ghaemiyeh.com
مقدمات كتب تراثية الجزء الاول
السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان عفي عنه
النجف الأشرف ، مكتبة الروضة الحيدرية
هاتف 334485
الناشر : دليل ما
المطبعة : نقارش
الطبعة الأولى
سنة النشر: رجب 1427 ه-
عدد النسخ : 1500 نسخة
محرر الرقمي: عليرضا حقاني فر
مقدمات كتب تراثية الجزء الاول
السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان عفي عنه
النجف الأشرف ، مكتبة الروضة الحيدرية
هاتف 334485
الناشر : دليل ما
المطبعة : نقارش
الطبعة الأولى
سنة النشر: رجب 1427 ه-
عدد النسخ : 1500 نسخة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب فجعله نوراً وهدىً للعالمين.
والصلاة التامة الدائمة القائمة على خير خلقه أجمعين، محمّد سيّد المرسلين، وخاتم النبيين، وأفضل الصلاة والتسليم على آله الميامين، الأئمة الهادين المهديين.
و رضي الله عن الصحابة المهتدين بهدي الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) من بعده فحملوا سننه إلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد لمّا استجبت لطلب إدارة مكتبة الروضة الحيدرية في اعادة ما كتبته من مقدّمات لبعض الكتب التراثية مجموعة ربّما خرجت في جزئين، فهي إذن صارت كتاباً مؤلفاً وله مؤلف يقتضي تعريفه، ولابدّ في اصدارها من كتابة مقدّمة، فلتكن المقدّمة على نهج ما في تلك المقدّمات من تعريف المؤلف والمؤلّف، إذن فأنا سأتحدث عنهما على النحو التالي:
أوّلاً: صفحة من العمر من دون تزويق وأنا في نهاية الطريق.
ثانياً: بداية الحديث عن المقدّمات تاريخياً.
ثالثاً: ماذا تحتوي المجموعة من المقدّمات المطبوعة؟
رابعاً: ماذا لها من توابع مطبوعة في غير هذه المجموعة؟
خامساً: هل وراء ذلك من دراسات مشابهة لم تر النور بعد؟
فأوّلاً: صفحة من العمر من دون تزويق وأنا في نهاية الطريق:
مالي لا أترجم لنفسي بقلمي أسوة بمن ترجموا لأنفسهم من مشايخي في العلم والرواية في كتبهم بأقلامهم ، فقد كتب شيخنا المغفور له صاحب الذريعة شيئاً من ترجمته في أوّل مصفى المقال وذكر مؤلفاته في الذريعة كل في مكانه حسب اسمه، وأمّا سيّدنا الأستاذ المغفور له السيد الخوئي فقد ترجم لنفسه في معجم رجال الحديث(1).
1) معجم رجال الحديث 22: 22 - 26 ط الآداب في النجف.
وأنا لمّا منَّ الله سبحانه علىَّ أن وفقنى لطلب العلم وألهمني حبّه منذ بداية شبابي وحتّى اليوم، وها أنا قد بلغت من العمر ما صح فيَّ (زرع آن حصاده) فأسأله تعالى العفو والرضوان فأقول في ترجمتي بقلمي في سطور:
فأنا محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان:
1 - ولدت في النجف الأشرف في 9 رجب سنة 1347 ه- كما سمعته من المرحوم السيد الوالد(قدّس سرّه)وثمة تاريخ شعري في ذلك.
2 - ربّيت بين أبوين كريمين فجزاهما الله عني خيراً فقد أحسنا التربية على معاناة من شظف العيش أسوة بالآخرين من مجتمع الأسرة والجيران، إذ لم يولد أحدهم وفي فمه ملعقة ذهب، فكان الإيمان عند الجميع أقوى من المادة.
3 - أدخلت الكتاب وأنا قد تعلمت القراءة قبل ذلك عند الوالدة رحمها الله، واستدارت أيام التعليم على عدة كتاتيب بمثابة النجاح من صف إلى صف، وأخيراً في منتدى النشر وإلى جانب مناهجها كانت الدراسة الحوزوية التقليدية وسرت فيها من السطوح وحتّى الخارج.
4 - وإلى جانب ذلك كانت المجالس العلمية وهي بحق خير مدارس، وكان أحدها مجلس أسرتنا الّذي رعاه المرحوم الوالد طيلة ثلاثة عشر عاماً في كل يوم عصراً، وفي كل يوم خميس صباحاً وهذا الأخير استمر أكثر من ذلك بكثير، فتعلمت من آداب المجلس والحديث مع المشايخ، وقد ذكرت جانباً من ذلك في كتاب ذكرياتي في حياتي ولا ينشر لو قدر له النشر إلا بعد وفاتي لما فيه من حقائق مرّة .
5 - بدأت علاقتي بالكتاب حين كتبت عن الصحابي الجليل ابن عباس حبر الأُمة، ولم أكن أملك كتاباً واحداً يسعفني في حاجتي سوى كتاب شرح نهج البلاغة للمعتزلي ومروج الذهب للمسعودي وبعض أجزاء البحار في مكتبة المرحوم السيّد الوالد(قدّس سرّه)، فكان من الطبيعي أن أسعى في طلب المصادر في المكتبات العامة، وليس يومئذٍ منها في النجف الأشرف سوى مكتبة المرحوم المغفور له الحجة الشيخ كاشف الغطاء(قدّس سرّه)في مدرسته، ومكتبة الحسينية
الشوشترية، والاستفادة منهما برهن مجيئ الناظر ليفتح المكتبة، ولي في ذكر ياتي عنها بعض الحديث.
6 - ومرت السنون سراعاً وقد استعرتْ الدنيا نار الحرب العالمية الثانية ثم ما بعدها من حروب وادلهمت الخطوب، وعشناها أياماً مريرة وعسيرة، خشية معتد غاشم وسطوة حاكم ظالم كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا(1)وما أن أُطيح أخيراً بالصنم، حتّى ازداد الخطب والليل ادلهم، فرج الله عن المؤمنين بظهور المصلح المنتظر عجل الله فرجه الشريف، وجعلنا من أنصاره وأعوانه والذابين عنه والممتثلين لأوامره والمستشهدين بين يديه، كما في دعاء العهد.
7 - لقد وُفقت لتأليف عدة كتب كما وفّقت لتقديم عدة كتب من تأليف الآخرين، وعربت كتاباً وبعض الفصول من كتب فارسية.
8 - ولي بحوث في شتى فنون المعرفة من فقه وتفسير وحديث ورجال وتاريخ وأنساب وآداب.
9 - لقد حاولت بقدر ما وسعني أنّي ما أضعت عمري فيما لا ينفعني حسب نظري، فلم أدخل في السياسة مطلقاً، ولا انتميت إلى أي حزب مهما كان الشعار براقاً والبرقع شفّافاً ولا إلى أي جمعية أو مؤسسة أيضاً، إيماناً عميقاً بصحة ما في أوّل الصحيفة السجادية من قول الإمام الصادق(عليه السلام): ( ما خرج ولا يخرج منّا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحدٌ ليدفع ظلماً أو يُنعش حقاً إلّا اصطلمته البلية وكان قيامه زيادة فى مكروهنا وشيعتنا) .
وفي التاريخ شواهد كثيرة على صحة ذلك.
10 - وأقمت حياتي وقومتها - وليس من الغرور العلمي ولا التباهي - لو تحدثت فقلت إن تجربتي في الحياة كانت ناجحة ونافعة فيما رأيت خير نهج لحياة طالب العلم أن يستقيم، معتمداً على الربّ الكريم الرحيم، وينصرف مكباً علی درسه وكتابه ولا يتمنى بلوغ الغاية من دون سلوك الطريق الموصل إليها. والعلم ليس حكراً على قوم دون قوم، ولا حصراً في فئة، ولا وراثة في الحياة ،
1) الأعراف: 38.
بورثها الآباء إلى الأبناء، فكم من عصامي ساد العظاميين بعلمه.
11 - ولقد كانت تمر بي خواطر وخوالج فأفزع إلى التنفيس عن نفسي من ضغطها بنظم قد لا يكون خاضعاً لبحور العروض ولكنه على كل حال فهو معبّر عن حالة فيها تسجيل موقف، وقد تجمّع من ذلك ما سميته ديواناً.
12 - ولقد أنعم الله عليَّ فهداني إلى سواء الصراط، فلم أرغب في حبّ الظهور ولا تباهيت بالغرور، ولولا أن التحدث بنعمة الله تعالى مأمور به فقال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِثْ(1)لما ذكرت كثيراً ممّا مرّ ممّا يوحي بحب الذات وطموح النفس، ورحم الله البوصيري إذ يقول:
والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على*** حبّ الرضاع وإن تفطمه ينفطم
13 - ومن نعم الله تعالى عليَّ أن انصرفت إلى جانب البحث والتحقيق والتأليف، وفي ذلك تعويض خدماتي للناس عمّا يقوم به الغير في صراط تفعيل العلم في جهات أخرى، ربّما تكون المسؤولية الشرعية فيها أكبر وأخطر.
14 - ومن نعم الله عليّ تمكنت من ضبط هواي من الاندفاع وراء مغريات في الحياة كثيرة أتيحت لي فرصتها، فأعرضت عنها خشية السقوط وسوء العاقبة وسوء الحساب.
وحسبي بهذا أكتفي، وفيما أظن أني عرضت صفحة من العمر كما عشتها من دون تزويق وأنا في نهاية الطريق، وحسبي بما عرضت صورة صادقة فيما حسبت، ربنا لا تؤاخذني إن نسيت أو أخطأت.
مقدمات كتب تراثية :
والآن إلى الحديث عن المجموعة فى هذا الكتاب (مقدمات كتب تراثية) فقد استعرضت فيها جملة من كتب التراث الإسلامى تحقيقاً وتقديماً، أو تقديماً فقط وقد قاربت الثلاثين، كان أوّلها في سنة 1382 ه- أي قبل نصف قرن تقريباً، وقد
1) الضحى: 11.
طبع بعضها مكرراً، وزيد في بعض مقدماتها تنقيحاً واضافة، فمنها ما طبع باسمي، ومنها ما طبع خلواً من ذلك. إذ ليس يعنيني اثبات الاسم بقدر ما كانت تعنيني خدمة المؤلف والمؤلّف لغرض إفادة القارئ، فذلك حسبي، وعليه أرجو الإثابة من ربّي جلّ وعلا.
وقد سبقت قبل اليوم رغبة الكثير في أن أجمع تلك المقدّمات في كتاب واحد لإفادة من لا يتيسر له الحصول على أصول الكتب المتعلقة بها، فكنت أسوّف - وكم بالتسويف والآمال أفنيت عمري - لقساوة الظروف التي عشناها مريرة وخطيرة، ولها أحكامها الجائرة القاهرة، وكم من مرة كادت ولما، ولولا رحمة ربي لكنت من الهالكين، حتّى أن بعض المحبين هو المرحوم الحاج عبدالحسن الراضي صاحب مكتبة التربية ببغداد رغب في اعادة طبع كتاب (مكارم الأخلاق) للطبرسى مع المقدّمة فطبع الكتاب فى بيروت، ولما أراد إدخاله إلى العراق حجز في الحدود ومنع من ذلك، وبعد محاولات طويلة ومداولات تخللتها هدايا وهبات، فسمح له بإدخال الكتاب من دون المقدّمة، فاضطر إلى إعادته إلى بيروت واستخراج المقدّمة، ولكن الاسم بقي على ظهره مطبوعاً قدّم له فلان، فحدثت مشاكل جديدة للناشر مع القرآء الذين يشترون الكتاب ثم يعودون إليه مطالبين بالمقدمة، فعانى من جراء ذلك الإجراء التعسفي عناء شديداً، وما تلك المعاناة إلا بعض ما كان يلقاه أبناء عمله من أبناء لحمته (1).
1) ومهما تناسينا الذين طالتهم يد القهر بالتسفير من أصحاب المكتبات ودور النشر في النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية وبغداد وكركوك والبصرة وغيرها، فإنّا لا ننسى المرحوم الشيخ محمد كاظم الكتبي صاحب المكتبة الحيدرية الذي كان أنشط وأبرز الناشرين للتراث الإسلامي في العراق، فكم أنقذ مخطوطاً من براثن العثّ فطبعه، وكم من مطبوع قلت نسخته وعظمت فائدته بادر إلى طبعه ويسّره للقراء بثمن بخس، ومن سخرية القدر أن يسفّر هذا الرجل إلى ايران وهو ليس من أتباعها رسماً، بل كان أبوه وأعمامه أصلهم من أتراك قفقاسية، لكن النصب والحقد الأعمى لا يعرف الحدود ولا الجدود وإنما ذكرت هذا الرجل بالخصوص لأنه ناشر 22 كتاباً من هذه المجموعة التي بين يديك فرحمة الله عليه.
ثانياً: بداية الحديث عنها تاريخياً :
إنّ هذه المقدّمات التي بين يدي القارئ ليس ترتيبها حسب زمان صدورها، بل اتخذت مساراً جديداً وفي نظري كان نهجاً صواباً، وذلك أني قدّمت رسائل الطبّ الثلاث، لشرف انتسابها فالأولى باسم (طبّ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)) والثانية باسم(طب الأئمة(عليهم السلام)) والثالثة باسم (طبّ الإمام الرضا(عليه السلام)) وهي الرسالة الذهبية.
لاعتبار شرف النسبة مضافاً إلى تقدّمها زماناً، ثمّ رتبت الباقيات الصالحات حسب وفيات أصحابها، فأولها مجموعة من مؤلفات الشيخ الصدوق
(رحمة الله علیه) المتوفى سنة 381ه- ورتبتها حسب سنيّ صدورها، نظراً لوجود الإحالة في بعضها على البعض الآخر، ثم يأتي من بعدها مقدّمة كتاب الإختصاص للشيخ المفيد(رحمة الله علیه) المتوفى سنة 413 ه- وهكذا الأقدم فالأقدم، وسيأتي ذكرها جميعاً مُرتبة كما يجدها القارئ.
ولمّا كانت هذه المقدّمات لكتب تراثية، وكانت أقدم مجموعة منها هي من مؤلفات الشيخ الصدوق له ، وهذا الرجل كما سيأتي في ترجمته في مقدّمات كتبه كان قد زار المرقد الشريف في النجف الأشرف حين أتى الكوفة في طريقه إلى الحج ذاهباً وعائداً، وسمع الحديث من جماعة من شيوخ العلم والحديث، وأفادنا بفائدة لم أقف على مثلها عند غيره فيما يتعلق بتاريخ النجف العلمي.
وإن كان من نافلة القول أن أتحدّث للقارئ عن النجف الأشرف وأنّها مثوى الإمام أمير المؤمنين على(عليه السلام)وهو باب مدينة علم النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) ، لذلك أضحت مأوى طلاب العلم وملتقى العلماء منذ أكثر من ألف عام، ولكن لتصحيح خطأ شائع ذائع، بأنّها إنّما أضحت حاضرة علمية منذ هاجر إليها الشيخ الطوسي سنة 448 ه- فهو الذى أسس الحوزة، وهذا خطأ ،محض، بل كانت هي حاضرة علمية من قبل أن يهاجر إليها شيخ الطائفة بما يقرب من قرن، وإنما الشيخ(قدّس سرّه ) حين أتاها شَيد بنيانها وقوّم أركانها، فلم تكن يباباً من العلماء، ولا خالية من طلاب العلم، بدلالة ملتقى العلماء والوافدين من زوّار المشهد بالعلماء الساكنين هناك واستماع
الحديث منهم والأخذ عنهم، ومثالاً على ذلك:
إنّ من راجع ترجمة الشيخ الصدوق ابن بابويه المتوفى سنة 381 ه- صاحب كتاب من لا يحضره الفقيه، يجده قد أتى الكوفة في سنة 354 ه- في طريقه إلى الحج وعاد إليها بعد الحجّ في سنة 355 ه- وفي تلك الرحلة سمع بالكوفة وبالمشهد من مجموعة من أعلام الطائفة ومن غيرهم، وقد وردت أسماؤهم وسماعاته منهم في جملة من كتبه كالأمالي وعيون أخبار الرضا(عليه السلام)والخصال وغيرها. وإلى القارئ بعض ذلك:
قال المرحوم سيّدنا الوالد(قدّس سرّه )في حياة الشيخ الصدوق في مقدمة كتاب (من لا يحضره الفقيه)ص/ ق = 100 طبع النجف سنة 1377 ه-:
12 - الكوفة :وردها في طريقه إلى الحج سنة 354 ه- وسمع في مسجدها الجامع من جماعة كمحمّد بن بكران النقاش، وأحمد بن إبراهيم بن هارون الفامي، والحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي، وأبي الحسن بن عيسى المجاور في مسجد الكوفة، وسمع من نفر آخرين في أماكن أخرى، فقد سمع من محمد بن عليّ بن الفضل الكوفي في مسجد أمير المؤمنين(عليه السلام)في الكوفة - والظاهر مشهد بدل مسجد(1)- وأبى الحسن على بن الحسين بن شقير بن يعقوب بن الحرث بن إبراهيم الهمداني في منزله بالكوفة، وسمع من أبي ذر يحيى بن زيد بن العباس بن الوليد البزاز والحسن بن محمّد السكوني المزكي سمع منهما بالكوفة، ولا نعلم موضع سماعهما من البلد(2).
1) ذكر سماعه في الأمالي المجلس 61 الحديث 4 في ص 345 ط الحيدرية، والرجل ترجمه النجاشي وأثنى عليه كثيراً، وراجع معجم رجال الحديث لسيدنا الأستاذ 16: 381 ط الآداب في النجف.
2) وقد فات سيدنا رحمه الله تعالى ذكر سماع الصدوق من رجل في الكوفة من أهل المعرفة باللغة ولم يسمّه، بل نقل عنه كما في ج 4 / 261 في نوادر الكتاب من كتابه (من لا يحضره الفقيه).
فسماع الشيخ الصدوق(رحمة الله علیه) في الكوفة من تسعة أشخاص علماء ينبئ عن وجود حوزة تضم طلاب علم وعلماء، والكوفة بما فيها ظهر الكوفة كانت لأهلها موطناً، وللوافدين عليها لغرض طلب العلم قطناً، والتصريح بسماعه من محمد بن الفضل الكوفي في مسجد أميرالمؤمنين
(عليه السلام) الصريح في ذلك إذ لا يعني ذلك إلا المشهد المقدس.
ثالثاً: ماذا تحتوي هذه المجموعة من المقدّمات المطبوعة؟
أنّها تحتوي على مقدّمات ستة وعشرين كتاباً ستصدر في جزئين:
يضم الجزء الأوّل منهما الكتب التالية:
1 - طب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) لأبي العباس المستغفري.
2 - طب الأئمة(عليه السلام)لابنى بسطام.
3 - طب الرضا(عليه السلام) .
4 - التوحيد للصدوق(ت 381ه-).
5 - اكمال الدين للصدوق (ت 381ه-).
6 - الأمالي للصدوق (ت 381ه-).
7 - عيون أخبار الرضا(عليه السلام) للصدوق (ت 381ه-).
8 - الخصال للصدوق (ت 381ه-).
9 - معانى الأخبار للصدوق (ت 381ه-).
10 - ثواب الأعمال وعقابها للصدوق (ت 381ه-).
11 - الاختصاص للشيخ المفيد (ت 413 ه- ) .
13 - تذكرة الألباب في الأنساب للبتيّ تحقيق وتقديم (ت 488 ه- ).
14 - منتقلة الطالبية لابن طباطبا (ق 5) تحقيق وتقديم.
15 - روضة الواعظين للفتال النيسابوري (ت 508ه-).
16 - إعلام الورى للطبرسي (ت 548 ه- ).
17 - مكارم الأخلاق للطبرسي (ق 6) .
ويضم الجزء الثاني الكتب التالية:
1 - البيان في أخبار صاحب الزمان(عجل الله تعالی فرجه) للحافظ الكنجي الشافعي (ت 658ه-) تحقيق وتقديم .
2 - فلاح السائل للسيّد ابن طاووس (ت 668 ه- ) .
3 - الألفين للعلّامة الحلي (ت 726ه-).
4 - جواهر الأدب للإربلي.
5- تاريخ ابن الوردي (ت 749ه-).
6 - الكشكول للشيخ البهائي (ت 1031 ه-).
7 - نزهة الجليس للسيّد عباس المكي المتوفى حدود سنة 1180 ه-.
8- ينابيع المودة للقندوزي الحنفي (ت 1294ه-).
9 - كتاب صلاة المسافر للشيخ محمد حسين الاصفهاني (ت 1355ه-).
رابعاً: ماذا لها من توابع غير مطبوعة معها؟
لقد منَّ الله سبحانه وتعالى عليَّ إذ جعلني من طلاب العلم الذين همهم الكتاب ونهمهم ازدياد المعرفة، وممّا ساعدني على الدؤب في تحصيله، الأجواء العلمية في الحوزة النجفية، ولقد مرّ دورٌ وأنا لا أملك كتاباً سوى بعض كتب الدرس، فكنت أطوف سعياً بين مكتبة المرحوم المغفور له الشيخ كاشف الغطاء وبين مكتبة الحسينية الشوشترية وهما اللتان تفتح أبوابهما للمطالعين حينما يتسنى للقائمين عليهما فرصة الحضور لفتح أبواب المكتبة، وربّما زرت المرحوم الحجة الشيخ السماوي (ت 1370 ه-) لغرض مراجعة بعض النوادر في مكتبته، وان خاب مني السعي فلا مأوى لي إلّا سوق الورّاقين في النجف وهو (قيصرية
عليّ أغا) بقرب الصحن الشريف، وألفت زيارتها وتعرفت على من بها ومن يأتها فكانت واسطة تعارف، ونادي ثقافة، وكان يقام في كل يوم جمعة مزاد علني لبيع الكتب وربّما يوم الخميس أيضاً، فكنت ملتزماً بالحضور لحد الشغف على قلة ذات اليد مع الأسف، إذ كانت تباع نوادر مطبوعات ومخطوطات لا ينالها إلا من كان متمكناً من دفع الثمن، ومع ذلك فكنت أدلي بدلوي مع الدلاء، فتأتيني بحمأة وقليل ماء، وحصلت على الكثير الطيّب، وإن كان طلّا وليس بالوابل الصيّب، وعُرفت بين الهواة والغواة بمعرفة الكتب وحسن الانتقاء، وسلّط الضوء عليَّ في ذلك ما كان يبدر مني من خوض ومشاركة في حديث الكتب والنشر والتحقيق، وبالرغم ممّا كنت أتمنّاه من العيش في الظِلال، لأنّي ممّن يؤمن بصحة ما قاله القاضي أبو الحسن عليّ بن عبدالعزيز الجرجاني الشافعي المتوفى سنة 292ه- :
ما تطعّمت لذة العيش حتى*** صرت للبيت والكتاب جليسا
ليس شيء أعزّ عندي من ال-*** -علم فما أبتغي سواه أنيسا
إنّما الذل في مخالطة النا*** س فدعهم وعش عزيزاً رئيسا
ولكن: ما كل ما يتمنّى المرء يدركه، وبدت نشاطات تنم عليَّ، إذ طلبت مني المكتبة الإسلامية في طهران المساهمة في تحقيق بعض أجزاء موسوعة (بحار الأنوار) للشيخ المجلسي(رحمة الله علیه)، فاستجبت وحققت ثمانية أجزاء منها مع تقديم كل جزء بشيء، والأجزاء هي ج 48 و 47 و 41 وهي تخص تاريخ الأئمة عليّ بن الحسين ومحمّد الباقر وجعفر الصادق(عليهم السلام)، ثم الأجزاء 99 و 100 و 101 و 102 و 103 و 104 وهي تشتمل على كتب الحج والعمرة والمزار من تلك الموسوعة الكبيرة. وبدا العتب من بعض دور النشر في النجف، إذ لم ألبّ لها طلباً في هذا المضمار ، وصرت أشعر وكأنّ قائلهم يردد قول الشاعر:
كتاركة بيضها بالعراء ***وملحفة بيض أخرى جناحا
وأوّل استجابة كانت مني لمكتبة الاعتماد في الكاظمية طلبت مني تصحيح وتقديم كتاب (مفتاح الفلاح) للشيخ البهائي فاستجبت لها وأعطيت الكتاب من
دون اسمي، فهذه عشرة كتب لها مقدّمات بما يناسب أجزاءها، وليس لها في هذه المجموعة التي بين يدي القارئ سوى الذكر من نصيب. ويلحق بها ما كتبته في مقدمة ذيل كشف الظنون لشيخنا الطبراني صاحب الذريعة(قدّس سرّه) .
خامساً : هل بعد هذه المجموعة من دراسات مشابهة ؟
والجواب: نعم، فثمة بقي ما هو أهم منها ، وأكثر نفعاً وأوسع جمعاً نسأله تعالى التوفيق لنشرها وحسبنا أن نُعلم القارئ بها:
1 - (موسوعة الشيخ ابن إدريس الحلي(رحمة الله علیه) المتوفى سنة 598 ه- ) وهذه تشتمل على الكتب التالية:
أ - منتخب التبيان في تفسير القرآن. في عدة أجزاء.
ب - حاشية على الصحيفة السجادية. في جزء واحد لم يطبع من قبل.
ج - السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي فى خمسة أجزاء.
د - مستطرفات السرائر. في جزء واحد.
ه- - أجوبة المسائل في جزء واحد لم يطبع من قبل، وقد تم تنضيد أكثر كتب الموسوعة لغرض نشرها إن شاء الله تعالى.
2 - كتاب (بغية الطالب في إيمان أبي طالب (عليه السلام))للسيد محمّد بن حيدر طالب الموسوي، وهو كتاب تم تحقيقه منذ أكثر من عشرين عاماً، وهو الآن في طريقه إلى النشر إن شاء الله.
3 - كتاب (تركة النبى(صلی الله علیه وآله وسلم))لحماد بن إسحاق الأزدي المالكي البغدادي الاداري ول (ت 267ه-).
4 - كتاب (نظرات فاحصة في كتاب الطبقات الكبير لمحمّد بن سعد كاتب الواقدي المتوفى سنة 230ه-).
فهذا أشبه بالمؤلفات الخاصة، وإنّما ألحقته بالكتب المحققة لما فيه من دراسة تحقيقية وافية عن ابن سعد وكتابه والنصوص الضائعة من مطبوعة أوربا.
أما تأليفاتي المطبوعة فهي:
1 - كشاف بلدان منتقلة الطالبية، وقد طبع ملحقاً بها من صفحة 359 إلى صفحة 417 بالمطبعة الحيدرية في النجف سنة 1388 ه-.
2 - كتاب (السجود على التربة الحسينية) طبع مكرراً في بيروت والنجف وايران في جزء واحد.
3 - كتاب ( عليّ إمام البررة(عليه السلام)) شرح أرجوزة سيّدنا الأستاذ الخوئى(رحمة الله علیه) طبع مكرراً في بيروت وايران في ثلاثة أجزاء.
4 - كتاب (المحسن السبط مولود أم سقط؟) طبع في جزء واحد.
5 - كتاب (حيّ على خير العمل) طبع في بيروت.
أمّا تأليفاتي غير المطبوعة، فلم أرغب في التحدث عنها نأياً عن الغرور العلمي، لولا أن بعض المؤلفين ذكروا ترجمتي في بعض مؤلفاتهم، فرأيت فيها من الخبط والخلط، ممّا دلّ على الوهم وعدم الضبط، ولست بصدد نقدهم، والآن أذكر ما وفقت لتأليفه، ولم يتيسر نشره في حينه، لأسباب قاهرة:
1 - ( موسوعة عبدالله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن) في أربع حلقات على النحو التالي:
الحلقة الأولى: سيرة وتاريخ، وقد أخذت طريقها إلى النشر في خمسة أجزاء.
الحلقة الثانية : دراسة وعطاء في تاريخه العلمي.
الحلقة الثالثة : آثاره الخالدة من ضمنها تفسيره وكتاب غريب القرآن.
الحلقة الرابعة : ابن عباس في الميزان.
وهذه الحلقات الثلاث ما زالت راقدة في رفوفها تنتظر مني نفض الغبار عنها، واعادة قراءتها من جديد لتأخذ طريقها إلى النشر، أسأل الله تعالى تيسير ذلك فهو القادر على ما يشاء.
2 - (معجم شعراء الطالبيين ).
3- (شذ العرف في ضحايا الطف).
4 - (الظاهرة القرآنية في نهج البلاغة) أقباس واقتباس، لا يزال يحتاج إلى تكميل.
5 - (المهدي الموعود مولود وموجود) فى طريقه إلى النشر.
6 - ( نهاية التحقيق فيما جرى في أمر فدك للصدّيقة والصديق).
7 - سلوة الأفاضل في المسائل والرسائل في جزئين:
الأوّل: يتضمن مجموعة مسائل في شتى صنوف المعرفة سئلت عنها فأجبت عليها.
الثاني يتضمن أربع رسائل هي (انتخاب الحسان من لسان الميزان) و (انتخاب الأمجاد من تاريخ بغداد) و (انتقاء الجمان من تاريخ جرجان و تاريخ اصبهان) و (أشعة البتيراء في أحاديث إياكِ يا حميراء).
8- (قلائد العقيان فيما قيل في آل الخرسان).
9 - ( على المحك ) صحابة وصحاح، وهو دراسة عن الصحابة المزيفين ومروياتهم فيما يسمى بكتب الصحاح.
10 - ( مزيل اللبس عن معجزتي شق القمر ورد الشمس) في جزء واحد.
11 - الكشف الصريح فيمن رمي بالتجريح من رجال الصحيح في جزء واحد.
12 - ( ذكرياتي في حياتي) في جزء واحد.
13 - دیوان شعر باسم( المنخول والمخلخل من الشعر المهلهل).
14 - ديوان شعر باسم (بعيداً عن السياسة).
أمّا البحوث التي تصلح أن تكون رسائل فهي:
1 - القناة المستقلة مستغلة أو مستغلة.
2 - المشجر المبين لمن في منتقلة الطالبيين لابن طباطبا.
3 - اللباب في تشجير تهذيب الأنساب للعبيدلي.
4 -( نشوة الأماني) أرجوزة في النسب.
5 - تعريب فصل من تاريخ قم للحسن بن محمّد بن الحسن القمي المتوفى سنة 378ه- .
6 - وجيزة النبأ أرجوزة في النبي وآل العبا(عليه السلام) فقد الكثير منها.
7- شعر الحماني العلوي.
8 - التنويه في المختومين بويه.
9 - بيان الدلائل العليلة فى الأخبار الدخيلة (رد ونقد) لما كتبه المرحوم صاحب قاموس الرجال.
10 - منتخبات المهدي من كتاب المجدي للعمري في النسب.
11 - خديعة الشورى.
12 - الأبناء الثلاثة بأقلام أنصارهم ابن تيمية ابن عبدالوهاب ابن مسعود.
13 - من هنا وهناك منتخبات من آراء الكتاب ونوادر الطرائف وفتاوى غريبة .
وأمّا ما تلف من البحوث فلم يبق منها إلّا بعضها:
1 - منتخبات التدوين والضيافة مع الإضافة.
2 - أسانيد الطوسي في أماليه بقي منه دفتر من دون مقدّمة.
3- المستند الوجيه في أسانيد الفقيه في قصاصات تلف منها بعضها.
4 - (تعريب خاور شناسان) معجم المستشرقين موجود في أوراق متآكلة (إنّها من أيام الحرب العالمية الثانية) .
إلى غير ذلك مما لم يحضرني فعلاً تذكّره.
وإلى هنا نمسك القلم فحسبي بذكر ما مرّ في تعريفي كمؤلف، وتعريف المجموعة كمولف.
انتهى تحريره عصر يوم الأحد يوم ميلاد الصدّيقة الزهراء رزقنا الله شفاعتها يوم الدين والحمد لله ربّ العالمين.
محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
عفي عنه
20 جمادى الثاني 1427ه- . ق
المستخرج من أحاديثه بحذف الأسانيد
وضع المقدمة
العلامة السيد محمد مهدى السيد حسن الخرسان
منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف ت (368)
1385 ه- - 1966م
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لقد اهتمت الشريعة الإسلامية بحفظ الصحّة اهتماماً بالغاً حتّى اشتهر عن صاحب الرسالة(صلى الله عليه وآله وسلم )وقوله :(لا خير في الحياة إلا مع الصحة) وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم )قال : (إنّ في صحة البدن فرح الملائكة ومرضاة الربّ وتثبيت السنّة).
وكم له(صلى الله عليه وآله وسلم )من كلمات حث بها المسلمين على مراعاة الصحة في أبدانهم في مختلف شؤونها وفروعها، ولم تدرك يومئذ أسرار تلكم النصائح، فقبلوها على أنّها لا تخلو عن حكمة، وربّما فسّروا بعضها تفسيراً بعيداً، أو خاطئاً لقلّة ما يعينهم على معرفة كنهها، وانعدام وسائل الإكتشافات الطبية الحديثة.
وإن كلمة واحدة من كلمة الطيب(صلى الله عليه وآله وسلم )قالها للطبيب، الذي أرسله المقوقس صاحب مصر مع ما أرسله من الهدايا، فبقي الطبيب برهة لم يراجعه أحد في فنّه، فسأل النبيّ عن سرّ ذلك، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم ): (نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا تشبع )(1)
هذه الكلمة أدهشت العالم الانكليزي مستر (دار) فقال مبدياً اعجابه بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم ): « ويكفى أن قوله المأثور: (نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع) وهو الأساس الذي بني عليه علم الصحّة، ولا يستطيع الأطباء على كثرتهم ومهارتهم أن يأتوا اليوم بنصيحة أثمن من هذه».
وهكذا كل كلماته وتشريعاته(صلى الله عليه وآله وسلم ) التي تعتبر بحق هي أساس الصحة، فإنّه قد عالج الأمراض النفسية ،والعصبية، والعضوية، والجراحية بشتى العلاج، ومنه الوسائل الوقائية، كالصيام، واجتناب إتيان النساء في المحيض، وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر، وغير ذلك من الوسائل، ببيان يتناسب وعقلية
1) السيرة الحلبية :3 251 ط البهية سنة 1320 بمصر، مقارنة الأديان للإسلام للدكتور أحمد الشلبي: 152 ط / 4 سنة 1973 بمصر.
المجتمع يومئذٍ، فمثلاً نجده(صلى الله عليه وآله وسلم ) تناول الصحة الغذائية بأحاديثه الكثيرة، وما للأصناف المختلفة من الفواكه والخضر والحبوب والبقول واللحوم وغير ذلك، بل وحتى أنواع الطيب وسائر المشروبات من فوائد وما قد ينجم عن إستعمالها بصورة غير صحيحة من مضار، وما يترتب على إستعمالها بصورة صحيحة من صحة ونمو يوفران للجسم أداء وظائفه الحيوية والنفسية.
بل ويمكن القول أنه(صلى الله عليه وآله وسلم )فرض قوانين العزل والمحاجر الصحية بكلمة واحدة استفاد منها أعلام الطب ذلك، وتلك هي كلمته(صلى الله عليه وآله وسلم ) : (إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها)(1)فقد اعتبر أطباء الإسلام هذا الحديث فتحاً جديداً، فدرسوه وتعمقوا في دراسته، حتّى وضعوا على ضوئه قوانين العزل والمحاجر تجنباً من العدوى .
وإن أقواله(صلى الله عليه وآله وسلم ): ( المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء)(2).
( المعدة حوض البدن والعروق إليها ،واردة فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة وإذا سقمت صدرت العروق بالسقم)(3).
( ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، يحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)(4).
(إيّاكم والبطنة، فإنّها مفسدة للبدن، ومورثة للسقم، ومكسلة عن العبادة)(5).
فهذه المجموعة الطبية أكدت بإصرار على ضرر التخمة والنهم، وإنّهما أساس الداء، وأنّها لتستمد ذلك من قوله تعالى:كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا (6)ولقد قررت أبحاث الطب العلاجى والوقائي انّ أعظم قاعدة لحفظ الصحة هي العمل
بالآية الشريفة، كما وقد ثبت طبياً أنّ النهم والتخمة والشره أسباب تفتك بالمعدة وتحطم الكبد وتفني القلب، وتسبب تصلب الشرايين، والذبحة الصدرية، وارتفاع ضغط الدم، والبول السكري، وغير ذلك من الأمراض الفتاكة، وأنه لا وقاية من ذلك ولا علاج لها إذا أصيب بها الإنسان - والعياذ بالله - إلّا الحد من شهوة الأكل وعدم الإسراف فيه وفي الشرب.
ونظراً لما يعتقده المسلمون كافة بما صح عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم )من الطب، وانّه أنجع العلاج وأصدقه، حيث أن صاحبه قد استمده عمّن أوجد الداء والدواء، وقدّر المرض والشفاء، إذ أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم )لا يشبه سائر الأطباء، فانّهم يمكنهم أن يعرفوا سير الأمراض ومدتها، وسببها وعلاجها بمعرفتهم بعض السنن الطبيعية، فإن أصابوا فهو المطلوب، وإن أخطأوا فلنقص في علمهم، وأما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم ) فلا يمكن أن نتصور فيه ذلك، لأنه مستمد في علمه من المبدع الأوّل لخلق الإنسان، العالم به من يوم هو نطفة إلى أن يأتى عليه أجله.
وقد استعرض القرآن الكريم كثيراً من الأبحاث الطبية، كعلم الأجنة، والتشريح، وعلم الصحة الغذائي، والعلاج الوقائي، وغير ذلك مما لا يسع المقام بيانه ولا يعرف القرآن إلّا من خوطب به.
لهذا كلّه عنى أئمّة العلم وحفّاظ الحديث بجمع ما ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم )في ذلك، وتدوينه في كتبهم فخص بعضهم به فصولاً وآخرون أبواباً مستقلة، كأصحاب الصحاح الست عند إخواننا، والأصول الأربعة عندنا، وغيرهم جمع كثير.
وإنّ الرسالة الذهبية التي كتبها الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام)(ت 203 ه-) للمأمون العبّاسي المشتملة على الطب النبوي فهي بهذا الإعتبار يمكن أن نعد الإمام(عليه السلام) أول من جمع طب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم )وأفرده بكتاب خاص.
أما من عداه ممّن أفرده بالتأليف فخصوه بكتاب وسمّوه (الطب النبوي) فهم كثير، وإلى القارئ جملة من هؤلاء:
1 - أبو بكر أحمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن أسباط الدينوري المعروف بابن السنّي (ت 363 - 364 ه-) له (الطب النبوي).
2 - أبو نعيم الإصفهاني (ت 432 ه-) له (الطب النبوي).
3 - ابن أبي عاصم، له (الطب والأمراض).
4 - أبو الحسن علي بن عبد الكريم الحموي، علاء الدين الكحّال (ت 720 ه-) وضع كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية) وقد طبع بمطبعة مصطفى الحلبي سنة ) 1374 ه-) بتحقيق عبد السلام هاشم .
5 - الحافظ شمس الدين الذهبي( ت 748ه-)، له(الطب النبوي) وقد طبع مراراً، ولعلّ أوّل مرّة هي طبعة القاهرة على الحجر بدون تاریخ وبهامشه تسهيل المنافع في الطب والحكمة لإبراهيم بن أبي بكر الأزرقي، ولعل آخرها سنة(1380 ه-)، وقد راجعها وعلق عليها أحد أعلام الطب الحديث، كما وقد طبعت ترجمة نفس كتاب الذهبي باللغة الفرنسية في الجزائر سنة ( 1860 م).
6 - الحافظ شمس الدین ابن قيم الجوزية (ت 751 ه-)، له كتاب( الطب النبوي)، وهو فصول مستلة من كتاب (زاد المعاد في هدي خير العباد)، ولعل كتابه (الطب النبوي) أجمع ما كتب في ذلك، فقد استفاد ممّا كتبه السابقون وخاصة كتابي الحموي والذهبي، كما أشير إلى ذلك في مقدّمة الكتاب(1)وقد طبع أوّل مرّة بحلب سنة (1346 ه-)، ثمّ أعيد طبعه بمصر ثانياً محققاً سنة (1377) ه-).
7 - جلال الدين السيوطي (ت 911 ه-)، أوله الحمد لله الذي أعطى كلّ نفس خلقها... الخ، وهو مرتب على ثلاثة فنون: (الأول) في قواعد الطب، (الثاني) في الأدوية والأغذية. (الثالث) في علاج الأمراض.
8 - أبو الوزير بن أحمد الأبهري له كتاب (طبّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم )) فيه ما ورد عنه الأدوية والأطعمة والأشربة، وآداب الأكل والشرب، وتوجد نسخته بمكتبة
1) مقدّمة الكتاب ص د، طبع القاهرة.
السيد الصدر(رحمة الله علیه)في الكاظمية، وأخرى بمكتبة المشهد الرضوي كتابتها (1070ه-) وينقل عنه المجلسي(رحمة الله علیه)في كتاب العشرة من البحار.
9- عبدالملك بن حبيب الأندلسي المالكي (ت 238 ه-)، فقد جمع الطب النبوي في كتاب خاص به.
10 - الحبيب النيسابوري، أظنه الحسن بن محمّد بن حبيب النيسابوري ت / 406 له تصانيف منها غرائب القرآن وعقائد المجانين وغير ذلك.
11 - أبو العباس جعفر بن محمّد المستغفري (ت 432 ه-) مؤلّف كتابنا هذا الّذي نقدّمه إلى القرّاء، ومن الخير ان نعرّف الرجل في سطور، ربّما تكشف بعض الجوانب من حياته، إذ لا يسعنا التوسع في ترجمته في هذه العجالة.
مؤلّف الكتاب:
(أولاً) نسبه ونسبته : هو الشيخ الإمام أبو العباس جعفر بن أبي عليّ محمّد بن أبي بكر المعتز بن محمّد بن المستغفري بن الفتح بن إدريس، المستغفري النسفي السمرقندي النخشبي الحنفي في الفروع الأشعري في الأصول.
(ثانياً) أسرته: الّذي يظهر من ترجمة جدّه وأبيه وإبنه أنّهم كانوا من الأعلام وحفّاظ الحديث:
أ - فجده : أبو بكر المعتز بن محمّد بن المستغفري وقد روى عنه حفيده - المترجم له- كما في رياض العلماء في باب الكنى حرف العين القسم الثاني.
ب - وأبوه: أبو عليّ محمّد النسفي وصف بالشيخ وأنّه سمع أبا حفص أحمد بن محمد العجلي جزءاً واحداً وأسمع إبنه كثيراً عن شيخه، وكانت ولادته سنة (318ه-) ووفاته في شهر ربيع الآخر (372ه-).
ج - وابنه : أبو ذرّ كان خطيب نسف ولي الخطابة بعد أبيه وأسمعه أبوه من جماعة من الشيوخ، وكان من أهل العلم والخير، ذكره أبو محمد النخشبي في
معجم شيوخه، وقال: أبو ذرّ المستغفري، ابن شيخنا أبي العبّاس سمع أبا الفضل يعقوب بن إسحاق السلامي، وأبا محمّد عبدالملك بن مروان الميداني، ورحل به أبوه إلى أبي عليّ الحاجي فأسمعه صحيح البخاري وكان صحيح السماع.
(ثالثاً) ولادته: كانت ولادة المترجم له في سنة (350 ه-) وقد ورد سهواً في تاج التراجم أنّها سنة ( 450 ه-)(1)والصواب ما ذكرناه. كما أطبقت عليه كافة المصادر التى ذكرته، ولم أقف على من ذكر محل ولادته، إلا أن أكبر الظن أنها كانت بنسف إذ كان من أهلها وبها كان أبوه وجده، وبها كانت وفاته وكان بها ابنه أيضاً.
(رابعاً) مشايخه: طلب الحديث ورحل في طلبه فأخذ عن جماعة وروى عنهم، منهم:
أ - جدّه أبو بكر المعتز بن محمّد بن المستغفري، كما سبقت إليه الإشارة.
ب - والده أبو على محمّد بن المعتز المستغفري سمع منه كثيراً.
ج - سمع بسرخس من ابن أبي علي زاهر بن أحمد السرخسى وأكثر من السماع عليه.
د - رحل إلى نيسابور وسمع بها من أبي سهل هارون بن أحمد الأسترآبادي وغيره.
ه-- ورحل إلى بخارا فسمع بها أبا عبدالله محمّد بن أحمد غنجار الحافظ.
و - ودخل مرو فأخذ عن أبي الهيثم محمّد بن المكّي الكشميهني.
ز - وممّن سمع منهم بنسف أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن زر الرازي وجماعة كثيرة سواهم قاله السمعاني في أنسابه.
(خامساً) تلاميذه:
أ - إبنه أبو ذر كما سبق.
1) تاج التراجم: 21 طبع بغداد.
ب - أبو محمّد عبدالعزيز النخشبي النسفي (ت 456 - 457 ه-) صحبه وأكثر عنه.
ج - القاضي أبو منصور السمعاني الجد الأعلى لأبي سعد السمعاني صاحب الأنساب.
د - الحافظ أبو محمّد الحسن بن أحمد السمرقندي.
ه- - القاضي أبو علي الحسن بن عبدالملك، وغير هؤلاء جمع كثير لا يحصون.
قاله السمعاني في أنسابه.
(سادساً) وفاته : توفي بنسف سلخ جمادي الأولى سنة (432 ه-) قال السمعانى فى أنسابه: وزرت قبره بنسف على طرف الوادي، وصرّح الذهبي وغيره بأنّه عاش ثمانين سنة، مع أنا لو لاحظنا تاريخ ولادته وتاريخ وفاته لكان عمره اثنان وثمانون سنة، فهل كان تحديد الذهبي وغيره مبني على التسامح ؟ وهو ينا في الدقة والضبط في أمثاله من المؤرّخين، أم أنه حقيقة كان عمره ثمانين سنة؟ فلابد إذن من إفتراض الغلط في أحد التاريخين، إما الولادة أو الوفاة.
(سابعاً) جمل الثناء عليه:
1 - قال اللكنوي: ولم يكن بما وراء النهر في عصره من يجري مجراه في الجمع والتصنيف وفهم الحديث(1).
2 - قال السمعاني: خطيب نسف كان فقيهاً فاضلاً، ومحدثاً مكثراً، صدوقاً، يرجع إلى فهم ومعرفة وإتقان، جمع الجموع وصنف التصانيف، ورحل إلى خراسان، وأقام بسرخس ومرو مدة (2).
3 - وقال ابن قطلوبغا: خطيب نسف لم يكن بما وراء النهر في عصره مثله، كان فقيهاً محدّثاً فاضلاً مكثراً حافظاً صدوقاً (3).
4- وقال الذهبي: الحافظ العلّامة المحدّث و... وكان صدوقاً في نفسه، لكنّه روى الموضوعات فى الأبواب ولا يوهنها(1)
5 - وقال ابن ناصر الدين كان حافظاً ثقة مبرزاً على أقرانه، لكنّه يروى الموضوعات من غير تبيين.
6 - وقال ابن العماد الحنبلي: صاحب التصانيف الكثيرة... وكان محدّث ما وراء النهر في زمانه(2).
7- وقال الميرزا عبدالله أفندي في رياض العلماء في القسم الأوّل من باب الكنى حرف العين هو الإمام الخطيب الحافظ، وقال في القسم الثاني من الباب نفسه: الكامل الجليل المعروف بالشيخ الإمام أبي العباس... الخ.
ووصفه المحقق الخواجة نصير الدين الطوسي في آداب المتعلّمين بالشيخ الإمام.
(ثامناً) مؤلّفاته :
لقد وصف المترجم له بكثرة التصانيف، وإلى القارئ ما حصلنا عليه من أسماء تصانيفه، وهي:
1 - تاریخ نسف.
2 - تاریخ سمرقند.
3- تاریخ کش.
4 -كتاب معرفة الصحابة.
5 - كتاب دلائل النبوة، وقد جعل فيه الدلائل، أعني ما كان قبل البعثة، سبعة أبواب، والمعجزات عشرة أبواب، وقد نقل عنه المولى الجامي في كتابه (شواهد النبوّة) على ما حكى عنه.
6 - كتاب الأوائل.
7 - كتاب الشمائل (شمائل النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)) .
8- كتاب فضائل القرآن.
9 - كتاب خطب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)«الخطب النبوية».
10 - كتاب الشعر والشعراء.
11 - المسلسلات في الحديث.
12 -كتاب الوفاء.
13 - كتاب في الحكمة.
14 - كتاب الأيام والليالي.
15 - كتاب الدعوات ينقل عنه السيّد ابن طاووس في رسالة الإستخارات كما قيل .
16 - كتاب المنامات أو المناسبات) كما في كشف الظنون.
17 - كتاب الزيادات ممّا زاده على كتاب المختلف والمؤتلف لعبد الغني بن سعيد.
18 - الطب النبوي (طب النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)) ، و لعلّه الّذي ذكره الكتاني باسم (الطب) بدون إضافة (1).
هذه قائمة ما تيسر من أسماء مصنّفاته، وهي كما ترى في مختلف العلوم، والّذي يهمنا التحدث عنه هو كتابه (الطب النبوي) وإلى القارئ نبذة عنه.
( تاسعاً) الطب النبوي: قال المحقق نصير الملة والدين في آداب المتعلمين: ولابدّ من أن يتعلم - طالب العلم - شيئاً من الطب، ويتبرك بالآثار الواردة في الطب، الّذي جمعه الشيخ الإمام أبو العبّاس المستغفري، في كتابه المسمّى بطبّ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم).
وقال شيخ الإسلام المجلسي(رحمة الله علیه) في مقدّمة كتابه بحار الأنوار: وكتاب طبّ
1) الرسالة المستطرفة: 51 .
النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وإن كان أكثر أخباره من طرق المخالفين، لكنه مشهور متداول بين علمائنا(1).
أقول: وقد طبع مكرراً بطهران على الحجر بضميمة كتاب القانونجة، وكتاب ابقراط في الطب، المسمّى بترتيب الطب، فطبعاته في سنة(1281 ه-) وسنة (1294ه-) وسنة (1304ه-) وسنة (1318ه-) و سنة (1327 ه-).
وبالرغم من تكرر طبعاته خمس مرات فقد ندرت نسخته و عزت حتّى فقدت، وعسر الحصول عليها، ولذلك عزم الأخ الأستاذ محمّد كاظم الكتبي - سلّمه الله - على إعادة طبعه وتيسيره للقرّاء، ونظراً لحرصه على إخراجه مصححاً فقد قوبلت طبعته على المطبوعات الأخرى، وعلى نسخة شيخ الإسلام المجلسي(رحمة الله علیه) التي ضمنها موسوعته الكبرى - بحار الأنوار - فقد أدرجها بتمامها فيه(2)، وهو الّذي صرّح بنسبة هذا الكتاب إلى أبي العبّاس المستغفري، ونظراً المقام الشيخ المجلسي وعلو كعبه نطمئن بأنّ هذا الّذي نقدّمه للقرّاء هو كتاب المستغفري - المترجم له ..
(عاشراً): نظراً لإختصارنا ترجمة المؤلّف ورغبة منا في مساعدة الباحثين، نثبت فيما يلى قائمة بأسماء بعض المصادر التي ذكرته عسى أن يستفيد منها من يروم التوسع في البحث، وهي:
1 - آداب المتعلّمين للمحقق نصير الملة والدين الطوسي (ت 672ه-) في يوم الغدير.
2 - الأعلام لخير الدين الزركلي (3).
3 - أعيان الشيعة للسيّد الأمين العاملي (4).
4 - الأنساب، لأبي سعد السمعاني(5).
5 - بحار الأنوار للمجلسي(1)
6 - تاج التراجم لابن قطلوبغا (ت 879 ه-)(2)
7 - تتمة منتهى الآمال للمحدّث القمي(3).
8- تذكرة الحفّاظ للذهبي (4).
9 - الجواهر المضيئة، للقرشي الحنفي(5).
10 - الرسالة المستطرفة، للكتاني(6).
11 - روضات الجنّات للخونساري(7).
12 - رياض العلماء، لميرزا عبدالله أفندي(8).
13 - ريحانة الأدب، للخياباني(9)
14 - شذرات الذهب، لابن العماد(10).
15 - شواهد النبوّة، للمولى الجامي.
16 - العبر للذهبى(11)
17 - الفوائد البهية، للكنوي الحنفي(12).
18 - كشف الظنون(13).
1) بحار الأنوار 1: 42 طبعة طهران الحديثة.
2) تاج التراجم: 21 طبع بغداد.
3) تتمة منتهى الآمال: 335 طبع طهران.
4) تذكرة الحفاظ 3: 283 - 284
5) الجواهر المضيئة 1: 180
6) الرسالة المستطرفة : 51 الطبعة الثالثة.
7) روضات الجنّات: 160 الطبعة الحجرية الثانية.
8) رياض العلماء: باب الكنى حرف العين في القسمين الأول والثاني (نسخة مصورة بمكتبة الإمام السيد الحكيم).
9) ريحانة الأدب 4: 19 - 20
10) شذرات الذهب: 249
11) العبر :3 177
12) الفوائد البهية: 57
13) في موارد متعددة منها : 296،308، 715، 760، 1059، 1095، 1277، 1417، 1463. 1739
19 - اللباب لابن الأثير(1)
20 - مرآة الجنان لليافعي(2).
21 - مستدرك الوسائل، للمحدّث النوري(3).
22 - مطارح الأنظار في تراجم أطباء الأعصار(4).
23 - معجم المؤلفين ، لكحالة (5).
24 - هدية الأحباب للمحدّث القمي(6)
25 - هدية العارفين، لإسماعيل باشا(7).
هذه سطور ذكرنا فيها شيئاً عن المستغفري باختصار، ولعلّ هذه السطور كشفت بعض الشيء من حياته، فإن تكن كما أحسب أنها وافية بالغرض من التقديم لمثل هذا الكتيب، فذلك هو المطلوب، وإن يكن غير ذلك، فقد أثبت قائمة ببعض المصادر يسع القارئ الرجوع إليها والاستزادة منها، وما توفيقي إلا بالله وهو حسبي.
محمّد مهدي السيد حسن الخرسان
15 ربيع الأوّل 1385 ه-
النجف الأشرف
برواية
أبي عتاب عبد الله بن سابور الزيات
والحسين ابنى بسطام النيسابوريين
وضع المقدمة
العلامة السيد محمد مهدى السيد حسن الخرسان
منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف ت (368)
1385 ه- -1965
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اهتم أئمّة أهل البيت(عليه السلام) بمعالجة الجسد كاهتمامهم بمداواة الروح، فكانت عنايتهم فى صحة الأبدان كعنايتهم في تهذيب النفوس.
فهم أطباء الروح والجسد ، وقد رجع إليهم جماعة المسلمين يستوصفونهم لأمراضهم البدنية، كما كانوا يرجعون إليهم فى شفاء أمراضهم الروحية، وهذه جوامع الحديث مملوة بشواهد ذلك ، فلم يكونوا(عليه السلام) مبلغي أحكام وأئمة تشريع فحسب، بل كانوا قادة أولوا عنايتهم المسلمين ، يهمهم صحة أبدانهم وأديانهم - إن صح التعبير - على السواء حتى حوا على تعلم الطبّ، وقرنه أمير المؤمنين(عليه السلام)بعلم الفقه في كلمته الجامعة في تقسيم العلم قال(عليه السلام): «العلوم أربعة: الفقه للأديان، والطب للأبدان، والنحو للسان، والنجوم لمعرفة الأزمان»(1).
ولقد ورد عنهم(عليه السلام)في جوامع الطب وحفظ الصحة كثير، كما ورد عنهم وصف العلاج بأنواعه أكثر، وللتيمن بذكرهم(عليهم السلام) نقدم للقارئ نبذة يسيرة من أقوالهم التي تعتبر قواعد عامة في حفظ الصحة واعتدال المزاج:
قال أمير المؤمنين(عليه السلام) لولده الحسن (عليه السلام): ألا أعلمك أربع كلمات تستغني بها عن الطب؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين قال
(عليه السلام): « لا تجلس على الطعام إلا وأنت جائع، ولا تقم عن الطعام إلا وأنت تشتهيه، وجوّد المضغ، وإذا نمت فأعرض نفسك على الخلاء، فإذا استعملت هذا استغنيت عن الطب»(2).
وقال(عليه السلام)أيضاً: «إنّ في القرآن لآية تجمع الطبّ كلّهكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا»(3)
وقال زرّ بن حبيش: قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام):« أربع كلمات في الطبّ لو قالها بقراط وجالينوس لقدّم أمامها مائة ورقة ثمّ زيّنها بهذه الكلمات وهي قوله: توقوا البرد في أوّله، وتلقوه في آخره، فانّه يفعل في الأبدان كفعله بالأشجار، أوّله يحرق، وآخره يورق»(1)
وقال(عليه السلام) : «لا صحة مع النهم»(2).
وقال الباقر(عليه السلام): «طبّ العرب فى سبعة : شرطة الحجامة، والحقنة، والحمّام والسعوط، والقيء، وشربة عسل، وآخر الدواء الكي، وربما يزاد فيه النورة»(3).
وقال الصادق(عليه السلام): «لو اقتصد الناس في المطعم لاستقامت أبدانهم»(4).
وقال (عليه السلام)أيضاً: «ثلاث يسمن وثلاث يهزلن، فأما الّتي يسمن فادمان الحمّام، وشم الرائحة الطيبة، ولبس الثياب اللينة، وأمّا الّتي يهزلن فإدمان أكل البيض والسمك والضلع ، أي امتلاء البطن من الطعام»(5).
وحدث أبو هفان - ويوحنا بن ماسويه الطبيب النصراني الشهير حاضر - ان جعفر بن محمد (عليه السلام)قال: «الطبائع أربع : الدم وهو عبد وربما قتل العبد سيّده، والريح وهو عدوّ إذا سددت له باباً أتاك من آخر، والبلغم وهو ملك يدارى، والمرة وهي الأرض إذا رجفت رجفت بمن عليها »فقال ابن ماسويه: أعد علي فو الله ما يحسن جالينوس أن يصف هذا الوصف(6).
وقال الصادق (عليه السلام): «انّ المشي للمريض نكس ، انّ أبي كان إذا اعتل جعل في ثوب فحمل لحاجته - يعني الوضوء - وذاك انه كان يقول: ان المشي للمريض نکس »(7).
وقال الكاظم (عليه السلام): «ادفعوا معالجة الأطباء ما اندفع الداء عنكم، فانّه بمنزلة
البناء قليله يجر إلى كثيره»(1).
وقال أيضاً: «الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء وعود بدناً ما تعوّد»(2).
وقال أبو الحسن(عليه السلام) : «ليس من دواء إلا ويهيج داءاً، وليس شيء في البدن أنفع من امساك البدن إلا عما يحتاج إليه»(3).
وقال الرضا(عليه السلام): «.. ولو غمز الميت فعاش لما أنكرت ذلك»(4).
وقالوا(عليه السلام): «اجتنب الدواء ما احتمل بدنك الداء، فإذا لم يحتمل الداء فالدواء»(5).
فهذه اضمامة من بعض ما ورد عنهم(عليه السلام) فيما يتعلق بالطب، وأنّها لتجمع الأصول العامة والأسس التي يقوم عليها حفظ الصحة.
فالتحذير من النهمة التي هي أساس الداء، والاقتصاد في المطعم بحدود استقامة البدن ،واحتياجه والالتزام بالراحة والهدوء بعد الابتلاء بالمرض والحمية واعطاء البدن ،عادته والتحذير من استعمال الدواء بدون حاجة، وعندها بأكثر من الواجب وبيان طبائع البدن وعناصره المقوّمة، بل وحتى الإشارة إلى الطب الرياضي أو فقل التنفس الصناعي وغير ذلك هي نصائح طبية عامة يمكن الجزم بأنّها لا تخص فرداً دون آخر، أو بلداً دون بلد، أو عصراً دون عصر آخر.
وهناك مستحضرات طبية ووصفات علاجية بنسب معينة وكيفيات خاصة اشتمل عليها الطبّ المروي عنهم(عليه السلام) في كتابنا هذا وغيره يمكن القول بأنّها ربّما كانت مختصة بأحوال خاصة، وملاحظة حال المريض وطقس بلده والتربة التي يعيش فيها، إذ يمكن أن تكون الاجابة صدرت من أحدهم (عليه السلام) على سؤال المريض وعلاجه بملاحظة ما قلناه، وهو أمر حري بالاعتبار، فان اختلاف الطقوس باختلاف البلدان والفصول يستدعي اختصاص العلاج ببعض المرضى
دون بعض، فالدواء المستحضر للبلاد الحارّة مثلاً لا يصح استعماله بنفس النسبة والكيفية في البلاد الباردة، وبالعكس.
إذن فما يرى من تفاوت بعض الوصفات العلاجية أو الّتي لا يعرف وجهها يمكن أن تكون من هذا القبيل، وقد نص الأعلام من مشايخنا القدماء والمتأخرّين على ذلك، وإلى القارئ بعض بيانهم في المقام.
قال الشيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه(رحمة الله علیه)(ت 381 ه-): اعتقادنا في الأخبار الواردة في الطبّ أنّها على وجوه:
منها: ما قيل على هواء مكّة والمدينة ولا يجوز استعماله على سائر الأهوية.
ومنها ما أخبر به العالم - الإمام - على ما عرف من طبع السائل ولم يعتبر بوصفه إذا كان أعرف بطبعه منه.
ومنها ما دلّسه المخالفون في الكتب لتقبيح صورة المذهب عند الناس.
ومنها ما وقع فيه سهو من ناقليه.
ومنها ما حفظ بعضه ونسي بعضه.
وما روي في العسل أنّه شفاء من كل داء فهو صحيح ومعناه شفاء من كل داء بارد .
وما ورد في الاستنجاء بالماء البارد لصاحب البواسير، فان ذلك إذا كان بواسيره من الحرارة...الخ (1).
وقال الشيخ المفيد محمد بن محمّد بن النعمان(رحمة الله علیه)(ت 413 ه-): الطب صحيح والعلم به ثابت وطريقه الوحي، وإنّما أخذه العلماء عن الأنبياء، وذلك أنه لا طريق إلى علم حقيقة الداء إلّا بالسمع، ولا سبيل إلى معرفة الدواء إلا بالتوفيق، فثبت انّ طريق ذلك هو السمع عن العالم بالخفيات.
والأخبار عن الصادقين(عليه السلام) مفسّرة بقول أمير المؤمنين(عليه السلام) : «المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء، وعوّد كلّ بدن ما اعتاد»، وقد ينجع في بعض أهل
1) اعتقادات الصدوق.
البلاد من مرض يعرض لهم ما يهلك من استعمله لذلك المرض من غير أهل تلك البلاد، ويصلح لقوم ذوي عادة ما لا يصلح لمن خالفهم في العادة ... الخ(1).
وقال الشيخ المجلسي محمّد باقر بن محمد تقي(رحمة الله علیه)(ت 1111 ه-): وقد يكون بعض الأدوية التي لا مناسبة لها بالمرض على سبيل الافتنان والامتحان، ليمتاز المؤمن المخلص القوي الإيمان من المنتحل أو ضعيف الايقان، فإذا استعمله الأوّل انتفع به لا لخاصيته وطبعه، بل لتوسله بمن صدر عنه ويقينه وخلوص متابعته، كالانتفاع بتربة الحسين(عليه السلام) وبالعوذات والأدعية(2).
ويؤيّد ذلك أنّا ألفينا جماعة من الشيعة المخلصين كان مدار عملهم ومعالجتهم على الأخبار المروية عنهم (عليه السلام) ولم يكونوا يرجعون إلى طبيب وكانوا أصح أبداناً وأطول أعماراً من الذين يرجعون إلى الأطباء والمعالجين.
ونظير ذلك الّذين لا يبالون بالساعات النجومية، ولا يرجعون إلى أصحابها بل يتوكلون على ربّهم ويستعيذون من الساعات المنحوسة ومن شرّ البلايا والأعادي بالآيات والأدعية أحسن أحوالاً، وأثرى أموالاً، وأبلغ آمالاً من الّذين يرجعون في دقيق الأمور وجليلها إلى اختيار الساعات وبذلك يستعيذون من الشرور والآفات .
وهناك ناحية أخرى في كتابنا هذا نسترعي انتباه القارئ إليها، وربمّا أثارت فضوله فيتسائل ما معنى ذكر العوذات والأدعية والرقى في هذا الكتاب؟ وأين هذا من طبّ الأبدان؟
ولابدّ من وقفة قصيرة مع القارئ لننظر معاً تأثير ذلك في معالجة الأبدان، فأقول : لمّا كان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) سموا بعلمهم عن البشر - بما للعلم من مفهوم واسع وشامل - فكانوا يستندون في ذلك إلى معين لا ينضب حيث أخذوا ذلك عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) وهو(صلی الله علیه وآله وسلم) عن وحي السماء عمّن أوجد الداء والدواء والمرض والشفاء.
فكانوا بلا ريب يدركون داء النفوس كما يدركون أمراض البدن وأعراضه الخارجية، فهم يصفون لشفاء الروح من آلامها المرهقة وأزماتها الخانقة كما يصفون الدواء لسائر أمراض البدن، وإن خير الأطباء من قدر على تشخيص الداء وعرف سيره ومبعثه فوصف له علاجه الشافي.
ولمّا كان كثير من الأمراض مبعثها الآلام النفسية نتيجة القلق والحزن والاضطراب والوحشة والخوف وأمثالها، وكان تأثيرها على الجسم نتيجة حتمية، وهذا أمر محسوس ما أظن أحداً منا ينكره، كيف وها نحن نمر كل يوم بتجارب وأزمات تبعث على القلق والاضطراب، وإذا اشتد تأثيرها النفسي فنحس بعوارضها على البدن كالصداع والحمى وغيرهما من الأوجاع الناشئة عن التوتر العصبي أو انهيار الأعصاب.
فهذه الأعراض والأمراض نتائج حتمية لتلك الآلام النفسية لا أنّها تنحصر بها بل لها أكثر من سبب، إذن لا مانع - بل من الخير - معالجتها علاجاً نفسياً وروحياً لحسم مادة الألم وتطهير مصدره حتى تخلص النفس من مشاكلها بالدعة والاطمئنان إلى تأثير مدبر في شؤونها عارف بخيرها يرجى منه الصلاح والإصلاح، فتهدأ آلامها وتخلد إلى الراحة ريثما يتم لها الشفاء المتوقع وإذا هدأت النفس واطمأنت دبت العافية إلى أجزاء الجسم المصابة بسببها نتيجة حتمية أيضاً لها.
وما أظن القارئ ينكر الطب النفساني والروحاني ومدى تأثيرهما في معالجة كثير من الأمراض الباطنية والعقلية بل وحتّى الجلدية والمتوطنة والتناسلية.
وكم قرأنا وسمعنا شواهد على ذلك أقرها العلم الحديث بمفهومه الشامل.
وبعد هذا فماذا على الإمام وهو يحرص على صحّة امرئ مسلم مبتلي بمرض مبعثه ألم نفسي ويزول مرضه بعلاج نفسي أن لا يسعفه بذلك لتعجيل شفائه.
وما عليه وهو يرى عوارض المريض مركبة من آلام نفسية وعوارض بدنية
ان يعالج روحه وجسده في آن واحد فيصف له ما يشفي بدنه من مرضه بمستحضرات العقاقير مثلاً، ويشفي روحه ببركة آي من القرآن الكريم أو اسم من أسماء الله له أو عودة اشتملت على الاستعاذة بالله جل اسمه والتوسل إليه بملائكته المقربين أو أنبيائه المرسلين أو عباده المكرمين.
وهلم فلننظر في وصفات هذا اللون من العلاج فهل هي إلا ما وصفناه. وما الّذي ننكره من الاستشفاء بها وهي عين الشفاء، فالقرآن العظيم فيه من الآي الظاهرة الصريحة بأنّه شفاء المؤمنين كقوله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ(1)وقوله جلّ وعلا: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(2)وقوله تبارك اسمه في سورة فصلت: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ(3).
وفيه من الأمر بالدعاء والاستعاذة كثيراً إلى غير ذلك من آياته الكريمة وأسراره العظيمة التي عرفها أئمة أهل البيت(عليه السلام)أخذاً عن رسول (صلی الله علیه وآله وسلم) ولم يكن أحد أعرف بأسرار القرآن و موارد بركته منهم، فعلى جدهم أنزل وفي بيوتهم نزل، وهم المخاطبون به ولا يعرف القرآن إلّا من خوطب به.
وقس على الاستشفاء بآي القرآن الكريم الاستعاذة بأسماء الله تعالى والتوسل بها والدعاء إليه طلباً لخلاص الروح من أدرانها وحلاً لأزماتها ومشاكلها وشفاء لآلامها.
وان في الدعاء نفسه بشروطه لراحة للنفس واطمئنانها بالسلامة، ولم يكن مجرد خضوع واستكانة، أو انهزامية من واقع مرير كما يفسر خطأ - بل هو رجوع إلى حظيرة نفس الواقع وخلود إلى راحته، ومن منا ينكر ذلك أو لم تصادفه ولو تجربة واحدة طيلة حياته يفزع عند كلّ مخوف، ويلجأ في كلّ مكروه، ويستزيد
من الخير إلى من بيده التدبير والتقدير ، يرجو منه النجاة من أزماته، والتخلص من آلامه، والسلامة في راحته.
فلولا إحساسنا بالارتياح النفسي لنتائجه لما أقبلنا عليه واستعملناه دواءاً فطرياً.
والّذي يؤكّد ان تلكم الأدعية والعوذات والاستشفاء علاجات نفسية مضافاً إلى ورودها في القرآن الكريم، هو تعقيبها كثيراً بضمان النجاح عند الاستعمال، وهذا الالتزام بالعافية وضمانها هو وحده خير علاج نفسي يجعل المريض يشعر بالراحة ويتلمس العافية بين أحرف تلك الآي والدعاء والعوذة.
طبّ الأئمة واهتمام أصحابنا به:
ذكر أصحاب المعاجم في تراجم كثير من أصحاب الأئمّة وحملة حديثهم كثيراً من المؤلّفات في الطبّ، ولم يزيدوا في بيانهم أكثر من قولهم: (له كتاب في الطبّ) .
وإذا لاحظنا بعض القرائن الخارجية نجد تفسيراً لذلك وانّ المراد به (الطبّ المروي) كما إذا لاحظنا تراجم أُولئك الأعلام واهتمامهم بحديث أهل البيت (عليهم السلام )و جمعهم له في كتب خاصة صنّفت حسب مواضيعها الخاصّة، ومنها (الطبّ).
مضافاً إلى أنّا وجدنا النقل عن بعض تلك الكتب في الطبّ في بعض الجوامع الّتي وصلتنا، فكان ذلك ممّا صحّ عند مؤلّفيها من طريق أهل البيت عالم الالم الطبّ، كما أنّا لم نجد لكثير من أولئك الأصحاب ما يشعر بارتباطهم بالمتطبيين في عصرهم أو أي علاقة تشعر بالأخذ عنهم والتحصيل عندهم، ولو كان لهم شيء من ذلك لذكره المترجمون لهم كما ذكروا في تراجم كثير ممّن كان عنده اثارة من علم الطبّ اليوناني، أو الهندي أو أنّه حصل على شيء من سائر كتب الطبّ القديمة.
لذلك يمكننا القول بانّ مؤلّفاتهم تلك كانت في الطبّ المروي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام )وصحّ لنا أن نعدهم ممّن جمع طبّ الأئمّة
(عليهم السلام ).
وإلى القارئ طائفة من هؤلاء الأعلام ممّن عنى بجمع حديث أهل البيت في موضوع الطب، وهم مرتبون على حسب الحروف الهجائية:
1 - أحمد بن محمّد بن الحسين بن الحسن دول القمي (ت 350ه-).
2 - أبو عبدالله أحمد بن محمد بن سيّار البصري الكاتب لآل طاهر، كان في زمن الإمام العسكري(عليه السلام ).
ويروي النجاشي كتابه بثلاث وسائط، وقد روى الصدوق في الخصال والبرقي في المحاسن وغيرهما بعض أحاديث الطبّ عنه بسنده عن الأئمة (عليهم السلام ).
3 - الحسين بن بسطام بن سابور الزيّات - أحد مؤلفى كتابنا هذا -.
4 - أبو أحمد عبدالعزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي شيخ أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه (ت 367ه-).
5 - عبدالله بن بسطام بن سابور الزيّات - ثاني الأخوين مؤلّفى كتابنا هذا-.
6 - عبد الله بن جعفر بن الحسين بن مالك بن جامع الحميري من رجال القرنين الثالث والرابع صاحب كتاب قرب الاسناد المطبوع بالمطبعة الحيدرية وغيرها.
7 - أبو الحسن علي بن الحسن بن فضال بن عمر بن أيمن الفطحي.
8- أبو الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (ت 329) شيخ القميين ووالد الشيخ الصدوق صاحب كتاب (من لا يحضره الفقيه) أحد الجوامع الحديثية الأربعة، ويروي عنه النجاشي عن شيخه عباس بن عمر الكلوذاني عنه وهو سند عال.
9 - أبو جعفر محمّد بن أحمد بن محمّد بن رجاء البجلي الكوفي توفي سنة 266 راجعاً من مكة ودفن بذات عرق.
10 - أبو جعفر محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران بن عبدالله بن سعد بن مالك الأشعري القمي صاحب (نوادر الحكمة) المعروف بدبة شبيب. 11 - أبو عبدالله محمّد بن عبيد الله الجنابي البرقي المعروف (بماجيلويه).
12 - أبو الحسن موسى بن الحسن بن عامر بن عمران بن عبدالله بن سعد الأشعري القمي.
13 - أبو النضر محمّد بن مسعود بن محمد بن عيّاش السلمي السمرقندي.
وجمعه من المتأخرين عن عصر أصحاب الأئمة (عليهم السلام )جماعة من الأعلام وإلى القارئ أسماء بعضهم:
1 - السيد أبو محمّد زيد بن علي بن الحسن الحسيني تلميذ الشيخ الطوسي وشيخ والد منتجب الدین( ابن بابویه) صاحب الفهرست.
2 - الشيخ أحمد بن صالح البلادي البحراني الجهرمي المسكن (ت 1124ه-) له (الطبّ الأحمدي) ذكر فيه الروايات المروية في الطب، قال الشيخ يوسف البحراني في لؤلؤة البحرين انه موجود عندي وقال: رأيت بخطه انه ولد سنة 1057ه-.
3 - السيد عبدالله شبّر الكاظمي (ت 1242 ه-) له طب الأئمة ذكره شيخنا الرازي وقال: يقرب من (11000) بيت وله الطبّ المروي ضعف كتابه الأوّل(1).
4 - محمد قاسم بن غلام عليّ الطبيب له طبّ الأئمة وتوجد نسخته في الرضوية.
5 - محمد شريف بن محمّد صادق الخواتون آبادي له (شرح طبّ الأئمّة )كما ان له (شرح طبّ النبّي(صلی الله علیه وآله وسلم)) و(شرح طبّ الرضا(عليه السلام )) ذكرها جميعاً في كتابه حافظ الأبدان الّذى ألفه سنة 1121ه-
6 - السيّد محمود الده سرخي المعاصر له مفاتيح الصحة ترجم فيه طبّ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)و طبّ الرضا وطبّ الأئمّة وهو مطبوع بالفارسية.
ابنا بسطام:
هما الحسين وأبو عتاب عبدالله ابنا بسطام بن سابور الزيّات النيسابوريان، ذكرهما النجاشي في رجاله فقال الحسين بن بسطام وقال أبو عبدالله بن عياش(2): هو الحسين بن بسطام بن سابور الزيّات، له ولأخيه أبي عتاب كتاب
1) الذريعة 15: 140
2) هو أحمد بن محمّد بن الحسن بن عيّاش بن إبراهيم بن أيوب أبو عبدالله الجوهري الإمام في الأدب والتواريخ وعلوم الحديث ترجمه النجاشي في رجاله: 62 وذكر مؤلّفاته وقال: رأيت هذا الشيخ وكان صديقاً لي ولوالدي وسمعت منه شيئاً كثيراً، ورأيت شيوخنا يضعفونه فلم أرو عنه شيئاً وتجنبته، وكان من أهل العلم والأدب القوي وطيب الشعر وحسن الخطّ رحمه الله وسامحه ومات سنة 401.
جمعاه في الطبّ كثير الفوائد والمنافع على طريقة الطبّ في الأطعمة ومنافعها والرقى والعوذ، وقال ابن عيّاش : أخبرناه الشريف أبو الحسين صالح بن الحسين النوفلي قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أبو عتاب والحسين جميعاً به (1).
وقال: عبدالله بن بسطام أبو عتاب أخو الحسين بن بسطام المقدّم ذكره في باب الحسين الّذي له ولأخيه كتاب الطبّ وهو عبد الله بن بسطام بن سابور الزيّات (2).
ونحن إذا رجعنا إلى رجال النجاشي(رحمة الله علیه) نجده يترجم أباهما وأخوته فيقول: بسطام بن سابور الزيّات أبو الحسين الواسطى مولى ثقة واخوته زكريا وزياد وحفص ثقات كلّهم رووا عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهم السلام ) ذكرهم أبو العبّاس - يعني ابن عقدة - وغيره في الرجال، له كتاب يرويه عنه جماعة، أخبرنا علي بن أحمد قال: حدثنا محمّد بن الحسن قال : حدثنا علي بن إسماعيل بن صفوان عن بسطام بكتابه (3).
وقد رويا في كتابهما عن جماعة اشتركا في الرواية عن محمّد بن خلف ووصفاه بانه كان من علماء آل محمد. وعن أحمد بن رباح المطيب، وانفرد الحسين بالرواية عن عبد الله بن موسى.
عبدالله كما انفرد أخوه عبد الله بالرواية عن جماعة وهم: إبراهيم بن النضر من ولد ميثم التمار روى عنه عبدالله وقال: ونحن مرابطون بقزوين، وإبراهيم بن محمّد الأودي، وإسحاق بن إبراهيم، وعبدالله بن إبراهيم ومحمّد بن رزين، ومحمّد بن إسماعيل بن حاتم التميمي، ومحمّد بن زريق، وأبو زكريا يحيى بن أبي بكر آدم، وكامل.
والذي يظهر من مجموع ما تقدّم أنّهما كانا من أسرة علمية تحمل حديث أهل البيت وترويه، ثقات في الرواية، وإن في رواية ابن عياش - الذي توقف
النجاشي في الرواية عنه مع أنه كان صديقاً له ولأبيه من قبل لحديث شيوخه في تضعيفه وترحمه عليه بعد ذلك - لكتابهما لا توجب القدح في المؤلفين ولا التوهين لكتابهما ، إذ أنّه له كتب معتبرة رواها عنه أصحابنا وتلقوها بالقبول.
وقد ذكره الحجة السيد حسن الصدر(رحمة الله علیه) في كتابه تأسيس الشيعة وأثنى عليه كثيراً فروايته مقبولة ومنها روايته لكتاب هذين العلمين.
ونظراً لندرة نسخه ولم يطبع إلا مرة واحدة قبل سنين طبع في ايران بأمر و تقديم سماحة آية الله المرحوم السيد البروجردي تغمده الله برحمته، مع كتابين آخرين، واقتصر(رحمة الله علیه) في تقديمه على مقالة النجاشي، وأشار إلى انه ليس له طريق إلى روايته ممّا يشعر بتوهين الكتاب، وقد قدّمنا للقارئ مقالة النجاشي الله وليس فيها ما يفيد ذلك صريحاً، واستظهار ذلك في المقام بقرينة عدم روايته للكتاب لايكفي.
خصوصاً وقد روى عنه مشايخنا الأعلام وتلقوا روايته بالقبول فأودعوها أسفارهم، ونرشد القارئ إلى مراجعة الفصول المهمة للشيخ الحرّ العاملي
(رحمة الله علیه)(1)فانّه أخرج عنه في أبواب مختلفة من أبواب الكليات المتعلقة بالطبّ وما يناسبها وكذا الشيخ المجلسي(رحمة الله علیه) في كتابه(2)وغيره فانّه نقل عن طبّ الأئمّة - هذا -كثيراً في أبواب مختلفة فليلاحظ.
وقد رغب الأستاذ محمد كاظم الكتبي وفقه الله لاعادة طبعه و تیسیر نسخته النادرة لتكون في متناول القرّاء، فحقيق بالشكر وحري بالدعاء فجزاه الله عن الدين وأهله خير الجزاء وله منا شكر غير ممنون، والحمد لله على توفيقه وهدايته ونسأله أن يتقبل منا ومنه أنّه ولى التوفيق والاجابة.
محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
النجف الأشرف
7 ربيع الثاني سنة 1385ه-
المسماة بالرسالة الذهبة
( التي بعث بها الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام )
«إلى الخليفة عبد الله المأمون العباسي »
وضع المقدمة
العلامة السيد محمد مهدى السيد حسن الخرسان
ستورات المطبعة الجبرية ومكتبتها في النجف الاشرف
1385 - 1966 م
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
روح طيبة تحب الخير وتسعى من أجله، فهي تحدو بصاحبها نحو الفضيلة، تلكم هي روح الأستاذ محمّد كاظم الكتبي سلّمه الله، فقد عرفته في حدود عمله الوحيد الّذي يواصل جهاده المشكور في خدمة الدين والعلم واتحاف القرّاء بألوان شتى من كتبه الّتى يقوم بطبعها ويعنى بنشرها.
وله وفقّه الله لفتات طيبة في حسن اختيار ما ينشره ممّا يقوّم النفس ويهذّب الأخلاق ويعالج الروح ، أمّا اليوم فقد عزم على اصدار مجموعة طبية طيبة تعالج جسم الإنسان كما تهذّب روحه وأنّها لفتة طيبة خيرة.
فطلب إلىَّ أن أصدّرها بتعريف مؤلّفيها تعريفاً يتناسب وحجم الكتاب، يكون تقديماً بين يدى القارئ، وكان الأحرى به - والحق يقال - أن يتولى ذلك شخص له خبرة تامة بالطبّ وفروعه ليتولى کشف ما اشتملت عليه تلكم الرسائل من أسرار طبّية في التشريح والأحياء والأجنة والفسلجة - وظائف الأعضاء - والأمراض وحفظ الصحّة والوقاية والغذاء وغير ذلك، ولكنّه سلّمه الله رغب إليَّ أن أقدّم كلّ رسالة بما يتيسر لي، فاقتصرت على تعريف مؤلّفيها تاركاً ما ليس من اختصاصي - من كشف أسرار طبية - عسى أن يوفّق الله بعض أطبائنا المؤمنين فيكشفوا لنا غوامض تلكم الرسائل على ضوء الإكتشافات العلمية الحديثة، وأكبر الظن أنّهم سيقفون على أسرار ربما كانت فتحاً جديداً فى عالم الطب اليوم.
والآن ونحن على أعتاب رسالة كتبها إمام جليل من أئمّة مة التشريع الإسلامي إلى أعلم خليفة امتاز بلاطه بجمهرة من العلماء ذوي الإختصاص إزدان بهم عصره حتّى فضل عصور الخلافة الإسلامية.
وتلك الرسالة هي الرسالة الذهبية، وهى بحقّ ذهبية، الّتي كتبها الإمام عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام) بطلب من الخليفة عبدالله المأمون العبّاسي، تناول فيها جوانباً
من الطب على ضوء ما استفاده(عليه السلام) شخصياً من مسموعاته وتجاربه (في الأطعمة والأشربة وأخذ الأدوية والفصد والحجامة والحمّام والنورة والباه وغير ذلك ممّا يدبّر استقامة أمر الجسد)(1).
ولمّا كانت طبيعة التقديم تقضى بتعريف المؤلّف والمؤلّف وأسلفت عذري عن تعريف المؤلّف بما يحق وينبغي فلا مناص من تعريف المؤلّف باستجلاء شخصيته للقارئ الكريم.
ولمّا كانت شخصية الإمام الرضا(عليه السلام)متشعبة الجوانب أسمى من أن يحيط بها بياني، وواضحة نيّرة أجل من أن يكشفها قلمي، فقد وقفت حائراً أمام عظمته صلوات الله عليه فأي نواحي عظمته أختار عرضها وكلّها عظيمة، وأي جانب منها فيه غموض حتى يحسن بمثلي أن يكشفه، وحياته كلها لا غموض فيها ولا تعقيد.
ففكرت واستعرضت فلم أر في تاريخه سلام الله عليه حَدَثاً خطيراً قد اكتنفته بعض سحب الصيف السريعة الزوال، فاضطربت الآراء في معرفة كنهه، وعملت الأهواء على إخفاء شأنه، إلا أمر ولاية العهد، فاخترت -ولي رأيي - أن أتناول هذا الجانب من حياته(عليه السلام) عسى أن أوفق إلى أن المس القارئ أسباباً دعت إليها لعله يستبين له واقع الأمر جلياً من وراء ذلك، فيجد في البحث إجابة على بعض علائم الإستفهام التى تلى كثيراً من النقاط ذات الصلة بالموضوع.
وقبل الخوض في ذلك لابد من معرفة شيء باختصار من تاريخ حياة الإمام(عليه السلام) .
الإمام على بن موسى الرضا(عليه السلام) :
هو ثامن أئمة المسلمين، وخلفاء الله في العالمين، ولد يوم الجمعة 11 ذي القعدة سنة (148 ه-) بالمدينة المنورة، أمّه أم ولد إسمها نجمة عاش مع أبيه 29 سنة وأشهراً، قام
1) مقدّمة الرسالة الذهبية للإمام الرضا(عليه السلام)
بالأمر - الإمامة - بعد أبيه فكانت مدّة إمامته 20 سنة وسبعة أشهر.
عاصر من الخلفاء العبّاسيين المنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد والأمين، والمأمون وهو الّذي اختاره لولاية العهد، وسيأتي الحديث عنها.
كان(عليه السلام) أفضل أهل زمانه وأعلمهم، وقد ظهر من علمه بمحضر المأمون في مجالس المناظرة ما أفحم علماء الملل ومتكلّميهم، وحيّر جهابذة الفنون والعلوم، توفى بالسم يوم 17 صفر سنة (203ه-).
أعقب من ولده أبي جعفر الجواد، واختلف المؤرخون والنسابون في أنّ له أولاداً غير الجواد، أم لا؟
وأهم حدث سياسي خطير في تاريخ حياته (عليه السلام) هو ولاية العهد، ولابدّ من البحث عن ذلك الحدث - بإختصار طبعاً - وكشف بعض النقاط والحوادث الّتي سبقته، فانّها تسلط الأضواء على الدواعي التي اضطرت المأمون العبّاسي إلى إسناد ولاية العهد إليه (عليه السلام).
ولاية العهد:
كان المأمون العبّاسي يعيش في خضّم الأحداث السياسية، فهو بين نقمة العبّاسيين الحانقة لخلعه ابن أختهم محمّد الأمين، وأخيراً قتله، وبين ثورات العلويين المتتابعة، فأولئك يحنقون عليه ويكيدون له، وهؤلاء ما برح الثائر منهم يدعو الناس إلى الرضا من آل محمّد، وهى نغمة وإن سبقت عصر المأمون و آبائه، بل كانت من أيام بني مروان، فإنّها السلاح الذي يشد به عضد الثائر، ويفتك بالحكم القائم أياً كان صاحبه .
فهذا عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر نهض بالكوفة أيّام يزيد الناقص، ودعا الناس إلى البيعة للرضا من آل محمّد، واستجاب له الناس حتّى قاتلوا معه ولمّا ظن نجاح دعوته عدل عن الدعوة إلى الرضا من آل محمّد ودعا إلى نفسه،
فتخاذل عنه الكثير من الناس حتّى اضطر إلى مغادرة الكوفة - مهد الدعوة - فارّاً بنفسه إلى إصفهان والري وقومس وهمدان(1).
وأدرك العبّاسيون أنفسهم مدى تأثير الدعوة إلى الرضا من آل محمّد وضمان نجاحها، فكانوا في بدء أمرهم يدعون إلى الرضا من آل محمّد(2).
وحتّى أنّ مؤتمر الأبواء للهاشميين تمخض عن البيعة لمحمّد بن عبدالله النفس الزكية - قتيل أحجار الزيت - باعتبار أنه المهدى من آل محمّد، ولمّا بث العبّاسيون دعاتهم فى الأمصار كان شعارهم الدعوة إلى الرضا من آل محمّد الطابع المحبوب لدى عموم المسلمين.
فكان وسام الإنتساب إلى آل محمّد هو الدافع والوازع أوّلاً وأخيراً لجمع الأنصار والتفافهم حول الدعوة الجديدة، فأبو سلمة الخلّال الداعي بالكوفة تلقّب بوزير آل محمّد وأبو مسلم الخراساني صاحب الدعوة بخراسان يدعو الناس إلى الرضا من آل محمّد(3).
وهكذا تمّت الدعوة وقضي على دولة بني مروان وطويت صفحة تاريخهم الأسود بسيوف أنصار آل محمّد استجابة لداعي آل محمّد، وتدبير وزير آل محمّد، وكلّهم يريدون بيعة الرضا من آل محمّد .
فالرضا من آل محمّد هو الشخص المحبب إلى الناس وله يستجيبون ويبايعون.
ولمّا اختلس بنو العباس الأمر من أبناء عمهم العلويين، أحفظ ذلك غير واحد من ساداتهم، فكانت ثوراتهم متوالية ودعوة جلهم إلى الرضا من آل محمّد.
فهذا الحسين بن عليّ صاحب فخ كان عنوان دعوته البيعة إلى الرضا من آل محمّد(4)
وهذا محمّد بن إبراهيم صاحب أبي السرايا نهض بالكوفة سنة (199 ه-) ودعا إلى الرضا من آل محمّد(1)، ولقب نفسه بالرضا من آل محمّد.
وهذا محمّد بن محمّد بن زيد الشهيد القائم بالأمر بعد مقتل محمّد بن إبراهيم المذكور، ووارث لقبه الرضا من آل محمّد(2).
وهذا الحسن بن هر ش نهض بخراسان سنة (198ه-) ودعا إلى الرضا من آل محمّد(3).
وهكذا غيرهم، فالدعوة إلى الرضا من آل محمّد هي النغمة الّتي يردّدها ثوار العلويين ودعاتهم، ويسعى الناس على إيقاعها.
وتتابعت ثورات العلويين في أنحاء البلاد الإسلامية، وكتب النجاح لبعضها فاستولت على بعض البلدان، فكان المغرب الأقصى وجزء كبير من الأدنى تحت حكم الأدارسة من أيّام الرشيد، وكانت حكومة اليمن علوية مستقلة عن حكومة المأمون العبّاسية، وكانت البصرة في وقت تحت حكم زيد بن موسى بن جعفر الملقب بزيد النار، وكانت مكة والمدينة انفصلت عن حكومة المأمون أيّام ثورة محمّد الديباج وكانت الكوفة كسابقتها وكانت...
فهذه الدعوة وهذا الشعار -الرضا من آل محمّد - ممّا يلفت نظر سائر الناس، فكيف بالمأمون العبّاسي وهو هو في حنكته وسياسته ودهائه وتدبيره.
فهو كان يتتبع هذه الأحداث كلّها بدقة تامپة ويستجلي بواعثها وينظر في عواقبها، فرأى أنّ خير ما يقطع به دابر الثوار ويخمد به مشاعرهم الملتهبة، ويقبر دعواتهم في أمهادها، هو أن ينظر رجلاً من العلويين من آل محمّد، ممّن يفوقهم في علمه ودينه وشرفه وفضله فيلقّبه بالرضا، ويجعله ولي عهده، ويخطب باسمه على المنابر، حتّى لا يطمع أحد من العلويين بعد ذلك بالثورة والدعوة إلى الرضا من آل محمّد، هذا من جهة فتح ونجاح سيظفر بعده بموالاة شيعة أهل البيت وإخلاصهم وهو كسب وفوز يحتاج إليه المأمون، وهو يتبوأ مركزاً حساساً
تجتاحه العواصف بين حين وآخر.
ولكن ابن مراجل لم يكن سطحياً في تفكيره، ولا ساذجاً في حسابه، فوراء ذلك نقمة ثلاثة وثلاثين ألفاً من العبّاسيين ببغداد، سوى من يتشيّع لهم، ووراء ذلك هنات ،وهنات فلابد إذن من التفكير في كسب الجانب الآخر، وغسل درن صدورهم عن فعلته بابن أختهم العباسي الصميم ويزيد ذلك شرّاً تقريب العلويين واتخاذ ولي عهد منهم.
فدبّر لنجاح خطته الثانية هي التخلص من ذلك العلوي بسلاح لا يريق به دماً ولا يعلن به قتلاً، وهو سلاح فاتك استعمله ويستعمله حكام الجور بمن يريدون الفتك به والتخلص منه، مع أمن المغبة وأمان من العاقبة، وذلك هو (السم).
فقد استعمله الحكّام باسم الإسلام من أيام معاوية فقد سم أناساً منهم: مالك الأشتر وعبدالرحمن بن خالد، وأخيراً سم الإمام الحسن الزكي، واستعمله بعده القائمون على عرشه، وحذا حذوهم العبّاسيون آباء المأمون، فلا قلق في نفسه لو استعمله مع من يريد التخلص منه، وكيف يقلق وقد استعمله هو مع طاهر بن الحسين الخزاعي، مع ما لطاهر من أياد بيضاء عليه، كان على ابن مراجل شكرها، فقد سعى بسمه حين ولاه خراسان(1)
وفكر المأمون وقدّر - قتل كيف قدّر - أنّ أوّل رجل ينفذ فيه خطته هو الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) الأسباب أهمها:
1 - قول شطر كبير من المسلمين بإمامته.
2 - فضله وعلمه ودينه، فلا يوازيه أحد من الطالبيين في موكب ولا منكب.
3 - تلقيبه ب- ( الرضا ) من زمن بعيد، ربّما يرجع تاريخه إلى أيّام النبي(صلی الله علیه وآله وسلم). كما في بعض الأحاديث.
وهذه الأسباب الثلاثة تكفي المأمون حاجته، وتدفعه لأن يسعى بجهده لتحقيق رغبته، وفعلاً صمم على عزمه، وأعد المقدّمات حتى استخلص النتيجة،
1) عصر المأمون 1: 271
وهي حمل الإمام علي بن موسى مع جماعة من العلويين، فحملهم مخفورين على طريق البصرة فالأهواز ، وهنا تبدو علامات الإستفهام لماذا حملهم مخفورين؟ ولماذا كان طريقهم على البصرة والأهواز؟ دون الكوفة وقم؟!
وللإجابة عليهما معاً يحسن بنا تنبيه القارئ إلى انّ المأمون مرّت به تجربة شبيهة بهذه الحادثة - وهو امرؤ استفاد من التجارب كثيراً - وذلك انه أمر بحمل جماعة من الطالبيين فيهم محمّد بن جعفر الديباج فلمّا مروا بزبالة خرج عليهم الغاضريون فاستنقذوهم من الجلودي - آمر الخفارة - بعد حروب طويلة صعبة، فمضى العلويون بأنفسهم إلى الحسن بن سهل - وزير المأمون ببغداد - فأنفذهم إلى خراسان إلى المأمون (1)فأكبر الظن أنه احتاط للأمر ، فحملهم على طريق البصرة والأهواز، إذ بات من المعلوم لديه أنّ الكوفة وقم مهبط التشيع، وما يؤمنه من ثورة أهلها لو رأوا الإمام وأبناء عمّه مخفورين.
وأياً ما كان فقد تم للمأمون تدبيره ، وتم اعلان ولاية العهد سنة (201 ه-)(2)بعد أن أكره الإمام على قبولها بشروط اشترطها أخفق معها المأمون في مسعاه ذلك، فلم يدرك حاجته كما يريد رغم أنه زوّج الإمام بابنته أم حبيب توكيداً لأمره.
روی معمر بن خلاد قال: قال لي أبو الحسن الرضا(عليه السلام) : قال لي المأمون: يا أبا الحسن، لو كتبت إلى بعض من يطعك في هذه النواحي التي قد فسدت علينا. قال: قلت يا أمير المؤمنين، إن وفيت لي، وفيت لك، إنما دخلت في هذا الأمر الذي دخلت فيه، على أن لا آمر ولا أنهى ولا أولي ولا أعزل، وما زاد في هذا الأمر الذي دخلت فيه في النعمة عندي شيئاً، ولقد كنت في المدينة وكتابي ينفذ في المشرق والمغرب، ولقد كنت أركب حماري وأمر في سكك المدينة، وما بها أعز منّي، وما كان بها أحد منهم يسألني حاجة يمكنني قضاؤها له إلا قضيتها له.
قال: فقال لي: أفي لك (3).
لاحظ هذه الرواية وتأملها، نجد أنّ المأمون يطلب من الإمام أن يكتب إلى من يطيعه من الثوار في أنحاء البلاد، فيجيبه الإمام بالشروط التي دخل عليها، ثمّ يشرح له واقعه الذي كان يعيش به في المدينة، ويلمس المأمون في جواب الإمام انذاراً خفياً، يهدد عرشه المكين وسلطانه الجبّار.
وللإمام كلمة نصت عليها وثيقة العهد ينفذ منها النور إلى أسرار تلك البيعة، وتسلط الضوء فتكشف نوايا المأمون السيّئة، وتلك الكلمة هي قوله: (والجفر والجامعة تدلان على خلاف ذلك )(1).
وبعد هذا كله اتضح للقارئ - فيما أعتقد سر ولاية العهد، فقد قدّمنا نصوصاً تاريخية لمسنا فيها واقعاً لا لبس فيه ساعدتنا تلكم النصوص على كشف لعبة المأمون، وأخيراً دلّتنا على سياسته الميكافيلية التي شعارها - الغاية تبرر الوسيلة - ولمزيد الإيضاح فلنعرف المأمون، ثمّ نعود لنثبت ما قلناه عن سوء نيته أوّل الأمر، وسوء فعله آخره .
المأمون:
عبدالله بن هارون الرشيد أمه باذغشية اسمها مراجل ولد ليلة 14 ربيع الأول سنة (170)ها قبل مولد أخيه الأمين بستة أشهر.
كان ذكياً ثاقب الفطنة، بعيد النظر، على جانب من العلم وصفه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)- في خطبته التي يصف فيها ملوك بني العباس - بأنه أعلمهم(2).
ولولا نفوذ أخوال الأمين في بلاط هارون لمكان زبيدة بنت أبي جعفر المنصور اُمّ الأمين، لكان المأمون هو ولي عهد أبيه، لتقدمه في السن والفضل على أخيه الأمين، لكن تأثير أولئك هو الذي حمل الرشيد على إسناد ولاية العهد لابنه محمّد الأمين فى سنة ( 175ه-)، وفى سنة (183 ه-) جعل الرشيد ولي العهد من بعد الأمين أخاه المأمون، وخطب لوليي العهد معاً من تلك السنة على منابر المسلمين.
وقسّم الرشيد بينهما البلاد الخاضعة له، وحجّ في سنة (186 ه-)، وكتب عهداً بوفاء كلّ من ولديه لأخيه وأشهد عليهما وزراءه وولاته وقضاته ووجوه العباسيين، وعلّق ذلك العهد في الكعبة إبراماً له.
مات الرشيد سنة (193) ه-) بطوس، فنقض الأمين ببغداد ذلك العهد المبرم وكتب إلى المأمون في سنة (194) ه-) أن يتنازل لابنه موسى بن محمّد عن ولاية العهد فأبى، وفي سنة (195 ه-) دعا الأمين لابنه موسى وأسقط اسم المأمون من الخطبة، وجرت خطوب كان ضحيتها الأمين فقد قتل سنة (198 ه-) ببغداد، حين دخلها طاهر بن الحسين الخزاعي قائد جيش المأمون، فاتحاً فجددت البيعة بها وباقي الأمصار للمأمون.
ونقم العبّاسيون فعل المأمون بابن أختهم الأمين، وزاد في غيظهم توليته العهد بعد ذلك للإمام الرضا(عليه السلام)سيّد العلويين، فأعلنوا سخطهم فخلعوه وبايعوا سنة (202ه-) إبراهيم بن المهدي(1)- شيخ المغنين - بالرغم من وجود الحسن بن سهل خليفة المأمون ببغداد، واضطرب أمر بغداد وكثر الشغب بها حتى كادت أن تسقط من قائمة حساب المأمون(2)وهو لا يعلم بذلك كلّه، حيث كان وزيره الفضل بن سهل يكتم الأخبار عنه، حفاظاً على مكانة أخيه الحسن، وتسربت الأخبار إلى خراسان حتى علم الناس بها فاضطر الإمام الرضا(عليه السلام) شأنه في النصح لعامة المسلمين فكيف بمن التزم بالنصيحة له فأخبر المأمون بخبر بغداد وشأنها (3).
وهنا يبدأ المأمون في التفكير فيما يصنعه لاسترجاع بغداد إلى حكمه واقناع العباسيين بأمره ، وذلك لا يتم إلا بانهاء المشهد الأخير من رواية ولاية العهد، وبعد اسدال الستار على آخر فصل منها، وإيادة عناصر أخرى انتهى دورها فعليه أن ينهي ،أمرها، فكان منهم وزيره الفضل بن سهل حقد عليه كتمان أمر بغداد، فأمر
نفراً فاغتالوه بسرخس فى حمّام بدار المأمون فقتلوه، ثمّ عطف عليهم المأمون فقبضهم وآخرين معهم ممن لا يرغب بهم، بتهمة اغتيال الفضل بن سهل والتحريض على قتله، وصارحه بعض القائلين بأنه هو الذي أمرهم، فلم يسمع لهم استغاثة وقتلهم جميعاً، وبعث برؤوسهم إلى بغداد إلى الحسن بن سهل ليطيب قلبه عن قتل أخيه، ويدفع عن نفسه تهمة الإغتيال، وكان ممن أخذه بتلك التهمة عليّ ابن سعيد ذا العلمين - ابن خالة الفضل - وآخرين ذكرهم التاريخ، وأقصى جماعة من قواده سمّاهم الشامتة، وبهذه الفعلة رمى بحجر واحد سرباً من العصافير(1).
أمّا تدبيره بالنسبة إلى أقوى عنصر في دولته ،له من المكانة في النفوس ما تهدد المأمون بانهيار حكمه لو اغتاله قتلا كما صنع مع الفضل، وربما تكشفت لعبته الفضل والمأخوذين به، فلم يكن له إلا السم، وهو سلاح سري يعطي نفس النتيجة المطلوبة دون إثارة شكوك فيما ظنه، وأكبر الظن أنه اضطر إلى سمه دون قتله ،غيلة تجنباً للخطأ الّذي مرّ به فى تجربته مع الفضل، يوم صارحه القاتلون بأنه هو الذي أمرهم، والمأمون ذكي استفاد من التجارب كثيراً، فاحتاط للأمر وسمه بالعنب.
ورغم احتياطه الشديد في إخفاء الأمر ، فقد شاع بين الناس أمر، سمه منذ اللحظة الأولى التى احتجب بها الإمام الرضا(عليه السلام) في بيته، وحاول المأمون - فاشلاً - أن يبرء نفسه من إدانة الناس له، فقد اهتم اهتماماً بالغاً بالأمر وأظهر الجزع لمرض الإمام وعيّن له الأطباء، وكان يعوده ويظهر توجعه له ثم يقول: وأغلظ عليَّ من ذلك وأشدّ أنّ الناس يقولون إني سقيتك سماً، وأنا إلى الله بريء(2).
ومات الإمام(عليه السلام) في مرضه ذلك، وأظهر المأمون عليه الجزع، واحتاط في إخفاء الجريمة، فأدخل جماعة الطالبيين وفيهم عمّ الإمام - محمّد بن جعفر -
فأراهم إيّاه صحيح الجسد لا أثر به، ثمّ بكى، ورغم حيطته، فقد اشتهر أمر السم، حتّى نظمه دعبل الخزاعي وغيره ممّن رثى الإمام، واستوحش العلويون من المأمون، وقرأ هو في وجوههم النقمة والثورة، فحاول إعادة الرواية بحذافيرها مع سيد علوي آخر كان قد اختفى مدة حكومته، وهو عبد الله بن موسى الجون بن عبدالله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط، فكتب إليه بعد وفاة الرضا لا يدعوه إلى الظهور ليجعله مكان الرضا، ويبايع له بولاية العهد، وأطمعه بالعفو والصلات، فأجابه بكتاب طويل جاء فيه: ( فبأي شيء تغرني؟ ما فعلته بأبي الحسن - صلوات الله عليه - بالعنب الذي أطعمته إياه فقتلته)، وفي رواية: (أم في العنب المسموم الذي قتلت به الرضا)(1).
ففشل في محاولته تلك، فعليه أن يسير إلى بغداد ليشهد وضعها فيعالجه بما تقتضيه الحنكة والتدبير، فهناك في بغداد شيخ عبّاسي ينازعه الخلافة، وفي بغداد وزير موتور بأخيه لا يؤمن جانبه، وفي بغداد وغيرها كثير من العلوية تغلي مراجلهم على ابن مراجل، فجاء إلى بغداد، وفاوض العباسيين وأزال ما في نفوسهم عليه من أمر ولاية العهد وعودتها إلى حظيرتهم المقدّسة؟ بين الناي والعود.
وداوى صدر الحسن بن سهل فغسل در نه بمصاهرته حيث تزوج بنته بوران ولزواجه بها وما صرف فيه من الأموال ما جاز حد الإسراف والتبذير، حديث يوحي بالعبرة والتفكير(2)
أمّا العلويون فلم يكن يأمن جانبهم، فحاول إرضاءهم وإبعاد التهمة عن نفسه، فأرسل إلى المدينة فأحضر منها محمّد الجواد ابن الإمام الرضا
(عليه السلام)وبالغ في إكرامه، وأخيراً عقد له على ابنته أم الفضل وزوّجه بها، وتزويجه هذا أيضاً من مكائده الّتي لم يظهر أثرها السيّئ إلّا بعد حين.
هذه سلسلة حوادث تاريخية مترابطة ذات علاقة وشأن بولاية العهد ذلك الحدث السياسي الخطير ، فإن وفقت في عرضها أمام القارئ والمسته من خلالها الواقع فذلك حسبي، وإن تكن الأخرى فهذا رأيي وما توفيقي إلا بالله.
أعلام الطب في الرسالة:
1 - جبرئيل بن بختيشوع الطبيب النصراني الجنديسابوري، كان حاذقاً في فنّه مبرزاً على أقرانه له تأليف في الطب، خدم الرشيد فكان طبيبه الخاص، حل محل أبيه عند الخلفاء، صحب الرشيد إلى طوس، وهناك تغير عليه الرشيد بسبب بعض الوشايات، ولما مات الرشيد وافى بغداد فقبله الأمين وأحسن إليه واختصه لنفسه، فكان لا يأكل ولا يشرب إلا بإذنه، ولما قتل الأمين سنة (198ه-) كتب المأمون إلى نائبه الحسن بن سهل بحبس جبرئیل فحبسه، ولم يخرجه من الحبس حتى سنة (203ه-) حين احتاجه لمعالجته من مرض عضال ألم به فعالجه حتى برىء فكتب الحسن بن سهل إلى المأمون يخبره بأمره ويسأله الصفح عنه شكراً له على صنيعه، ولما ورد المأمون إلى بغداد سنة (205 ه-) أمر بحسبه في منزله، وأن لا يخدم فبقي حتى سنة (210ه-) اضطر المأمون إلى إطلاق سراحه والعفو عنه لأنه احتاجه لمعالجته من مرض أعيى نطس الأطباء، فعالجه حتى عوفي فأكرمه وبالغ في إكرامه.
ونجد في تاريخ الحكماء للقفطي ثبتاً بما كان لجبرئيل من الرزق والرسوم والصلات وفيه أرقاماً تشبه الخيال، فراجع ذلك فانّه لايخلو من طرافة واعتبار(1).
2 - يوحنا بن ماسويه الطبيب النصراني السرياني : كان الرشيد قد ولاه ترجمة الكتب الطبية القديمة، قال القفطي: وكان ملوك بني هاشم - العباسيون - لا يتناولون شيئاً من أطعمتهم إلا بحضرته، وكان يقف على رؤوسهم ومعه البراني
1) تاريخ الحكماء للقفطي: 142 ط لييزيك.
بالجوارشات الهاضمة المسخنة الطابخة المقوية للحرارة الغريزية في الشتاء، وفي الصيف بالأشربة الباردة الطابخة المقوية والمعاجين، وترجمه في كتابه ترجمة مطوّلة.
3- صالح بن بهلة الهندي: قال القفطي في تاريخه: طبيب مذكور أيام الرشيد، هندي الطب حسن الإصابة فيما يعانيه، وأسهب في ترجمته.
سبب التسمية بالذهبية:
ذكر النوفلي - أحد رواة الرسالة - إنّ المأمون العبّاسي لمّا وصلت إليه الرسالة وهو يومئذٍ ببلخ - قرأها وفرح بها فرحاً شديداً، وأمر أن تكتب بالذهب، وأمر أن تترجم بالمذهبة، ودفعت إلى أولاده وأولياء دولته وبني عمه نسخته.
ومهما يكن نصيب هذه الرواية من الصحّة، فهي لا تعدو ذكر سبب معقول يمكن الجزم بصحته، خصوصاً بعد أن نعرف مدى اشتهارها بهذه التسمية، ولابدّ أن تكون عن كتابتها بالذهب، ولم يكن ذلك عزيزاً على المأمون ولا بدعاً في تلك العصور.
وسيأتي التصريح بكتابتها بالذهب في رسالة المأمون الّتي كتبها تقريضاً للرسالة الذهبية.
سند الرسالة الذهبية :
لم تكن الرسالة مجهولة تحتاج إلى إطالة البحث في سندها وصحّة نسبتها إلى الإمام(عليه السلام)، فاشتهارها بين أصحابنا يغنينا عناء البحث في ذلك، بل بلغ من شهرتها أنّ بعض مؤلّفي المعاجم من غيرنا ذكرها في كتابه، فهذا الحاج خليفة كاتب جلبي - قال: وكتب أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا للمأمون رسالة مشتملة عليه
-الطب النبوي-(1).
وأشار إسماعيل باشا في هدية العارفين في ترجمة الإمام عليّ الرضا(عليه السلام) إليها وقال: صنّف رسالة في الطب(2).
أمّا ما نقل من أسانيدها المذكورة في بعض نسخها الموجودة اليوم فهي كما يلي:
أوّلاً: إسناد ينتهي إلى محمّد بن الحسن بن جمهور العمي البصري، وقد ترجمه النجاشي في كتابه وذكر طريقه إلى رواية كتبه(3)، وذكره الشيخ الطوسي في الفهرست :وقال له كتب ذكر جماعة منها : كتاب الملاحم، وكتاب الواحدة، وكتاب صاحب الزمان(عليه السلام)، وله الرسالة الذهبية عن الرضا(عليه السلام)، وله كتاب وقت خروج القائم (عجل الله تعالى فرجه) ثمّ ذكر سنده المنتهي إلى العمركي بن عليّ عن ابن جمهور المذكور(4).
وذكر الحافظ السروي في معالم العلماء نحواً من ذلك من ترجمته وكتبه ومنها: الرسالة المذهبة عن الرضا صلوات الله عليه في الطب(5)
وذكر الشيخ منتجب الدين - ابن بابويه - في الفهرست في ترجمة السيد فضل الله بن عليّ الراوندي، جملة من تأليف السيّد المذكور وعدّ منها (ترجمة العلوي للطب الرضوي)(6).
وقال الشيخ المجلسي في بحاره بعد ما ذكرناه فظهر أنّ هذه الرسالة كانت من المشهورات بين علمائنا ولهم إليها طرق وأسانيد، لكن كان في نسخها الّتي وصلت إلينا اختلاف فاحش أشرنا إلى بعضها- كذا-..(7).
وقال أيضاً: ووجدت في تأليف بعض الأفاضل بهذين السندين:
(أولاً): قال موسى بن علي بن جابر السلامي: أخبرني الشيخ الأجل العالم الأوحد سديد الدين يحيى بن محمّد بن عليان الخازن أدام الله توفيقه، قال: أخبرني أبو محمّد الحسن بن محمد بن جمهور.
(ثانياً): وقال هارون بن موسى التلعكبري(رضی الله عنه) : حدثنا محمد بن هشام بن سهل (رحمة الله علیه) قال : حدثنا الحسن بن محمّد بنجمهور ... وقال - الحسن بن محمد بن جمهور - حدثني أبي وكان عالماً بأبي الحسن علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، خاصة به، ملازماً لخدمته ،وكان معه حين حمل من المدينة إلى أن سار إلى خراسان واستشهد(عليه السلام) بطوس وهو ابن تسع وأربعين سنة، وكان المأمون بنيسابور، وفي مجلسه سيّدي أبو الحسن الرضا(عليه السلام) وجماعة من المتطبيين والفلاسفة مثل يوحنا ابن ماسويه و جبرئیل بن بختیشوع، وصالح بن سلهمة- كذا والصواب ابن بهلة - الهندي وغيرهم من منتحلي العلوم وذوي البحث والنظر ، فجرى ذكر الطب وما فيه صلاح الأجسام وقوامها، فأغرق المأمون ومن بحضرته في الكلام، وتغلغلوا في علم ذلك، وكيف ركب الله تعالى هذا الجسد، وجميع ما فيه من هذه الأشياء المتضادّة من الطبائع الأربع، ومضار الأغذية ومنافعها، وما يلحق الأجسام من مضارها من العلل، قال العمي : وأبو الحسن ساكت لا يتكلّم في شيء من ذلك، فقال له المأمون ما تقول يا أبا الحسن في هذا الأمر الذى نحن فيه اليوم، والّذي لا بد من معرفة هذه الأشياء والأغذية النافع منها والضارّ وتدبير الجسد؟
فقال أبو الحسن :عندي من ذلك ما جرّبته وعرفت صحته بالإختبار ومرور الأيّام، مع ما وقفني عليه من مضى من السلف، ممّا لا يسع الإنسان جهله ولا يعذر في تركه، فأنا أجمع ذلك مع ما يقاربه ممّا يحتاج إلى معرفته.
قال - العمى - : وعاجل المأمون الخروج إلى بلخ وتخلّف عنه أبو الحسن(عليه السلام)، وكتب المأمون إليه كتاباً يتنجزه ما كان ذكره ممّا يحتاج إلى معرفته من جهته، على ما سمعه منه وجربه من الأطعمة والأشربة، وأخذ الأدوية، والفصد والحجامة والسواك، والحمّام، والنورة، والتدبير في ذلك، فكتب الرضا(عليه السلام) إليه كتاباً نسخته ...
ثانياً: ما وجد في نسخة المرحوم الحجّة العسكري بسامراء، وسندها ينتهي إلى أبي محمّد الحسن بن محمد النوفلي، وقد ترجمه النجاشي في رجاله وقال: أبو محمد ثقة جليل القدر، روى عن الرضا(عليه السلام) نسخة، ثمّ ذكر تآليفه وسنده إليها وينتهي إلى الحسن بن محمّد بن جمهور عنه(1)
ووجدت الرسالة بخط الشيخ المحقق الثاني الكركي المسموم سنة ( 945ه-) وقد وصلت النسخة إلى شيخنا المجلسي(رحمة الله علیه) فأثبتها في بحاره وقال عنها: وجدت بخطّ الشيخ الأجل الأفضل العلّامة الكامل فى فنون العلوم والأدب، ومروّج الملة والدين والمذهب نور الدين علي بن عبد العالي الكركي جزاه الله سبحانه عن الإيمان وأهله الجزاء السني، ما هذا لفظه:
(الرسالة الذهبية في الطب التي بعث بها الإمام على بن موسى الرضا(عليه السلام) إلى المأمون العبّاسي في حفظ صحة المزاج ، وتدبيره بالأغذية والأشربة والأدوية... الخ)(2)
تقريض المأمون العبّاسى للرسالة:
قال النوفلي: فلما وصلت هذه الرسالة إلى المأمون وهو يومئذ ببلخ وقرأها فرح بها فرحاً شديداً، وأمر فكتبت بالذهب، وأمر أن تترجم بالمذهبة، ودفعت إلى أولاده وأولياء دولته وبني عمه نسخته.
وذكر عن أبي الحسن صالح بن عبدالله الهاشمي عن أبيه خازن بيوت الحكمة استنساخ الرسالة من خزانة المأمون بعد وفاته ومعها رسالة ألفها المأمون وكان حسن الخطّ نسختها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله أهل الحمد ووليه، وله آخره وبدؤه، ذي النعم والافضال والإحسان والإجمال، أحمده على نعمه المتظاهرة، وفواضله و آياديه المتكاثرة المتواترة ،وأشكره على منحه ومواهبه، شكراً يوجب زيادته ويقرب زلفى، أشهد أن لا إله إلا الله
مقدمات كتب تراثية / الجزء الأول.
شهادة مخلص له بالإيمان غير جاحد ولا منكر له بربوبيته ووحدانيته، بل شهادة تصدق نسبته لنفسه وأنّه كما قال : قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ(1 اللهُ الصَّمَدُ(2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ(4))(1)وكذلك ربنا(عزّوجل) وصلّى الله على سيد الأوّلين والآخرين محمّد بن عبدالله خاتم النبيين.
أما بعد فانّي نظرت في رسالة ابن عمي العلوي الأديب، والفاضل الحبيب، والمنطقي الطبيب، في اصلاح الأجسام، وتدبير الحمّام، وتعديل الطعام، فرأيتها فى أحسن التمام ووجدتها فى أفضل الإنعام ودرستها متدبراً، ورددت نظري فيها متفكراً، فكلّما أعدت قراءتها فوعيتها حفظاً، وتدبرتها فهماً، إذ رأيتها من أنفس العلائق، وأعظم الذخائر، وأنفع الفوائد، فأمرت أن تكتب بالذهب لنفاستها، وحسن موقعها وعظم نفعها وكثرة بركتها ، وسمّيتها (المذهبة) وخزنتها في خزانة الحكمة وذلك بعد أن نسخها آل هاشم فتيان الدولة، لأنّ بتدبير الأغذية تصلح الأبدان، وبصحة الأبدان تدفع الأمراض، وبدفع الأمراض تكون الحياة، وبالحياة تنال الحكمة، وبالحكمة تنال الجنّة.
وكانت أهلاً للصيانة والادخار وموضعاً للتأهيل والاعتبار، وحكيماً يعوّل عليه، ومشيراً يرجع إليه، ومن معادن العلم أمراً وناهياً ينقاد له، ولأنها خرجت من بيوت الذين يوردون حكم الرسول المصطفى وبلاغات الأنبياء، ودلائل الأوصياء، وآداب العلماء، وشفاء الصدور والمرضى من أهل الجهل والعمى ،رضوان الله عليهم ورحمته وبركاته أوّلهم وآخرهم وصغيرهم وكبيرهم.
فعرضتها على خاصتي، وصفوتى من أهل الحكمة والطب، وأصحاب التأليف والكتب، المعدودين في أهل الدراية والمذكورين بالحكمة، وكل مدحها وأعلاها، ورفع قدرها وأطراها، انصافاً لمصنّفها، واذعاناً لمؤلّفها، وتصديقاً له في ما حكاه فيها، فمن وقعت إليه هذه الرسالة من بعدنا من أبنائنا وأبناء دولتنا ورعايانا وسائر الناس على طبقاتهم، فليعرف قدرها والموهبة له، وتمام النعمة
1) التوحيد: 1 - 4.
عليه، وليأخذها بشكر، فإنّها أنفس من العقيان وأعظم خطراً من الدرّ والمرجان، وليستعمل حفظها وعرضها على همته وفكره ليلاً ونهاراً، فإنّها عائدة إليه بالنفع والسلامة من جميع الأمراض والأعراض إن شاء الله تعالى، وصلّى الله على رسوله محمد وأولاده الطيبين الطاهرين أجمعين، حسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله ربّ العالمين).
شرح الرسالة:
لقد تناول الأعلام بيد الإكبار هذه الرسالة، وتلقوها بالقبول فأقبلوا عليها يتدارسونها، وينهلون من معينها، فشرحها منهم جمع كثير وعمم نفعها آخرون بترجمتها إلى بعض اللغات الحيّة، كلّ ذلك اهتماماً منهم بأمرها، وتعميماً لفضلها بنشرها، وإلى القارئ بعض أولئك الأعلام :
1 - السيّد الإمام ضياء الدين أبى الرضا فضل الله بن على الراوندي (ت 548ه-) ، له شرح إسمه (ترجمة العلوي للطب الرضوي) ذكره أصحابنا في ترجمته، وغيرهم كإسماعيل باشا في ايضاح المكنون (1)
2 - المولى فيض الله عصارة التستري وكان في عصر فتحعلي خان وحكومته بتستر حوالي سنة (1078 ه-) له ترجمة الذهبية بالفارسية.
3 - المولى محمّد باقر المجلسي (ت 1111 ه-) له ترجمة الذهبية، وقد شرح الرسالة في كتابه الجامع (بحار الأنوار).
4 - ابن محمّد هاشم الطبيب له شرح على الذهبية الفه باسم الشاه سليمان الصفوي، بالفارسية.
5- محمد شريف بن محمّد صادق الخاتون آبادي، له شرح على الذهبية ذكره في كتابه (حافظ) الأبدان.
6 - المولى السيّد عبد الله شبّر(ت 1242 ه-) له شرح على الذهبية، توجد نسخته.
1) ايضاح المكنون 1: 281
7- ميرزا محمد هادي بن ميرزا محمّد صالح الشيرازي له (عافية البرية في شرح الذهبية) ألفه في عصر السلطان حسين الصفوي.
8 - المولى محمّد بن الحاج محمّد حسن المشهدي المدرّس بها (ت) 1257ه-) له شرح الذهبية، أورده بتمامه تلميذه نوروز علي البسطامي في كتابه (فردوس التواريخ وقد طبع سنة ( 1315 ه-) باسم (الفوائد الرضوية).
9 - السيد شمس الدين محمّد بن محمّد بديع الرضوي المشهدي له شرح الذهبية فرغ من تأليفه سنة (1125ه-).
10 - المولى محمّد بن يحيى له شرح الذهبية بالفارسية.
11 - المولى نوروز علي البسطامي له شرح على الذهبية، أشار إليه في كتابه (فردوس التواريخ).
12 - الحاج ميرزا كاظم الموسوي الزنجاني (ت 1292 ه-) له شرح على الذهبية، اسمه (المحمودية).
13 - السيد نصر الله الموسوي الأرومي له شرح بالفارسية سماه ب- (الطب الرضوي).
14 - المولوي مقبول أحمد ، له شرح اسمه (الذهبية في أسرار العلوم الطبيعية) بالأوردية طبع بحيدر آباد.
15 - السيّد محمود الده سرخي، له مفاتيح الصحة جمع فيه طب النبي وطب الأئمّة والرسالة الذهبية مع شرح يسير بالفارسية طبع سنة (1379 ه-) بالنجف الأشرف .
