ghaemiyeh.com
جميع الحقوق محفوظة لِلنَّاشِر
الطبعة الأولى
1425 ه- 2005م
ISBN 9953-34-317-9
شَركة ابنَاءِ شَرِيف الأَنْصارِيّ والسوري
المَكْتَبَة العَصْرِيَّة
(للطباعة وَالنَشر وَالتّوزیع)
الدار النمودجيّة المطبعة العصريّة
بيروت - ص.ب 118355 - تلفاكس 009611655015
صيدا - ص.ب 221 - تلفاكس 009617720317
E-mail: alassrya@terra.net.lb alassrya@cyberia.net.lb
جمعية خيرية رقمية: مركز خدمة مدرسة إصفهان
محرر الرقمي: محمّد رادمرد
مروج
الذهب
ومعادن الجوهر
الإمام أبي الحسن بن علي
المسعودي
المَكْتَبَة العَصْرِيَّة
صيدا. بیروت
مُروجُ الذَّهَب
ومَعَادِن الجَوهَر
تصنيف
أبي الحسَن عَلِى بن الحسين بن عَلى المسعوديّ
المتوفى 346 ه- 957 م
اعتَنَى بهِ وَراجعَه
كَمال حَسن مرعي
الجزء الثالث
المَكْتَبَة العَصْرِيَّة
صيدا. بیروت
جميع الحقوق محفوظة لِلنَّاشِر
الطبعة الأولى
1425 ه- 2005م
ISBN 9953-34-317-9
شَركة ابنَاءِ شَرِيف الأَنْصارِيّ والسوري
المَكْتَبَة العَصْرِيَّة
(للطباعة وَالنَشر وَالتّوزیع)
الدار النمودجيّة المطبعة العصريّة
بيروت - ص.ب 118355 - تلفاكس 009611655015
صيدا - ص.ب 221 - تلفاكس 009617720317
E-mail: alassrya@@terra.net.lb alassrya@cyberia.net.lb
بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ثم بويع الحسنُ بن علي بن أبي طالب بالكوفة بعد وفاة عليٍّ أبيه بيومين، في شهر رمضان من سنة أربعين، ووَجّه عُمَّاله إلى السَّوَاد والجبل.
وَقَتَلَ الحسنُ عبد الرحمن بن مُلْجَم، على حسب ما ذكرنا، ودخل معاوية الكوفة بعد صلح الحسن بن علي، لخمس بقين من شهر ربيع [الأول] في سنة إحدى وأربعين.
وكانت وفاة الحسن - وهو يومئذٍ ابنُ خمسٍ وخمسين سنة - بالسم.
ودُفن بالبقيع مع أمه فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، واللّه ولي التوفيق.
حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدِّه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم قال : دخل الحسين قال : دخل الحسين عَلَى عمي الحسن [بن علي] لما سقي السم، فقام لحاجة الإنسان ثم رَجَع، فقال : لقد سقيت السم عدة مرار فما سقيت مثل هذه، لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني أقلبه بعود في يدي، فقال له الحسين : يا أخي، مَنْ سَقَاك؟ قال : وما تريد بذلك؟ فإن كان الذي أظنه فاللّه حسيبه وإن كان غيره فما أحِبُّ أن يؤخذ بي بريء، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثاً حتى توفي، رضي اللّه عنه.
وذكر أن امرأته جَعْدة بنت الأشعث بن قيس الكندي سقته السم، وقد كان معاوية دس إليها: إنك إن احتلت في قتل الحسن وجهت إليك بمائة ألف درهم، وزوَّجتك [من] يزيد فكان ذلك الذي بعثها على سَمّه، فلما مات وَفَى لها معاوية، بالمال وأرسل إليها إنا نحب حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه.
وذكر أن الحسن قال عند موته : لقد حَاقَتْ، شربته، وبلغ أمنيته واللّه لا وَفّى [لها] بما وَعَدَ، ولا صدق فيما قال.
وفي فعل جَعْدة يقول النَّجَاشِيُّ الشاعر، وكان من شِيعَةِ عليّ، في شعر له طويل :
جَعْدَةُ بَكِّيهِ ولا تسأمي***بَعْدُ بُكاء المُعْوِلِ الثاكل
لم يُسْبَل الستر على مثله***في الأرض من حَافٍ وَمِنْ ناعل
[كان إذا ان إذا شُبَتْ لَهُ ناره***يرفعها بالسند الغاتل]
[كيما يراها بائس مُرْمِلٌ***وفرد ليس بالآهل]
[يغلي بنيء اللحم، حتى إذا***أنضجه لم يغل من آكل]
[ أعني الذي أسْلَمَنا هُلْكه***للزمن المستحرج الماحل]
وفي ذلك يقول آخر من شِيعَةِ علي رضي اللّه عنه :
تأسَّ فكم لك من سَلْوَة***تُفَرِّجُ عنك غليل الحزَنْ
بموت النَّبِي، وقتل الْوَصِيِّ،***وقتل الْحُسَيْن، الْحَسَنْ
وسم قال المسعودي رحمه اللّه : ووجدت في كتاب «الأخبار» لأبي الحسن علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن صالح بن علي بن عطية الأصم قال: حدثنا عبد الرحمن بن العباس الهاشمي، عن أبي عون صاحب الدولة، عن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، عن أبيه، عن جدّه عن العباس بن عبد المطلب، قال: كنت عند رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إذ أقبل علي بن أبي طالب، فلما رآه أَسْفَرَ في وجهه، فقلت : يا رسول اللّه، إنك لتُسْفِر في وجه هذا الغلام، فقال : يا عَمَّ رسول اللّه، واللّهٍ اللّه أشَدُّ حباً له مِنّي، إنه لم يكن نبي إلا وذريته الباقية بعده من صُلْبه، وإن ذريتي بعدي من صُلْب هذا، إنه إذا كان يوم القيامة دُعِي الناس بأسمائهم وأسماء أمهاتهم ستراً من اللّه عليهم، إلا هذا وشيعته فإنهم يُدْعَوْنَ بأسمائهم وأسماء آبائهم لصحة ولادتهم.
ولما دُفن الحسن رضي اللّه عنه وقَفَ محمد ابن الحنفيَّة أخوه على قبره فقال : لئن عزت حياتُكَ، لقد هَدَّتْ وَفَاتك، ولنعم الروح روح تضمنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمن بدنك، وكيف لا تكون هكذا وأنت عقبة الهدى، وَخَلَفُ أهل التقوى، وخامس أصحاب الكساء، غَذَتْكَ بالتقوى أكف الحق، وأرضعتك تُدِيُّ الإيمان، وَرُبِّيتَ في حجر الإسلام، فطِبْتَ حيَّاً وميتاً، وإن كانت أنفسنا غير سخية بفراقك، رحمك اللّه أبا محمد !.
و وجدت في وجه آخر من الروايات في أخبار أهل البيت أن محمداً وقف على قبره فقال : أبا محمد لئن طابت حياتك، لقد فجع مماتك، وكيف لا تكون كذلك وأنت خامس أهل الكساء وابن محمد المصطفى، وابن علي المرتضى، وابن فاطمة الزهراء، وابن شجرة طُوبَى؟ ثم أنشأ يقول رضي اللّه عنه :
أَأَذهن رأسي أم تطيب مجالسي***وَخَدَّكَ معفور وأنت سليب؟
[أَأَشْرَب ماء المزن من غير مَائِه***قد ضمن الأحشاء منك لهيب]؟
سأبكيك ما ناحت حمامة أيْكَةٍ***وما اخْضَرَّ في دَوْح الحجاز قضيب
غريب وَأكْنَاف الحجاز تَحُوطه***ألا كل من تحت التراب غريب
ووجدت في بعض كتب التواريخ في أخبار الحسن ومعاوية أن بخلافة الحسن صَحَّ الخبر عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) «الخلافة بعدي ثلاثين سنة» لأن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه تَقَلَّدَهَا سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام وعمر رضي اللّه عنه عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال، وعثمان رضي اللّه عنه إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وثلاثة عشر يوماً وعلي رضي اللّه عنه أربع سنين وسبعة أشهر إلا يوماً، والحسن رضي اللّه عنه ثمانية أشهر وعشرة أيام، فذلك ثلاثون سنة.
وحدث محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن حميد الرَّازي، عن علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق عن الفضل بن عباس بن ربيعة قال : وفد عبد اللّه بن العباس على معاوية، قال: فواللّه إني لفي المسجد إذ كَبَّرَ معاوية في الخضراء فكبر أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء، فخرجَتْ فاختة بنت قرظة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف من خوخة لها فقالت : سَرَّكَ اللّه يا أمير المؤمنين ! ما هذا الذي بلغك فسررت به؟ قال : موت الحسن بن علي فقالت : «إِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ»، ثم بكَتْ وقالت مات سيد، المسلمين، وابن بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فقال معاوية : نعما واللّه ما فعلت إنه كان كذلك أهلا أن تبكي عليه ثم بلغ الخبر ابن عباس رضي اللّه عنهما، فراح فدخل على معاوية قال : علمتُ يا ابن عباس أن الحسن توفي، قال: ألذلك كبرت؟ قال: نعم، قال: [أما] واللّه ما مَوْتُه بالذي يؤخّر أجلك، ولا حُفْرَته بسَادَّةٍ حُفْرَتَكَ، ولئن أصبنا به [قبله] بسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين، ثم بعده بسيد الأوصياء، فجبر اللّه تلك المصيبة، ورفع تلك العَثْرَة، فقال : وَيْحَكَ يا ابن عباس ما كلمتك [قط ] إلا وجدتك معداً.
وفي نسخة أنه لما صالح الحسن معاوية كبر معاوية في الخضراء، وكبر أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء، فخرجت فاختة بنت قرظة من خوخة لها فقالت : سَرَّكَ اللّه يا أمير المؤمنين ! ما هذا الذي بلغك؟ قال : أتاني البشير بصلح الحسن وانقياده فَذَكرَتْ قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) «إن ابني هذا سيد أهل الجنة، وسيصلح اللّه به بین فئتين عظيمتين من المؤمنين» فالحمد للّه الذي جعل فِئَتِي إحدى الفئتين.
ولما صالح الحسن معاوية لما ناله من أهل الكوفة وما نزل به أشار عمرو بن العاص على معاوية - وذلك بالكوفة - أن يأمر الحسن فيقوم فيخطب الناس، فكره ذلك
معاوية، وقال : ما أريد أن يخطب [ بالناس] قال عمرو : لكني أريد أن يبدو عِيُّه في الناس بأنه يتكلم في أمور لا يَدْرِي ما هي، ولم يزل به حتى أطاعه؛ فخرج معاوية فخطب الناس، وأمر رجلا أن ينادي بالحسن بن علي فقام إليه فقال : قم يا حسن فكلم الناسَ [فقام] فتشهد في بديهته ثم قال : أما بعد أيها الناس، فإن اللّه هداكم بأولنا، وَحَقَن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دُوَلّ، قال اللّه عزّ وجل لنبيه محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قل : «وَإِن أَدْرِى أَقَرِيبُ اَم بَعِيدُ مَا تُوعَدُونَ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ» [الأنبياء: 109-111]، ثم قال في كلامه ذلك : يا أهل الكوفة لو لم تُذْهَلْ نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذُهِلت : مَقْتَلكم لأبي، وسلبكم، ثقلي، وطعنكم في بطني، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا له وأطيعوا.
وقد كان أهل الكوفة انتهبوا سُرَادق الحسن، وَرَحْله وطعنوا بالخنجر في جوفه، فلما تيقن ما نزل به انقاد إلى الصلح.
وقد كان عليّ رضي اللّه عنه وكرم اللّه وجهه اعتلَّ، فأمر ابنه الحسن رضي اللّه عنه أن يصلي بالناس يوم الجمعة، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال : إن اللّه لم يبعث نبيًّا إلا اختار له نقيباً وَرَهْطاً وبيتاً فوالذي بعث محمداً بالحق نبيَّا لا ينتقص من حقنا أهل البيت أحد إلا نقصه اللّه من عَمَله مثله، ولا تكون علينا دولة إلا وتكون لنا العاقبة، ولتعلمنَّ نبأه بعد حين.
ومن خطب الحسن رضي اللّه عنه في أيامه في بعض مقاماته أنه قال : نحن حزب اللّه، المفلحون وَعِتْرَة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الأقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيبون، وأحد الثقلين اللذين خَلَّفهما رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، والثاني كتاب اللّه، فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خَلْفه، والمعول عليه في كل شيء، لا يخطئنا تأويله، بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا ؛ فإنَّ طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة اللّه [والرسول وأولي الأمر] مقرونة «فَإِن تنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّه وَالرَّسُولِ» [النساء : 59] ولو رَدُّوه إلى الرسول، «وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» [النساء : 83] وأحذركم الإصغاء لهتاف الشيطان إنه لكم عدوٌّ مبين ؛ فتكونون كأوليائه الذين قال لهم : «لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِني جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ
مِّنكُمْ إِنّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ» [الأنفال : 48] فتلقون للرماح أزراً، وللسيوف جزراً، وللعمد
خطأ، وللسهام غَرَضاً، ثم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، واللّه أعلم.
[و] بويع معاوية في شوال سنة إحدى وأربعين ببيت المقدس، فكانت أيامه تسع عشرة سنة وثمانية أشهر، وتوفي في رجب سنة إحدى وستين، وله ثمانون سنة، ودفن بدمشق بباب الصغير، وقبره يُزَار إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وعليه بيت مبني يفتح كل يوم اثنين وخميس.
وفي سنة ثلاث وخمسين قتل معاوية حُجر بن عدي الكنْدِيَّ، وهو أول من قتل صبراً في الإسلام: حمله زياد من الكوفة ومعه تسعةُ نَفَرٍ من أصحابه من أهل الكوفة وأربعة من غيرها، فلما صار على أميال من الكوفة يراد به دمشق أنشأت ابنته تقول ولا عقب له من غيرها :
تَرَفَعُ أيها القمر المنير***لعلك أن ترى حُجْراً يسير
یسیر إلى معاوية بن حرب***ليقتله، كَذَا زَعَمَ الأمير
وَيَصْلبه عَلَى بَابَي دمشق***وتأكل من مَحَاسِنِه النسور
[تخيرت الخبائر بعد حُجْرٍ***وَطَابَ لها الخورنق وَالسَّدِير]
ألا يا حجر حجر بني عدي***تلقتك السلامة وَالسُّرُور
أخاف عليك ما أَرْدَى علياً***وَشَيْخاً في دمشق له زئير
ألا يا ليت حجراً مات موتاً***ولم يُنْحَر كما نحر البَعِير
فإن تهلك فكل عَمِيد قَوْمٍ***إلى مُلْكِ من الدُّنْيَا يصِير
ولما صار إلى مرج عذراء على اثني عشر ميلا من دمشق تقدَّم البريد بأخبارهم إلى معاوية، فبعث برجل أغور، فلما أشرف على حُجْر وأصحابه قال رجل منهم : إن صدق الزَّجْر فإنه سيقتل مِنَّا النصف وينجو الباقون، فقيل له : وكيف ذلك؟ قال : أما ترون الرجل المقبل مُصاباً بإحدى عينيه، فلما وصل إليهم قال الحجر : إن أمير المؤمنين [قد] أمرني بقتلك يا رأس الضلال ومعدن الكفر والطغيان والمتولي لأبي تراب وقتل أصحابك، إلا أن ترجعوا عن كفركم، وتلعنوا صاحبكم وتتبرؤوا منه، فقال حُجر وجماعة ممن كان معه : إن الصبر على حد السيف لأيْسَرُ علينا مما تَدْعُونَا إليه، ثم القدوم على اللّه وعلى نبيه وعلى وصيه أحَبُّ إلينا من دخول النار، وأجاب نصف من كان معه
إلى البراءة من علي، فلما قُدِّمَ حجر ليُقْتل قال : دعوني أصلي ركعتين، فجعل يطول في صلاته، فقيل له : أَجَزَعاً من الموت؟ فقال: لا، ولكني ما تطهرت للصلاة قط إلا صليت، وما صليت قط أخَفَّ من هذه، وكيف لا أجزع، وإني لأرى قبراً محفوراً، وسيفاً مشهوراً [ وكَفَنا منشوراً]، ثم تقدم فنحر، وألحق به من وافقه على قوله من أصحابه وقيل : إن قتلهم كان في سنة خمسين.
وذكر أن عدي بن حاتم الطائي دخل على معاوية، فقال له معاوية : ما فعلت الطرفات؟ يعني أولاده قال قتلوا مع علي قال : ما أنصفك عَلِيّ قتل أولادك وبَقَّى أولاده، فقال عدي : ما أَنْصَفْتَ عليَّا إذ قتل وبقيت بعده، فقال معاوية : أما إنه قد بقيت قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلا دم شريف من أشراف اليمن، فقال عدي : واللّه إن قلوبنا التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وإن أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن أدنيت إلينا من الغدر فتراً لندنيَنَّ إليك من الشر شبراً، وإن حَزَّ الحلقوم وحشرجة الحيزوم لأهْوَنُ علينا من أن نسمع المساءة في علي، فسلم السيف يا معاوية لباعث السيف، فقال معاوية : هذه كلمات حكم فاكتبوها وأقبل على عدي محادثاً له كأنه ما خاطبه بشيء.
وذكر أن معاوية بن أبي سفيان تنازع إليه عمرو بن عثمان بن عفان وأسامة بن زيد مولی رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في أرض فقال عمرو لأسامة : كأنك تنكرني، فقال أسامة : ما يسرني نسبك بولائي، فقام مروان بن الحكم فجلس إلى جانب عمرو بن عثمان، وقام الحسن فجلس إلى جانب أسامة، فقام سعيد بن العاص فجلس إلى جانب مروان، فقام الحسين فجلس إلى جانب الحسن، وقام عبد اللّه بن عامر فجلس إلى جانب سعيد، فقام عبد اللّه بن جعفر فجلس إلى جانب الحسين، وقام عبد الرحمن بن الحكم فجلس إلى جانب ابن عامر فقام عبد اللّه بن العباس فجلس إلى جانب ابن جعفر، فلما رأى ذلك معاوية قال : لا تعجلوا، أنا كنت شاهداً إذ أقطعها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَسَامَةَ، فقام الهاشميون فخرجوا ظاهرين وأقبل الأمويون عليه فقالوا : ألا كنت أصلحت [بيننا] قال: دعوني فواللّه ما ذكرت عيونهم تحت المغافر بصفين إلا لبس على عقلي، وإن الحرب أولها نجوى، وأوسطها شكوى، وآخرها بَلْوَى، وتمثل بأبيات امرىء القيس المتقدمة في هذا الكتاب في أخبار عمر رضي اللّه عنه، وأولها:
الحرب أول ما تكون فتية***تدنو بزينتها لكل جهول
ثم قال : ما في القلوب يشب الحروب، والأمر الكبير يدفعه الأمر الصغير، وتمثل :
قد يُلحق الصغير بالجليل***وإنما القَوْمُ من الأفيل
وتسحق النَّخْل من الفسيل
قال المسعودي : ولما هَمَّ معاوية بإلحاق زياد بأبي سفيان أبيه - وذلك في سنة أربع وأربعين شهد عنده زياد بن أسماء الحرمازي ومالك بن ربيعة السلولي والمنذر بن الزبير بن العوام أن أبا سفيان أخبر أنه ابنه، وأن أبا سفيان قال لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين ذكر زياد عند عمر بن الخطاب:
أما واللّه لولا خَوْف شخص***اني يا عليُّ من الأعادي
لبين أمره صَخْرُ بن حرب***ولم يكن المجمجم عن زياد
ولكني أخاف صُرُوف كف***لها نقم وَنَفْي عن بلادي
فقد طالت محاولتي ثقيفاً***وتركي فيهم ثمر الفؤاد
ثم زاده يقيناً إلى ذلك شهادة أبي مريم، السلولي، وكان أَخْبَرَ الناس ببدْءِ الأمر [وذلك] أنه جمع بين أبي سفيان وسُمَيَّة أم زياد في الجاهلية على زنا، وكانت سُمَيَّة من ذوات الرايات بالطائف تؤدي الضريبة إلى الحارث بن كَلَدَة، وكانت تنزل بالموضع الذي تنزل فيه البغايا بالطائف خارجاً عن الحضر في محلة يقال لها حارة البغايا.
وكان سبب ادعاء معاوية [له] فيما ذكر أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنّى أن عليا كان وَلَّاه فارس حين أخرج منها سهل بن حُنَيْف، فضرب زياد ببعضهم بعضاً حتى غلب عليها، وما زال يتنقل في كُوَرِهَا حتى صلح أمر فارس، ثم ولاه على إصْطَخْرَ، وكان معاوية يتهدده، ثم أخذ بسر بن أرطاة عبيد اللّه وسالماً ولديه وكتب إليه يقسم ليقتلنهما إن لم يراجع ويدخل في طاعة معاوية [ وكتب معاوية إلى بُسْر ألا يعرض لابُنَيْ زياد وكتب إلى زياد أن يدخل في طاعته ] وَيَرُدَّه إلى عمله، فقدم زياد على معاوية، فصالحه على مال وحلي، ودعاه معاوية إلى أن يستحلفه فأبى زياد ذلك]، وكان المغيرة بن شعبة قال لزياد قبل قدومه على معاوية : ازم بالغرض الأقْصَى، ودَعْ عنك الفُضُول، فإن هذا الأمر لا يمد إليه أحد يداً إلا الحسن بن علي وقد بايع لمعاوية، فخذ لنفسك قبل التوطين،
فقال زياد : فأَشِرُ علي قال : أرى أن تنقل أصلك إلى أصله، وَتَصِل حبلك بحبله، وأن تعير الناس منك أُذُناً صَمَّاء، فقال :زياد يا ابن شعبة، أَأَغْرس عوداً في غير منبته ولا مَدَرَةَ فتحييه ولا عِرْقَ فيسقيه؟! ثم إن زياداً عزم على قبول الدعوى وأخذ برأي ابن شعبة، وأرسلت إليه جويرية بنت أبي سفيان عن أمر أخيها، [معاوية]، فأتاها فأذنت له وكَشَفَتْ عن شعرها بين يديه وقالت : أنت أخي أخبرني بذلك أبو مريم، ثم أخرجه معاوية إلى المسجد، وجمع الناس، فقام أبو مريم السلولي فقال : أشهد أن أبا سفيان قَدِمَ علينا بالطائف وأنا حمار في الجاهلية، فقال : ابغني بغياً، فأتيته وقلت له : لم أجد إلا جارية الحارث بن كَلَدَة سميَّة، فقال : ائتني بها على ذفرها وقذرها، فقال له زياد: مهلا يا أبا مريم، إنما بعثت شاهداً ولم تبعث شاتماً، فقال أبو مريم : لو كنتم أعفيتموني لكان أحب إليَّ، وإنما شهدت بما عاينت ورأيت واللّه لقد أخذ بكم، درعها، وأغلقت الباب عليهما وقعدت دهشاناً، فلم ألبث أن خرج عَلَيَّ يمسح جبينه، فقلت : مَه يا أبا سفيان، فقال : ما أصبت مثلها يا أبا، مريم لولا استرخاء من ثديها وذفر من فيها، فقام زياد فقال: أيها الناس هذا الشاهد قد ذكر ما سمعتم ولست أدري حق ذلك من باطله، وإنما كان عبيد ربيباً مبروراً أو وليا مشكوراً، والشهود أعلم بما قالوا فقام يونس بن عبيد أخو صفية بنت عبيد بن أسد بن علاج الثقفي - وكانت صفية مولاة سُمَيَّة - فقال : يا معاوية، قضى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقضيت أنت أن الولد للعاهر وأن الحجر للفراش، مُخَالَفَةٌ لكتاب اللّه تعالى، وانصرافاً عن سنة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بشهادة أبي مريم على زنا أبي سفيان، فقال معاوية : واللّه يا يونس لتنتهين أو لأطيرن بك طيرة بطيئاً وقوعها فقال يونس : هل إلا إلى اللّه ثم أقع؟ قال : نعم وأستغفر اللّه، فقال عبد الرحمن ابن أم الحكم في ذلك ويقال : إنه ليزيد بن مفرغ الحميري :
ألا أبلغ معاوية بن حَرَّبَ***مُغَلْغَلَةً عن الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوكَ عَفٌ***وترضى أن يقال: أبوك زاني؟
فأشهد أن رِحْمَكَ من زياد***كَرِحْم الفيل من ولد الأتان
وفي زياد وإخوته يقول خالد النجاري :
إن زياداً ونافعاً وأبا***بَكْرَةَ عندي من أعجبِ العَجَبِ
إن رجالا ثلاثة خلقوا***من رحم أنثى مخالفي النسب
ذا قُرَشِيّ فيما يقول، وَذَا***مَوْلى، وهذا بِزَعْمِهِ عَرَبي
ولما قتل علي كرم اللّه وجهه كان في نفس معاوية من يوم صفين على هاشم بن عُتْبَة بن أبي وقَّاص المِرْقَالِ وولده عبد اللّه بن هاشم، إِحَنٌ، فلما استعمل معاوية زياداً على العراق كتب إليه، أما بعد فانظر عبد اللّه بن هاشم بن عتبة، فشدَّ يده إلى عنقه، ثم ابْعَثْ به إلَيَّ، فحمله زياد من البصرة مُقَيَّداً مغلولاً إلى دمشق، وقد كان زياد طَرَقَه بالليل في منزله بالبصرة، فأدخل إلى معاوية وعنده عمرو بن العاص، فقال معاوية لعمرو بن العاص : هل تعرف هذا ؟ قال : لا، قال : هذا الذي يقول أبوه يوم صِفّين :
إني شَرَيْتُ النَّفس لما اعْتَلّا***وأَكْثَرَ اللوم وما أقلّا
أعْوَر يبغي أهله محلّا***قد عالج الْحَيَاة حتى مَلَّا
لا بُدَّ أن يَفُلَّ أو يُفَلّا***أشلُّهم بذي الكُعُوب شَلا
لا خَيْرَ عندي في كرِيم وَلَّى
فقال عمرو متمثلّا :
وقد يَنْبُتُ المَرْعَى على دِمَنِ الثَّرَى***وتبقى حزَازَاتُ النفوس كما هيا
دونك يا أمير المؤمنين الضب المضب فاشخب أوداجه على أسباجه، ولا تردَّه إلى [أهل]، العراق، فإنه لا يصبر عن النفاق، وهم أهل غدر وشقاق، وحزب إبليس ليوم هيجاء، وإن له هوًى سَيُرديه، ورأياً سيطغيه، وبطانة ستقويه، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فقال عبد اللّه : يا عمرو، إن أُقْتَل فرجل أسْلَمه قومه، وأدركه يومه، أفلا كان هذا منك إذ تحيد عن القتال، ونحن ندعوك إلى النزال، وأنت تلوذ بسمال النطاف، وعقائق الرصاف، كالأمة السوداء، والنعجة القَوْدَاء، لا تدفع يد لامس، فقال عمرو : أما واللّه لقد وقعت في لهاذم شَذْقَم للأقران ذي لبد، ولا أحسبك منفلتاً من مخاليب أمير المؤمنين، فقال عبد اللّه : أما واللّه يا ابن العاص إنك لبطر في الرخاء، جبان عند اللقاء، غَشُوم إذا وليت، هَيَّابة إذا لقيت، تهدر كما يهدر العَوْدُ المنكوس المقيد بين مجرى الشول لا يستعجل في المدة، ولا يرتجى في الشدة، أفلا كان هذا منك إذ غمرك أقوام لم يعنفوا صغاراً، ولم يمرقُوا كباراً لهم أيد شداد وألسنة حداد، يدعمون العوج، ويذهبون الحرج، يكثرون القليل، ويشفون الغليل، ويعزون الذليل، فقال عمرو : أما واللّه لقد رأيت أباك يومئذٍ تخفق أحشاؤه وتبق أمعاؤه وتضطرب أطلاؤه، كأنما انطبق عليه صمد، فقال عبد اللّه : يا عمرو، إنا قد بلوناك ومقالتَكَ فوجدنا لسانك كذوباً غادراً، خلوتَ بأقوام لا يعرفونك، وجُنْدِ لا يسامونك، ولو رمت المنطق في غير أهل الشام
لجحظ إليك عقلك، ولتلجلج لسانك، ولاضطرب فخذاك اضطراب القَعُودِ الذي أثقله، حمله فقال معاوية : إيهاً عنكما وأمر بإطلاق عبد اللّه، فقال عمرو لمعاوية :
أمرتُكَ أمراً حازماً فعصيتَنِي***وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
أليس أبوه يا معاوية الذي***أعان علياً يوم حزُ الغَلَاصم
فلم ينثني حتى جرت من دمائنا***بصفين أمثال البحور الخضارم
وهذا ابنه والمرء يُشْبه شيخه***ويوشك أن تقرع به سن نادم
فقال عبد اللّه يجيبه :
مُعَاوِيَ إن المرء عمراً أبَتْ له***ضغينةُ صدرٍ غِشُها غير نائم
یری لك قتلي يا ابن هند، وإنما***يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم
على أنهم لا يقتلون أسيرهم***إذا منعت عنه عهود المسالم
وقد كان منا يوم صِفِّينَ نفرة***عليك جناها هاشم وابن هاشم
قضى ما انقضى منها، وليس الذي مضى***ولا ما جرى إلا كأضغاث حالم
فإن تَعْفُ عني تعف عن ذي قرابة***وإن تَرَ قتلي تستحلّ محارمي
فقال معاوية :
أرى العفو عن عُلْيا قريش وسيلةً***إلى اللّه في يوم العصيب القماطر
ولست أرى قَتْلِي الغَدَاةَ ابن هاشم***بإدراك ثأري في لؤي وعامر
بل العفو عنه بعدما بان جُرْمُهُ***وزَلَّتْ به إحدى الجدود العواثر
فكان أبوه يوم صفين جمرة***علينا فأردته رماح نهابِر
وحضر عبد اللّه بن هاشم ذات يوم مجلس معاوية، فقال معاوية : من يخبرني عن الجود والنجدة والمروءة؟ فقال عبد اللّه : يا أمير المؤمنين، أما الجود فابتذال المال، والعطية قبل السؤال، وأما النجدة فالجرأة على الأقوام، والصبر عند ازورار الأقدام، وأما المروءة فالصلاح في الدين والإصلاح للمال، والمحاماة عن الجار.
ولما صرف علي رضي اللّه عنه قَيْس بن سعد بن عُبَادَةَ عن مصر وَجَّه مكانه محمد بن أبي بكر، فلما وصل إليها كتب إلى معاوية كتاباً فيه : من محمد بن أبي بكر، إلى الغاوي معاوية بن صخر، أما بعد فإن اللّه بعظمته وسلطانه خلق خلقه بلا عَبَث منه، ولا ضعف في قوته ولا حاجة به إلى خلقهم، ولكنه خلقهم عبيداً، وجعل منهم غويَّا
ورشيداً، وشقياً وسعيداً، ثم اختار على علم واصطفى وانتخب منهم محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فانتخبه بعلمه، واصطفاه برسالته، وائتمنه على وحيه، وبعثه رسولا ومبشراً ونذيراً [ ووكيلا] فكان أول من أجاب وأناب وآمن وصدق وأسلم وسلّم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب : صدقه بالغيب المكتوم، وآثره على كل حميم، ووقَّاه بنفسه كل هول، وحارب حَرْبه، وسالم سِلْمه، فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الليل [والنهار] والخوف والجوع والخضوع حتى برز سابقاً لا نظير له فيمن اتبعه، ولا مقارب له في فعله، وقد رأيتك تُسَاميه وأنت أنت، وهو هو، أصدق الناس نية، وأفضل الناس ذرية، رخير الناس زوجة، وأفضل الناس ابن عم : أخوه الشاري بنفسه يوم مؤتة، وعمه سيد الشهداء يوم أحد، وأبوه الذاب عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وعن حَوْزَته، وأنت اللعين ابن اللعين، لم تزل أنت وأبوك تَبْغِيانِ لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الغَوَائل، وتجهدان في إطفاء نور اللّه، تجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتؤلِّبَان عليه القبائل، [و] على ذلك مات أبوك، وعليه خَلَفْته، والشهيد عليك من تدنى ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ورؤساء النفاق، والشاهد لعلي - من فضله المبين القديم - أنصاره الذين معه [وهم] الذين ذكرهم اللّه بفضلهم، وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار، وهم معه كتائب وعصائب، يَرَوْنَ الحق في اتباعه والشقاء في خلافه، فكيف - يا لك الويل ! - تَعْدِلُ نفسك بعلي وهو وارث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ووصيه وأبو ولده: أول الناس له اتباعاً، وأقربهم به عهداً، يخبره بسره، ويطلعه على أمره، وأنت عدوه وابن عدوه، فتمتّع في دنياك ما استطعت بباطلك، وليمددك ابن العاص في غوايتك، فكأن أجلك قد انقضى، وكيدك قد وَهَى، ثم يتبين لك لمن تكون العاقبة العليا، واعلم أنك إنما تكايد ربك الذي أمِنْتَ كَيْده، ويئست من رَوْحه ؛ فهو لك بالمرصاد، وأنت منه في غرور، والسلام على من اتبع الهدى.
فكتب إليه معاوية : من معاوية بن صخر، إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر. أما بعد: فقد أتاني كتابُكَ تذكر فيه ما اللّه أهْلُه في عظمته وقدرته وسلطانه، وما اصطفی به رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مع كلام [كثير لك] فيه، تضعيف، ولأبيك [فيه] تعنيف، ذكرت فيه فضل ابن أبي طالب، وقديم سوابقه، وقرابته إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، ومواساته إياه في كل هَوْل وخوف، فكان احتجاجك عليَّ وعيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك، فاحمد ربَّا صرف هذا الفضل عنك، وجعله لغيرك، فقد كنا وأبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب وحقه لازماً لنا مبروراً علينا، فلما اختار اللّه لنبيه عليه الصلاة والسلام ما عنده، وأتم له ما وعده وأظهر دعوته، وأبْلَجَ حُجَّته، وقبضه اللّه إليه صلوات اللّه عليه، فكان
أبوك وفاروقه أول من ابتزه حَقَّه، وخالفه على أمره على ذلك اتَّفَقَا واتَّسقا، ثم إنهما دَعَوَاه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهمَّا به الهموم، وأرادا به العظيم، ثم إنه بايع لهما وسَلّم لهما، وأقاما لا يشركانه في أمرهما، ولا يُطلعانه على سرهما، حتى قبضهما اللّه، ثم قام ثالثهما عثمان فهدى بهديهما وسار بسيرهما، فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي، فطلبتما له الغوائل، وأظهرتما عداوتكما [فيه] حتى بلغتما فيه مُنَاكما، فخذ حذرك يا ابن أبي بكر، وقس شبرك بفترك، يقصر عن أن توازي أو تساوي مَنْ يَزِنُ الجبال بحلمه، لا يلين عن قسْر قناته، ولا يدرك ذو مقال أناته [أبوك] مَهَّد مِهَاده، وبنى لملكه وساده، فإن يك ما نحن فيه صواباً فأبوك استبدَّ به ونحن شركاؤه ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خلفنا ابن أبي طالب، ولسلمنا إليه ولكنا رأينا أباك فعل ذلك به [من] قبلنا فأخذنا بمثله، فعب أباك بما بدا لك أو دَعْ ذلك، والسلام على من أناب.
ومما كتب به معاوية إلى عليّ: أما بعد، فلو علمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضُنَا على بعض، وإنّا وإن كنا قد غُلبنا على عقولنا فقد بقى لنا منها ما نَرُمّ به ما مضى، ونُصلح به ما بقي، وقد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك طاعة، وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس، فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو، ولا تخاف من القتال إلا ما أخاف وقد واللّه رقّت الأجناد وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف، وليس لبعضنا على بعض فضل يستذل به، عزيز ويسترق به حر، والسلام.
فكتب إليه عليّ كرم اللّه وجهه: من علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد: فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضُنَا على بعض، وأنا وإياك نلتمس منها غاية لم نبلغها بعدُ، فأما طلبك مني الشام فإني لم أكن أعطيك اليوم ما منعتك أمس، وأما استواؤنا في الخوف والرجاء فلست بأمضي على الشك مني على اليقين، وليس أهل الشام على الدنيا بأحْرَصَ من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك نحن بنو عبد مناف فكذلك نحن وليس أمية، كهاشم، ولا حَرْب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا الطليق كالمهاجر، ولا المُبْطِل كالمحقّ، وفي أيدينا فضل النبوة التي قَتَلْنَا بها العزيز، وبعنا بها الحر، والسلام.
وحدث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري عن محمد بن حمد الرازي، عن أبي مجاهد، عن محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح، قال : لما حج معاوية طاف بالبيت ومعه سعد، فلما فرغ انصرف معاوية إلى دار الثّدْوَة، فأجلسه معه على سريره، ووَقَعَ معاوية في علي وشَرَعَ في سَبَّه، فزحف سعد ثم قال : أجلستني معك على سريرك ثم شرعت في سب علي، واللّه لأن يكون في خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، واللّه لأن أكون صهراً لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وأن لي من الوالد ما لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، واللّه لأن يكون رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال لي ما قاله يوم خيبر : «لأعطينَّ الراية غداً رجلا يحبه اللّه ورسوله [ ويحب اللّه ورسوله ] ليس بفَرَّار، يفتح اللّه على يديه» أحبُّ إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، واللّه لأن يكون رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال لي ما قال له في غزوة تبوك : «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» أحبُّ إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، وأيم اللّه لا دخلت لك داراً ما بقيت، ثم نهض.
ووجدت في وجه آخرَ من الروايات، وذلك في كتاب علي بن محمد بن سليمان النوفلي في الأخبار، عن ابن عائشة وغيره، أن سعداً لما قال هذه المقالة لمعاوية ونهض ليقوم ضَرَطَ له معاوية، وقال له : اقعد حتى تسمع جواب ما قلت، ما كُنْتَ عندي قطُّ ألأم منك الآن، فهلا نصرته، ولم قعدت عن بيعته؟ فإني لو سمعت من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مثل الذي سمعت فيه لكنت خادماً لعلي ما عشت، فقال سعد: واللّه إني لأحق بموضعك منك، فقال معاوية : يأبى عليك ذلك بنو عذرة، وكان سعد فيما يقال لرجل من بني عذرة، قال النوفلي : وفي ذلك يقول السيد ابن محمد الحميري :
سائل قريشاً بها إن كنت ذا عَمَةٍ***مَنْ كَان أَثْبَتَها في الدين أَوْتَادًا
من كان أقدمها سلماً، وأكثرها***علماً، وأطهرها أهلًا وأولادا
من وحدَ اللّه إذ كانت مكذبة***تدعو مع اللّه أوثاناً وأندادا
من كان يُقدِم في الهيجاء إن نكلوا***عنها، وإن بخلوا في أزمة جادا
من كان أعدلها حكماً، وأقسطها***حلماً، وأصدقها وعداً وإيعادا
إن يَصدِّقُوك فلم يَعْدُوا أبا حسن***إن أنت لم تلق للأبرار حسادا
إن أنت لم تلق من تيم أخا صَلَف***ومن عَدِيّ لحق اللّه جُحّادا
أو من بني عامر، أو من بني أسد***رَهْط العبيد ذوي جهل وأوغادا
أو رهط سعد، وسعد كان قد علموا***عن مستقيم صراط اللّه صَدَّادا
قوم تَدَاعَوْا زنيما ثم سادهُمُ***لولا خمول بني زهر لما سادا
وكان سعد وأسامة بن زيد وعبد اللّه بن عمر ومحمد بن سلمة ممن قعد عن علي بن أبي طالب وأبوا أن يبايعوه هم غيرهم ممن ذكرنا من القُعَّاد وذلك أنهم قالوا : إنها فتنة، ومنهم من قال لعلي أعْطنا سيوفاً نقاتل بها معك، فإذا ضربنا بها المؤمنين لم تعمل فيهم ونَبَتْ عن أجسامهم، وإذا ضربنا بها الكافرين سَرَتْ في أبدانهم، فأعرض عنهم عليّ، وقال: «وَلَوْ عَلِمَ اللّه فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُم مُعْرِضُونَ» [الأنفال : 23].
وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى وغيره من الأخباريين أن الأمر لما أفضَى إلى معاوية أتاه أبو الطفيل الكناني فقال له [معاوية]: كيف وَجْدُك على خليلك أبي الحسن؟ قال: كوجد أم موسى على موسى، وأشكو إلى اللّه التقصير، فقال معاوية : أكنت فيمن حضر قتل عثمان ؟ قال : لا، ولكني فيمن حضر فلم ينصره، قال : فما منعك من ذلك وقد كانت نصرته عليك واجبة ؟ قال : منعنى ما منعك إذ تربَّصُ به رَيْبَ المنون وأنت بالشام قال : أو ما ترى طلبي بدمه نصرة له ؟ قال : بلى ولكنك وإياه كما قال الجعدي :
لا ألفينَّكَ بعد الموت تنْدُبني***وفي حياتي ما زودتني زادا
ودخل على معاوية ضرار بن الخطاب فقال له : كيف حُزْنُكَ على أبي الحسن؟ قال: حزن من ذُبح ولدها على صدرها فما ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها.
ومما جرى بين معاوية وبين قيس بن سعد بن عُبادة حين كان عاملا لعلى على مصر، فكتب إليه معاوية : أما بعد فإنك يهودي ابن يهودي، إن ظفر أحَبُّ الفريقين إليك عَزَلَك واستبدل بك، وإن ظفر أبغضهما إليك نَكّل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوْتَرَ قوسه، ورمى غَرَضه، فأكثر الحز وأخطأ المفصل، فخذله، قومه وأدركه يومه، ثم مات بحوران طريداً.
فكتب إليه قيس بن سعد: أما بعد فإنما أنت وثني ابن وثني، دخلت في الإسلام كرهاً، وخرجت منه طوعاً، لم يقدم إيمانك، ولم يحدث نفاقك، وقد كان أبي أوتَرَ
قوسه، ورمی غرضه، فشغب به من لم يبلغ عقبه، ولا شق غُباره، ونحن أنصار الدين الذي منه خرجت، وأعداء الدين الذي فيه دخلت.
ودخل قيس بن سعد بعد وفاة علي ووقوع الصلح في جماعة من الأنصار على معاوية، فقال لهم معاوية : يا معشر الأنصار، بِمَ تطلبون ما قبلي؟ فواللّه لقد كنتم قليلا معي كثيراً عليَّ، ولفللتم حَدِّي يوم صِفِّينَ حتى رأيت المنايا تلظَّى في أسنتكم، وهجوتموني [ في أسلافي] بأشَدَّ من وقع الأسنة، حتى إذا أقام اللّه ما حاولتم ميله قلتم : ازع [فينا] وصية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، هيهات يأبى الحقين العذرة، فقال قيس: نطلب ما قبلك بالإسلام الكافي به اللّه، لا بما تمتُّ به إليك الأحزاب، وأما عداوتنا لك فلو شِئتَ كففتها عنك، وأما هجاؤنا إياك فقول يزول باطله ويثبت حقه، وأما استقامة الأمر فعلى كره كان منا، وأما فَلُّنَا حدك يوم صفين فإنا كنا مع رجل نرى طاعَتَهُ طاعة اللّه، وأما وصية رسول اللّه بنا فمن آمن به رعاها، بعده وأما قولك يأبى الحقين العذرة فليس دون اللّه يد تحجزك منا يا معاوية فقال معاوية يموه : ارفعوا حوائجكم.
وقد كان قيس بن سعد من الزهد والديانة والميل إلى علي بالموضع العظيم، وبلغ من خوفه اللّه وطاعته إياه أنه كان يصلي فلما أهوى للسجود إذا في موضع سجوده ثعبان [عظيم] مطوق، فمال عن الثعبان برأسه، وسجد إلى جانبه، فتطوق الثعبان برقبته، فلم يقصر من صلاته ولا نقص منها شيئاً، حتى فرغ، ثم أخذ الثعبان فرمى به، كذلك ذكر الحسن بن علي بن عبد اللّه بن المغيرة عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا.
وقال عمرو بن العاص لمعاوية ذات يوم: قد أعياني أن أعلم أجَبَانٌ أنت أم شجاع، لأني أراك تتقدم حتى أقول : أراد القتال، ثم تتأخر حتى أقول : أراد الفرار، فقال له معاوية : واللّه ما أتقدم حتى أرى التقدم غماً، ولا أتأخر حتى أرى التأخر حَزْماً، كما قال القطامي :
شجاع إذا ما أمكنتني فرصةٌ***وإلا تكن لي فرصة فجبان
وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى عن أبي الأغرّ التيمي، قال بينا أنا واقف بصفين إذ
مر بي العباس بن ربيعة مغفراً بالسلاح وعيناه تبصان من تحت المغفر كأنهما شُعْلَتَا نار أو عينا أرْقَم، وبيده صفيحة له يمانية يقلّبها، والمنايا تلوح في شفْرتها، وهو على فرس صَعْب، فبينا هو يبعثه ويمنعه ويلين من عريكته إذ هتف به هاتف يقال له عَرَار بن أدهم من أهل الشام يا عباس هلم إلى النزال، قال : فالنزول إذاً، فإنه إياس من الحياة، فنزل إليه الشامي وهو يقول :
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا***أو تنزلون فإنا معشر نُزُلُ
وثنى العباس وركه وهو يقول :
اللّه يعلم أنا لا نحبكُمُ***ولا تلومكُمُ أن لا تحبُّونا
ثم عصر فضلات درعه في محزمه يريد منطقته ودفع فرسه إلى غلام له أسود كأني واللّه أنظر إلى فلافل شعره، ثم زحف كل واحد منهما إلى صاحبه، وكف الفريقان أعنة الخيول ينظرون ما يكون من الرجلين فتكافحا بسيفيهما مليّا [ من] نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لأمَتِه، إلى أن لحظ العباس وهناً في درع الشامي فأهوى إليه بيده وهتكه إلى ثَنْدوته، ثم عاد لمجاولته، وقد أفرج له مفتق الدرع، فضربه العباس ضربة انتظم بها جوانح صدره فخر الشامي لوجهه فكبر الناس تكبيرة ارتَجَتْ لها الأرض من تحتهم، وانساب العباس في الناس، فإذا قائل يقول من ورائي : «قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّه بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ» [التوبة : 14] الآية فالتفتُ فإذا بعلي رضي اللّه عنه، فقال : يا ابن الأغرّ من المبارز لعدونا؟ قلت : ابن أخيكم العباس بن ربيعة قال وإنه لهو العباس؟ قلت نعم فقال يا عباس ألم أَنْهَكَ وعبد اللّه بن عباس أن تحلا بمركز أو تبارزا أحداً؟ قال : إن ذلك كما قلت قال علي : فما عَدَا مما بَدَا؟ قال : أفأدعي إلى البراز فلا أجيب؟ قال : طاعة إمامك أولى بك من إجابة عدوك، وتغيَّظ واستطار، ثم تطامن وسكن ورفع يديه مبتهلا، فقال : اللّهم اشكر للعباس، مقامه واغفر ذنبه، اللّهم إني قد غفرت له فاغفر له، وتأسف معاوية على عَرَار بن أدهم قال : متى ينطق فحل بمثله أبطل دمه لاها اللّه، ألا رجل يشري نفسه يطلب بدم عَرَار فانتدب له رجلان من لخم من أهل البأس ومن صناديد الشام، فقال: اذهبا فأيكما قتل العباس فله مائة أوقية من التبر ومثلها من اللُّجَين وبعددهما من برود اليمن، فأتياه فدعَوَاه إلى البراز، وصاحا بين الصفين يا عباس يا عباس، ابرز إلى الداعي، فقال : إن لي سيداً أريد أن أؤامره فأتى علياً وهو في جناح الميمنة يحرض الناس، فأخبره الخبر فقال علي : واللّه لَوَدَّ معاوية أنه ما بقي من بني هاشم نافخُ ضِرْمَةٍ
إلا طعن في بطنه إطفاء لنور اللّه «وَيَأْبَى اللّه إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» [التوبة : 32] أما واللّه ليملكنهم منا رجال ورجال يسومونهم سوم الخسف حتى تعفو الآثار، ثم قال: يا عباس، ناقلني سلاحك بسلاح، فناقله، ووثب على فرس العباس، وقصد اللخميين، فلم يشكا أنه العباس، فقالا له : أذن لك صاحبك؟ فتحرج أن يقول نعم، فقال: «وَأُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللّه عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير» [الحج : 39] وكان العباس أشبه الناس في جسمه وركوبه بعلي، فبرز له أحدهما فما أخطأه، ثم برز له الآخر فألحقه بالأول، ثم أقبل وهو يقول «الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصُ فَمَنِ اعتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ» [البقرة: 194] ثم قال : يا عباس، خذ سلاحك وهات سلاحي، فإن عاد لك أحد فعد لي، ونما الخبر إلى معاوية فقال : قبح اللّه اللجاج إنه لعقور ما ركبته قط إلا خذلت، فقال عمرو بن العاص : المخذول واللّه اللخميان، والمغرور من غررته، لا أنت المخذول، قال اسكت أيها الرجل فليس هذا من شأنك، قال : وإن لم يكن رحم اللّه اللخميين، ولا أراه يفعل، قال: ذلك واللّه أضيقُ لحجتك، وأخْسَرُ الصفقتك، قال : قد علمت ذلك، ولولا مصر وولايتها لركبت المنجاة منها، فإني أعلم أن علي بن أبي طالب على الحق وأنت على ضده، فقال معاوية : مصر واللّه أعمتك، ولولا مصر لألفيتك بصيراً، ثم ضحك معاوية ضحكاً ذهب به کل، مذهب قال : مِمَّ تضحك يا أمير المؤمنين أضحك اللّه سنك؟ قال : أضحك من حضور ذهنك يوم بارزت علياً، وإبدائك سوأتَكَ، أما واللّه يا عمرو لقد واقعت المنايا ورأيت الموت عياناً، ولو شاء لقتلك، ولكن أبى ابن أبي طالب في قتلك إلا تكرماً، فقال عمرو : أما واللّه إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فاحْوَلَّتْ عيناك [ وبَدَا سَحْرك] وبَدَا منك ما أكره ذكره لك، فمن نفسك فاضحك أو دَغ.
وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى أن معاوية برز في بعض أيام صفين أمام الناس وكَرَّ على ميسرة علي، وكان علي فيها في ذلك الوقت يعبىء الناس، فغير علي لأمته وجواده، وخرج بلأمة بعض أصحابه، وصَمَدَ له معاوية، فلما تدانيا أثبته معاوية فغمز برجليه على جواده وعليَّ وراءه، حتى فاته ودخل في مَصَاف أهل الشام، فأصاب عليَّ رجلا من مطافهم، دونه، ثم رجع وهو يقول :
يا لهف نفسي فآتِنِي معاويه***فوق طِمِرّ كالعقاب الضاريَةْ
وقدم عمرو بن العاص من مصر على معاوية في بعض الأيام، فلما رآه معاوية قال :
يموتُ الصالحون وأنت حيٌّ***تخطَّاكَ المنايا لا تموتُ
فأجابه عمرو :
فلسْتُ بميت ما دمت حيًّا***ولست بميت حتى تموت
وذكر أن معاوية لما نظر إلى عسكر أهل العراق - وقد أشرفت وأخذت الرجال مراتبها من الصفوف - ونظر إلى عليّ على فرس أشْقَرَ حاسر الرأس يرتِّبُ الصفوف كأنه يغرسهم في الأرض غرساً فيثبتون كأنهم بنيان مرصوص، قال لعمرو : يا أبا عبد اللّه، أما تنظر إلى ابن أبي طالب وما هو عليه ؟ فقال له عمرو : مَنْ طلب عظيماً خاطر بعظيم.
وقد كان معاوية في سنة أربعين بعث بُسْرَ بن أرطاة في ثلاثة آلاف حتى قدم المدينة وعليها أبو أيوب الأنصاري فتنحَّى، وجاء بُسْر حتى صعد المنبر وتهدَّد أهل المدينة بالقتل، فأجابوه إلى بيعة معاوية، وبلغ الخبر علياً فأنفذ حارثة بن قدامة السعدي في ألفين ووهب بن مسعود في ألفين ومضى بسر إلى مكة، ثم سار إلى اليمن، وكان عبيد اللّهبن العباس بها، فخرج عنها ولحق بعلي واستخلف عليها عبد اللّه بن عبد المدان الحارثي، وخلف ابنيه عبد الرحمن وقتم عند أمهما جويرية بنت قارظ الكناني، فقتلهما بسر وقتل معهما خالا لهما من ثقيف وقد كان بُسْر بن أرْطَاةَ العامري - عامر بن لؤي بن غالب - قَتَلَ بالمدينة وبين قتل بالمدينة وبين المسجدين خلقاً كثيراً من خُزَاعة وغيرهم، وكذلك بالجرف قتل بها خلقاً كثيراً من رجال هَمْدَان، وقتل بصنعاء خلقاً [كثيراً] من الأبناء، ولم يبلغه عن أحد أنه يماليء علياً أو يهواه إلا قتله، ونما إليه خبر حارثة بن قدامة السعدي فهرب، وظفر حارثة بابن أخي بُسْر مع أربعين من أهل بيته، فقتلهم، وكانت جويرية أم ابني عبيد اللّه بن العباس اللذين قتلهما بُسْرٌ تدور حول البيت ناشرة شَعْرها وهي من أجمل النساء وهي تقول ترثيهما :
ها من أحَسٌ من ابني اللذين هما***كالدرتين تَشَظَّى عنهما الصدف
ها من أحَسَّ من ابني اللذين هما***سمعي وقلبي، فعقلي اليوم مختطَفُ
ها من أحَسَّ من ابني اللذين هما***مخ العظام فمخي اليوم مزدهف
نبئت بُسْراً، وما صَدَّقت ما زعموا***من قولهم ومن الإفك الذي وصفوا
أنحى على وَدِجَي ابني مرهفة***مشحوذة، وكذاك الإثم يُقْتَرف
وذكر الواقدي قال : دخل عمرو بن العاص يوماً على معاوية بعد ما كبر ودق ومعه مولاه وَرْدَانُ، فأخذا في الحديث، وليس عندهما غير، وردان، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، ما بقي مما تستلذه؟ فقال : أما النساء فلا أربَ لي فيهن، وأما الثياب فقد لبست من لينها وجيدها حتى وهى بها جلدي فما أدري أيها ألين، وأما الطعام فقد أكلت من لينه وطيبه حتى ما أدري أيها ألذ وأطيب، وأما الطِّيبُ فقد دخل خياشيمي منه حتى ما أدري أيه أطيب، فما شيء ألذ عندي من شراب بارد في يوم صائف، ومن أن أنظر إلى بنيَّ وبني بنيَّ يدورون حولي، فما بقي منك يا عمرو ؟ قال : مال أغرسه فأصيب من ثمرته ومن غلَّته، فالتفَتَ [معاوية ] إلى وَرْدَانَ فقال : ما بقي منك يا وَرْدَان؟ قال : صنيعة كريمة سنية أعلِّقها في أعناق قوم ذوي فضل وأخطار لا يكافئونني بها حتى ألقى اللّه تعالى وتكون لعقبي في أعقابهم بعدي فقال معاوية : تَبا لمجلسنا سائر [هذا] اليوم، إن هذا العبد غلبني وغلبك.
وفي سنة ثلاث وأربعين مات عمرو بن العاص بن وائل بن سَهْم بن سعيد بن سعد بمصر، وله تسعون سنة، وكانت ولايته مصر عشر سنين وأربعة أشهر، ولما حضرته الوفاة قال : اللّهم لا براءة لي فأعتذر، ولا قوة لي فأنتصر، أمرتنا فعصيتنا، ونهيتنا فركبنا اللّهم هذه يدي إلى ذقني ثم قال: خُدُّوا لي [في] الأرض خَدَّا، وسُنُّوا عليَّ التراب سنًا، ثم وضع أصبعه في فيه حتى مات، وصلى عليه ابنه عبد اللّه يوم الفطر ؛ فبدأ. بالصلاة عليه قبل صلاة العيد، ثم صلى بالناس بعد ذلك صلاة العيد، وكان أبوه من المستهزئين وفيه نزلت «إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» [الكوثر : 3].
وولى معاوية ابنه عبد اللّه بن عمرو ما كان لأبيه.
وخلف عمرو من العَيْن ثلاثمائة ألف دينار وخمسة وعشرين ألف دينار، ومن الوَرِقِ ألف درهم [وغلة مائتي ألف دينار بمصر] وضيعته المعروفة [بمصر] بالوهط قيمتُها عشرة آلاف [ألف].درهم.
وفيه يقول ابن الزبير الأسدي الشاعر من أبيات :
ألم تر أن الدهر أخْنَتْ صُرُوفُه***على عمر السهمي تُجْبَى له مصر
فلم يُغْن عنه حَزمه واحتياله***ولا جمعه لَمَّا أتيح له الدهر
وأمْسَى مقيماً بالعَرَاء وضللت***مكايده عنه وأمواله الدَّثْرُ
وفي سنة خمس وأربعين وَلّى معاوية زياد ابن أبيه البصرة وأعمالها، وقال لما دخلها:
ألا رُبَّ مسرور بنا لا نسره***وآخر محزون بنا لا نضره
وآخر وقد كان معاوية أغْزَى في هذه السنة سفيان بن عوف العامري، وأمره أن يبلغ الطوانة فأصيب معه خلق من الناس، فعمَّ الناسَ الحزنُ بمن أصيب بأرض الروم، وبلغ معاوية أنَّ يزيد ابنه لما بلغه خبرهم وهو على شرابه مع ندمائه قال :
أهْونْ عَلَيَّ بما لاقت جموعهُمُ***يوم الطوانة من حُمَّى ومن ومن مُوم
إذا اتكأت على الأنماط مرتفقاً***بدير مُرَّانَ عندي أم كلثوم
فحلف عليه ليغزوَنَّ، وأردف به، سفیان فسميت هذه الغزاة غزاة الرادفة، وبلغ الناسُ فيها إلى القسطنطينية، وفيها مات أبو أيوب الأنصاري ودفن [هناك] على باب القسطنطينية، واسم أبي أيوب خالد بن زيد وقد قيل : إن أبا أيوب مات في سنة إحدى و خمسين غازياً مع يزيد وقد أتينا على خبر هذه الغَزَاة، وما كان من يزيد فيها في الكتاب الأوسط.
وفي سنة تسع وأربعين كان الطاعون بالكوفة، فهرب منها المغيرة بن شعبة وكان واليها، ثم عاد إليها فطعن فمات فمرَّ أعرابي عليه وهو يدفن فقال :
أرسم ديار للمغيرة تعرف***عليها دَوِيُّ الإنس والجن تعزف
فإن كنت قد لاقيت هامان بعدنا***وفرعون فاعلم أن ذا العرش مُنْصِفُ
وذكر أن المغيرة ركب إلى هند بنت النعمان بن المنذر، وهي في دير لها في الحِيرَةِ مترهّبة، وهو أمير الكوفة يومئذٍ، وقد كانت [هند] عميت، فلما جاء الدير استأذن عليها، فأتتها جاريتها فقالت: هذا المغيرة يستأذن عليك، فقالت للجارية : ألقي إليه أثاثاً، فألقت إليه وسادة من شَعَرِ، فلما دخل قعد عليها وقال : أنا المغيرة، فقالت له : قد عرفتك عامل المدرة، فما جاء بك ؟ قال : أتيتك خاطباً إليك نفسك، قالت: أما
والصليب لو أردتني لدين أو جمال ما رجَعْتَ إلا بحاجتك، ولكني أخبرك الذي أردت ذلك له، قال: وما هو ؟ قالت أردت أن تتزوجني حتى تقوم في الموسم في العرب فتقول : تزوجت ابنة النعمان قال : ذلك أرَدْتُ ولكن أخبريني ما كان أبوك يقول في هذا الحي من ثقيف؟ قالت: كان ينسبهم في إياد وقد افتخر عنده رجلان من ثقيف أحدهما من بني سالم والآخر من بني يسار، فسألهما عن أنسابهما، فانتسب أحدهما إلى هَوَازن والآخر إلى إياد، فقال [أبي]: ما لحي معد على إياد فضل، فخرجا وأبي يقول :
إن ثقيفاً لم تكن هوازناً***ولم تناسب عامراً ومازنا
إلا حديثاً وَافَقَ المحاسنا
فقال المغيرة : أمَّا نحن فمن هوازن وأبوك أعلم، قال: فأخبريني أي العرب كان أحب إلى أبيك ؟ قالت أطوعهم له قال : ومن أولئك؟ قالت : بكر بن وائل، قال: فأين بنو تميم؟ قالت ما استعنتهم في طاعة قال: فقيس؟ قالت : ما اقتربوا إليه بما يحب إلا استعقبوه بما يكره، قال: فكيف أطاع فارس؟ قالت : كانت طاعته إياهم فيما یهوی، فانصرف المغيرة.
ولما هلك المغيرة ضم معاوية الكوفة إلى زياد فكان أوّل من جمع له ولاية العراقين البصرة والكوفة.
وفي سنة ثمان وأربعين قَبَضَ معاوية فَدَكَ من مروان بن الحكم، وقد كان وهبها له قبل ذلك، فاستردَّها.
وقد كان معاوية حجّ في سنة خمسين، وأمر بحمل منبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من المدينة إلى الشام، فلما حمل كسفت الشمس ورؤيت الكواكب بالنهار، فجزع من ذلك وأعْظَمه، ورَدَّه إلى موضعه، وزاد فيه ست مراقي
وفي سنة ثلاث وخمسين هلك زياد ابن أبيه بالكوفة في شهر رمضان، وكان يكنى أبا المغيرة، وقد كان كتب إلى معاوية أنه قد ضبط العراق، بيمينه وشماله فارغَةٌ، فجمع له الحجاز مع العراقين، واتصلت ولايته بأهل المدينة، فاجتمع الصغير والكبير بمسجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وضَجُّوا إلى اللّه، ولاذوا بقبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ثلاثة أيام ؛ لعلمهم بما هو عليه من الظلم والعسف، فخرجت في كفه بَثْرة ثم حَكها ثم سرت واسودت فصارت آكلة سوداء، فهلك بذلك وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقيل : اثنتين وخمسين ودُفن بالثوية من أرض الكوفة.
وقد كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرضهم على لَعْن علي، فمن أبى ذلك عرضه على السيف فذكر عبد الرحمن بن السائب، قال: حضرت فصرت إلى الرحبة ومعي جماعة من الأنصار، فرأيت شيئاً في منامي وأنا جالس في الجماعة، وقد خَفَقْتُ، وهو أني رأيت شيئاً طويلاً قد أقبل، فقلت : ما هذا؟ فقال : أنا النقاد ذو الرقبة، بُعِثْتُ إلى صاحب هذا القصر، فانتبهك فزعاً، فما كان إلا مقدار ساعة حتى خرج خارج من القصر فقال : انصرفوا فإن الأمير عنكم مشغول، وإذا به قد أصابه ما ذكرنا من البلاء، وفي ذلك يقول عبد اللّه بن السائب من أبيات :
ما كان منتهياً عما أراد بنا***حتى تأتي له النقاد ذو الرَّقَبَهُ
فأسقط الشق منه ضربة ثبتت***لما تناول ظلما صاحب الرحبه
يعني بصاحب الرحبة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ! وقد ذهب جماعة إلى أن عليا دفن في القصر بالكوفة ؛ ويقال : إن زياداً طُعِن في يده، وإنه شاور شريحاً في قطعها، فقال له : لك رزق مقسوم، وأجل معلوم، وإني أكره إن كانت لك مدة أن تعيش أجْذَمَ، وإن حُمَّ أجلك أن تلقى ربك مقطوع اليد فإذا سألك : لِمَ قطعتها؟ قلت : بغضاً للقائك، وفراراً من قضائك فلام الناس شريحاً، فقال [لهم]: إنه استشارني والمستشار مؤتمن، ولولا [أمانة] المشورة لوددت أن اللّه قطع يده يوماً ورجله يوماً، وسائر جسده يوماً.
وفي سنة تسع وخمسين وفد على معاوية وفد الأمصار من العراق وغيرها، فكان ممن وفد من أهل العراق الأحنف بن قيس في آخرين من وجوه الناس، فقال معاوية للضحاك بن قيس : إني جالس من غد للناس فأتكلم بما شاء اللّه، فإذا فرغت من كلامي فقل في يزيد الذي يحق عليك، وَادْعُ إلى بيعته فإني قد أمرت عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، وعبد اللّه بن عضاة الأشعري، وثور بن مَعْن السلمي أن يصدقوك في كلامك، وأن يجيبوك إلى الذي دعوتهم إليه، فلما كان من الغد قعد معاوية فأعلم الناس بما رأى من حُسْنِ رِعْيَة يزيد ابنه، وهَدْيهِ، وأن ذلك دعاه إلى أن يوليه عهده، ثم قام الضحاك بن قيس فأجابه إلى ذلك، وحَضَّ الناس على البيعة ليزيد، وقال لمعاوية : اعزم على ما أردت، ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي وعبد اللّه بن عضاة الأشعري وثور بن مَعْن فصدَّقُوا قوله، ثم قال معاوية : أين الأحنف بن قيس ؟ فقام الأحنف فقال : إن الناس قد أمْسَوْا في منكر زمان قد سلف، و معروف زمان يؤتنف، ويزيد حبيب قريب، فإن توله عهدك فعن غير كبر مُفْن، أو مرض مُضْن، وقد حَلَبْت الدهور، وجَرَّبت الأمور، فاعرف من تُسْند إليه عهدك، ومن تولّيه الأمر من بعدك، واعص رأي من يأمرك ولا يقدر لك،
ويشير عليك ولا ينظر لك، فقام الضحاك بن قيس مُغْضَباً فذكر أهل العراق بالشقاق والنفاق، وقال: اردد رأيهم في نحورهم، وقام عبد الرحمن بن عثمان فتكلم بنحو كلام الضحاك، ثم قام رجل من الأزد، فأشار إلى معاوية وقال : أنت أمير المؤمنين، فإذا مُتَّ فأمير المؤمنين يزيد فمن أبى هذا فهذا، وأخذ بقائم سيفه فسله، فقال له معاوية : اقعد فأنت من أخطب الناس فكان معاوية أول من بايع ليزيد ابنه بولاية العهد، وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن همام السلولي :
فإن تأتوا بِرَمْلَةَ أو بهند***نُبايعها أميرة مؤمنينا
إذا ما مات كسرى قَامَ كسرى***نعدُّ ثلاثة مُتَنَاسقينا فيا
لهفاً لو أنَّ لنا أنوفاً أَنَّ لنا أنوفاً***ولكن لا نعود كما عنينا
إذاً لضربتُمُ حَتَّى تعودوا***بمكة تلعقون بها السَّخِينَا
خشينا الغيظ حَتَّى لو شَرِبْنَا***دماء بني أمية ما رَوِينَا
لقد ضاعت رَعِيَّتِكُمْ وأنتم***تصيدُونَ الأرانب غافلينا
وأنفذت الكتب ببيعة يزيد إلى الأمصار وكتب معاوية إلى مروان بن الحكم - وكان [عامله] على المدينة - يعلمه باختياره يزيد ومبايعته إياه بولاية العهد، ويأمره بمبايعته، وأخذ البيعة له على من قِبَلَهُ، فلما قرأ مروان ذلك خرج مُغضباً في أهل بيته وأخواله من بني كنانة، حتى أتى دمشق فنزلها، ودخل على معاوية يمشي بين السِّمَاطين، حتى إذا كان منه بقدر ما يُسْمعه صَوْتَه سَلّم، وتكلم بكلام كثير يوبخ به معاوية منه : أقم الأمور يا ابن أبي سفيان، واعدل عن تأميرك الصبيان، واعلم أن لك من قومك نُظَرَاء، وأن لك على منا وأتهم وزراء، فقال له معاوية : أنت نظير أمير المؤمنين، وعُدَّته في كل شديدة، وعَضُده، والثاني بعد وليِّ عهده، وجعله ولي عهد يزيد، وردَّه إلى المدينة، ثم إنه عزله عنها، وولاها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ولم يَفِ لمروان بما جعل له من ولاية عهد يزيد بن معاوية.
قد ذكرنا فيما تقدم جُمَلًا من أخبار معاوية وسيره، فلنذكر الآن في هذا الباب جملّا من أخلاقه وسياسته وأخباره، وغير ذلك مما لحق هذا المعنى إلى وفاته.
كان من أخلاق معاوية أنه كان يأذن في اليوم والليلة خمس مرات: كان إذا صلى الفجر جلس للقاصّ حتى يفرغ من قصصه، ثم يدخل فيؤتى بمصحفه فيقرأ جزأه، ثم يدخل إلى منزله فيأمر وينهى، ثم يصلي أربع ركعات، ثم يخرج إلى مجلسه، فيأذن لخاصة الخاصة فيحدثهم ويحدثونه، ويدخل عليه وزراؤه فيكلمونه فيما يريدون من يومهم إلى العشيِّ، ثم يؤتى بالغداء الأصغر، وهو فَضلة عشائه من جَدْي بارد أو فرخ أو ما يشبهه، ثم يتحدث طويلا، ثم يدخل منزله لما أراد ثم يخرج فيقول : يا غلام أخرج الكرسي، فيخرج إلى المسجد فيوضع فيسند ظهره إلى المقصورة ويجلس على الكرسي، ويقوم الأخرَاسُ فيتقدم إليه الضعيف والأعرابي والصبي والمرأة ومن لا أحد له، فيقول، ظلمت فيقول : أعِزُّوهُ، ويقول : عُدِيَ علي، فيقول : ابعثوا معه، ويقول: صنع بي فيقول : انظروا في أمره، حتى إذا لم يبق أحد دخل فجلس على السرير، ثم يقول : ائذنوا للناس على قدر منازلهم، ولا يشغلني أحد عن رد السلام، فيقال : كيف أصبح أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه؟! فيقول : بنعمة [من] اللّه، فإذا استووا جلوساً قال : يا هؤلاء ء، إنما سميتم أشرافاً لأنكم شرفتم من دونكم بهذا المجلس، ارفعوا إلينا حوائج مَنْ لا يصل إلينا، فيقوم الرجل فيقول : استشهد فلان فيقول افرضوا لولده، ويقول آخر: غاب فلان عن أهله، فيقول : تعاهَدُوهم، أعطوهم، اقضوا حوائجهم، اخْذُموهم، ثم يؤتى بالغَدَاء، ويحضر الكاتب فيقوم عند رأسه ويقدم الرجل فيقول له : اجلس على المائدة، فيجلس، فيمدُّ يده فيأكل لقمتين أو ثلاثاً والكاتب يقرأ كتابه فيأمر فيه بأمره، فيقال: يا عبد اللّه أعقب فيقوم ويتقدم آخر، حتى يأتي على أصحاب الحوائج
كلهم وربما قدم عليه من أصحاب الحوائج أربعون أو نحوهم على قدر الغداء، ثم يرفع الغداء ويقال للناس : أجيزوا، فينصرفون، فيدخل منزله فلا يطمع فيه طامع، حتى ينادي بالظهر، فيخرج فيصلي ثم يدخل فيصلي أربع ركعات، ثم يجلس فيأذن لخاصة الخاصة، فإن كان الوقت وقت شتاء أتاهم بزاد الحاج من الأخبصة اليابسة والخشكنانج والأقراص المعجونة باللبن والسكر ودقيق السميذ والكعك المسمن والفواكه اليابسة [ والذانجوج] وإن كان وقت صيف أتاهم بالفواكه الرطبة، ويدخل إليه وزراؤه فيؤامرونه فيما احتاجوا إليه بقيَّةً، يومهم ويجلس إلى العصر، ثم يخرج فيصلي العصر، ثم يدخل إلى منزله فلا يطمع فيه طامع، حتى إذا كان في آخر أوقات العصر خرج فجلس على سريره ويُؤذَنُ للناس على منازلهم، فيؤتى بالعشاء فيفرغ منه مقدار ما ينادي بالمغرب، ولا ينادي له أصحاب الحوائج، ثم يرفع العَشَاء وينادي بالمغرب فيخرج فيصليها ثم يصلي بعدها أربع ركعات يقرأ في كل ركعة خمسين آية يجهر تارة ويخافت أخرى، ثم يدخل منزله فلا يطمع فيه طامع حتى ينادي بالعشاء الآخرة، فيخرج فيصلي، ثم يؤذن للخاصة وخاصة الخاصة والوزراء والحاشية، فيؤامره الوزراء فيما أرادوا صدراً من ليلتهم، ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها وسِيّر ملوك الأمم وحروبها ومكايدها وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم تأتيه الطَّرَف الغريبة من عند نسائه من الحلوى وغيرها من المآكل اللطيفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات، ثم يخرج فيصلي الصبح ثم يعود فيفعل ما وصفنا في كل يوم.
وقد كان همَّ بأخلاقه جماعةٌ بعده مثل عبد الملك بن مروان وغيره فلم يدركوا حلمه، ولا إتقانه للسياسة، ولا التأتي للأمور، ولا مداراته للناس على منازلهم، ورفقه بهم على طبقاتهم.
وبلغ من إحكامه للسياسة وإتقانه لها واجتذابه قلوب خواصه وعوامه أن رجلا من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حالة منصرفهم عن صفين فتعلق به رجل من دمشق فقال : هذه ناقتي أخذت مني بصفين، فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلًا بينة يشهدون أنها ناقته، فقضى معاوية على الكوفي، وأمره بتسليم البعير
إليه، فقال الكوفي : أصلحك اللّه ! إنه جمل وليس بناقة فقال معاوية : هذا حكم قد مضى، ودس إلى الكوفي بعد تفرقهم فأحضره، وسأله عن ثمن بعيره، فدفع إليه ضعفه، وبَرَّه، وأحسن إليه، وقال له : أبلغ علياً أنّي أقاتله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل، وقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له أنه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء، وأعاروه رؤوسهم عند القتال وحملوه بها، وركنوا إلى قول عمرو بن العاص : إن علياً هو الذي قتل عَمَّار بن ياسر حين أخرجه لنصرته، ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لَعْنَ على سُنَّة، ينشأ عليها الصغير، ويهلك عليها الكبير.
قال المسعودي : وذكر بعض الأخباريين أنه قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم : مَنْ أبو تراب [هذا] الذي يلعنه الإمام على المنبر ؟ قال : أراه لصاً من لصوص الفتن.
وحكى الجاحظ قال : سمعت رجلا من العامة وهو حاج وقد ذكر له البيت يقول : إذا أتيته مَنْ يكلمني منه ؟ وأنه أخبره صديق له أنه قال له رجل منهم وقد سمعه يصلي على محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): ما تقول في محمد هذا؟ أربنا هو؟.
وذكر ثمامة بن أشْرَس قال : كنت ماراً في السوق ببغداد، فإذا أنا برجل عليه الناسُ مجتمعون، فنزلت عن بغلتي، وقلت لشيء ما هذا الاجتماع، ودخلت بين الناس، وإذا برجل يصف كحلا معه أنه ينجح من كل داء يصيب العين، فنظرت إليه فإذا عينه الواحدة بَرْشَاء والأخرى مأسوكة، فقلت له: يا هذا لو كان كحلك كما تقول نفع عينيك !! فقال لي: [يا جاهل] أهاهنا اشتكت عيناي؟ إنما اشتكتا بمصر، فقال كلهم : صدق، وذكر أنه ما انفلت من نعالهم إلا بعد كد.
وذكر لي بعض إخواني أن رجلا من العامة بمدينة السلام رفع إلى بعض الولاة الطالبين لأصحاب الكلام عَلَى جار له أنه يتزندق، فسأله الوالي عن مذهب الرجل، فقال : إنه مُرْجىء قَدَرِيّ ناصبي رافضي، فلما قصهُ عن ذلك قال : إنه يبغض معاوية بن الخطاب الذي قاتل عَلَي ابن العاص، فقال له الوالي : ما أدري على أي شيء أحسدك : عَلِيّ علمك بالمقالات أو على بصرك بالأنساب؟.
وأخبرني رجل من إخواننا من أهل العلم قال : كنا نقعد نتناظر في أبي بكر وعمر وعلي ومعاوية، ونذكر ما يذكره أهل العلم وكان قوم من العامة يأتون فيستمعون منا، فقال لي ذات يوم بعضُهم وكان [من] أعقلهم وأكبرهم لحية: كم تُطْنبون في علي ومعاوية وفلان وفلان، فقلت له فما تقول [أنت] في ذلك؟ قال: من تريد؟ قلت:
علي، ما تقول فيه ؟ قال : أليس هو أبو فاطمة؟ قلت : ومَنْ كانت فاطمة؟ قال : امرأة النبي (عَلَيهِم السَّلَامُ) بنت عائشة أخت معاوية، قلت : فما كانت قصة علي؟ قال : قتل في غَزَاة حنين مع النبي (عَلَيهِم السَّلَامُ).
وقد كان عبد اللّه بن علي حين خرج في طلب مروان إلى الشام، وكان من قصة مروان ومقتله ما قد ذكر، ونزل عبد اللّه بن علي الشام، ووجّه إلى أبي العباس السفاح أشياخاً من أهل الشام من أرباب النعم والرياسة [من سائر أجناد الشام] فحلفوا لأبي العباس السفاح أنهم ما علموا لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قرابة ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية حتى وليتم الخلافة، فقال في ذلك إبراهيم بن المهاجر البَجَليُّ :
أيها الناس اسمعوا أخبركم***عجباً زاد على كل العجب
عجباً من عبد شمس؛ إنهم***فتحوا للناس أبواب الكذب
ورثوا أحمد فيما زعموا***دون عباس بن عبد المطلب
كذبوا واللّه ما اللّه ما نعلمه***يحرز الميراث إلا من قرب
وقد كان ببغداد رجل في أيام هارون الرشيد متطبب يطبب العامة بصفاته وكان دهرياً يظهر أنه من أهل السنة [والجماعة] ويلعن أهل البدع ويعرف بالسني تنقاد إليه العامة ؛ فكان يجتمع إليه في كل يوم بقوارير الماء خَلْقٌ من الناس، فإذا اجتمعوا وثب قائماً على قدميه فقال لهم : معاشر المسلمين، قلتم لا ضار ولا نافع إلا اللّه فلأي شيء [مصيركم إلي] تسألونني عن مضاركم ومنافعكم ؟ الجؤوا إلى ربكم وتوكلوا على بارئكم حتى يكون فعلكم مثل قولكم، فيُقبل بعضهم على بعض فيقولون : إي واللّه قد صدقَنَا، فكم من مريض لم يعالج حتى مات ومنهم من كان يتركه حتى يسكن ثم يريه الماء فيصف له الدواء، فيقول : إيمانُكَ ضعيف، ولولا ذلك لتوكلت على اللّه كما أمْرَضَكَ فهو يُبْرِئك، فكان يقتل بقوله هذا خلقاً كثيراً لتزهيده إياهم في معالجة مرضاهم.
ومن أخلاق العامة أن يسودوا غير السيد، ويفضلوا غير الفاضل، ويقولوا بعلم غير العالم، وهم أتباع من سَبَقَ إليهم من غير تمييز بين [الفاضل والمفضول و] الفضل، والنقصان ولا معرفة للحق من الباطل عندهم، ثم انظر هل ترى إذا اعتبرت ما ذكرنا ونظرت في مجالس العلماء هل تشاهدها إلا مشحونة بالخاصة من أولي التمييز والمروءة
والحجا، وتفقد العامة في احتشادها، وجموعها فلا تراهم الدهر إلا مُرْقِلين إلى قائد دُبّ، وضارب بدف على سياسة قرد، أو متشوقين إلى اللّهو واللعب، أو مختلفين إلى مشَعبذ متنمس ممخرق، أو مستمعين إلى قاصّ كذاب، أو مجتمعين حول مضروب، أو وقوفاً عند مصلوب؛ يُنعق بهم فيتبعون ويصلح بهم فلا يرتدعون لا ينكرون منكراً. ولا يعرفون معروفاً، ولا يبالون أن يلحقوا البار بالفاجر، والمؤمن بالكافر، وقد بين ذلك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيهم حيث يقول «الناس اثنان: عالم، ومتعلم، وما عدا ذلك هَمَجٌ رَعاع لا يعبأ اللّه بهم» وكذلك ذكر عن علي وقد سئل عن العامة فقال : هَمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، وأجمع الناس في تسميتهم على أنهم غَوْغَاء، وهم الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا، ثم تدبر تفرقهم في أحوالهم ومذاهبهم، فانظر إلى إجماع مَلَيْهِمْ، إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أقام يدعو الخلق إلى اللّه اثنتين وعشرين سنة وهو ينزل عليه الوحي ويمليه على أصحابه، فيكتبونه ويُدَوِّنونه ويلتقطونه لفظة لفظة، وكان معاوية في هذه المدة بحيث علم اللّه، ثم كتب له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قبل وفاته بشهور، فأشادوا بذكره، ورفعوا من منزلته ؛ بأن جعلوه كاتباً للوَحْي، وعَظَّمُوه بهذه الكلمة، وأضافوه إليها، وسلبوها عن غيره، وأسقطوا ذكر سواه، وأصل ذلك العادة والإلفُ، وما ولدوا عليه
وما نشؤوا فيه، فألفوا وقت التحصيل والبلوغ، وقد عملت العادة عملها، وبلغت مبالغها، وفي العادة قالت الشعراء وتكلم أهل الدراية والأدباء، قال الشاعر:
لا تثني بعد إذ أكرمتني***فشديدٌ عادةٌ مُنْتَزَعَهْ
وقال آخر معاتباً لصاحبه :
عن فطامُ النفس أثقل محملاً***من الصخرة الصماء حين ترومها
وقد قالت حكماء العرب : العادة أملك بالأرب، وقالت حكماء العجم : العادة هي الطبيعة الثانية، وقد صنف أبو عقال الكاتب كتاباً في أخلاق العوامِّ يصف فيه أخلاقهم وشيمهم ومخاطباتهم، وسَمَّاه بالمُلْهِي.
ولولا أني أكره التطويل والخروج عما قصدنا إليه في هذا الكتاب من الإيجاز لشرحت من نوادر العامة وأخلاقها، وظرائف أفعالها عجائب، ولذكرت مراتب الناس في أخلاقهم، وتصرفهم في أحوالهم.
فلنرجع الآن إلى أخبار معاوية وسياسته وما أوسع الناس من أخلاقه، وما أفاض عليهم من بره وعطائه، وشملهم من إحسانه، مما اجتذب به القلوب، واستدعى به النفوس، حتى آثروه على الأهل والقرابات.
من ذلك أنه وفد عليه عَقِيلُ بن أبي طالب منتجعاً وزائراً، فرحَّبَ به معاوية، وسُرَّ بوروده، لاختياره إياه على أخيه وأوْسَعَه حلماً واحتمالا، فقال له : يا أبا يزيد كيف تركت علياً ؟ فقال : تركته على ما يحبُّ اللّه ورسوله وألفيتك على ما يكره اللّه ورسوله، فقال له معاوية : لولا أنك زائر منتجع [ جنابَنَا] لرددت عليك أيا يزيد جواباً تألم منه، ثم أحَبَّ معاوية أن يقطع كلامه مخافة أن يأتي بشيء يخفضه، فوثب عن مجلسه، وأمر له بنُزُلٍ، وحمل إليه مالا عظيماً، فلما كان من غد جلس وأرسل إليه فأتاه فقال له : يا أبا يزيد كيف تركت علياً أخاك ؟ قال : تركته خيراً لنفسه منك، وأنت خير لي منه، فقال له معاوية : أنت واللّه كما قال الشاعر :
وإذا عددت فخار آل محرق***فالمجد منهم من بني عَتَّابِ
فمحل المجد من بني هاشم مَنُوطُ فيك يا أبا يزيد ما تغيرك الأيام والليالي، فقال عقيل :
اصبر لحرب أنت جانيها***لا بد أن تصلى بحاميها
وأنت واللّه يا ابن أبي سفيان كما قال الآخر :
وإذا هوازن أقبلت بفخارها***يوماً فخرتهم بآل مجاشع
بالحاملين على الموالي غُرْمَهم***والضاربين الهام يوم الفازع
ولكن أنت يا معاوية إذا افتخرت بنو أمية فيمن تفخر ؟ فقال معاوية : عزمت عليك أبا يزيد لما، أمسكت، فإني لم أجلس، لهذا، وإنما أردت أن أسألك عن أصحاب علي فإنك ذو معرفة بهم، فقال عَقِيل : سَل عما بدا لك، فقال : مَيِّز لي أصحاب علي، وابدأ بال صَوحَان فإنهم مخاريق الكلام قال : أما صعصعة فعظيم الشأن، عضب اللسان، قائد فرسان، قاتل أقران، يرتق ما فتق، ويفتق ما رتق، قليل النظير، وأما زيد وعبد اللّه فإنهما نهران جاريان، يصب فيهما الخُلْجان، ويغاث بهما البلدان، رجلًا جِدّ لا لعب، معه وبنو صوحان كما قال الشاعر :
إذا نزل العدو فإن عندي***أسوداً تخلس الأسْدَ النفوسا
فاتَّصل كلام عقيل بصعصعة فكتب إليه بسم اللّه الرحمن الرحيم، ذكر اللّه أكبر، و به يستفتح المستفتحون، وأنتم مفاتيح الدنيا والآخرة ؛ أما بعد، فقد بلغ مولاك كلامُكَ لعدو اللّه وعدو، رسوله، فحمدتُ اللّه على ذلك، وسألته أن يفيء بك إلى الدرجة العليا، والقضيب الأحمر، والعمود الأسود فإنه عمودٌ مَنْ فارقه فارق الدين الأزهر، ولئن نزعَتْ بك نفسك إلى معاوية طلباً لماله إنك لذو علم بجميع خصاله، فاحذر أن تعلق بك ناره فيضلك عن الحجة، فإن اللّه قد رفع عنكم أهل البيت ما وضعه في غيركم، فما كان من فضل أو إحسان فيكم وَصَلَ إلينا، فأجَلَّ اللّه أقداركم، وحمى أخطاركم، وكتب آثاركم فإن أقداركم مرضية، وأخطاركم محمية، وآثاركم بدْرية، وأنتم سلم اللّه إلى خلقه، ووسيلته إلى طرقه، أيْد علية، ووجوه جلية، وأنتم كما قال الشاعر :
فما كان من خير من خير أثره فإنما***تَوَارثَه آباء آبائهم قبْلُ
وهل ينبت الخطى إلا وشيجه***وتُغْرَسُ إلا في منابتها النخل
وحدث الهيثم عن أبي سفيان عمرو بن يزيد عن البراء بن يزيد عن محمد بن عبد اللّه بن الحارث الطائي ثم أحد بني، عفان قال : لما انصرف علي من الجمل قال لآذنه : مَنْ بالباب من وجوه العرب؟ قال : محمد بن عمير بن عطارد التيمي والأحنف بن قيس، وصعصعة بن صوحان العبدي، في رجال سماهم، فقال: ائذن لهم، فدخلوا فسلموا [عليه] بالخلافة فقال لهم : أنتم وجوه العرب عندي، ورؤساء أصحابي، فأشيروا عليّ في أمر هذا الغلام المترف - يعني معاوية - فافتنّت بهم المَشُورة عليه، فقال صعصعة : إن معاوية أتْرَفَهُ الهوى وجبت إليه الدنيا، فهانت عليه مصارع الرجال، وابتاع آخرته بدنياهم، فإن تعمل فيه برأي ترشد وتُصِبْ، إن شاء اللّه والتوفيق باللّه وبرسوله وبك يا أمير المؤمنين، ولرأي أن ترسل له عيناً من عيونك وثقة من ثقاتك، بكتاب تدعوه إلى بيعتك، فإن أجاب وأنا كان له مالك وعليه ما عليك، وإلا جاهدته وصبرت لقضاء اللّه حتى يأتيك اليقين، فقال علي : عزمت عليك يا صعصعة إلا كتبت الكتاب بيديك، وتوجهت به إلى معاوية، واجعل صدر الكتاب تحذيراً وتخويفاً، وعجزه استتابة واستنابة وليكن فاتحة الكتاب «بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه
علي أمير المؤمنين إلى معاوية سلام عليك، أما بعد ثم اكتب ما أشَرْتَ به عليَّ، واجعل عنوان الكتاب «ألا إلى اللّه تصير الأمور»، قال: أعْفِني من ذلك، قال: عزمت عليك لتفعلَنَّ، قال : أفعل، فخرج بالكتاب وتجهز وسار حتى ورد دمشق، فأتى باب معاوية فقال لآذنه: استأذن لرسول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - وبالباب أزفلة من بني أمية - فأخذته الأيدي والنعال لقوله، وهو يقول: «أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللّه» وكثرت الجلبة واللغط، فاتصل ذلك بمعاوية فوجه من يكشف الناس عنه، فكشفوا، ثم أذن لهم فدخلوا فقال لهم: من هذا الرجل؟ فقالوا : رجل من العرب يقال له صعصعة بن صوحان معه كتاب من علي فقال : واللّه لقد بلغني أمره، هذا أحد سهام على وخُطباء العرب، ولقد كنت إلى لقائه شَيْقاً، ائذن له يا غلام، فدخل عليه، فقال: السلام عليك يا ابن أبي سفيان هذا كتابُ أمير المؤمنين فقال معاوية : أما إنه لو كانت الرسُلُ تقتل في جاهلية أو إسلام لقتلتك، ثم اعترضه معاوية في الكلام، وأراد أن يستخرجه ليعرف قريحته أطبعاً أم تكلفاً فقال : ممن الرجل؟ قال : من نزار، قال : وما كان نزار ؟ قال : كان إذا غزا نكس، وإذا لقي افترس، وإذا انصرف احترس قال فمن أي أولاده أنت؟ قال : من ربيعة قال وما كان ربيعة؟ قال : كان يطيل النّجاد، وَيعُولُ العباد، ويضرب ببقاع الأرض العِمَادَ قال: فمن أي أولاده أنت؟ قال : من جَدِيلَةَ، قال : وما كان جديلة؟ قال : كان في الحرب سيفاً قاطعاً، وفي المكرمات غيثاً نافعاً، وفي اللقاء لهباً ساطعاً، قال : فمن أي أولاده أنت؟ قال: من عبد القيس، قال: وما كان عبد القيس؟ قال كان خصيباً خضرماً أبيض وهاباً لضيفه ما يجد ولا يسأل عما فقد كثير المرق طيب العرق يقوم للناس مقام الغيث من السماء قال : ويحك يا ابن صوحان ! فما تركت لهذا الحي من قريش مجداً ولا فخراً، قال بلى واللّه يا بن أبي سفيان، تركت لهم ما لا يصلح إلا بهم ولهم تركت الأبيض والأحمر، والأصفر والأشقر، والسرير والمنبر، والملك إلى المحشر، وأنَّى لا يكون ذلك كذلك وهم مَنَارُ اللّه في الأرض ونجومه في السماء ؟ ففرح معاوية وظن أن كلامه يشتمل على قريش كلها، فقال: صدقت يا ابن صوحان إن ذلك لكذلك، فعرف صعصعة ما أراد فقال ليس لك ولا لقومك في ذلك إصدار ولا إيراد بعدتم من أنْفِ المرعى وعلوتم من عذب الماء، قال : فلم ذلك ويلك يا ابن صوحان؟!! قال الويل لأهل النار، ذلك لبني هاشم، قال: قم، فأَخْرَجُوهُ، فقال صعصعة : الصدق ينبيء عنك لا الوعيد من أراد المشاجرة قبل المحاورة، فقال معاوية : لشيء ما سَوَّده، قومه وددت واللّه أني من صلبه، ثم التفت إلى بني أمية فقال : هكذا فلتكن الرجال
وحدث منصور بن وحشي، عن أبي الفياض عبد اللّه بن محمد الهاشمي، عن الوليد بن البختري العبسي، عن الحارث بن مسمار البهراني، قال: حبس معاوية صعصعة بن صوحان العبدي وعبد اللّه بن الكوَّاء اليشكري ورجالا من أصحاب علي مع رجال من قريش، فدخل عليهم معاوية يوماً فقال : نشدتكم باللّه إلا ما قلتم حقاً وصدقاً، أي الخلفاء رأيتموني ؟ فقال ابن الكَوَّاء : لولا أنك عزمت علينا ما قلنا لأنك جبار عنيد، لا تراقب اللّه في قتل الأخيار، ولكنا نقول : إنك ما علمنا واسِعُ الدنيا، ضيق الآخرة، قريب الثرى، بعيد المَرْعَى، تجعل الظلمات نوراً، والنور، ظلمات، فقال معاوية : إن اللّه أكرم هذا الأمر بأهل الشام الذابين عن بيضته التاركين لمحارمه ولم يكونوا كأمثال أهل العراق المنتهكين لمحارم اللّه والمحلّينَ ما حرم اللّه، والمحرمِينَ ما أحل اللّه، فقال عبد اللّه بن الكواء: يا ابن أبي سفيان، إن لكل كلام جواباً، ونحن نخاف جبروتك، فإن كنت تطلق ألسنتنا ذَبَينا عن أهل العراق بألسنة حِدَادٍ لا تأخذها في اللّه لومة لائم، وإلا فإنا صابرون حتى يحكم اللّه ويضعنا على فرجه، قال: واللّه لا يطلق لك لسان، ثم تكلم صعصعة فقال : تكلمت يا ابن أبي سفيان فأبلغت ولم تقصر عما أردت، وليس الأمر على ما ذكرت أنَّى يكون الخليفة من ملك الناس قهراً، ودائهم كبراً، واستولى بأسباب الباطل كذباً ومكراً ؟؟ أما واللّه ما لك في يوم بدر مضرب، ولا مرمى وما كنت فيه إلا كما قال القائل : «لا حلي ولا سيري» ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممن أجْلب على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وإنما أنت طليق ابن طليق أطلقكما رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فأنى تصلح الخلافة لطليق؟ فقال معاوية : لولا أني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول :
قابلت جهلهم حلماً ومغفرة***والعفو عن قدرةٍ ضَرْبٌ من الكرم
لقتلكم.
صعصعة بن صوحان عند معاوية يصف له أهل البلاد
وحدث أبو جعفر محمد بن حبيب قال أخبرنا أبو الهيثم يزيد بن رجاء الغنوي، قال : أخبرنا الوليد بن البختري عن أبيه عن ابن مردوع الكلبي قال : دخل صعصعة بن صوحان [العبدي] على معاوية فقال له : يا ابن صوحان أنت ذو معرفة بالعرب وبحالها، فأخبرني عن أهل البصرة، وإياك والحمل على قوم لقوم، قال : البصرة واسطة العرب، ومنتهى الشرف والسؤدد، وهم أهل الخطط في أول الدهر وآخره، وقد دارت بهم سَرَوَاتُالعرب كَدَوَران الرحا على قطبها، قال : فأخبرني عن أهل الكوفة، قال :
قبة، الإسلام وذروة الكلام ومظان ذوي الأعلام، إلا أن بها أجلافاً تمنع ذوي الأمر الطاعة، وتخرجهم عن الجماعة، وتلك أخلاق ذوي الهيئة والقناعة، قال : فأخبرني عن أهل الحجاز قال : أسرع الناس إلى فتنة وأضعفهم عنها، وأقلهم غناء فيها، غير أن لهم ثباتاً في الدين وتمسكاً بعروة اليقين يتبعون الأئمة الأبرار، ويخلعون الفَسَقَة الفجار، فقال معاوية : من البررة والفسقة؟ فقال : يا ابن أبي سفيان، تَرَك الخداع مَنْ كشف القناع عليّ وأصحابه من الأئمة الأبرار، وأنت وأصحابك من أولئك، ثم أحب معاوية أن يمضي صعصعة في كلامه بعد أن بان فيه الغضب، فقال: أخبرني عن القبة الحمراء في ديار مضر، قال أسد مضر بُسْلان بين غيلين إذا أرسلتها، افترست وإذا تركتها احترست فقال معاوية : هنالك يا ابن صوحان العز الراسي، فهل في قومك مثل هذا؟ قال : هذا لأهله دونك يا ابن أبي سفيان، ومن أَحَبَّ قوماً حُشِرَ معهم. قال : فأخبرني عن ديار ربيعة ولا يستخفنك الجهل وسابقة الحمية بالتعصب لقومك. قال : واللّه ما أنا عنهم براض، ولكني أقول فيهم وعليهم هم واللّه أعلام الليل، وأذناب في الدين والميل لن تُغلب ليتها إذا رسخت، خوارج الدین، برازخ اليقين، من نصروه فلج، ومن خذلوه زلج، قال : فأخبرني عن مضر، قال : كنانة العرب، ومعدن العز والحسب، يقذف البحر بها، آذِيَّة والبر، ردية ثم أمسك معاوية، فقال له صعصعة : سَلْ يا معاوية وإلا أخبرتك بما تحيد عنه قال: وما ذاك يا ابن صوحان؟ قال : أهل الشام، قال : فأخبرني عنهم، قال : أطْوَعُ الناس لمخلوق وأعصاهم للخالق، عُصاة الجبار، وخلفة الأشرار، فعليهم الدار ولهم سوء الدار، فقال معاوية : واللّه يا ابن صوحان إنك لحامل مُدْيَتَكَ منذ أزمان، إلا أن حلم ابن أبي سفيان يرد عنك، فقال صعصعة بل أمر اللّه، وقدرته، إن أمر اللّه كان قَدَراً معذوراً.
وحدث أبو الهيثم قال : حدثني أبو البشير محمد بن بشر الفزاري، عن إبراهيم بن عقيل البصري، قال: قال معاوية يوماً - وعنده صعصعة وكان قدم عليه بكتاب علي وعنده وجوه الناس -: الأرض اللّه، وأنا خليفة اللّه، فما آخذ من مال اللّه فهو لي، وما تركت منه كان جائزاً لي، فقال صعصعة :
تُمَنِّيك نفسك ما لا يكو***ن جهلًا معاوي لا تأثم
فقال معاوية: يا صعصعة تعلمت الكلام، قال العلم بالتعلم، ومن لا يعلم يجهل، قال معاوية : ما أحْوَجَكَ إلى أن أذيقك وَبَالَ أمرك ! قال : ليس ذلك بيدك، ذلك بيد الذي لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، قال : ومن يحول بيني وبينك؟ قال : الذي يحول
بين المرء، وقلبه، قال معاوية : اتَّسع بطنك للكلام كما اتسع بطن البعير للشعير، قال: اتسع بطن مَنْ لا يشبع، ودعا عليه من لا يجمع.
قال المسعودي : ولصعصعة بن صوحان أخبار حسان وكلام في نهاية البلاغة والفصاحة والإيضاح عن المعاني على إيجاز واختصار.
ومن ذلك خبره مع عبد اللّه بن العباس، وهو ما حدث به المدائني، عن زيد بن طليح الذهلي الشيباني، قال : أخبرني أبي، عن مصقلة بن هَبَيرَة الشيباني، قال: سمعت صعصعة بن صوحان وقد سأله ابن عباس : ما السؤدد فيكم ؟ فقال : إطعام الطعام ولين الكلام، وبذل النَّوَال، وكف المرء نفسه عن السؤال والتودد للصغير والكبير، وأن يكون الناس عندك شَرَعاً، قال : فما المروءة؟ قال : أخوان اجتمعا [فإن لقيا قهرا] حارسهما قليل، وصاحبهما جليل، يحتاجان إلى صيانة مع نزاهة وديانة، قال: فهل تحفظ في ذلك شعراً؟ قال: نعم، أما سمعت قول مرة بن ذهل بن شيبان حيث يقول:
إن السيادة والمروءة عُلّقَا***حيث السماء من السَّمَاكِ الأعزل
وإذا تقابل مُجْرِيَانِ لغاية***عشر الهجين وأسلمته الأرجل
ويجي الصريح مع العتاق معوداً***قرب الجياد فلم يجثه الأفكل
في أبيات فقال له ابن عباس : لو أن رجلا ضرب آباط إبله مشرقاً ومغرباً لفائدة هذه الأبيات ما عنفته، إنا منك يا ابن صوحان لعلي علم وحكم واستنباط ما قد عفا من أخبار العرب، فمن الحكيم فيكم؟ قال : مَنْ ملك غضبه فلم يعجل، وسعى إليه بحق أو باطل فلم يقبل، ووجد قاتل أبيه وأخيه فصفح ولم يقتل، ذلك الحكيم يا ابن عباس، قال : فهل تجد ذلك فيكم كثيراً ؟ قال : ولا قليلا، وإنما وصفت لك أقواماً لا تجدهم إلا خاشعين راهبين اللّه مريدين ينيلون ولا ينالون، فأما الآخرون فإنهم سبق جهلهم حلمهم، ولا يبالي أحدهم إذا ظفر ببغيته حين الحفيظة ما كان بعد أن يدرك زعمه ويقضي بغيته، ولو وتره أبوه لقتل أباه، أو أخوه لقتل أخاه، أما سمعت إلى قول زبان بن عمرو بن، زبان، وذلك أن عمراً أباه قتله مالك بن كومة، فأقام زبان زماناً، ثم غزا مالكاً فأتاه في مائتي فارس صباحاً وهو في أربعين بيتاً فقتله، وقتل أصحابه وقتل عمه فيمن قتل، ويقال: بل كان أخاه، وذلك أنه كان، جاورهم فقيل لزبان في ذلك : قتلت صاحبنا، فقال :
فلو أمي ثَقَفْتُ بحيث كانوا***لبلّ ثيابها عَلَقْ صبیب
ولو كانت أمية أخت عمرو***بهذا الماء ظَلَّ لها نحيب
شهرت السيف في الأذنين مني***ولم تعطف أواصِرَنَا قلوب
فقال [له] ابن عباس : فمن الفارس فيكم؟ حُدَّ لي حداً أسمعه منك فإنك تضع الأشياء مواضعها يا ابن صوحان، قال الفارس من قصر أجله في نفسه، وضغم على أمله بضرسه، وكانت الحرب أهون عليه من أمسه، ذلك الفارس إذا وقدت الحروب، واشتدت بالأنفس الكروب، وتداعوا للنزال، وتزاحفوا للقتال، وتخالسوا المهج، واقتحموا بالسيوف اللجج، قال: أحسنت واللّه يا ابن صوحان، إنك لسليل أقوام كرام خطباء فصحاء ما ورثت هذا عن كلالة زدني قال نعم الفارس كثير الحذر، مدير النظر، يلتفت بقلبه، ولا يدير خرزات صلبه قال: أحسنت واللّه يا ابن صوحان الوَصْفَ، فهل في مثل هذه الصفة من شعر ؟ قال : نعم لزهير بن جَنَاب الكلبي يرثي ابنه عمراً حيث يقول :
فارس تكلأ الصحابة منه***بحسام يمرُّ مرَّ الحريق
لا تراه لدى الوعي في مجال***يعمل الطرف لا، ولا في مضيق
من يراه يَخَله في الحرب یوماً***أنه أخرق مضل الطريق
في أبيات، فقال له ابن عباس : فأين أخواك منك يا ابن صوحان؟ صِفْهُما لأعرف وزنكم. قال أما زيد فكما قال أخو غَنِيّ :
فنى لا يبالي أن يكون بوجهه***إذا سد خلّاتِ الكرام شُحُوبُ
إذا ما تراه آه الرجال تحفظوا***فلم ينطقوا العوراء وهو قريب
حليف الندى يدعو الندى فيجيبه***إليه، ويدعوه الندى فيجيب
يبيت الندى يا أم عمرو ضَجِيعه***إذا لم يكن في المنقيات حلوب
كأن بيوت الحي ما لم يكن بها***بَسَابِسُ ما يُلْفَى بهن عَرِيبُ
في أبيات، كان واللّه يا ابن عباس عظيم المروءة، شريف الأخوة، جليل الخطر، بعيد الأثر، كميش العروة، أليف البدرة، سليم جوانح الصدر، قليل وساوس الدهر، ذاكراً اللّه طرفَي النهار وزُلَفاً من الليل، الجوع والشبع عنده سيان، لا ينافس في الدنيا، وأقل أصحابه من يُنافس فيها، يطيل السكوت ويحفظ الكلام، وإن نطق نطق بعُقَام، يهرب منه الدُّعَار الأشرار، ويألفه الأحرار الأخيار، فقال ابن عباس : ما ظنك برجل من أهل الجنة، رحم اللّه زيداً فأين كان عبد اللّه منه؟ قال : كان عبد اللّه سيداً شجاعاً، مألفاً مطاعاً خيره وساع وشره، دفاع قلبي النحيزة، أحوذي الغريزة، لا ينهنهه منهنة عما
أراده، ولا يركب من الأمر إلا عتاده سمام عدي، وباذل قرى صعب المَقَادة، جَزْل الرفادة، أخو إخوان، وفتى فتيان، وهو كما قال البرجمي عامر بن سنان:
سِمَامُ عدي بالنبل يقتل من رمى***وبالسيف والرمح الرُّدَيْنِي مشغب
مهیب مفيد للنوال مُعَوَّد***بفعل الندى والمكرمات مجرب
في أبيات فقال ابن له عباس: أنت يا ابن صوحان باقر علم العرب.
ومن أخبار صعصعة ما حدث به أبو جعفر محمد بن حبيب الهاشمي، عن أبي الهيثم يزيد بن رجاء الغنوي، قال : [أخبرني رجل من بني فزارة ثم من بني عدي، قال : ] وقف رجل من بني فزارة على صعصعة، فأسمعه كلاماً منه : بسطت لسانك يا ابن صوحان على الناس فتهيبوك، أما لئن شِئْتَ لأكونن لك لصاقاً، فلا تنطق إلا حَدَدْتُ لسانك بأذْرَبَ من ظِبَةِ السيف، بعضب قوي، ولسان علي، ثم لا يكون لك في ذلك حل ولا ترحال، فقال صعصعة : لو أجد غرضاً منك، لرميت بل أرى شبحاً ولا أرى مثالاً، إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، أما لو كنت كفؤاً لرميت حصائلك بأذْرَبَ من ذلك السنان، ولرشقتك بنبال تردعك عن النضال، ولخطمتك بخطام يخزم منك موضع الزمام، فاتصل الكلام بابن عباس فاستضحك من الفزاري، وقال : أما لو كلف أخو فزارة نَفْسَه نقل الصخور من جبال شمام إلى الهضام، لكان أهون عليه من منازعة أخي عبد القيس خاب أبوه، ما أجهله !! يستجهل أخا عبد القيس، وقواه المريرة، ثم تمثل :
صُبَّت عليك ولم تنصبَّ من أمم*** إن الشَّقَاء على الأَشْقَيْنَ مصبوب
وحدث المبرد، عن الرياشي، عن ربيعة بن عبد اللّه النميري، قال : أخبرني رجل من الأزد، قال : نظرت إلى أبي أيوب الأنصاري، في يوم النهروان، وقد علا عبد اللّه بن وهب الراسبي، فضربه ضربة على كتفه، فأبان يده، وقال : بُؤبها إلى النار يا مارق، فقال عبد اللّه : ستعلم أينا أولى بها صلياً، قال : وأبيك إني لأعلم؛ إذ أقبل صعصعة بن صوحان فوقف وقال أولى بها واللّه صلياً من ضَلَّ في الدنيا عمياً، وصار إلى الآخرة شقياً، أبعدك اللّه وأنزحك ! أما واللّه : لقد أنذرتك هذه الصرعة بالأمس، فأبيت إلا نكوصاً على عقبيك، فذق يا مارق وبال أمرك، وشَرَكَ أبا أيوب في قتله : ضربه ضربة بالسيف أبان بها رجله، وأدركه بأخرى في بطنه، وقال : لقد صرت إلى نار لا تطفأ، ولا
يبوخ، سعيرها، ثم احتزا رأسه وأتيا به علياً فقالا هذا رأس الفاسق الناكث، المارق : عبد اللّه بن وهب فنظر إليه فقطَّبَ، وقال : شَاءَ هذا الوجه! حتى خيل إلينا أنه يبكي، ثم قال : قد كان أخو راسب حافظاً لكتاب اللّه، تاركاً لحدود اللّه، ثم قال لهما : اطلبا لي ذا الثَّدَيَّة، فطلب فلم يوجد فرجعا إليه وقالا : ما أصبنا شيئاً، فقال : واللّه لقد قتل في يومه هذا، وما كَذَبَني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، ولا كَذَبْتُ عليه، قوموا بجمعكم، فاطلبوه فقامت جماعة من أصحابه، فتفرقوا في القتلى فأصابوه في دهاس من الأرض فوقه زهاء مائة قتيل، فأخرجوه يجر برجله، ثم أتى به علي، فقال : اشهدوا أنه ذو الثديَّة، وقد ذكرنا أخبار ذي الثدية فيما سلف من هذا الكتاب.
ولعلي في ربيعة كلام كثير يمدحهم فيه، ويرثيهم شعراً ومنثوراً، وقد كانوا أنصاره وأعوانه، والركن المنيع من أركانه فمن بعض ذلك قوله يوم صفين :
لمن رأية سوداء يخفق ظلها***إذا قيل قدمها حضَيْنُ تقدما
فيوردها في الصف حتى يعلها***حياض المنايا تقطر الموت والدما
جزى اللّه قوماً قاتلوا في لقائه***لدى الموت قُدماً ما أعز وأكرما
وأطيب أخباراً، وأكرم شيمة،***إذا كان أصوات الرجال تغمغما
ربيعة أغني، إنهم أهل نجدة***وبأس إذا لاقوا خميساً عرمرما
وذكر المدائني أن معاوية أسر جميل بن كعب الثعلبي - وكان من سادات ربيعة وشيعة علي وأنصاره - فلما وقف بين يديه قال : الحمد للّه الذي أمكنني منك، ألست القائل يوم الجمل :
أصبحتِ الأمة في أمر عَجَبْ***والملك مجموع غداً لمن غلب
قد قلت قولاً صادقاً غير كذب***إن غداً تهلك أعلام العرب
قال : لا تقل ذلك فإنها مصيبة، قال معاوية وأي نعمة أكبر من أن يكون اللّه قد أظفرني برجل قد قتل في ساعة واحدة عدة من حُماة أصحابي؟ اضربوا عنقه، فقال: اللّهم اشهد أن معاوية لم يقتلني فيك ولا لأنك ترضى قتلي، ولكن قتلني على حُطام الدنيا، فإن فعل فافعل به ما هو أهله وإن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله ؛ فقال معاوية :
قاتلك اللّه ! لقد سببت فأبلغت في السب، ودعوت فبالغت في الدعاء، ثم أمر به فأطلق وتمثل معاوية بأبيات للنعمان بن المنذر لم يقل النعمان، غيرها فيما ذكر ابن الكلبي وهي:
تعفو الملوك عن الجليل من الأمور بفَضْلِها
ولقد تُعاقب في اليسير، وليس ذاك لجهلها
إلا ليعرف فضلها ويُخاف شدة نكلها
وذكر لوط بن يحيى وابن دأب والهيثم بن عدي وغيرهم من نَقَلَةِ الأخبار أن معاوية لما احْتُضِرَ تمثل :
هو الموت، لا منْجى من الموت، والذي***تحاذر بعد الموت أدهى وأفظع
ثم قَالَ : اللّهم أقِلِ العَثْرة، واعف عن الزلة وجد بحلمك على جهل من لم يَرْجُ غيرك، ولم يثق إلا بك، فإنك واسع المغفرة وليس لذي خطيئة مهرب، فبلغ ذلك سعيد بن المسيب، فقال : لقد رغب إلى مَنْ لا مرغوب إليه مثله [وإني لأرجو أن لا يعذبه اللّه ].
وذكر محمد بن إسحاق وغيره من نقلة الآثار أن معاوية دخل الحمام في بَدْء علته التي كانت وفاته فيها، فرأى نحول جسمه فبكى لفنائه وما قد أشْرَفَ عليه من الدثور الواقع بالخليقة، وقال متمثلا :
أرى الليالي أسرعت في نقضي***أخَذْنَ بعضي وتركن بعضي
حَنَيْنَ طولي وحَنَيْنَ عرضي***أقعدتني من بعد طول نهضي
ولما أزف أمره، وحان فراقه واشتدت علته وأيس من برئه، أنشأ يقول :
فَيَا لَيْتني لم أعن في الملك ساعة***ولم أك في اللذات أعشى النواظر
وكنت كذي طمرين عاش ببُلْغَة***من الدهر حتى زار أهل المقابر
قال المسعودي : ولمعاوية أخبار كثيرة مع علي وغيره، وقد أتينا على الغرر من أخباره، وما كان في أيامه في كتابينا «أخبار الزمان» والأوسط، وغيرهما من كتبنا، مما أفرد للآثار، وهذا باب كبير، والكلام فيه وفي غيره مما تقدم وتأخر في هذا الكتاب كثير، ومَنْ ضَمِنَ الاختصار لم يَجُزْ له الإكثار.
وإنما نذكر في كل باب من هذا الكتاب] طُرَفاً من كل نوع من العلوم والأخبار، وما انتخبناه من طرائف الآثار ؛ ليستدل الناظر فيه بما ذكرنا على المراد مما تركنا ذكره وقد تقدم وصفه وبسطه فيما سلف من كتبنا.
وإذ قد تقدم ما ذكرنا، فلنذكر الآن جملا من فضل الصحابة، وغيرهم (عَلَيهِم السَّلَامُ)، إذ كانوا حجة على مَنْ بعدهم، وقدوة لمن تأخر عنهم وباللّه التأييد.
دخل عبد اللّه بن عباس على معاوية وعنده وُجُوه قريش، فلما سلم وجلس قال له معاوية : إني أريد أن أسألك عن مسائل ؟ قال : سَل عما بدا لك، قال: ما تقول في أبي بكر؟.
قال : رحم اللّه أبا بكر،كان واللّه للقرآن تالياً، وعن المنكر [ات] ناهياً، وبذنبه عارفاً، ومن اللّه خائفاً، وعن الشبهات زاجراً، وبالمعروف آمراً، وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، فَاقَ أصحابه وَرَعاً وكفافاً، وسادهم زهداً وعفافاً، فغضب اللّه على مَنْ أبغضه وطعن عليه.
قال معاوية : إيهاً يا ابن عباس فما تقول في عمر بن الخطاب؟.
قال: رحم اللّه أبا حفص [عمر] كان واللّه حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومنتهى الإحسان، ومحل الإيمان، وكَهْفَ الضعفاء، ومَعْقِلَ الحنفاء، قام بحق اللّه عز وجل صابراً محتسباً، حتى أوضح الدين، وفتح البلاد، وأمَّنَ العباد، فأعقب اللّه على مَنْ تنقّصه اللعنَةَ إلى يوم الدين.
قال: فما تقول في عثمان؟
قال : رحم اللّه أبا عمرو، كان واللّه أكرم الحَفَدَة، وأفضل البررة، هَجَّاداً بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر النار، نَهَّاضاً عند كل مكرمة، سَبَّاقاً إلى كل منحة، حيباً
أبياً، وفياً صاحب جيش العُسْرَة، خَتَنَ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فأعقب اللّه على من يلعنه لعنة اللاعنين إلى يوم الدين.
قال : فما تقول في علي؟.
