ghaemiyeh.com
سرشناسه:سیدمرتضی، علیبن حسین، 355 - 436 ق.
Sharīf al-Murtaḍá, ʻAlam al-Hudá ʻAlī ibn al-Ḥusayn,
عنوان و نام پديدآور:الرسائل والمسائل/ المرتضیعلیبنالحسین الموسوی،علمالهدی؛ تحقیق عدة منالمحققین، محمدحسین الدرایتی، حبالله النجفی، حمید الاحمدیالجلفای؛ اعداد مرکز الموتراتالعلمیة والبحوثالحرة، التابع لموسسة دارالحدیث؛ تقدیم حیدر البیاتی (الحسن)؛ اشراف رضا الاستادی.
مشخصات نشر:مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی: موسسه علمی فرهنگی دارالحدیث، مرکز همایشهای علمی و پژوهشهای آزاد، 1399.
مشخصات ظاهری:5ج.
فروست:مولفاتالشریفالمرتضی؛ 33، 34، 35، 36، 37.
شابک:ج.1978-600-06-0492-9 : ؛ 450000 ریال: ج.2:978-600-060470-7 ؛ ج.3978-600-06-0471-4 : ؛ ج.4978-600-06-0493-6 : ؛ ج.5978-600-06-0503-2 :
وضعیت فهرست نویسی:فاپا
يادداشت:عربی.
يادداشت:موتمرالدولیالذکری الفیهالشریفالمرتضی رحمهالله.
یادداشت:کتابنامه.
مندرجات:ج.1. الرسایل القرآنیه والحدیثیه.- ج.2.الرسائلالکلامیة.- ج.3. تتمة الرسائلالکلامیة.- ج.4. الرسائل الفقهیه.- ج.5. الرسائلالاصولیه والمنتزعه والمنسوبه.
موضوع:کلام شیعه امامیه -- قرن 5ق.
*Imamite Shiites theology -- 11th century
شناسه افزوده:درایتی، محمدحسین، 1343 -
شناسه افزوده:نجفی،حبالله، 1974- م.
شناسه افزوده:احمدی جلفایی، حمید، 1357 -
شناسه افزوده:حسنبیاتی، حیدر، 1977- م.
شناسه افزوده:استادی، رضا، 1316 -
شناسه افزوده:بنیاد پژوهشهای اسلامی
شناسه افزوده:Islamic Research foundation
شناسه افزوده:موسسه علمی فرهنگی دارالحدیث. مرکز همایشهای علمی و پژوهشهای آزاد
شناسه افزوده:کنگره بینالمللی بزرگداشت هزاره سید مرتضی علمالهدی(1399 : قم)
رده بندی کنگره:BP209/7
رده بندی دیویی:297/4172
شماره کتابشناسی ملی:7273186
اطلاعات رکورد کتابشناسی:فاپا
محرر الرقمي: میثم الحیدري
بسم الله الرحمن الرحيم
الرسائل و المسائل
الشريف المرتضى
عليّ بن الحسين الموسوي، علم الهدى
(355-436 ه)
المجلّد الرابع
(الرسائل الفقهيّة)
تحقيق
عدّة من المحقّقين
مؤلّفات الشريف المرتضى/ 36
د. الرسائل الفقهيّة... 7
(75) جوابات المسائل الرسّيّة الأولىٰ... 7
(76) جوابات المسائل الرسّيّة الثانية... 131
(77) جوابات المسائل الموصليّات الثانية... 151
(78) جوابات المسائل الموصليّات الثالثة... 203
(79) جوابات مسائل أهل ميّافارقين... 313
(80) جوابات المسائل الواسطيّات... 365
(81) جوابات المسائل الرَّمليَّة... 379
(82) مسألةٌ في الفرق بين نجس العين و نجس الحكم... 397
(83) مسألةٌ في حكم ماء البئر النابع بعد غور مائها النَّجس... 405
(84) مسألةٌ في عدم وجوب غسل الرِّجلين في الطهارة... 415
(85) مسألةٌ في المسح على الخفَّين... 449
(86) رسالةٌ في الردِّ علىٰ أصحاب العدد... 463
(87) مسألةٌ في استمرار الصوم مع قصد المنافي له... 533
(88) مسألةٌ في استلام الحجر و التلبية... 551
(89) مسألةٌ في جواز تزكية مالٍ من مالٍ آخر... 563
(90) مسألةٌ في نفي دلالة صيغة الأمر على القبول... 569
(91) مسألةٌ في نكاح المتعة... 581
(92) مسألةٌ في حكم الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد... 593
(93) مسألةٌ في إرث الأولاد... 601
(94) مسألةٌ في إضافة أولاد البنت إلى جدِّهم إضافة حقيقيّة... 629
(95) مسألةٌ في شمول الوقف على الأولاد لولد البنت... 637
(96) مسألةٌ في حكم التصدُّق بالمال الحرام... 645
(97) مسألةٌ في العمل مع السُّلطان... 651
(98) مسألةٌ في حكم أموال السلطان... 679
(99) مسألةٌ في وجوب بيان النوافل على الشرع، و وجه حسنها... 685
مرّة أُخرى تجلّت في هذه المسائل براعة السائل و المُجيب؛ فقد احتوت المسائل الرسّيّة على أسئلة تمتّعت بالدقّة و الاستدلال العميق بما يكشف عن علميّة السائل و قدرته الكبيرة على البحث و التحليل؛ و قام الشريف المرتضى بالإجابة على تلك الأسئلة بالتفصيل، بما يتناسب مع مستوى السائل.
و السائل هو السيّد الشريف أبو الحسن المحسن بن محمّد بن الناصر الحسنيّ الرَّسّي(1). و قد مدحه ابنُ إدريس (ت 598 ه)، فقال في رسالته في المواسعة و المضائقة:
و الذي ينبّهك على ذلك ما أورده السيّد المرتضى - قدّس اللّٰه روحه - جواباً عن مسألة من المسائل الرسّيّات، و هي مشهورة، و كان سائلها مدقّقاً عالماً فقيهاً حاذقاً مُلزِماً لخصمه، مُحتجّاً عليها بما لا يكاد يتفصّى منه إلّامَن كان في درجة السيّد المرتضى؛ يدلّ على ذلك مسألة السائل....
ثمّ ذكر نصّ إحدى المسائل الرسّيّة المتعلّقة بمسألة النيّة(2).
كما أنّ الشريف المرتضى قام بمدح السائل في مقدّمة المسائل، حيث قال:
فإنّي وقفتُ على المسائل التي ضمّنها الشريفُ - أدام اللّٰه عزّه - كتابَه، و سُررتُ -
شهد اللّٰه تعالى - له بما دلّتني عليه هذه المسائل من حُسن تدبّر وجودة تبحّر و أُنس ببواطن هذه العلوم و دفائنها و كوامِنها.
و لم نتمكّن من العثور على معلومات عن السائل الرسّيّ أكثر ممّا تقدّم، حتّى إنّ العلّامة السيّد محسن الأمين اكتفى بذكر اسمه، و أنّه صاحب المسائل الرسّيّة، و لم يترجِم له أكثر من ذلك(1).
و يظهر أنّ لقب الرسّيّ نسبة إلى الرسّ، و هو جبل أسود بالقرب من ذي الحُليفة، على ستّة أميال من المدينة، توفّي فيه القاسم الرسّيّ(2).
و معظمُ هذه المسائل فقهيّةٌ، و إن احتوت علىٰ مسائل كلاميّة مهمّة، ولكن حتّىٰ بعض هذه المسائل الكلاميّة كان لها ارتباط بالعبادات و الفقه، و لذلك أُدرجت هذه المسائل في ضمن الرسائل الفقهيّة للشريف المرتضى. و قام الشريف المرتضى بالإجابة علىٰ هذه المسائل الفقهيّة لكنّه كان أحياناً يقوم بطرح بحث كلامي عند وجود مناسبةٍ لذلك، و كأنّه لم يكن يتمكّن من الإفلات من عقال علم الكلام فكان يتطرّق إليه في كلّ مناسبة، و ذلك في إشارة إلى اعتبار علم الكلام في ذلك العصرِ العلمَ الأوّلَ و الأهمّ الذي ترجع إليه سائر العلوم.
و قد بلغت هذه المسائل أهمّيّة كبيرة بين العلماء، فقد كثر النقل عنها في كتب الفقه(3)، و هو يدلّ على أهمّيّتها و مدى أثرها.
و قد انتهى الشريف المرتضى من إملاء أجوبة هذه المسائل في أواخر عمره، و ذلك في المحرّم من سنة 429 ه؛ أي حوالي سبع سنوات قبل وفاته، و هذا يعني أنّها تعبّر عن آخر آرائه الكلاميّة و الفقهيّة الموجودة فيها، و هو يزيد من أهمّيّة هذه المسائل و قيمتها العلميّة.
و على الرغم من عدم ذكر أصحاب الفهارس المتقدّمين كالبُصروي (ت 443 ه) و النجاشي (ت 450 ه) و الطوسي (ت 460 ه) لهذه المسائل - و الذي قد يَرجع سببُه إلى تقدّم تاريخ تأليف هذه الفهارس، أو تأليف القسم المرتبط منها بمصنّفات الشريف المرتضى، على سنة 429 ه - إلّاأنّه لا شكّ في نسبتها إلى الشريف المرتضى، فقد تقدّم كلام ابن إدريس عنها، و وصفُه لها بأنّها مشهورة، و بما أنّ عهده غير بعيد عن الشريف المرتضى، لذا يمكن الاعتماد على ما ينسبه إليه من مصنّفات.
هذا، إضافة إلى ما تقدّم من كثرة نقل الفقهاء عنها، و هو يعتبر قرينة أُخرى على تصحيح النسبة. و الأهمّ من ذلك إرجاع الشريف المرتضى فيها إلى كتبه المشهورة، مثل: الذخيرة، و الشافي، و المسائل التبّانيّات، و الصرفة، و غيرها، ممّا لا يدع مجالاً للشكّ في نسبتها إليه.
ثمّ إنّ لهذه المسائل ذيلاً أو مُلحقاً، و هو عبارة عن خمسة أسئلة أُخرى، قام الرسّيّ بإرسالها فيما بعد، و عُرفت باسم «المسائل الرسّيّة الثانية»، و قام الشريف المرتضى بإلحاق جوابها بجواب هذه المسائل، حيث قال في بدايتها: «ثمّ وردت بعد ذلك مسائل خمس، فألحقنا جوابها بما تقدّم».
و هذا يدلّ على أنّ الرسّيّتين ليستا في الحقيقة سوى مجموعة مسائل واحدة، إلّا أنّهما اشتهرتا باسم: الرسّيّة الأُولى و الرسّيّة الثانية.
و على أيّ حال، فإنّ القارئ للمسائل الرسّيّة يجد قدراً كبيراً من القدرة على الإشكال و تشقيقه و تفريعه من جهة، و القدرة على الإجابة و الردّ مهما بلغ الإشكال من قوّة من جهة أُخرى، فهي نموذج رائع للقدرة الفائقة على المناظرة و البحث، التي كان لعلماء الإماميّة فيها القدح المعلّى.
و قد كانت هذه المسائل قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 313.
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21909؛ تقع في الصفحات (10-76) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحات (10-52) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحات (96-153) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ش». و قد صُرِّح في بداية هذه النسخة و التي تليها باسم السائل الرسّيّ.
مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحات (92-144) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (73-118) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (3014) 1255؛ و هي ميكروفيلم من المخطوطة المرقّمة 1448 الموجودة في المكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة بمشهد، و تقع في الصفحات (114-164) من المجموعة. و رمزنا لها ب «س».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحات (4-45) من المجموعة. و رمزنا لها ب «ر».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحات (28-47) من المجموعة. و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20997؛ تقع في الصفحات (2-55) من المجموعة. و رمزنا لها ب «ق».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (81-99) من المجموعة. و رمزنا لها ب «ع».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2929) 1162؛ تقع في الصفحات (158-182) من المجموعة. و رمزنا لها ب «م».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (112-139) من المجموعة. و رمزنا لها ب «ف».
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 438/6؛ تقع في الصفحات (2-48) من المجموعة. و رمزنا لها ب «ط».
بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ
الحَمدُ للّٰهِ علىٰ مُتَوالي نِعَمِه، و مُتَتالي قِسَمِه، و له الشُّكرُ علىٰ أن جَعَلَنا مِن أهلِ التمييزِ(1)و التَّفَكُّرِ، حتّىٰ نُمِّيزَ بَينَ الحقِّ المُبينِ و الباطلِ المَهينِ،(2)و الحُجّةِ المتبوعةِ(3)و الشُّبهةِ المدفوعةِ.(4)و صَلَّى اللّٰهُ علىٰ سيِّدِ الأُمَمِ، و أفضَلِ العَرَبِ و العَجَمِ، مُحمّدٍ نَبيِّه و صَفيِّه و نَجيِّه،(5)و علىٰ أفاضِلِ عِترتِه، و أطائِب أرومتهِ(6).
أمّا بَعدُ، فإنّي وَقَفتُ علَى المَسائلِ التي ضَمَّنَها الشريفُ(7)- أدامَ اللّٰهُ عِزَّه - كتابَه، و سُرِرتُ - شَهِدَ اللّٰهُ تَعالىٰ - له(8)بما دَلَّتني عليه هذه المَسائلُ مِن
1) . في «أ، ب»: - «التمييز». و في «ص»: «التميّز». و في «ج» و المطبوع: - «من أهل التمييز».
2) . في المطبوع: - «و الباطل المهين».
3) . في «ب، ش، ص»: - «و الحجّة المتبوعة».
4) . في «ش، ص»: - «و الشبهة المدفوعة».
5) . في «ش، ص»: - «و نجيّه». و في المطبوع: «و نجيبه».
6) . في المطبوع: «ذرّيّته». و الأَروم و الأَرومةُ: أصلُ الشجرة، و استُعملت للحَسَب؛ يقال: هو طيّب الأَرومةُ: كريم الأصل. راجع: لسان العرب، ج 12، ص 14 و 15 (أرم).
7) . هو الشريف أبو الحسن المحسن بن محمّد بن الناصر الحسنيّ الرسّيّ. راجع: مقدّمة هذه المسائل.
8) . في «ج» و المطبوع: - «له».
حُسنِ(1)تدَبُّرٍ، و جَودةِ تَبحُّرٍ، و أُنسٍ ببَواطِنِ هذه العُلومِ(2)و دَفائنِها(3)و كَوامِنِها(4).
و أنا أُجيبُ عن المَسائلِ علىٰ ضيقِ زماني(5)، و قِلّةِ فَراغي(6)، و كَثرةِ قَواطِعي(7)و مِن اللّٰهِ - جَلَّت(8)عظمتُه - أستَمِدُّ التوفيقَ، مُستَمطِراً(9)غَمامَه(10)، و مُستَدِرّاً(11)مَرامَه(12)فهو تَعالىٰ وَليُّ ذلكَ و القادرُ عليه، و المفزوعُ(13)فيه إليه.(14)
1) . في «أ، ب، ج»: - «من حسن»، و في «ش، ص»: «علىٰ حسن» بدل «من حسن». و في المطبوع: «من كثرة» بدله. و ما أثبتناه هو الأوفق بالسياق.
2) . في «أ» بدل «من حسن تدبّر» إلىٰ هنا: «من فنون العلوم التي يفتخر بها الأواخر و الأوائل». و في «ش، ص»: «المسائل» بدل «العلوم».
3) . في «أ» شُطِبَ علىٰ «و دفائنها». و في المطبوع: «و مآربها».
4) . في «أ» شُطبَ علىٰ «و كوامنها». و في «ب، ش، ص»: - «و كوامنها».
5) . في «ش، ص»: «بياني».
6) . في «ش، ص»: «براعي».
7) . في «ب»: + «و موانعي».
8) . في «ش، ص»: «دامت».
9) . في «ش، ص»: «مستمدّاً».
10) . في المطبوع: «اغمامه».
11) . في «أ»: «و مستنداً». و في «ب» فراغ. و في «ج» و المطبوع: «و مسند». و في «ش، ص»: «و مستمدّاً». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
12) . في المطبوع: «مرأته».
13) . في المطبوع: «المفزوع» بدون واو العطف.
14) . في «ش، ص»: «سبحانه وتعالى» بدل «إليه».
ما القولُ في(1)مُعتَقِدِ الحقِّ بأَسْرِه(2)تقليداً؟ أكافرٌ، أم مؤمنٌ، أم فاسقٌ؟
فإن كانَ كافِراً، و نَدِمَ علىٰ(3)تقليدِه، و قَصَدَ إلَى النظَرِ؛ أيَترُكُ التكليفَ الشرعيَّ(4)إلىٰ أن تَستَقِرَّ له المَعرفةُ - إذ كانَت صحّتُها موقوفةً علىٰ حصولِ المعرفةِ - أو يَعمَلُ بها مع عِلمِنا بأنّها غيرُ عبادةٍ(5)؟
فإن كانَ العملُ بها واجباً، ففيه خِلافُ الأُصولِ. و إن كانَ غيرَ واجبٍ،(6)ففيه خِلافُ ما أجمَعَ المُسلِمونَ عليه؛ مِن وجوبِ(7)التكليفِ الشرعيِّ علىٰ كُلِّ بالغٍ كامِلِ العقلِ.
و كذلك القولُ في زمانِ «مُهلةِ النظَرِ» لكُلِّ مُكلَّفٍ، و ما زادَ عليها مِن الأزمانِ التي فرَّطَ فيها في النظرِ في طريقِ المَعرفةِ؛ هَل تَجِبُ عليه فيها العباداتُ أم لا تَجِبُ؟
و ما حُكمُ ما تَرَكَه مُقلِّدُ أهلِ الحقِّ و المُفرِّطُ في النظَرِ مِن العباداتِ(1)و ما(2)يَفعَلُه إذا حَصَلَت له المَعرفةُ بدليلِها؟ أيَقضي ما تَرَكَه و ما(3)فَعَلَه، أم لا؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
اِعلَمْ أنّ مُعتَقِدَ الحقِّ علىٰ سَبيلِ التقليدِ غيرُ عارفٍ باللّٰهِ تَعالىٰ، و لا بما أَوجَبَ عليه مِن المَعرفةِ به، فهو كافِرٌ؛ لإضاعتِه المَعرفةَ الواجبةَ.
و لا فَرقَ في إضاعتِه الواجبَ عليه مِن المَعرفةِ بَينَ أن يَكونَ جاهلاً مُعتَقِداً(4)لخِلافِ(5)الحقِّ، و بَينَ أن يَكونَ شاكّاً غيرَ مُعتَقِدٍ لشَيءٍ، و بَينَ(6)أن يَكونَ مُقلِّداً؛ لأنّ خُروجَه مِن المَعرفةِ علَى الوجوهِ كُلِّها حاصلٌ، و(7)أنّ(8)إضاعتَه(9)لها ثابتةٌ.
و هو كافِرٌ؛ لأنّ الإخلالَ بمَعرفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ و مَعرِفةِ مَن يَجِبُ العِلمُ به لا يَكونُ(10)إلّاكُفراً.
و قد بيّنّا في كتابِنا الموسومِ بِ «الذخيرةِ» كَيفَ الطريقُ إلىٰ تكفيرِ(11)مَن ضَيَّعَ
1) . من قوله: «أم لا تجب؟» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
2) . «ما» هنا موصولة و ليست استفهاميّة، و هي معطوفة علىٰ قوله: «ما تركه».
3) . في «أ، ج، ش، ص»: «ما» بدون واو العطف. و في المطبوع: «أو». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
4) . في «ش» المطبوع: «معتقد».
5) . في «ج»: «خلاف». و في المطبوع: - «لخلاف».
6) . في «أ، ب، ج» و المطبوع: «أو بين».
7) . في «أ، ب، ج» و المطبوع: «في». و في «ش، ص» فراغ. و ما أثبتناه هو الأوفق بالسياق.
8) . في «أ، ب، ج» و المطبوع: - «أنّ».
9) . في «أ، ج، ش» و المطبوع: «إطاعته». و في «ص»: «طاعته».
10) . في «ش، ص»: «لا يجب».
11) . في المطبوع: «كفر».
المَعارِفَ كُلَّها، و سَلَكنا فيها غيرَ الطريقِ(1)التي سَلَكَها(2)المُعتَزِلةُ.(3)
فإذا ثَبَتَ كُفرُ مَن ضَيَّعَ المَعارفَ، فلا شُبهةَ في أنّه فاسقٌ؛ لأنّ كُلَّ كُفرٍ فِسقٌ، و إن لَم يَكُن(4)كُلُّ فِسقٍ(5)كُفراً.
فأمّا العملُ بالعباداتِ الشرعيّةِ، فلَيسَ يَجوزُ أن يُكلَّفَها إلّامَن يَصِحُّ منه أن يأتيَ بها علَى الوجهِ الذي وَجَبَت(6)عليه.
و قد عَلِمنا أنّ مَن قَلَّدَ فاعتَقَدَ الحقَّ تقليداً مِن غيرِ نَظَرٍ يُفضي به إلَى المَعرفةِ، قد فَرَّطَ فيما وَجَبَ عليه مِن المَعرفةِ، و عَرِيَ مِن العِلمِ لتفريطِه فيه؛ فهو مَلومٌ(7)مُعاقَبٌ علىٰ تضييعِه و تفريطِه.
و هو مُخاطَبٌ بهذه العباداتِ في ابتداءِ الوقتِ الذي لَو نَظَرَ و عَرَفَ ما يَلزَمُه مِن المَعارِفِ، كانَ فيه عالِماً بوجوبِ هذه العباداتِ عليه، و صَحَّ منه أداؤها علَى الوجهِ الذي وَجَبَت عليه(8).
فأمّا قَبلَ(9)هذا الوقتِ الذي عيّنّاه بصفتِه،(10)فإنّه لا يَجوزُ أن تَلزَمَه(11)فيه عبادةٌ
1) . في «ج» و المطبوع: «الطرق». و في «ش، ص»: «الطريقة».
2) . في «أ، ش، ص»: «تسلكها».
3) . راجع: الذخيرة في علم الكلام، ص 534-535.
4) . في «أ، ش، ص»: - «إن لم يكن». و في «ب»: - «و إن لم يكن».
5) . في «أ، ب»: - «كلّ فسق»
6) في «ج» و المطبوع: «وجب».
7) . في المطبوع: «ملزم».
8) . في المطبوع: - «عليه».
9) . في المطبوع: «مثل».
10) . في المطبوع بدل قوله: «عيّنّاه بصفته» توجد نقاط، و استُظهر في هامشه أن يوضع مَوضعَ النقاط: «لا يمكنه المعرفة فيه».
11) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «أن يلزمه».
شَرعيّةٌ؛ لأنّها لا تَصِحُّ(1)منه قَبلَ المَعرفةِ بوجوبِها إلّابمَعرفتِه(2).
و القولُ في «مُهلةِ النظَرِ» مِثلُ هذا بعَينِه؛ لأنّ الزمانَ الذي لا يَجوزُ أن تَقَعَ(3)المَعارِفُ(4)إلّابَعدَ تَقَضّيهِ، و لا يُمكِنُ أن تَتقدَّمَ(5)عليه، هو المُسَمّىٰ: «مُهلةَ النظَرِ»، و هذا(6)زمانٌ لا يَمكِنُ قَبلَ انقضائه أن يُعرَفَ وجوبُ(7)شَيءٍ مِن العباداتٍ، فكَيفَ يَلزَمُه أن يَفعَلَ ما لا يَصِحُّ أن يَعلَمَ وجوبَه عليه؟!
فأمّا مَن أهمَلَ النظَرَ و فَرَّطَ فيه حتَّى انقَضَى الزمانُ المضروبُ لمُهلتِه(8)، فإنّ العباداتِ تَلزَمُه(9)لأنّه لَو شاءَ أن يَنظُرَ في الزمانِ المضروبِ لِمُهلةِ النظَرِ، لَنَظَرَ، و عَرَفَ ما يَجِبُ عليه مَعرفتُه، و عَلِمَ وجوبَ هذه العباداتِ عليه، و أمكَنَه أن يَفعَلَها علَى الوجهِ الذي وَجَبَت عليه؛ فإذا ضَيَّعَ ذلكَ كُلَّه(10)كانَ مَلوماً مُعاقَباً.
فإن قيلَ: كَيفَ تَقولونَ فيمن أهمَلَ النظَرَ في مَعرِفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ، و ضَيَّعَها، و تَقَضّىٰ زمانُ مُهلةِ النظَرِ و أضعافُه؛ أهو(11)مُكلَّفٌ و حالُه هذه بأن(12)يَفعَلَ العباداتِ الشرعيّةَ؟(13)
1) . في «ج» و المطبوع: «لا يصحّ»
2) في «ج» و المطبوع: «لمعرفته».
3) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «أن يقع». و في «ب»: «أن تقطع». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاًللنُّسخ: «ر، س، ط».
4) في «ش، ص»: «المعلوم».
5) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «أن يتقدّم». و فاعل هذا الفعل: «المعارف».
6) . في «ش، ص»: «في» بدل «و هذا».
7) في «ش، ص»: - «وجوب».
8) . في المطبوع: «لمهلة النظر» بدل «لمهلته».
9) . في «أ، ج، ش، ص»: «يلزمه».
10) . في «ش، ص»: - «كلّه».
11) . في «ش، ص»: «فهو» بدل «أ هو».
12) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «لأن». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للنُّسختين: «د، ط».
13) . في المطبوع: - «الشرعيّة».
فإن قُلتم: «إنّه مُكلَّفٌ»، فهو تكليفٌ(1)بما(2)لا يُطاقُ؛ لأنّه لا يَعلَمُ في هذه الحالِ وجوبَها عليه، و لا يَتمكَّنُ أيضاً مِن العِلمِ بذلكَ؛ لحاجةِ هذا العِلمِ إلىٰ علومٍ كثيرةٍ تَتقدَّمُ(3)عليه يَضيقُ(4)هذا الزمانُ عنها.
و إن قُلتم: «إنّه غيرُ مُكلَّفٍ»، تَرَكتم مَذهبَكم في أنّ الكُفّارَ كُلَّهم مُخاطَبونَ(5)بالشرعيّاتِ.(6)
قُلنا: إن كانَ(7)ذلكَ الزمانُ - الذي سُئلنا عن تكليفِه الشرعيّاتِ فيه - زماناً يَتمكَّنُ قَبلَ حُلولِه مِن العِلمِ بوجوبِ هذه الشرعيّاتِ عليه، فهو مُخاطَبٌ بفِعلِها. و إن كانَ يَضيقُ عن ذلكَ لتفريطِه و إهمالِه الىٰ أن انتَهىٰ إليه، فإنّا نَقولُ: كانَ مُخاطَباً بفِعلِ هذه الشرعيّاتِ في هذا الزمانِ، فأضاعَ ما كُلِّفَه، فهو مذمومٌ مَعاقَبٌ علىٰ إخلالِه بهذه الشرعيّاتِ؛ لأنّها كانَت واجبةً عليه قَبلَ هذا الزمانِ. و هو الآنَ مُخاطَبٌ منها بما يَتمكَّنُ مِن العِلمِ بوجوبِه؛ فإن عَلِمَ و فَعَلَ فقَد قامَ بالواجبِ، و إن فَرَّطَ أيضاً كانَ القولُ فيه ما تَقَدَّمَ ذِكرُه.
فأمّا(8)وجوبُ القضاءِ عليه متىٰ عَرَفَ اللّٰهَ تَعالىٰ و وجوبَ الشرعيّاتِ، فإنّه غيرُ واجبٍ عليه القضاءُ، و إن كانَ الأداءُ واجباً. و لَيسَ يَجِبُ أن يُعتَبَرَ وجوبُ الأداءِ
1) . في «ش، ص»: - «فهو تكليف». و في المطبوع: «فهو مكلّف».
2) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «لما». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً لنُسختَي «د، ط».
3) . في «ج، ش» و المطبوع: «يتقدّم» و في «ص»: «يتقدّمه».
4) . في «أ» و المطبوع: «تضيق». و في «ش، ص»: - «يضيق».
5) . في «ج» و المطبوع: «يخاطبون».
6) . راجع: الذريعة إلىٰ أُصول الشريعة، ج 1، ص 75.
7) . في «أ، ب، ش، ص»: - «كان».
8) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: «و أمّا».
بوجوبِ القضاءِ،(1)و لا سُقوطُه(2)بسُقوطِه؛ لِانفصالِ كُلِّ واحدةٍ مِن هاتَينِ العبادتَينِ عن الأُخرىٰ؛ لأنّ في العباداتِ ما يَجِبُ أداؤه و لا يَجِبُ قضاؤه إذا فاتَ، كالجُمعةِ؛ و مِنها(3)ما لا يَجِبُ أداؤه و يَجِبُ قَضاؤه، كصَومِ الحائضِ.
و هذه المَسألةُ قد أحكَمناها و استَقصَيناها في مَسائلِ أُصولِ الفقهِ(4)حَيثُ دَلَّلنا علىٰ أنّ الكُفّارَ مُخاطَبونَ بالشرعيّاتِ، و بيّنّا أنّهم مُتمكِّنونَ في حالِ كُفرِهم مِن أداءِ هذه العباداتِ؛ بأن يؤمِنوا و يُسلِموا، فيَعلَموا وجوبَها، و يَتمكَّنونَ حينَئذٍ مِن فِعلِها(5).
و بيّنّا أنّ مَن دَفَعَ وجوبَ ذلكَ عليهم مِن حَيثُ لا يَتمكَّنونَ منه في الثاني(6)إلّا(7)بَعدَ أحوالٍ كثيرةٍ، يَلزَمُه أن لا يَكونَ المُحدِثُ مُخاطَباً بالصلاةِ؛ لأنّه لا يَتمكَّنُ مع الحَدَثِ مِن إيقاعِها، لكِنّه لمّا تَمكَّنَ مِن إزالةِ(8)الحَدَثِ قَبلَ الإيقاعِ كانَ مُخاطَباً بالإيقاعِ. و بَلَغنا في استيفاءِ ذلكَ إلَى الغايةِ القُصوىٰ.
و عندَنا أنّ المُرتَدَّ يَقضي ما فاتَه مِن الصلاةِ و غيرِها من العباداتِ،(9)و إن كانَ الكافرُ الأصليُّ لا يَلزَمُه(10)قضاءُ ذلكَ إذا أسلَمَ؛ و هو مَذهبُ الشافعيِّ.(11)
1) . من قوله: «و إن كان الأداء واجباً» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
2) . في المطبوع: «و لا سقوط».
3) . من قوله: «ما يجب أداؤه» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
4) . راجع: الذريعة إلى أُصول الشريعة، ج 1، ص 75-80.
5) . في جميع النُّسخ و المطبوع: «فعله»؛ و هو سهو، و ما أثبتناه هو الموافق للسياق.
6) . في «ج، ش، ص»: «التالي».
7) . في «ب، ج، ش، ص» والمطبوع: «وإلّا».
8) . في المطبوع: «إزالته».
9) . راجع: الناصريّات، ص 252.
10) . في المطبوع: «لا يلزم».
11) . راجع: كتاب الأُمّ، ج 1، ص 89؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 4.
و الفَرقُ بَينَهما أنّ المُرتَدَّ كَفَرَ بَعدَ التزامِ(1)هذه(2)الشرعيّاتِ، فيَجوزُ أن يَلزَمَه مِن القَضاءِ ما لا يَلزَمُ الكافرَ الأصليَّ؛ لأنّ الكافرَ الأصليَّ لَم يَلتَزِمْ مِن ذلكَ شَيئاً، و إن كانَ(3)له لازماً.
فأمّا ما مضىٰ في أثناءِ الكلامِ مِن إجماعِ المُسلِمينَ علىٰ أنّ التكليفَ الشرعيَّ لازمٌ لكُلِّ بالغٍ كاملِ العقلِ، فهو خَطأٌ بلا شُبهةٍ؛ لأنّ الخِلافَ كُلَّه في ذلكَ.
أمّا المُتكلِّمونَ كُلُّهم(4)فيَذهبونَ إلىٰ أنّ مَن هو في مُهلةِ النظَرِ لا تَجِبُ(5)عليه العباداتُ الشرعيّاتُ؛ لأنّه(6)لا يَتمكَّنُ مِن العِلمِ بوجوبِها عليه، و إن كانَ بالغاً عاقلاً.
و أكثَرُ الفقهاءِ يَذهبونَ إلىٰ أنّ الكُفّارَ كُلَّهم - مِن اليهودِ و النصارىٰ و غيرِهم - غيرُ مُخاطَبينَ بالعباداتِ الشرعيّةِ، و إن كانوا عقلاءَ بالغينَ.
فكَيفَ يُدَّعَى(7)الإجماعُ فيما فيه خِلافُ كُلِّ مُحِقٍّ و مُبطِلٍ؟
فالصحيحُ إذَن ما بيّنّاه و رَتَّبناه.
1) . في «أ» و المطبوع: «الالتزام».
2) . في «أ، ج» و المطبوع: «لهذه».
3) . في المطبوع: - «كان». نعم، استُظهر ذلك في هامشه.
4) . في المطبوع: - «كلّهم».
5) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «لا يجب». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للنُّسخ الثلاث: «ر، س، ط».
6) . في المطبوع: «فإنّه».
7) . في «ج»: «تدّعي». و في المطبوع: «ينبغي».
إذا كُنتم تَقولونَ: إنّ العقلاءَ بأَسرِهم مُتَساوونَ في كمالِ العقلِ، فما الوجهُ في فُتياكم بأنّ العامّيَّ المُسوَّغَ له «تقليدُ العلماءِ في الفروعِ» و «عِلمُ جُمَلِ(1)الأُصولِ» هو الذي لا يَتمكَّنُ مِن التدقيقِ في الأُصولِ، و لا يَقدِرُ علَى التوَغُّلِ(2)في غوامِضِ المَعارِفِ، و لا يَستَطيعُ حَلَّ(3)الشُّبَهِ(4)، و لا سَبيلَ له إلىٰ معرفةِ الفروعِ؛ لِافتقارِ العِلمِ بها إلىٰ أُمورٍ لا يَستَطيعُها العامّيُّ بحالٍ، مع كَونِه(5)عاقلاً مُكلَّفاً، و هَل هذا إلّامُقتَضٍ لِاختلافِ(6)العقلاءِ في كَمالِ العقلِ - مِن حَيثُ اختَلَفَ تكليفُهم - أو القَطعِ(7)علىٰ أنَّ العامّيَّ غيرُ عاقلٍ، فيَكونُ غيرَ مُكلَّفٍ بشَيءٍ(8)؟
1) . في «أ»: «و جهل علم». و في المطبوع: «و علم جل». و عِلمُ الجُمَل هو العِلمُ الإجماليُّ.
2) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: «التغلغل». و توغَّلَ و أوغَلَ في العلوم و المعارف: ذهَبَ وبالَغَ و أبعَدَ فيها. راجع: المصباح المنير، ص 666، (وغل).
3) . في المطبوع: «حمل». نعم استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
4) . في «ج، ص» و المطبوع: «الشبهة».
5) . في المطبوع: «كونها». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
6) . في المطبوع: «يقتضي اختلاف».
7) . في «ج» و المطبوع: «أنفع».
8) . في «ج، ص» و المطبوع: «لشيء».
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(1):
اِعلَمْ أنّ العامّيَّ لا يَجوزُ أن يَسوغَ له العملُ بفُتيا العلماءِ إلّابَعدَ أن يَكونَ ممّن قامَت عليه الحُجّةُ بصِحةِ الاستفتاءِ و العِلمُ بجوازِه.
و لَن يَكونَ كذلك إلّاو هو ممّن يَصِحُّ أن يَعلَمَ الأحوالَ التي تُبنىٰ(2)عليها صِحّةُ الاستفتاءِ، إمّا علىٰ جُملةٍ، أو تفصيلٍ؛ لأنّه إن لم يَكُن بذلكَ عالِماً كانَ مُقْدِماً مِن العملِ بالفُتيا علىٰ ما لا يأمَنُ كَونَه قَبيحاً، و إنّما يأمَنُ أن يَكونَ كذلكَ بأن يَعلَمَ الحُجّةَ في جوازِ الاستفتاءِ و صِحّتِه.
و قد عَلِمنا أنّ الِاستفتاءَ مشروعٌ، و مِن جُملةِ ما عَلِمناه بالسمعِ مِن جهةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ هذا العامّيُّ الذي سَوَّغنا له العملَ بالفُتيا مُتمكِّناً مِن العِلمِ بصِحّةِ الشريعةِ(3)و صِدقِ الرسولِ عليه السلامُ، و كذلكَ لا بُدَّ مِن أن يَكونَ عالِماً بما تَبتَني(4)عليه(5)صِحّةُ الرسالةِ؛(6)مِن التوحيدِ و العدلِ.
لكِنّ هذه العلومَ قد تَكفيه(7)منها الجُمَلُ،(8)دونَ التفصيلِ(9)و الشرحِ الطويلِ و التدقيقِ و التعميقِ.
1) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
2) . في «ب، ش، ص»: «يبنى». و في «ج»: «يبتني». و في المطبوع: «نشأ».
3) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: «الشرعيّة».
4) . في «ج» و المطبوع: «يبتني». و في «ش، ص»: «يُبنى».
5) . في «ج» و المطبوع: «علىٰ».
6) . في المطبوع: «الرواية».
7) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: «يكفيه».
8) . في المطبوع: «المجمل».
9) . في «ش، ص»: «الفصل».
و قد طَعَنَ قومٌ في صِحّةِ الِاستفتاءِ، فقالوا: العامّيُّ المُستَفتي لا يَخلو مِن أن يَكونَ عامّيّاً في أُصولِ الدينِ أيضاً، أو عالِماً بها.
و لا يَجوزُ أن يَكونَ في الأُصولِ مُقلِّداً؛ لأنّ التقليدَ في الفروعِ إنّما جازَ مِن حَيثُ أَمِنَ هذا المُقلِّدُ مِن كَونِ ذلكَ قَبيحاً. و إنّما يأمَنُ منه لمَعرفتِه بالأُصولِ، و أنّها سَوَّغَت له الِاستفتاءَ، فقَطَعَ علىٰ صِحّةِ ذلكَ؛ لِتَقدُّمِ عِلمِه بالأُصولِ الدالّةِ عليه.
و الأُصولُ لا يُمكِنُ التقليدُ فيها علىٰ وجهٍ يُقطَعُ علىٰ صِحّتِه، و يؤمَنُ مِن(1)القَبيحِ فيه؛ لأنّه لَيسَ وَراءَها ما يَستَنِدُ إليه(2)ذلكَ، كما قُلناه في الفروعِ.
فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ عالِماً بصِحّةِ الأُصولِ(3)إمّا علىٰ جُملةٍ، أو علىٰ تفصيلٍ.
قالوا: و مَن عَلِمَ أُصولَ الدينِ، و مَيَّزَ الحقَّ فيها مِن الباطلِ، كَيفَ لا يَصِحُّ أن يَعلَمَ الفروعَ، و هي(4)أهوَنُ مِن الأُصولِ؟
و إن كانَ هذا العامّيُّ ممّن لا يَتمكَّنُ مِن إصابةِ الحقِّ في أُصولٍ و لا فروعٍ، فهو خارجٌ مِن التكليفِ و جارٍ مَجرَى البَهائمِ، و لا حاجةَ به(5)إلَى الفُتيا؛ فلَيسَ شَيءٌ بمُحرَّمٍ عليه و لا واجبٍ.
و هذا الذي حَكَيناه غَلَطٌ فاحشٌ؛ لأنّ العامّيَّ في الفروعِ - الذي يَسوغُ له الاستفتاءُ و العملُ به - لا بُدَّ أن يَكونَ عالِماً علىٰ سَبيلِ الجُملةِ بالأُصولِ؛ حتّىٰ يَكونَ ممّن تَقومُ(6)عليه الحُجّةُ بجوازِ الِاستفتاءِ.
و لَيسَ يَجِبُ أن يَكونَ هذا العِلمُ المُجمَلُ في كُلِّ(1)مَوضعٍ مبسوطاً مشروحاً مُفرَّعاً مُشعَّباً، حَسَبَ ما يَفعَلُه مُدقِّقو المُتكلِّمينَ.
و لَيسَ يَجِبُ فيمن يَحصُلُ له عِلمُ الجُملةِ في الأُصولِ أن يَتمكَّنَ مِن مَعرفةِ الفروعِ علَى التفصيلِ؛ بَل لا بُدَّ في مَعرفةِ حُكمِ كُلِّ حادثةٍ مِن فروعِ الشريعةِ مِن علومٍ رُبَّما لَم يَقدِرْ عليها صاحبُ الجُملةِ في الأُصولِ.
فاحتاجَ صاحبُ الجُملةِ في الأُصولِ(2)إلَى الِاستفتاءِ في فروعِ الشريعةِ؛ لِما ذَكَرناه.
و قد استَقصَينا هذا الكلامَ و بَسَطناه و فَرَّعناه في «جوابِ المَسائلِ الحَلَبيّاتِ»(3)، و انتَهَينا فيه إلىٰ أبعَدِ غاياتِه.
و لَيسَ يَجِبُ - إذا كانَ العامّيُّ الذي مِن فَرضِه الِاستفتاءُ، و لا يَتمكَّنُ مِن العِلمِ بأحكامِ الحوادثِ علَى التفصيلِ - أن يَكونَ غيرَ عاقلٍ؛ أو غيرَ كاملِ العقلِ؛ لأنّ «العقلَ» اسمٌ لعُلومٍ مخصوصةٍ يَصِحُّ مِن المُكلَّفِ معها العِلمُ(4)بما كُلِّفَه و القيامُ به.(5)
1) . في المطبوع: - «كلّ».
2) . في المطبوع: - «فاحتاج صاحب الجملة في الأُصول».
3) . هذه المسائل مفقودة. و الجدير بالذكر أنّ المحقّق الطهراني سمّاها: المسائل المطّلبيّات، حيث قال: «جوابات المسائل المطّلبيّات: للشريف المرتضى، أحال إليها نفسه في جوابه للمسألة الثانية من الرسّيّة الأُولىٰ». الذريعة، ج 5، ص 234. و لعلّ هذا اسمٌ آخر للحلبيّات باعتبار اسم المرسِل للمسائل، كما يحتمل أن يكون سهواً من ناسخ النسخة التي شاهدها المحقّق الطهراني؛ فإنّه لم تُنسب إلى الشريف المرتضى مسائل باسم المطّلبيّات في أيّ موضع آخر.
4) . في المطبوع: - «معها العلم».
5) . راجع: الذخيرة، ص 121.
و هذا العامّيُّ ما كُلِّفَ النظَرَ في أحكامِ الحوادثِ علَى التفصيلِ و العِلمَ بها، فلا يَكونُ ناقصَ العقلِ؛ لأنّ معه مِن العلومِ التي تُسَمّىٰ(1)عقلاً ما يَكفيهِ في مَعرفةِ ما كُلِّفَه و العملِ به. و ما فاتَه مِن علومٍ زائدةٍ علىٰ ذلكَ، إذا لَم تَكُن مُخِلّةً بشَيءٍ مِن تكليفِه، فإنّها لا تُسَمّىٰ عقلاً.
و علىٰ(2)هذا الذي قَرَّرناه: إنّ(3)العقلاءَ - و إنِ اختَلَفوا في حصولِ العلومِ(4)الضروريّةِ(5)لهم، و زادَت في بعضِهم و نَقَصَت في بعضٍ آخَرَ - لا يَجِبُ أن يَكونوا مُختَلِفينَ في كَمالِ العقلِ، و لا في العلومِ المُسمّاةِ بهذا الِاسمِ؛ لأنّا إذا جَعَلنا هذا الِاسمَ واقعاً علىٰ «ما يَحتاجُ العاقلُ إليه في مَعرفةِ ما كُلِّفَه» دونَ غيرِه، لَم يَكُن ما فاتَ بعضَهم في(6)هذه العلومِ مُسَمّىً بكمالِ العقلِ؛ لأنّه غيرُ مُخِلٍّ بما كُلِّفَه مِن المَعارِفِ، و ما معه مِن العلومِ التي هي(7)عقلٌ كافٍ في التوَصُّلِ به إلىٰ ما كُلِّفَه.(8)
فالقولُ بجوازِ التفاوُتِ في العلومِ صحيحٌ، و لَيسَ بصحيحٍ القولُ بالتفاوُتِ(9)في كَمالِ العقلِ؛ لِما بيّنّاه.
1) . في «ج» و المطبوع: «يسمّىٰ».
2) . في المطبوع: «على» بدون واو العطف.
3) . في «ج»: «لأنّ». و في المطبوع: «و لأنّ».
4) . في «ج» والمطبوع: «العلم». نعم، استُظهر في هامش المطبوع ما أثبتناه.
5) . في «أ»: «الضروري».
6) . كذا، و الأنسب: «مِن».
7) . في «ش، ص»: «تسمّىٰ».
8) . من قوله: «من المعارف و ما معه» إلىٰ هنا ساقط من «ج» و المطبوع.
9) . في «ج» و المطبوع: - «بالتفاوت».
إذا كانَ صِدقُ مُدَّعي النبوّةِ لا يَثبُتُ إلّابالمُعجِزِ الخارقِ للعادةِ، علىٰ وجهٍ لا يَتقدَّرُ معه(1)إضافتُه إلىٰ مُحدَثٍ لجِنسِه(2)أو صفتِه المخصوصةِ؛ ليَعلَمَ الناظرُ اختصاصَه بالقَديمِ تَعالَى، الذي لا يَجوزُ منه تصديقُ الكَذّابِ(3).
و كنتم تَقولونَ: إنّ وجهَ الإعجازِ في القُرآنِ هو «الصَّرفُ»(4)المُفتَقِرُ العِلمِ(5)به إلَى العِلمِ بالفَصاحةِ؛ ليَعلَمَ الناظرُ عَدَمَ الفَرقِ الواجبِ حُصولُه بَينَ المُعجِزِ و المُمكِنِ.(6)
و ذلكَ يَقتَضي تَعذُّرَ حُصولِ العِلمِ بالنبوّةِ علىٰ مَن لَيسَ مِن أهلِ المَعرفةِ بالعربيّةِ(7)، و فَرقِ(8)ما بَينَ فَصيحِ(9)الكلامِ و رَكيكِه، و في هذا:
1) . في «ش، ص»: «دون».
2) . في «ص»: «بجنسه». و في المطبوع: «بحسنه».
3) . في المطبوع: «الكذب».
4) في المطبوع: «الصرفة».
5) . في المطبوع: - «العلم».
6) . أي: كي يعلم الباحث أنّ بعض مواضع القرآن لا يختلف في الفصاحة مع أفصح كلام العرب، بالمقدار الذي يجب أن يكون بين الكلام المعجز و غير المعجز. و هذا بالطبع بناءً على نظريّة الصرفة، و سوف يأتي التصريح بها في الجواب.
7) . في المطبوع: - «بالعربيّة».
8) . في المطبوع: «و لم يفرّق».
9) . في المطبوع: «صحيح».
سُقوطُ تكليفِ النبوّةِ عن(1)أكثَرِ الخَلقِ، و الأعاجِمِ، و غيرِهم ممّن لا بَصيرةَ له بالفَصاحةِ.
أو القولُ بوجوبِ تقديمِ مَعرفةِ العربيّةِ؛ و ذلكَ ممّا يَتعسَّرُ(2)في أكثَرِ المُكلَّفينَ، و يَتعذَّرُ في آخَرينَ، مع ما فيه مِن إيجابِ مَعرفةِ العربيّةِ، و وقوفِ تكليفِ النبوّةِ طولَ زمانِ مُهلةِ المَعرفةِ بها.
و لا يُمكنُ أن يُقالَ: خَرقُ العادةِ و تَعذُّرُ المُعارَضةِ(3)كافٍ(4)في تَكليفِ(5)هؤلاءِ العِلمَ(6)بالنبوّةِ.
لأنّا قد بيّنّا ما لا(7)خِلافَ فيه، مِن أنّ خَرقَ العادةِ غيرُ كافٍ في الإعجازِ، حتّىٰ يَكونَ واقعاً علىٰ وجهٍ لا يَصِحُّ دخولُه تَحتَ مقدورِ مُحدَثٍ، و هذا الحُكمُ لا يَحصُلُ مع(8)القولِ بالصَّرفةِ إلّابَعدَ المَعرفةِ بالعربيّةِ، و ذلكَ يَقتَضي ما بيّنّا فَسادَ القولِ به(9).
و كذلكَ إن قيلَ لنا أيضاً: إذا كانَ العِلمُ بمُرادِ اللّٰهِ تَعالىٰ و مُرادِ رسولِه و القائمينَ في الأُمّةِ مَقامَه - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه و عليهم - لا يُعلَمُ إلّابَعدَ العِلمِ بالعربيّةِ التي
1) . في «ج» و المطبوع: «علىٰ».
2) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «يتعذّر».
3) . و لو من باب الصرف؛ فإنّ الصرف فيه أيضاً خرق للعادة، و يستلزم تعذّر المعارضة.
4) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: «كان».
5) . في المطبوع: - «في تكليف».
6) . في المطبوع: «المعلم».
7) . في «أ»: «بلا» بدل «ما لا».
8) . في «ش، ص»: «من».
9) . في المطبوع: «فساد ما بنينا القول به» بدل «ما بيّنّا فساد القول به».
خوطِبنا بها، فيَجِبُ علىٰ كُلِّ مُكلَّفٍ العِلمَ بها أن يَكونَ عالِماً بالعربيةِ؛ و ذلكَ يَقتَضي وجوبَها مُتقدِّمةً(1)- لكُلِّ مُكلَّفٍ بالشريعةِ(2)- علَى النظَرِ فيها.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
اِعلَمْ أنّ هذه الشُّبهةَ لَم تَخطُرْ(3)إلّابِبالِ مَن تَصفَّحَ كُتُبي، و قَرأَ كلامي في نُصرةِ القولِ بالصَّرفةِ، و اعتمادي في نُصرتِها علىٰ أنّ أحَدَنا(4)لا يُفرِّقُ - بالضرورةِ، مِن غيرِ استدلالٍ - بَينَ مَواضِعَ مِن القُرآنِ و بَينَ أفصَحِ كلامٍ للعَرَبِ(5)في الفَصاحةِ،(6)و إن(7)كانَ يُفرِّقُ ما بَينَ أفصَحِ كلامِهم و أدوَنِه تَفرِقةً(8)ظاهرةً. و مُحالٌ أن يُفرِّقَ بَينَ المتقاربَينِ مَن لا يُفرِّقُ بَينَ المتباعدَينِ.
فتركيبُ هذه الشُّبهةِ مِن مفهومِ هذا الكلامِ.
و لَيسَ يُمكِنُ أن نَقولَ(9)في هذا المَوضِعِ ما لا يَزالُ(10)يُقالُ: مِن أنّ الناظِرَ إذا عَلِمَ أنّ القُرآنَ قد تُحُدّيَ(11)به، و لَم تَقَعِ(12)المُعارَضةُ له؛ لتَعذُّرِها عليهم [بالنحوِ] الذي
1) . في «ش، ص»: «مقدّمة». و في المطبوع: «مستدامة».
2) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: «للشريعة».
3) . في «ج» و المطبوع: «لم يخطر».
4) . في المطبوع: «أحداً».
5) . في «أ»: «العرب».
6) . الموضح عن جهة إعجاز القرآن (الصرفة)، ص 36-38 و 42 و 88 و 269؛ الذخيرة، ص 379.
7) . في المطبوع: «فإن».
8) . في «ج»، «يفرقه». و في المطبوع: «بفرقة».
9) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: «أن يقول».
10) . في «ج» و المطبوع: + «أن».
11) . في «ش، ص»: «يحدّى».
12) . في «ج» و المطبوع: «و لم يقع».
لا يَجوزُ أن يَكونَ مُعتاداً؛ فَلَيْسَ بَعدَ ذلكَ إلّاأن يَكونَ القُرآنُ خَرَقَ العادةَ بفَصاحتِه، أو صَرَفَ القومَ عن مُعارَضتِه. و أيُّ الأمرَينِ كانَ فقَد صَحَّت النبوّةُ، فلا فَقرَ بنا إلىٰ مَعرفةِ الوجهِ علىٰ سَبيلِ التفصيلِ.
و ذلك: أنّ هذه الطريقةَ غيرُ مُستَمِرّةٍ، علىٰ ما بَنَينا(1)«كتابَنا في نُصرةِ الصَّرفةِ» عليه؛ لأنّ تَعذُّرَ المُعارَضةِ يُمكِنُ أن يَكونَ لفَرطِ فَصاحةِ القُرآنِ و خَرقِه(2)عادتَنا بفَصاحتِه، إلّاأنّ الناظرَ(3)يُجوِّزُ أن يَكونَ هذا القُرآنُ مِن فِعلِ جِنّيٍّ(4)ألقاه إلىٰ مَن ظَهَرَ عليه يَخرُقُ به عادتَنا؛ لأنّا لا نُحيطُ عِلماً بمَبلَغِ مَراتِبِ(5)الجِنِّ في الفَصاحةِ.(6)
و إذا جَوَّزنا ذلكَ لَم يَثبُتْ كَونُه مُعجِزاً بهذا الضربِ مِن الاستدلالِ، دونَ أن يُعلَمَ أنّ الذي خَرَقَ به عادتَنا حَكيمٌ(7)لا يَجوزُ أن يُصدِّقَ الكَذّابَ(8).
و لهذا قُلنا: إنّ سؤالَ الجِنِّ لا جوابَ(9)عنه إلّاعلىٰ مَذهبِ القائلينَ بالصَّرفةِ؛ لأنّ مَن يَذهبُ إليها(10)يَعلَمُ أنّ جِهةَ تَعذُّرِ المُعارَضةِ(11)علَى العَرَبِ إنّما
1) . في «ج، ش، ص»: «بيّنّا». و في «أ» و المطبوع: «بيّنّا في». و في «ب» الكلمة غير واضحة؛ لعدم نَقطِها. لكنّ النُّسخةَ «ر» واضحةٌ جدّاً فيما أثبتناه.
2) . في المطبوع: «و خرق».
3) . في المطبوع: «للناظر».
4) . في المطبوع: «جنّ».
5) . في المطبوع: «من دين» بدل «مراتب»، و استُظهر في هامشه: «دَيدَن» بدل «دين».
6) . الموضح عن جهة إعجاز القرآن (الصرفة)، ص 137.
7) . في المطبوع: «حكم».
8) . في «ش، ص»: «بالكذّاب». و في المطبوع: «الكذب».
9) . في المطبوع: - «لا جواب».
10) . في «ج» و المطبوع: - «إليها».
11) . في المطبوع: «المقدّمة».
هي للصَّرفِ(1)عنها، لا(2)لفَرطِ الفَصاحةِ، و الصَّرفُ عن العلومِ التي يَتأتّىٰ(3)معها الكلامُ الفَصيحُ لا يَصِحُّ إلّامِن اللّٰهِ تَعالىٰ دونَ كُلِّ قادرٍ مُحدَثٍ.(4)
و الجوابُ عن هذه الشُّبهةِ(5): أنّه(6)إن كانَ هذا القولُ قادحاً في مَذهبِ الصَّرفةِ، فهو قادحٌ في مَذهبِ خُصومِهم القائلينَ بأنّ جِهةَ إعجازِ القُرآنِ فَرطُ فَصاحتهِ؛ لأنّه يُقالُ لهم: إذا(7)كانَ الطريقُ إلَى العِلمِ بأنّ فَصاحةَ القُرآنِ خارقةٌ للعادةِ هو(8)عَدَمُ مُعارَضتهِ، فلَو عورِضَ القُرآنُ بما لا يُشبِهُ فَصاحتَه كمُعارَضةِ مُسَيلِمةَ(9)مِن أينَ كانَ يَعلَمُ العَجَمُ و العوامُّ و كلُّ مَن لا يَعرِفُ العربيّةَ و مَراتِبَ الفَصاحةِ أنّ هذه المُعارَضةَ غيرُ واقعةٍ مَوقِعَها، و هو لا يَعلَمُ أنّه عَلَمٌ مُعجِزٌ إلّابَعدَ أن يَعلَمَ أنّه لَم يُعارَضُ مُعارَضةً مؤثِّرةً؟ فأيُّ شيءٍ قالوه في ذلكَ قُلنا لهم(10)مِثلَه في نُصرةِ القولِ بالصَّرفةِ.
1) . في «ش، ص»: «الصرف».
2) . في «ج» و المطبوع: - «لا».
3) . في المطبوع: «يساق».
4) . الموضح، ص 168-169؛ الذخيرة، ص 393.
5) . أي جواب إشكال الشريف الرسّيّ، و هو جواب نقضيّ و من باب المعارضة.
6) . في «ش، ص»: - «أنّه».
7) . في المطبوع: «و إذا».
8) . في «ج» و المطبوع: «و هو».
9) . أبو ثمامة مسيلِمة بن ثُمامة الوائليّ الكذّاب؛ متنبّئ من المعمَّرين، ادّعى النبوّة في عصر النبيّصلّى اللّٰه عليه و آله. وُلد و نشأ باليمامة في القرية المسمّاة اليوم ب «الجُبيلة» - بقرب «العُيَينة» بوادي حنيفة - في «نجد»، و تَلقَّب في الجاهليّة بالرحمن و عُرف ب «رحمان اليمامة». توفّي النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله قبل القضاء على فتنته، و قُتل في زمن أبي بكر سنة 12 ه. راجع: الكامل لابن الأثير، ج 4، ص 68-71؛ الأعلام للزرِكلي، ج 7، ص 226.
10) . في المطبوع: + «في».
و الجوابُ عن الشُّبهةِ بَعدَ المُعارَضةِ(1): أنّ مَن لَيسَ مِن أهلِ العِلمِ بالفَصاحةِ و مَراتبِها - مِن أعجَميٍّ أو عامّيٍّ - مُتمكِّنٌ مِن العِلمِ بفَضلِ(2)فَصيحٍ مِن الكلامِ علىٰ غيرِه و مَرتَبتِه(3)في الفَصاحةِ، بالرجوعِ إلىٰ أهلِ الصِّناعةِ و السؤالِ لهم، فيَعلَمَ مِن ذلكَ ما تَدعوه الحاجةُ إلىٰ عِلمِه، و إن لَم يَحتَجْ إلىٰ أن يَكونَ هو في نفسِه مِن أهلِ هذه الصِّناعةِ.
ألا تَرىٰ أنّ الأعجَميَّ(4)و العامّيَّ - اللذَينِ لا يَعرِفانِ شَيئاً مِن الفَصاحةِ - يَصِحُّ أن يَعلَما أنّ امرَأَ القَيسِ(5)أفصَحُ مِمّن عَداه مِن الشُّعَراءِ، و أنّ بعضَ الكلامِ الفَصيحِ أفضَلُ مِن بعضٍ - حتّىٰ لا تَدخُلُ(6)عليه في ذلكَ شُبهةٌ - بالخبرِ مِمّن يَعرِفُ ذلكَ؟
و كذلكَ مَن لا يَعرِفُ فَنَّ(7)النِّساجةِ أو الصِّياغةِ(8)يَصِحُّ أن يَعلَمَ في ثَوبٍ أنّه
1) . أي: و الجواب الحَلّيّ بعد الجواب النقضيّ.
2) . في «ب، ج، ص» و المطبوع: «بفصل».
3) . في «ج»: «و مرتبه». و في المطبوع: «و مرتبة».
4) . في المطبوع: «العجميّ».
5) . امرؤ القيس بنُ حُجر بن الحارث بن عمرو بن حُجرٍ آكِلِ المُرار، أبو الحارث الكِنديّ؛ الملِك الضلّيل ذو القروح. يمانيّ الأصل، وُلد بنَجد سنةَ 130 ق ه، كان أبوه مَلِكَ أسَدٍ و غَطفانَ، و أُمّه أُخت المهلهِل الشاعر. قضى أيّام شبابه في اللهو و المجون، إلى أن قُتل أبوه فانصرف عن لهوه و ثأَر من قتَلة أبيه. و هو من أصحاب المعلَّقات السبع، بل أشهَرهم، بل أشهر شعراء العرب على الإطلاق. وصَفَه أميرُ المؤمنين عليه السلام بأنّه «لم يَقُل عن رعنةٍ و لا رهبةٍ». ماتَ في أنقَرة سنة 80 ق ه. راجع: الأغاني، ج 9، ص 55-73؛ الأعلام للزرِكليّ، ج 2، ص 11-12؛ شرح نهج البلاغة، ج 20، ص 154.
6) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «لا يدخل». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
7) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «منّا». و ما أثبتناه موافق ل «ط».
8) . في «ج»: «الصناعة». و في «ش، ص»: «الصباغة».
أفضَلُ مِن غيرِه أو في عِلْقٍ(1)مَصوغٍ.
و إذا كانَت جِهةُ العِلمِ ثابتةً للأعجَميِّ كما أنّها ثابتةٌ للعَرَبيِّ، جازَ أن يَعلَمَ بالرجوعِ(2)إلىٰ أهلِ الصِّناعةِ أنّ الفَرقَ بَينَ أفصَحِ كلامِ العَرَبِ و بَينَ بعضِ قِصارِ سُوَرِ(3)المُفصَّلِ(4)في الفَصاحةِ غيرُ ظاهرٍ(5)ظُهورَ الفَرقِ بَينَ فَصاحةِ شِعرِ(6)الجاهليّةِ و المُحدَثينَ.
فحينَئذٍ يَعلَمُ أنّ جِهةَ إعجازِه هي الصَّرفةُ، لا فَرطُ فَصاحتِه؛ لأنّه قد عَلِمَ تَعذُّرَ المُعارَضةِ لا مَحالةَ(7)، و إذا لَم تَكُن(8)مُتعذِّرةً(9)لفَرطِ الفَصاحةِ فلَيسَ إلّاالصَّرفُ.
و القولُ في أحكامِ خِطابِ العربيّةِ يَجري مَجرىٰ ما ذَكَرناه، في أنّ الأعجَميَّ(10)يُمكِنُ(11)أن يَعلَمَه مِن أهلِه و إن لَم يَكُن هو في نفسِه عالِماً بالعربيّةِ.
و مَن هذا الذي يَشُكُّ في أنّ مَن كُلِّفَ مَعرفةَ مُرادِ اللّٰهِ تَعالىٰ بخِطابِه و مُرادِ الرسولِ عليه السلامُ بكَلامِه لا بُدَّ مِن أن يَكونَ له طَريقٌ إلىٰ مَعرفةِ ذلكَ؟
1) . العِلْق: النفيس من كلّ شيء يتعلَّق به القلب. المعجم الوسيط، ص 622 (علق).
2) . في «ب، ش، ص»: «المرجوع». نعم، استُظهر في حاشية «ب» ما أثبتناه.
3) . في «ج» و المطبوع: - «سور».
4) . في «ش» و المطبوع: «المفضّل». و في «أ»: + «من القرآن».
5) . في «ش، ص»: «ظاهر غير»؛ بتقديم و تأخير، و هو سهو واضح.
6) . في «ش، ص»: «شعراء».
7) . في «ج» الكلمة غير واضحة؛ كأنّها كُتبَت باختصار الحروف. و في المطبوع: «لائحة» بدل «لا محالة».
8) . في «ج» و المطبوع: «لم يكن».
9) . في المطبوع: «معارضته». و من قوله: «الصرفة، لا فرط فصاحته» إلىٰ هنا ساقط من «ش، ص».
10) . في المطبوع: «للأعجميّ».
11) . في المطبوع: - «يمكن».
فإن كانَ مِن أهلِ العربيّةِ و العِلمِ بمَوضوعاتِ أهلِها(1)، فهو يَرجِعُ إلىٰ عِلمِه و نفسِه في العِلمِ(2)بالمُرادِ مِن الخِطابِ.
و إن كانَ لَيسَ مِن أهلِ العربيّةِ، فلا بُدَّ مِن الرجوعِ إلىٰ أهلِها فيما يَحتاجُ إلىٰ عِلمِه؛ حتّىٰ يَتِمَّ له العِلمُ بالمُرادِ مِن الخِطابِ.
و علىٰ هذا الوجهِ الذي أشَرنا إليه يَعلَمُ الأعاجِمُ مُرادَ اللّٰهِ تَعالىٰ بخِطابِ القُرآنِ، و مُرادَ العَرَبِ بخطابِهم لهم و مُحاوَرَتِهم(3)، و يَعلَمُ أيضاً العربيُّ مُرادَ العَجَميِّ في خِطابِه له.
و هذه جُملةٌ كافيةٌ.
ما حُكمُ المُكلَّفينَ الذينَ دَعاهم رَسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه - بنفسِه و النائبينَ(1)عنه - فأبَوا الإجابةَ؟ أ(2)كانوا عارفينَ باللّٰهِ تَعالىٰ و صِفاتِه و عَدلِه، أم لَم يَكونوا كَذلكَ؟
فإن كانوا عارفينَ، وَجَبَ أن يَستَحِقّوا بمَعرفتِهم الثوابَ، و ذلكَ يُنافي كَونَهم كُفّاراً بتَركِ إجابتِه عليه السلامُ، علىٰ أُصولِكم في القولِ بفَسادِ التَّحابُطِ(3).
و إن كانوا غيرَ(4)عارفينَ، فالواجبُ تقديمُ دَعوَتِهم(5)، و ترتيبُ الأدلّةِ عليها(6)، و التخويفُ(7)مِن إهمالِ(8)النظَرِ فيها، قَبلَ الدعوَةِ إلَى «الشرائعِ» التي هي فَرعٌ لها، و ألطافٌ فيها(9). و إيجابُ اللُّطفِ مع الجهلِ بما هو لُطفٌ فيه لا يَصِحُّ. و لأنّ
1) . في «ج» و المطبوع: - «و النائبين».
2) . في «ج» و المطبوع: «إذا» بدل همزة الاستفهام.
3) . في «ج» و المطبوع: «الحابط».
4) . في «ش، ص»: «بغير».
5) . في «أ»: «معرفتهم». و في «ج» و المطبوع: «دعواهم».
6) . في المطبوع: «عليهم».
7) . في المطبوع: - «و التخويف».
8) . في المطبوع: «أعماق».
9) . فإنّ الشرعيّات ألطاف في العقليّات.
صِحّتَها(1)موقوفةٌ علىٰ تَقدُّمِ المَعرفةِ بمَن يُتوجَّهُ بها إليه.
و لَو دَعا إلىٰ ذلكَ و رَتَّبَه تَرتيبَكم(2)، لَوَجَبَ(3)حصولُ العِلمِ به علىٰ وجهٍ لا يَصِحُّ دخولُ الشُّبهةِ فيه، كسائرِ ما دَعا إليه مِن الفَرائضِ، و كحُصولِ العِلمِ بما رَتَّبَه كُلٌّ منكم(4)- مَعشَرَ المُتكلِّمينَ - و دَعا إليه مِن العباداتِ عن الأدلّةِ؛ و في عَدَمِ ذلكَ دليلٌ علىٰ سُقوطِ ما توجِبونَه(5)مِن النَّظَرِ في طريقِ المَعارفِ، أو القولِ بأحَدِ(6)ما قَدَّمناه ممّا هو ظاهرُ الفَسادِ عندَكم.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
اِعلَمْ أنّ مَن عَلِمنا أنّه كافرٌ مُستَحِقٌّ للعِقابِ الدائمِ، فإنّه لا يَجوزُ - مع المَذهبِ الصحيحِ الذي نَذهَبُ(7)إليه في فَقدِ التحابُطِ(8)بَينَ الثوابِ و العِقابِ - أن يَكونَ معه إيمانٌ أو طاعةٌ يَستَحِقُّ بها الثوابَ؛ لأنّ الطاعةَ يُستَحقُّ بها الثوابُ الدائمُ، و لا يَجتَمِعُ استحقاقُ الدائمَينِ مِن ثوابٍ و عِقابٍ.
و مَن جَهِلَ نُبوّةَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كافرٌ بِلا شُبهةٍ، فهو مُستَحِقٌّ للعِقابِ الدائمِ؛ فلَو كانَ عارفاً باللّٰهِ تَعالىٰ و صِفاتِه و عَدلِه، لَكانَ قد اجتَمَعَ له
1) . أي الشرائع. و هكذا مرجع ضمير «بها» القادم.
2) . في المطبوع: «برسكم»، و جاء في هامشه: «الرسى [كذا، و الصواب: الرَّسو و الرُّسُوّ]: الثبوت و الرسوخ، و منه قولُه تعالىٰ: «أَيّٰانَ مُرْسٰاهٰا»».
3) . في «ج» و المطبوع: «يوجب».
4) . في جميع النسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «منهم»؛ و هو سهو.
5) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «يوجبونه».
6) . في «أ، ب، ش، ص»: «بأخذ».
7) . في «ج»: «يذهب».
8) . في المطبوع: «الحابط».
استحقاقُ الدائمَينِ مِن الثوابِ و العقابِ مع فَسادِ التحابُطِ(1)و أجمَعَت الأُمّةُ علىٰ بُطلانِ ذلكَ.
فعَلِمنا أنّ الذي يُظهِرُه نافي(2)النُّبوّةِ مِن(3)المَعرفةِ باللّٰهِ تَعالىٰ هو(4)نِفاقٌ، أو هو مُعتَقِدٌ لها تقليداً، أو بغَيرِ دليلٍ(5). و لَيسَ يُمكِنُ أن يُدَّعىٰ(6)أنّا نَعلَمُ ضرورةً كَونَ أحَدِنا عارفاً؛ لأنّ ذلكَ ممّا لا يَصِحُّ أن يَعلَمَه(7)أحَدُنا مِن غيرِه، و إنّما يَصِحُّ أن يَعلَمَه مُعتَقِداً.(8)
و قد بيّنّا في مَواضِعَ مِن كلامِنا(9): أنّه لا يَجوزُ أن يُستَدلَّ(10)علىٰ أنّ مُخالِفينا في النُّبوّةِ عارفونَ باللّٰهِ تَعالىٰ مِن حَيثُ نَظَروا في أدلّتِنا و رَتَّبوها(11)تَرتيبَنا(12)، و أنّه لا يَجوزُ أن يَحصُلَ لهم مِن العِلمِ ما حَصَلَ لنا؛ لأنّ ذلكَ غيرُ معلومٍ لنا مِن جِهتِهم؛ فإنّا لا نَقطَعُ علىٰ أنّهم ناظرونَ في الأدلّةِ التي نَظَرنا فيها، و لَو نَظَروا فيها لَما عَلِمنا أنّهم ناظِرونَ مِن الوجهِ الذي كانَت عليه أدلّةً، و لَو عَلِمنا ذلكَ - علىٰ بُعدِه - لَما
1) . في المطبوع: «الحابط».
2) . في المطبوع: «ما في» بدل «نافي». نعم استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
3) . في المطبوع: «في».
4) . في المطبوع: «سهو و» بدل «هو».
5) . في «ج» و المطبوع: «ذلك».
6) . في «ش، ص»: «أن ندّعي».
7) . من قوله: «أحدنا عارفاً» إلىٰ هنا ساقط من «ج» و المطبوع.
8) . و الاعتقاد أعمّ من المعرفة (العلم) و التقليد و الجهل المركّب. راجع: الحدود، ص 89-90.
9) . راجع: الذخيرة، ص 163.
10) . في «ش، ص»: «أن نستدلّ».
11) . في «ج» و المطبوع: «و رسوها».
12) . في «أ»: «ترتيباً». و في «ج»: «برنتينا». و في المطبوع: «برسينا».
عَلِمنا أنّهم(1)علَى الصفةِ التي يُوَلِّدُ(2)معها النظَرُ لهم العِلمَ بالمنظورِ فيه؛ و غيرُ(3)مُمتَنِعٍ أن يَكونوا(4)علىٰ صِفاتٍ(5)و اعتقاداتٍ لا يَجوزُ معها توليدُ(6)النظَرِ العِلمَ(7).
و الذي يَجِبُ أن نَعلَمَه(8)علىٰ سَبيلِ الجُملةِ: أنّهم لَو نَظَروا و أحوالُهم كأحوالِ مَن وَلَّدَ نَظَرُه العِلمَ لَتولَّدَ(9)لهم العِلمُ(10)فإذا عَلِمنا أنّهم غيرُ عالِمينَ، فلا بُدَّ مِن أن يكونَ بعضُ الشرائطِ قد(11)اختَلَّت فيهم.
و قد مَثَّلَ المُتكلِّمونَ في كُتُبِهم ذلكَ بالرُّماةِ علىٰ سَمتٍ واحدٍ، إذا(12)أصابَ أحَدُهم الغرضَ، و ادَّعَى الرامي الآخَرُ الذي لَم يُصِبْ سَهمُه الغرضَ أنّه رَمىٰ في سَمتِ المُصيبِ و علىٰ حَدِّ رَميِه و علىٰ أحوالِه كُلِّها، فإنّا نَعلَمُ أنّ مُدَّعِيَ ذلكَ كاذبٌ؛ لأنّه لَو كانَ صادقاً لأَصابَ كَما أصابَ صاحبُه.
و قد كُنّا ذَكَرنا وجهاً غريباً خَطَرَ لنا في «جوابِ المَسائلِ البَرمَكيّاتِ(13)» - ما
1) . في «أ»: «أنّه». و من قوله: «ناظرون من الوجه» إلىٰ هنا ساقط من «ج» و المطبوع.
2) . في «أ، ب، ش، ص»: «تولّد».
3) في المطبوع: «غير» بدون واو العطف.
4) . في المطبوع: «أن يكون».
5) في المطبوع: «صفة».
6) . في «ب»: «تولّد». و في «ج» و المطبوع: «ثواب».
7) . في المطبوع: «المعلم».
8) . في «أ، ب، ج»: «أن يعلمه».
9) . في «ج»: «بالتولّد».
10) . في «ش، ص» و المطبوع: - «لتولّد لهم العلم».
11) . في المطبوع: - «قد».
12) . في المطبوع: - «إذا».
13) . هكذا في النُّسخ المعتمدة و المطبوع. و في «ط»: «الرمليّات» بدل «البرمكيّات». كما سمّاهاالمحقّق الطهراني بالرمليّات، حيث قال في الذريعة: «جوابات المسائل الرمليّات... أحال إليها السيّدُ نفسُه في جواب المسألة الرابعة من الرَّسّيّات الأُولىٰ». الذريعة، ج 5، ص 222. كما ذكر ذلك السيّد محمّد صادق بحر العلوم في تعليقة على الفوائد الرجالية، ج 3، ص 152، الهامش 1. و لعلّه شاهد نفس نسخة المحقّق الطهراني. و قد ذكر البُصروي المسائل البرمكيّات في فهرسه، و قال: «المسائل البرمكيّة، و هي خمس، و هي المسائل الطوسيّة». و هي مفقودة.
ذَكَرناه إلّافيها - و هو أن سَلَّمنا حُصولَ المَعارفِ لبعضِ الكُفّارِ، غيرَ أنّا قُلنا: إنّ المعرفةَ إنّما يُستَحَقُّ(1)عليها الثوابُ إذا فُعِلَت للوجهِ الذي منه(2)وَجَبَت، فأمّا إذا فُعِلَت لوَجهٍ آخَرَ لَم تَجِبْ(3)منه؛ فإنّ الثوابَ لا يُستَحَقُّ عليها.
ألا تَرىٰ أنّ(4)مَن رَدَّ الوديعةَ لا لوجوبِها عليه، بَل للرِّياءِ و السُّمعةِ و ليودَعَ أمثالَها، فإنّه لا يَستَحِقُّ علَى الردِّ مَدحاً و لا ثَواباً؟
و علىٰ هذا التقديرِ لا يُمنَعُ(5)أن يَكونَ مَن جَوَّزنا أن يَكونَ معه مَعرِفةُ اللّٰهِ تَعالىٰ مِن الكُفّارِ، ما فَعَلَها لوَجهِ وجوبِها، بَل لوَجهٍ آخَرَ، فلا يَستَحِقُّ عليها ثَواباً؛ و إنّما يُمنَعُ(6)مِن اجتماعِ استحقاقِ(7)الثوابِ و العِقابِ الدائمَينِ.
و إذا جازَ أن يَكونَ في المَعارِفِ ما لا يُستَحَقُّ عليه الثوابُ، أجَزنا أن يُجامِعَ الكُفرَ.
فأمّا ما مَضىٰ في السؤالِ: مِن أنّهم إذا كانوا غيرَ عارفينَ باللّٰهِ تَعالىٰ، فالواجبُ أن يَتقدَّمَ دُعاؤهم إلَى المَعرِفةِ باللّٰهِ تَعالىٰ علَى الدعاءِ إلَى الشرائعِ.
فعَلىٰ هذا جَرَى الأمرُ، و إنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ يأمُرُ الدُّعاةَ - الذينَ يَصدُرونَ(8)منه إلىٰ أطرافِ البِلادِ - بأن يَدعو الناسَ إلىٰ مَعرِفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ و وَحدانيّتِه، ثُمَّ إلىٰ نُبوّتِه عليه السلامُ و شَريعتِه؛ و الأخبارُ في السيرةِ مَملُوّةٌ مِن هذه
الألفاظِ. و لَو لَم يَرِدْ في ذلكَ خبرٌ، لَكُنّا نَعلَمُ أنّ الأمرَ جَرىٰ عليه؛ لقيامِ الأدلّةِ علىٰ صِحّتِه.
و إنّما ظُهورُ الدُّعاءِ إلَى النُّبوّةِ و الشريعةِ أكثَرُ مِن ظُهورِ الدُّعاءِ إلَى التوحيدِ و العَدلِ لأنّ المَعرِفةَ بالتوحيدِ و العَدلِ إليها(1)دُعاةٌ، و عليها حُداةٌ(2)مِن الناسِ، و الخَواطِرِ، و مُشاهَدةِ آثارِ الصَّنعةِ في العالَمِ(3)فلَو لَم يَدعُ إليها داعٍ بعَينِه، لَكانَ في تلكَ الدواعي التي أشَرنا إليها(4)كِفايةٌ.
و لَيسَ كذلكَ النُّبوّةُ و الشريعةُ؛ لأنّه لا طريقَ إلَى الدُّعاءِ إليهما إلّاقولُ النبيِّ عليه السلامُ و تنبيهُه، أو قولُ مَن يَكونُ رَسولاً له(5)و مؤدّياً عنه.
و لا أحَدَ مِن المُكلَّفينَ إلّاو هو مَدعُوٌّ بعَقلِه، و بما(6)يَسمَعُه أيضاً مِن غيرِه إلَى النظَرِ في مَعرِفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ. و لا داعيَ له إلىٰ مَعرِفةِ نُبوّةِ نَبيٍّ(7)و شَريعتِه إلّاقولُ ذلكَ النبيِّ و تنبيهُه، أو قولُ مَن يؤدّي عنه.
و هذا واضحٌ.(8)
1) . في «ج» و المطبوع: «إليه». و استُظهر في هامش المطبوع: «إليهما»، كما استُظهر كونُ «عليها» الآتية: «عليهما»، و «إليها» الآتية: «إليهما».
2) . في «أ» شُطب علىٰ «إليها دُعاةٌ و عليها حُداةٌ» و سُطِرَ بدله: «جِبِلّيٌّ و فطريٌّ لأهلِ النظَرِ، آياتُ صُنعِه تَعالىٰ في العالَمِ داعيةٌ إليها».
3) . راجع: الذخيرة، ص 171.
4) . في المطبوع: «إليه». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
5) . في المطبوع: «رسوله» بدل «رسولاً له».
6) . في المطبوع: «ربما» بدل «و بما». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
7) . في المطبوع: «نبوّته» بدل «نبوّة نبيّ».
8) . سوف يشير المصنِّف رحمه اللّٰه في المسألة الأخيرة من الرسّيّة الثانية إلىٰ هذه المسألة و إلى هذا البحث، فراجع.
هل يَجوزُ لِعالِمٍ أو مُتمكِّنٍ مِن العِلمِ أو عامّيٍّ الرجوعُ في تَعرُّفِ أحكامِ ما يَجِبُ عليه العملُ به مِن التكليفِ الشرعيِّ إلىٰ كِتابٍ مُصنَّفٍ ك «الرسالةِ(1)المُقنِعةِ» و «رسالةِ ابنِ بابَوَيهِ»، أو كِتابِ رِوايةٍ ك «الكافي» للكُلَينيِّ، أو كِتابِ(2)أصلٍ ك «كِتابِ الحَلَبيِّ»؛ أم لا يَجوزُ ذلكَ؟
فإن كانَ جائزاً، فما الوجهُ فيه؟ مع أنّه غيرُ مُثمِرٍ لعِلمٍ، و لا موجِبٍ ليَقينٍ، بَل الفقهاءُ العاملونَ بأخبارِ الآحادِ لا يُجيزونَ ذلكَ!
و إن كانَ غيرَ جائزٍ، فما الغرضُ في وَضعِ هذه الكُتُبِ، و هي لا تُجدي نَفعاً؟ و ما الوجهُ فيما عَلِمناه مِن رجوعِ عامّةِ طائفتِنا - علىٰ قَديمِ الدهرِ و حَديثهِ - إلَى العملِ بهذه الكُتُبِ، و ارتفاعِ النَّكيرِ مِن العلماءِ مِنّا علَى العاملِ بها؟ بَل نَجِدُهم يُدرِّسونَها مُطلَقةً مِن حُجّةٍ(3)، خَليّةً مِن بَيِّنةٍ علىٰ تَركِ العملِ بمُتضمَّنِها(4)بَل يَكادُ يُعلَمُ مِن قَصدِهم إيجابُ الدينِ(5)بها.
1) . في المطبوع: «رسالة».
2) . في النُّسخ المعتمدة: «و كتاب». و الأنسب بالسياق ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
3) . في المطبوع: «جهة».
4) . في «أ»: «بمضمنها»، و في حاشيته: «بمضامينها».
5) . في «ج» و المطبوع: «التديّن». و دانَ بكذا دِيناً و دِيانةً: اتَّخَذَه دِيناً و تَعبَّدَ به، فهو دَيِّنٌ. راجع: لسان العرب، ج 13، ص 167 (دين).
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(1):
اِعلَمْ أنّه لا يَجوزُ لِعالِمٍ و لا عامّيٍّ الرجوعُ في حُكمٍ مِن أحكامِ الشريعةِ إلىٰ كِتابٍ مُصنَّفٍ؛ لأنّ العملَ لا بُدَّ مِن أن يَكونَ تابعاً للعِلمِ علىٰ بعضِ الوجوهِ، و النظَرُ في الكِتابِ لا يُفيدُ عِلماً؛ فالعاملُ بما وَجَدَه فيه لا يأمَنُ مِن(2)أن يَكونَ مُقدِماً علىٰ قَبيحٍ.
و لا يَلزَمُ علىٰ هذه الجُملةِ [عدمُ] جوازِ العملِ بالفُتيا و تقليدِ المُفتي(3)لأنّ هذا العملَ مُستَنِدٌ إلَى «العِلمِ»، و هو قيامُ الحُجّةِ علَى المُستَفتي بأنّ له أن يَعمَلَ بقَولِ المُفتي؛ فهو آمِنٌ(4)لهذا الوجهِ مِن أن يَكونَ فاعلاً لقَبيحٍ، و لَيسَ كُلُّ هذا موجوداً في تَناوُلِ الأحكامِ مِن الكُتُبِ.
فإن قيلَ: فعَلىٰ هذا يَجِبُ أن(5)تُجَوِّزوا(6)التعبُّدَ لنا بأن نَرجِعَ في الأحكامِ إلَى الكُتُبِ - كما نَرجِعُ إلَى العلماءِ و نأمَنُ مِن القَبيح؛ لأجلِ دليلِ التعبُّدِ - كما قُلتم في المُفتي.
قُلنا: لمّا تُعُبِّدَ العامّيُّ بالرجوعِ إلَى المُفتي، تُعُبِّدَ(7)بالرجوعِ إلىٰ مَن له صفةٌ مخصوصةٌ، يَتمكَّنُ مِن مَعرفتِها و تمييزِها(8)، و يَثِقُ - لأجلِ دليلِ التعبُّدِ - بأنّ ما
1) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق»
2) في «ب، ش، ص»: - «من».
3) . ذهب المصنِّف رحمه اللّٰه إلىٰ عدم جواز التقليد، إلّاإذا دلّ دليل قطعي علىٰ جواز العمل بقول المفتي. راجع: الفصل الرابع من المسائل التبّانيّات.
4) . في «ب»: + «به». و في المطبوع: «فيأمن».
5) . في «ش، ص»: - «أن».
6) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: - «تجوّزوا».
7) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: - «بالرجوع إلى المفتي، تعبّد».
8) . في «أ، ش، ص»: «و تميّزها».
يُفتيهِ به يَجِبُ عملُه(1)عليه.
و إذا قيلَ له: «اِرجِعْ في الأحكامِ إلَى الكُتُبِ» مِن غيرِ تعيينٍ و لا صفةٍ مخصوصةٍ، لَم يَكُن للحقِّ جهةٌ مُعيَّنةٌ مُتميِّزةٌ(2)و لكِنْ لَو قيلَ له: «اِرجِعْ إلَى الكِتابِ الفُلانيِّ»، و سُمّيَ الكِتابُ و عُيِّنَ(3)، أو وُصِفَ بوَصفٍ لا يوجَدُ إلّافيه، لَجَرىٰ(4)مَجرَى الفُتيا، في جوازِ العبادةِ به، و حُصولِ الأمنِ مِن الإقدامِ علَى القَبيحِ.
و أمّا الإلزامُ لنا أن لا يَكونَ في تَكلُّفِ(5)هذه الكُتُبِ فائدةٌ، إذا كانَ العملُ بها غيرَ جائزٍ.
فلَيسَ بصَحيحٍ؛ لأنّ مُصنِّفَ هذه الكُتُبِ قد أفادَنا بتَصنيفِها، و تَرصيفِها(6)، و حَصرِها(7)، و جَمعِها مَذاهبَه التي يَذهَبُ إليها في هذه الأحكامِ؛ و أحالَنا في مَعرِفةِ صِحّتِها مِن فَسادِها(8)علَى النظَرِ في الأدلّةِ و وجوهِ صِحّةِ ما سَطَرَه في كِتابِه.
و لَو لَم يَكُن في هذه الكُتُبِ المُصنَّفةِ إلّاأنّها تَذكرةٌ لنا بما يَجِبُ أن يُنظَرَ فيه(9)
1) . في «ج» و المطبوع: «علمه». نعم، استُظهر في هامش المطبوع ما أثبتناه.
2) . في المطبوع: + «مثمرة».
3) . في «ش، ص»: «و ميِّز».
4) . في «ج»: «طوى». و في «ش، ص» و المطبوع: «يجري».
5) . في المطبوع: «أن لا تكون في تصنيف».
6) . في «ش، ص»: - «و ترصيفها». و «الرَّصف»: الشدّ و الضمّ. و رَصَفَ السهمَ: شَدَّه بالرِّصاف. و «الترصيف»: الجمع و التأليف و الترتيب. راجع: لسان العرب، ج 9، ص 120 و 121؛ تاج العروس، ج 12، ص 232 (رصف).
7) . في «ب»: «و خصرها». و في «ش، ص»: «و حضرها». و في المطبوع: «و حصرها و ترصيفها» بدل «و ترصيفها و حصرها».
8) . في المطبوع: «و فسادها» بدل «من فسادها».
9) . في «ب»: «أن ننظر فيه». و في المطبوع: «أن ننظر فيها».
مِن أحكامِ الشرعيّاتِ [لَكفىٰ]؛ لأنّ مَن لَم تُجمَعْ له هذه المَسائلُ حتّىٰ يَنظُرَ في كُلِّ واحدةٍ منها و دليلِ صِحّتِه، تَعِبَ و طالَ زمانُه في جَمعِ ذلكَ، فقَد كُفيَ بما تُكُلِّفَ له مِن جَمعِها مَؤونةَ الجَمعِ، و بَقيَ عليه مَؤونةُ النظَرِ في الصحّةِ أو الفَسادِ.
و نَرىٰ كَثيراً مِن الفقهاءِ يَجمَعونَ و يَقرَؤونَ(1)- للمُتعلِّمينَ و لنُفوسِهم علىٰ سَبيلِ التذكِرةِ - رُؤوسَ مَسائلِ الخِلافِ مُجرَّدةً مِن المَسائلِ و العِلَلِ، و يَتَدارَسونَ ذلكَ و يَتَلقَّنونَه(2)، و نَحنُ نَعلَمُ أنّ اعتقادَ ذلكَ بغَيرِ حُجّةٍ لا يَسوغُ(3). و لَيسَ إذا لَم يَجُز ذلكَ لَم يَكُن في جَمعِ ذلكَ و تَسطيرِه فائدةٌ؛ بَل الفائدةُ ما أشَرنا إليه.
فأمّا ما مضىٰ في أثناءِ الكلامِ مِن أنّ قَوماً مِن طائفتِنا يَرجِعونَ(4)إلَى العملِ بهذه الكُتُبِ مُجرَّدةً مِن(5)حُجّةٍ، و لا يُنكِرُ بعضُهم علىٰ بعضٍ فِعلَه؛ فقَد بيّنّا في «جوابِ مَسائلِ التَّبّانيّاتِ»(6)الجوابَ عن هذا الفَصلِ، و بَسَطناه و شَرَحناه، و انتَهَينا فيه إلَى الغايةِ القُصوىٰ؛ و قُلنا: إنّا ما نَجِدُ مُحصِّلاً مِن أصحابِنا يَرجِعُ إلَى العملِ بما في هذه الكُتُبِ مِن غيرِ حُجّةٍ تَعضُدُه و دَلالةٍ تُسنِدُه(7)، و مَن فَعَلَ ذلكَ منهم فهو عامّيٌّ مُقلِّدٌ في الأُصولِ؛ و كما يُرجَعُ في الأحكامِ إلىٰ هذه الكُتُبِ، فهو أيضاً يَرجِعُ في التوحيدِ و العَدلِ و النُّبوّةِ و الإمامةِ إلىٰ هذه الكُتُبِ. و قد عَلِمنا أنّ الرجوعَ في هذه(8)
الأُصولِ إلَى(1)الكُتُبِ خَطأٌ و جَهلٌ؛ فكذلكَ الرجوعُ إليها في الفُروعِ بِلا حُجّةٍ.
و ما زالَ علماءُ الطائفةِ و مُتكلِّموهُم يُنكِرونَ على عَوامِّهم العملَ بما يَجِدونَه في الكُتُبِ مِن غيرِ حُجّةٍ؛ مُشافَهةً، و فيما(2)يُصنِّفونَه(3)في كُتُبِهم، و رَدِّهم علىٰ أصحابِ التقليدِ؛ فكَيفَ يُقالُ: «إنّ النَّكيرَ ارتَفَعَ(4)»، و هو أظهَرُ مِن الشمسِ الطالِعةِ؟
اللّهمَّ إلّاأن يُرادَ أنّ النَّكيرَ مِن بعضِ أهلِ التقليدِ علىٰ بعضٍ ارتَفَعَ، فذلكَ غيرُ نافعٍ؛ لأنّ المُنكِرَ لا يُنكِرُ ما يَستَعمِلُ مِثلَه(5)، و إنّما يُنكِرُ مِن الأفعالِ ما هو له مُجانِبٌ(6). و لا اعتبارَ بعَوامِّ الطائفةِ و طَغامِهم، و إنّما الاعتبارُ بالعلماءِ المُحصِّلينَ المُحقِّقينَ(7).
1) . في «ش، ص»: «في». و في المطبوع: + «هذه».
2) . في «ج» و المطبوع: «و ممّا». نعم، استُظهر في هامش المطبوع ما أثبتناه.
3) . في «ش، ص»، «يضيفونه». و في المطبوع: «يصيفونه».
4) . في المطبوع: «غير واقع» بدل «ارتفع».
5) . في المطبوع: «قبله».
6) . في «ج» و المطبوع: «بجانب». و في «ص»: «متجانب».
7) . في المطبوع: - «المحقّقين».
ما المُرادُ بفَتوَى العِصابةِ(1)فيمن جامَعَ(2)قَبلَ عَرَفةَ، أو فاتَه المَشعَرُ(3)الحَرامُ، أو تَعمَّدَ تَركَ رُكنٍ مِن أركانِ الحَجِّ، بأنّ «عليه الحَجُّ(4)مِن قابلٍ»؛ حَجّاً(5)واجباً كانَ أو تَطوُّعاً، أو هو مُختَصٌّ بحَجِّ(6)الفَرضِ؟
فإن كانَ مُختَصّاً بالفَرضِ، فما الدليلُ المُخصِّصُ له به؟ مع كَونِ الفُتيا مِن الطائفةِ، و الروايةِ الثابتةِ بذلكَ، مُطلَقةً.
و إن كانَ المُرادُ الجميعَ، فالتطوُّعُ في الأصلِ غيرُ واجبٍ؛ فكَيفَ يَجِبُ قَضاؤه؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
اِعلَمْ أنّه لا خِلافَ بَينَ الإماميّةِ في أنّ المُجامِعَ قَبلَ الوقوفِ بعَرَفةَ أو بالمَشعَرِ الحَرامِ يَجِبُ عليه مع الكَفّارةِ قَضاءُ هذه الحَجّةِ؛ نَفلاً كانَت، أو فَرضاً؛ و ما فَرَّقَ أحَدٌ منهم في هذا الحُكمِ بَينَ الفَرضِ و النَّفلِ.
و ما أظُنُّ أحَداً مِن فقهاءِ(1)العامّةِ يُخالِفُ أيضاً في ذلكَ. و أصحابُ أبي حَنيفَةَ - إذا ناظَروا أصحابَ الشافعيِّ في أنّ الداخلَ في صَلاةِ تَطوُّعٍ أو صيامِ نافلةٍ، تَجِبُ(2)عليه هذه العبادةُ بالدخولِ فيها، و قَضاؤها إن أفسَدَها - جَعَلوا(3)حَجَّ النافلةِ أصلاً لهم و قاسوا عليه غيرَه مِن العباداتِ.
و أصحابُ الشافعيِّ أبَداً(4)يُفرِّقونَ بَينَ المَوضِعَينِ: بأنّ(5)الحَجَّ آكَدُ مِن باقي العباداتِ؛ لأنّه لا خِلافَ في وجوبِ المُضيِّ في فاسِدِه، و لَيسَ كذلكَ الصلاةُ و الصيامُ، فلَيسَ يَمتَنِعُ لهذه المَزيّةِ أن يَختَصَّ الحَجُّ بأنْ يَجِبَ منه ما كانَ نَفلاً بالدخولِ فيه.
و إذا كُنّا لا نُراعي في الشريعةِ القياسَ، و لا(6)نُثبِتُ(7)الأحكامَ بعِلَلٍ قياسيّةٍ(8)، فلا حاجةَ بنا إلىٰ هذه التفرِقةِ. و ما علينا أكثَرُ مِن أن نَدُلَّ علىٰ أنّ حُكمَ(9)إفسادِ الحَجِّ ما ذَكَرناه، و أنّه يُخالِفُ حُكمَ إفسادِ الصلاةِ أو الصومِ إذا كانَ تَطوُّعاً؛ و إجماعُ الطائفةِ - الذي هو حُجّةٌ؛ علىٰ ما بيّنّاه في عِدّةِ مَواضِعَ - هو المُفرِّقُ(10)بَينَ حُكمِ المَوضِعَينِ.
1) . في المطبوع: «قضاة».
2) . في «أ، ج» و المطبوع: «يجب».
3) . في المطبوع: «و جعلوا».
4) . في المطبوع: + «ما».
5) . في «أ، ج» و المطبوع: «فإنّ».
6) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: - «لا».
7) . في «أ، ج»: «يثبت». و في «ش، ص»: «تثبيت».
8) . في المطبوع: «قياسه».
9) . في «ج» و المطبوع: - «حكم». نعم، استُظهر في هامش المطبوع ما أثبتناه.
10) . في المطبوع: «الفارق».