16 - السيّد ميرزا عليّ إمام جمعة التفرشي، له شرح الرسالة الذهبية بالفارسية.
17 - السيّد حسين بن نصر الله بن صادق الأرومي الموسوي عرب باغي له (ترجمة الموسوي في الطب الرضوي).
18 - المرحوم صديقنا الأستاذ أبو القاسم سحاب، له شرح على الرسالة
بالفارسية باسم (بهداشت رضوي). وقد طبعه آخر الجزء الأول من كتابه زندگانی حضرت امام رضا(عليه السلام)(1)
19 - الدكتور السيد صاحب زيني، له شرح على الرسالة، تناول فيها جوانباً على ضوء العلم الحديث، وقد طبع ببغداد في سلسلة ملتقى العصرين. هذا ما تيسر لي الاطلاع عليه عاجلاً، والحمد لله ربّ العالمين بدءاً وختاماً.
محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
ربیع الثانی 1385 ه-
النجف الأشرف
1) زندگانی حضرت امام رضا(عليه السلام) : 301 - 350 .
تاليف
الشيخ الصدف وأبي جعفر محمد بن علی
ابن الحسين بن موسی بن بابویه القمی
المتوفی سنة381ه-
وضع المقدمة
العلامة السيد محمد مهدى السيد حسن الخرسان
منشورات المطبعة الحيدرية ومكتبتها في النجف الاشرف
1386ه- -1966
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين، بارى الخلائق أجمعين، الذي دل على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته فكان أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق ،به وكمال التصدیق به ،توحیده و کمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفى الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف انه غير الصفة.
وصلّى الله على محمّد الهادي إلى الحق باذنه، والداعي إلى التوحيد بقوله: (قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا) والسلام على آله الميامين، وسادة الموحدين، وسدنة الوحي، وحماة الدين واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى يوم الدين.
وبعد، فقد طلب إليَّ الأخ محمّد كاظم الكتبي سلّمه الله تقديم كتاب «التوحيد» تأليف رئيس المحدثين محمّد بن علي بن بابويه الصدوق القمي (ت 381ه-)، ولمّا كانت طبيعة التقديم تقضي بتعريف المؤلف والمؤلف ليكون القارئ على بصيرة من أمر الكتاب الذي يقرؤه، وحيث أنّ أوفى تعريف بمؤلّفنا هو تلك الدراسة الحافلة التي لمت بجوانب الموضوع، فعرفت الشيخ الصدوق له تعريفاً وافياً شافياً، والتي طبعت في صدر كتاب (من لا يحضره الفقيه) سنة (1377 ه-) في النجف الأشرف، فقد نهلت من معينها، ولمّا كانت تلك الدراسة هي بقلم سماحة سيّدنا الوالد دام ظله (1)، فلا يسعنى تقريظها والثناء على مؤلّفها، ويكفى أنها كانت العين الذي ارتوى منها الباحثون، فاقتبسوا الكثير الكثير منها فيما قدموا به بعض تأليف الشيخ الصدوق، سواء التي طبعت في النجف أو ايران واعترافاً بالجميل فانّي أقول:
1) آية الله العلّامة المحقق السيد حسن السيد عبد الهادي الموسوي الخرسان ولد عام 1322 ه- وتوفّي في 11 جمادى الأولى عام 1405 ه- في مجلس عزاء فاطمة الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام في منزله.
ان السيّدي المفدّى دام ظلّه فضل السبق والتحقيق، وله اليد البيضاء المشكورة في تلك الدراسة التي وفّرت الراحة لي ولمن سبقني في تقديم مؤلّفات الصدق(رحمة الله علیه)، وأغنتنا عناء البحث والتحقيق، وليسمح لي سيّدي أطال الله بقاه أن أستمد من تلك الدراسة في هذا التقديم، كما أرجو أن يسعني هذا التقديم، كما أرجو أن يسعنى حلمه إن شطّ القلم في بعض الأحايين للتنبيه على ما سها فيه قلمه الشريف تبعاً لبعض القدماء من المحققين، فانّ الحقيقة بنت البحث.
كما أنّي لست ممّن يدعي التحقيق، ثمّ يسطو على جهود الآخرين فينسخها على علاتها دون أن يلتفت إلى ما فيها من هناة، كما هو شأن بعض المعاصرين، وختاماً أسأل الله التوفيق والتسديد، وأن يعصمنا في القول والعمل انه ولي ذلك.
المؤلّف:
هو أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، من أعلام الإمامية وزعماء الطائفة الذائعي الصيت حتّى اشتهر بينهم بأنّه رئيس المحدّثين، والشيخ الصدوق أصله من قم احدى حواضر العلم الّتي تألّق نجمها في قرون مختلفة، وذاع صيتها في أدوار وأطوار متفاوتة.
ولأجل الوقوف على جانب من تاريخ تلك الحاضرة في الحقبة الّتي عاصرها مؤلّفنا، يحسن بنا أن نذكر بعض النصوص الّتي تسلّط الأضواء فتعين القارئ على مدى ما بلغت إليه من سمو وازدهار.
قال الإمام التقي المجلسي الأوّل في شرحه على كتاب (من لا يحضره الفقيه)(1)ما تعريبه: انّ في زمان عليّ بن الحسين بن موسیٰ بن بابويه المتوفى سنة (329 ه-)، كان في قم من المحدّثين مائتا ألف رجل.
ولسنا نعجب من كثرة محدّثيها إذا ما قرأنا تاريخها في ذلك القرن - الرابع - الّذي كتبه مؤرّخ من القميين معاصر لمؤلّفنا الشيخ الصدوق، وكان قد واكب
1) من لا يحضره الفقيه: 149
الحركات العلمية والسياسية والاقتصادية، فوصفها وصفاً شاملاً فى كتابه ذلك، وذلك المؤرّخ هو الحسن بن محمّد بن الحسن القمي، وقد ألف كتابه سنة (378ه-) باسم الصاحب بن عباد الوزير الشهير، فقد وصف حاضرة قم وصفاً رائعاً في مؤلّفه، وضمنه البحث عنها تاريخياً وجغرافياً وسياسياً وعلمياً واقتصادياً، معتمداً في أبحاثه على الرواة الثقاة والمشاهدات المحسوسة، ولعلّ في فهرس أبوابه العشرين ما يدلّنا على علو شأن تلك الحاضرة، وخاصة ما يتعلق بجانها العلمي وهو في ثلاثة أبواب، وهى:
الباب السادس عشر: في ذكر أسماء بعض علماء قم وذكر شيء من تراجمهم وعدد الشيعة منهم (266) شخصاً، وعدد العامة (14) شخصاً، مع ذكر مصنّفات كلّ واحد و مروياته وما يتعلق بذلك.
الباب السابع عشر في ذكر أسماء بعض الأدباء والكتاب وأضرابهم من فلاسفة ومهندسين ومنجمين ونساخين وورّاقين، مع ذكر بعض أخبارهم ورسائلهم ومصنّفاتهم.
الباب الثامن عشر في ذكر بعض الشعراء الذين مدحوا أهل قم، وعدد د الّذين رويت أشعارهم وحفظت آثارهم وعدتهم (40) شخصاً، وفي ذكر من وجد من شعراء قم و آوه، مع ذكر شيء من أشعارهم بالعربية والفارسية، وعدتهم (130) شخصاً.
وانّ ممّا يحز في النفس أن يفقد مثل هذا الأثر النفيس، فلا يصل إلينا منه سوى ترجمة بعض أبوابه - بالفارسية - وقد طبعت تلك الترجمة في ايران سنة 1353، والمترجم هو الحسن بن عليّ بن الحسن بن عبدالملك القمي المتوفى سنة (806 ه-)(1)وقد أفدنا منها كثيراً، كما أنّي قد عربت منها فصلاً ذكر فيه جمعاً من الطالبيين الذين نزلوا قم وأطرافها واستوطنوا بها، وهو فصل قيم يصلح أن يكون رسالة مفردة لشموله واستيعابه .
1) لاحظ التعريف بتاريخ قم في مستدرك الوسائل 3 :369
ومثل هذا التاريخ ليدل بوضوح على عظيم مكانة قم، وازدهارها بمن كانت تعج بهم من العلماء والمحدثين والعاملين والمصلحين من الذين خدموا دينهم، وأرشدوا قومهم، ودعوا إلى سبيل ربّهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
في هذا البلد الطيب، كانت أسرة المترجم له - بنو بابويه - ذات التاريخ المشرق الّتي بزغ منها نجم شيخنا المترجم له.
اسرته:
وبنو بابويه من بيوتات القميين الذين ذاع صيتهم بالعلم والفضيلة، ولا يعرف على التحقيق مبدء سكناهم قم، كما لا يعرف عن بابويه - جد الأسرة شيء، وهل كان كغيره من الفرس الذين لم يعتنقوا الإسلام؟ أو كان مسلماً ولم ينقل ذلك عنه ؟ وأياً ما كان، فالّذي نعتقده في بنيه أنّهم كانوا مسلمين، بل كانوا من شيعة أهل البيت(عليهم السلام)، ولا تخلوا أسماؤهم من دلالة على ذلك، وأوّل من لمع نجمه منهم هو الشيخ الجليل، وجه الشيعة وفقيههم، أبو الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه.
فقد كان مرموقاً لدى عامة أهل قم وفي طليعة أعلامهم الطائري الصيت الذين اقترنت أسماؤهم بآيات التعظيم والثناء، بل كان السابق على أقرانه في زمانه ومكانه، فلم يطاوله أحد في منكب أو موكب لما كان له من الصدارة في الفقه... ويغنينا عن الاطناب - في مدحه - كتاب الإمام أبي محمّد الحسن العسكري(عليه السلام) إليه ، حيث قال(عليه السلام) في كتابه بعد الحمد والثناء عليه والصلاة على نبيّه وآله:
«أما بعد، أوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي أبا الحسن علي بن الحسين القمي وفقك الله لمرضاته، وجعل من صلبك أولاداً صالحين برحمته، بتقوى الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإنّه لا تقبل الصلاة من مانعي الزكاة.
وأوصيك بمغفرة الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، ومواساة الاخوان،
والسعي في حوائجهم في العسر واليسر، والحلم عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبت فى الأمور، والتعاهد للقرآن، وحسن الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله(عزّوجل) :لا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ(1)واجتناب الفواحش كلّها.
وعليك بصلاة الليل، فان النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أوصى عليّاً(عليه السلام)فقال: يا علي عليك بصلاة الليل - ثلاث مرات - ومن استخفٌ بصلاة الليل فليس منا ، فاعمل بوصيتي، وأمر شيعتى حتى يعملوا عليه - عليها ظ .
وعليك بانتظار الفرج، فان النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) قال : أفضل أعمال أُمّتي انتظار الفرج ولا يزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشر به النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلما وجوراً.
فاصبر يا شيخي، وأمر جميع شيعتي بالصبر ، فانّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته، وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير»(2).
ونحن إذ نقرأ هذا الكتاب لا نحتاج بعده للتدليل والاطراء من العلماء وعلوّ ،مقامه، كما أنا في غنى عن سرد جمل الثناء والاطراء من العلماء والباحثين، ففي نعته له بالشيخ والمعتمد والفقيه، والدعاء له بالتوفيق لمرضاة الله تعالى، وجعل أولاد صالحين من صلبه، في كلّ ذلك غنى عن مدح المادحين ونعت الواصفين.
ولا يستلفت النظر من ذلك شيء كالدعاء له بالذرية الصالحة، وتلك أمنية الشيخ - فيما يظهر - لما ورد في الأحاديث عن انقطاع عمل ابن آدم بعد موته إلا ثلاث، ومنها الولد الصالح يستغفر له(3)، وما ورد أيضاً: ان ستة يلحقن المؤمن عن بعد وفاته ومنها : ولد يستغفر له (4).
ولمّا كان الشيخ الصدوق الأوّل لم يرزق بعد ذرية، كان من أكبر همه ذلك، ويبدو أنه بلغ من السن ما يتعذر عليه عادة حصول الولد إلا بدعوة تخرق الحجب وتأتي بالمستحيل عادة، لذلك كان يتوسل إلى الله تعالى، ويستشفع بالأئمة الطاهرين(عليه السلام)إليه أن يرزقه أولاداً صالحين.
وفي كتاب الإمام العسكري ما يطمئن نفسه، وتشع بين سطوره بارقة الأمل الحلو بيد انّ في تقدم السن، وعقم زوجته - وهي ابنة عمه محمّد بن موسى بن بابويه - ما يساوره من اليأس والقنوط، لذلك كان يفزع في أيام الغيبة الصغرى إلى سفراء الناحية المقدّسة يسألهم أن ينهوا حاجته إلى صاحب الأمر عجل الله فرجه ليدعو له، وفعلاً تمّ له ما أراد ببركة دعاء الإمام عجل الله فرجه، فولد له شيخنا المترجم له - مؤلف هذا الكتاب -.
ولادته :
ولحديث ولادته طرفة ومتعة، كما لا يخلو من عظة ودرس حقيق بنا أن نذكره للقارئ؛ ليقف على ما توفّرت لشيخنا - المترجم له - من أسباب اعتيادية وغير اعتيادية ساعدت على تكوين شخصيته حتى علا نجمه وطار صيته، ففاق أقرانه وسما على شيوخه، فكان من الأعلام الخالدين، ولعلّ من أهم تلك الأسباب غير الاعتيادية، ويندر وقوعها حتى في زمان الأئمة المعصومين، هو دعاء الإمام(عليه السلام) بولادته، ودعاؤه بصلاحه وتوفيقه وتفقهه وبركته وبشارته لأبيه بذلك.
وقد روى الشيخ الطوسي، والشيخ أبو العباس النجاشي، وشيخنا المترجم له ان والده كان كتب إلى سفير الناحية المقدّسة ببغداد رسالة يطلب فيها أن يسأل الصاحب(عليه السلام)أن يدعو له بالولد، وقد ذكر سيدنا الوالد - دام ظله - في رسالته الآنفة الذكر ذلك، كما ذكر اجتماع الشيخ - والد المترجم له - نفسه لما قدم بغداد مع الشيخ أبي القاسم الروحي النوبختي - سفير الحضرة المقدّسة في وقته - وسؤاله .
حاجته، وذكر سؤاله أيضاً بعد ذلك من محمّد بن عليّ الأسود أن يسأل النوبختي المذكور عن إنهاء حاجته أيضاً، وفي جميع ذلك يأتي الجواب بالبشارة، على اختلاف الصيغة والتعبير، ففي بعضها:
«أنك لا ترزق من هذه، وستملك جارية ديلمية وترزق منها ولدين فقیهین»(1)
وفي بعضها: «قد دعونا الله لك بذلك، وسترزق ولدین ذکرین خیّرین»(2)
وفي بعضها: «انّه سيولد له ولد مبارك ينفعه الله به وبعده أولاده.... الخ» (3).
وهكذا تم للشيخ - والد المترجم له - ما كان يصبو إليه من الدعاء بالولد الصالح، كما تم له بعد ذلك حصول الأثر، فملك الجارية ورزق منها أوّل مولود ذكر كان ذلك هو شيخنا - المترجم له - أبو جعفر محمّد بن عليّ الصدوق(رحمة الله علیه)، ولعلّ في اختيار والده لاسمه ما يشعر بأنّه من بركات دعاء صاحب هذا الاسم، وهو صاحب الأمر(عجل الله تعالی فرجه) ، وكانت ولادته بعد سنة (305ه-) التى هى سنة وفاة السمري وأولى سنى سفارة الروحي، ولعلّها كانت سنة (306ه-)، كما استقر بها السيد الوالد -دام ظلّه - واستدلّ عليها.
وأياً ما كان فقد ولد شيخنا الصدوق ببركة دعوة الناحية المقدّسة، ومن الطبيعي أن يكون لتلك الدعوة أثرها في تقويم شخصيته، وتكوين مؤهلاته العلمية، حتى توقع الناس ظهور أثرها بيناً في تاريخه، فكان الأمر كما أملوا فكانوا بعد ولادته ونشأته يرجعون جل تلك الظواهر من مميزاته إلى أثر تلك الدعوة الصالحة، التي بارك بها الإمام وليد أبي الحسن علي بن موسى بن بابويه، وهو نفسه - المترجم له كان يفتخر بذلك ويقول: (أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر «عجل الله فرجه الشريف») (4).
قال أبو العباس بن نوح: قال لي أبو عبدالله بن سورة حفظه الله: ولأبي الحسن
ابن بابويه(رحمة الله علیه) ثلاثة أولاد محمّد والحسين فقيهان ماهران في الحفظ، ويحفظان ما لا يحفظ غيرهما من أهل قم، ولهما أخ اسمه الحسن وهو الأوسط مشتغل بالعبادة والزهد ، لا يختلط بالناس ولا فقه له.
قال ابن سورة: كلّما روى أبو جعفر وأبو عبدالله الحسين - ابني عليّ بن الحسين - شيئاً، يتعجب الناس من حفظهما ويقولون لهما : هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الإمام لكما، وهذا أمر مستفيض في أهل قم(1).
درجمة
وقال شيخنا الصدوق - المترجم له - : كان أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الأسود(رحمة الله علیه)كثيراً ما يقول لي إذا رآني أختلف إلى مجلس شيخنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(رضی الله عنه) ، وأرغب في كتب العلم وحفظه: ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم وأنت ولدت بدعاء الإمام عجل الله فرجه(2).
هذا حديث ولادته التي باركها إمام العصر (عجل الله فرجه الشريف) بدعائه للمترجم له بالخير والبركة والفقه، وأنّها لدعوة مستجابة لم تحجب عن ربّ العزة، فسرعان ما أستجيبت وظهر أثرها الصالح في شخص شيخنا المترجم له وأخيه الحسين، وهذه الدعوة المباركة هي احدى المؤهلات لامتياز شخصيته وتفوقها، ومن تلكم المؤهلات التي ساعدت على نمو شخصيته وسمو تفكيره هي نشأته.
نشأته:
نشأ المترجم له تحت رعاية أبيه أبي الحسن، الذي كان شيخ القميين ووجههم، وفقيههم المشار إليه بالبنان، اشتهر بعلمه وتمسكه بدينه، وعرف بورعه وتقواه، رجعت إليه الشيعة في كثير من الأقطار، وأخذوا عنه أحكامهم، ولم يمنعه سمو مقامه في العلم من اتخاذ وسيلة لمعاشه، وركائز تضمن له الرفعة عمّا في أيدي الناس، شأن الأحرار فى الدنيا، فكانت له تجارة يديرها غلمانه، ويشرف
عليهم بنفسه، ويعتاش ممّا يرزقه الله من فضله، ولم يشأ أن يثرى على حساب الغير، أو يكون اتكالياً في رزقه (1).
نشأ المترجم له في ظل والد كأبي الحسن، وما ظنّك بشيخ توسل كثيراً حتّى رزق الولد كيف تكون عنايته به ورعايته له، فقد عني بتربيته تربية علمية صالحة، فكان كما أحب.
« ولم تمض برهة حتى أصبح - المترجم له - الفتى الكامل آية في الحفظ والذكاء، يحضر مجالس الشيوخ، ويسمع منهم ويروي عنهم، حتى أشير إليه بالبنان، فقد اختلف إلى مجلس شيخه محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد - وكان من أكابر الشيوخ وأعاظم العلماء وهو حدث السن».
«وأدرك من أيّام أبيه أكثر من عشرين سنة، اقتبس خلالها من أخلاقه و آدابه ،ومعارفه وعلومه، ما سما به على أقرانه».
ولعلّ ممّا يكشف عن مزيد عناية الوالد بتربية ابنه تيسير ذلك العدد الضخم من مصنفاته له بالرواية عنه، فقد كان له من المصنفات مائتي كتاب رواها عنه ابنه -المترجم له - وأجاز روايتها عنه عن أبيه لغيره (2)
1) لاحظ غيبة الشيخ الطوسي: 262 طبع تبريز، خبر فرار الحسين الحلاج إلى قم بعد افتضاحه ببغداد وما جرى له يقم، واخراج أبي الحسن بن بابويه له من مجلسه حين أتاه في محله التجاري، فأمر أبو الحسن الغلمان أن يجروا برجله، ويدفعوا بقفاه حتى أخرجوه من المجلس، فما رؤي بعدها بقم.
2) ذكر ابن النديم في فهرسته: 277، قال: قرأت بخط ابنه محمد بن علي على ظهر جزء: (قد أجزت لفلان ابن فلان كتب أبي علي بن الحسين وهي مائتا كتاب، وكتبي وهي ثمانية عشر كتاباً). ومع الأسف الشديد ضياع تلك الثروة العلمية الضخمة، فلم نعثر إلا على أسماء قريب من العشرين منها ذكرها الشيخ النجاشي والشيخ الطوسي في فهرستيهما، ولم يبق منها إلا كتاب الاخوان الذي يعرف بمصادقة الاخوان ونسب اشتباهاً إلى ولده. وقد روى كتاب الأربعين للشيخ أبي الحسن علي بن الحسين بن بابويه الشيخ أبو الجد مجد بن الحسين القزويني الصوفي المتوفى سنة 624 بالموصل والمولود 554 بقزوين راجع ص 17 تكملة اكمال الاكمال لابن الصابوني وتعليقتنا عليها.
كما انّ تخصيص الأب فتاه المترجم له بكتابه الرسالة ممّا يكشف عن شدة حدب الأب على ابنه حتّى لخص له كثيراً من الأصول، فاختصر له الطريق بطرح الأسانيد والجمع بين النظائر، والاتيان بالخبر مع قرينه، حتى قيل أنه كان أوّل من ابتكر ذلك في رسالته إلى ابنه - المترجم له - وكثير ممن تأخر عنه يحمد طريقه فيها، ويعول عليها في مسائل لا يجد النص عليها؛ لثقته وأمانته وموضعه من الدين والعلم.
وقد نقل عنها شيخنا المترجم له كثيراً في كتابه (من لا يحضره الفقيه).
شيوخه:
امتاز القرن الرابع الهجري بكثرة الحواضر العلمية المزدهرة بأعلام الإسلام ونجوم الأرض من حملة الفقه والحديث ولعل السر في نشاط الحركة العلمية ورواج سوقها يومئذ، وهو فضل ولاة الأمور، وتشجيع أولي التدبير في الحكومات الإسلامية، فإنّ الناس على دين ملوكهم، ففي العراق كانت بغداد والكوفة والبصرة وواسط وغيرها مزدانة بأفذاذ العلماء، ورجال الفضيلة يرعاهم الصالحون...
وفي مصر والحكم فيها للفاطميين... وكانوا يؤيّدون رجال الدين والعلم ،والأزهر - الخالد - دليل تلك العظمة.
وفي الموصل ونصيبين وحلب والشام كان آل حمدان، وهم الأمراء وفيهم الشعراء والكتاب، فما ظنك بالّذين كانوا عليه من رعاية للحركة العلمية
ورجالها...
وفي ايران والسلطة للديالمة - آل زيار وآل بويه - وفي أمرائهم ووزرائهم من العلماء والشعراء والكتاب جمع كثير، وفاق عصر آل بويه من سبقهم بحسن خدمتهم لأهل العلم وتأييدهم لهم، وكثرة من كان منهم في بلاطهم من وزراء وكتاب وحكام وقضاة... وكان بها في أيامهم عدة حواضر علمية، وفي كلّ منها من
ذوي الفضل خلق كثير كبلاد الري وقم وخراسان ونيسابور واصفهان وغيرها».
وقد كان شيخنا المترجم له سمع الكثير من مشايخ تلك الحواضر العلمية، وسمع منه الشيوخ على حداثة سنه، وان بين شيوخه من هو من أكابر المشايخ عند المسلمين، ومن تشد إليه الرحال طلباً لما عنده ، ولا يسعنا أن نذكرهم جميعاً خوف الاطناب، فقد أنهاهم سماحة سيّدنا الوالد سلّمه الله فيما كتبه في مقدّمة( من لا يحضره الفقيه) إلى (211) شيخاً، فمن شاء الاطلاع عليهم فليراجع إلى تلك المقدمة من ص 20 - 31 .
وانّا لنقتطف من تلك الورود أشذاها وهم الشرفاء الطالبيون، فنذكرهم تيمناً بهم وهم :
1 - أبو الحسن أحمد بن محمّد بن عيسى بن أحمد بن عيسى بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، نصّ الشيخ الصدوق على نسبه في علل الشرائع(1)وغيرهما ، لكنّه سقط من سهو الناسخ (ابن أحمد بن عيسى من وسط النسب.
والذي يدلّنا على سقوط ذلك ان أحمد بن عيسى الذي سها القلم باسقاطه هو أحمد العقيقي الّذي قدم قزوين والياً عليها من قبل الداعي الحسن بن زيد صاحب طبرستان(ت 270 ه-)، وقد ذكر الرافعي في التدوين أحمد العقيقي، وقال: سمع علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، ومعلوم أنّ وفاة الرضا(عليه السلام)كانت سنة (203ه-)، وأحمد العقيقي ظهر بالري سنة (250ه-)، وصلّى بالناس يوم العيد، ودعا إلى الرضا من آل محمّد فحاربه محمّد بن عليّ بن طاهر، فهزمه أحمد العقيقي واستفحل أمره.
فأحمد بن عيسى العقيقي لا يمكن أن يكون هو الّذي يروي عنه الصدوق لبعد الطبقة، كما انّ عيسى بن عليّ بن الحسين الأصغر وهو المعروف بغضارة لم يكن له ولد اسمه محمّد، وانّما أعقب من ولديه جعفر الكوفي وأحمد العقيقي، وأحمد هذا
1) علل الشرائع : 98، 181 .
أعقب عيسى وله أولاد منهم محمّد وهو والد أبي الحسن أحمد شيخ الصدوق(رحمة الله علیه)، ومن الغريب أنّه لم يترجمه أصحابنا، وكأنهم لم يقفوا على ذكر الصدوق له، وقد ورد نسبه في مقدّمة الفقيه باسقاط بعض الوسائط تبعاً لخاتمة المستدرك، والصواب ما ذكرناه .
2 - النسابة أبو محمّد الحسن بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيدالله بن الحسين بن عليّ بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الله المعروف بابن أخي الدنداني وبأبي محمد العلوي، روى كتاب جده يحيى بن الحسن في النسب، وروى عنه شيخ الشرف العبيدلي، والتلعكبري، والشيخ الصدوق، والشيخ المفيد رحمهم الله تعالى. وقد أكثر عنه المشايخ الثلاثة، وأجاز للتلعكبري، وقد أرخ التلعكبري غالب سماعاته فكانت بين سنة ( 327 - 355ه-)، أمّا شيخنا الصدوق فقد روى عنه كثيراً مترضياً عنه مترحماً عليه وله منه ،اجازة، وكيفية اجازته أنه أجاز له ما يصح عنده من حديثه، وحكى أبو علي الحائري في رجاله(1)إكثار الشيخ المفيد طاب ثراه من الرواية(رحمة الله علیه)عنه على ما في الإرشاد وأمالي الشيخ أبي عليّ، فأنهما - سيما الأول - مشحونان من روايته الله عنه مضافاً إلى أنّه وصفه بالشريف الفاضل.
وذكره الشيخ الطوسي في رجاله(2)والنجاشي في رجاله (3)وذكر له كتاب المثالب، وكتاب في الغيبة، وذكر القائم (عجل الله تعالی فرجه)، وقال: أخبرنا عنه عدة من أصحابنا بكتبه. وترجمه الخطيب في تاريخه (4)وقال: مدني الأصل، سكن بغداد في مربعة الخرسي، وحدّث بها عن جده يحيى بن الحسن وعن إسحاق بن إبراهيم الدبري وغيره من أهل اليمن، حدثنا عنه ابن رزقويه وابن الفضل القطان، وأبو الفرج أحمد بن محمد بن عمر بن المسلمة، ومحمّد بن أبي الفوارس، وأبو علي بن شاذان، ثمّ ذكر حديثاً بسنده عن إسحاق بن محمد القطيعي عنه بسنده عن جابر
قال: قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : «عليّ خير البشر فمن افترى فقد كفر» .
واله و مات الشريف المترجم له في شهر ربيع الأوّل سنة (358 ه-) ودفن بمنزله في سوق العطش قال شيخ الشرف له بنات انقرض(1).
3 - الحسين بن أحمد بن محمّد - العويد - بن عليّ بن عبدالله بن جعفر الثاني ابن عبدالله بن جعفر الأوّل بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب الله الا هو أبو عبدالله المحمدي، ذكره شيخ الشرف ابن أبي جعفر العبيدلي في تهذيب الأنساب وقال: أبو عبدالله الحسين بقزوين له عقب، وذكره النسّابة ابن طباطبا الاصفهاني في منتقلة الطالبيين بنحو ما قاله شيخ الشرف وكذلك ذكره أبو طالب المروزي في كتابه الفخري(2)وزاد وصفه بالفقيه فقال: وأبو عبدالله الحسين الفقيه بقزوين والمحمدية بها من ولده وهم جماعة فيهم محمّد. وذكره العميدي في مشجره، ولم أقف على ترجمته في الكتب الرجالية.
والّذي يظهر من كتب النسب انّ له من الشأن ما يشار إليه، وأنّه ابن عم أبي الحسن أحمد بن القاسم بن محمد العويد الشريف المحمّدي الذي ولاه عضد الدولة البويهي النقابة حين قبض على الشريف أبي أحمد الموسوي والد الشريفين الرضي والمرتضى، كما انّ عليّ بن محمّد - العويد - المقتول صبراً ببغداد على الدكة مع القرمطي المعروف بصاحب الخال لتهمة خروجه معه، وهو عم الشريف المترجم له، والشريف المذكور كان بقزوين وكذا أخوه أبو زيد محمّد فقد كان ،بقزوين، وهما غير المحمّدين الذين كانوا الرؤساء بقزوين والعلماء بقم والسادات بالري ، فإنّ أولئك كانوا من أولاد محمّد بن عليّ بن عبدالله بن جعفر الثالث بن عبدالله بن جعفر الثاني المحمدي كما قاله أبو نصر البخاري في سر السلسلة (3). ومن الجدير بالذكر انه وقع في نسب المترجم له اشتباه كما في مقدمة من
لايحضره الفقيه تبعاً لما ورد في خاتمة المستدرك، ومعاني الأخبار، وعلل الشرائع في الطبعات الحديثة، وذلك لما في بعض أسانيد شيخنا الصدوق
(رحمة الله علیه) حيث كان يختصر النسب أحياناً ، فظن بعض النساخ انّ ذلك من سهو القلم، فأراد إكماله فخبط هو الآخر.
فإنّ هذا الشريف علوي محمدي - أي من ذرية محمّد بن الحنفية - وقد صرّح الشيخ الصدوق بذلك في كتابه الأمالي في أوّل الحديث السادس من المجلس 55 وساق نسبه بتمامه في كتابه معاني الأخبار في باب ما روي ان فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار وكذا في علل الشرائع في الحديث 9 من باب انّ علّة محبة أهل البيت(عليهم السلام)طيب الولادة ... الخ.
وقد اشتبه على الناسخين فظنوا ان المراد بجعفر بن محمّد بن عليّ هو جعفر ابن محمّد الإمام الصادق، وبابنه عبدالله عبدالله الأفطح، فتصرفوا في اسقاط ما تكرّر ظناً منهم أنّه من سهو القلم ، وأضافوا ما توهموا سقوطه من بقية النسب وهو (ابن الحسين بن عليّ ) وبذلك شوهوا الحقيقة، وشوشوا الأمر على الباحثين. وجاء المتأخرون فأثبتوا ما وجدوه دون التفات إلى ان ذلك لايتم لوجوه منها انّ عبدالله بن جعفر الذي هو الأفطح لم يكن له عقب، وقد صرّح بانقراضه شيخ الشرف العبيدلي وغيره من علماء النسب، ومنها منافاته لتصريح الصدوق(رحمة الله علیه) بانه من ولد محمد بن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، ومنها ما ذكره الشيخ الصدوق(رحمة الله علیه) من تمام نسبه في كثير من النسخ المصححة.
فعلى ما ذكرناه ظهر اشتباه الناسخين في نسبه الشريف المذكور، وفات ذلك المحققين.
4 - أبو يعلى حمزة بن محمّد بن أحمد السكين بن جعفر بن محمّد بن زید الشهيد، ذكره الشيخ الطوسي في رجاله(1)فقال: يروي عن عليّ بن إبراهيم ونظرائه، روى عنه محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه، وذكره الشيخ الصدوق
1) رجال الطوسي: 468.
في كثير من أسانيده في غالب كتبه مترضياً عليه وأكثر الرواية عنه.
فمن ذلك ما ذكره في الحديث السادس من المجلس (44) من أماليه قال: حدثنا حمزة بن محمّد بن أحمد العلوي(رحمة الله علیه)في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، قال: أخبرني عليّ بن إبراهيم بن هاشم فيما كتب إليَّ سنة سبع وثلاثمائة... الخ، وساق نسبه في غير موضع من أماليه وسائر كتبه الأخرى، وترجمه الحاكم أبو عبدالله النيسابوري - وهو من تلاميذه - قال: هو الشريف حسباً ونسباً، والجليل همة قولاً وفعلاً، ما رأيت فى العلوية وغيرهم له شبيهاً جلالة وعفة وبياناً....
ورد نيسابور سنة (330ه-) وكان بها إلى سنة ( 337ه-) ثم خرج إلى الري، فاجتمع الناس على أن يريدوه على البيعة فأبى عليهم، وقبض عليه أمير الجيش وبعث به إلى بخارا، وقبح أمره عند السلطان وبقي بها مدة، ثم رجع إلى نيسابور سنة (340ه-)، وحينئذٍ أدمنا الاختلاف إليه، توفي بنيسابور في رجب سنة (346ه-)، وحمل تابوته على البغال إلى قزوين انتهى.
وحدّث عنه الحاكم، وذكره الخليل الحافظ في تاريخه، وذكر ان وفاته كانت سنة ( 342ه-) بنيسابور، وحمل إلى قزوين ودفن في المقابر العتيقة. وذكره الرافعي في التدوين فقال: شریف نبيل فاضل عارف بالحديث واللغة والشعر، سمع بقزوين الحسن بن عليّ الطوسي، وإسحاق بن محمد بن محمد بن صالح الطبري، وعبدالله بن محمّد الاسفراييني، وإبراهيم بن محمد بن مسلم بن داود، ودخل نیسابور آخراً فسمع محمّد بن يعقوب الأصم ومحمّد بن يعقوب الشيباني، وكتب عنه لشرفه الأئمّة الذين كانوا أكبر سناً منه ثمّ ختم كلامه بقوله: وعندي جزء كتبه بخطه أبو العباس محمّد بن يعقوب الأصم للسيد حمزة هذا... الخ.
وذكره الآقا رضي القزويني في ضيافة الاخوان فقال: كان من قدماء مشايخ الطائفة الجليلة الإمامية في طبقة الشيخ الأجل محمّد بن يعقوب الكليني
و معاصريه كالصفواني، ثمّ نقل عن الشيخ الطوسي ذكره له في رجاله وقوله في فهرسته ، ولم نعثر له على ذكر في الفهرست .
وقد اقتضبنا هذه الترجمة عن معجم أعلام منتقلة الطالبيين بما يتناسب والمقام.
5 - أبو الحسن علي بن موسى بن أحمد(1)بن إبراهيم(2)بن محمد(3)بن عبيدالله بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ع ، وقد روى عنه شيخنا الصدوق في الخصال وغيره من سائر كتبه، وذكر نسبه في عدة مواضع من كتابه الخصال، وفي كلّها سهو من النسّاخ إلّا أنّ أهونها ما ذكره في ص 257 حيث قال: حدثنا أبو الحسن بن عليّ، ثم ساق النسب صحيحاً كما ذكرناه.
فالسهو في زيادة (بن) بين أبي الحسن وعليّ وقد صرح في ص 186 وص 317 بانّ اسمه الكامل هو : أبو الحسن علي فظهر ان (بن) زيادة من سهو النساخ، وقد ذكر هذا الشريف في قائمة شيوخ الصدوق(رحمة الله علیه) في مقدمة (من لايحضره الفقيه )باسم (على بن أحمد بن موسى بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن جعفر الصادق(عليه السلام))تبعاً لما في خاتمة المستدرك(4)وذلك من سهو القلم، لا والصحيح في نسبه ما ذكره الصدوق(رحمة الله علیه)فى الخصال وغيره.
ومن الغريب أنّ هذا العلوي لم تذكره معاجم الرجال مع انه من مشايخ الصدوق(رحمة الله علیه)، وهو يروي عن عليّ بن همام كما في الخصال(5)، وعن أبي عليّ الحسن بن زكام كما في الخصال(6)، وحدث عن كتاب أبيه(رضی الله عنه)
1) هو الملقّب بالشعراني، وقد ذكر في العمدة :225 ومشجر العميدي: 34، ووصف فيه بانه قتيل القرامطة، وذكره شيخ الشرف العبيدلي في تهذيب الأنساب، وذكر ولده موسى وقال: بهمدان .
2) هو الموصوف في مشجر العميدي بالأكبر اليماني.
3) لقب باليماني، وبه كان يعرف وربّما قبل اليماني، ولكن الأوّل هو الذي في تهذيب الأنساب
4) خاتمة المستدرك 3: 715
5) الخصال:186
6) الخصال: 317
وأغرب من ذلك ان والده موسى بن أحمد الشعراني من ذوي التأليف وصاحب كتاب، ولم يذكره مشايخنا القدماء كالنجاشي والشيخ الطوسي وابن شهر آشوب في فهارسهم المعدة لذكر ،أمثاله، كما أنّي لم أعثر على ترجمته في بقيّة المعاجم الرجالية، وقس عليه عليّ بن همام والحسن بن زكام في عدم الوقوف على من ترجمهما من أصحابنا.
هذا ما تيسر لي من تصحيح نسبه وتعريفه، ولعلّ الباحث في كتب الصدوق(رحمة الله علیه)يجد أكثر من ذلك.
6 - الشريف الدين أبو عليّ محمّد بن أحمد بن محمّد زبارة بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي الأصغر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وصفه الشيخ الصدوق في كتابه كمال الدين(1)بالشريف الدين الصدوق، وقد استفاد المتأخّرون عنه من كلامه وثاقة الشريف، وكفى بها من شهادة عالية في حقه. وذكره ابن الأثير في اللباب(2)فقال : شيخ العلويين بنيسابور بل بخراسان، سمع الحسين بن الفضل البجلي روى عنه ابن أخيه أبو محمد(3)
بالله قل لي أقرطاس تخط به ***من حلة هو أم ألبسته حللا
بالله لفضلك هذا سال من عسل*** أم قد صببت على ألفاظك العسلا
وذكره الخليفة النيشابوري - من أوائل القرن التاسع الهجري - في تلخيص نيشابور: 112 ضمن مشايخ الحاكم أبي عبدالله النيسابوري صاحب تاريخ نيسابور والمستدرك على الصحيحين وغيرهما، وقد أملى الشيخ الصدوق في داره بنيسابور المجلس 89 من أماليه،وذكره ابن فندق البيهقي في تاريخ بيهق ووصفه بقوله : شيخ العترة وسيد السادة، ونحوه في العمدة: 347، وزاد انّ أمه طاهرة بنت الأمير علي بن الأمير طاهر بن الأمير - عبيد الله بن - طاهر - ابن الحسين - الخزاعي.
وذكره الشيخ النجاشي في رجاله : 309، باسقاط - أبي الحسين محمد - من نسبه ولعله من سهو القلم، وقال: كان فقيهاً عالماً متكلماً سكن نيشابور صنّف كتباً ثم ذكر كتبه، وقد ترجمناه في معجم أعلام منتقلة الطالبيين.
بن أبي الحسين1) كمال الدين: الباب 22 ح 54.
2) اللباب 1: 492
3) هذا هو السيد أبو محمد يحيى بن أبي الحسين محمد بن أحمد محمد الأكبر الملقب بن بزبارة بن عبد الله المفقود بن الحسن المكفوف ابن الحسن الأفطس بن علي الأصغر بن علي زين العابدين، قال ابن الأثير في اللباب 1: 492 كان فاضلاً زاهداً سمع أبا بكر الشافعي وأبا العباس الأصم ،وغيرهما، وكان فاضلاً بليغاً، كتب إلى الصاحب بن عباد رقعة فأجابه الصاحب على ظهرها:
ابن زبارة، وتوفي سنة ستين وثلاثمائة، وكانت ولادته سنة ستين و ومائتين... الخ.
وذكره الحاكم النيسابوري في تاريخ نيسابور ، وذكره الخليفة النيسابوري في تلخيص تاريخ نيسابور(1)في مشايخ الحاكم النيسابوري، وقال: السيد العلوي شيخ الطالبيين بنيسار بل بخراسان في عهده(رضی الله عنه)، مدفون في مقبرة العلوية بجنب عبدالله بن طاهر الأمير.
7 - أبو طالب المظفّر بن جعفر بن المظفر بن جعفر بن محمّد بن عبدالله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، العلوي السمرقندي، هذا هو الصواب في نسبه، وقد اشتبه على كثير من الأعلام ذلك خصوصاً في تكرار المظفّر بن جعفر فحذفهما بعض ظنّاً منه أنّهما من سهو النساخ وتمحل آخرون في تعريفه، وقد صرّح نفس الصدوق باسمه واسم أبيه وجده في الحديث 21 من الباب الرابع من كتابه ( عيون أخبار الرضا(عليه السلام)) ووصفه بالعلوي السمرقندي، وكذا في مشيخة الفقيه(2)، وكذا في كتابه التوحيد في باب في المكان والزمان... الخ.
وساق المؤلف نسبه في كمال الدين بيدان في النسخة المطبوعة أسقط الناسخ - فيما أظن - ما حسبه تكراراً، وهو المظفّر بن جعفر، ولم يفطن إلى وجوب اثبات ذلك خصوصاً بملاحظة ما نقلناه عن الصدوق نفسه من أنّ جد شيخه أبي طالب المظفّر أيضاً اسمه المظفّر، وعلى ما أثبته في مطبوعة كمال الدين يكون جده محمّد فلاحظ وتأمل.
وقد وقع مثل ذلك في رجال الشيخ الطوسي المطبوع في النجف، فأسقط الناسخ أو غيره من النسب (المظفّر بن جعفر) حيث توهموا التكرار، وفات المحقق ذلك فلم ينتبه له، ويكفينا في التدليل على وجوب اثبات ذلك تصريح الصدوق في مشيخة الفقيه، وعيون أخبار الرضا، وما ورد في كتب النسب، وقد ذكر العميدي في المشجر الكشاف (1)المظفّر بن جعفر بن محمّد محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي هو جد أبي طالب المظفّر، وقال: بالسند، له ابن بسمرقند له بها أعقاب، ثمّ ذكر حفيده المظفّر بن جعفر بن المظفر، وذكره ولده أميركا وذيلاً له لم يطل.
وذكر شيخ الشرف ابن أبي جعفر العبيدلي النسابة في كتابه (تهذيب الأنساب)، المظفّر بن جعفر بن محمّد، وقال: له عقب بالسند ولا يفوتنى ان انبه القارئ إلى ان جعفر الأول هو جعفر الملك الملتاني الذي أعقب كثيراً، وقد ذكر شيخ الشرف انّ المعقبين من ولده نيف وخمسون رجلاً ببلدان شتى وعدّ منهم المظفّر ، وقال له عقب بالسند.
وقد ذكر المترجم له - أبا طالب المظفّر بن جعفر بن المظفر - الشيخ الطوسي في رجاله (2)وقال: روى عنه التلعكبري اجازة كتب العياشي محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاش السلمي عن أبيه جعفر بن محمّد عن أبيه أبي النضر يكنّى أبا طالب هكذا وردت الترجمة في رجال الشيخ المطبوع، ولم يفطن محقق الكتاب إلى أن المقصود بجعفر بن محمّد هو ابن العياشي صاحب الكتب وكان اسمه جعفر، وهو الذي روى للمظفّر العلوي كتب أبيه محمّد بن مسعود، فتوهّم أنّ جعفر بن محمد هو والد المظفّر، فأثبت ( عن أبيه ) والصواب عن ابنه وان في بقية السند ما يكفي للتنبيه حيث قال عن أبيه أبي النضر ، ومعلوم أنّ أبا النضر كنية العياشي، فكيف يصح ما أثبته المحقق ؟
والذي يكشف عن ذلك ويزيده ايضاحاً قول الصدوق في مشيخته (3)وما
كان فيه - أي في كتابه من لا يحضره الفقيه - عن محمد بن مسعود العيّاشي، فقد رويته عن المظفّر بن جعفر بن المظفّر العلوي العمري(رضی الله عنه) ، عن جعفر بن محمّد بن مسعود، عن أبيه أبي النضر محمّد بن مسعود العياشي(رضی الله عنه).
وقد ترجمنا الرجل في (معجم أعلام المنتقلة) وذكرنا هناك أنّه من مشايخ الاجازة، وقد روى عنه الشيخ الصدوق والشيخ التلعكبري والشريف أبو عبدالله محمد بن الحسين الجواني، وهذا الشريف الجواني هو من مشايخ المفيد رحمهم الله تعالى أجمعين.
أسفاره:
فكان أوّل سفر له غادر به مسقط رأسه وموطن آبائه (قم)، سفره إلى الري ملبياً طلب أهلها، وعلى رأسهم الأمير ركن الدولة البويهي (ت 366 ه-) حيث طلبوا من شيخنا الانتقال إلى بلدهم ليكون قريباً منهم فينتهلوا من نمير علومه فأجابهم ورحل إلى الري وأقام بها، وعكف عليه العلماء يأخذون عنه، كما لم يفته سماع الحديث من أعلام شيوخهم، فسمع كثيراً وأسمع أكثر ، فكانت بلاد الري هي أوّل بلد انتقل إليها من قم، ثمّ تتابعت أسفاره إلى عدة بلدان ذكرها سيدي الوالد دام ظله وهي كما يلي، وأوّلها كما ذكرنا:
1 - الري: استوطنها، وكانت له المكانة المرموقة لدى الأمير ركن الدولة البويهي وقد جرت له في مجلس الأمير المشار إليه احتجاجات دلّت على قوة عارضته في الكلام وبليغ حجته عند الخصام وهي خمس مجالس ومحور الكلام فيها حول الإمامة، وربّما يظهر من بعض المصادر أنها كانت مع الأمير البويهي نفسه(1).
وقد سمع بالري في سنة (347ها في رجب من ابن جرادة البردعي، والصائغ
1) ذكر ترجمة بعض تلك المجالس القاضي نور الله في مجالس المؤمنين، والمرحوم التنكابني في قصص العلماء، ونقل في هامش مقدّمة معاني الأخبار (الطبعة الحديثة) وجود أصلها العربي في مكتبة السيد جلال الدين المحدّث بطهران، والعهدة عليه.
العدل، وأبي عليّ القطان، وغيرهم، وكان الصائغ والقطان من شيوخ أهل الري كما وصفهما المترجم له.
2 - خراسان دخلها مراراً ، أولاهنّ في رجب سنة (352 ه-) حيث استأذن الأمير البويهي في السفر لزيارة المشهد الرضوي، فاذن له الأمير والتمسه الدعاء له عند ذلك المشهد، حيث قال له: هذا مشهد مبارك قد زرته وسألت الله تعالى حوائج كانت فى نفسى فقضاها لي فلا تقصر في الدعاء لي هناك والزيارة عنّى فانّ الدعاء فيه مستجاب، قال شيخنا الصدوق(رحمة الله علیه): فضمنت ذلك له ووفيت به، فلما عدت من المشهد على ساكنه التحية والسلام ودخلت إليه ، فقال لي: هل دعوت لنا وزرت عنّا ؟ فقلت: نعم، فقال لي: قد أحسنت قد صح لي ان الدعاء في ذلك المشهد مستجاب.
وهذه أولى زياراته لمشهد الرضا(عليه السلام)، ثم عاد إلى الري وسافر ثانياً إلى خراسان بعد موت الأمير البويهي فكان بها في ذي الحجة الحرام سنة (367 ه-)، وأملئ بها عدة مجالس من كتابه (الأمالي) فكان منها المجلس 26 أملاه يوم الغدير 18 ذي الحجة من تلك السنة، ثم عاد إلى الري ودخلها في آخر شهر ذى الحجة من السنة المذكورة، وأملى المجلس 27 في غرة محرم الحرام سنة (368) ه-) بالري، وتشرّف ثالثاً بزيارة المشهد الرضوي في شعبان سنة (368 ه-) وذلك في طريقه إلى ديار ما وراء النهر، وأملى في سفره هذا أربعة مجالس من أماليه، وهي آخر ما هو موجود في النسخة المطبوعة، وكان تاريخ املائه لأوّلها وهو المجلس 94 في ليلة 17 شعبان ولآخرها 19 شعبان من السنة المذكورة.
3- استرآباد.
4 - جرجان وسمع بهما من أبي الحسن محمّد بن القاسم المفسّر الاسترابادي الخطيب تفسير الإمام العسكري(1)وسمع بهما أيضاً من أبي محمد القاسم بن محمّد الاسترابادي، وأبي محمّد عبدوس بن علي بن العبّاس الجرجاني، ومحمّد بن عليّ الاسترابادي وغيرهم.
1) راجع تفصيل ذلك في الذريعة لشيخنا الرازي دام ظلّه 4 :285 - 293
5 - نیشابور : وردها في شعبان سنة (352 ه-) في سنة زيارته الأولى لمشهد الرضا(عليه السلام) بعد منصرفه من ذلك المشهد المقدس، واجتمع عليه أهلها يسألونه ويأخذون عنه، وقد كشف عنهم الحيرة التي كانوا بها في أمر الغيبة، وقد حدث عن ذلك في مقدمة كتابه كمال الدين وتمام النعمة.
6 - مرو الرود: وهي مدينة قرب مرو الشاهجان بينهما خمسة أيام وهما من مدن خراسان وردها في سفره إلى خراسان وسمع بها.
7 - سرخس: وهي مدينة قائمة بنواحي خراسان بين نيسابور ومرو في وسط الطريق، وردها أيضاً في طريقه إلى خراسان وسمع بها.
8 - سمرقند : البلد المعروف المشهور، وهو من أهم بلدان ما وراء النهر، وردها سنة (368ه-) وسمع بها.
9 - بلخ: من البلدان الشهيرة بينها وبين سمرقند اثنا عشر فرسخاً، وهي و بين فرغانة والري وسجستان وكابل وقندهار وكرمان وکشمیر و خوارزم والملتان بينها وبين كلّ منها ثلاثون مرحلة دخلها سنة (368 ه-) وسمع بها من جماعة وأجازه بعضهم.
10 - إيلاق: كورة من كور ما وراء النهر تتاخم كورة الشاش وهما من أعمال سمرقند، وردها سنة (368) ه-) وأقام بها، وفيها اجتمع بالشريف أبي عبدالله محمّد بن الحسن المعروف بنعمة(1)وبها وقف الشريف المذكور على أكثر مصنّفات الشيخ المترجم له ،فنسخها، كما سمع منه أكثرها ورواها عنه كلّها وكانت (245) كتاباً، ودارت بينهما أحاديث انتهى بهما الكلام إلى ما ذكره الشريف نعمة عن كتاب (من لا يحضره الطبيب تأليف محمد بن زكريا الرازي(2)
لا يحضره الفقيه).
وذكر أنه شاف في1) ساق نسبه في أوّل كتاب من لا يحضره الفقيه، فقال: هو محمد بن الحسن بن إسحاق بن الحسين بن الحسين بن الحسين بن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام) وقد ترجمه السيد الأمين في أعيان الشيعة 7: 25 نقلاً عن رياض العلماء.
2) هو المعروف (بجالينوس العرب) ولد بالري سنة (282) قدم بغداد وبها تعلم الطب، وحذق فيه وباشر بالبيمارستان العضدي ببغداد، توفى سنة (364) وقيل غير ذلك، له عدة تأليف في الطب، ترجم كثير منها إلى اللغات الأجنبية، وله تجديدات في الطب، وهو الذي اكتشف بعض الأمراض السارية، ومرض الحصبة والجدري (باقتضاب عن هامش ص 3 من كتاب من
معناه، وطلب من شيخنا المترجم له أن يصنّف له كتاباً في الفقه والحلال والحرام والشرائع والأحكام موفياً على جميع ما صنّفه الشيخ في معناه، واقترح عليه أن يترجمه - يسميه - بكتاب (من لا يحضره الفقيه) ليكون إليه مرجعه، وعليه معتمده وبه أخذه... وقد ذكر المترجم له ذلك مفصلاً في مقدمة كتابه (من لا يحضره الفقيه).
11 - فرغانة: من مدن بلخ بينها وبين بلخ ثلاثون مرحلة غرباً، وردها في سفره ذلك وسمع بها من وسمع بها من جماعة.
12 - همدان :وردها سنة ( 354 ه-) عندما توجّه حاجاً إلى بيت الله الحرام، فسمع بها من جماعة الشيوخ بها.
13 - بغداد: دخلها مرتين الأولى سنة (352ه-) وحدّث بها وسمع منه الشيوخ كما أنّه أخذ عنهم، والثانية في سنة (355 ه-) بعد منصرفه من الحج وقد سمع منه أيضاً جماعة... وكان دخوله بغداد في أيام معزّ الدولة البويهي، ولم يذكر التاريخ لنا عن اتصال جرى بينهما، ومن البعيد جداً أن لا يختفي الملك البويهي بشيخنا المترجم له، مع العلم ان ملوك البويهيين كانوا من أهم دعائم الطائفة، وركائز التشيع، وبلاطهم يعج بالأعلام وهم على اتصال وثيق بهم أينما كانوا وحيث حلّوا، وقد سبق أن ذكرنا ان شيخنا المترجم له انتقل إلى الري بناءاً على طلب الأمير ركن الدولة البويهي وكيف كان محل تجلته واحترامه.
14 - الكوفة: وردها في طريقه إلى الحج سنة ( 354ه-) وسمع في مسجدها الجامع من جماعة، كما انّه سمع من بعضهم عند مشهد أميرالمؤمنين (عليه السلام) ومن بعضهم في منزله.
15 - مكة والمدينة : تشرّف بحج بيت الله الحرام، وزيارة قبر الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) وقبور أهل بيته في سنة ( 354ه-) ، ولم نعثر على أسماء من أخذ عنهم أو أخذوا عنه، ويبعد انّه لم يسمع من أحد ولا يسمع منه أحد، وهو الذي كان شديد الحبّ
في الأخذ والتحمّل للحديث، خصوصاً إذا رأيناه يسمع في مكان يسمّى فيد.
16 - فيد: وهو منزل بين مكة والكوفة في نصف الطريق تقريباً سمع به بعد منصرفه من مكة من أبي عليّ أحمد بن أبي جعفر البيهقي.
هذه هي المواطن الّتي سمع بها شيخنا الصدوق(رحمة الله علیه) من شيوخ العلم وأخذ عنهم، كما أنّه حدّث وسمع منه، وقد سبق أن ذكرنا أنّ شيوخه ينيفون على المائتين فيما أحصاهم الوالد في مقدّمة ( من لا يحضره الفقيه ) كما أنه ذكر بعضهم عند ذكره البلدان الآنفة الذكر إذ كانوا من شيوخها ونحن اقتصرنا على هذا المقدار، ومن شاء التوسع فليرجع إلى تلك الرسالة.
تلاميذه:
قال الوالد سلّمه الله: «لو أردنا أن نستقصى على التحقيق والاستقراء جميع من روى عن شيخنا المترجم له وأخذ عنه العلم لطال بنا البحث ولا حتجنا إلى زمن كثير، خصوصاً بعد أن نقف على ما ذكره أرباب المعاجم من ان شيوخ الأصحاب سمعوا منه وأخذوا عنه وهو في حداثة سنه، وسيأتي كلام أبي العبّاس النجاشي: انّ شیوخ الطائفة سمعوا منه وهو حدث السن(1)
وبعد أن قرأنا كثرة رحلاته إلى أمهات الحواضر العلمية، وقرأنا عن بعضها أنّه كان يبادل السماع والأخذ فيها، وبعد أن نقف على مدة عمره الشريف وأنّه عمّر نيفاً و سبعين سنة قضاها سنة، قضاها في سوح الجهاد العلمي بين تأليف الكتب، ومجالس الشيوخ، وجمع أصول الحديث، ونشر الأحكام واذاعتها خدمة لمبدئه وإعلاناً بمذهبه، بعد أن نقرأ جميع ذلك لا يسعنا الاحاطة - تماماً - بجميع من أخذوا عنه، مع ان كثيراً من مترجميه لم يذكروا إلّا أعيان تلامذته من الذين طار صيتهم، وسطع نجمهم وذاعت أسماؤهم على الألسنة.
1) رجال النجاشي: 389
وإلى القارئ أسماء من تيسر لنا العثور عليه من تلامذته والآخذين عنه، وكلّهم من الأعلام الأثبات الذين أصفقت معاجم التراجم على ذكرهم بكل جميل وهم:
1 - الشيخ الجليل الفقيه الخير الحسين بن علي بن موسى بن بابويه القمي - أخو المترجم له -
2- الشيخ الثقة الدين الحسن بن الحسين بن علي بن موسى بن بابويه القمي - ابن أخي المترجم له -.
3 - الشيخ الثقة عليّ بن أحمد بن العباس - والد الشيخ النجاشي - سمع منه ببغداد، وأجاز له المترجم له جميع كتبه في وروده بغداد سنة (355 ه-)، كما في ترجمة الصدوق في رجال النجاشي.
4 - الشيخ الثقة أبو القاسم على بن محمّد الخزاز صاحب كتب أشهرها (كفاية الأثر) وفيه يروي عن الصدوق كثيراً.
5 - الشيخ الثقة الفاضل الفقيه أبو عبدالله الحسين بن عبيد الله بن إبراهيم الغضائري.
6 - الشيخ الجليل أبو الحسن جعفر بن الحسين(1)حسكة القمي شيخ الطوسي.
7 - الشيخ أبو جعفر محمد بن أحمد بن العباس بن فاخر الدوريستي - نسبة إلى دوريست قرية من قرى الري - والد الشيخ جعفر المعاصر الشيخ الطائفة، ومن تلاميذ الشيخ المفيد والسيّد المرتضى رحمهم الله.
8- أبو زكريا محمّد بن سليمان الحمراني من أهل طوس.
9 - السيد أبو البركات على بن الحسن الجوزي الحلي الحسيني(2).
10 - الشيخ أبو الحسن محمد بن أحمد بن عليّ بن شاذان القمي.
11 - أحمد بن محمد العمري.
12 - الشيخ الجليل وجه الطائفة وزعيمها محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد سمع منه ببغداد(1)
13 - الشيخ الجليل الثقة أبو محمّد هارون بن موسى التلعكبري.
14 - عبد الصمد بن محمد التميمي.
15 - محمد بن طلحة بن محمّد النعالي البغدادي من شيوخ الخطيب البغدادي ذكره في تاريخه.
16 - السيد الشريف أبو عبد الله محمّد بن الحسن المعروف بنعمة، وقد سبقت الإشارة إليه في (إيلاق).
17 - عليّ بن محمّد العمري كما في اجازة العلّامة لبني زهرة (2).
18 - السيد الشريف أبو البركات علي بن الحسين الحسيني(3).
19 - الشيخ الجليل الحسن بن محمد بن الحسن القمي - مؤلّف تاريخ قم - روى عنه، كما ذكر ذلك السيد الصدر في تأسيس الشيعة (4).
20 - أبو بكر محمد بن أحمد بن علي، أحد رواة كتاب الأمالي للمترجم له كما في مقدّمته.
21 - الشريف الفاضل في النسب والطب والشجاعة والحجّة أبو علي عمر بن على بن الحسين بن عبدالله بن محمّد بن يحيى بن عبدالله بن محمّد بن عمر الأطرف، المعروف بالموضح النسّابة. ذكره السيّد فخار بن معد في كتابه إيمان أبي طالب (5)وقال: وكان ثقة جماعاً ويقال له ابن اللبن وهو كوفي معروف. وذكر روايته عن الشيخ المترجم له(رحمة الله علیه) .
مؤلّفاته:
لقد خلّف شيخنا الصدوق(رحمة الله علیه) ثروة علمية صالحة من آثاره تصلح أن تكون وحدها مكتبة جامعة في شتى الفنون، وقد ذكر مترجموه أنه صنّف أكثر من ثلاثمائة كتاب، في شتى فنون العلم وأنواعه، وحسبك ان واحداً من الأعلام الذين أخذوا عنه نسخ منها (245) كتاباً، وهي التي كانت يومئذٍ مع مؤلّفها، فقد سبق أن ذكرنا ان الشريف نعمة لما اجتمع بالشيخ المترجم له بإيلاق، نسخ ما كان معه من مصنّفاته فكانت (245) كتاباً، وذلك قبل أن يكتب مؤلّفه الخالد (من لا يحضره الفقيه)، أمّا ما كتبه بعد ذلك فيربو على الخمسين وأنّها لثروة علمية تنبىء عن طول باع وسعة اطلاع ومشاركة في كثير من الفنون.
وإذا ما قرأنا الفهارس التي حفظت لنا أسماء بعضها نخرج بنتيجة أن مؤلّفها كان مشاركاً كما يقول القدامى أو عالم مجمعي في عرف اليوم، ولو تساءلنا عن تلك الثروة العلمية أين هي ؟ فالجواب أنّه لم يصلنا منها إلا النزر القليل دون العشرين، واستأثرت عوادي الأيام بالباقي فكان لها حصة الأسد، ولقد ذكر سيّدي الوالد سلّمه الله في رسالته (220) اسماً منها، وأبان مصادرها مع الإشارة إلى الموجود منها والمطبوع ، وحيث لا أرى كبير فائدة في سرد جميع ما ذكره روماً للاختصار، فأقتصر على ذكر ما جاد به الزمن من آثار مؤلّفنا العظيم فبقيت ،نسخته، مع الإشارة إلى ما هو مطبوع منها :
1 - الاعتقادات: أملاه بنيسابور في يوم الجمعة ثاني عشر شعبان سنة (368 ه-) وقد اجتمع إليه أهل مجلسه والمشايخ فسأله أن يملي عليهم وصف دين الإمامية على الايجاز والاختصار، وهو من جملة مجالسه التي ضمها كتابه (الأمالي)، راجع المجلس الثالث والتسعين منها، وسمّاه الشيخ الطوسي في الفهرست(1)(دين الإمامية) وتبعه في التسمية ابن شهر آشوب في معالم العلماء(2).
وهذا الكتاب لمّا ذكر فيه مؤلّفه اعتقاد الإمامية الضروري وغيره، والمتفق عليه وغيره، وعد بأن يشرح ذلك بعد عودته من مقصده، وكان قاصداً خراسان في طريقه إلى ديار ما وراء النهر ، فقال في آخره: (وسأملي شرح ذلك وتفسيره إذا سهل الله عزّ اسمه عليَّ العود من مقصدي إلى نيسابور).
ولا نعلم هل كتب المؤلّف شرحاً عليه أم لا؟ بيد ان الفهارس التي ذكرت أسماء مصنفاته خلت عن ذكر شرح لكتابه الاعتقادات، ولعله لم يتيسر له ذلك، ولذلك عمد الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان (ت 413ه-) تلميذه الوفي فعكف على الكتاب فشرحه ونقده فيما ليس هو من الضروري أو المتفق عليه، وسمى كتابه (تصحيح الاعتقاد وقد طبع الأصل مكرراً مع الشرح وبدونه، وعكف العلماء على هذا الكتاب بالترجمة والشرح، وقد ذكر شيخنا الرازي أطال الله عمره في كتابه الذريعة(1)عدة شروح لأعاظم الأعلام فراجع.
ومن رأيي انّ كتاب اعتقادات الصدوق الّذي شرحه الشيخ المفيد وسمّاه تصحيح الاعتقاد، هو غير ما أملاه بنيسابور في وصف دين الإمامية والّذي هو المجلس 93 من من أماليه كما هو واضح لمن قارن بينهما، وما ذكرته آنفاً هو ما ذهب إليه شيخنا الرازي دام ظلّه فی الذريعة، وسيدنا الوالد دام ظلّه في مقدّمة الفقيه .
2 - الأمالي: وهو المعروف بالمجالس أو عرض المجالس، وسمّاه النجاشي (العوض) عن المجالس وهو سبعة وتسعين مجلساً، ولم يكن إملاؤه لها في بلد ،واحد ، فقد أملى أوّلها يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة (367 ه-) في الري، وأملئ المجلس الخامس والعشرين بطوس بمشهد الإمام الرضا(عليه السلام) يوم الجمعة لثلاث عشر بقين من ذي الحجة سنة (367 ه-) وكذا المجلس السادس والعشرين أملاه يوم ه يوم الغدير من تلك السنة بطوس.
1) الذريعة 13: 102
وأملى المجلس السابع والعشرين غرة محرم سنة (368 ه-) بعد رجوعه من المشهد، وأملى المجلس التاسع والثمانين يوم الأحد غرة شعبان سنة (368 ه-) بنيسابور في دار السيد أبي محمد يحيى بن محمّد العلوي (1)، وأملى المجلس الثاني والتسعين والثالث والتسعين بنيسابور ، وكان الأخير بتاريخ يوم الجمعة ثاني عشر شعبان سنة (368) ه-) وهو الذي ضمنه وصف دين الإمامية، وقد سبقت الإشارة إليه، وأملى المجلس الرابع والتسعين يوم الثلاثاء السابع عشر من شعبان سنة (368 ه-) بالمشهد المقدس الرضوي، وهكذا بقيّة مجالسه فانّها كانت بالمشهد، وقد طبع مكرراً بطهران سنة (1300 و 1374ه-).
وله ترجمة بالفارسية للسيد علي الإمامي، وأخرى للسيّد صادق بن السيّد حسين التوشخانكي فرغ منها سنة (1301 ه-) وعليه حاشية للسيد عبدالله بن السيد نور الجزائري (ت 1173 ه-) وهي غير مدونة (راجع تفصيل ذلك في الذريعة).
3 - التوحيد : وهو كتابنا هذا الّذي نحن على أبوابه، وسنفرده بالحديث.
4 - ثواب الأعمال: وقد ذكر في مقدمته السبب الداعي إلى تأليفه هو ما روي عن النبي من قوله: «الدال على الخير كفاعله» ولم يبتغ وراء تأليفه ذلك إلا الترغيب في ثواب الله وابتغاء مرضاته، وقد طبع هذا الكتاب مكرراً منضماً إليه (عقاب الأعمال ) الآتي للمؤلّف أيضاً في مجلد واحد في ايران سنة (1298 ه-) وسنة ( 1375ه-) وفي بغداد سنة ( 1962م) وترجمة الشيخ محمّد تقي بن محمّد باقر الاصفهاني الشهير بآقا نجفي (ت 1332 ه-) ، وطبعت الترجمة بايران أيضاً مع ترجمة (عقاب الأعمال) له أيضاً. ذكر الذهبي في ترجمة القصاب من تذكرة الحفاظ (2)انّه حذف كتاب ثواب الأعمال وكتاب عقاب الأعمال والقصاب من
معاصري الصدوق(رحمة الله علیه) حيث احتمل بقاءه حياً حتّى (360ه-) فراجع.
5 - الخصال :كتاب جليل فى الأخلاق صنّفه على ترتيب لم يسبق إليه، ذكر فيه الخصال المحمودة والمذمومة على حسب الأعداد، فابتدأ بباب الواحد، ثمّ الاثنين، ثمّ الثلاثة، وهكذا إلى باب الخصال الأربعمائة، وقد طبع بطهران سنة (1302 ه-) وأعيد طبعه مع ترجمة فارسية سنة (1371 ه-)، وسنة (1375 ه-) وله ترجمة أخرى للسيد علي بن محمد بن أسد الله الاصفهاني المعاصر لصاحب الرياض، كما ذكر ذلك شيخنا الرازي دام ظله في الذريعة، ولبعض الأفاضل ترجمة أخرى سمّاها (نخبة الخصال).
6 - صفات الشيعة: هو من خيرة الكتب التي حددت المفهوم الواقعي لشيعة أهل البيت، وقد بدأه المصنّف(رحمة الله علیه) بأحاديث في ذلك، منها ما عن الصادق(عليه السلام) : «شيعتنا أهل الورع» وأمثاله.
وقد اعتمده أصحاب الجوامع الحديثية المتأخّرة، فنقل عنه الشيخ المجلسي في البحار، والشيخ الحر في الوسائل، والشيخ النوري في المستدرك، وتوجد منه نسخة بخط قدیم و قطع كبير عند الدكتور نوع پرست بطهران، وأخرى في مكتبة الطهراني بسامراء، وثالثة كانت عند المرحوم الاوردبادي، ورابعة وهي بخط الشيخ النوري كانت عند حفيده بهزادي بطهران كما في الذريعة (1).
7 - عقاب الأعمال : هذا الكتاب يشترك مع ثواب الأعمال في الموضوع، إلّا انّ ذلك في الثواب على العمل وهذا في العقاب على الترك أو فعل المنهي عنه، كما أنّه طبع منضماً إلى سابقه في سائر طبعاته لمناسبة الموضوع، ترجمه الشيخ محمّد تقي الاصفهاني كما سبق أن أشرنا، وطبعت ترجمة ميرزا عبدالكريم المقدّس لاحظ الذريعة لشيخنا الرازي سلّمه الله.
8 - علل الشرائع والأحكام والأسباب: وانّ في اسمه ما يكشف عن
1) الذريعة 15: 45
موضوعه، ويشتمل على ( 385) باباً، وقد ذكر المقدم لطبعة النجف أنّه لم يعلم سبب تأليف المؤلّف للكتاب ولا تاريخ تأليفه، ومن راجع أسانيده يتضح له تاريخ التأليف وانّه بعد سنة (368ه-) التي سافر فيها حتى دخل بلاد ما وراء النهر، وسمع في بلدانها من أعلامها المحدثين.
فقد ذكر في كتابه العلل(1)سماعه من أبي جعفر محمد بن عبدالله بن طيفور الدامغاني الواعظ بفرغانة، وتجد في كتابه السماع من هذا المحدّث الواعظ متعدداً فلاحظ كما نجد في ص 12 من الكتاب حديثاً يرويه عن أبي الحسن طاهر بن محمّد بن يونس بن حياة الفقيه فيما أجازه له ببلخ، وغير ذلك مما يدل على ان تأليف كتاب العلل كان بعد سنة (368ه-).
ولو توفرنا على دراسة الكتاب لاستكشفنا ما استبهمه المقدم ، وقد طبع هذا الكتاب مكرراً في ايران منها في سنة (1289)ها ومنها في سنة (1311 ه-) والحق به معاني الأخبار للمؤلّف نفسه، وكتاب الروضة في الفضائل الذي لم يعرف مؤلّفه على التحقيق، وطبع في ايران أيضاً سنة (1378ه-) وطبع في المطبعة الحيدرية في النجف سنة (1383ه-) ومرة أخرى سنة ( 1385 ه-) وقد قدم له العلّامة الكبير السيد محمّد صادق بحر العلوم مستنداً إلى رسالة سماحة السيد الوالد دام ظلّه، وقد أشار إلى استناده إليها في بضعة عشر موضعاً، لكنه لم يصرّح باسم مؤلّفها مع اعترافه باستفادته من الرسالة كثيراً، ونقله الكثير الكثير من نصوصها، وان ذلك مما يؤاخذ عليه ويدان به، ولست أروم في هذا المجال محاسبة فضيلة المعلق على ما في تلك المقدمة من مواضع تستدعي التحقيق ففاته ذلك، أو كشف بعض النقاط التي أخطأ وجه الصواب فيها.
9 - عيون أخبار الرضا(عليه السلام): كتاب يتضمّن سيرة الإمام الرضا(عليه السلام)وبعض ما ورد عنه، وقد ضمّنه كثيراً من أخبار أهل البيت
(عليهم السلام)وأحاديثهم في الإمامة وغيرها.
1) علل الشرائع : 63 طبعة الحيدرية بالنجف الأشرف.
كتبه لخزانة كافي الكفاة الصاحب ابن عبّاد الوزير الشيعي (ت 385ه-) كما صرّح به في ديباجته قال وقع إليَّ قصيدتان من قصائد الصاحب الجليل كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عبّاد - أطال الله بقاءه وأدام دولته ونعماءه وسلطانه وأعلاه في اهداء السلام إلى الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فصنفت هذا الكتاب لخزانته المعمورة ببقائه، إذ ذ لم أجد شيئاً آثر عنده وأحسن موقعاً لديه من علوم أهل البيت(عليهم السلام) لتعلقه ،بحبهم واستمساكه بولايتهم، واعتقاده بفرض طاعتهم، وقوله بإمامتهم، وإكرامه لذريتهم، أدام الله عزه وإحسانه إلى شيعتهم قاضياً بذلك حق انعامه على، ومتقرباً به إليه لأياديه الزهر عندي ومننه الغر لدي، ومتلافياً بذلك تفريطي الواقع في خدمة حضرته راجياً به قبوله لعذري، وعفوه عن تقصيري، وتحقيقه لرجائي فيه وأملي والله تعالى ذكره يبسط بالعدل يده، ويعلى بالحق كلمته، ويديم على الخير قدرته ... الخ.
وقد عكف على هذا الكتاب العلماء بالشرح والترجمة، وقد ذكر ذلك سماحة شيخنا الرازي دام ظله في الذريعة فلاحظ ، وقد طبع الكتاب في ايران سنة( 1275ه-) وسنة (1303ه-) وسنة (1318 ه-) وسنة (1377 ه-) وغيرها.
10 - فضائل :رجب رسالة تضمّنت الأحاديث الدالة على فضل شهر رجب وزيادة ثواب بعض الطاعات فيه، وقد أشار إليه في كتابه (من لا يحضره الفقيه) وأخرج بعض أحاديثه في باب ثواب صوم رجب(1)ونسخه موجودة، منها نسخة بمكتبة الوالد دام ظلّه بخطّه.
11 - فضائل شعبان: كسابقه في الموضوع والحجم، وقد أشار إليه في كتاب (من لا يحضره الفقيه) حيث قال: وقد أخرجت ما رويته في هذا المعنى - ثواب صوم شعبان - في كتاب فضائل شعبان(2). ومنه نسخة مخطوطة بمكتبة سيّدي
الوالد دام ظلّه بخطّه.
12 - فضائل شهر رمضان كسابقيه في وحدة الموضوع إلا أنّه أكثر منهما أحاديثاً وأوسع أبواباً وحجماً لامتياز شهر رمضان على سائر الشهور، وقد ذكره في كتابه (من لا يحضره الفقيه حيث قال: وقد أخرجت هذه الأخبار التي رويتها في هذا المعنى في كتاب( فضائل شهر رمضان)(1)ومنه نسخة مخطوطة منضمة إلى سابقيه بخط سيدي الوالد دام ظلّه.
13 - فضائل الشيعة: كتاب استهدف فيه المؤلّف بيان فضل هذه الطائفة لموالاتهم أئمة الهدى(عليهم السلام)، وجزاء ما تحمّلوه فى سبيل مودتهم، تثبيتاً لهم ورفعاً من شأنهم، وهو غير صفات الشيعة آنف الذكر، وقد طبع هذا الكتاب في ايران على ما بلغني .
14 - كمال الدين وتمام النعمة ويقال له:( إكمال الدين وإتمام النعمة )وهو فی اثبات الغيبة، وقد صنّفه في الري بعد عودته من نيسابور، وذلك بعد عودته من سفره الأوّل إلى خراسان، وكان ذلك في سنة ( 354 ها) بأمر من صاحب الأمر (عجل الله فرجه الشريف) حيث أمره في المنام بذلك.
وقد حكى في مقدمته سبب تأليفه فقال: إنّ الّذي دعاني إلى تصنيف هذا، أنّي لما قضيت وطري من زيارة مولانا الإمام أبي الحسن الرضا صلوات الله وسلامه عليه، رجعت إلى نيشابور وأقمت فيها ، فوجدت أكثر المختلفين إليَّ من الشيعة قد رتهم الغيبة، ودخلت عليهم فى أمر القائم عليه ألف سلام الشبهة، وعدلوا عن الصراط المستقيم(2)إلى الآراء والمقاييس، فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق، وردّهم إلى الصواب بالأخبار الواردة الصحيحة في ذلك عن النبي وعترته المعصومين صلوات الله عليهم حتى ورد الينا من بخارا شيخ من أهل الفضل والعلم والنباهة ببلد قم، طالما تمنيت لقاءه واشتقت إلى مشاهدته؛ لتديّنه
و سديد رأيه واستقامة طريقته، وهو الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمّد بن الحسن ابن عليّ بن محمّد بن أحمد بن علي بن الصلت القمي أدام الله توفيقه، وكان أبي(رضی الله عنه) يروي عن جده محمّد بن أحمد بن على بن الصلت روح الله الله روحه، ويصف علمه وعمله وزهده وفضله وعبادته...
فلمّا أظفرنى الله تعالى ذكره بهذا الشيخ الذي هو من هذا البيت الرفيع، شکرت الله تعالى ذكره على ما يسّر لي من لقائه، وأكرمني به من افائه، وحباني به من ودّه وصفائه، فبينا هو يحدّثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارا من كبار الفلاسفة والمنطقيين كلاماً في القائم عجل الله فرجه قد حيّره وشككه في أمره لطول غيبته وانقطاع أخباره، فذكرت له فصولاً في إثبات كونه، ورويت له أخباراً في غيبته عن النبيّ والأئمّة (عليهم السلام) سكنت إليها نفسه، وزال بها عن قلبه ما كان دخل عليه من الشك والارتياب والشبهة ، وتلقى ما سمعه من الآثار الصحيحة بالسمع والطاعة والقبول والتسليم، وسألني أن أُصنّف في هذا المعنى كتاباً، فأجبته إلى ملتمسه، ووعدته جمع ما أبتغي إذا سهل الله لي العود إلى مستقري ووطني بالري.
فبينا أنا ذات ليلة أفكر فيا خلّفت ورائي من أهل وولد وأخوان ونعمة، إذ غلبني النوم فرأيت كأني بمكة أطوف حول بيت الله الحرام، وأنا في الشوط السابع عند الحجر الأسود أستلمه وأقبله وأقول: أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة، فأريت مولانا القائم صاحب الزمان صلوات الله عليه وآله واقفاً بباب الكعبة، فأدنو منه على شغل قلب، وتقسم فكر ، فعلم(عليه السلام)ما في نفسي بتفرّسه في وجهي، فسلّمت عليه فرد عليَّ السلام، ثمّ قال لي: لِمَ لا تصنّف كتاباً في الغيبة تكفي ما قد همك، فقلت له: يابن رسول الله قد صنفت في الغيبة أشياء، فقال(عليه السلام) : ليس على ذلك السبيل آمرك أن تصنّف ولكن صنّف الآن كتاباً في الغيبة، واذكر فيه غيبات الأنبياء(عليهم السلام) ثمّ مضى صلوات الله عليه.
فانتبهت فزعاً إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى إلى وقت طلوع الفجر، فلما أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلاً لأمر ولي الله وحجته، مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه ومستغفراً من التقصير وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ... الخ.
15 - مصادقة الاخوان: ذكره الشيخ النجاشي والشيخ الطوسي وابن شهر آشوب في فهارسهم باسم (المصادقة)، قال الحجّة المتتبع المحقق شيخنا الرازي أطال الله بقاه، ومتعنا بوجوده في كتاب الذريعة(1):
«والكتاب الموجود اليوم والمعروف بهذا العنوان، أوّل أبوابه باب أصناف الاخوان من اخوان الثقة واخوان المكاشرة، وأوّل أحاديثه ما أسنده عن جعفر (عليه السلام) ... والظاهر أنّه ليس مصادقة الاخوان بل هو كتاب الاخوان لوالد الصدوق - يعني الشيخ أبو الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه ت (329ه-) - وقد نسب إليه كتاب الاخوان النجاشي والشيخ في الفهرست كلاهما ، وأوّل رواياته عن محمد بن يحيى العطّار الذي هو من مشايخ الكليني وعلي بن بابويه، وفيه الرواية عن عليّ بن إبراهيم القمي مكرراً، وبعضها بلفظ حدثني مع أنه أيضاً من مشايخ الكليني وعلى بن بابويه، وفيه أيضاً الرواية عن سعد بن عبدالله الأشعري الذي يروي عنه الصدوق بواسطة شيخه محمّد بن الحسن بن الوليد وبالجملة لا يروي الصدوق عن هؤلاء بلا واسطة فهذا الموجود هو كتاب الاخوان لوالد الصدوق ... الخ». ومنه نسخة خطية بمكتبة سيدي الوالد دام ظلّه.
16 - المقنع : متن فقهي غالبه متون أحاديث رتبها الشيخ الصدوق(رحمةالله علیه)على أبواب الفقه من الطهارة إلى الديات، وقد صرّح في مقدمته بسبب تسميته فقال ثمّ أنّي صنفت كتابي هذا، وسمّيته كتاب المقنع لقنوع من يقرأه بما فيه، حذفت الاسناد منه، لئلا يثقل حمله ولا يصعب حفظه، ولا يمله قارئه، إذ كان ما أبينه فيه
1) الذريعة 21 :97
في الكتب الأصولية موجوداً مبيناً على المشائخ العلماء الفقهاء الثقاة رحمهم الله ... الخ ».
فهو مجموع تضمّن فتاوى الصدوق على نحو كتابه ( من لا يحضره الفقيه) إلّا أنّه اقتصر على متون الأحاديث فقط، والثاني أشهر وأوسع، وقد طبع ضمن الجوامع الفقهية سنة (1276 ه-) وثانياً سنة (1377 ه-) بالمطبعة الإسلامية بطهران ومع كتاب الهداية له. وألحق في آخره المجلس (93) من أماليه الذي وصف به دين الإمامية على الايجاز، وقد سبق التعريف به فراجع.
17 - من لا يحضره الفقيه: أحد الأصول الحديثية الأربعة التي هي في الاشتهار عند الشيعة كالشمس في رابعة النهار ، وقد ذكر غير واحد في اعتبار أحاديثه حتى عدّها في الصحاح وصرحوا بأنّه من أصح الأصول وأتقنها بعد الكافي.
وللعلماء حول الكتاب وأحاديثه كلام كثير تكفّلت به الكتب المطوّلة، وقد قسموا أحاديثه إلى قسمين مسانيد ومراسيل، وحكي الاعتماد على تلك المراسيل، وقالوا: أنّها كمراسيل محمّد بن أبي عمير في الحجية والاعتبار، لأن المؤلّف لم يورد في كتابه هذا إلا ما يفتي به ويحكم بصحته، ويعتقد أنه حجّة بينه وبين ربّه.
وحكى السيد الوالد دام ظله في مقدمته للفقيه عن المحقق الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني أنّه قال: (انّ كلّ رجل يذكره الصدوق في الصحيح فهو شاهد أصل بعد الله لا ناقل)(1)
وحكى عن خاتمة المحدثين الشيخ النوري أنّه قال في خاتمة مستدركه (2): ومن الأصحاب من يذهب إلى ترجيح أحاديث الفقيه على غيره من الكتب
الأربعة، نظراً إلى زيادة حفظ الصدوق وحسن ضبطه وتثبته في الرواية، وتأخر كتابه عن الكافي وضمانه فيه لصحة ما يورده، وأنه لم يقصد فيه قصد المصنّفين في ایراد جميع ما رووه، وإنما يورد فيه ما يفتي به ويحكم بصحته، ويعتقد أنه حجّة بينه وبين ربّه.
وحكى سلّمه الله عن الفاضل التفريشي والشيخ البهائي في شرحيهما على الفقيه الاعتماد على مراسيله، وأنّها لا تقتصر عن مسانيده من حيث تشريك المؤلّف بين النوعين في كونه ممّا يفتي به ويحكم بصحته، ويعتقد أنه حجة بينه وبين ربّه سبحانه، كما حكى سلّمه الله عن الشيخ سليمان الماحوزي في البلغة حكاية وصف تلك المراسيل وأنّها كمراسيل محمّد بن أبي عمير عن عمير عن العلّامة الحلي في المختلف، والشهيد في شرح الإرشاد والمحقق الداماد.
هذا بعض ما يكشف عن اعتبار الكتاب وتقييمه في نظر ذوي التحقيق، أمّا الحديث عن باقي ميزاته الأخرى فيطول في هذا المقام، ومن الخير مراجعة المستزيد إلى مقدّمة الفقيه، فقد استوفى السيد الوالد سلّمه الله الحديث عن هذا الكتاب وسائر ميزاته من ص 51 - 59، مضافاً إلى ما استطرد في ثنايا المقدّمة.
وقد طبع الكتاب مراراً، وأتقنها صحة وأجودها طباعة هي الطبعة التي نشرتها دار الكتب الإسلامية في النجف، والّتي امتازت بجمال التبويب والاخراج وازدانت بما في الهامش من تخريج الحديث على باقي الأصول الحديثية الأخرى، وحلّ الألفاظ الغريبة بجهود وتقديم سيّدي الوالد دام ظله، وكان لي ولأخي العلّامة السيّد محمّد رضا شرف الاشراف على الاخراج والتصحيح فكانت نعمة نحمد الله على ما هيأ لنا جميعاً من التوفيق لذلك.
18 - الهداية: متن في الفقه أيضاً وهو دون الفقيه والمقنع، ابتدأه بشيء في الاعتقادات، وأوّل أبوابه باب ما يجب أن يعتقد في التوحيد من معاني أخبار النبي والأئمة(عليه السلام)، ثم باب النبوة فباب الإمامة، وباب معرفة الأئمة الذين هم حجج الله
على خلقه بعد نبيه(صلی الله علیه وآله وسلم) وهكذا إلى عشرة أبواب ضمّنها مختصراً من اعتقاداته التي سبق التنويه عنها، ثم ساق متون الأخبار في الأحكام على حسب أبواب الفقه، وقد طبع مرّة بايران سنة (1276ه-) ضمن الجوامع الفقهية، وأخرى سنة (1377 ه-) بطهران ملحقاً بالمقنع.
كتابنا التوحيد:
من أهم المسائل التي اصطرع فيها العقل والنفس منذ أدرك الإنسان بعض الظواهر، هي مسألة التوحيد، ونظراً لأهميتها وقصور الفكر عن ادراك الحقيقة الربوبية فقد شطحت أقلام في التعبير، وزاغت أوهام في التفكير ، ولم ينج من تلك الهفوات إلّا من أودع نوراً فاستدلّ من الظواهر الطبيعية والسنن الكونية على تلك الحقيقية الربوبية:
وفي كلّ شيء له آية ***تدل على أنّه واحد
ولعلّ من أوضح الآيات في دلالتها العقلية ما ورد في الكتاب العزيز: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلّا اللهُ لَفَسَدَتَا (1)وقوله تعالى: وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهِ إِذا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (2)
ولمزيد الاهتمام بهذه المسألة فقد خصّت بالبحث، وعدّها بعض الموحّدين علماً قائماً بنفسه ودعاه ( علم التوحيد)، وعرّفه بأنه العلم بوحدانية الخالق، وانّه واحد أحد، واحدي الذات والمعنى ،واحدي الصفات، وذكروا لهذا العلم غاية بأنّه يعرف به أن لا وجود تام لغير الله تعالى، وليست الموجودات إلا مظاهر قدرته، مفتقرة في وجودها إليه، جلّ من لا تحيط به العقول، ولا تدرك كنهه الأفهام ،ولا تحيط به الأوهام.
ونظراً لسمو الذات، وضيق التعبير عنه تعالى ربنا، فقد خبط الكثير من
المسلمين، وتخيّلوا أنّ ما ورد في التوحيد من متشابه آي القرآن الكريم، وأحاديث النبيّ العظيم(صلی الله علیه وآله وسلم) وأهل بيته من وصفه ببعض ما خلقه في مخلوقه انه تعالى كذلك، فظنّوا الظنون، وارتطموا في متاهة ظلماء، فشبهه بعضهم بمخلوقه وجسمه آخرون، وعطّله ثالث و... و... و... وتمسكوا بظواهر آيات وأخبار لم يدركوا كنهها ويقفوا على سرّها، وحاولوا - فشلين - اخضاعها لأفهامهم القاصرة فاستدلوا بها.
فنبزوا بين طوائف المسلمين بالمشبّهة والمعطّلة والمجسّمة والحلولية والمجبّرة، ولمّا استحر أوار التناحر بين تلك الطوائف نتيجة شهوة الحكم واتباع الهوى، وبعض المفارقات الأخرى التي حدثت بعد العهد النبوي، فقد تحامل بعض من لا حريجة له في الدين، فنبز الشيعة بما هم منه بريئون، فنسب إليهم بعض تلكم المقالات السيئة اطاحة بمجدهم وتشويهاً لمبدئهم.
لذلك اندفع أعلامهم لتنوير الملأ بالإصحار بالحقيقة دفاعاً عن مبدئه فكان من أولئك الصفوة الذين جاهدوا في سبيل العقيدة بايمان راسخ وحجّة قوية وبيان شاف، هو شيخنا الصدوق له ، فكان من تأليفه - وما أكثرها وأجلّها - في هذا الميدان كتابنا هذا الذي نحن على أبوابه.
ولقد أبان في مقدمته الغرض من تأليفه والسبب الباعث له بقوله: «انّ الّذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا، أني وجدت قوماً من المخالفين لنا، ينسبون عصابتنا إلى القول بالتشبيه والجبر، لما وجدوا في كتبهم من الأخبار التي جهلوا تفسيرها. ولم يعرفوا معانيها، ووضعوها في غير موضعها، ولم يقابلوا بألفاظها ألفاظ القرآن فقبّحوا بذلك عند الجهّال صورة مذهبنا، ولبسوا عليهم طريقتنا، وصدّوا الناس عن دین الله، وحملوهم على جحود حجج الله فتقرّبت إلى الله تعالى ذكره بتصنيف هذا الكتاب في التوحيد ونفي التشبيه والجبر، مستعيناً به ومتوكّلاً عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل».
وقد طبع هذا الكتاب سابقاً بايران وبمبئي مكرراً، وللعلماء عليه شروح كثيرة فتحوا بها مغلقه وشرحوا غامضه ، وممّن شرحه المحقق السبزواري (ت 1090ه-) وكان شرحه بالفارسية، ومنهم القاضي محمّد سعيد بن محمّد مفيد القمي المتوفى بعد سنة 1103، وشرحه في عدة مجلدات، ومنهم الأمير محمّد علي نائب الصدارة بقم، ومنهم المحدّث السيد نعمة الله الجزائري (ت 1112 ه-) واسم شرحه (أنس الوحيد )وسمّاه في كتابه زهر الربيع (أنس الفريد).
وهنا يجمل بنا أن نترك باقي تعريف الكتاب وميزاته في أبوابه إلى القارئ الكريم.
وفاته ومدفنه:
بعد جهاد طويل في نشر الحق وإذاعته، وتأييد الإسلام وإعلاء كلمته، وخدمة مبدئه وعقيدته، طوى آخر صفحة من تاريخه في بلد الري سنة (381ه-) مخلّفاً له الذكر الحسن، ولئن لم يخلّف أولاداً يحيون ذكره، فلقد أحيى نفسه بما خلّفه من بنات فكره فلا تزال بقايا تلك الثروة العلمية الصالحة امتداداً لحياة شيخنا الصدوق(رحمة الله علیه)، وهو حقيق بقول بعض الأدباء من السادة العلوية:
خلدتنا في الورى آثارنا *** لخلود الروح فيها الأثر
هذه الأسفار ذكر خالد *** إن بلى الجسم فهذي الصور
ودفن بالقرب من قبر الشريف السيد عبد العظيم الحسني(رضی الله عنه) في بقعة شرّفت به، وأضحت مزاراً يلجأ إليه الناس ويتبركون به هذا ما تيسر لي في تقديم كتاب التوحيد والحمد الله أوّلاً وآخراً .
محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
النجف الأشرف
18 ذي الحجة الحرام سنة 1385
فى اثبات الرجَعَة
للشیخ الاقدم والحدث الاکبر ابی جعفرالصدوق
مُحَمد بن عَلَى بن الحُسين بن ابوبه القمى المتوفی 381
قدم له
العلامة الجليل السيد محمد مهدى السيد حسن
الموسوى الخرسان
منشورات
المطبعة الحيدرية - النجف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ترجمة المؤلّف والتعريف بالكتاب:
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد: فانّ من دواعي الغبطة أن ألبي طلب الأخ الشيخ محمد كاظم الكتبي سلمه الله في تقديم كتابين جليلين لمؤلف واحد هما: إكمال الدين والأمالي إعتزمت المكتبة الحيدرية إعادة نشرهما تيسيراً لنسخهما .
ولما سبق لي ان قدمت لبعض منشورات المكتبة الحيدرية من آثار كريمة وأعلاق خطيرة، وكان من بينهما كتاب(التوحيد) وهو لنفس مؤلف هذين الكتابين الكريمين فقد يكون من المستهجن إعادة نفس التعريف بنصه، كما أنّه من الصعب ان أترجم المؤلف ترجمة ثانية لا تلتقى مع الأولى حتّى في الخطوط العامة وكيف يتسنى لي ذلك وأنا ألتقي بالمصادر المعنية بالمؤلف للمرة الثالثة، أولاها قبل اثنى عشر عاماً يوم كنت أحظى بخدمة سماحة سيّدي الوالد دام ظلّه وكانت المصادر تحيط به فيراجعها، وكنت أنا أنسخ ما صدر به سماحته أهم كتب هذا العالم الفذ وأعلاها مكانة وأغلاها قيمة علمية وذلك هو كتاب ( من لا يحضره الفقيه) فكانت تلك المقدّمة الضافية البالغة 80 صفحة بمثابة دراسة شاملة للمترجم له ولبيته و آثاره ومشايخه وتلاميذه، وبالتالي لما قيل عنه من جمل الثناء وآيات الاطراء فكانت أوفى ما كتب عنه، فرجع إليها من كتب بعده ممن ترجم المؤلف في مقدمات كتبه التي نشرت حديثاً سواء في النجف الأشرف أو ايران.
وكانت المرة الثانية قبل أربع سنين يوم أعادت المكتبة الحيدرية طبع كتاب (التوحيد) وطلبت مني تصديره بمقدمة عن المؤلّف والمؤلّف فقرأت تلك المصادر التي ترجمته، وفى مقدمتها مقدّمة ( من لايحضره الفقيه) فكانت نتيجتها ما طبعته المكتبة الحيدرية في مقدّمة التوحيد في 48 صفحة تناولت فيها تعريف المؤلف
والكتاب وبعض آثاره الأخرى.
وهذه هي المرة الثالثة التى أعود إلى حياة الرجل فأقرأ ما سبق من المصادر غير ما كتبته في مقدّمة التوحيد محاولاً أن لا ألتقي بخطوطها من قريب أو بعيد فيصعب عليَّ ذلك إذ ليس من السهل أن يحاول الكاتب بحث موضوع واحد مرتين أو أكثر، ولا تتحد عنده الخطوط العريضة وإن حاول جاهداً في اختلاف صوغ التعبير والأداء.
لذلك فقد رأيت أن أبتعد عن هجنة التكرار والاعادة إلى الاقتصار على تعريف المؤلف في سطور مع الإشارة إلى المصادر التي تفي بحاجة من يروم التوسع والبسط، كما رأيت أن أشارك بين الكتابين الجليلين في التصدير إلا ما يخص كلاً منهما من تعريف نظراً لاشتراكهما في المؤلف والموضوع وقرب موعد الصدور، وبذلك نكون قد وفرنا على أنفسنا وعلى الناشر والقراء كثيراً من الوقت.
المؤلّف في سطور:
1 - هو محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسی بن بابويه القمي نسبة إلى قم، احدى مدن ايران الشهيرة، وكانت ولا تزال احدى الحواضر العلمية.
2 - يكنّى بأبي جعفر ويلقب بالصدوق، وبشيخ المحدثين، واشتهر بالأوّل وبابن بابويه .
3 - ولد بعد سنة (306ه-)، ولحديث ولادته طرافة ومتعة، كما لا يخلو من درس وعبرة، حقيق بالمراجعة ليقف القارئ على ما توفر من أسباب ودواع ساعدت في تكوين شخصية المؤلّف، وقد أشرنا إلى ذلك في مقدمة التوحيد(1). ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مقدمة كتاب (من لا يحضره الفقيه)(2).
4 - نشأ تحت رعاية أبيه الذي كان يجمع بين فضيلتي العلم والعمل، فقد كان شيخ القميين فى عصره وفقيههم المشار إليه بالبنان اشتهر بعلمه وتمسكه بدينه،
وعرف بورعه وتقواه، ورجعت إليه الشيعة في كثير من الأقطار وأخذوا عنه أحكامهم.
فأدرك المؤلّف من أيّام أبيه أكثر من عشرين سنة اقتبس خلالها من أخلاقه و آدابه ومعارفه وعلومه ما سما به على أقرانه، ولم تمض برهة حتى أصبح الفتى الكامل(1)، فروى عن أبيه جميع مصنّفاته التي بلغت 200 كتاباً، وأجازها هو لغيره مع بعض مصنفاته(2)
وإنّ من تلك المصنفات ما كان يخص به الأب ولده كرسالته الّتي كتبها له فلخص له فيها كثيراً من الأصول الحديثية، كما اختصر له الطريق بطرح الأسانيد والجمع بين النظائر والإتيان بالخبر مع قرينه حتّى قيل: إنّ الأب كان بعمله هذا أوّل من ابتكر ذلك في رسالته إلى ابنه، وكثير ممن تأخّر عنه يحمد طريقته فيها ويعوّل عليها في مسائل لا يجد النص عليها لثقته وأمانته وموضعه من الدين والعلم(3).
5 - سمع الكثير من مشايخ العلم في مختلف الحواضر العلمية العامرة يومذاك، إذ كان من الرحلة في طلب الحديث، فقد رحل إلى كثير من البلدان طلباً للحديث واستزادة في العلم، وربّما حدث هو في بعض تلك البلاد فسمع منه أشياخ البلد على حداثة سنه، وقد ذكر مشايخه سماحة سيّدي الوالد دام ظلّه فأنهى عددهم إلى أكثر من مائتي شيخ، إقتبسنا منهم العلويين فقط فذكرناهم في مقدمة التوحيد مع بسط تراجمهم فراجع.
6 - أمّا البلاد الّتي رحل إليها من بلده قم فهي:
الري وخراسان وإستراباد وجرجان و نيسابور ومرو الروذ وسرخس
و سمرقند و بلخ وإيلاق وفرغانة وهمدان وبغداد - وقد دخلها مرتين - والكوفة - وقد دخلها مرتين - ومكة والمدينة وفيد.
هذه البلاد التي وصل إليها أثناء تطوافه في طلب الحديث ذكرناها حسب ترتيب وصوله إليها، وقد سمع في كلّ منها عدة من الشيوخ من الفريقين كما سمع منه كثير في بعض تلك البلاد.
7 - لا يمكنني حصر تلاميذه في عدد معين ولا تقديم فهرسة تامة بأسمائهم إذ أنّ ذلك يتوقف على استقراء تام لكتب الرجال، وتصفح شامل لأسانيد الحديث، وإلمام بمتون الإجازات، إذ أنه شيخ المحدثين، وقد ذكر مترجموه أنه سمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن(1).
وكان جليلاً حافظاً للأحاديث بصيراً بالرجال ناقداً للأخبار، لم ير فى القميين مثله في حفظه وكثرة علمه(2)، فكيف يتسنّى لي تحديد الرواة عنه بعدد معين، ولكني أكتفي بإرشاد القارئ إلى أسماء اللامعين منهم ممن تألق نجمهم في تاريخ المسلمين كالشيخ المفيد، وعلي بن أحمد النجاشي والد الرجالي الشهير والشيخ الخزاز صاحب كفاية الأثر، والحسين بن عبيد الله الغضائري، والشيخ الدوريستي وابن شاذان والتلعكبري، والنعالي وهو من شيوخ الخطيب البغدادي، والشريف نعمة الّذي كتب له كتابه القيم (من لا يحضره الفقيه) والشريف الموضح النسابة وأضرابهم من شيوخ المسلمين.
8 - قال الشيخ الطوسي في الفهرست: له نحو من ثلاثمائة مصنف وفهرست كتبه معروف(3)، وقال النجاشي في رجاله :وله كتب كثيرة(4)بهذا ونحوه تهتف كتب التراجم وتنبىء عن تلك الثروة العلمية الضخمة التي خلفها المؤلّف(رحمة الله علیه)، وإنّ في كثرتها ووفرتها ما ينم عن سمو مقامه العلمي، كما ان تفاوتها وتنوعها كماً وكيفاً ليدلّ على جامعية متفوقة تضم مختلف الفنون، ففيها التفسير والحديث والفقه والرجال والتاريخ والنقد والرد، سوى أجوبة المسائل المختلفة وقد ذكرها بالتفصيل السيد الوالد دام ظله في مقدّمة الفقيه(5).
التعريف بالكتاب :
إسمه، موضوعه الغيبة ومن ألف فيها، طبعاته. قال العلي
أ - يسمّى هذا الكتاب باسم (إكمال الدين وإتمام النعمة) وقد يقال له (كمال الدين وتمام النعمة) وهو اسم مأخوذ من الآية الشريفة، وهي قوله تعالى: اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي(1)نظراً لشأن نزولها حيث أنها نزلت يوم الغدير، وعلى ذلك إجماع الإمامية، ويؤيدهم في ذلك كثير من علماء التفسير وأئمّة الحديث وحفظة الآثار من غيرهم(2).
وحيث انّ إكمال الدين وإتمام النعمة كان بتعيين منصب الإمامة التي النبوة مقاماً، وصاحبها قائم مقام النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، ومنزلته في المسلمين كمنزلة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، له عليهم الولاية العامة والطاعة التامة فكل ولاية وخطة دينية ودنيوية مستمدة منه ومتفرعة من منصبه، ولا بدّ لكلّ مسلم من معرفة إمام زمانه فإنّ: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»(3)
وحكي عن الثعلبي رواية ذلك في تفسير الآية، وذكر الحديث الشهرستاني في الملل والنحل وصححه الحاكم في مستدركه.
.ولمّا كان الكتاب يبحث عن آخر أئمّة المسلمين وخلفاء الله في العالمين، ومن وعد الله المسلمين بظهور الحقّ على يده بعد انطماسه وتجديد الإسلام بعد اندراسه بقوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ(4)، كان الكتاب حقيقاً بهذه
1) المائدة : 3.
2) راجع في شأن نزولها تفسير الرازي 3 :529، وتفسير أبي السعود بهامش الأول 3: 523، وتفسير الدر المنثور 2: 259، والاتقان :1: 31 طبع سنة ( 1360ه-)، ومناقب الخوارزمي: 80 طبع المطبعة الحيدرية وايران وتذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي: 18، وتفسير ابن كثير :2 14 وغيرها.
3) الجمع بين الصحيحين للحميدي، وفي الدر المنثور للسيوطي 4: 194 عن ابن مردويه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمَامِهِمْ قال: يدعى كلّ قوم بإمام ،زمانهم، وكتاب ربِّهم، وسنّة نبيهم، انتهى.
4) التوبة: 33. ينابيع المودة: 508 وفي البيان للكنجي: 109 عن سعيد بن جبير في تفسير الآية قال: هو المهدي من عترة فاطمة(عليها السلام).
التسمية الّتي تحكي الموضوع إجمالاً، وكان المؤلّف موفقاً كل التوفيق في تسمية مؤلّفه بهذا الاسم الكريم.
ب - يبحث هذا الكتاب عن حقيقة (المهدي المنتظر) وغيبته، ولم تكن في يوم ما عقيدة (المهدي المنتظر ) عقيدة شيعية خاصة كما يتخيل ذلك، بل هي عقيدة إسلامية بحتة، يلي الإعتقاد بها الإعتقاد بالنبوة باعتبار إمامة المهدي
(عجل الله تعالی فرجه) ، فإنّ بعض المسلمين الذين يؤمنون بالله وبرسوله وصدّقوا النبي بجميع ما جاء به من عند ربه يعتقدون بالمهدي المنتظر كجزء من عقيدتهم بالإسلام نتيجة اعترافهم بصدق النبي، ووجوب اتباعه: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا(1)
وذلك أنّ الإعتقاد بنبوته يعني قبول جميع أحكامه وتصرفاته، وتصديقه في جميع ما أمر به ونهى عنه، ولما كان(صلی الله علیه وآله وسلم) حكومته مصدر التشريع والتنفيذ ويستند في جميع ذلك إلى وحي الله تعالى وأمره: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى(3 إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى(4)عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى(5))(2).
فقد أثبت صلاحية الإسلام لأن يكون ديناً ودولة، كما أبان أنه الدين الخالد الذي لا يأتي بعده ،دين، وأن شريعته هي الباقية وخاتمة الشرائع السماوية لهُ عَلَيَّ بقوله : «لا نبي بعدي » (3)
ولا بد لدين خالد إلى يوم القيامة من وجود قيّم يحكم المسلمين بعد التحاق الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى يقوم مقامه، ويخلفه فى أمته، ويجب على أفراد الأمة معرفته والإعتقاد بإمامته، لقوله(صلی الله علیه وآله وسلم) : «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية».
وحيث أنّ السلطة والزعامة مدعاة للمشاحة والتنافس، وربّما أدّت إلى
التدافع والتناحر، فقد أحكم الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) أمر الخلافة من بعده، وبعمله ذلك فقد حذر المسلمين من خطر الإنزلاق في مهواة المطامع، فحصر الخلافة في نفر مخصوص سمّاهم بأعيانهم حيناً، وأشار إليهم أحياناً كثيرة .
فقوله(صلی الله علیه وآله وسلم) الثابت تواتره عنه(صلی الله علیه وآله وسلم): الأئمة من قريش، قطع دابر الطامعين في المنصب من غيرهم.
وقوله(صلی الله علیه وآله وسلم)الآخر الثابت عند تواتره أيضاً بألفاظ متفاوتة : لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثنى عشر خليفة كلّهم من قريش، وفي لفظ لا يزال الدين قائماً ... الخ.
وبهذا حصر عدد الخلفاء كما أبان أنّهم من قريش أيضاً، وهذه حواجز منيعة تصد من لا ورع له من تخطيها طمعاً في ملك أو حبّاً لإمرة أو أثرة، ولكنها لم تحدد طبيعة الخلفاء ومن أيّ أفخاذ قريش وفيها بطون وأفخاذ.
لكن قوله(صلی الله علیه وآله وسلم)في حديث جابر بن سمرة، وحديث سماك بن حرب فقد أبان فيه الحق وأنّهم من بني هاشم، قال جابر كنت مع أبي عند النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)فسمعته يقول: بعدي اثنى عشر خليفة، ثمّ أخفى صوته فقلت لأبي ما الّذي أخفى صوته؟ قال: قال: كلّهم من بني هاشم(1).
وبعد هذا التحديد والتعيين الإجمالي لابد من نص يعيّن أشخاصهم ليحيى من حي عن بيّنة، ويهلك من هلك عن بيّنة، ولو التمسنا ذلك بينة، ولو التمسنا ذلك في أحاديثه(صلی الله علیه وآله وسلم) لوجدناها كثيرة كقوله(صلی الله علیه وآله وسلم) في حديث سلمان قال: دخلت على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فإذا الحسين على فخذيه وهو يقبل خديه ويلثم فاه ويقول: أنت سيّد، ابن سيّد، أخو سيّد، وأنت إمام ابن إمام أخو ،إمام، وأنت حجّة، ابن حجة، أخو حجّة أبو حجج تسعة تاسعهم قائمهم المهدي(2)
وقوله(صلی الله علیه وآله وسلم)في حديث ابن عباس قال: قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : إن خلفائي
وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي الإثنا عشر أوّلهم علىّ وآخرهم المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلف المهدي وتشرق الأرض بنور ربّها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب(1)
وقوله(صلی الله علیه وآله وسلم) في حديث جابر قال: قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : أنا سيّد النبييّن وعليّ سيّد الوصيين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنى عشر أوّلهم علىّ، وآخرهم القائم المهدي(2).
إلى غير ذلك من أقواله(صلی الله علیه وآله وسلم)الّتي وردت بهذا المضمون، وهي صحيحة صريحة لا يسع المسلم إنكارها لأنّها جازت حدّ التواتر.
وإذ تم ذلك لابدّ أن نخرج بالنتيجة التالية وهي:
إنّ المهدي المنتظر هو آخر أوصياء النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)وخلفائه من بعده وحجج الله على خلقه، كما نلمس نتيجة أخرى وهي القول بوجوده وبقائه، وإلا لزم تخلف قوله(صلی الله علیه وآله وسلم) : لا يزال هذا الدين قائماً وأمثاله، خصوصاً إذا لاحظنا حديث الثقلين القاضي بعدم إفتراق العترة عن الكتاب حتّى يردا على النبيّ الحوض، وقد أمر (صلی الله علیه وآله وسلم) بوجوب اتباعهما معاً (3).
كما أكد على لزوم متابعة العترة في أحاديث تخصهم كقوله(صلی الله علیه وآله وسلم)في حديث ابن عباس(رضی الله عنه) قال: قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : من سره أن يحيى حياتي، ويموت
1) فرائد السمطين لشيخ الإسلام الحمويني 2: 312 ط تحقيق المحمودي.
2) ينابيع المودة : 534، نقلاً عن كتاب مودّة القربى، وهو في المودّة العاشرة منه.
3) حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة بين المسلمين، أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر والترمذي وأحمد عن زيد بن أرقم، والطبراني في معجمه الكبير والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين والذهبي عن زيد وأحمد وابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن سعد عن أبي سعيد الخدري، والحديث مروي عن نيف وعشرين صحابياً، لاحظ كنز العمال 1: 44 - 47، ومسند أحمد 3: 17، 26 و 5: 182، 189، ومستدرك الحاكم 3: 148، وينابيع المودّة: 30 - 39 ، ومناقب الخوارزمي وابن المغازلي الشافعي وغيرهم ممن لا يسع المجال لذكرهم، وقد خص الحديث بتأليف خاصة.
مماتي، ويسكن جنّة عدن التي غرس الله تعالى أشجارها بيده، فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليه، وليقتدي بالأئمة من بعدي فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا فهماً وعلماً، ويل للمكذبين لفضلهم من أمتى القاطعين صلتهم لا أنا لهم الله شفاعتي(1).
وفي لفظ الطبراني والمحب الطبري: فانّهم عترتي خلقوا من طينتي، ورزقوا فهماً وعلماً.
وتكون النتيجة من جميع ما تقدم ان عقيدة (المهدي المنتظر) جزء من العقيدة الإسلامية، إذ القول بالإمامة فرع التصديق بالنبوة، والإعتقاد بالمهدي المنتظر لازم للإعتقاد بصحة الرسالة، وعلى ذلك يحمل خبر محمّد بن المنكدر عن جابر عنه(صلی الله علیه وآله وسلم): « من كذب بالمهدي فقد كفر»(2).
وفي لفظ الحمويني: «من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أنزل على محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)»(3)
والباحث عن المهدي المنتظر في السنة النبوية يجد الأحاديث فيه متواترة معنى وتكاد أن تكون كذلك لفظاً لا يسع المنكر ردّها، ولا يحتاج المؤمن إلى بحث أسانيدها وتصحيحها لتواترها.
وتلك الأحاديث النبوية لو نظرناها من ناحية السند والدلالة لأمكن القول بأنها ثلاث طوائف:
1 - أحاديث صحيحة السند ظاهرة الدلالة خالية من كلّ ريب، قد نصّ أئمّة الحديث وأكابر الحفاظ على صحتها أو حسنها، وشهد الحاكم في المستدرك وغيره على صحة بعضها على شرط الشيخين البخاري ومسلم ولا شك وجوب الأخذ بهذه الطائفة والعمل بها والإعتقاد بما دلّت عليه.
2 - أحاديث غير صحيحة من حيث السند ، وإن كانت ظاهرة الدلالة والقواعد
المقررة توجب الأخذ بها أيضاً على أنّها مؤيّدة، ولاعتضادها وانجبارها بالطائفة الأولى وأخذ المشهور بها بل الإجماع على مضمونها.
3 - أحاديث فيها الصحيح والضعيف ولكنها مخالفة لعامة الأحاديث المستفيضة المتواترة، واللازم طرحها والإعراض عنها إن لم يمكن تأويلها(1).
وقد أحصيت في مقدّمة كتاب البيان للحافظ الكنجي الشافعي ما يقرب من ثلاثين صحابياً رووا تلك الأحاديث عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)فيهم خليفة واحد وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)وثلاث من أمهات المؤمنين وهن أم سلمة، وعائشة وامّ حبيبة، وفيهم حبر الأمة عبدالله الأمّة عبد الله بن عباس وابن مسعود وسلمان وجابر بن عبدالله وأبي أيوب الأنصاري وطلحة وعبدالرحمن بن عوف وأضرابهم.
وروى التابعون عنهم تلك الأحاديث، وأخرجها الحفاظ في مسانيدهم فصححوا إسناد بعضها وناقشوا في إسناد بعضها مع تسليمهم بصحة أمر المهدي المنتظر، وأنه عقيدة إسلامية بحتة صرّح بها الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) لكن تفاوتوا في مدى إدراكهم لأمرها مع إيمانهم بحقيقتها، شأنهم في سائر عقائدهم الأخرى.
ويحسن بنا ونحن في هذا المقام تنبيه القارئ على قائمة من تأليف خصت حديث المهدي المنتظر اقتبسناها ممّا صدّرنا به کتاب ( ينابيع المودة) الطبعة الحيدرية، وكتاب (البيان) مع إضافة ما جدّ لنا العثور عليه وهي:
1 - أخبار المهدي: لحمّاد بن يعقوب الرواجني. :
2 - الأربعون حديثاً في المهدي: لأبي نعيم الأصبهاني
3 - البرهان في علامات مهدي آخر الزمان لعلي بن حسام الدين المتقي الهندي(2)
4 - البيان في أخبار صاحب الزمان للحافظ الكنجي الشافعي وقد طبع مكرراً، وآخر طبعاته في النجف الأشرف وبيروت وطهران مصدّراً بمقدّمة ضافية
لنا تعرضنا فيها للمهدية في الإسلام وموقف الشيعة منها .
5- تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان: لابن كمال باشا الحنفي.
6 - تلخيص البيان فى أخبار مهدي آخر الزمان: للمتقي الهندي.
7- الرد على من حكم وقضى أنّ المهدي الموعود جاء ومضى للملّا عليّ القاري.
8 - رسالة في المهدي : ضمن مجموعة برقم 3758 بمكتبة أسعد أفندي سليمانية بتركيا.
9 - العرف الوردي في شرح القطر الشهدي في أوصاف المهدي: لمحمّد بن محمّد بن أحمد الحسينى البلبيسي.
10 - العرف الوردي في أخبار المهدي: لجلال السيوطي.
11 - عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر ليوسف بن يحيى المقدسي السلمي الشافعي .
12 - علامات المهدي: لجلال السيوطي.
13 - فرائد فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظر: لمرعى المقدسي.
14 - فوائد الفكر في المهدي المنتظر : لمرعى المقدسي أيضاً.
15 - القطر الشهدي في أوصاف المهدي: لشهاب الدين الحلواني.
16 - القول المختصر في علامات المهدي المنتظر: لأحمد بن عليّ بن حج الهيثمي.
17 - المشرب الوردي في أخبار المهدي: لملّا عليّ بن بن سلطان القاري.
18 - مناقب المهدي: لأبي نعيم الأصبهاني .
19 - المهدي لشمس الدين بن قيم الجوزية.
20 - النجم الثاقب في ان المهدي من أولاد عليّ بن أبي طالب: في 78 صفحة بمكتبة لاله لي سليمانية.
21 - نعت المهدي: لأبي نعيم الأصبهاني.
22 - الوعاء المختوم في السر المكتوم في أخبار المهدي :لابن عربي الحاتمي.
إلى غير ذلك من تأليف خصته بباب أو أكثر (كالأوج الأخضر في مناقب الأئمّة الاثنى عشر ) ، و (الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة)، و (مطالب السؤول)، و (تذكرة الخواص)، و (الفرائد الجوهرية)، و ( ينابيع المودة)، و (الأئمة الاثنى عشر) لابن طولون وغيرها ممّا لم يخطر ببالي فعلاً.
ج - الغيبة ومن ألف فيها:
لمنكري المهدي المنتظر أساليب في إنكارهم لغيبته بل ولوجوده، وكلّها لم تنهض بها حجة، ولم يساعدهم إعتبار، فتارة يكذبون أخبار النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)عنها إعتباطاً، وأخرى يختلفون على شاكلتها مما يوجب وهناً فيها كأخبار مهدي عباسي ومهدي حسني ولا مهدي إلا عيسى، وزيادة (واسم أبيه اسم أبي) ونحو ذلك ممّا لم يفلحوا في مسعاهم نحوه.
ولمّا رأوا انّ كلّ تلك الأساليب لم تنجح أصروا على العناد وإنكار وجوده باستبعاد غيبته، ومن العجيب المضحك انّ هذه النغمة البالية لا تزال حتّى اليوم مع تقدم العلم واكتشافاته، وحتى لو لم يكن للعلم الحديث فتح يكم أفواه المنكرين لبقاء الإمام المدعين استحالة وجوده طيلة هذه المدة، فإنّ المؤمنين بالله ورسوله لا يضرهم تشكيك أولئك بعد ما صح عنه(صلی الله علیه وآله وسلم)كما في حديث ابن عباس المروي في فرائد السمطين قال: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) : إن عليّاً وصبي، ومن ولده القائم المنتظر المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، والّذي بعثني بالحق بشيراً ونذيراً إن الثابتين على القول بإمامته في زمان غيبته لأعز من الكبريت الأحمر(1).
فقام إليه جابر بن عبد الله فقال: يا رسول الله وللقائم من ولدك غيبة؟
قال: إي وربّي ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين(2).
وفي حديث علي عنه (صلی الله علیه وآله وسلم) قال : المهدي من ولدي تكون له غيبة إذا ظهر يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً (3).
وفي حديث كميل عن علیّ (عليه السلام)كما في المناقب للخوارزمي أنه قال في حديث طويل: اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة كيلا تبطل حجج وبيناته أولئك الأقلون عدداً والأعظمون عند الله قدراً(1).
وقد أشار الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى غيبة المهدي بقوله في خطبة له في الملاحم : «وَأَخَذُوا يَمِيناً وَشِمَالاً ظَعْنَا فِي مَسَالِكَ الْغَيِّ، وَتَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ، فَلَا تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ، وَلَا تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ، فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَمَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ!
يَا قَوْمِ ، هَذَا إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ، وَدُنُوٍ مِنْ طَلْعَةِ مَا لَا تَعْرِفُونَ، أَلَا وَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاج مُنِيرٍ، وَيَحْذُوفِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ، لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً ، وَيُعْتِقَ رِقّاً، وَيَصْدَعَ شَعْباً، وَيَشْعَبَ صَدْعاً، فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ لَا يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَلَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ»(2).
وروى الأعمش عن الصادق(عليه السلام)عن أبيه عن جده علي بن الحسين(عليه السلام) انه قال: «ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم(عليه السلام) من حجة الله فيها إمّا ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو الأرض إلى أن تقوم الساعة من حجة فيها ولولا ذلك لم يعبد الله».
قال سليمان الأعمش فقلت لجعفر الصادق(رضی الله عنه) : وكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب(3)
وعن عمّار الساباطي عن الصادق(عليه السلام)أنه قال: لا تترك الأرض بغير إمام يحل حلال الله ويحرم حرام الله، وهو قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بإمَامِهِمْ ، ثمّ قال: قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، ثمّ قال الصادق(عليه السلام) : يا عمّار ليست جاهلية الجهلاء.
علة الغيبة :
ما العلّة في غيبته؟ وما الفائدة من وجود إمام غائب لا ينتفع به إذ لا يراه أحد؟
وبهذا ونحوه دخلت الحيرة على جماعة من الناس، فانبرى مشايخنا الأعلام وغيرهم من علماء الإسلام لرد تلك الشبهات ببيان يقرب وجه الحكمة في غيبته، لم يعلم علتها إلا الله تعالى كما في حديث عبدالله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) يقول: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابدّ منها يرتاب فيها كلّ مبطل. فقلت له: ولمَ جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن في كشفه لكم. قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟
قال: وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج الله تعالى ذكره، إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره كما لا ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر(عليه السلام) من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى(عليه السلام)إلا وقت افتراقهما، يابن الفضل إنّ هذا الأمر أمر من أمر الله تعالى،وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنّه(عزّوجل) حكيم صدّقنا بأن أفعاله كلّها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف لنا(1).
فألف جماعة في الغيبة تأليف خاصة عالجوا موضوعها ورد الشبهات حولها، فدوّنت أخبارها قبل وقوعها بمائتي سنة تقريباً (2)، قال المؤلف في مقدمة كتابه :هذا فليس أحد من أتباع الأئمّة(عليه السلام)إلّا وقد ذكر ذلك في كثير من كتبه وروايته، ودوّنه في مصنّفاته، وهي الكتب الّتي تعرف بالأصول مدوّنة مستحفظة عند شيعة آل محمّد من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين(3).
وإلى القارئ أسماء بعض ما ألّف فى الغيبة للحجّة، وفيها من كان مؤلّفه قد
مات قبل وقوع الغيبة الصغرى، وبعضهم فيها وقبل الغيبة الكبرى التي ابتدأت (329ه-) بوفاة آخر السفراء الأربعة وهو عليّ بن محمّد السمري.
1 - كتاب الغيبة للحجة: لأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الأحمري النهاوندي، يرويه عنه النجاشي بواسطتين، وسمع منه القاسم بن محمّد الهمداني في سنة تسع وستين ومائتين هجرية.
2 - كتاب الغيبة للحجة:لأبي إسحاق إبراهيم بن صالح الأنماطي الكوفي الأسدي، يرويه عنه جعفر بن قولويه بواسطة واحدة.
3 - كتاب الغيبة للحجة: لأبي الحسن المعروف بابن الجندي أحمد بن محمد ابن عمران بن موسى أستاذ النجاشي.
4 - كتاب الغيبة للحجة وما جاء فيها عن النبي والأئمة(عليهم السلام)ووجوب الإيمان بها، للشريف النسّابة الحافظ الشاعر الأشرف بن الأغر بن هاشم المعروف بتاج العلا العلوي الحسيني المولود بالرملة سنة (482 ه-)، والمتوفى بحلب ( 610 ه-) عن 128 سنة، حكاه الصفدي في نكت الهميان عن تاريخ تلميذ المصنف ابن أبي طي.