قال : رضي اللّه عن أبي الحسن، كان واللّه عليَّ عَلَم الهدى، وكهف التقى، ومحل الحجا، وبحر الندى، وطَوْد النهى، وكهف العلا للورى داعياً إلى المحجَّة العظمى، متمسكاً بالعروة الْوُثْقَى، خير من آمن واتقى، وأفضل من تقمص وارتدى، وأبر من انتعل وسَعَى، وأفصح من تنفس وقرا، وأكثر من شهد النجوى، سوى الأنبياء والنبي المصطفى، صاحب القبلتين فهل يوازيه أحد ؟ وهو أبو السبطين فهل يقارنه بشر ؟ وزوج خير النساء فهل يفوقه قاطن بلد؟ للأُسُودِ قتال وفي الحروب ختال، لم تر عيني مثله ولن تَرَى، فعلي من انتقصه لعنة اللّه والعباد إلى يوم التناد.
قال : إيهاً يا ابن عباس لقد أكثرت في ابن عمك، فما تقول في أبيك العباس؟.
قال : رحم اللّه [العباس] أبا الفضل، كان صِنْوَ نبي اللّه وقرة عين صفي اللّه، سيد الأعمام، له أخلاقُ آبائه الأجواد، وأحلام أجداده الأمجاد، تباعدت الأسباب في فضيلته، صاحب البيت والسِّقاية، والمشاعر والتلاوة، ولم لا يكون كذلك وقد ساسه أكرم من دَبَّ؟.
فقال معاوية : يا ابن عباس، أنا أعلم أنك كَلماني في أهل بيتك.
قال : ولم لا أكون كذلك، وقد قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):
«اللّهم فَقِّهه في الدين وعلمه التأويل»؟.
ثم قال ابن عباس بعد هذا الكلام :
يا، معاوية إن اللّه جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، خَصَّ نبيه محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم اللّه في كتابه فقال: «رُحَمَاءُ بَيْنَهُم» [الفتح: 29] الآية، قاموا بمعالم الدين، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين، حتى تهذبت، طرقه وقويت أسبابه وظهرت آلاء اللّه، واستقر دينه،
ووضحت أعلامه، وأذل اللّه بهم الشرك، وأزال رؤوسه، ومحا دعائمه، وصارت كلمة اللّه العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فصلوات اللّه ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية، والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياة اللّه أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد اللّه نُصَحَاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بَعْدُ فيها.
فَقَطَعَ عليه معاوية الكلام، وقال إيها يا ابن عباس، حديثاً في غير هذا.
وبويع يزيد بن معاوية فكانت أيامه ثلاث سنين وثمانية أشهر إلا ثماني ليال، وأخذ يزيد لابنه معاوية بن يزيد البيعة على الناس قبل موته، ففي ذلك يقول عبد اللّه بن همَّام السَّلُولى:
تلقّفها يزيد عن أبيه***فخذها يا معاوي عن يزيدا
فقد علقت لكم فتلقفوها***ولا ترموا بها الغرض البعيدا
وهلك يزيد بحَوارِينَ من أرض دمشق لسبع عشرة ليلة خلت من صفر سنة أربع وستين وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وفي ذلك يقول رجل من عنزة:
يا أيّها القبر بحوّارينا***ضممت شرّ الناس أجمعينا
وقد رَثَاه الأخطل النصراني، فقال من قصيدة:
لعمری لقد دلی إلی اللحد خالدٌ***جنازه لا نکسُ الفؤاد ولا غَمْرُ
مقیمٌ بحوارین لیس یریمها***سقته الغوادی من ثویٍّ ومن قبر
في أبيات.
ولما مات معاوية أرسل أهل الكوفة إلى الحسين بن علي : إنا قد حَبَسْنَا أنفسنا على بيعتك، ونحن نموت دونك، ولسنا نحضر جمعة ولا جماعة بسببك.
وطولب الحسين بالبيعة ليزيد بالمدينة فسام التأخير، وخرج يتهادى بين مواليه ويقول :
لا ذعرْتُ السّوامَ في فلق الصبح***مُغِيراً، ولا دعيت يزيدا
يوم أعطى مخافة الموت ضيما***والمنايا ترصدتَني أن أحيدا
ولحق بمكة، فأرسل بابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وقال له : سِرْ إلى أهل الكوفة، فإن كان حقًا ما كتبوا به عرفني حتى ألحق بك، فخرج مسلم من مكة في النصف من شهر رمضان حتى قدم الكوفة لخمس خَلَوْنَ من شوال والأمير عليها النعمان بن بشير الأنصاري، فنزل على رجل يقال له عَوْسَجة مستتراً، فلما ذاع خبر قدومه بايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألف رجل، وقيل : ثمانية عشر ألفاً، فكتب بالخبر إلى الحسين، وسأله القدوم إليه.
فلما هَمَّ الحسين بالخروج إلى العراق أتاه ابن العباس، فقال له: يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد العراق وإنهم أهْلُ غَدْر، وإنما يدعونك للحرب، فلا تعجل، وإن أبيت إلا محاربة هذا الجبار وكرهت المقام بمكة فَاشْخَصٌ إلى اليمن، فإنها في عُزلة، ولك فيها أنصار وإخوان، فأقم بها وَبَثَّ دعاتك واكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق فيخرجوا، أميرهم، فإن قَوَوْا على ذلك ونفوه عنها، ولم يكن بها أحد يعاديك أتيتهم، وما
أنا لغدرهم بآمن، وإن لم يفعلوا أقمت بمكانك إلى أن يأتي اللّه بأمره، فإن فيها حصوناً وشعاباً، فقال الحسين: يا ابن عم، إني لأعلم أنك لي ناصح وعليَّ شفيق، ولكن مسلم بن عقيل كتب إليَّ باجتماع أهل المصر على بيعتي ونُضرتي، وقد أجمعتُ على المسير [إليهم]، قال: إنهم من خَبَرْتَ وجَرَّبت وهم أصحاب أبيك وأخيك وقَتَلَتُكَ غداً مع أميرهم، إنك لو قد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشَدَّ من عدوك، فإن عصيتني وأبيت إلا الخروج إلى الكوفة فلا تخرجن نساءك وولدك معك، فواللّه إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه، فكان الذي رَدَّ عليه : لأن أقتل واللّه بمكان كذا أحَبُّ إلي من أن أستحل بمكة، فيئس ابن عباس منه، وخرج من عنده فمر بعبد اللّه بن الزبير فقال: قرت عينك يا ابن الزبير، وأنشد :
يا لك من قُبَّرَةٍ بعمر***خلالكِ الجو فبيضي واصفري
و نقري ما شئت أن تنقري
هذا حسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز.
وبلغ ابن الزبير أنه يريد الخروج إلى الكوفة وهو أثقل الناس عليه، قد غمه مكانه بمكة ؛ لأن الناس ما كانوا يعدلونه بالحسين، فلم يكن شيء يُؤتَاه أحَبّ إليه من شخوص الحسين عن مكة، فأتاه فقال : أبا عبد اللّه ما عندك فواللّه لقد خفت اللّه في [ترك] جهاد هؤلاء القوم على ظلمهم واستذلالهم الصالحين من عباد اللّه، فقال حسين: قد عزمْتُ على إتيان الكوفة، فقال : وفَقَكَ اللّه !! أما لو أن لي [بها] مثل أنصارك ما عدلتُ عنها، ثم خاف أن يتهمه فقال : لو أقمت بمكانك فدعوتَنا وأهل الحجاز إلى بيعتك أجبناك وكنا إليك سِرَاعاً، وكنت أحق بذلك من يزيد وأبي يزيد.
ودخل أبو بكر بن الحارث بن هشام على الحسين فقال : يا ابن عم، إن الرحم يُظَائرني عليك، ولا أدري كيف أنا في النصيحة لك، فقال: يا أبا بكر ما أنت ممن يُسْتَغَشُّ [ولا يُتّهم، فقل]، فقال أبو بكر : كان أبوك [أقْدَمَ سابقة، وأحسن في الإسلام أثراً، و] أشد بأساً، والناس له أرْجَى، ومنه أسمع وعليه أجمع، فسار إلى معاوية والناس مجتمعون عليه إلا أهل الشام وهو أعز منه، فخذلوه، وتثاقلوا عنه، حرصاً على الدنيا،
وضناً، بها فجرعوه الغيظ، وخالفوه حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة اللّه ورضوانه، ثم صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا، وقد شهدْتَ ذلك كله ورأيته، ثم أنت تريد أن تسير إلى الذين عَدَوْا على أبيك وأخيك تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق ومن هو أعدُّ منك، وأقوى والناس منه أخوف، وله أرجى، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك مَنْ وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فاذكر اللّه في نفسك فقال الحسين : جزاك اللّه خيراً يا ابن عم، فقد أجهدك رأيك، ومهما يَقْض اللّه، يكن فقال : [ إنا لله] وعند اللّه تحتسب [يا] أبا عبد اللّه، ثم دخل على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي والي مكة وهو يقول :
كم نرى ناصحاً يقول فَيُعْصى***وظَنين المغيب يُلفى نصيحا
فقال : وما ذاك؟ فأخبره بما قال للحسين فقال : نصحت له ورب الكعبة.
واتصل الخبر بيزيد، فكتب إلى عبيد اللّه بن زياد بتولية الكوفة، فخرج من البصرة مسرعاً حتى قدم الكوفة على الظَّهر، فدخَلَها في أهله وحشمه وعليه عمامة سوداء، قد تَلَثَّم بها، وهو راكب بغلة والناس يتوقعون قدوم الحسين فجعل ابن زياد يسلم على الناس فيقولون : وعليك السلام يا ابن رسول اللّه ! قدمْتَ خير مَقْدَم، حتى انتهى إلى القصر وفيه النعمان بن بشير، فتحصَّنَ فيه، ثم أشرف عليه، فقال يا ابن رسول اللّه ما لي ولك؟ وما حملك على قصد بلدي من بين البلدان؟ فقال ابن زياد: لقد طال نومك يا نعيم، وَحَسَرَ اللثام عن فيه فعرفه، ففتح له وتنادى الناس : ابن مَرْجَانَة، وحَصَبوه بالحصباء، ففاتهم ودخل القصر.
ولما اتصل خبر ابن زياد بمسلم تحوّل إلى هانىء بن عروة المرادي، ووضع ابن زياد الرَّصَدَ على مسلم حتى علم بموضعه، فَوَجَّه محمد بن الأشعث بن قيس إلى هانی، فجاءه فسأله عن مسلم، فأنكره، فأغلظ له ابن زياد القول، فقال هانىء : إن لزياد أبيك عندي بلاء حسناً، وأنا أحب مكافأته به، فهل لك في خير؟ قال ابن زياد : وما هو؟ قال : تَشْخَصُ إلى أهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم، فإنه قد جاء [حق] مَنْ هو أحق من حقك وحق صاحبك، فقال ابن زياد أدنوه مني، فأدنوه منه، فضرب وجهه بقضيب كان في يده [حتى] كسر أنفه وشق حاجبه ونثر لحم وجنته، وكسر القضيب على وجهه ورأسه وضرب هانىء بيده إلى قائم سيف شرطي من تلك الشرط، فجاذبه
الرجل، ومنعه السيف، وصاح أصحاب هانىء بالباب : قتل صاحبنا، فخافهم ابن زیاد، وأمر بحبسه في بيت إلى جانب مجلسه، وأخرج إليهم ابن زياد شريحاً القاضي، فشهد عندهم أنه حي لم يقتل، فانصرفوا، ولما بلغ مسلماً ما فعل ابن زياد بهانىء، أمر منادياً فنادی «یا منصور» وكانت، شعارهم، فتنادى أهل الكوفة بها، فاجتمع إليه في وقت واحد ثمانية عشر ألف رجل، فَسَار إلى ابن زیاد، فتحصن منه، فحصروه في القصر فلم يُمس مسلم ومعه غير مائة رجل فلما نظر إلى الناس يتفرقون عنه سار نحو أبواب كِنْدَة، فما بلغ الباب إلا ومعه منهم ثلاثة، ثم خرج من الباب فإذا ليس معه منهم أحد، فبقي حائراً لا يدري أين يذهب، ولا يجد أحداً يَدُلُّه على الطريق، فنزل عن فرسه ومشى متلدداً في أزقة الكوفة لا يدري أين يَتَوَجَّه، حتى انتهى إلى باب مولاة للأشعث بن قيس، فاستسقاها ماء فَسَقَتْهُ، ثم سألته عن حاله، فأعلمها بقضيته، فَرَقَّتْ له وآوَتْهُ، وجاء ابنها فعلم بموضعه، فلما أصبح غدا إلى محمد بن الأشعث فأعلمه، فمضى ابن الأشعث إلى ابن زياد فأعلمه، فقال: انطلق فَأْتِني به، وَوَجَّهَ معه عبد اللّه بن العباس السلمي في سبعين رجلا، فاقتحموا على مسلم الدار، فثار عليهم بسيفه، وشَدَّ عليهم فأخرجهم من الدار، ثم حملوا عليه الثانية، فَشَدَّ عليهم وأخرجهم أيضاً، فلما رأوا ذلك عَلَوْا ظهر البيوت فَرَمَوْه بالحجارة، وجعلوا يلهبون النار بأطراف القصب، ثم يلقونها عليه من فوق البيوت.
فلما رأى ذلك قال : أكل ما أرى من الأحلاب لقتل مسلم بن عقيل؟ يا نفس اخرجي إلى الموت الذي ليس عنه محيص فخرج إليهم مُصْلتاً سيفه إلى السِّكَّةِ، فقاتلهم، واختلف هو وبكير بن حمران الأحمري ضربتين : فضرب بكير فَمَ مسلم فقطع السيف شفته العليا وشرع في السفلى، وضربه مسلم ضربة منكرة في رأسه، ثم ضربة أُخرى على حبل العاتق فكاد يصل إلى جَوْفه، وهو يرتجز ويقول:
أقسم لا أَقْتَلُ إلّا خرّا***وإن رأيت الموت شيئاً مُرًا
کل امریء يَوْماً مُلَاقٍ شَرًّا***يَوْماً مُلَاقٍ شَرًّا أَخَافُ أنْ أكُذَبَ أَوْ أَغَرًا
فلما رأوا ذلك منه تقدم إليه محمد بن الأشعث فقال له : فإنك لا تكذب ولا تغر وأعطاه الأمان فأمكنهم من نفسه، وحملوه على بَغْلَةٍ وَأَتَوْا به ابن زياد، وقد سلبه ابن الأشعث حين أعطاه الأمان سيفه وسلاحه، وفي ذلك يقول بعض الشعراء في كلمة يهجوفيها ابن الأشعث:
وترَكْتَ عَمْكَ أن تُقَاتِلَ دُونه***فشلًا، وَلَوْلَا أنت كان مُنِيعًا
وقتلت وافِدَ آل بيت مُحَمَّد***وَسَلَبْتَ أسْيَافاً له ودُرُوعًا
فلما صار مسلم إلى باب القصر نظر إلى قلة مبردة فاستسقاهم منها، فمنعهم مسلم بن عمرو الباهلي - وهو أبو قتيبة بن مسلم - أن يسقوه، فَوَجَّهَ عمرو بن حريث فأتاه بماء في قدح فلما رفعه إلى فيه امتلأ القدح دماً، فَصَبَّهُ وملأه له الثانية، فلما رفعه إلى فيه سقطت ثناياه فيه وامتلأ، دماً، فقال: الحمد اللّه، لو كان من الرزق المقسوم لشربته، ثم أُدخل إلى ابن زياد، فلما انقضى كلامه ومسلم يُغلظ له في الجواب أمر به فأصعد إلى أعلى القصر، ثم دعا الأحمري الذي ضربه مسلم، فقال: كُن أنت الذي تضرب عنقه لتأخذ بثأرك من ضربته، فأصعدوه إلى أعلى القصر، فضرب بكير الأحمري عنقه، فأهْوَى رأسه إلى الأرض، ثم أتبعوا رأسه جَسَدَه.
ثم أمر بهانىء بن عروة فأخرج إلى السوق، فضرب عنقه صبراً، وهو يصيح: يا آل مراد وهو شيخها وزعيمها، وهو يومئذٍ يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، وإذا أجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع، فلم يجد زعيمهم منهم أحداً فشلا، وخذلاناً فقال الشاعر، وهو يرثي هاني بن عروة ومسلم بن عقيل ويذكر ما نالهما:
إذا كُنتِ لا تَدْرِين ما الموت فانظري***إلى هاني في السوق وابن عقيل
إلی بطل قد هَشَمَ السَّيْفُ وجهه***وَآخَرَ يَهْوِي في طمار قتيل
اصابهما أمرُ الأمير فأصْبَحَا***أَحَادِيثَ من يَسْعى بكل سبيل
ترَى جَسَداً قد غَيْرَ المَوْتُ لوله***وَنَضْحَ دم قد شال كل مُسِيل
ايترك أسماء المهايج آمناً***وقد طلبته مذحج بذحول
فتى هو أحْيَى من فتاة حييَّةٍ***وأقطع من ذِي شَفْرَتَيْنِ صقيل
ثم دعا ابن زیاد ببكير بن حمران الذي ضرب عنق مسلم فقال : أقتلته؟ قال : نعم قال : فما كان يقول وأنتم تصعدون به لتقتلوه؟ قال : كان يكبر ويسبح اللّه ويهلل ويستغفر اللّه، فلما أدنيناه لنضرب عنقه قال : اللّهم احكم بيننا وبين قوم غَرُّونَا وكذبونا ثم خذلونا وقتلونا، فقلت : الحمد للّه الذي أقادني منك وضربته ضربة لم تعمل شيئاً، فقال لي : أو ما يكفيك وَفِي خَدْشِ مني وَفَاءً بدمك أيها العبد، قال ابن زياد أو فَخْراً عند الموت؟ قال : وضربته الثانية فقتلته، ثم أتبعنا رأسه جسده.
وكان ظهور مسلم بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مَضَيْنَ من ذي الحجة سنة ستين، وهو اليوم الذي ارتحل فيه الحسين من مكة إلى الكوفة، وقيل : يوم الأربعاء يوم عرفة لتِسْع مَضَينَ من ذي الحجة سنة ستين.
ثم أمر ابن زياد بجثة مسلم فصلبت، وحمل رأسه إلى دمشق، وهذا أول قتيل صلبت جثته من بني هاشم، وأول رأس حمل من رؤوسهم إلى دمشق.
فلما بلغ الحسين القادسية لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد يا ابن رسول اللّه؟ قال : أريد هذا المصر، فَعَرَّفَه بقتل مسلم وما كان من خبره، ثم قال: ارجع فإني لم أدَعْ خلفي خيراً أرجوه لك، فَهمَّ بالرجوع فقال له إخوة مسلم: واللّه لا نرجع حتى، نصيب بثأرنا أو نقتل كلنا فقال الحسين : لا خير في الحياة بعدكم ثم سار حتى لقي خيل عبيد اللّه بن زياد عليها عمرو بن سعد بن أبي وقاص، فعدل إلى كربلاء وهو في مقدار خمسمائة فارس من أهل بيته وأصحابه ونحو مائة راجل - فلما كثرت العساكر على الحسين أيقن أنه لا محيص له فقال : اللّهم احكم بيننا وبين قوم دَعَوْنا لينصرونا ثم هم يقتلونا، فلم يزل يقاتل حتى قتل رضوان اللّه عليه.
وكان الذي تولى قتله رجل من مذحج واحتز رأسه، وانطلق به إلى ابن زياد وهو يرتجز :
[أوْقِرْ ركَابِي فِضة وذَهَبًا]***أنا قتلت الملك المحجَّبا
قتلتُ خَيْرَ الناس أماً وأباً***وَخَيْرَهُم إذ يُحْسَبُونَ نَسبا
فبعث به [ابن] زياد إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس، فدخل إلى يزيد وعنده أبو
بَرْزَة الأسلمي، فوضع الرأس بين يديه، فأقبل ينكث القضيب [ في فيه] ويقول :
نُفَلقُ هَاماً من رجال أَحِبَّةٍ***عَلَيْنَا، وهم كانوا أعق وأظلما
فقال له أبو بَرْزَةَ : ارفع قضيبك فطال واللّه ما رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يضع فمه على فمه يلثمه، وكان جميع من حضر مقتل الحسين من العساكر وحاربه وتولى قتله من أهل الكوفة خاصة، لم يحضرهم شامي.
وكان جميع من قتل مع الحسين في يوم عاشوراء، بكربلاء سبعة وثمانين منهم
ابنه علي بن الحسين الأكبر، وكان يرتجز ويقول :
أنا علي بن الْحُسَيْنِ بن علي***نَحْنُ وبيت اللّه أَوْلَى بِالنَّبِي
تاللّه لا يَحْكُمُ فِينَا ابن الدَّعِي
وقتل من ولد أخيه الحسن بن علي: عبد اللّه بن الحسن، والقاسم بن الحسن، وأبو بكر بن الحسن، ومن إخوته: العباس بن علي، وعبد اللّه بن علي، وجعفر بن علي، وعثمان بن علي، ومحمد بن علي ؛ ومن ولد جعفر بن أبي طالب : محمد بن عبد اللّه بن جعفر، وعَوْنُ بن عبد اللّه بن جعفر ؛ ومن ولد عقيل بن أبي طالب: عبد اللّه بن عقيل وعبد اللّه بن مسلم بن عقيل، وذلك لعشر خَلَوْنَ من المحرم سنة إحدى وستين.
وقتل الحسين وهو ابن خمس وخمسين سنة وقيل ابن تسع وخمسين سنة، وقيل غير ذلك.
ووجد بالحسين يوم قتل ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة ضَرَبَ زرعة بن شريك التميمي كفه اليسرى، وطعنه سنان بن أنس النخعي، ثم نزل فاحتز رأسه، وفي ذلك يقول الشاعر :
وَأَيُّ رَزِيّة عدلَتْ حَسَيْناً***غَدَاةَ تبينُه كَفَّا سَنَانِ؟
وقتل معه من الأنصار أربعة وباقي من قتل معه من أصحابه - على على ما قَدَّمنا من العِدَّة - من سائر العرب، وفي ذلك يقول مسلم بن قتيبة مَوْلَى بني هاشم :
عین جودی بعبرة وعویل***والنبي إن ندبت آل الرَّسُول
[واندبي تِسعَة لِصُلْبِ عليّ***قد أصيبوا، وخَمْسَة لعقيل]
وابنَ عَمّ النّبيّ عَوْناً أخاهم***ليس فيما يَنُوب بالمَخْذُول
وَسَمِيُّ النّبيّ غُودِرَ فيهم***قد عَلَوْهُ بِصارِمٍ مَصْقُول
واندبي كَهْلَهُمْ فليس إذا ما***عُدَّ في الخير كهلهم كالكُهول
لَعَنَ اللَّه حيث كانَ زياداً***وابنه والعَجُوزَ ذات البُعُول
وأمر عمرو بن سعد أصحابه أن يُوطِئوا خيلهم الحسين، فانتدب لذلك إسحاق بن حيوة الحضرمي في نفر معه، فوطئوه بخيلهم، ودَفَنَ أهل العاضرية – وهم قوم من بني عاضر من بني أسد - الحسين وأصحابه بعد قتلهم بيوم، وكان عِدَّة من قتل من أصحاب [عمرو بن] سعد في حرب الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) ثمانية وثمانين رجلا.
الحسن والحسين، ومُحَسِّن، وأم كلثوم الكبرى، وزينب الكبرى، أمهم فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، ومحمد وأمه خَوْلَة بنت إياس الحنفيَّة، وقيل: ابنة جعفر بن قيس بن مَسْلَمة الحنفي، وعبيد اللّه، وأبو بكر أمهما ليلى بنت مسعود النهشلي، وعمر ورقية أمهما تغلبية، ويحيى وأمه أسماء بنت عُمَيْس الخثعمية، وقد قَدَّمنا فيما سلف من هذا الكتاب أن جعفراً الطيار استشهد وخلف عليها عَوْناً ومحمداً وعبد اللّه، وأن عقب جعفر منها من عبد اللّه بن جعفر، وأنا أبا بكر الصديق تزوجها بعده، وخلف عليها محمداً، ثم تزوجها علي فخلف عليها يحيى، وأنها ابنة العجوز الحرشية التي كانت أكْرَمَ الناس أصهاراً، وقد تقدم فيما سلف هذا الكتاب تسمية أصهار العجوز الحرشية، وأن أولهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وجعفر، والعباس، وعبد اللّه أمهم أم البنين بنت حرام الوحيدية، ورَمْلَة وأم الحسن أمهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي، وأم كلثوم الصغرى، وزينب الصغرى، وجُمانة، وميمونة، وخديجة، وفاطمة، وأم الكرام، ونفيسة، وأم سلمة، وأم أبيها.
وقد أتينا على أنساب آل أبي طالب، ومَنْ أعقب منهم ومصارعهم، وغير ذلك من أخبارهم في كتابنا «أخبار الزمان».
والعقب لعلي من خمسة: الحسن، والحسين، ومحمد وعمر، والعباس، وقد استقصى أنسابهم وأتى على ذكر مَنْ لا عقب له منهم ومَنْ له العقب، وأنساب غيرهم من قريش من بني هاشم، وغيرهم : الزبير بن بكَّار في كتابه في «أنساب قريش» وأحسن من هذا الكتاب في أنساب آل أبي طالب الكتاب الذي سمع من طاهر بن يحيى العلوي الحسيني بمدينة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وقد صنف في أنساب آل أبي طالب كتب كثيرة : منها كتاب
العباس من ولد العباس بن علي، وكتاب أبي علي الجعفري، وكتاب المهلوس العلوي من ولد موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.
وفي قتيل الطف يقول سليمان بن قتة يرثيه على ما ذكره الزبير بن بكَّار في كتاب «أنساب قريش» من أبيات:
فإن قتيل الطف من آل هاشم***أذلَّ رقاباً من قريش فَذَلْتِ
فإِن يُتَّبِعُوه عائد البيت يُصْبِحُوا***كَعَادٍ تعمت عن هُدَاهَا فَضَلَّتِ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الأرض أضحت مريضة***بقَتْلِ حُسَيْن والبلاد اقْشَعَزَّتِ
فلا يُبْعِدُ اللّه الديار وأهلها***وإن أصبحت منهم برغمي تَخَلَّتِ
ولما أفضى الأمر إلى يزيد بن معاوية دخل منزله، فلم يظهر للناس ثلاثاً، فاجتمع ببابه أشرافُ العرب ووفود البلدان وأمراء الأجناد لتعزيته بأبيه وتهنئته بالأمر، فلما كان في اليوم الرابع خرج أشْعَثَ أغْبَر فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: إن معاوية كان حَبْلا من حبال اللّه مَدَّه اللّه ما شاء، أن يمده ثم قطعه حين شاء أن يقطعه، وكان دون من [كان] قبله، وخير من بعده، إن يغفر اللّه له فهو أهله، وإن يعذبه فبذنبه، وقد وليتُ الأمر بعده، ولست أعتذر من جهل، ولا أشتغل بطلب علم، فعلى رِسْلِكم فإن اللّه لو أراد شيئاً كان، اذكروا اللّه واستغفروه، ثم نزل ودخل منزله، ثم أذن للناس.
فدخلوا عليه لا يدرون أيهنئونه أم يُعَزُّونه، فقام عاصم بن أبي صيفي، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته، أصبحت قد رُزِئْتَ خليفة اللّه وأعطيت خلافة اللّه، ومنحت هبة اللّه قضى معاوية نحبه فغفر اللّه له ذنبه، وأعطيت بعده الرئاسة ؛ فاحتسب عند اللّه أعظم الرزية، واحمده على أفضل العطية، فقال يزيد : اذنُ مني يا ابن أبي صيفي، فدنا حتى جلس قريباً منه.
ثم قام عبد اللّه بن مازن فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين، رزئت خير الآباء، وسميت خير الأسماء، ومنحت أفضل الأشياء، فهناك اللّه بالعطية، وأعانك على الرعية، فقد أصبحَتْ قريش مفجوعة بفَقْد سائِسها مسرورة بما أحسن اللّه إليها من الخلافة بك، والعُقبى من بعده، ثم أنشأ يقول :
اللّه أعطاك التي لا فوقها***وقد أراد الملحدون عَوْقها
عنك فيأبى اللّه إلا سَوْقَهَا***إليك حتى قَلّدوك طُوْقَها
فقال له يزيد ادن مني يا ابن مازن فدنا حتى جلس قريباً منه.
ثم قام عبد اللّه بن همام فقال : أجرك اللّه يا أمير المؤمنين على الرزية، وصبرك
على المصيبة، وبارك لك العطية، ومنحك محبة الرعية، مضى معاوية لسبيله غفر اللّه له، وأورده موارد السرور، ووفقك [بعده] لصالح [الأمور، فقد رزئت جليلا، وأعطيت جزيلا، جئت بعده للرئاسة، ووليت] السياسة، أصبت بأعظم المصائب، ومنحت أفضل الرغائب، فاحتسب عند اللّه أعظم الرزية واشكره على أفضل العطية، وأحدث لخالقك حَمْداً، واللّه يمتعنا بك ويحفظك ويحفظ بك وعليك، وأنشأ يقول :
اصْبِرْ يزيد فقد فارقت ذامقة***واشكر حِبَاءَ الذي بالملك أصفاكا
أصبَحتَ لا رزء في الأقوام نعلمه***كما رُزئت ولا عقبى كعقباكا
أعطِيتَ طاعة خلق اللّه كلهم***وأنت ترعاهم واللّه يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلفٌ***إما نُعِيتُ ولا نسمع بمَنْعاكَا
فقال :یزید ادن يا ابن همام فدنا حتى جلس قريباً منه.
ثم قال الناس يعزونه ويهنئونه بالخلافة، فلما ارتفع عن مجلسه أمر لكل واحد منهم بمال على مقداره في نفسه، ومحله في قومه، وزاد في عطائهم، ورفع مراتبهم، وقد أتينا في كتابنا «أخبار الزمان» على ما كان من خبر يزيد وغيبته في حال وفاة أبيه معاوية، ومسيره من ناحية حمص حين بلغه ما بأبيه من العلة، ووروده على ثنية العقاب من أرض دمشق، فأغني ذلك عن إعادة هذا الخبر في هذا الكتاب.
وذكر عدة من الأخباريين وأهل السير أن عبد الملك بن مروان دخل على يزيد، فقال : أَرَيْضَة لك إلى جانب أرض لي، ولي فيها، سعة، فأقطعنيها، فقال : يا عبد الملك، إنه لا يتعاظَمُني كبير، ولا أجزع من صغير، فأخبرني عنها وإلا سألت غيرك، فقال : ما بالحجاز أعظم منها قدراً، قال : قد أقطعتك، فشكره عبد الملك ودعا له، فلما ولَّى قال يزيد : إن الناس يزعمون أن هذا يصير خليفة، فإن صدقوا فقد صانعناه، وإن كذبوا فقد وصلناه.
وكان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقُرُود وفهود ومنادمة على الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه، وعن يمينه ابن زياد وذلك بعد قتل الحسين، فأقبل على ساقيه فقال :
اسْقِنِي شَرْبَةً تَرَوِّي مَشَاشي***ثم من فاسق مثلها ابن زیاد
صاحب السرّ والأمانة عِنْدِي***ولتسديد مغنمي وجهادي
ثم أمر المغنين فغنوا [به].
وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة واستعملت الملاهي وأظهر الناس شرب الشراب، وكان له قرد يكنى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته، ويطرح له متكأ وكان قرداً خبيثاً وكان يحمله على أتان وحشية قد ريضت وذلّلتْ لذلك بسرج ولجام ويسابق بها الخيل يوم الحلبة، فجاء في بعض الأيام سابقاً، فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل، وعلى أبي قيس قباء من الحرير الأحمر والأصفر مشمر، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان بشَقَائق، وعلى الأتان سرج من الحرير الأحمر منقوش ملمع بأنواع من الألوان، فقال في ذلك بعض شعراء الشام في ذلك اليوم :
تمسّک أباقیس بفضل عنانها**فلیس علیها ان سقطت ضمان
الا من رأی القرد الذی سبقت به***جیاد أمیرالمؤمنین أتان
وفي يزيد وتملكه وتجبره وانقياد الناس إلى ملكه يقول الأحْوَصُ :
ملك تدين له الملوك مبارك *** كادت لهيبته الجبال تزول
تجي له بلخ ودجلة كلها ***وله الفرات وما سعى والنيل
وقيل : إن الأخوص قال هذا في معاوية بعد وفاته يرثيه :
ولما قتل الحسين بن علي رضي اللّه عنهما بكربلاء وحمل رأسه ابن زياد إلى يزيد خرجت بنت عقيل بن أبي طالب في نساء من قومها حواسر [حائرات]، لما قد ورد عليهن من قتل السادات، وهي تقول:
ماذا تَقولونَ إن قالَ النَّبِیُّ لَکُم***ماذا فَعَلتُم وکُنتُم آخِرَ الاُمَمِ
بِأَهلِ بَیتی وأَنصاری وذُرِّیَّتی***مِنهُم اساری وقَتلی ضُرِّجوا بِدَمِ
ما کانَ ذاکَ جَزائی إذ نَصَحتُ لَکُم***أن تَخلُفونی بِسوءٍ فی ذَوی رَحِمی
وفي فعل ابن زياد بالحسين يقول أبو الأسود الدؤلي من قصيدة:
أقول وذاك من جرعٍ وَوَجْد*** او أن اللّه مُلك بني زيَادٍ
وأَبْعَدَهُمْ، بما عَذَرُوا وَخَانُوا***كما بَعُدَتْ ثَمُودُ وَقَوْمُ عَادِ
ولما شمل الناس جوْرُ يزيد وعماله وعمهم ظلمه، وما ظهر من فسقه: من قتله ابن بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وأنصاره وما أظهر من شرب الخمور، وسيره سيرة فرعون، بل كان فرعون أعْدَلَ منه في رعيته، وأنصف منه لخاصته وعامته ؛ أخرج أهل المدينة عامله عليهم - وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان – ومروان بن الحكم، وسائر بني أمية، وذلك عند تنسك ابن الزبير وتألهه، وإظهار الدعوة لنفسه، وذلك في سنة ثلاث وستين، وكان إخراجهم لما ذكرنا من بني أمية وعامل يزيد عن إذن ابن الزبير، فاغتنمها مروان منهم ؛ إذ لم يقبضوا عليهم ويحملوهم إلى ابن الزبير فحثوا السير نحو الشام.
ونمي فعل أهل المدينة ببني أمية وعامل يزيد إلى يزيد – فسيَّر إليهم بالجيوش من أهل الشام عليهم مسلم بن عقبة المري الذي أخاف المدينة، ونهبها، وقتل أهلها، وبايعه أهلها على أنهم عبيد ليزيد وسماها نتنة، وقد سماها رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) طَيْبة، وقال : «مَنْ فعله، أخاف المدينة أخافه اللّه» فسمي مسلم هذا لعنه اللّه بمجرم ومسرف؛ لما كان من فعله ويقال : إن يزيد حين جرد هذا الجيش وعرض عليه أنشأ يقول :
أبلغ أبا بكر إذا الأمر انبرى***وأشْرَفَ القوم على وادي القرى
أجمع السكران من قوم ترى
يريد بهذا القول عبد اللّه بن الزبير، وكان عبد اللّه يكنى بأبي بكر، وكان يُسَمِّي يزيد السكران الخمير وكتب إلى ابن الزبير :
أدعو إلهك في السماء فإنني***أدعو عليك رجال عك وأشعر
كيف النجاة أبا حُبَيْبِ منهُمُ***فَاحْتَل لنفسك قبل أتي العسكر
ولما انتهى الجيش من المدينة إلى الموضع المعروف بالحرّة وعليهم مُسرف خرج إلى حربه أهلها عليهم عبد اللّه بن مطيع العدوي وعبد اللّه بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وكانت وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس من بني هاشم وسائر قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس؛ فممن قتل من آل أبي طالب اثنان : عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب؛ ومن بني هاشم من غير
آل أبي طالب : الفَضْلُ بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد اللّه بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، والعباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب، وبضع وتسعون رجلا من سائر، قريش ومثلهم من الأنصار، وأربعة آلاف من سائر الناس ممن أدركه الإحصاء، دون من لم يعرف.
وبايع الناس على أنهم عبيد ليزيد، ومَنْ أبى ذلك أمره مشرف على السيف، غير علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب السجاد وعلي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، وفي وقعة الحرَّة يقول محمد بن أسلم :
فإن تَقْتُلونا يَوْمَ حَرَّة واقم***فنحن على الإسلام أَوَّل من قتل
ونحن تركناكُمْ بِبَدْرٍ أذلةٌ***وأَبْنَا بأسيافٍ لنا منكم تفل
ونظر الناس إلى علي بن الحسين السجاد وقد لاذ بالقبر وهو يدعو، فأتى به إلى مُسْرِف وهو مغتاظ عليه، فتبرأ منه ومن آبائه، فلما رآه وقد أشرف عليه ارتعد وقام له وأقعده إلى جانبه وقال له : سَلْنِي حوائجك، فلم يسأله في أحد ممن قُدّم إلى السيف إلا شفَّعه فيه، ثم انصرف عنه، فقيل لعلي : رأيناك تحرك شفتيك، فما الذي قلت؟ قال : قلت : اللّهم رب السموات السبع وما أظللن، والأرضين السبع وما أقللن ربَّ العرش العظيم، ربَّ محمد وآله الطاهرين، أعوذ بك من شره، وأدرأ بك في نَحْره، أسألك أن تؤتيني خيره وتكفيني شره، وقيل لمسلم : رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه، فلما أتي إليك رفعت منزلته فقال : ما كان ذلك لرأي مني، لقد ملىء قلبي منه رعباً.
وأما علي بن عبد اللّه [بن العباس] فإن أخواله من كندة مَنَعُوه منه وأناس من ربيعة كانوا في جيشه، فقال علي في ذلك :
أبي العباس قوم بني لوي***واخوالي الملوك بنو وليعه
هم منعوا ذماري يوم جاءت***كتائب مُسْرِفِ وبني اللكِيعه
أرادني التي لا عزّ فیها*** فحانت دونه ايدي ربيعه
ولما نزل بأهل المدينة ما وصفنا من القتل والنهب والرق والسبي وغير ذلك مما عنه أعرضنا من مُسرِف خرج عنها يريد مكة في جيوشه من أهل الشام ؛ ليوقع بابن الزبير وأهل مكة، بأمر يزيد، وذلك في سنة أربع وستين.
فلما انتهى إلى الموضع المعروف بقديد مات مُسْرِفٌ لعنه اللّه ! واستخلف على الجيش الحصين بن نمیر فسار الحصين حتى أتى مكة وأحاط بها، وعاد ابن الزبير
بالبيت الحرام، وكان قد سمى نفسه العائد بالبيت، وشُهر بهذا حتى ذكرته الشعراء في أشعارها، من ذلك ما قدمنا من قول سليمان بن قتة.
فإن تُتَّبِعُوه عائِد البيت تُصْبِحُوا***كَعَادٍ تَعَمَّتْ عن هُدَاهَا فَضَلَّتِ
ونصب الحصينُ فيمن معه من أهل الشام المجانيق والعرادات على مكة والمسجد من الجبال والفِجَاج، وابنُ الزبير في المسجد ومعه المختار بن أبي عُبَيْد الثقفي داخلا في جملته منضافاً إلى بيعته منقاداً إلى إمامته على شرائط شرطها عليه لا يخالف له رأياً، ولا يعصي له أمراً.
فتواردت أحجار المجانيق والعرادات على البيت ورمي مع الأحجار بالنار والنفط ومشاقات الكتان وغير ذلك من المحرقات وانهدمت الكعبة واحترقت البنية، ووقعت صاعقة فأحرقت من أصحاب المجانيق أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وقيل : أكثر من ذلك [وذلك] يوم السبت لثلاث خَلَوْنَ من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، قبل وفاة يزيد بأحَدَ عشَرَ يوماً، واشتد الأمر على أهل مكة وابن الزبير واتصل الأذى بالأحجار والنار والسيف؛ ففي ذلك يقول أبو وجزة المدني :
ابْنُ نُمَيْرِ بِئْسَ مَا تَوَلَّى***قَدْ أَحْرَقَ المَثَام والْمُصَلَّى
وليزيد وغيره أخبار عجيبة، ومَثَالب كثيرة : من شرب الخمر، وقتل ابن [بنت] الرسول، ولَعْن الوصيّ، وهدم البيت، وإحراقه، وسفك الدماء، والفسق والفجور وغير ذلك مما قد ورد في الوعيد باليأس من غفرانه كوروده فيمن جحد توحيده وخالف رسله، وقد أتينا على الغرر من ذلك فيما [تقدم و] سلف من كتبنا واللّه ولي التوفيق.
قال المسعودي : ومَلَكَ معاوية بن يزيد بن معاوية بعد أبيه، فكانت أيامه أربعين يوماً إلى أن مات وقيل، شهرين وقيل غير ذلك، وكان يكنى بأبي يزيد، وكني حين ولي الخلافة بأبي ليلى وكانت هذه الكنية للمستضعف من العرب، وفيه يقول الشاعر :
إنِّي أرى فِتْنَةٌ هَاجَتْ مَرَاجِلُها***والملكُ بعد أبي لَيْلَى لمن غلبًا
ولما حضرته الوفاة اجتمعت إليه بنو أمية فقالوا له : اعْهَد إلى من رأيت من أهل بيتك، فقال: واللّه ما ذُقْتُ حلاوة خلافتكم فكيف أتقلّد وِزْرَهَا؟ وتتعجلون أنتم حلاولتها وأتعجل مرارتها، اللّهم إني بريء منها مُتَخَلَّ عنها، اللّهم إني لا أجد نفراً كأهل الشورى فأجعلها إليهم ينصبون [لها] من يرونه أهلا لها، فقالت له أمه : ليت أني خرقة حيضة ولم أسمع منك هذا الكلام، فقال لها : وليتني يا أُماه خرقة حيض ولم أتقلد هذا الأمر، أتفوز بنو أمية بحلاوتها وأبوء بوزرها وَمَنْعِها أهْلَها؟ كلا! إني لبريء منها.
وقد تنوزع في سبب وفاته، فمنهم من رأى أنه سقي شربة، ومنهم من رأى أنه مات حَتْفَ أنفه، ومنهم من رأى أنه طعن وقبض وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، ودفن بدمشق، وصلى عليه الوليد بن عُتبة بن أبي سفيان ليكون الأمر له من بعده، فلما كبر الثانية طعن فسقط ميتاً قبل تمام الصلاة، فقدم عثمان بن عتبة بن أبي سفيان، فقالوا: نبايعك؟ قال : على أن لا أحارب ولا أباشر قتالا فأَبَوْا ذلك عليه، فصار إلى مكة، ودخل في جملة ابن الزبير.
وزال الأمر عن آل حَرْب فلم يكن فيهم من يرومها ولا يتشوف نحوها، ولا يرتجي أحد منهم لها.
وبايع أهل العراق عبد اللّه بن الزبير، فاستعمل على الكوفة عبد اللّه بن مطيع العدوي.
فقال المختار بن أبي عبيد الثقفي لابن الزبير : إني لأعرف قوماً لو أن لهم رجلا له رفْقٌ وعلم بما يأتي لاستخرج لك منهم جنداً تغلب بهم أهل الشام، فقال : من هم؟ قال : شيعة بني هاشم بالكوفة قال: كن أنت ذلك الرجل، فبعثه إلى الكوفة، فنزل ناحية منها، وجعل يُظهر البكاء على الطالبيين وشيعتهم، ويظهر الحنين والجَزَع لهم، ويحثُّ على أخذ الثأر لهم، والمطالبة بدمائهم، فمالت الشيعة إليه، وانضافوا إلى جملته، وسار إلى قصر الإمارة فأخرج ابن مطيع منه، وغلب على الكوفة، وابتنى لنفسه داراً، واتخذ بستاناً أنفق عليه أموالا عظيمة أخرجها من بيت المال، وفرق الأموال على الناس بها تفرقةً واسعة، وكتب إلى ابن الزبير [يعلمه أنه إنما أخرج ابن مطيع عن الكوفة لعجزه عن القيام بها، ويسوم ابن الزبير] أن يحسب له بما أنفقه من بيت المال، فأبى ابن الزبير ذلك عليه، فخلع المختار طاعته، وجحد بيعته، وكتب المختار كتاباً إلى علي بن الحسين السجاد يريده على أن يبايع له، ويقول بإمامته، ويظهر دعوته، وأنفذ إليه مالاً كثيراً، فأبى علي أن يقبل ذلك منه أو يجيبه عن كتابه، وسبه على رؤوس الملأ في مسجد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وأظهر كذبه، وفجوره ودخوله على الناس بإظهار الميل إلى آل أبي طالب، فلما المختار من علي بن الحسين كتب إلى عمه محمد ابن الحنفيَّة يريده على مثل ذلك، فأشار عليه علي بن الحسين أن لا يجيبه إلى شيء من ذلك، فإن الذي يحمله على ذلك اجتذابه لقلوب الناس بهم وتقربه إليهم بمحبتهم، وباطِنُه مخالف لظاهره في الميل إليهم، والتَّوَلّي لهم، والبراءة من أعدائهم، بل هو من أعدائهم لا من أوليائهم، والواجب عليه أن يشهر أمره ويظهر كذبه، على حسب ما فعل هو وأظهر [ما] من القول في مسجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فأتى ابن أبي الحنفيَّة ابن عباس فأخبره بذلك، فقال له ابن عباس : لا تفعل، فإنك لا تدري ما أنت عليه من ابن الزبير فأطاع ابن عباس وسكت عن عيب المختار.
واشتد أمر المختار بالكوفة، وكثر رجاله، ومال الناسُ إليه، وأقبل يدعو الناس على طبقاتهم ومقاديرهم في أنفسهم وعقولهم، فمنهم من يخاطبه بإمامة محمد ابن الحنفيَّة، ومنهم من يدفعه عن هذا فيخاطبه بأن المَلَكَ يأتيه بالوحي ويخبره بالغيب، وتتبع قتلة الحسين فقتلهم : قتل عمرو بن سعد بن أبي وقاص الزهري، وهو الذي تولى حرب الحسين يوم كربلاء وقتله ومن معه، فزاد ميل أهل الكوفة إليه، ومحبتهم له.
وأظهر ابن الزبير الزهد في الدنيا والعبادة مع الحرص على الخلافة، وقال: إنما بطني شبر، فما عسى ذلك أن يسع من الدنيا وأنا العائذ بالبيت، والمستجير بالرب وكثرت أذيَّته لبني هاشم مع شُحُه بالدنيا على سائر الناس، ففي ذلك يقول أبو وجزة مولى الزبير :
إنَّ الموالي أمْسَتْ وهي عاتبة***على الخليفة تشكو الجوع والحربا
ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا***أي الملوك على ما حولنا غلبا؟
وفيه يقول بعد مفارقته إياه :
ما زال في سُورَةِ الأعراف يقرؤها***حتى فؤادي مثل الخزّ في اللين
لو كان بطنك شِبراً قد شَبِعْتَ، وقد***أَفْضَلْتَ فَضْلًا كثيراً للمساكين
إن امراً كنتُ مَوْلَاهُ فضيعني***يرجو الفلاح لعمري حَقٌّ مَعْبُونِ
وفيه يقول أيضاً:
فيا راكباً إما عرضت فبلغَنْ***كبير بني العَوَّام إن قيل : مَنْ تَعْنِي
تخبرُ مَنْ لاقيت أنك عائذ***وتكثر قتلا بين زمزم والرُّكن
وفيه يقول [أيضاً] الضحاك بن فيروز الديلمي :
تخبرنا أنْ سَوْف تكفيك قبضةٌ***وبطنك شِبْر أو أقل من الشبر
وأنت إذا ما نلت شيئاً قَضَمْتَهُ***كما قضَمَتْ نارُ الغضى حَطَبَ السِّدر
فلو كنت تجزي إذ تبيت بنعمة***قريباً لردَّتُكَ العطوف على عمرو
وذلك أن يزيد بن معاوية كان قد ولى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان المدينة فسرَّحَ منها جيشاً إلى مكة لحرب ابن الزبير عليه عمرو بن الزبير أخوه، وكان عمرو منحرفاً عن عبد اللّه، فلما تصافَّ القوم انهزم رجال عمرو وأسلموه، فظفر به أخوه عبد اللّه، فأقامه للناس بباب المسجد الحرام مجرداً، ولم يزل يضربه بالسياط حتى مات.
وحبس عبد اللّه بن الزبير الحسن بن محمد ابن الحنفيَّة في الحبس المعروف بحبس عارم، وهو حبس مُوحِش، مُظلم وأراد قتله، فعمل الحيلة حتى تخلص من
السجن، وتعسّف الطريق على الجبال حتى أتى منى وبها أبوه محمد ابن الحنفيَّة ففي ذلك يقول كثير :
تخبرُ من لاقيت أنك عائذٌ***بل العائذ المظلوم في سجن عارم
ومن ير هذا الشيخ بالخيف من منّى***من الناس يعلم أنه غيرُ ظالم
سميّ نبيّ اللّه وابن وصيّه***وفكاكُ أغلال وفاضي مغارم
وقد كان ابن الزبير عمد إلى من بمكة من بني هاشم فحصرهم في الشِّعْبِ، وجمع لهم حَطَباً عظيماً لو وقعت فيه شرارة من نار لم يسلم من الموت أحد، وفي القوم محمد ابن الحنفيَّة.
وحدث النَّوْفَلي علي بن سليمان، عن فضيل بن عبد الوهاب الكوفي، عن أبي عمران الرازي، عن فطر بن خليفة، عن الديال بن حرملة، قال : كنت فيمن استنفره أبو عبد اللّه الجدلي من [أهل] الكوفة من قبل المختار، فنفرنا معه في أربعة آلاف فارس، فقال أبو عبد اللّه : هذه خيل عظيمة، وأخاف أن يبلغ ابن الزبير الخبر فيعجل على بني هاشم، فيأتي عليهم، فانتدبوا معي، فانتدبنا [معه] في ثمانمائة فارس جريدة خيل، فما شعر ابن الزبير إلا والرايات تخفق على رأسه، قال : فجئنا إلى بني هاشم، فإذا هم في الشِّعْبِ، فاستخرجناهم، فقال لنا ابن الحنفيَّة: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، فلما رأى ابن الزبير تنمرنا له وإقدامنا عليه لاذ بأستار الكعبة وقال : أنا عائذ اللّه.
وحدث النوفلي في كتابه في الأخبار، عن ابن عائشة، عن أبيه، عن حماد بن سلمة، قال : كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحَصْره إياهم في الشعْب وجمعه [لهم] الحطب لتحريقهم، ويقول : إنما أراد بذلك إرهابهم [ليدخلوا في طاعته ] إذ هم أبوا البيعة فيما سلف، وهذا خبر لا يحتمل ذكره هنا، وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب «حدائق الأذهان».
وخطب ابن الزبير فقال : قد بايعني الناس، ولم يتخلف [عن بيعتي] إلا هذا الغلام محمد ابن الحنفيَّة، والموعد بيني وبينه أن تغرب الشمس، ثم أضرم داره عليه ناراً، فدخل ابن العباس على ابن الحنفيَّة فقال : يا ابن عم إني لا آمنه عليك فبايعه، فقال: سيمنعه عني حجاب قوي فجعل ابن عباس ينظر إلى الشمس، ويفكر في كلام ابن الحنفيَّة، وقد كادت الشمس أن تغرب، فوافاهم أبو عبد اللّه الجدلي فيما ذكرنا من الخيل، وقالوا لابن الحنفيَّة : ائذن لنا فيه، فأبى، وخرج إلى أيْلَةَ فأقام بها سنين، ثم قتل
ابن الزبير، كذلك حدث عمر بن شبة النميري عن عطاء بن مسلم، فيما أخبرنا به أبو الحسن المهراني المصري بمصر، وأبو إسحاق الجوهري بالبصرة، وغيرهما.
وهؤلاء الذين وردوا إلى ابن الحنفيَّة هم الشيعة الكَيْسانية، وهم القائلون بإمامة محمد ابن الحنفيَّة، وقد تنازعت الكيسانية بعد قولهم بإمامة محمد ابن الحنفيَّة: فمنهم من قطع بموته، ومنهم من زعم أنه لم يمت وأنه حيٌّ في جبال [رَضْوَى]، وقد تنازع كل فريق من هؤلاء أيضاً، وإنما سموا بالكيسانية لإضافتهم إلى المختار بن أبي عُبَيْد الثقفي، وكان اسمه كيسان ويكنى أبا عمرة [ وأن علي بن أبي طالب سماه بذلك، ومنهم من رأى أن كيسان أبا عمرة] هو غير المختار، وقد أتينا على أقاويل فرق الكَيْسَانية وغيرهم من فرق الشيعة وطوائف الأمة في كتابنا في «المقالات في أصول الديانات» وذكرنا قول كل فريق منهم وما أيَّدَ به مذهبه، وقول من ذكر منهم أن ابن الحنفيَّة دخل إلى شِعْب رَضوى في جماعة من أصحابه فلم يعرَف لهم خبر إلى هذه الغاية.
وقد ذكر جماعة من الأخباريين أن كثيراً الشاعر كان كَيسانياً، ويقول : إن محمد ابن الحنفيَّة هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت [ شراً و].جوراً.
وحكى الزبير بن بكار في كتابه «أنساب قريش» في أنساب آل أبي طالب وأخبارهم منه قال : أخبرني عمي قال : قال كثير أبياتاً له يذكر ابن الحنفيَّة رضي اللّه عنه، وأولها :
هو المهدي خَبَّرناه كَعْبُ***أخو الأحبار في الْحِقَبِ الخوالي.
أقرَّ اللّه عيني إذ دعاني***أمين اللّه يلطف في السؤال
وأثنى في هواي على خيراً***وساءل عن بَنِيَّ وكيف حالي
وفيه يقول أيضاً كثير :
ألا إن الأئمة من قريش***ولاة الحق أربعة سواء
عليّ والثلاثة من بنيه***هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبِرّ***بطغَيّ غَيْبَتْهُ كَرْبلاء
وسبط لا تراه العين حتى***يقود الخيل يتبعها اللواء
تَغَيَّب لا يُرَى فيهم زماناً***برَضْوَى عنده عسل وماءُ
وفيه يقول السيد الحميري، وكان كَيْسانياً :
ألا قل للوصي فَدَتْكَ نفسي***أطَلْتَ بذلك الجبل المقاما
أضَرَّ بمعشر والوك منا***وَسَمَّوْك الخليفة والإماما
وعَادَوْا فيك أهل الأرض طُرًّا***مغيبك عنهم سبعين عاما
وما ذاق ابْنُ خَوْلة طعم موت***ولا وارت له أرضٌ عظاما
لقد أمسى بمردف شِعْب رَضُوى***تراجعه الملائكةُ الكلاما
وفيه يقول السيد أيضاً:
يا شعب رضوی ما لمن بك لا يرى***وبنا إليه من الصبابة أوْلَقُ
حتى متى؟ وإلى متى؟ وكم المَدَى؟***يا ابن الرسول وأنت حيّ تُرْزَقُ
وللسيد فيه أشعار كثيرة لا يأتي عليها كتابنا هذا.
وذكر علي بن محمد بن سليمان النوفلي في كتابه الأخبار مما سمعناه من أبي العباس بن عمار قال: حدثنا جعفر بن محمد النوفلي، قال : حدثنا إسماعيل الساحر، وكان راوية السيد الحميري قال : ما مات السيد إلا على قوله بالكيسانية، وأنكر قوله في القصيدة التي أولها :
*تجَعْفَرْتُ باسم اللّه، واللّه أكبرُ *
قال أبو الحسن علي بن محمد النوفلي عقيب هذا الخبر: وليس يشبه هذا شعر السيد ؛ لأن السيد مع فصاحته وجزالة قوله لا يقول تجَعفَرْتُ باسم اللّه.
وذكر عمر بن شَبَّة النميري عن مساور بن السائب أن ابن الزبير خطب أربعين يوماً لا يصلي على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وقال : لا يمنعني أن أصلي عليه إلا أن تَشَمخَ رجال بآنافها.
وذكر سعيد بن جبير أن عبد اللّه بن عباس دخل على ابن الزبير فقال له ابن الزبير : أنت الذي تؤنبني وتبخّلُنِي؟ قال ابن عباس : نعم سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول: «ليس المسلم الذي يشبع ويجوع جاره» فقال ابن الزبير : إني لأكتم بغضكم أهْلَ هذا البيت منذ أربعين سنة، وجرى بينهم خطب طويل، فخرج ابن عباس من مكة خوفاً عن نفسه فنزل الطائف، فتوفي هنالك ذكر هذا الخبر عمر بن شبَّة النميري عن سويد بن سعيد، يرفعه إلى سعيد بن جبير فيما حدثنا به المهراني بمصر والكلابي بالبصرة، وغيرهما، عن عمر بن شبة شَبَّة.
وحدث النوفلي في كتابه في الأخبار عن الوليد بن هشام المخزومي، قال: خطب ابن الزبير فنال من علي، فبلغ ذلك ابنه محمد ابن الحنفيَّة [فجاء] حتى وضع له كرسي قدامه، فعلاه، وقال يا معشر قريش شاهت الوجوه أينتَقَص علي وأنتم حضور؟ عليَّا كان سهماً صادقاً أحد مرامي اللّه على أعدائه يقتلهم لكفرهم ويُهَوِّعُهم ماكلهم، فثقل عليهم، فرموه بقرفة الأباطيل، وإنا معشر له على ثبج من أمره بنو النخبة من الأنصار، فإن تكن لنا في الأيام دولة ننثر عظامهم ونحسر عن أجسادهم، والأبدان يومئذٍ بالية، «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَى مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ» [الشعراء: 227]، فعاد ابن الزبير إلى خطبته، وقال : عذرت بني الفواطم يتكلمون، فما بال ابن الحنفيَّة؟ فقال محمد يا ابن أم، رومان وما لي لا أتكلم؟ أليست فاطمة بنت محمد حليلة أبي وأم إخوتي؟ أوليست فاطمة بنت أسد بن هاشم جدتي؟ أوليست فاطمة بنت عمرو بن عائذ جدة أبي؟ أما واللّه لولا خديجة بنت خويلد ما تركت في بني أسد عَظْماً إلا هشمته، وإن نالتني فيه المصائب صبرت.
حدثنا ابن عمار، عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال : حدثني ابن عائشة والعتبي جميعاً عن أبويهما، وألفاظُهما متقاربة، قالا: خطب ابن الزبير.
فقال : ما بال أقوام يفتون في المتعة، وينتقصون حَوَارِيَ الرسول وأم المؤمنين عائشة، ما بالهم أعمى اللّه قلوبهم كما أعمى أبصارهم، يُعَرِّض بابن عباس، فقال [ابن عباس]: يا، غلام اصمدني صَمْدَه، فقال : يا ابن الزبير :
قد أنصف الْقَارَة مَنْ راماها***إنا إذا ما فِئَة نَلَقَ نَلقاها
نَرُدُّ أولادها على أُخراها
أما قولك في المتعة فسل أمك تخبرك، فإن أول متعة سطع مجمرها لمجمر سطع بین أمك وأبيك، يريد مُتْعَة الحج، [ وأما قولك «أم المؤمنين» فبنا سميت أم المؤمنين، وبنا ضُرب عليها الحجاب] وأما قولك «حَوَاري رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)» فقد لقيتُ أباك في الزّحْف وأنا مع إمام هدى، فإن يكن على ما أقول فقد كفر بقتالنا، وإن يكن على ما تقول فقد کفر بهر به عنا، فانقطع ابن الزبير ودخل على أمه أسماء، فأخبرها، فقالت : صدق.
قال المسعودي: وفي هذا الخبر زيادات من ذكر البردة والعوسجة، وقد أتينا على
الخبر بتمامه وما قاله الناس في مُتعة النساء ومتعة الحج وتنازعهم في ذلك وما ذكر عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من أنه حرمها عام خيبر [ولحوم الحمر الأهلية] وما ذكر في حديث الربيع بن سَبْرَةَ عن أبيه وقول عمر «كانت في عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، ولو تقدمت بالنهي لفعلت بفاعل ذلك كذا وكذا» وما روي عن جابر قال : تمتعنا في عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وخلافة أبي بكر، وصدر من خلافة عمر، وغير ذلك من أقاويلهم، في كتابنا المترجم بكتاب «الاستبصار» وفي كتاب «الصفوة» وفي كتابنا المترجم بالكتاب «الواجب في الفروض اللوازم» و ما قال الناس في غسل الرجلين ومسحهما والمسح على الخفين وطلاق السنة، وطلاق العدة وطلاق التعدي، وغير ذلك.
وقد حدث النوفلي، عن أبي عاصم عن ابن جريج، قال: حدثني منصور بن
شيبة، عن صفية بنت أبي عبيد عن أسماء بنت أبي بكر قالت لما قدمنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في حجة الوداع أمر مَنْ لم يكن معه هَدْي أن يحل، قالت: فأحللت، فلبست ثيابي وتطيبت وجئت حتى جلست إلى جنب الزبير، فقال: قومي عني فقلت : ما تخاف؟ قال : أخاف أن أثب عليك؟ فهذا الذي أراد ابن عباس.
وقد ذكر هذا الحديث عن أبي عاصم غَيْرُ النوفلي، وقد تنازع الناس في ذلك : فمنهم من رأى أنه عَنى متعة النساء، ومنهم من رأى أنه أراد متعة الحج ؛ لأن الزبير تزوج أسماء بكراً في الإسلام، زوجه أبو بكر معلناً، فكيف تكون متعة النساء.
ولما هلك يزيد بن معاوية ووليها معاوية بن يزيد نمي ذلك إلى الحصين بن نمير ومن معه في الجيش من أهل الشام وهو على حرب ابن الزبير، فهادنوا ابن الزبير، ونزلوا مكة، فلقي الحصين عبد اللّه في المسجد، فقال له : هل لك يا ابن الزبير أن أحملك إلى الشام وأبايع لك بالخلافة ؟ فقال عبد اللّه رافعاً صوته : أبعد قتل أهل الْحَرَّة، لا واللّه حتى أقتل بكل رجل خمسة من أهل الشام فقال الحصين : مَنْ زعم يا ابن الزبير أنك داهية فهو أحمق أكلمك سراً وتكلمني علانية، أدعوك [إلى] أني أستخلفك فترفع الحرب وتزعم أنك تقاتلنا، فستعلم أينا المقتول، وانصرف أهل الشام إلى بلادهم مع الحصين، فلما صاروا إلى المدينة جعل أهلها يهتفون بهم، ويتوعدونهم، ويذكرون قتلاهم بالحَرَّة، فلما أكثروا من ذلك وخافوا الفتنة وهَيْجَهَا صعد روح بن زنباع الجذامي على منبر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وكان في ذلك الجيش، فقال : يا أهل المدينة، ما هذا الإيعاد الذي تعودوننا؟ إنا واللّه ما دعوناكم إلى كلب لمبايعة رجل منهم، ولا إلى رجل من بلْقَين، ولا إلى رجل من لخم أو جُذَام، ولا غيرهم من العرب [والموالي]، ولكن
دعوناكم إلى هذا الحي من قريش يعني بني أمية، ثم إلى طاعة يزيد بن معاوية، وعلى طاعته قاتلناكم، فإيانا توعدون؟ أما واللّه إنا لأبناء الطعن والطاعون، وفضلات الموت والمنون فما شئتم ومضى القوم إلى الشام.
وحمل إلى ابن الزبير من صنعاء الفُسَيْفِسَاء التي كان بناها أبرهة الحبشي في كنيسته التي اتخذها هنالك، ومعها ثلاث أساطين من رخام فيه وشيّ منقوش قد حُشي النقش السندروس وأنواع الألوان من الأصباغ فمن رآه ظنه ذهباً، وشرع ابن الزبير في بناء الكعبة، وشهد عنده سبعون شيخاً من قريش أن قريشاً حين بنت الكعبة عجزت نفقتهم فنقصوا من سَعَة البيت سبعة أذرع من أساس إبراهيم الخليل الذي أسسه هو وإسماعيل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فبناه ابن الزبير وزاد فيه الأذرع المذكورة، وجعل فيه الفسيفساء والأساطين، وجعل له بابين: باباً يدخل منه، وباباً يخرج منه، فلم يزل البيت على ذلك حتى قتل الحجاج عبد اللّه بن الزبير، وكتب إلى عبد الملك [بن مروان] يعلمه بما زاده ابن الزبير في البيت، فأمره عبد الملك بهدمه، وردِّه إلى ما كان عليه آنفاً من بناء قريش وعصر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وأن يجعل له باباً واحداً، ففعل الحجاج ذلك.
واستوثق الأمر لابن الزبير، وأخذت له البيعة بالشام، وخطب له على سائر منابر الإسلام، إلا منبر طبرية من بلاد الأردن، فإن حسان بن مالك بن بجدل أبى أن يبايع لابن الزبير، وأرادها لخالد بن يزيد بن معاوية وكان القيم بأمر بيعة ابن الزبير بمكة عبد اللّه بن مطيع العدوي ؛ ففي ذلك يقول قضاعة الأسدي، وكان بايع لابن الزبير ثم نكث :
دعا ابن مطيع للبياع فجئته***إلى بَيْعة قلبي لها غيرُ آلف
فناولني خَشْنَاء لما لمستها***بكفي ليست من أكُفِّ الخلائف
وهلك يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد وعبيد اللّه بن زياد على البصرة أمير فخطب الناس وأعلمهم بموتهما، وأن الأمر شورى لم ينصب له أحد وقال لا أرْضَ اليوم أوسع من أرضكم ولا عَدَدَ أكثر من عددكم ولا مال أكثر من مالكم، في بيت مالكم مائة ألف ألف درهم، ومقاتلتكم ستون ألفاً، وعطاؤهم وعطاء العيال ستون ألف ألف درهم، فانظروا رجلا ترضونه يقوم بأمركم، ويجاهد عدوكم، وينصف مظلومكم من ظالمكم، ويوزع بينكم أموالكم، فقام إليه أشراف أهلها - ومنهم الأحنف بن قيس التميمي، وقيس بن الهيثم السلمي ومسمع بن مالك العبدي - فقالوا: ما نعلم ذلك
الرجل غيرك أيها الأمير وأنت أحق من قام على أمرنا حتى يجتمع الناس على خليفة، فقال: أما لو استعملتم غيري لسمعت وأطعت.
وقد كان على الكوفة عمرو بن حريث الخزاعي عاملا لعبيد اللّه بن زياد، فكتب إليه عبيد اللّه يعلمه بما دخل فيه أهل البصرة، ويأمره أن يأمر أهل الكوفة بما دخل فيه أهل البصرة، [فصعد عمرو بن حريث على المنبر، فخطب الناس وذكر لهم ما دخل فيه أهل البصرة] فقام يزيد بن رويم الشيباني فقال : الحمد للّه الذي أطلق أيماننا لا حاجة لنا في بني أمية، ولا في إمارة ابن مرجانة، وهي أم عبيد اللّه، وأم أبيه زيادٍ سمية على ما ذكرنا آنفاً إنما البيعة لأهل الحجر - يعني أهل الحجاز - فخلع أهل الكوفة ولاية بني وإمارة ابن زياد وأرادوا أن ينصبوا لهم أميراً إلى أن ينظروا في أمرهم، فقال جماعة : عمرو بن سعد بن أبي وقاص يصلح لها، فلما هموا بتأميره أقبل نساء من همدان وغيرهن من نساء كهلان [والأنصار] وربيعة والنخع حتى دخَلْنَ المسجد الجامع صارخات باكيات مُغْوِلات يندبن الحسين ويقلن : أما رضي عمرو بن سعد بقتل الحسين حتى أراد أن يكون أميراً علينا على الكوفة، فبكى الناس، وأعرضوا عن عمرو، وكان المبرزات في ذلك نساء همدان، وقد كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مائلا إلى همدان مؤثراً لهم، وهو القائل:
فلو كنت بوّاباً على باب جنة***لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقال :
*عبَّيْتُ همدان وعَبَّوْا حميراً *
ولم يكن بصفين منهم أحد مع معاوية وأهل الشام إلا ناس كانوا بغُوطة دمشق، بقرية تعرف بعين ثرما، فيها منهم قوم إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة
ولما اتصل خبر أهل الكوفة بابن الزبير أنفذ إليهم عبد اللّه بن مطيع العدوي على ما قدمنا آنفاً، فتولى أمرهم حتى وجه المختار في أثره.
و نظر مروان بن الحكم في إطباق الناس على مبايعة ابن الزبير، وإجابتهم له، فأراد أن يلحق به وينضاف إلى جملته، فمنعه من ذلك عبد اللّه بن زياد عند لحاقه بالشام، وقال له : إنك شيخ بني عبد مناف فلا تعجل فصار مروان إلى الجابية، من أرض، الجولان بين دمشق، والأردن واستمال الضحاك بن قيس الفهري الناس، ورأسهم،
وانحاز عن، مروان وأراد، دمشق فسبقه إليها الأشدق، عمرو بن سعيد بن العاص [فدخلها] وصار الضحاك إلى حوران [ والبثنة] وأظهر الدعوة لابن الزبير، والتقى الأشدق ومروا، فقال الأشدق لمروان : هل لك فيما أقوله لك فهو خير لي ولك؟ قال مروان: وما هو ؟ قال : أدعو الناس إليك وآخذها لك على أن تكون لي من بعدك، فقال مروان: لا، بل بعد خالد بن يزيد بن معاوية، فرضي الأشدق بذلك، ودعا الناس إلى بيعة مروان فأجابوا، ومضى الأشدق إلى حسان بن مالك بالأردن، فأرغبه عن بيعة، مروان فجنح لها.
وبويع مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ويكنى أبا عبد الملك، وأمه آمنة بنت علقمة بن صفوان، وذلك بالأردن، وكان أول من بايعه أهلها، وتمت بيعته.
وكان مروان أول مَنْ أخذها بالسيف كرهاً على ما قيل بغير رضا من عصبة من الناس، بل كلّ خوَّفه إلا عدداً يسيراً حملوه على وثوبه عليها، وقد كان غيره ممن سلف أخذها بعدد وأعوان إلا، مروان فإنه أخذها على ما وصفنا.
وبايع مروان بعده لخالد بن يزيد ولعمرو بن سعيد الأشدق بعد خالد وكان مروان يلقب بخيط باطل وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن الحكم [أخوه]:
لحا اللّه قَوْماً أَمَّرُوا خِيطَ باطِلٍ***على النَّاسِ يعطي مَنْ يَشَاءُ ويمنع
واشترط حسان بن مالك - وكان رئيس قحطان وسيدها بالشام - على مروان ما كان لهم من الشروط على معاوية، وابنه يزيد وابنه معاوية بن يزيد منها أن يفرض لهم لألفي رجل ألفين، ألفين وإن مات قام ابنه أو ابن عمه مكانه، وعلى أن يكون لهم الأمر والنهي، وصدر المجلس، وكل ما كان من حل وعقد فعن رأي منهم ومشورة، فرضي مروان بذلك، فانقاد إليه وقال له مالك بن هبيرة اليشكري: إنه ليست لك في أعناقنا بيعة وليس نقاتل [إلا] عن عَرَض دنيا ؛ فإن تكن لنا على ما كان لنا معاوية ويزيد نصرناك، وإن تكن الأخرى فواللّه ما قريش عندنا إلا سواء فأجابه مروان إلى ما سأل !.
وسار مروان نحو الضحاك بن قيس الفهري وقد انحازت قيس وسائر مضر وغيرهم من نزار إلى الضحاك، ومعه أناس من قُضَاعَة عليهم وائل بن عمرو العدوي،
وكانت معه راية عَقَدَها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لأبيه، وأظهر الضحاك ومَنْ معه خلافة ابن الزبير والتقى مروان والضحاك ومن معهما بمرج راهط على أميال من دمشق؛ فكانت بينهم الحروب سجالاً، وكَثرَت اليمانية عليهم وبواديها مع مروان؛ فقتل الضحاك بن قيس رئيس جيش ابن الزبير، قتله رجل من تَيم اللات، وقتل من معه من نزار، وأكثرهم من قيس، مَقْتَلة عظيمة لم ير مثلها قط، وفي ذلك يقول مروان بن الحكم:
لما رأيت الناس صَارُوا حَرْبَا***وَالْمَالَ لا يُؤخَذ إِلا غَصْبًا
دَعَوْت غَسَّاناً لهم وكلبا***والسكسكيينَ رِجَالًا غُلْبًا
وَالقَيْن تمشي في الحدِيدِ نكبا***والأعْوَجيَّاتُ يَثِبْنَ وَثْبَا
يحملْنَ سَرْوَات ودينا صُلْبَا
وفي ذلك يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم:
أرى أحاديث أهْل المَرْج قد بلغت***أهل الفرات وَأَهْل الفيض وَالنِّيل
وكان زفر بن الحارث العامري، ثم الكلابي، مع الضحاك، فلما أمعن السيفُ في قومه ولى ومعه رجلان من بني سليم، فقصر فرساهما وغشيتهما اليمانية من خيل مَرْوَان فقالا له : انج بنفسك فإنا مقتولان، فَوَلّى راكضاً، وَلُحِقَ الرجلان، فقتلا، وفي هذا اليوم يقول زفر بن الحارث الكلابي من أبيات كثيرة :
لَعَمْرِي لقد أبقت وَقِيعَة رَاهِط***لِمَرْوَانَ صَدْعاً بَيِّناً مُتَنَاكِيَا
فقد ينبت المَرْعَى على دِمَنِ الثَّرَى***وتبقى حَزَازَات النفوس كما هِيَا
أريني سلاحي لا أَبَالَكَ إنني***أرى الحرب لا تزداد إلا تَمَادِيَا
أتَذْهَب كلب لم تَنَلْهَا رماحنا***وتترك قَتْلَى رَاهِط هي مَاهِيَا
فلم تر مِنِّي نبوة قبل هذه***فِرَارِي، وتركي صَاحِبَيَّ وَرَائِيَا
عَشِيَّةَ أَغْدُو في الفريقين لا أرى***من القوم إلا مَنْ عَلَيَّ ولا لِيَا
أيذهب يَوْمُ واحد إن أسأتُه***بصالح أيامي وَحُسْنِ بَلَائِيَا
أبعد ابن عمرو وابن مَعْن تتابعا***ومَقْتَل هَمَّامٍ أُمَنَّي الأَمَانِيَا
وتلاحق الناس ممن حضر الوقعة بأجنادهم من أرض الشام، وكان النعمان بن بشير والياً على حِمْص قد خطب لابن الزبير ممالئاً للضحاك، فلما بلغه قتله وهزيمة الزُّبَيْرِية خرج عن حمص هارباً، فسار ليلته [جمعاء] متحيراً لا يدري أين يأخذ، فأتبعه خالد بن عدي الكلاعي فيمن خَفَّ معه من أهل حمص، فلحقه وقتله، وبعث برأسه إلى مروان،
وانتهى زُفَر بن الحارث [ الكلابي] في هزيمته إلى قرقيسيا، فغلب عليها، واستقام الشام المروان، وبَثَّ فيه رجاله وعُمَّاله.
وسار مروان في جنوده من الشام إلى [أهل] مصر، فحاصرها وخَنْدَقَ عليها خندقاً مما يلي المقبرة، وكانوا زُبَيْرِية عليهم لابن الزبير [عبد الرحمن بن عتبة] بن جحدم، وسيد الفسطاط يومئذٍ وزعيمها أبو رشد بن كريب بن أبرهة بن الصباح، فكان بينهم وبين مروان قتال يسير، وتوافقوا على الصلح، وقتل مروان أكيدر بن الحمام صبراً، وكان فارس مضر، فقال أبو رشد لمروان : إن شئت واللّه أعَدْنَاهَا جَذَعَة، يعني يوم الدار بالمدينة، فقال مروان : ما أشاء من ذلك شيئاً، وانصرف عنها وقد استعمل عليها ابنه عبد العزيز.
وقدم مروان الشام فنزل الصميرة على ميلين من طبرية من بلاد الأردن، فأحضر حسان بن مالك، وأرغبه وأرهبه فقام حسان في الناس خطيباً، ودعاهم إلى بيعة عبد الملك بن مروان [بعد مروان] وبيعة عبد العزيز بن مروان بعد عبد الملك، فلم يخالفه في ذلك أحد.
وهلك مروان بدمشق في هذه السنة، وهي سنة خمس وستين، وقد تنازع أهل التواريخ وأصحاب السير ومن عُني بأخبارهم في سبب وفاته : فمنهم من رأى أنه مات مطعوناً، ومنهم من رأى أنه مات حَتْفَ أنْفِهِ، ومنهم من رأى أن فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة أم خالد بن يزيد بن معاوية هي التي قتلته، وذلك أن مروان حين أخذ البيعة لنفسه ولخالد بن يزيد بعده وعمرو بن سعيد بعد خالد ثم بَدَا له غير ذلك فجعلها لابنه عبد الملك بعده، ثم لابنه عبد العزيز بعد عبد الملك ودخل عليه خالد بن يزيد فكلّمه وأغْلَظَ له، فغضب من ذلك وقال : أتكلمني يا ابن الرَّطية ؟ وكان مروان قد تزوج بأمه فاختة ليُذِلَّه بذلك ويَضَع بذلك ويَضَع منه، فدخل خالد على أمه فقبح لها تزوجها بمروان، وشكا إليها ما نزل به منه، فقالت : لا يعيبك بعدها ؛ فمنهم من رأى أنها وضعت على نَفْسِه وسادة وقعدت فوقها مع جواريها حتى مات، ومنهم من رأى أنها أعَدَّتْ له لبناً مسموماً فلما دخل عليها ناولته إياه، فشرب فلما استقر في جوفه وقع يجود بنفسه وأمسك لسانه، فحضره عبد الملك وغيره من ولده ؛ فجعل مروان يشير إلى أم خالد [برأسه] يخبرهم أنها قتلته وأم خالد تقول بأبي وأمي] أنت حتى عند النزع لم تشتغل عني، إنه يوصيكم بي حتى هلك، فكانت أيامه تسعة أشهر وأياماً قلائل وقيل ثمانية أشهر
وقيل غير ذلك مما سنورده عند ذكرنا للمدة التي ملكت فيها بنو أمية من الأعوام، فيما يرد من هذا الكتاب، إن شاء اللّه تعالى.
وهلك مروان وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقد ذكر غير ذلك في سنه، وكان قصيراً، أحمر، ومولده لسنتين خَلَتَا من الهجرة وهلك بعد أخذ البيعة لولده بثلاثة أشهر، وقد ذكر ابن أبي خيثمة في كتابه في التاريخ أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) توفي ومروان ابنُ ثمان سنين، وكان لمروان عشرون أخاً وثماني أخوات، وله من الولد أحد عشراً ذكراً وثلاث بنات وهم : عبد الملك، وعبد العزيز وعبد اللّه، وأبان وداود، وعمر، وأم عمر، وعبد الرحمن وأم، عثمان، وعمرو، وأم عمرو، وبشر، ومحمد، ومعاوية، وقد ذكرنا هؤلاء ومَنْ أعقب منهم ومن لم يعقب.
وقد كان يزيد بن معاوية خلف من الولد أكثر مما خلف مروان، وذلك أنه خلف : معاوية، وخالداً، وعبد اللّه الأكبر، وأبا سفيان، وعبد اللّه الأصغر، وعمر، وعاتكة، وعبد الرحمن وعبد اللّه الذي لقبه الأصغر، وعثمان، وعتبة الأعور، وأبا بكر، و محمداً، ويزيد، وأم يزيد وأم عبد الرحمن، ورملة.
[وخلف أبوه معاوية بن أبي سفيان من الولد: عبد الرحمن، ويزيد، وعبد اللّه، وهنداً ورَمْلَة، وصفية]
وبُويع عبدُ الملك بن مروان ليلة الأحد غرة شهر رمضان من سنة خمس وستين، ثم بَعَثَ الحجاج بن يوسف إلى عبد اللّه بن الزبير ومن معه من الناس بمكة، فقتل عبد اللّه يوم الثلاثاء لعشر مَضَيْنَ من جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وكانت ولاية ابن الزبير تسع سنين وعشر ليال، وسنذكر مدة ابن الزبير بعد هذا الموضع من هذا الكتاب عند ذكرنا لجامع [مدة] ملك بني أمية، ثم هاجت فتنة ابن هاجت فتنة ابن الأشعث في شعبان من سنة اثنتين وثمانين، ثم توفي عبد الملك بن مروان بدمشق يوم السبت لأربع عشرة مضت من شوال سنة ست وثمانين، وكانت ولايته منذ بويع إلى أن توفي إحدى وعشرين سنة وشهراً ونصفاً، وبقي بعد عبد اللّه بن الزبير واجتماع من اجتمع عليه من الناس ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر إلا سبع ليال وسنذكر ما فعله من وقت استقامة من استقام له من الناس، وَقُبِضَ وَهو ابن ست وستين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وكان يحب الشعر والفخر والتقريظ والمدح [وَكان الغالب عليه البخل، وكان له إقدام على الدماء]، وكان عُمَّاله على مثل مذهبه، كالحَجَّاج بالعراق، والمهلَّب بخراسان، وهشام بن إسماعيل بالمدينة، وغيرهم، [بغيرها]، وكان الحجاج من أظلمهم وَأسْفَكهم للدماء، وسنذكر في هذا الكتاب جوامع من ذكره فيما يلي هذا الباب.
ولما أفضى الأمر إلى عبد الملك بن مروان تاقت نفسُه إلى محادثة الرجال والإشراف على أخبار الناس، فلم يجد مَن يصلح لمنادمته غير الشَّعْبي، فلما حُمِل إليه ونادمه [ وحَظِيَ عنده] قال له يا شعبيُّ لا تساعدني على ما قبح، ولا تردَّ على الخطأ في مجلسي، ولا تكلفني جواب التشميت والتهنئة، ولا جواب السؤال والتعزية، ودع عنك كيف أصبح الأمير وكيف أمسى، وكلمني بقدر ما أستطعمك واجْعَلْ بدل المدح لي صوابَ الاستماع مني واعلم أن صواب الاستماع أكثر من صواب القول.
وإذا سمعتني أتحدَّثُ فلا يفوتنَّكَ منه شيء، وأرني فهمك في طرفك وسمعك، ولا تجهد نفسك في تَطْرِية جوابي، ولا تَسْتَدْع بذلك الزيادة في كلامي؛ فإن أسْوَأ الناس حالا من استكَدَّ الملوك بالباطل، وإن أسْوَأ حالا منهم من استخف بحقهم، واعلم یا شعبي أن أقل من هذا يذهب بسالف الإحسان، ويسقط حق الحرمة ؛ فإن الصمت في موضعه ربما كان أبلغ من المنطق في موضعه، وعند إصابته فرصة.
وقال عبد الملك للشعبي يوماً من أين تهبُّ الريح ؟ قال : لا علم لي يا أمير المؤمنين قال عبد الملك : أما مهبُّ الشمال فمن مطلع بنات نَعْش [إلى مطلع الشمس ]، وأما مهبُّ الصَّبَا فمن مطلع الشمس إلى مطلع سُهَيْل، وأما الجنوب فمن مطلع سُهَيْل إلى مغرب الشمس، وأما الدَّبُور فمن مغرب الشمس إلى مطلع بنات نعش.
وفي سنة خمس وستين تحركت الشيعة بالكوفة، وتلاقوا بالتلاوم والتنادم حين قتل
الحسين فلم يغيثوه، ورأوا أنهم قد أخطؤوا خطأ كبيراً، بدعاء الحسين إياهم ولم يجيبوه، ولمقتله إلى جانبهم فلم ينصروه، ورأوا أنهم لا يغسل عنهم ذلك الجرم إلا قتل من قتله أو القتل فيه، ففزعوا إلى خمسة نفر منهم : سليمان بن صُرَد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري، وعبد اللّه سعد بن بن نفيل الأزدي، وعبد اللّه بن وال التميمي، ورفاعة بن شداد البجلي، فعسكروا بالنخيلة، بعد أن كان لهم مع المختار بن أبي عُبَيْدِ الثقفي خَطْبٌ طويل بتثبيطه الناس عنهم ممن أراد الخروج معهم، ففي ذلك يقول عبد اللّه بن الأحمر يحرض على الخروج والقتال من أبيات :
صحوت وودَّعْتُ الصبا والغوانيا***وقلت لأصحابي : أجيبوا المنادِيًا
وقولوا له إذ قام يدعو إلى الهدى***وقبل الدعا: لَبَّيْكَ لبيك داعيا
في شعر طويل يحثُّ فيه على الخروج، ويرثي الحسين ومَن قتل معه، ويلوم شيعته بتخلفهم عنه، ويذكر أنهم قد تابوا إلى اللّه [ وأنابوا إليه] من الكبائر التي ارتكبوها إذ لم ينصروه، ويقول أيضاً في هذا الشعر:
ألا وانْعَ خير الناس جداً ووالداً***حُسيناً لأهل الدين إن كنت ناعيا
ليَبْكِ حسيناً مُرْمِلٌ ذو خَصَاصة***عديم وأيتام تشكّى المواليا
فأضحى حسين للرماح دريئة***وغودر مسلوباً لدى الطَّفٌ ثاويا
فيا ليتني إذ ذاك كنت شهدته***فضاربت عند الشانئين الأعاديا
سقى اللّه قبراً ضُمِّنَ المجد والتقى***بغربية الطف الغمام الغواديا
فيا أمةً تاهَتْ وضَلَّتْ سفاهة***أنيبوا فأرْضُوا الواحد المتعاليا
ثم ساروا يقدمهم مَنْ سَمَّينا من الرؤساء وعبد اللّه بن الأحمر يقول :
خرجن يلمعن بنا أرسالا***عوابساً يحملننا أبطالا
نيريد أن نلقي بها الأقيالا***القاسطين الغُدُرَ الضُّلالا
وقد رَفَضْنَا الوُلْدَ والأموالا***والخَفِرَاتِ البيض والحجالا
نرضى به ذا النعم المفضالا
فانتهوا إلى قرقيسياء من شاطىء الفرات وبها زُفَرُ بن الحارث الكلابي، فأخرج إليهم الأنزال، وساروا من قرقيسياء ليسبقوا إلى عين الوردة، وقد كان عبيد اللّه بن زياد توجة من الشام إلى حربهم في ثلاثين ألفاً، وانفصل على مقدمته من الرقة خمسة أمراء،
منهم الحصين بن نمير السكوني، وشَرَخبيل بن ذي الكلاع الحميري وأدهم بن محرز الباهلي، وربيعة بن المخارق الغَنَوِي وجبلة بن عبد اللّه الخثعمي، حتى إذا صاروا إلى عين الوردة التقى الأقوام، وقد كان قبل ذلك لهم مُنَاوَشَاتٌ في الطلائع، فاستشهد سليمان بن صُرَد الخزاعي، بعد أن قَتَلَ من القوم مقتلة عظيمة، وأبلى وحَثّ وحَرَّض، ورماه يزيد بن الحصين بن نمير بسهم فقتله، فأخذ الراية المسيب بن نجبة الفزاري، وكان من وجوه أصحاب عليّ رضي اللّه عنه، وكَرَّ على القوم وهو يقول :
قد علمتْ مَيَّالة الذوائب***واضحة اللبّاتِ والترائب
أني غداة الروع والمقانب***أشجع من ذي لِبْدَةٍ مُوَاتَب
فقاتل حتى قتل واستقتل الترابيون وكسروا أجفان السيوف، وسالت عليهم عساكر أهل الشام بالليل ينادون الجنة الجنة إلى البقية من أصحاب أبي تراب الجنة الجنة إلى الترابية وأخذ راية الترابيين عبد اللّه بن سعد بن نفيل، وأتاهم إخوانهم يحثُّونَ السير خلفهم من أهل البصرة وأهل المدائن في نحو من خمسمائة فارس عليهم المثنى بن مخرمة، وسعد بن حذيفة وهم يقولون : أقِلْنَا رَبَّنَا تفريطنا فقد تُبْنَا، فقيل لعبد اللّه بن سعد بن نفيل وهو في القتال : إن إخواننا قد لحقونا من البصرة والمدائن، فقال : ذاك لو جاؤوا ونحن أحياء، فكان أول من استشهد في ذلك الوقت ممن لحقهم من أهل المدائن كثير بن عمرو المدني. وطعن سعد بن أبي سعد الحنفي، وعبد اللّه بن الخطل الطائي، وقتل عبد اللّه بن سعد بن نفيل.
فلما علم من بقي من الترابيين : أن لا طاقة لهم بمن بإزائهم من أهل الشام انحازوا عنهم، وارتحلوا، وعليهم رفاعة بن شداد البجلي، وتأخر أبو الحويرث العبدي في جابية الناس، وطلب منهم أهل الشام المكافّة والمتاركة، لما رأوا من بأسهم وصبرهم من قلتهم، فلحق أهل الكوفة بمصرهم، وأهل المدائن والبصرة ببلادهم، وسمع من الترابيين في مسيرهم ورجوعهم من عين الوردة قائلا يقول، رافعاً عقيرته :
يا عين بكى ابن الصُّرَدْ***بكى إذا الليل خَمد
كان إذا البأس نكد***تخاله فیه أسد
مضى حَمِيداً قد رَشَدْ***في طاعة الأعلى الصمد
وقد ذكر أبو مخنف لوط بن يحيى وغيره من أصحاب التواريخ والسير مَنْ قتل من الترابيين مع سليمان بن صُرَد الخزاعي على عين الوردة وأسماءهم، فقللهم.
وحكى أبو مخنف في كتابه في أخبار الترابيين بعين الوردة قصيدة عزاها إلى أعشى
هَمْدَانَ طويلة يرثي بها أهل عين وردة من الترابيين ويصف ما فعلوه منها:
توجَّهَ من دون الثنية سائراً***إلى ابن زياد في الجموع الكتائب
فساروا وهم من بين ملتمس التقى***وآخر مما جَرَّ بالأمس تائب
فلاقوا بعين الوردة الجيش فاضلا***عليهم فحيوهم بيض قواضب
فجاءهُمُ جمع من الشام بعده***جموع كموج البحر من كل جانب
فما بَرحُوا حتى أبيدت جموعهم***ولم يَنْجُ منهم ثُمَّ غير عصائب
وغَودرَ أهل الصبر صَرْعى فأصبحوا***تَعَاوَرُهُمْ رِيحُ الصَّبَا والجنائب
وأضحى الخزاعيُّ الرئيس مجدَّلا***كأن لم يقاتل مرة ويحارب
ورأس بني شمخ وفارس قومه***جميعاً مع التيمي هادي الكتائب
وعمرو بن عمرو بن بشر وخالد***وبكر وزيد والحليس بن غالب
أبو غير ضرب يَخْلق الهام وقعه***وطعن بأطراف الأسنة صائب
فيا خير جيش للعراق وأهله***سُقِيتُمْ روايا كل أَسْحَمَ ساكبَ
فلا تَبْعَدُوا فرسانَنَا وَحُمَاتَنَا***إذا البيض أبدت عن خِدّام الكواعب
فإن تقتلوا فالقتل أكرم ميتة***ولك فتى يوماً لإحدى النوائب
وما قتلوا حتى أصابوا عصابة***محلين حورا كالليوث الضوارب
وقيل : إن وقعة عين الوردة كانت في سنة ست وستين.
وفي [سنة ست وستين في] أيام عبد الملك بن مروان توفي الحارث الأعور صاحب علي (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهو الذي دخل على عليّ فقال : يا أمير المؤمنين ألا ترى إلى الناس قد أقبلوا على هذه الأحاديث وتركوا كتاب اللّه؟ قال : وقد فعلوها ؟ قال : نعم قال : أما إني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول : ستكون فتنة قلت : فما المخرج منها يا رسول اللّه؟ قال : «كتاب اللّه، فيه نبأ ما [كان] قبلكم، وخَبَرُ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، مَنْ تركه من جَبَّارٍ قَصَمه اللّه، ومن أراد الهدى في غيره أضله اللّه، هو حبل اللّه المتين، وهو الذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ عنه العقول، ولا تلتبس به الألْسُنُ، ولا تنقضي عجائبه، ولا يعلم علم مثله، هو الذي لمَّا سَمِعته الجن قالوا : «إِنَّا سَمِعْنَا قُرءَانَّا عَجَبَا يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ» [الجن: 21] من قال به صَدَقَ ومن زال عنه عدا، ومن عمل به أُجر، ومن تمسك به هُدِي إلى صراط مستقيم» خذها إليك يا أعور.
ولما كان من وقعة عين الوردة ما قدمنا سار عبيد اللّه بن زياد في عساكر الشام يؤمٌ، العراق، فلما انتهى إلى الموصل - وذلك في سنة ست وستين - التقى هو وإبراهيم بن الأشتر النخعي، وإبراهيم على خيل العراق من قبل المختار بالخازر.
فكانت بينهم وقعة عظيمة قتل فيها ابن مَرْجَانة عبيد اللّه بن زياد، والحصين بن نمير، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وابن حوشب ذي ظليم، وعبد اللّه بن إياس السلمي، وأبو أشرس، وغالب الباهلي، وأشراف أهل الشام، وذلك أن عمير بن الحباب السلمي كان على ميمنة ابن زياد في ذلك الجيش، وكان في نفسه ما فعل بقومه من مضر وغيرهم من نزار يوم مرج، راهط، فصاح: یا لثارات قيس يا، لمضر يا لنزار، فتزاحمت نزار من مضر وربيعة على من كان معهم في جيشهم من أهل الشام من قحطان، وقد كان عمير كَاتَبَ إبراهيم بن الأشتر [سراً] قبل ذلك، والتقيا فتواطاً على ما ذكرنا، وحمل إبراهيم بن الأشتر رأس ابن زياد وغيره إلى المختار، فبعث به المختار إلى عبد اللّه بن الزبير بمكة.
وقد كان عبد الملك بن مروان سار في جيوش أهل الشام فنزل بطنان ينتظر ما يكون من [أمر] ابن زياد، فأتاه خبر مقتله ومقتل من كان معه وهزيمة الجيش بالليل، أتاه في تلك الليلة مقتل حبيش بن دلجة، وكان على الجيش بالمدينة لحرب ابن الزبير، ثم جاءه خبر دخول ناتل بن قيس فلسطين من قبل ابن الزبير ومسير مُصْعَب بن الزبير من المدينة إلى فلسطين، ثم جاءه مسير ملك الروم لاوي بن فلنط ونزوله المصيصة يريد الشام، ثم جاءه خبر دمشق، وأن عبيدها وأوباشها ودعارها قد خرجوا على أهلها ونزلوا الجبل، ثم أتاه أن مَنْ في السجن بدمشق فتحوا السجن وخرجوا منه مكابرة، وأن خيل الأعراب أغارت على حمص وبعلبك والبقاع، وغير ذلك مما نمي إليه من المفظعات في تلك الليلة، فلم يُرَ عبد الملك في ليلة قبلها أشد ضحكاً، ولا أحسن وجهاً ولا أبسط لساناً، ولا أثْبَتَ جَنَاناً منه تلك الليلة، تجلداً وسياسية للملوك، وترك إظهار الفَشَل.
وبعث بأموال وهدايا إلى ملك الروم، فشغله وهادئه، وسار إلى فلسطين وبها ناتل بن قيس على جيش ابن الزبير فالتقوا بأجنادين فقتل ناتل بن قيس وعامة أصحابه،
وانهزم الباقون، ونمي خبر قتله وهزيمة الجيش إلى مصعب بن الزبير وهو في الطريق فولى راجعاً إلى المدينة، ففي ذلك يقول رجل من كلب من المروانية :
قتلنا بأجنادين سعداً ونائلا***قصاصاً بما لاقى حبيش ومنذر
ورجع عبد الملك إلى دمشق فنزلها، وسار إبراهيم بن الأشتر فنزل نصيبين، وتحصن منه أهل الجزيرة، ثم استخلف على نصيبين، ولحق بالمختار بالكوفة.
وفي سنة سبع وستين سار مصعب بن الزبير من البصرة، وقد كان أخوه عبد اللّه بن الزبير أنفذه إلى العراق والياً، فنزل حَرُوراء، والتقى هو والمختار فكانت بينهم حروب عظيمة، وقَتلٌ ذريع، وانهزم المختار، وقد قتل محمد بن الأشعث وابنان له، ودخل قصر الإمارة بالكوفة وتحصن فيه، وجعل يخرج كل يوم لمحاربة مصعب وأصحابه من أهل الكوفة [وغيرهم] والمختار معه خلق كثير من الشيعة قد سموا الخشبية من الكَيْسَانية وغيرهم، فخرج إليهم ذات يوم وهو على بغلة [له] شَهْبَاء، فحمل عليه رجل من بني حنيفة يقال له عبد الرحمن بن أسد، فقتله واختَزّ رأسه، وتنادوا بقتله فقطَّعه أهل الكوفة وأصحاب مصعب أعضاء، وأبي مصعب أن يعطي الأمان لمن بقي في القصر من أصحابه، فحاربوا إلى أن أضَرَّ بهم الجَهْدُ، ثم أمنهم وقتلهم بعد ذلك، فكان ممن قتل مع المختار عبيد اللّه بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، وله خبر مع المختار في تخلصه منه ومضيه إلى البصرة وخوفه على نفسه من مصعب إلى أن خرج معه جيشه، وقد أتينا على خبره وسائر ما أومأنا إليه في كتابنا «أخبار الزمان» فكان جملة مَنْ أدركه الإحصاء ممن قتله مصعب مع المختار سبعة آلاف رجل كل هؤلاء طالبون بدم الحسين، وقتلة أعدائه وقتلة أعدائه، فقتلهم مصعب وسماهم الخشبية، وتتبع مصعب الشيعة بالقتل بالكوفة وغيرها، وأتى بحرم المختار فدعاهن إلى البراءة منه ففعلن إلا حرمتين له إحداهم بنت سَمُرَة بن جندب الفزاري والثانية ابنة النعمان بن بشير الأنصاري وقالتا : كيف نتبرأ من رجل يقول ربي اللّه ؟ كان صائم نهاره قائم ليله قد بذل دمه اللّه ولرسوله في طلب قَتَلَةِ ابن بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وأهله وشيعته، فأمكنه اللّه منهم حتى شفي النفوس، فكتب مصعب إلى أخيه عبد اللّه بخبرهما وما قالتاه فكتب إليه إن هما رجعتا عما هما عليه وتبرأتا منه وإلا فاقتلهما فعرضهما مصعب على السيف فرجعت بنت سمرة ولعنته وتبرأت منه وقالت : لو دعوتني إلى الكفر مع السيف لكفرت : أشهد أن المختار كافر، وأبت ابنة النعمان بن بشير وقالت : شهادة أرزقها فأتركها ؟ كلا!! إنها موتة ثم الجنة
والقدوم على الرسول وأهل بيته واللّه لا يكون آتي مع ابن هند [فأتبعه] وأترك ابن أبي طالب؟ اللّهم اشهد أني متبعة لنبيك وابن بنته وأهل بيته وشيعته، ثم قدمها فقتلت صبراً، ففي ذلك يقول الشاعر :
إن من أعجب الأعاجيب عندي***قَتْلَ بَيْضَاء حرة عُطْبُولِ
قتلوها ظلماً على غير جرم***إن اللّه إن للّه درها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا***وعلى الغانيات جرُّ الذيول
ولم نتعرض في هذا الكتاب لذكر المهلب وقتله لنافع [بن الأزرق]، وذلك في سنة خمس وستين ونافع هو الذي تنسب إليه الأزارقة من الخوارج ؛ إذ كنا أتينا في كتابنا أخبار الزمان على ذكر حروب الخوارج مع المهلب وغيره ممن سلف وخلف، وذكرنا شأن مرداس بن عمرو بن بلال التميمي، وعطية بن الأسود الحنفي، وأبي فديك، وشوذب الشيباني [ وسويد الشيباني وقطامة الشيباني، والمهذب السكوني، وقَطَري بن الفُجَاءة، والضحاك بن قيس الشيباني] ووقعة ابن الماحوز الخارجي مع المهلب ومقتله، وظفر المهلب بهم في ذلك اليوم، وخبر عبد ربه وأخبار خوارج اليمن كأبي حمزة المختار بن عوف الأزدي [وابن] بيهس الهيصمي، مع ما تقدم من ذكرنا لفرق الخوارج في كتابنا «المقالات في أصول الديانات» من الأباضية وهم شُرَاة عمان من الأزد وغيرهم من الأزارقة والنجدات والحمرية [والجابية] والصفرية وغيرهم من فرق الخوارج وبلدانهم من الأرض، مثل بلاد سنجار وتل أعْفَرَ من بلاد ديار ربيعة والسن والبوازيج والحديقة مما يلي بلاد الموصل، ثم من سكن من الأكراد بلاد أذربيجان وهم المعروفون بالشراة منهم، وأسلم المعروف بابن شادلويه، وقد كان تملك على أعمال ابن أبي الساج من بلاد أذربيجان وأران والبيلقان، وأرمينية ومن سكن منهم بلاد سجستان وجبال هَرَاة وكوهستانة وبوشنج من بلاد خراسان ومن بلاد مكران على ساحل البحر بين بلاد السند وكرمان وأكثرهم صفرية وحمرية، ومنهم ببلاد حمران إصطخر وصاهك بين كرمان، وفارس ومنهم ببلاد تيهرت المغرب ومنهم ببلاد حضر موت وغيرها من بقاع الأرض.
وفي سلطنة عبد الملك مات أبو العباس عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب في سنة ثمان وستين وقيل : في سنة تسع وستين بالطائف وأمه لُبَابة بنت الحارث بن حزن من ولد عامر بن صعصعة وله إحدى وسبعون سنة، وقيل : إنه ولد قبل الهجرة
بثلاث سنين، وقد ذكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وأنا ابن عشر سنين، وصلى عليه محمد ابن الحنفيَّة، وكان قد ذهب بصره لبكائه على عليّ والحسن والحسين، وكانت له وَفْرَة طويلة يَخْضُب شَيْبه بالحناء، وهو الذي يقول :
إن يأخُذِ اللّه من عيني نورَهُما***ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكي، وعقلي غير مُدَّخل،***وفي فمي صارم كالسيف مأثور
وقد كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) دعا له حين وضع له الماء للطهور في بيت خالته ميمونة زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فقال: «اللّهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل».
وقيل لابن عباس رضي اللّه عنه : ما منع علياً رضي اللّه عنه أن يبعثك مكان أبي موسى [في] يوم الحكمين؟ فقال: منعه من ذلك حائل القدر، وقصر المدة، ومحنة الابتلاء، أما واللّه لو بعثني مكانه لاعترضت مدارج نفسه ناقضاً لما أبرم ومبرماً لما نقض، أسِفّ إذا طار، وأطير إذا أسفّ، ولكن مضى قدر، وبقي أسف، ومع اليوم غد، وللآخرة خير للمتقين.
وكان لابن عباس من الولد: علي، وهو أبو الخلفاء من بني العباس، والعباس، و محمد، والفضل، وعبد الرحمن، وعبيد اللّه، ولُبابة، وأمهم زرعة بنت مشرح الكندية، فأما عبد اللّه ومحمد والفضل فلا أعقاب لهم.
وفي سنة سبعين قَتَلَ عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق وهو عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان ذا شهامة وفصاحة وبلاغة وإقدام، وقد كان بينه وبين عبد الملك محادثات ومكاتبات وخَطب طويل طلباً للملك، وكان فيما كتب إليه عبد الملك : إنك لتطمع نفسك بالخلافة، ولست لها بأهل فكتب إليه عمرو : استدراج النعم إياك أفادك البغي، ورائحة الغدر أورثتك الغفلة، زجرت عما وافقت عليه وندبت إلى ما تركت سبيله، ولو كان ضعف الأسباب يؤيس الطالب ما انتقل سلطان ولا ذل عزيز وعن قريب يتبين مَنْ صريع بغى وأسير غفلة.
وقد كان عبد الملك سار إلى زَفَر بن الحارث الكلابي وهو بقرقيسياء، وبلاد الرحبة وخلف عمرو بن سعيد بدمشق فبلغه أن عمراً قد دعا [ الناس] إلى بيعته بدمشق، فكَرَّ راجعاً إليها، فامتنع عمرو فيها، فناشده عبد الملك الرحم وقال له : لا تفسد [أمر]
أهل بيتك وما هم عليه من اجتماع الكلمة، وفيما صنعت قوة [لابن الزبير ] ؛ ارجع إلى بيتك فإني سأجعل لك العهد، فرضي وصالح، ودخل عبد الملك وعمرو متحيز منه في نحو خمسمائة [فارس] يزولون معه حيث زال.
وقد تنازع أهل السير في كيفة قتل عبد الملك إياه : فمنهم من رأى أن عبد الملك قال لحاجبه : ويحك !! أتستطيع إذا دخل عمرو أن تُغْلِق الباب؟ قال: نعم، قال: فافعل وكان عمرو رجلًا عظيم الكبْر لا يرى أن لأحد عليه فضلاً، ولا يلتفت وراءه إذا مشى إلى أحد، فلما فتح الحاجب الباب دخل عمرو، فأغْلَقَ الحاجب الباب دون أصحابه، ومضى عمرو لا يلتفت، وهو يظن أن أصحابه قد دخلوا معه كما كانوا يدخلون، فعاتبه عبد الملك طويلا، وقد كان وصى صاحب حرسه أبا الزعيزعة بأن يضرب عنقه، فكلمه عبد الملك وأغلظ له القول فقال : يا عبد الملك، أتستطيل عليَّ كأنك ترى لك عليَّ فضلا ؟ إن شئت واللّه نقضت العهد بيني وبينك، ثم نصبت لك الحرب فقال عبد الملك : قد شئت ذلك، فقال : وأنا قد فعلت فقال عبد الملك : يا أبا الزعيزعة شأنَكَ، فالتفت عمرو إلى أصحابه فلم يرهم في الدار، فدنا من عبد الملك، فقال : ما يدنيك مني ؟ قال : لتمسني رحمك وكانت أم عمرو عمة عبد الملك [ كانت] تحت الحكم بن أبي العاص بن وائل، فضربه أبو الزعيزعة فقتله، فقال له عبد ملك : ازم برأسه إلى أصحابه، فلما رأوا رأسه تفرقوا، ثم خرج عبد الملك فصعد المنبر وذكر عمراً فوقع فيه، وذكر خلافة وَشِقَاقه، ونزل من المنبر وهو يقول :
أَدْنَيْتُهُ مِنِّي لِتَسْكُنَ نفْرَةٌ***فَأَصُولَ صَوْلة حازم مُسْتَمْكن
غضباً وَمَحْمَاة لديني؛ إنه***ليس المسيء سبيله كالمحسن
وقيل : إن عمراً خرج من منزله يريد عبد الملك، فعثر بالبساط، فقالت له امرأته نائلة بنت قريص بن وكيع بن مسعود: أنْشُدُكَ اللّه أن لا تأتيه، فقال : دعيني عنك فواللّه لو كنت نائماً ما أيقظني، وخرج وهو مكفر بالدرع ؛ فلما دخل على عبد الملك قام مَنْ هناك من بني أمية، فقال عبد الملك وقد أخذت الأبواب : إني كنت حلفت لئن ملكتك لأشُدَّنك في جامعة ؛ فأتى بجامعة فوضعها في عنقه وشَدَّهَا عليه ؛ فأيقن عمرو أنه قاتله ؛ فقال : أنْشُدِّكَ اللّه يا أمير المؤمنين فقال له عبد الملك: يا أبا أُمية، ما لك جئت في الدرع أللقتال؟! فأيقن عمرو بالشر فقال : أنشدك اللّه أن تخرجني إلى الناس في الجامعة، فقال له عبد الملك وتماكرني أيضاً وأنا أمكر منك؟ تريد أن أخرجك إلى الناس فيمنعوك ويستنقذوك من يدي، وخرج عبد الملك إلى الصلاة وأمر أخاه عبد العزيز - وقد كان قدم من مصر في ذلك اليوم - بقتله إذا خرج! وقد قيل : أمر ابنه الوليد بذلك ؛ فلما دنا
منه عبد العزيز ناشده عمرو بالرحم فتركه؛ فلما رجع عبد الملك من الصلاة ورآه حَيًّا قال لعبد العزيز : واللّه ما أرَدْتُ قتله إلا من أجلكم ألا لا يجوزها دونكم، ثم أضجعه؛ فقال له عمرو : أغدر يا ابن الزَّرْقاء، فذبحه، ووافى أخو عمرو يحيى بن سعيد إلى الباب بمن معه من رجاله ليكسره ؛ فخرج إليه الوليد وموالي عبد الملك ؛ فاقتتلوا، واختلف الوليد ويحيى ؛ فضربه يحيى بالسيف على أليته فانصرع، وألقى رأس عمرو إلى الناس؛ فلما رأوه تفرقوا من بعد أن ألقى عليهم من أعلى الدار بدر الدنانير ؛ فاشتغلوا بها عن القتال، وقال عبد الملك : وأبيك لئن كانوا قَتَلُوا الوليد لقد أصابوا بثأرهم، وقد كان الوليد فقد حين ضرب، وذلك أن إبراهيم بن عدي احتمله فأدخله بيت القراطيس في المعمعة، وأتى عبد الملك بيحيى بن سعيد ؛ واجتمعت الكلمة على عبيد الملك ؛ وانقاد الناس إليه !.
وقد قيل في مقتله غير ما ذكرنا، وقد أتينا على ذلك في كتابنا «أخبار الزمان» وقد ذكرنا شعر أخته فيه - وكانت تحت الوليد بن عبد الملك - فيما يرد من هذا الكتاب في أخبار المنصور ؛ إذ هو الموضع المستحق له دون هذا الموضع لما تغلغل بنا [إليه] الكلام، وتسلسل بنا القول نحوه.
وأقام عبد الملك بدمشق بقية سنة سبعين، وقد كان مصعب بن الزبير خرج حين صفا له العراق بعد قتل المختار وأصحابه، حتى انتهى إلى الموضع المعروف بباجميرا مما يلي الجزيرة، يريد الشام لحرب عبد الملك، فبلغه مسیر خالد بن عبد اللّه خالد بن أسيد من مكة إلى البصرة في ولده وعِدَّة من مواليه ناكثاً لبيعة عبد اللّه بن الزبير؛ فنزل بعض نواحي البصرة، وأن قوماً قد انضافوا إليه من ربيعة [ومضر]، ومنهم عبد اللّه بن الوليد، ومالك بن مسمع البكري، وصَفْوَان بن الأهتم التميمي، وصعصعة بن معاوية عم الأحنف فكانت لهم بالبصرة حروب كانت آخراً على خالد بن عبد اللّه؛ فخرج هارباً بابنيه [ في البر] حتى لحقوا بعبد الملك، وانصرف مصعب راجعاً إلى البصرة، وذلك في سنة إحدى وسبعين ثم عاد من العراق إلى باجميرا؛ ففي ذلك يقول الشاعر:
أَبَيْتَ يا مُصْعَبُ إِلَّا سَيْرًا***في كلِّ يَوْمِ لَكَ باجميرا
ونزل عبد الملك بن مروان على قرقيسياء، فحاصر بها زُفَرَ بن الحارث العامري الكلابي، وكان يدعو إلى ابن الزبير، فنزل على إمامته وبايعه وسار عبد الملك فنزل على نصيبين - وفيها يزيد والحبشي مولياً الحارث في ألفي فارس ممن بقي من أصحاب المختار يدعون إلى إمامة محمد ابن الحنفيَّة - فحاصرهم، فنزلوا على إمامته، وانضافوا إلى جملته !.
وخرج مصعب في أهل العراق - وذلك في سنة اثنتين وسبعين- يريد عبد الملك، وَدَلَفَ إليه عبد الملك في عساكر مصر والجزيرة والشام ؛ فالتقوا بمسكن قرية من أرض العراق على شاطىء دجلة، وعلى مقدمة عبد الملك الحجاج بن يوسف بن أبي عقيل الثقفي، وقيل: على ساقته، وقد أحْمَدَ أَمْرَهُ في قيامه بما أهل له، فكاتب عبد الملك رؤساء أهل العراق ممن هم بعسكر مصعب وغيرهم [سراً] وصار يرغِّبهم ويرهِّبهم، فكان فيمن كتب إليه إبراهيم بن الأشتر النخعي، فلما أتاه كتابه مع الجاسوس اعتقله في رحْله، وأتى مصعباً بالكتاب قبل أن يفضّه ويعلم ما فيه، فقال له مصعب : أقرأته ؟ فقال : أعوذ باللّه أن أقرأه حتى يقرأه الأمير، وآتى يوم القيامة غادراً قد نقضت بيعته وخلعت طاعته فلما تأمل مصعب ما فيه وجده أماناً، له وولاية لما شاء من العراق وإقطاعاً وغيري ذلك، ثم قال إبراهيم لمصعب : هل أتاك أحد من أشراف العساكر بكتاب؟ فقال مصعب : لا، فقال إبراهيم: واللّه لقد كاتبهم وما كاتبني حتى كاتب غيري ولا امتنعوا عن إيصالها إليك إلا للرضا به والغدر بك فأطِعْني وابدأ بهم، فأمرهم على السيف أو استوثق منهم في الحديد والق هذا الرجل، فأبي مصعب ذلك، وتحيَّزَ مَنْ كان في عسكره من ربيعة لقتله ابن زياد بن ظبيان البكري وكان من سادات ربيعة وزعماء بكر بن وائل وسار إبراهيم بن الأشتر على مقدمة مصعب في متسرعة الخيل، فلقي خيل عبد الملك ومقدمته عليها أخوه محمد بن مروان، وبلغ عبد الملك ورود إبراهيم ومنازلته محمداً أخاه، فبعث إلى محمد عزمت عليك أن لا تقاتل [في هذا] اليوم، وقد كان عبد الملك منجم، مقدم، وقد أشار على عبد الملك أن لا تحارب له خيل في ذلك اليوم، فإنه منحوس وليكن حربه بعد ثلاث فإنه ينصر، فبعث إليه محمد : وأنا أعزم على نفسي لأقاتلن ولا ألتفت إلى زخاريف منجمك، والمحالات من الكذب فقال عبد الملك للمنجم ولمن حضره ألا ترون؟ ثم رفع طرفه إلى السماء، وقال : اللّهم إن مُصْعَباً أصبح يدعو إلى أخيه وأصبحت أدعو لنفسي، اللّهم فانصر خيرنا لأمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فالتقى محمد بن مروان وابن الأشتر، ومحمد يرتجز ويقول:
مثلي على مثلك أولى بالسلب***محجل الرجلين أعرب الذنب
فاقتتلوا حتى غشيهم المساء، فقال عتاب بن وَرْقَاء التميمي، وكان مع ابن الأشتر : يا إبراهيم، إن الناس قد جُهِدُوا فمرهم بالانصراف حسداً له لإشرافه على الفتح، فقال [له] إبراهيم وكيف ينصرفون وعدوهم بإزائهم؟! فقال عتاب: فمر الميمنة أن تنصرف، فأبى إبراهيم ذلك، فمضى إليهم عتاب فأمرهم بالانصراف، فلما زالوا عن مصافهم أكبَّتْ ميسرة محمد عليهم، واختلط الرجال وصمدت الفرسان لإبراهيم،
واشتبكت عليه الأسنَّةُ، فبرى منها عدة رماح، وأسلمه من كان معه، فاقتلع من سرجه ودار به الرجال وازدحموا عليه فقتل بعد أن أبلي ونكأ فيهم، وقد تنوزع في أخذ رأسه : فمنهم من زعم أن ثابت بن يزيد مولى الحصين بن نمير الكندي هو الذي أخذ رأسه، ومنهم من ذكر أن عبيد بن ميسرة مولى بني يشكر ثم من بني رفاعة هو الذي أخذ رأسه، وأتي عبد الملك بجسد إبراهيم فألقي بين يديه فأخذه مولى الحصين بن نمير، فجمع عليه حطباً وأحرقه بالنار.