فإن قيلَ: إذا كانَت الحَجّةُ تَجِبُ بالدخولِ فيها، فأيُّ مَعنىً لقَولِ الفقهاءِ: «إنّ في الحَجِّ نَفلاً، كما أنّ فيه فَرضاً» و علىٰ هذا التقديرِ لا حَجَّ إلّاو هو واجبٌ؛ لأنّ النَّفلَ يَجِبُ بالدخولِ، فيُلحَقُ بالواجبِ.
قُلنا: مَعنىٰ قولِنا: «إنّ في الحَجِّ نَفلاً» أنّ فيه ما لا يَجِبُ علينا أن نَدخُلَ فيه، و لا أن نُنشئَ الإحرامَ به؛ و «الحَجُّ الواجبُ» هو الذي يَجِبُ الدخولُ فيه، و يَستَحِقُّ مَن لَم(1)يَفعَلْه الذمَّ.
و علىٰ هذا التقديرِ لا يَجوزُ أن يَكونَ شَيءٌ(2)مِن أفعالِ الحَجِّ - سِوَى الإحرامِ فَقَط - نَفلاً غيرَ واجبٍ؛ كالوقوفِ و الطوافِ، و ما أشبَهَ ذلكَ.
و علىٰ مَذهبِ أبي حَنيفةَ في وجوبِ الصلاةِ بالدخولِ فيها يَجِبُ أن لا يَكونَ في أفعالِ الصلاةِ شَيءٌ نَفلاً، سِوىٰ تكبيرةِ الِافتتاحِ، و باقي الأفعالِ - مِن رُكوعٍ و سُجودٍ و قِراءةٍ - يَجِبُ أن يَكونَ واجباً؛ لأنّه يوجَبُ النَّفلُ بالدخولِ فيه.
فإن قيلَ: إذا كانَ الصحيحُ مِن مَذاهبِكم(3): «أنّ الشرعيّاتِ إنّما تَجِبُ لأنّها ألطافٌ في العقليّاتِ، و لا وجهَ لوجوبِها إلّاذلكَ»، فالواجبُ مِن هذه العباداتِ لُطفٌ في أمثالِه مِن واجباتِ العقولِ، و النَّفلُ منها لُطفٌ في أمثالِه مِن نَوافِلِ العقلِ. فالحَجّةُ النافلةُ(4)إذا وَجَبَت بالدخولِ فيها، فيَجِبُ(5)«أن تَكونَ لُطفاً في أمثالِها(6)مِن
الواجباتِ، و لا تَكونَ(1)إلّاكذلكَ»، ففي أيِّ مَوضِعٍ يَكونُ الحَجُّ لُطفاً في مِثلِه مِن النوافِلِ؟
قُلنا: الإحرامُ إذا كانَ فاعلُه مُتنفِّلاً(2)به مُتطوِّعاً، فهو لُطفٌ في أمثالِه مِن نَوافِلِ العقلِ؛ فأمّا باقي أفعالِ الحَجِّ، فلا تَكونُ إلّاواجبةً في نُفوسِها؛ و وجهُ وجوبِها أنّها(3)ألطافٌ في أمثالِها مِن واجباتِ العقلِ.
فليُتأمَّلْ ذلكَ، و ليُقَسْ عليه نَظائرُه.
إذا(1)كُنتم تَقولونَ: إنّ مِن شَرطِ الخبرِ المعلومِ مُخبَرُه باكتِسابٍ أن يَبلُغَ ناقِلوه حَدّاً لا يُساغُ(2)معه الكَذِبُ باتّفاقٍ و لا تَواطؤٍ و لا(3)ما يَقومُ مَقامَه؛ و لا يَكونُ كذلكَ إلّا ببُلوغِهم حَدّاً مِن الكَثرةِ، و يَكونُ(4)هؤلاءِ الكَثرةُ مُتَباعِدي الديارِ مُختَلِفي الآراءِ؛ فإن كانوا يَنقُلونَ بواسطةٍ، وَجَبَ أن يَكونَ حُكمُها(5)حُكمَهم.
فما الطريقُ الذي منه(6)يَعلَمُ الناظرُ بُلوغَ الطبقةِ التي تَليهِ هذا الحَدَّ؟ بلِقاءِ كُلِّ ناقِلٍ بعَينِه، أم بالخبرِ عنه؟ و لا واسطةَ بَينَ الأمرَينِ. فإن كانَ بلِقاءِ كُلِّ ناقِلٍ، لَم يَجُز لأحَدٍ مِنّا أن يَستَدِلَّ بتَواتُرٍ إلّابَعدَ أن يَلقىٰ جميعَ(7)مَن(8)يَليهِ - مِن ناقِلي النصِّ و غيرِه(9)- مِن أهلِ زمانِه في جميعِ البِلادِ، أو مَن يَقومُ(10)
1) . في المطبوع: «و إذا».
2) . في «ب، ش، ص»: «لا يبلغ»، و في «ج»: «يبلغ»، و في المطبوع: «يمتنع» بدل «لا يُساغ».
3) . في المطبوع: - «لا».
4) . في النسخ المعتمدة: «و يكونون». و ما أثبتناه من «ط، ع، م» و المطبوع.
5) . في المطبوع: - «حكمها».
6) . في المطبوع: «في الطريق الذي» بدل «فما الطريق الذي منه».
7) . من قوله: «فإن كان بلقاء» إلىٰ هنا ساقط من «ج» و المطبوع.
8) . في المطبوع: - «من».
9) . كالمعجزات مثلاً، كما سوف يأتي بعد قليل.
10) . كذا، و الأنسب: «تقوم».
بنَقلِه منهم(1)الحُجّةُ؛ و ذلكَ كالمُتعذِّرِ. و فيه - إذا صَحَّ - افتقارُ(2)استدلالِ كُلِّ(3)مُستَدِلٍّ مِنّا - عَلى النَّصِّ و مُعجِزاتِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه - إلىٰ(4)أن يَلقىٰ(5)مَن ذَكَرناه.
و إن كانَ بالخبرِ عنهم، فلا يَخلو حصولُ ذلكَ مِن وجوهٍ:
[1] إمّا بخبرِ(6)واحدٍ عن(7)واحدٍ.
[3] أو خبرِ جماعةٍ لا يَصِحُّ عليها(10)الكَذِبُ عن جماعةٍ مِثلِها.
[4] أو عن آحادٍ.
و القِسمانِ الأوّلانِ و الرابعُ لَيسَ بطريقٍ للعِلمِ، فلا اعتدادَ(11)به(12).
و القِسمُ الثالثُ يوجِبُ اختصاصَ الاستدلالِ بالتواتُرِ بمَن(13)لَقيَ(14)- مِن
1) . في المطبوع: «بمثلهم» بدل «بنقله منهم».
2) . في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «اتّفاق»؛ و هو سهو.
3) . في المطبوع: - «كلّ».
4) . في المطبوع: - «إلىٰ».
5) . في المطبوع: «أن تبقي».
6) . في «ج» و المطبوع: + «كذا».
7) . في المطبوع: - «واحد عن».
8) . في المطبوع: «واحداً و» بدل «واحدٍ أو».
9) . في المطبوع: «واحداً».
10) . في المطبوع: «معها».
11) . في «ش، ص»: «فلا اعتداء».
12) . كذا في جميع النسخ و المطبوع. و الأصحّ الأفصح: «ليست بطرقٍ للعلم، فلا اعتداد بها».
13) . في «أ»: «من». و في المطبوع: «عن». و استُظهر في هامش المطبوع: «عمّن».
14) . في المطبوع: «بقي».
الناقِلينَ عن(1)غيرِهم - مَن(2)له صفةُ التواتُرِ، دونَ مَن لَم يَكُن كذلكَ. و هذا لاحِقٌ بالقِسمِ المُتقدِّمِ، و قد بيّنّا ما فيه. و إذا أنصَفَ كُلُّ مُستَدِلٍّ بتَواتُرٍ مِن نفسِه، عَلِمَ تَعذُّرَ هذا عليه، و ارتفاعَه عن صفةِ مَن سَمِعَ منهم ما يَقولُ بتَواتُرِه. و إن صَحَّ حُصولُه فالأعيانُ يَكادونَ(3)لا يُعرَفونَ.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(4):
اِعلَمْ أنّ القائلينَ بالتواتُرِ علىٰ ضَربَينِ:
منهم مَن يَذهَبُ إلىٰ أنّ الخبرَ المُتَواتِرَ يَفعَلُ(5)اللّٰهُ تَعالىٰ عندَه للسامعينَ العِلمَ الضروريَّ بمُخبَرِه.
و الضربُ الآخَرُ يَذهَبونَ إلىٰ أنّ العِلمَ بمُخبَرِه مُكتَسَبٌ.(6)
فمَن ذَهَبَ إلَى الأوّلِ يُعوِّلُ(7)علىٰ وقوعِ العِلمِ الضروريِّ له؛ فإذا وَجَدَ نفسَه عليه عَلِمَ أنّ صفةَ المُخبِرينَ له صفةُ المُتَواتِرينَ. فعندَهم أنّ [الطريقَ إلىٰ] حُصولِ العِلمِ بصِفةِ المُخبِرينَ [هو حُصولُ العِلمِ الضروريِّ بِمُخبَرِهم].
و مَن قالَ بالمَذهبِ الثاني يَقولُ: طريقي(8)إلَى العِلمِ بصِفةِ المُخبِرينَ هو «العادةُ»؛ لأنّ العادةَ قد فَرَّقَت بَينَ الجماعةِ التي يَجوزُ عليها أن يَتَّفِقَ منها الكَذِبُ
1) . في «ش، ص»: «من».
2) . في المطبوع: «ممّن».
3) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «يكاد». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً ل «ط».
4) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
5) . في «ج» و المطبوع: «فعل». و في «ش، ص»: «بفعل».
6) . راجع: الذخيرة، ص 345.
7) . في «أ، ج» و المطبوع: «يقول».
8) . في المطبوع: «الطريق».
فإنّ كُلَّ عاقِلٍ خالَطَ أهلَ العاداتِ يَعلَمُ ضَرورةً أنّ أهلَ مَدينةِ السلامِ لا يَجوزُ(7)أن(8)يَتَّفِقَ منهم الكَذِبُ الواحدُ مِن غيرِ تَواطؤٍ عليه، و لا أن يَتَواطَؤُوا أو يَقومَ(9)لهم جامعٌ علَى الخبرِ مَقامَ التواطؤِ، فيَنكَتِمَ ذلكَ فيَستَتِرَ؛ بَل(10)لا يَجوزُ علىٰ مَن حَضَرَ بعضَ جَوامِعِها ذلكَ(11).
فإذا عَلِمَ أنّ وجوهَ(12)كَونِ الخبرِ كَذِباً لا يَصِحُّ علىٰ هذه الجَماعاتِ(13)، فلَيسَ بَعدَ ارتفاعِ كَونِه كَذِباً إلّاكَونُه صِدقاً(14).
و أيُّ عَجَبٍ و استبعادٍ لأِنْ يَكونَ أحَدُنا يَلقىٰ بنَفسِه و يَسمَعُ الخبرَ ممّن هو علىٰ صفةِ المُتَواتِرينَ؟!
1) . في «أ»: «من الجماعات و» بدل «و ما يقوم مقامه - و بين».
2) . في المطبوع: + «لا».
3) في «ب، ج، ش، ص»: - «بين».
4) . في المطبوع: - «التواطؤ من الجماعات و بين من لا يجوز ذلك عليه».
5) . في النُّسخ المعتمدة: - «بين». و الصوابُ إثباتُها؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخة «م».
6) . في المطبوع: «تواطئ».
7) في المطبوع: - «لا يجوز».
8) . في المطبوع: «أنّه». و استُظهر في هامشه زيادتُها.
9) . في «أ»: «و أن» بدل «و لا أن». و في «ج، ش، ص» و المطبوع: «و يقوم» بدل «أو يقوم».
10) . في «أ، ج»: «فيستر؛ بل»، و في المطبوع: «فيستزيل» بدل «فيستتر؛ بل».
11) . في «ج»: - «ذلك». و في المطبوع: - «جوامعها ذلك».
12) . في المطبوع: «وجود».
13) . في «ص»: «الجماعة».
14) . في المطبوع: «إلّا أنّه صدق».
أ وَ لَيسَ كُلُّ واحدٍ مِنّا يَسمَعُ الأخبارَ ممّن يُخبِرُه عن عُمانَ و سِجِستانَ و البُلدانِ التي ما شاهَدَها، فيَعلَمُ صِدقَهم، إذا عَلِمَ أنّ العادةَ لَم تَجرِ(1)في مِثلِ مَن خَبَّرَه عن ذلكَ بالكَذِبِ؛ لعَدَمِ جوازِ اتّفاقِ الكَذِبِ و التواطؤِ؟ و هَل العِلمُ بالوَقائعِ و الحَوادثِ الكِبارِ في عَصرِنا مُستَفادٌ إلّاممّن يُخبِرُنا مُشافَهةً عن هذه الأُمورِ؟!
و كذلكَ العِلمُ بالنَّصِّ الذي يَنفَرِدُ(2)به الإماميّةُ(3)لا يَزالُ أحَدُنا يَسمَعُ كُلَّ إماميٍّ عاصَرَه و لَقِيَه(4)يَرويهِ له، مع كَثرتِهم و امتناعِ الكَذِبِ في العاداتِ علىٰ مِثلِهم. و لَيسَ يَجِبُ أن لا يَعلَمَ هذا النَّصَّ إلّابَعدَ أن يَلقىٰ كُلَّ إماميٍّ يَرويهِ في كُلِّ بَلَدٍ؛ لأنّه إذا لَقِيَ مِن جُملتِهم مَن خَبَّرَه بالنَّصِّ، و قد بَلَغوا مِن الكَثرةِ إلىٰ حَدٍّ تَقضي(5)العاداتُ بأنّ الكَذِبَ لا يَجوزُ معه عليهم، عَلِمَ(6)صِدقَهم، و إن لَم يُخبِرْه كُلُّ إماميٍّ في الأرضِ.
و لَيسَ مِن شَرطِ الخبرِ المُتَواتِرِ أن يَكونَ رُواتُه مُتباعِدي الديارِ، مُختَلِفي الآراءِ و الأوطانِ؛ و لا يَحصُرَهم بَلَدٌ(7)و لا يُحصيَهم عَدَدٌ(8)- علىٰ ما مَضىٰ في المَسألةِ، علىٰ ما يَظُنُّه مَن لا خِبرةَ له -؛ لأنّ التواتُرَ(9)قد يَحصُلُ بأهلِ بَلَدٍ واحدٍ، بَل بأهلِ
1) . في المطبوع: «لم تجئ»
2) في «أ، ش، ص»: «تنفرد».
3) . و هو «النصّ الجليّ»، مثل نصّ: «أنت خليفتي من بعدي» و «سلِّموا علىٰ عليٍّ بإمرة المؤمنين».
4) . في «ج» و المطبوع: «و لقاه».
5) . في «أ»: «بعض». و في «ج» و المطبوع: «يقضي».
6) . في المطبوع: - «علم».
7) . في المطبوع: - «و لا يحصرهم بلد».
8) . في المطبوع: «عدداً».
9) . في المطبوع: «التواطئ».
مَحلّةٍ واحدةٍ، و مع اتّفاقِ الآراءِ و الأوطانِ و اختلافِها. فلا مَعنىٰ لِاعتبارِ ذلكَ(1)، و لا تأثيرَ في الحُكمِ المطلوبِ له.
و لَم يَبقَ إلّاأن نُبيِّنَ أنّ الناقِلينَ إذا كانوا لَم يَنقُلوا عمّا شاهَدوه بنُفوسِهم، بَل عن طبقاتٍ كَثيرةٍ، إلىٰ أن يَتَّصِلَ(2)بالمنقولِ عنه؛ كَيفَ السبيلُ إلَى العِلمِ بأنّ الطبقاتِ كُلَّها في الكَثرةِ و امتناعِ الكَذِبِ عليها كالطبَقةِ الأُولَى التي شاهَدناها؟
و قد كانَ أصحابُنا يَستَدِلّونَ علىٰ ذلكَ بطَريقةٍ قد بيّنّا في كتابِ «الشافي»(3)و غيرِه أنّها غيرُ مَرضيّةٍ، و طَعَنّا فيها؛ و هي أن يَقولوا: إذا أخبَرَنا مَن يَلينا مِن الطبقاتِ بأنّهم نَقَلوا الخبرَ عمّن هو علىٰ مِثلِ صفتِهم في الكَثرةِ، عَلِمنا أنّ الصفاتِ مُتَّفِقةٌ.
و هذا لَيسَ بصَحيحٍ؛ لأنّه يَجوزُ أن يُخبِرَنا مَن يَلينا بذلكَ إن لَم يَكونوا صادقينَ؛ لأنّ الكَذِبَ في مِثلِ ذلكَ يَجوزُ علَى الجَماعاتِ؛ لأنّه قد يَجوزُ أن يَدعُوَهم إليه داعٍ واحدٌ مِن غيرِ أن يَتَواطَؤُوا عليه(4). و إنّما يُقبَلُ خبرُ الجَماعةِ إذا كانَ عَمّا لا يَجوزُ أن يَجتَمِعوا علَى الإخبارِ به إلّا: إمّا(5)للتواطؤِ(6)- و قد عَلِمنا فَسادَه -، أو لِكَونِه صِدقاً(7).
و لهذا نَقولُ: إنّ الجَماعاتِ الكَثيرةَ لَو نَقَلَت أنّ النبيَّ عليه السلامُ استَخلَفَ(8)
1) . في المطبوع: «لاعتباره» بدل «لاعتبار ذلك».
2) . في «ب»: «تتّصل». و الفاعل هو «النقل»؛ أي نقلُ الناقلين.
3) . الشافي في الإمامة، ج 2، ص 75 و 80.
4) . في «ج» و المطبوع: - «عليه».
5) . في المطبوع: - «إمّا».
6) . في «ش، ص»: «التواطؤ». و في المطبوع: «بالتواطئ».
7) . في المطبوع: «صادقاً».
8) . في المطبوع: «تخلَّف».
أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ، أو نَصَّ عليه بالإمامةِ، مِن غيرِ تعيينٍ علىٰ خبرٍ بعَينِه، أو ألفاظٍ(1)لها صُوَرٌ(2)مخصوصةٌ [لَما حَصَلَ التواتُرُ المُفيدُ للعِلمِ بالنَّصِّ].
و قد بيّنّا في «الشافي»(3)و غيرِه أنّ الطريقَ إلَى العِلمِ باتّفاقِ الطبقاتِ في هذه الصفةِ: أنّ الأمرَ لَو لَم يَكُن علىٰ ذلكَ، و كانَ(4)هذا الخبرُ ممّا حَدَثَ و انتَشَرَ بَعدَ فَقدٍ، أو قَويَ بَعدَ ضَعفٍ، أو كَثُرَ(5)رُواتُه(6)بَعدَ قِلّةٍ؛ لَوَجَبَ(7)أن يَعلَمَ المُخالِطونَ لِرُواتِه(8)ذلكَ مِن حالِهم، و يُميِّزوه(9)و يَتعيَّنَ لهم زمانُ حُدوثِه بعَينِه، و يُفرِّقوا بَينَه و بَينَ ما تَقدَّمَه مِن الأزمِنةِ؛ لأنّ العاداتِ تَقضي بوجوبِ العِلمِ بما ذَكَرناه.
ألا تَرىٰ أنّ كُلَّ مَذهبٍ نَشَأَ و(10)حَدَثَ بَعدَ فَقدٍ، يُعلَمُ ضَرورةً مِن حالِه، و يُفرَّقُ بَينَ زمانِ حُدوثِه و بَينَ ما تَقدَّمَه؟
فإذا فَقَدنا في أهلِ التواتُرِ العِلمَ بما ذَكَرناه، عَلِمنا أنّ صفةَ الطبقاتِ في نَقلِ هذا الخبرِ واحدةٌ، و فَرَّعنا هذه الجُملةَ تفريعاً يُزيلُ الشُّبهةَ بها.
و في هذا القَدرِ الذي ذَكَرناه هاهُنا كفايةٌ.
1) . في المطبوع: «و ألفاظ».
2) . في «ج» و المطبوع: «صورة».
3) . في المطبوع: + «برد». و راجع: الشافي في الإمامة، ج 2، ص 74.
4) . في المطبوع: «أو كان».
5) . في المطبوع: «و كثير».
6) . في «أ، ب، ج» و المطبوع: «رواية».
7) . في «ج» و المطبوع: «يوجب». نعم، استُظهر في هامش المطبوع ما أثبتناه.
8) . هكذا في «م». و في سائر النسخ و المطبوع: «لرواية».
9) . في المطبوع: «و يخبرون».
10) . في المطبوع: - «نشأ و».
فَصلٌ: فيه سِتُّ مَسائلَ(1)تَتعلَّقُ بالنيّاتِ في العباداتِ
المَسألةُ الأُولىٰ(2)
إذا كانَ(3)صِحّةُ العبادةِ تَفتَقِرُ إلىٰ نيّةِ التعيينِ، و إلىٰ إيقاعِها للوجهِ الذي شُرِّعَت له - مِن وجوبٍ أو نَدبٍ - علىٰ جِهةِ القُربةِ بها إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ و الإخلاصِ له في حالِ ابتدائها، و اتَّفَقَ العلماءُ بالشرعِ علىٰ وجوبِ المُضيِّ فيما له هذه الصفةُ مِن العباداتِ بَعدَ الدخولِ فيها، و قُبحِ إعادتِها إذا وَقَعَت مُجزِئةً؛ لِكَونِ ذلكَ ابتداءَ عبادةٍ لا دليلَ عليها.
فما الوجهُ فيما اتَّفَقَت الطائفةُ الإماميّةُ علَى الفَتوىٰ به؛ مِن نَقلِ نِيّةِ مَن ابتَدأَ بصَلاةٍ حاضِرةٍ في أوّلِ وقتِها إلَى الفائتةِ حينَ الذِّكرِ لها و إن كانَ قد صَلّىٰ بعضَ الحاضِرةِ؟ و فيه: نقضُ ما حَصَلَ الاتّفاقُ عليه - مِن وجوبِ المُضيِّ في الصلاةِ بَعدَ الدخولِ فيها؛ بالنيّةِ لها، و عَقدِها بتكبيرةِ الإحرامِ - و خِلافٌ لوجوبِ تعيينِ جُملةِ العبادةِ بالنيّةِ؛ و مُقتَضٍ(4)لِكَونِ صَلاةِ رَكعَتينِ مِن فَريضةِ الظُّهرِ(5)الحاضِرةِ المُعيَّنةِ
1) . و هذه المسائل الستّ تشكّل المسائل الثامنة إلىٰ الثالثة عشرة من الرسّيّة الأُولىٰ.
2) . في «أ»: + «منها»، و في هامشها: «المسألة الثامنة». و في «ب، ج»: - «المسألة الأُولىٰ». نعم، استُظهر إثباتُها في حاشية «ب».
3) . كذا في جميع النسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع، و الأصحّ الأفصح: «كانت».
4) . في المطبوع: «و مقتضى».
5) . في «أ»: «الفريضة» بدل «فريضة الظهر».
بالنيّةِ لها، مُجزِئةً عن صَلاةِ الغَداةِ الفائتةِ مِن غيرِ تَقدُّمِ نِيّةٍ لها! و هذا عَظيمٌ جِدّاً!
المَسألةُ الثانيةُ(1)
و ما الوجهُ فيما اتَّفَقوا عليه؛ مِن جوازِ(2)خبرِ تَكريرِ الصلاةِ الواحدةِ في آخِرِ الوقتِ، رَغبةً في فَضلِ الجَماعةِ، بَعدَ فِعلِها في أوّلِه؟ و فيه إجازةُ(3)فِعلِ الظُّهرِ مَرَّتَينِ؛ لأنّ فِعلَ الثانيةِ لا بُدَّ أن يَكونَ لوَجهِ الوجوبِ أو النَّدبِ.
فإن كانَ للوجوبِ، فذلكَ باطلٌ؛ لأنّه بَريءُ الذمّةِ مِن الظُّهرِ بفِعلِ الأُولىٰ، و لا وجهَ لوجوبِ الثانيةِ. و هو مع ذلكَ(4)مُقتَضٍ لِكَونِ الخَمسِ صَلَواتٍ عَشراً! و هذا عَظيمٌ أيضاً!
و إن كانَ للنَّدبِ، فهو(5)مُخالِفٌ لظاهرِ الفُتيا و الروايَةِ(6)عنهم عليهمُ السلامُ:
«صَلِّ لنَفسِكَ، و صَلِّ معهم و بِهم(7)فإن قُبِلَت الأُولىٰ، و إلّاقُبِلَت الثانيةُ».(8)
و كَيفَ يَنوي بها النَّدبَ و هو إمامٌ لقَومٍ يَقتَدونَ به، و صَلاةُ المأمومِ مُعلَّقةٌ بصَلاةِ الإمامِ؟ و هَل عَزمُه علىٰ صَلاةِ جَماعتِهم و فَرضِهم بأنّها مَندوبةٌ(9)، إلّا كعَزمِه(10)علىٰ إفسادِها في نفسِه؟
1) . و هي التاسعةُ مِن المَسائلِ الرسّيّةِ الأُولىٰ.
2) . في النُّسخ المعتمدة: «خبرٍ أنّ» بدل «جواز». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و لنُسخة «م» و لما أجمعت عليه النُّسخ فيما سيأتي في جواب هذه المسألة.
3) . في المطبوع: «أمارة».
4) في المطبوع: - «مع ذلك».
5) . في المطبوع: «و هو»
6) في المطبوع: «الرواية» بدون واو العطف.
7) . في المطبوع: - «و بِهم».
8) . راجع: الكافي، ج 3 ص 379، ح 2؛ تهذيب الأحكام، ج 3، ص 270، ح 96؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 403، ح 11023.
9) . كذا، و المراد: عزمه علىٰ إمامة جماعةٍ صلاتُهم واجبة، و صلاتُه مندوبة.
10) . في «ب، ش، ص»: «لعزمه»، و في المطبوع: «كفر به» بدل «كعزمه».
المَسألةُ الثالثةُ(1)
و ما الوجهُ فيما اتَّفَقوا عليه مِن الفُتيا بصَلاةِ «مَن عليه صَلاةٌ واحدةٌ فائتةٌ غيرُ مُتعيِّنةٍ» عِدَّةَ صَلَواتٍ غيرِ مُتميِّزاتٍ(2)ثَلاثاً و أربَعاً و اثنَتَينِ، و أنّ الثلاثَ قضاءٌ للمَغرِبِ إن كانَت، و الأربَعَ قَضاءٌ للظُّهرِ أو العَصرِ أو العِشاءِ(3)الآخِرةِ، و الرَّكعَتانِ للغَداةِ؟
أ وَ لَيسَ هذا يُناقِضُ الاتّفاقَ علىٰ «وجوبِ تعيينِ النيّةِ» و «وجوبِ بَقاءِ صَلاةِ الظُّهرِ في ذِمّةِ مَن صَلّىٰ أربَعاً، لا يَنويها(4)ظُهراً، بَل يَنويها(5)مَندوبةً، أو مُباحةً غيرَ مُعيَّنةٍ، أو مُعيَّنةً بالعَصرِ، أو العِشاءِ(6)، أو القَضاءِ، أو النَّذرِ»؟
و لأنّه لا بُدَّ أن يَنويَ بالرُّباعيّةِ المفعولةِ علىٰ جِهةِ القَضاءِ للفائتِ(7): صَلاةً مُعيَّنةً، أو الثلاثَ المُتَغايِراتِ، أو لا يَنويَ بها شَيئاً.
فإن نَوىٰ صَلاةً مُعيَّنةً(8)، لَم تُجزِ(9)عن غيرِها.
و إن نَوىٰ بها الثلاثَ المُتَغايِراتِ، فتلكَ نيّةٌ فاسِدةٌ(10)لأنّ صَلاةً واحدةً لا تَكونُ ثَلاثاً، و لا قَضاءً لِثَلاثٍ(11). و نيّةٌ واحدةٌ بأيِّ شَيءٍ(12)في الشريعةِ لا تَتناوَلُ(13)
1) . و هي العاشرةُ مِن المسائِل الرسّيّةِ الأُولىٰ
2) في «أ» و المطبوع: «غير مميّزات».
3) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «عشاء» بدون الألف و اللام. و ما أثبتناه من: «د، س، ط».
4) . في «ب، ج»: «لا ينوِ بها» و في المطبوع: «لم ينوِ بها».
5) . في «ب، ج»: «ينوِ بها». و في المطبوع: «ينوي بها».
6) . في «أ»: + «أو الغداة».
7) في المطبوع: «الفائت».
8) . من قوله: «أو الثلاث المتغايرات» إلى هنا ساقط من «ب».
9) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: «لم يُجز».
10) . في المطبوع: «بلا فائدة» بدل «فاسدة».
11) . في المطبوع: «لا تكون ثلاث، و لا قضاء الثلاث».
12) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: - «بأيّ شيء».
13) . في «أ، ج»: «لا يتناول». و في المطبوع: «لا يتبادر».
ثَلاثَ عباداتٍ مُتَغايِراتٍ؛ مِن حَيثُ كانَ أحَدُ شُروطِها تَعلُّقَها بما هي نيّةٌ له علىٰ جِهةِ التعيينِ(1).
و إن لَم يَنوِ بها شَيئاً، لَم تَكُن(2)قَضاءً لشَيءٍ.
و ما الفَرقُ بَينَ الفائتِ المُتعيِّنِ و المُبهَمِ في وجوبِ تعيينِ النيّةِ لقَضاءِ المُتعيِّنِ دونَ المُبهَمِ علىٰ تقديرِ هذه الفُتيا، و الإبهامُ(3)مُختَصٌّ بتَعذُّرِ(4)انحصارِ العَدَدِ، دونَ تَغايُرِه؟
و إذا كانَ لَو فاتَته(5)ظُهرٌ مُتعيِّنٌ، لَوَجَبَ أن يَقضيَ ظُهراً باتِّفاقٍ.
فكَيفَ يَجِبُ - إذا عَلِمَ أنّ عليه صَلَواتٍ؛ منها ظُهرٌ، و منها عَصرٌ، و منها عِشاءٌ، و مَغرِبٌ، و غَداةٌ - أن يُصلّيَ(6)ظُهراً و عَصراً و مَغرِباً و عِشاءً و غَداةً، و يُكرِّرَ ذلكَ حتّىٰ يَغلِبَ علىٰ(7)ظَنِّه بَراءةُ ذِمّتِه(8)كما يَفعَلُ في قَضاءِ ما تَعيَّنَ(9)بالعَدَدِ؟ و هذا خِلافُ الفُتيا المُقَرَّرةِ!
المَسألةُ الرابعةُ(10)
و ما الوجهُ في الفُتيا بمُضيِّ صَلاةِ مَن فَعَلَها قَبلَ الوقتِ - مع الجَهلِ به أو السهوِ
1) . في المطبوع: «تعيين»
2) في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «لم يكن».
3) . في المطبوع: «الإبهام» بدون واو العطف.
4) . في «أ، ب»: «بتقدير». و في «ش، ص»: «بتقدُّر». و حالة تعذُّر انحصار العَدد في الصلوات هي ما سيأتي ذِكره في الفقرة اللاحقة.
5) . في المطبوع: «فاته»
6) في «أ» و المطبوع: «أن تصلّي».
7) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: «في».
8) . في «ش، ص»: «منه» بدل «ذمّته».
9) . في «ج» و المطبوع: «يعيَّن».
10) . و هي الحادية عشرة من المسائل الرسّيّة الأُولى.
عنه - مع دخولِ الوقتِ و هو في شَيءٍ منها؟ و الأُمّةُ مُتَّفِقةٌ علىٰ أنّ ما(1)فُعِلَ مِن الرَّكَعاتِ قَبلَ الزَّوالِ و الغُروبِ و طُلوعِ الفَجرِ، فلَيسَ بظُهرٍ و لا مَغرِبٍ و لا غَداةٍ.
و إذا ثَبَتَ هذا بغَيرِ تَنازُعٍ، فكَيفَ يَكونُ ما فُعِلَ قَبلَ تَعلُّقِ وجوبِه بالذمّةِ مُجزياً عمّا يَتعلَّقُ بها في المُستَقبَلِ؟ و كَيفَ تَكونُ(2)صَلاتُه ظُهراً مُجزيةً(3)، و بعضُها واجبٌ - لَو سَلِمَ - و بعضُها غيرُ واجبٍ؟ و كَيفَ يَكونُ ما(4)«لَو قُصِدَ إليه لَكانَ قَبيحاً يُستَحقُّ به العِقابُ» مِن فِعلِها قَبلَ الوقتِ، مُجزياً عمّا «لَو قُصِدَ إليه لَكانَ واجباً يُستَحقُّ به الثوابُ» مِن فِعلِها في الوقتِ(5)؟
المَسألةُ الخامِسةُ(6)
و ما الوجهُ في الفُتيا بإجزاءِ(7)يَومِ الشكِّ - مع تَقدُّمِ العَزمِ علىٰ صَومِه مِن شَعبانَ علىٰ جِهةِ النَّدبِ - عن يَومٍ مِن شَهرِ رَمَضانَ إذا اتَّفَقَ كَونُه منه؟ و هَبْ نيّةَ التعيينِ لا يُفتَقَرُ إليها في أيّامِ شَهرِ رَمَضانَ؛ لِكَونِ يَومٍ مِن(8)شَهرِ رَمَضانَ لا يُمكِنُ أن يَكونَ مِن غيرِه، كَيفَ يَكونُ «ما أُوقِعَ(9)مِن الفِعلِ بنيّةِ التطوُّعِ» نائباً مَنابَ «ما يَجِبُ إيقاعُه(10)لوَجهِ الوجوبِ»؟
و هَل هذا إلّامُخالِفٌ للأُصولِ الشرعيّةِ مِن افتقارِ صِحّةِ العبادةِ إلىٰ إيقاعِها علَى
1) . في «ج» و المطبوع: «مَن»
2) في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «يكون».
3) . في المطبوع: «يُجزيه».
4) في المطبوع: «مَن».
5) . في «ج» و المطبوع: «بالوقت» بدل «في الوقت».
6) . و هي الثانية عشرة من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
7) . في «ج»: «تأخيراً» بدل «بإجزاء». و في المطبوع: + «صوم».
8) . في المطبوع: - «من».
9) . في المطبوع: «وقع».
10) . في المطبوع: «اتّباعه».
الوجهِ الذي له شُرِّعَت، و أنّ إيقاعَها لغَيرِه مُخرِجٌ لها عن(1)جِهةِ التعَبُّدِ و مُخِلٌّ باستحقاقِ الثوابِ؟ و علىٰ هذا التقديرِ مِن الحُكمِ يَجِبُ أن يَكونَ إيقاعُ العبادةِ لوَجهِ التطَوُّعِ لا يَنوبُ مَنابَ إيقاعِها لوَجهِ الوجوبِ علىٰ حالٍ.
المَسألةُ السادسةُ(2)
و ما الوجهُ في الفُتيا بأنّ عَزمَ المُكلَّفِ علىٰ صَومِ جميعِ شَهرِ رَمَضانَ قَبلَ فَجرِ أوّلِ يَومٍ منه يُغني عن تَكرارِ النيّةِ لِكُلِّ يَومٍ بعَينِه؟ مع عِلمِنا بأنّ العبادةَ الواحدةَ تَفتَقِرُ إلىٰ نيّةِ التعيينِ في حالِ ابتدائها - دونَ ما تَقدَّمَها أو تَراخىٰ عنها - و أنّ الصومَ الشرعيَّ العَزمُ علىٰ أن لا يَفعَلَ مُكلَّفُه أُموراً مخصوصةً في زمانٍ مخصوصٍ لوجوبِ ذلكَ، علىٰ جِهةِ القُربةِ به و الإخلاصِ، كسائرِ العباداتِ المُفتَقِرةِ صِحّتُها إلَى الوجوهِ التي لها(3)شُرِّعَت؛ و اتّفاقِنا علىٰ أنّ اختلالَ شَرطٍ مِن هذه يُخرِجُ المُكلَّفَ عن كَونِه صائماً في الشريعةِ.
فكَيفَ يُمكِنُ(4)مع هذا أن تَكونَ(5)النيّةُ المفعولةُ(6)علىٰ هذا الوجهِ، في أوّلِ يَومٍ مِن الشهرِ، نائبةً(7)عن نيّةِ كُلِّ يَومٍ مُستَقبَلٍ منه؟ و هل ذلكَ إلّامُقتَضٍ(8)لصِحّةِ صَومِ
1) . في المطبوع: «من».
2) . و هي الثالثة عشرة من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
3) . في «ج» و المطبوع: «بها».
4) . في المطبوع: «يمنع».
5) . في «أ، ب، ج»: «أن يكون».
6) . في «ج»: «المعقولة». و في المطبوع: «المعقودة».
7) . في «ج» و المطبوع: «ثابتة». نعم، استُظهر في هامش المطبوع ما أثبتناه. و في «ش»: «يأتيه». وفي «ص»: «بانية».
8) . في المطبوع: «مقتضي».
مَن تَقدَّمَت منه هذه النيّةُ، مع كَونِه غيرَ عازِمٍ في كُلِّ يَومٍ مُستَقبَلٍ علىٰ أن [لا](1)يَفعَلَ ما يَجِبُ عليه اجتنابُه في زمانِ الصومِ، و لا فِعلِه(2)للوجهِ الذي له شُرِّعَ الصومُ، و لا القُربةِ(3)؟ و هذا ما لا(4)يَجوزُ المَصيرُ إليه.
و اتّفاقُنا علىٰ وجوبِ هذه الأُمورِ في كُلِّ يَومٍ و إلّالَم يَكُنِ المَرءُ صائماً(5)، يَمنَعُ مِن الفُتيا التي حَكَيناها، مع حُصولِ الإجماعِ عليها، أو يَكونُ لها وَجهٌ تَمُنُّ(6)بِذِكرِه(7).
1) . في النسخ و المطبوع: - «لا». و ما أثبتناه استفدناه ممّا يأتي في الجواب.
2) . معطوف علىٰ: «أن [لا] يفعل».
3) . معطوف علىٰ: «الوجه» المجرور باللام.
4) . في المطبوع: - «لا». نعم، استُظهر في هامشه إثباتُها.
5) . في «ش، ص»: «المرضا بما». و في المطبوع: «المرضيّ ممّا»؛ كلاهما بدل «المرء صائماً».
6) . في «أ، ج، ش، ص»: «يُمَنُّ». و في المطبوع: «ممّن».
7) . في المطبوع: «يذكره».
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(1):
[أمّا المسألةُ الأُولىٰ](2)
اِعلَمْ أنّ(3)«النيّاتِ» غيرُ مؤثِّرةٍ في العباداتِ الشرعيّةِ(4)صفاتٍ تَحصُلُ عنها، كما نَقولُه في «الإرادةِ»: إنّها [غيرُ] مؤثِّرةٍ في كَونِ(5)الخبرِ خبراً و كَونِ(6)المُريدِ مُريداً(7)، و هو الصحيحُ علىٰ ما بيّنّاه في كُتُبِنا(8)لأنّ قولَنا: «خبرٌ» يَقتَضي تَعلُّقاً بَينَ الخِطابِ
1) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
2) . و هي الثامنةُ من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
3) . في المطبوع: - «أنّ».
4) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: «الشرعيّات».
5) . في «أ، ج» و المطبوع: «و كون» بدل «في كون».
6) . في «ج» و المطبوع: «أو كون».
7) . أي أنّ الإرادة غير مؤثّرة فيهما معاً في آنٍ واحدٍ؛ لاستلزامه أن تؤثّر علّة واحدة في معلولَين مختلفَين، و هو باطل عند المصنّف رحمه اللّٰه (راجع: الملخّص، ص 349). و إنّما الإرادة مؤثّرة في كون المريد مريداً، و كونُه مريداً مؤثّر في كون الخبر خبراً. أي أنّ الإرادة تعرض على الذات فتوجب لها صفة و حال «المريد»، ثمّ هذه الصفة توجب كون الخبر خبراً. فيكون تأثير الإرادة بواسطة، لا مباشرة.
8) . راجع: الملخّص في أُصول الدين، ص 349.
و بَينَ ما هو خبرٌ عنه، و ذلكَ التعلُّقُ(1)لا بُدَّ مِن كَونِه مُستَنِداً إلىٰ صفةٍ(2)تَقتضيهِ(3)اقتضاءَ العِلَلِ.
و قد دَلَّلنا علىٰ ما أغفَلَ المُتكلِّمونَ إيرادَه في كُتُبِهم و تحقيقَه - مِن الدَّلالةِ علىٰ أنّ كَونَ الخبرِ خبراً(4)يَقتَضي تَعلُّقاً بالمُخبَرِ عنه، و أنّ المَرجِعَ بذلكَ لا يَجوزُ أن يَكونَ إلىٰ مُجرَّدِ كَونِ(5)المُريدِ مُريداً لِكَونِه خبراً؛ بَل لا بُدَّ مِن تَعلُّقٍ مخصوصٍ - في مَسألةٍ مُفرَدةٍ أملَيناها، تَختَصُّ هذا(6)الوجهَ.(7)
و دلَّلنا فيها على ذلكَ: بأنَّ الخبرَ لَو لَم يَكُن مُتعلِّقاً علَى الحقيقةِ بالمُخبَرِ عنه، و علىٰ صفةٍ اقتَضَت هذا التَعلُّقَ، لَم يَكُن في الإخبارِ صدقٌ و لا كَذِبٌ؛ لأنّ كَونَه صِدقاً يُفيدُ تَعلُّقاً مخصوصاً، و كَونَه كَذِباً(8)يَقتَضي نَقيضَ(9)ذلكَ التعلُّقِ، فلَو لَم يَكُن هُناك تَعلُّقٌ حقيقيٌّ لَما انقَسَمَ الخبرُ إلى الصدقِ و الكَذِبِ، و قد عَلِمنا انقسامَه إليهما(10).
و لَيسَ في العباداتِ الشرعيّةِ كُلِّها ما يَحصُلُ بالنيّةِ - التي هي إرادةٌ مخصوصةٌ -
1) . في المطبوع: «المتعلّق».
2) . و هي صفة «المريد».
3) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «يقتضيه».
4) . في «ج» و المطبوع: - «خبراً».
5) . في المطبوع: «و كون».
6) . في «ش، ص»: - «هذا».
7) . للمصنّف رحمه اللّٰه مسألتان في الإرادة، ذكرهما البُصروي و النجاشي، و هما مفقودتان. و الظاهر أنّه أشار هنا إلىٰ إحداهما.
8) . في المطبوع: - «و كونه كذباً».
9) . في المطبوع: - «نقيض».
10) . في المطبوع: «إليها». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
علىٰ صفةٍ، و إنّما تَتعيَّنُ(1)بالنيّةِ(2)أحكامُ هذه العباداتِ(3)، و يَسقُطُ بها عن الذمّةِ ما كانَ غيرَ ساقطٍ، و يُجزي ما كانَ لَولاها لا يُجزي(4). و هذه إشارةٌ مِنّا إلىٰ أحكامٍ مخصوصةٍ، لا إلىٰ صفاتٍ حَصَلَت لهذه العباداتِ. فإذا قالَ الفقيهُ: «إنّ النيّةَ تُعيِّنُ صفاتِ(5)العباداتِ»، فإنَّما يُشيرُ(6)إلىٰ هذه الأحكامِ التي ذَكَرناها؛ لأنّكَ لَو استَفسَرتَه عن(7)مُرادِه، لَما(8)فَسَّرَ إلّابذِكرِ هذه الأحكامِ.
و الذي يُبيِّنُ ما ذَكَرناه: أنّ النيّةَ لَو أثَّرَتٰ في العباداتِ صفةً مُقتَضاةً عنها(9)، لَوَجَبَ أن تؤثِّرَ ذلكَ قَبلَ العبادةِ بهذه الشرعيّاتِ(10)لأنّ المؤثِّرَ في نفسِه لا يَتغيَّرُ تأثيرُه، و قد عَلِمنا أنّ مُصاحَبةَ هذه النيّةِ للعبادةِ قَبلَ الشرائعِ(11)لا حُكمَ لها(12)و لا(13)
1) . في النُّسخ المعتمدة: «يتغيّر». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط». و يدلّ علىٰ ما أثبتناه قولُه بعدقليلٍ: «فإذا قال الفقيهُ: إنّ النيّةَ تُعيِّنُ صفاتِ العباداتِ».
2) . من قوله: «التي هي إرادة» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
3) . أي أنّ النيّة ليست علّة حقيقيّة خارجيّة توجِب صفةً حقيقيّةً للعبادات، و إنّما توجِب بعض الأحكام الاعتباريّة لها كالإجزاء و عدمه.
4) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «و يجري ما كان لولاها لا يجري».
5) . من قوله: «حصلت لهذه العبادات» إلىٰ هنا ساقط من «ج» و المطبوع.
6) . في «ج»: «فإنّما يسير». و في المطبوع: «فإنّها تشير»، كلاهما بدل «فإنّما يشير».
7) . في المطبوع: «علىٰ».
8) . في النُّسخ المعتمدة: «ما». و ما أثبتناه هو الصوابُ المطابقُ للنُّسخة «م» و للمطبوع.
9) . في المطبوع: «مقتضاها غيرها» بدل «مقتضاة عنها».
10) . أي قبل تشريع هذه العبادات.
11) . في «ج»: «الشرع». و في المطبوع: «الشرعيّات».
12) . فلو أنّ شخصاً نوىٰ صوم شهر رمضان قبل تشريعه، لم يكن له أيُّ أثر. و هذا يدلّ علىٰ أنّ النيّة ليست علّة حقيقيّة.
13) . في المطبوع: «فلا».
تأثيرَ؛ فصَحَّ ما نَبَّهْنا عليه.
و إذا صَحَّت هذه الجُملةُ التي عَقَدناها، زالَ التعجُّبُ مِن نَقلِ النيّةِ عن أداءِ الصلاةِ الحاضِرِ(1)وقتُها إلىٰ قَضاءِ الفائتةِ؛ لأنّ ما صَلّاه بنيِّةِ الأداءِ لَم يَحصُلْ(2)علىٰ صفةٍ لا يَجوزُ انقلا بُه عنها، و إنّما قيلَ له: إذا دخَلتَ في(3)صَلاةٍ حَضَرَ وقتُها، فانوِ أداءَها، و استَمِرَّ علىٰ ذلكَ إلىٰ آخِرِها، ما لَم تَذكُرْ أنّ عليكَ فائتةً، فإن ذَكَرتَ فائتةً فانقُلْ نيّتَكَ إلىٰ قَضاءِ الفائتةِ.
و هو(4)إذا كانَ في بقيّةٍ مِن صَلاتِه يُمكِنُه الِاستدراكُ؛ لأنّ الصلاةَ إنّما يَثبُتُ حُكمُها بالفَراغِ مِن جميعِها، لأنّ بعضَها معقودُ ببعضٍ، فهو إذا نَقَلَ نيّتَه إلىٰ قَضاءِ الفائتةِ صارَت الصلاةُ كُلُّها قَضاءً للفائتةِ، لا أداءً للحاضِرةِ(5)لأنّ هذه أحكامٌ شَرعيّةٌ يَجِبُ إثباتُها بحَسَبِ أدلّةِ الشرعِ.
و إذا كانَ ما رَتَّبناه هو المشروعَ الذي أجمَعت الفِرقةُ المُحِقّةُ عليه، وَجَبَ العملُ به(6)و اطِّراحُ ما سِواه.
و غَيرُ مُسَلَّمٍ ما مَضىٰ في أثناءِ الكلامِ مِن حُصولِ الِاتّفاقِ علىٰ وجوبِ المُضيِّ في الصلاةِ بعد الدخولِ فيها بالنيّةِ؛ لأنّا نُقسِّمُ ذلكَ علىٰ ما فَصَّلناه، و لا نوجِبُ(7)المُضيَّ في الصلاةِ علىٰ كُلِّ حالٍ.
1) . في «أ»: «الحاضرة»، و في «ب»: «الحاضرو»، و في «ج» و المطبوع: «إلى غير» بدل «الحاضر».
2) . في «أ، ش، ص»: «لم تحصل». و في المطبوع: - «لم يحصل».
3) . في المطبوع: «من». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
4) . في المطبوع: - «و هو».
5) . في «أ» و المطبوع: «الحاضرة».
6) . في المطبوع: - «به».
7) . في «أ»: «ولو توجب». و في «ج، ش، ص» و المطبوع: «و لا يوجب».
و غيرُ مُسَلَّمٍ أيضاً أنّ الرَّكعتَينِ اللتَينِ دَخَلَ فيهما و نَوىٰ أداءَ(1)الظُّهرِ، ثُمَّ نَقَلَ نيّتَه قَبلَ الفَراغِ منهما إلىٰ قَضاءِ(2)الفائتةِ مِن(3)صَلاةِ الفَجرِ لمّا ذَكَرَها(4)، أنّ الرَّكعتَينِ تَكونانِ(5)مِن الظُّهرِ؛ بَل إنّما تَكونانِ(6)مِن الظُّهرِ إذا لَم تَتغيَّرِ(7)النيّةُ و استَمرَّت علَى الحالةِ الأُولىٰ.
و لا عَجَبَ مِن أن تَقَعَ(8)هاتانِ الرَّكعتانِ عن(9)قَضاءِ الفَجرِ لمّا نَقَلَ نيّتَه(10)إلىٰ ذلكَ، و إن كانَت النيّةُ لَم تَتقدَّمْ في افتتاحِ الصلاةِ؛ لأنّها و إن تأخَّرَت فهي مؤثِّرةٌ في كَونِ تلكَ الصلاةِ قَضاءً و إخراجِها(11)مِن أن تَكونَ(12)أداءً؛ لأنّا قد بيّنّا أن ذلكَ إشارةٌ إلىٰ أحكامٍ شَرعيّةٍ، يَجِبُ إثباتُها و نفيُها بحَسَبِ الأدلّةِ الشرعيّةِ.
و لَيسَ يَجِبُ أن يَعجَبَ مُخالِفونا(13)مِن مَذهبِنا هذا، و هَم يَروونَ عن النبيِّ عليه السلامُ أنّه قالَ: «مَن تَرَكَ صَلاةً ثُمَّ ذَكَرَها، فليُصَلِّها وقتَ ذِكرِه(14)لها؛ فذلكَ
1) . في «ج» و المطبوع: - «أداء».
2) . في المطبوع: «القضاء».
3) . في المطبوع: «في».
4) . في «أ» و المطبوع: «ذكرناها».
5) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: «يكونان».
6) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «يكونان».
7) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: «لم يتغيّر».
8) . في «أ، ج» و المطبوع: «أن يقع».
9) . في المطبوع: «من».
10) . في «ج»: «بنيّة». و في «ش، ص»: «إلى نيّة». و في المطبوع: «بنيّته».
11) . في «ج»: «داخل بها» بدل «و إخراجها».
12) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «أن يكون».
13) . في «ش، ص»: «بمخالفونا».
14) . في «ش، ص»: «حين ذكره». و في «ج» و المطبوع: - «وقت ذكره».
وقتُها(1)»(2)و إذا(3)كان وقتُ الذِّكرِ مُتعيِّناً(4)لقَضاءِ الفائتةِ، فكَيفَ تُصلّىٰ فيه صَلاةٌ أُخرىٰ في غيرِ وقتِها؟
و الوقتُ(5)المضروبُ لصَلاةِ الظُّهرِ و إن كانَ واسعاً، فإنّه إذا ذُكِرَ في أوّلِه و قَبلَ(6)تَضيُّقِه فَوتُ صَلاةٍ قَبلَها، خَرَجَ ذلكَ الوقتُ عندَ الذِّكرِ مِن أن يَكونَ وقتاً للظُّهرِ، و خَلَصَ لِقَضاءِ(7)الفائتةِ.
و لهذا نَقولُ: إنّه إذا تَضيَّقَ وقتُ الصلاةِ الحاضِرةِ، و لَم يَتَّسِعْ إلّالأدائها، لَم يَجُز له أن يَقضيَ فيه الفائتةَ، و خَلَصَ لأداءِ الحاضِرةِ؛ لئلّا تَفوتَ(8)الحاضِرةُ و تَلحَقَ بالماضِيةِ.
و كانَ مالكٌ(9)- حِراسةً لترتيبِ(10)الصلاةِ الفائتةِ علَى الحاضِرةِ(11)- يَذهَبُ إلىٰ
1) . في «ج»: «و فيها». و في المطبوع: «فيها»، كلاهما بدل «وقتها».
2) . راجع: جامع الأُصول، ج 6، ص 134.
3) في المطبوع: «و إن».
4) . في «أ»: «معيّناً». و في المطبوع: «منعنا».
5) . في المطبوع: «و الموقّت».
6) . في المطبوع: «قبل» بدون واو العطف.
7) . في «ج» و المطبوع: «بقضاء».
8) . في «ج» و المطبوع: «يفوت».
9) . أبو عبد اللّٰه مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبَحيُّ الحِميَريُّالمدنيُّ، إمام المذهب المالكي، ولد سنة 93 ه. طلَبَ العلمَ و هو حَدَث. روى عن الإمام الصادق عليه السلام، و عامر، و نافع، و الزهري، و نُعَيم، و زيد بن أسلم و غيرهم. و روى عنه ابن المبارك، و القطّان، و ابن المهدي و غيرهم. مات سنة 179 ه. راجع: تهذيب التهذيب، ج 10، ص 5، الرقم 3؛ طبقات الفقهاء، ص 42؛ تذكرة الحفّاظ، ج 1، ص 207، الرقم 19.
10) . في «أ» شُطب علىٰ «حراسةً لترتيب» و كُتِبَ بدلها: «من الأئمّة الأربعة، في مسألة ترتيب قضاء».
11) . من قوله: «و تلحق بالماضية» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
أنّه متىٰ ذَكَرَ في آخِرِ وقتِ صَلاةٍ حاضِرةٍ أنّه قد فاتَته أُخرىٰ قَبلَها، بَدأَ بقَضاءِ الفائتةِ، و إن فاتَته الحاضِرةُ!(1)و خالَفَ باقي الفقهاءِ في ذلكَ.(2)فإن كانَ عَجَبٌ(3)، فليَكُن(4)مِن مالكٍ؛ لأنّه - نُصرةً(5)للترتيبِ - أَوجَبَ قَضاءَ الماضيةِ(6)و إن فاتَت الحاضرةُ!
فأمّا(7)المسألةُ الثانيةُ(8): و هي استحبابُ إعادةِ مَن صَلّىٰ مُنفَرِداً بعضَ الصلَواتِ، بأن يُصلّيَها جَماعةً؛ رغبةً في فَضلِ صَلاةِ الجَماعةِ.
فأوّلُ ما نَقولُه في ذلكَ: إنّ هذا المَذهبَ لَيسَ ممّا يَنفَرِدُ به الإماميّةُ، بَل بَينَ فقهاءِ العامّةِ فيه خِلافٌ معروفٌ:
لأنّ مالكاً و الأَوزاعيَّ(9)يَستَحِبّانِ لِمَن ذَكَرنا حالَه أن يُعيدَ في الجَماعةِ كُلَّ
1) . راجع: المدوّنة الكبرى، ج 1، ص 132؛ المغني لابن قدامة، ج 1، ص 658.
2) . راجع: المغني لابن قدامة، ج 1، ص 658.
3) . في المطبوع: «يجب».
4) . في «ج» و المطبوع: «فلتكن».
5) . في «أ»: + «و». و في «ج»: «يصيره». و في المطبوع: «بصيرة»، و استُظهر في هامشه: «بمصيره».
6) . في المطبوع: «الفائتة».
7) . في المطبوع: «أمّا».
8) . و هي التاسعةُ من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
9) . في «ج» و المطبوع اختُصِرَ اسمُ الأوزاعيّ و رُمِزَ إليه ب «عيّ». و هو: أبو عمرو عبد الرحمٰن بن عمرو الشامي الأوزاعي، إمام أهل الشام، ولد في بعلبكّ سنة 88 ه، و نشأ بالبِقاع، و نزَلَ بَيروتَ في أواخر عمره، فمات بها سنة 157 ه. روى عن الإمام الصادق عليه السلام، و إسحاق بن عبد اللّٰه بن أبي طلحة، و شدّاد بن عمّار، و قَتادة، و ربيعة و غيرهم. و روى عنه مالك، و الثوري، و شعبة و غيرهم. راجع: الفهرست لابن النديم، ص 284؛ وَفَيات الأعيان، ج 3، ص 127، الرقم 361؛ تاريخ الإسلام، ج 9 ص 483، الرقم 4.
الصلَواتِ، إلّاالمَغرِبَ(1).
و قالَ النَّخَعيُّ(2): يُعيدُها كُلَّها، إلّاالصُّبحَ و المَغرِبَ.(3)
و قال الحَسَنُ(4): يُعيدُها كُلَّها، إلّاالصُبحَ و العَصرَ.(5)
و قالَ أَبو حنيفةَ(6): يُعيدُها كُلَّها، إلّاالصُّبحَ و المَغرِبَ.(7)
و قال الشافعيُّ(8): يُعيدُ جميعَ الصلَواتِ، و لَم يَستَثنِ شَيئاً منها.(9)
و هذا هو مَذهبُ الإماميّةِ بعَينِه.
فكانَ التعجُّبُ مِن جوازِ تَكريرِ الصلاةِ رغبةً في فَضلِ الجماعةِ، إنّما هو إنكارٌ لِما أجمَعَ عليه جميعُ الفقهاءِ؛ لأنّهم لَم يَختَلِفوا في استحبابِ الإعادةِ؛ فبعضُهم عَمَّ
1) . راجع: المجموع للنووي، ج 4، ص 225؛ بداية المجتهد، ج 1، ص 137.
2) . أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، تابعيٌّ، فقيه أهل الكوفة، ذكره الشيخ الطوسي فيمن روى عن أمير المؤمنين عليه السلام، و أُخرى فيمن روى عن عليّ بن الحسين عليهما السلام قائلاً في الثانية: «يكنّى أبا عِمران، مات سنة 96 ه، مولىً؛ و كان أعوَرَ». روى عن خاله، و مسروق، و أبي زرعة، و شريح القاضي، و غيرهم. و روى عنه الحَكَم بن عُتيبة، و سِماك بن حرب، و سليمان الأعمش، و غيرهم. راجع: رجال الطوسي، ص 110، الرقم 477؛ و ص 110، الرقم 1073؛ تهذيب الكمال، ج 2، ص 233، الرقم 265.
3) . في المطبوع: - «و قال النخعيّ: يعيدها كلّها إلّاالصبح و المغرب». و راجع: المجموع للنووي، ج 4، ص 225.
4) . نسبه الطوسي رحمه الله في الخلاف (ج 1، ص 416) إلى «حَكَم». و نقَلَه ابن عبد البرّ في الاستذكار (ج 2، ص 158) عن أبي ثور.
5) . راجع: الخلاف، ج 1، ص 416؛ الاستذكار، ج 2، ص 158.
6) . في «ج» اختُصِرَ اسمُ أبي حَنيفةَ و رُمِز إليه ب «قه». و في المطبوع: «يه».
7) . راجع: المجموع للنووي، ج 4، ص 225؛ بداية المجتهد، ج 1، ص 137.
8) . في «ج» و المطبوع اختُصِرَ اسمُ الشافعيّ و رُمِزَ إليه ب «فعيّ».
9) . راجع: المجموع للنووي، ج 4، ص 225.
جميعَ الصلواتِ - و هو الشافعيُّ(1)الذي يُوافِقُنا مُوافَقَةً صَحيحةً - و الباقونَ استَثنَوا بعضَ الصلَواتِ، و استَحَبّوا الإعادةَ فيما عَداها.
و دليلُنا علىٰ صِحّةِ ما ذَهبنا إليه هو إجماعُ الطائفةِ، الذي بيّنّا في غيرِ مَوضِعٍ أنّه حُجّةٌ.
و الموافِقونَ لنا في هذه المَسألةِ مِن العامّةِ يُعوِّلونَ علىٰ خبرٍ يَروونَه عن النبيِّ عليه السلامُ يَتضمَّنُ: «إذا صَلّىٰ أحَدُكم ثُمَّ أدرَكَ قَوماً يُصَلّونَ فيُصلّي معهم؛ تَكونُ(2)الأُولىٰ صَلاتَه، و التي صَلّاها معهم تَطوُّعاً»(3)، و يُعوِّلونَ(4)علىٰ عمومِ اللفظِ لسائرِ الصلَواتِ، فلا معنىٰ لاستثناءِ بعضِها.
فأمّا(5)الصلاةُ الثانيةُ المفعولةُ جماعةً بَعدَ فِعلِها علىٰ سَبيلِ الانفرادِ، فالصحيحُ أنّها نَدبٌ(6)و الفَرضُ هي الأُولىٰ؛ و هو مَذهبُ الشافعيِّ أيضاً. و قالَ الشَّعبيُّ(7)و الأوزاعيُّ: فَرضُه الثانيةُ.(8)
و أمّا جوازُ أن يَنويَ هذا المُعيدُ(9)لهذه الصلاةِ النَّفلَ و إن كانَ إمامُه يَنوي أداءَ
1) . في «ج» اختُصر اسمُ الشافعيّ و رُمِزَ إليه ب «فعيّ» و في المطبوع: - «الشافعيّ».
2) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «يكون».
3) . راجع: المدوّنة الكبرى، ج 1، ص 87؛ مواهب الجليل، ج 2، ص 402.
4) . في «ج» و المطبوع: «و يقولون».
5) في المطبوع: «فإنّ».
6) . في المطبوع: «الصحيح أنّها بدل».
7) . في «ج» اختُصِر اسمُ الشعبيّ و رُمزَ إليه ب «قي». و في المطبوع: «في». و هو: أبو عمر عامر بن شَراحيل الشعبي الحميري، كوفيٌّ من شَعب هَمدانَ. روى عن الإمام عليّ عليه السلام، و زيد بن ثابت، و سعيد بن زيد و غيرهم. و روى عنه: أبو إسحاق السُّبَيعيُّ، و الأعمش، و سعيد بن عمر و غيرهم. توفّي سنة 104 ه. راجع: طبقات الفقهاء، ص 61؛ تهذيب التهذيب، ج 5، ص 65.
8) . راجع: المجموع للنووي، ج 4، ص 225 و 226.
9) . في «ش، ص»: «المتعبِّد». و في المطبوع: «المقتدي».
الفَرضِ، فلا خِلافَ بَينَ الفقهاءِ فيه؛ لأنّ اقتداءَ المُتنفِّلِ بالمُفتَرِضِ لا يَختَلِفونَ فيه، و إنّما يَختَلِفونَ في اقتداءِ(1)المُفتَرِضِ بالمُتنفِّلِ، فعندَ أبي حَنيفةَ أنّه لا يَجوزُ أن يَقتَديَ مُفتَرِضٌ بمُتنفِّلٍ(2)، و كَرِهَه مالكٌ و الثَّوريُّ(3)، و قالَ الشافعيُّ: إنّه جائزٌ.(4)و هو مَذهبُنا.
و دليلُنا علىٰ صِحّتِه هو إجماعُ الفِرقةِ عليه(5)لأنّهم لا يَختَلِفونَ فيه.
و يَجوزُ أيضاً عندَ الشافعيِّ أن يَأتَمَّ المُفتَرِضُ بالمُفتَرِضِ و إنِ اختَلَفَ فَرضُهما؛ فكانَ أحَدُهما ظُهراً، و الآخَرُ عَصراً.(6)و هو مَذهبُنا. و أبو حَنيفةَ لَم يُجوِّز أن يأتَمَّ المُفتَرِضُ بالمُفتَرِضِ إلّاو فَرضاهُما مُتَّفِقٌ(7)غيرُ مُختَلِفٍ.(8)
فأمّا ما مضىٰ في خِلالِ الكلامِ مِن أنّه «إن كانَ للنَّدبِ(9)فهو مُخالِفٌ لظاهرِ الفُتيا و الروايةِ»؛ فلَيسَ(10)الأمرُ علىٰ ذلكَ؛ لأنّا لا نُفتي إلّابأنّ الثانيةَ نَدبٌ و طَلَبٌ
1) . من قوله: «لا يختلفون فيه» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع، و فيه بدل الساقط: «و».
2) . راجع: المجموع للنووي، ج 4، ص 225 و 226.
3) . في «ج» اختُصِرَ اسمُ الثوري و رُمزَ إليه ب «ري». و في المطبوع: «ي» بدل «الثوريّ». و هو: أبو عبد اللّٰه سفيان بن سعيد الثوري الكوفي، من فقهاء العامّة. روى عن أبيه، و أبي إسحاق الشيباني، و أبي إسحاقَ السُّبيعي، و غيرهم. و ذكره الشيخ الطوسي رحمه اللّٰه في رجاله فيمن يروي عن الإمام الصادق عليه السلام. مات بالبصرة سنة 161 ه. راجع: سير أعلام النبلاء، ج 7، ص 229، الرقم 82؛ طبقات الفقهاء، ص 65؛ رجال الطوسي، ص 220، الرقم 2924.
4) . راجع المصادر السالفة.
5) في «ج» و المطبوع: «عليهم».
6) . راجع: الخلاف، ج 1، ص 546؛ المجموع للنووي، ج 4، ص 271.
7) . في «ج»: «و يتّفق». و في المطبوع: - «متّفق».
8) . راجع: المجموع للنووي، ج 4، ص 271.
9) . في النسخ و المطبوع: «الندب». و ما أثبتناه استفدناه ممّا تقدّم في السؤال. و المراد: إن كان ماصلّاه ثانيةً جماعةً لوجه الندب.
10) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «و ليس». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
لفَضلِ(1)الجَماعةِ(2)، و لَو كانَت(3)واجبةً لَكانَ يُذَمُّ مَن لَم يُصَلِّ هذه الصلاةَ، و قد عَلِمنا أنّه غيرُ مذمومٍ إن تَرَكَها، و إنّما تَرَكَ فَضلاً و نَفلاً(4).
و لَم يُخالِفِ القائلُ بذلكَ للرِّوايةِ(5)أيضاً؛ لأنّ قولَه: «صَلِّ لِنفسِكَ، و صَلِّ معهم و بِهم؛ فإن قُبِلَت الأُولىٰ، و إلّاقُبِلَت الثانيةُ»، لا يَدُلُّ علىٰ أنّ الثانيةَ واجبةٌ؛ لأنّ القبولَ - الذي هو استحقاقُ الثوابِ بالصلاةِ - قد يَكونُ في النَّدبِ كما يَكونُ في الواجبِ، و رُبَّما لم يَكُنِ الواجبُ مقبولاً و مُستَحَقّاً به الثوابُ لِعارِضٍ يَعرِضُ فيه و يَكونُ النَّدبُ.(6)
فإن قالوا(7): كَيفَ يَجوزُ أن تُخالِفَ(8)نيّةُ المأمومِ نيّةَ الإمامِ(9)؟
قُلنا(10): لا خِلافَ بَينَ المُسلِمينَ في جوازِ هذا الحُكمِ؛ لأنّ عندَ جميعِهم أنّه يَجوزُ أن يَقتَديَ بالمُفتَرضِ المُتنفِّلُ.
و أمّا(11)المسألةُ الثالثةُ(12): التي يُفتي فيها أصحابُنا بأنّ مَن فاتَته فَريضةٌ غيرُ مُتعيِّنةٍ(13)
1) . في «ج» و المطبوع: «الفضل»
2) في المطبوع: - «الجماعة».
3) . في المطبوع: «كان». نعم استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
4) . في «ج»: «و فعلاً». و في المطبوع: «و ندباً».
5) . في «ج، ش، ص»: «بذلك الرواية». و في المطبوع: «هذه الرواية».
6) . من قوله: «كما يكون في الواجب» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع، و فيه بدله: «مقبولاً».
7) . في المطبوع: «قال».
8) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «أن يخالف».
9) . في المطبوع: - «نيّة الإمام».
10) . في المطبوع وُضعَت كلمةُ «قلنا» بين معقوفين.
11) . في «أ»: «فأمّا». و في المطبوع: «أمّا» بدون واو العطف.
12) . و هي العاشرةُ من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ. و في المطبوع: + «و».
13) . في المطبوع: «غير معيَّنة».
و لا مُتميِّزةٍ، صَلّىٰ ثَلاثاً و أربَعاً و اثنَتَينِ؛ و نَوىٰ بالثَّلاثِ قَضاءَ المَغرِبِ، و بالأربَعِ(1)قَضاءَ الظُّهرِ أو العَصرِ أو العِشاءِ(2)الآخِرةِ(3)، و بالِاثنَتَينِ الغَداةَ(4).
فأوّلُ ما نَقولُه في هذه المَسألةِ: إنّ الأَولىٰ عندَنا [في] مَن هذه حالُه أن يُصلّيَ ظُهراً و عَصراً و مَغرِباً و عِشاءً و غَداةً.
و إنّما رُخِّصَ له في الروايةِ الواردةِ بذلكَ أن يَجعَلَ مكانَ الظُّهرِ و العَصرِ و العِشاءِ(5)الآخِرةِ أربَعَ رَكَعاتٍ، و يَنويَ بها قَضاءَ ما فاتَه مِن إحدىٰ هذه الصلَواتِ،(6)تَرفيهاً(7)و تخفيفاً؛ لأنّه يَشُقُّ عليه أن يأتيَ(8)بهذه الصلَواتِ الرُّباعيّةِ دَفَعاتٍ مُتكرِّرةً، فخُفِّفَ عنه(9)بأن يأتيَ بأربَعٍ يَنوي بها ما فاتَه مِن إحدى هذه الصلَواتِ الثَّلاثِ. فهي و إن كانَت له غيرَ مُتعيِّنةٍ(10)، فاللّٰهُ تَعالىٰ يَعلَمُها علىٰ سَبيلِ التفصيلِ؛ فكأنّه يَنوي(11)ما فاتَه في عِلمِ(12)اللّٰهِ تَعالىٰ.
و لَيسَ يَنبَغي أن يَقَعَ تَعجُّبٌ مِن حُكمٍ شَرعيٍّ إذا دَلَّت الأدِلّةُ الصحيحةُ عليه؛
1) . في «ش، ص»: «و الأربع». و في «ب، ج»: - «قضاء المغرب، و بالأربع».
2) . في «أ، ب، ج»: «أو عشاء». و في المطبوع: «و عشاء».
3) . في «ج»: «الآخِرَين». و في المطبوع: «الأخيرَين».
4) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: - «و بالاثنتين الغداة».
5) . في «أ، ب، ش، ص»: «عشاء».
6) . راجع: وسائل الشيعة، ج 8، ص 275، ح 10645 و 10646.
7) . في المطبوع: «ترفّهاً».
8) . في المطبوع: «مادح» بدل «يأتي».
9) . في «ش، ص»: «عليه». و في «ج» و المطبوع: «عنها».
10) . في «ج» و المطبوع: «غير معيّنة».
11) . في «أ»: «تعيّن». و استُظهر في «ب»: «يتميّز». و في «ج» و المطبوع: «يتعيّن».
12) . في المطبوع: «و علم» بدل «في علم».
فإنّ الأحكامَ الشرعيّةَ مَبنيّةٌ(1)علَى المَصالِحِ المعلومةِ للّٰهِ تَعالىٰ، و وجوهُ هذه المَصالحِ مُغيَّبةٌ عَنّا، و إنّما نَعلَمُها علَى الجُملةِ دونَ التفصيلِ.
و أمّا(2)المَسألةُ الرابعةُ(3): بأنّ الصلاةَ الواقعَ(4)بعضُها قَبلَ الوقتِ - جَهلاً أو سَهواً - و بعضُها في الوقتِ مُجزيةٌ ماضيةٌ.
فأوّلُ ما نَقولُه: أنّ عندي أنّ هذه الصلاةَ غيرُ مُجزيةٍ و لا ماضيةٍ، و لا بُدَّ مِن أن تَكونَ(5)جميعُ الصلاةِ(6)واقعةً(7)في الوقتِ المضروبِ لها، فإن صادَفَ شَيءٌ مِن أجزائها ما هو خارجُ الوقتِ لَم تَكُن مُجزيةً.
و بهذا يُفتي مُحصِّلو أصحابِنا و مُحقِّقوهم، و قد وَرَدَت رِواياتٌ به(8)و إن كانَ في بعضِ كُتُبِ أصحابِنا(9)ما يُخالِفُ ذلكَ مِن الروايةِ.
و إذا كُنّا لا نَذهَبُ إلىٰ ما يُعجَبُ(10)منه، فلا سؤالَ(11)علينا.
1) . في المطبوع: «مبتنية».
2) . في «أ»: «فأمّا». و في المطبوع: «أمّا» بدون واو العطف.
3) . و هي الحادية عشرة من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
4) . في المطبوع: «الواقعة».
5) . في «ج» و المطبوع: «أن يكون».
6) . في «أ»: «الصلوات».
7) . في المطبوع: - «واقعة».
8) . راجع: وسائل الشيعة، ج 4، ص 105-115، باب وجوب المحافظة على الصلوات في أوقاتها، ح 4635-4661.
9) . راجع: جامع الخلاف و الوفاق، ص 104.
10) . في المطبوع: «تعجب».
11) . في المطبوع: + «له».
و الوجهُ في صِحّةِ القولِ بأنّ مَن صَلّىٰ بعضَ(1)صلاتِه أو جميعَها قَبلَ دخولِ وقتِها يَلزَمُه(2)الإعادةُ، و أنّ صَلاتَه غيرُ ماضيةٍ: أنّ معنىٰ ضَربِ الوقتِ للعبادةِ هو التنبيهُ على أنّها لا تُجزي إلّافيه، و لا تَتعلَّقُ إلّابه(3)و إذا كانَ مَن صَلّىٰ قَبلَ الوقتِ مُخالِفاً للمشروعِ له(4)، و مُخالَفةُ الشرعِ(5)و تَعدّيهِ(6)يَقتَضي فَسادَ العبادةِ، فيَجِبُ القضاءُ بتَركِ الِاعتدادِ بما وَقَعَ مِن الصلاةِ في غيرِ الوقتِ.
و لأنّ الصلاةَ بدخولِ الوقتِ تَلزَمُه(7)لا مَحالةَ؛ و قد عَلِمنا أنّ ما يَفعَلُه منها في الوقتِ يُسقِطُ عن ذِمّتِه وجوبَها بالإجماعِ، و لَم يُعلَمْ(8)أنّ ما فَعَلَه قَبلَ دخولِ الوقتِ مُسقِطٌ(9)عن ذِمّتِه ما شَغَلَها(10)فيَجِبُ عليه أن يَفعَلَ مِن(11)الصلاةِ في وقتِها ما يُعلَمُ به بَراءةُ ذِمّتِه مِن وجوبِها.
و ما يَرويهِ أصحابُنا - فيما يُخالِفُ ما ذَكَرناه - مِن أخبارِ الآحادِ لا يُعتَدُّ(12)به؛ لأنّه لَيسَ بحُجّةٍ، و لا موجِبٍ عِلماً.
1) . في «ش، ص»: + «من».
2) . في المطبوع: «يلزمها».
3) . في المطبوع: - «و لا تتعلّق إلّابه».
4) . في «أ»: «للشرع» بدل «للمشروع له».
5) . في المطبوع: «المشروع».
6) . في «أ» شُطبَ علىٰ «تعدّيه». و في المطبوع: «له» بدل «و تعدّيه».
7) . في المطبوع: «تلزم».
8) . في المطبوع: «و لم نعلم».
9) . في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «مسقطاً»؛ و هو سهو.
10) . في «ج»: «يتعلّقها». و في المطبوع: «تنقلها»، و استُظهر في هامشه: «تعلّق بها» بدل «شَغَلَها».
11) . في المطبوع: - «من».
12) . في «أ»: «لا تعتدّ». و في المطبوع: «لا يتعبّد».
و لَو قامَت دَلالةٌ علىٰ أنّ مَن صَلّىٰ بعضَ الصلاةِ أو كُلَّها قَبلَ دخولِ الوقتِ أَجزَأَته(1)، و لَم تَجِبْ(2)عليه الإعادةُ، لَجازَ ذلكَ عندَنا، و لَم يَكُ(3)مُخالِفاً لقانونِ الشرعِ.
فلا خِلافَ بَينَ أصحابِنا في أنّ مَن اجتَهَدَ في جِهةِ القِبلةِ و صَلّىٰ، ثُمَّ تَبيَّنَ له بَعدَ خروجِ الوقتِ أنّه أخطَأَها و صَلّىٰ إلى غيرِها، فإنّه لا إعادةَ عليه، و أنّ صَلاتَه الماضيةَ مُجزيةٌ عنه إذا كانَ ما استَدبَرَ القِبلةَ.
و قالَ أبو حَنيفةَ و مالكٌ، و هو أحَدُ قولَي الشافعيِّ: إنّه لا إعادةَ عليه علىٰ كُلِّ حالٍ، و لَم يُفرِّقوا بَينَ الخَطإ بالاستدبارِ أو اليَمينِ أو اليَسارِ.(4)
فما هذا التعَجُّبُ مِن الروايةِ الواردةِ بإجزاءِ هذه الصلاةِ؟ و نَحنُ كُلُّنا و فقهاءُ العامّةِ نَقولُ في جِهةِ القبلةِ مِثلَ ذلكَ بعَينِه، و نحنُ نَعلَمُ أنّ القِبلةَ شَرطٌ في الصلاةِ كالوقتِ.
فإذا جازَ أن يَقومَ الخَطأُ مع الِاجتهادِ في القِبلةِ مَقامَ الصوابِ، و يُقالُ: إنّ فَرضَه إذا(5)أدّاه اجتهادُه إلىٰ سَمتٍ بعَينِه، هو ذلكَ السَّمتُ دونَ غيرِه؛ فلِمَ لا جازَ(6)أن يُقالَ أيضاً: إنّ فَرضَه إذا اجتَهَدَ فأدّاه اجتهادُه إلىٰ دخولِ الوقتِ هو إيقاعُ الصلاةِ فيه؟
فما فَعَلَ إلّاما هو فَرضُه في الحالِ، و إن ظَهَرَ له في المُستَقبَلِ خِلافُه، كَما لَو ظَهَرَ له في جِهةِ القِبلةِ خِلافُ اجتهادِه.
و لَم نَقُلْ ذلكَ نُصرةً لهذا المَذهبِ - فقَد بيّنّا أنّه(1)عندَنا باطلٌ، و أنّ الصحيحَ خِلافُه - و إنّما قابَلْنا(2)بذلكَ الِاستبعادَ له و الشَّناعةَ به.
فأمّا ما مضىٰ في أثناءِ السؤالِ مِن أنّه [كَيفَ](3)يَكونُ ما فَعَلَه قَبلَ تَعلُّقِ وجوبِه بالذمّةِ مُجزياً عمّا يَتعلَّقُ بها في المُستَقبَلِ؟ و كَيفَ(4)تَكونُ صَلاتُه مُجزيةً، و بعضُها واجبٌ و بعضُها غيرُ واجبٍ؟ و كَيفَ يَكونُ ما «لَو قُصِدَ إليه(5)لَكانَ قَبيحاً يُستَحقُّ به العِقابُ» مِن فِعلِها قَبلَ الوقتِ، مُجزياً عمّا «لَو قُصِدَ إليه لَكانَ واجباً يُستَحقُّ به الثوابُ» مِن(6)فِعلِها في الوقتِ؟
فممّا لا يَقدَحُ في المَذهبِ الذي قُصِدَ إلَى القَدحِ فيه؛ لأنّ لِمَن ذَهَبَ إليه أن يَقولَ: إنّني لا أُسلِّمُ أنّ وجوبَ الصلاةِ ما(7)تَعلَّقَ بالذمّةِ مع غلبةِ ظَنِّه بدخولِ الوقتِ، و لا أنّ أوّلَ صَلاتِه غيرُ واجبٍ، و غالبُ ظَنِّه أنّ الوقتَ قد دَخَلَ، و لدُخولِه في ظَنِّه تَجِبُ(8)عليه الصلاةُ(9).
و لَيسَ يَمتَنِعُ أن يَكونَ ما «لَو قُصِدَ إليه أن يَكونَ(10)قَبيحاً يُستَحقُّ به العِقابُ»
1) . في المطبوع: «أنّ ذلك» بدل «أنّه».
2) . في «أ، ج، ش، ص»: «قائلنا».
3) . ما بين المعقوفين استفدناه ممّا تقدّم في السؤال.
4) . في المطبوع: «فكيف».
5) . في «ج» و المطبوع: «إليها» و هكذا في الموضع الآتي.
6) . في المطبوع: «في».
7) . في المطبوع: - «ما». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
8) . في «أ»: «يوجب». و في «ب»: «يجب».
9) . من قوله: «و غالب ظنّه» إلىٰ هنا ساقط من «ج» و المطبوع.
10) . كذا، و الأنسب: «لكان» بدل «أن يكون»؛ لما تقدّم قبل قليل، و لما تقدّم في السؤال.
يُجزيهِ(1)بَل هو فَرضُه في وقتِه(2)مع غلبةِ الظنِّ المؤدّي إليها(3)اجتهادُه؛ ألا تَرىٰ أنّه لَو قَصَدَ إلى(4)أن يُصلّيَ إلى غيرِ جِهةِ القِبلةِ لَكانَ ذلكَ منه قَبيحاً يَستَحِقُّ به العقابَ، و مع ذلكَ فإذا أدّاه اجتهادُه إلىٰ تلكَ الجِهةِ أَجزأَته(5)صَلاتُه، و لَم يَلزَمْه(6)الإعادةُ و إن تَبيَّنَ الخَطأُ؟ فلا وجهَ لِاستبعادِ هذا المَذهبِ إلّامِن حَيثُ(7)ذَكَرناه.
و أمّا المَسألةُ الخامسةُ(8): في إجزاءِ يَومِ(9)الشكِّ إذا صامَه بنِيّةِ التطوُّعِ، عن فَرضِه إذا ظَهَرَ له أنّه مِن شَهرِ رَمَضانَ.
فهذا مَذهبٌ لا خِلافَ بَينَ الإماميّةِ فيه، و لا رَوىٰ بعضُهم ما يُخالِفُه؛ علىٰ وجهٍ و لا سببٍ. و التعجُّبُ ممّا تَقومُ(10)الحُجّةُ عليه لا معنىٰ له.
و قد بيّنّا في صَدرِ كلامِنا: أنّ دخولَ النيّةِ في العبادةِ و تَعيُّنَها و إجمالَها و مُقارَنتَها و انفصالَها(11)إنّما هو أحكامٌ شَرعيّةٌ يَجِبُ(12)الرجوعُ فيها إلىٰ أدِلّةِ الشرعِ؛ فمَهما دَلَّت عليه أثبَتناه(13)و اعتَمَدناه.
1) . في «ج» و المطبوع: «مجزية»
2) في المطبوع: «فيه» بدل «في وقته».
3) . في المطبوع: «إليه». و مرجع الضمير في «إليها»: «غلبة الظنّ».
4) . في المطبوع: - «إلىٰ».
5) في المطبوع: «أجزأه».
6) . في المطبوع: «و لم يكن له» بدل «و لم يلزمه».
7) . في المطبوع: + «ما».
8) . و هي الثانية عشرة من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
9) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «صوم». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً ل «ق».
10) . في «ج»: «ما يقوم». و في المطبوع: «بما يقوم».
11) . في المطبوع: «و انفعالها».
12) . في «أ»: «من الأحكام الشرعيّة و يجب» بدل «أحكام شرعيّة يجب».
13) . في المطبوع: «اشتباه». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
و لَو كانَت نيّةُ الصومِ الواجبِ يُعتَبَرُ فيها تعيينُ النيّةِ علىٰ كُلِّ حالٍ، لَما أجمَعَت الإماميّةُ علىٰ إجزاءِ صَومِ يَومِ الشكِّ بِنيّةِ التطوُّعِ، إذا ظهَرَ أنّه مِن شَهرِ رَمَضانَ.
و كذلكَ أجمَعوا علىٰ أنّه لَو(1)صامَ شَهراً بنيّةِ التطوُّعِ علىٰ أنّه شَعبانُ، و كانَ مأسوراً أو محبوساً بحَيثُ لا يَعلَمُ أحوالَ الشُّهورِ(2)، لَكانَ ذلكَ الصومُ يُجزيهِ عن شَهرِ رَمَضانَ.
و إنّما تَفتَقِرُ العبادةُ إلى نيّةِ إيقاعِها علَى الوجهِ المُعيَّنِ في المَوضِعِ الذي يَتمكَّنُ المُكلَّفُ مِن العِلمِ(3)بالتعيينِ، و في يَومِ الشكِّ لا يُمكِنُه أن يَعلَمَ أنّه مِن شَهرِ رَمَضانَ في الحالِ، فلا يَجوزُ أن يَصومَه إلّابِنيّةِ التطوُّعِ؛ لأنّ التعيينَ لا سَبيلَ له إليه في هذا اليَومِ. و غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَقومَ الدليلُ علىٰ أنّه إن صامَه بهذه النيّةِ، و ظَهَرَ أنّه مِن شَهرِ رَمَضانَ، أجزأَه(4)عن فَرضِه.
و أبو حَنيفةَ يُوافِقُنا في هذه المَسألةِ، و يَذهَبُ(5)إلىٰ أنّه إن صامَ يَوماً بِنيّةِ التطوُّعِ، و ظَهَرَ أنّه مِن شَهرِ رَمَضانَ، أَجزأَه ذلكَ عن فَرضِه، و لَم تَجِبْ(6)عليه الإعادةُ.(7)و يُعوِّلُ(8)في الِاستدلالِ علىٰ صِحّةِ قولِه علىٰ أشياءَ:
منها: قولُه تَعالىٰ: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (9)، فأمَرَ بصَومٍ شَرعيٍّ،
1) . في المطبوع: «إن».
2) . في المطبوع: «أو محبوساً يجب أن لا يعلم أحوال الشهر».
3) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «العلم» بدل «من العلم». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل «د، ط».
4) . في المطبوع: «أجزأ».
5) . في المطبوع: «يذهب» بدون واو العطف.
6) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: «و لم يجب».
7) . راجع: المجموع، ج 6، ص 403 و 404.
8) . أي أبو حنيفة.
9) . البقرة (2):185.
و لا خِلافَ في أنّ الصومَ بِنيّةِ التطوُّعِ صَومٌ شَرعيٌّ، فإنّه لَو صامَ في غيرِ شَهرِ رَمَضانَ يَوماً بِنيّةِ التطوُّعِ لَوُصِفَ(1)في الشرعِ بأنّه صَومٌ مُطلَقٌ، فعُمومُ الآيةِ يَقتَضي فِعلَ ما هو صَومٌ في الشريعةِ.
و منها: أنّ صَومَ شَهرِ رَمَضانَ مُستَحَقُّ العَينِ علَى المُقيمِ، فعَلىٰ أيِّ وجهٍ فَعَلَه وَقَعَ عن(2)المُستَحَقِّ؛ كطَوافِ الزيارةِ، و رَدِّ العاريةِ و الوَديعةِ و الغَصبِ.
و منها: أنّ نيّةَ التعيينِ يُحتاجُ إليها للتمييزِ بَينَ الفَرضِ و غيرِه، و التمييزُ(3)إنّما يُحتاجُ إليه في الوقتِ الذي يَصِحُّ(4)وقوعُ الشيءِ و خِلافِه فيه. فأمّا إذا لَم يَصِحَّ منه في الحالِ إلّا(5)الفَرضُ، لَم يُحتَجْ إلىٰ نيّةِ التعيينِ، ألا تَرىٰ أنّ قَضاءَ الدَّينِ لَمّا صَحَّ أن تَكونَ هذه العَطيّةُ بعَينِها تارةً هِبةً و علىٰ وجوهٍ مُختَلِفةٍ، كَما يَصِحُّ أن تَكونَ(6)قَضاءَ الدَّينِ، اِحتيجَ فيها إلىٰ نيّةِ التعيينِ(7)، و لمّا لَم تَكُنِ(8)الوديعةُ و العاريةُ بهذه الصفةِ لَم تَفتقِرْ(9)إلىٰ نيّةِ التعيينِ.
فإذا قيلَ لأبي حَنيفةَ: فألّا(10)أجَزتَ صَومَ(11)هذا الزمانِ المُتَعيِّنِ(12)بغَيرِ نيّةٍ أصلاً،
1) . في «ج» و المطبوع: «يوصف»
2) في «ج» و المطبوع: «علىٰ».
3) . في «أ، ج»: «و التميّزُ».
4) . في المطبوع: + «في»؛ نعم، استُظهر في هامشه زيادتُها.
5) . في المطبوع: «إلىٰ»؛ نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
6) . في «أ، ج، ش، ص»: «أن يكون».
7) . من قوله: «ألا ترىٰ» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
8) . في «أ، ج، ش، ص»: «لم يكن».
9) . في «أ، ج» و المطبوع: «لم يفتقر».
10) . في «أ»: «فهلّا».
11) . في «ج» و المطبوع: «صومه».
12) . في «ج» و المطبوع: «المعيّن».
كَما جازَ رَدُّ الوَديعةِ و العاريةِ(1)بغَيرِ نيّةٍ، كَما يَقولُه(2)زُفَرُ(3)و عَطاءٌ(4)؟
فَرَّقَ(5)بَينَ الأمرَينِ؛ بأن يَقولَ: كَونُه مُستَحَقَّ العَينِ إنّما يَكونُ عِلّةً في سُقوطِ نيّةِ التعيينِ، و لا يَكونُ عِلّةً في سُقوطِ النيّةِ علىٰ كُلِّ وَجهٍ. كطوافِ الزيارةِ؛ تَسقُطُ فيهِ نيّةُ التعيينِ(6)- لأنّه لَو طافَ بنِيّةِ التطوُّعِ أَجزأَه عن فَرضِه - و لا تَسقُطُ(7)فيه النيّةُ علَى الجُملةِ.
و أجوَدُ ممّا ذَكَرَه أبو حَنيفةَ مِن الفَرقِ(8)، أن نَقولَ(9): إنّ الصومَ في الشريعةِ لا بُدَّ مِن كَونِه قُربةً و عبادةً، بِلا خِلافٍ بَينَ المُسلِمينَ، فإذا تَعيَّنَ في زمانٍ بعَينِه سَقَطَ وجوبُ نيّةِ التعيينِ؛ و نيّةُ القُربةِ و العبادةِ لا بُدَّ منها، و إلّافلا يَكونُ صَوماً شَرعيّاً؛ و لَيسَ كذلك رَدُّ الوَديعةِ و العاريةِ.
1) . في المطبوع: - «و العارية»
2) في «ج»: «يقول». و في المطبوع: «لقوله».
3) . أبو الهُذَيل زُفَر بن هُذَيل بن قيس بن مسلم العنبريّ، صحب أبا حنيفة، و كان من أصحاب الحديث، ثمّ غلب عليه الرأي و القياس، و هو أوّل من قدم البصرة برأي أبي حنيفة، ذكره الشيخ الطوسي رحمه اللّٰه فيمن روى عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام. مات بالبصرة سنة 158 ه. راجع: الفهرست لابن النديم، ص 256؛ رجال الطوسي، ص 211، الرقم 2750؛ سير أعلام النبلاء، ج 8، ص 38، الرقم 6؛ لسان الميزان، ج 2، ص 476، الرقم 1919.
4) . أبو محمّد عطاء بن أبي ربَاح أسلَمَ القرشيّ، مفتي أهل مكّة و محدّثهم. روى عن ابن عبّاس، و ابن عمرو، و معاوية، و أُسامة، و غيرهم. و روى عنه ابنه يعقوب، و أبو إسحاق السبيعي، و مجاهد، و غيرهم. مات سنة 114 ه. راجع: ميزان الاعتدال، ج 3، ص 170، الرقم 5640؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 261، الرقم 419؛ طبقات الفقهاء، ص 44.
5) . في المطبوع: - «فرّق».
6) . من قوله: «و لا يكون علّةً» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
7) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «و لا يسقط». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً لنُسختَي «د، ط».
8) . في المطبوع: - «من الفرق».
9) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: «أن يقول».
و رُبَّما طَعَنَ الشافعيُّ علىٰ أبي حَنيفةَ في هذا الكلامِ الذي حَكَيناه - مِن أنّ ما تَعيَّنَ(1)زمانُه مِن العباداتِ لا يَحتاجُ(2)إلىٰ نيّةٍ - بأن يَقولَ له: إنّ الصلاةَ في آخِرِ الوقتِ و عندَ تَضيُّقِه(3)تَفتَقِرُ(4)إلىٰ نيّةِ التعيينِ بِلا خِلافٍ؛ و مع هذا فإنّ هذا(5)الزمانَ قد تعيَّنَ في أدائها، و لا(6)يُمكِنُ أن يَقَعَ فيه سِواها.
و يُمكِنُ أبا حَنيفَةَ(7)أن يُجيبَ عن ذلكَ بأن يَقولَ: هذا الزمانُ بعَينِه(8)يُمكِنُ أن لا يَتعيَّنَ(9)فيه أداءُ هذه الفَريضةِ(10)بأن يَكونَ قد(11)قَدَّمَها عليه و ما أخَّرَها إليه، فقَد صارَت هذه العبادةُ فيه غيرَ مُتعيِّنةٍ، و ليسَ كذلك صومُ شَهرِ رَمَضانَ؛ لأنّه زمانٌ(12)لا يُمكِنُ أن يَقَعَ فيه مِن جنسِ هذا الصومِ سِواه، فقَد تَعيَّنَ له خاصّةً، و فارَقَ بذلكَ الصلاةَ في آخِرِ الوقتِ.
و أمّا المَسألةُ السادسةُ(13): و هي أنّ النيّةَ الواقعةَ في ابتداءِ شَهرِ(14)رَمَضانَ لصَومِ الشهرِ كُلِّه، مُغنيةٌ عن تجديدِها في كُلِّ ليلةٍ.
فهو المَذهبُ الصحيحُ الذي عليه إجماعُ الإماميّةِ، و لا خِلافَ بَينَهم فيه، و لا
1) . في المطبوع: + «من»
2) في «ش، ص»: «لا تحتاج».
3) . في «أ، ش، ص»: «تضييقه».
4) في «أ، ج» و المطبوع: «يفتقر».
5) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: - «هذا»
6) في المطبوع: «لا» بدون واو العطف.
7) . في المطبوع: «منه» بدل «أبا حنيفة».
8) . في المطبوع: - «بعينه».
9) . في المطبوع: «أن لا يعين».
10) . في المطبوع: - «الفريضة».
11) . في المطبوع: - «قد».
12) . في «ج» و المطبوع: - «زمان».
13) . و هي الثالثة عشرة من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
14) . في المطبوع: - «شهر».
رَوَوا خِلافَه. و هو مَذهبُ(1)مالكٍ.(2)
لكِنّا نَقولُ(3): إنّ تَكرارَ النيّةِ و إنْ(4)لَم يَكُن واجباً، فإنّه إن جَدَّدَها(5)لكُلِّ يَومٍ إلىٰ آخِرِ الشهرِ، كانَ أفضَلَ له(6)و أَوفَرَ ثَواباً.
و لا تَعجُّبَ مِن الأحكامِ الشرعيّةِ إذا قامَت عليها الأدِلّةُ الصحيحةُ.
فإن قيلَ: كَيفَ تؤثِّرُ(7)النيّةُ في صَومِ(8)جميعِ الشهرِ، و هي مُتقدِّمةٌ(9)أوّلَ ليلةٍ منه؟
قُلنا(10): كما تؤثِّرُ(11)عندَنا كُلِّنا هذه النيّةُ في صَومِ اليَومِ بأَسْرِه، و إن كانَت واقعةً في ابتداءِ لَيلتِه. و لَو كانَت مقارَنةُ النيّةِ الصومَ(12)لازمةً، لَما جازَ هذا الذي ذَكَرناه، و لا خِلافَ في صِحّتِه.