5 - كتاب الغيبة للحجة للسيّد الشريف أبي محمّد الطبري المعروف بالمرعش الحسن بن حمزة بن عبدالله بن محمّد بن الحسين بن علي زين العابدين (ت 358 ه-)، ذكره النجاشي.
6 - كتاب الغيبة للحجة: للحسن بن عليّ بن أبي حمزة سالم البطائني الكوفي، وكان من وجوه الواقفة في عصر الإمام الرضا(عليه السلام).
7 - كتاب الغيبة للحجة: لأبي الحسن القزويني حنظلة بن زكريا بن حنظلة بن خالد بن العيار التميمي، يرويه عن ابن الغضائري بواسطة واحدة.
8 - كتاب الغيبة للحجة: لأبي الفضل العباس بن هشام الناشري (ت 220 ه-) أو قبلها بسنة كما ذكره النجاشي.
9 - كتاب الغيبة للحجة: لأبي محمّد عبدالوهاب المادراني ذكره النجاشي.
10 - كتاب الغيبة للحجة لأبي الحسن الشاطري علي بن الحسن بن محمد الطائي الجرمي، وكان أستاذ الحسن بن محمد بن سماعة، وهو من وجوه الواقفة، ذكره النجاشي.
11 - كتاب الغيبة للحجة: لعلم الهدى عليّ بن الحسين الشريف المرتضى (ت 436 ه-) وقد طبع في حاشية تعليقات الخراساني(1)، وله رسالة وجيزة في الغيبة أيضاً طبعت ضمن نفائس المخطوطات في المجموعة الرابعة من ص 9-13.
12 - كتاب الغيبة للحجة: للسيّد النسابة بهاء الدين علي بن غياث الدين النيلي النجفي الحسيني وهو أستاذ ابن فهد الحلي (ت 841 ه-) ونسخته موجودة(2).
13 - كتاب الغيبة للحجة: لأبي الحسن علي بن عمر الأعرج الكوفي ذكره النجاشي.
14- كتاب الغيبة للحجة: لأبي الحسن عليّ بن محمّد بن علي بن عمر بن رباح السواق القلا، يرويه النجاشي بواسطتين.
15 - كتاب الغيبة للحجة: للشيخ الجليل أبي محمد الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري الراوى عن الإمام الجواد
(عليه السلام)، وقيل عن الإمام الرضا(عليه السلام)أيضاً المتوفى سنة ( 260ه-).
16 - كتاب الغيبة للحجة: للشيخ الجليل أبي عبدالله محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني المعروف بابن زينب الكاتب وهو مطبوع.
17 - كتاب الغيبة للحجة لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460 ها) وهو مطبوع مكرراً.
18 - كتاب الغيبة للحجة: كتاب كبير للشيخ أبي جعفر محمد بن عليّ الصدوق وهو كتابنا هذا.
19 - 20 - 21 - رسائل ثلاث في الغيبة : كتب أوّلاها إلى أهل الري والمقيمين بها، ذكر الثلاث الشيخ في الفهرست والنجاشي، وذكر الأولى فقط ابن شهر آشوب.
22 - كتاب الغيبة للحجة: لأبي جعفر محمّد بن علي الشلمغاني، حكى بعض فصوله الشيخ الطوسي في غيبته.
23 - كتاب الغيبة للحجة:لأبي بكر محمد بن القاسم البغدادي من مشاهير متكلّمي الشيعة وهو معاصر لابن همام المتوفى سنة ( 332 ه-)
24 - كتاب الغيبة للحجة: كبير للشيخ أبي عبدالله محمّد بن محمد بن النعمان المفيد (ت413ه-).
25 - كتاب الغيبة للحجة: مختصر للشيخ المفيد.
26 - المسائل العشرة في الغيبة له أيضاً.
27 - كتاب النقض على الطلحي في الغيبة له أيضاً.
28 - جواب الميافارقيين في الغيبة: له أيضاً.
29- 30 - 31 - ثلاث رسائل في الغيبة: له أيضاً (1).
32 - كتاب الغيبة للحجة: لأبي الفرج المظفّر بن علي بن الحسين الحمداني، قرأ على الشيخ المفيد وحضر درس المرتضى والشيخ الطوسي(رحمة الله علیه).
33 - كتاب الغيبة والحيرة لأبي العباس عبدالله بن جعفر الحميري صاحب (قرب الإسناد).
34 - كتاب الغيبة وذكر القائم(عليه السلام): للشريف النسابة أبي محمد الحسن بن محمد بن يحيى العلوي المعروف بابن أخي طاهر (ت 358 ه-).
35 - كتاب الغيبة وكشف الحيرة لأبي الحسن سلامة بن محمد بن إسماعيل ابن عبدالله الأزوني (ت 339ه-).
1) الذريعة 16: 81
36 - كتاب الغيبة وكشف الحيرة: للشيخ أبي عبد الله الصفواني شريك النعماني الكاتب في القراءة على الشيخ الكليني (ت 329 ه-).
إلى غير هؤلاء ممّن خص موضوع الغيبة بتأليف خاص، وعالج الشبهات الّتي تحوم حوله من المتأخرين ممن لا نطيل المقام بذكرهم.
أما أولئك الذين بحثوا الموضوع ضمن تأليفهم فلا يسعني تعدادهم، وأنا بين يدي كتاب انتهى طبعه وحتى طبع فهرسته.
ولنختم الكلام بنقل ما قاله بعض الأعلام من شيوخ الحفّاظ من غير الشيعة إتماماً للفائدة.
قال الحافظ الكنجي الشافعي في كتابه البيان وهو آخر أبوابه: الباب الخامس والعشرين فى الدلالة على كون المهدى (عليه السلام) حياً باقياً مذ غيبته إلى الآن:
ولا امتناع في بقائه - يعني الإمام المهدي(عليه السلام) - بدليل بقاء عيسى والياس والخضر من أولياء الله تعالى، وبقاء الدجّال وإبليس الملعونين أعداء الله تعالى وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنّة، وقد اتفقوا عليه ثمّ أنكروا جواز بقاء المهدي، وها أنا أبين بقاء كل واحد منهم، فلا يسع بعد هذا لعاقل إنكار جواز بقاء المهدى(عليه السلام) .
ثم ّشرع في بيان ذلك إلى أن أجاب بما ملخصه:
وأمّا الجواب عن طول الزمان فمن حيث النص والمعنى:
أمّا النص ممّا تقدّم من الأخبار على انّه لابد من وجود الثلاثة - المهدي وعيسى والدّجال - في آخر الزمان، وانه ليس فيهم متبوع غير المهدي... الخ.
وأمّا المعنى في بقائه لا يخلو من أحد قسمين: إمّا أن يكون في مقدور الله أو لا يكون، ومستحيل أن يخرج عن مقدور الله، لأنّ من بدأ الخلق من غير شيء، وأفناه ثمّ يعيده بعد الفناء لابد وأن يكون البقاء في مقدوره، وإذا ثبت ذلك فلا
يخلو إمّا أن يكون راجعاً إلى إختيار الله أو إلى اختيار الأمّة، ولا يجوز الثاني لأنّه لو صح ذلك منهم لصح منّا أن نختار البقاء لأنفسنا ولولدنا وذلك غير حاصل لنا، فلابدّ أن يكون راجعاً إلى اختيار الله تعالى.
ثمّ لا يخلو بقاؤه أيضاً إما أن يكون لسبب أو لا يكون لسبب، والثاني باطل لخروجه عن وجه الحكمة، وما خرج عن وجه الحكمة لا يدخل في أفعال الله ،تعالى، فلابد من أن يكون لسبب تقتضيه حكمة الله تعالى.
وقد أطال الحافظ كمال الدين محمّد بن طلحة الشافعي في خاتمة كتابه مطالب السؤول، الكلام في أنّ المهدي هو ابن الإمام الحسن العسكري، وانّه حی موجود، وانّه الّذى سيظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت جوراً وظلماً. وعلى مثل هذا سار ابن الصبّاغ المالكي في خاتمة كتابه الفصول المهمّة، وسبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة، وحري بالقرّاء مراجعتها جميعاً.
د - سبب تأليف الكتاب:
ذكر المؤلف(رحمة الله علیه)في مقدمة كتابه السبب الذي دعاه إلى تأليف كتابه هذا، وهو ما رآه في نيسابور من حيرة أكثر الشيعة الذين كانوا يختلفون إليه في أمر الغيبة، وأنّه لم يزل يبذل جهوداً كبيرة في إرشادهم إلى الحق وردّهم إلى الصواب، وكأنّ أمر النيسابوريين كان بداية الفكرة في تأليف كتابه هذا، إذ أنّه ما برح يفكر في شأنهم حتّى ورد عليه الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن أحمد بن الصلت القمي، وهو ممّن يمتاز بسداد الرأي واستقامة الطريقة لتدينه وورعه.
وكانت تشدّه والمؤلّف أواصر المحبة وروابط البلد، مضافاً إلى رواية والد المؤلّف عن جد الشيخ نجم الدين الذي كان يمتاز بعلمه وعمله وزهده وفضله وعبادته.
فحدّثه الشيخ نجم الدين عن رجل من كبار الفلاسفة المنطقيين - وهم أكثر الناس جدلاً - أنّه لقيه ببخارا، وذكر عنه كلاماً فى الإمام الحجة(عليه السلام)قد حيّره وشككه في أمره لطول غيبته وانقطاع أخباره، فذكر له فصولاً في اثبات وجوده، كما روى له أخباراً في غيبته سكنت إليها نفس الشيخ نجم الدين، وزال عنه ما كان دخل عليه من الشك والإرتياب والشبهة، فما كان من الشيخ نجم الدين إلا وتقدم إلى المؤلّف بسؤاله تصنيف كتاب في الموضوع.
فأجاب ملتمسه ووعده بجمع ما يبتغي إذا سهل الله له العود إلى مستقره ووطنه بالري، وصمم أخيراً على التأليف لما رآه في منامه حيث أمره صاحب الأمر(عليه السلام)أن يؤلّف في الغيبة كتاباً، فقدم اعتذاره بما صنف قبل ذلك فيها ويشير إلى رسائله الثلاث، ولكن صاحب الأمر(عليه السلام) يأمره بالتصنيف ويصف له الخط العام الذي ينتهجه في كتابه فيقول له: ولكن صنف الآن كتاباً في الغيبة، واذكر فيه غيبات الأنبياء(عليهم السلام)، فأصبح وقد صح عزمه على التصنيف، وكان ذلك في سنة ( 354 ه-)، أي بعد مضي 25 سنة من أوّل الغيبة الكبرى فألّف هذا الكتاب.
بقي علينا تنبيه القارئ إلى حكمة تصنيف كتاب يذكر فيه غيبات الأنبياء(عليهم السلام)فنقول: إن اختيار هذا الأسلوب في الكتاب إنما هو لرفع الاستغراب في طول غيبة صاحب الأمر(عليه السلام)، فإنّ جميع ما يقال في وجه الحكمة في غيبة الأنبياء السابقين بعد التسليم بوقوعها يقال في غيبة صاحب الأمر(عليه السلام) ، ويحسن بنا نقل جواب طريف للنقيب السيد رضي الدين ابن طاووس(رحمة الله علیه) في رد بعض ما أخذ المخالفون على الشيعة فى عقيدة المهدي (عليه السلام) وطول غيبته، قال(رحمة الله علیه)وهو يضرب لهم مثلاً بأمر يحسه كلّ ذي شعور:
وأما ما أخذتم عليهم - على الشيعة - من طول غيبة المهدي(عليه السلام)فأنتم تعلمون أنه لو حضر رجل وقال: أنا أمشي على الماء ببغداد فانه يجتمع لمشاهدته كل من يقدر على ذلك منهم، فإذا مشى على الماء وتعجب الناس منه فجاء رجل آخر قبل
أن يتفرقوا، وقال أيضاً: أنا أمشي على الماء، فانّ التعجب منه يكون أقل من ذلك، فمشى على الماء فانّ بعض الحاضرين ربّما يتفرقون ويقل تعجبهم، فإذا جاء ثالث وقال أنا أيضاً أمشي على الماء فربّما لا يقف للنظر إليه إلا قليل، فإذا مشى على الماء سقط التعجب من ذلك، فإن جاء رابع وذكر أنه يمشي أيضاً على الماء فربّما لا يبقى أحد ينظر إليه ولا يتعجب منه.
وهذه حالة المهدي(عليه السلام)لأنكم رويتم أن إدريس حي موجود في السماء منذ زمانه إلى الآن، ورويتم أنّ الخضر حي موجود منذ زمان موسى(عليه السلام)أو قبله إلى الآن، ورويتم أن عيسى حي موجود في السماء وأنّه يرجع إلى الأرض مع المهدي(عليه السلام)، فهؤلاء ثلاثة نفر من البشر قد طالت أعمارهم وسقط التعجب بهم من طول أعمارهم ، فهلا كان لمحمّد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه وآله أسوة بواحد منهم، أن يكون في عترته آية الله (عزّوجل) في أمته بطول عمر واحد من ذريته، فقد ذكرتم ورويتم في صفته أنّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت جوراً وظلماً.
ولو فكرتم لعرفتم أن تصديقكم وشهادتكم أنّه يملأ الأرض بالعدل شرقاً وغرباً وبعداً وقرباً أعجب من طول بقائه، وأقرب إلى أن يكون ملحوظاً بكرامات الله(عزّوجل)لأوليائه.
وقد شهدتم أيضاً له أن عيسى بن مريم النبي المعظم(عليه السلام) يصلّي خلفه مقتدياً به في صلاته وتبعاً له ومنصوراً به في حروبه وغزواته، وهذا أيضاً أعظم مقاماً ممّا استبعدتموه من طول حياته(1).
وقد طبع هذا الكتاب مكرراً في ايران، أقدم طبعاته سنة (1301 ه-)، وفي سنة (1378 ه-) طبع مع ترجمة فارسية في مجلدين نشرتهما المكتبة الإسلامية بطهران، كما طبع في بيروت ( 1374 ه-) ولم يكمل.
وكما سبق في سنة 1901 م طبع المستشرق مولر الألماني قطعة منه مع مقدّمة
1) كشف المحجة : 55 - 56.
بالألمانية في بحثه عن المهدي، وكان ذلك في هيدلبرج(1)، وهذه هي الطبعة الأولى في المطبعة الحيدرية.
وترجم الكتاب إلى الفارسية السيد علي بن محمّد بن أسد الله الإمامي المعاصر لصاحب الرياض، كما ترجمه بعض فضلاء معاصري المحدّث النوري من سادات شمس آباد إصفهان(2).
وبهذا نكتفي ونختم الحديث بما ينفعنا عند الله سبحانه وهو دعاء رواه المؤلّف في كتابه هذا.
(اللهم ولا تسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته، وانقطاع خبره عنا، ولا تنسنا ذكره وانتظاره والإيمان به وقوة اليقين في ظهوره والدعاء له والصلاة عليه، حتى لا يقنّطنا طول غيبته من ظهوره وقيامه، ويكون يقيننا في ذلك كيقيننا في قيام رسول الله(عليه السلام) و ما جاء به من وحيك وتنزيلك ، قوّ قلوبنا على الإيمان به حتّى تسلك بنا على يده منهاج الهدى والمحجة العظمى، والطريقة الوسطى، وقوّنا على طاعته، وثبتنا على مشايعته واجعلنا من حزبه وأعوانه وأنصاره، والراغبين بفعله، ولا تسلبنا ذلك في حياتنا ولا عند وفاتنا حتّى توفانا ونحن على ذلك غير شاكين ولا ناكثين ولا مرتابين ولا مكذّبين).
(وَآخِرُ دَعْوَانا أن الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ)
محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
النجف الأشرف
24 رجب المرجب سنة 1389ه-
للشیخ الأقدم و المحدث الاكبر أبی جعفر الصدوق
محمد بن على بن الحسين بن بابوية القمى المتوفی 381
قدم له
العلامة الجليل السيد محمد مهدى السيد حسن
الموسوى الخرسان
منشورات
المطبعة الحيدرية - النجف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
دالية الحلوايي
حياة المؤلّف والتعريف بالكتاب:
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد، فانّ من دواعي الغبطة أن البي طلب الأخ الشيخ محمد كاظم الكتبي سلّمه الله في تقديم كتابين جليلين لمؤلّف واحد هما إكمال الدين والأمالي اعتزمت المكتبة الحيدرية اعادة نشر هما تيسيرا لنسخهما .
ولمّا سبق لى أن قدمت لبعض منشورات المكتبة الحيدرية من آثار كريمة وأعلاق خطيرة، وكان من بينها كتاب (التوحيد ) وهو لنفس مؤلّف هذين الكتابين الكريمين فقد يكون من المستهجن إعادة نفس التعريف بنصه، كما أنّه من الصعب أن أترجم المؤلّف ترجمة ثانية لا تلتقى مع الأولى حتّى فى الخطوط العامة.
وكيف يتسنى لي ذلك وأنا ألتقى بالمصادر المعنية بالمؤلّف للمرّة الثالثة، أولاها قبل اثني عشر عاماً يوم كنت أحظى بخدمة سماحة سيّدي الوالد دام ظلّه وكانت المصادر تحيط به فيراجعها وكنت أنا أنسخ ما صدر به سماحته أهم كتب هذا العالم الفذ وأعلاها مكانة وأغلاها قيمة علمية، وذلك هو كتاب (من لا يحضره الفقيه) فكانت تلك المقدّمة الضافية البالغة 80 صفحة بمثابة دراسة شاملة للمترجم له ولبيته وآثاره ومشايخه وتلاميذه، وبالتالي لما قيل عنه من جمل الثناء وآيات الإطراء فكانت أوفى ما كتب عنه، فرجع إليها من كتب بعده ممن ترجم المؤلّف في مقدمات كتبه التي نشرت حديثاً سواء في النجف الأشرف أو ايران.
وكانت المرّة الثانية قبل أربع سنين يوم أعادت المكتبة الحيدرية طبع كتاب (التوحيد) وطلبت منى تصديره بمقدّمة عن المؤلف والمؤلّف فقرأت تلك المصادر التي ترجمته، وفي مقدمتها مقدّمة (من لا يحضره الفقيه) فكانت نتيجتها ما طبعته المكتبة الحيدرية في مقدّمة التوحيد في 48 صفحة، تناولت فيها تعريف المؤلّف
والكتاب وبعض آثاره الأخرى.
وهذه هي المرة الثالثة التي أعود إلى حياة الرجل فأقرأ ما سبق من المصادر غير ما كتبته في مقدّمة التوحيد محاولاً أن لا ألتقي بخطوطها من قريب أو بعيد فيصعب عليَّ ذلك إذ ليس من السهل أن يحاول الكاتب بحث موضوع واحد مرتين أو أكثر، ولا تتحد عنده الخطوط العريضة وإن حاول جاهداً في إختلاف صوغ التعبير والأداء.
لذلك فقد رأيت أن أبتعد عن هجنة التكرار والإعادة إلى الإقتصار على تعريف المؤلف في سطور مع الإشارة إلى المصادر التي تفي بحاجة من يروم التوسع والبسط، كما رأيت أن أشارك بين الكتابين الجليلين في التصدير إلا ما يخص كلاً منهما من تعريف نظراً لإشتراكهما في المؤلف والموضوع وقرب موعد الصدور، وبذلك نكون قد وفرنا على أنفسنا وعلى الناشر والقراء كثيراً من الوقت.
المؤلّف في سطور:
1 - هو محمّد بن علي بن الحسين بن موسی بن بابويه القمي نسبة إلى قم، احدى مدن ايران الشهيرة، وكانت ولا تزال احدى الحواضر العلمية.
2 - يكنى بأبي جعفر، ويلقب بالصدوق، وبشيخ المحدثين، واشتهر بالأوّل وبابن بابويه.
3- ولد بعد سنة (306 ه-)، ولحديث ولادته طرافة ومتعة، كما لا يخلو من درس وعبرة، حقيق بالمراجعة ليقف القارئ على ما توفر من أسباب ودواع ساعدت في تكوين شخصية المؤلّف، وقد أشرنا إلى ذلك في مقدمة التوحيد(1)، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مقدّمة كتاب (من لا يحضره الفقيه)(2).
4 - نشأ تحت رعاية أبيه الذي كان يجمع بين فضيلتي العلم والعمل، فقد كان شيخ القميين في عصره وفقيههم المشار إليه بالبنان اشتهر بعلمه وتمسكه بدينه،
وعرف بورعه وتقواه، ورجعت إليه الشيعة في كثير من الأقطار وأخذوا عنه أحكامهم.
فأدرك المؤلّف من أيّام أبيه أكثر من عشرين سنة اقتبس خلالها من أخلاقه و آدابه ومعارفه وعلومه ما سما به على أقرانه، ولم تمض برهة حتى أصبح الفتى الكامل(1)، فروى عن أبيه جميع مصنفاته التي بلغت 200 كتاباً، وأجازها هو لغيره مع بعض مصنّفاته(2).
وإنّ من تلك المصنفات ما كان يخص به الأب ولده كرسالته التي كتبها له فلخص له فيها كثيراً من الأصول الحديثية، كما اختصر له الطريق بطرح الأسانيد والجمع بين النظائر والإتيان بالخبر مع قرينه، حتى قيل: إنّ الأب كان بعمله هذا أوّل من ابتكر ذلك في رسالته إلى ابنه، وكثير ممن تأخر تأخّر عنه عنه يحمد طريقته فيها ويعوّل عليها في مسائل لا يجد النص عليها لثقته وأمانته وموضعه من الدين والعلم(3).
5 - سمع الكثير من مشايخ العلم في مختلف الحواضر العلمية العامرة يومذاك، إذ كان من الرحلة في طلب الحديث، فقد رحل إلى كثير من البلدان طلباً للحديث واستزادة في العلم، وربّما حدث هو في بعض تلك البلاد فسمع منه أشياخ البلد على حداثة سنه، وقد ذكر مشايخه سماحة سيدي الوالد دام ظله فأنهى عددهم إلى أكثر من مائتي شيخ، إقتبسنا منهم العلويين فقط فذكرناهم في مقدمة التوحيد مع بسط تراجمهم فراجع.
6 - أما البلاد التى رحل إليها من بلده قم فهي:
الري وخراسان وإستراباد وجرجان و نيسابور ومرو الروذ وسرخس و سمرقند و بلخ وإيلاق وفرغانة وهمدان وبغداد - وقد دخلها مرتين - والكوفة - وقد دخلها مرتين - ومكة والمدينة وفيد. وقد ورد ذكر البصرة في أوّل مجلس /
92 من أماليه حيث سمع بها من أبى أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري في سنة(317)وأظن سقوط الواسطة بينهما في النسخة، إذ لم يذكر دخوله البصرة ولا سماعه من الجلودي في غير هذا المكان، مضافاً إلى أنه في سنة 317 هو ابن احدى عشرة سنة وأبوه حي، ولم يذكر انه خرج في أيام أبيه عن قم.
هذه البلاد التي وصل إليها أثناء تطوافه في طلب الحديث ذكرناها حسب ترتيب وصوله إليها، وقد سمع في كلّ منها عدة من الشيوخ من الفريقين كما سمع منه كثير في بعض تلك البلاد.
7 - لا يمكنني حصر تلاميذه في عدد معين ولا تقديم فهرسة تامة بأسمائهم، إذ أنّ ذلك يتوقف على استقراء تام لكتب الرجال، وتصفح شامل لأسانيد الحديث، وإلمام بمتون الإجازات، إذ أنّه شيخ المحدثين، وقد ذكر مترجموه أنه سمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن(1).
وكان جليلاً حافظاً للأحاديث بصيراً بالرجال ناقداً للأخبار، لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه (2)، فكيف يتسنّى لي تحديد الرواة عنه بعدد معين، ولكني أكتفي بإرشاد القارئ إلى أسماء اللامعين منهم ممن تألق نجمهم في تاريخ المسلمين، كالشيخ المفيد وعليّ بن أحمد النجاشي والد الرجالي الشهير، والشيخ الخزاز صاحب كفاية الأثر، والحسين بن عبيد الله الغضائري، والشيخ الدوريستي وابن شاذان والتلعكبري، والنعالي وهو من شيوخ الخطيب البغدادي، والشريف نعمة الّذي كتب له كتابه القيم (من لا يحضره الفقيه) والشريف الموضح النسابة وأضرابهم من شيوخ المسلمين.
8 - قال الشيخ الطوسي في الفهرست: له نحو من ثلاثمائة مصنف وفهرست كتبه معروف(3)، وقال النجاشي في رجاله وله كتب كثيرة(4). بهذا ونحوه تهتف كتب التراجم وتنبىء عن تلك الثروة العلمية الضخمة التي خلفها المؤلّف (رحمه الله علیه)، وإنّ
في كثرتها ووفرتها ما ينم عن سمو مقامه العلمي، كما إنّ تفاوتها وتنوعها كماً وكيفاً ليدلّ على جامعية متفوقة تضم مختلف الفنون، ففيها التفسير والحديث والفقه والرجال والتاريخ والنقد والرد، سوى أجوبة المسائل المختلفة وقد ذكرها بالتفصيل السيد الوالد دام ظله في مقدّمة الفقيه (1).
التعريف بالكتاب:
هو واحد من تلك المكتبة الجامعة لشتى الفنون والتي تزيد على ثلاثمائة مصنّف تتفاوت أحجامها ومنهجية البحث فيها تبعاً لأهمية موضوعاتها، وكلّها خرجت من قلم شيخنا أبي جعفر الصدوق(رحمة الله علیه)، ولا عجب فقد كان آية في الحفظ والذكاء، ونادرة فى التأليف والتصنيف، إلّا انّ الّذي يلفت النظر هو ما تتميز به طائفة من كتبه بأنّها كانت من إملائه، أملاها على تلامذته ورواد مجلسه فرووها عنه سماعاً، ولكن لم يعرف باسم (الأمالي) منها سوى كتابه هذا الذي نحن على أبوابه.
وهنا يقفز إلى الذهن سؤال لابد من الإجابة عليه:
لماذا اختص هذا الكتاب باسم (الأمالي) دون غيره ممّا شاركه في كونه من املاء المصنّف(رحمة الله علیه)؟
وللإجابة عليه لابد من إلمامة بمعرفة (الأمالي) وما هو الإملاء.
تعريفها:
1 - قال الكتاني في الرسالة المستطرفة:
(الأمالي) جمع إملاء: وهو من وظائف العلماء قديماً، خصوصاً الحفاظ من أهل الحديث في يوم من أيام الاسبوع، يوم الثلاثاء أو يوم الجمعة وهو المستحب، كما يستحب أن يكون في المسجد الشرفهما، وطريقهم فيه أن يكتب المستملي في أوّل القائمة:
1) من لا يحضره الفقيه :35 - 60 .
هذا مجلس أملاه شيخنا فلان بجامع كذا في يوم كذا - ويذكر التاريخ - ثمّ بورد المملي بأسانيده أحاديث و آثاراً، ثمّ يفسر غريبها ويورد من الفوائد المتعلّقة بها بإسناد أو بدونه ما يختاره ويتيسر له، وقد كان هذا فى الصدر الأوّل فاشياً كثيراً : ثم ماتت الحفّاظ وقل الإملاء(1).
2 - وقال الحاج خليفة كاتب چلبي في كشف الظنون :
(الأمالي جمع إملاء: وهو أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله سبحانه وتعالى عليه من العلم ويكتبه التلامذة فيصير كتاباً ويسمونه: الإملاء والأمالي، وكذلك كان السلف من الفقهاء والمحدثين وأهل العربية وغيرها في علومهم، فاندرست لذهاب العلم والعلماء وإلى الله المصير، وعلماء الشافعية يسمّون مثله التعليق)(2).
والّذي يلفت النظر في هذين التعريفين هو جعل الأمالي جع إملاء، ونحن إذا راجعنا كتب اللغة لنستوضح أقوال الأئمة فيها حول تعريف (الإملاء) نلمس المسامحة الظاهرة في ذينك التعريفين، وللتنبيه على تلك المسامحة لابد من عرض ما عند أهل اللغة واللسان في ذلك.
قال الجوهري : وأمليت الكتاب أملي وأمللته أملته لغتان جيّدتان جاء بهما القرآن، وإستمليته الكتاب سألته أن يمليه عليّ(3)ونحوه جاء عند الزبيدي(4).
وقال الصولى يقال: أمليت الكتاب وأمللت، وقد نزل القرآن باللغتين جميعاً، قال الله(عزّوجل): وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ(5)وقال جل وعلا: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالعَدْلِ (6)، وقال الهذلي :
وإنّي كما قال تملي الكتاب فى الرق أو خطّه الكاتب (7)وقال ابن سيدة وقال أبو على أمللت الشيء وأمليته كتب عني، وهو من
محوّل التضعيف(1).
وقال ابن منظور: الإملاء والإملال على الكاتب واحد، وأمليت الكتاب أملي وأمللته أملته لغتان جيّدتان جاء بهما ،القرآن واستمليته الكتاب سألته أن يمليه عليَّ(2).
وقال المطرزي وأمّا الإملاء على الكاتب فأصله إملال فقلب. وقال ابن الأثير : يقال أمللت الكتاب وأمليته إذا ألقيته على الكاتب ليكتبه(3).
وقال الراغب الأصبهاني وأصل أمليت أمللت فقلب تخفيفاً (4).
وقال الفيومي: وأمللت الكتاب على الكاتب إملالاً ألقيته عليه، وأمليته عليه إملاء مثله، والأولى لغة الحجاز وبني أسد، والثانية لغة بني تميم وقيس، وجاء الكتاب العزيز بهما وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ﴾(5)فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصيلاً(6)(7)
ونحو ذلك في سائر المراجع والقواميس اللغوية(8)فهي لم تذكر أنّ الأمالي جمع (إملاء) ومن المقرّر عند علماء العربية أنّ جمع المصدر سماعي.
قال سيبويه : وهم لا يجمعون المصادر (ويقصد جمع تكسير) فيقولون أمراض وأشغال وعقول (9).
وقال ابن يعيش: اعلم أنه ليس كلّ جمع يجمع، كما ليس كل مصدر يجمع(10).
وقال الفيومي: ولا يطرد جمع المصدر ألا تراهم لا يقولون في قتل وسلب ونهب قتول وسلوب ونهوب، فدلّ كلامهم على أنّ جمع المصدر موقوف على السماع، فإن سمع عللوا باختلاف الأنواع، وإن لم يسمع عللوا بأنّه باق على
مصدريته (11)
ولو أمكن القياس في ذلك لكان لفظ (الأمالي) جمع (أملية) قياساً على ما ورد على هيئته من المصادر الأخرى، أولى بالإعتبار، فلاحظ مثلاً:
(الأمنية) جمعها (الأماني)
(الأحجية) جمعها (الأحاجي)
((الأضحية) جمعها (الأضاحي)
(الأغنية) جمعها (الأغاني)
(الأدحية) جمعها (الأداحي)
(الأنقية) جمعها (الأثاقي)
(الأنفية) جمعها (الأثافي)
(الأحسية) جمعها (الأحاسي)
(الأمسية) جمعها (الأماسي)
(الاسقية) جمعها (الأساقي)
وهكذا ممّا يشبهها في الهيئة وهو كثير ممّا لا يسعني حصره.
أضف إلى ذلك ما ذكره بعض المتأخرين من مؤلّفي كتب اللغة فقد ذكروا ما احتملنا، وإليك بعض ما قالوه:
قال محمّد فريد وجدي في كنز العلوم واللغة:
(الأمالي) جمع أملية، وهو ما يمليه المعلم على تلامذته من العلوم(1).
وقال بطرس البستاني في محيط المحيط (2)، وسعيد الشرتوني في أقرب الموارد (3): (الأمالي) الأقوال والملخصات وما يملي، وكأنه جمع أملية، كالأحجية والأحاجي.
3 - وقال القاضي الأحمد نگري في دستور العلماء:
والإملاء عند أصحاب الحديث أن يلقى المحدّث حديثاً على أصحابه
فيتكلم فيه مبلغ علمه من الغريب والفقه وما يتعلّق بالإسناد، وما يعلمه من النوادر والنكت والإملاء أعم من أن يكون من حفظ أو كتاب، ولهذا يقيد ويقال إملاء من كتابه(1).
4 - وقال شيخنا الرازي دام ظله في الذريعة:
الأمالي: عنوان لبعض كتب الحديث غالباً، وهو الكتاب الّذي أدرج فيه الأحاديث المسموعة من إملاء الشيخ عن ظهر قلبه أو عن كتابه والغالب عليها ترتيبه على مجالس السماع، ولذا يطلق عليه المجالس، أو عرض المجالس أيضاً (2). وهو نظير الأصل - والأصل عنوان لبعض كتب الحديث جمع فيه مصنّفه الأحاديث التي رواها عن المعصوم أو عن الراوي عنه - فى قوّة الإعتبار وقلة تطرق احتمال السهو والغلط والنسيان، ولا سيّما إذا كان إملاء الشيخ عن كتابه المصحح أو عن ظهر القلب مع الوثوق والإطمئنان بكونه حافظاً ضابطاً متقناً.
والفرق أنّ مراتب الاعتبار في أفراد الأصول تتفاوت حسب أوصاف مؤلّفيها، وفي الأمالي تتفاوت بفضائل ممليه.
وتعقيباً على ما جاء في تعريف شيخنا الرازي دام ظلّه من أنّ الغالب عليها ترتيبه على مجالس السماع، ولذا يطلق عليه المجالس أو عرض المجالس أيضاً فنقول:
إنّ تعريفه دام ظلّه وإن كان ناظراً للأمالي الحديثية ظاهراً، لكن حيث ذكر بعد العنوان كتب الأمالي ومنها ما ليس في الحديث وهو الأكثر، لذلك كان قوله غير مطرد في تلك الأمالي (خاصة) وما أشبهها ممّا لم يذكره، فإنّا نجد كثيراً من الأمالي غير الحديثية لا يطلق عليها المجالس ولا عرض المجالس مع أنّ بعضها كان مرتباً على مجالس، كما أنّ بعضها لم يكن مرتباً على المجالس أصلاً، وجميعها تسمى (بالأمالي).
فخذ مثالاً (أمالي) محمّد بن الحسن الشيباني في الفقه، فهي ليست مرتبة على المجالس، بل جاءت مطالبها بعناوين مختلفة، ففي أولها: عنوان مسألة في الرجل يكون... الخ، وثم عنوان: أملى محمّد بن الحسن في المرابحة، وعنوان أملى محمّد بن الحسن في البيع والصرف، وهكذا.
وهذه الأمالي تسمى الكيسانيات نسبة إلى راويها سليمان بن شعيب الكيساني، قال ابن النديم في الفهرست کتاب أمالي محمّد في الفقه لي الكيسانيات(1)، وقال كاتب چلبي في كشف الظنون الكيسانيات مسائل رواها سليمان بن شعيب الكيساني عن محمد بن الحسن.
وقد طبعت هذه المسائل في حيدر آباد سنة 1360 ه- بعنوان أمالي محمّد بن الحسن الشيباني تبعاً لابن النديم في التسمية فلاحظ.
وخذ مثالاً ثانياً (أمالي) الشريف المرتضى وهي في التفسير والأدب، فإنّها مرتبة على المجالس وتحتوي على ثمانين مجلساً سوی التكملة، ومع ذلك لم تعرف باسم (المجالس) ولا بعرض المجالس بل تعرف بالأمالي وبالغرر والدرر فلاحظها فإنّها مطبوعة مكرراً بمصر وايران.
وخذ مثالاً ثالثاً (أمالي) الشريف ابن الشجري وهي في الأدب، فإنّها كسابقتها مرتبة على المجالس وتحتوي على 78 مجلساً، ولا تسمى بالمجالس فلاحظها فإنّها مطبوعة في حيدر آباد الدكن سنة 1349 ه- في جزئين.
وخذ مثالاً رابعاً (أمالي) أبي عليّ القالي وهي في الأدب، فهي غير مرتبة على مجالس السماع، بل هي مرتبة على مطالب كلّ مطلب يتضمّن مسألة أو أكثر، مع أنّ ممليها - القالي - قال في مقدمتها:
فأمللت هذا الكتاب من حفظي في الأخمسة - ويقصد أيام الخميس - بقرطبة وفي المسجد الجامع بالزهراء المباركة، وأودعته فنوناً من الأخبار وضروباً من الأشعار وأنواعاً من الأمثال، إلى أن قال: ثمّ لم أخله من غريب القرآن وحديث
1) الفهرست :287
الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)... الخ فراجعه.
وخذ مثالاً خامساً (أمالي) اليزيدي(ت310ه-)وهي في الأدب أيضاً، فإنّها ليست مرتبة على المجالس ولم تدع بالمجالس مع أنّها أمالي فلاحظها فهي مطبوعة فى حيدر آباد سنة (1367ه-).
وخذ مثالاً سادساً (أمالي) الزجاجي وهي كسابقها موضوعاً، وهي أيضاً غير مرتبة على مجالس كأمالي المرتضى، ولا على ترتيب المطالب كأمالي القالي، ولا على نظم المسائل كأمالي الشيباني وتسمّى أيضاً بالأمالي، بخلاف كتابه الآخر المسمّى ( بمجالس العلماء) أو مجالس الزجاجي، فهو وإن كان مجموعة مجالس انتقاها الزجاجي إلّا أنّها ليست بأمالي وكلا كتابيه مطبوع فراجعهما.
على أنّ هناك مجموعة كبيرة من الكتب تدعى بالمجالس ولا تسمّى بالأمالي مع أنها مرتبة على مجالس السماع ومدوّنة فيها، وتستحق أن تسمّى بالأمالي، ولكن لم تدع إلّا بالمجالس، وإلى القارئ أسماء بعض ما كان موضوعه الحديث خاصة.
فمنها مجالس المخلدي، ومجالس البلقيني، ومجالس الأبرار، وهي مائة مجلس في شرح مائة حديث من أحاديث المصابيح للشيخ أحمد الرومي ونحوها ومجالس الشيخ أحمد بن محمد الغزالي ( ت 520ه-) ذكر ابن السبكي أنه دخل بغداد، وعقد مجلس الوعظ وازدحم عليه الناس ودوّن مجالسه صاعد بن فارس اللبان ببغداد فبلغت ثلاثة وثلاثين(1).
إلى غير ذلك من كتب المجالس الحديثية، ولو أضفنا إليها (المجالس) في الفنون الأخرى كمجالس ثعلب وهي في الأدب فإنّها مرتبة على المجالس ولا تدعى بالأمالي ، فلاحظها فإنّها مطبوعة مكرراً، فهي كثيرة ويطول الحديث عنها، فمن شاء الإستزادة فعليه بمراجعة كتب الفهرسة كالكشف وذيله والذريعة وما أشبهها .
1) في نسخة - خ ل: وثمانين.
فإذن ما أطلقه شيخنا من تسمية الأمالي بالمجالس أو عرض المجالس لا يخلو من نظر، على أن بين اللفظين- الأمالي والمجالس - في اختلاف التسمية بهما ما يشعر بالفرق في استعمالهما، ولم أجد من تنبه لذلك قبلي إلا الأستاذ عبد السلام محمد هارون، ونظراً لفضل السبق فأنا أكتفي بنقل كلامه قال:
أرى انّ هناك فرقاً دقيقاً بين هذين اللفظين في أصل استعمالهما، وكلّ منهما مظهر لما كان يدور من تدوين لأقوال العلماء والمتصدرين للتعليم.
أمّا الأمالي فكان يمليها الشيخ أو من ينيبه عنه بحضرته - ويقصد الأستاذ بالنائب المستملي - فيتلقنها الطلاب بالتقييد في دفاترهم، وفي هذا يكون الشيخ قد أعدّ ما يمليه أو يلقي إلى الطلبة ما يشاء من تلقاء نفسه.
وأمّا المجالس فتختلف عن تلك بأنّها تسجيل كامل لما كان يحدث في مجالس العلماء، ففيها يلقى الشيخ ما يشاء من تلقاء نفسه، وفيها كذلك يسأل الشيخ فيجيب فيدوّن كلّ ذلك فيما يسمّى (مجلساً )(1).
ولنكتفي الآن بالأقوال الأربعة التي ذكرتها آنفاً، فهي أجمع ما وقفت عليه في تعريف الأمالي الحديثية وغيرها وهي مأخوذة من القواعد التي ذكرها أصحاب الدراية في قواعد التحديث وآدابه، فإنّهم ذكروا شرائط و آداب تلحظ في المملي والمستملي ومكان الإملاء وزمانه ، وقد استندوا في جل ما قالوه إلى سنة النبیّ (صلی الله علیه وآله وسلم) وسيرة أصحابه وما جاء عن أئمّة الحديث وحفّاظ السنّة.
فذكروا في اتخاذ المستملي استناداً إلى ما ورد في سنن أبي داود والنسائي من حديث رافع بن عمرو قال: رأيت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء وعلى يعبّر عنه (2).
وإلى ما ورد في الصحيح أنّ أبا جمرة كان يترجم بين ابن عباس وبين الناس(3).
واستندوا في تحديد مجالس الإملاء إلى ما رواه البخاري عن عكرمة عن ابن عباس انه قال له: حدّث الناس كل جمعة مرّة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا تأت القوم وهم في حديث فتقطع عليهم حديثهم ولكن أنصت فإذا أمروك فحدّثهم وهم يشتهونه(1).
كما ذكروا في وجه استحباب اختيار وقت خاص ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس مرفوعاً:
من صلى العصر ثم جلس يملي خبراً حتى يمسي كان أفضل ممّن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل.
وما رواه الشيخان عن أبي وائل قال: كان ابن مسعود يذكر الناس في كلّ يوم خميس... الخ.
وإذ انتهينا إلى هنا ظهرت الإجابة على السؤال السابق في أوّل البحث، وتتلخص فيما يلي:
إنّ الأمالي عنوان شامل لكلّ ما يملى ويدوّن في مجلس الإملاء، سواء كان الإملاء عن ظهر قلب أو عن كتاب، وعليه فكثير من كتب المؤلّف التي أملاها على تلامذته يمكن تسميتها (أمالي) ، وكما يجري ذلك في كثير من الأصول والأجزاء السماعية، فإنّها نتيجة تدوين إملاء الشيخ على طلابه فهي (أمالي) ولزيادة الإيضاح فلنعرف:
2 - تاريخ تدوين الأمالي ومجالس الإملاء:
يلاحظ الباحث بوضوح أن أكثر المحدثين كانوا يملون الحديث على الرواة في مجالس تعقد لذلك خاصة، فيحضرها طلاب الحديث ومعهم الألواح والدفاتر فيسجلون ما يلقيه الشيخ، وقد يضيف بعض الطلاب إلى ما سجله من سماعه من
1) صحيح البخاري 7 :153 كتاب الدعوات ط دار الفكر.
شيخه السابق ما يحصل له من شيوخ لاحقين ويكون كتابه ذلك بمثابة انتقاء له ويسمّى ( جزءاً) كما يكون في عداد (الأصول)اعتباراً، لأنّ طريقه من أعلا طرق تحمل الحديث وهو السماع، وإذا لاحظنا تعريف الأمالي والإملاء فلا مشاحة لو سمينا جميع الأصول والأجزاء أمالي، وإن لم يصطلح عليها ذلك فإنّها تخضع للتعريف .
كما انّ ما ذكر في تعريف الإملاء يكون شاملاً لجميع ما دوّن عن الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)والأئمة(عليهم السلام)وكان إملاء، وعلى ذلك فيمكن أن نرجع تاريخ تدوين الأمالي إلى عهد النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، كما يمكن أن نحدد أوّل (أمالي) دوّنت في الإسلام هي أماليه
(صلی الله علیه وآله وسلم).
روى أبو سعد السمعاني في أدب الإملاء والإستملاء بسنده عن أم سلمة رضوان الله عليها زوج النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) قالت: دعا رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) بأديم وعلي بن أبي طالب(عليه السلام) عنده، فلم يزل رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) يملي وعلي يكتب حتّى ملأ بطن الأديم وظهره وأكارعه (1).
ورحم الله أم سلمة فإنّها لم تفصح عمّا كان يملي ويدوّن، ولعلّها كانت الأمالي التى أملاها رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) وخطها على بيده فكانت كتاباً كبيراً مدرجاً عظيماً يفتح وينظر فيه، وكان عند أهل البيت(عليه السلام) وقد رآه عذافر بن عيسى الصيرفي عند الإمام محمد الباقر(عليه السلام) لما أخرجه لينظر مسألة اختلف فيها هو والحكم بن عتيبة، فقال: قال لابنه : يا بني قم فاخرج كتاب عليّ(عليه السلام)، فأخرج كتاباً مدرجاً عظيماً ففتحه وجعل ينظر حتى أخرج المسألة فقال أبو جعفر(عليه السلام): هذا خط عليّ وإملاء رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) (2).
وقد أخرج قطعة من هذه الأمالي شيخنا المؤلّف في كتابه هذا(3)، بسنده عن حمزة بن محمد العلوي عن عبد العزيز الأبهري عن أبي عبدالله محمّد بن زكريا
الغلابي الجوهري، عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد الشهيد، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) وجاء في آخرها ما لفظه:
قال محمد بن زكريا الغلابي: سألت عن طول هذا الأثر شعيباً المزني فقال: يا أبا عبدالله سألت الحسين بن زيد عن طول هذا الحديث فقال: حدثني جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)إنه جمع هذا الحديث من الكتاب الذي هو إملاء رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وخط علي بن أبي طالب(عليه السلام)(1)
وممّا أملاه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) على أمير المؤمنين(عليه السلام)وخطه بيده تلك الأمالي التي تسمّى بالصحيفة وكان طولها سبعون ذراعاً ، وكانت تطوى مثل فخذ الرجل أو فخذ الفالج - الجمل العظيم - وقد تسمّى بالجامعة أيضاً لاشتمالها على كل حلال وحرام، وجميع ما يحتاج إليه حتى أرش الخدش(2).
وهناك أمالي نبوية دوّنها الإمام بخطه أخصر مما سبق، وانتشر تدوين الأمالي بعد ذلك العهد ، فكان للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) (أمالي) في علوم القرآن اشتملت على ستين نوعاً من أنواع علوم القرآن وذكر لكل نوع مثالاً يخصه، وتلك الأمالى هى الأصل لكلّ من كتب في أنواع علوم القرآن(3).
وقد أوردها الشيخ المجلسي في موسوعته الإسلامية بحار الأنوار في أوّل ج 93 (الطبعة الإسلامية) بما يناهز المائة صفحة بروايته عن الشيخ النعماني.
وكان لحبر الأمة عبد الله بن عباس(رضی الله عنه)أمالي في التفسير، فقد ذكر أهل السير إنّه أوّل من أملى في تفسير القرآن(4)، وقد ذكر الطبري في تفسيره بسنده عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهداً يسأل ابن عباس(رضی الله عنه) عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس(رضی الله عنه): اكتب ، قال حتى سأله عن التفسير كلّه(5)
وهذا التفسير هو الذي أشار إليه جرجي زيدان في حديثه عن تفسير الحبر
ابن عباس(رضی الله عنه)وأنّه أملاه على مجاهد، ولا تزال نسخته موجودة وسنده صحيح إليه، وهو غير المطبوع باسم (المقباس) فانّه تفسير للفيروزآبادي جمعه مما يروى عن ابن عباس(1)
فتفسير مجاهد المشار إليه آنفاً هو أمالي ابن عباس(رضی الله عنه)في التفسير.
وللحبر أمالي في فنون شتّى إذ كان يخص كلّ يوم لإملاء علم خاص، قالوا: كان يجلس يوماً لا يذكر إلا الفقه، ويوماً لا يذكر إلا التأويل ويوماً لا يذكر فيه إلا المغازي، ويوماً الشعر، ويوماً أيّام العرب (2).
وهكذا انتشرت مجالس الإملاء في عصر الصحابة والتابعين، وكثر الإستملاء فقل أن تجد عالماً ليس له حلقة يملي فيها، وإذا راجعنا عصر الإمامين الباقر والصادق(عليهم السلام)نجد لهما أمالي متعددة، فما تلك الأصول الحديثية الأربعمائة إلا أمالي رويت عنهما، وما توحيد المفضّل إلا أمالي أملاها الإمام الصادق الا على تلميذه المفضّل بن عمر الكوفي في مجالس عديدة (3).
وقل أن لا تجد أمالى مدوّنة لسائر الأئمة(عليهم السلام)، فمثلاً ما رواه الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا(عليه السلام)في علل الأحكام إنّما هو أمالي سمعها منه مرّة بعد مرّة وشيئاً بعد شيء، فجمعها وأطلق لعليّ بن محمّد بن قتيبة النيسابوري روايتها عنه عن الإمام الرضا لها، وقد أخرج كثيراً منها الشيخ المؤلف في كتابيه علل الشرائع وعيون أخبار الرضا(عليه السلام).
وكذلك أمالي الإمام العسكري(عليه السلام)في التفسير، والتي عرفت بتفسيره، فإنّها أمالي أملاها في سبع سنين، وكان الكاتبان يكتبان كل يوم مقدار ما ينشط له (عليه السلام) من إملاء عليهما(4).
وهكذا شاعت مجالس الإملاء في الحواضر العلمية من القرن الثاني، ففي كلّ بلد يوجد فيه شيوخ حفاظ محدّثون توجد مجالس إملاء معلومة، مضافاً إلى ما
كان يعقد أحياناً لمن يدخل البلد من حفّاظ البلاد الأخرى.
فإنّ شيوخ العلم في بلد إذا تسامعوا بإمام من أئمة الحديث دخل بلدهم سرعان ما اجتمعوا وعقدوا له مجلس إملاء، وطلبوا منه أن يملي عليهم حتى ولو كان عابر سبيل، وما حدیث سلسلة الذهب إلا ثمرة احدى تلك المجالس المستعجلة.
فإنّ شيوخ العلم في نيسابور لما بلغهم أنّ الإمام الرضا(عليه السلام)دخل نيسابور في طريقه إلى مرو، اجتمع الناس عليه وهو راكب على بغلة شهباء، فتقدّم إليه الحفّاظ محمّد بن رافع، وأحمد بن الحارث، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، وأبو زرعة الرازي، ومحمّد بن أسلم الطوسي، ومعهم خلائق لا يحصون من طلبة العلم وأهل الحديث والرواية والدراية، فكلّمه الحافظان الإمامان أبو زرعة ومحمّد بن أسلم وطلبا منه أن يحدثهما بحديث يذكرونه به، فأمر غلمانه بكشف المظلة التي كانت على القبة التي كان فيها، قال ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة والناس كلهم على طبقاتهم ينظرون إليه وهم ما بين صارخ وباك ومتمرغ في التراب ومقبل لحافر بغلته وعلا الضجيج، فصاحت الأئمة والعلماء والفقهاء: معاشر الناس ،اسمعوا وعوا وأنصتوا لسماع ما ينفعكم ولا تؤذونا بكثرة صراخكم وبكائكم وكان المستملي أبو زرعة ومحمّد بن أسلم الطوسي - ثم حدثهم الإمام الرضا(عليه السلام) بالحديث المشهور(1)-.
قال: فعدوا أهل المحابر والدوى الّذين كانوا يكتبون فأنافوا على عشرين ألفاً، وفي رواية عد من المحابر أربعة وعشرين ألفاً سوى الدوي(2)وما ذلك إلا رغبة في العلم، وشوقاً في الإستزادة من الحديث وعناية في ضبطه، فكانت مجالس الإملاء تعقد في كل بلد فيه أئمّة حفاظ، إذ أنهم يرون في عقدها أداء لرسالتهم العلمية وزكاة لما وعوه من حديث، ويرجع السرّ في إهتمامهم في شأنها أنهم كانوا يرونها من أعلا مراتب التدوين، والسماع فيها من أحسن أنحاء التحمّل وأقواها.
قال ابن الصلاح ويستحب للمحدّث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث فانّه من
أعلا مراتب التدوين والسماع فيه من أحسن وجوه التحمّل وأقواها، وليتخذ مستملياً يبلغ عنه إذا كثر الجمع، فذلك دأب أكابر المحدثين المتصدين لذلك(1).
وقد روي عن أبي حمرة قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس(2).
قال السيوطي: وقد روى أبو داود والنسائي من حديث رافع بن عمرو قال: رأيت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء وعلى يعبّر عنه(3).
قال أبو سعد السمعاني: وفي أتباع التابعين ومن دفنهم (كذا)(4)ويليهم جماعة كانوا يعقدون المجالس للإملاء، منهم شعبة بن الحجاج وأكرم به، ويزيد بن هارون و وكيع بن الجراح وعاصم بن عليّ التميمي، وعمر بن مرزوق الباهلي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبو مسلم الكجي، وجعفر بن محمد بن الفريابي وغيرهم(5)ولمّا جلس الصاحب بن عبّاد للإملاء حضر خلق كثير، فكان المستملي الواحد لا يقوم بالإملاء حتّى انضاف إليه ستة كل يبلغ صاحبه(6).
وذكر الذهبي عن أحمد بن جعفر الختلي أنّه قال: لما قدم الكجي بغداد أملى في رحبة غسان، فكان في مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحد منهم الآخر، ويكتب الناس عنه قياماً، ثم مسحت الرحبة وحسب من حضر، فبلغ ذلك نيفاً وأربعين ألف محبرة سوى النظارة(7).
وقال أبو حفص الزيات لمّا ورد الفريابي إلى بغداد استقبل بالطنبارات والدباب، ثمّ أو عد له الناس إلى شارع المنار ليسمعوا منه، فحزر من حضر مجلسه لسماع الحديث فقيل : كانوا نحو ثلاثين ألفاً، وكان المستملون ثلاثمائة وستة عشر(8).
وقال أبو الفضل الزهري: لما سمعت من الفريابي كان في مجلسه من أصحاب المحابر من يكتب نحو عشرة آلاف إنسان ما بقي منهم غيري، هذا سوى من لا يكتب(1)قال الذهبي وسماعه منه في سنة (298ه-)(2).
وقال عمر بن حفص السدوسي: وجّه المعتصم من يحزر مجلس شيخنا عاصم، وكان يجلس على سطح وينتشر الخلق حتى سمعته يوماً يقول: حدّثنا الليث بن سعد وهم يستعيدونه، فأعاده أربع عشرة مرّة والناس لا يسمعون، وكان هارون يركب نخلة معوجة يستملي عليها فحزر المجلس بعشرين ومائة ألف(3)
وقال أبو بكر الداوودي كان يحضر مجلس المحاملي عشرة آلاف رجل(4).
وقال السمعاني: عد في مجلس السيد أبي الحسن محمد بن الحسين العلوى(رحمة الله علیه)ألف محبرة(5).
الله وذكر عبد الغافر الفارسي في كتابه السياق أنّ السيّد الأجل أبا البركات هبة الله بن السيد أبي الحسن محمّد بن الحسين العلوي - الآنف الذكر - عقد له مجلس الإملاء، فأملى في الجامع وفي داره بمولقاباد(6).
كما ذكر عن السيد أبي منصور ظفر بن محمد الزباري كان يملي في داره في سكة العرندس اعصار السبت ويحضر مجلسه الناس، وكانت له أصول وسماعات صحيحة، ثمّ أحرق قصره بما فيه من الكتب فضاعت أصوله ، فكان يقرأ عليه مسموعاته من الفروع التي كتبت من أصوله(7)
إلى غير ذلك ممّا يجده الباحث مذكوراً طي تراجم الحفاظ وأئمة الحديث
ممّا يدل على نشاط الحركة العلمية بنشاط تلك المجالس وشدّة الإقبال عليها، والإختلاف إليها، كما يلمس الباحث فتوراً ملحوظاً في القرن السادس والسابع تبعاً لأحكام الظروف التي كانت تحيط بالعلماء في ذينك القرنين، خصوصاً الغزو التتري وتشتت كلمة المسلمين حيث دب الوهن في كافة مرافق الحياة العلمية حتى قتل الشيوخ وأستعملت المدارس اصطبلات.
قال السمعاني: فرحم الله السلف الماضين كان العلم مطلوباً في زمانهم والرغبات متوافرة والجموع متكاثرة، فالآن - وليعلم أن وفاته كانت سنة ( 562 ه-)-خمد ناره ،وقل ،شراره وكسد سوقه حتى سمعت أبا حفص عمر بن ظفر المغازلى ببغداد مذاكرة يقول : فرغنا من إملاء الشيخ أبي الفضل بن يوسف فطلبنا محبرة نكتب منها أسامي من حضر فما وجدنا(1).
ومع ذلك كلّه لم ينقطع الإملاء بالكلية، بل بقي الحال على فتوره، فربّما تعقد بعض مجالس الإملاء بين الفينة والأخرى في بلد من البلدان لإمام من حفاظ الحديث، فيملي على الطلاب ويكتب عنه ما يمليه.
قال السيوطي: إنّ الإملاء كان قد درس بعد ابن الصلاح إلى أواخر أيام الحافظ أبي الفضل العراقي، فافتتحه سنة (796ه-) فأملى 400 مجلس وبضعة عشر مجلساً إلى سنة موته (806ه-) ، ثمّ أملى ولده إلى أن مات سنة ( 852ه-) أكثر من ألف مجلس وكسراً، ثمّ أملى شيخ الإسلام ابن حجر إلى أن مات سنة (852ه-) أكثر من ألف مجلس، ثمّ درس تسع عشرة سنة فافتتحه أوّل سنة (872ه-) فأمليت 80 مجلساً ثمّ خمسين أخرى(2).
وقال أيضاً في المزهر في حديث له عن طريقة الإملاء في اللغة: وقد كان هذا في الصدر الأوّل فاشياً كثيراً، ثمّ ماتت الحفّاظ وانقطع إملاء اللغة عن دهر مديد، واستمر إملاء الحديث، ولمّا شرعت في إملاء الحديث سنة (872 ه-) وجددته بعد
انقطاعه عشرين سنة، من سنة مات الحافظ أبو الفضل ابن حجر جر أردت أن أجدد إملاء اللغة وأحيبه بعد دثوره فأمليت مجلساً واحداً فلم أجد له حملة ولا من يرغب فيه فتركته(1).
والآن وقد قصصنا آثار العلماء في تعريف الأمالي، لمسنا ما يمكن أن نجعله فرقاً بين عنواني الأمالي والمجالس من حيث المنهج في التسجيل بعد اشتراكهما في تحضير المادة من قبل المملى فى كلّ منهما، ووقفنا فيما ذكرناه من أخبار المملين ومجالسهم على شيء من تاريخ تدوين الأمالي وبدئها.
بقي علينا أن نعود ثانياً لنعرف الاسم الصحيح لكتابنا هذا، فقد ذكرت له عدة أسماء منها (الأمالي).
3- ماهو الاسم الصحيح لكتابنا؟
سؤال قد يبدو في نظر بعض القرّاء أنّه غير وجيه، بعد أن اشتهر باسم (الأمالي) ولكنا إذا رجعنا إلى بعض كتب الفهرسة نجدها تذكر له أكثر من اسم وذلك هو الباعث للسؤال.
قال الشيخ الحجّة البحاثة الرازي دام ظلّه الأمالي المعروف بالمجالس أو عرض المجالس للشيخ الصدوق... الخ(2).
ونحن إذا رجعنا إلى ما قدمناه من تعريف الأمالي يظهر لنا جلياً انّ في ما ذكره مسامحة ظاهرة في إطلاق الاسمين الأخيرين على الكتاب، إذ قد ظهر لنا من مجموع ما تقدّم أنّ الأمالي هي تلك المحاضرات التّي يمليها الأستاذ ويدوّنها عنه التلامذة في ندوة تعقد في أيّام معينة ومكان معين لأجل الإملاء، وعلى هذا فالأمالي ليست ترادف المجالس إذ لا تساوقها دائماً في الإستعمال، إذ أنّ بعض كتب (المجالس) لم يكن تدوينه نتيجة مجلس معقود لذلك، بل إنّما هي
كتب
صنّفها أصحابها، وقد يتفق لهم إملاؤها في مجالس فتؤرخ مجالس إملائها، وربّما تدعى بالأمالي أيضاً، وهي باسم المجالس ،أولى، كأمالي الشيخ الطوسي، فإنّ القسم الأوّل منها مرتب على أجزاء الفها الشيخ ثمّ حدّث بها ولده أبا علي وهو أملاها على تلامذته، لذلك قد تدعى بأمالي أبي علي ابن الشيخ.
كما ان المجالس قد تمتاز عن الأمالي أحياناً بتدوين كلّ ما يجري في مجلس الإملاء من مسائل تحدث أثناءه مضافاً إلى محاضرة الأستاذ، وذلك كما في مجالس ثعلب.
وهذه الفروق تكاد أن تكون غير ملحوظة في بادىء النظر لخفائها.
ومن الممكن القول أيضاً بوجود الفرق بين الأصول والأجزاء السماعية وبين الأمالي، بأنّ الأصول والأجزاء مدوّنات شخصية قد تكون في مجالس، ولكنها لم تعقد لغاية الإملاء وغرض تدوينه ولم يلتزم فيها لحاظ المكان والزمان بل هي مجالس خاصة لا يحضرها إلا خصوص أصحابها وإن شاركهم غيرهم فيها فهو مثلهم في الفضل بخلاف الأمالي التي قرأنا عن مجالس تدوينها أنّها في أماكن معينة في زمان معين يحضرها طلاب العلم وغيرهم من النظارة.
ومن هذا كله يظهر لنا جواب السؤال المذكور أوّل البحث ما هو الاسم الصحيح لكتابنا؟ وأنّه هو الأمالي لإنطباق التعريف عليه.
وأما ما ذكره شيخنا الرازي سلّمه الله من معروفيته بالمجالس أيضاً وعرض المجالس، فهو مبني على التسامح في استعمال هذه الألفاظ، فكونه مرتباً على مجالس عديدة فهو (مجالس).
ولا مشاحة في تسمية ذلك لولا ما تقدّم من الفرق الدقيق بين العنوانين (الأمالى والمجالس) كما لا مانع من اسم
(عرض المجالس) بملاحظة عرضه على المؤلّف أو معارضته بكتابه.
وقد ورد اسم الكتاب في رجال النجاشي(1)(العوض عن المجالس) وإذا صحت النسخة فهو اسم رابع لكتابنا هذا، وأكبر الظن أنه تحريف عن عرض المجالس ، إذ لم يذكر أحد أنّ هذا الكتاب بديل عن كتاب آخر يعرف بالمجالس، كما يوحيه لفظ (العوض) ، كما لم نقف في نفس الكتاب على ما يوحي بذلك.
وإذ انتهى بنا الحديث عن معرفة الأمالي، وتاريخ تدوينها ومجالس الإملاء وتحققنا الإسم الصحيح لكتابنا، من الخير أن نعرض للقارئ ما لمسناه من نواحي فنية في هذا الكتاب، والتي لها أكثر من حساب في تقييم شخصية المؤلّف وتقدير منهجه في أماليه.
4 - النواحي الفنية في الكتاب:
في هذا البحث عرض موجز لما لمسته من مميزات اعتبرتها نواحي فنية توفرت فيه مجتمعة دون غيره من كتب الأمالي الموجودة التي شاركته في الاسم والموضوع، ولمعرفة تلك المميزات لابد من عرض مقارنة بين كتابنا هذا وبين ما شاركه اسماً وموضوعاً، ونظراً لعدم إمكان الإحاطة بجميع تلكم الكتب نقتصر على مقارنة بينه وبين ما تيسرت نسخته لعموم القرّاء، وينحصر ذلك في كتابين من كتب الأمالي تشارك كتابنا في اسمه وموضوعه وهما لعالمين علمين ينتهيان في التلمذة إلى مؤلف كتابنا هذا وهما:
1 - أمالي الشيخ المفيده(رحمة الله علیه)وهو تلميذ المؤلّف، وسمع منه الحديث سنة (355ه-) عندما ورد المؤلّف إلى بغداد في طريقه إلى الحج.
2 - أمالي الشيخ الطوسي(رحمة الله علیه) وهو تلميذ الشيخ المفيد الآنف الذكر، وهي باسم المجالس أولى من تسميتها بالأمالي، وقد أشرنا إليها آنفاً، لكن أخذنا بما اشتهرت به من اسم الأمالي.
1) رجال النجاشي: 276 طبعة بمبئي.
ونحن إذ نقارب بين هذه الكتب الثلاث من الأمالي لأنّها تتشابه في الاسم والموضوع والنهج العام في الإملاء أوّلاً ، ولأن مؤلّفيها متقاربوا الذهنية والثقافة كتقارب عصورهم، ولأنّ أوّلهم وهو مؤلّفنا الصدوق كان أستاذ الثاني وهو المفيد، كما كان المفيد أستاذ الثالث وهو الطوسی.
ومعلوم أن للأستاذ تأثير كبير في تفكير التلميذ، وأن التلميذ ينحو نحو أستاذه في ترسم خطاه غالباً مهما كان التفاوت في مبلغ تأثر التلميذ بأستاذه، لكن التجاوب بين العقليتين لابد وأن يكون ملحوظاً وظاهراً في أكثر من ناحية مهما
اختلف مدى ذلك.
والنواحي الفنية التي أشرت إليها آنفاً هي التي سأجعلها نقاط متقاربة بين تلكم الكتب الثلاث لألمس القارئ تميز كتابنا على صنويه بتوفرها فيه وتلكم النقاط هي:
1 - عدد مجالس الإملاء.
2 - زمن الإملاء.
3- ترتيب الإملاء واستمراره
4 - جودة الإختيار وحسن العرض.
5- التدوين.
أما تفوق كتابنا في عدد المجالس ،فواضح، إذ ان عددها (97) مجلساً بينما أمالي تلميذه المفيد (42) مجلساً، وأمالي الطوسي فهي في قسمين الأوّل مرتب على ثمانية عشر جزءاً، والثاني في (27) مجلساً ، وإذا اعتبرنا أجزاء القسم الأول بمثابة مجالس لم يبلغ عددها مجموعاً نصف عدد مجالس كتابنا، بل لو جمعناها مع أمالي أستاذه المفيد، فعدد مجالسها جميعاً لا يبلغ عدد مجالس أمالي الصدوق، وإن كانت أمالي الطوسي توازي أمالي الصدوق حجماً إن لم تربو عليها.
وأما زمن الإملاء: فإن مؤلّفنا الصدوق(رحمة الله علیه) استنفذ في أماليه ثلاثة عشر شهراً
بما فيها زمن سفره إلى زيارة الإمام الرضا(عليه السلام) حيث ابتدأها في 18 رجب سنة (367 ه-) واختتمها في 18 شعبان سنة (368ه-) تخللت هذه المدة فترتان انقطع فيهما عن الإملاء لسفره إلى طوس لزيارة الإمام الرضا(عليه السلام)
وإذا رجعنا إلى أمالي تلميذه المفيد الله نجدها أمالي متقطعة الأوصال من حيث زمن الإملاء، لأنه أملى أماليه في فترات متباعدة لم نعرف أسباب انقطاعه عن الإملاء، وذلك أنّه ابتدأها في يوم السبت مستهل شهر رمضان سنة (404 ه-) واختتمها في 27 رمضان سنة (411 ه-) وهي مدة طويلة جداً بالقياس إلى زمن إملاء الصدوق أماليه.
أما الشيخ الطوسي(رحمة الله علیه) فقد كانت مدة إملائه ثلاث سنوات، إذ أنه ابتدأ إملاءه الجزء الأوّل من القسم الأوّل في ربيع الأول سنة (455 ه-) وختم آخر المجالس من القسم الثاني في صفر سنة (458ه-) وهذه المدة وإن كانت دون المدة التي استنفذها أستاذه المفيد بكثير، إلّا أنّها نافت على مدة أمالي الصدوق بأكثر من ضعف.
وأمّا ترتيب الإملاء واستمراره فهما ظاهرتان تلحظان بوضوح في أمالي الصدوق أكثر ممّا هما في أمالي المفيد وأمالي الطوسي، ولبيان ذلك لابد من عرض موجز لترتيب مجالس الإملاء في كلّ من تلكم الأمالي.
ففي أمالي الصدوق نجد التزامه بالإملاء أوّلاً في كلّ يوم جمعة وكلّ يوم ثلاثاء في الأسبوع من أوّل كتابه حتّى المجلس الواحد والعشرين، وكان إملاؤه يوم الجمعة سلخ شهر رمضان سنة ( 367ه-) ، ولمّا كان اليوم الثاني وهو غرة شوال يوم العيد فقد أملى المجلس (22) فيه، وحيث كان هو يوم السبت فقد أملئ المجلس(23) يوم الاثنين، والمجلس (24) يوم الأربعاء، ثمّ انقطع عن الإملاء بسبب توجهه إلى زيارة الإمام الرضا(رحمة الله علیه) فلم يمل في الطريق حتى وصل إلى طوس، فأملى المجلس (25) في يوم الجمعة 13 ذي الحجة سنة (367 ه-).
ولمّا كانت عادته الإملاء في كل جمعة وثلاثاء، وكانت الثلاثاء التي وافته وهو بطوس صادفت يوم 17 ذي الحجة فلم يمل فيه، بل أملى يوم 18 ذي الحجة ولعلّه نظراً لشرف ذلك اليوم وهو يوم الغدير ، ثم انقطع عن الإملاء في عودته من المشهد إلى أنّ أملى المجلس (27) في يوم الجمعة غرة المحرم سنة (368 ه-) واستمر على عادته في الثلاثاء الآتية والجمعة القادمة فأملى المجلس 28 و 29 فيهما، ونظراً لوقوع الجمعة الثانية يوم الثامن من المحرم وشرع في إملائه فيها بذكر مقتل السبط الشهيد ولم يكمله فقد أكمله في اليومين المتعاقبين، التاسع والعاشر في مجلسين كانا 30 - 31 من أماليه.
ثمّ انتظم إملاؤه بعد ذلك على الترتيب الذي ابتدأ عليه أماليه من الإملاء في كلّ جمعة وكلّ ثلاثاء في الأسبوع حتى المجلس ،87، فقد أملاه يوم الجمعة لسبع خلون من رجب سنة (368 ه-)، ثم انقطع عن الإملاء، لأنه توجه قاصداً زيارة الإمام الرضا(رحمة الله علیه) ثانياً، لكنه في هذه المرة أملى في طريقه في نيسابور عدة مجالس، منها في دار السيّد أبي محمد يحيى بن محمد العلوي الأفطسي المعروف بشيخ العترة وسيّد السادة يوم الأحد غرة شعبان، وكان ذلك هو المجلس 89 من أماليه، ثمّ أملى المجلس التسعين في يوم الثلاثاء وانتظم ترتيب إملائه في كل جمعة وثلاثاء حتّى المجلس 93 فقد أملاه يوم الجمعة 12 شعبان، وهذه المجالس أملاها في نيسابور.
ثم سافر إلى المشهد الرضوي، فأملى يوم الثلاثاء 17 شعبان مجلسه 94 ولعله نظراً لضيق وقته وعزمه على العودة ورغبته في إتمام أماليه في طوس بجوار المشهد الرضوي، أملئ في يوم الأربعاء 18 شعبان مجلسين هما 95 - 96 أحدهما صبحاً والآخر عصراً، وأملى المجلس 97 وهو آخر أماليه يوم الخميس 19 شعبان في مشهد الرضاء(رحمة الله علیه) .
فمن هذا العرض الطويل لأيّام إملائه نجده مواظباً على الترتيب في أيام
الأسبوع والإستمرار في ذلك ما لم تعقه عوائق السفر، أو يحدث ما يقتضي ترك الإلتزام بيوم الإملاء المعين.
أمّا إذا رجعنا إلى أمالي تلميذه المفيد، فإنّا نجد الغالب في أيام إملائه هو يوم السبت والأربعاء وأحياناً الاثنين، لكن لا بنحو الترتيب والإستمرار، ولكثرة الإنقطاع فهي أمالي ولكنها متباعدة الأوصال رغم ضمّها في اطار واحد، فانّه قد أملى أوّل مجالسه يوم السبت مستهل شهر رمضان سنة (404 ه-) واستمر حتى يوم السبت 29 منه سنة ( 404ه-).
ثمّ انقطع عن الإملاء ما يقرب من ثلاث سنين إلى أن تجدد له ذلك في يوم الأربعاء 2 رجب سنة (407ه-) واستمر حتى يوم السبت 22 رمضان سنة (407ه-).
ثمّ انقطع ثانياً طيلة عام كامل فعاد للإملاء يوم الأربعاء 22 رمضان سنة (408 ه-) واستمر حتى يوم الاثنين 27 رمضان.
ثمّ انقطع ثالثاً طيلة عام كامل أيضاً فتجدد له الإملاء يوم الاثنين 2 رمضان سنة (409 ه-) واستمر إلى يوم السبت 21 رمضان.
ثمّ انقطع رابعاً طيلة عام تقريباً، فأملى في يوم السبت 6 شعبان سنة (410 ه-)، ثمّ انقطع حتى شهر رمضان فأملى يوم السبت 6 منه، واستمر حتى 24 منه.
ثمّ انقطع خامساً طيلة عام حتى سنة (411) ه-) فقد أملى في السبت 13 يوم شهر رمضان، واستمر حتى يوم السبت 27 منه وهو آخر أماليه، والملاحظ في هذه الأمالي أنّها أمالي رمضانية في سنوات عديدة لم تنتظم حلقاتها لفراغ بعض
السنين منها.
أمّا أمالي الشيخ الطوسي فإنّ أجزاءها الثمانية عشر - وهي القسم الأوّل والّتي تعرف بأمالي ابن الشيخ لأنّ أسانيدها مبدوءة بالشيخ أبي علي ابن الشيخ الطوسي - مؤرخة كلها بالشهر والسنة إلا الجزء الرابع والثالث عشر والرابع عشر فإنّها لم تؤرخ أصلاً، وجميعها لم تذكر فيها أيّام الإملاء في الاسبوع إلّا الجزء
الخامس، فإنّه ذكر في أوّله أنّه أملاه في يوم الخميس 26 رمضان سنة (457 ه-) كما في مطبوعتي النجف وايران.
والّذي يلفت النظر في هذا التاريخ، انّ تاريخ الجزء الذي بعده - وهو الجزء السادس - في ذي القعدة سنة (455ه-) ، وهكذا تستمر سائر الأجزاء بعده متعاقبة في تسلسل تاريخها السنوي حتى آخر أجزائها، فإنّ تاريخ إملائه في شعبان سنة (456 ه-)، وهنا يبدو سؤال لماذا تأخر إملاء الجزء الخامس إلى سنة (457ه-) دون سائر الأجزاء؟ والجواب فيما أظن هو وقوع السهو في سنة التاريخ إذا صحت النسخة.
ونظراً لعدم ذكر أيّام الاسبوع فى تاريخ الإملاء في هذا القسم، فلا يمكن المقارنة بينه وبين كتابنا في ناحيته الإستمرارية والترتيب.
أمّا القسم الثاني وهو المرتب على المجالس فإنّ أيّام إملاء جميع مجالسه كان يوم الجمعة، فهي مرتبة من هذه الناحية إلا أنّ الإستمرارية فيها ليست كما هي في أمالي الصدوق، إذ أنّ الشيخ الطوسي لم يكن مستمراً في الإملاء في كلّ يوم جمعة، بل هناك جمعات فارغة تخللت بين جمعات الإملاء، فهذا القسم أيضاً لم يحتفظ بطابع الإستمرارية كأمالي الصدوق، ولزيادة الإيضاح يحسن بالقارئ مراجعة الأمالي المذكورة.
ومن جميع هذا العرض اتضح لنا جلياً أنّ الترتيب والإستمرار أكثر وضوحاً في كتابنا والتزاماً من مؤلّفنا ممّا ميّزه على صنويه الآخرين.
وأما جودة العرض وحسن الإختيار، فقد امتازت أمالي الصدوق بهما لما كان يلاحظه مؤلّفها وممليها من رعاية المناسبة الزمانية والمكانية في حديثه وإملائه أكثر ممّا كان يلاحظها تلميذه المفيد وتلميذ تلميذه الطوسي.
وخذ مثلاً على ذلك أوّل حديث في كتاب كلّ منهم، فانّهم ذكروا أحاديث تناسب الشروع في الإملاء، فذكر الشيخ الصدوق بإسناده حديثاً عن عليّ بن
الحسين(عليه السلام)قال: القول الحسن يثري المال، وينمّي الرزق، وينسيء الأجل، ويحبب إلى الأهل، ويدخل الجنّة.
وذكر الشيخ المفيد بإسناده حديثاً آخر عن على بن الحسين(عليه السلام)أيضاً قال: إنّ الملك الموكل بالعبد يكتب في صحيفة أعماله، فأملوا في أوّلها خيراً وفي آخرها خيراً يغفر لكم ما بين ذلك.
وذكر الشيخ الطوسي بإسناده حديثاً نبوياً قال(صلی الله علیه وآله وسلم) : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسو - كذا - القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي.
وإذا لاحظنا هذه الشذرات الثلاث نجد أولاهن أكثر مناسبة في افتتاح مجلس الإملاء نظراً إلى أنّ الأمالي ستحتوي على أخبار فروض وسنن وأخلاق وحكم وآداب ونكت تاريخية وأدبية، ويجمعها القول الحسن.
أمّا الشذرتان الأخريان اللتان افتتح الشيخان المفيد والطوسي بهما الحديث في أماليهما لا تجمعان ما جمع حديث القول الحسن في مختلف أحاديث الأمالي المتنوعة، وإن كان كلّ من الشيخين موفقاً في حسن انتقائه.
وخذ مثالاً آخر أكثر وضوحاً في جودة العرض وحسن الإنتقاء، أنّ الشيخ الصدوق كان يرعى في أماليه المناسبات الزمانية والمكانية، فهو إذ يملي في شهر ذي فضل أو فيه مناسبة شريفة، أو صادف فيه وقوع حادثة إسلامية ذات شأن، لابد أن يذكر ما يناسب ذلك من فضل الشهر أو حديث المناسبة الشريفة، أو ذكر الحادثة المهمة.
فهو في إملائه في شهر رجب وشهر شعبان وشهر رمضان يذكر فضل تلك الشهور وما ورد فيها من حديث يشيد بفضلها وينوه بعظمتها، وهو إذ يملي وقد صادف يوم إملائه في 18 ذي الحجة لا يفوته ذكر حديث الغدير وولاية الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) .
وهو في شهر المحرم يتحدّث في ثلاثة مجالس في ثلاثة أيام متوالية عمّا جرى في ذلك الشهر على أهل البيت من حوادث دامية وفجائع مؤلمة، فيستعرض مأساة الطف بشكل مسهب يصلح أن يكون كتاب مقتل يمتاز عن سائر كتب المقاتل بإسناده ووثاقة مؤلّفه.
وكما كان يرعى المناسبة الزمنية كذلك كان يرعى مناسبة المكان، ففي مجالسه التي أملاها في نيسابور في طريقه إلى مشهد الرضا(عليه السلام) نراه يتحدث عن فضل زيارة الرضا(عليه السلام)، وكذلك في مجالسه في طوس، والتي ختم بها أماليه وكان ختامها حديثاً واحداً رواه بسنده عن عبدالعزيز بن مسلم عن الإمام الرضا(عليه السلام)في شأن الإمامة، وقد اقتصر عليه فأملاه في المجلس 97، وهو آخر أماليه.
فهذه الناحية أعني رعاية الزمان والمكان أكثر وضوحاً في أمالي الصدوق من صنويه الآخرين.
وثمّة ناحية أخرى نلمسها في كتابنا هذا، وهي ناحية الضبط لما دار في مجلس الإملاء، دون ما يتعقبه من حديث يجري عادة بعد الإملاء، فمن شواهد ذلك ما جاء في آخر المجلس السابع والمجلس الثاني عشر والمجلس التاسع والعشرين، فقد ورد في ص 128 من هذه الطبعة: (هذه الأخبار كانت مكتوبة في آخر المجلس الثامن والعشرين).
ولا يمنع ذلك من الإعتراف بفضل كلّ منهما وامتيازه بما ليس في هذه الأمالي، كما أنّ لمؤلّفيهما من الفضل والمكانة التي لا تقصر عن مكانة شيخهما الصدوق رحمهم الله جميعاً .
وأمّا ناحية التدوين والرواية فقد دوّن أمالي الصدوق ورواها عن مؤلّفها:
1 - السيّد أبو البركات عليّ بن الحسين الحسيني الجوري - نسبة إلى محمّد الجور - فقد دوّنه وأخبر به عن مؤلّفه سنة (426) ه-).
2- أبو بكر محمّد بن أحمد بن عليّ، وقد دوّنه وأخبر به عن مؤلّفه سنة (423ه-)
وروى الكتاب عنهما الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن عبدالصمد بن محمد التميمي(رحمة الله علیه)وحدّث هو به في سنة(494ه-).
وليعلم أن والد هذا الفقيه هو عبد الصمد بن محمد التميمي الذي كان من تلاميذ الصدوق(رحمة الله علیه) ، وقد أخبر بالكتاب عن الشيخ الفقيه أبي الحسن علي بن عبد الصمد المذكور الشيخ الجليل العالم أبو الحسن عليّ بن محمّد بن الحسين القمي في سنة (507ه-) ، كما في صدر النسخة المطبوعة في ايران سنة ( 1380 ه-).
أمّا في نسخة مخطوطة كانت عند المرحوم العلّامة السيّد محمّد الطباطبائي اليزدي فقد ورد في صدرها رواية الكتاب عن مؤلّفه بسند عال حيث جاء فيها:
إنّ الشيخ عبدالله بن جعفر بن محمّد بن موسی بن جعفر بن محمد بن أحمد بن العبّاس بن فاخر الدوريستي، روى الكتاب عن جده محمد بن موسى بن جعفر، وهو رواه عن جده جعفر بن محمّد بن أحمد، وهو رواه عن أبيه محمّد بن أحمد بن العبّاس عن المؤلّف.
وإذا عرفنا أنّ وفاة الشيخ عبد الله بن جعفر بعد الستمائة بيسير كما في معجم البلدان(1)، وأن وفاة الشيخ الصدوق سنة (381ه-)، وان رواية الشيخ عبدالله عن الشيخ الصدوق بثلاث وسائط، اتضح لنا معنى علو الإسناد في المقام فلاحظ. وحصلت على نسخة من الأمالي مبدوءة بالسند هكذا: (حدثنا الشيخان الفقيهان العالمان أبو محمّد عبدالله الدويرستي وأبو الفضل شاذان بن جبرئيل رضي الله عنهما قالا : حدثنا الشيخ الصدوق عن جده بالكوفة عن أبيه، قال: حدثنا أبو جعفر محمّد بن علي بن موسى القمي)... الخ.
وهو يتفق مع سند النسخة التي كانت عند المرحوم السيد محمد اليزدي إلّا في حذف واسطة ( عن جده ) إسناد الشيخين فلاحظ.
1) معجم البلدان 102:4( مادة دوريست).
والنسخة المشار إليها اشتريتها قريباً من العلّامة السيد محمّد علي بن المرحوم السيد يحيى اليزدي المدرّسي، واليوم برغمي انتقلت إلى مكتبة المتحف العراقي برقم (21904) ضمن مجموعة المخطوطات التي كانت عندي، قدمتها وأنا مكره أخوك لا بطل).
أمّا أمالي الشيخ المفيد فقد دوّنها ورواها أبو الحسن عليّ بن محمّد بن عبدالرحمن الفارسي، كما في النسخة المطبوعة، ولم أعثر على من دونها ورواها تامة غيره.
وأمّا أمالي الشيخ الطوسي فقد رواها عنه ولده الشيخ أبو علي حيث أملاها عليه والده وهو أملاها على تلاميذه فرويت عن مؤلّفها بواسطته، ولا يمنع ذلك أن يوجد من شارك أبا عليّ في السماع من أبيه الشيخ الطوسي تلك الأمالي، إلّا أنّ الّذي حدّث بها عن المؤلّف هو ولده أبو عليّ فحسب.
فهذه النقاط التي لمستها في كتابنا هذا واعتبرتها من الناحية الفنية ميزة له على صنويه، وقد يحسب لها أكثر من حساب في تقييم المؤلّف ومنهجيته، ولا أدعي له الأفضلية عليهما من سائر النواحي الأخرى، كما لم يتح لي الإطلاع على كافة كتب الأمالي فأقارن بينه وبينها، وما أكثرها وأنّي لنا بتحصيل نسخ مخطوطاتها لو تيسرت نسخة المطبوع منها، ثمّ كيف بما انعدم رسمه ولم يبق إلا إسمه، أثبتته كتب الفهرسة ومعاجم التراجم.
ولعلّ من الخير اثبات قائمة كتب الأمالي التي جمعتها مما اطلعت عليه في تلك الكتب والمعاجم إذ لا تخلو من فائدة للقارئ ولو محض الإطلاع، وعسى أن يكون بين القرّاء من يروم إشباع الحديث عن كتب الأمالي وأصحابها بصورة أوفى واستيعاب تام، فأكون قد وفرت عليه بعض الوقت وكفيته مؤنة الجمع، وقد رتبتها حسب الحروف الهجائية:
1 - أمالي الأسدي في مناقب أهل البيت للفقيه الصالح ليث بن سعد بن ليث
الأسدي نزيل ،زنجان، يروي عنه المفيد عبدالرحمن النيسابوري، ذكرها ابن بابويه في فهرسته.
2 - أمالي الأصفهاني في الحديث، لأبي عثمان إسماعيل بن محمد بن أحمد الأصفهاني الحافظ، ذكرها كاتب چلبي في كشف الظنون(1).
3- أمالي الإمام: لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحنفي الأنصاري (ت 183 ه-)، وهي في الفقه، يقال أكثر من ثلاثمائة مجلد، كما في كشف الظنون(2)
4 - أمالي الإمام عبد الحميد بن عبدالعزيز، (ت 292 ه-)(3).
5 - أمالي ابن الأنباري: لأبي بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري (4).
6 - أمالي ابن أبي الفوارس: لأبي الفتح ابن أبي الفوارس ذكره الكتاني في الرسالة المستطرفة(5)
7 - أمالي ابن بشران: لأبي القاسم عبدالملك بن محمد بن عبدالله بن بشران البغدادي، مسند العراق (ت 430 ه-) ذكره الكتاني في الرسالة المستطرفة(6).
8 - أمالي ابن الحاجب لأبي عمرو عثمان بن عمر النحوي المالكي (ت 672ه-)، مجلد فيه تفسير بعض الآيات وفوائد شتى من النحو على مواضع من المفصل ومواضع من الكافية في غاية التحقيق.
9 - أمالي ابن حبابة البزار: في الحديث، لعبيد الله بن محمّد بن إسحاق بن حبابة البزار(7).
10 - أمالي ابن حجر للحافظ أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني (ت 852 ه-) أكثرها حديث أملاها بمدينة حلب، قال الكتاني في الرسالة المستطرفة وأملى أكثر من ألف مجلس (8)
11 - أمالي ابن الحصين لهبة الله بن محمد بن عبدالواحد(1).
12 - أمالي ابن دريد: لمحمّد بن أبي بكر اللغوي (ت 321 ه-) وهي في العربية، لخصها جلال الدين عبد الرحمن السيوطي وسماه قطف الوريد.
13 - أمالي ابن شاذان في الحديث لأحمد بن علي بن الحسين بن شاذان القمي الفامي، يرويها الشيخ النجاشي بواسطة ولد المؤلّف أبي الحسن محمّد بن أحمد عنه(2).
14 - أمالي ابن شاهين: هو أبو حفص ابن شاهين(3)
15 - أمالي ابن الشجري لأبي السعادات هبة الله بن عليّ (ت 572 ه-) وهي مطبوعة بحيدر آباد في مجلدين.
16 - أمالي ابن شمعون لأبي الحسين محمّد بن أحمد، إملاء في الحديث، ورتّب على أجزاء كما في كشف الظنون (4).
17 - أمالي ابن صصرى لأبي المواهب قاضي القضاة، وهو غير أبي القاسم ابن صصرى، كما فى الرسالة المستطرفة(5)
18 - أمالي ابن الصلاح كما في الرسالة المستطرفة (6).
19 - أمالي ابن عساكر لأبي القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الدمشقي صاحب تاريخ دمشق الكبير (ت 571 ه-)، وهو القائل:
ألا إن الحديث أجلّ علمٍ *** وأشرفه الأحاديث العوالي
وأنفع كل نوع منه عندي *** وأحسنه الفوائد والأمالي
وانّك لن ترى للعلم شيئاً*** یحققه كأفواه الرجال
فکن یا صاح ذا حرص عليه *** وخذه عن الرجال بلا ملال
ولا تأخذه عن صُحف فترمى*** من التصحيف بالداء العضال(7)
وهي في الحديث(1).
20 - أمالي ابن عساكر لولد السابق أبي محمد القاسم بن عليّ(2).
21 - أمالي ابن فارس: في الحديث لأبي بكر يوسف بن القاسم بن يوسف بن فارس القاضي(3).
22 - أمالي ابن قطلوبغا زين الدين قاسم بن قطلوبغا، أمالي مسانيد أبي حنيفة وهى مجلدين(4)
23 - أمالي ابن مندة لأبي زكريا يحيى بن عبدالوهاب بن مندة(5).
24 - أمالي ابن مندة لأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة (6).
25 - أمالي أبي طالب هو السيد علي بن الحسين الحسيني، ينقل عنه السيد رضي الدين ابن طاووس بعض أحاديث المواسعة في كتابه غياث سلطان الورى(7).
26 - أمالي البختري : لأبي جعفر محمد بن القاسم البختري (ت 343ه-)، وهي في الحديث(8).
27 - أمالي بديع الزمان لأبي الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني(ت 398 ه-)(9)
28 - أمالي البزودي: هو صدر الإسلام البزودي وهي في الفروع ذكرها کاتب چلبي في كشف الظنون (10).
29 - أمالي البغدادي: هو أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدالباقي بن منصور البغدادي (ت 489 ه-) (11)
30 - أمالي ثعلب: في النحو لأبي العباس أحمد بن يحيى النحوي (ت 291ه-)،وهي المطبوعة باسم (المجالس)، وقد ذكرناها تبعاً لتسمية كاتب چلبي لها في كشف الظنون(1)، وإلا فقد سبق أن اسمها الصحيح
(المجالس).
31 - أمالي جحظلة البرمكي هو أحمد بن جعفر النديم، وكانت من مآخذ أبي الفرج الاصبهاني في أغانيه، وعول عليها ياقوت في معجميه معاً.
32 - أمالي الجوهري في الحديث لأبي محمد الحسن بن علي الحافظ (ت 454 ه- )(2).
33 - أمالي الحاكم في الحديث، لأبي عبدالله بن البيع النيسابوري (ت 405ه-) وهي غير أماليه الأخرى الآتية.
34 - أمالي الحاكم في الحديث، وتعرف بالعشيات، ذكرها والتي قبلها الكتاني في الرسالة المستطرفة(3).
35 - أمالي الحاكمي هو رضي الدين أحمد بن إسماعيل القزويني الحاكمي الواعظ ببغداد (ت 590 ه-)(4).
36- أمالي الحراني: هو الحافظ أبي عروبة حسين بن محمد السلمي (ت 316 ه-)(5)
37 - أمالي حسن بن زياد في الفروع(6).
38 - أمالي الحقار: لأبي الفتح هلال بن محمّد بن جعفر بن سعدان الحفار توفي سنة (414ه-) عن اثنتين وتسعين سنة، كما ذكره تلميذه الخطيب وهو من مشايخ الشيخ الطوسي وقد روى عنه كثيراً فى أماليه القسم الأوّل.
39 - أمالي الحلواني: لأبي بكر الحلواني(7).
40 - أمالي الحلواني: لأبي عبدالله سلمان بن عبدالله الحلواني (ت 494 ه-)(1).
41 - أمالي الخزاز: للشيخ أبي القاسم عليّ بن محمّد بن علي الخزاز القمي صاحب كفاية الأثر، من تلاميذ الشيخ الصدوق(2).
42 - أمالي الخزاعي لأبي بكر أحمد بن الحسين بن أحمد الخزاعي، نزيل الري تلميذ الشريفين المرتضى والرضى والشيخ الطوسي، وهي في الأخبار، في أربع مجلدات (3).
43 - أمالي الخطيب: لأبي بكر الخطيب البغدادي صاحب التاريخ (4).
44 - أمالي الخلال: لأبي محمد الحسن بن محمد الخلال وهي عشرة مجالس(5)
45 - أمالي الخيزاخيزي: لأبي بكر الخيزاخيزي (ت 518 ه-)(6).
46 - أمالي الرافعي: للإمام أبي القاسم عبدالكريم بن محمد بن عبدالكريم بن - الفضل القزويني الرافعي (ت 623 ه-) وهي ثلاثون مجلساً على عدد كلمات الفاتحة، أملى فيها ثلاثين حديثاً بأسانيدها، وتكلم عليها وشرحها بفصول وهي المسمّاة بالأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة، في مجلد(7).
47 - أمالي الرفاعي.
48 - أمالي ريغدموني لأبي بكر ريغدموني(8)
49 - أمالي الزبيدي للسيد مرتضى الزبيدي، صاحب تاج العروس وله الأمالي الحنفية.
50 - أمالي الزبيدي للسيد مرتضى الزبيدي صاحب تاج العروس، له الأمالي الشيخونية ذكرا معاً في مقدّمة تاج العروس
51 - أمالي الزيادي: لأبي طاهر محمّد بن محمد بن مخمش الزيادي، مفتي نيسابور (ت 401 ه-)، في الحديث (1).
52 - أمالي الزجاجي في النحو (الكبرى)، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد النحوي (ت 316ه-)(2)
53 - أمالي الزجاجي في النحو (الوسطى)، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد النحوي (ت 316ه-)(3).
54 - أمالي الزجاجي: في النحو (الصغرى)، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد النحوى (ت316ه-)(4)
55 - أمالي الزجاجي: عبد الرحمن المتوفى بطبرية (339 ه-)، وقيل ( 340 ه-)، وله أمالي كثيرة في مجلد ضخم فيها أحاديث بأسانيد(5).
56 - أمالي الزرنجري: لشمس الأئمة بكر بن محمد البخاري (ت 512 ه-)(6).
57 - أمالي الزعفراني في الحديث للإمام أبي عبدالله حسن بن أحمد، وقد رأى الذهبي مجلداً من أماليه في سنة (607ها، وسنة (589 ه-)(7)
58 - أمالي الزمخشري: جار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت 538)(8)
59 - أمالي السخاوي قال في فتح المغيث أمليت بمكة وبعدة أماكن من القاهرة، وبلغ عدة ما أمليته من المجالس إلى الآن نحو الستمائة والأعمال بالنيات(9).
60 - أمالي السرخسي للإمام شمس الأئمة السرخسي الحنفي (ت 483ه-)(10).
61 - أمالي السرخسي لأبي الفرج عبدالرحمن بن أحمد السرخسي الشافعي (ت 494 ه-)، وهي في الفقه (11).
62 - أمالي السرخكي لمجد الأئمة أبي بكر محمد بن عبدالله (ت 518 ه-)(1)
63 - أمالي سعيد بن نصر : ذكره الشيخ إبراهيم بن علي الكفعمي (ت 905 ه-)، فى آخر كتابه البلد الأمين، وعده من مآخذ كتابه(2).
64 - أمالي السلامي في الحديث لأبي الفضل محمّد بن ناصر السلامي (ت 550 ه-)(3)
65 - أمالي السمعاني: المعروف بالخمسمائة، لأبي سعد عبدالكريم بن محمّد السمعاني (ت 562 ه-)(4).
66 - أمالي السمعاني: لأبي بكر بن أبي المظفر السمعاني، ذكر فيها شيئاً من ترجمة القفال المروزي الصغير(5).
67 - أمالي السيوطي المطلقة: لجلال الدين عبدالرحمن السيوطي، وله:
68 - أمالي السيوطي على القرآن وله
69 - أمالي الدرّة الفاخرة في كشف علوم الآخرة للغزالي (6).
70 - أمالي الشافعي في الفقه: يرويها عنه موسى بن أبي الجارود المكي(7)، وحكى أن أبا حامد الإسفراييني أرسل إلى مصر فاشترى أمالي الشافعي بمائة دينار، وقد ضمّنها أبو سهل الزوزنى فى كتابه جمع الجوامع في نصوص الشافعي إذ استوعب فيه القديم والمبسوط والأمالي وغيرها(8).
71 - أمالي الشيباني: عده الكفعمى فى آخر كتابه البلد الأمين من مآخذ كتابه واحتمل شيخنا الرازي أنّه لمحمّد بن الحسن الشيباني مؤلّف التفسير الكبير الموسوم بكشف البيان أو نهج البيان(9).
72 - أمالي الشيباني: لأبي المفضّل محمّد بن عبدالله بن محمد بن عبیدالله بن بهلول بن همام بن المطلب الشيباني
( ت 387ه-) عن تسعين سنة (1).
73 - أمالي الشيباني في الفقه: لمحمّد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة مطبوع في حيدر آباد سنة ( 1360 ه-)، وقد سبقت الإشارة إليه فراجع.
74 - أمالي الصفوة من أشعار العرب :لأبي القاسم فضل بن محمّد البصري النحوي(ت 444 ه-) (2)
75 - أمالي الصولي الحسنة: لأبي بكر الصولي الشهير، حكي أن السمعاني صاحب الأنساب كتب جزئين ضخمين من أماليه الحسنة عن شيخه أبي شيخه أبي منصور الجواليقي ببغداد.
76 - أمالي الضبي: لأبي عبدالله حسين بن هارون بن جعفر الضبي وهي في الحديث (3).
77 - أمالي الطوسي: لشيخ الطائفة الطوسي، وقد سبق الحديث عنها.
78 - أمالي ظهير الدين الولوالجي الحنفي: في الفقه (4).
79 - أمالي العراقي: لأبي الفضل زين الدين العراقي (ت 806ه-) وهي تنوف عن 400 مجلس، قال تلميذه ابن حجر: شرع في إملاء الحديث من سنة (96 ه-) فأملى أكثر من 400 مجلس (5).
80 - أمالي العراقي: لأبي زرعة العراقي ولد المتقدم، وهي تنوف عن 600 مجلس(6).
81 - الأمالي العراقية في شرح الفصول الإيلاقية: لسديد الدين محمود بن علي الحمصي الرازي (ت 583ه) وهي في الطب(7)
82 - أمالي الفارسي: لعبد الغافر الفارسي صاحب كتاب السياق في تاريخ نيسابور وغيره (1).
83 - أمالي الفربري(2).
84 - أمالي الفيض: للمولى محسن الفيض الكاشاني (ت 1091 ه-)(3).
85 - أمالي القطيعي لأبي بكر أحمد بن جعفر القطيعي(4)
86 - أمالي القطيفي للشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي(5).
87 - أمالي القنطري للحافظ حسن بن إبراهيم القنطري(6)
88 - أمالي قاضي خان للإمام فخر الدين حسن بن منصور الاوزجندي (ت 592ه-) وهي في الفقه(7).
89 - أمالي قاضي فخر الأرسابندي(8).
90 - أمالي القاضي عبدالجبار بن أحمد الهمداني الشافعي المعتزلي (ت 415ه-)(9).
91 - أمالي القاضي المارستاني: في الحديث لأبي بكر محمد بن عبدالباقي(10)
92 - أمالي الثمالي: في اللغة، لأبي علي إسماعيل بن القاسم اللغوي ( ت 356ه-) وهو كتاب مطبوع مكرراً.
93 - أمالي القضاعي: في الحديث، لأبي عبدالله محمد بن سلامة الشافعي (ت 454ه-)(11).
94 - أمالي الكلاباذي: لأبي القاسم الكلاباذي(12)
95 - أمالي المحاملي: لأبي عبدالله الحسين بن إسماعيل بن محمد المحاملي
(ت 330 ه-) وهي في ستة عشر جزءاً من رواية البغداديين والاصبهانيين(1)و تعرف بالأمالي الأصبهانية(2).
96 - أمالي المخلص: لأبي طاهر المخلص في الحديث (3).
97 - أمالي المرتضى: وهي المعروفة باسم الغرر والدرر وقد طبعت في ايران ومصر مكرراً.
98 - أمالي المرشد بالله : يحيى بن الحسين بن إسماعيل بن زيد بن جعفر بن الحسن بن محمّد بن جعفر بن عبدالرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط(عليه السلام)، نقل عنها حميد الفقيه فى الحدائق الوردية (4)
99 - أمالي المعري: أبي العلاء أحمد بن عبد الله المعري (ت 449ه-) وهو مائة كراسة ولم يكمله (5).
100 - أمالي المفيد: سبقت الإشارة إليه.
101 - أمالي الناصر الأطروش : هو أبو محمّد الحسن بن علي بن الحسن بن عليّ بن عمر الأشرف بن الإمام السجاد (عليه السلام)، توفى بآمل طبرستان (304 ه-) وأماليه في الأخبار وفيه كثير من فضائل العترة(6).
102 - أمالي النسفي هو أبو بكر النسفي (7)
103 - أمالي النصير آبادي في التفسير والمواعظ، للسيد حسين بن دلدار عليّ النقوي النصير آبادي (ت1273 ه-) (8).
104 -أمالي نظام الملك: أبي علي الحسين بن علي بن إسحاق (ت 485 ه-)، وهي في الحديث(9)
105 - أمالي النقاش: هو أبو سعيد وهي في الحديث(1).
106 - أمالي النيسابوري: هو أبو محمّد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين بن أحمد الخزاعي النيسابوري، تلميذ الشريفين الرضي والمرتضى والشيخ الطوسي وسلار وابن البرّاج والكراجكي، ذكره ابن بابويه في فهرسته (2).
107 - أمالي النيسابوري: في الحديث للمحسن بن الحسين بن أحمد النيسابوري عم المتقدم ابن بابويه الحسن بن الحسين المعروف بحسكا الراوي عن الشيخ الطوسي فهو من معاصري الطوسي(3).
108 - أمالي وحشي هو أبو علي الحسن بن علي البلخي (ت 471 ه-) (4).
109 - أمالي الورّاق: هو محمّد بن إسماعيل بن العباس الوراق البغدادي (ت 878 ه-)(5)
110 - أمالي الهاروني هو أبو طالب يحيى بن الحسين الأحول بن هارون 1 الأقطع بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمد البلطحاني وهو المعروف بالناطق بالحق من أئمة الزيدية، (ت 424) بجرجان، وأماليه في الأخبار(6).
هذه قائمة بأسماء كتب الأمالي التي جمعتها مع الإشارة إلى مصدر كل واحد فيها، ولا يفوتني تنبيه القارئ إلى بالغ اهتمام العلماء بأمالي الصدوق(رحمة الله علیه) حتى ترجمها إلى الفارسية، وقد وقفت على ثلاث ترجمات لها:
1 - ترجمة السيّد علىّ الإمامي.
2 - ترجمة السيد صادق بن السيّد حسين التوشخانكي.
3 - ترجمة الشيخ محمّد باقر الكمره ای وقد طبعت ترجمته مع الأصل في طهران سنة ( 1380ه-) نشرتها المكتبة الإسلامية.
كما لا يفوتني تنبيهه ثانياً إلى وجود نسخة من أمالي شيخنا الصدوق تعد من
الأعلاق الخطيرة فانّها من نفائس القرن السادس الهجري، وهي بخط الشيخ عليّ ابن محمّد بن محمد بن عليّ بن السكون تاريخها يوم الخميس 14 ذي الحجة سنة (563ه-) ، وكانت النسخة عند المحدّث الحجّة الشيخ عباس القمي (رحمة الله علیه) وهي اليوم عند نجله الأكبر الشيخ مرزا عليّ محدّث زاده.
والحمد الله بدءاً وختاماً
محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
25 شهر رمضان سنة 1389ه-
تاليف
الشيخ الصدوق ابى جعفر محمد بن على
ابن الحسین بن موس بابویة القمى
المتوفی سنه281ه-
الجزء الأول والثانى
قدم له
العلامة الجليل السيّد محمد مهدى السيّد حسن الخرسان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حياة المؤلّف والتعريف بالكتاب:
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
وبعد، فهذه صحائف أقدم بها لكتاب من تأليف شيخنا أبي جعفر محمّد بن علىّ الصدوق(رحمة الله علیه)، وهو كتاب
( عيون أخبار الرضا(عليه السلام)).
وحيث سبق لي تقديم ثلاثة كتب من تأليف شيخنا(رحمة الله علیه)، أولها كتاب «التوحيد» وذلك في سنة (1386 ه-)، فعرّفت المؤلّف والمؤلف في مقدّمة تقرب من خمسين صفحة، وثانيها إكمال الدين ومقدّمته في 28 صفحة، وثالثها كتاب «الأمالي»ومقدّمته في 48 صفحة وذلك في سنة (1389 ه-)، ونظراً لقرب صدورهما يومئذ، فقد شركت بينهما في تعريف المؤلف(رحمة الله علیه) في سطور، وخصصت كل واحد من الكتابين بما يخصه من تعريف وذكرت عذري في ذلك التشريك، بيد أن العذر لم يكن مقبولاً لدى بعض القراء، فقد صارحني بعضهم بذلك، بحجة أنّ كثيراً من القراء ليس بوسعه الرجوع إلى المصادر سعياً وراء المزيد من التعرف على حياة المؤلّف.
فالواجب يقضي بتعريف المؤلّف تعريفاً كاملاً شاملاً في مقدمة كلّ كتاب له ينشر ليستغني القارئ بذلك عن الرجوع إلى سطور متفرقة، وكلمات مبثوثة في مصادر متعددة، قد لايتسنى الحصول عليها لعامة القراء، فضلاً عن مراجعتهم للإستفادة منها، وقد يكون له الحقّ في ذلك، ولكن من يقدّم لكتاب لا يسعه أن يترجم لمؤلّفه إلّا في حدود ما يتناسب وشأن الكتاب، وحجمه ومكانة المؤلّف وشهرته، فإذا ما قدر له العود إلى نفس المؤلّف في تقديم كتاب آخر له يحسن به أن لا يعيد ما سبق منه تقديمه فى كتابه الأوّل وإلّا كان إجتراراً لما سبق، فلابدّ له من منحى آخر يبعده عن الإجترار، وليس أولى من الإقتصار على تعريف المؤلّف
في سطور، يستغنى بها عن إعادة صفحاته السابقة، وهذا هو ما دعاني إلى ترجمة مؤلّفنا في سطور في مقدمتي (الأمالي) و (الإكمال) .
أمّا الآن وهذه هي المرّة الرابعة التي أعود فيها إلى مصادر ترجمة المؤلّف الشيخ الصدوق(رحمة الله علیه)، فقد رأيت أن أسلك طريقاً وسطاً بيني وبين القارئ الذي عتب عليَّ في اختصار الترجمة، وذلك الطريق قد يمرّ بنا من قريب أو بعيد على ما سبق لنا من ترجمة المؤلّف في حدود ما يجب المرور به من الخطوط العامة، كما قد يؤدي ذلك الإلتقاء بالمقدّمات السابقة إلى إقتباس نصوص كاملة منها ومن مقدّمة (من لا يحضره الفقيه) لسماحة سيّدنا الوالد دام ظله وهي أوسع ما كتب عن المؤلّف(رحمة الله علیه) والّتي ساعدتنا والقراء على تفهم شخصية المؤلّف واضحة المعالم كما كانت ووصلت إلينا عبر أدوار التاريخ، وإن كانت شخصيته خصبة المواهب كثيرة الجوانب لاتزال بعض جوانبها بحاجة إلى مزيد بحث يكفل تصويرها تصويراً تاماً، ولعلّ في الباحثين المعنيين من يسد ذلك الفراغ بدراسة موضوعية شاملة، تحدد جوانب تلك الشخصية الفذة في سلوكها العلمي والعملي إن شاء الله.
الشيخ الصدوق - مؤلف الكتاب :
هو أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي.
ولم ترفع كتب التراجم نسبه إلى ما فوق (بابويه) الأمر الّذي يدلنا على أنّه الشخصية الأولى من آبائه الّذي تمتع بشهرة حتّى صارت النسبة إليه، كما يترك المجال مفتوحاً لاحتمال نسبة عدة من المحدثين والعلماء المشهورين ينسبون إلى مثل هذا الاسم (بابويه)، إنّهم من لحمة الشيخ الصدوق وأبناء عمومته، فإنّهم أيضاً لم ترفع أنسابهم إلى من فوق بابويه إلا في واحد كما سيأتي، ونظراً لتقارب عصورهم مع عصر الصدوق فيبدوا احتمال أنهم جميعاً من أسرة واحدة ويرجعون إلى جد واحد وهو بابويه، وقد ذكرت ذلك في رسالتي (التنويه بأسماء المختومين بويه)عند ذكر أسماء الأعلام من المحدثين المنسوبين إلى بابويه وإن
لم أجزم به.
أمّا الأشخاص المشار إليهم آنفاً ممن نسب إلى بابويه ولم يرفع نسبه إلى من فوقه إلّا في واحد وهو:
1 - محمّد بن سليمان بن بابويه بن مهرويه المخرمي كما في الإكمال وفي رواية الخطيب أنّه بابويه بن فهرويه بن عبدالله سمع عثمان بن عبدالله بن عمرو ابن عثمان العثماني وغيره حدّث عنه ابنه عبيد الله - الآتي ذكره - وغيره، توفي سنة 307ه- .
2 - عبیدالله بن محمد بن سليمان - الآنف الذكر - أبو محمد الدقاق، حدّث عن أبيه، وجعفر الفريابي وإبراهيم بن عبدالله بن أيوب المخرمي وغيرهم.
3 - أبو القاسم محمّد بن عبيد الله بن بابويه - الرجل الصالح - وهو ممن يروي - عنه أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيدالله الضبي، وهذا من مشايخ المؤلّف شيخنا الصدوق، روى عنه كما في أسانيد كتبه.
4 - الحسين بن إبراهيم بن بابويه، عده سماحة السيد الوالد دام ظلّه من جملة مشايخ الصدوق في مقدّمة الفقيه (1)استناداً إلى ما ذكره المحدث النوري في خاتمة المستدرك ، ولم نجد ذكره في أسانيد الصدوق في كتبه، نعم وردت رواية الصدوق عنه بواسطة في إسناد حديث في بشارة المصطفى(2)حيث ذكر أنّ الصدوق يروي عن الحسين بن موسى عن الحسين بن إبراهيم بن بابويه، عن عليّ ابن إبراهيم بن هاشم القمي.
5 - أبو الحسن على بن عبدالله بن أحمد بن بابويه المذكر، وهو من شيوخ الصدوق، روى عنه في معانى الأخبار(3).
6 - أبو الحسن علىّ بن محمد بن بابويه الأسواري الأصبهاني، قال ابن مندة:
هو آخر الأغنياء الأتقياء، ورع دين دخل شیراز وسمع من جماعة، وكتب، مات سنة ( 358ه-).
7 - أحمد بن الحسن بن عليّ(1)بن بابويه الحنائي، حدّث عن يوسف بن موسى القطان، وحدّث عنه عمر بن أحمد بن شاهين في معجم شيوخه، وابن شاهين هذا ولد سنة (297)(ه-) وأوّل ما سمع الحديث منه (305 ه-) وله إحدى عشرة سنة(2)، وتوفي سنة (385ه-).
8 - أبو الحسن عليّ بن بابويه قتيل القرامطة في الطواف بالمسجد الحرام ذكره القطبي في كتابه الإعلام بأعلام بيت الله الحرام(3): أن القرامطة لمّا أغاروا على الحجاج في سنة (317ه-) ودخلوا المسجد الحرام أيّام الموسم، وراثت خيولهم في المسجد، وقتلوا خلقاً كثيراً في المطاف قدرهم بألف وسبعمائة طائف محرم، وكان عليّ بن بابويه ممّن يطوف فلم يقطع طوافه، وجعل يقول:
ترى المحبين صرعى في ديارهم*** كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
والسيوف تقفوه إلى أن سقط ميتاً، رحمه الله تعالى (4)
ومن الغريب أنّ الشيخ الطريحي ذكر في مجمع البحرين (قرمط) نقلاً عن الشيخ البهائي أنّ الحادثة كانت سنة (310 ه-) وهو غير صحيح، فانّ دخول القرامطة إلى مكة كان في سنة (317) كما في تاريخ الكامل لابن الأثير، والبداية والنهاية لابن كثير وغيرهما، وورد ذكرها في حوادث سنة (316 ه-) في كتاب صلة تاريخ الطبري، فراجع.
.1) كذا في رسالة التنويه نقلاً عن الذهبي، وفيها أيضاً عن المعلمي أنه أحمد بن علي بن الحسين بن بابويه.
2) ورد في لسان الميزان 4: 283 أنّه أوّل ما سمع الحديث في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وله إحدى عشرة سنة، وهو من سهو القلم من ابن حجر إذ سبق منه ذكر ولادة ابن شاهين في سنة (297) ومعلوم أنه لما سمع وله إحدى عشرة سنة، فيكون الصواب سنة ثمان وثلاثمائة لا كما ذكر، فلاحظ.
3) الإعلام: 75 - 76
4) ذكر القصة ابن كثير في تاريخه في حوادث سنة (317) ولم يسم علي بن بابويه، بل قال: وقد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف، فلمّا قضى طوافه أخذته السيوف، فلما وجب أنشد وهو كذلك ثم ذكر البيت.
9 - أبو الحسن علي بن الحسين بن بابويه الرازي، خرج لنفسه أربعين حديثاً رواها عنه أبو المجد محمّد بن الحسين بن أحمد القزويني (ت 622 ه-) بسماعه منه(1)
ومن الواضح أنّ هؤلاء كلّهم إلّا الأخير منهم ممن يقارب عصرهم عصر الصدوق أو عصر والده كتقارب بلدانهم، فيا هل ترى وجاهة احتمال أنهم من ذرية بابويه جد المؤلّف أو أنّهم من بابويه آخر أو آخرين.
ومهما يكن الواقع فانّ بني بابويه - أسرة المؤلّف - من بيوتات القميين المشتهرة بالعلم والفضيلة، وقد تبوا رجال منهم مكان الصدارة والمرجعية، كما كان بيتهم حتى القرن السادس بيت علم وحدیث ذكرت المعاجم الرجالية منهم عدة علماء ومحدّثين، أحصينا منهم ما يقرب من عشرين عالماً من بينهم شيخ الإسلام وثقة الدين، كما فيهم من تسمى باسم جدهم الأعلى (بابويه) إحياءً لذكره.
وبالرغم من كثرة البحث في تاريخ هذه الأسرة الكريمة الباسقة أفنانها والناضجة ثمارها، لم نقف على مبدء سكناهم في قم الحاضرة الإسلامية ومهد العلم في ذلك العصر، لكن الذي لا نشك فيه أن والد المؤلّف - وهو الشيخ أبو الحسن علي بن الحسين كان في قم، ومن أبرز أصحاب الشيوخ الأجلّة سعد ابن عبدالله بن أبي خلف الأشعري، وأبي العباس عبدالله بن جعفر الحميري صاحب قرب الاسناد، وأبي الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القمي المفسّر وطبقتهم.
كما كانت له مكانة مرموقة في وسطه، بل يعد من علية رجالات بلده، وفي الطليعة بين أعلامهم الطائري الصيت إن لم يكن هو الأوّل المشار إليه من بينهم، وقد أثنى عليه علماء الرجال ووصفوه بكل جميل، ممّا يكشف عن عظيم قدره،
1) ذهب المرحوم الدكتور مصطفى جواد في هامش إكمال الإكمال: 17، إلى أن علي بن الحسين بن بابويه المذكور، هو والد الصدوق المتوفى سنة (328ه-) ولما تفطن إلى أن بين وفاة ابن بابويه الذي عينه وبين وفاة أبي المجد القزويني الراوي عنه سماعاً (294) سنة تمحل في تفسير قوله ( بسماعه منه )فقال: يعني بسماع الجزء منه عن جماعة من الشيوخ وهذا إجتهاد من الدكتور في مقابل النص على أنه لم يذكر بين مؤلّفات والد الصدوق كتاب إسمه (الأربعين) فراجع فهرستي النجاشي والطوسي وغيرهما.
وعلو كعبه.
كما ذكروا أنّ الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) (ت 260ه-) كتب إليه كتاباً فيه ما يغني عن سرد جمل الثناء العاطر، وآيات التعظيم، جاء فيه:
(اعتصمت بحبل الله بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين والعاقبة للمتقين، والجنة للموحدين، والنار للملحدين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا إله إلّا الله أحسن الخالقين والصلاة على خير خلقه محمّد وعترته الطاهرين).
وفيه: (أمّا بعد، أوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي أبا الحسن عليّ بن الحسين القمي، وفقك الله لمرضاته، وجعل من صلبك أولاداً صالحين برحمته).
وفيه: (فاصبر يا شيخي يا أبا الحسن عليّ، وأمر جميع شيعتي بالصبر، فانّ الأرض الله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته).
والّذي يلفت النظر في فقرات هذا الكتاب خطاب الإمام(عليه السلام)لأبي الحسن بن بابويه بالشيخ، ولابد أن يكون من باب شيّخه تشييخاً دعاه شيخاً تبجيلاً وتعظيماً (1)، وإلّا فلا مجال للقول بأنّ ابن بابويه كان حين صدور الكتاب شيخاً في السن أي من الخمسين إلى الثمانين، كما هو معنى الشيخ على ما حكاه ابن سيّده في المخصص وغيره.
ولو كان شيخاً لعدّ من المعمّرين، إذ أنّ وفاة الإمام العسكري(عليه السلام) كانت سنة عاماً ( 260ه-)، وعاش أبو الحسن ابن بابويه بعد الإمام(عليه السلام) ما يقرب من سبعين حيث كانت وفاته سنة (328 ه-)، ولم يذكر أنّه كان من المعمّرين الذين تجاوزوا المائة وناهزوا المائة وخمسين مثلاً، ولم يذكر في ترجمته ما يشير إلى ذلك ولو من بعيد.
على أنّه لو كان من المعمّرين الذين تجاوزوا المائة وناهزوا المائة وخمسين
1) تاج العروس 2: 268، طبع سنة (1286ه-).
مثلاً لأشار ولده الشيخ الصدوق إلى ذلك في كتابه إكمال الدين في باب التعمير والمعمّرين، وما يناسب ذلك من أبواب الكتاب، فلابد إذن من أن يكون المعني بالشيخ هو التبجيل والتعظيم، ولعلّ في مخاطبته بالكنية ما يشعر بذلك مضافاً إلى وصفه بالمعتمد والفقيه، فهو من الشيوخ شأناً ، وإن لم يكن منهم سناً .
وممّا يسترعي الانتباه أنّ هذا الكتاب لم يروه ولده الصدوق في تضاعيف كتبه التي وصلت إلينا على كثرة الأبواب المناسبة لذكره، كما لم يذكره القدماء من أصحابنا. وأقدم مصدر حكى عنه - فيما أعلم - هو كتاب الاحتجاج لأبي منصور أحمد بن عليّ الطبرسي، أستاذ الحافظ ابن شهر آشوب السروي (ت 588 ه-)، حكاه عنه
البحراني في لؤلؤة البحرين(1)، ولم أجده في مطبوع الاحتجاج ورواه بصورة مختصرة الحافظ ابن شهر آشوب فى المناقب (2)، وذكره مفصلاً القاضي المرعشي في مجالس المؤمنين(3)، والخوانساري في الروضات(4)والنوري في خاتمة المستدرك(5)وغيرهم من المتأخرين.
ذكر الشيخ النجاشي في رجاله(6)أبا الحسن - والد المؤلّف - ووصفه بقوله: شيخ القميين في عصره، ومتقدمهم وفقيههم وثقتهم، كان قدم العراق واجتمع مع أبي القاسم بن روح الله ، وسأله مسائل ثم كاتبه بعد ذلك على يد علي بن جعفر الأسود(7)يسأله أن يوصل رقعة إلى الصاحب الا الله ويسأله فيها الولد فكتب إليه: قد دعونا لك بذلك، وسترزق ولدين ذكرين خيّرين.
وذكر الشيخ الطوسى فى كتاب الغيبة (8)أنّ علىّ بن الحسين بن موسى بن بابويه كانت تحته بنت عمه محمّد بن موسیٰ بن بابویه فلم يرزق منها ولداً، فكتب
إلى الشيخ أبي القاسم بن روح(رضی الله عنه) أن يسأل الحضرة أن يدعو الله أن يرزقه أولاداً فقهاء، فجاء الجواب: إنّك لا ترزق من هذه، وستملك جارية ديلمية، وترزق منها ولدين فقيهين.
وفي لفظ الصدوق - مؤلف الكتاب - قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن الأسود، قال: سألني على بن الحسين بن موسی بن بابويه الله بعد موت محمد بن عثمان العمري(رضی الله عنه)( وكانت وفاته سنة 305ه-) أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان(عليه السلام) أن يدعو الله(عزّوجل)أن يرزقه ولداً ذكراً، قال: فسألته فأنهى ذلك، فأخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام أنه قد دعا لعلي بن الحسين، وأنه سيولد له ولد مبارك - كذا - ينفعه الله(عزّوجل) به وبعده أولاده.
قال أبو جعفر محمد بن علي بن الأسود(رضی الله عنه) : وسألته في أمر نفسي أن يدعو الله لي أن يرزقني ولداً ذكراً، فلم يجبني إليه وقال : ليس إلى هذا سبيل، قال: فولد لعليّ ابن الحسين(رضی الله عنه)محمّد بن علي - مؤلّف الكتاب - وبعده أولاد، ولم يلد لي شيء. وهكذا تم للشيخ - والد المترجم له - ما كان يصبو إليه من الدعاء بالولد الصالح، كما تم له بعد ذلك حصول الأثر ، فملك الجارية ورزق منها أوّل مولود ذكر، كان هو شيخنا - المترجم له - أبا جعفر محمّد بن عليّ الصدوق، ولعلّ في اختيار والده لاسمه ما يشعر بأنه من بركات دعاء صاحب هذا الاسم وهو صاحب الأمر (عجل الله فرجه الشريف)، وكانت ولادته بعد سنة (305 ه-) التي هي سنة وفاة العمري وأولى سنى سفارة الروحى، ولعلّها كانت سنة (306) كما استقر بها السيد الوالد دام ظلّه واستدلّ عليها، وأياً ما كان فقد ولد شيخنا الصدوق ببركة دعوة الناحية المقدّسة.
ومن الطبيعي أن يكون لتلك الدعوة أثرها في تقويم شخصيته، وتكوين مؤهلاته العلمية، حتى توقع الناس ظهور أثرها بيناً في تاريخه، فكان الأمر كما أملوا وكانوا بعد ولادته ونشأته يرجعون جلّ تلك الظواهر من مميزاته إلى أثر تلك الدعوة الصالحة التي بارك بها الإمام(عليه السلام)وليد أبي الحسن علي بن موسى بن على بابويه، كما كان المؤلّف نفسه يفتخر بذلك ويقول: أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر
(عجل الله فرجه الشريف)(1).