وسار عبد الملك في صبيحة تلك الليلة من موضعه حتى نزل بدير الجاثليق من أرض السوداء، وأقبل عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان وعكرمة بن ربعي إلى رايات ربيعة فأضافوها إلى عسكر عبد الملك ودخلوا في طاعته، ثم تَصَافَّ القوم، فأفرد مصعب، وتخلى عنه من كان معه من مصر واليمن، وبقي في سبعة نفر منهم إسماعيل بن طلحة بن عبيد اللّه التميمي، وابنه عيسى بن مصعب فقال لابنه عيسى: يا بني اركب فرسك] فانج [بنفسك] فالحق بمكة بعمك، فأخبره بما صنع بي أهل العراق، ودعني فإني مقتول فقال له : لا واللّه لا يتحدث نساء قريش أني فررت عنك، ولا أحدثهم عنك أبداً، فقال له مصعب : أما إذا أبيت فتقدم أمامي حتى أحتسبك، فتقدم عیسى فقاتل حتى قتل.
وسأل محمد بن مروان أخاه عبد الملك أن يؤمن مصعباً، فاستشار عبد الملك من حضره، فقال له علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب: لا تؤمنه وقال خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بل أمنه، وارتفع الكلام بين علي وخالد حتى تسابا على مصافهما، فأمر عبد الملك أخاه محمداً أن يمضي إلى مصعب فيؤمنه ويعطيه عنه ما أراد، فمضى محمد [ فوقف قريباً من مصعب ثم قال : يا مصعب هلم إليَّ، أنا ابن عمك محمد] بن مروان، وقد أمَّنَكَ أمير المؤمنين على نفسك ومالك، وكل ما أحدثت، وأن تنزل أي البلاد شئت، ولو أراد بك غير ذلك لأنزله بك، فأنشدك اللّه في نفسك.
وأقبل رجل من أهل الشام إلى عيسى بن مصعب ليحتز رأسه، فعطف عليه مصعب والرجل غافل فناداه أهل الشام : ويلك يا فلان الأسد قد أقبل نحوك، ولحقه مصعب فقدّه، وعُرْقِبَ فرسُ مصعب وبقي راجلا، فأقبل عليه عبيد اللّه بن زياد بن ظبیان فاختلفا ضربتين، سبق مصعب بالضربة إلى رأسه وكان مصعب قد أثخن بالجراح، وضربه عبيد اللّه فقتله واحتز رأسه، وأتى به عبد الملك فسجد عبد الملك، وقبض
عبيد اللّه بن زیاد علی قائم سيفه فاجتذبه من غمده حتى أتى على أكثره سَلّا ليضرب عبد الملك في حال سجوده، ثم ندم، واسترجع فكان يقول بعد ذلك : ذهب، الفَتْكُ من الناس إذ هممت ولم أفعل فأكون قد قتلت عبد الملك ومصعباً ملكي العرب في ساعة واحدة، وتمثل عبيد اللّه عند مجيئه برأس مصعب :
نعاطي الملوك الحقِّ ما قَسَطُوا لنا***وليس علينا قتلهم بمحرم
وقال عبد الملك : متى تلد قريش مثل مصعب؟ وكان قتل مصعب يوم لثلاث الثلاثاء،عشرة خلت من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين وأمر عبد الملك بمصعب وابنه عيسى فدفنا بدَيْرِ الجائليق، ودعا عبد الملك أهل العراق إلى بيعته فبايعوه.
وقد كان مسلم بن عمرو الباهلي من صنائع معاوية وابنه يزيد وكان في ذلك اليوم في جيش مصعب فأتى به عبد الملك وقد أخذ له منه الأمان، فقيل له : أنت ميت لا ترجو الحياة لما بك من الجراح، فما تصنع بالأمان؟ قال : ليسلم مالي ويأمن ولدي بعدي، فلما وضع بين يدي عبد الملك قال : قَطَعَ اللّه يَدَ ضاربك كيف لم يجهز عليك؟ أكَفَرْتَ صنائع آل حرب معك ؟ فأمنه على ماله وولده ومات من ساعته.
وفي مصرع مصعب بدير الجائليق من أرض العراق يقول عبد اللّه بن قيس الرُّقيَّاتِ :
لقد أورث المصرين عاراً وذلة***فتيل بدير الجائليق مقيمُ
فما نصحت اللّه بكر بن وائل،***ولا صبرت عند اللقاء تميم
[ولكنه ضاع الذمار، ولم يكن***بها مُضَرِيٌّ يوم ذاك كريم]
جزى اللّه بصرياً بذاك ملامة***وكوفيهم، إن المليم مُلِيمُ
وفي ذلك يقول شاعر أهل الشام من أبيات :
لعمري لقد أضْجَرَتْ خيلُنا***بأكناف دجلة للمصعب
يهزون كل طويل القنا***ة مُعْتَدِلَ النصل والثعلب
إذا ما منافق أهل العرا***ق عوتب يوماً فلم يُعْتِبِ
خَلَقْنَا إليه لدى موقف***قليل التفقُدِ للغُيَّبِ
وقد كان مصعب ذا حسن وجمال، وهيئة وكمال في الصورة، وفيه يقول ابن [قيس] الرقيات من كلمة :
إنما مصعب شهاب من اللّه***تجلَّتْ عن وجهه الظلماء
وقد أتينا على أخبار مصعب وسُكَيْنة بنت الحسين، زوجه، وعائشة بنت طلحة وليلى من نسائه وغير ذلك من أخباره في الكتاب الأوسط.
وحدث المنقري، قال: حدثني سويد بن سعيد، قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي مسلم النخعي، قال: رأيت رأس الحسين جيء به فوضع في دار الإمارة بالكوفة بين يدي عُبَيْد اللّه بن زياد، ثم رأيت جيء، به فوضع في ذلك الموضع بين يدي المختار [ثم رأس عبيد اللّه بن زیاد قد رأيت رأس المختار قد جيء به فوضع بين يدي] مصعب بن الزبير، ثم رأيت رأس مصعب بن الزبير قد جيء به، فوضع في ذلك الموضع بين يدي عبد الملك.
وقد قيل في وجه آخر من الروايات، قال الراوي : فرأى عبد الملك مني اضطراباً، فسألني، فقلت: يا أمير المؤمنين دخلتُ هذه الدار فرأيتُ رأس الحسين بين يدي ابن زياد في هذا الموضع، ثم دخلتها فرأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار فيه ؛ ثم دخلتها فرأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير وهذا رأس مصعب بين يديك، فوقاك اللّه يا أمير المؤمنين! قال : فوثب عبد الملك بن مروان، وأمر بهدم الطاق الذي على المجلس، ذكر هذا الحديث عن الوليد بن خباب وغيره.
وسار عبد الملك من دير الجائليق حتى نزل النخيلة بظهر الكوفة، فخرج إليه أهل الكوفة فبايعوه، ووفى للناس بما كان وعدهم به في مكاتبته إياهم سراً، وخلع، وأجاز، وأقْطَعَ، ورتب الناس على [قدر] مراتبهم، وعمهم ترغيبه، وترهيبه وولّى على البصرة خالد بن عبد اللّه بن [خالد بن أسد] وعلى الكوفة بشر بن مروان أخاه، وخلف معه جماعة من أهل الرأي والمشورة من أهل الشام منهم روح بن زِنْبَاع الجُذَامي، وبعث بالحجاج بن يوسف لحرب ابن الزبير بمكة، وسار في بقية أهل الشام إلى دار ملكه دمشق.
وكان بشر بن مروان أديباً ظريفاً، يحب الشعر والسَّمَرَ والسماع والمعاقرة، وقد كان أخوه عبد الملك قال له : إن روحاً عمك الذي لا ينبغي أن تقطع أمراً دونه، لصدقه وعفافه ومناصحته [ومحبته] لنا أهل البيت فاحتشم بشر منه، وقال لندمائه : أخاف إن انبسطنا أن يكتب روح إلى أمير المؤمنين بذلك، وإني لأحِبُّ من الأنس والاجتماع ما
يحبه مثلي، فقال له بعض ندمائه من أهل العراق بحسن مساعدته ولطيف حيلته : أنا أكفيك أمره حتى ينصرف عنك إلى أمير المؤمنين غير شاكٍ ولا لائم، فسُرَّ بشر، ووعده الجائزة وحسن المكافأة إن هو تأتى له ما وعد به، وكان روح شديد الغيرة، وكانت له جارية إذا خرج من منزله إلى المسجد أو غيره ختم بابه حتى يعود بعد أن يقفله، فأخذ الفتى دواةً وأتى منزل روح عشياً [مختفياً] وخرج روح للصلاة، فتوصل الفتى إلى دخول الدهليز في حال خروج روح، وكَمَنَ تحت الدرجة، ولم يزل يحتال ليلته حتى توصل إلى بيت روح، فكتب على حائط في أقرب المواضع من مرقد روح :
يا روح مَنْ لبُنَيَّات وأرملة***إذا نعاك لأهل المغرب الناعي
إن ابن مَرْوَانَ قد حانت مَنِيَّته***فاحتل لنفسك يا روح بْنَ زنباع
ولا يغرنك أبكار منعمة***واسمع هديت مقال الناصح الداعي
ورجع إلى مكانه، بالدهليز فبات فيه، فلما أصبح روح خرج إلى الصلاة فتبعه غلمانه، والفتى متنكر في جملتهم مختلط بهم، فلما عاد روح وافتتح باب حجرته تبين الكتابة وقرأها، فراعه ذلك وأنكره، وقال : ما هذا؟ فواللّه ما يدخل حجرتي إنسي سواي، ولاحظ لي في المقام [بالعراق] ثم نهض إلى بشر، فقال :[له] يا ابن أخي أوْصِنِي بما أحببت من حاجة أو سید عند أمير المؤمنين قال : أو تريد الشخوص يا عم ؟ قال : نعم، قال : ولم ؟ هل أنكرت شيئاً أو رأيت قبيحاً لا يسعك المقام عليه؟ قال : لا واللّه، بل جزاك اللّه عن نفسك وعن سلطانك خيراً، ولكن أمر حدثَ، ولا بد لي من الانصراف إلى أمير المؤمنين فأقسم عليه أن يخبره، فقال له : إن أمير المؤمنين قد مات أو هو ميت إلى أيام، قال : ومن أين علمت بذلك؟ فأخبره بخبر الكتابة، وقال: ليس يدخل حجرتي غيري وغير جاريتي فلانة وما كتب ذلك إلا الجن أو الملائكة، فقال له بشر : أقم فإني أرجو أن لا يكون لهذا حقيقة، فلم يَثْنِه شيء، وسار إلى الشام، فأقبل بشر على الشراب والطرب، فلما لقي روح عبد الملك أنكر أمره وقال ما إقدامك إلا لحادثة حدثت [على بشر]، أو لأمر كرهته، فأثنى على بشر، وحمد سيرته وقال : لا بل لأمر لا يمكنني ذكره حتى تخلو، فقال عبد الملك لجلسائه : انصرفوا، وخلا بروح، فأخبره بقصته وأنشده الأبيات، فضحك عبد الملك حتى استغرق، وقال : ثقلت على بشر وأصحابه حتى احتالوا لك بما رأيت، فلا تُرَغ.
ولما اتصل قتل مصعب بأخيه عبد اللّه أضرب عن ذكره حتى تحدث بذلك العبيد
والإماء في سكك المدينة ومكة، فصعد المنبر وجبينه يَرْشَح [عرقاً]، فقال: الحمد اللّه ملك الدنيا والآخرة، يؤتي الملك الملك من يشاء وينزع ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ألا إنه لن يذل [اللّه] من كان الحق معه، ولن يعز من كان أولياء الشيطان حزبه إنه أتانا خبر من العراق أحزننا وأفرحنا [وهو ] قتل مصعب فأما الذي أحزننا من ذلك فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمة عند المصيبة، ثم يرعوي من بعد ذلك إلى كريم الصبر وجميل العزاء، وأما الذي أفرحنا فإن القتل له شهادة، ويجعل [اللّه] لنا وله في ذلك الخيرة، أما واللّه إنا لا نموت حتفاً كميتة آل أبي العاص وإنما نموت قغصاً بالرماح، وقتلا تحت ظلال السيوف، ألا وإن الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ولا يتبدل، فإن تُقبل الدنيا عليَّ لا آخذها أخذ الأشرِ البطرِ، وإن تُدْبِرْ عني لا أبكي عليها بكاء الحزين المهين.
فأتى الحجاج الطائف، فأقام بها شهوراً، ثم زحف إلى مكة، فحاصر ابن الزبير بها، وكتب إلى عبد الملك : إني قد ظفرت بأبي قبيس فلما ورد كتابه على عبد الملك بحصار ابن الزبير [بمكة] والظفر بأبي قبيس كَبَّر عبد الملك فكبر من [معه] في داره، واتصل التكبير بمن في جامع دمشق فكبروا، واتصل ذلك بأهل الأسواق [فكبروا] ثم سألوا عن الخبر، فقيل لهم : إن الحجاج حاصر ابن الزبير بمكة وظفر بأبي قبيس، فقالوا : لا نرضى حتى يحمله إلينا مكبلا على رأسه برنس على جمل يمر بنا في الأسواق الترابي الملعون، وكان حصار الحجاج لابن الزبير بمكة هلال ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين، وفيها قتل مصعب [ وما ذكرنا من قول أهل دمشق في ابن الزبير فذكره عمر بن شبة النميري عن ابن عاصم] ومنع ابن الزبير الحجاج أن يطوف بالبيت، ووقف الْحَجَّاجُ بالناس [بعرفة] محرماً في درع ومغفر، وهو من أبناء إحدى وثلاثين سنة، ونَحَر ابن الزبير بمكة، ولم يخرج إلى عرفة بسبب الحجاج فكانت مدة حصار الحجاج لابن الزبير بمكة خمسين ليلة.
ودخل ابن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه وقد بلغت من السِّنِّ مائة سنة لم تَقَعْ لها سن ولا ابيض لها، شعر، ولم ينكر لها عقل، على حسب ما قدمنا من خبرها في هذا الكتاب فقال : يا أمه، كيف تجدينك؟ قالت : إني لشاكية يا بني، فقال لها : إن في الموت راحة قالت لعلك تمنَّاه لي، وما أحب أن أموت حتى
يأتي على أحد طرفيك : إما قُتِلْتَ فأحتسبك، وإما ظفِرْتَ فقرَّتْ عيني بك، وأوصى عبد اللّه بما يحتاج من أمره وأمر نسائه إذا سمعن الواعية عليه أن يضممن أمه أسماء إليهن، وكان عروة بن الزبير على رأي عمه عبد الملك بن مروان، وكانت كتُبُ عبد الملك بن مروان إلى الحجاج [متصلة] يأمره بتعاهد عروة وأن لا يسوءه في نفسه وماله، فخرج عروة إلى الحجاج، ورجع إلى أخيه فقال له : هذا خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد و عمرو بن عثمان بن عفان يعطيانك أمان عبد الملك على ما أحْدَثْتَ أنت ومن معك، وأن تنزل أي البلاد شئت، لك بذلك عهد اللّه وميثاقه، وغير ذلك من الكلام، فأبى عبد اللّه قبول ذلك، وقالت له أمه أسماء : أي بنيَّ، لا تقبل خُطَةً تخاف على نفسك منها مخافة القتل مت كريماً، وإياك أن تؤسر أو تعطي بيديك، فقال : يا أمه، إني أخاف أن يمثل بي بعد القتل، فقالت : يا بني، وهل تتألم الشاة من [ألم] السلخ بعد الذبح ؟ ودخلوا على ابن الزبير في المسجد وقت الصلاة، وقد التجأ إلى البيت وهمَ ينادون : يا ابن ذات النطاقين، فقال : ابن الزبير متمثلا :
وعَيَّرَهَا الواشون أني أحبها***وتلك شَكَاة ظاهر عنك عارها
ونظر إلى طائفة منهم قد أقبلوا نحوه بالسيوف، فقال لأصحابه : من هؤلاء؟ قالوا : أهل مصر قال : قتلة عثمان أمير المؤمنين ورَبِّ الكعبة، فحمل عليهم، فضرب رجلا منهم [به أدمة] فقده وقال : صبراً يا ابن حام وتكاثر عليه الرجال من أهل الشام ومصر، فلم يزل يضرب فيهم حتى أخرجهم عن المسجد، ورجع إلى البيت وهو يقول:
ولست بمبتاع الحياة بسبة***ولا أبتغي من رهبة الموت سلما
فاستلم الحجر، ثم تكاثروا عليه فحمل عليهم، وهو يقول :
قد سَنَّ أصحابك ضرب الأعناق***وقامَتِ الحرب بنا على ساق
فأتاه حجر فصك جبينه فأدماه وأوْضَحَه، فقال:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا***ولكن على أقدامنا تَقْطُر الدما
فكشفهم عن المسجد ورجع على من بقي من أصحابه عند البيت، فقال لهم : ألقوا أغماد السيوف، وليصن كل [رجل] منكم سيفه كما يصون وجهه، لا ينكسر سيف أحدكم فيقعد كالمرأة، ولا يسأل رجل منكم :
أين عبد اللّه من يسأل عني فإنني في الرعيل الأول، ثم أنشأ يقول :
يا رب إن جنود الشام قد كثروا***وهَتَّكُوا من حجاب البيت أستارا
يا رب إني ضعيف الركن مُضْطَهَدٌ***فابعث إلىَّ جنوداً منك أنصارا
وتكاثر أهل الشام عليه ألوفاً من كل باب، فحمل عليهم، فشدخ بالحجارة، فانصرع، وأكب عليه مولَيَانِ، له، وأحدهما يقول :
العبد يحمي ربه ويحتمي
حتى قتلوا جميعاً، وتفرق من كان معه من أصحابه وأمر به الحجاج فصلب بمكة، وكان مقتله يوم الثلاثاء، لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى، سنة ثلاث وسبعين.
و كلمت أسماء أمه الحجاج في دفنه فأبى عليها فقالت للحجاج : أشهد إني لسمعتُ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول : «يخرج من ثقيف كذاب ومبير» فأما الكذاب فهو المختار، وأما المبير فما أظنك إلا هو.
وسنذكر لمعاً من أخبار الحجاج فيما يرد من هذا الكتاب، وإن كنا قد أتينا على مبسوطها فيما تقدم من كتبنا.
وأقام الحجاج والياً على مكة والمدينة والحجاز واليمن واليمامة ثلاث سنين، ثم جمع له العراق بعد موت بشر بن مروان بالبصرة.
ومات جابر بن عبد اللّه الأنصاري في أيام عبد الملك بالمدينة، وذلك في سنة ثمان وسبعين، وقد ذهب بصره، وهو ابن نيف وتسعين سنة.
وقد كان قدم إلى معاوية بدمشق، فلم يأذن له أياماً، فلما أذن له قال : يا معاوية أما سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول : «من حجب ذا فاقة وحاجة حجبه اللّه [القيامة، يوم] فاقته وحاجته» فغضب معاوية، وقال له : لقد سمعته يقول : «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تردوا علي الحوض» أفلا صبرت؟ قال: ذكرتني ما نسيت، وخرج فاستوى على راحلته ومضى، فوجه إليه معاوية بستمائة دينار فردها وكتب إليه :
وإني لأختار القنوع على الغنى***إذا اجتمعا والماء بالبارد المحضِ
وأقضي على نفسي إذا الأمر نابني***وفي الناس من يُقْضَى عليه ولا يَقْضي
وألبس أثواب الحياء، وقد أرى***مكان الغنى أن لا أهين به عرضي
وقال لرسوله : قل له واللّه يا ابن آكلة الأكباد لا وجد [تَ] في صحيفتك حسنة أنا سبيها أبداً.
ومات محمد بن [علي بن أبي طالب ابن] الحنفيَّة في سنة إحدى وثمانين في أيامه بالمدينة، ودفن بالبقيع، وصلى عليه أبَانُ بن عثمان [بن عفان] بإذن ابنه أبي هاشم، وكان محمد يكنى بأبي القاسم، وقبض وهو ابن خمس وستين [سنة] وقيل : إنه خرج إلى الطائف هارباً من ابن الزبير فمات بها، وقيل إنه مات ببلاد أيلة، وقد تنوزع في موضع قبره، وقد قدمنا قول الكَيْسانية ومن قال منهم إنه بجبل رَضْوَى، وكان له من الولد الحسن، وأبو هاشم وعبد اللّه، وجعفر الأكبر، وحمزة، وعلي لأم ولد، وجعفر الأصغر وعَوْن أمهما أم جعفر والقاسم، وإبراهيم.
حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن يونس بن أبي إسحاق، قال : حدثنا سهل بن عبيد بن عمرو الخابوري قال : كتب ابن الحنفيَّة إلى عبد الملك : إن الحجاج قد قدم بلدنا [وقد خِفْتُه] فأحبُّ أن لا تجعل له علي سلطاناً بيد ولا لسان، فكتب عبد الملك إلى الحجاج: إن محمد بن علي كتب إلي يستعفيني منك، وقد أخرجتُ يدك عنه، يدك عنه، فلم أجعل لك عليه سلطاناً بيد ولا لسان، فلا تتعرض له، فلقيه في الطواف فعض على شفته، ثم قال : لم يأذن لي فيك أمير المؤمنين، فقال له محمد : ويحك أو ما علمت أن اللّه تبارك وتعالى في كل يوم وليلة ثلاثمائة وستين لحظة، أو قال نظرة، لعله أن ينظر إليَّ منها بنظرة، أو قال [ يلحظني] بلحظة، فيرحمني فلا يجعل لك عليّ سلطاناً بيد ولا لسان، قال: فكتب بها الحجاج إلى عبد الملك، فكتب بها عبد الملك إلى ملك الروم وكان قد توعَّده، فكتب إليه ملك الروم: ليست هذه من سجيتك ولا من سجية آبائك، ما قالها إلا نبي، أو رجل من أهل بيت نبي.
وذكر الشعبي قال : أنفذني عبد الملك إلى ملك الروم، فلما وصلت إليه جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبته، وكانت الرسل لا تطيل [الإقامة] عنده، فحبسني أياماً كثيرة، حتى استحببت خروجي، فلما أردت الانصراف قال لي من أهل بيت المملكة أنت؟ قلت : لا، ولكني رجل من العرب في الجملة، فهمس بشيء، فدفعت إلى رفعة، وقيل لي : إذا أديت الرسائل [عند وصولك ] إلى صاحبك أوصل إليه هذه الرقعة قال: فأديت الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك، ونسيت الرقعة فلما صرت في بعض الدار [إذ
بدأت بالخروج] تذكرتها فرجعت فأوصلتها إليه، فلما قرأها قال لي : أقال لك شيئاً قبل أن يدفعها إليك؟ قلت : نعم، قال لي من أهل بيت المملكة أنت؟ قلت: لا، ولكني رجل من العرب في الجملة، ثم خرجت من عنده فلما بلغت الباب رُدِدْتُ فلما مثلت بين يديه قال لي : أتدري ما في الرقعة؟ قلت : لا، قال : اقرأها، فلما قرأتها فإذا فيها : عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف مَلكُوا غيره، فقلت له : واللّه لو علمت [ما فيها] ما حملتها، وإنما قال هذا لأنه لم يرك، قال : أفتدري لم كتبها ؟ قلت : لا، قال : حسدني عليك وأراد أن يغريني بقتلك، قال : فتأدى ذلك إلى ملك الروم، فقال : ما أردت إلا ما قال.
وذكر عند معاوية عبد الملك فقال : هو آخذ بثلاث، وتارك لثلاث : آخذ بقلوب الناس إذا حدَّث، ويحسن الاستماع إذا حدِّث، وبأيسر الأمرين إذا خولف، تارك للمُمَارَاة تارك للغيبة، وتارك لما يعتذر منه.
وقال لعبد الملك بعض جلسائه يوماً: أريد الخلوة بك، فلما خلا به قال له عبد الملك: بشرط ثلاث خصال : لا تُطْرِ نفسي عندك فأنا أعلم بها منك، ولا تغتب عندي أحداً فلست أسمع منك، ولا تكذبني فلا أرى لمكذب، قال: أتأذن [لي] في الانصراف؟ قال : إذا شئت.
وذكر الهيثم وغيره من الأخباريين أن عبد الملك بلغه عن عامل من عماله أنه قبل الهدايا، فأشخصه إليه، فلما دخل عليه قال له : أقبلت هدية منذ ولّيت؟ قال له : يا أمير المؤمنين، بلادك عامرة، وخراجك موفور ورعيتك على أفضل حال، قال: أجب فيما سألتك عنه، أقبلت هدية منذ وليتك؟ قال : نعم قال : إن كنت قبلت ولم تعوض إنك للثيم، ولئن كنت أنلت مُهدِيها من غير مالك أو استكفيته ما لم يكن مثله مستكفاه إنك لخائن، جائر، وما أتيت أمرٌ لا تخلو فيه من دناءة أو خيانة أو جهل مصطنع، وأمر بصرفه من عمله.
وحدث المنقري [ عن الضبي] قال : قال الوليد بن إسحاق : قال ابن عباس :
كانت عاتكة بنت يزيد بن معاوية - وأمها أم كلثوم بنت عبد اللّه بن عامر- تحت
عبد الملك بن مروان، فغضبت عليه، فطلب رضاها بكل شيء، فأبَتْ [عليه] وكانت أحَبِّ الناس إليه، فشكا ذلك إلى خاصته فقال له عمرو بن بلال رجل من بني أسد كان قد تزوج بنت زنباع الجذامي : ما لي عليك إن أرضيتها؟ قال : حكمك، فخرج وجلس ببابها يبكي فقالت [له] خاصتها مالك [تبكي] أبا حفص ؟ قال : فزعت إلى ابنة عمي، فاستأذنوا لي عليها، فأذنت له وبينهما ستر فقال : قد عرفْتِ حالي مع أمراء المؤمنين معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك، ولم يكن لي غير ابنين فَعَدًا أحدهما على الآخر فقتله، فقال أمير المؤمنين : أنا قاتل المعتدي قلت [له] : أنا ولي الدم وقد عفوت، فأبى عَلَيَّ وقال : ما أحب أن أعود رعيتي هذا، وهو قاتله بالغداة فأنشدك اللّه إلا ما طلبته منه، فقالت: لا أكلمه، قال: ما أظنك تكسبين شيئاً هو أفضل من إحياء نفس، ولم يزل [بها] خواصها وخدمها وحاشيتها حتى قالت: علي بثيابي، فلبست، وكان بينها وبين عبد الملك باب وكانت قد ردمته، فأمرت بفتحه، ثم دخلت فأقبل الخصِيَّ يشتد فقال : يا أمير المؤمنين، هذه عاتكة، قال : ويلك !! ورأيتها؟ قال: نعم، إذ طلعت وعبد الملك على سریره، فسلمت فسکت فقالت: أما واللّه لولا مكان عمرو بن بلال ما أتيتك، اللّه أنْ عَدَا أحد ابنيه على الآخر فقتله وهو ولي الدم وقد عفا [عنه] أعزمت لتقتلئه ! قال : إي واللّه وهو راغم، فأخذت بيده فأعرض عنها، فأخذت برجله فقبلتها، فقال : هو لك، وتراضيا [بعد أن نكحها ثلاثاً] وراح عبد الملك فجلس مجلسه للخاصة، فدخل عمرو بن بلال، فقال له : يا أبا حفص ألطفت الحيلة في القيادة، ولك الحكم، فقال : يا أمير المؤمنين، ألف دينار ومزرعة بما فيها من الآلات والرقيق، قال: هي لك، قال : وفرائض لولدي وأهل بيتي قال وذلك كله، وبلغ عاتكة الخبر، فقالت : ويلي على القَوَّاد، إنما خدعني.
وكتب عبد الملك إلى الحجاج أن صف لي الفتنة، فكتب إليه : إن الفتنة تشب بالنجوى، وتحصد بالشكوى، وتنتج بالخطب فكتب إليه : إنك قد أصبت وأحسنت الصفة، فإن أردت أن يستقيم لك مَنْ قبلك فخذهم بالجماعة، وأعطهم عطاء الفرقة، وألصق بهم الحاجة.
وحدثنا المنقري، قال: حدثنا أبو الوليد الصباح بن الوليد قال : حدثنا أبو رياش ضَبة بن نفاقة، عن مقلس بن سابق الدمشقي ثم السكسكي، أن عبد الملك لما بلغه خلع ابن الأشعث صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال إن أهل العراق استعجلوا قدري قبل انقضاء أجلي، اللّهم لا تسلطنا على مَنْ هو خير منا، ولا تسلط علينا من نحن خير
منه، اللّهم سلط سيف أهل الشام على أهل العراق حتى يبلغ رضاك، فإذا بلغه فلا تجاوز به سخطك.
وكتب عبد الملك إلى الحجاج : أنت [عندي] سالم فلم يعرف ما أراد بذلك ؛ فكتب إلى قتيبة بن مسلم يسأله عن ذلك، وبعث الكتاب مع رسول فلما ورد على قتيبة وناوله الكتاب ضرط الرسول ؛ فخجل واستحيا ؛ فقرأه قتيبة وأراد أن يقول له اقعد فقال : اضرط قال : قد فعلت فاستحيا قتيبة وقال : ما أردت إلا أن أقول لك اقعد فغلطت، فقال : قد غلطت أنا وغلطت، أنت قال قتيبة : ولا سواء أغلط أنا من فمي وتغلط أنت من استك، أعْلِمِ الأمير أن سالماً كان عبداً لرجل، وكان عنده أثيراً، وكان يُسْعَى به إليه كثيراً، فقال:
يُدِيرُونني عن سالم وأديرهم***وجلدة بين العَيْنِ والأنف سالم
فأراد عبد الملك أنك عندي بمنزلة سالم، فلما أتى الحجاج بالرسالة كتب له عهداً على خراسان.
وقد روي نحو هذا الخبر عن رجل كان في مجلس خالد بن عبد اللّه القَسْرِي فضرط، فلما حضر الغداء قام ذلك الرجل، فقال له :خالد اقعد فأبى، فقال له : أقسمت عليك لتضر طن قال : قد ضرطت فخجل، خالد واعتذر إليه، وأمر له بمال.
وأهدي إلى عبد الملك أتْرِسَةٌ مكللة بالدر والياقوت، فأعجبته، وعنده جماعة من خاصته وأهل خلوته، فقال لرجل من جلسائه اسمه :خالد اغمز منها ترساً، وأراد أن يمتحن صلابته فقام فغمزه، فضرط فاستضحك عبد الملك، فضحك جلساؤه، فقال : كم دية الضرطة ؟ فقال بعضهم : أربعمائة درهم، وقطيفة، فأَمَرَ له بذلك، فأنشأ رجل من القوم :
أَيَضْرُط خالد من غَمْزِ ترس***ويحبوه الأمير بها بدورا
فَيَا لَكِ ضَرطة جلبت غناء***وَيَا لَكِ ضَرْطة أغْنَت فقيرا
يَوَدُّ الناس لو ضَرِطوا فنالوا***من المال الذي أُغطي عشيرا
ولو نَعْلَم بأَنَّ الضرْط يغني***ضَرَطنا أصلح اللّه الأميرا
فقال عبد الملك : أعطوه أربعة آلاف درهم ولا حاجة لنا في ضراطك.
وحدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي والطُّوسي وغيرهما في كتاب الأخبار المعروف
بالموقعيات، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن يزيد عن عُتْبَة بن أبي لهب، قال: حج عبد الملك في بعض أعوامه فأمر للناس بالعطاء، فخرجت بدرة مكتوب عليها من الصدقة فأبى أهل المدينة من قبولها وقالوا : إنما كان عطاؤنا من الفيء، فقال عبد الملك وهو على المنبر : يا معشر قريش، مَثَلُنَا ومثلكم أن أخوين في الجاهلية خرجا مسافرين فنزلا في ظل شجرة تحت صَفَاة، فلما دنا الرواح خرجت إليهما من تحت الصفاة حية تحمل ديناراً فألقته إليهما، فقالا : إن هذا لمن كنز، فأقاما عليها ثلاثة أيام كل يوم تخرج إليهما ديناراً، فقال أحدهما لصاحبه: إلى متى تنتظر هذه الحية؟ ألا نقتلها ونحفر هذا الكنز فنأخذه ؟ فنهاه أخوه، وقال [له]: ما تدري لعلك تعطب ولا تدرك المال فأبى عليه وأخذ فأساً معه ورَصَدَ الحية حتى خرجت فضربها ضربة جرحت رأسها ولم تقتلها، فثارت الحية فقتلته، ورجعت إلى جحرها، فقام أخوه فدفنه [وأقام] حتى إذا كان من الغد خرجت الحية معصوباً رأسها ليس معها شيء، فقال لها : يا هذه إني واللّه ما رضيت ما أصابك، ولقد نهيت أخي عن ذلك، فهل لك أن نجعل اللّه بيننا أن لا تضريني ولا أضرك وترجعين إلى ما كنت عليه ؟ قالت الحية : لا، قال : ولم ذلك؟ قالت : إني لأعلم أن نَفْسَك لا تطيب لي أبداً وأنت ترى قبر أخيك، ونفسي لا تطيب لك أبداً وأنا أذكر هذه الشّجّةَ، وأنشدهم شعر النابغة :
فقالت : أَرَى قَبْراً تراه مقابلي***وَضَرْبَةَ فَأْس فوق رأسي فاقره
فيا معشر قريش، وليكم عمر بن الخطاب فكان فَظًّا غليظاً مُضَيِّقاً عليكم، فسمعتم له وأطعتم، ثم وليكم عثمان فكان سهلًا [ليناً كريماً] فعدوتم عليه فقتلتموه، وبعثنا عليكم مسلماً يوم الحرة فقتلتموه، فنحن نعلم يا معشر قريش أنكم لا تُحِبُّوننا أبداً وأنتم تذكرون يوم الحرة، ونحن لا نحبكم أبداً ونحن نذكر مقتل عثمان.
وحدث المدائني وابن دأب أن روح بن زنباع جليس عبد الملك رأى منه إعراضاً وجفْوة، فقال للوليد بن عبد الملك: أما ترى ما أنا فيه من أمير المؤمنين بإعراضه عني بوجهه حتى [لقد] فَغَرَتِ السباع بأفواهها نحوي وأهوت بمخالبها إلى وجهي؟ فقال له الوليد: اختَل له في حديث تضحكه به كما احتال مرزبان ندیم سابور بن سابور ملك فارس، قال: روح وما كان من خبره مع الملك؟ قال الوليد : كان مرزبان هذا من سُمَّار سابور، فظهرت له من سابور جَفْوة، فلما علم ذلك تعلّم نُبَاح الكلاب، وعُواء الذئاب ونهيق الحمير، وزُقَاء الديوك، وشَحِيجَ البغال، وصَهِيلَ الخيل، ومثل هذا، ثم [احتال حتى] توصل إلى موضع يقرب من مجلس خلوة الملك وفراشه، وأخفى أثره، فلما خلا الملك نَبَحَ نُبَاحَ الكلاب، فلم يشك الملك أنه كلب فقال الملك : [انظروا] ما هذا؟
فعوى عُواء الذئاب، فنزل الملك عن سريره فنهق نهيق، الحمير، فمضى الملك هارباً، ومضى الغلمان يتبعون [الأثر و] الصوت، فكلما دَنَوْا منه ترك ذلك الصوت وأحدث صوتاً آخر من أصوات البهائم، فأَحْجَمُوا عنه، ثم اجتمعوا فاقتحموا عليه فأخرجوه، فلما نظروا إليه قالوا للملك: هذا مرزبان المضحك، فضحك الملك ضحكاً شديداً، وقال له : ويلك !! ما حملك على هذا ؟ قال : إن اللّه مسخني كلباً [وذئباً] وحماراً وكل خلق لما غضبت علي، فأمر الملك بالخلع عليه ورَدَّه إلى مرتبته التي كان فيها، وتجدد للملك به سرور، فقال روح للوليد : إذا اطمأن المجلس بأمير المؤمنين فاسألني عن عبد اللّه بن عمر هل كان يمزح أو يسمع مُزَاحاً؟ قال الوليد : أفعل، وكان عمر صاحب سلامة لا يمزح ولا يعرف شيئاً عن المُزاح، فتقدم الوليد وسبقه بالدخول، فتبعه روح، فلما اطمأَنَّ بهما مجلس عبد الملك قال الوليد [لروح] يا أبا زرعة، هل كان ابن عمر يمزح أو يسمع المُزاح؟ قال روح: حدثني ابن أبي عتيق أن امرأته عاتكة بنت عبد الرحمن المخزومية ] هَجَته فقالت :
ذَهَبَ الإلهُ بما تعيش به***وقُمِرْتَ عَيْشَك أَيَّمَا قَمْرِ
أَنْفَقْتَ مَالَكَ غَيْرَ مُحْتَشِم***في كل زانية وفي الخمر
وكان ابن أبي عتيق صاحب غزل وفكاهة، فأخذ هذين البيتين في رقعة وخرج [بهذا الشعر] فإذا هو بابن عمر، فقال : يا أبا عبد الرحمن، انظر في هذه الرقعة وأشر علي برأيك فيها، فلما قرأها عبد اللّه استرجع فقال له : ما ترى فيمن هجاني بهذا الشعر، قال : أرى أن تعفو، وتصفح، قال : واللّه يا أبا عبد الرحمن لئن لقيته بناحية لأنيكنَّهُ نَيْكاً جيداً، [فأخذت] ابن عمر أفكل ورعدة وارْبَدَّ، لونه وقال : ما لك غضب اللّه عليك، قال: ما هو إلا ما قلت لك وافترقا فلما كان بعد أيام لقيه فأعرض عنه ابن عمر، فقال يا أبا عبد الرحمن إني لقيت صاحب البيتين ونكته، فصُعِقَ عبد اللّه بن عمرا فلما رأى ما حَلَّ به دَنَا منه وقال له في أذنه: إنها امرأتي [فقام ابن عمر] فقبل ما بين عينيه وضحك وقال: أحسنت، فَزِدْها فضحك عبد الملك حتى فحص برجله، وقال له : قاتلك اللّه يا روح ما أطيب حديثك ! ومدَّ يده إليه، فقام إليه روح فأكَبَّ عليه وقَبَّلَ أطرافه، وقال: يا أمير المؤمنين الذنب فأعتذر، أم لملالة فأصطبر وأرجو عاقبتها؟ قال : لا واللّه ما ذاك لشيء تكرهه، ثم عاد إلى أحسن حالاته.
وقد حكي مثل هذا عن عبد الملك بن مهلهل الهمذاني، وكان سميراً لسليمان بن
المنصور، وكان سليمان قد جَفَاه، فأتاه يوماً في قائم الظهيرة واحتدام الهجيرة فاستأذن، فقال له الحاجب : ليس هذا بوقتِ إذن على الأمير، فقال [له] : أعلمه بمكاني، فدخل فاستأذن له، فقال له سليمان مره يسلم قائماً، ويخفف فخرج الحاجب [فَأَذِنَ له] وأمره بالتخفيف، فدخل فسلّم قائماً ثم قال : أصلح اللّه الأمير، إني انصرفْتُ بالأمس إلى نحو منزلي وقد أمسيت فبينا أنا في طريقي إذ أذْنَ، مؤذن، فَدَنَوْتُ، ثم صعدت إلى مسجد مغلق فصعدت ثم صعدت ثم صعدت قال سليمان: فَبَلَغْتَ السماء فكان ماذا؟ قال : فتقدم إنسان إما كُردي أو طمطماني فَأَمَّ القوم بكلام ما أفهمه ولُغَة ما أعرفها، فقال : ويل لكل زممة زما مالا، وعده قال : يريد ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا، وعدده، فإذا خلفه سكران ما يعقل [سكراً]، فلما سمع قراءته ضرب بيديه ورجليه وجعل يقول : أير عبكي در ليلكا في حر أم قارئك [ ومصليك]، فضحك سليمان حتى تمرغ على فراشه وقال : اذن مني يا أبا، محمد فأنت أطيب أمة محمد، ثم دعا بخلعة، وقال: الزم الباب وَاغْدُ في كل يوم، وعاد إلى أحسن حالاته عنده.
كانت أم الحجاج عند الحارث بن كلدة، فدخل عليها في السحر فوجدها تتخلل، فبعث إليها بطلاقها فقالت لم بعثت إليَّ بطلاقي؟ الشيء رابك مني؟ قال: نعم، دخلت عليك [عند] السحر وأنت تتخللين، فإن كنت بادرت الغداء فأنت شَرِهَة، وإن كنت بت والطعام بين أسنانك فأنت قذرة، فقالت : كل ذلك لم يكن، لكني تخللت من شَطَايَا السِّوَاك، فتزوجها بعده يوسف بن أبي عقيل الثقفي أبو الحجاج، فولدت له الحجاج بن يوسف مشوهاً لا دُبُرَ له، فثقب عن دبره، وأبى أن يقبل ثَدْيَ أمه أو غيرها، فأعياهم أمره فيقال : إن الشيطان تصوَّرَ لهم في صورة الحارث بن كلدة، فقال: ما خبركم؟ فقالوا ابن ولد ليوسف من الفارعة وكان اسمها وقد أبى أن يقبل ثدي أمه [أو غيرها ]، فقال : اذبحوا جدياً أسود وأوْلِغُوه، دمه، فإذا كان في اليوم الثاني فافعلوا به كذلك، فإذا كان في اليوم الثالث فاذبحوا له تيساً أسود وأوْلِغُوه دمه، ثم اذبحوا له أسْوَدَ سالخاً فأولغوه دمه واطلُوا به، وجهه فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع، قال : ففعلوا به ذلك فكان [بعد] لا يصبر عن سفك الدماء لما كان منه في بدْء أمره، هذا وكان الحجاج يخبر عن نفسه أن أكثر لذاته سفك الدماء، وارتكاب أمور لا يُقدم عليها غيره، ولا سبق إليها سواه.
حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن داود البصري المنقري، قال: حدثني ابن عائشة [وغيره] قال : سمعت أبي يقول : لَمَّا غلبت الخوارج على البصرة بعث إليهم عبد الملك جيشاً فهزموه [ثم بعث إليهم آخر فهزموه] فقال : مَنْ للبصرة والخوارج؟ فقيل له : ليس لهم إلا المهلب بن أبي صفرة، فبعث إلى المهلب، فقال: على أن لي خَرَاجَ ما أَجْلَيْتُهم عنه، قال : إذن تشركني في ملكي عنه قال : إذن تشركني في ملكي قال فثلثاه، قال : لا، قال :
فنصفه واللّه لا أنقص منه شيئاً، على أن تمدني بالرجال ؛ فإذا أخللت فلا حَقَّ لك عليَّ، فجعلوا يقولون : وَلّى عبد الملك على العراق رجلاً ضعيفاً، وجعل يقول: بعثت المهلب حتى يحارب الخوارج فركب دجلة.
ثم كتب المهلب إلى عبد الملك : إنه ليس عندي رجال أقاتل بهم، فإما بعثت إلي بالرجال وإما خليتُ بينهم وبين البصرة، فخرج عبد الملك إلى أصحابه فقال : ويلكم! من للعراق؟ فسكت الناس وقام الحجاج وقال : أنا لها قال : اجلس ثم قال : ويلكم من للعراق؟ فصمتوا وقام الحجاج وقال : أنا لها، قال : اجلس ثم قال : ويلكم !! من للعراق؟ فصمتوا وقام الحجاج الثالثة فقال : واللّه أنا لها يا أمير المؤمنين، قال: أنت زنبورها فكتب إليه عهده فلما بلغ القادسية أمر الجيش أن يقبلوا وأن يروحوا وراءه، ودعا بجمل عليه قتب، فجلس عليه بغير حَشِيَّة ولا، وطاء، وأخذ الكتاب بيده ولبس ثياب السفر، وتعمَّم بعمامته حتى دخل الكوفة وحده، فجعل ينادي الصلاة جامعة، وما منهم رجل جالس في مجلسه إلا ومعه العشرون والثلاثون وأكثر [من] ذلك من أهله ومواليه [وصعد المنبر متلثماً متنكباً قَوْسَه، فجلس واضعاً إبهامه على فيه] فقال بعضهم لبعض : قوموا حتى نحصبه [فدخل محمد بن عمير الدارمي في مواليه فلما رأى الحجاج جالساً على المنبر لا يجيب ولا ينطق قال : لعن اللّه بني أمية حين يولون العراق مثل هذا، لقد ضيع اللّه العراق حيث يكون مثل هذا عليها، ثم ضرب بيده إلى حصباء المسجد ليحصبه، وقال: واللّه لو وجدوا أذَمَّ من هذا لبعثوه إلينا، فلما هَمَّ أن يحصبه ] قال له بعض أهل بيته : أصلحك اللّه اكْفُف عن الرجل حتى نسمع ما يقول، فمن قائل يقول : حُصِرَ الرجل فما يقدر على الكلام ومن قائل يقول : أعرابي ما أبصر حجته، فلما غَصَّ المسجد بأهله حَسَرَ اللثام عن وجهه ثم قام ونَحَّى العمامة عن رأسه، فواللّه ما حمد اللّه ولا أثْنَى عليه، ولا صَلّى على نبيه، وكان أول ما بدأهم به أن قال:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا***متى أضع العمامة تعرفوني
إني واللّه لأرى أبصاراً طامحة، وأعناقاً متطاولة، ورؤوساً قد أيْنَعَتْ وحان قِطَافُهَا، وإني [أنا]، صاحبها، كأني أنظر إلى الدماء تَرَقْرَق بين العمائم واللحى :
هذا أوان الحرب فاشتدي زِيَمُ***قد لَفّها الليل بسَوَّاقٍ حُطَم
ليس برّاعي إبل ولا غنم***ولا بجَزَارٍ على ظهر وَضَمْ
وقال :
قد لفها الليل بعضلُبِي***أروعَ خَرَاج من الدَّوِّيِّ
مهاجر لیس بأعرابي
وقال :
قد شَمَّرَتْ عن ساقها فكدوا***[وجَدَّتِ الحرب بكم فجدوا]
والقوس فيها وَتَرٌ عُرُدُّ***مثل ذراع البكر أو أشد
إن أمير المؤمنين نَثَر كنانته، فوجدني أمَرَّهَا طعماً، وأَحَدَّها سناناً، وأقواها قداحاً، فإن تستقيموا تستقم لكم الأمور، وإن تأخذوا لي بُنَيَّات الطريق تجدوني لكل مرصد مرصداً واللّه لا أقيل لكم عَشْرَةً، ولا أقبل منكن عِذْرَة.
يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق ومساوىء الأخلاق، واللّه ما أغمز كتَغماز التين [ولا يُقَعَقع لي بالشّنَان] ولقد فُرِرْتُ عن ذكاء، وفتشت عن تجربة واللّه لألحوَنَّكُمْ لحوّ العود، ولأعصبنكم عضب السَّلَّمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل ولأقرعنكم قرع المَرْوَةِ.
يا أهل العراق، طالما سعيتم في الضلالة، وسلكتم سبيل الغواية، وسننتم سنن السوء، وتماديتم في الجهالة، يا عبيد العصا وأولاد الإماء، أنا الحجاج بن يوسف، إني واللّه لا أعِدُ إلا وفيت ولا أخْلُقُ إلا فَرَيْتُ، فإياكم وهذه الزَّرَافَات والجماعات، وقال وقيل : وما يكون وما هو كائن وما أنتم وذاك يا بني اللكيعة؟ لينظر الرجل في أمر نفسه، وليحذر أن يكون من فرائسي.
يا أهل العراق، إنما مثلكم كما قال اللّه عز وجل: «مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ عَامِنَةً مُطْمَئنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُل مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّه فَأَذَاقَهَا اللّه لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ» [النحل : 112] الآية فأسرعوا واستقيموا واعتدلوا ولا تميلوا وشايعوا وبايعوا واخضعوا واعلموا أنه ليس مني الإكثار، والإهذار ولا منكم الفرار والنفار، إنما هو انتضاء السيف، ثم لا أغمده في شتاء ولا صيف حتى يقيم اللّه لأمير المؤمنين أوَدَكم، ويذل له صعبكم.
إني نظرت فوجدت الصدق مع البر، ووجدت البر في الجنة، ووجدت الكذب مع
الفجور، ووجدت الفجور في النار.
ألا وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وإشخاصكم إلى محاربة عدوكم مع المهلب وقد أمرتكم بذلك، وأجلْتُ لكم ثلاثاً، وأعطيت اللّه عهداً يؤاخذني به
ويستوفيه مني أن لا أجد أحداً من بَعْثِ المهلب بعدها إلا ضربت عنقه، وانتهبت ماله يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين.
فقال الكاتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى مَنْ بالعراق من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم فإني إليكم أحمد اللّه [ الذي لا إله إلا هو ].
فقال :الحجاج اسکت یا غلام ثم قال :مغضباً يا أهل العراق [ يا أهل] النفاق والشقاق ومساوىء الأخلاق، يا أهل الفرقة والضلال، يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون عليه السلام؟ أما واللّه لئن بقيت لكم لألحونَّكُم لحو العود ولأؤدبنكم أدباً سوى هذا الأدب هذا أدب ابن سمية - وهو صاحب شرطة كان بالعراق - اقرأ يا غلام الكتاب، فلما بلغ السلام قال أهل المسجد: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة اللّه وبركاته.
ثم نزل وأمر للناس بأعْطِيَاتهم، والمهلب يومئذٍ بمهرجان [قدق] يقاتل الأزارقة.
فلما كان اليوم الثالث جلس الحجاج بنفسه يعرض الناس، فمر به عمير بن ضابي [التميمي] البرجُمي [ثم أحد بني الحدادية ] وكان من أشراف أهل الكوفة، وكان من بَعْثِ المهلب فقال : أصلح اللّه الأمير ؛ إني شيخ كبير زَمِنٌ عليل ضعيف، ولي عدة أولاد، فليختر أيهم شاء مكاني، أشدهم ظهراً، وأكرمهم فرساً، وأتمهم أداةً، قال الحجاج : لا بأس بشاب مكان شيخ، فلما ولي قال له عنبسة بن سعيد ومالك ابن أسماء أصلح اللّه الأمير أتعرف هذا؟ قال: لا، قالا هو عمير بن ضابىء التميمي الذي وَثَبَ على أمير المؤمنين عثمان وهو مقتول فكسر ضلعاً من أضلاعه، فقال [ الحجاج عليَّ، به فأتي به فقال له : أيها الشيخ أنت الواثب على أمير المؤمنين عثمان بعد قتله، والكاسر ضلعاً من أضلاعه ؟ فقال له: إنه كان حَبَس أبي شيخاً كبيراً ضعيفاً فلم يُطْلقه حتى مات في سجنه، فقال الحجاج : أما أمير المؤمنين عثمان فتغزوه بنفسك، وأما الأزارقة فتبعث إليهم بالبدلاء، أوليس أبوك الذي يقول :
هَمَمْتُ ولم أفعل وكدت وليتني***فعلت وأوليت البكاء حلائله
أما واللّه إن في قتلك أيها الشيخ لصَّلَاحَ، المصرين، ثم أقبل يصعد بصره إليه [ويصوِّبه] ويَعَضُّ على لحيته مرة ويسرحها أخرى، ثم أقبل عليه فقال : يا عمير سمعت مقالتي على المنبر ؟ فقال : نعم، قال : واللّه إنه لقبيحٌ بمثلي أن يكون كذاباً، قم إليه يا غلام فاضرب عنقه، ففعل، فلما قتل ركب الناس كلَّ صَعْب وذَلُول، [وخرجوا] على وجوههم يريدون المهلب، فازدحموا على الجسر حتى سقط بعضُ الناس في
الفُرَات، فأتاه صاحب الجسر فقال : أصلح اللّه الأمير قد سقط بعض الناس في الفرات، قال : ويحك ! ولم ذلك ؟ قال : أهل [هذا] البعث ازدحموا على الجسر حتى ضاق بهم، قال : انطلق فاعقِد لهم جسرين.
وخرج عبد اللّه بن الزَّبير الأسدي مذعوراً، حتى إذا كان عند اللجامين لقيه رجل من قومه يقال له إبراهيم فقال له : ما الخبر ؟ فقال ابن الزبير : الشر، قتل عمير من بعث المهلب، وأنشأ يقول :
أقول لإبراهيم لما لقيته***أرى الأمر أمسى مهلكاً متصعبا
تَجَهَّزْ، فإما أن تزور ابن ضابيء***عميراً، وإما أن تزور المهلبا
هما خَطَّتَا خَسْفٍ نجاؤك منهما***ركوبُك حوليا من الثلج أشهبا
فأضحى ولو كانت خراسان دونه***رآها مكان السوق أو هو أقربا
وإلا فما الحجاج مُغْمِدُ سيفِهِ***مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا
وخرج الناس هَرَباً إلى السواد، وأرسلوا إلى أهاليهم أن زَوِّدُونَا ونحن بمكاننا، وقال الحجاج لصاحب الجسر : افتح ولا تحُلْ بين أحد وبين الخروج، ووجه العراض إلى المهلب فما أتت على المهلب عاشرة حتى ازدحموا عليه فقال: من هذا الذي استعمل على العراق؟ هذا واللّه الذكر من الرجال؟ فويل واللّه للعدو إن شاء اللّه تعالى.
وقد كان الحجاج استعمل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على سجستان ويُسْتَ والرخج، فحارب مَنْ هنالك من أمم الترك، وهم أنواع من الترك يقال لهم الغوز، والخلج، وحارب مَنْ يلي تلك البلاد من ملوك الهند مثل رتبيل وغيره - وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب مراتب ملوك الهند وغيرهم من ملوك العالم، وذكرنا مملكة كل واحد منهم، والصقع الذي هو به، وذوي السُمَات منهم، وبينا أن كل ملك يلي هذا الصقع من بلاد الهند يقال له رتبيل - فخلع ابن الأشعث طاعة الحجاج، وصار إلى بلاد، کرمان، فثنی بخلع عبد الملك، وانقاد إلى طاعته أهلُ البصرة والجبال مما يلي الكوفة والبصرة وغيرهما، وسار الحجاج إلى البصرة، وسار ابن الأشعث إليه، فكانت له حروب عظيمة، وفي عبد الرحمن بن الأشعث يقول الشاعر :
خلع الملوك وسار تحت لوائه***شجر العرى وعراعر الأقوام
وكتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك يعلمه بخبر ابن الأشعث، فكتب إليه
عبد الملك لعمري لقد خلع طاعة اللّه، بيمينه وسلطانه بشماله، وخرج من الدين عرياناً، وإني لأرجو أن يكون هلاكه وهلاك أهل بيته واستئصالهم في ذلك على يد [ي] أمير المؤمنين، وما جوابه عندي في خلع الطاعة إلا قول القائل :
أناة وحلماً وانتظاراً بهم غداً***فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر
أظن صروف الدهر والجهل منهم***ستحملكم مني على مركب وَعْرِ
ألم تعلموا أنى تخاف عَرَامتي***وأن قناتي لا تلين على الكسر
ودخل ابن الأشعث الكوفة، وكتب الحجاج كتاباً إلى عبد الملك يذكر فيه جيوش ابن الأشعث وكثرتها، ويستنجد عبد الملك ويسأله الأمداد، وقال في كتابه : واغواثاه يا اللّه، واغوثاه يا اللّه واغواثاه يا اللّه فأمَدَّه بالجيوش وكتب إليه : يا لبيك يا لبيك، يا لبيك.
فالتقى الحجاج وابن الأشعث بالموضع المعروف بدير الجماجم، فكانت بينهم وقائع نيف وثمانون وقعة تفانى فيها خلق، وذلك في سنة اثنتين وثمانين، وكانت على ابن الأشعث، فمضى حتى انتهى إلى ملوك الهند، ولم يزل الحجاج يحتال في قتله حتى قتل، وأتى برأسه فعلا الحجاج منبر الكوفة، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، ثم قال : يا أهل العراق، إن الشيطان اسْتَبْطَنَكُمْ فخالط اللحم منكم والعظم والأطراف والأعضاء، وجرى منكم مجرى الدم، وأفضَى إلى الأضلاع والأمخاخ فحشا ما هناك شقاقاً واختلافاً ونفاقاً، ثم أربع فيه فعشش وباض فيه ففرخ، واتخذتموه دليلًا تتابعونه، وقائداً تطاوعونه ومؤمراً تستأمرونه ألستم أصحابي بالأهواز حين سعيتم بالغدر بي فاستجمعتم علي وحيث ظننتم أن اللّه سيخذل دينه وخلافته، وأقسم باللّه إني لأراكم بطرفي تتسللون لِوَاذاً منهزمين سراعاً، مفترقين كل امرىء منكم على عنقه السيف رعباً وجبناً، ثم يوم الزاوية [وما يوم الزاوية؟] بها كان فَشَلُكم وتخاذلكم، وبراءة اللّه منكم، وتوليكم على أكتافكم السيوف هاربين [ ونكوص وليكم عنكم، إذ وليتم كالإبل الشَّوَارِدِ إلى أوطانها] لا يسأل الرجل عن بنيه، ولا يلوي امرؤ على أخيه، حتى عضتكم السلام وقصفتكم الرماح، ويوم دير الجماجم بها كانت الملاحم، والمعارك العظائم :
ضرباً يزيل الهام عن مقيله***ويذهل الخليل عن خليله
فما الذي أرجوه منكم يا أهل العراق؟ أم ما الذي أتوقعه؟ ولماذا أستبقيكم؟ ولأي
شيء أدخركم؟ أللفجرات بعد العداوات؟ أم للنزوة بعد النزوات؟ وما الذي أراقب بكم؟ وما الذي أنتظر فيكم، إن بعثتم إلى ثغوركم جبنتم، وإن أمنتم أو خفتم نافقتم لا تجزون، بحسنة ولا تشكرون نعمة.
يا أهل العراق هل استنبحكم نابح، أو استشلاكم غاو أو استخفكم ناكث، أو استنفركم عاص إلا تابعتموه وبايعتموه وآويتموه وكفيتموه؟!.
يا أهل العراق، هل شغب شاغب أو نعب ناعب أو دبى كاذب إلا كنتم أنصاره وأشياعه ؟!.
يا أهل العراق، لم تنفعكم التجارب وتحفظكم المواعظ وتعظكم الوقائع، هل يقع في صدوركم ما أوقع اللّه بكم عند مصادر الأمور ومواردها.
يا أهل الشام، أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنهن القذى، ويكنفهن من المطر، ويحفظهن من الذئاب، ويحميهن من سائر الدواب، لا يخلص إليهن معه قذى ولا يُفضي إليهن رَدَى، ولا يمسهن أذى.
يا أهل الشام أنتم العدة والعدد والجُنَّة في الحرب، إن نحارب حاربتم، أو نجانب جانبتم، وما أنتم وأهل العراق إلا كما قال نابغة بني جعدة:
وإن تداعيهم حظهم*** ولم ترزقوه ولم نكذب
كقول اليهود قتلنا المسيح***ولم يقتلوه ولم يُصْلَبِ
في أبيات.
ولما أسرف الحجاج في قتل أسارى دير الجماجم وإعطائه الأموال بلغ ذلك عبد الملك فكتب إليه : أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين سَرَفُكَ في الدماء، وتبذيرك في الأموال، ولا يحتمل أمير المؤمنين هاتين الخصلتين لأحَدٍ من الناس، وقد حكم عليك أمير المؤمنين في الدماء في الخطأ الدية وفي العمد القود، وفي الأموال ردها إلى مواضعها، ثم العمل فيها برأيه فإنما أمير المؤمنين أمين اللّه، وسيان عنده منع حق وإعطاء، باطل، فإن كنت أردت الناس له فما أغناهم عنك، وإن كنت أردتهم لنفسك فما أغناك عنهم،وسيأتيك من أمير المؤمنين أمران لين وشدة فلا يؤنسنك إلا الطاعة، ولا يوحشنك إلا المعصية، وظُنّ بأمير المؤمنين كل شيء إلا احتمالك على الخطأ، وإذا أعطاك الظفر على قوم فلا تقتلن جانحاً ولا أسيراً، وكتب في أسفل كتابه :
إذا أنت لم تترك أموراً كرهتها***وتطلب رضائي بالذي أنا طالبه
وتخشى الذي يخشاه مِثْلُكَ هارباً***إلى اللّه منه ضَيَّعَ الدَّرَّ حالبه
فإن تَرَ مني غفلة قُرَشية***فيا ربما قد غص بالماء شاربه
وإن تَرَ مني وَثْبَة أمَوِيَّة***فهذا وهذا كل ذا أنا صاحبه
فلا [لا] تلمني والحوادث جمة***فإنك مجزيٌّ بما أنت كاسبه
ولا تَعْدُ ما يأتيك مني، وإن تَعُدْ***يَقُومُ بها يوماً عليك نوادبه
ولا تنقصن للناس حقاً علمته***ولا تعطين ما ليس للّه جانبه
وهي أبيات من جيد ما اخترناه من قول عبد الملك.
فلما قرأ الحجاج كتابه كتب أما بعد فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سَرَفي في الدماء، وتبذيري في الأموال، ولعمري ما بلغت في عقوبة أهل المعصية ما هُمْ أهله وما قضيت حقّ أهل الطاعة بما استحقوه، فإن كان قتلي أولئك العصاة سرفاً وإعطائي أولئك المطيعين تبذيراً فليسوِّغْني أمير المؤمنين ما سلف، وليحدّ لي فيه حداً انتهي إليه إن شاء اللّه تعالى، ولا قوة إلا باللّه، وواللّه ما علي من عَقْل ولا قوَد: ما أصبت القوم خطأ فأدِيَهُمْ [ ولا ظلمتهم فأقاد بهم] ولا أعطيتهم إلا لك، ولا قتلت إلا فيك، وأما ما أنا منتظره من أمَرْيَكَ فألينهما عدة وأعظمهما محنة، فقد عبأت للعدة الجلاد وللمحنة الصبر، وكتب في أسفل كتابه :
إذا أنا لم أتْبَعُ رضاك وأتَّقي***أذاك فيومي لا تَزُولُ كواكبه
وما لامرىء بعد الخليفة جُنة***تقيه من تقيه من الأمر الذي هو كاسبه
أسالم من سالمت من ذي قرابة***ومَنْ لم تسالمه فإني محاربه
إذا قارف الحجاج منك خطيئة***فقامت عليه في الصباح نوادبه
إذا أنا لم أُدْنِ الشفيق لنصحه***وأقْصي الذي تسرى إليَّ عقاربه
فمن ذا الذي يرجو نوالي ويتقي***مُصاولتي والدهر جَمٌ نَوَائبه؟
فقف بي على حد الرضا لا أجوزه***مدى الدهر حتى يرجع الدرَّ حالبه
وإِلَّا فَدَعْنِي والأمور فإنني***شفيق رفيق أحكمتني تجاربه
وهي أبيات من جيد ما اخترناه من شعر الحجاج.
فلما انتهى كتابه إلى عبد الملك قال : خاف أبو محمد صَوْلتي ولن أعود لشيء يكرهه.
وحدث حماد الراوية أن الحجاج سهر ليلة بالكوفة، فقال لحرسي : ائتني بمحدِّثِ من المسجد، فاعترض رجلاً جسيماً عظيماً فقال له أجب الأمير، فانطلق به حتى أدخله إليه، فلم يسلم ولا نطق حتى قال له الحجاج: إيه ما عندك؟ فلم يتكلم، فقال للحرسي : أخرجه أخرج اللّه نفسك، أمرتك أن تأتيني بمحدث فأتيتني بمرعوب قد ذهب فؤاده، فخرج الحجاج ومعه صرة دراهم إلى المسجد، فجعل يناول الناس فيأخذونها، حتى انتهى إلى شيخ، فأعطاه فنبذها، فأعادها الحجاج فردها، ففعل ذلك الحجاج ثلاثاً، الحجاج وقال : أنا الحجاج [فأخذها]، ودخل القصر، وقال للحرمي: ألحقني، به فدخل فسلم بلسان ذلق و قلب، شدید فقال له :الحجاج ممن الرجل؟ فقال: من بني، شيبان، قال: ما اسمك ؟ قال سميرة بن الجعد قال : يا سميرة هل قرأت القرآن ؟ قال : جمعته في صدري فإن عملت به فقد حفظته وإن لم أعمل به ضيعته، قال : فهل تفرض؟ قال : إني لأفرض الصُّلب وأعرف الاختلاف في الجد قال فهل تبصر الفقه؟ قال : إني لأبصر ما أقوم به أهلي وأرشد ذا العمى من قومي قال : فهل تعرف النجوم؟ قال : إني لأعرف منازل القمر، وما اهتدي به في السفر، قال: فهل تروي الشعر ؟ قال : إني لأروي المثل والشاهد قال : المثل قد عرفناه فما الشاهد ؟ قال : اليوم يكون للعرب من أيامها عليه شاهد من الشعر، فإني أروي ذلك الشاهد، فاتخذه الحجاج سميراً، فلم يك يطلب شيئاً من الحديث إلا وجد عنده منه علماً وكان يرى رأي الخوارج [وكان] من أصحاب قَطَرِي بن الفجاءة التميمي، والفجاءة أمة، وكانت من بني شيبان، وإنما هو رجل من تميم وكان قَطَرِي يومئذٍ يحارب المهلب، فبلغ قطرياً مكان سميرة من الحجاج، فكتب إليه بأبيات منها :
لشتَّان ما بين ابن جعد وبيننا***إذا نحن رُحْنَا في الحديد المظاهر
نجاهد فُرْسانَ المهلب كلنا***صَبُورٌ على وقع السيوف البَواتِرِ
وراح يحر الخَزَّ عند أميره***أمير بتقوى ربه غیر آمر
أبا الجعد، أين العلم والحلم والنهى***وميراث آباء كرام العناصِرِ!
ألم تر أن الموت لا شك نازل***ولا بد من بعث الألى في المقابر
حفاة عراة والثواب لربهم***فمن بين ذي ربح وآخر خاسر
فإن الذي قد نِلْتَ يَفْنَى، وإنما***حياتك في الدنيا كوقعة طائر
فَرَاجِعُ أبا جعد ولا تك مُفْضِياً***على ظلمة أعشَتْ النواظر
وتُبْ تَوْبةٌ تهدي إليك شهادة***فإنك ذو ذنب ولست بكافر
وسِر نحونا تَلْقَ الجهاد غنيمة***تُفِدْكَ ابتياعاً رابحاً غير خاسر
هي الغاية القصوى الرغيب ثوابها***إذا نال في الدنيا الغنى كلُّ تاجر
فلما قرأ كتابه بكى وركب فرسه وأخذ سلاحه، ولحق بقطري، وطلبه الحجاج فلم يقدر عليه، ولم يشعر الحجاج إلا وكتاب قد بدر منه فيه شعر قطري الذي كان كتب به إليه، وفي أسفل الكتاب إلى الحجاج أبيات منها :
فمن مُبْلغ الحجاج أن سميرة***فَلا كل دين غير دين الخوارج
رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه***ملاعين، تَرَّاكين قَصْدَ المخارج
فأَقْبَلْتُ نحو اللّه باللّه واثقاً***وما كُرْبَتِي وما كُرْبَتِي غير الإله بفارج
إلى عصبة؛ أما النهار فإنهم***هم الأسد أسد الغيل عند التهايج
وأما إذا ما الليل جَنَّ فإنهم***قيام كأنواح النساء النواشج
يُنادون للتحكيم تاللّه إنهم***رأوا حكم عمرو كالرياح الهوائج
وَحُكْم ابن قيس مثل ذاك فأعصموا***بحبل شديد المتن ليس بناهج
فطرح الحجاج هذا الكتاب إلى عنبسة بن سعيد فقال : هذا من سميرنا الشيباني، وهو من الخوارج، ولا نعلم به.
ولأبي الجعد سميرة بن الجعد سمير الحجاج هذا أشعار كثيرة، منها قوله من أبيات :
عجبت لحالات البلاء وللدهر***وللْحَيْن يأتي المرء من حيث لا يدري
وللناس يأتون الضلالة بعدما***أتاهم من الرحمن نور من البدر
واللّه لا يخفي عليه صنيعنا حفيظ علينا في المقام وفي السَّفْر
علا فوق عَرْشِ فوق سَبْع، ودونه***سماء يرى الأرواح الأرواح من دونها تجري
وقد قيل : إن هذا الشعر لغيره من الخوارج.
ولأصناف [من] الخوارج أخبار حِسَان من الأزارقة والأباضية وغيرهما، [و] قد أتينا على ذكرها في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وذكرنا ما اتفقت عليه الخوارج واجتمعت عليه من الأصول من إكفارهم عثمان وعليا والخروج على الإمام الجائر، وتكفير مرتكب الكبائر، والبراءة من الحكمين أبي موسى عبد اللّه بن قيس الأشعري
وعمرو بن العاص السَّهميّ، وحكمهما، والبراءة ممن صَوَّبَ حكمهما أو رضي به، وإكفار معاوية وناصريه ومقلديه ومحبيه، فهذا ما اتفقت عليه الخوارج من الشرَاة والحُرورِيَّة، ثم اختلفوا بعد ذلك في مواضع [من] العبارة عن التوحيد، والوعد والوعيد، والإمامة، وغير ذلك من آرائهم، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب ذكر الحكمين أن أول من حَكّم بصفين عُرْوَة بن أدية التميمي [وقيل : إن أول من حكَّم بصفين يزيد بن عاصم المحاربي] وقيل : إن أول من حكَّم رجل من بني سعد بن زيد مَنَاة بن تميم، وكان أول من شرى بصفين من المحكمة رجل من بني يشكر، وكان من وجوه ربيعة ممن ممن كان مع علي، فإنه في ذلك اليوم قال : لا حكم إلا اللّه، ولا طاعة لمن عَصَى اللّه، وخرج عن الصف، فحمل على أصحاب علي فقتل منهم رجلا، ثم حمل على أصحاب معاوية فتحاملوه ولم يقدر على قتل أحد منهم، وكَرَّ على أصحاب علي فقتله [ رجل] من هَمْدَان.
وقد أتى الهيثم بن عدي وأبو الحسن المدائني وأبو البختري القاضي وغيرهم على أخبار الخوارج وأصنافهم فيما أفردوه من كتبهم، وذكر أصحاب المقالات في الآراء والديانات ما تنازعوا فيه من مذاهبهم [عند تباينهم في فروعهم، وما اجتمعوا عليه من أصولهم، وقد أتينا على أكثر ما تنازعوا فيه من مذاهبهم] في كتابنا في «المقالات في أصول الديانات» وذكرنا من خرج منهم من وقت التحكيم في عصر عصر إلى آخر من خرج منهم بديار ربيعة علي بني حَمْدَان، وذلك في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، وهو المعروف بعرون، وخرج ببلاد كفرتوثي، وورد إلى نصيبين، فكانت له مع أهلها حرب أسر فيها وقتل منهم خلق عظيم، والمعروف بأبي شعيب، خرج في بني مالك وغيرهم من ربيعة، وقد كان أدخل على المقتدر باللّه، وقد كان بعد العشرين والثلاثمائة للأباضية ببلاد عمان مما يلي بلاد بروى وغيرها حروب وتحكيم وخروج وإمام نصبوه فقتل وقتل من كان معه.
وفي سنة سبع وسبعين كانت للحجاج حروب مع شبيب الخارجي، وولّى عنه الحجاج بعد قتل ذريع كان في أصحابه حتى أحصي عددهم بالقضيب، فدخل الكوفة وتحصن في دار الإمارة ودخل شبيب وأمه وزوجته غزالة الكوفة عند الصباح.
وقد كانت غزالة نذرت أن تدخل مسجد الكوفة فتصلي فيه ركعتين تقرأ فيهما سورة البقرة وآل عمران، فأتوا الجامع في سبعين رجلا، فصلوا به الغَدَاةَ، وخرجت غزالة مما كانت أوجبته على نفسها.
فقال الناس بالكوفة في تلك السنة :
وفتِ الغزالة نَذْرَها***يا رَبِّ لا تغفر لها
وكانت الغزالة من الشجاعة والفروسية بالموضع العظيم، وكذلك أم شبيب، وقد كان عبد الملك - حين بلغه خبر هرب الحجاج، وتحصنه في دار الإمارة بالكوفة من شبیب- بعث من الشام بعساكر كثيرة عليها سفيان بن الأبرد الكلبي لقتال شبيب، فقدم على الحجاج بالكوفة، فخرجوا إلى شبیب، فحاربوه فانهزم شبيب وقتلت الغزالة وأمه، ومضى شبيب في فوارس من أصحابه وأتبعه سفيان في أهل الشام، فلحقه بالأهواز، فولّى شبيب، فلما وصل إلى جسر دجيل نَفَر به فرسه وعليه الحديد الثقيل من درع ومِغْفَر، فألقاه في الماء، فقال له بعض أصحابه : أغَرَقاً يا أمير المؤمنين؟ قال : ذلك تقدير العزيز العليم، فألقاه دجيل ميتاً بشطه فحمل على البريد إلى الحجاج، فأمر الحجاج بشق بطنه واستخراج قلبه، فاستخرج فإذا هو كالحجر إذا ضربت به الأرض نَبَا عنها، فشق فإذا في داخله قلب صغير كالكرة، فشق فأصيب علقة الدم في داخله.
وفي سنة اثنتين وثمانين قَتَلَ الحجاج ابن القَرِّيّة لخروجه مع ابن الأشعث وإنشائه الكتب له، ووضعه الصدور والخطب، وكان ابن القريَّة من البلاغة والعلم والفصاحة بالموضع الموصوف، وقد أتينا على خبر مقتله، وما كان من كلامه مع الحجاج، وقد كان قتله صبراً، في الكتاب الأوسط، وأن قتله إياه كان بالسيف، وقيل: بل قدم إليه فضربه الحجاج بحربة في نحره فأتى عليه.
وابن القَرِّيَّة القائل : الناس ثلاثة : عاقل، وأحمق وفاجر ؛ فأما العاقل فإن الدين شريعته، والحلم طبيعته، والرأي الحسن سجيته، إن نطق أصاب، وإن كلم أجاب، وإن سمع العلم وَعَى، وإن سمع الفقه روى، وأما الأحمق فإن تكلم عجل، وإن حدث ذهل، وإن حمل على القبيح حمل، وأما الفاجر فإن استأمنته خانك، وإن صاحبته شانك، وإن استكتم لم يكتم، وإن علم لم يعلم، وإن حَدَّث لم يصدق، وإن فقه لم يفقه.
وذكر المدائني أن الحجاج لم يكن يظهر لندمائه [منه] بشاشة ولا سماحة في الخلق إلا في يوم دخلت عليه ليلى الأخيلية، فقال لها : [لقد] بلغني أنك مررت بقبر توبة بن الحمير وعدلت عنه فواللّه ما وفيت له ولو كان هو بمكانك وأنت بمكانه ما عَدَلَ عنك، قالت : أصلح اللّه الأمير !! لي عذر قال وما هو ؟ قالت : [إني] سمعته
وهو يقول :
ولو أن ليلى الأخيلية سلّمت***عليَّ وفوقي جندل وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا***إليها صدى من جانب القبر صائح
وكان معي نسوة قد سمعن قوله، فكرهت أن أكَذِّبه، فاستحسن الحجاج قولها وقضى حوائجها وانبسط في محادثتها، فلم تُرَ منه بشاشة وأريحية داخلته مثل ذلك اليوم.
وذكر حماد الراوية غير هذا الوجه، وهو أن زوج ليلى حلف عليها - وقد اجتازوا بقبر تَوْبَة ليلا - أن تنزل وتأتي [قبره] وتسلم عليه وتكذبه حيث يقول، وذكر البيتين [ المتقدمين] قال : وأبَتْ أن تفعل، فأقسم عليها زوجها، فنزلت حتى جاءت إلى القبر ودموعها على صدرها كغر السحاب فقالت : السلام عليك يا تَوْبَة، فلم تستتم النداء حتى انفرج القبر عن طائر كالحمامة البيضاء، فضربت صدرها فوقعت ميتة، فأخذوا في جهازها، وكفنها، ودفنت إلى جانب قبره.
وللعرب فيما ذكرنا كلام كثير - على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في آرائهم ومذاهبهم في الهام والصَّدَى والصَّفَر- وقد كانت العرب تعقل إلى جانب [قبر] الميت إذا دفن ناقَةً، وتجعل عليه برذعة أو حَشِيَّة يسمونها البلية، وقد ضربوا بذلك أمثالهم، وذكر خطباؤهم في خطبهم، فقالوا : البلايا على الوَلَايَا، وقد كان بعضهم يتطير بالسانح، ويتيامن بالبارح، وبعضهم يضاد هذا، فيتطير بالبارح، ويتيامن بالسانح؛ فأهل نجد يتيامنون بالسائح، وأهل التهائم بالضد من ذلك، على حسب ما قدمنا من قول عُبَيْد الراعي فيما سلف من هذا الكتاب.
حدثنا المنقري، قال: حدثنا عبد العزيز بن الخطاب الكوفي، قال: حدثنا
فضيل بن مرزوق، قال : لما غلب بُسْر بن أرطاة على اليمن، وكان من قبله لابني عبد اللّه بن عباس - وكان لأهل مكة والمدينة [واليمن] - ما كان قام علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه خطيباً فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلى على نبيه محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، ثم قال: إن بُسْرَ بن أرطاة قد غلب على اليمن، واللّه ما أرى هؤلاء القوم إلا سيغلبون على ما في أيديكم، وما ذلك بحق في أيديهم، ولكن بطاعتهم واستقامتهم [لصاحبهم]، ومعصيتكم لي، وتناصرهم وتخاذلكم، وإصلاح بلادهم وإفساد بلادكم، وتاللّه يا أهل الكوفة لوددت أني صرفتكم صَرْفَ الدنانير العشرة بواحد، ثم رفع يديه، فقال: اللّهم إني قد مللتهم ومَلُّوني، وسئمتهم وسئموني، فأبْدِلْني بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شراً مني اللّهم عجل عليهم بالغلام الثَّقفي الذيال الميال، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها ويحكم فيها بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنها، ولا يتجاوز عن مسيئها قال: وما كان الحجاج ولد يومئذٍ.
حدثنا الجوهري، عن سليمان بن أبي شيخ الواسطي، عن محمد بن يزيد عن سفیان بن حسين، قال: سأل الحجاج الجوهري : ما النعمة؟ قال : الأمن، فإني رأيت الخائف لا ينتفع بعيش قال: زدني، قال: الصحة فإني رأيت السقيم لا ينتفع بعيش قال : زدني [قال : الشباب فإني رأيت الشيخ لا ينتفع بعيش، قال : زدني] قال : الغنى، فإني رأيت الفقير لا ينتفع بعيش قال : زدني، قال: لا أجد مزيداً.
حدثنا الجوهري عن مسلم بن إبراهيم أبي عمرو الفراهيدي، عن الصَّلْتِ بن دينار، قال : مرض الحجاج فأرجف [به] أهل الكوفة، فلما تماثل من علّته صعد المنبر وهو يتثنى على أعواده فقال : إن أهل الشقاق والنفاق نفخ الشيطان في مناخرهم فقالوا : مات الحجاج، ومات الحجاج فَمَهُ ؟ واللّه ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت، وما رضي اللّه الخلود لأحد من خلقه في الدنيا إلا لأهونهم عليه [وهو] إبليس، واللّه لقد قال العبد الصالح سليمان بن داود: ربِّ اغفر وهَبْ لي لأحد ملكاً لا ينبغي من بعدي، فكان ذلك، ثم اضمحلَّ فكأن لم يكن؛ يا أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، كأني بكل حي ميتاً، وبكل رطب يابساً، وقد نقل كل امرىء [بثياب ظهره] إلى حفرته، فخدَّ له في الأرض ثلاث أذرع طولا في ذراعين عرضاً، فأكلت الأرض لحمه، ومَصَّت من صديده ودمه، وانقلب الحبيبان يقتسم أحدهما صاحبه: حبيبه من ولده يقتسم حبيبه من ماله، أما الذين يعلمون فسيعلمون ما أقول والسلام.
حدثنا المنقري، عن مسلم بن إبراهيم أبي عمرو الفراهيدي عن الصلت بن دينار قال : سمعت الحجاج يقول : قال اللّه تعالى «فَاتَّقُوا اللّه مَا اسْتَطَعْتُمْ» [التغابن : 16] فهذه اللّه، وفيها مَثْنَوية، وقال: «وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا» [التغابن : 16] وهذه لعبد اللّه وخليفة اللّه ونجيب اللّه عبد الملك، أما واللّه لو أمر الناس أن يدخلوا في هذا الشعب فدخلوا في غيره لكانت دماؤهم لي حلالا، عذيري من [أهل] هذه الحمراء يُلْقِي أحدهم الحجر إلى الأرض ويقول : إلى أن يبلغها يكون فرج اللّه، لأجعلنهم كالرسم الدائر وكالأمس الغابر، عذيري من عبد هذيل يقرأ القرآن كأنه رَجَزُ الأعراب، أما واللّه لو أدركته لضربت عنقه، يعني عبد اللّه بن مسعود، عذيري من سليمان بن داود يقول لربه «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى» [ص: 35] كان واللّه فيما علمت عبداً حسوداً بخيلا.
وحدثنا المنقري، عن عبيد بن أبي السري عن محمد بن هشام بن السائب عن أبيه [ عن] عبد الرحمن بن السائب قال : قال الحجاج يوماً لعبد اللّه بن هانىء وهو رجل من أود حي من اليمن، وكان شريفاً في قومه، وقد شهد مع الحجاج مشاهده كلها، وشهد معه تحريق، البيت وكان من أنصاره وشيعته واللّه ما كافأناك بعد، ثم أرسل إلى أسماء بن خارجة - وكان من فَزَارة - أن زوج عبد اللّه بن هاني ابنتك، فقال : لا [ واللّه ] ولا كرامة فدعا له بالسياط فقال : أنا أزوجه، فزوجه، ثم بعث إلى سعيد بن قيس الهمداني رئيس اليمانية أن زَوِّج عبد اللّه بن هانىء ابنتك، قال : ومن أود؟ واللّه لا أزوجه ولا كرامة قال هاتوا السيف، قال : دعني حتى أشاور أهلي، فشاورهم، فقالوا : زوجه لا يقتلك هذا الفاسق فزوجه فقال له :الحجاج يا عبد اللّه، قد زوجتك بنت سيد [بني] فزارة وابنة سيد همدان وعظيم كهلان وما أود هنالك، فقال : لا تقل أصلح اللّه الأمير ذلك، فإن لنا مناقب ما لأحد من العرب، قال : وما هي هذه المناقب ؟ قال : ما سُبّ أمير المؤمنين عثمان في نادٍ لنا قط، قال: هذه واللّه منقبة، قال وشهد منا صفين مع أمير المؤمنين معاوية سبعون رجلا، وما شهدها مع أبي تراب منا إلا رجل، واحد وكان واللّه ما علمته امرأ سَوْءٍ، قال : وهذه واللّه منقبة، قال : وما منا أحد تزوج امرأة تحب أبا تراب ولا تتولاه قال وهذه واللّه، منقبة، قال : وما منا امرأة إلا نذرت إن قتل الحسين أن تنحر عشر جزائر لها ففعلت قال : وهذه واللّه منقبة، قال : وما منا رجل عرض عليه شَتْم أبي تراب ولعنه إلا فعل، وقال وأزيدكم ابنيه الحسن والحسين وأمهما [فاطمة] قال : وهذه واللّه منقبة، قال : وما أحد من العرب له من الملاحة
والصباحة ما لنا، وضحك، وكان دميماً شديد الأدمة مجدوراً في رأسه أعجر مائل الشّدْقِ أخوَل قبيح الوجه [وحش المنظر].
حدثنا المنقري، عن جعفر بن عمرو الحرضي، عن مجدي بن رجاء قال: سمعت عمران بن مسلم بن أبي بكر الهذلي يقول : سمعت الشعبي يقول : أتى بي الحجاج مُوثَقاً، فلما دخلت عليه استقبلني يزيد بن مسلم فقال : إنا للّه يا شعبي على ما بين دفتيك من العلم، وليس بيوم شفاعة، بُؤ للأمير بالشرك وبالنفاق على نفسك فبالحرى أن تنجو منه ؛ فلما دخلت عليه استقبلني محمد بن الحجاج فقال لي مثل مقالة يزيد، فلما مثلت بين يدي الحجاج قال : وأنت يا شعبي فيمن خرج علينا وكثر؟ قلت : نعم، أصلح اللّه الأمير أحْزَنَ بنا المبرك، وأجدب [بنا] الجناب وضاق المسلك، واكتحلنا السهاد، واستحلسنا الخوف، ووقعنا في فتنة لم نكن فيها بَرَرَة أتقياء ولا فَجَرة أقوياء، قال: صدق، واللّه ما بروا بخروجهم علينا ولا قووا إذ فجروا، أطلقوا عنه قال الشعبي : ثم احتاج إلى فريضة فقال : ما تقول في أخت وأم وجد؟ قلت: اختلف فيها خمسة من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : عبد اللّه، وزيد، وعلي وعثمان، وابن عباس، قال: فماذا قال فيها ابن عباس فقد كان متقياً؟ قلت: جعل الجد أباً، وأعطى الأم الثلث، ولم يعط الأخت شيئاً، قال: فماذا قال فيها عبد اللّه ؟ قلت : جعلها من ستة ؛ فأعطى الأخت النصف، وأعطى الأم السدس، وأعطى الجد الثلث، قال: فما قال فيها زيد؟ قلت : جعلها من تسعة ؛ فأعطى الأم ثلاثة وأعطى الأخت سهمين، وأعطى الجد أربعة قال : فما قال فيها أمير المؤمنين عثمان؟ قلت جعلها أثلاثاً، قال: فما قال فيها أبو تراب؟ قلت: جعلها [من] ستة أعطى الأخت النصف، وأعطى الأم الثلث، وأعطى الجد السدس قال : فضرب بيده على أنفه وقال : إنه المرء [لا] يرغب عن قوله [ثم قال للقاضي : أمِرَّها على مذهب أمير المؤمنين عثمان].
حدثنا المنقري، عن [أبي عبد الرحمن] العتبي عن أبيه قال : أراد الحجاج الحج فخطب الناس وقال : يا أهل العراق، إني قد استعملت عليكم محمداً، وبه الرغبة عنكم، أما إنكم لا تستأهلونه، وقد أوصيته فيكم بخلاف وصية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بالأنصار، فإنه أوصى أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وقد أوصيته أن لا يقبل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم، أما إني إذا ولَّيْتُ عنكم [أعلم] أنكم تقولون : لا أحسن اللّه له
في الصحابة وما منعكم من تعجيله إلا الفراق وأنا أعجل لكم الجواب، لا أحْسَنَ اللّه عليكم الخلافة، ثم نزل.
حدثنا العتبي، عن عبد الغني بن محمد بن جعفر، عن الهيثم بن عدي، عن أبي عبد الرحمن الكناني، عن ابن عباس الهمداني، عن عبيد بن أبي المخارق، قال: استعملني الحجاج على الفلوجة فقلت : أههنا دِهْقان يستعان برأيه؟ فقالوا : جميل بن صهيب، فأرسلت إليه، فجاءني شيخ كبير قد سقطت حاجباه على عينيه، فقال: أزعجتني وأنا شيخ كبير، فقلت: أردت يُمْنَك، وبركتك، ومشورتك، فأمر بحاجبيه فرفعا بخرقة حرير، وقال : ما حاجتك؟ قلت : استعملني الحجاج على الفلوجة وهو ممن لا يؤمن شره، فأشِرْ عَلَيَّ، قال : أيما أحب إليك : رضا الحجاج، أو رضا بيت المال، أو رضا نفسك؟ قلت [أحب] أن أرضي كل هؤلاء وأخاف الحجاج فإنه جبار عنيد، قال: فاحفظ عني أربع خلال افتح بابك، ولا يكن لك حاجب، فيأتيك الرجل وهو على ثقة من لقائك، وهو أجدر أن يخافك عُمَّالك، وأطل الجلوس لأهل عملك، فإنه قلما أطال عامل الجلوس إلا هيب مكانه، ولا يختلف حكمك بين الناس وليكن [حكمك] على الشريف والوضيع سواء، ولا يطمع فيك أحد من أهل عملك، ولا تقبل من أهل عملك هدية فإن مهديها لا يرضى من ثوابها إلا بأضعافها مع ما في ذلك من المقالة القبيحة، ثم اسلخ ما بين أقفيتهم إلى عجوب أذنابهم، فيرضوا عنك ولا يكون للحجاج عليك سبيل.
حدث المنقري، عن يوسف بن موسى القطان، عن جرير، عن المغيرة عن الربيع بن خالد، قال : سمعت الحجاج يخطب على المنبر وهو يقول : أخليفة أحدكم أهله أكْرَمُ عليه أم رسوله في حاجته؟ فقلت : اللّه علي أن لا أصلي خلفك [صلاة] أبداً، ولئن رأيت قوماً يجاهدونك لأقاتلنك معهم، فقاتل في دير الجماجم حتى قتل.
حدث المنقري، عن العتبي، عن أبيه، أن الحجاج وجّه الغضبان بن القَبَعْثَرَى إلى بلاد كرمان ليأتيه بخبر ابن الأشعث عند خَلْعه، فَفَصَل من عنده، فلما صار ببلاد کرمان ضرب خباءه ونزل، فإذا هو بأعرابي قد أقبل عليه فقال : السلام عليك، فقال الغضبان : كلمة مَقُولَة، فقال له الأعرابي : من أين جنت؟ قال من ورائي، قال : وأين تريد؟ قال: أمامي قال : وعلام جئت ؟ قال : على فرسي، قال : وفيم جئت؟ قال : في ثيابي، قال:
أتأذن لي أن أدنو إليك قال : وراءك أوْسَعُ لك، قال : واللّه ما أريد طعامك ولا شرابك، قال : لا تُعَرِّض بهما فواللّه لا تذوقهما، قال : أوليس عندك إلا ما أرى؟ قال : بل هراوة من أرزن أضرب بها رأسك، قال: إن الرمضاء قد أحرقت قَدَمي، قال: بل عليهما، یبردان قال : فكيف ترى فرسي هذا؟ قال: أراه خيراً من [آخر] شر منه وأرى آخر أفْرَهَ منه، قال : قد علمت هذا؟ قال : لو علمته ما سألتني عنه، فتركه الأعرابي وولّى، ثم دخل على عبد الرحمن بن الأشعث، فقال : ما وراءك يا غضبان؟ قال: الشر، تَغَدَّ بالحجاج قبل أن يتعشى بك، ثم صعد المنبر فخطب بمعايب الحجاج والبراءة منه، ودخل [مع] ابن الأشعث في أمره فلم يلبث إلا قليلا ثم أسِرَ ابن الأشعث فأخذ الغضبان فيمن أسِرَ، فلما أدخل على الحجاج قال: يا غضبان، كيف رأيت بلاد كرمان؟ قال : أصلح اللّه الأمير بلاد ماؤها وَشَل، وثمرها دقل، ولصها بطل، والخيل بها ضعاف وإن كثر الجند بها جاعوا، وإن قلوا ضاعوا قال: ألست صاحب الكلمة الخبيثة «تَغَدَّ بالحجاج قبل أن يتعشى بك» قال : أصلح اللّه الأمير ! ما نفعت من قِيلَتْ له، ولا ضرت من قيلت فيه قال لأقطعن يديك ورجليك من خلاف ثم لأصلبنك، قال: لا أرى الأمير أصلحه اللّه يفعل ذلك، فأمر به فَقُيد وألقي في السجن، فأقام به حتى بنى الحجاج خضراء واسط، فلما استتم بناءها جلس في صحنها وقال : كيف ترون قبتي هذه؟ قالوا: ما بني لخلق قبلك مثلها، قال : فإن فيها مع ذلك عيباً فهل فيكم مخبري به؟ قالوا : واللّه لا نَرَى بها عيباً، فأمر بإحضار الغضبان، فأتى به يَرْسُف في قيوده، فلما دخل عليه قال له الحجاج : أراك يا غضبان سميناً، قال: أيها الأمير القيد والرتعة، ومن يكن ضَيْفَ الأمير يسمن، قال : فكيف ترى قبتي هذه؟ قال : أرى قبة ما بني لأحد مثلها إلا أن بها عيباً، فإن أمنني الأمير أخبرته به قال: قل آمناً، قال: بنيت في غير بلدك لغير ولدك لا تتمتع به ولا تنعم فما لما لا يتمتع فيه من طيب ولا لذلة قال : رُدُّوه فإنه صاحب الكلمة الخبيثة، قال : أصلح اللّه الأمير ! إن الحديد قد أكل لحمي وبَرَى عظمي، فقال:، احملوه، فلما استقلَّ به الرجال قال : «سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ» [الزخرف : 13] قال : أنزلوه، فلما استوى على الأرض قال : «وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ» [المؤمنون: 29] قال : جُرُّوه، فلما جَرُّوه قال : بِسْمِ اللّه مَجْراهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ» [هود : 41] قال : أطلقوا عنه.حدث المنقري عن [ عبد اللّه بن] محمد بن حفص التميمي، عن الحسين بن عيسى الحنفي، قال : لما هلك بشر بن مروان وولى الحجاج العراق بلغ ذلك أهل العراق، فقام الغضبان بن القَبَعْثَرَى [الشيباني] بالمسجد الجامع بالكوفة خطيباً، فحمد
اللّه وأثنى عليه، ثم قال : يا أهل العراق، ويا أهل الكوفة، إن عبد الملك قد ولّى عليكم مَنْ لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم، الظلوم العشوم، الحجاج، ألا وإن لكم من عبد الملك منزلة بما كان منكم من خذلان مُصْعب وقتله، فاعترضوا هذا الخبيث في الطريق فاقتلوه، فإن ذلك لا يعد منكم خلعاً، فإنه متى يعلوكم على متن منبركم وصدر سريركم وقاعة قصركم، ثم قتلتموه عُدَّ خَلْعاً، فأطيعوني وتغدوا به قبل أن يتعشى بكم، فقال له أهل الكوفة : جبنت يا غضبان بل ننتظر سيرته فإن رأينا منكراً غیرناه قال: ستعلمون.فلما قدم الحجاج الكوفة بلغته مقالته فأمر به فحبس، فأقام في حبسه ثلاث سنين، حتى ورد على الحجاج كتاب من عبد الملك يأمره أن يبعث إليه بثلاثين جارية : عشراً من النجائب وعشراً من قعد النكاح، وعشراً من ذوات الأحلام؛ فلما نظر إلى الكتاب لم يدرِ ما وصفه له من الجواري، فعرضه على أصحابه فلم يعرفوه، فقال له بعضهم : أصلح اللّه الأمير ينبغي أن يعرف هذا مَنْ كان في أوليته بدوياً فله معرفة أهل البدو، ثم غزا فله معرفة أهل الغزو، ثم شرب الشراب فله بَذَاء أهل الشراب، قال : وأين هذا؟ قيل : في حبسك، قال : ومن هو ؟ قيل : الغضبان الشيباني، فأحضر، فلما مثل بين يديه قال : أنت القائل لأهل الكوفة يتغدون بي قبل أن أتعشى بهم، قال : أصلح اللّه الأمير! ما نفعت من، قالها ولا ضرت من قيلت فيه قال إن أمير المؤمنين كتب إليَّ كتاباً لم أدْرِ ما فيه، فهل عندك شيء منه ؟ قال : يقرأ علي، فقرىء عليه، فقال: هذا بين، قال : وما هو ؟ قال: أما النجيبة من النساء فالتي عظمت، هامتها، وطال عنقها، وبعد ما بين منكبيها وثدييها واتسعت راحتها وثخنت ركبتها، فهذه إذا جاءت بالولد جاءت به كالليث [العادي] وأما قعد النكاح فهنَّ ذوات الأعجاز، منكسرات الثُّدِيَّ، كثيرات اللحم، يقرب بعضهن من بعض، فأولئك يشفين القرم، ويروين الظمآن، وأما ذوات الأحلام فبنات خمس وثلاثين إلى الأربعين فتلك التي تبسه كما يبس الحالب الناقة فتستخرجه من كل شعر وظفر وعرق ؟ قال الحجاج : أخبرني بشر النساء، قال : أصلح اللّه الأمير! شرهن الصغيرة، الرقبة الحديدة الركبة السريعة الوَثْبة، الواسطة في نساء الحي، التي إذا غضبت غضب لها مائة، وإذا سمعت كلمة قالت: لا واللّه لا أنتهي حتى أقرها قَرَارَهَا، التي في بطنها جارية، وتتبعها جارية، وفي حجرها جارية، قال الحجاج: على هذه لعنة اللّه ! ثم قال : ويحك! فأخبرني بخير النساء، قال: خيرهن القريبة القامة من السماء، الكثيرة الأخذ من الأرض، الودود الولود، التي في بطنها، غلام، وفي حجرها غلام، ويتبعها غلام ؛ قال : ويحك ! فأخبرني بشر الرجال، قال : شرهم السبوط الربوط،
المحمود في حرم الحي، الذي إذا سقط لإحداهن دلو في بئر انحط عليه حتى يخرجه، فهن يجزينه الخير أو يقلن : عافى اللّه فلاناً، قال على هذا لعنة اللّه! فأخبرني بخير الرجال قال : خيرهم الذي يقول فيه الشماخ التغلبي : :فتَى ليس بالرَّاضِي بأدنى معيشةولا في بيوت الحي بالمتوَلِّجِفتّى يملأ الشيزى ويروي سنانَهُويضرب في رأس الكمي المدَجَّجفقال له : حسبك، كم حبسنا عطاءك ؟ قال : ثلاث سنين، فأمر له بها وَحَلّى سبيله.### وصف البصرة والكوفةحدث المنقري عن محمد بن أبي السري، عن هشام بن محمد بن السائب عن أبي عبد اللّه النخعي، قال : لما فرغ الحجاج من دير الجماجم وفد على عبد الملك ومعه أشراف أهل المصريْنِ فأدخلهم عليه، فبينما هم عنده [يوماً] إذ تذاكروا البلدان، فقال محمد بن عمير بن عطارد: أصلح اللّه الأمير ! إن الكوفة أرض ارتفعت عن البصرة وحرها وعمقها وسفلت عن الشام ووبائها، [وبردها] وجاورها الفرات فعذب ماؤها وطاب ثمرها ؛ وقال خالد بن صفوان [الأهتمي]: أصلح اللّه الأمير! نحن أوسع منهم برية، وأسرع منهم في السرية، وأكثر منهم قنداً وعاجاً وساجاً، ماؤنا صفو [وخيرنا عفو] لا يخرج من عندنا إلى قائد وسائق وناعق، فقال الحجاج : أصلح اللّه أمير المؤمنين ! إني بالبلدين خبير، وقد وطئتهما جميعاً، فقال له : قل فأنت عندنا مصدق فقال : أما البصرة فعجوز شمطاء دفراء بخراء أوتيت من كل حلي وزينة، وأما الكوفة فشابة حسناء جميلة، لا حلي لها ولا زينة؛ فقال عبد الملك : فضلت الكوفة على البصرة.### الحجاج يصف الدنياحدث المنقري عن عمرو بن الحباب الباهلي عن إسماعيل بن خالد، قال: سمعت الشعبي يقول : سمعت الحجاج يتكلم بكلام ما سبقه إليه أحد سمعته يقول : أما بعد فإن اللّه عز وجلّ كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة، البقاء، فلا فناء لما كُتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كُتب عليه الفناء فلا يغرنكم شاهد الدنيا من غائب الآخرة، فطول الأمل يقصر الأجل.### رسول المهلب إلى الحجاجحدث المنقري عن سهل بن تمام بن بزيع عن عباد بن [حبيب بن] المهلب عن أبيه قال : لما قتل المهلب عبد ربه الصغير بكرمان قال: ائتوني برجل له بيان وعقل
ومعرفة أوجهه إلى الحجاج برؤوس من قتلنا؛ فدلوه على بشر بن مالك الجرشي، فلما دخل على الحجاج قال : ما اسمك ؟ قال : بشر بن مالك الجرشي، قال: كيف تركت المهلب؟ قال : تركته صالحاً نال ما رجا وأمن ما خاف، قال : فكيف فاتكم قطري؟ قال : كادنا من حيث كدناه، قال : أفلا طلبتموه؟ قال : كان [فَلا، وكان] الجد أهم علينا من الفل، قال: أصبتم فكيف كان بنو المهلب؟ قال: كانوا أعداء البيات حتى يأمنوا، وأصحاب السُّرُج حتى يردوا، قال : أجل، فأيهم أفضل؟ قال : ذاك إلى أبيهم أيهم شاء أن يستكفيه أمراً، كفاه قال إني أرى لك عقلا فقل، قال : هم كالحلقة المستوية لا يدري أين طرفها، قال : أين هم من أبيهم ؟ قال : فَضْلُه عليهم كفضلهم على سائر الناس، قال: كيف كان الجند؟ قال: أرضاهم الحق، وأشبعهم الفضل وكانوا مع والٍ يقاتل بهم مقاتلة الصعلوك ويسوسهم سياسة الملوك، فله منهم بر الأولاد، ولهم منه شفقة الوالد، قال : هل كنت هَيَّأْت ما أرى؟ قال : لا يعلم الغيب إلا اللّه، قال : فالتفت الحجاج إلى عنبسة، فقال : هذا الكلام المطبوع لا الكلام المصنوع.### الحجاج وجرير بن الخطفىوأخذ الحجاج جرير بن الخَطَفَى، فأراد قتله، فمشى إليه قومه من مضر فقالوا : أصلح اللّه الأمير ! لسان مضر وشاعرها هَبْهُ لنا، فوهَبَهُ لهم.وكانت هند بنت أسماء زوج الحجاج ممن طالب به، فقالت للحجاج : أتأذن لجرير عليّ يوماً أستنشده من وراء حجاب؟ فقال لها : نعم فأمرت بمجلس لها فهيىء فجلست فيه والحجاج معها، ثم بعثت إلى جرير، فدخل عليها يسمع كلامها ولا يراها فقالت : يا ابن الخطفى أنشدني ما شببت به في النساء فقال لها : ما شببت بامرأة قط، ولا خلق اللّه شيئاً هو أبغض إلي من النساء قالت يا عدو اللّه، وأين قولك:طرقَتْكَ صائدة القلوب وليس ذاوقت الزيارة فارْجِعِي بسلامتُجْرِي السواك على أغَرَّ كأنهبَرَدٌ تحدَّرَ من مُتون غماملو كنت صادقة بما حدثتنالوصلت ذاك فكان غير لمامسرت الهموم فبتن غير نياموأخو الهموم يَرُوم كل مرامقال : ما قلت هذا، ولكني أنا الذي أقول:لقد جَرَّدَ الحجاج للحق سيفهألا فاستقيموا، لا يميلنَّ مائلوما يستوي داعي الضلالة والهدىولا حُجَّة الخصمين حق وباطلقالت : دع عنك هذا، فأين قولك :
خليليَّ لا تستغزرا الدمعَ في هندأعيذكما باللّه أن تَجِدَا وَجْدِيظمئْتُ إلى شرب الشراب وحسنهكذي قربة يرجو هداها وما يجديقال لها ما قلت هذا، ولكني أنا الذي أقول :ومَنْ يَأْمَنُ الحجاج؟ أما عِقابهفمرٌّ، وأما عَقْدُهُ فَوَثيقيُسِرُّ لك البغضاء كلُّ مُنَافقكما كلُّ ذي برٍّ عليك شفيققالت : د دع عنك هذا، فأين قولك :يا عَاذِليَّ دَعَا الملام وَأقْصِراطَالَ الهَوَى وأطلتما التفنيداإني وَجَدْتُ، وَلَوْ أَرَدْتُ زيادةفي الْحُبّ عندي ما وَجَدت مزيدافقال : باطل أصلحك اللّه، ولكني أنا الذي أقول :من سَدَّ مُطَّلع النفاق عليهمأم من يَصُول كصولة الحجاج؟أم مَنْ يَغَار على النساء حفيظةإذا لا يثقن بغيرة الأزواج؟هذا ابن يوسف فافهموا وتفهموابَرِحَ الخفاء وليس حيث يفاجيءفلربَّ ناکث بیعتين تركتهوخضاب لحيته دَمُ الأَوْدَاجفقال الحجاج : يا عدو اللّه، تحرض عليَّ النساء؟ فقال : لا والذي أكرمك أيها الأمير، ما فطنت لهذا البيت قبل ساعتي هذه، وما علمت بمكانك، فأقِلْني جعلني اللّه فداك، قال : قد فعلت، فأمرت له هند بجارية وكسوة وأوفده الحجاج على عبد الملك### بين الحجاج وأعشى همدانولما انهزم ابن الأشعث بدير الجماجم حلف الحجاج أن لا يُؤْتَى بأسيرِإلا ضرب عنقه، فأتى بأسْرَى كثيرة، وكان أول من أتى به أعشى همدان [الشاعر ] وهو أول من خلع عبد الملك والحجاج بين يدي ابن الأشعث بسجستان، فقال له الحجاج : إيه أنت القائل.مَنْ مُبلغ الحجاج أنّيقد جنيت عليه حَرْبًاوصفقت في كفِّ امْرِىءٍجَلْدٍ إذا ما الأمر عُبَّىأنت الرئيس ابن الرئيسوأنت أعلى الناس كعبافابعث عطية بالخيول يكبُهُنَّ عليه كَبَّاوانْهَضْ هُديتَ لعله***يجلو بك الرحمن كَرْبَا
نُبِّئْتُ أن بُنَيَّ يُوسُفَ خَرَّ من زَلَقٍ فَتَبًاوهي أبيات وأنت القائل :شطت نوى مَنْ دَارُهُ الإيوانإيوان كِسْرَى ذي القرى وَالرَّيحَانُمن عاشق أمْسَى بزابلستانإن ثقيفاً منهم الكَذَابَانُكَذَّابُهَا الماضي وكَذَاب ثَانْأمكن ربي من ثقيف هَمْدَانٌ[ يَوْماً من الليل يسلي ما كانْ]وأنت القائل :وسألتماني المجد أينَ محلّهفالمجد بين محمد وسعيدبين الأشج وبين قيس باذخبخ بخ لوالده وللمولودقال : لا، ولكني الذي أقول :أبى اللّه إلا أن يتمم نُورهوَيُطْفِى نُور الفقعتين فيخمداوينزل ذُلاًّ بالعراق وأهلهبما نَقَضُوا العهد الوثيق المؤكداوما أحْدَثُوا من بدعة وضَلالَةمن القول لم يصعد إلى اللّه مصعداقال : لسنا نحمدك على هذا القول إنما قلته تأسفاً على أن لا تكون ظفرت وظهرت وتحريضاً لأصحابك [علينا]، وليس عن هذا سألتك، أخبرني عن قولك :أمكن ربي من ثقيف هَمْدَان[يَوْماً من الليل يسلي ما كان]فكيف ترى اللّه أمكن ثقيفاً من هَمْدان، ولم يمكن همدان من ثقيف؟ وعن قولك:بين الأشج وبين قيس باذخ***بخ بخ لوالده وللمولُودواللّه لا تبخبخ لأحد بعدها، وأمَرَ به فضربت عُنقه.ولم يزل يؤتى برجل رجل حتى أتي برجل من بني عامر، وكان من فرسان [دير] الجماجم مع ابن الأشعث، فقال له : واللّه لأقتلنك شر قتلة، قال : واللّه ما ذلك لك، قال : ولِمَ؟ قال : لأن اللّه يقول في كتابه العزيز: «فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَعْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا» [محمد: 4] وأنت قد قتلت فأثخنت وأسرت فأوثقت ؛ فإما أن تمن علينا أو تفدينا عشائرنا، فقال له الحجاج : أكَفَرْت؟ قال: نعم، وغَيَّرْتُ وبَدَّلْتُ، قال خلوا سبيله.ثم أتي برجل من ثقيف فقال له الحجاج : أكفرت؟ قال : نعم، قال [له] الحجاج :
لكن هذا الذي خَلْفك لم يكفر، وخَلْفه رجل من السَّكُون، فقال السَّكُوني : أعن نفسي تخادعني؟ بلى واللّه ولو كان شيء أشد من الكفر لبؤت به فخلّى سبيلهما.فهذه جمل من أخبار عبد الملك والحجاج، وقد أتينا على مبسوط هذه الأخبار مما لم نورده في هذا الكتاب في كتابينا «أخبار الزمان» والأوسط التالي له الذي كتابنا هذا تاليه، وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب من أخبار الحجاج لمعاً، على حسب ما قَدَّمنا من الشرط فيما سَلَفَ من هذا الكتاب، وباللّه العون والقوة.
## ذكر أيام الوليد بن عبد الملك### موجزوبويع الوليد بن عبد الملك بدمشق في اليوم الذي توفي فيه عبد الملك، وتوفي الوليد بدمشق للنصف من جمادى الآخرة [من] سنة ست وتسعين؛ فكانت ولايته تسع سنين وثمانية أشهر وليلتين وهلك وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وكان يكنى بأبي العباس.
