ذلك.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا هِشَامُ، مَنْ كَفَّ نَفْسَهُ عَنْ أَعْراضِ النَّاسِ أَقالَهُ اللّه مِنْ عَثْرَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ عَنِ النَّاسَ كَفَّ اللّه عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

یا هِشَامُ وُجِدَ فِي ذُوابَةِ (1)سَيْفِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللّه مَنْ ضَرَبَ غَيْرَ ضارِبهِ، وَقَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، وَمَنْ تَوَلَّىٰ غَيْرَ مَواليهِ، فَهُوَ كَافِرٌ بِما أَنْزَلَ اللّه عَلَى نَبِيِّهِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً (2)، أَوْ آوى مُحْدِثاً لَمْ يَقْبِلِ اللّه مِنْهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ صَرْفاً وَلَا عَدْلاً.

يا هِشَامُ، أَفْضَلُ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى اللّه بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ الصَّلاةُ، وَبِرُ الْوالِدَيْنِ، وَتَرْلُ الْحَسَدِ وَالْعُجْبِ وَالْفَخْرِ.

يا هِشَامُ، أَصْلِحْ يَوْمَكَ (3)الَّذي هُوَ أَمامَكَ، فَانْظُرْ أَيَّ يَوْمٍ هُوَ، وَأَعِدَّ لَهُ الْجَوابَ، فَإِنَّكَ مَوْقوفٌ وَمَسْئُولٌ، وَخُذْ مَوْعِظَتَكَ مِنَ الدَّهْرِ وَأَهْلِهِ، فَإِنَّ الدَّهْرَ طَويلَةٌ قَصيرَةٌ، فَاعْمَلْ كَأَنَّكَ تَرَىٰ ثَوابَ عَمَلِكَ لِتَكونَ أَطْمَعَ فى ذلِكَ، وَأَعْقِلْ عَنِ اللّه وَانْظُرْ فِي تَصَرُّفِ الدَّهْرِ وَأَحْوالِهِ، فَإِنَّ مَا هُوَ آتٍ مِنَ الدُّنْيا كَما وَلَى مِنْها، فَاعْتَبِرْ بها.


1) الذؤابة : من كلّ شيء أعلاه، و من السيف علاقته، ومن السوط : طرفه.

2) الحدث : الأمر الحادث الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنّة.

3) في نسخة : «أيّامكَ».

وَقالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): إِنَّ جَميعَ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ في مَشارِقِ الارْضِ وَمَغارِبِهَا، بَحْرِها وَبَرِّها، وَسَهْلِها وَجَبَلِها، عِنْدَ وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِياءِ اللّه وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِحَقِّ اللّه كَفَيْءِ الظَّلالِ.

قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَوَ لَا حُرِّ يَدَعُ هذِهِ اللُّماظَةَ (1)- يعني الدنيا - لأهْلِها، فَلَيْسَ لأَنْفُسِكُمْ ثَمَنْ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعوها بِغَيْرِها، فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ مِنَ اللّه بِالدُّنْيا فَقَدْ رَضِيَ بِالْخَسِيسِ.

يا هشام، إِنَّ كلّ النَّاسِ يُبْصِرون النجومَ، وَلكِنْ لَا يَهْتَدي بِها إِلَّا مَنْ يَعْرِفُ مَجارِبَها وَمَنازِلَها، وَكَذلِكَ أَنْتُمْ تَدْرُسونَ الْحِكْمَةَ، وَلكِنْ لَا يَهْتَدي بِها مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ عَمِلَ بِها.

يا هِشَامُ، مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ : طُوبَى لِلْمُتَراحِمينَ، أُولئِكَ هُمُ الْمَرْحومونَ يَوْمَ الْقِيامَةِ. طُوبَى لِلْمُطَهَّرَةِ قُلوبُهُمْ، أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. طُوبَى لِلْمُتَواضِعينَ في الدُّنْيا، أُولَئِكَ يَرْتَقُونَ مَنابِرَ الْمُلْكِ يَوْمَ الْقِيامَةِ.

یا هِشَامُ، قِلَّةُ الْمَنْطِقِ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّمْتِ، فَإِنَّهُ دَعَةٌ حَسَنَةٌ، وَقِلَّهُ وِزْرِ، وَخِفَّةٌ مِنَ الذُّنوبِ، فَحَصَّنوا بابَ الْحِلْمِ، فَإِنَّ بِابَهُ الصَّبْرُ، وَإِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يُبْغِضُ الضَحَاكَ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَالْمَشَاءَ إِلى


1) اللماظة - بالضمّ - : بقيّة الطعام الذي يكون في الفم، وبقيّة الشيء القليل، والمراد بها هنا الدنيا.

غَيْرِ أَرَبٍ، وَيَجِبُ عَلَى الْوالِي أَنْ يَكونَ كَالْرَاعِي لَا يَغْفَلُ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِمْ، فَاسْتَحْيوا مِنَ اللّه فِي سَرائِرِكُمْ كَمَا تَسْتَحْيِونَ مِنَ النَّاسِ في عَلَانِيَتِكُمْ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْكَلِمَةَ مِنَ الْحِكْمَةِ ضالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، وَرَفْعُهُ غَيْبَةً عَالِمِكُمْ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ.

يا هِشَامُ، تَعَلَّمْ مِنَ الْعِلْم ما جَهِلْتَ، وَعَلَّم الْجاهِلَ ممّا عُلَّمْتَ، عَظْم الْعالِمَ لِعِلْمِهِ، وَدَعْ مُنازَعَتَهُ، وَصَغَرِ الْجاهِلَ لِجَهْلِهِ، وَلَا تَطْرُدْهُ وَلكِنَّ قَرَّبْهُ وَعَلَّمْهُ.

يا هِشَامُ، إِنَّ كلّ نِعْمَةٍ عَجَزْتَ عَنْ شُكْرِها بِمَنْزِلَةِ سَيِّئَةٍ تُوْاخَذُ بِها، وَقالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِ : «إِنَّ للّه عِباداً كَسَرَتْ قُلوبَهُمْ خَشْيَتُهُ فَأَسْكَتَتْهُمْ عَنِ الْمَنْطِقِ، وَإِنَّهُمْ لَفَصَحاءُ عُقَلَاءُ، يَسْتَبِقُونَ إِلَى اللّه بِالْأَعْمَالِ الزَّكِيَّةِ، لَا يَسْتَكْثِرُونَ لَهُ الْكَثِيرَ، وَلَا يَرْضَوْنَ لَهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِالْقَليل، يَرَوْنَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَشْرَارٌ وَأَنَّهُمْ لَأَحْيَاسٌ وَأَبْرَارٌ.

يا هِشَامُ الْحَياءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَدَاء مِنَ الْجَفاءِ، وَالْجَفاءُ فِي النَّارِ.

يا هِشَامُ الْمُتَكَلِّمُونَ ثَلاثَةٌ : فَرابِحٌ، وَسالِمٌ، وَشاجِبٌ (1)، فَأَمَا الرّابِحُ فَالذَاكِرُ للّه، وَأَمَا السّالِمُ فَالسَاكِتُ، وَأَمَّا الشَاجِبُ فَالَّذِي يَخُوضُ في الْباطِلِ. إِنَّ اللّه حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كلّ فاحِشِ بَذِيءٍ، قَلِيلِ الْحَياءِ، لَا يُبالي


1) الشاجب كثير الهذيان والكلام، والهالك هو الأنسب.

ما قالَ وَلَا ما قيلَ فيهِ، وَكانَ أَبو ذَرِّ (رضیَ اللّهُ عنهُ) يَقولُ: «يَا مُبْتَغِيَ الْعِلْم، إِنَّ هَذَا اللَّسانَ مِفْتَاحُ خَيْرٍ وَمِفْتاحُ شَرٍّ، فَاخْتِمْ عَلَىٰ فِيكَ كَمَا تَخْتِمُ عَلَىٰ ذَهَبِكَ وَوَرِقِكَ».

یا هِشَامُ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَكونُ ذَا وَجْهَيْنِ وَذَا لِسَانَيْنِ، يُطْرِي أَخاهُ إِذا شَاهَدَهُ، وَيَأْكُلُهُ إِذا غَابَ عَنْهُ، إِنْ أُعْطِيَ حَسَدَهُ، وَإِنِ ابْتُلِيَ خَذَلَهُ. إِنَّ أَسْرَعَ الْخَيْرِ ثَوابَا الْبِرُّ، وَأَسْرَعَ الشَّرِّ عُقوبَةَ الْبَغْيُ، وَإِنَّ شَرَّ عِبَادِ اللّه مَنْ تَكْرَهُ مُجالَسَتَهُ لِفُحْشِهِ، وَهَلْ يَكُبُّ النّاسَ عَلَى مَناخِرِهِمْ في النَّارِ إِلَّا حَصائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ، وَمِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْلُ ما لَا يَعْنِيهِ.

يا هِشَامُ، لَا يَكونُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً حتّى يَكونَ خائِفاً راجِياً، وَلَا يَكونُ خائِفاً راجياً حتّى يَكونَ عامِلاً لِما يَخافُ وَيَرْجو.

یا هِشَامُ، قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : وَعِزَّتي وَجَلالِي وَعَظَمَتِي وَقُدْرَنِي وَبَهَائي وَعُلُوّي فِي مَكاني، لَا يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوايَ عَلَى هَواهُ إِلا جَعَلْتُ الْغِنى فى نَفْسِهِ، وَهَمَّهُ فِي آخِرَتِهِ، وَكَفَفْتُ عَلَيْهِ فِى ضَيْعَتِهِ، وَضَمَّنْتُ السَّمواتِ وَالْأَرْضَ رِزْقَهُ، وَكُنْتُ لَهُ مِنْ وَراءِ تِجارَةِ كلّ تاجِرٍ.

يا هِشَامُ، عَلَيْكَ بِالرِّفْقِ، فَإِنَّ الرِّفْقَ يُمْنٌ، وَالْخُرْقَ شُومٌ، إِنَّ الرِّفْقَ وَالْبِرَّ وَحُسْنَ الْخُلُقِ يَعْمُرُ الدِّيارَ، وَيَزِيدُ في الرِّزْقِ.

يا هِشَامُ، قَوْلُ اللّه تَعَالَى : «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ» (1)،


1) الرحمن 55: 60.

جَرَتْ فِي الْمُؤْمِنِ وَالْكافِرِ، وَالْبَرِّ وَالْفاجِرِ، مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَافِى بِهِ، وَلَيْسَتِ الْمُكافَأَةً أَنْ تَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ حَتَّىٰ تَرى فَضْلَكَ، فَإِنْ صَنَعْتَ كَمَا صَنَعَ فَلَهُ الْفَضْلُ بِالْإِبْتِداء.

يا هشام، إِنَّ مَثَلَ الدُّنْيا مَثَلُ الْحَيَّةِ، مَسُّها لَيَّنٌ، وَفي جَوْفِها السَّمُ الْقاتِلُ، يَحْذَرُها الرِّجالُ ذَوو الْعُقولِ، وَيُهْوِي إِلَيْهَا الصِّبْيانُ بِأَيْدِيهِمْ.

يا هشام، اصْبِرْ عَلى طَاعَةِ اللّه، وَاصْبِرْ عَنْ مَعَاصِي اللّه، فَإِنَّمَا الدُّنْيا ساعَةٌ، فَما مَضى مِنْهَا فَلَيْسَ تَجِدُ لَهُ سُروراً وَلَا حُزْناً، وَما لَمْ يَأْتِ مِنْها فَلَيْسَ تَعْرِفُهُ، فَاصْبِرْ عَلَى تِلْكَ السّاعَةِ التي أَنْتَ فيها، فَكَأَنَّكَ قَدِ اغْتَبَطْتَ.

يا هشام، مَثَلُ الدُّنْيا مَثَلُ ماءِ الْبَحْرِ، كُلَّما شَرِبَ مِنْهُ الْعَطشانُ ازْدادَ عَطَشاً حتّى يَقْتُلَهُ.

یا هِشَامُ، إِيَّاكَ وَالْكِبْرَ، فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِنْقالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرِ، الْكِبْرُ رِداءُ اللّه، فَمَنْ نازَعَهُ رِداءَهُ أَكَبَّهُ اللّه فِي النّارِ عَلَى وَجْهِهِ.

يا هِشَامُ، لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحاسِبْ نَفْسَهُ فِي كلّ يَوْمٍ، فَإِنْ عَمِلَ حَسَناً اسْتَزادَ مِنْهُ، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَاً اسْتَغْفَرَ اللّه مِنْهُ وَتابَ إِلَيْهِ.

یا هِشَامُ، تَمَثَّلَتِ الدُّنْيا لِلْمَسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صورَةِ امْرَأَةٍ زَرْقاءَ، فَقَالَ لَهَا : كَمْ تَزَوَّجْتِ؟

فَقالَتْ : كَثيراً.

قالَ : فَكُلٌّ طَلَّقَكِ؟

قالَتْ: لَا، بَلْ كُلاً قَتَلْتُ.

قالَ الْمَسِيحُ : فَوَيْحٌ لأَزْواجِكَ الْبَاقِينَ كَيْفَ لَا يَعْتَبِرُونَ بِالْمَاضِينَ.

يا هشام، إِنَّ ضَوْءَ الْجَسَدِ فِى عَيْنِهِ، فَإِنْ كانَ الْبَصَرُ مُضيئاً اسْتَضاءَ الْجَسَدُ كُلَّهُ، وَإِنَّ ضَوْءَ الرُّوحِ الْعَقْلُ، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ عَاقِلَا كَانَ عَالِماً بِرَبِّهِ، وإذا كانَ عالِماً بِرَبِّهِ أَبْصَرَ دِينَهُ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً بِرَبِّهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ دينٌ، وَكَما لَا يَقومُ الْجَسَدُ إِلَّا بِالنَّفْسِ الْحَيَّةِ، فَكَذلِكَ لَا يَقومُ الدِّينُ إِلَّا بِالنَّيَّةِ الصَّادِقَةِ، وَلَا تَنْبُتُ النِّيَّةُ الصّادِقَةُ إِلَّا بِالْعَقْلِ.

يا هشام، إِنَّ الزَّرْعَ يَنْبُتُ في السَّهْلِ وَلَا يَنْبُتُ في الصَّفا (1)، فَكَذلِكَ الْحِكْمَةُ تَعْمُرُ في قَلْبِ الْمُتواضِعِ وَلَا تَعْمُرُ في قَلْبِ الْمُتَكَبِّرِ الْجَبَارِ، لأنَّ اللّه جَعَلَ التَّواضُعَ آلَةَ الْعَقْلِ، وَجَعَلَ التَّكَبُرَ مِنْ آلَةِ الْجَهْلِ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ مَنْ شَمَخَ إِلَى السَّقْفِ بِرَأْسِهِ شَجَّهُ، وَمَنْ خَفَضَ رَأْسَهُ اسْتَظَلَّ تَحْتَهُ وَأَكَنَّهُ، وَكَذلِكَ مَنْ لَمْ يَتَواضَعْ للّه خَفَضَهُ اللّه، وَمَنْ تَواضَعَ للّه رَفَعَهُ.

یا هِشَامُ، ما أَقْبَحَ الْفَقْرَ بَعْدَ الْغِنى، وَأَقْبَحَ الْخَطيئَةَ بَعْدَ النُّسُكِ، وَأَقْبَحُ مِنْ ذلِكَ الْعَابِدُ للّه ثمّ يَتْرُلُ عِبَادَتَهُ.

يا هِشَامُ، لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ إِلَّا لِرَجُلَيْنِ، لِمُسْتَمِع واعٍ، وَعَالِم ناطِقٍ.

يا هشام، ما قُسِّمَ بَيْنَ الْعِبادِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَقْلِ. نَوْمُ الْعَاقِلِ أَفْضَلُ


1) الصفا : الحجر الصلد.

مِنْ سَهَرِ الجاهِلِ.

يا هِشَامُ، قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : إِذا رَأَيْتُمُ الْمُؤْمِنَ صَموتاً فَادْنُوا مِنْهُ. فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ، وَالْمُؤْمِنُ قَليلُ الْكَلامِ، كَثِيرُ الْعَمَلِ، وَالْمُنافِقُ كَثِيرُ الْكَلامِ، قَليلُ الْعَمَلِ.

یا هِشَامُ، أَوْحَى اللّه تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): قُلْ لِعِبادي : لَا يَجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ عَالِماً مَفْتوناً بِالدُّنْيا فَيَصُدَّهُمْ عَنْ ذِكْرِي، وَعَنْ طَرِيقِ مَحَبَّتى وَمُناجاتي، أوْلَئِكَ قُطَاعُ الطَّريقِ مِنْ عِبَادِي، إِنَّ أَدْنَى مَا أَنا صانِعٌ بِهِمْ أَنْ أَنْزِعَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِي وَمُناجاتِي مِنْ قُلوبِهِمْ.

يا هِشَامُ، مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ لَعَنَتْهُ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ وَمَلائِكَةُ الْأَرْضِ، وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى إِخْوانِهِ وَاسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ ضَادَّ اللّه، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَهُوَ عَنِيٌّ لِغَيْرِ رُشْدِهِ.

یا هِشَامُ، أَوْحَى اللّه تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ : يَا دَاوُدُ، حَذَّرْ وَأَنْذِرْ أَصْحابَكَ عَنْ حُبِّ الشَّهَوَاتِ، فَإِنَّ الْمُعَلَّقَةَ قُلُوبُهُمْ بِشَهواتِ الدُّنْيا قُلوبُهُمْ مَحْجُوبَةٌ عَنِّي.

یا هِشَامُ إِيَّاكَ وَالْكِبْرَ عَلى أَوْلِيائي، وَالْإِسْتِطَالَةَ بِعِلْمِكَ فَيَمْقُتَكَ اللّه، فَلَا تَنْفَعَكَ بَعْدَ مَفْتِهِ دُنْياكَ وَلَا آخِرَتُكَ، وَكُنْ فِي الدُّنْيا كَسَاكِنِ دَارٍ لَيْسَتْ لَهُ، إِنَّما يَنْتَظِرُ الرَّحِيلَ.

یا هِشَامُ، مُجالَسَةُ أَهْلِ الدِّينِ شَرَفُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَمُشاوَرَةُ الْعَاقِلِ

النَّاصِحِ يُمْنٌ وَبَرَكَةٌ وَرُشْدٌ وَتَوْفِيقٌ مِنَ اللّه، فَإِذا أَشَارَ عَلَيْكَ الْعاقِلُ النَّاصِحُ فَإِيَّاكَ وَالْخِلافَ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ الْعَطَبَ (1).

يا هِشَامُ، إِيَّاكَ وَمُخالَطَةَ النَّاسِ وَالْأَنْسَ بِهِمْ، إِلَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُمْ عاقِلاً وَمَأْموناً، فَآنِسٌ بِهِ، وَاهْرَبْ مِنْ سَابِرِهِمْ كَهَرَبِكَ مِنَ السّباع الضّارِيَةِ، وَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنَ اللّه، وَإِذَا تَفَرَّدَ لَهُ بِالنَّعَمِ أَنْ يُشارِكَ فِي نِعَمِهِ أَحَداً غَيْرَهُ، وَإِذا مَرَّ بِكَ أَمْرانِ لَا تَدْري أَيَّهُما خَيْراً وَأَصْوَبَ، فَانْظُرْ أَيَّهُما أَقْرَبَ إِلى هَواكَ فَخَالِفْهُ، فَإِنَّ كَثِيرَ الصَّوابِ في مُخالَفَةِ هَواكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَطْلُبَ الْحِكْمَةَ وَتَضَعَهَا فِي الْجُهَّالِ.

فانبرى إليه هشام قائلاً : فإن وجدت رجلاً طالباً لها غير أن عقله لا يتّسع لضبط ما اُلقي إليه.

فَتَلَطَّفْ لَهُ فِي النَّصِيحَةِ، فَإِنْ ضاقَ قَلْبُهُ فَلَا تُعَرّضَنَّ نَفْسَكَ لِلْفِتْنَةِ.

ثمّ إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استرسل في حديثه، فقال : وَاحْذَرْ رَدَّ الْمُتَكَبِّرينَ، فَإِنَّ العِلْمَ يَذِلُّ عَلى أَنْ يُمْلَى عَلَى مَنْ لَا يَفِيقُ.

فقال هشام : فإن لم أجد من يعقل السؤال عنها ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فَاغْتَنِمْ جَهْلَهُ عَنِ السُّؤالِ حتّى تَسْلَمَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَوْلِ، وَعَظيم فِتْنَةِ الرَّدُ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللّه لَمْ يَرْفَعِ الْمُتَواضِعينَ بِقَدْرِ تَواضُعِهِمْ، وَلكِنْ رَفَعَهُمْ بِقَدْرِ عَظَمَتِهِ وَمَجْدِهِ، وَلَمْ يُؤْمِن الْخَائِفِينَ بِقَدْرِ خَوْفِهِمْ، وَلَكِنْ


1) العطب : الهلاك.

آمَنَهُمْ بِقَدْرِ كَرَمِهِ وَجُودِهِ، وَلَمْ يُفْرِح الْمَحْزُونِينَ بِقَدْرِ حُزْنِهِمْ، وَلكِنْ بِقَدْرِ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَمَا ظَنُّكَ بِالرَّؤوفِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَتَوَدَّدُ إِلَى مَنْ يُؤْذِيهِ بِأَوْلِيَائِهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يُؤْذِى فِيهِ ؟ وَما ظَنُّكَ بِالتَّوَابِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَتوبُ عَلَى مَنْ يُعادِيهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَرَضَاهُ، وَيَخْتارُ عَداوَةَ الْخَلْقِ فِيهِ ؟

يا هِشَامُ، مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيا ذَهَبَ خَوْفُ الْآخِرَةِ مِنْ قَلْبِهِ، وَمَا أُوتِيَ عَبْدٌ عِلْماً فَازْدادَ لِلدُّنْيا حُبّاً إِلَّا ازْدادَ مِنَ اللّه بُعْداً، وَازْدَادَ اللّه عَلَيْهِ غَضَباً.

يا هِشَامُ، إِنَّ الْعاقِلَ اللَّبِيبَ مَنْ تَرَكَ مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ، وَأَكْثَرُ الصَّوابِ فِي خِلافِ الْهَوى، وَمَنْ طَالَ أَمَلُهُ سَاءَ عَمَلُهُ.

يا هِشَامُ، لَوْ رَأَيْتَ مَسيرَ الْأَجَلِ لَأَنْهَاكَ عَنِ الْأَمَلِ.

يا هِشَامُ، إِيَّاكَ وَالطَّمَعَ، وَعَلَيْكَ بِالْيَأْسِ ممّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَأَمِتِ الطَّمَعَ مِنَ الْمَخْلُوقينَ، فَإِنَّ الطَّمَعَ مِفْتَاحُ الذُّلِّ، وَاخْتِلاسُ الْعَقْلِ، وَاخْتِلاقُ الْمُرُوَاتِ، وَتَدْنيسُ الْعِرْضِ، وَالنَّهابُ بِالْعِلْمِ، وَعَلَيْكَ بِالْإِعتصام بِرَبِّكَ وَالتَّوَكُلِ عَلَيْهِ، وَجاهِدْ نَفْسَكَ لِتَرُدَّهَا عَنْ هَوَاهَا، فَإِنَّهُ واجِبٌ عَلَيْكَ كَجِهادِ عَدُوِّكَ.

فقال له هشام : فأيّ الأعداء أوجبهم مجاهدة ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَقْرَبُهُمْ إِلَيْكَ، وَأَعْداهُمْ لَكَ، وَأَضَرُّهُمْ بِكَ، وَأَعْظَمُهُمْ لَك عَداوَةً، وَأَخْفاهُمْ لَكَ شَخْصاً مَعَ دُنُوِّهِ مِنْكَ، وَمَنْ يُحَرِّضْ عَلَيْكَ أَعْداءَكَ وَهُوَ إِبْلِيسُ الْمُوَكَّلُ بِوَسْواسِ الْقُلوبِ، فَلَهُ فَلْتَشْتَدُّ عَداوَتُكَ، وَلَا يَكونَنَّ

أَصْبَرَ عَلى مُجاهَدَتِكَ لِهَلَكَتِكَ مِنْكَ عَلى صَبْرِكَ لِمُجَاهَدَتِهِ، فَإِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْكَ فِي قُوَّتِهِ، وَأَقَلُّ ضَرَراً فِي كَثْرَةِ شَرِّهِ، إِذا أَنْتَ اعْتَصَمْتَ بِاللّه فَقَدْ هُدِيتَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيم

یا هِشَامُ، مَنْ أَكْرَمَهُ اللّه بِثَلاثٍ فَقَدْ لَطَفَ لَهُ : عَقْلٌ يَكْفِيهِ مَؤُونَةَ هَواهُ، وَعِلْمٌ يَكْفِيهِ مَؤُونَةَ جَهْلِهِ، وَغِنى يَكْفِيهِ مَخافَةَ الْفَقْرِ.

يا هشام، احْذَرْ هذِهِ الدُّنْيا وَاحْذَرْ أَهْلَهَا، فَإِنَّ النّاسَ فِيها عَلى أَرْبَعَةِ أَصْنافِ : رَجُلٌ مُتَرَدُّ مُعانِقٌ لِهَواهُ، وَمُتَعَلَّمَ مُقْرِيٌّ كُلَّما ازْدادَ عِلْماً ازْدادَ كِبْراً، يَسْتَعْلى بِقِراءَتِهِ وَعِلْمِهِ عَلى مَنْ هُوَ دونَهُ، وَعابِدٌ جَاهِلٌ يَسْتَصْغِرُ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِى عِبادَتِهِ، يُحِبُّ أَنْ يُعَلِّمَ وَيُوَقَّرَ، وَذو بَصِيرَةٍ عَالِمٌ عارِفٌ بِطَريقِ الْحَقِّ يُحِبُّ الْقِيامَ بِهِ، فَهُوَ عاجِرٌ أَوْ مَغْلُوبٌ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيامِ بِما يَعْرِفُهُ، فَهُوَ مَحْرُونٌ مَعْمُومٌ بِذلِكَ، فَهُوَ أَمْثَلُ أَهْلِ زَمانِهِ، وَأَوْجَهُهُمْ عَقْلاً» (1).

إلى هنا ينتهي بنا الحديث في هذه الوصية القيمة التي حوت أصول الفضائل والآداب وقواعد السلوك والأخلاق، وقد وضع فيها المناهج العامّة لما يصلح الحياة الفردية والاجتماعيّة.


1) تحف العقول : 383 - 400.

رسالته عليه السلام في التوحيد

و من تراثه القيّم رسالته في التوحيد، وهي على إيجازها مدعمة بالحجج الكلاميّة على وجود اللّه تعالى، وبيان صفاته الإيجابيّة والسلبيّة، وقد كانت هذه الرسالة فيما يرويه المؤرّخون جواباً عن رسالة وجهها إليه الفتح بن عبد اللّه يسأله عن ذلك، فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد البسملة بما نصه :

«الْحَمْدُ للّه الْمُلْهِمِ عِبادِهِ حَمْدَهُ، وَفاطِرِهِمْ عَلَى مَعْرِفَةِ رُبوبِيَّتِهِ، الدَّالَّ عَلَى وُجودِهِ بِخَلْقِهِ، وَبِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِهِ، وَبِاشْتِباهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شِبْهَ لَهُ.

المُستَشهِدِ بِايَاتِهِ عَلَى قُدْرَتِهِ (1)، الْمُمْتَنِعَةُ مِنَ الصِّفاتِ ذاتُهُ (2)، وَمِنَ الْأَبْصارِ رُؤْيَتُهُ (3)، وَمِنَ الْأَوْهَامِ الْإِحاطةُ بِهِ (4).


1) أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ اللّه استشهد على قدرته الباهرة بآياته العظيمة، كخلق السماوات والأرض، والشمس والقمر، ويعبر عنها بالآيات الأفقية، وبخلق الأرواح والعقول والنفوس وإدراكاتها، وتسمّى بالآيات النفسية، وهي تدل على عظيم قدرته تعالى.

2) أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أنّ صفات اللّه عين ذاته تعالى، وليست عارضة عليه كعروضها على الممكن، وقد أقيمت الأدلة الوافرة في علم الكلام على ذلك

3) أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن الأبصار تمتنع من رؤيته تعالى، وفيه إيماء لطيف إلى عدم امتناع إدراك البصائر والقلوب من رؤيته، ولكنّها تراه بنور المعرفة وحقيقة الإيمان كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَلكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقائِقِ الْإِيمَانِ».

4) أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن اللّه يحيط بما سواه، فكيف يحيط به شيء من الأوهام التي لا تتعلّق إلا بالمعاني الجزئية المحدودة.

لَا أَمَدَ لِكَوْنِهِ (1)، وَلَا غايَةَ لِبَقائِهِ (2)، لَا تَشْمُلُهُ الْمَشاعِرُ، وَلَا تَحْجُبُهُ الْحُجُبُ (3)، وَالْحِجَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ خَلْقُهُ إِيَّاهُمْ لامْتِناعِهِ ممّا يُمْكِنُ في ذَواتِهِمْ (4)، وَلَا مَكانٍ ممّا يَمْتَنِعُ مِنْهُ (5)، وَلَافْتِرَاقِ الصَّانِعِ مِنَ الْمَصْنُوع، وَالْحادِّ مِنَ الْمَحْدُودِ، وَالرَّبِّ مِنَ الْمَرْبُوبِ (6).

الْواحِدُ بِلَا تَأْوِيلِ عَدَدِ (7)، وَالْخالِقُ لَا بِمَعْنى حَرَكَةٍ (8)، وَالْبَصِيرُ


1) أي أنّه تعالى فوق الآجال والأزمنة، فلا أمد له، فإنّ الزمان مخلوق له.

2) المراد : أنّ بقاء اللّه تعالى قائم بذاته لا بصفة عارضة.

3) المراد : أنّه تعالى لا يمكن أن تحجبه الحجب، فإنّها مختصة بالجسمانيات الحادثة التي أفاض تعالى عليها الوجود.

4) يعني أنّه تعالى يمتنع عليه ما يمكن في ذوات عباده من الإحداث والأمور الناقصة.

5) أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن الصفات التي يمتنع جريانها على ذاته تعالى هي الصفات الممكنة، ويراد بالإمكان الإمكان العام الشامل للامتناع، وعليه فتوصف بالامتناع في مقام حملها عليه تعالى. وفي بعض النسخ : «وَلإِمْكَانِ ذَواتِهِمْ ممّا يَمْنَعُ مِنْهُ ذاتَهُ»، والمراد منها أن ذوات العباد متصفة بالإمكان الخاص، ويمتنع أن يتصف به تعالى لأنه واجب الوجود.

6) المراد : أنّ ذات الصانع تفترق عن ذات المصنوع، ووجهه كمال الصانع، ونقص المصنوع، وكذلك يفترق الحادّ عن المحدود، فإنّ الحادّ هو اللّه تعالى، وهو غير متناه، والمحدود هو الإنسان، وهو متناه، أما أدلة ذلك فقد تعرّضت له كتب الحكمة والكلام.

7) المراد: أن وحدة اللّه ووحدة صفاته ليست من باب الأعداد التي تحصل كثرتها من تكرّر العدد، فوحدة علم اللّه لا ثاني لها خارجاً ولا ذهناً، وكذا وحدة قدرته وإرادته وسائر صفاته، فلا تدخل تلك الوحدة في باب الأعداد، فإنّ وحدة كلّ شيء ليست إلا نفس وجوده الخاص، وإذا كان وجود اللّه لا مثل له خارجاً ولا ذهناً، فكذلك وحدته تكون خاصة غير داخلة في باب الأعداد.

8) يعني أن خلق اللّه وإيجاده للأشياء إنّما هو من باب الإفاضة والابداع لا من باب المباشرة والعمل، كما أن الحركة إنّما هي من عوارض الأجسام وهو منزّه عنها.

لَا بِأَداةِ، وَ السَّمِيعُ لَا بِتَفْريقِ آلَةٍ (1)، وَالشَّاهِدُ لَا بِمُماسَّة (2)، وَالْباطِنُ لَا بِاجْتِنانِ (3)، وَالظَّاهِرُ الْبائِنُ لَا بِتَراخي مَسافَةٍ (4)، أَزَلُهُ نُهْيَةٌ لِمَجاوِلِ الْأَفكار (5)، وَدَوامُهُ رَدْعٌ لِطامِحاتِ الْعُقول (6)، قَدْ حَسَرَ كُنْهُهُ نَوافِذَ الْأَبْصارِ، وَقَمَحَ وُجُودُهُ جَوائِلَ الْأَوْهَامِ (7).

أَوَّلُ الدِّيانَةِ بِهِ مَعْرِفَتُهُ (8)

1 - التصديق بوجوده تعالى.

2 - تفرده بالالوهية، ونفي الشريك عنه.

3 - مرتبة الإخلاص والإيمان بقدرته وصفاته المتحدة مع ذاته.

، وَكَمالُ مَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ

1) إن اللّه لو كان مفتقراً في صفاته إلى آلة للزم إمكانه، فإنّ المفتقر للغير إنّما هو الممكن لا الواجب.

2) المماسة : من خواص الأجسام، وهو تعالى منزّه عنها، لا تعرض عليه أوصافها.

3) الاجتنان: الاستتار. والمراد أنّ العقول لا تصل إلى إدراك كنهه لا من جهة استتاره بستر حجاب، وإنّما هي قاصرة عن إدراكه وتصوّره.

4) مراده أنّ اللّه تعالى في غاية الظهور؛ لأن وجوده مجرّد عن الحجب أو الغواشي الساترة، وإنّما كان تعالى بائناً لا بتراخي مسافة؛ لأنه تعالى منزّه عن الأبعاد والمسافات والحركات، فإنّما يتصف بها الممكن لا الواجب.

5) المراد أنّ أزليّة اللّه ليست من الأزمنة، وإنّما فوق الزمان، فلا سبيل إلى العقول – التي هي من الزمنيّات - أن تدرك أزليّته تعالى.

6) أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن دوام اللّه وبقاءه محيطان بالأزمان والآباد، والعقول لا تتوصّل إلى إدراك ذلك.

7) المراد أنّ اللّه تعالى قد قهر بوجوده أن تجول فيه الأوهام فتصل إلى إدراك كنهه.

8) يعني أن أوّل الدين وبدايته أن يعرف الانسان أنّ للعالم صانعاً ومدبّراً، وللمعرفة مراتب، وهي :

الصَّفاتِ عَنْهُ بِشَهَادَةِ كلّ صِفَةٍ أَنَّها غَيْرُ الْمَوْصوفِ، وَشَهادَةِ الْمَوْصوفِ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، وَشَهادَتْهُما جَميعاً بالتقنية، الْمُمْتَنِعُ مِنْهُ الْأَزَلُ.

فَمَنْ وَصَفَ اللّه فَقَدْ حَدَّهُ (1)، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ (2)، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ (3)، وَمَنْ قالَ: «كَيْفَ ؟» فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ (4)، وَمَنْ قالَ: «فيمَ؟» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قالَ : «عَلَى مَ؟» فَقَدْ جَهِلَهُ (5)، وَمَنْ قَالَ: «أَيْنَ ؟» فَقَدْ أَخْلىَ مِنْهُ (6)، وَمَنْ قالَ : «ما هُوَ» فَقَدْ نَعَتَهُ (7)، وَمَنْ قالَ: «إِلى مَ ؟»


1) المراد : أنّ من وصف اللّه بصفة ولم يجعلها عين ذاته فقد جعله محدوداً، فإنّ كلّ صفة تكون غير الذات لا بد أن تقع تحت مقولة من المقولات التسع، ولها حدّ خاص، والوجود لا يعرض عليه إلا بعد أن تكون لها حدود معيّنة، والحال أنّ اللّه هو الذي يفيض الوجود على غيره، فكيف يوصف بهذه الصفة العارضة.

2) أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ من يحدّ اللّه فقد جعله من جملة المعدودات، وقد بيّنا استحالة ذلك بالنسبة إليه تعالى.

3) المراد : أن كلّ معدود مفتقر في وجوده إلى غيره، وكل من كان مفتقراً إلى غيره فهو مسبوق بالعدم، ومن جعل اللّه في سلسلة المعدودات فقد أبطل أزليّته.

4) يعني أنّ أن من قال بذلك فقد جعل اللّه وصفاً زائداً على ذاته، وقد بينا امتناع ذلك.

5) إنّ القول بذلك مستلزم لإثبات الجسمانيّة اللّه وهي مستحيلة بالنسبة إليه تعالى.

6) يعني أن من قال بذلك فقد أخلى منه تعالى سائر الأمكنة، والحال أن كلّ ذرة من ذرّات الكون لا تخلو منه تعالى، ولكن لا على وجه الحلول، وقد استدل على ذلك في علوم الحكمة.

7) المراد : أنّ كلمة «ما هو ؟» تقع في السؤال عن ماهية الشيء التي تسمى بما الحقيقية، وتقع في جوابها النعوت الكلّيّة الذاتية المركبة من الجنس والفصل القريبين، والحال أنّ وجوده تعالى وجود بحت بلا ماهية، وكلّ ما لا ماهية له لا نعت له، كما هو مقرر في فنّ الحكمة.

فَقَدْ غاياه.

عالِمٌ إذْ لَا مَعْلُومَ، وَخالِقٌ إِذْ لَا مَخْلُوقَ، وَرَبِّ إِذْ لَا مَرْبوبَ، وَكِذلِكَ يُوصَفُ رَبُّنا، وَفَوْقَ ما يَصِفُهُ الْواصِفونَ (1)» (2).

وبهذا تنتهي هذه الرسالة المنعمة بأصول التوحيد وقواعده، وقد أثر كثير منها عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولكن أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) كثيراً ما تتشابه كلماتهم في علم التوحيد فهم واضعو قواعده وأصوله، ومنشئو أدلته وبراهينه، فبهم عرف هذا العلم، ومنهم استمدت أصوله وقواعده.


1) المراد أن عقول الواصفين لا يمكن أن تدرك كنه كماله تعالى، لأنه فوق عقولهم، فإنّها من الممكنات المتناهية، وهي لا يمكن أن تحيط بكنهه غير المتناهي.

2) أصول الكافي : 1: 140. التوحيد : 56، الحديث 14.

البداء

إشارة:

ومسألة البداء من غوامض المسائل الكلامية وأكثر تعقيداً، وقد وقع الخلاف فيه بين المسلمين، فأجمعت الشيعة على صحته والالتزام به، وأنكره أهل السنّة والجماعة، وقد شهروا به على الشيعة، وعدّوه - فيما يرونه - من المؤاخذات التي تواجه كيانهم العقائدي، ولعل السبب فيما نحسب يعود إلى أنه لم يتضح لهم بصورة موضوعيّة معنى البداء وحقيقته الذي تقول به الشيعة، فأنكروه عليهم، ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للبحث عنه قبل أن نعرض إلى رأي الإمام فيه.

المعنى اللغوى

البداء في اللغة - اسم ممدود - مشتق من البدو، وهو الظهور، وهو اسم لرأي حادث متجدّد يستصوبه صاحبه، ويقدّمه على رأيه الأوّل (1).

وفي الحديث : «بَدا للّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ»، أي قضى بذلك، وهو معنى البداء (2).

حقيقته عند الشيعة

والتزمت الشيعة بالبداء، وصرّح به أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد ورد عنهم أنّه «ما عُبِدَ اللّه بِشَيْءٍ مِثْلِ الْبَداءِ»، وقد أثبت العلماء الأعلام بالأدلة الوافرة إمكانه وضرورة الالتزام به، ولكن لا على إطلاقه كما سنوضّحه - وممّن بحث عنه بصورة


1) لسان العرب : 14 : 65. مختار الصحاح : 31 القاموس المحيط : 1 : 8. تاج العروس: 19: 189 و 190.

2) البداية والنهاية : 2 : 164. صحيح البخاري : 2 : 170.

موضوعية وشاملة آية اللّه العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي (قدّس سِرُّه)، فقد قرره في بحثه كما كتبه في بيانه، ونسوق نص ما كتبه في البيان. قال ما نصه : «إن البداء الذي تقول به الشيعة الإمامية إنّما يقع في القضاء غير المحتوم، أما المحتوم منه فلا يتخلف، ولا بدّ من أن تتعلّق المشيئة بما تعلّق به القضاء، وتوضيح ذلك : أنّ القضاء على ثلاثة أقسام :

الأوّل: قضاء اللّه الذي لم يطلع عليه أحداً من خلقه، والعلم المخزون الذي استأثر به نفسه، ولا ريب في أنّ البداء لا يقع في هذا القسم، بل ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنّ البداء إنّما ينشأ من هذا العلم.

وروى الشيخ الصدوق في العيون بإسناده عن الحسن بن محمّد النوفلي : «أنّ الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال السليمان المروزي : رَوَيْتُ عَنْ أَبي عَبْدِ اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأَنَّهُ قالَ: إِنَّ للّه عِلْمَيْن: عِلْماً مَخْزوناً مَكْنوناً لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ مِنْ ذلِكَ يكون الْبَداءُ، وَعِلْماً عَلَّمَهُ مَلائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ فَالْعُلَماءُ مِنْ أَهْل بَيْتِ نَبِيِّكَ يَعْلَمونَهُ» (1).

وروى الشيخ محمّد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات : بإسناده عن أبي بصير، عن، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «إِنَّ للّه عِلْمَيْنِ : عِلْمٌ مَكْنُونٌ مَخْرُونٌ لا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ مِنْ ذلِكَ يَكونُ الْبَداءُ، وَعِلْمٌ عَلَّمَهُ مَلائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ، فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ» (2).

الثاني : قضاء اللّه الذي أخبر نبيه وملائكته بأنه سيقع حتماً، ولا ريب في أن هذا القسم أيضاً لا يقع فيه البداء، وإن افترق عن القسم الأول بأن البداء لا ينشأ منه.

قال الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) لسليمان المروزي في الرواية المتقدّمة عن الصدوق : «إِنَّ عَلِيّاً كانَ يَقولُ : الْعِلْمُ عِلْمانِ، فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللّه مَلائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ، فَما عَلَّمَهُ مَلائِكَتَهُ وَرَسولَهُ فَإِنَّهُ


1) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 179، الباب 13، الحدیث 1.

2) بصائر الدرجات : 109، الحديث 2. أصول الكافي : 1: 147، الحديث 8.

يَكونُ، وَلَا يُكَذِّبُ نَفْسَهُ وَلَا مَلائِكَتَهُ وَلَا رُسُلَهُ، وَعِلْمٌ عِنْدَهُ مَخْرُونٌ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ يُقَدِّمُ مِنْهُ ما يَشاءُ وَيَؤُخَرُ ما يَشاءُ، وَيَمْحو وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ» (1).

وروى العيّاشي عن الفضيل، قال : «سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : مِنَ الْأُمورِ أُمورٌ محتومَةٌ جائِيَةٌ لا مَحالَةَ، وَمِنَ الأمور أمورٌ مَوْقوفَةٌ عِنْدَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يُقَدِّمُ مِنْها ما يَشَاءُ، وَيَمْحو ما يَشاءُ، وَيُنْبِتُ ما يَشاءُ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذلِكَ أَحَدٌ - يعني الموقوفة -، فَأَما ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَهِيَ كَائِنَةٌ، لا يُكَذِّبُ نَفْسَهُ وَلَا نَبِيَّهُ وَلَا مَلائِكَتَهُ» (2).

الثالث : قضاء اللّه الذي أخبر نبيه وملائكته بوقوعه في الخارج، إلّا أنّه موقوف على أن لا تتعلّق مشيئة اللّه بخلافه.

وهذا القسم هو الذي يقع فيه البداء «يَمْحُوا اللّه مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» (3).

«لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ» (4).

وقد استدلّ سماحته على أنّ البداء الذي تقول به الشيعة هو القسم الثالث من القضاء بجملة من الأخبار والروايات المأثورة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأضاف بعد ذلك إيضاحاً وافياً لحقيقة البداء بقوله : «والبداء إنّما يكون فى القضاء الموقوف المعبّر عنه بلوح المحو والإثبات، والالتزام بجواز البداء لا يستلزم نسبة الجهل إلى اللّه سبحانه، وليس في هذا الالتزام ما ينافي عظمته وجلاله.

فالقول بالبداء هو الاعتراف الصريح بأنّ العالم تحت سلطان اللّه تعالى وقدرته


1) ورواه الشيخ الكليني عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) المصدر المتقدّم.

2) تفسير العياشي : 2 : 217، الحديث 65.

3) الرعد 13: 39.

4) الروم 4:30.

في حدوثه وبقائه، وأنّ إرادة اللّه عزّ اسمه نافذة في الأشياء أزلاً وأبداً، بل وفي القول بالبداء يتّضح الفارق بين العلم الإلهي وبين علم المخلوقين، فعلم المخلوفين - وإن كانوا أنبياء أو أوصياء لا يحيط بما أحاط به علمه تعالى، فإنّ بعضاً منهم وإن كان عالماً - بتعليم اللّه تعالى إيّاه - بجميع عوالم الممكنات لا يحيط بما أحاط به علم اللّه تعالى المخزون الذي استأثر به نفسه، فإنّه لا يعلم بمشيئة اللّه تعالى - لوجود شيء - وعدم مشيئته إلّا حيث يخبره اللّه تعالى به على نحو المحتّم.

والقول بالبداء يوجب انقطاع العبد إلى اللّه عزّ اسمه، وطلبه إجابة دعائه منه، وكفاية مهماته، وتوفيقه للطاعة، وإبعاده عن المعصية، فإنّ إنكار البداء، والالتزام بما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة - دون استثناء - يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه، فإنّ ما يطلبه العبد من ربه وإن كان قد جرى قلم التقدير بإنفاذه فهو كائن لا محالة، ولا حاجة إلى الدعاء والتوسّل. وإن كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبداً، ولم ينفعه الدعاء ولا التضرع، وإذا يئس العبد من إجابة دعائه ترك التضرّع لخالقه حيث لا فائدة في ذلك، وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنّها تزيد في العمر أو في الرزق أو غير ذلك ممّا يطلبه العبد» (1).

ودعم السيّد قوله بعد هذا بالآيات والأخبار الواردة من الفريقين على ضرورة البداء ولزوم القول به.

هذا هو رأي الشيعة في البداء كما أفاده آية اللّه السيّد الخوئي (قدّس سِرُّه)- وهو صريح واضح يقضي بصحّته الدليل ويعضده البرهان.


1) البيان في تفسير القرآن : 1: 271 - 276.

الانكار على الشيعة

إشارة:

والبداء الذي تلتزم به الشيعة -كما ذكرنا - لا يشذّ عن القواعد العلميّة، ولا يخالف قاعدة إسلاميّة، ولكن خصومهم قد شهروا به عليهم ففسّروه بتفسير مجاف لما تراه الشيعة، وفيما يلى عرض لبعض الناقدين :

1 - سليمان بن جرير

ونقل الشهرستاني عن سليمان بن جرير أنّه قال : «إنّ أئمّة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم :

الأولى : القول بالبداء، فإذا قالوا : إنّه سيكون لهم أمر وشوكة ثمّ لا يكون الأمر على ما أخبروه قالوا بدا للّه تعالى فيه، وقد قال فيه زرارة بن أعين شعراً :

وَتِلكَ أَماراتٌ تَجيءُ لِوَقْتِها***وما لك عَمّا قَدَّرَ اللّه مَذْهَبُ

ولولا البَدا سَمَّيتهُ غَيرَ فائتٍ***وَنَعْتُ البَدا نَعْتُ لِمَنْ يَتَقَلبُ

ولولا البدا ما كان ثمّ تَصرُّفٌ***وَكانَ كَنارٍ دَهْرُها تَتَلَهَّبُ

الثانية : التقيّة، فكلما أرادوا شيئاً تكلّموا به، فإذا قيل لهم هذا خطأ قالوا : إنّما قلناه تقيّة» (1).

2 - الفخر الرازي

قال الرازي - عند تفسير قوله تعالى : «يَمْحُوا اللّه مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ» -: «قال الرافضة : البداء جائز على اللّه تعالى، وهو أن يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده» (2).


1) شرح أصول الكافي، نقلاً عن الرازي في خاتمة كتاب المحصّل : 182.

2) تفسير الرازي : 19 : 66.

3 - أحمد أمين

قال الدكتور أحمد أمين : «ورأينا بعض الشيعة يرى البداء الذي أنكره اليهود، وأقدم من قال به المختار بن أبي عبيد، الذي كان يدعو لمحمّد بن الحنفية. ويقول الشهرستاني : «إنّما صار المختار إلى البداء لأنه كان يدعي علم ما يحدث من الأحوال، إما بوحي يوحى إليه، وإمّا برسالة من قبل الإمام، فكان إذا وعد أصحابه يكون شيء وحدوث حادثه فإن وافق قوله جعله دليلاً على صدق دعواه، وإن لم يوافق قال : قد بدا لربّكم.

وكان لا يفرّق بين النسخ والبداء، فإذا جاز النسخ في الأحكام جاز البداء في الأخيار.

وقد اعتنق كثير من الشيعة مذهب البداء وطبقوه في كثير من مسائلهم التاريخيّة، وقال أحد أئمتهم : لا يعبد اللّه بأحسن من القول بالبداء ؛ لأنه يفتح باب التوبة في طلب العفو من اللّه، وكان اليهود أقوى المعارضين في البداء» (1).

وهؤلاء الناقدون للشيعة على مقالتهم بالبداء لم يكن رأيهم قريباً من الواقع ؛ وذلك لعدم وقوفهم على حقيقة البداء الذي تذهب إليه الشيعة.

إنكار اليهود

وأوّل من أنكر البداء وأحاله اليهود، فقد ذهبوا إلى أنّ قلم التقدير والقضاء حينما جرى على الأشياء في الأزل استحال أن تتعلّق المشيئة بعكسه وخلافه، وبسبب ذلك قالوا : يد اللّه مغلولة عن الفيض والبسط، والأخذ والعطاء، لأنّه قد جرى فيها قلم التقدير، فلا يمكن فيها التغيير والتبديل.


1) فجر الإسلام : 1: 354.

راي الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وتحدّث الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن البداء في حديثه مع المعلى بن محمّد، وقد سأله عن كيفية علم اللّه، فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بجواب عرض فيه لأهمّ المسائل الفلسفيّة والكلاميّة، وهذا نصه :

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عَلِمَ وَشاءَ، وَأَرادَ وَقَدَّرَ، وَقَضى وَأَمْضى، فَأَمْضى ما قَضى، وَقَضى ما قَدَّرَ، وَقَدَّرَ ما أَرادَ، فَبِعِلْمِهِ كَانَتِ الْمَشِيئَةُ، وَبِمَشيئَتِهِ كَانَتِ الْإِرادَةُ، وَبِإِرادَتِهِ كَانَ التَّقْديرُ، وَبِتَقْدِيرِهِ كانَ الْقَضاءُ، وَبِقَضائِهِ كانَ الْإِمْضَاءُ، وَالْعِلْمُ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَشِيئَةِ، وَالْمَشيئَةُ ثانِيَةٌ، وَالْإِرادَةُ ثَالِثَة (1)

أولاً : العلم، وهو في المقام عبارة عن تصوّر الشيء، وهو أوّل المبادئ الاختياريّة للأفعال.

ثانياً : المشيئة.

ثالثاً : الإرادة، وهي العزم على الفعل أو الترك.

رابعاً : التقدير، وهو تعيين المكان والزمان الذي يوجد فيه الفعل بعد تصوّره وتصوّر أوصافه.

خامساً : القضاء، وهو إيجاب العمل.

سادساً : الإيجاد للشيء.

وهذه المراتب بعضها مرتب على بعض ترتّباً ذاتيّاًكل في محلّه.

، وَالتَّقْدِيرُ واقع عَلَى الْقَضاءِ بِالْإِمْضَاءِ (2)، فَلِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْبَداءُ فيما عَلِمَ مَتى شَاءَ، وَفيما أَرادَ لِتَقْدِيرِ الْأَشْياءِ (3)، فَإِذا وَقَعَ الْقَضاءُ بِالْإِمْضَاءِ فَلَا بَداءَ، فَالْعِلْمُ فِي الْمَعْلُومِ قَبْلَ كَوْنِهِ، وَالْمَشِيئَةُ فِي الْمُنْشَأْ قَبْلَ عَيْنِهِ،

1) مراده : إنّ علم اللّه تعالى له مراتب سنّة بعضها مترتب على بعض، وهي :

2) مراده أن التقدير مع ترتبه وتقدمه الذاتي على القضاء، فإنّه واقع عليه وموجب لجعله اقتضاءاً خاصاً لإيجاد خاص، فالتقدير ينبعث منه إمضاء الاقتضاء.

3) بيان لوقوع البداء في أي مرتبة من المراتب السابقة، وقد تقدم بيانها بالتفصيل.

وَالْإِرادَةُ فِي الْمُرادِ قَبْلَ قيامِهِ، وَالتَّقْدِيرُ لِهَذِهِ الْمَعْلوماتِ قَبْلَ تَفْصِيلِها وَتَوْصيلها (1)عَيْناً وَوَقْتاً (2)، وَالْقَضاءُ بِالْإِمْضَاءِ هُوَ الْمُبْرَمُ مِنَ الْمَفْعولات (3)ذواتِ الْأَجْسامِ الْمُدْرَكاتِ بِالْحَواسَّ مِنْ ذِي لَوْنٍ وَريحِ وَوَزْنٍ وَكَيْلٍ وَمَا دَبَّ وَدَرَجَ مِنْ إِنْسٍ وَجِنَّ وَطَيْرٍ وَسِباع، وَغَيْرِ ذلِكَ ممّا يُدْرَكُ بِالْحَواسَ، فَاللّه تَعالى فيهِ الْبَداءُ ممّا لَا عَيْنَ لَهُ، فَإِذا وَقَعَ الْعَيْنُ الْمَفهومُ الْمُدْرَلُ فَلَا بَداءَ، وَاللّه يَفْعَلُ ما يَشاءُ (4).

فَبِالْعِلْمٍ عَلِمَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِها (5)، وَبِالْمَشِيئَةِ عَرِفَ صِفَاتَهَا وَحُدودَهَا وَأَنْشَأَهَا قَبْلَ إِظْهَارِها، وَبِالْإِرادَةِ مَيَّزَ أَنْفُسَها في أَلْوانِها وَصِفاتِها، وَبِالتَّقْدِيرِ قَدَّرَ أَقْواتَهَا وَعَرَفَ أَوَّلَها وَآخِرَها، وَبِالْقَضاءِ أَبانَ لِلنَّاسِ أَما كِنَها، وَدَلَّهُمْ عَلَيْها، وَبِالْإِمْضَاءِ شَرَحَ عَلَيْهَا وَأَبَانَ أَمْرَهَا، وَذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (6).

وانتهى بذلك هذا الحديث الحافل بأروع المسائل الكلامية وأشدّها غموضاً، وقد أعرب فيه الإمام عن المرحلة التي يقع فيها البداء من علم اللّه، وقد أوضحنا ذلك فيما سبق.


1) مراده : أنّ الأنواع الطبيعيّة والطبائع الجسمانيّة موجودة في علم اللّه الأزلي، ومشيئته وإرادته الذاتيتين.

2) أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى تركيب الأجسام من العناصر المختلفة.

3) يعني أنّ الذي يتعلّق القضاء بإمضائه إنّما هو الشيء المبرم الذي هو من المفعولات التي تقع في عالم الكون، وما يقع في عالم الكون إنّما هو من ذوات الأجسام المدركة بالحواس من ذي لون وريح... الخ.

4) بيّن (عَلَيهِ السَّلَامُ) المرحلة التي يقع فيها البداء من علم اللّه.

5) مراده بيان الخواص التي تترتب على المراتب السنّة من علم اللّه تعالى، وقد بيّنها (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديثه.

6) الكافي : 1 : 148 و 149، الحديث 16. التوحيد : 334 و 335، الحديث 9. بحار الأنوار: 5: 102، الحدیث 27.

الإيمان باللّه تعالى

إنّ النفوس إذا أترعت بروح الإيمان باللّه فقد صفت من الذنوب وزكت من الزيغ، فبالإيمان تسود العدالة والمحبّة، وتنتشر الفضيلة والمودّة، ويقضى على جميع أنواع الرذائل الاجتماعيّة من الظلم والغبن والاعتداء.

لقد بعث اللّه الأنبياء والرسل إلى عباده ليغرسوا في نفوسهم هذه الظاهرة الكريمة، وقد تحدّث الإمام عنه ففضّله على جميع الأعمال وذلك حينما سأله شخص فقال له : أيها العالم، أخبرني أي الأعمال أفضل عند اللّه ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما لَا يَقْبَلُ عَمَلاً إِلّا بِهِ.

فقال : وما ذلك ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْإِيمَانُ بِاللّه، الذي هُوَ أَعْلَى الْأَعْمَالِ دَرَجَةً، وَأَسْناها حَظَّاً، وَأَشْرَفُها مَنْزِلَةٌ.

قال : أخبرني عن الإيمان أقول وعمل أم قول بلا عمل ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْإِيمَانُ عَمَلٌ كُلُّهُ، وَالْقَوْلُ بَعْضُ ذلِكَ الْعَمَلِ بِفَرْضِ مِنَ اللّه بَيَّنَهُ في كِتَابِهِ، واضِحٌ نُورُهُ، ثَابِتَةٌ حُجَّتُهُ، يَشْهَدُ بِهِ الْكِتابُ وَيَدْعو إِلَيْهِ.

قال : صف لي ذلك حتّى أفهمه ؟

فقال : إِنَّ لِلْإِيْمَانِ حالاتٍ وَدَرَجاتٍ وَطَبَقاتٍ وَمَنازِلَ، فَمِنْهُ التّامُ الْمُنْتَهِي تَمامُهُ، وَمِنْهُ النَّاقِصُ الْبَيَّنُ نُقْصانُهُ، وَمِنْهُ الزّائِدُ الرَاجِحُ زِيادَتُهُ.

قال : إنّ الإيمان ليتمّ ويزيد وينقص ؟!

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَعَمْ.

قال : وكيف ذلك ؟ !

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَرَضَ الْإِيمَانَ عَلَى جَوارِحِ بَنِي آدَمَ، وَقَسَّمَهُ عَلَيْهَا، وَفَرَّقَهُ عَلَيْهَا، فَلَيْسَ مِنْ جَوارِحِهِمْ جَارِحَةٌ إِلَّا وَهِيَ مُوَكَّلَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ بِغَيْرِ ما وَكُلَتْ بِهِ أُخْتُها.

فَمِنْها قَلْبُهُ الَّذِي بِهِ يَعْقِلُ وَيَفْقَهُ وَيَنْهَمُ، وَهُوَ أَمِيرُ بَدَنِهِ الَّذِي لَا تَرِدُ الْجَوارِحُ، وَلَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ وَأَمْرِهِ.

وَمِنْهَا : يَداهُ اللَّتَانِ يَبْطِشُ بِهِما، وَرِجْلاهُ اللَّتَانِ يَمْشِي بِهِما، وَفَرْجُهُ الَّذِي الْباهُ مِنْ قِبَلِهِ، وَلِسانُهُ الَّذي يَنْطِقُ بِهِ الْكِتابُ، وَيَشْهَدُ بِهِ عَلَيْها وَعَيْناهُ اللَّتَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَأَذْنَاهُ اللَّتَانِ يَسْمَعُ بِهِما، وَفَرَضَ عَلَى الْقَلْبِ غَيْرَ ما فَرَضَ عَلَى اللَّسانِ، وَفَرَضَ عَلَى النِّسانِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الْعَيْنَيْنِ، وَفَرَضَ عَلَى الْعَيْنَيْنِ غَيْرَ ما فَرَضَ عَلَى السَّمْعِ، وَفَرَضَ عَلَى السَّمْع غَيْرَ ما فَرَضَ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَفَرَضَ عَلَى الْيَدَيْنِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ، وَفَرَضَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الْفَرْجِ، وَفَرَضَ عَلَى الْفَرْجِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الْوَجْهِ.

فَأَما ما فَرَضَ عَلَى الْقَلْبِ مِنَ الْإِيمَانِ : فَالْإِقْرارُ، وَالْمَعْرِفَةُ، وَالتَّصْدِيقُ، وَالتَّسْلِيمُ، وَالْعَقْدُ، وَالرّضا بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَحَداً، صَمَداً، لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً وَلَا وَلَداً، وَأَنَّ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَبْدُهُ وَرَسولُهُ» (1).


1) أصول الكافي : 2 : 38 و 39.

العلم

و حمل أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) مشعل على النهضة العلميّة في العالم الإسلامي، فأسّسوا في حواضره معالم الحياة الفكريّة، ودعوا المسلمين دعوات جادة تحمل طابع النصح والتوجيه لهم في أن يبنوا حياتهم على أساس من الوعي العلمي، وقد ملئت موسوعات الحديث والفقه بما أثر عنهم من أحاديث الترغيب في طلب العلم.

وعنى الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الدعوة الخلاقة، فأمر المسلمين بالجدّ على تحصيل العلم والتفقّه في الدين، وحذّرهم من طلب بعض العلوم التي لا يستفيدون بها في تطوير حياتهم.

فقد روى المؤرخون أنه دخل مسجد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فرأى قوماً قد طافوا برجل وهم يعظّمونه ويبالغون في تكريمه

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض أصحابه : مَن هذا ؟

•

علّامة !

•

وما الْعَلَامَةُ ؟

•

ألم الناس بأنساب العرب ووقائعها.

•

ذلِكَ عِلْمٌ لَا يَضُرُّ مَنْ جَهِلَهُ، وَلَا يَنْفَعُ مَنْ عَلِمَهُ

والتفت إلى أصحابه فبيّن لهم العلوم النافعة التي ينبغي لهم أن ينفقوا حياتهم على تحصيلها، فقال : إِنَّمَا الْعِلْمُ ثَلاثَةٌ : آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ فَريضَةٌ عادِلَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قأئمّة، وَمَا خَلاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ.

إنّه ليس في علم الأنساب ولا في معرفة وقائع العرب ما يبعث على النماء الفكري، أو يصنع حضارة إنسانية، أو يخلق تقدّماً وتطوراً في حياة المسلمين، فهو علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه، فلذا قلّل الإمام من أهميته، ودعا إلى صرف الوقت في غيره من سائر العلوم.

وحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه عما ينبغي عليهم أن يعرفوه، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وَجَدْتُ عِلْمَ النَّاسِ فِي أَرْبَعِ :

أَوَّلُها : أَنْ تَعْرِفَ رَبَّكَ.

الثَّانِيَةُ : أَنْ تَعْرِفَ ما صَنَعَ بِكَ.

الثَّالِثَةُ : أَنْ تَعْرِفَ ما أَرادَ مِنْكَ.

الرّابِعَةُ : أَنْ تَعْرِفَ مَا يُخْرِجُكَ عَنْ دِينِكَ

وأوضح هذه الفقرات الأربعة سماحة المغفور له السيّد محسن الأمين، قال : «الأولى : وجوب معرفة اللّه التي هي اللطف.

الثانية : معرفة ما صنع بك من النعم التي يتعين عليك لأجلها الشكر والعبادة.

الثالثة : أن تعرف ما أراد منك فيما أوجبه عليك، وندبك إلى فعله لتفعله على الحدّ الذي أراده منك، فتستحقّ بذلك الثواب.

الرابعة : أن تعرف الشيء الذي يخرجك عن طاعته فتجتنبه» (1).

التفقّه في الدين

وحثّ الإمام المسلمين على التفقه في الدين ومعرفة الأحكام الشرعية، فقال لهم :

«تَفَقَّهُوا في دين اللّه، فَإِنَّ الفِقْهَ مِفْتَاحُ الْبَصيرَةِ، وَتَمامُ العِبادَةِ، وَالسَّبَبُ إِلَى الْمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ، وَالرُّتَبِ الْجَلِيلَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيا، وَفَضْلُ الْفَقِيهِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الشَّمْسِ عَلَى الْكَواكِبِ، وَمَنْ لَمْ يَتَفَقَّهُ فِي دِينِهِ


1) أعيان الشيعة : 4 : 57.

لَمْ يَرْضَ اللّه تَعَالَى لَهُ عَمَلاً» (1).

وسأله بعض أصحابه عمّا يحتاج إليه من الأحكام الشرعية قائلاً: هل يسع الناس ترك المسألة عمّا يحتاجون إليه ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ النَّاسَ لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَتْرُكوا ما يَحْتاجونَ إِلَيْهِ فِي أُمورِ دينِهِمْ (2).

مجالسة العلماء

وأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه بملازمة العلماء ومجالستهم، وذلك للاستفادة من علومهم وآدابهم والاقتداء بسلوكهم.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مُحادَثَةُ الْعَالِمِ عَلَى الْمَزابِلِ خَيْرٌ مِنْ مُحادَثَةِ الْجَاهِلِ عَلَى الزَّرَابِي (3)» (4).

فضل الفقهاء

وأشاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بفضل الفقهاء الذين هم أعلام الدين، وحملة كتاب اللّه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) محدّثاً عن جدّه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في فضلهم : «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : الْفُقَهَاءُ أَمْناءُ الرُّسِلِ ما لَمْ يَدْخُلُوا فِي الدُّنْيا.

فانبرى إليه أحد أصحابه قائلاً: يا رسول اللّه، ما دخولهم في الدنيا ؟

قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): اتِّباعُ السُّلْطانِ، فَإِذا فَعَلُوا ذلِكَ فَاحْذَروهُمْ عَلى دينِكُمْ» (5).


1) تحف العقول : 410.

2) المحاسن : 1 : 225، الحديث 148. الكافي : 1 : 30، الحديث 3.

3) الزرابي : البسط والفرش الفاخرة.

4) الكافي: 1 : 39، الحدیث 2.

5) بحار الأنوار: 2 : 36، الحديث 38.

العمل

وأعلن الإسلام دعوته الأكيدة على العمل والكسب. قال تعالى : «فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِى الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْل اللّه وَاذْكُرُوا اللّه كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (1).

إنّ الإسلام دعا الناس إلى العمل، وحنّهم عليه ليكونوا إيجابيين في حياتهم يتمتعون بالجد والنشاط ليفيدوا ويستفيدوا، وكره لهم الحياة السلبيّة والانكماش عن العمل الذي يؤدّي إلى عرقلة الاقتصاد، وشيوع الفقر والحاجة في البلاد.

وقد استفاضت كتب الحديث بما أثر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأوصيائه في الحثّ على العمل، وإضفاء النعوت الكريمة عليه، فهو جهاد وشرف وعبادة ومن سيرة الأنبياء.

وكان أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) يزاولون العمل بأنفسهم ليقتدي بهم المسلمون، فهذا الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يعمل في بعض بساتينه، فقد حدث أبو عمرو الشيباني، قال : «رأيت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبيده مسحاة، وعليه إزار غليظ، والعرق يتصبّب منه، فقلت له : جعلت فداك، أعطني أكفك.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إني أحِبُّ أَنْ يَتَأَذًى الرَّجُلُ بِحَرِّ الشَّمْسِ في طَلَبِ الْمَعيشَةِ» (2).

وكان الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعمل لإعاشة عائلته، فقد روى الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، قال : «رأيت أبا الحسن موسى يعمل في أرض له، وقد استنقعت قدماه في العرق، فقلت له : جعلت فداك، أين الرجال ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا عَلِيُّ، عَمِلَ بِالْيَدِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَمِنْ أَبِي فِي أَرْضِهِ.

فبهر الحسن وانطلق يقول : من هو ؟


1) الجمعة 62: 10.

2) الكافي : 5 : 76، الحديث 13.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَآبَائِي كُلُّهُمْ قَدْ عَمِلُوا بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ النبيّين وَالْمُرْسَلِينَ وَالصَّالِحينَ» (1).

وأعطى بذلك درساً رائعاً عن الإسلام من أنّه دين العمل والجدّ، وأن الشخص مهما علت منزلته فهو مأمور بالعمل ليكف نفسه ومن يعول به عمّا في أيدي الناس.

التحذير من الكسل

ونهى الإسلام عن الكسل لأنه موجب لشلّ الحركة الاقتصاديّة وتجميد طاقات الإنسان، وفساد المجتمع، وقد ورد في الأدعية المأثورة عن أئمّة الهدى التعوّذ منه، فقد جاء عنهم : «اللّهمّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْفَشَلِ».

وقال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض أصحابه : «أوصاني أبي بِقَوْلِهِ : يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالْكَسَلَ وَالشَّجَرَ، فَإِنَّهُما مِفْتَاحُ كلّ شَرٌّ إِنَّكَ إِنْ كَسَلْتَ لَمْ تُودَّ حَقّاً، وَإِنْ ضَجَرْتَ لَمْ تَصْبِرْ عَلى حَقٌّ» (2).

وأوصى الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) بعض ولده بالجدّ في أموره والحذر من الكسل، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِيَّاكَ وَالْكَسَلَ وَالضَّجَرَ، فَإِنَّهُما يَمْنَعَاكَ مِنْ حَظِّكَ في الدُّنْيا والآخرة» (3).

لقد كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكره الكسل والبطالة، ويمقت صاحبها لأنها تؤدّي إلى الفقر والسقوط، وذهاب المروءة، ومن يتصف به يكون في حكم الموتى لا تفكير له ولا تدبير.


1) من لا يحضره الفقيه : 3: 53.

2) أدب النفس : 1 : 220.

3) وسائل الشيعة : 16 : 22، باب كراهة الضجر والكسل، الحديث 20860.

الاقتصاد

وأوصى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه بالاقتصاد، ونهاهم عن التبذير والإسراف لأنّ بهما زوال النعمة، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنِ اقْتَصَدَ وَفَنَعَ بَقِيَتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ، وَمَنْ بَذَرَ وَأَسْرَفَ زالَتْ عَنْهُ النِّعْمَةُ» (1).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما عالَ مَنِ اقْتَصَدَ» (2).

إنّ من معالم الاقتصاد الإسلامي المنع من التبذير لأنّه فيه إضاعة للأموال وفساد للأخلاق، ونشر للميوعة والتحلّل، وإثارة للحقد والكراهية في نفوس الفقراء الذين لا يجدون السعة في المال، وقد تحدّثنا عن هذه الظاهرة بصورة موضوعية وشاملة في كتابنا (العمل وحقوق العامل في الإسلام).


1) تحف العقول : 403. بحار الأنوار 75: 327.

2) عدّة الداعي : 74، رواه عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كنز العمال : 3: 49. أعيان الشيعة : 1: 303.

مكارم الأخلاق

إشارة:

وجاء الإسلام بمكارم الأخلاق، واعتبرها قاعدة أساسية في رسالته المشرقة. قال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : «إنَّما بُعِثْتُ لأتمم مكارمَ الْأَخْلاقِ» (1).

فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أخلاقه المثل الأعلى للإنسانية الكريمة، وسار من بعده أئمّة الهدى يقتفون آثاره في تأسيس معالم الأخلاق ومكارم الأعمال، وذلك بسلوكهم، وفيما أثر عنهم من الوصايا، والإرشادات لأصحابهم.

وقد عنى الإمام بهذ الظاهرة، فكان دوماً يوصي أصحابه بالتحلي بالصفات الكريمة ليكونوا بسلوكهم وهديهم قدوة صالحة للمجتمع، حتّى يستطيعوا نشر مفاهيم الخير والصلاح بين الناس، ونعرض إلى بعض ما أثر عنه في ذلك :

الورع

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثيراً ما يوصى أصحابه وشيعته بالورع عن محارم اللّه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وكثيراً ما كُنْتُ أَسْمَعُ أَبي يَقُولُ : لَيْسَ مِنْ شِيعَتِنا مَنْ لَا تَتَحَدَّثُ الْمُخَدِّراتُ بِوَرَعِهِ فِي خُدُورِهِنَّ» (2).