وقال في ذيل حديثه الآنف عن ابن الأسود وكان أبو جعفر محمد بن عليّ بن الأسود(رحمة الله علیه)كثيراً ما يقول إذا رآني أختلف إلى مجلس شيخنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(رضی الله عنه) ، وأرغب في كتب العلم وحفظه: ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم، وأنت ولدت بدعاء الإمام (عليه السلام)(2).
قال أبو عبدالله بن سورة(رحمة الله علیه): كلّما روى أبو جعفر - مؤلف الكتاب - وأبو عبدالله الحسين ابنى على بن الحسين شيئاً، يتعجب الناس من حفظهما، ويقولون لهما هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الإمام لكما، وهذا أمر مستفيض في أهل قم(3).
ومن الغريب ما ذكره دوايت م دونلدسن فى كتابه عقيدة الشيعة(4)أن المؤلّف ولد بخراسان أثناء زيارة والده لمشهد الرضا، ولم نقف على مستند يثبته، وقد تابعه على ذلك صاحب المنجد في الأدب والعلوم(5).
وأغرب من ذلك ما ذكره الدكتور محمّد مصطفى حلمي - أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف بكلية الآداب بجامعة القاهرة - في تعليقه على كتاب توفيق التطبيق حيث قال: وقد ترك في صباه خراسان عام سنة ( 355 ه- - 966م ) إلى بغداد ... الخ(6).
فمع الاغماض عمّا ذكر من كونه بخراسان، إلّا أنّ الدكتور زعم أنّه ترك خراسان في صباه سنة (355 ه-) إلى بغداد، ولو بحث قليلاً عن ولادته لعلم أنّه حين ورد بغداد سنة ( 355ه-) كان قد ناهز الخمسين من عمره، فكيف يصح قوله في صباه ؟!
نشأ المترجم له تحت رعاية أبيه الّذي سبق أن وقفنا على شيء من مكانته،
والّذي اشتهر بعلمه وتمسكه بدينه وعرف بورعه وتقواه، ورجعت إليه الشيعة في كثير من الأقطار، وأخذوا عنه أحكامهم، ولم يمنعه سمو مقامه في العلم من اتخاذ وسيلة لمعاشه، وركائز تضمن الرفعة عمّا في أيدي الناس، شأن الأحرار في الدنيا، فكانت له تجارة يديرها غلمانه ويشرف عليهم بنفسه، فيعتاش ممّا يرزقه الله من فضله، ولم يشأ أن يثرى على حساب الغير، أو يكون اتكالياً في رزقه(1).
وليس من شك أنّ أباه أولاه عناية كبيرة، ورعاه رعاية صالحة، لأنه أمله في هذه الحياة الدنيا، ورسالته الباقية ،بعده، نتيجة البشارة التي حبي بها من الناحية المقدّسة، فكان الفتى الكامل آية في الحفظ والذكاء، يحضر مجالس الشيوخ ويسمع منهم ويروي عنهم، فقد اختلف إلى مجلس شيخه محمّد بن الحسن بن الوليد - وكان من أكابر الشيوخ وأعاظم العلماء - وهو حدث السن.
وأدرك من أيّام أبيه أكثر من عشرين عاماً، اقتبس خلالها من أخلاقه و آدابه ومعارفه وعلومه ما سما به على أقرانه، حتى روى عنه جميع مصنفاته، وهي مائتا كتاب فيما يذكره ابن النديم في فهرسته.
قال: قرأت بخط ابنه محمّد بن عليّ على ظهر جزء: (قد أجزت لفلان ابن فلان كتب أبي علي بن الحسين وهي مائتا كتاب، وكتبي وهي ثمانية عشر كتاباً)(2)
ومع الأسف الشديد ضياع تلك الثروة العلمية الضخمة، فلم نعثر إلا على أسماء ما يقارب من عشرين كتاباً ذكرها الشيخ النجاشي والشيخ الطوسي في فهرستيهما ، ولم يبق منها إلا كتاب الاخوان الّذي يعرف بمصادقة الاخوان، ونسب اشتباهاً إلى ولده مؤلّف هذا الكتاب ونصوصاً من رسالته الّتي كتبها إلى ابنه.
فممّا يكشف عن مزيد عناية الأب بتربية ابنه، رسالته التّي كتبها لأجله لخص له فيها كثيراً من الأصول الحديثية، فاختصر الطريق بطرح الأسانيد والجمع بين
النظائر، والإتيان بالخبر مع قرينه حتى قيل أنه أوّل من ابتكر ذلك في رسالته إلى ابنه، وكثير ممّن تأخّر عنه يحمد طريقته فيها، ويعوّل عليها في مسائل لا يجد النص عليها لثقته وأمانته وموضعه من الدين والعلم، وهذه الرسالة من مصادر کتاب من لا يحضره الفقيه نقل عنها المؤلّف كثيراً، وصرّح بذلك.
والّذي يسترعى الانتباه كثرة مرويات المؤلّف عن طريق أبيه كثرة تفوق مروياته عن كلّ من شيوخه الآخرين، ممّا يدلنا على مدى استعداده الذهني والنبوغ المبكّر الذي كان له أكبر الأثر في قابليته الجيدة لكلّ ما يقرأ ويسمع.
ولا غرابة في نتائج الإحصاء والمقارنة التي تثبت أن الأب - وهو المنبع الأوّل من منابع ثقافة وليده المرجّى - بذل أقصى جهده في سبيل تثقيف ولده وإسماعه أكبر عدد من مروياته ، حتى كان أكثر ما يرويه الولد هو عن طريق شيخه الأوّل ومربّيه الأكمل، والده أبي الحسن الله
وللتدليل على ذلك خذ مثلاً كتاباً من كتب المؤلّف الله ، ونظم احصاءاً شاملاً المروياته عن كلّ من شيوخه، فستخرج بنتيجة أنّ للأب السهم الأوفر من تلك الروايات.
وهذا كتابه (من لا يحضره الفقيه) لمّا كان هو أكبر كتبه وأكثرها رواية، فقد اختصر أسانيده مقتصراً على ذكر من ينتهي إليه سند الرواية، وكان هو الراوي الأوّل، ووضع فى آخره مشيخة ذكر فيها إسناده إلى أولئك الرواة الذين ورد الحديث عنهم في الكتاب ولم يعرف طريق المصنّف إليهم، ومن هذه المشيخة يستطيع الباحث كشف حقيقة ما قلناه عن كثرة رواياته عن أبيه على قصر المدة التي عايشه فيها، حتّى فاقت رواياته ما يرويه عن أشهر شيوخه الآخرين وأكثرهم ملازمة زمنيّة، لتأخّر وفاته عن وفاة والد المؤلّف المذكور، كابن الوليد مثلاً الّذى مات سنة (343ه-) أي بعد وفاة على بن الحسين بن بابويه بنحو خمسة عشر عاماً.
فالباحث يجد المؤلّف ذكر في المشيخة (215) راوياً روى عنهم في كتابه من طريق أبيه، بينما روى عن (124) راوياً من طريق شيخه محمّد بن الحسن بن
أحمد بن الوليد، وعن (50) راوياً من طريق محمّد بن علي ماجيلويه، وعن (39) راوياً من طريق محمّد بن موسى بن المتوكل، وهؤلاء من أشهر شيوخه الذين اشتهر بالتلمذة عليهم والأخذ عنهم، وعرف بشدة الإتصال بهم.
وهكذا تتضاءل النسبة في مروياته عن سائر شيوخه الآخرين الذين هم دون هؤلاء شهرة أو أقل اتصالاً بهم.
وكذلك تكون نتائج الاحصاء عند المقارنة بين مروياته في سائر كتبه الأخرى، فهذان كتابا معاني الأخبار والأمالي، نجد المؤلّف يكثر الرواية عن طريق أبيه فيهما حتّى فاق ما يرويه عن طريقه سائر ما يرويه عن باقي شيوخه، فله في كتاب المعاني ما يناهز المائتين، وفي كتاب الأمالي ما يقرب من (160) حديثاً، بينما نجد جميع ما يرويه عن طريق شيخه محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد في الكتابين معاً، لا يبلغ ما يرويه عن أبيه في كتاب المعاني وحده وحده، أما إذا نظرنا إلى الأحاديث التي يرويها عن شيخه محمّد بن موسى بن المتوكل، فجميع ما ورد عن طريقه في الكتابين معاً لا يبلغ (120) حديثاً، وعلى هذا القياس تتضاءل أيضاً نسبة مروياته عن سائر شيوخه الآخرين في هذين الكتابين(1).
وثمّة ظاهرة فى مؤلّفات هذا الشيخ الجليل لها قيمتها هي توريخه السماع غالباً مع ذكر المكان مما يزيد في قيمة السند والرواية.
فإنّا إذا رجعنا إلى كتب المؤلف(رحمة الله علیه) نجده يمتاز في أسانيده عن شيوخه الكثيرين بتحديد زمان سماعه والمكان الذي سمع فيه غالباً، وهذه الظاهرة كما أوقفتنا على منهج المؤلّف، دلّتنا على ما أنار لنا جوانب من تاريخه أهملها مؤرّخوه .
فهو لم يقتصر في أخذه عن مشايخ بلده فحسب، بل رحل إلى كثير من البلدان
1) إنّما خصصت هذين الكتابين بالذكر دون باقي كتبه، لأني كنت نظمت فهرستاً خاصاً بأسماء شيوخه في الحديث لبيان مواضع رواياته عنهم في سائر كتبه، وابتدأت يومئذ بكتابيه المعاني والأمالي، ولم تسنح الفرصة باستيعاب باقي آثاره، نسأل المولى التوفيق لإكمال ذلك إن شاء الله .
طلباً للحديث واستزادة في العلم، وسمع الكثير من شيوخ العلم في مختلف الحواضر العلمية، وربّما حدث هو في بعض تلك البلاد، فسمع منه أشياخ البلد على حداثة سنه.
وقد ذكر شيوخه سماحة سيدي الوالد دام ظلّه، فأنهى عددهم إلى أكثر من مائتي ،شيخ اقتبسنا منهم العلويين خاصة، فذكرناهم في مقدمة كتابه (التوحيد) مع بسط تراجمهم فكانوا سبعة (1).
أمّا البلاد التي رحل إليها فأوّلها الري، وقد التمسه أهلها للإقامة بينهم، وزاد في اقناعه باجابتهم ما طلبوا وجود الأمير ركن الدولة البويهي، وما كان عليه من رعاية العلماء وإكرامهم والقيام بشؤونهم، ولم نعثر على تحديد تاريخ هجرته إلى الري ، إلّا أنّ في أسانيده ما يشير إلى وجوده بقم في رجب سنة (239ه-) حيث سمع بها من الشريف أبي يعلى حمزة بن محمّد الزيدي العلوى(2)، كما إنا نجده يحدث عن سماعه في الري من أبي الحسن محمّد بن أحمد الأسدي المعروف بابن جرادة البردعي في رجب سنة (347) ه-)(3)، وأنّه لم تنقطع صلته بوطنه الأوّل قم، فربّما دخلها إما لزيارة المشهد فيها أو للقاء الشيوخ، كما يظهر من مقدمة كتابه إكمال الدين حين صرّح بوجوده بقم، وذلك بعد عودته من زيارته للمشهد الرضوي، وكانت زيارته الأولى سنة (352 ه-) فقد اجتمع بقم بالشيخ نجم الدين أبي سعيد محمّد بن الحسن بن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت القمي، وكان قد ورد من بخارى فذاكره فى أمر الغيبة وسأله أن يصنّف فيها كتاباً(4).
وقد خرج إلى خراسان قاصداً زيارة الإمام الرضا(عليه السلام) في طوس سنة (352ه-) فاستأذن الأمير البويهي ركن الدولة فأذن له، ولما خرج من عنده استدعاه ثانياً وسأله أن يدعو له عند المشهد(5)، فكانت تلك الزيارة هي أولى
1) راجع مقدّمة كتاب التوحيد 15 - 25 .
2) عيون الأخبار باب 22 حديث 5، والخصال 1: 11، طبع قم سنة 1376، ومعاني الأخبار: 301.
3) الأمالي: 206، طبع الحيدرية بتقديمنا.
4) لاحظ إكمال الدين: 2 - 3 طبع الحيدرية بتقديمنا.
5) عيون الأخبار باب 69، في ذيل الحديث الثاني من الباب تجد كلام الأمير البويهي مع المؤلف، فراجع.
زياراته الثلاث، فقد زار المشهد ثانياً سنة (367 ه-) بعد موت الأمير البويهي المذكور بسنة، كما زار المشهد ثالثاً في سنة (368 ه-) في طريقه إلى بلاد ما وراء النهر.
وفي سنة (352ه-) في شعبان كان في نيسابور في طريقه إلى المشهد الرضوي، فسمع في ذلك التاريخ أبا الطيب الرازي(1)، وابن عبدوس النيسابوري(2)، وأبا سعيد المعلم(3)، والحسين بن أحمد البيهقي، وكان سماعه منه في داره(4).
وقد سمع في نيسابور من شيوخ آخرين لم نعثر على تاريخ سماعه منهم، فلا ندري هل في سفره هذا أم في أسفاره التي بعد ذلك، وكان منهم أبو نصر الضبي وقال عنه: وما لقيت أنصب منه، وبلغ من نصبه أنه كان يقول: اللهم صل على محمّد فرداً، ويمتنع من الصلاة على آله(5)، وعبدالله بن محمّد بن عبدالوهاب السجزي(6)، وأحمد بن إبراهيم الخوزي(7).
وفي مرو الروذ سمع من رافع بن عبدالملك، ومحمّد بن علي بن الشاه الفقيه المروذي في داره كما سمع في سرخس أبا نصر محمّد بن أحمد بن إبراهيم بن تميم السرخسي الفقيه، كل ذلك في طريقه إلى خراسان في أسفاره إليها.
ولمّا عاد من خراسان في سنته تلك (352ه-) توجّه إلى بغداد في طريقه إلى الحج فدخلها في تلك السنة،وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن(8)، وقد سمع ببغداد من جماعة منهم أبو الحسن علي بن ثابت الدواليبي(9)، والشريف
1) عيون الأخبار باب 59 حديث 2.
2) نفس المصدر باب 8 حديث 5.
3) التوحيد : 40، طبع الحيدرية بتقديمنا.
4) عيون الأخبار باب 2 حديث 1.
5) معاني الأخبار: 56 .
6) التوحيد: 307
7) المصدر السابق: 6.
8) رجال النجاشي: 276 ، طبع بمبئي، وفيه أنه ورد بغداد سنة (355)، فلعل ذلك بعد حجه في سنة (354) ، ولم أقف على من صرّح بدخوله في سنة (355) في غيره، وفي سماعاته بهمدان تصريح بأنها بعد حجّه في سنة (354).
9) عيون الأخبار باب 6 حديث 29.
النسابة أبو محمّد الحسن بن محمّد بن يحيى العلوي المعروف بابن أخي طاهر بداره طرف سوق العطش ، كما أجاز له ممّا صح عنده عنده من حديثه(1).
ويبدو أنّه لم يتجاوز بغداد في سفره هذا، لكنه في سنة ( 354 ه-) حج بيت الله الحرام، فسمع بالكوفة من محمّد بن بكران النقاش، بكران النقاش (2)، ومن أحمد بن هارون الفامي في مسجد الكوفة(3)، ومن الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي الكوفي(4)وهؤلاء قد أرّخ سماعاته منهم، وأنها في سنة ( 354 ه-).
أمّا الّذين لم يؤرّخ سماعاته منهم ، وصرّح بسماعه منهم في الكوفة فهم عليّ ابن عيسى المجاور في مسجد الكوفة، وأبو القاسم الحسن بن محمد بن السكوني المذكر الكوفي، ومحمّد بن عليّ بن الفضل الكوفي في مسجد أمير المؤمنين(عليه السلام) في الكوفة، وعليّ بن الحسين بن شقير الهمداني في منزله بالكوفة(5)، وغيرهم ممّن لم يسمّهم ، فقد ذكر في نوادر كتابه الفقيه أنّه سمع رجلاً من أهل المعرفة باللغة في الكوفة (6).
كما سمع بعد منصرفه من الحج بفيد -وهو اسم مكان منتصف الطريق تقريباً بین مكة والكوفة - من أبي عليّ أحمد بن جعفر البيهقي(7)، وسمع ممن يثق به من أهل المدينة فى شأن وادي مهزور، والظاهر أن سماعه منه كان بها(8).
ولما قفل راجعاً إلى الري، ومرّ في طريقه بهمدان، سمع بها من الفضل بن الفضل بن العبّاس الكندي وأجازه (9)، ومن القاسم بن محمّد بن أحمد بن عبدويه الزاهد السراج الهمداني(10).
وفي سنة (367 ه-) توجّه لزيارة المشهد الرضوي ثانياً، حيث أملى المجلس الخامس والعشرين من أماليه في يوم الجمعة (13) ذي الحجة من تلك السنة
1) إكمال الدين: 469 ،507
2) عيون الأخبار باب 11 حديث 26.
3) نفس المصدر باب 25 حدیث 2
4) نفس المصدر باب 26 حدیث 22
5) مقدّمة من لا يحضره الفقيه: 19
6) من لا يحضره الفقيه 4: 261.
7) مقدمة من لا يحضره الفقيه: 19.
8) من لا يحضره الفقيه 3: 56
9) التوحيد: 40، طبع الحيدرية.
10) الخصال 1 :84 ، طبع الحيدرية.
وعاد إلى الري في سنة (368ه-) حيث أملى المجلس السابع والعشرين في يوم الجمعة غرة المحرم سنة (368 ه-) بها.
وفي شهر رجب توجّه لزيارة المشهد الرضوي ثالثاً، ومرّ في طريقه بنيسابور، فأملى عدة مجالس من أماليه منها فى دار الشريف أبي محمد يحيى بن محمّد العلوي الأفطسي المعروف بشيخ العترة وسيّد السادة المجلس التاسع والثمانين في يوم الأحد غرة شعبان من تلك السنة.
وأملى بنيسابور عدة من مجالسه آخرها ما أملاه يوم الجمعة (12) شعبان وهو المجلس الثالث والتسعون وسافر إلى طوس لزيارة المشهد، فكان بها يوم الثلاثاء (17) شعبان حيث أملى المجلس الرابع والتسعين، وهكذا بقي في المشهد الرضوي حتى ختم أماليه بالمجلس (97) يوم الخميس (19) شعبان من سنة (368ه-).
وتوجّه إلى بلاد ما وراء النهر ، فدخل بلخ وسمع بها جماعة من شيوخ الحديث، منهم الحسين بن الحسين بن محمّد الأشناني، وعبيدالله بن أحمد الفقيه وقد أجازه، وطاهر بن محمّد بن يونس بن حيوة الفقيه، ومحمّد بن سعيد بن عزيز السمر قندي وغيرهم.
وورد سرخس، فسمع محمّد بن أحمد بن بن تميم السرخسي الفقيه، كما دخل سمرقند وسمع بها عبد الصمد بن عبد الشهيد، وعبدوس بن علي الجرجاني ووصل إلى إيلاق - وهي كورة تتاخم كور الشاش وهما من أعمال سمر قند - فأقام بها، وسمع الحديث من محمّد بن الحسن بن إبراهيم الكرخي الكاتب، ومحمّد بن عمرو بن عليّ بن عبيدالله البصري.
وفي مدّة إقامته بها اجتمع بالشريف أبي عبدالله محمّد بن الحسن العلوي المعروف بنعمة، وسمع كلّ منهما من الآخر، ووقف الشريف المذكور على أكثر مصنّفات الصدوق التي كانت معه فنسخها ، كما التي كانت معه فنسخها، كما سمع منه أكثرها، ورواها عنه كلّها ،
وكانت مائتي كتاب وخمسة وأربعين كتاباً(1).
ودخل فرغانة، وسمع بها من محمّد بن جعفر البندار الشافعي، وإسماعيل بن منصور بن أحمد القصار، وتميم بن عبدالله بن تميم القرشي وغيرهم. وهكذا نرى المؤلّف وهو في سن الشيخوخة - إذ قد تجاوز الستين - لا يزال يطوي المسافات الشاسعة في طلب الحديث وسماعه وإسماعه، ومعه من مصنفاته (245) كتاباً.
وأكبر الظنّ أنّه لم يسافر بعد سفره إلى ديار ما وراء النهر في سنة (368 ه-) حتى توفى سنة (381ه-) بالري، إذ لم نعثر على ما يشير إلى ذلك، ولا شك أنه كان في أخريات أيامه بالري، حيث أقام بها بعد أن قطع المسافات الشاسعة، وطاف كثيراً من البلدان النائية في سبيل سماع الحديث وإسماعه لم يتلهف لماضي تمنى ،رجوعه، كما لم يتوجّع لحادث يخشى وقوعه، بالرغم من تقدم سنه نه في الشيخوخة، ومضافاً إلى مكانته الإجتماعية، وصلاته الوثيقة برجال الحكم في الري ، فانّه لو أراد أن ينعم بظلال الحياة الوارف كغيره من القابعين في بيوتهم؛ لكان ذلك من أيسر ما يروم، لكنه العالم الذي عرف لذة العلم فهو لا يأنس إلا بكتابه، ولا يطربه إلا صرير ،قلمه ولا يرى الكرامة والسعادة إلا بين المحابر والدفاتر.
فلا غرابة إذا ما أنتج عقله النتاج القيم، وأثمر علمه الكثير الطيب، فهو في نحو سبعة عقود ونصف من أعوام الحياة التي عاشها، غذى المكتبة الإسلامية في فنون العلم والآداب نحواً من ثلاثمائة مصنّف(2)، وقيل أكثر من ذلك.
وقد ذكر سماحة سيّدي الوالد دام ظله في رسالته حياة الشيخ الصدوق تفصيل أسماء آثاره، مع الإشارة إلى ما وصلت إلينا نسخته، وهو يبلغ العشر بالنسبة إلى ما حفظ اسمه واندثر ،رسمه ومجموعها (220) كتاباً ورسالة، أمّا ما بقي فقد استأثر به التاريخ، فلم يسمح حتى باسمه.
وقد ذكرت في مقدمة كتاب التوحيد(1)تفصيل آثاره الباقية مع الإشارة إلى المخطوط والمطبوع منها، وأن فيها وفيما بقي من أسماء كتبه الأخرى، التي سجلها أصحاب الفهارس وما لم يسجّلوها(2)لدلالة على جودة البضاعة ووفور الرصيد العلمي؛ حتّى تفجرت تلك العقلية عن مئات من المصنفات في فنون الآداب والعلوم الإسلامية.
فألف في التفسير والفقه والحديث، والكلام والعقائد، والتاريخ، والرجال والأخلاق والآداب الشرعية، والدعاء، والزيارات سوى ما كتبه في أجوبة المسائل الواردة إليه من سائر البلاد الإسلامية كمصر، وبغداد والكوفة والبصرة وواسط، والمدائن، ونيسابور، وقزوين، أو ما كتبه في جواب مسائل شخصية؛ كجوابه إلى أبي محمّد الفارسي في شهر رمضان وغيره.
مع الكتاب:
والتعريف بالكتاب هو العنصر الثاني للتقديم، وربّما كان في نظر بعض الباحثين بمثابة من الأهمية تفوق التعريف بالمؤلّف، خاصة إذا كان المؤلّف من الأعلام المشاهير كمؤلّفنا(رحمة الله علیه) ، بحجّة أنّ المقدّم لكتاب ما يجب أن يستهدف أوّلاً اطلاع القارئ على مجموع الكتاب بصورة إجمالية تنير له الدرب فيما سيقرأه في الكتاب مع التنبيه على المواضيع التي وفق المؤلّف في عرضها أو الأخرى التي أخفق فيها، ومدى جهده فيهما.
ومهما يكن الأمر في ذلك، فالكتاب الذي نحن على أبوابه لا يسعني تقديم
دراسة فاحصة له مقارنة بين جميع أبوابه بعد بيان موضوعه، والداعي لتأليفه والإشارة إلى منهجية المؤلّف فيه، مع التنبيه على موضوع واحد له علاقة بغيره من المواضيع التي تمت إليه بسبب من الأسباب وهو موضوع خطير استعرضه المؤلّف بقدر ما سمحت به ظروفه وأدته إليه رواياته وهو أمر ولاية العهد.
أمّا معرفة موضوعه فإنّ في الإسم الّذي اختاره المؤلّف لكتابه ما يكشف عن حقيقة موضوعه، فهو يدلّ بوضوح أنه يتضمّن طائفة من أخبار إمام من أئمّة المسلمين وخلفاء الله في العالمين - الإمام عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام)- ولمّا كانت أخباره كلّها صالحة لا يأتي عليها جميعاً المؤلّف في كتابه، فقد آثر المؤلّف انتخاب غرر منها سمّاها بالعيون وهو اختيار موفق.
وليعلم أنّ للمؤلّف الله فيما يتعلّق بالإمام الرضا (عليه السلام)أربعة كتب أخرى هي:
1 - زهد الرضا(عليه السلام).
2 - جامع زيارة الرضا(عليه السلام).
3 - مسائل الرضا(عليه السلام).
4 - المصباح الحادي عشر في ذكر من روى عن الإمام الرضا(عليه السلام)، وهو من كتب المصابيح المرتبة على ذكر طبقات الرواة عن المعصومين (عليهم السلام)سوى ما ضمنه سائر تأليفه من أخبار الإمام(عليه السلام)كالّذي ورد في كتابه إكمال الدين وقد أحال إليه فى كتابه هذا فى أكثر من موضع.
وإذا أمكن اثبات أن الكتب الأربعة ألّفها الشيخ الصدوق(رحمه الله) قبل كتابه العيون ، فيظهر لنا جلياً وجه تسمية الكتاب بعيون الأخبار.
وأما الداعي إلى تأليفه فقد أوضحه في مقدمة الكتاب حيث قال:
(وقع إليَّ قصيدتان من قصائد الصاحب الجليل كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عبّاد أطال الله بقاءه وأدام دولته ونعماءه وسلطانه، وأعلاه في اهداء السلام إلى الرضا عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فصنّفت هذا الكتاب لخزانته المعمورة ببقائه، إذ لم أجد شيئاً
آثر عنده، وأحسن موقعاً لديه من علوم أهل البيت(عليهم السلام)لتعلّقه بحبهم، واستمساكه بولايتهم، واعتقاده بفرض طاعتهم، وقوله بإمامتهم وإكرامه لذرّيتهم، أدام الله عزه وإحسانه إلى شيعتهم، قاضياً بذلك حقّ انعامه علىَّ، ومتقرّباً به لأياديه الزهر عندي، ومننه الغر لديَّ، ومتلافياً بذلك تفريطي الواقع في خدمة حضرته، راجياً به قبوله لعذري، وعفوه بذلك عن تقصيري، وتحقيقه لرجائي فيه، وأملي والله تعالى ذكره يبسط بالعدل يده، ويعلي بالحقّ كلمته، ويديم على الخير قدرته، ويسهل المحال بكرمه وجوده).
ثمّ ابتدأ كتابه بذكر القصيدتين والقصيدة الأولى وردت في ديوان الصاحب ابن عبّاد (1)بتفاوت وزيادة بيت واحد وهو البيت 16 في الديوان وذلك هو قوله:
ما زال عن عقد حبّكم أحد*** غير تهيم النصاب مدسوس
أمّا القصيدة الثانية وردت في الديوان كذلك(2)بتفاوت يسير.
فالدوافع الّتي دفعت بمؤلّفنا إلى تأليف كتابه هذا، أظهرها هو قضاء حقّ الصاحب ورد لجميله السابق، إذ كان للصاحب - وهو نادرة دهره - في رعاية العلم والعلماء أحاديث فخر خالدة.
قال ياقوت كان ما يخرج لكافي الكفاة في السنة في وجوه البر والصدقات والمبرات وصلات الأشراف، وأهل العلم، والغرباء، والزوار، ومن يجري مجرى ذلك ممّا يتكفله، ويريد به صيت الدنيا وأجر الآخرة يزيد على مائة ألف دينار(3).
وذكر أيضاً أنّه رأى في كتاب هلال بن المحسن الصابيء:
وكان الصاحب أبو القاسم يراعي من ببغداد والحرمين من أهل الشرف، وشيوخ الكتاب والشعراء وأولاد الأدباء والزهّاد والفقهاء بما يحمله إليهم كل سنة مع الحاج على مقاديرهم ومنازلهم(4).
كما كان ما يقبله من تأليف العلماء في خزانته يعد مقبولاً وما يرذله يعد مرذولاً، إذ كان العلماء يؤلّفون الكتب باسمه ويهدونها لخزانته إمّا قضاءاً لحقه أو تقرّباً منه واستزادة من فضله، فهذا ابن فارس اللغوي الشهير ألف كتابه في فقه اللغة وأسماه بالصاحبي نسبة للصاحب، وقال: وأنا عنونته بهذا الاسم لأنّي لمّا ألفته أودعته خزانة الصاحب الجليل كافي الكفاة، عمّر الله عراص العلم والأدب والخير والعدل بطول عمره، تجملاً بذلك وتحسناً، إذ كان ما يقبله كافي الكفاة من علم وأدب مرضياً مقبولاً، وما يرذله أو ينفيه منفياً مرذولاً(1).
فلا عجب إذا ما كتب شيخنا المؤلف(رحمه الله) كتابه هذا وأهداه لخزانة الصاحب وقد أبان في مقدمته عن الداعي إلى تأليفه، وكان سببه وقوع قصيدتي الصاحب في مدح الإمام الرضا(عليه السلام)إليه فآثر أن يفتتح بهما مؤلّفه، ويجعل كتابه هدية لخزانة ناظمهما، إذ لم يجد شيئاً آثر عنده وأحسن موقعاً لديه من علوم أهل البيت(عليهم السلام)، وكتابه هذا جامع لعيون أخبار إمام من أئمتهم، وسيّد من ساداتهم فيه من تواريخه ونوادر أخباره و آثار علومه ما يجعله في الرفوف العالية من خزانة الصاحب على نفاستها وسعتها.
أمّا المنهج الّذي سار عليه المؤلّف في كتابه هذا فقد أبانه وأوضحه في عرضه الشامل للمواضيع التي سوف يتطرق إليها في كتابه، وذلك في فهرست عام للأبواب مع ايضاح ما تشتمل عليه الباب، وبهذا فقد أبان عن الخطوط العامة التي رسمها لعمله قبل الشروع، وهذه ظاهرة لم نجدها في سائر كتبه الأخرى الّتي وصلت إلينا.
فكتابه هذا يمتاز بها، وقد تدرج المؤلّف في عرضه العام وفهرسته الشامل التاريخ الإمام الرضا(عليه السلام) - بعد بيانه العلة التي من أجلها سمي الإمام بالرضا - منذ ولادته ونشأته، وأخبار إمامته جملة وتفصيلاً، وحتى وفاته ومدفنه ومراثيه وثواب زيارة قبره وبعض كراماته، مضافاً إلى ما يتخلل ذلك من حديث الإمامة
1) الصاحبي في فقه اللغة: 2
والنصوص الدالة على إمامته، وتفنيد مزاعم الواقفة بالبحث عن أسباب الوقف ،وعلّة بقاء جماعة من الواقفة على مقالتهم.
ثمّ ما جاء عن الإمام من الأخبار وفيها طائفة من مروياته عن آبائه عليه السلام فى مختلف الحكم والأحكام والسنن والآداب، وذكر مجالسه مع أهل الأديان، وأرباب المقالات والفرق ممن كان البلاط المأموني يجمعهم، أو يستدعيهم للمحاججة، وما صدر عنه في بعض حكم التشريع، كأجوبة مسائل محمّد بن سنان، ومسائل الفضل بن شاذان وحقيق بالثانية أن تعد رسالة بمفردها.
أمّا الأمر الذي أشرت إليه آنفاً، وهو أمر ولاية العهد التي ذكرها المؤلف الله في كتابه هذا، فقد وددت التنبيه على أنّ هذا الحدث السياسي الخطير لم يكن طبيعياً بالنسبة إلى المأمون العباسي كما يتصوره البعض من أنه نتيجة حتمية الشعوره الديني حيث كان يتشيع فيما يقولون.
كما لم يكون قبول الإمام الرضا(عليه السلام) لولاية العهد أمراً طبيعياً أيضاً.
فإنّ هذا الحدث السياسي يعتبر في بدايته نقطة تحول خطير في تاريخ الدولة العباسية التي بذل رجالها في سبيلها جهداً كبيراً حتى حصلوا عليها، ولم يكن المأمون بعيداً في نفسه عن سيرة آبائه وما كانوا عليه من القسوة والإضطهاد لأبناء عمّهم العلويين الذين كانوا أصحاب الدعوة والحق أوّلاً وأخيراً.
كما لم يكن المأمون غافلاً عن مغبة الأحداث التي سيواجهها نتيجة لذلك التحول الخطير، فيا هل ترى ما هي الدوافع التي دفعت بالمأمون لقيامه بذلك العمل؟
فهل كان مخلصاً في نيّته؟ وموفّقاً في عمله؟ لأنّه كان يتشيّع ، أو أنّه كان وفاءاً بنذره الله تعالى إن أظفره بأخيه الأمين وقد أظفره؟
أو لا هذا ولا ذاك، بل هو أمر مفروض عليه من العنصر الفارسي الّذي كان مهيمنا عليه، وكان يحتمي به، وهم بعد ذلك أخواله وأنصاره؟
أو هو أبعد من ذلك كلّه وأعمق فهو من تفكير المأمون ،وحده أملته عليه الأحداث التي واجهته في صدر حكومته، ففكر فيه للدفع في صدور الثوار العلويين وأنصارهم الذين ما برح الثائر منهم يدعو إلى الرضا من آل محمد إيهاماً للعامة، وتسكيناً للحالة المتأزمة، كما فكر فى الإجراءات الإحتياطية لإنجازه، وبالتالي لإنهائه ؟
كلّ ذلك يدور حول ولاية العهد، ولأجل رفع العنت عن القارئ في تفسير ذلك، وفهم قصد المأمون الذي أسيء فهمه من قبل المؤرّخين فشرّقوا وغرّبوا في حل رموزه، فكانت أحكامهم مختلفة، وأدلتهم بدرجات متفاوتة، رأيت أن أبحث موضوع ولاية العهد في التشريع الإسلامي وشرعيتها عند الفرق الإسلامية وما يشترط في ولي العهد، وموقف الحاكمين - بعد الخلافة الراشدة - منها .
فبحثت جوانبها من ذلك واستعرضت سير الحاكمين الحاكمين في ولاية العهد الإنفرادية والثنائية والثلاثية، وغدر المتنافسين فيها، وأثر ذلك كله في ضعضعة كيان الدولة الإسلامية، كما بحثت الدعوة إلى الرضا من آل محمّد منذ نشأتها حتى عصر المأمون وفي أيامه وبعد ذلك، كما استعرضت جانباً من تاريخ الدعاة إلى الرضا من آل محمّد، مع عرض صفحات من مواقف العباسيين مع العلويين وأئمّة أهل البيت عامة، ومع رجال الدعوة إلى الرضا من آل محمّد خاصة، كما بحثت محاولة أكثر من واحد من العباسيين اختلاس ألقاب أهل البيت(عليه السلام) التي كانت تجمع عليهم قلوب المسلمين فيملكون بها سيوف الأنصار، كالمهدي، والمرتضى، والرضا، والرضي، دفعاً في صدور العلويين وتمويهاً على السذج الرعاع من الناس.
وبالتالي قرأت نفسية المأمون من تاريخه فبينت النوازع الّتي كانت تعتمد في نفسه إلى التفكير في بيعة الإمام عليّ بن موسى الرضا بولاية العهد، وأهمّها الظروف الحاكمة، ومكانة الإمام وقابلياته، وبالتالي عمله على تحقيق الفكرة،
والمفاوضات في ذلك ووثيقة البيعة وشروطها.
ومن ثمّ انتهيت بالإشارة إلى آثار البيعة الإيجابية من خطبة باسم ولي العهد الجديد وضرب السكة باسمه، وتغيير اللباس الأسود - شعار الدولة - إلى الأخضر، وثمّ المصاهرة مع العلويين، وجعل ولاة منهم على بعض البلاد.
كما أشرت إلى نتائجها السلبية من نقمة العباسيين وخلع المأمون، وبيعة إبراهيم بن المهدي - شيخ المغنيين - وفوضى بغداد واضطراب الأمن بها، وكتمان وزير المأمون - الفضل بن سهل - أخبار ذلك عن المأمون، وأسباب ذلك، وموقف الإمام الرضا(عليه السلام) في إسداء النصيحة للمأمون بمعالجة الموقف المتأزم.
وبحثت عمل المأمون في القضاء على مصادر القوة وعناصر الفوضى في سلطانه كقتل هر ثمة بن أعين واغتيال الفضل بن سهل - وزيره المستبد والمهيمن عليه - بأمره، وقتل جماعة لذلك وحبس آخرين أيضاً كان منهم الإمام الرضاء ال وثمّ تدبير قتله مسموماً، كما سم محمّد محمّد بن محمّد بن زيد العلوي بالري، ومحمّد بن جعفر الديباج بجرجان، واغتيال طاهر بن الحسين، وأشرت إلى إجراءاته الإحتياطية لإخفاء معالم الجرائم في إغتيال أولئك النفر.
وذكرت المرحلة الأخيرة من خطة المأمون، وهي العودة إلى بغداد، واعداد العدة لذلك - بعد قضائه على كثير قضائه على كثير من العناصر المشار إليها - فقطع المسافة في سنتين بينما هي لا تحتاج إلى شهرين والوجه في ذلك، ومبادرته بخلع لباس الخضرة عند وصوله إليها، ومحاولته الفاشلة لخديعة شيخ من العلويين بولاية العهد ثانياً، والإمام الجواد ثالثاً، واكتفى بعد فشله مع الأخير بتزويجه من ابنته أم الفضل.
وبالتالي عرضت مواقف كثير من المؤرّخين والكتاب من ولاية عهد المأمون للإمام الرضا(عليه السلام)سواء القائلون بالشعور الديني أو السياسي أو المزيج منهما.
ولمّا كان هذا الموضوع الطويل لا تسعه أوراق التقديم، وهو بعد بحاجة إلى
مزيد من البحث، لذلك اكتفيت بالإشارة إليه، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لإتمام البحث المذكور ونشره مستقلاً، إنه سميع مجيب.
طرق رواية الكتاب عن المؤلّف:
جاء في نسخة منه توجد بمكتبة بيت الله المسجد الجامع العتيق في شيراز وهي بخطّ نسخ تعليق تاريخها ربيع الأول سنة 1050 في اصفهان:
1 - ابن أبي الحسن عليّ بن أبي طالب بن محمّد بن أبي طالب التميمي، عن أبيه، عن عز الدين سيّد الشرف أبو محمد شرفشاه بن أبي الفتوح محمّد بن الحسين بن زبارة العلوي الخطيبي النيشابوري في سنة 573 في مشهد عليّ أيام مجاورته، عن أبي الحسن علي بن عبدالصمد في داره في نيشابور في سنة 541، عن أبي البركات الخوزي، عن ابن بابويه.
2 - الحسن بن محمد بن يحيى بن عليّ بن الجور، عن النقيب السديد كمال الدين أبي الفتوح حيدر بن محمد بن زید بن عبدالله بن الحسن الراوندي، عن شرف السادة المرتضى بن الداعي الحسني، عن أبي عبدالله جعفر بن محمد بن أحمد بن العباس الدوريستي.
3 - الحسن بن محمّد بن يحيى بن عليّ بن أبي الجور، عن عماد الدين أبي الرضا أحمد بن عليّ بن الحسن بن أبي دهور الشبلي، عن أبي جعفر محمد بن عليّ بن شهر آشوب، عن أبيه، عن أبي نصر بن أبي الجيش، عن أبي جعفر محمّد ابن الحسن الطوسي، عن ابن بابويه.
4 - عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب كاتب الأصل المنقول كما في آخر الجزء الأوّل، عن أبي الفضل شاذان بن جبرئيل بن إسماعيل القمي الذي قابله في المدينة بقراءة هبة الله بن دعويدار القمي وسعد بن كميج، عن أبي عبدالله جعفر بن محمد بن أحمد بن العباس
الدوريستي عن محمد بن أحمد أبيه، عن ابن بابويه.
طبعات الكتاب :
وقد طبع هذا الكتاب الجليل عيون أخبار الرضا - قبل اليوم - فيما أعلم أربع مرات كانت الأولى: في سنة (1275ه-) بطهران، وهي طبعة حجرية بقطع الوزيري بلا ترقيم الصفحات الكتاب.
الثانية: في سنة (1317 ه-) بطهران أيضاً، وهي أيضاً طبعة حجرية بقطع الوزيري، وتعرف بطبعة نجم الدولة وتمتاز عن سابقتها بترقيم الصفحات وتبدأ من ص 67 ، كل صفحة في عمودين.
الثالثة: في سنة (1327 ه-) بطهران طبعة حجرية بقطع الوزيري.
الرابعة : في سنة (1377)ها بقم، طبعة حروفية في مجلدين بقطع الوزيري.
ومع تعدد طبعات الكتاب لا تزال نسخته عزيزة الوجود، ونظراً لنفاسة الكتاب، وندرة نسخته - تقريباً - فقد بادر الأخ الشيخ محمّد كاظم الكتبي سلمه الله إلى اعادة طبعه لأوّل مرّة في مطبعته الحيدرية التي ما زالت تتحف القرّاء بجليل الكتب ونفائس الآثار، فحياه الله وجميع العاملين في خدمة الدين إنه سميع مجیب.
النجف الأشرف
15 / 5 / 1390 هجرية
محمد مهدي السيد حسن
الموسوي الخرسان
للشيخ الجلیل الأقدم
الصدوق
إبى جعفر محمّد بن علىّ بن الحسين بابويه القمى
المتوقى سنة381
قدم له
العلامة الجليل السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان
منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الاشرف
1391 ه- - 1971 م
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
و به نستعين
الحمد لله ربّ العالمين وكفى والصلاة على محمّد المصطفى، وآله المستحفظين الشرفا.
وبعد: فقد اعتادت المكتبة الحيدرية - رعى الله صاحبها الأستاذ الشيخ محمّد كاظم الكتبي - أن تنشر الآثار الصالحة النافعة، فهي تطالع القرّاء بين حين و آخر بنتاج فكري قيم، وثمر علمي ناضج خدمة منها للعلماء المؤلّفين، ومشاركة معهم في في أداء رسالتهم التي أودعوها تصانيفهم، فكان على دور النشر بعثها من جديد إلى أيدي القرّاء إتماماً لمهمتهم العلمية، وتحقيقاً لغاياتهم النبيلة.
وأنّها اليوم تقدّم كتاب (الخصال) من تأليف الشيخ أبي جعفر محمد بن عليّ الصدوق(رحمه الله) ، وقد سبق أن نشرت عدة من كتبه وكان لى شرف تعريف المؤلّف والكتاب في مقدّماتها، وعطفاً على ما سلف فقد طلب إليَّ الأخ الكتبي سلّمه الله تقديم هذا الكتاب، فأجبته شاكراً له تهيئة الفرص للالتقاء مع القرّاء بين حين وآخر.
لقد افتنّ الشيخ الصدوق في تأليف كتابه (الخصال) بإسلوبه ونهجه، بأبوابه وعناوينه فهو كتاب واحد ولكنه البحر إن تشعبت روافده فبلغت زهاء الألف وقد امتاز باسلوبه ونهجه فكان الفريد في بابه.
وعى ما زخرت به حافظة المؤلّف، فحوى منها كلّ نفيس، فكان بين الكتب الّتي تشاركه موضوعاً أجمعها وأوعاها، وأحسنها ترتيباً، وأجملها تبويباً، وأكثرها مادّة ، وأجمعها لصنوف الأخبار العددية.
ولم يكد الشيخ المؤلّف يحس بالفراغ الفني في موضوعه الخاص حتّى طمحت نفسه المتوثبة، السباقة إلى كلّ فضيلة، إلى سدّ ذلك بتأليف لم يسبق إلى مثله.
وكان ذلك الفراغ الّذي لم يسدّه عالم قبله، هو تأليف( يشتمل على الأعداد
والخصال المحمودة والمذمومة) وهذا نوع من التأليف لم يكتب فيه مستقلاً قبل الصدوق، كما أنّ ما كتب فيه ضمن بعض التصانيف لم يرزق العناية التامة، فكانت تعوزه الإحاطة والشمول.
وسنبحث في هذا التقديم النظام العددي في التأليف والنهج الموضوعي والقيمة الفنية في الكتاب، وتحقيق اسم الكتاب، وزمن تأليفه وبعد ذلك نعرض
ترجمة الشيخ المؤلف الله ، كما قدمناها آخر مرة في كتابه عيون أخبار الرضا مع إضافة ما جدّ بعد ذلك.
نسأل المولى جل اسمه أن يوفقنا ويجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، إنه ولي التوفيق.
النظام العددي في التأليف:
ولم يكن بدعاً أن يستهوي النظام العددي طائفة من العلماء فيلتزموا به في مؤلّفاتهم، بعد أن كان مصطلحه مألوفاً لديهم منذ المراحل الابتدائية للتعليم، فكلّهم عرف الثلاثي والرباعي والخماسي في أبنية الأسماء والأفعال وأنّها في تشير أسمائها إلى واقعها الحروفي، فإنّما سميت الأبنية الثلاثية انتزاعاً من واقع الكلمة الأصلية، وكذلك الرباعية والخماسية.
ومن الجائز كنتيجة لاستئناسهم بالعددية، أنّهم استوحوا من واقعهم العلمي أساليب تفنّنوا فى اخضاعها لذلك النظام لما رأوا من ضبط وتسهيل واعانة للطالب على الحفظ والاستظهار.
ومهما يكن السبب فقد وجدنا بين المفسّرين والفقهاء والمحدّثين واللغويين، بل حتّى الشعراء من التزم العددية في نتاجه الفكري.
فهذا أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن خالويه (ت 372ه-) ألف كتابه في اعراب ثلاثين سورة من القرآن، وله كتاب (العشرات) ذكر فيه الكلمات التي لها
عشر معان(1)
وهذا محمّد بن المستنير المعروف بقطرب (ت 206 ها ما نظم كتابه (المثلث) إلّا وهو يقصد جمع ما يصح قراءته بثلاثة أوجه.
وكذلك من حذا حذوه ونسج على منواله كابن البطليوسي، وابن مالك، وأبي حفص البلنسي (ت 507ه-) الذي زاد عليهم جميعاً في مثلثاته، حتى قيل عنها أنّها عشرة أجزاء، كما قيل: إنّها شرح لمثلث قطرب.
ولابن فارس (ت 372ه-) صاحب (معجم مقاييس اللغة) كتاب الثلاثة في اللغة، وهو ما يصح تصريفه من الكلمات على ثلاثة أوجه.
ومن الفقهاء أصحاب الثلاثيات أو الاثنا عشريات أو الألفيات، وقد تكفّلت معاجم الفهرسة بذكر كتبهم، أذكر منهم على سبيل المثال الشيخ شمس الدين محمّد بن مكي - الشهيد الثاني المستشهد سنة (786 ه-) - له الرسالة (الألفية) في الصلاة - وهي مطبوعة.
ومن المحدثين وهم الغالب عليهم الإلتزام في تأليفهم بالنظام العددي :
فمنهم أصحاب الثلاثيات والرباعيات والخماسيات، وهكذا إلى العشريات ويقصدون بذلك الأحاديث التي اتصل إسنادها بالنبي و بثلاثة وسائط أو بأربعة أو بخمسة وهكذا، وكان هذا اللون من التأليف لا يحصل إلا في أحاديث أصحاب الأسانيد العوالي - قرب الاسناد - الذين كانت تشد إليهم الرحال للتحمّل عنهم لعلوّ إسنادهم، وقلة وسائطه، كما كان علوّ الاسناد مدعاة للفخر والإعتزاز. ومن الخير التنبيه على أنّ البخاري صاحب الصحيح (ت 256ه-) والذي بلغت
أحاديث صحيحه (7397) حديثاً لم يكن فيه سوى (22) حديثاً من الثلاثيات. والدارمي (ت 255 ه-) لم يكن في مسنده بسنده من الثلاثيات .
إلا خمسة عشر حديثاً.
ولعبد بن حميد (ت 249ه-) وأحمد بن حنبل (ت 241ه-) ثلاثيات أيضاً.
1) فهرس المكتبة المركزية بجامعة طهران 8: 51
وكذلك الرباعيات للبخاري ومسلم والترمذي على هذا القياس، ونحوها رباعيات التابعين لابن صصرى(1)
وهكذا في بقيّة الآحاد حتّى العشريات، فقد ألفوا فيها.
قال السيوطي: وممّن خرّجها قبل الثمانمائة الزين العراقي، وبعده جماعة منهم ابن حجر، فكان أكثر ما يقع لي عالياً أحد عشر لكون زماني بعيداً، وقد فحصت فوقع لي أحاديث يسيرة عشارية(2).
وثمة من جمع بين عددين من الآحاد في تأليفه كأبي العباس عبيدالله بن أحمد بن نهيك، وحميد بن زياد النينوائي (ت 310ه-) وعليّ بن أبي صالح محمّد الملقب ببزرك، فإنّهم الفواكتباً باسم الثلاث والأربع(3).
وجمهر التأليف المراعى فيه النظام العددي كانت على توالي الآحاد، ودون ذلك ما جاوز مرحلة الآحاد إلى العشرات إذا استثنينا الأربعينات منها.
فطائفة معدودة في الإثنا عشر والأربعة عشر ، والثلاثين، أمّا التأليف في الأربعين فهو كثير جدّاً، حتّى تفنّن بعض العلماء في ذلك، فكتب الأربعين عن الأربعين، وزاد بعضهم فكتب الأربعين من الأربعين عن الأربعين(4).
وأمّا من تجاوز هذا العدد فربّما كانوا قلّة بالنسبة إلى من ألف في الأعداد السابقة، وليس ثمة ما يستحق الاهتمام بذكره إلا الكتب (الألفية)، فإنّها على اختلاف موضوعاتها كثيرة جداً .
ولم نقرأ من تجاوز الألف إلا عن بعض الكتب الأدبية الّتي تجاوزت الألف بواحد كألف ليلة وليلة، وألف نهار ونهار وألف جارية وجارية ونحوها.
أمّا من وقف على عتبة الألفين في تأليفه، فلم نقرأ ذلك إلا عن الشيخ أبي عليّ محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي ( ت 381ه-) فإنّ له كتاب ألفي مسألة (ذكره النجاشي).
والإمام جمال الدين ابن المطهر الّذي سمتت به همته لتألیف کتاب (الألفين)(1).
وقد لا أكون مجحفاً إذا ما قلت إنّ اخضاع المؤلّفات الحديثية أو الفقهية، بل وحتّى التفسير واللغة لقانون النظام العددي ليس فيه كبير عناء إذا ما كانت وحدة الموضوع محفوظة، وهي التي تجمع بين آحاد العدد.
كما لا أكون مغالياً إذا ما قلت أنّ فضيلة المؤلّف وقدرته، تظهران عندما يلتزم تألیف کتاب خاص في فن من الفنون، ثمّ يحشد فيه جمهرة كبيرة من الأشتات العددية بقدر ما يحتاج إليه في كتابه وهو ينظمها تنظيماً دقيقاً مبتدءاً من الآحاد إلى العشرات إلى المئين والآلاف مستوحياً من مادة الآثار عناوين تلتقي عند موضوعه العام، كما نرى ذلك في كتابنا (الخصال) الذي امتاز من بين التأليف العددية بنهجه الموضوعي وقيمته الفنية.
النهج الموضوعي والقيمة الفنية في الكتاب:
لقد أفصح المؤلف في خطبة كتابه عن نهجه في تأليفه، كما أبان عن السبب الداعي إلى ذلك فقال:
(أمّا بعد فإنّي وجدت مشايخي وأسلافي رحمة الله عليهم، قد صنفوا في فنون العلم كتباً، وغفلوا عن تصنيف كتاب يشتمل على الأعداد والخصال المحمودة والمذمومة، ووجدت في تصنيفه نفعاً كثيراً لطالب العلم والراغب في الخير، فتقرّبت إلى الله جلّ اسمه بتصنيف هذا الكتاب طالباً لثوابه، وراغباً في الفوز برحمته، وأرجو أن لا يخيبني فيما أملته ورجوته منه بتطوّله ،ومنه إنّه على كلِّ شيء قدير).
وفي هذه السطور أخبرنا عن شعوره بالحاجة لسد الفراغ الفني في التأليف من ناحية النظام العددي، كما كشف عن اعتقاده بأن فى سد ذلك الفراغ كثير نفع لطالب
1) طبع بالحيدرية مع تقديم لنا.
العلم والراغب في الخير.
وهذان العاملان هما المحفز الأوّل والأخير في بعث قلمه على تأليف كتاب (الخصال) وفي استجابته لنداء المسؤولية التي يشعر بها، وكانت غايته المثلى من سد ذلك الفراغ، واسداء النفع العام هو التقرب إلى الله جل اسمه طلباً لثوابه ورغبة في الفوز برحمته وهي غاية شريفة نبيلة تنبىء عن نفس خيّرة وضمير طاهر تحب الخير وتعمل من أجله، وتدعو الناس إلى فعله، شأن أصحاب الرسالات ،المصلحين، وأتباعهم الصادقين المؤمنين.
وإذا رجعنا إلى الكتاب نفسه نستجوبه عن قيمته الفنية، فنجده مجمو أحاديث و آثار اشتملت على الأعداد، اختارها المؤلّف فأحسن الاختيار، وبرّبها فأجمل في التبويب، فجمع أشتاتها، ونسّق مجموعها في سلك عناوين عددية في أبواب متسلسلة، تحت كلّ عنوان موضوع يناسبه، وفيه حديث أو أكثر تتخلل ذلك آيات شريفة، وحكم بالغة، ومواعظ نافعة، وأحكام دينية، ومسائل علمية ونكات مستطرفة، وأبيات مستجادة.
فكان الكتاب بمجموعه بمثابة موسوعة ضمّت ما تشتهيه النفوس الخيّرة الصالحة وغيرها، إذ يستهوي التي ران على قلوبها فأخطأت الطريق.
ولكن ليس هذا كلّ شيء في قيمته الفنّية، بل هناك مميزات أخرى كتعقيباته على بعض الأحاديث إمّا لحل مشكل، أو تفسير غريب، أو زيادة ايضاح. وقد أحصيت - عاجلاً - من التحقيقات العلمية في هذا الكتاب فكانت تناهز الستين سوى غيرها من سائر الايضاحات التي عقب بها المؤلّف بعض أحاديث كتابه.
وهذا أيضاً ليس هو كلّ شيء فى تمييز كتابنا على أمثاله من المؤلّفات العددية في الأخلاق، بل الّذي أراه - وقد لا أكون مغالياً - هو انفراده بالاسلوب والمنهج على طول الخط - إن صح التعبير - من بدئه إلى ختامه على كثرة أبوابه وعناوينه. وقد يدهش القارئ إذا ما أخبرته أنّ العناوين التي سلكها المؤلّف في نظام
العدد ناهزت الألف، فقد أحصيت له (970) عنواناً - وربّما زاغ عن بصري بعضها - فوزعها بين 24 باباً، كان نصيب الأبواب الخمسة الأولى هو النصيب الأوفر من تلك العناوين وحصة تلك الأبواب الخمسة هي كما يلي مرتبة على نسبة ارتفاع النصيب :
الباب الثالث: وهو أكثر الأبواب نصيباً لكثرة الثلاثيات العددية الّتي وصلت إلى المؤلّف، فبلغ مجموع عناوينه حسب موضوعاته (233) موضوعاً.
الباب الرابع: فقد ضم (131) موضوعاً.
الباب الثاني: وفيه (110) مواضيع.
الباب الأوّل: وفيه (107) مواضيع
والباب الخامس : وفيه (94) موضوعاً.
وهكذا تنخفض النسبة، وتتضاءل الأرقام في نسبة العناوين في سائر الأبواب الأخرى، فنجد أعلاها الباب السابع وفيه (66) موضوعاً، وأدناها الباب السابع عشر إذ ليس فيه إلا موضوع واحد.
وهذا العدد الكبير من العناوين ليس بمقدور كلّ مؤلّف أن يستوفيه برصف أحاديث عددية تتناسب ومكانها العددي، وهي مع ذلك لا تخرج عن موضوع الكتاب العام.
وقد قرأنا لمؤلّفين سابقين على الصدوق ومتأخرين عنه، طرقوا أبواب النظام العددي في موضوع الخصال المحمودة والمذمومة، لكنهم لم يقطعوا الشوط الذى قطعه الصدوق له.
وأذكر على سبيل المثال من المتقدمين الشيخ أبا جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي المتوفى سنة ( 274 ه-)، أو سنة ( 280ه-) - صاحب كتب
(المحاسن) - فإنّه سلك الطريقة العددية فى كتابه (الأشكال والقرائن) وهو أحد كتب المحاسن، فذكر في الأبواب الثمانية الأولى من ذلك الكتاب أحاديث مرتبة على توالي الآحاد ، مبتدءاً من باب الثلاثة ومنتهياً بباب العشرة.
ومن المتأخّرين الشيخ أبا الفتح محمّد بن علي الكراجكي (ت 449 ه-) - صاحب كتاب (كنز الفوائد)، وغيره - فإنّه جارى الصدوق في مضمار الخصال العددية، فألف كتابه (معدن الجواهر ورياضة الخواطر)، ولكنه لم يتجاوز فيه باب ما جاء في عشرة.
فهذه الإستدامة في التسلسل العددي والإستمرارية في النظام والكثرة في العدد والوفرة في الحشد رفعت كتاب الخصال إلى قمة الكتب العددية في الأخلاق، فكتب له التوفيق والخلود منذ أكثر من ألف سنة وحتى يومنا الحاضر، وسيبقى خالداً حياً ما دام طالب علم وراغب في الخير.
ماهو اسم الكتاب:
لم يصرّح المؤلّف في مقدمة كتابه - وقد مرّت - أنّه سمّاه (الخصال)، وإنما ورد في المقدّمة في عرض نهجه أنّه لم يجد في تصانيف مشايخه وأسلافه رحمهم الله تصنيفاً ( يشتمل على الأعداد والخصال المحمودة والمذمومة).
ولكنّه(رحمه الله) في إحالته في كتبه الأخرى على هذا الكتاب سمّاه بالخصال، وكأنّه انتزعه من واقع الكتاب وصلب موضوعه فاشتهر بذلك.
ولم يكن اسم (الخصال) من مستحدثات الشيخ الصدوق (رحمه الله)، كما كان نفس الكتاب بمنهجه الخاص من ،مبتكراته بل كانت التسمية به سبقت عهد الصدوق فهذا أبو الحسن ابن شاذان - الراوي عن الإمام الجواد(عليه السلام) - له كتاب في الإمامة سمّاه (الخصال) ، وابن سريج الشافعي (ت 306ه-) سمّى كتابه في فروع الفقه الشافعي (الخصال)، وأبو الحسن علي بن مهدي الأصبهاني (ت 330 ه-) كما في الإيضاح - سمّى كتابه الذي جمع فيه الأشعار والحكم والأمثال (الخصال) وذكره ياقوت في معجمه، وذكر أن وفاته كانت قبل الثلاثمائة(1)، وأبو بكر محمد المالكي القرطبي (ت (381 ه-) - وهي سنة وفاة الصدوق - سمّى كتابه في فروع المالكية (381ه-)
1) معجم البلدان 15: 95
(الخصال).
ولو افترضنا أنّ الشيخ الصدوق(رحمه الله)رأى بعض تلك الكتب أو سمع بها، أو تلقى عن مؤلّفيها ، فانّ ذلك لا يعني أنّه وضع كتابه (الخصال) مقتبساً منهم لتفاوت الموضوع، واختلاف المنهجية والأسلوب.
ولم نر - فيما بحثنا - عن المؤلّفين المتأخرين الذين سمّوا كتبهم باسم (الخصال) من جارئ الشيخ الصدوق في خصاله، أو شاركه في نهج كتابه.
فانّ لأبي ذرّ الهروي ( ت 434ه-) كتاب (الخصال في فروع الفقه الحنفي، وللطرسوسي (ت 746ه-) أيضاً كتاب (الخصال) في نفس الموضوع، ولابن كاس الحنفي( الخصال الكبيرة).
وللحسن بن الحسين التالشي (خصال السلف في آداب السلف والحلف)، وللسخاوي (الخصال الموجبة للضلال ).
ولابن حجر (الخصال المكفّرة للذنوب المقدّمة والمؤخّرة).
ولمحمّد بن يبقى (الخصال) في الفقه.
ولابن الدجاج الخولاني (ت 430 ه-) (الخصال) .
ولا بن رويدة الأهوازي الحداد (الخصال) في الإمامة(1).
والظاهر من عناوين كتبهم أنها لا تلتقي وكتاب (الخصال) للصدوق في النهج الّذي انفرد به، فهي تختلف عنه موضوعاً وأسلوباً وإن شاركته في الاسم.
ز من تأليف الخصال:
من الواضح أنّ كتاب (الخصال ) لم يكن من أوائل تأليف الشيخ الصدوق الله(رحمه الله) ، إذ أنّ موضوعه يقضى أن يكون نتيجة اطلاع واسع وخبرة تامة بالأحاديث وممارسة للتأليف والتصنيف فى فنون من العلم وأبوابه، ويمكننا تأييد ذلك
1) راجع بشأن كتب (الخصال) المذكورة الصلة لكتاب التكملة، وكتاب الذريعة، وكتاب كشف الظنون، وكتاب ايضاح المكنون، وكتاب بغية الملتمس للضبي، وطبقات الشافعية.
باستقراء كتبه التي أحال عليها في كتاب الخصال لمعرفة سبقها الزمني - عادة - عليه، وقد فحصت كتابنا فوجدت فيه أسماء اثني عشر كتاباً أحال عليها المؤلّف من الخير أن نعرض فهرستها أمام القارئ:
ففي باب الاثنين أحال على كتابه (النبوة) وهو كتاب في تسعة أجزاء، أحال على الجزء الرابع منه في باب الخمسة، وأحال عليه دون تعيين الجزء في باب الإثنى عشر.
وفي باب الاثنين أيضاً أحال على كتابه (المعرفة في الفضائل)، وفي الباب نفسه أيضاً أحال على كتابه (مقتل الحسين(عليه السلام) ).
وكذلك فيه أيضاً أحال على كتابه (فضائل جعفر بن أبي طالب).
وفي باب الثلاثة أحال على كتابه (معاني (الأخبار) وكذا في باب الستة.
وإن في هذا الكتاب حوالات على كتابيه (علل الشرايع) و (التوحيد) وفيهما ذكر عدة من الكتب لجميعها السبق الزمني عادة.
وفى باب الثلاثة أيضاً أحال على كتابه (إثبات المعراج).
وفي الباب نفسه أحال على كتابه( وصف قتال الشراة المارقين)، وهذا الكتاب لم يذكر في فهارس ،مصنفاته، ولولا ذكر المؤلّف له لذهب كأمثاله ممّا لم تعلم عنه شيئاً.
وفي باب الخمسة أحال على كتابه (تفسير القرآن).
وفي الباب نفسه أيضاً أحال على كتابه (صفات الشيعة) وكذا في باب السبعة. وفي أبواب الإثنى عشر أحال على كتابه (إكمال الدين وإتمام النعمة) وإذا رجعنا إلى كتابه (الإكمال) نجد فيه الحوالة على عدة من كتبه منها الحوالة على: کتاب الغيبة، وكتاب السر المكتوم إلى الوقت المعلوم، وكتاب عقاب الأعمال، وكتاب عيون أخبار الرضا(عليه السلام)، وكتاب النص على الأئمة الإثنى عشر بالإمامة وكتاب إيطال الغلو والتفويض ، وكتاب مولد فاطمة
(عليها السلام)، وكتاب مدينة العلم، وهذا وحده في عشرة أجزاء أكبر من كتابه من لا يحضره الفقيه، سوى ما اشترك في
الإحالة عليه مع كتابنا هذا ككتاب النبوة، والمعرفة.
وفي أبواب الخمسة عشر أحال على كتابه (فضائل رجب).
وفي أبواب الأربعين وما فوقها أحال على كتابه (التوحيد)، وفيه أيضاً إحالات على كتب أخرى تقدم اسم بعضها، ومما لم يسبق ذكره كتاب الدلائل والمعجزات، وكتاب العظمة.
والذي يلفت النظر فى إحالات كتاب (التوحيد) أن منها الإحالة على كتابنا هذا (الخصال) كما في ص 333، وهو من الدور الظاهر في الحوالة، وستأتي الإشارة إلى وجه ذلك.
ولم يكن كتاب التوحيد هو الوحيد الذي أحال فيه المؤلّف على كتابه الخصال، بل أحال عليه أيضاً في كتابه ( عيون أخبار الرضا(عليه السلام)(1)) وكذلك في كتابه من لا يحضره الفقيه)(2).
وعلى ضوء هذه الحوالات يمكننا تحديد زمن تأليف (الخصال)، وأنه كان قبل السبعينات، إذ أنه دخل إيلاق في سنة (368ه-) وهناك اجتمع مع الشريف أبي عبدالله الملقب ( بنعمة) وكان معه من مصنفاته مائتي كتاب وخمسة وأربعين كتاباً وقف عليها الشريف المذكور، وهو الذي اقترح عليه تصنيف كتابه (من لا يحضره الفقيه) فكتبه له.
ولما أحال في كتابه (من لايحضره الفقيه) على كتاب (الخصال)، ظهر أنّه كتبه قبله، وإذا رجعنا إلى كتابه (إكمال الدين) الذي أحال عليه في كتابنا هذا في (أبواب الإثني عشر ) نجد أن زمن تأليفه كان في سنة ( 354 ه-) إذ ابتدأ فيه عند البيت الحرام في سنة حجّه وهي سنة ( 354 ه-) فيكون زمن تأليف (الخصال) بقانون الحوالة قبل سنة (368 ه-) وهي سنة تأليف (من لا يحضره الفقيه) وبعد سنة (354 ه-) وهي سنة تأليف (إكمال الدين).
ولكن يبدو لي بعد استقراء إحالات المؤلّف في كتبه التي عندي عدم اطراد قانون الحوالة - وهو تأخر المحوّل فيه عن المحوّل عليه زمناً - في جميع ما أحال فيه وعليه، لأنا وجدنا الحوالة الدورية في عدة من كتبه.
ولنلاحظ فيما يتعلّق بكتابنا وكتاب التوحيد، حيث لا يمكن معرفة السبق الزمني في التأليف، إذ أحال المؤلّف في كلّ منهما على الآخر.
كما لا يمكن معرفة ذلك أيضاً بالنسبة إلى كتابنا هذا وكتاب معاني الأخبار، إذ أحال في الخصال على كتاب المعاني، وأحال في المعاني(1)على كتابه علل الشرائع، وأحال في علل الشرائع(2)على كتاب عيون أخبار الرضا(عليه السلام)، وأحال في العيون(3)على كتابه هذا (الخصال).
وهناك شواهد أخرى للدور الظاهر في الحوالة بين كتابي علل الشرائع
وإكمال الدين، إذ نجد في كل منهما الإحالة على الآخر.
فبماذا نفسّر هذا الدور في الحوالة؟
ولعل القول بالاشتراك الزمنى عند التأليف، أو الإلحاق بالسابق عند تأليف اللاحق خصوصاً في الدور المضمر كما يقول المنطقيون، ما يدفع الإشكال ويرفع الإيهام.
وحيث انتهينا من عرض النظام العددي في التأليف، وبيان النهج الموضوعي والقيمة الفنية في الكتاب، وتحقيق اسم الكتاب، ومعرفة زمان تأليفه، تبيّن لنا انّ الكتاب بمجموعه يدلّ على طول باع المؤلّف وسعة اطلاعه، يزخر بما فيه من آراء ناضجة، ونظرات صائبة، وانتقاء صحيح، واحاطة وشمول، فكان نتيجة لذلك سجلاً حافلاً يضمّ معلومات قيمة لها أعظم الأثر في المجال التهذيبي، ينتفع بها طالب العلم والراغب في الخير، وتكفل تعاليمها تهذيب النفس من أدران الشوائب،
وتخليصها من كلّ ما يحيق بها من شبه وشكوك، وما يدنسها من رين المادة.
وكما فيها الترغيب لسبل الخير، كذلك فيها التحذير من صفات ذميمة، وعوارض سيّئة تكاد أن تنحط بالإنسانية عن مستواها الرفيع إلى صف البهيمية العجماء.
هذا آخر ما تيسر لنا من التعريف بكتاب الخصال، ولنعرض ترجمة مؤلّفه الذي كان عملاقاً بين مؤلّفي عصره في جودة الانتاج مع وفرة العدد، حتّى كأنه وقد بارك الله له في عمره، فعاش سبعة عقود ونصف، كذلك بارك الله له في تصانيفه وكتبه حتّى ألف نحواً من ثلاثمائة مصنّف.
الشيخ الصدوق مؤلّف الكتاب:
هو أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي.
ولم ترفع كتب التراجم نسبه إلى ما فوق (بابويه)الأمر الذي يدلّنا على أنّه الشخصية الأولى من آبائه الذي تمتع بشهرة حتى صارت النسبة إليه، كما يترك المجال مفتوحاً لاحتمال نسبة عدة من المحدثين والعلماء المشهورين ينسبون إلى مثل هذا الاسم ( بابويه)، أنّهم من لحمة الشيخ الصدوق وأبناء عمومته، فإنّهم أيضاً لم ترفع أنسابهم أيضاً إلى ما فوق بابويه إلّا في واحد كما سيأتي.
ونظراً لتقارب عصورهم مع عصر الصدوق، فيبدو احتمال أنّهم جميعاً من أسرة واحدة، ويرجعون إلى جد واحد وهو بابويه، وقد ذكرت ذلك في رسالتي (التنويه بأسماء المختومين بويه) عند ذكر أسماء الأعلام من المحدّثين المنسوبين إلى بابويه، وإن لم أجزم به.
أمّا الأشخاص المشار إليهم آنفاً ممّن نسب إلى بابويه، ولم يرفع نسبه إلى من فوقه إلّا في واحد وهو:
1 - محمّد بن سليمان بن بابويه بن مهرويه المخرمي- كما في الإكمال- ، وفي
رواية الخطيب أنّه بابويه بن فهرويه بن عبدالله سمع عثمان بن عبدالله بن عمرو ابن عثمان العثماني وغيره، حدّث عن ابنه عبيد الله - الآتي ذكره - وغيره، توفي سنة (307ه-).
2 - عبیدالله بن محمّد بن سليمان - الآنف الذكر - أبو محمّد الدقاق، حدّث عن أبيه، وجعفر الفريابي، وإبراهيم بن عبدالله بن أيوب المخرمي وغيرهم.
3 - أبو القاسم محمّد بن عبيد الله بن بابويه - الرجل الصالح - وهو ممّن يروي عنه ابو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الله الضبي، وهذا من مشايخ المؤلّف شيخنا الصدوق، روى عنه كما في أسانيد كتبه.
4 - الحسين بن إبراهيم بن بابويه، عدّه سماحة السيّد الوالد دام ظلّه من جملة مشايخ الصدوق في مقدّمة الفقيه(1)استناداً إلى ما ذكره المحدّث النوري في خاتمة المستدرك، ولم نجد ذكره في أسانيد الصدوق في كتبه، نعم وردت رواية الصدوق عنه بواسطة في إسناد حديث في بشارة المصطفى(2)حيث ذكر أنّ الصدوق يروي عن الحسين بن موسى عن الحسين بن إبراهيم بن بابويه، عن عليّ ابن إبراهيم بن هاشم القمي.
5 - أبو الحسن عليّ بن عبدالله بن أحمد بن بابويه المذكر، وهو من شيوخ الصدوق، روى عنه في معانى الأخبار(3)
6 - أبو الحسن علىّ بن محمّد بن بابويه الأسواري الأصبهاني، قال ابن مندة: . هو آخر الأغنياء الأتقياء، ورع دیّن، دخل شیراز وسمع من جماعة، وكتب، مات سنة (358ه-).
7 - أحمد بن الحسن بن علىّ(4)بن بابويه الحنائي، حدّث عن يوسف بن
موسى القطان، وحدّث عنه عمر بن أحمد بن شاهين في معجم شيوخه، وابن شاهين هذا ولد سنة (297 ه-) وأوّل ما سمع الحديث منه (305 ه-) وله إحدى عشرة سنة(1)، وتوفى سنة (385ه-) .
8 - أبو الحسن عليّ بن بابويه قتيل القرامطة في الطواف بالمسجد الحرام، ذكره القطبي في كتابه الإعلام بأعلام بيت الله الحرام(2): أنّ القرامطة لمّا أغاروا على الحجاج في سنة (317ه-) ودخلوا المسجد الحرام أيّام الموسم، وراثت خيولهم في المسجد، وقتلوا خلقاً كثيراً في المطاف قدرهم بألف وسبعمائة طائف محرم، وكان علىّ بن بابويه ممّن يطوف فلم يقطع طوافه، وجعل يقول:
ترى المحبين صرعى في ديارهم*** كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
والسيوف تقفوه إلى أن سقط ميتاً، رحمه الله تعالى (3)
ومن الغريب أنّ الشيخ الطريحي ذكر في مجمع البحرين (قرمط) نقلاً عن الشيخ البهائي أنّ الحادثة كانت سنة ( 310 ه-) وهو غير صحيح، فانّ دخول القرامطة إلى مكة كان في سنة (317) كما في تاريخ الكامل لابن الأثير، والبداية والنهاية لابن كثير وغيرهما، وورد ذكرها في حوادث سنة (316ه-) في كتاب صلة تاريخ الطبري، فراجع.
.9 - أبو الحسن عليّ بن الحسين بن بابويه الرازي، خرج لنفسه أربعين حديثاً رواها عنه أبو المجد محمّد بن الحسين بن أحمد القزويني (ت 622 ه-) بسماعه منه (4)
1) ورد في لسان الميزان 4: 283 أنه أوّل ما سمع الحديث في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وله إحدى عشرة سنة، وهو من سهو القلم من ابن حجر إذ سبق منه ذكر ولادة ابن شاهين في سنة (297) ومعلوم أنّه لمّا سمع وله إحدى عشرة سنة، فيكون الصواب سنة ثمان وثلاثمائة لا كما ذكر، فلاحظ.
2) الإعلام: 75 - 76
3) ذكر القصة ابن كثير في تاريخه في حوادث سنة (317) ولم يسم علي بن بابويه، بل قال: وقد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف، فلمّا قضى طوافه أخذته السيوف، فلما وجب أنشد وهو كذلك ثم ذكر البيت.
4) ذهب المرحوم الدكتور مصطفى جواد في هامش إكمال الإكمال: 17، إلى أن علي ابن الحسين بن بابويه المذكور، هو والد الصدوق المتوفى سنة (328ه-) ولما تفطن إلى أنّ بین وفاة ابن بابويه الذي عينه وبين وفاة أبي المجد القزويني الراوي عنه سماعاً (294) سنة تمحل في تفسير قوله (بسماعه منه) فقال : يعني بسماع الجزء منه عن جماعة من الشيوخ، وهذا إجتهاد من الدكتور في مقابل النص على أنّه لم يذكر بين مؤلّفات والد الصدوق كتاب إسمه (الأربعين) فراجع فهرستي النجاشي والطوسي وغيرهما.
ومن الواضح أنّ هؤلاء كلّهم إلّا الأخير منهم ممن يقارب عصرهم عصر الصدوق أو عصر والده كتقارب بلدانهم، فيا هل ترى وجاهة احتمال أنهم من ذرية بابويه جد المؤلّف، أو أنّهم من بابويه آخر أو آخرين.
ومهما يكن الواقع فانّ بني بابويه - أسرة المؤلّف - من بيوتات القميين المشتهرة بالعلم والفضيلة وقد تبوأ رجال منهم مكان الصدارة والمرجعية، كما كان بيتهم حتى القرن السادس بيت علم وحدیث ذكرت المعاجم الرجالية منهم عدة علماء ومحدّثين، أحصينا منهم ما يقرب من عشرين عالماً من بينهم شيخ الإسلام وثقة الدين، كما فيهم من تسمى باسم جدهم الأعلى (بابويه) إحياءً لذكره.
وبالرغم من كثرة البحث في تاريخ هذه الأسرة الكريمة الباسقة أفنانها والناضجة ثمارها لم نقف على مبدء سكناهم في قم الحاضرة الإسلامية ومهد العلم في ذلك العصر، لكن الذي لا نشك فيه أن والد المؤلّف - وهو الشيخ أبو الحسن علي بن الحسين كان في قم، ومن أبرز أصحاب الشيوخ الأجلة سعد بن عبدالله بن أبي خلف الأشعري، وأبي العباس عبدالله بن جعفر الحميري صاحب قرب الاسناد، وأبي الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القمي المفسّر وطبقتهم .
كما كانت له مكانة مرموقة فى وسطه، بل يعد من علية رجالات بلده، وفي الطليعة بين أعلامهم الطائري الصيت إن لم يكن هو الأوّل المشار إليه من بينهم، وقد أثنى عليه علماء الرجال ووصفوه بكل جميل، ممّا يكشف عن عظيم قدره،
وعلو كعبه.
كما ذكروا أنّ الإمام الحسن العسكري(1)(ت 260ه-) كتب إليه كتاباً فيه ما يغني عن سرد جمل الثناء العاطر، وآيات التعظيم، جاء فيه:
(اعتصمت بحبل الله، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، والجنة للموحّدين، والنار للملحدين، ولا عدوان إلّا على الظالمين ، ولا إله إلّا الله أحسن الخالقين، والصلاة على خير خلقه محمّد وعترته الطاهرين).
وفيه: (أما بعد، أوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي أبا الحسن علي بن الحسين القمي، وفقك الله لمرضاته، وجعل من صلبك أولاداً صالحين برحمته).
وفيه: (فاصبر يا شيخي يا أبا الحسن علي ، وأمر جميع شيعتي بالصبر، فانّ الأرض الله يورثها من يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته).
والّذي يلفت النظر في فقرات هذا الكتاب خطاب الإمام(عليه السلام)لأبي الحسن بن بابويه بالشيخ، ولابّد أن يكون من باب شيّخه تشييخاً دعاه شيخاً تبجيلاً وتعظيماً (2)، وإلّا فلا مجال للقول بأنّ ابن بابويه كان حين صدور الكتاب شيخاً في السن، أي من الخمسين إلى الثمانين، كما هو معنى الشيخ على ما حكاه ابن سيّده في المخصص وغيره.
ولو كان شيخاً لعدّ من المعمّرين، إذ أنّ وفاة الإمام العسكري (عليه السلام)كانت سنة السلام ( 260ه-)، وعاش أبو الحسن ابن بابويه بعد الإمام(عليه السلام) ما يقرب من سبعين عاماً حيث كانت وفاته سنة (328ه-)، ولم يذكر أنّه كان من المعمّرين الذين تجاوزوا المائة وناهزوا المائة وخمسين مثلاً، ولم يذكر في ترجمته ما يشير إلى ذلك ولو من بعيد.
على أنّه لو كان من المعمّرين الّذين تجاوزوا المائة وناهزوا المائة وخمسين مثلاً لأشار ولده الشيخ الصدوق إلى ذلك في كتابه إكمال الدين في باب التعمير والمعمّرين، وما يناسب ذلك من أبواب الكتاب، فلابدّ إذن من أن يكون المعني بالشيخ هو التبجيل والتعظيم ، ولعلّ في مخاطبته بالكنية ما يشعر بذلك مضافاً إلى وصفه بالمعتمد والفقيه، فهو من الشيوخ شأناً، وإن لم يكن منهم سناً .
وممّا يسترعي الانتباه أنّ هذا الكتاب لم يروه ولده الصدوق في تضاعيف كتبه الّتي وصلت إلينا على كثرة الأبواب المناسبة لذكره، كما لم يذكره القدماء من أصحابنا.
وأقدم مصدر حكى عنه - فيما أعلم - هو كتاب الاحتجاج لأبي منصور أحمد ابن عليّ الطبرسي، أستاذ الحافظ ابن شهر آشوب السروي (ت 588 ه-)، حكاه عنه البحراني في لؤلؤة البحرين(1)، ولم أجده في مطبوع الاحتجاج.
ورواه بصورة مختصرة الحافظ ابن شهر آشوب في المناقب(2)، وذكره مفصلاً القاضي المرعشي في مجالس المؤمنين(3)، والخوانساري في الروضات(4)، والنوري في خاتمة المستدرك(5)وغيرهم من المتأخّرين.
ذكر الشيخ النجاشي في رجاله (6)أبا الحسن - والد المؤلف - ووصفه بقوله: شيخ القميين في عصره، ومتقدّمهم وفقيههم وثقتهم، كان قدم العراق واجتمع مع أبي القاسم بن روح الله(رحمه الله) ، وسأله مسائل ثم كاتبه بعد ذلك على يد عليّ بن جعفر الأسود(7)يسأله أن يوصل رقعة إلى الصاحب(عليه السلام)ويسأله فيها الولد، فكتب إليه: قد دعونا لك بذلك، وسترزق ولدين ذكرين خيّرين .
وذكر الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة(8)أنّ علي بن الحسين بن موسى بن
بابويه كانت تحته بنت عمه محمّد بن موسی بن بابویه، فلم يرزق منها ولداً، فكتب إلى الشيخ أبي القاسم بن روح (رضی الله عنه)أن يسأل الحضرة أن يدعو الله أن يرزقه أولاداً فقهاء، فجاء الجواب: إنّك لا ترزق من هذه، وستملك جارية ديلمية، وترزق منها ولدين فقيهين.
وفي لفظ الصدوق - مؤلف الكتاب - قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن عليّ بن الأسود، قال: سألني على بن الحسين بن موسی بن بابويه(رحمة الله علیه) بعد موت محمد بن عثمان العمري(رضی الله عنه)(وكانت وفاته سنة 305ه-)أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان(عليه السلام) أن يدعو الله(عزّوجل) أن يرزقه ولداً ذكراً، قال: فسألته فأنهى ذلك، فأخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام أنه قد دعا لعلي بن الحسين، وأنه سيولد له ولد مبارك كذا - ينفعه الله(عزّوجل) به وبعده أولاده.
قال أبو جعفر محمد بن عليّ بن الأسود(رضی الله عنه): وسألته في أمر نفسي أن يدعو الله لي أن يرزقني ولداً ذكراً، فلم يجبني إليه وقال: ليس إلى هذا سبيل، قال: فولد لعلي ابن الحسين(رضی الله عنه)محمد بن علي - مؤلف الكتاب - وبعده أولاد، ولم يلد لي شيء.
وهكذا تم للشيخ - والد المترجم له - ما كان يصبو إليه من الدعاء بالولد الصالح، كما تم له بعد ذلك حصول الأثر، فملك الجارية ورزق منها أوّل مولود ذكر، كان هو شيخنا - المترجم له - أبا جعفر محمّد بن عليّ الصدوق، ولعلّ في اختيار والده لاسمه ما يشعر بأنه من بركات دعاء صاحب هذا الاسم وهو صاحب الأمر (عجل الله فرجه الشريف)، وكانت ولادته بعد سنة (305ه-) التي هي سنة وفاة العمري وأولى سني سفارة الروحي، ولعلّها كانت سنة (306) كما استقر بها السيد الوالد دام ظله واستدلّ عليها، وأياً ما كان فقد ولد شيخنا الصدوق ببركة دعوة الناحية المقدّسة.
ومن الطبيعي أن يكون لتلك الدعوة أثرها في تقويم شخصيته، وتكوين مؤهلاته العلمية، حتّى توقع الناس ظهور أثرها فى تاريخه، فكان الأمر كما
أملوا، وكانوا بعد ولادته ونشأته يرجعون جلّ تلك الظواهر من مميزاته إلى أثر تلك الدعوة الصالحة التي بارك بها الإمام(عليه السلام)وليد أبي الحسن علي بن موسى بن بابويه، كما كان المؤلّف نفسه يفتخر بذلك ويقول: أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر (عجل الله فرجه الشريف)(1).
وقال في ذيل حديثه الآنف عن ابن الأسود: وكان أبو جعفر محمد بن علي بن الأسود(رحمة الله علیه)كثيراً ما يقول إذا رآني أختلف إلى مجلس شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(رضی الله عنه) ، وأرغب فى كتب العلم وحفظه ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم وأنت ولدت بدعاء الإمام (عليه السلام)(2)
قال أبو عبدالله بن سورة(رحمة الله علیه) : كلّما روى أبو جعفر - مؤلف الكتاب - وأبو عبدالله الحسين ابني علي بن الحسين شيئاً، يتعجب الناس من حفظهما، ويقولون لهما هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الإمام لكما وهذا أمر مستفيض في أهل قم(3).
ومن الغريب ما ذكره دوایتم دونلدسن في كتابه عقيدة الشيعة (4)أن المؤلّف ولد بخراسان أثناء زيارة والده لمشهد الرضا، ولم نقف على مستند يثبته، وقد تابعه على ذلك صاحب المنجد في الأدب والعلوم(5).
وأغرب من ذلك ما ذكره الدكتور محمد مصطفى حلمي - أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف بكلية الآداب بجامعة القاهرة - في تعليقه على كتاب توفيق التطبيق حيث قال: وقد ترك في صباه خراسان عام سنة ( 355 ه- - 966 م) إلى بغداد ... الخ (6).
فمع الاغماض عمّا ذكر من كونه بخراسان، إلّا أنّ الدكتور زعم أنّه ترك خراسان في صباه سنة (355ه-) إلى بغداد، ولو بحث قليلاً عن ولادته لعلم أنه حين ورد بغداد سنة (355 ه-) كان قد ناهز الخمسين من عمره، فكيف فكيف يصح قوله في صباه ؟!
نشأ المترجم له تحت رعاية أبيه الپذي سبق أن وقفنا على شيء من مكانته ،والّذي اشتهر بعلمه وتمسكه بدينه، وعرف بورعه وتقواه، ورجعت إليه الشيعة في كثير من الأقطار، وأخذوا عنه أحكامهم، ولم يمنعه سمو مقامه في العلم من اتخاذ وسيلة لمعاشه، وركائز تضمن الرفعة عمّا في أيدي الناس، شأن الأحرار في الدنيا، فكانت له تجارة يديرها غلمانه ويشرف عليهم بنفسه، فيعتاش ممّا يرزقه الله من ،فضله، ولم يشأ أن يثرى على حساب الغير، أو يكون اتكالياً في رزقه (1).
وليس من شك أنّ أباه أولاه عناية كبيرة، ورعاه رعاية صالحة، لأنه أمله في هذه الحياة الدنيا، ورسالته الباقية بعده، نتيجة البشارة التي حبي بها من الناحية المقدّسة، فكان الفتى الكامل آية فى الحفظ والذكاء، يحضر مجالس الشيوخ ويسمع منهم ويروي عنهم، فقد اختلف إلى مجلس شيخه محمّد بن الحسن بن الوليد - وكان من أكابر الشيوخ وأعاظم العلماء - وهو حدث السن.
وأدرك من أيّام أبيه أكثر من عشرين عاماً، اقتبس خلالها من أخلاقه وآدابه ومعارفه وعلومه ما سما به على أقرانه، حتى روى عنه جميع مصنفاته، وهي مائتا كتاب فيما يذكره ابن النديم في فهرسته.
قال: قرأت بخطّ ابنه محمّد بن عليّ على ظهر جزء: (قد أجزت لفلان ابن فلان كتب أبي عليّ بن الحسين وهي مائتا كتاب، وكتبي وهي ثمانية عشر :
1) في نفس المصدر : 262، تجد خبر منابذته للحلّاج حين دخل قم، واخراج أبي الحسن بن بابويه له من مجلسه حين أتاه في (سرايه) محله التجاري، فأمر غلمانه بأن يجروا برجله ويدفعوا بقفاه، فما رؤي بقم بعد ذلك.
كتاباً)(1).
ومع الأسف الشديد ضياع تلك الثروة العلمية الضخمة، فلم نعثر إلا على أسماء ما يقارب من عشرين كتاباً ذكرها الشيخ النجاشي والشيخ الطوسي في فهرستيهما ، ولم يبق منها إلا كتاب الأخوان الذي يعرف بمصادقة الأخوان، ونسب اشتباهاً إلى ولده مؤلّف هذا الكتاب ونصوصاً من رسالته التي كتبها إلى ابنه.
فممّا يكشف عن مزيد عناية الأب بتربية ابنه رسالته التي كتبها لأجله لخص له فيها كثيراً من الأصول الحديثية، فاختصر الطريق بطرح الأسانيد والجمع بين النظائر، والإتيان بالخبر مع قرينه حتى قيل أنه أوّل من ابتكر ذلك في رسالته إلى ابنه، وكثير ممّن تأخّر عنه يحمد طريقته فيها، ويعوّل عليها في مسائل لا يجد النص عليها، لثقته وأمانته وموضعه من الدين والعلم، وهذه الرسالة من مصادر كتاب من لا يحضره الفقيه نقل عنها المؤلّف كثيراً، وصرّح بذلك.
والّذي يسترعي يسترعي الانتباه كثرة مرويات المؤلّف عن طريق أبيه كثرة تفوق مروياته عن كلّ من شيوخه الآخرين، مما يدلنا على مدى استعداده الذهني والنبوغ المبكّر الذي كان له أكبر الأثر في قابليته الجيدة لكلّ ما يقرأ ويسمع.
ولا غرابة في نتائج الإحصاء والمقارنة التي تثبت أن الأب - وهو المنبع الأوّل من منابع ثقافة وليده المرجّى - بذل أقصى جهده في سبيل تثقيف ولده وإسماعه أكبر عدد من مروياته حتى كان أكثر ما يرويه الولد هو عن طريق شيخه الأوّل ومرتيه الأكمل، والده أبى الحسن(رحمة الله علیه).
وللتدليل على ذلك خذ مثلاً كتاباً من كتب المؤلف(رحمة الله علیه) ، ونظم احصاءاً شاملاً المروياته عن كلّ من شيوخه، فستخرج بنتيجة أنّ للأب السهم الأوفر من تلك الروايات.
وهذا كتابه من لا يحضره الفقيه لمّا كان هو أكبر كتبه وأكثرها رواية فقد
1) الفهرست: 277
اختصر أسانيده مقتصراً على ذكر من ينتهي إليه سند الرواية، وكان هو الراوي الأوّل، ووضع في آخره مشيخة ذكر فيها إسناده إلى أولئك الرواة الذين ورد الحديث عنهم في الكتاب ولم يعرف طريق المصنّف إليهم، ومن هذه المشيخة يستطيع الباحث كشف حقيقة ما قلناه عن كثرة رواياته عن أبيه على قصر المدة التى عايشه فيها، حتّى فاقت رواياته ما يرويه عن أشهر شيوخه الآخرين وأكثرهم ملازمة زمنية لتأخر وفاته عن وفاة والد المؤلّف المذكور، كابن الوليد مثلاً الّذي مات سنة (343ه-) أي بعد وفاة عليّ بن الحسين بن بابويه بنحو خمسة عشر عاماً.
فالباحث يجد المؤلّف ذكر في المشيخة (215) راوياً روى عنهم في كتابه من طريق أبيه، بينما روى عن (124) راوياً من طريق شيخه محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، وعن (50) راوياً من طريق محمّد بن علي ماجيلويه، وعن (39) راوياً من طريق محمّد بن موسى بن المتوكل، وهؤلاء من أشهر شيوخه الذين اشتهر بالتلمذة عليهم والأخذ عنهم، وعرف بشدة الإتصال بهم.
وهكذا تتضاءل النسبة في مروياته عن سائر شيوخه الآخرين الذين هم دون هؤلاء شهرة أو أقل اتصالاً بهم.
وكذلك تكون نتائج الاحصاء عند المقارنة بين مروياته في سائر كتبه الأخرى، فهذان كتابا معاني الأخبار والأمالي، نجد المؤلّف يكثر الرواية عن طريق أبيه فيهما حتى فاق ما يرويه عن طريقه سائر ما يرويه عن باقي شيوخه، فله في كتاب المعاني ما يناهز المائتين، وفي كتاب الأمالي ما يقرب من (160) حديثاً، بينما نجد جميع ما يرويه عن طريق شيخه محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد في الكتابين معاً، لا يبلغ ما يرويه عن أبيه فى كتاب المعاني وحده، أما إذا نظرنا إلى الأحاديث التي يرويها عن شيخه محمّد بن موسى بن المتوكل، فجميع ما ورد عن طريقه في الكتابين معاً لا يبلغ (120) حديثاً، وعلى هذا القياس
تتضاءل أيضاً نسبة مروياته عن سائر شيوخه الآخرين في هذين الكتابين(1).
وثمّة ظاهرة في مؤلّفات هذا الشيخ الجليل لها قيمتها، هي توريخه السماع غالباً مع ذكر المكان ممّا يزيد في قيمة السند والرواية.
فإنا إذا رجعنا إلى كتب المؤلف(رحمة الله علیه)،نجده يمتاز في أسانيده عن شيوخه الكثيرين بتحديد زمان سماعه والمكان الذي سمع فيه غالباً، وهذه الظاهرة كما أوقفتنا على منهج المؤلّف، دلّتنا على ما أنار لنا جوانب من تاريخه أهملها مؤرّخوه.
فهو لم يقتصر في أخذه عن مشايخ بلده فحسب، بل رحل إلى كثير من البلدان طلباً للحديث واستزادة في العلم، وسمع الكثير من شيوخ العلم في مختلف الحواضر العلمية، وربّما حدث هو في بعض تلك البلاد، فسمع منه أشياخ البلد على حداثة سنّه.
وقد ذكر شيوخه سماحة سيّدي الوالد دام ظلّه، فأنهى عددهم إلى أكثر من مائتي شيخ، اقتبسنا منهم العلويين خاصة، فذكرناهم في مقدمة كتابه (التوحيد) مع بسط تراجمهم فكانوا سبعة(2).
أمّا البلاد التي رحل إليها فأوّلها الري، وقد التمسه أهلها للإقامة بينهم، وزاد في اقناعه باجابتهم ما طلبوا وجود الأمير ركن الدولة البويهي، وما كان عليه من رعاية العلماء وإكرامهم والقيام بشؤونهم، ولم نعثر على تحديد تاريخ هجرته إلى الري، إلّا أنّ في أسانيده ما يشير إلى وجوده بقم في رجب سنة (239 ه-) حيث سمع بها من الشريف أبي يعلى حمزة بن محمّد الزيدي العلوي(3)، كما إنا نجده
1) إنّما خصصت هذين الكتابين بالذكر دون باقي كتبه، لأنّي كنت نظمت فهرستاً خاصاً بأسماء شيوخه في الحديث لبيان مواضع رواياته عنهم في سائر كتبه، وابتدأت يومئذ بكتابيه المعاني والأمالي، ولم تسنح الفرصة باستيعاب باقي آثاره، نسأل المولى التوفيق لإكمال ذلك إن شاء الله .
2) راجع مقدّمة كتاب التوحيد: 15 - 25 .
3) عيون الأخبار باب 22 حديث 5، والخصال 1: 11، طبع قم سنة 1376، ومعاني الأخبار: 301.
يحدّث عن سماعه في الري من أبي الحسن محمّد بن أحمد الأسدي المعروف بابن جرادة البردعي في رجب سنة (347 ه-)(1)، وأنّه لم تنقطع صلته بوطنه الأوّل ،قم، فربّما دخلها إمّا لزيارة المشهد فيها أو للقاء الشيوخ، كما يظهر من مقدمة كتابه إكمال الدين حين صرّح بوجوده بقم، وذلك بعد عودته من زيارته للمشهد الرضوي، وكانت زيارته الأولى سنة ( 352 ه-) فقد اجتمع بقم بالشيخ نجم الدين أبي سعيد محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت القمي، وكان قد ورد من بخارى فذاكره في أمر الغيبة وسأله أن يصنّف فيها كتاباً(2).
وقد خرج إلى خراسان قاصداً زيارة الإمام الرضا(عليه السلام) في طوس سنة (352ه-) فاستأذن الأمير البويهي ركن الدولة فأذن له، ولما خرج من عنده استدعاه ثانياً وسأله أن يدعو له عند المشهد(3)، فكانت تلك الزيارة هى أولى زياراته الثلاث، فقد زار المشهد ثانياً سنة ( 367ه-) بعد موت الأمير البويهي المذكور بسنة، كما زار المشهد ثالثاً في سنة (368 ه-) في طريقه إلى بلاد ما وراء النهر.
وفي سنة (352 ه-) في شعبان كان في نيسابور في طريقه إلى المشهد الرضوي، فسمع في ذلك التاريخ أبا الطيب الرازي(4)، وابن عبدوس النيسابوري(5)، وأبا سعيد المعلم(6)، والحسين بن أحمد البيهقي، وكان سماعه منه في داره (7).
وقد سمع في نيسابور من شيوخ آخرين لم نعثر على تاريخ سماعه منهم، فلا ندري هل في سفره هذا أم في أسفاره التي بعد ذلك، وكان منهم أبو نصر الضبي وقال عنه وما لقيت أنصب منه، وبلغ من نصبه أنّه كان يقول: اللّهمّ صلّ على محمّد
1) الأمالي: 206، طبع الحيدرية بتقديمنا.
2) لاحظ إكمال الدين: 2 - 3 طبع الحيدرية بتقديمنا.
3) عيون الأخبار باب 69، في ذيل الحديث الثاني من الباب تجد كلام الأمير البويهي مع المؤلّف، فراجع.
4) عيون الأخبار باب 59 حديث 2
5) نفس المصدر باب 8 حديث 5.
6) التوحيد: 40، طبع الحيدرية بتقديمنا.
7) عيون الأخبار باب 2 حديث 1.
فرداً، ويمتنع من الصلاة على آله(1)، و وعبدالله بن محمّد بن عبدالوهاب السجزي(2)، وأحمد بن إبراهيم الخوزي (3).
وفي مرو الروذ سمع من رافع بن عبدالملك، ومحمّد بن علي بن الشاه الفقيه المروذي في داره كما سمع في سرخس أبا نصر محمّد بن أحمد بن إبراهيم بن تميم السرخسي الفقيه، كل ذلك في طريقه إلى خراسان في أسفاره إليها.
ولمّا عاد من خراسان في سنته تلك (352ه-) توجّه إلى بغداد في طريقه إلى الحجّ فدخلها في تلك السنة، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن(4)، وقد سمع ببغداد من جماعة منهم أبو الحسن عليّ بن ثابت الدواليبي(5)، والشريف النسابة أبو محمد الحسن بن محمّد بن يحيى العلوي المعروف بابن أخي طاهر بداره طرف سوق العطش، كما أجاز له ممّا صح عنده من حديثه(6).
ويبدو أنّه لم يتجاوز بغداد في سفره هذا، لكنه في سنة ( 354ه-) حج بيت الله الحرام، فسمع بالكوفة من محمّد بن بكران النقاش(7)، ومن أحمد بن هارون الفامي في مسجد الكوفة(8)، ومن الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي الكوفي (9)، وهؤلاء قد أرّخ سماعاته منهم ، وأنها في سنة (354 ه-).أما الذين لم يؤرّخ سماعاته منهم ، وصرّح بسماعه منهم في الكوفة فهم عليّ ابن عيسى المجاور في مسجد الكوفة، وأبو القاسم الحسن بن محمّد بن السكوني المذكر الكوفي، ومحمّد بن عليّ بن الفضل الكوفي في مسجد أمير المؤمنين(عليه السلام)
1) معاني الأخبار: 56 .
2) التوحيد: 307
3) المصدر السابق: 6.
4) رجال النجاشي: 276، طبع بمبئي، وفيه أنه ورد بغداد سنة (355)، فلعل ذلك بعد حجه في سنة (354) ، ولم أقف على من صرّح بدخوله في سنة (355) في غيره، وفي سماعاته بهمدان تصريح بأنها بعد حجه في سنة (354).
5) عيون الأخبار باب 6 حديث 29
6) إكمال الدين: 469 ،507
7) عيون الأخبار باب 11 حديث 26
8) نفس المصدر باب 25 حدیث 2
9) نفس المصدر باب 26 حدیث 22
في الكوفة، وعليّ بن الحسين بن شقير الهمداني في منزله بالكوفة(1)، وغيرهم ممّن لم يسمّهم، فقد ذكر في نوادر كتابه الفقيه أنه سمع رجلاً من أهل المعرفة باللغة في الكوفة(2).
كما سمع بعد منصرفه من الحجّ بفيد - وهو اسم مكان منتصف الطريق تقريباً بين مكة والكوفة - من أبى على أحمد بن جعفر البيهقي(3)، وسمع ممّن يثق به من أهل المدينة في شأن وادي مهزور ، والظاهر أن سماعه منه كان بها (4). ولما قفل راجعاً إلى الري، ومرّ في طريقه بهمدان، سمع بها من الفضل بن الفضل بن العباس الكندي وأجازه(5)، ومن القاسم بن محمد بن أحمد بن عبدويه الزاهد السراج الهمداني(6).
وفي سنة ( 367 ه-) توجه لزيارة المشهد الرضوي ثانياً، حيث أملى المجلس الخامس والعشرين من أماليه في يوم الجمعة (13) ذي الحجة من تلك السنة وعاد إلى الري في سنة (378ه-) حيث أملى المجلس السابع والعشرين في يوم الجمعة غرة المحرم سنة (368ه-) بها .
وفي شهر رجب توجّه لزيارة المشهد الرضوي ثالثاً، ومرّ في طريقه بنيسابور، فأملى عدة مجالس من أماليه منها في دار الشريف أبي محمد يحيى بن محمّد العلوي الأفطسي المعروف بشيخ العترة وسيد السادة المجلس التاسع والثمانين فى يوم الأحد غرة شعبان من تلك السنة.
وأملى بنيسابور عدة من مجالسه آخرها ما أملاه ،مجالسه آخرها ما أملاه يوم الجمعة (12) شعبان وهو المجلس الثالث ،والتسعون وسافر إلى طوس لزيارة المشهد، فكان بها يوم الثلاثاء (17) شعبان حيث أملى المجلس الرابع والتسعين، وهكذا بقي في المشهد الرضوي حتى ختم أماليه بالمجلس (97) يوم الخميس (19) شعبان من سنة (368ه-).
وتوجّه إلى بلاد ما وراء النهر، فدخل بلخ وسمع بها جماعة من شيوخ الحديث، منهم الحسين بن محمّد الأشناني وعبيد الله بن أحمد الفقيه وقد أجازه،
وعبيدالله وطاهر بن محمّد بن يونس بن حيوة الفقيه، ومحمد بن سعيد بن عزيز السمرقندي وغيرهم.
وورد سرخس، فسمع محمّد بن أحمد بن تميم السرخسي الفقيه، كما دخل سمرقند وسمع بها عبد الصمد بن عبد الشهيد وعبدوس بن عليّ الجرجاني
ووصل إلى إيلاق - وهي كورة تتاخم كور الشاش وهما من أعمال سمرقند - فأقام بها، وسمع الحديث من محمّد بن الحسن بن إبراهيم الكرخي الكاتب، ومحمّد بن عمرو بن عليّ بن عبيدالله البصري.
وفي مدة إقامته بها اجتمع بالشريف أبي عبدالله محمد بن الحسن العلوي المعروف بنعمة، وسمع كلّ منهما من الآخر، ووقف الشريف المذكور على أكثر مصنفات الصدوق التي كانت معه فنسخها، كما سمع منه أكثرها، ورواها عنه كلّها، وكانت مائتي كتاب وخمسة وأربعين كتاباً(1).
ودخل فرغانة، وسمع بها من محمّد بن جعفر البندار الشافعي، وإسماعيل بن منصور بن أحمد القصار، وتميم بن عبد الله بن تميم القرشي وغيرهم.
وهكذا نرى المؤلّف وهو في سن الشيخوخة - إذ قد تجاوز الستين - لا يزال يطوي المسافات الشاسعة في طلب الحديث وسماعه وإسماعه، ومعه من مصنفاته (245) كتاباً.
وأكبر الظنّ أنّه لم يسافر بعد سفره إلى ديار ما وراء النهر في سنة (368 ه-) حتى توفى سنة (381ه-) بالرى، إذ لم نعثر على ما يشير إلى ذلك، ولا شك أنه كان في أخريات أيامه بالري، حيث أقام بها بعد أن قطع المسافات الشاسعة، وطاف كثيراً من البلدان النائية في سبيل سماع الحديث وإسماعه لم يتلهف لماضي تمنى
1) من لايحضره الفقيه3:1
رجوعه، كما لم يتوجّع لحادث يخشى وقوعه، بالرغم من تقدّم سنه في الشيخوخة، ومضافاً إلى مكانته الإجتماعية، وصلاته الوثيقة برجال الحكم في الري، فانّه لو أراد أن ينعم بظلال الحياة الوارف كغيره من القابعين في بيوتهم؛ لكان ذلك من أيسر ما يروم، لكنّه العالم الذي عرف لذة العلم، فهو لا يأنس إلا بكتابه، ولا يطربه إلا صرير قلمه ولا يرى الكرامة والسعادة إلا بين المحابر والدفاتر.
فلا غرابة إذا ما أنتج عقله النتاج القيم، وأثمر علمه الكثير الطيب، فهو في نحو سبعة عقود ونصف من أعوام الحياة التي عاشها، غذّى المكتبة الإسلامية في فنون العلم والآداب نحواً من ثلاثمائة مصنف(1)، وقيل أكثر من ذلك.
وقد ذكر سماحة سيدي الوالد دام ظله في رسالته حياة الشيخ الصدوق تفصيل أسماء آثاره، مع الإشارة إلى ما وصلت إلينا نسخته، وهو يبلغ العشر بالنسبة إلى ما حفظ اسمه واندثر ،رسمه، ومجموعها (220) كتاباً ورسالة، أمّا ما بقي فقد استأثر به التاريخ، فلم يسمح حتّى باسمه.
وقد ذكرت في مقدمة كتاب التوحيد(2)تفصيل آثاره الباقية مع الإشارة إلى المخطوط والمطبوع منها، وأنّ فيها وفيما بقي من أسماء كتبه الأخرى التي سجلها أصحاب الفهارس وما لم يسجلوها(3)لدلالة على جودة البضاعة ووفور الرصيد العلمي؛ حتى تفجرت تلك العقلية عن مئات من المصنفات في فنون الآداب والعلوم الإسلامية.
1) فهرست الطوسي: 135، ومعالم العلماء: 111، وراجع بشأنها مقدمة الفقيه : 34 - 60.
2) التوحيد 34 - 35
3) عثرت على اسم كتاب له أحال عليه في كتابنا هذا، وهو (وصف قتال الشراة المارقين) وثمة اسم كتاب آخر ذكره في كتابه التوحيد 228 ، وقال عنه وسأخرج الأخبار التي رويتها في ذكر عظمة الله تبارك وتعالى في كتاب العظمة إن شاء الله ، وهذان مما لم يسجلا في الفهارس .
فألّف في التفسير والفقه والحديث، والكلام، والعقائد، والتاريخ، والرجال والأخلاق والآداب الشرعية، والدعاء، والزيارات، سوى ما كتبه في أجوبة المسائل الواردة إليه من سائر البلاد الإسلامية كمصر ، وبغداد، والكوفة والبصرة، وواسط، والمدائن، ونيسابور، وقزوين، أو ما كتبه في جواب مسائل شخصية؛ كجوابه إلى أبي محمد الفارسي في شهر رمضان وغيره.
(وَآخِرُ دَعْوَانا أن الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ)
محمد مهدي السيّد حسن
الموسوي الخرسان
للشيخ الجليل الأقدم
الصّدوق
أبی جعفر مُحمد بن على بن الحسين بابویه القمى
المتوفي سنة381
[ الجزء الأول و الثاني ]
قدم له
العلامة الجليل السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان
منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الاشرف
1391ه- - 1971 م
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
و به نستعين
ترجمة المؤلّف والتعريف بالكتاب:
الحمد لله ربّ العالمين والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمّد خاتم النبيين والسلام على آله الطيبين الطاهرين وصحبه المهتدين، والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فانّ هذا الكتاب الذي طلب إلىَّ أن أقدّمه اليوم للقرّاء، وهو كتاب معاني الأخبار ذخيرة علمية صالحة من تراثنا الإسلامي المجيد في القرن الرابع الهجري، انتظمت فيه مجموعة كبيرة من الأحاديث نافت على الثمانمائة حديث.
من تأليف شيخنا أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق القمي (ت 381ه-)وقد سبق لي أن قدّمت لخمسة من كتبه نشرتها المكتبة الحيدرية، وطلبت منّي تقديمها وهي:
1 - كتاب التوحيد، وقد طبع سنة 1386ه-
2 - كتاب كمال الدين وتمام النعمة، وقد طبع سنة 1389 ه-
3 - كتاب الأمالي، وقد طبع سنة 1389 ه-
4 -كتاب عيون أخبار الرضا(عليه السلام)، وقد طبع سنة 1390ه-
5 - كتاب الخصال، وقد طبع سنة 1391ه-
وهذا هو الكتاب السادس من مؤلّفات الشيخ الصدوق(رحمة الله علیه)الّتي وفقت إلى تقديمها من بين مجموعة طيبة تولّت نشرها جميعاً المكتبة الحيدرية، بعناية صاحبها الأخ الشيخ محمّد كاظم الكتبي سلّمه الله وكان في عونه.
وحيث سبق لي أن ترجمت لشيخنا الصدوق(رحمة الله علیه) في مقدمة كتبه الّتي أشرت إليها، فمن الخير أن أكتفي باثبات آخر ترجمة له مع اضافة ما جد لي في ذلك
توفيراً للوقت، وتفادياً من هجنة التكرار الممل، ولئلا يخلو الكتاب من تعريف بالمؤلّف.
وبذلك أكون قد جمعت بين حق التقديم الذي لا بد فيه من تعريف المؤلّف، وبين الإفادة من الوقت وصرفه في تعريف الكتاب والله الهادي والموفّق
للصواب.
الشيخ الصدوق مؤلف الكتاب:
هو أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي.
ولم ترفع كتب التراجم نسبه إلى ما فوق بابويه، الأمر الّذي يدلنا على أنّه الشخصية الأولى من آبائه الّذي تمتع بشهرة حتّى صارت النسبة إليه، كما يترك المجال مفتوحاً لاحتمال نسبة عدة من المحدثين والعلماء المشهورين ينسبون إلى مثل هذا الاسم (بابويه)، إنّهم من لحمة الشيخ الصدوق وأبناء عمومته، فإنّهم أيضاً لم ترفع أنسابهم إلى من فوق بابويه إلا في واحد كما سيأتي، ونظراً لتقارب عصورهم مع عصر الصدوق فيبدوا احتمال أنّهم جميعاً من أسرة واحدة ويرجعون إلى جد واحد وهو بابويه، وقد ذكرت ذلك في رسالتي (التنويه بأسماء المختومين بويه )عند ذكر أسماء الأعلام من المحدثين المنسوبين إلى بابويه وإن لم أجزم به.
أمّا الأشخاص المشار إليهم آنفاً ممن نسب إلى بابويه ولم يرفع نسبه إلى من فوقه إلّا في واحد وهو:
1 - محمد بن سلیمان بن بابويه بن مهرويه المخرمى كما في الإكمال - وفي رواية الخطيب أنّه بابويه بن فهرويه بن عبدالله سمع عثمان بن عبدالله بن عمرو ابن عثمان العثماني وغيره، حدّث عنه ابنه عبيد الله - الآتي ذكره - وغيره، توفى سنة 307 ه- .
2 - عبيد الله بن محمد بن سليمان - الآنف الذكر - أبو محمّد الدقاق، حدّث عن
أبيه، وجعفر الفريابي، وإبراهيم بن عبدالله بن أيوب المخرمي وغيرهم.
3 - أبو القاسم محمّد بن عبيد الله بن بابويه - الرجل الصالح - وهو ممّن يروي عنه أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الله الضبي، وهذا من مشايخ المؤلّف شيخنا الصدوق، روى عنه كما في عنه كما في أسانيد كتبه.
4 - الحسين بن إبراهيم بن بابويه، عدّه سماحة السيد الوالد دام ظلّه من جملة مشايخ الصدوق في مقدّمة الفقيه(1)استناداً إلى ما ذكره المحدث النوري في خاتمة المستدرك، ولم نجد ذكره في أسانيد الصدوق في كتبه، نعم وردت رواية الصدوق عنه بواسطة في إسناد حديث في بشارة المصطفى(2)حيث ذكر أنّ الصدوق يروي عن الحسين بن موسى عن الحسين بن إبراهيم بن بابويه، عن عليّ ابن إبراهيم بن هاشم القمي.
5 - أبو الحسن علي بن عبدالله بن أحمد بن بابويه المذكر، وهو من شيوخ الصدوق، روى عنه في معانى الأخبار(3)
6 - أبو الحسن عليّ بن محمّد بن بابويه الأسواري الأصبهاني، قال ابن مندة: هو آخر الأغنياء الأتقياء، ورع دين دخل شيراز وسمع من جماعة، وكتب، مات سنة (358ه-).
7 - أحمد بن الحسن بن علىّ(4)بن بابويه الحنائي، حدّث عن يوسف بن موسى القطان، وحدّث عنه عمر بن أحمد بن شاهين في معجم شيوخه، وابن شاهين هذا ولد سنة (297 ه-) وأوّل ما الحديث منه (305ه-) وله إحدى سمع عشرة سنة (5)، وتوفى سنة ( 385 ه-)
1) من لا يحضره الفقيه 1: 23، 75
2) بشارة المصطفى: 150 الطبعة الثانية (المطبعة الحيدرية).
3) معاني الأخبار: 408.
4) كذا في رسالة التنويه نقلاً عن الذهبي، وفيها أيضاً عن المعلمي أنه أحمد بن علي بن الحسين بن بابويه.
5) ورد في لسان الميزان 4 :283 أنّه أوّل ما سمع الحديث في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وله إحدى عشرة سنة، وهو من سهو القلم من ابن حجر إذ سبق منه ذكر ولادة ابن شاهين في سنة (297) ومعلوم أنّه لمّا سمع وله إحدى عشرة سنة، فيكون الصواب سنة ثمان وثلاثمائة لا كما ذكر، فلاحظ.
8 - أبو الحسن عليّ بن بابويه قتيل القرامطة في الطواف بالمسجد الحرام، - ذكره القطبي في كتابه الإعلام بأعلام بيت الله الحرام : أن القرامطة لما أغاروا على الحجاج في سنة (317ه-) ودخلوا المسجد الحرام أيّام الموسم، وراثت خيولهم في المسجد، وقتلوا خلقاً كثيراً في المطاف قدرهم بألف وسبعمائة طائف محرم، وكان عليّ بن بابويه ممّن يطوف فلم يقطع طوافه، وجعل يقول:
ترى المحبين صرعى في ديارهم*** كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
والسيوف تقفوه إلى أن سقط ميتاً، رحمه الله تعالى (1)
ومن الغريب أنّ الشيخ الطريحي ذكر في مجمع البحرين (قرمط) نقلاً عن الشيخ البهائي أنّ الحادثة كانت سنة (310 ه-) وهو غير صحيح، فانّ دخول القرامطة إلى مكة كان في سنة (317) كما في تاريخ الكامل لابن الأثير، والبداية والنهاية لابن كثير وغيرهما، وورد ذكرها في حوادث سنة (316 ه-) في كتاب صلة تاريخ الطبري، فراجع.
.9 - أبو الحسن على بن الحسين بن بابويه الرازي، خرج لنفسه أربعين حديثاً رواها عنه أبو المجد محمّد بن الحسين بن أحمد القزويني (ت 622 ه-) بسماعه منه(2)
(بسماعه منه) فقال: يعني بسماع الجزء منه عن جماعة من الشيوخ، وهذا إجتهاد من الدكتور في مقابل النص على أنه لم يذكر بين مؤلّفات والد الصدوق كتاب إسمه (الأربعين) فراجع فهرستي النجاشي والطوسي وغيرهما.
1) ذكر القصة ابن كثير في تاريخه في حوادث سنة (317) ولم يسم علي بن بابويه، بل قال: وقد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف، فلمّا قضى طوافه أخذته السيوف، فلما وجب أنشد وهو كذلك ثم ذكر البيت.
2) ذهب المرحوم الدكتور مصطفى جواد في هامش إكمال الإكمال: 17، إلى أن علي بن الحسين بن بابويه المذكور، هو والد الصدوق المتوفى سنة (328ه-) ولما تفطن إلى أن بين وفاة ابن بابويه الذي عينه وبين وفاة أبي المجد القزويني الراوي عنه سماعاً (294) سنة تمحل في تفسير قوله
ومن الواضح أنّ هؤلاء كلّهم إلّا الأخير منهم ممن يقارب عصر هم عصر الصدوق أو عصر والده كتقارب بلدانهم، فيا هل ترى وجاهة احتمال أنّهم من ذرية بابويه جد المؤلّف أو أنّهم من بابويه آخر أو آخرين.
ومهما يكن الواقع فانّ بني بابويه - أسرة المؤلّف - من بيوتات القميين المشتهرة بالعلم والفضيلة، وقد تبوأ رجال منهم مكان الصدارة والمرجعية، كما كان بيتهم حتى القرن السادس بيت علم وحديث ذكرت المعاجم الرجالية منهم عدة علماء ومحدّثين أحصينا منهم ما يقرب من عشرين عالماً من بينهم شيخ الإسلام وثقة الدين، كما فيهم من تسمى باسم جدهم الأعلى (بابويه) إحياءً لذكره.
وبالرغم من كثرة البحث في تاريخ هذه الأسرة الكريمة الباسقة أفنانها والناضجة ثمارها ، لم نقف على مبدء سكناهم في قم الحاضرة الإسلامية ومهد العلم في ذلك العصر، لكن الذي لا نشك فيه أنّ والد المؤلّف - وهو الشيخ أبو الحسن علي بن الحسين كان في قم، ومن أبرز أصحاب الشيوخ الأجلة سعد ابن عبدالله بن أبي خلف الأشعري، وأبي العباس عبدالله بن جعفر الحميري صاحب قرب الاسناد، وأبي الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القمي المفسّر وطبقتهم.
كما كانت له مكانة مرموقة في وسطه، بل يعد من علية رجالات بلده، وفي الطليعة بين أعلامهم الطائري الصيت إن لم يكن هو الأوّل المشار إليه من بينهم، وقد أثنى عليه علماء الرجال ووصفوه بكل جميل، ممّا يكشف عن عظيم قدره، وعلو كعبه.
كما ذكروا أنّ الإمام الحسن العسكرى(عليه السلام)(ت 260 ه-)كتب إليه كتاباً فيه ما يغني عن سرد جمل الثناء العاطر، وآيات التعظيم، جاء فيه:
(اعتصمت بحبل الله بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين والعاقبة للمتقين، والجنة للموحّدين، والنار للملحدين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا إله إلا الله أحسن الخالقين، والصلاة على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين).
وفيه: (أما بعد، أوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي أبا الحسن علي بن
الحسين القمي، وفقك الله لمرضاته، وجعل من صلبك أولاداً صالحين برحمته).
وفيه: (فاصبر يا شيخي يا أبا الحسن علي ، وأمر جميع شيعتي بالصبر، فانّ الأرض الله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، والسلام عليك وعلى
جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته).
والّذي يلفت النظر في فقرات هذا الكتاب خطاب الإمام (عليه السلام)لأبي الحسن بن بابويه بالشيخ، ولابد أن يكون من باب شيخه تشييخاً دعاه شيخاً تبجيلاً وتعظيماً(1)، وإلا فلا مجال للقول بأن ابن بابوية كان حين صدور الكتاب شيخاً في السن أي من الخمسين إلى الثمانين، كما هو معنى الشيخ على ما حكاه ابن سيده في المخصص وغيره.
ولو كان شيخاً لعدّ من المعمّرين، إذ أن وفاة الإمام العسكري(عليه السلام)كانت سنة (260ه-)، وعاش أبو الحسن ابن بابويه بعد الإمام(عليه السلام) ما يقرب من سبعين عاماً حيث كانت وفاته سنة (328 ه-) ، ولم يذكر أنّه كان من المعمّرين الّذين تجاوزوا المائة وناهزوا المائة وخمسين مثلاً، ولم يذكر في ترجمته ما يشير إلى ذلك ولو من بعيد.
على أنّه لو كان من المعمّرين الذين تجاوزوا المائة وناهزوا المائة وخمسين مثلاً لأشار ولده الشيخ الصدوق إلى ذلك في كتابه إكمال الدين في باب التعمير والمعمرين، وما يناسب ذلك من أبواب الكتاب، فلابد إذن من أن يكون المعني بالشيخ هو التبجيل والتعظيم، ولعلّ فى مخاطبته بالكنية ما يشعر بذلك مضافاً إلى وصفه بالمعتمد والفقيه، فهو من الشيوخ شأناً، وإن لم يكن منهم سناً .
وممّا يسترعي الانتباه أنّ هذا الكتاب لم يروه ولده الصدوق في تضاعيف كتبه التي وصلت إلينا على كثرة الأبواب المناسبة لذكره، كما لم يذكره القدماء من أصحابنا. وأقدم مصدر حكى عنه - فيما أعلم - هو كتاب الاحتجاج لأبي منصور أحمد ابن عليّ الطبرسي، أستاذ الحافظ ابن شهر آشوب السروي (ت 588 ه-)، حكاه عنه
1) تاج العروس 2: 268، طبع سنة (1286ه-).
البحراني في لؤلؤة البحرين(1)، ولم أجده في مطبوع الاحتجاج .
ورواه بصورة مختصرة الحافظ ابن شهر آشوب في المناقب(2)، وذكره مفصلاً القاضي المرعشي في مجالس المؤمنين(3)، والخوانساري في الروضات(4)، والنوري في خاتمة المستدرك (5)وغيرهم من المتأخرين.
ذكر الشيخ النجاشي في رجاله(6)أبا الحسن - والد المؤلّف - ووصفه بقوله:
شيخ القميين في عصره، ومتقدّمهم وفقيههم وثقتهم، كان قدم العراق واجتمع مع أبي القاسم بن روح(رحمة الله علیه) ، وسأله مسائل ثم كاتبه بعد ذلك على يد علي بن جعفر الأسود(7)يسأله أن يوصل رقعة إلى الصاحب(عليه السلام) ويسأله فيها الولد، فكتب إليه : قد دعونا لك بذلك، وسترزق ولدين ذكرين خيّرين.
وذكر الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة(8)أنّ علي بن الحسين بن موسى بن بابويه كانت تحته بنت عمه محمّد بن موسی بن بابویه فلم يرزق منها ولداً، فكتب إلى الشيخ أبي القاسم بن روح الله أن يسأل الحضرة أن يدعو الله أن يرزقه أولاداً فقهاء، فجاء الجواب : إنّك لا ترزق من هذه، وستملك جارية ديلمية، وترزق منها ولدين فقيهين .