## ذكر لمع من أخباره وسيره وما كان من الحجاج في أيامه### خلق الوليد وولدهكان الوليد جَبَّاراً عنيداً، ظَلُوماً غَشُوماً، وخلف من الولد أربعة عشر ذكراً، منهم يزيد وعمرو، وبشر العالم، والعباس، وكان يدعى فارس بني مروان لشهامته، فعدل الوليد بالأمر عن ولده بعده اتباعاً لوصية عبد الملك على حسب [ما] رتبها، وكان نقش خاتمه «يا وليد إنك ميت» [ فكان كلما هَمَّ أن يجعل الأمر لولده قلب الفص وقرأ «إنك ميت» فيقول] لاها اللّه، لا خالفت ما أمرني به أبي، إني لميت.### بناء مسجدي دمشق والمدينةوفي سنة سبع وثمانين ابتدأ الوليد ببناء المسجد الجامع بدمشق، و [بناء] مسجد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة، فأنفق عليهما بالأموال الجليلة، وكان المتولي للنفقة على ذلك عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى.)وحكى عثمان بن مرة الخولاني قال : لما ابتدأ الوليد ببناء مسجد دمشق وجد في حائط المسجد لوحاً من حجارة فيه كتابة باليونانية، فعرض على جماعة من أهل الكتاب، فلم يقدروا على قراءته، فوجه به إلى وهب بن مُنَبِّه، فقال : هذا مكتوب في أيام سلیمان بن داود (عَلَيهِم السَّلَامُ، فقرأه فإذا فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا ابن آدم، لو عاينت ما بقي من يسير أجلك، لزهدت فيما بقي من طول أملك، وقصرت عن رغبتك وحيلك، وإنما تلقى ندمك، إذا زَلّتَ بك قدمك وأسلمك أهلك [ وحشمك] وانصرف عنك الحبيب، ووَدَّعَكَ القريب، ثم صرت تدعي فلا تجيب فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوة قبل الفوت، وقبل أن يؤخذ منك بالكظم، ويحال بينك وبين العمل ؛ وكتب زَمَن سليمان بن داود؛ فأمر الوليد أن يكتب بالذهب على اللازورد في حائط المسجد ربُّنا اللّه لا نعبد إلا اللّه، أمر ببناء هذا المسجد، وهدم الكنيسة التي كانت فيه عبد اللّه الوليد أمير المؤمنين في ذي الحجة سنة)
سبع وثمانين وهذا الكلام مكتوب بالذهب في مسجد دمشق إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.### بين الوليد والحجاجووفد الحجاج بن يوسف على الوليد، فوجده في بعض نُزهه، فاستقبله، فلما رآه ترجّل له، وقبَّل يده، وجعل يمشي وعليه درع وكنانة وقوس عربية، فقال له الوليد: اركب يا أبا محمد فقال : دعني يا أمير المؤمنين أستكثر من الجهاد؛ فإن ابن الزبير وابن الأشعث شغلاني عنك، فعزم عليه الوليد حتى ركب، ودخل الوليد داره، وتفضل في غلالة، ثم أذن للحجاج فدخل عليه في حالة تلك وأطال الجلوس عنده، فبينما هو يحادث إذ جاءت جارية فسارت الوليد ومضت ثم عادت فسارته ثم انصرفت، فقال الوليد للحجاج : أتدري ما قالت هذه يا أبا محمد ؟ قال : لا واللّه، قال : بعثْتها إلىَّ ابنةُ عمي أم البنين بنت عبد العزيز تقول : ما مجالستك لهذا الأعرابي المتسلَّح في السلاح وأنت في غلالة؟ فأرسلْتُ إليها إنه الحجاج، فراعها ذلك، وقالت: واللّه ما أحب أن يخلو بك وقد قتل الخلق، فقال الحجاج يا أمير المؤمنين دَع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإنما امرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فلا تطلعهن على سرك، ولا مكايدة عدوك، ولا تُطِعْهن في غير أنفسهن، ولا تشغلهن بأكثر من زينتهن وإياك و مشاورتهن [ في الأمور] فإن رأيهن إلى أفن، وعزمَهُنَّ إلى وَهْنٍ، واكفف عليهن من أبصارهن بحجبك، ولا تملك الواحدة منهن من الأمور ما يجاوز نفسها، ولا تطمعها أن عندك لغيرها، ولا تطل الجلوس معهن [ والخلوة، بهن] فإن ذلك أوفر لعقلك، وأبْيَنُ لفضلك، ثم نهض الحجاج فخرج.### بين الحجاج وأم البنينودخل الوليد على أم البنين فأخبرها بمقالة الحجاج فقالت: يا أمير المؤمنينأحِبُّ أن تأمره غداً بالتسليم عليَّ، فقال : افعل، فلما غدا الحجاج على الوليد قال له : يا أبا، محمد سِرْ إلى أم البنين فسلم عليها، فقال : أغفني من ذلك يا أمير المؤمنين، فقال: لا بد من ذلك، فمضى الحجاج إليها، فحجبته طويلا، ثم أذنت له فأقرته قائماً، ولم تأذن له في الجلوس، ثم قالت: إيه يا حجاج، أنت الممتَنُّ على أمير المؤمنين بقتل ابن الزبير وابن الأشعث؟ أما واللّه لولا أن اللّه جعلك أهْوَنَ خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة، ولا بقتل ابن ذات النطاقين، وأول مولود ولد في الإسلام، وأما ابن الأشعث فقد واللّه والى عليك الهزائم، حتى لُذْتَ بأمير المؤمنين عبد الملك فأغائك بأهل الشام وأنت في أضيق من
القرن، فأظَلَّتْك رماحهم، وأنجاك كفاحهم [ وطالما نفض نساء أمير المؤمنين المسك من غدائرهن وبعنه في الأسواق في أرزاق البعوث إليك]، ولولا ذلك لكنت أذل من النَّقَدِ وأما ما أشرت [به] على أمير المؤمنين من ترك لذاته والامتناع من بلوغ أوطاره من نسائه فإن كنَّ ينفرجن عن مثل ما انفرجَتْ به عنك أمّك فما أحَقَّه بالأخذ عنك والقبول منك، وإن كن ينفرجن عن مثل أمير المؤمنين فإنه غير قابل منك ولا مُضغ إلى نصيحتك، قاتل اللّه الشاعر وقد نظر إليك وسنان غزالة الحرورية بين كتفيك حيث يقول :أسَدُ عليَّ وفي الحروب نعامةفزعاء تفزع من صفير الصافرهلا بَرَزْتَ إلى غزالة في الوغىبل كان قلبك في جناحَيْ طائر[ثم قالت لجواريها] أخْرِجْنَهُ عني، فدخل إلى الوليد من فَوْره، فقال [له]: يا أبا محمد ما كنت فيه ؟ فقال : واللّه يا أمير المؤمنين ما سكتَتْ حتى كان بطن الأرض أحَبَّ إلي من ظاهرها، فضحك الوليد حتى فحص برجله ثم قال يا أبا محمد إنها بنت عبد العزيز.ولأم البنين هذه أخبار كثيرة في الجود وغيره، وقد أتينا على ذكرها في غير هذا الكتاب.### موت علي بن الحسين السجادوفي سنة خمس وتسعين قبض علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في ملك الوليد ودفن [بالمدينة] في بقيع الغَرْقَدِ مع عمه الحسن بن علي، وهو ابن سبع وخمسين سنة، ويقال : إنه قبض سنة أربع وتسعين، وكل عقب الحسين من علي بن الحسين [هذا] وهو السجاد على ما ذكرنا وذو الثفنات وزين العابدين.### موت عبد الملك بن مروانوذكر المدائني قال : دخل الوليد على أبيه عبد الملك عند وفاته، فجعل يبكي عليه وقال : كيف أصبح أمير المؤمنين؟ فقال عبد الملك الملك :ومشتغل عنا يريد بنا الردى***ومستعبرات والعيون سواجمأشار بالمصراع الأول إلى الوليد، ثم حَوَّل وجهه عنه، وأشار بالمصراع الثاني إلى نسائه، وهن المستعبرات.وذكر العتبي وغيره من الأخباريين أن عبد الملك لما سأله الوليد عن خبره وهو يجود بنفسه أنشأ يقول :
کم عائد رجلًا وليس يعوده***إلا لينظر هل يراه يموتوقيل : إن عبد الملك نظر إلى الوليد وهو يبكي عليه عند رأسه فقال :يا هذا، أحنين الحمامة؟ إذا أنا مت فشمر واتزر والبس جلد نمر، وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه لك فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه، ثم أقبل عبد الملك يذم الدنيا فقال : إن طويلك لقصير وإن كثيرك لقليل، وإن كنا منك لفي غرور.### وصية عبد الملك عند موتهثم أقبل على جميع ولده فقال : أوصيكم بتقوى اللّه فإنها عضمة باقية، وجُنَّة واقية، فالتقوى خير زاد، وأفضل في المعاد، وهي أحصن كهف، وليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير حق الكبير، مع سلامة الصدور، والأخذ بجميل الأمور، وإياكم والبغي والتحاسد، فيهما هلك الملوك، الماضون، وذوو العز المكين، يا بني، أخوكم مسلمة نابكم الذي تفترون عنه، ومِجَنَّكم الذي تستجنون، به اضدروا عن رأيه وأكرموا الحجاج؛ فإنه الذي وطأ لكم هذا الأمر، وكونوا أولاداً أبراراً، وفي الحروب أحراراً، وللمعروف مناراً، وعليكم السلام.وسأله بعض شيوخ بني أمية - وقد فرغ من وصية أولاده هذه - [قال]: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ قال : كما قال اللّه عز وجل : «وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَلَنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ» [الأنعام: 94] إلى قوله : «مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ» [الأنعام: 94] فكان هذا آخر كلام سمع منه.فلما قضى سَجَّاه الوليد، ثم صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال : لم أر مثلها مصيبة ولا مثلها، نعمة، فقدت الخليفة، وتقلدت الخلافة، فإنا للّه وإنا إليه راجعون على المصيبة، والحمد للّه رب العالمين على النعمة، ثم دعا الناس إلى بيعته فبايعوا ولم يختلف عليه أحد.### موت عبيد اللّه بن العباسومات في أيام الوليد عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، وذلك في سنة سبع وثمانين، وكان جواداً كريماً، وذكر أن سائلا وقف عليه فقال [له] : تصدق مما رزقك اللّه ؛ فإني نبئت أن عبيد اللّه بن العباس أعطى سائلا ألف درهم واعتذر إليه، فقال : وأين أنا من عبيد اللّه ؟ قال له وأين أنت [منه] في الحسب أم في كثرة المال؟ قال : فيها جميعاً، قال: إن الحسب في الرجل مروءته وحسن فعله، فإذا فعلت ذلك كنت حسيباً،
فأعطاه ألفي درهم واعتذر إليه، فقال له السائل : إن لم تكن عبيد اللّه فأنت خير منه، وإن كنت هو فأنت اليوم خير منك أمس فأعطاه ألفاً أيضاً فقال : لئن كنت عبيد اللّه إنك الأسمح أهل دهرك، وما إخالك إلا من رَهْطٍ فيهم محمد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأسألك باللّه أأنت هو ؟ قال : نعم، قال نعم قال واللّه ما أخطأت إلا باعتراض الشك بين جوانحي، وإلا فهذه الصورة الجميلة والهيئة المنيرة لا تكون إلا في نبي أو عترة نبي.)وذكر أن معاوية وصله بخمسمائة ألف درهم، ثم وجَّه [له] من يتعرَّف له خبره، فانصرف إليه فأعلمه أنه قسمها في سُمَّاره وإخوانه حصصاً بالسوية، وأبقى لنفسه مثل نصيب أحدهم، فقال معاوية : إن ذلك ليسوءني ويسرني، فأما الذي يسرني فإن عبد مناف، والده، وأما الذي يسوءني فقرابته من أبي تراب [دوني].قال المسعودي: وقد قدمنا خبر مقتل ابني عبيد اللّه فيما سلف من هذا الكتاب، وهما عبد الرحمن، وقُثَم، وما رثتهما به أمهما أم حكيم جويرية بنت فارط بن خالد الكنانية.### عبيد اللّه بن العباس وبسر بن أرطاةوقد كان عبيد اللّه بن العباس دخل يوماً على معاوية وعنده قاتلهما بُسْرُ بن أرْطَاةَ العامري، فقال له عبيد اللّه : [أيها الشيخ ] أنت قاتل الصبيين؟ قال: نعم، قال: واللّه لوددت أن الأرض أنبتتني عندك يومئذٍ، فقال له بُسْرٌ : فقد أنبتتك الساعة، فقال عبيد اللّه : ألا سيف، فقال بُسْرٌ : هاك سيفي، فلما هوى عبيد اللّه إلى السيف ليتناوله قبض معاوية ومَنْ حضره على يد عبيد اللّه قبل أن يقبض على السيف، ثم أقبل معاوية على بُسْر فقال : أخزاك اللّه من شيخ !! قد كبرت وذُهل عقلك، تعمد إلى رجل موتور من بني هاشم فتدفع إليه سَيْفَكَ، إنك لغافل عن قلوب بني هاشم، واللّه لو تمكن من السيف لبدأ بنا قبلك قال عبيد اللّه : ذلك واللّه أردت.وكان علي (عَلَيهِم السَّلَامُ- حين أتاه خبر قتل بشر لابني عبيد اللّه قثم وعبد الرحمن - دعا على بسر فقال : اللّهم اسلبه دينه وعقله، فخرف الشيخ حتى ذُهِل عقله، واشتهر بالسيف فكان لا يفارقه، فجعل له سيف من خشب، وجعل بين يديه زق منفوح، [يضربه و] كلما تخرق أبدل، فلم يزل يضرب ذلك الزق بذلك السيف، حتى مات ذاهل العقل يلعب بخرئه، وربما كان يتناول منه ثم يقبل على مَنْ يراه فيقول : انظروا كيف يطعمني هذان الغلامان ابنا عبيد اللّه؟ وكان ربما شدت يداه إلى وراء منعاً من ذلك فأنجى ذات يوم في مكانه، ثم أهوى بفيه فتناول منه فبادروا إلى منعه فقال : أنتم)
تمنعونني وعبد الرحمن وقثم يطعمانني، ومات بسر في أيام الوليد بن عبد الملك سنة ست وثمانين.### موت عبد اللّه بن عتبة بن مسعود الهذليوفيها مات عبد اللّه بن عتبة بن مسعود الهذلي وعتبة مهاجر، وهو أخو اللّه عبد بن مسعود بن غافل بن حبيب بن سمح بن مخزوم بن صبح بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار، وكانت الرئاسة في الجاهلية في صبح بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، وكان عبيد اللّه ولد عبد اللّه بن عتبة من كبار أهل العلم، وذكر ابن أبي خيثمة قال : سمعت ابن الأصبهاني يقول : قال سفيان : قال الزهري : كنت أظن أني نلت من العلم، حتى جالست عبيد اللّه بن عبد اللّه فكأنما هو البحر.### مقتل سعيد بن جبيروفي سنة أربع وتسعين قتل الحجاجُ سعيد بن جُبَيْرِ، فذكر عون بن أبي راشد العبدي قال : لما ظفر الحجاج بسعيد بن جبير، وأوصل إليه قال له : ما اسمك؟ قال : اسمي سعيد بن جبير قال : بل شقي بن كسير، قال : أبي كان أعلم باسمي منك، قال : لقد شقيت وشقي أبوك قال له : الغيب إنما يعلمه غيرك قال : لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى قال : لو علمت أن ذلك بيدك ما اتخذت إلهاً غيرك، قال : فما قولك في الخلفاء؟ قال : لست عليهم بوكيل، قال: فاختر أي قتلة تريد أن أقتلك، قال : بل اختر يا شقي لنفسك، فواللّه ما تقتلني اليوم بقتلة إلا قتلتك في الآخرة بمثلها، فأمر به الحجاج، فأخرج ليقتل، فلما ولى ضحك، فأمر الحجاج برده، وسأله عن ضحكه، فقال: عجبت من جزاءتك على اللّه وحلم اللّه عنك، فأمر به فذبح فلما كب لوجهه قال : أشهد أن لا إلهَ إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الحجاج غير مؤمن [باللّه ] ثم قال : اللّهم لا تسلط الحجاج على أحد يقتله من بعدي، فذبح واحتز رأسه.ولم يعش الحجاج بعده إلا خمس عشرة ليلة حتى وقعت في جوفة الأكلة فمات من ذلك، ويروى أنه كان يقول بعد قتل سعيد يا قوم ما لي ولسعيد بن جبير ؟ كلما عزمت على النوم أخذ بحلقي.### بين الوليد وأخيه سليمانواشتكى، الوليد فبلغه عن أخيه سليمان تمَنّ لموته لما له من العهد بعده فكتب إليه الوليد يعتب عليه الذي بلغه وكتب في [آخر] كتابه هذه الأبيات:
تمنى رجال أن أموت، وإن أمتفتلك سبيل لست فيها بأوْحَدِلعلَّ الذي يرجو فنائي ويدعىبه قبل موتي أن يكون هو الرَّدِيفما موت مَنْ قد مات قبلي بضائريولا عيش من قد عاش بعدي بمُخْلِدِي[فقل للذي يرجو خلاف الذي مضى :تَزَوَّدْ لأُخْرَى غيرها فكأنْ قَدِ]منيته تجري لوقت، وحَتْفُهُسيلحقه يوماً على غير مَوْعِدِفأجابه :سليمان فهمْتُ ما قال أمير المؤمنين، وواللّه لئن كنت تمنيت ذلك لما يخطر بالبال إني لأول لاحِقِ به ومنعيِّ إلى أهله فعلام أتمنى زوال مدة لا يلبث متمنيها إلا بقدر ما يحل السفر بمنزل ثم يظعنون عنه ؟ وقد بلغ أمير المؤمنين ما لم يظهر من لفظي، ولا يرى من لحظي ومتى سمع أمير المؤمنين من أهل النميمة، ومن ليست له روية أوشك أن يسرع في فساد النيات، ويقطع بين ذوي الأرحام والقرابات، وكتب في أسفل الكتاب :ومن لا يعْمُضُ عينه عن صديقهوعن بعض ما فيه يَمُتْ وَهْوَ عاتبومن يتتبع جاهداً كل عثرةيَجِدُهَا ولم يسلم لهُ الدَّهر صاحبفكتب إليه الوليد ما أحسن ما اعتذرت، به وحذوت عليه وأنت الصادق في المقال، والكامل في الفعال وما شيء أشبه بك من اعتذارك، ولا أبعد مما قيل فيك، والسلام.وكان الوليد متحنناً على إخوته، مراعياً لسائر ما أوصاه به عبد الملك، وكان كثير الإنشاد لأبيات قالها عبد الملك حين كتب [إليه ب] وصيته منها :انْفُوا الضغائن عنكُم وعليكمعند المغيب وفي حضور المَشْهَدِفصلاح ذات البين طولُ بقائكمإن مُدَّ في عمري وإن لم يمدد[فلمثل ريب الدهر ألف بينكمبتواصل وتراحم وتودُّد]حتى تلين جلودكم وقلوبكمبمسوَّدٍ منكم وغير مسودإن القداح إذا اجتمعن فَرَامَهابالكسر ذو حَنَقٍ وبَطْشِ باليدِعَزَّتْ فلم تكسر، وإن هي بدِّدت***فالوهن والتكسير للمتبدد### وصية عبد الملك لأولادهوكان عبد الملك مواظباً على حث أولاده على اصطناع المعروف، وبعثهم على مكارم الأخلاق، وقال لهم: يا بني عبد الملك أحسابكم أحسابكم صونوها ببذل
أموالكم، فما يبالي رجل [منكم] ما قيل فيه من الهجو بعد قول الأعشى:تبيتون في المَشْتَى مِلَاء بطونكموجاراتكم وجاراتكم غَرْثَى يبتن خمائصاوما يبالي قوم ما قيل فيهم من المدح بعد قول زهير :على مكثريهم حقُّ من يعتريهموعند المقلين السماحةُ والبذلُحدث عبد اللّه بن إسحاق بن سلام، عن محمد بن حبيب، قال : صعد الوليد المنبر فسمع صوت ناقوس فقال : ما هذا؟ قيل : البيعة، فأمر بهدمها، وتولى بعض ذلك بيده، فتتابع الناس يهدمون، فكتب إليه الأخرم ملك الروم : إن هذه البيعة قد أقرها من كان قبلك، فإن يكونوا أصابوا فقد أخطأت، وإن تكن أصبت فقد أخطأوا، فقال : مَنْ يجيبه ؟ فقال الفرزدق : أنا، فكتب إليه «وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ فَفَهَمْنَاهَا شَاهِدِينَ سُلَيْمَانَ وَكُلًّا وَالَيْنَا حُكْمًا وَعِلما» [الأنبياء : 78].### موت الحجاجومات الحجاج في سنة خمس وتسعين، وهو ابن أربع وخمسين سنة بواسط العراق، وكان تأمُرُهُ على الناس عشرين سنة، وأحصى من قتله صبراً سوى من قتل في عساكر وحروبه فوجد مائة وعشرين ألفاً، ومات وفي حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة منهن ستة عشر ألفاً مجردة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد، ولم يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من المطر والبرد في الشتاء، وكان له غير ذلك من العذاب ما أتينا على وصفه في الكتاب الأوسط.وذكر أنه ركب يوماً يريد الجمعة، فسمع ضجة، فقال : ما هذا؟ فقيل له : المحبوسون يضجون ويشكون ما هم فيه من البلاء، فالتفت إلى ناحيتهم وقال : «قَالَ أَخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ» [المؤمنون : 108] فيقال : إنه مات في تلك الجمعة ولم يركب بعد تلك الركبة.قال المسعودي : ووجدت في كتاب عيون البلاغات مما اختبر من كلام الحجاج قوله: ما سلبت نعمة إلا بكفرها ولا نَمَتْ إلا بشكرها.وقد كان الحجاج تزوج إلى عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب حين أَمْلَقَ عبد اللّه وافتقر، وقد ذكرنا في كتابنا «أخبار الزمان» الخبر في ذلك، وتهنئة ابن القريِّة الحجاج بذلك.### موت عبد اللّه بن جعفروقد كان عبد اللّه بن جعفر [بن أبي طالب] من الجود بالموضع المعروف، ولما
قلَّ مالُه سمع يوم الجمعة في المسجد الجامع وهو يقول : اللّهم إنك [قد] عودتني عادة فعودتُهَا عبادَكَ، فإن قطعتها عني فلا تبقني، فمات في تلك الجمعة، وذلك في أيام عبد الملك [بن مروان] وصلى عليه أبَانُ بن عثمان بمكة؛ وقيل بالمدينة، وهي السنة التي كان بها السيل الجحاف الذي بلغ الركن وذهب بكثير من الحجاج.وفي هذه السنة كان الطاعون العام بالعراق والشام ومصر والجزيرة والحجاز وهي سنة ثمانين.وقبض عبد اللّه بن جعفر وهو ابن سبع وستين وولد بالحبشة حين هاجر جعفر إلى هنالك، وقيل : إن مولده كان في السنة التي قبض فيها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقيل غير ذلك.)وذكر المبرد والمدائني والعتبي وغيرهم من الأخباريين أن عبد اللّه عوتب على كثرة إفضاله فقال : إن اللّه تعالى عَوّدني أن يُفْضِل عليَّ، وعَوَّدْتُه أن أفضل على عباده، فأكره أن أقطع العادة عنهم فيقطع العادة عني.ووفد عبد اللّه على معاوية بدمشق، فعلم به عمرو بن العاص قبل دخوله دمشق، أخبره بذلك مولّى له كان قد سار مع ابن جعفر من الحجاز فتقدمه بمرحلتين إلى دمشق، فدخل عمرو على معاوية وعنده جماعة من قريش من بني هاشم وغيرهم: منهم عبد اللّه بن الحارث بن عبد المطلب، فقال عمرو : قد أتاكم رجل كثير الخلوات بالتمني والطرقات بالتغني، آخذ للسلف منقاد بالسرف، فغضب عبد اللّه بن الحارث، وقال لعمرو : كذبت وأهْلُ ذلك أنت، ليس عبد اللّه كما ذكرت، ولكنه اللّه ذَكُور، ولبلائه شَكُور، وعن الخنا نَفُور، ماجد مهذب كريم سيد حليم، إن ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب، غير حَصِر ولا هياب ولا فَحاش ولا سَبَّاب، كالهزَبْر الضّرْغام، الجريء المقدام، والسيف الصمصام، والحسيب القمقام، وليس كمن اختصم فيه من قريش شرارها، فغلب عليه جَزَّارها، فأصبح ألأمها حسباً، وأدناها منصباً، يلوذ منها بذليل، ويأوي إلى قليل، وليت شعري بأي حسب تتناول ؟ أو بأي قدم تتعرض؟ غير أنك تعلو بغير أركانك، وتتكلم بغير لسانك، ولقد كان أبر في الحكم، وأبين في الفَضْل أن يكفَّكَ ابن أبي سفيان عن ولوعك بأعراض قريش، وأن يكعمك كعام الضبع في وجارها ولست لأعراضها، بوفي، ولا لأحسابها بكفي، وقد أتيح لك ضَيْغم شَرِس، للأقران مختلس، وللأرواح مفترس، فهم عمرو أن يتكلم، فمنعه معاوية من ذلك، وقال عبد اللّه بن الحارث ؛ لا يُبْق المرء إلا على نفسه، واللّه إن لساني الحديد، وإن جوابي لعتيد، وإن قولي لسديد، وإن أنصاري لشُهُود، فقام معاوية وتفرق القوم.
ولعبد اللّه بن جعفر [بن أبي طالب] أخبار حسان في الجود والكرم وغير ذلك من المناقب، وقد أتينا على مبسوط ذلك في كتابينا «أخبار الزمان» والأوسط، وإنما كان تزوج الحجاج إليه يبتذل بذلك آل أبي طالب.### كتاب من عبد الملك إلى الحجاج لم يفهمهوكتب الحجاج إلى عبد الملك لغلظ له أمر الخوارج مع قَطَرِي، فكتب إليه : أما بعد، فإني أحمد إليك السيف، وأوصيك بما أوصى به البكري زيداً، فلم يفهم الحجاج ما عناه عبد الملك، وقال : مَنْ جاء بتفسير ما أوصى به البكري زيداً فله عشرة آلاف درهم، فورد رجل من الحجاز يتظلم من بعض عماله، فقيل له : أتعلم ما أوصى به البكري زيداً؟ قال: نعم، قالوا فأت الحجاج به ولك عشرة آلاف درهم، فأتاه فأحضره، فقال : أوصاه بأن قال :أقول لزيد لا تُبَربر فإنهميرون المنايا دون قتلك أو قتليفإن وَضعُوا حرباً فضَعْهَا، وإن أبوافَشُبَّ وَقُودَ الحرب بالحطب الجزلوإن عَضتِ الحرب الضّرُوس بنابها***فعرضة حد السيف مثلك أو مثليفقال الحجاج : صدق أمير المؤمنين وصدق البكري.### كتاب من الحجاج إلى المهلبوكتب إلى المهلب: إن أمير المؤمنين أوصاني بما أوصى به البكري زيداً، وأنا أوصيك [به و] بما أوصى به الحارث بن كعب بنيه، فأتى المهلب بوصيته فإذا فيها : يا بَنيَّ، كونوا جميعاً ولا تكونوا شَتَّى فتفرقوا، وبروا قبل أن تبروا، فموت في قوة وعز، خير من [حياة في] ذل وعجز، فقال المهلب: صدق البكري والحارث بن كعب.وكتب عبد الملك إلى الحجاج : جنِّبْني دماء آل أبي طالب؛ فإني رأيت الملك استوحش من آل حرب حين سفكوا دماءهم، فكان الحجاج يتجنبها خوفاً من زوال الملك عنهم، لا خوفاً من الخالق عز وجل.### ليلى الأخيلية والحجاجو دخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فقالت : أصلح اللّه الأمير !! أتيت لإخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكَلب البرد، وشدة الجَهْد، قال : فأخبريني عن الأرض قالت : الأرض مقشعرة، والفجاج مغبرة، والمقتر مقل، وذو العيال مختل، والبائس معتل،
والناس مُسْنِتُونَ، رحْمَةَ اللّه يرجون قال : أي النساء تختارين تنزلين عندها ؟ قالت : سَمِّهن لي، قال: عندي هند بنت المهلب، وهند بنت أسماء بن خارجة، فاختارتها فدخلت عليها، فصَبَّتْ حليها عليها حتى أثقلها ؛ لاختيارها إياها ودخولها عليها دون مَنْ سواها.### ابن عم للحجاج يطلب منه أن يوليه فيمتحنه فيوليه فينجححدثنا المنقري قال : حدثنا العتبي عن أبيه قال: قدم على الحجاج ابن عم له [أعرابي] من البادية فنظر إليه يُولّي الناس، فقال له : أيها الأمير، لم لا توليني بعض هذا الحضر ؟ فقال الحجاج : هؤلاء يكتبون ويحسبون وأنت لا تحسب ولا تكتب، فغضب الأعرابي وقال : بلى إني واللّه لأحْسَبُ منهم حسباً، وأكتب منهم يداً، فقال له الحجاج: فإن كان كما تزعم فاقسم ثلاثة دراهم بين أربعة أنفس، فما زال يقول : ثلاثة دراهم بين أربعة، ثلاثة بين أربعة، لكل واحد منهم درهم يبقى الرابع بلا شيء، كم هم أيها الأمير ؟ قال : هم أربعة قال : نعم أيها الأمير، قد وقفت على الحساب، لكل واحد منهم درهم، وأنا أعطي الرابع منهم درهماً من عندي وضرب بيده إلى تكته فاستخرج منها درهماً وقال : أيكم الرابع فلاها اللّه ما رأيت كاليوم زوراً مثل حساب هؤلاء الحضريين، فضحك الحجاج ومَنْ معه، وذهب بهم الضحك كل مذهب، ثم قال الحجاج : إن أهل أصبهان كسروا خَرَاجهم ثلاث سنين كلما أتاهم وَال أعجزوه، فلأرمينهم ببدوية هذا، وعنجهيته فأخلق به أن ينجب فكتب له عهده على أصبهان، فلما خرج استقبله أهل أصبهان واستبشروا به، وأقبلوا عليه يقبلون يده ورجله، وقد استغمروه، وقالوا أعرابي بدوي ما [ذا] يكون منه؟ فلما أكثروا عليه قال : أعينوا عَلَى أنفسكم وتقبيلكم أطرافي وأخُرُوا عني هذه الهيئات أما يشغلكم ما أخرجني له الأمير؟ فلما استقر في داره بأصبهان جمع أهلها فقال [لهم]: ما لكم تَعْصُونَ ربكم وتغضبون أميركم وتنقصون خراجكم؟ فقال قائلهم : جَوْر مَنْ كان قبلك، وظلم من ظلم، قال فما الأمر الذي فيه صلاحكم ؟ فقالوا : تؤخرنا بالخراج ثمانية أشهر ونجمعه لك، قال: لكم عشرة وتأتوني بعشرة ضمناء يضمنون، فأتوه بهم، فلما توثق منهم أمهلهم، فلما قرب الوقت رآهم غير مكترثين لما يدنو من الأجل، فقال لهم، فلم ينتفع بقوله، فلما طال به ذلك جمع الضمناء وقال لهم : المال فقالوا : أصابنا من الآفة ما نقض ذلك، فلما رأى ذلك منهم الى أن لا يفطر - وكان في شهر رمضان -حتى يجمع ماله أو يضرب أعناقهم، ثم قَدَّم أحدهم فضرب عنقه، وكتب عليه فلان ابن فلان أدى ما عليه، وجعل رأسه في بدرة وختم عليها، ثم قَدَّم الثاني ففعل به مثل ذلك، فلما رأى القوم الرؤوس تبذر وتجعل في الأكياس بدلا من البِدَرِ قالوا : أيها الأمير توقف علينا حتى نحضر لك المال ففعل، فأحضروه في أسرع
وقت، فبلغ ذلك الحجاج فقال : إنا معاشر آل محمد - يعني جدّه - وَلَدُنَا نجيب، فكيف رأيتم فراستي في الأعرابي ؟ ولم يزل عليها والياً حتى مات الحجاج.### إبراهيم التميمي في سجن الحجاجوحبس الحجاج إبراهيم التميمي بواسط، فلما دخل السجن وقف على مكان مشرف ونادى بأعلى صوته : يا أهل بلاء اللّه في عافيته، ويا أهل عافية اللّه في بلائه، اصبروا فنادوه جميعاً: لبيك، لبيك، ومات في حبس الحجاج، وإنما كان الحجاج طلب إبراهيم النخعي فنجا، ووقع إبراهيم التميمي.وحكي عن الأعمش قال : قلت لإبراهيم النخعي أين كنت حين طلبك الحجاج؟ فقال : بحيث يقول الشاعر :عَوَى الذُّئب فاستأنست بالذِّنْبِ إِذ عَوَى***وَصَوَّتَ إِنْسَان فَكِدْتُ أطِيرُ### الحجاج يسأل ابن القرية عن النساءحدثنا الدمشقي الأموي أحمد بن سعيد وغيره، عن الزبير بن بكار، عن محمد بن سلام الجمحي، وحدثنا الفضل بن الحباب الجمحي [عن محمد بن سلام] قال : سأل الحجاج ابن القَرِّيّة : أيّ النساء أحمد ؟ قال التي في بطنها غلام، وفي حجرها غلام، ويسعى لها مع الغلمان، غلام، قال : فأتي النساء شَرِّ ؟ قال : الشديدة الأذى، الكثيرة الشَّكْوَى، المخالفة لما تهوى فقال : أي النساء أعجب إليك؟ قال : الشفاء العطبول، المنعاج الكسول، التي لم يَشِنْها قصر ولا طول، قال : فأي النساء أبغض إليك؟ قال : الرعينة القصيرة الباهق الشريرة، قال: فأخبرني عن أفضل النساء [مخبراً وأطيبهن أعطافاً ] ؟ قال : [أفضل النساء] الغَضَة البَضَة، التي أعلاها قضيب، وأسفلها كثيب، اللَّعْسَاء الورهاء، التي لم تذهب طولا في انحطاط، ولم تلصق قصراً في إفراط، الجَعْدة الغدائر، السَّبْطَة الضفائر، الضخمة المآكم، الطَّفْلَة البراجم، إذا رأيت أناملها شبهتها بالمداري، وإذا قامت خلتها سارية من السواري، فتلك تهيج المشتاق، وتُحْيِي العاشق بالعناق.قال المسعودي : وللوليد بن عبد الملك أخبار حسان لما كان في أيامه من الكوائن والحروب، وكذلك الحجاج، وقد أتينا على كثير من مبسوطها في كتابينا «أخبار الزمان» والأوسط، وإنما نذكر في هذا الكتاب ما لم نورده في ذَيْنِك الكتابين، كما أن ما ذكرناه في الكتاب الأوسط [هو ما] لم نورده في كتاب «أخبار الزمان» واللّه أعلم.
## ذكر أيام سليمان بن عبد الملك### موجز[و] بويع سليمان بن عبد الملك بدمشق في اليوم الذي كانت فيه وفاة الوليد، وذلك يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين من الهجرة، وتوفي سلیمان بمرج دابق من أعمال جند قنسرين يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين ؛ فكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر وخمس ليال وهلك وهو ابن تسع وثلاثين سنة، وعهد إلى عمر بن عبد العزيز، وقيل: إن وفاة سليمان كانت يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من صفر سنة تسع وتسعين، وإن ولايته سنتان وتسعة أشهر وثمانية عشر يوماً، على حسب ما وجدنا [ه] من تباين ما في كتب التواريخ والسِّير، وسنذكر جمل أيامهم في باب نفرده فيما يرد من هذا الكتاب.وقد تنوزع في مقدار سِن سليمان فذكر بعضهم أنه قُبض وهو ابن خمس وأربعين [سنة]، ومنهم مَنْ زعم أنه كان ابن ثلاث وخمسين وقد قَدَّمنا قول مَنْ قال : إنه قُبض وهو ابن تسع وثلاثين [سنة]، ووَجَدْتُ أكثر شيوخ بني مروان من ولده وولد غيره بدمشق وغيرها يذهبون إلى أنه كان ابْنَ تسع وثلاثينف واللّه أعلم.
## ذكر لمع من أخباره، وسيره### خطبته أول ما ولى الخلافة[ و ] لما أفضَى الأمر إلى سليمان صعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلى على رسوله، ثم قال : الحمد للّه الذي ما شاء صنع، وما شاء أعطى، وما شاء منع، وما شاء رفع وما شاء وضع، أيها الناس، إن الدنيا [دار] غرور وباطل وزينة وتقلب بأهلها، تضحك باكيها، وتبكي ضاحكها، وتخيف آمنها، وتؤمن خائفها، وتثري فقيرها، وتفقر مثريها [ ميالة بأهلها] عباد اللّه، اتخذوا كتاب اللّه إماماً، وارْضُوا به حكماً، واجعلوه لكم هادياً ودليلا، فإنه ناسخ ما قبله ولا ينسخه ما بعده، واعلموا عباد اللّه أنه ينفي عنكم كيد الشيطان ومطامعه، كما يجلو ضوء الشمس الصبح إذا أسفر، وإدبار الليل إذا عسعس، ثم نزل وأذن للناس [بالدخول] عليه وأقر عمال من كان قبله على أعمالهم، وأقر خالد بن عبد اللّه القَسْرِي على مكة.### خالد القسري في مكةوقد كان خالد أحْدَثَ بمكة أحداثاً: منها أنه أدار الصفوف حول الكعبة، وقد كان قبل ذلك صفوف الناس في الصلاة بخلاف ذلك، وبلغه قول الشاعر :يا حبذا الموسم من موقفوحبذا الكعبة من مسجدوحبذا اللاتي تزاحمنناعند استلام الحجر الأسودفقال خالد أما إنهن لا يزاحمنك بعدها أبداً، ثم أمر بالتفريق بين الرجال والنساء في الطواف.### كان سليمان اكولاوكان سليمان صاحب أكل كثير يجوز المقدار، وكان يلبس الثياب الرقاق وثياب الوشي، وفي أيامه عمل الوشْي، الجيد باليمن والكوفة والإسكندرية، ولبس الناس جميعاً
الوشي جباباً وأرْدِيَةً وسراويل وعمائم، وقلانس، وكان لا يدخل عليه رجل من أهل بيته إلا في الوشي، وكذلك عُمَّاله وأصحابه ومَنْ في داره، وكان لباسه في ركوبه وجلوسه على المنبر، وكان لا يدخل عليه أحد من خُدَّامه إلا في الوَشْي، حتى الطباخ ؛ فإنه كان يدخل إليه في صدره وشي وعلى رأسه طويلة وشي، وأمر أن يكفن في الوشي [المثقلة] وكان شبعه في كل يوم من الطعام مائة رطل بالعراقي، وكان ربما أتاه الطباخون بالسفافيد التي فيها الدجاج المشوية وعليه جُبَّة الوشي المثقلة فلنهمه وحرصه على الأكل يُدْخِل يده في كمه حتى يقبض على الدجاجة وهي حارة فيفصلها.وذكر الأصمعي قال : ذكرت للرشيد نَهم سليمان وتناوله الفراريج بكمه من السفافيد، فقال : قاتلك اللّه فما أعلمك بأخبارهم، إنه عرضَتْ عليَّ جباب بني أمية، فنظرتُ إلى جباب سليمان وإذا كل جبة منها في كمها [أثر كأنه] أثر دهن، فلم أدر ما ذلك حتى حدثتني بالحديث، ثم قال : علي بجباب سليمان فأتي بها، فنظرنا فإذا تلك الآثار فيها ظاهرة، فكساني منها جُبة، فكان الأصمعي ربما يخرج أحياناً فيها فيقول : هذه جبة سليمان التي كسانيها الرشيد.وذكر أن سليمان خرج من الحمام ذات يوم وقد اشتدَّ جوعه، فاستعجل الطعام، ولم يكن فرغ منه، فأمر أن يقدم [عليه] ما لحق من الشواء، فقدم إليه عشرون خروفاً، فأكل أجوافها كلها مع أربعين رقاقة، ثم قرب بعد ذلك الطعام فأكل مع ندمائه كأنه لم يأكل شيئاً.وحكي أنه كان يتخذ سلال الحلوى، ويجعل ذلك حول مرقده، فكان إذا قام من نومه يمدُّ يده فلا تقع إلا على سلة يأكل منها### لبس سليمان فأعجبته نفسهحدث المنقري عن العتبي عن إسحاق بن إبراهيم بن الصباح بن مروان - وكان مولى لبني أُمية من أرض البلقاء من أعمال دمشق، وكان حافظاً لأخبار بني أُمية - قال : لبس سليمان يوم الجمعة في ولايته لباساً شهر به وتعطر، ودعا بتخت فيه عمائم، وبيده مرآة، فلم يزل يعتمُّ بواحدة بعد أخرى حتى رضي منها بواحدة فأرخى من سُدولها، وأخذ بيده مخصرة، وعلا المنبر ناظراً في عطفيه، وجمع جمعه، وخطب خطبته التي أرادها فأعجبته نفسه فقال: أنا الملك الشاب السيد المهاب، الكريم الوهاب، فتمثلت له جارية من بعض] جواريه وكان يتحطّاها، فقال لها : كيف ترين أمير المؤمنين؟ قالت : أراه مُنَى النفس وقُرَّة العين لولا ما قال الشاعر، قال : وما قال الشاعر ؟ قالت : قال :
أنْتَ نعم المتاع لو كنت تبقىغير أن لا بَقَاء للإنسانأنت مَنْ لا يَريبنا منك شيءعلم اللّه غير أنك فاني[ليس فيما بدا لنا منك عيبٌ***یا سلیمان غير أنك فان]فدمعت عيناه وخرج على الناس باكياً، فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بالجارية، فقال لها : ما دعاك إلى ما قلت لأمير المؤمنين؟ قالت : واللّه ما رأيت أمير المؤمنين اليوم ولا دخلت عليه، فأكبره ذلك، ودعا بِقَيِّمَةِ جواريه فصدقتها في قولها، فراع ذلك سليمان، ولم ينتفع بنفسه، ولم يمكث بعد ذلك إلا مُدَيْدَة حتى توفي.وكان سليمان يقول : قد أكلنا الطيب، ولبسنا، اللين وركبنا الْفَارِة، ولم يبق [لي] لذة إلا صديق أطرح معه فيما بيني وبينه مؤنة التحفظ.### بين سليمان وكاتب الحجاجوأدخل عليه يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج والمستولي عليه وهو مكبل بالحديد، فلما رآه ازْدَرَاهُ، فقال: ما رأيت كاليوم، قط لَعَنَ اللّه رجلا أجَرَّكَ رَسَنَه، وحكمك في أمره، فقال له يزيد: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنك رأيتني والأمر عني مُدْبر، وعليك مُقبل، ولو رأيتني والأمر مقبل عليَّ لاستعظمت مني ما استصغرت، ولا ستجللت مني ما استحقرت، قال : صدقت فاجلس لا أم لك، فلما استقر به المجلس قال له سليمان: عزمت عليك لتخبرني عن الحجاج ما ظنك به أتراه يَهْوِي بعد في جهنم أم قد استقر فيها ؟ قال : يا أمير المؤمنين، لا تقل هذا في الحجاج، فقد بذل لكم نصحه، وأحْقَنَ دونكم دمه، وأمَّنَ وليكم، وأخاف عدوكم، وإنه يوم القيامة لَعَن يمين أبيك عبد الملك، ويسار أخيك الوليد، فاجعله حيث شئت، فصاح سليمان : اخرج عني إلى لعنة اللّه، ثم التفت إلى جلسائه فقال : قبحه اللّه! ما كان أحسن ترتيبه لنفسه ولصاحبه، ولقد أحسن المكافأة، أطلقوا سبيله.### بين سليمان وأبي حازم الأعرجودخل عليه أبو حازم الأعرج، فقال : يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال : لأنكم عمرتم دنياكم وأخربتم، آخرتكم فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب، قال: فأخبرني كيف القدوم على اللّه ؟ قال : أما المحسن فكالغائب يأتي أهله مسروراً، وأما المسيء فكالعبد الآبق يأتي مولاه محْزوناً، قال : فأي الأعمال أفضل ؟ قال : أداء الفرائض مع اجتناب، المحارم قال : فأي القول أعْدَلُ؟ قال : كلمة حق عند من تخاف وترجو.
قال : فأي الناس أعْقَلُ؟ قال: من عمل بطاعة اللّه، قال: فأي الناس أجهل ؟ قال : مع باع آخرته بدنيا غيره، قال : عِظْنِي وأوجز، قال : يا أمير المؤمنين، نَزِّه ربك وعظمه بحيث إن يراك تجتنب ما نهاك عنه ولا يفقدك من حيث أمرك به، فبكى سليمان بكاء شديداً فقال له بعض جلسائه: أسرفت ويحك على أمير المؤمنين، فقال له أبو حازم: اسكت فإن اللّه عز وجل أخَذَ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه ثم خرج، فلما صار إلى منزله بعث إليه سليمان بمال، فرده وقال لرسول : قل له واللّه يا أمير المؤمنين ما أرضاه لك، فكيف أرضاه لنفسي؟.### بين سليمان وأعرابيوذكر إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال : حدثني الأصمعي، عن شيخ من المَهَالِبَة، قال : دخل أعرابي على سليمان فقال له : يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أكلمك بكلام فافهمه فقال له سليمان : إنا نجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه، ولا نأمن غشه، وأرجو أن تكون الناصح جَيْباً، المأمون غيباً، فهات، قال : يا أمير المؤمنين، أما إذا أمنتُ بادرة غضبك فسأطلق لساني بما خَرِسَتْ به الأَلسُنُ من عظتك تأدية لحق اللّه وحق أمانتك يا أمير المؤمنين، إنه قد تَكَنَّفَكَ رجال أساؤوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياهم بدينهم ورضاك بسخط ربهم، خافوك في اللّه ولم يخافوا اللّه فيك، حَرْب للآخرة وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما يأمنك اللّه عليه، فإنهم لم يأتوا إلا ما فيه تضييع وللأمة خسف وعسف وأنت مسؤول عما اجترموا، وليسوا مسؤولين عما اجترمت فلا تُصْلِحْ دنیاهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبناً بائع آخرته بدنيا غيره، فقال له سليمان : أما أنت يا أعرابي فقد سَلَلْت [علينا] لسانك، وهو أقطع من سيفك، فقال: أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك فقال سليمان أما وأبيك يا أعرابي لا تزال العربُ بسلطاننا لأكناف العز مُتَبَوِّئَةً، ولا تزال أيام دولتنا بكل خير مُقبلة، ولئن ساسكم ولاة غيرنا ليُحْمَدَنَّ منا ما أصبحتم تذمُّونَ فقال الأعرابي : أما إذا رجع الأمر إلى ولد العباس عم الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصنو أبيه ووارث ما جعله اللّه له أهلا فلا، فتغافل سليمان كأن لم يسمع شيئاً، وخرج الأعرابي فكان آخر العهد به، هذا الخبر أخبرني به بعض شيوخ ولد العباس بمدينة السلام مدينة أبي جعفر المنصور، وهو ابن ديهة المنصوري، عن أبيه، عن علي بن جعفر النوفلي، عن أبيه، وذلك في سنة ثلاثمائة.)### سليمان يصف معاويةوذُكِرَ معاوية بن أبي سفيان في مجلس سليمان، فصلّى على روحه وأرواح من
سلف من آبائه، وقال : كان واللّه هَزْلُه جِدًّا، وجده علماً، واللّه ما رئي مثل معاوية، كان واللّه غضبه حلماً، وحلمه حكماً، وقيل: إن هذا الكلام لعبد الملك.### خالد القسري في العراقوكتب سليمان إلى خالد بن عبد اللّه القَسْرِي وهو على العراق في رجل استجار به من قريش وكان هرب من، خالد أن لا يعرض له فأتاه بالكتاب فلم يفضه حتى ضربه مائة سوط، ثم قرأه، فقال : هذه نقمة أراد اللّه أن ينتقم بها منك لتركي قراءة الكتاب، ولو كنت قرأته لأنفذت ما فيه، فخرج القرشى راجعاً إلى سليمان، فسأله الفرزدق وأُناس ممن كان بالباب عما صنع خالد، فأخبرهم، فقال الفرزدق في ذلك :سَلُوا خالداً لا قدس اللّه خالداًمَتَى وَليت قَسْرٌ قُرَيْشاً تَدِينُهَاأقبلَ رسول اللّه أم بَعْدَ عهدهفَأَضْحَتْ قُرَيْش قد أعَثَّ سَمِينُهَا؟رَجَوْنَا هُدَاه لا هَدَى اللّه سَعْيَهوما أُمه بالأم يُهْدَى جَنِينُهَافلما بلغ سليمان ذلك وجَّه إلى خالد مَنْ ضربه مائة سوط، فقال الفرزدق في ذلك من أبيات :لعمري لقد صُبَّتُ على ظهر خالِدٍشآبيبُ لَيْسَتْ من سَحَابٍ ولا قَطْرِأتضرب في العصيان من ليس عاصياًوتَعْصِي أمير المؤمنين أخا قَسْرِفلولا يَزيدُ بنُ المهلب حَلَقَتُبكفك فَتْخَاء إلى الفرخ في الوَكْرِلعمري لقد سار ابن شيبة سِيرَةًأَرَتْكَ نجوم الليل مُظِهَرَةً تجري[فخذ بيديك الخزي حقاً؛ فإنماجُزِيتَ قصاصاً بالمرجرجة السُّمْرِ]### بين سليمان وعمر بن عبد العزيزوقال سليمان لعمر بن عبد العزيز يوماً وقد أعجبه سلطانه : كيف ترى ما نحن فيه؟ قال سرور لولا أنه غرور، وحياة لولا أنه موت، وملك لولا أنه هلك، وحسن لولا أنه حزن، ونعيم لولا أنه عذاب أليم، فبكى سليمان من كلامه.### سليمان على الضد من الوليدوكان سليمان بخلاف الوليد، وعلى الضد منه في الفصاحة والبلاغة، وقد كان الوليد أفسد في أرض لعبد اللّه بن يزيد بن معاوية، فشكا ذلك أخوهُ خالد بن يزيد إلى عبد الملك، فقال [له عبد الملك ]: «إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفَسَدُوهَا» [النمل: 34]
الآية، فقال له خالد: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا» [الإسراء : 16] الآية، : فقال عبد الملك : أفي عبد اللّه تتكلم وبالأمس دخل عليَّ فغير في لسانه ولحن في كلامه ؟ فقال : أفعلى الوليد تعول ؟ قال : إن كان الوليد يلحن فسليمان أخوه، قال خالد: وإن كان عبد اللّه لحاناً فأخوه خالد، فقال الوليد : أتتكلم ولست في العير ولا في النفير. قال خالد : ألم تسمع ما يقول أمير المؤمنين، أنا واللّه ابن العير والنفير، ولو قلت حُبَيلات وغُنَيْمَات والطائف [ ورحم اللّه عثمان]، قلنا: صدقت أراد بذلك أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَى الحكم بن أبي العاص إلى الطائف فصار راعياً حتى رَدَّه عثمان.)### غضب سليمان على خالد القسريوغضب سليمان على خالد القَسْرِي، فلما دخل عليه قال : يا أمير المؤمنين، إن القدرة تُذْهِب الحفيظة، وإنك تَجلُّ عن العقوبة، فإن تَعْفُ فأهل لذلك أنت وإن تعاقب فأهل ذلك أنا، فعفا عنه.وذم رجل في مجلس سليمان الكلام، فقال سليمان: إنه من تكلم فأحسن قدر على أن يصمت فيحسن [وليس مَنْ صمت فأحسن قَدر على أن يتكلم فيحسن].ووقف سليمان على قبر ولده أيوب وبه [كان] يكنى فقال : اللّهم إني أرجو له وأخافك عليه فحقق رجائي، وآمن خوفي.### بعض الكتاب ينعي سليمانقال المسعودي : ولما دفن سليمان سمع بعض كتابه وهو يقول أبياتاً منها :وما سالم عما قليل بسالموإن كَثُرَتْ أحْرَاسه وكتائبهوَمَنْ يَكُ ذا بَأس شديد ومنعةفعما قليل يهجر الباب حاجبهويصبح بعد الحجب للناس مقصياًرهينة بيت لم تستر جوانبهفما كان إلا الدفن حتى تفرقتإلى غَيْرِ أحْرَاسه ومواكبهوأَصْبَحَ مسروراً به کل کاشحبه کل کاشح وأسلمه أحبابه وأقاربهفنفسك أكْسِبُهَا السَّعَادَة جاهداًفكل امرىء رهن بما هو كاسبةقال المسعودي : ولسليمان أخبار حسان لما كان في مدة ملكه من الكوائن [و] قد أتينا على مبسوط ذلك في كتابينا «أخبار الزمان» والأوسط، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً طلباً للإيجاز، وميلا إلى الاختصار، وباللّه التوفيق.
## ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم### موجزواستخلف عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين، وهو اليوم الذي مات فيه سليمان، وتوفي بِدَيْرِ سِمْعَان من أعمال مما حمص يلي بلاد قنسرين يوم الجمعة لخمس بَقِينَ من رجب سنة إحدى ومائة ؛ فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام، وقبض وهو ابن تسع وثلاثين سنة، وقبره مشهور في هذا الموضع إلى هذه الغاية، مُعَظَّم يَعْشَاه كثير من الناس من الحاضرة والبادية، لم يتعرض لنبشه فيما سلف من الزمان كما تعرض لقبور غيره من بني أمية.وأمه بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه!.وقيل : إنه قُبض وهو ابن أربعين سنة، وقيل : إحدى وأربعين سنة.وقد تنوزع أيضاً في مقدار مدته في الخلافة، وقد أتينا على المحصَّل من ذلك في باب مقدار المدة من الزمان وما تملكت فيه بنو أمية من الأعوام، فيما يرد من هذا الكتاب.
## ذكر لمع من أخباره وسيره، وزهده (رضي اللّه عنه)### كيف آلت الخلافة لعمرلم تكن خلافة عمر في عَهْدِ تقدم، وكان السبب فيها أن سليمان لما حضرته الوفاة بمرج دابق دعا رجاء بن حَيْوَة ومحمد بن شهاب الزهري ومكحولا وغيرهم من العلماء ممن كان في عسكره غازياً ونافراً، فكتب وصيته، وأشهدهم عليها، وقال : إذا أنا مُتُ فأذِّنُوا بالصلاة جامعة، ثم اقرؤوا هذا الكتاب على الناس، فلما فرغ من دفْنه نودي : الصلاة جامعة، فاجتمع الناس وحضر بنو مروان فأشرأبوا للخلافة، وتَشَوَّفُوا نحوها، فقام الزهري فقال : أيها الناس أرضيتم مَنْ سَمَّاه أمير المؤمنين سليمان في وصيته؟ :فقالوا نعم، فقرأ الكتاب فإذا اسم عمر بن عبد العزيز ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فقام مكحول فقال : أين عمر [بن عبد العزيز ] ؟ وكان عمر في أواخر الناس، فاسترجع حين دُعِيَ باسمه مرتين أو ثلاثاً، فأتاه قوم فأخذوا بيده وعَضُدَيه، فأقاموه، وذهبوا به إلى المنبر فصعد وجلس على المرقاة الثانية، وللمنبر خمس مراقي، فكان أول من بايعه من الناس يزيد بن عبد الملك، وقام سعيد وهشام فانصرفا ولم يبايعا، وبايع الناس جميعاً، ثم بايع سعيد وهشام بعد ذلك بيومين.### خلق عمر ودينهوكان عمر في نهاية النسك، والتواضع، فصرف عُمَّال مَنْ كان قبله من بني أمية، واستعمل أصْلَحَ من قدر عليه، فسلك عُمَّاله طريقته، وترك لَعْنَ علي (عَلَيهِم السَّلَامُ على المنابر، وجعل مكانه «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ امَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ» [الحشر: 10] وقيل : بل جعل مكان ذلك «إِنَّ اللّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَايِ ذِي الْقُرْبیَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْي» [النحل : 90] الآية، وقيل: بل جعلهما جميعاً، فاستعمل الناس ذلك في الخطبة إلى هذه الغاية.)
### بين السدي وعمرولما استخلف عمر دخل عليه سالم السدي وكان من خاصته، فقال له عمر: أسَرَّكَ ما وَلِيتُ أم ساءك ؟ فقال : سرني للناس وساءني لك، قال: إني أخاف أن أكون [قد] أوْبَقْتُ نفسي، قال : ما أحْسَنَ حالك إن كنت تخاف، إني أخاف عليك أن لا تخاف، قال : عِظْنِي، قال : أبونا آدم أُخرج من الجنة بخطيئة واحدة.### من طاوس إلى عمروكتب طاوس إلى عمر: إن أردت أن يكون عملك خيراً كله فاستعمل أهل الخير، فقال عمر : كفى بها موعظة.### أول خطبة لعمرولما أفضى إليه الأمر كان أول خطبة خطب الناس بها أن قال : أيها الناس إنما نحن من أصول قد مضت وبقيت فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله؟ وإنما الناس في هذه الدنيا أغراض تنتضل فيهم المنايا، وهم فيها نُصُب المصائب مع كل جَرْعةِ شَرَقٌ، وفي كل أكلة غَصَص، لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يعمر معمر منكم يوماً من عمره إلا بهدم آخر من أجله.### بين عمر وعامله على المدينةوكتب إلى عامله بالمدينة أن أقسم في ولد علي بن أبي طالب عشرة آلاف دينار، فكتب إليه : إن علياً قد وُلِدَ له في عدة قبائل من قريش ففي أي ولده؟ فكتب إليه : لو كتبت إليك في شاة تذبحها لكتبت إلي أسوداء أم بيضاء، إذا أتاك كتابي هذا فاقْسمْ في ولد عليّ من فاطمة رضوان اللّه عليهم عشرة آلاف دينار، فطالما تخطتهم حقوقهم، والسلام.### خطبة أخرىوخطب في بعض مقاماته فقال بعد حمد اللّه تعالى والثناء عليه : أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن ولا نبي بعد محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ألا وإني لست بقاض ولكني منفذ ألا وإني لست بمبتدع، ولكني مُتَّبع، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بعاص، ولكن الإمام الظالم هو العاصي، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.)
### تقدير ملك الروم لعمروبعث عمر وفداً إلى ملك الروم في أمر من مصالح المسلمين، وحقّ يدعوه إليه، فلما دخلوا إذا ترجمان يفسِّرُ عليه، وهو جالس على سرير ملكه، والتاج على رأسه، والبطارقة عن يمينه وشماله، والناس على مراتبهم بين يديه، فأدى إليه ما قصدوا له، فتلقاهم بجميل، وأجابهم بأحسن الجواب، وانصرفوا عنه في ذلك اليوم، فلما كان في غداة غَدٍ أتاهم رسوله، فدخلوا عليه، فإذا هو قد نزل عن سريره ووضع التاج عن رأسه، وقد تغيرت صفاته التي شاهدوه عليها كأنه في مصيبة فقال: هل تدرون لماذا دعوتكم؟ قالوا: لا، قال : إن صاحب مسلحتي التي تلي العرب جاءني كتابه في هذا الوقت أن ملك العرب الرجل الصالح قد مات فما ملكوا أنفسهم أن بكوا فقال: [ألكم، تبكون أو لدينكم، أو له ؟ قالوا نبكي لأنفسنا ولديننا، وله قال] لا تبكوا له وابكوا لأنفسكم ما بدا لكم، فإنه [قد] خرج إلى خير مما خلف، قد كان يخاف أن يدع طاعة اللّه فلم يكن اللّه ليجمع عليه مخافة الدنيا ومخافة الآخرة، لقد بلغني من بره وفضله وصدقه ما لو كان أحد بعد عيسى يُخيي الموتى لظننت أنه يُحْيي الموتى، ولقد كانت تأتيني أخباره باطناً وظاهراً فلا أجد أمره مع ربه إلا واحداً بل باطنه أشد حين خلوته بطاعة مولاه، ولم أعجب لهذا الراهب الذي قد ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعته، ولكني عجبت من هذا الذي صارت الدنيا تحت قدمه فزهد فيها، حتى صار مثل الراهب، إن أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر إلا قليلا.### وصية الأعرجوكتب عمر إلى أبي حازم المدني الأعرج أن أوصني وأوْجِزْ، فكتب إليه : كأنك يا أمير المؤمنين بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل، والسلام.### توقيع لعمر إلى عامل لهووقع إلى عامل من عماله : قد كثر شاكوك، وقل شاكروك، فإما عدلت، وإما اعتزلت، والسلام.### زهده بعد الخلافةوذكر المدائني قال : كان يُشترى لعمر قبل خلافته الحلّة بألف دينار، فإذا لبسها استخشنها ولم يستحسنها، فلما أتته الخلافة كان يُشترى له قميص بعشرة دراهم فإذا لبسه استلانه.
وخرج مع جماعة من أصحابه فمر بالمقبرة فقال لهم : قِفُوا حتى آتي قبور الأحِبَّةِ فأسلم عليهم، فلما توسطها وقف فسلم وتكلم وانصرف إلى أصحابه فقال : ألا تسألوني ماذا قلت لهم وما قيل لي ؟ فقالوا : وماذا قلت يا أمير المؤمنين وما قيل لك؟ قال : مررت بقبور الأحبة فسلمت [عليهم] فلم يردُّوا ودعوت فلم يجيبوا، فبينا أنا كذلك إذا نوديت يا عمر أما تعرفني؟ أنا الذي غيرت محاسن وجوههم، ومزقت الأكفان عن جلودهم، وقطعت أيديهم وأبنتُ أكفهم عن سواعدهم، ثم بكى حتى كادت نفسه أن تطفأ، فواللّه ما مضى بعد ذلك إلا أيام حتى لحق بهم.### من مطرف إلى عمروذكر المدائني قال : كتب مطرف إلى عمر أما بعد، فإن الدنيا دار عقوبة، لها يجمع مَنْ لا عقل وبها يغتر مَنْ لا علم له، فكن بها كالمداوي جرحه، واصبر على شدة الدواء، لما تخاف من عاقبة الداء.### بين عمر وعبد لهوذكر بعض الأخباريين أن عمر في عنفوان حداثته جنى عليه عبد له أسود جناية، فبطحه [وهمَّ] ليضربه فقال له العبد يا مولاي لم تضربني؟ قال : لأنك ؟ قال : لأنك جنيت كذا وكذا، قال : فهل جَنَيْتَ أنت جناية قط غضب بها عليك مولاك؟ قال عمر: نعم، قال: فهل عَجَّل عليك العقوبة ؟ قال : اللّهم لا، قال العبد : فلم تعجل علي ولم يعجل عليك؟ فقال له : قم فأنت حر لوجه اللّه، وكان ذلك سبب توبته.وكان عمر يكثر هذا الكلام في دعائه فيقول : يا حليماً لا يَعْجَلُ على مَنْ عصاه.### بين عمر وغلام ورد عليه في وفد الحجازوذكر جماعة من الأخباريين أن عمر لما ولي الخلافة وفد عليه وفود العرب ووفد عليه وفد الحجاز، فاختار الوفد غلاماً منهم، فقدموه عليهم ليبدأ بالكلام، فلما ابتدأ الغلام بالكلام وهو أصغر القوم سناً قال عمر : مهلا يا غلام، ليتكلم من هو أسَنُّ منك [فهو أولى بالكلام] فقال مهلا يا أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه لسانه وقلبه، فإذا منح اللّه العبد لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً، فقد استجاد له الحلية، يا أمير المؤمنين، ولو كان التقدم بالسن لكان في هذه الأمة من هو أسن منك، قال : تكلم غلام قال : نعم يا أمير المؤمنين، نحن وفود التهنئة لا وفود المرزئة، قدمنا إليك من بلدنا، نحمد اللّه الذي
مَنَّ بك علينا، لم يخرجنا إليك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فقد أتانا منك إلى بلدنا، وأما الرهبة فقد أمَّنَنا اللّه بعدلك من جورك، فقال : عظنا يا غلام وأوجز، قال نعم يا أمير المؤمنين، إن أناساً [من الناس] غرهم حلم اللّه عنهم، وطول أملهم، وحسن ثناء الناس عليهم، فلا يغرنّكَ حلم اللّه عنك، وطول أملك، وحسن ثناء الناس عليك، فتزلّ قدمك، فنظر عمر في سن الغلام فإذا هو قد أتت عليه بِضْعَ عَشْرَةَ سنةً، فأنشأ عمر رحمه اللّه يقول :تعلّم فليس المرء يُولَدُ عالماًوليس أخو علم كمن هو جاهلوإن كبير القوم لا علم عندهصغير إذا التفت عليه المحافل### قصة جارية عند قاضي المدينةوقد كان رجل من أهل العراق أتى المدينة في طلب جارية وصفت له قارئة قوَّالة، فسأل عنها فوجدها عند قاضي المدينة، فأتاه وسأله أن يعرضها عليه، فقال: يا عبد اللّه، لقد أبْعَدْتَ الشقة في طلب هذه الجارية، فما رغبتك فيها ؟ لما رأى من شدة إعجابه بها، قال : إنها تغني فتجيد، فقال القاضي : ما علمت بهذا فألح عليه في عَرْضها، فعرضت بحضرة مولاها القاضي فقال لها الفتى هات، فغنت:إلى خالد حتى أنَخْنَ بخالدفنعم الفتى يُرْجى ونعم المؤمَّلُففرح القاضي بجاريته وسُرَّ بغنائها، وغشيه من الطرب أمر عظيم حتى أقعدها على فخذه، وقال هات شيئاً بأبي أنت، فغنت :أروح إلى القُصَّاص كل عشيةأرجي ثواب اللّه في عَدَدِ الخُطَافزاد الطرب على القاضي، ولم يدر ما يصنع، فأخذ نعله فعلَّقَها في أذنه، أذنه، وجثا على ركبتيه، وجعل يأخذ بطرف أذنه والنعل معلقة فيها، و [هو] يقول : أهدوني إلى البيت الحرام، فإني بَدَنَة! حتى أذمى أذنه، فلما أمسكت أقبل على الفتى فقال [له] : يا حبيبي، انصرف، قد كنا فيها راغبين قبل أن نعلم أنها تقول فنحن الآن فيها أرغب، فانصرف الفتى، وبلغ ذلك [إلى] عمر بن عبد العزيز فقال : قاتله اللّه ! لقد استرقه الطرب، وأمر بصرفه من عمله، فلما صرف قال: نساؤه طوالق لو سمعها عمر لقال اركبوني فإني مطية، فبلغ ذلك عمر فأشخصه وأشخص الجارية، فلما دخلا على عمر قال له : أعِد ما قلت، قال : نعم، فأعاد ما قال، فقال للجارية : قولي، فغنت :كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا**أنيس، ولم يَسْمر بمكة سامرُ
بلی، نحن كنا أهلها، فأبادناصروف الليالي والجدود العوائرفما فرغت من هذا الشعر حتى طرب عمر طرباً بيناً، وأقبل يستعيدها، ثلاثاً، وقد بَلتْ دموعُهُ لحيته، ثم أقبل على القاضي فقال : قد قاربت في يمينك، ارجع إلى عملك راشداً.### بين فتى أموي وجارية لبعض قريشحدثنا الطوسى والأموي الدمشقي وغيرهما عن الزبير بن بكار، عن عبد اللّه بن أحمد المديني، قال : كان بالمدينة فتى من بني أمية من ولد عثمان، وكان ظريفاً يختلف إلى قينة لبعض قريش، وكانت الجارية تحبه ولا يعلم، ويحبها ولا تعلم، ولم تكن محبة القوم إذ ذاك لريبة ولا فاحشة، فأراد يوماً أن يبلو ذلك، فقال لبعض من عنده : امض بنا إليها، فانطلقا، ووافاهما وُجُوه أهل المدينة من قريش والأنصار وغيرهما، وما كان فيهم فتى يَجِدُ بها وَجْدَه، ولا تجد بواحد منهم وَجْدَهَا بالأموي، فلما [أن] أخذ الناس مواضعهم قال لها الفتى : أتحسنين أن تقولي:أحبكُمُ حباً بكل جوارحيفهل عندكم علم بما لَكُم عنديأتجزون بالود المضاعف مثلهفإن كريماً مَنْ جَزَى الود بالودقالت : نعم، وأحسن منه، وقالت :للذي وَدَّنا المودَّةُ بالضعفوفَضْلُ البادي به لا يُجَازَىلو بدا ما بنا لكم ملأ الأرض وأقطار شامها والحجازاقال : فعجب الفتى من حذقها مع حسن جوابها وجودة حفظها فازداد كلفاً بها، وقال :أنت عذر الفتى إذا هتك الستروإن كان يُوسُفَ المعصومافبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فاشتراها بعشر حدائق ووهبها له بما يصلحها فأقامت عنده حَوْلاً ثم ماتت فرثاها، وقضى في حاله تلك [نَحْبه] فدفنا معاً، وكان من مَرْثيته لها قوله :قد تمنيت جنة الخلد للخلدفأُدْخِلْتُهَا بلا استئهالثم أخرجت إذ تطمعتبالنعمة منها والموتُ أحمدُ حالوقال أشعب الطامع [المدني]: هذا سيد شهداء [أهل] الهوى، انحروا على قبره سبعين بَدَنَة، وقال أبو حازم الأعرج المدني : أما محب اللّه يبلغ هذا.
### عمر والخوارجوقد كان خرج في أيام عمر شوذب الخارجي، وقوي أمره فيمن خرج معه [من المحكمة] من ربيعة، وغيرها فحدث عباد بن عباد المهلبي، عن محمد بن الزبير الحنظلي، قال : أرسلني عمر إليهم، وأرسل معي عون بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، وكان خروجهم بالجزيرة، وكتب عمر معنا إليهم كتاباً، فأتيانهم فأبلغناهم كتابه ورسالته، فبعثوا معنا رجلين منهم أحدهما من بني شيبان والآخر فيه حبشية وهو أحدهما لساناً وعارضة، فقدمنا بهما على عمر [بن عبد العزيز ] وهو بخناصرة، فصعدنا إليه إلى غرفة هو فيها ومعه ابنه عبد الملك وكاتبه مزاحم فذكرنا مكانهما، فقال : فَتّشوهما لئلا يكون معهما حديد، ففعلنا فلما دخلا قالا : السلام عليك، ثم جلسا، فقال لهما عمر : أخبراني ما الذي أخرجك مخرجكم هذا ؟ وما نَقَمتم علينا ؟ فتكلم الذي فيه حبشية فقال : واللّه ما نقمنا عليك في سيرتك، وإنك لتجري بالعدل والإحسان، ولكن بيننا وبينك أمر إن [أنت] أعطيتناه فنحن منك وأنت منا، وإن منعتناه فلست منا ولسنا منك، فقال عمر : وما هو ؟ قال : رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها المظالم، وسلكت غير سبيلهم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلال فالعنهم وتبرأ منهم، فهذا الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق، فتكلم عمر، فقال : إني قد علمت أنكم لم تخرجوا مخرجكم هذا لِدُنْياً، ولكن أردتم الآخرة وأخطأتم، طريقها وإني سائلكم عن أمور، فباللّه لتصدقنني عنها، أرأيتما أبا بكر وعمر، أليسا من أسلافكم وممن تتولونهما وتشهدون لهم بالنجاة؟ قالا : بلى، قال: فهل علمتم أن أبا بكر حين قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وارتَدَّتْ العرب قاتلهم فسفك الدماء وأخذ الأموال وسبى الذراري؟ قالا : نعم قال : فهل علمتم أن عمر [حين قام بعد أبي بكر رد تلك السبايا إلى أصحابها؟ قالا، نعم قال فهل] بريء عمر من أبي بكر؟ قالا : لا، قال : أفرأيتم أهل النهروان أليسوا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهم بالنجاة؟ قالا : بلى قال : فهل علمتم أن أهل الكوفة حين خرجوا إليهم كَفُّوا أيديهم فلم يسفكوا دماً ولم يخيفوا آمناً ولم يأخذوا مالا؟ قالا : نعم، قال: فهل علمتم أن أهل البصرة حين خرجوا إليهم مع الشيباني وعبد اللّه بن وهب الراسبي وأصحابه استعرضوا الناس يقتلونهم، ولقوا عبد اللّه بن خَبَّاب بن الأرتُ صاحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فقتلوه وقتلوا جاريته، ثم صَبَّحُوا حياً من أحياء العرب فاستعرضوهم فقتلوا الرجال والنساء والأطفال حتى جعلوا يُلْقُون الصبيان في قدور الأقِطِ وهي تفور؟)
قالا : قد كان ذلك، قال: فهل تبرأ أهل البصرة من أهل الكوفة وأهل الكوفة من أهل البصرة؟ قالا : لا، قال : فهل تَبَرَّؤون أنتم من أحدء الطائفتين؟ قالا : لا، قال : أرأيتم الدين واحداً أم اثنين؟ قالا: بل واحداً، قال: فهل يَسَعُكم فيه شيء يعجز عني؟ قالا : لا، قال : فكيف وسعكم أن توليتم أبا بكر وعمر، وتولى أحدهما صاحبه، وتوليتم أهل البصرة وأهل الكوفة، وتولى بعضهم بعضاً، وقد اختلفوا في أعظم الأشياء في الدماء والفروج والأموال، ولا يسعني فيما زعمتم إلا لعن أهل بيتي والتبرؤ منهم؟ أرأيتم لَعْنَ أهل الذنوب فريضةً مفروضة لا بُدَّ منها، فإن كانت كذلك فأخبرني أيها المتكلم متى عَهْدُك بلعن فرعون؟ قال : ما أذكر متى لعنته قال : ويحك !! لم لا تلعن فرعون وهو أخْبَثُ الخلق ويسعني فيما زعمت لعن أهل بيتي والتبرؤ منهم؟ ويحكم! إنكم قوم جُهَّال، أردتم أمراً فأخطأتموه، فأنتم تدرون على الناس ما قبله منهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده، قالا : ما نحن كذلك، قال عمر: بل سوف تقرون بذلك الآن هل تعلمون أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بعث إلى الناس وهم عَبَدة أوثان فدعاهم إلى خَلْع الأوثان وشهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، فمن فعل ذلك حقَنَ، دمه، وأخرَز، ماله ووجبت، حرمته، وكانت له أسوة المسلمين؟ قالا : نعم قال : أفلستم أنتم تَلْقَوْنَ من يخلع الأوثان ويشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه فتستحلوا دمه وماله وتلقون من ترك ذلك وأباه من اليهود والنصارى وسائر الأديان فيأمن عندكم وتحرمون، دمه قال الحبشي : ما سمعت كاليوم قَطُّ حُجَّةً أَبْيَنَ وأقرب مأخذاً من حجتك، أما أنا فأشهد أنك على الحق وأنا بريء ممن برىء منك، فقال عمر للشيباني : فأنت ما تقول؟ قال : ما أَحْسَنَ ما قلت، وأبين ما وصفت، ولكني لا أفتات على المسلمين بأمر حتى أعرض قولك عليهم فأنظر ما حجتهم، قال: فأنت أعلم، فانصرف وأقام الحبسي، فأمر له عمر بعطائه، فمكث خمسة عشر يوماً ثم مات، ولحق الشيباني بأصحابه فقتل معهم بعد موت عمر رحمه اللّه تعالى.)ولعمر مع الخوارج أخبار غير ما ذكرنا ومراسلات ومناظرات، وكذلك لمن سلف من بني أمية وغيرهم من ولاة الأمصار، وقد أتينا على ذكرها وذكر [كل] من سَمَّتَه الخوارج بأمير المؤمنين وخاطبته بالإمامة من الأزارقة والأباضية والحمرية والنجدات والخلقية والصفرية وغيرهم من أنواع الحرورية وذكرنا مواضعهم من الأرض في هذا الوقت مثل مَنْ سكن منهم من بلاد شهرزور وسجستان وإصطخر من بلاد فارس وبلاد كَرْمَان وأذربيجان وبلاد مکران و جبال عمان وهراة من بلاد خراسان والجزيرة وتاهرت
السفلى وغيرها من بقاع الأرض في كتابينا «أخبار الزمان» والأوسط، وما ذكرنا من الرد عليهم في التحكيم، وغير ذلك في كتابنا المترجم بكتاب «الانتصار» المفرد لفرق الخوارج، وفي كتاب «الاستبصار».### بعض شعراء الخوارجوقد ذكرنا جماعة من شعرائهم ممن سلف من أئمتهم : من ذلك قول مَصْقَلة بن عتبان الشيباني، وكان من علية الخوارج :وأبلغ أمير المؤمنين رسالةًوذو النصح إن لم يرع منك قريبفإنك إن لا تَرْضَ بكر بن وائليكن لك يوم بالعراق عصيبإن يك منكم كان مروان وابنهوعمرو ومنكم هاشم وحبيبُفمنا سويد والبطين وقعنبومنَّا أمير المؤمنين شبيبُغَزَالة ذات النَّذْرِ منا حميدةلها في سهام المسلمين نصيبُولا صُلْحَ ما دامت منابر أرضنايقوم عليها من ثقيف خطيبُوكذلك ذكرنا أخبار أم شبيب وما كانت عليه من الاجتهاد في ديانة المحكمة، وفيها يقول الشاعر :أم شبيب وَلَدَتْ شبيباً***هل تلد الذئبةُ إِلا ذِيبَا### بعض علماء الخوارجوأخبار علمائهم، كاليمان وله كتب مصنفة في مذاهبهم، وعبد اللّه بن يزيد الأباضي، وأبي مالك الحضرمي، وقعنب، وغير هؤلاء من علمائهم، وقد كان اليمان بن رباب من علية علماء الخوارج، وأخوه علي بن رباب من علية علماء الرافضة، هذا مقدَّم في أصحابه، وهذا مقدَّم في أصحابه، يجتمعان في كل سنة ثلاثة أيام يتناظران فيها، ثم يفترقان، ولا يسلم أحدهما على الآخر ولا يخاطبه، وكذلك كان جعفر بن المبشر من علماء المعتزلة وحُذاقها وزهادها، وأخوه حنش بن المبشر من علماء أصحاب الحديث ورؤساء الحشوية بالضد من أخيه جعفر، وطالت بينهما المناظرة والمباغضة والتباين وآلى كل واحد منهما ألا يخاطب الآخر إلى أن لحق بخالقه، وجعفر بن المبشر وجعفر بن حرب من علماء البغداديين من المعتزلة، وكان عبد اللّه بن يزيد الأباضي بالكوفة تختلف إليه أصحابه يأخذون منه، وكان [خزازاً] شريكاً لهشام بن الحكم، وكان هشام مقدَّماً في القول بالجسم والقول بالإمامة على مذهب القطيعية
يختلف إليه أصحابه من الرافضة يأخذون عنه، وكلاهما في حانوت واحد، على ما ذكرنا من التضاد في في المذهب من التشري والرفض [و] لم يجر بينهما مُسَابَّة، ولا خروج عما يوجبه العلم وقضية العقل وموجب الشرع وأحكام النظر والسير.وذكر أن عبد اللّه بن يزيد الأباضي قال لهشام بن الحكم في بعض الأيام : تَعْلَم ما بيننا من المودَّة ودوام الشركة، وقد أحببتُ أن تُنكحني ابنتك فاطمة، فقال له هشام إنها مؤمنة، فأمسك عبد اللّه، ولم يُعاوده في شيء من ذلك، إلى أن فَرَّقَ الموت بينهما.وكان من أمر هشام مع الرشيد وابن بَرْمَك ما [قد] أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا.### رأي عمرو بن عبيد فيهوذكر عن عمرو بن عُبَيْد أنه يقول : أخذ عمر بن عبد العزيز الخلافة بغير حقها، ولا باستحقاق [لها] ثم استحقها بالعدل حين أخذها.### الفرزدق يرثي عمروفي وفاة عمر رضي اللّه عنه يقول الفرزدق من أبيات يَرْثيه بها :أقول لَمَّا نَعَى النَّاعُون لي عُمَراًلَقَدْ نَعَيْتُمْ قوام الحق والدينقد غَيَّبَ الرَّامِسُون اليوم إِذْ رَمَسُوابِدَيْرِ سِمْعَانَ قِسْطَاسَ المَوَازِينِلم يُلْهِه عَمْرَهُ عَيْنٌ يُفْجُرُهَا***ولا النخيل ولا رَكْضُ البراذينولعمر رحمة اللّه عليه خطب وأخبار حسان غير ما ذكرنا في هذا الكتاب، وفي الزهد وغيره، وقد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا، والحمد للّه كتبنا، والحمد للّه رب العالمين.
## ذكر أيام يزيد بن عبد الملك بن مروان### موجزومَلَكَ يزيد بن عبد الملك في اليوم الذي توفي فيه عمر بن عبد العزيز، وهو يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة، ويكنى أبا خالد، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وتوفي يزيد بن عبد الملك بإربد من أرض البلقاء من أعمال دمشق يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، فكانت ولايته أربع سنين وشهراً ويومين.
### ذكر لمع من أخباره وسيره و (جمل من ما كان في أيامه)### حبه سلامة القسكان الغالِبُ على يزيد بن عبد الملك حُبَّ جارية يقال لها سَلامَة القَسُ، وكانت السهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، فاشتراها يزيد بثلاثة آلاف دينار، فأعجب بها، وغلبت على أمره وفيها يقول عبد اللّه بن قيس الرقيَّاتِ :لَقَدْ فتن الدنيا وَسَلَّامَةُ القسافلم يتركا للقس عقلا ولا نَفْسًافاحتالت أم سعيد العثمانية جَدَّتُه بشراء جارية يقال لها حَبّابة قد كان في نفس يزيد بن عبد الملك قديماً منها شيء، فغلبت عليه ووهب سَلامَة لأم سعيد، لأم سعيد، فَعَذَلَهُ مسلمة بن عبد الملك لما عم الناس من الظلم والجور، باحتجابه وإقباله على الشرب واللّهو، وقال [له] : إنما مات عُمر أمس و [قد] كان من عدله ما قد علمت، فينبغي أن تظهر للناس العدل، وترفض هذا اللّهو، فقد اقتدى بك عُمَّالك في سائر أفعالك وسيرتك فارتَدَعَ عما كان عليه، فأظهر الإقلاع والندم، وأقام على ذلك مدة مديدة، فغلظ ذلك على حَبّابة، فبعثت إلى الأحوص الشاعر ومعبد المغني : انظرا ما أنتم صانعان، فقال الأحوص في أبيات له :ألا لا تَلُمْهُ اليوم أن يَتبلدافقد غلب المحزون أن يَتَجلّداإذا كنت لم تعشق ولم تدر ما الهوىلكن حجراً من يابس الصَّلْدِ جَلْمَدَافما العيش إلا ما تلذ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشَّنَانِ وفَنَّدَاوغَنَّاه مَعبد، وأخذت حَبّابة، فلما دخل عليها يزيد قالت : يا أمير المؤمنين اسمع مِنّي صوتاً واحداً ثم افعل ما بَدَا لك، وغَنَّتْه، فلما فرغت منه جعل يردد قولها:فما العيش إلا ما تلذ وتشتهي***وإن لام فيه ذو الشَّنَانِ وَفَنَّداوعاد بعد ذلك إلى لَهْوه وَقَصْفِه وَرَفضَ ما كان عليه.
### يزيد وحبابة وشعر للفند الزمانيوذكر إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال : حدثني ابن سلام قال : ذكر يزيد قول الشاعر :صَفَحْنَا عن بني ذُهْلٍوقُلْنَا: القوم إخْوَانُعَسی الأيام أن يَرْجِعْنَقَوْماً كالذي كانوافلما صَرَّحَ الشرُّفَأَمْسى وَهُوَ عُرْيَانُمَشَيْنَا مِشْيَة اللَّيْثِغَدًا والليث غضْبَانُبِضَرْبٍ فيهِ تَوْهِينٌوَتَخضیع وإقرانوطعْن کفَمِ الزِّقُوَهَيوَالزِّقُ مَلاَنُوفي الشّرّ نجاة حين لا يُنْجِيكَ إِحْسَانُوهو شعر قديم يقال : إنه للفِنْدِ [الزّمّاني] في حرب البَسُوس، فقال لحبابة : غنيني به بحياتي فقالت : يا أمير المؤمنين، هذا شعر لا أعرف أحداً يغني به إلا الأحول المكي، فقال: نعم، قد كنت سمعت ابن عائشة يعمل فيه ويترك، قالت : إنما أخذه عن فلان بن أبي لهب، وكان حَسَن الأداء، فَوَجَّه يزيد إلى صاحب مكة : إذا أتاك كتابي هذا فادفع إلى فلان ابن أبي لهب ألف دينار لنفقة طريقه واحمله على ما شاء من دَوَابُ البريد، ففعل، فلما قدم عليه قال : غنني بشعر الفِنْدِ، فغناه فأجاد وأحسن، وقال: أعده، فأعاده فأجاد [وأحسن] وأطرب يزيد فقال :[له]: عَمَّن أخذت هذا الغناء؟ فقال : يا أمير المؤمنين أخذته عن أبي، وأخذه أبي عن أبيه، فقال : لو لم تَرِث إلا هذا الصوت لكان أبو لهب قد وَرَّثكم خيراً كثيراً، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا لهب مات كافراً مؤذياً لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : [قد] أعلم ما تقول، ولكني دخلتني له رقة إذ كان مجيداً للغناء، ووصله وكَساه ورَدَّه إلى بلده مكرماً.)وكتب في عهد عمر إلى يزيد إذا أمكنتك القدرة بالعزة فاذكر قدرة اللّه عليك، وقيل : إن هذا الكلام كتب به عمر إلى بعض عماله، وفيه زيادة - على ما ذكره الزبير بن بكار - وهي : إذا أمكنتك القدرة من ظلم العباد فاذكر قدرة اللّه عليك بما تأتي إليهم، واعلم أنك لا تأتي إليهم أمراً إلا كان زائلا عنهم باقياً عليك، وأن اللّه يأخذ للمظلوم من الظالم، ومهما ظلمت من أحد فلا تظلمنَّ من لا ينتصر عليك إلا باللّه تعالى.
### موت حبابة وجزع يزيد عليهاواعتلّتْ حبابة فأقام يزيد أياماً لا يظهر للناس، ثم ماتت، فأقام أياماً لا يدفنها جزعاً عليها حتى جَيَّفَتْ، فقيل : إن الناس يتحدثون بجزعك، وإن الخلافة تجل عن ذلك،فدفنها وأقام على قبرها، فقال:فإن تَسْلُ عنك النفس أو تدع الهَوَىفباليَأْسِ تَسْلُو النَّفْسُ لا بالتجلدثم أقام بعدها أياماً قلائل ومات.حدث أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم عن أبيه عن إسحاق الموصلي، عن أبي الحُوَيْرث الثقفي قال : لما ماتت حَبَابة حزن عليها يزيد بن عبد الملك حزناً شديداً، وضَمَّ إليه جويرية [لها] كانت تحدثها فكانت تخدمه، فتمثلت الجارية يوماً :كفى حَزَنْاً للهائم الصب أن يرىمنازل من يهوى مُعَطَّلة قَفْرًافبكى حتى كاد أن يموت، ولم تزل تلك الجويرية معه يتذكر بها حَبّابة حتى مات.وكان يزيد ذات يوم في مجلسه وقد غنّته حبابة وسَلّامة فطرب طرباً شديداً ثم قال : أريد أن أطير، فقالت له حَبَابة يا مولاي فعلى مَنْ تَدَع الأمة وتدعنا.وكان أبو حمزة الخارجي إذا ذكَرَ بني مروان وعابهم ذكر يزيد بن عبد الملك فقال : أقْعَدَ حبّابة عن يمينه وسَلامة عن يساره، ثم قال : أريد أن أطير، فطار إلى لعنة اللّه وأليم عذابه.### يزيد بن المهلب يخرج على يزيد بن عبد الملكقال المسعودي : و [قد] كان يزيد بن المهلب بن أبي صُفْرة هرب من سجن عمر بن عبد العزيز، حين أثقل، وذلك في سنة إحدى ومائة وصار إلى البصرة وعليها عدِيُّ بن أرْطَاةَ الفَزَاري، فأخذه يزيد بن الملهب، فأوثقه ثم خرج يريد الكوفة مخالفاً على يزيد بن عبد الملك، وحشدت له الأزد، وأحلافها وانحاز إليه أهله وخاصته وعظم أمره، واشتدت شوكته، فبعث إليه [يزيد] أخاه مسلمة بن عبد الملك، وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك، في جيش عظيم، فلما شَارَفَاه رأى يزيد بن الملهب في عسكره اضطراباً، فقال: ما هذا الاضطراب؟ قيل : جاء مسلمة والعباس [قال : ] فواللّه ما مسلمة إلا جرادة صفراء، وما العباس إلا نسطوس بن نسطوس، وما أهل الشام إلا طَغَام قد حشدوا ما بين فلاح وزراع ودباغ وسفلة، فأعيروني أكفكم ساعة [واحدة]
تصفعون بها خراطيمهم، فما هي إلا غدوة [أ] ورَوْحَة حتى يحكم اللّه بيننا وبين القوم الظالمين، علي بفرسي، فأتى بفرس أبلق، فركب غير متسلح، فالتقى الجيشان فاقتتلوا قتالاً شديداً، وولى أصحاب يزيد عنه، فقتل يزيد في المعركة، وصبر [وا] إخوته أنفسهم فقتلوا جميعاً، ففي ذلك يقول الشاعر :كل القبائل بايعوك على الذيتَدْعُو إليه طائعين وسارواحتى إذا حضر الْوَغَى وجعلتهمنُصْبَ الأسنة أسْلَمُوكَ وطارواإن يقتلوك فإن قتلك لم يكنعاراً عليك وبَعْضُ قتل عارُفلما ورد الخبر على يزيد بن عبد الملك استبشر، وأخذ الشعراء جميعاً يهجون آل المهلب إلا كثيراً، فإنه امتنع [من ذلك] فقال له يزيد : حَرَّكتك الرحيم يا أبا صخر لأنهم يمانيون، ففي ذلك يقول جرير [ يمدح يزيد و] يهجو آل المهلب:رُبَّ قوم وقوم حاسدين لكمما فيهم بَدَلٌ منكم ولا خَلَفُآل المهلب جَزَّ اللّه دابرهمأمسوا رماداً فلا أصل ولا طرفما نالت الأزد من دعوى مُضِلَّهمإلا المعاصم، والأعناق تختطفوالأزد قد جعلوا المنتوف قائدهمفقَتَّلتهُمْ% جنود اللّه، وانتُسِفواوهي طويلة، وفي ذلك يقول جرير أيضاً ليزيد من كلمة :لقد تركت فلا نَعْدَمُكَ إذ كفرواآل المهلب عظماً غير مجبوريا ابن المهلب، إن الناس قد علمواأن الخلافة للأُم المغاوير### صنيع يزيد في آل المهلبوبعث يزيد هلال بن أحْوَزَ المازني في طلب آل المهلب، وأمره أن لا يلقى منهم من بلغ الحلم إلا ضرب عنقه، فأتبعهم حتى [أتى] قندابيل من أرض السند وأتى هلال بغلامين من آل المهلب، فقال لأحدهما: أدركت؟ قال: نعم، ومدَّ عنقه، فكان الآخر أشفق عليه فَعَضَّ شفته لئلا يظهر جزعاً فضرب عنقه، وأثخن القتل في آل المهلب حتى كاد أن يفنيهم، فذكر أن آل المهلب مكثوا بعد إيقاع هلال بهم عشرين سنة يُولد فيهم الذكور فلا يموت منهم أحد،وفي مدح هلال بن أحْوَزَ وما فَعَلَ يقول جرير :أقول لها من ليلة ليس طولهاكطول الليالي : لَيْتَ صُبحك نَوْراأخاف على نفسي ابن أحْوَز،***إنه جلا كل هَمِّ في النفوس فأَسْفَرًا
جعلت بقبر بالحسان ومالكوقبر عدي في المقابر أقبرافلم يبق منهم راية تعرفونهاولم يبق من آل المهلب عسكراوهي أبيات.### بين ابن هبيرة والشعبي وابن سيرين والحسن البصريوقد كان يزيد بن عبد الملك -حين ولي عمر بن هُبَيْرة الفزاري العراق، وأضاف إليه خراسان واستقام أمره هنالك - بعث ابن هُبيْرة إلى الحسن بن أبي الحسن البصري وعامر بن شرحبيل الشعبي ومحمد بن سيرين، وذلك في سنة ثلاث ومائة، فقال لهم : إن يزيد بن عبد الملك خليفة اللّه استخلفه على عباده، وأخذ ميثاقهم بطاعته، وأخذ عَهْدَنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، يكتب إلي بالأمر من أمره فأنفذه، وأقلده ما تقلّده من ذلك، فما ترون؟ فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية، فقال عمر : ما تقول يا حسن؟ فقال الحسن: يا ابن هُبَيْرة خَفِ اللّه في يزيد، ولا تَخَفْ يزيد في اللّه، إن اللّه يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من اللّه، وأوشك أن يبعث إليك ملكاً فيزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك يا ابن هبيرة، إني أحذرك أن تعصي اللّه ؛ فإنما جعل اللّه هذا السلطان ناصراً لدين اللّه وعباده، فلا تتركَنَّ دين اللّه وعباده بسلطان اللّه فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.وحكي في هذا الخبر أن ابن هبيرة، أجازهم، وأضعف جائزة الحسن، فقال الشعبي : سفسفنا فسفسف لنا.### بين يزيد وأخيه هشاموذكر أن يزيد بن عبد الملك بلغه أن أخاه هشام بن عبد الملك ينتقصه، ويتمنّى موته، ويعيب عليه لهوه بالقَيْنات، فكتب إليه يزيد أما بعد فقد بلغني استثقالك حياتي، واستبطاؤك، موتي، ولعمري إنك بعدي لواهي الجناح، أجْذَمُ الكف، وما استوجَبْتُ منك ما بلغني عنك فأجابه هشام: أما بعد فإن أمير المؤمنين متى فَرَّغَ سمعه لقول أهل الشنآن وأعداء النعم يوشك أن يقدح ذلك في فساد ذات البين، وتقطع الأرحام، وأمير المؤمنين بفضله وما جعله اللّه أهلا له أولى أن يتغمد ذنوب أهْلِ الذنوب، فأما أنا فمعاذ اللّه أن أستثقل حياتك أو أستبطىء وفاتك، فكتب إليه [ يزيد] نحن مغتفرون ما كان منك، ومكذبون ما بلغنا عنك، فاحفظ وصية عبد الملك إيانا، وقوله لنا في ترك التباغي والتخاذل، وما أمر به وحَضَّ عليه من صلاح ذات البين واجتماع الأهواء؛ فهو خير لك، وأمْلَكُ بك، وإني لأكتب إليك و [أنا] أعلم أنك كما قال الأول:
وإني على أشياء منك تَرِيبنيقديماً لذو صَفْح على ذاك مُجْمِلُستقطع في الدنيا إذا ما قطعتنييمينك فانظر أي كف تبدَّلُوإن أنت لم تنصف أخاك وجدته***على طرف الهجران إن كان يعقلفلما أتى الكتاب هشاماً ارتحل إليه، فلم يزل في جواره مخافة أهل البغي والسعاية حتى مات [ يزيد].### وفاة عطاء بن يساروممن مات في أيام يزيد بن عبد الملك عطاء بن يسار مولى ميمونة زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويكنى أبا محمد، وهو ابن أربع وثمانين سنة، وذلك في ستة ثلاثة ومائة.)### موت جماعة من العلماءوفيها مات مجاهد بن جبر، مولى قيس بن السائب المخزومي، ويكنى أبا الحجاج، وهو ابن أربع وثمانين سنة.وجابر بن زيد مولى الأزد، من أهل البصرة، ويكنى أبا الشَّعْثَاء.ويزيد بن الأصم، من أهل الرقة وهو ابن أخت ميمونة زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.)ويحيى بن وَثَّاب الأسدي، مولى بني كنانة كان.وأبو بُرْدَةَ بن أبي موسى الأشعري واسمه، عامر كوفي.وفي سنة أربع ومائة مات وهب بن مُنَبِّه، ويقال : مات سنة عشر ومائة وفي سنة أربع ومائة هذه أيضاً مات طاوس.[ وفي سنة خمس ومائة مات عبد اللّه بن جبير، مولى العباس بن عبد المطلب، ويقال : إنه مولى مولى العباس].وقيل : إن طاوس بن كَيْسَان - ويكنى أبا عبد الرحمن - مولى بجير الحميري مات بمكة سنة ست ومائة، وصلى عليه هشام بن عبد الملك.وفي سنة سبع ومائة مات سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [وهو أخو عَطَاء بن يسار ] ويكنى أبا أيوب، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، بالمدينة، وقيل : إنه مات في سنة [ثمان و] مائة.)وفي سنة ثمان ومائة مات القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.ومات الحسن بن أبي الحسن البصري، ويكنى أبا سعيد، في سنة عشر ومائة،
واسم أبيه يَسَار مولى لامرأة من الأنصار، ومات وله تسع وثمانون سنة وقيل: تسعون سنة، وكان أكبر من محمد بن سيرين، ومات محمد بعده بمائة ليلة في هذه السنة وهو ابن إحدى وثمانين سنة، وقيل : ابن ثمانين.### محمد بن سيرين وإخوتهوكان أولاد سيرين خمسة إخوة محمد وسعيد، ويحيى، وخالد، وأنس بني سيري،ن وسيرين مولى أنس بن مالك، والخمسة قد رَوَوْا السنن، ونقلت عنهم.ووجدت أصحاب التواريخ متباينين [ومختلفين] غير متفقين في وفاة وهب بن مُنَبِّه، ويكنى أبا عبد اللّه ؛ فمنهم من ذكر وفاته على حسب ما قَدَّمنا في هذا الباب، ومنهم مَنْ رأى أنه مات سنة عشر ومائة بصنعاء، وكان من الأبناء، وهو ابن تسعين سنة.وفي سنة خمس عشرة ومائة مات الحكم بن عتبة الكندي، وقيل: إنه مات فيها عطاء بن أبي رباح.وفي سنة ثلاث وعشرين ومائة مات أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب الزهريّ، وذكر الواقدي أنه مات سنة أربع وعشرين ومائة.وليزيد بن عبد الملك أخبار حسان، ولما كان في أيامه من الكوائن والأحداث، وقد أتينا على مبسوط ذلك في كتابينا «أخبار الزمان» والأوسط، وإنما ذكرنا وفاة من سمينا من أهل العلم ونَقَلَة الآثار وحَمَلَة الأخبار ليكون ذلك زيادة في فائدة الكتاب، فتكون فوائده عامة ؛ إذ كان الناس في أغراضهم متباينين، وفيما يتيممونه من مآخذ العلم مختلفين ؛ فمنهم طالِبُ خَبَرٍ، ومقلد لأثر، ومنهم ذو بحث ونظر، ومنهم صاحب حديث، ومُنقر عن علل، ومَرَاعٍ لوفاة مثل من ذكرنا فجعلنا فيه لكل ذي رأي نصيباً، وباللّه التوفيق.
## ذكر أيام هشام بن عبد الملك بن مروان### موجزوبويع هشام بن عبد الملك في اليوم الذي توفي فيه أخوه يزيد بن عبد الملك، وهو يوم الجمعة لخمس بَقِينَ من شوال سنة خمس ومائة، وقبض يزيد وله يومئذٍ ثمان وثلاثون سنة، وقيل : أربعون [سنة]، وتوفي هشام [بن عبد الملك] بالرُّصافة من أرض قنسرين يوم الأربعاء لست خَلَوْنَ من شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة ؛ فكانت ولايته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وإحدى عشرة ليلة.
## ذكر لمع من أخباره وسيره### أوصافه وأخلافهوكان هشام أحْوَلَ خشناً فظاً غليظاً، يَجْمَع الأموال، ويعمر الأرض، ويستجيد الخيل، وأقام الحلبَة فاجتمع له فيها من خيله وخيل غيره أربعة آلاف فرس، ولم يُعْرَفْ ذلك في جاهلية ولا إسلام لأحد من الناس، وقد ذكرت الشعراء ما اجتمع له من الخيل، واستجاد الكُسَى والفُرُشَ، وعُدَدَ الحرب ولأمتها واصطنع الرجال، وقوَّى الثَغور، واتخذ القُنيَّ والبِرَكَ بطريق مكة، وغير ذلك من الآثار التي أتى عليها داود بن علي في صدر الدولة العباسية.وفي أيامه عُمِل الخز والقُطُف الخز، فسلك الناس جميعاً في أيامه مذهبه، ومنعوا ما في أيديهم، فق الإفضال، وانقطع الرِّفْدُ، ولم ير زمان أصعب من زمانه.### استشهاد زيد بن عليوفي أيامه استشهد زيد بن علي بن الحسين بن علي كرم اللّه وجهه، وذلك في سنة إحدى وعشرين ومائة، وقيل : [بل] في سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقد كان زيد بن علي شَاوَرَ أخاه أبا جعفر بن علي بن الحسين بن علي، فأشار عليه بأن لا يركن إلى أهل الكوفة؛ إذ كانوا أهل غَدْر ومَكْر، وقال له : بها قتل جَدُّكَ علي، وبها طعن عمك الحسن [ وبها قتل أبوك الحسين] وفيها وفي أعمالها شُتِمْنَا أهل البيت، وأخبره بما كان عنده من العلم في مدة ملك بني مروان، وما يتعقبهم من الدولة العباسية، فأبى إلا ما عزم عليه من المطالبة بالحق، فقال له : إني أخاف عليك يا أخي أن تكون غداً المصلوب بكُناسة الكوفة، وودَّعه أبو جعفر، وأعلمه أنهما لا يلتقيان.وقد كان زيد دخل على هشام بالرُّصَافَة، فلما مَثَل بين يديه لم ير موضعاً يجلس فيه، فجلس حيث انتهی به مجلسه، وقال يا أمير المؤمنين، ليس أحد يكبر عن تقوى اللّه، ولا يصغر دون تقوى اللّه، فقال هشام: اسكت لا أم لك، أنت الذي تنازعك نفسُكَ
في الخلافة وأنت ابن أمَةٍ قال: يا أمير المؤمنين، إن لك جواباً إن أحببت أجبتك به، وإن أحببت أمسكت عنه فقال : بل أجِبْ قال : إن الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمَةً لأم إسحاق (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يمنعه ذلك أن بعثه اللّه نبياً، وجعله للعرب أباً، فأخرج من صلبه خير البشر محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فتقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وابن علي، وقام وهو يقول :)شَرَّدَهُ الخوف وأزرى بهكذاك من يكره حَرَّ الجلادمنخرق الكفين يشكو الجوىتنكثه أطراف مَرْدٍ حدادقد كان في الموت له راحةوالموت حَتُم في رقاب العبادإن يُحْدِث اللّه له دولةيترك آثار العدا كالرمادفمضى عليها إلى الكوفة وخرج عنها، ومعه القراء والأشراف، فحاربه يوسف بن عمر الثَّقَفي، فلما قامت الحرب انهزم أصحاب زيد وبقي في جماعة يسيرة، فقاتلهم أشدَّ قتال، وهو يقول متمثلا :أذُلَّ الحياة وعز المماتوكُلاً أراه طعاماً وبيلافإن كان لا بد من واحدفَسِيري إلى الموت سيراً جميلاوحال المساء بين الفريقين، فراح زيد مُثخناً بالجراح، وقد أصابه سهم في جبهته، فطلبوا من ينزع النصل، فأتى بحجام من بعض القرى، فاستكتموه أمره فاستخرج النصل، فمات من ساعته، فدفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش، وأجري الماء على ذلك، وحضر الحجَّامُ مواراته فعرف الموضع، فلما أصبح مضى إلى يوسف متنصحاً، فدله على موضع قبره، فاستخرجه يوسف، وبعث برأسه إلى هشام، فكتب إليه هشام: أن أصلبه عرياناً، فصلبه يوسف كذلك، ففي ذلك يقول بعض شعراء بني أمية يخاطب آل أبي طالب وشيعتهم من أبيات :صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة***ولم أر مَهْدِيَّا على الجذع يصلبوبَنَى تحت خشبته عموداً، ثم كتب هشام إلى يوسف [يأمره] بإحراقه وذَرْوه في الرياح.### صنيع العباسيين بقبور الأمويينقال المسعودي: وحكى الهيثم بن عدي الطائي، عن عمرو بن هانيء، قال: خرجت مع عبد اللّه بن علي لنبش قبور بني أمية في أيام أبي العباس السفاح، فانتهينا إلى
قبر، هشام فاستخرجناه صحيحاً ما فقدنا منه إلا خورمة، أنفه، فضربه عبد اللّه [بن علي] ثمانين سوطاً، ثم أحْرَقَه، واستخرجنا سليمان من أرض دابق، فلم نجد منه شيئاً إلا صلبه وأضلاعه ورأسه، فأحرقناه وفعلنا ذلك بغيرهما من بني أمية، وكانت قبورهم بقنسرين، ثم انتهينا إلى دمشق، فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وَجَدْنا في قبره قليلا ولا كثيراً، واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلا شؤون رأسه، ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا فيه إلا عظماً واحداً، ووجدنا مع لحده خطاً أسود كأنما خط بالرماد في الطول في لحده، ثم اتبعنا قبورهم في جميع البلدان فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم.وإنما ذكرنا هذا الخبر في هذا الموضع لقتل هشام زَيْدَ بن علي، وما نال هشاماً من المُثْلَة بما فعل بسلفه من الإحراق كفعله بزيد بن علي.وقد ذكر أبو بكر بن عياش وجماعة [من الأخباريين] أن زيداً مكث مصلوباً خمسين شهراً عرياناً، فلم ير له أحد، عورة ستراً من اللّه له، وذلك بالكناسة بالكوفة، فلما كان في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك وظهر ابنه يحيى بن زيد بخراسان كتب الوليد إلى عامله بالكوفة : أن أحرق زيداً، بخشبته ففعل ذلك [به]، وأذرى [رماده] في الرياح على شاطىء الفرات.### فرق الزيدية من الشيعةوقد أتينا في كتابنا «المقالات في أصول الديانات» على السبب الذي من أجله سميت الزيدية بهذا الاسم، وأن ذلك بخروجهم مع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، هذا، وقد قيل غير ذلك مما قد أتينا عليه فيما سلف من كتبنا والخلاف بين الزيدية والإمامية، والفرق بين هذين المذهبين، وكذلك غيرهم من فرق الشيعة وغيرهم [ وقد ذكر جماعة من مصنفي كتب المقالات والآراء والديانات من آراء الشيعة وغيرهم] كأبي عيسى محمد بن هارون الوَرّاق وغيره، أن الزيدية كانت في عصرهم ثمانية فرق : أولها الفرقة المعروفة بالجارودية وهم أصحاب أبي الجارود زياد ابن المنذر العبدي، وذهبوا إلى أن الإمامة مقصورة في ولد الحسن والحسين، دون غيرهما، ثم الفرقة الثانية المعروفة بالمرئية، ثم الفرقة الثالثة المعروفة بالأبرقية، ثم الفرقة الرابعة المعروفة باليعقوبية، وهم أصحاب يعقوب بن علي الكوفي، ثم الفرقة الخامسة المعروفة بالعقبيَّة، ثم الفرقة السادسة المعروفة بالأبترية، وهم أصحاب كثير الأبتر والحسن بن صالح بن يحيى، ثم الفرقة السابعة المعروفة بالجريرية، وهم أصحاب
سليمان بن جرير، ثم الفرقة الثامنة المعروفة باليمانية، وهم أصحاب محمد بن اليمان الكوفي، وقد زاد هؤلاء في المذهب، وفَرَّعُوا مذاهب على ما سلف من أصولهم، وكذلك فرق أهل الإمامة فكانوا على ما ذَكَرَ مَنْ سلف من أصحاب الكتب ثلاثاً وثلاثين فرقة، وقد ذكرنا تنازع القطيعية بعد مضي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن [الحسين بن علي بن] أبي طالب رضي اللّه [عنهم]، وما قالت الكَيْسَانية، وما تباينت فيه وغيرها من سائر طوائف الشيعة، وهم ثلاث وسبعون فرقة، دون ما تباينوا فيه من التفريع، وتنازعوا فيه من التأويل، والغُلَاة أيضاً ثمان فرق : المحمدية منهم أربع، والمعتزلة أربع، وهم العلوية، ولولا أن كتابنا هذا كتاب خبر لبسطنا من مذاهبهم ووصفنا من آرائهم ما تقدم قبلنا وحَدَث في وقتنا هذا، وما قالوه من دلائل ظهور المنتظر الموعود بظهوره، وما ذهب إليه كل فريق منهم في ذلك من أصحاب الدور والسرو والتشريق، وغيرهم من أهلالإمامة.### بين هشام ورجل من أهل حمصوعرض هشام يوماً الجند بحمص، فمر به رجل من أهل حمص وهو على فرس نفور، فقال له هشام: ما حملك على أن تربط فرساً نَفُوراً؟ فقال الحمصي : لا والرحمن الرحيم يا أمير المؤمنين، ما هو بنفُور، ولكنه أبصر حولتك فظن أنها عين غزوان البيطاء، فقال له هشام: تنحَّ فعليك وعلى فرسك لعنة اللّه، وكان غزوان البيطار نصرانياً ببلاد حمص كأنه هشام في حولته وكشفته.### هشام والأبرش الكلبي وجارية من جواري هشاموبينما هشام ذات يوم جالساً خالياً وعنده الأبرش الكلبي إذ طلعت وصيفة لهشام عليها حُلّة، فقال للأبرش : مازحها، فقال لها [الأبرش] هيىء لي حُلتك، فقالت له : لأنت أطمع من أشْعَبَ فقال لها :هشام ومن أشعب؟ فقالت : كان مضحكاً بالمدينة، وحدثته بعض أحاديثه، فضحك هشام، وقال : اكتبوا إلى إبراهيم بن هشام - وكان عامله على المدينة - في حمله إلينا، فلما ختم الكتاب أطرق هشام طويلا، ثم قال : يا أبرش، هشام يكتب إلى بلد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليحمل إليه [منه] مضحك؟ لاها اللّه، ثم تمثل :)إذا أنت طَاوَعتَ الهوى قَادَكَ الهوى***إلى بعض ما فيه عليك مقالوأوقف الكتاب.
### أمثلة من بخل هشاموذكر أن هشاماً أهدى له رجل طائرين، فأعجب بهما، فقال له الرجل : جائزتي يا أمير المؤمنين قال [ ويلك] وما جائزة طائرين؟ قال له: ما شئت، قال: خذ أحدهما، فقصد الرجل لأحسنهما فأخذه، فقال له هشام: وتختار أيضاً؟ قال : نعم واللّه أختار، فقال : دَعْه، وأمر له بدريهمات.ودخل هشام بستاناً له ومعه ندماؤه فطافوا به، و به من كل الثمار، فجعلوا يأكلون ويقولون: بارك اللّه لأمير المؤمنين، فقال : وكيف يبارك لي فيه وأنتم تأكلونه؟! ثم قال : ادع قيمة فدعا به، فقال له : اقلع شجره واغرس فيه زيتوناً حتى لا يأكل منه أحد شيئاً.وكتب إليه ابنه سليمان : إن بَغْلَتي قد عجزت فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بدابة، فكتب إليه [هشام] : قد فهم أمير المؤمنين كتابك، وما ذكرت من ضعف دابتك، وقد ظن أن ذلك من قلة تعاهدك لعلفها، وضياع العلف فقم عليها بنفسك، ولعل أمير المؤمنين يرى رأيه في حملاتك.ونظر هشام إلى رجل على برذَون طخاري، فقال: من أين لك هذا؟ قال : حَملَنِي عليه الجنيد بن عبد الرحمن قال وقد كثرت الطخارية حتى ركبها العامة؟ لقد مات عبد الملك وفي مربطه برذون واحد طخاري، فتنافس فيه ولده، حتى ظن مَنْ فاته أن الخلافة فاتته قال الرجل : فحسدني إياه.وقد كان أخوه مسلمة مازحه قبل أن يلي الأمر، فقال له : يا هشام، أتؤمِّلُ الخلافة وأنت جبان بخيل فقال : واللّه إني عليم حليم.### السواس من بني أميةوذكر الهيثم بن عديّ والمدائني وغيرهما أن السُّوَّاس من بني أُمية ثلاثة : معاوية، وعبد الملك وهشام، وختمت [به] أبواب السياسة وحسن السيرة، وأن المنصور كان في أكثر أموره وتدبيره وسياسته متبعاً لهشام [بن عبد الملك] في أفعاله لكثرة [ما] كشفه عن أخبار هشام وسيره.وما قيل عن هشام في أخباره وسيره وسياسته و ما حفظ من أشعاره وخطبه، وما كان في أيامه، في كتابينا «أخبار الزمان» والأوسط، وكذلك ذكرنا بَدء الكلام الذي أثار تصنيف الكتاب، المعروف بكتاب الواحدة في مناقب العرب ومثالبها مفردة لا يشاركها فيها غيرها، وما أُضيف إلى كل حي من [أحياء] العرب من قَحْطَان وغيرهم من نِزَارٍ، وما جرى في مجلس هشام في أوقات مختلفة بين الأبْرَش الكلبي والعباس بن الوليد بن
عبد الملك وخالد بن مَسْلَمة المخزومي والنضر ابن مريم الحميري، وما أورده الحميري من مناقب قومه [من حِمْيَر وكَهْلَان وما أورده المخزومي من مناقب قومه] من نزار بن معد بن عدنان، وما ذكره كل واحد منهم من المَثَالِبِ فيما عدا قومه، وبان عن عشيرته ورَهْطه، وقد قيل : إن هذا الكتاب ألفه أبو عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى مولى آل تيم بن مرة بن كعب بن لُؤَيّ، على لسان مَنْ ذكرنا، وعزاه إلى من وصفنا، أو غيره من الشعوبية.
## ذكر أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن (مروان)### موجزوبويع الوليد بن يزيد في اليوم الذي توفي فيه هشام، وهو يوم الأربعاء لست خَلَوْنَ من [شهر] ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، ثم قتل بالبخراء يوم الخميس لليلتين بَقِيَتا من [شهر] جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة ؛ فكانت ولايته سنة وشهرين واثنين وعشرين يوماً، وقتل وهو ابن أربعين سنة، والموضع الذي قتل فيه دُفن فيه، وهي قرية من قرى دمشق تعرف بالبخراء على ما ذكرنا وقد أتينا على خبر مقتله في كتابنا الأوسط.
## ذكر لمع من أخباره، وسيره### ظهور يحيى بن زيد ومقتلهظهر في أيام الوليد بن يزيد يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن [علي بن] أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ، بالجوزجان من بلاد خراسان، مُنْكِراً للظلم وما عَمَّ الناس من الجور، فسير إليه نَصْرُ بن سيار سَلْمَ بن أحَوّزَ المازني، فقتل يحيى في المعركة بقرية يقال لها أرعونة، ودفن هنالك، وقبره مشهور مَزُورٌ إلى هذه الغاية، وليحيى وقائع كثيرة، وقتل في المعركة بسهم أصابه في صُدْغه، فولّى أصحابه عنه يومئذٍ، واحتزّ رأسه، فحمل إلى الوليد، وصلب جسده بالجوزجان، فلم يزل مصلوباً إلى أن خرج أبو مسلم صاحب الدولة العباسية، فقتل أبو مسلم سلم بن أحوز، وأنزل جثة يحيى فصلى عليها [في جماعة أصحابه] ودفنت هناك، وأظهر أهل خراسان النياحة على يحيى بن زيد سبعة أيام في سائر أعمالها في حال أمنهم على أنفسهم من سلطان بني أمية، ولم يُولَدْ في تلك السنة بخراسان مولود إلا وسمي بيحيى أو بزَيْدٍ ؛ لما داخل أهل خراسان من الجزع والحزن عليه.)وكان ظهور يحيى في آخر سنة خمس وعشرين وقيل: [في] أول سنة ست وعشرين ومائة، وقد أتينا على أخباره وما كان من حروبه في الكتاب الأوسط، وفي غيره مما سلف من كتبنا فأغني ذلك عن إعادته.وكان يحيى يوم قتل يكثر من التمثل بشعر الخنساء:نُهينُ النفوس، وَهَوْنُ النفو***س يوم الكريهة أوفى لها### لهو الوليد وخلاعتهوكان الوليد بن يزيد صاحب شراب ولهو وطرب وسماع للغناء، وهو أول من حَمَلَ المغنين من البلدان إليه، وجالس الملهين، وأظهر الشرب والملاهي والعَزْف، وفي
أيامه كان ابن سُرَيج المغني، ومَعْبَد وَالْغَريض، وابن عائشة، وابن مُخرز، وَطُوَيس، و دحمان، وغلبت [عليه] شهوة الغناء في أيامه، وعلى الخاص والعام، واتخذ القِيَان، وكان متهتكاً ماجناً خليعاً، وطرب الوليد لليلتين خلتا من ملكه وأرق فأنشأ يقول :طَالَ لَيْلِي وَبِتُ أُسْقَى السَّلافَةوأتاني نَعِيُّ مَنْ بِالرُّصَافَهُوأتاني ببردة وقضيبوأتاني بخاتم لِلْخِلافهومن مجونه قوله عند وفاة هشام، وقد أتاه البشر بذلك، وَسَلّم عليه بالخلافة، [ فقال]:إني سمعت، خليلي،نحن الرُّصَافَة رَنَّهُأقبلت أَسْحَبُ ذَيليأقول: ما حَالُهُنَّهُإذا بنات هشاميَنْدُبْنَ وَالدِ هُنَّهْيدعون وَيْلًا وَعَوْلًاوَالوَيْلُ حَلَّ بِهِنَّهُأنا المُخَنَّثُ حَقًّا***إن لم أنيكُنَّهُنَّهُوقيل للوليد : ما بقي من لذاتك ؟ قال : محادثة الإخوان في الليالي القُمْر، على الكثبان العُفْر.### الوليد وشراعة بن زيدوبلغ الوليد عن شراعة بن زيد ورود حسن عشرة وحلاوة مجالسة، فبعث في إحضاره، فلما [أُ] دخل إليه قال : إني ما بعثت إليك لأسألك عن كتاب ولا سُنَّة، قال: ولست من أهلهما قال : إنما أسألك عن القهوة قال سل عن أي ذلك شئت يا أمير المؤمنين، قال : ما تقول في الشراب؟ قال : عن أيه تسأل؟ قال : ما تقول في الماء؟ قال : يشاركني فيه البغل والحمار، قال : فنبيذ الزبيب؟ قال : خُمار وَأَذَى، قال : فنبيذ التمر ؟ قال: ضراط، کله قال فالخمر ؟ قال : شقيقة، روحي، وأليفه نفسي، قال: فما تقول في السَّمَاع؟ قال : يبعث مع التأني على ذكر الأشجان، ويجدِّدُ اللّهو على مواقع الأحزان، ويؤنس الخليَّ الوحيد، ويَسُرُّ العاشق الفريد ويبرد غليل القلوب، ويثير من خواطر الضمائر خطرة ليست من الملاهي لغيره، يسرع ترقيها في أجزاء الجسد، فتهيج النفس، وتقوي الحس، قال: فأي المجالس أحب إليك؟ قال: ما رأيت فيه السماء من غير أن ينالني فيه أذى، قال : فما تقول في الطعام؟ قال : ليس لصاحب الطعام اختيار ما وجده أكله، فاتخذه [الوليد] نديماً.