الصبر

وأوصى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه بالتمسك بالصبر إن نزلت بهم كارثة أو حلّ بهم خطب


1) مستدرك الوسائل : 11 : 187، باب استحباب التخلق بمكارم الأخلاق، الحديث 12701.

2) أصول الكافي : 2 : 64.

فإنّ الجزع يذهب بالأجر الذي أعده اللّه للصابرين.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمُصِيبَةُ لَا تَكُونُ مُصِيبَةٌ يَسْتَوْجِبُ صاحِبُها أَجْرَهَا إِلَّا بِالصَّبْرِ وَالْإِسْتِرْجَاعِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ» (1).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْبَلَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَافِيَةِ عِنْدَ الرَّحَاءِ» (2).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمُصِيبَةُ لِلصّابِرِ واحِدَةٌ، وَلِلْجازع اثْنَتَانِ» (3).

السخاء وحسن الخلق

وحثّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه على التحلّي بالسخاء وحسن الخلق.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «السَّخِيُّ الْحَسَنُ الْخُلُقِ في كَنَفِ اللّه تَعَالَى لا يَتَخَلَّى اللّه تَعَالَى مِنْهُ حتّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَما بَعَثَ اللّه نَبِيّاً وَلا وَصِيَا إِلَّا سَخِيّاً، وَما زالَ أَبِي يُوصِينِي بِالسَّخاءِ حَتَّى مَضى» (4).

قول الخير

وأوصى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه بقول الخير، وإسداء المعروف إلى الناس، فقد قال للفضل ابن يونس : «أَبْلِغْ خَيْراً، وَقُلْ خَيْراً، وَلَا تَكُنْ إِمَّعَةٌ» (5).

•

ما الإمعة ؟

•

«لَا تَقُلْ أَنا مَعَ النَّاسِ، وَأَنا كَواحِدٍ مِنَ النَّاسِ، إِنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ : يَا أَيُّهَا


1) تحف العقول : 403. بحار الأنوار: 75: 326.

2) صفات الشيعة : 34. بحار الأنوار : 64: 304، الحديث 36، روي عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3) تحف العقول : 414

4) فروع الكافي : 4 : 39.

5) الإمع والإمعة - بالكسر فالتشديد - قيل : أصله إنّي معك.

النَّاسُ، إِنَّما هُمَا نَجْدانِ (1)نَجْدُ خَيْرٍ، وَنَجْدُ شَرٌّ، فَلَا يَكُنْ نَجْدُ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ» (2).

العفو والإصلاح

وحثّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه على العفو والإحسان لمن أساء إليهم، كما شجّعهم على الإصلاح بين الناس، وبيّن لهم عاقبة المحسنين والمصلحين، وما لهم من الأجر عند اللّه تعالى.

«يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ عَلَى اللّه فَلْيَقُمْ، فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفا وَأَصْلَحَ» (3).

الصمت

وأوصى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه بالصمت، وبيّن لهم فوائده، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّ الصَّمْتَ بَابٌ مِنْ أَبْوابِ الْحِكْمَةِ، وَإِنَّ الصَّمْتَ يُكْسِبُ الْمَحَبَّةَ، وَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى كلّ خَيْرٍ» (4).

زيارة الإخوان

وأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه بالتودّد والتآلف وزيارة بعضهم بعضاً، لأنّها توجب المحبّة، وشيوع المودّة، مضافاً لما لها من الأجر العظيم عند اللّه، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ زارَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ للّه تَعَالَى لَا لِغَيْرِهِ يَطْلُبُ بِهِ ثَوابَ اللّه تَعَالَى وَكَّلَ اللّه تَعَالَى بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ


1) النجد: الطريق الواضح المرتفع.

2) تحف العقول : 413.

3) تحف العقول : 412.

4) الكافي : 2 : 113.

مِنْ حينٍ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ حتّى يَعُودَ إِلَيْهِ يُنادونَهُ : أَلا طِبْتَ وَطابَتْ لَكَ الْجَنَّةُ تبوَّأتَ مِنَ الْجَنَّةِ منزلاً» (1).

إغاثة المستجير

وحثّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه على إغاثة المستجير وقضاء حاجته، فقال : «مَنْ قَصَدَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ إِخْوانِهِ مُسْتَجِيراً في بَعْضِ أَحْوَالِهِ فَلَمْ يُجِرْهُ، بَعْدَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ فَقَدْ قَطَعَ وَلايَةَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ» (2).

وقد أمرهم بقضاء حوائج الناس، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ أَتَاهُ أَخوهُ الْمُؤْمِنُ فِي حَاجَةٍ فَإِنَّما هِيَ رَحْمَةٌ مِنَ اللّه تَبارَكَ وَتَعالى ساقها إِلَيْهِ، فَإِنْ قَبلَ ذلِكَ فَقَدْ وَصَلَهُ بِوَلايَتِنا، وَهُوَ مَوْصولٌ بِوَلايَةِ اللّه، وَإِنْ رَدَّهُ عَنْ حَاجَتِهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى قَضائِهَا سَلَّطَ اللّه عَلَيْهِ شُجاعاً مِنْ نارٍ بَنْهَشُهُ في قَبْرِهِ إِلى يَوْم الْقِيَامَةِ» (3).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فضل من لا يردّ حاجة أخيه المؤمن : «إِنَّ للّه عِباداً فِي الْأَرْضِ يَسْعَوْنَ في حَوائِجِ النَّاسِ هُمُ الْآمِنونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُؤْمِن سُروراً فَرَّحَ اللّه قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ» (4).

قول الحقّ

وأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه بقول الحق وإظهاره، والتجنّب عن الباطل، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «اتَّقِ اللّه وَقُلِ الْحَقَّ، وَإِنْ كانَ فِيهِ هَلاكُكَ فَإِنَّ فِيهِ نَجاتكَ، وَدَع الْبَاطِلَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَجاتُكَ،


1) الكافي : 2 : 179، الحديث 15.

2) مسائل عليّ بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 339، الحديث 834. الكافي : 2 : 367، الحدیث 2.

3) مسائل عليّ بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 338، الحديث 833. الكافي : 2: 196، الحديث 13.

4) الكافي : 2 : 157، الحديث.2 وسائل الشيعة : 16 : 366، الحديث 21776.

فَإِنَّ فِيهِ هَلاكَكَ» (1).

حسن الجوار

وأوصى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه بالإحسان إلى الجار والصبر على تحمّل الأذى والمكروه منه، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَيْسَ حُسْنُ الجِوارِ كَفَّ الأذى، وَلكِنَّ حُسْنَ الجِوارِ الصَّبْرُ عَلَى الأذى» (2).

الرضا بقضاء اللّه تعالى

وحثّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه على الرضا بقضاء اللّه والتسليم لمشيئته وأمره، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يَنْبَغِي لِمَنْ عَقَلَ عَنِ اللّه تَعَالَى أَنْ لا يَسْتَبْطِئَهُ فِي رِزْقِهِ، وَلَا يَتَّهِمَهُ فِي قَضائِهِ» (3).

شكر النعمة

وأوصى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه بإظهار نعم اللّه وشكرها، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللّه شُكْرٌ. وَتَرْكُ ذلِكَ كُفْرٌ، فَارْبِطُوا نِعَمَ رَبِّكُمْ بِالشُّكْرِ، وَحَصَّنُوا أَمْوالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَادْفَعُوا الْبَلَاءَ بِالدُّعاءِ ؛ فَإِنَّ الدُّعاءَ جُنَةٌ تَرُدُّ الْبَلَاءَ، وَقَدْ أَبْرِمَ إِبْرَاماً...» (4).

محاسبة النفس

وحثّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه على محاسبة نفوسهم، والنظر في أعمالهم، فإن كانت حسنة


1) تحف العقول : 408.

2) وسائل الشيعة : 12 : 122، باب استحباب الصبر على أذى الجار وغيره، الحديث 2/15825. تحف العقول : 409.

3) تحف العقول : 408. أصول الكافي : 2 : 61، الحديث 5.

4) مهج الدعوات : 218. بحار الأنوار : 48 : 150، الحديث 25.

استزادوا منها، وإن كانت سيّئة طلبوا من اللّه المغفرة والرضوان.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَيْسَ مِنَا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَهُ فِي كلّ يَوْمٍ، فَإِنْ عَمِلَ حَسَناً اسْتَرَادَ مِنْهُ، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئاً اسْتَغْفَرَ اللّه مِنْهُ وَتابَ إِلَيْهِ» (1).

الاستشارة

وأوصى (عَلَيهِ السَّلَامُ) شيعته بالاستشارة في أمورهم، وعدم الاستبداد بها

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنِ اسْتَشارَ لا يَعْدِمُ عِنْدَ الصَّوابِ مادحاً، وَعِنْدَ الْخَطَاً عاذِراً» (2).


1) الكافي : 2 : 453، الحديث 2.

2) ميزان الحكمة : 5 : 211.

مساوئ الأفعال

إشارة:

ونهى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه عن التخلّق بالصفات الذميمة، وارتكاب أي عمل غير صالح، وفيما لي ذلك :

اتّباع الهوى

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اتَّقِ الْمُرْتَقَى السَّهْلَ إِذا كانَ مُنْحَدَرُهُ وَعْراً. إِنَّ أَبي قالَ : لَا تَدَعَ النَّفْسَ وَهَواها، فَإِنَّ هَواها رداها، وَتَرْلُ النَّفْسِ وَما تَهْوى أذاها، وَكَفَّ النَّفْسِ عَمَّا تَهْوى دواها» (1).

العقوق

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : كُنْ بارّاً وَاقْتَصِرْ عَلَى الْجَنَّةِ، وَإِنْ كُنْتَ عاقّاً فَظَّاً فَاقْتَصِرْ عَلَى النَّارِ» (2).

استصغار الذنب

قال : «لَا تَسْتَكْثِرُوا كَثيرَ الْخَيْرِ، وَلَا تَسْتَقِلُّوا قَليلَ الذُّنوبِ، فَإِنَّ القَليلَ مِنَ الذُّنوبِ يَجْتَمِعُ حتّى يَكونَ كَثيراً، وخافوا فى السِّرِّ حتّى تُعْطُوا مِنْ أَنفُسِكُمُ النَّصَفَ» (3).


1) أصول الكافي : 2 : 336، الحديث 4.

2) وسائل الشيعة : 21 : 490، باب تحريم العقوق وحده، الحديث 1/27692.

3) وسائل الشيعة : 15 : 310، باب وجوب اجتناب المحقرات من الذنوب، الحديث 2/20604.

المزاح

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض ولده : «إِيَّاكَ وَالْمِزاحَ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِنُورِ إيمائِكَ، وَيَسْتَخِفُ بِمُروءَتِكَ» (1).


1) وسائل الشيعة : 12 : 118، باب كراهة كثرة المزاح والضحك، الحديث 15812.

أدعيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وانقطع الإمام إلى اللّه تعالى، فكان في جميع أوقاته يلهج بذكره تعالى، ويدعوه دعاء المنيبين، وقد حفلت كتب الأدعية بالشيء الكثير من أدعيته (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أما فائدة الدعاء، فقد تحدث عنها بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عَلَيْكُمْ بِالدُّعاءِ، فَإِنَّ الدُّعاءَ لِلَّهِ. وَالطَّلَبَ إِلَى اللّه يَرُدُّ الْبَلاءَ، وَقَدْ قُدِّرَ وَقُضِيَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا إِمْضَاؤُهُ، فَإِذَا دُعِيَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَسُئِلَ صَرْفَ الْبَلاءِ صَرَفَهُ» (1).

وتحدّث (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرّة أخرى عمّا يترتب على الدعاء من الفوائد، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما مِنْ بَلاء يَقَعُ عَلَى عَبْدٍ مُؤْمِن فَيُلْهِمَهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ الدُّعاءَ، إِلا كَانَ كَشْفُ ذلِكَ الْبَلَاءِ وَشيكاً، وَما مِنْ بَلاء يَقَعُ عَلَى عَبْدٍ مُؤْمِن فَيُمْسِكُ عَنِ الدُّعاءِ إِلا كانَ ذلِكَ الْبَلاءُ طَويلاً، فَإِذَا نَزَلَ الْبَلاءُ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعاءِ وَالنَّضَرُّعِ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ» (2).

ونقدم عرضاً موجزاً لبعض أدعيته (عَلَيهِ السَّلَامُ).

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ظالم له

دعا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الدعاء الشريف في قنوته على بعض ظالميه، وأكبر الظنّ أنّه أحد خلفاء العبّاسيّين المعاصرين له، الذين جرعوه أنواع الغصص والآلام، ونحن نقدّم نصه الكامل ليتّضح منه ما قاساه الإمام من طواغيت زمانه :

«اللّهمّ إِنِّي وَفُلانَ ابْنَ فُلانٍ عَبْدانِ مِنْ عَبِيدِكَ، نَواصِينَا بِيَدِكَ، تَعْلَمُ


1) الكافي : 2 : 470، الحديث 8. بحار الأنوار: 90: 295.

2) الکافی : 2 : 553، الحديث 2.

مُسْتَقَرَّنَا وَمُسْتَوْدَعَنَا، وَمُنْقَلَبَنا وَمَثْوانا، وَسِرَّنا وَعَلَانِيَتَنَا، تَطَّلِعُ عَلَى نِيَاتِنَا، وَتُحيطُ بِضَمَائِرِنا، عِلْمُكَ بِمَا نُبْدِيهِ كَعِلْمِكَ بِمَا نُخْفِيهِ، وَمَعْرِفَتِكَ بِما نُبْطِنُهُ كَمَعْرِفَتِكَ بِما نُظْهِرُهُ (1).

وَلَا يَنْطَوِي عِنْدَكَ شَيْءٌ مِنْ أمورنا، وَلَا يَسْتَتِرُ دونَكَ حالٌ مِنْ أَحْوالِنا، وَلَا لَنا مِنْكَ مَعْقِلٌ يُحْصِنُنا، وَلَا حِرْزُ يَحْرُزُنا، وَلَا مَهْرَبٌ لَنا نَفَوْتُكَ بِهِ، وَلَا تَمْنَعُ الظَّالِمَ مِنْكَ حُصونُهُ، وَلَا يُجاهِدُكَ عَنْهُ جُنودُهُ، وَلَا يُغالِبُكَ مُغالِبٌ بِمَنْعَةٍ، وَلَا يُعاركَ مُعازٌّ بِكَثْرَةٍ أَنْتَ مُدْرِكُهُ أَيْنَما سَلَكَ، وَقادِرٌ عَلَيْهِ أَيْنَمَا لَجَأَ.

فَمَعَاذُ الْمَظْلُومِ مِنّا بِكَ، وَتَوَكَّلُ الْمَقْهُورِ مِنَّا عَلَيْكَ، وَرُجوعُهُ إِلَيْكَ، يَسْتَغِيثُ بِكَ إِذا خَذَلَهُ الْمُغِيثُ، وَيَسْتَصْرِخُكَ إِذا قَعَدَ عَنْهُ النَّصِيرُ، وَيَلوذُ بِكَ إِذا نَفَتْهُ الْأَفْنِيَةُ، وَيَطْرُقُ بابَكَ إِذا أُغْلِقَتْ عَنْهُ الْأَبْوَابُ الْمُرْتَجَةُ، وَيَصِلُ إِلَيْكَ إِذا احْتَجَبَتْ عَنْهُ الْمُلوكُ الْغافِلَةُ، تَعْلَمُ ما حَلَّ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَشْكُوهُ إِلَيْكَ، وَتَعْلَمُ مَا يُصْلِحُهُ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوَكَ لَهُ. فَلَكَ الْحَمْدُ سَميعاً بصيراً، لطيفاً عَليماً، خَبيراً قَديراً.

اللّهمّ وَإِنَّهُ قَدْ كانَ في سابِقِ عِلْمِكَ، وَمُحْكَمِ قَضائِكَ، وَجَارِي قَدَرِكَ، وَنافِذِ أَمْرِكَ، وَماضي مَشِيَّتِكَ في خَلْقِكَ أَجْمَعَينَ، شَقِيِّهِمْ وَسَعِيدِهِمْ، وَبَرِّهِمْ وَفاجِرِهِمْ، أَنْ جَعَلْتَ لِفُلانِ ابْنِ فُلانٍ عَلَيَّ قُدْرَةٌ، فَظَلَمَني بِها،


1) في نسخة : «نُعْلِنُهُ».

وَبَعْىٰ عَلَيَّ بِمَكانِها، وَاسْتَطَالَ وَتَعَزَّزَ بِسُلْطانِهِ الَّذِي خَوَّلْتَهُ إِيَّاهُ، وَتَجَبَّرَ وَافْتَخَرَ بِعُلُوّ حالِهِ الَّذِي نَوَّلْتَهُ، وَغَرَّهُ إِمْلاؤُكَ لَهُ، وَأَطْعَاهُ حِلْمُكَ عَنْهُ، فَقَصَدَنِي بِمَكْرُوهِ عَجَزْتُ عَنِ الصَّبْرِ عَلَيْهِ، وَتَعَمَّدَني بِشَرٍّ ضَعُفْتُ عَنِ احْتِمَالِهِ، وَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى الْإِسْتِنْصافِ مِنْهُ لِضَعْفى، وَلَا عَلَى الْإِنْتِصارِ لِقِلَّتى، فَوَكلْتُ أَمْرَهُ إِلَيْكَ، وَتَوَكَّلْتُ في شَأْنِهِ عَلَيْكَ، وَتَوَعَدْتُهُ بِعُقوبَتِكَ، وَحَذَّرْتُهُ بِبَطْشِكَ، وَخَوَّفْتُهُ نِقْمَتَكَ، فَظَنَّ أَنَّ حِلْمَكَ عَنْهُ مِنْ ضَعْفٍ، وَحَسِبَ أَنَّ إِمْلاءَكَ لَهُ مِنْ عَجْز، وَلَمْ تَنْهَهُ واحِدَةٌ عَنْ أُخْرى وَلَا انْزَجَرَ عَنْ ثَانِيَةٍ بِأوْلى، لكِنَّهُ تَمادى فِي غَيِّهِ، وَتَتابَعَ في ظُلْمه، وَلَجَّ فِي عُدْوانِهِ، وَاسْتَشْرِى فِي طُغْيانِهِ جُرْأَةً عَلَيْكَ يَا سَيِّدِي وَمَوْلايَ، وَتَعَرُّضاً لِسَخَطِكَ الَّذِي لَا تَرُدُّهُ عَنِ الظَّالِمِينَ، وَقِلَّةَ اكْتِرَاثٍ بِبَأْسِكَ الَّذِي لاَ تَحْبِسُهُ عَنِ الْباغِينَ.

فَها أَنا يا سَيِّدِي مُسْتَضْعَفْ فِي يَدِهِ، مُسْتَضامٌ تَحْتَ سُلْطانِهِ، مُسْتَذَلٌ بِفنائِهِ، مَغْلُوبٌ مَغْلُوبٌ مَبْغِيٌّ عَلَيَّ، مَرْعوبٌ وَجِلٌ حَائِفٌ، مُرَوَّعٌ مَقْهُورٌ، قَدْ قَلَّ صَبْرِي، وَضاقَتْ حيلتي، وَانْغَلَقَتْ عَلَيَّ الْمَذاهِبُ إِلَّا إِلَيْكَ، وَانْسَدَّتْ عَنِّي الْجِهاتُ إِلا جِهَتُكَ، وَالْتَبَسَتْ عَلَيَّ أُموري في دَفْعِ مَكْرُوهِهِ، وَاشْتَبَهَتْ عَلَيَّ الْآراء في إزالة ظُلْمِهِ، وَخَذَلَنِي مَنِ اسْتَنْصَرْتُهُ مِنْ خَلْقِكَ، وَأَسْلَمَني مَنْ تَعَلَّقْتُ بِهِ مِنْ عِبادِكَ، فَاسْتَشَرْتُ نَصيحي فَأَشَارَ عَلَيَّ بِالرَّغْبَةِ إِلَيْكَ، وَاسْتَرْشَدْتُ دَلِيلِي فَلَمْ يَدُلَّنِي إِلَّا إِلَيْكَ.

فَرَجَعْتُ إِلَيْكَ يا مَوْلايَ صاغِراً راغِماً، مُسْتَكيناً عَالِماً، أَنَّهُ لَا فَرَجَ لي

إِلَّا عِنْدَكَ، وَلَا خَلاصَ لي إِلَّا بِكَ، أَنْتَجِزُ وَعْدَكَ فِي نُصْرَتي، وَإِجابَةِ دُعائى، لأَنَّ قَوْلَكَ الْحَقُّ الَّذى لَا يُرَدُّ وَلَا يُبَدَّلُ، وَقَدْ قُلْتَ تَبارَكْتَ وَتَعالَيْتَ : «ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللّهُ» (1).

وَقُلْتَ جَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُكَ : «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» (2).

فَأَنا فاعِلٌ مَا أَمَرْتَني بِهِ لَا مَناً عَلَيْكَ، وَكَيْفَ أَمَنُ بِهِ وَأَنْتَ عَلَيْهِ دَلَلْتَني، وَاسْتَجِبْ لي كَما وَعَدْتَني، يا مَنْ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.

وَإِنّى لَأَعْلَمُ يا سَيِّدي أَنَّ لَكَ يَوْماً تَنْتَقِمُ فيهِ مِنَ الظَّالِم لِلْمَظلوم، وَأَتَيَقَّنُ أَنَّ لَكَ وَقْتاً تَأْخُذُ فِيهِ مِنَ الْعَاصِبِ لِلْمَغْصوبِ، لأَنَّهُ لَا يَسْبِقُكَ مُعانِدٌ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ قَبْضَتِكَ مُنابِدٌ، وَلَا تَخافُ فَوْتَ فائِتٍ، وَلكِنَّ جَزَعِي وَهَلَعِي لَا يَبْلُغَانِ الصَّبْرَ عَلَى أَنَاتِكَ، وَانْتِظارِ حِلْمِكَ.

فَقُدْرَتُكَ يا سَيِّدِى فَوْقَ كلّ قُدْرَةٍ، وَسُلْطانُكَ غالِبٌ كلّ سُلْطَانٍ، وَمَعادُ كلّ أَحَدٍ إِلَيْكَ وَإِنْ أَمْهَلْتَهُ، وَرُجوعُ كلّ ظَالِم إِلَيْكَ وَإِنْ أَنْظَرْتَهُ، وَقَدْ أَضَرَّني يا سَيِّدِي حِلْمُكَ عَنْ فُلانٍ، وَطُولُ أَناتِكَ لَهُ، وَإِمْهَالُكَ إِيَّاهُ، فَكادَ الْقُنوطُ يَسْتَوْلي عَلَيَّ لَوْلَا الثَّقَةُ بِكَ، وَالْيَقينُ بِوَعْدِكَ.

فَإِنْ كانَ في قَضائِكَ النَّافِذِ، وَقُدْرَتِكَ الْماضِيَةِ أَنَّهُ يُنيبُ، أَوْ يَتوبُ، أَوْ يَرْجِعُ عَنْ ظُلْمي، وَيَكُفُّ عَنْ مَكْرُوهِي، وَيَنْتَقِلُ عَنْ عَظِيمِ مَا رَكِبَ


1) الحجّ 22 : 60.

2) غافر 40: 60.

مِنِّي، فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ، وَأَوْقِع ذلِكَ فِي قَلْبِهِ قَبْلَ إِزالَةِ نِعْمَتِكَ الَّتي أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ، وَتَكْدِيرِ مَعْرُوفِكَ الَّذِي صَنَعْتَهُ عِنْدِي.

وَإِنْ كَانَ عِلْمُكَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مُقَامِهِ عَلى ظُلْمي، فَإِنِّي أَسْأَلُكَ يا ناصِرَ الْمَظْلومينَ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهِمْ إِجَابَةَ دَعْوَتي.

فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد، وَخُذْهُ مِنْ مَأْمَنِهِ أَخْذَ عَزيزِ مُقْتَدِرٍ، وَافْجَأَهُ فِي غَفْلَتِهِ مُفاجَأَةَ مَلِيكٍ مُنْتَصِرٍ، وَاسْلُبْهُ نِعْمَتَهُ وَسُلْطَانَهُ، وَاغْضُضْ عَنْهُ جُموعَهُ وَأَعْوَانَهُ، وَمَزِّقْ مُلْكَهُ كلّ مُمَزَّقٍ، وَفَرِّقْ أَنْصارَهُ كلّ مُفَرَّقٍ، وَأَعْزِلْهُ مِنْ نِعْمَتِكَ الَّتي لَمْ يُقابِلُهَا بِالشُّكْرِ، وَانْزَعْ عَنْهُ سِرْبالَ عِزّكَ الَّذي لَمْ يُجازِهِ بِإِحْسانِ، وَاقْصِمْهُ يا قاصِمَ الْجَبَابِرَةِ، وَأَهْلِكْهُ يا مُهْلِكَ الْقُرونِ الْخَالِيَةِ، وَأَبِرْهُ يا مُبرَ الْاُمَم الظَّالِمَةِ، وَاخْذُلْهُ يا خاذِلَ الْفِرَقِ الْباغِيَةِ، وَابْتُرْ عُمْرَهُ، وَابْتَزَّ مُلْكَهُ، وَعَفَّ أَثَرَهُ، وَاقْطَعْ خَبَرَهُ، وَأَطْفِ نارَهُ، وَأَظْلِمْ نَهارَهُ، وَكَوِّرْ شَمْسَهُ، وَأَزْهِقُ نَفْسَهُ، وَاهْشِمْ سُوقَهُ، وَجُبَّ سَنامَهُ، وَأَرْغِمْ أَنْفَهُ، وَعَجِّلْ حَتْفَهُ.

وَلَا تَدَعْ لَهُ جُنَّةً إِلَّا هَتَكْتَهَا، وَلَا دِعامَةً إِلَّا قَصَمْتَهَا، وَلَا كَلِمَةٌ مُجْتَمِعَةً إِلَّا فَرَّقْتَها، وَلَا قأئمّة عُلُو إِلَّا وَضَعْتَها، وَلَا رُكْناً إِلّا وَهَنْتَهُ، وَلَا سَبَباً إِلَّا قَطَعْتَهُ، وَأرنا أنْصارَهُ وَجُنودَهُ عباديدَ بَعْدَ الالفَةِ، وَشَتّى بَعْدَ اجْتِماع الْكَلِمَةِ، وَمُقْنِعَى الرُّؤُوسِ بَعْدَ الظُهورِ عَلَى الأُمّة، وَاشْفِ بِزَوالِ أَمْرِهِ الْقُلوبَ الْوَجِلَةَ، وَالْأَفْئِدَةَ اللَّهفَةَ، وَالأُمّة الْمُتَحَيَّرَةَ، وَالْبَرِيَّةَ الضَّائِعَةَ.

وَأَظْهِرْ بِزَوالِهِ الْحُدُودَ الْمُعَطَّلَةَ، وَالسُّنَنَ الدَائِرَةَ، وَالْأَحْكامَ الْمُهْمَلَةَ،

وَالْمَعالِمَ الْمُغْبَرَّةَ، وَالْآياتِ الْمُحَرَّفَةَ، وَالْمَدارِسَ الْمَهْجورَةَ، وَالْمَحاريب الْمَجْفُوَّةَ، وَالْمَشاهِدَ المَهْدُومَةَ، وَأَشْبِعْ بِهِ الْخِمَاصَ السَّاغِبَةَ، وَأَرْوِ بِهِ اللَّهَواتِ اللَّاغِبَةَ، وَالْأَكْبَادَ الظَّامِيَةَ، وَأَرِحْ بِهِ الْأَقْدامَ الْمُتْعَبَةَ، وَاطْرُقْهُ بِلَيْلَةٍ لَا أُخْتَ لَها، وَبِساعَةٍ لَا مَثْوى فيها، وَبِنَكْبَةٍ لَا انْتِعاشَ مَعَها، وَبِعَثْرَةٍ لَا إِقَالَةَ مِنْهَا، وَأَبِحْ حَريمَهُ، وَنَغِّض نَعيمَهُ، وَأَرِهِ بَطْشَتَكَ الْكُبْرَى، وَنِقْمَتَكَ الْمُثْلَى، وَقُدْرَتَكَ الَّتي هي فَوْقَ قُدْرَتِهِ، وَسُلْطانَكَ الَّذى هُوَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطانِهِ.

وَاغْلِبُهُ لي بِقُوَّتِكَ الْقَوِيَّةِ، وَمِحالِك الشَّديدِ، وَامْنَعْني مِنْهُ بِمَنْعَتِكَ الَّتي كلّ خَلْقٍ فيها دَليلٌ، وَابْتَلِهِ بِفَقْرِ لَا تَجْبُرُهُ، وَبِسُوءٍ لَا تَسْتُرُهُ، وَكِلْهُ إِلَى نَفْسِهِ فيما تُريدُ، إِنَّكَ فَعَالٌ لِما تُريدُ، وَابْرَأَهُ مِنْ حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ، وَكِلْهُ إِلى حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَأَزِلْ مَكْرَهُ بِمَكْرِكَ، وَادْفَعْ مَشِيَّتَهُ بِمَشِيَّتِكَ، وَأَسْقِمْ جَسَدَهُ، وَأَيْتِمْ وَلَدَهُ، وَأَنْقِصْ أَجَلَهُ، وَخَيْبْ أَمَلَهُ، وَأَدِلْ دَوْلَتَهُ، وَأَطِلْ عَوْلَتَهُ، وَاجْعَلْ شُغْلَهُ فِي بَدَنِهِ، وَلَا تَفُكَهُ مِنْ حُزْنِهِ، وَصَيَّرْ كَيْدَهُ فِي ضَلالٍ، وَأَمْرَهُ إِلى زَوالٍ، وَنِعْمَتَهُ إِلَى انْتِقالِ، وَجِدَّهُ في سِفالِ، وَسُلْطانَهُ في اضْمِحْلالٍ، وَعَاقِبَتَهُ إِلَى شَرِّ مَالٍ، وَأَمِنْهُ بِغَيْظِهِ إِنْ أَمَتَهُ، وَأَبْقِهِ بِحَسْرَتِهِ إِنْ أَبْقَيْتَهُ، وَقِنِي شَرَّهُ وَهَمْزَهُ وَلَمْزَهُ وَسَطوَتَهُ وَعَداوَتَهُ، وَالْمَحْهُ لَمْحَةً تُدَمِّرُ بِها عَلَيْهِ، فَإِنَّكَ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً» (1).


1) مهج الدعوات: 75 – 79.

ويلمس في هذا الدعاء الشريف مدى الخطوب الفادحة، والآلام المرهقة التي تلقاها الإمام من خصمه، فإنّه لم يدع عليه بهذا الدعاء إلا بعد أن ملأ قلبه بالحزن الشديد والألم المرير.

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند الحاجة

وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدعو بهذا الدعاء إذا أصابته فاقة أو إعواز.

«يا اللّه، يا اللّه، يا اللّه، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَنْ حَقُّهُ عَلَيْكَ عَظِيمٌ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد، وَأَنْ تَرْزُقَنِي الْعَمَلَ بِما عَلَّمْتَني مِنْ مَعْرِفَةِ حَقِّكَ، وَأَنْ تَبْسُطَ عَلَيَّ مَا حَظَرْتَ مِنْ رِزْقِكَ» (1).

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لوفاء الدين

وشكا إلى الإمام بعض أصحابه الديون المتراكمة عليه، فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) له هذا الدعاء، وأمره أن يدعوبه :

«اللّهمّ ارْدُدْ إِلَى جَميع خَلْقِكَ مَظَالِمَهُمُ الَّتي قِبَلي، صَغِيرَها وَ كَبيرها، في يُسْرِ مِنْكَ وَعافِيَةٍ، وَما لَمْ تَبْلُغْهُ قُوَّتي، وَلَمْ تَسَعْهُ ذاتُ يدي، وَلَمْ يَقْوِ عَلَيْهِ بَدَنِي وَيَقِينِي وَنَفْسِي، فَأَدَّهِ عَنِّي مِنْ جَزِيلِ مَا عِنْدَكَ مِنْ فَضْلِكَ، ثمّ لَا تُخْلِفْ عَلَيَّ مِنْهُ شَيْئاً تَقْضِيهِ مِنْ حَسَناتِي، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ.

أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ محمّداً عَبْدُهُ


1) أصول الكافي : 2 : 553.

وَرَسولُهُ، وَأَنَّ الدِّينَ كَما شَرَعَ، وَأَنَّ الْإِسْلامَ كَما وَصَفَ، وَأَنَّ الْكِتابَ كَما أَنْزَلَ، وَأَنَّ الْقَوْلَ كَما حَدَّثَ، وَأَنَّ اللّه هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، ذَكَرَ اللّه محمّداً وَأَهْلَ بَيْتِهِ بِخَيْرٍ، وَحَيَا محمّداً وَأَهْلَ بَيْتِهِ بِالسَّلامِ» (1).

دعاء الحجاب

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتحجب بهذا الدعاء، ويتقي به شرّ من يخاف شرّه، وهو :

«تَوَكَّلْتُ عَلَى الْحَيِّ الذي لَا يَمُوتُ، وَتَحَصَّنْتُ بِذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَاسْتَعَنْتُ بِذِي الْكِبْرِياءِ وَالْمَلَكُوتِ.

مَوْلايَ اسْتَسْلَمْتُ إِلَيْكَ فَلَا تُسْلِمْنى، وَتَوَكَّلْتُ عَلَيْكَ فَلَا تَخْذُلْني وَلَجَأْتُ إِلى ظِلكَ الْبَسِيطِ فَلَا تَطْرَحْني، أَنْتَ الْمَطْلَبُ وَإِلَيْكَ الْمَهْرَبُ، تَعْلَمُ ما أَخْفِي وَما أَعْلِنُ، وَتَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدورُ، فَأَمْسِكْ عَنِّي اللّهمّ أَيْدِي الظَّالِمِينَ، مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَجْمَعِينَ، وَاشْفِني وَعافِني يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ» (2).

ونكتفي بهذا المقدار من أدعيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) المقدّسة التي تدلّ على مدى انقطاعه إلى اللّه، وتعلّقه به، وذكرت له أدعية كثيرة في الإقبال ومهج الدعوات، وغيرهما ممّا أُلّف في هذا الخصوص.


1) أصول الكافي : 2 : 555.

2) مهج الدعوات: 373.

وعظ وإرشاد

إشارة:

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أغلب الأوقات يدلي بنصائحه الرفيعة، وإرشاداته القيمة إلى أصحابه وإلى من يمتّ إليه بصلة، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحذّرهم من عذاب اللّه وعقابه، ويخوّفهم الدار الآخرة، وهذه بعض وصاياه :

وصيّته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض ولده

«يا بُنَيَّ، إِيَّاكَ أنْ يَراكَ اللّه فى مَعْصِيَةٍ نَهاكَ عَنْهَا، وَإِيَّاكَ أَنْ يَفْقِدَكَ اللّه عِنْدَ طَاعَةٍ أَمَرَكَ بِها، وَعَلَيْكَ بِالْجِدٌ، وَلَا تُخْرِجَنَّ نَفْسَكَ مِنَ التَّقْصِيرِ عَنْ عِبَادَةِ اللّه وَطاعَتِهِ، فَإِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَا يُعْبَدُ حَقَّ عِبَادَتِهِ.

وَإِيَّاكَ وَالْمُزاحَ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِنُورِ إيْمَانِكَ، وَيَسْتَخِفٌ بِمُروءَتِكَ، وَإِيَّاكَ وَالضَّجَرَ وَالْكَسَلَ، فَإِنَّهُما يَمْنَعانِ حَظَكَ مِنَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» (1).

إرشاد وتوجيه

ووجّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إرشاداً عاماً لجميع المسلمين جاء فيه :

«كَفَى بِالتَّجارُبِ تَأْديباً، وَبِمَمَرَّ الْأيّام عِظَةً، وَبِأَخْلَاقِ مَنْ عَاشَرْتَ مَعْرِفَةٌ، وَبِذِكْرِ الْمَوْتِ حاجزاً مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعاصي، وَالْعَجَبُ كلّ الْعَجَبِ لِلْمُحْتَمِينَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرابِ مَخافَةَ الدّاءِ أَنْ يَنْزِلَ بِهِم،


1) تحف العقول : 409. الوافي : 3 : 78.

كَيْفَ لَا يَحْتَمُونَ مِنَ الذُّنُوبِ مَخافَةَ النَّارِ إِذا اشْتَعَلَتْ فِي أَبْدانِهِمْ» (1).

وصيّة عامّة

وأوصى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عموم أصحابه بتنظيم أوقاتهم، والعمل على تهذيب نفوسهم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): اجْتَهِدوا في أَنْ يَكُونَ زَمانُكُمْ أَرْبَعَ ساعاتٍ :

ساعَةً لِمُناجاةِ اللّه، وَسَاعَةً لِأَمْرِ الْمَعاشِ، وَسَاعَةً لِمُعاشَرَةِ الْإِخْوانِ وَالثّقاتِ الَّذِينَ يُعَرِّفونَكُمْ عُيُوبَكُمْ، وَيُخْلِصونَ لَكُمْ فِي الْباطِنِ، وَساعَةً تَخْلُونَ فِيهَا لِلذَّاتِكُمْ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَبِهَذِهِ السّاعَةِ تَقْدِرُونَ عَلَى الثَّلاثِ ساعاتٍ.

وَلَا تُحَدِّثوا أَنْفُسَكُمْ بِفَقْرٍ، وَلَا بِطُولِ عُمْرٍ، فَإِنَّهُ مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْفَقْرِ بَخِلَ، وَمَنْ حَدَّثَهَا بِطُولِ الْعُمْرِ يَحْرِصْ.

اجْعَلُوا لأَنْفُسِكُمْ حَظَاً مِنَ الدُّنْيا بِإِعْطَائِهَا مَا تَشْتَهِي مِنَ الْحَلالِ، وَما لَا يَثْلِمُ الْمُروءَةَ، وَما لَا سَرَفَ فِيهِ، وَاسْتَعينوا بذلِكَ عَلى أُمورِ الدِّينِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَكَ دُنْيَاهُ لِدِينِهِ، أَوْ تَرَكَ دِينَهُ لِدُنْيَاهُ» (2).

الحثّ على فعل الخير

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنِ اسْتَوى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبونٌ، وَمَنْ كَانَ آخِرُ يَوْمَيْهِ أَشَرَّها


1) أمالي الطوسي : 203.

2) تحف العقول : 409 و 410، عرضنا لبيان هذا الحديث بصورة موضوعية وشاملة في كتابنا (العمل وحقوق العامل في الإسلام).

فَهُوَ مَلْعونٌ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الزِّيَادَةَ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ فِي النُّقْصَانِ، وَمَنْ كَانَ إِلَى النُّقْصانِ أَكْثَرَ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْحَياةِ» (1).

وبهذا العرض الموجز ينتهي بنا الكلام عن بعض مواعظه وإرشاداته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وننتقل إلى فصل آخر من تراثه.


1) الاتحاف بحبّ الأشراف : 55.

مناظراته واحتجاجاته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وللإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مناظرات واحتجاجات بليغة مع خصومه المناوئين له، كما جرت له مناظرات أخرى مع بعض علماء اليهود والنصارى، وقد أفلج (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجميع بما أقامه من الأدلّة الوافرة على صحّة مدّعاه، وبطلان ما ذهبوا إليه، وقد اعترفوا بالعجز والفشل، وبغزارة علم الإمام، وتفوّقه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليهم، وفيما يلي بعضاً منها :

1 - مع نفيع الأنصاري

وشرّف (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلاط الملك هارون، فلما رآه حاجب البلاط قابله بالتكريم والحفاوة، وقدّمه على غيره لمقابلة هارون، وكان في مجلس الانتظار نفيع الأنصاري، فلما رأى تلك الحفاوة البالغة احترق قلبه من الغيظ وساءه تكريم الإمام، فالتفت إلى عبد العزيز وكان معه، فقال له : مَن هذا الشيخ ؟

• أوما تعرفه ! هذا شيخ آل أبي طالب، هذا موسى بن جعفر.

فانبری نفيع يندد بالعبّاسيّين على تكريمهم للإمام قائلاً: ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم يفعلون هذا برجل يقدر أن يزيلهم عن السرير، أما لئن خرج لأسوءنّه.

فزجره عبد العزيز ونهره قائلاً: لا تفعل، فإنّ هؤلاء أهل بيت لم يتعرّض لهم أحد بخطاب إلّا وسموه بالجواب سمة يبقى عارها عليه أبد الدهر.

ولمّا انتهى الإمام من مقابلة هارون، وخرج من عنده أقبل عليه نفيع يشتدّ، فأمسك بزمام دابته وقال له : من أنت ؟

• يا هذا، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ النَّسَبَ فَأَنَا ابْنُ محمّد حَبيبِ اللّه، وَابْنُ إِسْمَاعِيلَ ذَبِيح اللّه، وَابْنُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللّه.

وَإِنْ كُنْتَ تُريدُ الْبَلَدَ فَهُوَ الَّذِي فَرَضَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكَ - إِنْ كُنْتَ

مِنْهُمْ - الْحَجَّ إِلَيْهِ.

وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمُفاخَرَةَ فَوَاللّه ما رَضِيَ مُشْرِكُو قَوْمِي بِمُسْلِمِي قَوْمِكَ أَكْفاءاً لَهُمْ حتى قالوا : يا محمّد، أَخْرِجْ إِلَيْنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قُرَيْشٍ، خَلَّ عَنْ زِمام دابَّتِي.

وانصرف نفيع وهو لا يبصر طريقه من الخجل والعار الذي وسمه به الإمام (1).

2 - مع الفضل بن الربيع

وتشرّف هارون الرشيد بزيارة قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فاجتمع به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبعد انتهاء المقابلة خرج (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاجتاز على محمّد الأمين ابن الرشيد، فالتفت محمّد إلى الفضل ابن الربيع قائلا له : عاتب هذا، فقام الفضل إلى الإمام فقال له : كيف لقيت أمير المؤمنين على هذه الدابّة التي إن طلبت عليها لم تسبق، وإن طلبت عليها تلحق ؟

• لَسْتُ أَحْتاجُ أَنْ أَطْلَبَ، وَلَا أَنْ أَطلَبَ، وَلكِنَّها دَابَّةٌ تَنْحَطُّ عَنْ خُبَلاءِ الْخَيْلِ، وَتَرْتَفِعُ عَنْ ذِلَّةِ الْعِيرِ، وَخَيْرُ الأُمورِ أَوْسَطُها» (2).

فتركه الإمام وانصرف، وبدا على الفضل الارتباك والعيّ والعجز.

3 - مع أبي يوسف

وأمر هارون الرشيد أبا يوسف (3)

هو يعقوب بن إبراهيم القاضي. ولد سنة 113ه-، وتوفي ببغداد سنة 182ه-، وكان من أصحاب الحديث، ثمّ غلب عليه الرأي، وأخذ الفقه عن محمّد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، ثمّ عن أبي حنيفة، وولي القضاء لهارون الرشيد. طبقات الفقهاء : 113.

أن يسأل الإمام بحضرته لعله أن يبدي عليه

1) نزهة الناظر في تنبيه الخاطر : 45.

2) زهر الآداب : 1 : 132.

3) أبو يوسف :

العجز فيتّخذ من ذلك وسيلة للحطّ من كرامته، ولما اجتمع (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهم وجه إليه أبو يوسف السؤال التالي : ما تقول في التظليل للمحرم ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا يَصْلُحُ.

• فيضرب الخباء في الأرض ويدخل البيت ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَعَمْ.

• فما الفرق بين الموضعين ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما تقولُ فِي الطَّامِثِ أَتَقْضِي الصَّلاةَ ؟

• لا.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أَتَقْضَى الصَّوْمَ ؟

• نعم.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وَلمَ ؟

• هكذا جاء

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وهكذا جاءَ هذا.

فسكت أبو يوسف ولم يطق جواباً، وباد عليه الخجل والعجز، فقال هارون : ما أراك صنعت شيئاً ؟

• رماني بحجر دامغ (1).

وتركهما الإمام وانصرف عنهما، وقد خيّم عليهما الحزن والشقاء.

4 - مع أبي حنيفة

ودخل أبو حنيفة على الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له : «رأيت ابنك موسى يصلّي


1) مناقب آل أبي طالب : 3 : 429.

والناس يمرّون بين يديه فلم ينههم عن ذلك ؟ !

فامر أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإحضار ولده، فلمّا مثل بين يديه، قال له : يا بُنَيَّ، إِنْ أَبا حَنيفَةَ يَذْكُرُ أَنَّكَ كُنْتَ تُصَلّى وَالنَّاسُ يَمُرُونَ بَيْنَ يَدَيْكَ ؟

• نَعَمْ يَا أَبَتِ، إِنَّ الَّذِي كُنْتُ أَصَلِّي لَهُ كانَ أَقْرَبَ إِلَيَّ مِنْهُمْ. يَقولُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِن حَبْلِ الْوَرِيدِ» (1).

وفرح الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسر سروراً بالغاً بما أدلى به ولده من المنطق الرائع. فقام إليه فضمه وانطلق قائلاً: بِأَبي أَنْتَ وَأمّي يا مُودَعَ الأَسْرارِ (2).

5 - مع هارون الرشيد

ولما اعتقل هارون الرشيد الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبقي في السجن حفنة من السنين أمر يوماً بإحضاره في بلاطه، فلما حضر واستقر به المجلس التفت إليه هارون وقد نخر الغيظ قلبه قائلاً یا موسی بن جعفر، خلیفتین يجبى لهما الخراج ؟ !

•

يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعِيْذُكَ بِاللّه أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، وَتَقْبَلَ الْباطِلَ مِنْ أَعْدائِنا عَلَيْنا، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ قَدْ كُذِبَ عَلَيْنَا مِنْذُ قُبِضَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِما عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَكَ، فَإِنْ رَأَيْتَ بِقَرَابَتِكَ مِنْ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنْ تَأْذَنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَكَ بِحَدِيثٍ أَخْبَرَنِي بِهِ أَبِي عَنْ آبائِهِ عَنْ جَدِّى رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)».

•

قد أذنت لك.

•

أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ آبائِهِ، عَنْ جدّه رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنَّهُ قالَ : إِنَّ الرَّحِمَ إِذَا مَسَّتِ الرَّحِمَ تَحَرَّكَتْ وَاضْطَرَبَتْ فَناوِلْنِي يَدَكَ.


1) ق : 50 : 16.

2) الكافي : 3 : 297، الحديث 4. بحار الأنوار : 48 : 171، الحديث 8.

فرّق هارون وزال غضبه، فمدّ إليه يده وجذبه إلى نفسه وعانقه طويلاً، ثمّ أدناه منه وقد اغرورقت عيناه بالدموع، والتفت إليه قائلاً له بنبرات تقطر عطفاً : صدقت، وصدق جدك، لقد تحرّك دمي، واضطربت عروقي حتّى غلبت علي الرقة، وفاضت عيناي، وأنا أريد أن أسألك عن أشياء تتلجلج في صدري منذ حين لم أسأل عنها أحداً، فإن أنت أجبتني عنها خليت عنك، ولم أقبل قول أحد فيك، وقد بلغني أنك لم تكذب قط فاصدقني عما أسألك ممّا في قلبي.

•

ما كَانَ عِلْمُهُ عِنْدِي فَإِنِّي مُخْبِرُكَ بِهِ إِنْ أَنْتَ أَمَّنْتَنِي بِهِ.

•

لك الأمان إن أنت صدقتني وتركت التقيّة التي تُعرفون بها يا معشر بني فاطمة.

•

سَلْ ما شِئْتَ

•

لِمَ فُضّلتم علينا ونحن وأنتم من شجرة واحدة ؟ وبنو عبد المطلب ونحن وأنتم واحد، فبنو العبّاس وأنتم وُلد أبي طالب، وهما عمّا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وقرابتهما منه سواء.

•

نَحْنُ أَقْرَبُ.

وكيف ذلك ؟

•

لِأَنَّ عَبْدَ اللّه وَأَبا طالِبٍ لِأَبِ وَأُمِّ، وَأَبُوكُم الْعبّاس لَيْسَ هُوَ مِنْ أُمِّ عَبْدِ اللّه وَأَبِي طَالبٍ.

•

لِمَ ادّعيتم أنّكم ورثتم النبيّ والعمّ يحجب ابن العمّ، وقبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد توفّي أبو طالب قبله والعبّاس عمه حي ؟

•

إِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفِيَنِي عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيَسْأَلَنِي عَنْ كلّ بَابٍ سِواها.

•

لا، أو تجيب.

•

آمِنّي.

•

قد أمنتك قبل الكلام.

•

جاءَ فِي قَوْلِ عَلِيٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّهُ لَيْسَ مَعَ وَلَدِ الصُّلْبِ، ذَكَراً كانَ أَمْ أنثى، لأحَدٍ سَهم إِلَّا الْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِلْعَمِّ مَعَ وَلَدِ الصُّلْبِ مِيراتٌ، إِلَّا أَنَّ تَيْماً وَعَدِيّاً وَبني أميّه قالُوا : العَمُ والِدٌ، رَأْياً مِنْهُمْ بِلَا حَقِيقَةٍ وَلَا أَثَرِ عَنِ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)».

ثمّ إنّه ذكر له جملة من فقهاء العصر الذين أفتوا بما أفتى به جدّه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه المسألة، وأضاف (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ذلك قوله :

رَوى قُدَماءُ العامّة عَنِ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنَّهُ قَالَ : عَلِيٌّ أَقْضاكُمْ، وَكَذلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : عَلِيٌّ أَقْضانَا، وَهُوَ - أي القضاء - اسم جامع ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ ما مَدَحَ بِهِ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَصْحَابَهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالْفَرائِضِ وَالْعِلْمِ داخِل فِي الْقَضاءِ».

وبعد ما أدلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الحجّة الدامغة طلب منه هارون الرشيد المزيد من الايضاح والبيان.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ النبيّ لَمْ يُوَرِّتْ مَنْ لَمْ يُهاجِرْ، وَلَا أَثْبَتَ لَهُ وَلايَةٌ حتّى يُهَاجِرَ.

قال هارون : ما حجّتك ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قَوْلُ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِن وَلاَيَتِهِم مِن شَيْءٍ حتّى يُهَاجِرُوا» (1)، وَإِنَّ عَمَى الْعبّاس لَمْ يُهاجِرْ.

فتغير لون هارون وتميّز من الغيظ، فقال للإمام : هل أفتيت أحداً بذلك من أعدائنا، أم أخبرت به أحداً من الفقهاء ؟

• لَا، ما سَأَلَنِي أَحَدٌ سِواكَ. فسكن غضب هارون وقال : لِمَ جوزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ويقولوا لكم : يا بني رسول اللّه، وأنتم بنو عليّ، وإنما ينسب المرء إلى أبيه،

1) الأنفال 8: 72.

وفاطمة إنّما هي وعاء، والنبيّ جدكم من قبل أمّكم ؟

•

لَوْ أَنَّ النبيّ نُشِرَ فَخَطَبَ مِنْكَ كَرِيمَتَكَ هَلْ كُنْتَ تُجِيبُهُ ؟

•

سبحان اللّه، ولم لا أجيبه، بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك.

•

لكِنَّهُ لَا يَخْطِبُ مِنِّي، وَلَا أَزَوِّجُهُ.

•

ولم لا ؟

•

لِأَنَّهُ وَلَدَنِي، وَلَمْ يَلِدْكَ.

•

أحسنت يا موسى،

كيف قلتم : إنا ذرّيّة النبيّ والنبيّ لم يعقب، وإنّما العقب للذكر لا للأنثى، وأنتم ولد بنته ؟

•

أَسْأَلُكَ بِحَقِّ الْقَرابَةِ إِلَّا مَا أَعْفَيْتَنِي

•

لا، أو تخبرني عن حجّتكم فيه يا ولد عليّ، وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم، ولست أعفيك.

•

تَأْذَنُ لِي فِي الْجَوابِ ؟

•

هات.

•

قالَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعالى : «وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كلّ مِنَ الصَّالِحِينَ» (1)مَنْ أَبُو عِيسَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟

•

ليس لعيسى أب.

•

إِنَّما أَلْحَقَهُ اللّه تَعَالَى بِذَرَارِي الْأَنْبِياءِ مِنْ طَرِيقِ مَرْيَمَ، وَكَذَلِكَ الْحِقْنَا بِذَرَارِي النبيّ مِنْ قِبَلِ أُمِّنا فاطِمَةَ


1) الأنعام 6 : 84 و 85.

وطلب هارون من الإمام أن يزيد في حجّته وبرهانه، فأجابه إلى ذلك، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قالَ اللّه تعالى : «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّه عَلَى الْكَاذِبِينَ» (1)، فَلَمْ يَدَّع أَحَدٌ أَنَّ النبيّ أَدْخَلَ تَحْتَ الْكِسَاء عِنْدَ مُبَاهَلَةِ النَّصَارَىٰ إِلَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ.

فَكانَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: «أَبْنَاءَنَا» الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ «وَنِسَاءَنَا» فاطِمَةَ «وَأَنْفُسَنَا» عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وأضاف إلى هذه الحجّة برهاناً آخر، وهو : إِنَّ الْعُلَماءَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ جَبْرَئِيلَ قالَ يَوْمَ أحَدٍ : يا محمّد، إِنَّ هَذِهِ لَهِيَ الْمُواساة مِنْ عَلِيٍّ.

فَقالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : إِنَّهُ مِنّي وَأَنا مِنْهُ.

فَقالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): وَأَنَا مِنْكُما» (2).

وانقطعت حجّة هارون ولم يجد طريقاً يسلكه، لأن الإمام قد أدلى بحجج دامغة لا مجال للشكّ فيها، ثمّ إنّ هارون طلب منه أن يزوّده برسالة موجزة تجمع أعمال الدين.

فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد البسملة ما نصه : جَميعُ أُمورِ الْأَدْيَانِ أَرْبَعَةٌ :

أَمْرٌ لَا اخْتِلافَ فِيهِ، وَهُوَ إِجْمَاعُ الأُمّة عَلَى الضَّرُورَةِ الَّتِي يَضْطَرُّونَ إِلَيْهَا.

وَالْأَخْبَارُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا، وَهِيَ الْغَايَةُ الْمَعْرُوضُ عَلَيْهَا كلّ شُبْهَةٍ،


1) آل عمران 3 : 61.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 81، الحديث 9. بحار الأنوار: 48: 120 - 129، الحدیث 2.

وَالْمُسْتَنْبَطُ مِنْهَا كلّ حادِثَةٍ.

وَأَمْرٌ يَحْتَمِلُ الشَّلَّ وَالْإِنْكَارَ، فَسِيلُهُ اسْتِيضاحُ أَهْلِهِ (1)لِمُنتَحِليهِ بِحُجَةٍ مِنْ كِتابِ اللّه مُجْمَعِ عَلى تَأْوِيلِهَا، وَسُنَّةٍ مُجْمَعِ عَلَيْهَا لَا اخْتِلافَ فيها.

أَوْ قِياسِ تَعْرِفُ الْعُقُولُ عَدْلَهُ، وَلَا يَسَعُ خاصَّةَ الأُمّة وَعامَّتَهَا الشَّلَّ فِيهِ وَالْإِنْكارَ لَهُ.

وَهدَانِ الْأَمْرانِ مِنْ أَمْرِ التَّوْحِيدِ فَمَا دُونَهُ وَأَرْشِ الْخَدْشِ فَمَا فَوْقَهُ، فَهَذَا الْمَعْرُوضُ الَّذِي يُعْرَضُ عَلَيْهِ أَمْرُ الدِّينِ، فَما ثَبَتَ لَكَ بُرْهانُهُ اصْطَفَيْتَهُ، وَما غَمَضَ عَلَيْكَ صَوابُهُ نَفَيْتَهُ.

فَمَنْ أَوْرَدَ وَاحِدَةً مِنْ هذِهِ الثَّلاثِ (2)فَهِيَ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ الَّتي بَيَّنَهَا اللّه في قَوْلِهِ لِنَبِيَّهِ : «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ» (3)يَبْلُغُ الْحُجَّةَ الْبَالِغَةَ الْجاهِلُ فَيَعْلَمُها بِجَهْلِهِ كَما يَعْلَمُهُ الْعَالِمُ بِعِلْمِهِ، لأنَّ اللّه عَدْلٌ لَا يَجورُ، يَحْتَجُ عَلى خَلْقِهِ بِما يَعْلَمُونَ، وَيَدْعُوهُمْ إِلى ما يَعْرِفُونَ لَا إِلَىٰ مَا يَجْهَلُونَ وَيُنْكِرُونَ.

فأجازه هارون وأكرمه (4)، وانصرف الإمام وقد دلّ خصمه - المسمّى بخليفة


1) ورد في بعض النسخ : «اسْتِنْصاحُ أَهْلِهِ».

2) الظاهر أن المراد بهذه الثلاث : الكتاب والسنّة والقياس، الذي تعرف العقول عدله.

3) الأنعام 6: 149.

4) تحف العقول : 407 - 408، الطبعة الثانية / 1404ه-. ورواه المفيد في الاختصاص : 58، والمجلسي في بحار الأنوار: 2 : 238 بصورة أوجز من هذه.

المسلمين وأمير المؤمنين - على أمور الدين، كما أوضح له منزلة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وصحّة أقوالهم ودعم ما ذهب إليه بأوثق الأدلة والبراهين.

وذكر رواة الأثر مناظرة له أخرى مع هارون، والذي نراه أنها من الموضوعات، وأنها إلى الخيال أقرب منها إلى الواقع، وفيما يلي نصها :

«حجّ هارون الرشيد بيت اللّه الحرام، فمنعت الشرطة دخول الحجاج إلى البيت حال طوافه، وبينما هو مشغول في الطواف وقد أحاطت به الحرس إذ بادر أعرابي إلى البيت وجعل يطوف معه، فأقبل عليه الحاجب قائلاً : تنح يا هذا عن وجه الخليفة.

• إن اللّه ساوى بين الناس في هذا الموضع، فقال : «سَوَاءٌ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد» (1).

فكفّ الحاجب عنه، وكلّما طاف الرشيد طاف الأعرابي أمامه، ونهض الرشيد إلى الحجر الأسود ليقبله، فسبقه الأعرابي إليه ولثمه، وصار الرشيد إلى المقام ليصلّي فيه، فسبقه الأعرابي وصلّى أمامه، فالتاع هارون واستولى عليه الغضب، فأمر حاجبه بإحضاره، فانبرى إليه قائلاً : أجب أمير المؤمنين.

• مالي حاجة فأقوم إليه، فإن كانت الحاجة إليه فهو بالقيام أولى.

فمضى الحاجب إلى الرشيد، فقال : صدق، ثمّ مشى إليه، فلما وصل سلّم عليه وقال : يا أعرابي، اجلس ؟

• ما الموضع لي فتستأذنني فيه بالجلوس، إنّما هو بيت اللّه نصبه لعباده، فإن أحببت أن تجلس فاجلس، وإن أحببت أن تنصرف فانصرف !

1) الحجّ 22: 25.

فجلس هارون وهو مغيظ محنق فقال له : ويحك ! مثلك من يزاحم الملوك ؟

•

نعم، وفيَّ مستمع (1).

•

فإنّي سائلك، فإن عجزت آذيتك.

•

سؤالك هذا سؤال متعلّم، أو سؤال متعنّت ؟

•

بل سؤال متعلّم.

•

اجلس مكان المسؤول من السائل وسل وأنت مسؤول.

•

أخبرني ما فرضك ؟

•

إن الفرض واحد، وخمسة، وسبعة عشر، وأربع وثلاثون، وأربع وتسعون، ومائة وثلاثة وخمسون على سبعة عشر، ومن اثني عشر واحد، ومن أربعين واحد، ومن مائتين خمس، ومن الدهر كله واحد، وواحد بواحد.

فضحك الرشيد، وقال مستهزئاً به : ويحك ! أسألك عن فرضك وأنت تعدّ عليّ الحساب ؟ !

•

أما علمت أنّ الدين كله حساب، ولو لم يكن الدين حساباً لما اتخذ اللّه للخلائق حساباً، ثمّ قرأ: «وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ» (2).

•

بيّن لي ما قتلت، وإلا أمرت بقتلك بين الصفا والمروة.

فقال الحاجب لهارون : هبه اللّه ولهذا المقام.

فضحك الأعرابي من قوله، فغضب منه هارون وقال له : ممّ ضحكت ؟

• تعجباً منكما ! إذ لا أدري من الأجهل منكما الذي يستوهب أجلاً قد حضر،

1) فيَّ مستمع : أي عندي علم يجب أن يستمع إليه.

2) الأنبياء 21: 47.

أو الذي استعجل أجلاً لم يحضر ؟ !

فقال الرشيد : فسّر ما قلت ؟

• أما قولى : الفرض واحد، فدين الإسلام كله واحد، وعليه خمس صلوات، وهي سبعة عشر ركعة، وأربع وثلاثون سجدة، وأربع وتسعون تكبيرة، ومائة وثلاث وخمسون تسبيحة.

وأمّا قولي : من اثنى عشر واحد، فصيام شهر رمضان من اثني عشر شهراً.

وأمّا قولى : من الأربعين واحد، فمن ملك أربعين ديناراً أوجب اللّه عليه ديناراً.

وأمّا قولي : من مائتين خمسة، فمن ملك مائتي درهم أوجب اللّه عليه خمسة دراهم.

وأمّا قولي : فمن الدهر كله واحد، فحجّة الإسلام.

وأمّا قولي : واحد بواحد، فمن أهرق دماً بغير حق واجب إهراق دمه. قال اللّه تعالى : «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (1).

فانطلق هارون يعرب عن إعجابه بغزارة علمه، قائلاً له : للّه درك ! ثمّ إنّه أمر بإعطائه بدرة، فقال له الأعرابي : بم استوجب هذه البدرة، بالكلام أو بالمسألة ؟

•

بل بالكلام.

•

فإنِّي أسألك عن مسألة، فإن أتيت بها كانت لك البدرة تتصدّق بها في هذا الموضع الشريف، فإن لم تجبني عنها أضفت إلى البدرة بدرة أخرى لأتصدق بها على فقراء الحيّ من قومي.

فأمر هارون بإحضار بدرة أخرى، وقال له : سل عما بدا لك

• أخبرني عن الخنفساء تزق أم ترضع ولدها ؟

1) المائدة 5 : 45.

فتغيّر هارون واستولى عليه الغضب، فاندفع قائلاً: ويحك ! مثلي من يسأل عن هذه المسألة !

•

سمعت ممّن سمع من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه قال : مَنْ وَلِيَ أقواماً وُهِبَ لَهُ مِنَ الْعَقْل كَعُقولِهِمْ، وأنت إمام هذه الأُمّة، يجب أن لا تسأل عن شيء من أمر دينك ومن الفرائض إلا أجبت عنه، فهل عندك له جواب ؟

•

لا، بيّن لي ما قلته وخذ البدرتين.

•

إن اللّه لما خلق الأرض خلق دبابات الأرض من غير فرث ولا دم خلقها من التراب، وجعل رزقها وعيشها منه، فإذا فارق الجنين أمه لم تزقه، ولم ترضعه، وكان عيشها من التراب.

فقال هارون : واللّه ما ابتلي أحد بمثل هذه المسألة

فأخذ الأعرابي البدرتين وانصرف، فتبعه بعض الناس فسأل عن اسمه، فإذا هو الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فانعطف إلى هارون فأخبره بذلك.

فقال هارون : ينبغي أن تكون هذه الورقة من تلك الشجرة» (1).

والذي يبعثنا على الريبة في هذه الرواية ما يلي :

1 - إنّها احتوت على قيام الإمام بمزاحمة هارون في طوافه وصلاته، وهو بعيد عن هدي الإمام وسلوكه، ولم يكن هناك أي أثر ديني يترتب على هذه العملية

2 - خفاء شخصيّة الإمام على هارون وعدم معرفته به طيلة هذه المناظرة التي استوعبت وقتاً كبيراً، مع أن هارون يعرف الإمام، ولم يكد يخفى عليه أمره.

3 - أخذ الإمام البدرتين من هارون، وهو بعيد كلّ البعد عمّا عُرف به الإمام من الإباء وعدم الخضوع إلى هارون وغيره من ملوك عصره.


1) مناقب آل أبي طالب : 3 : 427 - 429.

4 - إنّ هذه القصة بجميع أبعادها سؤالاً وجواباً لا تخلو من هزال وبعد عن المنطق، فهى إلى الخيال أقرب منها إلى الواقع.

إنّ كثيراً من أمثال هذه الأمور هي من وضع الغلاة والمفوّضة، ولا نصيب لها من الصحة حسب ما أعتقد.

6 - مع علماء اليهود

وقصد وفد من علماء اليهود الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليحاججونه في الإسلام، فلمّا تشرّفوا بالمثول بين يديه انبروا إليه يطلبون منه الحجّة والدليل على نبوّة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قائلين : أي معجز يدل على نبوة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ؟

•

كِتابُهُ الْمُهَيْمِنُ الْباهِرُ لِعُقولِ النَّاظِرِينَ، مَعَ مَا أَعْطِيَ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرامِ، وَغَيْرِهِما ممّا لَوْ ذَكَرْنَاهُ لَطَالَ شَرْحُهُ.

•

كيف لنا أن نعلم هذا كما وصفت ؟

فانطلق الإمام موسى وكان آنذاك صبياً قائلاً لهم : وَكَيْفَ لَنَا بِأَنْ نَعْلَمَ مَا تَذْكُرُونَ مِنْ آياتِ اللّه لِمُوسى عَلَى مَا تَصِفُونَ ؟

•

علمنا ذلك بنقل الصادقين.

•

فَاعْلَموا صِدْقَ ما أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ بِخَبَرِ طِفْلِ لَقَّنَهُ اللّه تَعَالَى مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمِ وَلَا مَعْرِفَةٍ عَنِ النَّاقِلينَ

فبهروا وآمنوا بقول الإمام الكاظم الذي - هو المعجز بحقّ -، وهتفوا معلنين إسلامهم قائلين : نشهد أنّ لا إله إلّا اللّه، وأن محمّداً رسول اللّه، وأنكم الأئمّة الهادون والحجج من عند اللّه على خلقه..

ولما أدلى الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الحجّة وأسلم القوم على يده، وثب إليه أبو عبد اللّه فقبل ما بين عينيه، وقال له : أَنْتَ الْقائِمُ مِنْ بَعْدِي، ثمّ إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمر بكسوة

لهم وأوصلهم، فانصرفوا وهم شاكرون (1).

7 - مع بريهة

كان بريهة من أقطاب النصارى ومن علمائها النابهين، وكان يطلب الحق ويبغى الهداية، فاتصل بجميع الفرق الإسلاميّة وأخذ يحاججهم فلم يصل إلى الهدف الذي يريده، فوصفت له الشيعة ووصف له هشام بن الحكم فقصده ومعه مائة عالم من علماء النصارى، فلما استقر به المجلس سأله عن أهم المسائل الكلامية والعقائدية، فأجابه عنها هشام، ثمّ ارتحلوا جميعاً إلى التشرّف بمقابلة أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقبل الالتقاء به اجتمعوا بالإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقص عليه هشام مناظراته وحديثه مع بريهة، فالتفت (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بريهة قائلاً: يا بُرَيْهَةً، كَيْفَ عِلْمُكَ بِكِتابِكَ ؟

•

أنا به عالم.

•

كَيْفَ ثِقَتُكَ بِتَأْوِيلِهِ ؟

•

ما أوثقني بعلمي به !

فأخذ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقرأ عليه الإنجيل ويرتّل عليه فصوله، فلمّا سمع ذلك بريهة آمن بأنّ دين الإسلام حق، وأنّ الإمام من شجرة النبوّة، فانبرى إليه قائلاً : إيّاك كنت أطلب منذ خمسين سنة أو مثلك !

ثمّ إنّه أسلم وأسلمت معه زوجته وقصدوا جميعاً أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فحكى له هشام الحديث وإسلام بريهة على يد ولده موسى، فسر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك والتفت (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلا له : «ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (2).

وانبرى بريهة إلى أبي عبد اللّه قائلاً: جعلت فداك، أنّى لكم التوراة والإنجيل


1) الخرائج والجرائح : 1 : 110، الحدیث 186. بحار الأنوار: 10: 244 و 245، الحديث 3.

2) آل عمران 3: 34.

وكتب الأنبياء ؟

• قال : هِيَ عِنْدَنا وِراثَةٌ مِنْ عِنْدِهِمْ نَقْرَأَها كَما قَرَاءها، وَنَقولُها كَما قالوها، إنَّ اللّه لَا يَجْعَلُ حُجَّةٌ فِي أَرْضِهِ يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي.

ولزم بريهة الإمام أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصار من خلّص أصحابه، ولما انتقل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى دار الخلود اتصل بالإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتّى توفي في عهده (1).

8 - مع راهب

كان في الشام راهب تقدّسه النصارى وتعظمه، وكان يخرج لهم في السنّة يوماً فيعظهم، فالتقى به الإمام في ذلك اليوم الذي يعظ به، وقد طافت به الرهبان وعلية القوم، فلمّا استقرّ المجلس بالإمام التفت إليه الراهب قائلاً: يا هذا، أنت غريب ؟

•

نَعَمْ.

•

منّا أو علينا ؟

•

لَسْتُ مِنكُمْ.

•

أنت من الأُمّة المرحومة ؟

•

نَعَمْ.

•

أمن علمائها أم من جهالها ؟

•

لَسْتُ مِنْ جُهَالِها.

فاضطرب الراهب، وتقدّم إلى الإمام يسأله عن أعقد المسائل عنده قائلاً: كيف طوبى، أصلها في دار عيسى عندنا، وعندكم في دار محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وأغصانها في كلّ دار ؟


1) التوحيد : 275. بحار الأنوار: 10: 239.

•

إِنَّهَا كَالشَّمْسِ يَصِلُ ضَوْؤُهَا إِلَى كلّ مَكَانٍ وَمَوْضِعِ وَهِيَ فِي السَّمَاءِ.

•

إنّ الجنّة كيف لا ينفد طعامها وإن أكلوا منه، وكيف لا ينقص منه نه شيء ؟

•

إِنَّهُ كَالسِّراج في الدُّنْيا يُقْتَبَسُ مِنْهُ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ.

•

إن في الجنة ظلاً ممدوداً، ما هو ؟

•

الْوَقْتُ الَّذِي قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ، هُوَ الظُّلُّ الْمَمْدودُ، ثمّ تلا قوله تعالى : «أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظَّلَّ» (1).

•

إنّ أهل الجنّة يأكلون ويشربون، كيف لا يكون لهم غائط ولا بول ؟

•

إِنَّهُمْ كَالجَنينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.

إنّ لأهل الجنّة خدماً، كيف يأتونهم بما أرادوا بلا أمر ؟

•

إِنَّ الْإِنسانَ إِذَا احْتاجَ إِلَى شَيْءٍ عَرَفَتْ أَعْضاؤُهُ ذلِكَ فَتَعْرِفُهُ الْخَدَمُ فَيُحَقِّقُونَ مُرَادَهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ.

•

مفاتيح الجنّة من ذهب أو فضة ؟

•

مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ قَوْلُ الْعَبْدِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه.

•

صدقت.

ثم إنّه أسلم هو وقومه (2).

هذه بعض احتجاجات الإمام ومناظراته، وسنذكر قسماً آخر منها في بعض فصول الكتاب.


1) الفرقان 25: 45.

2) مناقب آل أبي طالب : 3 : 427.