و لَو اعتُبِرَ في تُروكِ(13)الأفعالِ في زمانِ الصومِ كُلِّه(14)مُقارَنةُ النيّةِ لها، لَوَجَبَ تَجديدُ النيّةِ في كُلِّ حالٍ مِن زمانِ كُلِّ يَومٍ مِن شَهرِ رَمَضانَ؛ لأنّه في هذه الأحوالِ كُلِّها تارِكٌ لِما يوجِبُ كَونَه مُفطِراً.
و قد عَلِمنا أنّ استمرارَ النيّةِ طولَ النهارِ غيرُ واجبٍ، و أنّ النيّةَ قَبلَ طُلوعِ الفَجرِ
1) . في المطبوع: «و قد يذهب إلىٰ ذلك» بدل «و هو مذهب».
2) . راجع: الخلاف، ج 4، ص 556؛ المجموع للنووي، ج 4، ص 556؛ فتح العزيز، ج 6، ص 291.
3) . في المطبوع: «و يقول» بدل «لكنّا نقول».
4) في المطبوع: - «و إن».
5) . في «ش، ص»: «جدّدناها»
6) في المطبوع: - «له».
7) . في «أ، ج، ش، ص»: «يؤثّر».
8) . في «ج» و المطبوع: - «صوم».
9) . في المطبوع: + «في».
10) . في المطبوع: + «إنّها تؤثّر في الشهر كلّه».
11) . في «أ، ج، ش، ص»: «يؤثّر».
12) . في المطبوع: «للصوم».
13) . في «ج»: «الأوّل». و في المطبوع: «التروك». نعم استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
14) . في المطبوع: - «كلّه». و في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة: «إلىٰ»؛ و هو سهو. و يدلّ علىٰ ما أثبتناه قولُه بعد فقرتين: «وقوع تروكِه في زمانِ الصومِ كُلِّه».
كافيةٌ مؤثِّرةٌ في كَونِ تُروكِه المُستَمِرَّةِ طولَ النهارِ صَوماً؛ فَكذلكَ(1)القولُ في النيّةِ الواحدةِ إذا فَرَضنا أنّها لجميعِ شَهرِ رَمَضانَ أنّها تؤثِّرُ شرعاً في صيامِ جميعِ أيّامِه و إن تَقدَّمَت، كما أثَّرَت النيّةُ الواقعةُ بالليلِ في صيامِ اليَومِ كُلِّه.
و أمّا(2)ما مضىٰ في خِلالِ الكلامِ، مِن أنّ ذلكَ يَقتَضي صِحّةَ صَومِ مَن تَقدَّمَت منه هذه النيّةُ مع كَونِه غيرَ عازمٍ في كُلِّ يَومٍ مُستَقبَلٍ علىٰ أن لا يَفعَلَ ما وَجَبَ عليه اجتنابُه في زمانِ الصومِ... الىٰ آخِرِ الفَصلِ؛ فكذلكَ نَقولُ: إنّ تجديدَ العَزمِ علىٰ جميعِ ما ذُكِرَ غيرُ واجبٍ في كُلِّ يَومٍ إذا كانَت قد تَقدَّمَت النيّةُ في أوّلِ الشهرِ علىٰ ذلكَ كُلِّه؛ فإنّ تَقدُّمَها يَقتَضي وقوعَ تُروكِه في زمانِ الصومِ كُلِّه علىٰ وجهِ القُربةِ و العبادةِ و الصّحةِ، كما اتَّفَقنا في أنّ تَقدُّمَ النيّةِ بالليلِ يَقتَضي وقوعَ كَفِّه في طولِ النهارِ عمّا يُفطِّرُ(3)الصائمَ عبادةً و قُربةً و علَى الوجوهِ المشروعةِ.
فإن أُريدَ بكَونِه «غيرَ عازمٍ» أنّه غيرُ مجدِّدٍ لِلنيّةِ(4)، فقَد مضَى القولُ فيه.
و إن أُريدَ بذلكَ أنّه يَكونُ عازماً علَى الأكلِ أو الشُّربِ أو الجِماعِ، فهذا(5)يَنقُضُ(6)النيّةَ المُتقدِّمةَ؛ ألا تَرىٰ أنّ مَن أَوجَبَ النيّةَ لكلِّ يَومٍ يَقولُ أنَّه(7)لَو نَوىٰ بالليلِ و قَبلَ طُلوعِ الفَجرِ صيامَ يومٍ بعَينِه لَم يَجِبْ عليه تجديدُ النيّةِ و العَزمِ، لكِنّه متىٰ عَزَمَ علَى الأكلِ أو الشُّربِ(8)أو الجِماعِ أفسَدَ صَومَه؟ و هذا بَيِّنٌ لِمَن تأمَّلَه.
1) . في «ج» و المطبوع: «كذلك». و في «ش، ص»: «و كذلك».
2) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: - «أمّا».
3) في المطبوع: «كما يفعله» بدل «عمّا يفطِّر».
4) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «بالنيّة». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للنُّسختَين: «د، ط».
5) . في «ج» و المطبوع: «فقد».
6) . في «أ» الكلمة غير واضحة. و في «ج» و المطبوع: «انتقض».
7) . في المطبوع: - «أنّه».
8) . في النُّسخ المعتمدة: - «أو الشُّرب». و إثباتُها هو الأنسب؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخ: «د، ط، م».
فَصلٌ يَتضمَّنُ مسألتَينِ(1)تَتعلَّقُ أيضاً بأحكامِ النيّةِ في العبادةِ
المَسألةُ الأُولىٰ(2):
إذا كانَت الشروطُ المذكورةُ في صفةِ نيّةِ العبادةِ(3)مُعتَبَرةً في صِحّتِها، فما حُكمُ مَن جَهِلَها مِن المُكلَّفينَ، فأَوقَعَ(4)عبادتَه خاليةً مِنها(5)أو مِن بعضِها؟ هَل يَجِبُ عليه إعادةُ ما مضىٰ مِن العباداتِ عاريةً(6)مِن ذلكَ إذا عَرَفَ كَونَ هذه الشروطِ واجبةً؟ أم يُجزيهِ ما مضىٰ بغَيرِ نيّةٍ، أو [ب] نيّةِ التعيينِ و القُربةِ خاصّةً؛ مِن غيرِ أن يَخطُرَ له الوجهُ الذي له(7)وَجَبَت(8)، و إنّما اعتَقَدَ وجوبَها علَى الجُملةِ؟
المَسألةُ الثانيةُ(9):
و ما حُكمُ العبادةِ(10)ذاتِ الأحكامِ المُتَغايِرةِ، كالطهارةِ و الصلاةِ و الحَجِّ، هَل يَجِبُ علىٰ كُلِّ(11)مُكلَّفٍ فِعلَها مَعرِفةُ أعيانِ أحكامِها و فَرقِ ما بَينَ واجبِها و مندوبِها؟ أم يُجزيهِ اعتقادُ وجوبِها علَى الجُملةِ، مِن غيرِ معرِفةٍ بتفصيلِ أحكامِها؟
1) . و هما المسألتان الرابعة عشرة و الخامسة عشرة من المسائل الرسّيّة الأُولى.
2) . في «أ، ب، ج»: - «المسألة الأُولىٰ».
3) . في «ج»: «النيّة» بدل «نيّة العبادة». و في «ش، ص»: «النيّة و العبادة» بدلها.
4) . في المطبوع: «أوقع».
5) في المطبوع: «عنها».
6) . في «أ»: «الموهميّة» بدل «عاريةً».
7) في «ج» و المطبوع: - «له».
8) . في المطبوع: «وجب».
9) . و هي الخامسة عشرة من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
10) . في «ش، ص»: «العبادات».
11) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: - «كلّ».
فإن كانَ العِلمُ بتفصيلِها حينَ البَلوىٰ بها يَجِبُ كجُملتِها(1)، فَهَل يَلزَمُ مُكلَّفَها أن يُفرِدَ لكُلِّ حُكمٍ مُفصَّلٍ نيّةً(2)تَخُصُّه(3)في حالِ فِعلِه، كغَسلِ الوجهِ، و مَسحِ الرأسِ، و الركوعِ، و السجودِ، و الطوافِ، و السعيِ، و أمثالِ ذلكَ؟ أم يُجزيهِ تعيينُ ذلكَ حينَ القَصدِ إلىٰ فِعلِ العبادةِ التي هذه الأحكامُ مِن تفصيلِه(4)، و لا يَحتاجُ إلىٰ تكريرِ النيّةِ لكلِّ واجبٍ و نَدبٍ في حالِ فِعلِه؟ أم لا يَلزَمُه(5)شَيءٌ مِن ذلكَ، بَل يَكفيهِ أن يَعزِمَ علىٰ صَلاةِ الظُّهرِ لوجوبِها في حالِ تكبيرةِ الإحرامِ، مِن غيرِ أن يَخطُرَ له شَيءٌ مِن تفصيلِ ذلكَ(6)؟
و إن كانَ العِلمُ بتفصيلِ أحكامِ العبادةِ و شُروطِها و أفعالِها و تُروكِها واجباً، فما حُكمُ ما مضىٰ مع الجهلِ بذلكَ مِن العباداتِ، أ يَجِبُ(7)قضاؤه أم لا؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(8):
[أمّا المَسألةُ الأُولىٰ(9)]: اِعلَمْ أنّ العبادةَ إذا وَجَبَت بنِيّةٍ مخصوصةٍ، و كانَت النيّةُ شَرطاً في صِحّتِها، فكُلُّ مُخاطَبٍ بهذه العبادةِ لا بُدَّ أن يَكونَ مُخاطَباً بالنيّةِ التي
1) . في «ج»: «بحينها». و في المطبوع: - «كجملتها».
2) . في «ج» و المطبوع: «بينه». و استُظهر في هامش المطبوع: «بنيّة».
3) . في «ج»: «بحصّته». و في المطبوع: «يخصّه».
4) في المطبوع: «تفصيل».
5) . في المطبوع: «لا يلزم»
6) في المطبوع: - «ذلك».
7) . في «ش، ص» و المطبوع: «يجب» بدون همزة الاستفهام.
8) . في «أ، ب، ج» و المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
9) . و هي الرابعة عشرة من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
هي شَرطٌ في صِحّتِها.
فإذا(1)أَوقَعَها بغَيرِ نيّةٍ، فالإعادةُ واجبةٌ عليه؛ لأنّه قد أخَلَّ بشَرطِ صِحّتِها.
فإن فَرَضنا أنّه جَهِلَ وجوبَ هذه النيّةِ عليه، فأوقَعَها عاريةً منها، ثُمّ عَلِمَ بَعدَ ذلكَ وجوبَها، فالصحيحُ أنّه إن كان جَهِلَ وجوبَ هذه النيّةِ عليه في حالٍ يَصِحُّ فيها منه(2)العِلمُ بوجوبِها، و إنّما جَهِلَها تفريطاً و إهمالاً، فالقَضاءُ واجبٌ عليه لا مَحالةَ.
و إن كانَ لمّا جَهِلَ وجوبَها غيرَ مُتمكِّنٍ مِن العِلمِ بوجوبِ هذه النيّةِ، فمِن المُحالِ أن يَكونَ مُكلَّفاً بالعبادةِ(3)و هو غيرُ مُتمكِّنٍ مِن العِلمِ(4)بوجوبِها و وجوبِ ما يُفتَقَرُ في صِحّتِها إليه، و مَن لَم يَتمكَّنْ مِن العِلمِ بوجوبِ الفِعلِ و شَرائطِه فهو غيرُ مكلَّفٍ به(5). فهذا لا يَجِبُ عليه الإعادةُ؛ لأنّ هذه العبادةَ في الوقتِ الذي فَعَلَها عاريةً مِن النيّةِ لَم تَكُن واجبةً.
فأمّا الوجهُ الذي له وَجَبَت(6)العبادةُ، فإن أُريدَ - مثلاً - كَونُها ظُهراً أو عَصراً، فلَعَمري إنّه لا بُدَّ مِن أن يَنويَ بأدائها كَونَها ظُهراً أو عَصراً.
و إن أُريدَ بوَجهِ الوجوبِ الوجهُ(7)الذي منه كانَت مَصلَحةً، و داعيةً إلىٰ فِعلِ الواجبِ العقليِّ و صارفةً عن القَبيحِ العقليِّ، فذلكَ ممّا لا يَجِبُ عِلمُه علىٰ سَبيلِ التفصيلِ، و العِلمُ به علىٰ وجهِ الجُملةِ كافٍ.
1) . في «ج»: «و أنّه». و في المطبوع: «و إذا».
2) . في «ج» و المطبوع: «من».
3) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «للعبادة». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً لما يظهر من «ط».
4) . في المطبوع: «للعلم» بدل «من العلم».
5) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «له». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للنُّسخة «ط».
6) . في المطبوع: «وجب».
7) . في المطبوع: - «الوجه».
فأمّا المَسألةُ الثانيةُ(1): فإنّ كُلَّ عبادةٍ اشتَمَلَت علىٰ أفعالٍ كَثيرةٍ، و إن كانَ لها اسمٌ تَتعرَّفُ(2)به جُملتُها - كالطهارةِ، و الصلاةِ، و الحَجِّ - فلا بُدَّ في كُلِّ مُكلَّفٍ بها(3)مِن أن يَكونَ له طريقٌ إلىٰ مَعرِفةِ وجوبِ ما هو واجِبٌ منها بالتمييزِ بَينَه و بَينَ ما هو نَدبٌ و نَفلٌ.
فإذا نَوىٰ في ابتداءِ الدخولِ في هذه العبادةِ - التي لها أبعاضٌ كثيرةٌ - أن يَفعَلَها، و نَوىٰ(4)إيقاعَ ما هو واجبٌ منها علىٰ جِهةِ الوجوبِ، و إيقاعَ النَّدبِ منها علىٰ هذا الوجهِ، كَفاه ذلكَ، و لم يَفتَقِرْ إلىٰ تجديدِ النيّةِ عندَ كُلِّ بعضٍ مِن أبعاضِ هذه العبادةِ.
مثالُ ذلكَ: أن يَنويَ بفِعلِ الطهارةِ إزالةَ الحَدَثِ في ابتدائها، فلَيسَ يَلزَمُه تجديدُ هذه النيّةِ عندَ تطهيرِ كُلِّ عضوٍ. و كذلكَ إذا نَوىٰ عندَ الدخولِ في الصلاةِ إيقاعَ(5)الواجبِ منها واجباً و الندبِ نَدباً، لَم يَحتَج إلىٰ تجديدِ النيّةِ عندَ كُلِّ فِعلٍ(6)مِن أفعالِها، كالركوعِ و السجودِ و غيرِهما.
و هذه الجُملةُ مُقنِعةٌ.
1) . و هي الخامسة عشرة من المسائل الرسّيّةِ الأُولىٰ.
2) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «يتعرّف».
3) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «لها». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للنُّسخة «س».
4) . في النُّسَخ المعتمدة و المطبوع: «و نوع». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً لنسخة «د».
5) . من قوله: «الندب منها علىٰ هذا الوجه» إلىٰ هنا ساقط من «ج» و المطبوع.
6) . في «ش، ص»: - «فعل».
ما(1)صفةُ نيّةِ النائبِ عن غيرِه في حَجٍّ أو جِهادٍ، هَل يَعزِمُ علىٰ أداءِ ذلكَ لوجوبِه عليه، أم(2)علىٰ مُستَنيبِه؟(3)
فإن كانَ يَفعَلُ ذلكَ لوجوبِه عليه، فلِوَجهٍ غيرِ صحيحٍ؛ لأنّه لَم يَجِبْ عليه شَيءٌ، و إنّما هو نائبٌ(4)في فِعلٍ واجبٍ علىٰ غيرِه دونَه. ثُمَّ كَيفَ يَكونُ نائباً عن غيرِه بفِعلٍ واجبٍ عليه في نفسِه؟
فإن فَعَلَه لوجوبِه علىٰ غيرِه، فكَيفَ يَصِحُّ أن يَعبُدَ اللّٰهَ تَعالىٰ(5)زَيدٌ عبادةً واجبةً جِهةُ وجوبِها مُختَصٌّ بعَمرٍو؟ و كَيفَ تَبرأُ(6)ذِمّةُ عَمرٍو ممّا وَجَبَ عليه بفِعلِ زَيدٍ؟ و كَيفَ يَستَحِقُّ الثوابَ عَمرٌو عمّا وَجَبَ عليه بفِعلِ زيدٍ(7)مع تَقرُّرِ الحُكمِ العقليِّ علىٰ(8)خِلافِه، و ورودِ السمعِ بما يُطابِقُه، مِن قولِه تَعالىٰ: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلاّٰ مٰا سَعىٰ» (9)، و «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ» (10)، و أمثالِ ذلكَ؟
1) . في المطبوع: «من»
2) في المطبوع: + «لا».
3) . في «ج»: «مشتبيه». و في المطبوع: «مشتبه».
4) في «ج» و المطبوع: «ثابت».
5) . في «ش، ص» و المطبوع: - «تعالىٰ»
6) في المطبوع: «يبرأ».
7) . في المطبوع: - «و كيف يستحقّ الثواب عمرو عمّا وجب عليه بفعل زيد؟».
8) . في المطبوع: - «علىٰ».
9) . النجم (53):39.
10) . الزلزلة (99):7.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(1):
اِعلَمْ أنّ النائبَ عن(2)غيرِه في الحَجِّ يَجِبُ أن تَكونَ(3)نيّتُه مُتوجِّهةً(4)إلَى الوجهِ الذي قَصَدَه بالحَجّةِ، فإن حَجَّها(5)عمّن وَجَبَ عليه الحَجُّ، فيَجِبُ أن تَكونَ(6)نيّتُه(7)مُنصَرفةً إلىٰ هذا الوجهِ بعَينِه،(8)و كذلكَ إن كانَت(9)تَطوُّعاً عن غيرِه، نَوىٰ بها التطوُّعَ عن ذلكَ الغَيرِ، و لذلكَ يَجِبُ أن يُسمّيَ مَن أحرَمَ عنه في تلبيَتِه(10).
و لَيسَت هذه الحَجّةُ بواجبةٍ علَى المُستَنابِ(11)، حتّىٰ يُقالَ: كَيفَ يَكونُ(12)نائباً عن غيرِه بفِعلٍ واجبٍ عليه في نفسِه؟
اللّهمَّ إلّاأن يُفرَضَ أنّه وليٌّ لميّتٍ(13)وَجَبَ عليه الحَجُّ فلَم(14)يَحِجَّ، فإنّ الوليَّ يَجِبُ عليه عندَنا أن يَحِجَّ عنه، و يَنويَ بهذه الحَجّةِ أداءَ(15)ما كان واجباً علَى
1) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
2) . في المطبوع: «من».
3) . في «أ، ب، ج» و المطبوع: «أن يكون».
4) . في المطبوع: «من جهة» بدل «متوجّهة».
5) . في «ح» و المطبوع: «حجّتها». و استُظهر في هامش المطبوع: «حجّته».
6) . في «أ، ب، ج» و المطبوع: «أن يكون».
7) . في «ج»: «بنيه». و في المطبوع: «بنيّة».
8) . في المطبوع: - «بعينه».
9) . في «أ» و المطبوع: «كان».
10) . في المطبوع: «بيته».
11) . في «ج» و المطبوع: «المسبّبات».
12) . في المطبوع: - «يكون». نعم، استُظهر في هامشه إثباتُه.
13) . في «أ»: «ميّت». و في المطبوع: «الميّت».
14) . في «أ»: «و لم».
15) . في «أ»: «إذا». و في المطبوع: - «أداء».
الميِّتِ. فهذا المَوضِعُ الذي تَتعيَّنُ(1)فيه النيابةُ يَكونُ الحَجُّ واجباً علَى النائبِ، و يَنوي بالحَجّةِ إيقاعَها عن الميِّتِ و إسقاطَ حَقِّ النيابةِ عن ذِمّتِه.
و الواجبُ(2)علىٰ زَيدٍ و إن لَم تَكُن(3)جهةُ وجوبِه مُختَصّةً بعَمرٍو، فإنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَجِبَ علىٰ زَيدٍ ما تَكونُ(4)جِهةُ وجوبِه(5)لها تَعلُّقٌ بعَمرٍو.
فكأنّه قيلَ لهذا الوليِّ: «يَجِبُ عليكَ إذا ماتَ مَن أنتَ وليُّه(6)و عليه(7)حَجّةٌ، أن تَحُجَّ أنتَ عنه» فجِهةُ الوجوبِ مُختَصّةٌ بالنائبِ، و لها تَعلُّقٌ بالمَيِّتِ، مِن حَيثُ كانَ تفريطُه في الحَجِّ(8)سبباً لوجوبِ النيابةِ(9)علىٰ وليِّه.
فأمّا ثَوابُ هذه الحَجّةِ؛ فإن كانَ الميِّتُ وَصّىٰ بها و أمَرَ بأن يُحَجَّ عنه، كانَ الثوابُ مُنقَسِماً(10)بَينَه و بَينَ النائبِ عنه(11)و إن لَم يَكُن كذلكَ، فالثوابُ يَنفَرِدُ به الفاعلُ.
فلَم نَخرُجْ(12)بهذا التفصيلِ مِن الحُكمِ العقليِّ، و لا مِن ظاهرِ قولِه: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلاّٰ مٰا سَعىٰ» (13).
1) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «يتعيّن»
2) في «أ، ج» و المطبوع: «فالواجب».
3) . في «ج» و المطبوع: «لم يكن».
4) في «أ»: «كان». و في «ش، ص»: «يكون».
5) . من قوله: «مختصّة بعمرو» إلىٰ هنا ساقط من «ج» و المطبوع.
6) . في «ج»: «مراتب»، و في المطبوع: «موليك»، كلاهما بدل «من أنت وليّه».
7) . في «ج»: «وليّه». و في المطبوع: «و له».
8) . في «ب»: «بالحجّ» بدل «في الحجّ».
9) . في «ج»: «شيئاً بوجوب النيابة». و في المطبوع: «شيئاً بوجوب الثابتة»، كلاهما بدل «سبباً لوجوب النيابة».
10) . في المطبوع: «مقسماً».
11) . في المطبوع: - «عنه».
12) . هكذا في المطبوع. و في النسخ: «فلم يخرج».
13) . النجم (53):39.
المسألةُ السابعةَ عَشْرةَ(1)حُكمُ الماءِ النجِسِ يُتمَّمُ كُرّاً
إذا كانَ المَذهبُ مُستَقِرّاً بأنّ ما بَلَغَ مِن المياهِ المحصورةِ كُرّاً لَم يُنجِّسْه شَيءٌ إلّا ما غَيَّرَ أحَدَ أوصافِه؛ فما القولُ في ماءَينِ نَجِسَينِ غيرِ مُتغيِّرَينِ ينقُصُ كُلُّ واحدٍ منهما عن الكُرِّ، خُلِطا فبَلَغا كُرّاً فما زادَ، أهُما نَجسانِ بَعدَ الخَلطِ أم طاهرانِ؟
فإن قُلتم بطَهارَتِهما(2)، فمِن أينَ صارَ الخَلطُ مؤثِّراً الطهارةَ(3)؟
و إن قُلتم بنَجاسَتِهما، خالَفتم قولَكم بطَهارةِ ما بَلَغَ الكُرَّ مع عدمِ التغيُّرِ.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(4):
اِعلَمْ أنّ الصحيحَ في هذه المَسألةِ هو القولُ بأنّ هذا الماءَ يَكونُ طاهراً بَعدَ اختلاطِه إذا كانَ يَبلُغُ كُرّاً؛ لأنّ بلوغَ الماءِ عندَنا هذا المَبلَغَ مُزيلٌ لحُكمِ النجاسةِ التي تَكونُ فيه، و هو مُستَهلِكٌ بكَثرتِه(5)لها، فكأنّها بحُكمِ الشرعِ غيرُ موجودةٍ، إلّا أن تؤثِّرَ في صفاتِ الماءِ.
و إذا كانَ الماءُ بكَثرتِه(1)و بلوغِه إلىٰ هذا الحَدِّ مُستَهلِكاً النَّجاسةَ(2)الحاصلةَ فيه، فلا فَرقَ بَينَ وقوعِها فيه(3)بَعدَ تَكامُلِ كَونِه كُرّاً و بَينَ حُصولِها في بعضِه قَبلَ التكامُلِ؛ لأنّ علَى الوجهَينِ معاً النجاسةُ في ماءٍ كَثيرٍ، فيَجِبُ أن لا(4)يَكونَ لها تأثيرٌ فيه مع عَدَمِ(5)تَغيُّرِ الصفاتِ.
و الذي يُبيِّنُ أنّ الأمرَ علىٰ ما أفتَينا به: أنّا لَو صادَفنا كُرّاً مِن ماءٍ فيه نَجاسةٌ لَم تُغيِّرْ شَيئاً مِن أَوصافِه، لَكُنّا - بِلا خِلافٍ بَينَ أصحابِنا - نَحكُمُ بطَهارتِه، و نُجيزُ التوَضّؤَ به، و نَحنُ لا نَعلَمُ هَل هذه النَّجاسةُ التي شاهَدناها وَقَعَت فيه قَبلَ تَكامُلِ كَونِه كُرّاً، أو بَعدَ تكامُلِه؟
و لَو كانَ بَينَ وقوعِها فيه قَبلَ التكامُلِ و بَينَ وقوعِها بَعدَ التكامُلِ فَرقٌ، لَوَجَبَ التوَقُّفُ عن استعمالِ كُلِّ ما نَجِدُ(6)فيه نَجاسةً لَم تُغيِّرْ أوصافَه، و إن كانَ كَثيراً؛ لأنّا لا نَدري كَيفَ كانَ(7)حُصولُ هذه النَّجاسةِ فيه؛ فلمّا لَم يَكُن بذلكَ اعتبارٌ، دَلَّ علىٰ أنّ الأمرَ علىٰ ما ذَكَرناه.
المَسألةُ الثامنةَ عَشْرَةَ(1)سَجدةُ قِراءةِ العَزائمِ في الصلاةِ تَجِبُ بَعدَ الفَراغِ مِن الصَلاةِ
ما القولُ فيمَن سَها أو قَصَدَ، فقَرأَ في بعضِ فرائضِه سورةً مِن عَزائمِ السجودِ، فلَم يَذكُرْ حتّىٰ لَفَظَ بالآيةِ التي يَجِبُ لها السجودُ، أيَسجُدُ أم لا؟
فإن قُلتم: يَسجُدُ؛ أَوجَبتم إفسادَ صَلاةٍ كانَ يَجِبُ عليه(2)المُضيُّ فيها، بزيادةٍ فيها سَجدةً لَيسَت منها.
و إن قُلتم: لا يَسجُدُ؛ أَبَحتم الإخلالَ بالواجبِ عليه في السجودِ.
و هذانِ أمرانِ لا يُمكِنُ الجمعُ بَينَهما؛ أَبينوا(3)عمّا يَصِحُّ الإخلالُ به منهما.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(4):
اِعلَمْ أنّ ذلكَ إذا اتَّفَقَ مِن غيرِ قَصدٍ إليه، فالأَولىٰ أن يَتوقَّفَ عن السجودِ و يَمضيَ في صَلاتِه، فإذا سَلَّمَ سَجَدَ حينَئذٍ؛ فتأخيرُه السجودَ - و إن وَجَبَ علَى الفَورِ - أهوَنُ علىٰ كُلِّ حالٍ مِن(5)قَطعِ(6)صَلاةٍ قد بَدأَ بها و تَعيَّنَ(7)
1) . في «ج، ص» و المطبوع: «الثامنة عشر».
2) . في المطبوع: - «عليه».
3) . في «أ، ب»: «أنبئوا». و في «ج» الكلمة غير منقوطة. و في المطبوع: «سواء».
4) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
5) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «في». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل «د، ط».
6) . في المطبوع: «دفع».
7) . في المطبوع: «و يعيّن».
عليه الاستمرارُ عليها إلىٰ حينِ الفَراغِ منها.
و لَيسَ وجوبُ هذا السجودِ جارٍ مَجرىٰ وجوبِ المُضيِّ في الصلاةِ؛ لأنّ الشافعيَّ يَذهَبُ إلىٰ أنّ سُجودَ القُرآنِ لا يَجِبُ علىٰ كُلِّ حالٍ مِن الأحوالِ، في صَلاةٍ و لا غيرِها(1)و وجوبُ المُضيِّ في صَلاتِه لا خِلافَ فيه.
1) . راجع: المجموع للنووي، ج 4، ص 62.
المَسألةُ التاسعةَ عَشْرةَ و العِشرونَ(1)
[المسألةُ الأُولىٰ(2):] إذا كانَ إجماعُنا(3)مُستَقِرّاً بوجوبِ تقديمِ الفائتِ مِن فَرائضِ الصلَواتِ(4)علَى الحاضرِ منها إلىٰ أن يَبقىٰ مِن(5)وقتِه مقدارُ فِعلِه، فما القولُ فيمن صَلّىٰ فَرضاً حاضِراً في أوّلِ وقتِه أو ثانيهِ(6)، و عليه فائتٌ، أيُجزيهِ ذلكَ(7)مع كَونِه مُرتكِباً للنهيِ، أم يَجِبُ عليه إعادةُ الصلاةِ في آخِرِ الوقتِ؟
فإن كانَ مُجزياً، فما فائدةُ قولِهم عليهم السلامُ: «لا صَلاةَ لِمَن عليه صَلاةٌ»(8)؟ و كَيفَ تَكونُ(9)مُجزيةً(10)، مع كَونِه مُرتَكِباً للنهيِ بفِعلِها في أوّلِ وقتِها قَبلَ القَضاءِ؟
1) . في المطبوع: «المسألة التاسعة عشر» بدل «المسألة التاسعة عشرة و العشرون».
2) . و هي المسألة التاسعة عشرة من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
3) . في «ج» و المطبوع: «إجماعاً».
4) . في «ج» و المطبوع: «الصلاة».
5) . في النُّسخ المعتمدة: «إلىٰ» بدل «من». و ما أثبتناه هو الصواب؛ موافقةً للمطبوع و لنسخة «م».
6) . في «ج» و المطبوع: «ثابتة» و استُظهر في هامشه زيادةَ «أو ثابتة».
7) . في «ج، ش»: «ذاك».
8) . رسالة عدم سهو النبي، ص 28؛ المبسوط، ج 1، ص 127؛ الخلاف، ج 1، ص 386.
9) . في «أ، ج» و المطبوع: «يكون».
10) . في المطبوع: «مجزياً».
و إن كانَت غيرَ مُجزيةٍ، فكَيفَ حُكِمَ بفَسادِها، و قد أَوقَعَها مُكلَّفُها(1)بِنيّتِها المخصوصةِ، و أتىٰ بجميعِ أحكامِها و شُروطِها في وقتٍ(2)يَصِحُّ فِعلُها فيه بإجماعٍ(3)؟ فإعادتُها بَعدَ فِعلِها علىٰ هذا الوجهِ يَحتاجُ إلىٰ دليلٍ، و لا أعلَمُ دليلاً.
[المسألةُ الثانية:(4)] و ما حُكمُ مَن عليه صَلَواتٌ كَثيرةٌ، لا يُمكِنُه قَضاؤها إلّافي زمانٍ طَويلٍ؛ أيَشتَغِلُ(5)بقَضائها جميعَ زمانِه إلّا(6)آخِرَ وقتِ الفَريضةِ الحاضِرةِ؟ فذلكَ يَقطَعُه عن(7)التعيُّشِ و سَدِّ الخَلّةِ، و يَمنَعُه مِن النومِ و غيرِه.
و إن كانَ مُباحاً له التشاغُلُ بسَدِّ الخَلّةِ و حِفظِ الحياةِ بالراحةِ بالنومِ مع تَعلُّقِ فَرضِ القَضاءِ بذِمّتِه، فهَل مُباحٌ(8)له ما خَرَجَ عن ذلكَ و زادَ عليه ما هو مُستَغنٍ عنه في الحالِ؟ أم لا يَجوزُ التشاغُلُ بما زادَ علىٰ ما يَحفَظُ به حياتَه و حياةَ(9)مَن يَجِبُ عليه القيامُ به مِن لباسٍ و غِذاءٍ؟
و ما حُكمُ فَرضِ يَومِه و لَيلتِه(10)في زمانِ إباحةِ التعيُّشِ(11)و النومِ؛ يُقدِّمُه في أوّلِ وقتِه مع ما عليه من الفوائتِ؟ أم يؤخِّرُه إلى آخِرِ(12)وقتِه(13)، و إن كانَ مُتَشاغِلاً عنه بالتكَسُّبِ؟
1) . في المطبوع: «مكلّفاً»
2) في «أ، ج» و المطبوع: + «لا».
3) . في المطبوع: - «بإجماع».
4) . و هي المسألة العشرون من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
5) . في المطبوع: «أينتقل». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
6) . في المطبوع: «بجميع زمانه إلى».
7) في المطبوع: «من».
8) . في المطبوع: - «مباح».
9) . في المطبوع: «وجوه» بدل «و حياة». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
10) . أي صلواته المفروضة.
11) . في المطبوع: «التعلّق».
12) . في «ج» و المطبوع: - «آخر».
13) . في «أ»: «الوقت».
و هَل يَجوزُ لِمَن عليه فَرائضُ فائتةٌ(1)غيرُ الصلاةِ أن يَبتَدئَ(2)ما خوطِبَ به مِن جنسِها؟ أم حُكمُ سائرِ الفَرائضِ حُكمُ الصلاةِ في وجوبِ التقديمِ علَى الحاضرِ؟
الجوابُ [عن المسألةِ الأُولىٰ(3)] - و باللّٰهِ التوفيقُ -(4): اِعلَمْ أنّ مَن صَلّىٰ فَرضاً حاضرَ الوقتِ في أوّلِ وقتِه، أو قَبلَ تَضيُّقِ وقتِ أدائه، و عليه فَريضةُ صلاةٍ فائتةٍ، يَجِبُ أن يَكونَ ما فَعَلَه غيرَ مُجزٍ عنه، و أن يَجِبَ عليه إعادةُ تلكَ الصلاةِ في آخِرِ وقتِها؛ لأنّه مَنهيٌّ عن هذه الصلاةِ، و النهيُ يَقتَضي الفَسادَ(5)و عَدَمَ الإجزاءِ.
و لأنّ هذه الصلاةَ مفعولةٌ في غيرِ وقتِها المشروعِ لها(6)لأنّه إذا ذَكَرَ أنّ عليه فَريضةً فائتةً، فقَد تَعيَّنَ عليه بالذِّكرِ أداءُ تلكَ الفائتةِ في ذلكَ الوقتِ بعَينِه؛ فإذا صَلّىٰ في هذا الوقتِ غيرَ هذه الصلاةِ، كانَ مُصلّياً في غيرِ وقتِها المشروعِ لها، فتَجِبُ(7)عليه(8)الإعادةُ لا مَحالةَ.
و أمّا ما مضىٰ في الكلامِ مِن القولِ بأنّ وجوبَ الإعادةِ يَحتاجُ إلىٰ دليلٍ؛ فَقَد
1) . في المطبوع: - «فائتة».
2) . في المطبوع: «يسدى». و استُظهر في هامشه: «يؤدّى».
3) . و هي التاسعة عشرة من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
4) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
5) . في «ج»: «الصلاة الفساد». و في المطبوع: «فساد الصلاة»، كلاهما بدل «الفساد».
6) . في المطبوع: «له».
7) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: «فيجب».
8) . في المطبوع: - «عليه».
ذَكَرنا الدليلَ علىٰ ذلكَ، فلا نُسلِّمُ أنّه أوقَعَ هذه الصلاةَ علىٰ جميعِ شَرائطِها المشروعةِ و في(1)وقتٍ يَصِحُّ فِعلُها فيه؛ لأنّ مِن شَرطِ هذه الصلاةِ مع ذِكرِ الفائتةِ أن تؤدّىٰ(2)بَعدَ قَضاءِ الفائتةِ(3)، فالوقتُ الذي أدّاها فيه وقتٌ لَم يُضرَبْ لها الآنَ(4)، و إن كانَ(5)يَصِحُّ أن يَكونَ وقتاً لها لَو لَم يَذكُرِ الفائتةَ.
و هذا ممّا لا شُبهةَ فيه للمُتأمِّلِ.
فأمّا(6)[جوابُ] المَسألةِ الثانيةِ(7): فالواجبُ عَلىٰ مَن عليه صلَواتٌ كَثيرةٌ لا يُمكِنُه قَضاؤها إلّافي زمانٍ طويلٍ أن يَقضيَها في كُلِّ زمانٍ، إلّافي وقتِ فَريضةٍ حاضرةٍ يَخافُ فَوتَها متىٰ(8)تَشاغَلَ(9)بالقَضاءِ، فيُقدِّمُ أداءَ الحاضرةِ(10)ثُمَّ يَعودُ إلَى التشاغُلِ بالقَضاءِ.
فإن كانَ مُحتاجاً إلىٰ تَعيُّشٍ يَسُدُّ به جَوعتَه و ما لا يُمكِنُه(11)دَفعُه مِن خَلَّتِه، كانَ
1) . في المطبوع: «في» بدون واو العطف.
2) . في «ج، ش» و المطبوع: «أن يؤدّى».
3) . في المطبوع: «الفائت». و في «ص»: - «أن تؤدّى بعد قضاء الفائتة».
4) . في المطبوع: «لأنّه» بدل «الآن».
5) . في «ش»: «و أمّا كان» بدل «و إن كان». و في «ص»: «و أمّا ما كان» بدلها. و في المطبوع: - «و إن كان».
6) . في المطبوع: «و أمّا».
7) . و هي العشرون من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
8) . في «ج» و المطبوع: «مع».
9) . في «أ»: «يشاغل». و في المطبوع: «تشاغله».
10) . أي يؤدّيها في آخر وقتها، فهو وقت خوف الفوت. و سوف يصرَّح بذلك بعد قليل.
11) . في المطبوع: «لا يمكن».
ذلكَ الزمانُ الذي يَتشاغَلُ فيه بالتعيُّشِ مُستَثنىً مِن أوقاتِ القَضاءِ(1)كَما استَثنَينا(2)منها زمانَ الصلاةِ الحاضرةِ. و لا يَجوزُ له الزيادةُ علىٰ مقدارِ الزمانِ الذي لا بُدَّ منه في طلبِ ما يُمسِكُ(3)الرَّمَقَ.
و إنّما أَبَحنا له العُدولَ عن القَضاءِ الواجبِ لضَرورةِ التَعيُّشِ، فيَجِبُ أن يَكونَ ما زادَ عليها غيرَ(4)مُباحٍ.
و حُكمُ مَن عليه فَرضُ نفقةٍ في وجوبِ تحصيلِها كحُكمِ نفقتِه في نفسِه.
فأمّا(5)فَرضُ يَومِه و لَيلتِه في زمانِ التعيُّشِ، فلا يَجوزُ أن يَفعَلَه إلّافي آخِرِ الوقتِ، كَما قُلنا مِن قَبلُ(6)فإنّ الوجهَ في ذلكَ لا يَتغيَّرُ بإباحةِ التعيُّشِ.
فأمّا(7)النومُ، فيَجري ما يُمسِكُ الحياةَ منه - في وجوبِ التشاغُلِ به - مَجرىٰ ما يُمسِكُ الحياةَ مِن الغِذاءِ و تحصيلِه.
و أمّا الفرائضُ الفائتةُ غيرُ الصلاةِ، فلَيسَت جاريةً مَجرَى الفائتِ مِن الصلاةِ في تَعيُّنِ(8)وقتِ القَضاءِ.
ألا تَرىٰ أنّ مَن فاتَه صيامُ أيّامٍ مِن شَهرِ رَمَضانَ، فإنّه مُخيَّرٌ في تقديمِ القَضاءِ و تأخيرِه إلىٰ أن يَخافَ هُجومَ شَهرِ رَمَضانَ الثاني، فيَتضيَّقُ(9)عليه حينَئذٍ القَضاءُ؟
1) . في المطبوع: «الصلاة»
2) في المطبوع: «استثنى».
3) . في المطبوع: + «به».
4) . في المطبوع: - «غير». نعم، استُظهر في هامشه وجود «لا» قبل الفعل «يكون».
5) . في المطبوع: «و أمّا».
6) . في المطبوع: - «من قبل».
7) . في المطبوع: «و أمّا».
8) . في «ش، ص»: «بعض» بدل «تعيّن».
9) . في «ج»: «فتضيّق». و في «ش، ص»: «فيضيّق».
و يَجوزُ لِمَن عليه صيامُ أيّامٍ مِن شَهرِ رَمَضانَ أن يَصومَ نَذراً عليه، أو يَصومَ عن كَفّارةٍ لَزِمَته. و لَو صامَ نَفلاً أيضاً لَجازَ، و إن كانَ مكروهاً.
و لَيسَ كذلكَ الصلاةُ الفائتةُ؛ لأنّ وقتَ الذِّكرِ يَتعيَّنُ في فِعلِها، بشَرطِ أن لا يَقتَضيَ فَوتَ صَلاةٍ حاضرٍ وقتُها.
إذا كانَ طريقُ مُعظَمِ الأحكامِ الشرعيّةِ إجماعَ علماءِ الفِرقةِ المُحِقّةِ؛ لِكَونِ الإمامِ المعصومِ - الذي لا يَجوزُ عليه الخَطأُ - أحَداً(1)مِن علمائهم، دونَ عامّتِهم و علماءِ غيرِهم. و كانَ العلماءُ مِن هذه الفِرقةِ محصورينَ؛ بدليلِ عدمِ التجويزِ لوجودِ عالِمٍ منهم تُعرَفُ فُتياه(2)، مع تَعذُّرِ مَعرِفتِه بعَينِه و اسمِه و نَسَبِه.
و وجوبُ هذه القضيّةِ يوجِبُ أحَدَ أُمورٍ، كُلٌّ منها لا يُمكِنُ القولُ به:
إمّا كَونُ فُتيا الإمامِ الغائبِ - المُرتَفِعةِ مَعرفتُه بعَينِه - خارجةً عن إجماعِ علماءِ الإماميّةِ؛ و هذا يَمنَعُ مِن الثقةِ بإجماعِهم.
أو كَونُ فُتياه داخلةً فيهم؛ فهذا يوجِبُ تَعيُّنَه و تَميُّزَ فُتياه، و هذا مُتعذِّرٌ الآنَ مع غَيبتِه.
أو حُصولُ فُتياه في جُملةِ فُتياهم، مع تَعذُّرِ مَعرِفةِ شَخصِه، فهذا يؤدّي إلىٰ تجويزِ عِدّةِ علماءَ لا سَبيلَ إلَى العِلمِ بتَميُّزِهم؛ لأنّه إذا جازَ في فُتيا الإمامِ، و هو سيِّدُ العلماءِ و رَئيسُ المِلَّةِ، أن تَتعذَّرَ مَعرِفتُه(3)علىٰ سَبيلِ التفصيلِ - مع حُصولِها
في جُملةِ فُتيا شيعتِه - فذلكَ في علماءِ شيعتِه أجوَزُ. و ذلكَ يَمنَعُ مِن القَطعِ عَلىٰ حُصولِ إجماعِهم علَى الحُكمِ الواحدِ.
أو يُقالُ: إنّ(1)إمساكَه عن النَّكيرِ دَلالةٌ علىٰ رِضاه بالفُتيا.
فهذه طريقةُ المُتقدِّمينَ مِن شُيوخِنا، و قد رَغِبنا عنها، و صَرَّحنا بخِلافِها؛ لأنّ فيها الاعترافَ بأنّ «الإمساكَ يَدُلُّ علَى الرضا» مع احتمالِه لغَيرِه؛ مِن الخَوفِ المعلومِ حُصولُه للغائبِ.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(2):
اِعلَمْ أنّ قولَ إمامِ الزمانِ و فُتياه في كُلِّ(3)حادثةٍ مِن الشرائعِ لا بُدَّ أن يَكونا(4)في جُملةِ أقوالِ علماءِ الفِرقةِ الإماميّةِ.
و لَيسَ كُلُّ عالِمٍ مِن علماءِ الفِرقةِ(5)الإماميّةِ يُعلَمُ(6)بعَينِه و اسمِه و نَسَبِه على سَبيلِ التمييزِ، و(7)إنّما يُعلَمُ(8)علىٰ سَبيلِ التفصيلِ بالعَينِ و الِاسمِ و النَّسَبِ مِن علماءِ هذه(9)الطائفةِ مَن اشتَهَرَ(10)باشتهارِ كُتُبِه و تصنيفاتِه(11)و رئاستِه و أحوالٍ له
1) . في المطبوع: + «في».
2) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
3) . في المطبوع: + «واقعة و».
4) . في «أ» و المطبوع: «أن يكون».
5) . في المطبوع: - «الفرقة».
6) . في «أ»: «يعلمها». و في «ب، ش، ص»: «يعلمه». و في المطبوع: «نعلمه».
7) . في المطبوع: + «أنّه».
8) . في «ج»: - «يعلم». و في المطبوع: «نعلمه».
9) . في «ش، ص»: - «هذه».
10) . في المطبوع: + «منهم».
11) . في المطبوع: «و مصنّفاته».
مخصوصةٍ؛ و إلّافمَن نَعلَمُه علىٰ سَبيلِ الجُملةِ - و إن لَم نَعلَمْه على سَبيلِ التفصيلِ و التعيينِ(1)- أكثَرُ ممّن(2)عَرَفناه بِاسمِه و نَسَبِه. و مَن هذا الذي يَدَّعي مَعرِفةَ كُلِّ عالِمٍ مِن علماءِ كُلِّ فِرقةٍ مِن فِرَقِ المُسلِمينَ بعَينِه و اسمِه و نَسَبِه في كُلِّ زمانٍ و علىٰ كُلِّ حالٍ؟
فعَلىٰ هذا الذي قَرَّرناه، لا يَجِبُ القَطعُ علىٰ أنّ مَن لَم نَعرِفْه بعَينِه و اسمِه و نَسَبِه مِن علماءِ الإماميّةِ، يَجِبُ نفيُه و القَطعُ علىٰ فَقدِه.
و لَيسَ إذا كُنّا لا نَعلَمُ عَينَ كُلِّ عالِمٍ مِن(3)الإماميّةِ و اسمَه و نَسَبَه، وَجَبَ أن لا نَكونَ عالِمينَ علَى الجُملةِ بمَذهبِه، و أنّه مُوافِقٌ لِمَن عَرَفنا عَينَه و اسمَه و نَسَبَه؛ لأنّ العِلمَ بأقوالِ الفِرَقِ و مَذاهبِها يُعلَمُ ضَرورةً علىٰ سَبيلِ الجُملةِ؛ إمّا باللُّقيا أو بالمُشافَهةِ(4)أو بالأخبارِ المُتَواتِرةِ، و إن لَم يَفتَقِرْ هذا العِلمُ إلىٰ تمييزِ(5)الأشخاصِ و تعيينِهم(6)و تَسميَتِهم؛ لأنّا نَعلَمُ ضَرورةً أنّ كُلَّ عالِمٍ مِن علماءِ الإماميّةِ يَذهَبُ إلىٰ أنّ الإمامَ يَجِبُ أن يَكونَ معصوماً منصوصاً عليه، و إن لَم نَعلَمْ(7)كُلَّ قائلٍ بذلكَ و ذاهبٍ إليه بعَينِه و اسمِه و نَسَبِه.
و هكذا القولُ(8)في العِلمِ بإجماعِ علماءِ كُلِّ فِرقةٍ مِن فِرَقِ المُسلِمينَ، أنّ الجُملةَ
1) . في المطبوع: - «و التعيين».
2) . في «أ، ش، ص»: «ممّا».
3) . في المطبوع: + «علماء».
4) . في المطبوع: «و المشافهة» بدل «أو بالمشافهة».
5) . في «أ، ج، ش، ص»: «تميّز».
6) . في «أ»: «و بعينهم». و في المطبوع: «و تعيّنهم».
7) . في «ج»: «لم تعلم». و في غير «ش، ص» و المطبوع: «لم يعلم».
8) . في المطبوع: «نقول».
فيه مُتميِّزةٌ مِن التفصيلِ، و لَيسَ العِلمُ بالجُملةِ مُفتَقِراً إلَى العِلمِ بالتفصيلِ.
و قد عَلِمنا أنّه لا إماميَّ(1)لَقيناه و عاصَرناه و شاهَدناه إلّاو هو عندَ المُناظَرةِ و المُباحَثةِ يُفتي بمِثلِ ما أجمَعَ علماؤنا عليه(2)و سَواءٌ(3)عَرَفناه بنَسَبِه و بَلدتِه، أو لَم نَعرِفْه بهما.
و كذلكَ كُلُّ إماميٍّ خُبِّرنا عنه - في شَرقٍ و غَربٍ، و سَهلٍ و جَبَلٍ؛ عَرَفناه بنَسَبِه و اسمِه أو لَم نَعرِفْه - قد عَرَفنا - بالأخبارِ المُتَواتِرةِ الشائعةِ الذائعةِ التي لا يُمكِنُ إسنادُها إلىٰ جماعةٍ بأعيانِهم؛ لظُهورِها و انتشارِها - أنّهم كُلَّهم قائلونَ بهذه المَذاهبِ المعروفةِ المألوفةِ، حتّى إنّ مَن خالَفَ منهم في شَيءٍ مِن الفروعِ عُرِفَ خِلافُه، و ضُبِطَ، و مُيِّزَ عن غيرِه.
و قد استَقصَينا هذا الكلامَ في «جوابِ المَسائلِ التَّبّانيّاتِ»، و انتَهَينا فيه إلىٰ أبعَدِ الغاياتِ.(4)
فإذا قيلَ لنا: فلَعلَّ الإمامَ، لأنّكم لا تَعرِفونَه بعَينِه، يُخالِفُ علماءَ الإماميّةِ فيما اتَّفَقوا عليه.
قُلنا: لَو خالَفَهم لَما عَلِمنا ضَرورةً اتّفاقَ علماءِ الإماميّةِ - الذينَ هو واحدٌ منهم - علىٰ هذه المَذاهبِ المخصوصةِ؛ و هَل الإمامُ إلّاأحَدُ علماءِ الإماميّةِ، و كَواحدٍ مِن العلماءِ(5)الذين لا نَعرفُهم بنَسَبٍ و لا اسمٍ؟
و نَحنُ إذا ادَّعَينا إجماعَ الإماميّةِ أو غيرِها علىٰ مَذهبٍ مِن المَذاهبِ، فما نَخُصُّ بهذه الدعوىٰ مَن عَرَفناه بِاسمِه و نَسَبِه دونَ مَن لَم نَعرِفْه؛ بَل العِلمُ بالِاتّفاقِ عامٌّ لِمَن عَرَفناه مُفصَّلاً و لِمَن لَم نَعرِفْه علىٰ هذا الوجهِ.
و لَيسَ يَجِبُ إذا كانَ إمامُ الزمانِ غيرَ مُتميِّزِ الشخصِ و لا معروفَ العَينِ أن لا يَكونَ معروفَ المَذهبِ مُتميِّزَ المَقالةِ؛ لأنّ هذا القولَ يَقتَضي أنّ كُلَّ مَن لَم نَعرِفْه مِن علماءِ الإماميّةِ أو علماءِ غيرِهم مِن الفِرَقِ، فإنّا لا نَعرِفُ(1)مَذهبَه، و لا نَتحقَّقُ(2)مقالتَه؛ و هذا حَدٌّ لا يَبلُغُه مُتأمِّلٌ.
فإن قيلَ: أتُجوِّزونَ أن يَكونَ في جُملةِ الإماميّةِ عالِمٌ يُخالِفُ هذه الطائفةَ في بعضِ المَسائلِ، لَم(3)يَنتَهِ إليكم خبرُه؛ لأنّه ما اشتَهَرَ كاشتهارِ غيرِه، و لا له تصنيفاتٌ سارَت و انتَشَرَت(4)؟
فإنْ أَجَزتم ذلكَ فلَعلَّ الإمامَ هو ذلكَ العالِمُ(5)، و هذا يَقتَضي ارتفاعَ الثقةِ بأنّ(6)قولَ إمامِ الزمانِ داخلٌ لا مَحالةَ في جُملةِ أقوالِ علماءِ الإماميّةِ، و يُبطِلُ ما تَدَّعونَه مِن أنّ الحُجّةَ في إجماعِهم.
و إن مَنَعتم مِن كَونِ عالِمٍ مِن علمائهم يَخفىٰ خبرُ خِلافِه لهم في بعضِ المَذاهبِ، كابَرتم.
قُلنا: لا يَجوزُ أن يَكونَ في علماءِ الإماميّةِ مَن يُخالِفُ أصحابَه في مَذهبٍ مِن مَذاهبِهم، و يَستَمِرَّ ذلكَ و تَمضيَ(1)عليه الدُّهورُ، فيَنطويَ خبرُ خِلافِه؛ لأنّ العاداتِ ما جَرَت بمِثلِ ذلكَ، لأنّ ما دَعا هذا العالِمَ إلَى الخِلافِ في ذلكَ المَذهبِ يَدعوه إلىٰ إعلانِه و إظهارِه؛ ليُتَّبَعَ فيه و يُقتَدىٰ به في اعتقادِه.
و ما هذه سَبيلُه يَجِبُ بحُكمِ العادةِ ظُهورُه و نَقلُه و حُصولُ العِلمِ به، لا سِيَّما مع استمرارِه و كُرورِ الدُّهورِ عليه.
و ما تجويزُ عالِمٍ يَخفىٰ خبرُ خِلافِه إلّاكتجويزِ جماعةٍ مِن العلماءِ يُخالِفونَ مَن عَرَفنا مَذاهبَه مِن العلماءِ - إمّا(2)في أُصولِ الدينِ، أو في(3)فُروعِه، أو في عِلمِ العربيّةِ و النحوِ، أو اللُّغةِ(4)- فيَخفىٰ خِلافُهم و يَنطَوي أمرُهم؛ و تجويزُ ذلكَ يؤدّي مِن الجَهالاتِ إلى ما هو معروفٌ مسطورٌ.
علىٰ أنّ لإمامِ الزمانِ عليه السلامُ في هذا البابِ مَزيّةً معلومةً؛ فلَو جازَ هذا الذي سُئلنا(5)عنه في غيرِه، لَم يَجُز مِثلُه فيه؛ لأنّ الإمامَ قولُه حُجّةٌ، و الجماعةَ التي تُوافِقُه في مَذهبِه إنّما كانَت مُحِقّةً لأجلِ مُوافَقتِها(6)، فلا بُدَّ مِن أن يُظهِرَ ما يَعتَقِدُه و يَذهَبُ إليه حتّىٰ يُعرَفَ(7)مَن يُوافِقُه ممّن يُخالِفُه. و لَيسَ إظهارُه لاعتقادِه و تصريحُه لمَذهبِه(8)
1) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «و يمضي».
2) . في المطبوع: - «إمّا».
3) . في «ش، ص» و المطبوع: - «في».
4) . في «أ» و المطبوع: «و اللغة».
5) . في «أ» الكلمة غير واضحة؛ كأنّها: «سُلبنا». و في «ش، ص»: «سُئلناه». و في المطبوع: «سألنا».
6) . في المطبوع: + «له».
7) . في «ج، ش، ص»: «نعرف».
8) . في المطبوع: «بمذهبه».
ممّا يَقتَضي أن يُعرَفَ هو بنَسَبِه؛ لأنّا قد نَعرِفُ مَذاهبَ مَن لا نَعرِفُ(1)نَسَبَه و لا كَثيراً مِن أحوالِه.
و كَيفَ يَجوزُ أن يَكونَ للإمامِ مَذهبٌ - أو مَذاهبُ - يُخالِفُ(2)مَذاهبَ الإماميّةِ لا يَكونُ معروفاً مشهوراً بَينَ الإماميّةِ، و هو يَعلَمُ أنّ المَرجِعَ في أنّ «إجماعَ هذه الطائفةِ حُجّةٌ» إلىٰ أنّ قولَه في جُملةِ أقوالِها؟! فإذا أَجمَعوا علىٰ قولٍ هو(3)مُخالِفٌ فيه، هَل له(4)مَندوحةٌ عن إظهارِ خِلافِه و إعلانِه، حتّىٰ يَزولَ الاغترارُ بأنّ إجماعَ الإماميّةِ علىٰ خِلافِه؟!
و لهذا قُلنا في مَواضِعَ مِن كُتُبِنا: إنّ ما اختَلَفَ قولُ الإماميّةِ فيه(5)مِن الأحكامِ، لا يَجوزُ أن يُحتَجَّ فيه بإجماعِ الطائفةِ؛ لأنّها مُختَلِفةٌ، و نَحنُ غيرُ عالِمينَ بجِهةِ قولِ الإمامِ، و لِمَن هو مُوافِقٌ مِن هؤلاءِ المُختَلِفينَ. فلا بُدَّ في مِثلِ ذلكَ مِن الرجوعِ إلىٰ دليلٍ غيرِ الإجماعِ، يُعلَمُ به الحقُّ(6)ممّا(7)اختَلَفوا فيه؛ فإذا عَلِمناه(8)قَطَعنا علىٰ أنّ قولَ الإمامِ مُوافِقٌ له؛ لأنّ قولَه لا يُخالِفُ الحقَّ و ما تَدُلُّ(9)عليه الأدلّةُ.
1) . في «ج، ش، ص»: «لا يُعرف».
2) . في «ب» و المطبوع: «تخالف».
3) . في المطبوع: «و هو».
4) . في «ج» و المطبوع: + «منه».
5) . في المطبوع: «فيه قول الإماميّة» بدل «قول الإماميّة فيه».
6) . «يُعلم به الحقّ» ممسوحة في «أ».
7) . في المطبوع: «فيما».
8) . في المطبوع: «علمنا».
9) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «يدلّ».
ما الوجهُ فيما يُفتي به الطائفةُ مِن سُقوطِ الحُكمِ الشرعيِّ عمّن عَقَدَ نِكاحاً و هو مُحرِمٌ مع الجهلِ بالتحريمِ، أو تَمَّمَ صَلاةً أو صَوماً بحَيثُ التقصيرُ مع الجهلِ(1)بالحُكمِ؛ و ما وَرَدَت به الرواياتُ مِن سُقوطِ الحُكمِ في كَثيرٍ مِن المَواضِعِ مع الجهلِ بها؟
مع اتِّفاقِ العلماءِ علىٰ أنّ الجهلَ [بالحُكمِ] لا يُبيحُ(2)سُقوطَه إلّاعمّن لا يَتمكَّنُ مِن العِلمِ(3)به؛ فأمّا مَن هو مُتمكِّنٌ مِن ذلكَ - لكَونِه عاقلاً - ففَرضُ(4)العِلمِ يَلزَمُه، و تَبِعةُ(5)الحُكمِ تَتعلَّقُ(6)به(7)و إنْ جَهِلَه. و لَولا(8)ذلكَ لَكانَ الجهلُ سبباً مُبيحاً لسُقوطِ ما يَلزَمُ عِلمُه(9)مِن التكاليفِ العقليّةِ و الشرعيّةِ؛ و هذا شيءٌ لا يَقولُه مُسلِمٌ.
1) . من قوله: «بالتحريم» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
2) . في «ش، ص»: «لا يصحّ».
3) في «ج» و المطبوع: - «من العلم».
4) . في «أ، ش، ص»: «بفرض»، و في المطبوع: «فلا يعرض» بدل «ففرض».
5) . في «أ، ب، ج» الكلمة غير واضحة. و في المطبوع: «و يتّسعه».
6) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «يتعلّق». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً لما يظهر من «ر».
7) . في «أ، ب، ج» و المطبوع: «عليه».
8) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «لولا» بدون واو العطف. و إثباتُها هو الصواب؛ طبقاً للنُّسختَين: «د، ط».
9) . في المطبوع: «عليه».
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(1):
اِعلَمْ أنّ الجهلَ ممّن كُلِّفَ العِلمَ و له إليه طريقٌ لا يَكونُ إلّامعصيةً و عن(2)تفريطٍ مِن(3)المُكلَّفِ، إلّاأنّ الحُكمَ الشرعيَّ غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَتغيَّرَ مع الجهلِ، و لا يَكونَ حالُه مُساويةً لحالِه مع العلمِ.
فإذا قالَ أصحابُنا: إنَّ(4)مَن عَقَدَ نِكاحاً علَى امرأةٍ و هو مُحرِمٌ فنِكاحُه باطلٌ علىٰ كُلِّ حالٍ، ثُمَّ قالوا: فإن كانَ هذا العاقدُ عالِماً بتحريمِ العقدِ عليه(5)لَم تَحِلَّ(6)له هذه المَرأةُ المعقودُ عليها أبَداً، و إن كانَ جاهلاً بالتحريمِ بَطَلَ العَقدُ و حَلَّت له المَرأةُ بعَقدٍ آخَرَ صَحيحٍ؛ فلَم يَكُن هذا القولُ منهم إقامةً لعُذرِ الجاهلِ في جهلِه(7)بما وَجَبَ أن يَعلَمَه، بَل إبانةً لأنّ حُكمَه - عندَ هذا الجاهلِ العاصي في جهلِه متىٰ عَقَدَ مع الجهلِ(8)- في الشريعةِ بخِلافِ حُكمِ العاقدِ مع العِلمِ؛ و إن كانَ الجاهلُ عاصياً مُفرِّطاً، و العِلمُ بالحُكمِ كانَ لازماً له(9)، و هو الآنَ أيضاً له لازمٌ.
و إنّما دَخَلَت الشُّبهةُ علىٰ مَن يَظُنُّ أنّه بالجهلِ يَسقُطُ عنه وجوبُ العِلمِ، و ما كذلكَ قُلنا؛ و إنّما ذَهَبنا إلىٰ تَغيُّرِ الحُكمِ الشرعيِّ، الذي تَغيُّرُه موقوفٌ علَى المَصالحِ، التي لا يَعلَمُ وجوهَها إلّاعَلّامُ الغُيوبِ؛ جَلَّت عظمتُه.
1) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق»
2) في المطبوع: - «عن».
3) . في المطبوع: «عن». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
4) . في «ج» و المطبوع: - «إنّ».
5) . في المطبوع: - «عليه».
6) . في «أ، ج» و المطبوع: «لم يحلّ».
7) . في المطبوع: «العاصي بجهله» بدل «في جهله».
8) . في المطبوع: «الحصول».
9) . في المطبوع: - «له».
ما القولُ فيما لا يَحِلُّ(1)أكلُه مِن الحَيَوانِ المؤذي و غيرِ المؤذي، أيَحِلُّ قَتلُ ما لا يؤذي، كالخُطّافِ(2)و الخُشّافِ(3)و الغُرابِ و ما أشبَهَ ذلكَ؟
و إن كانَ لا يَحِلُّ، فهَل كَونُ شَيءٍ منه مؤذياً أذيّةً يَجوزُ تَحمُّلُ(4)مِثلِها - كوجودِ النملِ في المَسكَنِ، و اتِّخاذِ الطائرِ سَقفَ البَيتِ و حائطَه وَكراً - أ يُبيحُ(5)قَتلَه؟
فإن قُلنا بإباحةِ شَيءٍ مِن ذلكَ قَبلَ حُصولِ الأذىٰ أو بَعدَه، فما وجهُها؟ مع عِلمِنا بأنّ(6)العقولَ تُقبِّحُ إنزالَ الضرَرِ بالحَيَوانِ(7)، إلّابسَمعٍ(8)مقطوعٍ به.
1) . في المطبوع: «ما تقول فيما لم يحلّ».
2) . «الخُطّاف»: السُّنونو؛ و هو ضربٌ من الطيور القواطع، عريض المنقار، دقيق الجناح طويله، منتفش الذيل. و جمعُه: خَطاطيفُ. راجع: لسان العرب، ج 9، ص 77، (حطف).
3) . في المطبوع: «الخفّاش». و «الخُشّافُ» - كرُمّانٍ -: الخُفّاشُ، علَى القَلبِ؛ سُمّيَ به لخَشَفانِه بالليلِ، أي جَوَلانِه. و هو أحسَنُ - و في «العُبابِ»: أفصَحُ - مِن الخُفّاشِ. راجع: الصحاح، ج 4، ص 1350؛ لسان العرب، ج 9، ص 69 (خشف).
4) . في «ج» و المطبوع: «يحمل منه» بدل «تحمّل». و في «ش، ص»: «يحمل» بدلها.
5) . في «ج» و المطبوع: «أبيح». و الأصَحّ الأفصَح: «يبيح» بدون همزة الاستفهام؛ لأنّ الجملةَ أصبَحت استفهاميّةً ب «هل» فلا حاجةَ إلى الهمزة.
6) . في المطبوع: «أنّ».
7) . في المطبوع: - «بالحيوان».
8) . في «أ»: «تسمع». و في المطبوع: «سمع».
و هَل يَجوزُ قَتلُ ما جَرَت العادةُ بكَونِه مؤذياً - كالسَّبُعِ، و الذئبِ، و الحَيّةِ - مِن غيرِ(1)أن يَقصِدَنا بأذيّةٍ؟
و هَل قَصدُنا إلىٰ قَتلِه - إذا أرَدنا(2)- علىٰ جِهةِ المُدافَعةِ له، أو علىٰ وجهِ العَزمِ علىٰ قَتلِه؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(3):
اِعلَمْ أنّ إدخالَ الضرَرِ علَى البَهائمِ - المؤذي لنا منها و غيرِ المؤذي - لا يَحسُنُ إلّا بإذنٍ سَمعيٍّ؛ إلّاأن يَكونَ ذلكَ الضرَرُ يَسيراً، و النفعُ الذي يُتكفَّلُ به(4)لها عظيماً؛ فيَحسُنُ مِن طريقةِ العقلِ.
فإنّ كَثيراً مِن الناسِ أجازوا رُكوبَ البَهائمِ عقلاً، مِن غيرِ افتقارٍ إلىٰ سَمعٍ، و قالوا(5): إذا تَكفَّلنا لها بما تَحتاجُ إليه - مِن غِذاءٍ و دِثارٍ(6)و مَصلَحةٍ رُبَّما كانَت لها فائدةٌ لَولا تَكفُّلُنا(7)- جازَ أن نُدخِلَ(8)عليها ضَررَ الرُّكوبِ؛ لأنّه يَسيرٌ في جَنبِ ما نَتحمَّلُه(9)مِن مَنافعِها. و الإذنُ السمعيُّ في إدخالِ الضرَرِ عليها مؤذِنٌ بأنّ المُبيحَ لذلكَ هو التكفُّلُ(10)بالعِوَضِ عنه.
1) . في المطبوع: - «من غير»
2) في «ب، ج» و المطبوع: «أرادنا».
3) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
4) في المطبوع: «أو النفع المتكفَّل به».
5) . في المطبوع: «و قال».
6) . في «أ، ب، ج» و المطبوع: «و ديار». و «الدثار»: الغِطاء. تاج العروس، ج 6، ص 393 (دثر).
7) . في «ب»: «تكلّفنا». و في «ج»: «يكلّفنا».
8) . هكذا في المطبوع. و في النسخ: «أن يُدخَلَ».
9) . في «أ، ج، ش، ص»: «يتحمّله».
10) . في «أ، ب، ج»: «المتكفَّل». و في «ش»: «المتكلَّف». و في «ص»: «التكلُّف». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للمطبوع و للنُّسخَتين: «ر، م».
و قَتلُ(1)البَهائمِ التي(2)لا أذيّةَ منها لا يَجوزُ علىٰ وجهٍ؛ لأنّ السَّمعَ لَم يُبِحْه(3).
و كذلكَ ما يؤذي أذىً يَسيراً مُتحمَّلاً، كالنملِ و ما أشبَهَه.
فأمّا(4)المؤذياتُ مِن البَهائمِ المُضِرّاتُ، فمُباحٌ(5)قَتلُها، كالسِّباعِ و الأَفاعي.
و يَجِبُ(6)القَصدُ إلىٰ قَتلِها و الاعتمادُ(7)له دونَ القَصدِ إلَى المُدافَعةِ؛ لأنّ بالإباحةِ قد صارَ القَتلُ حَسَناً، و القَصدُ إلَى الحَسَنِ حَسَنٌ، كما يُقصَدُ إلىٰ ذَبحِ الحَيَوانِ المأكولِ و إن لَم يَكُن مؤذياً؛ لأنّ بالإباحةِ قد صارَ إتلافُه حَسَناً.
و إنّما يوجَبُ القصدُ إلَى المُدافَعةِ [دونَ القَصدِ] إلَى الضرَرِ فيمن يَقصِدُ إلىٰ إيقاعِ الضرَرِ بنا؛ لأنّ القَصدَ إلَى الإضرارِ به يَكونُ قَبيحاً؛ لأنّه إرادةٌ لظُلمٍ(8)، فإذا قَصَدنا المُدافَعةَ و وَقَعَ(9)الضرَرُ غيرَ مقصودٍ لَم يَكُن ظُلماً.
و يَحسُنُ مِنّا أن نَقتُلَ السِّباعَ و الأفاعيَ، و إن لَم نَخَفْ ضررَها في الحالِ، و لَم تَقصِدْنا(10)بأذيّةٍ؛ لأنّ الإباحةَ تَضمَّنَت ذلكَ(11).
و إنّما نُفرِّقُ بَينَ قَتلِ الحَيّةِ و ما أشبَهَها في الصلاةِ، فنَقولُ: إذا خافَ المُصَلّي مِن
1) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: «فقتل».
2) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: «الذي»؛ نعم، استُظهر في هامش المطبوع ما أثبتناه.
3) . في «ش، ص»: «لم يتّجه».
4) . في المطبوع: «فإنّ».
5) . في المطبوع: «مباح».
6) . كذا، و الأنسب: «و يَحسُنُ».
7) . أي التعمُّد.
8) . في «أ» الكلمة غير واضحة؛ كأنّها: «للظلم». و في المطبوع: «الظلم».
9) . في المطبوع: «و دفع».
10) . في «ج» و المطبوع: «و لم يقصدنا».
11) . أي الحُسن.
ضررِ الحَيّةِ و قَصدِها له، جازَ أن يَقتُلَها في الصلاةِ، و لا تَنقَطِعُ(1)بذلكَ صلاتُه. و إن لَم يَخَفْ ذلكَ، لَم يَجُز له أن يَقتُلَها في الصلاةِ(2)لأنّه فِعلٌ كَثيرٌ، لا يُستَباحُ في الصلاةِ إلّاعن ضَرورةٍ.
و لَيسَ ذلكَ(3)مُعتَبَراً في قَتلِ السِّباعِ و الأَفاعي في غيرِ الصلاةِ.
إذا كانَ بِرُّ الوالدَينِ واجباً، و تَجنُّبُ اليَسيرِ مِن أذاهما لازماً، و إحسانُ صُحبتِهما(1)بالمعروفِ مُدّةَ الحياةِ(2)مأموراً به - كافرَينِ كانا، أو فاسقَينِ - فما الحُكمُ فيهما إن(3)كانا فاسقَينِ أو ذِمّيَّينِ أو حَربيَّينِ؟ أيَجِبُ أن يَعمَلَ معهما ولدُهما ما يَصنَعُ(4)بكُلِّ فاسقٍ و ذِمّيٍّ و حَربيٍّ مِن اللعنِ و البراءةِ و القَتلِ(5)، أم لا يَجِبُ؟ فإن وَجَبَ فِعلُ ذلكَ بهما، فكَيفَ يُجامِعُ ما استَقرَّ مِن الأمرِ بتعظيمِهما و تَجنُّبِ أذاهما؟ و إن كانَ لا يَجِبُ،(6)خالَفَ ما عليه مِن وجوبِ ذلكَ.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(7):
اِعلَمْ أنّ بِرَّ الوالدَينِ بالنفَقةِ و إجمالِ الصُّحبةِ(8)و إكمالِ(9)الكَرامةِ(10)، غيرُ مُنافٍ
1) . في المطبوع: - «و إحسان صحبتهما»
2) في «ش، ص»: «حياتهما».
3) . في المطبوع: «إذا».
4) . في «ش، ص»: «يضع». و في المطبوع: «نصنع».
5) . في المطبوع: «أو القتل».
6) . في المطبوع: «و إن لم يجب كان» بدل «و إن كان لا يجب».
7) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
8) . في «ج»: «و إجمال الصحّة». و في المطبوع: «و احتمال الصحّة».
9) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: - «إكمال».
10) . في المطبوع: «الكراهة».
لِلَّعنِ لهما و البَراءةِ منهما إذا كانا كافرَينِ؛ كما لا تَنافيَ بَينَ شُكرِ الكافرِ علىٰ نِعَمِه و بَينَ لَعنِه علىٰ كُفرِه، و إن كانَ الشُّكرُ معه ضَربٌ مِن التعظيمِ؛ فإنّ ذلكَ التعظيمَ غيرُ مُنافٍ للِاستخفافِ علَى الكُفرِ؛ لِاختلافِ جِهتِهما.
و إذا كُنّا نَذهَبُ - مَعشَرَ القائلينَ بالإرجاءِ(1)- إلىٰ أنّ التعظيمَ علَى الطاعةِ لا يُنافي الِاستخفافَ علَى المعصيةِ، مع التقابُلِ بَينَ جِهةِ(2)التعظيمِ و الِاستخفافِ؛ فأحرىٰ(3)أن نَقولَ ذلكَ فيما لا تَتقابَلُ(4)جِهاتُه، مِن الشُّكرِ علَى النِّعَمِ المُقتَرِنِ بالتعظيمِ، و الذمِّ علَى المَعاصي المُقتَرِنِ(5)بالِاستخفافِ.
فإذا كانَت للوالدَينِ نعمةُ التربيةِ و الحَضانةِ و غيرِ ذلكَ، وَجَبَ مِن إكرامِهما و تعظيمِهما ما يَجِبُ لكُلِّ مُنعِمٍ. فإنِ اقتَرَنَ بذلكَ منهما كُفرٌ، وَجَبَ لَعنُهما(6)بالكُفرِ و البَراءةُ منهما مِن أجلِه. و إنِ ارتَدّا(7)بَعدَ إيمانٍ، وَجَبَ مِن قَتلِهما ما يَجِبُ فيهما لَو كانا(8)غيرَ والدَينِ(9). و قد بيّنّا أنّ ذلكَ غيرُ مُتَنافٍ و لا مُتَضادٍّ.
1) . خلافاً للقائلين بالتحابط.
2) . في «أ»: «جهتي».
3) . في المطبوع: «لجاز» بدل «فأحرىٰ».
4) . في «أ، ج، ش، ص»: «لا يتقابل». و في المطبوع: «لم تتقابل».
5) . في المطبوع: - «المقترن».
6) . في المطبوع: «لعنهم».
7) . في المطبوع: «ارتدّ».
8) . في المطبوع: «كان في» بدل «كانا».
9) . في المطبوع: «غير الوالدين».
كَيفَ السبيلُ لِمَن أَنعَمَ عليه كافرٌ بنعمةٍ إلىٰ أداءِ الواجبِ عليه مِن شُكرِه و(1)تعظيمِه، مع وجوبِ ذَمِّه و لَعنِه و البَراءةِ منه، و فَسادِ التحابُطِ؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(2):
اِعلَمْ أنّ الكافرَ إذا كانَت له نعمةٌ، وَجَبَ شُكرُه عليها ممّن هي نعمةٌ عليه(3)و إنِ استَحَقَّ مِن هذا المُنعَمِ عليه أن يَلعَنَه علىٰ كُفرِه، و يَستَخِفَّ(4)به مِن أجلِه.
و أبو هاشِمٍ يوافِقُ في(5)هذه الجُملةِ، و إن كانَ قائلاً بالإحباطِ؛ لأنّه يَذهَبُ إلىٰ أنّ الإحباطَ بَينَ ما تَتقابَلُ جِهاتُه مِن التَّعظيمِ و الِاستخفافِ(6)، كالتعظيمِ علَى الإيمانِ، و الاِستخفافِ(7)علَى الكُفرِ؛ و لَيسَ ذلكَ قائماً في الشُّكرِ علىٰ نعمةِ الكافرِ، مع الذمِّ علىٰ كُفرِه.(8)
1) . في المطبوع: - «شكره و»
2) في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
3) . في المطبوع: «ممّن بقي نعمة عليها».
4) . في المطبوع: «يستخفّ» بدون واو العطف.
5) . في المطبوع: - «في».
6) . في المطبوع: «تعظيم الاستحقاق» بدل «التعظيم و الاستخفاف».
7) . في «ج» و المطبوع: «و استخفاف» بدون الألف و اللام.
8) . فالكفر عند أبي هاشم يمنع من التعظيم على الإيمان، لكنّه لا يمنع من الشكر على النعمة.
و أبو عليٍّ يُخالِفُه في ذلكَ؛ و يَذهَبُ إلىٰ أَنّ الكُفرَ مُحبِطٌ لِما يُستَحَقُّ بالنِّعَمِ مِن شُكرٍ و تعظيمٍ، كَما يُحبِطُ ما يُستَحَقُّ بالطاعاتِ مِن ثَوابٍ و تعظيمٍ.
و الصحيحُ ما قاله أبو هاشمٍ، و نَحنُ نَزيدُ علىٰ هذه الجُملةِ و نَقولُ: إنّه لا تَنافيَ بَينَ المَدحِ و الذمِّ(1)و التعظيمِ و الِاستخفافِ، إلّاإذا كانا علىٰ فِعلٍ واحدٍ. فأمّا إذا كانا علىٰ فِعلَينِ، جازَ أن يَجتَمِعَ استحقاقُهما و إن كانا مُتَقابِلَينِ، بَعدَ أن يَتغايَرَ الفِعلانِ اللذانِ يَستَحِقّانِ منهما.
و لهذا نَقولُ: إنّ الفاسقَ يَجتَمِعُ(2)له استحقاقُ المَدحِ و الذمِّ(3)و التعظيمِ و الِاستخفافِ؛ بإيمانِه و طاعتِه، و فِسقِه و مَعاصيهِ. و لَولا أنّ الكافرَ قد دَلَّ الدليلُ علىٰ أنّه لا طاعةَ له، لَجازَ عندَنا أن يَجتَمِعَ له استحقاقُ الثوابِ و العِقابِ، و المَدحِ و الذمِّ(4)، و التعظيمِ و الِاستخفافِ.
و إذا كُنّا نَقولُ ذلكَ في المتقابِلِ الجِهاتِ، فكَيفَ القولُ بمِثلِه فيما لا تَتقابَلُ(5)جِهاتُ استحقاقِه!
فليُقَسْ علىٰ هذا كُلُّ المَسائلِ؛ فإنّه طريقٌ جَدَدٌ(6).
1) . في «ب، ج، ش، ص» و المطبوع: «الذمّ و المدح» بدل «المدح و الذمّ».
2) . في «ج» و المطبوع: + «استحقاقهما و إن كانا متقابلين».
3) . في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «الذمّ و المدح»؛ و الأنسب ما أثبتناه.
4) . في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «و الذمّ و المدح»؛ و الأنسب ما أثبتناه.
5) . في «ش، ص»: لا يتقابل».
6) . الجَدَد: الأرض المستوية. راجع: لسان العرب، ج 3، ص 109 (جدد).
علىٰ أيِّ وجهٍ يُعوَّضُ الكافرُ المُحتَرَمُ عَقيبَ استحقاقِه العِوَضَ عليه تَعالىٰ أو علىٰ غيرِه؟ مع إجماعِ الأُمّةِ علىٰ أنّه لا يَجوزُ أن يَنتَفِعَ في الآخِرةِ بشَيءٍ؛ لا في حالِ المَوقِفِ، و لا في حالِ دخولِه في النارِ، و قد نَطَقَ القُرآنُ بذلكَ.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(1):
اِعلَمْ أنّ الكافرَ إذا كانَت له أعواضٌ ما استَوفاها في الدنيا، فَيجِبُ إيصالُها إليه عندَ البَعثِ قَبلَ إدخالِه النارَ للعِقابِ؛ و الأشبَهُ أن يَكونَ ذلكَ قَبلَ المُحاسَبةِ و المُواقَفةِ(2)فإنّه لا يَليهِما إلّاالمُعاقَبةُ. و العِوَضُ عندَنا مُنقَطِعٌ،(3)و يُمكِنُ إيصالُ الكَثيرِ منه(4)في الأوقاتِ اليسيرةِ.
و ما(5)هاهُنا إجماعٌ علىٰ أنّ الكافرَ لا يَجوزُ أن يَنتَفِعَ بشَيءٍ بَعدَ بَعثِه(6)فأمّا بَعدَ دخولِه النارَ فلا شُبهةَ فيه. و كَيفَ يُدَّعَى الإجماعُ فيما نُخالِفُ نَحنُ فيه؟ و إنّما
الإجماعُ علىٰ أنّ الكافرَ لا يَنتَفِعُ في حالِ مُعاقَبتِه(1).
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَمنَعَ مِن استحقاقِ الكافرِ لعِوَضٍ(2)لا يُمكِنُ استيفاؤه له في الدنيا؛ لأنّه(3)يَجوزُ أن يَقتُلَه ظالمٌ، فيَستَحِقَّ بهذا القَتلِ أعواضاً بَعدَ فَوتِ الحياةِ.
و كذلكَ مِن الجائزِ أن يَلحَقَه بإماتةِ اللّٰهِ تَعالىٰ له آلامٌ عظيمةٌ يَستَحِقُّ بها أعواضاً بَعدَ مَوتِه؛ لأنّ أبا هاشمٍ و إن جَوَّز أن تَبطُلَ(4)الحياةُ بغَيرِ ألَمٍ، فإنّه يُجيزُ أن تَقتَرِنَ(5)بها آلامٌ(6)و هو الأظهَرُ.
فقَد تُصُوِّرَ جوازُ استحقاقِ الكافرِ الأعواضَ بَعدَ عَدَمِ حياتِه، و ما يُحتاجُ(7)مع ما ذَكَرناه إلىٰ ما(8)سِواه.
كَيفَ السبيلُ لِمَن اختَصَّ عِلمُه بقَبائحِ غيرِه إلىٰ فِعلِ الواجبِ عليه، مِن ذَمِّه، و تَسميَتِه بأسمائه المُشتَقّةِ(1)مِن أفعالِه - كَسارِقٍ، و زانٍ، و قاتلٍ، و لائطٍ -، و بأسماءِ الشريعةِ(2)، كفاسِقٍ، و فاجِرٍ، و رِجسٍ، و مَلعونٍ؟
إن صَرَّحَ بها(3)، كانَ سابّاً(4)، يَجِبُ عليه الحَدُّ.
و إن اقتَصَرَ(5)علَى الِاعتقادِ، لَم يؤثِّرْ ذلكَ في(6)الغرضِ المشروعِ مِن ذَمِّ الفاسِقِ و لَعنِه.
و إن أسقَطَهما(7)جميعاً، أخَلَّ بالواجبِ جُملةً(8).
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(9):
اِعلَمْ أنّ مَن عَلِمَ مِن غيرِه قَبائحَ يَستَحِقُّ بها منه الذمَّ و الِاستخفافَ، فله أن يَذُمَّه
1) . في المطبوع: «بأسماء السيّئة» بدل «بأسمائه المشتقّة».
2) . في «ج»: «و بأسماء الشريفة». و في المطبوع: «و بأسماء الغير الشريفة»، كلاهما بدل «و بأسماء الشريعة».
3) في «ج» و المطبوع: «لها».
4) . في «ج»: «ساما». و في المطبوع: «ما» بدل «سابّاً».
5) . في المطبوع: «أقصر»
6) في المطبوع: «على».
7) . في المطبوع: «أسقطها».
8) . في المطبوع: «عليه».
9) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
بقَلبِه و لسانِه، و يقولَ: إنّه ملعونٌ مذمومٌ، يَستَحِقُّ البَراءةَ و الِاستخفافَ و الإهانةَ.
و يَتجنَّبُ كُلَّ لفظٍ يَقتَضي إطلاقُه حَدّاً، و له في غيرِها(1)مندوحةٌ؛ فإنّ الألفاظَ التي تُنبئُ عن(2)الذمِّ و الِاستخفافِ و لا(3)توجِبُ(4)علىٰ مُطلِقِها حَدّاً أَوسَعُ و أكثَرُ مِن الألفاظِ التي توجِبُ الحَدَّ. و لا خِلافَ بَينَ الفقهاءِ في أنّ مَن سَمّىٰ غيرَه بالكُفرِ(5)- و هو أعظَمُ مِن كُلِّ الذنوبِ - لا يَستَحِقُّ حَدّاً، و إن كانَ يَستَحِقُّ الحَدَّ بقَذفِه له بالزنا. و لَيسَ تَجنُّبُ الألفاظِ التي تَقتَضي الحَدَّ بمانِعٍ(6)مِن فِعلِ الواجبِ، مِن لَعنِه و إهانتِه و الِاستخفافِ به.
1) . كذا، و الأنسب: «غيره» أي اللفظ.
2) . في «أ»: «ينبئ على». و في المطبوع: «تنبئ على».
3) . في المطبوع: «لا» بدون واو العطف.
4) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «لا يوجب».
5) . في المطبوع: «من ينسب غيره إلى الكفر» بدل «من سمّىٰ غيره بالكفر».
6) . في المطبوع: «بما منع». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
إذا كُنّا نَعلَمُ أنّ عِلمَ المُكلَّفِ بوصولِه إلىٰ ثوابِ طاعاتِه عَقيبَ فِعلِها يَقتَضي إلجاءَه(1)إليها، و أن يَفعَلَها لأجلِ الثوابِ لا لوَجهِ(2)وجوبِها؛ و أنّ ذلكَ وَجهانِ يَقتَضيانِ قُبحَ تكليفِها، و لذلكَ قُلنا بوجوبِ تأخيرِ الثوابِ؛ فما الوجهُ فيما نَطَقَ به القُرآنُ(3)مِن كَونِ الشهيدِ حَيّاً عندَه تَعالىٰ، و فيه إلجاءٌ إلَى الجِهادِ(4)و ما وَرَدَت به الرواياتُ(5)مِن وصولِ الأنبياءِ و الأوصياءِ عليهم السلامُ و مُخلِصي المؤمنينَ إلَى الثوابِ عَقيبَ المَوتِ، و أنّهم أجمَعَ أحياءٌ عندَ اللّٰهِ يُرزَقونَ؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(6):
اِعلَمْ أنّ الذي يَمضي في الكُتُبِ مِن أنّ المُكلَّفَ لَو قَطَعَ علىٰ وصولِه إلىٰ ثَوابِ طاعتِه و عِقابِ معصيتِه عَقيبَ الطاعةِ و المعصيةِ(7)يَقتَضي الإلجاءَ - علىٰ نَظَرٍ في
1) . الإلجاء: ما يقوّي الداعي إلى الفعل أو الصارف عنه إلى حدٍّ يخرج الفاعل من استحقاق المدح و الذمّ على الفعل و الترك. الحدود، ص 74.
2) . في «ش، ص»: «لأجل».
3) في المطبوع: - «فيما نطق به القرآن».
4) . في المطبوع: «و الوجيه الحال إلى» بدل «و فيه إلجاء إلى الجهاد». و استُظهر في هامشه زيادة «إلى».
5) . في المطبوع: - «الروايات»
6) في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
7) . في المطبوع: «فالمعصية».
ذلكَ - غيرُ مُنافٍ لِما نَقولُه مِن أنّ الشهيدَ يَدخُلُ الجَنّةَ عَقيبَ مَوتِه بالشهادةِ، و كذلكَ الأنبياءُ و الأوصياءُ عليهم السلامُ؛ لأنّ الشهادةَ أوّلاً لَيسَت مِن فِعلِ الشهيدِ، و إنّما بُطلانُ حياتِه بالقَتلِ في سَبيلِ اللّٰهِ تَعالىٰ يُسَمّىٰ «شَهادةً»، و القَتلُ - الذي به تَكونُ الشهادةُ - مِن فِعلِ غيرِ الشهيدِ؛ فكَيفَ يَكونُ مُلجأً(1)إليه؟
و لا(2)يَجوزُ أن يُقالَ: إنّهم مُلجَؤُونَ(3)إلَى الجِهادِ.
لأنّ الجِهادَ لا يُعلَمُ وقوعُ الشهادةِ به(4)لا مَحالةَ، و لأنّ المُجاهِدَ إنّما يَفعَلُ الجِهادَ و يَقصِدُ به إلىٰ(5)غَلَبتِه للمُشرِكينَ، لا إلىٰ أن يَغلِبوه و يَقتُلوه شَهيداً؛ فالإلجاءُ هاهُنا غيرُ مُتصوَّرٍ.
فأمّا الأنبياءُ و الأوصياءُ عليهم السلامُ، فلَيسَ تَتعيَّنُ(6)لهم الطاعةُ التي يُجازَونَ بالثوابِ و دخولِ الجَنّةِ عَقيبَها؛ و لا طاعةَ يَفعَلونَها إلّاو هُم يُجوِّزونَ أن يَتأخَّرَ الجَزاءُ عنها(7)بأن يَمتَدَّ(8)تكليفُهم و يَستَمِرَّ، كما يُجوِّزونَ أن يَصِلوا عَقيبَها إلَى الثوابِ. و هذا التجويزُ و عَدَمُ القَطعِ يُزيلانِ الإلجاءَ الذي اعتُبِرَ فيمن يَقطَعُ علىٰ وصولِه إلىٰ ثَوابِ طاعتِه عَقيبَ فِعلِها(9).
و هذا بَيِّنٌ لِمَن تَدبَّرَه.
و نَسألُ اللّٰهَ تَعالىٰ أن يؤيِّدَنا و يُسدِّدَنا في كُلِّ قَولٍ نَنحوه(1)، و فِعلٍ نَغزوه(2)و أن يَجعَلَ ذلكَ كُلَّه خالصاً له و مُقرِّباً منه، إنّه سَميعٌ مُجيبٌ.
كانَ الفَراغُ مِن جوابِ هذه المَسائلِ في اليَومِ التاسِعِ(3)مِن المُحرَّمِ(4)سَنةَ تِسعٍ(5)و عِشرينَ و أربَعِمائةٍ.
و الحَمدُ للّٰهِ رَبِّ العالَمينَ، و صَلَواتُه(6)علىٰ خَيرِ خَلقِه مُحمَّدٍ النبيِّ و آلِه الطاهِرينَ.
1) . في «أ»: «نتفوّه». و في المطبوع: «ينحوه». و نَحا الشيءَ: قَصَدَه. راجع: لسان العرب، ج 15، ص 310 (نحا).
2) . في «أ»: «نتوجّه». و في المطبوع: «يعروه». و غَزا الشيءَ: أراده و طَلَبَه. راجع: لسان العرب، ج 15، ص 123 (غزا).
3) . في «ش، ص»: «السابع».
4) . في «ج، ش، ص» و المطبوع: + «من».
5) . في «أ»: «سبع».
6) . في «ش، ص»: «و صلاته». و في المطبوع: «و صلوات اللّٰه».
تقدّم أنّ هذه المسائل الخمس المسمّاة بالرسّيّة الثانية - و التي أرسلها الشريف أبو الحسن المحسن بن محمّد بن الناصر الحسني الرَّسّي - هي في الحقيقة ملحقة بالرسّيّة الأُولى، حيث قال الشريف المرتضى في بدايتها: «و وردت بعد ذلك مسائل خمس، فألحقنا جوابها بما تقدّم».
كما ذكر مطلباً في نهاية المسألة الثانية منها، و قال: «و هذا ممّا قد تقدّم في جواب هذه المسائل»، و إذا راجعنا وجدنا أنّ المطلب لم يتقدّم في الرسّيّة الثانية؛ بل تقدّم في الرسّيّة الأُولى، و مع ذلك وصفها بقوله: «هذه المسائل». و هذا أيضاً يدلّ على اتّحاد الرسّيّتين من وجهة نظر الشريف المرتضى.
و قال أيضاً في نهاية الرسّيّة الثانية: «و قد ذكرنا في جواب المسألة الرابعة من هذه المسائل في هذا المعنى وجهاً غريباً ما تقدّمنا أحد إليه»؛ إنّ مراده بقوله: «المسألة الرابعة من هذه المسائل» هي المسألة الرابعة من الرسّيّة الأُولى، و هذا كلّه يدلّ على اتّحاد الرسّيّتين.
و الرسّيّة الثانية - كما تقدّم في الأُولىٰ - أكثرُ مسائلها فقهيّة، و الذي يستوقف القارئ ذهاب الشريف المرتضىٰ في المسألة الثالثة منها إلىٰ القول بعدم كون ركعتي الطواف مفروضة و إنّما هي سنّة مؤكّدة! و لعلّ الشيخ الطوسي و ابن إدريس أشارا إلىٰ رأي الشريف المرتضى هذا عندما قالا بأنّ بعض الأصحاب ذهبوا إلىٰ عدم وجوب ركعتي الطواف و كونهما مسنونتين.(1)
1) . راجع: الخلاف، ج 2، ص 327؛ السرائر، ج 1، ص 576.
إذا كانت الرسّيّتان في حكم مجموعة واحدة من المسائل، لذلك ستكون قرائن إثبات نسبتهما إلى الشريف المرتضى واحدة. و قد تقدّم أنّه لا شكّ في صحّة نسبة الرسّيّة الأُولى، فهكذا تكون الثانية.
و بما أنّ تاريخ الفراغ من الإجابة على الرسّيّة الأُولى هو المحرّم من سنة 429 ه، فقد يكون تاريخ الإجابة على الثانية متأخّراً عن هذا التاريخ قليلاً.
هذا، و قد طبعت هذه المسائل في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 381.
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21908؛ تقع في الصفحات (76-85) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحات (53-58) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحات (154-160) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ش».
مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحات (145-151) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (118-124) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
المقدّسة بمشهد، و تقع في الصفحات (164-171) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحات (45-50) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحات (47-49) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20997؛ تقع في الصفحات (56-62) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (99-101) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2929) 1162؛ تقع في الصفحات (182-184) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (139-144) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 438/6؛ تقع في الصفحات (48-53) من المجموعة.
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
و وَرَدَت(1)بَعدَ ذلكَ مَسائلُ خَمسٌ، فأَلحَقنا جوابَها بما تَقدَّمَ.
المسألةُ الأُولىٰ(2)سُقوطُ القَضاءِ بَعدَ الوقتِ عمّن صَلّىٰ تَماماً في مَوضِعِ القَصرِ
ما الوجهُ فيما تُفتي(3)به الطائفةُ مِن سُقوطِ فَرضِ القَضاءِ عمّن صَلّىٰ مِن المُقصِّرينَ صَلاةَ مُتِمٍّ بَعدَ خُروجِ الوقتِ إذا كانَ جاهلاً بالحُكمِ في ذلكَ؟
مع عِلمِنا بأنّ الجهلَ بأعدادِ الرَّكَعاتِ لا يَصِحُّ معه(4)العِلمُ بتفصيلِ أحكامِها و وجوهِها؛ إذ مِن البَعيدِ أن يَعلَمَ التفصيلَ مَن جَهِلَ الجُملةَ التي هي كالأصلِ.
و إجماعُ الأُمّةِ علىٰ أنّ مَن صَلّىٰ صَلاةً لا يَعلَمُ أحكامَها، فهي غيرُ مُجزيةٍ. و ما لا
يُجزي مِن الصلَواتِ(1)الخَمسِ يَجِبُ قَضاؤه باتِّفاقٍ؛ فكَيفَ يَجوزُ الفُتيا بسُقوطِ القَضاءِ عمّن صَلّىٰ صَلاةً لا تُجزيهِ؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(2):
إنّا قد بيّنّا أنّ الجهلَ - و إن لَم يَكُن صاحبُه معذوراً، بَل(3)مَلوماً مذموماً - لا يَمتَنِعُ أن يَتغيَّرَ معه الحُكمُ الشرعيُّ، و يَكونَ حُكمُ العالِمِ بخِلافِ حُكمِ الجاهلِ.(4)
و لَيسَ العِلمُ بأنّ «مَن لَزِمَه التقصيرُ إذا تَمَّمَ صَلاتَه لا تُجزيهِ(5)تلكَ الصلاةُ أصلاً» كالعِلمِ بأحكامِ الصلاةِ في قِراءةٍ و رُكوعٍ و سُجودٍ؛ لأنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَعلَمَ جميعَ أحكامِ الشريعةِ(6)مَن لا يَعلَمُ أنّ إتمامَ مَن وَجَبَ عليه التقصيرُ غيرُ مُجزٍ، فلا تَعلُّقَ بَينَ الأمرَينِ.