### من قوله في الشرابومن مليح قوله في الشراب من أبيات :وصَفْرَاء في الكأس كالزعْفَرَانِسَبَاهَا لنا التَّجْرُ مِنْ عَسْقَلانِتُريك القَذَاةَ وعرض الإناء سَتْرُ لها دون مَس البَنَانِلها حَبَبٌ كلما صُفِّقَتْتراها كلمعة بَرْقٍ يمانيومن مجونه أيضاً على شرابه قوله الساقيه :اسْقِني يا يزيد بالقرقارهقد طَربْنَا وَحَنَّت الزُّمَّارَهُاسقني اسقني؛ فإن ذنوبيقد أحاطت فما لها كَفَّارَهُ### سمير الوليد يتحدث عنهوأخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي القاضي، عن محمد بن سلام الجمحي، قال : حدثني رجل من شيوخ أهل الشام عن أبيه، قال : كنت سميراً للوليد بن يزيد فرأيت ابن عائشة القرشي عنده وقد قال له : غني، فغناه :إني رأيت صبيحة النَّحْرِحُوراً نَفَيْنَ عزيمة الصَّبْرِمثل الكواكب في مطالعهاعند العشاء أَطَفْنَ بالبَدْروخرجت أبغي الأجر مُحْتَسِباًفرجعت مَوْقُوراً من الوِزْرِفقال له الوليد: أحسنت واللّه يا، أميري أعِد بحقٍّ عبدِ شمس، فأعاد فقال : أحسنت واللّه، بحق أمية أعد، فأعاد، فجعل يتخطّى من أب إلى أب ويأمره بالإعادة، حتى بلغ نَفْسَه، فقال : أعد بحياتي، فأعاد فقام إلى ابن عائشة فأكَبَّ عليه ولم يُبق عضوا من أعضائه إلا قَبَّله، وأهوى إلى أيره [يقبله] فجعل ابن عائشة يضم ذكره بين فخذيه، فقال الوليد: واللّه لا زلت حتى أُقَبْلَه، [فأبرأه] فقبل رأسه وقال : واطرباه واطرباه، ونزع ثيابه فألقاها على ابن عائشة، وبقي مجرداً إلى أن أتوه بثياب غيرها، ودعا له بألف دينار فدفعت إليه، وحمله على بغلة [له] وقال: اركبها على بساطي، وانصرف فقد تركتني على أحر من جمر الْغَضَى.### ورث الوليد الخلاعة عن يزيد أبيهقال المسعودي: وقد كان ابن عائشة غَنّى بهذا الشعر يزيد بن عبد الملك أباه فأطربه، وقيل : إنه ألحد وكفر في طربه وكان فيما قال الساقيه : اسقنا بالسماء الرابعة، فكأن الوليد بن يزيد قد ورث الطرب في هذا الشعر عن أبيه، والشعر لرجل من قريش،
والغناء لابن سريج، وقيل: لمالك، على حسب ما في كتب الأغاني من الخلاف في ذلك مما ذكره إسحاق بن إبراهيم الموصلي في كتابه في الأغاني وإبراهيم بن المهدي المعروف بابن شَكلة في كتابه في الأغاني أيضاً، وغيرهما ممن صنف في هذا المعنى والوليد يُدْعَى خليع بني مروان.### فعله بالمصحف وقد استفتح بهوقرأ ذات يوم «وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِّن وَرَآئِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَاءِ صَدِيدٍ» [إبراهيم: 15] فدعا بالمصحف فنصبه غَرَضاً للنشّاب، وأقبل يرميه وهو يقول :أتَوعِدُ كل جبار عنيدفها أنا ذاك جبار عنيدإذا ما جِئْتَ ربك يوم حَشْرِفَقُلْ يا رب رب خَرَّقَنِي الوليد### شعر له الحد فيهوذكر محمد بن يزيد المبرد [النحوي] أن الوليد ألحد في شعر له ذكر فيه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن الوحي لم يَأْتِه عن ربه، كَذَبَ أخزاه اللّه !! من ذلك الشعر :)تَلَعَّبَ بالخلافة هاشمي***بلا وَحْى بلا وَحْيٍ أتاه ولا كتابفقل للّه يمنعني طعامي،***وقل للّه يمنعني شرابي!فلم يُمْهَلْ بعد قوله [هذا] إلا أياماً حتى قتل.### نسب أمهوأم الوليد بن يزيد أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثَّقَفِيَّة، ويكنى أبا العباس.### من خواص اليشبوقد كان حمل إليه جفنة من البلور - وقيل : من الحجر المعروف باليشب - وقد ذهب جماعة من الفلاسفة إلى أن مَنْ شَرِبَ فيه الخمر لا يسكر، وقد ذكرنا خاصية ذلك في كتاب «القضايا والتجارب» وأن من وضع تحت رأسه منه قطعة أو كان فص خاتمه منه لم ير إلا رؤيا حسنة، فأمر الوليد فملئت خمراً وطلع القمر وهو يشرب وندماؤه معه، فقال : أين القمر الليلة ؟ فقال بعضهم : في البرج الفلاني، فقال له آخر منهم : بل هو في الجفنة - وقد كان القمر تبين في شعاع الجوهر وصورته في ذلك الشراب - فقال [له]
الوليد : واللّه ما تَعَدَّيت ما في نفسي، وطرب طرباً شديداً، وقال: لأصطبحَنَّ، هفت هفته، وهذا كلام فارسي تفسيره لأصطحبن سبعة أسابيع، فدخل عليه بعض حجابه فقال : يا أمير المؤمنين إن بالباب جمعاً من وفود العرب وغيرهم من قريش، والخلافة تجلُّ عن هذه المنزلة، وتبعد عن هذه الحال، فقال: اسقوه، فأبى، فوضع في فمه قِمَعٌ وجعلوا يسقونه حتى خَرَّ ما يعقل سكراً.وقد كان أبوه أراد أن يعهد إليه فلاستصغاره لسنه عهد إلى أخيه هشام، ثم إلى الوليد من بعده.### كان مغرى بالخيلوكان الوليد مُغْرَى بالخيل وحبها وجمعها وإقامة الْحَلْبة، وكان السندي فرسه جواد زمانه وكان يسابق به في أيام هشام، وكان يقصر عن فرس هشام المعروف بالزائد، وربما، ضَامه، وربما جاء مُصَلِّياً.### مراتب خيل الحلبةوهاك مراتب السوابق من الخيل إذا جَرَتْ، فأولُها السابق، ثم المُصَلّي، وذلك أن رأسه عند صَلَا السابق، ثم الثالث والرابع، وكذلك إلى التاسع، والعاشر السّكّيت، مشدد، وما جاء بعد ذلك لم يعتد به وَالفِسْكِل: الذي يجيء في الحلبة آخر الخيل.وأجرى الوليد الخيل بالرصافة، وأقام الحلبة، وهي يومئذٍ ألفُ قارح، ووقف بها ينتظر الزائد، ومعه سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص وكان له فيها جواد يقال له المصباح ؛ فلما طلعت الخيل قال الوليد :خَيْلِي وَرَبِّ الكَعبة المحرمةسبقنَ أَفْرَاسَ الرِّجَالِ اللوَّمَهُكما سبقناهم وَحُزْنَا المَكْرُمَه[كذاك كُنَّا في الدُّهُور القدمهأهل العُلا والرتب المعظَمَهُ]فأقبل فرس ابن الوليد - ويقال له : الوضاح - أمام الخيل ؛ فلما دنا صرع، فارسه وأقبل المصباح فرسُ سعيدٍ يتلوه وعليه فارسه وهو فيما يرى سعيد يعد سابقاً، فقال سعيد [ والوليد يسمع ]:نحن سبقنا اليوم خيل اللوَّمَهوَصَرَفَ اللّه إلينا المكْرُمَهكذاك كُنَّا في الدُّهُورِ القدمهأهل العُلا والرُّتَب المعظمهفضحك الوليد لما سمعه، وخشي أن تسبق فرس سعيد، فركض فرسَهُ حتى ساوى
الوضاح، فقذف بنفسه عليه، ودخل سابقاً، فكان الوليد أول من فعل ذلك وَسَنّه في الحلبة، ثم تلاه في الفعل كذلك المهدي في أيام المنصور، والهادي في أيام المهدي، ثم عرضت على الوليد الخيل في الحلبة الثانية، فمر به فرس لسعيد، فقال: لا نسابقك [يا] أبا عنبسة وأنت القائل :* نَحْنُ سَبَقْنا اليوم خيل اللومه *فقال سعيد : ليس كذا قلت يا أمير المؤمنين، وإنما قلت :*نَحْنُ سَبَقْنَا اليوم خيلا لومه *فضحك الوليد، وضمه إلى نفسه وقال : لا عدمَتْ قريش أخاً مثلك.وللوليد بن يزيد أخبار حسان في جمعه الخيول في الحلْبَة، فإنه اجتمع له في الحلبة ألف قارح، وجمع بين الفرس المعروف بالزائد والفرس المعروف بالسندي، وكانا قد برزا في الجري على خيول، زمانهما وقد ذكر ذلك جماعة من الأخباريين وأصحاب التواريخ، مثل ابن عفير والأصمعي وأبي عبيدة وجعفر بن سليمان، وقد أتينا على الغُرَر من أخباره في أخبار الخيل، وأخبار الحلْبَات، وخير الفرس المعروف بالزائد والسندي وأشقر مروان، وغير ذلك من أخبار من سلف من الأمويين، ومن تأخر، في كتابنا المترجم بالأوسط، وإنما الغرض من هذا الكتاب إيراد جوامع تاريخهم، ولمع من أخبارهم وسيرهم، وكذلك أتينا على ذكر ما يستحب من معرفة خلق الخيل وصفاتها من سائر أعضائها وعيوبها، وخلقها والشاب منها والهرم ووصف ألوانها ودوائرها، وما يستحسن من ذلك، ومقادير أعمارها ومنتهى بقائها وتنازع الناس في أعداد هذه الدوائر والمحمودة منها والمذمومة، وَمَنْ رأى أنها ثماني عَشَرَة أو أقل من ذلك أو أكثر على حسب ما أدرك من طرق العادات بها والتجارب، ووصف السوابق من الخيل وغير ذلك مما تكلم الناس به في شأنها وأعرافها، فيما سلف من كتبنا.### وفاة أبي جعفر محمد بن علي بن الحسينوفي أيام الوليد بن يزيد كانت وفاة أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب [رضي اللّه عنهم]، وقد تنوزع في ذلك : فمن الناس من رأى أن وفاته كانت في أيام هشام، وذلك سنة سبع عشرة ومائة ومن الناس من رأى أنه مات في أيام يزيد بن عبد الملك، وهو ابن سبع وخمسين سنة بالمدينة، ودفن بالبقيع مع أبيه علي بن الحسين، وغيره مِنْ سَلفه (عَلَيهِم السَّلَامُ، مما سنورد ذكرهم فيما يرد من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى واللّه ولي التوفيق.)
## ذكر أيام يزيد وإبراهيم ابني الوليد ابن عبد الملك بن مروان### موجزولي يزيد بن الوليد بدمشق ليلة الجمعة لسبع بَقِين من جمادى الآخرة، فبايعه الناس بعد قتل الوليد بن يزيد، وتوفي يزيد بن الوليد بدمشق يوم الأحد هلال ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، فكانت ولايته من مقتل الوليد بن يزيد إلى أن مات خمسة أشهر وليلتين، وقد كان إبراهيم بن الوليد أخوه قام بالأمر من بعده، فبايعه الناس بدمشق أربعة أشهر، وقيل: شهرين ثم خُلِعَ، وكانت أيامه عجيبة الشأن من كثرة الهرج، والاختلاط، واختلاف الكلمة، وسقوط الهيبة، وفيه يقول بعض أهل ذلك العصر :نبايع إبراهيم في كل جمعة***ألا إن أمراً أنت واليه ضائعُودُفن يزيد بن الوليد بدمشق بين باب الجابية وباب الصغير، وهو ابن سبع ثلاثين سنة، ويقال : [ابن] ست وأربعين سنة [على الخلاف في ذلك ].
## ذكر لمع مما كان في أيامهما### وصف يزيد الناقصكان يزيد بن الوليد أَحْوَلَ، وكان يلقب بيزيد الناقص، ولم يكن ناقصاً في جسمه ولا عَقْله، وإنما نَقَصَ بعض الجندِ من أرزاقهم، فقالوا يزيد الناقص، وكان يذهب إلى قول المعتزلة وما يذهبون إليه في الأصول الخمسة من التوحيد، والعدل، والوعيد، والأسماء والأحكام - وهو القول بالمنزلة بين المنزلتين - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.### قول المعتزلة في التوحيدوتفسير قولهم فيما ذهبوا إليه من الباب الأول - وهو باب التوحيد - وهو ما اجتمعت عليه المعتزلة من البصريين والبغداديين، وغيرهم، وإن كانوا في غير ذلك من فروعهم متباينين، من أن اللّه عز وجل لا كالأشياء وأنه ليس بجسم ولا عَرَضِ ولا عنصر ولا جزء ولا جوهر، بل هو الخالق للجسم والعرض والعنصر والجزء والجوهر، وأن شيئاً من الحواس لا يدركه في الدنيا، ولا في الآخرة، وأنه لا يحصره المكان، ولا تحويه الأقطار، بل هو الذي لم يزل ولا [له] زمان ولا مكان ولا نهاية ولا حَدّ، وأنه الخالق للأشياء المُبْدِع لها لا من شيء، وأنه القديم، وأن ما سواه محدث.### قولهم في العدلوأما القول بالعدل - وهو الأصل الثاني - فهو أن اللّه لا يحبُّ الفساد، ولا يخلق أفعال العباد، بل يفعلون ما أمروا به وَنُهُوا عنه بالقدرة التي جعلها اللّه لهم وركبها فيهم، وأنه لم يأمر إلا بما أراد، ولم ينه إلا عما كره، وأنه وليّ كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها، لم يكلفهم ما لا يطيقونه، ولا أراد منهم ما لا يقدرون عليه، وأن أحداً لا يقدر على قَبْض ولا بَسْط إلا بقدرة اللّه التي أعطاهم إياها وهو المالك لها دونهم يُفنيها إذا شاء، وَيُبْقِيها إذا شَاءَ، ولو شاء لجبر الخلق على طاعته، ومنعهم اضطرارياً عن
معصيته، ولكان على ذلك قادراً، غير أنه لا يفعل؛ إذ كان في ذلك رفع للمحنة وإزالة البلوى.### قولهم في الوعيدأما القول بالوعيد - وهو الأصل الثالث - فهو أن اللّه لا يغفر لمرتكب الكبائر إلا بالتوبة وإنه لصادق في وعده ووعيده، لا مُبَدِّلَ لكلماته.### قولهم في المنزلة بين المنزلتينوأما القول بالمنزلة بين المنزلتين - وهو الأصل الرابع - فهو أن الفاسق المرتكب للكبائر ليس بمؤمن ولا كافر، بل يسمى فاسقاً على حسب ما ورد التوقيف بتسميته، وأجمع أهل الصلاة على فسوقه.قال المسعودي: وبهذا الباب سميت المعتزلة، وهو الاعتزال، وهو الموصوف بالأسماء والأحكام، مع ما تقدم من الوعيد في الفاسق من الخلود في النار.### قولهم في الأمر بالمعروفوأما القول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – وهو الأصل الخامس- فهو أن ما ذكر على سائر المؤمنين واجب، على حسب استطاعتهم في ذلك، بالسيف فما دونه وإن كان كالجهاد، ولا فرق بين مجاهدة الكافر والفاسق.فهذا ما اجتمعت عليه المعتزلة، ومن اعتقد ما ذكرنا من هذه الأصول الخمسة كان معتزليّا، فإن اعتقد الأكثر أو الأقل لم يستحق اسم الاعتزال، فلا يستحقه إلا باعتقاد هذه الأصول الخمسة، وقد تنوزع فيما عدا ذلك من فروعهم.### الاختلاف في الإمامةوقد أتينا على سائر قولهم في أصولهم وفروعهم وأقاويلهم وأقاويل غيرهم من فرق الأمة من الخوارج والمرجئة والرافضة والزيدية والحشوية وغيرهم في كتابنا «المقالات في أصول الديانات» وأفردنا بذلك كتابنا المترجم بكتاب «الإبانة» اجتبيناه لأنفسنا، وذكرنا فيه الفرق بين المعتزلة وأهل الإمامة، وما بان به كل فريق منهم عن الآخر؛ إذ كانت المعتزلة وغيرها من الطوائف تذهب إلى أن الإمامة اختيار من الأمة،
وذلك أن اللّه عز وجل لم ينص على رجل بعينه [ ولا رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا اجتمع المسلمون عندهم على رجل بعينه]، وأن اختيار ذلك مفوَّضُ إلى الأمة تختار رجلا منها ينفِّذُ فيها أحكامه، سواء كان قرشياً أو غيره من أهل ملة الإسلام وأهل العدالة والإيمان، ولم يراعوا في ذلك النَّسَبَ ولا غيره وواجب على أهل كل عصر أن يفعلوا ذلك.)والذي ذهب إلى أن الإمامة قد تجوز في قريش وغيرهم من الناس هو المعتزلة بأسرها، وجماعة من الزيدية مثل الحسن بن صالح بن يحيى، ومن قال بقوله، على حسب ما قدمنا من ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار هشام.ويوافق على هذا القول جميع الخوارج من الأباضية وغيرهم، إلا النجدات من فرق الخوارج، فزعموا أن الإمامة غير واجب، نصبها ووافقهم على هذا القول أناس من المعتزلة ممن تقدم وتأخّر، إلا أنهم قالوا: إن عدلت الأمة ولم يكن فيها فاسق لم يُحْتَج إلى إمام.وذهب من قال بهذا القول إلى دلائل ذكروها ؛ منها قول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لو أن سالماً حَيٌّ دخلتني فيه الظنون، وذلك حين فَوَّض الأمر إلى أهل السُّورَى، قالوا: وسالم مولى امرأة من الأنصار، فلو لم يعلم عمر أن الإمامة جائزة في سائر المؤمنين لم يطلق هذا القول، ولم يتأسف على موت سالم مولى أبي حذيفة.قالوا : وقد صح بذلك عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبار كثيرة، منها قوله «اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجْدَع» وقد قال اللّه عز وجل: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّه أَتْقَاكُمْ» [الحجرات : 13].)وذهب أبو حنيفة، وأكثر المرجئة، وأكثر الزيدية من الجارودية وغيرها، وسائر فرق الشيعة والرافضة والراوندية، إلى أن الإمامة لا تجوز إلا في قريش [فقط]؛ لقول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الإمامة في قريش» وقوله (عَلَيهِم السَّلَامُ): «قدِّموا قريشاً ولا تَقَدَّموها» ولما احتج المهاجرون به على الأنصار يوم ثقيفة بني ساعدة من أن الإمامة في قريش لأنهم إذا ولوا عدلوا ولرجوع كثير من الأنصار إلى ذلك.)ولما انفرد به أهل الإمامة من أن الإمامة لا تكون إلا نصاً من اللّه ورسوله على عَيْن الإمام واسمه واشتهاره كذلك وفي سائر الأعصار لا تخلو الناس من حجة اللّه فيهم ظاهراً [أ] و باطناً، على حسب استعماله التقية والخوف على نفسه، واستدلوا بالنص على الإمامة وبدلائل كثيرة من العقول وجوامع من النصوص في وجوبها، وفي النص عليهم، وفي عصمتهم من ذلك قوله عز وجل مخبراً عن إبراهيم : «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامَا» [البقرة : 124] ومسألة إبراهيم بقوله : «وَمِن ذُرِّيَّيّ» [البقرة : 124] وإجابة اللّه له بأنه «ولَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ» [البقرة : 124].
قالوا: ففيما تلونا دلائل على أن الإمامة نص من اللّه، ولو كان نصها إلى الناس ما كان لمسألة إبراهيم ربه وجه، ولما كان اللّه قد أعلمه أنه اختاره، وقوله «لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ» [البقرة : 124] دلالة على أن عهده يناله من ليس بظالم.ووصف هؤلاء الإمام فقالوا: نعت الإمام في نفسه : أن يكون معصوماً من الذنوب، لأنه إن لم يكن معصوماً لم يؤمن أن يدخل فيما يدخل فيه غيره من الذنوب؛ فيحتاج أن يقام عليه الحد، كما يقيمه هو على غيره، فيحتاج الإمام إلى إمام، إلى غير نهاية، ولم يؤمن عليه أيضاً أن يكون في الباطن فاسقاً فاجراً كافراً؛ وأن يكون أعلم الخليقة ؛ لأنه إن لم يكن عالماً لم يؤمن عليه أن يقلب شرائع اللّه وأحكامه، فيقطع من يجب عليه الحد، ويحد من يجب عليه القطع، ويضع الأحكام في غير المواضع التي وضعها اللّه، وأن يكون أشْجَعَ الخلق ؛ لأنهم يرجعون إليه في الحرب، فإن جبن وهرب يكون [قد] باء بغضب من اللّه، وأن يكون أسْحَى الخلق ؛ لأنه خازن المسلمين وأمينهم، فإن لم يكن سخياً تاقت نفسه إلى أموالهم، وشَرِهَتْ إلى ما في أيديهم، وفي ذلك الوعيد الشديد بالنار، وذكروا خصالاً كثيرة ينال بها أعلى درجات الفضل لا يشاركه فيها أحد، وأن ذلك كله وجد في علي بن أبي طالب وولده رضي اللّه عنهم : من السبق إلى الإيمان والهجرة، والقرابة والحكم بالعدل والجهاد في سبيل اللّه، والورع، والزهد، وأن اللّه قد أخبر عن بواطنهم وموافقتها لظواهرهم بقوله عز وجل، ووصفه لهم فيما صنعوه من الإطعام للمسكين واليتيم والأسير، وأن ذلك لوجهه تعالى خالصاً، [لا أنهم أبْدَوْهُ بألسنتهم فقط] وأخبر عن أمرهم في المنقلب، وحسن المَوْثِلِ في المحشر، ثم إخباره عز وجل عما أذهب عنهم من الرجس وفعل بهم من التطهير وغير ذلك مما أوردوه دلائل لما قالوه، وأن علياً نص على ابنه الحسن، ثم الحسين، والحسين على علي بن الحسين، وكذلك مَنْ بعده إلى صاحب الوقت الثاني عشر على حسب ما ذكرنا وسمينا في غير هذا الموضع من هذا الكتاب.ولأهل الإمامة من فرق الشيعة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - كلام كثير في الغيبة واستعمال التقية، وما يذكرونه من أبواب الأئمة والأوصياء لا يسعنا إيراده في هذا الكتاب، إذ كان كتاب خبر، وإنما تغلغل بنا الكلام إلى إيراد لمع من هذه المذاهب والآراء.وكذلك ما عليه غير أهل الإمامة من أصحاب الدور والسيرورة، وما يراعونه من الظهور، وقد أتينا على جميع ذلك فيما سلف من كتبنا، وما وصفنا فيها من الأقاويل في الظاهر والباطن والسائر والدائر والوافر وغير ذلك من أمورهم وأسرارهم.
قال المسعودي: وكان خروج يزيد بن الوليد بدمشق مع شائعة من المعتزلة وغيرهم من أهل دَارَيًا والمِزَّة من غُوط دمشق على الوليد بن يزيد، لما ظهر من فسقه، وشمل الناس من جوره فكان [من] خبر مقتل الوليد ما قد ذكرناه فيما سلف من كتبنا مفصلا، وذكرناه في هذا الكتاب مجملا.### أم يزيد أم ولدوكان يزيد بن الوليد أول من ولي هذا الأمر وأمه أم ولد وكانت أم سارية بنت فيروز [بن كسرى] وهو الذي يقول في ذلك :أنا ابْنُ كِسْرى، وأبي مَرْوانوَقَيْصَرٌ جَدِّي، وجَدِّي خاقانوكان يكنى بأبي خالد وأم أخيه إبراهيم أم ولد تدعى بدبرة، والمعتزلة تفضل في الديانة يزيد بن الوليد على عمر بن عبد العزيز لما ذكرناه من الديانة.### ظهور مروان بن محمد (الحمار)وفي سنة سبع وعشرين ومائة أقبل مَرْوَان بن محمد بن مروان من الجزيرة فدخل دمشق، وخرج إبراهيم بن الوليد هارباً من دمشق، ثم ظفر به مروان فقتله وصلبه، وقتل مَنْ مالأه ووالاه، وقتل عبد العزيز بن الحجاج، ويزيد بن خالد القَسْري، وبدأ أمر بني أمية يؤول إلى ضعف.وذكر اليحصبي عن الخليل بن إبراهيم السبيعي، قال: سمعت ابن الجمحي يقول : قال لي العلاء ابن بنت ذي الكلاع : إنه كان مؤانساً لسليمان بن عبد الملك لا يكاد يفارقه، وكان أمر المُسَوَّدة بخراسان والمشرق قد بان، ودنا من الجبل، وقرب من العراق، واشتد إرْجَافُ الناس، ونطق العدو بما أحَبَّ في بني أمية وأوليائهم، قال العلاء: فإنِّي لَمَعَ سليمان وهو يشرب حذاء رصافة أبيه، وذلك في آخر أيام يزيد الناقص، وعنده حَكَم الوادي، وهو يُغنِّيه بشعر العزجِيَّ :الْعَرْجِيَّ إن الحبيب تَرَوَّحَتْ أَحمَالُهأَصلا، فدمعك دائم إسْبَالُهُأقْنَ الْحَيَاءَ فقد بكيْتَ بِعَوْلَةٍلو كان ينفع باكياً إعْوَالُهُيا حبَّذا تلك الحمول، وحبَّذاشَخص هُناك، وحبَّذا أمْثَالُهُفأجاد بما شاء، فشرب سليمان بالرطل، وشربنا معه، حتى توسدنا أيدينا، فلم أنتبه إلا بتحريك سليمان إياي، فقمت إليه مسرعاً فقلت [له] : ما شأن الأمير؟ فقال
لي: على رِسْلِك رأيت كأني في مسجد دمشق، وكأن رجلا في يده خنجر وعليه تاج أرى بصيص ما فيه من جوهر، وهو رافع صوته بهذه الأبيات:أبني أُميَّة قَدْ دَنَا تشتيتكموذَهَابُ مُلْكِكُمُ وأن لا يرجعوينالُ صفوتَهُ عدوّ ظالمللمحسنين إليه ثمة يفجعبعد الممات بكل ذكر صالح***يا وَيْلَهُ من قُبح ما قد يَصنَعُفقلت : بل لا يكون ذلك وعجبت من حفظه، ولم يكن من أصحاب ذلك، فَوَجَم ساعة ثم قال : يا حميري، بَعِيدُ ما يأتي به الزمان قريب، قال: فما اجتمعنا على شراب بعد ذلك.ودخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكان من أمر المُسَوِّدة ومروان بن محمد الْجَعْدي ما كان.### سبب زوال ملك الأمويينوذكر المنقري قال : سئل بعض شيوخ بني أمية ومُحَصِّليها عقيب زوال الملك عنهم إلى بني العباس : ما كان سبب زوال ملككم ؟ قال : إنا شُغِلْنَا بِلَذَّاتِنَا عن تفقدِ ما كان تفقُّده يلزمنا ظَلَمْنَا رعيَّتَنَا ؛ فينسوا من إنصافنا وتمنوا الراحة مِنًا، وتحومل على أهل خراجنا؛ فَتَخَلَّوْا عنا وخربت، ضياعنا فخلَتْ بيوتُ أموالنا ووثقنا بوزرائنا، فآثَرُوا مرافقهم على منافعنا، وأمْضَوا أُمُوراً دوننا أخْفَوْا علمها طاعتهم عنا، وتأخّر عطاء جندنا، فزالت لنا، واستدعاهم أعادينا، فتظافروا معهم على حربنا، وَطَلَبنَا أعداؤنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا، وكان استتار الأخبار عنا من أوْكَدِ أسباب زوال ملكنا
## ذكر السبب في العصبية بين النزارية واليمانية### الكميت يعرض شعره على الفرزدقذكر أبو الحسن علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال : حدثني أبي قال : لما قال الكميت بن زيد الأسدي - من أسد مضر بن نزار - الهاشمياتِ قَدِمَ البصرة ؛ فأتى الفرزدق فقال : يا أبا فراس، أنا ابن أخيك، قال : ومَنْ أنت؟ فانتسب له. فقال : صدقت فما حاجتك ؟ قال : نُفِثَ على لساني، وأنت شيخ مضر وشاعرها، وأحببت أن أعرض عليك ما قلت فإن كان حسناً أمرتني بإذاعته، وإن كان غير ذلك أمرتني بسَتْرِهِ وسَتَرْتَه علَيَّ، فقال : يا ابن أخي، أحسب شعرك على قدر عقلك، فهات ما قلت راشداً، فأنشده :طَرِبْتُ وَمَا شوقاً إلى البيصِ أطْرَبُولا لَعباً مِنِّي، وَذُو الشيب يَلْعَبُقال : بلى فَالْعَبْ، فقال:وَلَمْ يُلْهِنِي دَارٌ، ولا رَسْمُ مَنْزِلٍولم يَتَطَرَّبْنِي بَنَانٌ مُخَضَّبُقال : فما يُطربك إذا؟ قال :وما أنا مِمَّنْ يَزْجُرُ الطير هَمُّهُأصاح غُرَابٌ أو تَعَرَّض ثعلَبُقال : فما أنت وَيُحك؟ وإلى مَنْ تَسْمُو ؟ فقال :وما السانحات الْبَارِحَاتُ عَشِيَّةٌأَمَرَّ سليمُ القَرْنِ أم مَرَّ أَعْضَبُقال : أما هذا فقد أحسنت فيه، فقال:ولكن إلى أهل الفضائل والنُّهىوَخَيْرِ بني حَوَّاء، والْخَيْرُ يُطْلَبُقال : ومَنْ هم ويحك؟ قال :إلى النَّفَرِ البيض الَّذِينَ بحبهمإلى اللّه فيما نابني أتَقَرَّبُ
قال : أرِحْنِي وَيُحك!! مَنْ هؤلاء؟ قال:بني هاشم رَهْطِ النبي؛ فإننيبِهِمْ وَلَهُمْ أرْضَى مِرَاراً وأَغْضَبُقال : للّه دَرُّك يا بُنَيَّ، أصبت فأحسنت، إذ عدلت عن الزعانف والأوباش، إذاً لا يُصَرَّد سهمك، ولا يُكَذِّبُ قولك، ثم مَرَّ فيها، فقال له : أظهر ثم أظهر وكد الأعداء، فأنت واللّه أشعر مَنْ مضى وأشعر مَنْ بَقِيَ.### الكميت يعرض شعره على أبي جعفر محمد بن عليفحينئذٍ قدم المدينة ؛ فأتى أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي رضي اللّه عنهم،فأذن له ليلا وأنشده، فلما بلغ من الميمية قوله :وَقَتِيل بالطَّفُ غُودِرَ منهمبين غوغاء أُمَّة وَطَغَامبكى أبو جعفر ثم قال : يا كميت لو كان عندنا مال لأعطيناك، ولكن لك ما قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحسان بن ثابت : لا زلت مؤيداً بروح القدس ما ذَبَبْتَ عنا أهْلَ البيت، فخرج من عنده.)### ثم يعرضه على عبد اللّه بن الحسنفأتى عبد اللّه بن الحسن بن علي، فأنشده، فقال: يا أبا المستهل، إن لي ضيعة [قد] أعطيت فيها أربعة آلاف دينار وهذا كتابها وقد أشْهَدْتُ لك بذلك شهوداً، وناوله إياه، فقال : بأبي أنت وأمي، إني كنت أقول الشعر في غيركم أريد بذلك الدنيا والمال، لا واللّه ما قلت فيكم [ شيئاً ] إلا للّه، وما كنت لأخذ على شيء جعلته اللّه مالا ولا ثمناً ؛ فألح عبد اللّه عليه وأبى من إعفائه ؛ فأخذ الكميت الكتاب ومضى؛ فمكث أياماً، ثم جاء إلى عبد اللّه فقال : بأبي أنت وأمي يا ابن رسول اللّه إن لي حاجة، قال : وما هي؟ وكل حاجة لك مَقْضِيَّة، قال : كائنة ما كانت؟ قال : نعم قال هذا الكتاب تقبله وترتجع الضيعة، ووضع الكتاب بين يديه ؛ فقبَّله عبد اللّه.### عبد اللّه بن جعفر الكميتونهض عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ؛ فأخذ ثوباً يثيب جلداً فدفعه إلى أربعة من غلمانه، ثم جعل يدخل دور بني هاشم، ويقول : يا بني هاشم هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صَمَتَ الناسُ عن فضلكم، وعَرَّض دَمَه لبني أمية،
فأثيبوه بما قدرتم، فيطرح الرجل في الثوب ما قدر عليه من دنانير ودراهم، وأعلم النساء بذلك، فكانت المرأة تبعث ما أمكنها، حتى إنها لتخلع الحلي عن جسدها، فاجتمع من الدنانير والدراهم ما قيمته مائة ألف درهم، فجاء بها إلى الكميت فقال : يا أبا المستهل أتيناك بجهد المُقِلّ، ونحن في دولة عدونا، وقد جمعنا [لك] هذا المال وفيه حلي النساء كما ترى فاستعن به على دهرك، فقال : بأبي أنت وأمي، قد أكثرتم، وأطيبتم، وما أردت بمدحي إياكم إلا اللّه ورسوله، ولم أك لآخذ لذلك ثمناً من الدنيا، فاردده إلى أهله، فجهد به عبد اللّه أن يقبله بكل حيلة فأبى فقال : إن أبيت أن تقبل فإني رأيت أن تقول شيئاً تغضب ما بين الناس، لعل فتنةً تحدث فيخرج من بين أصابعها بعض ما تحب.### أول اثارة العصبيةفابتدأ الكميت وقال قصيدته التي يذكر فيها مناقب قومه من مضر بن نزار بن مَعَدّ وربيعة بن نزار وإيادٍ وأنمار ابني نزار، ويكثر فيها من تفضيلهم، ويُطيب في وصفهم، وأنهم أفضل من قَحْطَان ؛ فغضب بها بين اليمانية والنزارية [فيما ذكرناه ] وهي قصيدته التي أولها :ألا حُيِّيتِ عَنَّا يا مَدِيناوَهَلْ نَاسٌ نقول مُسَلّميناإلى أن انتهى إلى قوله تصريحاً وتعريضاً باليمن فيما كان من أمر الحبشة وغيرهم فيها، وهو قوله :لَنَا قَمَرُ السَّمَاءِ وكل نجم تُشِيرُ إليه أَيْدِي المُهْتَدِيناوَجَدْتُ اللّه إذ سَمَّى نزاراًوأسْكَنَهُمْ بمكة قاطنينالنا جَعَلَ المَكَارِمَ خالصاتٍوللناس الْقَفا ولنا الجبيناوما ضربت هجائن من نزارفوالج من فُحُولِ الأعجميناوما حملوا الحمير على عِتَاقٍمُطَهَّرَة فيلفوا مُبْلِغيناوما وجدت نساء بني نزارحلائل أسْوَدِينَ وَأَحْمَرِينَا### دعبل الخزاعي يرد على الكميتوقد نقض دِعْبل بن علي الْخُزَاعِي هذه القصيدة على الكميت وغيرها، وذكر مناقب اليمن وفضائلها من ملوكها وغيرها، وصَرَّح وعَرَّض بغيرهم، كما فعل الكميت وذلك في قصيدته التي أولها :أفيقي من مَلَامِكِ يَا معينظاكَفَاكِ اللَّوْمَ مَرُّ الأربَعِينَا
ألم تَحْزُنُكِ أحْدَاتُ الليالييُشَيُبْنَ الذوائب وَالْقُرُونَاأحَيِي الْغُرَّ من سَرَوَات قوميلقد حُيِّيت عَنَّا يا مَدينافإن يَكُ آل إسرائيل منكموكُنتُم بالأعاجم فَاخِرِينَافلا تَنْسَ الخنازير اللَّوَاتِيمُسِخْنَ مع القُرُودِ الْخَاسِئِينَابأيلة والخليج لهم رُسُومٌوآثار قَدُمْنَ وما مُحِينَاوَمَا طلب الكميت طِلابُ وتُرٍولكنَّا لنصرتنا هُجِينَالقد علمت نِزَارٌ أن قومي***إلى نَصْرِ النبوة فَاخِرِينَا### كانت العصبية من دواعي زوال ملك بني أميةوهي طويلة. ونمي قول الكميت في النزارية واليمانية وافتخرت نزار على اليمن، وافتخرت اليمن على نزار وأذلى كل فريق بما له من المناقب، وتحزبت الناس، وثارت العصبية في البدو والحضر ؛ فنتج بذلك أمر مَرْوَان بن محمد الجعدي، وتعصبه لقومه من نزار على اليمن وانحراف اليمن عنه إلى الدعوة العباسية، وتغلغل الأمر إلى انتقال الدولة عن بني أمية ثم إلى بني ها، ثم ما تلا ذلك من قصة معن بن زائدة باليمن، وَقَتْلِهِ أهلها تعصباً لقومه من ربيعة وغيرها من نزار، وقطعه الحلف الذي كان بين اليمن وربيعة في القدم، وفعل عقبة بن سالم بعُمان والبحرين وقتله عبد القيس وغيرهم من ربيعة [ وسائر نزار ممن بأرض البحرين وعُمان] كياداً لمعن، وتعصباً من عقبة بن سالم لقومه من قحطان، وغير ذلك مما تقدم وتأخر مما كان بين نزار وقحطان.
## ذكر أيام مروان بن محمد بن مروان ابن الحكم، وهو الجعدي### موجز[و] بويع مروان بن محمد بن مروان بدمشق يوم الاثنين لأرْبَعَ عَشَرَةَ ليلةٌ خَلَتْ من صفر سنة سبع و وعشرين ومائة، وقيل : إنما دعا إلى نفسه بمدينة حَرَّان من ديار، مُضَر، وبويع لها بها، وأمه أم ولد يقال لها رَيَّا وقيل، طرونة كانت لمصعب بن الزبير، فصارت بعد مقتله لمحمد بن مروان أبيه، وكان مروان يكنى أبا عبد الملك واجتمع أهل الشام على بيعته إلا سليمان بن هشام بن عبد الملك وغيره من بني أمية؛ فكانت أيامه منذ بويع بمدينة دمشق من أرض الشام إلى مقتله خمس سنين وعشرة أيام، وقيل: خمس سنين وثلاثة أشهر، وكان مقتله في أول سنة اثنتين وثلاثين ومائة ومنهم مَنْ رأى أن ذلك كان في المحرم، ومنهم مَنْ رأى أن ذلك كان في صفر، وقيل غير ذلك مما تنازع فيه أهل التواريخ والسير على حسب تنازعهم في مقدار ملكه : فمنهم من ذهب إلى أن مُدَّتَه خمس سنين وثلاثة أشهر، ومنهم من قال : خمساً وشهرين وعشرة أيام، ومنهم من قال : خمساً وعشرة أيام وكان مقتله ببوصير قرية من قرى الفيوم بصعيد مصر، وقد تنوزع في مقدار سنة كتنازعهم في مقدار ملكه ؛ فمنهم من زعم أنه قتل وهو ابن سبعين سنة، ومنهم من قال ابن تسع وستين [ ومنهم من قال اثنتين وستين]، ومنهم من قال : ثمان وخمسين وإنما نذكر هذا الخلاف من قولهم لئلا يظن ظَان أننا [قد] أغْفَلْنَا ما ذكروه أو تركنا شيئاً مما وصفوه مما إليه قصدنا في كتابنا هذا، وإن كنا قد أتينا على مبسوط ما قيل في ذلك في] كتابينا أخبار الزمان والأوسط. وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب جُمَلاً من كيفية مقتله وأخباره وجوامع من سيره وحروبه، وما كان من أمر الدولتين في ذلك من الماضية - وهي الأموية - والمستقبلة في ذلك الزمان - وهي العباسية - مع إفرادنا باباً نذكر فيه جَوامِعَ تاريخ ملك الأمويين، وهو الباب المترجم بذكر [مقدار] المدة من الزمان، وما ملكت [فيه] بنو أمية من الأعوام، ثم نُعَقِّبُ ذلك
بلمع من أخبار الدولة العباسية وأخبار أبي مُسلم وخلافة أبي العباس السَّفّاح ومَنْ تلا عَصْره من خلفاء بني العباس، إلى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة من خلافة أبي إسحاق المتقي اللّه إبراهيم بن المقتدر باللّه، إن شاء اللّه تعالى، واللّه ولي التوفيق.
## ذكر مقدار المدة من الزمان وما ملكت فيه بنو أمية من الأعوام### المدة إجمالاًكان جميع مُلك بني أمية إلى أن بويع أبو العباس السَّفّاح ألف شهر كاملة لا تزيد ولا تنقص ؛ لأنهم ملكوا تسعين سنة، وأحد عشر شهراً، وثلاثة عشر يوماً.### تفصيل المدةقال المسعودي : والناس متباينون في تواريخ أيامهم، والمعوَّلُ على ما نورده، وهو الصحيح عند أهل البحث وَمَنْ عُني بأخبار هذا العالم، وهو أن معاوية بن أبي سفيان مَلَكَ عشرين سنة، ويزيد بن معاوية ثلاث سنين وثمانية أشهر وأربعة عشر يوماً، ومعاوية بن يزيد شهراً وأحد عشر يوماً ومروان بن الحكم ثمانية أشهر وخمسة أيام، وعبد الملك بن مروان إحدى وعشرين سنة وشهراً وعشرين يوماً، والوليد بن عبد الملك تسع سنين وثمانية أشهر ويومين وسليمان بن عبد الملك سنتين وستة أشهر وخمسة عشر يوماً، وعمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام، ويزيد بن عبد الملك أربع سنين وثلاثة عشر يوماً وهشام بن عبد الملك تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام والوليد بن يزيد بن عبد الملك سنة وثلاثة أشهر، ويزيد بن الوليد بن عبد الملك شهرين وعشرة أيام وأسقطنا أيام إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك كإسقاطنا أيام إبراهيم بن المهدي أن يُعَدَّ في الخلفاء العباسيين، ومروان بن محمد بن مروان خمس سنين وشهرين وعشرة أيام إلى أن بويع السفّاحُ فتكون الجملة تسعين سنة وأحد عشر شهراً وثلاثة عشر يوماً، يضاف إلى ذلك الثمانية أشهر التي كان مروان يقاتل فيها بني العباس إلى أن قتل، فيصير ملكهم إحدى وتسعين سنة وسبعة أشهر وثلاثة عشر يوماً.يُوضع من ذلك أيام الحسن بن علي - وهي خمسة أشهر وعشرة أيام - وتوضع
أيام عبد اللّه بن الزبير إلى الوقت الذي قتل فيه - وهي سبع سنين وعشرة أشهر وثلاثة أيام - فيصير الباقي بعد ذلك ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر، يكون ذلك ألف شهر سواء.وقد ذكر قوم أن تأويل قوله عز وجل : «لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ» [القدر: 1-2] ما ذكرناه من أيامهم.وقد روي عن ابن عباس أنه قال : واللّه ليملكنَّ بنو العباس ضعف ما ملكته بنو أمية: باليوم يومين، وبالشهر شهرين، وبالسنة سنتين، وبالخليفة خليفتين### مدة ملك بني العباسقال المسعودي : فملك بنو العباس في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وانقضى مُلك بني أمية ؛ فَلِبَنِي العباس من وقت ملكهم إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - مائتا سنة، وذلك أن أبا العباس السفاح بويع له بالخلافة في ربيع الآخر من سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وانتهينا من تصنيفنا من هذا الكتاب إلى هذا الموضع في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة في خلافة أبي إسحاق المتقي اللّه واللّه أعلم بما يكون من أمرهم فيما يأتي به الزمان المستقبل بعد هذا الوقت من الأيام.وقد أتينا بحمد اللّه فيما سلف من كتابينا «أخبار الزمان» والأوسط على الغُرَرِ من أخبارهم والنوادر من أسمائهم، والطرائف مما كان في أيامهم وعهودهم، ووصاياهم، ومكاتباتهم، وأخبار الحوادث والخوارج في أيامهم من الأزارقة والأباضية وغيرهم، ومن ظهر من الطالبيين طالباً بحق أو أمراً بمعروف أو ناهياً عن منكر، فقتل في أيامهم وكذلك مَنْ تلاهم من بني العباس إلى خلافة المتقي اللّه من سنتنا هذه - وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - وما ذكرنا في هذا الباب من جوامع التاريخ قد يخالف ما تقدم بسطه باليوم أو العشرة أو الشهر عند ذكرنا لدولة كل واحد منهم وأيامه، وهذا هو المُعَوّل عليه من تاريخهم، وَسِتِيهِمْ، والمفصل من مدتهم واللّه أعلم، ومنه التوفيق.
## ذكر الدولة العباسية ولمع من أخبار مروان، ومقتله وجوامع من حروبه، وسيره### قول الراوندية في الخلافةقد قَدَّمْنَا في الكتاب الأوسط ما ذكرته الراوندية - وهم شيعة ولد العباس بن عبد المطلب، من أهل خراسان وغيرهم - [من] أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ، وأن أحق الناس بالإمامة بعده العباس بن عبد المطلب ؛ لأنه عَمُّه ووارثه وعَصَبَتِه، لقول اللّه عز وجل: «وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ أولَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّه» [الأنفال : 75] وأن الناس اغتصبوه حقه،وظلموه أمره، إلى أن رَدَّهُ اللّه إليهم، وتبرؤوا من أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما، وأجازوا بيعة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه بإجازته لها، وذلك لقوله : يا ابن أخي، هَلُمَّ إلى [أن] أبايعك فلا يختلف عليك اثنان ولقول داود بن عليّ على منبر الكوفة يوم بويع لأبي العباس : يا أهل الكوفة، لم يقم فيكم إمام بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إلا عليّ بن أبي طالب، وهذا القائم فيكم - يعني أبا العباس السفاح -.)### من حوار فاطمة الزهراء وأبي بكر الصديقوقد صنف هؤلاء كتباً في هذا المعنى الذي ادَّعَوْهُ هي متداولة في أي أهلها ومُنتَحليها، منها كتاب صَنّفه عمرو بن بحر الجاحظ، وهو المترجم بكتاب «إمامة ولد العباس» يحتج فيه لهذا المذهب، ويذكر فعل أبي بكر في فَدَكَ وغيرها وقصته مع فاطمة رضي اللّه عنها، ومطالبتها بإرثها من أبيها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستشهادها ببعلها وابنيها وأم أيْمَنَ، وما جرى بينها بين أبي بكر من المخاطبة وما كثر بينهم من المنازعة وما قالت وما قيل لها عن أبيها (عَلَيهِم السَّلَامُ)، من أنه قال : «نحن معاشر الأنبياء نَرثُ ولا نورث» وما احتجَّتْ به من قوله عز وجل : «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُرد» [النمل: 16] على أن النبوة لا تورث، فلم يبق، إلا التوارث، وغير ذلك من الخطاب، ولم يصنف الجاحظ هذا الكتاب ولا استقصى فيه الحجاج للراوندية، وهم شيعة ولد العباس، لأنه لم يكن، مذهبه، ولا كان يعتقده، ولكن فعل ذلك تماجناً وتطرباً.)
### العثمانية للجاحظوقد صنف [أيضاً] كتابنا استقصى فيه الْحِجَاجَ عند نفسه، وأيَّدَهُ بالبراهين وَعَضده بالأدلة فيما تصوره من عقله وترجمه بكتاب العثمانية يحل فيه عند نفسه فضائل علي (عَلَيهِم السَّلَامُ ومناقبه، ويحتج فيه لغيره، طلباً لإماتة الحق، ومضادة لأهله، واللّه متم نوره ولو كره الكافرون.)### كتب أخرى للجاحظثم لم يرض بهذا الكتاب المترجم بكتاب العثمانية حق أعقبه بتصنيف كتاب آخر في إمامة المروانية وأقوال شيعتهم ورأيته مترجماً بكتاب [إمامة] أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان في الانتصار له من علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وشيعته الرافضة، يذكر فيه رجال المروانية، ويؤيد فيه إمامة بني أمية وغيرهم.ثم صنف كتاباً آخر ترجمه بكتاب مسائل العثمانية يذكر فيه ما فاته ذكره ونقضه عند نفسه، من فضائل أمير المؤمنين علي ومناقبه فيما ذكرنا.### نقض الشيعة لكتب الجاحظوقد نقضتُ عليه ما ذكرنا من كتبه ككتاب العثمانية وغيره، وقد نقضها جماعة من متكلمي الشيعة: كأبي عيسى الوراق والحسن بن موسى النخعي، وغيرهما من الشيعة ممن ذكر ذلك في كتبه في الإمامة مجتمعاً ومفترقاً.### والمعتزلة تنقض العثمانيةوقد نقض على الجاحظ كتاب العثمانية أيضاً رجل من شيوخ المعتزلة البغداديين ورؤسائهم، وأهل الزهد والديانة منهم ممن يذهب إلى تفضيل علي والقول بإمامة المفضول - وهو أبو جعفر محمد بن عبد اللّه الإسكافي - وكانت وفاته سنة أربعين ومائتين وفيها مات أحمد بن حنبل، وسنذكر وفاة الجاحظ فيما يرد من هذا الكتاب ووفاة غير من المعتزلة، وإن كنا قد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا.### رأي الجريانية في الإمامةوالذي ذهب إليه مَنْ تأخر من الراوندية وانتقل وتحبر عن جملة الكَيْسانية القائلة بإمامة محمد ابن الحنفيَّة - وهم الجريانية أصحاب أبي مسلم عبد الرحمن بن محمد صاحب الدولة العباسية، وكان يلقب بجريان - أن محمد ابن الحنفيَّة هو الإمام بعد
علي بن أبي طالب، وأن محمداً أوصى إلى ابنه أبي هاشم، وأن أبا هاشم أوصى إلى علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، وأن علي بن عبد اللّه أوصى إلى ابنه محمد بن علي، وأن محمداً أوصى إلى ابنه إبراهيم الإمام المقتول بحران، وأن إبراهيم أوصى إلى أخيه أبي العباس بن عبد اللّه بن الحارثية [المقتول].### أصل أبي مسلم الخراسانيوقد تنوزع في أمر أبي مسلم: فمن الناس من رأى أنه كان من العرب، ومنهم من رأى أنه كان عبداً، فأعتق وكان من أهل البرس والجامعين من قرية يقال لها خرطينة وإليها تضاف الثياب البرسية المعروفة بالخرطينية، وتلك من أعمال الكوفة وسَوَادَها، وكان قهرماناً لإدريس بن إبراهيم العجلي، ثم آل أمره ونمت به الأقدار إلى أن اتصل بمحمد بن علي، ثم بإبراهيم بن محمد الإمام، فأنفذه إبراهيم إلى خراسان، وأمر أهل الدعوة بإطاعته والانقياد إلى أمره، ورأيه، فقوى أمره وظهر سلطانه، وأظهر السواد وصار زينة في اللباس والأعلام والبنود، وكان أول من سَوَّدَ من أهل خراسان بنيسابور وأظهر ذلك فيهم أسيد بن عبد اللّه، ثم نمي ذلك في الأكثر من المدن والكُوَر بخراسان، وقوي أمر أبي مسلم، وضعف أمر نصر بن سَيَّار صاحب مروان بن محمد الجعدي على بلاد خراسان وكانت له مع أبي مسلم حروب أكثر فيها أبو مسلم الحِيَل والمكايد من تفريقه بين اليمانية والنزارية بخراسان وغير ذلك مما احتال به على عدوه، وقد كان لنصر بن سَيَّار حروب كثيرة مع الكرماني إلى أن قتل أتَيْنَا على ذكرها في كتابينا «أخبار الزمان» والأوسط، وذكرنا بدء أخبار الكرماني جديع بن علي، وما كان بينه وبين سلم بن أحْوَزَ صاحب نصر بن سَيَّار وما كان من أمر خالد بن بَرْمَكِ، وقَخطبة بن شبيب، وغيرهما من الدُّعاة والمقيمين بخراسان للدعوة العباسية : كسليمان بن كثير، وأبي داود خالد بن إبراهيم، ونظرائهم، وما كان من شعارهم عند إظهار الدعوة، وندائهم حين الحروب محمد یا منصور، والسبب الذي له ومن أجله أظهروا استعمال السواد دون سائر الألوان.### بين نصر بن سيار ومروان بن محمد الجعديوطالت مكاتبة نصر بن سَيَّارٍ مروان وإعلامه بما هو فيه، وإظهار أمر العباسية، وتزايده في كل وقت ؛ فكان فيما كتب [به] إليه إعلامه بحال أبي مسلم وحال مَنْ معه، وأنه كشف عن أمره وبحث عن حاله فوجده يدعو إلى إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، وضمن كتابه أبياتاً من الشعر، وهي:
أرى بين الرَّمَادِ وميض جَمرويوشك أن يكون له ضرامفإن النار بالعودين تُذكيوإن الحرب أولها الكلامفإن لم تطفؤها تَجْنِ حرباًمشمرة يشيب لها الغلامأقول من التعجب: ليت شعريأأيقاظ أميةُ أم نيام؟فإن يك قومنا أضحوا نياماً***فقل: قوموا؛ فقد حان القيامففري عن رحالك، ثم قولي:***على الإسلام والعرب السلامفلما ورد الكتاب على مروان وَجَدَه مشتغلا بحروب الخوارج بالجزيرة وغيرها، وما كان من خبره في حروبه مع الضحاك بن قيس الحروري حتى قتله مروان بعد وقائع كثيرة بين كفرتوثى ورأس العين وكان الضحاك خرج من بلاد شهرزور، ونصبت الخوارج بعد قتل الضحاك عليها الحري [ الشيباني] فلما قتل الحري ولتِ الخوارج عليها أبا الذلفاء شيبان الشيباني، وما كان من حروب مروان مع نعيم بن ثابت الجذامي، وكان خرج عليه ببلاد طبرية والأردن من بلاد الشام حتى قتله مروان، وذلك في سنة ثمانية وعشرين ومائة، فلم يدر مروان كيف يصنع في أمر نصر بن سَيَّار وخراسان وإنجازه لما هو فيه من الحروب والفتن، فكتب إليه مروان مجيباً عن كتابه : إن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب فاحسم الثؤلولَ قِبَلَكَ، فلما ورد الكتاب على نصر قال لخواص أصحابه : أمَّا صاحبكم فقد أعلمكم أن لا نَصْرَ عنده.### بعض خلال وأعمال مروان بن محمد الجعديوأقام مروان أكثر أيامه لا يدنو من النساء إلى أن قتل، وبرزت له جارية من جواريه، فقال لها واللّه لا دنوت منك، ولا حَلَلَتُ لك عقدة وخراسَانُ ترجُفُ وتتضرم بنصر بن سيار وأبو مجرم قد أخذ منه بالمخنق.ما وكان مع هو فيه يُدِيم قراءة سير الملوك، وأخبارها في حروبها، من الفرس وغيرها ملوك الأمم.وَعَذَله بعضُ أوليائه ممن كان يأنس إليه في ترك النساء والطيب وغير ذلك من اللذات، فقال له :مروان يمنعني منهن ما منع أمير المؤمنين عبد الملك، فقال له الرجل : وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال حَمَل صاحب إفريقية إليه جارية ذات بهاء وكمال، تامة المحاسن شهية للمتأمل، فلما وَقَفَتْ بين يديه تأمل حسنها وبيده كتاب ورد من الحجاج وهو بدَيْرِ الجماجم مُوَاقعاً لابن الأشْعِثِ فرمى بالكتاب عن يده، وقال لها:
أنت واللّه مُنيَة النفس، فقالت الجارية ما يمنعك يا أمير المؤمنين إذ كنتُ بهذا الوصف قال : يمنعني واللّه منك بَيْتُ قاله الأخطل :قوم إذا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمدون النساء ولو باتَتْ بأَطْهَارِأألْتَذ بالعيش وابن الأشعث مُصَافٌ لأبي محمد وقد هلكت [فيه] زعماء العرب؟ لاها اللّه إداً، ثم أمر بصيانتها، فلما قتل ابن الأشعث كانت أول جارية خلا بها.### نصر يكتب لابن هبيرة يستنجدهولما يئس نصر بن سَيَّار من إنجاد مروان كتب إلى يزيد بن عمر بن هُبَيرة الفَزَاري عامل مروان على العراق يستمدُّه، ويسأله النُّصْرَة على عدوه، وضَمّن كتابه أبياتاً من الشعر، وهي:أبْلِغْ يزيد، وخيرُ القولِ أصْدَقُهوقد وقد تَبَيَّنْتُ أَن لا خَيْرَ فِي الكَذِبِبأنَّ أرضَ خُراسان رأيتُ بهابَيْضاً لَوَ أَفْرَخ قد حُدِّثْتَ بالعَجَبِفِراخُ عامين إلا أنها كبرتلما يَطِرْنَ وقد سُرْبِلْنَ بالزَّغَبِفإِنْ يَطِرْنَ ولم يُحْتَلْ لَهُنَّ بها***يُلْهِبْنَ نيران حرب أيما لهبفلم يجبه يزيد بن عمر عن كتابه وتشاغل بدفع فتن العراق.### دعاة إلى طالب الحق بالحجازودخلت خوارج اليمن مكة والمدينة وعليهم أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي وبلخ بن عقبة الأزدي، وهما فيمن معهما يدعون إلى عبد اللّه بن يحيى الكندي، وكان قد سمى نفسه بطالب الحق، وخُوطِبَ بأمير المؤمنين، وكان أباضي المذهب من رؤساء الخوارج، وذلك في سنة تسع وعشرين ومائة.### مروان يجهز لحرب الخوارجوفي سنة ثلاثين ومائة جَهَّز مروان بن محمد جيشاً مع عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي، فلقي الخوارج بوادي القرى فقُتِلَ بلخ، وفَرَّ أبو حمزة [في بقيتهم إلى مكة، فلحقه عبد الملك، فكانت بينهم وقعة قتل فيها أبو حمزة] وأكثر من كان معه من الخوارج، وسار عبد الملك في جيش مروان من أهل الشام يريد اليمن، وخرج عبد اللّه بن يحيى الكندي الخارجي من صنعاء، فالتقَوا بناحية الطائف وأرض جرش، فكانت بينهم حرب عظيمة قتل فيها عبد اللّه بن يحيى وأكثر من كان معه من الأباضية،
ولحق بقية الخوارج ببلاد حضرموت، فأكثرها أباضية إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - ولا فرق بينهم وبين من بعُمَانَ من الخوارج في هذا المذهب، وسار عبد الملك في جيش مروان فنزل صنعاء، وذلك في سنة ثلاثين ومائة، وقد كان سليمان بن هشام بن عبد الملك اتصل بالخوارج بالجزيرة خوفاً من مروان واحتوى عبد اللّه بن معاوية بن عبد بن عبد اللّه بن جعفر على بلاد إصْطَخْرَ وغيرها من أرض فارس، إلى أن رفع عنها وصار إلى خراسان، فقبض عليه أبو مسلم، وقد ذكرنا من يقول بإمامته، وينقاد إلى دعوته في كتابنا «المقالات في أصول الديانات» في باب تفرق الشيعة ومذاهبهم.### موت نصر بن سياروقوي أمر أبي مسلم وغلب على أكثر خراسان، وضعف [أمر] نصر بن سيار من عدم النَّجْدة، فخرج عن خراسان حتى أتى الري، وخرج عنها، فنزل ساوة بين بلاد همذان والري فمات بها كمداً.و [قد] كان نصر بن سيار - لما صار بين الري وخُرَاسان - كتب كتاباً إلى مروان يذكر فيه خروجه عن خراسان وأن هذا الأمر الذي أزعجه سينمو حتى يملأ البلاد، وضَمَّنَ ذلك أبياتاً من الشعر، وهي:إنا وما نَسكْتُمُ من أمرناكالثور إذ قُرَّبَ للناخعأو كالتي يحسبها أهلهاعَذْرَاء بكراً وهي في التاسعکنا نَر فيها فقد مُزُقَتْواتسع الخرق على الراقعكالنَّوْب إذ أنهج فيه البلىأعيا على ذي الحيلة الصانعفلم يستتم مروان قراءة هذا الكتاب حتى مثل أصحابه بين يديه ممن كان قد وكل بالطرق رسولاً من خراسان من أبي مسلم إلى إبراهيم بن محمد الإمام يخبره فيه خبره، وما آل إليه، أمره فلما تأمل مروان كتاب أبي مسلم قال للرسول : لا تُرَعْ، كم دفع لك صاحبك ؟ قال : كذا وكذا، قال : فهذه عشرة آلاف درهم لك، وإنما دفع إليك شيئاً يسيراً، وامض بهذا الكتاب إلى إبراهيم، ولا تعلمه بشيء مما جرى، وخذ جوابه فائتني به ففعل الرسول ذلك.### خديعة مروان للقبض على إبراهيم الإمامفتأمل مروان جواب إبراهيم إلى أبي مسلم بخطه يأمره فيه بالجد والاجتهاد والحيلة
على عدوه وغير ذلك من أمره ونَهْيِه، فاحتبس مروان الرسول، وكتب إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك وهو على دمشق يأمره أن يكتب إلى عامل البلقاء فيسير إلى القرية المعروفة بالكرار والحُمَيْمة ليأخذ إبراهيم بن محمد فيشده وثاقاً، ويبعث به إليه في خيل كثيفة، فوجَّهَ الوليد إلى عامل البلقاء فأخذ [إبراهيم] وهو جالس في مسجد القرية فأخذ وهو مُلففّ، وحمل إلى الوليد، فحمله إلى مروان فحبسه في السجن شهرين، وقد كان جرى بين إبراهيم ومروان خطب طويل حين مَثَل بين يديه، وأغلظ له إبراهيم وأنكر كل ما ذكره له مروان من أمر أبي مسلم، فقال له : مروان يا منافق، أليس هذا كتابك إلى أبي مسلم جواباً عن كتابه إليك، وأخرج إليه الرسول، وقال: أتعرف هذا؟ فلما رأى ذلك إبراهيم أمْسَكَ، وعلم أنه أتى من مَأمَنِهِ.### مقتل إبراهيم وجماعة معهواشتدَّ أمر أبي مسلم، وكان في الحبس مع إبراهيم جماعة من بني هاشم وبني أمية: فمن بني أمية عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز بن مروان، والعباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، وكان مروان قد خافهما على نفسه وخشي أن يخرجا عليه، ومن بني هاشم: عيسى بن علي، وعبد اللّه بن علي، وعيسى بن موسى؛ فذكر أبو عبيدة الثعلبي - وكان معهم في الحبس - أنه هَجَمَ عليهم في الحبس وذلك بحران جماعة من موالي مروان من العجم وغيرهم فدخلوا البيت الذي كان فيه إبراهيم والعباس وعبد اللّه، فأقاموا عندهم ساعة، ثم خرجوا وأغلق باب البيت، فلما أصبحنا دخلنا عليهم، فوجدناهم قد أتى عليهم، ومعهم غلامان صغيران من خَدَمِهم كالموتى، فلما رأونا أنسوا بنا، فسألناهم الخبر فقالا : أما العباس وعبد اللّه فجعل على وجوههما مخاد وقعد فوقهما فاضطربا ثم بَرَدَا، وأما إبراهيم فإنهم جعلوا رأسه في جراب كان معهم فيه نورة مسحوقة، فاضطرب ساعة ثم خمد.وكان في الكتاب الذي قرأه مروان من إبراهيم إلى أبي مسلم أبيات من الرجز بعد خطب طويل، منها :دونك أمراً قد بَدَتْ أشْرَاطُهُ***إن السبيل واضح صِرَاطُهلم يَبْقَ إلا السيف واخْتِرَاطُهوقد ذكر في كيفية قتل إبراهيم الإمام من الوجوه غير ما ذكرنا، وقد أتينا على جميع ما قيل في ذلك في الكتاب الأوسط، وكذلك ما كان من قخطبة وابن هبيرة على الفرات، وغرق قحطبة فيه، ودخول ابن الحسن [بن قحطبة] الكوفة.
### موقعة الزاب بين عبد اللّه بن علي ومروانوسار مروان حتى نزل على الزاب الصغير، وعقد عليه الجسر، وأتاه عبد اللّه بن علي في عساكر أهل خراسان وقوَّادهم، وذلك لليلتين خلتا من جمادى الآخرة من سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فالتقى مروان وعبد اللّه بن علي، وقد كَرْدَسَ مروان خیله کرادیس ألفاً وألفين، فكانت على مروان، فانهزم، وقتل وغرق من أصحابه خلق عظيم، فكان فيمن غرق في الزاب من بني أمية ذلك اليوم ثلاثمائة رجل دون من غرق من سائر الناس، وكان فيمن غرق في الزاب في ذلك اليوم من بني أمية إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع، وهو أخو يزيد الناقص، وقد قيل في رواية أخرى : إن مروان كان قد قَتَلَ إبراهيم بن الوليد قبل هذا الوقت وصلبه، وكانت هزيمة مروان من الزاب في يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة في سنة اثنتين وثلاثين ومائة### أهل حران ومروانومضى مروان في هزيمته حتى أتى الموصل فمنعه أهلها من الدخول إليها، وأظهروا السواد لما رأوه من تولية الأمر عنه، وأتى حران - وكانت داره، وكان مقامه بها - وقد كان أهل حران قاتلهم اللّه تعالى حين أزيل لعن أبي تراب - يعني علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه - عن المنابر يوم الجمعة امتنعوا من إزالته وقالوا : لا صلاة إلا بلعن أبي تراب وأقاموا على [ذلك ] سنة حتى كان من أمر المشرق وظهور المسودة ما كان، وامتنع مروان من ذلك لانحراف الناس عنهم، وخرج مروان في أهله وسائر بني أمية عن حران وعَبَرَ الفرات.### دخول عبد اللّه بن علي دمشق وقتله كثيراً من بني أمية وشيعتهمونزل عبد اللّه بن علي على باب حران فهدم قصر مروان، وقد كان أنفق عليه عشرة آلاف [ألف] درهم، واحتوى على خزائن مروان وأمواله، وسار مروان فيمن معه من خواصه وعياله حتى انتهى إلى نهر أبي فطرس من بلاد فلسطين والأردن فنزل عليه، وسار عبد اللّه بن علي حتى نزل دمشق فحاصرها وفيها يومئذٍ الوليد بن معاوية بن عبد الملك في خمسين في خمسين ألف مقاتل، فوقعت بينهم العصبية في فضل اليمن على نزار ونزار على اليمن [فقتل الوليد بن معاوية، وقد قيل : إن أصحاب عبد اللّه بن علي قتلوه] وأتى عبد اللّه بن علي يزيد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان وعبد الجبار بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، فحملهما إلى أبي العباس السفاح، فقتلهما وصلبهما
بالحيرة، وقتل عبد اللّه بن علي بدمشق خلقاً كثيراً، ولحق مروان بمصر، ونزل عبد اللّه بن عليّ عَلَى نهر أبي فطرس، فقتل من بني أمية هناك بضعاً وثمانين رجلا، وذلك في يوم الأربعاء للنصف من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقتل بالبلقاء سليمان بن يزيد بن عبد الملك، وحمل رأسه إلى عبد اللّه بن عليّ.### مقتل مروانورحل صالح بن علي في طلب مروان ومعه أبو عون عبد الملك بن يزيد وعامر بن إسماعيل المَذْحجي ؛ فلحقوه بمصر وقد نزل بُوصِيرَ، فبايتوه، وهجموا على عسكره وضربوا بالطبول وكبروا ونادوا يا لثارات إبراهيم، فظن مَنْ في عسكر مروان أن قد أحاط بهم سائر المسودة فقتل مروان، وقد اختلف في كيفية قتله في المعركة في تلك الليلة، وكان قتله ليلة الأحد لثلاث بَقِينَ من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة.ولما قتل عامرُ بن إسماعيل مروان وأراد الكنيسة التي فيها بنات مروان ونساؤه إذا بخادم لمروان شاهر السيف يحاول الدخول عليهن فأخذوا الخادم، فسئل عن أمره، فقال : أمرني مروان إذا هو قُتِل أن أضرب رقاب بناته ونسائه فلا تقتلوني فإنكم واللّه إن قتلتموني ليفقدن میراث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا له : انظر ما تقول، قال: إن كذبت فاقتلوني، هلموا فاتبعوني ؛ ففعلوا، فأخرجهم من القرية إلى موضع رمل، فقال : اكشفوا هنا، فكشفوا، فإذا البُرْد وَالقَضِيب ومخصر قد دفنها مروان لئلا تصير إلى بني هاشم، فوجه بها عامر بن إسماعيل إلى عبد اللّه بن علي، فوجَّه بها عبد اللّه إلى أبي العباس السفاح، فتداولت ذلك خلفاء بني العباس إلى أيام المقتدر، فيقال : إن البرد كان عليه في يوم مقتله، ولست أدري أكل ذلك باق مع المتقي اللّه إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - في نزوله الرقة أم قد ضيع ذلك.)### بنات مروان بين يدي صالح بن عليثم وجه عامر بنات مروان وجواريه والأسارى إلى صالح بن علي، فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت : يا عَمَّ أمير المؤمنين حفظ اللّه لك [ من أمرك ما يحبُّ لك حفظه، وأسعدك في الأمور كلها بخواص نعمه، وَعَمَّك بالعافية ] في الدنيا والآخرة، نحن بناتك وبنات أخيك [وابن عمك]، فليسعنا من عفوكم ما وسعكم من جورنا قال : إذا لا نستبقي منكم أحداً رجلا ولا امرأة ألم يقتل أبوك بالأمس ابن أخي إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس الإمام في محبسه بحران؟ ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين بن علي وصلبه في كُناسة الكوفة، وقتل
ذكر الدولة العباسية ولمع من أخبار مروان ومقتله وجوامع من حروبه، وسيره امرأة زيد بالحيرة على يدي يوسف بن عمر الثقفي؟ ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زید وصلبه بخراسان؟ ألم يقتل عبيد اللّه بن زياد الدعي مسلم بن عقيل بن أبي طالب بالكوفة؟ ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي عَلَى يدي عمر بن سعد مع من قتل بين يديه من أهل بيته ؟ ألم يخرج بحُرم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَايَا حتى ورد بهنَّ على يزيد بن معاوية وقبل مَقْدَمِهِنَّ بعث إليه برأس الحسين بن عليّ قد ثقب دماغه على رأس رُمْح يُطَاف به كُورَ الشام ومدائنها حتى قدموا به على يزيد بدمشق كأنما بعث إليه برأس رجل من أهل الشرك؟ ثم أوقف حُرَم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) موقف السبي يتصفحهن جنود أهل الشام الْجُفَاةُ الطَّعام ويطلبون منه أن يهب لهم حُرَم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، استخفافاً بحقه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وجراءةً على اللّه عز وجل، وكفراً لأنْعُمِهِ، فما الذي استبقيتم منا أهل البيت؟ لو عدلتم فيه علينا ! ! قالت : يا عَمَّ أمير المؤمنين ليسعنا عفوكم إذاً، قال : أما العفو فنعم قد وسعكم، فإن أحببت زوجتك من الفضل بن صالح بن علي، وزوّجت أختك من أخيه عبد اللّه بن صالح، فقالت : يا عم أمير المؤمنين، وأتي أوان عرس هذا؟ بل تلحقنا بحران، قال : فإذاً أفعل ذلك بكُنَّ إن شاء اللّه، فألحقهنَّ، بحران، فَعَلَتْ أصواتهن عند دخولهن بالبكاء على، مروان، وشَقَقْنَ جيوبهن، وَأَعْوَلْنَ بالصياح والنحيب، حتى ارتج العسكر بالبكاء منهن على مروان.)فكان مُلك مروان إلى أن بويع أبو العباس السفاح خمس سنين وشهرين وعشرة أيام على حسب ما قَدَّمنا [ذكره] في هذا الكتاب من التنازع في مدة أيامه، ومن وقت أن بويع أبو العباس السفاح إلى أن قتل ببوصير ثمانية أشهر، فكانت مدة أيامه إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، وقد قَدَّمنا ما تنازعوا فيه من مقدار سنة وغير ذلك من أخباره، وقد أتينا على مبسوط أخباره فيما سلف من كتبنا.### عبد الحميد بن يحيى الكاتبوكان كاتبه عبد الحميد بن يحيى بن سعد صاحب الرسائل والبلاغات، وهو أول من أطال الرسائل، واستعمل التحميدات في فصول الكتب واستعمل الناسُ ذلك بعده.وذكر أن مروان قال لكاتبه عبد الحميد - حين أيْقَنَ بزوال ملكه -: قد احْتَجْتُ أن تصير مع عدوي وتظهر الغَدْرَ بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك تدعوهم إلى حسن الظن بك فإن استطعت أن تنفعني في حياتي، وإلا لم تعجز عن حفظ حُرَمِي بعد وفاتي، فقال له عبد الحميد: إن الذي أشرتَ به عليَّ أنْفَعُ الأمرين لك، وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبر حتى يفتح اللّه أو أقتل معك، وقال:
أسِرُّ وَفَاء ثم أظهر غَدْرَةٌ***فمن لي بعذرٍ يُوسِعَ الناس ظاهره؟.### مروان يعتزم الفرار إلى أرض الروم فيرده إسماعيل القشيريوقد أتينا على خبر أبي الورد ومقتله، وخبر بشر بن عبد اللّه الواحدي ومقتله، في كتابنا الأوسط، فأغْنَى ذلك عن ذكره.وذكر إسماعيل بن عبد اللّه القشيري قال : دعاني مروان وقد وافى على الهزيمة إلى حران فقال يا أبا هاشم وما كان يكنيني قلبها قد ترى ما جاء من الأمر وأنت الموثوق به ولا مخبأ [لعطر] بعد عَرُوس، فما الرأي؟ فقلت يا أمير المؤمنين علام أجمَعْتَ ؟ قال : على أن أرتحل بموالي ومَنْ تبعني من الناس حتى أقطع الدَّرْبَ وأميل إلى مدينة من مدن الروم فأنزلها، وأكاتب صاحبها، وأستوثق منه، فقد فعل ذلك جماعةً من ملوك الأعاجم، وليس هذا عاراً بالملوك، فلا يزال يأتيني [من أصحابي] الخائف والهاربُ والطامعُ فيكثر مَنْ معي، ولا أزال على ذلك حتى يكشف اللّه أمري وينصرني على عدوي، فلما رأيت ما أجمع عليه وكان الرّأي، ورأيت آثاره في قومي من قحطان وبلاءه عندهم، فقلت : أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين من هذا الرأي، تحكم أهل الشرك في بناتك وحرمك، وهم الروم، ولا وفاء لهم ولا تدري ما تأتي به الأيام، وأنت إن حدث عليك حادث بأرض النصرانية - ولا يحدث عليك إلا خير - ضاع مَنْ بعدك، ولكن اقطع الفرات، ثم استنفر [أهل] الشام جنداً [ جنداً] فإنك في كنف وعزة، ولك في كل جند صنائع، يسيرون معك حتى تأتي مصر، فإنها أكثر أرض اللّه مالا وخيلا ورجالا، ثم الشام أمامك وإفريقية خلفك ؛ فإن رأيت ما تحبُّ انصرفت إلى الشام، وإن كانت الأخرى مضيت إلى إفريقية قال: صدقت وأستخير اللّه فقطع الفرات، وواللّه ما قطعه معه من قيس إلا رجلان ابن حمزة السلمي، وكان أخاه من الرضاعة، والكوثر بن الأسود الغنوي، ولم ينفع مروان تعصبه مع النزارية شيئاً، بل غدروا به وخذلوه، فلما اجتاز ببلاد قنسرين وَخُنَاصرة أوقعت تَنُوخُ القاطنة بقنسرين بساقته، ووثب به أهل حمص، وسار إلى دمشق، فوثب به الحارث بن عبد الرحمن الحرشي، ثم أتى الأردن فوثب به هاشم بن عمرو القيسي، والمذحجيون جميعاً، ثم مر بفلسطين فوثب الحكم بن صنعان بن روح بن زنباع ؛ لما رأوا من إدبار الأمر عنه وعلم مروان أن إسماعيل بن عبد اللّه القشيري قد غَشَّه في الرأي ولم يمحضه النصيحة، وأنه فَرّط في رجلا من مشورته إياه؛ إذ شاور قحطان موتوراً متعصباً مع قومه على أضدادهم من نزار، وأن الرأي [كان] الذي هَمَّ بفعله من قطع الدرب ونزول بعض حُصُون الروم ومكاتبته ملكها إلى أن يرتئي في أمره.
وذكر المدائني والعتبي وغيرهما أن مروان حين نزل على الزاب جَرَّدَ من رجاله، وَمَنِ اختاره من سائر جيشه من أهل الشام والجزيرة وغيرهم، مائة ألف فارس [على مائة ألف قارح]، فلما كان يوم الوقعة وأشرف عبد اللّه بن عليّ في المسودة، وفي أوائلهم البنود السُّودُ يحملها الرجال على الجمال البُخْت، وقد جعلت أقتابها من خشب الصفصاف والغرب، قال مروان لمن قَرُبَ منه : أما ترون رماحهم كأنها النخل غلظاً؟ أما ترون إلى أعلامهم فوق هذه الإبل كأنها قطع من الغمام سود؟ فبينا هو كذلك إذ طار من أفرجة هنالك قطعة من الغرابيب سود، فاجتمعت على أول رايات عبد اللّه بن عليّ، واتصل سوادها بسواد تلك الرايات، والبنود ومروان ينظر؛ فتطير من ذلك فقال : أما ترون السواد قد اتصل بالسواد؟ وكأنَّ الغرابيب كالسحب سواداً، ثم نظر إلى أصحابه المحاربين - وقد استشعروا الجزَعَ [والفزع] والفشل - فقال : إنها لعُدَّة، وما تنفع العدة إذا انقضت المدة؟ولمروان على الزاب أخبار غير هذه قد أتينا على ذكرها في كتابينا «أخبار الزمان» والأوسط، فأغْنَى ذلك عن إعادة ذكرها، واللّه ولي التوفيق.
## ذكر خلافة أبي العباس عبد اللّه بن محمد السفاح### موجز[و] بويع أبو العباس السَّفّاح - وهو عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بنعباس بن عبد المطلب - ليلة الجمعة لثلاث عشرةَ ليلة خلت من شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وثلاثين ومائة، [وقيل : إنه بويع يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة]، وقيل: في النصف من شهر جمادى الآخرة من هذه السنة، وأُمه رَيْطَة بنت عبيد اللّه بن عبد المَدَانِ الحارثية، وركب إلى المسجد الجامع في يوم الجمعة ؛ فخطب على المنبر قائماً، وكانت بنو أمية تخطب قُعُوداً، فضجّ الناسُ وقالوا : أحييت السُّنة يا ابن عم رسول اللّه، فكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر [وعشرين يوماً]، ومات بالأنبار في مدينته التي بَنَاهَا، وذلك في يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وقيل : ابن تسع وعشرين سنة، وكانت أمه تحت عبد الملك بن مروان فكان له منها الحجاج بن عبد الملك، فلما توفي عبد الملك تزوجها محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، فولدت منه عبد اللّه بن محمد السفاح، وعبيد اللّه، وداود، وميمونة.
## ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه### وصية إبراهيم الإمام لهولما حبس إبراهيم الإمام، بحرَّان وعلم أن لا نجاة له من، مروان، أثبت وصيته وجعلها إلى أخيه أبي العباس عبد اللّه بن محمد، وأوصاه بالقيام بالدولة والجد والحركة وأن لا يكون له بعده بالحميمة لُبثّ ولا عَرْجَة حتى يتوجَّه إلى الكوفة فإن هذا الأمر صائر إليه لا محالة، وأنه بذلك أتتهم الرواية، وأظهره على أمر الدُّعَاة بخراسان والنقباء، ورسم له بذلك رسماً أوصاه فيه أن يعمل عليه ولا يتعداه، ودفع الوصية بجميع ذلك إلى سابق الخوارزمي مولاه، وأمره إنْ حَدَث به حَدَثٌ من مروان في ليل أو نهار [ أن يجدَّ السير إلى الحميمة حتى يدفع وصيته إلى أخيه أبي العباس، فلما قضى إبراهيم نَحْبَه] أسرع سابق في السير حتى أتى الحميمة فدفع الوصية إلى أبي العباس ونَعَاه إليه، فأمره أبو العباس بستر الوصية وأن ينعاه، ثم أظهر أبو العباس أهل بيته على أمره، ودعا إلى موازرته ومكاشفته أخاه أبا جعفر عبد اللّه بن محمد وعيسى بن موسى بن محمد ابن أخيه، وعبد اللّه بن على عمه، وتوجّه أبو العباس إلى الكوفة مسرعاً، وهؤلاء معه في غيرهم ممن خَفَّ من أهل بيته، فلقيتهم أعرابية على بعض مياه العرب في طريقهم إلى الكوفة، وقد تقدَّم أبو العباس وأخوه أبو جعفر وعمه عبد اللّه بن علي فيمن كان معهم إلى الماء، فقالت الأعرابية : تاللّه ما رأيت وجوهاً مثل هذه ما بين خليفة وخليفة وخارجي، فقال لها أبو جعفر المنصور : كيف قلت يا أمَةَ اللّه ؟ قالت : واللّه ليلينها هذا، وأشارت إلى السفاح ولتخلّفَنَّهُ أنت، وليخرجَنَّ عليك هذا، وأشارت إلى عبد اللّه بن علي، فلما انتهوا إلى دومة الجندل لقيهم داود بن علي وموسى بن، داود وهما منصرفان من العراق إلى الحميمة من أرض الشراة، فسأله داود عن مسيره فأخبره بسببه، وأعلمه بحركة أهل خراسان لهم مع أبي مسلم، وأنه يريد الوثوب بالكوفة، فقال له :داود يا أبا العباس، تَثِبُ بالكوفة ومروان شيخ بني أمية وزعيمهم في أهل الشام والجزيرة مُطِل على أهل العراق،
وابن هبيرة شيخ العرب في جلّة العرب بالعراق؟ فقال أبو العباس : يا عَمَّاه، من أحب الحياة ذل، وتمثل بقول الأعشى :فما مِيْتَةٌ إِن مُتَّهَا غير عاجزبِعَارٍ، إذا ما غالت النفس غُولُهَافالتفت داود إلى ابنه، موسى فقال : أي بني صدق [ابن] عمك ارجع بنا معه نحيا أعزاء أو نموت، كراماً فعطفا ركابهما معه وسار أبو العباس حتى دخل الكوفة.وقد كان أبو سَلَمة حفص بن سليمان - حين بلغه مقتل إبراهيم الإمام - أضْمَرَ الرجوع عما كان عليه من الدعوة العباسية إلى آل أبي طالب.### مقدم السفاح الكوفةوقدم أبو العباس الكوفة فيمن ذكرنا من أهل بيته سراً، والمسودّة مع أبي سلمة بالكوفة، فأنزلهم جميعاً دار الوليد بن سعد في بني أوْدِ حي من اليمن، وقد ذكرنا مناقب أود وفضائلها فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار الحجاج، وبراءتهم من علي والطاهرين من ذريته ولم أر إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة – فيما دُرْتُ من الأرض وتغربت من الممالك رجلا من أود إلا وجدته - إذا استبطنت ما عنده - ناصبياً متولياً لآل مروان وحزبهم.وأخفى أبو سَلَمة أمر أبي العباس ومن معه، ووكل بهم [وكيلا]، وكان قدوم أبي العباس الكوفة في صفر من سنة اثنتين وثلاثين ومائة وفيها جرى البريد بالكتب لولد العباس، وقد كان أبو سَلَمة لما قتل إبراهيم الإمام خاف انتقاض الأمر وفساده عليه، فبعث بمحمد بن عبد الرحمن بن أسلم [وكان أسلم] مولى لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكتب معه كتابين على نسخة واحدة إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وإلى أبي محمد عبد اللّه بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم أجمعين ! يدعو كل واحد منهما إلى الشخوص إليه ليصرف الدعوة إليه، ويجتهد في بيعة أهل خراسان له، وقال للرسول : العَجَلَ العَجَلَ، فلا تكونَنَّ كوافد عاد، فقدم محمد بن عبد الرحمن المدينة على أبي عبد اللّه جعفر بن محمد فلقيه ليلا، فلما وصل إليه أعلمه أنه رسول أبي سَلَمة، ودفع إليه كتابه، فقال له أبو عبد اللّه وما أنا وأبو سَلَمة؟ وأبو سَلَمة شيعة لغيري قال : إني، رسول فتقرأ كتابه وتجيبه بما رأيت، فدعا أبو عبد اللّه بسراج ثم أخذ كتاب أبي سلمة فوضعه على السراج حتى احترق، وقال للرسول : عرف صاحبك بما رأيت ثم أنشأ يقول متمثلا بقول الكميت بن زيد:)أيا مُوقِداً ناراً لغيرك ضوءهاويا حاطباً في غير حبلك تحطب
فخرج الرسول من عنده وأتى عبد اللّه بن الحسن فدفع إليه الكتاب فقبله وقرأه وابتهج به، فلما كان [من] غد ذلك اليوم الذي وصل إليه فيه الكتابُ ركب عبد اللّه حماراً حتى أتى منزل أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق، فلما رآه أبو عبد اللّه أكبر مجيئه، وكان أبو عبد اللّه أسَنَّ من عبد اللّه فقال له : يا أبا محمد، أمرٌ ما أتى بك، قال، نعم وهو أجلُّ من أن يوصف، فقال: وما هو يا أبا محمد؟ قال : هذا كتاب أبي سلمة يدعوني إلى ما أقبله، وقد قدمت عليه شيعتنا من أهل، خراسان فقال له أبو عبد اللّه : يا أبا محمد، ومتى كان أهل خراسان شيعة لك؟ أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان؟ وأنت أمرته بلبس السواد ؟ وهؤلاء الذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وجَّهت فيهم؟ وهل تعرف منهم أحداً؟ فنازعه عبد اللّه بن الحسن الكلام، إلى أن قال : إنما يريد القوم ابني محمداً لأنه مهديُّ هذه الأمة. فقال أبو عبد اللّه جعفر : واللّه ما هو مهدي هذه الأمة، ولئن شهر سيفه ليقتلن، فنازعه عبد اللّه القول، حتى قال له : واللّه ما يمنعك من ذلك إلا الحسد، فقال أبو عبد اللّه : واللّه ما هذا إلا نصح مني لك، ولقد كتب إليَّ أبو سلمة بمثل ما كتب به إليك، فلم يجد رسوله عندي ما وجد عندك، ولقد أحرقْتُ كتابه من قبل أن أقرأه، فانصرف عبد اللّه من عند جعفر مغضباً، وما ينصرف رسول أبي سلمة إليه إلى أن بويع السفاح بالخلافة وذلك أن أبا سيد الطوسي دخل ذات يوم العسكر إلى الكوفة فلقي سابقاً الخوارزمي في سوق الكناسة [فقال له : سابق ؟ قال : سابق] فسأله عن إبراهيم الإمام، فقال : قتله مروان في الحبس.### كيف آلت الإمام للسفاحوكان مروان يومئذٍ بحران فقال أبو حميد فإلى من الوصية؟ قال : إلى أخيه أبي العباس قال: وأين هو ؟ قال : معك بالكوفة هو وأخوه وجماعة من عُمُومته وأهل بيته، قال : مُذ متى هم هنا؟ قال: من، شهرين قال فتمضي بنا إليهم، قال : غداً بيني وبينك الموعد في هذا الموضع، وأراد سابق أن يستأذن أبا العباس في ذلك، فانصرف إلى أبي العباس فأخبره فلامه إذ لم يأت به معه إليهم، ومضى أبو حميد فأخبر جماعة من قُوَّاد خراسان في عساكر أبي سَلَمة بذلك، منهم أبو الجهم وموسى بن كعب، وكان زعيمهم، وغدا سابق إلى الموضع، فلقي أبا حميد فمضَيًا حتى دخلا على أبي العباس ومن معه، فقال : أيكم الإمام؟ فأشار داود بن علي إلى أبي العباس، وقال : هذا خليفتكم، فأكبَّ على أطرافه يقبلها وسَلّم عليه بالخلافة، وأبو سلمة لا يعلم بذلك، وأتاه وجوهُ القواد
فبايعوه، وعلم أبو سلمة بذلك] فبايعه ودخلوا إلى الكوفة في أحسن زي، وضربوا له مصافاً، وقُدِّمت الخيول، فركب أبو العباس ومن معه حتى أتوا قصر الإمارة، وذلك في يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة.وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب تنازُعَ الناس في أي شهر بويع [له] من هذه السنة.ثم دخل المسجد الجامع من دار الإمارة ؛ فحمد اللّه وأثنى عليه، وذكر تعظيم الرب ومننه، وفضل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقاد الولاية والوراثة حتى انتهت إليه، ووعَدَ الناس خيراً، ثم سکت، فتكلم عمه داود بن علي وهو على المنبر دون أبي العباس، فقال: إنه واللّه ما كان بينكم وبين رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إلا عليٌّ (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأمير المؤمنين هذا الذي خلفي، ثم نزلا.)ثم خرج أبو العباس إلى عسكر أبي سَلَمة فنزل في حجرته، واستخلف على الكوفة وأرضها عَمَّه داود بن علي، وبعث بعمه عبد اللّه بن علي إلى أبي عون عبد الملك بن يزيد، فسارا معاً إلى مروان، فكان من أمرهم ما قدمنا ذكره من التقائهم على الزاب، وهزيمة مروان بن محمد.### عامر بن إسماعيل قاتل مروانواتصل بأبي العباس السفاح ما كان من عامر بن إسماعيل وقتله لمروان ببوصير وقيل : إن ابن عم لعامر يقال له نافع بن عبد الملك كان قتله في تلك الليلة في المعركة وهو لا يعرفه، وإن عامراً لما احتز رأس مروان واحتوى على عسكره دخل [إلى] الكنيسة التي كان فيها مروان، فقعد على فرشه وأكل من طعامه، فخرجت إليه ابنة مروان الكبرى، وتعرف بأم مروان، وكانت أسَنَّهُنَّ، فقالت : يا عامر إن دهراً أنزل مروان عن فُرُشه حتى أقعدك عليها فأكلت من طعامه واحتويت على أمره، وحكمت في مملكته ؛ لقادر أن يغير ما بك [من نعمة].### بين السفاح وعامر بن إسماعيلوبلغ السفاحَ فعله وكلامها، فاغتاظ من ذلك، وكتب إليه : «ويلك! أما كان لك في أدب اللّه عز وجل ما يزجرك عن أن تأكل من طعام مروان، وتقعد على مهاده، وتتمكن من وساده؟ أما واللّه لولا أن أمير المؤمنين تأول ما فعلت على غير اعتقاد منك لذلك ولا شهوة لمَسَك من غضبه وأليم أدبه ما يكون لك زاجراً، ولغيرك واعظاً، فإذا أتاك كتاب
أمير المؤمنين فتقرب إلى اللّه تعالى بصدقة تطفىء بها غَضَبه، وصلاة تظهر بها الاستكانة، وضم ثلاثة أيام ومُز جميع أصحابك أن يصوموا مثل صيامك».### رأس مروان بين يدي السفاحولما أتي أبو العباس برأس مروان ووضع بين يديه سجد فأطال السجود ثم رفع رأسه فقال : الحمد للّه الذي لم يبق ثأري قبلك وقبل رَهْطك، والحمد للّه الذي أظفرني بك، وأظهرني عليك، ثم قال : ما أبالي متى طرقني الموت، قد قتلتُ بالحسين وبني أبيه من بني أمية مائتين ؛ وأحرقت شلو هشام يا ابن عمي زيد بن علي، وقتلت مروان بأخي إبراهيم، وتمثل :لو يشربون دمي لَمْ يُرْوِ شاربهمولا دماؤهم للغيظ تروينيثم حَوَّل وجهه إلى القبلة فأطال السجود، ثم جلس وقد أسفر وجهه، وتمثل بقول العباس بن عبد المطلب من أبيات له :أبي قومنا أن ينصفونا، فأنْصَفَتْقَوَاطِعُ في أيماننا تقطر الدماتورثن من أشياخ صدق تقربوابهنَّ إلى يوم الوغى فتقدماإذا خالَطَتْ هام الرجال تركنهاكَبَيْضِ نعام في الوغى متحطماوقالت الشعراء في أمر مروان فأكثرت.وذكر أبو الخطاب عن أبي جعدة بن هبيرة المخزومي - وكان أحد وزراء مروان وسُمَّاره، وقد كان لما ظهر أمر أبي العباس انضاف إلى جملته وصار في عداد أصحاب وخواصه الذين اتخذهم - أنه كان في ذلك اليوم حاضراً لمجلس أبي العباس ورأس مروان بين يديه، وهو يومئذٍ بالحميمة، وأن أبا العباس التفت إلى أصحابه فقال : أيكم يعرف هذا؟ قال أبو جعدة: فقلت أنا أعرفه، هذا رأس أبي عبد الملك مروان بن محمد خليفتنا بالأمس رضي اللّه عنه، قال : فحدقت إليَّ الشيعة فأخذتني بأبصارها، فقال لي أبو العباس : في أي سنة كان مولده؟ قلت : سنة ست وسبعين، فقام وقد تغير لونه غيظاً علي، وتفرق الناس من المجلس، وانصرفتُ وأنا نادم على ما كان منِّي، وتكلم الناس في ذلك وتحدثوا به فقلت [هذه ] زلة واللّه لا تستقال ولا ينساها القوم أبداً، فأتيت منزلي، فلم أزل باقي يومي أعهد وأوصي، فلما كان الليل اغتسلت وتهيأت للصلاة، وكان أبو العباس إذا هَمَّ بأمر بعث فيه ليلا، فلم أزل ساهراً حتى أصبحت، فلما أصبحت ركبت بغلتي واستعرضت بقلبي إلى مَنْ أقصد في أمري، فلم أجد أحداً أولى من
سليمان بن خالد مولى بني زُهْرَةَ، وكانت له من أبي العباس منزلة عظيمة، وكان من شيعة القوم فأتيته فقلت أذكرني أمير المؤمنين البارِحَة ؟ فقال : نعم، جرى ذكرك، فقال : هو ابن أختنا، وفى لصاحبه، ونحن إن أوليناه خيراً كان لنا أشكر، فشكرت ذلك له، وجزيته حيراً، ودعوت له، وانصرفت، فلم أزل آتي أبا العباس على ما كُنْتُ عليه لا أرى إلا خيراً، ونُمِي الكلام الذي كان في مجلس أبي العباس - حين أتي برأس مروان - فبلغ أبا جعفر وعبد اللّه بن علي، فكتب عبد اللّه بن علي إلى أبي العباس يُعلمه بما بلغه من كلامي، وأنه ليس هذا يحتمل، وكتب أبو جعفر يخبر بما بلغه من ذلك، ويقول : هو ابن أختنا ونحن أولى باصطناعه واتخاذ المعروف عنده، وبلغني ما كان منهما فأمسكت، وضرب الدهر ضرباته، بينا أنا ذات يوم عند أبي العباس بعد حين وقد تزايدت حالي عنده وأخطَاني، فنهض الناس ونهضتُ، فقال لي أبو العباس : [على رِسْلِك] يا ابن هُبَيْرة، اجلس فجلست، ونهض ليدخل فقمت لقيامه، فقال: اجلس فرفع الستر ودخل وثبتُ في مجلسي، فأقام مَليًا ثم رفع الستر فخرج في ثوبَيْ وَشْي رداء وجبة، فما رأيت أحسن منه ولا مما عليه قط، فلما رفع الستر نهضت، فقال: اجلس، فجلست فقال يا ابن هبيرة، إني ذاكر لك أمراً فلا يخرجَنَّ من رأسك إلى أحَدٍ من الناس، ثم قال : قد علمت ما جعلنا من هذا الأمر وولاية العهد لمن قتل مروان، وعبد اللّه بن علي عمي هو الذي قتله ؛ لأن ذلك كان بجيشه وأصحابه، وأخي أبو جعفر - مع فضله وعلمه وسنه وإيثاره لأمر اللّه - كيف يسوغ إخراجه عنه؟ قال: فأطال في مديح أبي جعفر فقلت أصلح اللّه أمير المؤمنين !! لا أشير عليك، ولكني أحدثك حديثاً تعتبره فقال: هاته، فقلت: كنا مع مسلمة بن عبد الملك عام الخليج بالقسطنطينية إذ ورد عليه كتاب عمر بن عبد العزيز بنعي سليمان ومصير الأمر إليه، فبعث إليَّ فدخلت عليه فرمى بالكتاب إلي فقرأته، ثم اندفع يبكي، فقلت: أصلح اللّه الأمير !! لا تَبْكِ على أخيك، ولكن ابْكِ على خروج الخلافة من ولد أبيك إلى ولد عمك، فبكى حتى اخضلت لحيته قال : فلما فرغت من حديثي قال لي أبو العباس : حسبك قد فهمت عنك، ثم قال : إذا شئت فانهض فما مضيت غير بعيد حتى قال لي : يا ابن هبيرة فالتفت راجعاً فقال لى امض، أما إنك قد كافأت هذا، وأدركت بثأرك من هذا، قال فما أدري من أي الأمرين أعجب؟ أمن فطنته أم من ذكره لما كان؟وأبو جعدة بن هُبَيْرة هذا هو من ولد جعدة بن هبيرة المخزومي من فاختة أم هانىء بنت أبي طالب وعلي وجعفر وعقيل أخواله، وقد قدمنا خبره فيما سلف من هذا الكتاب.
### بين عبد اللّه بن علي وأخيه داود في ولاية عهد السفاحقال المسعودي : ووجدت في أخبار المدائني، عن محمد بن الأسود، قال: بينما عبد اللّه بن علي يُسَاير أخاه داود بن علي ومعهما عبد اللّه بن الحسن [بن الحسن]: فقال داود لعبد اللّه : لم لا تأمر ابنيك بالظهور ؟ فقال عبد اللّه : هيهات لم يَئِنْ لهما بعدُ فالتفت إليه عبد اللّه بن علي فقال : كأنك تحسب أن ابنيك هما قاتلا مروان، فقال: إن ذلك كذلك، فقال عبد اللّه هيهات وتمثل:سيكفيك المقالة مستميت***خفيف اللحم من أولاد حامأنا واللّه قاتله.وقيل لعبد اللّه بن علي : إن عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز يذكر أنه قرأ في بعض الكتب [ أنه يقتل مروان] عَيْنٌ ابن عين، وقد أمل أن يكون هو، فقال عبد اللّه بن علي : أنا واللّه ذلك، ولي عليه فضل ثلاثة أعين أنا عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم وهو عمرو بن عبد مناف.فلما صاف مروان عبد اللّه بن علي أقبل مروان على رجل إلى جنبه فقال: من الرجل الذي كان يخاصم عنك عبد اللّه بن معاوية بن عبد عبد اللّه بن جعفر الأقني الحديد البصر الحسن الوجه ؟ فقلت : يرزق اللّه البيان من يشاء، قال : إنه لهو، قلت : نعم، قال : من [ولد] العباس بن عبد المطلب هو ؟ قلت : أجَلْ، فقال مروان : إنا للّه وإنا إليه راجعون ويحك ! إني ظننت أن الذي يحاربني من ولد أبي طالب وهذا الرجل من ولد العباس واسمه عبد اللّه أتدري لم صيرت الأمر بعد لابني عبيد اللّه بعد عبد اللّه ومحمد أكبر من عبد اللّه ؟ [قلت: لم؟ قال :] لأنا خُبِّرْنَا أن الأمر صائر بعدي إلى عبد اللّه وعبيد اللّه فنظرت فإذا عبيد اللّه أقرب إلى عبد اللّه من محمد فوليته دونه.قال : وبَعثَ مروان بعد أن حَدَّث صاحبه بهذا الحديث إلى عبد اللّه بن علي في خفية : إن الأمر يا ابن عم صائر إليك فاتق اللّه في الحرم، قال : فعبث إليه عبد اللّه : إن الحق لنا في دمك والحق علينا في حرمك.### زواج السفاح بأم سلمة بنت يعقوبوذكر مصعب الزبيري [عن أبيه] قال كانت أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد اللّه بن الوليد بن المغيرة المخزومي عند عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك،
فهلك عنها، ثم كانت عند هشام فهلك عنها، فبينا هي ذات يوم [جالسة] إذ مر بها أبو العباس السفاح، وكان جميلاً وسيماً، فسألت عنه، فنسب لها، فأرسلت له مولاة لها تعرض عليه أن يتزوجها، وقالت لها: قولي له هذه سبعمائة دينار أوجه بها إليك، وكان معها مال عظيم وجوهر، حشم فأتته المولاة فعرضت عليه ذلك، فقال : أنا مُمْلِقُ لا مال عندي، ودفعت إليه المال فأنعم لها وأقبل إلى أخيها فسأله التزويج فزوجه إياها، فأصدقها خمسمائة دينار وأهدى مائتي دينار ودخل عليها من ليلته، وإذا هي على مِنَصَّةٍ، فصعد عليها، فإذا كل عضو منها مكلل بالجوهر فلم يصل إليها، فدعت بعض جواريها فنزلت وغيرت لبسها ولبست ثياباً مصبغة وفرشت له فراشاً عَلَى الأرض دون ذلك، فلم [يقدر] يصل إليها فقالت : لا يضرك هذا كذلك [الرجال] كان يصيبهم مثل ما أصابك، فلم تزل به حتى وصل إليها من ليلته، وحظيت عنده، وحلف أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى، فولدت منه محمداً ورَيْطَة، وغلبت عليه غلبة شديدة، حتى ما كان يقطع أمراً إلا بمشورتها وبتأميرها حتى أفضت الخلافة إليه، فلم يكن يدنو إلى النساء غيرها لا إلى حرة ولا إلى أمة، ووفى لها بما حلف أن لا يغيرها.### خالد يصف النساء للسفاح ويغريه بالزواجفلما كان ذات يوم في خلافته خلا به خالد بن صفوان فقال : يا أمير المؤمنين، إني فكرت في أمرك، وسعة ملكك، وقد ملَّكْتَ نفسك امرأة واحدة [واقتصرت عليها] فإن مرضت، مرضت، وإن غابت غبت، وحرمت نفسك التلذذ باستظراف الجواري ومعرفة أخبار حالاتهن والتمتع بما تشتهي منهن فإن منهن يا أمير المؤمنين الطويلة الغَيداء، وإن منهن البَضَّة البيضاء، والعتيقة الأذماء، والدقيقة السمراء، والبربرية العَجْزاء، من مولدات المدينة، تفتن بمحادثتها، وتلذ بخلوتها، وأين أمير المؤمنين من بنات الأحرار والنظر إلى ما عندهن وحسن الحديث منهن؟ ولو رأيت يا أمير المؤمنين الطويلة البيضاء، والسمراء اللعساء، والصفراء العجزاء، والمولدات من البصريات والكوفيات، فوات الألسن العذبة، والقدود المهفهفة، والأوساط المخصرة، والأصداع المزَرْفَنَة، والعيون المكحلة، والثدي المحققة وحسن زيهن وزينتهن وشكلهن، لرأيت شيئاً حسناً، وجعل خالد يجيد في الوصف، ويكثر في الإطناب بحلاوة لفظه وجودة وصفه، فلما فرغ كلامه قال له أبو العباس: ويحك يا خالد ما صَكَ مسامعي واللّه قط كلام أحسن مما سمعته منك، فأعِدْ على كلامك فقد وقع مني موقعاً، فأعاد عليه [كلامه] خالد أحسن مما ابتدأه، ثم انصرف، وبقي أبو العباس مفكراً فيما سمع منه، فدخلت عليه أم سلمة امرأته، فلما رأته مفكراً مغموماً قالت: إني لأنكرك يا أمير المؤمنين، فهل حَدَث أمر تكرهه، أو
أتاك خبر فارتُغتَ له؟ قال : لم يكن من ذلك شيء، قالت: فما قصتك؟ فجعل ينزوي عنها، فلم تزل به حتى أخبرها بمقالة خالد، له فقالت: فما قُلْتَ لابن الفاعلة؟ قال لها : سبحان اللّه ينصحني وتشتمينه ؟ فخرجت من عنده، مُغضَبة وأرسلت إلى خالد جماعة من النجارية ومعهم الكامركوباث، وأمرتهم أن لا يتركوا منه عضواً صحيحاً، قال خالد: فانصرفت إلى منزلي وأنا على السرور بما رأيت من أمير المؤمنين، وإعجابه بما ألقيته إليه، ولم أشك أن صلته ستأتيني، فلم ألبث حتى صار إلي أولئك النجارية وأنا قاعد على باب داري، فلما رأيتهم قد أقبلوا نحوي أيقنت بالجائزة والصلة، حتى وقفوا عَلَيَّ، فسألوا عني فقلت : ها أنا ذا خالد، فسبق إلي أحدهم بهَرَاوة كانت معه فلما أهْوَى بها إلي وَثَبت فدخلت منزلي، وأغلقت الباب عَلَيَّ، واستترت ومكثت أياماً على تلك الحال لا أخرج من منزلي، ووقع في خَلَدِي أني أوتيت من قبل أم سلمة، وطلبني أبو العباس طلباً شديداً، فلم أشعر ذات يوم إلا بقوم قد هجموا عليَّ، وقالوا: أجب أمير المؤمنين، فأيقنت بالموت، فركبت وليس عليَّ لحم ولا دم، فلم أصل إلى الدار [حتى استقبلني عدة رسل، فدخلت عليه فألفيته خالياً، فسكنت بعض السكون، فسلمت] فأوماً إلى بالجلوس، ونظرت فإذا خلف ظهري باب عليه ستور قد أرخيت، وحركة خلفها فقال [لي]: يا خالد، لم أرك منذ ثلاث، قلت: كنت عليلا يا أمير المؤمنين، قال: ويحك !! إنك [كنت] وصفت لي في آخر دخْلة من أمر النساء والجواري ما لم يخرق مسامعي قط كلام أحسن منه فأعِدُهُ عليّ، قلت نعم يا أمير المؤمنين، أعلمتك أن العرب اشتقت اسم الضرة من الضر، وأن أحدهم ما تزوج من النساء أكثر من واحدة إلا كان في جَهْد، فقال : ويحك !! لم يكن هذا في الحديث، قلت: بلى واللّه يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الثلاث النساء كأثافي القدر يُغلَى عليهن، قال أبو العباس: برئت من قرابتي من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن كنت سمعت هذا منك في حديثك، قال: وأخبرتك أن الأربعة من النساء شر مجموع لصاحبهن يشيبنه ويهرمنه ويسقمنه، قال: ويلك !! واللّه ما سمعت هذا الكلام منك ولا من غيرك قبل هذا الوقت، قال خالد : بلی واللّه، قال : ويلك وتكذبني ؟ قال : وتريد أن تقتلني يا أمير المؤمنين؟ قال : مُرَّ في حديثك، قال : وأخبرتك أن أبكار الجواري رجال، ولكن لا خصي لهنَّ، قال خالد: فسمعت الضحك من وراء الستر، قلت: نعم وأخبرتك أيضاً أن بني مخزوم رَيْحَانَةُ قريش، وأن عندك ريحانة من الرياحين، وأنت تطمح بعينك إلى حرائر النساء وغيرهن من الإماء، قال خالد: فقيل من وراء الستار : صدقت واللّه يا عماه وبَرِرْتَ بهذا حَدَّثْتَ أمير المؤمنين، ولكن بَدَّلَ وغير ونطق عن لسانك، فقال لي أبو العباس : ما لك قاتلك اللّه وأخزاك وفعل بك وفعل ! ؟ قال : فتركته وخرجت وقد أيقنت بالحياة، قال خالد: فما)
شعرت إلا برسل أم سلمة قد صاروا إليَّ ومعهم عشرة آلاف آلاف درهم وتَخْتٌ وبرذون وغلام.### كان السفاح يحب مسامرة الرجالولم يكن أحد من الخلفاء يحب مسامرة الرجال مثل أبي العباس السفاح وكان كثيراً ما يقول : إنما العجب ممن يترك أن يزداد علماً، ويختار أن يزداد جهلا، فقال له أبو بكر الهذلي : ما تأويل هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: يترك مجالسة مثلك وأمثال أصحابك، ويدخل إلى امرأة أو جارية، فلا يزال يسمع سخفاً، ويروي نقصاً، فقال له الهذلي : لذلك فضلكم اللّه على العالمين، وجعل منكم خاتم النبيين.### السفاح وأبو نخيلةو دخل عليه أبو نخيلة الشاعر فسلم عليه وانتسب له، وقال: عبدك يا أمير المؤمنين وشاعرك، أفتأذن لي في إنشادك ؟ فقال له : لعنك اللّه !! ألست القائل في مسلمة بن عبد الملك بن مروان :مَسْلَم، إني يا ابن كل خليفةويا فارس الهيجا ويا جبل الأرضشكرتك، إن الشكر حَبْلٌ من التقىوما كل ما أوليته نعمة يقضىوأحيبْتَ لي ذِكْرِي وما كان خاملاًولكنَّ بعض الذكر أنْبَهُ من بعضقال : فأنا يا أمير المؤمنين الذي أقول :لما رأينا استمسكت يداكاكنا أناساً نَرْهَبُ الملاكاونركب الأعجاز والأوراكامن كل شيء ما خلا الإشراكافكلما قد قلت في سواكازُورٌ، وقد كَفَّرَ هذا ذاكاإنا انتظرنا قبلها أباكاثم انتظرنا بعدها أخاكاثم انتظرناك لها إياكافكنت أنت للرجال ذاكاقال : فرضي عنه ووَصله وأجازه.### كان أبسط وجهاً إذا حضر طعامهوكان أبو العباس إذا حضر طعامه أبْسَطَ ما يكون وجهاً، فكان إبراهيم بن مَخْرَمَة الكندي إذا أراد أن يسأله حاجة أخرها حتى يحضر طعامه ثم يسأله، فقال له يوماً : يا
إبراهيم، ما دعاك إلى أن تشغلني عن طعامي بحوائجك؟ قال : يدعوني إلى ذلك التماس النُّجْحِ لما أسأل، قال أبو العباس : إنك لحقيق بالسؤدد لحسن هذه الفِطنَة.### بعض عادات وسياسات السفاحوكان إذا تعادى رجلان من أصحابه وبطانته لم يسمع من أحدهما في الآخر شيئاً ولم يقبله، وإن كان القائل عَدْلًا في شهادته، وإذا اصطلح الرجلان لم يقبل شهادة واحد منهما لصاحبه ولا عليه ويقول : إن الضغينة القديمة تولد العداوة المُمِضَّة، وتحمل على إظهار المسالمة، وتحتها الأفعى التي إذا تمكنت لم تُبقِ.وكان في أول أيامه يظهر لندمائه، ثم احتجب عنهم، وذلك لسنة خلت من ملکه، لأمر قد ذكرناه فيما سلف [من كتبنا وكان قعوده من وراء الستارة، على حسب ما ذكرناه فيما سلف] من هذا الكتاب في سيرة أردشير بن بابك وأيامه.وكان يطرب من وراء الستر [على حسب ما ذكرنا] ويَصِيحُ بالمطرب له من المغنين: أحسنت واللّه أعد هذا الصوت.وكان لا ينصرف عنه أحد ندمائه ولا من مُطربيه إلا بصلة من مال أو كسوة، من ويقول : لا يكون سرورنا، معجلا ومكافأة من سرنا وأطربنا مؤجلا، وقد سبقه إلى هذا الفعل ملك من الملوك التي للفرس، وهو بهرام جور.وحضره أبو بكر الهذلي ذات يوم، والسفاح مُقْبل عليه يحادثه بحديث لأنوشروان في بعض حروبه بالمشرق مع بعض ملوك الأمم، فعصفت الريح فأذْرَتْ تراباً وقطعاً من الآجر من أعلى السطح إلى المجلس، فجزع من حضر المجلس لوقوع ذلك، وارتاع له، والهذلي شاخص نحو أبي العباس لم يتغير كما تغير غيره، فقال له أبو العباس : للّه أنت يا أبا بكر، لم أر كاليوم، أما راعَكَ ما راعنا ولا أحسست بما ورد علينا؟ فقال : يا أمير المؤمنين، ما جعل اللّه لرجل من قلبين في جَوْفِهِ، وإنما جُعل للرجل قلب واحد، فلما غمره السرور بفائدة أمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث مجال، واللّه عز وجل إذا أفرد بكرامته أحداً وأحب أن يبقى له ذكرها جعل تلك الكرامة على لسان نبي أو خليفة، وهذه كرامة خُصِصْتُ بها فمال إليها ذهني، وشغل بها فكري، فلو انقلبت الخضراء على الغَبراء ما أحسست بها، ولا وَجَمْتُ لها، إلا بما يلزمني من نفسي لأمير المؤمنين أعزه اللّه تعالى، فقال له :السفاح : لئن بقيتُ لك لأرفعنَّ منك وضيعاً لا تُطِيفُ به السباع، ولا ينحطُّ عليه العقاب.