نظمه الشعر

أمّا نظمه للشعر فقليل جداً، وقد ذكر الشيخ المفيد له أبياتاً تلاها الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المأمون ونسبها (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أبيه :

كُنْ لِلْمَكارِهِ بِالعَزاءِ مُدافعاً***فَلَعَلْ يَوْماً لا ترى ما تَكْرَهُ

فَلَرُبَّما اسْتَتَرَ الفَتى فَتَنافَسَتْ***فيه العُيونُ وَأَنَّهُ لَمُمَوَّهُ

وَلَرُبَّما خَزَنَ الأَديبُ لِسانَهُ***حَذَرَ الْجَوابِ وَأَنَّهُ لَمُفَوَّهُ

وَلَرُبَّما ابْتَسَمَ الْوَقورُ مِنَ الأذى***وَضَمِيرُهُ مِنْ حَرِّه يَتَأَوَّهُ (1)

وذكر ذو النون المصري أنّه اجتاز في أثناء سياحته على قرية تسمى بتدصر فرأى جداراً قد كتبت عليه هذه الأبيات، وهي :

أَنَا ابْنُ مِنى وَالْمَشْعَرَينِ وَزَمْزَمٍ***وَمَكةَ وَالبَيْتِ العتيق المُعَظمِ

وَجَدّي النبيّ الْمُصْطَفى وأبي الذي***وَلايَتُهُ فَرْضٌ عَلى كلّ مُسْلِم

وأمّي البتولُ المُسْتَضاءُ بِنورِها***إذا ما عَدَدْناها عديلة مريم

وَسِبْطَا رَسولِ اللّه عَمِّي وَوَالِدي***وَأَوْلادُهُ الأَطْهارُ يَسْعَةُ أَنْجُمِ

مَتى تَعْتَلِقْ مِنْهُمْ بِحَبْلٍ وَلايَةٍ***تَفُزْ يَومَ يُجْزَى الْفائِزونَ وَتَنْعُمِ

أئمّة هذا الخَلْقِ بَعدَ نَبِيِّهِمْ***فَإِن كُنتَ لَمْ تَعْلَمْ بِذلِكَ فَاعْلَم

أنا العَلَوِيُّ الفَاطِمِيُّ الذي ارْتَمى***بِهِ الخَوفُ وَالأيّام بِالمَرْءِ تَرْتَمي

فضاقت بي الأَرْضُ الفَضاءُ بِرَحْبِها***وَلَمْ أَسْتَطِعْ نَيلَ السَّماءِ بِسُلَّم

فَأَلْمَمْتُ بِالدّارِ الَّتي أَنا كَاتِبٌ***عَلَيْها بِشِعْرِي فَاقْرِ إِنْ شِئْتَ وَالْمُم


1) أمالي المفيد : 150.

وَسَلَّمْ لأَمْرِ اللّه في كلّ حالةٍ***فَلَيْسَ أَخو الإِسْلامِ مَنْ لَمْ يُسَلِّم

قال ذو النون : فعلمت أنّه علويّ قد هرب من السلطة وذلك في خلافة هارون، واحتمل المجلسي أن تكون هذه الأبيات للإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ذهب إلى ذلك المكان وكتبها لإتمام الحجة على أعدائه (1).

ويبعّد ذلك أنّ الإمام لم يهرب من السلطة ولم يتخفّ في يوم من الأيّام، بل كان في يثرب مقيماً منكراً على هارون وعلى غيره من ملوك عصره ولم يهرب من السلطة ولم يخف من جورها، وسنذكر ذلك بالتفصيل


1) مقتضب الأثر : 53. بحار الأنوار : 48 : 181، الحديث 25.

جوامع الكلم

وله (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلمات حكميّة قد تطرّق فيها لبعض الشؤون الأخلاقية والاجتماعيّة، زيادة على ما ذكرناه، وقد آثرنا ذكرها من دون إيضاح أو تعليق، وهي :

1 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَلَا تُذْهِبِ الْحِشْمَةَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَحْيِكَ، وَأَبْقِ مِنْهَا، فَإِنَّ ذَهَابَها ذَهابُ الْحَياءِ» (1).

2 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عَوْنَكَ لِلضَّعِيفِ مِنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ» (2).

3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يَعْرِفُ شِدَّةَ الْجَوْرِ مَنْ حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ» (3).

4 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «تَعَجُبُ الْجَاهِلِ مِنَ الْعاقِلِ أَكْثَرُ مِنْ تَعَجُبِ الْعَاقِلِ مِنَ الْجاهِلِ» (4).

5 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «تَصْلَحُ الْمَسْأَلَةُ إِلَّا فِي ثَلاثٍ : في دَم مُنْقَطِعِ، أَوْ غُرْمِ مُثْقِل، أو حاجَةٍ مُدْقِعَةٍ» (5).

6 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَعَزُّ مِنَ الْجَبَلِ الْجَبَلُ يُسْتَقَلُّ مِنْهُ بِالْمَعاوِلِ، وَالْمُؤْمِنُ لَا يُسْتَقَلُ مِنْ دِينِهِ بِشَيْءٍ» (6).

7 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أداء الأمانَةِ وَالصِّدْقُ يَجْلِبان الرّزْقَ، وَالْخِيانَةُ وَالْكِذَبُ يَجْلِبانِ


1) تحف العقول : 409.

2) تحف العقول : 414.

3) تحف العقول : 414.

4) تحف العقول : 414.

5) تحف العقول : 414.

6) الكافى : 5: 63، الحديث.1. بحار الأنوار: 64: 72، الحديث 42.

الْفَقْرَ وَ النّفاق» (1).

8 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ تَكَلَّفَ مَا لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِ ضاعَ عَمَلُهُ، وَخابَ أَمَلُهُ» (2).

9 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ إِلَّا لِمُسْتَمِع واعٍ أَوْ عَالِمِ ناطِقٍ» (3).

10 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ صَلاحَكُمْ مِنْ صَلاح سُلْطائِكُمْ، وَإِنَّ السُّلْطَانَ الْعادِلَ بِمَنْزِلَةِ الوالدِ الرَّحِيمِ، أَحِبُوا لَهُ ما تُحِبُونَ لأَنفُسِكُمْ، وَأَكْرَهُوا لَهُ ما تَكْرَهُونَ لأَنفُسِكُمْ» (4).

11 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ دَعا قَبْلَ الثَّناءِ عَلَى اللّه، وَالصَّلاةِ عَلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَانَ كَمَنْ رَمَى بِسَهُم بِلا وَتَرْ» (5).

12 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَفْضَلُ الْعِبادَةِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ انْتِظارُ الْفَرَج» (6).

13 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ» (7).

14 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كَثْرَةُ الْهَمِّ يُورِثُ الْهَرَمَ» (8).

15 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْعَجَلَةُ هِيَ الْخَرَقُ» (9).

16 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قِلَّةُ الْعِبالِ أَحَدُ الْيَسارَيْنِ» (10).


1) تحف العقول : 403. بحار الأنوار: 75: 327، الحديث 36.

2) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : 121، الحديث 4.

3) النوادر : 132. بحار الأنوار : 1 : 198، الحديث 13، يروي الإمام عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

4) أمالي الصدوق : 418. بحار الاانوار : 72 : 369، الحدیث 2.

5) تحف العقول : 403. بحار الأنوار : 75: 326، الحديث 4.

6) تحف العقول : 403. بحار الأنوار: 75: 326، الحديث 4.

7) الكافي : 2 : 645، الحديث 5. بحار الأنوار : 75: 335، الحدیث 15.

8) تحف العقول : 413. بحار الأنوار: 75: 326، الحديث 36.

9) تحف العقول : 403. بحار الأنوار : 75: 326، الحديث 4.

10) مستطرفات السرائر : 550. بحار الأنوار : 101: 72، الحديث 15.

17 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ أَحْزَنَ والِدَيْهِ فَقَدْ عَقْهُما» (1).

18 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الصَّنيعَةُ لَا تُكونُ صَنيعَةً إِلَّا عِنْدَ ذِي دِينِ أَوْ حَسَبٍ، وَاللّه يُنَزِّلُ الْمَعونَةَ عَلَى قَدَرِ الْمَؤُنَةِ، وَيُنَزِّلُ الصَّبْرَ عَلى قَدَرِ الْمُصيبَةِ» (2).

19 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا كانَ الْجَوْرُ أَغْلَبَ مِنَ الْحَقِّ لَمْ يَحِلُّ لأحَدٍ أَنْ يَظُنُّ بأَحَدٍ خَيْراً حَتَّى يَعْرِفَ ذلِكَ مِنْهُ» (3).

20 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمُؤْمِنُ مِثْلُ كَفَتَى الْمِيزَانِ، كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِهِ» (4).

21 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): - وقد حضر ميّتاً أُنزل في قبره - «إِنَّ شَيْئاً هذا آخِرُهُ لَحَقيقُ أَنْ يُزْهَدَ فِي أَوَّلِهِ، وَإِنَّ شَيْئاً هذا أَوَّلُهُ لَحَقيقُ أَنْ يُحَافَ آخِرُهُ» (5).

22 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اشْتَدَّتْ مَؤُونَةُ الدُّنْيا وَالدِّين.

أَمَا مَؤُوْنَةُ الدُّنْيا فَإِنَّكَ لَا تَمُدُّ يَدَكَ إِلى شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا وَجَدْتَ فاجِراً قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ.

وَأَمَا مَؤُوْنَةُ الْآخِرَةِ فَإِنَّكَ لَا تَجِدُ أَعْواناً يُعينُونَكَ عَلَيْها» (6).

23 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَخَذَ أَبي بِيَدِي، وَقالَ : يَا بُنَيَّ، إِنَّ أَبِي محمّد بْنَ عَلِيٍّ أَخَذَ قال : بِيَدِي، وَقالَ : إِنَّ أَبي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ أَخَذَ بِيَدِي، وَقالَ : يَا بُنَيَّ، افْعَلِ الْخَيْرَ إِلى كلّ مَنْ طَلَبَهُ مِنْكَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ فَقَدْ أَصَبْتَ مَوْضِعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِأَهْلِ كُنْتَ أَهْلَهُ، وَإِنْ شَتَمَكَ رَجُلٌ عَنْ يَمِينِكَ ثمّ تَحَوَّلَ إلى يَسارِكَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْكَ فَاقْبَلْ مِنْهُ» (7).


1) تحف العقول : 111.

2) تحف العقول : 221.

3) تحف العقول : 409.

4) تحف العقول : 408.

5) تحف العقول : 408.

6) تحف العقول : 409.

7) الكافي : 8: 153، الحديث 141. بحار الأنوار: 75 141، الحديث 34.

24 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما أَهَانَ الدُّنْيا قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا هَنَّاهُمُ اللّه إِيَّاها، وَبارَكَ لَهُمْ فيها. وَما أَعَزَّهَا قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا بَغْضَهُمُ اللّه إِيَّاها» (1).

25 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ أتى إلى أخيهِ مَكْرُوها فَبِنَفْسِهِ بَدَأَها» (2).

26 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ وَلَّدَهُ الْفَقْرُ أَبْطَرَهُ الْغِنى» (3).

27 : قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما اسْتَسَبَّ إِثْنَانِ إِلَّا انْحَطَّ الأَعْلَى مِنْهُما إِلَى الْمَرْتَبَةِ السُّفْلى» (4).

28 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِن لاِمِّهِ وَأَبِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَلِدْهُ أَبوهُ. مَلْعُونَ مَنِ اتَّهَمَ أَخاهُ، مَلْعُونٌ مَنْ لَمْ يَنْصَحْ لأَخِيهِ، مَلْعُونٌ مَنِ اسْتَأْسَرَ لأَخِيهِ، مَلْعُونٌ مَنِ احْتَجَبَ عَنْ أَخِيهِ، مَلْعون من اغتابَ أَخاهُ» (5).

29 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قِلَّةُ الْوَفَاءِ عَيْبٌ بِالْمُروءَةِ» (6).

30 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمَعْرُوفُ تِلْوَ الْمَعْرُوفِ غُلَّ لَا يَفُكُهُ إِلَّا مُكافَأَةً أَوْ شُكْرٌ» (7).

31 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَوْ ظَهَرَت الاجالُ لافْتَضَحَتِ الأمال» (8).

32 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قِلَّةُ الشُّكْرِ تُزَهُدُ فِي اصْطِناع الْمَعْروفِ» (9).


1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 414.

2) بحار الأنوار :75: 333، الحدیث 9.

3) بحار الأنوار 75: 333، الحدیث 8.

4) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : 125، الحدیث 21.

5) عدّة الداعي : 174. بحار الأنوار : 71: 237، الحدیث 38.

6) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : 125، الحدیث 20.

7) بحار الأنوار: 72 : 43، ذيل الحديث 10.

8) بحار الأنوار :75: 333، الحديث 8.

9) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : 123، الحدیث 12.

33 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «رَأْسُ السَّخاءِ أَداء الأمانة» (1).

34 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ واعِظٌ تَمَكَّنَ مِنْهُ عَدُوُّهُ - يعني به الشيطان -» (2).

35 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمَغْبُونُ مَنْ غَبِنَ مِنْ عُمُرِهِ سَاعَةً» (3).

36 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ كَثُرَ مَلَقُهُ لَمْ يُعْرَفْ بِشْرُهُ» (4).

37 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ تَرَكَ الْتِمَاسَ الْمَعَالِي لانْقِطاع رَجَائِهث فيها لَمْ يَنَلْ جَسيماً» (5).

38 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَوْلَى الْعِلْمِ بِكَ ما لَا يَصْلُحُ لَكَ الْعَمَلُ إِلَّا بِهِ، وَأَوْجَبُ الْعِلْمِ عَلَيْكَ ما أَنْتَ مَسْئُولٌ عَنِ الْعَمَلِ بِهِ، وَأَلْزَمُ الْعِلْمِ ما دَلَّكَ عَلَىٰ صَلَاحٍ قَلْبِكَ، وَأَظْهَرَ لَكَ فَسادَهُ، وَأَحْمَدُ الْعِلْمَ عاقِبَةً ما زادَ فِي عَقْلِ الْعَاقِلِ، فَلَا تُشْغَلَنَّ بِعِلْمٍ لَا يَضُرُّكَ جَهْلُهُ، وَلَا تَغْفَلَنَّ عَنْ عِلْمٍ يَزيدُ في جَهْلِكَ تَرْكُهُ» (6).

39 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِيَّاكَ أَنْ تَمْنَعَ فِي طَاعَةِ اللّه فَتُنْفِقَ مِثْلَيْهِ فِي مَعْصِيَةِ اللّه» (7).

40 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ تَكَلَّمَ فِي اللّه هَلَكَ، وَمَنْ طَلَبَ الرِّئَاسَةَ هَلَكَ، وَمَنْ دَخَلَهُ


1) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : 123، الحدیث 10.

2) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 124.

3) في معاني الأخبار : 342، الحديث 2، ووسائل الشيعة : 16 : 94، الحدیث 21072، عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).

4) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 123، الحدیث 11.

5) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : 122، الحديث 5.

6) عدّة الداعي : 68. بحار الأنوار: 1 : 220، الحديث 54.

7) تحف العقول : 408.

الْعُجْبُ هَلَكَ» (1).

41 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ قَوْماً يَصْحَبُونَ السُّلْطَانَ يَتَّخِذُهُمُ الْمُؤمِنونَ كهوفاً هُمُ الآمِنونَ يَوْمَ الْقِيامَةِ» (2).

42 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فقيه واحِدٌ يَنْقُذُ يَتيماً مِنْ أَيْنا مِنا الْمُنْقَطِعِينَ عَنْ مَشَاهَدَتِنا أَيْسَامِنَا بِتَعْلِيمِهِ مَا هُوَ مُحْتاجُ إِلَيْهِ أَشَدُّ عَلَى إِبْلِيسَ مِنْ أَلْفِ عابد، لأَنَّ الْعابِدَ هَمُّهُ ذاتُ نَفْسِهِ فَقَطْ، وهذا هَمُّهُ مَعَ ذاتِ نَفْسِهِ ذَوَاتُ عِبَادِ اللّه وَإِمَائِهِ لِيُنْقِذَهُمْ مِنْ يَدِ إِبْلِيسَ وَمَرَدَتِهِ، وَلِذلِكَ هُوَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللّه مِنْ أَلْفِ عابِدِ وَأَلْفِ عابِدَةٍ» (3).

43 قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كُلَّما أَحْدَثَ النَّاسُ مِنَ الذُّنوبِ ما لَمْ يَكونوا يَعْمَلُونَ أَحْدَثَ اللّه لَهُمْ مِنَ الْبَلاءِ ما لَمْ يَكونوا يَعُدُّونَ» (4).

قال علي بن سويد السائي : «سألت أبا الحسن الأول عن قول اللّه عزّ وجلّ : «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه فَهُوَ حَسْبُهُ» (5).

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): التَّوَكُلُ عَلَى اللّه دَرَجَاتٌ، مِنْها أَنْ تَتَوَكَّلَ عَلَى اللّه فِي أُمورِكَ كُلِّهَا، فَمَا فَعَلَ بِكَ كُنْتَ عَنْهُ راضِياً. تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَأْلُوكَ إِلَّا خَيْراً وَفَضْلاً، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذلِكَ إِلَيْهِ، فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه بِتَفْويض ذلِكَ، وَثِقٌ بِهِ فِيها وَفي غَيْرِها» (6).

44 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ لَمَرْحومونَ ما تَحابُّوا، وَأَدُّوا الأمانَةَ، وَعَمِلوا


1) تحف العقول : 409.

2) تاريخ اليعقوبي : 2 : 414.

3) الاحتجاج : 1 : 8 و 2 : 170. الفصول المهمة : 602، الحديث 945.

4) تحف العقول: 410. بحار الأنوا 75: 322، الحدیث 21.

5) الطلاق 65: 3.

6) أصول الكافي : 2 : 65، الحديث 5. تحف العقول : 443.

بِالْحَقِّ» (1).

45 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا تُضَيّعْ حَقَّ أَخِيكَ اتَّكالاً عَلى ما بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخْ مَنْ ضَيَّعْتَ حَقَّهُ، وَلَا يَكونَنَّ أَخُوكَ أَقْوىٰ عَلَىٰ قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ» (2).

46 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنَّ الأنبياءَ وَأَوْلادَ الْأَنْبِياءِ وَأَتْبَاعَ الْأَنْبِياءِ خُصُّوا بِثَلاثِ خِصال: السَّقَمُ فِي الْأَبْدانِ، وَخَوْفُ السُّلْطَانِ، وَالْفَقْرُ» (3).

47 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : إِنِّي لَمْ أَغْنِ الْغَنِيَّ لِكَرامَةٍ لَهُ عَلَيَّ، وَلَمْ أُفْقِرِ الْفَقِيرَ لِهَوانِ بِهِ عَلَيَّ، وَهُوَ ممّا ابْتَلَيْتُ الْأَغْنِيَاءَ بِالْفُقَراءِ، وَلَوْلا الفُقَراءُ لَمْ يَسْتَوْجِبِ الْأَغْنِيَاءُ الْجَنَّةَ» (4).

48 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِذا لَمْ تَسْتَحِ فَاعْمَلْ ما شِئْتَ» (5).

49 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ طَلَبَ هذا الرِّزْقَ مِنْ حِلِّهِ لِيَعودَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيالِهِ كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبيلِ اللّه، فَإِنْ غُلِبَ عَلَيْهِ فَلْيَسْتَدِنْ عَلَى اللّه وَعَلَى رَسُولِهِ ما يَقوتُ بِهِ عِيالَهُ، فَإِنْ ماتَ وَلَمْ يَقْضِهِ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ قَضَاؤُهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ. إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ» (6)، فَهُو فَقيرٌ مِسْكِينٌ مُغْرَم (7).


1) مشكاة الأنوار: 108. بحار الأنوار: 72: 117، الحدیث 18.

2) مشكاة الأنوار : 189.

3) الخصال: 88، الحديث 24. مشكاة الأنوار: 228.

4) الكافي : 2 : 265، الحديث 20 مشكاة الأنوار : 501. بحار الأنوار: 69: 26، الحديث 22.

5) الخصال: 20، الحديث 69 مشكاة الأنوار: 413. بحار الأنوار: 68 : 335، الحديث 18.

6) التوبة 9 : 60.

7) الكافي : 5: 93، الحديث 3. بحار الأنوار : 93 : 61، الحدیث 20.

50 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ مَلائِكَةُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» (1).

51 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَحْسَنُ مِنَ الصِّدْقِ قائِلُهُ، وَخَيْرٌ مِنَ الْخَيْر فاعِلُهُ» (2).

52 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : مَنْ أَصْبَحَ وَهُوَ لَا يَهِم بِظُلْمٍ أَحَدٍ غَفَرَ اللّه ما اجْتَرَمَ (3)» (4).

53 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سَأَلَ رَجُلٌ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): ما حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ ؟

فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : لَا يُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ، وَلَا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا يَجْلِسُ قَبْلَهُ، وَلَا يَسْتَسُبُّ له» (5).

54 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جاءَ رَجَلٌ إِلى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَقالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللّه، ما حَقُّ ابني هذا ؟

فَقالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): تُحْسِنُ إِسْمَهُ وَأَدَبَهُ، وَضَعْهُ مَوْضِعاً حَسَناً» (6).

55 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نِعْمَ الْمالُ النَّخْلُ الرّاسِخاتُ في الوَحْلِ، الْمُطْعِمَاتُ في الْمَحَلِ» (7).

56 - وحدّث العبّاس بن هلال الشامي، قال : «قلت لأبي الحسن موسى :


1) المحاسن : 1 : 205، الحديث 58. وسائل الشيعة : 27 : 29، الحدیث 33130.

2) أمالي الطوسي : 222 و 223، الحديث 385. بحار الأنوار : 66: 404، الحديث 109.

3) اجترم : اكتسب.

4) الكافي : 2 : 334، الحديث 21.

5) الكافي : 2 : 158 و 159، الحديث 5. بحار الأنوار: 71: 45، الحديث 6.

6) الكافي : 6 : 48، الحديث.1 تهذيب الأحكام : 8: 112، الحديث 384.

7) بحار الأنوار: 63: 142، الحديث 61.

جعلت فداك، ما أعجب الناس من يأكل الجشب، ويلبس الخشن ويتخشّع ؟ !

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَما عَلِمْتَ أَنْ يُوسُفَ نَبِيٌّ وَابْنُ نَبِيَّ كَانَ يَلْبَسُ أَقْبِيَةَ الدِّيباج مَزْرورَةً بِالذَّهَبِ، وَيَجْلِسُ في مَجالِسِ آلِ فِرْعَونَ فَيَحْكُمُ، فَلَمْ يَحْتَجِ النَّاسُ إِلَى لِبَاسِهِ، وَإِنَّما احتاجوا إلى قِسْطِهِ، وَإِنَّمَا يَحْتاجُ مِنَ الْإِمَامِ إِذا قَالَ صَدَقَ، وَإِذا وَعَدَ أَنْجَزَ، وَإِذا حَكَمَ عَدَلَ، إِنَّ اللّه لَمْ يُحَرِّمْ طَعاماً وَلَا شَراباً مِنْ حَلالٍ، إِنَّما حَرَّمَ الْحَرامَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَقَدْ قالَ اللّه: «مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ» (1)» (2).

57 - قال موسى بن بكير : «سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الكفر والشرك أيهما أقدم ؟ فقال لي : ما عَهْدِي بِكَ تُخاصِمُ.

فقلت : أمرني هشام بن سالم أن أسألك.

فقال لي : الكُفْرُ أَقْدَمُ وَهُوَ الْجُحودُ. قال اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ» (3)» (4).

58 - : قال علي بن سويد : «سألت أبا الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الضعفاء - أي ضعفاء العقيدة -.

فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لي : الضَّعيفُ مَنْ لَمْ تُرْفَعْ لَهُ حُجَّةٌ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْإِخْتِلافَ، فَإِذا عَرَفَ الْإِخْتِلافَ فَلَيْسَ بِمُسْتَضْعَفِ» (5).

59 - قال عليّ بن سويد : «سألت أبا الحسن عن العجب الذي يفسد العمل.


1) الأعراف 7: 32.

2) الكافي : 6: 453، الحديث 5. بحار الأنوار: 76: 305، الحديث 19.

3) البقرة 2 34.

4) الكافي : 2 : 385، الحديث.6. بحار الأنوار: 69: 97، الحديث 14.

5) الكافي : 2 : 406، الحديث.11. بحار الأنوار : 48 : 244، الحديث 51.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْعُجْبُ دَرَجَاتٌ مِنْها أَنْ يُزَيَّنَ لِلْعَبْدِ سُوءُ عَمَلِهِ فَيَراهُ حَسَناً فَيُعْجِبُهُ وَيَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً، وَمِنْهَا : أَنْ يُؤْمِنَ الْعَبْدُ بِرَبِّهِ فَيَمُنَّ عَلَى اللّه عَزَّ وَجَلٌ، وَلِلهِ عَلَيْهِ فِيهِ الْمَنُّ» (1).

60 - قال علي بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سألت أخي موسى بن جعفر فقلت له : أصلحك اللّه، أيكون المؤمن بخيلاً ؟

•

نَعَمْ.

•

أيكون خائناً ؟

•

لَا، وَلَا يَكونُ كاذباً.

ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ أَبي حدّثني عَنْ آبَائِهِ، عَنْ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، أَنَّهُ قَالَ : كلّ خُلَّةٍ يُطْوَى الْمُؤْمِنُ عَلَيْها لَيْسَ الْكَذِبُ وَالْخِيانَةُ» (2).

61 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض ولده : يا بُنَيَّ، عَلَيْكَ بِالْجِدُ، لَا تُخْرِجَنَّ نَفْسَكَ مِنْ حَدَّ التَّقْصِيرِ فِي عِبادَةِ اللّه وَطَاعَتِهِ، فَإِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَا يُعْبَدُ حَقَّ عِبادَتِهِ» (3).

62 - قال عبد اللّه بن يحيى : «كتبت إلى الإمام موسى في دعاء : الْحَمْدُ للّه مُنْتَهى عِلْمِهِ، فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَا تَقُولَنَّ مُنْتَهَى عِلْمِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِعِلْمِهِ مُنْتَهى، وَلكِنْ قُلْ : مُنتَهى رضاه» (4).

63 - سأله رجل عن الجواد، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ لِكَلامِكَ وَجْهَيْنِ : فَإِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنِ له الْمَخْلُوقينَ، فَإِنَّ الْجَوادَ الَّذي يُؤَدَي ما افْتَرَضَ اللّه عَلَيْهِ، وَالْبَحْيِلُ مَنْ بَخِلَ بِمَا افْتَرَضَ


1) الكافي : 2 : 313، الحديث. بحار الأنوار: 69: 310، الحديث 4.

2) کشف الغمة : 3 : 8.

3) الکافی : 2 : 72، الحدیث 1. وسائل الشيعة : 1 : 95، الحديث 227.

4) تحف العقول : 408.

اللّه، وَإِنْ كُنْتَ تَعْنى الْخالِقَ فَهُوَ الْجَوادُ إِنْ أَعْطى، وَهُوَ الْجَوادُ إِنْ مَنَعَ، لأَنَّهُ إِنْ أَعْطَاكَ أَعْطَاكَ ما لَيْسَ لَكَ، وَإِنْ مَنَعَكَ مَنَعَكَ ما لَيْسَ لَكَ (1).

64 - وذكر في مجلسه بعض الجبابرة، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أَمَا وَاللّه لَئِنْ عَزَّ بِالظُّلْمِ فِي الدُّنْيا لَيَذْلّنَّ بِالْعَدْلِ فِي الآخِرَةِ (2).

65 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمحمّد بن الفضل : يا محمّد، كَذَّبْ سَمْعَكَ وَبَصَرَكَ عَنْ أَخِيكَ وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَكَ خَمْسونَ قُسَامَةٌ، وَقالَ لَكَ قَوْلاً فَصَدِّقْهُ وَكَذَّبْهُمْ وَلَا تُذِيعَنَّ شَيْئاً يُشِينُهُ.

66 - وسأله عبيد اللّه بن إسحاق المدائني، فقال له : إنّ الرجل يراني فيحلف باللّه إنّه يحبّني، فأحلف باللّه إنّه لصادق ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : امْتَحِنُ قَلْبَكَ، فَإِنْ تُحِبَّهُ فَاحْلِفُ، وَإِلَّا فَلَا (3).

ونقتصر على هذا المقدار من جوامع كلماته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وله تراث آخر يتعلّق في ردّ الملحدين وغيرهم وسوف نقدّمه عند عرض مشاكل عصره.


1) تحف العقول : 408.

2) تاريخ اليعقوبي : 2 : 414.

3) المحاسن: 1 : 267، الحدیث 351. بحار الأنوار: 71 : 182، الحدیث 5.

إنهِيارُ الحكم الأمويّ

إشارة:

كان الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيّام الثورة العارمة على الحكم الأموي في سنّ مبكر، فقد كان عمره الشريف - حسب ما يقول الرواة - ما لا يزيد على أربع سنين، وهو دور يسمح لصاحبه أن ينقل إلى دخيلة نفسه كثيراً من المشاهدات والصور التي تمرّ عليه، ولا سيّما إذا كانت من الأحداث الجسام، فإنّها تؤثر - من دون شكّ - في دخائل ذاته، وتتفاعل معه، وتترك فيه كثيراً من الانطباعات حسب ما يقوله علماء النفس.

وقد شاهد الإمام أو سمع وهو في سنه المبكّر الثورة العارمة التي عمّت جميع الأقاليم الإسلاميّة على الحكم الأموي، فقد واكبت تلك الثورة كثيراً من الأحداث الرهيبة، فجبال من جثث الضحايا، وبحور من الدماء بذلت بسخاء للتخلص من ذلك الحكم الأسود القائم على الجور والاستغلال والتنكر لحقوق الإنسان.

ولسنا بصدد البحث عن تأسيس الدولة الأمويّة، وبيان دوافع إيجادها، فذاك أمر يحّز في النفس، ويترك لهب الحزن في القلوب، فإنّ هذه الدولة لم تتأسّس إلّا لعزل أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وإقصائهم عن قيادة الأُمّة حسب ما هو معلوم من مبدأ الشورى الذي صمّم لأجل هذه الغاية.

وقد رافقت تلك الدولة في جميع مراحلها كثيراً من المشاكل الاجتماعيّة ما أثرت به على الحياة الإسلاميّة العامّة من إضاعة الأهداف الأصلية التي ينشدها الإسلام في ظلال حكمه من نشر العدالة والمساواة والرفاهية والدعة بين الناس

لقد جمدت بصورة قطعية جميع المفاهيم الإسلاميّة البنّاءة، وضاعت آمال الإسلام في إيجاد مجتمع متحرّر من الجهل والجمود، والبؤس والفقر.

لقد تبدّلت الحياة الكريمة التي سعى الإسلام إلى إيجادها إلى حياة قاتمة تسودها النزعات الجاهليّة، ويعمها الظلم والجور والانحراف عن القيم الإنسانيّة.

ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للبحث عن الأسباب التي طوت ذلك الحكم الأسود، وأزالت وجوده البغيض عن العالم الإسلامي، فإنّ الحديث عن ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً - فيما نحسب - بالبحث عن حياة الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنّها تصوّر لنا محنة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في تلك الأدوار الرهيبة، وما عانوه من الظلم المرير والجور الشديد، وما قاسته شيعتهم من المجازر والسجون والمطاردة والتنكيل، وما عاناه المسلمون جميعاً من الاضطهاد الجماعي المتميّز بسلب حريّاته، وشلّ اقتصاده، وإشاعة البؤس والفقر وانعدام الأمن في ربوعه، إلى غير ذلك من ألوان الظلم والاضطهاد.

ومن الطبيعي أنّ لذلك أثراً كبيراً في تكوين حياة الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وانطباعها على الحزن العميق، والأسى الشديد.. وفيما يلي عرض موجز لبعض تلك الأحداث.

التنكيل بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

وكان الشيء البارز في السياسة الأمويّة أنها وجّهت جميع أجهزتها الإداريّة والاقتصاديّة والسياسيّة إلى اضطهاد أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) والتنكيل بهم، وكان من مظاهر ذلك :

1 - إنّها فرضت سبّهم وانتقاصهم على جميع المسلمين، وجعلته فرضاً دينيّاً يسألون عنه ويحاسبون عليه، فكان الخطيب يبدأ خطابه ويختمه بسبّ العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم، وبلغ الانحطاط الفكري والاجتماعي أقصاه عند تلك السلطات الحاكمة، فكان الانتهازيون وباعة الضمير يتوصلون إليها

بانتقاص عترة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وسبّها.

فقد روى المؤرّخون أنّ شخصاً ذميم المنظر جاء يشتدّ إلى الحجّاج وهو رافع عقيرته : أيّها الأمير، إنّ أهلي عقّوني فسموني عليّاً، وإنّي فقير بائس، وأنا إلى صلة الأمير محتاج.

فتضاحك الحجّاج، وقال له : للطف ما توصلت به فقد ولّيتك موضع كذا (1).

إنّ مناصب الدولة وأموالها تمنح بغير حساب للأدعياء والأغبياء لأنهم ينتقصون أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

وقد أثار ذلك كوامن الحقد والغيظ في نفوس المؤمنين والمتحرّجين في دينهم، فاندفعوا إلى إعلان سخطهم على الأمويّين، وكان من بينهم الشاعر الملهم كثير بن كثير، فقد قال :

لَعَنَ اللّه مَنْ يَسُبُّ عَلِيّاً***وَحُسَيناً مِنْ سُوقَةٍ وَإِمام

أَيُسَبُّ المُطَهَّرون جدوداً***وَالكِرامُ الأَخْوالِ وَالأجداد

يَأْمَنُ الطَّيرُ وَالحَمامُ وَلا***يَأْمَنُ آلُ الرَّسولِ عِندَ الْمَقامِ

طبْتَ بَيْتاً وَطابَ أَهلُكَ أَهْلاً***أَهْلُ بَيتِ النبيّ وَالإِسْلامِ

رَحمَةُ اللّه وَالسَّلامُ عَلَيْهِمْ***كُلَّما قامَ قائِمٌ بِسَلامِ (2)

وصوّرت هذه الأبيات مدى الاستياء الشامل والحزن العميق لانتقاص أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، كما حكت أصدق الودّ وخالصه لهم.

2 - واستخدمت السلطة التربية لمحاربة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهي أخطر وسيلة


1) شرح نهج البلاغة : 1 : 356.

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 475. عرضنا كلمات الأحرار الذين نقدوا الأمويّين على ذلك في كتابنا حياة الإمام الحسن بن عليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 2 : 348 - 356.

اعتمدت عليها لدعم غرضها، فقد عهدت إلى معلمي الكتاتيب أن يغذّوا الأطفال بروح الكراهية والعداء لآل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وأن يمعنوا في غرس هذه النزعة الشريرة في نفوسهم من أجل أن ينشأ جيل حاقد على آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكان ذلك من أفتك الوسائل وأكثرها خطراً على الإسلام، فقد باعدت بين بعض المسلمين وبين عترة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) التي فرض اللّه مودتها في محكم كتابه، ولا تزال آثار هذه الظاهرة السيئة باقية حتّى يوم الناس هذا.

3 - إنّها أقامت لجان الوضع لتضع الحديث وتنمّقه في مثالب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وتضع أحاديث المدح والثناء للصحابة وبني أميّه، وممّا وضعوه أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال : «إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنّما وليّي اللّه».

وروى أبو هريرة عميد هذه اللجنة أن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال : «إن أبا طالب في ضحضاح من نار».

وهو الذي أكثر من الرواية في كفر أبي طالب مؤمن قريش وحامي الإسلام والمنافح عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في أحرج المواقف وأكثرها صعوبة، وسبب ذلك التقليل من أهمّيته والحطّ من مآثره ومناقبه.

وعلى أي حال، فإنّ السلطات الأمويّة قد عنت بلجان الوضع، وجهدت بإذاعة أخبارها المفتعلة ضدّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وذلك لتضليل الرأي العام وصرفه عن عترة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وذريّته.

4 - وأمعن الأمويّون فى قتل العترة الطاهرة، فقد امتدت أيديهم الأئمّة إلى تلك النفوس الزكية التي أوجب اللّه ودّها على جميع المسلمين، فقد كان لهم ضلع كبير في اغتيال الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حسب ما حقّقناه (1)، واغتال معاوية سبط


1) حققنا ذلك في تقديمنا لكتاب (معاوية أمام محكمة الجزاء) تأليف العلامة الكبير الشيخ مهدي القرشي (رَحمهُ اللّه).

النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الأوّل وريحانته الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فدسّ له السم على يد زوجته جعيدة بنت الأشعث، وقام بعده يزيد بارتكاب أفظع جريمة هزّت الضمير الإنساني وذلك بإبادته للعترة الطاهرة على صعيد كربلاء، فقد أوجبت هذه المأساة الكبرى التي مني بها العالم الإسلامي شعوراً عامّاً بالاستياء والكراهية لبني أميّه، وسبّبت إلهاب نار الثورات العارمة ضدّ ذلك الحكم الجاهلي.

وقام طاغية بني مروان هشام بن عبد الملك بقتل زيد بن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأمر الرجس الخبيث بوضع رأس زيد في مجلسه وأمر جميع من يدخل عليه بأن يطأ بحذائه وجه زيد الذي هو قطعة من كبد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

وكتب هشام إلى والي الكوفة أن يبقي زيداً مصلوباً، ولا ينزله عن خشبته قاصداً إذلال العلويّين، والتشفّي منهم، ويقي جسده الطاهر مرفوعاً على أعواد المشانق تصهره الشمس، وتذروه الرياح، قد وضعوا عليه الحرس خوفاً من أن يختلس ويوارى في التراب، وعمدت السلطة بعد ذلك إلى إحراق الجثمان العظيم وذرّه في الهواء (1).

وعمد الأمويّون إلى قتل يحيى بن زيد الثائر العظيم، ففي ذمة اللّه ما لاقته عترة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من القتل والتنكيل والظلم والهوان من بني أميّه التي انتهكت بذلك حرمة النبيّ، (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في عترته التي هي أولى بالرعاية والعطف من كلّ شيء.

وعلى أي حال، فإنّ ما واجهته العترة الطاهرة من صنوف الكوارث والخطوب طيلة الحكم الأموي قد أوجب سخط الأخيار والمتحرّجين في دينهم، كما أوجب التحام القوى، وانتفاضة الشعوب الإسلاميّة إلى الثورة الكبرى التي أطاحت بحكم الأمويّين.


1) عقائد الزيديّة (مخطوط) / المؤلّف.

اضطهاد الشيعة

ولاقت الشيعة في عهد الأمويّين المزيد من الجور والاضطهاد، فقد صبّت السلطات عليهم جام غضبها، وقابلتهم بجميع ألوان العنف، لأنّهم القوة الواعية التي تدفع الشعوب الإسلاميّة إلى مناهضة الجور، ومناجزة الظلم، فكانت معظم الثورات الدامية التي أذعرت السلطات الأمويّة تستند إلى الشيعة، فهم قادة النضال، ودعاة العدالة الاجتماعيّة، وملهمي الشعوب روح التضحية في سبيل المبدأ والعقيدة.

لقد قاموا بأحرج الظروف، وأشدّها أزمة وتعقيداً بمناهضة الظلم، ومكافحة الجور، وتحرير المجتمع من الذل والعبودية، وقد قاسوا في سبيل ذلك أعنف المشاكل وأشدّها لوعة ومرارة، وقد تحدّث عنها الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : «وَقُتِلَتْ شِيعَتُنا بِكُلِّ بَلْدَةٍ، وَقُطِعَتِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ عَلَى الظَّنَّةِ، وَكَانَ مَنْ يُذْكَرُ بِحُبِّنَا وَالْإِنْقِطَاعِ إِلَيْنا سُجِنَ أَوْ تُهبَ مالُهُ أَوْ هُدِمَتْ دارُهُ» (1).

وقد كتب معاوية إلى جميع عماله وولاته بعد عام الصلح مذكرة جاء فيها :

«انظروا إلى من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان، وأسقطوا عظاءه ورزقه».

وشفع ذلك بنسخة أخرى : «من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به، واهدموا داره (2).

لقد واجهت الشيعة من العناء والارهاق ما لا سبيل إلى تصويره، وكان من أشدّهم محنة شيعة أهل الكوفة أيّام معاوية، فقد استعمل عليهم زياد ابن أبيه، وكان بهم عالماً، فأشاع فيهم القتل والإعدام فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وقطع أيديهم


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 15.

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 15.

وأرجلهم، وسمل عيونهم، وصلبهم على جذوع النخل وشرّدهم وطردهم (1).

وقد أوجبت هذه السياسة النكراء إشاعة السخط والتذمّر بين جميع المسلمين، فإنّهم لم يألفوا هذ السياسة ولم يعهدوها من قبل، فإنّهم لم يواجهوا من الحكومات السابقة مثل هذا الاضطهاد والتنكيل بأحد من المسلمين.

وقد سعت الشيعة جاهدة بعد ما حلّ بها من الاضطهاد والجور إلى العمل المتواصل على إسقاط الحكم الأموي، وفلّ عروشه، فنظموا صفوفهم، وشكّلوا المنظمات السريّة التي عملت على إيقاظ الرأي العام، وبعثه إلى ساحات النضال والتضحية للتخلّص من الحكم الأموي.

واقعة الحرّة

ومن أهمّ المآسي التي رزئ بها العالم الإسلامي واقعة الحرّة، فقد انتهكت فيها كرامة الإسلام وحرمة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فقد أعلنت القيادة العسكريّة بعد احتلالها ليثرب إباحة الدماء والأعراض والأموال، وقد أسرف الجيش الأموي في ذلك بصورة لم يعهد لها نظير في القسوة والغلظة، فقد استباح قتل النساء والأطفال والأبرياء، وانتهاك الأعراض، وقد لجأ المدنيون إلى قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) واعتصموا به لاعتقادهم أنّ قداسته سوف تحميهم وتعصمهم من الاعتداء، إلا أن تلك الوحوش الكاسرة لم تقم وزناً لحرمة القبر، ولم ترجو له وقاراً فقد عمدوا إلى قتلهم وانتهاك أعراضهم في الجامع النبوي، وقد علّق مؤرّخ أوروبي على هذا الحادث المؤسف بقوله : «إن تأثير هذا الحادث على العالم الإسلامي كان هائلاً مروّعاً، فكأنّ الأمويّين قد أرادوا أن يوفوا ما عليهم من دين حينما عاملهم الرسول وجيشه بالرحمة والعطف، فشرّدوا وقتلوا خيرة شباب المدينة ورجالها الميامين، كما أجبروا من تبقى منهم على مبايعة


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 15.

يزيد على أنّه خول يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم فمن امتنع عن ذلك وسمه بالكي على رقبته.

وقد أصبحت مدينة الرسول في حكم بني أميّه كالواحة في الصحراء التي تحيطها من جهاتها الأربع الكآبة الموحشة، والظلام الدامس، ولم تستردّ المدينة قط عهودها الغابرة حتّى أصبحت في عصر بني أميّه بلدة الماضي السحيق» (1).

وقد ذعر المسلمون من هذه الحادثة النكراء التي لم ترع فيها حرمة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في مجاوريه الذين أووه ونصروه وقاموا بحمايته أيّام محنة الإسلام وغربته، وإذا بهم تستباح دماؤهم، وتنتهك أعراضهم، وتنهب أموالهم، ويرغمون على البيعة بأنّهم خول وعبيد ليزيد.

وما انتهت هذه الكارثة الأليمة إلا بموجات من السخط والتذمر، فقد أصبحت حديث الناس في أنديتهم، وكانت من أوثق الأسباب التي أدت إلى التحام القوى، وتعبئة الرأي العام إلى الثورة الكبرى التي أطاحت بالحكم الأموي.

سياسة الكفر والظلم

والشيء المحقّق الذي لم يختلف فيه المؤرّخون هو أنّ الأمويّين لم تكن لهم أي نزعة إسلامية، وإنّما كانوا على نزعاتهم الجاهليّة، فلم ينفذ الإسلام إلى دخائل قلوبهم، وإنّما جرى على ألسنتهم خوفاً من حدّ السيوف وأسنة الرماح، ولما دخلوا في حضيرة هذا الدين أخذوا يكيدون له، ويترقبون الفرص للانتقام منه، ولما آل أمر المسلمين إلى عميد الأمويّين عثمان بن عفان حسب المخطط الرهيب الذي صممته الشورى، سارع أبو سفيان الزعيم الأموي إلى قبر سيّد الشهداء حمزة فركله برجله وقال : «يا أبا عمارة !! إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد


1) مختصر تاريخ العرب : 75.

غلماننا يتلعبون به».

ثم مضى مثلوج القلب، ودخل على عثمان، فقال : «اللّهمّ اجعل الأمر أمر جاهلية، والملك ملك غاصبية، واجعل أوتاد الأرض لبني أميّه» (1).

لقد قال أبو سفيان كلمة الكفر أمام عثمان، وهو خليفة المسلمين، ولم يوجّه له عتاباً أو ينزل به عقاباً.

وكانت هذه النزعة الإلحاديّة ماثلة في معاوية، وظل متأثراً بها طوال حياته، وقد أعرب عن هذه الظاهرة في حديثه الخطير مع المغيرة بن شعبة، فقد كشف فيه جانباً كبيراً عن واقعه الجاهلي وعدم إيمانه بالإسلام.

وهذا نص حديثه فيما رواه مطرف بن المغيرة، قال : «وفدت مع أبي المغيرة على معاوية، فكان أبي يأتيه يتحدث عنده ثمّ ينصرف إليَّ فيذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، وأقبل ذات ليلة فأمسك عن العشاء وهو مغتمّ أشدّ الغمّ، فانتظرته ساعة، وظننت أنه لشيء حدث فينا أو في عملنا، فقلت له : ما لي أراك معتماً منذ الليلة ؟

•

يا بني جئت من أخبث الناس !

•

وما ذاك ؟

•

خلوت بمعاوية فقلت له : إنّك قد بلغت مُناك يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً، فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوانك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فواللّه ما عندهم اليوم شيء تخافه.

فقال لي : هيهات.. هيهات!! ملك أخو تيم فعدل، وفعل ما فعل، فواللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل أبو بكر.


1) تاریخ دمشق : 23 : 471.

ثمّ ملك أخو عدي فاجتهد وشمّر عشر سنين، فواللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلّا أن يقول قائل عمر.

ثمّ ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل، وعمل به، فواللّه ما عدا أنّ هلك فهلك ذكره، وذكر ما فعل به، وإن أخا بني هاشم يصرخ به في كلّ يوم خمس مرات : أشهد أن محمّداً رسول اللّه، فأي عمل يبقى بعد هذا لا أمّ لك، إلا دفنا دفناً» (1).

وهذه البادرة تدلّ بوضوح على كفره والحاده، وعلى حقده البالغ على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فقد هاله وأزعجه ذكره في كلّ يوم خمس مرّات في الأذان، ولو وجد سبيلاً لمحا اسمه، وطمس معالم دينه، ولشدّة بغضه للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه مكث في أيّام خلافته أربعين جمعة لا يصلّي فيها على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد سئل عن ذلك فقال : لا يمنعني من ذكره إلا أن تشمخ رجال بآنافها» (2).

وتمثّلت هذه الظاهرة الإلحاديّة بجميع أبعادها في ولده يزيد، فإنّه بعد توليته الحكم أعلن الكفر والمروق من الدين، وقد أعلن كلمة الإلحاد بقوله :

لَعِبَتْ هَاشِمُ بِالمُلْكِ فَلاَ***خَبْرٌ جَاءَ وَلا وَحْيٌ نَزَل

وهكذا اذا استعرضنا سيرة أغلب ملوك بني أميّه لوجدناها حافلة بالزندقة والحقد على الإسلام، وقد حاولوا جميعاً محو سطوره وإطفاء نوره، ولولا فيض عارم في مبادئه وعناية فيه من اللّه للف لواؤه، ولم يبق له ذكر ولا أثر.

وقد ساس الأمويّون الأُمّة الإسلاميّة بسياستهم الإلحادية التي لا تؤمن بالإسلام كقاعدة أساسية في ميادين الحكم والإدارة والاقتصاد والسياسة، فغيّروا جميع


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 357.

2) النصائح الكافية : 97.

المناهج الحيّة التي أقامها الإسلام لإصلاح المجتمع، فعطّلوا الحدود، واستحلوا ما حرّم اللّه، وأقاموا أحكامهم على الشبهة، وقتلوا على الظنّة والتهمة، ونهبوا أموال المسلمين وثرواتهم.

وقد ألمح إلى ذلك سديف بن ميمون (1)

شاعر مفلق، وأديب بارع، وخطيب مصقع، بليغ في رعايته للمناسبات، وإصابته للأهداف.

قال النمري : «ماكان في زمان سديف أشعر منه، ولا أطبع، ولا أقدر على ما يريده من الشعر، كان مولى لامرأة من خزاعة، وكان لها زوج من اللّهبيّين، وادّعى سديف بذلك ولاء بني هاشم، وزعم المدائني أنّه مولى بني العبّاس و شاعرهم.. طبقات الشعراء : 39 و 40.

وفي العمدة : 45 : «أنّه لما خرج محمّد بن الحسن بالمدينة على أبي جعفر المنصور قال له :

إِنَّا لَنَأْمَلُ أَنْ تَرْتَدَّ إِلْفَتَنا***بَعْدَ التَّباعُدِ وَالشَّحْنَاءِ وَالْإِحَنِ

وَتَنْقَضَى دَوْلَةٌ أَحْكامُ قادَتِها***فينا كأحكام قَوْم عابِدِي وَثَنِ

فَانْهَضْ بِبَيْعَتِكُمْ نَنْهَضُ بِطَاعَتِنا***إِنَّ الخِلافَةَ فِيكُمْ يَا بَني حَسَنِ

فلما بلغ المنصور ذلك كتب إلى عبد الصمد أن يدفنه حيّاً ففعل ذلك.

وجاء في تاريخ ابن عساكر : أنّ المنصور رمى به في بئر بعد أن ضربه».

في دعائه عن جور الأمويّين وظلمهم بقوله :

«اللّهمّ، قد صار فيئنا دولة بعد القسمة، وإمارتنا غلبة بعد المشورة، وعهدنا ميراثاً بعد الاختيار للأمة، واشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة، وحكم في أبشار المسلمين أهل الذمّة، وتولّى القيام بأمرهم كلّ فاسق محله، فلا ذائد يذود عن هلكة ولا مشفق ينظر إليهم بعين الرحمة، ولا رادع يردع من أوى إليهم بمظلمة، ولا ذو شفقة يشبع الكبد الحرّى من السعب، فهم أهل ضرع


1) سدیف بن میمون :

وضيعة، وحلفاء كآبة وذلّة، قد استحصد زرع الباطل، وبلغ نهايته، واستجمع طريده، واستوسق وضرب بجرانه.

اللّهمّ فأتح له يداً من الحق حاصدة تجتت سنامه، وتهشم سوقه، وتبدد شمله وتفرّق كلمته ليظهر الحق في أحسن صورته، وأتم نوره، وأعظم بركته.

اللّهمّ وقد عرفنا من أنفسنا خلالاً لا تقعد بنا عن استجابة الدعوة، وأنت المتفضّل على الخلائق أجمعين، والمتولي الإحسان إلى السائلين، فآت لنا من أمرنا حسب كرمك وجودك وامتنانك، فإنك تقضي ما تشاء وتفعل ما تريد» (1).

وقد ألمّ دعاء سديف بوصف رائع للسياسة الأمويّة التي انتهكت حقوق المسلمين، وكفرت بجميع القيم العليا التي جاء بها الإسلام، وحاربت جميع مبادئه

ومناهجه.

وعلى أي حال، فإنّ الأمويّين قد ساسوا الأقاليم الإسلاميّة بسياسة قد بنيت على الكفر والخروج على إرادة الأُمّة، وقد اعتقد المسلمون بأن فى ظفر الأمويّين بالحكم إنما هو فوز للقوى المعادية للإسلام، وقد جاء هذا المعنى فيما كتبه (فيكلسن) قال : «اعتبر المسلمون انتصار بني أميّه وعلى رأسهم معاوية انتصاراً للأرستقراطيّة الوثنيّة، التي ناصبت الرسول وأصحابه العداء، والتي جاهدها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حتّى قضى عليها، وصبر معه المسلمون على جهادها ومقاومتها حتّى نصرهم اللّه فقضوا عليها، وأقاموا على أنقاضها دعائم الدين الإسلامي، ذلك الدين السمح الذي جعل الناس سواسية في السراء والضرّاء، وأزال سيادة رهط كانوا يحتقرون الفقراء، ويستذلّون الضعفاء، ويبتزون الأموال، لذلك لا ندهش إذكره المسلمون بني أميّه وغطرستهم وكبريائهم وإثارتهم للأحقاد القديمة، ونزوعهم للروح الجاهليّة» (2).


1) طبقات الشعراء : 37 و 38.

2) تاريخ الإسلام السياسي : 1 : 398.

ولم يكن يخالط المسلمين شكّ في أنّ الأمويّين خصوم الإسلام وأعداؤه الذين حاولوا إخفات صوته، وإخماد ضوئه، وإنّهم إنّما دخلوا في حضيرته طمعاً في الإمرة، وسعياً وراء مصالحهم الخاصّة.

وقد أكد ذلك العلامة (دوزدي) بقوله : «إنّ جمهور المسلمين كانوا يرون أن من بين الأمويّين رجالاً كثيرين لم يعتنقوا الإسلام إلا سعياً وراء مصالحهم الشخصية، وأنهم لا حق لهم في الخلافة ولا غيرها، فقد كانت سياسة بني أميّه تهدف إلى جعل الخلافة ملكاً كسرويّاً، وليس أدل على ذلك من قول معاوية : أنا أوّل الملوك» (1).

إنّ من يتصفّح السياسة الأمويّة يرى أنها كانت ترمي إلى بسط الإلحاد، وإشاعة الكفر، وفلّ عروش الإسلام، وإزالة وجوده، وذلك بما صعده الأمويّون من العمليات التخريبيّة ضدّه، كإبادة أعلامه، أمثال : حجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وميثم التمار ورشيد الهجري، وأمثالهم من قادة الفكر في الإسلام.

وقد أوجبت هذه السياسة المعادية للإسلام انتفاضة الجماهير الإسلاميّة وإجماعها على حرب الأمويّين وإزالة دولتهم وسلطانهم.

السياسة الماليّة

إشارة:

وللإسلام اقتصاده الخلّاق الذي ينعش الشعوب، ويزيد من دخلها الفردي، ويزيل عنها كابوس الفقر والحرمان، وقد أوجب على الدولة مراقبة الاقتصاد العام، والعمل على زيادة الانتاج، وصرف الخزينة العامّة على المصالح الحيوية، ولم يبح أن يصرف قليل أو كثير من أموال الأُمّة في غير تطوّرها الاقتصادي والصناعي حسب ما هو معلوم من مخططات السياسة المالية في الإسلام.

وقد جافى الأمويّون هذه السياسة المشرقة وابتعدوا عنها، وكان أوّل من انحرف


1) ملوك الطوائف ونظرات في تاريخ الإسلام : 381.

عنها عثمان بن عفّان، فقد صرف بيت المال على بني أميّه وآل أبي معيط، وخص الوجوه والأشراف وذوي النفوذ بالهبات الضخمة والثراء العريض، وحرم العامّة من الإنفاق عليها، وقد أوجبت هذه السياسة الملتوية إخفاقه، فقد سخط عليه الأخيار والمتحرّجون في دينهم، وطالبوه بالعدول عنها، إلّا أنّه لم يعن بهم، وأصرّ على تنفيذ سياسته، فثار عليه المسلمون وأردوه صريعاً يتخبّط بدمه، وقد أرهق المسلمين في أيّام حكمه وحمّلهم عناءاً شديداً، وكذلك أجهدهم بعد قتله حسب ما أجمع عليه المؤرّخون.

وقد سار الأمويّون طيلة حكمهم على وفق السياسة العثمانيّة فخصّوا أنفسهم ومن يمتّ إليهم بالأموال والثراء، وحرموا الأُمّة أن تتمتع بالرفاهية، فقد اصطفوا جميع ثرواتها وإمكانياتها الاقتصاديّة، وتركوا شبح الفقر ماثلاً في كلّ بيت من بيوت المسلمين، وقد فزع والي مصر إلى العاهل الأموي سليمان بن عبد الملك شاكياً له ما يعانيه المصريون من الاضطهاد والثقل من الضرائب التي فرضت عليهم قائلاً له : يا أمير المؤمنين، إنّي ما جئتك حتّى أنهكت الرعيّة وجهدت، فإن رأيت أن ترفق بها، وتخفف من خراجها ما تقوى به على عمارة بلادها، وصلاح معايشها، فافعل، فإنّه يستدرك ذلك في العام المقبل.

وهذا منطق حقّ وعدل، إلّا أنّ الطاغية الجبّار لم يع ذلك، وأجابه بما انطوت عليه نفسه من النزعات الشريرة قائلاً : هبلتك أمّك، احلب الدرّ، فإذا انقطع فاحلب الدم والنجا (1).

وهل هناك ظلم أفحش أو أقسى من هذا الظلم ؟

أي استهانة بحقوق الإنسان وكرامته مثل هذه الاستهانة ؟ إنّه يريد أن يحكم على المجتمع بالدمار، ويسلبه حياته ومقوّماته، ولمّا شاع هذا الظلم الفاحش أخذ


1) الوزراء والكتاب : 51 و 52.

العمّال والولاة يتقربون إليهم بظلم الرعيّة والجور عليها.

فقد روى المؤرّخون أنّ عبيد اللّه بن الحبحاب صاحب الخراج على مصر أراد أن يتقرّب إلى هشام بن عبد الملك فكتب إليه أنّ أرض مصر تحتمل الزيادة فأمره أن يزيد في كلّ دينار قيراطاً (1).

وهكذا أخذت البلاد الإسلاميّة ترزح تحت كابوس ثقيل من الفقر والحرمان، قد سلبت جميع مقوّماتها، وصارت بأيدي هؤلاء الأوغاد يصرفونها بسخاء على المجون والدعارة وإفساد الأخلاق، ولم يعد ما يصرف من تلك الأموال على المصالح العامّة.

الضرائب الإضافيّة

وأمعنت السلطات الأمويّة في جهد الرعيّة وإرهاقها، فقد سلبتها جميع مقدّراتها وإمكانياتها الاقتصاديّة، وذلك بما فرضته عليها من الضرائب التي لم يألفها المسلمون، ولم يقرّها دينهم، وقد روى المؤرّخون ألواناً قاسية من تلك الضرائب، وكان من بينها ما يلي :

1- الرسوم على الصناعات والحرف (2).

2 - الرسوم على من أراد الزواج أو يكتب عرضاً (3).

3 - الرسوم على أجور البيوت (4).

4 - ضريبة النيروز، وأوّل من سنّها معاوية بن أبي سفيان، وقد بلغت عشرة


1) تاريخ الحركات الفكريّة في الإسلام : 42.

2) تاريخ الحركات الفكريّة في الإسلام : 42.

3) تاريخ الأمم والملوك : 8: 129. الكامل في التاريخ : 5: 23.

4) الوزراء والكتاب : 24.

ملايين درهم (1).

5 - الضريبة على مَن أسلم (2)، والسبب في ذلك شلّ الحركة الإسلاميّة ووقف انتشارها.

والمهمّ في هذه الضرائب الإضافيّة أنّها لم تكن محدودة، وإنما كان أمرها بيد الولاة والجباة، فهم الذين يقدّرونها حسب رغباتهم وميولهم.

وتحدّث (بندلي جوزه) عن شدّة وطأتها وثقلها بقوله : «إنها كانت أشدّ وطأة من الخراج والجزية لأنّها لم تكن محدودة ولا مستندة إلى قاعدة مقبولة، بل كان مقدارها يتوقّف على رغبة العمال» (3).

وسأل صاحب أخنا بمصر عمرو بن العاص أن يخبره بمقدار ما عليه من الجزية.

فأجابه ابن العاص : لو أعطيتني من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ما عليك إنّما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم، وإن خفّف عنا خفّفنا عنكم (4).

وليس في مفاهيم الظلم الاجتماعي أكثر من هذا الظلم، ولا أشدّ وطأة منه على المجتمع الإنساني، فالشعوب خزانة لهؤلاء الحاكمين أو بستان لهم - على حدّ تعبير ابن العاص -.

وقال معاوية : «الأرض اللّه، وأنا خليفة اللّه، فما أخذ من مال اللّه فهو لي، وما تركته كان جائزاً لي».

إنّ هذه السياسة النكراء قد أثارت سخط المجتمع، وألهبت العواطف والمشاعر بروح الثورة، والنضال على قلب ذلك الحكم وإزالة وجوده وآثاره.


1) الحركات الفكريّة في الإسلام : 42. تاريخ التمدن الإسلامي : 2 : 22.

2) تاريخ التمدن الإسلامي : 2 : 21.

3) الحركات الفكريّة : 42.

4) تاريخ التمدن الإسلامي : 4 : 79 و 80.

اصطفاء الأموال

وجهدت الحكومات الأمويّة في فقر المسلمين وتجويعهم، فسلكت كلّ طريق يؤدّي إلى نشر الفاقة والحرمان بينهم، وكان من بين الوسائل التي اتخذها الأمويّون لإفتقار المسلمين اصطفاء أموالهم، فقد كتب معاوية إلى زياد بن أبيه عامله على العراق أن يصطفي له الصفراء والبيضاء. فأوعز زياد إلى عماله بذلك، وأمرهم أن لا يقسّموا بين المسلمين ذهباً ولا فضّة (1).

وكتب معاوية إلى وردان عامله على مصر أن يزيد على كلّ امرئ من القبط قيراطاً، فكتب إليه وردان : كيف أزيد عليهم وفي عهدهم أن لا يزاد عليهم ؟

وكانت الحال كذلك في سائر الولايات الإسلاميّة، فقد صادر أحد إخوة الحجّاج أملاك الأهالي ببلاد اليمن (2).

لقد اتّخذ الأمويّون مال اللّه دولاً، وعباد اللّه خولاً، كما أخبر الصادق الأمين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عمّا تمنى به أُمّته في ظلال الحكم الأموي الجائر، وقد أثارت هذه السياسة سخط العامّة عليهم، فهبّوا إلى إعلان الثورة والإطاحة بحكم الظلم والجور.

رفض الناس لأملاكهم

ولفداحة الضرائب وثقلها، فقد عمد المزارعون الضعفاء إلى رفض أراضيهم والتخلّي عنها، والتجأ بعضهم إلى تسجيلها باسم إحدى شخصيات العرب، أو باسم أحد رجال الدولة لأجل حمياتهم، وكانوا يدفعون عوض هذا التسجيل قسماً من الحاصلات الزراعية (3).


1) تاريخ التمدن الإسلامي : 4 : 79.

2) تاريخ الإسلام : 1 : 474.

3) الوزراء والكتاب : 118.

أمّا في ولاية الحجّاج، فقد سجّل عدد كبير من الملاكين أراضيهم باسم مسلمة ابن عبدالملك.

لقد لاقت الشعوب الإسلاميّه في تلك الأدوار المظلمة أشدّ ألوان العسف والاضطهاد، فهي تكدح وتعطي ثمرة جهودها إلى أولئك الطغاة ليصرفونه على المجون والدعارة والشهوات.

ويقي هذا الحال المرير مستمرّاً حتّى دور النبيّل عمر بن عبدالعزيز، فلمس المجتمع في عهده بعض ألوان الدعة والرفاهية، فأمر بإلغاء تلك الضرائب الإضافية (1).

ولمّا انتهى دوره عاد الشقاء إلى الناس، فقد أمر يزيد بن عبدالملك بإرجاع تلك الضرائب، وكتب إلى عمّاله مذكرة جاء فيها :

«أمّا بعد، فإنّ عمر كان مغروراً، فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى أخصبوا أم أجدبوا، أحبوا أم كرهوا حيوا أم ماتوا» (2).

ولمّا انتهى هذا المرسوم الملكي إلى العمّال أخذوا بخناق الناس وشدّدوا عليهم، فأعادوا الضرائب إلى حالتها الأولى (3).

لقد انحرف الأمويّون عن القصد، وجانبوا العدل، وابتعدوا عن الطريق القويم، وهذا هو السرّ في إجماع المسلمين على بغضهم في جميع أدوار الحياة الإسلاميّة.

الولاة والجباة

وأقام الأمويّون ولاتهم وجباتهم من شذاذ الآفاق أمثال زياد بن أبيه، والمغيرة بن


1) تاريخ الأمم والملوك : 8: 129.

2) الإدارة الإسلاميّة : 114.

3) تاريخ اليعقوبي : 2 : 55.

شعبة وبسر بن أبي أرطاة، وسمرة بن جندب، وخالد القسري، والحجّاج بن يوسف الثقفي، ونظرائهم من الظلمة المستبدّين الذين أثبتوا في نشاطهم السياسي والإداري أنهم أعداء الإنسانيّة، وأنّهم لا عهد لهم بالرحمة والرأفة، أو بأي مثل كريم يمتاز به الإنسان عن الحيوان السائم.

لقد سلّط الأمويّون هؤلاء الجفاة الأوغاد على رقاب المسلمين، فأمعنوا في ظلمهم، وانتهاك حرماتهم، وسلب أموالهم.

يقول النمري لعبد الملك مبيناً له جور عماله، واضطهادهم لقومه حتّى افتقروا وهربوا في البيداء، وليس معهم سوى إبل مهزولة. يقول :

أخَليفَةَ الرَّحمنِ إِنَّا مَعشَرٌ***حُنَفَاءُ نَسجُدُ بُكرَةً وَأَصِيلا

إِنَّ السُّعاةَ عَصوكَ يَومَ أَمْرتَهُمْ***وَأَتُوا دواهِيَ لَوْ عَلِمتَ وَغُولا

أَخَذوا الْعَرِينَ فَقَطَّعوا حَيزُومَهُ***بِالْأَصْبَحَيَّةِ قائماً مغلولاً (1)

حتّى إِذا لَمْ يَتركوا لِعِظامِهِ***لَحْماً ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا (2)

جاءوا بصكهم وأحدر أَشْأَرَتْ***مِنْه السِّياط يراعَهُ إجفيلا (3)

أَخَذوا حَمَولَتَهُ فَأَصْبَحَ قاعِدا***لَا يَسْتَطِيعُ عَنِ الدِّيارِ حَويلا

يَدعوا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ ودونَهُ***خَرْقُ تَجُرُّ بِهِ الرِّباحُ ذيولا (4)

كَهَداهِدٍ كَسَرَ الرُّماةُ جَناحَهُ***يَدْعو بقارِعَةِ الطَّرِيقِ هَديلا

أَخَليفَةَ الرَّحمنِ إِنَّ عَشيرتي***أنسى سَوامُهُمْ عَزينَ فُلولا (5)


1) الحيزوم : وسط الظهر. الأصبحية : السياط، جمع أصبح.

2) المعقول : الإدراك.

3) أشارت : أي بقيت في الإناء بقية الإجفيل : الخائف.

4) الخرق : الصحراء الواسعة.

5) عزين : الجماعات.

قومٌ عَلَى الإِسلامِ لَمّا يَتْرُكوا***ما عونَهُمْ وَيُضَيِّعوا التَّهليلا (1)

قَطَعوا اليَمَامَةَ يَطرُدونَ كَأَنَّهُمْ***قَوْمٌ أَصابوا ظالمين قتيلا

شَهْرَي رَبيع ما تَذوقُ لُبونَهُمْ***الّا حُموضاً وَحْمَةٌ وذَبيلا (2)

وَأَتاهُمُ يحيى فَشَدَّ عَلَيهِمُ***عَقْداً يَراهُ المُسلِمُونَ ثَقيلا (3)

كُتُباً تَرَكْنَ غَنيَّهُمْ ذا عَيلَةٍ***بعد الغني وفقيرهُمْ مَهْزولا

فَتَرَكْتُ قَوْمى يَقسمون أُمورَهُمْ***إِلَيْكَ أَمْ يَتَرَبَّصُونَ قَليلا (4)

وقد صوّر النمري بهذا الشعر الجور الهائل والمظالم الفظيعة التي صبّها الولاة على قومه، وقد استمر هذا الظلم حتّى في دور عمر بن عبدالعزيز الذي هو أعدل ملوك بني أميّه كما يقولون، فإنّ عمّاله لم يألوا جهداً في أخذ أموال الناس بغير حق.

يقول كعب الأشعري مخاطباً له :

إِن كُنْتَ تَحفَظُ ما يَلِيكَ فَإِنَّما***عُمَالُ أَرْضِكَ بِالبِلادِ ذئاب

لَنْ يَسْتَجِيبُوا لِلَّذِي تَدْعو لَهُ***حتّى تُجَلَّلَ بِالسُّيوفِ رِقابُ

بِأَكُفُ مُنْصَلِتينَ أَهْلِ بَصائِرٍ***في وَقْعِهِنَّ مَزاجِرٌ وَعِقابُ (5)

وكان عمر يخطب على المنبر، فانبرى إليه رجل فقطع عليه خطابه وقال له :

إِنَّ الذين بَعَثَتَ في أَقْطارها***نبذوا كِتابَكَ وَاسْتُحِلُ المَحرَمُ


1) الماعون : الزكاة.

2) الحموض : المر المالح.

3) يحيى : أحد السعاة الظالمين.

4) طبقات الشعراء : 439.

5) البيان والتبيين : 3 : 358.

طلْسُ النِّيابِ عَلَى مَنابِرِ أَرْضِنا***كلّ يَجورُ وَكُلُّهُمْ يَتَظَلَّمْ(1)

وَأَرَدْتَ أَنْ يَلِي الْأَمَانَةَ مِنْهُمُ***عَدْلٌ وَهَيهاتَ الأَمِينُ الْمُسلِمُ (2)

لقد بالغ الولاة والجباة في اضطهاد المجتمع الإسلامي، وسلبه جميع مقوّماته الاقتصاديّة، ولم يفعلوا ذلك من عند أنفسهم، وإنما كان بإيعاز من ملوك الأمويّين، فهم كانوا يدفعونهم إلى النهب، ويقاسمونهم ما يسلبونه من الناس.

وقد جاء هذا المعنى صريحاً فيما قاله (فان فلوتن) : «وبدل أن يتخذ الخلفاء - أي خلفاء الأمويّين - التدابير لمحاسبة الولاة، ومنعهم من الظلم نجدهم يقاسمونهم في فوائدهم من الأموال التي جمعوها بتلك الطرق المفضوحة، وهذا معناه رضا الخلفاء بسوء تصرّف العمّال مع أهل البلاد، بالإضافة إلى أنه دليل على أن بعضهم كان يهمّه مصالح الخزينة المركزية بالدرجة الأولى» (3).

إنّ ملوك الأمويّين لم يحاسبوا ولاتهم وجباتهم على ما اقترفوه من الظلم الفاحش والنهب الفظيع لأموال الأُمّة، فقد كان ذلك بدفع منهم، فإنّ الوالي كلّما اشتدّ ظلمه، وجار في حكمه ازداد قرباً منهم، فزياد بن أبيه كان أقرب الناس إلى معاوية حتّى ألصق نسبه به، وذلك لبطشه وجوره، وفتكه الذريع بالمسلمين.

والحجاج بن يوسف الثقفي كان من أقرب الولاة إلى عبدالملك وأثرهم عنده، حتّى فوّض أمر العراق إليه يتصرّف فيه حيثما يشاء، وذلك لعنفه وإسرافه في إراقة الدماء.

وعلى أي حال، فإنّ ما عاناه المسلمون من جور العمال وظلمهم من أهم أسباب الثورة الكبرى التي أطاحت بنظام الحكم الأموي، وطوت سلطانه


1) الطلس : الوسخ من الثياب.

2) البيان والتبيين : 3: 359.

3) السيادة العربية : 28.

احتقار الشعوب

والشيء البارز في السياسة الأمويّة ازدراء الشعوب الإسلاميّة، فقد كان ملوك الأمويّين يبالغون في الاستخفاف بحق شعوبهم.

يقول الوليد بن يزيد الأموي :

فَدَعْ عَنكَ اذْكَارَكَ آلَ سِعْدى***فَنَحْنُ الأَكْثَرُونَ حَصى وَمالا

ونَحنُ المالِكونَ النّاسَ قَسراً***نَسومُهُمُ المَذَلَّةَ وَالنَّكالا

ونوردُهُمْ حِياضَ الخَسفِ ذُلّاً***وما نَألوهُمْ إِلَّا خَبالا

وصوّر هذا الشعر مدى الاستهتار الفاحش بحق الأُمّة، والاستهانة بإرادتها وقيمها.