وفي لفظ الصدوق - مؤلف الكتاب - قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن الأسود، قال: سألني عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه(رحمة الله علیه) بعد موت محمد بن عثمان العمري(رضی الله عنه) (وكانت وفاته سنة 305ه-) أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان(عليه السلام)أن يدعو الله(عزّوجل)أن يرزقه ولداً ذكراً، قال: فسألته فأنهى ذلك، فأخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام أنه قد دعا لعلي بن الحسين، وأنه سيولد له ولد مبارك كذا - ينفعه الله(عزّوجل) به وبعده أولاده.
قال أبو جعفر محمد بن علي بن الأسود(رضی الله عنه): وسألته في أمر نفسى أن يدعو الله
رجز : لي أن يرزقني ولداً ذكراً، فلم يجبني إليه وقال: ليس إلى هذا سبيل، قال: فولد لعليّ ابن الحسين (رضی الله عنه)محمّد بن علي - مؤلّف الكتاب - وبعده أولاد، ولم يلد لي شيء.
وهكذا تم للشيخ - والد المترجم له - ما كان يصبو إليه من الدعاء بالولد الصالح، كما تم له بعد ذلك حصول الأثر ، فملك الجارية ورزق منها أوّل مولود ذكر، كان هو شيخنا - المترجم له - أبا جعفر محمّد بن عليّ الصدوق، ولعلّ في اختيار والده لاسمه ما يشعر بأنّه من بركات دعاء صاحب هذا الاسم وهو صاحب الأمر (عجل الله فرجه الشريف)، وكانت ولادته بعد سنة (305 ه-) التي هي سنة وفاة العمري وأولى سني سفارة الروحي، ولعلّها كانت سنة (306) كما استقر بها السيد الوالد دام ظلّه واستدلّ عليها، وأياً ما كان فقد ولد شيخنا الصدوق ببركة دعوة الناحية المقدّسة.
ومن الطبيعي أن يكون لتلك الدعوة أثرها في تقويم شخصيته، وتكوين مؤهلاته العلمية، حتى توقع الناس ظهور أثرها بيناً في تاريخه، فكان الأمر كما أملوا، وكانوا بعد ولادته ونشأته يرجعون جلّ تلك الظواهر من مميزاته إلى أثر تلك الدعوة الصالحة التي بارك بها الإمام(عليه السلام)وليد أبي الحسن علي بن موسى بن بابويه، كما كان المؤلّف نفسه يفتخر بذلك ويقول: أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر (عجل الله فرجه الشريف)(1).
وقال في ذيل حديثه الآنف عن ابن الأسود: وكان أبو جعفر محمد بن على بن الأسود(رحمة الله علیه)كثيراً ما يقول إذا رآني أختلف إلى مجلس شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(رضی الله عنه)، وأرغب فى كتب العلم وحفظه ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم، وأنت ولدت بدعاء الإمام (عليه السلام)(2).
قال أبو عبدالله بن سورة(رحمة الله علیه): كلّما روى أبو جعفر - مؤلف الكتاب - وأبو عبدالله الحسين ابنى على بن الحسين شيئاً، يتعجب الناس من حفظهما، ويقولون لهما هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الإمام لكما، وهذا أمر مستفيض في أهل قم(1).
ومن الغريب ما ذكره دوایتم دونلدسن في كتابه عقيدة الشيعة (2)أن المؤلّف ولد بخراسان أثناء زيارة والده لمشهد الرضا ولم نقف على مستند يثبته، وقد تابعه على ذلك صاحب المنجد في الأدب والعلوم(3).
وأغرب من ذلك ما ذكره الدكتور محمد مصطفى حلمي - أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف بكلية الآداب بجامعة القاهرة - في تعليقه على كتاب توفيق التطبيق حيث قال: وقد ترك في صباه خراسان عام سنة ( 355 ه- - 966 م ) إلى بغداد ... الخ(4).
فمع الاغماض عمّا ذكر من كونه بخراسان، إلا أنّ الدكتور زعم أنه ترك خراسان في صباه سنة ( 355ه-) إلى بغداد، ولو بحث قليلاً عن ولادته لعلم أنه حين ورد بغداد سنة ( 355 ه-) كان قد ناهز الخمسين من عمره، فكيف يصح قوله في صباه؟!
نشأ المترجم له تحت رعاية أبيه الذي سبق أن وقفنا على شيء من مكانته، والّذي اشتهر بعلمه وتمسكه بدينه، وعرف بورعه وتقواه، ورجعت إليه الشيعة في كثير من الأقطار، وأخذوا عنه أحكامهم، ولم يمنعه سمو مقامه في العلم من اتخاذ وسيلة لمعاشه، وركائز تضمن الرفعة عمّا في أيدي الناس، شأن الأحرار في الدنيا، فكانت له تجارة يديرها غلمانه ويشرف عليهم بنفسه، فيعتاش ممّا يرزقه الله من ،فضله، ولم يشأ أن يثرى على حساب الغير، أو يكون اتكالياً في رزقه (5)
وليس من شك أنّ أباه أولاه عناية كبيرة، ورعاه رعاية صالحة، لأنه أمله في هذه الحياة الدنيا، ورسالته الباقية بعده، نتيجة البشارة التي حبي بها من الناحية المقدّسة، فكان الفتى الكامل آية في الحفظ والذكاء، يحضر مجالس الشيوخ ويسمع منهم ويروي عنهم، فقد اختلف إلى مجلس شيخه محمّد بن الحسن بن الوليد - وكان من أكابر الشيوخ وأعاظم العلماء - وهو حدث السن.
وأدرك من أيام أبيه أكثر من عشرين عاماً، اقتبس خلالها من أخلاقه وآدابه ومعارفه وعلومه ما سما به على أقرانه، حتى روى عنه جميع مصنفاته، وهي مائتا كتاب فيما يذكره ابن النديم في فهرسته. قال: قرأت بخط ابنه محمّد بن عليّ على ظهر جزء: (قد أجزت لفلان ابن فلان كتب أبي عليّ بن الحسين وهي مائتا كتاب وكتبي وهي ثمانية عشر كتاباً)(1).
ومع الأسف الشديد ضياع تلك الثروة العلمية الضخمة، فلم نعثر إلا على أسماء ما يقارب من عشرين كتاباً ذكرها الشيخ النجاشي والشيخ الطوسي في فهرستيهما ، ولم يبق منها إلا كتاب الأخوان الذى يعرف بمصادقة الأخوان، ونسب اشتباهاً إلى ولده مؤلّف هذا الكتاب ونصوصاً من رسالته التي كتبها إلى ابنه.
فممّا يكشف عن مزيد عناية الأب بتربية ابنه رسالته التي كتبها لأجله لخص له فيها كثيراً من الأصول الحديثية، فاختصر الطريق بطرح الأسانيد والجمع بين النظائر، والإتيان بالخبر مع قرينه حتى قيل أنّه أوّل من ابتكر ذلك في رسالته إلى ابنه، وكثير ممن تأخر عنه يحمد طريقته فيها، ويعوّل عليها في مسائل لا يجد النص عليها لثقته وأمانته وموضعه من الدين والعلم، وهذه الرسالة من مصادر
1) الفهرست 277
کتاب من لا يحضره الفقيه نقل عنها المؤلّف كثيراً، وصرّح بذلك.
والّذي يسترعي الانتباه كثرة مرويات المؤلّف عن طريق أبيه كثرة تفوق مروياته عن كل من شيوخه الآخرين، ممّا يدلّنا على مدى استعداده الذهني
والنبوغ المبكّر الذي كان له أكبر الأثر في قابليته الجيدة لكلّ ما يقرأ ويسمع.
ولا غرابة في نتائج الإحصاء والمقارنة التي تثبت أن الأب - وهو المنبع الأوّل من منابع ثقافة وليده المرجى - بذل أقصى جهده في سبيل تثقيف ولده وإسماعه أكبر عدد من مروياته حتى كان أكثر ما يرويه الولد هو عن طريق شيخه الأوّل ومربّيه الأكمل، والده أبي الحسن(رحمة الله علیه) .
وللتدليل على ذلك خذ مثلاً كتاباً من كتب المؤلف(رحمة الله علیه)، ونظم احصاءاً شاملاً المروياته عن كلّ من شيوخه، فستخرج بنتيجة أنّ للأب السهم الأوفر من تلك الروايات.
وهذا كتابه (من لا يحضره الفقيه) لمّا كان هو أكبر كتبه وأكثرها رواية، فقد اختصر أسانيده مقتصراً على ذكر من ينتهي إليه سند الرواية، وكان هو الراوي الأوّل، ووضع في آخره مشيخة ذكر فيها إسناده إلى أولئك الرواة الذين ورد الحديث عنهم في الكتاب ولم يعرف طريق المصنّف إليهم، ومن هذه المشيخة يستطيع الباحث كشف حقيقة ما قلناه عن كثرة رواياته عن عن كثرة رواياته عن أبيه على قصر المدة التي عايشه فيها، حتّى فاقت رواياته ما يرويه عن أشهر شيوخه الآخرين وأكثرهم ملازمة زمنية، لتأخر وفاته عن وفاة والد المؤلّف المذكور، كابن الوليد مثلاً الّذي مات سنة (343 ه-) أي بعد وفاة عليّ بن الحسين بن بابويه بنحو خمسة عشر عاماً.
فالباحث يجد المؤلّف ذكر في المشيخة (215) راوياً روى عنهم في كتابه من طريق أبيه، بينما روى عن (124) راوياً من طريق شيخه محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، وعن (50) راوياً من طريق محمّد بن علي ماجيلويه، وعن (39)
راوياً من طريق محمّد بن موسى بن المتوكل، وهؤلاء من أشهر شيوخه الّذين اشتهر بالتلمذة عليهم والأخذ عنهم ، وعرف بشدة الإتصال بهم.
وهكذا تتضاءل النسبة في مروياته عن سائر شيوخه الآخرين الذين هم دون هؤلاء شهرة أو أقل اتصالاً بهم.
وكذلك تكون نتائج الاحصاء عند المقارنة بين مروياته في سائر كتبه الأخرى، فهذان كتابا معانى الأخبار والأمالي، نجد المؤلّف يكثر الرواية عن طريق أبيه فيهما حتى فاق ما يرويه عن طريقه سائر ما يرويه عن باقي شيوخه، فله في كتاب المعاني ما يناهز المائتين، وفي كتاب الأمالي ما يقرب من (160) حديثاً، بينما نجد جميع ما يرويه عن طريق شيخه محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد في الكتابين معاً، لا يبلغ ما يرويه عن أبيه في كتاب المعاني وحده، أما إذا نظرنا إلى الأحاديث التي يرويها عن شيخه محمّد بن موسى بن المتوكل، فجميع ما ورد عن طريقه في الكتابين معاً لا يبلغ (120) حديثاً، وعلى هذا القياس تتضاءل أيضاً نسبة مروياته عن سائر شيوخه الآخرين في هذين الكتابين(1).
وثمّة ظاهرة في مؤلّفات هذا الشيخ الجليل لها قيمتها، هي توريخه السماع غالباً مع ذكر المكان ممّا يزيد في قيمة السند والرواية.
فإنّا إذا رجعنا إلى كتب المؤلف الله ، نجده يمتاز في أسانيده عن شيوخه الكثيرين بتحديد زمان سماعه والمكان الذي سمع فيه غالباً، وهذه الظاهرة كما أوقفتنا على منهج المؤلّف، دلّتنا على ما أنار لنا جوانب من تاريخه أهملها مؤرخوه
فهو لم يقتصر في أخذه عن مشايخ بلده فحسب، بل رحل إلى كثير من البلدان
1) إنّما خصصت هذين الكتابين بالذكر دون باقي كتبه، لأنّي كنت نظمت فهرستاً خاصاً بأسماء شيوخه في الحديث لبيان مواضع رواياته عنهم في سائر كتبه، وابتدأت يومئذ بكتابيه المعاني والأمالي، ولم تسنح الفرصة باستيعاب باقي آثاره نسأل المولى التوفيق لإكمال ذلك إن شاء الله .
طلباً للحديث واستزادة في العلم، وسمع الكثير من شيوخ العلم في مختلف الحواضر العلمية، وربّما حدث هو في بعض تلك البلاد، فسمع منه أشياخ البلد على حداثة سنّه.
وقد ذكر شيوخه سماحة سيّدي الوالد دام ظلّه، فأنهى عددهم إلى أكثر من مائتي ،شيخ اقتبسنا منهم العلويين خاصة، فذكرناهم في مقدمة كتابه (التوحيد ) مع بسط تراجمهم فكانوا سبعة(1).
أمّا البلاد التى رحل إليها فأوّلها الري، وقد التمسه أهلها للإقامة بينهم، وزاد في اقناعه باجابتهم ما طلبوا وجود الأمير ركن الدولة البويهي، وما كان عليه من رعاية العلماء وإكرامهم والقيام بشؤونهم، ولم نعثر على تحديد تاريخ هجرته إلى الري، إلّا أنّ في أسانيده ما يشير إلى وجوده بقم في رجب سنة (239 ه-) حيث سمع بها من الشريف أبي يعلى حمزة بن محمّد الزيدي العلوي(2)، كما إنا نجده يحدّث عن سماعه في الري من أبي الحسن محمّد بن أحمد الأسدي المعروف بابن جرادة البردعي في رجب سنة (347 ه-) (3)، وأنّه لم تنقطع صلته بوطنه الأوّل ،قم، فربّما دخلها إما لزيارة المشهد فيها أو للقاء الشيوخ، كما يظهر من مقدمة كتابه إكمال الدين حين صرّح بوجوده بقم، وذلك بعد عودته من زيارته للمشهد الرضوي، وكانت زيارته الأولى سنة (352 ه-) فقد اجتمع بقم بالشيخ نجم الدين أبي سعيد محمّد بن الحسن بن محمّد بن أحمد بن علي بن الصلت القمي، وكان قد ورد من بخارى فذاكره فى أمر الغيبة وسأله أن يصنّف فيها كتاباً (4).
وقد خرج إلى خراسان قاصداً زيارة الإمام الرضا(عليه السلام) في طوس سنة
(352ه-) فاستأذن الأمير البويهي ركن الدولة فأذن له، ولما خرج من عنده استدعاه ثانياً وسأله أن يدعو له عند المشهد(1)، فكانت تلك الزيارة هي أولى زياراته الثلاث فقد زار المشهد ثانياً سنة (367ه-) بعد موت الأمير البويهي المذكور بسنة، كما زار المشهد ثالثاً في سنة (368ه-) في طريقه إلى بلاد ما وراء
النهر.
وفي سنة (352ه-) في شعبان كان في نيسابور في طريقه إلى المشهد الرضوي، فسمع في ذلك التاريخ أبا الطيب الرازي(2)، وابن عبدوس النيسابوري(3)، وأبا سعيد المعلم(4)، والحسين بن أحمد البيهقي، وكان سماعه منه في داره(5).
وقد سمع في نيسابور من شيوخ آخرين لم نعثر على تاريخ سماعه منهم، فلا ندري هل في سفره هذا أم في أسفاره التي بعد ذلك، وكان منهم أبو نصر الضبي وقال عنه: وما لقيت أنصب منه، وبلغ من نصبه أنّه كان يقول: اللهم صل على محمّد فرداً، ويمتنع من الصلاة على آله(6)، وعبد الله بن محمد بن عبدالوهاب ، السجزي(7)، وأحمد بن إبراهيم الخوزي (8).
وفي مرو الروذ سمع من رافع بن عبدالملك، ومحمد بن علي بن الشاه الفقيه المروذي في داره كما سمع في سرخس أبا نصر محمّد بن أحمد بن إبراهيم بن تميم السرخسي الفقيه، كل ذلك في طريقه إلى خراسان في أسفاره إليها.
ولمّا عاد من خراسان في سنته تلك (352ه-) توجّه إلى بغداد في طريقه إلى
الحجّ فدخلها في تلك السنة، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن(1)، وقد سمع ببغداد من جماعة منهم أبو الحسن علي بن ثابت الدواليبي(2)، والشريف النسابة أبو محمّد الحسن بن محمّد بن يحيى العلوي المعروف بابن أخي طاهر بداره طرف سوق العطش، كما أجاز له ممّا صح عنده من حديثه (3).
ويبدو أنه لم يتجاوز بغداد في سفره هذا، لكنه في سنة (354ه-) حج بيت الله الحرام، فسمع بالكوفة من محمّد بن بكران النقاش(4)، ومن أحمد بن هارون الفامي في مسجد الكوفة (5).
ومن الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي الكوفي (6)، وهؤلاء قد أرّخ سماعاته منهم، وأنها في سنة (354 ه-).
أمّا الّذين لم يؤرّخ سماعاته منهم، وصرّح بسماعه منهم في الكوفة فهم عليّ ابن عيسى المجاور في مسجد الكوفة، وأبو القاسم الحسن بن محمد بن السكوني المذكر الكوفي، ومحمّد بن عليّ بن الفضل الكوفي في مسجد أمير المؤمنين
(عليه السلام) في الكوفة، وعلي بن الحسين بن شقير الهمداني في منزله بالكوفة(7)، وغيرهم ممّن لم يسمّهم، فقد ذكر في نوادر كتابه الفقيه أنه سمع رجلاً من أهل المعرفة باللغة في الكوفة(8).
كما سمع بعد منصرفه بعد منصرفه من الحج بفيد - وهو اسم مكان منتصف الطريق تقريباً بین مكة والكوفة - من أبي علي أحمد بن جعفر البيهقي(9)، وسمع ممّن يثق به من
1) رجال النجاشي: 276 ، طبع بمبئي وفيه أنه ورد بغداد سنة (355)، فلعل ذلك بعد ← حجه في سنة (354)، ولم أقف على من صرّح بدخوله في سنة (355) في غيره، وفي سماعاته بهمدان تصريح بأنها بعد حجه في سنة (354).
2) عيون الأخبار باب 6 حديث 29
3) إكمال الدين: 469، 507
4) عيون الأخبار باب 11 حديث 26.
5) نفس المصدر باب 25 حدیث 2.
6) نفس المصدر باب 26 حديث 22
7) مقدّمة من لا يحضره الفقيه 19.
8) من لا يحضره الفقيه 4 :261
9) مقدّمة من لا يحضره الفقيه :19.
أهل المدينة في شأن وادي مهزور، والظاهر أن سماعه منه كان بها(1).
ولمّا قفل راجعاً إلى الري، ومرّ في طريقه بهمدان، سمع بها من الفضل بن الفضل بن العباس الكندي وأجازه (2)، ومن القاسم بن محمد بن أحمد بن عبدويه الزاهد السراج الهمداني(3).
وفي سنة (367 ه-) توجّه لزيارة المشهد الرضوي ثانياً، حيث أملى المجلس الخامس والعشرين من أماليه في يوم الجمعة (13) ذي الحجة من تلك السنة وعاد إلى الري في سنة (368 ه-) حيث أملى المجلس السابع والعشرين في يوم الجمعة غرة المحرم سنة (368 ه-) بها.
وفي شهر رجب توجّه لزيارة المشهد الرضوي ثالثاً، ومرّ في طريقه بنيسابور، فأملى عدة مجالس من أماليه منها في دار الشريف أبي محمد يحيى بن محمّد العلوي الأفطسي المعروف بشيخ العترة وسيّد السادة المجلس التاسع والثمانين في يوم الأحد غرة شعبان من تلك السنة.
وأملى بنيسابور عدة من مجالسه آخرها ما أملاه يوم الجمعة (12) شعبان، وهو المجلس الثالث والتسعون، وسافر إلى طوس لزيارة المشهد، فكان بها يوم الثلاثاء (17) شعبان حيث أملى المجلس الرابع والتسعين، وهكذا بقي في المشهد الرضوي حتى ختم أماليه بالمجلس (97) يوم الخميس (19) شعبان من سنة (368ه-).
وتوجّه إلى بلاد ما وراء النهر ، فدخل بلخ وسمع بها جماعة من شيوخ الحديث، منهم الحسين بن محمد الأشناني، وعبيد الله بن محمّد الأشناني، وعبيد الله بن أحمد الفقيه وقد أجازه، وطاهر بن محمّد بن يونس بن حيوة الفقيه، ومحمّد بن سعيد بن عزيز السمرقندي وغيرهم.
وورد سرخس، فسمع محمد بن أحمد بن تميم السرخسي الفقيه، كما دخل سمر قند وسمع بها بها عبد الصمد بن عبد الشهيد، وعبدوس بن عليّ الجرجاني ووصل إلى إيلاق - وهي كورة تتاخم كور الشاش وهما من أعمال سمرقند - فأقام بها، وسمع الحديث من محمّد بن الحسن بن إبراهيم الكرخي الكاتب، ومحمد بن عمرو بن علي بن عبيدالله البصري.
وفى مدة إقامته بها اجتمع بالشريف أبي عبدالله محمد بن الحسن العلوي المعروف بنعمة، وسمع كلّ منهما من الآخر، ووقف الشريف المذكور على أكثر مصنّفات الصدوق التي كانت معه فنسخها، كما سمع منه أكثرها، ورواها عنه كلّها وكانت مائتي كتاب وخمسة وأربعين كتاباً(1).
ودخل فرغانة، وسمع بها من محمّد بن جعفر البندار الشافعي، وإسماعيل بن منصور بن أحمد القصار، وتميم بن عبدالله بن تميم القرشي وغيرهم.
وهكذا نرى المؤلّف وهو في سن الشيخوخة - إذ قد تجاوز الستين -لايزال يطوي المسافات الشاسعة في طلب الحديث وسماعه وإسماعه، ومعه من مصنفاته (245) كتاباً.
وأكبر الظنّ أنّه لم يسافر بعد سفره إلى ديار ما وراء النهر في سنة (368 ه-) حتى توفى سنة (381ه-) بالري، إذ لم نعثر على ما يشير إلى ذلك، ولا شك أنه كان في أخريات أيامه بالري، حيث أقام بها بعد أن قطع المسافات الشاسعة، وطاف كثيراً من البلدان النائية في سبيل سماع الحديث وإسماعه لم يتلهف لماضي تمنى رجوعه، كما لم يتوجع لحادث يخشى وقوعه، بالرغم من تقدّم سنه في الشيخوخة، ومضافاً إلى مكانته الإجتماعية، وصلاته الوثيقة برجال الحكم في الري ، فانّه لو أراد أن ينعم بظلال الحياة الوارف كغيره من القابعين في بيوتهم؛ لكان ذلك من أيسر ما يروم، لكنّه العالم الذي عرف لذة العلم، فهو لا يأنس إلا
1) من لا يحضره الفقيه 1: 3
بكتابه ، ولا يطربه إلا صرير قلمه، ولا يرى الكرامة والسعادة إلا بين المحابر والدفاتر.
فلا غرابة إذا ما أنتج عقله النتاج القيم، وأثمر علمه الكثير الطيب، فهو في نحو سبعة عقود ونصف من أعوام الحياة التي عاشها، غذى المكتبة الإسلامية في فنون العلم والآداب نحواً من ثلاثمائة مصنف(1)، وقيل أكثر من ذلك.
وقد ذكر سماحة سيّدي الوالد دام ظلّه في رسالته حياة الشيخ الصدوق تفصيل أسماء ،آثاره مع الإشارة إلى ما وصلت إلينا نسخته، وهو يبلغ العشر بالنسبة إلى ما حفظ اسمه واندثر ،رسمه ومجموعها (220) كتاباً ورسالة، أمّا ما بقي فقد استأثر به التاريخ، فلم يسمح حتى باسمه.
وقد ذكرت في مقدّمة كتاب التوحيد(2)تفصيل آثاره الباقية مع الإشارة إلى المخطوط والمطبوع منها، وأنّ فيها وفيما بقي من أسماء كتبه الأخرى، التي سجلها أصحاب الفهارس وما لم يسجّلوها(3)لدلالة على جودة البضاعة ووفور الرصيد العلمي؛ حتّى تفجرت تلك العقلية عن مئات من المصنفات في فنون الآداب والعلوم الإسلامية.
فألّف في التفسير والفقه، والحديث، والكلام، والعقائد، والتاريخ، والرجال ،والأخلاق، والآداب الشرعية، والدعاء، والزيارات ،سوى ما كتبه فى أجوبة المسائل الواردة إليه من سائر البلاد الإسلامية كمصر، وبغداد، والكوفة، والبصرة ،
1) فهرست الطوسي : 135، ومعالم العلماء: 111، وراجع بشأنها مقدمة الفقيه : 34 - 60.
2) التوحيد 34 - 35
3) عثرت على اسم كتاب له أحال عليه في كتابنا هذا، وهو (وصف قتال الشراة المارقين) وثمة اسم كتاب آخر ذكره في كتابه التوحيد: 228، وقال عنه: وسأخرج الأخبار التي رويتها في ذكر عظمة الله تبارك وتعالى في كتاب العظمة إن شاء الله، وهذان مما لم يسجلا في الفهارس .
وواسط، والمدائن، ونيسابور، وقزوين، أو ما كتبه في جواب مسائل شخصية؛ كجوابه إلى أبي محمّد الفارسي في شهر رمضان وغيره.
كتاب معاني الأخبار:
1 - توطئة:
لقد استفدت من خلال تجاربي في تقديم بعض الكتب أن أجدى سبيل وأقرب أداة لتعريف المؤلّف وكتابه، هو ما يستفيده الباحث من نفس الكتاب أوّلاً، وبما سجّله الآخرون عنه ثانياً، وهي طريقة حمدتها كثيراً، ولمست نتائجها الحسنة المثمرة، ونوّهت بها مكرراً.
فصار من عادتي حين يطلب إلى تقديم كتاب ما وأجيب الطلب أن أبدأ بملاحظة الكتاب مرّة بعد أخرى، أتصفح أبوابه وفصوله، وربّما قرأت الكتاب كلّه، أو فصولاً وأبواباً منه لأسجل ما تقع عيني عليه ممّا يلفت نظري وأرى في تسجيله مادة للتقديم وينفعي إما في تعريف المؤلّف أو الكتاب.
ومن الطبيعي انّ أوّل ما أقرأ منه هي افتتاحية المؤلّف، وتسمّى بخطبة الكتاب وبالمقدّمة أيضاً، لأتعرّف السبب الذي دعا المؤلّف إلى تأليفه ذلك، ثمّ موضوع الكتاب والمنهج الذي سلكه فيه.
هذه هي عادتي ولعلّها عادة كثير من اخواني الباحثين.
فكان أوّل ما لفت نظري في هذا الكتاب - معاني الأخبار- هو خلوه عن المقدّمة الّتي يفتتح بها عادة الكتاب لتعريف الموضوع والمنهج والسبب، وللمقدّمة شأن في تعريف الكتاب، وقد جرت عادة المؤلّفين على اثباتها في أوّل كتبهم سواء منهم الأقدمون ومنهم شيخنا الصدوق(رحمة الله علیه) في بعض كتبه، أو المحدثون وإن اختلفت أنظارهم إليها وأساليبهم فيها، فبين مطوّل ومطنب وبين موجز ايجازاً
كبيراً، ولكن مع غاية الإيجاز فهم لا يتركون الكتاب بدون مقدمة غالباً إلا لعذر(1).
فهذا أبو الفرج محمّد بن إسحاق الورّاق الكاتب المعروف بابن النديم (ت 385ه-)، وهو من معاصري شيخنا الصدوق له ، صدر كتابه الفهرست بخطبة
موجزة أبان فيها سبب إيجازه ذلك حيث قال:
«ربِّ يسّر برحمتك، النفوس تشرئب إلى النتائج دون المقدمات وترتاح إلى الغرض المقصود دون التطويل في العبارات، فلذلك اقتصرنا على هذه الكلمات في صدر كتابنا هذا، إذ كانت دالة على ما قصدناه في تأليفه إن شاء الله ، فنقول وبالله نستعين..
فهذا فهرست كتب جميع الأمم من العرب والعجم، منذ ابتداء كلّ علم اخترع إلى عصرنا هذا، وهو سنة سبع وسبعين وثلثمائة للهجرة»(2).
وقد رجعت إلى بقيّة مؤلّفات الشيخ الصدوق(رحمة الله علیه)التي وصلت إلينا أعيانها، أبحث فيها عن موضوع المقدّمات في مفتتحها، فوجدت جملة منها بلا مقدمات، وجلّ تلك الكتب ممّا لها مكانة محترمة بين مؤلّفات الشيخ الصدوق ، ولفت نظري أيضاً انّ بينها كتاب يلتقي وكتابنا هذا في أكثر من نقطة إذ يسايره بحثاً ونهجاً، ويشابهه مادّة، ويواكبه موضوعاً، وذلك هو كتاب ( علل الشرائع).
وهذا ما ترك باب التخمين والتخرص في ادراك السبب لتركهما وعدة أخرى بدون تقديم مفتوحاً أمامي، وافترضت عدة احتمالات أثبتها لنرى أيّها أنسب
1) ثمة كتب ومؤلّفات لأصحاب القرن الثالث كلّها خلت من المقدّمات ولعلّ ذلك كان نمطاً جارياً في ذلك القرن فطبقات ابن سعد (230) واخبار أبي نؤاس لأبي هفان (257) والأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري (281) والورقة لابن الجراح (296) والمعاني الكبير لابن قتيبة (276) ومسند أحمد (241) وسنن الدارمي (255) وصحيح البخاري (256) وسنن ابن ماجه (273) وسنن أبي داود (275) فإنّها خلت من المقدّمات، وأنساب الأشراف للبلاذري (279) وفتوح البلدان له أيضاً .
2) الفهرست لابن النديم: 8 ط الاستقامة.
بالمقام، وأقرب إلى تخمين الواقع:
1 - احتمال أنّ هذين الكتابين بمثابة مجاميع أو مسودات حشد المؤلّف فيهما مادة الكتاب، وهو لم ينتهي بعد من إقرار الصورة النهائية لوحدتها التأليفية، لذلك لم يقدّم لهما .
وهذا احتمال قد يتبادر إلى أذهان البعض، ولكنّه لا يثبت أمام حوالات المؤلّف من وعلى هذين الكتابين، أحدهما على الآخر وعليهما باسميهما في سائر كتبه الأخرى، ممّا دلّ على ان كلّ واحد منهما كتاب انتهى المؤلّف من تأليفه، وله وحدته التامة وطابعه الخاص حتى صار أهلاً للحوالة عليه.
ولا يمنع من ذلك الحاق المؤلّف اضافات ببعض كتبه، فقد أوضحت بيان ذلك في مقدّمة كتاب الخصال(1)في بيان الحوالة الدورية بعد نهاية تأليفه.
2 - احتمال أن المؤلّف صدّر کتابیه هذين وسائر كتبه بمقدّمات، لكنّها لم تصل إلينا لأنّ النسخ التي وصلت إلينا ناقصة، وهذا مع أنه احتمال واءٍ في نفسه، يدفعه أن النقص إن كان مصدره النسخ الأصلية للمؤلّف - وهي الأم - فهو خلاف فرض الاحتمال، وإن كان من النسخ التي تفرّعت عنها، فيبعده سقوط جميع المقدّمات من جميع تلك النسخ في جميع تلك الكتب.
3 - احتمال أنّ المؤلّف سها أو شغل عن وضع خطبة لتلك الكتب، وهذا كسابقه في تفاهته وردّه، وكيف يسهو المؤلّف أو يشغل عن تقديم جملة من كتبه، وهي كتب لها أهمية بين مؤلّفاته الأخرى، ولو كان فرض السهو في كتاب واحد لأمكن احتماله، لكنّه في عدة من كتبه بعيد غايته.
4 - احتمال أن المؤلّف كان عامداً في ترك التقديم، وهادفاً في ذلك تجنب الآثار التى قد تنجم عن الإفصاح في مقدّمات تلك الكتب عن الموضوع والهدف والسبب، أو لحاجة أخرى فى نفسه.
هذه محتملات المقام ولعلّ رابعها أقواها في النفس، إذا ما قرأنا ما في كتابنا
1) الخصال: 13 - 14.
هذا وكتاب علل الشرايع - الّذي هو صنو كتابنا في مكانته بين سائر مؤلّفات الشيخ الصدوق، بل هما الوحيدان في موضوعيهما ممّا وصل إلينا من كتب شيوخنا الأقدمين كوحدة تامة قائمة بذاتها في التأليف - ولاحظنا بإمعان ما عالج فيهما المؤلّف من مواضيع حساسة في الدين وأحكام الشريعة، وما يمت إليهما بصلة كمسائل التوحيد والعدل والإمامة، والروح والكون، والآخرة، وهى أبحاث شائقة شائكة يتحامى كثير من العلماء الخوض فيها فضلاً عن التأليف، لأنّها تصطدم وآراء جملة من أصحاب الفرق والمذاهب المعاصرة يومئذ، وقلّ أن يسلم المؤلّف فيها من نقد أو تجريح أو مؤاخذة، خصوصاً وأنّ الصراع المذهبي يومئذ على أشدّه.
فألف الشيخ الصدوق(رحمة الله علیه) كتابيه - المعاني والعلل كجواب عملي هادى لتلك الأصداء التي كانت تثيرها التيارات الفكرية، وعالج فيها بعض المسائل التي أثار البحث فيها كثيراً من الشكوك والأوهام، حتى أحدثت هزات عنيفة في هيكل الوجود الإسلامي.
ولم يشأ أن يقدّم لهما ببيان السبب الداعي إلى التأليف، أو كشف الموضوع الذي يروم الخوض فيه؛ لئلا يثير لغط فرقة أو إجلاب أخرى.
وقد يكون لهذا الاحتمال نصيب من الوجاهة، إذا ما عرضنا بايجاز لمجموعة من النصوص تعكس لنا حالة العصر الذي ألف فيه الشيخ الصدوق كتابيه، وهو العصر الذي نشطت فيه الحركات الفكرية لدى أصحاب الفرق ومن ورائها الأجهزة الحاكمة السياسية ذات الاتجاهات المتباينة والمصالح المتعاكسة.
النشاطات المختلفة في القرن الرابع الهجري:
(والمهم في تاريخنا أن نقلّبه كلّ مقلّب لاندلّس فيه ولا ندالس، نخادع
ونداهن، لنتعرف الحقائق في صورتها الجلية النافعة)(1).
فليس من شك أو ريب أنّ القرن الرابع الهجري كان من عصور الحضارة الإسلامية الزاهية ازدهرت فيه الحركات الفكرية بالنشاطات العقائدية، فتركت ثروة فيها فنون من العلم والمعرفة، غزّت الأجيال المتأخرة، بمعطيات عقلية جمة. وليس من شك كنتيجة لتطوّر الذهنية العربية؛ للتزاوج والتمازج مع الشعوب الأخرى التي دخلت في الإسلام، فقد بدت آراء ومنازع فكرية نقداً وتأييداً الألفاظ الدينية والمعتقدات في الشريعة، وصارت آيات القرآن
الجملة من الحكيم، وأحاديث الرسول الكريم(صلی الله علیه وآله وسلم)،عرضة لتلك النوازع والآراء.
ومن ثمّ ظهر النشاط الملموس لبعض المدارس الفكرية، وحدثت الانقسامات حتى تعدت ميادين الفكر والقلم إلى صراع دموي أحياناً بين أصحاب المذاهب والفرق.
ففي أواخر القرن الثالث خرج أبو الحسن الأشعري (ت 330) على المعتزلة بعد أن كان منهم، وبدأ يحاربهم بسلاحهم، وعلى هذا نشأ في القرن الرابع الهجري المذهب الكلامي الرسمي القائم على العلم والنظر العقلي، وكان مذهب الأشعري مذهب توفيق، وذلك شأن كل مذهب رسمي، ولذلك سمي مذهباً أوسط(2).
(وفي غضون القرن الرابع الهجري، كان أصحاب مذهب السنة القدماء يحاربون الشيعة الذين صغروا خدودهم ببغداد، ويضيقون على متكلّمي المعتزلة في سائر البلاد حتى نقصوا عليهم العيش )(3).
( ولكن الحنابلة كانوا (وظلوا) يخاصمون الأشعرى، فيقول ابن الجوزي (في القرن السادس) إنّ الأشعري ظلّ على مذهب المعتزلة زماناً طويلاً - 40 سنة - ، ثمّ
تركه وأتى بمقالة خبط بها عقائد الناس).
(وفي أقصى المشرق كان الماتريدية ينافسون الأشاعرة، وذلك على الرغم ممّا بين الفريقين من تشابه في أصل المذهب.
وكان لابد للأشاعرة أيضاً أن يدرأوا هجمات الحنابلة الذين كان شيخهم حوالي عام 400 يلعن أبا الحسن الأشعري أمام الملأ وينال من الأشاعرة)(1).
(ونبغ رجل متنسك بالزهد من سجستان يقال له أبو عبدالله بن كرام، قليل العلم قد تحشى من كلّ مذهب ضغثاً وأثبته في كتاب وروجه على أغتام - من لا يفصح في كلامه - غزنة وغور و سواد بلاد خراسان، فانتظم ناموسه وصار بعد ذلك - في القرن الرابع - مذهباً قد نصره محمود بن سبكتكين السلطان(2)وجرّ البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم، وهو أقرب مذهب إلى مذهب الخوارج وهم مجسمة) (3).
فكان لابد للأشاعرة أيضاً (أن يقاوموا هجمات الكرامية الذين تحزبوا على الأشاعرة)(4)
( ولمّا كانت كلّ فرقة من الفرق في هذا العصر - القرن الرابع الهجري - تعتد بالقرآن وترجع إليه، بحيث كان مصدرها الأكبر للاستشهاد ومستودعها الّذي تتسلح به في أدلّتها، فقد كان لابد للقرآن ككل كتاب مقدس أن يتعرض لكثير من التكلف في التفسير )(5).
فإنّ (القرآن الكريم هو الأصل الأوّل لهذه الشريعة، وعلى هذا أجمع المسلمون لا فرق في ذلك بين سنّي وشيعي، فهو عمادها وفيه الأصل لها، وهو
الجامع لكلياتها والسنّة هي بيانه، وعلى هذا اتفق الجمهور مع الشيعة.
فالكتاب عند الجميع هو حبل الله الممدود إلى يوم القيامة، وهو نوره المبين الهادي إلى الحق وإلى صراط مستقيم)(1).
(لأنّه الكتاب الّذي يضمن اصلاح البشر ويتكفّل بسعادتهم وإسعادهم، والقرآن مرجع اللغوي، ودليل النحوي، وحجة الفقيه، ومثل الأديب، وضالة الحكيم ومرشد الواعظ، وهدف الخُلقي، وعنه تؤخذ علوم الاجتماع والسياسة المدنية، وعليه علوم الدین ،ومن إرشاداته تكتشف أسرار الكون ونواميس التكوين)(2).
فكان من الطبيعي أن تنشأ الخلافات حول تفسير ذلك الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بحسب اختلاف الأفهام، وكيفية الاستفادة منه.
وكثر البحث بين أصحاب الفرق الآنفة الذكر خصوصاً المعتزلة والأشاعرة حول مسائل بالغة الأهمية في الدين كمسائل الخالق جل وعلا فجعلوا الأسماء والصفات الإلهية وحتّى في وجوب الإيمان بالله تعالى وذهبت كل فرقة إلى خلاف ما قالت فيه الأخرى.
فالمعتزلة يرون - في أساس وجوب الإيمان بالله تعالى - انّه العقل، والأشاعرة يرون أنه الشرع لأنه واجب علينا شرعاً أن نؤمن بالله تعالى والماتريدية يرون ان وجوب الإيمان بالله أساسه الأمر الإلهي كما يرى الأشاعرة - ولكن هذا الأمر يدركه العقل - أي ان العقل وإن لم يكن المرجع للإيمان بالله فإنّه الأداة في ذلك»(3).
وفي الصفات الإلهية ومسألة الحسن والقبح ومسائل الكون والنفس والآخرة
اختلف في ذلك المسلمون، فالمعتزلة كانوا يرون أن العقل هو مقياس هذا كله، فكان واجباً عليهم أن يستأصلوا ما لا يتفق وسموّ الله تعالى من الأفهام أو التصورات التجسيمية التي توجد في المذهب السنّي التقليدي هذا المذهب الذي كان لا يقبل شيئاً غير التصديق الحرفي للتعابير أو النصوص المجسمة والمشبهة التي جاءت في القرآن والحديث»(1)
ومن ثمّ نشأت مسألة فكرة الإيمان الأعمى بحرفية النص، فقالت الأشاعرة بالرؤية وهذبها بعضهم فقالوا (بلا كيف وللزمخشري نبز لأهل السنّة في شعر معروف وردت فيه لفظة ( بلكفة) ومعناها (بلا كيف). وكثرت التأويلات الباطلة وتنازع آي الذكر الحكيم وأحاديث الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)أصحاب الأهواء والبدع كلّ
اله وَسَت بفسّر بما يشتهيه، حتى ان الشلمغانية وهم أتباع ابن أبي العزاقر الملحد الحلولي أوّلوا القرآن عن معانيه الظاهرة، فمثلاً قالوا: ان الجنة معرفتهم وانتحال مذهبهم ومعنى النار الجهل بهم والصدود عن مذهبهم.
وقس على ذلك القرامطة والباطنية والكرامية وأصحابهم ممن كان على شاكلتهم، ومتسماً بطابع انحرافي في اتجاهاته يجافي الدين ويضادد أحكامه.
وإلى جانب هؤلاء جميعاً( كذلك كان لابد لللغويين من التدقيق فى الألفاظ حتى أمكن وضع مصطلحات دينية خاصة تتميز عن اللغة المألوفة) (2).
(وكذلك ظهرت في القرن الرابع دراسة جدية للاشتقاق اللغوي وبقيت عصراً طويلاً)(3).
وقد لجأ الأشاعرة إلى التعمل اللغوي والاستفادة من الاشتقاق اللفظي وتعدد المعاني في اللغة، وحين لا يسعفهم فقه اللغة بحاجاتهم تظهر آثار حنقهم عليه، فمثلاً لمّا رووا (انّ الجحيم سوف لا ترضى حتّى يضع الجبار قدمه فيها) فجاء التفنن المقنوع الذي استخدمه أهل السنّة في هذا النص المضايق للفهم أو للتصور
لله تعالى، فتارة حذفوا الفاعل الظاهر واستبدلوه بالضمير المستتر، وأخرى فسّروا الجبّار بمعنى العاصي المتمرد إذ لم تنجح كلتا المحاولتين فأوّلوا القدم بمعنى جماعة من الناس ترسل إلى الامام ، ولكن ذلك لم يثبت أيضاً أمام ما رووه هم أنفسهم في صورة أخرى ورد فيها ( رجل ) بدل (قدم) ويكون المراد بها هو العضو المخصوص، تعالى الله عما يصفون، فقالوا له بالبلكفة التي مرت الإشارة إليها، إلى غير ذلك من التمحلات التافهة.
ونشطت في ذلك القرن مسألة حرية التفسير بالرأى، حتى أفرط قوم في ذلك فنبذوا كثيراً من الأحاديث للتشكيك في صدورها لأنها لا تلتقى ومنازعهم الفكرية، فاهتموا بالقرآن وحده، وأما الحديث فقد كان اهتمامهم به أقل من القرآن، إذ كان لديهم الوسيلة السهلة الميسورة وهي ان يعلنوا ببساطة عدم صحة الأحاديث التي توجد فيها تعابير شائكة، وبذلك لا يشغلون أنفسهم بعد هذا بشيء من التفسير والتأويل العقلى(1)وهؤلاء هم المعتزلة وإلى جانب هؤلاء كان إفراط (1) الآخرين الذين جهدوا على الأثر، ولم يكن للعقل في ميزانهم أي حساب وأضاعوا هم الآخرون طاقات عقلية مثمرة، نتيجة حسابهم الخاطئ بأنّ التعدي عن الأثر إنّما هو تفسير بالرأي، وهؤلاء هم الأشاعرة.
(فكلّ تفسير يجب أن يستند إلى أثر وارد عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ولا يجوز أن يعتمد فيه على الرأي، ولا يكون القول بالرأي إلا فى التفسير اللغوي للألفاظ )(2).
وتوسعت شقة الخلاف وكان النزاع المذهبي آخذاً بالنشاط المتزايد الملموس تدعمه قوى الأجهزة الحاكمة التي كانت تستفيد من أئمّة المذاهب في
مصالحهم السياسية وهم الذين عناهم الغزالي ( في القرن السادس) بقوله:
( فلما أفضت الخلافة إلى أقوام تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم
الفتاوى والأحكام اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في أحكامهم)(1)وكانت النتائج السيئة لذلك الصراع انتصار أصحاب المذهب الرسمي على خصومهم وانكماش الآخرين، منتظرين مواتاة الظروف، كما كانت ردود الفعل التي تحدث تبعاً لتغير الزمان والمكان قاسية جداً، والشواهد على ذلك كثيرة، من قبل القرن الرابع وفيه وبعده.
( فحينما كان للمعتزلة الحظ في أن يكون مذهبهم هو المذهب الرسمي في عهد ثلاثة من خلفاء العباسيين فرض هذا المذهب على الناس بقسوة التفتيش والتحقيق والإرهاب)(2)
(وتأصل مذهب مالك والشافعي وابن حنبل وأبي حنيفة بسلطان تلاميذهم وأنصارهم وراح كلّ ملك يحرص على نشر مذهبه إذا مكن له في الأرض بادر الناس إلى الأخذ بمذهبه وحرصوا على اتباع ملكهم أو أميرهم حرصهم على اتباع إمامهم.
يقول ابن حزم: إنّ مذهبين انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان الحنفي بالمشرق والمالكي بالمغرب)(3).
وبلغ الحال في القرن الرابع أنّ بعض الحاكمين أمر بحمل الرعية على اختلاف مذاهبهم على العمل بكتاب واحد يرتضيه بحجة قسم الفوضى، وهو أمر ورثوه من المنصور والمأمون وغيرهما ممن سبقت أيامهم.
كما صنع الوزير يعقوب بن كلس وزير الفاطميين بمصر، فإنّه ألف كتاباً في فقه الإسماعيلية، حرّج على الناس أن لا يطالعوا غيره، ونشط الفاطميون كلّ من حضره ودعاه.
وكان ابن كلس أحضر في سنة 380 ه- جماعة الفقهاء وأهل الفتيا وأخرج لهم
کتاب فقه عمله وقال: هذا عن مولانا الإمام العزيز بالله(عليه السلام)عن آبائه الكرام، وقرأ عليهم ،رسالته، وبعض كتاب الطهارة، وهذا الكتاب يعرف بالرسالة الوزيرية ،ويقال : أنّه جمع على عمل هذه الرسالة أربعين فقيهاً (1).
ومرت الإشارة إلى مذهب الكرامية ونصرة السلطان محمود بن سبكتكين له وجرّ البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم.
وقد دامت البلية وتفاقم الشرّ حين أصدر الخليفة القادر العبّاسي في سنة 408 كتاباً عرف باسم الاعتقاد القادري نهى فيه عن الكلام والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات الأخرى المخالفة للإسلام، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: انّ هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر.
وامتثل السلطان محمود في غزنة أمر أمير المؤمنين واستن بسنّته في قتل المخالفين ونفيهم وحبسهم وأمر بلعنهم على المنابر (وصار ذلك سنة في الإسلام)(2)
وكانت بلد الري - وهي موطن شيخنا الصدوق(رحمة الله علیه)وهي مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن(3)- أجمع البلاد للمقالات والاختلافات في المذاهب على تضادها وكثرتها كما يقول ابن فارس اللغوي الشهير(4).
ففي مثل هذا العصر المليء بالمفارقات العجيبة والمآسي الغريبة، وفي خضم تلك الأحداث المذهبية ووسط تلك التيارات الفكرية المتصارعة، يكتب شيخنا الصدوق(رحمة الله علیه)كتابيه (معانى الأخبار وعلل الشرائع)، ويبحث فيهما كثيراً من المسائل المتنازع فيها من عقائد دينية، ومصطلحات في الشريعة وردت في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.
ونظراً إلى انّ بعضها كان منه منطلق الهمز واللمز وعنده انقسمت الفرق فجعلت من وحدتها شيعاً وأحزاباً، وأشعلت بينها نار الفتن والخصومات، كان من الوجاهة بمكان أن لا يقدّم الشيخ الصدوق لكتابيه مقدّمة يكشف فيها الدواعي والأسباب في تأليفه، ما دام - وهو شيخ الشيعة ورئيس المحدثين، الحافظ للأحاديث، البصير بالفقه والأخبار والرجال، الناقد للأخبار، الذي لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه - حتّى وُصف بمبارز القميين(1)- غرضه تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة عن تلك المسائل العقيدية والمصطلحات الدينية، وهو الحريص على كلمة الإسلام ونواميسه وأعرافه وحدوده.
فلا يهمه التقديم التقديم بقدر ما كانت تهمه النتيجة، ويهدف نحو الغرض المقصود، دون أن يعير الأسباب اهتماماً فيشرحها .
ثمّ ما يدرينا وهو هو في مكانته السامية ومقامه الرفيع، كان يخشى شرّ التعصب المذهبي المقيت ويحذر بطش الحاكمين ونزق المتنطعين باسم الدين خصوصاً وهو الرحالة الّذى ما برح يطوف البلاد الإسلامية من شرقيها إلى غربيها، حتى دخل ديار ما وراء النهر ووصل إلى بغداد وزار الحرمين الشريفين في الحجاز، ومن المعلوم ان جميع تلك البلاد لم تكن تحت حكم واحد ولا على مذهب واحد، وقد مرّت بنا صور من حالة المسلمين يومذاك.
وبعد هذا كلّه ألا يكون احتمال ترك المؤلّف كتابيه بلا مقدّمة عن قصد هو الأقرب والأنسب من غيره؟
على انه افتتح كتابنا هذا (معاني الأخبار) بباب عنوانها (الباب الذي من أجله سمّينا هذا الكتاب كتاب معانى (الأخبار) ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث سنذكرها في موضوع الكتاب فهي تكشف عن اسمه وتشير إلى موضوعه.
والذي دعاني إلى بحث هذه الناحية بإسهاب والتركيز على هذه النقطة
1) معالم العلماء: 111 طبع الحيدرية 1380
بالذات هو عدم التنبيه عليها في مقدّمتي الكتابين (المعاني والعلل في طبعاتهما الحديثة، وقد قدّم للمعاني متتبع خبير ولعلل الشرايع علامة كبير. ولعلّهما لم يعيرا هذه النقطة اهتماماً أو لم يتفطنا إليها أصلاً، مع أنّ بحثها والتنبيه عليها يجلي لنا حقائق لها صلة بتاريخ حياة الشيخ الصدوق(رحمة الله علیه).
موضوع الكتاب:
لما كان كتابنا - معانى الأخبار - خلوا من مقدمة للمؤلّف تكشف عن موضوعه، لابد لنا من استيحاء ذلك من اسم الكتاب ومادته.
واسم الكتاب - معاني الأخبار - وكلمة معاني هي جمع معنى والمعنى تارة يراد به ما يفهم من اللفظ بحسب التركيب، وهو الذي نسميه بمدلول اللفظ المطابقي مع رعاية مقتضى الحال. وأخرى يراد به غرض المتكلم مع اشتماله على الخصوصيات من تعريف وتنكير، وحذف واضمار، وتقديم وتأخير وغيرها ممّا يورده المتكلّم لغرض في نفسه، وهذا ما نسميه بمدلولي اللفظ التضمني والإلتزامي.
فأي التفسيرين يوحيه اسم معاني الأخبار؟ والجواب: أنه يوحي بهما معاً، ويؤكد ذلك ما نجده في مادة الكتاب.
وقد رجعنا إلى الكتاب نستجوبه عن وحدته الموضوعية، نقرأ أبوابه وعناوينه ونلاحظ مفردات أحاديثه، فكان أوّل ما طالعنا هو الباب الأوّل منه ، وقد سمّاه المؤلف:
(الباب الذي من أجله سمي الكتاب بمعاني الأخبار).
فذكر فيه ثلاثة أحاديث رواها بأسانيده عن الإمام الصادق(عليه السلام)وهي:
1 - عنه(عليه السلام)يقول لأصحابه: أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه ، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب.
2 - عنه(عليه السلام)، عن أبيه الإمام الباقر وقد قال له : يا بني اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم، فانّ المعرفة هى الدراية للرواية، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان، إنّي نظرت في كتاب لعلیّ(عليه السلام) فوجدت في الكتاب : إنّ قيمة كلّ امرىء وقدره معرفته، إنّ الله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا.
3- عنه اللا قال : حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتّى يعرف معاريض كلامنا، وإن الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجهاً، لنا من جميعها المخرج.
وكلّ هذه الأحاديث الثلاثة حين تدعو إلى الدراية والتفكّر في الرواية تهدف إلى الإحاطة بمعاني الكلام على سائر أنحاء المعرفة، وكلّما كان الإنسان أقدر على التدبّر للرواية، والتفكر في استخراج معاريض الكلام فهو أفقه، وذلك هو مقاس تقدير الرجال، وبه يتفاوت حسابهم أيضاً ، فانّ قيمة كلّ امرىء وقدره ،معرفته، وأنه تعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول.
ولدى مراجعة باقي أبواب الكتاب وتصفّح أحاديثه وجدت فيه:
1 - بيان المراد ممّا أشكل لفظه فى الأخبار ، ففسّر تفسيراً لغوياً على نحو الدلالة المطابقية.
2 - بيان المراد ممّا احتمل قصد المتكلّم إرادة بعض المعنى على نحو الدلالة التضمنية.
3 - بيان ما أريد من لفظه أكثر من معنى واحد، وفسّر تفسيراً مجازياً على نحو الدلالة الالتزامية.
4 - بيان معان لا تمت بشيء إلى احدى الدلالات الثلاث السابقة، وإنّما فسرت تفسيراً رمزياً.
ثمّ ان تلك المعاني منها ما كان تصوّرها بديهياً بيّناً على نحو اللازم بالمعنى
الأخص أو بالمعنى الأعم، ومنها ما كان تصوّرها غير بين وكان لزومها نظرياً. كلّ ذلك نجده في كتابنا (معاني (الأخبار) عند تفسير الأسماء المقدسة وغير المقدّسة، والصفات والمصطلحات الدينية ونحوها مما ورد في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة، وترددت على ألسنة الفقهاء والعلماء واختلف المسلمون فى معانيها، لأنّها جميعاً ممّا تحتاج إلى الشرح والبيان عن طريق تؤمن لسالكها النجاة، وتقيه العثار، وتجنّبه المخاطر والمزالق ، وليس ذلك إلا طريق أئمّة أهل البيت (عليه السلام) الذين أمر النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) بالتمسك ل بهم في حديث الثقلين وغيره. كما نجد فيه سوى ذلك تفاسير حرفية للألفاظ اللغوية، وأخرى حروفية رمزية، فهو إذن في وحدته الموضوعية: تفسير للآثار الدينية عن طريق الحديث الذي هو أبعد عن التفسير بالرأي والتمحل فيه على أنه ضمّ أشتاتاً وجمع أنواعاً من الدلالات سواء الحقيقية أو المجازية، الظاهرة البينة وغير البينة والرمزية.
منهج المؤلف في الكتاب:
والملحوظ في هذا العنوان بحث التخطيط الذي سلكه المؤلّف في كتابه وذلك:
1 - من الناحية العامة في تقسيم الكتاب إلى وحدات صغيرة.
2- من الناحية الفنّية في التخطيط بلحاظ الفنون التي بحثها.
3 - من الناحية العلمية في التخطيط بلحاظ المواضيع التي أدرجها.
أمّا منهجه في الناحية العامة في تقسيم الكتاب إلى وحدات صغيرة، فقد نهج فيه منهجاً يسر فيه معرفة ما يتطلّبه القارئ من أخبار.
فقسّم الكتاب إلى جزئين، وكلّ جزء إلى وحدات صغيرة حسب مواضيعها المتناسبة، وجعلها تحت أبواب بلغت (428) باباً، كانت حصة الجزء الأوّل منها (183) باباً، وحصة الجزء الثاني (245) باباً، ضمّت مجموعها ما يزيد على الثمانمائة حديث، كان نصيب كل باب حديثاً واحداً في الغالب، وقد يتجاوز ذلك
أحياناً فيضم أكثر من حديث واحد.
وتلك الأبواب التي اشتملت على أكثر من حديث واحد لا تتجاوز المائة، وهي دون نسبة الربع من مجموع الأبواب، وأكثر باب ضمّ أحاديث متفرقة ه-و باب نوادر المعاني الذي بلغت أحاديثه (105) حديثاً، وقد عنون لأحاديث الأبواب بعنوان يحكي ما تضمّه الباب من أحاديث .
وأمّا منهجه في الناحية الفنّية بلحاظ الفنون التي بحثها، فقد بحث جوانب لغوية في (85) باباً، وتناول أحاديث تخص علم الكلام والفلسفة في (31) باباً، وسلك مسلك أهل الحروف في (7) أبواب، ذكر فيها أحاديث فسرت تفسيراً رمزياً بطريقة الحساب الأبجدي، وبحث فنوناً أخرى متنوعة في باقي أبواب الكتاب البالغة (305) باباً ، وقد عملت فهرستاً أحصيت فيه كل تلك الأبواب حسب مواضيعها الفنية، آثرت عدم ذكره هنا روماً للإختصار.
وأما منهجه في الناحية العلمية، فقد بدأ كتابه بباب في وجه تسمية الكتاب، ثمّ معنى (الاسم) فمعاني أسماء الله تعالى شأنه وصفاته، ثمّ معاني حروف المعجم والجمل وما يمت إليهما بصلة، ثمّ معاني أسماء الأنبياء والرسل الله(عليهم السلام) من آدم(عليه السلام)إلى نبينا محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأسماء الأئمة الطاهرين، وأسماء فاطمة الزهراء عليهم السلام أجمعين، ثمّ معاني ألفاظ وردت في صفات النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، والثقلين، والعترة، والآل، والأهل والأمة، والإمام المبين.
ثم معاني ألفاظ وردت في آي من الذكر الحكيم والسنة الشريفة يكثر استعمالها بين المسلمين، وبالتالي جمع ما تناثر، ولم يدخل تحت عناوين الأبواب فى باب نوادر المعانى، وقد رتب معانى الأخبار على الحروف الهجائية الشيخ داود بن الحسن بن يوسف الأوالي البحراني، فقدّم معاني الأسماء التي أوّلها الألف على ما كان أوّلها الباء، وهكذا إلا فيما يحتاج إلى تقطيع الخبر لاشتماله
على معاني أسماء كثيرة.
جهد المؤلّف في كتابه:
ليس تخفى على الباحثين جهود المؤلّف في كتابه هذا، فإنّها مضافاً إلى ما سبق في منهج الكتاب كثيرة في ثناياه، جليلة في كشف خباياه، وتبدو جلية في تعقيباته التي ذيل بها بعض الأحاديث ذات الأهمية البالغة، بما كشف عما يكتنزه من ذخيرة علمية طائلة.
وقد نافت تعقيباته على الخمسين، ولولا الإطالة لقدّمت ثبتاً بها للقارئ، ولكنّه سيجدها أمامه عند مراجعة الكتاب.
كما يجد الباحث ردّاً هادئاً رصيناً على بعض أصحاب الفرق كالمعتزلة والأشاعرة وأصحاب الحديث وغيرهم كما في باب: (معنى حديث من كنت
مولاه فهذا عليّ مولاه) وفي باب ( معنى عصمة الإمام).
) وقد يعجب القارئ إذا ما أخبرته أنّ أحاديث - معاني الأخبار - أخرجها عن خمسة وسبعين شيخاً من شيوخه، كان أكثرهم أثراً فيه هو والده الشيخ أبو الحسن علي بن الحسين بن بابويه، فقد أخرج فيه من طريقه ما يناهز المائتين حديثاً.
وقد أفادتنا ملاحظة شيوخه الذين أخرج عنهم في كتابه هذا، أنّه ألفه بعد رجوعه من بلاد ما وراء النهر كبلخ وفرغانة ،وإيلاق، وبعد رجوعه من بغداد والكوفة وهمدان و نيسابور وسرخس، ففي هذا الكتاب الرواية عن شيوخ سمع منهم بتلك البلاد ،وغيرها، وبعض سماعاته التى أرّخها كان سنة ( 354 ه-) كما فىسماعه بالكوفة من الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي، ومحمّد بن بكران النقاش ،وسماعه بهمدان من القاسم بن محمد بن أحمد بن عبدويه الزاهد السرّاج.
فز من تأليف الكتاب كان بعد جولاته في بعد جولاته في تلك العواصم العلمية الإسلامية للسماع والإسماع، بقي علينا أن نتلمس في الكتاب مدى تأثر المؤلّف فيه بغيره.
وليس من شك أنّه لم يكن الكتاب الأوّل الّذي عالج الأخبار الشائكة، وبحث المواضيع التي بحثها، فالمسائل الإعتقادية فيه هي في أكثر الكتب الكلامية عولجت بشكل ضاف واف، ولا أظن أنّي بحاجة إلى اعمال موازنة بين كتابنا وباقي الكتب الحديثية التي تناولت الأبحاث العقائدية.
إنّما المهم أن نعرف الموازنة بين كتابنا وباقي الكتب التي بحثت معاني الأسماء والمصطلحات الإسلامية، فإن الشيخ الصدوق(رحمة الله علیه) لم يكن هو واضع اللبنة الأولى لعلم معانى الأسماء، أو هو الأول السابق إلى جمع شتاتها في كتاب.
فقد كان ابن قتيبة (ت 276ه-) في كتابه غريب القرآن، وأبو حاتم الرازي ( ت 334 ه-) في كتابه الزينة، وأبو بكر ابن الأنباري (ت 328ه-) في كتابه الزاهر وغيرهم ممن سبق أو عاصر الصدوق، قد طرقوا الموضوع نفسه، وإن اختلفوا في الاحاطة والشمول.
ولو أردت عرض موازنة شاملة بين كتابنا هذا والكتب التي ذكرتها لطال بنا الحديث، ونحن في تقديم كتاب، ولسنا في مقام الموازنة فحسب، ولكن لا نترك ذلك كلّياً بل نختار منها كتاب أبي حاتم الرازي؛ لأنّه من أهل الري ومؤلّفنا موطنه الري، ولأنّ أبا حاتم مات سنة ( 324ه-) وعمر شيخنا الصدوق يومئذٍ دون العشرين، فاحتمال تأثره بكتاب أبي حاتم أقرب من غيره.
وعند مراجعة الكتابين والمقارنة بينهما لمسنا موارد إتفاق وموارد إنفراد ونحن نعرض نماذج منها في الأمثلة الآتية:
فقد ورد معنى (البسملة) في كتابنا المعاني بنحو ما ورد في كتاب الزينة(1)، وورد معنى (الصمد) في كتابنا المعاني بنحو ما ورد في كتاب الزينة(2)، وكذلك معنى (الأول) والآخر )(3)، ومثله معنى (إبليس)(4).
أما موارد الإنفراد فهي:
ورد معنى (الله جلّ جلاله) في كتابنا بغير ما في الزينة(1)إذ سلك أبو حاتم مسلك الإشتقاقيين، وورد معنى(الأحد) في كتابنا بغير ما في الزينة(2). وورد معنى (الكرسي) في كتابنا بغير ما في الزينة (3).
هذه نماذج من الموازنة بين كتابنا وكتاب الزينة، ولا أدعي أنها شاملة لجميع ما في الكتابين، ولكن لا أصدق دعوى تأثر الصدوق بأبي حاتم لمجرد وجود نصوص في كتابه تضاهي ما ورد في كتاب الزينة، ولو كانت تلك الموارد قد استفادها منه على نحو الإقتباس لصرّح بذلك، وهو الثقة الثبت الأمين فيما ينقل، وقد عوّدنا على الصراحة في نقله.
لاحظ باب معنى الكبر في كتابنا حيث صرّح بنقله من كتاب الخليل بن أحمد.
ولاحظ باب (سنان الإبل ) وباب (الشجاج وديّاتها) حيث صرّح بأنه وجده مثبتاً بخط سعد بن عبدالله بن أبي خلف.
بل نجد أمانته فيما سمعه من تفسيرات لغوية، فقد صرّح بمصادر سماعه في تعقيباته فضلاً عن رواياته، فانّه في باب صفات النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) و وباب (خطبة الزهراء(عليها السلام))وباب (معنى الخطبة الشقشقية صرّح بانه سأل عنها جميعاً الحسين ابن عبدالله بن سعيد العسكري.
وفي باب( الإمام المبين ) وباب (النبوة) صرّح بأنّه سأل عنهما أبا بشر اللغوي بمدينة السلام، وفي باب معنى ضرب القرآن بعضه ببعض صرّح بأنه سأل عنه محمد بن الحسن بن الوليد، وفي باب (معنى الشفر وفيض النفس) نقل معناه عنأبي العباس الطالقاني عن ابن الأنباري
وبلغ في الأمانة على الحديث مبلغ الاحتياط الكامل، فمثلاً حينما روى في باب (صفات النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)) الحديث من طريقين، أحدهما من طريق أبي القاسم ابن منيع، والآخر من طريق جميع بن عمير بن عبدالرحمن العجلي، ولما كانت رواية ابن منيع تنتهي قبل رواية الآخر أشار إلى ذلك في محلّه.
وروئ في باب معنى قوله(صلی الله علیه وآله وسلم) : (بین قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة )حديثاً لم يصادق على تأويله، فتعقبه بأنّه إنما أورده كما ورد ولم يرتض معناه.
فبعد هذا كله كيف يسعنى المصادقة على دعوى تأثره بأبي حاتم في كتاب الزينة(1)، أو اقتباسه منه دون أن يشير إلى ذلك من قريب أو بعيد. ومن الكتب التي بحثت معاني الأخبار كتاب (بحر الفوائد) ويسمّى (مفتاح معاني الأخبار)(2)للحافظ أبي بكر بن أبي إسحاق محمّد بن إبراهيم الكلاباذي البخاري المتوفى سنة (380ه-) أو ( 384 ه-) ، فهو من معاصري الصدوق الله ، وقد يظنّ أنّه ترسم خطاه وتأسى به في تأليف كتاب معاني الأخبار، ولكنّي نظرت
1) لا يفوتني تنبيه القارئ إلى خطأ فاحش وقع فيه الأستاذ حسين بن فيض الله الهمداني اليعبري الحرازي محقق كتاب الزينة، حيث ذهب في مقدّمته إلى أن سعد بن عبد الله القمي ممّن أخذ عن أبي حاتم الرازي صاحب كتاب الزينة، وغفل عن تقدم طبقة سعد على أبي حاتم هذا، فانّ سعد بن عبد الله توفي قبل أو بعد الثلاثمائة بسنة واحدة، وأبو حاتم صاحب الزينة توفي سنة (324 ه-)، والذي دعاه إلى ذلك هو ما وجده من نصوص في كتاب فرق الشيعة لسعد بن عبدالله تضاهي ما ورد في كتاب الزينة على أنه يمكن قلب الدعوى ويكون الآخذ والمقتبس هو أبو حاتم الرازي أخذ من كتاب فرق الشيعة لسعد، ومنشأ وهمه هو ما وجده من رواية سعد عن أبي حاتم الرازي، فظنّه هو صاحب كتاب الزينة، ولم يعلم أنّ ثمة أبا حاتم الرازي آخر وهو محمد بن إدريس الحنظلي ( ت 277 ه-)، وقد ترجمه ابن حجر في التقريب، وهو الذي يروي عنه سعد بن عبدالله القمي.
2) نسخة منه مصورة بمكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة في النجف الأشرف برقم 2952 / 2953 في مجلدين، وتاريخ النسخة 12 شهر رجب سنة 552 ه-.
کتاب الكلاباذي نظرة فاحصة فلم أجد أي تشابه بينهما.
وذلك أنّ الكلاباذي ذكر في كتابه (222) حديثاً، ومنهجه أنه يذكر الحديث بسنده ثمّ يعقبه بقوله: قال الشيخ(رحمة الله علیه)، ويذكر ما عنده من تعقيب، وقد يذكر في تعقيباته بعض الأحاديث الأخرى كشواهد لما عنده، وجلّ ما لديه تأويلات لأحاديث نبوية.
وإليك أوّل حديث من كتابه رواه بسنده عن ابن عباس(رضی الله عنه)قال: قال النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) : «أحبوا الله لما أرفدكم به من نعمة، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي».
قال الشيخ(رحمة الله علیه): يجوز أن يكون قوله(عليه السلام) : «أحبوا الله» خبراً عن محبتهم إيَّاه وإن كان لفظه لفظ الأمر، وقد جاء مثله في كلام العرب مثل قولهم: عش رجباً تر عجباً، أي إن تعش رجباً تر عجباً، لأنّ العيش ليس إلا للإنسان فيؤمر بأن يعيش.
وجاء في آخره: وجملة من الأحاديث المروية في هذا الكتاب من أوله إلى آخره مائتان واثنان وعشرون حديثاً مفسّرة، وثلاثمائة وسبعون حديثاً شواهد، فيكون جملتها خمسمائة واثنان وتسعون حديثاً.
فلم أر أي مشابهة بين كتاب معاني الأخبار للصدوق، وبين كتاب معاني الأخبار للكلاباذي، لا في المنهج ولا في الأسلوب، ولا في نوعية الأخبار
وعرضها، ولا فى تعقيباتها.
وقد يظنّ أنّه تأثر بالبرقي صاحب كتاب المحاسن، حيث ترسم خطاه في عدة من تأليفه فجاراه في جملة منها فمثلاً:
للبرقي كتاب الاشكال والقرائن وللصدوق كتاب الخصال، وللبرقي كتاب ثواب الأعمال، وللصدوق كتاب ثواب الأعمال، وللبرقي كتاب عقاب الأعمال، وللصدوق كتاب عقاب الأعمال، وللبرقي كتاب العلل، وللصدوق عدة كتب في العلل أشهرها علل الشرايع.
مضافاً إلى أنّ البرقي منسوب إلى برقة، وبرقة من أعمال قم ومؤلّفنا قمي المولد والمنشأ وجل أخذه عن القميين ،والبرقي من أعلام القرن الثالث والصدوق من أعلام القرن الرابع، لذلك كله قد يظن بأنه تأثر الصدوق به في حياته التأليفية مع ما سبق من الشواهد على ذلك.
ولكن بالرغم من ذلك كلّه، فانّه لم يتأثر به في هذا الكتاب، إذ ليس للبرقي في ذلك تأليف خاص بين كتب المحاسن ومجرد نقل الصدوق الرواية عنه في كتابه هذا كما في باب معانى ألفاظ وردت في التوحيد وفي ذيل حديث 6، وفي باب معنى جامع مجمع، وربيع مربع ، وكرب مقمع، وغل قمل - لا يدل على تأثّره به، وإن ترسم نهجه فى كتب أخرى.
وأنا لا أعرض جميع هذا لأتخذ منه حجّة في أصالة الشيخ الصدوق(رحمة الله علیه)في أبحاثه، أو شرفاً اضافياً يضم إلى شرفه الذاتي، فانّه - في عقيدتي - لا يحتاج إلى ذلك ما دام يشهد بعلوّ مكانته من سمو حقيقته العلمية.
وبالموازنات الدقيقة بين كتبه وكتب أصحاب الحديث الذين سايرهم أو سايروه في مختلف العصور، تظهر حقيقة ما ذهبنا إليه، ويعجبني أن أختم هذا الموضوع بكلمة لأبي هلال الصابي وهي(1):
وإنّما يبيّن مواضع الفضل، ويقوم معالم العدل بالموازنة والقياس والتطبيق بين الناس والناس وإلا فالنوع شامل والجنس متشاكل والأزمان متقاربة والأوقات متناسبة، وما جعل الله الفضيلة محجوزة عن قوم دون قوم محجوبة لأنّ بابها ممنوع ورائدها مدفوع، وطريق منالها مسدود، وعقد مرامها مشدود، بل لأنّ التطلّب متعب، والمسلك متوعر، ولذلك قال الأعرابي:
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتّى تلعق الصبرا
1) تحفة الأمراء: 6.
قيمة الكتاب:
لا أظن - وظن الألمعي يقين - أن باحثاً في الحديث يجد نفسه في غنى عن الرجوع إلى هذا الكتاب لاستهدائه في حل مشكلات بعض الأخبار والاستفادة منه إفادة تجلو له الغامض، أو تنير له الدرب على الأقل، خصوصاً وهو يمتاز بصفة عامة، هي الأسانيد الّتي روى بها المؤلّف ما أودعه في كتابه، فهو في كتابه هذا لا يكاد يخطئه التوفيق في حسن العرض، وجودة التبويب، ولا أقول أنه حل جميع معاني الحديث المغلقة أو أتى على جميع مشكلاته.
فما من مخلوق يمكنه القول أنه وعى كلّ ما جاء في دين محمّد (صلی الله علیه وآله وسلم)وشريعته من عمق، فسبر غوره، وعلم بجميع مكنوناته وأسراره. ولكن الأمر الذي لا ينكره منصف أنّ الشيخ الصدوق(رحمة الله علیه) ، كان من أولئك النفر الصالح الذين دأبوا جادين، وفكروا مخلصين في معالجة مشاكل حديثية، ووضع نتائج أعمالهم في متناول أيدي المسلمين، ليتمكنوا من إدراك ما لم يدركوه، ولم يدع الشيخ الصدوق(رحمة الله علیه)ولا غيره من أضرابه، أنّهم بلغوا الغاية في فهم معاني الأخبار، بل هم مؤمنون ان دراستهم مهما كانت عميقة لن تصل بهم إلى الغور وكلما تقدّم الناس في الزمن وتوسعت مداركهم وجدوا في الأخبار معان أبكاراً وأشياء جديدة.
ولا يمنعنا جميع ما تقدّم من الإصحار بالحقيقة هي أن هذا الكتاب كسائر الكتب الأخرى يخضع لميزان النقد، ففيه روايات مخدوشة السند معلولة الدلالة وغير ذلك من المؤاخذات.
وإنّ مثل هذه الهنات فى أعمال الرجال تعويذة عين الكمال، فلا تحط من قيمة الكتاب العلمية، ولا من تقييم جهود مؤلّفه.
وبالتالي فهو كتاب ضمّ ثروة ثرة معطاءة تمد الباحثين بكثير من المعارف،
وتسلط الأضواء على كثير من الأحاديث الغامضة التي يجهل معناها كثير من المسلمين.
وقد بقيت ثمة ملاحظات كنت أود الإشارة إليها في هذه المقدمة، كبحث الجانب الإشتقاقي عند الصدوق، وكتاب المعاني وأثره في باقي تأليف الصدوق، والأثر العقيدي لبعض الفرق في هذا الكتاب، وطبيعة العصر الذي ألف فيه وغيرها ممّا طويت عنه كشحاً حيث طال بنا المقام، وعسى أن يتنبه لها آخرون ممّن يهمهم بحث ذلك.
الله
ختاماً نحمدك اللهم على ما أنعمت علينا من بقاء هذا الكتاب الذي هو من النخبة الصالحة من آثارنا الإسلامية سالماً طيلة القرون العشرة التي مرّت عليه، لم تلّفه أعاصير الزمن، ولم تتلفه عواصف الإحن كما كان نصيب باقي اخوانه من كتب الصدوق(رحمة الله علیه) ، والّتي لم تصل إلينا أعيانها ، أو الّتى لم نسمع بأسمائها، كما مرّت الإشارة إلى ذلك في آخر ترجمة المؤلّف حيث ذكرنا أنّ له أكثر من ثلاثمائة مصنف، ولم يصل إلينا إلّا أسماء (222) منها ، ولم يبق من أعيانها اليوم إلا أقل من نسبة العشر إلى ذلك العدد الضخم.
محمّد مهدي السيّد حسن
الموسوي الخرسان
تاليف
الشيخ الصدوق ابى جعفر محمد بن على
ابن الحسين بن موسی بن بابویه القمي
المتوفية سنة381ه-
قدم له
العلامة الجليل السيّد محمد مهدي السيّد حسن الخرسان
الشيخ الصدوق:
هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي.
ولم ترفع كتب التراجم نسبه إلى ما فوق (بابويه) الأمر الذى يدلنا على أنّه الشخصية الأولى من آبائه الّذي تمتع بشهرة حتّى صارت النسبة إليه، كما يترك المجال مفتوحاً لاحتمال نسبة عدة من المحدثين والعلماء المشهورين ينسبون إلى مثل هذا الاسم (بابويه)، أنّهم من لحمة الشيخ الصدوق وأبناء عمومته، فانّهم أيضاً لم ترفع أنسابهم أيضاً إلى ما فوق بابويه إلا في واحد كما سيأتي.
ونظراً لتقارب عصورهم مع عصر الصدوق فيبدو احتمال أنّهم جميعاً من أسرة واحدة ويرجعون إلى جد واحد وهو بابويه، وقد ذكرت ذلك في رسالتي (التنويه بأسماء المختومين بويه) عند ذكر أسماء الأعلام من المحدثين المنسوبين إلى بابويه، وإن لم أجزم به.
أمّا الأشخاص المشار إليهم آنفاً ممّن نسب إلى بابويه، ولم يرفع نسبه إلى من فوقه إلّا في واحد وهو:
1 - محمّد بن سليمان بن بابويه بن مهرويه المخرمي كما في الإكمال وفي - رواية الخطيب أنّه بابويه بن فهرويه بن عبدالله سمع عثمان بن عبدالله بن عمرو ابن عثمان العثماني وغيره، حدّث عن ابنه عبيد الله - الآتى ذكره - وغيره، توفي سنة (307ه-).
2 - عبیدالله بن محمّد بن سليمان - الآنف الذكر - أبو محمّد الدقاق، حدّث عن أبيه وجعفر الفريابي، وإبراهيم بن عبدالله بن أيوب المخرمي وغيرهم.
3 - أبو القاسم محمّد بن عبيد الله بن بابويه - الرجل الصالح - وهو ممن يروي عنه أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الله الضبي، وهذا من مشايخ المؤلّف شيخنا الصدوق، روى عنه كما في أسانيد كتبه.
4 - الحسين بن إبراهيم بن بابويه، عدّه سماحة السيد الوالد دام ظلّه من جملة
مشايخ الصدوق في مقدّمة الفقيه (1)استناداً إلى ما ذكره المحدث النوري في خاتمة المستدرك(2)، ولم نجد ذكره في أسانيد الصدوق في كتبه، نعم وردت رواية الصدوق عنه بواسطة في إسناد حديث في بشارة المصطفى(3)، حيث ذكر أنّ الصدوق يروي عن الحسين بن موسى، عن الحسين بن إبراهيم بن بابويه، عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمي.
5 - أبو الحسن عليّ بن عبدالله بن أحمد بن بابويه المذكور، وهو من شيوخ الصدوق، روى عنه في معاني الأخبار(4).
6 - أبو الحسن عليّ بن محمّد بن بابويه الأسواري الأصبهاني، قال ابن مندة: - هو آخر الأغنياء الأتقياء، ورع ،دین، دخل شیراز وسمع من جماعة، وكتب. مات سنة (358ه-).
7 - أحمد بن الحسن بن علي(5)بن بابويه الحنائي، حدّث عن يوسف بن موسى القطان، وحدّث عنه عمر بن أحمد بن شاهين في معجم شيوخه، وابن شاهين هذا ولد سنة (297) ه-) وأوّل ما سمع الحديث منه (305 ه-) وله إحدى عشرة سنة(6)، وتوفي سنة (385ه-) .
8- أبو الحسن علي بن بابويه قتيل القرامطة في الطواف بالمسجد الحرام، ذكره القطبي في كتابه الاعلام بأعلام بيت الله الحرام (7): أن القرامطة لمّا أغاروا
1) من لا يحضره الفقيه 1: 23، 75
2) خاتمة المستدرك للنوري 5 :472
3) بشارة المصطفى: 150 الطبعة الثانية، المطبعة الحيدرية.
4) معاني الأخبار: 408
5) كذا في رسالة التنويه نقلاً عن الذهبي، وفيها أيضاً عن المعلمي أنه أحمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه
6) ورد في لسان الميزان 4: 283 أنّه أوّل ما سمع الحديث في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وله إحدى عشرة سنة، وهو من سهو القلم من ابن حجر إذ سبق منه ذكر ولادة ابن شاهين في سنة (297) ومعلوم أنّه لمّا سمع وله إحدى عشرة سنة، فيكون الصواب سنة ثمان وثلاثمائة، لا كما ذكر فلاحظ.
7) الاعلام للقطبي : 75 - 76
على الحجاج في سنة (317ه-) ودخلوا المسجد الحرام أيام الموسم، وراثت خيولهم في المسجد، وقتلوا خلقاً كثيراً في المطاف قدرهم بألف وسبعمائة طائف محرم، وكان عليّ بن بابويه ممّن يطوف فلم يقطع طوافه، وجعل يقول:
ترى المحبين صرعى في ديارهم*** كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
والسيوف تقفوه إلى أن سقط ميتاً، رحمه الله تعالى(1)
ومن الغريب أنّ الشيخ الطريحي ذكر في مجمع البحرين (قرمط) نقلاً عن الشيخ البهائي أنّ الحادثة كانت سنة (310 ه-) وهو غير صحيح، فانّ دخول القرامطة إلى مكة كان في سنة (317ه-) كما في تاريخ الكامل لابن الأثير، والبداية والنهاية لابن كثير وغيرهما، وورد ذكرها في حوادث سنة (316 ه-) في كتاب صلة تاريخ الطبري، فراجع.
9 - أبو الحسن علي بن الحسين بن بابويه الرازي، خرج لنفسه أربعين حديثاً رواها عنه أبو المجد محمد بن الحسين بن أحمد القزويني (ت 622 ه-) بسماعه منه(2)
ومن الواضح أنّ هؤلاء كلّهم - إلّا الأخير منهم - ممّن يقارب عصرهم عصر الصدوق أو عصر والده كتقارب بلدانهم فيا هل ترى وجاهة احتمال أنّهم من ذرية بابويه جد المؤلّف، أو أنهم من بابويه آخر أو آخرين.
ومهما يكن الواقع فانّ بني بابويه - أسرة المؤلّف - من بيوتات القميين المشتهرة بالعلم والفضيلة، وقد تبوأ رجال منهم مكان الصدارة والمرجعية، كما
1) ذكر القصة ابن كثير في تاريخه في حوادث سنة (317ه-) ولم يسم علي بن بابويه، بل قال: وقد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف فلما قضى طوافه أخذته السيوف، فلما وجب أنشد وهو كذلك، ثمّ ذكر البيت.
2) ذهب المرحوم الدكتور مصطفى جواد في هامش إكمال الإكمال: 17، إلى أن علي بن الحسين بن بابويه المذكور هو والد الصدوق المتوفى سنة (328) ولمّا تفطن إلى أنّ بين وفاة ابن بابويه الذي عينه وبين وفاة أبي المجد القزويني الراوي عنه سماعاً (294) سنة وتمحل في تفسير قوله (بسماعه منه) فقال: يعني بسماع الجزء عنه عن جماعة من الشيوخ، وهذا إجتهاد من الدكتور في مقابل النص، على أنه لم يذكر بين مؤلّفات والد الصدوق كتاب إسمه (الأربعين) فراجع فهرستي النجاشي والطوسي وغيرهما.
كان بيتهم حتّى القرن السادس بيت علم وحديث ذكرت المعاجم الرجالية منهم عدة علماء ومحدّثين، أحصينا منهم ما يقرب من عشرين عالماً من بينهم شيخ الإسلام وثقة ،الدين كما فيهم من تسمى باسم جدهم الأعلى (بابويه) إحياءً لذكره.
وبالرغم من كثرة البحث في تاريخ هذه الأسرة الكريمة الباسقة أفنانها والناضجة ثمارها، فلم نقف على مبدء سكناهم في قم الحاضرة الإسلامية ومهد العلم في ذلك العصر، لكن الذي لا نشك فيه أنّ والد المؤلّف - وهو الشيخ أبو الحسن علي بن الحسين كان في قم، ومن أبرز أصحاب الشيوخ الأجلّة سعد بن عبدالله بن أبي خلف الأشعري وأبي العباس عبدالله بن جعفر الحميري صاحب قرب الاسناد، وأبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمي المفسر وطبقتهم.
كما كانت له مكانة مرموقة في وسطه، بل يعد من عليّة رجالات بلده، وفي الطليعة بين أعلامهم الطائري الصيت، إن لم يكن هو الأوّل المشار إليه من بينهم، وقد أثنى عليه علماء الرجال ووصفوه بكل جميل مما يكشف عن عظيم قدره ،
وعلو كعبه.
كما ذكروا أنّ الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) (ت260ه-) كتب إليه كتاباً فيه ما يغني عن سرد جمل الثناء العاطر، وآيات التعظيم، جاء فيه:
(اعتصمت بحبل الله بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ربّ العالمين والعاقبة للمتقين، والجنة للموحدين، والنار للملحدين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا إله إلا الله أحسن الخالقين، والصلاة على خير خلقه محمّد وعترته الطاهرين ).
وفيه: (أما بعد، أوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي أبا الحسن علي بن الحسين القمي وفقك الله لمرضاته، وجعل من صلبك أولاداً صالحين برحمته).
وفيه:( فاصبر يا شيخي يا أبا الحسن عليّ، وأمر جميع شيعتي بالصبر، فانّ الأرض الله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، والسلام عليك وعلى
جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته.
والّذي يلفت النظر فى فقرات هذا الكتاب، خطاب الإمام(عليه السلام)لأبي الحسن ابن بابويه بالشيخ، ولابد أن يكون من باب شيخه تشييخاً دعاه شيخاً تبجيلاً وتعظيماً(1)، وإلا فلا مجال للقول بأن ابن بابويه كان حين صدور الكتاب شيخاً في السن، أي من الخمسين إلى الثمانين، كما هو معنى الشيخ على ما حكاه ابن سيّدة في المخصص وغيره.
ولو كان شيخاً لعدّ من المعمّرين، إذ أنّ وفاة الإمام العسكري(عليه السلام)كانت سنة( 260ه-)، وعاش أبو الحسن ابن بابويه بعد الإمام(عليه السلام) ما يقرب من سبعين عاماً حيث كانت وفاته سنة (328ه-)، ولم يذكر أنه كان من المعمّرين الذين تجاوزوا المائة وناهزوا المائة وخمسين مثلاً، ولم يذكر في ترجمته ما يشير إلى ذلك ولو من بعيد.
على أنه لو كان من المعمّرين الذين تجاوزوا المائة وناهزوا المائة وخمسين مثلاً، لأشار ولده الشيخ الصدوق إلى ذلك في كتابه إكمال الدين في باب التعمير والمعمرين، وما يناسب ذلك من أبواب الكتاب، فلابد إذن من أن يكون المعني بالشيخ هو التبجيل والتعظيم ، ولعلّ في مخاطبته بالكنية ما يشعر بذلك مضافاً إلى وصفه بالمعتمد والفقيه، فهو من الشيوخ شأناً، وإن لم يكن منهم سناً.
وممّا يسترعي الانتباه أنّ هذا الكتاب لم يروه ولده الصدوق في تضاعيف كتبه التي وصلت إلينا على كثرة الأبواب المناسبة لذكره، كما لم يذكره القدماء من أصحابنا.
وأقدم مصدر حكى عنه - فيما أعلم - هو كتاب الاحتجاج لأبي منصور أحمد ابن عليّ الطبرسي أستاذ الحافظ ابن شهر آشوب السروي (ت 588 ه-)، حكاه عنه البحراني في لؤلؤة البحرين (2)، ولم أجده في مطبوع الاحتجاج.
ورواه بصورة مختصرة الحافظ ابن شهر آشوب في المناقب (1)، وذكره مفصلاً القاضي المرعشي في مجالس المؤمنين(2)، والخوانساري في الروضات(3)والنوري في خاتمة المستدرك(4)وغيرهم من المتأخرين.
ذكر الشيخ النجاشي في رجاله(5)أبا الحسن - والد المؤلف - ووصفه بقوله: شيخ القميين في عصره، ومتقدمهم وفقيههم وثقتهم، كان قدم العراق واجتمع مع أبي القاسم بن روح(رحمة الله علیه) ، وسأله مسائل ثم كاتبه بعد ذلك على يد علي بن جعفر الأسود(6)يسأله أن يوصل رقعة إلى الصاحب(عليه السلام)ويسأله فيها الولد، فكتب إليه:«قد دعونا لك بذلك، وسترزق ولدین ذکرین خیّرین».
وذكر الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة(7)أنّ علي بن الحسين بن موسى بن بابويه كانت تحته بنت عمه محمد بن موسیٰ بن بابویه، فلم يرزق منها ولداً، فكتب إلى الشيخ أبي القاسم بن روح(رضی الله عنه)أن يسأل الحضرة أن يدعو الله أن يرزقه أولاداً فقهاء، فجاء الجواب:« أنك لا ترزق من هذه وستملك جارية ديلمية وترزق منها ولدين فقيهين».
وفي لفظ الصدوق - مؤلف الكتاب - قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عليّ بن الأسود، قال: سألني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (رحمة الله علیه) بعد موت محمد بن عثمان العمري(رضی الله عنه)( وكانت وفاته سنة 305ه-) أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان(عليه السلام)أن يدعو الله(عزّوجل)أن يرزقه ولداً ذكراً، قال: فسألته فأنهى ذلك، فأخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام إنه قد دعا لعلي بن الحسين، وأنه سيولد
له ولد مبارك كذا - ينفعه الله(عزّوجل)به وبعده أولاده.
قال أبو جعفر محمد بن علي بن الأسود(رضی الله عنه) : وسألته في أمر نفسي أن يدعو الله لي أن يرزقني ولداً ذكراً، فلم يجبني إليه وقال: ليس إلى هذا سبيل، قال: فولد لعلي بن الحسين(رضی الله عنه)محمد بن علي (مؤلف الكتاب) وبعده أولاد، ولم يلد لي شيء.
وهكذا تم للشيخ - والد المترجم له - ما كان يصبو إليه من الدعاء بالولد الصالح، كما تم له بعد ذلك حصول الأثر، فملك الجارية ورزق منها أوّل مولود ذكر كان هو شيخنا - المترجم له - أبا جعفر محمد بن عليّ الصدوق، ولعلّ في اختيار والده لاسمه ما يشعر بأنّه من بركات دعاء صاحب هذا الاسم وهو صاحب الأمر (عجل الله فرجه الشريف)، وكانت ولادته بعد سنة (305 ه-) التي هي سنة وفاة العمري وأولى سني سفارة الروحي، ولعلّها كانت سنة (306ه-) كما استقر بها السيد الوالد دام ظلّه واستدلّ عليها، وأياً ما كان فقد ولد شيخنا الصدوق ببركة دعوة الناحية المقدّسة.
ومن الطبيعي أن يكون لتلك الدعوة أثرها في تقويم شخصيته، وتكوين مؤهلاته العلمية، حتى توقع الناس ظهور أثرها بيناً في تاريخه، فكان الأمر كما أملوا، وكانوا بعد ولادته ونشأته يرجعون جلّ تلك الظواهر من مميزاته إلى أثر تلك الدعوة الصالحة التي بارك بها الإمام (عليه السلام) وليد أبي الحسن علي بن موسى بن ،بابويه، كما كان المؤلّف نفسه يفتخر بذلك ويقول أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر (عجل الله فرجه الشريف)(1)
وقال في ذيل حديثه الآنف عن ابن الأسود وكان أبو جعفر محمد بن علي بن الأسود(رحمة الله علیه)كثيراً ما يقول إذا رآني أختلف إلى مجلس شيخنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(رضی الله عنه) ، و أرغب في كتب العلم وحفظه، ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم وأنت ولدت بدعاء الإمام(عليه السلام)(2)
قال أبو عبدالله بن سورة(رحمة الله علیه) : كلّما روى أبو جعفر - مؤلف الكتاب - وأبو عبدالله الحسين ابني علي بن الحسين شيئاً يتعجب الناس من حفظهما، ويقولون لهما هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الإمام لكما، وهذا أمر مستفيض في أهل قم(1)
ومن الغريب ما ذكره دوايت م دونلدسن في كتابه عقيدة الشيعة(2)أنّ المؤلّف ولد بخراسان أثناء زيارة والده لمشهد الرضا، ولم نقف على مستند يثبته، وقد تابعه على ذلك صاحب المنجد في الأدب والعلوم(3).
وأغرب من ذلك ما ذكره الدكتور محمّد مصطفى حلمي (أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف بكلية الآداب بجامعة القاهرة في تعليقه على كتاب توفيق التطبيق(4)حيث قال: وقد ترك في صباه خراسان عام سنة ( 355 ه- - 966م ) إلى بغداد ... الخ.
فمع الاغماض عمّا ذكر من كونه بخراسان، إلّا أنّ الدكتور زعم أنّه ترك خراسان في صباه سنة ( 355ه-) إلى بغداد، ولو بحث قليلاً عن ولادته لعلم أنه حين ورد بغداد سنة ( 355ه-) كان قد ناهز الخمسين من عمره، فكيف يصح قوله في صباه ؟
نشأ المترجم له تحت رعاية أبيه الذي سبق أن وقفنا على شيء من ،مكانته والّذي اشتهر بعلمه وتمسّكه بدينه وعرف بورعه وتقواه، ورجعت إليه الشيعة في كثير من الأقطار، وأخذوا عنه أحكامهم، ولم يمنعه سمو مقامه في العلم من اتخاذ وسيلة لمعاشه، وركائز تضمن الرفعة عمّا في أيدي الناس، شأن الأحرار في الدنيا فكانت له تجارة يديرها غلمانه ويشرف عليهم بنفسه، فيعتاش مما يرزقه الله من
فضله، ولم يشأ أن يثري على حساب الغير، أو يكون اتكالياً في رزقه(1).
وليس من شك أن أباه أولاه عناية كبيرة، ورعاه رعاية صالحة، لأنه أمله في هذه الحياة الدنيا، ورسالته الباقية بعده، نتيجة البشارة التي حبي بها من الناحية المقدّسة، فكان الفتى الكامل آية في الحفظ والذكاء يحضر مجالس الشيوخ ويسمع منهم ويروي عنهم، فقد اختلف إلى مجلس شيخه محمّد بن الحسن بن الوليد - وكان من أكابر الشيوخ وأعاظم العلماء - وهو حدث السن.
وأدرك من أيّام أبيه أكثر من عشرين عاماً اقتبس خلالها من عاماً اقتبس خلالها من أخلاقه و آدابه ومعارفه وعلومه ما سما به على أقرانه، حتى روى عنه جميع مصنّفاته، وهي مائتا كتاب فيما يذكره ابن النديم في فهرسته(2).
قال: قرأت بخط ابنه محمّد بن على على ظهر جزء: قد أجزت لفلان ابن فلان كتب أبي علي بن الحسين وهي مائتا كتاب، وكتبي وهي ثمانية عشر كتاباً.
ومع الأسف الشديد ضياع تلك الثروة العلمية الضخمة، فلم نعثر إلّا على أسماء ما يقارب من عشرين كتاباً ذكرها الشيخ النجاشي والشيخ الطوسي في فهرستيهما ،ولم يبق منها إلّا كتاب الاخوان الّذي يعرف بمصادقة الاخوان، ونسب اشتباهاً إلى ولده مؤلّف هذا الكتاب ونصوصاً من رسالته الّتي كتبها إلى ابنه.
فممّا يكشف عن مزيد عناية الأب بتربية ابنه، رسالته الّتي كتبها لأجله لخص له فيها كثيراً من الأصول الحديثية، فاختصر الطريق بطرح الأسانيد والجمع بين النظائر، والاتيان بالخبر مع قرينه حتى قيل أنه أوّل من ابتكر ذلك في رسالته إلى ابنه، وكثير ممّن تأخّر عنه يحمد طريقته فيها، ويعوّل عليها في مسائل لا يجد النص عليها لثقته وأمانته وموضعه من الدين والعلم، وهذه الرسالة من مصادر
کتاب ( من لا يحضره الفقيه) نقل عنها المؤلّف كثيراً، وصرّح بذلك.
والّذي يسترعى الانتباه كثرة مرويات المؤلّف عن طريق أبيه كثرة تفوق مروياته عن كلّ من شيوخه الآخرين، ممّا يدلّنا على مدى استعداده الذهني، والنبوغ المبكر الذي كان له أكبر الأثر في قابليته الجيدة لكلّ ما يقرأ ويسمع.
ولا غرابة في نتائج الاحصاء والمقارنة الّتي تثبت أنّ الأب - وهو المنبع الأوّل من منابع ثقافة وليده المرجّى - بذل أقصى جهده في سبيل تثقيف ولده، وإسماعه أكبر عدد من مروياته حتى كان أكثر ما يرويه الولد هو عن طريق شيخه الأوّل ومربّيه الأكمل، والده أبى الحسن (رحمة الله).
وللتدليل على ذلك خذ مثلاً كتاباً من كتب المؤلف(رحمة الله)، ونظم احصاءاً شاملاً المروياته عن كلّ من شيوخه، فستخرج بنتيجة أنّ للأب السهم الأوفر من تلك الروايات.
وهذا كتابه (من لا يحضره الفقيه) لمّا كان هو أكبر كتبه وأكثرها رواية، فقد اختصر أسانيده مقتصراً على ذكر من ينتهى إليه سند الرواية، وكان هو الراوي الأوّل، ووضع في آخره مشيخة ذكر فيها إسناده إلى أولئك الرواة الذين ورد الحديث عنهم في الكتاب، ولم يعرف طريق المصنّف إليهم.
ومن هذه المشيخة يستطيع الباحث كشف حقيقة ما قلناه عن كثرة رواياته عن أبيه على قصر المدة التي عايشه فيها، حتى فاقت رواياته ما يرويه عن أشهر شيوخه الآخرين، وأكثرهم ملازمة زمنية لتأخّر وفاته عن وفاة والد المؤلّف المذكور، كابن الوليد مثلاً الّذي مات سنة (343ه-) أي بعد وفاة عليّ بن الحسين ابن بابويه بنحو خمسة عشر عاماً.
فالباحث يجد المؤلّف ذكر في المشيخة (215) راوياً روى عنهم في كتابه من طريق أبيه، بينما روى عن (124) راوياً من طريق شيخه محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، وعن (50) راوياً من طريق محمّد بن علي ماجيلويه وعن (39)
راوياً من طريق محمّد بن موسى بن المتوكل، وهؤلاء من أشهر شيوخه الّذين اشتهر بالتلمذة عليهم والأخذ عنهم، وعرف بشدة الاتصال بهم.
وهكذا تتضاءل النسبة في مروياته عن سائر شيوخه الآخرين الّذين هم دون هؤلاء شهرة أو أقل اتصالاً بهم.
وكذلك تكون نتائج الاحصاء عند المقارنة بين مروياته في سائر كتبه الأخرى، فهذان كتابا (معاني الأخبار والأمالي) نجد المؤلّف يكثر الرواية عن طريق أبيه فيهما ، حتّى فاق ما يرويه عن طريقه سائر ما يرويه عن باقي شيوخه، فله في كتاب المعاني ما يناهز المائتين، وفي كتاب الأمالي ما يقرب من (160) حديثاً، بينما نجد جميع ما يرويه عن طريق شيخه محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد في الكتابين معاً، لا يبلغ ما يرويه عن أبيه في كتاب المعاني وحده.
أمّا إذا نظرنا إلى الأحاديث التي يرويها عن شيخه محمّد بن موسى بن المتوكل، فجميع ما ورد عن طريقه في الكتابين معاً لا يبلغ (120) حديثاً، وعلى هذا القياس تتضاءل أيضاً نسبة مروياته عن سائر شيوخه الآخرين في هذين الكتابين(1). وثمة ظاهرة في مؤلّفات هذا الشيخ الجليل لها قيمتها هي توريخه السماع غالباً مع ذكر المكان مما يزيد في قيمة السند والرواية.
فانّا إذا رجعنا إلى كتب المؤلف(رحمة الله)، نجده يمتاز في أسانيده عن شيوخه الكثيرين بتحديد زمان سماعه، والمكان الذي سمع فيه غالباً، وهذه الظاهرة كما أوقفتنا على منهج المؤلّف، دلّتنا على ما أنار لنا جوانب من تاريخه أهملها مؤرّخوه.
فهو لم يقتصر في أخذه عن مشايخ بلده فحسب، بل رحل إلى كثير من البلدان طلباً للحديث واستزادة فى العلم، وسمع الكثير من شيوخ العلم في مختلف
1) إنّما خصصت هذين الكتابين بالذكر دون باقي كتبه، لأني كنت نظمت فهرستاً خاصاً بأسماء شيوخه في الحديث لبيان مواضع رواياته عنهم في سائر كتبه، وابتدأت يومئذ بكتابيه المعاني والأمالي، ولم تسنح الفرصة باستيعاب باقي آثاره، نسأل المولى التوفيق لإكمال ذلك إن شاء الله .
الحواضر العلمية، وربّما حدث هو في بعض تلك البلاد، فسمع منه أشياخ البلد على حداثة سنّه.
وقد ذكر شيوخه سماحة سيدي الوالد دام ظلّه، فأنهى عددهم إلى أكثر من مائتي شيخ، اقتبسنا منهم العلويين خاصة، فذكرناهم في مقدمة كتابه
(التوحيد) مع بسط تراجمهم فكانوا سبعة (1).
أمّا البلاد التي رحل إليها فأوّلها الري، وقد التمسه أهلها للإقامة بينهم، وزاد في اقناعه باجابتهم ما طلبوا وجود الأمير ركن الدولة البويهي، وما كان عليه من رعاية العلماء وإكرامهم والقيام بشؤونهم، ولم نعثر على تحديد تاريخ هجرته إلى الري، إلّا أنّ في أسانيده ما يشير إلى وجوده بقم في رجب سنة(239 ه-) حيث سمع بها من الشريف أبي يعلى حمزة بن محمّد الزيدي العلوي(2)، كما إنا نجده يحدث عن سماعه في الري من أبي الحسن محمّد بن أحمد الأسدي المعروف بابن جرادة البردعي في رجب سنة (347 ه-)(3).
وأنّه لم تنقطع صلته بوطنه الأوّل ،قم، فربّما دخلها إما لزيارة المشهد فيها أو للقاء الشيوخ، كما يظهر من مقدمة كتابه إكمال الدين حين صرّح بوجوده بقم وذلك بعد عودته من زيارته للمشهد الرضوي، وكانت زيارته الأولى سنة (352) ها فقد اجتمع بقم بالشيخ نجم الدين أبي سعيد محمّد بن الحسن بن محمد بن أحمد ابن عليّ بن الصلت القمي، وكان قد ورد من بخارى فذاكره في أمر الغيبة وسأله أن يصنف فيها كتاباً(4).
وقد خرج إلى خراسان قاصداً زيارة الإمام الرضا(عليه السلام)فى طوس سنة (352ه-) فاستأذن الأمير البويهي ركن الدولة فأذن له، ولما خرج من عنده
استدعاه ثانياً وسأله أن يدعو له عند المشهد(1)، فكانت تلك الزيارة هي أولى زياراته الثلاث، فقد زار المشهد ثانياً سنة (367 ه-) بعد موت الأمير البويهي المذكور بسنة، كما زار المشهد ثالثاً في سنة (368ه-) في طريقه إلى بلاد ما وراء النهر. وفي سنة (352ه-) في شعبان كان في نيسابور في طريقه إلى المشهد الرضوي، فسمع في ذلك التاريخ أبا الطيب الرازي(2)، وابن عبدوس النيسابوري(3)، وأبا سعيد المعلم(4)، والحسين بن أحمد البيهقي، وكان سماعه منه في داره(5)
وقد سمع في نيسابور من شيوخ آخرين لم نعثر على تاريخ سماعه منهم، فلا ندري هل في سفره هذا أم في أسفاره التي بعد ذلك، وكان منهم أبو نصر الضبي وقال عنه: وما لقيت أنصب منه(6)، وبلغ من نصبه أنه كان يقول : اللّهمّ صلِّ على محمّد فرداً، ويمتنع من الصلاة على آله، ومن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب السجزي(7)، وأحمد بن إبراهيم الخوزي(8).
وفي مروالروذ سمع من رافع بن عبدالملك، ومحمد بن عليّ بن الشاه الفقيه المروذي في داره، كما سمع في سرخس أبا نصر محمّد بن أحمد بن إبراهيم بن تميم السرخسي الفقيه، كل ذلك في طريقه إلى خراسان في أسفاره إليها.
ولمّا عاد من خراسان في سنته تلك ( 352ه-) توجّه إلى بغداد في طريقه إلى الحجّ فدخلها في تلك السنة، وسمع منه شیوخ الطائفة وهو حدث السن (9)، وقد
1) عيون الأخبار باب 69 في ذيل الحديث الثاني من الباب، تجد كلام الأمير البويهي مع المؤلّف، فراجع.
2) عيون الأخبار باب 59 حديث 2
3) نفس المصدر باب 8 حدیث 5.
4) التوحيد: 40 طبع الحيدرية بتقديمنا.
5) عيون الأخبار باب 2 حديث 1.
6) معاني الأخبار باب معاني أسماء محمد وعلي وفاطمة والأئمة(عليهم السلام) حديث 4.
7) التوحيد: 307
8) المصدر السابق: 6.
9) رجال النجاشي: 276، طبع بمبئي، وفيه أنه ورد بغداد سنة (355)، فلعل ذلك بعد حجّه في سنة (354) ، ولم أقف على من صرّح بدخوله في سنة (355) في غيره، وفي سماعاته بهمدان تصريح بأنها بعد حجّه في سنة (354).
سمع ببغداد من جماعة منهم أبو الحسن علي بن ثابت الدواليبي(1)، والشريف النسابة أبو محمّد الحسن بن محمّد بن يحيى العلوي المعروف بابن أخي طاهر بداره طرف سوق العطش، كما أجاز له ممّا صح عنده من حديثه(2).
ويبدو أنه لم يتجاوز بغداد في سفره هذا، لكنه في سنة ( 354 ه-) حج بيت الله الحرام، فسمع بالكوفة من محمّد بن بكران النقاش(3)، ومن أحمد بن هارون الفامي في مسجد الكوفة (4)، ومن الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي الكوفي(5)، وهؤلاء قد أرّخ سماعاته منهم، وأنّها في سنة (354ه-) .
أما الذين لم يؤرّخ سماعاته منهم، وصرّح بسماعه منهم في الكوفة، فهم عليّ ابن عيسى المجاور في مسجد الكوفة، وأبو القاسم الحسن بن محمّد بن السكوني المذكر الكوفي، ومحمّد بن عليّ بن الفضل الكوفي في مسجد أمير المؤمنين(عليه السلام) في الكوفة، وعلي بن الحسين بن شقير الهمداني في منزله بالكوفة (6)، وغيرهم ممّن لم يسمّهم، فقد ذكر فى نوادر كتابه الفقيه(7)أنه رجلاً من أهل المعرفة سمع باللغة في الكوفة.
كما سمع بعد منصرفه من الحج بفيد - وهو اسم مكان منتصف الطريق تقريباً بين مكة والكوفة - من أبي على أحمد بن جعفر البيهقي(8)، وسمع ممن يثق به من أهل المدينة في شأن وادي مهزور والظاهر أنّ سماعه منه كان بها، راجع الفقيه(9)
ولمّا قفل راجعاً إلى الري، ومرّ في طريقه بهمدان سمع بها من الفضل بن
الفضل بن العبّاس الكندي وأجازه(1)، ومن القاسم بن محمّد بن أحمد بن عبدويه الزاهد السراج الهمداني(2)
وفي سنة (367ه-) توجّه لزيارة المشهد الرضوي ثانياً، حيث أملى المجلس الخامس والعشرين من أماليه في يوم الجمعة (13) ذي الحجة تلك السنة من وعاد إلى الري في سنة (378ه-) حيث أملى المجلس السابع والعشرين في يوم الجمعة غرة المحرم سنة (368 ه-) بها . وفي شهر رجب توجّه لزيارة المشهد الرضوي ثالثاً، ومرّ في طريقه بنيسابور فأملى عدة مجالس من أماليه منها في دار الشريف أبي محمد يحيى بن محمّد العلوي الأفطسي المعروف بشيخ العترة وسيّد السادة، المجلس التاسع والثمانين في يوم الأحد غرة شعبان من تلك السنة.
وأملى بنيسابور عدة من مجالسه آخرها ما أملاه يوم الجمعة (12) شعبان، ا وهو المجلس الثالث والتسعون وسافر إلى طوس لزيارة المشهد، فكان بها يوم الثلاثاء (17) شعبان حيث أملى المجلس الرابع والتسعين، وهكذا بقي في المشهد الرضوي حتى ختم أماليه بالمجلس (97) يوم الخميس 19 شعبان من سنة (368ه-).
وتوجّه إلى بلاد ما وراء النهر ، فدخل بلخ وسمع بها جماعة من شيوخ الحديث، منهم الحسين بن محمّد الأشناني وعبيد الله بن أحمد الفقيه وقد أجازه، وطاهر بن محمّد بن يونس بن حيوة الفقيه، ومحمّد بن سعيد بن عزيز السمر قندي وغيرهم. وورد سرخس، فسمع محمّد بن أحمد بن تميم السرخسي الفقيه، كما دخل سمرقند وسمع بها عبد الصمد بن عبد الشهيد، وعبدوس بن علي الجرجاني، ووصل إلى إيلاق - وهي كورة تتاخم كور الشاش وهما من أعمال سمرقند - فأقام بها، وسمع الحديث من محمّد بن الحسن بن إبراهيم الكرخي الكاتب، ومحمد بن عمرو بن عليّ بن عبيدالله البصري.
وفي مدّة إقامته بها اجتمع بالشريف أبي عبدالله محمّد بن الحسن العلوي المعروف بنعمة، وسمع كلّ منهما من الآخر، ووقف الشريف المذكور على أكثر مصنفات الصدوق التي كانت معه فنسخها، كما سمع منه أكثرها، ورواها عنه كلّها، وكانت مائتي كتاب وخمسة وأربعين كتاباً(1).
ودخل فرغانة، وسمع بها من محمّد بن جعفر البندار الشافعي، وإسماعيل بن منصور بن أحمد القصار، وتميم بن عبدالله بن تميم القرشي وغيرهم.
وهكذا نرى المؤلّف وهو في سن الشيخوخة - إذ قد تجاوز الستين - لا يزال يطوي المسافات الشاسعة في طلب الحديث وسماعه وإسماعه، ومعه من مصنّفاته (245) كتاباً.
وأكبر الظنّ أنّه لم يسافر بعد سفره إلى ديار ما وراء النهر في سنة (368 ه-) حتى توفى سنة (381ه-) بالري، إذ لم نعثر على ما يشير إلى ذلك، ولا شك أنه كان في أخريات أيامه بالري، حيث أقام بها بعد أن قطع المسافات الشاسعة، وطاف كثيراً من البلدان النائية في سبيل سماع الحديث وإسماعه.
لم يتلهف لماضى تمنّى رجوعه، كما لم يتوجع لحادث يخشى وقوعه، بالرغم من تقدّم سنه في الشيخوخة، ومضافاً إلى مكانته الإجتماعية، وصلاته الوثيقة برجال الحكم في الري، فانّه لو أراد أن ينعم بظلال الحياة الوارق كغيره من القابعين في بيوتهم؛ لكان ذلك من أيسر ما يروم، لكنّه العالم الذي عرف لذة العلم فهو لا يأنس إلا بكتابه، ولا يطربه إلّا صرير ،قلمه ولا يرى الكرامة والسعادة إلا بين المحابر والدفاتر. فلا غرابة إذا ما أنتج عقله النتاج القيم، وأثمر علمه الكثير الطيب، فهو في نحو سبعة عقود ونصف من أعوام الحياة التي عاشها غذَّى المكتبة الإسلامية في فنون العلم والآداب نحواً من ثلاثمائة مصنّف(2)، وقيل أكثر من ذلك.
وقد ذكر سماحة سيّدي الوالد دام ظله في رسالته «حياة الشيخ الصدوق» تفصيل أسماء آثاره مع الإشارة إلى ما وصلت إلينا نسخته، وهو يبلغ العشر بالنسبة إلى ما حفظ اسمه واندثر ،رسمه، ومجموعها (220) كتاباً ورسالة، أمّا ما بقى فقد استأثر به التاريخ، فلم يسمح حتى باسمه.
وقد ذكرت في مقدّمة كتاب التوحيد تفصيل آثاره الباقية مع الإشارة إلى المخطوط والمطبوع منها، وأن فيها وفيما بقى من أسماء كتبه الأخرى، التي سجلها أصحاب الفهارس وما لم يسجّلوها لدلالة على جودة البضاعة ووفور الرصيد العلمي؛ حتّى تفجرت تلك العقلية عن مئات من المصنفات في فنون الآداب والعلوم الإسلامية.
فألّف في التفسير والفقه والحديث، والكلام، والعقائد، والتاريخ، والرجال، والأخلاق والآداب الشرعية والدعاء والزيارات سوى ما كتبه فى أجوبة المسائل الواردة إليه من سائر البلاد الإسلامية كمصر ، وبغداد، والكوفة والبصرة، وواسط، والمدائن ونيسابور، وقزوين، أو ما كتبه في جواب مسائل شخصية؛ كجوابه إلى أبي محمّد الفارسي في شهر رمضان وغيره.
ثواب الأعمال - عقاب الأعمال:
لقد تفنّن العلماء في معالجة النفوس واصلاحها بشتى وسائل التهذيب، واتخذ كلّ فريق سبيلاً يؤدّي منه رسالته، ويدعو فيها إلى ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان التأليف من السبل الناجحة التي تؤدّي إلى الغاية مع طول الزمن، ما دام للكتاب أثر بين الناس.
وكان شيخنا الصدوق(رحمه الله علیه) ممن اختار سبيل التأليف فأكثر فيه، وامتاز بكثرة مؤلّفاته، وقد حالفه التوفيق فى قسم منها احتفظت الأيام بنسخته.
فما من كتاب من كتبه تلك إلا وقد تلقاه الناس بالقبول، وتداولوا نسخته إقبالاً عليه، ولعلّ في روحية المؤلّف واخلاصه في التأليف سر ذلك القبول وهذا الإقبال .
وها نحن اليوم على أبواب كتابين من كتبه هما كتاب: (ثواب الأعمال) وكتاب (عقاب الأعمال) ويعدان من نفائس كتب الترغيب والترهيب، ألفهما شيخنا الصدوق(رحمه الله علیه)على نحو النهج الّذي سلكه غير واحد من العلماء، جرياً وراء التأثير على القلوب، واجتهاداً في امتلاك الوجدان وصيد العواطف؛ لتصحيح سلوك الإنسان واصلاحه وتوجيهه نحو الخير، والانحياش به عن الرذائل والمعاصي، واقتراف الآثام والجرائم.
وهذا اللون من التأليف - أعني موضوع الترغيب والترهيب - نجده عند جميع المسلمين مقبولاً ، وقد أكثر العلماء من التأليف فيه.
فخصّ بعضهم تأليفه بالترغيب فقط، فكتب في ثواب الأعمال مثلاً كتاباً خاصاً، وجعل ذلك اسم كتابه، وقد عثرت على أسماء اثنى عشر كتاباً في ذلك، هي على النحو التالي:
1 - ثواب الأعمال لأبي جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي، من أصحاب الإمامين الجواد والهادي(عليه السلام)، وهو أحد كتبه المحاسن.
2 - ثواب الأعمال لأبي جعفر محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، من أصحاب الإمام الجواد(عليه السلام)، رواه عنه سعد بن عبدالله الحميري المتوفى حدود سنة ( 300 ه-)(1).
3 - ثواب الأعمال لأبي الفضل سلمة بن الخطاب البراوستاني الأزدوقاني نسبة إلى قرية من سواد الري - رواه عنه سعد بن عبدالله الحميري الآنف الذكر وأحمد بن إدريس (ت 306ها، ومحمد بن الحسن الصفار وغيرهم(2)
4 - ثواب الأعمال لأبي عبدالله محمد بن حسان الرازي الزيدي - الزبني - رواه عنه أحمد بن إدريس ( ت 306 ه-) الآنف الذكر(3).
5 - ثواب الأعمال لأبي محمّد جعفر بن سليمان القمي، رواه عنه محمّد بن الحسن بن الوليد (ت 343 ه-)(1).
6 - ثواب الأعمال لأبي حاتم محمّد بن حبان البستي (ت 354 ه-)(2).
7 - ثواب الأعمال لأبي الحسن عليّ بن أحمد بن الحسين الطبري الآملي رواه عنه النجاشي بواسطتين(3)
8- ثواب الأعمال لأبي أحمد محمد بن عليّ بن محمّد الكرجي القصاب(4).
9 - ثواب الأعمال لابن أبي حاتم الحنظلي الرازي صاحب الجرح والتعديل(5).
10 - ثواب الأعمال لأبي عبدالله الحسين بن عليّ بن سفيان البزوفري، رواه عنه ابن الغضائري (ت 411ه-) والشيخ المفيد (ت 413 ه-) (6).
11 - ثواب الأعمال لأبي العباس الناطقي (ت 446 ه-)(7).
12 - ثواب الأعمال لأبي جعفر الصدوق، وهو الكتاب الأوّل من هذين الكتابين، ولم تصل نسخة من تلك الكتب العشرة إلّا من الأوّل والأخير، وكلاهما مطبوعان مكرراً.
ومن هؤلاء العلماء من اختار جانب الترهيب أيضاً، فخصه بتأليف خاص فألف في عقاب الأعمال، كما صنع أبو جعفر البرقي، وأبو الفضل سلمة بن الخطّاب، وأبو عبدالله محمّد بن حسان الرازي والقصاب، وشيخنا الصدوق رحمهم الله جميعاً.
وكلّهم ممن سبق له تأليف فى ثواب الأعمال كما أشرنا آنفاً، ولم تصل إلينا من كتب عقاب الأعمال إلا كتاب البرقي وكتاب الصدوق، وهو ثاني كتابينا اللذين نقدم لهما .
ومن العلماء من خص تأليفه بجانب من الترهيب فقط فتفنن في ذلك، كما صنع الحافظ الذهبي الّذي ألف كتاباً جمع فيه الموبقات وسمّاه (الكبائر)(1)وقد أنهاها إلى سبعين، وشرح كل واحدة منها.
و تبعه ابن حجر في ذلك فألف كتابه «الزواجر عن اقتراف الكبائر»(2)، وزاد على ما ذكره الذهبي فأنهی الكبائر إلى (467) كبيرة.
وثمة كتب أخرى خصت بثواب الأعمال أو بعقاب بعض الأعمال كثيرة، يجد القارئ أسماءها مبثوثة في كتب المعاجم والفهرسة.
تقييم الكتابين معاً:
لمّا كانت مادة الكتابين معاً مجموعة من أحاديث رواها الشيخ الصدوق(رحمة الله علیه) بأسانيده المنتهية إلى الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)و إلى الأئمة (عليهم السلام)، وقد ضمّ الكتاب الأوّل منهما ما يناهز الثمانمائة حديث كلّها مسندة إلا أربعة أحاديث مرسلة، وضمّ الثاني منهما ما يناهز الثلاثمائة وخمسين حديثاً مسنداً إلا خمسة منها مرسلة.
فلابدّ في تقييمها أوّلاً من ملاحظة رجال السند ووزنهم بميزان الجرح والتعديل، وبعد ذلك ملاحظة المتون، وهذا هو المقياس في اعتبار كتب الحديث عند تقييمها.
ونحن إذا ألقينا نظرة على أحاديث الكتابين نجدها لا تسلم جميعها عند التمحيص، شأنها في ذلك شأن سائر كتب الترغيب والترهيب، التي كان سبيل مؤلّفيها على اختلاف مذاهبهم وأزمانهم هو الجمع بين الأحاديث التي تؤلّف غرضهم المقصود، وتؤدي إلى ترغيب الناس في الخير، أو ترهيبهم في الشر، وهو الهدف المنشود.
فتراهم جمعوا بين ما قوي متنه وصح سنده وبين ما هزل متنه وسقم سنده، وبين ما كان مقبول المتن دون السند أو مردود الدلالة مقبول السند، وجلّها أخبار آحاد.
وعذرهم في هذا النوع من التساهل والتوسع في سرد الأخبار على النهج
الّذي أشرنا إليه، هو اعتمادهم على قاعدة التسامح في أدلّة السنن.
ومعناها عدم اشتراط ما ذكر من الشروط للعمل بأخبار الآحاد من الإسلام والعدالة والضبط في الروايات الدالة على السنن فعلاً وتركاً(1).
فصار هذا المعنى مجمعاً عليه بين الفريقين(2)، وانّ أخبار الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم (3).
وقد ورد عن الإمام أحمد بن حنبل، وشيخه عبدالرحمن بن مهدي وعبدالله بن المبارك قالوا: إذا روينا في الحلال والحرام شدّدنا ، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا(4).
وللعلماء في الاستناد إلى القاعدة المذكورة - وبالأحرى في تأسيسها - أدلّة عقلية ونقلية يمكن تلخيصها بما يلي:
1 - انّ الإقدام على محتمل المنفعة ومأمون المضرة عنوان لا ريب في حسنه، ولا فرق عند العقل بينه وبين الاحتراز عن محتمل الضرر.
2 - الأخبار الواردة بعنوان من بلغه عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)شيء من الثواب فعمله كان ذلك له، وإن كان رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)لم يقله، لكشف العمل عن الانقياد والطاعة للرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)(5)
3- الإجماعات المنقولة المعتضدة بالشهرة العظيمة، بل الاتفاق المحقق ومهما نوقشت تلك الأدلّة فقد أجيب عن المناقشات بما لا مجال لذكره، وقد كتب في الموضوع عدة بحوث ورسائل لعلّ أوفاها ما كتبه الشيخ مرتضى الأنصاري(قدس سره) ، وقد طبعت رسالته في الموضوع ضمن أوثق الوسائل(6).
وبناءاً على جميع ذلك فقد اعتمد الكتابين كل من تأخر من أصحاب الجوامع
1) أوثق الوسائل: 299، رسالة التسامح في أدلة السنن للشيخ مرتضى الأنصاري(قدّس سرّه) .
2) عدة الداعي لابن فهد الحلي: 13، آخر المقدّمة.
3) الذكرى للشهيد : 68، أحكام الميت، في التلقين.
4) تدريب الراوي للسيوطي: 196، الطبعة الأولى سنة 1379ه-
5) المحاسن للبرقي 1: 25 كتاب (ثواب الأعمال).
6) أوثق الوسائل: 299 - 307.
الحديثية، كالشيخ الحر العاملي في الوسائل، والمجلسي في بحار الأنوار والمحدّث النوري في المستدرك ، سوى غيرهم ممن اعتمدهما وأخرج عنهما في مؤلّفه، لأنّ جلّ ما جاء فيهما ممّا كان مقبول المتن والسند معاً.