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب وصية عبد الملك للشعبي في فضل الإنصات للملوك.### من النصائح في مخالطة الملوكوقد حكي عن عبد اللّه بن عياش المنتوف أنه قال : لم تتقرب العامة إلى الملوك بمثل الطاعة، ولا العبيد بمثل الخدمة، ولا البطانة بمثل حسن الاستماع.وقد حكي عن روح بن زنباع الجذامي أنه كان يقول : إذا أردْتَ أن يمكنك الملك من أذنه فأمكن أذنك من الإصغاء إلى حديثه، ولا يتعتب الرجل عندي إذا كان يصغي إلى حديثه، ولا يقدح ما قيل فيه في قلبي لما تقدم له من حسن الاستماع عندي.وقد حكي عن معاوية أنه كان يقول : يُغْلَب الملك حتى يُرْكب لشيئين : بالحلم عند سورَته، والإصغاء إلى حديثه.ووجدت في سير الملوك من الأعاجم أن شيرويه بن أبرويز بيننا هو في بعض منتزهاته بأرض العراق، وكان لا يسايره أحد من الناس مبتدئاً، وأهل المراتب العالية خَلْف ظهره على مراتبهم، فإن التفتَ يميناً دنا منه صاحب الجيش، وإن التفت شمالاً دنا منه المُوبِذَانُ، فأمر مَنْ دنا منهم بإحضار مَنْ أراد مسامرته، فالتفت في مسيره هذا يميناً، فدَنَا منه صاحب الجيش، فقال : أين شداد بن جرثمة؟ فأحضر فسايره، فقال له شيرويه : أفكرْتُ في حديث جَدِّنَا أردشير بن بابك حين واقع ملك الخزر، فحدّثني به إن كنت تحفظه، وكان شداد قد سمع هذا الحديث من أنوشروان، وعرف المكيدة، وكيف كان أردشير أوقعها بملك الخزر، فاستعجم عليه شداد، وأوهمه أنه لا يعرفه، فحدثه شيرويه بالحديث، فأصغى إليه الرجل بجوارحه كلها، وكان مسيرهم على شاطىء نهر، فترك الرجل لإقباله على شيرويه النَّظَرَ إلى موطىء حافر دابته، فزلّتْ إحدى قوائم الدابة، فمالت بالرجل إلى اليمين فوقع في الماء، ونفرت الدابة فابتدرها حاشية الملك وغلمانه فأمالوها عن الرجل، وجذبوه فحملوه على أيديهم حتى أخرجوه فاغتم الملك لذلك، ونزل عن دابته وبسط له هنالك حتى تغدَّى في موضعه، ودعا بثياب من خاص كسوته فألقيت على شداد وأكل معه، وقال له : غفلت عن النظر إلى موضع حافر دابتك، فقال : أيها الملك إن اللّه إذا أنعم على عبد نعمة قابلها بمحنة، وعارضها ببلية، وعلى قدر النعم تكون المحن وإن اللّه أنعم علي بنعمتين عظيمتين هما إقبال الملك علي بوجهه من بين هذا السواد الأعظم وهذه الفائدة وهي تدبير الحرب حتى حَدَّثَ بها عن أردشير حتى إني لو دخلت إلى حيث تطلع الشمس أو تغرب لكنت رابحاً، فلما اجتمعت
نعمتان جليلتان في وقت واحد قابلتهما هذه المحنة، ولولا أساورة الملك ويُمْن جدّه لكنت بعرض هلكة، وعلى ذلك فلو غرقت حتى ذهبت عن جديد الأرض لكان قد أبقى لي الملكُ ذكراً مخلداً ما بقي الضياء والظلام [ والجنوب والصَّبا] فسُرَّ الملك بذلك، وقال : ما ظننتك بهذا المقدار الذي أنت فيه فحشا فاه جوهراً ودراً رائقاً ثميناً، واستبطنه حتى غلب على أكثر أمره.وإنما ذكرنا هذا الخبر من أخبار من سلف مَنْ ملوك الفرس ليعلم أن أبا بكر الهذلي لم يبتدىء بحالٍ لم يسبقه إليها غيره، ويتقدمه بها سواه.### أحسن المواقع من الملوكوأحسن المواقع من الملوك الاستماعُ منها، والأخذ عنها، وقد كان حكماء اليونانيين نقول : إن الواجب على من أقبل عليه ملك أو ذو رياسة بحديث أن يصرف [قلبه] كله إلى ذلك، وإن كان يعرف الحديث الذي يسمعه من الملك، كأنه لم يسمعه قط، ويظهر السرور [بالفائدة] من الملك والاستبشار بحديثه، وإن في ذلك أمرين: أحدهم ما يظهر حسن أدبه، فإنه يعطي الملك حقه بحسن الاستماع لحديثه والاستغراب له [منه] كأنه لم يسمعه، وإظهار السرور والاستفادة منه؛ فالنفس إلى الفوائد من الملوك والحديث عنهم أشهى وأقرب منها إلى فوائد السوقة وما أشبهها.### معاوية وابن شجرة الرهاويوقد ذكر جماعة من الأخباريين كابن دأب وغيره نحو هذا المعنى عن معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن شجرة الرهاوي، وهو أن ابن شجرة كان يُساير ذات يوم معاوية وكان آنساً به، وإلى حديثه تائقاً، ومعاوية مقبل عليه يحدثه عن جزعان يوم كان لبني مخزوم وغيرهم من قريش، كان فيه حرب عظيمة فنى فيه خلق من الناس، وذلك قبل الإسلام، وقيل: إن ذلك كان قبل الهجرة، وكانت لأبي سفيان فيه مكرمة وسابقة في الرئاسة، وهو أنه لما أشرف الفريقان على الفَناء صعد على نَشَزِ من الأرض ثم صاح بالفريقين، وأشار بكمه، فانصرف الفريقان جميعاً انقياداً إلى أمره، وكان معاوية مُعْجَباً بهذا الحديث، فبينما هو يحدثه به ويزيد بن شجرة مقبل عليه، وقد استخفتهما لذة المحدث والمستمع إذ صك جبين يزيد بن شجرة حجر عائر فأدماه، فجعلت الدماء تسيل على وجهه ولحيته وثوبه وغير ذلك، ولم يتغير عما كان عليه من الاستماع فقال له معاوية : اللّه أنت يا بن شجرة، أما ترى ما نزل بك ؟ قال : وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال : هذا دَمٌ يسيل على ثوبك، قال : أعتق ما أملك إن لم يكن حديث أمير المؤمنين
ألهاني حتى غمر فكري وغطّى على قلبي، فما شعرت بشيء مما حَدَثَ، حتى نبهني عليه أمير المؤمنين، فقال معاوية : لقد ظلمك من جعلك في ألف من العطاء، وأخرجك من عطاء أبناء المهاجرين والجماهير ممن حضر معنا بِصِفِّينَ، ثم أمر له وهو في مسيره بخمسمائة ألف درهم، وزاده في عطائه ألفاً من الدراهم، وجعله بين جلده وثوبه.### تعليقوقد قال بعض أهل المعرفة والأدب من مصنفي الكتب في هذا المعنى وغيره مما حكيناه عن معاوية وابن شجرة: لئن كان ابن شجرة خَدَعَ معاوية في هذا ومعاوية ممن يخادع فما مثله إلا كما قال الأول :من يَنكِ العبير ينك نياكاوإن كان قد بلغ من بلادة ابن شجرة، وقلة حسه ما وصف به نفسه فما كان جديراً بخمسمائة ألف [درهم] صِلَةً وزيادة ألف في عطائه، وما أظن ذلك خفي عن معاوية.### حسن الاستماعقال المسعودي: وقد قالت الحكماء في هذا وأكثرت وأمرت بحسن الاستماع [والصمت] وأطنَبْتُ، فقالوا: لا تحسن المحادثة إلا بحسن الفهم، وقالوا : تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، وحسن الاستماع هو إمهال المحدث حتى ينقضي حديثه.### من أدب الحديثومن أدب الحديث وواجباته : أن لا يقتضب اقتضاباً، ولا يهجم عليه، وأن يتوصل إلى إجرائه بما يشاكله، وأن يستنسب له ما يحسن أن يجري في عرضه حتى يكون بعض المفاوضة متعلقاً ببعض، على حسب ما قالوا في المثل : إن الحديث ذو شجون، يريدون بذلك تشعبه وتفرعه عن أصل واحد إلى وجوه من المعاني كثيرة؛ إذ كان العيش كله في الجليس الممتع، وقال رجل : واللّه أمَلُّ الحديث، فقال السامع : إنما يمل العتيق لا الحديث.وقد أكثرت الشعراء من الإغراق في هذا المعنى، ومن ذلك قول [علي بن] العباس الرومي :وسئمت كل مآربي***فكأنّ أطيبها کل غَثِيثُ
إلا الحدیث فإنهمثل اسمه أبداً حديثوأحسن ما قيل في هذا المعنى قول إبراهيم بن العباس:إن الزمان وما تَرَيْنَ بِمَفْرِقِيصَرَفَ الغواية فانصرفتُ كريماوضَجِرْتُ إلا من لقاء محدثحسن الحديث يزيدني تعليماوقد ذكر بعض المحدثين من أهل الأدب أن من الأدب عَدَمَ إطالة الحديث من النديم،وأن أخْلَى الحديث وأحْسَنَه موقعاً أن تجتنب [منه] الأحاديث الطِّوال ذات المعاني المغلغلة والألفاظ الحشْوِية التي ينقضي باقتصاصها زمان المجلس، وتتعلق بها النفوس، وتحتسي على أواخرها الكؤوس، فإن ذلك بمجالس القُصَّاص، أشبه منه بمجالس الخواص.وقد ذكر هذا المعنى فأجاد فيه عبد اللّه بن المعتز باللّه، ووصف ذلك من أصحاب الشراب على المعاقرة، فقال :بین أقداحهم حدیث قصيرهو سحر، وما عَدَاهُ كلاموكأن السُّقَاةَ ين الندامى***ألفات بين السطور قياموهذه طريقة مَنْ ذهب هذا المعنى إلى استماع الملح.### أول وزير في الدولة العباسيةوكان أول من وقع عليه اسم الوزارة في دولة بني العباس أبو سَلَمة حفص بن سليمان الخلال الهمداني، مولى لسبيغ، وكان في نفس أبي العباس منه شيء؛ لأنه كان حاول في رد الأمر عنهم إلى غيرهم، فكتب أبو مسلم إلى السفاح يشير عليه بقتله، ويقول له : قد أحَلَّ اللّه لك دمه ؛ لأنه قد نكث وغير وبدل، فقال السفاح : ما كنت لأفتتح دولتي بقتل رجل من شيعتي، لا سيما مثل أبي سَلَمة، وهو صاحب هذه الدعوة، وقد عرض نفسه، وبذل مهجته وأنفق ماله وناصح إمامه، وجاهد عدوه، وكلمه أبو جعفر أخوه وداود بن علي عمه في ذلك، وقد كان أبو مسلم كتب إليهما يسألهما أن يشيرا على السفاح بقتله، فقال أبو العباس : ما كنت لأفسد كثير إحسانه وعظيم بلائه وصالح أيامه بزلةٍ كانت منه، وهي خَطْرة من خطرات الشيطان، وغفلة من غفلات الإنسان، فقالا له : فينبغي يا أمير المؤمنين أن تحترس منه، فإنا لا نأمنه عليك، فقال : كلا إني لآمنه في ليلي ونهاري وسري وجهري ووحدتي وجماعتي، فلما اتصل هذا القول من أبي العباس بأبي مسلم أكبره وأعظمه، وخاف من ناحية أبي سلمة أن يقصده بمكروه، فوجَّه جماعة من
ثقات أصحابه في إعمال الحيلة في قتل أبي سلمة، وقد كان أبو العباس يأنس بأبي سَلَمة ويسمر عنده، وكان أبو سَلَمة فكهاً ممتعاً أديباً عالماً بالسياسة والتدبير، فيقال : إن أبا سَلَمة انصرف ليلة من عند السفاح من مدينة بالأنبار، وليس معه أحد، فوثب عليه أصحاب أبي مسلم فقتلوه، فلما اتصل خبره بالسفاح أنشأ يقول :إلى النار فليذهب ومن كان مثلهعلى أي شيء فَاتَنَا منه نأسَفُوكان أبو مسلم يقال له : أمين آل محمد، وأبو سَلَمة حفص بن سليمان يدعى وزیر آل محمد، فلما قتل غيلة على ما ذكرنا قال في ذلك الشاعر من أبيات :إن المساءة قد تسرُّ، وربماكان السرور بما كرهت جديراإن الوزير وزير آل محمدأوْدَى؛ فمن يَشْنَاكَ كان وزيراوقد أتينا على خبر مقتله وكيفية أمره في الكتاب الأوسط.### مسامرات السفاحوكان الفساح يعجبه المحادثة ومفاخرات العرب من نزار واليمن، والمذاكرة بذلك، ولخالد بن صفوان ولغيره من قحطان أخبار حسان، ومفاخرات ومذاكرات ومنادمات ومسامرات مع أبي العباس [السفاح قد أتينا على مبسوطها وما اخترناه من غررها في كتابيْنَا «أخبار الزمان» والأوسط] فأغنى ذلك عن ذكرها.ومما ذكر من أخباره واستفاض من أسماره ما ذكره البهلوان بن العباس عن الهيثم بن عدي الطائي، عن يزيد الرقاشي، قال : كان السفاح يعجبه مسامرة الرجال وإني سمرت عنده ذات ليلة فقال : يا يزيد، أخبرني بأظرَفِ ما سمعته من الأحاديث، فقلت : يا أمير المؤمنين وإن كان في بني هاشم؟ قال : ذلك أعجب إلي، قلت: يا أمير المؤمنين، نزل رجل من تَنُوخَ بحي من بني عامر بن صَعْصَعَة، فجعل لا يحط شيئاً من متاعه إلا تمثل بهذا الست :لعمرك ما تَبْلَى سرائر عامرمن اللؤم ما دامت عليها جلودهافخرجت إليه جارية من الحي، فحادثته وآنسته وسألته حتى أنس بها، ثم قالت : ممن أنت مُتِّعْتُ بُك؟! قال رجل من بني تميم فقالت : أتعرف الذي يقول :تميمٌ بِطُرْقِ اللؤم أهْدَى من القطاولو سلکت سُبل المكارم ضَلَّتِولو أن برغوثاً على ظهر قَمْلةيكر على جَمْعَي تميم لولتِذبحنا فسمينا فتم ذبيحنا***وما ذبحت يوماً تمیم قسمت
أرى الليل يجلوه النهار، ولا أرىعظام المخازي عن تميم تجلتفقال : لا واللّه ما أنا منهم، قالت : فممن أنت؟ قال: رجل من عِجْل، قالت: أتعرف الذي يقول :أرى الناس يُعْطُونَ الجزيل، وإنماعطاء بني عجل ثلاث وأربَعُإذا مات عجليّ بأرض فإنمايشق له منها ذراع وإصبعقال : لا واللّه ما أنا من عجل، قالت: فممن أنت؟ قال : رجل من بني يشكر، قالت : أتعرف الذي يقول :إذا يشكريّ مَسَّ ثوبَكَ ثوبهفلا تذكرن اللّه حتى تطَهَّرَاقال : لا واللّه ما أنا من يشكر قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من بني عبد القيس، قالت : أتعرف الذي يقول :رأيت عبد القيس لاقت ذلاإذا أصابوا بصلا وخَلًاوسالحاً مصنعاً قد طلاباتوا يسلون النساء سلاسَل النبيط القصب المبتلا قال : لا واللّه ما أنا من عبد القيس قالت : فممن أنت؟ قال: رجل من باهلة، قالت : أتعرف الذي يقول :إذا ازدحم الكرام على المعانيتنحَّى الباهليُّ على الزحامفلو كان الخليفة باهلياًلقصر عن مناوأة الكراموعرْضُ الباهلي وإن توقىعليه مثل منديل الطعامقال : لا واللّه ما أنا من باهلة، قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من بني فَزَارَةَ، قالت : أتعرف الذي يقول :لا تأمننَّ فزاریاً خَلَوْتَ بهعلى قَلْوصِكَ، واكْتُبْها بأسيارلا تأمننَّ فزارياً على حمربعد الذي امتلك أير العير في النارقوم إذا نزل الأضياف ساحتهمقالوا لأمهم: بولي على النارقال : لا واللّه ما أنا من فزارة قالت : فممن أنت؟ قال : أنا رجل من ثقيف قالت : أتعرف الذي يقول :أضل الناسبون أبا ثقيففما لهمُ أب إلا الضلالفإن نُسِبَتْ أو انتسبت ثقيف**إلى أحد فذاك هو المحال
خنازير الْحُشُوشِ فقتلوهافإن دماءها لكم حلالقال : لا واللّه ما أنا من ثقيف، قالت : فممن أنت؟ قال رجل من بني عبس، قالت : أتعرف الذي يقول :إذا عَبْسِية ولدت غلاماًفبشرها بلؤم مستفادقال : لا واللّه ما أنا من عبس قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من ثعلبة قالت : أتعرف الذي يقول :وثعلبة بن قيس شرُّ قوموالأمهم وأغدرهم بجار[قال : لا واللّه ما أنا من ثعلبة قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من غنيّ، قالت : أتعرف الذي يقول :[إذا غَنَوية ولدت غلاماًفبشرها بخياط مجید]قال : لا واللّه ما أنا من غني، قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من بني مرة، قالت : أتعرف الذي يقول :إذا مُرِّية خضبت يداهافزوجها ولا تأمن زناهاقال : لا واللّه ما أنا من بني مرة قالت : فممن أنت؟ قال: رجل من بني ضبة، قالت : أتعرف الذي يقول :لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبركما كل ضَبي من اللؤم أزرققال: لا واللّه ما أنا من بني ضبة، قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من بجيلة، قالت: أتعرف الذي يقول :سألنا عن بجيلة حين عن حلتلنخبر أين قرَّ بها القرار؟فما تدري بجيلة حين تُدْعَىأقحطان أبوها أم نزارفقد وقعت بجيلة بين بينوقد خلعت كما خلع العذارقال : لا واللّه ما أنا من بجيلة قالت : فممن أنت ويحك ؟! قال رجل من بني الأزْدِ قالت : أتعرف الذي يقول :إذا أزدية ولدت غلاماًفبشرها بملاح مجیدقال : لا واللّه ما أنا من الأزد، قالت : فممن أنت ويلك؟! أما تستحي؟! قل الحق، قال : أنا رجل من خُزاعة قالت : أتعرف الذي يقول :
إذا افتخرت خزاعة في قديموَجَدْنَا فخرها شرب الخموروباعت كعبة الرحمن جهراًبزق، بئس مفتخر الفخورقال : لا واللّه ما أنا من خُزَاعة قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من سليم، قالت: أتعرف الذي يقول :فما لِسُلَيْم شَتت اللّه أمرهاتنيك بأيديها وتعيا أيورهاقال : لا واللّه ما أنا من سليم قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من لقيط، قالت: أتعرف الذي يقول :لعمرك ما البحار ولا الفياف بأوسعَ من فقاح بني لقيطلقيط شر مَنْ ركب المطاياوأنذل من يدب على البسيطألا لعن الإله بني لقيطبقايا سبية من قوم لوطقال : لا واللّه ما أنا من لقيط قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من كندة، قالت: أتعرف الذي يقول :إذا ما افتخر الكنديذو البهجة والطُّرّةفبالنسج وبالخفوبالسدل وبالحفرة[فدع کنْدَةَ للنسج*** أعلى فخرها عُرَّه ]قال : لا واللّه ما أنا من كِنْدَةَ، قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من خَثْعَم، قالت : أتعرف الذي يقول :وخَثْعَم لو صَفَرْتَ بها صغيراًلَطَارَتْ في البلاد مع الجرادقال : لا واللّه ما أنا من خَثْعم قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من طيىء، قالت : أتعرف الذي يقول :وما طيىء إلا نَبيطُ تجمَّعَتْفقالت طيانا كلمة فاستمرتولو أن حُرّ قوصاً يمدّ جناحهعلى جبليْ طي إذا لاستظلتقال : لا واللّه ما أنا من طيىء قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من مُزينة، قالت: أتعرف الذي يقول :وهل مزينة إلا من قبيلةلا يُرْتَجَى كرم فيها ولا دين
قال : لا واللّه ما أنا من مُزَينة، قالت : فممن أنت؟ قال: رجل من النخع، قالت : أتعرف الذي يقول :إذا النخع اللثام غَدَوْا جميعاًتأذّى الناس من وفر الزحاموما تسمو إلى مجد كريموما هم في الصميم من الكرامقال : لا واللّه ما أنا من النَّخع، قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من أود، قالت: أتعرف الذي يقول :إذا نَزَلْتَ بأَوْدٍ في ديارهمفاعلم بأنك منهم لست بالناجيلا تركنَنَّ إلى كهل ولا حَدَثفليس في القوم إلا كل عفّاجقال : لا واللّه ما أنا من أَوْدٍ، قالت : فممن أنت قال : أنا رجل من لخم، قالت : أتعرف الذي يقول :إذا ما انتمى قوم لفخر قديمهمتباعَدَ فخر القوم من لخم أجمعاقال: لا واللّه ما أنا من لخم، قالت : فممن أنت؟ قال: أنا رجل من جُذام، قالت : أتعرف الذي يقول :إذا كأسُ المُدام أدير يوماًلمكرمة تنحَّى عن جُذَامِقال : لا واللّه ما أنا من جُذَام، قالت : فممن أنت ويلك؟!! أما تستحي؟ أكثرت من الكذب !! قال : أنا رجل من تَنُوخ، وهو الحق، قالت : أتعرف الذي يقول:إذا تَنُوخُ قَطَعَت مَنْهلًافي طلب الغارات والثارآبَتْ بِخِزي من إله العلىوشهرة في الأهل والجارقال : لا واللّه ما أنا من تَنُوخَ، قالت : فممن أنت تكلتك أمك؟! قال : أنا [ رجل] من حِمْير، قالت : أتعرف الذي يقول :نُبِّئت حِمْير تهجوني، فقلت لهم:ما كنت أحسبهم كانوا ولا خُلِقُوالأن حِمْير قومٌ لا نصاب لهمكالعود بالقاع لا ماء ولا وَرَقُلا يكثرون وإن طالت حياتُهُمولو يبول عليهم ثعلب غرقواقال : لا واللّه ما أنا من، حمير قالت : فممن أنت؟ قال : أنا رجل من يُحَابر، قالت : أتعرف الذي يقول :ولو صَرَّ صَرَّار بأرض يُحابرلماتوا وأضْحَوا في التراب رميما
قال : لا واللّه ما أنا من يحابر قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من قُشَيْر قالت : أتعرف الذي يقول :بني قشير قتلتُ سيدكمفاليوم لا فِدْيَةٌ ولا قَوَدُقال : لا واللّه ما أنا من، قُشَيْر قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من أمية، قالت: أتعرف الذي يقول :وهي من أمية بنياتهافهان على اللّه فقدانُهَاوكانت أمية فيما مضىجريء على اللّه سلطانهافلا آلُ حرب أطَاعُوا الرَّسُولولم يَتَّقِ اللّه مَرْوَانُهَاقال : لا واللّه ما أنا من بني أمية قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من بني هاشم، قالت : أتعرف الذي يقول :بني هاشم عُودُوا إلى نَخَلاتِكُمفقد صار هذا التمر صاعاً بدرهمفإن قلتمُ رَهْطُ النبي محمدفإن النصارى رهط عیسی ابن مریمقال : لا واللّه ما أنا من بني هاشم، قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من هَمْدَانُ، قالت : أتعرف الذي يقول :إذا هَمْدَانُ دارت يوم حَرْبِرحاها فَوْقَ هامات الرجالرأيتهم يحثُونَ المطاياسراعاً هاربين من القتالقال : لا واللّه ما أنا من هَمْدَانَ قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من قُضَاعَة، قالت : أتعرف الذي يقول :لا يفخرةً قضاعيّ بأسرتهفليس من يَمَنٍ محضاً ولا مُضَرمُذبذبين فلا قَحْطَانُ والدهمولا نزار، فخلوهم إلى سقرقال : لا واللّه ما أنا من قُضَاعة قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من شيبان قالت : أتعرف الذي يقول :فک-شيبان قومٌ لهم عديدٌفکلهم مُقْرِب لئیمما فيهم ماجدٌ حسیبولا نجيب ولا كريمقال : لا واللّه ما أنا من شَيْبَان قالت: فممن أنت؟ قال : رجل من بني نُمَيْر، قالت : أتعرف الذي يقول :
فغضَّ الطرف إنك من نميرفلا كعباً بلغت ولا كلابافلو وضعت فِقَاح بني نُميرعلى خَبَثِ الحديد إذا لَذَابًاقال : لا واللّه ما أنا من نُمير، قالت : فممن أنت؟ قال : أنا رجل من تغلب، قالت : أتعرف الذي يقول :لا تطلبنَّ خؤولة في تغلبفالزنج أكْرَمُ منهم أخوالاوالتغلبيُّ إذا تنحنح للقِرَىحَكَّ اسْتَه وتمثّل الأمثالاقال : لا واللّه ما أنا من تغلب، قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من مُجَاشع، قالت : أتعرف الذي يقول :تبكي المُغِيبَةُ من بنات مُجاشعولها إذا سُمِعت نهيقُ حمارقال : لا واللّه ما أنا من مُجاشع، قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من كَلب قالت : أتعرف الذي يقول :فلا تَقْرَباً كلباً ولا بَاب دارهافما يطمع الساري يرى ضوء نارهاقال : لا واللّه ما أنا من كلب، قالت : فممن أنت؟ قال : أنا رجل من تيم، قالت: أتعرف الذي يقول :[تَيْمِيَّة مثلُ أنف الفيل مقبلهاتهدى الرحا ببنان غير مخدوم]قال : لا واللّه ما أنا من تَيْم، قالت: فممن أنت؟ قال رجل من جَرْم، قالت: أتعرف الذي يقول :تُمَنْينِي سَوِيقَ الكَرم جَرْموما جرْم وما ذاك السويق؟فما شربوه لما كَان حِلَاوَلا غَالَوْا به في يوم سوقفلما أنزل التحريمُ فيهاإذا الجرمِيُّ منها لا يفيققال : لا واللّه ما أنا من جزم، قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من سُلَيم قالت : أتعرف الذي يقول :إذا ما سُلَيم جئتَها لغدائهارَجَعت كما قد جئت غَرْثَانَ جائعاقال : لا واللّه ما أنا من سُلَيم، قالت : فممن أنت؟ قال : رجل من الموالي، قالت : أتعرف الذي يقول :ألا من أراد الفُحْشَ واللُّؤْمَ والخنافعند الموالي الْجِيدُ وَالطَّرَفَانِ
قال : أخطأتُ نسبي ورب الكعبة، أنا رجل من الخوز، قالت: أتعرف الذي يقول :لا بارك اللّه رَبِّي فِيكُمُ أبداًيا معشر الْخُوزِ؛ إن الخوز في النارقال : لا واللّه ما أنا من الخوز، قالت : فمن أنت؟ قال: أنا رجل من أولاد حام، قالت : أتعرف الذي يقول :فلا تنكَحَنْ أولاد حام؛ فإنهممَشَاويه خلق اللّه حَاشَا ابن أكْوَعقال : لا واللّه ما أنا من ولد حام، لكني من ولد الشيطان الرجيم، قالت : فلعنك اللّه ولعن أباك الشيطان معك، أفتعرف الذي يقول :ألا يا عباد اللّه هذا عدوكموهذا عَدُوُّ اللّه إبليس فاقتلوافقال لها : هذا مقام العائذ بك، قالت : قم فَارْحَلْ خاستاً مذموماً، وإذا نزلتَ بقوم فلا تنشد فيهم شعراً حتى تعرف منْ هم، ولا تتعرض للمباحث عن مساوىء الناس، فلكل قوم إساءة وإحسان إلا رسول رب العالمين ومن اختاره اللّه على عباده، وعَصَمه من عدوه، وأنت كما قال جرير للفرزدق :وكُنْتَ إِذا حَلَلْتَ بدار قومرحلتَ بِخَزْيَةٍ وتركت غارافقال لها : واللّه لا أنشدت بيت شعر أبداً، فقال السفاح : لئن كُنْتَ عملت هذا الخبر ونظمت فيمن ذكرت هذه الأشعار فلقد أحسنت، وأنت سيد الكاذبين، وإن كان الخبر صدقاً وكنت فيما ذكرته محقاً فإن هذه الجارية العامرية لمن أخضَر الناس جواباً، وأبصرهم بمثالب الناس.قال المسعودي: وللسفاح أخبار غير هذه وأسمار حسان قد أتينا على مبسوطها في كتابينا أخبار الزمان والأوسط.
## ذكر خلافة أبي جعفر المنصور### موجزوبويع أبو جعفر المنصور عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب وهو بطَرِيقِ مكة، أخَذَ له البيعة عَمُّه عيسى بن عليّ، ثم لعيسى بن موسى من بعده، يوم الأحد لاثنتي عَشَرَةَ ليلةٌ خَلَتْ من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، والمنصور يومئذٍ ابن إحدى وأربعين سنة، وكان مولده في ذي الحجة سنة خمس وتسعين، وكانت أمه أم ولد يقال لها سلامة بربرية، وكانت وفاته يوم السبت لست خَلَوْنَ من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة ؛ فكانت ولايته اثنتين وعشرين سنة إلا تسعة أيام، وهو حاجٌّ عند وصوله إلى مكة في الموضع المعروف ببستان بني عامر من جَادَّةِ، العراق، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة، ودُفن بمكة مكشوف الوَجْهِ لأنه كان مُحْرِماً، وقيل : إنه مات بالبطحاء عند بئر ميمون ودُفن بالحجُون، وهو ابن خمس وستين سنة، واللّه أعلم.
## ذكر جمل من أخباره، وسيره ولمع مما كان في أيامه### رؤيا أم المنصورذكر عن سلامة أم المنصور أنها قالت: رأيت لما حملت بأبي جعفر [المنصور] كأنَّ أسداً خرج من قُبُلي فأقْعَى وزَارَ وضرب بذنبه، فأقبلت إليه الأسْدُ من كل ناحيةٍ فكلما انتهى إليه أسد منها سَجَدَ له.### المنصور ورفيق سفر ضرير شاعروحدث علي بن محمد المدائني أن المنصور قال: صحبت رجلًا ضريراً إلى الشام وكان يريد مروان بن محمد بشعر قاله فيه، قال: فسألته أن ينشدني فأنشدني :ليت شعري أفاح رائحة المسكوما إن إخال بالخيف إنسيحين غَابَتْ بنو أُمية عنهوالبهاليل من بني عبد شمسخطباء على المنابر فُرْسان عليها، وقَالَةٌ غير خُرْسِلا يُعابون، قائلين، وإن قالوالوا أصابوا ولم يقولوا بلبسوحُلُوم إذا الحلوم اسْتُخِفَتْووجوه مثل الدنانير مُلسقال المنصور : فواللّه ما فرغ من شعره حتى ظننت أن العمى [قد] أدركني، وكان واللّه ممتع الحديث حسن الصحبةقال : وحججت سنة إحدى وأربعين ومائة فنزلت على الحمارة في جبلي زَرُود في الرمل أمشي لنَذْر كان عليَّ، فإذا أنا بالضرير، فأومأت إلى من كان كان معي أن يتأخروا، فتأخروا ودنوت منه، فأخذت بيده فسلمت عليه: فقال : من أنت جعلني اللّه فداك فما أثبتك معرفة؟ قلت : رفيقك إلى الشام في أيام بني أُمية وأنت متوجه إلى مروان، فسلم عليّ وتنفس وأنشأ يقول:آمَتْ نساءُ بني أُمية منهمُوبناتهم بمضيعة أيتام
نامت جدودهُمُ وأسقط نجمهموالنجم يسقط والجدود نيامخَلَتِ المنابر والأسِرَّةُ منهمفعليهمُ حتى فعليهم حتى الممات سلامفقلت له : كم كان مروان أعطاك ؟ فقال : أغناني فلا أسأل أحداً بعده، فقلت: كم؟ فقال : أربعة آلاف دينار وخلع وحملان، قلت : وأين ذاك؟ قال : بالبصرة، قلت: أتثبتني معرفَةً؟ رفَةً ؟ فقال : أما معرفة الصحبة فقد لعمري وأما معرفة النسب فلا، فقلت : أنا أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين، فوقع عليه الإفكل وقال : يا أمير المؤمنين اعذر فإن ابن عمك محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «جُبلت النفوسُ على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها»، قال أبو جعفر فهمَمْت واللّه به ثم تذكرت الحرمة، والصحبة، فقلت للمسيب : أطلقه [فأطلق] ثم بدا لي في مُسامرته رأي، فأمرت بطلبه فكأن البيداء أبادته.)### المنصور وأهله يتحدثون عن سير بني أميةوحدث الربيع قال : اجتمع عند المنصور عيسى بن علي، وعيسى بن موسى، ومحمد بن علي وصالح بن علي، وقُتم بن العباس، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن إبراهيم، فذكروا خلفاء بني أمية وسيرهم وتدبيرهم، والسبب الذي به سُلِبُوا عزهم، فقال المنصور : أما عبد الملك فكان جباراً لا يبالي ما صنع وأما سليمان فكانت همته بطنه، وفرجه، وأما عمر [بن عبد العزيز ] فكان أعْوَرَ بين عُمْيَان، وكان رجل القوم، هشام ولم تزل بنو أمية ضابطين لما مُهدَ لهم من السلطان يحوطونه ويحفظونه، ويصونون ما وهب اللّه لهم منه مع كسبهم معالي الأمور ورفضهم أدانيها، حتى أفضى الأمر إلى أبنائهم المترفين، فكانت همتهم قصد الشهوات وركوب اللذات من معاصي اللّه عز وجل؛ جهلا منهم باستدراجه، وأمناً منهم لمكره، مع اطرَاحهم صيانة الخلافة، واستخفافهم بحق [ اللّه تعالى وحق] الرياسة، وضعفهم عن السياسة، فسلبهم اللّه العز، وألبسهم الذل، ونَفَى عنهم النعمة ؛ فقال صالح بن علي : يا أمير المؤمنين، إن عبد اللّه بن مروان لما دخل أرض النُّوبَةِ هارباً فيمن اتبعه سأل ملك النوبة عن حالهم وهيئتهم وما نزل بهم، وكيف كانت سيرتهم، فأخبره بجميع ذلك، فركب إلى عبد اللّه ليسأله عن شيء من أمورهم، والسبب الذي به زالت النعمة عنهم، وكلمه بكلام سقط عني حفظه، ثم أشْخَصَه عن بلده فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به ليحدثه عن أمره فعل، فأمر المنصور بإحضاره في مجلسه، فلما مَثَل بين يديه قال له: يا عبد اللّه قصَّ عليَّ قصتك وقصة ملك النُّوبَة، قال : يا أمير المؤمنين، قدمت إلى النُّوبَةِ، فأقمت بها ثلاثاً، فأتاني ملكها، فقعد على الأرض وقد أعددت له فراشاً [له قيمة] فقلت له : ما منعك من القعود
على فراشنا ؟ فقال : لأني ملك، وحق لكل ملك أن يتواضع لعظمة اللّه عز وجل إذ رفعه اللّه، ثم قال : لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم ؟ فقلت : اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا، قال فلم تطؤون الزرع بدوابكم والفسادُ محرم عليكم في كتابكم؟ فقلت : فعل ذلك عبيدنا وأتباعنا لجهلهم قال : فلم تلبسون الديباج والحرير والذهب وهو محرم عليكم في كتابكم ودينكم؟ فقلت : ذهب منا الملك فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا، فأطرق إلى الأرض بقلب يده مرة وينكت في الأرض أخرى، ويقول : عبيدنا وأتباعنا وأعاجم دخلوا علينا في ديننا، ثم رفع رأسه فقال : ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرَّم اللّه وركبتم ما عنه نُهِيتم، وظلمتم فيما ملكتم ؛ فسلبكم اللّه العز، وألبسكم الذلّ بذنوبكم واللّه فيكم نقمة لم تبلغ غايتها فيكم وأنا خائف أن يحلَّ بكم العذاب وأنتم ببلدي فينالني معكم، وإنما حق الضيافة ثلاث؛ فتزوَّدْ ما احتجت إليه وارحل عن أرضي ففعلت، فتعجب المنصور وأطرق ملياً، فرقُ له وهم بإطلاقه فأعلمه عيسى بن علي أن في عنقه بيعة له فأعاده إلى الحبس.### وفاة محمد بن جعفر الطالبيقال المسعودي : ولعشر سنين خلت من خلافة المنصور توفي أبو عبد اللّه [ محمد بن] جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، سنة ثمان وأربعين ومائة ودفن بالبقيع مع أبيه وجده، وله خمس وستون سنة، وقيل : إنه سم وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع رخامة عليها مكتوب : بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه مُبيد الأمم، ومحيي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيدة نساء العالمين، وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد رضي اللّه عنهم !.)### وزراء المنصورواستوزر أبو جعفر المنصور بْنَ عطية الباهلي، ثم استوزر أبا أيوب المورياني الخوزي، وكان له بأبي جعفر أسباب منها أنه كان يكتب لسليمان بن حبيب بن المهلّب، وقد كان سليمان ضرب المنصور بالسوط في أيام الأمويين، وأراد هتكه، فخلصه كاتبه أبو أيوب من يده، فكان ذلك سبب الاتصال به، فلما استوزره اتُّهِمَ بأشياء منها اختجان الأموال وسوء النية، فكان على الإيقاع به، وتطاول ذلك، فكان كلما دخل عليه ظن أنه سيوقع به، ثم يخرج سالماً، فقيل : إنه كان معه دهن قد عمل فيه شيئاً من
السحر يطليه على حاجبيه إذا أراد الدخول على المنصور، فسار في العامة دهن أبي أيوب لما ذكرنا، ثم أوقع به واستكتب أبان بن صدقة إلى أن مات.### المنصور يسأل عن تدبيرات هشام بن عبد الملكوذكر لأبي جعفر تدبير هشام في حرب كانت له فبعث إلى رجل كان ينزل برُصَافة هشام يسأله عن تلك الحرب، فقدم عليه الرجل فقال له : أنت صاحب هشام؟ فقال : نعم يا أمير المؤمنين قال: فأخبرني كيف فعل في حرب دبرها في سنة كذا وكذا، قال : فعل رضي اللّه عنه فيها كذا وكذا، وفعل رحمه اللّه كذا وكذا، فأغاظ ذلك المنصور، فقال له : قم عليك غضب اللّه، تطأ بِساطي وتترحَّم على عدوي؟ فقام الشيخ وهو يقول : إن لعدوك قلادة في عنقي، ومنة في رقبتي لا ينزعها إلا غاسلي، فأمر المنصور برده، وقال: كيف قلت : قال : إنه كفاني الطَّلَبَ، وصان وجهي عن السؤال، فلم أقف على باب عربي ولا عجمي منذ رأيته، أفلا يجب لي أن أذكره إلا بخير وأتبعه بثنائي : فقال : بلى، اللّه أمّ نهضت عنك! أشهد أنك نهيض حرة وغِرَاسُ كريم، ثم استمع منه، وأمر له بجائزة فقال : يا أمير المؤمنين ما آخذها لحاجة وما هو إلا أن أتبجح بحبائك وأتشرف بصلتك، فأخذ الصلة، فقال له المنصور : مت إذا شئت، اللّه أنت ! لو لم يكن لقومك غيرك كنت قد أبقيت لهم مجداً وقال لجلسائه بعد خروجه عنه : في مثل هذا تحسن الصَّنِيعة، ويُوضَعُ المعروف، ويُجاد بالمصُونِ، وأنى في عسكرنا مثله؟### المنصور ومعن بن زائدةودخل معن بن زائدة على المنصور، فلما نظر إليه قال : هيه يا معن، تعطي مروان بن أبي حفصة مائة ألف درهم على قوله :مَعْنُ بن زائدة الذي زيدت بهشَرَفاً على شَرَفٍ بَنُو شَيْبَانِفقال كلا يا أمير المؤمنين إنما أعطيته على قوله :ما زِلْتَ يومَ الهاشمية مُعلناًبالسيف دون خليفة الرحمنفَمَنْعت حَوْزَتَهُ، وكُنت وقاءَه***مِنْ وَقْع كلِّ مُهَنَّدٍ وسِنَانِفقال : أحسنت يا مَعْن، وكان مَعْن مِنْ أصحاب [ يزيد بن] عمر بن هبيرة، وكان مستتراً حتى كان يوم الهاشمية - وقد كان سَعَت فيه عدة من أهل خراسان – فإنه حضر وهو مُغتم متلثم، فلما نظر إلى القوم قد وَثَبُوا على المنصور تقدم، ثم جعل يضربهم بالسيف قدامه، فلما أفرجوا وتفرقوا عنه قال : مَنْ أَنتَ : فحسر عن وجهه وقال : أنا
طَلَبَتُكَ يا أمير المؤمنين مَعْن بن زائدة، فلما انصرف المنصور آمَنَهُ وحَبَاه وأكرمه وكساه ورتبه.[ ودخل معن بن زائدة يوماً على المنصور، فقال له ما أسْرَعَ الناس إلى حسد قومك ! فقال : يا أمير المؤمنين.إن الغَرانيق تلقاها محسَّدةولن ترى للئام الناس حُسَّادا]### المنصور يقع بين يديه سهم كتب عليه شعر وظلامةوذكر ابن عياش المنتوف أن المنصور كان جالساً في مجلسه المبني على طاق باب خراسان من مدينته التي بناها وأضافها إلى اسمه وسماها مدينة المنصور، مُشرفاً على دجلة، وكان قد بنى على كل باب من أبواب المدينة في الأعلى من طاقه المعقود مجلساً يُشرِفُ منه على ما يليه من البلاد ذلك الوجه، وكانت أربعة أبواب شوارع محدقة وطاقات معقودة وهي باقية إلى وقتنا هذا الذي هو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، فأول أبوابها باب خراسان، وكان يسمى باب الدولة ؛ لإقبال الدولة العباسية من خُراسان، ثم باب الشام، وهو تلقاء الشام، ثم باب الكوفة، وهو تلقاء الكوفة، ثم باب البصرة، وهو تلقاء البصرة، وقد أتينا على كيفية خبر بناء تلك المدينة، واختيار المنصور لهذه البقعة بين دجلة والفرات ودُجَيْل والصَّرَاة، وهذه أنهار تأخذ من الفرات، وأخبار بغداد وعلة تسميتها بهذا الاسم، وما قاله الناسُ في ذلك، وخبر القبة الخضراء وسقوطها في هذا العصر، وقصة قبة الحجاج الخضراء التي كان الحجاج بناها بواسط العراق، وبقاؤها إلى ذلك الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة في كتابنا الأوسط الذي كتابنا هذا تال له، فبينما المنصور جالس في هذا المجلس مِنْ أعالي باب خراسان إذ جاء سهم عائر حتى سقط بين يديه، فذُعِرَ منه المنصور ذعراً شديداً ثم أخذه فجعل يقلبه فإذا هو مكتوب عليه بين الريشتين :أتطمع في الحياة إلى التَّنَادِوتحسب أن مالك مِنْ مَعَادِسَتُسْأَلُ عن ذنوبك والخِطَايَاوتُسْأَلُ بعد ذاكَ عن العِبَادِثم قرأ عند الريشة الأخرى:أحسنْتَ ظُنَّك بالأيام إِذْ حَسُنَتْولم تَخَفْ سوء ما يأتي به القدروسالَمَتْكَ الليالي فاغْتَرَرْتَ بها***وعند صفو الليالي يحدثُ الكدرثم قرأ عند الريشة الأخرى :
هي المقاديرُ تجري في أعنَّتهافاصبر فليس لها صَبْرٌ على حاليوماً ثر بك خَسِيس القوم ترفعهإلى السماء، ويوماً تخفض العاليوإذا على جانب السهم مكتوب همذان منها رجل مظلوم في حبسك، فبعث مِنْ فوره بعدة من خاصته، ففتشوا الحبوس والمَطابِق، فوجدوا شيخاً في بَنِيَّة من الحبس فيه سراج يسرج وعلى بابه بارية مسبلة، وإذا الشيخ مُوثَقٌ بالحديد متوجه نحو القبلة يردد هذه الآية «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَى مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ» [الشعراء: 227] فسألوه عن بلده، فقال: همذان فحمل، ووضع بين يدي المنصور، فسأله عن حاله فأخبره أنه رجل من أبناء مدينة، همذان وأرباب نعمها وأن واليك علينا دخل بلدنا، ولي ضَيْعَةٌ في بلدنا تُسَاوي ألف ألف درهم، فأراد أخذها مني، فامتنعت فكبلني في الحديد، وحملني وكتب إليك أني عاص، فطرحت في هذا المكان فقال : منذ كم [لك في الحبس]؟ قال : منذ أربعة أعوام، فأمر بفَكِّ الحديد عنه، والإحسان إليه والإطلاق له، وأنزله أحسن منزل، ورده إليه، فقال له : يا شيخ قد رَدَدْنَا عليك ضيعتك بخراجها ما عشت وعشنا، وأما مدينتك همذان فقد وليناك عليها، وأما الوالي فقد حكمناك فيه وجعلنا أمره إليك، فجزاه خيراً، ودعا له بالبقاء، وقال يا أمير المؤمنين أما الضيعة فقد قبلتها وأما الولاية فلا أصلح لها، وأما واليك فقد عفوت عنه، فأمر له المنصور بمال جزيل، وبر واسع، واستحله و حمله إلى بلده مكرماً، بعد أن صرف الوالي وعاقبه على ما جنى من انحرافه عن سنة العدل وواضحة الحق، وسأل الشيخ مكاتبته في مهماته وأخبار بلده، وإعلامه بما يكون من وُلاته على الحرب والخراج، ثم أنشأ المنصور ويقول :من يصحب الدهر لا يأمن تَصَرُّفهيوماً، وللدهر إحلاء وإمرارلكل شيء وإن دامت سلامتهإذا انتهى فله لا بُدَّ إقصار### المنصور يستشير في أمر أبي مسلموقال المنصور يوماً لسالم بن قتيبة : ما ترى في أمر أبي مسلم؟ قال: لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا، فقال : حسبك يا ابن قتيبة، لقد أودعتها أذناً واعية.وذكر ابن دأب وغيره عن عيسى بن علي قال : ما زال المنصور يشاورنا في جميع أموره حتى امتدحه إبراهيم بن هَرْمَة فقال في قصيدة له :إذا ما أراد الأمر ناجي ضميرهفناجي ضميراً غير مختلف العقلولم يشرك الأذنين في سر أمرهإذا انتقضت بالأصبعين قوي الحبل
ولما أراد المنصور قتل أبي مسلم سقط بين الاستبداد برأيه والمشورة فيه، فأرقه ذلك، فقال :تَقَسَّمَني أمران لم أمتحنهمابحزم، ولم تعرك قواي الكراكروما ساور الأحشاء مثل دفينةمن الهم رَدَّتْهَا عليك المصادروقد علمت أبناء عدنان أننيعلى مثلها مِقَدامَةٌ متجاسر### خروج عبد اللّه بن عليوقد كان عبد اللّه بن علي خالف على المنصور، ودعا إلى نفسه مَنْ كان معه من أهل الشام [وغيرهم، فبايعوه] وزعم أن السفاح جعل الخلافة من بعده لمن انتدب لقتل، مروان فلما بلغ المنصور ذلك من فعل عبد اللّه كتب إليه :سأجعل نفسي منك حيث جعلتهاوللدهر أيام لهن عواقبثم بعث إليه بأبي، مسلم فكانت له معه حروب كثيرة ببلاد نصيبين في الموضع المعروف بدير الأعور، وصبر الفريقان [جميعاً] شهوراً على حربها، واحتفروا الخنادق، ثم انهزم عبد اللّه بن علي فيمن كان معه، وسار في نفر من خواصه إلى البصرة، وعليها أخوه سليمان بن علي عم المنصور، فظفر أبو مسلم بما كان في عسكر عبد اللّه، فبعث إليه المنصور بيقطين بن موسى لقبض الخزائن، فلما دخل يقطين على أبي مسلم قال : السلام عليك أيها الأمير، قال : لا سَلّم اللّه عليك يا ابن اللَّخْناء ! أوتمن على الدماء ولا أوتمن على الأموال؟ فقال له : ما أبدى هذا منك أيها الأمير ؟ قال : أرسلك صاحبك لقبض ما في يدي من الخزائن، فقال له : امرأته طالق ثلاثاً إن كان أمير المؤمنين وَجْهَنِي إليك لغير تهنئتك بالظفر، فاعتنقه أبو مسلم وأجلسه إلى جانبه، فلما انصرف قال لأصحابه : واللّه إني لأعلم أنه قد طلق زوجته [ ثلاثاً] ولكنه وفى لصاحبه.### خلاف أبي مسلم للمنصور وقتلهوسار أبو مسلم من الجزيرة وقد أجمع على خلاف المنصور، واجتاز على طريق خراسان متنكباً للعراق يريد، خراسان وسار المنصور من الأنباء يريد المدائن، فنزل برومية المدائن التي بناها كسرى، وقد قدمنا ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب، وكتب إلى أبي مسلم : إني قد أردت مذاكرتك بأشياء لم يحتملها الكتاب، فأقبل فإن مقامَكَ عندنا قليل، فقرأ الكتاب ومضى على حاله، فسرح إليه المنصور جرير بن يزيد بن
جرير بن عبد اللّه البَجَليَّ، وكان واحد أهل زمانه وداهية عصره، وكانت المعرفة بينه وبين أبي مسلم [قديمة] بخراسان، فأتاه فقال : أيها الأمير، ضربت الناس عن عرض لأهل هذا البيت، ثم تنصرف على هذه الحالة؟ ما آمَنْ أن يعيبك من هنالك ومن ههنا وأن يقال : طلب بثأر قوم ثم نقض بيعتهم، فيخالفك من تأمن مخالفته إياك، وإن الأمر لم يبلغ عند خليفتك ما تكره ولا أرى أن تنصرف على هذه الحال، فأراد أن يجيب إلى الرجوع، فقال له مالك بن الهيثم : لا تفعل فقال لمالك : ويلك !! لقد بليت بإبليس وما بليت بمثل هذا قط، يعني الجريري، فلم يزل به حتى أقبل به على المنصور، وكان أبو مسلم يجد خبره في الكتب السالفة [ونعته] وأنه يقتل بالروم، وكان يكثر من قول ذلك، وأنه يقتل بالروم على حسب ما وجد في المَلاحم وأنه يميت دولة ويحيي أخرى، فلما دخل على المنصور وقد تلقاه الناس رَحَبَ به [وعانَقَه] وقال له : كِدْتَ أن تمضي قبل أن أقضي عليك بما أريد قال : فقد أتيت يا أمير المؤمنين فأمر بأمرك، فأمر بالانصراف إلى منزله، وانتظر فيه الفُرَصَ والغوائل، فركب أبو مسلم إلى المنصور مراراً [وهو لا يُظْهِر له شيئاً، ثم ركب] وقد أظهر له التجنّي، فسار أبو مسلم إلى عيسى بن موسى، وكان له فيه رأي جميل، فسأله الركوب معه إلى المنصور ليعذله بحضرته، فأمر أن يتقدمه إلى المنصور فإنه بالأثر، فتقدم أبو مسلم إلى مَضْرب المنصور، وهو على دجلة برومية المدائن، فدخل وجلس تحت الشراع - وقيل الرواق - فأخبر أن المنصور يتوضأ للصلاة، وكان المنصور قد تقدم إلى صاحب حَرَسِه عثمان [بن نهيك] في عدة فيهم شبيب بن رواح المروروذي وأبو حنيفة حَرْبُ بن قيس، وأمرهم أن يقوموا خلف السرير الذي كان وراء أبي مسلم وأمرهم أنه إذا عاتبه وظهر صوته لا يظهروا، فإذا صفق بيد على يد فليظهروا وليضربوا عنقه وما أدركوا منه بسيوفهم، وجلس المنصور، فقام أبو مسلم من موضعه ودخل فسلم عليه فردَّ عليه وأذن له بالجلوس، وحادثه ساعة، ثم أقبل يعاتبه ويقول : فعلت وفعلت فقال أبو مسلم : ليس يقال هذا لي بعد بلائي وما كان مني، فقال له يا ابن الخبيثة وإنما فعلت ذلك بجَدِّنَا وحُظُوظنا، ولو كان مكانك أمة سوداء لأجْزَتْ، ألست الكاتب إليَّ تبدأ بنفسك والكاتب إليَّ تخطب آسية بنت علي وتزعم أنك ابن سليط بن عبد اللّه بن العباس ؟ لقد ارتَقَيْتَ لا أم لك مُرْتَقَى صعباً، فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، فقال المنصور، وهو آخر ما كلمه به : قتلني اللّه إن لم أقتلك، وذكر له قتله لسليمان بن كثير، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى، فخرج إليه القوم، فَبَدَرَهُ عثمان بن نهيك فضربه ضربة خفيفة بالسيف قطعت نجاد سيف
أبي مسلم، وضربه شبيب بن رواح فقطع رجله، واعتورته السيوف، فخلطت أجزاؤه، وأتوا عليه والمنصور يصيح: اضربوا قطع اللّه، أيديكم وقد كان أبو مسلم عند أول ضربة قال : استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك قال : لا أبقاني اللّه أبداً إن أبقيتك! وأي عدو أعدى لي منك؟.وكان قتله في شعبان من سنة ست وثلاثين ومائة وفيها كانت بيعة المنصور،و هزيمة عبد اللّه بن علي وأدرج أبو مسلم في بساط.ودخل عيسى بن موسى فقال : يا أمير المؤمنين، أين أبو مسلم؟ فقال : قد كان ههنا آنفاً، فقال : يا أمير المؤمنين، قد عرفت طاعته ونصيحته، ورأى إبراهيم الإمام فيه، فقال له المنصور : يا أنوك خلق اللّه ما أعلم في الأرض عدواً أغدى لك منه، ها هو ذاك في البساط فقال عيسى : إنا للّه وإنا إليه راجعون.ودخل عليه جعفر بن حنظلة فقال له المنصور : ما تقول في أمر أبي مسلم فقال : يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل ثم اقتل، فقال المنصور : وفقك اللّه ! ها هو في البساط، فلما نظر إليه قتيلا قال: يا أمير المؤمنين، عُدَّ هذا اليوم أول خلافتك، وقد كان السفاح هم بقتله برأي المنصور ثم رجع عن قتله، وأقبل المنصور على من حضره وأبو مسلم بين يديه طريحاً فقال:زعمت أن الدَّيْنَ لا ينقضيفاسْتَوْفِ بالكيل أبا مجرماشرب بكأس كنت تسقى بهاأمَرَّ في الحلق من العلقمودعا المنصور بنصر بن مالك، وكان على شرطة أبي مسلم فقال : استشارك أبو مسلم بالمسير إليَّ فنهيته؟ قال: نعم، قال: ولم؟ قال: سمعت أخاك إبراهيم الإمام يحدث عن أبيه قال : لا يزال المرء يزداد في عقله إذا ما مَحَضَ النصيحة لمن شاوره فكنْتُ له كذلك، وأنا الآن لك كذلك.واضطرب أصحاب أبي مسلم ففرقت فيهم الأموال، وعلموا بقتله، فأمسكوا رَغْبَةً ورَهْبَةً.### خطبة المنصور بعد قتل أبي مسلموخطب المنصور الناسَ بعد قتله أبا مسلم فقال : أيها الناس، لا تخرجوا عن أنس الطاعة إلى وَحْشة المعصية، ولا تُسِرُّوا غِشَ الأئمة، فإن من أسرَّ غش إمامه أظهر اللّه سريرته في فَلَتات لسانه وسقطات، أفعاله وأبداها اللّه لإمامه الذي بادر بإعزاز دينه به
وإعلاء حقه بفلجه، إنا لم نَبخَسكم حقوقكم، ولم نبخس الدين حقه عليكم، إن من نازعنا [عروة] هذا القميص أوطأناه ما في هذا الغمد، وإن أبا مسلم بايعنا وبايع لنا على أنه من نكث بيعتنا فقد أباح لنا دمه، ثم نكث بيعته هو، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، ولم تمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحق عليه.### الخرمية الفرقة التي تتولى أبا مسلمولما نمي قتل أبي مسلم إلى خُراسان وغيرها من الجبال اضطربت الخرمية، وهي الطائفة التي تدعى بالمسلمة القائلون بأبي مسلم، وإمامته، وقد تنازعوا في ذلك بعد وفاته فمنهم من رأى أنه لم يمت ولن يموت حتى يظهر فيملأ الأرض عدلا، وفرقة قطعت بموته وقالت بإمامة ابنته فاطمة وهؤلاء يُدْعَوْنَ الفاطمية، وأكثر الخرمية في هذا الوقت- وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - الكردكية واللود شاهية وهاتان الفرقتان أعظم الخرمية، ومنهم كان بابك الخرمي الذي خرج على المأمون والمعتصم بالبدين من أرض الران وأذربيجان وسنأتي على خبره وخبر مقتله في أخبار المعتصم فيما يرد من هذا الكتاب إن شاء اللّه، وأكثر الخرمية ببلاد خراسان والري وأصبهان وأذربيجان وكرج أبي دُلَفَ والبرج الموضع المعروف بالرذ والورسنجان ثم ببلا الصيروان والصيمرة وأريوجان من بلاد ماسبذان وغيرها من تلك الأمصار وأكثر هؤلاء في القرى والضياع، وسيكون لهم عند أنفسهم شأن وظهور يراعونه وينتظرونه في المستقبل من الزمان ويعرفون هؤلاء بخراسان وغيرها بالباطنية، وقد أتينا على مذاهبهم وذكر فرقهم في كتابنا [ «المقالات في أصول الديانات» وإن كان قد سبقنا إلى ذلك مؤلفو الكتب] في «المقالات».### بين الخرمية وجيش المنصورفاجتمعت الخرمية - حين علمت بقتل أبي مسلم - [ بخراسان، فخرج فيهم رجل يقال له بسنفاد من نيسابور يطلب بدم أبي مسلم] فسار في عسكر عظيم من بلاد خراسان إلى الري، فغلب عليها وعلى قُومَس وما يليها، وقبض على ما كان بالري من خزائن أبي، مسلم، فكثر جمع بسنفاد بمن حوله من أهل الجبال وطبرستان، ولما اتصل خبر مسيرهم بالمنصور سَرَّحَ إليه جهور بن مرار العجلي في عشرة آلاف رجل، وتلاه بالعساكر فالتقوا بین همذان و الري على طرف المفازة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وصبر الفريقان جميعاً، فقتل بسنفاد وولي أصحابه فقتل منهم ستون ألفاً وسبى منهم سبايا وذراري كثيرة، وكان بین خروجه إلى مقتله سبعون ليلة، وذلك في سنة ست وثلاثين ومائة بعد قتل أبي مسلم بأشهر.
### ظهور محمد بن عبد اللّه بن الحسن (النفس الزكية)وفي سنة خمس وأربعين ومائة كان ظهور محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم بالمدينة، وكان قد، وكان قد بويع له في كثير من الأمصار، وكان يُدْعَى بالنفس الزكية لزهده ونسكه، وكان مستخفياً من المنصور، ولم يظهر حتى قَبَضَ المنصور على أبيه عبد اللّه بن الحسن وعمومته وكثير من أهله وعدتهم، ولما ظهر محمد بن عبد اللّه بالمدينة دعا المنصور إسحاق بن مسلم العقيلي، وكان شيخاً ذا رأي، وتجربة فقال له أشِرْ عليَّ في خارجي خرج علي، قال: صف لي الرجل، قال: رجل من ولد فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذو علم وزهد وورع، قال : فمن تبعه؟ قال : ولد علي وولد جعفر عَقِيل وولد عمر بن الخطاب وولد الزبير [بن العوام] وسائر قريش وأولاد الأنصار، قال له : صف لي البلد الذي قام به، قال بلد لیس به زَرْع ولا ضَرْع ولا تجارة واسعة ففكر ساعة ثم قال : اشحن يا أمير المؤمنين البصرة بالرجال، فقال المنصور في نفسه : قد خَرِف الرجل، أسأله عن خارجي خرج بالمدينة يقول لي اشحن البصرة بالرجال فقال له انصرف يا شيخ، ثم لم يكن إلا يسير حتى ورد الخبر أن إبراهيم قد ظهر بالبصرة، فقال المنصور: علي بالعقيلي فلما دخل عليه أدْنَاهُ ثم قال له : إني كنت قد شاورتك في [أمر] خارجي خرج بالمدينة فأشرت على أن أشحن البصرة [بالرجال] أو كان عندك من البصرة علم ؟ قال : لا، ولكن ذكرت لي خروج رجل إذا خرج مثله لم يتخلف عنه أحد، ثم ذكرت لي البلد الذي هو فيه فإذا هو ضيق لا يحتمل الجيوش، فقلتُ : إنه رجل سيطلب غیر، موضعه ففكرت في مصر فوجدتها مضبوطة، والشام والكوفة كذلك وفكرت في البصرة فخفت عليها منه [لخلوها]، فأشرت بشحنها فقال له :المنصور: أحسنت، وقد خرج بها أخوه، فما الرأي في صاحب المدينة ؟ قال : ترميه، بمثله إذا قال : أنا ابن رسول اللّه، قال هذا وأنا ابن عم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فقال المنصور لعيسى بن موسى: إما أن تخرج إليه وأقيم أنا أمدُّكَ بالجيوش، وإما أن تكفيني ما أخلف ورائي وأخرج أنا إليه، فقال عيسى : بل أقيك بنفسي يا أمير المؤمنين وأكون الذي يخرج إليه، فأخرَجَه إليه من الكوفة في أربعة آلاف فارس وألفي راجل وتبعه محمد بن قحطبة في جيش كثيف، فقاتلوا محمداً بالمدينة حتى قتل وهو ابن خمس وأربعين سنة، ولما اتصل بإبراهيم قتل أخيه محمد [بن عبداللّه] وهو بالبصرة صعد المنبر فنعاه وتمثل :)أبا المنازل يا خير الفوارس من***يُفجع بمثلك في الدنيا فقد فُجعا
اللّه يعلم أني لو خشيتهموأوْجَسَ القلب من خوف لهم فزعالم يقتلوه ولم أسلم أخَيَّ لهمحتى نموت جميعاً أو نعيش معاً.### تفرق اخوة محمد بن عبد اللّه في البلادوقد كان تفرق اخوة محمد وولده في البلدان يدعون إلى إمامته ؛ فكان فيمن توجه ابنه علي بن محمد إلى مصر، فقتل بها، وسار [ابنه] عبد اللّه إلى خراسان فهرب لما طلب إلى السند فقتل هناك، وسار ابنه الحسن إلى اليمن ؛ فحبس فمات في الحبس، وسار أخوه موسى إلى الجزيرة، ومضى أخوه يحيى إلى الري ثم إلى طبرستان، فكان من خبره في أيام الرشيد ما سنورده فيما يرد من هذا الكتاب ومضى أخوه إدريس بن عبد اللّه إلى المغرب فأجابه خلق من الناس، وبعث المنصور من اغتاله [بالسم] فيما احتوى عليه من مدن المغرب.### الأدارسةوقام ولده إدريس بن إدريس بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن مقامه، فَعُرفَ البلد بهم، فقيل : بلد إدريس بن إدريس، وقد أتينا على خبرهم عند ذكرنا لخبر عبيد اللّه صاحب المغرب وبنائه المدينة المعروفة بالمَهْدِية، وخبر أبي القاسم ابنه بعده، وانتقالهم من مدينة سلمية من أرض حمص إلى المغرب في الكتاب الأوسط، ومضى إبراهيم أخوه إلى البصرة وظهر بها فأجابه أهل فارس والأهواز وغيرهما من الأمصار [وسار من البصرة] في عساكر كثيرة من الزَّيْدِية وجماعة ممن يذهب إلى قول البغداديين من المعتزلة وغيرهم، ومعه عيسى بن زيد بن [علي بن الحسن] بن علي بن [الحسين بن علي] بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، فسير إليه المنصور عيسى بن موسى وسعيد بن سلم في العساكر، فحارب حتى قتل في الموضع المعروف بباخَمرى، وذلك على ستة عشر فرسخاً من الكوفة من أرض الطَّفّ، وهو الموضع الذي ذكرته الشعراء ممن رثي بإبراهيم، فممن ذكر ذلك دِعْبِلُ بن علي [الخزاعي، فقال] في قصيدة [له] أولها :مدارس آیاتِ خَلَتْ من تلاوةومنزل وَحْيِ مُقْفِر العرصاتومنها قوله فيهم :قبور بكوفان، وأخرى بطيبةوأخرى بفَخُ وأخرى بفَخّ، يا لها صلواتوأخرى بأرض الجوزجان محلها***وقبر بباخَمْرَى لدى الغَرَبَاتِوقتل معه من الزيدية من شيعته أربعمائة رجل، وقيل : خمسمائة [رجل].
وروى بعض الأخباريين عن حماد التركي قال : كان المنصور نازلا في دَيْرٍ على شاطىء دجلة في الموضع الذي يسمّى اليوم الخلد، ومدينة السلام، إذ أتى الربيع في وقت الهاجرة والمنصور [نائم] في البيت الذي هو فيه، وحماد قاعد على الباب [و الخريطة بيد الربيع، بخروج محمد بن عبد اللّه ] فقال : يا حماد افتح الباب فقلت : الساعة هجع أمير المؤمنين، فقال: افتح ثَكَلَتْكَ أمك، قال: فسمع المنصور كلامه فنهض يفتح الباب بيده وتناول منه الخريطة، فقرأ ما فيها من الكتب وتلا هذه الآية «وَالْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَاهَا اللّه وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللّه لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» [المائدة: 64] ثم أمر بإحضار الناس والقُوَّاد والموالي وأهل بيته وأصحابه وأمر حماداً التركي بإسراج الخيل، وأمر سليمان بن مجالد بالتقدم [والمسيب بن زهير فأخرج الأقوات] ثم خرج فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلى على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال :)ما لي أكَفِّكف عن سعد ويشتمنيوإن شتمت بني سعد لقد سكنوا ؟جهلًا علينا وجُبْناً عن عدوهملبئست الخصلتان الجهلُ والجُبْنُأما واللّه لقد عجزوا عن أمر قمنا له فما شكروا [القائم] ولا حمدوا الكافي، ولقد مهدوا فاستو عروا، وغبطوا فغمطوا، فماذا تحاول مني ؟ أسقي رنقاً على كدر؟ كلا واللّه، لأن أموت معززاً أحب إلي [من] أن أحيا مستذلا، ولئن لم يرض العفو مني ليطلبَنَّ ما لا يوجد عندي والسعيد من وعظ بغيره ثم نزل فقال يا، غلام قدم فركب من فوره إلى معسكره، وقال: اللّهم لا تَكِلْنَا إلى خلقك فنضيع، ولا إلى أنفسنا فنعجز [فلا تكلنا إلا إليك ].وذكر أن المنصور هيئت له عجة من مخ وسكر فاستطابها، فقال: أراد إبراهيم [أن] يحرمني هذا وأشْبَاهَه.وذكر [أن] المنصور قال يوماً لجلسائه بعد قتل محمد وإبراهيم تاللّه ما رأيتُ رجلًا أنصح من الحجاج لبني مروان فقام المسيب بن زهير الضبي فقال : يا أمير المؤمنين ما سبقنا الحجاج بأمر تخلفْنا عنه واللّه ما خلق اللّه على جديد الأرض خلقاً أعز علينا من نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد أمرتنا بقتل أولاده فأطعناك، وفعلنا ذلك، فهل نصحناك أم لا؟فقال له المنصور : اجلس لا جلست.)وقد ذكرنا أنه كان قبض على عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي رضي اللّه عنه [ومحمد وإبراهيم ابني عبد اللّه ] وعلى كثير من أهل بيته، وذلك في سنة أربع
وأربعين ومائة في مُنْصَرَفِهِ من الحج، فحملوا من المدينة إلى الربذَةِ من جادَّةِ العراق، وكان ممن حمله مع عبد اللّه بن الحسن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، وأبو بكر بن الحسن بن الحسن، وعلي الخير، وأخوه العباس، وعبد اللّه بن الحسن بن الحسن [والحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن] ومعهم محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان أخو عبد اللّه بن الحسن بن الحسن لأمه فاطمة ابنة الحسين بن علي، وجدتهما فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجرد المنصور بالربَذَةِ محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فضربه ألف سوط، وسأله عن ابني أخيه محمد، وإبراهيم فأنكر أن يعرف مكانهما، فسألت جدته العثماني في ذلك الوقت، وارتحل المنصور عن الربذة وهو في قبة، وأوهن القوم بالجهد فحملوا على المحامل المكشوفة، فمر بهم المنصور في قبته على الجمازة فصاح به عبد اللّه بن الحسن : يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا بكم يوم، بدر فصيرهم إلى الكوفة وحبسوا في سرداب تحت الأرض لا يفرقون بين ضياء النهار وسواد الليل وخلّى منهم سليمان وعبد اللّه ابنَيْ داود بن الحسن وموسى بن عبد اللّه بن الحسن والحسن بن جعفر، وحبس الآخرين ممن ذكرنا [هم] حتى ماتوا، وذلك على شاطىء الفرات بالقرب من قنطرة الكوفة، ومواضعهم بالكوفة تُزار في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وكان قد هام عليهم الموضع، وكانو يتوضؤون في مواضعهم فاشتدت عليهم الرائحة، فاحتال بعض مواليهم حتى أدخل إليهم شيئاً من الغالية فكانوا يدفعون بشمها تلك الروائح المنتنة، وكان الورم [يبدو ] في أقدامهم فلا يزال يرتفع حتى يبلغ الفؤاد فيموت صاحبه.)وذكر [ من وجه آخر] أنهم لما حبسوا في هذا الموضع أشكل عليهم أوقات الصلاة فجزؤوا القرآن خمسة أجزاء، فكانوا يصلون الصلاة على فراغ كل واحد منهم من حزبه، وكان عدد من بقي منهم خمسة، فمات إسماعيل بن الحسن، فترك عندهم حتى جَيَّف، فصعق داود بن الحسن فمات، وأتى برأس إبراهيم بن عبد اللّه فوجه به المنصور مع الربيع إليهم، فوضع الرأس بين أيديهم وعبد اللّه يصلي فقال له إدريس أخوه : أسرع في صلاتك يا أبا محمد فالتفت إليه وأخذ الرأس فوضعه في حجره وقال له : أهلا وسهلا يا أبا القاسم، واللّه لقد كنت ما علمتُكَ - من الدين قال اللّه عز وجل فيهم : «الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّه وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّه بِهِ أَن يُوصَلَ» [الرعد: 20] إلى آخر الآية فقال له الربيع : كيف أبو القاسم في نفسه؟ قال: كما قال الشاعر :فتى كان يحميه من الذل سَيْفه***ويكفيه أن يأتي الذُّنُوبَ اجْتِنَابها
ثم التفت إلى الربيع فقال [له] : قل لصاحبك قد مضى من [بؤسنا أيام، ومن نعيمك] أيام والملتقى يوم القيامة، قال الربيع : فما رأيت المنصور قط أشد انكساراً منه في الوقت الذي بلغته فيه هذه الرسالة، فأخذ هذا المعنى العباس بن الأحنف فقال :فإن تلحظي حالي وحالَكِ مَرَّةًبنظرة عين عن هوى النفس تحجبتَرَى كل يوم مَرَّ من بؤس عيشتيتمر بيوم من نعيمك يُحسبقال المسعودي : ولما أخذ المنصور عبد اللّه بن الحسن و [إخوته والنفر الذين كانوا معه من ] أهل بيته صعد المنبر بالهاشمية، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال : يا أهل خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا، وأهل دعوتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيراً منا، إن ولد ابن أبي طالب تركناهم والذي لا إله إلا هو والخلافَةَ فلم نعرض لهم لا بقليل ولا بكثير، فقام فيها علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فما أفلح، وحكم الحكمين ؛ فاختلفت عليه الأمة، وافترقت الكلمة، ثم وَثَبَ عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه، ثم قام بعده الحسن بن علي رضي اللّه عنه فواللّه ما كان برجل، عرضت عليه الأموال فقبلها ودَسَ إليه معاوية إني أجعلك وليّ عهدي فخلعه وانسلخ له مما كان فيه، وسلمه إليه وأقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة ويطلق غداً أخرى، فلم يزل كذلك حتى مات على فراشه، ثم قام من بعده الحسين بن علي رضي اللّه عنه، فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة أهل الشقاق والنفاق والإغراق في الفتن، أهل هذه المَدَرَة السوء، وأشار إلى الكوفة، فواللّه ما هي لي بحرب فأحاربها، ولا هي لي بسلم فأسالمها فرق اللّه بين وبينها! فخذلوه وأبرؤوا أنفسهم منه، فأسلموه حتى قتل منه فأسلموه حتى قتل، ثم قام من بعده زيد بن علي فخدعه أهل الكوفة وغروه، فلما أظهروه وأخرجوه أسْلَمُوه، وقد كان أبي محمد بن علي ناشده اللّه في الخروج وقال له : لا تقبل أقاويل أهل الكوفة فإنا نجد في علمنا أن بعض أهل بيتنا يُصْلَبُ بالكناسة، وأخشى أن تكون ذلك المصلوب، وناشده اللّه بذلك عمي داود وحذّره رحمه اللّه غَدْرَ أهل الكوفة، فلم يقبل، وتم على خروجه، فقتل وصلب بالكُنَاسة، ثم وثب بنو أمية علينا فابتزونا شرفنا، وأذهبوا عزنا، واللّه ما كان لهم عندنا تِرَةٌ يطلبونها، وما كان ذلك كله إلا فيهم وبسبب خروجهم، فنفونا عن البلاد، فصرنا مرة بالطائف ومرة بالشام، ومرة بالسَّرَاة حتى ابتعثكم اللّه لنا شيعة وأنصاراً، فأحيا اللّه شرفنا وعزنا بكم يا أهل، خراسان ودفع بحقكم أهل الباطل] وأظهر لنا حقنا، وأصار إلينا [أمرنا و] ميراثنا من نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فقر الحق في قراره، وأظهر اللّه مناره، وأعز أنصاره، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للّه رب العالمين. فلما استقرت الأمور فينا على قرارها من فضل اللّه وحكمه العدل وثبوا علينا حسداً منهم لنا وبغياً علينا،)
بما فضلنا اللّه به عليهم، وأكرمنا من خلافته ميراثنا من نبيه وجبناً من بني أمية، وجراءة علينا، إني واللّه يا أهل خراسان ما أتيت ما أتيت من هذا الأمر من جهالة [ولا عن ظنة ] ولقد كنت تبلغني عنهم بعض السقم ولقد كنت سميت لهم رجالاً فقلت : قم أنت يا فلان فخذ معك من المال كذا وكذا، وقم أنت يا فلان فخذ معك من المال كذا وكذا، وحذوت لهم مثالاً يعملون عليه فخرجوا حتى أتوا المدينة فلقوهم فدسوا ذلك المال، فواللّه ما بقي منهم شيخ ولا شاب ولا صغير ولا كبير إلا بايعهم لي فاستحللت به دماءهم وحلت عند ذلك بنقضهم بيعتي وطلبهم الفتنة والتماسهم الخروج علي، ثم قرأ في درج درج المنبر «وَحِيلَ بينَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍ مُرِيبٍ» [سبأ : 54].### بين المنصور والربيعقال المسعودي : وقال المنصور للربيع يوماً : اذكر حاجتك، قال: يا أمير المؤمنين حاجني أن تحب الفضل [ابني] فقال له : ويحك !! إن المحبة إنما تقع بأسباب قال : يا أمير المؤمنين قد أمكنك اللّه من إيقاع السبب، قال : وما ذاك؟ قال : تُفضل عليه، فإنك إذا فعلت ذلك أحبك، وإذا أحبك أحببته [قال : واللّه قد أحببته قبل إيقاع السبب، ولكن كيف اخترت له المحبة دون كل شيء؟ قال : لأنك] إذا أحببته كبر عندك صغير إحسانه، وصغر عندك كبير إساءته، وكانت ذنوبه كذنوب الصبيان، وحاجته إليك كحاجة الشفيع العريان.وقال المنصور يوماً للربيع : ويحك يا ربيع !! ما أطيب الدنيا لولا الموت، قال له : ما طابت إلا بالموت، قال : وكيف ذلك ؟ قال : لولا الموت لم تقعد هذا المقعد، قال: صدقت.### بين المنصور وعمرو بن عبيدوذكر إسحاق بن الفضل قال بينا أنا على باب المنصور إذ أتى عمرو بن عَبيد فنزل عن حماره، وجلس، فخرج إليه الربيع، فقال له : قم أبا عثمان، بأبي أنت وأمي؟ فلما دخل على أبي جعفر أمر أن تفرش له لبود بقربه، وأجلسه إليه بعد ما سلم ثم قال : يا أبا عثمان عظني بموعظة، فوعظه ؟ بمواعظ، فلما أراد النهوض قال : أمرنا لك بعشرة آلاف، قال: لا حاجة لي فيها قال أبو جعفر واللّه لتأخذَنَها قال: لا واللّه لا آخذها وكان المهدي حاضراً، فقال : يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت؟ فالتفت عمرو إلى أبي جعفر فقال : مَنْ هذا الفتى؟ قال : هذا محمد ابني، وهو المهديّ، وهو وليّ عهدي،
قال : أما واللّه لقد ألبسته لباساً ما هو من لباس الأبرار، ولقد سميته باسم ما استحقَّه عملا، ولقد مهدت له أمراً أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه، ثم أقبل عمرو على المهدي فقال : نعم يا ابن أخي، إذا حلف أبوك أخنثه عمك ؛ لأن أباك أقوى على الكفارات من عمك، فقال له المنصور : هل لك من حاجة يا أبا عثمان؟ قال : نعم، قال : ما هي ؟ قال : أن لا تبعث إلى حتى آتيك، قال : إذاً لا نلتقي قال : هي حاجتي، فمضى وأتبعه المنصور بطرفه، ثم قال :كلّكم يَمْشِي رُويدكلكم يطلب صيدغیر عمرو بن عُبيدودخل عمرو بن عبيد على المنصور بعد ما بايع للمهدي، فقال له: يا أبا عثمان هذا ابن أمير المؤمنين، ووليُّ عهد المسلمين، فقال له عمرو : يا أمير المؤمنين، أراك قد وطَّدْتَ له الأمور، وهي تصير إليه وأنت عنه مسؤول فاستعبر المنصور وقال له: عظني يا عمرو قال يا أمير المؤمنين، إن اللّه [قد] أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها، وإن هذا الذي [أصبح ] في يديك لو بقي في يد غيرك لم يصل إليك، فاحذر ليلة تمخض بيوم لا ليلة بعده وأنشد:يا أيها ذا الذي قد غَرَّه الأملودون ما يأمل التنغيص والأجلألا ترى إنما الدنيا وزينتهاكمنزل الركب حَلُوا ثُمَّتَ ارتحلواحُتُوفَها رَصَدّ، وعيشها نكدوصفوها كدر، وملكها دُوَلُتظل تقرع بالروعات ساكنهافما يسوغ له لين ولا جذلكأنه للمنايا والرَّدَى غَرَضتظل فيه بنات الدهر تنتضلوالنفس هاربة، والموت يَرْصُدُهاوكل عشرة رجْل عندها زللوالمرء يسعى لما يبقى لوارثهوالقبر وارث ما يسعى له الرجل### موت عمرو بن عبيدومات عمرو بن عبيد في أيام المنصور سنة أربع وأربعين ومائة [وقيل : سنة خمس وأربعين ومائة] ويكنى أبا عثمان، وهو عمرو بن عبيد بن باب، مولى بني تميم، وكان جدّه باب من سَبي كابل من رجال السند، وكان شيخ المعتزلة [في وقته] ومفتيها، وله خُطَب ورسائل، وكلام كثير في العدل والتوحيد وغير ذلك. وقد أتينا على أخباره والغرر من كلامه ومناظراته في كتابنا في المقالات في أصول الديانات.
وفي سنة إحدى وأربعين ومائة شخص المنصور إلى بيت المقدس فصلّى فيه لنذر كان عليه وانصرف.### موت هشام بن عروةوفي سنة ست وأربعين ومائة مات هشام بن عروة [بن الزبير] وهو ابن خمس وثمانين، وكان إذا أسمعه رجل كلاماً قال أنا أرفع نفسي عنك، ثم نازع علي بن الحسن فأسرع إليه، هشام، فقال له علي : إني أدعوك إلى ما كنت تدعو إليه.### موت أبي حنيفة النعمان وجماعةوفي سنة خمسين ومائة مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت مولى تَيْم اللات من بكر بن وائل في أيام المنصور ببغداد، توفي وهو ساجد في صلاته، وهو ابن تسعين سنة [وفيها مات عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج المكي، مولى خالد بن أسيد، ويكنى أبا الوليد، وهو ابن سبعين سنة، وفيها مات محمد بن إسحاق بن بَسَار مولى قيس بن مَخْرَمة من بني المطلب، ويكنى أبا عبد اللّه، ويقال : مات سنة إحدى، ويقال : سنة اثنتين وخمسين ومائة ].وفي سنة سبع وخمسين مات الأوزاعي، ويكنى أبا عمرو عبد الرحمن بن عمرو من أهل الشام وإنما كان منزله فيهم - أعني الأوزاع - ولم يكن منهم، وذلك بدمشق [فأضيف إليهم، وكان من سبي أهل اليمن] في آخر أيام المنصور، وله تسعون سنة.[ وفي أيام المنصور مات ليث بن أبي سليم الكوفي، مولى عنبسة بن أبي سفيان، سنة ثمان وخمسين ومائة ] وفي سنة ست وخمسين ومائة مات سَوَّار بن عبد اللّه القاضي، وفي سنة أربع وخمسين ومائة مات أبو عمرو بن العلاء في أيام المنصور.### مقتل عبد اللّه بن علي عم المنصوروطال حبس عبد اللّه بن علي بأمر المنصور، وأقام في محبسه تسع سنين، [وقيل غير ذلك] فلما أراد المنصور الحجّ في سنة تسع وأربعين ومائة حوله من عنده إلى عیسی بن موسى، وأمره بقتله وأن لا يعلم بذلك أحداً، فبعث عيسى بن موسى إلى ابن أبي ليلى وابن شبرمة، فشاورهما في ذلك فقال ابن [أبي ليلى : امض بما أمرك به أمير المؤمنين وقال ابن] شبرمة: لا تفعل، فأبى أن يقتله، وأظهر لأبي جعفر أنه قتله، وشاع ذلك؛ فكلم بنو على [المنصور] في أخيهم عبد اللّه، فقال لهم: هو عند
عيسى بن موسى، فلما قدموا مكة أتوا عيسى بن موسى فسألوه عنه ؛ فقال : قد قتلته، فرجعوا إلى أبي جعفر، فقالوا: زعم عيسى أنه قد قتله، فأظهر أبو جعفر الغضب على عیسى، وقال : يقتل عمي؟ واللّه لأقتلنه، وكان أبو جعفر أحَبَّ أن يكون عيسى قتله فيقتله به فیستريح منهما جميعاً، قال : فدعا به فقال : لِمَ قتلت عمي؟ قال : أنت أمرتني بقتله، قال : لم آمرك بذلك، فقال : هذا كتابُكَ إليَّ، فيه قال : لم أكتبه، فلما رأى الجدَّ من المنصور، وتخوف على نفسه قال : هو عندي لم أقتله قال : ادفعه إلى أبي الأزهر المهلب بن أبي عيسى، فدفعه إليه، فلم يزل عنده محبوساً، ثم أمره بقتله، فدخل عليه ومعه جارية له فبدأ بعبد اللّه فخنقه اللّه فخنقه حتى مات ثم مَدَّهُ عَلَى الفراش ثم مَدَّهُ عَلَى الفراش، ثم أخذ الجارية ليخنقها فقالت: يا عبد اللّه، قِتْلَة غير هذه فكان أبو الأزهر يقول : ما رحمت أحداً قتلته غيرها، فصرفت وجهي عنها، وأمرت بها فخنقت، ووضعتها معه على الفراش، وأدخلت يدها تحت جنبه ويده تحت جنبها كالمعتنقين، ثم أمرت بالبيت فهدم عليهما، ثم أحضرنا القاضي ابن علاثة وغيره فنظروا إلى عبد اللّه والجارية معتنقين على تلك الحال، ثم أمر به فدفن في مقبرة أبي سويد بباب الشام من بغداد في الجانب الغربي.قال المسعودي: وذكر عبد اللّه بن عياش المنتوف قال : قال المنصور يوماً ونحن عنده: أتعرفون جباراً أول اسمه عين قتل جباراً أول اسمه عين وجباراً أول اسمه عين؟ قال : قلت نعم يا أمير المؤمنين، عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد بن العاص، وعبد اللّه بن الزبير، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقال المنصور : أفتعرفون خليفة أول اسمه عين قتل جباراً أول اسمه عين، وجباراً أول اسمه عين، وجباراً أول اسمه عين؟ قلت: نعم أنت يا أمير المؤمنين، قتلت عبد الرحمن بن مسلم، وعبد الجبار بن عبد الرحمن، وعمك عبد اللّه بن علي سقط عليه البيت، قال: فما ذنبي إن كان سقط عليه البيت؟ قلت : لا ذنب لك، فتبسم ثم قال : هل تحفظ الأبيات التي قالتها زوجة الوليد بن عبد الملك أخت عمرو بن سعيد حين قتل عبد الملك أخاها ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين، خَرَجَتْ في اليوم الذي قتل فيه أخوها عمرو وهي حاسرة تنشد :أيا عين جودي بالدموع على عمروعَشِيَّةٌ يُبْتَزُ الخلافة بالقهرغدرتم بعمرو يا بني خيط باطلٍوكلكم يبني البيوت على غَدْرِوما كان عمرو عاجزاً، غير أنهأتته المنايا بَغْتَةً وَهُوَ لا يدريكأن بني مروان إذ يقتلونهخَشَاش من الطير اجتمعن على صَقْرِلحی اللّه دنيا تعقب النار أهلها***وتهتك ما بين القرابة من ستر
ألا يا لقومي للوفاء وللغدروللمُغْلِقين الباب قَسْراً على عمروفرُحْنَا وراح الشامتون عَشِيَّةًكان على أعناقهم فلق الصخرقال ابن عياش فقال :المنصور : فما الأبيات التي بعث بها عمرو بن سعيد إلى عبد الملك بن مروان؟ قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين كتب إليه :يريد ابنُ مروان أُموراً أظنهاستحمله مني على مركب صَعْبلينقض عهداً كان مروان شَدَّهوأدرك فيه بالقطيعة والكذبفقدمته قبلى، وقد كنت قبلهولولا انقيادي كان كرب من الكربوكان الذي أعطيت مروان هَفَوَةًغلبت بها رأياً، وخَطْباً من الخطبفإِنْ تُنْفِذُوا الأمر الذي كان بيننافَقَلْنَا جميعاً بالسُّهولة والرَّحْبِوإنْ يُعْطَهَا عَبْدُ العزيز ظُلَامَةٌفأولى بها مِنَّا ومنه بنو حَرْبِ### وفاة المنصوروكان مولد المنصور في السنة التي مات فيها الحجاج بن يوسف، وهي سنة خمس وتسعين، وكان يقول : ولدت في ذي الحجة وأعذرت في ذي الحجة، ووليت الخلافة في ذي الحجة وأحسب المنية تكون في ذي الحجة، فكان كما ذكر.وحدث الفضل بن الربيع قال : كنت مع المنصور في السفر الذي مات فيه منزلا فنزل من المنازل، فبعث إليَّ وهو في قبة ووجهه إلى الحائط، فقال لي : ألم أنْهَكَ أن تَدَعَ العامة يدخلون هذه المنازل فيكتبوا فيها ما لا خير فيه؟ قلت : وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال : أم ترى على الحائط مكتوباً.أبا جعفرٍ حَانَتْ، وفاتكَ وانْقَضَتْسِنُوك، وأمْرُ اللّه لا بُدَّ نَازِلُأبا جعفر هل كاهِنٌ أو مُنَجِّمُيردُّ قضاء اللّه، أم أنت جاهل؟قال : قلت واللّه ما أرى على الحائط شيئاً، وإنه لنقي أبيض، قال: واللّه، قلت : اللّه، قال : إنها واللّه إذاً نفسي نعيت إلى الرحيل، بادر بي إلى حَرَمِ ربي وأمْنِه هارباً من ذنوبي وإسرافي على نفسي. فرحلنا وقد ثقل، حتى إذا بلغنا بئر ميمون قلت له: هذه بئر ميمون، وقد دخلت الحرم [قال: الحمد للّه ] فتوفي بها.### صفات المنصوروكان [المنصور] من الحزم وصواب الرأي وحسن السياسة على ما تجاوز كل
وصف، وكان يعطي الجزيل والخطير ما كان عطاؤه حزماً، ويمنع الحقير اليسير ما كان إعطاؤه تضييعاً، وكان كما قال زياد : لو أن عندي ألف بعير وعندي بعير أجرب لقمت عليه قيام مَنْ لا يملك غيره، وخلف أبو جعفر ستمائة ألف ألف درهم وأربعة عشر ألف ألف دينار، وكان مع هذا يضن، بماله وينظر فيما لا ينظر فيه العوام، ووافق صاحب مطبخه على أن له الرؤوس والأكارع والجلود، وعليه الحطب والتوابل، ومن كرمه أنه وصل عمومته وهم عشرة في يوم واحد بعشرة آلاف درهم وأسماؤهم : عبد اللّه بن علي، وعبد الصمد بن علي، وإسماعيل بن علي وعيسى بن علي، وداود بن علي، وصالح بن علي وسليمان بن علي وإسحاق بن علي ومحمد بن علي، ويحيى بن علي، وكان يعمل في بناء مدينة بغداد التي بناها وعرفت به في كل يوم خمسون ألف رجل.### أولادهوكان له من الولد: المهدي وجعفر، وأمهما أم موسى الحميرية، وتوفي جعفر في حياة أبيه المنصور، وسليمان وعيسى ويعقوب وجعفر الأصغر، من كردية، وصالح الملقب بالسكين وبنت تسمى عالية.قال المسعودي وللمنصور أخبار حسان مع الربيع وعبد اللّه بن عياش وجعفر بن محمد وعمرو بن عبيد، وغيرهم وله خطب ومواعظ وسير وسياسات في الملك، قد أتينا على أكثرها في كتابنا أخبار الزمان [ والأوسط، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً تَدُلُّكَ على ما سبق في كتبنا، واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
## ذكر خلافة المهدي محمد بن عبد اللّه بن محمد ابن علي بن عبد اللّه بن العباس### موجزويكنى أبا عبد اللّه، وأمه أم موسى بنت منصور بن عبد اللّه بن [ذي] سهم بن أبي سَرْح، ومن ولد ذي رُعَيْنِ من ملوك حِمْير.أخذ له البيعة بمكة الرّبيع مولاه يوم السبت لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة وأتاه بنعي أبيه وبيعته منارة، مولاه فأقام يومين بعد ذلك، ثم خطب الناس [فنعى أباه ودعا إلى بيعته] وبويع بيعة العامة، وكان مولده سنة سبع وعشرين ومائة وخرج من مدينة السلام في سنة تسع وستين ومائة يريد بلاد قرماسين من بلاد الدِّينَورِ، وقد وصف له طيب ماسبذان من بلاد السيروان وجرجان، فعدل إلى الموضع المعروف بأرزن والران فمات بقرية يقال لها ردين ليلة الخميس السبع بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة فكانت خلافته عشر سنين وشهراً وخمسة عشر يوماً، وقبض وله ثلاث وأربعون سنة، وصلى عليه هارون الرشيد، وكان موسى الهادي غائباً بجرجان، وقيل : إنه مات مسموماً في قطائف أكلها، ولبست حُسنة جاريته] وغيرها من حَشمه المسوح والسواد جزعاً عليه، فقال في ذلك أبو العتاهية :رُحْنَ في الوَشي وأصبحن عليهنَّ المُسوحُكل نطاح وإن عاش له يوماً نَطوخلستَ بالباقي ولو عُمّرت ما عُمرَ نوحُفَعَلى نفسكَ نُحْ إن كنت لا بُدَّ تنوحُ
## ذكر جمل من أخبار وسيره، ولمع مما كان في أيامه### المهدي وشريك القاضيذكر الفضل بن الربيع قال : دخل شريك [القاضي] على المهديّ يوماً، فقال له : لا بد أن تجيبني إلى خَصْلَة من ثلاث [خصال] قال: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال : إما أن تلي القضاء، أو تحدّث وَلَدِي وتعلمهم، أو تأكل عندي أكلة، ففكر ثم قال: الأكلة أخفهن على نفسي فاحتبسه وقدم إلى الطباخ أن يصلح له ألواناً من المخ المعقود بالسكر الطبرزد والعسل، فلما فرغ من غَدَائه قال له القيم على المطبخ: يا أمير المؤمنين ليس يفلح الشيخ بعد هذه الأكلة أبداً، قال الفضل بن الربيع : فحدثهم واللّه شريك بعد ذلك، وعَلَّم أولادهم، وولي القضاء لهم، ولقد كتب بأرازقه إلى الجهبذ فضايقه في النقص، فقال له الجهبذ : إنك لم تبع بزاً، قال له شريك : بلى واللّه لقد بعث أكبر من البز، لقد بعت ديني.### المهدي وعمرو بن الربيع يجوعان في طريقهما للصيدوقال الفضل بن الربيع : خرج المهدي متنزهاً ومعه عمرو بن ربيع مولاه، وكان شاعراً، فانقطع عن العسكر، والناس في الصيد، وأصاب المهديّ جوع شديد، فقال لعمرو : ويحك ! ارْتَد لى إنساناً نجد عنده ما نأكل، فما زال عمرو يطوف إلى أن وجد صاحب مَبْقَلة وإلى جانبها كوخ له، فصعد إليه فقال له : هل عندك شيء يؤكل ؟ قال : نعم، رقاق من خبز شعير ورثيثة، وهذا البقل والكراث، فقال له المهدي : إن كان عندك زيت فقد أكملت قال نعم عندي فضلة منه، فقدم إليهما ذلك، فأكلا أكلا كثيراً، وأمعن المهدي حتى لم يبق فيه، فصلة، فقال لعمرو : قل شعراً تصف به ما نحن فيه، فقال عمرو:إنَّ من يُطْعِمُ الرثيثة بالزيت وخُبز الشعير بالكراثلحقيقٌ بِصَفْعَةٍ أو بثنتين لسوء الصنيع أو بثلاث
فقال المهدي بئس واللّه ما قلت ولكن أحسن من ذلك :لحقيقٌ ببدرة أو بثنتين لحن الصنيع أو بثلاثووافى العسكر، ولحقته الخزائن والخَدَمُ والموكب، فأمر لصاحب المبقلة بثلاث بِدَر دراهم.### ومرة أخرى يجوع المهدي في طريقه للصيدقال وعار به فرسُه مرة أخرى، وقد خرج للصيد، فدفع إلى خباء أعرابي وهو جائع، فقال : يا أعرابي هل عندك قرى فإني ضيفك؟ قال: أراك [طريراً] جسيماً عميماً، فإن احتملت [الموجود] قَرَّبْنا لك ما يحضرنا، قال : هات ما عندك [ فأخرج له خبز ملّةٍ، فأكلها وقال : طيبة هات ما عندك، فأخرج إليه لبناً في كرش فسقاه، فشرب، وقال: طيب، هات ما عندك] فأخرج له فضلة نبيذ في ركوة، فشرب الأعرابي واحداً وسقاه، فلما شرب قال المهدي : أتدري من أنا؟ قال: لا واللّه، قال: أنا من خدم الخاصة، قال: بارك اللّه في موضعك وحَبَاك من كنت ثم شرب الأعرابي قدحاً وسقاه، فلما شرب قال له : يا أعرابي أتدري من أنا؟ قال : نعم ذكرت أنك من خدم الخاصة، قال : لست كذلك قال : فمن أنت؟ قال : أنا أحد قُوَّاد المهدي، قال : رَحُبَتْ دارك، وطاب مزارك، ثم شرب الأعرابي قدحاً وسقاه، فلما شرب الثالث قال : أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: نعم، زعمت أنك أحد قُوَّاد المهدي قال : فلست كذلك [قال : فمن أنت؟ قال : أمير المؤمنين [بنفسه]، فأخذ الأعرابي ركوته، فوكاها فقال له المهدي : اسقنا، قال: لا واللّه لا تشرب منها جرعة فما فوقها، قال : ولم ؟ قال : سقيتك قدحاً؟ فزعمت أنك من خدم الخاصة، فاحتملناها لك، ثم سقيناك آخر فزعمت أنك أحد قُوَّاد المهدي [ فاحتملناها لك ]، ثم سقيناك الثالث فزعمت أنك أمير المؤمنين ولا واللّه ما آمَنُ أن أسقيك الرابع فتقول : إنك رسول اللّه فضحك المهدي وأحاطت به الخيل، فنزل إليه أبناء الملوك والأشراف، فطار قلب الأعرابي، فلم يكن همه إلا النجاة بنفسه، وجعل يشتد في عدْوه] فقال له المهدي : لا بأس عليك، وأمر له بصلة [ جزيلة من مال] وكسوة وبزة وآلة، فقال : أشهد أنك صادق، ولو ادعيت الرابعة الخامسة لخرجت منها، فضحك المهدي منه حتى كاد أن يقع عن فرسه حين ذكر الرابعة والخامسة، وجعل له رزقاً وألحقه بخواصه.
### وزراء المهديوكان وزيره أبو عبيد اللّه معاوية بن عبد اللّه الأشعري، وهو جد محمد بن عبد الوهاب [ الكاتب] وكان كاتبه قبل الخلافة فقتل المهدي ابناً لأبي عبيد اللّه على الزندقة فاستوحش كل واحد منهما من صاحبه [فعزله] وعاش أبو عبيد اللّه إلى سنة سبعين ومائة، ثم اختص المهدي يعقوب بن داود السلمي، وخرج كتابه على الدواوين : إن أمير المؤمنين قد آخاه، وكان يصل إليه في كل وقت دون الناس كلهم، ثم اتهمه بشيء من أمر الطالبيين، فَهَمَّ بقتله، ثم حبسه [فبقي في حبسه] إلى أيام الرشيد، فأطلقه الرشيد، وقد قيل في أمره: إنه كان يرى الإمام في الأكبر من ولد العباس، وأن غير المهدي من عمومته كان أحَقَّ بها منه.### خصال المهدي وأعمالهوكان المهدي محبباً إلى الخاص والعام ؛ لأنه افتتح أمره بالنظر في المظالم والكف عن القتل، وأمْن الخائف، وإنصاف المظلوم، وبَسَطَ يده في الإعطاء فأذهب جميع ما خلفه المنصور، وهو ستمائة ألف ألف درهم وأربعة عشر ألف ألف دينار، سوى ما جباه في أيامه، فلما فرغت بيوت الأموال أتى أبو حارثة النهري خازن بيوت أمواله، فرمى بالمفاتيح بين يديه وقال : ما معنى مفاتيح لبيوت فُرَّغ ؟ ففرق المهدي عشرين خادماً في جباية الأموال فوردت الأموال بعد أيام قلائل فتشاغل أبو حارثة [النهري بقبضها وتصحيحها] عن الدخول على المهدي ثلاثة أيام فلما دخل عليه قال : ما أَخْرَكَ ؟ فقال : الشغل بتصحيح الأموال، فقال: أنت أعرابي، أحمق كنت تظن أن الأموال لا تأتينا إذا احتجنا إليها، قال أبو حارثة : إن الحادثة إذا حدثت لم تنتظرك حتى توجّه في استخراج الأموال وحملها، وقيل : إنه فَرَّقَ في عشرة أيام من صلب ماله عشرة آلال [ألف] درهم، فعند ذلك قام شبة بن عقال على رأسه خطيباً فقال : وللمهدي أشباه، فمنها القمر الزاهر، والربيع الباكر، والأسد الخادر، والبحر الزاخر، فأما القمر الزاهر فأشبه منه حسنه وبهاه، وأما الربيع الباكر فأشبه منه طيبه وهواه، وأما الأسد الخادر فأشبه منه غرته ومضاه، وأما البحر الزاخر فأشبه منه وجوده وسخاره.### الخيزران وامرأة مروان بن محمدوكان الخيزران أم الهادي والرشيد في دارها المعروفة [اليوم] بأشناس، وعندها أمهات أولاد الخلفاء وغيرهن من بنات [بني] هاشم وهي على بساط أرمني وهُنَّ على
نمارق أرمنية، وزينب بنت سليمان بن علي أعلاهن، مرتبة فبينا من كذلك إذ دخل خادم لها فقال : بالباب امرأة ذات حسن وجمال في أطمار رنّةٍ تأبى أن تخبر باسمها وشأنها غيركن، وتروم الدخول عليكن، وقد كان المهدي تقدم إلى الخيزران بأن تلزم زينب بنت سليمان بن علي، وقال لها: اقتبسي من آدابها، وخذي من أخلافها ؛ فإنها عجوز لنا قد أدركت أوائلنا، فقالت الخيزران للخادم: ائذن لها، فدخلت امرأة ذات بهاء وجمال في أطمار رَثّةٍ، فتكلمت فأوضحت عن بيان [على لسان] فقالوا لها : من أنت؟ قالت : أنا مزنة امرأة مروان بن محمد، وقد أصارني الدهر إلى ما تَرَيْنَ، واللّه ما الأطمار [الرثة] التي عليَّ إلا عارية، وإنكم لما غلبتمونا على هذا الأمر وصار لكم دوننا لم نأمن مخالطة العامة على ما نحن فيه من الضرر على بادرة إلينا تزيل موضع الشرف، فقصدناكم لنكون في حجابكم على أية حالة كانت حتى تأتي دعوة من له الدعوة، فاغرورقت عينا الخيزران ونظرت إليها زينب بنت سليمان بن علي، فقالت :[لها] : لا خَفّف اللّه عنك يا مزنة، أتذكرين وقد دخَلْتُ عليك بَحَرَّان وأنت على هذا البساط بعينه [ ونساء قرابتكم على هذه النمارق] فكلمتك في جُثّة إبراهيم الإمام، فانتهرتني وأمرت بإخراجي، وقلت : ما للنساء والدخول على الرجال في آرائهم؟ فواللّه لقد كان مروان أرْعَى للحق منك ؛ لقد دخلتُ إليه فحلف أنه ما قتله، وهو كاذب، وخيرني بين أن يدفنه أو يدفع إلي جثته [فاخترت جثته] وعَرَضَ عليّ مالا فلم أقبله ؛ فقالت مزنة : واللّه ما نظن هذه الحالة أدتني إلى ما ترينه إلا بالفعال التي كانت مني ؛ وكأنك استحسنته فحرَّضت الخيزران على فعل مثله، إنما كان يجب أن تحضيها على فعل الخير وترك المقابلة بالشر؛ لتحرز بذلك نعيمها، وتصون بها دينها ؛ ثم قالت لزينب يا بنت عم ؛ كيف رأيت صنيع اللّه بنا في العقوق فأحببت التأسي بنا؛ ثم وَلتْ باكية [ وكرهت الخيزران أن تخالف زينب فيها ] فغمزت الخيزران بعض، جواریها، فعدلت بها إلى بعض المقاصير، وأمرت بتغيير حالها والإحسان إليها، فلما دخل المهدي عليها - وقد انصرفت زينب وكان من شأنه الاجتماع مع خواص حرمه في كل عشية - قَصَّتْ عليه الخيزران قصتها، وما أمرت به من تغيير حالها، فدعا بالجارية التي ردتها ؛ فقال لها : لما رَدَدْتها إلى المقصورة ما الذي سمعتها تقول؟ قالت: لحقتها في الممر الفلاني وهي تبكي في خروجها مؤتسية وهي تقرأ «وَضَرَبَ اللّه مثلا قَرْيَةً كَانَتْ عَامِنَةٌ مُطْمئنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّه فَأَذَاقَهَا اللّه لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ» [النحل : 112]؛ ثم قال للخيزران: واللّه واللّه لو لم تفعلي بها ما فعلت، ما كلمتك أبداً، وبكى بكاء كثيراً، وقال: اللّهم إني أعوذ بك من زوال النعمة ؛ وأنْكَرَ فعل زينب وقال : لولا أنها أكبر نسائنا
لحلفت ألا أكلمها ؛ ثم بعث إليها بعض الجواري إلى مقصورتها التي أخليت لها، وقال للجارية : اقرئي عليها السلام [مني] وقولي لها يا بنت عم إن أخَوَاتِكِ قد اجتمعن عندي ؛ ولولا أني أغمك لجئناك؛ فلما سمعت الرسالة علمت مراد المهدي ؛ وقد حضرت زينب بنت سليمان؛ فجاءت مزنة تسحب أذيالها ؛ فأمرها بالجلوس، ورحب بها [واستدناها] ورفع منزلتها فوق منزلة زينب بنت سليمان بن علي، ثم تفاوضوا أخبار أسلافهم، وأيام الناس، والدول وتنقلها، فما تركت لأحد في المجلس كلاماً، فقال لها المهدي : يا بنت عم، واللّه لولا أني لا أحبُّ أن أجعل لقوم أنت منهم من أمرنا شيئاً لتزوجتك، ولكن لا شيء أصْوَنُ لك من حجابي، وكونك مع أخواتك في قصري : لك ما لهن، وعليك ما عليهن، إلى أن يأتيك أمر من له الأمر فيما حكم به على لخلق، ثم أقطَعَها مثل مالهن من الإقطاع وأخدمها وأجازها، فأقامت في قصره إلى أن قبض المهدي وأيام الهادي وصَدْراً من أيام الرشيد وماتت في خلافته، لا يفرق بينها وبين نساء بني هاشم [وخواص حرائرهم وجواريهم] فلما قُبِضَتْ جزع الرشيد والحرم جزعاً شديداً.### عبد اللّه بن عمرو بن عتبة يعزي المهدي ويهننهوحدثنا الرياشي عن الأصمعي : دخل عبد اللّه بن عمرو بن عتبة على المهدي يعزيه بالمنصور، فقال : آجَرَ اللّه أمير المؤمنين على أمير المؤمنين قبله وبارك اللّه له فيما خلّفه فيه، ولا مصيبة أعظم من [فقد] إمام والد، ولا عُقبى أجل من خلافة اللّه على أولياء اللّه، فاقبل يا أمير المؤمنين [من اللّه أفْضَل] العطية واحتسب عند اللّه أفضل الرزية.### عتبة الجارية وأبو العتاهيةولما كثر تَشْبِيبُ أبي العتاهية بعتبة جارية الخيزران شكت إلى مولاتها ما يَلْحَقُها من الشناعة، ودخل المهديّ وهي تبكي بين يدي، الخيزران فسألها عن خبرها، فأخبرته فأمر بإحضار أبي العتاهية، فأدخل إليه، فلما وقف بين يديه قال : أنت القائل في عتبة :اللّه بيني وبين مولاتيأبدت لي الصَّدَّ والملاماتومتى وصلتك حتى تشكو صَدّها عنك؟ قال : يا أمير المؤمنين [ما قلت ذلك بل] أنا الذي أقول :يا ناق حُنّي بنا ولا تهنينفسك فيما ترين راحاتحتى تجيئي بنا إلى ملك***توجَّه اللّه بالمهاباتيقول للريح كلما عصفت:***هل لك يا ريح في مُبَارَاتِي
علیه تاجان فوق مَفرِقِهتاج جمال وتاج إخْبَاتِقال : فنكس [المهديُّ] رأسه ونكت بالقضيب [الذي كان في يده] ثم رفع رأسه فقال : أنت القائل :ألا ما لسيدتي مالهاأدلّتْ فأحْمِلَ إدلالها؟وجارية من جواري الملوك قد أسْكن الحسنُ سربالها[ قال : وما علمك بما حواه سربالها؟ فأجابه معارضاً له فيه :أتته الخلافة منقادةًإلیه تجررُ أذيالهافلم تك تَصْلُحُ إلا لهولم يك يصلح إلا لها]ثم سأله عن أشياء، فأفحم أبو العتاهية [ في الجواب]، فأمر المهدي بجلده نحواً من حد، وأخرج مجلوداً، فلقيته عتبة وهو على تلك الحال، فقال:بَخٍ بَخٍ يا عتب من أجلكمقد قَتَلَ المهديُّ فيكم قتيلافتغرغرت عيناها وفاض دمعها وصادفت المهديَّ عند الخيزران، فقال : ما عتبة تبكي؟ قالوا له : رأت أبا العتاهية مجلوداً، وقال لها كيت وكيت، فأمر له بخمسين ألف، درهم، ففرقها أبو العتاهية على مَنْ [كان] بالباب فكتب صاحب الخبر بذلك، فوجَّه إليه : ما حملك على أن أكرمتك بكرامة فقسمتها؟ قال: ما كنت لأكل ثمن من أحببت فوجَّهَ إليه بخمسين ألفاً أخرى، وحلف عليه أن لا يفرقها، فأخذها وانصرف.### من أبي العتاهية إلى المهديقال المبرد: أهدى أبو العتاهية إلى المهديَّ في يوم نوروز [ أو مهرجان] برنية صينية فيها ثوب ممسَّك فيه سطران مكتوبان عليه بالغالية :نفسي بشيء من الدنيا معلقةاللّه والقائم المهدي يكفيهاإني : لأيأس منها ثم يُطْمِعنيفيها احتقارك للدنيا وما فيهافهمَّ أن يدفع إليه عتبة فقالت له : أمير المؤمنين، مع حرمتي [وحقي] وخدمتي تدفعني إلى بائع حرار يكتسب بالشعر؟ فبعث إليه : أما عتبة فلا سبيل لك إليها، وقد أمرنا لك بملء البرنية، مالا فخرجت عتبة وهو يناظر الكتاب ويقول : إنما أمر لي بدنانير، وهم يقولون بدراهم، فقالت : أما لو كنت عاشقاً لعتبة لشغلت عن العَيْن والوَرِقِ.
### من طرف أبي العتاهيةوكان أبو العتاهية [ وهو إسماعيل بن القاسم ] بائع جرار، وكان [من أسهل الناس لفظاً] وأقدرهم على وزن الكلام، وكان حُلْوَ الألفاظ، حتى إنه يتكلم بالشعر [في جميع حالاته، ويخاطب به جميع أصناف الناس] قد جعله شعراً ونثاراً.واجتمع أبو نُوَاس وجماعة، فدعا أحدهم بماء فشرب ثم قال :عَذُبَ الماء وطاباثم قال : أجيزوا [فترددوا] فلم يحضر أحداً ما يجانسه في سهولته وقرب مأخذه، حتى جاء أبو العتاهية فقال : فيم أنتم؟ فأعلموه وأنشدوه القسم، فقال:حبذا الماء شراباًومن مختار شعره في عتبة :باللّه يا حلوة العينين زورينيقبل الممات، وإلا فاستزرينيهذان، أمران فاختاري أحَبَّهماإليك، أو لا فداعي الموت يدعونيإن شئت موتاً فأنت الدَّهْرَ مالكةروحي، وإن شئت أن أحيا فأحيينييا عُتْبَ ما أنت إلا بِدْعَةٌ خلقتمن غير طين، وخَلْقُ الناس من طينإني لأعجب من حب يقربنيممن يباعدني عنه ويُقْصيني[لو كان ينصفني مما كلفت بهإذا رضيت وكان النصف يرضيني][يا أهل ودي إني قد لطفت بكمفي الحب جهدي ولكن لا تُبالوني][الحمد للّه قد كنا نظنكُمُمن أرحم الناس طراً بالمساكين]أما الكثير فلا أرجوه منك، ولوأطْمَعْتِنِي في قليل كان يكفينيومن مختار شعره فيها قوله :ألا يا عتب يا قمر الرصافهْويا ذات الملاحة والنَّظافةرُزِقُتِ مودتي، ورزقت عطفيولم أرزق فديتك منك رَافَهْوصرتُ من الهوى دَنِفَاً سقيماًصريعاً كالصريع من السلافهأظل إذا رأيتك مستكيناًكأنك قد بعثتِ عَلَيَّ آفه[ومما اخترناه من شعره واستحسنه ذوو الحجا قوله :ما أغفل الناس عن بلائيوعن عنائي وعن شقائييلومُنِي الناسُ في حبیب***والناس لا يعرفون دائي
يا لهف نفسي على خليلأصبح في كفه شفائيصيرني حُبُّه غريباًفي غير أرض، ولا سماءقد بلغ الجد بي مَدَاهفما اصطباري؟ وما عزائي؟أنت بلائي، وأنت دائيوأنت تَدْرِينَ ما دَوَائِيواللّه ما تُذْکَرِین إلافاضت دموعي على ردائيتبارك اللّه، ما دعاكمأهل وُدّي إلى جفائي؟فأنتم الهمُّ في صباحيوأنتم الهمُّ في مسائيإني على ما لقيت منكملمعجَبٌ منكم بدائيشَتّان ما بينكم وبينيفي نصح حبي، وفي وفائيمنحتكم صَبْوتي ووديفكان ذا منكم جزائي]وحدث المبرد محمد بن يزيد أن رَيْطَةَ ابنة أبي العباس السفاح وجَّهت إلى بن مالك الخزاعي في شراء رقيق للعتق ؛ وأمرت جاريتها عتبة - وكانت لها ثم صارت إلى الخيزران بعدها - أن تحضُرَ ذلك، فإنها لجالسة إذ جاء أبو العتاهية في زي متنسك فقال : جعلني اللّه فداك !! أنا شيخ ضعيف كبير لا يَقْوَى على الخدمة، فإن رأيت أعزك اللّه [أن تأمري] بشرائي وعتقي فعلت مأجورة، فأقبلت على عبد اللّه فقالت : إني لأرى هيئة جميلة، وضعفاً، ظاهراً، ولساناً فصيحاً، ورجلا بليغاً، فاشتره وأعتقه، فقال: نعم، فقال أبو العتاهية : أتأذنين لي أصلحك اللّه في تقبيل يدك [شكراً لك على جميل فعلك وما أوليتني] فأذنت له لي، فَقَبَّلَ يدها وانصرف، فضحك عبد اللّه بن مالك، وقال : أتدرين مَنْ هذا؟ قالت: لا، قال هذا أبو العتاهية وإنما احتال عليك حتى قبل يدك ] فَسَتَرَت وجهها خجلا وقالت: سَوْأَة لك يا أبا العباس أمثلك يعبث؟ إنما اغتررنا بكلامك، وقامت فلم تعد إليه.ولأبي العتاهية أشعار حسان سنذكرها في أخبار مَنْ يرد من الخلفاء، [وسنذكر لمعاً من أخباره وما استحسناه من أشعاره وذكر وفاته] ولو لم يكن لأبي العتاهية سوى هذه الأبيات التي أبان فيها عن صدق الإخاء ومحض الوفاء [لكان مبرزاً على غيره ممن كان في عصره] وهي :إنَّ أخاك الصِّدْقَ من كَانَ معكومن يَضُرُّ نفسه لينفعكومن إذا رَيْبُ الزمان صدعكشَتَّتَ شمل نفسه كي يجمعك
وهذه الصفة في عصرنا معدومة، ومستحيل وجودها، ومتعذر كونها [ومتعسر رؤيتها ].### محمد المهدي والشرقي بن القطاميوروى ابن عياش [وابن دأب] أن المنصور كان قد ضم الشَّرْقِي بن القطامي إلى المهدي، حين خَلَّفَه بالري، وأمره أن يأخذه بحفظ أيام العرب، ومكارم الأخلاق، ودراسة الأخبار، وقراءة الأشعار، فقال له المهدي ذات ليلة يا شرقي أرخ قلبي بشيء يُلْهِيه، قال : نعم أصلح اللّه الأمير ذكروا أنه كان في ملوك الحيرة ملك له نديمان قد نزلا من قلبه منزلة مكينة، وكانا لا يُفَارِقَانِهِ في لهوه [وأنسه] ومنامه ويقظته، [ومُقامه وظعنه] وكان لا يقطع أمراً دونهما، ولا يصدر إلا عن رأيهما، فغير بذلك دهراً طويلا، فبينا هو ذات ليلة في شربه ولهوه إذ غلب عليه الشرابُ فأزال عقله، فدعا بسيفه وانتضاه، وشَدَّ عليهما فقتلهما، وغلبته عيناه فنام فلما أصبح سأل عنهما، فَأُخْبِرَ بما كان منه، فَأَكَّبْ على الأرض عاضاً لها تأسفاً عليهما وجزعاً لفراقهما، وامتنع من الطعام والشراب ثم حلف لا يشرب شراباً يزعج قلبه ما عاش، وواراهما، وبنى على قبريهما قُبَّة، وسماها الغرييْنِ، وَسَنَّ أن لا يمر بهما أحدِ [ من الملك فمن دونه ] إلا سجد لهما، وكانا إذا سَنَّ الملك [منهم] سُنّة توارثوها وَأَحْيَوْا ذكرها ولم يميتوها، وجعلوها عليهم حكماً واجباً، وفرضاً لازماً وأوصى بها الآباء أعْقَابَهُمْ، فغير الناس بذلك دهراً طويلا، لا يمر [بقبريهما] أحد من صغير ولا كبير إلا سجد لهما ؛ فصار ذلك سُنَّة لازمة [وأمراً] كالشريعة والفريضة، وحكم فيمن أبى أن يسجد لهما بالقتل بعد أن يحكم له بخصلتين يجاب إليهما كائناً ما كانتا قال فمرَّ يوماً قَصَّار معه كارة ثياب وفيها مُدُقَّته. فقال الموكلون بالغریَّيْن للقَصَّار : اسجد فأبى أن يفعل، فقالوا له : إنك مقتول إن لم تفعل، فأبى ؛ فرفعوه إلى الملك وأخبروه بقصته فقال : ما منعك أن تسجد؟ قال: سجدت ولكن كذبوا عليَّ وقال : الباطِلَ قلت ؛ فاحتكم في خصلتين فإنك مُجَابٌ إليهما، وإني قاتلك، [بعد] قال : لا بد من قتلي بقول هؤلاء [عليَّ]؟ قال : لا بد من ذلك، قال : أحتكم أن أضرب رقبة بمدقتي هذه، قال له الملك: يا جاهل لو حكمت علي أن أجري على من تخلف وراءك ما يغنيهم كان أصلح لهم، قال : ما أحكم إلا بضربة لرقبة الملك، فقال الملك لوزرائه : ما ترون فيما حكم به هذا الجاهل؟ قالوا : نرى أن هذه سنة [أنت سننتها] وأنت أعلم بما في نقض السنن من العار والنار وعظم الإثم، وأيضاً إنك متى نقضت سنة نقضت أخرى ثم يكون ذلك لمن بعدك كما كان لك، فتبطل السنن، قال : فارغبوا إلى القَصَّار أن يحكم بما شاء ويعفيني من هذه ؛ فإني أجيبه إلى ما شاء اللّه ولو بلغ
حکمه شَطر مُلكي، فرغبوا إليه، فقال : ما أحكم إلا بضربة في عنق الملك قال : فلما رأى الملك ذلك وما عزم عليه القَصَّار قعد له مقعداً عامَّا وأحضر القَصَّار فأبدى مُدُقّته وضرب بها عنق الملك فأوهنه وَخَرَّ مغشياً عليه، فأقام وقيذاً ستة أشهر، وبلغت به العلة إلى أن كان يسقى الماء بالقطر، فلما أفاق وتكلم وأكل وشرب واستقل سأل عن القَصَّار، فقيل : إنه محبوس، فأمر بإحضاره فحضر، فقال : لقد بقيت لك خصلة فاحكم بها، فإني قاتلك لا محالة إقامة للسنة قال القَصَّار : فإذا كان لا بد من قتلي فإني أحكم أن أضرب الجانب الآخر من رقبة الملك مرة أخرى، فلما سمع ذلك خَرَّ على وجهه من الجزع، وقال : ذهبت نفسي واللّه إذاً، ثم قال للقصَّار : وَيْلَك !! دع عنك ما لا ينفعك فإنه لم ينفعك منه ما مضى واحكم بغيره وأنفذه لك كائناً ما كان قال : ما أرى حقي إلا في ضربة أخرى، فقال الملك لوزرائه ما ترون؟ قالوا تموت على السنة [أصلح لك] قال : ويلكم !! إن ضرب الجانب الآخر ما شربت الماء البارد أبداً لأني أعلم ما قد نالني قالوا فما عندنا حيلة فلما رأى ما قد أشرف عليه قال للقَصَّار : أخبرني ألم أكُن قد سمعتك تقول يوم أتي بك الموكلون بالغرِيَّين إنك قد سجدت وإنهم كذبوا عليك، قال : قد كُنت قلت ذلك فلم أصدق، قال : فكنت سجدت قال: نعم، فوثب [الملك] من مجلسه وقبل رأسه وقال : أشهد أنك صادق وأنهم كذبوا عليك، وقد وليتك موضعهم وجعلت إليك [بأسهم و] أمرهم في تأديبهم] فضحك المهدي حتى فحص برجليه وقال : أحسنت، وَوَصَلَه.### المهدي ومروان بن أبي حفصةقال الهيثم بن عدي: كُنت في مجلس المهدي، فأتاه الحاجب فقال : ابن أبي حَفْصَة بالباب، فقال : لا تأذن له فإنه منافق كذاب، فكلمه الحسن بن قَحْطبة فيه، فأدخله، فقال له المهدي يا فاسق ألست القائل في معن:جَبَل تلوذ به نزار كلهاصَعْبُ النُّرَى متمنع الأَرْكَانِقال : بل أنا الذي أقول فيك يا أمير المؤمنين :يا ابن الذي ورث النبي محمداًدون الأقارب من ذوي الأرْحَاموأنشده الأبيات كلها، فرضي عنه وأجازه.### بين المهدي وسفيان الثوريوقال القعقاع بن حكيم : كنت عند المهديِّ، وأتى سفيان الثوري، فلما دخل عليه
سَلَّمَ تسليم العامة، ولم يسلم تسليم الخلافة، والربيع قائم على رأسه متكيء على سيفه [ يرقب أمره]، فأقبل المهدي بوَجْهِ طَلْقٍ وقال له: يا سفيان، تفر منا ههنا وههنا وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك، فقد قدرنا عليك الآن، أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا ؟ قال سفيان : إن تحكم في يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل، فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين، ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال له : اسكت ويلك، ما يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم، اكتبوا بعهده على قضاء الكوفة، على أن لا يُعْتَرَض عليه في حكم، فكتب عهده ودفعه إليه، فأخذه وخرج ورمى به في الدجلة وهرب فطلب في كل بلد، فلم يوجد.### رؤيا المهدي قبيل وفاتهوقال علي بن يقطين: كُنا مع المهدي بماسبذان فقال لي يوماً : أصبحت جائعاً فَأْتِنِي بأَرْغِفَةٍ ولحم بارد، ففعلت، فأكل ثم دخل البهو ونام، وكنَّا نحن في الرواق، فانتبهنا لبكائه، فبادرنا إليه مسرعين فقال أما رأيتم ما رأيت؟ قلنا : ما رأينا شيئاً، قال: وقف عليَّ رجلٌ لو كان في ألف [رجل] ما خفي علي صوته [ولا صورته] فقال :كأني بهذا القصر قد بَادَ أهلهوَأَوْحَشَ منه رَبِّعُه وَمَنَازِلُهُوصار عميد القوم من بعد بهجةوَمُلْكِ إلى قبر عليه جَنَادِلُهفلم يبق إلا ذكره وحديثه***تنادي عليه مُعْوِلَاتٍ حَلَائِلُهُقال :[علي]: فما أتت على المهديِّ بعد رؤياه إلا عشرة أيام حتى توفي.### وفاة زفر بن الهذيل وجماعة من العلماءقال المسعودي وكانت وفاة زفر بن الهُذَيْل الفقيه صاحب أبي حنيفة النعمان بن ثابت سنة ثمان وخمسين ومائة، وفيها كانت بيعة المهديّ كما قدمناه.ومات سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، بالبصرة وكان من تميم، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ويكنى أبا عبد اللّه في أيام المهدي، وذلك في سنة إحدى وستين ومائة.ومات ابن أبي ذئب، وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، ويكنى أبا الحارث، بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة، وذلك في أيام المهدي.