وقال عبدالملك بن مروان في خطابه الذي ألقاه في يثرب أمام أبناء المهاجرين والأنصار : «ألا وإني لا أداوي أمر هذه الأُمّة إلا بالسيف حتّى تستقيم قناتكم، وإنّكم تحفظون أعمال المهاجرين الأولين، ولا تعملون مثل عملهم، وإنكم تأمروننا بتقوى اللّه، وتنسون ذلك من أنفسكم، واللّه لا يأمرني أحد بتقوى اللّه بعد مقامي هذا إلّا ضربت عنقه» (1).

وحفل هذا المنطق القاسي الرهيب بالطغيان الفاجر على الأُمّة، فقد جعل مداواتها بنشر القتل والخوف والارهاب لا ببسط العدل والرفاهيّة بينها.

ويقول ابن العاص : «إنّما السواد بستان قریش»، ومعنى هذا أنّ السواد ملك للأمويّين لا لأهله، فإنّهم عبيد وخول لهم، لا حرية لهم ولا اختيار، وكان هذا منطق السياسة الأمويّة في جميع فتراتها لا ترى هناك وجوداً للأمّة، وكان هذا من أهم


1) تاريخ التمدن الإسلامي : 4 : 83.

العوامل التي أدت إلى قلب الحكم الأموي وانهياره

اضطهاد الذميّين

وقضى الإسلام في تشريعه الرائع الأصيل باحترام كافّة الأديان، وضمان كرامة أبنائها، ومنحهم الحريّة التامّة، فلهم أن يتمتّعوا بجميع ما يتمتّع به المسلمون من الحقوق ما داموا داخلين في ذمّة الإسلام.

إنّه ليس من الإسلام أن يضطهد أي إنسان مهما كانت ميوله ومعتقداته ما لم يحدث فتنة أو فساداً في الأرض.

يقول الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد العدالة الكبرى في عهده الدولي : «فَإِنَّهُمْ - أي الناس - صِنْفَانِ : إِمَّا أَخٌ لَكَ في الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ».

لقد تبنّى الإسلام بصورة إيجابيّة شعار العدالة والحرّية والمساواة بين جميع الناس في ضمن اطارها الإسلامي، ولكنّ السياسة الأمويّة في جميع مخططاتها قد حملت معول الهدم على ما تبنّاه الإسلام في ميادين الإصلاح الاجتماعي، فعاملت الذميين معاملة قاسية لا تتفق مع روح الإسلام وهديه.

فقد روى المؤرّخون أنّ أسامة بن زيد التنوخي، القائم بأمر الخراج من قبل يزيد ابن عبدالملك قد أوقع بالذميين وأرهقهم، فأخذ أموالهم، ووسم أيديهم (1).

وفرض عبدالعزيز بن مروان الجزية على الرهبان، وهي أول جزية أخذت منهم (2).

إنّ جور الأمويّين وظلمهم قد عمّ جميع المواطنين، ولم يقتصر على المسلمين، الأمر الذي أوجب شيوع الحقد والكراهية عند جميع الناس لحكمهم.


1) خطط المقريزي : 4 : 395.

2) خطط المقريزي : 4 : 395.

ظلمهم للموالى

وقضت السياسة الأمويّة بحرمان الموالي من جميع الحقوق الطبيعيّة للإنسان. فعاملتهم معاملة الحيوان السائم، وقابلتهم بمزيد من العنف والاضطهاد مع دخولهم في حضيرة الإسلام الذي هتف بحقوق الإنسان، وأعلن المساواة العادلة بين جميع الطبقات.

هذا مع أنّ فيهم طبقة كبيرة من أعلام الإسلام وقادته الفكريين، وأن شطراً كبيراً من الفتوحات الإسلاميّة قد قامت على جهودهم وجهادهم.

ومن المؤسف حقّاً أنّ الأمويّين لم يألوا جهداً في إذلالهم وإرهاقهم، وقد روى المؤرّخون ألواناً بغيضة من ذلك العسف، وقد فتح عليهم باب الظلم والجور معاوية ابن أبي سفيان - كسرى العرب -، فقد انتهك حرماتهم، ورام سفك دمائهم بغير حق، فقد دعا كلاً من الأحنف بن قيس التميمي، وسمرة بن جندب الهلالي، وقال لهما : إني رأيت هذه الحمر - أي الموالي من الفرس - قد كثرت، وأراها قد قطعت على السلف، وكأنّي أنظر وثبة منهم على العرب والسلطان، فقد رأيت أن أقتل شطراً لإقامة السوق، وعمارة الطريق، فما ترون ؟ فأيّده سمرة، وعارضه الأحنف، وأقنعه بأن لا يفعل (1).

وقد سار على هذه الخطة الفاجرة ملوك الأمويّين من بعده، فهانوا الموالي وحرموهم من العطاء والرزق، وقد جاء أحد الخراسانيين إلى عمر بن عبدالعزيز يطالبه بالعدالة والمساواة قائلاً: يا أمير المؤمنين، عشرون ألفاً من الموالي يغزون بلا عطاء ولا رزق، ومثلهم قد أسلموا من أهل الذمة يؤدّون الخراج (2).

لقد قابلتهم السلطات الأمويّة بالحرمان والإجحاف، فحرمتهم من العطاء والقوت


1) العقد الفريد : 2 : 270.

2) تاريخ الأمم والملوك : 8 : 134. الكامل في التاريخ : 5: 19.

مع أنّهم كبقيّة الجنود يغزون ويفتحون، وهذا ممّا أوجب زيادة النقمة في صفوفهم، واتّساع نطاق العداء لهم، وانضمامهم إلى كلّ ثورة ضدّهم.

يقول الجاحظ في كتابه (العرب والموالي) : «إنّ الحجاج بن يوسف لما خرج عليه عبدالرحمن بن الأشعث وحاربه، ولقي ما لقى من قرّاء أهل العراق، كان أكثر من قاتله الموالي من أهل البصرة، فجمعهم بعد إطفائه تلك الثورة، وقال لهم : إنّما أنتم علوج وعجم، وقراؤكم أولى بكم.

ثمّ فرّقهم حيث شاء في البلاد النائية، ونقش على يد كلّ رجل منهم اسم البلدة التي وجّهه إليها» (1).

وبلغ من تعصبهم الأعمى أنهم كانوا لا يرون الموالي أكفاءاً لهم، فكانوا ينادونهم بأسمائهم وألقابهم، ولا يكنونهم بالكنى لما في الكنية من الشعور بالمساواة لهم، كما كانوا لا يسمحون لهم بالسير في الصف أمامهم، أو معهم، إلّا وراءهم، ولا يجعلون منهم قائداً على جيش عربي، ولا يجيزون لأحد منهم أن يصلّي إماماً على جنازة أحد من العرب، وإذا أطعموا أحداً من الموالي معهم - لعلمه وفضله - أجلسوه على السفرة في طريق الخباز، لكي يعلم من يراه أنه ليس عربياً في الصميم، وإذا أقبل العربي من السوق ومعه شيء فرأى مولى دفعه إليه ليحمله عنه فلا يمتنع، وكان إذا لقيه راكباً وأراد أن ينزل فعل» (2).

لقد ذكر المؤرخون صوراً كثيرة من ألوان هذا الاضطهاد الجماعي للموالي، الأمر الذي خولف فيه عمّا ألزم به الإسلام من المساواة العادلة بين جميع المسلمين من دون فرق بين عربيّهم وأعجميهم، وأبيضهم وأسودهم.

لقد سبّبت هذه التفرقة العنصريّة شقّ كلمة المسلمين، وإشاعة الأحقاد


1) العقد الفريد : 2 : 271.

2) ضحى الإسلام : 1 : 18 - 34.

والاختلاف بينهم، كما سبّبت أن يكون الموالي في طليعة الثوّار على الحكم الأموي وسبباً في تحطيم ملكهم

خلاعة الخلفاء

إشارة:

وانغمس ملوك الأمويّين في الدعارة والمجون، فتهالكوا على اللذّة والشهوات والاستهتار بالقيم الأخلاقية، وقد انتشر التسيب والتحلّل في أيّامهم، وشاع استعمال الخمر والقمار، وقد صرفت الدولة أغلب مقدّراتها على المغنين والماجنين والعابثين، وجلبت جميع أدوات اللهو وآلات الغناء، وفيما يلي بعض خلفائهم الماجنين:

يزيد بن عبدالملك

وانقطع يزيد بن عبدالملك إلى العقار والقيان، وكان يسمى خليع الأمويّين، شغف بجاريتين من جواريه تدعى إحداهما (حبابة)، والأخرى (سلامة)، وقطع أيّام حياته في أحضانهما، غنته حبابة يوماً بقوله :

بَينَ التَّراقِي وَاللَّهاةِ حَرارَةٌ***ما تَطْمَئِنُّ وَلَا تَسوغُ فَتَبْرُدُ

فطرب حتّى فقد رشده، وأخذ يطير، فقالت ساخرة به : يا أمير المؤمنين، لنا فيك حاجة !

وأخذ يقول بلا اختيار : واللّه لأطيرن

وانطلقت تسخر به وتهزأ من الأُمّة التي مكنته من رقابها قائلة له : على من تدع هذه الأُمّة ؟

• عليك .

ثمّ انعطف عليها فجعل يقبل يدها وهي تعبث به وتسخر منه.

وخرج يوماً يتنزه في بعض نواحي الأردن، ومعه جاريته حبابة، فأخذ يتعاطى معها كؤوس الخمر، فلمّا ثملا رماها بحبّة عنب فدخلت فمها، فشرقت منها فتمرّضت وماتت، وقد فقد رشده على موت هذه المغنّية، فقد تركها ثلاثة أيّام لم يدفنها حتّى أنتنت وهو يشمها ويلثم جسدها، وهي جثّة هامدة، ويبكي عليها أمر البكاء، وقد كلّمه بعض خواصه في أمرها فأذن في دفنها، ورجع إلى قصره كثيباً حزيناً، فسمع إحدى جواريه تقول :

كَفَىٰ حَزَنَا بِالْهَائِمِ الصَّبِّ أَنْ يَرَى***مَنازِلَ مَنْ يَهْوى مُعَطَّلَةٌ قَفْرى

فأخذ يبكي أمرّ البكاء، وقد استولى عليه الحزن والأسى، ومكث في قصره سبعة أيّام لا يواجه الناس حداداً وحزناً على هذه الفاجرة، فأشار عليه أخوه مسلمة بالخروج إلى الناس لئلا يشيع عنه هذا المنكر فيزهدون فيه، فاستجاب لنصحه وخرج إلى الناس (1).

وهذه البادرة قد دلّت على خلاعة هذا الماجن الذي بلي به الإسلام وبأمثاله من الماجنين الذين تقلدوا زمام الحكم.

الوليد بن يزيد

وصحّ عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه قال : «لَيَكونَنَ في هذِهِ الأُمّة رَجُلٌ يُقالُ لَهُ الْوَلِيدُ، لَهُوَ شَرِّ عَلى هذه الأُمّة مِنْ فِرْعَوْنَ عَلى قَوْمِهِ».

وقد أيّد الأوزاعي أنه هو الوليد بن يزيد (2)، وقد تمادى هذا الطاغية الخليع في الدعارة، فكان أوّل من حمل المغنّين من البلدان، وجالس الملهين، وأظهر الشراب


1) الكامل في التاريخ : 5 : 57.

2) أمالي المرتضى : 1 : 79.

والملاهي والعزف، وقد انتشر في عصره الفساد، وانعكف الناس على تعاطي الخمر وشربها، وكان مغرماً بها، وقد وصفها بأدق وصف بقوله :

وَصَفْراءَ كَالزَّعْفَرانِ***سباها لَنَا النَّجْرُ مِنْ عَسْقَلانِ

تُريك القَذاةِ وَعَرْضَ الإنا***ء سَترٌ لَها دونَ مَسَّ الْبَنانِ

لَها حَبَبٌ كُلما صفقت***تراها كَلَمْعَةِ بَرْقٍ يَمانِي (1)

وبلغ من مجونه أنّه أراد أن يبني فوق البيت الحرام قبة يشرب فيها الخمور، ويشرف منها على الطواف (2)، ولكن اللّه حال بينه وبين ذلك، وقصم ظهره، وأخذه أخذ عزيز ذي انتقام، فقد ظهر عليه يزيد بن الوليد مع جماعة من أهل بيته فقتلوه واحتزوا رأسه ونصبوه بدمشق(3).

ومن خلاعة هذا الماجن المستهتر أنّ ابن عائشة القرشي (4)

هو عبد الرحمن بن عبيد اللّه، وعائشة أمه هي أمّ محمّد بنت عبداللّه بن عبيداللّه من تيم قریش، يكنى أبا سعيد، وكانت سميّة أمّ زياد ابن أبيه إحدى جدّاته، وفي ذلك يقول :

أيا أَسَفِي عَلى إِسْعَافِ دَهْرٍ***وَحَظِّ مِنْ حُظُوطٍ بَنِي الزَّواني

على أنّي أمُتُّ إلى اللَّيالي***بِعِرْقٍ مِن سُميَّة غير واني

طبقات الشعراء : 337 و 338.

غناه بقوله :

إِنِّي رَأَيْتُ صَبيحةَ النَّحْرِ***حُوراً نَفَيْنَ عَزيمَةَ الصَّبْر

مِثْلَ الكَواكِبِ في مَطالِعها***عِنْدَ العِشَاءِ أَطَفْنَ بِالْبَدْرِ

وَخَرَجْتُ أَبْغِي الأَجْرَ مُحْتَسِباً***فَرَجَعْتُ مَوْقوراً مِنَ الْوِزْرِ


1) مروج الذهب : 3 : 147.

2) أمالي المرتضى : 1 : 89.

3) تاريخ اليعقوبي : 3: 73.

4) ابن عائشة :

فطرب حتّى فقد صوابه، والتفت إلى ابن عائشة قائلاً: أحسنت واللّه، بأمير المؤمنين، أعدّ بحقّ عبد شمس، أعد

فأعادها عليه، فقال له : أحسنت واللّه بحق أميّة أعد، فأعادها عليه، فأخذ يتخطى آباءه واحداً بعد واحد، وهو يقسم عليه بهم ليعيدها عليه، فأعادها عليه مراراً وهو ثمل لا يعقل قد أفسدت الخمرة عقله، وانكب على ابن عائشة فجعل يقبل أطرافه وأعضاءه عضواً عضواً حتّى انتهى إلى عورته، وبعد صراع طويل دام بينهما استطاع هذا الخليع - المسمّى بأمير المؤمنين، وخليفة المسلمين - تقبيل عورة ابن عائشة بصورة مخزية يندى منها خجلاً وجه الإنسانيّة، ثمّ إنّه نزع ثيابه فألقاها عليه، وبقي مجرّداً بادي العورة حتّى أتوه بثياب غيرها فلبسها، ثمّ منحه ألف دينار، وحمله على بغلته، وطلب منه أن يركبها على بساطه، ثمّ ودّعه قائلا له : قد تركتني على أحر من جمر الغضا (1).

هذه صورة موجزة عن دعارة ملوك الأمويّين وخلاعتهم، وتماديهم في اللهو والفساد، الأمر الذي سبّب إشاعة الحقد عليهم والكراهية لحكمهم.

العصبيّة بين اليمنيّة والنزاريّة

إشارة:

ومن أهم العوامل التي أدت إلى تلاشي الحكم الأموي نشوب النزاع بين اليمانيّة والنزاريّة، وتصاعد العداء فيما بينهما، الأمر الذي أدّى إلى إضعاف الدولة، وذلك لانضمام اليمانيّه إلى الدولة العبّاسيّة، وقد أوجد هذا النزاع العلويّون، فإنّ الكميت شاعر الإسلام الأكبر لما أنشد هاشمياته التي مدح فيها أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قصد عبد اللّه ابن الحسن، فطلب منه أن ينشئ شعراً يثير به حفائظ النفوس بين العرب، لعلّ فتنة تحدث فتكون سبباً لزوال دولة الأمويّين، فاستجاب الكميت وانطلق ينظم قطعاً من


1) مروج الذهب : 3 : 148.

الشعر الحماسي الرائع يذكر فيها مناقب قومه اليمانيين ويفضّلهم على القحطانيين. وممّا قاله :

لَنا قَمَرُ السَّماءِ وَكُلُّ نَجْم***تُشيرُ إِلَيْهِ أَيْدِي المُهْتَدِينا

وَجَدْتَ اللّه إِذ سَمّى نِزاراً***وَأَسْكَنَهُمْ بِمَكَّةَ قاطنينا

لنا جَعَلَ المَكارم خالصاتٍ***وَللنّاسِ القَفا وَلَنا الجَبينا

وأثر شعره في القلوب تأثيراً عظيماً، حتّى ثارت الحفائظ بين القبيلتين، وشاع البغض والعداء بينهما، وانتصر للقحطانيين شاعر أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) دعبل الخزاعي، وأكبر الظنّ أنّه كان بين الشاعرين اتّفاق على ذلك، فإنّهما معاً من شعراء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكلاهما قد ضرب الرقم القياسي لأعمق الود والولاء لهم، وممّا قاله دعبل في الردّ على الكميت :

أفيقي مِنْ مَلامِكِ يا ظَعينا***كَفاكِ اللومُ مَرُّ الأَرْبَعينا

أَلَمْ تُحْزِنَكِ أَحداث اللَّيالي***يُشَيِّبْنَ الذُّوائِبَ وَالقُرونا

أَحَيّي الغُرَّ مِنْ سَرَواتِ قَوْمي***لَقَدْ حُيِّيتِ عَنّا يا مَدينا

فَإِنْ يَكُ آلُ إِسْرَائِيلَ مِنْكُمْ***وَكُنتُمْ بِالْأَعاجِمِ فَاخِرينا

إلى أن يقول :

وَما طَلَبَ الكُمَيتُ طِلابَ وِتْرٍ***ولكنا لِنُصْرَتِنا هُجينا

لَقَدْ عَلِمَتْ نَزارٌ أَنْ قَوْمِي***إِلَى نَصْرِ النبوّة فاخرينا

وأخذت كلّ قبيلة تفتخر على الأخرى، وتدلي بمناقبها ومكارمها حتّى اتسع العداء وشمل سكان القرى والبادية، وتخرّبت من أجل ذلك القلوب.

وانفصمت عرى الوحدة بين هاتين الأُسرتين اللتين تعدّان من أعظم سكان

الجزيرة العربية عدداً ونفوذاً، وقد نتج من ذلك أنّ مروان بن محمّد الجعدي آخر خلفاء الأمويّين قد تعصب للنزاريين، ممّا سبّب انحراف اليمانيين عنه، وانضمامهم إلى الدعوة العبّاسيّة، وبذلك فقد ضعف كيان الدولة الأمويّة إلى أبعد الحدود (1).

نتائج الأحداث

إشارة:

إنّ الأحداث الرهيبة التي مُني بها العالم الإسلامي من جرّاء الحكم الأموي الجائر في سياسته واقتصاده وإدارته، قد أعقبت ما يلي :

1 - الثورّات المحلّيّة

وانطلقت في أغلب الأقاليم الإسلاميّة عدّة ثورات محلّيّة انتقاماً من السلطة وكراهية لها، كثورات العلويّين، وثورات الخوارج، وهي ثورات متصلة قد دوّخت السلطة، وأضعفت كيانها الاقتصادي والعسكري.

ومن الطبيعي أن هذه الثورات إنّما حدثت نتيجة لانتشار الظلم الاجتماعي، وفقدان العدل والمساواة بين المسلمين، ولو أن الحكومات الأمويّة سارت في سياستها الداخلية على وفق الأهداف العليا التي ينشدها الإسلام في ظلال حكمه لما منيت بتلك الكوارث والزعازع.

2 - الدعوة إلى العلويّين

وانعقدت في يثرب والكوفة أحزاب سريّة، وقد عملت بكل أجهزتها على الدعوه للرضا من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وإرجاع الخلافة الإسلاميّة لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)،

وقد حفل منطق الدعوة بما يلي :


1) مروج الذهب : 3: 159 - 163.

أولاً : إنّها كانت تذيع بين المسلمين ما ورد في فضل العترة الطاهرة من الآيات والأخبار التي تلزم المسلمين برعايتهم ومودّتهم، والرجوع إليهم، وكان من أساليب الدعوة أنّهم يقولون للناس : هل فيكم أحد يشك أنّ اللّه عزّ وجلّ بعث محمّداً واصطفاه ؟

•

لا.

•

أفتشكّون أنّ اللّه أنزل عليه كتابه فيه حلاله وحرامه وشرائعه ؟

•

لا.

•

أفتظنّونه خلفه عند غير عترته وأهل بيته ؟

•

لا.

•

أفتشكون أنّ أهل البيت معدن العلم، وأصحاب ميراث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الذي علمه اللّه ؟

•

لا (1).

وقد سبّب هذا الاسلوب الرائع التفاف المسلمين حول أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وتعطّشهم إلى أيّام حكمهم. وكان المنصور الدوانيقى يجوب الأرياف وينشد مديح أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأكبر الظنّ أنّه قد عُهد إليه القيام بهذه المهمة

ثانياً : إنها كانت تذيع ما جرى على آل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من النكبات والخطوب ممّا يذيب لفائف القلوب، ويثير روح الحقد والكراهية للأمويين، ويدفع الجماهير إلى الثورة على النظام القائم.

ثالثاً : : إنّها كانت تبشر بالأهداف الأصيلة، والمُثل العليا التي تنشدها العترة الطاهرة في ظلال حكمها العادل من نشر الأمن والدعة والرفاهية بين الناس،


1) الكامل في التاريخ : 5 : 17.

والقضاء على جميع ألوان الغبن والظلم الاجتماعي، وأن لا حكم يضمن للمسلمين كراماتهم، ويصون حقوقهم، ويحقق آمالهم إلا في ظل حكم أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذي هو امتداد لحكم الإسلام، وتطبيق لعدله ومساواته.

رابعاً : إنّها كانت تقوم بإفهام المسلمين بأنّ ما حلّ فيهم من المحن والنكبات في ظلّ الحكم الأموي إنّما هو من النتائج المباشرة لعملية فصل الخلافة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين هم سدنة الوحي، وعدلاء الذكر الحكيم، وأن الصدر الأول هم الذين فسحوا المجال بسقيفتهم للقوى المعادية للإسلام أن تنزو على منابر الحكم، وتستولي على زمان السلطة فتمعن في إذلال المسلمين وإرغامهم على ما يكرهون.

إنّ الصدر الأول لو تابعوا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فيما احتاط به لأمته من جعل الخلافة في أعلام عترته، وقاية للأمة من الانحراف، وصيانة لها من الزيغ والضلال، وانطلاقاً لها في ميادين التقدّم الاجتماعي، لو أنهم واكبوا النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وتابعوه لما حدثت تلك الخطوب والرزايا في العالم الإسلامي، وما ابتلوا بالحكم الأموي الذي اتخذ عباد اللّه خولاً، ومال اللّه دولاً.

لقد كانت هذه الدعوة الخلّاقة تشقّ طريقها في أجواء العالم الإسلامي، وتغزو العواطف والمشاعر، فقد آمن بها المسلمون كقاعدة أساسية لتطورهم الاجتماعي وإنقاذهم من جور الأمويّين وظلمهم واستبدادهم.

لقد قامت الدعوة إلى العلويّين على هذا الأساس من الوعي الديني والوعي الاجتماعي، وممّا يؤكد ذلك أنّ القاسم بن مجاشع أحد قادة الدولة العبّاسية بعث بوصيته إلى المهدي ليشهد فيها، وقد جاء في بنودها :

««شَهِدَ اللّه أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّه الإِسْلَامُ» (1)، يشهد بذلك، ويشهد أن محمّداً


1) آل عمران 3 18 و 19.

عبده ورسوله، وأن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) و وصيّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ووارث الإمامة من بعده».

فلمّا قرأ المهدي الفقرات الأخيرة من الوصية رماها من يده، ونظر إليه نظرة غضب، فقال له القاسم : أليس على هذا كان خروجنا على بني أميّه ؟ فأجابه المهدي بأنهم قد عدلوا عن ذلك بعد أن استتب لهم الأمر وصفا لهم الملك.

وهذه البادرة تدلّ بوضوح على أنّ الدعوة كان من صميمها التبشير بأنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصيّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وخليفته من بعده على أمّته، وأنّه مع أعلام ذرّيّته ورثة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وسفن نجاة هذه الأُمّة، فلابد أن تكون قيادة الأُمّة لهم، وأن ترجع لهم السلطة العليا في الإسلام.

3 - الاضطراب العامّ

وشاع الاضطراب، وانتشرت الفتن في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فقد ساد عليه الخوف والفزع من الحكم القائم، وقد وصف الشاعر الشهير الحارث بن عبد اللّه الجعدي الحالة الراهنة في عموم البلاد بقوله :

أَبيتُ أَرْعى النُّجومَ مُرتَفِقاً (1)***إذا اسْتَقَلَّتْ تَجرِي أَوائِلُها

منْ فِتنَةٍ أَصْبَحَتْ مُجَلِّلَةٌ (2)***قَدْ عمَّ أَهلَ الصَّلاةِ شامِلُها

مَنْ بِخُراسانَ وَالعِراقِ وَمَنْ***بالشام كلّ شَجاهُ شاغلها (3)

فَالنَّاسُ مِنْها في لونِ مُظلِمَةٍ***دهماءَ مُلتَجة غیاطِلُها

يُمسي السَّفِيهُ الَّذِي يُعَنِّفُ بِالجَه***ل سواءٌ فيها وعاقلها


1) المرتفق : الواقف الثابت.

2) مجلّلة : أي شاملة.

3) شجاه : أي حزنه.

وَالنَّاسُ في كُرْبَةٍ يَكادُ لَها***تَنْبِذُ أَوْلادَها حَوامِلُها

يغدونَ مِنْها في كلّ مُبْهَمَةٍ***عمياء تُمنى لَهُمْ غَوائِلُها

لا يَنظُرُ النَّاسُ في عواقبها***إِلَّا الَّتي لا يَبينُ قائِلُها

كَرَعُوةِ الْبِكرِ أَوْ كَصيحَةٍ حُبْ***لى طَرَقَتْ حَولَها قَوابِلُها

فَجاءَ فينا أَزْرَى بِوجْهَتِهِ***فيها خُطوبٌ حُمْرٌ زَلازلها (1)

وقد جاء هذا الوصف رائعاً دقيقاً لحالة المواطنين، فقد ألم بما منوا به من الفتن والاضطراب.

ووصف حالة المجتمع شاعر آخر وهو العبّاس بن الوليد بقوله :

إنِّي أُعيدُ كُمُ بِاللّه مِنْ فِتَن***مِثْلِ الْجِبالِ تَسامَى ثمّ تَندَفِعُ

إِنَّ الْبَريَّةَ قَدْ مَلَّتْ سِياسَتَكُمْ***فَاسْتَمْسِكُوا بِعَمودِ الدِّينِ وَارْتَدِعُوا

لا تُحِمُنَّ ذئاب النّاسِ أَنْفُسَكُم***إِنَّ الذِّناب إذا ما الحِمَتْ رَتَعُوا

لا تَبْقُرُنَّ بِأَيْدِيكُمْ بُطونَكُمْ***فَثَمَّ لَا حَسرةٌ تُغْنِي وَلَا جَزَعُ (2)

لقد انصبّت الفتن على المجتمع كالجبال - كما يقول ابن الوليد - من جرّاء سياسة الأمويّين التي بنيت على العسف والتنكيل بجميع المواطنين، وكان من الطبيعي أن تحدث تلك الفتن انفجاراً عاماً لا تقف في وجهه أي قوة في العالم.

الثورة الكبرى

إشارة:

وانتفضت جميع الشعوب الإسلاميّة من أقصاها إلى أدناها كالمارد الجبار وهي تحطّم جميع القيود والحواجز التي وضعت عليها، وهي تهتف بسقوط الحكم


1) تاريخ الأمم والملوك : 9: 38.

2) الكامل في التاريخ : 5 : 105.

الأموي، وتدعو للرضا من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد عجزت السلطات المحليّة عن إخماد نار الثورة التي أخذت بالتوسع والازدياد

ونعرض فيما يلي بإيجاز إلى بعض فصول تلك الثورة الكبرى، وما رافقته من أحداث.

مؤسّسو الثورة

والشيء المحقّق هو أن أوّل من صمّم الثورة، ووضع مناهجها وأساليبها هم العلويّون، وذلك لما عانوه من ظلم الأمويّين وجورهم، فانطلقوا يعملون جميع الوسائل لقلب الحكم الأموي، وليس للعبّاسيّين في بداية الأمر أي ضلع في ذلك، فقد كانوا بمعزل عن الاشتراك في أي عمل سياسي، وإنّما كانوا مسالمين للدولة، و مساندين لسياستها، وكان الأمويّون يمنحونهم الهبات، ويوفرون لهم المزيد من العطاء لكسب ودهم، وإضعاف كيان العلويّين، وكان المسلمون ينظرون إليهم نظرة عادية، وذلك لعدم قيامهم بأي عمل إيجابي كان في صالح المجتمع الإسلامي.

وأمّا تبنّي العبّاسيّين للثورة فإنما كان بعد ما بدا الضعف والانهيار في الحكم الأموي، واطمئنوا بنجاح الثورة فانضموا إلى العلويّين، وقد اختلف المؤرخون في كيفيّة انضمامهم إلى الثورة، فذهب فريق منهم إلى أن أبا هاشم ابن محمّد بن الحنفية الزعيم البارز في العلويّين لما خشي سليمان بن عبد الملك أمره أخذ يستميله بالدعوة إليه، فأجابه إلى ذلك، ولما قدم عليه أظهر له الودّ، وقابله بمزيد من التبجيل والتكريم، ولكنّه دبّر قتله، فدسّ له السمّ وهو في طريقه إلى الحميمة التي يقطن بها العبّاسيّون.

ولمّا شعر بدنوّ أجله عهد بأمره إلى محمّد بن عليّ، وأفضى بأسراره إليه، وعرفه بأسماء الدعاة في الأقطار، وذهب بعض المؤرّخين إلى أن أبا هاشم لم يعهد بأمره إلى محمّد بن عليّ، ولكنّه لما حلّ عنده ورأى ما فيه من ثقل حاله أخذ يستدرجه

حتّى أخبره بما عنده، ولمّا توفّي عثر على، ولما توفّي عثر على الملفات التي كانت فيها أسرار الدعوة وأسماء الدعاة (1).

وعلى أي حال، فقد تبنّى العبّاسيّون منذ تلك اللحظة الأمر، وأخذوا يعملون على تنسيق الثورة وتنظيمها

مركز الثورة

وانعقدت في يثرب الدعوة إلى الثورة على الحكم الأموي، وبعد اغتيال أبي هاشم انتقلت إلى الحميمة ببلقاء الشام، فصارت مركز الدعوة، فبها كانت توضع المخططات، وتصمّم المناهج الثوريّة، وترسل إلى الدعاة في الكوفة التي هي الوطن الأمّ للدعوة العلوية، وترسل أيضاً إلى الدعاة في خراسان التي عرفت بالنصب والعداء للأمويين بسبب اضطهادهم للفرس، ولميلهم إلى التشيّع.

وقد أرسلت الدعاة إلى خراسان في زيّ التجّار، فقاموا ينشرون مساوئ الحكم الأموي، ويذكرون ما حلّ بأهل البيت من الخطوب والنكبات، وقد استجاب الخراسانيون للدعوة وانضمّوا إليها (2).

وقد وصف خراسان محمّد بن عليّ للدعاة، وأكّد عليهم ببذل المزيد من النشاط فيها قائلاً لهم : «عليكم بخراسان، فإنّ هناك العدد الكثير، والجلد الظاهر، وهناك صدور سليمة، وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزّعها النحل، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وأصوات هائلة.. وبعد فإنّي أتفاءل إلى المشرق، وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق» (3).


1) الإمامة والسياسة : 2 : 140 و 141.

2) الفخري : 122 و 123.

3) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم : 293 و 294.

وبذل الدعاة المزيد من نشاطهم في خراسان حتّى تبلورت فيها الدعوة، وقامت على سوقها عبلة الذراع، مفتولة الساعد، فقد تفاني الخراسانيون في حمايتها وصيانتها، واعتقدوا جازمين أنّها تقوم بحمايتهم من جور الأمويّين واستغلالهم.

مؤتمر الأبواء

وعقد الهاشميّون مؤتمراً لهم في الأبواء تداولوا فيه شؤون الدعوة، وتعيين المرشّح للخلافة من بينهم، وقد حضره كلّ من إبراهيم الإمام، والسفاح، والمنصور، وصالح بن عليّ، وعبد اللّه بن الحسن، وابناه محمّد وإبراهيم، ومحمّد ابن عبداللّه بن عمرو، وغيرهم، وقام فيهم صالح بن عليّ خطيباً، فقال : «إنّكم القوم الذين تمتد أعين الناس إليهم، فقد جمعكم اللّه في هذا الموضع فاجتمعوا على بيعة أحدكم، فتفرقوا في الآفاق، وادعوا اللّه لعل اللّه أن يفتح عليكم وينصركم».

فانبرى أبو جعفر المنصور، فقال : «لأي شيء تخدعون أنفسكم، واللّه لقد علمتم ما الناس أميل أعناقاً، ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى - وأشار بيده إلى محمّد بن عبد اللّه بن الحسن -».

فانطلقوا جميعاً يؤيدون مقالته قائلين : صدقت، إنا لنعلم هذا.

وقاموا فبايعوا محمّداً، وبايعه إبراهيم الإمام، والمنصور، والسفّاح، وسائر من حضر ذلك الاجتماع (1).

ولم يف العبّاسيّون بهذه البيعة، فقد خاسوا بعهدهم، ونقضوا ميثاقهم، فأخذوا يعملون بالخفاء لأنفسهم، فأفهموا الدعاة بذلك، وأوصوهم بالسرّ والكتمان خوفاً من انتفاضة العلويّين عليهم، وعدم استجابة الناس لهم، إذ لم تكن لهم أي ركيزة اجتماعية، ولم يكن لهم تاريخ ناصع، فلذا أوصوا الدعاة بالكتمان، وأمروهم بأن


1) مقاتل الطالبيّين : 256.

يدعوا الناس للرضا من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

وعلى أي حال، فقد اتخذت العبّاسيّون الدعوة إلى العلويّين شعاراً لهم لينالوا ثقة الأُمّة، ويكسبوا ودّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وعطفهم.

انتخاب أبي مسلم

وانتخب إبراهيم الإمام عميد الأسرة العبّاسيّة غلامه أبا مسلم الخراساني قائداً عامّاً للحركة الانقلابيّة، وألزم الدعاة والشيعة بطاعته، فقد جاء في كتابه الذي كتبه إلى مَن في الكوفة وخراسان من الشيعة : «إنّي قد أمرت أبا مسلم بأمري، فاسمعواله وأطيعوا، وقد أمرته على خراسان وما غلب عليه» (1).

وكان عمر أبي مسلم يومئذ تسعة عشر سنة حسب ما أجمع عليه المؤرّخون، وكان يقظاً، حسّاساً، حديدي الإرادة، فاتكاً، غادراً، لا يعرف الرحمة والرأفة، وكان من أمهر السياسيّين في حياكة المؤامرات والدسائس.

وقد دهش الجميع لترشيح أبي مسلم لهذا المنصب الخطير، نظراً لحداثة سنّه وقلّة تجاربه، وقد أبى جمع من الدعاة طاعته، والانصياع لأوامره، إلا أنّ إبراهيم الإمام ألزمهم بالسمع والطاعة له (2). فلم يجدوا بداً بعد ذلك من متابعته (3).

وصيّة إبراهيم لأبي مسلم

وأوصى إبراهيم الإمام غلامه بهذه الوصيه الحافلة بالإثم والمنكر والخروج عن الدين، فقد جاء فيها»:


1) تاريخ الأمم والملوك - أحداث سنة 128ه-.

2) الكامل في التاريخ : 4: 295.

3) لقد قتل أبو مسلم جميع من عارض في اختياره حسب ما نصّ عليه المؤرّخون.

«يا عبد الرحمن، إنك منا أهل البيت، فاحفظ وصيتي : انظر هذا الحيّ من اليمن، فأكرمهم، وحلّ بين ظهرانيهم، فإنّ اللّه لا يتم هذا الأمر إلا بهم، وانظر هذا الحي من ربيعة، فاتّهمهم في أمرهم. وانظر هذا الحي من مضر، فإنّهم العدو القريب الدار، فاقتل من شككت في أمره، ومَن وقع في نفسك منه شيء، وإن استطعت أن لا تدع بخراسان من يتكلّم بالعربيّة فافعل، فأيّما غلام بلغ خمسة أشبار فاقتله» (1).

وإن صحّت هذه الوصيّة فإنّها تدلّ على أنّ الرجل لا عهد له بالمثل الإنسانيّة، ولا علاقة له بالإسلام الذي احتاط بالدماء وحرّم سفكها بغير حقّ.

لقد أخذ أبو مسلم بوصيّة إبراهيم فأسرف في إراقة الدماء، وانتهاك الحرمات، فقتل ستمائة ألف عربي بالسيف صبراً، عدا من قتل في الحرب - حسب ما نص عليه المؤرّخون - فأشاع الحزن والحداد والثكل في بلاد المسلمين، وهو أمر لا يقدم عليه مَن كانت له أي نزعة دينية أو إنسانيّة.

فی خراسان

وبعد أن تمّ ترشيح أبي مسلم زعيماً للقيادة العسكرية من بني العبّاس توجّه من فوره إلى خراسان ليقود المناضلين إلى ساحة الحرب للإجهاز على الحكم الأموي، وحين وصوله التقى بالدعاة والزعماء، فخطب فيهم قائلاً:

«اشعروا قلوبكم الجرأة، فإنّها من أسباب الظفر، وأكثروا ذكر الضغائن، فإنّها تبعث على الإقدام، وألزموا الطاعة، فإنّها حصن المحارب» (2).

وأخذ ينظم الحركة تنظيماً رائعاً دقيقاً، يصوّر للنّاس فساد الحكم الأموي وما یسومهم به من الظلم والارهاق، وأنه سوف ينشر العدل والدعة والرفاهية فيما


1) الكامل في التاريخ : 4 : 295.

2) العقد الفريد : 1 : 158.

بينهم، حتّى استجابت له القلوب، ورحبت به جماهير الخراسانيين والتفّوا حوله، وبذلك فقد تكوّنت النواة الأولى لجيوش بني العبّاس.

والشيء الوحيد الذي استطاع أن يحرز به أبو مسلم النصر، ويتغلب به على الأحداث هو استغلاله للعصبيّة القبليّة في خراسان، فقد كان اليمانيون على خلاف مع المضريين، وأخذ أبو مسلم يغذي هذه الظاهرة العدائية ويوقدها، فكلما أوشك شملهم أن يجتمع على حربه أوغر صدور طائفة على الأخرى، وأثار الموتور بطلب الثأر من واتره، وبذلك فقد شغلهم عن مناجزته حتّى تمّ له الأمر.

مع نصر بن سيّار

ولما رأى نصر بن سيّار قوّة أبي مسلم، واستحكام نفوذه، أرسل إلى العاهل الأموي مروان رسالة يستنهضه فيها إلى مساعدته، ويستمد منه العون قبل أن تحترق حکومته بنار الثورة، وكتب في رسالته هذه الأبيات الحماسيّة :

أَرَى بَيْنَ الرَّمادِ وَمِيضَ نارٍ***وَيُوشَكُ أَنْ يَكونَ لَهُ ضِرامُ

فَإِنَّ النّارَ بِالعِيدانِ تُذكى***وَإِنَّ الحَربَ أَوَّلُها كَلامُ

فَإِنْ لَمْ يُطْفِها عُقلاءُ قَوْمٍ***يَكونُ وَقُودَه جُثَثٌ وَهام

أقولُ مِنَ التَّعَجُبِ لَيتَ شِعْري***أأَيْقاظٌ أُمَيَّةُ أَمْ نِيام

فَإِن كَانُوا لِحينهم نياماً***فَقُلْ قوموا فَقَدْ حان القيام

وعجز مروان عن إجابته، فكتب إليه يخبره بضعفه وعجزه عن إخماد تلك النار بقوله : «يرى الشاهد ما لا يراه الغائب».

ولمّا يئس نصر من نجدته استنجد بوالى العراق يزيد بن عمرو بن هبيرة، وكتبإليه رسالة، وختمها بهذه الأبيات :

أَبْلِغْ يَزِيدَ وخَيرُ القَولِ أَصْدَقُهُ***وَقَدْ تَبَيَّنْتُ أَنْ لا خير في الكَذِبِ

بِأَن أَرضَ خُراسان رأيتُ بِها***بَيضاً إِذا أَفْرَخَتْ حُدِّثْتَ بِالعَجَبِ

فراخُ عامينِ إِلَّا أَنَّها كَبُرَتْ***وَلَمْ يَطِرْنَ وَقَدْ سُرْبِلْنَ بِالزَّغَبِ

فَإِن يَطِرْنَ وَلَمْ يُحْتَلْ لَهُنَّ بِها***يُلْهِبْنَ نِيرانَ حَربٍ أَيْمَا لَهَبٍ

فقال يزيد لحامل الرسالة : «قل لصاحبك : لا غلبة إلا بكثرة، فليس له عندي رجل» (1).

وفكّر نصر في الخروج من الأزمة، فأرسل إلى كلّ من الكرماني وشيبان الخارجي هذه الأبيات يقول :

أبْلِغْ رَبيعةَ في مَرْوِ وَفي يَمَنٍ***أَنِ اغْضَبوا قبل أَن لا يَنْفَعَ الغَضَبُ

وَلْيَنْصِبوا الْحَرْبَ إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ نَصَبوا***حَرْباً يُحَرَّقُ في حافاتها الحَطَبُ

ما بالُكُمْ تُنْشِبُونَ الْحَرب بَيْنَكُمُ***كَأَنَّ أَهْلَ الْحِجى عَنْ رَأْيِكُمْ غُيْبُ

وتَشْرِكُونَ عَدُوّاً قَدْ أحاطَ بِكُمْ***مِمَّنْ تَجَمَّعَ لا دِيْنٌ وَلَا حَسَبُ

لا عُرْبُ مِثْلُكُمُ في النّاسِ نَعْرِفُهُمْ***ولا صَرِيحٌ مَوال إِن هُمُ نُسِبُوا

قَوْمٌ يَقولونَ قولاً ما سَمِعْتُ بِهِ***عَنِ النبيّ وَلا جَاءَتْ بِهِ الْكُتُبُ

مَنْ كانَ يَسْأَلُني عَنْ أَصْلِ دِينِهِمْ***فَإِنَّ دِينَهُمُ أن يُقتَلَ العَرَب (2)

ولم تجد محاولات نصر في التغلب على الأحداث، فقد أخذت الثورة تتّسع، وحواضر خراسان تسقط واحدة إثر أخرى، وكان أبو مسلم يطرب من النصر الذي أحرزه وينشد :

أَدْرَكْتُ بِالحَزْمِ وَالكِتمَانِ مَا عَجِزَتْ***عَنهُ مُلوكُ بَني مَروانَ إِذْ حَشَّدُوا

ما زِلْتُ أَسْعَى بِجُهِدِي فِي دِمائِهِمْ***وَالقَومُ في غَفْلَةٍ بِالشَّامِ قَدْ رَقَدوا


1) الكامل في التاريخ : 4 : 305.

2) الكامل في التاريخ : 5 : 367.

حتّى طَرَقْتُهُمْ بِالسَّيفِ فَانْتَهُوا***منْ نَومَةٍ لَمْ يَنْمُها قَبلَهُمْ أَحَدُ

وَمَنْ رَعَى غَنْماً في أَرضِ مُسْبِعَةٍ***ونام عَنْها تَولّى رَعْبَها الأَسَدُ (1)

وانبرت جيوش أبي مسلم تحتل المدن والحصون، وتلحق بالعدوّ الخسائر الفادحة في الأرواح والأموال، ولم يستطع نصر الوقوف أمام تلك القوى الهائلة، فانهزم راكباً جو راكباً جواده وسلك المفازة بين الري وهمذان، فمات في مجاهلها كمداً (2).

واحتلّ أبو مسلم خراسان وما والاها من المدن والقرى، واتجه بعد ذلك إلى تحرير العراق، وسارت جيوشه كالموج تخفق عليها الرايات السود التي هي شعار بني العبّاس، فقامت باحتلال العراق من دون أن تلقى أي مقاومة، وقد برزت بذلك حكومة بني العبّاس على يدي أبي مسلم.

أمّا الحديث عن سقوط الدولة الأمويّة، ومقتل عاهلها مروان، وما لاقاه الأمويّون من صنوف الجهد والتنكيل من بني العبّاس، فسوف نتحدّث عنه عند البحث عن عهد السفّاح.

إنّ الحديث عن العوامل التي أدت إلى سقوط الدولة الأمويّة أمر تقتضيه ضرورة البحث عن حياة الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد قطع شوطاً من حياته وهو يسمع بتلك الأزمات الاجتماعيّة التي غيّرت مجرى الحياة العامّة، فقد بلغ عمره الشريف حين سقوط الدولة الأمويّة إحدى عشرة سنة وهو دور يسمح لصاحبه أن ينقل إلى دخائل نفسه كثيراً من المشاهدات والصور التي تمرّ عليه.

وقد رأى انحراف الثورة عن مجراها، فقد كان باعثها إرجاع الحكم لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) حتّى تنعم الأُمّة بالعدل والرفاهية والدعة والاستقرار، ولكنّها مع الأسف


1) وفيات الأعيان : 1 : 282.

2) مروج الذهب : 2 : 204.

قد حملت الخلافة إلى بني العبّاس، وإذا بهم يمعنون في قتل العلويّين ومطاردتهم. والتنكيل بهم، وإذا ببيوت العلويّين يعمّها الأسى والشكل والحداد، ومن الطبيعي أنّ لذلك أثراً بالغاً في نفس الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد أُترعت نفسه بالأسى الشديد والحزن العميق.

في عَهْدِ السَّفَاح

إشارة:

واستقبلت الكوفة بيعة أبي العبّاس السفّاح بكثير من الوجوم والقلق والاضطراب لأن الدولة الأمويّة لا تزال قأئمّة، وهي تسيطر على أغلب الأقاليم الإسلاميّة، والعاهل الأموي مروان معسكر على نهر الزاب في جيش ضخم يزيد على مائة ألف من فرسان الجزيرة والشام والموصل، وليس مع الخليفة العبّاسي سوى خراسان وأطرافها والكوفة، ولم تدخل البصرة ولا واسط في إطار البيعة.

مضافاً إلى أنّ الدعوة للخلافة إنّما كانت للرضا من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ولم يرد ذكر لبني العبّاس، فإنّ الجماهير إنما خاضت التيارات النضالية من أجل العلويّين الذين هم الركيزة الأولى للعدل الاجتماعي، وضمان مصالح الأُمّة.

ولم يدر في خلد أحد أنّ الخلافة تؤول إلى بني العبّاس لأن النفوس كانت مترعة بالشكوك والريبة منهم، فإنّ منهم من عرف بالغدر والخيانه للأمة في أدق ظروفها، وأخرج ساعاتها، كعبيد اللّه بن العبّاس الذي خان اللّه ورسوله بانضمامه إلى معسكر معاوية في غلس الليل البهيم بعد أن قبض الرشوة، وترك سبط النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

وممّا زاد في ارتياب المسلمين منهم، أنّهم كانوا مسالمين للحكم الأموي في جميع فتراته، ولم يقوموا بأي عمل إيجابي في مناهضة جور الأمويّين وظلمهم.

وعلي أيّ حال، فقد استقبلت الكوفة في يوم الجمعة 12 ربيع الأول سنة 132ه- موكب أبي العبّاس السفّاح وهو متّجه إلى الجامع، وبعد أداء فريضة الصلاة ارتقى

أبو العبّاس أعواد المنبر، وكان موعوكاً، فخطب الناس خطبة رائعة بليغة أثنى فيها على بني العبّاس، وقد جاء فيها :

«يا أهل الكوفة، أنتم محلّ محبّتنا، ومنزل مودّتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم، حتّى أدركتم زماننا، وأتاكم اللّه بدولتنا، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فأنا السفاح المبيح، والثائر المنيح» (1).

وانبرى من بعده عمه داود بن عليّ، فخطب في الناس خطاباً بليغاً أثنى فيه على بني العبّاس، وذم فيه بني أميّه، وجاء فيه :

«أيها الناس، إنا واللّه ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجيناً (2)ولا عقياناً (3)، لا نحفر نهراً، ولا نبني قصراً، وإنّما أخرجتنا الأنفة من ابتزازهم حقنا، والغضب لبني عمنا، وماكرهنا من أموركم، فلقد كانت أموركم ترمضنا (4)ونحن على فرشنا.

ويشتد علينا سوء سيرة بني أميّه فيكم، واستنزالهم (5)لكم، واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليهم، لكم ذمّة اللّه تبارك وتعالى وذمة رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وذمة العبّاس (رَحمهُ اللّه) علينا أن نحكم فيكم بما أنزل اللّه، ونعمل فيكم بكتاب اللّه، ونسير في العامّة والخاصة بسيرة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)».

وأخذ يمنّى أهل الكوفة بالصلة والعطاء، ويكيل لهم الوعود، وقد اشرأبت إليه الأعناق، وأصغت إليه الأسماع، وهو يؤكد لهم أن الدولة الجديدة ستحقق لهم


1) في تاريخ الأمم والملوك : «والثائر المبير».

2) اللجين : الفضّة.

3) العقيان : الذهب الخالص.

4) ترمضنا : أي تحرقنا.

5) في تاريخ الأمم والملوك : «واستذلالهم».

العدل السياسي والاجتماعي، وتسير فيهم بسياسة قوامها الحقّ المحض.

ثمّ نزل أبو العبّاس من المنبر ومعه عمّه داود بن عليّ حتّى دخل قصر الإمارة، ويقي أبو جعفر المنصور في المسجد يأخذ البيعة فيه على الناس، فلم يزل يأخذها عليهم حتّى صلّى بهم العصر ثمّ المغرب والعشاء إلى ساعة متأخّرة من الليل (1).

ولم يطل ابو العبّاس الإقامة في الكوفة التي هي مقرّ العلويّين، فخرج منها وأقام بمعسكر أبي سلمة الخلال في حمام أعين، وبعدها أخذ في بناء (الهاشميّة) لتكون عاصمة لدولته.

وقعة الزاب

وحينما تولّى أبو العبّاس السفاح منصب الخلافة أرسل قواته المسلّحة بقيادة محمّد عبداللّه بن عبد اللّه بن عليّ لقتال العاهل الأموي مروان الحمار، وسار عبد اللّه يطوي البيداء بجيشه الضخم، فالتقى بجيش العدوّ بالزاب قرب الموصل، وكانت رايات بني العبّاس تحملها الرجال على الجمال البخت (2)، وقد جعل لها بدلاً من القنا خشب الصفصاف والغرب، فلمّا رآها مروان ذهل وقال لمن حوله : «أما ترون رماحهم كأنّها النخل غلظاً !! أما ترون أعلامهم فوق هذه الإبل كأنها قطع الغمام السود!».

وبينما هو ينظر إليها، وقد طار قلبه رعباً وفزعاً إذ نفرت قطع كبيرة من الغربان السود، فنزلت على أوّل عسكر عبد اللّه بن عليّ، فاتصل سوادها بسواد تلك الرايات فصارت كالليل البهيم، فازداد فزع مروان، وانبرى يقول : «أما ترون إلى السواد قد اتصل بالسواد حتّى صار الكلّ كالسحب السود المتكاثفة !».


1) الكامل في التاريخ : 4 : 325.

2) البخت : نوع من الإبل، الواحد بختي.

وأقبل مروان على رجل إلى جانبه فقال له بنبرات تقطر فزعاً وخوفاً : ألا تعرفني مَن صاحب جيشهم ؟

•

عبد اللّه بن عليّ بن العبّاس بن عبد المطّلب.

•

ويحك ! أمن ولد العبّاس هو ؟

•

نعم.

•

واللّه لوددت أن عليّ بن أبي طالب مكانه في هذا الصفّ.

لقد أيقن مروان بالمصير المحتوم، وتمنّى أن يكون الفاتح الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليقابلهم بالعفو والإحسان، ويصفح عنهم، ولم يفهم الرجل مقالة مروان، ودار في خلده أنه يتهم الإمام بالجبن، فانبرى إليه قائلاً: أتقول هذا العليّ مع شجاعته ؟

• ويحك ! إنّ عليّاً مع شجاعته صاحب دين، وإن الدين غير الملك، وإنّا نروي عن قديمنا أنه لا شيء لعلى ولا ولده فى هذا (1).

واندلعت نار الحرب بين الفريقين، وما عتمت جيوش الأمويّين أن تحطّمت شرّ تحطيم، فانهزم مروان وولّى منكسراً مع بعض فلول جيشه حتّى أتى الموصل، فمنعه أهلها من الدخول إليها خوفاً من نقمة الجيش العبّاسي المنتصر، وولّى منهزماً نحو حران، ولكنّه لم يستطع البقاء فيها، فانحدر نحو مدينة حمص والجيش العبّاسي يلاحقه، والتحق بدمشق فأراد واليها نصرته إلا أنه لم يستطع لضيق الوقت، فقد زحف العدوّ وراءه، فتوجه إلى الأردن فوجدها قد رفعت أعلام بني العبّاس، فحاد عنها ونزل في فلسطين، وعلم مروان أن دمشق قد سقطت بأيدي العبّاسيّين فاستولى عليه الرعب، فترك مقامه في فلسطين واتجه إلى مصر، فنزل في قرية (بوصير)، وأقام في كنيسة كانت فيها، فأدركته كتائب صالح بن عليّ في ليلة مظلمة، ودارت بين الفريقين معركة دامية قتل فيها مروان، وانبرى إليه شخص


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 7: 134.

من أهل الكوفة فاحتزّ رأسه واستخرج لسانه، فجاءت هرة فاختطفته منه (1).

وانتهت بذلك الدولة الأمويّة التي حكمت بالظلم والجور، وعاثت فساداً في الأرض، فاتخذت مال اللّه دولاً، وعباد اللّه خولاً، وقد انتقم اللّه منهم أمر الانتقام وأشدّه، فجعل ملكهم هباءاً، ونصرهم جفاءاً، وكتب لهم الخزي والعار على مرّ العصور الصاعدة.

وحمل رأس مروان إلى أبي العبّاس السفّاح، فلما رآه سجد وأطال السجود، ثمّ رفع رأسه وقال : «الحمد للّه الذي لم يبق ثأرنا قبلك وقبل رهطك، الحمد للّه الذي أظفرنا بك، وأظهرنا عليك، ما أبالي متى طرقني الموت وقد قتلت بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ألفاً من بني أميّه، وأحرقت شلو هشام بابن عمّي زيد كما أحرقوا شلوه، ثمّ تمثل :

لَوْ يشربونَ دَمي لَمْ يُرْوَ شَارِبُهُمْ***وَلَا دِماؤُهُمْ جَمْعاً تُرَوينى

وحوّل وجهه إلى قبلة المسجد ثانية وتمثّل :

أبى قَوْمُنَا أَن يُنْصِفونا فَأَنْصَفَتْ***قواطِعُ في أَيْمانِنا تَقْطُرُ الدِّما

إذا خالَطَتْ هامَ الرَّجالِ تَرَكْنها***كَبَيضِ نَعَامٍ فِي الثَّرِى قَدْ تَحَطَّما (2)

والتفت إلى حضّار مجلسه فقال لهم : أما مروان فقتلناه بأخي إبراهيم، وقتلنا سائر بني أميه بحسين ومن قتل معه، وبعده من بني عمنا أبي طالب(3).

وقد رسخ بذلك ملك بني العبّاس وأصبح السفاح ملكاً على المسلمين في جميع أقطارهم.


1) الأنباء في تاريخ الخلفاء : 14.

2) الكامل في التاريخ : 5 : 427.

3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 7: 131.

هرب الأمويّين

ولمّا انهارت الدولة الأمويّة فزع الأمويّون، وامتلأت قلوبهم بالذعر والهلع، فهام بعضهم على وجهه في البيداء، ومن الهاربين عبد اللّه وعبيد اللّه ابنا مروان، ومعهما لمة من نسائهم وأصحابهم، فوافوا بلاد (النوبة)، فأكرمهم عظيمها، وأرادوا اللجوء إلى بلاده، فأبى خوفاً من سلطة العبّاسيّين، فخرجوا خائفين حتّى انتهوا إلى (بجاوة) فقاتلهم عظيمها، وانصرفوا يريدون اليمن، وقد أترعت نفوسهم بالجزع والذعر، فعرض لهم طريقان بينهما جبل، فسلك كلّ واحد منهما في طريق، وهما يعتقدان أنهما يلتقيان بعد ساعة.

فسارا تمام اليوم فلم يلتقيا، وراما الرجوع فلم يمكنهما ذلك، فسارا أيّاماً، فلقي عبید اللّه (منسراً) من مناسر الحبشة، فقاتلهم وأخيراً قتل عبيد اللّه واستأسر أصحابه، ونهب الحبشيون جميع ما عندهم من الأمتعة وتركوهم عراة حفاة حتّى هلكوا من العطش، فكان الرجل منهم يبول في يده ويشربه، ويبول ويعجن به الرمل ويأكله، حتّى لحقوا عبد اللّه بن مروان، وقد ناله من العناء والشدّة أكثر ممّا نالهم، ومعه عدّة من حرمه وهنّ عراة حفاة قد تقطّعت أقدامهنّ من المشي، وشربن البول حتى تقطّعت شفاههن، وقد وافوا (المندب)، فأقاموا به شهراً وجمع الناس لهم شيئاً ثمّ خرجوا يريدون مكة وهم في زي الحمّالين (1).

لقد صبّ اللّه عليهم هذا العذاب الشديد والخوف المرهق فجعلهم من أعظم العظات والعبر الأعداء الشعوب.

الإبادة الشاملة

إشارة:

وأخذت الحكومة العبّاسيّة تطارد الأمويّين وتستأصل شأفتهم بلا هوادة


1) تاريخ اليعقوبي : 3 : 84 و 85. العقد الفريد : 3: 198 و 199.

ولا رحمة، فأشاعت فيهم القتل وأبادتهم تحت كلّ حجر ومدر، وفيما يلي بعض ما لاقوه من الإبادة والتنكيل :

1 - في البصرة

وقام سليمان بن عليّ في البصرة بقتل الأمويّين والتنكيل بهم، فأعدم منهم جماعة، ثمّ أمر بهم فجروا بأرجلهم وألقوا في الطرق حتّى أكلتهم الكلاب، وقد اختفى كثير منهم كعمر بن معاوية، فقد بقي وقتاً طويلاً خائفاً متستراً حتّى ضاقت به الأرض، فالتجأ إلى سليمان بن عليّ، فوقف على رأسه وهو لا يعرفه، فقال له وقد بدت عليه الذلّة والانكسار : لفظتني البلاد إليك، ودلّني فضلك عليك، فأمّا قتلتني فاسترحت، وإمّا رددتني سالماً فأمنت.

• مَن أنت ؟

فعرّفه بنفسه، فرق له وقال له : مرحباً بك، ما حاجتك ؟

•

إنّ الحرم اللواتي أنت أولى الناس بهنّ، وأقربهم إليهنّ قد خفن لخوفنا.

•

حقن اللّه دمك ووفّر مالك.

ثمّ أمنه وكتب بذلك إلى السفّاح، فأقرّ أمنه (1).

2 - في مكة والمدينة

وقتل داود بن علي جماعة منهم بمكة والمدينة، وقد أنشده إبراهيم بن هرمة أبياتاً يحفّزه فيها على الاستمرار في تتبعهم والقضاء عليهم قائلاً:

فَلَا عَفا اللّه عَنْ مَروانَ مَظْلِمَةً***ولا أُمَيَّةَ بِئْسَ المَجْلِسُ الْبادِي

کانُوا كَعَادٍ فَأَمْسَى اللّه أَهْلَكَهُمْ***بمثل ما أَهْلَكَ الغاوينَ مِنْ عَادِ


1) الكامل في التاريخ : 5 : 206.

فَلَنْ يُكَذِّبَني مِنْ هَاشِمٍ أَحَدٌ***فيما أقولُ وَلَوْ أَكثَرْتُ تِعْدادي (1)

وقد تأسّف الشيخ محمّد الخضري على ما صنعه بهم داود بن عليّ، فقال : «حتّى لم يبق منهم أحد إرضاء لشهوة الانتقام التي تمسّكت في قلوب بني العبّاس، ولم تخجلهم تلك الوحشيّة القاسية» (2).

لقد تأسّف الخضري على مقتل الأمويّين، ولم يأسف على ما فعلوه بعترة النبيّ الأعظم من القتل والسبي، وبما أنزلوه بأحرار المسلمين من التنكيل والارهاق والتعذيب، وغير ذلك من الفظائع والفضائح، وكان من المحتم أن يلاقوا ذلك، فقد كتب اللّه على الظالمين اللعنة والخزي، وأجرى في قضائه أنّه لا بد أن يلاقوا مصيرهم الحافل بالخسران وسوء المصير، ولكنّ الخضري لا ينظر إلى الواقع إلّا بمنظار أسود، قد أكلت العصبيّة قلبه، فهام بحبّ أسياده الأمويّين، فبكى لحالهم وتألّم على مصيرهم.

3 - في الحيرة

إشارة:

ولما استتبّ الأمر إلى أبي العبّاس أخذ يتتبّع الأمويّين، فلم يظفر بأحد منهم حتّى نفّذ فيه حكم الإعدام لأجل تدعيم ملكه وسلطانه، وإرضاء لأبناء عمومته العلويّين، ورعاية لعواطف أكثر المواطنين الذين نكبتهم السلطة الأمويّة، وقد استأمنه سليمان بن هشام بن عبد الملك فآمنه، فدخل عليه في الحيرة ومعه جماعة من الأمويّين، وبينما هم جلوس إذ دخل عليه حاجبه فقال له : «يا أمير المؤمنين، رجل حجازي أسود، راكب على نجيب، متلثم، يستأذن ولا يخبر باسمه، ويحلف أن لا يحسر اللثام عن وجهه حتّى يراك !».


1) مختصر أخبار الخلفاء : 4.

2) المحاضرات : 49.

• هذا مولاي سديف، فليدخل.

فدخل سديف، فلما رأى السفاح وحوله بنو أمية قد جلسوا على النمارق والكراسي تحرق قلبه الغيظ وانبرى مستأذناً منه ليتلو عليه أبياته الحماسيّة، فأذن له، فاندفع قائلاً وهو مغيظ محنق :

أَصْبَحَ المُلك ثابت الأساس***بالبهاليل مِنْ بَني العبّاس

بالصُّدورِ المُقَدِّمين قديماً***وَالرُّؤوس القماقم الرُّوَاسِ

يا أَمِيرَ المُطَهَّرِينَ مِنَ الذَّمِّ وَيا***رَأْسَ مُنْتَهى كلّ رَأْسِ

أَنتَ مَهْدِيُّ هاشم وَهُداها***كُمْ أُناسٍ رَجُوكَ بَعدَ إِياسِ

لا تُقيلَنَّ عَبدَ شَمسٍ عِثاراً***وَاقْطَعَنْ كلّ رَقْلَةٍ وَغِراس

أَنْزِلوها بِحَيثُ أَنْزَلَها اللّه***بدار الهوان والإنعاس

خَوفُهُمْ أَظْهَرَ التَّوَدُّدَ مِنْهُمْ***وَبِهِمْ مِنكُمْ كَحَرَّ المَواسي

وَاذْكُرُوا مَصَرَعَ الحُسَيْنِ وَزَيْداً***وَقَتيلاً بجانب المهراس

والإمام الذي بِحَرَانَ أمْسی***رَهْنَ قَبرٍ ذِي غُربَةٍ وَتَناسي

وألهبت هذه الأبيات قلب السفاح، فأخذ الغيظ منه مأخذاً عظيماً حتّى بان على سحنات وجهه، فشعر بذلك بعض الأمويّين، فانطلق يقول : قتلنا واللّه العبد.

وأخذ السفّاح يتحرّق قلبه غيظاً وموجدة، وصاح بالخراسانيين : خذوهم، فانبرى إليهم الخراسانيون بالدبابيس فضربوهم ضرباً بالغاً حتّى سقطوا على وجوههم، وأمر السفّاح أن يمدّ عليهم خوان الطعام، ففرش عليهم الخوان، ووضع عليهم الطعام، وجلس السفّاح مع حاشيته يتناولون الغذاء وهم يسمعون أنينهم حتّى هلكوا عن آخرهم، وبدا الفرح على وجه السفّاح، فقال : ما أكلت في عمري أكلة أهنأ من هذه الأكلة.

ثمّ رفع الطعام عنهم، وسحبت جثثهم فرميت بالطرق، فأكلت الكلاب

أكثرها (1).

وأطلّ عليهم سديف وهو مثلوج القلب، ناعم الفكر، فانبرى قائلاً:

طمَعَتْ أُمَيَّةُ أَن سَيَرضى هاشم***عَنْها وَيَذْهَبُ زَيدُها وَحُسَيْنُها

كَلا وَرَبِّ محمّد وَالهه***حتّى يبيدَ كُفُورُها وَخَوُونُها (2)

ولمّا فرغ السفاح من قتل الأمويّين، ومحاهم من دنيا الوجود الدفع وهو جذلان مبتهج يقول :

بني أميّه قَدْ أَفنَيتُ جَمعَكُمْ***فَكَيفَ لى مِنكُمُ بِالأَوَّلِ المَاضِي

يُطَيِّبُ النَّفْسَ أَنَّ النّارَ تَجْمَعُكُمْ***عُوِّضْتُمُ مِنْ لَظَاهَا شَرَّ مُعْتاضِ

منيتُمُ لا أَقالَ اللّه عَثْرَتَكُمْ***بِليثِ عَابِ إِلى الأَعْداءِ نَهَّاضِ

إِنْ كانَ غَيْظي لِقَوتٍ مِنكُمُ فَلَقَدْ***مُنيتُ مِنكُمْ بِما رَبِّي بِهِ راضِي (3)

وهكذا كانت نهاية الظالمين وأعداء الشعوب القتل والدمار والخزي والعار.

نبش قبور الأمويّين

وتتبّع العبّاسيّون خصومهم الأمويّين أحياءً فأبادوهم -كما ذكرنا - وانعطفوا على أمواتهم فنبشوا قبورهم، وأحرقوا ما تبقّى من عظامهم النخرة، وجرى ذلك بعد ما احتلت الجيوش العبّاسيّة دمشق، فأمر عبد اللّه بن عليّ القائد العام للقوات المسلحة بنبش قبورهم، فنبشوا قبر الطاغية معاوية بن أبي سفيان فلم يجدوا فيه إلّا خيطاً مثل الرماد، ونبشوا قبر عبدالملك بن مروان، فوجدوا فيه جمجمة، ونبشوا قبر يزيد بن


1) مختصر أخبار الخلفاء : 10.

2) العقد الفريد : 3 : 207.

3) تاریخ دمشق : 31: 57. الكامل في التاريخ : 5 : 431. الوافي بالوفيات : 17 : 174.

معاوية فوجدوا فيه حطاماً كأنّه رماد، وأخرج جسد هشام بن عبدالملك فضرب بالسياط، وصلب، ثمّ أحرق وذرّ في الهواء (1).

إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن الأمويّين، وما جرى عليهم من الاندحار والدمار.

السفّاح والعلويّون

ولم يكن من المتوقّع عند أحد أن يفوز العبّاسيّون بالخلافة لأن الثورة الكبرى التي أطاحت بالحكم الأموي إنّما كانت من أجل العلويّين، فقد كانت هتافات المتظاهرين بالدعوة «إلى الرضا من آل محمّد»، وكانت هذه الدعوى شعار الثوّار الذين بذلوا المزيد من التضحيات في سبيلها، وكان العبّاسيّون أنفسهم لا يحلمون بذلك، فقد بايع السفّاح وأخوه المنصور محمّداً ذا النفس الزكية، ولكنّ الأقدار قد حوّلت الأمر عن العلويّين وحملته إلى العبّاسيّين.

ولما صفا الملك لأبي العبّاس جهد في إرضاء العلويّين، فمنحهم العطاء الجزيل، وقابلهم بشتى ألوان التبجيل والتكريم، وقضى على خصومهم الأمويّين، وكانت العلاقة فيما بينهما ظاهراً علاقة ود وصفاء، وأما في الواقع فإنّ العلويّين قد انطوت نفوسهم على الحزن العميق، والأسى الشديد وذلك لمكيدة العبّاسيّين بهم، واستئثارهم بالخلافة من دون أن يأخذوا رأيهم في الأمر.

وعلى أي حال، فإنّ العلويّين قد وفدوا على أبي العبّاس وهو في الأنبار يهنّئونه بالخلافة، ولم يفد عليه محمّد وإبراهيم فرابه ذلك، والتفت إلى أبيهما عبداللّه فقال له : ما منعهما أن يفدا مع من وفد عليَّ من أهل بيتهما ؟

• ما كان تخلفهما لشيء يكرهه أمير المؤمنين.

فقبل السفّاح العذر على مضض وكره، وممّا زاد في قلق السفاح واضطرابه من


1) الكامل في التاريخ : 5 : 205.

محمّد وأخيه أنّه لما بنى مدينة الأنبار التي اتخذها عاصمة له دخلها مع أخيه أبي جعفر وعبد اللّه بن الحسن وهو يسير بينهما، ويطلعهما على ما في المدينة من المصانع والقصور، فظهرت من عبد اللّه فلتة فجعل يتمثل بهذين البيتين :

أَلَمْ تَرَ جَوشَنْاً قَدْ صَارَ يَبْني***قُصوراً نَفْعُها لِبَني نُفَيلَة (1)

يُؤَمِّلُ أَنْ يُعَمَّرَ عُمرَ نُوحٍ***وَأَمْرُ اللّه يَحدَثُ كلّ لَيلَة(2)

فتغير وجه أبي العبّاس، فالتفت أبو جعفر المنصور إلى عبد اللّه، فقال له : أتراهما ابنيك والأمر صائر إليهما لا محالة ؟

• لا واللّه، ما ذهبت ولا أردته، ولا كانت إلّا كلمة جرت على لساني لم ألق لها بالاً.

وقد أوحشت هذه الكلمات قلب السفّاح، فلمّا عزم العلويّون على الخروج إلى يثرب أجزل لهم العطاء، وبعث معهم رجلاً من ثقاته، فقال له : قم بإنزالهم ولا تأل في ألطافهم، وكلّما خلوت معهم فأظهر الميل إليهم، والتحامل علينا وعلى ناحيتنا، وإنّهم أحق بهذا الأمر منا، واحص لي ما يقولون وما يكون منهم في مسيرهم ومقدمهم.

وحينما وصل عبد اللّه إلى يثرب اجتمع به ولده، وسألوه عن كلّ صغيرة وكبيرة، فأخذ يشرح لهم الحالة، وحفّزهم على الثورة، وكان ذلك الرجل حاضراً، فحفظ جميع ما دار بينهم، فلما عاد إلى أبي العبّاس أطلعه على جميع ما شاهده من بني الحسن، فوغر صدره عليهم، واشتد غضب المنصور عليهم.

وأخذ الذين يتزلّفون إلى السلطة يختلقون السعايات، ويفتعلون الوشايات بأنّ


1) في زهر الآداب : «ألم تر حوشباً لما تبنّى».

2) في المقاتل : «أن يعمّر ألف عام».