و لَيسَ جَهلُه بأنّ إتمامَه ما وَجَبَ فيه التقصيرُ(7)[غَيرُ مُجزٍ] جَهلاً بأعدادِ الرَّكَعاتِ؛ لأنّه قد يَعلَمُ أنّ المُقصِّرَ إنّما يَجِبُ عليه عَدَدٌ مخصوصٌ، غيرَ أنّه لا يَعلَمُ أنّه إذا أتَمَّ - بفِعلِ(8)ذلكَ العَدَدِ و ما زادَ عليه - أنّ فِعلَه لا يُجزيهِ؛ لأنّهما مَوضِعانِ مُفتَرِقانِ، يَجوزُ أن يَعلَمَ أحَدَهما مَن يَجهَلُ الآخَرَ.
1) . في «ج» و المطبوع: «الصلاة».
2) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
3) . في «ش، ص»: - «بل».
4) . تقدّم في جواب المسألة الثانية و العشرين من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ.
5) . في «أ، ج» و المطبوع: «لا يجزيه».
6) . في «ج» و المطبوع: «الشرعيّة». و استُظهر في هامش المطبوع: «الأحكام الشرعيّة» بدل «أحكام الشريعة».
7) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: + «هو».
8) . في «ج» و المطبوع: «لم يفعل» بدل «أتمّ - بفعل».
المسألةُ الثانيةُ(1)جوازُ تجديدِ نيّةِ الصومِ بَعدَ مُضيِّ شَطرِ النهارِ
ما الوجهُ(2)فيما تُفتي(3)به الطائفةُ و غيرُها مِن الفقهاءِ مِن جوازِ تجديدِ النيّةِ للصومِ الواجبِ و المندوبِ بَعدَ(4)مُضيِّ شَطرِ النهارِ؟
مع حُصولِ العِلمِ بأنّ ما مضىٰ مِن الزمانِ عَريّاً مِن النيّةِ لَيسَ بصَومٍ، و ما بَقيَ لا يَجوزُ - إذا كانَ ما مضىٰ لَيسَ بصَومٍ - أن يَكونَ صَوماً؛ مِن حَيثُ كانَ بعضَ زمانِ(5)الصومِ(6)المشروعِ.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(7):
اِعلَمْ أنّ هذهِ المَسألةَ يُوافِقُ(8)الإماميّةُ فيها الفقهاءَ؛ لأنّ أبا حَنيفةَ(9)يُجيزُ صَومَ الفَرضِ و التطوُّعِ بِنيّةٍ تَتَجدَّدُ(10)قَبلَ الزوالِ(11)، و الشافعيَّ يُجيزُ ذلكَ في التطوُّعِ و لا يُجيزُه في الفَرضِ.(12)
1) . هكذا في المطبوع. و في «أ»: «المسألة الثلاثون». و في سائر النسخ: «مسألة».
2) . في المطبوع: «الجواب».
3) في «ج» و المطبوع: «يفتي».
4) . في «أ»: + «ما».
5) . من قوله: «أن يكون صوماً» إلىٰ هنا مشطوبٌ عليه في «أ» و مكتوبٌ بدله: «و هو ليس».
6) . في «أ»: «بالصوم».
7) في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
8) . في «ش، ص»: «توافق».
9) . «لأنّ أبا حنيفة» ممسوحة في «أ» و غير واضحة.
10) . في «أ، ش، ص»: «يتجدّد». و في المطبوع: «متجدّدة».
11) . راجع: المجموع للنووي، ج 6، ص 299.
12) . المصدر نفسه.
و الوجهُ في صِحّةِ ذلكَ ما قدَّمنا(1)ذِكرَه في جوابِ هذه المسائلِ(2)، مِن أنّ النيّةَ إنّما تؤثِّرُ في أحكامٍ شَرعيّةٍ، و لَيسَ تَكونُ الصلاةُ بها علىٰ صفةٍ(3)موجَبةٍ عنها، كما نَقولُه في العِلَلِ العقليّةِ.
و غيرُ مُمتَنِعٍ أن تَكونَ مُقارَنةُ نيّةِ الصيامِ(4)لجُزءٍ(5)مِن أجزاءِ النهارِ مؤثِّرةً(6)في كَونِ جميعِ النهارِ صَوماً؛ لأنّ تأثيرَ العِلَلِ التي تَجِبُ مُصاحَبتُها لِما تؤثِّرُ(7)فيه هاهُنا مفقودٌ، و إنّما تَثبُتُ(8)أحكامٌ شَرعيّةٌ بمُقارَنةِ هذه النيّةِ، فغَيرُ مُمتَنِعٍ أن يَجعَلَ الشرعُ مُقارَنتَها لبعضِ العبادةِ كمُقارَنتِها لجميعِها.
ألا تَرىٰ أنّ تَقدُّمَ النيّةِ في أوّلِ الليلِ(9)أو قَبلَ فَجرِه مؤثِّرةٌ بِلا خِلافٍ في صَومِ اليَومِ كُلِّه، و إن كانَت غيرَ مُقارِنةٍ لشَيءٍ مِن أجزائه؟ و هذا ممّا قد تَقدَّمَ في جوابِ هذه المَسائلِ.(10)
و لا خِلافَ أيضاً في أنّ مَن أدرَكَ مع الإمامِ بعضَ الركوعِ يَكونُ مُدرِكاً لتلكَ الرَّكعةِ كُلِّها و مُحتَسِباً له بها، و قَد تَقدَّمَ شَطرُها؛ فكَيفَ أثَّرَ دخولُه في بَعضِ الركوعِ فيما تَقدَّمَ، فصارَ كأنّه أدرَكَه كُلَّه، لَولا صِحّةُ ما نَبَّهنا(11)عليه؟
1) . في المطبوع: «قد» بدل «قدّمنا».
2) . يعني المسائل الرسّيّة الأُولىٰ. و قد تقدّم في ص 66-69.
3) . في «ج»: «صلاته». و في المطبوع: «صلاة». و استُظهر في هامشه: «عبادة».
4) . في «ج»: - «الصيام». و في المطبوع: «القيام». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
5) . في «ص» و المطبوع: «بجزء».
6) . في «ج»: - «النهار». و في المطبوع: - «مؤثّرة».
7) . في «ج» و المطبوع: «يؤثّر».
8) . في «أ، ج» و المطبوع: «يثبت».
9) . في «ش، ص»: «النهار».
10) . يعني المسائل الرسّيّة الأُولىٰ. و قد تقدّم في ص 87-88.
11) . في «أ»: «أثبتنا».
المسألةُ الثالثةُ(1)أحكامُ الصلَواتِ المفروضاتِ غيرِ الصلواتِ الخمسِ
قد عَلِمنا اتّفاقَ الطائفةِ علىٰ وجوبِ صَلاةِ «الكُسوفِ، و العيدَينِ، و الجَنائزِ، و الطوافِ، و النَّذرِ» كصَلاةِ الخَمسِ، و قد تَقرَّرَ فُتياها(2)بتفصيلِ أحكامِ صَلاةِ الخَمسِ، و أفعالِها و تُروكِها، و أعيانِ فُروضِها و سُنَنِها، و أحكامِ السهوِ فيها(3).
و لا فُتيا لأحَدٍ مِن الطائفةِ، و لا رِوايةَ، بشَيءٍ(4)مِن ذلكَ فيما عَدا الصلَواتِ الخَمسِ مِن الفَرائضِ المذكورةِ، مع حاجةِ مُكلَّفِها إلىٰ عِلمِ ذلكَ.
و هل جميعُ ما تَتضمَّنُه(5)مِن قِراءةٍ و رُكوعٍ و سُجودٍ - فيما فيه رُكوعٌ و سُجودٌ -(6)و تكبيرٍ و قُنوتٍ فَرضٌ؟ أو بعضُه واجبٌ و بعضُه نَدبٌ؟
و ما حُكمُ السهوِ في تَفاصيلِ أحكامِه و أعيانِ رَكَعاتِه؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(7):
اِعلَمْ أنّ الطائفةَ إذا اتَّفَقَت علىٰ أنّ صَلاةَ العيدَينِ و الكُسوفِ و ما جَرىٰ مَجراها
1) . هكذا في المطبوع. و في «أ»: «المسألة الحادية و الثلاثون». و في سائر النسخ: «مسألة».
2) . في المطبوع: «فسادها». و في هامشه ما نصّه: «كذا في النسخة، و الظاهر أن يكون: و قد تقرّرتفصيل أحكام الصلاة».
3) في «ج» و المطبوع: «منها».
4) . في «ب، ج» و المطبوع: «لشيء». نعم، صُحِّحت في حاشية «ب» بما أثبتناه.
5) . في «أ، ب، ج» و المطبوع: «يتضمّنه»
6) في المطبوع: - «فيما فيه ركوع و سجود».
7) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
فَرضٌ لا يَسوغُ الإخلالُ به، فمعلومٌ أنّ أحكامَ المفروضِ مِن الصلاةِ واحدةٌ فيما يَجِبُ أن يُفعَلَ و يُترَكَ، مِن قِراءةٍ، و رُكوعٍ، و تسبيحٍ، و غيرِ ذلكَ.
فأمّا القُنوتُ، فقَد نَصّوا علىٰ دخولِه في صَلاةِ العيدَينِ و الكُسوفِ.
و أمّا رَكعَتا الطوافِ، ففي وجوبِها و أنّها فَرضٌ لا يَجوزُ الإخلالُ به نَظَرٌ؛ و الأقوىٰ في النفسِ أنّها سُنّةٌ مؤكَّدةٌ. و لَو كانَت فَرضاً، لَجَرَت(1)مَجرىٰ سائرِ المَفروضِ(2)مِن الصلاةِ(3).
و أمّا أحكامُ السهوِ في هذه الصلَواتِ، فَقَد بَيَّنَ القومُ حُكمَ السهوِ في المفروضِ مِن الصلَواتِ(4)، و أنّه لا سَهوَ في الأوّلتَينِ مِن كُلِّ صَلاةٍ، و لا في المَغرِبِ و الفَجرِ؛ و علىٰ هذا الإطلاقِ لا سَهوَ في العيدَينِ و الكُسوفِ و الطوافِ.
فأمّا(5)النذرُ، فإن كانَ واقعاً برَكعَتينِ، فلا سَهوَ فيهما، و إن كانَ بزيادةٍ علىٰ ذلكَ كانَ له حُكمُ السهوِ في باقي المَفروضِ(6)مِن الصلَواتِ.
المسألةُ الرابعةُ(1)حُكمُ اللاحِنِ في القِراءةِ في الصلاةِ
إذا كانَ حَقيقةُ القارئِ هو «الحاكي» لكَلامِ اللّٰهِ تَعالىٰ، و كانَت الحِكايةُ تَفتَقِرُ إلَى اللفظِ و صيغتِه؛ فما حُكمُ مَن لَحَنَ في قِراءةِ الصلاةِ(2)؟ هو(3)قارئٌ، أم(4)مُتكلِّمٌ؟
و لا يَجوزُ أن يَكونَ قارئاً؛ لكَونِه غيرَ حاكٍ لكَلامِ اللّٰهِ تَعالىٰ في الحَقيقةِ.
و إن كان مُتكلِّماً فصَلاتُه باطلةٌ مع فِعلِه(5)لإجماعِ(6)الأُمّةِ علىٰ فَسادِ صَلاةِ مَن تَكلَّمَ بما لَيسَ مِن أذكارِها عامِداً.
و في فَسادِ(7)صَلاتِه خِلافٌ(8)لِما وَرَدَ به الخبرُ و عَمِلَ عليه كَثيرٌ مِن الطائفةِ: «اِقرأْ كَما تُحسِنُ(9)، يُرفَعْ كَما أُنزِلَ»(10).
1) . هكذا في المطبوع. و في «أ»: «المسألة الثانية و الثلاثون». و في سائر النسخ: «مسألة».
2) . في «أ»: «صلاة». و في «ش، ص»: «الصلوات».
3) . في «ش، ص»: «و هو». و في المطبوع: + «أ هو».
4) . في «أ»: «أو». و في «ش، ص»: - «أم».
5) . في النُّسخ المعتمدة: «فعل». نعم، في «أ» شُطبَ علىٰ «مع فعل». و في المطبوع: «نقل». و في بعض النُّسخ غير المعتمدة: - «مع فعله». و الصوابُ إثباتُها.
6) . في المطبوع: «إجماع».
7) . من قوله: «صلاة من تكلّم» إلى هنا ساقط من المطبوع.
8) . في «ش، ص»: «خلافاً». و استُظهر في هامش المطبوع: «و خلاف».
9) . في «ج»: «يحسن»، و في المطبوع: «نحن نقرأ» بدل «تحسن».
10) . راجع: الكافي، ج 2، ص 619، باب أنّ القرآن يُرفع كما أُنزل.
و أيضاً فما وَجَدنا أحَداً مِن علمائنا أفتىٰ بفَسادِ صَلاةِ مَن لَحَنَ في قِراءتِه عامِداً، بَل الفُتيا بجوازِها ظاهرٌ منهم؛ و في ذلكَ ما فيه.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(1):
اِعلَمْ أنّ الصحيحَ أنّ الحِكايةَ للكلامِ يَجِبُ(2)أن تَكونَ(3)مُطابِقةً له في صُوَرِ الألفاظِ و حَرَكاتِها و مَدِّها و قِصَرِها، و مَن لَم يَفعَلْ ذلكَ فلَيسَ بحاكٍ علَى الحقيقةِ.
و إذا كانَت الطائفةُ مُجمِعةً علىٰ أنّ مَن لا يَنضَبِطُ له مِن العامّةِ و الأعاجِمِ حِكايةُ(4)القُرآنِ بإعرابِه و حَرَكاتِ ألفاظِه، صَلاتُه مُجزيةٌ؛ و كذلكَ مَن لَحَنَ غيرَ مُتعمِّدٍ لذلكَ، حَكَمنا بجوازِ هذه الصلاةِ و صِحّتِها، و إن لَم يَكُن هذا اللاحِنُ حاكياً في(5)الحَقيقةِ للقُرآنِ.
و جَرىٰ مَجرَى الأخرَسِ الذي لا يَقدِرُ علَى الكَلامِ، و الأعجَميِّ الذي لا يُقيمُ(6)حرفاً بالعربيّةِ، في أنّ صَلاتَهما صحيحةٌ مُجزيةٌ(7)، و إن كانا ما قَرَءا القُرآنَ؛ فلَيسَ مَن لَحَنَ في القُرآنِ بأكثَرَ ممّن لَم(8)يَنطِقْ به(9)جُملةً.
فأمّا المُتمكِّنُ مِن إقامةِ الإعرابِ، إذا لَحَنَ مِن غيرِ عَمدٍ، فصَلاتُه جائزةٌ، بغَيرِ شَكٍّ. فأمّا إذا اعتَمَدَ اللَّحنَ مع قُدرتِه علَى الصوابِ و إقامةِ الإعرابِ، فالأَولىٰ أن تَكونَ صَلاتُه فاسدةً، و مَن أَفتىٰ مِن أصحابِنا بخِلافِه كانَ غيرَ مُصيبٍ.
المسألةُ الخامسةُ(1)هَل يَدُلُّ الكلامُ المُرتَّبُ المُتَّسِقُ علىٰ كَونِ فاعلِه عالِماً؟
إذا كانَ وقوعُ(2)الفِعلِ مرتَّباً مُتَّسِقاً(3)دالاًّ علىٰ كَونِ فاعلِه عالِماً، و كانَ الكلامُ مِن جُملةِ الأفعالِ، فيَجِبُ أن يَكونَ وقوعُه مُرتَّباً علَى المَعاني المعقولةِ دالاًّ علىٰ كَونِ فاعلِه عالِماً بما قَصَدَه مِن المَعاني؛ و لذلكَ(4)يُفرَّقُ بَينَ الكلامِ المُفيدِ المقصودِ و بَينَ الهَذَيانِ، و يُعلَمُ تكامُلُ العلومِ لأَحَدِ(5)المُتكلِّمَينِ و اختلالُها في الآخَرِ.
وَجَبَ - لهذا الِاعتبارِ - الحُكمُ لكُلِّ مُتكلِّمٍ بكلامٍ مُرتَّبٍ مُتَّسِقٍ، مُحرَّرٍ(6)مِن التخليطِ، مَحروسٍ مِن القُدوحِ(7)، مقصودٍ به العبارةُ عن الأدلَّةِ دونَ الشُّبَهِ(8)، عالِماً بما تَضمَّنَه كلامُه مِن المَعاني؛ و لذلكَ(9)يُفرِّقُ(10)كُلُّ آنِسٍ(11)بالعِلمِ(12)بَينَ عبارةِ المُقلِّدِ للعلماءِ الحاكي لعباراتِهم، و بَينَ العالِمِ المُضطَلِعِ؛ لِما يَجِدُ العالِمَ عليه مِن
1) . هكذا في المطبوع. و في «أ»: «المسألة الثالثة و الثلاثون». و في سائر النسخ: «مسألة».
2) . في «ج»: «وجوب». و في المطبوع: «وجود».
3) . في المطبوع: «منستاً».
4) . في «أ»: «و بذلك». و في «ش، ص»: و «كذلك».
5) . في المطبوع: «لأجل»
6) في المطبوع: «محترز».
7) . في «ش، ص»: «القدح».
8) . في «ش، ص» و المطبوع: «المشبّه».
9) . في «أ، ب»: «و كذلك».
10) . في «ش، ص»: «نفرّق».
11) . في «أ، ش، ص»: «آيسٍ». و في المطبوع: «أنس». و استُظهر في هامشه: «إنسان».
12) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «فالعلم». و استُظهر في هامش المطبوع: «عالم».
القُدرةِ علىٰ إفهامِ ما عبَّرَ به(1)عن الأدِلّةِ و الشُّبَهِ(2)مِن العباراتِ المُرتَّبةِ، مُستَطيعاً لإسقاطِ ما يَعتَرِضُ كلامَه مِن القَدحِ، و تَعذُّرِ(3)ذلكَ أجمَعَ علَى المُقلِّدِ الحاكي لعباراتِ(4)العلماءِ عن الأدلّةِ الشرعيّةِ(5).
و ظهورُ هذا يَقتَضي القَطعَ علىٰ إيمانِ مَن عَلِمناه مُعبِّراً عن المَعارفِ علَى الوجهِ الذي بيّنّا كَونَ المُتكلِّم بها عالِماً؛ و في ذلكَ:
[1] خِلافٌ لِما امتَنَعَ منه جميعُ المُتكلِّمينَ؛ مِن القولِ بالقَطعِ علىٰ إيمانِ(6)مَن لَم(7)يَنُصَّ اللّٰهُ تَعالىٰ علىٰ إيمانِه؛ لانسِدادِ طَريقِ العِلمِ عندَهم عن كُلِّ مُحدَثٍ يَكونُ(8)غيرُه عالِماً.
[2] و دَلالةٌ علىٰ فَسادِ ما يَذهَبُ إليه القائلونَ بالمُوافاةِ.(9)
1) . في «ج»: «عترته». و في المطبوع: «عبّرته»، كلاهما بدل «عبّر به».
2) . في «أ»: «و الشبهة». و في «ج»: «و الستّة». و في «ش، ص» و المطبوع: «و السنّة».
3) . في «أ»: «و يعتذر». و في «ش، ص» و المطبوع: «و بعد».
4) . في «ج» و المطبوع: «بعبارات».
5) . في «ج»: «المقاطعة». و في «ش، ص»: «السنّة». و في المطبوع: «القاطعة».
6) . في المطبوع: «الإيمان». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
7) . في المطبوع: - «لم».
8) . كذا، و لعلّ الصواب: «بكون».
9) . فإنّ القائلين بنظريّة «الموافاة» - و منهم المصنّف رحمه اللّٰه - يذهبون إلى أنّ الإيمان مشروط بالموافاة به إلى الموت، أي مشروط بالبقاء على الإيمان إلىٰ آخر لحظة من الحياة، فإن أنهىٰ الإنسان حياتَه بالكفر عُلم أنّه لم يكن مؤمناً منذ البداية، و أنّه كان منافقاً يُظهر الإيمان بلسانه و يُبطن الكفر؛ فلو صحّ ما جاء في السؤال أعلاه من أنّ الكلام المرتّب يدلّ علىٰ معرفة المتكلّم و إيمانه، لزم أن يكون ذلك الشخص الذي أنهىٰ حياته بالكفر، و كان قبل ذلك يُظهر الإيمان بلسانه و كلامه، أن يكون مؤمناً حقّاً، لا منافقاً كما ذهب إليه القائلون بالموافاة. راجع حول الموافاة: جواب المسألة الثامنة من الطرابلسيّات الثانية.
أو القولَ(1)بأنّ جَحدَ(2)النبوّةِ و الإمامةِ لَيسَ بكُفرٍ(3)لوجودِ(4)علماءَ - لا يُحصَونَ كَثرةً - ممّن يُخالِفُ في النبوّةِ و الإمامةِ، علَى(5)الصفةِ التي بيّنّا(6)كَونَ مَن كانَ عليها عالِماً بما يُعبِّرُ(7)عنه.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(8):
اِعلَمْ أنّ الشُّبهةَ في هذه(9)المَسألةِ ضَعيفةٌ جِدّاً؛ لأنّ المُعبِّرَ عن المَعاني علَى الوجهِ المُرتَّبِ المُتَّسِقِ(10)، إنّما يَدُلُّ فِعلُه(11)علىٰ أنّه عالِمٌ بتلكَ العباراتِ التي فَعَلَها علىٰ وجهِ الإحكامِ و الِاتّساقِ، و بمُطابَقتِها للمَعاني التي عَلَّقَها(12)عليها و عَبَّرَ بها(13)عنها؛ فأمّا أن يَدُلَّ ذلكَ علىٰ أنّه عالِمٌ بشَيءٍ آخَرَ، فلا.
و الذي يُرتِّبُ مَثَلاً دليلَ حُدوثِ الأجسامِ و بِناءَه علَى الدعاوَى الأربَعِ(14)، و يَذكُرُ كَيفَ طَريقُ الِاستدلالِ علىٰ تصحيحِ(15)كُلِّ دَعوىً مِن تلكَ الدَّعاوىٰ،
1) . معطوف علىٰ قوله: «القطعَ على الإيمان».
2) . في المطبوع: «حجّة». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
3) . أي إن قلنا بعدم دلالة الكلام المرتَّب على المعرفة و الإيمان، لزم أن لا يدلَّ جحدُ النبوّة و الإمامة باللسان و الكلام المرتّب على الكفر.
4) . في المطبوع: «لوجود».
5) في «ش، ص»: «من».
6) . في المطبوع: «تبيّنّا».
7) . في «أ»: + «به». و في «ج» و المطبوع: «يعتريه». و استُظهر في هامش المطبوع: «يعبّر به». و في «ش، ص»: «يغيّر به».
8) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
9) . في «ج» و المطبوع: - «هذه».
10) . في «ج»: «المبسق». و في المطبوع: «المنسق».
11) . في «ش، ص»: - «فعله».
12) . في المطبوع: «عقلها».
13) . في المطبوع: «و عزمها» بدل «و عبّر بها».
14) . و هي المقدّمات الأربع لدليل حدوث الأجسام. راجع: شرح جُمل العلم و العمل، ص 39.
15) . في «ج» و المطبوع: «صحيح».
حتّىٰ يَتكامَلَ العِلمُ بحُدوثِ الأجسامِ، إنّما(1)يَجِبُ أن يُقطَعَ علىٰ أنّه عالِمٌ بكَيفيّةِ ترتيبِ دَلالةِ حُدوثِ الأجسامِ، و بتقديمِ ما يُقدَّمُ(2)و تأخيرِ(3)ما يؤخَّرُ، حتّىٰ يَحصُلَ هذا العِلمُ للناظرِ في حُدوثِ الأجسامِ.
و لا يُعلَمُ بهذا القَدرِ أنّه هو عالِمٌ بحُدوثِ الأجسامِ؛ لأنّه مِن الجائزِ أن يَكونَ ما نَظَرَ هو قَطُّ(4)في حُدوثِ الأجسامِ، و إن كانَ عالِماً بكَيفيّةِ ترتيبِ الدلالةِ المُفضيةِ(5)إلَى العِلمِ بحُدوثِها. و مِن الجائزِ أيضاً(6)أن يَكونَ نَظَرَ علىٰ وجهٍ لا يوجِبُ العِلمَ، و لَم(7)تَتكامَلْ(8)[فيه] شُروطُ توليدِ(9)النظَرِ للعِلمِ.
فلَيسَ كُلُّ مَن وَصَفَ الطريقَ إلىٰ سُلوكِ جِهةٍ مِن الجهاتِ بالصفةِ(10)الصحيحةِ السديدةِ، يَكونُ سالكاً لذلكَ الطريقِ، و مُستَعمِلاً لِما وَصَفَ كَيفَ يَكونُ استعمالُه.
ألا تَرىٰ أنّ مَن وَصَفَ كَيفَ يَكونُ سُلوكُ الطريقِ إلَى البَصرةِ و رَتَّبَ ذلكَ و شَرَحَه(11)و أَوضَحَه علَى الوجهِ الصحيحِ إنّما يُقطَعُ علىٰ أنّه عالِمٌ بكَيفيّةِ سُلوكِ هذا الطريقِ(12)، و لا يُقطَعُ(13)علىٰ(14)أنّه قد سَلَكَه و وَصَلَ فيه إلَى البَصرةِ؟
1) . في «أ، ج» و المطبوع: «و إنّما»
2) في «أ، ج»: «تقدّم».
3) . في المطبوع: «و تأخّر».
4) . في المطبوع: «مطلقاً»، و في هامشه ما نصّه: «في النسخة: مط. و يمكن أن يكون: ما نظر هوقطّ في حدوث الأجسام»، و هو عينُ ما أثبتناه من النسخ.
5) . في «ج» و المطبوع: «للقضيّة».
6) . في المطبوع: - «أيضاً».
7) . في المطبوع: «و لا».
8) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «يتكامل».
9) . في «ج» و المطبوع: «توكيد».
10) . في «ج» و المطبوع: «و الصفات» بدل «بالصفة».
11) . في «أ»: + «و وصفه».
12) . في «ج» و المطبوع بين معقوفين: + «و لا يُقطع علىٰ أنّه عالم بكيفيّة سلوك هذا الطريق». نعم، جاء في هامش المطبوع ما نصّه: «كذا في النسخة، و الظاهر زيادتها».
13) . في «ش»: «و لا نقطع».
14) . في المطبوع: - «علىٰ».
و كذلكَ مَن وَصَفَ لنا كَيفَ يَجِبُ أن يَعمَلَ الرامي حتّى يُصيبَ الهَدَفَ، و رَتَّبَ ما يَجِبُ أن يَعمَلَه(1)- مِن أخذِ(2)القَوسِ علىٰ وجهٍ مخصوصٍ(3)، و اعتمادِ جِهةِ السَّمتِ - إنّما يَجِبُ أن يُقطَعَ علىٰ عِلمِه بكَيفيّةِ الرميِ، و إن كُنّا نُجَوِّزُ أن يَكونَ هو ما رَمىٰ قَطُّ، أو رَمىٰ و لَم يُصِبِ الغرضَ.
و كذلكَ مَن وَصَفَ لَنا كَيفيّةَ عملِ لَونٍ مِن الطَّبيخِ، و رَتَّبَ لنا ما يَجمَعُه فيه مِن الأخلاطِ، و ما يُقدَّمُ(4)منها أو يؤخَّرُ(5)، إنّما يَجِبُ القَطعُ علىٰ عِلمِه بصِفةِ ذلكَ اللونِ، مِن غيرِ تَعرُّضٍ لأنّه قد طَبَخَه و اتَّخَذَه.
و إنّما يَكونُ العالِمُ باللّٰهِ تَعالىٰ عارفاً به، إذا نَظَرَ في الأدِلّةِ الموصِلةِ إلىٰ مَعرِفتِه مِن الوجهِ الذي يَدُلُّ عليه(6)، و تَكامَلَت شَرائطُه المذكورةُ في الكُتُبِ؛ فإنّه إن نَظَرَ في الدَّلالةِ مِن الوجهِ الذي يَدُلُّ و لَم تَتكامَلِ(7)الشرائطُ، لَم يُوَلِّدْ نَظَرُه العِلمَ؛ فإنّه(8)بوَصفِه(9)لنا كَيفَ يَجِبُ أن يَفعَلَ الناظرُ و ترتيبِ الأدِلّةِ، فلا(10)يَجِبُ أن يُعلَمَ أنّه عالِمٌ به تَعالىٰ.
1) . في «ج» و المطبوع: «أن يعلمه».
2) . في «ب، ج»: «إفساد». و في «ش»: «فساد». و في المطبوع: «أنساء».
3) . في «ج» و المطبوع: «المخصوص». و استُظهر في هامش المطبوع: «علىٰ الوجه المخصوص» بدل «علىٰ وجه مخصوص».
4) . في «ج» و المطبوع: «تقدّم».
5) . في المطبوع: «تأخّر».
6) . في «ب، ج، ش» و المطبوع: «منه».
7) . في «أ، ج، ش» و المطبوع: «و لم يتكامل».
8) . في «ب، ج، ش» و المطبوع: «فأنا».
9) . في «ج» و المطبوع: «يوصفه».
10) . كذا، و الأنسب: «لا».
و قد ذَكَرنا في جوابِ المَسألةِ الرابعةِ مِن هذه المَسائلِ(1)في هذا المعنىٰ وجهاً غريباً ما تَقدَّمَنا أحَدٌ إليه؛ و هو أنّه: يَجوزُ أن يَكونَ بعضُ مَن ثَبَتَ عندَنا كُفرُه مِن مُخالِفينا عارفاً باللّٰهِ تَعالىٰ، غيرَ أنّه لا يَجوزُ أن يَستَحِقَّ الثوابَ علىٰ مَعرِفتِه؛ لوقوعِها(2)علىٰ غيرِ الوجهِ الذي وَجَبَت(3)منه(4).
و إنّما امتَنَعَ أصحابُنا مِن كَونِ بعضِ الكُفّارِ عارفاً باللّٰهِ تَعالىٰ، حتّىٰ لا يَجتَمِعَ له استحقاقُ الثوابِ مع كُفرِه.
و علىٰ هذا الذي أيقَظنا عليه قد كُفينا هذه المَئونةَ و أَزَلنا(5)الشَّناعَةَ التي يَفزَعونَ معاً إليها؛ بأنّ المخالِفَ يَنظُرُ كنظرِنا، و يَسلُكُ(6)في الأدِلّةِ طُرُقَنا، فكَيفَ يَجوزُ أن يَكونَ غيرَ عارِفٍ؟
و كلُّ هذا بَيِّنٌ لِمَن تأمَّلَه.
و صَلَّى اللّٰهُ على خِيَرَتِه مِن(7)خَلقِه و صَفوَتِه مِن بَريَّتِه، سَيِّدِنا(8)مُحمَّدٍ النبيِّ(9)و آلِه الطاهِرينَ.(10)
1) . يعني المسائل الرسّيّة الأُولىٰ
2) في «ج» و المطبوع: «لوقوعه».
3) . في «ج» و المطبوع: «وجب».
4) في المطبوع: «عنه».
5) . في المطبوع: «و أولياء»
6) في المطبوع: «و سلك».
7) . في المطبوع: «خير» بدل «خيرته من».
8) . في المطبوع: - «و صفوته من بريّته، سيّدنا».
9) . في المطبوع: - «النبيّ».
10) . في «أ»: + «تمّت بعون اللّٰه و حسن توفيقه، و السلام و الإكرام». و في «ب»: + «و الحمد للّٰه ربّ العالمين، ربِّ سهِّلْ ما بقي من هذه الرسائل». و في المطبوع: + «و حسبنا اللّٰه و نعم الوكيل».
تنفرد كلّ مدرسة فكريّة عادة بمسائل تختصّ بها، تجعلها تمتاز بها عن سائر المدارس، و هذا الأمر يشمل المدارس الفقهيّة أيضاً، فقد تنفرد بعض هذه المدارس بمسائل تشتهر بها و تصير عَلَماً عليها، كما قد تتحوّل هذه المسائل إلى ذريعة من قِبَل المدارس الأُخرى لمهاجمة هذه المدرسة، بدعوى المخالفة لِمَا توافَقَ عليه الفقهاء.
و لم تكن المدرسة الفقهيّة الإماميّة بمَنأى عن هذه الظاهرة، فقد انفردت بمسائل متعدّدة عن باقي المدارس الفقهيّة، حتّى أدّى الأمر إلى تأليف بعض المؤلّفات المختصّة بذلك؛ فمثلاً ألّف الشيخ المفيد رسالة سمّاها: الإعلام فيما اتّفقت عليه الإماميّة من الأحكام، و هي رسالة ألحقها بكتابه أوائل المقالات، تعرّض فيها إلى انفرادات الإماميّة، و ما اختصّوا به من فتاوىٰ و أحكام، ثمّ قام بشرح هذه الرسالة(1)، ولكن هذا الشرح مفقود. كما ألّف الشريف المرتضى في هذا المجال كتابه المهمّ جدّاً الانتصار، و الذي سمّاه: نصرة ما انفردت به الشيعة الإماميّة من المسائل الفقهيّة(2)، و الذي يسمّى أيضاً: انفرادات الإماميّة، و هو كتاب استدلاليّ مفصّل و مهمّ حول هذا الموضوع، حيث انتصر فيه الشريف المرتضى لآراء الإماميّة التي انفردت فيها، و دافع عنها.
و يمكن اعتبار «الانفرادات» فرعاً من «علم الخلاف»، كما يمكن اعتباره عِلماً برأسه، و يمكن تسميته: «علم الانفرادات».
و يبدو أنّه لم يلق موضوع «الانفرادات» اهتماماً كبيراً بعد الشريف المرتضى، فنحن لا نكاد نرى كتاباً فقهيّاً مهمّاً قد تعرّض لهذا الموضوع.
و من الكتب أو الرسائل التي تطرّق فيها الشريف المرتضى إلى موضوع الانفرادات هو أجوبة المسائل الموصليّات الثانية(1)، حيث تعرّض فيها إلى موضوع الانفرادات حول تسعة مواضيع فقهيّة مختلفة.
و الظاهر أنّ السائلين - كما يظهر من مقدّمة المسائل حيث يتكلّم الشريف المرتضى مع جماعة، و هذا يعني أنّ مَن أرسل المسائل كانوا جماعة، لا سائل واحد - كانوا قد قرأوا رسالة أو كتاباً حول متفرّدات الإماميّة، فأثارت بعض المواضيع المطروحة هناك عندهم بعض التساؤلات، فأرسلوا أسئلتهم إلى الشريف المرتضى للإجابة عليها؛ فإنّه قد جاء في بداية المسألة الأُولى من الموصليّات الثانية: «ذكر في المسائل الفقهيّة التي تفرّدت بها الشيعة الإماميّة:...»، كما أنّ كلّ مسألة من المسائل التسع تبدأ بكلمة: «ذكر» أو «و ذكر»، و هو يدلّ على أنّهم يسألون عن مسائل مطروحة في نصّ معيّن و يمكننا أن نتعرّف علىٰ هذا النصّ، و هو نصّ كتاب الإعلام مع شرحه للشيخ المفيد كما تقدّم فهو كتاب يحتوي علىٰ انفرادات الإماميّة. و يدلّ علىٰ ذلك وجود تطابق كبير بين عبارات كتاب الإعلام و بين ما جاء في المسائل الموصليّات التسع التي تقدّم آنفاً أنّها تنقل كلاماً من نصّ معيّن. و إذا وجد اختلاف فهو قد يرجع إلىٰ اختلاف النسخ أو سقوط عبارات من نسخ كتاب الإعلام التي
1) . الموصل: مدينة معروفة، وصفها ياقوت بأنّها باب العراق، و مفتاح خراسان، و منها يُقصد إلى أذربيجان. راجع: معجم البلدان، ج 5، ص 223.
وصلت إلينا، أو نقل السائلين الموصليّين من كتاب شرح كتاب الإعلام الذي تقدّم أنّه مفقود و لم يصلنا. إذن يمكن اعتبار الموصليّات الثانية تعليقة للشريف المرتضى على كتاب الإعلام للشيخ المفيد.
و قد أجاب الشريف المرتضى على هذه المسائل، و علّق على النصّ الفقهيّ المرسل إليه، حيث اتّفق معه على انفراد الإماميّة ببعض المسائل، و اختلف معه في بعضها. و قد كانت إجابته عن المسائل بالتفصيل، و هو يدلّ على أهمّيّة هذه المسائل و أهمّيّة الأشخاص المرسِلين، حيث وصفهم الشريف المرتضى في المقدّمة بجودة النظر و دقّة الفكر.
و كانت قد أُرسلت ثلاث مجموعات مسائل من الموصل إلى الشريف المرتضى، فقام بالإجابة عليها؛ أمّا الأُولى منها، فقد أجاب عنها في شبابه في سنة 380 و نيّف(1)، و هي ثلاث مسائل فقط، تدور حول مسائل الوعيد، و القياس، و الاعتماد(2)فهي مسائل كلاميّة و أُصوليّة، و ليست فيها مسائل فقهيّة. و أمّا الموصليّات الثانية و الثالثة فهي مسائل فقهيّة، و قد أجاب عن الثالثة منها في سنة 420 ه(3).
الجدير بالذكر أنّ هناك بحثاً مهمّاً حول تسمية المسائل الموصليّات، طرحناه بشيء من التفصيل في مكتبة الشريف المرتضى(4)، حيث توصّلنا هناك إلى أنّ الظاهر أنّ المسائل المعروفة بالموصليات الأُولى لا تسمّى أُولى، و إنّما تسمّى: «موصليّات» فقط
و بصورة مطلقة، و أنّ الموصليّات الثانية و الثالثة تسمّى في الحقيقة: «موصليّات أُولى» و «ثانية»، كما فعل ذلك ابن إدريس (ت 598 ه) و الشريف المرتضى نفسه(1). فراجع تفصيل البحث هناك.
و على أيّ حال فنحن نلتزم بتسمية الموصليّات الثلاث بأسمائها المشهورة، تجنّباً من حصول خلط و أخطاء في خلال الإحالات و الإرجاعات إليها.
و بعد ذلك نرجع إلى الحديث عن المسائل محلّ بحثنا، و هي الموصليّات الثانية، فقد ذكرها البُصروي (ت 443 ه) و الشيخ الطوسي (ت 460 ه)(2)، و أشار الشريف المرتضى إليها في الموصليّات الثالثة عدّة مرّات، و سمّاها هناك: المسائل الأُولى، و مسائل الخلاف الواردة قبل هذه(3)، كما ذكرها في كتابه الانتصار، و سمّاها: جواب مسائل أهل الموصل التسع الفقهيّة(4). و قد أشار في المسألتين الأُولىٰ و الثانية منها إلى كتابه مسائل الخلاف. و كلّ هذا يعتبر قرائن مهمّة و قطعيّة على تصحيح نسبتها إليه.
و تاريخ تأليف هذه المسائل يرجع إلى ما قبل سنة 420 ه؛ فإنّ الموصليّات الثالثة قد أُرسلت في هذه السنة كما تقدّم، فتكون الثانية قبل هذا التاريخ.
و قد احتوت الموصليّات الثانية على فوائد و نكات متعدّدة، نذكر منها:
استدلّ الشريف المرتضى عدّة مرّات بالأخبار المتظافرة و الكثيرة، و بذلك لم يخرج من طريقته المعهودة من إنكار حجّيّة أخبار الآحاد في الأُصول و الفروع معاً.
أشار في المسألة الخامسة إلى أنّ أهل اللغة إذا أرادوا تحريم شيء أدخلوا عليه
لفظ النفي، ليدلّ على تأكيد التحريم و تغليظه، و إذا أرادوا تأكيد الوجوب و تغليظه، استعملوا لفظ الخبر و الإثبات.
أشار في المسألة السادسة إلى قاعدة، و هي أنّه عند الضرورة يمكن أن نتعسّف التأويل، و هذا يبرر لنا وجود بعض التأويلات البعيدة التي يمكن مشاهدتها في تراث الشريف المرتضى، و التي قد تبدو تأويلات بعيدة عن الظاهر، فهو هنا قد أوضح أنّه إذا اتّضح المعنى الحقيقي فيمكن تأويل الظاهر بكلّ وسيلة ممكنة.
أشار في المسألة السابعة إلى أنّ أحكام الشريعة تتبع المعتاد من الأُمور لا المخالف للعادة، فعلى سبيل المثال أنّ المعتاد أن يكون أكثر الحمل تسعة أشهر، و ما قد يُدّعى من أنّه قد يكون أكثر من ذلك، فهو شاذّ نادر غير مستمرّ، و الشريعة تتبع المعتاد، لا المخالف للعادة.
أفتى الشريف المرتضى في المسألة الثالثة بكراهة السجود على الثوب المنسوج من قطن أو كتان، و عدم تحريمه، لكنّه رجع عن ذلك في الموصليّات الثالثة، و الانتصار(1).
و من فتاويه التي ذكرها في الموصليّات الثانية حرمة الربا بين الوالد و ولده، و ذلك في المسألة الخامسة منها، و يبدو أنّه استمرّ على هذه الفتوى في الموصليّات الثالثة أيضاً(2)، إلّاأنّه رجع عنها في الانتصار، مشيراً هناك إلى فتواه المتقدّمة في الموصليّات، حيث قال:
و قد كتبتُ قديماً في جواب مسائل وردت من الموصل تأولت الأخبار التي يرويها أصحابنا المتضمّنة لنفي الربا بين من ذكرناه... و اعتمدنا في نصرة هذا المذهب على عموم ظاهر القرآن، و أنّ اللّٰه تعالى حرّم الربا على كلّ متعاقدين، و
قوله تعالى: «لاٰ تَأْكُلُوا اَلرِّبَوا» (1). المصدر، ص 189.(2)، و هذا الظاهر يدخل تحته الوالد و ولده، و الزوج و الزوجة. ثمّ لمّا تأمّلت ذلك، رجعت عن هذا المذهب؛ لأنّي وجدت أصحابنا مُجمعين على نفي الربا بين من ذكرناه، و غير مختلفين فيه في وقت من الأوقات، و إجماع هذه الطائفة قد ثبت أنّه حجّة، و يُخَصّ بمثله ظواهر الكتاب، و الصحيح نفي الربا بين من ذكرناه(3).
هذا، و كانت هذه المسائل قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 1، ص 167.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (3014) 1255؛ و هي ميكروفيلم من المخطوطة المرقّمة 1448 الموجودة في مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة بمشهد، و تقع في الصفحات (69-88) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 1080/6؛ تقع في الصفحات (292-310) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه البروجردي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 374/3؛ تقع في الصفحات (128-145) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 3324؛ تقع في
الصفحات (108-125) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة مكتبة ملك بطهران، المرقّمة 593؛ تقع في الصفحات (136-154) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (461-475) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ش».
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 438/3؛ تقع في الصفحات (1-16) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ط».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2929) 1162؛ تقع في الصفحات (61-68) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ل».
مخطوطة مكتبة مدرسة الإمام الخميني رحمه اللّٰه بقائن، المرقّمة 140؛ و يوجد ميكروفيلم منها في مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ المرقّم 1690، و الرسالة تقع في الصفحات (391-405) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11432/18؛ تقع في الصفحات (18-22) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21003؛ نُسخت في عام 1243 ه، و لم يعلم اسم ناسخها. و الرسالة تقع في الصفحات (2-19) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (33-40) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (44-52) من المجموعة.
جواباتُ المَسائلِ المَوصِليّاتِ الثانيةِ(1)
و في «ج»: «المسائل الموصليّة الثانية».
و في «د»: «هذا جواب المسائل الموصليّات للسيّد النجيب الحسيب ذي المجدين عليّ بن الحسين الموسويّ، روَّحَ اللّٰه روحَه الشريف».
و في «ش»: «جوابات المسائل الثالثة الواردة من الموصل - و قيل: من مصر - تأليف سيّدنا الشريف المرتضى علم الهدى، قدَّسَ اللّٰه روحَه و نوَّرَ ضريحَه».
بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ(2)
قد أجَبتُ - أدامَ اللّٰهُ لكُم السلامةَ، و أسبَغَ عليكم الكَرامةَ، و جَعَلَكم أبَداً مِن نُصّارِ الحَقِّ و تابِعيه، و خُذّالِ(3)الباطلِ و مُجانِبيه - عن المَسائلِ التي وَصَلَت(4)إلَيَّ، جَواباً اختَصَرتُه(5)مِن غيرِ إخلالٍ بما يَجِبُ إيضاحُه و بيانُه.
1) . في «أ»: «جوابات المسائل الثالثة الواردة من الموصل - و قيل: من مصر - تأليف سيّدنا الإمام العالم البارع الصدوق العلّامة المحقّ المحقِّق السيّد الشريف المرتضى علم الهدى ذي المجدين أبي القاسم عليّ بن الحسين الموسويّ، قدَّسَ اللّٰه روحَه، و نوَّرَ ضريحَه».
2) . في «ج، د»: + «و به نستعين». و في «ص»: + «و به ثقتي، و نصلّي على سيّدنا محمّد و آله أجمعين».
3) . في المطبوع: «و خذل».
4) . في المطبوع: «أتي» بدل «وصلت».
5) . في «ش» و المطبوع: «اختصرت».
و ما(1)أشكَلَ - أمَدَّكم(2)اللّٰهُ بالإرشادِ - مِن هذه المَسائلِ إلّاالمُشكِلُ، و لا بَعَثَكم علَى السؤالِ عنها و لا الاستيضاحِ لها إلّاجَودةُ النظَرِ و دقّةُ الفِكرِ.
و مِن اللّٰهِ أَستَمِدُّ المَعونةَ و التوفيقَ في الأقوالِ و الأفعالِ، و أستَعينُه علىٰ سائرِ الأحوالِ.
ذَكَرَ في «المَسائلِ الفقهيّةِ التي تَفرَّدَتَ بها الشيعةُ الإماميّةُ»: أنّ المَذْيَ و الوَدْيَ لَيسا بناقِضَينِ(1)للطهارةِ.(2)و ما بَيَّنَ العِلمَ بتعيينِهما(3).
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(4):
أنّ «المَذْيَ» - بفَتحِ الميمِ و تسكينِ الذالِ؛ و يُقالُ منه: مَذَى الرجُلُ، فهو يَمذي، بغَيرِ ألِفٍ - فهو الشيءُ الخارجُ مِن ذَكَرِ الرجُلِ عندَ القُبلةِ أو المُلامَسةِ أو النظَرِ(5)بالشهوةِ الشديدةِ، الجاري مَجرَى البُصاقِ الرقيقِ القِوامِ، و يَكثُرُ في الشبابِ و ذَوي الصحّةِ.
فهو غيرُ ناقضٍ للوضوءِ، و غيرُ نَجِسٍ أيضاً، و لا يَجِبُ منه غَسلُ ثَوبٍ و لا بَدَنٍ.
فأمّا «الوَدْيُ» بفَتحِ الواوِ و تسكينِ الدالِ، و يَجري في غِلَظِ قِوامِه مَجرَى البَلغَمِ.
1) . في «ب» و المطبوع: «بناقضتين».
2) . الإعلام للشيخ المفيد، ص 16-17. و قد سقط مقدار من بداية العبارة من هذا الكتاب، و الذي جاء فيه: «.. [بياض في الأصل] و أنّهما ليسا من الأشياء الناقضة للطهارة. و أجمَعَت العامّةُ علىٰ خلاف ذلك، و زعموا أنّ المذي و الودي ينقضان علىٰ كلّ حالٍ الطهارةَ».
3) . في المطبوع: «و تعيينهما». و المراد بعبارة المتن: أنّه لم يبيِّن حقيقة المذي و الودي.
4) . في «أ، ش» و المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
5) . في المطبوع: «و النظر».
و يَكثُرُ في الشيوخِ و ذَوي الرطوباتِ الغالبةِ، و يَقِلُّ أو يُعدَمُ في الشبابِ.
و طريقتُنا إلىٰ صِحّةِ ذلكَ و الحُجّةُ علَى الحقيقةِ فيه هو(1)إجماعُ الشيعةِ الإماميّةِ عليه، و في إجماعِها الحُجّةُ.
و لا اختلافَ بَينَ الإماميّةِ أنّ المَذيَ و الوَديَ لا يَنقُضانِ الوضوءَ. و الأخبارُ مُتَظاهِرةٌ(2)عن سادتِنا(3)و أئمّتِنا عليهم السلامُ بذلكَ، و كتُبُ الشيعةِ بها مشحونةٌ، و هي أكثَرُ مِن أن تُحصىٰ أو تُستَقصىٰ؛ لأنّهم قد نَصّوا فيما وَرَدَ عنهم مِن عليٍّ عليه السلامُ: «إنّ المَذيَ و الوَديَ لا يَنقُضانِ الوضوءَ»(4)علىٰ سَبيلِ التعيينِ و التفصيلِ.
و في أخبارٍ أُخَرَ نَصّوا و عَيَّنوا نَواقِضَ الوضوءِ، فَذَكروا أشياءَ مخصوصةً لَيسَ المَذيُ و الوَديُ مِن جُملتِها.
و قد نَصَرنا هذا المَذهَبَ فيما أملَيناه مِن «مَسائلِ الخِلافِ»(5)في الأحكامِ الشرعيّةِ، و ذَكَرنا الحُجَجَ الواضحةَ في صِحّتِه، و أبطَلنا شُبَهَ المُخالِفينَ، بَعدَ أن حَكَيناها و استَوفَينا الكلامَ عليها، و بيّنّا أنّ خروجَ ما يَخرُجُ مِن السبيلِ علىٰ وجهٍ غيرِ مُعتادٍ و لا جارٍ(6)مَجراه لا يَنقُضُ الوضوءَ.
و جَعَلنا الأصلَ(7)في هذا الاستدلالِ الريحَ الخارجةَ مِن الذَّكَرِ، و أنّها لا تَنقُضُ
1) . في المطبوع: - «هو».
2) . في «ب، ص» و المطبوع: «متظافرة». و في «ش»: «المتظاهرة».
3) . في المطبوع: «ساداتنا».
4) . راجع: علل الشرايع، ج 1، ص 295، الباب 241؛ وسائل الشيعة، ج 3، ص 426، الباب 17.
5) . هذا الكتاب مفقود. راجع: المتبقّى من التراث المفقود للشريف المرتضى.
6) . في المطبوع: «و الأخبار» بدل «و لا جار». و استُظهر في هامشه: «و ما يجري».
7) . يريد أن يستدلّ هنا بالقياس، و للقياس أصل و فرع و علّة جامعة و حكم. و قد استدلّ
الوضوءَ إجماعاً؛ لأنّ خروجَها مِن القُبُلِ غيرُ مُعتادٍ. و لَو خَرَجَت مِن الدُّبُرِ لَنَقَضَت الوضوءَ بِلا شَكٍّ؛ مِن حَيثُ كانَ مُعتاداً.
و خروجُ المَذيِ و الوَديِ غيرُ مُعتادٍ؛ لأنّه علىٰ سَبيلِ المرضِ و غلبةِ الأخلاطِ. و الأمرُ في الوَديِ أوضَحُ(1)و أشهَرُ؛ لأنّه تابعٌ لزيادةِ الرطوباتِ.
و هذا كُلُّه قد بيّنّاه في المَوضِعِ الذي أشَرنا إليه، فمَن أرادَ الاستقصاءَ فليأخُذْه(2)مِن مَوضِعِه.
ذَكَرَ: أنّ(1)أكثَرَ النِّفاسِ ثَمانيةَ عَشَرَ يَوماً.(2)و هو في «شَرحِ الفقهِ»(3): عِشرونَ يَوماً.(4)و لَم يَذكُرْ أقَلَّه.(5)
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
أنّ المُعتَمَدَ عليه في أكثَرِ النِّفاسِ هو ثَمانيةَ عَشَرَ يَوماً.
و أمّا أقَلُّ النِّفاسِ فهو انقطاعُ الدمِ، و لَيسَ لذلكَ حَدٌّ مُقدَّرٌ بزَمانٍ، بَل الاعتبارُ فيه بانقطاعِ الدمِ؛ سَواءٌ كانَ انقطاعُه سَريعاً، أو بَطيئاً.(6)
و جاءَت الأخبارُ المُتَظاهِرةُ(7)عن الصادقينَ عليهمُ السلامُ(8)بأنّ: «الحَدَّ في نِفاسِ المَرأةِ أكثَرُ أيّامِ حَيضِها، و تَستَظهِرُ في ذلكَ بيَومٍ و اثنَينِ».(9)
1) . في «ش»: - «أنّ»
2) المقنعة، ص 57.
3) . الظاهر أنّه شرح كتاب الإعلام للشيخ المفيد.
4) . جاء في كتاب الإعلام للشيخ المفيد، ص 17-18 أنّ المدّة هي أحد و عشرون يوماً، فلعلّ كلمة «أحد و» ساقطة من المتن.
5) . لم يُذكر أقلّ النفاس في كتاب الإعلام أيضاً.
6) . في المطبوع: «انقطاعه، أو لحظة» بدل قوله: «انقطاع الدم، و ليس لذلك حدّ...» إلى هنا.
7) . في المطبوع: «متظافرة».
8) . في المطبوع: «الصادق عليه السلام».
9) . راجع: وسائل الشيعة، ج 2، ص 381، ح 2408-2410؛ و ص 383، ح 2414؛ و ص 384، ح 2416.
و أكثَرُ ما يَبعُدُ النِّفاسُ ثَمانيةَ عَشَرَ يَوماً.
و جاءَت الآثارُ مُتظاهِرةً(1)عن سادتِنا(2)عليهمُ السلامُ بأنّ أسماءَ بِنتَ عُمَيسٍ نُفِسَت بمُحمّدِ بنِ أبي بَكرٍ، فأمَرَها رسولُ اللّٰهِ(3)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه حينَ أرادَت الإحرامَ بذي الحُلَيفةِ أن تَحتَشيَ بالكُرسُفِ و تُهِلَّ بالحَجِّ، فلمّا أتَت لها ثَمانيةَ عَشَرَ يَوماً أمَرَها رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أن تَطوفَ بالبَيتِ و تُصلّيَ و لَم يَنقطِعْ عنها الدمُ، ففَعَلَت ذلكَ.(4)
و هذا أيضاً ممّا(5)قد استَقصَينا الكلامَ فيه(6)في «مَسائلِ الخِلافِ»؛ فإنّ أبا حَنيفةَ و أصحابَه و الثوريَّ(7)و الليثَ(8)يَذهَبونَ إلىٰ أنّ أكثَرَ النِّفاسِ أربَعونَ يَوماً.
1) . في المطبوع: «المتظافرة».
2) . في «ص»: «سادتها». و في المطبوع: «ساداتنا».
3) . في «ش» و المطبوع: «النبيّ» بدل «رسول اللّٰه».
4) . راجع: الكافي، ج 3، ص 98، ح 3؛ و ج 4، ص 449، ح 1؛ الفقيه، ج 1، ص 101، ح 209؛ التهذيب، ج 1، ص 179، ح 512 و 513؛ الاستبصار، ج 1، ص 154، ح 532؛ وسائل الشيعة، ج 2، ص 385، ح 2418؛ و ص 389، ح 2432.
5) . في المطبوع: - «ممّا».
6) . في «أ، ج، د، ش، ص» و المطبوع: - «فيه».
7) . أبو عبد اللّٰه سفيان بن سعيد الثوري الكوفي، من فقهاء العامّة. روى عن أبيه، و أبي إسحاق الشيباني، و أبي إسحاق السُّبيعي، و غيرهم. و ذكره الشيخ الطوسي رحمه اللّٰه في رجاله فيمن يروي عن الإمام الصادق عليه السلام. مات بالبصرة سنة 161 ه. راجع: سير أعلام النبلاء، ج 7، ص 229، الرقم 82؛ طبقات الفقهاء، ص 65؛ رجال الطوسي، ص 220، الرقم 2924.
8) . أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمٰن المصريّ، مولى بنى فَهم؛ فقيه أهل مصر. روى عن عطاء و الزُّهري و نافع و غيرهم، و روى عنه ابن المبارك و ابن وهب و ابن شعيب. ولد سنة 94 ه و مات سنة 175 ه. راجع: تاريخ بغداد، ج 3، ص 4، الرقم 6966؛ سير أعلام النبلاء، ج 8، ص 136، الرقم 12؛ تهذيب التهذيب، ج 8، ص 412، الرقم 834.
و الشافعيُّ و عُبيدُ اللّٰهِ بنُ الحَسَنِ العَنْبَريُّ(1)
و الرجل هو: عبيد اللّٰه بن الحسن بن الحُصَين العنبريّ، من فقهاء العامّة، من تَميم. وَليَ قضاءَ البصرة سنة 157 ه، و عُزل سنة 166 ه، و توفّي فيها. راجع: الأعلام للزركليّ، ج 4، ص 192.
و مالكٌ في قولِه الأوّلِ: أنّ أكثَرَ النِّفاسِ سِتّونَ يَوماً. و حُكيَ أنّ في الناسِ مَن يَقولُ: سَبعونَ يَوماً.(2)و حُكيَ عن البَصريِّ(3)أنّه قالَ: إنّ أكثَرَه خَمسونَ يَوماً.(4)و الكلامُ علىٰ هذه المَذاهبِ، و ما يُحتَجُّ به لها(5)و(6)عليها، قد استَوفَيناه في «مَسائلِ الخِلافِ» و انتَهَينا فيه إلىٰ أبعَدِ الغاياتِ.
و ما بَيَّنَ مِن طريقِ الاستدلالِ صِحّةَ مَذهبِنا في أكثَرِ النِّفاسِ: أنّ الاتّفاقَ مِن الأُمّةِ حاصلٌ علىٰ أنّ الأيّامَ التي قَدَّرنا(7)بها النِّفاسَ لَحِقَها(8)حُكمُ النِّفاسِ، و لَم يَحصُلْ
1) . في «أ، ب، ج، د»: «العسري». و في «ش»: «العمري». و في «ص»: «القسري». و في المطبوع: «العسكري».
2) . في المطبوع: - «و حُكي أنّ في الناس من يقول: سبعون يوماً».
3) . أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، ولد لسنتين بقيتا من خِلافة عمر، و أُمّه خَيرة مولاة أُمّ سلمة. نشأ بالمدينة، ثمّ صار كاتباً في حكومة معاوية لوالي خراسان الربيع بن زياد. و هو أحد الزهّاد الثمانية، و كان يلقى الناس بما يَهوَون و يتصنّع للرئاسة، و يُعدّ من رؤساء القدريّة، توفّي بالبصرة في رجب سنة 110 ه. روى عن أُبيّ بن كعب و سعد بن عبادة و عمر بن الخطّاب و لم يدركهم، و عن ثوبان و عمّار بن ياسر و غيرهم؛ و روى عنه حُميد الطويل و قَتادة و عطاء بن السائب و غيرهم. راجع: إكمال الكمال، ج 1، ص 318؛ تهذيب الكمال، ج 6، ص 95، الرقم 1216؛ سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 563، الرقم 223؛ الكنى و الألقاب، ج 2، ص 74.
4) . راجع في الأقوال المذكورة: الخلاف للطوسي، ج 1، ص 244؛ مختصر المزني، ص 11؛ فتح العزيز، ج 2، ص 573؛ المجموع للنووي، ج 2، ص 522.
5) . في «ب، ج، د، ص»: - «لها».
6) . في المطبوع: «أو».
7) . في المطبوع: «قدّرناه».
8) . في المطبوع: «أنّها».
فيما زادَ علىٰ ذلكَ اتّفاقٌ و لا دليلٌ. و القياسُ لا يَصِحُّ إثباتُ المَقاديرِ به؛ فيَجِبُ القولُ بما ذَكَرناه دونَ ما عَداه.
و لكَ أن تَقولَ: إنّ المَرأةَ داخلةٌ في عمومِ الأمرِ بالصلاةِ و الصومِ، و إنّما نُخرِجُها في الأيّامِ التي حَدَّدناها مِن عمومِ الأمرِ بالإجماعِ؛ و لا إجماعَ و لا دليلَ فيما زادَ علىٰ ذلكَ، فيَجِبُ الحُكمُ بدخولِها تَحتَ عمومِ الأمرِ.
و ذَكَرَ: أنّ السجودَ لا يَجوزُ علىٰ ثَوبٍ منسوجٍ، ثُمَّ زَعَمَ: إلّاعندَ الضرورةِ؛(1)و لِمَ(2)صارَت الضرورةُ تُجوِّزُ ما لا يَجوزُ؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
أنّ السُّجودَ علَى(3)الثوبِ المنسوجِ - مِن قُطنٍ أو كِتّانٍ - إذا كانَ طاهِراً يُكرَهُ؛(4)كَراهيةَ(5)تنزيهٍ(6)و طَلَبَ فَضلٍ، لا أنّه محظورٌ مُحرَّمٌ.
و لَيسَ يَجري السُّجودُ علَى الثوبِ المنسوجِ في القُبحِ و الحَظرِ عندَ أحَدٍ مَجرَى السُّجودِ علَى المكانِ النجِسِ، و إن كانَ أصحابُنا لَم يُفصِّلوا هذا التفصيلَ، و أطلَقوا القولَ إطلاقاً، و الصحيحُ ما ذَكَرناه.
و مَن تأمَّلَ حَقَّ التأمُّلِ عَلِمَ أنّه علىٰ ما فَصَّلناه و أَوضَحناه؛ لأنّه لَو كانَ السُّجودُ
1) . الإعلام للشيخ المفيد، ص 25. و قد جاء فيه: «و اتّفقت الإماميّة علىٰ أنّه... و أنّه لا يجوزالسجود علىٰ ثوب منسوج، و إن كان أصله من النبات، إلّاعند الحاجة إليه و الاضطرار».
2) . في المطبوع: «لم» بدون واو العطف.
3) . في المطبوع: - «السجود على».
4) . في: «أ، ب، ج، د، ش» و المطبوع: + «السجود عليه».
5) . في المطبوع: «كراهة».
6) . في «د»: «تنزيهيّة». و في المطبوع: «التنزيه».
علَى الثوبِ المنسوجِ مُحرَّماً محظوراً، لَجَرىٰ في القُبحِ و وجوبِ إعادةِ الصلاةِ و استئنافِها مَجرَى السُّجودِ علَى النَّجاسةِ، و معلومٌ أنّ أحَداً لا يَنتَهي إلىٰ ذلكَ؛ فعُلِمَ أنّه علىٰ ما بيّنّاه.
و إذا كانَ علىٰ سَبيلِ التنَزُّهِ(1)لا سَبيلِ الحَظرِ و التحريمِ، فالأعذارُ(2)الضعيفةُ فيه(3)كافيةٌ.
و أمّا التعجُّبُ مِن أن تَكونَ(4)الضرورةُ يَجوزُ(5)معها ما لا يَجوزُ(6)مع فَقدِها ففي غيرِ مَوضِعِه؛ لأنّ الضروراتِ أبَداً تُسقِطُ التكليفَ، و تُعتَبَرُ في جَميعِ(7)أحكامِ الشريعةِ.
ألا تَرىٰ أنّ المَيتةَ تَحِلُّ مع الضرورةِ و تَحرُمُ مع الاختيارِ، و الصلاةَ بغَيرِ طهارةٍ بالماءِ تَحِلُّ مع الضرورةِ و تَحرُمُ مع الاختيارِ؟ و أمثالُ ذلكَ أكثَرُ مِن أن نُحصِيَه.
ذَكَرَ: أنْ لا شُفعةَ(1)تَصِحُّ في العَقارِ(2)بَينَ أكثَرَ مِن اثنَينِ(3)، و إذا تَحيَّزَت(4)الأملاكُ(5)فلا شُفعةَ(6)، و الشُّفعةُ تَجِبُ بالسِّربِ(7)و الطريقِ.(8)
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
أمّا المَسألةُ الأولىٰ مِن مَسائلِ الشُّفعةِ، و هي اعتبارُها في الاثنَينِ و إسقاطُها فيما زادَ عليهما مِن عَدَدِ الشُّرَكاءِ، فلَعَمري إنّه ممّا(9)تَفرَّدَ به الشيعةُ الإماميّةُ(10)،
1) . في المطبوع: «أنّ الشفعة» بدل «أن لا شفعة».
2) . «العَقار» بالفتح: كلّ ملِك ثابت له أصل، كالدار و النخل. و ربّما أُطلق على المتاع. راجع: المصباح المنير، ص 421 (عقر).
3) . الإعلام للشيخ المفيد، ص 35. و قد جاء فيه: «قول الإماميّة: إنّه إذا كان بين أكثر من اثنين بطَلَت الشفعة فيه، سواء كان محدوداً بالقيمة أم مشاعاً».
4) . في «أ، ش» و المطبوع: «تخيّرت». و في «ب، ج، د، ص»: «تحيّرت». و الصواب ما أثبتناه.
5) . أي إذا تميَّزَت و انقسَمَت.
6) . المقنعة، ص 618.
7) . «السرب»: الطريق. راجع: الصحاح، ج 1، ص 146 (سرب).
8) . لقد سقط من بحث الشفعة من كتاب الإعلام، ص 35-36 مقدار غير معلوم، و الظاهر أنّ بعض المذكور في المتن كان في القسم الساقط.
9) . في «ب، ج، د، ص»: - «ممّا».
10) . راجع: الانتصار، ص 450.
و أطبَقَ(1)مُخالِفونا(2)علىٰ خِلافِه.
غيرَ أنّ بَينَ الإماميّةِ خِلافاً في هذه المَسألةِ معروفاً؛ فإنّ أبا جَعفَرٍ محمّدَ بنَ عليِّ بنِ الحُسَينِ بنِ بابَوَيهِ قالَ في كتابِه المعروفِ ب «كتابِ مَن لا يَحضُرُه الفَقيهُ(3)» في بابِ الشُّفعةِ لمّا رَوىٰ أنّ(4)الصادقَ عليه السلامُ سُئلَ عن الشُّفعةِ: لِمَن هي؟ و في أيِّ شيءٍ هي؟ و هَل يكونُ(5)في الحَيَوانِ شُفعةٌ؟ و كَيفَ هي؟ قالَ: «الشُّفعةُ واجبةٌ في كُلِّ شَيءٍ - مِن حَيَوانٍ، أو أرضٍ، أو مَتاعٍ - إذا كانَ الشيءُ بَينَ شَريكَينِ لا غيرِهما، فباعَ أحَدُهما نَصيبَه، فشَريكُه أحَقُّ به مِن غيرِه، فإن(6)زادَ علَى الِاثنَينِ فلا شُفعةَ لأحَدٍ منهم».(7)
ثُمَّ قالَ: قالَ مُصنِّفُ هذا الكتابِ(8): يَعني بذلكَ الشُّفعةَ في الحَيَوانِ(9)، فأمّا في غيرِ الحَيَوانِ فالشُّفعةُ واجبةٌ للشُّرَكاءِ و إن(10)كانوا أكثَرَ مِن اثنَينِ.
ثُمّ قالَ - رَحِمَهُ اللّٰهُ -: و تصديقُ ذلكَ ما رَواه أحمَدُ بنُ(11)أبي نَصرٍ البَزَنطيُّ عن عبدِ اللّٰهِ بنِ سِنانٍ، قالَ: سَألتُه(12)عن مملوكٍ بَينَ شُرَكاءَ، أرادَ أحَدُهم بَيعَ(13)
1) . في «أ، ب، ج، د، ش»: - «و أطبق»
2) في «أ، ب، ج، د، ش» و المطبوع: «مخالفوها».
3) . في النسخ المعتمدة: «فقيه» بدون الألف و اللام. و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و لنُسخَتَي «ط، ل».
4) في المطبوع: «عن».
5) . في المطبوع: «تكون».
6) . في المطبوع: «فإذا».
7) . الفقيه، ج 3، ص 79، ح 3377.
8) . هكذا في المطبوع و الفقيه. و في النسخة: «ثمّ قال مصنِّف الكتاب».
9) . في المطبوع و الفقيه: + «وحده».
10) . في المطبوع: «إن» بدون واو العطف.
11) . في المطبوع و الفقيه: + «محمّد بن».
12) . في النُّسخ المعتمدة: «سألت». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و لنُسختَي «ط، ل» و الفقيه.
13) . في النُّسخ المعتمدة: «يبيع» و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و لنُسختَي «ط، ل» و الفقيه.
نَصيبِه؛ قالَ: «يَبيعُه».(1)قُلتُ: فإنّهما كانا اثنَينِ، فأرادَ أحَدُهما بَيعَ(2)نَصيبِه، فلمّا أقدَمَ علَى البَيعِ قالَ له شَريكُه: أعطِني. قالَ: «هو أحَقُّ به». ثُمَّ قالَ عليه السلامُ: «لا شُفعةَ في حَيَوانٍ، إلّاأن يَكونَ الشريكُ فيه واحِداً».(3)
و هذا الذي حَكَيناه إنّما(4)يُستَفادُ مِنه(5)خِلافُ أبي جَعفَرٍ - رَحِمَهُ اللّٰهُ - في هذا المَذهَبِ، و أنّه(6)يوجِبُ الشُّفعةَ للشُّرَكاءِ في المَبيعاتِ و إن زادوا علَى اثنَينِ، إلّافي الحَيَوانِ خاصّةً.
وَ لَيسَ فيما احتَجَّ به و ظَنَّ أنّه يُصدِّقُ بمَذهبِه - مِن الخبرِ الذي رَواه(7)عبدُ اللّٰهِ بنُ سِنانٍ - حُجّةٌ صَريحةٌ فيما ذَهَبَ إليه؛ لأنّ نَفيَه عليه السلامُ حَقَّ الشُّفعةِ في المملوكِ إذا كانَ فيه شُرَكاءُ جَماعةٌ و إثباتُها بَينَ الشريكَينِ فيه لا يَدُلُّ علىٰ أنّ الأمرَ في المَبيعاتِ بخِلافِ هذا الحُكمِ.
و كانَ الأَولىٰ به لمّا أرادَ أن يَذكُرَ ما رُويَ مِن الروايةِ في نُصرةِ المَذهبِ الذي رَواه عن نَفسِه أن يَذكُرَ ما رَواه إسماعيلُ بنُ مُسلِمٍ عن جَعفَرِ بنِ مُحمّدٍ عليهما السلامُ عن أبيه قالَ(8): قالَ عليه السلامُ: «الشُّفعةُ علىٰ عَدَدِ الرِّجالِ».(9)
1) . في المطبوع و الفقيه: + «قال».
2) . في النُّسخ المعتمدة: «يبيع». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و لنُسختَي «ط، ل» و الفقيه.
3) . الفقيه، ج 3، ص 80، ح 3378.
4) . في المطبوع: - «إنّما».
5) . في «ص»: «من». و في المطبوع: - «منه».
6) . في المطبوع: «و إنّما».
7) . في المطبوع: + «عن».
8) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «قالوا». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً ل «ل».
9) . الفقيه، ج 3، ص 77، ح 3370.
و هذا الخبرُ صَريحٌ في أنّ الشُّفعةَ تَثبُتُ مع زيادةِ عَدَدِ الشُّرَكاءِ علَى اثنَينِ، و لَو كانَ حقُّ الشُّفعةِ يَسقُطُ بالزيادةِ علَى اثنَينِ لَما كانَ لاعتبارِ «الشُّفَعاءِ» معنىً؛ لأنّ الشفيعَ لا يَكونُ إلّاواحداً، فإذا زادَ العَدَدُ بَطَلَت الشُّفعةُ علَى المَذهبِ الذي حَكَيناه.
و كانَ له أيضاً أن يَحتَجَّ بما رَواه عُقبةُ بنُ خالدٍ عن أبي عبدِ اللّٰهِ عليه السلامُ قالَ: «قَضىٰ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالشُّفعةِ بَينَ الشُّرَكاءِ في الأرَضينَ و المَساكِنِ، و قالَ: لا ضَرَرَ و لا إضرارَ(1)».(2)
و لفظُ «الشُّرَكاءِ» لفظُ جَمعٍ، و هو يَقتَضي بموجَبِ اللُّغةِ أكثَرَ مِن اثنَينِ.
و هذانِ الخبرانِ قد رَواهما أبو جَعفَرٍ - رَحِمَه اللّٰهُ - في الكتابِ الذي أشَرنا إليه، غيرَ أنّه لَم يَحتَجَّ(3)بهما علىٰ مَذهبِه الذي حَكاه عن نَفسِه، و احتَجَّ بغَيرِهما فيما قد(4)بيّنّا أنّه لا حُجّةَ فيه.
و يُمكِنُه أن يَحتَجَّ أيضاً في تأييدِ هذا المَذهبِ بعُمومِ الأخبارِ الواردةِ: أنّ الشُّفعةَ واجبةٌ في كُلِّ مُشتَرَكٍ لَم يُقسَّمْ(5)و هي كَثيرةٌ. و عمومُ هذه الأخبارِ لَم يُفصَّلْ فيه(6)بَينَ الِاثنَينِ و الجَماعةِ.
و قد وَرَدَت أخبارٌ بأنّه إذا سَمَحَ بعضُ(7)الشُّرَكاءِ بحُقوقِهم مِن الشُّفعةِ، كانَ لِمَن
1) . في «ط، ل» و المطبوع: «و لا ضرار»
2) الفقيه، ج 3، ص 76، ح 3368.
3) . في المطبوع: «غير أنّنا نحتجّ» بدل «غير أنّه لم يحتجّ».
4) . في «ب» و المطبوع: - «قد».
5) . راجع: المقنعة، ص 618؛ فقه الرضا عليه السلام، ص 35؛ وسائل الشيعة، ج 25، ص 395، ح 32203 و 32204.
6) . في المطبوع: - «فيه».
7) . في جميع النسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «جميع». و هو خطأ؛ و أدَلُّ دليلٍ عليه ماقاله المصنّف في كتابه الانتصار، ص 451: فأمّا الخبر الذي وُجد في روايات أصحابنا أنّه إذا سمح بعض الشركاء بحقوقهم من الشفعة، فإنّ لمن لم يسمح بحقّه علىٰ قدر حقّه...».
لَم(1)يَسمَحْ بحَقِّه علىٰ قَدرِ حَقِّه مِنها؛ و هذا يَدُلُّ علىٰ أنّ الشُّفعةَ(2)تَثبُتُ(3)مع كَثرةِ عَدَدِ الشُّرَكاءِ.
و كانَ أبو عليٍّ ابنُ الجُنَيدِ(4)- رَحِمَه اللّٰهُ - لا يَعتبِرُ نُقصانَ العَدَدِ و لا زيادتَه(5)في الشُّفعةِ، و كتُبُه المُصنَّفةُ المعروفةُ(6)تَدُلُّ علىٰ ذلكَ و تَشهَدُ به.
فإن قيلَ: فإلىٰ أيِّ(7)المَذهبَينِ تَذهَبونَ(8)؟ و بأيِّهما تُفتونَ؟
قُلنا: أمّا ثُبوتُ الشُّفعةِ في الحَيَوانِ(9)خاصّةً بَينَ الشريكَينِ، و انتفاؤها فيما زادَ عليهما(10)مِن العَدَدِ، فهو(11)إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ التي هي الإماميّةُ؛ لأنّه لا خِلافَ بَينَ أحَدٍ مِنهم في هذه الجُملةِ.
و كذلكَ ثُبوتُ حَقِّ الشُّفعةِ في غيرِ الحَيَوانِ بَينَ الشريكَينِ اللذَينِ لَم يَقتَسِما؛ فهذا أيضاً إجماعٌ مِنهم.
1) . في «ب، ج، د، ش، ص» و المطبوع: - «لم».
2) . من قوله: «كان لمن لم يسمح...» إلىٰ هنا مكرَّر في المطبوع. و في المرّة الثانية جاء فيها: «و هذا لا يدلّ علىٰ أنّ الشفعة».
3) . في «ص»: «يثبت».
4) . أبو عليّ محمّد بن أحمد بن الجنيد الكاتب الإسكافيّ الشيعيّ. ذكره النجاشي رحمه اللّٰه في رجاله و قال: «وجه في أصحابنا، ثقة، جليل القدر، صنّف فأكثر...» ثمّ ذكر من مصنّفاته ما يبلغ عددها إلى أكثر من مائة. توفّي بالري سنة 381 ه. راجع: رجال النجاشي، ص 385، الرقم 1047؛ معجم رجال الحديث، ج 15، ص 332، الرقم 10107؛ هدية العارفين، ج 2، ص 51.
5) . في «ص» و المطبوع: «و لا زيادة»
6) في المطبوع: - «المعروفة».
7) . في المطبوع: «بأيِّ» بدل «فإلى أيّ»
8) . في «ب، ج، د، ص»: «يذهبون». و في المطبوع: «تنتمون».
9) . في المطبوع: «فالحيوان» بدل «في الحيوان».
10) . في المطبوع: «عليها».
11) . في المطبوع: «فهي».
و اختَلَفوا إذا زادَ العَدَدُ في غيرِ الحَيَوانِ بَينَ الشُّرَكاءِ؛ فمِنهم مَن أثبَتَ حَقَّ الشُّفعةِ مع الزيادةِ في العَدَدِ، و مِنهم مَن أسقَطَها.
و إذا كانَت الحُجّةُ فيما(1)لا دليلَ عليه - مِن كتابٍ ناطقٍ، و سُنّةٍ معلومةٍ مقطوعٍ عليها - هي(2)إجماعَ هذه الفِرقةِ، وَجَبَ أن نُثبِتَ الشُّفعةَ في المَواضِعِ التي أجمَعوا علىٰ ثُبوتِها فيها، و نُسقِطَها فيما سِوىٰ ذلكَ؛ لأنّ الشُّفعةَ حُكمٌ شَرعيٌّ لا يَثبُتُ إلّا بدَليلٍ شَرعيٍّ، و يَجِبُ نَفيُه في الشريعةِ بنَفيِ(3)دليلِه.
فإن قيلَ: ألّا(4)استَدلَلتم بعُمومِ الأخبارِ التي ذَكرتموها، و بظاهرِ الخبرَينِ اللذَينِ نَبَّهتم علىٰ عُدولِ أبي جَعفَرٍ - رَحِمَه اللّٰهُ - عن الاحتجاجِ بِهِما؟
قُلنا: إنّما(5)نَحتَجُّ بالعمومِ إذا ثَبَتَ أنّه دليلٌ - في لُغةٍ أو شَرعٍ - في المَوضِعِ الذي يَكونُ اللفظُ فيه معلوماً مقطوعاً عليه؛ فأمّا أخبارُ الآحادِ التي هي مظنونةُ الصحّةِ لا معلومةٌ، فلا يَجوزُ الاحتجاجُ بعُمومِها علىٰ ما يُقطَعُ به مِن الأحكامِ.
فأمّا المسألةُ الثانيةُ مِن مَسائلِ الشُّفعةِ، و هي قولُه: «إذا تَحَيَّزَت(6)الأملاكُ فلا شُفعةَ»، فهو مَذهَبُنا الصحيحُ بِلا خِلافٍ، إلّاأنّه لا يَجوزُ أن تُذكَرَ(7)هذه المَسألةُ في جُملةِ ما تَفرَّدَ به الشيعةُ الإماميّةُ؛ لأنّ هذا المَذهبَ مَذهبُ الشافعيِّ(8)، و هي
1) . في المطبوع: «ممّا».
2) . في المطبوع: «و هي».
3) . في «ص»: «ينفي». و في المطبوع: «نفي» بدون الباء.
4) . في المطبوع: «لم لا» بدل «ألّا».
5) . في المطبوع: «إنّا». و في النسخ المعتمدة و المطبوع: + «لم». و الصوابُ حذفُه؛ طبقاً ل «ل».
6) . في «أ، ج، د، ش»: «تحيّرت». و في «ب، ص» و المطبوع: «تخيّرت».
7) . في «ص» و المطبوع: «أن نذكر».
8) . راجع: كتاب الأُمّ، ج 7، ص 116؛ المجموع للنووي، ج 14، ص 300.
مَسألةُ(1)الخِلافِ بَينَه و بَينَ أبي حَنيفةَ(2)فكَيفَ تُسطَرُ فيما تَفرَّدَ به الإماميّةُ؟!
و إليه(3)يَذهَبُ مالكٌ، و الأَوزاعيُّ،(4)و أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، و أكثَرُ الفقهاءِ المُتقدِّمينَ و المُتأخِّرينَ.(5)
و أمّا المسألةُ الثالثةُ، و هي قولُه: «إنّ الشُّفعةَ تَجِبُ بالسِّربِ و الطريقِ»، فهو أيضاً ممّا لَم تَنفَرِدْ به الإماميّةُ؛ لأنّ أبا حَنيفةَ و أصحابَه يوجِبونَ الشُّفعةَ بالشِّركةِ في الطريقِ الذي لَيسَ بنافذٍ، و يُسَمّونَ ذلكَ بأنّه مِن «حُقوقِ المَبيعِ».(6)
فذِكرُ هاتَينِ المسألتَينِ في جُملةِ ما تَفرَّدَ به الإماميّةُ ضَربٌ مِن السَّهوِ.
و الحُجّةُ لنا فيهما الإجماعُ(7)الذي أشَرنا إليه، و ظَواهِرُ أخبارٍ كَثيرةٍ؛ ممّا اختَصَّت بروايتِه(8)الشيعةُ، و ممّا رَوَته العامّةُ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فهو كَثيرٌ(9)فمَن أرادَه(10)فليأخُذْه مِن مَواضِعِه.
1) . في المطبوع: «المسألة».
2) . راجع: المغني لابن قُدامة، ج 5، ص 461.
3) . أي إلىٰ رأي الشافعي.
4) . أبو عمرو عبد الرحمٰن بن عمرو الشامي الأوزاعي، إمام أهل الشام، ولد في بعلبكّ سنة 88 ه، و نشأ بالبقاع، و نزل بيروت في أواخر عمره، فمات بها سنة 157 ه. روى عن الإمام الصادق عليه السلام، و إسحاق بن عبد اللّٰه بن أبي طلحة، و شدّاد بن عمّار، و قَتادة، و ربيعة و غيرهم. و روى عنه مالك، و الثوري، و شعبة و غيرهم. راجع: الفهرست لابن النديم، ص 284؛ وَفَيات الأعيان، ج 3، ص 127، الرقم 361؛ تاريخ الإسلام، ج 9 ص 483، الرقم 4.
5) . راجع: المغني لابن قُدامة، ج 5، ص 461.
6) . في المطبوع: - «المبيع». و راجع: المبسوط للسرخسي، ج 14، ص 93-94.
7) . في المطبوع: «إجماع».
8) . في «ش» و المطبوع: «برواية». و في هامش المطبوع نَقَلَ ما أثبتناه عن نسخةٍ أُخرىٰ.
9) . في المطبوع: «أكثر».
10) . في المطبوع: «أراد».
و ذَكَرَ: أن لا رِبا بَينَ الوالدِ و وَلَدِه، و لا بَينَ الزوجِ و زَوجتِه، و لا بَينَ المُسلِمِ و الذِّمّيِّ.(1)
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
أنّ كَثيراً مِن أصحابِنا قد ذَهَبوا إلىٰ نَفيِ الرِّبا بَينَ الوالدِ و وَلَدِه، و(2)الزوجِ و زوجتِه، و الذِّمّيِّ و المُسلِمِ. و شَرَطَ قومٌ مِن فقهاءِ أصحابِنا في هذا المَوضِعِ شرطاً؛ و هو أن يَكونَ الفَضلُ مع الوالدِ، إلّاأن يَكونَ له وارثٌ أو عَلَيه دَينٌ.
و كذلكَ قالوا: إنّه لا رِبا بَينَ العبدِ و سَيِّدِه إذا كانَ لا شَريكَ له فيه، و إن كانَ له فيه(3)شَريكٌ حَرُم الرِّبا بَينَهما. و كذلكَ العبدُ المأذونُ له في التجارةِ، حَرُمَ الرِّبا بَينَه و بَينَ سَيِّدِه إذا كانَ العبدُ قد استَدانَ مالاً عليه.(4)
و عَوَّلوا في ذلكَ علىٰ ما رُويَ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن قولِه: «لَيسَ
1) . لم نعثر علىٰ هذه المسألة في كتاب الإعلام للشيخ المفيد، و الظاهر أنّها سقطت ممّا بأيدينا من نسخ هذا الكتاب.
2) . هكذا في المطبوع و فيما استُظهر في حاشية مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشيّ المرقَّمة 1497. و في النسخ: - «الوالد و ولده، و». و في المطبوع: + «بين».
3) . في المطبوع: - «فيه».
4) . راجع: النهاية للطوسي، ص 376؛ الوسيلة، ص 254؛ السرائر، ج 2، ص 252.
بَينَ الرجُلِ و بَينَ وَلَدِه رِباً، و لَيسَ بَينَ السيِّدِ و بَينَ عَبدِه رِباً».(1)
و رَوَوا عن الصادقِ عليه السلامُ أنّه قالَ: «لَيسَ بَينَ المُسلِمِ و بَينَ الذِّمّيِّ رِباً، و لا بَينَ المَرأةِ و زَوجِها».(2)
فأمّا(3)العبدُ و سَيِّدُه فلا شُبهةَ في انتفاءِ الرِّبا بَينَهما.
و يُوافِقُنا علىٰ ذلكَ أبو حَنيفةَ و أصحابُه، و الثَّوريُّ،(4)و اللَّيثُ،(5)و الحَسَنُ بنُ صالحِ بنِ حَيٍّ،(6)و الشافعيُّ.
و إنّما(7)يُخالِفُ مالِكٌ الجَماعةَ في هذه المَسألةِ؛ لأنّ مالِكاً(8)يَذهبُ إلىٰ أنّ العبدَ يَملِكُ ما في يَدِه مع الرِّقِّ، و الجَماعةَ التي ذَكَرناها تَذهبُ إلىٰ أنّ الرِّقَّ يَمنَعُ مِن المِلكِ؛(9)و هو الصحيحُ.
1) . عوالي اللآلي، ج 1، ص 309، ح 19.
2) . المصدر نفسه، ج 1، ص 309، ح 20؛ وسائل الشيعة، ج 18، ص 136، ح 23323.
3) . في المطبوع: «و أمّا».
4) في المطبوع: «الثوريّ» بدون واو العطف.
5) . تقدّمت ترجمته في المسألة الثانية من هذه الرسالة.
6) . أبو عبد اللّٰه الحسن بن صالح بن حيّ الهمداني الثوري، من كبار علماء الزيديّة، ذكره الشيخ الطوسي رحمه اللّٰه فيمن روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه عليهما السلام قائلاً: «صاحب المقالة، زيديّ، إليه تنسب الصالحيّة منهم». و قال ابن شهر آشوب رحمه اللّٰه: «له أصل». روى عن أبيه، و عبد اللّٰه بن دينار، و سَلَمة بن كهيل، و سماك بن حرب و جماعة. و روى عنه وكيع بن الجرّاح، و أبو نُعيم، و عبيداللّٰه بن موسى و آخرون. مات سنة 167 ه. راجع: رجال الطوسي، ص 130، الرقم 1327؛ و ص 180، الرقم 2150؛ معالم العلماء، ص 70، الرقم 195؛ ميزان الاعتدال، ج 1، ص 496، الرقم 1869.
7) . في المطبوع: - «إنّما».
8) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «مالك». و الصواب ما أثبتناه؛ وفقاً لقواعد النحو و ل «ط».
9) . راجع في الأقوال المذكورة: البحر الرائق، ج 6، ص 225؛ الدرّ المختار، ج 5، ص 312؛ المغني لابن قدامة، ج 2، ص 603؛ و ج 12، ص 386.
و إذا كانَ ما في يَدِ العبدِ مِن المالِ(1)مِلكاً لِمَولاه لَم يَدخُلِ الرِّبا بَينَهما؛ لأنّ المالَينِ في الحُكمِ مالٌ واحدٌ، و المالِكَ واحدٌ؛ و لهذا يَتغيَّرُ(2)حُكمُ المأذونِ له في التجارةِ بتَعلُّقِ(3)حقِّ(4)الغُرَماءِ بما في يَدِه، و كذلكَ يَتغيَّرُ في هذا الحُكمِ حالُ العبدِ بَينَ شَريكَينِ. فالشُّبهةُ في انتفاءِ الرِّبا بَينَ العبدِ و سَيّدِه مُرتَفِعةٌ، و إنّما الكلامُ في باقي المَسائلِ التي ذَكَرناها؛ فالأمرُ فيها مُشكِلٌ.
و الذي يَقوىٰ في نَفسي: أنّ الرِّبا مُحرَّمٌ بَينَ الوالدِ و وَلَدِه، و الزوجِ و زَوجتِه، و الذِّميِّ و المُسلِمِ، كتحريمِه بَينَ غَريبَينِ.
فأمّا الأخبارُ التي وَرَدَت، و في ظاهرِها أنّه لا رِبا في هذه المَواضِعِ، فإذا(5)جازَ العملُ بها جازَ أن نَحمِلَها علىٰ تغليظِ تحريمِ الرِّبا في هذه المَواضِعِ، كما قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ «فَلاٰ رَفَثَ وَ لاٰ فُسُوقَ وَ لاٰ جِدٰالَ فِي اَلْحَجِّ» (6)، و لَم يُرِدْ أنّ الرَّفَثَ في حينِ(7)الحَجِّ لا يَكونُ رَفَثاً و لا مُحرَّماً، و كذلكَ الفُسوقُ؛ و إنّما أرادَ بذلكَ تغليظَ تحريمِه و النهيِ عنه.
و من شأنِ أهلِ اللغةِ إذا أكَّدوا التحريمَ(8)، أدخَلوا فيه لفظَ النفيِ، ليُنبئَ عن تحقيقِ التحريمِ و تأكيدِه و تغليظِه.
1) . في المطبوع: - «من المال».
2) . في المطبوع: «يتعب».
3) . في «ش، ص» و المطبوع: «يتعلّق».
4) . في المطبوع: «على».
5) . في النسخ المعتمدة: «و إذا». و في المطبوع: «إذا». و الصواب ما أثبتناه؛ وفقاً لنسخة «ل».
6) . البقرة (2):197.
7) . في جميع النسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «غير»؛ و هو سهو.
8) . في المطبوع: «تحريم شيء» بدل «التحريم».
كما أنّه(1)في مُقابَلةِ ذلكَ إذا أرادوا أن يؤكِّدوا و يغلِّظوا الإيجابَ، استَعمَلوا فيه لفظَ الخبرِ و الإثباتِ، كما قالَ اللَّهُ تَعالى: «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» (2). عوالي اللآلي، ج 1، ص 310، ح 21.(3)، و إنّما أكَّدَ بذلكَ وجوبَ أمانِه، و كانَ هذا القولُ آكَدَ مِن أن يَقولَ: «فآمِنوا مَن دَخَلَه و لا تُخيفوه».
و كذلكَ قولُه عليه السلامُ: «العاريةُ مردودةٌ، و الزعيمُ غارمٌ»(3)، و إنّما المُرادُ به أنّه يَجِبُ رَدُّ العاريةِ، و غَرامةُ الزعيمِ الذي هو الضامنُ؛ و إخراجُ(4)الكلامِ مَخرَجَ الخبرِ للتأكيدِ و التغليظِ.
فهذا في بابِ الإيجابِ نَظيرُ ما ذَكَرناه(5)في بابِ الحَظرِ و التحريمِ.
فإن قيلَ: فأيُّ فائدةٍ في تخصيصِ هذه المَواضِعِ بنَفيِ(6)الربا فيها مع إرادةِ التحريمِ و التغليظِ، و الربا مُحرَّمٌ مِن(7)كُلِّ واحدٍ(8)و في كُلِّ مَوضِعٍ؟
قُلنا: لَيسَ(9)في تخصيصِ بعضِ(10)المَواضعِ بالذِّكرِ ما(11)يَدُلُّ علىٰ أنّ غيرَها - ممّا لَم يُذكَرْ - بخِلافِها؛ و هذا مَذهبٌ قد اختَلَفَ فيه أصحابُ أُصولِ الفقهِ، و الصحيحُ ما ذَكَرناه.(12)
1) . في المطبوع: «أنّ»
2) آل عمران
3) :97.
4) في المطبوع: «و أخرج».
5) . في «أ، ب، د، ش» و المطبوع: «ذكرنا».
6) . في «ص»: «ينفي». و في المطبوع: «نفي» بدون الباء الجارّة.
7) . في جميع النسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «بين»؛ و هو سهو.
8) . في المطبوع: «أحد».
9) . في المطبوع: - «ليس».
10) . في المطبوع: + «هذه».
11) . في المطبوع: «ممّا».
12) . أشار هنا إلىٰ بحث المفاهيم في أُصول الفقه، و الذي كان يسمّىٰ في عصر المصنّف رحمه اللّٰه ب «دليل الخطاب». و قد كان المصنّف رحمه اللّٰه ينكر حجّيّة مطلق المفاهيم. راجع: الذريعة، ج 1، ص 392 و ما بعدها.
و مع هذا فغَيرُ مُمتَنِعٍ أن يَكونَ للتخصيصِ فائدةٌ؛
أمّا الوالدُ و وَلَدُه، فالحُرمةُ(1)بَينَهما عَظيمةٌ مُتأكِّدةٌ؛ فما حُظِرَ بَينَ غيرِهما و قَبُحَ في الشريعةِ، فهو للحُرمةِ(2)[التي] بَينَهما أقبَحُ و أشَدُّ حَظْراً. و كذلك الزوجُ و زَوجتُه. فيَكونُ لهذا المعنىٰ وَقَعَ التخصيصُ للذِّكرِ.
و أمّا الذِّمّيُّ و المُسلِمُ، فيُمكِنُ أن يَكونَ وجهُ تخصيصِهما(3)هو أنّ الشريعةَ قد أباحَت - لفَضلِ الإسلامِ و شَرَفِه علىٰ سائرِ المِلَلِ - أن يَرِثَ المُسلِمُ الذِّمّيَّ و الكافِرَ، و إن لَم يَرِثِ الذِّمّيُّ المُسلِمَ؛ و يَثبُتَ(4)حَقُّ الشُّفعةِ للمُسلِمِ علَى الذِّمّيِّ، و لا يَثبُتَ(5)للذِّمّيِّ علَى المُسلِمِ(6). فخُصَّ نَفيُ الربا بالذِّمّيِّ و المُسلِمِ علىٰ سَبيلِ الحَظْرِ؛ لئلّا يَظُنَّ ظانٌّ أنّه(7)يَجوزُ للمُسلِمِ أن يأخُذَ مِن الذِّمّيِّ الفَضلَ في المَواضِعِ(8)التي(9)يَكونُ فيها(10)رِباً - و إن لَم يَجُزْ ذلكَ للذِّمّيِّ - كما جازَ في الميراثِ و الشُّفعةِ.
فإن قيلَ: فما الذي يَدعو إلَى الانصرافِ عن ظواهرِ الأخبارِ المَرويّةِ في نَفيِ الربا بَينَ الجَماعةِ المذكورةِ إلىٰ هذا التعسُّفِ مِن التأويلِ؟
1) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «و الحرمة». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
2) . في المطبوع: «المحرّمة».
3) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «تخصيصها». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً ل «ط».
4) . في «أ، ب، ج، د، ش»: «و تثبت». و في المطبوع: «و ثبت».
5) . في «أ، ج، د، ش»: «و لا تثبت». و في «ب»: «و لا بثبت». و في المطبوع: + «حقّ الشفعة».
6) . في المطبوع: «للمسلم على الذمّيّ» بدل «للذمّيّ على المسلم».