وفي سنة ستين ومائة مات شعبة بن الحجاج ويكنى أبا بسطام، وهو مولى لبني شقرة من الأزد، وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد اللّه المسعودي، وفي سنة ست وستين ومائة مات حماد بن سلمة في أيام المهدي.قال المسعودي : وللمهدي أخبار حسان، ولما كان في أيامه من الكوائن والحروب وغيرها، قد أتينا على مبسوطه في الكتاب الأوسط، وكذلك مَنْ مات في سُلْطَانِه من الفقهاء وأصحاب الحديث وغيرهم، وباللّه التوفيق.
## ذكر خلافة موسى الهادي### موجزوبويع موسى بن محمد الهادي [يوم الخميس ] السبع بَقِينَ من المحرم وهو ابن أربع وعشرين سنة وثلاثة أشهر، صَبِيحَة الليلة التي كانت فيها وفاة والده المهدي، وذلك في سنة تسع وستين ومائة، وتوفي بعيساباذ نحو مدينة السلام سنة سبعين ومائة، لاثنتي عشرة ليلة بَقِيَتْ من شهر ربيع الأول من هذه السنة، وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، وكان يكنى أبا جعفر وأمه الخيزران بنت عطاء، أم ولد حرشية، وهي أم الرشيد، وأتته البيعة وهو ببلاد طبرستان وجرجان في حرب كانت هناك ؛ فركب البريد وقد أخذ له أخوه هارون البيعة. وفي ذلك يقول بعض الشعراء :لما أَتَتْ خَيْرَ بني هاشمخِلَافَةُ اللّه بجرجَانِشَمَّرَ للحربِ سَرَابِيلَهُبرأي لا غُمْر ولا وَانِ
## ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه### أوصاف الهاديكان موسى قاسي القلب، شرس الأخلاق صعب المرام، كثير الأدب، محباً له، وكان شديداً شجاعاً [بطلا] جواداً، سخياً.### مثل من شجاعتهحدث يوسف بن إبراهيم الكاتب وكان صاحب [إبراهيم بن] المهدي، عن إبراهيم، أنه كان واقفاً بين يديه وهو على حمار له ببستانه المعروف [به] ببغداد إذ قيل له : قد ظفر برجل من الخوارج، فأمر بإدخاله، فلما قرب منه الخارجي أخذ سيفاً من بعض الحرس، فأقبل يريد موسى فتنحيت وكلُّ مَنْ معي عنه، وإنه لواقف على حماره ما يتحلحل، فلما أن قرب منه الخارجي صاح موسى : اضربا عنقه، وليس وراءه أحد، فأوهمه، فالتفت الخارجي لينظر، وجمع موسى نفسه ثم ظهر عليه، فصرعه، فأخذ السيف من يده، فضرب عنقه، قال : فكان خوفنا منه أكثَرَ من الخارجي، فواللّه ما أنكر علينا تنحينا، ولا عَذَلنَا على ذلك ولم يركب حماراً بعد ذلك اليوم، ولا فارقه سيفه.### بين المهدي وعيسى بن دأبوكان عيسى بن دأب يجالسه، وكان من أهل الحجاز، وكان أكثر أهل عصره أدباً وعلماً ومعرفة بأخبار الناس وأيامهم، وكان الهادي يدعو له مُتَكأ، ولم يكن غيره يطمع منه في ذلك، وكان يقول له: يا عيسى، ما استطلت بك يوماً ولا ليلة، ولا غِبْتَ عني إلا ظننت أني لا أرى غيرك.### جريمة غلام سنديوذكر عيسى بن دأب أنه رفع إلى الهادي أن رجلا من بلاد المنصورة - من بلاد السند من أشرافهم وأهل الرياسة فيهم من آل الملهب بن أبي صفرة - رَبَّى غلاماً سندياً
أو هندياً، وأن الغلام هَويَ، مولاته فراودها عن نفسها، فأجابته، فدخل مولاه فوجدها معه، فجبَّ ذكر الغلام وخَصَاه، ثم عالجه إلى أن برىء فأقام مدة، وكان لمولاه ابنان أحدهما طفلٌ والآخر يافع، فغاب الرحل عن منزله وقد أخذ السنديُّ الصبيين فصعد بهما إلى أعالي سور الدار إلى أن دخل مولاه [فرفع رأسه] فإذا هو بابنيه مع الغلام على السور، فقال يا فلان عرضت ابنيَّ للهلاك، فقال : دَعْ ذا عنك، واللّه لو لم تَجُبَّ نفسك بحضرتي لأرمين بهما، فقال له : اللّه اللّه فيَّ وفي ابنيَّ، قال: دع عنك هذا، فواللّه ما هي إلا نفسي، وإني لأسمح بها من شربة ماء، وأهوى ليرمي بهما، فأسرع مولاه فأخذ مُدْية فجبَّ نفسه، فلما رأى الغلام أنه قد فعل رمى بالصبيين فتقطعا، وقال: ذاك الذي فعلت لفعلك بي، وقَتْلُ هذين زيادةً، فأمر الهادي [بالكتاب إلى صاحب السند] بقتل الغلام وتعذيبه بأفظع ما يمكن من العذاب وأمر بإخراج كل سندي في مملكته، فرخص السند في أيامه حتى كانوا يتداولون بالثمن اليسير.### وزراء المهديوكان الهادي قد استوزر الربيع، وضم إليه ما كان لعمر بن بزيع من الزمام ثم [إنه] ولى عمر بن بزيع الوزارة وديوان الرسائل، وأفرد الربيع بالزمام، فمات الربيع في هذه السنة، وقيل : إن الهادي سقاه شربة لأجل جارية كان قد وهبها له المهدي كانت قبل ذلك للربيع، وقيل غير ذلك.### ظهور الحسين بن علي بن الحسينوظهر في أيامه الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، وهو المقتول بفخ، وذلك على ستة أميال من مكة، يوم التَّرْوِية وكان على الجيش الذي حاربه جماعة من بني هاشم: منهم سليمان بن أبي جعفر، ومحمد بن سليمان بن علي، وموسى بن عيسى والعباس بن محمد بن علي في أربعة آلاف فارس ؛ فقتل الحسين وأكثر مَنْ كان معه، وأقاموا ثلاثة أيام لم يواروا حتى أكلتهم السباع والطير، وكان معه سليمان بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي، فاسِرَ في هذا اليوم وضربت رقبته بمكة صبراً، وقتل معه عبد اللّه بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي وأسر الحسن بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي] وضرب عنقه صبراً، وأخذ لعبد اللّه بن الحسن بن علي وللحسين بن علي الأمَانَ، فحبسا عند جعفر بن يحيى بن خالد بن بَرْمَكِ وقتلا بعد ذلك، فسخط الهادي على موسى بن عيسى لقتل الحسين بن علي [بن الحسن بن الحسن] وترك
المَصِيرِ به إليه ليحكم فيه بما يرى وقبض أموال موسى وأظهر الذين أتوا بالرأس الاستبشار، فبكى الهادي وزَجَرَهم وقال : أتيتموني مستبشرين كأنكم أتيتموني برأس من الترك أو الديلم إنه رجل من عِتْرَةِ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ألا إن أقل جزائكم عندي ألا أثيبكم شيئاً.)### من مراثي الحسين بن علي صاحب فخوفي الحسين بن علي صاحب فَخٍّ، يقول بعض شعراء ذلك العصر من أبيات :فلأبكينَّ عَلَى الحسينبِعَوْلَةٍ وعلى الحَسَنُوعلي ابن عاتكة الذيأثْوَوْهُ ليس له كَفَنتركُوا بفخ غُدوة*** في غير منزلة الوطنكانوا كراماً قتلوالا طائشين ولا جُبُنْغسَلوا المذلة عنهمغسل الثياب من الدرنُهُدِي العبادُ بجدهمفلهم على الناس المِنَنْ### طاعة الهادي لأمه الخيزرانوكان الهادي كثير الطاعة لأمه الخيزران مجيباً لها فيما تسأل من الحوائج للناس، فكانت المواكب لا تخلو من بابها ؛ ففي ذلك يقول أبو المعافى:یا خیزران هَنَاكِ ثم هَنَاكِأن العباك يسوسهم ابناكفكلمتْهُ ذات يوم في أمر، فلم يجد إلى إجابتها فيه سبيلا، فاعتل عليها بعلة، فقالت : لا بد من إجابتي، قال: لا أفعل، قالت: فإني قد ضمنت هذه الحاجَةَ لعبد اللّه بن مالك، فغضب الهادي، وقال وَيْلٌ لابن الفاعلة، قد علمت أنه صاحبها، [ واللّه ] لا قضيتها لك، قالت : إذا واللّه لا أسألك حاجة أبداً، قال: إذا واللّه لا أُبالي [وحمي] وقامت [وهي] مُغضَبة، فقال: مكانك فاستوعبي كلامي، واللّه، وإلا نُفِيتُ من قَرَابتي من رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قُوُّادي، أو من خاصتي، أو من خدمي، لأضربَنَّ عنقه، ولأقبضَنَّ، ماله فمن شاء فليلزم ذلك، ما هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم ؟ أما لك مِغْزَلٌ يَشغلك، أو مُضحَف يذكرك، أو بيت يصونك ؟ إياك ثم إياك أن تفتحي فاك في حاجة لمسلم ولا ذمّي، فانصرفت وما تعقل ما تطأ ؛ فلم تنطق [عنده] بحلو ولا مر بعدها.)
### أخذ العباسيون ثأر بني هاشم من بني مروانوذكر ابن دأب قال : دعاني الهادي في وقت من الليل لم تَجْرِ العادة أنه يدعوني في مثله، فدخلت إليه، فإذا هو جالس في بيت صغير شتوي، وقدامه جزء صغير ينظر فيه فقال لي: يا عيسى، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إني أرقت في هذه الليلة، وتداعت إلي الخواطر، واشتملت علي الهموم، وهاج لي ما جرت إليه بنو أمية من بني حَرْب وبني مَرْوان في سَفْك دمائنا، فقلت يا أمير المؤمنين، هذا عبد اللّه بن علي قد قتل منهم على نهر أبي فطرس فلاناً وفلاناً حتى أتيت على تسمية [أكثر] من قتل منهم، وهذا عبد الصمد بن علي قد قتل منهم بالحجاز في وقت واحد نحو ما قتل عبد اللّه بن علي، وهو القائل بعد سفكه دماءهم :ولقد شَفَى نَفْسِي وأبرأ سُقْمَهَاأخْذِي بثأري من بني مروانومِنَ آلِ جرب ليت شيخي شاهدسفكي دماء سفكي دماء بني أبي سفيانقال ابن دأب: فسُرَّ واللّه الهادي، وظهرت منه أريحية، فقال : يا عيسى داود بن علي هو القائل ذلك والقاتل لمن ذكرت بالحجاز، ولقد أذكر تنيهما، حتى كأني ما سمعتهما قلت: يا أمير المؤمنين، وقد قيل : إنهما لعبد اللّه بن علي قالهما على نهر أبي، فطرس قال : قد قيل ذلك.### بعض فضائل مصر وبعض أخبارها وبعض عيوبهاقال ابن دأب: ثم تغلغل بنا الكلام والحديث إلى أخبار مصر وعيوبها وفضائلها وأخبار نيلها، فقال لي الهادي: فضائلها أكثر، قلت: يا أمير المؤمنين هذه دعوى المصريين [لها] بغير برهان أوْ رَدُوه، والبيئة على الدعوى وأهل العراق يأبَوْنَ هذه الدعوى، ويذكرون أن عيوبها أكثر من فضائلها قال مثل ماذا؟ قلت : يا أمير المؤمنين من عيوبها أنها لا تمطر، وإذا أمطرت كرهوا [ذلك]، وابتهلوا إلى اللّه بالدعاء [وقد] قال اللّه عز وجل «وَهُوَ الَّذِى يُرسلُ الرِّيحَ بُشرًا بَيْنَ يَدَى رَحْمَتِهِ» [الأعراف : 57] فهذه رحمة مجللة لهذا الخلق وهم لها كارهون، وهي لهم ضارة غير موافقة لا يزكو عليها زرعهم ولا تخصب [عليها] أرضهم، ومن عيوبها الريح [الجنوبية] التي يسمونها المَرِيسِيَّةَ، وذلك أن أهل مصر يسمون أعالي الصعيد إلى بلاد النوبة مريس، فإذا هبت الريح المريسية - وهي الجنوبية - ثلاثة عشر يوماً [تباعاً] اشترى أهل مصر الأكفان والحنوط وأيقنوا بالوباء القاتل، والبلاء الشامل، ثم من عيوبها اختلاف هوائها، لأنهم في يوم واحد يغيرون ملابسهم مراراً كثيرة، فيلبسون القُمُصَ مرة، والمبطنات أُخرى،
والحشو مرة، وذلك لاختلاف جواهر الساعات بها ولتباين مَهَابّ الهواء [فيها] في سائر فصول السنة من الليل والنهار، وهي تمير ولا تمتار، فإذا أجدبوا هلكوا. وأما نيلها فكفاك الذي هو عليه عليه من الخلاف لجميع الأنهار من الصغار والكبار، وليس بالفُرَات ولا الدجلة ولا نهر بلخ ولا سيحان ولا جيحان شيء من التماسيح، وهي في نيل مصر ضارة بلا منفعة ومفسدة غير مصلحة، وفي ذلك يقول الشاعر :أظهَرْتُ للنيل هِجراناً ومَقْليةإذ قيل لي إنما التمساح في النيلفمن رأى النيل رَأى العين من كَتَبٍفما أرى النيل إلا في النواقيلقال :ويحك !! ما النواقيل التي ترى النيل فيها ؟ قلت القلال والكيران يسمونها بهذا الاسم، قال : وما مراد الشاعر فيما وصف؟ قال : لأنه لا يتمتع بالماء إلا في الآنية، لخوف مباشرة الماء في النيل من التمساح، لأنه يختطف الناس وسائر الحيوان، قال: إن هذا النهر قد منع هذا النوع من الحيوان مصالح الناس منه، وقد كنت متشوقاً إلى النظر إليها، فلقد زهدتني [عنها] بوصفك لها.### مدينة دنقلةقال ابن دأب: ثم سألني الهادي عن مدينة دنقلة وهي دار مملكة النوبة، كم المسافة بينها وبين أسوان؟ قلت : قد قيل أربعون يوماً على شاطىء النيل عمائر متصلة.### بين البصرة والكوفةقال ابن دأب ثم قال [لي] الهادي: إيهاً يا ابن دأب، دَعْ عنك ذكر المغرب وأخباره، وهلم بنا إلى [ ذكر ] فضائل البصرة والكوفة وما زادت به كل واحدة [منهما] على الأخرى قال: قلت: ذكر عن عبد الملك بن عمير، أنه قال : قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة مع مصعب بن الزبير، فما رأيت شيخاً قبيحاً إلا ورأيت في وجه الأحنف منه شبها ؛ كان صغل الرأس، أجْحَى العين، أعْصَف الأذن، باخق العين، ناتيء الوجه، مائل الشّدْق متراكب الأسنان، خفيف العارضين، أخنَف الرجل، ولكنه كان إذا تكلم جَلّى عن نفسه، فجعل يفاخرنا ذات يوم بالبصرة ونفاخره بالكوفة، فقلنا الكوفة أغْذَى وأمرأُ وأفسح وأطيب، فقال له رجل: واللّه ما أشبه الكوفة إلا بشابة صبيحة الوجه كريمة، الحسب ولا مال لها ؛ فإذا ذكرت ذكرت حاجتها، فكفَّ عنها، طالبها وما أشبه البصرة إلا بعجوز ذات عوارض موسرة، فإذا ذكرت ذكر يسارها، وذكرت عوارضها، فكَفَّ عنها طالبها فقال الأحنف: أما البصرة فإن أسفلها قصب، وأوسطها خَشَب،
وأعلاها، رُطّب، نحن أكثر ساجاً وعاجاً وديباجاً، ونحن أكثر قنداً ونقداً؛ واللّه ما آتي البصرة إلا طائعاً ولا أخرج منها إلا كارهاً ؛ قال : فقام إليه شاب من بكر بن وائل فقال : يا أبا بحر؛ بِمَ بلغت في الناس ما بلغت؟ فواللّه ما أنت بأجملهم، ولا بأشْرَفهم، ولا بأشجَعِهم، قال: يا ابن أخي ؛ بخلاف ما أنت فيه، قال: وما ذاك؟ قال : بتركي ما لا يَعْنِيني كما عناك من أمري ما لا ينبغي أن يعنيك.قال المسعودي: ولابن دأب مع الهادي أخبار حسان يطول ذكرها، ويتّسع علينا شرحها، ولا يتأتى لنا إيراد ذلك في هذا الكتاب، لاشتراطنا فيه على أنفسنا الاختصار والإيجاز بحذف الأسانيد وترك إعادة الألفاظ.ولأهل البصرة وأهل الكوفة ومَنْ شرب من دجلة مناظرات كثيرة في مياههم ومنافعها ومضارها منها ما عاب به أهله الكوفة أهل البصرة، فقالوا : ماؤكم كَدِر زَهِك زَفِر، فقال لهم أهل البصرة: من أين يأتي ماءنا الكَدَرُ وماء البحر صاف وماء البطيحة صاف، وهما يمتزجان وسط بلادنا؟ قال :الكوفيون من طباع الماء العذب الصافي إذا خالط ماء البحر صارا جميعاً إلى الكدورة، وقد يُرَوِّق الإنسان ماء أربعين ليلة، فإن جعل منه شيئاً شيئاً في قارورة أزْبَدَ وتكدر.وقد افتخر أهل الكوفة بمائهم - الذي هو الفُرَات - على ماء دجلة، وهو ماء البصرة ! فقالوا : ماؤنا أعْذَبُ المياه وأغذاها، وهو أصح للأجسام من ماء دجلة والفرات خير من النيل، فأما دجلة فإن ماءها يقطع شهوة الرجال ويذهب بصهيل الخيل، ولا يذهب بصهيلها إلا مع ذهاب نشاطها ونقصان، قواها وإن لم يتدسم النازلون عليها أصابهم تحول في عظامهم ويبس في جلودهم، وسائر من نزل من العرب على دجلة لا يكادون يسقون خيلهم منها ويسقونها من الآبار والركاء لاختلاط مياهها واختلاف أنواعها [إذ] ليست بماء واحد لمصبّ الأنهار [إليها] كالزابين وغيرهما، وسبيل المشروب غير المأكول، لأن اختلاف المآكل غير ضار واختلاف الأشربة كالخمر والنبيذ وغيره من الأنبذة إذا شربه الإنسان كان ضاراً، وإذا كان فضيلة مائنا على دجلة فما ظنك بفضيلته على ماء البصرة وهو يختلط بماء البحر، ومن الماء المستنقع في أصول القصب الهروي، وقد قال اللّه تعالى : «هَذَا عَذْبٌ فُراتٌ وَهَذَا مِلْحُ أُجَاجٌ» [الفرقان : 53]، والفرات أعْذَبُ المياه عذوبة، وإنما اشتق الفرات لكل ماء عذب من ماء الكوفة.وقد طعن أيضاً أهل الكوفة على أهل البصرة فقالوا: البصرة أسرع الأرض خراباً، وأخبثها تراباً وأبعدها من السماء، وأسرعها غرقاً.وقد أجاب أهل البصرة أهل الكوفة عما سألوا عنه وعابوهم به، وكذلك من شرب
من دجلة وعابوا أهل الكوفة، وذكروا عيوبها، وما يؤثَرُ عن سكانها من الشح على المأكول والمشروب والغدر وقلة الوفاء.وقد أتينا على وصف [جميع] ذلك في كتابنا «أخبار الزمان» وكذلك أتينا على خواص الأرض والمياه، وفصول السنة، وانقسام الأقاليم، وما لحق بهذه المعاني، فيما سلف من كتبنا على الشرح والإيضاح، وذكرنا في هذا الكتاب من جميع ذلك لمعاً.### رغبة الهادي في خلع الرشيد من ولاية العهدفلنرجع الآن إلى أخبار الهادي ونعدل عن هذا السانح.وقد كان الهادي أراد أن يخلع أخاه الرشيد من ولاية العهد، ويجعلها لابنه جعفر بن موسى وحبس يحيى بن خالد البرمكي وأراد قتله، فقال له يحيى وكان القيم بأمر الرشيد: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان ما أسأل اللّه أن يُعِيذَنَا منه وأن لا يبلغناه، وَيْنْسَأ في أجل أمير المؤمنين، أيظن أن الناس يُسلمون لجعفر ابن أمير المؤمنين الأمر ولم يبلغ الحنثَ، ويرضون به لصلاتهم وحَجُّهم وغَزوهم؟ قال : ما أظن ذلك، قال : فتأمن أن يسمو إليها جِلةُ أهل بيتك فتخرج من ولد أبيك إلى غيرهم؟ فتكون قد حملت الناس على النَّكْثِ، وهوَّنت عليهم أيمانهم، ولو تركت بيعة أخيك على حالها، وبُويع لجعفر بعده كان آكد، فإذا بلغ مبلغ الرجال سألت أخاك أن يقدمه على نفسه، قال: نبهتني واللّه على أمر لم أكن قد انتبهت له، ثم عزم بعد ذلك على خَلْعه رضي أم كره، وأمر بالتضييق عليه في الأكثر من أموره، فأشار عليه يحيى أن يستأذنه في الخروج إلى الصَّيْد، وأن يطيل التشاغل بذلك، فإن مدة موسى قصيرة على ما أوجبته قضية المولد، واستأذنه الرشيد، فأذن له، فسار إلى شاطىء الفُرات من بلاد الأنباء وهَيْتَ، وتوسط البر مما يلي السماوة، وكتب الهادي إليه يأمره بالقدوم فأكثر الرشيد التعلل وبسط الهادي لسانه في شتمه، وسنح للهادي الخروج نحو بلاد الحديثة، فمرض هناك، وانصرف وقد ثقل في العلة، فلم يجسر أحد من الناس على الدخول عليه إلا صغار الخدم، ثم أشار إليهم أن يحضروا الخيزران أمه، فصارت عند رأسه، فقال لها : أنا هالك في هذه الليلة، وفيها يلي أخي هارون، وأنت تعلمين ما قضى به أصل مولدي بالري وقد كنت أمرتك بأشياء ونهيتك عن أخرى، مما أوجبته سياسة الملك، لا موجبات الشرع من برك، ولم أكن بك عاقاً، بل كنت لك صائناً وبراً، واصلا ثم قضى قابضاً على يدها، واضعاً لها على صدره.
وكان مولده، بالري، وكذلك مولد [هارون] الرشيد، فكانت تلك الليلة فيها وفاة الهادي، وولاية الرشيد، ومولد المأمون.### الهادي ورجل ذو ذنوبويقال : إن الهادي أوْقَفَ بين يديه رجلا من أولياء الدولة ذا أجرام كثيرة، فجعل الهادي يذكره ذنوبه فقال له الرجل يا أمير المؤمنين اعتذاري مما تقرعني به رَدُّ عليك، وإقراري بما ذكرت يوجب ذنباً علي ولكني أقول :فإِنْ كُنْتَ تَرْجُو فِي العُقُوبَةِ رَاحَةٌ***فَلا تَزْهَدَنُ عِنْدَ المُعَافَاةِ فِي الأَجْرِفأطلقه ووصله.### بين الهادي والرشيدوحدث عدة من الأخباريين من ذوي المعرفة بأخبار الدولة، أن موسى قال لهارون أخيه: كأني بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا، وتؤمل ما أنت عنه بعيد، ومن دون ذلك خَرْطُ القَناد، فقال له هارون يا أمير المؤمنين من تكبر وضع، ومن تواضع، رفع ومن ظلم خذل، وإن وصل الأمر إلي وَصَلْتُ مَنْ قطعت، وبررت من حرمت، وصيرت أولادك أعلى من أولادي وزوجتهم بناتي، وقضيت بذلك حق الإمام المهديّ، فانجلى الغضب، وبان السرور في وجهه وقال : ذلك الظن بك يا أبا جعفر، اذنُ عن موسى مني، فقام هارون فقبل يده، ثم ذهب ليعود إلى مجلسه، فقال موسى والشيخ الجليل والملك النبيل، لا جلست إلا معي في صدر المجلس، ثم قال : يا خزَّاني احمل إلى أخي الساعة ألف ألف دينار، فإذا فتح الخراج فاحمل إليه نصفه، فلما أراد هارون الانصراف قدمت دابته إلى البساط.### رؤيا المهدي لولديه الهادي والرشيدقال عمرو الرومي : فسألت الرشيد عن الرؤيا، فقال : قال المهدي : رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيباً، وإلى هارون قضيباً، فأما قضيب موسى فَأَوْرَقَ أعلاه قليلا، وأما قضيب هارون فأورق من أوله إلى آخره، فقَصَّ الرؤيا على الحكيم بن إسحاق الصيمري وكان يَعْبُرها فقال له : يملكان جميعاً، فأما موسى فتقل أيامه، وأما هارون فيبلغ آخر ما عاش خليفة، وتكون أيامه أحسن الأيام، ودهره أحسن الدهور.
قال عمرو الرومي : فلما أفضت الخلافة إلى هارون زَوَّج حمدونة ابنته من جعفر بن موسى، وفاطمة من إسماعيل بن موسى، ووفى له ما وعده.### حاز الهادي سيف عمرو بن معد يكرب (الصمصامة)وحدث عبد اللّه بن الضحاك عن الهيثم بن عدي قال : وهب المهدي موسى الهادي سيف عمرو بن معد يكرب الصَّمْصَامة، فدعا به موسى بعد ما ولى الخلافة فوضعه بين يديه، وملء مِكْتَل دنانير، وقال لحاجبه : ائذن للشعراء، فلما دخلوا أمرهم أن يقولوا في السيف فبدأهم ابن يامين البصري فقال :حَازِ صَمْصَامَةَ الزُّبْيَدِي عمرومِنْ جَمِيعِ الأَنَامِ مُوسَى الأَمِينُسَيْفٌ، عمرو، وكانَ فِيمَا سَمِعْنَاخَيْرَ مَا أَغْمِدَتْ عَلَيْهِ الْجُفُونُأوْقَدَتْ فَوْقَهُ الصَّوَاعِقُ ناراًثُمَّ شَابَتْ فِيهِ الدُّعَافَ المَنُونُوَإِذَا مَا شَهَرْتَهُ تَبْهَرُ الشَّمْسَضِيَاءٌ فَلَمْ تَكَدْ تَسْتَبِينُوكأنَّ الفِرِنْدَ والجوهر الْجَارِي في صفحتيه ماء مَعِينُما يُبَالِي إذا الضريبة حَانَتْأشمال سَطَتْ به أمْ يَمِينٌ؟وهي أبيات كثيرة، فقال له الهادي : لك السيف والمكتل، فخذهما ؛ ففرق المكتل على الشعراء، وقال: دخلتم معي وَحُرِمْتُمْ من أجلي، وفي السيف عوض، ثم بعث إليه الهادي فاشترى منه السيف بخمسين ألفاً.وللهادي أخبار حسان وإن كانت أيامه، قَصُرَتْ، وقد أتينا على ذكرها في کتابينا «أخبار الزمان» والأوسط، وباللّه التأييد.
## ذكر خلافة هارون الرشيد### موجزهارون [الرشيد] بنُ المهدي يوم الجمعة صبيحة الليلة التي مات فيهاوبويع الهادي، بمدينة السلام، وذلك لاثنتي عشرة ليلة بَقِيَت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة، ومات بِطُوسَ بقرية يقال لها سناباذ، يوم السبت لأربع لَيَالٍ خَلَوْنَ من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، فكانت ولايته ثلاثاً وعشرين سنة وستة أشهر، وقيل : ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين [وثمانية عشر يوماً] وولي الخلافة وهو ابن إحدى وعشرين سنة [وشهرين] ومات وهو ابن أربع وأربعين سنة وأربعة أشهر.
## ذكر جمل من أخباره، وسيره (ولمع مما كان في أيامه)### الرشيد يستوزر يحيى بن خالد البرمكيولما أفضَتِ الخلافة إلى الرشيد دعا بيحيى بن خالد فقال له : يا أَبَتِ، أنت أجلستني في هذا المجلس ببركتك وَيُمْنك وحسن تدبيرك، وقد قلدتك الأمر، وَدَفَعَ خاتمه إليه، ففي ذلك يقول الموصلي :ألم تر أن الشمس كانت سَقِيمَةٌفلما وَلَى هارونُ أشْرَقَ نورهابيُمْنِ أمين اللّه هارون ذي الندىفهارُونُ واليها، ويحيى وزيرهاومات رَيْطَة بنت أبي العباس السَّفّاح لشهور خَلَتْ من أيام الرشيد، وقيل: في آخر أيام الهادي وماتت الخيزران أم الهادي والرشيد في سنة ثلاث وسبعين ومائة، ومشى الرشيد أمام جنازتها، وكانت غلة الخيزران مائة ألف ألف وستين ألف ألف درهم، وفيها مات محمد بن سليمان، وقَبَضَ الرشيد أمواله بالبصرة وغيرها؛ فكان مبلغها نيفاً وخمسين ألف ألف درهم سوى الضياع والدور والمستغلات، وكان محمد بن سليمان يغل كل يوم مائة ألف درهم.### محمد بن سليمان وسوار القاضي يعترضهما مجنونوحكي أن محمد بن سليمان ركب يوماً بالبصرة وسَوَّار القاضي يسايره في جنازة ابنة عم له، فاعترضه مجنون كان بالبصرة يعرف برأس النعجة، فقال له : يا محمد، أمن العدل أن تكون نحلتك في كل يوم مائة ألف درهم وأنا أطلب نصف درهم فلا أقدر عليه ؟ ثم التفت إلى سَوَّار فقال : إن كان هذا عدلا فأنا أكفر به فأسرع إليه غلمان محمد، فَكَفّهُمْ عنه، وأمر له بمائة درهم فلما انصرف محمد وسَوَّار معه اعترضه رأسُ النعجة فقال [له] : لقد كرم اللّه منصبك وشرف أبوتك، وحسن وجهك، وعظم قدرك، وأرجو أن يكون ذلك لخير يريده اللّه بك، ولأن يجمع اللّه لك الدارين، فدنا منه سَوَّار فقال : يا خبيث ما كان هذا قولك في البداءة، فقال له : سألتك بحق اللّه وبحق الأمير إلا
ما أخبرتني في أي سورة هذه الآية «فإن أعطوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعطوا مِنْهَا إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ» [التوبة : 58] قال : في براءة، قال : صدقت، فبرىء اللّه ورسوله منك، فضحك محمد بن سليمان حتى كاد يسقط عن دابته.ولما بنى محمد بن سليمان قصره بالبصرة على بعض الأنهار دخل إليه عبد الصمد بن شبيب بن شبة، فقال له محمد : كيف ترى بنائي ؟ قال : بنيت أجلَّ بناء، بأطيب فناء، وأوسع قضاء، وأرقُ هواء، على أحسن ماء، بين صراري وحسان وظباء، فقال محمد: بناء كلامك أحْسَنُ من بنائنا، وقيل: إن صاحب الكلام والباني للقصر هو عيسى بن جعفر على ما حدث به محمد بن زكرياء الغلابي، عن الفضل بن عبد الرحمن بن شبيب بن شبة وفي هذا القصر يقول ابن أبي عيينة :زُر وادي القصر، نعم القصر والواديلا بُدَّ من زَوْرَة من غير ميعادزره فليس له شبه يُقاربهمن منزل حاضر إن شئت أو باد[ترقی قراقيره والعيس واقفة***والضب والنون والملاح والحادي]### موت الليث بن سعدوفي سنة خمس وسبعين ومائة مات الليث بن سعد المصري، الفهمي، ويكنى أبا الحارث، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وكان قد حج سنة ثلاث عشرة ومائة وسمع من نافع.### موت شريك النخعي القاضيوفي سنة خمس وسبعين ومائة مات شريك بن عبد اللّه بن سنان النَّخَعِيُّ القاضي، وكان يكنى أبا عبد اللّه، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وكان مولده ببخاری، ولیس بشريك بن عبد اللّه بن أبي أنمر الليثي، لأن ابن [أبي] أنمر مات في سنة أربعين ومائة، وإنما ذكرنا ذلك لأنهما يتشابهان في الآباء والأمهات وبينهما تسع وثلاثون سنة. وكان شريك بن عبد اللّه النخعي يتولّى القضاء بالكوفة أيام المهديِّ، ثم عزله موسى الهادي، وكان شريك - مع فهمه وعلمه - ذكياً فطناً، وكان قد جرى بينه وبين مصعب بن عبد اللّه كلام بحضرة المهدي فقال له مصعب : أنت تنتقص أبا بكر وعمرو فقال : واللّه ما أنتقص جَدَّكَ وهو دونهما.وذُكِرَ معاوية عند شريك بالحلم، فقال: ليس بحليم من سَفِهَ الحقِّ وقاتل علي بن أبي طالب.
وشم من شريك رائحة النبيذ فقال له أصحاب الحديث : لو كانت هذه الرائحة منا لاستحيينا، فقال : لأنكم أهل الريبة.### موت مالك بن أنس الإمامومات في أيام الرشيد أبو عبد اللّه مالك بن أنس بن أبي عامر، الأصْبَحِيّ، وهو ابن تسعين سنة، وحمل به ثلاث سنين، وذلك في ربيع الأول، وقيل: إنه صلى عليه ابن أبي ذئب على ما ذكر من التنازع في وفاة ابن أبي ذئب، وذكر الواقديُّ أن مالكاً كان يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمع والجنائز، ويعود، المرضى، ويقضي الحقوق، ثم ترك ذلك كله، ثم قيل له فيه فقال : ليس كل إنسان يقدر أن يتكلم بعُذرِه.وسعى به إلى جعفر بن سليمان وقيل له : إنه لا يرى أيمان بيعتكم شيئاً فضربه بالسياط، ومُدَّ لذلك حتى انخلع كتفاه.### حماد بن زيدوفي السنة التي مات فيها مالك كانت وفاة حَمَّاد بن زيد، وهي سنة تسع وسبعين ومائة.### ابن المباركوفي سنة إحدى وستين ومائة مات عبد اللّه بن المبارك، المروزي، الفقيه، بِهَيْتَ بعد منصرفه من طرسوس.### القاضي أبو يوسفوفي سنة اثنتين وثمانين ومائة مات أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي وهو ابن تسع وستين سنة، وهو رجل من الأنصار، وولي القضاء سنة ست وستين ومائة في أيام خروج الهادي إلى جُرْجَان، وأقام على القضاء إلى أن مات خمس عشرة سنة.قال المسعودي : وقد كانت أم جعفر كتبت مسألة إلى أبي يوسف تستفتيه فيها، فأفتاها بما وافق مرادها على حسب ما أوجبته الشريعة عنده وأداه اجتهاده إليه، فبعثت إليه بحق فضة فيه حقان [من فضة] في كل حق لون من الطيب وجامَ ذهب فيه دراهم وجام فضة فيه دنانير، وغلمان وتخوت من ثياب وحمار وبغل، فقال له بعض من حضره قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أهديت له هدية فجلساؤه شركاؤه فيها فقال أبو يوسف: تأولت الخبر على ظاهره والاستحسان قد منع من إمضائه، ذاك إذ كان هدايا)
الناس التمر واللبن لا في هذا الوقت وهدايا الناس اليوم العَيْنُ والوَرِقُ وغيره، «ذَلِكَ فَضْلُ اللّه يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّه ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم: [الجمعة: 4].
وذكر الفضل بن الربيع قال : صار إليَّ عبد اللّه بن مصعب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير، فقال: إن موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي قد أرادني على البَيْعَة له، فجمع الرشيد بينهما، فقال الزبيري لموسى: سعيتم علينا وأردتم نقض دولتنا، فالتفت إليه موسى فقال : ومَنْ أنتم ؟ فغلب [على] الرشيد الضحك حتى رفع رأسه إلى السقف حتى لا يظهر منه، ثم قال موسى يا أمير المؤمنين، هذا الذي ترى المُشَنع عليّ خرج واللّه مع أخي محمد بن عبد اللّه [بن الحسن بن الحسن بن علي] عليّ جدك المنصور، وهو القائل من أبيات :
قوموا ببيعتكم نَنْهَض بطاعتنا***إن الخلافة فيكم يا بني حسن
في شعر طويل وليس سعايته يا أمير المؤمنين حُبّا لك، ولا مراعاة لدولتك، ولكن بغضاً لنا جميعاً أهل البيت، ولو وجد من ينتصر به علينا جميعاً لكان معه، وقد قال باطلا، وأنا مستحلفه، فإن حلف أني قلت ذلك فدمي لأمير المؤمنين حَلَالٌ، فقال الرشيد احلف له يا عبد اللّه، فلما أراده موسى على اليمين تلكأ وامتنع فقال له الفضل لم تمنع وقد زعمت آنفاً أنه قال لك ما ذكرته ؟ قال عبد اللّه : فأنا أحلف له، قال موسى : قل تَقَلّدْتُ الحول والقوة دون حول اللّه وقوته إلى حولي وقوتي إن لم يكن ما حكيته عني حقاً، فحلف له فقال موسى : اللّه أكبر، حدثني أبي عن جدي عن أبيه عن جدّه علي عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنه قال «ما حلف أحد بهذه اليمين وهو كاذب إلا عجل اللّه له العقوبة قبل ثلاثة» واللّه ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، وها أنا يا أمير المؤمنين بين يديك وفي قبضتك، فتقدم بالتوكيل علي، فإن مضت ثلاثة أيام ولم يحدث على عبد اللّه بن مصعب حادث فدمي لأمير المؤمنين حلال، فقال الرشيد للفضل: خذ بيد موسى فليكن عندك حتى أنظر في أمره.
قال الفضل : فواللّه ما صليت العصر من ذلك اليوم حتى سمعتُ الصُّرَاخَ من دار عبد اللّه بن مصعب، فأمرت من يتعرف خبره، فعرفت أنه [قد] أصابه الْجُذام، وأنه قد تورم واسْوَدَّ فصرت إليه فواللّه ما كدت أعرفه لأنه صار كالزّق العظيم ثم اسودَّ حتى صار كالفحم، فصرت إلى الرشيد فعرفته خبره، فما انقضى كلامي حتى أتى خبر وفاته،
فبادرت بالخروج، وأمرت بتعجيل أمره والفراغ منه، وتوليت الصلاة عليه، فلما دَلّوه في حفرته لم يستقر فيها حتى انخسفت به و خرجت منه رائحة مفرطة النتن، فرأيت أحمال شوك تمر في الطريق فقلت : [ علي بذلك الشوك، فأتيت به، فطرح في تلك الوهدة، فما استقر حتى انخسفت ثانية فقلت] عليّ بألواح، ساج فطرحت على موضع قبره، ثم طرح التراب عليها وانصرفت إلى الرشيد فعرفته الخبر [ وما عاينت من الأمر] فأكثر التعجب من ذلك، وأمرني بتخلية موسى بن عبد اللّه رضي اللّه عنه، وأن أعطيه ألف دينار، وأحضر الرشيد موسى فقال [له] : لم عَدَلت عن اليمين المتعارفة بين الناس؟ قال : لأنا رَوَيْنَا عن جدنا رضي اللّه عنه [عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)] مَنْ حلف بيمين مَجْدَ اللّه فيها استحيا اللّه من تعجيل عقوبته. وما من أحد حلف بيمين [كاذبة ] نازع اللّه فيها حَوْلَه وقوته إلا عَجَلَ اللّه له العقوبة قبل ثلاث.
وقيل : إن صاحب هذا الخبر هو يحيى بن عبد اللّه [بن الحسن بن الحسن بن علي] أخو موسى [بن عبد اللّه رضوان اللّه عليهم !].
وكان يحيى قد سار إلى الدَّيْلَم مستجيراً ؛ فباعه صاحبُ الدِّيلم من عامل الرشيد بمائة ألف درهم فقتل، رحمه اللّه.
وقد روي من وجه آخر - على حسب تباين النسخ وطرق الرواية في ذلك في كتب الأنساب والتواريخ - أن يحيى أُلْقِي في بركة فيها سباع قد جُوعت، فأمسكت على أكله، ولَاذَتْ بناحية، وهابت الدُّنْو إليه، فبني عليه ركن بالجص والحجر وهو حَيٍّ.
وقد كان محمد بن جعفر بن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي كرم اللّه وجهه سار إلى مصر، فطُلِبَ، فدخل المغرب، واتصل ببلاد تَاهَرْتَ السفلى، واجتمع إليه خلق من الناس، فظهر فيهم بعدل وحسن استقامة، فمات هنالك مسموماً، وقد أتينا على كيفية خبره وما كان من أمره في كتاب «حدائق الأذهان، في أخبار أهل بيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وتفرقهم في البلدان».
وفي سنة ثمانية وثمانين ومائة حَجّ الرشيد، وهي آخر حَجَّةٍ حَجَّهَا، فذكر عن أبي بكر بن عياش - وكان من [علية] أهل العلم - أنه قال وقد اجتاز الرشيد بالكوفة في حال منصرفه من هذه الحجة : لا يعود إلى هذه الطريق ولا خليفة من بني العباس بعده
أبداً، فقيل له : أضَرْبٌ من الغيب؟ قال: نعم، قيل : بوَحْي؟ قال: نعم، قيل : إليك؟ قال : لا، إلى محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وكذلك أخبر عنه [علي (عَلَيهِم السَّلَامُ)] المقتول في هذا الموضع، وأشار إلى الموضع الذي قتل فيه [علي] بالكوفة، رضي اللّه عنه !.
وفي سنة تسع وثمانين ومائة - وذلك في أيام الرشيد- مات عليُّ بن حمزة الكسائي صاحب القراءات، ويكنى أبا الحسن، وكان قد شَخَصَ مع الرشيد إلى الري فمات بها، وكذلك مات محمد بن الحسن الشيباني القاضي، ويكنى أبا عبد اللّه، ودفن بالري وهو مع الرشيد، وتطير من وقاة محمد بن الحسن لرؤيا [كان] رآها في نومه.
وفي هذه السنة كانت وفاة يحيى بن خالد بن بَرْمك.
وفي سنة ثمان وثمانين ومائة كان سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، فحدَّثَ يموت بن المزرع عن الرياشي، قال : سمعت الأصمعي يقول : كنت عند الرشيد، وأتى بعبد الملك بن صالح يَرْفُلُ في قيوده، فلما نظر إليه قال هيه يا عبد الملك كأني [ واللّه ] أنظر إليك وشؤبوبها قد همع، و [إلى] عارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أقلع عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم، مهلا مهلا بني هاشم، واللّه سَهُل لكم الوَغر، وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أزِمَّتَها، فخذوا حذركم مني قبل حلول داهية خَبُوط باليد والرجل، فقال له عبد الملك : أفذا أتكلم أم توأماً ؟ فقال : توأماً قال : فاتق اللّه يا أمير المؤمنين فيما وَلاك، وراقبه في رعاياك التي استرعاك، قد سهلت لك واللّه الوعور، وجمعت على خوفك ورجائك الصدور، وكنت كما قال أخو جعفر بن كلاب.
ومقام ضَيَّق فَرَّجته***بلسان أو بيان أو جَدَلْ
لو يقوم الفيلُ أو فَيَّاله***زَلَّ عن مثل مقامي أو زَحَلْ
قال: فأراد يحيى بن خالد البرمكي أن يضع من مقام عبد الملك عند الرشيد، فقال له : يا عبد الملك، بلغني أنك حَقُود، فقال : أصلح اللّه الوزير ! ! إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشر عندي إنهما لباقيان في قلبي، فالْتَفَتَ الرشيد إلى الأصمعي، فقال: يا أصمعي حررها فواللّه ما احتجَّ أحد للحقد بمثل ما احتجَّ به عبد الملك، ثم أمر به فردَّ إلى
محبسه، ثم التفت إلى الأصمعي، فقال: واللّه واللّه يا أصمعي لقد نظرتُ إلى موضع السيف من عنقه مراراً يمنعني من ذلك إبقائي على قومي في مثله.
حدث يوسف بن إبراهيم [بن] المهدي قال : حدثني سليمان الخادم الخراساني مولى الرشيد، أنه كان واقفاً على رأس الرشيد بالحِيرَةِ وهو يتغدَّى إذ دخل عليه عون العِبَادِيُّ، وكان صاحب الحيرة وفي يده صحفة فيها سمكة منعوتة بالسمن فوضعها بين يديه ومعه محبس قد اتخذ لها، فحاول الرشيد أكل شيء منها فمنعه جبريل بن يختيشوع، وأشار جبريل إلى صاحب المائدة أن يشيلها عن المائدة ويعزلها له، ففطن له الرشيد، فلما رفعت المائدة وغسل الرشيد يده وخرج جبريل أمرني الرشيد باتباعه وأن أكبسه في منزله وهو يأكل فأرجع إليه بخبره ففعلت ما أمرني [به] وأحسب أن أمري لم يَخْفَ على جبريل فيما تبينت من تحرزه، فإنه صار إلى موضع من دار عون، ودعا بالطعام فأحضر له، وفيه السمكة، فدعا بأقداح ثلاثة فجعل في واحد منها قطعة من السمك وصَبَّ عليها [خمراً] من خمر طير ناباذ - وهي قرية بين الكوفة والقادسية ذات كروم وأشجار ونخل ورياض تخرقها الأنهار من كل البقاع من الفرات، شرابها موصوف بالجودة كوصف القطريلي - قصبه على السمكة وقال : هذا أكل جبريل، وجعل في قدح آخر قطعة منها، وصبّ عليها ماء بثلج شديد البرودة وقال : هذا أكل أمير المؤمنين أعزه اللّه إن لم يخلط السمك بغيره، وجعل في القَدَحَ الثالث [قطعة من السمكة وجعل] قطعاً من اللحم من ألوان مختلفة، من شواء ومن حلوى ومن بوارد ويقول، ومن سائر ما قدم إليه من الألوان من كل واحد منها جزءاً يسيراً مثل اللقمة واللقمتين، وصَبَّ عليها ماء بثلج، وقال: هذا أكل أمير المؤمنين إن خلط السمك بغيره [ من الطعام] ودفع الثلاثة الأقداح إلى صاحب المائدة، وقال: احتفظ بها إلى أن ينتبه أمير المؤمنين أعزه اللّه، ثم أقبل جبريل على السمكة فأكل منها حتى تَضَلّع وكان كلما عطش دعا بقدح من الخمر الصرف فشربه ثم نام فلما انتبه الرشيد من نومه سألني عما عندي من خبر جبريل، وهل أكل من السمكة شيئاً أم لم يأكل؟ فأخبرته بالخبر، فأمر بإحضار الأقداح الثلاثة فوجد ما في القدح الأول - وهو الذي ذكر جبريل أنه أكله وصب عليه الخمر الصرف - قد تفتت وانماع واختلط ووجد ما في القدح الثاني - الذي قال جبريل إنه أكل أمير المؤمنين وصب عليه الماء بالثلج - قد ربا وصار على النصف مما كان، ونظر إلى القدح الثالث - الذي قال جبريل وهذا أكل أمير المؤمنين إن خلط السمك بغيره – قد تغيرت رائحته وحدثت له سُهوكة [شديدة] كاد الرشيد أن يتقيأ حين قرب منه، فأمر [ني] بحمل
خمسة آلاف دينار إلى جبريل وقال : من يلومني على محبة هذا الرجل الذي يدبرني بهذا التدبير؟ فأوصلْتُ إليه المال.
وذكر عبد اللّه بن مالك الخزاعي - وكان على دار الرشيد وشرطته - قال : أتاني رسول الرشيد في وقت ما جاءني فيه قط فانتزعني من موضعي، ومنعني من تغيير ثيابي، فراعني ذلك [منه] فلما صرت إلى الدار سبقني الخادم، فعرَّفَ الرشيد خبري، فأذن لي في الدخول [عليه]، فدخلت فوجدته قاعداً على فراشه؛ فسلمت فسکت ساعة، فطار عقلي وتضاعَفَ الجزع [علي] ثم قال لي : يا عبد اللّه أتدري لم طلبتك في هذا الوقت؟ قلت: لا واللّه يا أمير المؤمنين، قال : إني رأيت الساعة في منامي كأَنَّ حَبَشِيا قد أتاني ومعه حربة فقال :[لي] إن لم تَخَلَّ عن موسى بن جعفر الساعة، وإلا نحرتك بهذه الحربة، فاذهب فخلَّ عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين أطلق موسى بن جعفر.؟ ثلاثاً، قال: نعم امض الساعة حتى تطلق موسى بن جعفر وأعطه ثلاثين ألف درهم، وقل له : إن أحببت المقام قِبَلَنَا فلك عندي ما تحب وإن أحببت المضي إلى المدينة فالإذن في ذلك إليك، قال: فمضيت إلى الحبس لأخرجه، فلما رأني موسى وثب إلي قائماً وظن أني قد أمرت فيه بمكروه. فقلت: لا تخف، وقد أمرني أمير المؤمنين بإطلاقك، وأن أدفع إليك ثلاثين ألف درهم، وهو يقول لك : إن أحببت المقام قبلنا فلك ما تحب وإن أحببت الانصراف [ إلى المدينة] فالأمر في ذلك مُطْلَق إليك. وأعطيته الثلاثين ألف درهم، وخليت سبيله وقلت: لقد رأيت من أمرك عجباً، قال: فإني أخبرك : بينما أنا نائم إذ أتاني النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فقال : يا موسى حبست مظلوماً فقل هذه الكلمات فإنك لا تبيت هذه الليلة في الحبس، فقلت: بأبي وأمي ما أقول؟ فقال : قل يا سامع كل صوت ويا سابق الفَوْت ويا كاسي العظام لحماً ومنشرها بعد الموت، أسألك بأسمائك الحسنى وباسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين، يا حليماً ذا أناة لا يُقْوَى على أناته يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً، ولا يُحْصَى عدداً، فرج عني، فكان ما ترى.
وذكر حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال قال إبراهيم بن المهدي : حججت مع الرشيد، فبينا نحن في الطريق وقد انفردتُ أسير وحدي وأنا على دابتي، إذ غلبتني عيناي فسلكت بي الدابة غير الطريق، فانتبهت وأنا على غير الجادة، فاشتدَّ بي
الحر، فعطشت عطشاً شديداً، فارتفع لي خباء، فقصدته، فإذا بقيَّة وبجنبها بئر ماء بقرب مَزْرعة، وذلك بين مكة والمدينة، ولم أر بها إنسياً ؛ فاطلعت في القبة فإذا أنا بأسود نائم فأحَسَّ بي ففتح عينيه كأنهما إجانَتَا دم، فاستوى جالساً، وإذا هو عظيم الصورة، فقلت : يا أسود اسقني من هذا الماء، فقال : يا أسود اسقني من هذا الماء، محاكياً لي، وقال: إن كنت عطشاناً فانزل واشرب، وكان تحتي برذون خبيث نَفُور، فخشيت أن أنزل عنه فينفر، فضربت رأس البرذون، وما نفعني الغناء قط إلا في ذلك اليوم، وذلك أني رفعت عقيرتي وأنا أغني:
كَفُنُونِي إِن مت في دِرْع أروى***واستقوا لي من بئر عُرُوةَ ماء
فلها مربع بجنب أجاج***ومصيف بالقصر قصر قباء
[سخنة في الشتاء باردة في الصيف بَدْرٌ في الليلة الظلماء].
فرفع الأسود رأسه إلي وقال : أيما أحب إليك أن أسقيك ماء وحده، أو ماء وسويقاً ؟ قلت : الماء والسويق، فأخرج قَعْباً له فصبَّ السويق في القدح فسقاني، وأقبل يضرب بيده على رأسه وصدره، ويقول : واحَرَّ صَدْرَاه، وأنارات اللّهب في فؤادي يا مولاي زدني وأنا أزيدك، وشربت السويق، ثم قال لي: يا مولاي، إن بينك وبين الطريق أميالا، ولست أشك أنك تعطش، لكني املأ قربتي هذه وأحملها قدامك، فقلت : افعل قال : فملأ قربته وسار قُدَّامي وهو يحجل في مشيته غير خارج عن الإيقاع، فإذا أمسكت الأستريح أقبل علي فقال يا مولاي [أما]، عطشت فأغنيه النصب، إلى أن أوقفني على الجادة، ثم قال لي : سِرْ رعاك اللّه ولا سلبك ما كساك من هذه النعم، بكلام عجمي معناه هذا الدعاء، فلحقت بالقافلة والرشيد [كان] قد فَقَدَنِي، وقد بَثَّ البُخْتَ والخيل في البر يطلبونني، فسُرَّ بي حين رآني، فأتيته، فقصصت عليه الأمر، فقال: علي بالأسود، فما كان إلا هنيهة حتى مثل بين يديه فقال له : ويلك !! ما حر صدرك ؟ فقال : يا مولاي ميمونة، قال : ومَنْ ميمونة ؟ قال : [بنت] حبشية، قال : ومن حبشية؟ قال : بنت بلال يا مولاي، فأمر من يستفهمه، فإذا الأسود عبد لبني جعفر الطَّيَّار، وإذا السواد التي يهواها لقوم من ولد الحسن بن علي فأمر الرشيد بابتياعها له فأبى مواليها أن يقبلوا لها ثمناً، ووهبوها للرشيد، فاشترى الأسْوَدَ، وأعتقه وزوجه منها، ووهب له من ماله بالمدينة حديقتين وثلاثمائة دينار.
ودخل ابن السماك على الرشيد [يوماً] وبين يديه حمامة تلتقط حباً، فقال له : صفها وأوجز، فقال : كأنما تنظر من ياقوتتين، وتلتقط بدرتين، وتطأ على عقيقتين، وأنشدونا لبعضهم :
هتفت هاتفة آذَنَها إِلْفٌ بین
ذات طُوْقِ مثل عَطْف النون أقنى الطرفين
وتراها ناظرة نحوك من ياقوتتين
ترجع الأنفاس من ثقبين كاللؤلؤتين
وترى مثل البساتين لها قادمتين
ولها لحيان كالصدغين من عرعرتين
ولها ساقان حمرا وان مثل الوردتين
نسجت فوق جناحيها لها برنوستین
وهي طاووسية اللون بنان المنكبين
تحت ظل من ظلال الآيك صافي الكتفين
فقَدَتْ إلفاً فناحت من تباريح وبين
فَهُيَ تبكيه بلا دمع جمود المقلتين
وهي لا تصبغ عيناها كما تصبغ عيني
ودخل مَعْنُ بن زائدة على الرشيد وقد كان وجد عليه فمشى فقارب الخطو فقال له هارون: كبرت واللّه يا معن، قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين قال : وإن فيك على ذلك لبقية، قال : هي لك يا أمير المؤمنين، قال : وإنك لجلد، قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين فرضي عنه وولاه.
قال : وعرض كلامه هذا على عبد الرحمن بن زيد زاهد أهل البصرة فقال : وَيْحَ هذا !! ما ترك لربه شيئاً.
وقال الرشيد يوماً لمعن بن زائدة : إني قد أعددتك لأمر كبير، فقال: يا أمير المؤمنين، إن اللّه أعدَّ لك مني قلباً معقوداً بنصيحتك، ويداً مبسوطة بطاعتك، وسيفاً مشحوذاً عَلَى عدوك، فإن شئت فقل، وقيل : إن هذا الجواب من كلام يزيد بن مزيد.
وقال الكسائي : دخلت عَلَى الرشيد، فلما قضين حق التسليم والدعاء وثَبْتُ للقيام، فقال: اقعد، فلم أزل عنده حتى خَفَّ عامة من كان في مجلسه، ولم يبق إلا خاصته فقال لي: يا عَلِيُّ ألا تُحب أن ترى محمداً وعبد اللّه؟ قلت : ما أشوقني إليهما
يا أمير المؤمنين وأسرني بمعاينة نعمة اللّه على أمير المؤمنين فيهما، فأمر بإحضارهما، فلم ألبث أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هدوء ووقار، وقد غضا أبصارهما، وقاربا خطوهما حتى وقفا عَلَى باب المجلس فسلما على أبيهما بالخلافة، ودَعوا له بأحسن الدعاء. فأمرهما بالدُّنو منه [فدنَوا] فصيَّر محمداً عن يمينه وعبد اللّه عن يساره، ثم أمرني أن أستقرئهما وأسألهما، ففعلت فما سألتهما عن شيء إلا أحسنا الجواب فيه والخروج منه، فسر بذلك الرشيد حتى تبينته فيه ثم قال لي يا علي كيف ترى مذهبهما وجوابهما؟ فقلت : يا أمير المؤمنين [هما] كما قال الشاعر :
أرى قَمَري مَجْدٍ وفرعَى خلافة***يزينهم عرق كريم ومحتد
يا أمير المؤمنين هما فرع زكا، أصله وطاب مَغْرِسه، وتمكنت في الثرى عروقه، و عذبت مشاربه، أبوهما أغر، نافذ الأمر، واسع العلم عظيم الحلم، يحكمان بحكمه، ويستضيئان بنوره، وينطقان بلسانه ويتقلبان في سعادته، فأمتع اللّه أمير المؤمنين بهما، وآنس جميع الأمة ببقائه وبقائهما [ ثم قلت لهما هل ترويان من الشعر شيئاً؟ فقالا : نعم، ثم أنشدني محمد :
وإني لَعَفُّ الفقر مشترك الغنى**وتارك شكل لا يوافقه شكلي
وأجعل مالي دون عِرْضِيَ جُنَّة***لنفسي، ومفضال بما كان من فضل
ثم أنشد عبد اللّه :
بكرت تلومُكَ مَطْلَعَ الفجر***ولقد تلوم بغير ما تدري
مَلَكَ الأمور على مقتدر***يُعْطِي إذا ما شاء من يُسْر
ولربّ مغتبط بمرزئة***ومفجع بنوائب الدهر
وترى قناتي حين يغمدها***عَضُّ الثقاف بطيئة الكسر]
فما رأيت أحداً من أولاد الخلفاء وأغصان هذه الشجرة المباركة أدْرَبَ ألسناً ولا أحسن ألفاظاً ولا أشد اقتداراً على تأدية ما حفظا منهما، ودعوت لهما دعاء كثيراً، وأمَّنَ الرشيد على دُعائي، ثم ضمهما إليه، وجمع يده عليهما، فلم يبسطها حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره، ثم أمرهما بالخروج، فلما خرجا أقبل عليّ فقال : كأنك بهما وقد حُمَّ القضاء، ونزلت مقادير السماء وبلغ الكتاب أجله، قد تشتت كلمتهما، واختلف أمرهما، وظهر تعاديهما، ثم لم يبرح ذلك بهما حتى تسفك الدماء، وتقتل القتلى، وتهتك سور النساء، ويتمنى كثير من الأحياء أنهم في عداد الموتى، قلت: أيكون ذلك يا أمير المؤمنين لأمر رؤي في أصل مولدهما أو لأثر وقع لأمير المؤمنين في مولدهما؟
فقال : لا واللّه إلا بأثر واجب حملته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء.
قال الأحمر النحوي : بعث إليَّ الرشيدُ لتأديب ولده محمد الأمين، فلما دخلت قال : يا أحمر، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصَيَّر يدك عليه مبسوطة، وطاعتك عليه، واجبة فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن، وعرفه الآثار، وَرَوِّهِ الأشعار، وعلمه السنن، وبصره مواقع الكلام وبدأه وامنعه الضحك إلا في أوقاته وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا إليه، وَرَفْع مجالس القواد إذا حضروا، مجلسه، ولا تمرنّ بك ساعة إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيده إياها من غير أن تَخْرُق به فتمیت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيَسْتَحْلِي الفراغ ويألفه، وقومهُ ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أبَاهُما فعليك بالشدة والغلظة.
ويقال : إن العمانِيَّ الشاعر قام بحضرة الرشيد [خطيباً] فلم يزل يقرظ محمداً ويُحرضه على تجديد العهد له فلما فرغ من كلامه قال له: أبشر يا عمانيُّ بولاية العهد له، فقال : إي واللّه يا أمير المؤمنين سُرُور العُشْبِ بالغيث، والمرأة النزور بالولد، والمريض المدنف بالبرء، لأنه نسيجُ وَحْدِه، وحامي مجده، وشبيه حده، قال : فما تقول في عبد اللّه ؟ قال : مَرْعَى ولا كالسَّعْدَان، فتبسم الرشيد وقال : قاتله اللّه ! [ من أعرابي] ما أعرفه بمواضع الرغبة، أما واللّه إني لأتعرف في عبد اللّه حَزْمَ المنصور، ونسك المهدي، وعز نفس الهادي واللّه لو شاء اللّه أن أنسبه إلى الرابعة لنسبته إليه.
قال الأصمعي : بينما أنا أسامر الرشيد ذات ليلة إذ رأيته قد قلق قلقاً شديداً فكان يقعد مرة ويضطجع مرة ويبكي [أخرى] ثم أنشأ يقول :
قَلّد أمور عباد اللّه ذا ثقة***مُوحَّدَ الرأي لا نكس ولا برم
واترك مقالة أقوام ذوي خطل***لا يفهمون إذا ما معشر فهموا
فلما سمعت منه ذلك علمت أنه يريد أمراً عظيماً، يريد أمراً عظيماً، ثم قال لمسرور الخادم : علي بيحيى، فما لبث أن أتاه فقال يا أبا الفضل، إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مات في غير وصية والإسلام جَذَع، والإيمان، جديد، وكلمة العرب مجتمعة، قد آمَنَهَا اللّه تعالى بعد الخوف، وأعَزَّهَا بعد الذل، فما لبث أن ارْتَدَّ عامة العرب على أبي بكر، وكان من خبره
ما قد علمت، وإن أبا بكر صَيَّر الأمر إلى عمر، فسلّمت الأمة له، ورضيت بخلافته، ثم صيرها عمر شُورَى؛ فكان بعده ما قد بلغك من الفتن حتى صارت إلى غير أهلها، وقد عنيت بتصحيح هذا العهد وتصييره إلى مَنْ أرضى سيرته، وأحمد طريقته، وأثق بحسن سیاسته وآمن ضعفه ووَهْنَه، وهو عبد اللّه، وبنو هاشم مائلون إلى محمد بأهوائهم، وفيه ما فيه من الانقياد لهواه، والتصرف مع طويته والتبذير لما حوته يده ومشاركة النساء والإماء في رأيه ؛ وعبد اللّه المرضيُّ الطريقة، الأصيل الرأي الموثوق به في الأمر العظيم ؛ فإن مِلْتُ إلى عبد اللّه أسخطت بني هاشم، وإن أفردت محمداً بالأمر لم آمن تخليطه على الرعية. فأشِرْ عليَّ في هذا الأمر برأيك مشورة يعم فضلها ونفعها، فإنك بحمد اللّه مُبارك الرأي لطيف النظر، فقال : يا أمير المؤمنين، إن كل زلة مستقالة وكل رأي يتلافى خلا هذا العهد فإن الخطأ فيه غير مأمون، والزلة فيه لا تستدرك، وللنظر فيه مجلس غير هذا؛ فعلم الرشيد أنه يريد الخلوة، فأمرني بالتنحي، فقمت وقعدت ناحية بحيث أسمع كلامهما فما زالا في مناجاة ومناظرة طويلة حتى مضى الليل، وافترقا على أن عقد الأمر لعبد اللّه بعد محمد.
ودخلت أم جعفر على الرشيد فقالت : ما أنصفت ابنك محمداً حيث ولّيته العراق وأغريته عن العدد والقواد، وصيرت ذلك إلى عبد اللّه دونه، فقال لها: وما أنت وتميز الأعمال واختبار الرجال؟ إني وَلّيت ابنك السلم وعبد اللّه الحرب، وصاحب الحرب أحْوَجُ إلى الرجال من المسالم، ومع هذا فإنا نتخوف ابنك على عبد اللّه، ولا نتخوف عبد اللّه على ابنك إن بويع.
وفي سنة ست وثمانين ومائة خرج الرشيد حاجاً ومعه وَلِيًّا عَهْدِهِ : الأمين والمأمون، وكاتب الشرطين بينهما وعَلَّقهما في الكعبة.
وحكي عن إبراهيم الْحَجَبي أن الكتاب لما رُفع ليعلق بالكعبة وقع، فقلت في نفسي : [ وقع ] قبل أن يرتفع، إن هذا الأمر سریع انتقاضه قبل تمامه.
وحكي عن سعيد بن عامر البصري قال: حججت في هذه السنة وقد استعظم الناسُ أمر الشرط والأيمان في الكعبة، فرأيت رجلا من هُذَيْلِ يقود بعيره وهو يقول :
وبيعة قد نكثت أَيْمَانُها***وفتنة قد سُعَّرَت نيرانها
فقلت له : وَيُحك ما تقول؟! قال : أقول إن السيوف سَتُسَل، والفتنة ستقع، والتنازع في الملك سيظهر ؛ قلت : وكيف ترى ذلك ؟ قال : أما ترى البعير واقفاً والرجلان
يتنازعان والغُرَابان قد وقعا على الدَّمِ والتطخا به واللّه لا يكون آخر هذا الأمر إلا محاربة وشَرًا.
ويروى أن الأمين لمَّا حلفَ للرشيد بما حلف له به، وأراد الخروج من الكعبة رَدَّ جعفر بن يحيى، وقال له : فإن غدرت بأخيك خَذَلَك اللّه، حتى فعل ذلك ثلاثاً [في] كلها يحلف له، وبهذا السبب اضطغنت أم جعفر على جعفر بن يحيى ؛ فكانت أحد من حَرَّض الرشيد على أمره وبعثته على ما نزل به.
قال المسعودي : وفي سنة سبع وثمانين ومائة بايع الرشيد لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون، فإذا أفضت الخلافة إلى المأمون كان أمره، إليه إن شاء أن يقرّه أقره، وإن شاء أن يخلعه خلعه.
وفي هذه السنة - وهي سنة سبع وثمانين ومائة - توفي الفُضَيْلُ بن عياض ويكنى أبا علي، وكان مولده بخراسان وقدم الكوفة، وسمع من المنصور بن المعتمر وغيره، ثم تعبد وانتقل إلى مكة فأقام بها إلى أن مات.
حدث سفيان بن عُيَيْنَةَ قال : دعانا الرشيد، فدخلنا عليه ودخل الفضيل آخرنا مقنعاً رأسه بردائه فقال لي: يا سفيان، أيهم أمير المؤمنين؟ فقلت: هذا، وأومأت إلى الرشيد، فقال :[له]: أنت يا حَسَنَ الوجه الذي أمْرُ هذه الأمة في يدك وعنقك؟ لقد تَقَلّدْتَ أمراً عظيماً، فبكى الرشيد، ثم أتى كل رجل منا ببدرة، فكلٌّ قبلها إلا الفضيل، فقال له الرشيد: يا أبا علي، إن لم تستحلها فأعطها ذا دين، وأشبع بها جائعاً، واكس بها عرياناً، فاستعفاه منها، فلما خرجنا قلت له: يا أبا علي، أخطأت ألا أخذتها وصرفتها في أبواب البر، فأخذ بلحيتي ثم قال : يا أبا، محمد أنت فقيه البلد [ والمنظور إليه] وتغلط مثل هذا الغلط؟ لو طابت لأولئك لطابت لي.
و قبض موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ببغداد مسموماً، لخمس عشرة سنة خلت من ملك الرشيد، سنة ست وثمانين ومائة، وهو ابن أربع وخمسين سنة، وقد ذكرنا في رسالة بيان أسماء الأئمة القطيعة من الشيعة : أسماءهم وأسماء أمهاتهم، ومواضع قبورهم، ومقادير أعمالهم، وكم عاش كل واحد منهم مع أبيه، ومن أدرك من أجداده أجداده (عَلَيهِم السَّلَامُ).
ولكلثوم العتابي في الرشيد من أبيات :
إمَامٌ لَهُ كَفْ يَضُمُّ بَنَانُهَا***عَصَا الدِّينِ ممنوع مِنَ البر عُودُهَا
وَعَيْنٌ مُحِيطٌ بالبَرِيَّةِ طَرْفُهَا***سَوَاءٌ عليها قُرْبُهَا وبعيدها
وأسمع يقظاناً يبيت مُنَاجِياً***له في الحشا مستودعات يكيدها
[سَمِيعٌ إذا ناداه مِنْ قَعْرِ كُرْبَةٍ***مُنَادٍ كَفَتْهُ دعوة لا يُعيدها]
حدث يموت بن المزرع قال : حدثني خالد عن عمرو بن بحر الجاحظ، قال : كان كلثوم العتابي يضع من قدر أبي نُوَاسِ، فقال له راوِية أبي نواس يوماً : كيف تضع مِنْ قدر أبي نواس وهو الذي يقول :
إذا نَحْنُ أثنينا عليك بصَالِح***فأنتَ الذِي نُثْنِي وَفَوْقَ الذي يُثْنِي
وإِن جَرَتِ الألفاظُ مِنَا بِمِدْحَةٍ***لغيرِكَ إنْسَاناً فأنتَ الذي نَعْنِي
قال العتابي : هذا سرقَهُ، قال : ممن؟ قال: من أبي الهذيل الجمحي [قال : حيث يقول ماذا؟ قال :] حيث يقول :
وإذا يقال لبعضهم نِعْمَ الفتى***فَابْنُ المُغِيرَة ذلك النعم
عَقُمَ النِّسَاءُ فلا يَجِئْنَ بمثله***إن النِّسَاء بمثله عُقْمُ
قال : فقد أحسن في قوله :
فَتَمشَتْ في مفاصلهم***كَتَمَشي البرء في السَّقَمِ
قال : سرقه أيضاً قال له : وممن؟ قال : من شَوْسَة الفقعسي، [قال: حيث يقول ماذا ؟ قال : ] حيث يقول :
إذا مَا سَقِيمٌ حَلَّ عنها وكَاءَهَا***تَصعَّدَ فِيهِ برُؤُهَا وَتَصَوَبَا
وَإِنْ خَالَطَتْ منه الحشا خلت أنه***على سالف الأيام لم يبق موصبا
قال : فقد أحسن في قوله :
وما خُلِقَتْ إلا لِيَذْلِ اكْفُهُم***وأَقْدَامُهُمْ إِلَّا لأعْوَادِ مِثبَر
قال : قد سرقَهُ أيضاً قال ممن؟ قال : من مَرْوان بن أبي حفصة [قال: حيث يقول ماذا ؟ قال : ] حيث يقول :
وما خُلِقَتْ إلا لِبَذْلٍ اكْفُهُمُ***وَالسَنهُمُ إلا لتَحْبِير مَنْطِقِ
فيوماً يُبَارُونَ الرِّيَاحَ سَمَاحَةً***ويوماً لِبَذْلِ الْخاطِبِ المُتَشَدّقِ
قال فسكت الرَّاوية، ولو أتى بشعره كله لقال سرقَهُ.
وحدث أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال كان أبو العتاهية قد أكثر مسألة الرشيد في عُتْبَة، فوعده بتزويجها وأنه يسألها في ذلك : فإن أجابت جهزها وأعطاه مالا عظيماً، ثم إن الرشيد سَنَحَ له شغل استمر به، فَحُجِبَ أبو العتاهية عن الوصول إليه، فدفع إلى مسرور [الخادم] الكبير ثلاث مراوح فدخل بها على الرشيد وهو يتبسم، وكانت مجتمعة، فقرأ على واحدة منها مكتوباً :
ولقد تَنَسَّمْتُ الرياح لحاجتي***فإذا لها مِنْ رَاحَتَيْهِ شَمِيمُ
فقال : أحسن الخبيث، وإذا على الثانية :
أعْلَقْتُ نفسي من رجائك ماله***عَنَقٌ يحبُّ إليك بي ورسيم
فقال : قد أجاد وإذا على الثالثة :
ولربما اسْتَيْأَسْتُ ثم أقول:***لا إن الذي ضَمِنَ النجاح كريم
فقال : قاتله اللّه !! ما أحْسَنَ ما قال ثم دعا به وقال ضمنت لك يا أبا العتاهية وفي غد نقضي حاجتك إن شاء اللّه، وبعث إلى عتبة إن لي إليك حاجة فانتظريني الليلة في منزلك، فأكبرت ذلك، وأعظمته وصارت إليه تستعفيه فحلف أن لا يذكر لها حاجته إلا في منزلها، فلما كان [في] الليل سار إليها ومعه جماعة من خَوَاصٌ خدمه فقال لها : لست أذكر حاجتي أو تضمنين قضاءها، قالت أنا أَمَتُكَ وأمرك نافذ في ما خلا أمر أبي العتاهية فإني حلفت لأبيك رضي اللّه عنه بكل يمين يحلف بها بر وفاجر وبالمشي إلى بيت اللّه الحرام حافية كلما انقضت عن حَجَّة وجبت عليَّ أخرى لا أقتصر [منها] على الكفارة، وكلما أفدت شيئاً تصدقت به إلا ما أصلي فيه وبكت بين يديه، فَرَقَ لها ورحمها وانصرف عنها، وغدا عليه أبو العتاهية [وهو لا يشك في الظفر بها] فقال له الرشيد : واللّه ما قَصَّرْتُ في أمرك، ومسرور وحسين ورشيد وغيرهم شُهُودٌ لي بذلك، وشرح له الخبر، قال أبو العتاهية : فلما أخبرني بذلك مكثت ملياً لا أدري أين أنا، ثم
قلت : الآن يئست منها إذ رَدَّتكَ، وعلمت أنها لا تجيب أحداً بعدك، فلبس أبو العتاهية الصوف، وقال في ذلك من أبيات :
قَطَّعْتُ مِنْكِ حَبائِلَ الآمَالِ***وَحَطَطْتُ عن ظَهْرِ المَطِيِّ رِحَالِي
وَوَجَدْتُ بَرْدَ اليَأْسِ بَيْنَ جَوَانِحِي***فَغَنِيتُ حِلَّ وعن تَرْحَالِ
وذكر أنه لما اتصل بالرشيد قول أبي العتاهية [في عتبة]:
ألا إن ظَبياً للخليفة صادني***ومالي على ظبي الخليفة منْ عدوي
غضب الرشيد وقال : أسخر منا فعبث وأمر بحبسه فدفعه إلى تَنْجَاب صاحب عقوبته، وكان فَظًّا غليظاً، فقال أبو العتاهية :
تَنْجَاب تَعْجَلْ عَلَ***ي ذَا مِنْ رَائِه
ما خِلْت هذا في مَخَا***یل ضَوْءِ بَرْقِ سَمائِهِ
وكان من أشعاره في الحبس بعدما طال مكثه :
إنما أنت رَحْمَةٌ وسَلَامَهُ***زادِكَ اللّه غِبْطَةٌ وَكَرَامَة
قيل لي : قد رَضِيت عَنِّي، فمن لي***أن أرى علي على رِضَاكَ عَلَامَهُ
فقال الرشيد : اللّه أبوه لو رأيته ما حبسته وإنما سمحت نفسي بحبسه لأنه كان غائباًعني، وأمر بإطلاقه.
وأبو العتاهية الذي يقول :
نُرَاعُ لِذِكْرِ الموتِ ساعةً ذكره***وَنَغْتَرُ بالدُّنْيَا فَنَلْهُو ونَلْعَبْ
ونحن بَنُو الدنيا خُلِقْنَا لغيرها***وما كنت فيه فهو شَيْءٌ مُحَبّبُ
وهو الذي يقول أيضاً:
حتُوفُهَا رَصَدٌ، وعيشها رَنَقٌ وكدهَا نَكَدٌ، وَمُلْكُهَا دُوَلُ
وهو الذي يقول :
المَرْءُ في تأخير مُدَّتِهِ***كالثوب يَبْلَى بعد جِدَّتِهِ
عجباً منتبه يُضَيعُ ما***يحتاج فيه ليوم رَقْدَتِهِ
وقال :
لا تأمن الدنيا على غَدْرها***كم غَدَرَتْ قَبْلُ بأمثالكا
قد أجْمَعَ الناسُ على ذمها***وما أرى منهم لها تراكا
وقال :
إنما أنت مستعير مستعير لما سو***فَ تردَّنَّ، والمُعارُ يُرَدُّ
کیف یهوی امرؤ لذاذة أيّا***مٍ عليه الأنفاس فيها تُعَدَّ؟!
وقال :
حياتك أنفاس تعد، فكلما***مضى نَفَس منها نقصت به جُزْءًا
[يُمِيتُكَ ما يحييك في كل ساعة***ويحدوك حادٍ ما يريد بك الهزءا]
وقال :
ألا يا موت لم أر منك بدا***أتيت بما يخيف ولا تُحَابِي
كأنك قد هجمت على مَشِيبي***كما هجم المشيب على شبابي
وقال :
نسيت الموت فيما قد نسيت***كأني لم أجد أحداً يموت
أليس الموت غاية كل حي***فما لي لا أبادر ما يفوت
وقال :
وَعَظَتْكَ أجْدَاتٌ صُمُتْ***وبكتك ساكنة خفت
وتكلَّمت عن أعْظَمٍ***تَبْلَى وعن صور سبت
وأرَتُكَ قبرك في القبو***ر وأنت حَيّ لم تمت
وقال :
ومُشَيْدٍ داراً ليسكن ظلها***سكن القبور، ودَارَهُ لم يَسْكُنِ
حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال بينا أنا ذات ليلة عند الرشيد أغنيه إذ طرب لغنائي وقال : لا تبرح ولم أزل أغنيه حتى نام فأمسكت، ووضعت العود في حجري، وجلست مكاني، فإذا بشاب [صبيح الوجه] حسن القَدِّ عليه مقطعات خز وهيئة جميلة، فدخل وسلم وجلس فجعلت أعجب من دخوله في ذلك الوقت إلى ذلك الموضع بغير استئذان، ثم قلت في نفسي : عسى بعض ولد الرشيد ممن لا نعرفه ولم
نره، فضرب بيده إلى العود فأخذه ووضعه في حجره وجَسَّه، فرأيت أنه جس أحسن خلق اللّه، ثم أصلحه إصلاحاً ما أدري ما هو، ثم ضرب ضرباً، فما سمعت أذني صوتاً أجود منه، ثم اندفع يغني :
ألا عَللاني قبل أن نتفرَّقا***وهات اسقني صرفاً شراباً مُرَوَّقا
فقد كاد ضوء الصبح أن يَفْضَحَ الدجى***وكاد قميص الليل أن يتمزّقا
ثم وضع العود من حجره، وقال : يا عاضَّ بَظْرِ أمه، إذا غنيت فغن هكذا، ثم خرج، فقمت على أثره فقلت للحاجب : من الفتى الذي خرج الساعة ؟ فقال : ما دخل هنا أحد ولا خرج [قلت : نعم الساعة مرَّ بين يَدَيَّ فَتى صفته كيت وكيت، قال: لا واللّه ما دخل أحد ولا خرج] فبقيت متعجباً، ورجعت إلى مجلسي، وانتبه الرشيد فقال : ما شأنك؟ فحدثته القصة، فبقي متعجباً، وقال : لقد صادفت شيطاناً، ثم قال: أعِد عليَّ الصوت، فأعدته عليه، فطرب طرباً شديداً، وأمر لي بجائزة، وانصرفت.
وحدث إبراهيم الموصلي قال : جمع الرشيد ذات المغنين، فلم يبق يوم أحد من الرؤساء إلا حضر، وكنت فيهم، وحضر معنا مسكين المدني، ويعرف بأبي صدقة، وكان يوقع بالقضيب، مطبوعاً حاذقاً طيب العشرة مليح البادرة، فاقترح الرشيد - وقد عمل فيه النبيذ - صوتاً، فأمر صاحب الستارة ابن جامع أن يغنيه، ففعل، فلم يطرب عليه ثم فعل [مثل] ذلك بجماعة ممن حضر، فلم يحرك منه أحد، فقال صاحب الستارة لمسكين المدني: يأمرك أمير المؤمنين إن كنت تحسن هذا الصوت فغنيه [؟]، قال إبراهيم فاندفع فغناه، فأمسكنا جميعاً متعجبين من جرأة مثله على الغناء بحضرتنا في صوت قد قصرنا فيه عن مراد الخليفة، قال إبراهيم: فلما فرغ منه سمعت الرشيد يقول [وقد رفع صوته]: يا مسكين أعده، فأعاده بقوة ونشاط [واجتماع قلب، فأحسن فيه كل الإحسان] فقال الرشيد: أحسنت [واللّه يا مسكين] وأجملت ورفعت الستارة بيننا وبينه قال مسكين : يا أمير المؤمنين إن لهذا الصوت خبراً [عجيباً] قال: وما هو؟ قال : كنت عبداً خياطاً لبعض آل الزبير، وكان لمولاي علي ضريبة أدفع إليه كل يوم در همين، فإذا دفعت ضريبتي تصرفت في حوائجي، [وكنت مولعاً بالغناء محباً له] فخِطْتُ يوماً قميصاً لبعض الطالبيِّينَ، فدفع إليَّ درهمين وتغديت [عنده] وسقاني أقداحاً، فخرجت وأنا، جذلان، فلقيتني سوداء على رقتها جَرَّة وهي تغني هذا الصوت،
فأذهلني عن كل مُهِمّ، وأنساني كل حاجة فقلت: بصاحب هذا القبر والمنبر إلا ألقيت عليَّ هذا الصوت، فقالت: وحق صاحب هذا القبر والمنبر لا ألقيته عليك إلا بدرهمين، فأخرجت [ واللّه يا أمير المؤمنين] الدرهمين فدفعتهما إليها، فأنزلت الجرة عن عاتقها واندفعت، فما زالت تردده حتى كأنه مكتوب في صدري، ثم انصرفتُ إلى مولاي، فقال لهم هَلَّم خراجك، فقلت: كان وكان، فقال : يا ابن اللخناء، [ألم أتقدم إليك أني لا أقبل لك عذراً في حبة تكسرها ؟] وبَطَحَنِي وضربني [خمسين جريدة بأشد ضرب يكون] وحلق لحيتي ورأسي، فبتُ يا أمير المؤمنين من أسوأ خلق اللّه حالا، وأنسيت الصوت مما نالني، فلما أصبحت غدوت نحو الموضع الذي لقيتها فيه، وبقيت متحيراً لا أعرف اسمها ولا منزلها، إذ نظرتُ بها مقبلة، فأنسيت كل ما نالني وملت إليها، فقالت : أُنسيت الصوت ورَبِّ الكعبة، فقلت الأمر كما ذكرت وعرفتها ما مر بي من حلق الرأس واللحية، فقالت : وحق القبر ومن فيه لا فعلت إلا بدرهمين فأخرجت جلمي ورهنته علی درهمين، فدفعتهما إليها، فأنزلت الجرة عن رأسها واندفعت، فمرت فيه ثم قالت : كأني بك [وقد أخذت] مكان الأربعة دراهم أربعة آلاف دينار [من الخليفة، ثم اندفعت تغنيه وتوقع على جرتها، فلم تَزَل تردده حتى رسخ في صدري ثم مضت و] انصرفت إلى مولاي وجلّا، فقال : هلم خراجك، فلويت لساني، فقال: يا ابن اللخناء، ألم يكفك ما مر عليك بالأمس؟ فقلت : إني أعرفك أني اشتريت بخراجي أمس واليوم هذا الصوت، واندفعت أغنيه، فقال لي: ويحك ! معك مثل هذا الصوت [منذ يومين] ولم، تعلمني امرأته طالق لو كنت قلته أمس لأعتقتك [ فأما حلق الرأس واللحية فلا حيلة لي فيهما، وأما خراجك فقد وهبه اللّه لك إلى أن ينبت شعرك، قال : فضحك الرشيد وقال : ويلك !! ما أدري أيما أحسن حديثك، أما غناؤك؟ وقد أمرت لك بما ذكرت السوداء، فقبضه وانصرف والشعر
قف بالمنازل ساعة فتأمل***هل بالديار لرائد من منزل؟
ما بالديار من البلى فلقد أرى***فلسوف أحمل للبلى في محمل
وأجرى الرشيد الخيل يوماً بالرقة، فلما أرسلت صار إلى مجلسه في صدر الميدان حيث توافي إليه الخيل، فوقف على فرسه وكان في أوائلها سوابق من خيله يقدمها فرسان
في عنان واحد لا يتقدم أحدهما صاحبه، فتأملها فقال : فرسي واللّه ثم تأمل الآخر فقال : فرس ابني المأمون، قال: فجاءا يحتكان أمام الخيل وكان فرسه السابق وفرس المأمون الثانية فسر بذلك، ثم جاء الخيل بعد ذلك، فلما انقضى المجلس وهم بالانصراف قال الأصمعي - وكان حاضراً [ وقد تبين سرور الرشيد] - للفضل بن الربيع : يا أبا العباس هذا يوم من الأيام فأحبُّ أن توصلني إلى أمير المؤمنين، وقام الفضل فقال : يا أمير المؤمنين هذا الأصمعي يذكر شيئاً من أمر الفرسين يزيد اللّه به أمير المؤمنين سروراً، قال هاته فلما دنا قال ما عندك يا أصمعي ؟ قال : يا أمير المؤمنين كنت وابنك اليوم في فرسيكما كما قالت الخنساء:
جَارَى أباه فأقبلا وهما***يتنازعان مُلَاءَةَ الْحُضْرِ
وهما كأنهما وقد بَرَزا***صَقْرانِ قد خطا على وكر
برزت صفيحة وجه والده***ومضى على غُلَوَائِهِ يجري
أولى فأولى أن يقاربه أن يقاربه***لولا جلال السن والكبر
حدث إبراهيم بن المهدي قال : استزرت الرشيد بالرقة، فزارني، وكان يأكل الطعام الحار قبل البارد، فلما وضعت البوارد رأى فيما قرب إليه منها جام قريص [مثل] قريص السمك، فاستصغر القطع، وقال : لم صَغَر طباخك تقطيع السمك؟ فقلت : يا أمير المؤمنين هذه ألسنة السمك، قال : فيشبه أن يكون في هذا الجام مائة لسان، فقال مراقب خادمه يا أمير المؤمنين، فيها أكثر من مائة وخمسين، فاستحلفه عن مبلغ ثمن السمك، فأخبره أنه قام بأكثر من ألف درهم، فرفع الرشيد يده وحلف أن لا يطعم شيئاً دون أن يُخضِره ألف درهم فلما حضر المال أمر أن يتصدق به وقال : أرجو أن يكون كفارة لسَرَفِكَ في إنفاقك على جام سمك ألف درهم، ثم ناول الجام بعض خدمه وقال : [اخرج من دار أخي، ثم انظر] أول سائل تراه فادفعه إليه، قال إبراهيم : وكان شراء الجام على الرشيد بمائتين وسبعين ديناراً، فغمزت بعض خدمي للخروج مع الخادم ليبتاع الجام ممن يصير إليه، وفطن الرشيد فقال له: يا غلام إذا دفعته إلى سائل فقل له يقول لك أمير المؤمنين احذر أن تبيعه بأقل من مائتي دينار فإنه خير منها، ففعل الخادم ذلك، فواللّه ما أمكن خادمي أن يخلصه من السائل إلا بمائتي دينار.
وقال إبراهيم بن المهدي كنت أنا والرشيد على ظهر حَرَّاقة وهو يريد نحو
الموصل والمدادون يمدون، والشطرنج بين أيدينا، فلما فرغنا قال لي الرشيد : يا إبراهيم ما أحسن الأسماء عندك ؟ قلت: اسم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال : فما الثاني بعده؟ قلت : اسم هارون اسم أمير المؤمنين، قال: فما أسمجها ؟ قلت إبراهيم فزأرني وقال : ويلك !! [أليس هو اسم] إبراهيم خليل الرحمن جل وعز، قلت بشؤم هذا الاسم لقي ما لقي من نمروذ، قال وإبراهيم ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، قلت : لا جَرَم لما سمي بهذا الاسم لم يَعِش قال : فإبراهيم الإمام، قلت: بحرفة اسمه قتله مروان الجعدي في جراب النورة، وأزيدك يا أمير المؤمنين إبراهيم بن الوليد خلع، وإبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن قتل، ولم أجد أحداً سمي بهذا اسم إلا رأيته مقتولاً أو مضروباً أو مطروداً، فما انقضى كلامي حتى سمعت مَلاحاً على بعض الحرّاقات يهتف بأعلى صوته : يا إبراهيم يا عاض كذا وكذا من أمه مدَّ، فالتفت إليّ الرشيد : [فقلت : يا أمير المؤمنين، أصدقت قولي إن أشأم الأسماء إبراهيم] فضحك حتى فحص برجله.
قال : وكنت يوماً عنده فإذا رسول عبد اللّه [ قد أتى، و] معه أطباق خيزران عليها مناديل، ومعه كتاب، فجعل الرشيد يقرأ الكتاب ويقول : بَرَّه اللّه ووصله : فقلت: يا أمير المؤمنين من هذا الذي أطنبت في شكره حتى نشركك في جميل شكره؟] قال: هذا عبد بن صالح، ثم كشف المنديل، فإذا [أطباق] بعضها فوق بعض: في أحدها فستق، وفي الآخر بندق، إلى غير ذلك من الفاكهة، فقلت: يا أمير المؤمنين ما في هذا البر ما يستحق به هذا الدعاء، إلا أن يكون في الكتاب شيء قد خفي عليَّ، فنبذه إلي، فإذا فيه : دخلت يا أمير المؤمنين بستاناً لي في داري عمرته بنعمتك، وقد أينعت فواكهه، فأخذت من كل شيء، وصيرته في أطباق قُضْبَان ووجهته إلى أمير المؤمنين ليصل إلى من بركة دعائه [مثل] ما وصل إلي من نوافل بره قلت ولا واللّه ما في هذا أيضاً ما يستحق به هذا، فقال : يا غبي أما ترى كيف كني بالقضبان عن الخيزران إعظاماً لأمنَا رحمها اللّه تعالى.
و [یروی أنه] وقف رجل من بني أمية للرشيد على الطريق وبيده كتاب كالقصة، فإذا فيه أربعة أبيات، وهي:
يا أمين اللّه، إني قائل قَوْلَ***ذي لب وصدق وحَسَبْ
لكُمُ الفضل علينا، ولنا***بكُمُ الفضل على كل العرب
عبد شمس كان يتلو هاشماً***وهما بعد لأم ولأب
فصل الأرحام منا، إنما***عبد شمس عمُّ عبد المطلب
[ فاستحسن ذلك الرشيد] فأمر له لكل بيت بألف دينار، وقال : لو زدتنا لزدناك.
[ وكان الرشيد ذات يوم وأبو يوسف القاضي وعبد الوهاب الكوفي في مجلسه، فتذاكروا الرُّطَبَ، فقال أبو يوسف : السكر أطيب من المشان، وقال عبد الوهاب : المشان، أطيب، فقال الرشيد : ليحضر الطعام، ودعا بعدة من بني هاشم كانوا هناك، فأقبلوا جميعاً على السكر، وتركوا المَشَان، فقال الرشيد : قَضَوا عليك يا أبا عبد الرحمن وهم لا يعلمون، فقال أبو عبد الرحمن: إني لم أر مشان قط أردأ من هذا، فقال له أبو يوسف : هكذا هما إذا اجتمعا].
ودخل عبد الملك بن صالح عَلَى الرشيد، فقال له الحاجب : إن أمير المؤمنين قد أصيب في هذه الليلة بولد وولد له ولد فعز، وهَنّ، فلما مثل قال : يا أمير المؤمنين، سرك اللّه فيما ساءك، وجعل هذا لهذه ثواباً للصابر وجزاء للشاكر.
ولما اشتدت علة الرشيد وصار إلى طوس سنة ثلاث وتسعين ومائة هَوَّنَ عليه الأطباء علته، فأرسل إلى متطبب فارسي كان هناك، فأراه ماءه مع قوارير شتى، فلما إلى قارورته قال : عَرِّفُوا صاحب هذا الماء أنه هالك فليوص ؛ فإنه لا برء له من هذهالعلة فبكى الرشيد وجعل يردد هذين البيتين :
إن الطبيب بطبه ودوائه***لا يستطيع دفاع محذور القضا
ما للطبيب يموت بالداء الذي***قد كان يبريء مثله فيما مضى؟
واشتد ضعفه، وأرْجَفَ الناس بموته، فدعا بحمار، ليركبه، فلما صار عليه سقطت فخذاه فلم يثبت على السرج، فقال : أنزلوني صدق، المرجفون، ثم دعا بأكفان فاختار منها ما أراد، وأمر بحفر قبر فلما اطلع فيه قال (ما أغنى عني ماليه، هلك عنى سلطانیه) ثم دعا بأخي رافع، فقال: أزعجتموني حتى تجسّمْتُ هذه الأسفار مع علتي وضعفي
وكان أخو رافع بن الليث ممن خرج عليه قال : لأقْتُلَنكَ قتلة ما قتل مثلها أحد قبلك، ثم أمر ففصل عضواً عضواً، واستأمن رافع بعد ذلك على المأمون؛ وقد ذكرنا خبره في غير هذا الكتاب ؛ ثم دعا من كان بعسكره من بني هاشم فقال : إن كل مخلوق ميت، وكل جديد بال وقد نزل بي ما ترون وأنا أوصيكم بثلاث: الحفظ لأمانتكم، والنصيحة لأئمتكم، واجتماع كلمتكم ؛ وانظروا محمداً وعبد اللّه فمن بغى منهما على صاحبه فردُّوهُ عن بغيه وقبحوا له بغيه ونكثه، وأقطع في ذلك اليوم أموالا [كثيرة] وضياعاً [ ورباعاً].
قال الرياشي: قال الأصمعي : دخلت على الرشيد وهو ينظر في كتاب ودموعُه تنحدر على خَدَّيْه، فظللت قائماً حتى سكن، وحان منه التفاتة فقال : اجلس يا أصمعي، أرأيت ما كان؟ قلت نعم يا أمير المؤمنين قال: أما واللّه لو كان لأمر الدنيا ما رأيت هذا، ورمى بقرطاس فإذا فيه شعر لأبي العتاهية بخط جليل، وهو:
هل أنت معتبر بمن خَلِيَتْ***منه غَدَاةَ مضى دساکره
وبمن أذلَّ الموت مصرعه***فتبرأت منه نه عشائره
وبمن خَلَتْ منه أسِرَّتُهُ***وبمن خلت منه منابره
أين الملوك وأين غيرهمُ***صاروا صاروا مصيراً أنت صائره
یا مؤثر الدنيا بلذته***والمستعد لمن يفاخره
قُلْ ما بدا لك أن تنال من الدنيا***فإن الموت آخره
ثم قال الرشيد : كأني واللّه أخاطَبُ بذلك دون الناس، فلم يلبث بعد إلا يسيراً حتى مات.
قال المسعودي قد ذكرنا جملاً [ وجوامع] من أخبار الرشيد [فيما سلف من كتبنا، وفي هذا الكتاب ولم نذكر فيما سلف من أخبار الرشيد في هذا الكتاب شيئاً من أخبار البرامكة، فلنذكر الآن جملا من أخبارهم في باب نفرده له، نذكر فيه السعود من أيامهم والنحوس، وإن كنا قد أتينا على سائر أخبارهم والزُّهْرِ من أيامهم فيما سلف من كتبنا] واللّه ولي التوفيق.
لم يبلغ مبلغ خالد بن برمك أحد من ولده، في جودة رأيه وبأسه وجميع خلاله، لا يحيي في رأيه [ووفور عقله] ولا الفضل في جوده [وبراعته] ولا جعفر بن يحيى في كتابته وفصاحته، ولا محمد بن يحيى في سروره وبعد همته، ولا موسى بن يحيى في شجاعته [وبأسه]، وفيمن ذكرنا يقول [أبو الغول] الشاعر :
أولاد يحيى بن خالد وهُمُ***أربعة أربعة سيد ومتبوع
الخير فيهم إذا سألت بهم***مُفَرَّقٌ فيهم ومجموع
ولما أفْضَتِ الخلافة إلى الرشيد استوزر البرامكة، فاحتازوا الأموال دونه حتى كان يحتاج إلى اليسير من المال فلا يقدر عليه، وكان إيقاعه بهم في سنة سبع وثمانين ومائة، واختلف في سبب ذلك : فقيل احتياز الأموال، وأنهم أطلقوا رجلا من آل أبي طالب كان في أيديهم، وقيل غير ذلك، واللّه أعلم.
ويحكى أنه ورد على الرشيد يوماً كتاب صاحب البريد بخراسان، ويحيى بن خالد بين يديه، يذكر فيه أن الفضل بن يحيى تشاغل بالصيد و [إدمان] اللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمی به ليحيى وقال :له يا أبت اقرأ هذا الكتاب، واكتب إليه كتاباً يَرْدَعُه عن مثل هذا، فمدَّ يده إلى دواة الرشيد وكتب إلى الفضل على ظهر كتاب صاحب البريد : حفظك اللّه يا بني، وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره، فعاود ما هو أزْيَنُ
بك، فإنه من عاد إلى ما يزينه [أو يشينه ] لم يعرفه أهل دهره إلا به، والسلام، وكتب في أسفله هذه الأبيات :
انْصَب نهاراً في طلاب العلا***واصبر على فقد لقاء الحبيب
حتى إذا الليل بدا مُقْبِلا***واستترت فيه وجوه العيوب
فبادر الليل الليل بما تشتهي***فإنما الليل نهار الأربي الأريب
كم من فَتًى تحسبه ناسكاً***يستقبل الليل بأمر عجب
ألْقَى عليه الليل أستاره***فبات في لهو وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفة***يسعى بها كل عدو رقیب
والرشيد ينظر إلى ما يكتب [ يحيى] فلما فرغ قال :[له] : أبلغت يا أبت، فلما ورد الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهاراً إلى أن انصرف عن عمله.
قال إسحاق [بن إبراهيم الموصلي]: كنت عند الرشيد يوماً، وأحضر البرامكة الشراب، وأحضر يحيى بن خالد جارية فغنت :
أرقتُ حتى كأني أعشق الأرقا***وذُبْتُ حتى كأن السقم لي خُلِقَا
وفاض دمعي على قلبي فأغرقه***يا من رأى غرقاً في الماء محترقا
فقال الرشيد لمن هذا ؟ فقيل : لخالد بن يزيد الكاتب [قال : عليَّ به] قال خالد : فأحضرت، فقال للجارية: أعيدي، فأعادت فقال لي: لمن هذا؟ فقلت: لي يا أمير المؤمنين، فبينا نحن كذلك إذ أقبلت وصيفة معها تفاحة عليها مكتوب بغالية :
سرورك ألهاك عن مَوْعِدِي***فصیرتُ تفاحتي تَذْكِرَه
فأخذ الرشيد تفاحة [أخرى] وكتب عليها:
تقاضيت وعدي ولم أنسه***فتفاحتي هذه معذره
ثم قال [له] : يا خالد قل في هذا شيئاً، فقال:
تفاحة خرجت بالدر من فيها***أشهى إليَّ من الدنيا وما فيها
بيضاء في حمرة غلت بغالية***كأنما قطفت من خَدّ مهديها
حدث الجاحظ [عمن أخبره] عن أنس بن أبي شيخ قال : ركب جعفر بن يحيى ذات يوم، وأمر خادماً له أن يحمل [معه] ألف دينار، وقال [له]: سأجعل طريقي على
الأصمعي، فإذا حدثني فرأيتني ضحكت فاجعلها بين يديه، ونزل جعفر عند الأصمعي، فجعل [الأصمعي] يحدثه بكل أعجوبة ونادرة تطرب وتضحك، فلم يضحك، وخرج من عنده، فقال له أنس [ابن أبي شيخ]: رأيت منك عجباً، أمرت بألف دينار للأصمعي وقد حركك بكل مضحكة، وليس من عادتك أن ترد إلى بيت مالك ما قد خرج عنه، فقال له : ويحك !! إنه قد وصل إليه من أموالنا مائة ألف درهم قبل هذه المرة، فرأيت في داره حبا مكسوراً وعليه دراعة خَلَقٌ، ومقعداً وسخاً، وكل شيء [رأيته] عنده رثا، وأنا أرى أن لسان النعمة أنطق من لسانه، وأن ظهور الصنيعة أمدح وأهجي من مدحه وهجائه، فعلى أي وجه أعطيه إذا كانت الصنيعة لم تظهر عنده ولم تنطق النعمة بالشكر عنه ؟ وفي الرشيد وجعفر [بن يحيى] يقول الشاعر :
[لیهن الرشید خلافاته***وأمر الذي قد وهى عقده]
أضاف إلى بيعة بيعةً***فقام بها جعفر وَحْدَهُ
بنو بَرْمَكِ أَسْسُوا ملكه***وشدُّوا لوارثه عَهْدَهُ
و (قد) كان يحيى بن خالد ذا [علم ومعرقة و] بحث ونظر، وله مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الإسلام وغيرهم من أهل [الآراء و] النحل، فقال لهم يحيى وقد اجتمعوا عنده : قد أكثرتم الكلام في الكمون والظهور، والقدم والحدوث، والإثبات والنفي، والحركة والسكون، والمماسة والمباينة، والوجود والعدم، والجر والطفرة، والأجسام والأعراض، والتعديل والتجريح [ ونفي الصفات وإثباتها، والاستطاعة والأفعال] والكمية، والكيفية والمضاف، والإمامة أنَصُّ هي أم اختيار، وسائر ما توردونه من الكلام في الأصول والفروع فقولوا الآن في العشق عَلَى غير منازعة، وليورد كل واحد منكم ما سنح له فيه وخطر [إيراده] بباله.
فقال علي بن هيثم [ وكان إماميَّ المذهب من المشهورين من متكلمي الشيعة]: أيها الوزير، العشق ثمر [ة] المشاكلة، وهو دليل تَمَازُج الروحين، وهو من بحر اللطافة، ورقة الصنيعة، وصفاء الجوهر [وليس يحد لسعته]، والزيادة فيه نقصان من الجسد.
وقال أبو مالك الحضرمي، وهو خارجي المذهب [وهم الشراة]: أيها الوزير العشق نَفْثُ السحر، وهو أخفى وأحر من الجمر، ولا يكون إلا بازدواج الطَّبْعَين
وامتزاج الشكلين وله نفوذ في القلب كنفوذ صَيْب المُزْنِ في خلل الرمل [وهو ملك على الخصال] تنقاد له العقول، وتستكين له الآراء.
وقال الثالث: وهو محمد بن الهذيل العلاف، وكان معتزليّ المذهب وشيخ البصريين : أيها الوزير العشق يَخْتم على النواظر، ويطبع على الأفئدة مرتقي في الأجساد ومسرعة في الأكباد وصاحبه متصرف الظنون متغير الأوهام، لا يصفو له موجود، ولا يسلم له موعود تسرع إليه النوائب، وهو جرعة من نقيع الموت، وبقية من حياض الشكل، غير أنه من أريحية تكون في الطبع، وطلاوة توجد في الشمائل، وصاحبه جَوَاد لا يُصْغِي إلى داعية المنع ولا يسنح به نازعُ العذل.
[وقال الرابع - وهو هشام بن الحكم الكوفي شيخ الإمامية في وقته وكبير الصنعة في عصره -: أيها الوزير العشق حِبَالَةٌ نَصَبَهَا الدهر فلا يصيد بها إلا أهل التخالص في النوائب، فإذا عَلِقَ المحب في شبكتها ونشب في أثنائها فأبعد به أن يقوم سليماً أو يتخلص وشيكاً، ولا يكون إلا من اعتدال الصورة، وتكافؤ في الطريقة، وملاءمة في الهمة، له مقتل في صميم الكبد ومهجة القلب يعقد اللسان الفصيح ويترك المالك مملوكاً والسيد خَوَلا حتى يخضع لعبد عبده ].
وقال النَّظام إبراهيم بن يسار المعتزلي [ وكان من نُظَّار البصريين في عصره : أيها الوزير] العشق أرَقَّ من السراب، وأدبُّ من الشراب، وهو من طينة عَطِرَة عجنت في إناء الجلالة، حلو المجتني ما اقتصد، فإذا أفرط عاد خبلا قاتلا، وفساداً معضلا، لا يطمع في إصلاحه، له سحابة غزيرة تهمي على القلوب، فتُعشِب شعفاً، وَتُثمر كلفاً، وصريعُه دائم اللوعة، ضيق المتنفس، مُشارف الزمن، طويل الفكر، إذا أجَنَّه الليل أرق، وإذا أوضحه النهار، قلق صومه، البلوى، وإفطاره الشكوى.
ثم قال السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر ومَنْ يليهم، حتى طال الكلام في العشق بألفاظ مختلفة ومعان تتقارب وتتناسب وفيهما مر دليل عليه.
قال المسعودي : تنازع الناس [ ممن تقدم وتأخر] في ابتداء وقوع الهوى وكيفيته، وهل ذلك من نظر وسماع واختيار واضطرار، وما علة وقوعه بعد أن لم يكن، وزواله بعد كونه؟ وهل ذلك فعل النفس الناطقة أو الجسم وطباعه؟.
فقال بقراط : هو امتزاج النفسين، كما لو امتزج الماء بماء مثله عسر تخليصه بحيلة من الاحتيال، والنفس ألطف من الماء، وأرقُ مسلكاً ؛ فمن أجل ذلك لا تزيله الليالي،
ولا تخلقه الدهور [ولا يدفعه دافع] دق عن الأوهام مَسْلَكه، وخفي عن الأبصار موضعه [ وحارت العقول عن كيفية تمكنه] غير أن ابتداء حركته من القلب، ثم تسير إلى سائر الأعضاء، فتظهر الرَّعْدَة في الأطراف، والصفرة في الألوان، واللجلجة في الكلام، والضعف في الرأي [ والويل والعثار] حتى ينسب صاحبه إلى النقص.
وذهب بعض الأطباء إلى أن العشق طمع يتولد في القلب [وينمي] وتجتمع إليه مواد [من الحرص فإذا قوي زاد بصاحبه الاهتياج واللجاج والتمادي والتفكر والأماني والهيمان والأحزان وضيق الصدر وكثرة الفكر وقلة الطعم وفساد العقل ويبس الدماغ، وذلك أن التمادي في الطمع للدَّم محرق، فإذا احترق استحال إلى السوداء، فإذا قويت جلبت الفكر فتستعلي الحرارة، وتلتهب الصفراء، ثم تستحيل الصفراء إلى الفساد فتلحق حينئذ بالسوداء، وتصير مادة لها فتقوى، ومن طبائع السوداء الفكر، فإذا فسد الفكر اختلطت الكيموسات [بالفساد ومع الاختلاط تكون الفَدَامة ونقصان العقل ورجاء ما لا يكون ولا يتم] فحينئذ يشتد ما به فيموت أو يقتل نفسه، وربما شهق فتخفي روحه أربعاً وعشرين ساعة فيظن أنه مات فيقبرونه حَيَّا، وربما تَنَفَّسَ الصَّعَدَاء فتخفى روحه في تامور، قلبه وينضم القلب ولا ينفرج حتى يموت وربما ارتاح وتشوق بالنظر، ويرى من يحب فَجأة، وأنت ترى العاشق إذا سمع ذكر من يحب كيف يهرب دمه ويَحُولُ لونه.
وقال بعضهم: إن اللّه خلق كل روح مدورة على هيئة الكرة، وجزأها أنصافاً، وجعل في كل جسد نصفاً ؛ فكل جسد لقي الجسد الذي فيه النصف الذي قطع من النصف الذي معه كان بينهما عِشْقٌ ضرورة للمناسبة القديمة وتفاوت أحوال الناس في ذلك من القوة والضعف على قدر طبائعهم.
ولأهل هذه المقالة خطب طويل فيما ذكرنا وأن النفوس نورية جوهر بسيط نزل من علو إلى هذه الأجساد فسكنها، وأن النفوس تلي بعضاً على حسب مجاورتها في عالم النفس في القرب والبعد وذهب إلى هذا المذهب جماعة ممن يظهر الإسلام واعتلوا بدلائل من القرآن والسنن ودلائل القياس عند أنفسهم من ذلك قوله عز وجل : «يَاأيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِى إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتي» [الفجر: 28] قالوا : فالرجوع إلى الحال لا يكون إلا بعد كون متقدم، ثم قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيما رواه سعيد بن أبي مريم قال : أخبرنا يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنه قال : «الأرواح جنود مجندة وما تعارف منها ائتلف، فما تناكر منها اختلف».
وذهب إلى هذا القول جماعة من الأعراب ؛ ففي ذلك يقول جميل بن عبد اللّه بن مَعْمَر العُذرِي في بثينة :
تَعَلَّقَ روحي رُوحَهَا قبل خَلْقنَا***وَمِنْ قبل ما كُنَّا نِطَافاً، وفي المهد
فزاد كما زِدْنَا، فأصبح نامياً***وليس وإن مثنا بمنتقض العهد
ولكنه باقٍ على كلّ***حالة وزائرنا في ظلمة القَبْر واللحد
وقال جالينوس : المحبة تقع بين العاقلين لتشاكلهما في العقل، ولا تقع بين الأحمقين وإن كانا شكلين في الحمق؛ لأن العقل يجري على ترتيب، فيجوز أن يتفق فيه اثنان على طريق واحدة والحمق لا يجري على ترتيب ولا يجوز أن يتفق فيه اثنان.
وَقَسْمَ بعض العرب الهوى فقال :
ثلاثة أحْبَاب، فحبّ عَلَاقَةٌ***وَحُبِّ تِمِلاقٌ، وَحُبِّ هو القَتْل
وقال الصوفية من البغداديين : إن اللّه عز وجل إنما امتحن الناس بالهوى ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه، ليشق عليهم سخطه، وَيَسُرَّهم رضاه. فيستدلوا بذلك على قدر طاعة اللّه، إذ كان لا مثل له ولا نظير [وهو خالقهم غير محتاج إليهم، ورازقهم مبتدئاً بالمن عليهم] فإذا أوجبوا على أنفسهم طاعة سواه، كان تعالى أخرى أن يتبع رضاه.
وللباطنية المتصوفة في هذا كلام كثير [ وخطب طويل].
وقال أفلاطون ما أدري ما الهوى، غير أنه جنون إلهي، والهوى لا محمود ولا مذموم
وكتب بعض [ظُرَفَاء ] الكُتاب إلى أخ له : إني صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الانقياد إليك [بغير زمام] لأن النفس يتبع بعضها بعضاً.
وللناس ممن خلف وسلف من الفلاسفة والفلكيين والإسلاميين وغيرهم كلام كثير في العشق، وقد أتينا على ذلك في كتابنا «أخبار «الزمان» ومن أباده، الحدثان من الأمم الماضية والأجيال الخالية، والممالك الدائرة وإنما خرجنا مما كُنَّا فيه آنفاً من أخبار البرامكة عند ذكرنا العشق، فتغلغل بنا الكلام إلى إيراد لمع مما قيل في ذلك.
فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه من أخبارهم، واتساق أيامهم، وانتظامها لهم بالسعود، ثم انعكاسها إلى النحوس.