العلويّين يدعون الناس إلى خلع بيعة السفّاح، فضاق السفاح بذلك ذرعاً، وكتب إلى عبد اللّه كتاباً شفعه بهذا البيت :

أريد حياته ويُريد قتلي***عذيرُكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرادِ

فأجابه عبداللّه برسالة فنّد فيها تلك المزاعم، وكتب في آخرها هذه الأبيات :

وَكيفَ يُريدُ ذاكَ وَأَنْتَ مِنْهُ****بِمَنزلَةِ النِّياطِ مِنَ الفُؤادِ

وكيف يُريدُ ذاكَ وأنتَ مِنْهُ***وزَنْدُكَ حينَ يَقْدَحُ مِنْ زِنادِ

وكيف يُريدُ ذاكَ وَأَنتَ مِنْهُ***وَأَنتَ لهاشم رَأْسٌ وَهادِ (1)

واطمأن بذلك أبو العبّاس، وسكن روعه، إلا أن أبا جعفر المنصور كان يحثّه ويدفعه إلى الإيقاع بمحمّد وإبراهيم، فزجره السفّاح وقال له: «من شدّد نفر، ومن لان تأسف، والتغافل من سجايا الكرام» (2).

وسلك مع العلويّين مسلك السياسي المحنّك، فلم يقابلهم بأذى ولا مكروه، بل كان يتظاهر بالود والعطف عليهم.

موقف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وتميز موقف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحياد، والالتجاء إلى الدعة والسكون، وعدم القيام بأي نشاط سياسي، فإنّه كان يعلم بإخفاقه، وعدم عائدته على الأمة بأي مكسب سوى الضرر الشامل الذي يفتك بالمجتمع ويجر له كثيراً من النكبات والخطوب.

وقد أصرّ الإمام على هذه الخطبة السليمة في موقفه مع العلويّين تارة، ومع دعاة


1) تاريخ اليعقوبي : 3 : 97.

2) شذرات الذهب : 1 : 159.

الدولة العبّاسيّة أخرى، وفيما يلي إيضاح ذلك :

1 - مع العلويّين

واستشفّ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من وراء الغيب أنّ الخلافة بعد سقوط الدولة الأمويّة لا بد أن تؤول إلى العبّاسيّين، وليس للعلويّين فيها أي نصيب، وكان يمعن في نصحهم وتحذيرهم من التصدّي لطلب الحكم.

وقد روى المؤرّخون بوادر كثيرة ممّا أثر عنه في هذا المجال، فقد رووا أن العلويّين والعبّاسيّين أيّام الحكم الأموي اجتمعوا واتّفقوا على أن يبايعوا محمّداً ذا النفس الزكيّة، فأرسلوا خلف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعرضوا عليه ذلك، فنهاهم عنه، وقال لهم : «لا تَفْعَلُوا فَإِنَّ الأَمْرَ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ».

فغضب عبداللّه بن الحسن وحسب أنّ ذلك حسد لابنه، فنظر إليه الامام نظرة رحمة وإشفاق وقال له : «لَا وَاللّه ما ذاكَ يَحْمِلُني، وَلكِنَّ هذا - وأشار إلى أبي العبّاس السفّاح - وَإِخْوَتَهُ وَأَبْناءَهُمْ دونَكُمْ».

ونهض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) متأثّراً، فتبعه عبد الصمد وأبو جعفر المنصور، فقالا له : يا أبا عبد اللّه، أتقول ذلك ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نَعَمْ وَاللّه أَقولُهُ وَأَعْلَمُه» (1).

وبالغ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نصحه لعبد اللّه في أن يعزب عن هذا الأمر، ولا يورّط نفسه وابنيه فيه، وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : «إِنَّها - أي الخلافة - وَاللّه ما هِيَ إِلَيْكَ، وَلَا إِلَى ابْنَيْكَ، وَلَكِنَّها لهؤلاء - وأشار إلى بنى العبّاس - وَإِنَّ ابْنَيْكَ لَمَقْتولان» (2).

إنّ هذا العلم وهذا الايحاء مستمد من علم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فهم أوصياؤه، وورثة علمه، وسدنة حكمته، وموطن أسراره.


1) مقاتل الطالبيّين : 226.

2) مقاتل الطالبيّين : 226.

لقد منح (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبناء عمه النصيحة، وأشار عليهم بما فيه نجاتهم، وأعلمهم بأنّهم لن ينالوا هذا الأمر، ولو تابعوه لجنّبوا نفوسهم المهالك والمصاعب، وما فجعوا الأُمّة برزاياهم، ولكنّهم رضي اللّه عنهم لهم عذرهم في ذلك، فقد لاقوا المزيد من الذل والهوان من تلك السلطات المستهترة التي لم تألُ جهداً في قهرهم وإرغامهم على ما يكرهون، فانطلقوا إلى ساحات الجهاد أحراراً وماتوا كراماً تحت ظلال الأسنة، وسوف نعرض ذلك بمزيد من التفصيل عند البحث عن عهد الطاغية أبي جعفر المنصور.

2 - مع أبي سلمة

ولمّا أشرفت الدولة الأمويّة على الانهيار تحت وطأة الجيوش العبّاسية وضرباتها المتلاحقة لها، رأى أبو سلمة الذي لقب بوزير آل محمّد أن يحوّل الخلافة إلى العلويّين، وسواء أكان ذلك عن جد وإخلاص منه أم عن مكيدة وخديعة لهم فقد كتب إلى ثلاثة منهم يعرض عليهم ما فكّر به، وهم : الإمام جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ). وعبداللّه المحض، وعمر الأشرف ابن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسلّم رسائله إلى مولى من مواليهم الذين يقطنون الكوفة، وأوصاه بقوله : «اقصد أوّلاً جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإن أجاب فأبطل الكتابين الآخرين، فإن لم يجب فالق عبداللّه المحض، فإن أجاب فأبطل كتاب عمر الأشرف، وإن لم يجب فالق عمر».

وانطلق الرسول حتّى إذا انتهى إلى يثرب بدأ بمقابلة الإمام أبي عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسلّمه الكتاب ليلاً، فتناول (عَلَيهِ السَّلَامُ) الكتاب بعد ما عرض عليه حديث أبي سلمة، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما أَنا وَأَبو سَلَمَةَ وَهُوَ شِيعَةٌ لِغَيْري.

وانبرى الرسول قائلاً للإمام : اقرأ الكتاب، وأجب عليه بما ترى.

فقال الإمام لخادمه : ادْنِ السِّراجَ مِنّي، فأدناه، فوضع الكتاب على النار حتّى احترق.

فقال له الرسول : ألا تجيبه ؟

• قَدْ رَأَيْتَ الْجَوابَ.

وتمثل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببيت للكميت :

فيا موقداً ناراً لغيرك ضَوْؤُها***ويا حاطياً في غَير حَبْلِكَ تَحطِبُ

فخرج الرسول من عنده عنده، وأتى عبداللّه بن الحسن، ودفع إليه الكتاب فقرأه وابتهج، فلمّا كان الغد من ذلك اليوم ركب عبداللّه حتّى أتى منزل أبي عبداللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تكريماً له وقابله بمزيد من الحفاوة وقال له : يا أبا محمّد ما أتى بِك ؟

•

هو أجل من أن يوصف.

•

ما هو؟

هذا كتاب أبي سلمة يدعوني إلى الخلافة، وقد قدمت عليه شيعتنا من أهل خراسان.

فتأثّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) منه، وقال له : يا أبا محمّد، وَ مَتى كانَ أَهْلُ خُراسانَ شِيعَةٌ لَكَ ؟ أَنْتَ بَعَثْتَ أبا مُسْلِمِ إِلى خُراسانَ، وَأَنْتَ أَمَرْتَهُمْ بِلبْسِ السَّوادِ، هَلْ تَعْرِفْ أَحَداً مِنْهُمْ بِاسْمِهِ أَوْ بِصورَتِهِ ؟ فَكَيْفَ يَكونونَ شيعَةً لَكَ، وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُهُمْ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَكَ.

فأخذ عبد اللّه يحاججه ويجادله، فقطع (عَلَيهِ السَّلَامُ) حديثه، وقال له :

قَدْ عَلِمَ اللّه أَنِّي أَوْجِبُ النُّصْحَ عَلَى نَفْسِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ، فَكَيْفَ أَدَّخِرُهُ عَنْكَ، فَلَا تُمَنَّ نَفْسَكَ الأباطيلَ، فَإِنَّ هَذِهِ الدَّوْلَةَ سَتَتِمُ لِهؤُلاءِ - يعني بني العبّاس - وَقَدْ جَاءَنِي مِثْلُ هذا الْكِتابِ الَّذِي جَاءَكَ (1).

لقد كشف الإمام في حديثه المشرق صفحة من صفحات الغد المجهول فأنارها


1) مروج الذهب : 3 : 184. الفخري في الآداب السلطانية : 137.

بعلمه، ولم يبق بها أي خفاء والتباس، من حتمية مصير الخلافة لبني العبّاس، وعقم المعارضة لهم، وما انتهت حفنة من السنين حتّى تحقق تنبؤه وصدقه في ذلك.

وعلى أي حال، فقد كان رفض الإمام لدعوة أبي سلمة يحمل جانباً كبيراً من الأصالة والعمق في مجريات الأحداث، فإنّ دعوة أبي سلمة إن كان جاداً فيها لم تكن بداعي الإيمان بحق أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وإنما كانت ناشئة عن دواع أخرى من ضياع مصالحه وآماله، وإلا فلماذا لم يراسلهم قبل هذا الوقت الحافل بالأخطار، فإنّ الجيوش العبّاسيّة التي زحفت إلى احتلال العراق لم تكن شيعة للعلويّين، وإنما هي شيعة لبني العبّاس قد صهرتهم دعوتهم، فكيف يستجيب الإمام لدعوة أبي سلمة أو يسير في مجاهل هذه التيارات القاتمة المحفوفة بالمهالك والأخطار.. على أن عبداللّه بن الحسن قد استجاب له، فماذا جناه منه غير الدمار الشامل له ولأسرته.

ولم يخف أمر هذه الدعوة على بني العبّاس، فقد أوجبت قلقهم واضطرابهم وتصميمهم على قتله، فقد روى المؤرّخون أنّ أبا العبّاس وأبا جعفر المنصور قد اتفقا على أن يخرج المنصور إلى خراسان لزيارة أبي مسلم ويحدثه في أمر أبي سلمة، ويطلب منه القيام باغتياله. فخرج المنصور حتّى انتهى إلى أبي مسلم فعرض عليه الأمر، فقال له : أفعلها أبو سلمة ؟ أنا أكفيكموه.

ثمّ دعا أحد قواده مرار بن أنس الضبي، وقال له : انطلق إلى الكوفة فاقتل أبا سلمة حيث لقيته، وانته في ذلك إلى رأي الإمام، فسار مرار مع جماعة من جنده إلى الكوفة، وكان أبو سلمة يسمر عند السفاح الذي تظاهر بإعلان العفو والرضا عنه، فجلس مرار مع جماعته في طريقه، فلما خرج أبو سلمة في منتصف الليل بادر إلى قتله، وأشاعوا في الصباح أن الخوارج هي التي قتلته (1).


1) تاريخ الأمم والملوك : 6: 102 و 103 - أحداث سنة 132ه-، وقتل أبو سلمة في 15 من شهر رجب، وذلك بعد هزيمة مروان بشهر واحد.

وانتهى بذلك أمر أبي سلمة في فجر مولد الدعوة العبّاسية.

3 - مع أبي مسلم

إشارة:

ولمّا استبان لأبي مسلم واقع العبّاسيّين وغدرهم حاول أن ينقل الأمر إلى أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فكتب إلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالة جاء فيها : «إني قد أظهرت الكلمة، ودعوت الناس عن موالاة بني أميّه إلى موالاة أهل البيت، فإن رغبت فلا مزيد عليك».

فكتب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جواباً له تمثلت فيه الحكمة والوعي والإدراك لحقائق الأمور، وقد جاء فيه : «ما أَنْتَ مِنْ رِجَالِي، وَلَا الزَّمَانُ زَمَانِي» (1).

أجل كيف يكون أبو مسلم من رجال الإمام أبي عبداللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو الثقل الأكبر في الإسلام ؟

إنّ أصحاب الإمام ودعاته إنّما هم الأخيار المتحرّجون في دينهم الذين يؤثرون طاعة اللّه على كلّ شيء.

كيف يرضى الإمام أن يتسلّم السلطة من أبي مسلم الذي استحل جميع ما حرّم اللّه، وسفك دماء المسلمين بغير حقّ ؟

ندم أبي مسلم

لقد ندم أبو مسلم في آخر الأمر على ما اقترفه من الموبقات والآثام، وعزا جميع ما فعله إلى السفاح، وقد جاء ذلك في رسالته التي رفعها إلى أبي جعفر المنصور، فقد جاء فيها : كنت اتخذت أخاك إماماً، وجعلته على الدين دليلاً لقرابته، والوصية التي زعم أنها صارت إليه، فأوطأ بي غشوة الضلالة، وأوهقني في ربقة


1) الملل والنحل : 1 : 241.

الفتنة، وأمرني أن آخذ بالظنّة، وأقتل على التهمة، ولا أقبل المعذرة، فهتكت بأمره حرمات حتم صونها، وسفكت دماءاً فرض اللّه حقنها، وزويت الأمر عن أهله، ووضعته منه في غير محله، فإن يعف اللّه عنّي فبفضل منه، وإن يعاقب فبما كسبت يداي، وما اللّه بظلام للعبيد» (1).

لقد كشف أبو مسلم في رسالته عن ندمه وبربرية السفاح وقسوته، وأن جميع ما فعله من سفك الدماء، وهتك الحرمات، وإذاعة الرعب، ونشر الارهاب كلّ ذلك مستند إلى أوامر السفاح.

وأدلى أبو مسلم بتصريح آخر يقرب من ذلك رفعه إلى أبي جعفر المنصور، وقد جاء فيه : «أما بعد : فإنّي اتَّخذت رجلاً إماماً، ودليلاً على ما افترض اللّه على خلقه، وكان في محلّه العلم نازلاً، وفي قرابته من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قريباً، فاستجهلني بالقرآن فحرّفه عن مواضعه طمعاً في قليل قد تعافاه اللّه إلى خلقه، وكان كالذي أدلى بغرور، وأمرني أن أجرد السيف، وأرفع المرحمة، ولا أقبل المعذرة، ولا أقيل العثرة، ففعلت توطيداً لسلطانكم، حتّى عرفكم من كان يجهلكم، وأطاعكم من كان عدوّكم، وأظهركم اللّه بعد الخفاء والذل والحقارة»(2).

وأعرب أبو مسلم بهذا التصريح الخطير عمّا اتّصف به السفّاح من الخداع والتضليل، وعدم الإيمان بالقيم الإنسانيّة.

وقد بلغ به وخز الضمير والندم على ما ارتكبه من عظيم الإثم أنّه كان لا يرجو مغفرة اللّه له، فكان يدعو بعرفات : اللّهمّ إنّي تائب إليك ممّا لا أظنك أن تغفر لي.

فقيل لة : أفيعظم على اللّه غفران ذنبك ؟

فقال : إنّي نسجت ثوب ظلم ما دامت الدولة لبني العبّاس، فكم من صارخة


1) تاریخ بغداد : 10 : 208.

2) البداية والنهاية : 10: 64.

تلقني عند تفاقم الظلم فكيف يغفر لمن هذا الخلق خصماؤه (1).

لقد أفسد أبو مسلم أمر آخرته، وباع دينه في سبيل توطيد الملك لبني العبّاس، وقد ندم حيث لا يجديه الندم، فما كان اللّه ليتلطَّف بالعفو والغفران على من أراق بحوراً من دماء الأبرياء بغير حق، وأشاع في بلاد المسلمين الشكل والحزن والحداد.

وفاة السفّاح

ومرض السفاح مرضه الذي توفّي فيه، وبقي أيّاماً يعاني أشدّ الآلام وأقساها.

ولمّا ثقل حاله، واشتدّ به المرض أرسل إلى ابن أخيه عيسى بن موسى، وفي رواية إلى عمه عيسى بن عليّ، فناوله كتاباً مغلقاً، وكتب على غلافه : «من عبد اللّه ووليه إلى آل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هو الأولياء وجميع المسلمين»، وأوصاه بكتمان أمره إذا خرجت نفسه حتّى يقرأ الكتاب على الناس، ولم يكن أحد يدري لمن أوصى بالخلافة من بعده (2).

وفى ليلة الأحد الموافق 12 ذي الحجة سنة 136ه- توفّى السفّاح (3)، وانتقل إلى اللّه فسجاه عيسى بن علي بثوبه، وكتم على الناس موته، فلما أصبح الصبح جمع رجال بني العبّاس، وكبار رجال الدولة، فنعى إليهم السفاح، وأخرج إليهم كتاب البيعة مغلقاً، ففضّ الكتاب أمامهم، وإذا به يوصي بالخلافة لأخيه أبي جعفر، وبولاية العهد إلى ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمّد، وأخذ البيعة على الحاضرين لأبي جعفر المنصور، ثمّ قام بعد ذلك بمواراته، فدفن في قصره حسب وصيّته (4).


1) الكنى والألقاب : 2 : 151، نقلاً عن ربيع الأبرار.

2) تاريخ اليعقوبي : 3 : 348.

3) مروج الذهب : 3 : 181.

4) الكامل في التاريخ : 4 : 347.

وانتهت بذلك حياة السفّاح الحافلة بسفك الدماء، وهتك الحرمات، وقد ختم حياته بفرض أخيه المنصور خليفة على المسلمين، وهو من أشرّ خلق اللّه، وأخبث حاكم في الإسلام لؤماً وانحرافاً عن العدل، فقد جهد في فقر المسلمين، وإشاعة الذعر والخوف في جميع أنحاء العالم الإسلامي، كما سنذكره بالتفصيل.

إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد السفّاح، فرأى وهو في غضون الصبا وريعان العمر محنة المجتمع الإسلامي وشقاءه بتلك الأدوار الرهيبة التي اجتازت عليه، فإنّه لم ينتقل من جور الأمويّين وظلمهم حتّى وقع تحت وطأة الحكم العبّاسي، فأخذ يعاني الجور والاستبداد والعسف والارهاق، وأخذت السلطة العبّاسيّة تمعن في إفقار المسلمين، ونهب ثرواتهم، وصرفها بسخاء على المجون والدعارة، كما كان الحال أيّام الحكم الأموي، ومن الطبيعي أنّ لذلك أثراً كبيراً في حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وانطوائها على الحزن والأسى.

في عهد المنصُور

إشارة:

ولم تكن للمنصور أيّة سابقة من السوابق، أو مأثرة من المآثر حتّى يستحق الخلافة التي هي من أعظم المراتب في الإسلام، فلم يكن يملك أي نزعة إنسانية أو صفة شريفة تؤهله للقيام بشؤون المسلمين، فقد أجمع المؤرخون أنه تسربل باللؤم والبخل، وخسّة الطبع، ودناءة النفس، وكان الغدر والفتك من أبرز مظاهر شخصيته، وقد ساس المسلمين سياسة من لا يؤمن باللّه واليوم الآخر، فأشاع بينهم الخوف والارهاق، وسلبهم جميع مقوماتهم الاقتصاديّة، حتّى تمنّوا رجوع الحكم الأموي، وعودة أيّامهم على ما فيها من قسوة وعذاب.

يقول أحد مخضرمي الدولتين :

يا لَيْتَ جَوْرٌ بَني مروان دامَ لَنا***وَلَيتَ عَدْلُ بَني العبّاس في النَّارِ

وقال الثائر العظيم محمّد ذوالنفس الزكية في حديثه الذي أدلى به عن جور العبّاسيّين وظلمهم : «لقد كنّا نقمنا على بني أميّه ما نقمنا، فما بنو العبّاس إلّا أقل خوفاً اللّه منهم، وإنّ الحجّة على بني العبّاس لأوجب منها عليهم، ولقد كانت للقوم مكارم وفواضل ليس لأبي جعفر» (1).

وقد أفرط في سفك الدماء إلى حدّ لا يوصف، فقتل على الظنّة والتهمة، وتنكّر


1) الأغاني : 10 : 106.

لجميع الناس، فلم تسلم منه حتّى أسرته، فأباد أعلامها، وقطع رؤوسها، ويعزى ذلك إلى حقده وطيشه.

وقد وصفه الأستاذ السيّد مير علي بقوله : «كان المنصور خدّاعاً لا يتردّد البتّة في سفك الدماء، وتعزى قسوته إلى حقده البالغ حدّ الإفراط، في حين كان خلفه لا يفتك بأحدٍ إلا بعد كثير من التروّي والإمعان، وعلى الجملة كان أبو جعفر سادراً في بطشه، مستهتراً في فتكه» (1).

وتعتبر معاملته لأولاد على صفحة من أسوأ صفحات التاريخ العبّاسي.

ويقول السيوطي : «كان المنصور أوّل من أحدث ثغرة الخلاف بين العبّاسيّين والعلويّين بعد أن كانا كتلة واحدة» (2).

ووصفه ابن هبيرة (3)

هو عمر بن سعد بن عدي الفزاري، ولي العراقين ليزيد بن عبد الملك ست سنين، وكان يكنى أبا المثنّى، ويقول الفرزدق مخاطباً لعبد الملك في أمر ابن هبيرة :

أَوَلَّيتَ العِراقَ ورافِدَيهِ***فَزَارِيَا أَحَذَيَدِ القَمِيصِ

تَفَتَّقَ بِالعِراقِ أَبو المُثنّى***وَعَلَّمَ قَومَهُ أَكْلَ الخَبيص

والمراد بقوله : «احذيد القميص» أنّه خفيف اليد كناية عن خيانته. الكنى والألقاب: 1 : 434، نقلاً عن المعارف / ابن قتيبة : 408.

وهو من معاصريه بقوله : «ما رأيت رجلاً في حرب أو سلم أمكر ولا أنكر ولا أشدّ تيقّظاً من المنصور، حتّى لقد حاصرني في تسعة شهور ومعي فرسان العرب، فجهدنا كلّ الجهد على أن ننال من عسكره شيئاً، فما قدرنا لشدّة ضبطه العسكره، وكثرة تيقّظه» (4).

1) تاريخ الخلفاء : 261.

2) مختصر تاريخ الأدب : 184.

3) ابن هبيرة :

4) تاريخ اليعقوبي : 2 : 399.

وقد استطاع ببطشه وكيده أن يؤسس الدولة العبّاسية، ويسيطر على جميع أجهزة الحكم سيطرة كاملة.

وكان من أقسى ما قام به من الظلم جوره البالغ على العلويّين، ومعاملتهم بما لا يوصف من العنف والاضطهاد، فقد صبّ عليهم جام غضبه، فنكل بهم أفظع التنكيل، ولم يرع فيهم أواصر الرحم، وقربهم من الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد شاهد الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما حلّ بأسرته من صنوف المحن والارهاق، فكان لذلك أثره الكبير في نفسه، فقد صارت موطناً للآلام والأحزان.

لقد قطع الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) العقدين من سني حياته في دور المنصور، فرأى تلك السياسة النكراء التي تحمل شارات الموت والفناء لجميع المواطنين، ولا بد من البحث عن مظاهر شخصية المنصور، وسياسته وأعماله، فإنّ البحث عن ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنّه يصوّر لنا العصر الذي عاش فيه، وما لاقى فيه المسلمون من جهد وعناء، فإنّ لذلك أثراً في انطباعاته عن كثير من الأحداث، وفيما يلي عرض موجز للتعريف بشخصية المنصور :

مظاهر شخصيّة المنصور

إشارة:

أما الخصائص التي عرف بها المنصور، وكانت من مقوماته وذاتيّاته، فهي :

أولاً : البخل

إشارة:

ومما لا شبهة فيه أنّ البخل هو المنبع الوحيد لجميع الرذائل النفسية، فصاحبه قد انمحت عن أعماق نفسه جميع ألوان الأريحية والنبل، وقد تحمل هذه الصفة على التمادي في الإثم، وتلقيه في شرّ عظيم.

وكانت هذه النزعة الشريرة من أبرز صفات المنصور، فقد كان مضرب المثل في بخله، وقد عرض الدولة الإسلاميّة للمجاعة الشاملة والبؤس والحرمان، ونظراً

لبخله الشديد فقد لقّب بالدوانيقي.

قال ابن الأثير : «إنّما سُمّي المنصور بالدوانيقي لبخله، وذلك لما حفر الخندق بالكوفة قسط على كلّ منهم دائقاً، وصرفه على الحفر، والدائق سدس الدرهم».

ثمّ قال : وفي سنة 155ه- عمل المنصور للكوفة والبصرة سوراً وخندقاً، وأمر لمن عمل بالسور والخندق لكلّ واحد خمسة دراهم، فلما فرغوا أمر بجمعهم، وأخذ من كلّ واحد أربعين درهماً.

وفي ذلك يقول الشاعر :

يا لقومى ما لقينا***مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينا

قَسَّمَ الخَمْسَةَ فِينا***وجيانا الأَرْبَعِينا (1)

ولما فرغ من بناء بغداد حاسب أمراء جيشه وألزمهم بما بقي عندهم حتّى استوفى من بعضهم ما اقتضاه الحساب خمسة عشر درهماً (2).

وكان يحاسب العمّال ولو كان بقدر الدانق والحبّة (3).

ونقدّم عرضاً وأمثلة من شحه وبخله، فهي كما يلي :

حرمانه لنفسه

وقد حمله بخله ولؤمه على حرمان نفسه من التمتّع بلذائذ الحياة، فكان يتحاشى النعم، ويلبس ما خشن من الثياب، وربّما رقع قميصه بيده، وقد قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه : «الْحَمْدُ للّه الَّذِي ابْتَلاهُ بِفَقْرِ نَفْسِهِ فِي مُلْكِهِ» (4).


1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 298. البداية والنهاية : 10 : 121.

2) الفخري : 118.

3) عنوان المجد : 161.

4) الفخري : 115.

ورأته إحدى جواريه وعليه قميص مرقّع فقالت ساخرة منه : أخليفة وثوب مرقوع ؟ فضحك وقال لها : ويحك ! أما سمعت قول الشاعر ابن هرمة :

قَدْ يُدرِكُ الشَّرفَ الْفَتى وَرِداؤُهُ***خَلِقٌ وَجَيْبُ قَمِيصِهِ مَرقُوعُ (1)

إنّه لم يدرك الشرف، وإنّما انتهى إلى قرار سحيق من الخسة واللؤم وضعة النفس

الشحّ على الأصدقاء

وكان المنصور ضنيناً بالمال على نفسه وأصدقائه، فلم يجد بشيء عليهم، ولم يفكر في صلتهم، فقد كان له زميل أيّام فقره وفاقته وهو الوضين بن عطاء، فاستدعاه حينما استولى على دست الحكم، فلما مثل عنده أخذ يسأله عن حاله وشؤونه قائلاً له : يا أبا عبداللّه، ما مالك ؟

•

الخير الذي يعرفه أمير المؤمنين.

•

ما عيالك ؟

•

ثلاث بنات وامرأة وخادم لهنّ.

•

أربع بنات في بيتك ؟

•

نعم.

وأخذ يردّد ذلك عليه ويستفهم عن كمية عياله حتّى اعتقد الوضين أنه سيصله ويمنحه العطاء، ثمّ إنّه رفع رأسه إليه بعد تفكير طويل قائلاً: أنت أسير العرب، أربع مغازل يدرن في بيتك (2).


1) تاريخ الخلفاء : 267. تاریخ بغداد : 1 : 57.

2) عصر المأمون : 1 : 294.

بهذه الكيفية المخجلة كانت نفسه الوضيعة التي تسربلت بالبخل واللؤم، فليس فيها بصيص من نور الرأفة والرحمة.

حرمانه الأدباء

كانت الدولة الأمويّة تغدق الأموال الطائلة على الشعراء والأدباء حتّى ازدهر الأدب وراج سوقه، وكانت الأوساط الاجتماعيّة تنظر إلى هذه الطبقة ببالغ الأهتمام نظراً لاعتناء الدولة واحتفائها بها.

ولما انتهى الدور إلى المنصور بالغ في إذلالهم وتحطيمهم وحرمانهم من الصلة والدخول عليه، فكان لا يؤذن لهم إلا بعد جهد كثير، وقد وفد عليه أبو نحيلة، فوقف بباب بلاطه مستأذناً فلم يأذن له بالدخول والخراسانيون وغيرهم يدخلون ويخرجون بلا عناية، وهم يستهزئون به ويسخرون منه، ورآه بعض أصدقائه وهو بتلك الحالة من الذل والهوان فقال له : كيف ترى ما أنت فيه من هذه الدولة ؟

فانبری مجيباً بهذه الأبيات التي ارتجلها وهو يصوّر ما هو فيه :

أكثَرُ خَلْقِ اللّه مَنْ لَا يُدرى***مِنْ أَيِّ خَلْقِ اللّه حِينَ يُلقى

وَحُلَّةٌ تُنشَرُ ثمّ تُطوى***وَطَيلُسانٌ يُشْتَرى فَيُغْلَى

لِعَبْدِ عَبْدٍ أَو لِمَولى مَولى***يا وَيْحَ بَيْتِ المالِ ماذا يَلْقَى (1)

إنّ الذي دعا المنصور إلى الاستهانة بهذه الطبقة المثقفة هو البخل والشحّ.

وروى المؤرّخون من شحّه وقطيعته للشعراء : أن المؤمل بن أميل قدم على المهدي ولي عهد المنصور، فمدحه بقصيدة رائعة ملكت مشاعره، فأعطاه عشرين ألف درهم، ورفع صاحب البريد رسالة إلى المنصور يحيطه علماً بالأمر، فلما انتهت


1) الأغاني : 18 : 148.

إليه وعلم بالحال تميّز غيظاً، ورفع من فوره رسالة إلى ولده يندّد فيها بفعله، وقد جاء فيها: «إنّما كان ينبغي لك أن تعطي الشاعر بعد أن يقيم ببابك سنة أربعة آلاف درهم».

وكتب إلى كاتب المهدي أن يبعث إليه الشاعر فوراً، فطلبه الكاتب، فلم يظفر به، فأخبره أنّه توجّه إلى مدينة السلام، فبعث أحد ضباط جيشه مع دورية من الشرطة وأمرهم بإلقاء القبض عليه، فأقاموا بجسر النهروان فلا يجتاز عليهم أحد إلا سألوه عن اسمه، فاجتاز عليهم المؤمل فسألوه عن اسمه فأخبرهم به، فألقوا عليه القبض، فكادت روحه أن تزهق من الخوف والذعر، وجاء وا به إلى الربيع حاجب المنصور، فانبرى إلى المنصور فأخبره بالعثور عليه، فأمر بإدخاله، فلمّا مثل بين يديه التفت إليه وهو مغيظ محنق قائلاً: أنت المؤمل بن أميل ؟

•

نعم، أصلح اللّه أمير المؤمنين.

•

هيه، أتيت غلاماً غراً فخدعته !

•

نعم، أصلح اللّه أمير المؤمنين، أتيت غلاماً كريماً فخدعته فانخدع، فهدأت ثورة المنصور، وسكن غضبه، ثمّ أمره بأن يتلو عليه قصيدته، فانبرى منشداً :

هُوَ المَهْدِيُّ إِلَّا أَنَّ فيه***مُشابة صورَةِ القَمَرِ المُنير

تَشابَهَ ذا وَذا فَهُما إِذا ما***أنارا مُشْكِلانِ عَلى البَصيرِ

فَهذا في الظَّلام سِراجُ لَيل***وهذا في النَّهارِ سِراج نور

وَلكِنْ فَضَّلَ الرَّحْمَنُ هذا***على ذا بِالمَنابِرِ وَالسَّرِيرِ

وَبِالمُلكِ العَزيزِ فَذا أَميرٌ***وما ذا بِالأَميرِ وَلا الوَزيرِ

وَنَقْصُ الشهر يُخْمِدُ ذا وهذا***منيرٌ عِندَ نُقصان الشهور

فَيابنَ خَليفَةِ اللّه المُصَفَى***بِهِ تَعْلو مُفاخَرَةُ الفُخور

لَئِنْ فِتَّ المُلوكَ وَقَد تَوافَوا***إليك من السُّهولة والوعور

لَقَدْ سَبَقَ المُلوكَ أَبوكَ حتّى***بقوا مِنْ بَينِ كابٍ أَوْ حَسير

وَجِئتَ وَراءَهُ تَجْري حثيثاً***وَما بِكَ حينَ تَجْرِي مِنْ فُتورِ

فَقالَ النَّاسُ ما هذان إلا***بِمَنْزِلَةِ الخَليقِ مِنَ الجَديرِ

لَئِنْ سَبَقَ الكَبِيرُ فَأَهلُ سَبْقٍ***لَهُ فَضلُ الكَبيرِ عَلَى الصَّغيرِ

وَإِن بَلَغَ الصَّغيرُ مَدَى كَبير***لَقَدْ خُلِقَ الصَّغيرُ مِنَ الكَبيرِ

فلم يملك المنصور إعجابه بهذه المقطوعة الرائعة التي احتوت على أجمل آيات المدح والثناء فقال له : واللّه لقد أحسنت ! ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم، أين المال ؟

فأجابه بالحضور وهو يرعد من الخوف والذعر، فأمر حاجبه بقبضها وإعطائه أربعة آلاف درهم، فامتثل الحاجب ذلك (1).

ودلّت هذه البادرة على ضعة نفسه وحرصه الذي ينمّ عن نفس لا عهد لها بالأريحية والنبل.

وروى المؤرّخون من بخله أنّه كان في طريقه إلى مكة فطلب أن يؤتى له بحادٍ يحدو به، فجيء له بسلم الحادي فحدا به، فطرب حتّى كاد أن يسقط من الراحلة، فأجازه بنصف درهم، فأنكر عليه ذلك وقال له : يا أمير المؤمنين، لقد حَدَوْتُ بهشام بن عبد الملك فأجازني بعشرة آلاف درهم.

فنظر إليه المنصور بحنق وقال له : ما كان له أن يعطيك من بيت المال.

وأمر حاجبه الربيع أن يقبضها منه، فأخذ سلم يتوسل إليه ويحلف له أنه لم يبق من تلك الأموال شيء، وما زال يتوسل بالمنصور حتّى تركه وشرط عليه أن يحدو به


1) الأغاني : : 13: 110. تاريخ الأمم والملوك : 6: 318 و 319. تاریخ بغداد : 13: 177 و 178 باختلاف بسیط.

ذهاباً وإياباً بغير ثمن» (1).

ويقول بشر المنجّم : «دعاني أبو جعفر يوماً عند المغرب فبعثني في بعض الأمر، فلما رجعت رفع ناحية مصلاه فإذا دينار، فقال : خذ هذا واحتفظ به، فأخذته فهو عندي إلى الساعة مخافة أن يطالبني به لأنّه لم يقل خذه لك» (2).

ولما أصدر المرسوم الملكي الذي يقضي بأن تلبس الرعية القلانس الطوال المفرطة، اندفع الشاعر الفكهى أبو دلامة يعرض ببخل المنصور قائلاً:

وَكُنَّا نُرَجُي من إمام زيادة***فَزادَ الْإِمَامُ الْمُصْطَفَى فِي القَلائِسِ

تراها على هام الرَّجالِ كَأَنها***دنانُ يَهودٍ جُلِّلَتْ بِالبرانس (3)

لقد جهد المنصور في احتكار أموال الأُمّة وكنزها، وعدم إنفاق أي شيء منها على المصلحة العامّة، ممّا أشاع الفقر والبؤس في جميع أنحاء البلاد.

مع المهدى

كان المهدي آثر الناس عند المنصور، وأقربهم إليه، حتّى جعله ولي عهده، وقد قابله بالجفاء على أبسط قضيّة ماديّة، فقد حدث واضح مولاه، قال : «إنّي لواقف يوماً على رأس أبي جعفر إذ دخل عليه المهدي وعليه قباء أسود جديد، فسلّم وجلس، ثمّ قام منصرفاً، فاتبعه أبو جعفر ببصره لحبّه له، وإعجابه به، فلما توسط الرواق عثر بسيفه فتخرق سواده، فقام ومضى لوجهه غير مكترث به، فلما نظر المنصور إلى ذلك فقد صوابه، فأمر برده، فاندفع إليه بشراسة وقد استولى عليه الغيظ، فهاجمه قائلاً: يا أبا عبد اللّه، استقلالاً للمواهب، أم بطراً بالنعمة، أم قلة علم


1) تاريخ الخلفاء : 267.

2) تاريخ الأمم والملوك : 6: 302، أحداث سنة 158ه-.

3) تاريخ الخلفاء : 262.

بالمصيبة، كأنّك جاهل بمالك وما عليك ؟» (1).

لقد ساق لولده هذا اللون من العتاب المرّ من أجل أمر زهيد لا يحفل به أغلب الناس.

وروی واضح أنه دخل على المنصور فقال له : انظر ما عندك من الثياب الخلقان فاجمعها، فإذا علمت بمجيء المهدي فجئني بها قبل أن يدخل، وليكن معها رقاع، ففعلت، فدخل المهدي فوجد أباه يقدر الرقاع على خروق الثياب فضحك، وقال له : يا أمير المؤمنين، من هاهنا يقول الناس : انظروا في الدينار والدرهم ولم يقل الدائق لئلا يثير عواطفه.

فقال له المنصور: إنّه لا جديد لمن لا يصلح خَلفَه، وهذا الشتاء قد حضر، ويحتاج إلى كسوة للعيال والولد.

فقال المهدي : علَيَّ كسوة أمير المؤمنين وعياله وولده.

فتبسّم المنصور وقال : دونك فافعل» (2).

وروت جاريته خالصة، قالت : «دخلت على المنصور فإذا هو يتشكّى وجع ضرسه، فلما سمع حسّي قال : ادخلي، فدخلت، وإذا هو واضع يده على صدغيه، فسكت ساعة، ثمّ قال لي : يا خالصة، كم عندك من المال ؟

•

ألف درهم.

•

ضعي يدك على رأسي واحلفي.

فخافت منه، وقالت : عندي عشرة آلاف دينار.

فقال : احمليها إليَّ، فدخلت على المهدي والخيزران فأخبرتهما بما حدد


1) عصر المأمون : 1 : 93.

2) تاريخ الأمم والملوك : 6: 317 و 318.

فركلها المهدي برجله وقال لها : ما ذهب بك إليه، ما به من وجع، ولكنّي سألته بالأمس مالاً فتمارض، احملي إليه ما قلت له.

ولمّا جاء المهدي وجّه إليه عتاباً مرّاً وقال له : يا أبا عبداللّه، تشكو الحاجة وهذا المال عند خالصة» (1).

لقد قابل ولده المهدي بكثير من الجفاء، وهو آثر الناس عنده، وسبب ذلك حرصه وخساسة طبعه.

مع الفقيه ابن السمّان

وكان الفقيه أزهر السمان صديقاً للمنصور قبل أن يلي الخلافة، فلما صارت إليه قصده، فقال له المنصور : ما حاجتك ؟

•

علي دين أربعة آلاف درهم، وداري مستهدمة، وابني يريد البناء بأهله. فأمر له بمبلغ من المال، ونهاه عن المجيء إليه، فقال له : لا تأتنا طالب حاجة بعد هذا.

•

افعل.

ومضت أشهر معدودة فعاد ابن السمّان إليه، فنظر إليه المنصور بنظرات تقطر غيظاً وغضباً وقال له : ما جاء بك ؟

•

لم أجئ طالب حاجة، ولكن مسلماً

•

أظنك أتيتنا لما أتيتنا له في المرّة الأولى، لا تأتنا طالب حاجة ولا مسلّماً.

ثمّ أمر له بصلة، وخرج ابن السمان ولكنه لم يلبث أن عاد إليه ثالثة، فقال له المنصور : ما جاء بك ؟


1) تاريخ الأمم والملوك : 6: 317.

•

لم آتِ طالب حاجة ولا مسلّماً، ولكن دعاء سمعته منك قبلاً أحببت أن آخذه عنك.

•

لا تأخذه فإنّه غير مستجاب لأني قد دعوت اللّه أن يريحني من خلقتك فلم يفعل، فصرفه ولم يعطه شيئاً» (1).

مع عمّاله

وقابل المنصور عمّاله بمزيد من الحرمان والضيق، وقد ذكر المؤرخون بوادر كثيرة من عسفه معهم ، فقد رووا أنّه ولّى رجلاً عملاً في ناحية فأتمه، ودخل عليه فقدم له الحساب، وقام لينصرف.

فقال له المنصور : أشركتك في أمانتي، وولّيتك فيئاً من فيء المسلمين فخنته.

• أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين، ما صحبني من ذلك شيء إلا درهم في كمّي، صررته لكي أكتري به بغلاً يوصلني إلى عيالي، فأدخل بيتي، وليس معي شيء من مال اللّه ولا مالك.

فقال له المنصور : ما أظنك إلا صادقاً، هلم درهمنا، فأخذه منه ووضعه تحت لبده (2).

ورفع إليه عامله زياد بن عبداللّه الحارثي رسالة يسأله فيها الزيادة في عطائه، وكانت الرسالة في منتهى البلاغة والفصاحة فأعجب بها المنصور، ووقع عليها : «إنّ الغنى والبلاغة إذا اجتمعا في رجل أبطراه، وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك، فاكتف بالبلاغة» (3)


1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 321، أحداث سنة 158ه-.

2) تاريخ الأمم والملوك : 6: 320.

3) تاريخ الخلفاء : 267.

لقد انتهى المنصور في بخله إلى حضيض من الشح واللؤم ما له من قرار، فكان به من سيّئات الدنيا ومساوئ الملوك.

أسباب حرصه

إنّ هذا البخل البالغ حدّ الافراط في نفس المنصور ناشئ عن خبث ذاته وخسّة طبعه، وعدم إيمانه باللّه.

وتحدّث المنصور أمام حاشيته وخواصه عن الأسباب التي دعته أن يمعن في إفقار الرعيّة والضيق عليها قائلاً: صدق ابن الأعرابي حيث يقول : أجع كلبك يتبعك.

فانبرى إليه أبو العبّاس الطوسي فردّ عليه قائلاً: يا أمير المؤمنين، أخشى أن يلوّح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك» (1).

حفنة من التراب على المنصور وعلى كلّ حاكم يستهين بحقوق الشعب، لقد جعل الطاغية الجبّار إخضاع الشعب منحصراً في جوعه وفاقته لا بنشر العدل والرفاهية بين أبنائه.

وتحدّث المنصور عن الأسباب التي دعته إلى احتكار الأموال الضخمة في خزائنه من دون أن ينفق منها شيئاً على المصالح العامّة، فقال : «من قل ماله قل رجاله، ومن قل رجاله قوي عليه عدوّه، ومن قوي عليه عدوّه اتضع ملكه، ومن اتضع ملكه استُبيح حماه» (2).

وهكذا كانت فكرته الخاطئة مبنيّة على ادّخار الأموال، وعدم إنفاقها على المسلمين، إنّه من دون شك من أبرز من عناهم اللّه تعالى بقوله : «وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّه فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا


1) عصر المأمون : 1 : 93.

2) تاريخ اليعقوبي : 3 : 121.

فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتَكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ» (1).

ثانياً : الاستبداد

كان المنصور في جميع ما يتعلق بمملكته مستبداً لا يستشير أحداً فيما يتصرّف فيه، وإذا أدلى عليه أحد برأي خالفه، فقد روى المؤرّخون أنه أحضر ابن أخيه عیسی بن موسی سى وأمره بقتال محمّد بن عبداللّه فقال له عيسى : يا أمير المؤمنين شاور عمومتك.

فزجره قائلا له : أين قول إبراهيم بن هَرْمَة :

تَرُونَ امرءاً لا يُمحِضُ القَومَ سِرَّهُ***ولا ينتجى الأذنين فيما يُحاول

إذا ما أَتَى شَيْئاً مَضَى كَالَّذِي أَبِي***وَإِنْ قالَ إِنِّي فَاعِلٌ فَهْوَ فاعِلُ

ثمّ قال : امضِ أيّها الرجل، فواللّه ما يراد غيري وغيرك، وما هو إلا أن تشخص أو أشخص أنا (2).

بمثل هذا الاعتزاز بالنفس كان يتحكم في رقاب المسلمين، وفي جميع

إمكانياتهم، وكان يتمثل دوماً بقول الهيثم بن عدي لينوه عن طغيانه واستبداده :

إنَّ قَناتى لنَبِعٌ لا يُؤيسُها***غَمْرُ الثقافِ ولا دهن ولا نار

متى أُجِرْ خَائِفاً تَأْمَنْ مَسَارِحُهُ***وَإِنْ أُخف آمِناً تَغْلَقُ بهِ الدّارُ

سِيروا إِليَّ وَغُضُّوا بَعضَ أَعْيُنِكُمْ***إِنِّي لِكُلِّ امرى مِنْ جَارِهِ جارُ (3)


1) التوبة 9: 34 و 35.

2) مقاتل الطالبيّين : 266 و 267. تاريخ الأمم والملوك : 6 : 195.

3) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 338.

ودلّ ذلك على مدى ما يحمله من طيش وغرور و استبداد بشؤون المسلمين، وقد أدّت هذه السياسة الملتوية إلى نشر الرعب وإذاعة الفزع بين جميع الناس.

ثالثاً: الفتك والتنكيل

إشارة:

كان الفتك والاغتيال من عوامل الاستمتاع النفسي عند المنصور، فكان ألذّ شيء عنده سفك الدماء، وقد تمادى في ذلك بقسوة وجفاء لم يعرف لهما نظير في تاريخ المجازر البشريّة : إنّه لم يلج في دخائل نفسه بصيص من نور الرأفة والرحمة، فكان يطريه عويل اليتامى، ونوح الأيّامي، وأنين الجرحى.

لقد عمد هذا الطاغية السفاك إلى اغتيال جماعة من رؤوس دولته، وبناة سلطانه ممن كان يحذر منهم، ويخشى بأسهم، ونعرض فيما يلي لبعضهم :

1 - أبو مسلم

ولم تقم الدولة العبّاسية إلّا على أكتاف أبي مسلم، فهو باعثها ومؤسّسها وغارس بذرتها، ولولا جهوده لم يرفع لبني العبّاس علم، ولم يذكر لهم اسم، وقد تنكّر له المنصور فجازاه جزاء سنمار، فاستدعاه وآمنه وقابله بمزيد من الحفاوه والتكريم، وأنزله قصراً من قصوره، ودعا رئيس حرسه عثمان بن نهيك، وشبيب بن واج، وأبو حنيفة حرب بن قيس وقال لهم : تكونوا خلف الرواق إذا دخل عليّ أبو مسلم، فإذا صفقت بيدي دخلتم فقتلتموه، وأقبل أبو مسلم على عادته، فأجلس في الحجرة المجاورة، وأخبر بأنّ المنصور في شغل، فجلس مليّاً، ثمّ أذن له بالدخول، فدخل وسلّم عليه، فنظر إليه نظرة انتقام وغيظ، وقال له : أخبرني عن تقدمك إيّاي بطريق مكّة ؟

• کرهت اجتماعنا على الماء، فيضرّ ذلك بالناس.

وأخذ يعدّد عليه أعماله المنكرة ويعاتبه، وأبو مسلم يعتذر عن ذلك، ولما طال

عتابه له قال أبو مسلم : لا يقال هذا لي بعد بلائي، وما كان منّي !

فصاح به المنصور : يابن الخبيثة، واللّه لو كانت أمة مكانك لأجزأت إنّما عملت في دولتنا، فلو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلاً، وأبو مسلم يعتذر منه، ولم يجد معه الاعتذار، وصفّق عالياً بيده، فدخل القوم عليه وبأيديهم السيوف، وشعر أبو مسلم بالموت يدنو منه فقال متوسلاً بالمنصور: استبقني لعدوّك.

• وأي عدو أعدى لي منك.

وأجهز عليه القوم فقتلوه، وأخذ المنصور يرتجل :

زَعَمْتَ أَن الدِّينَ لا يُقْتَضى***فَاسْتَوفِ بِالكَيْلِ أَبَا مُجْرِمِ

سُقِيتَ كَأْساً كُنتَ تَسقى بها***أَمَرَّ في الحَلْقِ مِنَ العَلْقَم(1)

وأمر أن ترمى جثّته في نهر دجلة، فألقيت فيه (2)، وطويت بذلك حياة أبي مسلم غدراً على يد المنصور، وقد خسر بذلك أمر آخرته ودنياه، وذلك هو الخسران المبين.

2 - عبداللّه بن علىّ

وأعطى المنصور عمّه عبد اللّه بن عليّ أماناً بأن لا يفتك به بعد ما ثار عليه، ولكنّه خاس بعهده، فقد دعا وليّ عهده عيسى بن موسى، وقال له : خذ إليك عبد اللّه بن علي ريثما أعود من مكّة، ولا تثقل عليه، فإنّه عمي، وأخو الحاضرين من شيوخ آل بيتك.

ثم دعاه سراً، وقال له : يا عيسى، إنّ هذا أراد أن يزيل الخلافة عنّي وعنك،


1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 137.

2) تاريخ اليعقوبي : 2 : 399.

وأنت وليّ عهدي، والخلافة صائرة إليك، فخذه واضرب عنقه، وإيّاك أن تخور وتضعف، فتنقض عليَّ أمري الذي دبّرت، ثمّ مضى إلى الحجّ (1).

وشاور عيسى بن موسى كاتبه يونس بن أبي فروة، وأخبره بالأمر، فقال له يونس : إنّ هذا الرجل قد دفع إليك عمّه علناً أمام ذويه، وأوصاك سرّاً بقتله، فهو يريد أن يقتله على يدك، ثمّ يقيدك به فيقتلك، والرأي أن تستره في منزلك، فلا تطلع على أمره أحداً، وترسل إلى المنصور أنّك قد قتلته، فإن طالبك به علانية دفعته علانية، وإياك أن تأتي به سرّاً (2).

وفعل عيسى ذلك، وشاع بين العبّاسيّين أنّه قد قتله، ولما عاد المنصور من مكّة، توافد عليه بنو العبّاس، وكلموه في شأن عمه، فقال لهم : إني أعطيته أمامكم إلى وليّ عهدي، وأوصيته به، وقد سألته فقال : قد مات، ودعا بعيسى، فلمّا مثل عنده صاح به : لِمَ قتلت عمّي ؟

•

أنت أمرتني بقتله.

•

لم أمرك بقتله.

•

هذا كتابك إليَّ فيه

•

لم أكتبه.

ولمّا رأى الجدّ من المنصور خاف على نفسه، فقال له : هو عندي، فقال : ادفعه إلى أبي الأزهر المهلب بن أبي عيسى، فدفعه إليه، ولم يزل عنده محبوساً، وأوعز إليه المنصور بقتله، فقتله، وكانت معه جارية فقتلها، ووضعها معه على الفراش، وأدخلت يدها تحت جنبه، ويده تحت جنبها كالمعتنقين، ثمّ أمر بالبيت فهدم عليهما، وأحضر القاضي ابن علّام مع جماعة للاطلاع على الأمر، وأخرجت


1) تاريخ الأمم والملوك : 6: 266.

2) تاريخ الأمم والملوك : 6: 266.

الجثّتان فدفنتا في مقرهما الأخير (1).

الأم موسى بن جعد الجزع الثامن والعشرون

3 - محمّد بن أبى العبّاس

واتَّخذ المنصور طبيباً نصرانياً استعان به على قتل مَن لا يحب أن يتجاهر بقتله. وكان الطيب فظّاً غليظ القلب، قد اغتال جملة من الأبرياء في وصفاته الطبية حسب أمر المنصور له، وممن اغتالهم محمّد بن أبي العبّاس فقد أوعز إليه المنصور بذلك فصنع له سمّاً قاتلاً، وانتظر علّة تحدث فيه، فعرضت له حرارة في بدنه، فراجعه، فأعطاه ذلك السمّ، فلما تناوله تقطعت أمعاؤه، وهلك من فوره، فرفعت أمه شكواها إلى المنصور، فأمر بضربه ثلاثين سوطاً، وسجنه أيّاماً، ثمّ أطلق سراحه، ووهبه ثلاثمائة دينار.

هذه بعض اغتيالات المنصور، وهي تدلّ على نفس شريرة لا عهد لها بالعفو والرحمة، فقد كان بإمكانه أن يقابلهم بالإحسان، ويجعلهم تحت الرقابة إن خاف منهم الخروج على سلطانه، ولكنّ ذلك بعيد عن نزعاته المترعة بالحقد والقسوة.

رابعا: موبقاته

إشارة:

وحفل تاريخ هذا الطاغية السفاك بسجل من الجرائم والموبقات، فقد تفجرت سياسته بكلّ ما خالف كتاب اللّه وسنّة نبيه، فروع المسلمين، وأشاع الرعب والفزع والخوف في جميع أنحاء البلاد، وقضى على الحياة الفكريّة والاجتماعيّة في الإسلام، ونعرض فيما يلى إلى بعض موبقاته :

1 - ترويع المدنيّين

وقابل المنصور أهالي يثرب بمزيد من الاضطهاد والعنف والجور، وسلبهم


1) مروج الذهب : 3 : 230.

جميع مقوّماتهم الاقتصاديّة، فقطع عنهم الميرة في البر والبحر (1)، وأراد بهذه الحرب الاقتصاديّة أن يشغلهم بالبؤس والمجاعة عن مناهضته والانكار على سياسته، وقد ولّى عليهم رباح بن عثمان المري، وكان فظاً، غليظ القلب، تنفر منه النفوس لشراسة طبعه، وحينما ولاه المنصور جمع الناس ونزا على المنبر فأعلن لهم سياسته الارهابية الحاملة لشارات الموت والعذاب قائلاً: «يا أهل المدينة، أنا الأفعى ابن الأفعى، ابن عثمان بن حيّان، وابن عم مسلم بن عقبة، المبيد خضراءكم، والمفني رجالكم، واللّه لأدعها بلقعاً لا ينبح فيها كلب».

إنه الطغيان الفاجر، والاستهتار بحياة الناس وكراماتهم، فالإبادة الشاملة وإخلاء الوطن من أهله هو الشعار الذي يسوس به البلاد، وساعد اللّه المسلمين على هذه المحن والخطوب التي تذيب لفائف القلوب، وتذوب النفوس لهولها أسى وحسرات.

ولم ينه هذا الوحش الكاسر هذه الكلمات القاسية حتّى اندفع جمع من الأحرار الذين غامروا بحياتهم فردّوا عليه بأعنف القول قائلين بلسان واحد : واللّه يابن المجلود حدّين، لتكفن أو لنكفنك عن أنفسنا.

ورفع هذا الوغد الأثيم بالفور رسالة إلى العاهل العبّاسي يعرفه فيها بخروج أهل المدينة عن الطاعة، وإصرارهم على التمرّد والعصيان.

ولما انتهى إليه الكتاب كتب لأهل المدينة رسالة ملأها بالإنذار والوعيد، وأمر عامله أن يتلوها عليهم، فلما وصلت إليه جمعهم وقرأها عليهم وقد جاء فيها : «يا أهل المدينة، إنّ واليكم كتب إليَّ يذكر غشكم وخلافكم، وسوء رأيكم، واستمالتكم على بيعة أمير المؤمنين، وأمير المؤمنين يقسم باللّه لئن لم تنزعوا ليبدّلنّكم بعد أمنكم خوفاً، وليقطعن البر والبحر عنكم، وليبعثن عليكم رجالاً غلاظ


1) الكامل في التاريخ : 5 : 261.

الأكباد، ويعاد الأرحام، بنو (1)قعر بيوتكم، يفعلون ما يؤمرون، والسلام».

واندفع جمع من الغيارى والأحرار إلى معارضته قائلين : كذبت يابن المجلود حدّين.

ثمّ إنّهم رموه بالحصا من كلّ جانب، فولى خائفاً إلى مقصورته فأغلقها عليه، واعتصم بها، ودخل عليه أيّوب بن سلمة المخزومي، أحد أذناب السلطة، وهو يدعوه إلى التنكيل بالثائرين قائلاً: أصلح اللّه الأمير، إنّما يصنع هذا رعاع الناس، فاقطع أيديهم، واجلد ظهورهم.

وأشار عليه بعض من حضر من الهاشميين بعدم الاعتناء بمقالة هذا العبد الذي تنگر لوطنه وأبناء بلاده، وأشاروا عليه أن يرسل خلف الوجوه والأشراف فيقرأ عليهم رسالة المنصور ليرى رأيهم فيها، فاستجاب لذلك، فأرسل خلفهم وقرأ عليهم كتاب المنصور، فانبرى إليه حفص بن عمر بن عبد اللّه بن عوف الزهري، وأبو عبيدة ابن عبد الرحمن الأزهر فقالا له : كذبت واللّه ما أمرتنا فعصيناك، ولا دعوتنا فخالفناك.

ثمّ التفتا إلى ممثّل المنصور ورسوله : أتبلغ المنصور عنا ؟

•

ما جئت إلا لذلك.

•

قل له : أما قولك : إنّك تبدّل المدينة وأهلها بالأمن خوفاً، فإنّ اللّه عز وجل وعدنا غير هذا. قال اللّه عزّ وجل : «وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً» (2). (3)

وهكذا عامل المنصور أهالي المدينة بهذه القسوة والجفاء، فلم يحترم جوارهم


1) كذا في الأصل، وفي الهامش : «ينوون»، ولعل الصحيح : «يثورون في قعر بيوتكم».

2) النور 24: 55.

3) تاريخ اليعقوبي : 3 : 110 و 111.

لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ولم يراع ما لآبائهم من الفضل في إقامة هذا الدين وتدعيم أسسه

2 - الاستهانة بالكعبة

وكفر المنصور بالإسلام، وتنكّر لجميع مبادئه وأهدافه، فقد حاول نقل الكعبة المقدّسة من محلّها إلى دار السلام، كما بنى بناية ضخمة في عاصمته بغداد سمّاها بالقبة الخضراء استهانة بالكعبة الشريفة (1)، وبذلك فقد كشف عن كفره ومروقه من الدين.

3 - اختلاس الاموال

وجهد المنصور في إنهاك الرعيّة واضطهادها، فقد عمد إلى نهب الأموال واختلاسها، فقد روى المؤرّخون أنّه أخذ أموال الناس حتّى ما ترك عند أحد فضلاً، وكان مبلغ ما أخذه منهم ثمانمائة ألف ألف درهم (2)، وهو يعادل في يومنا هذا أربعة آلاف مليون دينار حسب قيمة العملة (3).

وجاء في وصيته الأخيرة إلى ولده المهدي : «وقد جمعت لك من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلي» (4).

لقد كانت سياسته المالية مبنيّة على النهب والسلب، واصطفاء الأموال وأخذها بغیر حق، وقد ترك البؤس والفقر مخيّمين على جميع المناطق الإسلاميّة.


1) تاريخ الأمم والملوك : 6: 188.

2) تاريخ اليعقوبي : 2 : 387.

3) أبو جعفر المنصور : 416.

4) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 345.

4 - التنكيل بالعلويّين

ومحنة العلويّين في عهد الطاغية المنصور من أقسى المحن وأفجعها، فقد صبّ عليهم جميع أنواع العذاب، وقابلهم بمزيد من العنف والجور، فأباد شيوخهم وشبابهم، ولم يرحم أحداً منهم، وكان ما حلّ بهم من التنكيل أضعاف ما واجهوه أيّام الحكم الأموي، حتّى قيل في ذلك :

تاللّه ما فَعَلَتْ أُمَيَّةُ فِيهِمُ***مِعْشَارَ ما فَعَلَتْ بَنو الْعبّاس

وصوّر مدى ما حلّ بهم من الرزايا والخطوب شاعر العقيدة دعبل الخزاعي بقوله :

وَلَيسَ حَيٍّ مِنَ الأَحياءِ نَعْلَمُهُ***مِنْ ذِي يَمَانٍ ومِنْ بَكْرٍ ومِنْ مُضَرِ

إِلَّا وهُم شُركاء في دِمائِهِمْ***كما تشارك أَيْسَارٌ على جَزَرٍ

قَتْلُ وَأَسْرٌ وتَحرِيقٌ ومَنْهَبَةٌ***فعلُ الغُزاةِ بِأَرْضِ الرومِ والخَزَرِ

أرى أميَّة مَعذورين إن قَتَلُوا***إِنْ وَلا أَرى لِبَني العبّاس مِنْ عُذر(1)

لقد واجهوا أعنف المشاكل، وأقسى الرزايا والخطوب في سبيل تحرير المجتمع الإسلامي، وإنقاذه من الجور والاستبداد.

واندفعوا بكل اعتزاز وفخر إلى ساحات الجهاد والنضال، فماتوا كراماً أحراراً، فأضاء وا الطريق للأحرار والمناضلين، وفتحوا لهم أبواب الكفاح والجهاد، ورسموا لهم طريق الخلاص من حكم الذلّ والعبودية.

وقبل أن نتحدث عما جرى عليهم في عهد المنصور نستعرض أسباب ثوراتهم ونضالهم.


1) دیوان دعبل : 105.

بواعث الثورة

إشارة:

أمّا الأسباب التي حفزتهم إلى الثورات العارمة، سواء في حكم بني أميّه أو في حكم بني العبّاس، فهي :

1 - الشعور بالمسؤولية

والعلويّون بحكم نسبهم الوضاح يرون أنّهم مسؤولون عن صيانة المجتمع، ودفع الويلات والخطوب عنه، وقد كشف الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض كلماته عن السر في إحجامه عن مبايعة أبي بكر بقوله :

«اللّهمّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذي كانَ مِنَا مُنافَسَةٌ فِي سُلْطَانٍ، وَلَا الْتمَاسَ شِيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطام، وَلكِنْ لِتَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُقامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ (1).

لقد امتنع الإمام من بيعة أبي بكر من أجل هذه الأهداف النبيّلة، فكان يرى نفسه مسؤولاً عن رعاية الأُمّة وإقامة الإصلاح الشامل في رحابها، فلذا انطلق يعلن سخطه على من سبقه من الخلفاء.

وقد رأى العلويّون أنّ الشعوب الإسلاميّة في تلك العهود المظلمة ترزح تحت كابوس ثقيل من الظلم والجور والفقر، فانطلقوا إلى ساحات الجهاد والكفاح في سبيل تحريرها، وقد وافي محمّد بن إبراهيم العلوي الكوفة يسأل عن أخبار الناس ويتحسّسها، ويتأهّب لأمره.

وبينما هو يسير في بعض شوارع الكوفة إذ وقع بصره على عجوز تتبع أحمال الرطب فتلقط ما يسقط منها، وتجمعه في كساء رثّ كان عليها، فلم يستطع أن


1) نهج البلاغة / محمّد عبده : 2 : 18.

يسير، وبادر يسألها عن صنعها فقالت له : إنّي امرأة لا رجل لي يقوم بمؤونتي، ولي بنات لا يعدن على أنفسهن بشيء، فأنا أتبع هذا الطريق، وأتقوّته أنا وولدي.

فجمد دمه، وانفجر بالبكاء، وقال لها : أنت واللّه وأشباهك تخرجوني غداً حتّى يسفك دمي (1).

لقد دفعهم هذا الشعور الفياض بالرحمة والعطف على الفقير والمحروم إلى مناجزة الظالمين، ومناهضة الطغاة الحاكمين الذين استأثروا بأموال الأُمّة وقوتها فانبروا إلى ميادين الجهاد لمكافحة ذلك الطغيان والاستبداد.

2 - الشمم والإباء

وفُطرت نفوس العلويّين على العزة والكرامة، وجُبلت على النبل والشهامة، وقد جهدت السلطات الجائرة في عصورهم على إذلالهم فلم يطيقوا صبراً، وتسابقوا إلى الشهادة لينعموا بالكرامة، ولما حاول يزيد بن معاوية إرغام سبط النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وريحانته الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على البيعة له، والدخول في طاعته، انبرى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ساحات الجهاد، وأعلن يوم الطفّ كلمته الخالدة التي رسم فيها الإباء بماله من معنى مشرق.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَلَا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِي قَد رَكَزَ بَينَ اثْنَتَيْنِ بَينَ السُّلَةِ وَالذُّلَّةِ، وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذَّلَّةَ، يَأبَى اللّه لَنَا ذَلِكَ وَرَسُولُهُ وَالمُؤمِنُونَ، وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيةٌ، وَنُفُوسٌ أَبِيةٌ مِنْ أَنْ نُؤثِرَ طَاعَةَ النام عَلَى مَصَارع الكِرَامِ...» (2).

ودارت هذه الكلمات النيرة مع الفلك، وارتسمت فيه، فكانت درساً رائعاً


1) مقاتل الطالبيّين : 521.

2) تحف العقول : 241 - 242. اللهوف في قتلى الطفوف : 59. بحار الأنوار: 45 : 8 - 9. منتهی الآمال : 1 : 487. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المقرّم : 287. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 2 : 7 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 249 - 250.

للمجاهدين من أبنائه.

يقول زيد بن عليّ - لما جهد الطاغية هشام في إذلاله - : «ماكره قوم حرّ الجلاد إلا ذلّوا».

ولما عذله جماعة عن الثورة وخوّفوه القتل أجابهم :

بَكَرَتْ تُخَوِّفُني المنونَ كَأَنَّني***أصبحتُ عن عَرَضِ الحياةِ بِمَعْزِلِ

فَأَجَبْتُها إِنَّ المَنيَّةَ مَنْهَلٌ***لا بد أن أسفّى بكأس المَنْهَل (1)

ولمّا أمعن الأمويّون على إرغام يحيى بن زيد على الهوان والذل، اندفع إلى الثورة، وأخذ يخاطب نفسه الكبيرة قائلاً:

يابْنَ زَيدٍ أَلَيسَ قَدْ َقالَ زَيدٌ***مَنْ أَحَبَّ الحَياةَ عاشَ ذليلا

كُنْ كَزَيدٍ فَأَنتَ مُهْجَةُ زيدٍ***وَاتَّخِذْ في الجِنانِ ظلاً ظليلا (2)

أنت واللّه يا يحيى مهجة زيد، وأنت قطعة من كبد جدّك الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قد حملت في أعماق نفسك الكبيرة الشمم والإباء، فأبيت أن تعيش ذليلاً مضاماً، فترجلت إلى ساحة الحرب برغبة وشوق لتموت حرّاً كريماً.

لقد ملأ العلويّون بثوراتهم المقدّسة تاريخ الإسلام بالفخر والشرف والمجد، ورسموا للشعوب الإسلاميّة في جميع مراحل حياتها طريق الكفاح والنضال في سبيل الحرية والكرامة.

3 - حرمانهم من حقوقهم

وأمعنت السلطات الحاكمة في ظلم العلويّين، وحرمانهم من جميع حقوقهم


1) الروض النضير : 1 75 الكامل في التاريخ : 5: 233.

2) عقائد الزيدية / المؤلّف.

الطبيعيّة، فأشاعت فيهم الحاجة والفقر، وقد قوبلوا بالاضطهاد والحرمان منذ وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فقد حرموا من الخمس الذي فرضه اللّه لهم، وصودرت منهم فدكاً لئلا تقوى شوكتهم، واستبدّ القوم بشؤون الخلافة والحكم، وأعرضوا عن عترة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وبالغوا في الحط من شأنهم، وقد أبدى الإمام أمير المؤمنين حزنه العميق في خطبته (الشقشقية) على ضياع حقّه.

وفي (نهج البلاغة) قطع كثيرة من كلامه تهز أعماق النفوس قد أعلن فيها سخطه على نهب تراثه وسلطانه.

وقد تشبعت بهذه الفكرة نفوس أبنائه، فجاهد وا طويلاً في إرجاع هذا الحق لهم، ولمّا تلا دعبل الخزاعي قصيدته على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبلغ إلى هذا البيت :

أَرى فَينَهُمْ فِي غَيْرِهِمْ مُتَقَسِّماً***وَأَيْدِيهِمْ مِنْ فَيئِهِمْ صَفِراتِ

أثار ذلك أحزان الإمام، وجعل يقلب يده الشريفة ويقول بنبرات تقطر أسى وحزناً : نعم واللّه إنّها لصفرات.

وهكذا نجد هذا الشعور المرهف بالأسى عند أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وعند شيعتهم، فراحوا يناضلون في سبيله، وقد قدّم العلويّون مع شيعتهم المزيد من التضحيات حتّى ملئت بهم السجون والقبور، وواجهوا أعنف المشاكل وأقساها.

هذه بعض العوامل التي حفّزت العلويّين على الانتفاضة والثورة على الحكّام الظالمين من بني أميّه أو بني العبّاس.

كلمة الإمام ابن الساعي

وتحدّث الإمام الفقيه ابن الساعي عن أسباب ثورات العلويّين، وقد حفل حديثه بالاستدلال الوثيق على ما ذهب إليه، وهذا نصه :

إن من يمعن النظر كلّ الإمعان بتاريخ الإسلام يعلم علماً يقيناً أن كلّ من خرج

من آل بيت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ما كان ذلك منه إلّا عن مصيبة نابتة، وضنك مسّه، وفاقه لحقته، وذل أهانه، فإنّ الأمويّين كانوا يمنّون على الموالي وصعاليك العرب بمئات ألوف من الدنانير، ويعطونهم الاقطاع والضيعات، ويستعملونهم على الممالك، ويستوزرونهم ويقتّرون على الفاطميّين حتّى يصير الفاطمي في ضيق ومحنة شديدة بحيث لا يجد ثمن جارية زنجيّة يصون بها عفّته، ولا ثمن كسوة يستر بها بدنه، ويرى أنّ المخازي الذين يفرطّون لبني أميّه، ويتمسخرون لهم في مجالسهم، ويشاركونهم في شرابهم وفسقهم وفجورهم في النعم والعزّ، يتقلبون في أنواع الرفاهة، فهنالك يهز الجماعة الفاطمية شرفهم ونخوتهم، فيخرجون لا خروجاً عن الطاعة، ولا نقضاً للبيعة، ولكن يقولون إنّ أرض اللّه واسعة، فيهاجر أحدهم إلى ناحية من الأرض فيها قوم من أمّة جدّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فإذا وصلهم حركتهم نخوة الدين فاحترموه وأكرموه، وألفته قلوبهم، واجتمعوا عليه، فمتى بلغ خبره الأمويّين قالوا خرج ورب الكعبة، وساقوا عليه القوّاد والجنود، ولا يزالون حتّى يتركوه شهيداً، وكذلك بنو العبّاس، وما ذاك إلّا لأنّ اللّه تعالى اختار لآل نبيه المحنة في هذه الدار الفانية، والنعيم في الآخرة الباقية، وقد جعلهم اللّه في كلّ زمان مرآة حال أهل ذلك الزمان مع اللّه تعالى، فالزمان الذي يكرم به أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ويحمي به به لائذهم، ويؤمن خائفهم، ويعطي سائلهم، ويقضي به حوائجهم، فحال أهله مع اللّه تعالى حسن، والعكس بالعكس، ولهم رضي اللّه عنهم عند اللّه تعالى المكانة الرفيعة، والمنزلة العظيمة، وبهم هدى اللّه الأُمّة، وأزال عنها الظلمة، وجدّهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) للناس كافّة هو الرحمة.

محَبَّهُمْ دينٌ وَوُدُّهُمْ هُدى***وَبُعْضُهُمْ كُفْرٌ وَنَصرُهُمْ تَقْوى (1)

ورأي الإمام ابن الساعي رأي وثيق للغاية، فإنّ حرمان العلويّين من حقوقهم


1) مختصر أخبار الخلفاء : 26.

الطبيعية، والمبالغة في التضييق عليهم مادياً بحيث لا يجد الفرد منهم سد رمقه، وستر بدنه، كان ممّا حفزهم إلى الثورة، والموت تحت ظلال الأسنة أحراراً كراماً.

ونعود بعد هذا العرض الموجز لأسباب ثورة العلويّين إلى ما عانوه من جور المنصور وإرهاقه.

التجسّس على العلويّين

كان المنصور يعلم بإجماع المسلمين على حبّ العلويّين وذلك لما اتصفوا به من سجاحة الخلق، وطيب الأعراق، وبسط الكف، والغزارة في العلم، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق التي تؤهلهم إلى مركز الخلافة الإسلاميّة وقيادة الأُمّة. كما كان يعلم ببغض الناس له وكراهيتهم لملكه نظراً لما اتصف به من الشحَ والبخل والقسوة والجفاء والمكر وغيرها من رذائله ومساوئه، مضافاً إلى مساوئ أسرته التي عرفت بالخيانة للأُمّة.