7) . في المطبوع: «بظنّ ظاهر، فإنّه» بدل «لئلّا يظنّ ظانّ أنّه».
8) . في المطبوع: «مواضع» بدون الألف و اللام.
9) . في «أ، ب، ج، د، ش» و المطبوع: «الذي».
10) . في «أ، ب، ج، د، ش» و المطبوع: «فيه». و في «ص»: - «فيها». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
قلنا: ما عَدَلنا عن ظاهرٍ إلىٰ تأويلٍ مُتعسِّفٍ؛ لأنّ لفظةَ النفيِ في الشريعةِ إذا وَرَدَت في مِثلِ هذه المَواضعِ التي ذَكَرناها، لَم يَكُن ظاهرُها للإباحةِ دونَ التحريمِ و التغليظِ؛ بَل هي مُحتَمِلةٌ لكُلِّ واحدٍ مِن الأمرَينِ احتمالاً واحداً، و لا تَعسُّفَ في أحَدِهما.
و لَم يَبقَ إلّاأن يُقالَ: فإذا احتَمَلَت الأمرَينِ، فلِمَ حَمَلتموها علىٰ أحَدِهما بغَيرِ دليلٍ؟
و هاهُنا دليلٌ يَقتَضي ما فَعَلناه؛ و هو أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ حَرَّمَ الربا في آياتٍ مُحكَماتٍ مِن الكتابِ لا إشكالَ فيها، فقالَ تَعالىٰ: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (1). آل عمران (2):130.(3)، و قالَ: «لاٰ تَأْكُلُوا اَلرِّبَوا» (2)، و قالَ - جَلَّ اسمُه -: «اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبٰا لاٰ يَقُومُونَ إِلاّٰ كَمٰا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطٰانُ مِنَ اَلْمَسِّ» (3). و الأخبارُ الواردةُ عن رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و عن وُلدِه مِن الأئمّةِ عليهم السلامُ - في تحريمِ الربا و حَظْرِه، و النهيِ عن أكلِه، و الوعيدِ الشديدِ علىٰ مَن خالَفَ فيه - أكثَرُ مِن أن تُحصىٰ(4).
و قد عَلِمنا(5)أن لَفظةَ «الربا» إنّما معناها(6)الزيادةُ، و قَرَّرَت الشريعةُ في هذه اللفظةِ أنّها زيادةٌ في أجناسٍ و أعيانٍ مخصوصةٍ؛ و خِطابُ اللّٰهِ تَعالىٰ و خِطابُ
1) . البقرة
2) . البقرة (2):275.
3) :278.
4) . في النسخ المعتمدة: «أن يحصى». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط» و المطبوع.
5) . في «أ، ج، د، ش»: «علمناه». و قد شُطب على حرف الهاء في «ص».
6) . في «أ، ج، ش، ص» و المطبوع: «معناه». و في «ب»: «منعاه». و في «د»: «منعناه». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً ل «ط».
رَسولِه يَجِبُ حَملُهما علَى العُرفِ الشرعيِّ دونَ اللُّغويِّ، فيَجِبُ علىٰ هذا أن يُفهَمَ مِن ظواهرِ الآياتِ و الأخبارِ أنّ الربا - الذي هو التفاضُلُ في الأجناسِ المخصوصةِ - مُحَرَّمٌ علىٰ جميعِ المُخاطَبينَ بالكتابِ علَى العُمومِ؛ فيَدخُلُ في ذلكَ الوَلَدُ، و الزوجُ، و الذِّمّيُّ مع المُسلِمِ، و كُلُّ مَن أخَذَ و أعطىٰ فَضلاً.
فإذا وَرَدَت(1)أخبارٌ بنَفيِ الربا بَينَ بعضِ مَن تَناوَلَه ذلكَ العمومُ، حَمَلنا النفيَ فيها علىٰ ما ذَكَرناه ممّا(2)يُطابِقُ تلكَ الآياتِ و يوافِقُها، و لا يوجِبُ تخصيصَها و تَرْكَ ظواهرِها.(3)
1) . في المطبوع: «أوردت».
2) . في «ص» و المطبوع: «بما».
3) . هذا، ولكنّ المصنّف رجع في كتابه الانتصار، ص 213 عن ذلك القول قائلاً: «ثمّ لما تأمّلت ذلك رجعت عن هذا المذهب؛ لأنّي وجدت أصحابنا مجمعين على نفي الربا بين من ذكرناه، و غير مختلفين فيه في وقت من الأوقات، و إجماع هذه الطائفة قد ثبت أنّه حجّة، و يخصّ بمثله ظاهر القرآن. و الصحيح نفي الربا بين من ذكرناه».
و ذَكَرَ: أنّ عِدّةَ الحامِلِ المُطلَّقةِ أقرَبُ الأجَلَينِ.(1)و هو مُشكِلٌ؛ لأنّه قد يَصِحُّ أن تَبقىٰ حاملاً بَعدَ خُروجِها مِن عِدّةِ الطلاقِ شُهوراً، و قالَ تَعالىٰ: «وَ أُولاٰتُ اَلْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» .(2)
و [ذَكَرَ: أنّ] عِدّةَ الحامِلِ المُتَوفّىٰ عنها زَوجُها أبعَدُ الأجَلَينِ.(3)و هو في الإشكالِ مِثلُ صاحبِه؛ لِما بَيَّنَ اللّٰهُ تَعالىٰ مِن عِدّةِ(4)الحَملِ، و يَصِحُّ أن تَضَعَ بَعدَ وفاةِ زَوجِها بساعةٍ.
الجوابُ:
أنّ المَسألةَ الأُولىٰ - و هي القولُ بأنّ عِدّةَ(5)الحاملِ المُطلَّقةِ أقرَبُ الأجَلَينِ - لَيسَ ممّا يُفتي به أكثَرُ أصحابِنا، و كُتُبُهم تَنطِقُ(6)بخِلافِه.(7)
و مَن ذَهَبَ إليه عَوّلَ علىٰ خبرٍ رَواه زُرارةُ عن أبي جَعفَرٍ عليه السلامُ أنّه قالَ:
1) . لقد سقطت هذه المسألة ممّا بأيدينا من كتاب الإعلام. راجع: الإعلام، ص 40-41.
2) . الطلاق (65):4.
3) . الإعلام، ص 40. و قد جاء فيه: «جميع ما اتّفقت الإماميّة عليه... قولُهم في عدّة الحامل من الوفاة: أبعدُ الأجلين».
4) . في المطبوع: + «من».
5) . في المطبوع: «بعدّة» بدل «بأنّ عدّة».
6) . في «ص»: «ينطق». و في المطبوع: «نطق».
7) . راجع: المبسوط، ج 5، ص 240؛ الوسيلة، ص 325؛ تحرير الأحكام، ج 4، ص 158.
«طلاقُ الحاملِ واحدةٌ(1)، فإذا وَضَعَت ما في بَطنِها فقَد بانَت منه؛ و قالَ اللّٰهُ(2)تَعالىٰ:
«وَ أُولاٰتُ اَلْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» (3)، فإذا طَلَّقَها الرجُلُ و وَضَعَت مِن يَومِها أو مِن غَدٍ، فقَد انقَضىٰ أجَلُها، و جازَ(4)لها أن تَتزوَّجَ، و لكِنْ لا يَدخُلُ بها [زَوجُها](5)حَتّىٰ تَطهُرَ(6).
و الحُبلَى المُطلَّقةُ تَعتَدُّ بأقرَبِ الأجَلَينِ: إن مَضَت(7)لها(8)ثَلاثةُ أشهُرٍ قَبلَ أن تَضَعَ فقَد انقَضَت عِدّتُها منه، و لكِنَّها لا تَتزوَّجُ حتّىٰ تَضَعَ، فإن وَضَعَت ما في بَطنِها قَبلَ انقضاءِ ثَلاثةِ أشهُرٍ فقَد انقَضىٰ أجَلُها.
و الحُبلَى المُتَوفّىٰ عنها زَوجُها تَعتَدُّ بأبعَدِ الأجَلَينِ: إن وَضَعَت قَبلَ أن تَمضيَ أربعةُ أشهُرٍ و عَشرةُ أيّامٍ لَم تَنقَضِ عِدّتُها حتّىٰ تَمضيَ أربعةُ أشهُرٍ و عَشرةُ أيّامٍ، فإن(9)مَضَت لها أربعةُ أشهُرٍ و عَشرةُ أيّامٍ قَبلَ أن تَضَعَ لَم تَنقَضِ عِدّتُها(10)حتّىٰ تَضَعَ الحَملَ(11)»(12).
1) . أي إنّ الحامل إنّما تطلَّق مرّة واحدة، فإذا راجعها زوجها قبل وضع حملها لم يمكنه طلاقهامرّة ثانية، إلّاأن يواقعها قبله، فيكون طلاقها الثاني طلاقاً للعدّة لا للسنّة. هذا ما ذهب إليه الشيخ الطوسي رحمه اللّٰه في النهاية، ص 516-517، و في المسألة خلاف بين الإماميّة. راجع: مختلف الشيعة، ج 7، ص 361.
2) . في «أ، ب، ج، د، ص» و المطبوع: - «اللّٰه». و ما أثبتناه من «ش» و المصدر.
3) . الطلاق (65):4.
4) في المصدر: «و جائز».
5) . ما بين المعقوفين من المصدر
6) أي: من النفاس.
7) . في «أ، ب، ج، د، ش» و المطبوع: «تمضي». و ما أثبتناه من «ص» و المصدر.
8) . في المصدر: «بها».
9) . في المصدر: «و إن».
10) . في المطبوع: - عدّتها».
11) . في المصدر: - «الحمل».
12) . الفقيه، ج 3، ص 509، ح 4787. و عنه في: وسائل الشيعة، ج 22، ص 193، ح 28361.
فعلىٰ هذا الخبرِ عَوَّلَ مَن ذَهَبَ في المُطلَّقةِ الحاملِ إلىٰ أنّ عِدّتَها أقرَبُ الأجَلَينِ؛ و نحنُ نُبيِّنُ ما فيه:
أمّا صَدرُ الخبرِ، فصَريحٌ في أنّ الحامِلَ المُطلَّقةَ تَمضي عِدّتُها و يَنقَضي(1)أجَلُها بوَضعِ الحَملِ، حتَّى احتُجَّ لهذا الحُكمِ بالقُرآنِ، و لَيسَ يَجوزُ أن يَليَ هذا الحُكمَ ما يُضادُّه و يُناقِضُه.
و إنّما اشتَبَهَ علىٰ مَن ذَهَبَ إلىٰ هذا المَذهبِ مِن هذا الخبرِ قولُه: «و الحُبلَى المُطلَّقةُ تَعتَدُّ بأقرَبِ الأجَلَينِ - إلىٰ قَولِه: - فإن(2)وَضَعَت ما في بَطنِها قَبلَ انقضاءِ ثَلاثةِ أشهُرٍ فقَد انقَضىٰ أجَلُها».
و لا يَجِبُ أن يَشتَبِهَ هذا المَوضِعُ علىٰ مُتأمِّلٍ(3)لأنّه لَو كانَ بأقرَبِ الأجَلَينِ مُعتَبَرٌ، لَوَجَبَ في الحاملِ المُطلَّقةِ إذا مَضَت عليها ثَلاثةُ أشهُرٍ قَبلَ أن تَضَعَ حَملَها أن تَنقَضيَ عِدّتُها و تَحِلَّ للأزواجِ؛ و قد صُرِّحَ في هذا الخبرِ بأنّها لا تَتزوَّجَ حتّىٰ تَضَعَ؛ فلَو كانَت العِدّةُ قد انقَضَت لَما كانَ التزويجُ محظوراً، و لا انتظارُ الحَملِ(4)مُعتَبَراً؛ ألا تَرىٰ أنّها إذا وَضَعَت ما في بَطنِها قَبلَ انقضاءِ ثَلاثةِ أشهُرٍ، فقَد انقَضَت عِدّتُها و حَلَّت للأزواجِ(5)و هذا أيضاً في صَريحِ الخبرِ و لفظِه(6)فلَو لا أنّ المُعتَبَرَ بوَضعِ الحَملِ في الحاملِ المُطلَّقةِ دونَ مُضيِّ الأشهُرِ، لما كانَ لهذه التفرقةِ معنىً، و
لَما كانَت ممنوعةً مِن أن تَتزوَّجَ بَعدَ مُضيِّ الأشهُرِ الثلاثةِ و قَبلَ أن تَضَعَ، كما أنّها(1)لَيسَت بممنوعةٍ مِن التزويجِ بعد الوَضعِ و قَبلَ انقضاءِ الأشهُرِ.
فعُلِمَ بهذه الجُملةِ أنّ قولَه في الخبرِ: «و الحُبلَى المُطلَّقةُ تَعتَدُّ بأقرَبِ الأجَلَينِ» لَيسَ علىٰ ظاهرِه؛ لأنّه لَو كانَ علىٰ ظاهرِه لَكانَ قَبلَ كُلِّ(2)شَيءٍ ناقِضاً لِما تَقدَّمَه مِن قولِه: «إذا وَضَعَت مِن يَومِها فقَد انقَضىٰ(3)أجَلُها»، ثُمَّ كانَ لا معنىٰ لمَنعِها مِن التزويجِ بَعدَ انقضاءِ الأشهُرِ إن كانَ مُعتَبَراً بأقرَبِ الأجَلَينِ؛ علىٰ ما بيّنّاه.
و يَجِبُ أن يَكونَ الكلامُ المُتوَسِّطُ لذِكرِ حُكمِ عِدّةِ المُطلَّقةِ الحاملِ التي تَبينُ في صَدرِ الخبرِ، و لذِكرِ عِدّةِ الحُبلَى المُتوَفّىٰ عنها زَوجُها، علىٰ غيرِ ظاهرِه، حتّىٰ يَسلَمَ الخبرُ مِن التناقُضِ.
و يُمكِنُ أن يُريدَ بقَولِه: «و إذا مَضَت ثلاثةُ أشهُرٍ قَبلَ أن تَضَعَ فقَد انقَضَت عِدّتُها منه، و لكِنَّها لا تَتزوَّجُ حتّىٰ تَضَعَ» يُريدُ أنّ عِدّتَها تَنقَضي لَو كانَت مُطلَّقةً غيرَ حاملٍ، لأنّ المُعتَبَرَ في طلاقِ(4)[غيرِ](5)الحاملِ الأقراءُ دونَ غيرِها.
فإن قيلَ: فأيُّ معنىً لقَولِه: «تَعتَدُّ بأقرَبِ الأجَلَينِ» و أنتم تَقولونَ: «تَعتَدُّ بوَضعِ الحَملِ؛ فلا اعتبارَ بسِواه»؟
قُلنا: يُمكِنُ أن يُريدَ بأقرَبِ الأجَلَينِ وَضْعَ الحَملِ، و إنّما(6)سَمّاه أقرَبَ مِن غيرِه؛ لأنّ المُعتَدّةَ بالأقراءِ لا يُمكِنُ علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ أن تَخرُجَ مِن عِدّتِها
1) . في المطبوع: - «أنّها»
2) في المطبوع: - «كلّ».
3) . في «أ، ب، ج، ش»: «هذا تقضي» بدل «فقد انقضى». و في «د، ص»: «هذا يقضي» بدلها. و في المطبوع: «هذا فقد انقضىٰ» بدلها.
4) في «ب، ج، د، ص»: + «الواحد».
5) . ما بين المعقوفين ورد في المطبوع في النصّ نفسه من دون معقوفين. أمّا نحن فحددناه بمعقوفين؛ لعدم اشتمال أيّ نسخةٍ عليه
6) في المطبوع: «و أنّه».
في يَومِها و غَدِها، و لا بُدَّ مِن صَبرِها إلَى المُدّةِ المُنتَظَرةِ؛(1)و المُعتَدّةُ بوَضعِ الحَملِ يُمكِنُ أن تَخرُجَ مِن العِدّةِ في(2)يَومِها أو غَدِها، فصارَ هذا الأجَلُ أقرَبَ لا مَحالةَ مِن غيرِه؛ للوجهِ الذي ذَكَرناه.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَنسِبَ هذا التأويلَ إلَى التعسُّفِ؛ لأنّه عندَ التأمُّلِ لا تَعسُّفَ فيه، فلَنا(3)أن نَتعسَّفَ التأوُّلَ عندَ الضرورةِ؛ لتَسلَمَ الظواهرُ الصحيحةُ و الخِطابُ الواضحُ، كما نَفعَلُ ذلك في مُتَشابِهِ القُرآنِ الواردِ بما في ظاهرِه جَبرٌ و تشبيهٌ.
و وَجَدتُ أبا عليٍّ ابنَ الجُنَيدِ - رَحِمَه اللّٰهُ - يَذكُرُ في كتابِه المعروفِ ب «الأحمَديِّ»(4)شَيئاً ما وَجَدتُه(5)لغَيرِه؛ قالَ:
و المُطلَّقةُ إذا ماتَ زَوجُها قَبلَ خروجِها مِن عِدّتِها اعتَدَّت بأبعَدِ(6)الأجَلَينِ مِن يَومِ ماتَ:(7)بَقيّةَ عِدّتِها، أو أربعةَ أشهُرٍ و عَشراً، أو وَضْعَها حَمْلَها(8)إنَ
1) . في المطبوع: «المستقرّة».
2) . في المطبوع: «من».
3) . في «ب، ج، د، ش، ص» و المطبوع: «قلنا».
4) . في «أ، ج، د، ش، ص»: «بالأحمريّ». و في المطبوع: «بالفقه الأحمديّ». و عرّفه المحقّق الطهراني رحمه اللّٰه في الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج 20، ص 176، الرقم 2471 قائلاً: «مختصر الأحمديّ في الفقه المحمّديّ، كما عبَّر به الشيخ في الفهرست [ص 209، الرقم 601] و ابن شهر آشوب [لم نعثر عليه]. و مرّ مختصراً بعنوان الأحمديّ في حرف الألف؛ لما عبّر به النجاشي [في فهرسته، ص 388، الرقم 1047]. و هو للشيخ الأفقه الأقدم أبي عليّ محمّد بن أحمد بن الجنيد الإسكافيّ المتوفّى سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة...».
5) . في المطبوع: «ما وجدت».
6) . في «أ، ب، ج، د، ش» و المطبوع: «أبعد» بدون الباء الجارّة.
7) . في المطبوع: - «حملها».
8) . في المطبوع: - «حملها».
كانَ بها حَملٌ.(1)
و أوّلُ ما في كلامِه هذا أنّه قالَ: «تَعتَدُّ بأبعَدِ الأجَلَينِ»، و ذَكَرَ آجالاً(2)ثَلاثةً!! و كانَ يَنبَغي أن يَقولَ: «بأبعَدِ الآجالِ» التي بَيَّنَها و رَتَّبَها.
ثُمَّ إن كانَ قالَ هذا عن أثَرٍ و روايةٍ، جازَ العملُ به إذا لَم يُمكِنْ تأويلُه؛ و إن كانَ قالَه مِن تِلقاءِ نفسِه و علىٰ سَبيلِ الِاستدلالِ و الِاستحسانِ، فلا مُعوَّلَ علىٰ ذلكَ.
و أمّا المَسألةُ الثانيةُ - و هي أنّ عِدّةَ الحاملِ المُتَوفّىٰ عنها زَوجُها أبعَدُ الأجَلَينِ - و صورةُ هذه المَسألةِ: أنّ هذه المَرأةَ إن وَضَعَت حَمْلَها قَبلَ أن تَنقَضيَ(3)أربعةُ أشهُرٍ و عَشرةُ أيّامٍ، لَم يُحكَمْ بانقضاءِ عِدّتِها حتّىٰ تَمضيَ أربعةُ أشهُرٍ و عَشرةُ أيّامٍ؛ و إنِ انقَضَت عنها أربعةُ أشهُرٍ و عَشرةُ أيّامٍ(4)و لَم تَضَعْ حَمْلَها، لَم يُحكَمْ بانقضاءِ عِدّتِها حتّىٰ تَضَعَ الحَملَ.
و هذه المَسألةُ بها يُفتي(5)جميعُ الشُّيوخِ - رَحِمَهم اللّٰهُ -، و هي مسطورةٌ في كُتُبِهم، و موجودةٌ في رواياتِهم و أحاديثِهم؛ و حَديثُ زُرارةَ عن أبي جَعفَرٍ عليه السلامُ يَنطِقُ بهذا الحُكمِ الذي ذَكَرناه و يَشهَدُ له؛ و لَو لَم يَكُن في هذا المَذهبِ إلّا الِاستظهارُ لِانقضاءِ أيّامِ العِدّةِ، لَكَفىٰ.
و لَيسَ هذا المَذهبُ ممّا تَفرَّدَت به الإماميّةُ، و خالَفَت جميعَ الفقهاءِ المتقدِّمينَ
و المتأخِّرينَ؛ لأنّ مُخالِفيها مِن الفقهاءِ قد ذَكَروا في كُتُبِهم و مَسائلِ(1)خِلافِهم أنّ هذا المَذهبَ كانَ يَذهبُ إليه أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ، و ابنُ عبّاسٍ رَضيَ اللّٰهُ عنه.(2)
فأمّا الاحتجاجُ لضَعفِه(3)بظاهرِ قولِه: «وَ أُولاٰتُ اَلْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» (4)فلَيسَ بشَيءٍ؛ لأنّ العمومَ قد يُختَصُّ بدَليلٍ، و يُترَكُ ظاهرُه بما يَقتَضي تَرْكَ(5)الظاهرِ. و إذا كُنّا قد بيّنّا إجماعَ الطائفةِ علىٰ هذا(6)المَذهبِ، و وَرَدَت الآثارُ القَويّةُ(7)المعمولُ(8)بها فيه؛ فيَقضي(9)ذلكَ بتَركِ الظاهرِ.
1) . هكذا في المطبوع. و في النسخ: «و مسائلهم».
2) . راجع: مختلف الشيعة، ج 7، ص 523 و ما بعدها.
3) . في المطبوع: «بضعفه».
4) . الطلاق (65):4.
5) . في المطبوع: «بتركه».
6) . في المطبوع: - «هذا».
7) . في المطبوع: «الحقّة».
8) . في المطبوع: «المعمولة».
9) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «فينقض». و الصواب ما أثبتناه؛ وفقاً للنُّسخة «ل».
ذَكَرَ: أنّ أقَلَّ ما يَخرُجُ(1)الحَملُ حَيّاً مُستَهِلاًّ لسِتّةِ أشهُرٍ.(2)ثُمَّ قالَ: و مَن وُلِدَ له وَلَدٌ لأِقَلَّ مِن سِتّةِ أشهُرٍ، فلَيسَ بوَلَدٍ له. قالَ: و هو بالخِيارِ في الإقرارِ به(3)أو نَفيِه.(4)
و كَيفَ(5)يَكونُ بالخِيارِ فيما لَيسَ له؟ و كَيفَ إذا اختارَ يَجِبُ، فيَكونُ اختيارُه سبباً للواجبِ(6)؟ لأنّ الواجِبَ واجِبٌ(7)[لاخِيارَ و لا اختيارَ فيه].
و ذَكَرَ: أنّ أكثَرَ الحَملِ سَنةٌ. و ذَكَرَ: أنّ مِن الشيعةِ مَن يَقولُ: سَنَتانِ.
و منهم مَن يَقولُ: ثَلاثٌ. و منهم مَن يَقولُ: أربَعٌ. و منهم مَن يَقولُ: سَبعٌ. قالَ:
و رَوىٰ أصحابُ الحَديثِ منهم: أنّ هَرِمَ(8)بنَ حَيّانَ(9)وَلَدَته أُمُّه لثَمانِ سِنينَ،
1) . في المطبوع: + «به».
2) . الإعلام، ص 41. و قد جاء فيه: «أقلّ الحمل لما يخرج حيّاً مستهلاًّ، فهو عند الإماميّة و جمهور العامّة واحد، و هو ستّة أشهر».
3) في المطبوع: «له».
4) . لم يرد هذا الكلام فيما بأيدينا من كتاب الإعلام، و لعلّه نقله من شرح كتاب الإعلام المفقود.
5) . في المطبوع: «فكيف».
6) . في «أ، ب، ج، د، ش»: «بسبب الواجب» بدل «سبباً للواجب». و في المطبوع: «سبب الواجب» بدلها.
7) في المطبوع: - «لأنّ الواجب واجب».
8) . في «أ، ج: ص»: «أزهم». و في «ش» و المطبوع: «أدهم»، كلاهما بدل «أنّ هَرِم».
9) . في «أ، ج، ش، ص»: «حنّان». و الرجل هو هرم بن حيّان العبديّ الأزديّ، من بني عبد القيس،
و قد ثُغِرَ(1). ثُمَّ قالَ: و لا يَكونُ أكثَرَ مِن تِسعةِ أشهُرٍ.(2)
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
أنّ فائدةَ قولِنا: «أقَلُّ الحَملِ كَذا و كَذا شَهراً» أنّ المَرأةَ متىٰ أتَت بوَلَدٍ علىٰ فِراشِ بَعلٍ في أقَلَّ مِن(3)هذه المُدّةِ المحدودةِ لأقَلِّ الحَملِ، فلَيسَ بوَلَدٍ لهذا البَعلِ في حُكمِ الشريعةِ؛ لأنّ المُدّةَ التي أتَت(4)به(5)فيها ناقِصةٌ عن الحَدِّ المضروبِ لأقَلِّ الحَملِ.
و مِثلُ هذه الفائدةِ هي لقَولِنا(6): «أكثَرُ الحَملِ كَذا و كَذا»؛ فإنّ الرجُلَ إذا طَلَّقَ زَوجتَه، ثُمَّ أتَت بوَلَدٍ بَعدَ الطلاقِ لأكثَرَ مِن ذلكَ الحَدِّ المضروبِ، لَم يَلحَقْه.
و أقَلُّ الحَملِ عندَنا - علىٰ ما أطبَقَت عليه طائفتُنا - هو ستّةُ أشهُرٍ؛ و ما نَعرِفُ أيضاً مُخالِفاً مِن فقهاءِ العامّةِ علىٰ ذلكَ.
1) . في «ص»: «نفر». و في المطبوع، «تقر». و «ثُغِرَ الصبيُّ ثُغوراً» أي: نَبتَت أسنانُه. راجع: تاج العروس، ج 6، ص 147 (ثغر).
2) . الإعلام، ص 41. ولكن قد نسبت هذه الأقوال فيه إلى العامّة، فقد جاء فيه: «و أمّا أكثره فهو عندهم سنة واحدة. و العامّة بأجمعهم علىٰ خلاف في حدّ الأكثر: فمنهم من يقول: أكثره سنتان. و منهم من يقول: ثلاث. و منهم من يقول: أربع. و منهم من يقول: سبع سنين. و روىٰ أصحاب الحديث منهم: أنّ هرم بن حيّان ولدته أُمّه لثمان سنين، و قد ثغر». فيظهر أنّ السائلين المَوصليّين قد اشتبه عليهم الأمر و نسبوا هذه الأقوال إلى الشيعة. و سوف ينبّه المصنّف رحمه اللّٰه في الجواب علىٰ أنّها ليست أقوال الشيعة.
3) . في «ب، ج، د، ص»: - «من».
4) في المطبوع: «أتى».
5) . في «ب» و المطبوع: «بها».
6) . في «أ، ج، د، ش، ص» و المطبوع: «كقولنا».
فأمّا الحكايةُ عن الذي قالَ: «هو بالخِيارِ في الإقرارِ به أو نَفيِه» مع الاعترافِ بأنّ أقَلَّ الحَملِ ستّةُ أشهُرٍ، فمُناقَضةٌ ظاهرةٌ؛ لأنّه إذا كانَ الحَدُّ المضروبُ في الشريعةِ ستّةَ أشهُرٍ، فما نَقَصَ عن هذا الحَدِّ لا يُلحَقُ معه الوَلَدُ، و لا يَجوزُ إضافتُه إلىٰ مَن وُلِدَ علىٰ فِراشِه؛ فأيُّ خِيارٍ له في الإقرارِ بمَن(1)توجِبُ الشريعةُ نَفيَه عنه، و أن لا يَكونَ لاحِقاً به؟
و أمّا أكثَرُ الحَملِ فالمشهورُ عندَ أصحابِنا أنّه تسعةُ أشهُرٍ.(2)و قد ذَهَبَ قومٌ إلىٰ سَنةٍ(3)مِن(4)غيرِ أصلٍ مُعتَمَدٍ، و المشهورُ ما ذَكَرناه.
فأمّا(5)ما حَكىٰ عن الشيعةِ خِلافاً - و زَعَمَ أنّ بعضَهم يَقولُ:(6)سَنَتان، و بعضَهم يَقولُ: ثَلاثٌ(7)، و آخَرونَ: أربَعٌ - فهو وَهمٌ و غَلَطٌ علَى الشيعةِ؛ لأنّ الشيعةَ لا تَقولُ هذا(8)، و إنّما يَختلِفُ فيه مُخالِفوهم مِن الفقهاءِ:
فذَهَبَ(9)الشافعيُّ و أصحابُه إلىٰ(10)أنّ أكثَرَ الحَملِ أربعُ سِنينَ.(11)
1) . في المطبوع، «عمّا» بدل «بمن».
2) . راجع: المقنعة، ص 539؛ الكافي في الفقه، ص 314؛ النهاية و نكتها، ج 2، ص 412؛ المهذّب، ج 2، ص 341؛ المراسم العلويّة، ص 155.
3) . راجع: الكافي في الفقه، ص 314؛ المبسوط، ج 5، ص 290.
4) . في «ب» الكلمة غير واضحة. و في «أ، د، ش»: «عن».
5) . في المطبوع: «و أمّا»
6) في المطبوع: «أنّ بعضها يقولون».
7) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «ثلاثاً». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
8) . في المطبوع: «ذلك». و قد تقدّم في بعض الهوامش السابقة أنّ الشيخ المفيد نسب هذه الأقوال إلى العامّة.
9) . في المطبوع: «فمذهب».
10) . في المطبوع: - «إلىٰ».
11) . مختصر المزني، ص 224.
و زَعَمَ الزُّهريُّ و اللَّيثُ(1)و رَبيعةُ(2)أنّ أكثَرَه سَبعُ سِنينَ.(3)
و قال أبو حَنيفةَ و الثَّوريُّ: إنّ أكثَرَه سَنَتانِ.(4)
و عن مالكٍ ثَلاثُ رواياتٍ: إحداهُنَّ مِثلُ قولِ الشافعيِّ، و الثانيةُ خَمسُ سِنينَ، و الثالثةُ سَبعُ سِنينَ.(5)
فهذا الخِلافُ علىٰ ما تَرىٰ هو بَينَ مُخالِفينا.
و الحُجّةُ المُعتَمَدةُ في هذا(6)كُلِّه هو إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ. و لا شُبهةَ في أنّ المُعتادَ في أكثَرِ الحَملِ هو تسعةُ أشهُرٍ، و ما يُدَّعىٰ مِن زيادةٍ علىٰ ذلكَ هو - إذا كانَ صِدقاً - شاذٌّ نادرٌ غيرُ مُستَمِرٍّ و لا مُستَدامٍ؛ و أحكامُ الشريعةِ تَتبَعُ المُعتادَ مِن الأمورِ، لا الخارقَ للعادةِ و الخارجَ عنها.
و أيضاً: فلا خِلافَ أنّ الأشهُرَ التسعةَ مُدّةُ الحَملِ، و إنّما الخِلافُ فيما زادَ عليها؛ فصارَ ما ذَهَبنا إليه في مُدّتِه مُجمَعاً عليه، و ما زادَ علىٰ ذلكَ لا إجماعَ فيه(7)و لا دليلَ، فوَجَبَ(8)اطِّراحُه.
1) . تقدّمت ترجمته في المسألة الثانية من هذه المسائل.
2) . ربيعة بن أبي عبد الرحمٰن فرّوخ، أبو عثمان التيميّ المدنيّ، المعروف بربيعة الرأي، مولى آل المُنكَدِر. روى عن أنس، و سعيد بن المسيّب، و القاسم بن محمّد و غيرهم، و روى عنه مالك، و الثوريّ، و الأوزاعيّ و غيرهم. مات سنة 136 ه. راجع: ميزان الاعتدال، ج 2، ص 44، الرقم 2753؛ تذكرة الحفّاظ، ج 1، ص 127، الرقم 153؛ تقريب التهذيب، ج 1، ص 297، الرقم 1916.
3) . راجع: المغني لابن قدامة، ج 9، ص 117؛ الشرح الكبير، ج 9، ص 88.
4) . راجع: المغني لابن قدامة، ج 9، ص 117؛ الخلاف، ج 5، ص 88.
5) . راجع: أحكام القرآن لابن العربي، ج 3، ص 1097؛ البحر الزخّار، ج 4، ص 144.
6) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «هذه». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً لنسختَي «ط، ل».
7) . في «ب» و المطبوع: - «فيه».
8) . في المطبوع: «توجب».
ذَكَرَ: أنّ المُطلَّقةَ في المرضِ تَرِثُ زَوجَها المُطلِّقَ لها - ما لَم تَتزوَّجْ، أو يَبرأْ هو مِن مرضِه - ما بَينَه(1)و بَينَ سَنةٍ.(2)
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
أنّ هذا المَذهبَ أيضاً عليه اتّفاقُ أصحابِنا، و قد وَرَدَت في الأُصولِ رواياتٌ كثيرةٌ به:
رَوىٰ عبدُ اللّٰهِ بنُ مُسكانَ، عن الفَضلِ بنِ عَبدِ المَلِكِ البَقباقِ، قالَ: سَألتُ أبا عبدِ اللّٰهِ عليه السلامُ عن رَجُلٍ طَلَّقَ امرأتَه و هو مَريضٌ؛ قالَ: «تَرِثُه [في مرضِه](3)ما [بَينَه و] بَينَ سَنةٍ إن ماتَ في(4)مرضِه ذلكَ، و تَعتَدُّ مِن يَومِ طَلَّقَها عِدّةَ المُطلَّقةِ، ثُمَّ تَتزوَّجُ إذا انقَضَت [عِدّتُها](5). و تَرِثُه ما بَينَها و بَينَ سَنةٍ إن ماتَ في
1) . في «أ، د، ش»: «بينها». و في «ب، ج، ص»: «بينهما». و الصواب ما أثبتناه؛ وفاقاً ل «ط، ل».
2) . الإعلام، ص 60. و قد جاء فيه: «و اتّفقت الإماميّة علىٰ أنّ المطلَّقة في المرض ترث المطلِّق لها إذا مات في مرضه ذلك، ما بين طلاقها و بين سنة واحدة، ما لم تتزوَّج».
3) . ما بين المعقوفين من المصدر، و هكذا ما بعده.
4) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «من». و ما أثبتناه موافقٌ للمصدر و للنُّسختين «ط، ل».
5) . ما بين المعقوفين من المصدر و المطبوع، و لم يرد في أيّ نسخةٍ.
مرضِه ذلكَ، فإن ماتَ بَعدَ ما تَمضي سَنةٌ لَم يَكُن لها ميراثٌ».(1)
و رَوَى(2)الحَسَنُ بنُ محبوبٍ، عن رَبيعٍ الأصَمِّ، عن أبي عُبَيدةَ(3)الحَذّاءِ؛ و مالكِ بن عَطيّةَ(4)، [عن أبي الوَردِ](5)كِلاهُما عن مُحمّدِ بنِ عليٍّ عليهما السلامُ قالَ: «إذا طَلَّقَ(6)الرجُلُ امرأتَه تطليقةً في مرضِه، [ثُمَّ مَكَثَ في مرضِه](7)حَتَّى انقَضَت عِدّتُها، ثُمَّ ماتَ في ذلكَ المرضِ بَعدَ انقضاءِ العِدّةِ(8)، فإنّها تَرِثُه [ما لم تَتزوَّجْ؛ فإذا كانَت تَزوَّجَت بَعدَ انقضاءِ العِدّةِ، فإِنّها لا تَرِثُه]».(9)
و رَوَى(10)ابنُ أَبي عُمَيرٍ عن أبانٍ، أنّ أبا عبدِ اللّٰهِ عليه السلامُ قالَ في رَجُلٍ طَلَّقَ تطليقتَينِ في صِحّةٍ، ثُمَّ طَلَّقَ التطليقةَ الثالثةَ و هو مَريضٌ: «إنّها تَرِثُه ما دامَ في مرضِه، و إن كانَ إلىٰ سَنةٍ».(11)
1) . الفقيه، ج 3، ص 544، ح 4875؛ التهذيب، ج 8، ص 79، ح 271؛ الاستبصار، ج 3، ص 306، ح 1089؛ وسائل الشيعة، ج 22، ص 154، ح 28259.
2) . في المطبوع: «و عن» بدل «و روى».
3) . في المطبوع: «أبي عبيد».
4) . في المطبوع: «عطيّته».
5) . ما بين المعقوفين من كتاب الكافي للكلينيّ، و قد سقط من الفقيه.
6) . في «ص»: «أطلق». و في المطبوع: «طلّقت».
7) . ما بين المعقوفين من المصدر، و هكذا ما بعده.
8) . قوله: «ثمّ مات في ذلك المرض بعد انقضاء العدّة» قد سقط من الكافي.
9) . الكافي، ج 6، ص 121، ح 2؛ الفقيه، ج 3، ص 545، ح 4877؛ التهذيب، ج 8، ص 77. ح 262؛ الاستبصار، ج 3، ص 305، ح 1082 (و في الأخيرين مع اختلاف في اللفظ)؛ وسائل الشيعة، ج 22، ص 152، ح 28253؛ و ج 26، ص 228، ح 32888.
10) . في المطبوع: «و عن» بدل «و روى».
11) . الكافي، ج 6، ص 123، ح 10؛ و ج 7، ص 134، ح 4؛ الفقيه، ج 3، ص 546، ح 4879؛ وسائل الشيعة، ج 22، ص 152، ح 28251؛ و ج 26، ص 227، ح 32884.
و يُشبِهُ أن يَكونَ الوجهُ في توريثِها له ما لَم تَتزَوَّجْ أو تَنقَضيَ السَّنةُ: أنّ المُطلِّقَ(1)في المرضِ في الأكثَرِ و الأغلَبِ(2)يُريدُ الإضرارَ بزَوجتِه و حِرمانَها ميراثَه. و لهذا كُرِّهَ(3)في رواياتٍ كثيرةٍ التطليقُ(4)في المرضِ؛ بأنّه يوهِمُ الإضرارَ. فأُلزِمَ الميراثَ إلىٰ(5)سَنةٍ؛ تغليظاً و زَجراً عن قَصدِ الإضرارِ و الحِرمانِ للميراثِ.
و قد جاءَت روايةٌ تَشهَدُ بذلكَ:
رَوىٰ زُرعةُ عن سَماعةَ، قالَ: سألتُه عن رَجُلٍ طَلَّقَ امرأتَه و هو مريضٌ، فقالَ:
«تَرِثُه ما دامَت في عِدّتِها، فإن طَلَّقَها في حالِ الإضرارِ فهي تَرِثُه إلىٰ سَنةٍ، فإن زادَ علَى السَّنةِ يَوماً واحداً لَم تَرِثْه».(6)
و هذا يُشعِرُ بما أشَرنا إليه.
1) . في «أ، ج، د، ش، ص» و المطبوع: «المطلّقة».
2) . في المطبوع: «في الأغلب و الأكثر» بدل «في الأكثر و الأغلب».
3) . في «أ، ب، د»: «أُكره». و في «ص»: «أُكِّد». و في ظاهر «ج» و المطبوع: «أُكثر».
4) . في المطبوع: «التطبيق».
5) . في المطبوع: - «إلىٰ».
6) . الكافي، ج 6، ص 122، ح 9؛ الفقيه، ج 3، ص 546، ح 4881؛ التهذيب، ج 8، ص 78، ح 267؛ الاستبصار، ج 3، ص 307، ح 1090؛ وسائل الشيعة، ج 22، ص 152، ح 28252؛ و ج 26، ص 228، ح 32889.
و ذَكَرَ: أنّ المُكاتَبَ يَموتُ نَسيبُه و له مالٌ، يَرِثُ منه بحِسابِ ما عُتِقَ منه مِن أدائه مُكاتَبتَه.(1)و الخُصومُ يَروونَ عن النبيِّ عليه السلامُ: «المُكاتَبُ رِقٌّ ما بَقيَ عليه دِرهَمٌ»(2).
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
أمّا هذه المسألةُ فجميعُ الفقهاءِ المُخالِفينَ لنا يَقولونَ فيها: إنّ المُكاتَبَ إذا أدّىٰ بعضَ المالِ لَم يُعتَقْ شَيءٌ منه البَتّةَ.(3)
و حُكيَ عن ابنِ مسعودٍ أنّه قال: إذا أدّىٰ قَدرَ قيمتِه عُتِقَ، و كانَ ما بَقيَ مِن مالِ الكتابةِ دَيناً في ذِمّتِه.(4)
و يَروي مُخالِفونا مِن الفقهاءِ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ روايتَينِ:
1) . الإعلام، ص 64. و قد جاء فيه: «و اتّفقت الإماميّة في المكاتَب يموت ذو رحم له من الأحرارو يترك مالاً، أنّه يَرث منه بحساب ما عُتق منه».
2) . عوالي اللآلي، ج 1، ص 311، ح 26؛ و ج 3، ص 437، ح 18.
3) . راجع: مختصر المزني، ص 324؛ المجموع للنووي، ج 16، ص 29؛ المغني لابن قدامة، ج 12، ص 350.
4) . راجع: المغني لابن قدامة، ج 12، ص 350.
إحداهُما(1): أنّه إذا أدّىٰ نِصفَ مالِ الكتابةِ عُتِقَ، و كانَ الباقي دَيناً.(2)
و الروايةُ الثانيةُ: أنّه كُلَّما أدّىٰ جُزءاً عُتِقَ بقَدرِ ذلكَ الجُزءِ منه.(3)
و حُكيَ عن شُرَيحٍ أنّه قالَ: إذا أدّىٰ ثُلُثَ مالِ الكتابةِ عُتِقَ، و إن نَقَصَ لَم يُعتَقْ.(4)
و الذي يُطبِقُ عليه أصحابُنا: أنّه يُعتَقُ(5)منه بقَدرِ ما أدّىٰ مِن مالِ الكتابةِ. و إن شُرِطَ في أصلِ الكتابةِ أنّه إن عَجَزَ عن شَيءٍ مِن مالِ الكتابةِ عادَت رَقَبتُه إلَى الرِّقِّ، فإنّه متىٰ شُرِطَ هذا الشرطُ كانَ العملُ عليه و لَم يُعتَقْ منه شَيءٌ.(6)
فيَقولُ أصحابُنا أنّه: إن ماتَ لهذا(7)المؤَدّي بعضَ مالِ الكتابةِ نَسيبٌ(8)، وَرِثَ منه بحِسابِ الحُرّيّةِ فيه(9). و كذلكَ لَو زَنَى المُكاتَبُ يُجلَدُ بحِسابِ الحُرّيّةِ مِن رَقَبتِه. و لَو قَتَلَ لَأُخِذَ منه بحِسابِ الحُرّيّةِ الديةُ، و لَزِمَ مَولاه الباقي.(10)
و الحُجّةُ في الحَقيقةِ علىٰ ذلكَ: مَن في(11)إجماعِها الحُجّةُ مِن طائفتِنا، و الرواياتُ التي تَشهَدُ بهذا المَذهبِ في أُصولِنا كَثيرةٌ.
و قد رَوىٰ مُخالِفونا في كُتُبِهم عن شُيوخِهم عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلهِ أنّه قالَ:
«المُكاتَبُ يؤَدّي ما فيه مِن الحُرّيّةِ بحِسابِ الحُرِّ، و ما فيه مِن الرِّقِّ بحِسابِ العَبدِ»(12).
1) . في النسخ المعتمدة: «أحدهما». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و ل: «ط، ل».
2) . البحر الزخّار، ج 5، ص 220؛ الحاوي الكبير، ج 18، ص 180.
3) . عمدة القاري، ج 13، ص 123؛ المغني لابن قدامة، ج 12، ص 350.
4) . راجع: الحاوي الكبير، ج 18، ص 180.
5) في المطبوع: «تُعتق».
6) . راجع: المقنعة، ص 551؛ الخلاف، ج 6، ص 393.
7) في المطبوع: «هذا».
8) . في «أ، ب، ج، د، ش» و المطبوع: «بسبب».
9) . في «أ» الكلمة غير واضحة. و في «ش» و المطبوع: «به».
10) . راجع: المقنعة، ص 551.
11) . في المطبوع: «في من» بدل «مَن في».
12) . مسند أحمد، ج 1، ص 292؛ المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 218 (مع اختلاف).
و المرادُ بذلكَ أنّه إذا قَتَلَ يَجِبُ عليه مِن الديَةِ بقِسطِ ما فيه مِن الحُرّيّةِ، و مِن القيمةِ بقِسطِ ما فيه مِن الرِّقِّ. و هذا يَقتَضي أنّ بعضَه يُعتَقُ، و يَكونُ الباقي رَقيقاً.
و أمّا روايتُهم عن النبيِّ عليه السلامُ أنّ: «المُكاتَبَ رِقٌّ ما بَقيَ عليه دِرهَمٌ»(1)، فالمُرادُ به أنّه مع هذه البَقيّةِ في أَسرِ الرِّقِّ، و لَم يَزُلْ جميعُ الرِّقِّ عنه؛ فقَد ذَهَبَ قومٌ إلىٰ أنّه إذا أدّىٰ مِن مالِ كتابتِه بقَدرِ قيمتِه عُتِقَ(2)، فيَكونُ هذا القولُ رَدّاً(3)علىٰ مَن قالَ ذلكَ.
و أمّا روايتُهم عن النبيِّ عليه السلامُ أنّه قالَ: «أيُّما رَجُلٍ كاتَبَ عَبداً علىٰ مائةِ دينارٍ، فأدّاها(4)إلّاعَشرةَ دَنانيرَ، فهو مُكاتَبٌ. و أيُّما رَجُلٍ كاتَبَ عَبداً علىٰ مائةِ أُوقيّةٍ، فأدّاها إلّاعَشْرَ(5)أَواقيَّ(6)، فهو مُكاتَبٌ».(7)فلا صَريحَ(8)فيه علىٰ ما يُنافي مَذهبَنا، و لا حُجّةَ لهم في ظاهرِه.
و معنىٰ قولِه: «فهو مُكاتَبٌ» أنّ حُكمَ الكتابةِ باقٍ لَم(9)يَزُلْ؛ لأنّ العبدَ إذا أدّىٰ بعضَ ما عليه فهو مُستَرَقٌّ بقَدرِ ما بَقيَ(10)عليه مِن مالِ مُكاتَبتِه، و يُطلَقُ فيه أنّه «مُكاتَبٌ»؛ و هذا بَيِّنٌ لِمَن تَأمَّلهَ.
تَمَّت المَسائُل بحَمدِ اللّٰهِ و عَونِه و مَنِّه.
1) . عوالي اللآلي، ج 1، ص 311، ح 26
2) راجع: المغني لابن قُدامة، ج 12، ص 350.
3) . في المطبوع: «رادّاً».
4) في المطبوع: «فأدّها».
5) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «عشرة». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً ل «ط».
6) . في المطبوع: «أواق».
7) . مسند أحمد، ج 2، ص 184؛ مسند أبي داود، ج 2، ص 234، ح 3927؛ المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 218 (و في كلّها مع اختلاف في اللفظ).
8) . في المطبوع: «فلا تصريح».
9) . في المطبوع: «و لم».
10) . في المطبوع: «ما أبقى».
وردت على الشريف المرتضى في شهر ربيع الأوّل من سنة 420 ه مجموعة أُخرى من المسائل الفقهيّة، عُرفت بالموصليّات الثالثة. و هذه المجموعة أكبر حجماً من سابقتها.
و قد أجاب الشريف المرتضى على جميع المسائل، حيث فصّل الإجابة تارة، و اختصرها اخرى، و قدّم لجوابه على المسائل مقدّمة مطوّلة بعض الشيء، و هو أمر لم نعهده في أجوبة مسائله الأُخرى، حيث عوّدنا الشريف المرتضى على الإجابة مباشرة عن المسائل؛ أمّا هنا فقد قام بتقديم مقدّمة حول كيفيّة استنباط الأحكام، حتّى يمكن اعتبار هذه المقدّمة رسالة قائمة بذاتها من رسائل الشريف المرتضى الكثيرة، و يمكن نشرها على حدة، و بصورة منفصلة عن باقي المسائل. و هذا يعني أنّ لكلّ من جوابات المسائل الموصليّات الثالثة و مقدّمتها وزنه الخاصّ و قيمته العلميّة المتميّزة.
و قد بيّن الشريف المرتضى في المقدّمة موقفه من استنباط الأحكام الفقهيّة، فأشار إلى الأساس الذي وضعه، و بنى عليه كلّ منظومته الفكريّة، و هذا الأساس هو «العِلم»؛ فقد قام الشريف المرتضى بتأسيس فكره - و منه فكره الفقهي - على أساس رصين و محكم، و هو «العِلم»، أو ما يمكن أن يسمّى: «اليقين»؛ فلم يعتمد في أحكامه على الظنّ. و بذلك غدا العِلمُ مظلّة كبيرة تمدّ ظلّها على كلّ فكر الشريف المرتضى؛ فكلّ شيء دخل تحتها آمَن به، و كلّ ما خرج منها رفضه و لم يؤمن به أبداً؛ فإنّ العالِم إذا أقدم على ما لا عِلم له فيه، لم يأمن من الوقوع في الفساد، فيقبح الإقدام عليه.
و على هذا الأساس رفض حجّيّة أخبار الآحاد، و القياس، و آمن بحجّيّة الكتاب، و السنّة المتواترة، و الإجماع، و العقل؛ لأنّ الأُولى تؤدّي إلى نتائج ظنيّة، بينما الأخيرة تنتهي إلى نتائج علميّة و يقينيّة.
قام الشيخ المفيد بتأليف كتاب فقهي مختصر جعله تتمّة لكتابه أوائل المقالات، و سمّاه: «الإعلام بما اتّفقت عليه الإماميّة من الأحكام»، و استعرض فيه المسائل الفقهيّة التي اتّفق عليها الإماميّة و أجمعت العامّة فيها على مخالفتهم. و عند مطالعة المسائل الموصليّات الثالثة لفت نظرنا وجود ارتباط قوي بينها و بين ما جاء في كتاب الشيخ المفيد، فقمنا بمقارنة بينهما، فوجدنا أنّ الشريف المرتضى قد تتبّع في هذه المسائل كتابَ الإعلام مسألة مسألة، و بيّن رأيه فيها، فهناك تطابق كبير و مدهش بين المسائل المطروحة و عباراتها، حتّى إنّ جميع المسائل التي صرّح الشيخ المفيد بأنّه لم يتعرّض لها، لم يتمّ التعرّض لها كلّها أيضاً في الموصليّات الثالثة.
و يظهر أنّ السائلين المَوصليّين انتزعوا تلك المسائل من كتاب الإعلام و أرسلوها إلى الشريف المرتضى كي يبيّن رأيه فيها، و لذلك لم تطرح هذه المسائل بشكل أسئلة، بل طرحت بصورة نصّ فقهي. و لكن يظهر أنّهم نقلوا تارة عين عبارة الإعلام، فيما اكتفوا بنقلها بالمضمون تارة أُخرى، و ربما كانت نسختهم من كتاب الإعلام مختلفة بعض الشيء مع ما هو موجود بين أيدينا من هذا الكتاب، كما سقطت مسألتان أو ثلاث كانت موجودة في الإعلام و لكن لم تُذكر في هذه المسائل و لم يتّضح لنا الوجه في ذلك.
إذن يمكن اعتبار الموصليّات الثالثة شرحاً أو تعليقة على كتاب الإعلام(1).
1) . و قد اعتبر بعض أعلام المحقّقين أنّ كتاب الانتصار للشريف المرتضى هو شرح على كتاب
و هذه الحالة نشاهدها أيضاً في الموصليّات الثانية، و لكنّها قد تعرّضت هناك إلى شرح تسع مسائل فقط من كتاب الإعلام، بينما الموصليّات الثالثة تعرّضت إلى معظمها.
و الجدير بالذكر أنّ هناك بعض المسائل المذكورة في الموصليّات الثالثة، و لكنّها ساقطة من نسخ كتاب الإعلام، فقد أشار محقّق كتاب الإعلام في أكثر من موضع إلى وجود سقط في النسخ يصل إلى عدّة صفحات(1). و يمكن من خلال المقارنة مع الموصليّات الثالثة معرفة المسائل الساقطة من كتاب الإعلام، و بالتالي إعادة ترتيب هذا الكتاب بشكل جديد.
احتوت الموصليّات الثالثة على بعض الفوائد، نذكر منها:
صرّح الشريف المرتضى في المقدّمة بأنّ كلّ أصحاب الإماميّة سلفهم و خلفهم، و متقدّمهم و متأخّرهم، يَمنعون من العمل بأخبار الآحاد و القياس.
ذكر أنّ اللّٰه تعالى لا يُخلي المكلّف من حجّة و طريق إلى العلم بما كُلّف به؛ من إجماع، أو دليل قاطع من الكتاب، أو سنّة مقطوع بها، فإن اتّفق أن لا يوجد شيء من ذلك، فالمرجع حينئذٍ هو العقل.
استدلّ على معظم المسائل المطروحة بإجماع الإماميّة، كما استدلّ في كثير من الأحيان بطريقة الاحتياط.
1) . الإعلام، ص 33، 36.
و من فتاويه في المسألة الثانية أنّ مسح مقدَّم الرأس في الوضوء غيرَ مستقبل الشعر مسنون أيضاً، و تكره مخالفته، لكن إذا استقبل الشعر جاز و أبيحت بمثله الصلاة.
و أفتى في المسألة الثالثة و العشرين بوجوب الغُسل على تارك صلاة الآيات عمداً مع احتراق القرص.
كما أفتى في المسألة الخامسة و الخمسين بجواز التخيير في الطلاق، بأن يقول الرجل للمرأة: «قد خيّرتكِ، أو قد جعلت أمركِ اليكِ».
و أفتى في المسألة التسعين بأنّ ما يختصّ به الولد الأكبر من الحبوة يُعطى إليه، و لكنّه يُحسب عليه من نصيبه من الإرث.
كما أفتى في المسألة الثالثة و التسعين بأنّ الزوجة لا ترث من الرباع شيئاً، لكنّها تُعطى قيمتها من غيرها.
نقل في المسألة الخامسة و الخمسين عبارة للشيخ الصدوق الأب من كتاب مَن لا يحضره الفقيه، و هي عبارة نقلها الشيخ الصدوق الابن من رسالة أبيه إليه.
أشار في المسألة الثامنة و العشرين إلى أنّ الجاهل بولاية أمير المؤمنين عليه السلامُ و إمامته في حكم المرتدّ، و لا يجزي إعطاء الزكاة له.
قد ذكرها كلّ من الشيخ الطوسي (ت 460 ه) و ابن شهرآشوب (588 ه)(1)، كما أرجع الشريف المرتضى في مقدّمتها إلى المسائل التبّانيّات، و أحال في خاتمتها إلى
1) . راجع: الفهرست، ص 164؛ معالم العلماء، ص 104-105.
كتابه مسائل الخلاف، كما أرجع في المقدّمة إلى بحث القياس من الموصليّات الأُولى، و أشار إلى أنّها أُرسلت في سنة 380 و نيّف. و أرجع أيضاً إلى الموصليّات الثانية، و سمّاها: المسائل الأُولى. و كلّ هذه قرائن داخليّة مهمّة تدلّ على تصحيح النسبة.
هذا و قد كانت هذه المسائل قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 1، ص 199. و الجدير بالذكر أنّ الطبعة السابقة كانت تحتوي علىٰ 110 مسألة، بينما هذه الطبعة تحتوي علىٰ 109 مسألة، و السبب في ذلك يعود إلىٰ أنّ المسألة 81 من الطبعة السابقة عُدّت مسألتين، مع أنّ النسخ اعتبرتها مسألة واحدة. و لذلك زادت الطبعة السابقة علىٰ ما في النسخ و علىٰ الطبعة الحاليّة بمسألة واحدة.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (3015) 1255؛ و هي ميكروفيلم من المخطوطة المرقّمة 1448 الموجودة في مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة بمشهد، و الرسالة تقع في الصفحات (30-68) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 1080/6؛ تقع في الصفحات (248-291) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 3324؛ تقع في الصفحات (68-107) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة مكتبة مَلِك بطهران، المرقّمة 593؛ تقع في الصفحات (90-133) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 7615؛ و الرسالة عنونت في فهرس المكتبة بعنوان «الموصليّات الثانية»، و هو سهو، و تقع في
الصفحات (427-461) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ش».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه البروجردي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 374/4؛ تقع في الصفحات (146-184) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ت».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11432؛ و الرسالة عنونت في فهرس المكتبة بعنوان «الموصليّات الثانية»، و هو سهو، و تقع في الصفحات (5-18) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21004؛ تقع في الصفحات (2-42) من المجموعة، و رمزنا لها ب «خ».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254؛ و الرسالة عنونت في فهرس المكتبة بعنوان «الموصليّات الثانية»، و هو سهو، و تقع في الصفحات (18-33) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ح».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 1497؛ و الرسالة عنونت في فهرس المكتبة بعنوان «الموصليّات الثانية»، و هو سهو، و تقع في الصفحات (22-43) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ل».
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 438/2؛ و الرسالة عنونت في فهرس المكتبة بعنوان «الموصليّات الثانية»، و هو سهو، و تقع في الصفحات (1 - 35) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ط».
مخطوطة مكتبة مدرسة الإمام الخميني رحمه اللّٰه بقائن، المرقّمة 140؛ و يوجد ميكروفيلم منها في مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ و يحمل الرقم 1690، و الرسالة تقع في الصفحات (360-391) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2929) 1162؛ تقع في الصفحات (70-106) من المجموعة.
بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ
قد أجَبتُ عن المَسائلِ الواردةِ في شَهرِ رَبيعٍ الأوّلِ مِن سَنةِ عِشرينَ و أربَعِمِائةٍ بما اختَصَرتُ ألفاظَه، و بَلَغتُ الطريقَ إلىٰ نُصرةِ هذه المَسائلِ بما يُغني المُتأمِّلَ عمّا سِواه. و قَدَّمتُ مُقدِّمةً يُعرَفُ بها الطريقُ الموصِلُ إلَى العِلمِ بجميعِ أحكامِ الشريعةِ في جميعِ مَسائلِ الفقهِ، فيَجِبُ الاعتمادُ عليها و التمسُّكُ بها؛ فمَن أَبىٰ عن هذا الطريقِ عَسَفَ و خَبَطَ، و فارَقَ قولُه مِن المَذهبِ.
فاللّٰهُ تَعالىٰ يُمِدُّكُم بالتوفيقِ و التسديدِ، و يُحسِنُ مَعونَتَكم علىٰ طَلَبِ الحَقِّ و إرادتِه، و رَفضِ الباطلِ و إبادتِه(1)إنّه سَميعٌ مُجيبٌ.
اِعلَمْ أنّه لا بُدَّ في الأحكامِ الشرعيّةِ مِن طريقٍ توصِلُ(2)إلَى العِلمِ بها؛ لأنّا متىٰ لَم نَعلَمِ الحُكمَ و نَقطَعْ بالعِلمِ علىٰ أنّه مَصلَحةٌ لنا، جَوَّزنا كَونَه مَفسَدةً لنا، فيَقبُحُ الإقدامُ مِنّا عليه؛ لأنّ الإقدامَ علىٰ ما لا نأمَنُ كَونَه فَساداً، كالإقدامِ علىٰ ما نَقطَعُ علىٰ(3)كَونِه فَساداً.
و لهذه الجُملةِ أبطَلنا أن يَكونَ القياسُ في الشريعةِ - الذي يَذهَبُ مُخالِفونا إليه - طريقاً إلى الأحكامِ الشرعيّةِ؛ مِن حَيثُ كانَ القياسُ يوجِبُ الظنَّ، و لا يَقتَضي العِلمَ؛ ألا تَرىٰ أنّا «نَظُنُّ» حَملَ(1)الفَرعِ في التحريمِ علىٰ أصلٍ مُحرَّمٍ - بشَبَهٍ يَجمَعُ(2)بَينَهما - أنّه مُحرَّمٌ مِثلُ أصلِه، و لا «نَعلَمُ» - مِن حَيثُ ظَنَنّا أنّه يُشبِهُ المُحرَّمَ - أنّه مُحرَّمٌ؟
و كذلكَ إذا(3)أبطَلنا العملَ في الشريعةِ بأخبارِ الآحادِ؛ لأنّها لا توجِبُ عِلماً و لا عملاً، و أوجَبنا أن يَكونَ العملُ تابعاً للعِلمِ؛ لأنّ خبرَ الواحدِ إذا كانَ عدلاً فغايةُ ما يَقتَضيهِ الظنُّ بصِدقِه، و مَن ظَنَنتَ صِدقَه يَجوزُ أن يَكونَ كاذباً، و إن ظَنَنتَ به الصدقَ؛ فإنّ الظنَّ لا يَمنَعُ مِن التجويزِ، فعادَ الأمرُ في العملِ بأخبارِ الآحادِ إلىٰ أنّه إقدامٌ علىٰ ما لا نأمَنُ كَونَه فَساداً و غيرَ(4)صَلاحٍ.
و قد تَجاوَزَ قومٌ مِن شُيوخِنا - رَحِمَهم اللّٰهُ - في إبطالِ القياسِ في الشريعةِ و العملِ بأخبارِ الآحادِ، أن قالوا: إنّه مُستَحيلٌ مِن طريقِ العقولِ العبادةُ بالقياسِ في الأحكامِ. و أحالوا أيضاً مِن طريقِ العقولِ العبادةَ(5)بالعملِ(6)بأخبارِ الآحادِ(7)و عَوَّلوا علىٰ أنّ العملَ يَجِبُ أن يَكونَ تابعاً للعِلمِ، و إذا كانَ غيرَ مُتيقَّنٍ في القياسِ و أخبارِ الآحادِ، لَم تَجُزِ(8)العبادةُ بها.
1) . كذا، و الأنسب: «بحملِ»
2) في المطبوع: «يشبه بجميع».
3) . كذا، و الصواب: «و لذلك أيضاً»، أي: و لهذه الجملة التي أبطلنا القياس لأجلها.
4) . في المطبوع: «أو غير».
5) . من قوله: «بالقياس في الأحكام» إلىٰ هنا ساقط من «ب، د». و في المطبوع: - «العبادة».
6) . في المطبوع: «العمل» بدون الباء الجارّة.
7) . ممّن ذهب إلىٰ ذلك بالنسبة إلىٰ أخبار الآحاد، ابنُ قِبَة الرازي. راجع: معارج الأُصول، ص 141.
8) . في المطبوع: «لم نجد».
و المَذهبُ الصحيحُ هو غيرُ هذا؛ لأنّ العقلَ لا يَمنَعُ مِن العبادةِ بالقياسِ و العملِ بخبرِ الواحدِ، و لَو تَعبَّدَ اللّٰهُ تَعالىٰ بذلكَ لَساغَ و لَدَخَلَ في بابِ الصحّةِ؛ لأنّ عبادتَه تَعالىٰ بذلك توجِبُ(1)«العِلمَ» الذي لا بُدَّ أن يَكونَ العملُ تابعاً له؛ فإنّه لا فَرقَ بَينَ أن يَقولَ عليه السلامُ(2): «قد حَرَّمتُ عليكم كَذا و كَذا، فاجتَنِبوه» و بَينَ أن يَقولَ: «إذا أخبَرَكم عَنّي(3)مُخبِرٌ له صِفةُ العَدالةِ بتَحريمِه فحَرِّموه» في صِحّةِ الطريقِ إلَى العِلمِ بتحريمِه.
و كذلكَ لَو قالَ: «إذا غَلَبَ في ظَنِّكم شَبَهُ(4)بعضِ الفروعِ ببعضِ الأُصولِ في صفةٍ تَقتَضي التحريمَ فحَرِّموه؛ فقد حَرَّمتُه عليكم» لَكانَ هذا أيضاً طريقاً إلَى العِلمِ بتحريمِه و ارتفاعِ الشكِّ و التجويزِ.
و لَيسَ مُتناوَلُ العِلمِ هاهُنا هو مُتناوَلَ الظنِّ - علىٰ ما يَعتقِدُه قومٌ لا يَتأمَّلون -؛ لأنّ مُتناوَلَ الظنِّ هاهُنا هو صِدقُ الراوي إذا كانَ واحداً، و مُتناوَلَ العِلمِ هو تحريمُ الفعلِ المخصوصِ الذي تَضمَّنَه الخبرُ؛ فما(5)عَلِمناه(6)غيرُ ما ظَنَنّاه(7).
فكذلكَ في القياسِ: مُتناوَلُ الظنِّ شَبَهُ الفَرعِ(8)بالأصلِ في عِلّةِ التحريمِ، و مُتناوَلُ العِلمِ كَونُ الفَرعِ مُحرَّماً.
و إنّما مَنَعنا مِن العملِ بالقياسِ في الشريعةِ و أخبارِ الآحادِ، مع تجويزِ العبادةِ بِهما مِن طريقِ العقولِ؛ لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ ما تَعبَّدَ بِهما، و لا نَصَبَ دليلاً عليهما؛ فمِن هذا الوجهِ اطَّرَحنا العملَ بهما، و نَفَينا كَونَهما طريقَينِ إلَى التحريمِ و التحليلِ.
و إنّما أَورَدنا بهذه الإشارةِ: أنّ أصحابَنا كُلَّهم - سَلَفَهم و خَلَفَهم، و مُتقدِّمَهم و مُتأخِّرَهم - يَمنَعونَ مِن العملِ بأخبارِ الآحادِ و مِن القياسِ في الشريعةِ، و يَعيبونَ أشَدَّ عَيبٍ الذاهبَ إليهما و المُتعلِّقَ في الشريعةِ بِهما؛ حتّىٰ صارَ هذا المَذهبُ - لظُهورِه و انتشارِه - معلوماً ضَرورةً منهم، و غيرَ مشكوكٍ فيه مِن المَذاهبِ.
و قد استَقصَينا الكلامَ في القياسِ و فَرَّعناه و بَسَطناه و انتَهَينا فيه إلىٰ أبعَدِ الغاياتِ في «جوابِ مَسائلَ وَرَدَت مِن أهلِ المَوصِلِ»(1)مُتقدِّمةٍ، أظُنُّها في سَنةِ نَيِّفٍ و ثَمانينَ و ثَلاثِمائةٍ؛ فمَن وَقَفَ عليها استَفادَ منها جميعَ ما يَحتاجُ إليه في هذا البابِ.
و إذا صَحَّ ما ذَكَرناه، فلا بُدَّ لنا - فيما نُثبِتُه مِن الأحكامِ، فيما نَذهبُ إليه مِن ضُروبِ العباداتِ - مِن طريقٍ توجِبُ العِلمَ و تَقتَضي اليَقينَ.
و طُرُقُ العِلمِ في الشرعيّاتِ هي «الأقوالُ» التي قد قَطَعَ الدليلُ علىٰ صِحّتِها، و أَمَّنَ العقلُ مِن وقوعِها علىٰ شَيءٍ مِن جِهاتِ القُبحِ كُلِّها؛ كقَولِ اللّٰهِ(2)تَعالىٰ، و كقَولِ رسولِه
صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و الأئمّةِ الذينَ يَجرونَ في العصمةِ(1)مَجراه عليهمُ السلامُ.
و لا بُدَّ لنا مِن طريقٍ إلىٰ إضافةِ الخِطابِ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ إذا كانَ خِطاباً له، و كذلكَ في إضافتِه إلَى الرسولِ أو الأئمّةِ عليهمُ السلامُ.
و قد سَلَكَ قومٌ في إضافةِ خِطابِه إليه(2)طُرُقاً غيرَ مَرضيّةٍ.(3)
فأصَحُّها و أبعَدُها مِن الشُّبهةِ: أن يَشهَدَ الرسولُ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه المؤَيَّدُ بالمُعجِزاتِ في بعضِ الكلامِ أنّه كلامُ اللّٰهِ تَعالىٰ، فيُعلَمَ بشَهادتِه أنّه كلامُه؛ كما فَعَلَ نَبيُّنا صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في القُرآنِ، فَعلِمنا بإضافتِه إلىٰ ربِّه أنّه كلامُه، فصارَ جميعُ القُرآنِ دالاًّ علَى الأحكامِ و طريقاً إلَى العِلمِ.
فأمّا الطريقُ إلىٰ مَعرفةِ كَونِ الخِطابِ مُضافاً إلَى الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و الأئمّةِ عليهمُ السلامُ، فهو المُشافَهةُ و(4)المُشاهَدةُ لِمَن حاضَرَهم و عاصَرَهم؛ فأمّا مَن نأىٰ عنهم أو وُجِدَ بَعدَهم، فمِن الخبرِ(5)المُتَواتِرِ؛ المُفضي إلَى العِلمِ، المُزيلِ للشكِّ و الريبِ.
و هاهُنا طريقٌ آخَرُ يُتوصَّلُ به إلَى الحَقِّ(6)و الصحيحِ مِن الأحكامِ الشرعيّةِ عندَ فَقدِ ظهورِ الإمامِ و تَميُّزِ شخصِه، و هو إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ مِن الإماميّةِ التي قد عَلِمنا
1) . في المطبوع: - «في العصمة»
2) أي: إلى اللّٰه تعالىٰ.
3) . راجع: بداية جواب الفصل الأوّل من جوابات المسائل التبّانيّات.
4) . في «ب، ج، د»: - «المشافهة و».
5) . في «ب، ج»: «فمن المشافهة أو الخبر» بدل «فمن الخبر». و في «د»: «فمن المشافهة الخبر» بدلها. و في المطبوع: «فالخبر» بدلها.
6) . في المطبوع: «العلم بالحقّ» بدل «الحقّ».
أنّ قولَ الإمامِ - و إن كانَ غيرَ مُتميِّزِ الشخصِ - داخلٌ في أقوالِها و غيرُ خارجٍ عنها.
فإذا أطبَقوا علىٰ مَذهبٍ مِن المَذاهبِ، عَلِمنا أنّه هو الحَقُّ الواضحُ و الحُجّةُ القاطعةُ؛ لأنّ قولَ الإمامِ - الذي هو الحُجّةُ - في جُملةِ أقوالِها، فكانَ الإمامُ قائلَه و مُنفَرِداً(1)به.
و معلومٌ أنّ قولَ الإمامِ - و هو غيرُ مُتميِّزِ(2)العَينِ و لا معروفِ الشخصِ - في جُملةِ أقوالِ الإماميّةِ؛ لأنّا إذا كُنّا نَقطَعُ علىٰ وجودِ الإمامِ في زَمانِ الغَيبةِ بَينَ أظهُرِنا، و لا نَرتابُ بذلكَ، و نَقطَعُ أيضاً علىٰ أنّ الحَقَّ في الأُصولِ كُلِّها مع الإماميّةِ دونَ مُخالِفيها، و كانَ الإمامُ لا بُدَّ أن يَكونَ مُحِقّاً في جميعِ الأُصولِ؛ وَجَبَ أن يَكونَ الإمامُ علىٰ مَذاهبِ الإماميّةِ في جميعِ الأُصولِ.
و إذا عَرَفنا إجماعَ الإماميّةِ(3)جَميعِها علىٰ مَذهبٍ مِن المَذاهبِ في فُروعِ الشريعةِ، فلا بُدَّ مِن(4)أن يَكونَ الإمامُ - و هو سَيِّدُ الإماميّةِ و أعلَمُها و أفقَهُها(5)- في جُملةِ هذا الإجماعِ.
فكما لا يَجوزُ فيما أجمَعَت عليه الإماميّةُ أن يَكونَ بعضُ علماءِ الإماميّةِ غيرَ قائلٍ به و لا ذاهبٍ إليه، فكذلكَ لا يَجوزُ مِثلُه في الإمامِ.
فإن قيلَ: هذا جَحدٌ(6)عظيمٌ منكم، يَقتَضي أنّكم قد عَرَفتم كُلَّ مُحِقٍّ في بَرٍّ
و بَحرٍ و سَهلٍ و جَبَلٍ، حتّىٰ مَيَّزتم أقوالَهم و مَذاهِبَهم(1)إمّا بأن لقَيتموهم، أو بأن تواتَرَت عنهم(2)إليكم الأخبارُ بمَذاهبِهم(3)و معلومٌ بُعدُ هذه الدعوىٰ عن الصحّةِ.
قلنا: قد أجَبنا عن هذه المسألةِ بما فَرَّعناه(4)و استَوفَيناه و جَعَلناه كالشمسِ الطالعةِ في الوضوحِ و الجَلاءِ في مَسائلَ سَألَنا عنها أبو عَبدِ اللّٰهِ مُحمّدُ بنُ عَبدِ المَلِكِ التَّبّانُ(5)- رَحِمَه اللّٰهُ - مقصور [ةٍ] علىٰ أخبارِ الآحادِ و طريقِ العِلمِ بالآحادِ، أجهَدَ فيها نفسَه، و أتعَبَ(6)بها عُمُرَه، و ما قَصَّرَ فيما أَورَدَه مِن الشُّبهةِ.
فالجوابُ عن هذه المَسائلِ موجودٌ في يَدِ الأصحابِ - أيَّدَهم اللّٰهُ -، و هو يُقارِبُ مِائةَ وَرَقةٍ.
و إذا اطُّلِعَ عليه عُرِفَ منه الطريقُ الصحيحُ إلَى العِلمِ بأحكامِ الشريعةِ علىٰ مَذاهبِ أصحابِنا، مع نَفيِهم القياسَ و العملَ بأخبارِ الآحادِ، و وُجِدَ في جوابِ هذه المَسائلِ - مِن تقريرِ المَذهبِ و تأسيسِه(7)، و الجَمعِ بَينَ أُصولِه و فُروعِه - ما لا يوجَدُ في شَيءٍ مِن الكُتُبِ المُصنَّفةِ.
1) . في «ش» و المطبوع: «و مذهبهم».
2) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «عنه». و الصواب ما أثبتناه؛ وفقاً للسياق و لنسخة «ط».
3) . في جميع النسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «بمذاهبه»؛ و هو سهو.
4) . في المطبوع: «فرغناه».
5) . و هي المسائل المعروفة بالمسائل التبّانيّات، و هي من المسائل الأُصوليّة للشريف المرتضى رحمه اللّٰه. و راجع ترجمة ابن التبّان في مقدّمة هذه المسائل. و قد ذُكر جواب الإشكال المذكور في بحث الإجماع الواقع في جواب الفصل الأوّل من التبّانيّات.
6) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «و تعب». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً ل «ط».
7) . في المطبوع: «و تاليه».
ثُمَّ لا نُخلي(1)السؤالَ الذي ذَكَرَه(2)مِن جوابٍ علىٰ كُلِّ حالٍ، فنَقولُ: هذه الطريقةُ المذكورةُ في السؤالِ هي طريقةُ مَن نَفىٰ إجماعَ الأُمّةِ، و ادَّعىٰ أنّه لا سَبيلَ إلَى العِلمِ بإجماعِها علىٰ قولٍ مِن الأقوالِ، مع تَباعُدِ الديارِ و تَفرُّقِ الأوطانِ و فَقدِ المَعرفةِ بكُلِّ واحدٍ منهم علَى التعيينِ و التمييزِ.
و قد عَلِمنا - مع طُولِ المُجالَسةِ و المُخالَطةِ، و امتدادِ العُصُرِ، و استمرارِ الأزمانِ - تَقرُّرَ(3)مَذاهبِ المُسلِمينَ و حَصرَ أقاويلِهم، و فَرَّقنا بَينَ ما يَختَلِفونَ فيه و يَجتَمِعونَ عليه؛ و مَن شكَّكَنا في ذلكَ كَمَن شَكَّكَنا في البُلدانِ و الأمصارِ و الأحداثِ العظيمةِ، التي يَقَعُ بها العِلمُ و يَزولُ الريبُ فيها بالأخبارِ المُتَواتِرةِ.
و أيُّ عاقلٍ يَشُكُّ في أنّ جميعَ المُسلِمينَ - في بَرٍّ و بَحرٍ، و سَهلٍ و جَبَلٍ، و قُربٍ و بُعدٍ - يَذهبونَ(4)إلىٰ تحريمِ الزنا و الخَمرِ، و أنّ أحَداً منهم لَم يَذهَبْ في الجَدِّ و الأخِ إذا انفَرَدا(5)بالميراثِ إلىٰ أنّ المالَ للأخِ دونَ الجَدِّ، و أنّهم لا يَختَلِفونَ الآنَ - و إن كانَ في هذه المَسألةِ خِلافٌ قَديمٌ بَينَ الأنصارِ -(6)في أنّ التقاءَ الخِتانَينِ يوجِبُ(7)الغُسلَ؟
1) . في «أ» الكلمة ممسوحة. و في «ب، ج، د»: «لا تحلّ». و في «ش»: «لا تخلّ». و في المطبوع: «لا نخلو».
2) . كذا، و الأنسب: «ذكرناه».
3) . في المطبوع: «الزمان تقدّر».
4) . في المطبوع: «لا يذهبون».
5) . في «ج»: «تفرّد». و في «ش»: «انفرد». و في المطبوع: «تفرّدا».
6) . يعني الأنصار المعروفين من الصحابة، في مقابل المهاجرين. راجع: الناصريّات، ص 142؛ وسائل الشيعة، ج 2، ص 184.
7) . في النسخ و المطبوع: «لا يوجب»، و هو سهو.
و لَو شكَّكَنا في هذا مُشكِّكٌ، فقالَ: لَعلَّ(1)في فقهاءِ الأُمّةِ و علمائها مَن يَذهبُ إلىٰ مَذهبِ الأنصارِ «أنّ الماءَ مِن الماءِ»، لَعنَّفناه و بَكَّتناه(2)، و إن كُنّا لا نَعرِفُ فقهاءَ الأُمّةِ و علماءَها في الأمصارِ علىٰ سَبيلِ(3)التعيينِ و التمييزِ.
و كما أنّ مَذاهِبَ الأمّةِ بأجمَعِها محصورةٌ معلومةٌ، فكذلكَ مَذاهِبُ كُلِّ فِرقةٍ مِن فقهائها و طائفةٍ مِن(4)علمائها؛ فإنّ مَذاهِبَ أبي حَنيفةَ محصورةٌ بالرواياتِ المُختَلِفةِ عنه مضبوطةٌ، و كذلكَ مَذاهِبُ الشافعيِّ، و إن كانَت له أقوالٌ مُختَلِفةٌ في بعضِ المَسائلِ؛ فقَد فَرَّقَ أصحابُه و العارفونَ بمَذهبِه بَينَ المَذاهبِ(5)التي له فيها(6)أقوالٌ، و بَينَ ما لَيسَ له فيه إلّاقولٌ واحدٌ.
فلَو أنّ قائلاً قالَ لنا: إذا كنتم لا تَعرِفونَ أصحابَ أبي حَنيفةَ في البَرِّ و البَحرِ، و السَّهلِ(7)و الجَبَلِ، و السَّهلِ(8)و الوَعرِ، فلَعلَّ فيهم مَن يَذهبُ إلىٰ ما يُخالِفُ مَن اجتَمَعَ - ممّن تَعرِفونَ - عليه(9)، و كذلكَ لَو قالَ في مَذاهبِ الشافعيِّ، لَكُنّا لا نَلتَفِتُ إلىٰ قولِه، و نَقولُ:
قد عَلِمنا ضرورةً خِلافَ ما تَذكُرونَه، و قَطَعنا علىٰ أنّ أحَداً مِن علماءِ أصحابِ أبي حَنيفةَ أو أصحابِ الشافعيِّ لا يَذهبُ - قَريباً كانَ، أو بَعيداً - إلىٰ خِلافِ ما عَرَفناه، و وقَعَ الإطباقُ عليه مِن هذه المَذاهبِ؛ و أنّ التشكيكَ
1) . في «ش» و المطبوع: - «لعلّ»
2) في المطبوع: «و نكبناه».
3) . في المطبوع: - «سبيل».
4) في المطبوع: - «من».
5) . في المطبوع: «المذهب».
6) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «الذي له فيه». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
7) . معنى «السهل» هنا: الأرض المنبسطة التي لا تبلُغ الهَضْبة.
8) . في المطبوع: «و الحزن». و معنى «السهل» هنا: ما يسهل وطؤه، في مقابل الوَعر.
9) . في المطبوع: «علمه».
في ذلكَ كالتشكيكِ في سائرِ الأُمورِ المعلومةِ.
و إذا استَقرَّت هذه الجُملةُ، و كانَ مَذهبُ الإماميّةِ أشَدَّ انحِصاراً و انضِباطاً مِن مَذهبِ جميعِ الأُمّةِ، و كُنّا نَعلَمُ أنّ الأمّةَ مع كَثرةِ عَدَدِها و انتشارِها في أقطارِ الأرضِ قد أجمَعَت علىٰ شَيءٍ بعَينِه نأمَنُ أن يَكونَ لها قولٌ سِواه، فأَحرىٰ أن يَصِحَّ في الإماميّةِ - و هي جُزءٌ مِن كُلِّها و فِرقةٌ مِن فِرَقِها - أن نَعلَمَ مَذاهبَهم علىٰ سَبيلِ الاستقرارِ و التعيينِ، و إجماعَهم علىٰ ما أجمَعوا عليه؛ حتّىٰ يَزولَ عَنّا الريبُ في ذلكَ و الشكُّ فيه، كما زالَ فيما هو أكثَرُ منه و أَنشَرُ(1).
و إذا كانَ الإمامُ في زمانِ الغَيبةِ موجوداً بَينَهم، و غيرَ مفقودٍ مِن جُملتِهم، فهو واحدٌ مِن جَماعتِهم. و إذا عَلِمنا بالسَّبرِ(2)و المُخالَطةِ و طولِ المُباحَثةِ أنّ كُلَّ عالِمٍ مِن علماءِ الإماميّةِ قد أجمَعَ علىٰ مَذهبٍ بعَينِه، فالإمامُ - و هو واحدٌ مِن العلماءِ، بَل أَوحَدُ العلماءِ(3)- داخلٌ في ذلكَ، و غيرُ خارجٍ عنه.
و لَيسَ يُخِلُّ بمَعرفةِ مَذهبِه عدمُ المَعرفةِ(4)بعَينِه؛ لأنّا لا نَعرِفُ كُلَّ عالِمٍ مِن علماءِ الإماميّةِ و فقيهٍ مِن فقهائها في البِلادِ المتفرِّقةِ، و إن عَلِمنا علىٰ سَبيلِ الجُملةِ إجماعَ كُلِّ عالِمٍ - عَرَفناه، أو لَم نَعرِفْه - علىٰ مَذهبٍ بعَينِه؛ فالإمامُ في هذا البابِ كمَن لَم نَعرِفْه(5)مِن علماءِ الإماميّةِ.
و إذا لَم يَعرِضْ لنا شَكٌّ في مَذهبِ مَن لا نَعرِفُه مِن الإماميّةِ، لَم يَجُزْ أن يَعرِضَ أيضاً شَكٌّ في قولِ الإمامِ و أنّه في جُملةِ(1)أقوالِ الإماميّةِ، و إن كُنّا لا نُميِّزُ شَخصَه، و لا نَعرِفُ عَينَه.
و اعلَمْ أنّ الطريقَ المُعتَمَدَ الجَدَدَ(2)إلىٰ صِحّةِ مَذاهبِنا في فُروعِ الأحكامِ الشرعيّةِ(3)هو هذا الذي بيّنّاه و أَوضَحناه؛ سَواءٌ كانَت المَسائلُ ممّا تَنفَرِدُ(4)الإماميّةُ بها، أو ممّا يُوافِقُها فيها بعضُ خُصومِها.
و رُبَّما اتَّفَقَ في بعضِ المَسائلِ غيرُ هذه الطريقةِ، و هي أن يَكونَ عليها دليلٌ مِن ظاهرِ كتابِ اللّٰهِ تَعالىٰ(5)، أو مِن سُنّةِ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مقطوعٍ بها معلومٍ صِحّتُها.
و رُبَّما اتَّفَقَ في بعضِ الأحكامِ أن تَكونَ(6)معلومةً مِن مَذاهبِ أئمّتِنا المُتقدِّمينَ للإمامِ الغائبِ صَلَواتُ اللّٰهِ عليهم(7)، الذينَ ظَهَروا و عُرِفوا، و سُئلوا و أجابوا، و أَفتَوا(8)و عَلَّموا الأحكامَ؛ فقَد عَلِمنا ضَرورةً أنّ(9)مِن مَذاهبِ أبي جَعفَرٍ مُحمّدِ بنِ عليٍّ الباقرِ صَلَواتُ اللّٰهِ عليهما تحريمَ كُلِّ شَرابٍ مُسكِرٍ، و مَسْحَ الرِّجلَينِ،
1) . في المطبوع: «أيضاً لنا الشكّ في قول الإمام أنّه من جملة».
2) . في «ب»: «الحدد». و في المطبوع: «المحدّد». و «الجَدَد»: الأرض المستوية، و في المَثَل: «مَن سَلَكَ الجَدَدَ أَمِنَ العِثارَ». راجع: لسان العرب، ج 3، ص 108 و 109 (جدد).
3) . في المطبوع: «الشريعة».
4) في المطبوع: + «به».
5) . في المطبوع: - «تعالىٰ»
6) في المطبوع: «أن يكون».
7) . في المطبوع: - «صلوات اللّٰه عليهم».
8) . في المطبوع: - «و أفتوا».
9) . في المطبوع: - «أنّ».
و تحريمَ المَسحِ علَى الخُفَّينِ، و أنّ تكبيراتِ الصلاةِ علَى الميّتِ خَمسٌ، و أنّ الطلاقَ الثلاثَ بلَفظٍ واحدٍ لا يَقَعُ، و ما جَرىٰ مَجرىٰ هذه المَسائلِ من الأُمورِ التي ظَهَرَت عليهم(1)و اشتَهَرَت.
و إذا عُلِمَت مَذاهِبُهم(2)، و كانوا عندَنا حُجّةً معصومينَ، كَفىٰ ذلكَ في وقوعِ العِلمِ بها، و القَطعِ علىٰ صِحّتِها؛ و لا اعتبارَ بمَن خالَفَنا في العملِ بشَيءٍ ممّا عَدَّدناه عنهم، و دَفَعَ(3)أن يَكونَ مُشارِكاً في المَعرفةِ بذلكَ؛ لأنّ المُخالِفَ في هذا إمّا أن يَكونَ مُعانِداً، أو مُكابِراً، أو يَكونَ ممّن لَم تَكثُرْ خِلْطتُه لنا، أو تَصفُّحُه لأخبارِنا و سَماعُه(4)مِن رجالِنا؛ لأنّ العِلمَ الضروريَّ رُبَّما وَقَفَ علىٰ أسبابٍ؛ مِن مُخالَطةٍ، أو مُجالَسةٍ، و سَمعِ(5)أخبارٍ مخصوصةٍ.
و علىٰ هذا لا يُنكَرُ أن يَكونَ مَن لَم تَتَّفِقْ خِلْطتُه بأصحابِ أبي حَنيفةَ و سَماعُ أخبارِهم عن صاحبِهم، لا يَعلَمونَ(6)مِن مَذاهبِ أبي حَنيفةَ ما يَعلَمُ أصحابُه ضَرورةً.
فإن قيلَ: فما تَقولونَ في مَسألةٍ شَرعيّةٍ اختَلَفَ فيها قولُ الإماميّةِ، و لَم يَكُن عليها دليلٌ من كتابٍ أو سُنّةٍ مقطوعٍ بها، كَيفَ الطريقُ إلَى الحقِّ فيها؟
قلنا: هذا الذي فَرَضتموه قد أَمِنّا وقوعَه؛ لأنّا قد عَلِمنا أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لا يُخلي المُكلَّفَ مِن حُجّةٍ و طريقٍ للعِلمِ(7)بما كُلِّفَ، و هذه الحادثةُ التي ذَكَرناها إذا(8)كانَ
للّٰهِ تَعالىٰ فيها حُكمٌ شَرعيٌّ، و اختَلَفَت الإماميّةُ في وقتِنا هذا فيها، فلَم يُمكِنِ(1)الاعتمادُ علىٰ إجماعِهم - الذي نَثِقُ(2)بأنّ الحُجّةَ فيه؛ لأجلِ وجودِ الإمامِ في جُملتِهم - فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ علىٰ هذه المَسألةِ دليلٌ قاطعٌ مِن كتابٍ أو سُنّةٍ مقطوعٍ بها، حتّىٰ لا يَفوتَ المُكلَّفَ طريقٌ للعِلمِ(3)يَصِلُ به إلىٰ تكليفِه.
اللّهُمَّ إلّا(4)أن نَفرِضَ وجودَ حادثةٍ لَيسَ للإماميّةِ فيها قولٌ، علىٰ سَبيلِ اتّفاقٍ، أو اختلافٍ؛ فَقد يَجوزُ عندَنا في مِثلِ ذلكَ - إنِ اتَّفَقَ - أن لا يَكونَ للّٰهِ تَعالىٰ فيها حُكمٌ شَرعيٌّ؛ فإذا(5)لَم نَجِدْ في الأدِلّةِ الموجِبةِ للعِلمِ طريقاً إلىٰ عِلمِ حُكمِ هذه الحادثةِ، كُنّا فيها علىٰ ما يوجِبُ العقلُ و حُكمُه.
فإن قيلَ: ألَيسَ شُيوخُ هذه الطائفةِ قد عَوَّلوا في كُتُبِهم في الأحكامِ الشرعيّةِ علَى الأخبارِ التي رَوَوها عن ثِقاتِهم، و جَعَلوها العُمدةَ و الحُجّةَ في هذه الأحكامِ، حتّىٰ رَوَوا عن أئمَّتِهم عليهم السلامُ فيما يَجيءُ مُختَلِفاً مِن الأخبارِ - عندَ عدمِ الترجيحِ كُلِّه - أن يؤخَذَ منه ما هو أبعَدُ مِن قولِ العامّةِ؟(6)و هذا يَنقُضُ(7)ما قَدَّمتموه.
قُلنا: لَيسَ يَنبَغي أن نَرجِعَ(8)عن الأُمورِ المعلومةِ و المَذاهبِ المشهورةِ المقطوعِ
1) . في النسخ المعتمدة: «فلم يكن». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و لنسخة «ل».
2) . في المطبوع: «نتيقّن».
3) في المطبوع: «العلم الذي» بدل «للعلم».
4) . في المطبوع: + «أن يقال».
5) . هكذا في المطبوع. و في النسخ: «إذا» بدون الفاء.
6) . راجع: الكافي، ج 1، ص 67، ح 10؛ التهذيب، ج 6، ص 302، ح 845؛ وسائل الشيعة، ج 27 ص 107، ح 33334.
7) . في المطبوع: «نقيض».
8) . في «ب» و المطبوع: «أن تَرجع».
عليها بما هو مُشتَبِهٌ مُلتَبِسٌ مُحتَمِلٌ، و قد عَلِمَ كُلُّ مُوافِقٍ و مُخالِفٍ أنّ(1)الشيعةَ الإماميّةَ تُبطِلُ القياسَ في الشريعةِ؛ مِن حَيثُ لا يؤَدّي إلىٰ عِلمٍ، فكذلكَ تَقولُ في أخبارِ الآحادِ.
حتّىٰ إنّ منهم مَن يَزيدُ علىٰ ذلكَ فيَقولُ: ما كانَ يَجوزُ مِن طريقِ العقلِ أن يَتعبَّدَ اللّٰهُ تَعالىٰ في الشريعةِ بالقياسِ و لا العملِ بأخبارِ الآحادِ.(2)
و مَن كانَ هذا مَذهبُه، كَيفَ يَجوزُ أن يُثبِتَ الأحكامَ الشرعيّةَ(3)بأخبارٍ لا يُقطَعُ علىٰ صِحّتِها، و يَجوزُ كَذِبُ راويها كما يَجوزُ صِدقُه؟ و هَل هذا إلّامِن أقبَحِ المُناقَضةِ و أفحَشِها؟
فالعلماءُ الذينَ عليهم المُعوَّلُ، و يَدرونَ ما يأتونَ و ما يَذَرونَ، لا يَجوزُ(4)أن يَحتَجّوا بخبرِ واحدٍ لا يوجِبُ عِلماً، و لا يَقدِرُ أحَدٌ أن يَحكيَ عنهم - في كتابٍ(5)و لا غيرِه - خِلافَ ما ذَكَرناه.
فأمّا أصحابُ الحَديثِ مِن أصحابِنا(6)فإنّهم رَوَوا ما سَمِعوا، و حَدَّثوا ما حُدِّثوا به و نَقَلوه(7)عن أسلافِهم؛ و لَيسَ عليهم أن يَكونَ حُجّةً و دليلاً في الأحكامِ الشرعيّةِ، أو لا يَكونَ كذلك. فإن كانَ في أصحابِ الحَديثِ مَن يَحتَجُّ في حُكمٍ شَرعيٍّ بحَديثٍ غيرِ مقطوعٍ علىٰ صِحّتِه، فقَد زَلَّ و زَوَّرَ؛ و ما يَفعَلُ ذلكَ مَن يَعرِفُ أُصولَ أصحابِنا - في نَفيِ القياسِ و العملِ بأخبارِ الآحادِ - حَقَّ مَعرِفتِها؛ بَل لا يَقَعُ مِثلُ ذلكَ مِن عاقلٍ، و رُبَّما كانَ غيرَ مُكلَّفٍ.
ألا تَرىٰ أنّ هؤلاءِ بأعيانِهم قد يَحتَجّونَ في أُصولِ الدينِ - مِن التوحيدِ و العَدلِ و النُّبوّةِ و الإمامةِ - بأخبارِ الآحادِ، و معلومٌ عندَ كُلِّ عاقلٍ أنّها لَيسَت بحُجّةٍ في ذلكَ؟ و رُبَّما ذَهَبَ بعضُهم إلَى الجَبرِ و إلَى التشبيهِ؛ اغتراراً بأخبارِ الآحادِ المَرويّةِ.
و مَن أشَرنا إليه بهذه الغَفلةِ، يَحتَجُّ بالخبرِ الذي ما رَواه، و لا حُدِّثَ به، و لا سَمِعَه مِن ناقِلِه فعَرَفَه(1)- بعَدالةٍ، أو غيرِها(2)-؛ حَتّىٰ لَو قيلَ له في بعضِ الأحكامِ: مِن أينَ أثبَتَّه و ذَهَبتَ إليه؟ كانَ(3)جوابُه: لأنّي وَجَدتُه في الكتابِ الفُلانيِّ، و منسوباً إلىٰ روايةِ فُلانِ بنِ فُلانٍ. و معلومٌ - عندَ(4)مَن نَفَى العملَ(5)بأخبارِ الآحادِ، أو مَن(6)أثبَتَها و عَمِل بها - أنّ هذا لَيسَ بشَيءٍ يُعتَمَدُ، و لا طريقٍ يُقصَدُ، و إنّما هو غُرورٌ و زورٌ.
فأمّا الروايةُ بأن يُعمَلَ بالحديثَينِ المتعارضَينِ بأبعَدِهما مِن مَذهبِ العامّةِ، فهذا لَعَمري قد رُويَ(7)، و إذا كُنّا لا نَعمَلُ(8)بأخبارِ الآحادِ في الفُروعِ، كَيفَ نَعمَلُ بها في الأُصولِ التي لا خِلافَ بَينَنا في أنّ طريقَها العِلمُ و القَطعُ؟
و إذ قد(9)قَدَّمْنا ما احتَجنا إلىٰ تقديمِه - فهو الذي نَعتَمِدُ عليه في جميعِ المَسائلِ الشرعيّةِ - فنَحنُ نَتصفَّحُ المَسائلَ التي سُطِرَت و ذُكِرَت، و نُبيِّنُ ما عندَنا فيها؛ فأمّا النُّصرةُ لها و الدَّلالةُ علىٰ صحّتِها، فهي الجُملةُ التي(10)قَدَّمناها، و الطريقةُ التي
1) . في المطبوع: «فيعرفه».