ذكر ذو معرفة بأخبار البرامكة أنه لما بلغ جعفر بن يحيى خالد بن بَرْمَك ويحيى بن خالد والفضل وغيرهم من آل برمك ما بلغوا من الملك، وتناهوا إليه من
الرئاسة، واستقامت لهم الأمور، حتى قيل : إن أيامهم عَرُوس وسرور دائم لا يزول، قال الرشيد لجعفر بن يحيى : وَيْحك يا جعفر !! [إنه] ليس في الأرض طلعة أنا بها آنس ولا إليها أميل، وأنا بها أشد استمتاعاً وأنْساً مني برؤيتك وإن للعباسة أختي مني مو موقعاً ليس بدون ذلك، وقد نظرت في أمري معكما، فوجدتني لا أصبر عنك ولا عنها، ورأيتني ناقص الحظ والسرور منك يوم أكون معها، وكذلك حكمي [منك] في يوم كوني معك دونها، وقد رأيت شيئاً يجتمع لي به السرور وتتكاثف لي به اللذة والأنس، فقال: وفقك اللّه يا أمير المؤمنين! وعزم لك على الرشد في أمورك كلها! قال الرشيد: قد زوجتكها تزويجاً تملك به مجالستها والنَّظَرَ إليها والاجتماع بها في مجلس أنا معكما فيه [لا سوى ذلك ] ؛ فزوجه الرشيد بعد امتناع كان من جعفر إليه في ذلك، وأشهد له مَنْ حضره من خدمه وخاصة مواليه، وأخذ الرشيد عليه عهد اللّه ومواثيقه وغليظ أيمانه أنه لا يخلو به، ولا يجلس معها ولا يظله وإياها سَقْفُ بيت إلا وأمير المؤمنين الرشيد ثالثهما، فحلف له جعفر على ذلك، ورضي به، وألزمه نفسه، وكانوا يجتمعون على هذه الحالة [ التي وصفناها] وجعفر في ذلك صارف بصره عنها مزور بوجهه هيبة لأمير المؤمنين، ووفاء بعهده وأيمانه [ ومواثيقه] على ما وافقه الرشيد عليه [وعلِقَتْه العباسة، وأضمرت الاحتيال عليه] وكتبت إليه، رقعة فردَّ رسولها وشتمه وتهدده، وعادت فعاد بمثل ذلك، فلما استحكم اليأس عليها قصدت لأمه، ولم تكن بالحازمة، فاستمالتها بالهدايا من نفيس الجواهر والألطاف، وما أشبه ذلك من كثرة المال وألطاف الملوك، حتى إذا ظننت أنها لها في الطاعة كالأمة، وفي النصيحة والإشفاق كالوالدة، ألقت إليها طَرَفاً من الأمر الذي تريده وأعلمتها ما لها في ذلك من حميد العاقبة، وما لابنها من الفخر [والشرف] بمصاهرة أمير المؤمنين، وأوهمتها أن هذا الأمر إذا وقع كان به أمان لها ولولدها من زوال النعمة وسقوط مرتبته، فاستجابت لها أم جعفر، ووعدتها بإعمال الحيلة في ذلك، وأنها تلطف لها حتى تجمع بينهما ؛ فأقبلت على جعفر يوماً فقالت له : يا بني، قد وُصفت لي وصيفة في بعض القصور من تربية الملوك قد بلغت من الأدب والمعرفة والظرْفِ والحلاوة مع الجمال الرائع والقَد البارع والخصال المحمودة ما لم يُرَ مثله، وقد عزمت على اشترائها لك، وقد قرب الأمر بيني وبين مالكها، فاستقبل [جعفر ] كلامها بالقبول، وعَلَّقت [بذلك] قلبه، وتطلعت إليها نفسه وجعلت تمطله حتى اشتد شوقه وقويت شهوته، وهو في ذلك يلح عليها [ بالتحريك والاقتضاء]، فلما علمت أنه قد عجز عن الصبر واشتد به العلق قالت له : أنا مُهْدِيتها إليك ليلة كذا وكذا، وبعثَتْ إلى العباسة فأعلمتها بذلك، فتأهّبَتْ [ بمثل ما تتأهب به مثلها] وسارت إليها [في] تلك الليلة، وانصرف جعفر [في تلك الليلة] من عند الرشيد، وقد بقي في نفسه من الشراب
فضلة لما [قد] عزم علىه، فدخل منزله، وسأل عن الجارية، فخبر بمكانها، فأدخلت علی فتى سكران لم يكن بصورتها عالماً، ولا على خَلْقها واقفاً، فقام إليها فواقعها، فلما قضى حاجته منها قالت له كيف رأيت حيل بنات الملوك ؟ قال : وأي بنات الملوك تعنين؟ وهو يرى أنها من بعض بنات الروم، فقالت [له]: أنا مولاتك العباسة بنت المهدي، فوثب فَزعاً قد زال عنه سكره ورجع إليه عقله، فأقبل على أمه وقال : لقد بعْتِنِي بالثمن الرخيص، وحملتني على المركب الوَعْرِ، فانظري ما يؤول إليه حالي وانصرفت [العباسة] مشتملة منه على حَمْلٍ، ثم ولدت غلاماً، فوكلت به خادماً من خدمها يقال له رياش وحاضنة تسمى، برة فلما خافت ظهور الخبر وانتشاره وجهت الصبي والخادم والحاضنة إلى مكة وأمرتهما بتربيته وطالت مدة جعفر، وغلب هو وأبوه وإخوته على أمر المملكة وكانت زبيدة [أم جعفر زوجُ الرشيد] من الرشيد بالمنزلة التي لا يتقدَّمها أحد من نظرائها، وكان يحيى بن خالد لا يزال يتفقد أمر حرم الرشيد ويمنعهن من خدمة الخدم فشكت زبيدة إلى الرشيد. فقال ليحيى بن خالد: یاأبت، ما بال أم جعفر تشكوك ؟ فقال يا أمير المؤمنين أمتّهم أنا في حرمك وتدبير قصرك عندك ؟ فقال : لا، واللّه فقال : لا تقبل، قولها قال الرشيد فلست أعاودك، فازداد يحيي لها منعاً، وعليها في ذلك غِلْظَة، وكان يأمر بقَفْل أبواب الحرم بالليل، ويمضي بالمفاتيح إلى منزله فبلغ ذلك من أم جعفر كل مبلغ فدخلت ذات يوم على الرشيد فقالت : يا أمير المؤمنين، ما يحمل يحيى على ما لا يزال يفعله من منعه إياي من خدمي ووضعه إياي في غير موضعي ؟ فقال لها الرشيد: يحيى عندي غير متهم في حرمي، فقالت : إن كان كذلك لحفظ ابنه مما ارتكبه، فقال : وما ذاك؟ فخبَّرَته [بالخبر] وقَصَّت عليه قصة العباسة مع جعفر فسقط في يده وقال لها : هل لك على ذلك من دليل أو شاهد؟ قالت وأي دليل أدل من الولد [قال وأين الولد؟] قالت: قد كان ههنا، فلما خافت ظهور أمره وجهته إلى مكة فقال لها : أفيعلم هذا أحد غيرك؟ قالت : ما في قصرك جارية إلا وقد علمت به، فأَمْسَكَ عن ذلك، وطَوَى عليه كَشْحاً، وأظهر أنه يريد الحج، فخرج هو وجعفر بن يحيى، وكتبت العباسة إلى الخادم والحاضنة أن يخرجا بالصبي إلى اليمن، فلما صار الرشيد إلى مكة وَكَّلَ مَنْ يثق به بالفحص والبحث عن أمر [الصبي والداية والخادم] فوجد الأمر صحيحاً، فلما قضى حَجَّه ورجع أضمر في البرامكة على إزالة نعمهم فأقام ببغداد مُدَيْدَةَ، ثم خرج إلى الأنبار، فلما كان في اليوم الذي عزم فيه على قتل جعفر دعا بالسندي بن شاهك فأمره بالمضي إلى مدينة السلام والتوكيل بدور البرامكة ودور كتَّابهم [ وأبنائهم] وقراباتهم، وأن يجعل ذلك سراً من
حيث لا يكلم [به] أحداً حتى يصل إلى بغداد، ثم يُفْضي بذلك لمن يثق به [من] أهله وأعوانه فامتثل السندي ذلك، وقعد الرشيد وجعفر عنده في موضع يعرف في الأنبار بالعمر، فأقاما يومهما بأحسن هيئة وأطيب عيش، فلما انصرف جعفر من عنده خرج الرشيد حتى ركب مشيعاً له ثم رجع [الرشيد فجلس على كرسي، وأمر بما كان بين يديه فرفع] فمضى جعفر إلى منزله وفيه فضلة [من] الشراب، ودعا بأبي زكار المغني الطنبوري وابن أبي شيخ كاتبه ومُدَّت ستارة، وجلس جواريه خلفها يضربن ويغنين، وأبو زكار يغنيه :
ما یريدُ الناس مِنَّا***ینامُ الناس عنّا
إنما هِمْتُهم أنْ8*8يُظهروا ما قد دَفَنَا
وأمر الرشيد من ساعته ياسراً خادِمَهُ المعروف برخلة فقال له : إنى أندبك لأمر ما أرى محمداً ولا القاسم له أهلا ولا موضعاً ورأيتك به مستقلا ناهضاً، فحقق ظني، واحذر أن تخالف [أمري فيكون ذلك سبباً لسقوط منزلتك عندي وفساد حالك لدي] فقال : يا أمير المؤمنين لو أمرتني أن أُدْخِلَ السيف في بطني وأخرجه من ظهري بين يديك لفعلت فمُرْ [ني] بأمرك فإني واللّه مسرع فقال: ألست تعرف جعفر بن يحيى البرمكي؟ قال : يا أمير المؤمنين وهل أعرف سواه؟ أو يُنكر مثل جعفر؟ قال: ألم تر تشييعي إياه عند خروجه؟ قال: بلى، قال : فامض الساعة إليه فأتني برأسه على أي حالة تجده عليها فأرتج على ياسر الكلام وأخذته رِعْدَة ووقف لا يحير جواباً، فقال : يا ياسر، ألم أتقدم إليك بترك الخلاف علي؟ قال : بلى يا أمير المؤمنين، ولكن الخطب أجَلُ من ذلك، والأمر الذي نَدَبَنِي إليه أمير المؤمنين وددت لو أني كنت مت قبل أن يجري على يدي منه شيء ؛ فقال : دع عنك هذا وامض لما قد أمرتك؛ فمضى ياسر حتى دخل على جعفر وهو على حال لهوه فقال له : إن أمير المؤمنين قد أمرني فيك بكيت وكيت، فقال جعفر : إن أمير المؤمنين يمازحني بأصناف من المزاح فأحسب أن هذا جنس منه فقال : واللّه ما رأيته إلا جاداً قال : فإن يكن الأمر كما قلت فهو إذاً سکران قال: لا واللّه ] ما افتقدت من عقله شيئاً، ولا ظننته شرب نبيذاً في يومه مع ما رأيت من عبادته، قال له : فإن لي عليك حقوقاً لم تجد لها مكافأة في وقت من الأوقات إلا هذا الوقت، قال : تجدني إلى ذلك سريعاً إلا فيما خالف أمير المؤمنين، قال : فارجع إليه فأعلمه أنك قد نفذت ما أمرك به فإن أصبح نادماً كانت حياتي على يديك جارية، وكانت لك عندي نعمة مجددة، وإن أصبح على مثل هذا الرأي نفذت ما أمرت به في
غد، قال : ليس إلى ذلك سبيل، قال : فأصبر معك إلى مضرب أمير المؤمنين حتى أقف بحيث أسمع كلامه ومراجعته إياك، فإذا أبديت عذراً ولم يقنع إلا بمصيرك إليه برأسي خرجت فأخذت رأسي من قرب، قال له : أما هذا فنعم فمضيا جميعاً إلى مضرب الرشيد فدخل إليه ياسر فقال : قد أخذت رأسه يا أمير المؤمنين وها هو ذا بالحضرة فقال له : ائتني به وإلا واللّه قتلتك قبله، فخرج فقال [له] : أسمعت الكلام؟ قال: فشأنك وما أمرت به فأخرج جعفر من كمه منديلا صغيراً فعصب به عينيه ومَدَّ رقبته فضربها [ ياسر] وأدخل رأسه إلى الرشيد، فلما رأى الرأس بين يديه أقبل عليه، وجعل يذكره بذنوبه، ثم قال : يا ياسر ائتني بفلان، وبفلان فلما أتى بهم قال لهم : اضربوا عنق، ياسر فإني لا أقدر [أن] أنظر إلى قاتل جعفر.
وقال الأصمعي : وَجَّهَ إليَّ الرشيد في تلك الليلة، فلما أدخلت إليه قال : يا أصمعي، قد قلتُ شعراً، فاسمعه قلت نعم يا أمير المؤمنين، فأنشد:
لو أن جعفر هاب أسباب الرِّدَى***لَنَجا بمهجته طمِرٌّ مُلْجَمُ
ولكان من حَذَر المنون بحيث لا***يسمو إليه به العُقَابُ القَشْعَمُ
لكنه لما تقارَبَ وقته***لم يَدْفَع الحدثان عنه مُنَجِّمُ
قال الأصمعي : ورجعت إلى منزلي فلم أصل إليه حتى تحدث الناس بقتل جعفر، وأصيب على باب قصر علي بن عيسى بن ماهان بخراسان في صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفر وأوقع بالبرامكة مكتوب بقلم جليل :
إن المساکین بنو بَرْمَكِ***صُبَّتْ عليهم غيرُ الدهر
إذ لنا في أمرهم عبرةً***فليعتبر ساكن ذا القصر
قال المسعودي : وكان مدة دولة البرامكة وسلطانهم وأيامهم النضرة الحسنة من استخلاف هارون الرشيد إلى أن قتل جعفر [بن يحيى بن خالد بن بَرْمَكِ] سبع عشرة سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوماً، وقد رثتهم الشعراء [بمَرَاثِ كثيرة، وذكرت أيامهم] فمن ذلك قول [علي بن أبي معاذ :
یا أيُّهَا المَغْتَرُّ بالدَّهر***والدهر ذو صَرْفٍ وذو غَدْرِ
لا تأمن الدهر وصولاته***وكن من الدهر على جِذْرٍ
إن كنت ذا جهل بتصريفه***فانظر إلى المصلوب بالجسر
فإن فيه عِبرة فاعتبر***يا ذا الْحِجَا والعقل والفكْر
وخذ من الدنيا صفا عيشها***واجر مع الدَّهْرِ كما يَجْرِي
كان وزير القائم المرتضى***وذا الْحِجَا والفضل والذكْرِ
وكانت الدنيا بأقطارها***إليه في البَرُّ وفي البَحْرِ
یشَيّدُ المُلك بآرائه***وكان فيه نافِذَ الأمر
فبينما جعفَرُ جعفَرُ في مُلْكِهِ***عشيَّةَ الجمعةِ بالعَمْرِ
يَطيرُ في الدنيا بأجناحِهِ***يَأْمُلُ طول الخُلدِ والعُمْرِ
إذْ عثَرَ الدَّهْرُ الدهر به عثرة،***يا ويلنا مِنْ عثرة الدهرِ
وزلَّتِ انَّعْلُ بهِ زِلّة*** كانت له قاصِمَة الظَّهْرِ
فَغُودِرَ البائس في ليلة ال***سبتِقتيلًا مَطلع الفجرِ
وأصبح الفضل بن يحيى وقد***أُحیط بالشيخ وما يَدْرِي
وجيء بالشیخ وأولاده***یحیي معاً في الغلِّ والأسْرِ
والبَرْمَكِيُين وأتباعهم*** من کان في الآفاقِ والمِصْرِ
كأنما كانوا على مَوْعِد***كموعد الناس إلى الحشْر
وأصبحوا للناس أُحدُوثَةٌ***سبحان ذي السلطان والأمْر
وممن رثاهم فاسْتُحسن قوله أشجعُ السّلَمي، فقال من قصيدة:
أَلَانَ أَرَحْنَا واستراحَتْ رِكَابُنَا***وأَمْسَكَ مَنْ يُجْدِي وَمَنْ كَان يَجْتَدِي
فَقُلْ لِلمطَاياً : قد أَمِنتِ مِنَ السُّرَى***وَطي الفيافي فَدْفَداً بعدَ فَدْفَدِ
[وقل العطايا بعد فَضْلِ : تَعَطَّلِي***وقل للرزايا: كل يوم تجدَّدِي
ودونَك سيفاً برْمَكِياً مُهَنَّدا***أصيب بسيف هاشميِّ مُهَنَّدِ
وقال فيهم سلم الخاسر :
خَوَت أنجُمُ الجدوى وشلَّتْ يَدُ النَّدَى***وغَاضَتْ بحَارُ الْجُودِ بعد البَرَامِكِ
هَوتُ أَنجُمٌ كانت لأبناءِ بَرْمَكِ***بها يُعْرِفُ الهادي قويم المسالِكِ
وقال فيهم صالح الأعرابي :
لقد خان هذا الدهر أبناء برمك***وأي مُلوكِ لم تَخُنْهَا دُهُورُها؟
ألم يَكُ يحيَى وَاليَ الأرض كلها***فأضْحَى كمن وارَتْهُ منها قُبُورُهَا
وقال فيهم أبو حرزة الأعرابي، وقيل أبو نواس:
ما رَمَى الدَهْرُ آل برمك لمَّا***أن رَمَى مُلْكَهُمْ بأمر بديع
إنَّ دهراً لم يَرْغَ حقاً ليحيى***غيرُ راعٍ حقاً لآل الربيع
وقال [ فيهم بعض الشعراء فأحسن]:
يا بني برمك واهاً لكُمُ***ولأيامكُمُ المُقْتَبلَه
[كَانَتِ الدنيا عَرُوساً بكُمُ***وَهِيَ اليوم ثَكُولُ أرْمَلَه]
وقال أشَجَعُ فيهم :
ولى عن الدنيا بنو برمك***فلو تَوَالَى الناس ما زادا
كأنما أيامهم كلها***كانت لأهل الأرض اعيادا
[ولآخر فيهم من أبيات :
كأن أيامهم من حُسْن بَهْجَتِهَا***مواسم الحج والأعياد والجُمْعِ ]
وقال منصور النمري :
اندُب بني برمك لدنيا***تبكي عليهم بكلِّ وادٍ
کانت بهم بُرْهَةٌ عَرُوساً***فأضْحَتِ اليوم في حِداد
وقال دعبل [الخزاعي]:
ألم تَرَ صَرْفَ الدهر في آل برمك***وفي ابن نهيك والقُرُون التي تخلو
[لقد غرس [القوم] النخيل تمكناً***فما حصدوا إلا كما حصد البقل]
وقال أشْجَعُ فيهم أيضاً :
قد ساز دهر ببني بَرْمَكِ***ولم يَدَعْ فيهم لنا بقيا
كانوا أُولي الخير وهم أهله***فارتفع الخير عن الدنيا
[ولما قتل جعفر وقبض على يحيى والفضل وضيق عليهما المحابس، واشتد بهما الجهد وترادف عليهما البلاء] قال الفضل بن يحيى يذكر ما هما فيه :
إلى اللّه فيما نابَنَا نَرْفَعُ الشكوى***ففي يده كشفُ المَضرَّة والبلوى
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها***فلا نحن في الأموات فيها ولا الأحيا
جاءنا السَّجان يوماً لحاجةٍ***عجبنا وقلنا : جاء هذا من الدنيا
وكان الرشيد كثيراً ما ينشد بعد نكبة البرامكة :
إن استهانتها إذا وقعَتْ***لَبِقَدْرِ ما تعلو بها رُتَبُهُ
وإذا بَدَتْ للنمل أجنحة***حتى يطير فقد دَنَا عَطَبُهُ
وقال محمد بن عبد الرحمن الهاشمي : دخلت على والدتي يوم نَحْرِ، فوجدتها وعندها [امرأة] بَرْزَةٌ متكلمة [ في أثواب رَبَّةٍ] فقالت لي : أتعرف هذه؟ قلت : لا، قالت : هذه عبادة أم جعفر بن يحيى، فأقبلت عليها بوجهي أحدثها وأعظمها ثم قلت لها : يا أماه أعْجَبُ ما رأيت؟ قالت: يا بني لقد أتى على عيد مثل هذا وأنا على رأسي أربعمائة وصيفة، وإني لأعدُّ ابني عاقاً [لي] ولقد أتى علي هذا العيد وما أتمنى سوى جلد شاتين أفترش أحدهما وألتحف الآخر، قال : فدفعت إليها خمسمائة درهم، فكادت تموت فرحاً بها، ولم تزل تختلف إلينا حتى فَرَّق الموت بيننا.
وحكي عن بعض عمومة الرشيد أنه صار إلى يحيى [بن خالد] عند تغير الرشيد له قبل الإيقاع بهم، فقال له : إن أمير المؤمنين قد أحب جمع الأموال، وقد كثر ولده [ فهو يريد أن يعقد لهم الضياع وقد كثر ] عليك وعلى أصحابك [عنده] فلو نظرت إلى ضياعهم وأموالهم فجعلتها لولد أمير المؤمنين وتقربت [إليه] بها رَجَوْتُ أن يكون لك السلامة، وأن يرجع لك أمير المؤمنين، فقال له يحيى : واللّه لأن تزول النعمة عني أَحَبُّ إلي من أن أزيلها عن قوم كنت سببها إليهم.
وذكر الخيل بن الهيثم [الشعبي] - وكان قد وكله الرشيد بيحيى والفضل في الحبس - قال : أتاني مسرور الخادمُ ومعه جماعة من الخدم ومع خادم منهم منديل ملفوف، فسبق إلى نفسي أن الرشيد قد تعطَّفَ عليهم، فوجه إليهم بلطف، فقال لي مسرور أخرج الفضل بن يحيى فلما مثل بين يديه قال [له] : إن أمير المؤمنين يقول لك : إني قد أمرتك أن تصدقني عن أموالكم فزعمت أنك قد فعلت، وقد صح عندي أنك أبقيت لك أموالاً، وقد أمرت مسروراً إن لم تطلعه عليها أن يضربك مائتي سوط، فقال له الفضل : قُتِلْتُ واللّه يا أبا هاشم فقال له :مسرور يا أبا العباس أرى لك أنك لا تؤثر مالك على مهجتك، فإني لا آمن إن أنفذ ما أمرت به فيك أن آتي على نفسك، فرفع الفضل رأسه إلى السماء وقال له : يا أبا هاشم ما كذبت بأمير المؤمنين، ولو كانت الدنيا لي وخيرت بين الخروج منها وبين أن أقرع مقرعة لاحترت الخروج منها، وأمير المؤمنين يعلم وأنت تعلم أنا كنا نصون أعراضنا بأموالنا، وكيف صرنا اليوم نصون أموالنا منكم بأنفسنا ؟ فإن كنت أمرت بشيء فامض له فأمر بالمنديل فنفض، فسقط منه أسواط بأثمارها، فضرب مائتي سوط وتولّى ضربه أولئك الخدم فضربوه أشد الضرب الذي يكون بغير معرفة، فكادوا يأتون على نفسه، فخفنا عليه الموت، فقال الخليل بن الهيثم
لوكيله المعروف بأبي يحيى : إن هنا رجلا قد كان في الحبس، وهو بَصِيرٌ بالعلاج لمثل هذا أو شبهه، فصر إليه واسأله أن يعالجه، قال : فأنهيت إليه، ذلك، فقال : لعلك تريد أن تعالج الفضل بن يحيى، فقد بلغني ما صنع به؟ فقلت : إياه أريد ؛ قال : فامض بنا إليه حتى أعالجه ؛ فلما رآه قال: أحسبه ضربه خمسين سوطاً، قال: إنه ضرب مائتي سوط، قال : ما أظن إلا أن هذا أثر خمسين سوطاً، ولكن يحتاج أن ينام على باريةٍ وأدوس صدره ساعة، فجزع الفضل من ذلك، ثم أجاب إليه، ففعل ذلك به، ولم يزل يدوس صدره، ثم أخذ أخذ بيده فجذبه حتى أقامه عن البارية، فتعلق بها من لحم ظهره شيء كثير، ثم جعل يختلف إليه ويعالجه إلى أن نظر يوماً إليه فخر ساجداً، فقلت: ما لك؟ فقال : يا أبا يحيى،قد برىء أبو العباس، اذن مني حتى ترى قال فدنوت منه فأراني في ظهره لحماً نابتاً، ثم قال لي : أتحفظ : أتحفظ قولي هذا أثَرُ خمسين سوطاً ؟ قلت : نعم، قال : واللّه لو ضُرِبَ سوط ألف ما كان أثرها بأشد من ذلك الأثر، وإنما قلت ذلك لكي تقوى نفسه فيعينني على علاجه، فلما خرج الرجل قال لي الفضل: يا أبا يحيى، قد احتجت عشرة آلاف درهم، فسر إلى المعروف بالنسائي وأعلمه حاجتي إليها قال : فأتيته بالرسالة، فأمر بحملها إليه فقال : يا أبا يحيى، أحب أن تمضي بها إلى هذا الرجل، وتعتذر إليه، وتسأله قبول ما وجهت به قال فمضيت إليه فوجدته قاعداً على حصير وطنبور له معلق ودساتيج فيها نبيذ وأداة رثة، فقال : ما حاجتك يا أبا يحيى؟ فأقبلت أعتذر عن الفضل وأذكر ضيق الأمر عليه وأعلمته بما وَجَّه به إليه، فامتعض من ذلك [ونخر] حتى أفزعني وقال : عشرة آلاف درهم يرددها ؛ فجَهَدْت كل الجهد أن يقبلها، فأبى ؛ فصرت إلى الفضل، فأعلمته، فقال لي: استقلها واللّه، ثم قل لي الفضل : أحب أن تعود إلى النسائي ثانية وتعلمه أني احتجت إلى عشرة آلاف درهم أخرى ؛ فإذا دفعها إليك فسر بالكل إلى الرجل، قال : فقبضت من النسائي عشرة آلاف أخرى ورجعت إلى الرجل ومعي المال، وعرَّفته الخبر ؛ فأبى أن يقبل شيئاً منه فقال: أنا أعالج فتى من الأبناء بكراء؟ اذهب عني فواللّه لو كانت عشرين ألف دينار ما، قبلتها، فرجعت إلى الفضل وأخبرته الخبر، فقال لي: يا أبا يحيى، حدثني بأحسن ما رأيت أو بلغك من أفعالنا، قال : فجعلت أحدثه، [ملياً] فقال : دع عنك هذا، فواللّه إن ما فعله هذا الرجل أحسن من كل ما فعلناه في أيامنا كلها.
وقتل جعفر بن يحيى وهو ابن خمس وأربعين سنة، [وقيل أقل من ذلك] ومات يحيى [بن خالد] بالرقة في سنة تسع وثمانين ومائة على ما قدمنا
قال المسعودي وللرشيد أخبار حسان وسير، وقد قدمنا ذكرها فيما سلف من
كتبنا في ذكر أخبار ملوك الروم بعد ظهور الإسلام، وما كان بينه وبين نَقْفُور فيما تقدم من هذا الكتاب.
وللبرامكة أخبار حسان وما كان منهم من الإفضال بالمعروف واصطناع المكارم، وغير ذلك من عجائب أخبارهم وسيرهم وما مدحتهم الشعراء به، ومراثيهم، وقد أتينا ذلك على جميع في كتابنا «أخبار الزمان» والكتاب الأوسط، وإنما نورد في هذا الكتاب لمعاً من الأخبار لم يتقدم لها إيراد في ما تقدم من كتبنا، وكذلك ذكرنا بدء أخبارهم قبل ظهور الإسلام وكونهم على بيت النوبهار، وهو بيت النار ببلخ المقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب وعلة تسميته بَرْمَك، وخبر برمك الأكبر مع ملوك الترك، وخبرهم بعد ظهور الإسلام وما كان منهم في أيام بني أمية كهشام بن عبد الملك وغيره، وما كان منهم في أيام المنصور، واكتفينا بما ذكرناه في هذا الكتاب من [هذه] التلويحات من أخبارهم واللمع من آثارهم.
وبويع محمد بن هارون في اليوم الذي مات فيه هارون الرشيد، وهو يوم لأربع السبت ليالٍ خَلَوْنَ من جمادى الأولى بطوس، سنة ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم ببيعته رجاء الخادم، وكان القيم ببيعته الفضل بن الربيع، وكان محمد يكنى بأبي موسى – وأمه زُبيدة ابنة جعفر بن أبي جعفر [ بالرصافة] وكان مولده بالرصافة - وَقُتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة [وستة أشهر] وثلاثة عشر يوماً، ودفنت جثته ببغداد. وَحُمِل رأسه إلى خراسان.
وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر [وقيل: تسعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر وستة أيام، على حسب ما وجدنا من اختلاف التواريخ وتباينها.
وقيل : إن محمداً أفْضَتِ الخلافة إليه وهو ابن اثنتين وعشرين سنة وسبعة أشهر وأحد وعشرين يوماً]، وكان أصغر من المأمون بستة أشهر، وكانت أيامه [ في الحصار] من خَلْعِه إلى مقتله سنة ونصفاً وثلاثة عشر يوماً، حبس فيها يومين.
قبض الرشيد والمأمون بمَرْوَ، وبعث صالح بن الرشيد رجاء الخادم مولى محمد الأمين إلى محمد فأتاه بالخبر في اثنتي عشر يوماً إلى مدينة السلام يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة.
وذكر [جماعة من الأخباريين وممن عُني بأخبار العباسيين كالمدائني، و] العتبي وغيرهما أن زُبَيْدَة رأت في المنام ليلة عَلِقَتْ بمحمد كأن ثلاث نسوة دخلن عليها وهي بمجلس، فقدت اثنتان عن يمينها وواحدة عن يسارها، فدنت إحداهن فجعلت يدها على بطن أم جعفر، ثم قالت ملك [فخم] عظيم البذل، ثقيل الحمل، نكد الأمر، ثم فعلت الثانية كما فعلت الأولى، وقالت ملك ناقص الجد مفلول الحد، ممذوق الود، تجور أحكامه وتخونه أيامه، ثم فعلت الثالثة كما فعلت الثانية، وقالت: ملك قصاف، عظيم الإيلاف كثير الخلاف قليل الإنصاف، قالت فاستيقظت وأنا فَزِعَة، فلما كان في الليلة التي وضعت فيها محمداً دخلن عَلَيَّ وأنا نائمة كما كُنَّ دخلن. فقعدن عند رأسي، ونظرن في وجهي، ثم قالت إحداهن: شجرة نضرة، وريحانة حسنة، وروضة زاهرة، ثم قالت الثانية: عين غدِقة قليل لبثها سريع فناؤها، عَجِل ذهابها، وقالت الثالثة : عدو لنفسه، ضعيف في بطشه، سريع إلى غشه مُزال عن عرشه، فاستيقظت [من نومي] وأنا فَزِعَة بذلك، وأخبرت بذلك بعض قهارمتي، فقالت : بعض ما يطرق النائم وعبث من عبث التوابع، فلما فصاله أخذت مرقدي [ليلة] ومحمد أمامي في مهده إذ بهن قد وقفن على رأسي وأقبلن على ولدي محمد، فقالت إحداهن : ملك جَبَّار مثلاف، مهذار بعيد الآثار سريع العثار ثم قالت الثانية : ناطق مخصوم، و محارب مهزوم، وراغب محروم، وشقي مهموم، وقالت الثالثة : احفروا قبره، ثم شقوا
لحده، وقدموا أكفانه، وأعدوا جهازه ؛ فإن موته خير من حياته. قالت : فاستيقظت وأنا مضطربة وَجِلَة، وسألت مفسري الأحلام والمنجمين، فكل يخبرني بسعادته وحياته وطول عمره، وقلبي يأتي ذلك، ثم زجرت نفسي وقلت: وهل يدفع [الإشفاق والحذر والاحترازُ واقعَ]، القدر، أو يقدر أحد أن يدفع عن أحبابه الأجل ؟.
وفي سنة ثلاث وتسعين ومائة مات أبو بكر بن عياش الكوفي [الأسدي] وهو ابن ثمان وتسعين سنة، بعد موت الرشيد بثماني عشرة ليلة.
ولما هَمَّ محمد بخلع المأمون شاور عبد اللّه بن حازم، فقال له : أنشدك اللّه يا أمير المؤمنين، ألا تكون أول الخلفاء نكث عهده ونقض ميثاقه واستخف بيمينه، فقال: اسكت أسْكَتَ اللّه فاك؛ فعبد الملك بن صالح كان أفضل منك رَأْياً حيث يقول : لا يجتمع فحلان في هجمة. وجَمَعَ القواد وشاورهم فاتبعوه في مراده إلى أن بلغ إلى هرثمة بن حازم فقال : يا أمير المؤمنين : لن ينصحك من كذبك ولن يغشك من صدقك، لا تجرىء القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فإن الغادر مخذول، والناكث مغلول. ودخل علي بن عيسى بنماهان، فتبسم محمدوقال : لكن شيخ هذه الدعوة، وباب هذه الدولة، لا يخالف إمامه، ولا يوهن طاعته، ثم رفعه إلى موضع ما رفعه إليه فيما مضى، فكان علي بن عيسى أول من أجاب إلى خلع المأمون، فسَيَّرَه في جيش عظيم نحو خراسان، فلما قرب من الري قيل له : إن طاهر بن الحسين مقيم بها، وقد كان يظن أن طاهراً لا يثبت له فقال : [ واللّه ] ما طاهر إلا شوكة من أغصاني وشرارة من ناري، وما مثل طاهر يؤمر على جيش، وما بينه وبين الموت إلا أن تقع عينه على سوادكم، فإن السَّخَال لا تقوى على نطاح الكِبَاش، والثعالب لا تقدر على لقاء الأسد، فقال له ابنه : ابعث طلائع وَارْتَدْ موضعاً لعسكرك، فقال : ليس [مثل] طاهر يستعد له بالمكايد [ ويستظهر له بالاحتراز] والتحفظ، إنَّ حال طاهر يؤدي إلى أمرين إما أن يتحصّن بالري فيثب به أهلها ويكفونا مؤنته، أو يخليها ويُدْبر راجعاً، لو قد قربت خيولنا منه، فقال له ابنه: إن الشرارة ربما صارت ضرَاماً، فقال : [ اسكت] إن طاهراً ليس قرناً في هذا الموضع، وإنما تحترس الرجال من أقرانها، وسار علي بن عيسى حتى دنت عساكره من الري، وتبين ما عليه طاهر من الجد وأهبة
الحرب وضم الأطراف، فعدل إلى رُسْتاق من رساتيق الري متياسراً عن الطريق، فنزل، به وانبسطت عساكره، وأقبل طاهر في نحو من أربعة آلاف فارس، فأشرف على عساكر علي بن عيسى وتبين كثرتها وعدة ما فيها، فعلم أن لا طاقة له بذلك الجيش، فقال لخواص من معه : نجعلها خارجية، وَكَرْدَسَ خیله کرادیس وصمد في نحو القلب في سبعمائة من الخوارزمية وغيرهم من فرسان خراسان وخرج إليه من القلب العباس بن الليث مولى المهدي، وكان فارساً، فقصده طاهر وضم يديه على سيفه فانثنى العباس وانضم المعروف بداود سياه إلى علي بن عيسى وقد اختلط الناس، فضربه ضربة فأتى عليه، وكان علي [في ذلك الوقت] على برذون كميت أرْجَلَ، وتمالاً على رأسه الرجال، وتنازعوا في خاتمه ورأسه، فذبحه رجل يعرف بطاهر بن الراجي، وقبض آخر على خصلة من شعر لحيته، وآخر على خاتمه، وكان سبب هزيمة الجيش ضربة طاهر بيديه جميعاً للعباس بن الليث، وبذلك سمي طاهر ذا اليمينين؛ لجمعه يديه على السيف
وذكر أحمد بن هشام - وكان من وجوه القواد - قال: جئت إلى مضرب طاهر وقد توهم أني قُتِلتُ في المعركة ومعي رأس عليّ وقد شد فقال : البشرى، هذه خصلة من رأس عليّ مع غلامي في المخلاة، فطرحه قُدَّامه، ثم أتى بجثته، وقد شُدَّت يداه، ورجلاه، كما يفعل بالدواب إذا ماتت فأمر به طاهر فألقي في بئر، وكتب إلى ذي الرياستين الفضل بن سهل بالخبر، فكان في الكتاب : أطال اللّه بَقَاءَكَ، وَكَبَتَ أعداءك، كتابي إليك، ورأس علي بن عيسى بين يدي وخاتمه في أصبعي والحمد للّه رب العالمين؛ فسر المأمون بذلك، وَسُلّم عليه في ذلك الوقت بالخلافة.
وقد كانت أم جعفر لا تعلق من الرشيد ؛ فشاور بعض مجالسيه من الحكماء وشكا ذلك إليه، فأشار عليه بأن يُغيرَهَا، فإن إبراهيم الخليل (عَلَيهِم السَّلَامُ) كانت عنده سارة، فلم تكن تعلق منه، فلما وهبت له هاجر علقت منه بإسماعيل فغارت سارة عند ذلك، فعلقت بإسحاق، فاشترى الرشيد أم المأمون فاستخلاها، فعلقت بالمأمون، فغارت أم جعفر عند ذلك فعلقت بمحمد.
قال المسعودي: وقد قَدَّمنا التنازع في ذلك - أعني قصص إبراهيم وإسماعيل وإسحاق (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقول من ذهب إلى أن إسحاق هو المأمور بذبحه ومن قال بل إسماعيل، وما ذكر كل فريق منهم في ذلك، وقد تناظر في ذلك السلف والخلف، فمن ذلك ما جرى بين عبد اللّه بن عباس وبين مولاه عِكْرِمَة، وقد قال عكرمة : من المأمور
بذبحه ؟ فقال : إسماعيل، واحتجَّ بقول اللّه عز وجل : «وَمِن وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ» [هود : 71] ألا ترى أنه بَشِّرَ إبراهيم بولادة إسحاق فكيف يأمره بذبحه ؟ فقال له عِكْرِمَة : أنا أوجدك أن الذبيح إسحاق من القرآن واحتجَّ بقول اللّه عز وجل : «وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ» [يوسف: 6] فنعمته على إبراهيم : أن نجّاه من النار، ونعمته على إسحاق : أن فَداه بالذِّبْح، وكانت وفاة عكرمة مولى ابن العباس سنة خمس ومائة، ويكنى أبا عبد اللّه مات في اليوم الذي مات فيه كثيِّر عزة، فقال الناس : مات عظيم الفقهاء [وأهل العلم] وكبير الشعراء وفيها كانت وفاة الشعبي.
وحدث [يوسف بن إبراهيم الكاتب قال : حدثني أبو إسحاق] إبراهيم بن المهدي قال : بعثَ إِليَّ الأمين محمد، وهو محاصر، فصرت إليه، فإذا هو جالس في طارمة خشبها من عود وصندل عشرة في عشرة، وإذا سليمان بن [أبي جعفر] المنصور معه في [جوف] الطارمة، وهي قبة كان اتخذ لها فراشاً مُبطناً بأنواع الحرير والديباج المنسوج بالذهب الأحمر وغير ذلك من أنواع الإبريسم، فسلمت فإذا قُدَّامه قدح بلور فحروز فيه شراب ينفذ مقداره خمسة أرطال وبين يدي سليمان قدح مثله، فجلست بإزاء سلیمان، فأتيت بقدح كالأول والثاني، قال: فقال : إنما بعثت إليكما لما بلغني قدوم طاهر بن الحسين إلى النهروان وما قد صنع في أمرنا من المكروه، وقابَلَنَا به من الإساءة، فدعوتكما لأفرج بكما وبحديثكما، فأقبلنا نحدثه ونؤنسه حتى سَلَا عما كان يجده وفرح، ودعا بجارية من خواص جواريه تسمى ضعفاً قال : فتطيَّرْتُ من اسمها ونحن على تلك الحال فقال لها : غنّينا فوضعت العود في حجرها وغنت :
كُلَيْبٌ لَعَمْرِي كان أكْثَرَ ناصراً***وأكثر حزماً منك ضُرج بالدم
فتطير من قولها، ثم قال لها : اسكتي قبحك اللّه، ثم عاد إلى ما كان عليه من الغم والإقطاب فأقبلنا نحادثه ونبسطه إلى أن سلا وضحك، ثم أقبل عليها وقال [لها]: هات ما عندك، فغنت :
همُ قتلُوه كي يكونوا مكانه***كما غدرَتْ يوماً بكسرى مَرَازِبُهُ
فأسكتها وزارها وعاد إلى الحالة الأولى، فسليناه حتى عاد إلى الضحك، فأقبل عليها الثالثة فقال : غني فغنت :
كأن لم يكن بين الحجُون إلى الصَّفا***أنيس ولم يَسْمُرُ بمكة سامر
بلى نحن كنا أهْلَها فأبادَنَا***صُرُوفُ الليالي والجدودُ العوائر
وقيل : بل إنها غنت :
أما وربِّ السُّكُون والْحَرَكِ***إن المنايا كثيرة الشرَكِ
فقال لها قومي عني فعل اللّه بك [كذا وكذا] وصنع بك، فقامت فعثرت بالقدح الذي كان بين يديه فكسرته فانهرق الشراب وكانت ليلة، قمراء، ونحن على شاطىء دجلة في قصره المعروف بالخلد: فسمعنا قائلا يقول «قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتيَانِ» [يوسف: 41] قال ابن المهدي فقمت وقد وثب فسمعت منشداً من ناحية القصر ينشد : هذين البيتين :
لا تعجبّن من العَجَبْ***قد جاء ما يقضي العجب
قد جاء أمر فادح***فيه لذي عجب عجب
قال : فما قعدنا معه بعدها إلى أن قتل.
وكان الأمين معجباً بأم ولده نظم وهي أم موسى الذي كان سماه الناطق بالحق، وأراد خلع المأمون والعقد له من بعده، فهلكت أم موسى نظم، فجزع عليها جزعاً شديداً، فلما اتصل الخبر بأم جعفر زبيدة قالت : احملوني إلى أمير المؤمنين ؛ فحملت إليه فاستقبلها وقال: يا سيدتي ماتت نظم، فقالت:
نفسي فداؤك لا يذهب بك اللّهفُ***ففي بقائِكَ مما قد مضى خَلفُ
عُوِّضت موسى فهانت كل مرزئة***ما بعد بعد موسى على مفقوده أسَفُ
وذكر إبراهيم بن المهدي قال : استأذنت على الأمين يوماً، وقد اشتد الحصار عليه من كل وجه، فأبوا أن يأذنوا لي بالدخول عليه، إلى أن كاثرت ودخلت، فإذا هو قد تطلع إلى دجلة بالشباك، وكان في وسط قصره بركة عظيمة لها مخترق إلى الماء في دجلة، وفي المخترق شباك حديد، فسلمت عليه وهو مقبل على الماء والخدم، والغلمان قد انتشروا إلى تفتيش الماء، وهو كالواله، فقال لي وقد ثنيت بالسلام وكررت : لا تدري يا عمي ؛ فمقرطتي قد ذهبت في البركة إلى دجلة والمقرطة : سمكه كانت قد صيدت له وهي صغيرة فقرطها حلقتين من ذهب فيهما حَبَّتَا در :[ وقيل ياقوت] قال : فخرجت وأنا آيس من فلاحه وقلت لو ارتدع من وقت لكان هذا الوقت.
وكان محمد في نهاية الشدة والقوة والبطش والبهاء والجمال، إلا أنه كان عاجز الرأي، ضعيف التدبير، غير مفكر في أمره.
وحكي أنه اصطبح يوماً، وقد كان خرج أصحاب اللبابيد والحراب على البغال -وهم الذين كانوا يصطادون السباع - إلى سبع كان بلغهم خبره بناحية كوثى والقصر، فاحتالوا في السبع إلى أن أتوا به في قفص من خشب على جمل بُخْتي، فحط بباب القصر وأدخل، فمثل في صحن القصر والأمين مصطبح، فقال : خلوا عنه وشيلوا باب القفص، فقيل له : يا أمير المؤمنين إنه سبع هائل أسود وحش، فقال : خلوا عنه، فشالوا باب القفص، فخرج سبع أسود له شعر عظيم مثل الثور، فزار وضرب بذنبه إلى الأرض، فتهارب الناس، وغلقت الأبواب في وجهه، وبقي الأمين وحده جالساً [في] موضعه غير مكترث بالأسد، فقصده الأسد حتى دنا منه، فضرب الأمين بيده إلى مرفقة أرمنية، فامتنع منها بها، ومَدَّ السبع يده إليه، فجذبها الأمين وقبض على أصل أذنيه، وغمزه ثم هَزَّه أو دفع به إلى خلف فوقع السبع ميتاً على مؤخره، وتبادر الناسُ الأمين فإذا أصابعه ومفاصل يديه قد زالت عن مواضعها، فأتى بمجبر فرد عظام أصابعه إلى مواضعها وجلس كأنه لم يعمل شيئاً فشقوا بطن الأسد فإذا مرارته [قد] انشقت عن كبده.
وحكي أن المنصور جلس ذات يوم ودخل إليه بنو هاشم من أهله، فقال لهم وهو مستبشر، أما علمتم أن محمداً المهدي ولد البارحة له ولد ذكر، وقد سميناه موسى؟ فلما سمع القوم ذلك وجموا وكأنما حثا في وجوههم الرماد [وسكتوا] ولم يُحيروا جواباً، فنظر إليهم المنصور فقال لهم : هذا موضع دعاء وتهنئة، وأراكم قد سكتم، ثم استرجع فقال لهم : كأني بكم لما أخبرتكم بتسميتي إياه موسى اغتممتم به، لأن المولود المسمى بموسى بن محمد هو الذي على رأسه تختلف الكلمة [وتسفك الدماء] وتنتهب الخزائن، ويضرب الملك، ويقتل أبوه، وهو المخلوع من الخلافة، ليس هو ذا، لا، ولا هذا زمانه واللّه إن جَدَّ هذا المولود - يعني هارون الرشيد - لم يولد بعد، قال: فدعوا له وهنوه وهنوا المهدي، وكان هذا موسى الهادي أخا الرشيد.
وكان العهد الذي كتبه الرشيد بين الأمين والمأمون وأودعه الكعبة أن الغادر منهما خارج من الأمر أيهما غدر بصاحبه، والخلافة للمغدور به.
وذكر ياسر [خادم أم، جعفر، وكان من خَوَاصها] أنه لما أحيط بمحمد
دخلت [عليه] أم جعفر باكية فقال لها، مه إنه ليس بجزع النساء وهلعهن عُقِدَتْ التيجان، وللخلافة سياسة لا تسعها صدور المراضع، وراءك وراءك.
ويقال : إن محمداً قصف عند طاهر، فبينا طاهر في بستانه إذ ورد كتاب من محمد بخطه، فإذا فيه «بسم اللّه الرحمن الرحيم، اعلم أنه ما قام لنا مذ قمنا قائم بحقنا وكان جزاؤه منا إلا السيف فانظر لنفسك أو دع» قال : فلم يزل واللّه يتبين موقع الكتاب من طاهر، فلما رجع إلى خراسان أخرجه إلى، خاصته، وقال لهم: واللّه ما هذا كتاب مضعوف، ولكنه كتاب مخذول.
ولم يكن فيمن سلف من الخلفاء إلى وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - مَنْ أبوه وأمه من بني هاشم إلا علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه، ومحمد بن زُبَيْدَة.
وفي محمد بن زُبَيْدَة يقول أبو الغول:
ملك أبوه وَأُمُّه من نَبْعَة***منهاسِرَاجُ الأمة الْوَهَّاجُ
شربت بمكة من ذرى بطحائها***ماء النبوة ليس فيه مِزَاجُ
وفي سنة أربع وتسعين ومائة كان ابتداؤه بالغدر بالمأمون.
وفي سنة سبع وتسعين ومائة مات بالرقة عبد الملك بن صالح بن علي في أيام الأمين، وكان عبد الملك أفْصَحَ ولد العباس في عصره، يقال: إن الرشيد لما اجتاز ببلاد منبج من أرض الشام نظر إلى قصر مشيد وبستان مُعْتَم بالأشجار كثير الثمار، فقال لعبد الملك : لمن هذا القصر ؟ قال : [هو ] لك ولي بك يا أمير المؤمنين، قال: فكيف بناء القصر ؟ قال : دون منازلك وفوق منازل الناس، قال: فكيف مدينتك؟ قال : عَذبة الماء باردة الهواء، صلبة، الموطأ قليلة الأدواء، قال : كيف ليلها ؟ قال : سَحَر كله، وقال له يا أبا عبد الرحمن، ما أحسن بلادكم ! قال: فكيف لا تكون كذلك وهي تربة حمراء، وسنبلة صفراء، وشجرة خضراء، فَيَافِي فِيحٌ، وجبال وضيح، بين قيصوم وشيح، فالتفت الرشيد إلى الفضل بن الربيع فقال : ضرب السياط أهْوَنُ عَلَيَّ من هذا الكلام.
ولما سمى محمد ابنه «موسى الناطق بالحق» وأخذ له العهد على الناس الفضل بن الربيع وزيره وموسى يومئذٍ لا ينطق بأمر، ولا يعرف حسناً ولا يعقل قبيحاً، ولا يخلو من الحاجة إلى من يخدمه في ليله ونهاره ويقظته [ومنامه] وقيامه وقعوده، وأخضَنَهُ علي بن عيسى بن، ماهان قال في ذلك رجل أعمى من أهل بغداد يعرف
بعلي بن أبي طالب :
أضاع الخِلَافَةَ غِش الوزير***وَفِسْقُ الإمام وَرَأْي المشیر
وما ذاك إلا طريق الغُرُور***وشر المسالك طُرْقُ الغُرُور
فعال الخليفة أعجوبة***وأعجب منه فعال الوزير
وأعجب من ذا وذا أنَّنا***نبايع للطفل فينا الصغير
ومَنْ ليس يُحْسِن مسح أنفه***ولم يخل من نتنه حِجْرُ ظِيرْ
وما ذاك إلا بباغ وغاوٍ***يريدان نَقْضَ الكتاب المنير
وهذان لولا انقلاب الزمان***أفي العير هذان أم في النفير
ولكنها فِتَن كالجبا***ل نرتع فيها بصنع الحقير
ولما قتل طاهر بن الحسين علي بن عيسى بن ماهان سار فنزل حلوان، وذلك على خمسة أيام من مدينة السلام فتعجب الناس من [زيادة] أمره، وإدبار أصحاب الأمين وهزيمتهم على كل حال، وأيقنت القلوب بغلبة طاهر وظهور المأمون، وأسقط في يدي الفضل بن الربيع وأصحابه، فقال الشاعر [ الأعمى في ذلك، وكان مأمونياً متعصباً على محمد بن زُبَيْدة مع المأمون، وكان من أهل بغداد، ومقامه بها، من أبيات] :
عجبتُ لمعشر يَرْجُون نُجْحاً***لأمر ماتتم له الأمور
وكيف يتم ما عَقَدُوا وراموا***وأس بنائهم منه الفُجُورُ
أهَابَ إلى الضلال بهم غَويّ***وشيطان مواعده غرور
يصيب بهم ويلعب كل لعب***كما لعبت بشاربها الخمور
وكادوا الحق والمأمون غدرا***وليس بمفلح أبداً غَدُورُ
هو العدل النجيب البَرُّ فينا***تضمن حبه منا الصدور
وعاقبة الأمور له يقيناً***به شهد الشريعة والزبور
فيملك أربعين لها وفاءٌ***تتم به الأهلةُ والشهور
فكيدوا أجمعین بکل کید***وكيدكم له فيه السرور
وبلغ محمداً فجمع قواده [ وبطانته] عندما ظهر من أمر طاهر، وشاورهم وقال: أحضروا لي غناءكم كما أحضرت خراسان لعبد اللّه غناءها، وكانت كما قال أعشى ربيعة :
ثم ما هابوا ولكن قدموا***كبش غارات إذا لاقى نَطَحْ
أما واللّه لقد حُدِّثْتُ بأحاديث الأمم السالفة وقرأت كتب حروبها وقصص من أقام دولها، فما رأيت في حديثهم حديثاً لرجل منهم - وأبي - كهذا الرجل في إقدامه وسياسته، وقد قصدني واجترأ عليَّ وتملى الهامة العظيمة من الجند ومجمع القواد وساسة الحروب، فهاتوا [ اليوم] ما عندكم، فقالوا : يُبقي اللّه أمير المؤمنين يكفيه كما كَفَى الخلفاء قبله بَغْى من بَغَى عليهم.
ولما انهزم جيش محمد بين يدي طاهر، ولم يقم له قائمة قال سليمان بن أبي :جعفر : لعن اللّه الغداء ماذا جلب على الأمة بغدره وسوء رأيه، وأبعد اللّه نسبه من أهل الفضل، ما أسْرَعَ ما انتصر اللّه للمأمون بكبش المشرق [ يعني طاهراً] وفي ذلك يقول الشاعر :
تَبَّا لدى الآثام والمتزندق***ماذا دَعَاه إلى العظيم الموبق
والغدر بالبر الزكي أخي التقى***والسائس المأمون غير الأخرق
زين الخلافة والإمامة والنهى***أهل السماحة والندی المتدفّق
إن تغدروا جهلًا بوارث أحمد***ووصي كل مُسَدَّدٍ وموفق
فاللّه للمأمون خير مُؤَازر***والماجد القمقام كبش المشرق
ولما أحيط بمحمد من الجانب الشرقي والغربي، وكان هرثمة بن أعْيَنَ نازلا مما يلي النهروان بالقرب من باب خُرَاسَان وثلاثة أبواب، وطاهر من الجانب الغربي مما يلي الياسرية وباب المحول والكُناسة ؛ جمع قواده فقال : الحمد للّه الذي يَضَعُ من يشاء بقدرته ويرفع، والحمد للّه الذي يعطي بقدرته من يشاء ويمنع والحمد للّه الذي يقبض ويبسط وإليه المصير، أحمده على نوائب الزمان وخذلان الأعوان، وتشتت الحال، وكسوف البال، وصلى اللّه على محمد رسوله وآله وسلم، وقال : إني لأفارقكم بقلب مُوجَع، ونفس حزينة، وحَسْرَة عظيمة، وإني محتال لنفسي، فأسأل اللّه أن يلطف بي بمعونته.
ثم كتب إلى طاهر: أما بعد فإنك [عبد مأمور] تنصحت فنصحت وحاربت فنصرت، وقد يُغلَب الغالب، ويخذل المفلح، وقد رأيت الصلاح في معاونة أخي والخروج إليه من هذا السلطان؛ إذ كان أولى به، وأحَقِّ، فأعطني الأمان على نفسي وولدي وأمي وجدتي [وخدمي] وحاشيتي وأنصاري وأعواني حتى أخرج إليك وأتبرأ من هذا الأمر إلى أخي، فإن رأى الوفاء لي بأمانك وإلا كان أولى وأحق، قال : فلما قرأ طاهر
الكتاب قال : الآن لما ضيق خناقه وهِيضَ، جناحه، وانهزم فُسَّاقُه؟ لا والذي نفسي بيده حتى يضع يده في يدي وينزل على حكمي، فعند ذلك كتب إلى هرثمة يسأله النزول على حكم أمانه.
وقد كان المخلوع جَهَّزَ جماعة من رجاله من الأبناء وغيرهم ممن استأمن إليه لدفع المأمونية عنه، فمالوا نحو هرثمة، وكان طاهر بن الحسين يمد هرثمة بالرجال، ولم يلق هرثمة مع ذلك كثير ذلك كثير كَيْدِ، فلما مال مَنْ ذكرنا إلى حرب هرثمة وعلى الجيش بشر وبشير الأزْدِيَّانِ بعث إليهما طاهر يتوعَّدُهما، فلم يأمنا صولته لإشرافه على الفتح، فخليا عن الجيش وانفضَّ الجمع، وكان طاهر قد نزل في البستان المعروف بباب الكباش الطاهري ؛ ففي ذلك يقول بعض العَيَّارين من أهل بغداد ومن أهل السجون :
لنا منن طاهر يوم***عظيم الشأن والخَطْبِ
علينا فيه بالأنجا***د عن هَرْثمة الكَلْبِ
ومنا لأبي الطیب***يوم صادق الكرب
أتاه كل طرّارٍ***ولص كان ذا نَقْبِ
وعريان على جنبه***آثار من الضَّرْبِ
إذا ما حَلَّ من شرق***أتيناه من الغَرْب
وضاق الأمر بمحمد الأمين ففرق في قُوَّاده المحدثين دون غيرهم خمسمائة ألف درهم وقارورة غالية، ولم يُعْطِ قدماء أصحابه شيئاً، فأتت طاهراً عيونه وجواسيسه بذلك، فراسلهم وكاتبهم ووعَدَهم ومَنَّاهم، وأغرى الأصاغر بالقادة حتى غضبوا لذلك، وشَغَبُوا على الأمين، وذلك يوم الأربعاء لست ليال خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائة، فقال رجل من المشعّبة علي الأمين :
فل لأمين الناس في نفسه***ما شَتْتَ الجُنْدَ سوى الغاليه
وطاهر - نفسي فدى طاهر-***برُسْلِه والعُدة الكافيه
أضحى زمام الملك في كفه***مقابلا للفئة الباغيه
[يا ناكثاً أسلمه نكثه***عيوبه من حَيْنه فاشیه]
قد جاءك الليث بشَدَّاته***مستكلباً في أسد ضاريه
فاهرب فلا مهرب من مثله***إلا إلى النار أو الهاويه
ونقل طاهر من الياسرية، فنزل بباب الأنبار، وحاصر أهل بغداد، وغادى القتال
وراوَحَهُ، حتى تواكل الفريقان وخربت الديار، وعفت الآثار، وغلت الأسعار، وذلك في سنة ست وتسعين ومائة وقاتل الأخ أخاه، والابن أباه، هؤلاء محمدية وهؤلاء مأمونية وهدمت المنازل وأحرقت الديار وانتهبت الأموال، فقال الأعمى في ذلك [المعروف بعلي [بن] أبي طالب] :
تقطعت الأرحام بين العشائر***وأسلمهم أهل التقى والبصائر
فَذَاك انتقام اللّه من خلقه بهم***لما اجترموه من ركوب الكبائر
فلا نحن أظهرنا من الذنب توبة***ولا نحن أصلحنا فساد السرائر
ولم نستمع من واعظ ومُذَكِّرَ***فينجع فينا وعظ ناه وآمر
فنبكي على الإسلام لما تقطعت***رجاه، ورَجَى خَيْرَها كل كافر
فأصبح بعض الناس يقتل بعضهم***فمن بين مقهور ذلیل وقاهر
وصار رئيس القوم يحمل نفسه***وصار رئيساً فيهمُ كُلْ شاطر
فلا فاجر للبر يحفظ حرمة***ولا يستطيع البر دفعاً لفاجر
فمن قائم يدعو إلى الجهد عامداً***زمن أول قد سن عنا لآخر
تراهم كأمثال الذئاب رأت دَماً***فأمَّته لا تلوي على زجر زاجر
إذا هدم الأعداء أول منزل***بسعيهم قاموا بهدم الأواخر
فأصبحت الأغتام بين بيوتهم***تحثهم بالمُرْهَفَاتِ البواتر
وأصبح فُسَّاق القبائل بينهم***تشدُّ على أقرانها بالخناجر
فنبكي لقتلي من صديق ومن أخ***كريم، ومن جار شفیق مجاور
ووالدة تبكي بحزن على ابنها***فيبكي لها من رحمةٍ كلُّ طائر
وذات حليل أصبحت وهي أيّم***وتبكي عليه بالدموع البوادر
تقول له: قد كنت عزاً وناصراً***فَغيّبَ عني اليوم عزّي وناصري
وأبْتُ لإحراق وهدم منازل***وقتل وإنهاب اللّهى والذخائر
وإبراز رَبَّات الخدور حواسراً***خرجن بلا خُمْر ولا بمآزر
تراهَا حَيَارى ليس تعرف مذهباً***نوافر أمثال الظباء النوافر
كأن لم تكن بغداد أحسن منظراً***ومَلْهى رأته عين لاهِ وناظر
بلى، هكذا كانت فأذهب حسنها***وبدَّد منها الشمل حكم المقادر
وحَلَّ بهم ما حَلَ بالناس قبلهم***فأضحوا أحاديثاً لِبَادٍ وحاضر
أبغداد، یا دار الملوك، ومجتنى***صنوف المنى يا مستقرّ المنابر
ويا جنة الدنيا، ويا مَطلَبَ الغنى***ومستنبط الأموال عند المتاجر
أبيني لنا: أين الذين عهدتهم***يحلون في روض من العيش زاهر؟
وأين الملوك في المواكب تغتدي***تشبه حسناً بالنجوم الزواهر؟
وأين القُضَاة الحاكمون برأيهم***لورد أمور مشكلات الأوامر ؟
أو القائلون الناطقون بحكمة***وَرَصْفِ كلام من خطيب وشاعر
وأين مراح للملوك عهدتها***مزخرفة فيها صنوف الجواهر
تُرَشُ بماء المسك والْوَرْد أرضها***يفوح بها من بعد ريح المَجَامِرِ
ورَاحَ الندامى فيه كل عشية***إلى كل فَيَّاض كريم العناصر
ولهو قِيَان تستجيب لنغمها***إذا هو لَبَّاهَا حنين المزاهر
فما للملوك الغُرِّ من آل هاشم***وأشياعهم فيها اكتفوا بالمفاخر
يروحون في سلطانهم وكأنهم***يروحون في سُلْطَان بعض العشائر
تخاذل عما نَالَهُمْ كبراؤهم***فَنَالَهُمُ بالكره أيدي الأصاغر
فأقسم لو أن الملوك تَنَاصَرُوا***لَذَلَّتْ لها خوفاً رقاب الجبابر
وبعث هرثمة بن أعين بزهير بن المسيب الضبي من الجانب الشرقي، فنزل الماطرة مما يلي كلواذاً، وَعَشر ما في السفن من أموال التجار الواردة من البصرة وواسط، ونصب على بغداد المنجنيقات، ونزل في رقة كلواذا والجزيرة، فتأذى الناس به، وصمد نحوه خلق من العَيَّارين وأهل السجون، وكانوا يقاتلون عُرَاةً في أوساطهم التبابين والميازر، وقد اتخذوا لرؤوسهم دواخل من الخوص وسموها الخوذ، وَدرَقاً من الخوص والبواري قد قُيّرت وحشيت بالحصى والرمل، على كل عشرة منهم عريف، وعلى كل عشرة عرفاء نقيب وعلى كل عشرة نقباء، قائد وعلى كل عشرة قواد أمير ولكل ذي مرتبة من المركوب على مقدار ما تحت يده ؛ فالعريف له أناس مركبهم غير ما ذكرنا من المقاتلة، وكذلك النقيب والقائد والأمير وَنَاس عُرَاة قد جعل في أعناقهم الجلاجل والصوف الأحمر والأصفر، ومقاود قد اتخذت لهم، ولجم وأذناب من مكانس ومذاب، فيأتي العريف وقد أركب واحداً وقدامه عشرة من المقاتلة على رؤوسهم خوذ [الخوص] وَدَرَقُ البواري، ويأتي النقيب والقائد والأمير كذلك، فتقف النظارة ينظرون إلى حربهم مع أصحاب الخيول الفُرَّه الجواشن والدروع والتجافيف [والسواعد] والرماح والدرق التبتية ؛ فهؤلاء عراة وهؤلاء على ما ذكرنا [من العُدَّة] فكانت للعُرَاة على زهير، وأتاه
المَدَدُ من هرثمة، فانهزمت العُرَاة، ورمت بهم خُيُولُهم، وتحاصروا جميعاً، وأخذهم السيف، فقتل منهم خلق، وقتل من النظارة خلق، فقال في ذلك الأعمى وذكر رَمْيَ زهير بالمنجنيق :
لا تقرب المنجنيق والحَجَرًا***وقد رأيت القتيل إذ قبرا
بَاکَرَ كيلا يفوته خبر***راح قَتِيلًا وَخَلْف الخبر
[أراد ألا يقال: كان لهم***أمر، فلم يدر ما به أمرا]
يا صاحب المنجنيق ما فعلت***كفاك؟ لم تُبقِيَا ولم تَذَرا
كَانَ هواه سوى الذي أمرا***هيهات أن يغلب الهوى القدرا
فلما ضاق الأمر بالأمين في أرْزَاقِ الجند ضرب آنية الذهب والفضلة سِرًّا، وأعطى رجاله، وتحيز إلى طاهر الحربية وغيرها من الأرباض مما يلي باب الأنبار، وباب حرب، وباب قطربل، فصارت الحرب في وسط الجانب الغربي، وعملت المنجنيقات بين الفريقين، وكثر الحريق والهدم ببغداد والكَرْخ وغيره من الجانبين، حتى درست محاسنها، واشتد الأمر، وتنقل الناس من موضع إلى موضع، وعم الخوف، فقال الشاعر :
من ذا أصابك يا بغداد بالعين***ألم تكوني زماناً قرّة العين؟
ألم يكن فيك قوم كان قربهمُ***وَكَانَ مسكنهم زيناً من الزين؟
صَاحَ الزمان بهم بالبين فانقرضوا**ماذا لقيت بهم من لوعة البين؟
أستودع اللّه قَوْماً ما ذكرتهم***إلا تَحَدَّر ماء الدمع من عيني
كانوا ففرقهم دهر وَصَدَّعهم***والدهر يصدع ما بين الفريقين
ولم تزل الحرب قائمة بين الفريقين أرْبَعَة عَشَرَ شهراً، وضاقت بغداد بأهلها وتعطلت المساجد، وتركت الصلاة، ونزل بها ما لم ينزل بها قط مظله، مذ بناها أبو جعفر المنصور، وقد كان لأهل بغداد في أيام حرب المستعين والمعتز حرب نحو هذا من خروج العيّارين إلى الحرب [وقد اتخذوا خيلا منهم وأمراء كالملقب بنينويه خالويه وغيرهم، يركب الواحد منهم على واحد من العَيَّارين ويسير إلى الحرب] في خمسين ألف عُرَاة، ولم ينزل بأهل بغداد شر من هذا الحرب حرب المأمون والمخلوع، وقد استعظم أهل بغداد ما نزل بهم في هذا الوقت في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة من خروج أبي إسحاق المتقي اللّه عنهم، وما كان قبل هذا الوقت من البريديين، وابن رائق وتوزون التركي، وما دفعوا إليه من الوَحْشَة بخروج أبي محمد الحسن بن أبي الهيجاء
عبد اللّه بن حمدان الملقب بناصر الدولة، وأخيه علي بن عبد اللّه الملقب بسيف الدولة عليهم، لبعد العهد مما حلَّ بالمنازل بها، وطول السنين، وغيبة ذلك عنهم وبُعْدِهم منه، وتقدم مثل أولئك العيارين الذين كانوا في ذلك العصر، واشتد الأمر بين المأمونية والعراة وغيرهم من أصحاب المخلوع، وحُوصِرَ محمد في قصره من الجانب الغربي، فكان بينهم في بعض الأيام وقعة تَفَانَي فيها خلق كثير من الفريقين، فقال في ذلك حُسَيْن الخليع :
لنا النصر بعون***اللّه والكَرَّة لا الفَرَّه
وللمُرَّاقِ أعدائك***يَوْمُ السُّوء والبرُّه
وكأس تلفظ الموت***كريه طع- مُرَّهٌ
سَقَوْنَا وسقيناهم***ولكن لهم أخرَه
أمين اللّه ثق باللّه***تُعْطَ الصبر والنُّصْرَهُ
كل الأمر إلى اللّه***كلاك اللّه ذو القُدْرَه
كذاك الحرب أحياناً***علينا ولنا مَرَّه
وكانت وقعة أخرى عظيمة بشارع دار الرقيق هلك فيها خلق كثير، وكثر القتل في الطرق والشوارع ينادي هذا بالمأمون والآخر بالمخلوع، ويقتل بعضهم بعضاً، وانتهبت الدور، فكان الفوز لمن نجا بنفسه من رجل وامرأة بما يسلم معه إلى عسكر طاهر فيأمن على نفسه وماله، وفي ذلك يقول الشاعر :
بكت عيني على بغداد لما***فَقَدْت غضارة العيش الأنيق
تَبَدَّلنا هموماً من سرور***ومن سَعَةِ تَبَدَّلنا بضيق
أصابتنا من الْحُسَّادِ عين***فأفنت أهلها بالمنجنيق
فقوم أحرقوا بالنار قصراً***ونائحة تُنُوحٍ عَلَى غريق
وصائحة تنادي: يا صاحبي***وقائلة تنادي: يا شقيقي
وَحَوْرَاء المدامع ذات دَلّ***مُضَمَّخَة المجاسد بالخُلوق
تنادي بالشفيق، فلا شفيق***وقد فقد الشفيق مع الرفيق
وقوم أخرجوا من ظل دُنْياً***متاعهم يباع بكل سُوقٍ
ومغترب بعيد الدار مُلْقَى***بلا رأس بقارعة الطريق
توسط من قتالهم جميعاً***فما يَدْرُونَ من أي الفريق
فلا ولد يقيم عَلَى أبيه***وقد هرب الصديق عن الصديق
ومهما أنسَ من شيء تَوَلَّى***فَإِنِّي ذاكر دار الرقيق
وسأل قائد من قُوَّاد خراسان ظاهراً أن يجعل له الحرب في يومها له فيه، ففعل طاهر له ذلك، فخرج القائد وقد حقرهم وقال ما يبلغ من كيد هؤلاء، ولا سلاح معهم، مع ذوي البأس والنجدة والسلاح والعُدَّة؟ فبصر به بعض العراة وقد راماه مدة طويلة حتى فنيت سهام الفائد، وظن أن العريان فنيت حجارته، فرماه بحجر بقيت في المخلاة، وقد حمل عليه القائد فما أخطأ عينه، وثناه بحجر آخر، فكاد يصرع القائد عن فرسه ووقعت البيضة عن رأسه، فكرَّ راجعاً وهو يقول : ليس هؤلاء بناس، هؤلاء شياطين، ففي ذلك يقول أبو يعقوب الخريمي :
الكَرْخ أسواقه مُعَطَّلة***یستن عَيَّارُهَا وعابرها
خَرَّجَتِ الحرب من أراذلهم***أسود غيلٍ عَلَتْ قساورها
وقال علي الأعمى :
خَرَّجَتْ هذه الحرُوبُ رجالًا***لا لقحطان، لا، ولا لِنزَارِ
معشر في جواشن الصوف يغدو***ن إلى الحرب كالليوث الضَّوَارِي
ليس يَدْرُون ما الفرار إذا ما الأ***بطال عاذوا من الفنا بالفِرَارِ
وَاحِدٌ منهم يشدُّ على ألف***ين عُرْيَان ما له من إِزَارِ
ويقول الفتى إذا طعن الطعنة:***خُذْهَا من الفتى العَيَّار
واشتدَّ القتال في كل يوم وصبر الفريقان جميعاً، وصار حامية المخلوع وجنده العُراة أصحاب خَوَذ الخوص ودرق البواري، وضايق طاهر القوم، وأقبل يقتطع من بغداد الشارع بعد الشارع، ويصير في حيزه أهل تلك الناحية معاونين له في حربه، وأقبل الهدم يكثر فيما ليس من حيزه، ثم جعل يحفر الخنادق بينه وبين أصحاب المخلوع في مواضع الدور والمنازل والقصور، وأصحاب طاهر في قوة وإقبال، وأصحاب المخلوع في نقص وإدبار، وأصحاب طاهر يهدمون، وأصحاب المخلوع يأخذون بعض الدور من خشب وأثواب وغير ذلك، وينهبون المتاع فقال رجل من المحمدية :
لنا كل يوم ثلمة لا نسدُّهَا***يزيدون فيما يطلبون وننقص
إذا هدَمُوا داراً أخذنا سُقوفها***ونحن لأخرى مثلها نتربَّصُ
يثيرون بالطبل القنيص، وإن بدا***لهم وَجْهُ صيد من قريب تقنَّصُوا
وقد أفسدوا شرق البلاد وغربها****علينا فما نَدْري إلى أين نشخص
إذا حضروا قالوا بما يبصرونه***وإن لم يروا شيئاً قبيحاً تخرصوا
وقد رخصت قراؤنا في قتالهم***وما قتل المقتول إلا المرخص
ولما نظر ظاهر إلى صبر أصحاب المخلوع على هذه الحال الصعبة قطع عنهم مَوَادَّ الأقوات وغيرها من البصرة وواسط وغيرهما من الطرق، فكان الخبز في حد المأمونية عشرين رطلا بدرهم، وفي حد المحمدية رطل، بدرهم، وضاقت النفوس وَأَيسُوا من الفرج، واشتد الجوع، وسر من سار إلى حيز طاهر، وأسف من بقي مع المخلوع، وتقدم طاهر في سائر أصحابه من مواضع كثيرة، وقصد باب الكباش فاشتد القتال، وتبادرت الرؤوس، وعمل السيف والنار، وصبر الفريقان، وكان القتل [أعم] في أصحاب طاهر، وَفَنِيَ خلق من العُرَاة أصحاب مخالي الحجارة والآجُرُ وخوذ الخوص ودرق الحصر والبواري ورماح القصب وأعلام الخرق وبوقات القصب وقرون البقر، وكان ذلك في يوم الأحد ؛ ففي ذلك يقول الأعمى :
وقعة يَوم الأحَدِ***كانت حَدِيثَ الأبد
كم جَسَدِ أبصرته***مُلْقَى وكم من جَسَدِ
وناظر كَانَ كَانَتْ له***مَنِيَّة بالرَّصَدِ
أتاه سَهْم عائر***فَشَقَّ جوف الكبد
وآخر ملتهب***مثل التهاب الأسد
وقائل: قد قتلوا***ألْفَا ولمَّا یَزِد
فقائل: أكثر، بل***ما لَهُ من عدد
قلت لمطعون وفيه***طعنة لم تئد؟
من أنت؟ يا ويلك يا***مسكين من محمد
فقال : لا من نسب***دَانٍ، ولا من بلد
ولا أنا للغي قا***تَلْتُ ولا للرَّشَد
ولا لشي عاجل***يصیر منه يَدِي
ولما ضاق بمحمد الحالُ واشتدَّ به الحصار أمر قائداً من قواده يقال له ذريح أن يتبع أصحاب الأموال والودائع والذخائر من أهل الملة، وغيرهم وقَرَنَ معه آخر يعرف بالهرش فكانا يهجمان على الناس، ويأخذان بالظُّنَّة، فاجتبيا بذلك السبب أموالا كثيرة فهرب الناس بعلة الحج، وَفَرَّ الأغنياء من ذريح والهرش.
ففي ذلك يقول علي الأعمى :
أظهَرُوا الحج وما يَبْغُونَهُ***بل من الهرش يريدون الهرب
کم أُناس أصبحوا في غبطة***ركضَ الليل عليهم بالعَطَبْ
[كل من زار ذريح بینه***لَقِيَ الذل ووافاه الْحَرَبْ]
في شعر له طويل.
ولما عَمَّ البلاد أهل الستر اجتمع التجار بالكرخ على مكاتبة طاهر أنهم ممنوعون [منه و] من الخروج إليه، ومغلوب [عليهم و] على أموالهم، وأن العُرَاة والباعة هم الآفة فقال بعضهم : [إنكم] إن كاتبتم طاهراً لم تأمنوا صَوْلة المخلوع بذلك، فدعوهم فإن اللّه مهلكهم، وقال قائلهم :
دعوا أهل الطريق فعن قريب***تنالهم مخاليب الهَصُورِ
فتهتك حُجبَ أكباد شداد***وشيكاً ما تصير إلى القبور
فإن اللّه مهلكهم جميعاً***لأسباب التمرد والفجور
وثارت العُرَاة ذات يوم في نحو مائة ألف بالرماح والقصب والطرادات [من] القراطيس على رؤوسها ونفخوا في [بوقات] القصب وقرون البقر، [ونهضوا مع] غيرهم من المحمدية، وزحفوا من مواضع كثيرة نحو المأمونية، فبعث إليهم طاهر بعدة قواد وأمراء من وجوه كثيرة، فاشتد الجلاد وكثر القتل وكانت للعُرَاة على المأمونية إلى الظهر، وكان يوم الاثنين، ثم ثارت المأمونية على الغُرَاة من أصحاب محمد ؛ فغرق منهم وقتل وأحرق نحو عشرة آلاف وفي ذلك يقول [الشاعر ] الأعمى:
بالأمير الطاهر بن الحسين***صَبَحُونًا صبيحة الاثنين
جمعوا جمعهم فثار إليهم***كل صُلب القناة والساعدين
يا قتيل العُرَة مُلْقَى على الشطّ***تَطَاهُ الخيول في الجانبين
[ما الذي كان في يديك إذا***ما اصطلح الناس أية الخلتين]
أو وزير أم قائد، بل بعيد***أنت من ذين موضِعَ الفَرْقَدَيْنِ
كم بَصِير غدا بعينين كي***ينظر ما حالهم فراح بعين
[ليس يُخْطُونَ ما يريدون، ما إن***يقصدوا منهم سوى الناظرين]
واشتد الأمر بمحمد المخلوع، فباع ما في خزائنه سراً، وفرق ذلك أرزاقاً فيمن معه،ولم يبق معه ما يعطيهم، وكثرت مطالبتهم إياه، وضيق عليه طاهر، وكان نازلا بباب الأنبار في بستان هنالك، فقال محمد : وددت أن اللّه قتل الفريقين جميعاً ؛ فما منهم إلا عدو مَنْ مَعِي ومن عليَّ؛ أما هؤلاء فيريدون مالي وأما أولئك فيريدون نفسي، وقال :
تفَرَّقوا ودَعُونِي***يا معشر الأعوان
فكلكم ذو وجوه***کثیرة الألوان
وما أرى غير إفْكٍ***وتُرَّهَات الأماني
ولست أملك شيئاً***فسائلوا إخواني
فالويل فيما دهاني***من نازل البستان
يعني طاهر بن الحسين.
ولما اشتد الأمر عليه [وجد به] ونزل هرثمة بن أعين بالجانب الشرقي، وطاهر بالجانب الغربي، وبقي محمد في مدينة أبي جعفر، شاور من حضر [ه] من خواصه في النجاة بنفسه ؛ فكل أدْلى برأي، وأشار بوجه ؛ فقال قائل منهم : تكاتب ابن الحسين وتحلف له [ بما يثق به] أنك مفوض أمرك إليه، لعله أن يجيبك إلى ما تريد منه، فقال : ثكلتك أمك ! لقد أخطأتُ الرأي في طلبي المشورة منك، أما رأيت ثار رجل لا يؤول إلى عذر؟ وهل كان المأمون لو اجتهد لنفسه وتولّى الأمر برأيه بالغاً عُشْرَ ما بلغه له طاهر؟ ولقد دَسَسْت وفحصتُ عن رأيه ؛ فما رأيته يطلب [إلا] تأثيل المكارم ويُعدَ الصيت والوفاء، فكيف أطمع في استذلاله بالأموال وفي غدره [ والاعتماد في عقله]؟ ولو قد أجاب إلى طاعتي وأتصرف إليَّ، ثم ناصَبَني جميعُ الترك والديلم ما اهتممت بمناصبتهم، ولكنت كما قال أبو الأسود الدؤلي في الأزد عند إجارتها زياد ابن أبيه :
فلما رآهم يطلبون وزيره***وساروا إليه بعد طول تَمَادِ
أتى الأزْدَ إذ خاف التي لا بقالها***عليه، وكان الرأي رأي زياد
فقالوا له : أهلا وسهلا ومرحباً***أصَبْتَ فكاشِفْ من أَرَدْتَ وعَادِ
فأصبح لا يخشى من الناس كلهم***عدواً، ولو ما لوا بقوة عاد
واللّه لوددت أنه أجابني إلى ذلك فأبحته خزائني، وفَوَّضْتُ إليه ملكي ورضيت بالمعاش تحت يديه ولا أظنني مُفْلِته، ولو كانت [لي] ألف نفس. فقال السندي: صدقت [واللّه ] يا أمير المؤمنين، ولو أنك أبوه الحسين بن مصعب ما استبقاك، فقال محمد وكيف لنا بالخلاص إلى هَرْثَمة ولات حين مناص؟ وراسَلَ هرثمة، ومال إلى جنبته، فوعده هرثمة بكل ما أحبّ، وأنه يمنعه ممن يريد قتله ؛ وبلغ ذلك طاهراً، فاشتد عليه وزاد غيظه وحنقه، ووعده هرثمة أن يأتيه في حَرَّاقة إلى مَشْرَعة باب خراسان فيصير به إلى عسكره [هو] ومن أحب، فلما هم محمد بالخروج في تلك الليلة - وهي ليلة الخميس، لخمس ليال بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة - دخل إليه الصعاليك من أصحابه وهم فتيان الأبناء والجند، فقالوا له : يا أمير المؤمنين، ليس معك من ينصحك، ونحن سبعة آلاف رجل مقاتلة وفي إصطبلك سبعة آلاف فرس [يحمل كل منا على فرس] وتفتح بعض أبواب المدينة، وتخرج في هذه الليلة، فما يُقدم علينا أحد إلى أن نصير إلى بلد الجزيرة وديار ربيعة، فنَجْبِي الأموال، ونجمع الرجال، ونتوسط الشام وندخل مصر، ويكثر الجيوش والمال، وتعود الدولة مقبلة جديدة فقال هذا واللّه الرأي، فعزم على ذلك وهَمَّ به وجَنَحَ إليه، وكان الطاهر في جوف دار الأمين غلمان وخدم من خاصة الأمين يبعثون إليه بالأخبار ساعة فساعة فخرج الخبر إلى طاهر من وقته، فخاف طاهر، وعلم أنه الرأي إن فعله فبعث إلى سليمان بن أبي جعفر وإلى ابن نهيك والسندي بن شاهك- وكانوا مع الأمين - إن لم تزيلوه عن هذا الرأي لأخربَنَّ [دياركم و] ضياعكم ولأزيلَنَّ نعمكم ولأتلفَنَّ نفوسكم، فدخلوا على الأمين في ليلتهم، فأزالوه عن ذلك الرأي، وأتاه هرثمة في الحرّاقة إلى باب خراسان، ودعا الأمين بفرس يقال له الزهيري، أغر محجل أدهم محذوف، ودعا الأمين بابنيه موسى وعبد اللّه فعانقهما وشممها وبكى وقال : اللّه خليفتي عليكما، فلست أدري أألتقي معكما بعدها أو لا ؛ وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود وقُدَّامه، شمعة حتى أتى باب خراسان إلى المَشْرَعة والحراقة قائمة فنزل ودخل الحراقة، فقبل هرثمة بين عينيه ؛ وقد كان طاهر نمي إليه، خروجه فبعث بالرجال من الهروية وغيرهم والملاحين في الزوارق على الشط، فدفعت الحراقة، ولم يكن مع هرثمة عدة من رجاله ؛ فأتى أصحاب طاهر عُرَاة فغاصوا تحت الحراقة فانقلبت بمن فيها فلم يكن لهرثمة شاغل إلا [أن نجا] بِحُشَاشة نفسه، فتعلق بزورق وصعد إليه من الماء ومضى إلى عسكره من الجانب الشرقي، وشق محمد ثيابه عن نفسه وسَبَحَ فوقع نحو السراة إلى عسكر قرين الديراني غلام طاهر، فأخذه بعض السواس حين شم منه رائحة المسك والطيب فأتى به [قريناً] فاستأذن فيه طاهراً، فأتاه الإذن في الطريق وقد حمل إلى طاهر، فقتل في الطريق وهو يصيح : «إِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ
راجِعُونَ» [البقرة : 156]، أنا ابن عم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وأخو المأمون، والسيوف تأخذه حتى بَرَدَ ؛ وأخذوا رأسه، وكانت ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة.
وذكر أحمد بن سلام - وقد كان الأمين في الحَرَّاقة حين انقلبت – فسبح فقبض عليه بعض أصحاب طاهر وأراد قتله، فأرغبه في عشرة آلاف درهم، وأنه يحملها إليه في صبيحة تلك الليلة، قال : فأدْخِلْتُ بيتاً مظلماً فبينا أنا كذلك إذ دخل عَلَيَّ رجل عزيان عليه سراويل وعمامة قد تلثم بها، وعلى كتفه خِرْقَةٌ، فجعلوه معي، وتقدموا إلى مَنْ في الدار في حفظنا فلما استقر في الدار حَسَر العمامة عن وجهه فإذا هو محمد،فاستعبرت واسترجعت فيما بيني وبين نفسي، وجعل ينظر إلي ثم قال : أيهم أنت؟ قلت : أنا مولاك يا سيدي، قال : وأي الموالي أنت؟ قلت: أحمد بن سلام، قال: أعرفك بغير هذا كنت تأتيني بالرّقة؟ قلت نعم ثم قال يا أحمد قلت: لبيك يا سيدي، قال: ادْنُ مني وَضُمَّنِي إليك فإني أجد وَحْشَة شديدة، قال: فضممته إلي، فإذا قلبه يخفق خفقاناً شديداً، ثم قال : أخبرني عن أخي المأمون أحَيَّ هو ؟ قلت له : فهذا القتال عمن إِذَنْ؟ قال : قبحهم اللّه ! ذكروا أنه مات قلت: قبح اللّه وزراءك ! فهم أوردوك هذا المَوْرِدَ، فقال لي: يا أحمد ليس هذا موضع عتاب؛ فلا تقل في وزرائي إلا خيراً فما لهم ذنب، ولست بأول مَنْ طلب أمراً فلم يقدر عليه قلت البس إزاري هذا وازم بهذه الخرقة التي عليك، فقال : يا أحمد مَنْ كان حاله مثل حالي فهذه له كثير، ثم قال لي: يا أحمد ما أَشُكُ أنهم سيحملونني إلى أخي أفَتَرَى أخي قاتلي؟ قلت: كلا، إن الرحم ستعطفه عليك، فقال لي : هيهات؟! المُلْكُ عقيم لا رحم له، فقلت له : إن أمان هرثمة أمَانُ أخيك، قال فلقنته الاستغفار وذكر اللّه فبينا نحن كذلك إذ فتح باب البيت فدخل علينا رجل عليه سلاح فاطّلع في وجه محمد مستثبتاً له، فلما أثبته معرفةً خرج وأغلق الباب، وإذا هو محمد الطاهري، قال: فعلمت أن الرجل مقتول ؛ وقد كان بقي عَلَيَّ من صلاتي الوتر، فخفت أن أقتل ولم أوتر، فقمت لأوتر، فقال لي: يا أحمد لا تبعد مني وَصَل بقربي، فإن أجد وَحْشَة شديدة، فدنوت منه فَقلَّ ما لبثنا حتى سمعنا حركة الخيل وَدَقَّ باب الدار، ففتح الباب فإذا قوم من العجم بأيديهم السيوف مُضلَتة، فلما أحس بهم محمد قام قائماً وقال : «إِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» [البقرة : 156]، ذهبت واللّه نفسي في سبيل اللّه، أما من حيلة؟ أما من مُغِيث؟ وجاؤوا حتى قاموا على باب البيت الذي نحن فيه وجعل بعضُهم يقول [لبعض]: تقدم، ويدفع بعضهم بعضاً؛ فأخذ محمد بيده وسادة وجعل يقول : أنا ابن عم رسول اللّه أنا ابن هارون الرشيد، أنا أخو المأمون، اللّه اللّه في دمي، فدخل عليه رجل منهم مولى لطاهر فضربه [بالسيف] ضربة [وقعت] في
مقدم رأسه، وضرب محمد وجهه بالوسادة التي كانت في يده واتكأ عليه ليأخذ السيف من يديه، فصاح بالفارسية : قتلني الرجل، فدخل منهم جماعة فنَخَسَه أحدهم بسيفه في خاصرته، وَكَبُوه فذبحوه من قفاه، وأخذوا رأسه ومضوا به إلى طاهر.
وقد قيل في كيفية قتله غير هذا، وقد أتينا على التنازع في ذلك في الكتاب الأوسط.
وأتى بخادمه كوثر [ وكان حَظِيه، معه الخاتم والبُرْدُ والسيف والقضيب، فلما أصبح طاهر أمر برأسه] فنصب على باب من أبواب بغداد يعرف بباب الحديد نحو قُطْرُبلَ في الجانب الغربي، إلى الظهر، ودفنت جثته في بعض تلك البساتين.
ولما وضع رأس الأمين بين يدي طاهر قال : [ اللّهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير ] وَحُمِل الرأس إلى خراسان إلى المأمون في منديل والقطن عليه وَالأطْلِيَةُ، فاسترجع المأمون وبكى واشتدَّ تأسفه عليه ؛ فقال له الفضل بن سهل : الحمد للّه يا أمير المؤمنين على هذه النعمة الجليلة؛ فإن محمداً كان يتمنى أن يراك بحيث رأيته، فأمر المأمون بنصب الرأس في صَحْنِ الدار على خشبة، وأعطى الجند، وأمر كل من قبض رزقه أن يلعنه، فكان الرجل يقبض ويلعن الرأس، فقبض بعض العجم عطاءه، فقيل له : العن هذا الرأس، فقال : لعن اللّه هذا ولعن والديه [ وما ولدا] وأدخلهم في كذا وكذا من أمهاتهم، فقيل له : لعنت أمير المؤمنين وذلك بحيث يسمعه المأمون [فتبسَّمَ] وتغافل، وأمر بحط الرأس، وترك ذلك المخلوع، وطيب الرأس وجعله في سَفَطٍ، وردَّهُ إلى العراق فدفن مع جثته، ورحم اللّه أهل بغداد وخلصهم مما كانوا فيه الحصار والجزع والقتل، ورثاه الشعراء، وقالت زبيدة أم جعفر [والدته]:
أودي بالفك من لم يترك الناسا***فامنح فؤادك عن مقتولك الياسا
لَمَّا رأيتُ المَنَايَا قد قَصَدْنَ له***أَصَبْنَ منه سواد القلب وَالرَّاسَا
فبتُّ متكئاً أرْعَى النُّجُومِ لَهُ***إِخَالُ سنته في الليل قِرْطَاسَا
والموتُ دَانٍ له، والهم قارنه***حتى سَقَاه التى أودى بها الكاسا
رزئته حين بَاهَيْتُ الرِّجَالَ به***وقد بنيت به للدهر آسَاسَا
فليس مَنْ مات مَرْدُوداً لنا أبداً***حتى يَرُدَّ علينا قبله نَاسًا
وَرَثَتْهُ زوجته لبابة بنت علي بن المهدي، ولم يكن دخل بها، فقالت :
أبكيك لا للنعيم والأنس***بل للمعالي والسيف والترس
أبكي على سید فُجِعْتُ به***أرْمَلَنِي قبل ليلة العرس
یا مالکاً بالعَرَاءِ مُطَرَحا***خانته أشْرَاطه مع الحرس
ولما قتل محمد دخل إلى زبيدة بعضُ خدمها فقال :[لها]: ما يجلسك وقد قتل أمير المؤمنين محمد ؟! فقالت : وَيْلَك !! وما أصنع ؟ فقال : تخرجين فتطلبين بثأره كما خرجَتْ عائشة تطلب بدم، عثمان، فقالت : اخسأ لا أم لك، ما للنساء وطلب الثَّأْر ومنازلة الأبطال؟ ثم أمرت بثيابها فسودت ولبست مسحاً من شَعَر، ودعت بدواة وقرطاس، وكتبت إلى المأمون :
لخير إمام قام من خير عُنْصُر***وَأَفْضَل راقٍ فوق أعواد منبر
ووارث علم الأولين وفخرهم***وللملك المأمون من أم جعفر
كَتَبْتُ وعيني تستهل دموعها***إليك ابن عمي من جُفُوني ومحجري
أصِبْتُ بأدنى الناس منك قرابة***وَمَنْ زال عن كبدي فقَلَّ تَصَبْرِي
أني طاهر، لا طَهَّرَ اللّه طاهراً،***وما طاهر في فعله بمُطَهَّرِ
فأبرزني مكشوفة الوجه حاصراً***وأنْهَب أموالي وَأخْرَب أدوّري
يعزُّ على هارون ما قد لَقِيتُهُ***وما نالني من ناقص الخلق أعور
فإن كان ما أسْدَى لأمر أمرته***صبرتُ لأمر من قدير مُقَدَّر
فلما قرأ المأمون شعرها بكى ثم قال : اللّهم إني أقول كما قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم اللّه وجهه لما بلغه قتل عثمان : «واللّه ما قتلت ولا أمرت ولا رضيت» اللّهم جَلَّلْ قلب طاهر حزناً !.
قال المسعودي : وللمخلوع أخبار وسير غير ما ذكرنا قد أتينا عليها في كتابينا في «أخبار الزمان» وفي الكتاب الأوسط، فأغنى ذلك عن ذكرها في هذا الكتاب، واللّه - سبحانه - ولي التوفيق.
قد تم بحمد اللّه وَحُسْنِ توفيقه - الجزء الثالث من کتاب «مروج الذهب» للمسعودي، بعد مراجعته أدَقَ مراجعة وأوفاها ويليه - إن شاء اللّه تعالى - الجزء الرابع، مفتتحاً بذكر خلافة المأمون بن هارون الرشيد، نسأل اللّه أن يمن بإتمامه والمعونة فيه، إنه ولي ذلك.
ذكر خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما!...5
موجز...5
ذكر لمع من أخباره وسيره رضي اللّه عنهما!...6
سم الحسن رضي اللّه عنه...6
ذكر الذي سمه...6
رثاء ابن الحنفيَّة للحسن...7
ومن رثاء ابن الحنفيَّة للحسن...7
سرور معاوية بموت الحسن...8
خطبة للحسن...9
خطبة أخرى...9
ذكر خلافة معاوية بن أبي سفيان...11
موجز...11
ذكر لمع من أخباره وسيره ونوادر من بعض أفعاله...12
مقتل حجر الكندي...12
عدي بن حاتم ومعاوية...13
بين عمرو بن عثمان وأسامة عند معاوية...13
إلحاق زياد بأبي سفيان...14
بين معاوية وعبد اللّه بن هاشم المرقال...16
بين معاوية ومحمد بن أبي بكر...17
من معاوية إلى علي...19
جواب على لمعاوية...19
بين سعد ومعاوية...20
بين معاوية وأبي الطفيل الكناني...21
بين معاوية وقيس بن سعد...21
من مناقب قيس بن سعد...22
بين معاوية وعمرو...22
العباس بن ربيعة...22
بسر بن أرطاة...25
بين معاوية وعمرو بن العاص ووردان...26
وفاة عمرو بن العاص...26
تركته...26
أبو أيوب الأنصاري...27
المغيرة بن شعبة...27
موت زیاد...28
البيعة ليزيد...29
ذكر جمل من أخلاقه وسياسته وطرائف من عيون أخباره...31
من أخلاق معاوية وعاداته...31
من دهاء معاوية...32
من غفلة أهل الشام والعراق...33
متطبب في عهد الرشيد...34
من أخلاق العامة...34
كلام في العادة...35
عقيل بن أبي طالب ومعاوية...36
وصف بني صوحان...36
من صعصعة إلى عقيل...37
بين علي ووجوه أصحابه...37
معاوية وجماعة من أصحاب علي...39
صعصعة بن صوحان عند معاوية يصف له أهل البلاد...39
صعصعة أيضاً...40
من أخبار صعصعة...41
أبو أيوب وصعصعة...43
من قول علي في ربيعة...44
معاوية وجميل بن كعب...44
معاوية عند موته...45
ذكر الصحابة ومدحهم وعلي، والعباس، وفضلهما...47
معاوية وعبد اللّه بن العباس...47
وصف أبي بكر...47
وصف عمر...47
وصف عثمان...47
وصف علي...48
وصف العباس...48
وصف الصحابة علي...48
ذكر أيام يزيد بن معاوية بن أبي سفيان...50
موجز...50
ذكر مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ) ومن قتل معه من أهل بيته وشيعته... 51
أهل الكوفة يدعون الحسين...51
مسلم بن عقيل يتقدم إلى الحسين إلى الكوفة...51
ابن عباس ينصح الحسين...51
الحسين وابن الزبير...52
نصيحة أبي بكر بن هشام...52
يزيد يستعد...53
أول الغدر...53
قتل مسلم بن عقيل...54
مقتل هاني بن عروة...55
الحسين يقاتل جيش ابن زياد...56
مقتل الحسين...56
من قتل مع الحسين...56
ذكر أسماء ولد على بن أبي طالب رضي اللّه عنه !...58
أسماء ولد علي وأمهاتهم...58
ذو العقب من أولاد علي...58
رثاء قتيل الطف...59
ذكر لمع من أخبار يزيد وسيره ونوادر من (بعض) أفعاله...60
خروج يزيد لوفود العرب...60
بين يزيد وعبد الملك...61
فسوق يزيد وعماله...61
ما قيل في مقتل الحسين...62
أهل المدينة وعمال يزيد...63
صنع مسلم بن عقبة بالمدينة...63
وقعة الحرة...63
رمي الكعبة بالمجانيق...65
ذكر أيام معاوية بن يزيد بن معاوية ومروان بن الحكم والمختار بن أبي عبيد، وعبد اللّه بن الزبير ولمع من أخبارهم وبعض ما كان في أيامهم...66
موجز أخبار معاوية بن يزيد...66
المختار في الكوفة...67
حال ابن الزبير...68
ابن الزبير وأخوه عمرو...68
ابن الزبير والحسن بن محمد ابن الحنفيَّة...68
ابن الزبير وآل بيت الرسول...69
الكيسانية وقولهم في ابن الحنفيَّة...70
بين ابن عباس وابن الزبير...71
بين ابن الحنفيَّة وابن الزبير...72
ابن الزبير ينتقص ابن العباس...72
بين ابن الزبير والحصين بن نمير...73
ابن الزبير يبني الكعبة على قواعد إبراهيم...74
عبيد اللّه بن زياد والخلافة...74
الكوفة تأبى الانقياد له...75
تدبير مروان بن الحكم...75
البيعة لمروان...76
لقاء مروان والضحاك بن قيس...76
موت مروان بن الحكم...78
ترجمة مروان...79
ولد يزيد بن معاوية...79
ولد معاوية...79
ذكر أيام عبد الملك بن مروان...80
موجز...80
ذكر جمل من أفعاله، وسيره ولمع مما كان في أيامه، ونوادر من أخباره...81
منادمة الشعبي لعبد الملك...81
أدب النديم...81
مهب الرياح حركة للشيعة...81
موقعة عين الوردة...82
وصف القرآن لعلي كرم اللّه وجهه...84
مقتل عبيد اللّه بن زياد...85
اضطراب في كل حية...85
من سياسة عبد الملك...85
بين مصعب والمختار والثقفي ومقتل المختار...86
وفاة عبد اللّه بن العباس...87
مقتل عمرو بن سعيد الأشدق...88
أربع رؤوس في مكان واحد...94
الناس يبايعون عبد الملك...94
روح بن زنباع وبشر بن مروان...94
عبد اللّه بن الزبير ينعي أخاه مصعباً...95
الحجاج في مكة...96
ابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر...96
ولاية الحجاج الحجاز...98
جابر بن عبد اللّه...98
محمد ابن الحنفيَّة...99
ملك الروم والشعبي...99
وصف معاوية عبد الملك...100
عبد الملك وعامل له قبل هدية...100
عبد الملك وعمرو بن بلال يصلح بينه وبين زوجته...100
الحجاج يصف الفتنة...101
كتاب من عبد الملك إلى الحجاج لم يفهمه...102
عبد الملك يحج...102
عبد الملك الهمذاني وسليمان بن المنصور...104
ذكر طرف من أخبار الحجاج، وخطبه وما كان منه في بعض فعاله...106
سبب ولوع الحجاج بسفك الدماء...106
عبد الملك يولي المهلب قتال الخوارج...106
عبد الملك يولي الحجاج العراق...107
خطبه الحجاج مقدمه العراق...107
خروج ابن الأشعث...110
وقائع دير الجماجم وقتل ابن الأشعث...111
من عبد الملك إلى الحجاج...112
جواب الحجاج...113
الحجاج يلتمس محدثاً مؤنساً...114
بعض ما اتفق عليه الخوارج وما اختلفوا فيه...115
ذكر بعض أخبار الخوارج...116
الحجاج وشبيب الخارجي...116
غزالة امرأة شبيب...117
ابن القرية...117
ليلى الأخيلية والحجاج...118
بعض عادات العرب...118
خطبة لعلي بن أبي طالب يعاتب أصحابه...118
الحجاج يسأل عن النعمة...119
خطبة للحجاج وقد أرجف الناس بموته...119
خطبة للحجاج يهدد ويتوعد...120
الحجاج وعبد اللّه بن هانی...120
الحجاج والشعبي...121
الحجاج يريد الحج...121
عبيد بن أبي المخارق يتولى عملاً ويطلب المشورة...122
الغضبان بن القبعثرى...122
وصف البصرة والكوفة...125
الحجاج يصف الدنيا...125
رسول المهلب إلى الحجاج...125
الحجاج وجرير بن الخطفى...126
بين الحجاج وأعشى همدان...127
ذكر أيام الوليد بن عبد الملك...130
موج...130
ذكر لمع من أخباره وسيره وما كان من الحجاج في أيامه...131
خلق الوليد وولده...131
بناء مسجدي دمشق والمدينة...131
بين الوليد والحجاج...132
بين الحجاج وأم البنين...132
موت علي بن الحسين السجاد...133
موت عبد الملك بن مروان...133
وصية عبد الملك عند موته...134
موت عبيد اللّه بن العباس...134
عبيد اللّه بن العباس وبسر بن أرطاة أرطاة...135
موت عبد اللّه بن عتبة بن مسعود الهذلي...136
مقتل سعيد بن جبير بين الوليد وأخيه سليمان...136
وصية عبد الملك لأولاده...137
موت الحجاج...138
موت عبد اللّه بن جعفر...138
كتاب من عبد الملك إلى الحجاج لم يفهمه...140
كتاب من الحجاج إلى المهلب...140
ليلى الأخيلية والحجاج...140
ابن عم للحجاج يطلب منه أن يوليه فيمتحنه فيوليه فينجح...141
إبراهيم التميمي في سجن الحجاج...142
الحجاج يسأل ابن القرية عن النساء...143
ذكر أيام سليمان بن عبد الملك...143
موجز...143
ذكر لمع من أخباره وسيره...144
خطبته أول ما ولى الخلافة...144
خالد القسري في مكة...144
كان سليمان أكولاً...144
لبس سليمان فأعجبته نفسه...145
بین سليمان وكاتب الحجاج...146
بین سليمان وأبي حازم الأعرج...146
بين سليمان وأعرابي...147
سلیمان يصف معاوية...147
خالد القسري في العراق...148
بين سليمان وعمر بن عبد العزيز...
سليمان على الضد من الوليد...148
غضب سليمان على خالد القسري... 149
بعض الكتاب ينعي سلیمان...149
ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم...150
موجز...150
ذكر لمع من أخباره وسيره وزهده (رضي اللّه عنه)...151
كيف آلت الخلافة لعمر...151
خلق عمر ودينه...151
بين السدي وعمر...152
من طاوس إلى عمر...152
أول خطبة لعمر...152
بين عمر وعامله على المدينة...152
خطبة أخرى...152
تقدير ملك الروم لعمر...153
وصية الأعرج توقيع لعمر إلى عامل له...153
زهذه بعد الخلافة...153
من مطرف إلى عمر...154
بين عمر وعبد له...154
بين عمر وغلام ورد عليه في وفد الحجاز...154
قصة جارية عند قاضي المدينة...155
بين فتى أموي وجارية لبعض قريش...156
عمر والخوارج...157
بعض شعراء الخوارج...159
بعض علماء الخوارج...159
رأي عمرو بن عبيد فيه...160
الفرزدق يرثي عمر...160
ذكر أيام يزيد بن عبد الملك بن مروان...161
موجز...161
ذكر لمع من أخباره وسيره و (جمل من) ما كان في أيامه...162
حبه سلامة القس...162
يزيد وحبابة وشعر للفند الزماني...163
موت حبابة وجزع يزيد عليها...164
يزيد بن المهلب يخرج على يزيد بن عبد الملك...164
صنيع يزيد في ال المهلب...165
بين ابن هبيرة والشعبي وابن سيرين والحسن البصري...166
بين يزيد وأخيه هشام...166
وفاة عطاء بن يسار...167
موت جماعة من العلماء...167
محمد بن سيرين وإخوته... 168
ذكر أيام هشام بن عبد الملك بن مروان...169
موجز...169
ذكر لمع من أخباره، وسيره...170
أوصافه وأخلافه...170
استشهاد زيد بن علي...170
صنيع العباسيين بقبور الأمويين...171
فرق الزيدية من الشيعة...172
بین هشام ورجل من أهل حمص...173
هشام والأبرش الكلبي وجارية من جواري هشام...173
أمثلة من بخل هشام...174
السواس من بني أمية...174
ذكر أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن (مروان)...176
موجز...176
ذكر لمع من أخباره، وسيره...177
ظهور يحيى بن زيد ومقتله...177
لهو الوليد وخلاعته...177
الوليد وشراعة بن زيد...178
من قوله في الشراب...179
سمير الوليد يتحدث عنه...179
ورث الوليد الخلاعة عن يزيد أبيه...179
فعله بالمصحف وقد استفتح به...180
شعر له الحد فيه...180
نسب أمه...180
من خواص اليشب...180
كان مغرى بالخيل...181
مراتب خيل الحلبة...181
وفاة أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين...182
ذكر أيام يزيد وإبراهيم ابني الوليد ابن عبد الملك بن مروان...183
موجز...183
ذكر لمع مما كان في أيامهما...184
وصف يزيد الناقص...184
قول المعتزلة في التوحيد...184
قولهم في العدل...184
قولهم في الوعيد...185
قولهم في المنزلة بين المنزلتين...185
قولهم في الأمر بالمعروف...185
الاختلاف في الإمامة...185
أم يزيد أم ولد...1818
ظهور مروان بن محمد (الحمار)...188
سبب زوال ملك الأمويين...189
ذكر السبب في العصبية بين النزارية واليمانية...190
الكميت يعرض شعره على الفرزدق...190
الكميت يعرض شعره على أبي جعفر محمد بن علي...191
ثم يعرضه على عبد اللّه بن الحسن...191
عبد اللّه بن جعفر الكميت...191
أول اثارة العصبية...192
دعبل الخزاعي يرد على الكميت...192
كانت العصبية من دواعي زوال ملك بني أمية...193
ذكر أيام مروان بن محمد بن مروان ابن الحكم، وهو الجعدي...194
موجز...194
ذكر مقدار المدة من الزمان وما ملكت فيه بنو أمية من الأعوام...196
المدة إجمالاً...196
تفصيل المدة...196
مدة ملك بني العباس...197
ذكر الدولة العباسية ولمع من أخبار مروان ومقتله وجوامع من حروبه، وسيره...198
قول الراوندية في الخلافة...198
من حوار فاطمة الزهراء وأبي بكر الصديق...198
العثمانية للجاحظ...199
كتب أخرى للجاحظ...199
نقض الشيعة لكتب الجاحظ...199
والمعتزلة تنقض العثمانية...199
رأي الجريانية في الإمامة...199
أصل أبي مسلم الخراساني...200
بين نصر بن سيار ومروان بن محمد الجعدي...200
بعض خلال وأعمال مروان بن محمد الجعدي...201
نصر يكتب لابن هبيرة يستنجده...202
دعاة إلى طالب الحق بالحجاز...202
مروان يجهز لحرب الخوارج...202
موت نصر بن سیار...203
خديعة مروان للقبض على إبراهيم الإمام...203
مقتل إبراهيم وجماعة معه...204
موقعة الزاب بين عبد اللّه بن علي ومروان...205
أهل حران ومروان...205
دخول عبد اللّه بن علي دمشق وقتله كثيراً من بني أمية وشيعتهم...205
مقتل مروان...206
بنات مروان بين يدي صالح بن علي...206
عبد الحميد بن يحيى الكاتب...207
مروان يعتزم الفرار إلى أرض الروم فيرده إسماعيل القشيري...208
ذكر خلافة أبي العباس عبد اللّه بن محمد السفاح...210
موجز...210
ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه...211
وصية إبراهيم الإمام له...211
مقدم السفاح الكوفة...212
كيف آلت الإمام للسفاح...213
عامر بن إسماعيل قاتل مروان...214
بين السفاح وعامر بن إسماعيل...214
رأس مروان بين يدي السفاح...215
بين عبد اللّه بن علي وأخيه داود في ولاية عهد السفاح...217
زواج السفاح بأم سلمة بنت يعقوب...217
خالد يصف النساء للسفاح ويغريه بالزواج...218
كان السفاح يحب مسامرة الرجال...220
السفاح وأبو نخيلة...220
كان أبسط وجهاً إذا حضر طعامه...220
بعض عادات وسياسات السفاح...221
من النصائح في مخالطة الملوك...222
أحسن المواقع من الملوك...223
معاوية وابن شجرة الرهاوي...223
تعليق...224
حسن الاستماع من أدب الحديث...224
أول وزير في الدولة العباسية...225
مسامرات السفاح...226
ذكر خلافة أبي جعفر المنصور...234
موجز...234
ذكر جمل من أخباره، وسيره ولمع مما كان في أيامه...235
رؤيا أم المنصور...235
المنصور ورفيق سفر ضریر شاعر...235
المنصور وأهله يتحدثون عن سير بني أمية...236
وفاة محمد بن جعفر الطالبي...237
وزراء المنصور...237
المنصور يسأل عن تدبيرات هشام بن عبد الملك...238
المنصور ومعن بن زائدة...238
المنصور يقع بين يديه سهم كتب عليه شعر وظلامة...239
المنصور يستشير في أمر أبي مسلم...240
خروج عبد عبد اللّه بن علي...240
خلاف أبي مسلم للمنصور وقتله...241
خطبة المنصور بعد قتل أبي مسلم...243
الخرمية الفرقة التي تتولى أبا مسلم...244
بين الخرمية وجيش المنصور...244
ظهور محمد بن عبد اللّه بن الحسن (النفس الزكية)... 245
تفرق اخوة محمد بن عبد اللّه في البلاد...246
الأدارسة...246
بين المنصور والربيع...250
بين المنصور وعمرو بن عبيد...250
موت عمرو بن عبید...251
موت هشام بن عروة...252
موت أبي حنيفة النعمان وجماعة...252
مقتل عبد اللّه بن علي، بن علي، عم المنصور...252
وفاة المنصور...254
صفات المنصور...254
أولاده...255
ذكر خلافة المهدي محمد بن عبد اللّه بن محمد ابن علي بن عبد اللّه بن العباس... 256
موجز...256
ذكر جمل من أخبار وسيره، ولمع مما كان في أيامه...257
المهدي وشريك القاضي...257
المهدي وعمرو بن الربيع يجوعان في طريقهما للصيد...258
ومرة أخرى يجوع المهدي في طريقه للصيد...258
وزراء المهدي...259
خصال المهدي وأعماله...259
الخيزران وامرأة مروان بن محمد...259
عبد اللّه بن عمرو بن عتبة يعزي المهدي ويهئنه...261
عتبة الجارية وأبو العتاهية...261
من أبي العتاهية إلى المهدي...262
من طرف أبي العتاهية...263
محمد المهدي والشرقي بن القطامي...265
المهدي ومروان بن أبي حفصة...266
بين المهدي وسفيان الثوري...266
رؤيا المهدي قبيل وفاته...267
وفاة زفر بن الهذيل وجماعة من العلماء...267
ذكر خلافة موسى الهادي...269
موجز...269
ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه...270
أوصاف الهادي...270
مثل من شجاعته...270
بين المهدي وعيسى بن دأب...270
جريمة غلام سندي...270
وزراء المهدي...271
ظهور الحسين بن علي بن الحسين...271
من مراثي الحسين بن علي صاحب فخ...272
طاعة الهادي لأمه الخيزران...272
أخذ العباسيون ثأر بني هاشم من بني مروان273
بعض فضائل مصر وبعض أخبارها وبعض عيوبها...273
مدينة دنقلة...274
بين البصرة والكوفة...274
رغبة الهادي في خلع الرشيد من ولاية العهد...276
الهادي ورجل ذو ذنوب...277
بين الهادي والرشيد...277
رؤيا المهدي لولديه الهادي والرشيد...277
حاز الهادي سيف عمرو بن معد يكرب (الصمصامة)...278
ذكر خلافة هارون الرشيد...279
موجز...279
ذكر جمل من أخباره، وسيره ( ولمع مما كان في أيامه)...280
الرشيد يستوزر يحيى بن خالد البرمكي...280
محمد بن سليمان وسوار القاضي يعترضهما مجنون...280
موت الليث بن سعد... 281
موت شريك النخعي القاضي...281
موت مالك بن أنس الإمام... 282
حماد بن زید...282
ابن المبارك...282
القاضي أبو يوسف...282
بين عبد اللّه بن مصعب الزبيري...283
وموسى بن عبد اللّه بن الحسن الطالبي بحضرة الرشيد...283
ظهور محمد بن جعفر، ثم هربه إلى المغرب...284
الرشيد يحج آخر حجة...284
موت الكسائي ومحمد بن الحسن الشيباني...285
يحيى بن خالد سخط الرشيد علي عبد الملك بن صالح...285
أهديت للرشيد سمكة فمنعها عنه ابن يختيشوع الطبيب...286
رؤيا الرشيد يؤمر بالتخلية عن موسى بن جعفر...287
إبراهيم بن المهدي يغني الأسود...287
بين الرشيد ومعن بن زائدة...289
بين الرشيد والكسائي...289
وصية الرشيد لمؤدب الأمين الأحمر النحوي...291
العماني عند الرشيد يحرضه على تجديد العهد للأمين...291
حرص الرشيد على ولاية عهده...291
الرشيد يعلق كتاب العهد في الكعبة...292
وفاة الفضيل بن عياض...293
موت موسى بن جعفر الطالبي...293
من شعر العتابي في الرشيد...294
العتابي ينال من أبي نواس...294
أبو العتاهية وعتبة...295
إسحاق الموصلي يغني للرشيد...297
جماعة المغنين عند الرشيد...298
الرشيد يجري حلبة الخيل...299
طبق سمك يتكلف ألف درهم...300
أحسن الأسماء وأسمجها...300
أدب مخاطبة الأمراء...301
رجل يتعرض للرشيد بقصة فيثيبه بأربعة آلاف دينار...301
السكر أطيب أو المشان...302
تعزية وتهنئة...302
علة الرشيد...302
شعر لأبي العتاهية يبكي الرشيد...303
ذكر جمل من أخبار البرامكة وما كان منهم في أيامهم...304
أسماهم خالد بن برمك...3044
سبب نكبتهم...304
الفضل بن يحيى يتشاغل بالصيد فيزجره أبوه بأمر الرشيد...304
جعفر البرمكي عند الأصمعي...305
مجلس عند يحيى بن خالد...306
حديث لهم عن العشق...306
العشق وعلة وقوعه...307
الرشيد يزوج أخته العباسة الجعفر البرمكي...309
مدة سلطان البرامكة ورثاء الشعراء لهم...313
ذکر خلافة محمد الأمين...319
موجز...319
ذكر جمل من أخباره وسيره...320
كيف جاءه خبر الولاية...320
رؤيا زبيدة أيام حملت بالأمين وعند ومولده وبعده...320
موت ابن عیاش...321
عزم الأمين على خلع أخيه...321
الأمين ينصب مجلس غناء وهو محاصر...323
لهو الأمين وقت الحصار...324
صفات الأمين...325
نبوءة بخلع الأمين...3225
عبد الملك بن صالح بن علي...328
من الأمين إلى طاهر بن الحسين...
قف على ألقاب قادة الجيش (الضباط)...331
وقعة دار الرقيق...333
صرامة العراة...334
الوقائع الحاسمة...334
الفهرس...343