لقد أنفق المنصور لياليه ساهراً يفكر في البغي على العلويّين والكيد لهم، فأجمع رأيه على أن يبعث عيناً له ليقف على أمورهم وشؤونهم، ويتعرّف على محمّد وأخيه إبراهيم، فاختار رجلاً وكتب معه كتاباً على السنّة الشيعة إلى محمّد يذكرون طاعتهم ومسارعتهم، وبعث بمال وألطاف، وقدم الرجل إلى المدينة، فدخل على عبداللّه بن الحسن، فسأله عن ابنه محمّد فكتم خبره، وأخذ الرجل يتردّد، ويلح عليه في المسألة، فانخدع عبد اللّه به، وقال له : إنّه في جبل جهينة، وأمره بأن يمرّ بعلي الذي يدعى بالأغرّ، فهو يرشده إلى مكانه.

وكان للمنصور كاتب يتشيّع، فكتب إلى عبد اللّه بن الحسن يخبره بذلك العين، ولما قدم كتابه ارتاعوا منه، فبعثوا أبا هبار إلى محمّد وعلي بن الحسن يحذرهما الرجل، فخرج أبو هبّار حتّى وافى محمّداً في موضعه فإذا هو جالس في كهف ومعه جماعة من أصحابه، وذلك العين معهم وهو أعلاهم صوتاً، وأشدّهم انبساطاً.

فلمّا رأى أبا هبار خافه، وعرف أن أمره قد انكشف للقوم، وقال أبو هبّار لمحمّد : لي إليك حاجة.

فقام معه فأخبره بأمر الرجل، وأشار عليه بقتله، إلا أن محمّداً لم يستجب لذلك، وأشار عليه ثانياً بأن يوثقه ويودعه عند بعض أرحامه، فاستجاب لذلك، ولما شعر الرجل بما دبّر له انهزم وتوارى عنهم، ففتشوا عنه فلم يظفروا به، وانطلق متوارياً حتّى وافى المنصور وأخبره بالأمر.

واستدعى المنصور عقبة بن سلم الأزدي، وقال له : إني أريدك لأمر أنا معني به لم أزل أرتاد له رجلاً عسى أن تكونه، وإن كفيتنيه رفعتك...

فقال عقبة : أرجو أن أصدق ظنّ أمير المؤمنين فى، فأمره المنصور بأن يخفي شخصه، ويستر أمره، ويلتقي به في وقت عينه له، ولما حان ذلك الوقت خف إليه.

فقال له المنصور : إنّ بني عمّنا هؤلاء قد أبوا إلا كيداً لملكنا، واغتيالاً له، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم، ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم، وألطاف من ألطاف بلادهم، فاخرج بكسي وألطاف وعين حتّى تأتيهم متنكراً بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية، ثمّ تسير ناحيتهم، فإن كانوا قد نزعوا عن رأيهم فأحبب، واللّه بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك، وكنت على حذر فاشخص حتّى تلقى عبداللّه بن الحسن متخشّعاً ومتقشّفاً، فإن جبهك - وهو فاعل - فاصبر وعاوده حتّى يأنس بك، ويلين لك ناحيته فإذا أظهر لك ما قبله فاعجل عليَّ.

وشخص عقبة إلى يثرب فقدم على عبد اللّه فناوله الكتاب فأنكره ونهره، ولم يزل يتردّد عليه حتّى قبل كتابه وألطافه، وأنس به، فسأله عقبة الجواب.

فقال : إما الكتاب فإنّي لا أكتب إلى أحد ولكن أنت كتابي إليهم، فاقرأهم السلام، وأعلمهم أنّني خارج (1)، وعيّن له وقت الخروج، ورجع عقبة إلى المنصور فأخبره


1) في تاريخ الأمم والملوك : 6: 157 : «وأخبرهم أن ابني خارجان».

بالأمر (1)، فاضطرب أشدّ الاضطراب، وأخذ يمعن في التفكير فلم ير وسيلة أنجع من سفره إلى يثرب ليتولى بذاته قمع الحركة والقضاء على خصومه العلويّين(2).

القبض على العلويّين

وانتظر المنصور موسم الحج، فلمّا حلّ سافر هو وحاشيته إلى بيت اللّه الحرام، وبعد انتهائه من مراسيمه قفل راجعاً إلى يثرب، وقد صحب معه عقبة بن سلم الذي كان عيناً له على العلويّين، وقد أوصاه قبل سفره بقوله : إذا لقيني بنو الحسن وفيهم عبد اللّه فأنا مكرمه ورافع محلّته (3)، وداع بالغداء، فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامتثل بين يديه قائماً، فإنّه سيصرف عنك بصره، فاستدر حتّى ترمز ظهره بإبهام رجلك، حتّى يملأ عينه منك، ثمّ حسبك وإيّاك أن يراك ما دام يأكل.

ولما انتهى المنصور إلى يثرب استقبله الحسنيّون وفيهم عبد اللّه بن الحسن فقابله بالعناية والتكريم، وأجلسه إلى جانبه، ودعا بالغداء فأصابوا منه، ثمّ رفع بصره فقام عقبة، وقام بما عهد إليه المنصور، ثمّ وثب وجلس أمام المنصور ففزع عبداللّه وارتاع منه، وقال للمنصور : أقلني يا أمير المؤمنين أقالك اللّه.

فصاح به الخبيث الدنس : لا أقالني اللّه إن أقلتك (4).

وأمر بأن يكبّل بالحديد، ويزجّ في السجن، فكبّل مع جماعة من العلويّين وحبس في بيت مروان، وألقيت تحته ثلاث من حقائب الإبل محشوّة بالتبن، ودخل عليه جماعة بعثهم والي المدينة إليه، فأخذوا بحذرونه من بطش المنصور


1) الكامل في التاريخ : 4 : 370 و 371.

2) تاريخ الأمم والملوك : 6: 157.

3) في تاريخ الأمم والملوك : «ورافع مجلسه».

4) الكامل في التاريخ : 4 : 371.

ونقمته، وطلبوا منه أن يخبرهم بمكان ولديه لينجو من السجن، فالتفت عبد اللّه إلى الحسن بن زید (1)قائلا له : يابن أخي، واللّه لبليّتي أعظم من بليّة إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ). إنّ اللّه عزّ وجلّ أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وهو اللّه طاعة. فقال إبراهيم : «إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ» (2)

روى عن أبيه وابن عمه عبداللّه بن الحسن، وروى عنه جماعة، وذكره ابن حبّان في الثقات، ولّاه المنصور المدينة خمس سنين، ثمّ غضب عليه وحبسه إلى أن أخرجه المهدي ولم يزل معه، وقال الزبير : كان الحسن فاضلاً شريفاً، وقد مدحه عليّ بن هرمة بعدة قصائد، وهو والد السيدة الجليلة نفيسة. توفي سنة 168ه- بطريق مكة بالحاجز - كما ذكره الخطيب - وهو ابن خمس وثمانين سنة، وصلّى عليه عليّ بن المهدي. تهذيب التهذيب : 2 : 279.

، وإنّكم جئتموني في أن آتي بابني هذا الرجل فيقتلهما، وهو اللّه جلّ وعزّ معصية، فواللّه يابن أخي لقد كنت على فراشي فما يأتيني النوم، وإنّي على ما ترى أطيب نوماً» (3).

لقد كانت محنة عبداللّه في ولديه من أشق المحن وأقساها، فقد وقع بين مصيبتين لا منجاة له من أحدهما، إما أن يبقى في ظلمات السجون يعاني الآلام، وإما أن يخبر بولديه فيعرضهما للموت، ولكنّه اختار أن يضحي بنفسه ليقوما بأداء رسالتهما فينقذا الأُمّة من حكم المنصور وطغيانه.

حملهم إلى العراق

وأقام العلويّون في سجن الطاغية السفاك في يثرب ثلاث سنين، وهم يعانون أهوال الخطوب وأشدّها محنة وقسوة، وقد أثار سجنهم سخط الأخيار والمتحرّجين


1) الصافات 37: 106.

2) الحسن بن زيد بن الحسن ابن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):

3) مقاتل الطالبيّين : 216.

في دينهم، وأخذت الأندية تتحدّث عن محنتهم وما سيجري عليهم في عهد هذا الطاغية الجبار، وقد نقلت إليه الاستخبارات تذمّر العامّة ونيلهم منه، فقرر أن يمضي إلى الحج، ويبحث عن أمر العلويّين ليتخذ معهم التدابير اللازمة.

وفي سنة 142ه- سافر إلى الحج، وبعد ما قضى مناسكه رجع وجعل طريقه على الربذة، فأقام فيها، واستقبله رباح واليه على يثرب فرده إليها، وأمره بإشخاص العلويّين إليه، فقفل رباح راجعاً إلى يثرب، ومضى إلى السجن فأخرج العلويّين، وقد وضع في أيديهم الحديد، وجيء بهم إلى مسجد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد ازدحم عليهم الناس وهم ما بين باك وواجم، قد أذهلهم الخطب، وجعل رباح يوسعهم شتماً وقذفاً، وطلب من الناس شتمهم، إلا أنهم أخذوا يسبونه ويشتمون المنصور.

لوعة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وفجع الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما حل بأهل بيته من الرزء القاصم، فقد بلغ به الحزن إلى وادٍ ما له من قرار.. لقد أطل عليهم حينما حملوا فأرسل ما في عينيه من دموع، والتفت إلى الحسن بن زيد قائلاً له : «يا أبا عَبْدِ اللّه، وَاللّه لَا تُحْفَظُ للّه حُرْمَةٌ بَعْدَ هذا (1)، وَاللّه ما وَفَتِ الْأَنْصَارُ وَلَا أَبْناءُ الأَنصارِ لِرَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِما أَعْطُوهُ مِنَ الْبَيْعَةِ عَلَى الْعَقَبَةِ».

وأخذ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يذكر له قصة العقبة قائلاً: «إِنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ لِعَلِيُّ : خُذْ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ بِالْعَقَبَةِ.

فَقَالَ : كَيْفَ أَخُذُ عَلَيْهِمْ ؟

فَقالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : عَلى أَنْ يَمْنَعوا رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَذُرِّيَّتَهُ ممّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَذَرارِيَهُمْ».


1) في تاريخ الأمم والملوك : 6 : 174 : «بَعْدَ هؤلاء».

وسكت هنيهة ونفسه الشريفة قد ذابت حزناً، ثمّ قال بنبرات ملؤها الأسى : «اللّهمّ فَاشْدُدْ وَطْأتَكَ عَلَى الْأَنْصارِ» (1)

وروى عبد اللّه بن إبراهيم الجعفري عن السيدة خديجة بنت عمر بن عليّ : أنّهم لما أوقفوا عند باب المسجد - الباب الذي يقال له باب جبرئيل - اطّلع عليهم الإمام أبو عبداللّه وعامة ردائه مطروح بالأرض، ثمّ اطلع من باب المسجد، فقال :

«لَعَنَكُمُ اللّه يا مَعْشَرَ الْأَنْصارِ - ثلاث - ما عَلى هذا عَاهَدْتُمْ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَلَا بِايَعْتُمُوهُ، أَما وَاللّه إِنْ كُنْتُ حَريصاً، وَلكِنِّي غُلِبْتُ، وَلَيْسَ لِلْقَضاءِ مَدْفَع، ثمّ قام وأخذ إحدى نعليه فأدخلها رجله والأخرى في يده، وعامة ردائه يجره في الأرض، ثمّ دخل بيته فحم عشرين ليلة لم يزل يبكي فيها الليل والنهار (2).

لقد ذاب قلب الإمام من الحزن، وهامت نفسه في تيّار من الهواجس والآلام، فخلد إلى البكاء يخفّف به لوعة المصاب والحزن.

رسالته (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عبداللّه

وأرسل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالة إلى عبد اللّه بن الحسن يعزّيه فيها على ما حلّ به من المصاب الأليم، وهذا نصها :

بسم اللّه الرحمن الرحيم

إِلَى الْخَلَفِ الصّالِح، وَالذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ مِنْ وُلْدِ أَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ

أَمَا بَعْدُ.. فَلَئِنْ كُنْتَ قَدْ تَفَرَّدْتَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ مِمَّنْ حُمِلَ مَعَكَ بِما أَصابَكُمْ، مَا انْفَرَدْتَ بِالْحُزْنِ وَالْغَيْظِ وَالْكَابَةِ وَأَلِيمِ وَجَعِ الْقَلْبِ دونِي،


1) مقاتل الطالبيّين : 219 و 220.

2) بحار الأنوار : 47 : 283.

وَلَقَدْ نالنى مِنْ ذلِكَ مِنَ الْجَزَع وَالْقَلَقِ، وَحَرِّ الْمُصيبَةِ مِثْلُ ما نالَكَ، وَلكِنْ رَجَعْتُ إِلى مَا أَمَرَ اللّه جَلَّ وَعَزَّ بِهِ الْمُتَّقِينَ مِنَ الصَّبْرِ وَحُسْنِ الْعَزاءِ حينَ قالَ لِنَبِيِّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا» (1).

وَحينَ يَقولُ لِنَبِيِّهِ: «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ» (2).

وَحينَ يَقولُ لِنَبِيِّهِ حِينَ مُثَّلَ بِحَمْزَةَ : «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ» (3)، فَصَبَرَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَلَمْ يُعاقِبْ.

وَحينَ يَقولُ : «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى» (4).

وَحينَ يَقولُ : «الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» (5).

وَحينَ يَقولُ : «إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ» (6).

وَحينَ يَقولُ لُقْمانُ لابنِهِ : «وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْم


1) الطور 52: 48.

2) القلم 68 : 48.

3) النحل 16: 126.

4) طه 20 : 132.

5) البقرة 2 : 156 - 157.

6) الزمر :10:39

الْأُمُورِ» (1).

وَحينَ يَقولُ عَنْ مُوسَى : «قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّه وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ للّه يُورثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (2).

وَحينَ يَقولُ : «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ» (3).

وَحينَ يَقولُ : «ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ» (4).

وَحينَ يَقولُ : «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» (5).

وَحينَ يَقولُ : «وَكَأَيِّن مِن نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّه وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللّه يُحِبُّ الصَّابِرِينَ» (6).

وَحينَ يَقولُ : «وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ» (7).


1) لقمان 31: 17.

2) الأعراف 7: 128.

3) العصر 103: 3.

4) البلد 90 17.

5) البقرة 2: 155.

6) آل عمران 3 : 146.

7) الأحزاب 33: 35.

وَحينَ يَقولُ : «وَاصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللّه وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ» (1).

وَأَمْثالُ ذلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ كَثيرٌ.

وَاعْلَمْ أَيْ عَمِّ وَابْنَ عَمَّ إِنَّ اللّه جَلَّ وَعَزَّ لَمْ يُبالِ بِضُرٍّ الدُّنْيا لِوَلِيَّهِ سَاعَةً قَط، وَلَا شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الضُّرِّ وَالْجُهْدِ وَالْبَلَاءِ مَعَ الصَّبْرِ، وَإِنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُبالِ بِنَعيم الدُّنْيا لِعَدُوِّهِ سَاعَةً قَطُّ.

وَلَوْلا ذلِكَ ما كانَ أعْداؤُهُ يَقْتُلُونَ أوْلِياءَهُ وَيُخَوِّفُونَهُمْ وَيَمْنَعونَ يَمْنَعُونَهُمْ، وَأَعْداؤُهُ آمِنونَ مُطْمَئِنَونَ عالون ظاهِرونَ.

وَلَوْلا ذلِكَ لَما قُتِلَ زَكَرِيَّا وَيَحْيِى بْنُ زَكَرِيَّا، ظُلْماً وَعُدْواناً فِي بَغِيٌّ مِنَ الْبَغايا.

وَلَوْلا ذلِكَ لَما قُتِلَ جَدُّكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَمَا قَامَ بِأَمْرِ اللّه جَلَّ وَعَزَّ ظُلْماً، وَعَمُّكَ الْحُسَيْنُ بْنُ فَاطِمَةَ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ اضْطِهاداً وَعُدْواناً.

وَلَوْلا ذلِكَ مَا قالَ اللّه جَلَّ وَعَزَّ في كتابِهِ : «وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ» (2)

وَلَوْلا ذلِكَ لَما قَالَ فِي كِتَابِهِ: «أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ


1) یونس 10: 109.

2) الزخرف 43: 33.

وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ» (1).

وَلَوْلا ذلِكَ لَما جاءَ فِي الْحَديثِ : لَوْلا أَنْ يَحْزَنَ الْمُؤْمِنُ لَجَعَلْتُ لِلْكَافِرِ عِصابَةً مِنْ حَدِيدٍ فَلا يَصَّدَّعَ رَأْسُهُ أَبَداً.

وَلَوْلا ذلِكَ لَما جاءَ فِي الْحَديثِ : إِنَّ الدُّنْيا لَا تُساوِي عِنْدَ اللّه جَلَّ وَعَزَّ جَناحَ بَعوضَةٍ.

وَلَوْلا ذلِكَ ما سَقى كافِراً مِنْهَا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ.

وَلَوْلا ذلِكَ ما جاءَ فِي الْحَديثِ : لَوْ أَنَّ مُؤْمِناً عَلَىٰ قُلَّةِ جَبَلٍ لَابْتَعَثَ اللّه لَهُ كافِراً أَوْ مُنافِقاً يُؤْذيهِ.

وَلَوْلا ذلِكَ لَما جاءَ فِي الْحَدِيثِ : إِنَّهُ إِذا أَحَبَّ اللّه قَوْماً أَوْ أَحَبَّ عَبْداً صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلاءَ صَبّاً، فَلَا يَخْرُجُ مِنْ غَمَّ إِلَّا وَقَعَ فِي غَمَّ.

وَلَوْلا ذلِكَ لَما جاءَ فِي الْحَديثِ : ما مِنْ جُرْعَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُجَرِّعَهُما عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ فِي الدُّنْيا مِنْ جُرْعَةِ غَيْظِ كَظَمَ عَلَيْهَا، وَجُرْعَةِ حُزْنٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ صَبَرَ عَلَيْهَا بِحُسْنِ عَزاءٍ وَاحْتِسابِ.

وَلَوْلا ذلِكَ لَما كانَ أَصْحابُ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَدعونَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُمْ بِطولِ الْعُمُرِ وَصِحَةِ الْبَدَنِ، وَكَثْرَةِ المَالِ وَالْوَلَدِ.

وَلَوْلا ذلِكَ مَا بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَانَ إِذا خَصَّ رَجُلاً بِالتَّرَحُم عَلَيْهِ وَالْإِسْتِغْفَارِ اسْتُشْهِدْ.


1) المؤمنون 23 : 55 - 56.

فَعَلَيْكُمْ يا عَمِّ وَابْنَ عَمّ، وَبَني عُمومَتِي وَإِخْوَتِي بِالصَّبْرِ وَالرّضا وَالتَّسْليم، وَالتَّقْويضِ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَالرّضا بِالصَّبْرِ عَلى قَضائِهِ، وَالتَّمَسُّكِ بِطاعَتِهِ، وَالنُّزولِ عِنْدَ أَمْرِه.

أَفْرَغَ اللّه عَلَيْنا وَعَلَيْكُمُ الصَّبْرَ، وَخَتَمَ لَنَا وَلَكُمْ بِالْأَجْرِ وَالسَّعادَةِ، وَأَنْقَذَنا وَإِيَّاكُمْ مِنْ كلّ هَلَكَةٍ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. إِنَّهُ سَمِيعٌ قَريبٌ، وَصَلَّى اللّه عَلَى صَفْوَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ محمّد النبيّ وَأَهْلِهِ» (1)

وكانت هذه الرسالة سلوى لهم فيما عانوه من شدّة المحن والخطوب، كما أنّها احتوت على مدحهم والثناء عليهم، ولو كانوا في خروجهم * المنصور بغير وجه مشروع لما توجّع عليهم الإمام، وأثنى عليهم، فإنّ شأن الإمامة كشأن النبوّة بعيد عن المحاباة والاندفاع بأي عاطفة من عواطف الحبّ، وممّا يدل على أنهم كانوا على حقّ أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يتطلع بلهفة إلى التعرّف على أخبارهم، فقد روى خلاد بن عمير الكندي مولى آل حجر بن عدي، قال : «دخلت على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : هَلْ لَكُمْ عِلْمٌ بِآلِ الْحَسَنِ ؟

يقول خلّاد : وكان قد اّتصل بنا عنهم خبر لم نحبّ أن نبدأه به، فقلت له : نرجو أن يعافيهم اللّه، فتأثر واندفع يقول : وَأَيْنَ هُمْ مِنَ الْعافِيَةِ ؟ ثمّ بكى حتّى علا صوته، وبكينا معه» (2).

ويضاف إلى ذلك ما ورد في حقهم من المدح، فقد روی خلاد عن أبيه، عن فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قالت : «سمعت أبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : يُقْتَلُ مِنْكِ أَوْ يُصابُ مِنْكَ نَفَرٌ بِشَطِّ الْفُراتِ ما سَبَقَهُمُ الْأَوَّلونَ، وَلَا يُدْرِكُهُمُ الآخَرُونَ، وَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ وَلَدِها


1) بحار الأنوار : 17 : 399 - 301. الإقبال : 49 - 51.

2) بحار الأنوار: 47: 302.

غَيْرُهُمْ» (1).

وعلى أي حال، فإنّهم لم يخرجوا على حكومة المنصور إلّا بوعي من روح الإسلام وهديه الذي ألزم بمناهضة الظلم، ومقاومة الجور والطغيان.

في الربذة

وسارت قافلة العلويّين من يثرب، فلما بعدت عنها بثلاثة أميال أنزلوا عن رواحلهم، وجيء لهم بحدّادين فألقوا كلّ رجل منهم في كبل وغلّ، وقد ضاقت حلقتا القيد الذي كُبّل به عبد اللّه بن الحسن، فتأوه من الألم، فأقسم عليه أخوه البار علي بن الحسن أن يحوّلها إليه، فحوّلت له، وبذلك ضرب المثل الأعلى للإخاء الصادق.

ولما انتهت القافلة إلى الربذة أنزل العلويّون عن رواحلهم وهم مكبّلون بالحديد تصهرهم الشمس، وأمر المنصور بإدخال محمّد بن عبداللّه عليه (2).

فلمّا مثل عنده قابله المنصور بالسبّ والشتم والقذف، واتهمه بأمور أمسكنا عن ذكرها لفحشها، فإنّ هذا الخبيث الدنس الذي حفل تاريخه بالعار والخزي لم يتحرّج من الاتّهام والكذب وقول الإفك.

وأمر الباغي الأثيم بتجريد محمّد من ثيابه، فجرد منها حتّى بدت عورته، وأمر جلاوزته بضربه، فعلته الجلاوزة بالسياط، فضرب خمسين ومائة سوط وقد بلغ به الألم كلّ مبلغ، والمنصور جذل مسرور، وأصاب إحدى السياط وجهه، فقال للجلّاد : اكفف عن وجهي، فإنّ له حرمة من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)»

فانبرى المنصور إلى الجلاد قائلاً: الرأس.. الرأس.


1) بحار الأنوار: 47 : 302.

2) البداية والنهاية : 10 : 81.

فضربه ثلاثين سوطاً على رأسه، ثمّ دعا بساجور (1)من خشب شبه به في طوله، فشد في عنقه، وشدّت به يداه، وأخرج مليّباً، فدخل على أصحابه كأنه زنجي قد غيّرت السياط لونه، وأسالت دمه، وأصاب سوط منها إحدى عينيه فسالت، ووثب إليه مولى لأبي جعفر، فقال له : ألا ألوثك بردائي ؟

فقال له : بلى جزيت خيراً، فواللّه لشفوف إزاري أشدّ عليَّ من الضرب الذي نالني.

فألقى المولى عليه الثوب (2).

واستدعى محمّد وهو بتلك الحالة ماءً فلم يسقه أحد سوى رجل من أهالي خراسان، فانبرى إليه وسقاه الماء، ولم يلبثوا قليلاً حتّى اجتاز عليهم المنصور وهو في محلّه، فانطلق إليه عبد اللّه بن الحسن يذكره بما أسداه جدّه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من الفضل والإحسان على العبّاس جد المنصور حينما جيء به أسيراً قائلاً له : ما هكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر ؟

فأشاح المنصور بوجهه عنه، وقد لذعه قوله، وأمر بحمل العلويّين إلى العراق.

فى الهاشميّة

وأخذت قافلة العلويّين تطوي البيداء، وتسرع بهم إلى القبور والسجون حتّى انتهت إلى (الهاشميّة)، فأمر المنصور بزجهم في سجن لا يعرف فيه الليل من النهار، فأودعوا فيه، وكانوا لا يعرفون فيه وقت الصلاة لظلمته، فجزأوا القرآن الكريم خمسة أجزاء، فكانوا يصلون الصلاة على فراغ كلّ واحد منهم لحزبه (3).


1) الساجور: خشبة تعلّق بعنق الكلب.

2) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 179.

3) مروج الذهب : 3: 225.

وأمر المنصور بإحضار محمّد بن إبراهيم، وكان آية في جماله وبهاء وجهه، وكان الناس يذهبون إلى النظر لحسنه، ولما حضر عند المنصور التفت إليه بسخرية قائلاً : أنت المسمّى بالديباج الأصفر ؟

•

نعم.

•

أما واللّه لأقتلنّك قتلة ما قتلتها أحداً من أهل بيتك.

وأمر الطاغية الخبيث باسطوانة مبنية ففرّغت، وأدخل فيها ثمّ بنيت عليه وهو حىّ (1).

لقد تفجرت سياسة هذا الباغي الأثيم تجاه العلويّين بجميع ألوان المنكرات والموبقات، فلم يرع حرمة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في أبنائه، وعمد إلى إبادتهم بصورة لم يعهد لها نظير في تاريخ المجازر البشرية.

وبلغ من قساوة جلاوزته أنّ عبد اللّه بن الحسن شيخ العلويّين استدعى ماء فطلب بعضهم الإذن من المنصور في ذلك، فسمح له، فجاء إليه بماء بارد، فبينما هو يشرب إذ وثبت إليه أبو الأزهر فضرب الإناء برجله بشدّة فألقى عبداللّه ثناياه في الإناء (2).

وبقي العلويّون في سجن المنصور وهم يعانون أهوال الخطوب وأقسى المصائب، فكانوا يتوضأون في مواضعهم حتّى اشتدّت عليهم الرائحة، واحتال بعض مواليهم فأدخل لهم شيئاً من الغالية، فكانوا يدفعون بشمها الروائح الكريهة، ولكنها لم تكن تجدي شيئاً، فقد ورمت أقدامهم، وسرى الورم إلى قلوبهم، فمات أكثرهم، وأمر الطاغية بهدم السجن على من بقي، فهدم عليهم، فمات أكثرهم


1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 179.

2) مقاتل الطالبيّين : 243.

وفيهم عبد اللّه بن الحسن (1).

وحفلت هذه المأساة الخالدة في دنيا الأحزان بأنواع الرزايا والخطوب، فقد انتهكت فيها حرمة الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في ذريّته وأبنائه، فلم يرع لهم المنصور أي حرمة، ولم يراقب اللّه فيهم.

ففي سبيل اللّه تلك النفوس الزكية التي وهبت أرواحها اللّه لتنقذ عباده من شر تلك الطغمة الحاكمة التي كفرت بجميع القيم الإنسانيّة.

وقد أثارت هذه المأساة الكبرى موجات من السخط على بني العبّاس وقد اندفع أبو فراس الحمداني بعد أحقاب من السنين يهجو العبّاسيّين على هذه الجريمة النكراء التي اقترفها جدّهم المنصور، قال :

بئس الجزاءُ جَزَيْتُمْ فِي بَنِي حَسَنٍ***أَباهُمُ العَلَمَ الهادِي وَأُمَّهُمُ

لا بَيعَةٌ رَدَعَتْكُمْ عَنْ دِمَائِهِمْ***ولا يمين ولا قُرْبى ولا ذِمَمُ

هلّا صَفَحْتُمْ عَنِ الأَسْرَى بِلا سَبَبٍ***للصافحينَ بِبَدْرٍ عَنْ أَسِيرِكُمُ

هَلّا كَفَفْتُمْ عَنِ الدِّيباج سَوطَكُمُ***وَعَنْ بَناتِ رَسُولِ اللّه شَتمَكُمُ

ما نُزِّهَتْ لِرَسُولِ اللّه مُهْجَتُهُ***عن السِّياطِ فَهَلَا نُزِّةَ الحَرَمُ

ما نالَ مِنْهُمْ بَنو حَرْبٍ وَإِنْ عَظُمَتْ***تلك الجرائم إلا دونَ نَيْلِكُمْ

كَمْ غَدْرةٍ لَكُمْ فِي الدِّينِ واضِحَةٍ***وَكَمْ دَمِ لِرَسولِ اللّه عِنْدَكُمْ

أَنْتُمْ لَهُ شِيعَةٌ فِيمَا تَرَوْنَ وَفِي***أَظفارِكُم مِنْ بَنيهِ الطَّاهِرِينَ دَمُ

هَيهاتَ لا قُرِّبَتْ قُربى وَلا رَحِمٌ***يَوماً إذا أَقْصَتِ الأَخلاقُ وَالشَّيَمُ

كانَتْ مودّة سَلْمَانِ لَهُ رَحِماً***ولَمْ يَكُنْ بَينَ نُوحٍ وَابْنِهِ رَحِمٌ (2)


1) مروج الذهب : 3: 225.

2) موسوعة الغدير : 3 : 238.

وفي هذا الشعر أعمق الحزن على ما أصاب العلويّين من الرزايا والنكبات في عهد المنصور وسائر ملوك بني العبّاس الذين قطعوا أواصر الرحم والقربى، وتنكروا للإحسان الذي أسداه الرسول الأعظم على جدّهم العبّاس، فقد قابلوا ذلك بإنزال أمر العقاب وأقساه بذريّة النبيّ وعترته.

مصادرة أموال العلويّين

وحينما اعتقل الدوانيقي العلويّين وأودعهم في ظلمات السجون، عهد إلى عامله بمصادرة جميع أموالهم وبيع رقيقهم (1)وصادر أموال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولمّا هلك المنصور أرجعها المهدي إلى الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ثورة الزكى محمّد

وكان محمّد بن عبداللّه بن الحسن من أعلام العلويّين في علمه وفقهه وشجاعته وجوده، وقد جمع في برديه كلّ فضل موروث ومكسوب، وقد سمّي بذلك النفس الزكيّة، وصريح قريش لأنّه لم يجئ من أمّ ولد في جميع آبائه وأمهاته، بل جاء خالصاً نقيّاً من قريش، وسمّاه الناس بالمهدي الذي بشّر به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (2).

وفي ذلك يقول الشاعر :

إِنَّا لَنَرْجُو أن يكون محمّد***إماماً بِهِ يَحْيا الكِتابُ المُنَزَّلُ

بِهِ يَصْلُحُ الإسلامُ بَعْدَ فَسادِهِ***وَيَحْيا يَتِيمٌ بائِسٌ وَمُعَوِّلُ

ویَملَأُ عَدْلاً أَرْضَنَا بَعدَ مَلْئِها***ضلالاً وتأتينا الذي كُنتُ آمُلُ (3)


1) البداية والنهاية : 10 : 81.

2) غاية الاختصار : 12.

3) مقاتل الطالبيّين : 243.

وكان يشبه جدّه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في خلقه وأخلاقه، واعتقد أهل المدينة أنه لو جاز أن يبعث اللّه نبيّاً بعد محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لكان هو (1).

وقد رشّح للخلافة بإجماع الهاشميّين، وكان المنصور الدوانيقي يسير بخدمته، ويسوّي عليه ثيابه، ويمسك له دابته تقرباً إليه، كما بايعه مع أخيه السفاح مرّتين، وبعد اختلاس العبّاسيّين للحكم تألّم محمّد أشدّ الألم وأقساه، وأخذ يدعو الناس لنفسه، فاستجابوا له، وظل مختفياً مع أخيه إبراهيم ودعاتهم تجوب الأقطار للدعوة إليهم، وكان أبوهما عبد اللّه يمجد فيهما روح الثورة ويحفزهما على النضال، فقد قال لهما : «إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين، فلا يمنعكما أن تموتا کریمین» (2).

ولما بلغ محمّد وفاة أبيه عبد اللّه مع أبناء عمومته من العلويّين في سجن المنصور، وما حلّ فيهم من صنوف التنكيل والتعذيب، تواعد هو وأخوه إبراهيم على إعلان الثورة في يوم مخصوص، فأعلن محمّد الأمر في يثرب في الوقت المقرّر له - على ما قيل - وانبرى الناس إلى مبايعته، واستبشروا ببيعتهم له، وقام جيشه باحتلال الدوائر الرسمية، وبالاستيلاء على بيت المال، وهرعت أهالي اليمن ومكة إلى بيعته، وقد اجتمعت الجموع الحاشدة في يثرب تظهر له الطاعة والانقياد، وقد قام فيهم خطيباً، فقال بعد حمد اللّه والثناء عليه :

«أمّا بعد : أيّها الناس، فإنّه كان من أمر هذا الطاغية عدو اللّه أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء التي بناها معانداً للّه في ملكه، تصغيراً للكعبة الحرام، وإنّما أخذ اللّه فرعون حين قال : أنا ربكم الأعلى، وإن أحق الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين والأنصار المواسين.


1) شذرات الذهب : 1 : 213.

2) مقاتل الطالبيّين : 243.

اللّهمّ إنّهم قد أحلّوا حرامك، وحرموا حلالك، وآمنوا من أخفت، وأخافوا من آمنت، اللّهمّ فأحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

أيّها الناس، إنّي واللّه ما خرجت من بين أظهركم وأنتم عندي لا أهل قوّة ولا شدة، ولكن اخترتكم لنفسي، واللّه ما جئت هذه وفي الأرض مصر يعبد اللّه فيه إلا وقد أخذ لي البيعة فيه» (1).

ودلّ هذا الخطاب على أخذ البيعة له من جميع الأقاليم الإسلاميّة، إلّا أنّ بعض المعلّقين على خطابه ذهب إلى أنّ ذلك كان مكيدة من المنصور، فهو الذي أوعز إلى ولاته بمراسلة محمّد والاستجابة إلى دعوته حتّى يبادر إلى إعلان الثورة قبل أن تستكمل مخططاتها ليمكن القضاء عليها في بدايتها.

وعلى أي حال، فإنّ الأنباء حينما وافت المنصور وجّه جيشاً لقتاله يقدر عدده بأربعة آلاف فارس، وجعل قيادته العامّة إلى ولي عهده عيسى بن موسى، وسارت الجيوش تطوي البيداء حتّى انتهت إلى يثرب، وحينما علم محمّد بقدوم جيوش المنصور بثّ جيوشه في الشوارع والأزقة، وقبل أن تندلع نيران الحرب خطب في جيشه فقال :

«إنّا قد جمعناكم للقتال، وأخذنا عليكم المناقب، وإن هذا العدوّ منكم قريب، وهو في عدد كثير، والنصر من اللّه، والأمر بيده، وإنّه قد بدا لي أن أذن لكم، وأفرج عنكم المناقب، فمن أحب أن يقيم أقام، ومن أحب أن يضعن ضعن» (2).

وكان هذا الخطاب خطاب مخذول لا وثوق له بالنصر، ولا أمل له في التغلب على الأحداث نظراً لضخامة جيش العدو، وقلة من معه، ولم يرغم أصحابه على الخوض في الحرب، كما لم يعتمد على وسائل الخداع والتضليل، وهو موقف


1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 189.

2) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 208.

تمثّلت فيه الشهامة والنبل.

ولمّا سمع خطابه الانتهازيون وذوو الأطماع تفرّقوا عنه، ويقي في خلص أصحابه.

ولم تكن لهم قدرة على الدفاع عنه، وقد خفّ إليه عبد اللّه بن جعفر (1)

قال الشيخ المفيد : «كان أكبر إخوته بعد إسماعيل، ولم تكن له منزلة عند أبيه، وكان متهماً في الخلاف على أبيه، فقد قيل : إنّه كان يخالط الحشوية، ويميل إلى مذهب المرجئة، وادعى بعد وفاة أبيه الإمامة محتجّاً بأنّه أكبر إخوته فتبعه جماعة من البسطاء، ثمّ رجع أكثرهم إلى القول بإمامة الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) - كما سنوضّحه - تنقيح المقال : 2 : 174.

فقال له : بأبي أنت وأمي، إنه واللّه ما لك بما رأيت طاقة، وما معك أحد يصدق القتال، فاخرج الساعة حتّى تلحق بالحسن بن معاوية بمكة، فإنّ معه جلة أصحابك.

فانطلق محمّد يجيبه بما انطوت عليه نفسه الكبيرة من الشرف والنبل قائلاً:

يا أبا جعفر، واللّه لو خرجت لقتل أهل المدينة واللّه لا أرجع حتّى أقتل أو أقتل، وأنت مني في سعة، فاذهب حيث شئت (2).

إنّ محمّداً إذا ترك يثرب فإنّ جيش المنصور سيحتلّها، ويقابل المدنيّين بمنتهى القسوة والانتقام، وينتهك جميع الحرمات، فرأى محمّد أن يقيم فيها ويضحي بنفسه في سبيل أمن الناس وسلامتهم.

واندلعت نار الحرب بين الفريقين، وبعد صراع رهيب بين قوى الحق وقوى البغي أصيب القائد العظيم محمّد ذو النفس الزكية بجراح خطيرة، فسقط على الأرض، وبرك على ركبتيه، فبادر إليه الأثيم حميد بن قحطبة وهو يصيح بالجند


1) عبداللّه بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين ابن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) المعروف بالأفطح:

2) تاريخ الأمم والملوك : 6: 224.

لا تقتلوه، فكفّوا عنه، فقام الوغد بنفسه ليبوء بالإثم والجحيم، فاحت رأسه الشريف (1).

وانتهت بذلك صفحة من أروع صفحات الجهاد المقدس، وانطوت أعظم حركة إصلاحيّة في العالم الإسلامي كانت تهدف إلى نشر العدل، وسيادة الأمن، والدعة بين الناس.

وانهارت القوى الخيّرة، وتحطمت آمال الأحرار، فقد فقدوا قائدهم الأعلى الذي كان مناراً لهم في طريق النضال والجهاد.

ثورة الزكي إبراهيم

كان إبراهيم بن عبد اللّه من قادة الفكر، ومن أعلام عصره في علمه وأدبه وأخلاقه وحسن تدبيره، وقد أترعت نفسه الزكية بالإيمان بحقّ الأُمّة، فانطلق في ميادين الجهاد لينقذها من حكم العبودية والذل، ويحقّق في رحابها عدل الإسلام وأحكام القرآن.

والشيء الذي عرف به إبراهيم أنّه كان حديدي الإرادة، وكان يقظاً حسّاساً، فقد طلبه المنصور أشدّ الطلب، وبثَّ عليه العيون، وقد استطاع أن يجلس على موائد المنصور من دون أن يشعر به، وقد حدّث عن ذلك بقوله :

«اضطرنى الطلب بالموصل حتّى جلست على موائد المنصور، وقد قدم إليها يطلبني، فلفظتني الأرض، فجعلت لا أجد مساغاً، ووضع الطلب والمراصد، ودعا الناس إلى غذائه، فدخلت فيمن دخل، وأكلت فيمن أكل، ثمّ خرجت وقد كف الطلب».

وفي هذا الإقدام دليل على ما يحمله من القابليات الفذة التي تجعله في مصاف


1) مقاتل الطالبيّين : 238.

العظماء الذين لا يفكرون بالهزيمة، ولا تغيّر من عزيمتهم الأحداث الجسام، وقد أتته الأنباء المريعة بمقتل أخيه، وهو يخطب على المنبر، فجعل يتمثل بهذه الأبيات:

أبا المَنازِلِ يا خيرَ الفَوارِسِ مَنْ***يُفْجَعْ بِمِثْلِكَ في الدُّنْيا فَقَدْ فُجعا

اللّه يَعلَمُ أَنِّي لَوْ خَشِيتُهُم***وأوجسَ القلبُ مِنْ خُوفٍ لَهُم فَزَعا

لَمْ يَقتُلُوهُ وَلَمْ أَسْلِمْ أَخي لَهُمْ(1)***حتّى نَموتَ جَميعاً أَوْ نَعيشَ مَعاً

ثم تبلورت دموعه على وجهه الشريف، وأخذ يؤبن أخاه ويصوغ من حزنه كلمات قائلاً: «اللّهمّ إنّك تعلم أنّ محمّداً إنّما خرج غضباً لك، ونفياً لهذه المُسَوَّدة، وإيثاراً لحقك، فارحمه، واغفر له، واجعل الآخرة خير مردّ له، ومنقلب من الدنيا» (2).

ورثى أخاه بهذه الأبيات :

سَأَبكِيكَ بِالبِيضِ الرَّقاقِ وَبِالقَنا***فَإِنَّ بِها ما يُدرِكُ الطَّالِبُ الوِتْرا

وَإِنَّا أناسٌ لا تَفيضُ دُموعُنا***على هالِك مِنا ولَوْ قَصَمَ الظَّهْرا

وَلَسْتُ كَمَنْ يَبْكي أخاهُ بِعَبرةٍ***يعصِّرها مِنْ ماءِ مُقْلَتِهِ عَصْرا

وَلكِنْ أُرَوَى النَّفْسَ مِنّي بِغارة***تَلَهُبُ في قُطْرَي كِتابَتِها جَمْرا (3)

لقد تمثّلت البطولة بما لها من معنى مشرق بهذا الموقف الرائع الذي وقفه إبراهيم، فلم يوهن عزيمته مقتل أخيه العظيم، وإنّما زاده إيماناً وتصميماً على المضي في طريق الكفاح والنضال.


1) في رواية : «ولم يسلم أخي».

2) مقاتل الطالبيّين : 294.

3) عمدة الطالب : 104 و 105.

وأعلن إبراهيم في البصرة ثورته الكبرى على حكومة المنصور، فاستجاب له المسلمون، وانضموا إلى دعوته، وكان سفيان بن معاوية والي البصرة من المؤيدين له، وكان على اتصال دائم معه، يطلعه على كلّ ما جدّ للمنصور من رأي في أمر البصرة، وساعده في كثير من شؤون الثورة.

واحتلّ إبراهيم البصرة، ووجّه دعاته إلى الأهواز وفارس وواسط والمدائن، فاستجابت هذه الأقطار وبايعته، وخفق علم الدولة العلوية عليها، وتوالت أنباء الثورة العارمة على المنصور، فهاله ذلك وجزع جزعاً شديداً، وخيّم عليه الذعر. وقد دخل عليه الحجاج بن قتيبة، فرآه ينكت الأرض بمخصرته وينشد :

وَنَصَبْتُ نَفْسِي لِلرِّماحِ دَرِيئَةٌ***إنَّ الرئيسَ لِمِثلِ ذاكَ فَعُولُ (1)

فقال له الحجاج : أدام اللّه عزّك، ونصرك على عدوّك، أنت كما قال الأعشى :

وإِن حَربُهُمْ أُوقِدَتْ بَينَهُم***فَحَرَّتْ لَهُمْ بَعْدَ إِبْرَادِها

وجدتُ صَبوراً على حَرَّها***وكر الحروب وتردادها

فقال المنصور : يا حجّاج، إن إبراهيم قد عرف وعورة جانبي، وصعوبة ناحيتي، وخشونة قرني، وإنّما جرّأه على المسير إليَّ من البصرة اجتماع هذه الكور المطلة على عسكر أمير المؤمنين، وأهل السواد معه على الخلاف والمعصية، وقد رميت كلّ كورة بحجرها، وكل ناحية بسهمها، ووجهت إليهم الشهم النجد الميمون المظفّر عیسی بن موسى في كثير من العدد والعدة، واستعنت باللّه عليه، واستكفيته إيّاه، فإنّه لا حول ولا قوة لأمير المؤمنين إلّا باللّه (2).

ولما توفرت لإبراهيم الجيوش المزوّدة بالعدّة والعدد عزم على المسير إلى حرب


1) الكامل في التاريخ : 5 : 566. تاريخ الأمم والملوك : 6: 161.

2) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 161.

المنصور، فأشار عليه أصحابه البصريون أن يقيم في البصرة، ويرسل الجنود، فإذا انهزموا أمدهم بغيرهم، وقال قوم من أهل الكوفة : إنّ بالكوفة أقواماً لو رأوك ماتوا دونك، وإن لم يروك قعدت بهم أسباب شتّى، واستجاب إبراهيم لرأي الكوفيين، وتوجه بنفسه لحرب المنصور، ولو أنّه أقام بالبصرة لتغلب على الأحداث وتم له النصر

ووجه المنصور إلى حرب إبراهيم جيشاً بلغ عدده خمسة عشر ألفاً، وجعل قيادته العامّة إلى ولي عهده عيسى بن موسى، وجعل على مقدمته حميد بن قحطبة، وقال له لما ودعه : إنّ هؤلاء الخبثاء - يعني المنجّمين - يزعمون أنك إذا لقيت إبراهيم تجول أصحابك جولة حتّى تلقاه، ثمّ يرجعون إليك وتكون العاقبة لك.

وسار إبراهيم بجيشه يطوي البيداء، وسمع وهو ينشد في طريقه أبيات القطامي

أمورٌ لَوْ يُدَبِّرُها حَلِيمٌ***إِذا لَنَهى وَهَيَّبَ ما اسْتَطاعا

وَمَعصِيَةُ الشَّقيقِ عَليكَ ممّا***يَزيدُكَ مَرَّةً مِنْهُ اسْتِمَاعا

وَخَيرُ الأَمْرِ ما استقبَلْتَ مِنهُ***وَلَيسَ بِأَن تَتَبَّعَهُ اتِّباعا

وَلكِنَّ الأَدِيمَ إِذا تَفَرَّى***بلَى وَتَعَيُّباً غَلَبَ الصَّناعا (1)

ودلّ ذلك على ندمه على مسيره، فقد استبان له أنه لو بقي بالبصرة لكان خيراً

له، وتوجّه جيشه إلى (باخمرى) ولم يتجه إلى الكوفة مخافة أن تستباح الأعراض. وتقتل الأطفال، وأشار عليه قوم بالمسير إلى الكوفة فإنّه أضمن إلى نجاحه، إلا أنه لم يستجب لهم مخافة ما ذكرناه.

واندلعت نار الحرب بين الفريقين، فانهزم جيش المنصور شرّ هزيمة حتّى انتهت


1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 258. الكامل في التاريخ : 5 : 567.

طلائعها إلى الكوفة، فوجل المنصور ورام الهزيمة، وجعل يقول للربيع متعرّضاً بما أخبر به الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من فوز العبّاسيّين بالحكم : أين قول صادقهم ؟ وكيف لم ينلها أبناؤها، فأين إمارة الصبيان ؟

وبعدما حوصر وضيق عليه أمر بجعل الإبل والدواب على جميع أبواب الكوفة ليهرب عليها.

وكرّت جيوش المنصور راجعة بعد هزيمتها بسبب نهر لقيها، فلم تقدر على اجتيازه، فعادوا بأجمعهم، وكان أصحاب إبراهيم قد مخروا الماء ليكون قتالهم من وجه واحد، فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، وثبت إبراهيم في نفر من أصحابه فقاتلهم حميد بن قحطبة، وجعل يرسل بالرؤوس إلى عيسى، وجاء سهم غادر فوقع في حلق إبراهيم فنحره، فتنحى عن موقفه، وقال لأصحابه : انزلوني، فأنزلوه عن مركبه وهو يقول : «وَكَانَ أَمْرُ اللّه قَدَراً مَقْدُوراً» (1)، أردنا أمراً وأراد اللّه غيره.

واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه، ويقاتلون دونه، فقال حميد بن قحطبة : شدّوا على تلك الجماعة حتّى تزيلوهم عن موضعهم، وتعلموا ما اجتمعوا عليه، فشدّوا عليهم يقاتلونهم حتّى أفرجوهم عن إبراهيم، فاحتزّوا رأسه الشريف، فأتوا به عیسی، فسجد وبعث برأسه إلى المنصور (2).

وبذلك انتهت أروع صفحة من صفحات الجهاد المقدس، وطويت أعظم شخصيّة في العالم الإسلامي كانت تروم القضاء على الظلم والجور وإعادة الحياة الكريمة في الإسلام.

ولمّا انتهى مقتل الشهيد العظيم إلى المنصور الخبيث اللئيم كاد أن يطير فرحاً، فقد تحققت جميع آماله وأمانيه، وكان بين يديه طعام قد استطابه فقال لمن حوله :


1) الأحزاب 33: 38.

2) الكامل في التاريخ : 5: 19.

أراد إبراهيم أن يحرمني هذا وأشباهه (1).

إنّ ثورة الزكي إبراهيم رائد الحق والعدالة لم تكن من أجل متع الحياة ولذائذها، وإنما كانت لتحطيم المنكر وإبادة الظلم، وإنقاذ الناس من الحكم الارهابي الذي ساد عليهم أيّام المنصور.

إنّ تلك الثورة الخالدة كانت من أجل تحقيق المثل العليا، وتطبيق أحكام القرآن على واقع الحياة العامّة بين الناس.

والتفت المنصور وهو جذلان مسرور إلى حضّار مجلسه قائلاً لهم : تاللّه ما رأيت أنصح من الحجّاج لبني مروان.

فانبرى إليه المسيّب بن زهرة الضبّي يظهر له أنّهم أطاعوه أكثر من إطاعة الحجاج لأسياده الأمويّين قائلاً: يا أمير المؤمنين، ما سبقنا الحجّاج لأمر فتخلفنا عنه، واللّه ما خلق اللّه على جديد الأرض خلقاً أعزّ علينا من نبيّنا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد أمرتنا بقتل أولاده

فأطعناك وفعلنا، فهل نصحناك ؟

فلذع قوله المنصور، فصاح به : اجلس لا جلست (2).

وصفا الملك للمنصور بعد ثورة العلويّين، وراح الطاغية الجبّار بعد ذلك يمعن في ظلم الرعيّة وإرهاقها، فقد تفلّلت القوى الخيرة التي كان يحذرها ويخشى بأسها، وأخذ يجد في التنكيل ببقية العلويّين، واستئصال شأفتهم، ونعرض فيما يلي إلى بعض ما لاقوه من صنوف الارهاق الذي لا يوصف لفظاعته وقسوته.

وضعهم في الاسطوانات

ولما خمدت ثورة العلويّين جعل يطلب من بقي منهم طلباً حثيثاً، فمن ظفر به جعله في الاسطوانات المجوّفة المبنية من الجص والآجر، وظفر بغلام من ولد


1) مروج الذهب : 3 : 224.

2) مروج الذهب : 3 : 224.

الحسن، وكان حسن الوجه، فسلّمه إلى البنّاء وأمره أن يجعله في جوف اسطوانة ويبني عليه، ووكل به من ثقافته من يراعي ذلك، فجعله البنّاء في جوف اسطوانة وقد دخلته رقة عليه، فترك له في الاسطوانة منفذاً يدخل منها الروح، وقال للغلام : لا بأس عليك، فاصبر فإنّي سأخرجك من جوف هذه الاسطوانة إذا جنّ الليل.

ولمّا جنّ الليل جاء البنّاء فأخرج العلوي، وقال له : اتق اللّه في دمي، ودم الفعلة الذين معي، وغيب شخصك، فإنّي إنّما أخرجتك في ظلمة هذه الليلة لأني خفت أن يكون جدك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يوم القيامة خصمي بين يدي اللّه، وأكد عليه بأن يواري نفسه، فطلب منه الغلام أن يعرّف أمّه بذلك لتطيب نفسها، ويقل جزعها، وهرب الغلام، ولا يعلم في أي أرض أقام فيها، وانتهى البناء إلى الدار التي عينه العلوي، فسمع دويّاً كدوّي النحل من البكاء، فعرف أنّها أُمه، فأسرها بخبر ولدها، وانصرف عنها (1).

خزانة رؤوس العلويّين

وحديث الخزانة مليء بالأسى والشجون، فقد ملأها برؤوس العلويّين شيوخاً وشباباً وأطفالاً، وأوصى ربطة زوج المهدي أن لا يفتحها المهدي ولا يطلع عليها إلّا بعد هلاكه، وقد دوّنها الطبري في تاريخه، وهذا نصها :

«لمّا عزم المنصور على الحج دعا ريطة بنت أبي العبّاس امرأة المهدي، وكان المهدي بالري قبل شخوص أبي جعفر، فأوصاها بما أراد، وعهد إليها، ودفع إليها مفاتيح الخزائن، وتقدّم إليها وأحلفها ووكّد الأيمان أن لا تفتح بعض تلك الخزائن، ولا تُطلع عليها أحداً إلا المهدي، إلا أن يصح عندها موته، فإذا صح ذلك اجتمعت هي والمهدي وليس معهما أحد حتّى يفتحا الخزانة.


1) بحار الأنوار: 47 : 306 و 307 عيون أخبار الرضا اللا : 1 : 111.

فلمّا قدم المهدي من الريّ إلى مدينة السلام دفعت إليه المفاتيح وأخبرته عن المنصور أنّه تقدّم إليها فيه ألا يفتحه ولا يُطلع عليها أحداً حتّى يصحّ عندها موته.

فلما انتهى إلى المهدي موت المنصور وولي الخلافة فتح الباب ومعه ريطة، فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلى الطالبيّين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ عدة كثيرة.

فلمّا رأى ذلك المهدي ارتاع لما رأى، وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها، وعمل فوقها دكاناً» (1).

لقد احتفظ المنصور بتلك الخزانة وادّخرها ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، ادّخرها ليوم الفصل، يوم يعض الظالم على يديه.

استرحام العلويّين

وأخذ العلويّون يسترحمون هذا الطاغية، ويطلبون منه العفو، إلّا أنّه لم تحرّكه العواطف الإنسانيّة، ولا الرحم الماسة للصفح عنهم، فقد توجه إلى بيت اللّه الحرام، وبينما هو يسير في موكبه إذ انطلقت إليه ابنة عبد اللّه بن الحسن فتلت عليه هذه الأبيات الرقيقة :

ارحم صغار فتى يزيد إِنَّهُمْ***يُتِموا لِفَقدِكَ لا لِفَقَدِ يَزِيدِ

وَارحَمْ كَبِيراً سِنُّهُ مُتَهَدِّماً***في السجن بَينَ سَلاسِلَ وَقُيودِ

ولَئِنْ أَخَذْتَ بِجُرمِنا وجَزَيتنا***لَنُقَتَلَنَّ بِهِ بِكُلِّ صَعِيدِ

إِنْ جُدْتَ بِالرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ بَينَنا***ما جَدُّكُم مِنْ جَدِّنَا بِبَعِيدِ

فلم يحرّك ضميره القاسي هذا الاستعطاف الرقيق، فكان جوابه لها : اذكرتنيه يا


1) تاريخ الأمم والملوك : 6: 343 و 344.

بنت عبد اللّه.

ثم أمر به فأهدر في المطبق، فلفظ أنفاسه الأخيرة(1).

لقد انتهى المنصور إلى حضيض من اللؤم والقسوة ما له من قرار.

الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذمّة الخلود

وقاسى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد المنصور جميع أنواع الخطوب والآلام، فرأى ما قاساه المسلمون من الجهد والبلاء، وما عاناه العلويّون من صنوف التنكيل والتعذيب، وقد كانت سلامته من المنصور أعجوبة بالرغم من تحرزه وتوقيه من الاشتراك في أي ميدان من الميادين السياسيّة، ويدلّ على ذلك حديثه المشهور : «عَزَّتِ السَّلامَةُ، حتّى لَقَدْ خَفِيَ مَطْلَبُها، فَإِنْ تَكُنْ فِي شَيْءٍ فَيَوشِكُ أَنْ تَكونَ في الْخُمولِ، فَإِنْ طُلِبَتْ فِي الْخُمولِ فَلَمْ توجَدْ فَيوشِكُ أَنْ تَكونَ فِي الصَّمْتِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وَجَدَ في نَفْسِهِ خَلْوَةٌ يَشْتَغِلُ بها» (2).

لقد حاول المنصور أن يفتك به مراراً، ولكنّ اللّه ردّ عنه كيده، وقد أحضره غير مرة وهو يتميّز غيظاً، ويحاول قتله، وقد دفع اللّه عنه شره، وقد أرسل إليه مرة الربيع فأنفذ إليه ولده محمّد، وأمره أن يأتي به على الحالة التي هو عليها، وقال له : امضِ إلى جعفر بن محمّد فتسلّق على حائطه، ولا تفتح عليه باباً فيغيّر بعض ما هو عليه، ولكن انزل عليه نزولاً.


1) جاء في تذكرة الخواصّ : 230 : «إنّ قول فاطمة بنت عبداللّه : وارحم صغار بني يزيد، إنّما وقع في فلتات لسانها، إذ لم يكن لعبد اللّه بن الحسين ابن اسمه يزيد، ولا يعرف في آل أبي طالب من اسمه يزيد، إلّا يزيد بن معاوية بن عبداللّه بن جعفر، وقد أنكر عليه بنو هاشم هذا وهجروه لأجل ما سمّي به».

2) بحار الأنوار :75 202، الحدیث 35 أعيان الشيعة : 1: 673.

فقام محمّد بما أمر به، فوجد الإمام قائماً يصلّي، فلما فرغ من صلاته قال له : أجب أمير المؤمنين.

•

دَعْنِي أَلْبَسُ ثِيابي

•

ليس إلى ذلك من سبيل.

فجاء بالإمام على حالته، وأدخله عليه، فقال له المنصور بنبرات تقطر غضباً : یا جعفر، ما تدع حسدك وبغيك وإفسادك على أهل هذا البيت من بني العبّاس، وما يزيدك اللّه بذلك إلا شدة حسد ونكد ما تبلغ به ما تقدره.

فقال له الإمام : وَاللّه يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ما فَعَلْتُ شَيْئاً مِنْ هذا، وَلَقَدْ كُنْتُ فِي وِلايَةِ بني أميّه وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ أَعْدَى الْخَلْقِ لَنا وَلَكُمْ، وَأَنَّهُمْ لَا حَقٌّ لَهُمْ فِي هذا الأَمْرِ، فَوَاللّه ما بَغَيْتُ عَلَيْهِمْ، وَلَا بَلَغَهُمْ عَنِّي سوءٌ مَعَ جَفَائِهِمُ الَّذِي كَانَ لِي، وَكَيْفَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَصْنَعُ الآنَ هذا، وَأَنْتَ ابْنُ عَمّي، وَأَمَرُّ الْخَلْقِ بي رَحِماً، وَأَكْثَرُهُمْ عَطَاءٌ وَبِرَاً، فَكَيْفَ أَفْعَل هذا ؟

فأطرق المنصور برأسه ساعة إلى الأرض ورفع رأسه وقال له : أبطلت وأثمت. وأخرج إضبارة كتب، فرمى بها إليه، وقال له : هذه كتبك إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض بيعتي، وأن يبايعوك دوني.

فأنكر الإمام أشدّ الانكار أن تكون هذه الكتب له، وإنّما هي مزوّرة عليه قائلاً: وَاللّه ما فَعَلْتُ، وَلَا أَسْتَحِلُّ ذلِكَ، وَلَا هُو مِنْ مَذْهَبِي، وَإِنِّي لَمَنْ يَعْتَقِدُ طَاعَتَكَ عَلَىٰ كلّ حالٍ، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ السِّنِّ ما قَدْ أَضْعَفَنِي عَنْ ذلِكَ لَوْ أَرَدْتُهُ، فَصَيَّرْنِي إِلَىٰ بَعْضِ حبوسِكَ حتّى يَأْتِينِي الْمَوْتُ فَهُوَ مِنِّي قَرِيبٌ.

فصاح به الخبيث اللئيم : لا ولا كرامة، ثمّ أطرق برأسه، وضرب يده إلى السيف، فسل منه مقدار شبر، وأخذ بمقبضه ثمّ ردّه، فقال للإمام بكلمات قاسية : يا جعفر، أما تستحي مع هذه الشيبة، ومع هذا النسب أن تنطق بالباطل، وتشقّ عصا

المسلمين، تريد أن تريق الدماء، وتطرح الفتنة بين الرعيّة والأولياء ؟

فقال له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا واللّه ما فَعَلْتُ، وَلَا هَذِهِ كُتبى وَلَا خَطَى وَلَا خاتمي.

ثم انتضى من السيف ذراعاً، وعمد، فأرجعه.

وأقبل يعاتبه والإمام يعتذر منه، ثمّ انتضى السيف إلا شيئاً يسيراً منه، ثمّ أغمده، وأطرق برأسه إلى الأرض، ثمّ رفع رأسه، وقال : أظنّك صادقاً.

وأمر الربيع أن يأتيه بالغالية، فأخذ منها ووضعه على كريمة الإمام، وكانت بيضاء فاسودَت، وبالغ في إكرام الإمام وتبجيله، وكان سبب ذلك أنه رأى برهاناً من ربه فعفا عنه (1).

لقد كان المنصور يحقد على الإمام أشدّ الحقد بسبب إجماع المسلمين على تعظيمه، وقد خبا أمام جذوة اسمه الوهاج اسم المنصور، فالعالم الإسلامي كان يتحدث بذكره، ويتناقل فضائله وعلومه، وقد حاول الطاغية الجبار أن يستدرجه في موكبه فكتب إليه : لِمَ لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس ؟

وقد ظنّ أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيبادر إلى إجابته شأن الكثيرين ممن أغرتهم الدنيا، ولم يعلم أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتحرّج من الاتصال به، فقد وضع نصب عينيه قوله تعالى : «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّار» (2)، وبعد ما قرأ (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالة المنصور أجابه :

«لَيْسَ لَنا ما نَخافُكَ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَا عِنْدَكَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ ما نَرْجُوكَ لَهُ، وَلَا أَنْتَ في نِعْمَةٍ فَتُهَنِّيكَ عَلَيْهَا، وَلَا تَراهَا نِقْمَةٌ فَنُعَزِّيكَ، فَما نَصْنَعُ عِنْدَكَ ؟».

ولكن المنصور لم يع كلام الإمام، فقد أغرته الدنيا، وأعمى قلبه حبّ الملك


1) بحار الأنوار : 47 : 195 – 199.

2) هود 11: 113.

والسلطان، فلما قرأ كتاب الإمام أجابه : إنك تصحبنا لتنصحنا.

فردّ عليه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مَنْ أَرادَ الدُّنْيا فَلَا يَنْصَحُكَ، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ فَلَا يَصْحَبُكَ.

وباء المنصور بالفشل، فلم تتحقق منيته، وقد اجتمع (عَلَيهِ السَّلَامُ) به فوقع على وجه المنصور بعض الذباب فدفعه بيده، فعاد إليه حتّى ضجر منه، فالتفت إلى الإمام :قائلاً: يا أبا عبد اللّه، لِمَ خلق اللّه الذباب ؟

فلم یعن (عَلَيهِ السَّلَامُ) به وأجابه غير مكترث به قائلاً: لِيُذِلُّ بِهِ الْجَبَابِرَةَ» (1).

وقد ساء المنصور ذلك، وثقل عليه عدم اعتناء الإمام به، فراح يطيل التفكير في اغتياله.

وصمّم الطاغية على أن يقدم على أخطر موبقة وأعظم جريمة في الإسلام غير حافل بالعار والنار، فدسّ إلى الإمام سمّاً فاتكاً على يد عامله على يثرب، ولما تناوله الإمام تقطعت، أمعاؤه، وأخذ يعاني الآلام القاسيّة والأوجاع المؤلمة، ولما شعر بدنو الأجل المحتوم منه أمر بإحضار آله ومن يمتّ إليه، وبعد اجتماعهم عنده زودهم بهذه الوصيّة القيّمة قائلاً: «إِنَّ شَفاعَتَنا لَا تَنالُ مُسْتَخِفَاً بِالصَّلاةِ» (2).

ثمّ إنّه عهد بأمره سرّاً إلى ولده الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأوصاه بوصاياه الخاصة، وعهد بأمره أمام الناس إلى خمسة أشخاص، وهم أبو جعفر المنصور، ومحمّد بن سليمان، وعبد اللّه، وموسى، وحميدة، وإنّما فعل ذلك خوفاً على ولده من السلطة الكافرة، كما تبين ذلك بوضوح بعد وفاته، فقد كتب المنصور إلى عامله يأمره بقتل وصيّ الإمام إن كان معيّناً، فردّ عليه عامله أنّهم خمسة، وهو أحدهم، فقال المنصور : ليس إلى قتل هؤلاء من سبيل.

واشتد الألم بالإمام اليها، فأخذ يعاني الأوجاع القاسية، ولما دنا منه الأجل


1) نور الأبصار : 141. كشف الغمة : 2 : 158.

2) بحار الأنوار: 47 2. عقاب الأعمال : 272.

المحتوم أخذ يتلو آيات من الذكر الحكيم، ويناجي ربه، ويبتهل إليه حتّى فاضت نفسه الزكية إلى جنة المأوى، وسمت إلى الرفيق الأعلى، تلك النفس العظيمة التي لم يخلق لها نظير فيما مضى من سالف الزمن - عدا آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) - وما هو آت، حلماً وعلماً ويرّاً وعطفاً على جميع الناس.

لقدمات عميد الإسلام والموجّه الأوّل للقافلة الإسلاميّة الذي بذل بدوره جميع جهوده في إشعاع الفكر الإنساني، وبثَّ روح العلم والفضيلة بين الناس، وكان موته من الأحداث الخطيرة التي مني بها العالم الإسلامي، فلقد اهتزت جميع أرجائه لهوله.

وارتفعت الصيحة من بيوت الهاشميين، وعلا الصراخ والعويل من بيوت يثرب، وهرعت الناس كعرف الضبع وهم ما بين واجم وصائح ومشدوه ونائح على فقد الراحل العظيم الذي كان ملاذاً لهم ومفزعاً في جميع الأمور.

وقام الإمام موسى(عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو مكلوم القلب، قد ذابت نفسه أسى وحسرات، فأخذ في تجهيز أبيه، وهو يذرف من الدموع مهما ساعدته الجفون، فغسل الجسد الطاهر، وكفّنه بثوبين شطويين (1)كان يحرم فيهما، وفي قميص وعمامة كانت للإمام زین العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولفه ببرد اشتراه الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأربعين ديناراً، وبعد الفراغ من تجهيزه صلّى عليه الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثمّ حُمل الجثمان المقدس على أطراف الأنامل، وقد احتفّت به الجماهير الحاشدة، وجيء به إلى البقيع المقدس، فدفن في مقره الأخير بجوار أبيه الباقر وجده زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ووقف على حافة القبر الشاعر الشهير أبو هريرة، فأخذ يؤبن الإمام بهذ الأبيات :

أَقولُ وَقَدْ راحوا بِهِ يَحْمِلُونَهُ***عَلى كاهل مِنْ حامليهِ وَعاتِقِ

أَتَدرون ماذا تَحْمِلُونَ إلى الثَّرى***ثَبيراً ثَوَى مِنْ رَأْسِ عَلْيَاءَ شَاهِقٍ


1) شطويّين : مفرده شطا إحدى قرى مصر.

غَداةَ حَثا الحاثون فَوقَ صَرِيحِهِ***تُراباً وَقَبلاً كان فَوقَ المَفارِقِ (1)

وبعد الفراغ من دفن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتأبينه أقبل المسلمون يرفعون إلى الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) التعازي، ويبدون له المواساة بمصابه الأليم وهو واقف يشكرهم على مواساتهم وتعازيهم، ثمّ قفل راجعاً إلى ثوية، وقد احتف به أهل بيته وخلص أصحابه، وأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالوقت أن يوضع ضياء في المحل الذي قبض فيه أبوه جرياً على السنّة، وبقى ذلك الضياء يوقد في كلّ يوم حتّى اعتقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في العراق (2).

وتقلد الإمام منصب الزعامة الكبرى بعد وفاة أبيه، وكان عمره الشريف آنذاك عشرين سنة، والمنصور في السنّة العاشرة من سلطانه.

رجوع الشيعة للإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ولما فجع العالم الشيعي بوفاة زعيمه الروحي العظيم الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) رجع من بعده إلى ولده الإمام موسى، فقد بعثت جميع الأقطار التي تدين بالإمامة وفودها لتعيين الإمام بعد أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجاءت تلك الوفود إلى يثرب، فالتقت بالإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وآمنت بإمامته، وعقدت له الولاء والطاعة، فقد وجدت فيه كلّ ما هو ماثل في أبيه من العلم والإيمان والتقوى والصلاح، وما ماثل ذلك من الصفات الرفيعة التي لا توجد إلا عند من عصمه اللّه من الزلل، وطهره من الرجس، واختاره لإرشاد عباده إلى سواء السبيل.

وحدّث هشام بن سالم أحد عيون الشيعة ووجوهها عن كيفيّة رجوعه ورجوع إخوانه إلى الإمام بعد وفاة أبيه يقول : كنت بالمدينة مع محمّد بن النعمان صاحب الطاق حين وفاة الإمام أبي عبد اللّه، وقد اجتمع الناس على عبداللّه بن جعفر ظانين


1) مقتضب الأثر : 54. مناقب آل أبي طالب : 3 : 398.

2) المعتبر : 1 : 261 مستند الشيعة : 3: 76.

أنه صاحب الأمر والقائم بعد أبيه، فدخلت عليه مع أصحابي، ولمّا استقر بنا المجلس وجّهنا له السؤال الآتي : كم تجب الزكاة في المائتين من الدراهم ؟

•

خمسة دراهم.

•

ففى المائة ؟

•

در همان ونصف.

وتعجّبوا من هذه الفتوى التي لا تمت إلى الشريعة الإسلاميّة بصلة، فإنّ النصاب الأوّل في نصاب الدراهم مائتان وما نقص عنها فليس عليه شيء، وطفق هشام يقول مستهزئاً بهذه الفتوى التي لا مدرك لها : واللّه ما تقول المرجئة هذا !

• واللّه ما أدري ما تقول المرجئة ؟

وخرج هشام ومحمّد من عنده وهما لا يبصران الطريق من الألم والحزن لعدم ظفرهما بالإمام القائم بعد أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجعل هشام يقول : إلى المرجئة، إلى القدرية، إلى المعتزلة، إلى الزيديّة، إلى الخوارج ؟ !

وبينما كان هشام ومحمّد هائمين في تيار من الهواجس والأفكار لا يعلمان أي مبدأ يعتنقانه إذ أطلّ عليهما شيخ، فأوماً إلى هشام يشير إليه باتباعه، فتوهّم هشام أنّه من عيون المنصور وجواسيسه قد فهم حديثهما، فالتفت إلى صاحبه وقد استولى عليه الذعر والارتباك وأمره بالبعد عنه ليكون وحده الذي ينال العقوبة والجزاء، فتبع الشيخ حتّى أورده على الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).

فلمّا دخل سكن روعه، وحينما استقر به المجلس التفت إليه الإمام قائلاً بنبرات تفيض لطفاً وحناناً : إِلَيَّ، لَا إِلَى الْمَرْجِنَةِ، وَلَا إِلَى الْقَدَرِيَّةِ، وَلَا إِلَى الْمُعْتَزِلَةِ، وَلَا إِلَى الزَّيْدِيَّةِ.

ففرح هشام لأنه ظفر ببغيته حيث أخبره الإمام بما انطوت عليه نفسه، وتلك من أمارة الإمامة وعلائمها، ووجّه له هشام السؤال الآتي : جعلت فداك، مضى أبوك ؟

•

نَعَمْ.

•

مضى موتاً ؟

•

نَعَمْ.

•

من لنا بعده ؟

•

إن شا إِنْ شَاءَ اللّه أَنْ يَهْدِيَكَ هُداك.

•

جعلت فداك، إنّ عبد اللّه أخاك يزعم أنه الإمام بعد أبيه ؟

•

عَبْدُ اللّه يُريدُ أَنْ لَا يُعْبَدَ اللّه.

مَن لنا بعده ؟

فأجابه مثل جوابه الأوّل، وطفق هشام يقول : أفأنت هو ؟

• لَا أَقولُ ذلِكَ.