2) . في النسخ المعتمدة: «أو غيره». و الصحيح ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ل» و المطبوع.
3) . في النسخ المعتمدة: - «كان». و الصوابُ إثباتُها؛ طبقاً ل «ل» و المطبوع.
4) . في المطبوع: + «كلّ».
5) في المطبوع: «العلم».
6) . في المطبوع: «و من».
7) في المطبوع: «دوري» بدل «قد روي».
8) . في المطبوع: «فإذا كنّا لم نعمل».
9) . في المطبوع: - «قد».
10) . في «ب، ج، د»: + «قد».
أوضَحناها. فإنِ اتَّفَقَ زيادةٌ علىٰ ذلكَ - أن(1)يَكونَ في بعضِ المَسائلِ(2)طريقٌ آخَرُ للعِلمِ - نَبَّهْنا عليه و أرشَدْنا إليه بعَونِ اللّٰهِ و مَشيّتِه.
و اعلَمْ أنّ هذه المَسائلَ التي ذُكِرَ انفرادُ الإماميّةِ بها، سَتوجَدُ - مشروحةً، منصورةً بالدَّلالةِ و الطرُقِ(3)الواضحةِ(4)- في كتابِ «مَسائلِ الخِلافِ الشرعيّةِ»(5)التي عَمِلنا منها بعضَها، و نحنُ علىٰ تتميمِها(6)و تكميلِها؛ بمَعونةِ اللّٰهِ.
فإنّ هذه المَسائلَ ما اعتَمَدنا في نُصرتِها الاقتصارَ علَى الأدلّةِ الدالّةِ علىٰ صَحيحٍ منها؛ بَل أضَفنا إلىٰ ذلكَ مُناظَرةَ الخُصومِ، علىٰ تسليمِ أُصولِهم(7)و مُناقَضتِهم؛ بأنْ بيّنّا أنّ(8)القياسَ لَو كانَ صَحيحاً، و أخبارَ الآحادِ لَو كانَت معمولاً عليها - علىٰ ما يَذهَبونَ إليه - لَكانَت مَذاهبُنا في الشرعيّاتِ كُلِّها أَولىٰ مِن مَذاهبِهم، و أشبَهَ بهذه الأُصولِ التي عليها يُعوِّلونَ؛ و رَكِبنا في ذلكَ مَركَباً غَريباً يُمكِنُ معه مُناظَرةُ الفقهاءِ - علَى اختلافِهم - في جميعِ مَسائلِ الفقهِ.
و مَن نَظَرَ فيما خَرَجَ إلَى الآنَ مِن هذا الكتابِ، عَلِمَ أنّ المَنفَعةَ به عَظيمةٌ، و الطريقةَ فيه غَريبةٌ؛ و مِنَ اللّٰهِ أستَمِدُّ المَعونةَ(9)و التوفيقَ في كُلِّ قولٍ و فِعلٍ.
1) . كذا، و الأنسب: «بأن».
2) . في المطبوع: - «في بعض المسائل».
3) . في النسخ: + «في».
4) . في المطبوع: - «الواضحة».
5) . هذا الكتاب من المفقودات.
6) . في «أ، ب، ج، د، ش»: «تتمّتها». و ما أثبتناه أصحّ و أفصح؛ طبقاً ل «ل» و المطبوع.
7) . في المطبوع: «أُصولها».
8) . في المطبوع: - «أنّ».
9) . في المطبوع: «المعرفة».
غَسلُ اليَدَينِ مِن المِرفَقَينِ إلىٰ أطرافِ الأصابعِ، غيرَ مُستَقبِلٍ للشَّعرِ؛ و استقبالُه يَنقُضُ(1)الوضوءَ.(2)
و اعلَمْ أنّ الِابتداءَ بالمِرفَقَينِ في غَسلِ اليَدَينِ هو المسنونُ، و خِلافُ ذلكَ مكروهٌ، و لا نَقولُ: إنّه يَنقُضُ الوضوءَ؛ حتّىٰ لَو أنّ فاعلاً فَعَلَه لَكانَ لا يُجزئُ به.
و لا يَقدِرُ أحَدٌ أن يَحكيَ عن(3)أصحابِنا المُحصِّلينَ تصريحاً بأنّ مَن خالَفَ ذلكَ فلا وضوءَ له.
و جميعُ ما وَرَدَ في الأخبارِ مِن تغليظِ ذلكَ و التشديدِ فيه - و رُبَّما قيلَ: «لا يَجوزُ» - محمولٌ علىٰ شِدّةِ الكَراهةِ، دونَ الوجوبِ و اللُّزومِ؛ و قد يُقالُ في مُخالَفةِ «المسنونِ المُغلَّظِ» مِن(4)هذه الألفاظِ ما يَزيدُ علىٰ ذلكَ، و لا يَدُلُّ علَى الوجوبِ.
و الذي يَدُلُّ علىٰ صِحّةِ مَذهبِنا في هذه المَسألةِ - مع(1)أنّ جميعَ الفقهاءِ يُخالِفو [نَ] نا في أنّه مسنونٌ، و أنّ خِلافَه مكروهٌ -: إجماعُ(2)الإماميّةِ، الذي بيّنّا أنّه حُجّةٌ؛ لدخولِ قولِ المعصومِ فيه.
فإن قيلَ: قد خالَفتم ظاهرَ القُرآنِ؛ لأنّه قالَ: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرٰافِقِ» ،(3). النساء (4):2.(4)فجَعَلَ المَرافِقَ(5)غايةً، و أنتم قد جَعَلتم المَرافِقَ ابتداءً.
قُلنا: أمّا لفظةُ «إلىٰ» فقَد تكونُ في اللغةِ العربيّةِ بمعنَى «الغايةِ»، و بمعنىٰ «مَعَ»؛ قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ: «وَ لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَهُمْ إِلىٰ أَمْوٰالِكُمْ» (5)؛ أرادَ: مع أموالِكم.
و قالَ تَعالىٰ حِكايةً عن عيسىٰ عليه السلامُ: «مَنْ أَنْصٰارِي إِلَى اَللّٰهِ» (6)أرادَ: مع اللّٰهِ.
و يَقولونَ: «وَلِيَ فُلانٌ الكوفةَ إلَى البَصرةِ»، و لا يُريدونَ غايةً؛ بَل يُريدونَ(7): وَلِيَ هذا البَلَدَ مع هذا البَلَدِ.
و قال النابغةُ الذُّبيانيُّ(8):
1) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: - «مع». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
2) . في المطبوع: «و إجماع».
3) . المائدة
4) :6.
5) . في المطبوع: - «فجعل المرافق».
6) . آل عمران (3):52؛ الصفّ (61):14.
7) . في المطبوع: «يردون».
8) . أبو أُ مامة زياد بن معاوية بن ضِباب الذُّبياني الغَطَفاني المُضَري، شاعر جاهليّ من الطبقة الأُولى، توفّي نحو سنة 18 ه. راجع: الأعلام للزركلي، ج 3، ص 54.
فلا تَترُكَنّي بالوَعيدِ؛ كأنَّني *** إلَى الناسِ مَطليٌّ به القارُ أجرَبُ(1)
أراد: مع الناسِ، أو عندَهم.
و قالَ ذو الرُّمّةِ(2):
بها كُلُّ خَوّارٍ إلىٰ كُلِّ صَعْلَةٍ(3)*** ضَهولٍ(4)، و رَفضُ(5)المُذْرِعاتِ(6)القَراهِبِ(7)
و راجع: ديوان ذي الرُّمَّة، ص 31.
أرادَ: مع كُلِّ صَعْلةٍ(8).
و قالَ امرُؤُ القَيسِ:
1) . راجع: ديوان النابغة الذُّبيانيّ، قافية الباء، قصيدة «البلاغ الكاذب» المشهورة بقصيدة «أيُّ الرجالِ المهذَّبُ».
2) . أبو الحارث غَيلان بن عُقبة بن نُهَيس بن مسعود العَدَوي، من مضر، و هو شاعر من فحول الطبقة الثانية في عصره. قال أبو عمرو بن العلاء: فُتح الشعر بامرئ القيس، و ختم بذي الرُّمّة. له ديوان طبع في مجلّد ضخم. توفّي بأصبهان سنة 117 ه. راجع الأعلام للزرِكلي، ج 5، ص 124.
3) . في المطبوع: «صولة». و الصَّعلة في بيتِه النَّعامة. و الخَوّار: الثَّور الوحشي الذي له خُوارٌ و هو صوتُه. لسان العرب، ج 11، ص 379 (صعل).
4) . في النسخ: «صهول». و في المطبوع: - «ضهول». و ضَهول: تَذهب و تَرجع. لسان العرب، ج 11، ص 379 (ضهل).
5) . في «ب، ج، د»: «و رقص». و في المطبوع: «و رفعي».
6) . في النسخ: «المدرعات». و في المطبوع: «المدا عار». و «المُذرِعات»: ذوات ذِرعان. و الذِّرعان جمع «الذَّرَع»، و هو ولد البقرة الوحشيّة. راجع: لسان العرب، ج 8، ص 96 (ذرع).
7) . في «أ» الكلمة غير واضحة. و في «ب، ج، د، ش» و المطبوع: «الترائب». و «القراهب» جمع «القَرهَب» بمعنى الكبير و الضخم و المسنّ و السيّد. راجع: لسان العرب، ج 1، ص 671 (قرهب).
8) . في المطبوع: «صولة».
لَهُ كَفَلٌ(1)كالدِّعْصِ(2)لَبَّدَهُ(3)النَّدىٰ(4)*** إلىٰ حارِكٍ(5)مِثلِ الرِّتاجِ(6)المُنَصَّبِ(7)
أرادَ: مع حارِكٍ(8).
فإن قيلَ: فهذا يَدُلُّ علَى احتمالِ لفظةِ «إلىٰ» معنَى(9)الغايةِ و غيرِها، فمِن أينَ أنّها في الآيةِ لغَيرِ معنَى الغايةِ؟
قلنا: يَكفي في إسقاطِ استدلالِكم بالآيةِ أن تَكونَ الآيةُ مُحتَمِلةً(10)لِما قُلناه و لِما قُلتموه، فهي دليلُنا و دليلُكم.
و بَعدُ، فلَو كانَت لفظةُ «إلىٰ» في الآيةِ محمولةً علَى الغايةِ، لَوَجَبَ أن يَكونَ
1) . «الكَفَل» بالتحريك: العَجُز. و قيل: رِدف العَجُز. لسان العرب، ج 11، ص 588 (كفل).
2) . «الدِّعص»: قوز من الرمل مثل التلال. و قيل: قطعة من الرمل مستديرة، أو الكثيب منه. راجع: العين، ج 1، ص 291؛ لسان العرب، ج 7، ص 35 (دعص).
3) . في «ب»: «لبّد». و في مجمع البيان، ج 3، ص 284: «بَلَّلَه» بدل «لبَّده». و لَبَّدَ المطرُ و النَّدى الأرضَ: ألصَقَ بعضَ ترابها ببعضٍ، فصارت قويّةً لا تَسوخ فيها الأرجُل. المعجم الوسيط، ج 2، ص 812 (لبد).
4) . «النَّدى»: أصله المطر، و يطلق على البلل و الرطوبة، و العَرَق، و المطر الخفيف. و قيل: النَّدى: ما سقط آخِرَ الليل؛ و أمّا الذي يسقط أوّلَه فهو السَّدى. راجع: المصباح المنير، ص 589 (ندى).
5) . في المطبوع: «خارك». و «الحارك»: أعلى الكاهل. و قيل: فرع الكاهل. راجع: العين، ج 3، ص 61؛ لسان العرب، ج 10، ص 410 (حرك).
6) . في «ج» و المطبوع: «الرياح». و في «ش»: «الرباح». و في الديوان: «الغَبيطِ». و «الرتاج»: الباب المغلَق. و قيل: الباب العظيم. راجع: العين، ج 6، ص 92؛ لسان العرب، ج 2، ص 279 (رتج).
7) . في مجمع البيان ذيل الآية: «المُضبَّبِ»، من ضَبَّبَ البابَ، بمعنى جعَلَ «الضَّبّةَ» فيه، و هي حديدة أو خشبة يُضبَّب بها الباب. راجع: لسان العرب، ج 1، ص 538 (ضبب). و في الديوان: «المُذأَّبِ». و راجع: ديوان امرئ القيس، قافية الباء، قصيدة «خليلَيَّ، مُرّا بي علىٰ أُمِّ جُندَبِ».
8) . في «ب، ش» و المطبوع: «خارك».
9) . في «أ، ج، د، ش» و المطبوع: «بمعنى».
10) . في المطبوع: «المحتملة» بدل «أن تكون الآية محتملة».
مَن لَم يَبتَدِئْ(1)بالأَصابعِ و يَنتَهِ(2)إلَى المَرافقِ عاصياً مُخالِفاً للأمرِ؛ و أجمَعَ المُسلِمونَ علىٰ خِلافِ ذلكَ.
و إذا حَمَلنا لفظةَ «إلىٰ» علىٰ معنىٰ «مَعَ» صارَ تقديرُ الكلامِ: «فاغسِلوا أيديَكم مَعَ المَرافِقِ»، و هذا هو الصحيحُ، الذي لا يَدفَعُه إجماعٌ و لا حُجّةٌ، كما قُلنا فيمَن حَمَلَ ذلكَ علَى الغايةِ.
مَسحُ مُقدَّمِ الرأسِ، غيرَ مُستَقبِلِ الشَّعرِ.
و اعلَمْ أنّ هذه الكَيفيّةَ أيضاً في مَسحِ الرأسِ مسنونةٌ، و يُكرَهُ تَركُها و مُخالَفتُها، و إن كانَ مَن خالَفَها - بأنِ استَقبَلَ الشَّعرَ - تارِكاً للفَضلِ، و مُخالِفاً للسُّنّةِ، إلّاأنّ فِعلَه مُجزٍ، يَستَبيحُ(3)بمِثلِه الصلاةَ.
و الحُجّةُ في ذلكَ: ما تَقدَّمَ مِن إجماعِ الإماميّةِ عليه.
و يُمكِنُ أن يُحتَجَّ فيه مِن طريقِ الاحتياطِ، بأنّ مَن لَم يَستَقبِلِ الشَّعرَ في مَسحِ الرأسِ، لا خِلافَ بَينَ الأُمّةِ في أنّه لَم يَعصِ و لَم يُبدِعْ. و مَن استَقبَلَ الشَّعرَ اختُلِفَ فيه؛ فمِن(4)الناسِ مَن يُبدِّعُه و يُخطِّئُه، و منهم من يُصوِّبُه. فالاحتياطُ و الاستظهارُ تَركُ الِاستقبالِ، ففيه الأمانُ مِن التبديعِ و التخطئةِ.
و يُمكِنُ أن تُستَعمَلَ هذه الطريقةُ المَبنيّةُ علَى الاحتياطِ في المَسألةِ الأُولىٰ.
فإن قيلَ: هذه الطريقةُ التي سَلَكتموها في اعتبارِ الاحتياطِ توجِبُ عليكم القولَ أنّ مسحَ جميعِ الرأسِ أَولىٰ و أحوَطُ؛ لأنّ مَن مَسَحَ بعضَ رأسِه يَذهبُ قومٌ مِن أهلِ العِلمِ إلىٰ أنّه ما أدَّى الفَرضَ، و إذا مَسَحَ الجميعَ فبالإجماعِ يَكونُ مؤدّياً للفَرضِ.
و كذلكَ إذا قيلَ فيمن غَسَلَ رِجلَيه: إنّه قد فَعَلَ ما يأتي علَى(1)المَسحِ و الغَسلِ، فهو مؤَدٍّ للفَرضِ باتّفاقٍ؛ و لَيسَ كذلكَ مَن مَسَحَ الرِّجلَينِ.
قلنا: الأمرُ بخِلافِ ما ظُنَّ؛ لأنّ مِن(2)مَذهَبِنا أنّ مَن مَسَحَ جميعَ رأسِه مُعتَقِداً أداءَ الفَرضِ، فهو مُبدِعٌ مُخطئٌ، و لا إجماعَ فيمن مَسَحَ جميعَ رأسِه أنّه سَليمٌ مِن التخطئةِ و التبديعِ.
و مَن غَسَلَ رِجلَيه عندَنا فما مَسَحَهما، و لا يَجوزُ له أن يَستَبيحَ(3)الصلاةَ بغَسلِ رِجلَيه؛ لأنّ الغَسلَ و المَسحَ يَتَنافَيانِ، و لا يَدخُلُ أحَدُهما في صاحبِه علىٰ ما ظَنَّه قومٌ.
و الذي(4)تَذهبُ إليه الشيعةُ الإماميّةُ: أنّ مَسحَ الأُذُنَينِ أو غَسلَهما(5)غيرُ واجبٍ و لا مسنونٍ علىٰ كُلِّ وجهٍ، لا مع الرأسِ، و لا مع الوجهِ.
و اتَّفَقَ جميعُ مَن خالَفَنا(6)مِن الفقهاءِ علىٰ أنّ مَسحَهما مسنونٌ غيرُ واجبٍ،
إلّا ما يَروونَ عن إسحاقَ بنِ راهَوَيهِ(1)فإنّه يُحكىٰ عنه إيجابُ المَسحِ عليهما(2)، و هذا قولٌ شاذٌّ، قد تَقَّدمَه(3)الإجماعُ و تأخَّرَ عنه.
ثُمَّ اختَلَفَ القائلونَ بأنّ مَسحَهما مسنونٌ:
فقالَ أبو حَنيفةَ و أصحابُه: الأُذُنانِ(4)مِن الرأسِ، يُمسَحُ(5)مُقدَّمُهما و مؤخَّرُهما مع الرأسِ، بالماءِ الذي يُمسَحُ به الرأسُ.(6)و مِثلُه قالَ(7)الأَوزاعيُّ.(8)
و قالَ مالكٌ و أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: يُمسَحانِ بماءٍ جَديدٍ.(9)
و قالَ الشافعيُّ: مَسحُ الأُذُنَينِ سُنّةٌ علىٰ حالِها؛ غيرُ مُتعلِّقةٍ بالوجهِ و لا الرأسِ، و يُمسَحانِ بماءٍ جَديدٍ.(10)و حُكيَ مِثلُه عن أبي ثَورٍ.(11)
1) . أبو يعقوبَ إسحاقُ بنُ راهَوَيهِ المَروَزي، من أئمّة الفقه و الحديث. كتب عن خلق من أتباع التابعين، و رحل إلى الحجاز، و له مع الشافعي مناظرة في بيوت مكّة. من تصانيفه: المسند، و كتاب التفسير. و توفّي سنة 237 ه. راجع: سير أعلام النبلاء، ج 11، ص 358، الرقم 79؛ معجم المؤلّفين، ج 2، ص 228.
2) . راجع: المجموع للنووي، ج 1، ص 425.
3) في المطبوع: «تقدّم».
4) . في النسخ المعتمدة: «الأُذنين». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط» و المطبوع.
5) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «تمسح». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للنُّسختَين: «ت، ط».
6) . راجع: تحفة الأحوذي، ج 1، ص 120؛ الجوهر النقي، ج 1، ص 65؛ البحر الرائق، ج 1، ص 53.
7) . في المطبوع: - «قال».
8) . راجع: تحفة الأحوذي، ج 1، ص 120؛ المجموع للنووي، ج 1، ص 414. و «أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي» تقدّمت ترجمته ذيل المسألة الرابعة من «الموصليّات الثانية».
9) . راجع: الخلاف، ج 1، ص 87؛ المدوَّنة الكبرى، ج 1، ص 16؛ الشرح الكبير، ج 1، ص 115؛ المجموع للنووي، ج 1، ص 414.
10) . من قوله: «و قال الشافعيّ...» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع. و راجع: التمهيد لابن عبد البرّ، ج 4، ص 41.
11) . راجع: المجموع للنووي، ج 1، ص 412 و 413. و «أبو ثور» هو: إبراهيم بن خالد بن اليمان
و قالَ الزُّهريُّ: هُما مِن الوجهِ، يُغسَلُ باطنُهما و ظاهرُهما مَعاً.(1)
و حُكيَ عن الشَّعبيِّ(2)و الحَسَنِ بنِ صالحِ بنِ(3)حَيٍّ:(4)أنّ ما أقبَلَ منهما مِن الوجهِ يُغسَلُ معه، و ما أدبَرَ مِن الرأسِ يُمسَحُ معه.(5)
و الحُجّةُ علىٰ ما ذَهَبنا إليه: إجماعُ الفِرقةِ، الذي تَقدَّمَ ذِكرُه.(6)
و مِن طريقِ الاحتياطِ: أنّ مَن تَرَكَ مَسحَ أُذُنَيه فلَيسَ بمُبدِعٍ و لا عاصٍ، و لَيسَ كذلكَ مَن مَسَحَهما؛ فالاحتياطُ العُدولُ عن مَسحِهما أو غَسلِهما.
إسباغُ الوضوءِ مَرَّتَينِ، و لا يَجوزُ ثَلاثاً(7)، و تُجزئُ(8)الدُّفعةُ.
و الحُجّةُ في ذلكَ: طريقةُ الإجماعِ، و قد تَقدَّمَت؛ و طريقةُ الاحتياطِ، و قد
1) . راجع: أحكام القرآن لابن العربي، ج 2، ص 573؛ تحفة الأحوذي، ج 1، ص 147.
2) . أبو عمر عامر بن شراحيل الشعبي الحميري، كوفيّ من شعب همدان، و روى عن الإمام عليّ عليه السلام، و زيد بن ثابت، و سعيد بن زيد و غيرهم. و روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، و الأعمش، و سعيد بن عمر و غيرهم. توفّي سنة 104 ه. و قيل 107 ه. راجع: طبقات الفقهاء، ص 61؛ تهذيب التهذيب، ج 5، ص 65.
3) في «ش» و المطبوع: - «صالح بن».
4) . الحسن بن صالح بن حيّ، تقدّمت ترجمته في المسألة الخامسة من «الموصليات الثانية».
5) . راجع: أحكام القرآن لابن العربي، ج 2، ص 574؛ تحفة الأحوذي، ج 1، ص 147.
6) . تقدّم الكلام عن طريقة الإجماع في مقدّمة هذه المسائل.
7) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «ثلاثة». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً لقواعد اللغة و لنسخة «ط».
8) . في «ب، ج، د»: «و يجزئ». و في المطبوع: «و يجتزئ».
مَضَت؛ لأنّ مَن اقتَصَرَ في الوضوءِ علىٰ مَرَّتَينِ، فبالإجماعِ إنّه فاعلٌ للسُّنّةِ، و غيرُ مُبدِعٍ و لا مُخطئٍ(1)و لَيسَ كذلكَ مَن فَعَلَ الثلاثَ(2).
أكثَرُ النِّفاسِ ثَمانيةَ عَشَرَ يَوماً.
و هذه المَسألةُ ممّا(3)تَكلَّمنا عليه في مَسائلِ الخِلافِ الواردةِ قَبلَ هذه،(4)فأشَرنا إلَى العُمدةِ المُعتَمَدةِ فيه.
و الدليلُ علىٰ صِحّةِ قولِنا في أكثَرِ النِّفاسِ: هو إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
و أيضاً فإنّ المَرأةَ داخلةٌ في عُمومِ الأمرِ بالصلاةِ و الصومِ، و إنّما نُخرِجُها في الأيّامِ التي حَدَّدناها مِن عُمومِ الأمرِ بالإجماعِ؛ و لا إجماعَ و لا دليلَ فيما زادَ علىٰ ما حَدَّدناه مِن الأيّامِ، فَيجِبُ أن تَكونَ داخلةً في عُمومِ الأمرِ.
للجُنُبِ و الحائضِ أن يَقرَءا مِن القُرآنِ أيَّ سورةٍ شاءا سَبعَ آياتٍ، سِوَى الأربَعِ عَزائمِ(5)السَّجَداتِ؛ و هي:
1) . في النسخ المعتمدة: «و لا مخطٍ». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً ل «ط» و المطبوع.
2) . في «ب، ج، د، ش» و المطبوع: «الثلاثة»؛ و هو عددٌ معدودُه «مَرّة» المؤنَّثة؛ فيجب تذكيرُه.
3) . في النُّسخ المعتمدة: «فيما». و الصواب ما أثبتناه؛ وفقاً للنُّسخ «ت، خ، ل» و المطبوع.
4) . يعني: «جوابات المسائل الموصليّات الثانية». راجع المسألة الثانية منها.
5) . في «ش» و المطبوع: «العزائم».
سَجدةُ لقمانَ(1)، و سَجدةُ الحَواميمِ،(2)و سورةُ النجمِ، و سورةُ القَلَمِ(3). و يَجِبُ السجودُ - عندَهم - علىٰ قارئها، علىٰ كُلِّ حالٍ.(4)
و اعلَم أنّ المَذهبَ الصحيحَ: أنّ للجُنُبِ و الحائضِ أن يَقرَءا مِن القُرآنِ ما شاءا، سِوَى السَّجَداتِ الأربَعِ، مِن غيرِ تعيينٍ علىٰ سَبعِ آياتٍ، أو أكثَرَ منها أو أقَلَّ.
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الطائفةِ.
و يُمكنُ أيضاً(5)أن يُحتَجَّ بظاهرِ قولِه تَعالىٰ: «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ» (6)، و قولِه تَعالىٰ: «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ» ،(7)و قولِه تَعالىٰ «اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ» (8).
و هذا عُمومٌ يَتَناوَلُ جميعَ القُرآنِ إلّاما أخرَجَه الدليلُ، و عَزائمُ السُّجودِ خَرَجَت بدليلٍ قاطعٍ، فوَجَبَ بقاءُ ما عَداها.
1) . هكذا في النسخ المعتمدة و المطبوع. و في نسختَي «ت، خ»: «الم تنزيل» و هي «سورة السجدة». و إنّما سمّيت سورة السجدة بسجدة لقمان - مع أنّها تالية لسورة لقمان - لكي لا تلتبس بحم السجدة. راجع: مجمع البيان، ج 8، ص 97.
2) . هكذا في النسخ المعتمدة. و في نُسختَي «خ، ط» و المطبوع: «سجدة حٰم» و هي «سورة فُصِّلَت».
3) . كذا في جميع النسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع. و المراد بسورة «القلم» هنا هي سورة «العلق».
4) . جاء في كتاب الإعلام، ص 18: «القول فيما يحلّ للحائض و النفساء و الجنب من قراءة القرآن: و اتّفقت الإماميّة علىٰ أنّ مَن ذكرناه له أن يقرأ من القرآن كلِّه ما يشاء، بينه و بين سبع آيات، سوىٰ أربع سور... و هي: سجدة لقمان، و حم السجدة، و النجم، و اقرأ باسم ربّك الذي خلق. و هذه السور عندهم بلا اختلاف يجب في قراءتها السجود على العزم دون الاستحباب».
5) . في المطبوع: - «أيضاً».
6) . المزّمّل (73):20.
7) . المزّمّل (73):20.
8) . العلق (96):1.
فَصلٌ(1)فيه سِتُّ مَسائلَ(2)تَتعلَّقُ بالأمواتِ
[المَسألةُ السابعةُ:] تَوجيهُ الميِّتِ عندَ غُسلِه نَحوَ القِبلةِ، مُلقىً علىٰ ظَهرِه.
و [المَسألةُ الثامنةُ:] أنّ حَنوطَه(3)الكافورُ خاصّةً، لا يُجزئُ غيرُه.
و [المَسألةُ التاسعةُ:] لا يُجزئُ منه مع الإمكانِ أقَلُّ مِن مِثقالٍ.
و [المَسألةُ العاشرةُ:] وَضعُ الجَريدتَينِ مع المَيِّتِ في كَفَنِه.
و [المَسألةُ الحاديةَ عَشَرَ:] تَركُه هُنَيئةً قَبلَ حَطِّه و إنزالِه القَبرَ؛ ليأخُذَ أُهْبةَ المُساءَلةِ.
و [المَسألةُ الثانيةَ عَشَرَ:] تلقينُه الشهادةَ و الرسالةَ و الإمامةَ في قَبرِه، قَبلَ وَضعِ اللَّبِنِ عليه.(4)
و اعلَمْ أنّ هذه المَسائلَ السِّتَّ(5)إنّما هي آدابٌ و سُنَنٌ مُستَحَبّةٌ، و لَيسَت بفَرضٍ واجبٍ.
1) . في النسخ و المطبوع: «الفصل السابع» بدل ما بين المعقوفين، و هو تسامح واضح.
2) . و هي تمتدّ من المسألة السابعة إلى الثانية عشر من هذه المسائل.
3) . في المطبوع: «الحنوط».
4) . جاء في كتاب الإعلام، ص 19: «جميع ما اتّفقت الإماميّة عليه ممّا أجمعت العامّة علىٰ خلافه في هذا الباب ستّة أشياء: منها: قول الإماميّة في توجيه الميّت عند غسله إلى القبلة مُلقىً علىٰ ظهره، و تبديعهم من خالف ذلك. و منها: قولهم: إنّ الحنوط هو الكافور خاصّة دون سائر الطيب، و إنّه لا يجوز التحنيط بغيره. و منها: قولهم: إنّ أقلّ مقداره - عند الوجود له و الإمكان - مثقال. و منها: قولهم في الجريدتين و أنّ السنّة وضعهما مع الميّت في الأكفان. و منها: قولهم في حَطّه و إمهاله قبل إنزاله إلى القبر قرب شفيره ليأخذ أُهبته للسؤال. و منها: تلقينهم الميّتَ في قبره قبل وضع اللَّبِن عليه سنّةً يؤثرونها عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و عترته عليهم السلام».
5) . في المطبوع: - «الستّ».
و الطريقُ إلىٰ أنّها مُستَحبّةٌ(1)مسنونةٌ هو الإجماعُ، الذي تَقدَّمَ ذِكرُه.
1) . في «د»: - «و ليست بفرض واجب. و الطريق إلى أنّها مستحبّة».
استعمالُ «حَيَّ علىٰ خيرِ العملِ» في الأذانِ [واجبٌ](1)، و إنّ تَركَه كتَركِ شَيءٍ مِن ألفاظِ الأذانِ.(2)
و الحُجّةُ أيضاً: اتّفاقُ الطائفةِ المُحِقّةِ عليه، حتّىٰ صارَ لها شِعاراً لا يُدفَعُ، و عَلَماً لا يُجحَدُ(3).
إرسالُ(4)اليَدَين في الصلاةِ واجبٌ، و كَتفُهما مُفسِدٌ لها.(5)
و الحُجّةُ في ذلكَ: الإجماعُ، المُكرَّرُ ذِكرُه.
1) . في «ص»: «مستحبّ» بدل «واجب». و في سائر النسخ و المطبوع: - «واجب».
2) . جاء في كتاب الإعلام، ص 21: «و اتّفقت الإماميّة علىٰ أنّ من ألفاظ الأذان و الإقامة للصلاة: حيَّ علىٰ خير العمل، و أنّ من تركها متعمّداً في الإقامة و الأذان من غير اضطرار فقد خالف السنّة، و كان كتارك غيرها من حروف الأذان».
3) . في المطبوع: «و يُجحد» بدل «لا يُجحد».
4) في المطبوع: «إنّ إرسال».
5) . جاء في كتاب الإعلام، ص 22: «و اتّفقت الإماميّة على إرسال اليدين في الصلاة، و أنّه لايجوز وضع إحداهما على الأُخرى كتكفير أهل الكتاب».
ثُمَّ طريقُ الاحتياطِ؛ لأنّ مَن لَم يَضَعْ إحدىٰ يَدَيه علَى الأُخرىٰ لا خِلافَ في أنّه غيرُ عاصٍ، و لا مُبتَدِعٍ، و لا قاطعٍ للصلاةِ؛ و إنّما الخِلافُ فيمن وَضَعَها؛ فالأَولىٰ و الأَحوطُ إرسالُ اليَدَينِ.
قولُ «آمينَ» في الصلاةِ يَقطَعُها.(1)
و الحُجّةُ أيضاً علىٰ مَذهبِنا في(2)ذلكَ: الإجماعُ المُتقدِّمُ.
ثمَّ(3)طريقةُ الاحتياطِ، و هي واضحةٌ؛ لأنّ مَن لَم يَتلفَّظْ بهذه اللفظةِ لا خِلافَ في أنّه غيرُ مُبتَدِعٍ، و لا قاطعٍ لصَلاتِه(4)و إنّما الخِلافُ فيمن تَلفَّظَ بها.
لا تَجوزُ(5)في الفَرائضِ قِراءةُ سورَتَينِ و لا بعضِ سورةٍ بَعدَ فاتِحةِ الكتابِ.(6)
و هذه المَسألةُ أيضاً ممّا لا حُجّةَ فيها إلّاإجماعُ الفِرقةِ(7)المُحِقّةِ، و إطباقُهم علىٰ أنّ خِلافَه لا يَجوزُ.
1) . جاء في كتاب الإعلام، ص 23: «و اتّفقت الإماميّة علىٰ أنّه لا يجوز التلفّظ بآمين في الصلاة».
2) . في المطبوع: «من».
3) في المطبوع: «في».
4) . في المطبوع: «لصلاة».
5) في المطبوع: «لا يجوز».
6) . جاء في كتاب الإعلام، ص 24: «و اتّفقت الإماميّة علىٰ أنّه لا يجوز القراءة في فرائض الصلاة ببعض سورة و إن قرأ قبلها فاتحة الكتاب. و لا يجوز الجمع بين قراءة سورتين فيما بعد فاتحة الكتاب».
7) في المطبوع: «و هذه المسألة أيضاً فيها إجماع الفرقة».
إنّ السُّجودَ لا يَجوزُ إلّاعلَى الأرضِ، أو ما(1)أنبَتَت(2)الأرضُ، سِوَى الثِّمارِ.
و لا يَجوزُ السُّجودُ علىٰ ثَوبٍ منسوجٍ، إلّاعند الضرورةِ؛ و إن كانَ أصلُه النَّباتَ.(3)
و الحُجّةُ في ذلكَ: هذا الإجماعُ الذي أشَرنا إليه.
ثُمَّ طريقةُ الاحتياطِ؛ لأنّ مَن سَجَدَ علَى الأرضِ أو ما أنبَتَته ممّا لَيسَ بثَمَرةٍ، كان مؤَدّياً للفَرضِ - و تُجزئُ الصلاةُ - و غيرَ(4)عاصٍ و لا مُخالِفٍ؛ و لَيسَ كذلكَ مَن سَجَدَ علىٰ ما يُخالِفُ ما ذَكَرناه. فالأحوَطُ فِعلُ ما لا خِلافَ فيه.
الاجتماعُ(5)في نَوافِلِ شَهرِ رَمَضانَ بِدعةٌ، و السُّنّةُ هو التطَوُّعُ بها فُرادىٰ.(6)
1) . في «ش» و المطبوع: «و ما».
2) . في المطبوع: + «من».
3) . جاء في كتاب الإعلام، ص 25: «و اتّفقت الإماميّة علىٰ أنّه لا يجوز السجود إلّاعلى الأرض الطاهرة أو ما أنبتت الأرض سوى الثمار، و أنّه لا يجوز السجود علىٰ ثوب منسوج و إن كان أصله من النبات، إلّاعند الحاجة إليه و الاضطرار».
4) . في المطبوع: «غير» بدون واو العطف.
5) . في المطبوع: «الإجماع».
6) . جاء في كتاب الإعلام، ص 26: «و اتّفقت الإماميّة علىٰ أنّ الإجماع (كذا) في نوافل ليالي شهر رمضان بدعة حدثت بعد النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله، و أنّ السنّة بذلك التطوّع بها على الانفراد».
و الوجهُ أيضاً في ذلكَ: [ما تَقدَّمَ] مِن إجماعِ الفِرقةِ المُحِقّةِ علىٰ تبديعِ مَن جَمَعَ بهذه الصلاةِ.
و لأنّه لَيسَ في تَركِها حَرَجٌ و لا إثمٌ عندَ أحَدٍ مِن الأُمّةِ(1)و في فِعلِها علَى الإجماعِ(2)إثمٌ و بِدعةٌ. فالأحوَطُ العُدولُ عنها.
و صَلاةُ الضُّحىٰ بِدعةٌ، لا تَجوزُ.(3)
و الوجهُ في ذلكَ: ما تَقدَّمَ مِن طريقةِ الاحتياطِ و الإجماعِ مَعاً.
سُجودُ الشُّكرِ و التعفيرُ واجبٌ(4)، له فَضلٌ كَبيرٌ(5).
أمّا القولُ بوجوبِ سُجودِ الشُّكرِ، فهو غيرُ صَحيحٍ؛ و لكِنَّه مِن السُّنَنِ المؤكَّدةِ، و الآدابِ المُستَحَبّةِ.
1) . في المطبوع: «الأئمّة»
2) المراد: إجماع الفرقة المحقّة.
3) . في «ب»: «لا يجوز». و قد جاء في كتاب الإعلام، ص 26-27: «و اتّفقت الإماميّة علىٰ تبديع العامّة فيما يختارونه من صلاة الضحىٰ».
4) . في المطبوع: «غير واجب».
5) . في المطبوع: «كثير». و قد جاء في كتاب الإعلام، ص 27: «اتّفقت الإماميّة علىٰ أنّ سجدتَي الشكر و التعفير بعدهما في أعقاب الصلوات فضلٌ جاءت به السنّة عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و عمل به الأئمّة من عترته عليهم السلام». فما نُقل عنه في المتن من الوجوب ليس بصحيح.
و الطريقةُ إلىٰ كَونِه بهذه الصفةِ إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
و أقَلُّ ما يُجزئُ في الجَمعِ لصَلاةِ(1)العيدَينِ سَبعةُ نَفَرٍ؛ لَيسوا بمَرضىٰ، و لا مُسافِرينَ، و لا غازينَ. و أقَلُّ ما يُجزئُ في الجُمُعةِ خَمسةُ نَفَرٍ، بالصفاتِ المذكورةِ.(2)
و اعلَمْ أنّ مَذهبَنا المشهورَ المعروفَ في أقَلِّ العَدَدِ الذي تَنعَقِدُ به(3)صَلاةُ الجُمُعةِ: خَمسةٌ، الإمامُ أحَدُهم. و هذا العَدَدُ بعَينِه مُعتَبَرٌ(4)في صَلاةِ العيدَينِ، مِن غيرِ زيادةٍ عليه.
و قالَ أبو حَنيفةَ و الثوريُّ: إنّ الجُمُعةَ تَنعَقِدُ بأربَعةٍ.(5)
و رُويَ عن أبي يوسُفَ(6)و الليثِ(7): أنّها تَنعَقِدُ بثَلاثةٍ.(8)
1) . في المطبوع: «و الصلاة» بدل «لصلاة»
2) الإعلام، ص 28.
3) . في المطبوع: - «به».
4) في المطبوع: - «معتبر».
5) . الخلاف، ج 1، ص 598؛ المجموع للنووي، ج 4، ص 504؛ الشرح الكبير، ج 2، ص 176.
6) . أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حُميد الأنصاري الكوفي القاضي، ولي القضاء للمهدي و ابنيه، كان تلميذ أبي حنيفة و من أتباعه. ذكره الشيخ الطوسي فيمن روى عن الإمام الصادق عليه السلام، و روى عن الأعمش، و هشام بن عروة، و عطاء و غيرهم. و روى عنه محمّد بن الحسن الفقيه، و أحمد بن حنبل، و بشر بن الوليد، و غيرهم. توفّي سنة 182 ه. راجع: الفهرست لابن النديم، ص 256؛ رجال الطوسي، ص 324، الرقم 4843؛ سير أعلام النبلاء، ج 8، ص 535؛ الرقم 141.
7) . هو «ليث بن سعد»، تقدّمت ترجمته في المسألة الثانية من «الموصليات الثانية».
8) . راجع: الخلاف، ج 1، ص 599؛ المجموع للنووي، ج 4، ص 504.
و قال الشافعيُّ: لا تَنعَقِدُ بأقَلَّ مِن أربَعينَ نَفساً.(1)
و رُويَ عن الحَسَنِ(2): أنّها تَنعَقِدُ بِاثنَينِ.(3)
و قالَ مالكٌ: إذا كانَت قَريةٌ فيها(4)سوقٌ و مَسجِدٌ، فعَلَيهم الجُمُعةُ مِن غيرِ اعتبارِ عَدَدٍ.(5)
و دليلُنا علىٰ صِحّةِ مَذهبِنا: هو إجماعُ الطائفةِ المُحِقّةِ.
و يُمكِنُ أيضاً أن يُستَدَلَّ بقَولِه تَعالىٰ: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلاٰةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اَللّٰهِ» (6)، و هذا عُمومٌ، إنّما أخرَجنا منه مَن نَقَصَ عن العَدَدِ الذي(7)ذَكَرناه.
و لا يَصلُحُ لإمامةِ(8)الجُمُعةِ و العيدَينِ: أبرَصُ، و لا مَجذومٌ، و لا مَفلوجٌ، و لا مَحدودٌ.(9)
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
1) . الأُمّ، ج 1، ص 190.
2) . في المطبوع: + «و الحسين». و المراد به هنا «الحسن بن صالح بن حيّ»، تقدّمت ترجمته في المسألة الخامسة من «الموصليات الثانية».
3) . راجع: الخلاف، ج 1، ص 599؛ المجموع للنووي، ج 4، ص 504.
4) . في المطبوع: «قريبة» بدل «قرية فيها».
5) . راجع: الكشف و البيان للثعلبي، ج 9، ص 313؛ تفسير القرطبي، ج 18، ص 112.
6) . الجمعة (62):9.
7) في المطبوع: «بالذي».
8) . في المطبوع: «إ مامة».
9) . الإعلام، ص 29.
و طريقةُ الاحتياطِ؛ لأنّ إمامةَ مَن لَيسَ له هذه الصفاتُ جائزةٌ ماضيةٌ باتّفاقٍ، و لَيسَ كذلكَ الائتمامُ بمَن له بعضُ هذه الصفاتِ.
و صَلاةُ الكُسوفِ رَكعَتانِ، تَشتَمِلُ علىٰ عَشرِ رَكَعاتٍ(1). و يَجِبُ علىٰ تاركِها مُتعمِّداً الغُسلُ، إنِ احتَرَقَ القُرصُ كُلُّه.(2)
و الذي يَجِبُ أن يُقالَ في ذلكَ: إنّ صَلاةَ كُسوفِ الشمسِ أو القمرِ(3)واجبةٌ، لا يَجوزُ تَركُها. و يَتوجَّهُ فَرضُها إلَى الذُّكورِ و الإناثِ، و الحُرِّ و العَبدِ، و المُقيمِ و المُسافِرِ، و إلىٰ كُلِّ مَن لَم يَكُن له عُذرٌ يُبيحُ مِثلُه(4)الإخلالَ بالفَرضِ. و تُصَلّىٰ(5)في جَماعةٍ و علَى انفرادٍ.
و لا يَنبَغي أن يُقالَ: «هي رَكعَتانِ، فيها عَشرُ رَكَعاتٍ»؛ فإنّ هذا كالمُناقَضةِ، بَل يُقالُ: هي عَشرُ رَكَعاتٍ، و أربَعُ سَجَداتٍ؛ و ترتيبُها مسطورٌ في الكُتُبِ.(6)
و تُقضىٰ إذا فاتَت، بشَرطِ أن يَكونَ قُرصُ(7)المُنكَسِفِ(8)احتَرَقَ كُلُّه، و لا قَضاءَ
1) . جمع ركعة، بمعنىٰ: «المرَّة من الركوع». و للركعة معنىً آخر و هو: «كلّ قَومة يتلوها الركوع والسجدتان من الصلوات». المعجم الوسيط، ج 1، ص 370.
2) . الإعلام، ص 29-30.
3) في المطبوع: «و القمر».
4) . في المطبوع: «بمثله».
5) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «و يصلّى». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
6) . الهداية، ص 151؛ المقنعة، ص 208 و ما بعدها.
7) . في النسخ المعتمدة: «فرض». و في المطبوع: «القرص». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً ل «خ، ص».
8) . في «ب، ج، د»: «المنكشف». و في المطبوع: + «قد».
مع احتراقِ بعضِه.
فأمّا الغُسلُ، فهو فيمن(1)تَعمَّدَ تَركَ هذه الصلاةِ، فإنّه يَلزَمُه مع القَضاءِ(2)الغُسلُ.
و الصلاةُ علَى المَوتىٰ خَمسُ تكبيراتٍ. و التسليمُ فيها غيرُ واجبٍ؛ إلّاللتقيّةِ، أو لإعلامِ المأمومينَ الخُروجَ مِن الصلاةِ.(3)
و الحُجّةُ في ذلكَ - مع الإجماعِ المُتقدِّمِ -: أنّ مَن كَبَّرَ خَمساً، فقَد فَعَلَ الواجبَ بإجماعٍ، و لَيسَ كذلكَ مَن نَقَصَ مِن(4)هذا العَدَدِ.
و مِن السُّنّةِ وقوفُ الإمامِ(5)حتّىٰ تُرفَعَ الجِنازةُ علىٰ أيدي الرِّجالِ.(6)
و هذا أيضاً فالحُجّةُ فيه: اتّفاقُ الطائفةِ، و أنّه(7)الأحوَطُ.
1) . في «ب، ج، د»: «من» بدل «فيمن».
2) . في المطبوع: «انقضاء».
3) . الإعلام، ص 30-31.
4) . في المطبوع: - «من».
5) . في المطبوع: «الإجماع».
6) . الإعلام، ص 31-32. و قد جاء فيه: «و اتّفقت الإماميّة علىٰ أنّ من السنّة وقوف الإمام في صلاة الجنائز مكانه، حتّىٰ تُرفع الجنازة علىٰ أيدي الرجال».
7) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «فإنّه». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
و إنّ الزكاةَ في التِّبْرِ و الفِضّةِ غيرُ واجبةٍ، حتّىٰ يَصيرا(1)وَرِقاً(2)و دَنانيرَ.
و إنّ السَّبائكَ مِن الذهَبِ و الفِضّةِ(3)لا زَكاةَ فيها، إلّاعلىٰ مَن هَرَبَ بِهما مِن الزكاةِ.(4)
و الحُجّةُ في هذا الذي حَكَيناه: إجماعُ الطائفةِ المُحِقّةِ.
أقَلُّ ما يُجزئُ مِن الزكاةِ دِرهَمٌ.(5)
و الطريقةُ في نُصرةِ ذلكَ: مع إجماعِ الفِرقةِ المُحقّةِ، طريقةُ الاحتياطِ؛ لأنّ مَن
أخرَجَ هذا المَبلَغَ أجزأ عنه و سَقَطَ عن ذِمّتِه بالإجماعِ، و لَيسَ الأمرُ علىٰ ذلكَ فيمن أخرَجَ أقَلَّ منه.
و لا يُجزئُ إخراجُها إلّاإلَى المُقِرّينَ(1)العارفينَ بوِلايةِ(2)أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ، فإن أُخرِجَت إلىٰ غيرِهم وَجَبَت الإعادةُ.(3)
و الوجهُ في ذلكَ - بَعدَ الإجماعِ المُتكرِّرِ ذِكرُه -: أنّ الجاهلَ بوِلايةِ(4)أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و إمامتِه(5)عندَ أهلِ الإمامةِ في حُكمِ المُرتَدِّ؛(6)و لا خِلافَ بَينَ المُسلِمينَ في أنّ الزكاةَ لا تُخرَجُ إلَى المُرتَدّينَ، و مَن أخرَجَها إليهم وَجَبَت عليه الإعادةُ. و هذا فَرعٌ مَبنيٌّ علىٰ هذا الأصلِ.
و إنّ زَكاةَ الفِطرةِ صاعٌ، و هو تِسعةُ أرطالٍ بالعِراقيِّ.
و الحُجّةُ في ذلكَ - بَعدَ الإجماعِ المُقدَّمِ ذِكرُه -: طريقةُ الاحتياطِ؛ و بيانُها: أنّ مَن
أخرَجَ تِسعةَ أرطالٍ فقَد سَقَطَ عن ذِمّتِه خُروجُ(1)الفِطرةِ، و لَيسَ كذلكَ مَن أخرَجَ أقَلَّ منها.
و الخُمُسُ سِتّةُ أسهُمٍ: ثَلاثةٌ منها للإمامِ القائمِ بخِلافةِ الرسولِ، و هي: سَهمُ اللّٰهِ تَعالىٰ، و سَهمُ رَسولِه،(2)و سَهمُ الإمامِ. و الثلاثةُ الباقيةُ: ليَتامىٰ آلِ الرسولِ، و مَساكينِهم، و أبناءِ سَبيلِهم؛ خاصّةً،(3)دونَ الخَلقِ أجمَعينَ.
و تحقيقُ هذه المَسألةِ: أنّ إخراجَ الخُمُسِ واجبٌ في جميعِ المَغانِمِ و المَكاسِبِ، و كُلِّ ما استُفيدَ بالحَربِ، و ما استُخرِجَ أيضاً مِن المَعادِنِ، و الغَوصِ، و الكُنوزِ، و ما فَضَلَ مِن المُؤَنِ(4).
و تمييزُ أهلِه هو أن يُقسَّمَ علىٰ سِتّةِ سِهامٍ(5):
ثَلاثةٌ منها للإمامِ القائمِ مَقامَ الرسولِ عليهمُ السلامُ؛ و هي: سَهمُ اللّٰهِ، و سَهمُ رَسولهِ، و سَهمُ ذي القُربىٰ؛ لأنّ(6):
[1] إضافةَ اللّٰهِ تَعالىٰ ذلكَ إلى نفسِه هي(7)في المعنىٰ للرسولِ عليه السلامُ، و إنّما أضافَها إلىٰ نفسِه تفخيماً لشأنِ الرسولِ و تعظيماً؛ كإضافةِ طاعةِ الرسولِ عليه السلامُ إليه تَعالىٰ، و كَما(8)أضافَ رِضاهُ عليه السلامُ و أذاهُ إليه - جَلَّت عظمتُه -.
1) . في المطبوع: «خروجه»
2) في «ب»: - «و سهم رسوله».
3) . في المطبوع: - «خاصّة».
4) . في جميع النسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «و ما فضل من الخمس»؛ و الصحيح ظاهراً ما أثبتناه.
5) في المطبوع: «أسهام».
6) . في المطبوع: «كان».
7) في المطبوع: «و هي».
8) . في «ب، ج، د»: «فكما». و في المطبوع: «كما».
[2] و السهمُ الثاني المذكورُ المضافُ إلَى الرسولِ عليه السلامُ بصَريحِ الكلامِ.
و هذانِ السَّهمانِ مَعاً للرسولِ عليه السلامُ في حَياتِه، و لخَليفتِه(1)القائمِ مَقامَه بَعدَه.
[3] فأمّا المُضافُ إلىٰ ذي القُربىٰ، فإنّما عَنىٰ به وَليَّ الأمرِ مِن بَعدِه؛ لأنّه القَريبُ إليه الخِصّيصُ به(2).
و الثلاثةُ الأسهُمِ الباقيةُ: ليَتامىٰ آلِ مُحمّدٍ عليه السلامُ، و مَساكينِهم، و أبناءِ سَبيلِهم؛ و هُم بَنو هاشِمٍ خاصّةً، دونَ غيرِهم.
و إذا غَنِمَ المُسلِمونَ شَيئاً مِن دارِ الكُفرِ بالسَّيفِ، قَسَّمَه الإمامُ علىٰ خَمسةِ أسهُمٍ؛ فجَعَلَ أربَعةً منها بَينَ مَن قاتَلَ عليه(3)، و جَعَلَ السَّهمَ الخامسَ علىٰ سِتّةِ أسهُمٍ - هي التي قَدَّمنا بيانَها -؛ منها له عليه السلامُ ثَلاثةٌ، و ثَلاثةٌ للثلاثةِ الأصنافِ(4)مِن أهلِه؛ مِن أيتامِهم، و مَساكينِهم، و أبناءِ سَبيلِهم.
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه، و عملُهم به.
فإن قيلَ: هذا تخصيصٌ لعُمومِ الكتابِ؛ لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يَقولُ: «وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبىٰ» (5)، فأطلَقَ و عَمَّ، و أنتم جَعَلتم المُرادَ بذي القُربىٰ واحداً.
ثُمَّ قالَ: «وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ» ، و هذا عُمومٌ، فكَيفَ خَصَصتُموه لبَني هاشِمٍ خاصّةً؟
فالجوابُ عن ذلكَ: أنّ العُمومَ قد يُخَصُّ بالدليلِ القاطعِ، و إذا كانت الفِرقةُ المُحِقّةُ قد أجمَعَت علَى الحُكمِ الذي ذَكَرناه، خَصَصنا(1)[العُمومَ] بإجماعِهم الذي هو غيرُ مُحتَمِلِ الظاهرِ؛ لأنّ إطلاقَ قولِه: «للقُربىٰ»(2)يَقتَضي بعُمومِه قَرابةَ النبيِّ عليه السلامُ و غيرِه، فإذا خُصَّ به قَرابةُ(3)النبيِّ عليه السلامُ(4)فقَد عُدِلَ عن الظاهرِ.
و كذلكَ إطلاقُ لفَظةِ «اليَتامىٰ وَ المَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ» يَقتَضي دُخولَ(5)مَن كانَ بهذه الصفةِ؛ مِن مُسلِمٍ و ذِمّيٍّ، و غَنيٍّ و فَقيرٍ، و لا خِلافَ في أنّ عُمومَ ذلكَ غيرُ مُرادٍ، و أنّه مخصوصٌ علىٰ كُلِّ حالٍ.
الأنفالُ خالصةٌ لرسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في حَياتِه، و للإمامِ القائمِ بَعدَه مَقامَه عليه السلامُ.
و تحقيقُ هذه المَسألةِ: أنّ «الأنفالَ»: كُلُّ أرضٍ فُتِحَت مِن غيرِ أن يوجَفَ عليها بخَيلٍ و لا رِكابٍ، و الأرَضونَ المَواتُ، و تَرِكاتُ مَن لا وارِثَ له. و هذه الأنفالُ(6)خالصةٌ للنبيِّ عليه السلامُ في حَياتِه، و هي للإمامِ القائمِ مَقامَه مِن بَعدِه.
1) . في «ب، ج، د»: «خصصناه». و في المطبوع: - «خصصنا».
2) . كذا، و الأنسب: «القربىٰ».
3) . كذا، و الأنسب: «بقرابة»، أي خُصَّ عموم «القربىٰ» بقرابة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله، بالإجماع.
4) . من قوله: «و غيره، فإذا خُصّ به» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ج، د».
5) . في المطبوع: «بدخول».
6) . من قوله: «كلّ أرضٍ فُتحت» إلى هنا ساقط من المطبوع.
و إنّما أضافَ هذه الأنفالَ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ - و إن كانَت للرسولِ عليه السلامُ - علَى الوجهِ الذي تَقدَّمَ بَيانُه مِن التعظيمِ و التفخيمِ.(1)
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه(2).
و إنّ صَفوَةَ الأموالِ مِن الأنفالِ خاصّةٌ للنبيِّ عليه السلامُ و للإمامِ.
و تحقيقُ هذه المَسألةِ: أنّ كُلَّ شَيءٍ يَصطَفيهِ و يَختارُه النبيُّ عليه السلامُ أو الإمامُ القائمُ مَقامَه بَعدَه لنفسِه مِن الغَنائمِ قَبلَ القِسمةِ - مِن جاريةٍ حَسناءَ، و فَرَسٍ(3)فارِهٍ، و ثَوبٍ(4)حَسَنٍ(5)- فهو له
و الحُجّةُ فيه: الإجماعُ المُتقدِّمُ.
و مَن فاتَه عَرَفاتٌ(1)، و أدرَكَ المَشعَرَ الحرامَ يَومَ النحرِ، فقَد أدرَكَ الحَجَّ.(2)
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ عليه.
و أيضاً: فقَد ثَبَتَ وجوبُ الوقوفِ بالمَشعَرِ - كما وَجَبَ الوقوفُ بعَرَفاتٍ - بقَولِه تَعالىٰ: «فَاذْكُرُوا اَللّٰهَ عِنْدَ اَلْمَشْعَرِ اَلْحَرٰامِ وَ اُذْكُرُوهُ كَمٰا هَدٰاكُمْ» (3)فهذا أمرٌ يَقتَضي ظاهرُه الوجوبَ.
و كُلُّ مَن أَوجَبَ مِن الأُمّةِ الوقوفَ بالمَشعَرِ الحَرامِ، جَعَلَ مُدرِكَه مُدرِكاً للحَجِّ، و إن فاتَه الوقوفُ بعَرَفاتٍ؛ لأنّ الأُمّةَ بَينَ قائلَينِ: قائلٍ لا يوجِبُ الوقوفَ بالمَشعَرِ، و الآخَرُ يوجِبُه؛ فمَن(4)أوجَبَه أقامَ إدراكَه مَقامَ إدراكِ عَرَفاتٍ. فالقَولُ بوجوبِه و أنّه لا يُدرَكُ به الحَجُّ خُروجٌ عن الإجماعِ.
1) . في المطبوع: «الوقوف بعرفات» بدل «عرفات».
2) . الإعلام، ص 34. و قد اكتفى الشيخ المفيد بنقل هذه المسألة فقط من أحكام الحجّ؛ لأنّها المسألة الوحيدة التي يُجمع العامّة فيها علىٰ خلاف الإماميّة، ثمّ قال: «فأمّا ما سواه من أحكام الحجّ، فليس للإماميّة على الإطباق فيه قولٌ إلّاو كافّة العامّة توافقهم عليه أو بعضهم حسب ما قدّمناه».
3) . البقرة (2):198.
4) . كذا، و الأنسب: «و من».
المسألةُ الرابعةُ و الثلاثونَ عَدَدُ الشُّفَعاءِ في العَقارِ(1)
و لا شُفعةَ في العَقارِ(2)بَينَ أكثَرَ مِن اثنَينِ؛ سَواءٌ كانَ مُشاعاً أو مَقسوماً.(3)
و هذه المَسألةُ قد بيّنّاها و شَرَحناها و ذَكَرنا(4)الصحيحَ منها في «المَسائلِ الأُولىٰ»؛(5)فلا معنىٰ لإعادتِه.
إنّه(6)لا رِبا بَينَ الوالدِ و وَلَدِه، و لا بَينَ الزوجِ و زَوجَتِه(7).
و هذه المسألةُ أيضاً ممّا(8)قد بيّنّاها و انتَهَينا فيها إلىٰ أبعَدِ الغاياتِ، في «جوابِ المَسائلِ الأُولىٰ».(9)
1) . لم يذكر الشيخ المفيد أحكام البيوع؛ لعدم إجماع العامّة في مسألة من مسائل البيوع علىٰ خلاف الإماميّة. راجع: الإعلام، ص 34-35. و لذلك انتقل إلىٰ بحث الشفعة.
2) . في «ب، ج، د»: «للعقار» بدل «في العقار».
3) . الإعلام، ص 35.
4) . في «ب، ج، د»: «و ذكرناها».
5) . يعني بها: «المسائل الموصليّات الثانية». راجع المسألة الرابعة منها.
6) . في المطبوع: - «إنّه».
7) . سقطت هنا من عبارة كتاب الإعلام، ص 36 عدّة أوراق، إلىٰ نكاح المتعة.
8) . في المطبوع: - «ممّا».
9) . راجع: المسألة الخامسة من «المسائل الموصليّات الثانية».
و مَن زَنىٰ بذاتِ بَعلٍ، لَم تَحِلَّ له بَعدَ مَوتِ بَعلِها أو طَلاقِه إيّاها.
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
و يُحتَمَلُ أيضاً استعمالُ طريقةِ الاحتياطِ فيه؛ لأنّ اجتنابَ نِكاحِ هذه المَرأةِ لا ذَمَّ فيه و لا لَومَ مِن أحَدٍ، و في نِكاحِها الخِلافُ المشهورُ؛ فالاحتياطُ اجتنابُه.
إنّ النكاحَ إذا عُقِدَ علىٰ ما لا ثَمَنَ له - مِن كَلبٍ، و خِنزيرٍ، و خَمرٍ - هَل(1)يَصِحُّ النكاحُ و يَجِبُ المَهرُ في الذِّمّةِ، أَم يَكونُ العَقدُ باطلاً مفسوخاً؟
و الصحيحُ مِن المَذهبِ - الذي لا خِلافَ فيه بَينَ أصحابِنا -: أنّ كُلَّ نِكاحٍ عُقِدَ
1) . في «ب»: «لم». و الصواب: «أَ» الاستفهاميّة بدل «هل»؛ لمجي «أَم» بعدها.
علىٰ ما لا قيمةَ له، كانَ صَحيحاً(1)، و يَجِبُ(2)في ذِمّةِ المعقودِ له مَهرُ المِثلِ، و لا يَكونُ العَقدُ باطلاً مِن حَيثُ بَطَلَ المَهرُ المُسمَّى المُصرَّحُ به.
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الإماميّةِ عليه.
و أيضاً: فلَيسَ ذِكرُ المَهرِ الفاسدِ بأكثَرَ مِن فَقدِ ذِكرِ المَهرِ(3)جُملةً، و قد ثَبَتَ أنّ مَن عَقَدَ و لَم يُسَمِّ مَهراً مَضَى العَقدُ و صَحَّ و ثَبَتَ المَهرُ في الذِّمّةِ؛ فكذلكَ(4)فيما ذَكَرناه.
و مَن تَزوَّجَ امرأةً مُحرِمةً و هو مُحرِمٌ، فُرِّقَ بَينَهما، و لَم تَحِلَّ له أبداً.
و أصحابُنا يَشرِطونَ(5)في ذلكَ: أنّ مَن تَزوَّجَ و هو مُحرِمٌ - بَعدَ أن عَرَفَ(6)تحريمَ ذلكَ عليه - فُرِّقَ بَينَهما، و لَم تَحِلَّ له أبداً.(7)
و الحُجّةُ في ذلكَ: الإجماعُ المُتكرِّرُ ذِكرُه، و طريقةُ الاحتياطِ أيضاً.
1) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «العقد يصحّ» بدل «صحيحاً». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاًلنسخة: «ط».
2) . في المطبوع: «و وجب».
3) . في المطبوع: - «الفاسد بأكثر من فقد ذكر المهر».
4) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «و كذلك». و الصواب ما أثبتناه؛ وفقاً ل «ت».
5) . في «ج» و المطبوع: «يشترطون».
6) . في المطبوع: «و يعلم» بدل «بعد أن عرف».
7) . من قوله: «و أصحابنا يشرطون» إلىٰ هنا ساقط من «ب».
و مَن تَزوَّجَ امرأةً(1)في عِدّةٍ يَملِكُ(2)زَوجُها عليها فيها الرَّجعةَ، فُرِّقَ بَينَهما، و لَم تَحِلَّ له أبداً، و إن كانَ(3)دَخَلَ بها جاهلاً.
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ(4)الفِرقةِ المُحِقّةِ، و طريقةُ الاحتياطِ أيضاً(5).
و كذلكَ مَن عَقَدَ علَى امرأةٍ في عِدّةٍ مِن غيرِ دخولٍ بها، فُرِّقَ بَينَهما، و لَم تَحِلَّ له أبداً.
و أصحابُنا يَشرِطونَ في هذه المسألةِ(6): و هو يَعلَمُ أنّها في عِدّةٍ.(7)
و الحُجّةُ في ذلكَ: الإجماعُ، و طريقةُ الاحتياطِ.
و مَن طَلَّقَ امرأةً تِسعَ تطليقاتٍ للعِدّةِ، حَرُمَت عليه، و لَم تَحِلَّ له أبداً.
و الحُجّةُ في ذلكَ: طريقةُ الاحتياطِ، و الإجماعُ.
و مَن(1)فَجَرَ بعمّتِه أو خالتِه(2)، حَرُمَ عليه نِكاحُ بِنتَيهما(3)، و لَم تَحِلّا له أبداً.
و الحُجّةُ في ذلكَ: الإجماعُ، و طريقةُ الاحتياطِ.
و مَن تَلوَّطَ بغُلامٍ فأَوقَبَ، لَم يَحِلَّ له نِكاحُ أُختِه و لا أُمِّه و لا ابنتِه.(4)
و الحُجّةُ في ذلكَ: الطريقتانِ المُتقدِّمتانِ.
جوازُ نِكاحِ النساءِ في أدبارِهنَّ.
و هذه المَسألةُ عليها إطباقُ الشيعةِ الإماميّةِ، و لا خِلافَ بَينَ فقهائهم و علمائهم في الفَتوىٰ بإباحةِ ذلكَ؛ و إنّما يَقِلُّ التظاهُرُ(5)بَينَهم في الفَتوىٰ بإباحةِ هذه المَسألةِ علىٰ سَبيلِ التقيّةِ، و خَوفاً(6)مِن الشَّناعةِ.
و الحُجّةُ في إباحةِ هذا الوَطءِ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه؛ و قد بيّنّا أنّ(1)إجماعَهم حُجّةٌ.
و يَدُلُّ أيضاً عليه: قولُه تَعالىٰ: «نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ» (2)، و معنىٰ «أَنَّى شِئْتُمْ»: كَيفَ شئتم، و في أيِّ مَوضِعٍ أرَدتم.
فإن قيلَ: ما أَنكَرتم أن يَكونَ معنىٰ قولِه: «أَنّىٰ شِئْتُمْ»: أيَّ وقتٍ شِئتم؟
قُلنا: هذه اللفظةُ تُستَعمَلُ في الأماكنِ و المَواضعِ، و قَلَّما(3)تُستَعمَلُ في الأوقاتِ؛ ألا تَرىٰ أنّهم يَقولونَ: «اِلقَ زَيداً أينَ كانَ و أنّىٰ كانَ»، يُريدونَ بذلكَ عُمومَ الأماكنِ؟
و لَو سَلَّمنا أنّها تُستَعمَلُ في الأوقاتِ،(4)لَحَمَلنا الآيةَ علىٰ عُمومِ الأماكنِ و الأوقاتِ معاً(5)، فكأنّه قالَ: فأْتوا حَرثَكم أيَّ مَوضعٍ شِئتم، و أيَّ وقتٍ شِئتم.
فأمّا مَن يَطعَنُ علىٰ هذه الطريقةِ(6)بأن يَقولَ: قد جَعَلَ اللّٰهُ تَعالَى النساءَ حَرثاً، و الحَرثُ لا يَكونُ إلّاحَيثُ النَّسلُ، فيَجِبُ أن يَكونَ قولُه(7): «فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ» مُختَصّاً بمَوضعِ النَّسلِ(8).
فلَيسَ بشَيءٍ؛ لأنّ النساءَ و إن كُنَّ(9)لنا حَرثاً، فقَد أُبيحَ لنا وطؤهُنَّ - بِلا خِلافٍ،
1) . في المطبوع: - «أنّ»
2) البقرة (2):223.
3) . في المطبوع: «و كلّ ما» و استُظهر في هامشه: «كما» بدل «و كلّ ما».
4) . من قوله: «ألا تَرىٰ أنّهم» إلى هنا ساقط من «ش».
5) . في المطبوع: - «معاً».
6) . في المطبوع: - «الطريقة».
7) . في «ب، ج، د»: - «قوله».
8) . و هو القُبُل.
9) . في المطبوع: «كنّا». نعم استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
بهذه الآيةِ و بغَيرِها - في غيرِ مَوضعِ الحَرثِ؛ فيما دونَ الفَرجِ، و بحَيثُ لا نَسلَ(1).
فلَيَس يَقتَضي جَعلُه تَعالىٰ لهنَّ حَرثاً حَظْرَ(2)الاستمتاعِ في غيرِ مَوضعِ الحَرثِ.
ألا تَرىٰ أنّه لَو قالَ صَريحاً: «نِساؤكم حَرثٌ لكم، فأْتوا حَرثَكم في القُبُلِ، و الدُّبُرِ، و فيما دونَ الفَرجِ، و في كُلِّ مَوضِعٍ يَقَعُ به(3)الاستمتاعُ» لَكانَ الكلامُ صَحيحاً؟
و قد استَدلَّ قومٌ في هذه المَسألةِ بقَولِه تَعالىٰ: «أَ تَأْتُونَ اَلذُّكْرٰانَ مِنَ اَلْعٰالَمِينَ * وَ تَذَرُونَ مٰا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوٰاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عٰادُونَ» (4)، و قالَ(5):
لا يَجوزُ أن يَدعُوَهم إلَى التعوُّضِ(6)بالأزواجِ عن الذُّكرانِ، إلّاو قد أباحَ مِنهُنَّ مِن الوطءِ المخصوصِ مِثلَ ما يُلتَمَسُ مِن الذُّكرانِ.
و كذلكَ قالوا في قولِه تَعالىٰ: «هٰؤُلاٰءِ بَنٰاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ» (7). في المطبوع: «كان».(8)و أنّه لَو لَم يَكُن في بَناتِه المعنَى المُلتَمَسُ مِن الذُّكرانِ، ما جَعَلَهُنَّ عِوَضاً عنه.
و هذا لَيسَ بشَيءٍ يُعتَمَدُ؛ لأنّه يَجوزُ أن يُعوَّضَ(9)مَن أتَى(10)الذُّكرانَ بذلكَ؛ مِن حَيثُ كانَ له عنه عِوَضٌ بنِكاحِ النساءِ في الفُروجِ المعهودِ(11)لأنّ(11) فيه مِن
1) . في «ب، د، ش» و المطبوع: «لا نسأل»، و هو سهو واضح.
2) . في المطبوع: «حظّ». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
3) . في المطبوع: + «حظّ».
4) . الشعراء (26):165-166.
5) . كذا، و الأنسب: «و قالوا».
6) . في المطبوع: «التعرّض».
7) . هود
8) :78.
9) . في «أ، ب، د، ش»: «يتعوّض». و في المطبوع: «يتعرّض».
10) . في المطبوع: «إتيان».
11) . نعت لِ «نكاح».
الاستمتاعِ و اللذّةِ مِثلَ ما في غيرِه. و كذلكَ القولُ في الآيةِ الأُخرىٰ.
ألا تَرىٰ أنّه قد(1)كان يَحسُنُ التصريحُ بما ذَكَرناه فيَقولَ: «أَ تأتونَ الذُّكرانَ مِنَ العالَمينَ، و تَذَرونَ ما خَلَقَ لَكُم رَبُّكم(2)مِن أزواجِكم؛ مِن الوَطءِ في القُبُلِ؟» لأنّه عِوَضٌ عنه، و مُغنٍ عن استعمالِه له(3)علىٰ كُلِّ حالٍ.
جوازُ عَقدِ المَرأةِ - التي(4)تَملِكُ أَمرَها - علىٰ نفسِها، بغَيرِ وليٍّ.
و هذه المَسألةُ يوافِقُ فيها أبو حَنيفةَ و يَقولُ: إنّ المَرأةَ إذا عَقَلَت و كَمَلَت، زالَت عن الوِلايةِ في بُضعِها، و لها أن تُزوِّجَ(5)نفسَها؛ و لَيسَ لأحَدٍ اعتراضٌ(6)عليها، إلّاإذا وَضَعَت نفسَها في غيرِ كُفْءٍ.(7)
و قال أبو يوسُفَ(8)و مُحمّدٌ(9): يَفتَقِرُ النكاحُ إلَى الوليِّ، و لكِنّه لَيسَ بشَرطٍ فيه؛ فإذا زَوَّجَت نفسَها فعَلَى الوليِّ إجازةُ ذلكَ.(10)
1) . في المطبوع: - «قد»
2) في المطبوع: - «ربّكم».
3) . في المطبوع: - «له».
4) في المطبوع: - «التي».
5) . في المطبوع: «أن تتزوّج»
6) في المطبوع: «الاعتراض».
7) . راجع: المؤتلَف من المختلَف للطبرسي، ج 2، ص 110؛ جامع الخلاف و الوفاق، ص 439.
8) . أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاريّ، تقدّمت ترجمته في المسألة 21 من هذه الرسالة.
9) . أبو عبد اللّٰه محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، أحد فقهاء العامّة، ولد بواسط سنة 132 ه، و نشأ بالكوفة، و تفقّه على أبي حنيفة و أبي يوسف و الثوري و مالك و الأوزاعي و غيرهم. له كتاب الجامع الصغير و الأصل و الحجّة على أهل المدينة و غيرها. مات سنة 189 ه. راجع: تاريخ بغداد، ج 2، ص 169، الرقم 593؛ ميزان الاعتدال، ج 5، ص 121، الرقم 410.
10) . راجع: البحر الرائق، ج 3، ص 117؛ المجموع للنووي، ج 16، ص 149.
و قالَ مالكٌ: المَرأةُ المقبَّحةُ(1)الدَّميمةُ(2)لا يَفتَقِرُ نِكاحُها إلَى الوليِّ، و مَن كانَت بخِلافِ هذه الصفةِ تَفتَقِرُ(3)إلَى الوليِّ.(4)
و قال داودُ(5): إن كانَت بِكراً افتَقَرَ نِكاحُها إلَى الوليِّ، فإن(6)كانَت ثَيِّباً لَم يَفتَقِرْ.(7)
و الدليلُ علىٰ صِحّةِ مَذهبِنا: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
فإن طُعِنَ في ذلكَ بما رُويَ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن قولِه: «أيُّ(8)امرأةٍ نُكِحَت بغَيرِ إذنِ وليِّها، فنِكاحُها باطلٌ»(9).
فالجوابُ عنه: أنّ هذا خبرُ واحدٍ، و الصحيحُ أنّ أخبارَ الآحادِ لا توجِبُ عِلماً و لا عملاً.(10)
1) . هكذا في المطبوع. و في النسخ المعتمدة: «الوحشة». و يحتمل أن تكون الكلمة: «الوَحَرة». و «امرأةٌ وَحَرةٌ»: سوداءُ دَميمةٌ، أو حَمراءُ قَصيرةٌ. راجع: الصحاح، ج 2، ص 844؛ لسان العرب، ج 5، ص 281 (وحر).
2) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «الذميمة» بالذال المعجمة. و دَمَّ يَدَمُّ دَمامةً: قبُح منظرُه و صغُر جسمُه و حقُر؛ فهو دَميمٌ. راجع: لسان العرب، ج 12، ص 208 (دمم).
3) . في النسخ المعتمدة: «يفتقر». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً للنُّسختين «خ، ط» و المطبوع.
4) . راجع: المدوّنة الكبرى، ج 4، ص 16؛ المجموع للنووي، ج 16، ص 149.
5) . أبو سليمان داود بن عليّ بن داود بن خلف الأصفهاني، هو أوّل من استعمل قول الظاهر، و لقّب بالظاهري لقوله بأخذ معنى القرآن و الحديث الظاهر دون الباطن، و ألغى ما سوى ذلك من الرأي و القياس. له كتب، منها: الإيضاح، و الإفصاح، و الدعوى و البينات و غيرها. مات سنة 270 ه. راجع: الفهرست لابن النديم، ص 271؛ تاريخ بغداد، ج 8، ص 366، الرقم 4473؛ سيَر أعلام النبلاء، ج 13، ص 97، الرقم 55
6) في المطبوع: «و إن».
7) . في المطبوع: «لم تفتقر». و راجع: المجموع للنووي، ج 16، ص 149.
8) . كذا في جميع النسخ و المطبوع. و في المصدر: «أيّما».
9) . مسند أحمد، ج 6، ص 66 و 166؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 137؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 605، ح 1880.
10) . في المطبوع: - «و لا عملاً».
و هو أيضاً مطعونٌ في نَقلِه، مُضعَّفٌ عندَ أصحابِ الحَديثِ؛ و قد قَدَحَ فيه نُقّادُ الحَديثِ بما هو معروفٌ مشهورٌ.(1)
و لَو سَلِمَ مِن كُلِّ القَدحِ، لَجازَ أن نَحمِلَه علَى الأَمَةِ خاصّةً؛ لأنّه قد رُويَ هذا الحَديثُ بلَفظٍ آخَرَ؛ و هو: «أيُّ امرأةٍ أنكَحَت نفسَها بغَيرِ إذنِ مَولاها، فنِكاحُها باطلٌ»(2). فدَلَّ ذلكَ علىٰ أنّ الخبرَ وَرَدَ في الأَمَةِ، و مَولَى الأَمَةِ يُسمّىٰ «وليّاً» كَما يُسمّىٰ «مَولىً».
هَل يَجوزُ النكاحُ بغَيرِ شُهودٍ؟
و عندَنا: أنّ الشهادةَ لَيسَت بشَرطٍ في النكاحِ، و إن كانَت أفضَلَ و أجمَلَ فيه. و بذلكَ قالَ داودُ.(3)
و قالَ مالكٌ: مِن شَرطِ(4)النكاحِ أن لا يَتَواصَوا بالكِتمانِ؛ فإن تَواصَوا به لَم(5)يَصِحَّ و إن حَضَرَ الشُّهودُ، و إن لَم يَتَواصَوا بالكِتمانِ صَحَّ و إن لَم يَحضُرِ الشُّهودُ.(6)
و الدليلُ علىٰ صِحّةِ قولِنا: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه.
1) . راجع: عمدة القاري، ج 20، ص 116.
2) . راجع: المبسوط للسرخسي، ج 5، ص 12؛ أحكام القرآن للجصّاص، ج 1، ص 487.
3) . تقدّمت ترجمته قبل قليل. و راجع: المبسوط للسرخسي، ج 5، ص 30؛ نيل الأوطار، ج 6، ص 127.
4) . في المطبوع: «و شرط» بدل «من شرط».
5) . في المطبوع: «بأعلم» بدل «بالكتمان، فإن تواصوا به لم».
6) . راجع: الخلاف، ج 4، ص 262؛ نيل الأوطار، ج 6، ص 127.
و أيضاً: فإنّ(1)اللّٰهَ تَعالىٰ ذَكَرَ النكاحَ في مَواضِعَ كَثيرةٍ مِن الكتابِ و لَم يَشرِطِ(2)الشهاداتِ، فدَلَّ علىٰ أنّها لَيسَت بشَرطٍ فيه.
فإن احتَجَّ مُحتَجٌّ بما يُروىٰ مِن قولِه عليه السلامُ: «لا نِكاحَ إلّابوَليٍّ و شاهِدَي عَدلٍ»(3).
فهذا خبرٌ لا يوجِبُ العِلمَ، و لا يَقتَضي القَطعَ، و لا يَجِبُ العملُ به.
علىٰ أنّه مُحتَمِلٌ؛ لأنّه قالَ: «لا نِكاحَ» مِن غيرِ تصريحٍ بنَفيِ الصحّةِ و الإجزاءِ أو نَفيِ التفضيلِ، و إذا لَم يَكُن في لفظِه تصريحٌ(4)بهذا المعنىٰ جازَ أن يُحمَلَ علىٰ نَفيِ الفَضلِ؛ فكأنّه قالَ: لا نِكاحَ فاضلاً إلّابوَليٍّ و شُهودٍ، كما قالَ عليه السلامُ: «لا صَلاةَ لجارِ المَسجِدِ إلّافي المَسجِدِ»(5)، و «لا صَدَقةَ و ذو رَحِمٍ مُحتاجٌ».(6)
نِكاحُ المُتعةِ.(7)
1) . في المطبوع: «إنّ»
2) في المطبوع: «و لم يشترط».
3) . دعائم الإسلام، ج 2، ص 218، ح 807؛ عوالي اللآلي، ج 1، ص 306، ح 9 و 10؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 7، ص 111 و 124-126؛ فتح الباري، ج 9، ص 187.
4) . في المطبوع: - «تصريح». و فيه: «إذا» بدل «و إذا»، و «التفضّل» بدل «التفضيل».
5) . المجازات النبويّة، ص 112، ح 79؛ التهذيب، ج 1، ص 92، ح 244؛ و ج 3، ص 6، ح 16؛ وسائل الشيعة، ج 5، ص 194، ح 6310؛ المستدرك على الصحيحين، ج 1، ص 246؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 3، ص 57.
6) . الفقيه، ج 2، ص 68، ح 1740؛ و ج 4، ص 381، ح 5828؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 380، ح 12286.
7) . الإعلام، ص 36.
و لا تَختَلِفُ(1)الشيعةُ الإماميّةُ في إباحةِ هذا العَقدِ المُسَمّىٰ في الشريعةِ «نِكاحَ(2)المُتعةِ». و إنّما تَميَّزَ مِن غيرِه بأنّه نِكاحٌ مؤجَّلٌ(3)غيرُ مؤبَّدٍ، و لَم يَتميَّزْ(4)بانتفاءِ الشهادةِ عنه؛ لأنّ الشهادةَ قد تَنتَفي عن(5)النكاحِ المؤبَّدِ فيَصِحُّ و إن لَم يَكُن مُتعةً، و لَو أشهَدَ بالنكاحِ المؤجَّلِ لَكانَ مُتعةً و إن حَضَرَه الشُّهودُ.
و الدليلُ علىٰ صِحّةِ مَذهبِنا: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ، و في إجماعِها الحُجّةُ.
و أيضاً: قولُه تَعالىٰ بَعدَ ذِكرِ المُحرَّماتِ مِن النساءِ: «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوٰالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» (6)، فأباحَ(7)نِكاحَ المُتعةِ بصَريحِ لفظِها الموضوعِ لها في الشريعةِ؛ لأنّ لفظَ «الِاستمتاعِ» و «المُتعةِ» إذا أُطلِقَ في الشريعةِ لَم يُفِدْ(8)إلّاهذا العَقدَ المخصوصَ المؤجَّلَ، و لا يُحمَلُ علَى التلَذُّذِ.(9)
ألا تَرىٰ أنّهم يَقولونَ: «فُلانٌ يَرىٰ إباحةَ نِكاحِ المُتعةِ»، و «فُلانٌ يَحظُرُ نِكاحَ المُتعةِ»، و لا(10)يُريدونَ بذلكَ(11)اللَّذّةَ، و إنّما يُريدونَ بذلكَ العَقدَ المؤجَّلَ؟
1) . في المطبوع: «و لا يختلف».
2) . في المطبوع: «بنكاح».
3) . في المطبوع: + «عليه».
4) . في «ش»: «و التميّز». و في المطبوع: «و التمييز»، كلاهما بدل «و لم يتميّز».
5) . في المطبوع: «قد ينتفي من».
6) . النساء (4):24.
7) . في المطبوع: «و أباح».
8) . في المطبوع: «لم يرد».
9) . في المطبوع: «المتلذّذ».
10) . في المطبوع: «لا» بدون واو العطف.
11) . في المطبوع: + «العقد».
و أيضاً: فلا خِلافَ أنّ نِكاحَ المُتعةِ كانَ في أيّامِ النبيِّ عليه السلامُ معمولاً(1)به، و لَم يَقُم(2)دليلٌ شَرعيٌّ علىٰ حَظرِه و النهيِ عنه؛ فَيجِبُ أن يَكونَ مُباحاً.
نِكاحُ المَرأةِ علىٰ عَمّتِها و خالتِها جائزانِ، إذا رَضِيَت العَمّةُ و الخالةُ بذلكَ.(3)
و الحُجّةُ علىٰ صِحّةِ هذا المَذهبِ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه، و عُمومُ آياتِ النكاحِ في القُرآنِ، كقَولِه تَعالىٰ: «فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسٰاءِ» (4)، و لَم يَستَثنِ عَمّةً و لا خالةً.
فإن احتُجَّ بقَولِه عليه السلامُ: «لا تُنكَحُ المرأةُ علىٰ عَمّتِها و لا خالتِها».(5)
فهو خبرُ واحدٍ ضَعيفٌ، و نَحمِلُه علىٰ حَظرِ ذلكَ إذا لَم يَقَعِ الرضا منهما.
1) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «و معمولاً». و حذف الواو هو الصواب؛ طبقاً ل: «ص، ط».
2) . في المطبوع: «و لا يقم».
3) . الإعلام، ص 37.
4) . النساء (4):3.
5) . مسند أحمد، ج 1، ص 78 و 372؛ و ج 2، ص 179 و 189 و 207 و 255 و 426 و 432 و...؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 136؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 621، ح 1929 و 1931؛ سنن النسائي، ج 6، ص 97 و 98.
إنّ الطلاقَ لا يَقَعُ إلّابشاهدَينِ عَدلَينِ مُسلِمَينِ(1).
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
و لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ قالَ: «فَإِذٰا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فٰارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلشَّهٰادَةَ لِلّٰهِ» (2)فجَعَلَ الشهادةَ شَرطاً في الفُرقةِ التي هي الطلاقُ لا مَحالةَ.
فإن قيلَ: إنّما شَرَطَ الشهادةَ في الرجعةِ في قولِه: «فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» .
قُلنا: هذا غَلَطٌ؛ لأنّ الأمرَ بالشهادةِ(3)مُلاصِقٌ لذِكرِ الفُرقةِ، و هو(4)إليها أقرَبُ مِن ذِكرِ الرَّجعةِ؛ ورَدُّ الكلامِ إلَى الأقرَبِ أَولىٰ مِن رَدِّه إلَى الأبعَدِ.
علىٰ أنّه لَيسَ بمُتَنافٍ أن يَرجِعَ إلَى الرَّجعةِ و الفُرقةِ مَعاً، فيَتِمَّ مُرادُنا.
علىٰ أنّ الأمرَ بالشهادةِ يَقتَضي ظاهرُه الوجوبَ و أن يَكونَ شَرطاً؛ و لَم يَقُلْ أحَدٌ مِن الأُمّةِ أنّ الشهادةَ في الرَّجعةِ واجبةٌ و أنّها شَرطٌ فيها(1)، و قد اختَلَفوا في كَونِها شَرطاً في الطلاقِ، فنَفاه قومٌ، و أثبَتَه(2)قومٌ؛ فيَجِبُ أن يَكونَ الأمرُ بالشهادةِ - الذي ظاهرُه يَقتَضي الوجوبَ - مصروفاً إلَى الطلاقِ، دونَ الرَّجعةِ التي قد أجمَعَت(3)الأُمّةُ علىٰ أنّه لَيسَ بشَرطٍ فيها.
إنّ الطلاقَ لا يَقَعُ بغَيرِ لَفظٍ مخصوصٍ.(4)
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ علىٰ أنّ الطلاقَ لا يَقَعُ إلّابهذا اللفظِ الصريحِ دونَ غيرِه، و إجماعُها هو الحُجّةُ.
و لأنّ الطلاقَ حُكمٌ شَرعيٌّ؛ فيَجِبُ(5)أن نَرجِعَ فيه إلىٰ ما شُرِعَ(6)لنا مِن لفظِه، دونَ ما لَم يُشرَعْ. و لا خِلافَ في أنّ المشروعَ في الفُرقةِ بَينَ الزوجينِ لفَظُ «الطلاقِ» المُصرَّحُ، دونَ الكناياتِ التي لها(7)معناه.
إن الطلاقَ لا يَقَعُ بشَرطٍ؛ علىٰ كُلِّ حالٍ.(1)
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه.
و لأنّ المشروعَ في الطلاقِ أن يَكونَ بغَيرِ شَرطٍ، و لا خِلافَ أنّ الطلاقَ المشروطَ غيرُ مشروعٍ؛ و ما لَيسَ بمشروعٍ لا حُكمَ له في الشريعةِ.
إنّ الطلاقَ لا يَقَعُ بيَمينٍ، و لا هو يَمينٌ.(2)
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه.
و لأنّ(3)الطلاقَ أيضاً لَم يُشرَعْ لنا علىٰ جِهةِ اليَمينِ؛ و ما لَيسَ بمشروعٍ فلا حُكمَ له في الشريعةِ.
و إنّ الطلاقَ الثلاثَ لا يَقَعُ إلّابَعدَ رَجعتَينِ مِن المُطلِّقِ؛ مِن الثلاثِ
و الِاثنتَينِ(1)و الواحدةِ. و مَن لَم يُراجِعْ فلا طَلاقَ له.(2)
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
و أيضاً: فإنّ المسنونَ في «الطلاقِ علَى الطلاقِ» بأن يَكونَ بَعدَ رَجعةٍ، و إدخالُ الطلاقِ علَى الطلاقِ(3)مِن غيرِ رَجعةٍ خِلافُ السُّنّةِ و المشروعِ في الطلاقِ. و إذا كانَ الطلاقُ حُكماً شَرعيّاً، فما(4)لَم يُشرَعْ فيه(5)لا حُكمَ له.
و إنّ الظِّهارَ لا يَقَعُ إلّابشُروطِ(6)الطلاقِ؛ مِن الِاستبراءِ، و الشاهدَينِ، و النيّةِ، و اللفظِ المخصوصِ، و أن يَكونَ غيرَ مشروطٍ.(7)
و أجمَعَت الإماميّةُ علىٰ أنّ شُروطَ الظِّهارِ كشُروطِ الطلاقِ؛ فمتَى اختَلَّ شَرطٌ مِن هذه لَم يَقَعْ ظِهارٌ، كَما لا يَقَعُ الطلاقُ.
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
1) . في المطبوع: «و الاثنين».
2) . الإعلام، ص 39.
3) . في «ب»: - «بأن يكون بعد رجعة، و إدخال الطلاق على الطلاق».
4) . في المطبوع: - «فما».
5) . في المطبوع: «فيها».
6) . في «ب، ج، د»: «حافظ» بدل «بشروط». و في المطبوع: «بشرط». و ما أثبتناه هو الصحيح ظاهراً، و هو حصيلةُ الدقّة في «أ».
7) . الإعلام، ص 40.
إنّ التخييرَ باطلٌ، لا تَقَعُ(1)به فُرقةٌ. و كذلكَ التمليكُ.(2)
و هذا سَهوٌ مِن قائلِه؛ لأنّ فقهاءَ الشيعةِ الإماميّةِ يُفتونَ بجَوازِ التخييرِ، و أنّ الفُرقةَ تَقَعُ به؛(3)و كُتُبُهم المُصنَّفةُ(4)مشحونةٌ به، و أخبارُهم(5)و رواياتُهم عن أئمّتِهم عليهمُ السلامُ مُتَظاهِرةٌ(6)فيه.(7)
و قد بَيَّنوا(8)في مُصنَّفاتِهم كَيفيّةَ(9)هذا التخييرِ، فقالوا(10): إذا أرادَ الرجُلُ أن يُخيِّرَ امرَأةً، اعتَزَلَها شَهراً، و كانَ ذلكَ علىٰ طُهرٍ مِن غيرِ جِماعٍ - في مِثلِ الحالِ التي لَو أرادَ أن يُطلِّقَها فيها طَلَّقَها - ثُمَّ خَيَّرَها فقالَ لها: «قد خَيَّرتُكِ»، أو «قد جَعَلتُ أمرَكِ إليكِ»، و يَجِبُ أن يَكونَ ذلكَ(11)بشَهادةٍ.
1) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «لا يقع». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً ل «ط».
2) . الإعلام، ص 40.
3) . نُقل وجود خلاف في ذلك. راجع: مختلف الشيعة، ج 7، ص 338.
4) . في المطبوع: - «و كتبهم المصنَّفة».
5) . في المطبوع: «أخبارهم» بدون واو العطف.
6) . في المطبوع: «متظافرة».
7) . وسائل الشيعة، ج 22، ص 94، ح 7-12.
8) . في المطبوع: «تبيّنوا».
9) . في المطبوع: «بقيّة».
10) . نقل العلّامة الحلّي الكيفيّة التالية بعينها عن ابن الجنيد، مع اختلاف يسير في الألفاظ. راجع: مختلف الشيعة، ج 7، ص 339. و الظاهر أنّ المصنّف رحمه اللّٰه نقلها من كتاب ابن الجنيد أيضاً.
11) . في المطبوع: «قولك».
فإنِ اختارَت نفسَها مِن غيرِ أن تَتَشاغَلَ(1)بحَديثٍ - مِن قولٍ، أو فِعلٍ كانَ يُمكِنُها(2)أن لا تَفعَلَه - صَحَّ اختيارُها.
و إنِ اختارَت بَعدَ تَشاغُلِها بفِعلٍ، لَم يَكُن اختيارُها ماضياً.
فإنِ اختارَت في جوابِ قولِه لها ذلكَ نَفْسَها،(3)و كانَت مدخولاً بها،(4)و كانَ تخييرُه إيّاها عن غيرِ عِوَضٍ أخَذَه منها، كانَت كالمُطلَّقةِ الواحدةِ التي هو(5)أحَقُّ برَجعتِها في عِدّتِها.
و إن كانَت غيرَ مدخولٍ بها، فهي تطليقةٌ بائنةٌ.
و إن كانَ تخييرُه إيّاها عن عِوَضٍ أخَذَه منها، فهي بائنٌ، و هي أملَكُ بنفسِها.
و إن جَعَلَ الاختيارَ إلىٰ وقتٍ بعَينِه، فاختارَت(6)قَبلَه، جازَ اختيارُها؛ و إنِ اختارَت بَعدَه، لَم يَجُز.
و رَوَى ابنُ(7)أُذَينةَ، عن مُحمّدِ بنِ مُسلِمٍ، عن أبي جَعفَرٍ عليه السلامُ: «إذا خَيَّرَها، أو جَعَلَ(8)أمرَها بيَدِها، في غيرِ قُبُلِ عِدَّتِها(9)، مِن غيرِ أن يُشهِدَ شاهدَينِ،
1) . في «ب، ج، د»: «أن يتشاغل».
2) . في المطبوع: «يمكنه».
3) . في المطبوع: - «نفسها».
4) . في المطبوع: «مدخولة» بدل «مدخولاً بها».
5) . في جميع النسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «هي»؛ و هو خطأ.
6) . في النسخ المعتمدة: «و اختارت». و الصواب ما أثبتناه؛ وفقاً لنُسختَي «ح، ل» و المطبوع.
7) . في المطبوع: + «بابويه عن عمر بن».
8) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «و جعل». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للمصدر.
9) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «عدّة». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للمصدر. و المراد من قوله: «في غير قُبُل عدّتها» أي في غير طهرها؛ فإنّ المراد من «قُبُل العدّة» إقبالها و أوّلها و ابتداؤها، و العدّة تبدأ في حال الطهر. راجع: النهاية في غريب الحديث، ج 4، ص 9.
فلَيسَ بشَيءٍ. و إن(1)خَيَّرَها، أو جَعَلَ(2)أمرَها بيَدِها، بشَهادةِ شاهدَينِ، في قُبُلِ عِدّتِها، فهي بالخِيارِ ما لَم يَتفرَّقا(3). فإنِ اختارَت نفسَها، فهي واحدةٌ، و هو أحَقُّ برَجعتِها. و إنِ اختارَت زَوجَها، فلَيسَ بطَلاقٍ».(4)
و لَم نَذكُرْ هذا الخبرَ احتجاجاً بأخبارِ الآحادِ التي لا حُجّةَ في مِثلِها؛ و إنّما أورَدناه ليُعلَمَ أنّ المَذهبَ في جوازِ التخييرِ بخِلافِ ما حُكيَ.
و الرواياتُ في هذا البابِ كَثيرةٌ ظاهرةٌ، و لَولا الإطالةُ لَذَكَرناها.(5)
و قد ذَكَرَ أبو الحَسَنِ عليُّ بنُ الحُسَينِ بنِ بابَوَيهِ القُمّيُّ رَحِمَه اللّٰهُ:
أنّ أصلَ التخييرِ هو أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ أَنِفَ لنبيِّه عليه السلامُ مِن(6)مَقالةٍ قالَتها بعضُ نِسائه؛ و هي قولُ بعضِهنَّ: «أ يَرىٰ مُحمّدٌ أنّه إذا طَلَّقَنا لا نَجِدُ أَكفاءً(7)مِن قُرَيشٍ يَتزوَّجونَنا(8)؟»، فأمَرَ اللّٰهُ تَعالىٰ نبيَّه عليه السلامُ أن يَعتَزِلَ نِساءَه تِسعاً و عِشرينَ لَيلةً، فاعتَزَلَهُنَّ، ثُمَّ نَزَلَت هذه الآيةُ: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلاً * وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ فَإِنَّ اَللّٰهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنٰاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً» (9)فاختَرنَ اللّٰهَ و
1) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «فإن». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للمصدر.
2) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «و جعل». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للمصدر.
3) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «ما لم يفترقا». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للمصدر.
4) . الفقيه، ج 3، ص 518، ح 4811؛ وسائل الشيعة، ج 22، ص 96، ح 28116.
5) . تقدّم تخريجها في بداية الجواب
6) في المطبوع: «على».
7) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «أكفاءنا». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً لنسخة «ط».
8) . في جميع النسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «يتزوّجنا»؛ و هو سهو.
9) . الأحزاب (33):28-29.
رَسولَه، فلَم يَقَعِ الطلاقُ؛ و لَو اختَرنَ أنفُسَهُنَّ لَبِنَّ.(1)
انقَضَت الحكايةُ عن(2)ابنِ بابَوَيهِ.
و أقولُ:(3)لَستُ أَدري ما السبَبُ في إنكارِ مَن أنكَرَ التخييرَ(4)للمَرأةِ؟ و هَل هو إلّا تَوكيلٌ في الطلاقِ؟ و الطلاقُ(5)ممّا يَجوزُ فيه(6)الوِكالةُ؛ فأيُّ(7)فَرقٍ بَينَ أن يُوَكِّلَ غيرَها في طلاقِها و يَجعَلَ إليه إيقاعَ فُرقتِها، و بَينَ أن يُوَكِّلَها(8)نفسَها في ذلكَ؟!
و إنّ عِدّةَ الحاملِ المُطلَّقةِ أقرَبُ الأجَلَينِ(9)، و عِدّةَ الحاملِ المُتوَفّىٰ عنها زَوجُها أبعَدُ الأجَلَينِ.(10)
و هذه المَسألةُ قد أَشبَعنا الكلامَ فيها في المَسائلِ الأُولىٰ(11)، و أَورَدنا ما فيه كفايةٌ لِمَن تأمَّلَه.
1) . الفقيه، ج 3، ص 517. حكاه الصدوق عن رسالة والده إليه.
2) . في المطبوع: «من».
3) في المطبوع: - «أقول».
4) . في المطبوع: «المتخيّر».
5) . في المطبوع: «فالطلاق».
6) . في المطبوع: - «فيه».
7) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «فإن». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً لنسخة «ت».
8) . في المطبوع: «يوكّل».
9) . لقد سقطت هذه المسألة من كتاب الإعلام، ص 40-41؛ فقد أشار الشيخ المفيد إلىٰ أنّه سيذكر ثلاث مسائل، لكنّه ذكر مسألتين فقط، و سقطت المسألة المذكورة في المتن.
10) . الإعلام، ص 40.
11) . يعني بها: «المسائل الموصليّات الثانية». راجع المسألة السادسة منها.
و إنّ [ه] تَجِبُ(1)الرَّجعةُ لِمَن يُطلِّقُ ثَلاثاً في وقتٍ واحدٍ، كما تَجِبُ(2)إن طَلَّقَ واحدةً أو اثنَتَينِ.(3)
إنّما قُلنا بجَوازِ الرَّجعةِ لِمَن(4)تَلفَّظَ بالطلاقِ الثلاثِ في وقتٍ واحدٍ لأنّه في الحُكمِ(5)ما طَلَّقَ إلّاواحدةً، و مَن طَلَّقَ واحدةً(6)فله الرَّجعةُ.
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه.
إذا تَلفَّظَ بالطلاقِ الثلاثِ في وقتٍ واحدٍ، و تَكامَلَت(7)الشُّروطُ؛ هَل يَقَعُ واحدةً، أم لا يَقَعُ شَيءٌ؟(8)
1) . في «أ، د، ش» و المطبوع: «وجب». و في «ب، ج»: - «تجب». و الصواب ما أثبتناه؛ وفقاًلنسخة «ت». و المراد بالوجوب هنا: التشريع، أي أنّ الرجعة مشرَّعة.
2) . في «أ، ج، د، ش» و المطبوع: «يجب».
3) . الإعلام، ص 40.
4) . في المطبوع: «من».
5) . في المطبوع: «حكم» بدون الألف و اللام.
6) . في «ب، ج، د»: - «لأنّه في الحكم ما طلّق إلّاواحدة، و من طلّق واحدة». و في المطبوع: - «و من طلّق واحدة».
7) . في المطبوع: «و تكمّلت».
8) . الظاهر أنّ هذه المسألة قد سقطت من كتاب الإعلام، ص 41.
و الصحيحُ مِن المَذهبِ - الذي عليه العملُ و المُعتَمَدُ -: أنّه يَقَعُ واحدةً؛ لأنّه قد تَلفَّظَ بالواحدةِ، و إنّما زادَ علىٰ ذلكَ بما جَرىٰ مَجرَى اللغوِ ممّا لا حُكمَ له.
و كَيفَ يَجوزُ أن لا يَقَعَ شَيءٌ مِن طَلاقِه، و قد تَلفَّظَ بالطلاقِ الموضوعِ للفُرقةِ، و تَكامَلَت الشُّروطُ المعتَبَرةُ في الطلاقِ؟ و كَيفَ يُخرِجُه مِن أن يَكونَ لفظُه بالطلاقِ مؤثِّراً، أنّه(1)ضَمَّ إلىٰ ذلكَ ما كانَ يَنبَغي أن لايَضُمَّه؛(2)مِن لَفظِه ثانيةً و ثالثةً؟
إنّ أقَلَّ ما يَخرُجُ الحَملُ حَيّاً مُستَهِلاًّ لسِتّةِ أَشهُرٍ، و أكثَرَه تِسعةُ أشهُرٍ.(3)
و هذه المَسألةُ ممّا قد استَوفَينا الكلامَ عليها في الجوابِ عن المَسائلِ الأُولىٰ(4)، فلا معنىٰ للإعادةِ.
أحكامُ العِتقِ(1)
إنّ العِتقَ لا يَقَعُ بشَرطٍ و لا يَمينٍ، و لا يَكونُ إلّابقَصدٍ لوَجهِ اللّٰهِ تَعالىٰ.(2)
و الحُجّةُ في ذلكَ(3): إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه.
و لأنّ العِتقَ إذا وَقَعَ علىٰ هذا الوجهِ، وَقَعَت الحُرِّيّةُ؛ بإجماعٍ(4)مِن الأُمّةِ؛ و إذا وَقَعَ العِتقُ علىٰ خِلافِ الشُّروطِ التي ذَكَرناها، فلا إجماعَ علىٰ حُصولِ الحُرّيّةِ، و لا دليلٌ قاطعٌ أيضاً يَدُلُّ علىٰ ذلكَ، فَوَجَبَ أن يَكونَ المِلكُ مُستَمِرّاً.
1) . لم يذكر الشيخ المفيد أحكام أُمّهات الأولاد؛ لعدم وجود مسألة منها تُجمع العامّة فيها على خلاف الإماميّة، و لذلك انتقل إلىٰ أحكام العتق. راجع: الإعلام، ص 42.
2) . في المطبوع: + «في ذلك». و راجع: الإعلام، ص 42. هذا و قد اكتفى الشيخ المفيد بنقل هذه المسألة من أحكام العتق؛ لعدم وجود مسألة أُخرىٰ تُجمع العامّة فيها علىٰ خلاف الإماميّة.
3) . في المطبوع: - «في ذلك».
4) . في «ش» و المطبوع: «بالإجماع».
المَسألةُ الحاديةُ و السِّتّونَ(1)ما لَو ابتَدأَ الخَصمانِ بمَحضَرِ الحاكمِ
إنّ الخَصمَينِ إذا ابتَدَءا الدَّعوىٰ بحَضرةِ الحاكمِ، و لَم يَقَعْ له العِلمُ بالمُبتَدئِ منهما، فالواجبُ(2)عليه أن يَسمَعَ قولَ الذي علىٰ يَمينِ صاحبِه، و يُجريَ الآخَرَ مَجرَى الصامتِ و المسبوقِ إلَى الدَّعوىٰ، ثُمَّ يَنظُرَ في دَعوَى الآخَرِ.(3)
و الحُجّةُ في هذه المَسألةِ: إجماعُ(4)الطائفةِ المُحِقّةِ.
و يَجوزُ أيضاً أن تَكونَ العادةُ جاريةً في مَجلِسِ الحاكمِ(5)أن يَكونَ مَجلِسُ المُدَّعي علىٰ يَمينِ المُدَّعىٰ عليه؛ فإذا اشتَبَهَ الأمرُ في الدعوىٰ و السَّبقِ إليها، جازَ الرجوعُ إلىٰ هذه العادةِ.
1) . ذكر الشيخ المفيد في كتاب الإعلام، ص 43 أنّه لا توجد مسألة في باب القضاء و الشهادات والدعاوي و البيّنات، أجمعت العامّة فيها علىٰ خلاف الإماميّة، إلّامسألتان: إحداهما في القضاء، و الأُخرىٰ في الشهادات. و هما المسألتان الآتيتان في المتن.
2) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «إنّ الواجب» بدل «فالواجب». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً ل «ط».
3) . الإعلام، ص 43.
4) . في المطبوع: + «الفرقة».
5) . في المطبوع: «الحكم».
و إنّ شَهادةَ الِابنِ لأبيهِ جائزةٌ إذا كانَ عَدلاً. و شَهادتُه عليه غيرُ جائزةٍ علىٰ جميعِ الأحوالِ.(1)
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
و أيضاً: فإنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يَقولُ: «وَ اِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونٰا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ اِمْرَأَتٰانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَدٰاءِ» (2)، و إذا كانَ الِابنُ عَدلاً مَرضيّاً، دَخَلَ في عُمومِ هذا القولِ.
فإن قيلَ: فيَنبَغي أن يَدخُلَ في عُمومِ هذا القولِ أيضاً شَهادتُه عليه.
قُلنا: الظاهرُ يَقتَضي ذلكَ، لكِنْ خَرَجَ بدليلٍ قاطعٍ فأَخرَجناه.
مَن نَذَرَ للّٰهِ تَعالىٰ شَيئاً مِن القُرَبِ، فلَم يَفعَلْه مُختاراً، فعَلَيه كفّارةٌ.
فإن كانَ صياماً في يَومٍ بعَينِه فأفطَرَه مِن غيرِ سَهوٍ و لا اضطرارٍ، فعَلَيه ما علىٰ مُفطِرِ يَومٍ مِن شَهرِ رَمَضانَ؛ و إن كانَ غيرَ صيامٍ، فعَلَيه ما يَجِبُ في كَفّارةِ اليَمينِ.(1)
و هذا صَحيحٌ.
و الحُجّةُ فيه: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه.
لا يَمينَ إلّاباللّٰهِ تَعالىٰ، أو يُعلِّقُها بِاسمٍ مِن أسمائه.(2)
و الحُجّةُ علىٰ صِحّةِ هذا المَذهبِ: إجماعُ الفِرقةِ(3)عليه.
و أيضاً: فإنّ مَن حَلَفَ باللّٰهِ تَعالىٰ، لا خِلافَ في انعقادِ يَمينِه؛ و مَن حَلَفَ بغَيرِ
اللّٰهِ تَعالىٰ، فلا إجماعَ علَى انعقادِ يَمينِه؛ و لا دليلَ يوجِبُ القَطعَ علىٰ أنّها مُنعَقِدةٌ.
مَن حَلَفَ باللّٰهِ تَعالىٰ علىٰ فِعلٍ أو تَركِه(1)، و كانَ خِلافُ ما حَلَفَ عليه أَولىٰ في الدينِ - أو الدنيا، ما لَم يَكُن معصيةً -، فَفعَلَ(2)الأَولىٰ، لَم تَكُن(3)عليه كَفّارةٌ.(4)
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
و أيضاً: فإنّ اليَمينَ المُنعَقِدةَ هي التي توجِبُ الِاستمرارَ علىٰ موجَبِها، و متىٰ لَم يَكُن لها الحُكمُ لَم تَكُن مُنعَقِدةً؛ و قد عَلِمنا أنّ مَن حَلَفَ علىٰ أن يَفعَلَ معصيةً، أو أن يَفعَلَ ما خِلافُه أَولىٰ في الدينِ - مِن العُدولِ عن نافِلةٍ أو فِعلٍ مندوبٍ في الدينِ إليه - فغَيرُ واجبٍ عليه الِاستمرارُ علىٰ هذه اليَمينِ، فعَلِمنا أنّها غيرُ مُنعَقِدةٍ(5). و إذا لَم تَكُن مُنعَقِدةً، فلا كَفّارةَ فيها؛ لأنّ الكَفّارةَ تابعةٌ لِانعقادِ اليَمينِ.(6)
1) . في المطبوع: «ترك».
2) . في «ب» و المطبوع: «بفعل». و في غيرهما: «يفعل». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً للمصدر.
3) . في «أ، ج، د، ش» و المطبوع: «لم يكن».
4) . الإعلام، ص 44. و قد جاء فيه: «... فَفَعَل الأَولىٰ، لم يكن عليه كفّارة».
5) . في المطبوع: - «فعلمنا أنّها غير منعقدة».
6) . جاءت في كتاب الإعلام، ص 45 مسألة حول العهد، و هي: «و اتّفقت الإماميّة علىٰ أنّ من عاهد اللّٰه تعالىٰ عند المقام أن لا يقرب محظوراً ثمّ قربه، فإنّ عليه ما علىٰ قاتل الخطأ من الكفّارة، و هو عتق رقبة أو الإطعام أو الصيام». و لعلّ هذه المسألة سقطت ممّا بأيدينا من الموصليّات الثالثة، أو أُسقطت عمداً من قِبَل السائلين، لسبب مجهول. ثمّ أشار الشيخ المفيد بعد هذه المسألة إلىٰ أحكام الصيد و الذبائح، و ذكر أنّه لا توجد بينها مسألة أجمعت العامّة فيها علىٰ خلاف الإماميّة، و لذلك ترك ذكرها و انتقل إلىٰ أحكام الأطعمة و الأشربة.
إنّ الطِّحالَ مِن الشاةِ و غيرِها حرامٌ.
و إنّ الجِرّيَّ و المارْماهيَ و كُلَّ ما لا فَلْسَ له مِن السمَكِ حرامٌ.
و إنّ ما لا قانِصةَ(1)له مِن الطيرِ حرامٌ.
1) . «القانصة» للطير بمنزلة المَصارين (أي: الأمعاء) لغيرها، و يقال لها بالفارسيّة: «سنگدان». راجع: الصحاح، ج 3، ص 1054 (قنص).
و إنّ ما كانَ صَفيفُه أكثَرَ مِن دَفيفِه(1)مِن الطيرِ حرامٌ.
و إنّ الفُقّاعَ حرامٌ كالخَمرِ.(2)
فإنّ هذه الخَمسَ مَسائلَ، الحُجّةُ فيها: إجماعُ الطائفةِ المُحِقّةِ(3).
فإن قيلَ: كَيفَ يَكونُ الفُقّاعُ حراماً، و هو غيرُ مُسكِرٍ؟
قُلنا: لَيسَ التحريمُ مقصوراً علَى الإسكارِ؛ ألا تَرىٰ أنّ الدمَ و لَحمَ الخِنزيرِ لا يُسكِرانِ، و كذلكَ الجُرعةُ مِن الخَمرِ، و التحريمُ مع ذلكَ ثابتٌ؟
و إنّ قَطعَ السارِقِ مِن أُصولِ الأصابعِ الأَربَعِ، و يُترَكُ الإبهامُ مع(1)الراحةِ.(2)
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه.
و لأنّ هذا القَدرَ الذي قُلنا بقَطعِه حَقيقٌ أنّه مُرادٌ بالآيةِ(3). في المطبوع: «ممّا» بدل «على ما».(4)و ما عَداه مِن الِانتهاءِ إلَى الرُّسْغِ(5)أو المَرافِقِ - علىٰ ما(5) قالَته الخَوارِجُ - غيرُ مُتَّفَقٍ علىٰ تَناوُلِ(6)الآيةِ له، و لا دليلَ يوجِبُ القَطعَ بتَناوُلِه؛ فوَجَبَ أن يَكونَ فيما ذَهَبنا إليه.
1) . في المطبوع: «من».
2) . الإعلام، ص 46.
3) . المائدة
4) :38: «وَ اَلسّٰارِقُ وَ اَلسّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا جَزٰاءً بِمٰا كَسَبٰا نَكٰالاً مِنَ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».
5) . في جميع النسخ و المطبوع: «الكسع». و ما أثبتناه من الانتصار، ص 528. و أمّا «الرُّسغ»: مفصل ما بين الساعد و الكفّ. راجع: القاموس المحيط، ج 2، ص 1045 (رسغ).
6) . في المطبوع: «متناول» بدل «متّفق على تناول».
إنّه إن عادَ السارقُ قُطِعَ مِن أصلِ الساقِ، و بُقّيَ(1)له قَدرٌ يَعتَمِدُ عليه في الصلاةِ.(2)
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ.
إنّ البِكرَ إذا زَنىٰ جُلِدَ، فإن عادَ جُلِدَ؛ ثَلاثَ دُفُعاتٍ. فإن عادَ رابعةً قُتِلَ.(3)
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
و إنّ العَبدَ في الزنا يُحَدُّ، ثُمَّ يُقتَلُ في الثامنةِ(4)مِن فَعَلاتِه.(5)
و الحُجّةُ في ذلكَ: الإجماعُ(6)المُتقدِّمُ.
و إنّ شارِبَ الخَمرِ يُقتَلُ في الثالثةِ.(1)
و الحُجّةُ في ذلكَ: الإجماعُ.
إنّ مَن ضَرَبَ امرأةً فألقَت نُطفةً، فعَلَيه عِشرونَ ديناراً؛ فإن ألقَت عَلَقةً، فعَلَيه أربَعونَ ديناراً؛ فإن ألقَت مُضغةً، فعَلَيه سِتّون مِثقالاً(2)فإن ألقَت عَظماً مُكتَسِياً لَحماً، فعَلَيه ثَمانونَ ديناراً؛ فإن ألقَت جَنيناً لَم تَلِجْه الروحُ، فعَلَيه مائةُ مِثقالٍ.(3)
و الحُجّةُ في هذا الترتيبِ و التفصيلِ: إجماعُ الشيعةِ الإماميّةِ عليه.
و إنّ مَن أفزَعَ رجُلاً فعَزَلَ عن عُرسِه، فعَلَيه عُشرُ ديةِ الجَنينِ.(4)
و صورةُ هذه المَسألةِ: أن يَهجُمَ رجُلٌ علىٰ غيرِه و هو مُواقِعٌ امرَأتَه(5)، فيُفزِعَه و يُعجِلَه عن إنزالِ الماءِ في الفَرجِ، فيَعزِلَ بحُكمِ الفَترةِ(6)، فيَجِبُ عليه ما ذَكَرناه.
و الحُجّةُ فيه: إجماعُ الإماميّةِ.
و إنّ الِاثنَينِ إذا قَتَلا واحداً، أو أكثَرَ مِن اثنَينِ [قَتَلوا واحداً(1)، ف] إنّ أولياءَ الدمِ مُخيَّرونَ بَينَ ثَلاثٍ:
إمّا أن يَقتُلوا القاتِلينَ، و يَرُدّوا فَضلَ دِياتِهم.
أو يَختاروا واحداً فيَقتُلوه(2)بقَتيلِهم، و يؤدّيَ(3)مَن بَقيَ مِن القَتَلةِ إلىٰ أَولياءِ المُقادِ منه الفاضلَ مِن الديةِ بحِسابِ رُؤوسِهم.
أو يَقبَلوا(4)الديةَ، فتَكونَ بَينَهم سِهاماً مُتَساويةً.(5)
و الحُجّةُ علىٰ هذا التفصيلِ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه؛ بهذا الشرحِ(6)و البَيانِ.
و إنْ ثَلاثةٌ قَتَلوا واحداً، فَتَوَلّىٰ أحَدُهم القَتلَ، و أمسَكَه(7)الآخَرُ، و كانَ الآخَرُ عَيناً؛ فإنّ الحُكمَ قَتلُ القاتِلِ، و حَبسُ الماسِكِ حتّىٰ يَموتَ، و سَملُ عَينِ الناظِرِ.(8)
1) . في الإعلام: «و اتّفقوا في قتل الاثنين بواحد و ما زاد على الاثنين...».
2) . في المطبوع: «فيقتلون».
3) في المطبوع: «و يوفي».
4) . في المطبوع: «أو يقبل»، و استُظهر في هامشه ما أثبتناه.
5) . الإعلام، ص 48-49
6) في «ش»: «الشروح». و في المطبوع: «الشرع».
7) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «و أمسك». و ما أثبتناه هو الصوب؛ طبقاً ل «ط».
8) . الإعلام، ص 49.
و الحُجّةُ علىٰ هذا الحُكمِ: إطباقُ الفِرقةِ.(1)
مَن قَطَعَ رأسَ ميِّتٍ، فعَلَيه مائةُ دينارٍ؛ يَغرَمُها(2)لبَيتِ المالِ.(3)
و الحُجّةُ فيما ذَكَرناه: الإجماعُ المُتكرِّرُ ذِكرُه.
فإن تَعجَّبَ المُخالِفونَ مِن إيجابِ غَرامةٍ في قَطعِ عُضوٍ ميِّتٍ، لا يُحِسُّ(4)، و لا حَياةَ فيه.
فالجوابُ عن تَعجُّبِهم: أنّ هذه الغَرامةَ لَم تَجِبْ لِما يَرجِعُ إلَى الميِّتِ في نفسِه مِن الجِنايةِ عليه؛ لأنّ المَوتَ قد أزالَ عنه حُكمَ الجِناياتِ في نفسِه. و إنّما مَثَّلَ بمَيِّتٍ، و كانَت جِنايتُه(5)في الدينِ مِن حَيثُ أقدَمَ علىٰ ما نَهَى اللّٰهُ عنه، و اجتَرأَ(6)علىٰ إ باحةِ ما حَظَرَه؛ فمِن هاهُنا وَجَبَت عليه الغَرامةُ، لا لِما ظَنَّه. و يَجري ذلكَ مَجرَى الكَفّاراتِ التي في حُقوقِ اللّٰهِ تَعالىٰ خاصّةً.
إنّ الرجُلَ إذا قَتَلَ امرأةً، كانَ أَولياؤها مُخيَّرينَ(7)بَينَ القَوَدِ و رَدِّ فَضلِ الديَةِ علىٰ
أهلِ القاتلِ، و هي نِصفُ الديَةِ؛ و بَينَ أن يَقبَلوا الديَةَ، و هي(1)نِصفُ ديَةِ الرجُلِ.(2)
و هذا صَحيحٌ.
و الحُجّةُ فيه: الإجماعُ المتقدِّمُ.
و لأنّ نفسَ المَرأةِ ناقِصةُ القيمةِ عن نفسِ الرجُلِ(3)، و إذا قَتَلَ الرجُلُ امرأةً، و اختارَ الأولياءُ قَتلَه بها، فقَد قَتَلوا نفساً تَزيدُ قيمتُها علىٰ قيمةِ نفسِ المقتولةِ، فلا بُدَّ مِن رَدِّ الفَضلِ علىٰ أَولياءِ القاتِلِ(4)لأنّ ذلكَ هو العَدلُ.
المَسألةُ الثانيةُ(5)و الثمانونَ(6)ادّعاءُ رَجُلَينِ بالقَتلِ
مَن وُجِدَ مقتولاً، فحَضَرَ رجُلانِ، فقالَ أحَدُهما: «أنا قَتَلتُه عَمداً»، و قالَ الآخَرُ:
«أنا قَتَلتُه خَطأً»، فإنّ(7)أولياءَ المقتولِ مُخيَّرونَ بَينَ الأخذِ للمُقِرِّ بالعَمدِ أو المُقِرِّ
1) . من قوله: «نصف الدية» إلىٰ هنا ساقط من «ش» و المطبوع.
2) . الإعلام، ص 50. و جاء فيه: «و هي خمسمائة دينار» بدل «و هي نصف دية الرجل».
3) . في المطبوع: + «المسألة الثانية و الثمانون». و هي زيادةٌ تبرُّعيّةٌ لا توجَد في أيِّ نُسخةٍ. علىٰأنّها تُغيِّرُ ترقيمَ المسائلِ التاليةِ لها؛ دونَ مُبرِّرٍ.
4) . في المطبوع: «المقتول».
5) . في المطبوع: «الثالثة». و هكذا إلىٰ آخر المسائل، فإنّ ما في المطبوع يزيد مسألةً علىٰ ما أثبتناه في هذه الطبعة.
6) . جاءت في كتاب الإعلام، ص 50 مسألة قبل هذه المسألة، و هي: «و اتّفقوا علىٰ أنّ من كان معتاداً بقتل أهل الذمّة، فللسلطان أن يقتله بمن قتل منهم إذا اختار ذلك وليّ الدم، و يلزم أولياء الذمّي فضل ما بين دية المسلم و الذمّي». و لعلّ هذه المسألة سقطت من الموصليّات الثالثة سهواً أو أُسقطت عمداً لسبب لا نعلم به.
7) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «إنّ». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
بالخَطإ؛ و لَيسَ لهم قَتلُهما جميعاً، و لا إلزامُهما الديَةَ جميعاً.(1)
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: ما تَقدَّمَ مِن إجماعِ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
المَسألةُ الثالثةُ(2)و الثمانونَ اعترافُ رَجلينِ بقتلِ رجلٍ واحدٍ
مَن وُجِدَ مقتولاً، فاعتَرَفَ رجُلٌ بقَتلِه عَمداً، ثُمَّ حَضَرَ آخَرُ فدَفَعَه عن إقرارِه و أقَرَّ هو بقَتلِه، فصَدَّقَه الأوّلُ في إقرارِه علىٰ نفسِه، و لَم تَقُم بيِّنةٌ علىٰ أحَدِهما: إنّه يُدرأُ عنهما القَتلُ و الديَةُ، و يودَى المقتولُ مِن بَيتِ المالِ.(3)
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ:(4)ما تَقدَّمَ ذِكرُه مِن إجماعِ الفِرقةِ.
و إنّ دِيَاتِ أهلِ الكتابِ ثَمانُمائةِ دِرهَمٍ للحُرِّ البالغِ الذَّكَرِ، و الأُنثىٰ أربَعُمائةِ دِرهَمٍ.
1) . الإعلام، ص 50.
2) . في «أ، ب، ج، د»: «الرابعة». و هو خلافُ الترتيب؛ لذا خالفناه و بنينا في هذه المسألة و تواليهاعلى ترقيم «ش».
3) . الإعلام، ص 50. و قال الشيخ المفيد بعد هذه المسألة: «و للإماميّة بعد هذا مسائل من دية الأعضاء و الجوارح و الأسنان و العظام، و في القصاص و القسامة و الأيمان، لا يوافقهم أحد من العامّة عليها، أضربتُ عن ذكرها على التفصيل؛ مخافة أن يُنشر الكلام و يطول بذلك الكتاب». الإعلام، ص 51.
4) . في المطبوع: + «هو».
و ديَةُ المَجوسِ ثَمانُمائةِ دِرهَمٍ. و كذلكَ ديَةُ وَلَدِ الزنا.
لا يَرِثُ مع الوالدَينِ أو أحَدِهما أحَدٌ مِن خَلقِ اللّٰهِ تَعالىٰ إلّاالوَلَدُ، و الزوجُ، و الزوجةُ.(1)
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: الإجماعُ المُتكرِّرُ.
و لأنّه لا خِلافَ بَينَ الأُمّةِ في اعتبارِ القُربىٰ فيمن يَرِثُ بالنسَبِ، و معلومٌ أنّ الأبَوَينِ أقرَبُ إلىٰ وَلَدِهما مِن الإخوةِ؛ لأنّ الإخوةَ إنّما يَتقرَّبونَ إلَى الميِّتِ بالوالدِ، و معلومٌ أنّ مَن تَقرَّبَ بنَفسِه أَولىٰ ممّن تَقرَّبَ بغَيرِه. فبَطَلَ قولُ مُخالِفِنا(2)في تَوريثِ الإخوةِ مع الأُمِّ.
و أيضاً: فإنّ اللّٰهَ تَعالىٰ أجرَى الأُمَّ مَجرَى الأبِ في نَصِّ القُرآنِ و صَريحِه، و جَعَلَ لهما غايةً في الميراثِ، و أهبَطَهما إلىٰ غايةٍ أُخرىٰ، و لَم يُفرِّقْ(3)بَينَهما في الحُكمِ؛ فكَما لَيسَ لأحَدٍ مِن الإخوةِ و الأخَواتِ مع الوالدِ(4)نَصيبٌ، فكذلكَ(5)
لا نَصيبَ لهم مع الوالدةِ.
مَن ماتَ و خَلَّفَ والدَينِ و بِنتاً، فللِابنةِ(1)النِّصفُ، و للأبَوَينِ السُّدُسانِ؛ و ما يَبقىٰ يُرَدُّ علَى البِنتِ و الوالِدَينِ بقَدرِ سِهامِهم.(2)
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه.
و أيضاً: فإنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لمّا قَسَّمَ المَواريثَ و بَيَّنَ مَقاديرَها، جَعَلَها تابعةً للقُربىٰ، ففَرَضَ للأقرَبِ أكثَرَ ممّا(3)فَرَضَه للأبعَدِ؛ كفَرضِه للأخِ مِن الأبِ و الأُمِّ المالَ كُلَّه، و للأُختِ الواحدةِ للأبِ و الأُمِّ النِّصفَ؛ و فَرَضَ للإخوةِ مِن الأُمِّ الثُّلُثَ، و للواحدةِ(4)السُّدُسَ.
فإذا بَقيَ مِن الميراثِ بَعدَ السهامِ المنصوصِ عليها شَيءٌ(5)، وَجَبَ أن يُقسَّمَ علىٰ ذَوي القَرباتِ بحَسَبِ قَرابتِهم و بقَدرِ سِهامِهم.
و يُشبِهُ ذلكَ مَن خَلَّفَ مالاً و وَرَثةً فاقتَسَموا(6)المالَ بَينَهم علىٰ قَدرِ سِهامِهم، ثُمَّ وُجِدَ بَعدَ ذلكَ للميِّتِ(7)مالٌ(8)لَم تَقَعِ القِسمةُ عليه؛ فلا خِلافَ في أنّه يُقسَّمُ هذا
1) . في «ش»: «فلابنة». و في المطبوع: «فلا بنته»
2) الإعلام، ص 52.
3) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «ما». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً ل «ط».
4) . أي و للأُخت الواحدة من الأُمّ.
5) . في المطبوع: «بشيء».
6) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «فأقسموا». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
7) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «الميّت». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً ل «ت، ط».
8) . في «ب» و المطبوع: «ما».
الباقي(1)كما قُسِّمَ الأوّلُ و بقَدرِ(2)سِهامِهم.
و أيضاً: فمَن أبَى الردَّ و أنكَرَه، و ادَّعىٰ أنّ الفاضلَ علَى السِّهامِ يُرَدُّ إلىٰ بَيتِ المالِ، و يُقيمُ بَيتَ المالِ مَقامَ العَصَبةِ، يَعتَرِفُ بأنّ الميِّتَ إذا ماتَ و كانَ له عَصَبةٌ أشتاتٌ، كانَ أحَقُّهم بالمالِ أقرَبَهم إلَى الميِّتِ؛ فقَد اعتَبَرَ - كما تَرىٰ - فيما يَفضُلُ عن السِّهامِ القُربىٰ؛ و نَحنُ نَعلَمُ أنّ ذَوي الأرحامِ و الأنسابِ أحَقُّ بالميِّتِ و أقرَبُ إليه مِن بَيتِ المالِ؛ فيَجِبُ أن يَكونوا(3)أحَقَّ بفاضِلِ السِّهامِ.
مَن ماتَ و خَلَّفَ بِنتَينِ و أحَدَ أبَوَيه و ابنَ ابنٍ، فإنّ للبنتَينِ الثُّلُثَينِ، و للأبِ أو الأُمِّ السُّدُسَ، و ما بَقيَ يُرَدُّ علَى البِنتَينِ و الأبِ أو الأُمِّ(4)خاصّةً، و لَيسَ لِابنِ الِابنِ شَيءٌ.(5)
و الحُجّةُ علىٰ(6)ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
و لأنّ البَناتِ و الوالِدَينِ أقرَبُ إلَى الميِّتِ مِن ابنِ ابنِه، و يُعتَبَرُ فيمن يَرِثُ بالقَرابةِ كَيفيّةُ القَرابةِ(7)و قُربُها؛ و كما لَيسَ لِابنِ الِابنِ شَيءٌ مع الِابنِ، كذلكَ لا شَيءَ له مع البِنتِ(8)أو البَناتِ؛ لأنّ البَناتِ أولادٌ كالذُّكورِ.
لا يَحجُبُ الأُمَّ - عن الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ - الإخوةُ مِن الأُمِّ خاصّةً، و إنّما يَحجُبُها الإخوةُ مِن الأبِ و الأُمِّ أو مِن الأبِ.(1)
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ.
فإن قالوا: فقَد أطلَقَ اللّٰهُ تَعالىٰ فقالَ: «فَإِنْ كٰانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ اَلسُّدُسُ» (2). في «ب»: «لا يحجبون». و في المطبوع: «لا تحتجبون».(3)، و لَم يُفرِّقْ بَينَ أحوالِ الإخوةِ في كَونِهم مِن أبٍ أو أُمٍّ.
قُلنا: هذا عُمومٌ يُخصِّصُه(4)الدليلُ الذي ذَكَرناه. و لا خِلافَ بَينَنا في أنّ هذا العُمومَ مخصوصٌ؛ لأنّ إطلاقَه يَقتَضي دخولَ الكُفّارِ و المَماليكِ، و أنتم لا تَحجُبونَ(4) الأُمَّ - عن الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ - بالإخوةِ الكُفّارِ أو المَماليكِ.
و إنّه لا يَرِثُ مع الوَلَدِ - ذَكَراً كانَ أو أُنثىٰ - أحَدٌ(5)مِن خَلقِ اللّٰهِ تَعالىٰ إلّاالأبَوانِ، و الزوجُ، و الزوجةُ.(6)
و هذا أيضاً في الإجماعِ الذي تَقدَّمَ ذِكرُه(1)، و هو الحُجّةُ فيه.
و أيضاً: فقَد ثَبَتَ بالإجماعِ أنّه لَيسَ للإخوةِ و الأخَواتِ مع الوَلَدِ الذَّكَرِ نَصيبٌ، و ما مَنَعَ مع وجودِ الذَّكَرِ مِن نَصيبٍ له هو مانعٌ مع(2)وجودِ الأُنثىٰ؛ لأنّهما جميعاً وَلَدانِ في الميراثِ، و يُنزَّلانِ مَنزِلةً واحدةً.
المَسألةُ التسعونَ حقيقةُ الحَبوةِ(3)
و إنّ الوَلَدَ الأكبَرَ يَفضُلُ علىٰ مَن دونَه مِن الأولادِ الذُّكورِ الوُرّاثِ(4)، بالسَّيفِ و المُصحَفِ و الخاتَمِ، إن كانَ ذلكَ في التَّرِكةِ أو شَيءٌ(5)منه؛ و لا يَفضُلُ بغَيرِه إن لَم يَكُن.(6)
و تحقيقُ هذه المَسألةِ: أنّ أصحابَنا يَرَونَ(7)اختصاصَ الذَّكَرِ الأكبَرِ بما يُخلِّفُه(8)الميِّتُ مِن السَّيفِ و المُصحَفِ و الخاتَمِ.(9)و قد وَرَدَت(10)بذلكَ أخبارٌ معروفةٌ.(11)
1) . في المطبوع: «ذكرناه» بدل «تقدّم ذكره».
2) . في النسخ المعتمدة: - «مع». و في المطبوع: «من». و ما أثبتناه هو الصوابُ؛ طبقاً لما استُظهرفي نسخة «ت».
3) . «الحَبوة» لغةً: العطيّة. راجع: لسان العرب، ج 14، ص 162 (حبو).
4) . في «ب» و المطبوع: «الوارث».
5) . في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «شيئاً»؛ و هو خطأ.
6) . الإعلام، ص 53.
7) في المطبوع: «يروون».
8) . في المطبوع: «يخلّف».
9) . المسائل الصاغانيّة، ص 104؛ النهاية، ص 633؛ الكافي في الفقه، ص 371.
10) . في المطبوع: «روت».
11) . راجع: وسائل الشيعة، ج 26، ص 98-99، ح 32567-32576.
و الذي أَراه و(1)يَقوىٰ عِندي أن(2)لا نَترُكَ عُمومَ الكتابِ بأخبارِ الآحادِ، و اللّٰهُ تَعالىٰ يَقولُ: «يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسٰاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثٰا مٰا تَرَكَ وَ إِنْ كٰانَتْ وٰاحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ» (3)في المطبوع: - «الذكر».(4)و ظاهرُ هذا الكلامِ يَقتَضي بُطلانَ هذا التخصيصِ.
و الأَولىٰ عِندي أن يَكونَ هذا التخصيصُ معناه: أن يُفرَدَ بهذه الأشياءِ الوَلَدُ الأكبَرُ الذَّكَرُ(4)، و تُحسَبَ عليه مِن نَصيبِه؛ لأنّه أحَقُّ بها مِن النساءِ و الأَصاغِرِ. و لَيسَ في الأخبارِ المَرويّةِ أنّه يَختَصُّ بها و لا تُحسَبُ عليه.
فإن قالوا: المشهورُ مِن قولِهم أنّهم يُفضِّلونَه بذلكَ، و هذا لَفظُ أخبارِهم؛ و إذا حُسِبَ قيمةُ ذلكَ فلا تفضيلَ.
قلنا: التفضيلُ ثابتٌ علىٰ كُلِّ حالٍ؛ لأنّه إذا خُصَّ بتسليمِ ذلكَ إليه و أُفرِدَ به و مُنِعَ غيرُه منه، فقد فُضِّلَ به و إن حُسِبَ عليه.
و إنّ وَلَدَ الصُّلبِ يَحجُبُ مَن دونَه سُفلاً؛ ذَكَراً كانَ أو أُنثىٰ.(5)
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
و لأنّه لا خِلافَ في أنّ وَلَدَ الصُّلبِ الذَّكَرَ(6)يَحجُبُ مَن دونَه؛ لأنّه وَلَدٌ، فكذلكَ(7)الأُنثىٰ.
و إنّ(1)المَرأةَ إذا تُوُفّيَت، و خَلَّفَت زَوجاً لَم تُخلِّفْ وارثاً سِواه - مِن عَصَبةٍ و لا ذي رَحِمٍ -: إنّ المالَ كُلَّه له؛ نِصفاً بحَقِّه، و الباقي بالردِّ.(2)
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه.
و أيضاً: فإنّ الزوجَ عندَ عَدَمِ وُرّاثِ(3)هذه المرأةِ و عَصَبَتِها قد جَرىٰ مَجرَى العَصَبةِ لها، و سَبيلُه سَبيلُ وَلَدِ المُلاعَنةِ لمّا انتَفىٰ منه أبوه الذي هو عَصَبَتُه و مِن جِهةٍ عاقِلَتُه، فبَقيَ لا عَصَبةَ له و لا عاقِلةَ، فجُعِلَت عَصَبةُ أُمِّه عَصَبةً يَعقِلونَ عنه.
و كذلكَ هذه المَرأةُ التي لا عَصَبةٌ لها و لا ذو رَحِمٍ غيرُ زَوجِها، وُضِعَت مَوضِعَ ولدِها الذي يُعصِّبُ أبوه عنه و يَعقِلُ؛ و لمّا كانَ أبوه الذي هو زَوجُها يُعصِّبُ عن ابنِها، جازَ أن يَكونَ مُعصِّباً عنها و عاقلاً و غارماً لجِنايتِها عندَ عَدَمِ(4)عَصَبتِها.
إنّ المَرأةَ(5)لا تَرِثُ مِن الرِّباعِ(6)شَيئاً، و لكِنْ تُعطىٰ حَقَّها بالقيمةِ مِن البِناءِ و الآلاتِ.(7)
1) . في «أ، ج، د»: «إنّ» بدون واو العطف. و في «ب»: - «و إنّ».
2) . الإعلام، ص 55.
3) في «د» و المطبوع: «وارث».
4) . من قوله: «عنه و يعقل؛ و لمّا كان أبوه...» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
5) . أي الزوجة.
6) . «الرِّباع» جمع «الرَّبْع» بمعنى المنزل و دار الإقامة. راجع: النهاية، ج 2، ص 189 (ربع).
7) . الإعلام، ص 56.
و الذي أقولُه في هذه المَسألةِ و يَقوىٰ عندي: أنّ المَرأةَ لا تُعطىٰ مِن الرِّباعِ شَيئاً، و إن أُعطيَت عِوَضاً عن(1)قيمتِه من غيرِها؛ لأنّها مُعرَّضةٌ للأزواجِ، و لأِنْ(2)يَسكُنَ في رِباعِ الميِّتِ غيرُه ممّن تَستَجِدُّ مِن أزواجِها(3)فإذا أُعطيَت(4)حَقَّها(5)مِن قيمةِ الرِّباعِ، وَصَلَت إلَى الحَقِّ، و زالَ ثِقَلُ إسكانِ الغَيرِ في(6)مَساكِنِ المُتَوَفّىٰ.
و جَرىٰ ذلكَ مَجرىٰ ما قُلناه في تفضيلِ الوَلَدِ الأكبَرِ بالخاتَمِ و السَّيفِ.
و إنّما قُلنا ذلكَ لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ قد جَعَلَ لها الرُّبُعَ مِن التَّرِكةِ ثُمَّ الثُّمُنَ، و لَم يَستَثنِ شَيئاً، فلا يَجوزُ تخصيصُ ذلكَ إلّابدليلٍ قاطعٍ. و الخبرُ المَرويُّ بأنّها «لا تُوَرَّثُ مِن الرِّباع»(7)يَجوزُ أن يَكونَ محمولاً علىٰ ما ذَكَرناه.
و إنّه لا إرثَ(8)للإخوةِ و الأخَواتِ مِن الأبِ خاصّةً، إذا كانَ إخوةٌ و أخَواتٌ لأبٍ
1) . في المطبوع: «من».
2) . في المطبوع: - «لأن».
3) . في المطبوع: «من غيره من تسخط عشيرة زوجها» بدل «غيره ممّن تستجدّ من أزواجها».
4) . في «أ، ب، ج، د، ش»: «أعطت».
5) . في «ب، ج، د»: «خطّها».
6) . في «أ، ب، ج، د»: «الغربي» بدل «الغير في». و في المطبوع: «الغرباء» بدلها. و الصواب ما أثبتناه؛ وفقاً للنُّسخ «ت، ش، ط».
7) . الكافي، ج 13، ص 646، ح 13475؛ التهذيب، ج 9، ص 298، ح 27؛ الاستبصار، ج 4، ص 152، ح 4؛ وسائل الشيعة، ج 26، ص 206، ح 32837، مع اختلاف يسير في اللفظ.
8) . في النسخ المعتمدة: «لا وارث». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً لنُسخَتَي «خ، ل» و المطبوع.
و أُمٍّ؛ و أحَدُهم في ذلكَ يَجري مع أحَدِهم مَجرىٰ جَماعتِهم مع جَماعتِهم.(1)
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه.
و أيضاً: ما مَنَعَ مِن تَوريثِ الأخِ للأبِ مع الأخِ(2)[للأبِ] و الأُمِّ، يَمنَعُ مِن تَوريثِ الأُختِ مِن الأبِ مع الأُختِ للأبِ و الأُمِّ.
و إنّ تَوريثَ الرجالِ و النساءِ بالنسَبِ، و باطلٌ قولُ مَن وَرَّثَ الرجالَ دونَ النساءِ.(3)
و الحُجّةُ في ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه.
و أيضاً: ظاهرُ الكتابِ؛ قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ: «لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ اَلْوٰالِدٰانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسٰاءِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ اَلْوٰالِدٰانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ(4)مِمّٰا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» (5)، فجَعَلَ - كَما تَرَى - المَواريثَ بَينَ الرجالِ و النساءِ، و لَم يَخُصَّ الرجالَ منها بشَيءٍ دونَ النساءِ.
و قد كانَت الجاهِليّةُ تُوَرِّثُ الرجالَ دونَ النساءِ، فمَن ذَهَبَ إلىٰ ذلكَ فقَد أخَذَ بسُنّةِ الجاهِليّةِ.
1) . في «ب، ش» و المطبوع: - «مع جماعتهم». و راجع: الإعلام، ص 56.
2) . في المطبوع: - «مع الأخ».
3) . الإعلام، ص 58.
4) . في جميع النسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: - «وَ لِلنِّسٰاءِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ اَلْوٰالِدٰانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ». و لولا إثباتُها لَما كان الدليلُ دليلاً، بل كان عليلاً، بل كانَ ينقُضُ نفسَه!!
5) . النساء (4):7.
و قد عَوَّلَ القومُ علىٰ خبرٍ ضعيفٍ مطعونٍ علىٰ راويهِ(1)و هو ما رُويَ عنه عليه السلامُ أنّه قالَ: «ما أبْقَت الفَرائضُ فلِأَولىٰ عَصَبةٍ ذَكَرٍ»(2)، و رُويَ بلَفظٍ آخَرَ، و هو: «فِلأَولىٰ ذَكَرٍ قَرُبَ»(3).
و هذا الحديثُ إذا سَلِمَ مِن القَدحِ في طَريقِه و تضعيفِ راويهِ،(4)فهو خبرُ واحدٍ، و أخبارُ الآحادِ لا توجِبُ عِلماً و لا عملاً؛ لأنّ العملَ تابعٌ للعِلمِ، علىٰ ما بيّنّاه في صَدرِ جوابِ هذه المَسائلِ، و إلّا(5)خُصَّ بهذا الخبرِ أيضاً الذي لا يوجِبُ عِلماً ظواهرُ الكتابِ الموجِبةُ للعِلمِ.
علىٰ أنّ مُخالِفينا قد خالَفوا هذا الحديثَ، و وَرَّثوا الأُختَ بالتعصيبِ(6)و لَيسَت(7)بذَكَرٍ و لا رَجُلٍ.
فإن أقاموا الأُختَ مَقامَ الأخِ فوَرَّثوها بالتعصيبِ، فقد خالَفوا أوّلاً ظاهرَ الحديثِ؛ لأنّ الخبرَ اقتَضىٰ أن يَكونَ ما تُبقيهِ(8)الفَرائضُ للذُّكورِ دونَ الإناثِ.
و إذا جازَ لهم ذلكَ، جازَ لغَيرِهم أن يَجعَلَ البِنتَ عَصَبَةً، و يُقيمَها مَقامَ الابنِ في حالٍ مِن الأحوالِ.
1) . راجع: تهذيب الأحكام، ج 9، ص 260 و ما بعدها.
2) . التهذيب، ج 9، ص 260، ذيل ح 971؛ و ص 261، ذيل نفس الحديث بطرق متعدّدة أُخر؛ وسائل الشيعة، ج 26، ص 86، ح 32546؛. و ص 87، ح 32547.
3) . لم نعثر على الرواية إلّافي كتاب السرائر، ج 3، ص 255 بإسناده عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله.
4) . من قوله: «و هو ما روي عنه عليه السلام...» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
5) . في المطبوع: - «إلّا».
6) . المجموع للنووي، ج 16، ص 81؛ حاشية الدسوقي، ج 4، ص 459.
7) . هكذا في المطبوع. و في جميع النسخ المعتمدة و غير المعتمدة: «و ليس».
8) . في المطبوع: «بقيّة» بدل «ما تبقيه».
علىٰ أنّهم إذا جازَ لهم أن يَخُصّوا ظاهرَ هذا الحديثِ،(1)جازَ لنا أن نَخُصَّه و نَستَعمِلَه في بعضِ المَواضعِ؛ كمَيِّتٍ خَلَّفَ أُختَينِ لأُمٍّ و ابنَ أخٍ و ابنةَ أخٍ لأبٍ و أُمٍّ و أخاً لأبٍ(2)فإنّ للأُختَينِ مِن الأُمِّ فَريضتَهُنَّ و هي(3)الثُّلُثُ، و ما بَقيَ فلأَولىٰ ذَكَرٍ، و هو الأخُ مِن الأبِ، دونَ ابنِ الأَخِ(4)و ابنةِ الأَخِ؛ لأنّه أقرَبُ منهما ببَطنٍ.
و كذلكَ إن خَلَّفَ المَيِّتُ امرأةً و عمّاً و عمّةً و خالاً و خالةً و ابنَ أخٍ أو أَخاً،(5)فللمَرأةِ الرُّبُعُ، و ما بَقيَ فلأَولىٰ ذَكَرٍ، و هو الأخُ أو ابنُ الأخِ، و سَقَطَ الباقونَ.
و هذه المَسألةُ لَيسَت ممّا تَفرَّدَ بها الإماميّةُ؛ فقَد خالَفَ في العَصَبةِ جَماعةٌ مِن المُتقدِّمينَ و المُتأخِّرينَ، كابنِ عَبّاسٍ رَحِمَه اللّٰهُ(6)و غيرُه.
مَن ماتَ و خَلَّفَ ابنةَ ابنٍ(7)و ابنَ عَمٍّ، فميراثُه لِبنتِ ابنِه خاصّةً، و لَيسَ لِابنِ العَمِّ شَيءٌ.
1) . من قوله: «جاز لهم ذلك، جاز لغيرهم» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
2) . في النسخ المعتمدة: «و خالاتٍ» بدل «و أخاً لأبٍ». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً ل «خ، ل» و المطبوع.
3) في المطبوع: «فريضتين و هو».
4) . في «ب، ج، د، ش» و المطبوع: «الأُخت».
5) في المطبوع: «و أخاً».
6) . المحلّىٰ، ج 9، ص 257.
7) . كذا قال في هذا الموضع و في قوله بعد كلمتين: «فميراثه لبنت ابنه خاصّة»؛ لكنّه في الاحتجاج على الحكم ذكر «ولد البنت» أو «ابن البنت»، و هو غير «بنت الابن»!! و يظهر أنّه حصل سهو في السؤال و أنّ الصحيح بدل «ابنة ابن» و «لبنت ابنه» هو: «ابن بنت» و «لابن بنته»؛ فإنّ هذه المسألة هي ممّا اتّفقت عليه الإماميّة و اختلفت فيه مع العامّة. راجع: الإعلام، ص 59.
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه.
و أيضاً: فإنّ وَلَدَ البِنتِ وَلَدٌ علَى الحقيقةِ للمَيِّتِ، فهي أقرَبُ إليه مِن ابنِ العَمِّ، و قد سَمّاها اللّٰهُ تَعالىٰ وَلَداً في مَواضِعَ مِن الكتابِ: في قولِه تَعالىٰ: «وَ لاٰ تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسٰاءِ» ؛(1). الأنفال (8):75.(2)و أجمَعَت الأُمّةُ علىٰ(3)أنّ [نِكاحَ] زَوجةِ ابنِ ابنةٍ(4)مُحرَّمٌ علىٰ جَدِّه؛ لأنّه بهذه الآيةِ ابنٌ، و مُحرَّمٌ عليه نِكاحُ زَوجةِ جَدِّه.
و قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ: «وَ أُولُوا اَلْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اَللّٰهِ» (4)، و ابنُ البِنتِ أقرَبُ إلىٰ جَدِّه مِن ابنِ العَمِّ.
و إنّ ابنَ الأخِ مع الجَدِّ يَقومُ مَقامَ الأخِ.(5)
و الحُجّةُ علىٰ(6)ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
و لَيسَ(7)لأحَدٍ أن يَطعَنَ في هذا الحُكمِ بأنّ(8)الجَدَّ أقرَبُ إلَى الميِّتِ مِن ابنِ الأخِ.
1) . النساء
2) :22.
3) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: - «علىٰ». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً لنسخة «ت».
4) . في المطبوع: «ابنه».
5) . هكذا في الإعلام، ص 59، و هو الصواب. و في النسخ و المطبوع: «الجدّ» بدل «الأخ». و يدلّ علىٰ صحّة ما أثبتناه ما جاء في الانتصار، ص 586: «و ممّا انفردت به الإماميّة القول بأنّ بني الإخوة يقومون عند فَقد آبائهم مقامَهم، عند مقاسمة الجدّ و مشاركته».
6) . في «ب، ج، د»: «في».
7) . في المطبوع: «ليس» بدون واو العطف.
8) . في النسخ المعتمدة: «لأنّ». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و لحاشيتَي «خ، ل».
لأنّ ابنَ الأخِ له - بما وَرَّثناه - ميراثُ مَن سَمَّى اللّٰهُ تَعالىٰ له سَهماً، فهو أقوىٰ سَبَباً(1)مِن الجَدِّ الذي يَرِثُ(2)بالرَّحِمِ.(3)
و إنّ ابنَ المُلاعَنةِ تَرِثُه أمُّه دونَ أبيهِ، و يَرِثُه مَن قَرُبَ إليه مِن جِهتِها، و لايَرِثُه(4)أبوه، و لا قَرابتُه مِن جِهةِ أبيه.
و لَو أقَرَّ به الأبُ بَعدَ إنكارِه، و أكذَبَ نفسَه بَعدَ المُلاعَنةِ، لَم يَكُن له أن يَرِثَه، و كانَ للِابنِ خاصّةً أن يَرِثَه.(5)
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ عليه.
و إنّ المُطلَّقةَ في مرضِ بَعلِها إذا ماتَ فيه، تَرِثُه ما بَينَه و بَينَ سَنةٍ، ما لَم تَتزوَّجْ أو يَصِحَّ بَعلُها.(6)
و هذه المَسألةُ قد بيّنّاها في جوابِ المَسائلِ الواردةِ قَبلَ هذه، فلا طائلَ في إعادتِها.(7)
المَسألةُ المائةُ(1)كَيفيّةُ تَوريثِ الخُنثىٰ
إنّ تَوريثَ الخُنثىٰ يُعتَبَرُ بالمَبالِ؛ فإن خَرَجَ مِن حَيثُ يَخرُجُ للرجُلِ، وُرِّثَ ميراثَ الرجالِ؛ و إن جَرىٰ مِن المَوضِعَينِ معاً، نُظِرَ إلَى(2)الأغلبِ منهما فوُرِّثَ(3)عليه؛ و إن تَساوىٰ ما يَخرُجُ مِن المَوضِعَينِ(4)، اعتُبِرَ بعَدَدِ الأضلاعِ؛ فإنِ استَوىٰ عَدَدُها وُرِّثَ ميراثَ النساءِ، و إن اختَلَفَ وُرِّثَ ميراثَ الرجالِ.(5)
و الحُجّةُ علىٰ هذا الحُكمِ أيضاً: هو إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
و إنّ مَن(6)لَيسَ له ما للرجالِ و لا النساءِ يُوَرَّثُ بالقُرعةِ.(7)
و الإجماعُ المُتقدِّمُ الحُجّةُ فيه.
1) . ذكر الشيخ المفيد في كتاب الإعلام، ص 61 أنّه ترك الخوض في عدد من أبواب الإرث لعدم وجود مسألة من بينها أجمعت العامّة فيها علىٰ خلاف الإماميّة، و هذه الأبواب هي: باب ميراث الحَميل و اللقيط، و باب ميراث قاتل العمد و الخطإ، و المرتدّ، و من أسلم علىٰ ميراث قبل أن يُقسم، و الإقرار بوارث، و باب ميراث الولاء، و الرجل يُسلم علىٰ يد الرجل، و ميراث المعتَق في واجب، و السائبة، و الحجب لمن لا يرث، و باب ميراث الغرقىٰ و المهدوم عليهم، و جميع ما لا يُعرف بقدم موته علىٰ صاحبه.
2) . في المطبوع: - «إلى».
3) في المطبوع: «و ورّث».
4) . من قوله: «معاً، نُظر إلى الأغلب» إلىٰ هنا ساقط من «ب».
5) . الإعلام، ص 62.
6) . في المطبوع: «ما».
7) . الإعلام، ص 63.
و إنّ الشخصَينِ إذا كانا علىٰ حَقوٍ واحدٍ، يُعتَبَرانِ بالنومِ؛ فإن نامَ أحَدُهما و استَيقَظَ الآخَرُ، فهُما اثنانِ؛ و إن ناما مَعاً، فهُما واحدٌ.(1)
و الحُجّةُ في ذلكَ: الإجماعُ المُتقدِّمُ ذِكرُه.
و إنّه لا ميراثَ للمملوكِ مِن حُرٍّ.(2)
و الحُجّةُ علىٰ ذلك: الإجماعُ المُتقدِّمُ ذِكرُه.
المَسألةُ الرابعةُ و المائةُ(3)
و إنّ(4)الحُرَّ إذا ماتَ و خَلَّفَ مالاً و أُمّاً مملوكةً أو أباً مملوكاً أو ذا رَحِمٍ مملوكٍ، فالواجبُ أن يُشتَرَى المملوكُ مِن المالِ، و يُعتَقَ، و يُوَرَّثَ باقيَ التَّرِكةِ.(5)
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ أهلِ الحَقِّ عليه.
[و] لأنّ المملوكَ لا يَملِكُ شَيئاً في حالِ رِقِّه، فكَيفَ يَرِثُ و الميراثُ تمليكٌ؟
و إنّ(1)المُكاتَبَ إذا ماتَ ذو رَحِمٍ له مِن الأحرارِ، و تَرَكَ مالاً، إنّه(2)يَرِثُ منه بحِسابِ ما عُتِقَ منه.(3)
إن(4)ماتَ المُكاتَبُ و له وارثٌ مِن الأحرارِ، وَرِثَ(5)منه قَرابتُه بحِسابِ ما عُتِقَ منه،(6)و وَرِثَ الباقيَ مُكاتِبُه.(7)
و هاتانِ المسألتانِ معاً(8)قد بيّنّا ما فيهما(9)و أوضَحناه في جوابِ المَسائلِ الأُولىٰ،(10)فلا معنىٰ لتَكرارِه.
1) . في «د»: + «كان».
2) . في «ب، ج، د»: «و إنّه».
3) . الإعلام، ص 64.
4) . في المطبوع: «إذا».
5) . في المطبوع: «ورثا».
6) . في المطبوع: - «منه».
7) . الإعلام، ص 64. و لم يرد فيه: «و ورث الباقي مكاتبه» و لعلّه لوضوحه.
8) . في المطبوع: «ممّا».
9) . في المطبوع: «بيّنّاهما» بدل «بيّنّا ما فيها».
10) . يعني بها: «المسائل الموصليّات الثانية». راجع المسألة التاسعة منها.
المَسألةُ السابعةُ و المائةُ(1)إرثُ الكُفّارِ و المَجوسِ
الكافرُ إذا ماتَ و خَلَّفَ والدَينِ و وَلَداً كُفّاراً، و له ابنُ عَمٍّ مِن المُسلِمينَ، إنّ تَرِكتَه لقَرابتِه مِن المُسلِمينَ خاصّةً.(2)
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ.
[و] لأنّ الكُفّارَ بكُفرِهم قد صاروا كالمعدومينَ المفقودينَ، فكانَ هذا الميِّتُ لا وارثَ له إلّاالمُسلِمُ، فيَختَصُّ هو بميراثِه.
و هذه المَسألةُ لَيسَت مما تَفرَّدَ بها الإماميّةُ، بَل أكثَرُ الفقهاءِ علىٰ مَذهبِهم فيها.
و إنّ ميراثَ المَجوسِ مِن(3)جِهةِ النَّسَبِ الصحيحِ، دونَ النكاحِ الفاسدِ.(4)
و الحُجّةُ في ذلكَ: الإجماعُ المُتكرِّرُ.
و لَيسَ هذه المسألةُ مِمّا يَنفَرِدُ(5)بها الإماميّةُ، بَل يُوافِقُ(6)عليها الشافعيُّ،(7)و مِن
1) . جاءت قبل هذه المسألة في كتاب الإعلام، ص 64-65 مسألة أُخرىٰ، و هي: «و اتّفقت الإماميّة علىٰ أنّ المسلم يرث الكافر، و أنّ الكافر لا يرث المسلم». و لعلّ سبب عدم ذكر هذه المسألة هنا هو عدم إجماع العامّة علىٰ مخالفة الإماميّة فيها. نعم متأخّرو العامّة أجمعوا علىٰ خلاف ذلك، و أنكروا ميراث المسلم من الكافر، كما أشار إليه الشيخ المفيد في الإعلام.
2) . الإعلام، ص 65-66.
3) في المطبوع: «عن».
4) . الإعلام، ص 66.
5) . في المطبوع: «يتفرّد».
6) . في المطبوع: «يواقف».
7) . راجع: الخلاف، ج 4، ص 108؛ المجموع للنووي، ج 16، ص 97.
إنّ الفَرائضَ لا تَعولُ.(4)
و لَيسَ هذه المسألةُ ممّا يَنفَرِدُ(5)بها الإماميّةُ؛ لأنّ ابنَ عبّاسٍ قد نَفَى العَولَ،(6)و قولُه في ذلك مشهورٌ، و هو أيضاً مَذهَبُ داودَ الأصفَهانيِّ.(7)
1) . أي الحسن البصري، و هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، و اُمّه خيرة مولاة اُمّ سلمة، نشأ بالمدينة، ثمّ صار كاتباً في حكومة معاوية لوالي خراسان الربيع بن زياد، و هو أحد الزهّاد الثمانية، و كان يلقى الناس بما يهوون و يتصنّع للرئاسة، و يعدّ من رؤساء القدريّة، توفّي بالبصرة في رجب سنة 110 ه. روى عن أُبيّ بن كعب و سعد بن عبادة و عمر بن الخطّاب و لم يدركهم، و عن ثوبان و عمّار بن ياسر و غيرهم؛ و روى عنه حميد الطويل و قتادة و عطاء بن السائب و غيرهم. راجع: إكمال الكمال، ج 1، ص 318؛ تهذيب الكمال، ج 6، ص 95، الرقم 1216؛ سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 563، الرقم 223؛ الكنى و الألقاب، ج 2، ص 74. و راجع أيضاً: المجموع للنووي، ج 16، ص 97.
2) . أبو بكر محمّد بن مسلم بن عبد اللّٰه بن شهاب الزهري؛ أحد أكابر الحفّاظ و الفقهاء. تابعي من أهل المدينة، نزَل الشام و استقرّ بها. له تصنيف في مغازي الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله. توفّي سنة 124 ه. راجع: الأعلام للزركلي، ج 7، ص 97؛ معجم المؤلّفين، ج 12، ص 21. و راجع فيما يتعلّق بقول الزهري: الخلاف، ج 4، ص 108؛ المجموع للنووي، ج 6، ص 97.
3) . أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ، تقدّمت ترجمته ذيل المسألة الرابعة من «الموصليّات الثانية». و راجع: الخلاف، ج 4، ص 108؛ المجموع للنووي، ج 6، ص 97.
4) . الإعلام، ص 67.
5) في المطبوع: «تنفرد».
6) . راجع: المبسوط للسرخسي، ج 30، ص 21.
7) . تقدّمت ترجمته في المسألة 45 من هذه المسائل. و راجع: المبسوط للسرخسي، ج 30، ص 21.
و إيضاحُ هذه المسألةِ و تحقيقُها: أن تَكونَ السهامُ المُسمّاةُ في الفريضةِ يَضيقُ عنها المالُ و لا يَتَّسِعُ لها، كامرأةٍ خَلَّفَت ابنتَينِ و أبَوَينِ و زَوجاً، فللزوجِ الرُّبُعُ و للبنتَينِ الثُّلُثانِ و للأبَوَينِ السُّدُسانِ. و هذا ممّا يَضيقُ المالُ عنه؛ لأنّ المالَ لا يَجوزُ أن يَكونَ له ثُلُثانِ و سُدُسانِ و رُبُعٌ، و اللّٰهُ تَعالىٰ أعدَلُ و أحكَمُ من أن يَفرِضَ في مالٍ [ما] لا يَتَّسِعُ له المالُ؛ لأنّ ذلكَ سَفَهٌ و عَبَثٌ.
و عندنا(1)في هذه المسألةِ: أنّ للأبَوَينِ السُّدُسَينِ، و للزوجِ الرُّبُعَ، و ما بَقيَ للِابنتَينِ.
و مُخالِفونا الذينَ يَذهَبونَ إلَى العَولِ، يَجعَلونَ للزوجِ الخُمُسَ؛ ثَلاثةَ(2)أسهُمٍ مِن خَمسةَ عَشَرَ سَهماً، بخِلافِ الإجماعِ؛ لأنّ الزوجَ لا يُزادُ علَى النِّصفِ و لا يُنقَصُ مِن الرُّبُعِ(3).
و إنّما أدخَلنا النُّقصانَ علَى البَناتِ خاصّةً لأنّ الأُمّةَ مُجمِعةٌ علىٰ أنّ الابنَتَينِ منقوصَتانِ في هذه المَسألةِ عن حقِّهما المُسَمّىٰ لهما، و لَم(4)تُجمِعْ علىٰ دخولِ النُّقصانِ علىٰ مَن(5)عَداهُما في ذلكَ، و لا خِلافَ و لا دَليلَ يَدُلُّ عليه. فإذا ضاقَت المَسألةُ عن السهامِ، أدخَلنا النقصَ علىٰ مَن أجمَعَت الأُمّةُ علىٰ نقصِه، و وَفَّرنا منهم سَهمَ مَن عَداه(6).
فإن قيلَ: فاللّٰهُ تَعالىٰ قد جَعَلَ للبنتَينِ الثُلُثَينِ و للواحدةِ النِّصفَ، فكَيفَ نَقَصتَهما مِن حقِّهما؟
قُلنا: لا نَمنَعُ(1)مِن تخصيصِ هذا الظاهرِ بالإجماعِ، و إذا أجمَعَت الأُمّةُ علىٰ دخولِ النقصِ علَى البَناتِ، كانَ ذلكَ دليلاً علىٰ أنّه لَيسَ للبنتَينِ الثُّلُثانِ(2)و لا للواحدةِ النصفُ(3)علىٰ كُلِّ حالٍ.
و الكلامُ في هذه المسألةِ طويلٌ، و هذه جُملةٌ كافيةٌ، و سنَبسُطُه في «مَسائلِ الخِلافِ»(4)إن شاءَ اللّٰهُ تَعالىٰ.
تَمَّ بحَمدِ اللّٰهِ تَعالىٰ و مَنِّه، و حُسنِ عَونِه و توفيقِه، و الحَمدُ لِلّٰهِ رَبِّ العالَمينَ، و صَلواتُه علىٰ سيّدِنا محمّدٍ و آلِه الطيّبينَ الطاهرينَ، و حَسبُنا اللّٰهُ و نِعمَ الوكيلُ.
1) . في «ش»: «لا تمنع». و في المطبوع: «لا يمنع».
2) . في المطبوع: - «الثلثان».
3) . في المطبوع: + «و الثلثان».
4) . هذا الكتاب من المفقودات، و يبدو أنّ المصنّف رحمه اللّٰه لم يتمكّن من بحث مسألة العول فيه، فإنّ هذا الكتاب بقي ناقصاً - كما نصّ عليه البُصروي في فهرسه -، و المواردُ المنقولة منه في الكتب الأُخرى لا تتجاوز كتاب الطهارة، و ربّما شيئاً من الصيام. راجع: المتبقّى من التراث المفقود للشريف المرتضى.
وجّه مجموعة من الإماميّة من أهالي ميّافارقين أسئلة إلى الشريف المرتضى، أكثرها أسئلة فقهيّة، و تحتوي في ضمنها على بعض الأسئلة الكلاميّة و التاريخيّة.
و قد ذكر البُصرويّ (ت 443 ه) هذه المسائل و وصفها بأنّها مائة مسألة(1)، فيما سمّاها ابن شهر آشوب (ت 588 ه) «مسائل مَيَّافارقِين» و قال: إنّها 65 مسألة(2)لكن الموجود منها يحتوي على 66 مسألة، و قد جاء في خاتمتها: «تمّت المسائل و أجوبتها، و اللّٰه وليّ الحمد و التوفيق»؛ و هو يدلّ على انتهاء المسائل، و عدم سقوط شيء منها؛ و لكن إذا صحّ كلام البُصروي من أنّها مائة مسألة، فقد تكون هذه الخاتمة من تصرّفات النسّاخ و إضافاتهم؛ و اللّٰه أعلم.
و مَيّافارِقِين: بفتح الميم، و تشديد الياء، و كسر الراء و القاف. أشهر مدينة بدِيَار بكر(3)، و هي من ثغور الجزيرة(4)، و النسبة إليها: الفارِقِي، و المافَرِقِي، و الميّافارِقِي، و الميّافارِقِيني.(5)
و في هذا المجال لا بأس في التعرّف على منطقة الجزيرة التي وقعت فيها مدينة ميّافارِقِين، فقد أطلق اسم «الجزيرة» على المنطقة الواقعة حالياً بين (جنوب تركية، و شمال العراق، و شمال شرق سورية)، و سمّيت «الجزيرة» لوقوعها بين نهرَي دجلة و الفرات. و قسّمت إلى ثلاث مناطق وفق القبائل التي عاشت فيها إبّان العهد الساساني قبل الإسلام، و هي قبائل بَكر و رَبِيعَة و مُضَر، و كلّها قبائل عدنانيّة، فسميّت تلك المناطق بأسمائها، فصارت تُدعى: دِيَار بَكر، و دِيَار رَبِيعَة، ودِيَار مُضَر. و تقع دِيَار بَكر في شمال الجزيرة (جنوب تركية)، و دِيَار رَبِيعَة في الجنوب الشرقي منها (شمال العراق)، و دِيَار مُضَر في الجنوب الغربي منها (شمال شرق سورية).
أمّا دِيَار بَكر، فعاصمتها «آمِد»، و من مدنها المهمّة: ميّافارِقِين، و أرزَن، و حصن كيفا (و النسبة اليها: حَصكَفي)، و تل فافان. و تسمّى «آمِد» اليوم في تركية: مدينة دِيَار بَكر.
و أمّا ميّافارِقِين فقد سمّاها اليونان: مدينة الشهداء؛ لأنّها حوت عظام شهداء النصارى، و هي أهمّ مدن دِيَار بَكر و أشهرها أيّام الحمدانيّين في القرن الرابع. و كانت ذات عيون تجري منها قنوات، و ذات قصور و عمائر و بساتين جميلة. و كانت تقطنها جالية من المسيحيّين و اليهود. و قد تعرّضت إلى غارات الروم بصورة مستمرّة في القرن الرابع. و أهمّ كتاب كتب حولها هو تاريخ الفارِقِي تأليف أحمد بن يوسف بن عليّ بن الأزرق الفارِقِي (ق 6).(1)
و أمّا دِيَار رَبِيعَة، فعاصمتها «المَوصِل»، و من مدنها المهمّة: رأس العين، و ماردين، و دنيسر، و كفر توثا، و نصيبين، و أذرمة، و برقعيد، و سنجار، و جزيرة ابن عمر، و الحسنية، و بلد، و حديثة الموصل، و أربيل.
1) . حقّقه: د. بدوي عبد اللطيف عوض، و نشرته: وزارة الثقافة و الإرشاد القومي - القاهرة، 1959 م - 1379.
و أمّا دِيَار مُضَر، فعاصمتها «الرقّة»، و من مدنها المهمّة: الرافقة، و حرّان، و الرها، و حصن مسلمة، و قرقيسياء، و الرحبة، والدالية، و رصافة الشام، و هيت، و تكريت، و عانة (عانات)(1).
و إذا رجعنا إلى مسائل أهل ميّافارِقِين محلّ بحثنا وجدنا أنّ السائلين قد ذكروا في مقدّمة الأسئلة أنّهم يعيشون في دِيَار متاخمة لدار الكفر، و هذا يؤيّد ما تقدّم من أنّ مدينتهم كانت ثغراً من الثغور، و أنّها تعرّضت لغارات الروم.
كما كان لديهم احتكاك فيها مع الأديان و المذاهب الإسلاميّة الأُخرى، و هذا الأمر واضح من نوع الأسئلة المطروحة؛ فإنّه يوجد في الكثير منها سؤال متعلّق بنوع العلاقة مع أتباع المذاهب الأُخرى، مثل: السؤال عن صلاة الجمعة و العيدين خلف المخالفين (مسألة 2 و 3)، و السؤال عن جواز قول: «الصلاة خير من النوم» في أذان الفجر (مسألة 16)، و السؤال عن حكم إعطاء الفطرة و الزكاة لكلّ الضعفاء سواء كانوا مؤمنين أم لا (مسألة 35)، و غير ذلك.
كما أنّ طبيعة بعض الأسئلة تدلّ على أنّها ناظرة إلى فقه أهل السنّة، مثل السؤال عن حكم لحم الأرنب و الفقّاع (مسألة 42 و 43)، التي ذهب أهل السنّة بصورة عامّة إلى حلّيّتها(2).
أضف إلى ذلك أنّ بعض الأسئلة يدلّ على وجود علاقات عائليّة و قرابات مع المخالفين و أتباع الديانات الأُخرىٰ؛ ففي إحدى المسائل سألوا عن جواز أن يترحّم المؤمن و يستغفر لوالديه و أقاربه إذا كانوا من المخالفين (مسألة 34)، كما سألوا في
مسألة أُخرىٰ عن إرث المسلم من النصراني إذا كان من أُولي الأرحام (مسألة 61)، و هذا يعني وجود صِلات رحم مع المخالفين و أتباع الديانات الأُخرىٰ، كما يدلّ على وجود حالات من الانتقال من المذهب السنّي إلى المذهب الإمامي، بحيث يكون الوالدان من المخالفين فيما يكون ولدهم من الإماميّة.
و قد كان أبناء هذه المنطقة يعانون من فقدان العلماء و الفقهاء الذين يفتون على مذهب الإماميّة، حيث صرّحوا بذلك، فقالوا: «نحن في ديار متاخمة لدار الكفر، و قلّما نجد مَن يوثق بدينه و أمانته في أخذ أعلام ديننا منه، و بنا أمسُّ حاجة إلى أن يفتينا - حرس اللّٰه نعمته - في مسائل قد سطرناها».
كما طلبوا من الشريف المرتضى أن يذكر لهم الفتوى فقط من دون الإتيان بالدليل؛ و هذا قد يدلّ على عدم كونهم من العلماء، و أنّهم كانوا يكتفون بالفتوى فقط.
و قد ذكروا كتاب التكليف للشلمغاني عدّة مرات (مسألة 14، 26، 49)، و سمّوه أحياناً: كتاب الشلمغاني، و هو يدلّ على أهمّيّة هذا الكتاب في تلك المنطقة، و ربما انتشاره بينهم. و هذا قد يكون ناشئاً من وجود الشلمغاني في تلك المناطق في فترة من حياته(1)، أو وجود الغلاة هناك.
و قد تقدّم أنّ السائلين طلبوا في المقدّمة عدم ذكر الدليل على المسائل، لكنّهم طلبوا في خلال المسائل الدليل على المسألة 6، و قد استجاب الشريف المرتضى لطلبهم الأوّل، فلم يذكر أدلّة مفصّلة، إلّاالإجماع إن كان، أو بعض الأدلّة الضروريّة، و ذلك بصورة مقتضبة؛ و لذلك جاءت أجوبته مختصرة، و لا تحتوي على بحوث علميّة كثيرة.
1) . استتر الشلمغاني من السلطان في «معلثايا» فترة من الزمن، و معلثايا من نواحي الموصل، فهي قريبة إلى حد مّا من ميّافارقين. راجع: رجال (فهرست) النجاشي، ص 379؛ معجم البلدان، ج 5، ص 158.
و الجدير بالذكر أنّ الشيخ المفيد قد أجاب قبل ذلك على أسئلة وردت عليه من ميّافارقين حول الغيبة، فأجاب عنها في أجوبة مسائل حَملت اسم: «جوابات الفارقيّين في الغيبة»(1).
إنّ إجابة الشيخ المفيد و الشريف المرتضى على أسئلة أهالي ميّافارقين تدلّ على المركزيّة العلميّة و المرجعيّة الفكريّة التي وصلت إليها بغداد عند الإماميّة، حيث تتّجه إليها الأنظار من أقصى نقاط العالم الإسلامي، و تُوجّه إليها الأسئلة في مختلف المجالات، فيجيب عليها العلماء من الإماميّة، و يبيّنون آراءَهم التي صارت فيما بعد تمثّل الآراء المتداولة بين الإماميّة.
هذا و قد كانت هذه المسائل قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 1، ص 269. كما طبعت في ذيل كتاب جواهر الفقه لابن البرّاج، ص 253، الذي قامت مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بنشره سنة 1411 ه. كما ترجمت إلى الفارسيّة في مجلّة نامۀ آستان قدس، العدد 31، سنة 1346 ش.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (3015) 1255؛ و هي ميكروفيلم من المخطوطة المرقّمة 1448 الموجودة في مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة بمشهد، و تقع في الصفحات (90-110) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة مكتبة مدرسة الإمام الخميني رحمه اللّٰه بقائن، المرقّمة 140؛ و يوجد
1) . راجع: رجال (فهرست) النجاشي، ص 400، ضمن الرقم 1067. و لا بأس بالإشارة هنا إلىٰ سفر المحقّق الكراجكي (ت 449) - و هو من علماء الإماميّة - إلىٰ ميّافارقين سنة 399. راجع: كنز الفوائد، ص 154.
ميكروفيلم منها في مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ المرقّم 1690، و الرسالة تقع في الصفحات (408-421) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ق».
مخطوطة مكتبة ملك بطهران، المرقّمة 593؛ تقع في الصفحات (156-177) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ل».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21002؛ نُسخت في عام 1243 ه، و لم يعلم اسم ناسخها، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (475-489) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ش».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه البروجردي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 374/2؛ تقع في الصفحات (110-126-145) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ر».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (40-45) من المجموعة، و رمزنا لها ب «م».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2929) 1162؛ تقع في الصفحات (107-114) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (53-61) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ك».
مخطوطة المكتبة الوطنيّة بجامعة طهران، المرقّمة 1943/6؛ و هي تحتوي علىٰ مختارات من الرسالة، نَسَخَها «محمّد مفيد بن محمّد تقيّ الحسيني» في المشهد الرضوي، و فرغ من نسخها في عام 1085 ه بخطّ النسخ.
و تشاهد في ظهر الورقة الأُولى من النسخة هذه العبارة: «للحقير محمّد باقر بن محمّد تقي»، و على هذا، يحتمل أنّ النسخة كانت ملكاً للعلّامة محمّد باقر المجلسي
رحمه اللّٰه، و رمزنا لها ب «ي».(1)
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 438/3؛ تقع في الصفحات (1-16) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ط».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 1080؛ تقع في الصفحات (312-329) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 3324/5؛ تقع في الصفحات (126-142) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11432؛ تقع في الصفحات (22-26) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10007؛ تقع في الصفحات (118-126) من المجموعة.
1) . راجع: فهرس المكتبة، ج 10، ص 615-618.
جواباتُ مَسائلِ أهلِ مَيّافارِقينَ(1)
بِسمِ اللّٰهِ الرحمنِ الرحيمِ
نحنُ - أطالَ اللّٰهُ بَقاءَ سيِّدِنا الشريفِ الأجَلِّ المُرتَضىٰ عَلَمِ الهُدىٰ ذي المَجدَينِ، و أدامَ أيّامَه، و حَرَسَ عِزَّه، و ثَبَّتَ(2)وَطأتَه، و كَبَتَ أعداءَه و حَسَدَتَه - في دِيارٍ مُتاخِمةٍ لدارِ الكُفرِ، و قَلَّما نَجِدُ مَن يوثَقُ بدِينِه و أمانتِه في أخذِ أعلامِ دينِنا منه، و بنا أمَسُّ حاجةٍ إلىٰ أن يُفتيَنا - حَرَسَ اللّٰهُ نِعمتَه - في مَسائلَ قد سَطَرناها، أكثَرُها موجودٌ في كُتُبِ أصحابِنا، ولكِنَّا(3)نؤثِرُ أن نَرىٰ خَطَّه الشريفَ؛ لنَعتَمِدَه(4)و نُعوِّلَ عليه؛ و ما نَلتَمِسُ إلّاالفَتوىٰ، بغَيرِ دليلٍ؛ لا أخْلانا اللّٰهُ منه برَحمتِه.
1) . في المطبوع: «جوابات المسائل الميّافارقيّات». و في «أ، ق، ش»: + «تأليفُ سيّدِنا، الإمامِ العالِمِ، البارعِ الفاضلِ، العَلّامةِ الصدوقِ، المُحِقِّ المُحقِّقِ، السيِّدِ الشريفِ المُرتَضىٰ عَلَمِ الهُدىٰ، ذي المَجَدينِ، أبي القاسِمِ، عَليِّ بنِ الحُسَينِ الموسَويِّ قَدَّسَ اللّٰهُ روحَه، و نَوَّرَ ضَريحَه». ولكن سقط من «ش»: قوله: «العالم البارع... المحقّ المحقّق». و في «ب، ل»: - «جوابات مسائل أهل ميّافارقين».
2) . في المطبوع: «و ثبتت».
3) . في غير «ب» و المطبوع: «و لكنّها».
4) . في المطبوع: «نعتمده».
مَسألةٌ أوّلةٌ(1)عَدالةُ إمامِ الجَماعةِ
الصلاةُ جَماعةً، و الفَضلُ فيها؛ و هَل تَجوزُ مع(2)عَدَمِ الموثوقِ بدِينِه، أم لا؟
الجوابُ:
صَلاةُ الجَماعةِ فيها فَضلٌ كَثيرٌ، و ثَوابٌ كَبيرٌ، إذا وَثِقنا باعتقادِ المؤتَمِّ به و صِحّةِ دِينِه و عَدالتِه؛ لأنّ إمامةَ الفاسقِ عندَ أهلِ البَيتِ عليهم السلامُ لا تَجوزُ(3).
مَسألةٌ ثانيةٌ(4)أحكامُ صَلاةِ الجُمُعةِ
صَلاةُ الجُمُعةِ هَل يَجوزُ أن تُصَلّىٰ خَلفَ المؤالِفِ و المُخالِفِ جَميعاً؟
و هَل هي رَكعَتانِ مع الخُطبةِ تَقومُ مَقامَ الأربَعٍ؟
الجوابُ:
صَلاةُ الجُمُعةِ رَكعَتانِ، مِن غيرِ زيادةٍ عليها.
و لا جُمُعةَ(5)إلّامع إمامٍ عادلٍ، أو مَن يَنصِبُه(6)الإمامُ العادلُ؛ فإذا عُدِمَ ذلكَ، صُلِّيَت الظُّهرُ أربَعَ رَكَعاتٍ.
و مَن اضطُرَّ الىٰ أن يُصَلّيَها مع مَن لا تَجوزُ(1)إمامتُه تَقيّةً، وَجَبَ عليه أن يُصَلّيَ بَعدَ ذلكَ ظُهراً أربَعاً.
صَلاةُ العيدَينِ بخُطبةٍ، أو غيرِ خُطبةٍ؟
أربَعُ رَكَعاتٍ، أو رَكعَتانِ؟ بتسليمةٍ واحدةٍ، أو اثنَتَينِ؟
و هَل يَقَعُ التكبيرُ في الِاثنَتَينِ الأوّلتَينِ، أو في الأربَعِ؟
و إذا عُدِمَ الموافِقُ، هَل تَجوزُ(2)خَلفَ المُخالِفِ؟
الجوابُ:
صَلاةُ كُلِّ عيدٍ(3)مِن العيدَينِ رَكعَتانِ.
و لا بدَّ(4)مِن الخُطبةِ في العيدَينِ.
تُكبَّرُ في الأُولىٰ خَمسُ تكبيراتٍ زائداتٍ، إذا انضافَ(5)إليهِنَّ تكبيرةُ الِافتتاحِ و تكبيرةُ الركوعِ، كُنَّ(6)سَبعاً.
و تكبيرةُ(7)الثانيةِ ثَلاثُ(8)تكبيراتٍ زائداتٍ، يَكُنَّ مع تكبيرَتَي(9)الِافتتاحِ و الركوعِ خَمساً.
1) . في المطبوع: «لا يجوز»
2) في «ب» و المطبوع: «يجوز».
3) . في المطبوع: - «عيد».
4) في المطبوع: «لابدّ» بدون واو العطف.
5) . في المطبوع: «و تضاف» بدل «إذا انضاف»
6) في المطبوع: - «كنّ».
7) . في المطبوع: «و تكبّر في» بدل «و تكبيرة».
8) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «ثلاثة». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للنُّسخ: «ج، ر، ط».
9) . في النُّسخ المعتمدة: «تكبيرين». و في المطبوع: «تكبيري». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً ل «ط».
و القِراءةُ في الرَّكعَتَينِ مَعاً قَبلَ التكبيرِ.
صَلاةُ الظُّهرِ و العَصرِ: هَل يَجوزُ أن نُصَلّيَهُما(1)عند زَوالِ الشمسِ بغَيرِ أن يُفصَلَ بَينَهما بغَيرِ السَّجدةِ و السُّبحةِ(2)التي هي ثَمانُ رَكَعاتٍ؟
و هَل يَجوزُ فيهما(3)أذانٌ واحدٌ و إقامَتانِ، أم لا يَجوزُ ذلكَ إلّابأذانَينِ و إقامتَينِ؟
فإن كانَ وقتُهما واحداً، فما السبَبُ الموجِبُ لأِنْ فاتَت مَولانا أميرَ المؤمنينَ - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه - العَصرُ، حتّىٰ رُدَّت له الشمسُ؟
الجوابُ:
إذا زالَت الشمسُ فقَد دَخَلَ وقتُ الظُّهرِ خاصّةً؛ فإذا مضىٰ مقدارُ ما يؤدّىٰ فيه أربَعُ رَكَعاتٍ، اشتَرَكَ(4)الوقتانِ بَينَ الظُّهرِ و العَصرِ إلىٰ أن يَبقىٰ مِن النهارِ ما يؤدّىٰ فيه أربَعُ رَكَعاتٍ، فيَخرُجُ وقتُ الظُّهرِ، و يَخلُصُ(5)ذلكَ الوقتُ للعَصرِ.
فمَن صَلَّى الظُّهرَ في أوّلِ الوقتِ، ثُمَّ صَلّىٰ عَقيبَها بِلا فَصلٍ العَصرَ(6)، كانَ مؤدّياً للفَرضَينِ مَعاً في وقتِهما(7).
1) . في النُّسخ المعتمدة: «أن يصلّيها». و في المطبوع: «أن يصلّيهما». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
2) . السُّبحةُ - هاهُنا -: النافلةُ. سمّيت سُبحة لأنّه يُسبَّح فيها. مجمع البحرين، ج 2، ص 324 (سبح).
3) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «فيها». و ما أثبتناه هو الصوابُ؛ طبقاً ل «ط».
4) . في المطبوع: «اشتراك».
5) في المطبوع: «و يختصّ».
6) . في المطبوع: - «العصر».
7) . في المطبوع: «وقتها».
و مَن أرادَ الفَضيلةَ و زياداتِ الثوابِ، صَلّىٰ بَينَ الظُّهرِ و العَصرِ النوافِلَ المسنونةَ.
فأمّا الأذانُ و الإقامةُ، فلَيسا(1)بمفروضَينِ - علىٰ تحقيقِ المَذهَبِ - بَل هُما مسنونانِ، و إن كانَت الإقامةُ أوكَدَ مِن الأذانِ و أشَدَّ استحباباً.
فمَن أرادَ الفَضيلةَ أذَّنَ و أقامَ لكُلِّ واحدةٍ مِن الصلاتَينِ، و يَجوزُ أن يؤذِّنَ و يُقيمَ دُفعةً واحدةً لهُما، كما يَجوزُ أن يَترُكَ الأذانَ و الإقامةَ فيهما.
فأمّا أميرُ المؤمنينَ - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه و سَلامُه - فلا يَجوزُ أن يَكونَ فاتَته صَلاةُ العَصرِ بخُروجِ(2)وقتِها؛ لأنّ ذلكَ لا يَجوزُ؛ لكَمالِه صَلَواتُ اللّٰهِ عليه. و إنّما فاتَته فَضيلةُ أوّلِ الوقتِ فرُدَّت عليه الشمسُ ليُدرِكَ الفَضيلةَ، و لا يَجوزُ غيرُ ذلكَ.
هَل بَينَ عِشاءِ المَغرِبِ و الآخِرةِ فَرقٌ، غيرُ الأربَعِ رَكَعاتٍ النافِلةِ؟
و أوّلُ عِشاءِ(3)المَغرِبِ لسُقوطِ القُرصِ، أم(4)إذا بَدَت ثَلاثةُ أنجُمٍ لا تُرىٰ بالنَّهارِ؟
الجوابُ:
إذا غَرُبَت الشمسُ، دَخَلَ وقتُ صَلاةِ المَغرِبِ، مِن غيرِ مُراعاةٍ لطُلوعِ النُّجومِ(5)فإذا مضىٰ مِن الوقتِ مقدارُ ما يؤدّىٰ فيه ثَلاثُ(6)رَكَعاتٍ، اشتَرَكَ الوقتُ بَينَ صَلاةِ
1) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «فليس». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ط».
2) . في «ب»: «بخروجها». و في المطبوع: «لخروج».
3) . في المطبوع: «صلاة».
4) . في النُّسخ المعتمدة: - «أم». و إثباتُها هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و ل «ك».
5) . في المطبوع: «النجم».
6) . في النُّسخ المعتمدة: «ثلاثة». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخ: «ج، ط، ك، م».
المغرِبِ و بَينَ صَلاةِ عِشاءِ الآخِرةِ؛ فإذا بَقيَ مِن انتصافِ الليلِ مقدارُ ما يؤدّىٰ فيه أربَعُ رَكَعاتٍ، مضىٰ وقتُ المَغرِبِ و خَلَصَ ذلكَ الوقتُ لعِشاءِ الآخِرةِ؛ و إذا انتَصَفَ الليلُ، فاتَت العِشاءُ الآخِرةُ.(1)
و الأفضَلُ لِمَن يُريدُ الفَضيلةَ و يُريدُ الثوابَ، أن يُصلّيَ نَوافِلَ المَغرِبِ بَينَ صَلاةِ المَغرِبِ و بَينَ فَرضِ العِشاءِ الآخِرةِ؛ لأنّها مِن السُّنَنِ المؤكَّدةِ.
المَعرِفةُ للصلاةِ الوُسطىٰ، و الدليلُ عليها(2).
الجوابُ:
الصلاةُ الوسطىٰ عندَ أهلِ البَيتِ عليهم السلامُ هي صَلاةُ العَصرِ.
و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الشيعةِ الإماميّةِ عليه.
و قد رُويَ أنّ في قِراءةِ ابنِ مسعودٍ رَحمةُ اللّٰهِ عليه: «حافِظوا علَى الصلَواتِ و الصلاةِ الوُسطىٰ صَلاةِ العَصرِ».(3)
و إنّما سُمّيَت صلاةً «وُسطىٰ» لأنّها بَينَ صَلاتَينِ مِن صَلاةِ النَّهارِ تَقدَّمَتا(4)عليها، و صَلاتَينِ مِن صَلاةِ الليلِ تأخَّرَتا(5)عنها.
علىٰ ماذا يَجوزُ السجودُ(1)؟
و أيُّ شَيءٍ يُتوَقَّى السجودُ عليه؟
الجوابُ:
لا يَجوزُ السجودُ إلّاعلَى الأرضِ بعَينِها إذا كانَت طاهرةً، أو علىٰ ما أنبَتَته، إلّاأن يَكونَ مأكولاً كالثِّمارِ، أو ملبوساً كالقُطنِ و الكِتّانِ و(2)ما اتُّخِذَ منهما.
و لا بأسَ بالسجودِ علَى القِرطاسِ الخالي مِن الكتابةِ، و يُكرَهُ علَى المكتوبِ فيه؛ لشَغلِ القَلبِ بقِراءتِه.
التسليمُ، هَل هو واحدةٌ تِجاهَ القِبلةِ، أم اثنَتانِ عن يَمينٍ و شِمالٍ؟
الجوابُ:
التسليمُ عندَنا واجبٌ، و يُسلِّمُ المُصَلّي واحدةً(3)، يَستَقبِلُ بها القِبلةَ. و يَنحَرِفُ بوَجهِه قَليلاً إلىٰ جِهةِ يَمينِه إن كانَ مُنفَرِداً أو إماماً؛ و إن كانَ مأموماً، سَلَّمَ عن(4)يَمينِه و شِمالِه، إلّاأن تَكونَ(5)شِمالُه خاليةً مِن أحَدٍ، فيَقتَصِرُ علىٰ يَمينِه.
القُنوتُ، في جميعِ الفَرائضِ، أم في صَلاةٍ معلومةٍ؟
و هَل هو قَبلَ الركوعِ، أو بَعدَه؟
الجوابُ:
القُنوتُ مُستَحَبٌّ غيرُ مفروضٍ، و إن كانَ في الفَرضِ أشَدَّ استحباباً، و هو في صَلاةِ الجَهرِ بالقِراءةِ أشَدُّ تأكيداً و استحباباً(1)و لا إثمَ علىٰ مَن تَرَكَه.
و مَكانُه قَبلَ الركوعِ مِن الركعةِ الثانيةِ(2)و يَرفَعُ يَدَيهِ بالقُنوتِ(3)، و يُكبِّرُ للقُنوتِ تكبيراً مُفرَداً.
التكبيراتُ السبعُ عندَ التوجُّهِ، في الفَرضِ خاصّةً، أم في الفَرضِ و النوافِلِ؟
الجوابُ:
التكبيراتُ(4)السبعُ للدخولِ في الصلاةِ، إنّما تُستَعمَلُ(5)في الفَرضِ دونَ النوافِلِ، و هي مسنوناتٌ غيرُ مفروضاتٍ.
1) . في المطبوع: «أو استحباباً».
2) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع من قوله: «و لا إثم علىٰ من تركه...» إلى هنا ساقط. و قد أثبتناهاطبقاً ل «س، ي».
3) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «للقنوت». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ي».
4) . في «أ، ش، ق» و المطبوع: «التكبير».
5) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «يستعمل». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للنُّسخة «س».
و يَكفي للدخولِ في الصلاةِ - فَرضاً كانَ أو سُنّةً - تكبيرةٌ واحدةٌ، و هي «التحريمةُ» التي يَحرُمُ بَعدَها ما لَم يَكُن مُحرَّماً مِن الأفعالِ و الأقوالِ.
الرَّكعَتانِ من جُلوسٍ بَعدَ فَريضةِ العَتَمةِ؛ بتَربُّعٍ أم تَورُّكٍ(1)؟
الجوابُ:
قد رُويَ في فِعلِ هاتَينِ الرَّكعَتَينِ الترَبُّعُ.
و رُويَ أن تُفعَلا(2)جميعاً، فِعلاً مُطلَقاً؛ لَم يُشتَرَطْ(3)فيه تَربُّعٌ و لاتَورُّكٌ؛(4)فالمُصَلّي مُخيَّرٌ فيهما(5)بَينَ الترَبُّعِ و التوَرُّكِ، و أيُّ الأمرَينِ فَعَلَ جازَ.
غَسلُ الوجهِ عندَ الوضوءِ؛ باليَدِ اليُمنىٰ، أم باليَدَينِ جميعاً؟
الجوابُ:
المفروضُ إيصالُ الماءِ إلَى الوجهِ علىٰ سَبيلِ الغَسلِ، و الظاهرُ مِن القُرآنِ
يَدخُلُ فيه غَسلُ الوجهِ باليَدَينِ مَعاً و باليَدِ الواحدةِ؛ إلّاأنّ السُّنّةَ وَرَدَت بأن يُغسَلَ الوَجهُ(1)باليَدِ اليُمنىٰ دونَ اليُسرىٰ، و فِعلُ المسنونِ أَولىٰ مِن غيرِه.