فكل منهما بجملته نافع مفيد في بابه، فهو سلوة الحائر الجازع، ومصلح الخاثر المائع فيه ترقيق القلب القاسي، وتزهيد عن فضول الحطام، وزجر عن المعاصي والآثام، تسكن إليه النفوس عند اضطرابها، وتجد فيه هديها وصوابها.
وبعد، فكلّ منهما أثر نفيس في بابه.
ونظراً لتقارب موضوعيهما على رغم التضاد بين اسميهما، فقد جمعا في جل ما وجد من نسخهما المخطوطة، كما أنهما طبعا معاً مكرراً، فصارا وكأنهما كتاب واحد.
ففي سنة ( 1298 - 1299 ه-) طبعا بايران في تبريز طبعة حجرية في 109 - 52 صفحة.
وفي سنة (1312ه-) طبع ثواب الأعمال طبعة حجرية في ايران.
وفي سنة ( 1375 ه-) طبعا في طهران طبعة حروفية في (294) صفحة.
وفي سنة ( 1962 م) طبعا في بغداد طبعة حروفية في (270) صفحة.
وهذه طبعة المكتبة الحيدرية، وقد قام مشكوراً فضيلة السيد أحمد الاشكوري سلّمه الله بمقابلة الأصل قبل الطبع على نسخة خطية بمكتبة (آية الله الحكيم العامة في النجف) برقم 846، وتاريخ نسخ الكتاب الأول (ثواب الأعمال) سنة (1027ه-) وتاريخ نسخ الكتاب الثاني (عقاب الأعمال) سنة (1028ه-)، وهي بقلم محمد خليفة الجزائري مولداً والسمناني مسكناً، وسجل في الهامش بعض ما وجده من فروق وتفاوت فجزاه الله خيراً.
كما أسأل المولى جل اسمه أن يثيب الناشر الأخ الشيخ محمّد كاظم الكتبي سلّمه الله على عمله، ويوفقه لنشر الآثار الصالحة والكتب النافعة، وأن يتقبّل منّا هذه الخدمة اليسيرة، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، انه سميع مجيب .
محمّد مهدي السيّد حسن
الموسوي الخرسان
تالیف
فخر الشیعه ابی عبدالله محمد بن محمد بن النعمان العكبرى البغدادي
الملقب با لشيخ المفيد
المتوفى 413
قدم له
العلامة الجليل السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان
1390 ه- - 1971 م
المطبعة الحيدرية - النجف
كتاب الاختصاص ومؤلّفه :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة على محمّد خاتم النبيين وسيّد المرسلين، والسلام على آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين، والتابعين لهم بإحسان.
وبعد: ما زالت المكتبة الحيدرية تتحف قراءها بين آونة وأخرى بنفائس الآثار من كتب الحديث والأخبار والتاريخ والآداب والأنساب، ممّا دلّ على سلامة ذوق صاحبها الأخ الموفق الشيخ محمّد كاظم الكتبى - سلّمه الله - .
وها هو اليوم يقدّم للقرّاء كتاباً جليلاً، وسفراً نفيساً ضمّ (فنوناً من الأحاديث، وعيوناً من الأخبار ومحاسن من الآثار والحكايات في معان كثيرة من مدح الرجال وفضلهم، وأقدار العلماء ومراتبهم وفقههم)(1).
وقد طلب مني أن أعرّفه لقرائه أسوة بما سلف من منشوراته التي قدمت لها فأجبته إلى ذلك تقديراً منّي لحسن ظنّه، ومشاركة منّي معه في خدمة الكتاب ومؤلفه بتعريف القرّاء بمكانة المؤلف والمؤلّف.
وكنت أحسب أن لا كبير عناء في هذا التقديم، نظراً لوضوح مادة الكتاب التي انتظمت منها وحدته الموضوعية واعتماداً على علو مقام مؤلّفه الذي نسب إليه وهو شيخنا الأكبر الأقدم أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان المفيد(رحمة الله علیه)،وشهرة هذا المؤلّف العظيم ستغنيني عن إطالة التحدّث عن شخصيته وعن كتابه.
ولكن بعد قراءة الكتاب وما قيل حوله ومراجعة كتب المعاجم والفهرسة، سرعان ما وجدت نفسي في دوامة من الشك في نسبة هذا الكتاب إلى شيخنا المفيد(رحمة الله علیه) لأمور لا أكتمها القارئ وتنحصر في خمس نقاط
1) مقدّمة الكتاب: 1.
1 - خلو فهارس الشيوخ القدامى عن ذكر الكتاب بين مؤلّفات الشيخ المفيد (رحمة الله علیه)
2 - نسبة بعض الأعلام الكتاب إلى غير الشيخ المفيد(رحمة الله علیه) .
3 - عدم معرفة اسم الكتاب وخفاء ذاتية المؤلّف في نفس الكتاب.
4 - تفاوت الأسلوب البياني في كتابنا هذا وفي سائر كتب الشيخ المفيده (رحمة الله علیه).
5 - وجود التفاوت سنداً ومتنا في بعض الأحاديث المروية في هذا الكتاب وفي كتابي الأمالي والإرشاد للشيخ المفيد(رحمة الله علیه).
مضافاً إلى أوهام وقع فيها بعض أكابر الباحثين، مما دعاني إلى التريث والأناة فى تقديم الكتاب حتّى يستكمل البحث خطوطه البيانية، لتكون النتيجة واضحة المعالم إمّا سلباً أو إيجاباً، ولابد فى ذلك أن يكون قبل الحديث عن شخصية شيخنا المفيد(رحمة الله علیه)ومقامه العلمي ومكانته السامية.
وقد رأيت لزاماً على أن أبسط الحديث أمام القارئ عن السبل التي سلكتها لمعرفة مؤلّف الكتاب، وتتلخص في خمسة وهي:
أوّلاً: استقراء كتب الفهرسة عن الكتب التي تسمى بالإختصاص، عسى أن نجد فيها ما ينير الدرب في تحقيق معرفة مؤلّف الكتاب.
ثانياً: الإحاطة بمعرفة ما على نسخ الكتاب الموجودة فعلاً. ثالثها: سبر الكتاب مرّة أخرى لمعرفة ذاتية المؤلّف من شيوخه في أسانيد الكتاب.
رابعاً: المقارنة البيانية بين الكتاب وبين بعض كتب المفيد(رحمة الله علیه) التي تشترك موضوعاً مع كتابنا هذا.
وأخيراً كفاية ذكر النتائج الموصلة إلى معرفة المؤلّف في ردّ بعض الأوهام.
وإلى القارئ بيان تلك الطرق تفصيلاً وهي:
الطريق الأوّل: لقد دلّنا استقراء كتب الفهرسة والمعاجم على خمسة كتب تسمى بالإختصاص وهي:
أ - كتاب (الإختصاص) في علم البيان، للشيخ تقي الدين السبكي
(ت 756ه-)(1)
ب - كتاب الإختصاص بلسان الخواص، لرضي الدين أبي الخير إسماعيل ابن محمد القزويني(2)الحاكم (3).
وهذان الكتابان خارجان موضوعاً عن موضوع كتابنا، فلا حاجة إلى البحث فيهما.
ج - كتاب (الإختصاص) للشيخ أبي علي أحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران المعاصر للشيخ الصدوق (ت 381ه-) ذكره شيخنا الراحل الحجّة الرازي في الذريعة(4)وسيأتي الحديث عنه.
د - كتاب (الإختصاص) للشيخ أبي جعفر محمد بن علي الصدوق (ت 381ه-)، ذكره أيضاً الرازي في الذريعة(5)، ولم يذكر عن موضوعه شيئاً، لأنه لم يتسن له الإطلاع على تفصيل في ذلك، وذكر أنّ سنده في نسبة الكتاب إلى الصدوق(رحمة الله علیه) وجود نسخة منه عند المرحوم أمين الواعظين بإصفهان كما أخبره هو بذلك .
وأنا شخصياً أشك فى وجود كتاب للشيخ الصدوق بهذا الإسم لخلو المصادر التي سجلت له من تصانيفه أكثر من 200 كتاباً، ولقد سردت الفهارس أسماءها ولم
يكن منها (الإختصاص المذكور، بل أنهاها سماحة السيد الوالد دام ظلّه رسالته (حياة الشيخ الصدوق(رحمة الله علیه)) إلى 220 كتاباً وأكبر الظن انه إما الكتاب الانف الذكر لأبي عليّ أحمد بن الحسين الذي كان معاصراً للصدوق وشريكاً له في كثير من شيوخه، فظنه أمين الواعظين أنه للصدوق لأنه كان أشهر أو أنه الكتاب الآتى
1) ذكره الحاج خليفة في كشف الظنون 1: 31
2) الصواب أنه للشيخ محمد بن الحسن المعروف بالأقارضي القزويني تلميذ الخليل القزويني ومن أعلام القرن الحادي عشر إذ كان معاصراً للمجلسي الثاني المتوفى سنة 1110، وللشيخ الحر العاملي المتوفّى 1104، وكتابه هذا هو المعروف بلسان الخواص، وتوجد نسخة منه خطية من بقيّة موقوفات المرحوم العلّامة السيد عباس الخرسان في مكتبة الأسرة الخاصة.
3) كما في ايضاح المكنون 1: 47
4) الذريعة 1: 358
5) الذريعة 1: 358
وهو كتابنا هذا ولعله أقرب إلى الاحتمال، لأنّ في كتابنا هذا كتاب (صفة الجنّة والنار) الذي رواه الصدوق بسنده عن سعيد بن جناح، ونسب إليه كسائر تآليفه(1)فظنّ أمين الواعظين أن الكتاب مجموعاً من تأليف الصدوق.
ه- - كتاب (الإختصاص) أي المستخرج الذي ألفه الشيخ أبو على المذكور آنفاً للشيخ أبي عبدالله محمد بن محمد بن النعمان المفيد (ت 413 ه-)(2)، واستطرد شيخنا المرحوم في وصف الكتاب ونسخه المتعددة بما دلّ على أنه المستخرج من كتاب الإختصاص لأبي عليّ المذكور آنفاً وهو كتابنا هذا، وبهذا انتهينا من حيث ابتدأنا وكأننا ندور في نفس الحلقة، والسؤال بعد على حاله، من هو مؤلف الكتاب الحقيقى؟ وبدأ سؤال جديد : إذا كان هذا الكتاب مستخرج من كتاب الإختصاص لا نفسه فلماذا سمى بالاختصاص؟
وللإجابة على هذين السؤالين لابد من الرجوع إلى نسخ الكتاب نستجوبها عنهما وهو:
الطريق الثاني: الإحاطة بما كتبه الأعلام على نسخ الكتاب وعنه وهو سند من أسانيد الإثبات، فلابد من الرجوع إلى نسخ الكتاب، والذي نعلمه هو وجود سبع نسخ تحتضنها مكتبات في العراق وايران.
أوّلها نسخة المكتبة الرضوية في خراسان برقم (333) وهي أقدم النسخ فيما نعلم، كما وصفت بالقدم في فهرست المكتبة(3)، وقد ذكر فيه أيضاً أنّه سقط من أوّل الكتاب وآخره ووسطه بعض الأوراق، وأكملت النسخة بخط مغاير لخطّ النسخة القديمة، وورد في عنوان النسخة هكذا (كتاب مستخرج من كتاب الإختصاص) كما ورد ما يلي:
(هذه مجموعة مستخرجة من كتب أكابر رجال الأئمة الطاهرين صلوات الله
عليهم، وقد رأيناها في سنة خمس وخمسين وألف من الهجرة المصطفوية بخطّ عتيق في نسخة قديمة وسودناها من هذه النسخة المضبوطة، البينة فيها آثار الصحة وبالله التوفيق)(1).
وفي هذه الفقرات ما ينفعنا في دفع كثير من الشبهات حول الكتاب كما سنرى ذلك فيما يأتي.
ثانيهما: نسخة مكتبة آية الله السيد الحكيم العامة في النجف الأشرف، برقم (316) وهي نسخة المحدّث الجليل الشيخ محمّد بن الحسن الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة، جاء في ظهر الورقة الأولى (أ) هكذا :
(كتاب الإختصاص للشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان)
(منتخب من الإختصاص لأحمد بن الحسين بن عمران )
(رحمهم الله)
وعلى هذه الصفحة تملك جماعة من الأعلام ووضعوا خطوطهم بذلك، أشهرهم وأقدمهم الشيخ الحر العاملي (ت 1104 ه-)، فقد كتب بخطه: (دخل في ملك الفقير إلى الله الغني محمّد بن الحسن الحر العاملي عفي عنهما سنة 1087 )ثمّ خاتمه، وتحت ذلك تملك ولده وصورته قد دخل في ملك الشيخ محمّد رضا الحر سنة 1105).
وثمّ تملك مبارك بن علي الجارودي سنة 1189.
وتملك ولده محمّد بن مبارك بن علي بن عبدالله بن حميدان.
وتملك ولده حسن بن محمد بن مبارك بن علي بن عبدالله بن حميدان الجارودي.
وتملك عليّ بن عبدالله بن محمّد علي بن حسن أبو السعود.
وتملك علي بن الحسن بن علي بن سليمان البحراني سنة 1315.
1) الإختصاص: 164 من النسخة.
و آخر من ملك النسخة هو المرحوم العلّامة السماوي (ت 1370 ه-)، وقد كتب بخطه على ظهر النسخة ما يلي: في هذا المجموع:
1 (العيون والمحاسن للمفيد المسمّى بالإختصاص؟).
2 ( ومسائل على بن جعفر(عليه السلام)عن أخيه).
3 ( ورسالة الزراري لحفيده ووصيته).
4 ( ونوادر الشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد بن عيسى).
5 ( و مختصر كتاب الرجعة لابن شاذان).
6 ( وكتاب سليم بن قيس الهلالي).
أمّا عنوان أوّل الكتاب فقد كتب في رأس الورقة الأولى (ب) هكذا:
(كتاب مستخرج من كتاب الإختصاص تصنيف أبي علي أحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران رحمة الله عليه)، وجاء في آخرها هكذا:
(قد سوّدت تلك المجموعة من نسخة عتيقة التسويد إمتثالاً لأمر السيّد الحسيب النسيب التقي النقي العالم العامل فخر السادة والنقابة والدين حيدرا (كذا) عامله الله بفضله، وألحقه في زمرة الشهداء)، ووشح الكاتب هذه الفقرة بخطه وقوله: (على يد أقل خلق الله حاجي ميرزا محمد ابن مرحوم مغفور حاجي شاه محمد ساكن بلدة إصفهان در تاریخ دهم شهر ذا الحجة الحرام سنة 1085) ،و تحت ذلك كلّه بخط يشبه أن يكون خط الشيخ الحر العاملي:
(تمّ ، تم كتاب الاختصاص للشيخ المفيد(قدس سره))، وفي هامش ذلك ما يلي:
( مالكه من فضل الله الفقير محمد الحر، ثمّ خاتمه الشريف).
ثالثها: نسخة مكتبة سبهسالار في طهران، ذكرت في فهرست المكتبة(1)و صفت بأنه جاء في آخرها:
(وافق الفراغ من تسويد مختصر كتاب الإختصاص لأبي عليّ أحمد بن
1) فهرست مكتبة سبهسالار 1: 197 برقم (94)
الحسين بن أحمد بن عمران رضي الله عنهم أجمعين الخ) ولم يذكر في الفهرست المذكور شيئاً عن تاريخ كتابتها.
رابعها: نسخة أخرى في المكتبة المذكورة، ورد ذكرها في الفهرست(1)وذكر أنّها كتبت سنة ،1118 ، وكاتبها هو أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسماعيل البحراني، وقد ضمّ إليها المجالس (الفصول المنتخبة )كذا.
خامسها: نسخة بمكتبة جامعة طهران (دانشگاه) ورد ذكرها في فهرستها(2)وذكر أنّ عنوانها: (كتاب مستخرج من كتاب الإختصاص، تصنيف أبي عليّ أحمد ابن الحسين بن أحمد بن عمران(رحمة الله ) ولم يذكر شيء عن خاتمتها وتاريخها وكاتبها في الفهرست المذكور. سادسها :نسخة بخط ّمحمّد بن عليّ بن الحر ولم يؤرّخها، وهي في ملك الفاضل الشريف المحترم السيّد محمود الزرندي المحرمي.
سابعها: نسخة في ملك العالم البارع الحاج شيخ حسن المصطفوي التبريزي نزيل طهران، وهي بخط عليّ بن الشيخ محمّد عليّ الشهير بشالي القزويني مسكناً، الجبل عاملى أصلاً ، تاريخها شهر رجب سنة 1307، وهاتان النسختان السادسة والسابعة هما الأصل في مطبوع الكتاب بطهران سنة 1379 وقد ذكر في مقدّمة الكتاب(3)وصف هاتين النسختين، ولكن لم يذكر عن عناوين النسختين ولا عن خاتمتهما ما يفيدنا في المقام، والّذي يظهر من صورتي الصفحة الأولى والصفحة الأخيرة للنسخة السابعة خلوهما عن ذلك.
هذه هي النسخ المعروفة لدينا فعلاً من هذا الكتاب، وقد تحصّل من هذا العرض أنّ هذا الكتاب هو مستخرج من كتاب الإختصاص لأبي علىّ أحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران كما في النسخ 1 - 2 - 3 - 5 وبهذه النتيجة فقد حصل
الجواب على السؤال عن اسم الكتاب الحقيقى بتقريب أنّ الكتاب وهو يضم مستخرج الإختصاص مع مستخرج من كتب أخرى للأكابر ، وكان أوّلها جميعاً هو مستخرج الإختصاص، غلب اسمه على المجموع ، ولا مشاحة في تسمية الجميع باسم (الإختصاص) من باب تسمية الكل باسم الجزء.
أمّا الجواب عن سؤال من هو مؤلّف الكتاب؟ وهو السؤال الأوّل ومن أجله سلكنا هذا السبيل وغيره، فقد حصل لنا ظن بأنه للشيخ المفيد(رحمة الله عليه) ومنشأ الظن ما ورد على ظهر النسخة الثانية، والتي ملكها عدة من الأعلام أوّلهم شيخ المحدثين الحر العاملى وتسعة آخرين ذكرناهم آنفاً، وكلّهم وضعوا خطوطهم بالتملك تحت عنوان الكتاب ونسبته إلى المفيد دون إشعار منهم بالشك أو الترديد في نسبة الكتاب إلى مؤلّفه. وهذا وإن لم يكن في نفسه سنداً قوياً لإثبات النسبة إلا أنه يوحي بشيء من الإطمئنان إلى أنّ أولئك الأعلام الذين ملكوا الكتاب تقضي العادة باطلاعهم على ما فيه ومن ذلك عنوان الكتاب، ولو كانوا في شك من نسبته إلى الشيخ المفيد( رحمة الله عليه) لجلب انتباههم نفس العنوان المذكور ، ولأشاروا إلى ذلك من قريب أو بعيد(1).
وجاء في رياض العلماء قوله : ( ونقل المفيد في كتاب الإختصاص أنّه - أبو إسحاق السبيعي - صلّى أربعين سنة صلاة الغداة بصلاة العتمة...(2).
الطريق الثالث: استجواب الكتاب عن مؤلّفه، وهو طريق جربناه وحمدنا نتائجه في كثير من البحوث الشائقة الشائكة، وذلك يتم في النظر في متونه وأسانيده، أمّا المتون فانّه يبتدىء فيه مؤلّفه بعد خطبة الحمد والثناء والصلاة والتسليم ببيان منهجه في تأليفه فيقول:
(هذا كتاب ألفته، وصنفته، وألعجت(1)في جمعه وإسباغه، وأقحمته فنوناً من الأحاديث، وعيوناً من الأخبار، ومحاسن من الآثار والحكايات في معان كثيرة: من مدح الرجال وفضلهم، وأقدار العلماء ومراتبهم وفقههم.
قال محمّد بن محمّد بن النعمان: حدّثني أبو غالب الزراري، وجعفر بن محمّد ابن قولويه عن محمّد بن يعقوب عن الحسين بن الحسن عن محمّد بن زكريا الغلابي، عن ابن عائشة البصري رفعه أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال في بعض خطبه :
أيّها الناس اعلموا أنّه ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه ولا بحكيم من رضى بثناء الجاهل عليه الناس أبناء ما يحسنون، وقدر كل امرىء ما يحسن فتكلّموا في العلم تبين أقداركم.
وحدّثني جعفر بن محمد بن قولويه عن الحسين بن محمد بن عامر الأشعري، عن المعلى بن محمّد البصري، عن محمد بن جمهور العمي، عن عبدالرحمن بن أبي نجران، عن بعض أصحابه رفعه إلى أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «من حفظ من أحاديثنا أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة عالماً فقيهاً»(2)، وبعد هذا يرد حدیث مرسل و آخر مسند عن شرطة الخميس.
وبعد الانتهاء من قراءة الكتاب والإمعان في متون أحاديثه تبين لنا بوضوح أنّه مجموعة وحدات مستخرجة من كتب الأكابر، كما وصف في النسخة الرضوية فراجع الطريق الثاني، ويؤكد ذلك ما سنقرأه عن تلك الوحدات وما فيها.
وظنّي أنّ الحديثين الآنفي الذكر اللذين رواهما الشيخ المفيد( رحمة الله عليه)وذكرا في أوّل المجموعة ذات الوحدات المتعددة، لم يكن وضعهما عفوياً إذ هما ليسا من
مستخرج الإختصاص فيما أظن، بل هما ممّا رواه الشيخ المفيد( رحمة الله عليه)وصدّر بهما كتابه رعاية للمناسبة التي جمعت بين عدّة مستخرجات من كتب غيره، وأحاديث مبثوثة بينها من مروياته بينما نرى أنّ ما جاء بعدهما حدیث مرسل و آخر مسند في شرطة الخميس، وهكذا وبعد حديث عنهم يرد ذكر حديثين آخرين في العلم والعلماء وأخبارهم، فجعلها في مفتتح الكتاب، ممّا دلّ على قصد للمؤلّف فيما أظن، وذلك هو تصدير مجموعته التي استخرجها من كتب الأكابر، كما دلّ على حسن الإختيار وسلامة الذوق في نفس الوقت.
أمّا تفصيل تلك الوحدات المستخرجة فقد أحصيتها في اثنتي عشر وحدة، بقرائن تشعر بالإبتداء والإنتهاء وإليكم بيانها(1):
1 - مستخرج من كتاب الإختصاص، ويشمل طائفة من الحديث في الصحابة والتابعين وأحوال الرواة، ورسائل ونكت تاريخية، وقد حشر بينها سهواً نتيجة جهل الوراق للنسخة الأم في تقديم بعض الأوراق على بعض كما هو واضح في نسخة الشيخ الحر العاملي حيث أشير إلى ذلك في متنها وهوامشها - فحشرت مسائل اليهود التي سألوا بها النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم) ، ومسائل عبد الله بن سلام بين أحوال الصحابة والرواة، وبعض الأحاديث عن آداب المؤمن وبين ما ورد في حقّ محمّد بن مسلم.
والّذي يدلّ على حشرها عنوانهما وبدؤهما بالبسملة، ففصلت الوحدة الموضوعية المستخرج الإختصاص بفاصل أجنبي كما يقولون، ويزيد ذلك ايضاحاً ختم مسائل اليهود بالصلاة على النبي وآله، ممّا دلّ على أنها وحدة منفصلة (2)، وكذلك ختم مسائل ابن سلام بكلمة (مختصر)(3)
2- (جزء فيه أخبار من روايات أصحابنا وغيرهم)(4).
3 -( حديث المباهلة)، وأحاديث أخرى، ورسائل تاريخية، وحال جمع من الرواة أيضاً، وقد بدىء بالبسملة ممّا دلّ على انّه ابتداء مستخرج غير ما سبقه(1)وختم ب- (الحمد لله وحده، والصلاة على محمّد و آله أجمعين وسلّم تسليماً كثيراً)(2).
4 - ( وصايا النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم)لعليّ(عليه السلام) ) بدأت بالبسملة(3)وأنهيت بقوله: (كمل الحديث بحمد الله ومنّه)(4)
5-(حديث منطق بعض الحيوانات) بدىء بالبسملة(5).
6 - (المسوخ وسبب تسميتها) وقد بدىء الحديث عنها بالبسملة (6)، وشمل أحاديث أخرى ورسائل تاريخية.
7 - ( من كتاب ابن دأب (7)
قال الجاحظ: هو الذي يعرف في العامة بابن دأب وكان من أحسن الناس حديثاً وبياناً، وكان شاعراً راوية، وكان صاحب رسائل وخطب، وكان يجيدهما جداً.
وقال أيضاً: ومن الخطباء الشعراء، ومن يؤلّف الكلام الجيد، ويصنع المناقلات الحسان ويؤلّف الشعر والقصائد الشريفة مع بيان عجيب، ورواية كثيرة ، وحسن دل وإشارة، عيسى بن يزيد بن دأب أحد بني ليث بن بكر، وكنيته أبو الوليد.
راجع ترجمته في تاريخ بغداد 11: 148، ولسان الميزان 4: 408، وتجد بعض أخباره في كتابي الجاحظ: الحيوان والبيان والتبيين.
في فضل أمير المؤمنين(عليه السلام) ) بدىء بالبسملة(8)وجاء في آخره:(هذا آخر كتاب ابن دأب والحمد لله والمنة وصلى الله على محمد وآله).
8-( آفة العلامات في السنة) جاء في آخره: (قوبل ونسخ من خطّ الحسن بن شاذان(رحمة الله علیه))(9)
9 - (كتاب محنة أمير المؤمنين(عليه السلام)) بدىء بالبسملة(1)وهو يشمل أحاديث متفرقة، وطائفة من المناظرات، وقصيدة الفرزدق في مدح الإمام زين العابدين (عليه السلام)وسببها، وقد ورد في نهاية بعض الأحاديث جملة (تمّ الخبر )(2)وجملة ( تم الخبر وكمل)(3)، وأنهاه جامعه بقوله:
(والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله أجمعين).
10- مجموعة أحاديث وأخبار منثورة في الحكم والآداب والمواعظ والأحكام والخطب، وفيها المرسل والمسند ، ولم تبدأ بالبسملة، ولم تختم بما يشعر بنهايتها، وإنّما أفردناها لوقوعها بين نهاية الوحدة التاسعة والحادية عشر المبدوءة بالبسملة.
11 - (بعض وصايا لقمان الحكيم لابنه(عليه السلام)) بدأت بالبسملة (4)وهي مرسلة عن الأوزاعي، ويليها أحاديث في سلمان، وخطبة للنبي و في نوادر أخرى(5).
12 - (كتاب صفة الجنّة والنار) بدىء بالبسملة(6)، وأنهي ما ورد في الجنة بقوله: نسأل الله الجنة برحمته أنه على كل شيء قدير )(7)ثم باب في صفة النار(8)وفي تمام الباب (فنعوذ بالله العظيم الغفور الرحمن الرحيم من النار وما فيها، ومن كل عمل يقرّب من النار، إنّه غفور رحیم جواد کریم)(9)
ثمّ بياض بعده متن حديث عمّن أعتق عبده عشيّة عرفة، وأحاديث أخرى انهيت بقول الشاعر:
أمحض مودّتك الكريم فإنّما*** يرعى ذوي الإحسان كلّ كريم
و آخ أشراف الرجال مروءة ***والموت خير من أخ [كذا ] لئيم
ولعلّ الصواب (والموت خير من إخاء لئيم )وبهذا ينتهي الكتاب.
وقد أفادنا النظر فى متونه أنّه مجموعة مستخرجة من كتب الأكابر، جمعها المؤلّف في سفر واحد، ويقوي الظن بأنّه من تأليف الشيخ المفيد (رحمة الله علیه) ما ورد في أوله: (قال محمّد بنات محمد بن النعمان... الخ)، كما هي عادة القدامى إذ يذكرون أسماءهم في أوائل تأليفهم واحتمال أن يكون ذلك من غيره يبعدّه و روده مجردّاً عن أي صفة تشعر بالتعظيم، ونحن بين يدينا بعض رسائل الشيخ المفيد(رحمة الله علیه)، والّتي ذكر اسمه في أوّلها، ولكن مع صفة دلت على أن وضع الاسم كان من غيره، كما في أوّل رسالة التفضيل ورسالة تحقيق خبر إنا معاشر الأنبياء، حيث ورد في أوّلهما قال الشيخ المفيد، ومعلوم أنّ ذلك من رواة كتابيه أو الناسخين.
أمّا قوله : قال محمّد بن محمّد بن النعمان مجرّداً، فهو يدلّ على أنّه قائل ذلك، ويؤيّده وقوعه في أوّل الكتاب ولم يتكرر ثانية لا باسمه ولا باسم غيره من رواة الأحاديث المبدوءة بهم الأسانيد.
فخلوّ جميع الأحاديث بعد ذلك في الكتاب عن لفظ (قال) مع تعدد وحدات الكتاب وأحاديثه، يدلّ على أن جامع الكتاب ومؤلّفه هو الشيخ المفيد(رحمة الله علیه).
أمّا النظر فى أسانيده لاستشفاف ذاتية المؤلّف من زاوية أوائل الأسانيد على أنّهم شيوخ المؤلّف، فهو غير مجد بنتيجة مثمرة، ولا يمكن الاعتماد عليه نظراً إلى أنّ تلك الزاوية منفرجة وأضلاعها متفاوتة لا يمكن جعلها من الركائز فى أدلة الاثبات.
إذ أنّ الشيوخ المبدوءة بهم الأسانيد يختلفون في طبقاتهم، فمنهم من شيوخ المفيد(رحمة الله علیه)كأبي غالب الزراري وابن قولويه والصدوق وأضرابهم، ومنهم من طبقة شيوخ هؤلاء المشايخ كمحمّد بن موسى بن المتوكل، ومحمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، وأحمد بن هارون الفامي وأمثالهم، ومنهم من هو أعلى طبقة وأبعد زمناً.
وهذا في نظري أمر طبيعي بالنسبة لكتابنا بعد أن عرفنا أنه مستخرج من كتب الأكابر ، وأولئكم الأكابر لابد من تفاوت شيوخهم لتفاوت طبقاتهم، ومؤلّف كتابنا(رحمة الله علیه)إنما استخرج من كتبهم أحاديث كما هي سنداً ومتنا، ولا يلزمه أن يكون
كل رجال أوائل الإسناد من شيوخه، بل يمكن أن يكون فيهم من شيوخه ومن غيرهم ممن هو أعلى وأقدم بطبقة أو أكثر، بحسب طبقات أصحاب الكتب الأصلية. نعم أفادنا النظر في هذه الزاوية تحديد عصر المؤلّف، وأنه لابد أن يكون من طبقة الشيخ المفيد(رحمة الله علیه)أو من هو دونه ،طبقة، ولا يعقل أن يكون الكتاب لمن تقدم عليه زمناً كطبقة شيوخه وشيوخهم للأحاديث المروية عن شيوخ المفيد، فلابد أن يكون الراوي عنهم أما هو - كما أراه -أو آخر من طبقته فمن دونهم، ونظراً للقرائن الآنفة الذكر فقد دلّت على أنّ المفيد(رحمة الله علیه) هو مؤلّف الكتاب، ولم تقم قرينة على صرفه عنه.
كما أفادنا النظر أيضاً أن تلك الأحاديث المروية عن شيوخ المفيد، والّتي نجدها مبثوثة في ثنايا الكتاب هي ممّا رواها الشيخ(رحمة الله علیه)، وأثبتها بروايته في مجموعته التي استخرجها من كتب الأكابر، ولا ينافي ذلك أن الكتاب مستخرج من كتب أخرى، لأنّ الاستخراج هو الغالب عليها.
وبهذا ينتهي ما استفدناه من استجواب الكتاب عن مؤلّفه، وقد كان الظن أن يلحق بالعلم في المقام.
الطريق الرابع: المقارنة البيانية بين هذا الكتاب وبين بعض كتب المفيد الأخرى التي تشترك موضوعاً مع كتابنا هذا.
ولا شكّ أنّ أسلوب كتابنا ونهج مؤلّفه فيه يختلف عن باقي كتب الشيخ المفيد(رحمة الله علیه)كنتيجة طبيعية لمجموعة مستخرجة من كتب الآخرين، ليس يحق لمؤلّفها أن يتصرّف في ترتيب متونها، ولا ايصال روايته برجال أسانيدها، بل عليه أن يثبت ما استخرجه كما هو سنداً ومتناً وترتيباً، لوحظت في الترتيب المناسبة أم لا.
بخلاف كتب الشيخ المفيد(رحمة الله علیه)الأخرى، والتي تلتقي موضوعاً مع كتابنا هذا مثل كتاب الأمالي وكتاب الإرشاد، فإنّ له الحق وحده فيهما في تنسيقهما و تنميقهما، وله الحق وحده كيف شاء تصنيفهما وترصيفهما ، فهما من ابداع فكره وهو الذي رسم نهجهما التأليفي.
وهذا وحده كاف في الفرق بين كتابنا هذا وبين كتب المفيد الأخرى، كما أنّه سیحول دون متابعة الإستمرار في المقارنة في نواح اخرى. على أنا وجدنا بعد الفحص أحاديث وردت في كتابنا هذا روى نحوها الشيخ المفيد(رحمة الله علیه) في كتابيه الأمالي والإرشاد، ولا نقول أنها هي هي للتفاوت اليسير في السند أو المتن أو فيهما معاً، من الخير أن ندل القارئ على بعضها، تاركين له متابعة نهج المقارنة وهي:
1 - في ص 7 من الكتاب حديث صفوان عن الصادق في حب الأربعة روى نحوه المفيد في الأمالي ص 73.
2 - في ص 63 من الكتاب حديث في عيسى بن عبدالله القمي روى نحوه المفيد في الأمالي ص 83.
3 - في ص 104 من الكتاب حديث قضاء الإمام(عليه السلام)في الأرغفة روى نحوه المفيد في الإرشاد ص 117.
4 - في ص 223 من الكتاب حديث أبي حمزة الثمالي عن الباقر(عليه السلام)روى نحوه المفيد في الأمالي ص 41.
5 - في ص 264 من الكتاب حديث محمّد بن عيسى بن عبيد عن السبيكة روی نحوه المفيد في الإرشاد ص 309.
6 - في ص 273 من الكتاب حديث أحمد وعبدالله ابني محمّد بن عيسى بسر من رأى، روى نحوه المفيد في الإرشاد ص 173.
7 - في ص 314 من الكتاب حديث محمّد بن حسّان الرازي عن السجين روى نحوه المفيد في الإرشاد ص 1320(1).
هذه سبعة مواطن يمكن للقارئ والباحث متابعة المقارنة بينها في كل من كتابنا هذا وكتابي الأمالي والإرشاد ليقف على مدى التفاوت الذي أشرنا إليه آنفاً
1) ليعلم أنّا راجعنا في مقارنة الأحاديث المذكورة في الكتابين الأمالي والإرشاد، طبعة المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف.
إمّا في السند أو في المتن أو فيهما معاً.
على أن التفاوت لا يدلّ على تغاير المؤلّف، إذ أنّ هذه الأحاديث السبعة هي ضمن الوحدات المستخرجة من كتب الأكابر، ولابد من اثباتها كما هي في تلك الكتب.
وبالتالي وأخيراً لقد توصلنا في النهاية إلى أنّ هذا الكتاب هو: للشيخ المفيد(رحمة الله علیه) بنتائج الطرق السابقة وتتلخص في:
1 - معرفة الكتاب معرفة تكاد أن تكون تفصيلية.
2 - وجود اسم الشيخ المفيد(رحمة الله علیه) في أوّله بعد الخطبة مجرّداً عن أي لقب كعادة قدامى المؤلّفين ممّا دل على أنّه مثبت ذلك في صدر كتابه.
3 - نسبة الكتاب إلى الشيخ المفيد في عنوان النسخة الثانية وفي ختامها بخطّ يشبه أن يكون هو خطّ الشيخ الحر العاملي المحدّث الخبير .
4 - امضاء عشرة من الأعلام لما في عنوان الكتاب في تلك النسخة المذكورة. كلّ ذلك وغيره كان سبباً لحصول القناعة بصحة نسبة الكتاب إلى الشيخ المفيد(رحمة الله علیه).
وبعد هذا كله نعود إلى ردّ تلك النقاط التي كانت مبعث الشك في النسبة، وهي:
1 - خلو فهارس القدامى عن ذكر هذا الكتاب بين مؤلّفات الشيخ المفيد(رحمة الله علیه)،وهذا ليس بشيء بعد أن نعرف أنهم لم يذكروا كلّ ما للشيخ من مؤلّفات وتصانيف، بل فاتهم ذكر كثير من كتبه ورسائله وقد صرّح ببعضها في بعض تأليفه.
وقد أحصى المرحوم الشيخ فضل الله الزنجاني في مقدمة أوائل المقالات أربعة عشر كتاباً ورسالة فات الشيخان النجاشي والطوسي وحتى ابن شهر آشوب أن يذكروها في فهارسهم، وذكر منها:
المسائل السروية والمسائل العكبرية، وشرح عقائد الإمامية للصدوق، ومسألة مفردة في معنى الإسلام، وكتاب عقود الدين، وقد ذكر الأخيرين المؤلّف نفسه في شرح العقائد المذكورة، وكتاب الوعد والوعيد ذكره المؤلّف في آخر المسائل السروية، وكتابنا الإختصاص إلى غير ذلك، فمن أراد التفصيل
والإستزادة فليرجع إلى المقدمة المذكورة.
2 - حكاية بعض الأعلام نسبة الكتاب إلى غير الشيخ المفيد(رحمة الله علیه) ، وهذه الحكاية ذكرها السيّد اعجاز حسين في كتابه الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار(1)قال : الإختصاص للشيخ المفيد محمّد بن محمد بن النعمان.... وقيل: إنّ المؤلّف إنّما هو جعفر بن الحسين المؤمن الّذي تكرّر في أوائل أسانيد هذا الكتاب، لكن الظاهر من سياق الكتاب أنّ مصنّفه هو الشيخ المفيد، وجعفر بن الحسين
راويه... الخ.
وحكاية السيّد هذا ونسبته إلى القيل مشعر بتمريض ذلك، على أنه ليس معقولاً في نفسه، إذ أنّ تكرر اسم شخص في أوائل الأسانيد لا يستلزم نسبة الكتاب إليه، وإلّا فهناك أشخاص آخرين غير جعفر بن الحسين المؤمن تكرر ذكرهم في أوائل الأسانيد، كالشيخ الصدوق، وأحمد بن هارون الفامي، ومحمّد ابن الحسن بن أحمد بن الوليد وغيرهم، فلماذا لم ينسب إليهم الكتاب؟
ثم انّ جعفر بن الحسين المؤمن ترجمه النجاشى فى رجاله (2)، وذكر أنّه مات بالكوفة سنة ( 340ه-) - أي بعد ولادة الشيخ المفيد بسنتين أو أربع سنين(3)- فكيف يعقل استظهار السيّد أنّ الشيخ المفيد هو مصنّف الكتاب، وجعفر بن الحسين راويه .
نعم يمكن أن تكون روايات جعفر بن الحسين في الكتاب استلها الشيخ المفيد من أحد كتابي جعفر - المزار أو النوادر - وقد ذكرهما النجاشي.
أمّا النقاط الثلاثة الباقية فقد ظهر جوابها مما سبق.
مضافاً إلى ذلك كلّه تصريح المحدّثين الجليلين الشيخ الحر العاملي
(ت 1104 ه-) فقد ذكر في خاتمة كتابه الوسائل(1)من الكتب التي اعتمد عليها في تأليف موسوعته الحديثية الخالدة (وسائل الشيعة) كتب الشيخ المفيد فقال:
كتاب الإرشاد للمفيد، كتاب المجالس له كتاب المقنعة له،كتاب مسار الشيعة له، كتاب الإختصاص له.
والشيخ المجلسي (ت 1110 ه-) فقد ذكر في مصادر دائرة معارفه الإسلامية الكبرى بحار الأنوار(2)فقال :
وكتاب الإرشاد وكتاب المجالس وكتاب النصوص وكتاب الإختصاص والرسالة الكافية... كلّها للشيخ الجليل المفيد محمّد بن محمد بن النعمان وقال(3):
وأما كتاب الإختصاص فهو كتاب لطيف مشتمل على أحوال أصحاب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)والأئمة(عليهم السلام)، وفيه أخبار غريبة، ونقلته من نسخة عتيقة، وكان مكتوباً على عنوانه كتاب مستخرج من كتاب الإختصاص تصنيف أبي علي أحمد بن الحسين بن أحمد أحمد بن عمران ، لكن بعد الخطبة هكذا: قال محمّد بن محمّد بن النعمان: حدثني أبو غالب الزراري وجعفر بن محمد بن قولويه - إلى آخر السند - وكذا إلى آخر الكتاب يبتدئ من مشايخ الشيخ المفيد(4)فالظاهر أنه من مؤلّفات الشيخ المفيد(رحمة الله علیه).
وقد تبعهما غير واحد من الأعلام الباحثين كالسيد الأمين في الأعيان، حيث ترجم الشيخ أبا عليّ صاحب الاختصاص(5)وقال:
وقد استخرج منه الشيخ المفيد كتابه المعروف بالإختصاص، وأدرجه في
1) الوسائل 44:20
2) بحار الأنوار 1: 5
3) المصدر السابق: 11
4) لعلّ الوجه فيما ذكره هو ما رآه من الأحاديث المبثوثة في ثنايا الكتاب، والتي تبدأ بشيخ من مشايخ المفيد(رحمة الله علیه)، ولم يلتفت إلى جمهرة أحاديث الكتاب التي تبدأ بشيوخ أعلى من طبقة الشيخ المفيد، وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك في الطريق الثالث فراجع، ستجد أنه ليس كلّ الأحاديث مبدوءة بشيخ من مشايخ المفيد، بل كثير منها مبدوءة بشيخ أعلى طبقة وأبعد زمناً.
5) أعيان الشيعة 8:40
كتابه العيون والمحاسن الخ.
وكالشيخ الرازي في الذريعة(1)ذكر كتابنا هذا وقال للشيخ... المفيد استخرجه من الإختصاص المذكور - ويعني اختصاص أبي على - وأدرجه في كتابه الموسوم بالعيون والمحاسن؟ وقال(2)بعد وصف بعض نسخه وذكر مقدمته: والظاهر منه أنّه عين خطبة العيون والمحاسن للمفيد، وقد بدأ فيه بما استخرجه من كتاب الإختصاص لأبي عليّ المذكور فسمّي المجموع به، وإلا فهو عين كتابه العيون والمحاسن الذي ذكر اسمه وفهرس مطالبه في خطبة الكتاب.
وقال أيضاً(3): فهذا الكتاب الموجود هو عين العيون والمحاسن المصرّح به في النجاشي وغيره، واشتهر بالإختصاص باعتبار أوّل أجزائه. وكالشيخ السماوي فقد كتب بخطه على نسخته إن العيون والمحاسن للمفيد المسمّى بالإختصاص.
وهؤلاء الأعلام الثلاثة أصحاب أعيان الشيعة والذريعة والطليعة كلّهم توهموا أمراً من البعد في الغاية، وذلك تخيل أن كتاب الإختصاص هو نفس كتاب العيون والمحاسن.
ومبعث الوهم فيما أظن هو ما قرأوه في خطبة الكتاب من قوله: (وأقحمته... وعيوناً من الأخبار ومحاسن من الآثار) فظنوا أنّ هذا الكتاب هو العيون والمحاسن المذكور في قائمة كتب المفيد في رجال النجاشي وغيره وفاتهم التنبه إلى أنّ كتاب العيون والمحاسن انتخب منه الشيخ المفيد نفسه كتابه (الفصول المنتخبة) وقد ذكره النجاشي، واختار منه ومن كتاب المجالس للمفيد أيضاً الشريف المرتضى كتابه
(الفصول المختارة) ونسخته الخطية شائعة، ونسخته المطبوعة منتشرة أيضاً، وبمقارنة بسيطة بين كتابنا هذا وكتاب (الفصول المختارة) تظهر جلية الحال وأنّه لا نسبة بين الكتابين بل بينهما بون شاسع في النهج
والأسلوب، لكلّ كتاب ميزته الخاصة في أسلوبه البياني ونهجه في التأليف والتصنيف.
وقد أخرج ابن إدريس في مستطرفات السرائر(1)عدة أحاديث انتخبها من العيون والمحاسن، وهي موجودة بعينها أيضاً في آخر الفصول المختارة، وليس في كتابنا هذا منها إلا الحديث الأوّل وهو وصية الصادق(رحمة الله علیه)لخيثمة، وبالمقارنة بينهما نجد التفاوت واضحاً.
ولو كان ما ظنوه حقاً لرأينا شيئاً من كتابنا في (الفصول المختارة) وهي فرعه ومختارة منه كما يقولون، لكن خلو الفصول المختارة عن أي حديث من أحاديث كتابنا، وتفاوت أسلوبي الكتابين وتغاير مضامينهما يشهد بتعدد الإختصاص والعيون والمحاسن.
هذا ما تيسر لي تحقيقه حول اسم الكتاب وثبوت نسبته إلى مؤلفه الشيخ المفيد(رحمة الله علیه) ، وعسى أن يكشف لنا الزمن أكثر من ذلك بفضل جهود إخواني الباحثين، وكم أكون مسروراً لمن يتفضّل بزيادة إيضاح في التحقيق.
مؤلّف الكتاب : الشيخ المفيد(2):
هو محمد بن محمّد بن النعمان بن عبد السلام بن جابر بن النعمان بن سعيد بن جبير، وينتهي نسبه إلى الحارث(3)بن مالك بن ربيعة حيث يرتفع نسبه إلى يعرب بن قحطان.
يكنى بأبي عبدالله ويعرف بابن المعلّم - نسبة إلى والده حيث كان معلّماً بواسط - ويلقب بالمفيد، وأختلف فى أوّل من لقبه بذلك، قال الحافظ السروي: ولقبه بالشيخ المفيد صاحب الزمان صلوات الله عليه، وقد ذكرت سبب ذلك في
مناقب آل أبي طالب.
وورد فى مستطرفات السرائر لابن إدريس العجلي ومجموعة الشيخ ورّام الحلي، وسفينة البحار إنّ الشيخ علي بن عيسى الرماني (ت 384ه-) هو الذي لقبه بذلك.
وورد في منتهى المقال ومجالس المؤمنين نقلاً عن مصابيح القلوب: إن الّذي لقبه بذلك هو القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت 415 ه-) بعد محاورة كلامية جرت بينهما دون أن يعرفه القاضي، ولما استعلمه عن نفسه فأخبره، قام وأجلسه في مجلسه على مسنده وقال له: أنت المفيد حقّاً.
ولد شيخنا في اليوم الحادي عشر من ذي القعدة سنة 336 أو سنة 338 ه- في سويقة ابن البصري بعكبرا - بالمدّ وتقصر - على عشرة فراسخ من بغداد من ناحية الدجيل - حيث كان أبوه قد استوطنها بعد انتقاله من واسط.
وذكر ابن حجر في لسان الميزان أنّ مولده ،بواسط، وهو منفرد بذلك فيما أعلم .
(إنتهت إليه رياسة الإمامية في وقته، وكان مقدّماً في العلم وصناعة الكلام وكان فقيهاً متقدماً فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب) (1)(جليل القدر )(2)(فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم)(3)
(ما كان ينام من الليل إلا هجعة، ثمّ يقوم يصلّي أو يطالع أو يدرس أو يتلو القرآن)(4).
قال ابن النديم في عصرنا إنتهت رياسة متكلّمي الشيعة إليه، مقدّم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر، شاهدته فرأيته
بارعاً)(1)، وقال: (فى زماننا إليه إنتهت رياسة أصحابه من الشيعة الإمامية في الفقه والآثار )(2).
وفي عصره إنتهت رئاسة الملوك وأرباب المذاهب إلى عشرة رجال، برع كلّ منهم فى فنّه.
فكان كلّ واحد رأس طائفته، فكان الشيخ المفيد رأس الطائفة الشيعية.
ورأس الملوك السلطان محمود بن سبكتكين.
ورأس المعتزلة القاضي عبد الجبار المعتزلي.
ورأس الأشاعرة أبو إسحاق الاسفرايني.
ورأس الكرامية محمد بن الهيصم الكرامي.
ورأس الصوفية أبو عبدالرحمن السلمي.
ورأس الشعراء أبو عمر ابن درّاج القسطلي.
ورأس المحدثين الحافظ عبد الغني.
ورأس الكتاب المجودين الكاتب ابن هلال المعروف بابن البواب.
ورأس القرّاء أبو الحسن الحمامي(3).
وقال الذهبي: (كان ذا عظمة وجلالة في الدولة البويهية(4)، وله صولة عظيمة بسبب عضد الدولة)(5)ووصفه اليافعي بأنّه ( عالم الشيعة وإمام الرافضة، صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلّم أيضاً، البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة العظيمة في الدولة البويهية ...)(6).
كما وصفه ابن كثير بقوله: شيخ الإمامية الروافض، والمصنّف لهم والمحامي عن حوزتهم، كانت له وجاهة عند ملوك ،الأطراف لميل كثير من أهل ذلك الزمان إلى التشيّع، وكان مجلسه يحضره خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف، وكان من جملة تلاميذه الشريف المرتضى، وقد رثاه بقصيدة بعد وفاته(1). ويصفه أبو حيان التوحيدي وهو يستعرض جماعة من الأعلام بقوله: (وأمّا ابن المعلّم فحسن اللسان والجدل، صبور على الخصم، كثير، ظنين السرّ، جميل العلانية) (2).
وذكره ابن حجر بقوله : ( عالم الرافضة، صاحب التصانيف... له صولة عظيمة بسبب عضد الدولة، كان كثير التقشف، والخشوع والإكباب على العلم تخرج به جماعة، وبرع في المقالة الإمامية حتى يقال له على كل إمامي منه....
ويقال: إنّ عضد الدولة كان يزوره في داره، ويعوده إذا مرض)(3).
وقال ابن الجوزي عنه: (شيخ الإمامية وعالمها صنّف على مذهبهم، من أصحابه المرتضى...
وكان لابن المعلّم مجلس نظر بداره - بدرب رباح - يحضره كافة العلماء، وكانت له منزلة عند أمراء الأطراف بميلهم إلى مذهبه)(4).
ذكر المؤرّخون: (له قريب من مائتي مصنّف كبار وصغار، وفهرست کتبه معروف)(5).
وقد استوفى السيد الوالد دام ظلّه فى مقدّمة التهذيب ذكر 194 كتاباً ورسالة ولم يذكر كتابنا هذا (الإختصاص) منها تبعاً لفهرستي الشيخ والنجاشي ومعالم العلماء وغيرها (6).
كما استوفى ذكر ستين شخصاً من شيوخه الذين أخذ من شيوخه الذين أخذ عنهم العلم والحديث من أهل الفضل وأفذاذ العلماء ممّن كانت تشدّ إليهم الرحال للتحمّل والرواية من مختلف الحواضر العلمية(1).
وذكر من أعيان تلاميذه ستة عشر شخصاً أضراب الشريفين الرضي والمرتضى والشيخين النجاشي والطوسى، وأنهاهم بالسلطان عضد الدولة البويهي حيث أخذ عنه الفقه على مذهب الإمامية(2).
توفّى(رحمة الله علیه) ليلة الجمعة لثلاث خلون من شهر رمضان المبارك سنة (413 ه-)، وعمره الشريف 75 سنة، أو 77 سنة، وكان يوم وفاته مشهوداً لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والموافق).
وقد ذكر المؤرخون أنّ جنازته وضعت بميدان الأشنان للصلاة عليها، وقد شيّعه ثمانون ألفاً من الشيعة وغيرهم، وتقدّم الشريف المرتضى فصلّى عليه والناس خلفه وضاق الميدان على سعته بالناس، ثمّ حمل جثمانه الطاهر إلى داره فدفن بها، وبقي بها سنين، ثمّ نقل إلى مقابر قريش فدفن إلى جانب قبر شيخه أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه(رضی الله عنه) عند رجلي الإمامين الكاظمين(عليهم السلام)، وقبره اليوم معروف في الرواق الكاظمي من جهة الشرق.
وقد رثاه الشعراء الفحول أمثال الشريف المرتضى، ومهيار الديلمي وعبد المحسن الصوري بقصائد تعد من غرر الشعر وعيونه، ذكرت في دواوينهم فلتراجع.
ونكتفى بهذه السطور عن الإفاضة والإطناب فى الحديث عن شيخنا أبي عبدالله المفيد(رحمة الله علیه) ومن حمة شاء الإستزادة فليرجع إلى مقدّمة التهذيب حيث يجد ترجمة الشيخ(رحمة الله علیه) ترجمة مفصلة.
(وَآخِرُ دَعْوَانا أن الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ)
محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
النجف الأشرف
بأُصُولِ الأنسات
للشيخ أبي جعفر احمد بن عبد الولي البتي البلنسي الأندلسي
( المتوفى 488 ه- )
رواية عبد الملك بن زكريا بن حسان اطقري
تحقيق
السيد محمّد مهدي الموسوي الخرسان
تقديم
السيد هادون أحمد العطاس
بیروت لبنان
تقديم
بقلم: السيّد هادون أحمد العطاس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يعتبر إحياء تراثنا الإسلامي العربي من أجل الخدمات التي يقوم بها النخبة الواعية من علمائنا.
ومن حسن الصدف أنّي حينما كنت أُراجع فهارس مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت في المدينة المنورة، عثرت على كتاب(تذكرة الألباب بأصول الأنساب) تأليف أبي جعفر أحمد بن عبدالعزيز بن عبدالولي البتي المتوفى عام 488 ه- رواية عبد الملك بن زكريا بن حسان المقري.
وبعد أن قرأت المخطوطة أدركت أهميتها وكلّفت ابني محمّد بنسخها، ثمّ قمت بالاشتراك معه بمراجعتها ثانياً على الأصل بدقة، وكان ذلك بتاريخ 10 شوال سنة 1382ه- .
ويمكن القول إنّ هذه المخطوطة من نوادر المخطوطات بالنسبة لمكتبات الجزيزة العربية وبعض الأقطار العربية التي اطلعت على فهارسها المطبوعة.
ولعله من المناسب أن أشير إلى أن القرن الخامس الهجرى الذى عاش فيه المؤلّف - فبالرغم من انحسار حدة النفوذ العربي في الأندلس، وتزايد الخطر الأسباني وكثرة نشوب الفتن والإضطرابات بين أمراء الطوائف - فقد كان هذا القرن بالذات من أخصب القرون في تاريخ الأندلس، وخاصة في علمي الأنساب وتقويم البلدان، ولا تخفى الصلة بين هذين العلمين فقل ما يذكر شخص ما إلاّ ويتبادر إلى الفكر في أي قطر كان؟ ثم في أي بلد عاش؟
فقد عاصر المؤلّف فى هذا القرن العلّامة النسابة ابن حزم المتوفى عام 456 ه- مؤلّف كتاب «جمهرة أنساب العرب».
والعلّامة ابن عبدالبر النميري المتوفى عام 463 ه- مؤلّف رسالتي «القصد والأمم في التعريف بأحوال العرب والعجم» و «الإنباه على قبائل الرواه». وكذا العلّامة أبا عبيد عبدالله بن عبدالعزيز البكري المتوفى عام 487 ه- مؤلّف كتاب« معجم ما استعجم»، وغيرهم.
ولنعد إلى كتاب ( تذكرة الألباب بأصول الأنساب) فقد فكرت في إهدائه إلى أحد العلماء المتخصصين في هذا العلم ليقوم بتحقيقه وتقديمه إلى الباحثين.
وفي تلك الفترة أسعدني الحظ بزيارة الباحث المحقق العلامة السيد محمّد مهدي بن السيد حسن الخرسان الموسوي ثمّ النجفي، إبان تأديته فريضة الحج عام 1388. ومرة أخرى كرمني بزيارته في حجّ عام 89 والعلامة الخرسان معروف في الأوساط العلمية ليس في العراق فحسب، بل ولدى جميع قراء المكتبة العربية في العالم أجمع. فقد قام بتحقيق أحد عشر كتاباً، كما قدم لواحد وعشرين كتاباً - كلّها مطبوعة - وقلما تخلو مكتبة شهيرة منها، سوى مؤلّفاته الشخصية.
وقد انتهزت الفرصة فأهديت لفضيلته مخطوطتى الخاصة، ورجوت منه القيام بتحقيقها ونشرها فتفضل بقبولها، ووعدني بتحقيقها في أوّل فرصة ممكنة - ووعد الحر دين عليه -.
ثمّ شرفني مرة ثالثة بزيارته لي في موسم الحجّ عام 94، ولم نكد نتبادل التحية حتى قدم لي مفاجأة سارة بتقديم مسودة تحقيق كتاب «تذكرة الألباب بأصول الأنساب».
وقد تفضل، بما جبل عليه من تواضع علمي، وطلب إلىّ قراءة المسودة وإبداء الرأي فيها.
ومن خلال اللمحات السريعة التي ألقيتها على التحقيق أدركت المجهود العلمى الكبير الذي قدمه فضيلة المحقق برجوعه الى العديد من المصادر المطبوعة منها، والّتى لا يزال قسم منها مخطوطاً، بل وقد أبدى بعض الملاحظات على ما تفرد به المؤلّف أو خالف غيره من المسلمين.
وكنت أود لو تمكن فضيلة المحقق من العثور على نسخة خطية أُخرى أو أكثر لمقابلتها بالنسخة الّتي لديه، ولكنه حيث تعذر عليه ذلك عوض عنه بتقويم النص على المصادر النسبية الأخرى.
وختاماً أكرر ثانية شكري وتقديري لفضيلة المحقق العلامة الخرسان، والله أسأل أن يجزيه خير جزاء العاملين، وأن يعم النفع بهذه الرسالة، إنّه
سميع مجیب.
هادون أحمد العطاس
مكة المكرمة في: 1994/12/14
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
و به نستعين
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين، وصحبه الطيبين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد لقد تشرّفت في عام (1388 ه-) بأداء فريضة الحج، وقد لمست من آثار الحج ومنافعه المحسوسة - وما أكثرها - التعرّف على نخبة صالحة من علماء وأساتذة من مختلف الأقطار الإسلامية.
وكان ممّن سعدت بالتعرّف عليه الأستاذ الفاضل السيد هادون أحمد العطّاس من علية أدباء الشرفاء الحضارمة الذين يسكنون في مكة المكرمة، وهو ممّن لمع اسمه على صفحات مجلة العرب وغيرها بملاحظاته الدقيقة وأبحاثه القيمة.
فزارني وكرّمني وتفضل مشكوراً بتعريفي إلى جمع من شيوخ وعلماء وأدباء السادة الحضارمة حفظهم الله.
وقويت أواصر المحبة بيننا حتى بعد عودتي إلى بلدي النجف الأشرف، إذ كانت الرسائل الأخوية، والكتب العلمية خير دليل على ذلك.
وعندما تشرّفت بحجّ البيت الحرام مرّة ثانية فى سنة (1389ه-)، كان الأستاذ العطاس في طليعة من استقبلني بالتكريم بما ينبئ عن خلقه الرفيع، وفي يوم من أيام زياراتي له في بيته العامر وفي مكتبته أطلعني على بحوث له قيد الدرس، و تفضل فأهدى إليَّ كتاباً مخطوطاً في الأنساب وقال:
أنّه أمر ولده السيّد محمّد - أكبر أنجاله حفظهم الله - فكتب له نسخته عن نسخة في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت في المدينة المنورة، وعارضه بنفسه ثانياً مع ولده على نسخة الأصل، اطمئناناً على صحّة النسخة، وطلب منّى تحقيقها.
ولم أشأ أن أخلف ظن صاحبي أبي محمّد بصدق المودّة، فقبلت الهدية
ووعدته بالتحقيق إن ساعد التوفيق، وعدت إلى المنزل الذى كنت فيه وتصفحت الكتاب فإذا هو: (تذكرة الألباب بأصول الأنساب تأليف أبي جعفر جعفر أحمد البني الأندلسي، فكان ذلك - بالنسبة لي - شيئاً جديداً، إذ لم أكن قد رأيته أو سمعت به، أو قرأت عنه، قبل ذلك اليوم.
والكتاب من نمط أمثال له جلها لأندلسيين ومعاصرين للمؤلّف.
واحتفظت بالكتاب إلى حين رجوعي إلى النجف الأشرف، ولما رجعت بدأت أقرأ الكتاب قراءة فاحصة، فألفيته كسائر كتب النسب لا يخلو من الفائدة كما أنه لا يسلم من الملاحظة.
ونظراً لرغبتي في تحقيق أمنية صديقي الفاضل فقد صممت على تحقيق الكتاب، وبدأت أنسخ لنفسي عن نسخة الأستاذ العطاس، بالشكل الذي يصلح للتحقيق ويكون مهياً للطبع ، وفي نفس الوقت شرعت في فحص فهارس المكتبات سواء منها ما كان في البلاد الإسلامية أو في غيرها. فلم أقف في تلك الفهارس التي تم لي الإطلاع عليها، إلّا على وجود نسختين في دار الكتب المصرية - ستأتي الإشارة إليهما - ولم يتسن لي الإطلاع عليهما رغم محاولاتي، فكاد يأسي من الحصول على صورة منهما يعوقني عن المضي في تحقيق الكتاب، إلّا أنّ الشعور بتحقيق رغبة الأخ العطّاس كان يدفعني على التصميم فى انجاز العمل بأقرب وقت، فإنّ للتأخير آفات فرأيت الإستعانة في تقويم النص ببقية المصادر النسبية والتاريخية، على ما في ذلك من عناء مضاعف، وفضلت ذلك، وهكذا صممت، وكذلك عملت فتم الإستنساخ وبدأ التحقيق، فكان عملي يتلخص في:
1 - تقويم النص، ومطابقته مع نصوص بقيّة المصادر النسبية أو غيرها.
2 - تعريف الأعلام الذين ذكرهم المؤلّف ممّن نَبه ذكرهم في الهامش.
3 - التنبيه - في الهوامش - على بعض من فات المؤلّف ذكرهم ممّن نبهوا، وكان ذكرهم من شرط المؤلّف في الكتاب، ولعلّ عدم ذكره لهم ، لأنّه لم يطلع على
أسمائهم لأنهم من المشرق، والمؤلّف يعيش فى المغرب، ولم يذكر أنه دخل إلى المشرق.
4 - التنبيه - في الهامش - على بعض ما فات المؤلّف، أو خالف فيه جمهرة النسابين من عدم وصل بعض البطون بقبائلهم والشعوب بعمائرهم، وأنا كما لا ندعي له تمام الإحاطة في كتابه هذا لا ندعي لأنفسنا تمام الاستدراك عليه، فانّ في الالتزام بتوفية جميع ذلك ما يرهق القارئ بكثرة الهوامش .
5 - التعريف بالمؤلّف بالقدر الذي تسمح به طبيعة التقديم.
وقد تم جميع ذلك والحمد الله، إلّا التعريف بالمؤلّف، الّذي ادّخرته لسيادة الأستاذ العطّاس سلّمه الله وبقيت أنتظر وسيلة ايصال الكتاب محققاً إليه، ليتولى هو تقديمه إلى القرّاء بتعريف المؤلّف.
وشاء الله سبحانه - والحمد له على مشيئته - أن وفقني في عام ( 1394ه-) لحج بيته الحرام، فحملت الكتاب معي ، وقدّمته - هدية - لفضيلة الأستاذ هادون في أوّل لقائى معه فكانت له مفاجأة سارة، وفرحته به عظيمة، فطلبت منه مراجعة الكتاب محققاً وابداء رأيه، كما أخبرته عن تأخيري تعريف المؤلّف تاركاً ذلك لسيادته.
وبعد اطلاعه عليه شكرني - متفضلاً - على عملي، وتفضّل بعد ذلك فأعاد الكتاب مصحوباً بكلمة، آثرنا وضعها في مقدّمة الكتاب، ايذاناً بفضله، لأنه أوّل من حفّزنا على تحقيقه، واعلاناً بنبله، لسخائه بنشره تعميماً لفائدته.
أمّا تعريف المؤلّف فقد أوكله إلينا، ونحن إذ نشكر سيادته على حسن ظنه أوّلاً، نشكره على ثقته ثانياً، ونسأل الله سبحانه أن يجعلنا عند حسن ظنه، ويتقبل منا أعمالنا، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع بها، إنه سميع مجيب.
المؤلّف: أبو جعفر أحمد بن عبدالولي بن أحمد بن عبدالولي البتي البلنسي الأندلسي .
وبلنسية: حاضرة من حواضر الأندلس الكبرى، متصلة بالبحر والجبل،
وكانت قاعدة الحكم في شرق الأندلس أيام بني أمية، وقد وصفها المراكشي في المعجب بقوله:
« هي مدينة في غاية الخصب واعتدال الهواء، كان أهل الأندلس يدعونها فيما سلف من الزمان مطيب الأندلس والمطيب عندهم حزمة يعملونها من أنواع الرياحين، ويجعلون فيها النرجس والآس وغير ذلك من أنواع المشمومات سموا بلنسية بهذا الاسم لكثرة أشجارها وطيب ريحها»(1). أما أبو الوليد الشقندي فقد أطنب كثيراً في رسالته التي كتبها في فضل الأندلس وأهلها فقال في مدحها:
«فإنّها لكثرة بساتينها تعرف بمطيّب الأندلس، ورصافتها من أحسن متفرجات الأرض، وفيها البحيرة المشهورة الكثيرة الضوء والرونق، ويقال: إنّه لمواجهة الشمس لتلك البحيرة يكثر ضوء بلنسية، إذ هي موصوفة بذلك، وممّا خصت به النسيج البلنسي الذي يسفر لأقطار المغرب، ولم تخل من علماء ولاشعراء ولا فرسان يكابدون مصاقبة الأعداء، ويتجرعون فيها النعماء ممزوجة بالضراء، وأهلها أصلح الناس مذهباً، وأمتنهم ديناً ، وأحسنهم صحبة، وأرفقهم بالغريب»(2)
وإذا كان ما تقدّم عن عالمين من علماء المغرب، فثمة ثالث من المشرق هو زكريا بن محمد بن محمود القزويني (ت 682 ه-) أوجز في وصف بلنسية فجمع ما أطنب فيه غيره فقال:
«مدينة قديمة بأرض الأندلس، ذات خطة فسيحة جمعت خيرات البر والبحر والزرع والضرع طيبة التربة ينبت بها الزعفران ويزكو بها، ولا ينبت في جميع أرض الأندلس إلا بها»(3).
أمّا بتة الّتي ينسب إليها المؤلّف فهي من توابع بلنسية، قال ياقوت: «وبته:
بالهاء، قرية من أعمال بلنسية... منها أبو جعفر البتي له أدب وشعر»(1). وذكر نحو ذلك في كتابه المشترك وضعاً والمفترق صقعاً (2).
وهذا القول منه - وهو من رجال القرن السابع - يدلّنا بوضوح على شهرة المؤلّف في عصره حتى تجاوزت المغرب إلى المشرق، ومن كان بهذه المثابة من الشهرة فلا عناء في تعرّف أخباره وتلمّس آثاره والدلالة عليهما، ولكن فيما يبدو أنّه كان محارباً من الزمن، فقد لاحقته الظلامات(3)في حياته وحتى بعد وفاته.
أما ما لحقه في حياته فقد كان أمراً فظيعاً وبشعاً، وعلى رغم بشاعته وشناعته فقد كان عاملاً مهماً في تخليده، وسيأتي الحديث عن ذلك فيما نسميه - بظلامة القنبيطور - .
أمّا ما لحقه من خطوب الزمان بعد وفاته، فهو خلط المؤرّخين بينه وبين شاعر آخر يشاركه في الكنية والصحبة فقط، ويختلف عنه حسباً ونسباً، كما يختلف عنه سلوكاً وأدباً، ونتج عن ذلك الخلط ضياع الصحيح من شعره، وتعذر تمییزه تمييزاً تاماً، وهذا ما سنعرضه فيما نصطلح عليه بظلامة المؤرّخين.
ولم يكفّ الزمن عن ملاحقته فيكتفي بما أصابه في جسمه وفي أدبه، بل لاحقه حتى فيما سلم من آثاره وعصارة ،ذهنه، والتي لم يسلم منها إلا كتاب واحد، وحتى ذلك الكتاب لم يسلم من ظلامة الناسخ، فقد كاد أن يوقعنا فيما أوقع به غيرنا من اشتباه في نسبه، وذلك فيما سجّله على ظهره، وهذا ما سنقرؤه في - ظلامة الناسخ - .
ولا بد لنا من الحديث عن هذه الظلامات الثلاث، وسوف نستعرضها على الوجه التالي:
1 - ظلامة القنبيطور.
2 - ظلامة المؤرّخين.
3- ظلامة الناسخ
1 - ظُلامة القنبيطور: لقد مرّت بالأندلس فترة انحلال وانقسامات بين الحاكمين من بني أمية، أدت إلى انهيار الوجود العربي وزاد في اختلال الأمن وتدهور الحال تعدد الزعامات من غيرهم.
وتبدأ تلك الفترة باعلان الوزير أبي الحزم ابن جهور في سنة (432 ه-) بيانه القاضي بتقويض الحكم الخليفي، وأنّه لم يعد هناك من يستحق لقب الخلافة، كما أعلن أنه سيحكم مملكة قرطبة حكماً دستورياً جمهورياً(1).
ولم يعلن ذلك ابن جهور حتى استقل كثير من الأمراء بمدنهم ومقاطعاتهم بالإضافة إلى من استقلوا من قبل، وأصبح في الأندلس حوالي عشرين أسرة حاكمة(2)سوى الدويلات التي حدثت في عصر حدثت في عصر الإضمحلال الأوّل في أواخر حكم الأمويين(3)، فقد عدّ زامباور سبعاً وعشرين دولة من تلك الدول (4)وربّما فاتته غيرها.
وتلك الدول هي التي يطلق عليها المؤرّخون دول الطوائف« والتي لم يعد خلفاؤها إلا دمى تحركها القوى المضطربة»(5)«وأغلب ملوك الطوائف لا يستحقون الذكر وأكثرهم جاء وليد الضعف أو المصادفات»(6).
وعليهم وحدهم تبعة ما أصاب المسلمين وبلادهم من وهن وضعف وانحطاط، حتّى أطمع ذلك الفرنجة فاستصغر وهم، وفرضوا الأتاوة عليهم، فأدوها إليهم عن يد وهم صاغرون .
يقول الدكتور أحمد شلبي: وتعتبر هذه الفترة فترة فوضى وهزائم وانحلال وتفكك، وكان بعض المتصارعين من الحكّام المسلمين يلجأ للنصارى يطلب
العون ضدّ حاكم مسلم ،آخر، ودفعوا لذلك الأتاوات وتملقوا الفونس السادس»(1).
وكان الفونس -كما يقول ستانلي - عرف ما يجب ان يفعله تمام المعرفة، فقد رأى أنّه لم يكن عليه إلا أن يمد حبله لملوك الطوائف مداً كافياً ليشنقوا به أنفسهم، لأن هؤلاء الجهلة لم ينظروا في العواقب.
وكانوا يجثون عند قدمي الفونس لاستجداء معاونته كلّما ضعفوا عن مقاومة إخوانهم المسلمين، وتقربت كل الدويلات الإسلامية إلى الفونس بتقديم الأتاوات، وكان الفونس يزيد فيها كل عام كلّما زادت قوته، لأنّها ثمن عطفه وحمايته، وقد بذل ملوك الطوائف هذه الأتاوات للإستعانة بجيوش الفونس ضدّ بعضهم البعض، وكان الفونس يقدم خطوطه في كل فرصة، ويستولى على الحصون والقلاع واحدة إثر أخرى، حتى وثب وثبة استولى فيها على طليطلة سنة (478 ه-) وقد أحدث بوثبته هذه فزعاً كبيراً في صفوف المسلمين بأسبانيا(2).
وظهر على مسرح الأحداث يومئذ قائد مغامر لمع اسمه، حتى حيكت حول شخصيته الأساطير، ورووا فيه المعجزات، ذلك هو القنبيطور، أتعلم من هو ذلك؟
هو القائد القشتالي واسمه« الكونت رود ريجود یازدي بيفار» وقد جعل الأسبان منه بطلهم الأمثل فلقبوه «الكمبيادور» القمبيطور، أي القائد الكبير نتيجة لأعماله الحربية، كما سمّوه( السيّد)، وبهذا الإسم كتب عنه دوزي الهولندي كتابه (السيّد من وثائق جديدة ) أصدره سنة ( 1849 م) ، كما كتب عنه مندث بيدال كتابه (أسبانيا في عصر السيّد )(3)وكذلك صنع ليفي بروفنسال فكتب عنه في دائرة المعارف الإسلامية بعنوان (السيّد)(4)وقد ذكر مترجموه: أنّ الشعراء والقصاص وجدوا في تأريخه مجالاً خصباً للخيال فساعد ذلك على شهرته(5)
وتجمع المصادر العربية على أنّه قائد مغامر تجمع حوله جنود مرتزقة، فاستغل تدهور الحالة الحالة في الأندلس، وتنازع الحكام بينهم، فكان خدماته يبيع للمسلمين والمسيحيين على السواء، ما دامت ثمة سوق تدرّ عليه وعلى أتباعه ما يشاء من مال الأسلاب.
وفي ذلك الوسط المحموم فقد المواطن الأندلسي الحماية، لعدم القدرة على الدفاع عن نفسه، حتّى أيقن كثير من المسلمين بصعوبة العيش في الأندلس، وبدأ الكثير يفكر في الهجرة منها، ولعلّ أبيات ابن الغسّال الشاعر تصوّر تلك الروح الإنهزامية، والقوى المنهارة أمام غزو الفرنجة حيث يقول:
يا أهل أندلس شدّوا رحالكم*** فما المقام بها إلّا من الغلط
السلك ينثر من أطرافه وأرى*** سلك الجزيرة منثوراً من الوسط
من جاور الشرّ لا يأمن بوائقه*** كيف الحياة مع الحياة في سفط(1)
وفي ذلك الوسط المحموم أخذت تتهاوى حبّات السلك الّذي نعاه ابن الغسّال، فسقطت كثير من الدويلات بيد الفرنجة، وكان منها مملكة بلنسية، فقد طمع فيها القنبيطور، وزحف نحوها بجيوشه حتّى (ضرب حول المدينة حصاراً صارماً، وعاث في الأنحاء المجاورة، ولم يدّخر وسعاً في قطع الأقوات عن المدينة المحصورة خوفاً من أن تصمد له حتى يداهمه المرابطون - وكان أهل بلنسية قد أرسلوا إليهم يطلبون النجدة منهم - واستمر الحصار على هذا النحو عشرين شهراً، حتّى بلغ الضيق بالبلنسيين المنتهى، وفتك بهم الجوع أيما فتك، (وأكلوا الفيران والكلاب والجيف) وغدوا كالأشباح هزالاً، وعندئذ اجتمع أعيان المدينة وأرغموا ابن جحّاف - وكان آخر رؤساء المسلمين ببلنسية - على مفاوضة السيد - القنبيطور - فى التسليم وعقد الصلح، فأذعن وترك لهم المفاوضة فذهب وفد منهم لمفاوضة السيّد، وتمّ الإتفاق...)(2)
ولكنّه سرعان ما انهار الصلح إذ غدر الطاغية، وأذاق الناس بطشه الشديد، حتّى ان بعض المؤرّخين اصطلح على تسمية ذلك الفتح وما تعقبه من شرّ ب- - محنة المسلمين - .
قال ابن الأبّار في الحلة السيراء، وهو يذكر القاضي أبا أحمد جعفر بن عبدالله ابن جحّاف المعافري، وشهد محنة المسلمين ببلنسية على يد الطاغية الّذي كان يدعى الكنبيوطور:
وهذا أبو إسحاق ابن خفاجة وهو شاعر عاصر المحنة فقال فيها:
عاثت بساحتك العدا يا دار*** ومحا محاسنك البلى والنار
فإذا تردد في جنابك ناظر*** طال اعتبار فيك واستعبار
أرض تقاذفت الخطوب بأهلها*** و تمحصت بخرابها الأقدار
كتبت يد الحدثان في عرصاتها*** لا أنت أنت ولا الديار ديار(1)
وأشدّ ما قاساه أهل بلنسية من فظاظة القنبيطور - لعنه الله - أساليبه الإنتقامية وأفظعها شنعة حرق الأحياء بالنار، عملية تقززت منها نفوس المسلمين وأغضبت المسيحيين، فأعلنوا الإستنكار على السواء.
وكان القاضي أبو أحمد جعفر بن عبدالله بن جحاف المعافري - وهو آخر من تولى رئاسة بلنسية بعد مقتل القادر يحيى بن إسماعيل بن ذي النون - أوّل ضحايا التحريق.
(فإنّ الطاغية أمنه في نفسه وماله عند دخول بلنسية صلحاً، وتركه على القضاء نحواً من عام، ثمّ اعتقله وأهل بيته وقرابته، وجعل يطلبهم بمال القادر بن ذي النون، ولم يزل يستخرج ما عندهم بالضرب والإهانة وغليظ العذاب، ثمّ أمر بإضرام نار عظيمة، كانت تلفح الوجوه على مسافة بعيدة، وجيء بالقاضي أبي أحمد يوسف في قيوده، وأهله وبنوه حوله، فأمر بإحراقهم جميعاً.
فضح المسلمون والروم، وقد اجتمعوا ورغبوا في ترك الأطفال والعيال ،
1) دول الطوائف: 235
فأسعفهم بعد جهد شديد، واحتفر للقاضي حفرة، وذلك بولجة - رحبة - بلنسية، وأدخل فيها إلى حنجرته وسوى التراب ،حوله، وضمت النار نحوه، فلما دنت منه ولفحت وجهه :قال بس- :قال بسم الله الرحمن الرحيم، وقبض على أقباسها وضمّها إلى جسده، يستعجل المنية، فاحترق الله ، وذلك في جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
ويوم الخميس منسلخ جمادى الأولى من السنة قبلها كان دخول القنبيطور المذكور بلنسية)(1).
هكذا وصف ابن الأبار تلك الحادثة في كتابه الحلة السيراء، وعلّق عليها الدكتور حسين مؤنس بقوله: وفي بلنسية اليوم موضع يسمّى رحبة القاضي أمام كنيسة سانتا كاتالينا، وأصلها مسجد من مساجد بلنسية الإسلامية وقد حوّل إلى كنيسة بهذا الإسم بعد سقوط البلد نهائياً في أيدي النصارى، ولعلّ هذا هو الموضع الذي أحرق فيه ابن جحاف، ولم يحقق مندذ بيدال ذلك الموضوع لأنه - فيما أحسب - رغم دفاعه عن هذا العمل البشع الّذي أتاه القنبيطور يشعر في نفسه بشناعته»(2)
ومن جملة من أحرقه القنبيطور أبا جعفر أحمد بن عبدالولي البتي - مؤلف كتابنا هذا - فقد نصّ على ذلك من مؤرّخي الأندلس أبو محمّد الرشاطي( ت 542ه-)، والضبي(ت 599 ه-) ، وابن دحية (ت 633 ه-)، وابن الأبار (ت 658ه-)، وابن سعيد (ت 685ه-)، والبلبيسي(ت 802 ه-)، ومن غيرهم الصفدي (ت 764ه-)، والسيوطى (ت 911ه-)، وشكيب أرسلان ( 1366 ه-) وغيرهم، وسنأتي على عرض نصوصهم في الحديث عن - ظلامة المؤرّخين .. ومن المظنون قوياً أنّ البتي كان من منسوبي القاضي ابن جحاف سبباً أو نسباً، كما لا يبعد أنّه كتب له أيّام توليه الحكم، أو أيام القادر بن ذي النون، فقد جاء في ترجمته (بما كتب لبعض الوزراء) أو (كتب عن بعض الوزراء).
وفيما تقدم من تصريح ابن الأبار من اعتقال الطاغية لابن جحاف (وأهل بيته وقرابته... ثم أمر باضرام نار عظيمة... وجيء بالقاضي أبي أحمد يوسف في قيوده وأهله وبنوه حوله، فأمر بإحراقهم جميعاً ، فضح المسلمون والروم، وقد اجتمعوا ورغبوا في ترك الأطفال والعيال فأسعفهم بعد جهد شديد).
ففى هذا النص ما يدل على أنه لم يسلم من الحرق لا العيال ولا الأطفال، ولم يكن البتي منهما جميعاً، وحيث لم يذكر أنّ الطاغية كرّر عملية الإحراق، ولو كانت لأشار إليها المؤرّخون، كل ذلك يجعلنا نظن قوياً بأن البتي أحرق مع ابن جحاف بنفس الموضع وفي ذلك التاريخ، وإن لم نعثر - فعلاً - على تفاصيل عن حادثة إحراقه وبقية من أحرقهم الطاغية في ذلك اليوم، ولو كان قد وصل إلينا (كتاب البيان الواضح في الملم الفادح) للمؤرّخ البلنسي أبي عبد الله محمّد بن خلف الصدفي المعروف بابن علقمة ( ت 509ه-) وهو ممّن عاصر تلك الأحداث المروعة - لأفدنا منه كثيراً - ولكن ضاع هذا الكتاب - للأسف الشديد - فيما ضاع من تراث الأندلس المجيد، وربما أحرقته الأيدي الأثيمة فيما أحرقت من آثارنا ورجالنا، فقد أحرقت النصارى ثمانين ألف مخطوط في ساحة غرناطة فقط، كما ذكر ذلك الباحث فيليب دي طرازي في كتابه (خزائن الكتب العربية في الخافقين )(1)، كما أنه ذكر نهب الأسبانيين مكتبة الجامع الأعظم بتونس(2).
وربّما كان كتاب ابن علقمة ممّا نهبته أيدي الغزاة من المستعمرين، كما نهبت آلافاً مؤلّفة غيره، فإنّ جُلّ ما فى مكتبات أسبانيا وايطاليا وفرنسا وغيرها من التراث الإسلامي والعربي، انتقل إليهم عن طريق النهب والإختلاس والمصادرة ولا تزال بقيّة مكتبة الأمير زيدان الناصر أحد أمراء المغرب في حدود (1016 ه-) في قصر الأسكوريال في أسبانيا وعليها تواقيع (مولانا زيدان)(3)، وقد رأيت أنا
في فهرس مكتبة الأسكوريال إسمه على كتاب خريدة العجائب لابن الوردي (ت 805ه-) ، ونسختها خطّ سنة (898 ه-)، فقد كتب على النسخة من كتب زيدان أمير المؤمنين بن أحمد المنصور أمير المؤمنين الحسني(1).
كما يوجد فيها المعجم في أصحاب أبي عليّ الصدفي برقم 1730 كتب عليه: أشتري للخزانة المباركة العلمية الإمامية المنصورية الحسنية المولوية عمرها الله بدوام ذكره على يد عبده وقائم خزانته أقل عبيده محمّد بن الحاج الأندلسي(2).
كما رأيت في الفهرس المذكور نسخة المذكور نسخة من شرح عقائد النسفي برقم 1840 كتب عليها:
الحمد الله، حَبس مولانا أبي فارس أيده الله جميع شرح عقائد النسفي المكتوب هذا على ظهر أوّل ورقة منه على المسجد الجامع الذي من إنشائه برباط الشيخ الولي سيّدي أبي العبّاس السبتي... على ألا يخرج من موضعه تحبيساً مؤيّداً ووقفاً مخلّداً... أوائل ربيع النبوي المبارك عام 1006(3). ولئن ضاع جميع كتاب ابن علقمة وقد وصلت إلينا عنه النقول في كتب ابن الكردبوس وابن عذاري وابن الأبار وابن الخطيب وغيرهم.
ولقد ضاع كذلك نظم القاضي أبي الوليد هشام بن أحمد بن هشام الوقشي فإنّ له (قصيدة مؤثّرة) بكى فيها مصاب بلنسية أيّام حصار(القنبيطور) لها سنة (487ه-) قالوا: ضاع أصلها وبقيت منها ترجمة أبيات نقلت إلى الأسبانية، منها ما معناه:
«إذا أنا مضيت يميناً هلكت بماء الفيضان
وإذا ذهبت يساراً أكلني السبع
وإذا مضيت أمامي غرقت في البحر
وإذا التفت خلفي أحرقتني النار»(4)
2 - ظلامة المؤرّخين : لقد خلط بعض المؤرّخين بين مؤلّف كتابنا وبين شخص آخر، لإشتراكهما في الكنية والإسم والشبه في النسبة، فمؤلّفنا أبو جعفر أحمد بن عبدالولي البتي، والمشتبه به هو أبو جعفر أحمد بن محمد البنّي، على ما بينهما من فوارق فى اسم الأب والنسبة والسلوك وبعد ذلك فارق العصر.
وفي ظنّي انّ ما أصاب مؤلّفنا من حيف نتيجة ذلك الخلط، لم يحدث مرّة واحدة، بل مرّ بمراحل التطور تدريجاً، فابتداءً من الإشتباه في النسبة ومروراً باسم الأب وانتهاءً باسمه، وآخر ضحية من ضحايا الخلط كانت آثاره الأدبية.
فإنّ لفظ (البتي) نسبة إلى بنة قرية من قرى بلنسية، قريب جداً في الخطّ من (البنّي) نسبة إلى بنّا حصن بالأندلس كما في معجم ياقوت - ولا فرق بينهما غير نقطة واحدة، ففي البتي - تاء مثناة - وفي البنّي - نون - وبأدنى سهو من النساخ أو القرّاء يقع التصحيف، ولابد أن يؤدي ذلك إلى الخلط بين منسوبي المكانين، ما دام ما به الإشتراك من كنية واسم ووصف موجوداً، وكان من المقبول جداً دعوى تداخل آثارهما حتى يعسر الفصل والتمييز.
وهذا النوع من التصحيف هو الذي تحاماه العلماء المحققون بما كتبوه من ضبط بالحروف بعد أسماء الأعلام، ومع ذلك الإحتياط فقد وقع الخلط كثيراً، وهذا نوع من أنواع المتفق والمفترق أو ما يسمّى بالمؤتلف والمختلف، ويراد به ما اتفق في الصورة واختلف في المعنى، وقد يسمّى اختصاراً بالمشتبه.
وقد عالج العلماء ذلك في مؤلّفات عديدة من أهمها (الأنساب المتفقة في الخط المتماثلة في النقط لابن القيسراني (507ه-) والمشترك وضعاً والمفترق صقعاً) لياقوت الحموي (626ه-) والمشتبه للذهبي (748ه-)، و (تبصير المنتبه) لابن حجر( 852 ه-) ، وكلّها مطبوع، وثمّة غيرها من مخطوط ومطبوع الشيء الكثير، سوى ما يستفاد منه في المقام كأنساب السمعاني، وإكمال ابن ماكولا، واللباب لابن الأثير ونحوها.
وبعد هذه التقدمة سنعرض ما ورد عند المؤرّخين من تراجم خاصة بمؤلّفنا،
ثمّ بعض ما يخص المشتبه به، وبعد ذلك ما خلط فيه المؤرّخون:
1 - قال أبو محمّد الرشاطي (ت 542 ه-) في كتابه (إقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار)، ويعرف اختصاراً بالأنساب.
قال عنه ابن الأبار لم يسبق إلى مثله واستعمله الناس(1)
وبتة: قرية من قرى بلنسية ينسب إليها أبو جعفر أحمد بن عبدالولي بن بن أحمد ابن عبدالولي البتي، كاتب شاعر بليغ ،مطبوع ، كثير التصرّف مليح التظرف فممّا أنشدته له:
غصبت الثريا في البعاد مكانها*** وأودعت في عينيَّ صادق نوئها
وفي كلّ حال لم تزالي بخيلة*** فكيف أعرت الشمس حلّة ضوئها
أحرقه القنبيطور حين تغلبه على بلنسية حرسها الله وذلك في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة(2).
2 - وقال أحمد بن يحيى بن أحمد بن عميرة الضبي (ت 599ه-) في كتابه (بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس):
أحمد بن عبدالولي البتي أبو جعفر ينسب إلى بتة، قرية من قرى بلنسية، كاتب شاعر لبيب، أحرقه القنبيطور - لعنه الله - حين غلب على بلنسية، وذلك في سنة (488ه-) ذكره الرشاطي في كتابه(3)
3 - وقال عمر بن الحسن بن عليّ الكلبي الأندلسي المعروف بابن دحية (ت 633ه-) في كتابه (المطرب من أشعار أهل المغرب):
الأديب الشاعر الأديب أبو جعفر أحمد بن عبد الولي البتي:
وبتة: قرية من قرى بلنسية، وكان كثير التصرّف مليح التظرف، أنشدني له غير واحد من أهل مدينة بلنسية:
«غصبت الثريا ...» البيتان.
أحرقه القنبيطور - لعنه الله - في حين تغلبه على بلنسية، وذلك في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة(1).
4 - وقال محمد بن عبدالله بن أبي بكر القضاعي، المعروف بابن الأبار (ت 658 ه-) في كتابه (التكملة لكتاب الصلة) :
أحمد بن عبدالولي بن أحمد بن(2)عبد الولي البتي من أهل بلنسية يكنّى أبا جعفر، وبتة المنسوب إليها: قرية بشرقيها.
كان كاتباً شاعراً بليغاً مطبوعاً، كثير التصرّف، مليح التظرف، قائماً على الآداب، وكتب النحو واللغة والأشعار الجاهلية والإسلامية، وكان ربّما كتب لبعض الوزراء، ولم يكن ممّن يعلّم أحرقه القنبيطور - لعنه الله - حين تغلبه بالروم على بلنسية، وذلك في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
قرأت اسمه وأكثره بخط ابن حبيش، وذكره ابن عزير، وحكى انّ إحراقه كان سنة تسعين وأربعمائة، وذكره الرشاطي أيضاً وأنشد له: «غصبت الثريا ...» البيتان.
وقد أنشد مؤلّف (قلائد العقيان) هذين البيتين لأبي جعفر البتي اليعمري وأحدهما غالط من قبل اشتباه نسبهما، والتفرقة بينهما مستوفاة في تأليفي الموسوم ب- ( هداية المتعسف فى المؤتلف والمختلف)(3).
5 - وقال الصفدي (ت 764ه-) في كتابه (الوافي بالوفيات):
أحمد بن عبدالولي أبو جعفر البتي الكاتب، ذكره العماد الكاتب في الخريدة.
وقال: ذكره ابن الزبير في الجنان وأورد له أشعاراً منها:
«غصبت الثريا ... »البيتان.
وأورد له أيضاً:
صدّني عن حلاوة التشييع*** اجتنابي مرارة التوديع
ما يفي أنس ذا بوحشة هذا*** فرأيت الصواب ترك الجميع(1)
6 - وقال البلبيسي (ت 802ه-) في مختصر الأنساب (للرشاطي): بتة ومنها أبو جعفر أحمد بن عبدالولى بن أحمد، كاتب شاعر بليغ مطبوع كثير التصرّف مليح التظرف... (ثمّ ذكر ما تقدم عن الرشاطي)(2)
7 - وقال الجلال السيوطي (ت 911 ه-) في كتابه (بغية الوعاة):
أحمد بن عبدالولي البلنسي البتيني(3)أبو جعفر، قال ابن عبدالملك: كان قائماً على الآداب وكتب النحو واللغة والأشعار كاتباً شاعراً كتب عن بعض الوزراء، وأحرقه القنبيطور - لعنه الله - لمّا تغلب على بلنسية سنة ثمان وثمانين وقيل سنة تسعين وأربعمائة(4).
8 - وقال الأمير شكيب أرسلان (ت 1366 ه-) في كتابه (الحلل السندسية): أحمد بن عبدالولي البتي، أبو جعفر ينسب إلى بتة - قرية من قرى بلنسية - كاتب شاعر لبيب، أحرقه القنبيطور - لعنه الله - حين غلب على بلنسية، وذلك سنة (488 ه-)، ذكره الرشاطي في كتابه نقل ذلك ابن عميرة في (بغية الملتمس) ونقله عنه دوزي في كتابه (مباحث عن تاريخ أسبانية وآدابها في القرون الوسطى، ونقل دوزي أيضاً عن السيوطي في (تراجم النحاة) ذكر أحمد بن عبدالولي البلنسي هذا، فقال: ثمّ ذكر ما نقلناه عن السيوطي آنفا(5)).
1) الوافي بالوفيات 7: 160 - 161 .
2) مختصر الأنساب نسخة مصورة بمكتبة المعلمي الملحقة بمكتبة الحرم المكي (برقم 10).
3) كذا في الطبعة المصرية الأولى بالجمالية: 144 ، ولكن في الطبعة المصرية بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 1 332) و (البنيني) ومعلوم أنّ ما فيهما معاً محرّف عن البتي وسيأتي التعقيب عليه.
4) بغية الوعاة 2: 332
5) الحلل السندسية 3: 86 طبع دار الحياة لبنان.
وذكره مرّة أخرى عند ذكر بتة(1).
9 - وقال الأستاذ محمد عبدالله عنان في كتابه (دول الطوائف منذ قيامها حتّى الفتح المرابطي):
أبو جعفر أحمد بن عبدالولي البتي وكان من أكابر الأدباء وعلماء اللغة(2).
10 - وقال الشيخ عبدالرحمن المعلمي في تعليقه على الإكمال لابن ماكولا:
وبالأندلس قرية يقال لها بتة، من نواحي بلنسية منها: أبو جعفر أحمد بن عبدالولي البتي كان شاعراً أديباً، استشهد البتى هذا(رحمة الله علیه)حرقاً بالنار، أحرقه القنبيطور الرومي النصراني - لعنه الله - لما تغلب على بلنسية سنة سبع وثمانين وأربعمائة(3).
تلك عشرة نصوص كاملة ممّا عثرت عليه في مختلف المصادر من ترجمة أبي جعفر أحمد بن عبدالولي البتي - مؤلّف كتابنا هذا - وهي وإن لم يكن جميعها موصوفاً بالأصالة، لأنّ في بعضها ترديد لما سبق عليه، إلا أنها تخص مؤلّف كتابنا فعرضناها جميعاً.
أما ما يخص ترجمة المشتبه به لمشابهته في الاسم والكنية فهو:
1 - ما ورد في (قلائد العقيان) للفتح بن خاقان (ت 528ه-) الأديب أبو جعفر ابن البنّي:
«مطبوع النظم نبيله واضح نهجه في الإجادة وسبيله، ويضرب في علم الطب بنصيب، وسهم يخطئ أكثر ممّا يصيب، وكان أليف غلمان وحليف كفر لا إيمان ما نطق متشرعاً، ولا رمق متورعاً، ولا اعتقد حشراً ، ولا صدّق بعثاً ولا نشراً، وربّما تنسك مجوناً وفتكاً، وتمسك باسم التقى وقد هتكه هتكاً، لا يبالي كيف ذهب، ولا بم تمذهب» إلى أن قال الفتح: « وكنت بميورقة، فدخلها متسماً
بالعبادة، وهو أسرى إلى الفجور من خيال أبي عُبادة، وقد لبس أسمالاً، وآنس الناس منه أقوالاً وأعمالاً، وسجوده ،هجود وإقراره بالله جحود»، ثمّ قال: «ولمّا تقرر عند ناصر الدولة من أمره ما تقرر... أخرجه من بلده ونفاه... فأقلع إلى المشرق وهو جار، فلما صار من ميورقة على ثلاثة بحار، نشأت له ريح صرفته عن وجهته إلى فقد مهجته، فلمّا لحق بميورقة أراد ناصر الدولة إماحته، وأخذ ثار الدين منه وإراحته»(1).
ثمّ ذكر له من الشعر أبياتاً، منها في القاضي عبد الحقّ بن الملجوم(2)، ومنها في هجاء بني يوسف، ويمدح القاضي أبا الوليد هشاماً وأخاه عليّاً(3)
أما القاضي أبو الوليد هشام فأخاله الوقشي الذي سبق أن ذكرنا أنه بكى بلنسية بقصيدة مؤثرة ضاع أصلها ووصل إلينا بعض أبياتها مترجماً عن الأسبانية.
.2 - ما ورد في (مطمح الأنفس) للفتح بن خاقان أيضاً:
«الأديب أبو جعفر بن البنّي.
ثمّ ترجم له بنحو ما سبق عنه في القلائد، بتفاوت يسير في اللفظ، وذكر له من الشعر ما ذكره هناك، إلا ما نبهنا عليه من أغراضه في المدح والهجاء، فلا حاجة لإعادته ثانياً»(4).
1) قلائد العقيان: طبعة تونس عن طبعة باريس ص 343 وطبعة مصر بمطبعة التقدم سنة( 1220ه- / 311 - 313).
2) المذكور في كتاب المرقبة العليا فيمن يستحق القضا والفتيا في تاريخ قضاة الأندلس لأبي الحسن النباهي المالقي عبد الحق بن غالب بن عطية ولي القضاء بمدينة المرية سنة 529 وتوفي سنة (541ه-) ولم يُكنّ بابن ملجوم، أمّا المكنّى بابن ملجوم من القضاة فهو عيسى بن يوسف بن عيسى الأزدي من أهل فارس رحل إلى قرطبة سنة (475 ه- / وتوفي سنة 543 ه-) لاحظ ص 102 و 109 من الكتاب المذكور.
3) لعلّ المراد ببني يوسف أبناء يوسف بن تاشفين من المرابطين، فانّ ابن البنّي كان معاصراً لعلي بن يوسف الذي تولى الحكم سنة 500 إلى سنة 523 ه- ، وقد أطلق لسانه في الفقهاء والقضاة في عصره كما سيأتي عن المعجب.
4) مطمح الأنفس: 103 - 106 ط السعادة بمصر سنة 1325 ه-
3 - ما ورد في (المطرب في أشعار أهل المغرب) لابن دحية (ت 633 ه-): الأديب أبو [ جعفر أحمد بن ] محمّد البتي(1).
وذكر ما مرّ نقله عن الفتح في كتابيه القلائد والمطح في مدح أدبه ثمّ قال:
«إلّا أنّه كان خبيث اللسان، ما كف هجوه عن إنسان ما برح مدة حياته منتزحاً عن الأوطان، خائفاً مترقباً من السلطان، لما شهد به الناس عليه، ونسبوه إليه من الزندقة والإلحاد، وإنكار حشر الأجساد وانكبابه...
ثمّ ذكر قصّة نزوله في خان بمغيلة - بلد بالمغرب قرب زرهون - واجتماعه بمعاصره أبي بكر اليكي وإنشاد اليكي بيتاً:
وقنديل كأن الضوء منه *** محيّا من أحبّ إذا تجلّى
فأجابه أبو جعفر(2)بن البتى بقوله:
أشار إلى الدجى بلسان أفعى*** فشمّر ذيله فرقاً وولى
فقال: أنت البتي؟
فقال : أنت اليكّى ؟ فتعانقا ...»(3)
4 - ما ورد في (المعجب في تلخيص أخبار المغرب) لعبدالواحد المراكشي (647 ه-):
في ذكر ولاية أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين قال:
« فبلغ الفقهاء في أيامه عظيماً لم يبلغوا مثله في الصدر الأوّل من فتح الأندلس، ولم يزل الفقهاء على ذلك، وأمور المسلمين راجعة إليهم، وأحكامهم صغيرها وكبيرها موقوفة عليهم، طول مدته ، فعظم أمر الفقهاء كما ذكرنا، وانصرفت وجوه الناس إليهم، فكثرت لذلك أموالهم، واتسعت مكاسبهم، وفي ذلك يقول
أبو جعفر أحمد بن محمّد المعروف بابن البنّي، من أهل مدينة جيان من جزيرة الأندلس :
أهل الرياء لبستم ناموسكم ***كالذئب أدلج في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمذهب مالك ***وقسمتم الأموال بابن القاسم(1)
وركبتم شهب الدواب بأشهب(2)*** وبأصبغ(3)صبغت لكم في العالم
وإنّما عرّض أبو جعفر هذا في هذه الأبيات بالقاضي أبي عبدالله محمد بن حمدين قاضي قرطبة، وهو كان المقصود بهذه الأبيات، ثمّ هجاه بعد هذا صريحاً بأبيات أوّلها:
أدجّال هذا أوان الخروج*** و یا شمس لوحي من المغرب
يريد ابن حمدين أن يعتفي*** وجدواه أنأى من الكوكب
إذا سئل العرف حك أسته*** لیثبت دعواه في تغلب(4)
والتغلبي إذا تنحنح للقرى *** حك استه وتمثل الأمثالا
في أمثال لهذه الأبيات، وكان القاضي أبو عبدالله بن حمدين ينتسب إلى تغلب ابنة وائل(5).
وأمّا ما خلط فيه المؤرّخون بين ترجمتي المتشابهين، فمن ذلك:
1 - ما ورد في (خريدة القصر ) للعماد الأصبهاني (ت 579 ه-)، فقد جاء في الجزء الأوّل من القسم الرابع (شعراء الأندلس):
«أبو جعفر عبدالولي البتي الكاتب.
معروف من أهل الفضل، ولم يقع إليَّ أيضاً من شعره، لكنني قرأت في ديوان أبي الصلت أمية الأندلسي، أنه كتب إلى عبد الولي البتي مجاوباً عن قصيدة خاطبه بها...
1) كلّهم من فقهاء المالكية ولهم تراجم في الديباج المذهب لابن فرحون وغيره.
2) كلّهم من فقهاء المالكية ولهم تراجم في الديباج المذهب لابن فرحون وغيره.
3) كلّهم من فقهاء المالكية ولهم تراجم في الديباج المذهب لابن فرحون وغيره.
4) يشير إلى قول الشاعر:
5) كذا في المطبوعة بتحقيق العريان والصواب (ابن) ولم ينبّه عليه.
ثمّ طالعت كتاب الجنان لابن الزبير، وذكر أنّه خليع العذار، قليل المحاشمة في اللهو والإعتذار، لا يبالي أي مذهب ذهب ولا يفكر فيمن عذر أو عتب، وله أهاج أرغمت المعاطس وبدائع أخّرت المنافس، وأخذت المنافس»(1).
وجاء في الخريدة أيضاً في قسم شعراء المغرب :
«أبو جعفر عبدالولى البنّى الكاتب :
معروف من أهل الفضل ولم يقع إلى أيضاً من شعره ...»(2).
فذكر العماد في ترجمة الرجل ما ذكره آنفاً ،بلفظه، بدون زيادة أو نقصان إلا في تغيير النسبة، فقد وردت في الأولى (البتي) بالتاء وفي الثانية (البنّي) بالنون، فلاحظ.
2 - ومما ورد فيه الخلط أيضاً: كتاب المغرب في حلى (المغرب) لابن سعيد (ت 685 ه-) و آخرين، فقد جاء فيه:
«أبو جعفر أحمد بن عبدالولي البنّي.
من المسهب :من سوابق حلبة عصره، وغرر ،دهره خلع عذاره في الصبا وهبّ مع غرامه جنوباً وصبا ، وذكره الفتح في المطمح، ثمّ ذكره في ضمن القلائد، وقال: هو مطبوع النظم نبيله واضح نهجه في الإجادة وسبيله...»(3)
3 - وممّا ورد فيه الخلط كتاب (رايات المبرزين وغايات المميزين) لابن سعيد (ت 685 ه-) فقد جاء فيه:
«أبو جعفر بن البنّي.
حرقته الفرنج حين دخلوا بلنسية، وهو من شعراء الذخيرة، أنشدت له وبعض الناس يذكر أنّها للرمادي:
عجبت من الخيري إذ نمّ بالدجى*** وقد صاد ريّاه مع الصبح يذهبُ
فخلت الريا من طبعه فكأنّه*** فقيه يرائي وهو بالليل يشربُ
ثم ذكر له بيتين آخرين، ثمّ قال:
وأنشد له مؤرّخ الأندلس أبو الحجّاج البياسي:
يا من قصدت إليه ألتمس الغنى*** والنفس مقرون بها إتلافها
وعبرت لجّة زاخر ذي سطوة *** يخشى الردى صولاتها ويخافها
فكأنّ شهب النجم قد غرقت به *** فطفت على أمواجه أعرافها(1)
هذه جملة ما أطلعت عليه من تراجم يختص بها المؤلّف وهي القسم الأوّل، و تراجم تخص مشاركاً له في الاسم والكنية ويختلف عنه في النسبة، وهذا هو القسم الثاني.
وتراجم خلط فيها المؤرّخون كان مؤلّفنا أحد أطراف الشبهة، وهذا هو القسم الثالث، وقد وقع في تراجم القسم الثاني من الخلط أيضاً، إلّا أن مؤلّفنا لم يكن من المشتبه بهم لذلك لم نفصل القول في مواقع الخلط(2)
وحيث أن جملة تلك المصادر وغيرها ممّا رجعنا إليها قد طبعت محققة بتحقيق أساتذة أعلام فعلقوا على ما ارتأوا التعليق عليه بما ظنّوه مناسباً.
وتبعاً لما مرّ في جميع المصادر فقد التبس الأمر على هؤلاء المحققين المحدثين، إذ نجد في تعليقاتهم - رغم تحقيقاتهم - ما يدعو إلى الدهشة من أمرهم، فإنّ فيهم الأستاذ اللامع، والدكتور الكبير، والباحث المحقق.
وسنعرض فيما يلي لبعض مؤاخذتنا عليهم، بالقدر الذي ينبغي تنبيه القارئ عليه، فيما يخص ترجمة مؤلف كتابنا والله هو العالم والعاصم:
(أولاً): مع الأستاذ محمّد أبو الفضل إبراهيم في تحقيق (بغية الوعاة) في ترجمة المؤلّف.
أ - وردت نسبة المؤلّف(البنيني) كما أنها وردت في طبعة مصر الأولى بالجمالية سنة (1326ه-) (البتيني )وكلاهما خطأ فات المحقق المذكور تصويب ذلك، وعدم تصويبه دلّ على عدم التفاته إلى الخطأ في ذلك، ولو رجع المحقق إلى بعض المصادر الّتي ذكرناها آنفاً فيما يخص ترجمة المؤلّف لوجد التصريح بأنّه منسوب إلى بتة، فلابد من أن يكون (البتي)، ومن تلك المصادر كتاب التكملة لكتاب الصلة لابن الأبّار، وفيه نفس النص الذي في البغية ونحو ذلك في بغية الملتمس للضبي.
ب - وردت نسبة المؤلّف (البتيني) في فهرس الأعلام، مع أنّ المثبت في أصل الترجمة (البنيني)، ولم ينبّه المحقق على ذلك فى التصويبات آخر الكتاب.
ج - ورد اسم والد المؤلّف في أصل الترجمة (عبد الولي) وفي فهرس الأعلام ( عبد المولى) مع أنّ الصواب ما في الأصل، ولم ينبّه المحقق عليه في التصويبات.
د - ورد اسم بلنسية في بغية الوعاة في ترجمة المؤلّف (1)، ولم ينبّه عليه المحقق في فهرس الأماكن والبقاع.
(ثانياً) : مع الأساتذة: إبراهيم الأبياري، حامد عبدالمجيد، أحمد محمّد بدوي، الدكتور طه حسين في تحقيقهم كتاب المطرب لابن دحية في ترجمة المشتبه به.
أ • في عنوان الترجمة (أبو [جعفر أحمد بن ] محمّد البتي)، فعلق الأساتذة المحققون بأنّ تكملة ما بين القوسين من المعجب (2)وأشاروا إلى أنّ لصاحب العنوان ترجمة في بغية الوعاة.
والملاحظ عليهم أن ما نقلوه من التكملة عن المعجب صحيح، لكن كان عليهم أن يتنبهوا إلى أنّ المذكور فيه هو (أبو جعفر أحمد بن محمد المعروف بابن البنّي من أهل مدينة جيان من جزيرة الأندلس) فكان عليهم تصحيح النسبة.
ب • ذكروا أنّ المترجم له هو المذكور في المعجب، وهو المترجم في البغية للسيوطي، وكان عليهم الإلتفات إلى أنّ المذكور في المعجب منسوب إلى جيان والمذكور في البغية منسوب إلى بتة، هذا أولاً.
وثانياً: إنّ هناك دلالة صريحة على التغاير وهي أن المذكور في البغية ( أحرقه القنبيطور سنة ثمان وثمانين وقيل سنة تسعين وأربعمائة كما يقول السيوطي فيها.
والمذكور في المعجب كان في أيّام( ولاية أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين) وولايته من سنة 500 - سنة 533 ه- فلاحظّ .
وثالثاً: إن مطارحة المترجم له مع اليكي لتكفي في تنبيه الأساتذة المحققين لو حققوا في الأمر، فإنّ اليكي توفى بعد سنة ( 560ها فيستبعد جداً أن يكون هو البتي المترجم في (البغية) لأنه توفي سنة (488 ه-).
ورابعاً: إفراد ابن دحية لترجمة البتي عن البنّي في كتاب (المطرب) خير دليل للأساتذة محققي المطرب على التغاير.
(ثالثاً): مع الأستاذين: عمر الدسوقي، علي عبدالعظيم في تحقيقهما (خريدة القصر) للعماد الأصبهاني (1)شعراء الأندلس في ترجمة المشتبه به وقد مرّ نقلها فعلقا بما يلي:
اضطربت الروايات في شأن البتي هذا بين القدماء والمحدثين، فقد ترجم العماد في شعراء المغرب لشاعر سماه أبا جعفر عبدالولي البتي؟ (2)ثم ترجم له في شعراء الأندلس باسم جعفر بن البتي ؟ واختار لكلّ منهما مجموعة خاصة من الشعر ؟
وفعل هذا ابن دجنة؟ في المطرب حيث أورد ترجمتين:الأولى: باسم أبي أبي جعفر أحمد بن محمّد البتي(1)والثانية باسم أبي جعفر بن عبدالولي البتي (2): وقد ذكر الأساتذة محققوا كتاب المطرب: إنّ الإسمين لشاعر واحد، وقد ترجم له ابن خاقان في (القلائد) (3)و (المطمح )(4)باسم أبي جعفر بن البتي، وترجم له ابن سعيد في (المغرب)(5)باسم أبي جعفر أحمد بن عبدالولي البتي، ونقل مختارات له عن المطمح والقلائد، ونحن نرجّح بل نجزم أن هناك شاعرين متشابهين في الإسم؟
أولهما: أبو جعفر بن عبدالولي البتي من شعراء الأندلس أحرقه القنبيطور المعروف باسم السيّد، حين فتح بلاده سنة 488 أو سنة 490 ه-؟
وثانيهما: هو أبو جعفر أحمد بن محمّد ،البتي، وكان شاعراً مستهتراً ملحداً نفى من الأندلس إلى المغرب، وعاصر أبا بكر البكي؟ المتوفى سنة (560 ه- )؟ وكانت بينهما مطارحات، ولما ارتفع شأن الفقهاء في عهد علي بن يوسف بن تاشفين ( تولى الحكم من سنة 500 - سنة 533 ه- ) سلَّ أحمد بن محمّد لسانه وهجا الفقهاء، ثم هجا حمدين قاضي قرطبة (ولم يتول القضاء إلا في أوائل القرن السادس).
ومن هنا يتضح أنّ الأوّل قتل حرقاً بالأندلس سنة 488 أو سنة 490 ه- وأنّ الثاني كما يقرر ابن دجنة؟ في المطرب : مات متردّیاً في حفرة (6)؟ والأوّل ظل في بلده ، والثاني نفي إلى خارج الأندلس، ومات بعد هذا بكثير.
وكما التبس الإسمان التبس على المؤلّفين نسبة أشعارهما، فحدث بينهما خلط كبير، وقد تنبه إلى هذا ابن الأبار حيث قال في (التكملة):
بعد أن ذكر البيتين: غصبت الثريا في البعاد ] وقد أنشد مؤلّف (قلائد العقيان
هذين البيتين لأبي جعفر البني اليعمري وأحدهما غالط من قبل اشتباه نسبهما، والتفرقة بينهما مستوفاة في تأليفي الموسوم بهداية المتعسف في المؤتلف والمختلف)(1).
وقد نقل عنه هذه العبارة المقري في (نفح الطيب): ونعتقد أنّ الشاعر المقصود هنا من شعراء المغرب هو أبو جعفر أحمد بن محمّد البتي، وإنّ الأمر التبس على المصنّف كما التبس على غيره(2).
وينبغي أن نلاحظ أن هناك شاعراً ثالثاً سابقاً لهما هو: أحمد بن علي البتي (ت 403 ه-) أبو الحسن، وقد ترجم له ياقوت في (معجم الأدباء)(3)؟ انتهى ما أفاده المحققان.
وتعقيباً منا على ما أفادا - وقد أجادا فيما أفادا - فنقول:
إن الإختلاف المذكور في المصادر الذي أوجب الإضطراب في شأن البتي حتى التبست التراجم لتشابه الأسماء، وتبعاً لذلك التبست الأشعار وهو كما ذكر المحققان، ولكن لم يسلم من ذلك الإلتباس نفس هذين المحققين على دقة تحقيقهما في أمر ،البتي، فإنّ فيما ذكراه عدة علامات استفهام وضعناها تنبيهاً على النظر فيما ذكراه، وهي:
أ - نقلاً عن العماد ترجمته في الخريدة في شعراء المغرب لشاعر اسمه أبو جعفر عبد الولي البتي وهو ليس كذلك، بل الموجود في الخريدة (شعراء (المغرب) بتحقيق: محمّد المرزوقي، محمّد العروسي المطوي الجيلاني ابن الحاج يحيى طبع الدار التونسية للنشر سنة 1966 م: أبو جعفر عبدالولي البنّي الكاتب - بالنون(4)وقد علّق المحققون في الهامش بما يلي في النسختين (البتي) والإصلاح من مخطوطات قلائد العقيان و (معجم البلدان)(5)، الأنساب للسمعاني عن اللباب(6).
ب - نقلا أيضاً عن العماد ترجمته في الخريدة في شعراء الأندلس) لشاعر باسم جعفر بن البتي، وهذا أيضاً ليس بصحيح، ومن الغريب منهما أنهما حققا ذلك، وكتبا ما تقدّم من تحقيقهما في نفس الصفحة التي فيها ترجمة الشاعر وعنوانها أبو جعفر عبد الولي البتي الكاتب.
ج - ذكرا بأن العماد اختار لكل من الشاعرين مجموعة خاصة من الشعر، وهذا أيضاً ليس بصحيح، بل لم يذكر العماد في ترجمة الثاني إلا ما ذكره في ترجمة الأوّل بدون زيادة أو نقصان إلا في النسبة فقط، ففي الأوّل (البتي) وفي الثاني (البنّي) فليراجع.
د - قالا: وفعل هذا ابن دجنة في المطرب، وهو غلط والصواب في اسمه ابن دحية، وهو الحافظ أبو الخطاب عمر بن الحسن بن عليّ من ذرّية دحية الكلبي صاحب النبي الله وأمه بنت أبي عبد الله أبي البسام الحسيني، فكان يكتب بخطه (ذو النسبين دحية والحسين رضي الله عنهما).
د- ذكرا: أنّ ابن سعيد ترجم للبتي في المغرب 2: 375 وهو خطأ صوابه 2:
و - قالا: ونحن نرجّح بل نجزم أنّ هناك شاعرين متشابهين في الاسم.... الخ. وهذا غير صحيح، بل المقطوع به وجود أربعة وغيرهم مشكوك فيه، وهم على سبيل الإجمال:
1 - أبو جعفر أحمد بن عبدالولي البتي من شعراء الأندلس، الذي أحرقه القنبيطور، وهو المترجم له في المصادر العشرة الّتي ذكرناها آنفاً، وهو مؤلف
الكتاب.
2 - أبو جعفر أحمد بن محمّد بن البنّي المذكور في المعجب.
3- أبو جعفر أحمد بن الحسين بن خلف المعروف بابن البنّي العمري الأبدي
المذكور في حماسة البياسي والمترجم في (القلائد) و (المطمح )(1).
4 - أبو جعفر أحمد بن صمادح البنّي المذكور في كتاب الملح لابن القطاع(2).
وهؤلاء كلّهم من الأندلسيين وكلّهم شعراء، أوّلهم (البتي) بالتاء والثلاثة الآخرون بالنون.
ز - قالا : أوّلهما أبو جعفر ... أحرقه القنبيطور حين فتح بلاده سنة 488 أو سنة 490 ه- و هذا خطأ فإنّ القنبيطور فتح بلنسية سنة 487 ه- كما مرّ نقل ذلك عن ابن الأبار فى ظلامة القنبيطور فلاحظ وإنّما الإحراق كان سنة 488 ه- فكان عليهما التعبير بما عبّر به المؤرّخون، وهو حين غلب أو تغلبه على بلنسية، وهو يشمل فترة حكمه منذ الفتح إلى ما بعده، بخلاف حين فتحه لبلاده التي تخص فترة الفتح فقط.
ح - قالا : وثانيهما ... وعاصر أبا بكر البكي، والصواب اليكي بالياء المثناة من تحت.
ط - ذكرا أن وفاة اليكي سنة 560 ه- وهو أبو بكر يحيى بن عبدالجليل بن سهل اليكي، شاعر هجاء من أهل يكة أحد حصون مرسية، كان كثير الهجاء للمرابطين.
ي - قالا: وإنّ الثاني كما يقرّر ابن دجنة في المطرب، والصواب ابن دحية كما سبق.
ك - قالا: مات متردياً في حفرة، ونقلا ذلك عن المطرب، وقد سبق منا نقل ما في المطرب بلفظه ، وليس فيه ما يشعر بذلك، فضلاً عن النصّ عليه.
ل - قالا :ونعتقد أن الشاعر المقصود هنا من شعراء المغرب هو أبو جعفر أحمد بن محمّد البتي، وليس هذا بصحيح بل الصحيح البنّي - بالنون - كما في المعجب (3).
والغريب من الأستاذين المحققين أنّهما حين ذكرا أنّ اسم الثاني هو أحمد بن محمّد، وأنّه سلَّ لسانه على الفقهاء أيّام تولي أبي الحسن عليّ بن يوسف بن تاشفين، قد استقيا هذه المعلومات كلّها من المعجب لعبد الواحد المراكشي، إذ لم ترد في غيره، كيف غفلا عن صحيح نسبته ولم يلتفتا إلى قول المراكشي: (أبو جعفر أحمد بن محمّد المعروف بابن البنّي، من أهل مدينة جيان من جزيرة الأندلس) فأين هذا من البتي المنسوب إلى بتة قرية من قرى بلنسية فلاحظ.
م - قالا : وينبغي أن نلاحظ أنّ هناك شاعراً ثالثاً ... الخ وكان عليهما أولّاً التنبه إلى أنّ هذا الشاعر الثالث - وهو أحمد بن عليّ البتي (ت 403 ه-) أبو الحسن، وقد ترجم له ياقوت في (معجم البلدان )(1)- منسوب إلى البت - بالفتح ثم التشديد - قرية كالمدينة من أعمال بغداد قريبة من راذان كما في (معجم البلدان)(2).
فأين هذا من البتي المنسوب إلى بتة، ومع الإغماض عن ذلك فقد سهوا في سنة وفاته فقد ذكرا أنها سنة 403 والصحيح 405 ه كما ذكرها ياقوت الحموي في (معجم البلدان، والسمعاني في (الأنساب)(3)، وابن الأثير في (اللباب)(4)والرجل ممن كتب للقادر بالله العباسي.
وليس من نافلة القول تنبيه القارئ على أن مكاناً آخر يسمّى البَتّ أيضاً والنسبة إليه البتي، وذلك من نواحي بوهرز قرب بعقوبا من نواحي بغداد أيضاً (5)ولعل نهر البتّ الّذي هو من أنهار دجلة العظيم ويسقى أراضي العيث(6)كان منسوباً باسم هذا المكان أو باسم الّذي قبله.
وفي البصرة موضع يسمّى (البتّ) أيضاً وقد نسب إليه بعض المحدّثين باسم البتي كما سيجيء ذكره.
ن- و آخر ما نلاحظه عليهما في موضوع النسبة خاصة، أنّهما سوّغا لأنفسهما ذكر شاعر ثالث لمجرد اشتراك في لفظ النسبة (البتي) مع بعده عن الآخرين بُعد المشرق عن المغرب ، فكان عليهما إذ استساغا ذلك ذكر بقيّة من يشترك في النسبة سواء في ذلك المشارقة والمغاربة، ما دام الإتفاق وضعاً يرد ذكر المنسوبين وإن اختلفوا صقعاً.
وإتماماً للفائدة فنحن نذكر من عثرنا عليه ممّن يقال له (البتي) غير من ذكره المحققان وهم :
1 - أبو عليّ، الحسن بن أحمد بن عليّ البتي البغدادي، كان كاتباً للخليفة القائم بأمر الله، وله ترسل صالح و شعر(1)وهذا هو ابن أبي الحسن أحمد بن عليّ كاتب القادر بالله الذي ذكره المحققان.
2 - محمّد بن عليّ البتي شاعر من أهل البتّ - قال السمعاني : وهو موضع أظن بنواحي البصرة - وحكي أنّ أهله أصيبوا بسنة لحقهم فيها العطش والجراد، فصار منهم جماعة إلى محمّد بن عبدالملك بن الزيات يتظلمون، فوجه برجل يقف على مظالمهم ، وكان الرجل ضعيف البصر فكتب اليه محمّد بن علي البتي:
أتيت أمراً أبا جعفر ***لم يأته برٌ ولا فاجرُ
أغثت أهل البتّ إذ أهلكوا*** بناظر ليس له ناظرُ (2)
3 - عثمان بن مسلم بن هرمز البتي، فقيه أهل البصرة، رأى أنس بن مالك وروى عن الحسن وصالح بن أبي مريم وغيرهما(3)وكانت له حلقة حضرها يوماً الحجاج بن أرطاة، فجلس في عرض الحلقة، فقيل له: ارتفع إلى الصدر، فقال: أنا صدر حيث كنت (4).
4 - أحمد بن عبدالرحمن أبو غالب ابن البتي، روى عن أبي بكر محمّد بن بشران (1).
5 - أحمد بن محمّد بن عبد الله البتي، روى عن يزيد بن زريع(2).
عبدالله (رابعاً) مع الدكتور شوقي ضيف في تحقيقه المغرب في حلى المغرب في ترجمة أبي جعفر أحمد بن عبد الولي البنّي حيث علّق عليه بما يلي:
ترجم له الفتح في القلائد)(3)، و (المطمح )(4)، والمراكشي في (المعجب)(5)، وابن سعيد في (الرايات) (6)، وقال: حرقته الفرنج حين دخلوا بلنسية، وكان ذلك سنة (488) ه-)، وأنظر فى ذلك (المغرب)(7)وانظر (النفح)(8)حيث يظهر أن الفتح وتبعه ابن سعيد خلط بين أبي جعفر البنّي، وآخر يسمّى أبا جعفر بن عبدالولي، وقد ناقش ذلك ولفت إليه ابن الأبار ونقله المقري، وأنظر في ترجمته (المسالك)(9)و (الخريدة )(10)وأنظر (معجم السلفي)(11).