وأخطأ هشام في حديثه والتفت إلى خطله فقال : عليك إمام ؟

• لا.

فداخله من الإكبار والإجلال ما لا يعلم به إلا اللّه، ثمّ قال له : جعلت فداك، أسألك عمّا كنت أسأل به أباك ؟

• سَلْ وَلَا تُذِعْ، فَإِنْ أَذَعْتَ فَهُوَ الذَّبْحُ.

ثمّ وجّه إليه أسئلة كثيرة، فإذا به بحر لا ينزف لكثرة علمه وفضله، وانبرى بعد معرفته ووثوقه بإمامته قائلاً: جعلت فداك، شيعة أبيك في ضلال، فألقي إليهم هذا الأمر، وادعوهم إليك، فقد أخذت على الكتمان ؟

• مَنْ أَيَسْتَ بِهِ رُشْداً فَأَلْقِ إِلَيْهِ، وَخُذْ عَلَيْهِ الْكِثْمَانَ، فَإِنْ أَذاعَ فَهُوَ الذَّبْحُ وأشار بيده إلى حلقه.

ثم خرج وهو ناعم الفكر، مسرور القلب بما ظفر به، فبادر إليه صاحبه قائلاً:

ما وراءك ؟

• الهدى.

ثمّ حدّثه بالأمر، وقصدا زرارة وأبا بصير، وبعد الاجتماع بهما نقلا لهما الحديث، فبادر زرارة وأبو بصير إلى الإمام وسألاه عن بعض المسائل فأجاب عنها، فقطعا بإمامته، وأقبلت جماهير الشيعة تترى أفواجاً نحو الإمام وهي تعقد له الولاء والطاعة، وتعترف بإمامته، وقد دانت الأغلبية الساحقة من الشيعة بإمامته سوى أصحاب عمّار الساباطي، فإنّهم بقوا على فكرتهم مصرّين (1).

وتولّى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد وفاة أبيه القيام بشؤون الشيعة، وبنشر المبادئ الإسلاميّة العليا، وتزويد العلماء والطلبة بشتى أنواع العلوم والمعارف، وقد وضعت عليه الحكومة بعد ذلك الرقابة الشديدة، فلم يتمكن من الاتصال بالشيعة علناً، كما لم تتمكن الشيعة على التصريح بعقيدتها ومبدئها.

الإنكار على سياسة المنصور

إشارة:

وأخذت سياسة المنصور تتفجّر بكلّ ما خالف كتاب اللّه وسنّة نبيه، فقد عمد إلى قتل الأبرياء، وهتك الأعراض، وسلب الأموال، وزج الأحرار في السجون، ومطاردة رجال الفكر، واستئصال ذريّة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد أثار ذلك موجات من السخط عليه، فقد اندفع بعض أعلام الإسلام إلى الإنكار عليه، وفيما يلي عرض لبعضهم :

1 - عبداللّه بن طاووس

ودخل عبد اللّه بن طاووس اليماني (2)

كان فقيهاً عالماً بالعلوم العربيّة، وكان شديد البغض لآل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ). توفّي سنة 132ه-. تهذيب التهذيب : 5 : 267 و 268.

على المنصور ومعه مالك بن أنس، فالتفت

1) المجالس : 5 : 327. الكافي : 1 : 352. مدينة المعاجز : 6: 210. بحار الأنوار: 47 : 344.

2) عبداللّه بن طاووس بن كيسان اليماني :

إليه المنصور قائلاً: حدّثني عن أبيك.

• حدّثني أبي : أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه اللّه في سلطانه فأدخل عليه الجور في حكمه.

فالتاع المنصور وبدا عليه الغضب الهائل، وتيقّن مالك بهلاك صاحبه، فضم إليه ثيابه لئلا يصيبها دم عبد اللّه، والتفت المنصور إلى عبداللّه قائلا له : ناولني الدواة، فلم يناولها له.

فصاح به المنصور : لِمَ لا تناولنى الدواة ؟

• أخاف أن تكتب بها معصية.

ولم يجد المنصور جواباً له، فأمر بإخراجه، فانصرف عبداللّه وترك المنصور يتميّز غيظاً وغضباً (1).

2 - سفيان الثورى

ودخل سفيان الثوري (2)

قال أبو أسامة : «مَن أخبرك أنّه رأى مثل سفيان فلا تصدّقه».

وقال ابن ذئب : «ما رأيت بالعراق أحداً يشبه ثوريكم».

ولد سنة 97ه- وطلب العلم وهو حدث، وكان أبوه من علماء الكوفة، توفي في البصرة متخفّياً من المهدي، لأنه كان قوّالاً بالحق، شديد الإنكار، كانت وفاته في شهر شعبان سنة 161ه-. تذكرة الحفاظ : 1 : 190 - 192.

وقد اقتبس الكثير من علومه من الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه كان من تلامذته.

على المنصور، فلمّا استقرّ به المجلس التفت إلى المنصور بكل جرأة قائلاً له : اتق اللّه، فإنّك إنّما نزلت هذه المنزلة، وصرت إلى هذا

1) شذرات الذهب : 2 : 188.

2) هو شيخ الإسلام وسيّد الحفّاظ.

الموضع بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعاً، حج عمر بن الخطاب فما أنفق إلا خمسة عشر ديناراً، وكان ينزل تحت الشجر.

فقال له المنصور مستهزئاً به : إنّما تريد أن أكون مثلك.

• لا تكن مثلي، ولكن كن دون ما أنت فيه، وفوق ما أنا فيه.

فصاح به المنصور : اخرج، فانبرى إليه الثوري وهو يسدّد له سهماً من منطقه الفياض قائلاً: إنّي لأعلم مكان رجل واحد، لو صلح صلحت الأُمّة كلها.

•

من هو ؟

•

أنت يا أمير المؤمنين.

ثم تركه وانصرف عنه، وقد كوى قلبه بكلامه (1).

3 - ابن أبي ذئب

ودخل جماعة من كبار الفقهاء في الإسلام على المنصور عندما ولي الخلافة، وكان مجلسه مهيباً مفزعاً، فقد جلس على فراش قد نظم بالدرّ والأحجار الكريمة، وأحاط به جمع من حرّاسه قد شهروا السيوف يترقّبون صدور الأمر منه بإعدام أي شخص كان.

ولمّا استقر المجلس بالفقهاء رمقهم المنصور بطرفه وهو يتميّز غضباً وحنقاً عليهم قائلاً لهم : أما بعد يا معشر الفقهاء، فقد بلغ أمير المؤمنين عنكم ما أخشن صدره، وضاق به ذرعه، وكنتم أحق الناس بلزوم الطاعة والنصيحة في السرّ والعلانية لمن استخلفه اللّه عليكم.

فانطلق إليه الزعيم الديني مالك بن أنس يظهر له الطاعة وكذب الوشاة عليهم قائلاً: يا أمير المؤمنين، قال اللّه تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ


1) المسامرات : 1 : 98.

فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» (1).

فهدأت ثورة المنصور وسكن غضبه، والتفت إليهم قائلاً: أي الرجال أنا عندكم ؟ أمن أئمّة العدل أم من أئمّة الجور ؟

وتوسل إليه مالك باللّه، وتشفّع إليه بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أن يعفيه عن الجواب، فعفا عنه، وانبرى إليه ابن سمعان الذي كان من وعاظ السلاطين مبيناً له أنه ظلّ اللّه في أرضه، وأنّه رمز العدالة ومحقق السلام بين الناس قائلاً له : أنت واللّه خير الرجال، يا أمير المؤمنين، تحج بيت اللّه الحرام، وتجاهد العدو، وتؤمن السبل، ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوي، وبك قوام الدين، فأنت خير الرجال وأعدل الأئمّة.

وقد تزلّف إلى المنصور بهذا المنطق الرخيص الذي هو منطق العملاء والعبيد، فإنّه ينم عن نفس طبع عليها الخنوع والنفاق، والتفت المنصور إلى ابن أبي ذئب (2)

هو محمّد بن عبدالرحمن القرشي العامري المدني الفقيه. قال أحمد بن حنبل : «كان ابن أبي ذئب أفضل من مالك، إلّا أن مالكاً أشدّ تنقية للرجال منه».

وقال الواقدي : «إنّه من أورع الناس وأفضلهم».

ولد سنة ثمانين، وكان قوّالاً بالحق لا يهاب السلطة، فقد دخل المهدي مسجد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فلم يبق أحد من الناس إلا قام له إجلالاً وتكريماً سوى ابن أبي ذئب، فقيل له : قم فهذا أمير المؤمنين. قال : إنّما يقوم الناس لربّ العالمين. توفي سنة 159ه-. تذكرة الحفاظ : 1: 179 – 181.

قائلاً له : ناشدتك اللّه، أى الرجال أنا عندك ؟

فانطلق مجيباً له كالأسد الهادر لم يخفه ذلك المنظر الرهيب، ولم يخش بأس تلك السلطة الجائرة، فقد كان يملك ضميراً حياً، ورصيداً قوياً من الإيمان والعقيدة قائلاً له : أنت واللّه عندي شرّ الرجال، استأثرت بمال اللّه ورسوله، وسهم ذوي


1) الحجرات 39: 6.

2) ابن ابی ذئب :

القربى واليتامى والمساكين، وأهلكت الضعيف، وأتعبت القوي، وأمسكت أموالهم، فما حجتك غداً بين يدي اللّه.

وما وسع المنصور أمام لسع الحق إلا أن يغضب ويصيح : ويحك ! ما تقول، أتعقل ؟ انظر أمامك، وأشار إلى الجلّادين.

فانبرى إليه مبيناً له عدم اعتنائه بهم قائلاً: نعم، قد رأيت أسيافاً، وإنما هو الموت، ولا بدّ منه عاجله خير من أجله.

وقام عنه، وقد حطم كيانه بهذه الصراحة التي انبعثت عن ضمير حيّ (1).

4 - عبدالرحمن بن زیاد

ووفد عبدالرحمن بن زياد الأفريقي على المنصور، فأقام بباب بلاطه شهراً لا يمكنه من الدخول عليه، ثمّ أذن له، فلمّا استقر به المجلس قال له : ما أقدمك ؟

• ظهر الجور ببلادنا فجئت لأعلمك، فإذا الجور يخرج من دارك، ورأيت أعمالاً سيّئة، وظلماً فاشياً ظننته لبعد البلاد منك، فجعلت كلّما دنوت منك كان الأمر الأعظم.

فالتاع المنصور من كلامه وأمر بإخراجه (2).

ووفد عليه مرّة أخرى فقال له : كيف سلطاني من سلطان بني أميّه ؟

•

ما رأيت في سلطانهم من الجور شيئاً إلا رأيته في سلطانك

•

إنّا لا نجد الأعوان.

•

إنّ عمر بن عبد العزيز قال : إن السلطان بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها، فإن كان يراً أتوه ببرهم، وإن كان فاجراً أتوه بفجورهم.


1) الإمامة والسياسة : 2: 185 - 187.

2) تاریخ بغداد : 10: 215.

فأطرق المنصور ولم يفه بشيء (1).

5 - مصلح كبير

وأعظم ناقد للمنصور قام بدوره بنقد سياسته التي لا تتّفق مع الحقّ والعدالة هو مصلح كبير ضنّ التاريخ بالتصريح باسمه، فقد أوقف المنصور على جرائمه، وحاسبه على أعماله، وهذا نصّ حديثه، بينما كان المنصور يطوف بالبيت إذ انطلق إليه ذلك الرجل وهو يقول :

اللّهمّ إنّي أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع.

فوقعت هذه الكلمات كصاعقة على رأس المنصور الطاغية الجبار، فلما فرغ من طوافه أمر بإحضاره، فلما مثل بين يديه سأله عن قوله فطلب منه الأمن وعدم التعرّض له إن كشف الحقيقة وأدلى بالحق، فآمنه المنصور ؟

فقال له : إنّ من دخله الطمع حتّى حال بين الحق وأهله هو أنت يا أمير المؤمنين.

ويحك ! وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء عندي والحلو والحامض في قبضتي !!

• إنّ اللّه استرعاك للمسلمين وأموالهم فجعلت بينك وبينهم حجاباً من الجصّ والآجر، وأبواباً من الحديد، وحجّاباً معهم الأسلحة، وأمرتهم أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان، ولم تأمر بصلة المظلوم ولا الملهوف، ولا الضعيف ولا الفقير، ولا الجائع ولا العاري، وما منهم إلا وله في هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيّتك يجبى لك الأموال فلا تعطيها

وتجمعها فلا تقسمها، قالوا : هذا قد خان اللّه تعالى فما لنا لا نخونه، وقد سخر لنا


1) تاريخ الخلفاء : 268.

نفسه، فأنفقوا على أن لا يصل إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلّا أقصوه ونفوه حتّى تسقط منزلته، ويتّضع قدره، فلما اشتهر هذا عنك وعنهم عظمهم الناس وهابوهم، فكان أوّل من صانعهم عمّالك بالهدايا ليقووا بهم على ظلم رعيّتك.

ثمّ فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيّتك لينالوا بهم ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد اللّه بالطمع ظلماً وفساداً، وصار هؤلاء شركاؤك في سلطانك وأنت غافل، فإن جاء متظلّم حيل بينه وبين الدخول إليك، فإن أراد رفع قصته إليك وجدك قد منعت من ذلك، وجعلت رجلاً ينظر في المظالم فلا يزال المظلوم يختلف إليه وهو يدافعه خوفاً من بطانتك، وإذا صرخ بين يديك ضرب ليكون نكالاً لغيره، وأنت تنتظر ولا تفكر، فما بقاء الإسلام على هذا.

فإن كنت يا أمير المؤمنين إنّما تجمع الأموال لولدك فقد أراك اللّه في الطفل يسقط من بطن أمه وما له في الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحتويه، فلا يزال اللّه يلطف بذلك الطفل حتّى يكثر ماله، وتعظم رغبة الناس إليه، ولست الذي تعطي، وإنّما اللّه الذي يعطي من يشاء بغير حساب، وإن كنت إنما تجمع المال لتشييد الملك وتقويته، فقد أراك اللّه في بني أميّه ما أغنى عنهم ما جمعوه من الذهب والفضة، ولا ما أعدّوه من الرجال والسلاح والكراع حين أراد اللّه تعالى بهم ما أراد، وإن كنت إنما تجمع المال لطلب غاية هى أجسم من الغاية التي أنت فيها، فواللّه ما فوق ما أنت فيه منزلة إلّا منزلة لا تنال بخلاف ما أنت عليه (1).

وقد كشف هذا الناقد العظيم بهذا التصريح عن جميع ما يعانيه المسلمون من الظلم والجور الذي صبّه عليهم المنصور وعملاؤه الخونة الذين نهبوا ثروات الأُمّة، وحجبوا عن المنصور أخبار الرعيّة وما تعانيه من الضغط والجور، فإذا فزع إليه


1) مختصر أخبار الخلفاء : 17 و 18.

مظلوم حالوا بينه وبين الدخول عليه، وإذا رفع عقيرته بالشكاية والاستغاثة نكّلوا به ليكون عبرة للغير، والمنصور قد حجب نفسه عن الرعيّة لا يهتم بصالحها، لا يفكّر في رفع مستواها، قد عكف عن كنز الأموال وادّخارها فلم ينفق منها شيئاً على المسلمين.

6 - عمرو بن عبيد

واجتمع بالمنصور عمرو بن عبيد (1)

شيخ المعتزلة في عصره، وأحد الزهاد المشهورين، كان جدّه من سبي فارس، وأبوه نساجاً، ثمّ شرطيّاً للحجاج في البصرة، واشتهر عمرو بعلمه وزهده، وفيه قال المنصور :

كُلُّكُمْ يَطلُبُ صَيْد***غَيْرُ عَمْرُو بْنِ عُبَيْد

له رسائل وخطب وكتب منها التفسير، والردّ على القدريّة. توفّي بالقرب من مكّة، ورثاه المنصور، ولم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه. الأعلام : 5 : 252.

فقال له بكل جرأة وإقدام : إنّه ما عمل وراء بابك بشيء من كتاب اللّه ولا سنّة نبيه.
•

فما أصنع ؟ قد قلت : خاتمي بيدك، فتعال أنت وأصحابك فاكفني.

•

ادعنا بعدلك تسخ أنفسنا بعونك، إنّ ببابك ألف مظلمة اردد منها شيئاً نعلم أنّك صادق (2).

ولم يجد الوعظ والإرشاد مع المنصور، فقد ظل متمادياً في جوره وطغيانه لم يحذر من عقاب اللّه، ولم يخف من اليوم الآخر.

الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع المنصور

وشاهد الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميع الرزايا والنكبات التي حلّت بأهل بيته وأسرته،


1) عمرو بن عبيد البصري :

2) عيون الأخبار: 2 : 337.

فانطوت نفسه على الحزن العميق، والأسى المرير، وقد صبر محتسباً كاظماً للغيظ.

ولم يشترك الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الميادين السياسيّة فلذاكف عنه المنصور الأذى والمكروه، وقد طلب منه أن يمثله في يوم النوروز وينوب عنه في قبض الهدايا والتحف التي اعتاد الوجوه والأشراف وزعماء الجيش تقديمها إلى الخليفة، فقد سنّ ذلك معاوية بن أبي سفيان في الإسلام وسار على منواله وخطته الملوك من بعده، وقد امتنع (عَلَيهِ السَّلَامُ) من إجابته قائلاً : إِنِّي قَدْ فَتَشْتُ الْأَخْبَارَ عَنْ جَدِّي رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَلَمْ أَجِدْ لِهَذَا الْعِيدِ خَبَراً، وَإِنَّهُ سُنَّةٌ لِلْفُرْسِ قَدْ مَحاها الْإِسْلامُ، وَمَعَاذَ اللّه أَنْ نُحْيِيَ ما مَحاهُ الْإِسْلامُ.

فلم يعتن المنصور بعدم مشروعيته، وأصر على الإمام أن ينوب عنه لأنّ في ذلك مجاراة لجنوده الفرس الذين اعتادوا على الاحتفال بهذا اليوم، ولم يجد الإمام بداً من إجابته، فجلس في مكانه ودخل عليه الوجوه الزعماء يهنئونه ويحملون له الهدايا والتحف، وعلى رأسه شخص من قبل المنصور يسجّل ما يصل إليه، وفي الوقت دخل على الإمام شيخ طاعن في السن، رثّ الهيئة، وهو يحمل له هدية أثمن من الجوهر وأغلى من جميع ما قدّم له، فوقف قبال الإمام وهو يقول : يا سيدي، إنّي رجل صعلوك لا مال لي لأتحفك به، ولكني أتحفك بأبيات ثلاث قالها جدّي في جدّك الحسين.

• مَرْحَباً بِكَ وَبِهَدِيَّتِكَ، اتْلُ مَا قالَ :

فانطلق يقول :

عَجِبْتُ لِمَصْقُولٍ عَلاكَ فَرِنْدُهُ***يَوْمَ الهِياجِ وَقَدْ عَلاكَ غُبارُ

وَلأَسْهُم نَقَذَتْك دون حَرائرٍ***يَدعونَ جَدَّكَ وَالدُّموعُ غِزارُ

أَلَّا تَضَعْضَعَتِ السِّهامُ وَعاقها***عَنْ جِسْمِكَ الْإِجلالُ وَالْإِكْبارُ

فانقلبت مسرّات ذلك اليوم إلى مأتم حافل بالأسى والحزن على سيّد

الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والتفت إليه الإمام وقد استولى عليه الشجى والحزن قائلا له : قُبِلَتْ هَدِيَّتُكَ، اجْلِسْ بارَكَ اللّه فيك.

ثم إنه رفع رأسه إلى الخادم فقال له : امْضِ إِلَى الْمَنْصُورِ وَعَرَّفْهُ بِهذا الْمَالِ وَما يُصْنَعُ بِهِ، فمضى إلى المنصور وأخبره بمقالة الإمام، فقال له : جميع ما وصل فهو هدية له، فقفل راجعاً إلى الإمام وأخبره بالأمر.

فوهب (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميع تلك الأموال الضخمة إلى الشيخ الذي رثى سيّد الشهداء بهذه الأبيات الرقيقة كرامة لجدّه (1).

ولم تصرّح هذه الرواية أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أي بلد أقام ممثلاً عن المنصور، هل في يثرب أم في بغداد، فقد أهملت هذه الجهة مضافاً إلى ما عرف به المنصور من البخل والشح، وهذا ممّا يوجب الريبة في الرواية.

هلاك المنصور

وقرّر المنصور السفر إلى مكّة، واعتقد أنه سيهلك في سفره، وقد هام في تيار من الهواجس والأفكار، فكان يقول : إنّي ولدت في شهر ذي الحجّة، وتولّيت الخلافة في ذي الحجّة، وأهجس في نفسي أنّي أموت في ذي الحجّة هذه السنّة (2).

وقد عهد بأمره إلى ولده المهدي، ونصبه ملكاً من بعده، وقد أوصاه بهذه الوصية التي كشفت جانباً كبيراً من سياسته الارهابية التي أشاعت الفقر والخوف والسجون بين المسلمين.

فقد جاء فيها : «إنّي تركت بعض المسيئين من الناس ثلاث أصناف فقيراً لا يرجو إلا غناك، وخائفاً لا يرجو إلّا أمنك، ومسجوناً لا يرجو الفرج إلا منك،


1) مناقب آل أبي طالب : 2 : 380. بحار الأنوار : 48: 108.

2) الكامل في التاريخ : 5: 43.

فإذا وليت فأذقهم طعم الرفاهية، لا تمدد لهم كلّ المد. وقد جمعت لك من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلي، وجمعت لك من الموالي ما لم يجمعه خليفة قبلي، وبنيت لك مدينة لم يكن في الإسلام مثلها» (1).

إنّه لم يترك بعض المسيئين من الناس على ثلاثة أصناف، وإنّما ترك الناس جميعاً كذلك، فقد روعهم بخوفه، وسلبهم الأمن والدعة، ونشر الفقر والمجاعة بينهم، وملأ السجون بالأحرار والمصلحين.

وسار موكبه من بغداد يطوي البيداء، فلمّا بعد عن الكوفة عرض له وجعه على أشدّ ما يكون، وأخذت الهواجس تنتابه في الطريق، فجعل يقول للربيع : بادر بي إلى حرم ربّي وأمنه هاريا من ذنوبي.

وبلغ المرحلة الأخيرة من طريقه، فقال له الربيع : قد وصلنا (بئر ميمون) وقد دخلنا الحرم، فقال له المنصور : الحمد للّه، فهل لك أن توصلني إلى الكعبة ؟ !

وثقل حاله فلم يتمكّن الربيع أن يواصل السير فأقام هناك، ومنع الناس من الدخول عليه، وفي فجر يوم السبت لست خلون من ذي الحجّة سنة 158ه- هلك الطاغية الجبّار الذي أذاق الناس جميع صنوف الظلم والخوف.

لقد انطوت تلك الصفحة الحافلة بالجور والإثم والموبقات، فلم يعهد المسلمون في جميع مراحل تاريخهم حاكماً أظلم ولا أعنف ولا أقسى من المنصور.

وكان عمر الإمام موسى الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) آنذاك ثلاثين سنة، وقد قضى زهرة حياته في عهد هذا الطاغية وهو مكلوم القلب، حزين النفس، قد طافت به الآلام حزناً على المسلمين وجزعاً على ما لاقاه العلويّون من التنكيل والعذاب الأليم، وهنا نودعه لنلتقي به في عهد المهدي.


1) تاريخ اليعقوبي : 3 : 349.

في عَهْدِ الْمَهدِي

إشارة:

استقبل العالم الإسلامي حكومة المهدي بمزيد من الأفراح والمسرّات، وذلك لما لاقاه في عهد المنصور من الشدّة والصرامة والجور في الحكم، فقد انتهت بموته، فالمهدي ألين جانباً من أبيه، فقد عرف بالسخاء، وبسط الكف، وعدم القسوة والغلظة.

وحينما استقل المهدي على دست الحكم أصدر مرسوماً ملكيّاً بالعفو عن جميع المعتقلين والمساجين السياسيين سوى من كان في عنقه دم أو كان ذا فساد في الأرض، كما ردّ جميع الأموال المنقولة وغير المنقولة التي صادرها أبوه ظلماً وعدواناً إلى أهلها.

فردّ على الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما صادره أبوه من أموال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويعود السبب في جميع ذلك إلى أنّه قد تلقى الملك على جانب عظيم من الاستقرار والطمأنينة، بالإضافة إلى ذلك فإنّه ظفر بثراء عريض جهد في جمعه أبوه المنصور، فقتر على نفسه وعلى الأُمّة، فلم ينعم هو ولا المجتمع بخيرات ذلك المال الكثير.

ومن المؤسف أنّ المهدي قد أنفق جميع الثروات الضخمة على اللهو والمجون والهبات للعملاء والماجنين، ولم تستفد الطبقة الضعيفة منها شيئاً، فإنّه لم يرفّه عليها بشيء، فلم يكن له هم إلّا إشباع شهواته، والإسراف في البذخ والترف والمجون.

وعلى أي حال، فإنّ المهدي لا يقاس بأبيه، فقد خالفه بأغلب صفاته وأعماله،

إلّا أنّه ورث منه العداء العارم للعلويّين وشيعتهم، فقد كان يبغضهم بعضاً شديداً، لقد ورث ذلك من أبيه المنصور الذي كان يعتقد أن لا بقاء له في الحكم والسلطان إلّا بالقضاء على العلويّين وشيعتهم.

ونعرض فيما يلي إلى نزعاته وأعماله، وما لاقاه الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهده :

خلاعته ومجونه

والخلافة الإسلاميّة ظلّل اللّه في الأرض، فلابدّ أن تمثّل أهداف الإسلام وواقعه وهديه، ولا بدّ أن تصان من العبث والمغريات، وتنزّه عن اللهو والمجون، ولكنّ حكام الأمويّين والعبّاسيّين لم يؤثر عن الكثيرين منهم أنهم قد ابتعدوا عما حرمه اللّه من المنكر واللهو، فقد حوّلوا الخلافة الإسلاميّة إلى مسارح للرقص واللذة والفساد، ولو أنّهم خلعوا عن نفوسهم ثوب الخلافة لصانوا الإسلام وحافظوا على مثاليته.

وشاع اللهو في عهد المهدي وانتشر المجون، وسادت الميوعة والتحلّل بين الناس، فقد ذاع شعر بشّار، وحفظ الناس تغزله بالنساء، وقد ضجّ الأشراف والغيارى من ذلك، ودخل على المهدي يزيد بن منصور فطلب منه أن يوقف بشاراً عند حده ويمنعه من الغزل بالمكشوف، فاستدعاه المهدي ونهاه عن ذلك، وإليه يشير بشّار بقوله :

قَدْ عِشْتَ بَيْنَ الرِّيحانِ وَالرُّوحِ وَال***زهر في ظل مَجلِسٍ حَسَنِ

وَقَدْ مَلَاتَ البِلادَ ما بَينَ فَغْ***فور إلى القيروانِ فَاليَمَنِ(1)

بِشِعرٍ تُصَلِّي لَهُ العَوانِقُ وَالثّي***بُ صَلاةَ الغُواةِ لِلْوَثَنِ

ثمّ نهانى المَهدِي فَانْصَرَفَتْ***نفْسي صَنيعَ المُوَفِّقِ اللقِنِ


1) فغفور : من ملوك الصين.

فَالْحَمْدُ للّه لا شَريكَ لَهُ***لَيسَ بِباقٍ شَيْءٌ عَلى الزَّمَنِ

ومع ذلك فقد ظلّ بشار يتغزل ويمجن من طريق خفيّ، وفي ذلك يقول :

يا مَنْظَراً حَسَناً رَأَيتُهُ***مِنْ وَجْهِ جَارِيَةٍ فَدَيتُهُ

بَعَثَتْ إِلَيَّ تَسومني***ثُوبَ الشَّبابِ وَقَدْ طَوَيتُهُ

وَاللّه رَبِّ محمّد***ما إِنْ غَدَرتُ وَلَا نَوَيتُهُ

أَمْسَكْتُ عَنْهُ وَرُبَّما***عَرَضَ الْبَلاءُ وَما ابْتَغَيْتُهُ

إِنَّ الخَليفَةَ قَدْ أبن***وَإِذا أَبي شَيْئاً أَبَيتُهُ

ونَهانِي المَلِكُ الهما***مُ عَنِ النِّساءِ فَما عَصَيتُهُ

بَلْ قَدْ وَفَيتُ وَلَمْ أَضَعْ***عَهْداً وَلا أياً وَأَيْتُهُ (1)

وَأَنَا الْمُطِلُ عَلَى العِدَى***وَإِذا غَلا الحَمْدُ اشْتَرَيتُهُ

وتشوقنى بيتُ الحَبي***ب إِذا غَدَوتُ وَأَينَ بَيتُهُ

حالَ الخَليفَةُ دونَهُ***فَصَبَرْتُ عَنهُ وَما قَلَيتُهُ

ويقول أيضاً:

دَفَنتُ الهَوى فَلَستُ بِزائِرٍ***سُلَيْمى وَلَا صَفراء ما فَرقَرَ الْقَمْري

تَرَكْتُ لِمَهدِي الصَّلاةَ رِضاً بها***وَراعَيْتُ عَهِداً بَينَنا لَيسَ بِالخَترِ (2)

ولولا أميرُ المُؤْمِنينَ محمّد***لَقَبَّلْتُ فاها أَوْ لَكَانَ بها فطري

لَعَمْرِي لَقَدْ أَوقَرْتُ نَفسي خَطِيئَةً***فَما أَنَا بِالمُزْدَادِ وِقْراً عَلَى وِقْري(3)


1) الوأى : الوعد.

2) الختر : الغدر والخديعة.

3) تاریخ :بغداد 7: 120. ضحى الإسلام : 1 : 112 - 114.

لقد ضيّق عليه في بادئ الأمر، ثمّ أطلق سراحه، ولكنه انجرف هو بتيّار من المجون والدعارة، ويعتبر المؤسس الأوّل للهو في دولة بني العبّاس

يقول الجاحظ : «إنّه احتجب بادئ ذي بدء عن المغنّين، ثمّ قال : إنّما اللّذة في مشاهدة السرور في الدنو ممّن سرّني، فأما من وراء فما خيرها ولذتها ؟ (1).

وبلغه حسن صوت إبراهيم الموصلي وجودة غنائه، فقربه إليه وأعلى من شأنه (2)

ولما أقبل على المجون واللهو ظنّ الناس به الظنون واتهموه بشتى التهم، وإلى ذلك يشير بشار بن برد العقيلي في هجائه له :

خلليفةٌ يَزْني بِعَمَّاتِهِ***يلعبُ بِالدِّفّ وَبِالصَّوْلَجان

أَبْدَلَنَا اللّه بِهِ غَيرَهُ***وَدَسَّ مُوسَى فِي حَرِ الخَيزران (3)

وذكر الجاحظ أنّه كان يحبّ القيان وسماع الغناء، وكان معجباً بجارية يقال لها (جوهر) كان قد اشتراها، وله فيها شعر (4).

وكان مولعاً بشرب الخمر حتّى نهاه عن ذلك وزيره يعقوب بن داود قائلا له : أبعد الصلاة في المسجد تفعل هذا ؟ فلم يلتفت لنصحه، وقد سمع بذلك بعض الشعراء الماجنين فحبّذ له الاستمرار في شربها وعدم الاعتناء بقول وزيره قائلاً:

فَدَعْ عَنكَ يَعقوب بن داوود جانباً***وَأَقْبِلْ عَلى صَهباءَ طَيِّبَةِ النَّشْر (5)


1) التاج : 35.

2) الأغاني 5 : 5.

3) شذرات الذهب : 1 : 265.

4) أخلاق الملوك : 34.

5) الفخري : 167.

لقد أطلق المهدي العنان لشهواته وملذّاته ومجونه، حتّى نشأ ولده إبراهيم وبنته علية على ذلك، فكان إبراهيم شيخ المغنّين، وعليّة في طليعة المغنيات والعازفات في بغداد.

بذخه وإسرافه

وأسرف المهدي على شهواته جميع ما تركه المنصور من الأموال الطائلة التي نهبها من المسلمين، فقد صرفها المهدي على الملذّات والمجون وترك المجتمع يئنّ من آلام الفقر والبؤس، وقد بذخ المهدي بذخاً كثيراً بهر الناس به.

وأهم صورة لبذخه وإسرافه كانت في تزويجه لولده هارون بالسيّدة زبيدة، فقد احتفل احتفالاً كبيراً، وأنفق عليه من أموال المسلمين خمسين ألف ألف درهم، وقد أقام الدعوة في قصر الخلد على ضفاف دجلة، ووجه الدعوة إلى الناس قبل شهور، فدعا جميع الآفاق، فأقبلوا مبادرين، وقد منّوا أنفسهم بالأموال الطائلة، فنزلوا ضيوفاً عند المهدي، وقد أتى بالآلات المختلفة، فكان منها أوانٍ صُنعت بالذهب والفضّة، وكانت الفرش والبسط أرمنية فاخرة، قد ظفر بها العبّاسيّون حينما استولوا على مقدّرات الدولة الأمويّة، وكانت تلك البسط من تراث الوليد بن يزيد، وكان مغرماً بها، فكان يزيّن بها أرض مجلسه وحيطان قصوره، وكانت أفخر ما أهدي للخلفاء، وقد قال عنها الرحالة (ماركو بولو) : «لم ترَ عيني أجمل ولا أجود منها».

وأتى أيضاً بالثياب المطرزات بالذهب، وبالطيب المختلف الألوان والضروب، وبالجوهر الذي ملأ به الصناديق الكبار، وبالحلي المرتفعات الأثمان، وملأ القصر بأجمل الوصائف والخدم والغلمان.

فلمّا كانت ليلة الزفاف، البست زبيدة قميصاً كله من الدرّ الكبار، ما لم ير مثله، ولم يقف أحد من المقيّمين له على قيمة له لنفاسته، وألبستها بدنة امرأة هشام بن عبد الملك، والبدنة ثوب كلّه من الذهب. لا يدخل فيه من الغزل سوى الغزل سوى أوقيتين

وينسج سائره بالذهب، وزينتها الحليّ حتّى لم تقدر على المشي لكثرة ما عليها من الجوهر.

ويقول (منز) : «إنّ هذا شيء لم يسبق إليه أكاسرة الفرس، ولا قياصرة الروم، ولا ملوك الغرب».

وجاءت نساء بني هاشم، فكان يدفع لكلّ واحدة منهنّ ثوب وشي، وكيس فيه دنانير، وآنية ملأى بالفضة، وكان الخدم يملأون أواني الذهب بالدراهم وأواني الفضّة بالدنانير، ثمّ يدفعون ذلك إلى وجوه الناس، ويردفونه بنوافج المسك وقطع العنبر (1).

وذكر الشابشتي في كتابه (الديارات) أنّ المهدي لما زوج ابنه الرشيد بأمّ جعفر ابنة أخيه استعدّ لها ما لم يستعد لامرأة قبلها من الآلة وصناديق الجوهر والحليّ والتيجان والأكاليل وقباب الفضّة والذهب والطيب، وأعطاها بدنة عبدة امرأة هشام، قال : ولم ير في الإسلام مثلها، ومثل الحبّ الذي كان فيها، وكان في ظهرها وصدرها خطّان من ياقوت أحمر، وباقيها من الدرّ الكبار الذي لا يوجد مثله (2).

ويقال : إنّ المقيمين لم يقفوا على قيمة هذا الدرّ لنفاسته (3).

هذه صورة من صور البذخ والاستهتار بأموال المسلمين التي احتاط بها الإسلام أشد الاحتياط، وألزم بإنفاقها على المصالح العامّة، وحرّم على ولاة الأمور أن يصطفوا لأنفسهم منها أي شيء.

ومن بذخه واستهانته بأموال الدولة أنه اشترى فصاً من ياقوت أحمر كان في غاية النفاسة بثلاثمائة ألف دينار، وكانت الأموال أكياساً، فلما نضد بعضها على بعض


1) بين الخلفاء والخلعاء : 25 و 26، نقلاً عن الديارات - دير السوسي.

2) الديارات : 100.

3) تحفة العروس : 36.

صارت كالجبل، ولما استلمه وهبه لولده الهادي (1).

وبهذا نقف على مدى إسرافه وتبذيره، ومن يستطيع يا ترى في ذلك العصر أن يجابه الخليفة بالنقد، ويقول له إنّ تلك الأموال ملك للأمة وليس له فيها أي نصيب، ولا حق له في التصرّف بها.

نفوذ المرأة

والمرأة بطبيعتها تدفعها تيّارات العواطف إلى تحقيق رغباتها، فكيف يصح لها أن تتصرّف في أمور المجتمع، وقد شعر بذلك المنصور والسفاح فإنّهما لم يدعا أي مجال للمرأة بالدخول في الشؤون السياسيّة، ولكن لما ولى الخلافة المهدي بدا سلطان المرأة ينفذ، فإنّ زوجته الخيزران كان لها سلطان ونفوذ قوي على القصر والندماء والحجاب والأطباء وغيرهم، فكانت تقرّب من تشاء، وتبعد من تشاء، وقد أخذت في مناكدة بختيشوع بن جورجيس الطبيب الشهير، فأرغمت المهدي على إعادته إلى جند يسابور (2).

ومنذ ذلك اليوم أخذ نفوذ المرأة يزداد ويقوى حتّى بلغ أوجه في أواسط الدولة العبّاسيّة وآخرها، الأمر الذي أدّى إلى شيوع الاضطراب وعدم الاستقرار بين الناس.

الرشوة والظلم

وانشغل المهدي بلهوه وملذاته عن رعيّته، فأهمل شؤونها، فأخذ ذئاب عمّاله ينهبون الأموال ويسلبون الثروات، وانتشرت الرشوة انتشاراً هائلاً عند جميع الموظفين، خصوصاً في إقليم مصر، فقد كان الوالي عليه موسى بن مصعب، فشدّد


1) الجماهير : 61.

2) أخبار الحكماء / القفطي : 101.

في أخذ الخراج، وزاد على كلّ فدان ضعف ما تقبل به، وجعل الخراج على أهل الأسواق والدواب، وعمد إلى الرشوة في الأحكام، وإلى ذلك يشير الشاعر بقوله :

لَوْ يَعلَمُ المَهدِى ماذا الذى***يَفعَلُهُ مُوسى وَأَيُّوبُ

بِأَرضِ مِصرَ حِينَ حَلَا (1)بِها***لَمْ يُتَّهَمْ فِي النُّصْحِ يَعقوبُ (2)

وقد عمد المهدي نفسه إلى ظلم الناس والاجحاف بحقوقهم، فقد أمر بجباية أسواق بغداد، وجعل الأجرة عليها (3)، وقد اشتد الضغط على المواطنين، ونال أهل الخراج من الشدة والعذاب ما وصل إلى حد لا سبيل إلى تصويره (4).

وإن رفع عقيرته شاكياً أو مستغيثاً فمصيره إلى القبور أو إلى السجون.

العناية بالوضّاعين

وقرّب المهدي طائفة من علماء السوء الذين لم تتهذّب ضمائرهم بتعاليم الدين، فراحوا يؤيدون الظالمين ويسبغون عليهم الألقاب الحسنة، والنعوت الشريفة، تقرّباً إليهم، وطمعاً في دنياهم، وقد نسوا المثل العليا التي جاء بها الإسلام، فانساقوا وراء الطمع والجشع، وتهالكوا على المادة، وصعروا جباههم أمام الملوك والسلاطين، فأحاطوهم بهالة من التقديس والتعظيم، وأبرزوهم إلى المجتمع أنّهم يمثلون إرادة اللّه، وأن الخطأ لا يتطرّق إليهم، هؤلاء هم الذين فتكوا بالإسلام وشوهوا معالمه.

وقد قرّب المهدي جماعة من هؤلاء العبيد، فأخذوا ينمقون الأباطيل، ويلفّقون


1) وفي نسخة : «خلا».

2) الولاة وكتاب القضاة : 125.

3) تاريخ اليعقوبي : 3 : 134.

4) الوزراء والكتاب : 103.

الأكاذيب في مدح المهدي والثناء عليه، وهم أمثال أبي معشر السندي الذي هو أكذب إنسان تحت السماء (1)، وكغياث بن إبراهيم الذي عرف هوى المهدي في الحمام وعشقه لها، فحدّثه عن أبي هريرة أنه قال : «لا سبق إلا في حافر أو نصل، وزاد فيه أو جناح».

فأمر له المهدي عوض افتعاله للحديث بعشرة آلاف درهم، ولما ولّى عنه قال لجلسائه : أشهد أنه كذب على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ما قال رسول اللّه ذلك، ولكنّه أراد أن يتقرب إلىَّ (2).

و مع علمه بكذبه على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقد أوصله وأعطاه، وبذلك فقد شجّع حركة وضع الحديث، وعمل على تنميتها، وهي من أعظم الكوارث التي مني بها الإسلام، فقد أوجبت الحطّ من شأنه، وإدخال كثير من الخرافات فيه، وسنذكر ذلك بمزيد من البيان عند عرض مشكلات عصر الإمام.

عداؤه للعلويّين

إشارة:

وورث المهدي من أبيه المنصور العداء الشديد للعلويّين وشيعتهم، فقد أترعت نفسه بالبغضاء والكراهية لهم، ويعود السبب في ذلك إلى أنّ العبّاسيّين لم يكن لهم أي حق في الحكم، فإنّ الثورة على الحكم الأموي إنّما قامت من أجل العلويّين حماة العدل والحقّ في الإسلام.

لقد كانت الثورة تحمل طابع التشيّع وواقعه، فقد اتخذه الثوّار شعاراً لهم. فناضلوا من أجله، وقد انضم العبّاسيّون إلى الدعوة على هذا الأساس وآية ذلك أنّ المهدي دخل على أبي عون وهو من أعز أصحابه وأثرهم عنده عائداً له، وطلب منه


1) تاریخ بغداد : 6: 346.

2) تاریخ بغداد : 2 : 193.

المهدي أن يعرض عليه حوائجه ليقوم بقضائها، فقال له أبو عون : حاجتي أن ترضى عن ولدي عبد اللّه فقد طالت موجدتك عليه.

•

يا أبا عبداللّه، إنّه على غير الطريق، وعلى خلاف رأينا ورأيك، إنّه يقع في الشيخين ويسيء القول فيهما.

•

هو واللّه يا أمير المؤمنين على الأمر الذي خرجنا عليه، ودعونا إليه، فإن كان قد بدا لكم فمرونا بما أحببتم حتّى نطيعكم (1).

وهذه البادرة تدل بوضوح على أنّ الثورة على الحكم الأموي إنّما كانت شيعية بجميع أبعاد هذه الكلمة، وهناك بادرة أخرى تدلّ على ذلك فقد بعث القاسم بن مجاشع بوصيّته إلى المهدي ليشهد فيها، وقد جاء فيها : ««شَهِدَ اللّه أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّه الْإِسْلَامُ» (2)، يشهد بذلك، ويشهد أن محمّداً عبده ورسوله، وأن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصيّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، و وارث الإمامة من بعده» (3).

فلما قرأ المهدي الفقرات الأخيرة من الوصيّة رماها من يده ولم ينظر في باقيها (4).

لقد آمن بذلك خواص بني العبّاس، واعتقدوا جازمين أن الثورة إنّما قامت من أجل التشيّع، إلا أنّ العبّاسيّين الذين اختلسوا الحكم قد انحرفوا عنها من أجل أطماعهم وبقائهم على دست الحكم.

وعلى أي حال، فإنّ المهدي كان يكن في أعماق نفسه البغض الشديد للعلويّين، أمّا مظاهر ذلك العداء فهي :


1) تاريخ الأمم والملوك : 6: 401، أحداث سنة 169ه-. تاريخ مدينة دمشق : 37 : 181.

2) آل عمران 3 : 18 و 19.

3) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 397. الكامل في التاريخ : 6: 84.

4) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 397.

إغداق الأموال على انتقاصهم

وصرف المهدي الأموال الضخمة على انتقاص أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) والحطّ من شأنهم، وقد عرف فريق من الشعراء المرتزقين أن الوسيلة في ثرائهم انتقاصهم لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، والمبالغة في ذمّهم، فراحوا يلفّقون الأكاذيب في هجائهم، ومن جملة هؤلاء العبيد بشار بن برد المعروف بالزندقة والإلحاد، فقد دخل على المهدي وأنشده قصيدته التي يقول فيها :

يابْنَ الذي وَرِثَ النَّبِئ محمّداً***دونَ الأَقارِبِ مِنْ ذَوي الأَرْحَامِ

الوَحْيُ بَينَ بَني البَناتِ وَبَينَكُمْ***قَطْعُ الخِصَامِ فَلَاتَ حِينَ خِصَامِ

ما لِلنِّساءِ مَعَ الرِّجالِ فَريضَةٌ***نَزَلَتْ بِذلِكَ سورَةُ الأَنْعَامِ (1)

أَنَّى يَكونُ وَلَيْسَ ذاكَ بِكائنٍ***لبَني البَناتِ وِراثَةُ الأعمام

فأجازه المهدي على ذلك بسبعين ألف درهم تشجيعاً له ولغيره من باعة الضمير على انتقاص أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ولما سمع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقصيدة بشار تأثّر أشدّ التأثّر ونام ليلته قلقاً متألماً، وقد سمع هاتفاً يتلو عليه أبياتاً تعارض أبيات بشار وهي :

أنَّى يَكونُ وَلا يَكونُ وَلَمْ يَكُنْ***لِلمُشْرِكِينَ دَعائِمُ الإِسْلامِ

لِبَني البَناتِ نَصِيبُهُمْ مِنْ جَدِّهِمْ***وَالعَمُّ مَتروك بِغَير سهام

ما للطليق وللتُراث وإنَّما***سَجَدَ الطَّليقُ مَخافَةَ الصُّمصام

ويقى ابنُ شَكِلَةَ واقفاً مُتَلدِّداً***فيهِ وَيَمْنَعُهُ ذُوو الأَرْحامِ

إِنَّ ابْنَ فاطِمَةَ المُنَوَّهُ بِاسمِهِ***حازَ التُّراثَ سوى بَني الأَعْمامِ (2)


1) ليس في سورة الأنعام ما يشير إلى هذا المعنى، بل ليس فيها أي حكم من أحكام الميراث.

2) الاحتجاج / الطبرسي : 214، وقيل : إن الأبيات لمحمّد بن يحيى التغلبي. الشعر في بغداد : 110.

ولمّا شاع ذلك عن المهدي أخذ الشعراء يتقربون إليه في هجاء أهل البيت.

فمنهم مروان بن أبي حفصة، فقد أنشد بين يديه هذه القصيدة التي يقول فيها :

هَلْ تَطْمِسونَ مِنَ السَّمَاءِ نُجومها***بِأَكُنفّكُمْ أَوْ تَستُرُونَ هِلالها

أَوْ تَدفَعُونَ مَقالَةٌ عَنْ رَبِّكُمْ***جبرِيلُ بَلْعَها النبيّ فَقالَها

شَهِدَتْ مِنَ الأَنْفالِ آخِرُ آيَةٍ***بِتُراثِهِمْ فَأَرَدْتُمْ إِبْطالَها

فلمّا سمع ذلك المهدي زحف عن مصلاه حتّى صار على البساط وهو لا يملك نفسه قائلاً له : كم بيت هي ؟

• مائة بيت.

فأمر له بمائة ألف درهم، وقال له : إنّها لأوّل مرّة أعطيها شاعر في خلافة بني العبّاس (1).

لقد وهب هذه الأموال الخطيرة للحطّ من شأن أهل البيت والتقليل من أهمّيتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهو لم ينل مع باقي أسرته مركز الخلافة الإسلاميّة إلّا باسم العلويّين وجهادهم وتضحياتهم.

نكبته لوزيره يعقوب

كان يعقوب بن داود قد أحرز عند المهدي نفوذاً كبيراً حتّى أخلص له في الحب وشاركه في جميع أموره، وقد أعلن ذلك في ديوانه الرسمي.

وفي ذلك يقول سلم الخاسر :

قُلْ لِلإِمَامِ الذي جاءَتْ خِلافَتُهُ***تُهْدي إِلَيْهِ بِحَقِّ غَيرِ مَرْدود

نِعمَ القَرينُ عَلى التَّقْوى أَعَنْتَ***أخوك في اللّه يَعقوبَ بْنَ دَاوُدِ


1) تاریخ بغداد : 13 : 146. وفيات الأعيان : 5: 253.

وغلب يعقوب على أمر المهدي، فكانت جميع أموره بيده يتصرف فيها حيثما شاء، وقد حقد عليه جماعة من أعدائه وحسدوه على هذا النفوذ العظيم، فأهابوا بالمهدي على إبعاده عن منصبه، فلم يقبل ذلك منهم وامتنع من إجابتهم، وجعل حسّاده يعملون شتّى الوسائل لإبعاده عن منصبه، فقد اجتاز المهدي على جدار فرأى قد كُتب عليه هذا البيت :

لِلَّهِ دَرُّكَ يا مَهْدِيُّ مِنْ رَجُلٍ***لولا اتَّخاذكَ يَعقوبَ بْنَ دَاوُدِ

فلم يعتن به، وأمر أن يكتب تحته هذه العبارة : «على رغم الكاتب وأنفه، وتعساً لجدّه»، ولمّا يئس منه أعداؤه جعلوا يستنجدون بني أميّه ويطلبون يقظتهم.

وفي ذلك يقول بشار بن برد :

بنو أُمَيَّةَ هُبّوا طالَ نَومُكُمْ***إِنَّ الخَليفَةَ يعقوبُ بْنُ داوود

ضاعَتْ خِلافَتُكُمْ يا قوم فَالتَمِسوا***خَليفَةَ اللّه بَينَ النّاي والعود (1)

ولما سدّت على مناوئيه جميع الطرق سلكوا طريقاً آخر تمكنوا به من زوال نعمته وإنزال الكارثة به، فقد قالوا للمهدي إنّه يميل للعلويّين، وإنّه من أنصارهم ودعاتهم، وإنّه كان معهم عند قيامهم على أبيه، وكان كاتباً عند إبراهيم بن عبداللّه، وقد خرج مع محمّد في ثورته على المنصور في يثرب.

ولمّا سمع المهدي بهذه النقاط تغيّر وانقلب رأساً على عقب، وهام في تيار من الهواجس والهموم، فأراد اختباره والوقوف على حقيقة حاله، فدعاه إلى بلاطه وقد فرشه بفرش موردة كما لبس ثياباً مورّدة، وعلى رأسه جارية جميلة، وأظهر المهدي السرور والارتياح، وأهدى له جميع ما في ذلك المجلس من الأفرشة الثمينة مع الجارية، وطلب منه مهمة أن يقوم بها، وهي أن يعدم علويّاً أراد التخلّص منه.


1) البداية والنهاية : 2: 10.

فأجابه يعقوب إلى ذلك بعد أن أقسم له بالأيمان المؤكّدة أن يقوم بذلك. وانصرف يعقوب ومعه العلوي، فلمّا استقر في ثوية تكلّم مع العلوي فرآه أديباً كاملاً ناضجاً، وتوسل إليه العلوي بشتى الوسائل أن يعفو عنه ويخلّي سبيله، فأجابه إلى ذلك، وأعطاه أموالاً يستعين بها على دهره ومحنته، وكانت الجارية التي أهداها له المهدي عيناً عليه، فمضت إلى المهدي فنقلت له الحديث بكامله، فأرسل المهدي الشرطة والعيون خلف العلوي حتّى قبضوا عليه.

ولما جاءوا به أخفاه ثمّ أمر بإحضار يعقوب، فلمّا مثل عنده سأله عن العلوي فأخبره بأنّه قد نفّذ فيه حكم الإعدام، فقال له المهدي : إنّه قد مات.

فقال يعقوب : نعم، وطلب منه المهدي أن يضع يده على رأسه ويقسم على ذلك، ففعل.

فقال المهدي لغلام له : أخرج إلينا من في هذا البيت، فأخرج العلوي، فلما رأه يعقوب تحيّر، وامتنع عليه الكلام، فقال له المهدي : قد حلّ لى دمك، ولو آثرت إراقته لأرقته، ثمّ أمر بسجنه مؤبداً في المطبق (1)

وجاء في الفخري : 221 : «إنّ المطبق كانت فيه غرف واسعة وضيّقة، وآبار يسجن فيها، وأنّ يعقوب بن داود قد دلّي بحبل في بئر مظلمة لا يرى فيها ضوء».

وصادر جميع أمواله، وبقى في سجنه حتّى آل الأمر إلى الرشيد، فتوسّط في إطلاق سراحه يحيى بن خالد البرمكي فعفا عنه، فخرج هزيل الجسم مكفوف البصر، قد لبس ثوباً من الذلّ والهوان (2)

وجاء في الفرج بعد الشدّة : 1: 141 : «إن يعقوب بن داود قال : قد بنيت علَيَّ قبة في المطبق، فمكثت فيها خمسة عشر سنة».

.

1) المطبق حبس مظلم كبير بناه المنصور بين طريق البصرة وطريق باب الكوفة، وباسمه سمّي الشارع الذي يقع فيه هذا السجن، وكان متين البناء، قويّ الأساس، وكان من أهمّ سجون بغداد، واستمر إلى عهد المتوكل. بغداد في عهد الخلافة العبّاسية : 34.

2) الوزراء والكتّاب : 119 - 121. الفخري : 161 - 163.

ودلّت هذه البادرة على مدى بغض المهدي للعلويّين وشيعتهم.

مع الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

ولم يتعرّض المهدي في بداية حكمه إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمكروه، ولم ينله بسوء، وقد اكتفى عن التنكيل به بوضع الرقابة الشديدة عليه، ولما شاع ذكره في الأوساط، وذاع صيته لم يملك المهدي غضبه، فعمد إلى اعتقاله، ولكنه سرعان ما أطلق سراحه لأنه قد رأى برهاناً من ربِّه، كما سنذكره، ونعرض بعض البوادر التي جرت للإمام معه مع بيان اعتقاله.

استدلاله على حرمة الخمر

حجّ المهدي بيت اللّه الحرام، وبعد أدائه للمناسك قفل إلى زيارة قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد بذل أموالاً طائلة إلى المدنيين، واجتمع به الإمام، فلما استقر به المجلس وجه للإمام السؤال الآتي : هل الخمر محرّمة في كتاب اللّه ؟ فإنّ الناس إنما يعرفونها، لا يعرفون التحريم.

•

هِيَ مُحَرَّمَةٌ فِي كِتابِ اللّه.

•

في أي موضع هي محرّمة ؟

•

في قَوْلِ اللّه تَعالى: «إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ» (1)، فَأَمَا قَوْلُهُ :«مَا ظَهَرَ» يَعْنِي الزَّنَا الْمُعْلَن، وَأَمَا «الْإِثْمَ» فَإِنَّهَا الْخَمْرَةِ. وَقالَ اللّه تَعَالَى فِي مَوْضِع آخَرَ : «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ» (2)، فَأَما الإِثْمُ في كِتابِ اللّه فَهُوَ الْخَمْرُ


1) الأعراف 7: 33.

2) البقرة 2: 219.

وَالْمَيْسِرُ وَإِثْمُهُما كَبيرٌ كما قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ.

ولم يملك المهدي إلا أن يُبدي إعجابه بالإمام، فالتفت إلى عليّ بن يقطين قائلاً له : هذه فتوى هاشمية.

• صدقت واللّه يا أمير المؤمنين، الحمد للّه الذي لم يخرج هذا العلم منكم أهل البيت.

فلذعه هذا الكلام، فلم يملك صوابه، فاندفع قائلاً: صدقت يا رافضي (1).

تحديد فدك

ولما أعلن المهدي ردّ المظالم إلى أهلها دخل عليه الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرآه مشغولاً بذلك فالتفت إليه قائلاً: ما بالُ مَظْلَمَتِنا لا تُرَدُّ ؟

•

وما ذاك يا أبا الحسن ؟

•

فَدَكْ.

•

حدّها لي؟

•

حَدٌ مِنْها جَبَلُ أحَدٍ، وَحَدٌ مِنْها عَرِيشُ مِصْرَ، وَحَدٌ مِنْها سَيْفُ الْبَحْرِ، وَحَدٌ مِنْها دَوْمَةُ الْجَنْدَل.

•

كلّ هذه حدود فدك ؟

•

نَعَمْ.

فتغيّر المهدي وبدا الغضب على سحنات وجهه، فقد أعلن له الإمام أنّ جميع أقاليم المملكة الإسلاميّة قد أخذت منهم.

فانطلق المهدي قائلاً: هذا كثير، أنظر فيه (2).


1) وسائل الشيعة: 17: 140 و 141.

2) عمدة الأخبار في مدينة المختار : 316.

توسعة المسجد الحرام

وأمر المهدي بتوسعة المسجد الحرام مع الجامع النبوي، وذلك في سنة 161ه- (1)، وقد امتنع أرباب الدور المجاورة للجامعين من بيعها على الحكومة، فسأل المهدي فقهاء العصر عن جواز إجبارهم على ذلك، فقالوا له : لا ينبغي أن تُدخل شيئاً في المسجد غصباً، وكان بمجلسه علي بن يقطين، فأشار عليه أن يرفع استفتاءاً في المسألة إلى الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاستصوب رأيه، وكتب إلى عامله على يثرب يأمره بأن يسأل الإمام عن ذلك.

فلمّا انتهى الكتاب إليه مضى إلى الإمام وعرض عليه السؤال.

فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجواب، وهذا نصه بعد البسملة : «إِنْ كانَتِ الْكَعْبَةُ هى النَّازِلَةُ بِالنَّاسِ فَالنّاسُ أَوْلى ببنائها، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ هُمُ النَّازِلُونَ بِفِناءِ الْكَعْبَةِ فَالْكَعْبَةُ أَوْلى بِفِنائِها».

ولمّا انتهى الجواب إلى المهدي أمر بهدم الدور وإضافتها إلى ساحة المسجدين، وفزع أربابها إلى الإمام والتمسوا منه أن يكتب لهم رسالة إلى المهدي ليعوّضهم عن ثمن دورهم.

فأجابهم وكتب إلى المهدي رسالة في ذلك، فلما وصلت إليه وصلهم وأرضاهم (2).

وليس هذا نوعاً من الاستملاك الذي يعبر عنه في الوقت الحاضر بالاستملاك للمصلحة العامّة، كما فهمه بعض المعاصرين، بل إنّ هذا حكم شرعي يتبع أدلّة الخاصّة التي نصت على أنّ للجامع فناءاً، وإن من نزل به لا حرمة لما يقيمه فيه من بناء.


1) تاريخ اليعقوبي : 3 : 393.

2) بحار الأنوار: 10: 245، الحديث 4.

ونسب المحدّث الحافظ أبو الخطاب القصّة للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع المنصور (1)، وهو بعيد، فإنّ التاريخ لم يحدّث عن قيام المنصور بحركة عمرانية للجامعين.

اعتقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ولمّا شاع ذكر الإمام، وانتشر اسمه في جميع الآفاق لم يملك المهدي غيظه وحقده، فخاف على كرسيه، وأعتقد أن ملكه لا يستقر إلا باعتقال الإمام، فكتب إلى عامله على المدينة يأمره بإرسال الإمام إليه فوراً.

ولمّا وصلت الرسالة إليه توجّه إلى الإمام وأخبره بذلك، فتجهّز (عَلَيهِ السَّلَامُ) للسفر من وقته، فسار (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتّى انتهى إلى زبالة، فاستقبله أبو خالد بكآبة وحزن، فنظر إليه الإمام نظرة رأفة ورحمة وقال له : ما لي أَراكَ مُنْقَبِضاً ؟

• كيف لا أنقبض ! وأنت سائر إلى هذا الطاغية ولا آمن عليك، فهدّأ (عَلَيهِ السَّلَامُ) روعه وأخبره أنه لا ضير عليه في سفره هذا، وضرب له موعداً يجتاز فيه عليه، ثمّ انصرف الإمام متوجهاً إلى بغداد، فلما وصل إليها أمر المهدي باعتقاله وإيداعه السجن، ونام المهدي تلك الليلة فرأى في منامه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو متأثر حزين فخاطبه : «يا محمّد، «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ» (2).

فقام المهدي من نومه فزعاً مرعوباً، فاستدعى حاجبه الربيع، فلمّا مثل بين يديه كان المهدي يردّد الآية الكريمة، وأمره بإحضار الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما أقبل إليه قام فعانقه وأجلسه إلى جانبه ثمّ قال له بعطف ولين : يا أبا الحسن، إني رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقرأ عليَّ كذا - وأشار إلى الآية - أفتؤمنني أن لا تخرج


1) النبراس : 24.

2) محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) 22:47.

علَيَّ أو على أحد من ولدي ؟

•

وَاللّه مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، وَلَا هُوَ مِنْ شَأْني.

•

صدقت، يا ربيع، أعطه ثلاثة آلاف دينار وردّه إلى أهله إلى المدينة، فقام الربيع فشايعه وأحكم أمره وسرحه في الليل، فما أصبح عليه الصبح إلا وهو في الطريق (1)

وذكر ابن شهر آشوب في المناقب : 2 : 264 : «إنّ المهدي استدعى حميد بن قحطبة في منتصف الليل وقال له : إنّ إخلاص أبيك وأخيك فينا أظهر من الشمس، وحالك عندي موقوف.

فقال له حميد : أفديك بالمال والنفس والأهل والولد والدين.

فقال له : للّه درّك، وعاهده على ذلك، وأمره بقتل الإمام الكاظم في السحر بغتة، فنام المهدي فرأى في منامه عليّاً يشير إليه ويقرأ «فَهَلْ عَسَيْتُمْ..» الآية، فانتبه مذعوراً ونهى حميداً عما أمره، وأكرم الإمام الكاظم وأعطاه».

.

وسارت قافلة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تنطوي البيداء حتّى انتهت إلى (زبالة) في اليوم الذي عيّنه لأبي خالد، وكان يترقب قدوم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك الوقت بفارغ الصبر، فلمّا قدم للا عليه بادر إليه وهو يلثم يديه وأطرافه والفرح باد عليه، فأدرك الإمام سروره البالغ، فقال له : إِنَّ لَهُمْ إِلَيَّ عَوْدَةً لَا أَتَخَلَّصُ مِنْها (2).

وأشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك إلى ما يصنعه به هارون من اعتقاله في سجونه حتّى يلفظ أنفاسه الأخيرة بها، ولم يجلب المهدي الإمام إلى بغداد سوى هذه المرة، وقد قطع (عَلَيهِ السَّلَامُ) من سني حياته في دوره عشر سنين، وقد قام خلال هذه المدة بنشر العلم وتغذية الناشئة العلميّة بأنواع العلوم والآداب، وهذه المدّة من أهم أدوار حياته التي شيد بها صروح العلم والفضيلة والأخلاق.


1) تاریخ بغداد : 13 : 30 و 31 وفيات الأعيان : 4 : 493.

2) نور الأبصار : 136. بحار الأنوار : 48 : 229، الحديث 32.

وفاة المهدي

واختلف المؤرّخون في سبب وفاة المهدي، فقيل : إنّه خرج إلى الصيد وأخذ في مطاردة ظبي حتّى دخل إلى خربة فتبعه، وكان باب تلك الخربة ضيّقاً، فأصاب ظهره حتّى تقطع عموده الفقري فمات في يومه.

وقيل : إنّ بعض جواريه كانت تغار من جارية كان يهواها ويخلص لها، فدست لها سمّاً في بعض المآكل، فأكل المهدي منه وهو لا يعلم به.

وعلى أي حال، فإنّه لمّا توفّي جزع عليه أهله، وساد عليهم الحزن، وقد خرجت بعد موته بعض جواريه وقد لبسن المسوح حزناً وحداداً عليه، وإليهن يشير أبو العتاهية بقوله :

رُحْنَ في الوَشْيِ مِنَ الدَّهْرِ لَهُ يَوْمَ نَطُوحُ***كُلّ نَطَاحٍ مِنَ الدَّهْرِ وَلَوْ عَمَّرْتَ ما عَمَّرَ نُوحٌ

لَسْتَ بِالباقي وَلَوْ عَمَّرْنَ ما عَمَّرَ نُوحٌ***فَعَلى نَفْسِكَ نُحْ إِنْ كُنْتَ لا بُدَّ تَنوح (1)

إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بنا الحديث عن عصر المهدي العبّاسي، وما لاقاه الإمام موسى الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دوره.


1) الفخري : 157.

فِي عَهْدِ الْهَادِي

إشارة:

استقبل موسى الهادي الدولة الإسلاميّة في أيّام شبابها الغضّ، ونضارة غصنها الرطب، وفي إبّان قوّتها الكاملة، وثروتها الموفورة، وقد بويع له وهو في غضارة العمر، فقد كان عمره - حسب ما يقول الرواة - خمساً وعشرين سنة (1).

وكان سادراً في الطيش والغرور، ومتمادياً في الإثم والفجور، وقد أراح اللّه منه العباد في بداية ملكه، فلم تطل أيّامه، ولو امتدّ به العمر لواجه المسلمون في عهده أعنف المشاكل وأقساها، فقد كان طاغية جبّاراً لا يتحرّج من سفك الدماء وإراقتها بغير حقّ، وقد أسرف في سفك دماء العلويّين، فأنزل بهم العقاب الصارم، وقد أجمع رأيه على التنكيل بالإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلّا أنّ اللّه قصم ظهره قبل أن يقوم بذلك، ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للتحدّث عنه :

نزعاته

إشارة:

واتصف موسى الهادي بنزعات شريرة ظهرت في سلوكه وأعماله، حتّى نقم عليه القريب والبعيد، وبغضه الناس جميعاً، وقد حقدت عليه أمه الخيزران، فقد بلغ الغيظ والكراهية له أنّها التي قتلته

أما نزعاته فهي كما يلي :


1) خلاصة الذهب المسبوك : 75.

غروره و طیشه

لقد تولّى الهادي الخلافة وهو في ريعان الشباب، فدفعه ذلك إلى التمادي في الغرور والطيش، ومن مظاهر ذلك أنّه كان إذا مشى مشت الشرطة بين يديه بالسيوف المشهورة والأعمدة والقسي الموتورة (1)ليظهر بذلك أبهة الملك والسلطان، والعلق على الناس.

لهوه ومجونه

وكان موسى الهادي خليعاً ماجناً، قد أقبل على الدعارة واللهو، فبذل الأموال الضخمة بسخاء على شهواته وطربه، فقد أعطى إبراهيم الموصلي خمسين ألف دينار لأنه غناه بثلاثة أبيات أطربته (2).

وغنّاه بصوت فأطربه فوهب له ثلاثين ألف دينار (3).

وقد كلف بالغناء كلفاً شديداً، فصرف الكثير من خزينة الدولة على المغنّين، وقال إسحاق الموصلي : «لو عاش لنا الهادي لبنينا حيطان دورنا بالذهب» (4).

وتهالك على شرب الخمر، فكان أوّل خليفة عبّاسي أغري بالخمر (5).

وتبعه على ذلك الرشيد (6)، وسائر ملوك بني العبّاس من بعده.


1) حضارة الإسلام في دار السلام : 84.

2) العصر العبّاسي : 128.

3) الأغاني : 5 : 241.

4) الأغاني : 5 : 6.

5) الوزراء والكتاب : 144.

6) تاريخ الأمم والملوك : 6: 489. الأغاني : 5 : 216.

شراسته

كان سي الخلق شرساً، يقول الجاحظ عنه : كان الهادي شكس الأخلاق، صعب المرام، قليل الإغضاء، سيء الظن، قل من توقاه وعرف أخلاقه إلا أغناه، وما كان شيء أبغض إليه من ابتدائه بسؤال» (1).

عداؤه للعلويّين

وبالغ هذا الطاغية المغرور في تنكيل العلويّين وإرهاقهم، فأذاع فيهم الخوف والرعب، وقطع ما أجراه لهم المهدي من الأرزاق والأعطية، وكتب إلى جميع الآفاق في طلبهم وحملهم إلى بغداد (2).

لقد قاسى العلويّون في الفترة القصيرة من هذا الحكم الارهابي جميع ألوان الاضطهاد والجور، فقد أمعنت السلطة فى ظلمهم وإذلالهم وإرغامهم على ما يكرهون، وهذا ممّا أدى إلى انطلاقهم في ميادين الجهاد، وإعلانهم للثورة الكبرى الهادفة إلى إنقاذ الأُمّة من الجور والطغيان، وهذا ما سنتحدّث عنه.

كارثة فخّ

وأفظع كارثة واجهها العالم الإسلامي هي مأساة (فخّ)، فقد ضارعت حادثة كربلاء في آلامها وشجونها، وقد تحدث الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مدى أثرها البالغ على أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بقوله : لَمْ يَكُنْ لَنا بَعْدَ الطَّفِّ مَصْرَعٌ أَعْظَمُ مِنْ فَخًّ.

لقد انتهكت في هذه الكارثة الكبرى حرمة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في عترته وذريته، فقد اقترف العبّاسيّون فيها عين ما اقترفه الأمويّون من الجرائم والموبقات في مأساة


1) التاج في أخلاق الملوك : 35.

2) تاريخ اليعقوبي : 3: 136.

كربلاء، فرفعوا رؤوس العلويّين على أطراف الرماح ومعها الأسرى يطاف بها في الأقطار والأمصار، وتركوا الجثث الزواكى ملقاة على أديم الأرض من دون أن يخفّوا إلى مواراتها مبالغة منهم في التشفّي والانتقام من آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وبذلك فقد حاكت رزيّة كربلاء بجميع فصولها المؤلمة.

وفيما يلي عرض موجز لبعض فصول تلك الكارثة، وبيان موقف الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) منها، وما جرى عليه :

الحسين الثائر العظيم

إشارة:

والذي فجّر الثورة على الحكم العبّاسي هو الحسين بن عليّ، وقبل البحث عن ثورته نتحدّث عن نسبه ونزعاته وصفاته :

نسبه الوضّاء

أمّا نسبه الكريم فهو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن عليّ أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأمه زينب بنت عبداللّه بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وكان يقال لزينب وزوجها عليّ بن الحسين (الزوج الصالح) لعبادتهما.

ولمّا قتل أبو جعفر المنصور أباها وأخاها وعمومتها وبنيهم وزوجها كانت تلبس المسوح، ولا تجعل بين جسدها وبينها شعاراً حتّى لحقت باللّه عزّ وجلّ، وكانت تندب أهلها أفجع ندبة حتّى يخشى عليها، ولا تذكر المنصور بسوء تحرّجاً من ذلك، وكراهة أن تشفى نفسها بما يؤثمها، ولا تزيد على القول : يا فاطر السماوات والأرض، يا عالم الغيب والشهادة الحاكم بين عباده، احكم بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الحاكمين.

وكانت ترقّص ولدها الحسين في صغره وهي تتنبأ فيه أن يرفع علم الثورة على العبّاسيّين، فكانت تقول له :

تَعْلَمُ يَابْنَ زَيْنَبٍ وَهِندِ (1)

وهي بنت أبي عبيدة بن عبداللّه بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزّى بن قصي، وكانت قبل عبداللّه بن الحسن زوجاً إلى عبدالملك بن مروان، فلما مات رجعت بميراثها منه، فقال عبد اللّه لأمه فاطمة : اخطبي لي على هند، فعذلته، وقالت له : أتطمع فيها، وأنت ترب لا مال لك، فتركها ومضى إلى أبيها فخطبها منه، فرحب به، وأجابه إلى ذلك، وقال له : زوّجتك، ولا تبرح، ودخل على بنته فقال لها : يا بنيّة، هذا عبد اللّه بن الحسن أتاك خاطباً.

فقالت له : ما قلت له ؟

فقال : قد زوّجته، فأقرته على ذلك، ودخل بها، وأمه لا تشعر بذلك، فأقام سبعاً وجاء إلى أمه، وعليه درع الطيب وهو في غير ثيابه، فقالت له أمه : يا بني، من أين لك هذا ؟

فقال : من التي زعمت أنّها لا تريدني. الأغاني : 18 : 209.