ونحن في الوقت الذي نقدر للدكتور شوقي ضيف جهده في تحقيقه، نود أن نلفت النظر إلى ما زاغ عن المؤلّف، ولم ينبه عليه الدكتور المحقق، وذلك أنّ الّذي ترجمه صاحب المغرب ذكره في كتاب (المنّة في حلى قرية بنّة) وهو الكتاب الخامس من الكتب التي يشتمل عليها كتاب المملكة البلنسية، وهي من شرقي الأندلس، بينما كان الموضع المناسب لذكر المترجم له هو كتاب (النفحة البستانية في حُلى المملكة الجيانية)من الكتب التي ضمّها كتاب (الشفاه اللعس في حلى متوسطة الأندلس) لأنه من أهلها كما ذكره المراكشي فقال: من أهل مدينة جيان من جزيرة الأندلس.
كما أنّ الدكتور نفسه قد وهم في أنّ الذي ذكره ابن سعيد في (الرايات)(1)هو نفسه المترجم له في المغرب، ولو تنبه الدكتور إلى تاريخ تحريق الفرنج له، وأنه كان سنة (488ه-) لتبين له أنه غير المذكور فى المعجب الذي كان في أيام ولاية علي بن يوسف بن تاشفين وولايته من سنة 500 - 533 ه-
(خامساً): مع الدكتور احسان عباس في تحقيق وفيات الأعيان) لابن خلكان في ترجمة أبي جعفر أحمد بن الحسين بن خلف بن البنّي اليعمري الأبدي، حيث علّق الدكتور في الهامش فقال: أنظر ترجمة أبي جعفر البنّي في (القلائد)(2)و (المطمح )(3)، و (المغرب) (4)و (الخريدة )(5)، وله أشعار في مواطن متفرقة من (نفح الطيب).
فأوّل وهم: عدَّ الدكتور المحقق لكتاب المغرب في جملة المصادر، فإنّ المذكور فيه هو أبو جعفر أحمد بن عبدالولي البنّي وأين هو من المذكور في
(وفيات الأعيان) باسم أحمد بن الحسين بن خلف بن البنّى... الخ.
ووهم ثان: ذكر الدكتور كتاب (الخريدة) مع المصادر التي تترجم المذكور في (وفيات الأعيان)، مع أنّ المذكور في (الخريدة ) - قسم شعراء المغرب - أبو جعفر عبدالولي البنّي الكاتب والمذكور فيها - قسم شعراء الأندلس - أبو جعفر عبدالولي البتي الكاتب.
وكلا الإسمين في القسمين غير المذكور في الوفيات فلاحظ.
وثمّة وهم ثالث سها فيه ابن خلكان ولم يتنبه له الدكتور المحقق وذلك: ما ذكره ابن خلكان بقوله : وله في صفة قنديل
وقنديل كأن الضوء فيه***محاسن من أحب إذا تجلى
أشار إلى الدجى بلسان أفعى *** فشمّر ذيله فرقاً وولى
فإنّ البيت الأوّل ليس له، وإنما هو لأبي بكر اليكي، كما نصّ على ذلك ابن دحية الكلبي في كتابه (المطرب) في قصة جرت بينهما ومطارحة أدبية، قال اليكي البيت الأوّل وأجازه مجيباً البنّي بالبيت الثاني.
(سادساً): مع الدكتور النعمان عبد المتعال القاضي في تحقيقه (رايات المبرزين وغايات المميزين) لابن سعيد الأندلسي في ترجمة أبي جعفر بن البنّي حيث علّق على اسمه بقوله: ترجم له في (القلائد )(1)... وترجم له ابن سعيد في (المغرب)(2)، وقد جعل غومس اسمه ابن البتي والأصل أصح كما في (المطمح )(3)، و القلائد)(4)و (النفح)(5)
وقد وهم في جميع ذلك، فإنّ المترجم في الأصل هو البتي كما هو في طبعة مدريد للكتاب بتحقيق الأستاذ غرسية غومس هذا أوّلاً، والمترجم في المغرب هو غير هذا، لأنّ ذلك لم تحرقه الفرنج، وقد التبس الأمر على ابن سعيد فظن الإسم لشخص واحد مع تعددهما في الواقع هذا ثانياً، وثالثاً: من ذكر في (القلائد) و (المطمح) و (النفح) أيضاً غير الذي حرقته الفرنج في سنة (488 ه-) وقد سبق منّا التنبيه على ذلك.
ثمّ إنّ الدكتور النعمان علّق في هامش آخر على ابن سعيد (حرقته الفرنج حين دخلوا بلنسية) فقال: وكان ذلك الدخول سنة 488 أو سنة 490 ه- ، ويظهر أنّ صاحب (القلائد) وتبعه صاحب (المغرب) خلطا بين ابن البنّي هذا، وبين شخص آخر يسمّى أبا جعفر بن عبد المولى(6)
وفي هذا عدة أوهام مضافاً إلى ما سبق من أوهام الدكتور وهي:
أ - انّ دخول الفرنج كان سنة (487 ه-) كما نص على ذلك ابن الأبار في الحلة السيراء، والحرق كان سنة (488ه-) كما سبق ذكر ذلك مفصلاً في ظلامة القنبيطور فراجع.
ب - إنّ الخلط في القلائد ليس بين ابن البنّي وبين شخص آخر يسمّى أبا جعفر ابن عبدالمولى، بل إنما الخلط بين ابن البنّي اليعمري وبين البنّي المستهتر في سلوكه، إذ خلط بين أشعارهما، ولم يكن أبو جعفر البتي ممن قصده الفتح بالترجمة في كتابه (القلائد)، والذي يدلّ على ذلك أنه ذكر الترجمة باسم أبي جعفر ابن البنّي، ولم يصرّح باسمه ولا اسم أبيه، وقد راجعنا من طبعات القلائد طبعتين.
1 - طبعة التقدم بمصر سنة 1320.
2 - طبعة تونس وهي عن طبعة باريس وفي جميعها وردت النسبة (البنّي) وأكد صحة ورودها كذلك ما نقله محققوا الخريدة (قسم شعراء المغرب) أنّه الموجود في مخطوطات القلائد ، وقد مرّت الإشارة إلى ذلك.
والّذي لا يدع مجالاً للشك في أنّه البنّي - بالنون - وليس البتي، ما نقله المقري في (نفح الطيب)(1)، مضافاً إلى تصريح السيوطي في تبصير المنتبه حيث قال في مادة (البتي):
وبنون بدل التاء المثناة - وبكسر أوّله - (البنّي ) أبو جعفر بن البنّي اليعمري، ذكره الفتح في (القلائد)، وأنشد له شعراً، وضبطه ابن عبدالملك في
(التكملة)، وأشار إلى أنّه يلتبس بأبي جعفر البتى بفتح ثم مثنّاة(2).
ج - المذكور في (المغرب) هو أبو جعفر أحمد بن عبدالولي، لا كما قال الدكتور النعمان أنّه أبو جعفر بن عبد المولى. والتعليقة مقتبسة من تعليقة الدكتور شوقي ضيف على المغرب فراجع.
وممّا ينبغي التنبيه عليه إذ لم يلتفت إليه أحد ممّن ذكرنا من المحققين، هو أنّ الفتح ذكر في (القلائد) أبا جعفر بن البنّي في غير ترجمته في موضعين آخرين، لهما نصيب في تسليط الضوء على أوهام الفتح نفسه ومن تبعه، وهما:
1 - ذكر في ترجمة الرئيس الأجل أبي عبد الرحمن محمّد بن طاهر جملة من
مراسلاته إلى ناصر الدولة صاحب ميورقة(1)فقال : ومنها إليه : أطال الله بقاء الأمير الأجل ناصر الدولة... وهذا الوزير الأجل الكاتب أبو جعفر بن البنّي عبدك الآمل أبقاه الله ضممت به إلى ذراك همم عوال... (2).
2 - وفي نفس الترجمة السابقة قال: ولم تزل الشعراء تسليه عن نكبته، وتمنّيه بالعود إلى رتبته بأفصح مقال وأملح انتقال فمن ذلك قول الوزير أبي جعفر البنّي:
أترضى عن الدنيا فقد تتشوّف*** لعمر المعالي إنّها بك تكلف
في أبيات ثمانية(3).
فإنّ هذا البنّي الوزير الذي يدعو له الرئيس الأجل أبو عبدالرحمن محمد بن طاهر بالبقاء ليس هو البنّي المستهتر الذي دعا عليه الفتح في ترجمته، لكنّه التبس عليه الأمر فخلط بین أشعارهما، وربّما خلط شعر غيرهما أيضاً فيما ذكره في الترجمة.
وفي هذين الموضعين تأكيد لما مرّ من أنّ المذكور في (القلائد) هو البنّي - بالنون - وليس البتي كما تخيّله بعضهم من مؤرّخين ومحققين.
والآن نكتفي بهذه المناقشات مع عشرة من أساتذة المحققين فيما وهموا فيه، على أنا لم نقصد بذلك غمز الأساتذة أو التقليل من أهمية تحقيقاتهم، إلا أن إيماننا بخدمة العلم وإظهار الحقيقة هو الذي سوّغ لنا صرف الوقت في تحقيق ذلك تنبيهاً للقارئ، لئلا يؤخذ ببهرجة الالقاب، وحسبي في هذا مساهمة في إذاعة الصحيح.
3- ظلامة الناسخ: لم يكن ما لحق المؤلّف من ظلامة الناسخ دون ما أصابه من المؤرّخين ومن قبلهم جميعاً القنبيطور، فإن يكن ذلك الطاغية أحرق جسمه، وأولئك التبس عليهم تعريفه ورسمه، فإنّ الناسخ هو الآخر أجهز عليه فسدّد قلمه، واقتحم على حمى أبيه ليضيع لنا إسمه.
وكان ذلك، وتسبب فى توريط بعض المحدثين فاعتمدوا على ما كتبه دون التحقيق في أمره، وفشا ذلك حتى فيما تبقى من نسخ الكتاب، إذ لم يقتصر على نسخة دون أخرى، ممّا دل أنّ جميعها ترجع إلى أصل واحد، كان ناسخه هو مصدر التحريف وهو مصدر العناء، فإنّ الموجود من الكتاب فيما وقفت عليه بعد البحث في فهارس المكتبات هو ثلاث نسخ وقفت على واحدة منها، واطلعت على وصف اثنتين أخريين، والنسخ الثلاث هي:
1 - نسخة الخزانة التيمورية وهي اليوم في دار الكتب المصرية، ذكرها الأستاذ لطفي بديع في فهرس المخطوطات المصورة (التاريخ) ج 2 / ق 1 / ص 86 فقال: تذكرة الألباب بأصول الأنساب، لأبي جعفر أحمد بن عبدالعزيز بن عبد المولى البتي... تحت رقم (161).
نسخة كتبت بخطّ قديم 52 ق 10 سم × 12سم التيمورية 89 ضمن مجموعة (ف 570) .
2 - نسخة أخرى بدار الكتب المصرية: وصفها المرحوم فؤاد سيّد في فهرس المخطوطات ق 1 / ص 148 فقال: تذكرة الألباب بأصول الأحساب تأليف أبي جعفر أحمد بن عبدالعزيز بن عبدالولي البتي (ت 488 ه-) نسخة مصورة بالفوتستات عن الأصل المخطوط سنة 1108 المحفوظ بالدار برقم 6 مجاميع ش (ضمن مجموعة من لوحة 146 - 155) (418 / ج) وأشير إلى أصل هذه النسخة في فهرس الكتب العربية الموجودة في الدارج 5 ص 132 وحيث لم أطلع على هاتين النسختين أكتفى في تعريفهما بما ورد عنهما في الفهارس المذكورة.
3 - نسخة في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة : وهي التي اتخذتها أصلاً، واعتمدت على ما نسخ عنها في التحقيق، وقد اطلعت عليها بنفسي في سنة ( 1389 ه-) وسجّلت أوصافها، مضافاً إلى ما سبق لي الإطلاع عليه من معلومات كتبها الأستاذ السيد هادون العطاس والأستاذ السيد محمود إكينلي أمين مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت فى مراسلاتهما فى هذا الشأن.
ورغم ذلك كله فقد وجدت تفاوتاً في أوصافها عند آخرين، ولولا ما سجّلته بنفسي لحملني ذلك على التشكيك في أمر النسخة.
أمّا وصفها كما رأيتها فهي نسخة ضمن مجموعة تحتوي على 39 كتاباً ورسالة، وكتابنا هذا هو الثلاثون من كتب تلك المجموعة، ويبدأ من ورقة 329 وينتهي في ورقة 344 ومسطرته 27 سطراً في كل صفحة، وقياسها 6 سم × 12سم أمّا قياس المجموعة 11 سم × 18 سم.
والكتاب مخطوط بقلم تعليق كنحو خط باقي كتب المجموعة، وكلّها جيّدة الخطّ مجدولة ،مذهبة، ممّا يظهر أنّها خزائنية نفيسة وهي برقم 21 مجاميع قسم التاريخ.
كتب على ظهر كتابنا كتاب تذكرة الألباب بأصول الأنساب (بالحمرة) تأليف الشيخ أبي جعفر أحمد بن عبدالعزيز بن عبدالولي البتي الرواية عبدالملك بن زكريا بن حسان المقري.
ونقل الناسخ ترجمة المؤلّف عن أنساب الرشاطي، فكتبها على ظهر الكتاب وسبق منا أن ذكرناها عنه.
وجاء في آخر كتاب في المجموعة لم أكتب اسمه في حينه، ولعلّه كتاب النبات للأصمعي: نجز الكتاب والحمد لله ربّ العالمين، نقلت جميعه من نسخة نقلت جميعها من خطّ أبي الفتح عثمان بن جنّي، وصححها رضي الدين الشاطبي بتاريخ 15 صفر سنة 1187 ه-) .
ونظراً لوحدة الخطّ ربّما كان ذلك تاريخاً لنسخ كتابنا هذا أو قبله، أما وصف النسخة عند الآخرين فقد وصفها المرحوم فؤاد سيّد في فهرس المخطوطات المصورة (التاريخ) ج 2 / ق / 3 ص 100 فقال:
تذكرة الألباب بأصول الأنساب (984)
تأليف أبي جعفر أحمد بن عبدالعزيز بن عبدالولي البتي الأندلسي المتوفّى سنة 488 ( كما في أنساب الرشاطي ) .
رواية عبدالملك بن زكريا المقري، عنه.
ثمّ ذكر شيئاً من أوّل الكتاب وآخره وقال: نسخة بقلم تعليق واضح مضبوطة الشكل كتبها أبو بكر محمد بن رستم بن أحمد بن محمود الشرواني في 11 ورقة ومسطرتها 21 سطراً (عارف حكمت بالمدينة 21 مجاميع ف 22).
ووصفها الأستاذ عمر رضا كحالة في كتابه فقال:
9 - مجموع فيه :
3 - تذكرة الألباب بأصول الأنساب، لأحمد بن عبدالعزيز بن عبدالولي المتوفى سنة 488 ه- = 1905م عدد أوراقه: 43 - 51 نسخة جيدة مضبوطة بالشكل (21 قديم - 207 جدید مجاميع)(1)
ولا شك أنّ الرقم في جميع الأوصاف متحد، لكن الوصف متغاير ، خصوصاً فى الكم، فإنّ النسخة التى رأيتها واعتمدتها تشغل الأوراق من 329 - 344 أى 16 ورقة، بينما النسخة التي وصفها فؤاد سيد تشمل 11 ورقة، والتي وصفها كحالة تشمل 9 ،أوراق، ثمّ انّ مسطرة النسخة التي اعتمدتها 27 سطراً، والتي وصفها فؤاد سيد 21 سطراً.
وهكذا تعددت الأوصاف والرقم واحد؟ والملاحظ على كاتب النسخة سواء كان هو الشرواني كما ذكره فؤاد سيّد أو غيره، وسواء كان هو مصدر الوهم أم لا، أنّه كتب على ظهر الكتاب (أحمد بن عبدالعزيز بن عبدالولي) بينما المؤلّف نفسه ذكر اسمه ونسبه في مقدمة الكتاب فقال:
أحمد بن عبدالولي بن أحمد بن عبدالولي البتي... الخ.
فكيف غفل الناسخ عن تلك الحقيقة؟ خصوصاً إذا كان هو الشرواني الذي ذكره فؤاد سيّد: فإنّه أديب فاضل من رجال الدولة العثمانية (ت 1135 ه-) من آثاره: ما لابد منه للأديب(2).
ومهما يكن سبب الوهم لدى الناسخ، فإنّه تسبب في ايهام غير واحد من
الباحثين، ونحن إذا عذّرناه بأنّه نسخ ما وجد في أصل النسخة الّتي كتب عنها، فلا مجال لتعذير الباحثين المتأخّرين الّذين رأوا النسخة وكتبوا عنها وعن مؤلّفها، مثل إسماعيل باشا صاحب (ايضاح المكنون) فقد ذكر اسم الكتاب وقال هو لأحمد بن عبدالعزيز(1).
ممّا دلّ على أنّه رأى نسخة من الكتاب فسجّل ذلك عنها، ولا مجال للإعتذار عنه بأنه اعتمد على غيره ممّا تقدّم من المصادر، فإنّها جميعاً لم تذكر اسم أبيه عبدالعزيز، كما أنّها لم تذكر للمؤلّف كتاباً أصلاً، وقد مرّ عرض جميع ذلك مفصلاً فراجع، وبحق يعتبر أنّ البغدادي هو أوّل من ذكر كتاب المؤلف في الإيضاح غير أنه وهم في اسم أبيه.
وإن يكن قد سها في الإيضاح مرّة واحدة فقد وهم في كتابه (هدية العارفين) ثلاث مرّات حيث ترجم المؤلف :
1 - فوهم في اسم أبيه فسمّاه عبدالعزيز.
2 - ووهم في اسم جده فسماه عبدالمولى، بعد أن ذكره في الإيضاح (عبدالولي).
3 - ووهم في سنة وفاته فقال : سنة 448 ثمانية وأربعين وأربعمائة، وقد ذكر
وفاته في (الإيضاح ) سنة 488 صحيحاً(2). وممن وهم من محققي المتأخرين اعتماداً على إسماعيل باشا هو الباحث الأستاذ عمر رضا كحالة، فقد ترجم المؤلّف في موسوعته القيمة (معجم المؤلّفين )(3)، واعتمد على كتاب (ايضاح المكنون) - وقد عرفت سهو مؤ مؤلّفه فيه - وعلى تاریخ بروکلمان ولدى مراجعة ما ذكره من جزء وصفحة لم نجد ترجمة البتي، بل الموجود هو ترجمة أحمد بن محمد بن حنبل صاحب المذهب، وهكذا انتشرت الأوهام حتّى كادت تطغى على الحقيقة لولا التنقيب عنها والتنويه بها.
ومن الغريب من الأستاذ كحالة بعد أن اطلع على نسخة الكتاب في المدينة إذ
نوّه عنها في كتابه (المنتخب من مخطوطات المدينة المنورة )أن يوهم في اسم والد المؤلّف فيسمّيه عبد العزيز، على أنّ لفتةً عابرة منه إلى أوّل صفحة من الكتاب وهى مقدمة المؤلّف، تدلّه على إسمه ونسبه الصحيح، كما كانت تدلّه على أنّ للمؤلّف كتاباً آخر سمّاه (قسط الألباب من ثمار الأنساب) حيث أحال عليه عند اعتذاره عن بسط الكلام، راجع مقدمة المؤلّف في كتابه.
وقد آن لنا أن نكتفي بهذا العرض الشامل لما لحق المؤلّف من ظلامات ثلاث فاكتنفت شخصيته بالغموض من جرّائها، ولم يبق لنا ما نتبين به معالمها المتميزة.
وكلّ ما تحصّل لدينا من جميع ما تقدّم:
ان المؤلّف عاش حياة سياسية لا نعرف تفاصيلها، لكن عنوانها العام كان منا وأة الغزاة والمرتزقة من جنود المستعمرين، وهذا الطابع النضالي دلّ عليه نهاية المؤلّف، تلك النهاية المحزنة، كما أنا لا نعدو الصواب إذا ما قلنا: إنّ الرجل عاش حياة أدبية ذات آفاق عريضة نجهل دقائقها ويعسر عرضها مفصلاً، إلّا أنا نقيمها من خلال وصف ابن الأبار له : بأنه قائم على الآداب وكتب النحو واللغة والأشعار الجاهلية والإسلامية.
وهذا يدلّ بوضوح على أنه كان أديباً متسع الجوانب في رحاب عريضة من فنون العلم والأدب.
هذا ما تيسر لنا من تعريف المؤلّف، ولعلّ القارئ يكتفى بذلك، أمّا الحديث عن الكتاب، فقد سبق في أوائل التقديم ما يمكن تقييم الكتاب على ضوئه، كما مرّت الإشارة إلى الخطة التي التزمناها عملياً في تحقيقه، فلا حاجة إلى إعادة الحديث ثانياً.
ولكن الّذي ينبغي أن نشير إليه هو ملاحظة الهدف الذي قصده المؤلّف من تأليف كتابه، فإنّه أبان لنا أنّه كتبه إجابة إلى من وجبت إجابته، وهذا هو السبب الداعي وليس هو الهدف.
ولعلّ في ملاحظة العصر الذي عاش فيه المؤلّف، وما سبقه وقارنه وتعقبه من حوادث ذلك القرن بل وما بعده نتلمس ظاهرة جديرة بأن تدلّنا على الهدف
المنشود من وراء تأليف الكتاب.
وتلك الظاهرة هي تأليف عدة كتب في الأنساب في وقت يحتدم الصراع بين القوميات المتنازعة على السلطان في الأندلس في القرنين الخامس والسادس الهجريين.
فقد ألف في القرن الخامس ابن حزم (ت 456ه-) كتابه (جمهرة أنساب العرب).
وألف فيه ابن عبدالبر (ت 463 ه-) كتابيه (القصد والأمم في التعريف بأنساب العرب والعجم) و (الإنباه على قبائل الرواه).
وألف فيه البتي كتابيه: (تذكرة الألباب) و (قسط الألباب).
وفي القرن السادس الف الرشاطى (ت 542ه-) كتابه (إقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار).
وهذه الظاهرة إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على مدى التطاحن بين المتصارعين على الحكم للإنفراد باسم الخلافة، إذ كانت لا تحل إلا للقرشي، وكتب الأنساب من أهم الوثائق التي تدلّ على صحة الإنتساب لمن صحّت قرشیته، كما تفضح دعوى غيره.
ونحن لا نعدم شاهداً على ذلك الهدف حين نجد في مقدمة جمهرة ابن حزم مؤشراً نحوه فليراجع.
و من الخير قبل أن نودع القارئ أن نشير إلى أن سند الكتاب إلى مؤلّفه لم نقف عليه بعد خلو المصادر القديمة حين تترجم للمؤلّف.
وقد يبعث ذلك على التردّد في صحة النسبة، إلا أن في تصريح المؤلّف باسمه في أوّل الكتاب، ورواية عبدالملك بن زكريا بن حسان المقري عنه ما يطمئن النفس بصحة النسبة ، والله العالم.
وفي الختام نحمد الله سبحانه وتعالى على إتمام ما قدّمناه، وله الشكر على ما حققناه، ونسأله أن يتقبّل أعمالنا ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، إنّه أرحم الراحمين، والحمد لله ربّ العالمين.
محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
4 ربيع الأوّل 1395ه-
تأليف
الشريف النسابة أبى اسماعيل ابراهيم بن ناصر ابن طباطبا
من أعلام القرن الخامس الهجرى
حققه وقدم له
العلامة الجليل السيد محمد مهدى السيد حسن الخرسان
منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الاشرف
1388 ه- - 1968م
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على خير خلقه محمّد و آله الطاهرین.
1 - حديث المنتقلة :
يلذ لي وأنا بين يدي كتاب لم يسبق له أن رأى النور في عالم النشر الفسيح، أن أتحدّث إلى القرّاء عن قصتي مع هذا الكتاب وكيف وصل إلى يدي، ومنها إلى يديهم بعد تسعة قرون مرّت على تأليفه وكان بعضها مسرحاً لحوادث وكوارث أتت على الأخضر واليابس، فذهب ضحيتها آلاف من أمثال كتابنا هذا نتيجة الجهل والطيش، فلم نسمع إلا بأسمائها، وما لم نسمع به فهو أكثر وأكثر.
ومن المستغرب أن يبقى كتابنا هذا في سلامة من طيش العابثين، مقبوراً في زوايا الخمول بين أضرابه وأترابه، لم يكتب له الإنتشار ليعم الإنتفاع به. ولشدّة اليأس منه كاد أن يدخل فى قائمة أخبار كان لكثرة البحث عنه في زوايا المكتبات العامة، والتساؤل عنه حديث جل المعنيين بأنساب الطالبيين شأنه شأن لداته من أصول النسب الضائعة المفقودة، ولولا ما ذكرته بعض الفهارس المعنية من الدلالة على وجود نسخته في ايران فقد كدنا أن نيأس من الحصول عليه أو العثور على مكانه.
وشاء الله أن تصل نسخته إلى النجف الأشرف، وانّ الله تعالى إذا أراد أمراً هياً له أسبابه.
ففي أمسية من عام سنة ( 1382ه-) ذهبت على عادتي إلى المكتبة الحيدرية - التي هي أوسع دور النشر واقدمها في النجف الأشرف - فاستقبلني صاحبها الأستاذ الأخ الشيخ محمّد كاظم الكتبي - سلّمه الله - مرحباً وتلك عادته مع زائريه ولاحظت عليه سمة الإرتياح فسرني ذلك، فابتدرني مبشراً ومشيراً إلى
مظروف أمامه: إنّ هذا كتاب (منتقلة الطالبيين) وناولني المظروف فإذا فيه مصوّر بالفوتستات يضم ثلاثة كتب الأوّل قطعة من كتاب الأدعياء، والثاني سر السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري، والثالث كتاب منتقلة الطالبيين، قد جمعت بينها وحدة الموضوع وألفت بينها يدا المجلد ولم يشأ المصوّر أن يفرق بين الأخوة، فصور المجموع كما كان.
وسألته عن مصدر إقتنائه - وأنا مبتهج بتلك التحفة - فقال : إني كلّفت صديقنا الحميم فضيلة العلّامة الجليل الشيخ محمد نجل آية الله الشيخ عبدالحسين الرشتي باستحصال نسخة من هذا الكتاب عن نسخة مكتبة سبهسالار ، فأجاب - مشكوراً -وكتب إلى صديقه ثقة الإسلام الأستاذ الحاج أغا عبدالله آل أغا مدیر المكتبة المذكورة وطلب منه تصوير الكتاب، فتفضل هو الآخر مشكوراً فصوّره وأرسله، وها هي النسخة تفضل بها العلامة الرشتى وأنا أحب أن أطبعها ليعم نفعها.
فشكرت له وللمساهمين في تحصيل النسخة صنيعهم الجميل وشجعته على المبادرة بطبع الكتاب بعد تصحيحه وتحقيقه.
فطلب رأيي في ما يحتاج إليه الكتاب من موارد التحقيق والتعليق عليه، فاستمهلته ريثما أتصفح الكتاب فإنّه لا يشبه كتب النسب التي عرفناها وانتشر بعضها فعرفها القرّاء، وأخذت النسخة معي وأحييت معها ليلة في مكتبتي، تعرفت فيها على طرف من أسلوب المؤلّف، وهو أسلوب جديد لم نعهده في مثله من كتب الفن ،قبله، كما اطلعت على حاجة الكتاب إلى شيء من التعليق اللازم مما يفسّر مصطلحاً خاصاً أو يُعرّف عَلَماً فذا، أو يُعين بلداً وغير ذلك من النقاط التي رأيت لزاماً أن تؤخذ بعين الاعتبار قبل تقديم الكتاب إلى المطبعة، مضافاً إلى المحسنات الطباعية التي هي من وظيفة الأستاذ الناشر الكتبي.
وفي اليوم الثاني حملت المظروف وقصدت المكتبة العامرة وسلمته إلى الأخ الكتبي فسألنى كيف رأيت الكتاب؟
فأجبته: إنّه أثر مهم في بابه وحلقة من حلقات علم النسب، كنا نحسب أنّها
مفقودة، ولو تمّت جميع تلكم الحلقات متسلسلة منتظمة لكانت كفيلة بتسليط الأضواء على جوانب عديدة من تاريخنا الماضي المجيد، وهذا الكتاب وحده وثيقة خطيرة يجب أن يطبع وينشر ليتيح للباحثين الإطلاع على زوايا وخبايا فإنّ الإطلاع عليها يغير بعض المفاهيم الخاطئة عن سلالة هي من أعرق السلالات في نجابة الأعراق، وطهارة المولد، وطيب المنبت، حتّى ودكلّ أحد من الناس أن يكون منهم، ولم يودوا أن يكونوا من أحد، وذلك أقصى المجد وغاية الفخر.
ولكن مع الأسف الشديد أن يضلع بعض المحدثين مع ركب المتعصبين من القدامى، فينظر إلى هذه الأرومة وأكارمها بنظر الحقد والشنآن والاحن والأضغان، فيكيل السبّ جزافاً ويفتري على القوم بهتاناً وزوراً، كلّ ذلك ليبرر نقمة الحاكمين حينذاك الشنعاء ويغطي فعلتهم النكراء، ناسياً أنّ وراء اليوم غداً وهنالك يسئل المجرمون ، ويعرف التالون غب ما أسس الأوّلون.
كما أنه غافل أو يتغافل عن أنّ التاريخ للجميع، ويجب أن يسجل بقلم نزيه ولسان صادق لا مسرح في أدواره للنزعة، ولا تحكم بين أبطاله للعاطفة، وإنّما يبحث التاريخ ويسجل للتاريخ وحده كيف ما كان لا تملكه فئة حاكمة ولا تخسره فئة ناقمة.
على أي حال فإنّ أشبال أبي طالب(عليه السلام)كانوا أبطال رواية الكثير من صفحات التاريخ، في مختلف عصوره وأدواره، عجم الده-ر ق-ن-اتهم، وشتت أفرادهم فلم يزدهم ذلك إلا صلابة وصموداً.
أمّا ما يجب أن يلحظ بعين الاعتبار قبل نشر هذا الكتاب هو تحقيق نصوصه، وشرح بعض المصطلحات الخاصة بعلم النسب، وأوكد على ذلك، فإن كثيراً من ذوي الثقافة العالية - فضلاً عن عامة القرّاء - يجهلون تلك المصطلحات الخاصة، وليس في ذلك غضاضة عليهم، بعد أن يكونوا بعيدين عن أصول هذا الفن ومصطلحاته.
كما إنّ من الخير تعريف أعلامه وبلدانه، وفي ذلك تيسير للقارئ على فهم
الكتاب، وتوفير لوقته عن مراجعة مختلف المصادر للبحث عن علم أو بلد أو مصطلح.
وهنا تقدم الأخ الكتبي - سلّمه الله - يطلب منّي أن أتولى ذلك وأتحمل عناء هذه المسؤولية الشاقة، وعبثاً حاولت الاعتذار ، وما انفض مجلسنا حتّى قمت وأنا أتأبط المظروف أعود به إلى مكتبتي لأفتح له صفحة من الحساب، وأخصص له وقتاً مع أعمالي الأخرى، وأنا في زحمة منها، ومع تلك المضايقة فأنا أشعر بارتياح نفسي لحصول تلك النسخة التي طالما تشوقت لرؤيتها، وبدأت العمل من تلك الليلة باعداد مقدّمات تهيئة الكتاب لأدفع أوّل مسوداته إلى المطبعة الحيدرية بعد أربع سنين من تاريخ عملي فيه.
وهكذا بقيت مستمراً دؤوباً في مراجعة الملازم وتصحيحها طيلة عامين آخرين، وشرعنا في العام الثالث ونحمد الله تعالى على تيسيره وتوفيقه بإكمال إعداد مسوداته وتسليم آخرها إلى المطبعة وعن قريب سينتهي العمل على إتمام طبعها.
وبعد ذلك العناء المضني في سبع سنين عجاف، سيأتي العام الذي فيه يغاث القرّاء، ويتسلّمون الكتاب محققاً غنيمة باردة بارك الله لهم فيها، وأجزل ثوابنا واخواننا الذين شاركونا في نشره وتحصيل نسخته وطبعه، إنه ولي الخير وهو أفضل مثيب.
2 - عملي في هذا الكتاب:
وينحصر عملي في خمسة أمور:
1 - استنساخ الكتاب لمّا كان الأصل الذي نريد أن نحققه مصورّاً (بالفوتستات) ولا مجال لعمل أي تعليق أو تحقيق على مثل ذلك لضيق المجال في الهوامش من ناحية، وطمس بعض الكلمات من ناحية أخرى لذلك شرعت في الاستنساخ في تلك الأيام وانتهيت منه في سنة (1383ه-).
وشرعت في معارضة المخطوط بالمصوّرة مرّة ثانية خشية سهو القلم وكملت المقابلة في سنة ( 1384ه-) وحينئذٍ تهيأت لدي نسخة مخطوطة ستكون هي الأصل الّتي يثبت عليها التعليق وبها يناط التحقيق.
2 - تحقيق النص : وقد اتخذت في ذلك (أوّلاً) الطريقة المألوفة في تصحيح النصوص قديماً وحديثاً، وهى مطابقة الأصل المخطوط عن المصور مع نسخ أخرى مخطوطة، وقد حصلت لي نسخة بقلم عادي، نسخت عن النسخة الموجودة بمكتبة الحاج حسين آقا ملك بطهران، وهي تعتبر أقدم تاريخاً من النسخة التي بمكتبة سبهسالار، والتي عندنا صورة منها، فعارضت مخطوطتي بتلك، وحيث اختلف النصان أثبت أمثلهما صحة في الصلب، وأشير إلى الآخر في الهامش إذا كان ذا أهمية بالغة.
ولم أشأ أن أشير في الهوامش إلى جميع الفوارق البسيطة فارهق القارئ بتقليب نظره بين الصلب والهامش جرياً وراء الأرقام، إذ ليس - فيما أرى كبير نفع يستفيده القارئ بعد اعتقادي أنّ جلّ تلك الفوارق نشأت من سهو الأقلام وتصرّف النسّاخ ، ولم أفترض في كلّ قارئ له رغبة تامة في مقارنة النص في النسختين أو له الوقت الكافي لمتابعة ذلك العناء، كما لم أفترض أنّ جمهرة القرّاء لهم الكفاءة التامة، أو الإختصاص المؤهل لهم للإستفادة من مراجعة تلك الفوارق البسيطة، التي ربّما شوشت عليهم، فكان إثم ذكرها أكبر من نفعه.
(والطريق) (الثاني) الذي سلكته في تحقيق النص هو معارضته على أصول الفنّ المعتمدة - وستأتي الإشارة إليها - وسلوك هذا الطريق أكثر عناءاً من الأوّل، فكم أضناني تحقيق نسب شخص ما ليالي وأياماً، وبذلت الجهد الكثير الكثير، وتحمّلت العناء في معارضة النصّ على ثبوت تلك المصادر، وحرصت على تسجيل الفوارق بينه وبينها في الهامش إذا كان الفرق بالغاً وكبيراً.
أمّا إذا أعيانا الحصول على الصحيح من هذا الطريق، فأثبت في المتن ما هو متفق عليه في النسختين أشير في الهامش إلى وجوده فيهما معتذراً إلى القرّاء
سلفاً عن تحمّل مسؤولية ذلك.
3 - تنظيم الكتاب: أمّا ما عملته في هذا الكتاب سوى تحقيق النص فقد استطعت - والحمد لله ومنه التوفيق - أن أنظم الكتاب تنظيماً ييسر للقارئ فهمه والإنتفاع به فهو وإن كان مبوباً إلا أنّ مواد الباب الواحد كانت متشابكة متداخلة ينساب بعضها وراء البعض الآخر، فيكاد القارئ أن لا يعرف أين انتهى الحديث عن بلد ومن أين ابتدأ الحديث عن الثاني فحرصت على تنظيم ذلك قدر المستطاع.
4 - التعليق عليه : أمّا التعليق على الكتاب، فهو يتلخص في ترجمة الأعلام وتعريف البلدان، أما تعريف الأعلام فقد كنت أوّل الأمر ارتأيت أن يكون التعريف بترجمة مناسبة تحدد مكانة المترجم له وتعين القارئ على فهمه فهماً يمكن أن يتخذه مصدراً لتصوير الشخصية وحدودها على أن يكون ذلك في الهامش.
ولمّا كان ذلك يختلف باختلاف قيم الرجال ومكانتهم وآثارهم، فرُبَّ شخصية فذة مجهولة القدر ، تحتاج في التحدّث عنها إلى صفحات، وأخرى ثائرة استهدفت أهدافاً ،صحيحة ، لكن اكتنفها الغموض، فيجب أن نميط عنها الستار قدر المستطاع، وثالثة علمية غذت الفكر الإسلامي بلبانها فأغنته بتراثها ورابعة وخامسة وهكذا يختلف تعريفنا لأولئك الأعلام إيجازاً وإطناباً، مما جعلنا نعدل عن ذكر ذلك في الهامش، وولدت فكرة جمع تلكم التراجم في كتاب خاص أسميناه (معجم أعلام منتقلة الطالبيين) بعد أن كنا قطعنا شوطاً على طريقتنا الأولى، فاضطرنا ذلك العدول إلى مراجعة الهوامش حتى ص 40 من مخطوطنا لاستلال ما فيها من التراجم وضمّها إلى المعجم المذكور، وتعديل الأرقام في الصلب والهامش بعد عملية الاستلال، وقد كلفنا ذلك تغيير بعض الصفحات بانتساخها من جديد مرة ثانية، وفي ذلك من العناء ما يدركه ذووا الإختصاص والعمل في تحقيق الكتب.
وقد أشير أحياناً في الهامش إلى ما أجده في بعض أصول النسب الأخرى،
خصوصاً المخطوطة منها ، لندرة نسخها وعدم تيسر الإطلاع عليها لسائر القرّاء، وأرى فى إثباته كبير فائدة لعلاقته بما فى الصلب كتنبيه على انفراد المؤلّف أو عدم ذكره لمن يجب ذكره وفاته ذلك، أو خطأ في بعض كتب النسب المطبوعة، ونحو ذلك مما سجلته في وقته لإفادة القارئ.
وأمّا تعريف البلدان فقد عانيت الكثير في معرفتها، لأن كثيراً منها تغيرت معالمه فجهل موقعه، أو انطمست آثاره وقام على أنقاضها بلد آخر باسم جديد فغير اسمه الأوّل، أو أنّ المؤلّف نفسه لم يتحقق اسمها الصحيح فأثبتها كما ظنّ كما في حراب وسماك فإنّهما لقبان وليسا بإسمي موضع، فالنسبة إليهما نسبة إلى لقب لا إلى موضع فجشمنا تحقيق ذلك عناءً كبيراً، حتى اتضح لنا ما بهم عليه.
وهذا التعريف أيضاً آثرنا وضعه في اطار خاص يرجع إليه القارئ عند الحاجة.
ولم أشأ أن أذكره مفرقاً في ثنايا الكتاب حسب ورود أسماء البلدان لضيق الهوامش أحياناً عن استيعابه، لذلك ألحقناه في آخر الكتاب.
5 - الإستدراك على المؤلّف: وهذا موضوع دعتني إليه الرغبة الملحة بإكمال الموضوع الذي ابتدأه المؤلّف(رحمة الله علیه)ولم يلم بأطرافه إلمامة الإستقصاء التام حتى في عصره، ففاته الكثير من الطالبيين، بل من أعيانهم وساداتهم - وكلّهم أعيان وسادة الذين يجب أن يذكرهم حسب شرطه في أوّل كتابه، وكم كانت رغبتي عظيمة في تعميم مستدركي على كتابه فيكون لنا بمثابة تتميم له فيشمل حتى الطالبيين بعد عصر المؤلف - القرن الخامس الهجري - ولكن قلة المصادر وضيق الوقت وسعة الموضوع، كلّ ذلك دعاني إلى تكريس الجهود في استدراك ما فات المؤلف(رحمة الله علیه)ذكره، وكان عليه أن يذكرهم سواء السابقين عليه أو المعاصرين له.
فجمعت في ذلك طائفة من الطالبيين ورتبتها حسب ترتيب الأصل - المنتقلة - وأسميتها (مستدرك المنتقلة) ولا أدعي في عملي هذا الإحاطة التامة بكل من فات المؤلّف ذكره، ولكنها محاولة أولى أرجو أن تكون نواة لعمل أتم وبحث أوفى
في المستقبل، تتضاعف فيه الجهود ويكمل فيه النمو فيصل إلى مداه من النجاح إن شاء الله.
نسخ المنتقلة:
1 - نسخة خطية بمكتبة الحاج حسين آقا الملك بطهران: وهي بخط محمود ابن صدرالدین بن سيفال داروغه أنهى كتابتها يوم الاثنين في شهر ربيع الثاني سنة (904ه-) وهى تبدأ من آمل وتنتهي باليمامة من ص 170 - 202 ، حيث هي منضمة إلى سر السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري، وعنها أخذت نسخ أخرى منها:
(أ) في مكتبة مجلس الشورى بطهران، برقم 1125 نسخة مصوّرة.
(ب) ومكتبة جامعة طهران (دانشگاه) برقم 22 نسخة مصوّرة، أهداها الدكتور على أصغر حكمت إلى مكتبة الجامعة.
(ج) بمكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة في النجف الأشرف نسخة كتبت بقلم رصاص على ورق الكاربون) وهي كثيرة الغلط والسقط، وناسخها أعجمي وأظنّه من العوام، ولكنا استفدنا منها قدر المستطاع كما صححنا فيها كثيراً عند المقابلة.
2 - نسخة خطية بمكتبة مدرسة (سبهسالار ) بطهران في مجموع يضم كتابين آخرين وهما:
(أ) كتاب الأدعياء والنسب الباطلة (ولى عليه تعليقات تفسر مغلقه).
(ب) كتاب سر السلسلة لأبي نصر البخارى وكلاهما ناقص من أوّله، والأوّل منهما ناقص من آخره أيضاً، والمجموع في 110 أوراق، الأوّل من 2 - 8 أ، والثاني من 8 ب حتى 32 ، والثالث من 33 حتّى110. وقياس النسخة المصورة: - 20×13، 21 سطر.
وخط المجموع متقارب، ولمّا كان الكتاب الأول ناقص الآخر لم نستيقن
كاتبه، بل نظنه هو نفس ناسخ الثاني لوحدة الخط، وناسخ الثاني كما في آخره: بو القاسم الشريف، ولم يؤرّخ سنة انتساخه، لذلك لم نتمكن من معرفته، أمّا الكتاب الثالث وهو (منتقلة الطالبيين) فهو بخطّ رجل أعجمي غلبت عليه العجمة فصحف كثيراً.
وقد كتب على ظهر المجموع اعتضاد السلطنة وزير العلوم والصنايع الإيرانية فى سنة ( 1280 ه-) صورة تملكه ختمه .
مع كما إنّ على ظهره صورة وقف المجموع على مكتبة مدرسة الناصرية سبهسالار وذلك في سنة (1337 ه-) ومن مقارنة النسختين عند المقابلة اتضح لي أنهما يرجعان إلى أصل واحد هو الآخر مشوه بالأغلاط، إذا أحسنا الظن بنسخة المؤلّف وأنّها سليمة من الخطأ، ولعلّها كانت هى الأخرى مغلوطة - ولا يبعد ذلك - ومنها انتشرت الأخطاء، وزيد عليها في النسخ الفرعية أخطاء أخرى لأعجمية الناسخين.
أهمية علم النسب:
ليس الإهتمام بالأنساب وليد عصر خاص أو قومية خاصّة أو بلد خاص، بل هو وليد حاجة الإنسان في عصوره الغابرة، حيث كانت الحاجة تدعوه إلى الإلفة والتعاطف، وكان تنازع البقاء يخلق أجواء محمومة يحتاج معها الإنسان إلى الحماية والقوة، فهو منيع بعشيرته وعزيز بأقوامه، لذلك اهتم بنسبه ووشائجه فحفظها ورعاها، كما حدبت عليه أصوله فضمته بین أحضانها تحميه عادية الأبعدين وتردّ عنه كيد المعتدين.
وقد حكى القرآن الكريم حال نبيين من أنبياء الله تعالى نعى أحدهما قوّته لفقدانه العشيرة فقال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ(1)والثاني
1) هود: 80
حمته منعة قومه حتى ها به أعداؤه فقالوا له: وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ(1).
والّذي يظهر من زبر الأولين وأخبار الماضين انّ الإهتمام بالأنساب لم يكن من خصائص العرب فحسب، بل هناك أمم أخرى حفظت أنسابها ودوّنت أعقابها بما يحفظ لها ذلك، عناية منها بطارفها وتليدها وتخليداً لعزها ومجدها، وقد ذكر الأمير شكيب أرسلان:
(إنّ الأمة الصينية الكبرى هي أشدّ الأمم قياماً على حفظ الأنساب، حتى أنهم يكتبون أسماء الآباء والجدود فى هياكلهم، فيعرف الواحد أنساب أصوله إلى ألف سنة فأكثر، وكذلك الإفرنج كانت لهم عناية تامة بالأنساب في القرون الوسطى والأخيرة، وكانت لهم دوائر خاصة لأجل تقييدها وضبطها ووصل آخرها بأوّلها).
وحكى ابن الطقطقى في النسب الأصيلي - مخطوط - من أعلام القرن السابع الهجري:
( وأما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فضبطوا أنسابهم بعض الضبط، بلغني أن نصارى بغداد كان بأيديهم كتاب مشجر يحتوي على بيوت النصارى وبطونهم، فهذه الأمم وإن اعتنت بأنسابها بعض العناية واهتدت إلى ضبط مفاخرها نوعاً من الهداية، فلم يبلغوا مبلغ العرب الذين كان هذا الفنّ غالباً عليهم وفاشياً فيهم).
ولمّا جاء الإسلام أكد على رعاية الأنساب، وحثّ على صلة الأرحام وبنئ على ذلك كثيراً من أحكامه، ليهتم المسلم بحفظها في حدود حاجاته الشرعية، فإنّه أوجب معرفة نسب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) وأنّه هاشمي قرشي إذ لابد في صحة الإيمان من معرفة ذلك، كما عن ابن حزم في الجمهرة(2)والقلقشندي في مقدمة النهاية وغيرهما.
كما انّه اعتبر النسب في الإمامة، فأوجب القرشية وأنّها من شروط الصحّة عند عامة المسلمين إلّا من شذّ من لا يؤبه بخلافه كما عن الشافعي والماوردي في الأحكام السلطانية(3)وابن الفرّاء الحنبلي في الأحكام السلطانية (4)وابن حزم في
الجمهرة(1)والقلقشندي في مقدّمة النهاية وغيرهم.
وكذلك أوجب الإسلام معرفة قربى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) لوجوب مودتهم المفروضة بنص الكتاب العزيز، والتي جعلها أجر تبليغ الرسالة فقال عز من قائل: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِى القُرْبَى (2)
كما أنّه رتّب على معرفة أنسابهم خاصة أحكاماً أخرى، كتحريم الصدقة عليهم ووجوب الخمس لهم سوى ما يناط بمعرفة أنسابهم في سائر أبواب الفقه الأخرى، كالنكاح والميراث والعتق والديات والوقف، فإن في كثير من الكتب الفقهية الإسلامية أحكاماً خاصة يجدها الباحث تتعلق بالهاشميين أو بخصوص الفاطميين منهم، وعلى سبيل المثال أذكر أنّ القاضي عثمان بن أسعد بن المنجا الحنبلي خصّ في كتابه الوقف باباً في الوقف على الأشراف(3).
كما أذكر أنّ السيوطى فى العجاجة الزرنبية ذكر وقف بركة الحبش، وان نصفها على الأشراف من بني الحسن والحسين، ونصفها على سائر الطالبيين من باقي ذرية على(عليه السلام)وأخويه جعفر وعقيل.
بل أنّ بعض الأوقاف كانت تخصّ بعض أفخاذ العلويين، كما في وقف الملك الصالح طلائع بن رزيك، فانّه أوقف ناحية بلقيس وجعل غلتها على الأشراف فخص سبع قراريط منها للسادة بني الحسين أهل المدينة المنورة، وقيراطاً لبني السيّد معصوم في الغري(4)، كما في الخطط للمقريزي وتحفة الأزهار (مخطوط)
1) الجمهرة: 2.
2) الشورى: 23
3) لاحظ كتاب الوقف: 20 طبع المعهد الفرنسي سنة 1949م.
4) السيد أبو الحسن معصوم هو الجد الأعلى لكاتب المقدّمة وإليه ينتهي نسب السادة آل الخرسان في النجف الأشرف وغيرها قال عنه الشدقمي في التحفة كان سيّداً شريفاً جليلاً عظيم الشأن رفيع المنزلة، كان في المشهد الغروي كبيراً عظيماً ذا جاه وحشمة ورفعة وعزّ واحترام عليه سكينة ووقار، ثمّ نقل قصة رؤياه الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) في شأن طلائع بن رزيك وبشارته له بتوليته مصر، وإليها يعزى سبب اختصاص بني السيد معصوم بقيراط من وقف ناحية بلقيس.
إلى غير ذلك من الأوقاف التي تخص الأشراف. فلولا معرفة الأنساب لارتطم المسلمون في الحرام من حيث يدرون ولا يدرون.
وأظن أنّ فيما ذكرناه كفاية لإقناع القارئ عن أهمية علم الأنساب ووجوب معرفتها بمقدار الحاجة خصوصاً النسب النبوي، فإنّ لأفراده الأشراف ميزات خاصة زانهم بها الإسلام وصانهم، حتّى ودّكلّ واحد أن يكون منهم ولم يرغبوا في أن يكونوا من أي أحد، لشرفهم الباذخ ، وسمو مجدهم الشامخ .
وحسب الهاشميين ما خصهم الله به من كرامة لنبيه(صلی الله علیه وآله وسلم) و من تنزيههم عن الصدقات، التي هي أوساخ ما في أيدي الناس، ففرض لهم في محكم كتابه سهماً قرنه بسهمه وسهم نبيه(صلی الله علیه وآله وسلم)وتلك كرامة من الله تعالى لهم لايسع المعاند إنكارها مهما وسعته القوّة في دفعهم عن حقهم ومقامهم ، كما فرض لهم المودّة على جميع المسلمين في محكم كتابه وزادهم الرسول الكريم(صلی الله علیه وآله وسلم) بعنايته الخاصة فزانهم بقوله الخالد: «كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي»(1)
كما أنّ القاسمي ألف رسالة شرف الأسباط، وذكر فيها الأدلة على شرف النسب النبوي وشمول البنوة والذرية لأولاد البنات وأعقابهم وأحفادهم وأسباطهم، وتوسع في ذلك وذكر فتاوى العلماء في باب الوقف بأنّ الذرية والعقب والنسل والبنين والأولاد تتناول أولاد البنات، ولا تخلو هذه التوسعة من مناقشة ليس هذا محل ذكرها.
وجاء في تاريخ الإسحاقي: 41 ذكر عن الشيخ شهاب الدين الرملي وكان شيخ الإسلام بمصر: إنّ الشرف مختص بذرية الحسنين فقال: (مسألة) مفيدة سئل عنها مولانا شيخ الإسلام الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي تغمده الله برحمته وهي هل يقال لمن هو من ذرية العباس سيد وشريف؟ وهل له تعليق علامة الشرف أم لا؟ أجاب ليس الأمور المذكورة لأحد من أولاد العباس ولا لأحد من أقاربه وأولاد بناته إلا لأولاد سيدتنا فاطمة رضي الله عنها، فالشرف مختص بأولادها الحسن والحسين ومحسن، فأمّا محسن فمات صغيراً في حياة النبي والعقب للحسن والحسين رضي الله عنهما ... إلى آخر المسألة وفيها فوائد كثيرة وهي طويلة.
.1) وقد ألف ابن عابدين رسالة في ذلك تسمّى (العلم الظاهر في نفع النسب الطاهر) ذكر فيها من السنّة ما يدلّ على المطلوب. عن هامش الصواعق لابن حجر.
وقد ذكر مشايخنا الأعلام في مؤلفاتهم بعض ما يجب لهم، فهذا رئيس المحدثين الشيخ أبو جعفر الصدوق (ت 388ه-) ذكر في اعتقادات الإمامية جانباً من حقوقهم.
وهذا الشيخ الجليل آية الله العلّامة الحلي (ت 721ه-) ذكر في أواخر كتابه القواعد وصيّته لولده فخر المحققين وفيها أمره له برعاية حق الأشراف وصلتهم، و ذكر فيها جانباً من حقوقهم وما قاله النبي ا في فضلهم.
والدولية فلهذا ونحوه حق لكلّ علوي، بل وكلّ طالبي ، وحتى الهاشمي أن يطاول شهب السماء رفعة وسموا بمجده وشرفه
ومهما عاب العصاميون العظاميين في التفاخر بأمجاد الرفاة البالية، فإنهم لا يسعهم أمام افتخار العلوي بآبائه، والطالبي بقرباه إلا أن يطأطأوا الرؤوس إجلالاً وإذعاناً، كيف لا وهما إنّما يفتخران بمن طأطأ كل شريف لشرفهم، وبخع كل متكبر لطاعتهم، وخضع كل جبار لفضلهم.
وإلا فبماذا يعيب الناقد قول أمير المؤمنين الا الله من كتاب له إلى معاوية وهو يعدّد مفاخره :
(فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا، لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزّنَا، وَلَا عَادِيُّ طَوْلِنَا عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بَأَنْفُسِنَا فَنَكَحْنَا وَأَنْكَحْنا فِعْلَ الْأَكْفَاءِ، وَلَسْتُمْ هُنَاكَ، وَأَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَمِنَّا النَّبِيُّ وَمِنْكُمُ الْمُكَذِّبُ، وَمِنَّا أَسَدُ اللهِ وَمِنْكُمْ أَسَدُ الْأَخْلَافِ، وَمِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ، وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينِ وَمِنْكُمْ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ، فِي كَثِيرٍ مِمَّا لَنَا وَعَلَيْكُمْ، فَإِسْلَامُنَا مَا قَدْ سُمِعَ، وَجَاهِلِيَّتُنَا لَا تُدْفَعُ، وَكِتَابُ اللهِ يَجْمَعُ لَنَا مَا شَدَّ عَنَّا، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ(1). أو ماذا ينعى الحاسد من خطاب أبي محمد الحسن ا لمعاوية، وقد تعرض له عمرو بن العاص في مجلس معاوية، فأنف سليل النبوة عن جواب ابن العاص فقال لمعاوية بعد كلام له:
أتأمر يا معاوي عبد سهم *** بشتمي والملا منّا شهود
إذا أخذت مجالسها قريش *** فقد علمت قریش ما ترید
قصدت إلىّ تشتمني سفاها *** لضغن ما يزول وما يبيد
فمالك من أب كأبي تسامى*** به من قد تسامى أو تكيد
ولا جد كجدي يا ابن هند*** رسول الله إن ذكر الجدود
ولا أُمّ كأُمّي من قريش*** إذا ما حصل الحسب التليد
فما مثلي تهكم يا ابن هند*** ولا مثلي تجاريه العبيد
فمهلاً لا تهج منا أموراً*** يشيب لهولها الطفل الوليد(2)
أو ماذا يكذب من افتخار سيّد الشهداء الحسين(عليه السلام) في يوم عاشوراء، وقد توازر عليه من غرّته الدنيا، وباع حظه بالأرذل الأدنى، فوقف آيساً من الحياة
عازماً على الموت وهو يقول:
أنا ابن عليّ الطهر من آل هاشم ***كفاني بهذا مفخراً حين أفخر
وجدي رسول الله أكرم من مشى*** ونحن سراج الله في الأرض يزهر
أو بماذا يُنقد هتاف الإمام زين العابدين(عليه السلام) مفتخراً بأمجاده بين جموع الشاميين وقد حمل أسيراً إلى يزيد ومعه أهل بيته:
«أيّها الناس أعطينا ستاً وفُضّلنا بسبع، أعطينا العلم والحلم، والسماحة والفصاحة، والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأنّ منّا النبيّ المختار محمّداً، ومنّا الصدّيق، ومنا الطيّار، ومنّنا أسد الله وأسد رسوله، ومنّا سبطا هذه
الأمّة، ومنّا مهدي هذه الأمة.
من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي:
أيّها الناس: أنا ابن مكّة ،ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الرداء، أنا ابن خير من اتزر وارتدى أنا ابن خير من انتعل واحتفى أنا ابن خير من طاف وسعى أنا ابن خير من حجّ ولبى، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى أنا ابن من صلّى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى أنا ابن محمّد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا: لا إله إلا الله أنا ابن من ضرب بين يدى رسول الله له بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين».
إلى آخر الخطبة التي لم يزل يقول فيها أنا أنا حتى ضجّ الناس بالبكاء وخشى يزيد وقوع الفتنة فأمر مؤذنه ليقطع كلامه بالأذان (1).
أو ماذا يرد من قول شاعرهم الشريف الحماني الزيدي:
بلغنا السماء بأنسابنا*** ولولا السماء لجزنا السماء
فحسبك من سؤدد أنّنا*** بحسن البلاء كشفنا البلاء
يطيب الثناء لآبائنا ***وذكر (عليّ) يطيب الثناء
إذا ذكر الناس كنا ملو*** كاً وكانوا عبيداً وكانوا إماء(2)
أو من قوله الآخر:
إذا فاخرتنا من قريش عصابة*** بمط خدود وامتداد أصابع
فلمّا تنازعنا المقال قضى لنا *** عليهم بما نهوى نداء الصوامع
ترانا سكوتاً والشهيد بفضلنا*** عليهم جهير الصوت في كل جامع
فإنّ رسول الله أحمد جدّنا*** ونحن بنوه كالنجوم الطوالع (1)
وليس يقصر عنه قول الشريف الرضي الموسوي:
أخذنا عليكم بالنبي وفاطم*** طلاع المساعي من مقام ومقعد
وطلنا بسبطي أحمد ووصيّه*** رقاب الورى من متهمين ومنجد
وحزناً عتيقاً و غاية فخركم*** بمولد بنت القاسم ابن محمّد
فجدّي نبي ثمّ جدّي خليفة*** فما بعد جدينا عليّ وأحمد
وما افتخرت بعد النبي بغيره*** يد صفقت يوم البياع على يد (2)
وكلّ هؤلاء السادة هم تيجان الفخر وأصول الفضل، ومعدن السماحة والفصاحة والشجاعة، وإليهم تنتهي ينابيع العلم والحلم والكرم، ومنهم تعلم الناس الإباء والحفاظ وعزّة النفس، قد جمعوا إلى جمال شرف النسب كمال الفخر بالحسب، وبذوا غيرهم بالملكات النفسية الحميدة وخصال الخير. فهم لم يعوّلوا على مجرّد النسب وإن شرف ولا اتكلوا على الحسب وإن عظم بل كان أبناء النبوة يشعرون بعظيم شرفهم وسمو مكانتهم، فهم يحرصون على الحفاظ على نسبهم وصيانته من أن يتخذوه وسيلة لاكتساب مغنم أو يجعلوه ذريعة في تطاولهم على من سواهم.
ومن طريف ما ينقل في هذا الباب ما حكي عن الشريف عبدالله بن الحسين ابن عبد الله الأبيض - وكان شاعراً مجيداً - وفد على سيف الدولة الحمداني، فبلغه أنّ بعض الناس قال لسيف الدولة : إنّه رجل شريف فأعطه لشرفه وقديمه ونسبه فلم يستسغ ذلك ابن النبوة وسليل الإباء، فأنف - على قلة ذات يده - أن يجعل شرفه ونسبه متاعاً يتاجر به الملوك فقال أبياتاً وأنشدها سيف الدولة:
قد قال قوم إعطه لقديمه ***كذبوا ولكن إعطني لتقدمي
حاشا لمجدي أن يكون ذريعة*** فيباع بالدينار أو بالدرهم
فأنا ابن فهمي لا ابن مجدي اجتدي*** بالشعر لا برفات تلك الأعظم
وإذا أردنا أن نبحث تاريخ هذه السلالة ونلم بأخبارها في عصور الإسلام الأولى، نجده تاريخاً مشرقاً حافلاً بالأمجاد، فأميرهم ومأمورهم في الحق والتضحية سواء، سيرة الإسلام المثلى وإنّ في حديث الإمام الرضا(عليه السلام) المروي في عيون أخباره ما يدل على عظيم مكانته ويغني عن الاستدلال على حسن خاتمتهم(1).
وإذا تخلل ذلك بعض الهناة لأفراد قلائل ولم نجد لها مخرجاً صحيحاً فإنّما ذلك منهم كالشاذ الّذي لا يقاس عليه وهم الذين استثناهم الإمام الرضا(عليه السلام) في حديثه المروي في عيون الأخبار في فضل النظر إلى الذرية وأنّه عبادة (2).
وبعد هذا كلّه أليس من الغلو والشطط ما يقال: ان موضوع الأنساب ورعايتها والتفاخر بها، حتى الإفتخار بالنسب النبوي مما حاربه الإسلام، ويحمل شاهداً على ذلك ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ(3)وقوله تعالى: فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ(4)وما شابه ذلك مع انّ لجميع ذلك تفاسير لا تنافي ما قلناه من أرادها فليطلبها من مظانها.
ولعظيم مكانتهم الدينية المرموقة، وقرباهم من الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) الّتي فرضت لهم تلك الإمتيازات الخاصّة، حيثما كانوا ويكونون طمع الناس فيهم، فعني رجالاتهم عناية تامّة بضبط أنسابهم ودوّنوها خوف الدخيل، وهناك سبب آخر لتدوين أنسابهم هو تشتتهم في أقطار الأرض لعوامل لا يسع المقام ذكرها، فخشي النابهون ضياع الأعقاب لجهلهم بأصول الأنساب، فحفظوا لهم الأصول كي يلحقوا
بها الفروع، ولم يكن ذلك مهمة الهاشميين فحسب، بل حذا حذوهم جمع من أعلام الأمّة من غيرهم ممن برع في هذا الفنّ، فكانت أنساب الطالبيين والهاشميين ثروة فكرية ضخمة أمدت التاريخ الإسلامي والعربي بأكثر من ينبوع وسدت فيه أكثر من نقص.
ولقد تفنن علماء النسب في كيفية التدوين والضبط، ولهم في ذلك أصول وقواعد وشروط، كما أنّ لهم مصطلحات خاصة، يجهلها أكثر الباحثين اليوم لبعدهم عن أصول هذا الفن.
ولي على ذلك شواهد أكتفي بذكر واحد منها، أذكر أنّي قرأت كتاب (اتعاظ الحنفا) للمؤرّخ المقريزي فذكر اختلاف النسابين في الفاطميين الحاكمين بمصر، وحكى في ذلك قول شيخ الشرف العبيدلي وبنو عبيد الله بالمغرب في نسب القطع. وهنا علّق الدكتور الشيّال في الهامش بقوله : يوجد في الأصل بعد كلمة (القطع) لفظنا ( فى صح) ولعلّها إشارة إلى أن حرف الجر السابق للفظ (نسب) صحيح، ومع هذا يبدو أنّ النص هنا ينقصه ما يكمله ليتم المعنى ويتضح.
الاترى إلى هذا الدكتور المحقق كيف خفي عليه ذلك المصطلح (في صح) فاجتهد في تأويله بما هو بعيد غاية البعد عن الصواب، حيث أن (في صح) اصطلاح للنسابين، وسيأتي تفسيره في قائمة المصطلحات النسبية الخاصة في آخر هذه المقدّمة إن شاء الله.
وقد ورد بعین هذا اللفظ في نفس المقام محكياً في العمدة عن أبي عبدالله بن طباطبا أحد شيوخ الفنّ قال: وهم - بنو عبيد الله - من أنساب القطع في صح.
وقد عذرت الدكتور الشيال في ذلك لبعده عن فنّ النسب ولغته، وإن لم أعذره في مراجعة كتب النسب فإنّها كفيلة ببيان ذلك.
وقد ذكر علماء النسب أنّهم سنوا له المشجر والمبسوط، وهما النوعان اللذان جاء على طبقهما ما بين الدفتين من الأنساب، وقد فضّلوا المشجر على المبسوط
وميّزوه وإليك بعض ما جاء في ذلك.
قال ابن الطقطقي في مقدّمة النسب الأصيلي:
(فأمّا المشجر):
فلم أدر من ألقى عليه رداءه*** ولكنّه قد سل من ماجد محض
قلت ذلك، لأنّى لا أعرف من وضعه واخترعه.
وحكى عن شيخه جمال الدين الدستجرانى الوزير أنّه دخل مدينة ساري، فقصد خزانة كتبها فرأى فيها بين الأجزاء العتيقة - وهي تفوق الحصر وتستغرق الوصف - كتاباً أهداه الشافعي إلى هارون الرشيد على أوّل رقعة منه ما صورته:
(أهديت إليك يا ابن سيّد البطحاء شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وأنا أشفع إليك في ضعفاء الحاج من ركب الريح ومصع الرشيح، وكتبه محمد بن إدريس).
فإن كان الشافعي قد اخترع المشجر فليس من ذكائه ببديع، ولا من فضله ببعيد، ولله در مخترعه فما أحسن ما اخترع، وسقى الغيث مبتدعه، فما أظرف ما ابتدع، ولقد قرب على الطالبيين بعيده، وسهل عليهم شديده فإنّه اقتضبه اقتضاباً ،فايزاً من الحسن بأولاه وأخراه، ضارباً في الفضل بمعلاه، وصورة ما فعل:
إنّه جعل (الباء) من ابن بعد أن كانت محتاجة إلى نونات كثيرة عند تعدد الأولاد غنية بنون واحدة ترمى الباءات جميعها فيها، ولولا ذلك لاحتاجت كلّ (باء) إلى نون، وذلك يؤدي إلى كثرة المدات المستهجنة في رؤية العين وإلى الطول الخالي من الفائدة الداعي إلى الملالة، وما أشبه المشجر إلا بوضع سياقة الحساب، فإنّهم قربّوا بها بعيداً ولولاها لعرضت شقته ولعظمت مشقته، والسياقة أعجمية وعربية، فواضع العجمية أبو علي بن سينا البخاري حين ولي الديوان، وواضع العربية كاتب عبدالملك بن مروان ناقل الديوان من الرومية إلى العربية فاختصر هؤلاء الواضعون الطريق إلى ايضاح المعاني بما اخترعوه من تلك
التقريبات والرموز المعجبات والإشارات الرائقات.
وما أحسن تسميته بالمشجر ، فأنت ترى السلسلة منه وكأنّها شجرة قائمة على عروشها أغصانها كأغصانها وأفنانها كأفنانها، وقائمها كقائمها، ومتهدلها كمتهدلها، وعروقها كعروقها، وبسوقها كبسوقها، والتشجير صنعة مستقلة مهر فيها قوم وتخلف آخرون.
فمن الحذاق فيها الشريف قثم بن طلحة الزيدي النسّابة كان فاضلاً يكتب خطّاً جيّداً، قال: شجرت المبسوط وبسطت المشجر، وذلك هو النهاية في ملك رقاب هذا الفن. ومن حذاق المشجرين عبد الحميد الأوّل بن عبدالله بن أسامة النسّابة الكوفي، كتب خطاً أحسن من خط العذار، وشجر تشجيراً أحسن من الأشجار حفت بأنواع الثمار.
ومن حذاقهم ابن عبد السميع الخطيب النسّابة، صنّف الكتاب (الحاوي) لأنساب الناس مشجراً في عدة مجلدات تتجاوز العشرة على قالب النصف، قرأت بخطه رقعة كتبها إلى بعض الخلفاء يقول فيها: وقد جمع العبد من المشجرات والأنساب والأخبار ما لا ينهض به جمل بازل.
والضابط فيه - في المشجر - أن يكون باء بن متصلة بالنون كيف تقلبت بها الحال في جهاتها الست، وربّما امتدت الخطة الواحدة في مجلدات كثيرة فما سلم اتصالها بالنون فليس بضائر اختلاف أحوالها ولا يجوز تراكب الخطط.
وأمّا (المبسوط ) فقد صنّف الناس فيه الكتب الكثيرة المطوّلة، فممّن صنّف فيه أبو عبيدة القاسم بن سلام و يحيى بن الحسن بن جعفر الحجّة العبيدلي النسابة صاحب مبسوط نسب الطالبيين.
والمبسوطات أكثر من المشجرات ووضع المبسوط أن يبدأ بالأب الأعلى ثمّ يذكر ولده لصلبه ثمّ يبدأ بأحد أولئك الأولاد فيذكر ولده إن كان له ولد، فإذا
انتهوا انفلت إلى ولد أخيه ثمّ إلى ولد واحد من الأخوة حتى يأتي على الأخوة ثمّ إلى ولد ولد الأوّل، ثمّ إلى ولد ولد إخوته، وكذلك إلى أن يصل إلى الغاية الّتي يريد أن يقطع عليها، وفي أثناء ذلك أخبار وأشعار وإشارات وتعريفات وألقاب وأنباز وحلي وبالله العضمة والتوفيق.
الفرق بين المشجر والمبسوط:
الفروق الظاهرة المشاهدة بينهما كثيرة، وإنّما الفرق الخفي هو أنّ المشجر يبتدأ فيه بالبطن الأسفل ثمّ يترقى أباً فأباً إلى البطن الأعلى، والمبسوط يبتدأ فيه بالبطن الأعلى ثمّ ينحط ابناً فابناً إلى البطن الأسفل.
وخلاصة ذلك أنّ المشجر يقدّم فيه الابن على الأب، والمبسوط عكسه يقدّم فيه الأب على الابن(1)ويصطلح على كتب المشجرات ببحر الأنساب وهو اصطلاح شائع يسمّى به كلّ كتاب مشجر في النسب.
مصطلحات النسّابين:
يتداول النسّابون في كتبهم اصطلاحات خاصّة، ويشترك في استعمالها مصنّفوا المشجر والمبسوط، وقد يجهل معانيها أكثر القارئين لبعدهم عن العرف
1) إلى هنا إنتهى ما نقلته من مقدّمة النسب الأصيلي (نسخة مصورة بمكتبتي الخاصة) والّذي دعاني إلى ذلك أنّي أحببت أن ألفت نظر القارئ إلى مقارنة ما نقلته مع مقدمة الكتاب المطبوع باسم( غاية الإختصار ) ، المنسوب غلطاً لتاج الدين ابن محمد بن حمزة بن زهرة، فإنّها بعينها حيث اتضح لديٌ انّ الكتاب المطبوع باسم غاية الإختصار، هو جزء ممسوخ من النسب الأصيلي، اختلسه ناشره أبو الهدى الصيادي الرفاعي من النسب المذكور، وشاء الله أن يفضحه، بأن أطلعني على مصور نفس النسخة الّتي سطا عليها ذلك الأثيم، وأنّها بخطّ تاج الدين المذكور، وقد كتبها في المشهد الرضوي في يوم الاثنين رابع عشر شهر الله المحرّم الحرام سنة ستّة وتسعمائة ولي بحث استوفيت فيه عرض النسب الأصيلي، مع مقارنة ما سرق منه في كتاب الغاية، ودللت بعد ذلك العرض على أنّ الغاية هي جزء ممسوخ من النسب الأصيلي، وهو بحث مفصل عسى أن أوفق لنشره لإفادة الباحثين.
الخاص، لذلك رأيت من الخير تفسير بعض تلك المصطلحات ليكون القارئ على بصيرة من معانيها حين يقرؤها في هذا الكتاب وهي:
1 - صحيح النسب: هو الّذي ثبت عند النسابين بالشهادة، وقوبل على المصادر النسبية، فنص عليه شيوخ النسب أو سائر العلماء المشهورين بالتقوى والورع والأمانة فكان ثابتاً بالإجماع.
2 - مقبول النسب : هو الذي ثبت عند بعض النسابين وأنكره بعض ولكن أقام صاحبه البينة الشرعية فهو مقبول من جهة ،البينة، ولكن لا يساوي سابقه في الاعتبار.
3 - مشهور النسب هو الذي اشتهر بالسيادة، ولم يعرف نسبه، وليس إلى معرفته سبیل .
4 - مردود النسب: هو الذي ادعى نسباً ولم يعترف به من انتمى إليهم وأشاعوا بطلان دعواه.
في صح: ذهب النسابون في تفسير هذا المصطلح إلى مذاهب:
فمنهم من فسره بأنّه إشارة إلى أنّ ما قبله نسب ممكن الثبوت، إلّا أنّه لم يثبت، فهو موقوف على الثبوت، وحكى هذا عن شيوخ النسب وأقطاب الفنّ، كالشيخ أبي الحسن العمري، وشيخ الشرف العبيدلي، والشيخ أبي عبدالله بن طباطبا رحمهم الله، فإنّهم نصّوا على ذلك في عدّة مواضع من كتبهم.
ومنهم من فسره بأنّه كناية عن الإنقطاع الكلّي وعدم الثبوت، مستدلين بأنّ (في) حرف و (صح) فعل والحرف لا يدخل على الفعل، وحكى هذا عن النسّابة أبي المظفّر محمّد الشاعر ابن الأشرف الأفطسي ، وردّه من تأخّر عنه بأنّه تمحل لا يصح والقول به خطأ، لأنّ ما يمكن ثبوته لا يدفع ويقال : أنّه دليل على عدم الثبوت.
ومنهم من فسره بأنّه طعن خفي، يدل على أنّ النسب المعقب بهذا المصطلح
إمّا مستعار وإمّا موقوف وإمّا مستلحق وإما فيه نظر، وفي جميع ذلك يكون الأمر موقوفاً، يجب أنّ يصحح، ولا يحكم بصحّة النسب إلّا بإقامة البيئة الشرعية، وذهب إلى هذا النسّابة أبو الحسن البيهقي في اللباب.
ومنهم من فسره بأنّه مصطلح يكتب لمن يظهر في نسبه غمز، وكان اتصاله بشهادة الشهود، ولم توجد له في المبسوطات والمشجرات دلالة عليه، فيشير الناسب إليه بقوله : هو عندي ( في صح)، وعلل بما سبق نقله عن الشريف ابن الأفطسي النسّابة.
6 - في نسب القطع: هو الذي انقطع نسبه عن الاتصال، وإن كان من قبل مشهوراً، كما إذا كان في صقع بعيد ولم يرد له خبر ولا يعرف له عند النسابين أثر ويتعسر تحقيق حالهم، وزعم النسّابة الأفطسي أنّه كناية عن عدم صحة النسب، وهو خلاف إجماع النسابين.
7- ينظر حاله هو الّذي يشك النسّابون في اتصاله بسلسلة النسب.
8 - فيه نظر: هو الّذي لم يتفق النسّابون على اتصاله.
9 - أعلمه فلان النسّابة: هو الّذي توقف ذلك النسّابة في إثباته، ولم يجزم بصحّة اتصاله، فجعل على اسمه علامة، والمراد بالعلامة هنا هو أنّ النسپابين يكتبون على بعض الأسماء إشارات لكلّ منها معنى خاص وتلك الإشارات هي:
(أ) يُسأل عنه أو نسأل عنه: إشارة تكتب على الاسم، تفيد معنى التردد وأنّه لم يثبت على الوجه المرضي.
(ب) ب- (... -ن، ب- ) ... -ن، إشارة تكتب في اتصال الاسم بمن قبله ،وتفيد معنى الشك أو عدم الثبوت وقد تكتب بالحمرة، وربّما نقط النسّابون في التشجير الخط الواصل بين الباء (ب-) وبين النون (-ن) ولم يخطوه متصلاً اشعاراً منهم بآفة في الإتصال.
(ج) غ. ص-: إشارة تكتب على الاسم تفيد الغمز في صاحبه، وهو أعّم من
الغمز في النسب أو في الأفعال، والغمز أهون من الطعن.
فإذا رأى القارئ في كتاب نسب ما (أعلمه فلان النسّابة) أو (عليه علامة) فإلى هذه الرموز يشيرون.
10 - مطعون: هو الذي طعن النسابون فيه، فإذا اختلفوا فيه لم يقطع خط اتصاله في المشجر، بل يذكر ما قيل فيه من الطعن وغيره، ويؤيّد النسابة الراجح لديه في ذلك، فإذا لم يختلفوا فيه قطع خطه، وللقطع مراتب متفاوتة ولعلماء النسب بيان واف في تصوير ما يكتب في كلّ مرتبة، وقد تعرضت كتب علم النسب المفصلة لذلك.
11 - يحقق: يكتب لمن شك في اتصاله.
12 - معقب : هو الذي صح عقبه. وأقوى منه دلالة في انحصار العقب قولهم: العقب من فلان أو عقبه من فلان بخلاف قولهم: أعقب من فلان فإنّه ليس بمنحصر فيه لجواز أن يكون عقب للأب من غيره، وقد يستعمل (أولد) مكان (أعقب) وهما بمعنى واحد.
13 - مذيل: هو الذي طال عقبه وتسلسل نسله.
14 - منقرض : هو الّذي كان له ولد ولم يعقبوا فانقرض عقبه وانقطع نسبه وقد يرمز إليه ب- (ق ض).
15 - درج: هو الّذي لم يكن له ولد، وقد يخففون ذلك فيكتبون (رج) وقال الحسن القطان: يعني مات صغيراً قبل أن يبلغ مبلغ الرجال وهو المشهور عند المتأخرين.
16 - وحده: هو الّذي لم يكن لأبيه سواه.
17 - ميناث: هو الّذي لم يكن له سوى بنات فقط، أو لم يذكر له غيرهن من الولد، وقد يكتبون له رمزاً (ث).
18 - قعدد أو قعيد هو الذي كان أقرب عشيرته إلى الجد الأعلى بقلة
الوسائط.
19 - الحفيد: هو ولد الولد، أعم من أن يكون للذكور أو للاناث، كما أنّه أعم من الذكور والإناث.
20 - عريق: هو الّذي ولد من علويين وكلّما زاد في ذلك في آبائه كان أعرق.
21 - مقل: هو الّذي كان في عقبه قلة.
22 - مكثر : هو الّذي كان في عقبه كثرة.
23 -الناقلة : كثيراً ما سيرى القارئ في كتابنا انّ بالشام من ناقلة الحجاز فلان أو في بخارا من ناقلة همدان فلان، ونحو هذا والمراد به أنّ المترجم له كان من أهل البلد الثاني ثم انتقل عنه إلى البلد الأول، ومثال ذلك: إنّا لو قرأنا في بخارا من ناقلة همدان أبو الحسن محمّد بن أبي إسماعيل عليّ الحسني... الخ. فإنّ هذا الرجل كان بهمدان وعنها انتقل إلى بخارا فهو من ناقلة همدان.
24 - النازلة: والمراد به كما في المثال السابق أن المترجم له كان نازلاً في همدان وانتقل إلى بخارا ولم يكن من أهل همدان، والفرق واضح معلوم، وكأنّ اللفظ مأخوذ من قول العرب في النواقل والقبائل التي تنتقل من قوم إلى قوم وقياساً عليه النوازل: القبائل التي تنزل على قوم ثم ترحل عنهم. وهناك ألفاظ ورموز يستعملها علماء النسب في كتبهم في اثبات الأنساب والثناء عليها، تشعر بالتزكية كقولهم أعقب وله العقب وفيه البقية، وله ذيل، وله ذرّية، وله أعقاب وأولاد، ويعدون هذه أعلى مرتبة في التزكية لوضوح النسب وأوسطها قولهم: له عدد وله ذيل جم، وعقبه جم غفير، وأدناها: نسب صحيح صريح لا شك فيه، ولا ريب فيه ولا غبار عليه، وإنّما صارت هذه أدنى المراتب لأنّ النسب احتاج إلى التصريح بصحته والشهادة بسلامته. كما أنّ لهم ألفاظاً تشعر بالمدح والقدح في الأنساب تجري مجرى الجرح والتعديل عند الرواة، كقولهم: يتعاطى مذهب الأحداث، وقولهم ممنع بكذا، وهو
لغير رشدة، وفيه حديث، وفيه نظر وهو ذو أثر، وهو مخلط، وهو دعي، وهو لصيق، وهو زنيم و مغموز ولقيط ومناط ومرجى ونحو ذلك.
ولهم إلى جانب ذلك اصطلاح خاص في تقسيم طبقات النسب من الخير أن نذكر شيئاً عنه للقارئ، وذلك أنهم قسموا الطبقات إلى ست وهي الشعب وهو أعلاها، ثمّ القبيلة، ثمّ العمارة، ثمّ البطن، ثمّ الفخذ، ثمّ الفصيلة، واستدلوا على صحة هذا التقسيم ببعض آي الذكر الحكيم وبعض الأحاديث النبوية، وشواهد من الشعر العربي لا نطيل المقام بذكرها، وقد جمع هذه الطبقات الشاعر محمّد بن عبد الرحمن الغرناطي وفسّرها بقوله:
الشعب ثمّ قبيلة وعمارة*** بطن وفخذ والفصيلة تابعه
فالشعب مجتمع القبيلة كلّها ***ثمّ القبيلة للعمارة جامعه
والبطن تجمعه العمائر فاعلمن ***والفخذ تجمعه البطون الواسعه
والفخذ يجمع للفصائل هاكها*** جاءت على نسق لها متتابعه
فخزيمة شعب وإنّ كنانة*** لقبيلة، منها الفصائل شائعه
وقريشها تدعى العمارة يا فتى*** وقصي بطن للعمارة تابعه
ذا هاشم فخذ، وذا عباسها*** كنز الفصيلة لا تناط بسابعه(1)
المؤلّف وكتابه المنتقلة:
ينحدر المؤلّف من سلالة علوية شهيرة بنسبتها إلى جدها الأعلى طباطبا، وهو إبراهيم بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط(عليه السلام) ابن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) .
وإلى طباطبا هذا ينتهي نسب جميع الطباطبائيين ومنهم مؤلّفنا فهو:
أبو إسماعيل إبراهيم بن ناصر بن إبراهيم بن عبدالله بن الحسن ابن أبي
1) نفح الطيب 6 :44 تاج العروس 1: 318
الحسين عليّ الشاعر الملقب بشهاب ابن أبي الحسن محمد الشاعر الإصفهاني صاحب المؤلّفات الممتعة ابن أبي عبدالله أحمد ابن أبي جعفر محمد الكوفي ابن أبي عبدالله أحمد الرئيس ابن إبراهيم طباطبا المذكور.
ومن الخير أيضاً أن نبحث تاريخ هذا النسب على نهج المؤلّف في كتابنا هذا - المنتقلة - لنعرف من الذي انتقل من أجداده إلى إصفهان - بلد المؤلّف - وهم حجازيون وعراقيون فنقول:
1 - الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)من ناقلة المدينة (بالكوفة).
2 - الإمام أبو محمّد الحسن الزكي(عليه السلام)من نازلة الكوفة (بالمدينة).
3 - الحسن المثنى (بالمدينة).
4 - إبراهيم الغمر كان بالمدينة وقد اختلف في موضع قبره فقيل: انّه لمّا حمل آل الحسن(عليه السلام) - أيام المنصور - إلى الهاشمية كان إبراهيم معهم فمات قبل الكوفة بمرحلة، وعلى هذا الرأي ابن خداع النسّابة واعتمده غيره، وعليه أيضاً بني احتمال أنه صاحب الصندوق في برية الكوفة حيث يزار قبره كما في العمدة وغيرها.
وقيل: بل مات في الحبس بالهاشمية مع أهل بيته وأنّه أوّل من مات منهم.
وقيل: بل مات في بغداد وحكي هذا عن محمد بن سلام الجمحي كما ذكره الخطيب البغدادي(1).
والقول الوسط هو الوسط، والصحيح الثابت عن جمهرة من المؤرّخين والنسّابين قال الخطيب: والصحيح أنّ وفاته كانت بالهاشمية في محبسه ثمّ روى عن يحيى بن جعفر - وهو من شيوخ النسب - أنه قال توفّي إبراهيم... سنة (145) بالهاشمية، وهو في حبس أبي جعفر وهو ابن سبع وستين سنة، وهو وستين سنة، وهو أوّل من مات في الحبس من بني الحسن وتوفّي في شهر ربيع الأول.
1) تاريخ بغداد 6: 54.
5 - إسماعيل الديباج هو أيضاً ممّن حمله المنصور مع آل الحسن ومات في الحبس معهم (1)، وعلى هذا فلا معنى لما ذكره بعض الطباطبائية في كتابه هدية آل عبا(2)من ان إسماعيل هذا التجأ إلى ايران وأستشهد باصفهان، وأنّ قبره في محلة گل بهار متصل بالمسجد الكبير الذي في الجانب الغربي منه قبر شعيا النبيّ.
ومن الطريف إصرار هذا الرجل على خطائه فنقل عن سلاطين آل مظفر أنّ رأيهم في صاحب ذلك القبر انه (إسماعيل بن زيد بن الحسن) كما كتبوا ذلك بخطّ جميل في كتيبة الحرم، وعقب على ذلك بأنّهم اشتبهوا وأصر دون أن يدلي بحجة تاريخية ولكنه بعد 4 صفحات عدل عن رأيه فذكر انّ إسماعيل هذا من شهداء فخ وأنّ قبره هناك، وكم في هذا الكتاب من الأغلاط ما يسقطه عن الاعتبار.
كما أنه لا معنى لما ورد فى الكواكب السيّارة لابن الزيات (ت 814 ه- ) من قوله: (ثمّ تمشي مع ذيل الكوم كوم المنامة - مستقبل القبلة تجد على يسارك من الجهة الشرقية قبرين دائرين أحدهما : قبر السيد الشريف إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب له على ما قيل والثاني...)(3)
ولعلّ نسبة ما ذكره إلى القيل تكفى في تمريض هذا القول.
6 - إبراهيم طباطبا: ذكر أبو الفرج الإصفهاني في مقاتله: أنه حضر واقعة فخ ولم يذكر اسمه مع قتلى فخ، كما لم أعثر على من ذكره بعد الواقعة (4).
نعم ورد في الكواكب السيارة نقلاً عن أبي بكر الخطيب: إنّ إبراهيم لما قدم بغداد في خلافة الرشيد سمع به فبعث إليه فظن أن أحداً قد وشى به فدخل على الرشيد، فقام الرشيد وأجلسه إلى جانبه، وقال له: ما جاء بك يا أبا إسحاق؟
فقال: ظلمني صاحب الطبا - يعني صاحب القبا - فكان يقلب القاف
طاء ... اه-(1).
أقول: ولم أجد هذا في تاريخ بغداد للخطيب فى مظانه، بل لم يترجم له أصلاً ولعلّه ذكر ذلك في غير مظانه، أو أنّه من النصوص الضائعة من الكتاب. وقال ابن الزيات في الكواكب السيّارة: إنّ في مشهد طباطبا بمصر، قبر مكتوب عليه إبراهيم طباطبا - وساق نسبه - وقال : ولا خلاف عند علماء النسب في صحة هذا النسب إلّا أنّ طباطبا لم يمت بمصر ولا تعرف له بها وفادة ... اه-(2).
أقول: ولم تتعرض كتب النسب ولا غيرها إلى محل وفاته أو موضع قبره، نعم ورد في مقدّمة رجال السيّد بحر العلوم انّ محمّد بن أحمد بن إبراهيم طباطبا دفن عند جده إبراهيم طباطبا بجميلان إصفهان(3).
وهذه دعوى يعوزها البرهان مضافاً إلى أنّ المُعلقين كاتبي المقدّمة لم يذكرا ذلك في ترجمة إبراهيم طباطبا نفسه، فإن كان الأوّل غير ثابت عندهما فلماذا ذكراه، وإن كان ثابتاً عندهما فلماذا لم يذكراه في ترجمة إبراهيم طباطبا، وهو أولى بالذكر وما ذكراه من مصدر وهو العمدة (4)فليس فيه سوى ذكر أحمد ولم يذكر أنّه دفين جميلان بإصفهان عند جده طباطبا، وفي مثل هذا تدليس وإيهام لا يخفى، فكان عليهما أن يذكرا مصدراً لتلك الدعوى ليخرجا عن عهدتها ولا یرسلا القول إرسال المسلّمات على أنّ هذا القول ينقضه ما سيأتي عن المنتقلة عند ذكر محمّد بن أحمد بن إبراهيم طباطبا فلاحظ.
7 - أحمد بن إبراهيم طباطبا : هو أبو عبد الله الرئيس، لم يذكر النسابون ولا غيرهم موطنه ومحل دفنه وورد في مقدّمة رجال السيد بحر العلوم أنه كان نزيل إصفهان(5)، وهو كسابقه من المعلقين قول بلا مستند تاريخي، لأنّ الّذي يظهر من
ذكر محمّد - الآتى - ابن أحمد هذا انه كان بالكوفة، ومن البعيد أن يكون أبوه ببلد آخر ولا يذكره المؤلّف وهو من أحفاده في ذلك البلد في كتابه هذا المعد لذكر أمثاله.
8 - محمّد بن أحمد بن إبراهيم طباطبا : هو أبو جعفر محمّد الأكبر، لم يذكر محل دفنه، ولكنه وصف بالكوفي وصرّح مؤلّفنا في كتابه هذا - المنتقلة(1)- أنّه بالكوفة، ويمكن أن نذهب إلى أن وفاته كانت بها أيضاً، لعدم ذكر المؤلّف خروجه عنها، بل صرّح ان ولده أحمد - الآتي ذكره - هو الذي انتقل من الكوفة إلى إصفهان، وبناءاً على ذلك فلا معنى لقول المعلقين كاتبي المقدمة(2)أنه دفن عند جده إبراهيم طباطبا بجميلان إصفهان، والقول بذلك يعوزه الدليل وسبق أن ذكرت ان إحالتهما إلى العمدة(3)فيه نوع ،إيهام، فإنّ المذكور فيها اسم الرجل وعقبه فقط وليس فيها أي ذكر لإصفهان فراجع.
9 - أحمد بن محمّد بن أحمد بن إبراهيم طباطبا هو أبو عبدالله ذكره صاحب المنتقلة(4)وقال : بإصبهان من ناقلة الكوفة أبو عبدالله أحمد بن محمد... الخ، وذكره في ذيل ذكر والده أبي جعفر محمّد - الآنف الذكر - في الكوفة وقال: انتقل - أحمد هذا - إلى إصفهان(5).
وعلى ذلك فيكون أحمد هذا هو أوّل من صرّح بانتقاله إلى اصفهان من سلالة طباطبا، وإذ قد عرفنا ذلك فلا حاجة بنا بعد إلى عرض باقي رجال السلالة على وفق نهج المنتقلة، فإنّهم جميعاً حتى مؤلّفنا كانوا باصفهان، ولعلّ في وصف أبي الحسن محمّد بن طباطبا الشاعر - ابن أحمد هذا - بالاصفهاني في كتب التراجم ما يشعر بأنّه أوّل من وصف من هذه السلالة بهذا الوصف لأنه ولد باصفهان، كما صرّحت بذلك المصادر وتوفّي أيضاً بها في سنة (322ه-)، أما أبوه وإن سكن
اصفهان ومات بها، إلّا أنّه لم يوصف بالاصفهاني، لأنّه كوفي المولد والمنشأ.
أمّا مؤلّفنا - أبو إسماعيل - فلا نستطيع التحدّث عنه إلّا في حدود قراءتنا له في كتابه هذا - المنتقلة - لإغفال المعاجم الرجالية لذكره، بالرغم من كونه مؤلّفاً غذى المكتبة الإسلامية بعصارة فكره، بل وحتى كتب النسب لم تكشف لنا عن جوانب شخصيته كاملاً ، نعم وردت فيها نبذ وإن كانت لا تسمن، إلّا أنّها أغنت في تقييم. رصيده العلمي عند أمثاله من أقطاب الفنّ، فقد عبّر عنه النسّابة المؤرّخ أبو الحسن البيهقي في لباب الأنساب بالسيّد التقي، وفي موضع آخر بالسيّد الإمام.
ووصفه ابن الطقطقي في النسب الأصيلي: بالسيّد العلّامة النسّابة، وذكره ابن عنبة في العمدة بقوله : السيّد العالم النسّابة، وبنحو ذلك وصفه العميدي في مشجره كما وصفه أبو طالب المروزي في كتابه الفخري بالسيّد العالم التقي النسّابة (1).
فوصف هؤلاء الأعلام لمؤلّفنا بالتقي والسيّد والعالم، ما يشعر بعلو مكانته وعظيم منزلته بين أقرانه وأضرابه.
وقراءتنا له في كتابه لا تعدو أن تكون قراءة محدودة في أطار خاص، لا نستطيع على ضوئها معرفة جميع الجوانب من شخصيته، ولكنها مع ذلك فقد يسرت لنا معرفة شيوخه في هذا العلم، ومن اجتمع به من الأشراف من غير بلده والبلاد التي طرقها والمذهب الذي كان يدين به.
أما ولادته ونشأته ودراسته، بل وحتى وفاته وأولاده (إن كانوا)(2)فذلك ما لا نستطيع التحدث عنه لعدم توفر المصادر المعنية بذلك.
أما شيوخه في علم النسب فلم نستطع معرفة جميعهم، ولكنا نذكر من صرّح بالأخذ عنه في كتابه هذا وهم:
1 - السيّد الإمام المرشد بالله زين الشرف يحيى بن الحسين بن إسماعيل بن
زيد بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن محمّد بن جعفر بن عبدالرحمن الشجري، هو أحد أئمّة الزيدية بويع له بالديلم سنة (446ه-) وكان عالماً شاعراً محدثاً، قد سمع من ابن غيلان وأبي بكر بن بريدة وابن عبدالرحيم الكاتب باصبهان، وقد صرّح بالأخذ منه وأكثر النقل عنه وعرض عليه بعض الأنساب التي شك في صحتها وفيها دعا لشيخه بتأييد التمكين(1).
2 - السيّد الأجل الإمام النسابة المستعين بالله أبو الحسن عليّ بن أبي طالب أحمد بن القاسم بن أحمد بن جعفر بن أحمد الأمين بن عبيدالله بن محمد بن عبدالرحمن الشجري أحد أئمة الزيدية كان نقيباً بآمل ،وطبرستان ثمّ بويع له بالإمامة بالديلم (ت 472ه-)وقد اجتمع به المؤلّف في اصفهان حين قدمها المستعين بالله سنة (463ه-)، وأخبره أنه لم يبق من ولد جعفر بن أحمد الأمين إلا هو وأخوه محمد ثم ذكر المؤلّف عقبه (2)
3 - السيّد أبو محمّد الحسن بن زيد بن الحسن الهروي، وقد سمع المؤلف منه كتاب المجدي للشيخ أبي الحسن العمري، وصرّح بذلك في الموصل ونصيبين وهرات.
4 -الشريف النسّابة شيخ الشرف أبو حرب أحمد بن محمّد بن المحسن بن عليّ حدوثة بن محمّد الأصغر بن حمزة ملحن التفليسي بن عليّ الدينوري بن الحسن بن الحسين بن الحسن الأفطس، وقد صرّح باجتماعه به وأخذه عنه في (أصفهان) حيث ذكر أنه عرض عليه نسب حمزة بن محمد بن الحسين بن علي بن الحسين بن محمّد الديباج بن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، ولكنه مع الأسف لم يذكر تاريخ إجتماعه به (3)
أقول: قد ذكر أبو حرب محمّد بن المحسن والد - أحمد هذا - في العمدة
والمشجر الكشّاف، وأنّه كان ببغداد وسافر إلى بلاد العجم وجمع جرائد لعدّة بلاد ومات بغزنة سنة نيف وثمانين وأربعمائة، فيا هل ترى هل كان هو مقصود المؤلّف؟ ويبعده أنّ اسم شيخه أحمد واسم هذا محمّد.
وإذا قلنا: إنّه ابن محمّد هذا المذكور في العمدة والمشجر الكشّاف فلعلّه لا يتفق زمانه مع زمان المؤلّف، إلّا أن يكون أخذه عنه مع فرض وجوده مع أبيه من قبيل أخذ الأكابر عن الأصاغر فلاحظ.
أمّا من اجتمع به من الأشراف وذكر تاريخ إجتماعه بهم سوى شيوخه المار ذكرهم فهم
1 - السيّد العالم أبو عبدالله محمّد بن عبدالمطلب بن الحسين بن أحمد بن إبراهيم بن محمّد بن حمزة بن عبيد الله بن الحسين الأصغر.
ذكر أنه رآه في أصفهان في سنة (458ها وأنه من أهل اخسيكت(1).
2 - الشريفان القاسم وأميركا ابنا المرتضى بن محمّد بن عبدالله الحجازي بن يحيى بن عبدالله العالم بن الحسين بن القاسم الرسي بن إبراهيم طباطبا ذكر المؤلّف أنّه رآهما في الري في سنة (459ه-) وقال: والقاسم بن المرتضى هذا هو صديقي أدام الله تمكينه(2)
3 - الشريف أبو عبدالله الحسين بن علي بن الحسين بن محمّد بن عليّ الجعفري لقيه باصفهان في شعبان سنة (461 ه-)(3).
4 - الشريف أبو العلاء الحسين يعرف بشرف ابن علي بن طاهر بن علي بن - محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن محمّد الأكبر بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، وذكر انّه ورد اصفهان في سنة (471ه-) وهذا أعلى تاريخ ذكر في المنتقلة (4).
ومن هذه التواريخ يمكن أن يدعى ان المؤلّف كتب كتابه المنتقلة في القرن
الخامس، بل يمكن أن يكون تأليفه له في تلك الفترة ولا تتجاوز العقد الثامن من ذلك القرن.
أمّا حياة المؤلّف فلا شكّ أنّه بقي إلى أواخر العقد الثامن من القرن الخامس حيث وردت شهادته بخطه في طومار مع خطوط جماعة من أعيان العلويين وغيرهم يشهدون بصحة ما في الطومار، وفيه العهد المنسوب إلى الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)وقد أعطاه للموابذة وعشيرتهم، وقد ذكر المرحوم خاتمة المحدّثين الشيخ النوري في كتابه الكلمة الطيبة صورة العهد المذكور حيث رأى ذلك الطومار في سر من رأى في سنة تأليفه لكتابه الآنف الذكر، ورأى فيه تصديق جماعة الأشراف وغيرهم وشهاداتهم بصحة ذلك العهد، وكان المؤلّف منهم، وإلى القارئ أسماءهم كما وردت في الكلمة الطيبة(1)
1 - رضا بن أبي الحسن بن علي بن طاهر الحسني.
2 - إبراهيم بن ناصر بن طباطبا النسابة بخطه باصبهان في ذي القعدة سنةٍ تسع وسبعين وأربعمائة (وهو مؤلّفنا).
3 - محمّد بن... بن الحسين بن الحسين بن علي بن طاهر بن عليّ بن محمّد بن الحسين ابن القاسم بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما.
4 - الحسين بن علي بن الحسين الحسيني.
5 - عبّاد بن علي بن حمزة بن طباطبا.
6 - أحمد بن إسماعيل بن الحسين الحسيني اليزدي.
7 - عباد بن الحسين بن أحمد بن طباطبا.
8 -عليّ بن ناصر بن الحسين بن طباطبا.
9 - أبو عليّ بن محمّد بن حيدر الحسن الحسيني.
1) الكلمة الطيبة: 38 - 39 طبع الهند.
10 - حيدر بن حمزة بن الحسين العلوي الحسيني.
11 - هاشم بن محمّد بن أحمد بن طباطبا.
12 - محمّد بن هاشم بن محمد بن طباطبا.
13 - أبو المناقب ابن أبي العباس بن طباطبا.
14 - السيّد بختيار بن أبي طاهر بن بختيار الحسيني.
15 - عليّ بن محمّد بن سعد بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن ... حمزة بن محمد بن طاهر سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
16 - حمزة بن ناصر بن أبي طاهر طباطبا الحسين.
17 - إسماعيل بن أحمد بن طباطبا في ذي القعدة سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
18 - أحمد وعرمر -كذا - ابن أبي الحسن بن سراهنك.
19 - مرتضى بن الحسن العلوي.
20 - علي بن أبي طباطبا؟
21 - الفضل بن أبي الفتوح ابن أبي الفضل العلوي.
22 - الحسن بن أبي الفتوح ابن أبي الفضل العريضي.
23 - أبو طالب؟ ابن العلقمي.
24 - الحسين بن بختيار ابن أبي طاهر الحسيني.
وبناءاً على ذلك فيمكننا القول باستمرار حياة المؤلّف حتى أواخر سنة (479ه-) أما تجاوزها عن هذا التاريخ فلا يسعنا البت به، خصوصاً إذا لاحظنا عدم ذكره لشريف من أعلام الطالبيين ذائع الصيت (ت 480 ه-) وذلك هو الشريف المرتضى ذو الكنيتين محمّد بن محمّد بن زيد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن الحسين بن علي بن الحسن المكفوف بن الحسن الأفطس، فإنّ المؤلّف ذكر جدّ هذا الشريف الأعلى وهو أبو القاسم جعفر بن الحسين في بروجرد، ولم يذكر هذا
الشريف في سمرقند حيث نزلها وقتل بها ظلماً سنة ( 480 ه-)، وكان هذا الشريف على جانب عظيم من العلم والشرف ونباهة الشأن فهو ممن لا يغفل ذكره، فلو كان المؤلّف حياً في سنة ( 480 ه-) لذكره.
واحتمال انّ المؤلّف انتهى من تأليف كتابه المنتقلة في أوّل العقد الثامن أي في (471 ه-) كما في آخر تاريخ ورد في الكتاب ولم يلحق به بعد ذلك من جد ذكره بعيد، إذ مثل موضوعه لا يمكن استيفاؤه وختمه وهجرة الطالبيين لم تنقطع وأخبار البعيدين عنه لم تزل ترد إليه، فمن البعيد أن يكون قد أنهى كتابه بالمرّة فهو وإن أشعر القراء بتمام كتابه في آخره إلا أنه لا مانع من الإلحاق به كل ما جد لديه.
أمّا البلاد التي طرقها فلم نقرأ في كتابه ذكر بلد دخله سوى الري فإنّه صرّح (1)أنّه رأى الشريفين القاسم وأميركا ابني المرتضى في الري سنة (459 ه-)، ومن الطبيعى أنّه وصل إلى قم وآبه وغيرهما من البلدان التي يمر بها المسافر من أصفهان إلى الري، ولكنا لم نقرأ في كتابه التصريح بدخول بلد سوى الري.
أمّا مذهبه الذي كان يدين به فإنّا لا نشك في تشيعه، ولكن تمام البحث يستدعى معرفة ما إذا كان إمامياً أو زيدياً، والذى يظهر لنا من عدة موارد من المنتقلة انه كان زيدي المذهب، إذ كانت الزيدية هي السائدة حينئذ في غالب بلاد ايران الشيعية فمن الامارات الدالة على زيديته ما ذكره في بغداد(2)من كتابه عند ذكر أولاد جعفر بن الإمام الهادي(عليه السلام)، قال : لقبه الإمامية بالكذاب، وتعبيره يشعر بأنّه من غير الإمامية.
ومنها اطراؤه لشيوخه وغيرهم من أئمّة الزيدية كزين الشرف الكيا فقد عبّر عنه بالإمام المرشد بالله، وهو لقب يلقبه به الزيدية إذ كان من أئمتهم، وكذلك عبّر عن شيخه الآخر بالإمام المستعين بالله وهو أيضاً من أئمّة الزيدية.
وكذا ما ذكره في وصف والد شيخه الكيا حيث عبّر عنه بالإمام الموفق بالله
شمس الشرف وهو أيضاً من أئمة الزيدية وبويع له بالإمامة بالديلم(1).
ومنها وصفه لمحمّد بن زيد الداعي الحسني بطبرستان بالإمام(2).
ومنها وصفه للقاسم الرسي بن إبراهيم طباطبا بالإمام(3).
ومنها وصفه المتكرر المتكثر لزيد بن عليّ بن الحسين الشهيد صليب الكناسة بالإمام(4).
وأنت خبير انّ كلّ هؤلاء من أئمّة الزيدية ممّن يدين لهم الزيود بالطاعة، وهم لا يعبرون عن غير أئمتهم بالإمام إلا نادراً، فاقتصار المؤلّف في كتابه هذا على وصف هؤلاء السادة بالإمامة مع خلو كتابه عن تعظيم من سواهم من الأئمّة الطاهرين، بل حتى عن ذكر أي أحد منهم بعنوان سكناه في بلد أو انتقاله إلى آخر، بل أغفل حتى ذكر مشاهدهم ومراقدهم التي شرّفت بهم عدا ما ذكره في الكوفة فقد ذكر الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)وهو من الغرائب التي تبعث على العجب منه فما سبق يشعرنا بزيديته، ولا غضاضة عليه في ذلك إن كان معتقداً لذلك عن حجة ودليل.
وبعد هذا لا أراني بحاجة إلى مناقشة ما أرسله الأعلمي في كتابه: إنّه إمامي حسن(5).
أمّا آثاره العلمية فقد ذكر له النسابون ثلاثة كتب في علم النسب وهي:
1 - ديوان الأنساب ومجمع الأسماء والألقاب: ذكره ابن فندق البيهقي في لباب الأنساب (نسخة مصورة بمكتبة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) العامة) في فصل علامات النسابين قال: ط ب ،علامة السيّد الإمام أبي إسماعيل إبراهيم بن ناصر وساق نسبه مصنّف کتاب ديوان الأنساب ومجمع الأسماء والألقاب وهو قريب العهد إلينا.
وهذا الكتاب لم يذكره غير ابن فندق فهو الوحيد الّذي ذكره له.
2 - غاية المعقبين : ذكره له أبو طالب المروزي في كتابه الفخري(1)حيث ذكر أبا الحسن محمّد الشاعر المعروف بابن طباطبا فقال: وله أعقاب كثيرة منتشرة باصفهان منهم: السيّد العالم التقي النسّابة باصفهان صاحب كتاب غاية المعقبين المعروف بأبي إسماعيل الطباطبي، وهو إبراهيم بن ناصر بن إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن أبي الحسن محمّد الشاعر هذا، وأمّه أفطسية وله ولأخيه لأمه وأبيه حمزة أولاد، اه-
3 - منتقلة الطالبية : وهو كتابنا هذا، ولا بأس بالإشارة إلى الوجه الصحيح في قراءة هذا الاسم قبل الخوض في الحديث عن اسلوب الكتاب من الناحية الفنية والعلمية فنقول: إنّ المؤلّف لما ذكر في مقدّمة كتابه الباعث له على تصنيفه قال:
فصنّفت كتاباً ترجمته بكتاب منتقلة الطالبية) وذكرت فيها - المنتقلة - أسماء البلدان وسائر المواضع التي وقعت إليها قبائل الطالبية شرقاً وغرباً واستوطنت بها ....الخ.
فعلى هذا البيان يكون الوجه الصحيح في قراءة الاسم بفتح القاف (منتقَّلَةالطالبية) والمراد بها البلدان التي انتقل إليها الطالبيون إذ كان الكتاب يجمع ذلك ومرتب على البلدان.
أمّا القراءة بالكسر - منتقلة الطالبية - وإن صحت في موارد يكون المراد بها الجماعات والقبائل من الطالبيين الّذي انتقلوا من بلد إلى آخر، ولكنّها ليست مراد المؤلّف فيما أرى.
وأيّاً ما كان فالأمر سهل في ذلك فانّ كتابنا يجمع الأمرين وعليه فتصح القراءة في اسمه بالوجهين.
ولنتحدّث الآن عن اسلوب الكتاب من الناحية الفنية والعلمية:
1 - الناحية الفنية: يعتبر الكتاب هو الأوّل من نوعه بين كتب الأنساب من ناحية ترتيبه ونهجه وتبويبه، كما يعتبر مؤلّفه أبو عذرة هذا الفن وفاتح بابه، إذ لم
1) الفخري: 60.
يعهد من النسابين قبله من كتب بنحو هذا الأسلوب، بل كان ديدنهم في تسجيل الأنساب هو المألوف حتى اليوم طريقة المشجر والمبسوط، وقد سبق تعريفهما. أما التفنن في ذلك والتصنيف فيه بحسب البلدان التي نزلها الطالبيون فلم يعهد في المشرق ولا في المغرب من قبل مؤلّفنا أبي إسماعيل.
وما ذكر عن المستنصر بالله ابن الحكم الأموي (ت 366 ه-) - من المغرب - أنّه ألف كتاباً في أنساب الطالبيين والعلويين القادمين إلى المغرب، وقد نقل عنه المقرئ التلمساني(1).
وألف كتاباً آخر نحو سابقه شاكلة، وإن اختلف عنه مادّة أسماه (الدرّ السنى فيمن بفاس من أهل النسب الحسني).
أو ما ذكر عن عبد السلام بن الطيّب الفاسي أنّ له كتاب (الإشراق في الشرفاء الواردين من العراق).
فإنّ أساليب كلّ تلك الكتب لا تشبه أسلوب المنتقلة، ولا تشاكلها من حيث الإحاطة والشمول، فبحق لو قلنا إنّ المنتقلة كتاب فريد في بابه من هذه الناحية. وقد يلاحظ القارئ على مؤلّفنا بعض الهناة في التعبير كوضوح العجمة في لغته فيعتبر ذلك خللاً في الناحية الفنية، فإنّ ذلك يسير جداً وقد لا يجده إلا في المقدّمة، ولم نستسغ إصلاحه محافظة على صورة الكتاب التي أخرجها المؤلّف في حينه، ونعذره في ذلك بعد أن عرفنا ان الرجل كانت ولادته ونشأته في بلد عريق في الفارسية، وبها تلقى علومه وثقافته على أساتذة جلهم من أبناء تلك التربة، بل وحتّى الواردين إليها فهم مثله أثرت البيئة على لغتهم وثقافتهم.
فما ظن القارئ بمثل هكذا إنسان كيف يكون أسلوبه لو أراد أن يكتب بغير لغة بلده، وللبيئة التي تحوطه والعصر الذي عاش فيه أكبر الأثر في تغيير اللهجة واللسان.
2 - الناحية العلمية: فالكتاب على عمومه مليئ بالتحقيقات في الأنساب ممّا
1) نفح الطيب 4 :60.
يدلّ على تبحر المؤلّف في الفنّ وإحاطته بالموضوع، ومن الخيّر أن أدل القارئ على بعض الموارد التي تكشف عن تحقيقات المؤلّف:
ففي ص 27 (اصفهان) في نسب زيد الآبي.
وفي ص 28 (اصفهان) في نسب أبى الهيجاء.
وفي ص 29 (اصفهان) في أولاد معاوية بن عبدالله بن جعفر الطيار.
وفي ص 30(اصفهان) في نسب أولاد الحسن المكدي.
وفي ص 31 (اصفهان) في المنتسبين إلى عليّ العريضي.
وفي ص 62 (بغداد) في تكذيب دعوى صاحب الزنج.
وفي ص 77 (البصرة) في نسب الناصر علوي الروم.
وفي ص 118 (جرمغان) في نسب المدعى إلى زيد بن الحسن من ذرّية النفس الزكية.
وفي ص 155 (الري) في نسب الهارونيين.
وفي ص 157 (الري) في عقب السيد عبد العظيم الحسني.
وفي ص 159 (الري) في تكذيب مدعي نسب عليّ بن موسى الموسوي.
إلى غير ذلك ممّا يطول المقام بذكره، ومع تبحّر المؤلّف في فنّ النسب فقد سجّلنا عليه بعض الملاحظات الّتي لا يعذر في مثلها ممّا لم يظن أنّ مبعثه سهو القلم كما قد يعتذر عنه، وقد أشرنا إلى تلك الموارد في هوامش الكتاب، فراجع.
أمّا قيمته العلمية فقد كان يعد من أصول الفنّ ومآخذ النسّابين، وقد اعتمده المتأخّرون عن مؤلّفه، ويجد القارئ النقل عنه في المشجر الكشّاف للعميدي وغيره من كتب النسب.
بل تداوله أهل الفنّ قراءة ورواية شأنهم في ذلك شأن أصحاب الفنون الأخرى، وشأنه شأن سائر المراجع النسبية الموثوق بها. وإلى القارئ صورة رواية لبعض كتب النسب وغيرها سجلها نسابة عريق في فنّه وهو السيد أبو الفتوح جلال الدين حسن بن السيد محيي الدين وعلاء الدين عبدالقادر بن جمال الدین
جعفر بن شهاب الدين أحمد الداوودي الموسوي الحسيني الحسني، كتب بخطه في آخرها :
(أمّا بعد: فإنّي قرأت المبسوطات السبعة في صغر سني سنة (960 ه-) على يد والدي وبركتي بإذنه وإجازته، وتعلمت الأدب وقرأت علم الأدب على يده لجدّي محمّد السمرقندي الهمداني ابن محمود بن محمّد الموسوي الحسيني، ثمّ تركني إلى قرية من قرى البولوي الكوجك الحميدي ، وانتقل إلى زيارة المشهد المقدّس ،الغروي، وفي تاريخ خمس وستين انتقل والدنا المرحوم إلى بلد القونية القرماني.
وقرأت منه كتاب المجدي والمشجر والمنتقلة بإذنه وإجازته وروايته، وقرأت معه مسند عليّ الرضا من الحديث، وكتاب ذخيرة العقبى لمحب الدين
الطبري ومنهاج البلاغة للرضي.
ثمّ انتقل إلى قصبة من أعمالها بسيدي شهري وقرأت فيها الشامي، وعمدة الطالب في مناقب أبي طالب، وعلمني اصطلاحات النقابة، وقال المرحوم وأنا الحقير محيي الدين علي المسمّى بعبد القادر أخذت علم النسب بقراءتي عن خليفة أبي جعفر بن إبراهيم الموسوي وهو قرأ على والدي وبركتي جمال الدين جعفر النسّابة، وقابل مبسوطه معه سنة احدى عشر وتسعمائة بإذنه وإجازته، وهو قرأ على والده وبركته شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن الحسن المهنا الداوودي الموسوي إجازة ورواية عنه، وقابل معه تأليفه عمدة الطالب في مناقب أبي طالب؟ في تاريخ سنة ( 860 ه-) وهو قرأ عن النقيب تاج الدين محمد الحسني، وهو عن شيخه السيّد علم الدين المرتضى ابن السيد جلال الدين عبد الحميد الموسوي، وهو عن أبيه، عن جده السيد جلال الدين عبدالحميد التقي الحسيني النسّابة، عن ابن كلثون العبّاسي النسّابة، عن جعفر بن هاشم العمري النسّابة).
بن معية
وقد سجل النسّابة أبو الفتوح ذلك في آخر نسخة من كتاب عمدة الطالب
تاریخها سنة ( 990ه-) وتوجد في مكتبة داماد إبراهيم - سليمانية - برقم 385 في استانبول - تركيا.
ولا زال الكتاب المصدر الموثوق به، يرجع إليه من حصلت نسخته بيده - وما أقلهم - فإنّا لم نقف على كثرة بحثنا على من نقل عنه من المتأخّرين سوى الشيخ محمّد باقر الكجوري، فقد نقل عنه في كتابه جنّة النعيم - بالفارسية - حقلاً كاملاً ، وذلك يتضمن الواردين إلى الري وأضاف إليه ما وجده في سائر الأبواب ممّن ورد الري فكان ما نقله عوناً لنا في سد بعض النقص الموجود في نسخة نسخة الأصل.
ووجدنا المرحوم الحجّة الشيخ عليّ كاشف الغطاء (رحمة الله علیه) ذكر ذلك بعينه في الحصون المنيعة(1)
(مخطوط).
.والمظنون قوياً أنّه نقله عن جنّة النعيم إذ لم يصرّح بحصول نسخة المنتقلة له، وفي نقله ذلك الحقل بكامله حسب المنقول في جنة النعيم ما يوحي بأخذه عن الجنّة.
وختاماً نسأل المولى جلّ اسمه أن يتقبّل منّا هذه الخدمة للأشراف من أهل البيت (عليهم السلام)خالصة لوجهه الكريم.
(وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ)
محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
النجف الأشرف
25 جمادى الأولى سنة 1388ه-
1) الحصون المنيعة 5 : 583 و 589 - 590
تأليف
الشيخ العلامة زین المحدثين محمد بن
الفَتْال النيشابوري الشهيد في سنة 508ه-
من أعلام القرنين
الخامس والسادس الهجريين
وضع المقدمة
العلامة الجليل السيد محمد مهدى السيد حسن الخرسان
منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف ت (368)
1386 ه--1966م
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حياة المؤلّف والتعريف بالكتاب:
الحمد لله ربّ العالمين، وسلام على عباده الّذين اصطفى محمّد و آله الطاهرين.
ما زالت المكتبة الحيدرية في النجف الأشرف تتحف القرّاء بكلّ سفر جليل وكنز ثمين من آثار السلف الصالح خدمة للدين، وتخليداً لذكرى أعلامنا الماضين. وإحياء لما اندثر أو كاد من آثارهم، وقبل ذلك كلّه طلباً لمرضاة الله تعالى.
وإنّها اليوم لتطالع القرّاء الكرام بكتاب ( روضة الواعظين وبصيرة المتعظين) تأليف الشيخ الحافظ الواعظ الشهيد السعيد أبي عليّ الفتال النيسابوري من أعلام القرنين الخامس والسادس الهجريين.
وإنّ في إعادة طبع هذا الكتاب وتيسير نسخته للقرّاء في هذا الوقت لفتة طيبة تقدّر فتشكر، فعسى أن يكون هذا الكتاب وأمثاله من الكتب الإسلامية النافعة مدعاة لتهذيب النفوس وتخليصها من أدران المادّة، فحيا الله الأستاذ محمّد كاظم الكتبي صاحب المكتبة الحيدرية وشدّ أزره ووفّقه لما يحب ويرضى.
وقد طلب إليَّ أن أقدّم لهذا الكتاب بما تيسر ليتسنى للقارئ الكريم الوقوف على صفحة ناصعة من تاريخ الفكر المجيد في القرنين الخامس والسادس.
فأجبت وأنا في زحمة من الأعمال، فعذري سلفاً إلى القرّاء إن قصّرت في التقديم ، أو أخطأت في التصوير، فإنّ البحث يستدعي إعطاء الفرصة التّامة، ولا فرصة والكتاب تم طبعه وهو بانتظار هذه الوريقات، ومن الله أستمد التوفيق والتسديد انّه ولي ذلك.
المؤلّف:
هو الحافظ الواعظ الشهيد السعيد أبو علي محمد بن الحسن بن علي بن أحمد ابن علىّ الفتال النيسابوري الفارسي.
والّذي يلاحظ معاجم التراجم يجد الرجل منسوباً إلى أبيه تارة وإلى جدّه عليّ أخرى وإلى جدّه أحمد بن عليّ ثالثاً، وربّما يظن التعدد خصوصاً إذا وجد التفريق في الوصف والنسبة كما احتمل ذلك غير واحد، ومن الخير أن ندل القارئ على المعاجم التي ذكرته منسوباً إلى أبيه الحسن، فهي: معالم العلماء: 116 ، ومقدّمة المناقب 1: 13 ، والمقابيس : 5 ، وخاتمة المستدرك 3 492 وإيضاح المكنون 1 334 و 598 ، والكنى والألقاب :3: 90 وروضات الجنّات: 564 وغيرها.
وأمّا الّتي نسبته إلى جدّه عليّ فهي: فهرست الشيخ منتجب الدين، وإجازة العلّامة الحلي لبني زهرة، ومقدّمة المناقب أيضاً وغيرها. وأمّا الّتي نسب فيها إلى جده الأعلى أحمد بن عليّ فهي: فهرست الشيخ منتجب الدين أيضاً، ورجال ابن داود ،295 ، ولسان الميزان لابن حجر 44:5 وشعب المقال للنراقي 228 والوجيزة للمجلسي ، ومنهج المقال: 280، وتحفة الأحباب: 314، وجامع الرواة 2: 62، وتأسيس الشيعة 395 وغيرها.
والتحقيق انّ الرجل واحد، ولكن المترجمين اختلفوا في نسبته إلى آبائه لأنهم كانوا من الشهرة وذيوع الصيت بالمكان اللائق بهم، حتى صح أن ينسب إلى كلّ منهم، والنسبة إلى الجدّ الأدنى أو الأعلى أمر شائع في كتب التاريخ والتراجم، ولا يخفى ذلك على من لاحظ تراجم أمثال: ابن طاووس، ابن شهر آشوب، ابن زهرة، ابن معد، ابن حمزة ، ابن سعيد وغيرهم.
تعريف المعاجم له وثناء الشيوخ عليه:
1 - قال تلميذه الوفي الحافظ محمد بن عليّ بن شهر آشوب السروي:
محمّد بن الحسن الفتال الفارسي النيسابوري، له كتاب التنوير في معاني التفسير، وروضة الواعظين وبصيرة المتعظين(1)
وقال عند ذكر أسانيده لرواية كتب الشيعة فقال: فأما أسانيد كتب أصحابنا فأكثرها عن الشيخ أبي جعفر الطوسي حدثنا بذلك ... وحدّثنا أيضاً المنتهى بن أبي زيد بن كيابكي الحسيني الجرجاني، ومحمّد بن الحسن الفتال النيسابوري وجدّي شهر آشوب عنه أيضاً سماعاً وقراءة ومناولة وإجازة بأكثر كتبه ورواياته.
وأمّا أسانيد كتب الشريفين المرتضى والرضي ورواتهما فعن... وعن محمد ابن علي الفتال الفارسي أيضاً عن أبيه الحسن كليهما عن المرتضى، وقد سمع المنتهى والفتال بقراءة أبويهما عليه - أي المرتضى-(2)
وقال: وحدثني الفتال بالتنوير في معاني التفسير، وبكتاب روضة الواعظين وبصيرة المتعظين(3).
2 - وعده معاصره الشيخ الجليل عبد الجليل القزويني في جملة أعلام الطائفة كالشيخ المفيد والطوسي والشريفين وأضرابهم(4) ، ثمّ قال ما ترجمته: وكلّ منهم كان: مدرّساً، ومتكلّماً، وفقيهاً، وعالماً، ومقرئاً، ومفسراً، ومتديناً وزاهداً(4).
كما أنّه اعتمد تفسيره (التنوير) ونقل عنه أسوة بنقله عن تفاسیر سير شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي وأبي عليّ الطبرسي وأبي الفتوح الرازي، ثمّ وصف تفاسيرهم بأنّها معروفة معتبرة معتمدة.
وقال عند ردّ من رمى الشيعة بالجبر والتشبيه، بعد كلام ذكر فيه تفاسير الشيعة في وقته وعدّ منها تفسير الشيخ أبي جعفر الطوسي، وتفسير الشيخ محمد الفتال، وتفسير أبي عليّ الطبرسي، وتفسير جمال الدين أبي الفتوح الرازي رحمة الله عليهم، فقال ما ترجمته وكلّهم كان عالماً خبيراً، وجميعهم علماء أمناء علماء أمناء معتمدين ،
ولم يكونوا مجبرين ولا مشبهين، ولا غالين ولا إخباريين ولا حشويين(1).
3 - وقال الشيخ منتجب الدين ابن بابويه في الفهرست المطبوع في مجلدات بحار الأنوار الشيخ محمّد بن عليّ الفتال النيسابوري صاحب التفسير
ثقة وأي ثقة، أخبرنا جماعة من الثقاة عنه بتفسيره(2).
وقال أيضاً: الشيخ الشهيد محمّد بن أحمد الفارسي مصنّف كتاب روضة الواعظين(3).
4 - وقال الحسن بن داود الحلي محمد بن أحمد بن علي القتال النيسابوري المعروف بابن الفارسي أبو علي لم جخ(4)متكلم جلیل القدر، فقیه، عالم، زاهد، ورع، قتله أبو المحاسن عبدالرزاق رئيس نيسابور الملقب بشهاب الإسلام(5).
5 - وقال آية الله العلّامة الحلي في إجازته الكبيرة لبني زهرة وهي مذكورة في آخر مجلدات البحار ... كتاب روضة الواعظين وتبصرة المتعظين للفقيه أبي على محمّد بن عليّ بن أحمد الفارسي(6)
6- وقال ابن حجر : محمّد بن أحمد بن عليّ الفارسي أبو علي الفتال ذكره ابن بابويه في تاريخ الري وقال:
كان من شيوخ الإمامية سمع من المرتضى أبي الحسن المطهّر، وعبد الجبّار بن عبدالله، روى عنه عليّ بن الحسن بن عبدالله النيسابوري، ومات سنة ثمان وخمسمائة(7)
1) كتاب النقض: 304.
2) الفهرست 26 :11 و 13.
3) الفهرست 26 :11 و 13.
4) هذا رمز لمن لم يرو عنهم(عليه السلام)في رجال الشيخ الطوسي وهو آخر الأبواب فيه، وقد تعقب این داود كثير من الأعلام على هذه النسبة لخلو رجال الشيخ الطوسي عن ذكره، ومنهم السيد التفريشي في نقد الرجال، والوحيد البهبهاني، والشيخ المجلسي وغيرهم وانتصر له مكابراً في الدعوى صاحب الروضات بزعم خلو نسخ القوم من ذكره، ولم يذكره لنا أنه رأى نسخة من رجال الشيخ فيها ذكر الرجل فلاحظ.
5) رجال الحلي: 295 طبع ايران.
6) البحار ج 26 الطبعة الحجرية.
7) لسان الميزان 5: 44
7 - وذكره السيد مصطفى التفريشي في كتابه نقد الرجال، وذكر مقالة ابن داود المتقدّمة، ثمّ عقب عليها بقوله: ولم أجده في كتب الرجال، خصوصاً في الرجال، أي رجال الشيخ(1).
8 - وذكره الميرزا محمّد في رجاله الكبير منهج المقال والوسيط المسمّى (تلخيص الأقوال) وهو مخطوط، ولم يزد على عبارة الشيخ ابن داود في رجاله وقد سبق أن ذكرناها(2).
9 - وقال الوحيد البهبهاني في تعليقته على الرجال (منهج المقال) في النقد نقد الرجال - : لم أجده في كتب الرجال، وفي الوجيزة حكم بحسنه. والظاهر أنه -الإشتباه - من ابن داود.
10 -وقال الشيخ أسد الله التستري: الشيخ الشهيد السعيد الفاضل السديد محمد بن الحسن بن عليّ الفتال الفارسي النيسابوري صاحب روضة الواعظين المعروفة، وكتاب التنوير في معاني التفسير، وقد روى عنه كما صرح به السروي - ابن شهر آشوب - الذي روى عنه بلا واسطة في المناقب(3).
11 - وقال الميرزا أبو القاسم النراقي محمّد بن أحمد بن علي الفتال النيسابوري أبو علي المعروف بابن الفارسي، ذكره الشيخ (رحمة الله علیه)، وقال ابن داود: انّه متكلّم جليل القدر، فقيه عالم زاهد ورع قتله أبو المحاسن عبدالرزاق رئيس نيسابور الملقّب بشهاب الإسلام(4).
12 - وذكره المولى محمّد بن عليّ الأردبيلي في جامع الرواة مرتين، مرة بعنوان: محمّد بن أحمد بن عليّ الفتال النيسابوري المعروف بابن الفارسي أبو عليّ ثم ّذكر ما قاله ابن داود وأضاف إليه تعقيب السيّد التفريشي في نقد
الرجال، وكأنه جمع بين منهج المقال وجزءاً من تعليقة الوحيد البهبهاني عليه، وأخرى بعنوان: محمّد بن أحمد الفارسي الشيخ الشهيد مصنف كتاب روضة الواعظين، وحكاه عن فهرست منتجب الدین (1).
13 - وذكره الشيخ محمّد بن الحسن الحر العاملي في كتابه أمل الآمل ثلاث مرات، تارة بعنوان: الشيخ الشهيد محمّد بن أحمد الفارسي الفتال، ثقة جليل له کتاب روضة الواعظين(2).
وأخرى بعنوان :محمّد بن الحسن الفتال النيسابوري، له التنوير في معاني التفسير، وروضة الواعظين وبصيرة المتعظين، قاله ابن شهر آشوب، وتقدم ابن أحمد الفتال الفارسي(3).
وثالثاً بعنوان: الشيخ محمّد بن عليّ الفتال النيسابوري صاحب التفسير، ثقة وأى ثقة أخبرنا جماعة من الثقاة عنه بتفسيره، قاله منتجب الدين.
14 -وذكره الرجالي الشيخ أبو عليّ الحائري في كتابه منتهى المقال في ترجمته كلام الميرزا محمّد في رجاله منهج المقال، وهو عين كلام ابن داود، وكلام الوحيد البهبهاني في التعليقة عليه، وزاد عليهما بقوله: أقول في مجموعة الشيخ بن أحمد الفارسي صاحب كتاب روضة الواعظين، فلاحظ
الشهيد محمّد وتأمّل(4).
15 - وقال العلّامة المجلسي في الوجيزة ملحقاً بآخر خلاصة الأقوال للعلّامة الحلي طبع ايران محمّد بن أحمد بن علي الفتال النيسابوري حسن(5). واستعرض في مقدّمة كتابه الجليل (بحار الأنوار ) عند ذكر مصادر كتابه ومنها
كتاب (روضة الواعظين الصحيح في نسبة الكتاب إلى مؤلّفه المترجم له -
واستعرض كلام كلّ من: ابن شهر آشوب، ومنتجب الدين، وابن داود، وتعقب على ابن داود دعوى ذكر المترجم له فى رجال الشيخ في باب من لم يرو عنهم(عليه السلام)، وختم كلامه بقوله: وعليّ أي حال يظهر ممّا نقلنا جلالة المؤلّف، وإن كتابه كان من الكتب المشهورة.
16 - وذكره السيّد محمّد باقر الخوانساري في روضات الجنّات، وأطال الكلام في ترجمته بنقل ما قاله المتقدمون من الأعلام في حقه، وناقش من ذهب إلى التعدد بما لا يسع المقام نقله بطوله، فمن شاء فليراجع(1).
17 - وقال خاتمة المحدثين الميرزا حسين النوري في خاتمة كتابه مستدرك الوسائل: الشيخ الشهيد السعيد العالم النبيل أبو علي محمد بن الحسن بن علي بن أحمد بن عليّ الحافظ الواعظ الفارسي النيسابوري، المدعو تارة بالفتال، وأخرى بابن الفارسي، والمنسوب إلى أبيه الحسن مرّة، وإلى جدّه عليّ ثانية، وإلى جدّه أحمد ثالثة والكلّ تعبر عن شخص واحد كما يظهر بالتأمل في عبارة ابن شهر آشوب في المناقب، وصرّح به أيضاً صاحب البحار وغيره من العلماء النقاد الأبرار، وهو مؤلّف كتاب روضة الواعظين وكتاب التنوير في التفسير ... ثم ذكر ما قاله منتجب الدين في فهرسته، وعبارة ابن داود في رجاله، ثمّ قال: روى عن الشيخ أبي جعفر الطوسي، وعن أبيه الحسن بن عليّ، وعن السيّد المرتضى، صرّح بذلك في المناقب(2).
18 - وقال المحدّث الشيخ عباس القمي: الفتال: هو الشيخ الأجل الشهيد السعيد أبو علىّ محمّد بن الحسن بن عليّ بن أحمد النيسابوري، المعروف بابن الفارسي الحافظ الواعظ صاحب كتاب روضة الواعظين والتنوير في التفسير ،
كان من علماء المائة السادسة، ومن مشايخ ابن شهر آشوب، يروي عن الشيخ الطوسي، وعن أبيه الحسن بن علي، وعن السيّد المرتضى رضي الله تعالى عنه، ثمّ ذكر ما قاله ابن داود في حقه وعقبه بتفسير لفظ الفتال وأنّه من أسماء البلبل، ولعلّه لقّب به لطلاقة في لسانه في الخطابة والوعظ وعذوبة في لهجته ورقة في ألفاظه (1).
وقال في تحفة الأحباب محمّد بن أحمد بن عليّ الفتال النيسابوري، صاحب روضة الواعظين من العلماء جليل القدر كان متكلّماً فقيهاً زاهداً ورعاً، قتله
أبو المحاسن عبد الرزاق رئيس نيسابور الملقب بشهاب الإسلام(2).
19 - وذكره الحجة الشيخ أغا بزرك الطهراني دام ظله في الذريعة(3)عند ذكر كتابه التنوير وعند ذكر كتابه روضة الواعظين وأشار في كلّ منهما إلى أنه غير الفتال الّذي ترجمه الشيخ منتجب الدين في فهرسته(4)بعنوان: محمّد بن عليّ الفتال النيسابوري ثقة وأي ثقة. وأصرّ الشيخ أغا بزرك على التعدّد، مع أن التحقيق ما ذهب إليه الشيخ المجلسي ، وصاحب الروضات، والشيخ النوري من اتحاد المعنون، وإن اختلفت العناوين المعبر بها عنه كما يظهر ذلك لمن تأمّل في مقدّمة المناقب لابن شهر آشوب.
20 - وذكره الحجة السيّد حسن الصدر في كتابه تأسيس الشيعة وذكر مقالة ابن داود في حقه، ثمّ ذكر كتاب روضة الواعظين، ثمّ قال: وهذا الشيخ من شيوخ الشيعة في المائة الخامسة في طبقة ابن الشيخ ... الخ(5)
وخلاصة القول في حقّ المترجم له: انّه شيخ جليل من شيوخ الشيعة وأعلام الطائفة، وكان مدرّساً متكلّماً فقيهاً عالماً مقرئاً مفسّراً متديناً زاهداً ،من العلماء الأمناء المعتمدين كما وصفه معاصره الشيخ عبدالجليل القزويني.
وثقة أي ثقة جليل القدر فقيهاً عالماً زاهداً ورعاً كما وصفه الشيخان منتجب الدين وابن داود، وأطبق القول المتأخّرون على وصفه بذلك تبعاً لهما.
شيوخه و تلاميذه:
ظهر ممّا سبق أن المترجم له روى عن سيّد الطائفة الشريف المرتضى (ت 436 ه-)، وسمع أباه الحسن بن عليّ يقرأ على الشريف أيضاً. وروى عن الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه-) .
وروى عن أبيه الشيخ الحسن بن علي الفتال.
وروى عن عبدالجبار بن عبدالله، والمرتضى أبي الحسن المطهّر، كما في لسان الميزان.
وسمع منه الحافظ محمّد بن علي شهر آشوب المازندراني (ت 588 ه-) وعليّ ابن الحسن بن عبدالله النيسابوري.
والمستفاد من جميع ذلك انّ المترجم له كان بالعراق برهة من عمره مع أبيه، حيث كانت بغداد محط أكابر العلماء وجامعة الإسلام، فسمع من أعلام الطائفة بها وروى عنهم، وكان ذلك قبل سنة (436 ه-)، وهي سنة وفاة الشريف المرتضى (رحمة الله علیه)، وبقى بها إلى أن سمع الحافظ ابن شهر آشوب المولود في حدود سنة (489 ه-) تقريباً .
ومع الأسف الشديد انّ التاريخ لم يوفّه حقه، لذلك جهلنا كثيراً من جوانب حياته، فلم نعرف عن ولادته ولا نشأته، ولا دراسته شيئاً، وحتّى ما ذكره مترجموه كان بايجاز وإجمال، ومن ذلك أمر شهادته وأسبابها، فقد ذكر بعضهم أنه قتله أبو المحاسن عبد الرزاق شهاب الإسلام حاكم نيسابور ولأي سبب قتل؟ ومتى كان ذلك؟ هذا ما سكت عنه التاريخ ، فلم يبق إلا الحدس والتخمين.
شهادته (رحمة الله علیه) :
قلنا: إنّ المؤرّخين لم يذكروا أسباب شهادة المترجم له، ومتى كانت؟ وكلّ ما ذكروه أنّ قاتله هو عبد الرزاق شهاب الإسلام رئيس نيسابور.
وإنا إذا رجعنا إلى تاريخ عبدالرزاق يمكننا أن نعرف السبب الداعي إلى قتله المترجم (رحمة الله علیه)، فمن هو عبد الرزاق؟
ذكر زامباور في معجم الأنساب والأسر الحاكمة: إنّ أبا المحاسن عبد الرزّاق شهاب الإسلام وزير سنجر، من سنة 513 - 515 ه- وفيها توفي(1). وذكره في وزراء سنجر فقال: شهاب الإسلام أبو المحاسن عبد الرزاق عبدالله ابن محمّد ابن الفقيه - ابن أخي نظام الملك - سنة وزارته (513 ه- )(2).
وأمّا ناصر الدين المنشي الكرماني (725ه-) فيقول ما ترجمته: الوزير شهاب الإسلام عبدالرزاق بن إسحاق الطوسي كان ابن أخ الوزير نظام الملك، وكان من قروم الأئمّة يومئذٍ وفحول العلماء المشاهير ، اشتغل في أيام صباه وريعان شبابه بتحقيق أحكام الشرع، وتدقيق رموز وإشارات الأحاديث النبوية، وصرف شرخ شبابه بشرح جواب المشكلات، وإزالة الشبهات، أمر السلطان سنجر - السلجوقي بنقله من المدرسة والمحراب إلى سرير الوزارة، وأعطي مقاليد الأمور، فتبدل عمّا كان عليه من زي النسك والورع إلى كثير من الصفات المذمومة والأفعال القبيحة، كالبخل وشرب الخمر إلى أن توفي مشوه السمعة ممقوتاً(3).
وقال سيف الدين العقيلي من أعلام القرن التاسع في كتابه آثار الوزراء: شهاب الإسلام عبدالرزاق وزّر للسلطان سنجر السلجوقي بعد عزل ابن عمّه
صدر الدین ابن فخر الدين بن نظام الملك.
قال السلطان سنجر عند إجتماعه في مرو بالوزير معين الدين أبي نصر أحمد الكاشي أنّه رأى من وزيره شهاب الإسلام من سوء السيرة وخبث السريرة ما لا ينبغي صدوره من السوقة فضلاً عن أصحاب الدرس والفتوى والعمائم والتقوى.
وقال السلطان أيضاً: أغمضت عمّا شاهدت منه كلّه إلى أن توفي.
وورد في حبيب السير: شهاب الإسلام عبدالرزّاق الطوسي من أقارب خواجه نظام الملك، استوزره السلطان سنجر السلجوقي بعدما ظهرت خيانات كثيرة من صدر الدین بن فخر الدين بن خواجه نظام الملك، فتمرد وطغى وسرق الخزانة إلى أن أمر السلطان بقتله، واستوزر من بعده شهاب الإسلام، هذا وكان في أوّل أمره يشتغل بطلب العلم، فلمّا وزّر طغى وتعجرف وشرب الخمر متجاهراً بذلك. انتهى(1).
بقي هنا أمر لابد من التنبيه عليه هو: إنّ ابن حجر في لسان الميزان ذكر انّ المترجم له مات سنة (508ه-)، وهذا لا يتفق مع سني وزارة عبدالرزاق المذكور، اللهمّ إلّا أن يكون عبد الرزاق أفتى بقتله يوم كان حليف المحراب وذلك قبل أيام حكومته، وإن كان الظاهر من عبارة ابن داود أنّه قتله وهو رئيس نيسابور ،فلاحظ .
وورد في تاريخ نيسابور، تلخيص الخليفة النيسابوري نقلا عن خطّ الخواجة قطب الدين، في أسماء الّذين لهم قبور معلومة بنيسابور ما ترجمته: الشيخ محمّد الفتال (رحمة الله علیه) وتربته في قبلى مقبرة (حيرة) بنيسابور(2).
مؤلفاته:
لم نعثر في المعاجم المؤلّفة لذكر آثار الأعلام وفي غيرها على سوى هذين المؤلّفين:
1 - التنوير في معاني التفسير.
2 - روضة الواعظين وبصيرة المتعظين.
أمّا الأوّل فقد كان من الكتب المعتبرة عند الشيعة، وفي عداد تفاسيرهم المعتمد عليها، وقد ذكره غير مرّة الشيخ الجليل عبد الجليل القزويني - معاصر المترجم له - في كتابه النقض، وحكى عنه وأطراه كثيراً، كما وقد رواه الحافظ ابن شهر آشوب عن مؤلّفه كما في مقدّمة المناقب.
وأمّا روضة الواعظين، وهو هذا الكتاب الّذى نحن نقدّمه للقرّاء بكلّ احترام، فهو من كتب الأخلاق والآداب، ذكر مؤلّفه في مقدّمته السبب الداعي لتأليفه فقال: فانّي كنت في عنفوان شبابي قد اتفقت لي مجالس وعرضت محافل والناس يسألونني عن أصول الديانات والفروع عنها في المقامات، فأجبتهم عنها بجواب يكفيهم ومقال يشفيهم ، فحاولوا منّي بالكلام في التذكير والزهد والمواعظ والزواجر والحكم والآداب، فرجعت إلى كتب أصحابنا فما وجدت لهم كتاباً يشتمل على هذه المطلوبات، ويدور على جمل هذه المذكورات إلا متبترات في كتبهم وتفريقات في زبرهم فهممت أن أجمع كتاباً يشتمل على بعض كلام الله تعالى، ويدور على محاسن أخبار النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، ويحتوي على جواهر كلام الأئمة(عليهم السلام)وأبوّبه أبواباً ومجالس وأضع كلّ جنس موضعه، فانّه لم يسبقني إليه أحد من أصحابنا إلى تأليف مثل هذا الكتاب فكان التعب به أكثر والنصب أعم وأكثر، وأنا إن شاء الله أفتتح لكلّ مجلس منها بكلام الله تعالى ثم بآثار النبي والأئمّة(عليهم السلام) محذوفة الأسانيد، فانّ الأسانيد لا طائل فيها إذا كان الخبر شائعاً
ذائعاً.
ووقعت تسميته ب- (روضة الواعظين وبصيرة المتعظين).
ثمّ حذّر المؤلّف القرّاء من التسرع في الحكم استناداً على ورود بعض الأخبار الّتي يقتضي ظاهرها مذهب الحشو والإختلاط، ودعا إلى التأمل والتفكّر
والرجوع إلى من يعرف تأويلها، وأكّد ذلك في الخاتمة أيضاً وختم ذلك بقوله:
(فإنّي لم أذكر شيئاً في هذا الكتاب من الخبر والأثر الّذي يقتضي ظاهره مذهب الحشو حتّى كنت عالماً لمعناه قبل إيراده، لكن لم أذكر معناه لئلّا يطول به الكتاب، فينبغي أن لا يعتقد أحد أنّي كنت حشوياً ومخلطاً، فإنّي رجل محقق والحمد لله ربّ العالمين).
ومراده بقوله إنّي رجل ،محقق، أي ممّن يعتمد الحق - الإمامة - ويقول به.
وقد توهم بعضهم فنسب الكتاب إلى الشيخ المفيد(رحمة الله علیه)وردّه كثير من المحققين ونبهوا على غلط النسبة، وقبل ذلك كله قول تلميذه الشيخ الحافظ محمّد بن عليّ ابن شهر آشوب راوي هذا الكتاب وسابقه عن مؤلّفه كما صرح بذلك في مقدّمة المناقب .
وكتابنا هذا في جزءين خص المؤلّف الجزء الأوّل - وهو يشتمل على ثلاثين مجلساً يتخللها بعض الأبواب والفصول - بذكر ماهية العقول والعلوم والنظر ووجوب معرفة الله تعالى وفساد التقليد في ذلك، والكلام في صفات الباري وخلق الأفعال والقضاء والقدر والعدل والتوحيد والنبوّة والبعثة ومعجزات النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) و تاريخه، ثمّ الإمامة وما يتعلّق بها، وتاريخ الأئمة(عليهم السلام)من أمير المؤمنين(عليه السلام)إلى الحسن العسكري (عليه السلام)مع تاريخ الزهراء(عليها السلام) .
أمّا الجزء الثاني فيزيد على سبعين مجلساً، أتم في أوّله الكلام في تاريخ الحجّة عجل الله فرجه وإمامته، ثمّ ذكر في باقي مجالسه مناقب آل محمّد وفضائل بعض الأعلام، ثمّ استعرض ذكر بعض الأحكام والأزمان والأماكن ، وحتّى القبور
والقيامة والصراط والميزان والجنّة والنار وغيرها.
وقد طبع هذا الكتاب في ايران مكرراً، وهذه الطبعة التي تقدمها المكتبة الحيدرية في النجف هي أحدث الطبعات.
( وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ)
محمد مهدي السيد حسن
الموسوي الخرسان
25 رجب سنة 1386ه-
النجف الأشرف
تاليف
امین الاسلام ، ابى على الفضل بن الحسن الطبرسي قدّس سرّه
من اعلام القرن السادس
المتوفي سنة 548
قدم له
العلامة الجليل السيد محمد مهدى السيد حسن الخرسان
الطبعة الثالثة
منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف
1390 ه- - 1970 م
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
و به نستعين
ترجمة المؤلّف:
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة السلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد: فهذه سطور بين يدي كتاب جديد من منشورات المكتبة الحيدرية العامرة، طلب إليَّ الأخ الشيخ محمّد كاظم الكتبي سلّمه الله أن أصدره بشيء عن مؤلّفه أسوة بما قدّمت له من منشوراته القيمة.
ولما كان مؤلّفه من الأعلام المشاهير الذين جازوا حدود التعريف فسموا على أقلام الباحثين، ولم تسع الصفحات المعدودة لذكر آثاره ومآثره لذلك رأيت أن يكون الحديث عن الكتاب الجديد ومؤلّفه العظيم بما يتناسب وحجم الكتاب لا مع ضخامة الموضوع ومكانة المؤلّف، وذلك في سطور.
وما عسى أن يلم الباحث بالقارئ في هذه السطور عن حياة عظيم سما في عظمته حتّى عدّ من أئمة التفسير في القرن السادس الهجري، مضافاً إلى ما تبوأ من الصدارة في أكثر فن من العلوم الإسلامية كما يشهد بذلك مؤرّخوه، وقبلهم آثاره الخالدة.
فمن تری - يا قارئي - يكون هذا العلم الفذ الذي قيل عنه نادرة العصر ووحيد الدهر، وهو كذلك بحق كان نادرة عصره، حيث ملك القلوب والمشاعر بآثاره الّتي حازت الإعجاب من يومه وحتى يومنا الحاضر وستبقى كذلك ؟
ألا يكون ذلك العلم هو المفسّر الكبير الذي امتزج في نفسه ناموس العلم بجلال الوحي الإلهي ، فانبثقت عنها تفاسيره الثلاثة وفي مقدمتها تفسيره الكبير (مجمع البيان) الحسنة الباقية، والمدرسة الحية الخالدة، يرتادها مفسروا المسلمين من بعده لأنه النموذج الصالح للتفسير الصحيح بالمستوى الرفيع خالياً عن
سفاسف المتصوّفة وترهات الرواة ونسيج القصص الاسرائيلي الّذي تطفح به - ويا للأسف - كتب أخرى في التفسير.
وأظن أنّى في غنى عن الإطناب في تعريف المؤلّف، بعد أن عرف القارئ انّه صاحب (مجمع البيان) الّذي هو من الشهرة والذيوع بمكان، والذي يغني عن التحدّث عنه وعن مؤلّفه بقولنا كان وكان، فانّه قل أن توجد مكتبة في الشرق الإسلامي، بل وحتى في الغرب، عامة أو خاصة لا تحتضن هذا التفسير الجليل في رفوفها العالية تقديراً لمكانته السامية، وحيث وعدنا القارئ باقتضاب الحديث عن تلك الشخصية الفذة فانا نكتفي بالسطور الآتية:
1 - نسبته:
اختلف الباحثون في نسبته، وأنّها إلى أي البلدان، وذهب الأكثر إلى أنها نسبة إلى طبرستان وهو غير صحيح، نظراً إلى ان قانون النسبة يقضي بأن تكون النسبة إليها طبري لا طبرسي، وقد تكفلت كتب البلدان والأنساب ببيان ذلك، على ان لدينا ما يغنينا عن التمحل الذي ذهبوا إليه، وذلك تصريح مؤرّخ معاصر له ذلك هو أبو الحسن علي بن زيد البيهقي (ت 565ه-) فقد قال أصله من طبرس، وهو منزل بین قاسان و اصفهان(1)
وعلى هذا فلا مجال لجميع ما قيل من أنّ أصله من طبرستان أو من طبس أو غير ذلك ممّا لا يرجع إلى هذا القول الذي صرّح به البيهقي، وقوله حقيق بالاعتبار لأنه من معاصري الطبرسي، ولعلّه من معاشريه أيضاً.
وذلك لأنّ الطبرسي ورد بيهق في سنة 523 واستوطنها حتى مات بها في سنة 548، والبيهقي مؤرّخ بيهق وكاتبها الشهير، وإن كان في تلك البرهة من الزمن التي بلغت 25 سنة كثير السفر من بلاده إلى البلاد الأخرى، إلا أن الفاحص لكتابيه تاريخ بيهق ولباب الأنساب يجده قد عاد إلى بيهق في تلك المدة ثلاث مرّات،
1) تاریخ بیهق: 242
استدامت احداها أربع سنوات، والمرتين الأخريين كلّ منهما بما يقرب السنة.
ونظراً لارتباط البيهقي الوثيق بسادة بيهق ونقبائها آل زبارة الذين تربطهم بالطبرسيين وشائج قربئ كما ستأتي الإشارة إلى ذلك - يمتنع عادة أن لا يجتمع بالطبرسي ولا يعاشره ، إذا لم نجازف في القول ونفترض انه استفاد منه في العلوم على أنّ ترجمته له في تاريخه تنبئ عن معرفة تامة وخبرة صادقة واطلاع صحيح.
وطبرس التي ذكرها البيهقي لم تذكرها كتب البلدان المتأخرة، على انه ورد ذكرها في كتاب البلدان لليعقوبي(1)« من القرن الثالث الهجري».
ولا شكّ أنّها لفظة معربة عن أصل أعجمي، فهل هو تفرش أو تيرش أو تبرش؟ كل ذلك قد ورد في مصنف من القرن الرابع الهجري وهو تاريخ قم للحسن ابن محمّد بن الحسن القمي (ت) (378ه-) فيكون تعريبها الناقص طبرش بالشين المعجمة، كما ورد ذلك في الترجمة الفارسية لتاريخ قم المذكور حيث ورد عن ابن المقفع : ان طبرش هي التي استحدثها طبرش بن همدان وأمر بعمارتها(2).
وورد رستاق طبرش من ناحية همدان أضيفت إلى قم (3).
كما وردت عبارات مختلفة عن تحديد طبرش منها:
رستاق طبرش داخل و خارج رستاق طبرش همدان و اصفهان رستاق طبرش همداني واصفهاني، ومن مجموعها يعلم أنه رستاق كبير واسع يشمل مساحات واسعة من حدود اصفهان وكاشان إلى قم وهمدان.
فهي بهذا لا تزال تحتفظ بطابعها الأعجمي حيث وردت بالشين المعجمة وقانون التعريب يقضي بأن تكون بالسين المهملة.
قال أبو منصور الجواليقي في معرفة مذاهب العرب في استعمال الأعجمي:
وأبدلوا السين من الشين فقالوا للصحراء (دست) وهي بالفارسية (دشت) وقالوا: (سراويل) و (إسماعيل) وأصلها (شروال) و (اشماويل) وذلك لقرب السين من الشين في الهمس(1).
وقياساً على ذلك جرى تعريب (بست وست وطبس) وأصلها( بشت و تشت و تبش).
2 - ولادته، اسمه، کنیته، لقبه، نشأته :
ولد في العقد السادس من القرن الخامس، حيث يظهر ذلك جلياً من ملاحظة كتابيه مجمع البيان و جوامع الجامع، فقد قال في مقدّمة الأوّل: (وقد كنت في عهد ريعان الشباب وحداثة السن... كثير التشوّق إلى جمع كتاب في التفسير... فتعترض لذلك جوائح الزمان، وعوائق الحدثان ... وهلم جراً إلى الآن، وقد ذرف سني على الستين واشتعل الرأس شيباً)(2).
وذكر في خاتمة المجلد الأوّل: وفرغ من تأليفه يوم السبت لثلاث بقين من شعبان سنة ثلاثين وخمسمائة )(3).
وقال في مقدّمة جوامع الجامع: (فلقد ذرفت على السبعين سنيّاً )(4).
وقال في خاتمته (وكان ابتدائي بتأليفه سنة 542)(5).
فيظهر من ملاحظة جميع ما تقدم ان ولادته كانت في أواخر الستينات من القرن الخامس الهجري، يبدو ان أباه الحسن بن الفضل الطبرسي أراد أن يحيي ذكر أبيه ويخلّد اسمه فسمّى وليده باسمه (الفضل) وهو اسم يحكي منطوقه عن مفهومه.
وذكر الثعالبي في تتمة اليتيمة ترجمة باسم الفضل بن الحسن بن محمّد
الطبرسي وذكر فيها أنّه شاب من أهل طوس وذكر له بعض أشعاره فمن المحتمل أن يكون ذلك هو جد المترجم فليراجع.
وكنيته أبو عليّ، ولقبه أمين الإسلام، ولقب بأمين الملة والإسلام.
وكانت نشأته الأولى في خراسان، وهي يومئذٍ تحت حكم السلاجقة، وليس خفي على الباحثين تاريخ خراسان في ذلك العهد، فطوس حاضرة علمية نبغ منها في ذلك العهد كثير من الأعلام، ولم نعرف عن مشايخه الذين أخذ عنهم في تلك الحاضرة شيئاً، نعم كلّ ما وسعنا الاطلاع عليه في المقام هو :
3 - شيوخه في الرواية:
فقد ذكرت المصادر المعنية أنّه يروي عن جماعة من الأعلام وهم:
1 - السيد أبو طالب محمد بن الحسين الحسيني القصبي الجرجاني، وقد أخبره هذا السيد بجميع كتاب أخبار أبي هاشم الجعفري للشيخ أبي عبدالله أحمد ابن محمّد بن عيّاش، صرّح بذلك في الفصل الثالث من أخبار الإمام الجواد(عليه السلام) في كتابه إعلام الورى.
2 - السيّد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني القايني، صرح بروايته عنه في مجمع البيان(1)، فعلى هذا لا وجه لما ذكره الخونساري في الروضات من أن السيد أبا الحمد المذكور من تلاميذ المترجم له وقد تبعه على هذا الخطأ محقق ومصحح إعلام الورى المطبوع حديثاً في ايران سنة 1379 في مقدمة الكتاب.
3 - الشيخ أبو على الحسن ابن الشيخ الطوسي.
4 - الشيخ أبو الوفاء عبدالجبار بن عبدالله بن عليّ المقري النيسابوري الرازي، ويلقب كلّ من هذين الشيخين بالمفيد، وصرّح بروايته عنه في إعلام الورى في مناقب الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)، ومجمع البيان)(2).
5 - الشيخ الحسن بن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي الرازي، وهو جد منتجب الدین ابن بابویه صاحب الفهرست، صرّح بروايته عنه ولده(1).
6 - الشيخ موفق الدين الحسين بن أبي الفتح الواعظ البكرآبادي الجرجاني (ت 536 ه-)، صرّح بروايته عنه ولده (2).
7 - الشيخ أبو الفتح عبدالله بن عبد الكريم بن هوازن القشيري (ت 477 ه)(3)، وفي عدّ الرجل من مشايخ المترجم له نظر لما سبق من تقريب ولادته قبل سنة 470 بقليل، فإذا صحت روايته عن القشيري (ت 477 ه-) فيكون قد سمع منه وهو دون العاشرة، وهو أمر يلفت النظر وينبه عليه غالباً.
8- الشيخ أبو الحسن عبيدالله بن محمد بن الحسين البيهقي، ذكره المحدّث النوري(4)، وحكى ذلك عن المجمع في تفسير سورة طه، ولم أعثر عليه في ذلك عاجلاً.
9- الحاكم الموفق بن عبد الله العارف النوقاني، وهو من مشايخ العامة، روى عنه في الفصل الثالث من أخبار الإمام الرضا(عليه السلام) من كتابه إعلام الروى.
10 - الشيخ أبو عبدالله جعفر بن محمد الدوريستي، ذكر ذلك التستري(5).
11 - الشيخ أبو القاسم محمود بن حمزة بن نصر الكرماني المعروف بتاج القرّاء الكرماني، ذكر أبو الحسن البيهقي أنه اختلف إليه (6)، ولم يذكر أخذ المترجم له عن هذا الشيخ سواه.
وتاج القرّاء هذا كان عجباً في دقة الفهم وحسن دقة الفهم وحسن الاستنباط، وله تصانيف في التفسير والنحو، ذكرها مترجموه(7).
4 - تلامذته:
وحيث انتهينا من ذكر شيوخه نذكر للقارئ أسماء المستفيدين والمنتهلين من نمير علومه، وبالرغم من سكوت المصادر عن ذكر تلامذته في مدرسة باب العراق في بيهق التي كانت قد فوضت إليه كما يقول البيهقي، فانّها - المصادر - لم تبخل بأسماء بعض من روى عنه، وهم:
1 - الشيخ الجليل رضي الدين أبو نصر الحسن بن الفضل الطبرسي - ولده - صاحب كتاب مكارم الأخلاق، وقد صرّح فيه بروايته عن أبيه.
2 - الحافظ محمّد بن عليّ بن شهر آشوب السروي المازندراني (ت (588ه-) بحلب صرّح بروايته عن شيخه الطبرسي في كتابيه (1).
3 - الشيخ منتجب الدين علي بن عبدالله بن الحسن الملقب بحسكا الرازي القمي، صرّح بقراءته على المترجم له بعض تصانيفه في فهرسته(2).
4 - السيد الجليل الإمام ضياء الدين فضل الله بن علي بن عبيدالله الحسيني الراوندي الكاشاني، عدّه في المقابيس من تلاميذ المترجم له(3).
5 - الشيخ الإمام قطب الدين أبو الحسين سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي، المعروف بالقطب الراوندي، عده في المقابيس من تلاميذ المترجم له.
6 - السيّد عز الدين شرفشاه بن محمد الحسيني الأفطسي النيسابوري من آل زبارة عده في رياض العلماء من تلاميذ المترجم له، وهذا السيّد تشرف بزيارة المرقد العلوي على ساكنه السلام وسكن في النجف مجاوراً حتى مات بها وإليه ينسب جبل شرفشاه في محلة العمارة وقد أزيلت معالمه أيام الحكم الصدامي.
7 - الشيخ أبو محمّد عبدالله بن جعفر بن محمد الدوريستي، عده في رياض العلماء من تلاميذ المترجم له.
8 - الشيخ أبو الفضل شاذان بن جبرئيل القمي، عدّه في الرياض من تلاميذ المترجم له.
9 - الشيخ برهان الدين بن محمد بن على القزويني الهمداني، عدّه البحراني من تلاميذ المترجم له في الرواية عنه(1).
وإذا كان التاريخ شحيحاً بأسماء تلامذته جميعاً فكذلك هو في...
5- مصنّفاته :
فانّ البيهقي وهو مؤرّخ خبير معاصر للمترجم له، ومواطن له في بيهق طيلة خمس وعشرين سنة، يذكر عن المترجم له أنّ له تصانيف كثيرة، وإذا رجعنا إلى فهرستي تلميذيه الشيخين منتجب الدين وابن شهر آشوب نجد مجموع ما يسجلان من تصانيفه أقل من عشرة، وهذا عدد ليس بالكثير ، ويمكن أن يكون ذلك ما روياه عنه حتى تاريخ اجتماعهما به وعليه فالبيهقى على دعواه وهو أبصر بالمترجم له في ربع القرن الأخير من حياته، مضافاً إلى أنه شيخ رواية لابن شهر آشوب.
أمّا ما حفظته سائر كتب التراجم من مصنّفاته فانّه لايبلغ العشرين وهو عدد قد لايوصف بالكثرة أيضاً، ومهما يكن التاريخ شحيحاً من حيث الكم إلّا انّه ليس كذلك من حيث الكيف، إذ حفظ جملاً تنبئ عن حسن تلك المصنفات وكثرة النفع فيها، كما تنبئ عن الطابع الذي تحلت به بعض مصنفاته، فقد قال البيهقي: وتصانيفه كثيرة، والغالب على تصانيفه الاختيار، والاختيار أعلى مرتبة من الكتب، فانّ اختيار الرجل يدلّ على عقله، مثلاً اختار من كتاب المقتصد في النحو اختياراً حسناً في غاية الكمال، واختياره من شرح الحماسة للمرزوقي في غاية الحسن، واختار من تفسير الإمام الزمخشري اختياراً في غاية الجودة، وصنّف في التفسير مصنفاً في عشر مجلدات وله كتب أخرى كثيرة، وفي علوم الحساب والجبر
1) لؤلؤة البحرين: 346
والمقابلة كان المشار إليه... اه-.
أما الباقي من أسماء مصنّفاته فهو:
1 - الاختيار من شرح الحماسة - الطائية - للمرزوقي (ت 421 ه-)، رآه أبو الحسن البيهقي فذكره وقال عنه واختياره من شرح الحماسة للمرزوقي في غاية الحسن(1).
2 - الاختيار من المقتصد في النحو، والمقتصد هو لعبد القاهر الجرجاني شرح فيه كتاب الايضاح لأبي علي الفارسي، رآه أبو الحسن البيهقي، وقرّضه بقوله: اختار من كتاب المقتصد في النحو اختياراً حسناً في غاية الكمال(2).
3- الآداب الدينية للخزانة المعينية، كتبه باسم الخواجه أتابك أبي نصر أحمد ابن الفضل بن محمود، وقد أطراه في مقدمته كثيراً ، والكتاب مرتب على 14 فصلاً، وقد ذكره منتجب الدین و ابن شهر آشوب ونسخته موجودة.
4 - إعلام الورى بأعلام الهدى: وهو كتابنا هذا، وسنخصه بالحديث بعد ذلك.
5- تاج المواليد ذكره له تلميذاه منتجب الدين في الفهرست وابن شهر آشوب في المعالم، ولم يعيّن موضوعه، إلّا أنّ شيخنا المغفور له الحجة الشيخ آغا بزرك ذكر انه في الأنساب(3)، واستقرب أن يكون هو المذكور قبل ذلك (4)والمنسوب إلى أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي فانّ ذلك في الأنساب.
وإنّي لا يسعنى المصادقة على ما ذهب إليه شيخنا المغفور له(رحمة الله علیه)، فانّ استبعاده أن يكون كتاباً باسم تاج المواليد فى الأنساب لأبي منصور الطبرسي في غیر محلّه، بعد أن يكون المؤرّخ البيهقي (ت 565 ه-) والمعاصر للطبرسيين معاً ذكر ان كتاباً باسم تاج المواليد في الأنساب لأبي منصور، وقد ذكره مكرراً في كتابه لباب الأنساب (مخطوط) فقال في فصل الرموز التي يجب أن يعرفها النقيب
في الأنساب: (تاج) هو علامة كتاب تاج المواليد من تصنيف أبي منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب(1).
وحيث عدّه فيما سبق من كتابه في فصل ذكر من صنف في علم الأنساب في البلدان، وعدّ منهم برقم 23 أبا منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي... اه- (2).
فتبين لنا ان تاج المواليد في الأنساب هو كتاب أبي منصور الطبرسي.
ولا مانع من كون كتاب أبي علي الطبرسي - المترجم له - أيضاً اسمه تاج المواليد كما ذكراه تلميذاه، إلا أنهما لم يذكرا ،موضوعه، ولعلّ فيما حكاه شيخنا المغفور له في الذريعة عن الشيخ أحمد بن سليمان آل أبي ظبية ونقله في كتابه (عقد اللآل في مناقب النبي والآل) عن تاج المواليد لأبي عليّ الطبرسي - المترجم له - ما يوحي بانّ موضوع تاج المواليد للمترجم له يلتقي وموضوع عقد اللآل في نقطة واحدة وهي تسجيل المناقب.
6 - جوامع الجامع هو آخر تفاسيره الثلاثة تأليفاً، وأوسطها حجماً لذلك يعبّر عنه بالوسيط فهو أصغر من مجمع البيان وأكبر من الكاف الشاف الفه بعدهما وانتخبه منهما بالتماس ولده رضي الدين الحسن صاحب مكارم الأخلاق كما صرّح بذلك في أوّله، وأكمله في اثنى عشر شهراً تيمناً بالأئمة الاثنى عشر كما صرّح بذلك في آخره حيث شرع فيه 18 صفر سنة 542، وفرغ منه 24 محرم سنة 543 وهو مطبوع بطهران سنة 1321 طبعة حجرية.
7 - الجواهر وقد يسمّى جواهر النحو لأنه في النحو، ويسمّى أيضاً جواهر الجمل ولعلّ ذلك من اقتفاء مؤلّفه أثر الإمام عبد القاهر الجرجاني (ت 474 ه-) في كتابه الجمل حيث اقتدى به في هذا الكتاب وهو مرتب على الأبواب.
وشكّ في صحة نسبته إلى المترجم له صاحب الرياض وقال: ظني انه من مؤلّفات الشيخ شمس الدين الطبرسي النحوي الذي ينقل عنه الكفعمي في البلد
الأمين بعض الفوائد النحوية.
وقد نسب في فهرست الخزانة الرضوية إلى الشيخ أبي علي الفارسي (ت 377ه-)(1)، وهذا لا يلائم ما في أوّل الكتاب من أن المؤلّف اقتدى فيه بالجرجاني الذي ولد بعد موت أبي علي الفارسي بسنين، وتوفى سنة 474، ولزيادة الايضاح راجع الذريعة (2).
8-غنية العابد ومنية ،الزاهد ذكره تلميذه المنتجب في فهرسته.
9 - الفائق، ذکره تلميذه ابن شهر آشوب، وقال عنه: حسن(3).
10 - الكاف الشاف من كتاب الكسّاف، وهو التفسير الوجيز في مجلدة واحدة، ذكره بنفسه في مقدّمة تفسيره جوامع الجامع، وقال عنه أبو الحسن البيهقي: واختار من تفسير الإمام الزمخشري اختياراً في غاية الجودة.
11 - مجمع البيان لعلوم القرآن هو التفسير الكبير في عشر مجلدات اقتفى فيه أثر شيخ الطائفة الطوسي في تفسيره التبيان الذي قال عنه المترجم له في مقدّمة المجمع : الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق ويلوح عليه رواء الصدق.
وقد صنّف هذا التفسير إجابة لمطلوب الشريف السيد جلال الدين أبي منصور محمّد بن يحيى بن هبة الله الحسيني الزباري، وستأتي الإشارة إلى هذا التقديم في الحديث عن إعلام الورى - كتابنا هذا - وقد أنباً به تلميذه الحافظ ابن شهر آشوب(4)
وقد طبع هذا الكتاب الجليل مكرراً في طهران وقم وصيدا وبيروت ومصر، وفي مقدمة كلّ هذه الطبعات تعريف بالمؤلف وثناء على المؤلّف، ولكن جميع من قدموا تلك الطبعات لم يعرّفوا لنا الشريف المهدى إليه الكتاب والّذي أثنى عليه المؤلّف فى مقدّمة كتابه ثناءً جميلاً وأطراه كثيراً، فلم يشيروا إليه ببنت شفة حتّى
كأنّه من مجاهيل القرون الخالية.
ومن خيرة الكلم الطيب في الثناء على تفسير مجمع البيان ما جاء به قلم مناوئ عنيد وحسبنا بذلك شاهداً اعتراف (محمّد حسين الذهبي) في كتابه التفسير والمفسرون فقد قال: (والحق أن تفسير الطبرسي - بصرف النظر عمّا فيه من نزعات الشيعة وآراء اعتزالية - كتاب عظيم في بابه يدل على تبحر صاحبه في فنون مختلفة من العلم والمعرفة، والكتاب يجري على الطريقة التي أوضحها لنا صاحبه، في تناسق تام وترتيب جميل، وهو يجيد في كل ناحية من النواحي التي يتكلم عنها، فإذا تكلّم عن القراءات ووجوهها أجاد، وإذا تكلّم عن المعاني اللغوية للمفردات أجاد، وإذا تكلّم عن وجوه الإعراب أجاد، وإذا شرح المعنى الإجمالي أوضح المراد، وإذا تكلّم عن الأحكام تعرض لمذاهب الفقهاء، وجهر بمذهبه ونصره إن كانت هناك مخالفة منه للفقهاء، وإذا ربط بین الآیات آخی بین الجمل، وأوضح لنا عن حسن السبك وجمال النظم، وإذا عرض لمشكلات القرآن أذهب الإشكال وأراح البال، وهو ينقل أقوال من تقدمه من المفسرين معزوة لأصحابها، ويرجّح ويوجه ما يختار منها ، وإذا كان لنا بعض المآخذ عليه فهو تشيعه لمذهبه وانتصاره له... غير أن الحق يقال: ليس مغالياً في تشيّعه ولا متطرفاً في عقيدته ...)(1)
12 - النور المبين ذكره تلميذه ابن شهر آشوب(2).
هذه هي تصانيف الشيخ الطبرسي الّتي صحت نسبتها إليه، أمّا الّتي ترددت نسبتها بينه وبين غيره، أو الّتي لم نعثر على تصريح من مصدر قدیم موثوق به كمصنّفاته نفسه أو مصنّفات معاصريه يصحح نسبتها إليه فهي:
1 - أسرار الإمامة: نسب إليه راجع بشأنه الذريعة(3)
2 - حقائق الأمور فى الأخبار، نسبه إليه الخوانساري (4)
3- عدّة السفر وعمدة الحضر، نسبه إليه الكفعمي في البلد الأمين ونقل عنه(1).
4 - العمدة في أصول الدين والفرائض والنوافل - فارسي - مردد النسبة بينه وبين الشيخ عماد الدين الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن الحسن الطبر المازندراني، الشهير عند الفقهاء بعماد الدين الطبرسي، معاصر للخواجه نصير الدين الطوسي والعلّامة الحلي - القرن الثامن-(2)
5 - مشكاة الأنوار فى الأخبار ، نسبه إليه في الروضات، وفرّق بينه وبين كتاب حفيده المسمّى أيضاً باسمه (مشكاة الأنوار) بأن الأول في الأخبار، والثاني في الأدعية، والذي يطلع على كتاب الحفيد يعرف انه أيضاً في الأخبار فلاحظ
6 - معارج السؤول نسبه إليه في الروضات.
7 - نثر اللئالي، نسبه إليه في الروضات.
8- شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ، نسبه إليه في الرياض والروضات، ومن الغريب نسبته إليه، مع ان الكتاب تأليف الحاكم أبي القاسم الحسكاني، وقد صرّح بذلك نفس الشيخ الطبرسي في مجمع البيان(3)وغيرها.
وأغرب من ذلك ان السيد القاضى فى مقدّمة جوامع الجامع ط الأوفست أصر على نسبة الكتاب إليه مستنداً إلى أنه ذكره في ذيل آية يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ(4)ولدى مراجعة المورد في الكتاب وجدنا النقل صريحاً عن الحسكاني في شواهد التنزيل فليلاحظ (5).
هذه هي الكتب التي نسبت إليه، ولم تدفع نسبتها قبل هذا فيما أعلم، وقد كان فيما ينسب إليه كتاب الاحتجاج لأبي منصور الطبرسي - معاصره - ولكنها نسبة لم تثبت ولم تدم طويلاً حتّى دحضت ومهما يكن أمر هذه المصنفات سواء صحت نسبتها كسابقتها أم لم تصح، فانّها جميعاً وما سبقها من مصنفات ثابتة النسبة لم
نقف فيها على اسم كتاب فقهي، وهو أمر يلفت النظر فانّ الرجل كان فقيهاً، وتنقل عنه بعض الآراء الفقهية، كرأيه في مسألة اتحاد الفحل في الرضاع الموجب لنشر الحرمة، حيث نسب إليه القول بعدم اشتراط الاتحاد في اللمعة.
قال الشهيد الأوّل: (وأن يكون اللبن لفحل واحد ، فلو أرضعت المرأة جماعة بلبن فحلين لم يحرِّم بعضهم على بعض وقال الطبرسي صاحب التفسير(رحمة الله علیه): لا يشترط اتحاد الفحل لأنه يكون بينهم أخوة الأم وهي تحرّم التناكح)(1)، وكذلك نقل الشهيد الثاني في المسالك.
وهذا الرأي اقتبسه فيما أعتقد من المجمع حيث قال في معنى آية المحرمات النسبية والسببية قال: وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ(2)يعني بنات المرضعة وهن ثلاث: الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبن أبيك سواء أرضعتها معك أو مع ولدها قبلك أو بعدك. (والثانية) أختك لأمك دون أبيك وهي التي أرضعتها أمك بلبان غير أبيك. (والثالثة) أختك لأبيك دون أمك وهي التي أرضعتها زوجة أبيك بلبن أبيك، وأم الرضاعة وأخت الرضاعة لولا الرضاعة لم تحرما، فانّ الرضاعة سبب تحريمهما ، وكلّ من تحرم بالنسب من اللائي مضى ذكرهن تحرم أمثالهن بالرضاع لقول النبي(صلی الله علیه وآله وسلم): ان الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب... الخ).
وقد استوجه الرأي شيخنا الشهيد الثاني(رحمة الله علیه) في الروضة البهية، وقال: وهو متجه لولا ورود النصوص عن أهل البيت (عليهم السلام) بخلافه، وهي مخصصة لما دلّ بعمومه على اتحاد الرضاع والنسب في حكم التحريم اه-.
وله رأي آخر اشتهرت نسبته إليه تقريباً بين علمائنا وهو القول بأنّ الذنوب كلّها كبائر وليس فيها صغيرة، وإنما تسمى صغيرة باضافتها إلى ما هو أكبر عقاباً منها.
وهذا الرأي أيضاً موجود في المجمع (3)، على ان الشيخ الطوسي في التبيان
وأبا الفتوح الرازي في روح الجنان ذهبا إلى نفس ما ذهب إليه الشيخ الطبرسي (1).
كما انا لم نجد في قائمة مصنّفاته كتاباً في الحساب أو الجبر أو المقابلة وهو الذي كان مبرزاً فيها حتى كان يشار إليه. قال أبو الحسن البيهقي: وفى علوم الحساب والجبر والمقابلة كان المشار إليه، ومن كان مشاراً إليه في فن بعيد أن لا يكون قد كتب فيه شيئاً.
شعره :
لم يذكر مترجموه غير البيهقى شيئاً من أشعاره على أنّه كان شاعراً مكثراً منذ أيّام الصبا، ولكن البيهقي وهو معاصره ومواطنه طيلة ربع قرن قال عنه: وله أشعار كثيرة أنشأها أيام الصبا وذكرنا بعضها في كتاب الوشاح - ويعني كتابه وشاح
دمية القصر - ومن جملتها:
إلهي بحقّ المصطفى ووصيه*** وسبطيه والسجاد ذي الثفنات
وباقر علم الأنبياء وجعفر*** وموسى نجي الله في الخلوات
وبالطهر مولانا الرضا ومحمّد*** تلاه علىّ خيرة الخيرات
وبالحسن الهادي وبالقائم الّذي*** يقوم على اسم الله بالبركات
أنلني إلهي ما رجوت بحبّهم*** وبدل خطيئاتي بهم حسنات
وقد ورد في مقدّمة مجمع البيان ثلاثة أبيات البيان ثلاثة أبيات في مدح السيّد الأجل جلال الدين الحسيني المهدى إليه الكتاب والمؤلّف برسم خزانته وهي:
حتى يحوز من المنى غاياتها*** متلقياً بیمینه راياتها
ويفوز بالآمال غير مدافع*** يتلو عليه سعده آیاتها
وتظل شمس المجد في ساحاته*** تجلو عليه جرمها بأناتها
1) راجع التبيان تفسير قوله تعالى:إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ... الخ النساء/ 31، وروح الجنان في تفسير قوله تعالى: لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةٌ إِلَّا أَحْصَاهَا الكهف / 49.
كما ورد في مقدمة كتابنا هذا - إعلام الورى - في مدح حضرة الملك علاء الدين على الّذي قدم له الكتاب هذه الأبيات:
لأنّها الغاية القصوى التي عجزت عن أن تأمل إدراكاتها الهمم ما تستحق ملوك الدهر مرتبة إلا لصاحبها من فوقها قدم فرأيه إن دجا ليل الشكوك هدى وظله إن خطا صرف الردى حرم وكذلك ورد هذان البيتان في مدح الملك المذكور ورعايته للعترة الطاهرة: فكل أروع من آل النبي نجد جذلان يرفل من نعماه في حلل فلو أجاب كتاب الله سائله من خير هذا الورى لم يسم غير (علي) ولا يخفى ما في هذين البيتين من حسن التورية، وإذا صدق الظن فانّ هذه الأشعار في مقدمة كتابيه من نظمه.
وقد نقل القفطي(1)- وقد ترجم الشيخ المؤلّف الطبرسي - نماذج شعرية نقلها عن كتاب الوشاح للبيهقي المذكور مقدّمة بقول البيهقي عن المؤلف: أما الأدب فمنه توقد جمره، وأمّا النحو فصدره وكره، وله شعر منه قوله:
أُطيب يومى بذكراكم ***وأسعد نومي برؤياكم
لئن غبتم عن مغانيكم ***فإنّ فؤادي مغناكم
فلا بأس إن ريب دهري أتى*** بما لا يسر رعاياكم
فنصر من الله يأتيكم *** وفضل من الله يغشاكم
وعقد ولائي لكم شاهد *** بأنّى فتاكم ومولاكم
لكم في جدودكم أسوة *** إذا ساءكم عيش دنياكم
وكم مثلها أفرجت عنكم** وحط بها من خطاياكم
كما صُفّى التبر في كوره*** كذلكم الله صفّاكم
وله :
1) في إنباء الرواة على أنباء النحاة 3: 6
قل للّذي يبغي إلى قصر العلا*** دَرَجاً على لغب به وقصور
أقصر فقد خُلق المحامد والعلا*** لمحمّد بن أخي العلا منصور
غيث إذا غيض المكارم خضرم (1)*** ليث إذا حمي الحمام هصور
و تقاصرت أيدي الورى عن مبتغي*** كرم عليه سوى الورى مقصور
لو عصر من خديه ماء حيائه*** قدح(2)العلا من مائه المعصور
ولعلّ الباحث في طي مؤلّفاته وسائر المصادر الأخرى يجد أكثر من هذا.
7 - ربع قرن في بيهق:
إنفرد فريد خراسان أبو الحسن البيهقي بتحديد تاريخ هجرة المترجم له من خراسان مشهد إلى بيهق، وأنها في سنة 523 ه-، ولكنه - مع الأسف - سكت أُسوة بالمصادر الأخرى فلم يفصح عن سبب تلك الهجرة من ذلك البلد الطيب ومجاورة ذلك المشهد الطاهر.
وإذا رجعنا إلى المصادر التاريخية نستجوبها عن الحوادث الّتي يمكن أن ننتزع منها سبباً لهجرة المترجم له من وطنه، نجدها سخية في سرد الحوادث في ذلك الحين، ونحن نلخص للقارئ أهم ما يمكن افتراضه سبباً في المقام وهي:
1 - كثرة الاختلاف بين الأمراء والحاكمين من السلجوقيين وتنازعهم السلطة في شتى البلدان الخاضعة لسلطانهم، وتنافس الأمراء على عرش السلطنة المطلقة يبعث دائماً على اضطراب الأمن وفقد الطمأنينة في البلاد، وهذا كاف في ابتعاد كثير من العلماء الربانيين عن مركز الفتن التي كانت في خراسان بعامة ربوعها حيث كانت خراسان فى أوائل القرون الوسطى تطلق بوجه عام على جميع الأقاليم الإسلامية في شرق المفازة الكبرى حتى حد جبال الهند.
وكان اقليم خراسان في أيّام العرب ينقسم إلى أربعة أرباع، نسب كل ربع إلى
إحدى المدن الأربع الكبرى التي كانت في أوقات مختلفة عواصم للإقليم بصورة منفردة أو مجتمعة، وهذه المدن هي: نيسابور، ومرو، وهراة، وبلخ(1)
ومن الطبيعي أن تكون مرو وهي إحدى العواصم الكبرى لحكومات السلجوقية إن لم نقل بأنّها المركز العام لاقليم خراسان، وهي ميدان الصراع ومنبع الفتن والاضطرابات.
2 - وفاة الوزير معين الدين أبي نصر أحمد بن فضل بن محمود الكاشاني، الّذي كان وزيراً للسلطان سنجر بن ملكشاه الذي حكم خراسان منذ سنة 490 وكان في مركزه شبه رئيس للبيت السلجوقي(2)وكان الوزير المذكور قد وزّر للسلطان سنجر في سنة 520، وقوي في مركزه شأن المملكة وحظى بثقة السلطان حتى لقب بمختص الملك، فنا وأه كثير من أهل العبث والفساد، ومنهم الأركزيني - وزير الدولة بالعراق - فدس إليه جماعة من الملاحدة وسيرهم إلى خراسان فتوصل بعضهم إلى أن خدم في اصطبل الوزير المختص سائساً لدوابه، فأراد يوماً عرض الخيل، فحضر ذلك السائس وهو عريان وقد خبأ سكينته في ناصية حصان، فأطلق حصانه من يده حتى شغب واستخرج السكين وتعمد مقتل الوزير فأصابه، وعظم على الكرام مصابه، وبضع السائس في الحال تبضيعاً، ومزعوه تمزيعاً وذلك في شهر ربيع الأول سنة 521)(3).
وكانت الصلة بين الشيخ المترجم له وبين الوزير المذكور وكيدة والعلاقة وثيقة حتى ألف له وسمّى باسمه كتابه الآداب الدينية للخزانة المعينية وكان الوزير المذكور موئلاً لأهل الرجاء(4)، ولما مات الوزير المذكور ماتت آمال
المحسوبين عليه.
3 - هجرة السادة آل زبارة إلى بيهق وهم كانوا نقباء خراسان - مرو - وساداتها، وكانت لهم مصاهرة مع الطبرسيين كما سبق ذكر ذلك آنفاً.
هذه حوادث يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار في مقام افتراض سبب لهجرة المترجم له من خراسان - مرو- .
بقي علينا أن نبحث عن سبب اختياره بيهقاً دار هجرة دون غيرها من البلاد التي هي أكثر طمأنينة وأبعد عن مخلب الحوادث، وحيث لم نقف على نص في ذلك، يمكن إرجاع السبب إلى ما سبق من ثالث الأمور المفترضة آنفاً وهو وجود السادة آل زبارة في بيهق ومركزهم الرئيسي في نيسابور منذ أيام جدهم أبي جعفر أحمد زبارة الذي أتى من المدينة إلى نيسابور في أيام الداعي الحسن بطبرستان (القرن الثالث) بدعوة من الزيدية وقالوا له: أنت أولى بالإمامة من الداعي، فأتى طبرستان وبعد حوادث يطول المقام بذكرها نزل آبه بين الري وقم ومنها انتقل إلى نيسابور، وأقام بها وانتشر عقبه، وكانت فيهم الرياسة والنقابة ومنهم العلماء والأدباء والنقباء(1)
و تقع بيهق في ربع نيسابور حسب تقسيم البلدانيين، وكانت كما يقول ياقوت:( ناحية كبيرة وكورة واسعة كثيرة البلدان والعمارة من نواحي نيسابور، تشمل على ثلاثمائة وإحدى وعشرين قرية بين نيسابور وقومس وجوين، وكانت قصبتها أوّلاً خسروجرد ثمّ صارت سابزوار... وقد أخرجت هذه الكورة من لا يحصى من الفضلاء والعلماء والفقهاء والأدباء ومع ذلك فالغالب على أهلها مذهب الرافضة الغلاة)(2)
أظن انّ ذلك هو الّذي حبّب سكناها للمترجم له ، ومهما يكن السبب فقد انتقل إلى بيهق في سنة 523 واستوطن بها، وفوضت إليه مدرسة باب العراق، ولم نعرف عن هذه المدرسة شيئاً حتى الآن، لكن من المطمئن به أن معنى ذلك التفويض هو القيام بشؤون طلابها وتدريسهم وتهذيبهم مهما كانت مناهجها الدراسية. ولقد شاهد في ربع القرن الأخير من عمره في بيهق حوادث ذات شأن وهي:
1 - في سنة 526 يوم الأحد 11 صفر نزل السلطان سنجر مع عسكره في بيهق مدة خمسة عشر يوماً بالقرب من قصبة خسروجرد، وأقام بها مدة خمسة عشر يوماً(1).
2 - في سنة 525 جاء إلى بيهق القائد آق سنقر مع خيل الأمير روسيه السلطانية، وقتل أهل طرثيث في قرية يتج(2).
3 - في سنة 536 جاء الأمير قجق السلطاني إلى بيهق وخرب قرية طزر وقتل جماعة من أصحاب القلاع(3).
في سنة 536 جاء الأمير القائد آق سنقر إلى مزينان(4).
5 - في سنة 536 نزل المطر في 6 حزيران إلى 8 حزيران بدون انقطاع والشمس في الدرجة الثالثة من الجوزاء، ووقع بسببه خراب في ناحية بيهق(5).
6 -في سنة 537 وقعت الحرب بين أهالي سابزوار وبين أهل قصبة چشم وذلك في 25 ذي القعدة من السنة المذكورة، وعادت مرّة أخرى في سنة 538 في 24 رجب منها (6).
وبقي المترجم له في بيهق طيلة هذه المدّة ورغم جميع الحوادث مؤدياً ،رسالته، مكباً على التأليف، فقد ألف في بيهق أجل كتبه وأشهرها وهي تفاسيره :الثلاثة وأوّلها مجمع البيان، وأهداه إلى السيّد الأجل جلال الدين محمد الذي كان
يعرف بسيّد نقباء الشرق، وقد أراد السلطان أن يوليه نقابة نيشابور عموماً وأمر بتفويض ذلك إليه، وكتب له المثال من غير التماسه على يد السيد على بن زيدالناستنيني، فترفع السيّد الأجل عن ذلك وقال: أنا السادات ونقيبهم حسباً ونسباً وعلماً وديانة ومروة ولكنّي لا أجوّز لنفسي أن أتقلد عمل السلطان(1).
وألف المترجم له بعد ذلك: الكاف الشاف، وجوامع الجامع وغيرهما في بيهق أيضاً.
وفي ليلة الأضحى من ذي الحجة عام 548(2)وافاه الأجل المحتوم فحمل تابوته إلى خراسان - طوس - فدفن عند مغتسل الإمام الرضا(عليه السلام)، وقبره مزار معروف حتى اليوم، ويسمّى الشارع المؤدي إلى قبره وحتى المقبرة التي حول قبره باسمه إحياء لذكراه العطرة، وتخليداً لاسمه العظيم، وتقديراً لخدماته الإسلامية.
8- إعلام الورى بأعلام الهدى ومصادره :
هذا هو اسم كتابنا هذا الذي نقدّمه للقرّاء اليوم، ولا أظن أنّى بحاجة ماسة إلى تعريف موضوعه الذي ينطق به اسمه فانّ اسم (إعلام الورى بأعلام الهدى) صريح في ذلك، وهل يتبادر الذهن من اعلام الورى إلى غير المعصومين: النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)والأئمة الطاهرين والصدّيقة الطاهرة سيّدة نساء العالمين عليهم الصلاة والسلام .
ولعلّ المؤلّف في اختيار هذا الاسم كان مستحضراً في ذهنه آنئذ الأحاديث الواردة في فضلهم (عليه السلام)الناطقة بأنهم(عليه السلام) منار الهدى وأعلام التقى وأئمّة الورئ.
ومع انّ اسم الكتاب صريح في موضوعه فقد أبان المؤلّف عنه وعن منهجه فيه في مقدمته فقال: ( يتضمّن أسامي الأئمة الهداة والسادة الولاة وأُولي الأمر وأهل الذكر، وأهل بيت الوحي الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ويشتمل على تواريخ مواليدهم وأعمارهم وطرف من أخبارهم ومحاسن آثارهم والنصوص الدالّة على صحة إمامتهم والآيات الظاهرة من الله عليهم الشاهدة لتمييزهم عمّن سواهم وإبانتهم عمّن عداهم).
ثم فكر في ذلك وقدر وتأمّل وتدبّر، وقال: إذا كان رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) هو الشجرة و هم أغصانها، وشارع الدين وهم حفظته، وصاحب الكتاب وهم حملته، فهو أولى أن يقدم في الذكر، وتبين آياته الناطقة برسالاته وأعلامه الدالّة على نبوته ومعجزاته القاهرة، ودلالاته الباهرة، فاستخار الله سبحانه في الابتداء به، واستعان به في إتمام ما قصده، وسمّاه كتاب (إعلام الورى بأعلام الهدى) وجعله أربعة أركان :
1 - الركن الأوّل: في ذكر رسول الله عليه الصلاة والسلام.
3 - الركن الثالث: في ذكر الأئمة من أبنائه من الحسن بن علي الرضي إلى الحسن بن عليّ الزكي(عليهم السلام).
4- الركن الرابع: في إمامة الأئمة الاثنى عشر والإمام الثاني عشر.
وكلّ ركن فيها يتضمّن أبواباً وفصولاً.
وإذا قرأنا الكتاب نجده كما وصفه مؤلّفه وعلى نحو ما رسمه، وإذا عدنا نستجوب تلك الأبواب والفصول عن المصادر التي اعتمدها المؤلّف في جميع مادتها، نجد الجواب: إنّ المؤلّف(رحمة الله علیه) قد جمع مادّة كتابه من كتب الفريقين - الشيعة والسنّة - المعتبرة عندهم فكان من كتب السنّة التي اعتمدها في النقل واستند إليها في كتابه هي:
1 - صحيح البخاري. 2 - صحيح مسلم. 3 - دلائل النبوة لأبي بكر أحمد بن
الحسين البيهقي. 4 - كتاب المعرفة لأبي عبدالله ابن مندة. 5 - شرف المصطفى لأبي بي سعيد الخركوشي.6 - تفسير إمام أهل الحديث في نيشابور، وحيث لم يصرّح باسمه، وكان للنيسابوريين عدة تفاسير منها تفسير أبي القاسم الواعظ ( ت 406ه-) وتفسير أبي بكر محمّد بن إبراهيم (ت 310ه-)، وتفسير أحمد بن محمّد النيسابوري (ت 353ه-) وغيرها لم يسعنى تعيين المقصود منها فعلاً. 7 - عيون الأخبار لابن قتيبة. 8 - مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصبهاني.
أما كتب الشيعة التي رجع إليها المؤلّف في كتابه هذا فهي:
1 - كتاب أبان بن عثمان 2 - نوادر الحكمة لمحمّد بن أحمد بن يحيى. 3 - کتاب الواحدة لمحمّد بن الحسن بن جمهور العمي. 4 - كتاب الكافي للكليني 5 - عيون أخبار الرضا للصدوق. 6 - إكمال الدين له أيضاً. 7 - الشافي للسيد المرتضى. 8 - الإرشاد للشيخ المفد. 9 - الغيبة له. 10 - التفهيم للحسن بن حمزة الحسيني. 11 - الرد على الزيدية للدوريستي. 12 - مسند الرضا(عليه السلام).
9 - الملك المهدى إليه إعلام الورى :
جرت عادة المؤلّفين قديماً وحديثاً تصدير آثارهم باسم شخصية حاكمة إمّا اهداءاً منهم إلى أحد الملوك أو الأمراء أو الوزراء أو غيرهم ممن يرعى لهم الحرمة، ويقدر الجهود ويضاعف الأجر مما يشجع على الاستمرار والمواصلة ودوام التأليف والمزاولة حتى أصبح ذلك أمراً مألوفاً، ووسيلة للمؤلّفين تعينهم على الحماية غالباً والتشجيع.
وربّما ألف العلماء بأسماء الحاكمين إما إجابة لطلب منهم أو ابتدءاً ولكن قضاءاً لحقهم، أو لا هذا ولا ذاك، بل كان لالتماس الحظوة لهم ولتآليفهم، إذ كان ما يقبله الحاكم من علم وأدب مرضياً مقبولاً، وما يرذله أو ينفيه منفياً مرذولاً ، كما قاله ابن فارس عن الصاحب بن عبّاد وهو يهدي إليه كتابه الصاحبي وقد سمّاه باسمه.
وإذا بحثنا التصانيف المهداة إلى الحاكمين نجدها من آثار كبار العلماء والأدباء ممن خدموا الفكر الإسلامي بصنوف التأليف في شتى العلوم والفنون حتى أغنوا المكتبة العربية غناءاً ليس له مثيل إذ كانت مؤلّفاتهم النفيسة غنية المادة شهية الثمار والمجتنى، فالشيخ الصدوق، والسيد المرتضى، والصابي، والثعالبي، وأبو عليّ الفارسي، والقاضي الجرجاني، وابن فارس، وأبو الفرج الأصبهاني ،والحريري، وابن الطقطقي، وابن الهبارية، والشيخ الطبرسي، وابن أبي الحديد وأضرابهم هم الذين ألفوا نفائس الكتب وأمدوا الثقافة الإسلامية بشتى صنوف العلم والمعرفة، وهؤلاء كلّهم الفوا بأسماء الملوك والوزراء والشخصيات ذات البال والأهمية.
وقد جاء في طبقات الشافعية للسبكي قيل وكان أبو عبيد القاسم بن سلام - إذا صنف كتاباً أهداه إلى عبد الله بن طاهر فيحمل إليه مالاً خطيراً استحساناً لذلك(1).
فالشيخ الصدوق ألف عيون أخبار الرضا للملا باسم الصاحب بن عباد الوزير البويهي.
وأبو إسحاق الصابي ألف كتابه التاجي في أخبار البويهيين باسم عضد الدولة البويهي.
وأبو علي الفارسي ألف باسمه أيضاً كتابيه الايضاح والتكملة في النحو.
وأحمد بن فارس ألف كتابه الصاحبي في فقه اللغة باسم الصاحب بن عبّاد.
والقاضي الجرجاني ألف تهذيب التاريخ باسمه أيضاً. والسيّد المرتضى ألف كتابه الانتصار باسم عميد الجيوش أبي علي الحسن ابن استاذ هرمز وزير بهاء الدولة البويهي.
وأبو القاسم الحريري أنشأ مقاماته الأدبية المشهورة باسم أنو شروان بن خالد القاشاني وزير المسترشد العباسي.
1) طبقات الشافعية 2 :155
وأبو منصور الثعالبي ألف كتابه التمثيل والمحاضرة باسم الأمير قابوس بن وشمكير.
وكذلك ألف كتابه لطائف المعارف باسم الصاحب ابن عبّاد.
وكذلك أهدى كتابيه الظرائف واللطائف واليواقيت إلى أمراء آخرين.
والصغاني ألف العباب في اللغة باسم الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي. وابن الهبارية نظم الصادح والباغم باسم الأمير سيف الدولة صدقة بن دبيس ابن مزيد أمير الحلة.
وابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة، باسم الوزير ابن العلقمي الآنف الذكر.
وكذلك شيخنا أبو علي الطبرسي ألف كتابه الآداب الدينية للخزانة المعينية باسم الوزير معين الدين أبي نصر أحمد الكاشاني.
كما ألف كتابه الخالد (مجمع البيان)، وكتابه الجواهر في النحو باسم الأمير النقيب السيد جلال الدين أبي منصور محمّد بن يحيى بن هبة الله الحسيني الزباري .
وألف كتابه هذا - إعلام الورى - باسم الملك علاء الدولة عليّ بن شهريار بن قارن من أسرة باوند ملوك مازندران.
والأمر الذي يلفت النظر أن جميع هؤلاء الأمراء والوزراء هم من الفضلاء ،وما ذلك فيما أظن إلا لأنّهم كانوا في تقديرهم للعلم وإجلالهم للعلماء أكثر من غيرهم، أو لأنّهم من جملة حملته، ولا يعرف الفضل إلا ذووه، فكان التأليف بأسمائهم سبباً من أسباب السعادة ووسيلة يسعد بها المؤلّف في ظل المؤلّف باسمه.
وعلى هذا المنوال جرى الشيخ أبو علي الطبرسي في بعض تأليفه كما أشرنا آنفاً، ومنها كتابه هذا إعلام الورى فقد قال في مقدّمته:
«وبعد: فانّ أشرف الكلام عند الخاص والعام، ما وجه إلى أشرف من حاز الله له رواء الملك إلى بهاء العلم وسناء الحلم ومضاء الحكم لا زال أميراً على ملوك
الدهر وولاة النهي والأمر، بما أتاه من علو الشأن وجلالة القدر، وميّزه بجلائل من المجد والجلال، وفواضل القدر من الفضل والافضال، لا يندرج أدناها تحت القدرة والإمكان ولا ينال أقصاها بالعبارة والبيان، وهذه صفة الأصفهبد الأجل، الملك العادل المؤيّد المنصور شرف الدنيا والدين ركن الإسلام والمسلمين ملك مازندران علاء الدولة شاه فرشواذكر(1)أبي الحسن علي بن شهريار بن قادن أعلى الله شأنه، ونصر سلطانه، إذ هو باتفاق الأولياء والأعداء، واطباق القرباء والبعداء، واحد الدهر، وثمال أهل العصر، وغرة الأفلاك الدائرة، وعمدة العترة الطاهرة، لا جرم قد ملكه الله زمام الدهر، وأنفذ حكمه في البر والبحر، وشدّ به أزر الإسلام ومهد له أسباب المعدلة في الأنام، وجعل أيامه للزمان أعياداً ومواسم، وللاقبال مباهج ومياسم، ومتعه الله تعالى بجمال هذه الحال وأدام له في العباد والبلاد كرائم الأفضال، وموائد النوال بلطفه وطوله، وسعة جوده وفضله.
ثمّ انّ خادم الدعاء، المخلص بالولاء، وإن سبق في ميدان الفضل فهو عكاشة غايته، وبرز على فرسان العلم فهو عرابة رايته وإن كان قد قصر وهمه وهمه وجمع وكده وكده، منذ خط الشباب بالمسك عذاره، إلى أن وخط الشيب بالكافور أطراره على إقتناء العلوم وجمع أفانينها وضبط قوانينها مقتطفاً من ثمار النحو والأدب زواهرها وغررها، مغترفاً من بحار أصول الدين وفروعه جواهرها ودررها.
فإنّ كلّ فاضل وإن بعد في الفضل مداه، وبلغ في كلّ علم أقصاه إذا لم يتشرف بتقبيل بساط الحضرة العلية، ولم ينسب إلى جملة خدمها، ولم يحسب في زمرة حشمها ، فهو ناقص عن حيز الكمال، عادل عن الحقيقة إلى المحال.
1) هذا اللفظ «فرشواذكر» من الألفاظ الفارسية القديمة، ولعلّها من اللغات المحلية أيضاً يدلّ على أنه من الألقاب الملوكية السامية التي تحكي عن جلالة الملقب به وعظيم مكانته، ويدلّ على ذلك ما ورد في تاريخ طبرستان: 154 في ذكر أبناء جاماسب، وقصة گاو باره؛ فاشتهر على الألسن لقب او باره، ثمّ أضيف إلى لقبه كيل گیلان «فرشواذجر شاه».
لأنّها الغاية القصوى الّتي عجزت*** عن أن تأمل إدراكاتها الهمم
(الأبيات المتقدمة في شعره).
ولمّا علق الدهر هذا الداعي المخلص عن الاستسعاد بخدمة حضرته العالية، والانبساط لتقبيل بساطها، والانخراط في سلك سماطها، والرتوع في ظلال كرمها، والشروع في مشارع حرمها، أراد أن يخدمها بخدمة تبقى عوائدها على تعاقب الأيام وتناوب الشهور والأعوام فيؤلف كتاباً ...»
وهذا الملك المهدى إليه من الملوك الذين وفقهم الله فجمع فضيلتي العلم والحكم مضافاً إلى ما كان عليه من فواضل الأخلاق.
قال ابن اسفنديار الكاتب عنه في تاريخ طبرستان: القائد الكبير المعظم علاء الدولة عليّ بن شهريار بن ،قارن كرمه و همته وجوده ورحمته وعدله ومروءته كأنوشيروان ومروءته، ونسخ مروات نوذر - كذا - وسنأتى إلى ذكر مقاماته المشهورة وكراماته المنشورة في ترجمته حصل على عرش والده بعد معارضة أخوته وأقاربه له ومنازعتهم معه ....اه-
وكانت حكومة هذا الملك منذ سنة 511 - 534، وقد حالفه الحظ وخدمه التوفيق فى أيام حكومته، حتى كان ملجاً يلجأ إليه الملوك والأمراء الذين ينازعهم سلطانهم منازع فلا يمكنهم الوقوف في وجهه، فالسلطان مسعود بن محمد السلجوقي وفد عليه فأكرم وفادته(1).
والأمير شيرزاد بن مسعود الغزنوي استجار به من مناوئ له بغزنين قاعدة ملكه فأحسن رفده، وبقي عنده حتى طلب إليه الحج فهيأ له ما يحتاج إليه، فسار من طبرستان إلى الحجّ، ولمّا عاد من حجّه بلغه اندحار مناوئه فطلب العودة إلى ،بلده فأرسله المذكور إلى غزنين وجهزه بما يحتاج إليه.
هذه نبذة عن حال الملك علاء الدولة الّذي ألف الطبرسي كتابه هذا باسمه، وأهداه لخزانته.
1) معجم زامباور: 286
10 - إعلام الورى أو ربيع الشيعة؟
بقي علينا التنبيه على أمر يكون به تمام الحديث عن إعلام الورى، وهو أنّ هذا الكتاب متحد المادّة والنظم مع كتاب ( ربيع (الشيعة) المنسوب إلى السيد ابن طاووس، وقد أشرت في مقدمة فلاح السائل لابن طاووس(1)إلى هذا الاتحاد، دون بیان منشأ ذلك وأثره في الاشتباه في نسبة الكتاب إلى السيد(رحمة الله علیه).
والآن حيث يقضي المقام بايضاح ذلك، فأقول: أنا إذا عرفنا منشأ الشبهة ندرك موطن العلة فيسهل علاجها، ولما كان المنشأ هو اتحاد الكتابين في المادة وتوافقهما في النظم في الأبواب والفصول حرفاً بحرف، إلا اختصارات قليلة
و زیادات في الخطبة في نسخة ( ربيع الشيعة) حيث صدرت باسم السيد ابن طاووس، وصرّح هو في أوّلها انه ربيع الشيعة وهذا التوافق بين الكتابين هو مبعث العجب في نفس الشيخ المجلسي الثاني(رحمة الله علیه)حيث قال: وهذا مما يقضي منه العجب، ولم يكن الشيخ عبد النبي الكاظمي(رحمة الله علیه) دون المجلسي في عجبه حيث قال: فأخذني العجب العجاب.
وحيث اشتبه الأمر في صحة النسبة إلى ابن طاووس بدأت الخواطر بنسج الاحتمالات لتوجيه هذه النسبة، وأوجه ما رأيت إثباته احتمالان: أولهما: ما ذكره المحدّث النوري عن بعض مشايخه وملخصه: انّ السيّد ابن طاووس عثر على
نسخة من الإعلام لم يكن لها خطبة فأعجبه فكتبه بخطه ولم يعرفه، وبعد موته وجد بخطه بين كتبه ولم يكن لهم علم بإعلام الورى فظنوا انه من مؤلّفات السيّد، فجعلوا له خطبة على طريقة السيّد فى مؤلّفاته، ونسبوه إليه، وقد استجود هذا الاحتمال المحدّث النوري(2)
وثانيهما: ما حكاه شيخنا المغفور له في الذريعة(1)عن بعض المشايخ: انّ السيد ابن طاووس حين شرع يقرأ على السامعين كتاب إعلام الورى، حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي وآله على ما هو ديدنه، ثمّ مدح الكتاب وأثنى عليه بقوله:
انّ هذا الكتاب (ربيع الشيعة) فسجّل الكاتب جميع ما أملاه السيّد باضافة منه في أوّله، يقول السيّد الإمام... إلى آخر ما يذكر له من ألقاب وصفات في مقدّمة كتبه إلى قوله ان هذا الكتاب ربيع الشيعة، ثمّ استمر الكاتب في تسجيل سماعه للكتاب من أوّله إلى آخره، فظن من رأى الكتاب بعد ذلك انه من تأليفات السيد ابن طاووس، وانّ اسمه ربيع الشيعة.
ومهما تكن وجاهة هذين الاحتمالين فانا في غنى عن التخرص والإفتراض في المقام بعد صحة ثبوت النسبة إلى مؤلّفنا الطبرسي.
فانّ نسبته إليه ممّا لا يعتريها شك ولا شبهة بعد تصريح تلميذيه ابن شهر آشوب ومنتجب الدين بأنّ كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى من مؤلّفاته مضافاً إلى ما فيه من أساليب البيان الشاهدة على ان الكتاب من مؤلّفاته ومغاير لأسلوب السيد ابن طاووس، على ان كتاب ربيع الشيعة لم يذكره السيد ابن طاووس في فهرس كتبه في كتاب الاجازات ولا في كشف المحجة وقد ذكر فيها كثيراً من كتبه، ولا في شيء من كتبه الأخرى، ولم يُحِل إليه ولو بإشارة ما في سائر كتبه كما هو دأبه غالباً فى مؤلّفاته.
كلّ هذا يبعد نسبة الكتاب إلى السيّد ابن طاووس، وتبقى صحة النسبة إلى مؤلّفنا بالاسم الّذي سمّاه به (إعلام الورى بأعلام الهدى).
1) الذريعة 3 :241
هذه سطور عن حياة شيخنا الطبرسي له وكتابه (إعلام الورى بأعلام الهدى) الذي قدّمت له بهذه السطور، وأظن أنّها أوفى من جميع ما كتب في سائر مقدمات كتبه الأخرى، فان تكن أغنت القارئ شيئاً فذاك هو المطلوب وإلا فعليه
الاستزادة من المصادر التالية:
وأقدّمها وأهمها كتب المؤلّف نفسه: كمجمع البيان وجوامع الجامع والآداب الدينية للخزانة المعينية، وكتابنا هذا إعلام الورى.
وبعدها كتب معاصريه وهي:
1 - كتاب النقض للشيخ عبدالجليل الرازي المؤلّف في حدود سنة 556 أي بعد وفاة الطبرسى بثمان سنين.
2 - کتاب تاريخ بيهق للشيخ أبي الحسن علي بن زيد البيهقي (ت 565 ه-).
كتاب لباب الأنساب له أيضاً.
4 - كتاب معالم العلماء لابن شهر آشوب تلميذ المؤلّف.
5-کتاب مناقب آل أبي طالب له أيضاً.
6 - فهرست علماء الشيعة لمنتجب الدين ابن بابويه وهو تلميذ المؤلّف .
أمّا سائر المصادر الأخرى التي يمكن الاستفادة منها في المقام فهي:
1 - الإجازة الكبيرة للعلامة الحلى لبنى زهرة.
2 - إجازة للشيخ علي بن عبد العالي الكركي للشيخ إبراهيم المؤرّخة سنة 907.
3 - أمل الآمل للشيخ الحرّ العاملي.
4 - أعيان الشيعة.
5 - إتقان المقال للشيخ محمّد طه نجف
6 - إيضاح المكنون.
7-الأعلام للزركلي
8- تنقيح المقال للمامقاني
9 - تحفة الأحباب.
10 - ريحانة الأدب.
11 - رياض العلماء.
12 - روضات الجنّات .
13 - الذريعة.
14 - سفينة البحار.
15 - فهرس الخزانة التيمورية.
16 - قصص العلماء.
17 - كشف الظنون.
18 - الكنى والألقاب.
19 - لؤلؤة البحرين.
20 - مجالس المؤمنين.
21 - معجم المؤلفين.
22 - مقابس الأنوار.
23 - مستدرك الوسائل.
24 - منتهى المقال.
25 - نظام الأقوال.
26 - نقد الرجال.
27 - الوجيزة للمجلسي
28 - هدية الأحباب.
29 - هدية العارفين.
وغير ذلك ممّا رجعنا إليه واستفدنا منه، وقد ذكرنا بعض تلك المصادر في أثناء تلك السطور.
وختاماً الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
النجف الأشرف
يوم الجمعة 14 شعبان
سنة 1390
محمّد مهدي
السيّد حسن الموسوي
الخرسان
تاليف
الشیخ الجليل رضي الدین ابی نصر الحسن ابن الفضل الطبرسی رحمه الله علیه
من أعلام القرن السادس
قدم له
العلامة الجليل السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان
منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الاشرف
1391ه- - 1971 م
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ترجمة المؤلّف والتعريف بالكتاب:
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
وبعد ليس من شك أنّ الإنسان في الحياة في صراع دائم بين عاملين لا ثالث لهما: عامل الخير وعامل الشر، وكثيراً ما ينساق مع أحدهما بدافع داخلي أو مؤثر خارجی.
ولمّا كان الدين الإسلامي - وهو دين الله الخالص - من أهم أهدافه وقاية الإنسان من نوازع الشرّ ببيان ضرره والتحذير منه، وبالتالي دعوة الذين انزلقوا في مهاويه إلى الرجوع نحو الطريقة المثلى وهي الإستقامة على الطريق الواضح، فقد عالج ذلك بشتى الوسائل الترغيبية التي تستهوي الأنفس، أو العوامل الترهيبية التي تؤثر في الأعماق، كلّ ذلك حرصاً على صلاح الإنسان.
ولم يقف الهدف عند هذا فحسب إذ لم يكن كلّ ما أراده الدين من الفرد المسلم أن يكون هو مستقيماً في حياته فقط ولا يهمه إلا صلاح نفسه، بل انّ الهدف أسمى والغاية مثلى، إذ أراد تعميم الدعوة وتظافر الجهود بين أفراد المجموعة بنقل مساعيهم الفردية إلى أجواء أوسع ليتم عن طريقها صلاح المجتمع، وهو أجدى للجميع وأنفع.
وهذه الغاية وهذا الهدف هو الذي أهاب بالأفراد الصالحين أن ينقلوا جهودهم إلى رحاب مجتمعهم، داعين إلى ربّهم بالحكمة والموعظة الحسنة، فكانوا مصلحين.
وكان من وسائل الإصلاح التهذيبية هي تلك المجموعة الطيبة من الكتب القيّمة الّتي عالجت كثيراً من مشاكل الحياة على ضوء الحلول في الدين بكلّ بساطة ووضوح ليستفيد منها أكبر عدد ممكن من الناس.
وكان من أولئك المصلحين ومن تلك الكتب هو الشيخ الجليل رضي الدين الطبرسي وكتابه مكارم الأخلاق، فقد ساهم المؤلّف من زاوية التأليف في اصلاح المجتمع، فقدّم له كتابه مكارم الأخلاق) الذي لاقى اعجاباً واستحساناً من الناس أكثر من ثمانية قرون منذ حياة مؤلّفه في القرن السادس الهجري وحتى يومنا الحاضر، ولقد طبع من أوّل القرن الرابع عشر وحتى اليوم أكثر من عشر مرات، والحديث عن طبعاته ذو شجون ستأتي الإشارة إليه، ومهما يكن فإنّ في تكرار طبع الكتاب دليل الإقبال عليه والرغبة فيه، وبالتالي فهو يدلّ على صدق مؤلّفه في نيّته وإخلاصه في دعوته.
ونظراً لكثرة الطلب عليه، والتساؤل عنه وعزة نسخه الصحيحة، فقد بادر لأخ الشيخ محمّد كاظم الكتبي سلّمه الله إلى اعادة طبعه، وطلب إليَّ تقديمه إلى القرّاء أسوة بما سبق من منشوراته التي وفقت في تقديمها، والحمد لله.
وقد أجبته داعياً له بالموفقية، مشاركة منّي في هذه الخدمة، ومن الله تعالى أرجو دوام التوفيق لي وله إنّه سميع مجيب.
1 - مؤلّف الكتاب:
الشيخ الإمام الأجل السعيد رضي الدين أمين الإسلام والمسلمين، حجّة الخلق أبو نصر الحسن بن الفضل بن الحسن الطبرسي(1)نور الله حفرته، وحشره مع مواليه الطاهرین(2)« عالم فاضل، محدّث جامع متبحر في العلوم الإسلامية، أشهر كتبه كتاب مكارم الأخلاق»(3)فاضل کامل، فقيه محدث جلیل» (4).
بهذه الفقرات أثنى عليه مترجموه، ولم تجد المصادر المعنية بمعلومات كافية عن حياة هذا العالم الجليل، فهي لم تذكر شيئاً عن ولادته ولا عن نشأته ولا عن سنة وفاته، وما ذكرته بعض المصادر فى أنّها كانت سنة (548ه-) بسبزوار وحمل نعشه إلى المشهد الرضوي بطوس فدفن هناك، فإنّما ذلك مذكور في ترجمة أبيه الشيخ أبي عليّ أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي الشيخ الجليل، المفسّر الشهير، صاحب (مجمع البيان) وغيره في التفسير، وإعلام الورى وغيره(1)
والقول بوقوع وفاته ووفاة أبيه في سنة واحدة ممكن خصوصاً إذا عرفنا أن تلك السنة كان فيها وباء عام بناحية بيهق، فقد ذكر أبو الحسن البيهقي في لباب الأنساب (مخطوط) أنّ السيد الحسن الأكبر بن شمس الدين عليّ النسّابة من ذرّية عليّ الزانكي بن إسماعيل جالب الحجارة: مات في شهور سنة (548 ه-)، في الوباء العام الذي كان بناحية بيهق، إلا أن الجزم به يحتاج إلى نص على أنهما ماتا بذلك الوباء.
. كما لم تذكر أسماء شيوخه الذين أخذ عنهم سوى أبيه، ولا عن تلامذته إلّا رواية الشيخ مهذب الدين الحسين بن ردة النيلي.فلابدّ اذن من الرجوع إلى كتابه ( مكارم الأخلاق) نستجلي من ثنايا سطوره وتضاعيف أبوابه معالم شخصية المؤلف(رحمة الله علیه) ، وقد رجعنا إلى الكتاب فقرأناه قراءة استجواب عن شخصية مؤلّفه فيه، فأحاطنا بما يلي:
أوّلاً سبب تأليف الكتاب وتسميته:
فقد ألف كتابه تقرباً إلى الله تعالى بمحبّة نبيه الكريم(صلی الله علیه وآله وسلم)لأن محبته(صلی الله علیه وآله وسلم)الوسيلة إلى رضوان الله تعالى، وتأسياً بسنته(صلی الله علیه وآله وسلم) واقتفاءاً لأثره جعل كتابه هذا منبثقاً من سيرته وسنته، ومنطلقاً من قاعدة العلم ثمّ العمل، لأنّ العلم بالشيء مقدّم على العمل به، ومشتملاً على مكارم أخلاقه(صلی الله علیه وآله وسلم)ومحاسن آدابه، وما أمر به أمته، وقوفاً عند قوله(صلی الله علیه وآله وسلم) : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(2)، ومن هذا
الحديث الشريف أخذ اسم الكتاب( مكارم الأخلاق).
ثانياً: مصادر الكتاب:
لقد جمع مادّة كتابه من القرآن الكريم، ومن مصادر معتبرة موثوق بها، توفّرت لديه، زادت على الثلاثين فيما أحصيته، وها هي مرتبة على الحروف الهجائية:
1 - أمالي السيد أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني الحسني العلوي (ت 424 ه-).
2 - أمالي الشيخ أبي جعفر محمّد بن علي بن بابويه الصدوق (ت 381 ه-)(1).
3- أمالي الشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 ه-).
4 - البصائر : بصائر الدرجات الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الصفار (ت 290 ه-).
5 - تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي الآنف الذكر(2).
6 - ثواب الأعمال للشيخ الصدوق الآنف الذكر(3)
7 - الجامع لأبي جعفر محمّد بن عليّ بن محبوب الأشعري القمي.
8 - جوامع الجامع: وهو التفسير الوسيط، من تفاسير والده الطبرسي الثلاثة(4).
9 - الخصال للشيخ الصدوق الأنف الذكر(5).
10 - روضة الواعظين: للشيخ أبي عليّ محمّد بن الحسن الفتال النيسابوري الفارسي(6).
1) طبع بالمطبعة الحيدرية سنة (1389 ه-) مع مقدّمة لنا.
2) طبع في النجف الأشرف (1377 - 1382ه-) في عشرة أجزاء باشراف سماحة السيّد الوالد -دام ظله - على تحقيقه.
3) طبع بالمطبعة الحيدرية مع مقدمة لنا.
4) راجع مقدّمة إعلام الورى: 12
5) طبع بالمطبعة الحيدرية (1391 ه-) مع مقدمة لنا.
6) طبع بالمطبعة الحيدرية (1386 ه-) مع مقدّمة لنا.
11 - الرياض، أخرج عنه في أخلاق النساء المذمومة ولم يذكر مؤلّفه، والمظنون عندي أنه كتاب الرياض للشيخ أبي سعيد إسماعيل بن علي السمان معاصر السيّد المرتضى والشيخ الطوسي كما في الذريعة.
12 - زهد أمير المؤمنين(عليه السلام) للشيخ الصدوق الأنف الذكر.
13 - زهد الصادق(عليه السلام) له أيضاً .
14 - شرف النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، لم أعثر في كتب الفهرسة على اسم هذا الكتاب بين أسماء الكتب وأظن قويّاً أنّه كتاب« شرف النبوة» لأبي سعيد الخركوشي( ت 406 ه-) فهو من كتب الأحاديث(1)
15 - صحيفة الرضا(عليه السلام)، ويعبر عنها بمسند الرضا(عليه السلام)كما في مجمع البيان، ولها أسانيد كثيرة متصلة بالإمام أبي الحسن الرضا(عليه السلام)(ت 203ه-)، ومنها إسناد لوالد المؤلّف الشيخ الطبرسي، فانّه كما في نسخة الشيخ الحر العاملي، وقد أخرج عنها في موسوعته الكبرى «الوسائل» هكذا:
«أخبرنا الشيخ الإمام العالم الراشد أمين الدين ثقة الإسلام أمين الرؤساء أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي أطال الله بقاءه في يوم الخميس غرة شهر الله الأصم رجب سنة تسع وعشرين وخمسمائة قال: أخبرنا الشيخ الإمام السعيد الزاهد أبو الفتح عبد الله بن عبد الكريم بن هوازن القشيري أدام الله عزّه قراءة عليه داخل القبة التى فيها قبر الرضا(عليه السلام) غرة شهر الله المبارك سنة احدى وخمسمائة، قال: حدثني الشيخ الجليل العالم أبو الحسن علي بن محمّد الحاتمي الزوزني قراءة عليه سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبدالله بن محمّد بن هارون الزوزني بها، قال: أخبرني الشيخ أبو بكر محمّد بن عبدالله بن محمّد حفدة العباس بن حمزة النيشابوري سنة سبع، وفي نسخة ثلاث
1) كشف الظنون: 1045.
وثلاثين وثلاثمائة، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي بالبصرة، قال: حدثني أبي في سنة ستين ومائتين، قال: حدثني أبو الحسن علي بن موسى الرضا(عليه السلام)سنة أربع وتسعين ومائة مما أورده في مؤلّفه المعنون بصحيفة أهل البيت(عليه السلام) ... الخ »(1).
16 - طب الأئمّة: برواية أبى عتاب عبدالله بن سابور الزيات، والحسين ابني بسطام(2).
17 - عيون الأخبار: عيون أخبار الرضا(عليه السلام)، للشيخ الصدوق الأنف الذكر(3).
18 - الفردوس، لأبي شجاع شيرويه بن شهريار الديلمي (ت 509 ه-)(4).
19 - كتاب الحسن بن محبوب، ويعرف بالمشيخة قال ابن إدريس في مستطرفات السرائر: وهو كتاب معتمد .
20 - كتاب محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، وهو من مشايخ الصدوق الأنف الذكر.
21 - كتاب اللباس لأبي النضر محمّد بن مسعود بن عيّاش السلمي السمر قندي.
22 - مجمع البيان التفسير الكبير لوالد المؤلّف.
23 - مجموع الآداب الآداب الدينية للخزانة المعينية لوالد المؤلّف أيضاً(5).
24 - مجموعة جامعة في الأدعية لوالد المؤلّف أيضاً.
25 - المحاسن للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمّد بن خالد البرقي(1)
26 - مسموعات السيد ناصح الدين أبي البركات المشهدي.
27 - مناقب الرضا(عليه السلام) .
28 - من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق الأنف الذكر(2).
29 - مواليد الصادقين(عليه السلام)
30 - النبوة.
31 - النجاة.
32 - نوادر الحكمة: للشيخ أبي جعفر محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي وهو كتاب حسن كبير.
هذه هي المصادر التى جمع منها مادة كتابه مكارم أخلاق، وإذا استأنسنا في المقام بما ذكره الحافظ الحمويني في كتابه (فرائد السمطين) في أخبار المهدي عجل الله فرجه الشريف حيث قال:
أخبرني الإمام سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي فيما كتب لي بخطه رحمه الله تعالى أنّ الشيخ الكبير الفقيه الفاضل شهاب الدين أبا عبدالله الحسين بن أبي الفرج بن ردة النيلي أنبأه عن الحسن بن أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي إجازة بروايته عن والده جميع رواياته وتصانيفه...الخ»(3)وبقائمة شيوخ أبي عليّ الطبرسي في الرواية(4)أمكننا القول أنّ كلّ تلك المصادر يرويها مؤلّف مكارم الأخلاق عن مؤلّفيها بحق روايته عن والده(رحمة الله علیه) المتصل
إسناده بأصحابها رحمهم الله
ثالثاً - زمن تأليف الكتاب :
تدلّ بعض النصوص في الكتاب على زمن تأليفه، وإن لم يحدد ذلك تحديداً تاماً، ففى أدعيته المتكررة لأبيه بطول العمر ودوام البقاء ما يدل على أنه ألف الكتاب في حياته كما :
1 - الفصل الثالث من الباب السابع في آداب الأكل قال: من مجموع في الآداب لمولاي أبي طوّل الله عمره...
2 - في الفصل السابع من الباب الثامن في العقيقة وما يتعلق بها قال: من كتاب الآداب لمولاي أبي أطال الله عمره(1).
3- في أوّل الباب التاسع قال: من مجموعة في الآداب لمولاي أبي طوّل الله عمره...
4 - في أوّل الباب العاشر قال: إنّ لمولاي وولي نعمتي أبي طوّل الله عمره ومتّع المسلمين بطول بقائه مجموعات جامعة...
وهذا يدلّ على أنّه ألّف كتابه في حياة أبيه، ونقل عن كتبه وهو حي، يدعو له الولد بطول العمر، ولمّا كانت وفاة أبيه سنة (548ه-) فيكون زمن تأليف الكتاب هو النصف الأوّل من القرن السادس الهجري.
هذه هي النقاط الّتي تيّسرت لي معرفتها بمراجعة الكتاب، وهي نقاط تكشف عن جوانب ذات أهمّية فى حياة المؤلّف .
1) ورد في مطبوعة ايران سنة (1376 ه-) «طاب ثراه» وأثبت في الهامش «أطال الله خ ل» والصواب ما أثبت في الهامش نظراً لما يرد بعد المقام من الدعاء مكرراً بطول العمر والبقاء، وما أثبت في متن المطبوعة من سهو النسّاخ فلاحظ.
فهو في سبب تأليفه من أحسن الناس الذين يحبّون الخير ويعملون من أجله، متخذاً من سيرة الرسول وسنته هدى يسير عليه في حياته، مستنيراً في عمله بنور ذلك الهدى، فألف كتابه على ضوء أشعته ليكون له زلفى عند الله تعالى وذريعة إلى رضوانه.
ولقد كان موفقاً كل التوفيق في اختيار اسم كتابه حيث اقتبسه من الحديث النبوي الشريف «إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
وهو في مصادر كتابه عالم له خبرة بما يقتضيه نهج التأليف واحاطة بما يلزمه من مصادر تمت إلى موضوعه، وهو مطلع اطلاعاً حسناً على ما ضمته تلك المصادر من مادة قيمة ليجمع منها مادة كتابه الأولى.
وهو بعد ذلك خبير في الإنتقاء والترتيب بصير في الإصطفاء والتهذيب موفّق في الجمع والتبويب.
وأخيراً وفي معرفة زمن تأليفه الكتاب يظهر نبوغه واجتيازه مراحل الدرس والتحصيل إلى مرحلة التأليف.
هذا ما حصلت عليه من نفس الكتاب، أمّا ما عثرت عليه من نتف تكمل ما سبق وتساعد على معرفة بعض الجوانب العلمية الأخرى فهي:
1 - شيوخه: ذكرت المصادر المعنية أنّه يروي عن والده أمين الإسلام الشيخ أبي علي الطبرسي(رحمة الله علیه)، وهو عالم شهير سبق أن عرفناه في مقدمة كتابه إعلام الورى.
وقد ذكرنا هناك(1): أنّ والده ألّف كتابه الأوسط في التفسير (جوامع الجامع) بإسمه لأنّه التمسه على ذلك، فقد قال في مقدّمته: اقترح عليَّ من حل منّي محل
1) مقدمة إعلام الورى: 12
السواد من البصر، وسويداء الفؤاد ولدي أبو نصر الحسن أحسن الله نصره ،وأرشد أمري وأمره، أن أجرّد من الكتابين(1)كتاباً ثالثاً يكون مجمع بينهما ومحجر عينهما، يأخذ بأطرافهما ويتصف بأوصافهما، ويزيد بأبكار الطرائف، وبواكر اللطائف عليهما، فيتحقق ما قيل: إنّ الثالث خير، فانّ الكتب الكبار قد يشق على الشاري حملها، ويثقل على الناقل نقلها، فأكثر أبناء الزمان تقصر هممهم عن احتمال أعباء العلم الثقيلة والأجراء في حياته المديدة الطويلة، فاستعفيته من ذلك مرّة بعد أخرى، لما كنت أجده في نفسي من ضعف البنية ووهن القوة، فلقد ذرفت على السبعين سنيّاً، وبلغت من الكبر عتيّاً ... فأبى إلّا المراجعة فيه والعود والإستشفاع بمن لم أستجز له الرد فلم أجد بداً من صرف وجه الهمّة إليه...(2).
وقد أجازه أبوه بجميع رواياته وتصانيفه كما صرّح بذلك الحافظ الحمويني في كتابه الجليل (فرائد السمطين) وقد سبقت الإشارة إليه.
ولم يذكر مترجموه عن شيوخه الآخرين شيئاً، على أنه لاشك في سماعه من مشايخ آخرين غير أبيه، وفي نقله عن مسموعات السيد ناصح الدين أبي البركات المشهدي ما يشعر بسماعه منه وروايته عنه، فيمكن عده من مشايخه في الرواية أيضاً، وقد وصفه فى أوّل الفصل الخامس من الباب التاسع بالسيد الإمام، وكذا ورد وصفه في مشكاة الأنوار(3)وهو وصف مشعر بالفضل والوجاهة.
2 - الرواية عنه : ذكر أنّ الشيخ مهذب الدين الحسين بن ردة النيلي يروي عن المؤلّف كما في أمل الآمل(4)وغيره.
وصرّح به أيضاً الحافظ الحمويني في فرائد السمطين، وقد مرت الإشارة إلى
سنده فراجع .
3 - شهرة كتابه في حياته :يظهر من مقدّمة ولده لكتابه مشكاة الأنوار أن كتاب والده مكارم الأخلاق انتشرت نسخته فى حياة مؤلّفه واستحسنه أهل الآفاق، ومعلوم أن انتشار الكتاب يومئذ لم يكن إلا عن طريق روايته وتكثير نسخه بواسطة الإملاء والاستملاء ونحوه.
وهذا يدلّنا على أنّ مؤلّفنا لما فرغ من تأليف كتابه جاد به بسخاء لمن يروم الإنتفاع به فأقبل عليه أهل بلده واشتهر بينهم حتى تجاوز ذكره إلى الآفاق ووصلت نسخته إليهم فأقبلوا عليه بكلّ رغبة، وأبدوا اعجابهم به واستحسانهم له، وهذا ما لخصه ولده بقوله:
«وبعد، فإنّ مولاي ووالدي الشيخ الإمام الأجل السعيد رضي الدين أمين الإسلام والمسلمين حجّة الخلق أبا نصر الحسن بن الفضل بن الحسن الطبرسي نور الله حفرته وحشره مع مواليه الطاهرين لما جمع كتاب مكارم الأخلاق واستحسنه أهل الآفاق، ابتدأ بتصنيف كتاب آخر جامع لسائر الأحوال حلو لمحاسن الأفعال، واختار في ذلك المعنى كثيراً من الأخبار المروية المنتقاة من مشاهير كتب أصحابنا رضى الله عنهم أجمعين، ولم يتيسر له إتمامه وأدركه حمامه...
وهذا النص يدلّ أيضاً على ابتداء المؤلّف بتصنيف آخر أوسع وأجمع لكنه لم يتمّه.
فالمؤلّف لم يبق له من أثر سوى كتابه (مكارم الأخلاق) وليست العظمة في كثرة الآثار، إنمّا العظمة في الأثر النافع، كما أنّ الخلود ليس في وجود الأثر فحسب، بل سر الخلود هو في إخلاص صاحبه، ومؤلّفنا قد رزق التوفيق في
عظمته بأثره النافع، وخلد حتى اليوم وما دام لكتابه اسم في صفحة الوجود، لأنّه كان مخلصاً في تأليفه.
2 - كتاب مكارم الأخلاق :
لاشك أنّ في اختيار الأسماء الحسنة تأثيراً في النفس يبعث على الإرتياح والإنشراح، واسم مكارم الأخلاق) هو من تلك الأسماء الحسنة التي تهفو إليها النفوس، فاستهوى غير واحد ممن ألف في موضوع الأخلاق فسمى تأليفه به ولعلّ السر في اختيار هذا الإسم مضافاً إلى وقعه المحبوب هو إنبثاقه من مصدر كريم، وذلك قوله(صلی الله علیه وآله وسلم) : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»...
ولعلّ أوّل من استهواهم هذا الاسم وسمّوا كتبهم به هو أبو بكر عبدالله بن محمّد، المعروف بابن أبي الدنيا (ت 281 ه-) فقد اختاره اسماً لبعض كتبه فسماه (مكارم الأخلاق)
وكلّ الكتب التي سميت بذلك فهي لمؤلّفين متأخرين عن ابن أبي الدنيا زمناً، كابن بلال - هلال - والخرائطي وابن الصبّاغ، ومؤلّفنا الطبرسي، وبير محمّد دده وغيرهم.
لكنّ الكتاب الوحيد من بين كتب مكارم الأخلاق الّذي كتب له التوفيق التام في الشهرة والخلود منذ عصر مؤلّفه وحتى يومنا الحاضر هو كتابنا هذا، فإنّه ما زال موضع الإعجاب والتقدير لما فيه من متعة، وتهذيب للنفس...
وبمقدار ما حازه من توفيق وقبول فقد امتدت إلى حريمه يد أثيمة، فاعتدت عليه ولعبت به كما شاء لها الهوى، فحرّفت كثيراً من الكلم عن مواضعه، وزادت فيه ونقصت منه بغير رضى جامعه، فلم تراع للمؤلّف كرامة ولا للكتاب حرمة ولا
للأمانة ذمّة.
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ(1) يعز عليَّ وأنا أقدّم لكتاب يبحث مكارم الأخلاق وتهذيب النفوس أن أطرق أبواب الحديث عن خيانة بعض ممّن دسوا أنوفهم بين صفوف الناشرين النبلاء الأمناء على ودائع العلم وآثار العلماء، فبذلوا أموالهم وضاعفوا جهودهم في صيانة التراث الإسلامي من الضياع، فقاموا بنشره بكل أمانة وإخلاص بين جمهرة القراء.
عزَّ عليّ أن أتحدث بما يحز في النفس ويبعث الألم عن تلك الفئة التي تعامت عن كلّ مقاييس الفضيلة حين فقدت أغلى وأعلى رصيد في هذه الحياة الدنيا وهي الأمانة، والأمانة ليست ملكاً لأحد بعينه، ولا هي وقف على جماعة دون آخرين، بل هي أينما وجدت دليل العفة وعنوان الثقة، وهي تنبئ عن نزاهة النفس وطهارة الضمير.
فإذا ما تخلى عنها إنسان أو فقدها ،قوم فلا مناص من القول بأنه خان وخانوا مهما كان وأياً كانوا.
وإنّ من فاحش الظلم وقبيح الخيانة تحريف الكلم عن مواضعه فإنّه خيانة للمؤلّف في تأليفه، وللقارئ فى أداء الأمانة إليه، على أنّه لو علمت تلك الفئة أنّها أساءت بفعلتها النكراء إلى نفسها قبل أن تسيئ إلى المؤلّف الذي خانته في كتابه، أو القارئ فى أداء التراث مشوشاً ومشوهاً إليه، بل وقبل أن تسيئ إلى التاريخ في طمس حقيقة فهم المؤلّف والكتاب، فإنّها حرمت نفسها الثقة، وهي الرصيد الغالي
1) العنكبوت: 13.
العملها في الحياة، مضافاً إلى ما تعرضت له من سوء الأحدوثة وعسر الحساب في يوم الحساب:فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (1).
وإن تشويه الحقيقة في أن لا يطمسها الدهر كله، ولن تبقى مشوهة أبداً، ولا بدّ أن تثأر لنفسها، فتنتصر على واقعها دون أي زيف أو بهرجة... وقد آن لحقيقة كتابنا أن تثأر لنفسها وتظهر واقعها مجردة عن كلّ نكر و تخريف وتصحيف وتحريف وزيادة ونقصان.
الطبعات المصرية :
لقد طبع هذا الكتاب بمصر عدة طبعات كلّها محرّفة، وإلى القارئ أسماء المطابع مع سني الطبع التي طبع بها الكتاب:
1 - مطبعة بولاق سنة ( 1300 ه-) وبهامشه الوسيلة العظمى ليير محمد دده.
2 - المطبعة الخيرية سنة (1303 ه-) في 114 صفحة.
3 - مطبعة مصطفى محمد سنة ( 1304 ه-).
4 - مطبعة أحمد البابي الحلبي سنة (1306ه-).
5 - المطبعة العثمانية سنة (1311 ه-) في 158 صفحة.
6 - المطبعة الميمنية سنة (1311 ه-) في 166 صفحة، وبهامشه تهذيب الأخلاق لابن مسكويه.
7- المطبعة الميمنية سنة (1318 ه-) في 168 صفحة. (1318ه-)
8 - مطبعة البابي الحلبي وأولاده سنة (1369 ه-) في 216 صفحة، وبهامشه الوسيلة العظمى، والغريب المضحك - وشر البلية ما يضحك - أنّه كتب عليها
1) البقرة: 79
(الطبعة الأولى)، وأظن إنما كتب عليها ذلك لما أثبت في آخرها في ص 212 تم طبع مكارم الأخلاق... مصححاً بمعرفة لجنة من العلماء برئاسة الشيخ أحمد سعد عليّ.
لقد طبع هذا الكتاب بمصر منذ سنة (1300 ه-) وحتى سنة (1369 ه-) وكلّ تلك الطبعات المتعددة لم يذكر ناشروها على اختلافهم الأصل الذي اعتمدوه في نشر الكتاب.
ونظراً لاشتراكها جميعاً في سيئة التحريف يمكن القول باعتماد اللاحق على السابق، وكان الأصل في جميعها هي (1300 ه-) إذ لم أعثر على طبعته الأولى .
ذكر أقدم منها تاريخاً. وقد يؤيّد هذا القول بوجود أخطاء مطبعية وغيرها على حالها في سائر الطبعات، فالعياشي في موطنين - العبادشي - ومن لا يحضره الفقيه دائماً ما لا يحضره الفقيه، وشعيب العقرقوفي القرقوفي، وعليّ بن أسباط عليّ بن أشباه ونحوها كثير.
ولما توالت طبعاته الأولى وانتشرت نسخه في أرجاء العالم الإسلامي ومنها ،العراق، واطّلع عليها العلماء الأعلام، وكانت لديهم عدة نسخ مخطوطة من الكتاب فقارنوا بينها وبين المطبوع فرأوا تحريفاً شائناً وخيانة عظمى لا يصح السكوت عليها، فرفعوا ذلك إلى المرجع الديني في عصره الإمام الشيرازي (ت 1312ه-) فأمر بإعادة طبعه بعد مقابلته على ست نسخ خطية لتقويم النص من الأود ونبذ الفضول.
وتولى جماعة من الفضلاء القيام بذلك، وقد سجّل الشيخ الفاضل الشيخ محمود بن الملّا صالح البروجردي موارد ما عثر عليه من زيادة ونقيصة في
هامش النسخة المطبوعة على الحجر بايران سنة ( 1314 ه-) وهي خدمة مشكورة ويد بيضاء، ولدى مراجعتي للموارد المشار إليها عثرت على موارد أخرى زاغ عنها بصر الفاضل البروجردي، أو لم تكن في النسخة التي راجعها من مطبوعة مصر.
أمّا النسخ التي رجعت إليها من مطبوعات مصر فهي طبعة الميمنية سنة (1311ه-)، وطبعة البابي الحلبي وأولاده سنة ( 1369 ه-)، وإليها الإشارة في تعيين الصفحات في الجدول الآتي:
الطبعة طبعة
الميمنية الحلبي
الطبعة طبعة
الميمنية الحلبي
الطبعة طبعة
الميمنية الحلبي
الطبعة طبعة
الميمنية الحلبى
الطبعة طبعة
الميمنية الحلبي
الطبعة طبعة
الميمنية الحلبي
الطبعة طبعة
الميمنية الحلبي
هذه نماذج من موارد الحذف والزيادة، وإشارة إلى بعض موارد التحريف التي وجدتها في الطبعات المصرية، وثمة موارد أخرى كثيرة لا يسعني الإشارة إلى جميعها لكثرتها، ويمكن تلخيصها بما يلي:
1 - كلّ ما وقع في الكتاب ذكر الصلاة على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بعد اسمه فصل الآل والله عنه.
2 - كل ما وقع ذكر الصلاة على النبي وآله في دعاء فصل بينهما بكلمة (على)، وكثيراً ما يضاف إليهم صحبه.
3 - كلّ ما كان في الكتاب من تسليم على أحد أئمّة أهل البيت أبدل بالترضية.
4 - كثيراً ما حذف اسم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أو أحد من الأئمة من أوائل الأحاديث، واستبدل ببعض الحكماء، وبعض العلماء، وبعض الصالحين.
5 - استبدل أسماء على وفاطمة (عليهم السلام)باسمي غيرهما.
6 - اهمال أسماء الرواة في أوائل الأحاديث غالباً، وقد تستبدل بجملة عن بعض أو عن رجل.
7 - حذف ما دلّ على فضل أمير المؤمنين(عليه السلام) أو فاطمة أو الحسين(عليه السلام) أو تربة قبره .
8 -وقوع تحريف وزيادة وحذف في جملة الصلوات والرقى والدعوات والأحراز ، وقل أن تسلم صورة منها عن شيء من ذلك.
9 - دس أحاديث ليست من الكتاب أسندت إلى مصادر - للتضليل - لم ينقل عنها المؤلف.
10 - دسّ بعض الفقرات بين أجزاء الحديث الواحد مبالغة في الكيد والتضليل مع خلو كتاب المؤلّف عنها، بل وحتى المصدر الذي نقل عنه.
ولم تخف هذه الحقيقة على الباحثين إلّا أنّ بعضهم صرّح بذلك، وبعضهم غض النظر عن ذلك، وممّن صرّح بذلك الدكتور ادوارد فانديك في كتابه (اكتفاء) القنوع بما هو مطبوع)(1)حيث قال:
«مكارم الأخلاق لرضي الدين أبي نصر بن أمين الدين أبي علي فضل الله الطبرسي طبع في بولاق عام (1300 ه-) وهي قواعد للسلوك في الحياة الدينية، مبنية على الحوادث التاريخية، فلذا فيها فائدة ولذة تاريخية وكان الطبرسی هذا على مذهب الشيعة، ولما لم يخلو الأصل الخطّي من تنديدات على أهل السنّة استحسن المصححون وقت الطبع في بولاق أن ينقحوه منها ... الخ» ويحسن مراجعة اكتفاء القنوع مرة أخرى لإكمال العبارة.
وأود أن يثق القارئ أنّي لم أعرض الجدول السابق وما تلاه لغرض التحامل على أحد، أو رغبة في النيل من فئة وإنّما قصدي - والله من وراء القصد - رعاية حق العلم الّذي هو أولى أن يحرص ويغار عليه، وتأسياً بمن سبقني من العلماء والكتاب في أداء رسالتهم، وإجابة لميثاق العلم الذي أخذه الله عليهم أن
1) اكتفاء القنوع: 160.
يبينوه للناس ولا يكتموه: مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رضوان الله(1).
ولم يكن كتابنا هذا هو الوحيد بين المنشورات المصرية التي تناولتها الأيدي الأثيمة بالدس والتحريف، فقد جاء في هامش ص 163 من كتاب البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى على(عليه السلام)تأليف أحمد بن محمّد بن الصديق الغماري الحسني، الطبعة الأولى سنة 1389 ه- مطبعة السعادة بمصر، بتحقيق أحمد محمد مرسي النقشبندي ما يلي:
«ولمّا أعيد طبع الكتاب الثاني - كتاب اقتضاء الصراط المستقيم للغزالي - في مطبعة أنصار السنّة حرّفوا فيه بعض العبارات، وجدوها صريحة في مخالفتهم وموافقة جماعة المسلمين، ومثل هذا حصل في كتاب (أهوال القبور) للحافظ ابن رجب، فقد طبع بمكة المكرمة وحذف منه القائمون على طبعه جملة أيّد بها المؤلّف(رحمة الله علیه) حديث عرض أعمال الأمّة على نبيّها (صلی الله علیه وآله وسلم).
ومثل هذا وذاك ما حصل في تفسير (البحر المحيط ) عند طبعه، فانّ مؤلّفه أبا حيان عرّض فيه لابن تيمية وذمّه وذمّ ،بدعته، فحذف المشرف على تصحيحه بمطبعة السعادة ذلك الكلام من أصله، ولم يترك له في التفسير أثراً يدلّ عليه، فماذا أعد الله لهؤلاء الخائنين لأمانة العلم الجانين على كتبه؟ إنه سبحانه المنفرد بعلم ذلك، والمجازي كل نفس بما كسبت هناك كل امرىء بما كسب رهين».
وقد ذكر في مقدّمة احقاق الحق(2)انّ من الكتب التي لعبت بها يد التحريف :
1 - الإمامة والسياسة لمحمّد بن قتيبة الدينوري.
2 - كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام.
3 - كتاب تفسير مفاتيح الغيب للإمام الرازي. الطبعة الأخيرة بالتزام عبد الرحمن محمد المصري.
وأضيف أنا إلى ما سبق:
كتاب تفسير روح المعاني للآلوسي، فقد ذكر محمد زاهد الكوثري في
مقالاته طبع مصر أنّ ولد المؤلّف لعب به فليراجع.
وبالتاليهَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالحَقِّ(1)قد عالج فيه مؤلّفه كثيراً من القضايا الإسلامية في بساطة ووضوح، فقد استعرض في أوّله خَلق النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم) وخُلقه انطلاقاً من قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(2)ليتخذ المسلمون منها نبراساً يسيرون عليه في حياتهم أفراداً وجماعات.
وعالج في سائر أبوابه ما يتعلق بجسم الإنسان من طهارة وزينة بكلّ ما فيهما من معنى صالح، ومن مآكل وملابس وما ينبغي منها وما لا ينبغي بكلّ ما لهما من أثر إيجابي في صحة البدن ونشاط النفس.
كما استعرض الحياة الزوجية وشؤون البيت وما يمت إليهما من آداب تكفل السعادة العائلية، وتضفي على أفرادها الإستقرار والهناء، ولم يغفل جانب العشرة في السفر وما يلزم المسافر من حقوق و آداب.
وبعد ذلك عالج روح الإنسان وأعراضها النفسية عن طريق توثيق الصلة بالله تعالى، فإن في افضاء مشاكل الحياة وآلامها إلى قوة خفيّة يشعر المحزون بالحنين إليها عند الشدائد، ويرجو الخلاص منها، ويطلب منها العون على حلّ ما استعصى عليه حله خير سند للإنسان على مجابهة الأحداث، والوقوف في مهب العاصفة مضافاً إلى ما في ذلك من سمو روحي يحسه الداعي، وتطهير للنفس من أدران ما علق بها زمناً طويلاً.
وبالتالى ختم الكتاب بجملة وصايا نبوية ونصائح ذهبية فيها دروس أخلاقية تجمع سعادة المرء في معاشه ومعاده، وصلاحه لنفسه ومجتمعه، وفي ذلك كان مسك الختام.
والحمد لله أوّلاً وآخراً وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
محمّد مهدي السيّد حسن
الموسوي الخرسان
لموضوع ...الصفحه
مقدّمة المؤلّف....5
طبّ النبي المنسوب إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)...19
طب الأئمة(عليهم السلام) .....33
طب الإمام الرضا(عليه السلام) ....47
التوحيد للشيخ الصدوق ...69
إكمال الدين وإتمام النعمة للشيخ الصدوق...111
الأمالي للشيخ الصدوق ....135
عيون أخبار الرضا(عليه السلام) للشيخ الصدوق. ...181
الخصال للشيخ الصدوق....209
معاني الأخبار للشيخ الصدوق....241
ثواب الأعمال وعقاب الأعمال للشيخ الصدوق...241
الاختصاص للشيخ المفيد....309
تذكرة الألباب بأصول الأنساب للبتيّ...335
منتقلة الطالبية لابن طباطبا....381
روضة الواعظين للفتال النيسابوري ....425
إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي...441
مكارم الأخلاق للطبرس ...475
فهرس المحتويات ...503