***كَمْ لَكَ بِالبَطْحاءِ مِنْ مَعَدُ

مِنْ خالِ صِدقٍ ماجِدٍ وَجَدٌ (2)

نشأته

نشأ الحسين في بيت قد غمرته الآلام والأحزان، وعمه الشكل والحداد على شهداء أسرته الذين أبادهم المنصور، فهو لم يشاهد في بيته سوى البكاء والجزع، فانطوت نفسه على حزن عميق وأسى مرير، فتحفّز منذ نعومة أظفاره إلى الأخذ بثأرهم، ومناجزة خصومهم.

نزعاته الفذة

والتقت بشخصيّة الحسين جميع الصفات الكريمة من العلم والتقوى والورع


1) هند أمّ زينب :

2) مقاتل الطالبيّين : 431 و 432.

والصلاح والزهد في الدنيا، وكان من أسخياء عصره، وقد روى المؤرخون بوادر كثيرة من كرمه، وقد روى أبو الفرج عن الحسن بن هذيل، قال :

«كنت أصحب الحسين بن علي صاحب فخ، فقدم إلى بغداد فباع ضيعة له بتسعة آلاف دينار، فخرجنا فنزلنا (سوق أسد) فبسط لنا على باب الخان، فأتى رجل معه سلّة، فقال له : مر الغلام يأخذ مني هذه السلّة.

فقال له : وما أنت ؟

قال : أنا أصنع الطعام الطيب، فإذا نزل هذه القرية رجل من أهل المروءة أهديته إليه.

قال : يا غلام، خذ السلّة عنه، وعد إلينا لتأخذ سلتك.

قال : ثمّ أقبل علينا رجل عليه ثياب رثة، فقال : أعطوني ممّا رزقكم اللّه.

فقال لي الحسين : ادفع إليه السلّة، وقال له : خذ ما فيها وردّ الإناء، ثمّ أقبل وقال : إذا ردّ السلّة فادفع إليه خمسين ديناراً، وإذا جاء صاحب السله فادفع إليه مائة دينار.

فقلت له - إبقاءاً منّي عليه - : جعلت فداك، بعت عينالك لتقضي ديناً عليك فسألك سائل فأعطيته طعاماً هو مقنع له، فلم ترض حتّى أمرت له بخمسين ديناراً، وجاءك رجل بطعام لعله يقدّر فيه ديناراً أو دينارين، فأمرت له بمائة دينار.

فقال : يا حسن، إنّا لنا ربّاً يعرف الحسنات، إذا جاء السائل فادفع إليه مائة دينار، وإذا جاء صاحب السلّة فادفع إليه مائتي دينار، والذي نفسي بيده إنّي لأخاف أن لا يقبل مني، لأنّ الذهب والفضة والتراب عندي بمنزلة واحدة» (1).

إنّها نفوس كريمة تحمل نفحات من روح جدّهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الذي جاء لإسعاد الناس، ورفع الشقاء عنهم.


1) مقاتل الطالبيّين : 436.

وروى الحسن بن هذيل، قال : «بعت للحسين بن عليّ صاحب فخ حائطاً بأربعين ألف دينار، فنثرها على بابه، فما دخل إلى أهله منها حبة، كان يعطيني كفاً كفاً فأذهب به إلى فقراء أهل المدينة» (1).

إنّه معدن من معادن المعروف والإحسان، فلم ير للمال قيمة سوى مايرد به جوع جائع أو يكسو به عارياً، شأنه شأن آبائه الذين أفاضوا البر والخير على جميع الناس.

ما أثر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فيه

وأثر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه اجتاز بفخّ فصلّى بأصحابه صلاة الجنازة، ثمّ قال : «يُقْتَلُ هاهُنا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فِي عِصابَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، يُنْزَلُ لَهُمْ بِأَكْفَانٍ وَحُنوطٍ مِنَ الْجَنَّةِ، تَسْبِقُ أَزْواجُهُمْ أَجْسادَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ» (2).

وروى محمّد بن إسحاق، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال : «مَرَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِفَجٍّ فَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَةً، فَلَمّا صَلَّى الثَّانِيَةَ بَكَى وَهُوَ فِي الصَّلاةِ، فَلَمّا رَأوا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يبكي بكوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قال : ما يُبكيكُمْ ؟

قالوا : لَمّا رَأَيْنَاكَ تَبْكَى بَكَيْنا يا رَسُولَ اللّه.

قالَ : نَزَلَ عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ لَمّا صَلَّيْتُ الرَّكْعَةَ الأولى، فَقالَ: يا محمّد، إِنَّ رَجُلاً مِنْ وُلْدِكَ يُقْتَلُ فِى هَذَا الْمَكانِ، وَأَجْرُ الشَّهِيدِ مَعَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْن» (3).

ما أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه

وروى النضر، قال : «أكريت جعفر بن محمّد من المدينة إلى مكّة، فلما ارتحلنا


1) مقاتل الطالبيّين : 291.

2) مقاتل الطالبيّين : 289. بحار الأنوار : 48: 170، الحدیث 7.

3) مقاتل الطالبيّين : 290. بحار الأنوار : 48 170، ذيل الحديث 7.

من بطن مر، قال لي : يا نَضْرُ، إِذا انْتَهَيْتَ إِلَى فَخُ فَأَعْلِمْنِي.

قلت له : ألست تعرفه ؟

• بَلَى وَلكِنِّي أَخْشَى أَنْ تَغْلِبَني عَيْني.

قال النضر : فلما انتهينا إلى فخ دنوت من المحمل فإذا هو نائم، فتنحنحت فلم ينتبه، فحرّكت المحمل فجلس، فقلت له : قد بلغت.

فقال : حُلَّ مَحْمَلى، فحللته.

ثمّ قال : صِل الْقِطارَ، فوصلته.

ثم تنحيت به عن الجادة فأنخت بعيره، فقال : ناولني الأَداوَةَ وَالرَّكْوَةَ، فتوضأ وصلى ثمّ ركب فقلت : جعلت فداك، رأيتك قد صنعت شيئاً أهو من مناسك الحجّ ؟

قال : لَا وَلكِنْ يُقْتَلُ هاهنا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فِي عِصابَةٍ تَسْبِقُ أَرْواحُهُمْ أَجْسَادَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ» (1).

السبب في ثورته

وأجمع المؤرّخون على أن السبب في ثورة الحسين العظيم يعود إلى ما عاناه من الضغط الهائل والجور الشديد، فقد استعمل موسى الهادي عمر بن عبد العزيز حفيد عمر بن الخطاب والياً على يثرب (2)

وفي مقاتل الطالبيّين : 243 : «إن موسى الهادي ولّى المدينة إسحاق بن عيسى بن عليّ فاستخلف عليها رجلاً من ولد عمر بن الخطاب يُعرف بعبد العزيز بن عبد اللّه».

، وكان فظاً، غليظ القلب، شرس الأخلاق، قد عُرف بالنصب والعداء للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

1) مقاتل الطالبيّين : 437.

2) الكامل في التاريخ : 5 : 74.

وقد بالغ الأثيم في إذلال العلويّين وظلمهم، فألزمهم بالمثول عنده في كلّ يوم، وفرض عليهم الرقابة الشخصيّة، فجعل كلّ واحد منهم يكفل صاحبه بالحضور عنده.

وقبضت شرطته على كلّ من الحسن بن محمّد بن عبد اللّه بن الحسن، ومسلم بن جندب، وعمر بن سلام، وادّعت الشرطة أنها وجدتهم على شراب، فأمر بضربهم، فضرب الحسن ثمانين سوطاً، وابن جندب خمسة عشر سوطاً، وابن سلام سبعة أسواط، وجعل في أعناقهم حبالاً، وأمر أن يُطاف بهم في شوارع يثرب ليفضحهم، فبعثت إليه الهاشميّة صاحبة الراية السوداء في أيّام محمّد بن عبداللّه فقالت له لا ولا كرامة، لا تشهر أحداً من بني هاشم، وتشنّع عليهم وأنت ظالم، فكفّ عن ذلك، وخلّي سبيلهم.

وولّى العمري على الطالبيّين رجلاً يُعرف بأبي بكر بن عيسى الحائك مولى الأنصاري فعرضهم يوم الجمعة، ولم يأذن لهم بالانصراف إلى منازلهم حتّى حضر وقت الصلاة، فألحوا عليه في أداء الفريضة، فأذن لهم بعد جهد، وبعد أدائها حبسهم في المقصورة إلى العصر لا لشيء سوى أن يتقرب إلى العمري بذلك.

ثمّ إنّه عرضهم ودعا بالحسن بن محمّد فلم يحضر، فقال ليحيى والحسين بن عليّ : لتأتياني به أو لأحبسنكما، فقد تغيب عن العرض ثلاثة أيّام ؟

فردّاه ردّاً حفيّاً، إلا أنه لم يجد مع هذا الوغد حتّى اضطر يحيى إلى مقابلته بالمثل، فخرج مغضباً إلى العمري فأخبره بالأمر، فأمر بإحضارهما، فلما مثلا عنده أخذ يتهدّد ويتوعد، فضحك الحسين من منطقه الهزيل وقال له باستهزاء وسخرية : أنت مغضب يا أبا حفص ؟

فثار العمري واستاء منه لأنّه كنّاه ولم يلقبه بالولاية والإمرة قائلاً: أتهزأ بي وتخاطبني بكنيتي ؟

فانبرى إليه الحسين فسدّد له سهماً من بليغ منطقه قائلاً: قد كان أبو بكر وعمر

وهما خير منك يخاطبان بالكني، فلا ينكران ذلك، وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية !

فثار العمري ولم يملك صوابه قائلاً : آخر قولك شرّ من أوّله.

•

معاذ اللّه، يأبى اللّه لى ذلك، وما أنا منه !

•

أفإنّما أدخلتك علَيَّ لتفاخرني وتؤذيني ؟

وغضب يحيى من اعتدائه الصارخ على الحسين فقال له : ما تريد منا ؟

•

أريد أن تأتياني بالحسن بن محمّد.

•

لا نقدر عليه هو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث إلى آل عمر بن الخطاب فاجمعهم كما جمعتنا، ثمّ أعرضهم رجلاً رجلاً، فإذا لم تجد فيهم من قد غاب أكثر من غيبة الحسن عنك فقد أنصفتنا.

ففقد العمري صوابه وراح يحلف بطلاق زوجته وحرية مماليكه أن لا يخلي عن الحسين حتّى يأتيه بالحسن في باقي يومه وليلته، فإن فعل فذاك، وإلا فيركب إلى (سويقة) (1)، فيخبر بها، ويحرقها، ويضربه ألف سوط، وإن ظفر بالحسن ليهريق دمه، فوثب إليه يحيى وهو لا يبصر طريقه من الاستياء وقد عزم على الثورة ومناجزة تلك الحكومة قائلاً: أنا أعطي اللّه عهداً، وكلّ مملوك لي حرّ إن ذقت الليلة نوماً حتّى آتيك بالحسن بن محمّد، أو لا أجده فأضرب عليك بابك حتّى تعلم أنّي قد جئتك.

وخرجا منه وهما مغيظان قد لذعهما جفاؤه، والتفت الحسين إلى يحيى مندّداً بما أعطاه من العهد للعمري بإحضار الحسن قائلاً : بئس لعمر اللّه ما صنعت حين


1) سويقة : منزل لبني الحسن يقع بالقرب من المدينة، وهو من جملة صدقات الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) معجم البلدان : 5 : 18.

تحلف لتأتينّه به، وأين تجد حسناً.

فأخبره أنه قد وارى في كلامه، وأنّه يقصد القيام بوجهه قائلاً: لم أرد أن آتيه بالحسن واللّه، وإلا فأنا نفي من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ومن علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بل أردت إن دخل عيني نوم حتّى أضرب عليه بابه ومعي السيف إن قدرت عليه قتلته.

والتقى الحسين بالحسن فقال له : يابن عمّي، قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق، فامض حيث أحببت.

لا، واللّه، يابن عمي، بل أجيء معك الساعة حتّى أضع يدي في يده ما كان اللّه ليطلع عليَّ وأنا جاء إلى محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وهو خصمي وحجيجي في دمك، ولكن أقيك نفسي لعل اللّه يقيني من النار.

وتمثّل الشرف والنبل بهذه الكلمات التي تنم عن نفس لم تعرف الخيانة والغدر، ولم يدنّسها حبّ الجاه.

واجتمع العلويّون ومن يمتّ إليهم من المؤمنين والصالحين فتذاكروا ما قابلهم العمري من الصلافة، فصمموا على أن يهجموا عليه داره، فاقتحموا عليه الدار فولّى الجبّان هارباً بصورة مخزية، ثمّ قال يحيى : هذا الحسن قد جئت به، فهاتوا العمري، وإلا واللّه خرجت من يميني.

وهذه البادرة هي السبب في ثورة الحسين وانتفاضته، فقد ألجأته السلطة الحمقاء إلى القيام بوجهها، فإنّه رأى إمّا أن يرضخ إلى الذل والخنوع، الأمر الذي يأباه العلويّون الذين رسموا الإباء والعزّ في دنيا العرب والإسلام، وإما الموت في سبيل الكرامة، التي هي شعار العلويّين حتّى قالوا : ماكره قوم حرّ الجلاد إلّا ذلّوا.

واختار الحسين طريق الكفاح والنضال، فصمّم مع الصفوة من أهل بيته على الموت تحت ظلال الأسنة أحراراً كراماً.

شهادته

ورفع الحسين راية الثورة، وأعلن الجهاد المقدّس، فالتحق به الطالبيّون. ولم يتخلف عنه إلا نفر يسير، وأقبل بموكبه الجهير إلى الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستشيره في ثورته، فلمّا استقر به المجلس عرض فكرته على الإمام، فالتفت (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه قائلاً : «إِنَّكَ مَقتول فَأجِدُ الضّرابَ، فَإِنَّ الْقَوْمَ فَسَاقٌ يُظهِرُونَ إيْمَاناً، وَيُضْمِرُونَ نِفاقاً وَشِرْكاً، فَإِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ، وَعِنْدَ اللّه أَحْتَسِبُكُمْ مِنْ عُصْبَةٍ» (1).

لقد رأى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن الحركة لا بد أن تفشل ويذهب العلويّون ضحيّة العدوان الغادر، ولكنّ الحسين لم يجد بداً من الثورة لما ناله من الضيم والهوان، فقام من عند الإمام وجمع الناس فصلّى بهم، وبعد الفراغ من الصلاة قام خطيباً بين الناس فقال بعد حمد اللّه والثناء عليه : «أنا ابن رسول اللّه، وفي حرم رسول اللّه، أدعوكم إلى سنّة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (2).

أيها الناس، أتطلبون آثار رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في الحجر والعود، وتضيّعون بضعة منه» (3).

ولما انتهى خطابه الرائع أقبلت إليه الجماهير تبايعه على كتاب اللّه وسنّة نبيّه، والدعوة للرضا من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

وقيل إنّه قال لمن بايعه : «أبا يعكم على كتاب اللّه وسنة رسول اللّه، وعلى أن يطاع اللّه ولا يعصى، وأدعوكم إلى الرضا من آل محمّد، وعلى أن نعمل فيكم بكتاب اللّه وسنّة نبيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، والعدل في الرعيّة، والقسم بالسويّة، وعلى أن تقيموا معنا،


1) أصول الكافي : 1: 366، الحديث 18. معجم رجال الحديث : 6: 41 و 42.

2) ذكر الطبري في تاريخه : «أنّ الحسين قال في آخر خطابه : أدعوكم إلى كتاب اللّه، وسنّة نبيّه، فإن لم أف لكم بذلك فلا بيعة لي في أعناقكم».

3) مقاتل الطالبيّين : 484.

وتجاهدوا عدوّنا، فإن نحن وفينا لكم وفيتم لنا، وإن نحن لم نف لكم فلابيعة لنا عليكم» (1).

ودلّ هذا الخطاب على ما ينشده في ثورته الإصلاحية من تحقيق العدالة الاجتماعيّة، ورفع مستوى الحياة، وتطبيق أحكام القرآن، وإقامة عدل الإسلام.

وبعد ما بايعه الناس خرج قاصداً إلى مكة قد احتف به أهل بيته وأصحابه البالغ عددهم زهاء ثلاثمائة رجل، واستخلف على يثرب دينار الخزاعي والياً من قبله، وأخذ يجد في مسيره حتّى انتهى إلى (فخّ) فعسكر فيه، ولحقته الجيوش العبّاسية بقيادة العبّاس بن محمّد، وموسى بن عيسى، فالتقى الجيشان يوم التروية وقت صلاة الصبح، فحملت جيوش البغي والضلال على تلك القلة المؤمنة التي لا هدف لها إلا إنقاذ المجتمع من أيدي الطغمة الحاكمة التي عاثت في الأرض فساداً.

وبعد صراع رهيب بين قوى الحقّ والبغي قُتل الحسين بسهم غادر رماه به حماد التركي الوغد الأثيم، واستشهد أكثر أصحاب الحسين، وحزّت رؤوسهم(2). وحملت إلى الخليفة العبّاسي، وعمدت الجيوش العبّاسيّة التي لم تعرف الشرف والإنسانيّة إلى دفن أصحابهم الفجرة، وتركوا الحسين وأصحابه الأحرار مجزرين كالأضاحي، لا مغسلين ولا مكفّنين، وأدبرت برؤوسهم إلى موسى بن عيسى، وكان في مجلسه جماعة من العلويّين في طليعتهم الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلمّا رآها الإمام هاله منظرها المؤلم الحزين، فاندفع (عَلَيهِ السَّلَامُ) يؤبّن الحسين ويصوغ من حزنه ولو عته كلمات قائلاً : إِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ، مَضى وَاللّه مُسْلِماً صالحاً، صَوَاماً قَوَاماً، آمِراً بِالْمَعْرُوفِ، ناهِياً عَنِ الْمُنْكَرِ، ما كانَ في أَهْلِ بَيْتِهِ مِثْلُهُ» (3).


1) مقاتل الطالبيّين : 490.

2) ذكر الطبري في تاريخه : 7 : 475 : «أنّ عدد الرؤوس التي احتزت كانت مائة ونيفاً».

3) مقاتل الطالبيّين : 453.

لقد كان قتل الحسين من الأحداث الكبار في ذلك العصر، فقد أحدث صدعاً في الإسلام أي صدع، فانتهكت في قتله حرمة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) التي هي التي هي أحقّ الحرمات بالرعاية، وقد اندفع شعراء الشيعة يبكون على مصرعه أمر البكاء، ويندبونه بأشجى ندبة، فممّن رثاه عيسى بن عبد اللّه بقوله :

فَلأَبْكِينُ عَلَى الحُسَيْنِ***بِعَوْلَةٍ وَعَلَى الحَسَنُ (1)

وَعَلَى ابْنِ عَاتِكَةَ الَّذِي***أَثوَوهُ لَيْسَ لَهُ كَفَنْ (2)

تُرِكُوا بِفَخُ عُدوَةٌ***في غَيرِ مَنزِلِةِ الوَطَنْ

كانوا كراماً قتلِّوا***لا طائِشينَ وَلا جُبُنْ

فَسَلُوا المَذَلَّهُ عَنهُمُغَ***غسَلَ الثَّيابِ مِنَ الدَّرَن

هُدِيَ العِبادُ بِجَدّهِمْ***فَلَهُمْ عَلى النّاسِ المِنَنْ (3)

ورثاه شاعر آخر بقصيدة جاء فيها :

يا عَيْنُ ابْكي بِدَمْعِ مِنكَ مُنْهَتِنِ (4)***فَقَدْ رَأَيت الذي لاقى بنو حَسَنِ

صَرْعى بِفَخٌ تَجُرُّ الريحُ فَوقَهُمُ***أذيالها وَغَوادي الدُّلّجِ المُزنِ

حَتّى عَفَتْ أَعْظَمْ لَو كَانَ شَاهِدَها***محمّد ذَبَّ عَنْهَا ثمّ لَمْ تَهُنِ (5)

ماذا يقولونَ وَالماضونَ قَبْلَهُمُ***على العَداوَةِ وَالبَغْضاءِ وَالإِحَنِ

ماذا يقولونَ إِنْ قالَ النبيّ لَهُمْ***ماذا صَنَعْتُمْ بِنا في سالِفِ الزَّمَنِ


1) هو الحسن بن محمّد بن الحسن السبط (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أسر في الواقعة وضربت عنقه صبراً.

2) ابن عاتكة : هو عبد اللّه بن إسحاق بن الحسن المثنى، كما في الاستقصاء : 1 : 67.

3) مروج الذهب : 3 : 248 و 249.

4) في معجم البلدان : «منك منهمر».

5) في معجم البلدان : «ثمّ لم يهن».

لا النَّاسُ مِنْ مُضَرٍ حاموا وَلا غَضِبوا***وَلا رَبيعَةُ وَالأحياء مِنْ يَمَن

يا وَيْحَهُمْ كَيْفَ لَمْ يَرعوا لَهُمْ حُرَماً***وَقَدْ رَعى الفيلُ حَقَّ البَيْتِ ذي الرُّكن (1)

لقد كان مصرع الحسين الشهيد من الأحداث الجسام في الإسلام، فقد ترك ألماً ممضاً في نفوس المسلمين يذكرونه بكثير من الأسى والشجون.

وصول الأسرى إلى الهادي

وأُرسلت رؤوس الأبرار الطاهرين إلى الطاغية الهادي، ومعها الأسرى، وقد قيدوا بالحبال والسلاسل، ووضعوا في أيديهم وأرجلهم الحديد، قد خيم عليهم الذل والهوان، وأمر الطاغية الأثيم بقتلهم، فقتلوا صبراً، وصلبوا على باب الحبس(2)، وكان من الأسرى رجل أنهكته العلة، فقال للهادي يستعطفه : أنا مولاك يا أمير المؤمنين.

فصاح به الهادي وقال : مولاي يخرج علىَّ ؟

وكان مع موسى سكين، فقال : واللّه لأقطعنك بهذه السكين مفصلاً مفصلاً، ومكث الرجل ساعة فغلبت عليه العلّة فمات حتف أنفه (3).

ووضعت رؤوس العلويّين بين يدي الطاغية، فجعل يترنّم بهذه الأبيات :

بَني عَمَّنا لا تَنطِقوا الشِّعْرَ بَعدَما***دَفَتُمْ بِصَحراءِ الغَميم القوافيا

فَلَسْنَا كَمَنْ كُنتُمْ تَظُنُّونَ فِعَلَهُ***فَيَقْبَلُ قِيلاً أَوْ يُحَكُمُ قاضيا

وَلكِنَّ حَدَّ السَّيف فيكُمْ مُسَلَّطٌ***فَتَرضى إِذا ما أَصْبَحَ السَّيْفُ راضِيا


1) مقاتل الطالبيّين : 460.

2) تاريخ الأمم والملوك : 8: 198 - 200.

3) مقاتل الطالبيّين : 453.

فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّا ظُلِمْنَا فَلَمْ نَكُنْ***ظَلَمنا وَلِكنّا أَسَأْنَا التَّقاضيا (1)

ودلّ هذا الشعر على غروره وطيشه، وروحه الانتقامية التي لم تألف الرحمة والرأفة.

تهديده للإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ولمّا استأصل موسى الهادي شأفة العلويّين، أخذ يتوعد الأحياء منهم بالقتل والدمار، وقد ذكر عميدهم وسيّدهم الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : واللّه ما خرج حسين إلّا عن أمره، ولا اتَّبع إلّا محبّته، لأنه صاحب الوصيّة في أهل هذا البيت، قتلني اللّه إن أبقيت عليه.

وأضاف يقول في تهديده : «ولولا ما سمعت من المهدي فيما أخبر به به المنصور ما کان به جعفر - يعني الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) - من الفضل المبرز عن من الفضل المبرز عن أهله في دينه، وعمله وفضله، وما بلغني من السفاح فيه من تعريضه وتفضيله، لنبشت قبره وأحرقته بالنار إحراقاً.

وكان في مجلسه القاضي أبو يوسف، فانبرى إليه قائلاً: نساؤه طوالق، وعتق جميع ما يملك من الرقيق، وتصدّق جميع ما يملك من المال، وحبس دوابه، وعليه المشي إلى بيت اللّه إن كان مذهب موسى بن جعفر الخروج، ولا يذهب إليه، ولا مذهب أحد من ولده، ولا ينبغي أن يكون هذا منهم.

ولم يزل يلطّف به، حتّى سكن غضبه (2).

ودلّ هذا الموقف الكريم على نبل أبي يوسف وشرفه.


1) مناقب آل أبي طالب : 3064. معجم البلدان : 6: 308.

2) بحار الأنوار: 48: 151.

استهزاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) به

وانتهى تهديد الهادي إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فخف إليه أهل بيته وأصحابه مسرعين فزعين قد استولى عليهم الرعب، فأشاروا مجمعين على الإمام أن يختفي ليسلم من شرّ هذا الطاغية، فتبسم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنّه قد استشف من وراء الغيب هلاك هذا الباغي وتمثّل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقول كعب بن مالك (1)

شاعر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وأحد السبعين الذين بايعوه بالعقبة، وشهد المشاهد كلها سوى واقعة بدر، وهو القائل :

بِبِئْرِ بَدْرٍ إِذْ يَرُدُّ وُجوهَهُمْ***جِبْرِيلُ تَحتَ لِوائِنا وَمحمّد

وقال في مدح بني هاشم :

یا هاشماً إِنَّ الإِلهَ حَباكُمُ***ما لَيسَ يَبْلَغُهُ اللّسانُ المفصل

قوم لأصلهم السيادَةُ كُلُّها***قدماً وفَرعُهُمُ النبيّ المُرْسَلُ

بيضُ الوُجوهِ تَرى بُطُونَ أَكَفِّهِمْ***تَنْدَى إِذا غَبَرَ الزَّمانُ المُمْحِلُ

توفّي في خلافة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد أن كف بصره. معجم الشعراء : 342.

:

زَعَمَتْ سَخينَةُ (2)أَنْ سَتَغلِبُ***رَبَّها وَلَيَغْلِبَنَّ مَغالِبُ الغُلّاب

وأنشد بيتاً آخر :

زَعَمَ الفَرَزْدَقُ أَنْ سَيَقْتِلُ مِرْبَعاً***أبشر بطولِ سَلامَةٍ يا مِرْبَعُ (3)

ودلّ ذلك على سخريته البالغة بتهديد الهادي له، فقد علم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ اللّه سيقصم ظهره قبل أن يناله بسوء ومكروه.


1) كعب بن مالك بن أبي كعب الخزرجي :

2) سخينة : طعام يتّخذ من الدقيق كانت قريش تُعيّر به حتّى صار لقباً لها.

3) مناقب آل أبي طالب : 4 : 307. أمالي الطوسي : 421، الحديث 944.

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليه

وأقبل الامام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) نحو القبلة، وأخذ يتضرّع إلى اللّه ويتوسل إليه لينجيه من شرّ هذا الطاغية، وقد دعا بهذا الدعاء الجليل :

إلهي كَمْ مِنْ عَدُوَّ انْتَضى عَلَيَّ سَيْفَ عَداوَتِهِ، وَشَحَذَ لِي ظُبَّةَ مِدْيَتِهِ، وَأَرْهَفَ لي شَبا حَدِّهِ، وَدافَ ِلي قَواتِلَ سُمُومِهِ، وَسَدَّدَ إِلَيَّ (1)صَوائِبَ سهامِهِ، وَلَمْ تَنَمْ عَنِّي عَيْنُ حِراسَتِهِ، وَأَضْمَرَ أَنْ يَسُومَني الْمَكْرُوة، وَيُجَرِّعَني دُعافَ مَرَارَتِهِ، فَنَظَرْتُ إِلى ضَعْفِي عَنِ احْتِمَالِ الْفَوادِح، وَعَجْزِي عَنِ الْإِنْتِصَارِ مِمَّنْ قَصَدَنِي بِمُحارَبَتِهِ، وَوَحْدَتي فِي كَثِيرٍ مِمَّنْ ناواني وَأَرْصَدَ لي فِيما لَمْ أُعْمِلْ فِكْرِي فِي الْإِرْصَادِ لَهُمْ بِمِثْلِهِ، فَأَيَّدْ تَني بِقُوَّتِكَ، وَشَدَدْتَ أَزْرِي بِنُصْرَتِكَ، وَفَلَلْتَ لِي حَدَّهُ (2)، وَخَذَلْتَهُ بَعْدَ جَمْعِ عَدِيدِهِ وَحَشْدِهِ، وَأَعْلَيْتَ كَعْبِي عَلَيْهِ، وَوَجَّهْتَ مَا سَدَّدَ إِلَيَّ مِنْ مَكائِدِهِ إِلَيْهِ، وَرَدَدْتَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَشْفِ غَلِيلَهُ، وَلَمْ تَبْرُدْ حَزازاتُ غَيْظِهِ، وَقَدْ عَضَّ عَلَيَّ أَنامِلَهُ، وَأَدْبَرَ مُولِّياً قَدْ أَخْفَقَتْ سَراياهُ.

فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْنِي لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِاَلَائِكَ مِنَ الذاكِرِينَ.


1) في نسخة المجلسي (رَحمهُ اللّه) : «نَحْوى».

2) في نسخة المجلسي (رَحمهُ اللّه) : «شَبا حَدِّهِ».

إِلهِي وَكَمْ مِنْ باغِ بَغاني بِمَكائِدِهِ، وَنَصَبَ لِى أَشْرَاكَ مَصَائِدِهِ، وَوَكَّلَ بي تَفَقَّدَ رِعايَتِهِ، وَأَضْبَأَ إِلَيَّ إِضْباءَ السَّبُعِ لِطَرِيدَتِهِ انْتِظاراً لاِنْتِهَازِ فُرْصَتِهِ، وَهُوَ يُظْهِرُ بَشاشَةَ الْمَلَقِ، وَيَبْسُطُ (لي) (1)وَجْهاً غَيْرَ طَلِقٍ، فَلَمّا رَأَيْتَ دَغَلَ سَرِيرَتِهِ، وَقُبْحَ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ فِى مِلَّتِهِ، وَأَصْبَحَ مُجْلِباً لي (2)فِي بَغْيِهِ أَرْكَسْتَهُ لِأُمِّ رَأْسِهِ، وَأَتَيْتَ بُنْيَانَهُ مِنْ أَساسِهِ، فَصَرَعْتَهُ فِي زُبْيَتِهِ، وَأَرْدَيْتَهُ (3)في مَهْوى حُفْرَتِهِ، وَجَعَلْتَ خَدَّهُ طَبَقاً لِتُرابِ رِجْلِهِ، وَشَغَلْتَهُ فِي بَدَنِهِ وَرِزْقِهِ، وَرَمَيْتَهُ بِحَجَرِهِ، وَخَنَقْتَهُ بِوَتَرِهِ، وَذَكَّيْتَهُ بِمَشاقِصِهِ، وَ كَبَيْتَهُ لِمَنْخِرِهِ، وَرَدَدْتَ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَرَبَقْتَهُ (4)بِنَدامَتِهِ، وَفَسَأْتَهُ (5)بِحَسْرَتِهِ، فَاسْتَحْذَأَ وَتَضاءَلَ بَعْدَ نَخْوَتِهِ، وَانْقَمَعَ بَعْدَ اسْتِطَالَتِهِ ذَلِيلاً مَأْسُوراً في رِبْقِ حَبائِلِهِ (6)الَّتِي كَانَ يُؤَمِّلُ أَنْ يَراني فِيهَا يَوْمَ سَطْوَتِهِ وَقَدْ كِدْتُ يا رَبِّ لَوْلَا رَحْمَتُكَ أَنْ يَحُلَّ بي ما حَلَّ بِسَاحَتِهِ.

فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَناةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلَّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لِنَعْمائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِاَلَائِكَ مِنَ الذاكِرِينَ.


1) في نسخة : «إِلَيَّ».

2) في نسخة : «إِلَيَّ».

3) في نسخة : «وَرَدَّيْتَهُ».

4) في نسخة المجلسي (رَحمهُ اللّه)(رَحمهُ اللّه) : «وَوَثَقْتَهُ».

5) في نسخة المجلسي (رَحمهُ اللّه) : «أَفْنَيْتَهُ».

6) في نسخة : «حِبالتِهِ».

إلهي وَكَمْ مِنْ حَاسِدٍ شَرِقَ بِحَسْرَتِهِ (1)، وَعَدُوُّ شَجِيَ بِغَيْظِهِ، وَسَلَقَني بِحَدٌ لِسانِهِ، وَوَخَزَنِي بِمُوقِ عَيْنِهِ، وَجَعَلَني (2)غَرَضاً لِمَرامِيهِ، وَقَلَّدَني خِلَالاً لَمْ تَزَلْ فِيهِ، نَادَيْتُكَ (3)يا رَبِّ مُسْتَجِيراً بِكَ، واثقاً بِسُرْعَةِ إِجابَتِكَ، مُتَوَكَّلاً عَلَى مَا لَمْ أَزَلْ أَتَعَرَّفُهُ مِنْ حُسْنِ دِفاعِكَ، عَالِماً أَنَّهُ لَا يُضْطَهَدُ مَنْ أوىٰ إِلى ظِلٍّ كَنَفِكَ، وَلَنْ تَقْرَعَ الْحَوادِثُ (4)منْ لَجَأَ إِلى مَعْقِلِ الْإِنْتِصارِ بِكَ، فَحَصَّشْتَني مِنْ بَأْسِهِ بِقُدْرَتِكَ.

فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْنِي لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلاَلَائِكَ مِنَ الذاكِرِينَ.

إلهي وَكَمْ مِنْ سَحَائِبِ مَكْرُوهِ جَلَّيْتَها، وَسَماءِ نِعْمَةٍ مَطَرْتَها (5)وَجَداوِلِ كَرامَةٍ أَجْرَيْتَها، وَأَعْيُنِ أَحْداثٍ طَمَسْتَهَا، وَناشِئَةِ رَحْمَةٍ نَشَرْتَها، وَجُنَّةِ عافِيَةٍ أَلْبَسْتَها، وَغَوامِرِ كُرُباتٍ كَشَفْتَها، وَأُمُورِ جارِيَةٍ قَدَّرْتَها لَمْ تُعْجِزْكَ إِذْ طَلَبْتَهَا، وَلَمْ تَمْتَنِعْ مِنْكَ إِذْ أَرَدْتَها.

فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلى


1) في نسخة المجلسي (رَحمهُ اللّه) : «بِجَسَدِهِ».

2) في نسخة : «وَجَعَلَ عِرْضي».

3) في نسخة : «فَنَادَيْتُ»

4) في نسخة : «الْفَوادِحُ».

5) في نسخة : «أَمْطَرْتَها».

محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلاَلَائِكَ مِنَ الذاكِرِينَ.

إلهي وَكَمْ مِنْ ظَنَّ حَسَنٍ حَقَّقْتَ، وَمِنْ كَسْرِ إِمْلَاقٍ جَبَرْتَ، وَمِنْ مَسْكَنَةٍ فَادِحَةٍ حَوَّلْتَ، وَمِنْ صَرْعَةٍ مُهْلِكَةٍ نَعَشْتَ (1)، وَمِنْ مَشَقَّةٍ أَرَحْتَ، لَا تُسْأَلُ (2)عَمَا تَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، وَلَا يَنْقُصُكَ ما أَنْفَقْتَ وَلَقَدْ سُئِلْتَ فَأَعْطَيْتَ، وَلَمْ تُسْأَلْ فَابْتَدَأْتَ، وَاسْتُمِيحَ بَابُ فَضْلِكَ فَمَا أَكْدَيْتَ، أَبَيْتَ إلَّا إِنْعاماً وَامْتِناناً، وَإِلَّا تَطَوُّلاً يا رَبِّ وَإِحْساناً، وَأَبَيْتُ (3)إِلَّا انْتِهَاكاً لِحُرُماتِكَ، وَاجْتِراءٌ عَلى مَعاصِيكَ، وَتَعَدِّياً لِحُدُودِكَ، وَغَفْلَةً عَنْ وَعِيدِكَ، وَطاعَةٌ لِعَدُوِّي وَعَدُوكَ، لَمْ يَمْنَعْكَ يَا إِلهِي وَناصِرِي إِخْلَالي بِالشُّكْرِ عَنْ إِثْمَامِ إِحْسانِكَ، وَلَا حَجَزَنِي ذَلِكَ عَنِ ارْتِكَابِ مَسَاخِطِكَ.

اللّهمّ وَهَذا مَقامُ عَبْدٍ ذَلِيل اعْتَرَفَ لَكَ بِالتَّوْحِيدِ، وَأَقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالتَّقْصِيرِ فِي أَداءِ حَقَّكَ، وَشَهِدَ لَكَ بِسُبُوعَ نِعْمَتِكَ عَلَيْهِ، وَجَمِيلِ عادَتِكَ عِنْدَهُ وَإِحْسانِكَ إِلَيْهِ، فَهَبْ لي يا إلهي وَسَيِّدِي مِنْ فَضْلِكَ ما أُرِيدُهُ سَبَباً إِلى رَحْمَتِكَ، وَأَتَّخِذُهُ سُلَّماً أَعْرُجُ فِيهِ إِلَى مَرْضاتِكَ، وَآمَنُ بِهِ مِنْ سَخَطِكَ، بِعِزَّتِكَ وَطَوْلِكَ وَبِحَقِّ نَبِيِّكَ محمّد صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ.


1) في نسخة : «أَنْعَشْتَ».

2) في نسخة : «لَا تُسْأَلُ يا سَيِّدي».

3) في نسخة : «وَأَبَيْتُ يا رَبِّ».

فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَناةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلاَلَائِكَ مِنَ الذاكِرِينَ.

إلهي وَكَمْ مِنْ عَبْدٍ أَمْسَى وَأَصْبَحَ فِي كَرْبِ الْمَوْتِ، وَحَشْرَجَةِ الصَّدْرِ، وَالنَّظَرِ إِلَى مَا تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجُلُودُ، وَتَفْزَعُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَأَنَا في عافِيَةٍ مِنْ ذلِكَ كُله.

فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِرِ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِاَلَائِكَ مِنَ الذّاكِرِينَ.

إِلهِي وَكَمْ مِنْ عَبْدِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ سَقِيماً مُوجِعاً (1)فِي أَنَّةٍ وَعَوِيلٍ، يَتَقَلَّبُ فِي غَمِّهِ لَا يَجِدُ مَحِيصاً، وَلَا يُسِيخُ طَعاماً وَلَا شَراباً (2)، وَأَنا فى صِحةٍ مِنَ الْبَدَنِ، وَسَلَامَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، كلّ ذلِكَ مِنْكَ.

فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلاَلَائِكَ مِنَ الذاكِرِينَ.

إلهي وَكَمْ مِنْ عَبْدِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ خائِفاً مَرْعُوباً مُشْفِقاً (3)وَجِلاً هارباً


1) في نسخة : «مُدْنِفاً».

2) في نسخة : «وَلَا يَسْتَعْذِبُ شَراباً».

3) في نسخة : «مُسَهَّداً».

طَرِيداً مُنْجَحِراً في مَضِيقٍ وَمَخْبَأَةٍ مِنَ الْمَحَابِيُّ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ بِرُحْيِهَا، لَا يَجِدُ حِيلَةً وَلَا مَنْحِيَّ وَلَا مَأوى، وَأَنَا فِي أَمْنِ وَطُمَأْنِينَةٍ وَعافِيَةٍ مِنْ ذلِكَ كُلِّه.

فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِاَلَائِكَ مِنَ الذاكِرينَ.

إلهي وَسَيِّدِي وَكَمْ مِنْ عَبْدِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ مَغْلُولاً مُكَبَّلاً فِي الْحَدِيدِ بَأَيْدِي الْعُداةِ لَا يَرْحَمُونَهُ، فَقِيْداً مِنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، مُنْقَطِعاً عَنْ إِخْوانِهِ وَبَلَدِهِ، يَتَوَفَّعُ كلّ ساعَةٍ بِأَيِّ قَتْلَةٍ يُقْتَلُ، وَبِأَيِّ مُثْلَةٍ يُمَثَّلُ بِهِ، وَأَنَا فِي عافِيَةٍ مِنْ ذلِكَ كُلِّه.

فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِاَلَائِكَ مِنَ الذاكِرِينَ.

إلهي وَكَمْ مِنْ عَبْدٍ أَمْسَى وَأَصْبَحَ يُقاسى الْحَرْبَ وَمُباشَرَةَ الْقِتالِ بِنَفْسِهِ قَدْ غَشِيَتْهُ الْأَعْداءُ مِنْ كلّ جَانِبِ بِالسُّيُوفِ وَالرِّماحِ وَآلَةِ الْحَرْبِ، يَتَقَعْقَعُ فِي الْحَدِيدِ (1)قَدْ بَلَغَ مَجْهُودَهُ لَا يَعْرِفُ حِيلَةٌ، وَلَا يَجِدُ مَهْرَباً، قَدْ أُدْنِفَ بِالْجِراحاتِ، أَوْ مُتَشَحِّطاً بِدَمِهِ تَحْتَ السَّنابِكِ وَالْأَرْجُلِ، يَتَمَنَّى


1) في نسخة : نسخة : «بِالْحَديدِ».

شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ أَوْ نَظْرَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَأَنا في عافِيَةٍ مِنْ ذلِكَ كُلِّه.

فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا یَعجَلُ، صل على محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْنِي لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلاَلَائِكَ مِنَ الذّاكِرِينَ.

إلهي وَكَمْ مِنْ عَبْدِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ فِي ظُلُماتِ الْبِحارِ وَعَواصِفِ الرِّياحِ وَالْأَهْوالِ وَالْأَمْواجِ، يَتَوقَّعُ الْغَرَقَ وَالْهَلَاكَ، لَا يَقْدِرُ عَلى حِيلَةٍ، أَوْ مُبْتَلَى بِصاعِفَةٍ أَوْ هَدْمِ أَوْ حَرْقٍ أَوْ شَرْقٍ أَوْ خَسْفٍ أَوْ مَسْخٍ أَوْ قَذْفٍ، وَأَنَا فِي عَافِيَةٍ مِنْ ذلِكَ كُلِّه.

فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلاَلَائِكَ مِنَ الذاكِرِينَ.

إلهِي وَكَمْ مِنْ عَبْدِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ مُسافِراً شاخِصاً عَنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، مُتَحَيْراً فِي الْمَفاوِزِ، تائِهَا مَعَ الْوُحُوشِ وَالْبَهَائِم وَالْهَوامّ، وَحِيداً فَرِيداً لَا يَعْرِفُ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدِي سَبِيلاً، أَوْ مُتَأَذِّيَا بِبَرْدٍ أَوْ حَرَّ أَوْ جُوعِ أَوْ عُرْقٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الشَّدائِدِ ممّا أَنَا مِنْهُ خِلْق فى عافِيَةٍ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ.

فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَناةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلاَلَائِكَ مِنَ الذاكِرِينَ.

إلهِي وَسَيِّدِي وَكَمْ مِنْ عَبْدِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ فَقِيراً عائِلاً عارياً مُمْلِقاً مُخْفِقاً مَهْجُوراً جائِعاً (1)ظَمْآنَ، يَنْتَظِرُ مَنْ يَعُودُ عَلَيْهِ بفَضْل، أَوْ عَبْدِ وَجِيهِ عِنْدَكَ هُوَ أَوْجَهُ مِنّى عِنْدَكَ وَأَشَدُّ عِبادَةً لَكَ، مَغْلُولاً مَقْهُوراً قَدْ حُمِّلَ ثِقْلاً مِنْ تَعَبِ الْعَناءِ، وَشِدَّةِ الْعُبُودِيَّةِ، وَكُلْفَةِ الرِّقٌ، وَثِقْلِ الضَّرِيبَةِ، أَوْ مُبْتَلَى بِبَلَاءٍ شَدِيدٍ لَا قِبَلَ لَهُ (2)إِلَّا بِمَنَّكَ عَلَيْهِ، وَأَنَا الْمَخْدُومُ الْمُنَعَمُ الْمُعَافَى الْمُكَرَّمُ في عافِيَةٍ ممّا هُوَ فِيهِ.

فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ذلِكَ كُلِّهِ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَناةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِاَلَائِكَ مِنَ الذَّاكِرِينَ (3).

إلهي وَسَيِّدِي، وَكَمْ مِنْ عَبْدِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ عَلِيلاً مَرِيضاً سَقِيماً مُدْنِفاً عَلى فُرُشِ الْعِلَّةِ وَفِى لِباسِها يَتَقَلَّبُ بِمِيناً وشمالاً، لَا يَعْرِفُ شَيْئاً مِنْ لَذَّةِ الطَّعامِ وَلَا مِنْ لَذَّةِ الشَّرابِ، يَنْظُرُ إِلى نَفْسِهِ حَسْرَةً لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا ضَرّاً


1) في نسخة : «خائِفاً».

2) في نسخة : «بهِ».

3) «إِلهي وَسَيِّدِي، وَكَمْ مِنْ عَبْدِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ شَريداً طَريداً حَيْرانَ مُتَحَيَّراً جائِعاً خائِفاً خاسِراً في الصَّحاري وَالْبَرَارِي قَدْ أَحْرَقَهُ الْحَرُّ وَالْبَرْدُ، وَهُوَ فِي ضُرَّ مِنَ الْعَيْشِ، وَضَنْك مِنَ الْحَيَاةِ، وَذُلُّ مِنَ الْمَقامِ، يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ حَسْرَةً لَا يَقْدِرُ لَهَا عَلَىٰ ضَرٍّ، وَلَا نَفْعِ، وَأَنَا خِلْوٌ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَناةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْنى لِأَنْعُمِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلآلَائِكَ مِنَ الذاكِرِينَ، وَارْحَمْنِي بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ». نسخة المجلسي (رَحمهُ اللّه).

وَلَا نَفْعاً، وَأَنَا خِلْوَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْنى لَكَ مِنَ الْعابِدِينَ، وَلِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلاَلَائِكَ مِنَ الذاكِرِينَ، وارْحَمْنِي بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.

مَوْلَاي وَسَيِّدي، وَكَمْ مِنْ عَبْدِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ وَقَدْ دَنا يَوْمُهُ مِنْ حَتْفِهِ، وَأَحْدَقَ بِهِ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي أَعْوانِهِ يُعالِجُ سَكَراتِ الْمَوْتِ وَحِياضَهُ، تَدُورُ عَيْناهُ يَمِيناً وَشِمَالاً يَنْظُرُ إِلَى أَحِبَائِهِ وَأَوِدَائِهِ وَأَخِلائِهِ قَدْ مُنِعَ مِن الْكَلَام، وَحُجِبَ عَنِ الْخِطَابِ، يَنْظُرُ إِلى نَفْسِهِ حَسْرَةً لَا يَسْتَطِيعُ لَها ضَرَاً وَلَا نَفْعاً، وَأَنَا خِلْوٌ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلاَلَائِكَ مِنَ الذَّاكِرِينَ، وارْحَمْنِي بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.

مَوْلَايَ وَسَيِّدي، وَكَمْ مِنْ عَبْدٍ أَمْسَى وَأَصْبَحَ فِي مَصَائِقِ الْحُبُوسِ وَالسُّجُونِ وَكُرَبِها وَذَلَّها وَحَدِيدِها يَتَداوَلُهُ أَعْوانُها وَزَبانِيَتُها فَلَا يَدْرِى أَىً حالٍ يُفْعَلُ بِهِ، وَأَيُّ مُثْلَةٍ يُمَثَلُ بِهِ، فَهُوَ فى ضُرّ مِنَ الْعَيْشِ وَضَنْك مِنَ الْحَياةِ يَنْظُرُ إِلى نَفْسِهِ حَسْرَةً لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا ضَرّاً وَلَا نَفْعاً، وَأَنَا خِلْوٌ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، فَلَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْنِي لَكَ مِنَ الْعابِدِينَ، وَلِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِاَلَائِكَ مِنَ الذَّاكِرِينَ، وَارْحَمْنِي

بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.

سَيِّدِي وَمَوْلَايَ، وَكَمْ مِنْ عَبْدِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ قَدِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ القَضاءُ، وَأَحْدَقَ بِهِ البَلاءُ، وَفارَقَ أَودَاءَهُ وَأَحِبَاءَهُ وَأَخِلاءَهُ، وَأَمْسَى أَسِيراً حَقِيراً ذَلِيلاً فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ وَالْأَعْداءِ يَتَداوَلُونَهُ يَمِيناً وَشِمَالاً قَدْ حُصِرَ في الْمَطَامِيرِ، وَثُقِّلَ بِالْحَدِيدِ، لَا يَرَى شَيْئاً مِنْ ضِياءِ الدُّنْيا وَلَا مِنْ رَوْحِها، يَنْظُرُ إِلى نَفْسِهِ حَسْرَةً لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا ضَرَاً وَلَا نَفْعاً، وَأَنَا خِلْوٌ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَناةٍ لَا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لَكَ مِنَ الْعابِدِينَ، وَلِنَعْمائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلاَلَائِكَ مِنَ الذَّاكِرِينَ، وَارْحَمْنِي بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ (1)

إلهي وَسَيِّدِي، وَكَمْ مِنْ عَبْدِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ قَدِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْقَضاءُ، وَأَحْدَقَ بِهِ الْبَلَاءُ وَالْكُفَارُ وَالْأَعْداءُ، وَأَخَذَتْهُ الرِّماحُ وَالسُّيُوفُ وَالسَّهامُ، وَجُدِّلَ صَرِيعا وَقَدْ شَرِبَتِ الْأَرْضُ مِنْ دَمِهِ، وَأَكَلَتِ السَّباعُ وَالطَّيْرُ مِنْ لَحْمِهِ، وَأَنا خِلْوٌ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ لَا بِاسْتِحْفَاقٍ مِنّي، يا لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحانَكَ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا تَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لِنَعْمَانِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِاَلَائِكَ مِنَ الذَّاكِرِينَ، وَارْحَمْنِي بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ». نسخة المجلسي (رَحمهُ اللّه).

.

1) إِلهِي وَسَيّدِي، وَكَمْ مِنْ عَبْدِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ قَدِ اشتاق إلى الدُّنْيا لِلرَّغْبَة فيها إلى أن خاطر بنَفْسِهِ ومالِهِ حِرْصاً مِنْهُ عَلَيْهَا، قَدْ رَكِبَ الْفُلْكَ وَكُسِرَتْ بِهِ، وَهُوَ فِي آفَاقِ الْبِحارِ وَظُلَمِها، و يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ حَسْرَةً لَا يَقْدِرُ لَها على ضَرَّ وَلَا نَفْع، وَأَنَا خِلْوَ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحانَكَ مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَذِي أَنَاةٍ لَا تَعْجَلُ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْنِي لَكَ مِنَ الْعابِدِينَ، وَلِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِاَلَائِكَ مِنَ الذاكِرِينَ، وَارْحَمْنِي بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

وَعِزَّتِكَ يا كَرِيمُ لَأَطْلُبَنَّ ممّا لَدَيْكَ، وَلَأُلِحَنَّ عَلَيْكَ (1)، وَلَأَمُدَّنَّ يَدِى نَحْوَكَ مَعَ جُرْمِهَا إِلَيْكَ يَا رَبِّ فَبِمَنْ أَعُوذُ وَبِمَنْ أَلُوذُ، لَا أَحَدَ لِي إِلَّا أَنْتَ، أَفَتَرُدَّنِي وَأَنْتَ مُعَوَّلِي وَعَلَيْكَ مُتَّكَلي، أَسأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي وَضَعْتَهُ عَلَى السَّمَاءِ فَاسْتَقَلَّتْ، وَعَلَى الْأَرْضِ فَاسْتَقَرَّتْ، وَعَلَى الْجِبالِ فَرَسَتْ، وَعَلَى اللَّيْلِ فَأَظْلَمَ، وَعَلَى النَّهارِ فَاسْتَنارَ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلى محمّد وَآلِ محمّد وَأَنْ تَقْضِيَ لى حَوائِجِي كُلَّهَا، وَتَغْفِرَ لي ذُنُوبِي كُلَّها صَغِيرَها وَ كَبِيرَها، وَتُوَسِّعَ عَلَيَّ مِنَ الرِّزْقِ ما تُبَلِّغُني بِهِ شَرَفَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.

مَوْلَايَ، بِكَ اسْتَعَنْتُ فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد وَأَعِنِّي، وَبِكَ اسْتَجَرْتُ فَأَجِرْنِي، وَأَغْنِنِي بِطَاعَتِكَ عَنْ طَاعَةِ عِبادِكَ، وَبِمَسْأَلَتِكَ عَنْ مَسْأَلَةِ خَلْقِكَ، وَانْقُلْني مِنْ ذُلِّ الْفَقْرِ إِلى عِزّ الْغِنَى، وَمِنْ ذُلِّ الْمَعاصي إِلى عِزّ الطَّاعَةِ، فَقَدْ فَضَّلْتَني عَلى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ جُوداً مِنْكَ وَكَرَماً، لَا بِاسْتِحْقاقٍ مِنّي.

إلهى فَلَكَ الْحَمْدُ عَلى ذلِكَ كُلِّهِ صَلِّ عَلى محمّد وَآلِ محمّد وَاجْعَلْني لِنَعْمَائِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلاَلَائِكَ مِنَ الذَّاكِرِينَ (وَارْحَمْني برَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) (2).


1) في نسخة المجلسي : «وَلَالِجَنَّ إِلَيْكَ».

2) في نسخة.

ثمّ سجد، وقال : سَجَدَ وَجْهِيَ الدَّلِيلُ لِوَجْهِكَ الْعَزِيزِ الْجَلِيلِ، سَجَدَ وَجْهِيَ الْبَالِي الْفَانِي لِوَجْهِكَ الدّائِمِ الْباقِي، سَجَدَ وَجْهِيَ الْفَقِيرُ لِوَجْهِكَ الْغَنِيُّ الْكَبِيرِ، سَجَدَ وَجْهِي وَسَمْعِي وَبَصَرِي وَلَحْمِي وَدَمي وَجِلْدِي وَعَظْمي وَمَا أَقَلَّتِ الْأَرْضُ مِنّي اللّه رَبِّ الْعالَمِينَ.

اللّهمّ عُدْ عَلى جَهْلي بِحِلْمِكَ، وَعَلَى فَقْرِي بِغِناكَ، وَعَلَى ذُلِّي بِعِزِّكَ وَسُلْطائِكَ، وَعَلَى ضَعْفِي بِقُوَّتِكَ، وَعَلَى خَوْفِي بِأَمْنِكَ، وَعَلَى ذُنُوبي وَخَطَايَايَ بِعَفْوِكَ وَرَحْمَتِكَ يا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ.

اللّهمّ إِنِّي أَدْرَأُ بِكَ في نَحْرِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ فَاكَفِنِيهِ بما كَفَيْتَ بِهِ أَنْبِيَاءَكَ وَأَوْلِياءَكَ مِنْ خَلْقِكَ وَصالِحى عِبادِكَ مِنْ فَراعِنَةِ خَلْقِكَ، وَطُغَاةِ عُداتِكَ، وَشَرِّ جَمِيع خَلْقِكَ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ، إِنَّكَ عَلى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَحَسْبُنَا اللّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (1).

وبعد فراغ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من دعائه الشريف التفت إلى أصحابه يهدّئ روعهم، ويفيض عليهم قبساً من علمه المستمد من علم جدّه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قائلاً: «لِيُفَرَّجَ رَوْعُكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتي أَوَّلُ كتابٍ مِنَ الْعِراقِ إِلَّا بِمَوْتِ مُوسَى الْهادي».

فانبروا يطلبون منه أن يكشف لهم الحجاب قائلين : وما ذاك أصلحك اللّه ؟

وَحُرْمَةً صاحب هذَا الْقَبْرِ - وأشار إلى قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)- قَدْ مَاتَ مُوسَى الْهَادِي مِنْ


1) يُعرف هذا الدعاء بدعاء الجوشن الصغير، وقد ذكره السيّد ابن طاووس في مهج الدعوات : 268 - 275، والشيخ عبّاس القمي في مفاتيح الجنان، نقلاً عن الكفعمي في هامش كتاب البلد الأمين، وذكره ابن شهرآشوب في المناقب، وقد اختلفت نسخ الدعاء في هذه المصادر.

يَوْمِهِ هذا، وَاللّه «إِنَّهُ لَحَقِّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ» (1).

فتفرّق القوم وهم ينتظرون بفارغ الصبر ورود البريد من العراق، فما كان بأسرع من أن وافاهم وهو يحمل لهم البشرى بهلاك الطاغية.

وقد نظم بعض أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) هذه الكرامة التي جرت على يد الإمام بقوله :

وَسارِيَةٍ (2)لَمْ تَسْرِ فِي الْأَرْضِ تَبتَغَى***مَحِلاً وَلَمْ يَقْطَعْ لَها البُعْدَ قاطع

سرَتْ حَيثُ لَمْ تَحدُ الرُّكابُ وَلَمْ تُنخ***مَحِلّاً وَلَمْ يَعْصُرْ لَها البُعد مانِعُ

تَمُرُّ وَراءَ اللَّيلِ وَاللَّيلُ ضارِبٌ***بِجُثْمانِهِ فيهِ سَمِيرٌ وَهاجِعُ

تَفَتَّحُ أَبوابُ السَّماءِ وَدونَها***إِذا قَرَعَ الأَبْوابَ مِنْهُنَّ قارعُ

إِذا وَرَدَتْ لَمْ يَرْدُدِ اللّه وَفْدَها***عَلى أهْلِها وَاللّه راءٍ وَسامِعُ

وَإِنِّي لَأَرْجو اللّه حتّى كَأَنَّني***أرى بِجَميلِ الظَّنِّ ما هُوَ صانِعُ (3)

هلاك موسى الهادى

واستجاب اللّه دعاء وليّه العبد الصالح، فأهلك عدوّه الطاغية الجبّار، فأراح العباد والبلاد من شرّه وجوره، أمّا سبب وفاته فتعزوه بعض المصادر إلى قرحة كانت في جوفه فهلك منها (4).

وصرّحت أكثر المصادر أنّ أمّه الخيزران غضبت عليه لأنه قطع نفوذها لقصة


1) الذاريات 51: 23.

2) وسارية : أي ربّ سارية أخذت من السري، وهو السير بالليل، والمراد ربّ دعوة لم تجر : في الأرض، بل صعدت إلى السماء فلم يقطعها قاطع لبعد المسافة فصعدت إلى اللّه فاستجاب الدعاء وانتقم من الظالمين.

3) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 77.

4) تاريخ الأمم والملوك : 6: 421.

مشهورة، وأنّها خافت منه على ولدها هارون الذي كان أحبّ إليها من الدنيا ومن فيها (1)، فأوعزت إلى جواريها بخنقه، فعمدت الجواري إلى قتله وهو نائم (2).

ومهما يكن من أمر، فقد انطوت صفحة هذا الطاغية، ولم تطل أيّامه، فقد كانت خلافته سنة وبضعة أشهر، ولكنّها كانت مجهدة وثقيلة على المسلمين، فقد واجهوا فيها أعنف المشاكل وأكثرها محنة وصعوبة، فقد رأوا رؤوس أبناء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) على الرماح يطاف بها في الأقطار والأمصار، وأسراء هم يقتلون ويصلبون، لم ترع فيهم حرمة الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ولا حرمة الإسلام الذي فرض ودهم على جميع المسلمين.

وممّا زاد في محنة المسلمين وعنائهم أنّ موسى الهادي أقبل على اللهو والعبث والمجون، وأخذ يصرف الخزينة المركزية على شهواته، ويهب أضخم الأموال للمغنين غير حافل بما ألزم به الإسلام من الاحتياط الشديد في أموال المسلمين، وحرمة صرفها في غير صالحهم وتطوّرهم الاقتصادي.

لقد رأى الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) تلك الأحداث الجسام، ورافق كثيراً من مآسيها فزادته عناءاً وجهداً، فقد رأى الحق مضاعاً، والعدل مجافى، ولم يكن هناك أي ظلّ للحياة الإسلاميّة، فقد خالفت السلطات الحاكمة آنذاك جميع ما أثر عن الإسلام في عالم السياسة والاقتصاد والإدارة.

إلى هنا ينتهي بنا الحديث في الجزء الأول من هذا الكتاب، ونلتقي مع القراء في الجزء الثاني فنقدم لهم عرضاً شاملاً لبعض شؤون الإمام وأحواله.

الحمد للّه ربّ العالمين وصلى اللّه على سيّدنا محمّد وعلى آله الطاهرين


1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 422.

2) الوزراء والكتّاب : 175 تاريخ اليعقوبي : 3 : 138.

المحتويات

الإهداء...7

تقديم...9

ولادته ونشاته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

29 - 48

الوليد المبارك...37

إطعام عام...39

الطفولة الزاكية...40

حبّ وتكريم...40

صفته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...41

هيبته ووقاره (عَلَيهِ السَّلَامُ)...41

نقش خاتمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...42

كنيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...42

ألقابه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...43

الصابر...43

الزاهر...43

العبد الصالح...43

السيد...43

الوفيّ...44

الأمين...44

قائد العسكر...44

الكاظم...44

ذو النفس الزكية...45

باب الحوائج...45

عبقَريَّة ونبوغ

49 - 62

العوامل المؤدّية إلى بناء الكيان التربوى :

1 - الوراثة...51

2 - الأسرة...53

3 - البيئة...54

ذكاء ونبوغ...55

مع أبي حنيفة...57

حكمه على أبي الخطاب...59

في جامعة الأمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)...

63 - 96

المؤسّس الأوّل...66

في عهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)...70

عوامل النموّ والازدهار...71

المركز العامّ...73

البعثات العلميّة...73

عدد طلابها...74

فروعها...75

الأخصائيّون من طلّابه...77

تدوين العلوم...77

اعتزاز و افتخار...81

طابعها الخاصّ...82

فزع السلطة...84

المناهج التربوية...86

مكارم الأخلاق...86

العدل...89

إيثار الحق...90

الإصلاح...90

الظلم...90

التعاون...91

معرفة اللّه تعالى...92

صفات المؤمنين...93

الورع...95

في عهد الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)...95

من مثليه العليا

97 - 157

إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...99

معنى الإمامة...100

الحاجة إلى الإمامة...100

الاتّفاق على وجوبها...101

واجبات الإمام...102

صفات الإمام...104

1 - العصمة...105

2 - تعيين الإمام...109

كلمة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)...11

نصوص الإمامة...118

النصّ على إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...122

1 - المفضّل بن عمر...122

2 - يزيد بن سليط...122

3 - داود بن كثير...123

4 - الفيض بن المختار...124

5 - إبراهيم الكرخي...124

6 - عيسى العلوي...125

7 - معاذ بن كثير...126

8 - منصور بن حازم...126

9 - سليمان بن خالد...127

10 - صفوان الجمال...127

11 - إسحاق بن جعفر...127

12 - علي بن جعفر... 128

13 - يزيد بن أسباط...128

14 - سلمة بن محرز...128

15 - زرارة بن أعين...129

16 - بعض الشيعة...132

17 - بعض أصحابه...132

مواهبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) العلميّة...132

عبادته وتقواه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...133

1 - صلاته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...134

2 - صومه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...138

3 - حجّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...138

4 - تلاوته (عَلَيهِ السَّلَامُ) للقرآن...142

5 - بكاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خشية اللّه تعالى...143

6 - عتقه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للعبيد...143

زهده (عَلَيهِ السَّلَامُ)...143

جوده وسخاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...144

1 - محمّد البكري...146

2 - غلام زنجي...146

3- عيسى بن محمّد...148

4 - فقير...149

حلمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...150

إرشاده وتوجيهه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...152

إحسانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الناس...155

انطباعاتٌ عَن شخصيتِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

159 - 175

1 - الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)...161

2 - هارون الرشيد...162

3- ابن الساعي...162

4 - اليافي...163

5 - ابن الجوزي...163

6 - أبو حاتم...163

7 - الذهبي... 163

8 - القرماني... 163

9 - الزركلي... 164

10 - البخشي... 164

11 - الخزرجي... 164

12 - العسقلاني...165

13 - فكري...165

14 - زكي مبارك...165

15 - ابن الصباغ...165

16 - الطبرسي...166

17 - محمّد أمين غالب...166

18 - السيّد كاظم اليماني...166

19 - ابن معيّة...167

20 - ابن شهرآشوب...167

21 - ابن شدقم...167

22 - الصوفي...168

23 - الصبّان...168

24 - الهيتمي... 168

25 - ابن واضح... 168

26 - الشعراني... 168

27 - النبهاني...169

28 - الشافعي...169

29 - الشيخ المفيد...169

30- حفص...170

31 - الشبلنجي...170

32 - الإربلي...170

33 - الخطيب البغدادي...172

34 - الدكتور محمّد يوسف...172

35- خواجه کلان...172

36 - النسابة أحمد بن علىّ...173

37 - القراغولي...173

38 - السويدي البغدادي...173

39 - جمال الدين الأتابكي...173

40 - الدكتور عبد الجبّار الجومرد...174

مِنْ تُراثه الفكري

177 - 297

رسالته في العقل...179

1 - وجوب الاستدلال...181

2 - حدوث الهداية...181

الآثار التي يستدلّ بها على وجه اللّه تعالى :

1 - خلق السموات...183

2 - الأرض...184

3 - اختلاف الليل والنهار...187

4 - جريان الفلك...188

5 - نزول الماء من السماء...188

6 - بثّ الدواب في الأرض...189

7 - تصريف الرياح...191

8 - تسخير السحاب...192

استدل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآيات على ذمّ مَن لا يعقل :

لآية الأولى...199

الآية الثانية...200

الآية الثالثة...200

الآية الرابعة...200

الآية الخامسة...200

الآية السادسة...201

استدل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآيات الثلاث على ذمّ أكثر الناس :

الآية الأولى...202

الآية الثانية...202

الآية الثالثة...202

استدل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآيات الكريمة على مدح العقلاء الكاملين :

الآية الأولى...206

الآية الثانية...206

الآية الثالثة...206

الآية الرابعة...206

الآية الخامسة...207

الآية السادسة... 207

الآية السابعة... 207

الآية الثامنة... 207

رسالته في التوحيد...228

البداء...233

المعنى اللغوي...233

حقيقته عند الشيعة...233

الانكار على الشيعة...237

1 - سليمان بن جرير...237

2 - الفخر الرازي...237

3 - أحمد أمين...238

إنكار اليهود...238

رأي الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)...239

الإيمان باللّه تعالى...241

العلم...243

التّفقّه في الدين...244

مجالسة العلماء...245

فضل الفقهاء...245

العمل...246

التحذير من الكسل...247

الاقتصاد...248

مكارم الأخلاق...249

الورع...249

الصبر...249

السخاء وحسن الخلق...250

قول الخير...250

العفو والإصلاح...251

الصمت...251

زيارة الإخوان...251

إغاثة المستجير...252

قول الحق...252

حسن الجوار...253

الرضا بقضاء اللّه تعالى...253

شكر النعمة...253

محاسبة النفس...253

الاستشارة...254

مساوئ الأفعال...255

اتباع الهوى...255

العقوق...255

استصغار الذنب...255

المزاح...256

أدعيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 257

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ظالم له...257

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند الحاجة...263

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لوفاء الدين...263

دعاء الحجاب...264

وعظ وإرشاد...265

وصيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض ولده...265

إرشاد وتوجيه...265

وصية عامة...266

الحثّ على فعل الخير...266

مناظراته واحتجاجاته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...268

1 - مع نفيع الأنصاري...268

2 - مع الفضل بن الربيع...269

3 - مع أبي يوسف...269

4 - مع أبي حنيفة...270

5 - مع هارون الرشيد...271

6 - مع علماء اليهود...281

7 - مع بريهة...282

8 - مع راهب...283

نظمه الشعر...285

جوامع الكلم...287

إنهيار الحكم الأمويّ

299 - 344

التنكيل بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)...302

اضطهاد الشيعة...306

واقعة الحرّة...307

سياسة الكفر والظلم...308

السياسة المالية...313

الضرائب الإضافيّة...315

اصطفاء الأموال...317

رفض الناس لأملاكهم...317

الولاة والجباة...318

احتقار الشعوب...322

اضطهاد الذمّيّين...323

ظلمهم للموالي...324

خلاعة الخلفاء...326

يزيد بن عبدالملك...326

العصبيّة بين اليمنيّة والنزارية...329

نتائج الأحداث...331

1 - الثورات المحلية...331

2 - الدعوة إلى العلويّين...331

3 - الاضطراب العامّ...334

الثورة الكبرى...335

مؤسسو الثورة... 336

مركز الثورة...337

مؤتمر الأبواء...338

انتخاب أبي مسلم...339

وصيّة إبراهيم لأبي مسلم...339

في خراسان...340

مع نصر بن سيّار...341

في عهد السّفّاح

345 - 367

وقعة الزاب...349

هرب الأمويّين...352

الإبادة الشاملة...352

1 - في البصرة...353

2 - في مكة والمدينة...353

3- في الحيرة...354

نبش قبور الأمويّين...356

السفاح والعلويّون...357

موقف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)...359

1 - مع العلويّين...360

2 - مع أبي سلمة...361

3 - مع أبي مسلم...364

ندم أبي مسلم...364

وفاة السفّاح...366

في عهد المنصور

369 - 443

مظاهر شخصية المنصور...373

أولاً : البخل...373

حرمانه لنفسه...374

الشحّ على الأصدقاء...375

حرمانه الأدباء...376

مع المهدي...379

مع الفقيه ابن السمّان...381

مع عمّاله...382

أسباب حرصه...383

ثانياً : الاستبداد...384

ثالثاً : الفتك والتنكيل...385

1 - أبو مسلم...385

2 - عبداللّه بن عليّ...386

3 - محمّد بن أبي العبّاس...388

رابعاً : موبقاته...388

1 - ترويع المدنيين...388

2 - الاستهانة بالكعبة...391

3 - اختلاس الأموال...391

4 - التنكيل بالعلويّين...392

بواعث الثورة...393

1 - الشعور بالمسؤولية...393

2 - الشمم والإباء...394

3- حرمانهم من حقوقهم...395

كلمة الإمام ابن الساعي...396

التجسّس على العلويّين...398

القبض على العلويّين...400

حملهم إلى العراق...401

لوعة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)...402

رسالته (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عبد اللّه...403

في الربذة...409

في الهاشميّة...410

مصادرة أموال العلويّين...413

ثورة الزكي محمّد...413

ثورة الزكيّ إبراهيم...417

وضعهم في الاسطوانات...422

خزانة رؤوس العلويّين...423

استرحام العلويّين...424

الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذمة الخلود...425

رجوع الشيعة للإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)...530

الإنكار على سياسة المنصور...433

1 - عبداللّه بن طاووس...433

2 - سفيان الثوري...434

3 - ابن أبي ذئب...435

4 - عبدالرحمن بن زياد...437

5 - مصلح كبير...438

6 - عمرو بن عبيد...440

الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع المنصور...440

هلاك المنصور...442

في عهد المهديِ

445 - 466

خلاعته ومجونه...448

بذخه وإسرافه.....451

نفوذ المرأة...453

الرشوة والظلم...453

العناية بالوضاعين...454

عداؤه للعلويّين...455

إغداق الأموال على انتقاصهم...457

نكبته لوزيره يعقوب...458

مع الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)...461

استدلاله على حرمة الخمر...461

تحديد فدك...462

توسعة المسجد الحرام...463

اعتقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...464

وفاة المهدي...466

في عهد الهادي

467 - 499

نزعاته...469

غروره وطيشه...470

لهوه ومجونه...470

شراسته...471

عداؤه للعلويّين...471

كارثة فخَّ...471

الحسين الثائر العظيم...472

نسبه الوضاء...472

نشأته...473

نزعاته الفذّة...473

ما أثر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فيه...475

ما أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه...475

السبب في ثورته...476

شهادته...480

وصول الأسرى إلى الهادي...483

تهديده للإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)...484

استهزاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) به...485

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليه...486

هلاك موسى الهادي...498

محتويات الكتاب...501