المَسحُ علَى الرأسِ و الرِّجلَينِ، بفاضِلِ ماءِ اليَدِ اليُسرىٰ(2)، أم بماءٍ مُجدَّدٍ؟
الجوابُ:
المفروضُ في مَسحِ الرأسِ و الرِّجلَينِ أن يَكونَ ببِلّةِ اليَدِ، مِن غيرِ استينافِ(3)ماءٍ مُجدَّدٍ؛ فمَن استأنَفَ ماءً جديداً لهُما، لَم يُجزِه ذلكَ، و وَجَبَت عليه الإعادةُ.
فإن لَم يَجِدْ في يَدِه بِلّةً يَمسَحُ بها رأسَه و رِجلَيه، فقَد رُويَ أنّه يأخُذُ مِن بِلّةِ شَعرِ لِحيتِه أو حاجِبِه؛(4)فإن لَم يَجِدْ ذلكَ، استأنَفَ الوضوءَ.
ما يُشكِلُ علينا مِن الفِقهِ، نأخُذُه مِن رسالةِ عليِّ بنِ موسَى بنِ بابَوَيهِ
القُمّيِّ(1)، أم(2)مِن كتابِ الشَّلمَغانيِّ(3)
و كتاب الشلمغاني المشار إليه في المتن هو كتاب التكليف، ألّفه في حال استقامته، و عُرض على الحسين بن روح، فذكر أنّه ما فيه من شيء إلّاو قد روي عن الأئمّة عليهم السلامُ، إلّاموضَعين أو ثلاثة، فإنّه كذب عليهم في روايتها. راجع: الغيبة للشيخ الطوسي، ص 408-409؛ الذريعة، ج 4، ص 406.
، أم(4)مِن كتابِ عُبَيدِ اللّٰهِ الحَلَبيِّ(5)؟الجوابُ:
الرجوعُ إلىٰ كتابِ ابنِ بابَوَيهِ و إلىٰ كتابِ الحَلَبيِّ أَولىٰ مِن الرجوعِ إلىٰ كتابِ الشَّلمَغانيِّ علىٰ كُلِّ حالٍ.
1) . و هو والد الشيخ الصدوق رحمه اللّٰه، و الرسالة مفقودة، و قد نقل ولده الشيخ الصدوق رحمه اللّٰه عنها في كتابه كتابُ من لا يحضره الفقيه كثيراً.
2) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «أو». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للنُّسخة «ط».
3) . أبو جعفر محمّد بن عليّ بن أبي العزاقر الشلمغاني، إليه تنسب العزاقرة، كان متقدّماً في أصحابنا؛ لكن حمله الحسد لأبي القاسم الحسين بن روح على ترك المذهب، و الدخول في المذاهب الرديئة، منها ادّعاء نيابة المهديّ عليه السلام، بل ادّعاء الأُلوهيّة و الحلول - على ما قيل -، فأخذه السلطان و قتله في عام 322 ه. من مصنّفاته: كتاب التكليف، و كتاب ماهيّة العصمة، و كتاب الزاهر، و المباهلة، و كتاب الأوصياء، و غيرها. راجع: رجال النجاشي، ص 378، الرقم 1029؛ الفهرست للطوسي، ص 224، الرقم 627؛ خلاصة الأقوال، ص 399، الرقم 30؛ الفرق بين الفرق، ص 264؛ وفيات الأعيان، ج 1، ص 418؛ معجم المؤلّفين، ج 11، ص 16.
4) . في المطبوع: «أو».
5) . عبيد اللّٰه بن علي الحلبيّ، كان يتّجر هو و أبوه و إخوته إلى حلب، فغلبت عليهم النسبة إلى حلب، و أصله كوفيّ، و هو ثقة عند النجاشي رحمه اللّٰه و الشيخ الطوسي رحمه اللّٰه و غيرهما، و عدّه المفيد رحمه اللّٰه في رسالته العدديّة من الفقهاء الأعلام المأخوذ منهم الحلال و الحرام و اُلفتيا و الأحكام، الذين لا يطعن عليهم، و لا طريق إلى ذمّ واحد منهم. و عرض كتابه على الإمام الصادق عليه السلام، فصحّحه و استحسنه، و قال: «ليس لهولاء - أي المخالفين - مثله». الفهرست للطوسي، ص 174، الرقم 466؛ معجم رجال الحديث، ج 12، ص 85، الرقم 7419.
هَل يَجِبُ في الأذانِ بَعدَ قولِ «حَيَّ علىٰ خَيرِ العملِ»: «مُحمّدٌ و عليٌّ خَيرُ البَشَرِ»؟
الجوابُ:
إن قالَ: «مُحمّدٌ و عليٌّ خَيرُ البَشَرِ» علىٰ أنّ ذلكَ مِن قولِه خارجٌ مِن لفظِ الأذانِ، جازَ؛ فإنّ الشهادةَ بذلكَ صَحيحةٌ. و إن لَم يَقُلْ(1)، فلا شَيءَ عليه.
مِن لَفظِ أذانِ المُخالِفينَ، يَقولونَ في أذانِ الفَجرِ: «الصلاةُ خَيرٌ مِن النومِ»؛ هَل يَجوزُ لنا أن نَقولَ ذلكَ، أم لا؟
الجوابُ:
مَن قالَ ذلكَ في أذانِ الفَجرِ، فقَد أبدَعَ و خالَفَ السُّنّةَ؛ لإجماعِ(2)أهلِ البَيتِ علىٰ ذلكَ.
مَولانا أميرُ المؤمنينَ - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه - حَيٌّ يُشاهِدُنا، و يَسمَعُ كلامَنا، أم ميِّتٌ؟
الجوابُ:
الأئمّةُ الماضونَ عليهم السلامُ و المؤمِنونَ رَضيَ اللّٰهُ عنهم(1)يُنعَّمونَ و يُرزَقونَ؛ فإذا زيرَت قُبورُهم، أو صُلّيَ عليهم، أبلَغَهُم اللّٰهُ ذلكَ، و أعلَمَهم(2)به؛ فكانوا - بالإجماعِ - له سامِعينَ مُشاهِدينَ.
قد رُويَ أنّ سَيِّدَنا رَسولَ اللّٰهِ و مَولانا أميرَ المؤمنينَ - صَلَواتُ اللّٰهِ عليهما و آلِهما - يَحضُرانِ عندَ كُلِّ ميِّتٍ وقتَ قَبضِ روحِه في شَرقِ الأرضِ و غَربِها؛(3)و نؤثِرُ أن نَكونَ مِن ذلكَ علىٰ يَقينٍ.
الجوابُ:
قد رُويَ ذلكَ؛ و المعنىٰ فيه أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يُعلِمُ المُحتَضَرَ و يُبشِّرُه - إذا كانَ مِن أهلِ الإيمانِ - بما له مِن الحَظِّ و النفعِ بمُوالاتِه(4)و تَمسُّكِه بمُحمّدٍ و عليٍّ عليهما السلامُ؛ فكأنّه يَراهُما، و كأنّهما حاضِرانِ عندَه؛ لأجلِ هذا الإعلامِ.
و كذلكَ إذا كانَ من أهلِ العَداوةِ؛ فإنّه يُعلَمُ(5)بما عليه مِن الضرَرِ بعَداوتِهما و العُدولِ عنهما.(6)
1) . في المطبوع: - «رضي اللّٰه عنهم»
2) في «أ، ش، ق، ل» و المطبوع: «أو أعلمهم».
3) . راجع: بحار الأنوار، ج 6، ص 173-200، باب ما يعاين المؤمن و الكافر عند الموت و حضور الأئمّة عليهم السلام عند ذلك و...، ح 1-56.
4) . في «أ، ش، ق، ل» و المطبوع: «لموالاته».
5) في المطبوع: «يعلمه».
6) . ذهب الشيخ المفيد رحمه اللّٰه إلىٰ هذا الرأي أيضاً. راجع: أوائل المقالات، ص 73-74. كما
و كَيفَ(1)يَجوزُ أن يَكونَ شَخصانِ يَحضُرانِ علىٰ سَبيلِ المُجاوَرةِ(2)و الحُلولِ في الشرقِ و الغَربِ عندَ كُلِّ مُحتَضَرٍ؟ و ذلكَ مُحالٌ.
الأئمّةُ عليهم السلامُ في الفَضلِ سَواءٌ بَعدَ مَولانا أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ، أم يَتفاضَلُ بعضُهم علىٰ بعضٍ؟
الجوابُ:
الفَضلُ في الدينِ لا يُقطَعُ عليه إلّابالسمعِ القاطعِ.
و قد رُويَ أنّ الأئمّةَ عليهم السلامُ مُتَساوونَ(3)في الفَضلِ.(4)
و رُويَ أنّ كُلَّ(5)إمامٍ أفضَلُ ممّن يَليهِ، سِوَى القائمِ عليه السلامُ فإنّه أفضَلُ مِن المُتقدِّمينَ عليه.
فالأَولَى التوقُّفُ في ذلكَ؛ فلا دليلَ قاطعاً(6)عليه.
هَل بَينَ السيِّدَينِ الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهما السلامُ فَرقٌ في الفَضلِ، أم هُما سَواءٌ؟
الجوابُ:
الصحيحُ تساويهِما عليهما السلامُ في الفَضلِ. و لا يُفضَّلُ أحَدُهما علَى الآخَرِ بِلا دليلٍ عليه، و لا طريقٍ إليه(1)فلا تَعلُّقَ لذلكَ بتكليفِنا(2)فيُنصَبَ لنا دليلٌ عليه.(3)
كُلُّ الأئمّةِ عليهم السلامُ يُخبِرونَ بالشيءِ قبلَ كَونِه، أم لا؟
الجوابُ:
لَيسَ مِن شَرطِ الإمامةِ الإخبارُ عن الشيءِ قَبلَ كَونِه، لأنّ ذلكَ مُعجِزٌ؛ و قد يَجوزُ إظهارُ المُعجِزاتِ علىٰ أيدي الأئمّةِ عليهم السلامُ، و قد يَجوزُ أن لا تَظهَرَ علىٰ أيديِهم.
إلّا أنّا قد عَلِمنا بالأخبارِ الشائعةِ أنّهم عليهم السلامُ أخبَروا بالغائباتِ؛ فعَلِمنا أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ قد أطلَعَهم علىٰ ذلكَ.
لصاحبِ الزمانِ عليه السلامُ يومٌ معلومٌ يَظهَرُ فيه؟
و هَل يُشاهِدُنا، أم لا؟
الجوابُ:
لَيسَ يُمكِنُ نَعتُ الوقتِ الذي يَظهَرُ فيه صاحبُ الزمانِ عليه السلامُ، و إنّما يُعلَمُ(1)علىٰ سَبيلِ الجُملةِ أنّه يَظهَرُ في الوقتِ الذي يأمَنُ فيه المَخافةَ، و تَزولُ عنه التقيّةُ.
و هو عليه السلامُ مُشاهِدٌ(2)لنا، و مُحيطٌ بنا، و غيرُ خافٍ عليه شَيءٌ مِن أحوالِنا.
صاحبُ جَيشِ البَصرةِ و الِاعتقادُ فيه و في غيرِه، و كَيفَ كانوا علىٰ عهدِ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؟
الجوابُ:
قِتالُ أميرِ المؤمنينَ صَلَواتُ اللّٰهِ عليه بَغيٌ و كُفرٌ، جارٍ مَجرىٰ قِتالِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ لقَولِه عليه السلامُ: «حَربُكَ يا عليُّ حَربي، و سِلمُكَ سِلمي»؛(3)و إنّما يُريدُ أنّ أحكامَ حُروبِنا واحدةٌ.
فمَن حارَبَه عليه السلامُ و ماتَ مِن غيرِ تَوبةٍ، قَطَعنا علىٰ أنّه ما كانَ في وقتٍ مِن الأوقاتِ مؤمِناً، و إن أظهَرَ الإيمانَ؛ لأنّ مَن كانَ مؤمِناً علَى الحَقيقةِ في الباطنِ، لا يَجوزُ أن يَكونَ علىٰ ما كانَ القومُ(1)عليه؛ لأدِلّةٍ لَيسَ هذا(2)مَوضِعَ ذِكرِها.(3)
أيُّما أفضَلُ؛ الأنبياءُ، أو المَلائكةُ عليهم السلامُ؟
الجوابُ:
الأنبياءُ عليهم السلامُ أفضَلُ مِن المَلائكةِ، و الدليلُ علىٰ ذلكَ إجماعُ الشيعةِ الإماميّةِ عليه، و إجماعُهم حُجّةٌ؛ لأنّه لا يَخلو هذا الإجماعُ في كُلِّ زمانٍ مِن إمامٍ معصومٍ يَكونُ فيه.
القولُ(4)في أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لَو لَم يَخلُقْ مُحمّداً و أهلَ بَيتِه - صَلَواتُ اللّٰهِ عليهم - لَم يَخلُقْ سَماءً و لا أرضاً و لا جَنّةً و لا ناراً و لا الخَلقَ؟
الجوابُ:
قد(1)وَرَدَت روايةٌ بذلكَ؛(2)و المعنىٰ فيها: أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ إذا عَلِمَ المَصلحةَ لسائرِ المُكلَّفينَ في نُبوّةِ النبيِّ عليه السلامُ و إبلاغِه لهُم الشرائعَ، و أنّ أحَداً لا يَقومُ في ذلكَ مَقامَه، و أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ هو الوصيُّ و الإمامُ بَعدَه؛ و المعلومُ أنّ أحَداً لا يَقومُ في ذلكَ مَقامَه،(3)و كذلكَ الأئمّةُ مِن وَلَدِه عليهم السلامُ على نَسَقِهم؛ و لَو(4)لَم يَخلُقْ هؤلاءِ عليهم السلامُ، لَما كانَ خَلقٌ لأحَدٍ و لا تكليفٌ لبَشَرٍ؛ للمعنَى الذي ذَكَرناه.
في كتاب «التكليفِ»(5)عن عليٍّ عليه السلامُ أنّه قالَ: «مَن عَبَدَ الاسمَ دونَ المعنىٰ فقَد كَفَرَ، و مَن عَبَدَ الِاسمَ و المعنىٰ فقَد أشرَكَ، و مَن عَبَدَ المعنىٰ بحَقيقةِ المَعرفةِ فهو مؤمنٌ حَقّاً»(6).
الجوابُ:
لا شُبهةَ أنّ(7)عابدَ غيرِ اللّٰهِ تَعالىٰ كافرٌ، و الِاسمُ غيرُ المُسَمّىٰ؛ فمَن عَبَدَ الِاسمَ
1) . في «ل» و المطبوع: «و قد»
2) راجع: الاعتقادات للصدوق، ص 93.
3) . من قوله: «و أنّ أمير المؤمنين...» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
4) . في المطبوع: «لو» بدون واو العطف.
5) . كتاب التكليف لأبي جعفر محمّد بن عليّ بن أبي العزاقر الشلمغاني، تقدّمت الإشارة إليه في المسألة الرابعة عشرة من هذه المسائل.
6) . في «ب»: - «حقّاً». و راجع: الكافي، ج 1، ص 87، ح 1؛ التوحيد، ص 221، ح 13؛ الاحتجاج، ج 2، ص 72.
7) . في المطبوع: «لا شبهة في أنّ من عبد الاسم دون المعنى».
دونَ المُسمّىٰ، كانَ كافراً؛ لعبادتِه غيرَ اللّٰهِ تَعالىٰ.(1)
و مَن عَبَدَ الِاسمَ و المُسَمّىٰ، كانَ مُشرِكاً؛ لعبادتِه مع اللّٰهِ تَعالىٰ غيرَه.
فوَجَبَ أن تَكونَ العبادةُ للّٰهِ تَعالىٰ وَحدَه خالصةً، و هو المُسَمّىٰ.
رُويَ: «أنّ الناسَ في التوحيدِ علىٰ ثَلاثةِ أقسامٍ: مُثبِتٍ، و نافٍ، و مُشبِّهٍ؛ فالمُشبِّهُ مُشرِكٌ، و النافي مُبطِلٌ، و المُثبِتُ مؤمنٌ»(2)[ما] تفسيرُ ذلكَ؟
الجوابُ:
المُرادُ هاهُنا(3)بالمُثبِتِ: مَن أثبَتَ الشيءَ علىٰ ما هو عليه، و اعتَقَده علىٰ ما هو به.
و النافي مُبطِلٌ؛ لأنّه بالعَكسِ مِن ذلكَ.
فأمّا المُشبِّهُ، فهو مَن اعتَقَدَ أنّ للّٰهِ تَعالىٰ شَبيهاً، و ذلكَ مُشرِكٌ، لا شُبهةَ في شِركِه.
الأخُ مِن الأبِ يَرِثُ مع الأخِ مِن الأُمِّ؟ و كذلكَ مع الأخِ مِن الأبِ و الأُمِّ؟
الجوابُ:
إذا اجتَمَعَ إخوةٌ مِن أبٍ، و إخوةٌ من أبٍ(4)و أُمٍّ، مع إخوةٍ مِن أُمٍّ(5)، كانَ للإخوةِ
مِن الأُمِّ الثلُثُ، و الباقي للإخوةِ مِن الأبِ و الأُمِّ.
فإن كانَ أخاً واحداً أو أُختاً واحدةً مِن أمٍّ، معها أخٌ لأبٍ(1)أو أختٌ لأبٍ، كانَ للأخِ أو الأُختِ مِن الأُمِّ السدُسُ، و الباقي للأخِ مِن الأبِ أو الأُختِ(2).
فإذا اجتَمَعَ إخوةٌ لأبٍ مع إخوةٍ لأبٍ و أُمٍّ، كانَ المالُ كُلُّه للإخوةِ مِن الأبِ و الأُمِّ، و لا حَظَّ لوُلدِ الأبِ خاصّةً فيه.
الثوبُ إذا أصابَته الجَنابةُ، و لَم يُعرَفِ المكانُ؛ تَجوزُ الصلاةُ فيه؟
الجوابُ:
إذا عُرِفَ مكانُ الجَنابةِ مِن الثوبِ، غُسِلَ ذلكَ المَوضِعُ؛ و إن لَم يُعرَفْ بعَينِه، غُسِلَ الثوبُ جميعُه، و لَم تَجُزِ الصلاةُ فيه(3)قَبلَ الغَسلِ.
الجوابُ:
لا تَتعدّىٰ نَجاسةُ الكَلبِ - مع نَشافةِ جِلدِه - إلىٰ ما يُماسُّه مِن ثَوبٍ أو بَدَنٍ(1)، و إنّما تَتعدّىٰ مع النَّداوةِ و البَلَلِ في أحَدِهما؛ و أمّا مع نَشافتِهما مَعاً(2)، فلا تَتعدَّى(3)النجاسةُ.
مَن جامَعَ أهلَه في شَهرِ رَمَضانَ بالنهارِ، ما يَجِبُ عليه؟ و ما كَفّارتُه؟
الجوابُ:
يَجِبُ علَى المُجامِعِ في شَهرِ رَمَضانَ نَهاراً القَضاءُ و الكَفّارةُ جميعاً، بِلا خِلافٍ.
و الكَفّارةُ عِتقُ رَقَبةٍ، أو صيامُ شَهرَينِ مُتَتابِعَينِ، أو إطعامُ سِتّينَ مِسكيناً؛ لكُلِّ مِسكينٍ مُدٌّ مِن طَعامٍ. و هو مُخيَّرٌ عندَنا(4)بَينَ الثلاثِ، أيَّ شَيءٍ فَعَلَ(5)منها.
الثوبُ يُصيبُه الخَمرُ، هَل تَجوزُ الصلاةُ فيه، أم لا؟
الجوابُ:
لا تَجوزُ الصلاةُ في ثَوبٍ فيه خَمرٌ.
و نَجاسةُ الخَمرِ أغلَظُ مِن سائرِ النجاساتِ؛ لأنّ الدمَ و إن كانَ نَجِساً، فقَد أُبيحَ لنا ان نُصلّيَ في الثوبِ إذا كانَ فيه دونَ قَدرِ الدِّرهَمِ مِن الدمِ؛ و البَولَ قد عُفيَ عنه فيما يُرشَّشُ عندَ الاستنجاءِ كرُؤوسِ الإبَرِ(1)و الخَمرَ ما عُفيَ عنه في مَوضِعٍ مِن المَواضِعِ [عفواً ناشئاً] عن شَيءٍ منها.
مَسألةٌ ثالثةٌ و ثَلاثونَ(2)حُكمُ مَن غابَ عن أهلِه سِنِينَ
القَولُ في رَجُلٍ تَزوَّجَ امرأةً و دَخَلَ(3)بها، ثُمَّ غابَ عنها سِنينَ(4)، ثُمَّ وَضَعَت وَلَداً و ادَّعَت أنّه من الزوجِ؛ هَل يُصدَّقُ قولُها في ذلكَ و يُلحَقُ الوَلَدُ بالزوجِ، أم لا؟
و ما يَجِبُ عليها في ذلك؟
الجوابُ:
لا يُلحَقُ الولدُ بالزوجِ الغائبِ؛ لأنّ الفِراشَ الذي عَناه النبيُّ عليه السلامُ بقَولِه:
«الوَلَدُ للفِراشِ»(5)معدومٌ هاهُنا(6)لأنّ الفِراشَ عبارةٌ عن(7)مَكانِ الوَطيِ، و الوَطيُ
1) . لم يرد في النُّسخ المعتمدة: «و البول قد عفي عنه....» إلى هنا. و إثباتُها هو الصواب؛ طبقاًللمطبوع و: «ك، ي»
2) في «ب» و المطبوع: «المسألة الثالثة و الثلاثون».
3) . في النُّسخ المعتمدة: «دخل» بدون واو العطف. و الصوابُ إثباتُها؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخ: «ج، ط، ك».
4) في المطبوع: «سنتين».
5) . الكافي، ج 5، ص 491، ح 3؛ و ج 7، ص 163، ح 1؛ الفقيه، ج 4، ص 380، ح 5812؛ تهذيب الأحكام، ج 8، ص 169، ح 588 و 589؛ و ص 183، ح 640؛ و ص 208، ح 734؛ مسند أحمد، ج 1، ص 25 و 59 و 65 و 69 و...؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 5 و 39 و 187 و...؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 171.
6) . في المطبوع: - «هاهنا».
7) . في المطبوع: «من».
هاهُنا مُتعذِّرٌ، فلا فِراشَ، فالولدُ غيرُ لاحِقٍ، هذا إذا كانَت غَيبتُه زائدةً علَى الحَملِ.
هَل يَجوزُ للمؤمِنِ الِاستغفارُ و الترَحُّمُ لوالدَيهِ و أقارِبِه، إذا كانوا مُخالِفينَ؟
الجوابُ:
لا يَجوزُ الِاستغفارُ و لا التَرحُّمُ عَلى الكُفّارِ(1)، و إن كانوا أقارِبَ؛ لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ قد قَطَعَ علىٰ عِقابِ الكُفّارِ و أنّه لا شَفاعةَ فيهم، و لا يَجوزُ أن نَسألَ فِعلَ ما عَلِمنا و قَطَعنا علىٰ أنّه لا يَفعَلُه.
الفِطرةُ و الزكاةُ لضُعَفاءِ المؤمِنينَ خاصّةً، أم لسائرِ الضعفاءِ عامّةً؟
الجوابُ:
لا يَجوزُ إخراجُ فِطرةٍ و لا زَكاةٍ و لا صَدَقةٍ إلىٰ مُخالِفٍ يَبلُغُ به خِلافُه إلَى الكُفرِ؛ فمَن أخرَجَ زكاةً أو فِطرةً إلىٰ مَن هذه صفتُه، وَجَبَ عليه الإعادةُ.
و قد تَجاوَزَ أصحابُنا ذلكَ؛ فحَرَّموا إخراجَ الزكاةِ إلَى الفاسِقِ، و إن كانَ مؤمِناً.(2)
القولُ فيمن يَحلِفُ علىٰ مَعصيةِ اللّٰهِ - عَزَّ اسمُه - بالمُصحَفِ - مِن قَتلٍ و ما شاكَلَه -، فأمكَنَه ذلكَ، فتَرَكَه فَزَعاً مِن اللّٰهِ تَعالىٰ؛ ما الذي يَجِبُ عليه لليَمينِ؟
الجوابُ:
لا تَنعَقِدُ اليَمينُ علىٰ فِعلِ مَعصيةٍ؛ و مَن حَلَفَ باللّٰهِ تَعالىٰ أنّه يَفعَلُ شَيئاً مِن المَعاصي، لَم تَنعَقِدْ يَمينُه، و لا تَجِبُ(1)عليه الكَفّارةُ إذا لَم يَفعَلْ ذلكَ؛ لأنّ الحِنثَ يَلزَمُ مع انعقادِ اليَمينِ، و لا يَجِبُ مع عدمِ انعقادِها.
القولُ في تزويجِ أميرِ المؤمنينَ - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه - ابنَتَه، و ما الحُجّةُ؟
و كذلكَ بَناتُ سيِّدِنا رَسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.
الجوابُ:
ما زَوَّجَ أميرُ المؤمنينَ - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه - ابنَتَه بمَن أُشيرَ إليه إلّاعلىٰ سَبيلِ التقيّةِ و الإكراهِ، دونَ الإيثارِ و الِاختيارِ. و قد رُويَ في ذلكَ ما هو(2)مشهورٌ(3)فالتقيّةُ تُبيحُ ما لَولاها لَم يَكُن مُباحاً.
فأمّا النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فإنّما زَوَّجَ مَن أُشيرَ إليه في حالٍ كانَ فيها مُظهِراً للإيمانِ، و إنّما تَجدَّدَ بَعدَ ذلكَ ما تَجدَّدَ.
فإن قيلَ: ألَيسَ عندَ أكثَرِكم أنّ مَن ماتَ علىٰ كُفرِه فلا يَجوزُ أن يَكونَ قد سَبَقَ منه إيمانٌ(1)؟
قُلنا: هكذا نَقولُ، و يَجوزُ أن يَكونَ النبيُّ عليه السلامُ أنكَحَ مَن وَقَعَت الإشارةُ إليه قَبلَ أن يُعلِمَه اللّٰهُ تَعالىٰ بما يَكونُ في المُستَقبَلِ؛ فإنّا غيرُ عالِمينَ بتأريخِ هذا الإعلامِ و تَقدُّمِه و تأخُّرِه.
ما رُويَ عن الثوابِ في الزيارةِ؟
الجوابُ:
إنّ في زيارةِ قُبورِ الأئمّةِ عليهم السلامُ فَضلاً كَبيراً(2)، تَشهَدُ به الرواياتُ، و أجمَعَت عليه الطائفةُ؛ و الرواياتُ لا تُحصىٰ.(3)
و رُويَ أنّ: «مَن زارَ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ كانَت(4)له الجَنّةُ».(5)
1) . و هذا مفاد نظريّة «الموافاة» التي تقدّمت الإشارة إليها في المسألة الثالثة و العشرين.
2) . في «ب»: «كثيراً».
3) . راجع: كامل الزيارات، ص 39-47، ح 1-21؛ و ص 89-92، ح 90-93؛ و ص 316-341، ح 546-577؛ و ص 497-503، ح 769-782؛ و ص 505-512، ح 786-799؛ و ص 512-523، ح 800-804؛ ثواب الأعمال، ص 98 و....
4) . في المطبوع: «كان».
5) . عوالي اللآلي، ج 1، ص 305، ح 6.
و رُويَ أنّ: «من زارَ الحُسَينَ عليه السلامُ مُحِّصَت ذُنوبُه كما يُمحَّصُ الثوبُ في الماءِ، و يُكتَبُ له بكُلِّ خُطوةٍ حَجّةٌ، و كُلَّما رَفَعَ قَدَمَه عُمرةٌ».(1)
التقصيرُ في الصلاةِ و الصيامِ واجبٌ لِمَن يُسافِرُ في طاعةِ اللّٰهِ تَعالىٰ - مِثلُ:
الحَجِّ، و الجهادِ و الزيارةِ و غيرِ ذلكَ - خاصٌّ، أم(2)للتاجرِ و الجُنديِّ(3)و كُلِّ مُسافِرٍ؟
الجوابُ:
التقصيرُ إنّما يَجِبُ علىٰ مَن كان سَفَرُه لَيسَ بمَعصيةٍ؛ سَواءٌ كانَ مُباحاً أو طاعةً.(4)
و مَن كانَ سَفَرُه أكثَرَ مِن حَضَرِه، فلا تقصيرَ عليه.
و لا تقصيرَ علَى المُتصيِّدِ.
التخَتُّمُ، في اليَدَينِ، أم في اليُمنىٰ(5)وَحدَها؟
الجوابُ:
المسنونُ في الخاتَمِ أن يَكونَ في اليَمينِ(1)، مع الِاختيارِ و عدمِ التقيّةِ. و إن أضافَ إلَى اليَمينِ اليَسارَ، جازَ. و لا يَجوزُ الِاقتصارُ علَى اليَسارِ مِن غيرِ تَقيّةٍ.
الهِلالُ يُغَمُّ(2)في بِلادِنا كَثيراً و يَخفىٰ(3)علينا؛ فهَل له حِسابٌ يُعوَّلُ عليه، غيرُ رأيِ العَينِ؟
و اليومُ الذي يُرىٰ فيه: هو منه، أم(4)مِن الشهرِ المُتقدِّمِ؟
الجوابُ:
المُعوَّلُ في مَعرفةِ أوائلِ الشهورِ و أواخِرِها، علىٰ رؤيةِ الهِلالِ، دونَ الحِسابِ و العَدَدِ؛(5)فإذا رُئيَ(6)الهِلالُ لَيلةَ ثَلاثينَ، فهو أوّلُ الشهرِ.
فإن غُمَّ، فالشهرُ ثَلاثونَ؛ و لا تعويلَ إلّاعلىٰ ذلكَ، دونَ ما يَدَّعيهِ أصحابُ العَدَدِ.
فإذا رُئيَ الهِلالُ في نَهارِ يومٍ، فذلكَ اليومُ مِن الشهرِ الماضي دونَ المُستَقبَلِ.
لَحمُ الأرنَبِ حَلالٌ، أم حَرامٌ؟
الجوابُ:
لَحمُ الأرنَبِ حَرامٌ عندَ أهلِ البَيتِ عليهم السلامُ، و قد وَرَدَت رواياتٌ كَثيرةٌ بذلكَ.(1)و لا خِلافَ بَينَ الشيعةِ الإماميّةِ فيه.
و الأرنَبُ عندَهم نَجِسٌ؛ لا يُستَباحُ وَبَرُه و(2)صوفُه.
ما حُكمُ(3)شُربِ الفُقّاعِ؟
الجوابُ:
عندَ الشيعةِ الإماميّةِ حَرامٌ، يَجري في التحريمِ مَجرَى الأشربةِ المُسكِرةِ(4)، و إن لَم يَكُن في نفسِه مُسكِراً؛ فلَيسَ التحريمُ واقفاً(5)علَى الإسكارِ.
1) . الخصال، ص 494، ضمن ح 2؛ علل الشرائع، ج 2، ص 488، ضمن ح 5؛ تهذيب الأحكام، ج 9، ص 38؛ وسائل الشيعة، ج 24، ص 109، ح 3099.
2) . في المطبوع: - «وبره و».
3) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: - «ما حكم». و الصوابُ إثباتُه؛ وفقاً للنُّسخة «س».
4) . في المطبوع، «المحرّمة».
5) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «واقعاً». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للنُّسختَين «س، ي». و يدلّ علىٰ ذلك ما جاء في أوّل المسائل الرازيّة: «ليس التحريم موقوفاً على المسكرات».
و مَن شَرِبَ الفُقّاعَ، وَجَبَ عليه عندَهم الحَدُّ، كما يَجِبُ(1)علىٰ مَن شَرِبَ الخَمرَ(2)و سائرَ الأشرِبةِ المُسكِرةِ.
المُتعةُ، هَل تَجوزُ في وقتِنا هذا، أم لا؟
و بمَن تَكونُ؟
و ما شُروطُها؟
بمؤالِفٍ، أو مُخالِفٍ و ذِمّيٍّ؟
و هَل للولدِ ميراثٌ كغَيرِه(3)مِن الأولادِ، أم لا؟
الجوابُ:
المُتعةُ مُباحةٌ مِن زمنِ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و إلىٰ(4)وقتِنا هذا، و ما تَغيَّرَت إباحتُها إلىٰ حَظْرٍ.
و يَجِبُ أن يُتمتَّعَ بالمؤمِناتِ، دونَ المُخالِفاتِ. و قد يَجوزُ عندَ عدمِ المؤمِناتِ أن يُتمتَّعَ بالمُستَضعَفاتِ اللواتي لَسنَ بمُعانِداتٍ. و قد يَجوزُ عندَ الضرورةِ التمتُّعُ بالذِّمّيّةِ.
و مِن شُروطِها الذي لا بُدَّ منه: تعيينُ الأجَلِ، و الأجرِ؛(5)مِن غيرِ إبهامٍ لهما.
و الولدُ لاحِقٌ، و هو يَرِثُ أباه، كما يَرِثُه أولادُه مِن غيرِ مُتعةٍ.
فأمّا المُتمتَّعُ بها، فلا ميراثَ لها إن شُرِطَ في العَقدِ ذلكَ؛ و إن لَم يُشرَطْ(1)، كانَ لها الميراثُ.
لَعِبُ الشِّطْرَنجِ و النَّرْدِ.
الجوابُ:
اللَّعِبُ بالشِّطْرَنجِ و النَّرْدِ مُحرَّمٌ محظورٌ، و اللَّعِبُ بالنَّرْدِ أغلَظُ و أعظَمُ عِقاباً.
و لا فُسحةَ(2)عندَ الشيعةِ الإماميّةِ في اللَّعِبِ بشَيءٍ منها علىٰ وجهٍ و لا سببٍ(3).
لُبسُ وَبَرِ الثعلَبِ و الأَرنَبِ(4)و ما يَجري مَجراه.
و هَل تَجوزُ(5)الصلاةُ فيه، أم لا؟
الجوابُ:
لا يَجوزُ لُبسُ جُلودِ الثعالِبِ و الأرانِبِ و ما اتُّخِذَ مِن أوبارِهما، لا قَبلَ الدِّباغِ(6)و لا بَعدَه. و الحُجّةُ علىٰ ذلكَ: إجماعُ الشيعةِ الإماميةِ خاصّةً عليه.
ما يُلبَسُ مِن(1)الفَروِ و الفِراءِ(2)الحُمُرِ(3)؟
الجوابُ:
ما اتُّخِذَ مِن جُلودِ الغَنَمِ فَرواً بَعدَ الذكاةِ بالذَّبحِ يَجوزُ لُبسُه، قَبلَ الدِّباغِ إذا كانَ خالياً مِن نَجاسةِ الدمِ، و بَعدَ الدِّباغِ. و لا خِلافَ في ذلكَ بَينَ المُسلِمينَ.
لُبسُ القَزِّ و الخَزِّ.
الجوابُ:
أمّا(4)القَزُّ و الإبريسَمُ مُحرَّمٌ لُبسُهما علَى الذُّكورِ دونَ الإناثِ، إذا كانَ الثوبُ منسوجاً بالقَزِّ خالصاً، مِن غيرِ أن يُخالِطَه شَيءٌ مِن القُطنِ و الكِتّانِ.
فأمّا(5)الخَزُّ، فيَجوزُ لُبسُه بَعدَ الذَّكاةِ و الدِّباغِ،(6)للذُّكورِ و الإناثِ، علىٰ كُلِّ حالٍ.
القَولُ في المُحلِّلِ و المُحلَّلةِ موجودٌ في كتابِ «التكليفِ»،(1)و هو: أن يَكونَ للرجُلِ و المرأةِ أمَةٌ، فيُحِلُّها(2)لغَيرِه(3)مُدّةً معلومةً، و يَستَرجِعُها(4)منه؛ هَل ذلكَ جائزٌ، أم لا؟
الجوابُ:
قد رُويَ ذلكَ.(5)و المعنىٰ في هذا التحليلِ الذي وَرَدَت به الروايةُ: أن تَعقِدَ المرأةُ علىٰ أمَتِها و الرجُلُ علىٰ جاريتِه عَقدَ مُتعةٍ؛ لأنّ إباحةَ المرأةِ لا تَكونُ(6)إلّافي عَقدِ المُتعةِ. و قَد يَجوزُ نِكاحُ المُتعةِ بلَفظِ الإباحةِ و التحليلِ، كما يَجوزُ بلَفظِ الِاستمتاعِ أو النكاحِ(7).
أُمَّهاتُ الأولادِ؛ يُقسَّمنَ في الميراثِ، أم لا؟
1) . «كتاب التكليف» لأبي جعفر محمّد بن عليّ بن أبي العزاقر الشلمغاني، و قد تقدّمت الإشارة إليه في المسألة الرابعة عشرة من هذه المسائل.
2) . في «أ، ش، ق، ل» و المطبوع: «فتحلّها».
3) في المطبوع: «بغير».
4) . في المطبوع: «و سترجعها».
5) . راجع: وسائل الشيعة، ج 21، ص 125-127، باب أنّه يجوز للرجل أن يحلّ جاريته لأخيه...، ح 26694-26702.
6) . في «أ، ش، ق، ل»: «لا يكون».
7) في المطبوع: «و النكاح».
الجوابُ:
أُمَّهاتُ الأولادِ عندَنا علىٰ جُملةِ الرِّقِّ، ما(1)خَرَجنَ عنه بالوَلَدِ؛ و يُقسَّمنَ في الميراثِ، و يُجعَلنَ في نُصُبِ(2)أولادِهِنّ، فيُعتَقنَ عليهِنّ(3).
و يَجوزُ عندَنا بَيعُ أُمِّ الوَلَدِ بَعدَ مَوتِ وَلَدِها.(4)
المَسبِيّاتُ في هذا العَصرِ؛ يَجوزُ استملاكُهنَّ و نِكاحُهنَّ، أم لا؟
الجوابُ:
يَجوزُ تَملُّكُ السبايا و نِكاحُهنَّ، و إن كانَ سَباهُنَّ غيرُ الإمامِ المُحِقِّ؛ لأنّ أئمّتَنا عليهم السلامُ قد رَخَّصوا لشيعتِهم في ذلكَ، إرفاقاً بهم، و تسهيلاً عليهم؛ لأنّ المِحنةَ بحَظْرِ(5)ذلكَ؛ فلا يَكادونَ(6)يَنفَكّونَ منها في أكثَرِ الأزمانِ، فتَكونُ(7)غَليظةً شَديدةً.
الزكاةُ في الغَلّةِ؛ هي بَعدَ حاصِلِ السُّلطانِ و مَؤونةِ القَريةِ، أم(8)في الأصلِ؟
1) . «ما» هنا نافية
2) في «ب، ل» و المطبوع: «نصيب».
3) . كذا، و الأنسب: «عليهم».
4) راجع: الانتصار، ص 383.
5) . في «ب، ق»: «يحظر». و في «ل» و المطبوع: «يخطر»، و استُظهر في هامشه: «تختطر».
6) . كذا، و الأنسب: «لا يكادون».
7) . في المطبوع: «الزمان، فيكون» بدل «الأزمان، فتكون».
8) . في المطبوع: + «لا».
الجوابُ:
إنّما(1)تَجِبُ الزكاةُ في الحِنطةِ و الشَّعيرِ و التَّمرِ و الزَّبيبِ إذا بَلَغَ ما يَحصُلُ لمالِكِ الأرضِ في خاصّتِه خَمسةُ أَوسُقٍ، و الوَسْقُ سِتّونَ صاعاً، و الصاعُ تِسعةُ أرطالٍ. ففي ذلكَ إذا بَلَغَه العُشرُ إن(2)كانَ يُسقىٰ سَيْحاً، و إن كانَ يُسقىٰ بالدَّوالي و النَّواضِحِ ففيه نِصفُ العُشرِ، و ما زادَ علَى الخَمسةِ أوسُقٍ فبحِسابِ ذلكَ. و لَيسَ فيما دونَ الخَمسةِ أوسُقٍ(3)زَكاةٌ.
ما يَجِبُ علىٰ مَن حَلَفَ أن لا يَشرَبَ الخَمرَ، أو يَركَبَ مَعصيةً، ثُمَّ فَعَلَ؟
الجوابُ:
يَجِبُ علىٰ مَن فَعَلَ ذلكَ كَفّارةُ اليَمينِ: إطعامُ عَشَرةِ مَساكينَ، أو كِسوَتُهم، أو عِتقُ رَقَبةٍ.
و هو مُخيَّرٌ بَينَ هذه الكَفّاراتِ الثلاثِ؛ فمَن لَم يَجِدْ منها شَيئاً، كانَ عليه صيامُ ثَلاثةِ أيّامٍ.
المَرأةُ الذمّيّةُ تَكونُ تَحتَ الذمّيِّ، فيُسلِمُ الرجُلُ؛ هَل تَنفَكُّ بالإسلامِ، أم تَبقىٰ
علىٰ حالِها في حِبالِه(1)؟
الجوابُ:
ما يَنفَسِخُ نِكاحٌ(2)بَينَ الذِّميِّ و زَوجتِه الذمّيّةِ بإسلامِ الزوجِ، بَل النكاحُ بَينَهما باقٍ علىٰ حالِه، بِلا خِلافٍ بَينَ الأُمّةِ.
ما يَجِبُ علَى المؤمِنِ إذا كانَ عَرَبيَّ النسَب و تَزوَّجَ امرأةً عَلَويّةً أو(3)هاشِميّةً؟
الجوابُ:
إذا كانَ العَرَبيُّ مِن قَبيلٍ غيرِ مرذولٍ في(4)القَبائلِ، و لا مُستَنقَصٍ - فإنّ في بَعضِ القَبائلِ مِن العَرَبِ مَن هذه صفتُه -، فلَيسَ بمحظورٍ عليه نِكاحُ الهاشِميّاتِ.
و إنّما يُكرَهُ ذلكَ سِياسةً و عادةً، و إن لَم يَكُن محظوراً في الدينِ.
هل يؤخَذُ بما يُروىٰ عن مالكٍ في النِّساءِ؟(5)و مَن يُطابِقُه علىٰ ذلكَ(6)
1) . في المطبوع: «حاله»
2) في المطبوع: «النكاح».
3) . في النُّسخ المعتمدة «أم». و في المطبوع: - «أو». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل «ي».
4) . في المطبوع: «من».
5) . نُسب إلىٰ مالك جواز الوطء في الدبر، ولكن أوَّلَه البعضُ بأنّه إنّما جوَّز الوطء من الدبر، لافي الدبر. راجع: فيض القدير، ج 6، ص 439.
6) . في المطبوع: «و من لم يطابقه في ذلك».
مِن الشيعةِ؟(1)
الجوابُ:
مُباحٌ للزوجِ أن يَطأَ زَوجتَه في كُلِّ واحدٍ مِن فَرْجَيها(2)، و لَيسَ في ذلكَ شَيءٌ مِن الحَظْرِ و الكَراهيةِ(3).
و الحُجّةُ في ذلكَ مع(4)إجماعِ الإماميّةِ(5)عليه، قولُه(6)تَعالىٰ: «فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ» (7).
و أنّ الشرعَ يَقتَضي التمتُّعَ بالزوجةِ مُطلَقاً، مِن غيرِ استثناءٍ لمَوضِعٍ دونَ آخَرَ.
القرآنُ؛ مُنزَلٌ، أو مخلوقٌ؟
الجوابُ:
القُرآنُ كلامُ اللّٰهِ تَعالىٰ، أنزَلَه و أحدَثَه، تصديقاً للنبيِّ عليه السلامُ؛ فهو مفعولٌ.
و لا يُقالُ: إنّه «مخلوقٌ»؛ لأنّ هذه اللفظةَ إذا أُطلِقَت علَى الكلامِ أوهَمَت أنّه
«مكذوبٌ»، و لهذا يَقولونَ: «هذا كلامٌ مخلوقٌ»، و قالَ(1)اللّٰهُ تَعالىٰ: «إِنْ هٰذٰا إِلاَّ اِخْتِلاٰقٌ» (2)يُريدُ الكَذِبَ لا مَحالةَ.
مَسألةٌ ثامنةٌ و خَمسونَ(3)أفضلُ الأعمالِ
أيُّ الأعمالِ أفضَلُ؟
الجوابُ:
معنىٰ قولِنا في العملِ أنّه أفضَلُ: أنّه أكثَرُ ثَواباً مِن غيرِه. و لَيسَ يَعلَمُ أيَّ الأعمالِ أكثَرَ ثَواباً(4)علَى التحقيقِ إلّاعَلّامُ الغُيوبِ تَعالىٰ، أو مَن أطلَعَه علىٰ ذلكَ.
و ما يُروىٰ في ذلكَ مِن أخبارِ الآحادِ لا يُعوَّلُ عليه.
الِاعتقادُ أفضَلُ بغَيرِ عملٍ، أو العملُ بغَيرِ اعتقادٍ؟
الجوابُ:
أمّا العملُ بغَيرِ اعتقادٍ، فلا ثَوابَ عليه، و لا فائدةَ فيه؛ لأنّ مَن صَلّىٰ و لا يَعتَقِدُ وجوبَ الصلاةِ و القُربىٰ بها إلَى اللّٰهِ، فلا صَلاةَ له، و لا خَيرَ فيما فَعَلَه.
و الجَمعُ بَينَ الِاعتقادِ و العملِ هو النافعُ المقصودُ.
و انفرادُ الِاعتقادِ عن عملٍ، خَيرٌ علىٰ كُلِّ حالٍ، و إن خَلا مِن عملٍ، و لَيسَ كذلكَ العملُ إذا خَلا مِن الِاعتقادِ.
الِاعتقادُ في الرَّجعةِ عندَ ظُهورِ القائمِ عليه السلامُ؟
و ما هي(1)الرَّجعةُ؟
الجوابُ: معنَى الرَّجعةِ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يُحيي قَوماً ممّن تُوفّيَ قَبلَ ظُهورِ القائمِ عليه السلامُ مِن مَواليه و شيعَتِه؛ ليَفوزُوا(2)بمُباشَرةِ نُصرَتِه و طاعتِه و قِتالِ أعدائه، و لا يَفوتَهم ثَوابُ هذه المَنزِلةِ الجَليلةِ التي لَم يُنكِروها؛(3)حتّىٰ لا يُستَبدَلَ عليهم بهذه المنزلةِ غيرُهم.
و اللّٰهُ تَعالىٰ قادرٌ علىٰ إحياءِ المَوتىٰ؛ فلا معنىٰ لتَعجُّبِ المُخالِفينَ لهذه الحالِ(4)و استبعادِهم.
المُسلِمُ يَرِثُ النصرانيَّ إذا كانَ مِن أُولي الأرحامِ؟
الجوابُ:
عندَنا أنّ المُسلِمَ يَرِثُ الكافرَ، و إنّما الكافرُ لا يَرِثُ المُسلِمَ.
و لَيسَ في الخبرِ الذي يَروونَه عنه عليه السلامُ(1)مِن أنّ(2)«أهلَ مِلّتَينِ(3)لا(4)يَتَوارَثونَ»(5)حُجّةٌ؛ لأنّ «التوارُثَ» تَفاعُلٌ، و إذا وَرِثناهم و لَم يَرِثونا، فما تَوارَثنا.
هل العَمّةُ تَرِثُ مع العَمِّ؟
الجوابُ:
عندَ الشيعةِ الإماميّةِ أنّ العَمّةَ تَرِثُ مع العَمِّ، و لها نِصفُ نَصيبِه(6)لا خِلافَ بَينَ الشيعةِ الإماميّةِ في ذلكَ؛ لأنّها تُشارِكُ العَمَّ في قَرابتِه و دَرجتِه. فما يَقولُه(7)المُخالِفُ مِن ذِكرِ العَصَبةِ لا محصولَ له.
الخالُ و الخالةُ؛ لهُما نصيبٌ مع الأعمامِ مِن الميراثِ؟
الجوابُ:
يَرِثُ الخالُ و الخالةُ مع الأعمامِ نَصيبَ الأُمِّ، و هو الثلُثُ؛ لأنّ قَرابتَهما مِن جِهةِ
1) . في المطبوع: - «عنه عليه السلام».
2) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: - «أنّ». و إثباتُها هو الصوابُ؛ وفقاً ل «ج».
3) . في المطبوع: «الملّتين».
4) في «أ، ش، ق، ل» و المطبوع: «ألّا».
5) . راجع: عوالي اللآلي، ج 1، ص 96؛ بحار الأنوار، ج 29، ص 243، ح 9.
6) . في «أ، ش، ق، ل» و المطبوع: «نصفه».
7) في المطبوع: «يقول».
الأُمِّ. و للخالةِ نِصفُ سَهمِ الخالِ.
و الأعمامُ يَرِثونَ نَصيبَ الأبِ،(1)و هو الثلُثانِ(2)لأنّ قَرابتَهم مِن جِهةِ الأبِ.
أولادُ الأُختِ يَرِثونَ إذا كانوا أقرَبَ الأهلِ؟
الجوابُ:
أولادُ الأُختِ يَرِثونَ إذا لَم يَكُن معهم في الميراثِ مَن هو أحَقُّ منهم و مَن هو أعلىٰ دَرجةً.
و يَجري أولادُ الأُختِ إذا انفَرَدوا بالميراثِ مَجرىٰ أولادِ الأخِ إذا انفَرَدوا به.
الحائضُ إذا مَضَت سَبعةُ أيّامٍ، و طَهُرَ المَوضِعُ مِن أذىً؛ هَل يَجوزُ للرجُلِ وَطؤها قَبلَ غَسلِ رأسِها و بَدَنِها، أم لا؟
الجوابُ:
إذا انقَطَعَ دمُ الحائضِ، و نَقيَ المَوضِعُ مِن الصُّفرةِ و الكُدرةِ، جازَ لزَوجِها أن يَطأَها، و إن لَم تَغتَسِلْ(3).
و لا فَرقَ في ذلكَ بَينَ أن يَكونَ انقطاعُه لأكثرِ الحَيضِ أو لأقَلِّه، بخِلافِ ما يَقولُه(1)أبو حَنيفةَ؛(2)لأنّه يُوافِقُنا في جوازِ الوطءِ عندَ انقطاعِ الدمِ و إن لَم يَقَعِ الغُسلُ، إلّاأنّه يُفرِّقُ بَينَ انقطاعِه لأكثَرِ الحَيضِ و(3)لأقَلِّه؛ فيُجَوِّزُ الوطءَ إذا كانَ الِانقطاعُ في أكثَرِ الحَيضِ، و لا يُجوِّزُه(4)إذا كانَ لأقَلِّه.
الخُمُسُ مفروضٌ لآلِ الرسولِ عليه السلامُ و عليهم في الغَنيمةِ مِن(5)بِلادِ الشِّركِ، أم في(6)جميعِ المَكاسِبِ و المَتاجِرِ(7)و العَقارِ و الزَّرعِ؟
و لِمَن(8)يَجِبُ ذلكَ منهم في هذا العَصرِ؟
الجوابُ:
الخُمُسُ واجبٌ في كُلِّ الغَنائمِ المُستَفادةِ بالحَربِ(9)مِن أموالِ أهلِ الشِّركِ.
و هو أيضاً واجبٌ فيما يُستَفادُ مِن المَعادِنِ و الكُنوزِ، و يُستَخرَجُ مِن البِحارِ.
1) . في المطبوع: «يقول».
2) . راجع: حاشية ردّ المحتار لابن عابدين، ج 1، ص 319.
3) . في المطبوع: «أو».
4) . في المطبوع: «و لا يجوّز».
5) . في المطبوع: «في».
6) . في النُّسخ المعتمدة: - «في». و الصوابُ إثباتُها؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسختَين «ج، ك».
7) . في «أ، ش، ق، ل» و المطبوع: «و التجارة».
8) . في المطبوع: «أو لم» بدل «و لمن».
9) . في المطبوع: «بالغزو».
و يَجِبُ أيضاً في كُلِّ ما فَضَلَ - مِن أرباحِ التجاراتِ، و الزراعاتِ، و الصِّناعاتِ - عن المَؤونةِ و الكِفايةِ في(1)طولِ سَنَتِه(2)علَى الِاقتصادِ.
و سَهمُ اللّٰهِ تَعالَى الذي أضافَه إلىٰ نفسِه، و سَهمُ الرسولِ عليه السلامُ؛ و هذانِ السَّهمانِ بَعدَ الرسولِ للإمامِ القائمِ مَقامَه، مُضافاً إلىٰ سَهمِ الإمامِ الذي يَستَحِقُّه بالقُربىٰ؛ و باقي السِّهامِ ليَتامىٰ آلِ مُحمّدٍ عليه و(3)عليهم السلامُ، و لمَساكينِهم، و أبناءِ سَبيلِهم.
فكأنّه يُقسَّمُ علىٰ سِتّةِ أسهُمٍ: ثَلاثةٌ منها للإمامِ(4)عليه السلامُ، و ثَلاثةٌ منها لآلِ الرسولِ عليه و عليهم السلامُ.
و هذا الخُمُسُ(5)إنّما جُعِلَ لهم عِوَضاً عن الصدَقةِ؛ فإذا مُنِعوه في بعضِ الأزمانِ، حَلَّت لهُم الصدَقةُ مع المنعِ مِن هذا الخُمُسِ(6).
و اللّٰهُ المُوفِّقُ للصوابِ.
تَمَّت المَسائلُ و أجوبتُها، و اللّٰهُ وَليُّ الحَمدِ و التوفيقِ.(7)
1) . في المطبوع: «من».
2) . في «ل» و المطبوع: «سنة».
3) . في المطبوع: - «عليه و».
4) . في «أ، ش، ق، ل»: «لآل الإمام» بدل «للإمام».
5) . في المطبوع: «الحقّ».
6) . في المطبوع: «الحقّ».
7) . من قوله: «تمّت المسائل» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ل». و في «ل» بدلها: «تمّت المسائل و الرسائل بحمد اللّٰه و عونه و حسن توفيقه». و في «ق»: + «و صلاته علىٰ محمدٍ نبيّه و أهل بيته الأئمّة الطيّبين الطاهرين، و حسبنا اللّٰه و نعم الوكيل».
ذكر البُصرويّ (ت 443 ه) في فهرسه هذه المسائل، و وصفها بأنّها مائة مسألة.
و مدينة «واسط» المعروفة تقع في موضع متوسّط بين البصرة و الكوفة، و لذلك سمّيت بهذا الاسم، و قد بناها الحجّاج، و فرغ من بنائها سنة 86. و هناك مدن أُخرى تسمّى: «واسط»، تُراجع في محلها(1).
ثمّ إنّ المتبقّي من هذه المسائل ثماني مسائل فقط؛ و هذا يعني أنّ معظم المسائل مفقود، فقد تقدّم أنّ البُصروي ذكر أنّها مائة مسألة.
و المسائل المتبقّية تبدأ من المسألة الخامسة، و تنتهي عند المسألة الثانية عشرة؛ أي أنّه قد سقطت أربع مسائل من أوّلها، و ثماني و ثمانون مسألة من آخرها.
و المتبقّي من المسائل الواسطيّات كلّه مسائل فقهيّة، و مُعظمه - أي ستّ مسائل - متعلّق بالعلاقات الزوجيّة من نكاح، و طلاق، و عدّة وفاة؛ و أمّا المسألتان الأُخريان فتتعلّق إحداهما بالإرث، و الأُخرى بالصلاة.
و الملاحَظ أنّ الكثير من هذه المسائل متعلّق بأهل الذمّة أو المخالفين و النواصب و الغلاة؛ و هذا قد يعني أنّ السائل كان يعيش في أجواء متنوّعة من الناحية الدينيّة و المذهبيّة.
1) . راجع: معجم البلدان، ج 5، ص 347.
و قد نقل بعض الفقهاء من المسائل الواسطيّات في كتبهم(1).
هذا، و كانت هذه المسائل قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 37، و في مسائل المرتضى، ص 49 تحت عنوان: «بعض المسائل الواسطيّات».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحات (117-120) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحات (16-23) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحات (24-31) من المجموعة، و رمزنا لها ب «س».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحات (343-346) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحات (21-23) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحات (306-311) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحات (54-57) من المجموعة.
1) . راجع: كشف اللثام، ج 7، ص 214.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحات (38-40) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحات (21-24) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحات (12-14) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحات (263-264) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحات (16-19) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (60-62) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحات (16-20) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587/7؛ تقع في الصفحات (86-90) من المجموعة.
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
هَل يَجوزُ للمؤمِنِ أن يُزوِّجَ ابنَتَه الناصِبَ أو الغاليَ، أو فيهما(1)ما يُخرِجُ عن(2)حَدِّ النكاحِ إلَى السِّفاحِ؟ و ما الفَرقُ بَينَهما في هذه الحالِ(3)؟ و ما حَقيقةُ بُعدِهما جَميعاً(4)مِن حقائقِ الإسلامِ علىٰ مُقتَضَى الِاعتقادِ و أُصولِ الدينِ؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
الناصبُ كالغالي في الكُفرِ و الخُروجِ عن الإيمانِ، و لا يَجوزُ مُناكَحةُ كُلِّ واحدٍ منهما مع الاختيارِ. و لا فَرقَ بَينَهما في أنّهما كافِرانِ، لا يَتعلَّقُ عليهما أحكامُ أهلِ الإسلامِ.
فأمّا مَقاديرُ عِقابِ كُلِّ واحدٍ منهما و زيادةُ بعضِه علىٰ بعضٍ أو نُقصانُه، فممّا(5)
هَل يَرِثُ المُسلِمُ مَن(3)ماتَ مِن أهلِ بَيتِه ممّن هو مِن أهلِ الذمّةِ علىٰ مُقتَضَى(4)الشريعةِ؟ أو الإسلامُ يَمنَعُه مِن ميراثِ أهلِه(5)المُخالِفينَ لمِلّتِه؛ لقَولِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «أهلُ مِلّتَينِ لا يَتَوارَثونَ»(6)بحَسَبِ ما ذَكَرَه ابنُ محبوبٍ رَحِمَه اللّٰه(7)في كتابِ المَشيخَةِ.
1) . في «ج»: «لا يعلمه إلّااللّٰه» بدل «فممّا يعلمه اللّٰه تعالى».
2) . في «ب»: «الحقيقة».
3) . في المطبوع: «ممّن».
4) . في «ص»: + «أهل».
5) . في «ب» و المطبوع: «أهل».
6) . راجع: شرح الأخبار، ج 3، ص 37؛ الاحتجاج، ج 1، ص 138.
7) . الحسن بن محبوب السرّاد - و يقال له: الزرّاد - يكنّى أبا عليّ، مولى بجيلة، كوفي، روى عن أبي الحسن الرضا عليه السلام؛ قال الشيخ الطوسي رحمه اللّٰه في الفهرست: «و روى عن ستّين رجلاً من أصحاب أبي عبد اللّٰه عليه السلام، و كان جليل القدر، يعدّ في الأركان الأربعةِ في عصره، و له كتب كثيرة، منها: كتاب المشيخة، كتاب الحدود...». و عدّه في رجاله تارة من أصحاب الكاظم عليه السلام أيضاً قائلاً: «مولى ثقة»؛ و تارة في أصحاب الرضا عليه السلام قائلاً: «مولى بجيلة كوفيّ ثقة». و عدّه الكشّي رحمه اللّٰه من الفقهاء الذين أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عنهم عند تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم و أبي الحسن الرضا عليهما السلام. و ذكر كتابه المشيخة أيضاً ابن شهر آشوب رحمه اللّٰه في معالم العلماء؛ لكنّ الكتاب غير موجود في زماننا الحاضر. راجع: الفهرست للطوسي، ص 96، الرقم 162؛ رجال الطوسي، ص 334، الرقم 4978؛ و ص 354، الرقم 5251؛ معالم العلماء، ص 69، الرقم 182؛ خلاصة الأقوال، ص 97، الرقم 1.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(1):
إنّه لا يَختَلِفُ أصحابُنا في أنّ المؤمِنَ يَرِثُ الكافرَ، و إن كانَ الكافرُ لا يَرِثُ المؤمِنَ.
و ما يُروىٰ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن قولِه: «و أنّ أهلَ مِلّتَينِ لا يَتَوارَثونَ» - إن كانَ صَحيحاً؛ فإنّه خبرُ واحدٍ غيرُ مقطوعٍ به - فمعناه: أنّ كُلَّ واحدٍ منهما لا يَرِثُ صاحبَه. و ذلك لا يَمنَعُ مِن أن يَرِثَ(2)المُسلِمُ الكافرَ؛ لأنّ التوارُثَ تَفاعُلٌ، و لا يَكونُ إلّابَينَ اثنَينِ علىٰ حَدٍّ(3)واحدٍ؛ و إذا كانَ مِن جهةٍ واحدةٍ، لَم يَكُن تَفاعُلاً و لا تَوارُثاً.
مع(4)ثُبوتِ الخبرِ أنّه «لا تَجوزُ(5)الصلاةُ في ثَوبِ إبريسَمٍ، إلّاأن يَكونَ ممزوجاً بقُطنٍ أو كِتّانٍ»(6)، فهَل تَجِبُ(7)الصلاةُ في ثَوبَينِ أحَدُهما إبريسَمٌ و الآخَرُ كِتّانٌ، و جَريُهما(8)جميعاً مَجرَى الثوبِ الممزوجِ، إذا كانَ المُعتَمَدُ في ذلكَ نَقضَ الصلاةِ في الحريرِ إذا لَم يَكُن معه غيرُه؟
1) . في «ص»: - «و باللّٰه التوفيق»
2) في المطبوع: «أن يورث».
3) . في المطبوع: «كلّ واحد» بدل «حدّ».
4) . في «ج، ص»: - «مع».
5) . في «ب، س، ص» و المطبوع: «لا يجوز».
6) . راجع: التهذيب، ج 2، ص 205-208، ح 810-814؛ الاستبصار، ج 1، ص 383-386، ح 1453-1464.
7) . في «ب، س»: «يجب».
8) . في «أ» و المطبوع: «وجوبهما» بدل «و جريهما».
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(1):
إنّ الثوبَ إذا كانَ حَريراً مَحضاً لا يُخالِطُه قُطنٌ أو كِتّانٌ، فلُبسُه حَرامٌ، و الصلاةُ فيه أيضاً غيرُ جائزةٍ. و لا يَجري(2)الثوبانِ اللَّذانِ أحَدُهما حَريرٌ مَحضٌ و الآخَرُ قُطنٌ مَجرىٰ ثَوبٍ واحدٍ ممزوجٍ؛ لأنّ لابِسَ الثوبينِ - و أحَدُهما حَريرٌ مَحضٌ - لابِسٌ لِما حَرُمَ مِن الحَريرِ المَحضِ(3)، و لَيسَ كذلكَ الثوبُ الممزوجُ.
المَسألةُ الثامنةُ مِن الواسِطيّاتِ(4)عِدّةُ وفاةِ الذِّمّيِّ
إذا ماتَ الذمّيُّ عن زَوجتِه، فكَم أقَلُّ ما يَجِبُ أن تَعتَدَّ بَعدَه، فتَحِلَّ للمُستَمتِعِ بها مِن المُسلِمينَ؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(5):
لا يَجوزُ التمتُّعُ و لا أن(6)يَنكِحَ نِكاحَ(7)الدوامِ و التأبيدِ امرأةَ الذمّيِّ إذا ماتَ عنها زَوجُها الذمّيُّ، إلّابَعدَ أن تَعتَدَّ العِدّةَ المفروضةَ في ذلكَ علَى الزوجةِ الحُرّةِ المُسلِمةِ.
المَسألةُ التاسعةُ مِن الواسِطيّاتِ(1)المَرأةُ المُتَسامِحةُ في نَفسِها عن مُراعاةِ عدّةِ الطلاقِ
إذا ثَبَتَ علَى المَرأةِ المُتَسمِّحةِ في صيانةِ نَفسِها أنّها تَتزوَّجُ كثيراً، و لا تُراعي(2)طلاقَها إلّابالخُروجِ مِن بيتِ زَوجِها(3)، و ما(4)يَنضَبِطُ لها استقراؤُهم(5)و طَلَبُ الخَلاصِ مِن حِبالِهم(6)و تَزوُّجِهم(7)فكَيفَ يَكونُ السبيلُ للراغبِ فيها إلَى التزَوُّجِ بها؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(8):
إنّ نِكاحَ المَرأةِ المُتَجوِّزةِ(9)في دينِها المُتسمِّحةِ فيما يَلزَمُها مِن عِدّةٍ أو غيرِها مكروهٌ، و إن لَم يَكُن مُحرَّماً. و كُلُّ امرأةٍ لَم يُعلَمْ أنّها في حِبالِ زَوجٍ أو عِدّةٍ منه، جازَ نِكاحُها، علىٰ ظاهرِ الأمرِ فيه(10)و لَيسَ يَلزَمُه ما في الباطنِ.
1) . في «ص»: «منها» بدل «من الواسطيّات».
2) . في «ب، ج، س، ص»: «و لا يراعي».
3) . لعدم جواز خروج المطلّقة الرجعيّة من بيت زوجها حتّى انقضاء عدّتها. راجع: أحكام النساء، ص 48-49؛ جواهر الكلام، ج 32، ص 330. و الظاهر أنّ المرأة المذكورة في المسألة لم تكن تراعي من طلاقها إلّاهذا الحكم.
4) . في المطبوع: «لا» بدل «و ما».
5) . في النسخ و المطبوع: «استقرارهم»، و لم نجد له معنى يناسب المقام، و الظاهر أنّه من سهو النسّاخ. و يقال: استقرَأ الجَمَلُ الناقةَ، إذا تارَكَها لينظُر أ لَقِحَت أم لا. راجع: لسان العرب، ج 1، ص 132 (قرأ).
6) . في النسخ و المطبوع: «حالهم»، و الظاهر أنّه أيضاً من سهو النسّاخ.
7) . مراجع الضمائر الثلاثة في هذه الجملة: «الأزواج»؛ أي أزواج هذه المرأة المِزواج.
8) . في «ص»: - «و باللّٰه التوفيق».
9) . في «ج» و المطبوع: «المتزوّجة».
10) . في «ب، س»: «منه».
فمَن(1)أرادَ الِاحتياطَ مع مَن خافَ أن تَكونَ(2)فَرَّطَت في عِدّتِها، جازَ له أن يُلزِمَها أن تَعتَدَّ عِدّةً كاملةً قَبلَ العَقدِ عليها، و إن لَم يَكُن ذلكَ واجباً.
المَسألةُ العاشِرةُ مِن الواسطيّاتِ(3)لا حَدَّ للمُستَمتَعاتِ بِهِنَّ في العَدَدِ
هَل تَجري(4)المُستَمتَعاتُ بِهنَّ مَجرَى الزوجاتِ في التحصينِ، فيَحرُمُ علَى المُستَمتِعِ الزيادةُ علَى الأربَعِ، أو تَجري(5)مَجرَى الإماءِ في كَثرةِ العَدَدِ و تَركِ الِالتفاتِ إلىٰ هذا البابِ؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(6):
لا خِلافَ بَينَ أصحابِنا في أنّ للمُتَمتِّعِ(7)أن(8)يَجمَعَ بَينَ النساءِ أكثَرَ مِن أربَعِ حَرائرَ، و أنّهُنَّ يَجرينَ في ذلكَ(9)مَجرَى الإماءِ اللَّواتي يُستَباحُ بمِلكِ اليَمينِ وطؤهُنَّ. و قولُه تَعالىٰ: «مَثْنىٰ وَ ثُلاٰثَ وَ رُبٰاعَ» (10)و كُلُّ ظاهرٍ مِن قُرآنٍ أو سُنّةٍ يَقتَضي تَركَ(11)
1) . كذا، و الأنسب: «و مَن».
2) . في «ب، س»: «أن يكون».
3) . في «ص»: «منها» بدل «من الواسطيّات».
4) . في «ب، س»: «يجري».
5) . في «ج»: «يجرين».
6) . في «ص»: - «و باللّٰه التوفيق».
7) . في «ب، س»: «المتمتّع».
8) . في «ب»: «لن».
9) . في «ج» و المطبوع: - «في ذلك».
10) . النساء (4):3.
11) . في النسخ و المطبوع: «ذلك»، و هو من سهو النسّاخ.
المَسألةُ الحاديةَ عَشَرَ مِن الواسطيّاتِ(3)طَلاقُ المُضطَرِّ ثَلاثاً، كَم يُعَدُّ؟
إذا اضطُرَّ(4)الرجُلُ المؤمِنُ إلَى التزوُّجِ في أسفارِه، أو بَحَسَبِ(5)اختيارِه، و هو مُقارِبٌ لِمَن يَتَّقيه، و لا يَتمكَّنُ أن يَجعَلَ طلاقَه لهُنَّ بحَسَبِ اعتقادِه، فيُطلِّقُهنَّ إذا اضطُرَّ إلىٰ ذاكَ(6)تطليقَ الثلاثِ في(7)مكانٍ واحدٍ؛ فهَل يُجزئُه ذلكَ مع التقيّةِ، أو هُنَّ في حِبالِه - حينَ لَم يُطلِّقْهُنَّ علىٰ مُقتَضَى المَذهبِ الذي يَعتَقِدُه - فيحَرُمُ عليه حينَئذٍ التزوُّجُ(8)بَعدَ الأرَبعِ اللَّواتي طَلَّقَهُنّ علىٰ ما شُرِحَ أوّلاً؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(9):
لا تَقيّةَ علىٰ أحَدٍ في أن يُطلِّقَ امرأتَه الطلاقَ الذي يَذهَبُ(10)إليه الإماميّةُ؛ فإنّه إذا طَلَّقَها تطليقةً واحدةً في طُهرٍ لا جِماعَ فيه بمَشهَدٍ(11)مِن عَدلَينِ، فقَد فَعَلَ السُّنّةَ، و
1) . في «أ»: «بحمله». و في «ب»: «تحمله». و في «س»: «يحمله».
2) . في «أ، ب، ج، س»: - «به».
3) . في «ص»: «منها» بدل «من الواسطيّات».
4) . من هنا إلى آخر المسائل الواسطيّات ساقط من «ج».
5) . في المطبوع: «حسب».
6) . في «أ، ب، س»: «ذلك».
7) . في المطبوع: «مع».
8) . في «أ، ب، س» و المطبوع: «التزويج».
9) . في «ص»: - «و باللّٰه التوفيق».
10) . في «أ» و المطبوع: «تذهب».
11) . في «ب، س»: «بمستشهد».
خِلافُ ذلكَ هو البِدعةُ، و إن وَقَعَ الطلاقُ معه عندَ المُخالِفِ.
إلّا أنّه يُمكِنُ أن يُسألَ عمّن طَلَّقَ نِساءاً له أربَعاً بلفظٍ واحدٍ.
و الجوابُ: أنّه إذا طَلَّقَ جميعَهنَّ - و هُنَّ في طُهرٍ لا جِماعَ فيه - بلفظٍ واحدٍ بمَشهَدٍ مِن عَدلَينِ، فقَد وَقَعَت بِهنّ تطليقةٌ واحدةٌ؛ و لا يَحِلُّ له أن يَتزوَّجَ بأُخرىٰ، إلّا بَعدَ أن يَخرُجنَ مِن العِدّةِ، و يَبِنَّ منه بالخروجِ منها.
المَسألةُ الثانيةَ عَشَرَ مِن الواسطيّاتِ(1)جوازُ التمتُّعِ بالمُستَمتَعِ بها قَبلَ انقضاءِ العِدّةِ
هل يَجوزُ للمُستَمتِعِ(2)بالِامرأةِ إذا بانَت عنه بخُروجِ الأجَلِ المُسمّىٰ بَينَها و بَينَه أن يَستَمتِعَ بها قَبلَ انقضاءِ عِدّتِها أو بَعدَ ذلكَ، أو تَحرُمُ عليه بالمُتعةِ الأُولىٰ، مِن إعادتِها و مُراجَعةِ الاستمتاعِ بها؟ و ما الحُكمُ و الرُّخصةُ في ذلكَ؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(3):
يَجوزُ للمُستَمتِعِ بالمَرأةِ بَعدَ انقضاءِ عِدّتِها منه أن يُعاوِدَ الاستمتاعَ بها، و يَجوزُ له بَعدَ انقضاءِ الأجَلِ المضروبِ و قَبلَ أن تَعتَدَّ منه أن يُعاوِدَ التمتُّعَ بها(4). و إنّما العِدّةُ شَرطٌ في إباحةِ نِكاحِ غيرِه لها، و لَيسَت شَرطاً في نِكاحِه هو إيّاها.
أجاب الشريف المرتضى على هذه المجموعة من المسائل، و التي قد يبدو للوهلة الأُولى أنّها مسائل فقهيّة بحتة، بسبب أنّ المتبقّي منها مسألتان فقهيّتان:
إحداهما يدور موضوعها حول رؤية الهلال، و الأُخرى حول الطلاق و الإيلاء؛ و لكن إذا راجعنا فهرس البُصروي (ت 443 ه)، لوجدنا أنّه قد حفظ لنا قائمة عناوين المسائل الرمليّات، و عند ملاحظة هذه القائمة نجد أنّها مكوّنة في الحقيقة من سبع مسائل؛ أربع منها على الأقلّ هي مسائل كلاميّة، و اثنتان منها فقهيّة(1). و بذلك يتّضح أنّ المسائل الرمليّات ليست كلّها مسائل فقهيّة، بل المسائل الكلاميّة فيها أكثر عدداً.
و قائمة أسماء المسائل الرمليّات التي ذكرها البُصروي كالتالي:
أوّلاً: مسألة في الصنع و الصانع.
ثانياً: مسألة في الجوهر، و تسميته جوهراً في العدم.
ثالثاً: مسألة في عصمة الرسول صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه من السهو.
رابعاً: مسألة في الإنسان.
خامساً: مسألة في المتواترين.
سادساً: مسألة في رؤية الهلال.
سابعاً: مسألة في الطلاق و الإيلاء.
1) . مجلّة العقيدة، العدد 3، ص 381؛ رجال (فهرست) النجاشي، ص 271.
و قد طبعت المسألتان الأخيرتان منها مع تقديم مسألة الطلاق و الإيلاء على مسألة رؤية الهلال، أي على خلاف الترتيب الذي ذكره البُصروي، و قد قمنا في هذا التحقيق الجديد بترتيبها وفقاً لما قاله البُصروي.
و عند التدقيق في هذه القائمة نجد أنّ من المحتمل قويّاً أن تكون إحدى مسائلها - إضافة إلى المسألتين الأخيرتين - على الأقلّ موجودة، و هي المسألة الثانية منها؛ فإنّ هذه المسألة موجودة في ضمن رسائل الشريف المرتضى و تحمل عنوان: «كلام في حقيقة الجوهر»، و قد وقعت في الطبعة السابقة في ضمن مجموعة مسائل مبعثرة و غير مترابطة تحت عنوان: «أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره»؛(1)لكنّها لم تعتبر جزءاً من الرمليّات، إلّاأنّه يمكن اعتبارها مسألة من الرمليّات؛ و ذلك لأمرين:
الأوّل: أنّ العنوان الذي ذكره البُصروي للمسألة الثانية يشير إلى أنّها تتحدّث عن الجوهر و تسميته جوهراً في حال عدمه؛ و إذا راجعنا المسألة المذكورة، لوجدنا الشريف المرتضى يتحدّث فيها عن هذا الموضوع بالضبط، حيث قال في ضمن جوابه على المسألة: «و إنّما قلنا: إنّ الجوهر لابدّ أن يكون في حال عدمه جوهراً...»، و هو يتطابق تماماً مع العنوان الذي ذكره البُصروي للمسألة الثانية من الرمليّات.
و الثاني: جاء في بداية المسألة المذكورة تصريحٌ بأنّها تشكل مسألة ثانية من مجموع مسائل معيّنة، حيث إنّها تبدأ بهذه الصورة: «المسألة الثانية من المسائل التي وردت على الأجلّ المرتضى...»، و هو يتطابق تماماً أيضاً مع الترتيب الذي ذكره البُصرويّ للمسائل الرمليّات، حيث جعل المسألة التي تتحدّث عن الجوهر مسألة ثانية.
إذن المتبقّي من المسائل الرمليّات هي ثلاث مسائل على الأقلّ، لا اثنتان.(2)
السائل
أمّا السائل فلا نعرفه بالدقّة؛ و لكن من المحتمل أن يكون هو أبو الفرج محمّد بن محمّد بن الرملي الحائري الذي أرسل مسائل إلى الشيخ المفيد (ت 413 ه) و الشيخ الطوسي (ت 460 ه)، كما أشار إلى ذلك ابن إدريس (ت 598 ه)، حيث قال:
... هذا آخر كلام شيخنا المفيد (رحمه اللّٰه). و قال أيضاً في جواب المسائل التي سأله عنها محمّد بن محمّد بن الرملي الحائري...(1).
و قال في موضع آخر:
و قد سُئل الشيخ أبو جعفر الطوسي عن هذه المسألة في جملة المسائل الحائريّات المنسوبة إلى أبي الفرج بن الرمليّ(2).
و من المحتمل أن يكون صاحب المسائل الرمليّات التي وجّهها إلى الشريف المرتضى هو نفس هذا الرجل الرملي الحائري؛ فإنّه من البعيد أن يقوم هذا السائل المثابر و المُجِدُّ بالسؤال من الشيخ المفيد و الطوسي، و يغفل عن إرسال مسائل إلى علم الهدى الشريف المرتضى.
و إذا صحّ هذا الاحتمال فسوف تكون المسائل الرمليّات في الحقيقة منسوبة إلى سائلها الرمليّ الحائري، لا إلى منطقة الرملة التي في فلسطين كما ذكر بعض المحقّقين(3)، و تكون في الحقيقة مسائل حائريّة؛ و اللّٰه أعلم.
اتّضح ممّا تقدّم صحّة نسبة هذه المسائل إلى الشريف المرتضى؛ فقد تقدّم أنّ
البُصروي قد ذكرها و عدّد أسماء مسائلها التي وصل إلينا بعض منها، كما أنّ النجاشي (ت 450 ه) قد ذكرها في ضمن مؤلّفات الشريف المرتضى. أضف إلى ذلك أنّ لغة البحث و الأُسلوب المتّبع فيما تبقّى منها يتناسب مع لغة و أُسلوب الشريف المرتضى، و كلّ هذا يدعو إلى الاطمئنان بصحّة النسبة.
و فيما يلي استعراض سريع لمحتوى المسائل الرمليّات:
المسألة الأُولى: في الصنع و الصانع. و هي مسألة مفقودة، و يظهر من عنوانها أنّها تبحث عن حدوث العالم و الصنعة. و قد بحث الشريف المرتضى عن هذه المسألة في عدّة مواطن، ككتاب الملخّص(1)، و جواب سؤال أرسله الكراجكي إليه حول قِدَم العالم(2)، و ذهب الشريف المرتضى كسائر المتكلّمين إلى القول بحدوث العالم.
المسألة الثانية: في الجوهر، و تسميته جوهراً في العدم. و قد تقدّم احتمال أن تكون هذه المسألة نفس المسألة الموجودة في ضمن رسائل الشريف المرتضى، و تحمل عنوان: «كلام في حقيقة الجوهر»، و هي تتحدّث عن مسألة مهمّة و معقّدة من مسائل دقيق الكلام، و هي مسألة شيئيّة الجوهر في العدم، فقد دار كلام بين المتكلّمين حول أنّ الجوهر في حال عدمه هل يمكن تسميته جوهراً أيضاً، أو لا، و أنّه لا يسمّى جوهراً إلّابعد وجوده؟ ذهب معتزلة البصرة - و على رأسهم الجبّائيّان أبو علي (ت 303 ه)، و أبو هاشم (ت 321 ه)، و مِن بعدهما أبو عبد اللّٰه البصري (ت 369 ه) - إلى أنّ الجوهر جوهر حتّى في حال عدمه، و ذهب معتزلة بغداد - و على رأسهم أبو
القاسم البلخي (ت 317 ه) - إلى أنّ الجوهر ليس جوهراً في حال عدمه، لكنّه يوصف بأنّه شيء(1). و قد عُرفت هذه المسألة في تاريخ علم الكلام باسم: «مسألة المعدوم»(2).
و قد اختار الشريف المرتضى ما ذهب إليه البصريّون، حيث ذهب إلى اعتبار الجوهر جوهراً في حال العدم، و تعرّض إلى هذه المسألة بتفصيل كثير في المسألة الأُولى من المسائل السلّاريّة، كما أشار إليها في نهاية المسألة الرابعة من الطرابلسيات الأُولى.
المسألة الثالثة: في عصمة الرسول صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه من السهو. و هي - كما هو واضح من عنوانها - تتحدّث عن نفي سهو النبي صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و عصمته من ذلك. و قد صارت هذه المسألة مثاراً للبحث و الجدل بين الإماميّة، و ربما يكون هذا الجدل قد اشتدت حدّته منذ أن أعلن الشيخ الصدوق (ت 381 ه) عن تبنّيه لنظريّة سهو النبي صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3).
ثمّ إنّ هناك رسالة حول عدم سهو النبي صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه تنسب إلى الشيخ المفيد تارة، و إلى الشريف المرتضى تارة أُخرى(4)، حيث قام مؤلّف هذه الرسالة بالردّعلى كلام الشيخ الصدوق و نظريّته، و من المحتمل أنّ الشريف المرتضى قد أشار في المسألة الثالثة من المسائل الرمليّات إلى نظريّة الصدوق، و ناقشه فيها.
المسألة الرابعة: في الإنسان. و هي مسألة كلاميّة مهمّة، و تتعلّق بالبحث عن حقيقة الإنسان المكلّف، و المعبرّ عنه في كتب الكلام ب «الحيّ الفعّال»(5)، فقد اختلفت
كلمات المتكلّمين كثيراً حول هذا الموضوع، حيث طرحت نظريّات متعدّدة في هذا المجال، و أهمّها نظريّتان: إحداهما ما ذهب إليه بعض المتكلّمين من القول بأنّ حقيقة الإنسان هي الروح المجرّدة(1)، و الأُخرى ما ذهب إليه آخرون من أنّها هذا الجسم المُشاهَد(2)، و قد تبنّى الشريف المرتضى النظريّة الأخيرة و استدلّ عليها في بعض كتبه و رسائله مثل الذخيرة(3)، و المسألة الثانية عشر من الطرابلسيات الأُولى، كما نسبت إليه رسالتان مستقلّتان حول هذا الموضوع.
المسألة الخامسة: في المتواترين. لا نعلم موضوع هذه المسألة بالتحديد، سوى أنّه يمكن أن تقرأ بصيغة الجمع، و حينئذٍ سوف يحتمل أن تعني الأشخاصَ الذين يُخبِرون خبراً متواتراً عن قضيّة معيّنة(4). و على أي حال فالمسألة مفقودة.
المسألة السادسة: في رؤية الهلال. و تحتوي على سؤالين:
الأوّل: ما هو حكم من حاول رؤية هلال شهر رمضان فلم يره، أو رآه و لكن جوّز في نفس الوقت رؤية غيره له في بلد آخر، و كانت رؤيته لا تعطيه معرفة، فما هو حكمه، و كيف يعمل؟
الثاني: إذا رأى جماعة هلال شهر شوال و لم يره آخرون، بحيث وجب الصيام على مَن استتر عنهم، و وجب الإفطار على من رآه، فسوف يؤدّي هذا إلى عدّة لوازم باطلة تتركز أكثرها على حصول الاختلاف في عدة أُمور، و هي:
و تمامه بالنسبة للبعض الآخر، أو يؤدّي إلى أن يكون لرمضان حقيقة ثابتة عند اللّٰه تعالى، لكن لم يَنصب لهم دليلاً على تلك الحقيقة بحيث يتّفق عليها جميع المكلّفين، بل تَرَكَهم مختلفين فيما بينهم؟
سوف يؤدّي هذا الاختلاف إلى الاختلاف في الأعياد، فيكون لكلّ قوم عيد. و هذا الإشكال كثيراً ما نسمعه في أيّامنا هذه، حيث يتساءَل الكثيرون عن سبب الاختلاف في تحديد يوم عيد الفطر، و يبدو أنّ هذا الإشكال كان مطروحاً أيضاً قبل ألف سنة أو أكثر.
سوف يؤدّي ذلك إلى الاختلاف في تحديد التواريخ.
سوف يؤدّي إلى تشابه حالنا مع حال أهل الاجتهاد و الرأي و القياس، الذين أدّى اعتمادهم على الاجتهاد و القياس إلى اختلافهم في الأحكام.
و قد تركّز جواب الشريف المرتضى على السؤال الثاني حيث أجاب بأنّ تكليف كلّ شخص مختصٌ به و لا يتعلّق بغيره، فلا إشكال في اختلاف أحكام المكلّفين من واحد إلى آخر، بل لا إشكال في اختلاف تكليف المكلّف الواحد من حالة إلى أُخرى. و حينئذٍ لا إشكال في أن يكون تكليف بعض المكلّفين الصيام، و تكليف بعضهم الآخر الإفطار.
و ذكر لحصول الاختلاف في التكليف عدّة نماذج، مثل تكليف واجد الماء الطهارة به، و تكليف فاقده التيمّم، أو تكليف المريض الصلاة من جلوس، و تكليف الصحيح الصلاة من قيام.
و لم يُجب الشريف المرتضى على إشكال الاختلاف في تعيين العيد، أو الاختلاف في تحديد التواريخ، حيث يظهر منه القبول بذلك، و أنّه ممّا لا مفرّ منه.
لكنّه أجاب على الإشكال الأخير المتعلّق بالتشابه بيننا و بين أهل الاجتهاد و
القياس، و الجواب هو أنّ مشكلتنا مع أهل الاجتهاد ليست في وجود الاختلاف بينهم في الأحكام، فإنّه لو كان هذا الاختلاف ناشئاً من الدليل، فلا إشكال فيه، و إنّما مشكلتنا معهم هي أنّهم اعتمدوا على الاجتهاد و القياس في الشريعة، مع أنّه لا يوجد دليل يدلّ على ذلك و يجوّزه.
إذن لقد كان الشريف المرتضى دقيقاً في الإجابة، و يبدو أنّ الذي كان مرتكزاً في ذهن السائل هو أنّ الاعتماد على الاجتهاد و القياس سوف يؤدّي إلى الاختلاف، و أنّ هذا أمر مرفوض و منكر، لكن الشريف المرتضى لم يَعتبر ذلك إشكالاً، فما دام الاختلاف ناشئاً من الاختلاف في الدليل فلا اشكال فيه. و هذه خطوة مهمّة نحو إعطاء نظرة إيجابيّة إلى مفهوم الاجتهاد بين علماء الإماميّة و الذي كان يساوي معنى القياس، لكنّه بمرور الزمن تغيّر معناه، و صار عبارة عن استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها(1).
المسألة السابعة: في الطلاق و الإيلاء. و هي في الحقيقة إشكال على القاعدة القائلة:
«الطلاق لا يقع إلّافي طهر لم تحصل فيه مواقعة»، و الإشكال هو أنّه لو فرضنا رجلاً واقع امرأته في طهر، ثمّ آلى منها عقيب ذلك، ثمّ صارت المرأة يائساً، فتربّصت أربعة أشهر، ثمّ رفعت أمرها إلى الحاكم، فحينئذٍ سوف يُلزِم الحاكمُ الزوجَ بالكفّارة، و لو امتنع فهل يُلزِمه بالطلاق، مع أنّ زوجته ما زالت في الطهر الذي واقعها فيه قبل أربعة أشهر، لأنّه حسب الفرض أنّها لم ترَ الدم بعد تلك المواقعة، بل يئست و بقيت طاهراً، فإذا ألزم الزوج بالطلاق، فهذا يعني أنّه ألزم بالطلاق في طهر المواقعة، و هو خلاف القاعدة.
فأجاب الشريف المرتضى بأنّ قاعدة «عدم وقوع الطلاق إلّافي طهر لم يواقعها فيه» ناظرة إلى حالة ما لو كانت المرأة غير يائس، بل تحيض و تطهر، فإذا يئست لم
1) . انظر حول مسألة تطوّر مفهوم الاجتهاد: المعالم الجديدة للأُصول، ص 23-28.
تشملها القاعدة، و يصحّ طلاقها على كلّ حال، و حينئذٍ إذا ألزم الحاكمُ الزوجَ بالطلاق فسوف يصحّ منه؛ لأنّه طلاق يائس.
و أضاف الشريف المرتضى إشكالاً آخر، و هو أنّه إذا صادف أن تكون الزوجة حائضاً عند المرافعة إلى الحاكم، و امتنع الزوج من الكفّارة، فحينئذٍ هل يُلزِمه القاضي بالطلاق، و زوجته حائض؟
و أجاب بأنّه يُلزِمه بالطلاق لكن لا حالاً، و إنّما بشرط طهارة زوجته، فكأنّه قال له: «ألزمتك بالطلاق بشرط طهارة زوجتك»، و هذا لا إشكال فيه.
هذا، و كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 45، و في مسائل المرتضى، ص 35.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحات (111-112) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحات (13-17) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحات (13-15) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحات (337-339) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحات (6-8) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ع».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحات (8-12) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحات (293-296) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحات (46-48) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحات (33-35) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحات (260-261) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحات (9-11) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (55-56) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحات (9-11) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587/7؛ تقع في الصفحات (78-80) من المجموعة.
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
المسألةُ السادسةُ(1)
و هذه المسألة متأخّرة عن المسألة السابعة في جميع النسخ و المطبوع، لكنّنا قمنا بإعادة ترتيب المسألتين وَفْقَ ما ذكره البُصروي. راجع مقدّمة هذه المسائل.
حُكمُ الخِلافِ في رؤيةِ الهِلالِما القَولُ فيمن طَلَبَ هِلالَ شَهرِ رَمَضانَ فلَم يَرَه، أو رَآه و جَوَّزَ رؤيةَ غيرِه له(2)مِن قَبلُ في بَلَدٍ(3)آخَرَ(4)، و كانَت رؤيةً(5)لا تُعطي مَعرِفةً له؛ أيَّ شَيءٍ يَعتَقِدُ؟ و علىٰ أيِّ شَيءٍ يُعوِّلُ(6)؟
و كذلكَ إذا ظَهَرَ آخِرُ الشهرِ لقَومٍ و استَتَرَ عن قَومٍ، حتّىٰ وَجَبَ الصيامُ علىٰ مَن استَتَرَ عنهم و الإفطارُ علىٰ مَن ظَهَرَ لهم؛ ألَيسَ(7)يؤَدّي هذا إلىٰ نُقصانِه عندَ بعضِ
المُكلَّفينَ و تَمامِه عندَ آخَرينَ، فتَبطُلُ(1)حقيقةُ شَهرِ رَمَضانَ في نفسِه، أو يَكونَ له حقيقةٌ عندَ اللّٰهِ تَعالىٰ لَم يَنصِبْ لخَلقِه دليلاً يَتَّفِقونَ به عليها و يَعتَقِدونَها(2)علىٰ وجهِها، و يؤَدّي أيضاً إلَى اختلافِ الأعيادِ و فَسادِ التواريخِ و مُماثَلةِ أهلِ الِاجتهادِ في الخِلافِ؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
إنّ تكليفَ كُلِّ مُكلَّفٍ يَختَصُّ به، و لا يَتعلَّقُ بغَيرِه؛ فلَيسَ بمُنكَرٍ أن يَختَلِفَ تكليفُ الشخصَينِ في الوقتِ الواحدِ، كما لا يَمتَنِعُ اختلافُ تكليفِ الشخصِ الواحدِ في الوقتَينِ و الوجهَينِ، و في الوقتِ الواحدِ و الوجهِ الواحدِ إذا كانَ التكليفُ علىٰ سَبيلِ(3)التخييرِ.
و إذا صَحَّت هذه الجُملةُ، فما المانِعُ مِن أن يَكونَ تكليفُ مَن رأىٰ هِلالَ شَهرِ رَمَضانَ الصَّومَ، و تكليفُ مَن لَم يَرَه و لا قامَت عليه(4)حُجّةٌ برؤيتِه الفِطرَ؟ و كذلكَ حُكمُهما(5)في رؤيةِ هِلالِ(6)الفِطرِ.
و أيُّ فَسادٍ في اختلافِ التكليفِ إذا اختَلَفَت(7)وجوهُه و طُرُقُه(8)؟ أوَ لَيسَ اللّٰهُ
تَعالىٰ قد كَلَّفَ واجدَ الماءِ الطهارةَ به دونَ غيرِه، و أسقَطَ عن(1)فاقدِ الماءِ تكليفَ الطهارةِ به، و كَلَّفَه التيمُّمَ بالتُّرابِ، و جَعَلَ تكليفَهما في صلاةٍ واحدةٍ مُختَلِفاً كما تَرىٰ، و لَم يَقتَضِ ذلكَ فَساداً؟
و كذلكَ تكليفُ المريضِ الصلاةَ مِن قُعودٍ، و الصحيحِ الصلاةَ مِن قيامٍ؛ فاختَلَفَ التكليفُ فيهما لاختلافِ أسبابِهما به.
و مَن طَلَبَ جهةَ القِبلةِ، و غَلَبَ في ظَنِّه - بأمارةٍ لاحَت(2)له - أنّها في بعضِ الجِهاتِ، وَجَبَ عليه أن يُصلّيَ إليها بعَينِها؛ و مَن طَلَبَها في تلكَ الحالِ، و غَلَبَ في ظَنِّه - بأمارةٍ أُخرىٰ - أنّها في جِهةٍ سِواها، وَجَبَ عليه أن يُصلّيَ إلىٰ خِلافِ الجِهةِ الأُولىٰ؛ و كُلُّ واحدٍ منهما(3)مؤَدٍّ فَرضَه، و إنِ اختَلَفَ التكليفُ.
و لَو ذَهَبنا إلىٰ ذِكرِ ما(4)يَختَلِفُ فيه التكليفُ مِن ضُروبِ الشرائعِ، لَطالَ القولُ و اتَّسَعَ.
و لَسنا نَعيبُ أصحابَ الِاجتهادِ بالاختلافِ في التكليفِ - علىٰ(5)ظَنِّ السائلِ(6)-؛ لأنّ الِاختلافَ إذا كانَ عن دليلٍ موجِبٍ للعِلمِ و حُجّةٍ صَحيحةٍ، لَم يَكُن مَعيباً، و إنّما عِبناهُم بالِاجتهادِ و القياسِ في الشريعةِ؛ لأنّه لا دليلَ عليهما، و لا طريقَ إليهما.
1) . في المطبوع: «من».
2) . أي: لَمَحَت، و بَرَزَت. يقال: لاحَ البرقُ يَلوحُ لَوحاً، أي: لمح. و لاحَ النجمُ: بَدا. و يقال للشيءإذا تلألأ: لاحَ يَلوحُ لَوحاً. و لاحَ لي أمرُك: بانَ و وَضَحَ. راجع: لسان العرب، ج 2، ص 585-587 (لوح).
3) . في «د، س»: - «منهما».
4) . في «ع»: «إلىٰ ما ذكره ما» بدل «إلىٰ ذكر ما». و في المطبوع: «إلىٰ ما ذكر ممّا» بدلها.
5) . في «د، س»: «بالتكليف عن» بدل «في التكليف - على».
6) . في «د، س» و المطبوع: «المسائل».
المسألةُ السابعةُ حُكمُ الطلاقِ بَعدَ ارتفاعِ الدمِ و إيلاءِ(1)المَرأةِ
مَسألةٌ مِن المَسائلِ الرَّمليَّةِ(2)قالَ: إذا كانَ الطلاقُ لا يَقَعُ بالمَرأةِ إلّاو هي طاهرٌ في طُهرٍ لا مُلامَسةَ فيه؛ فما الحُكمُ في رَجُلٍ قَصَدَ إلَى امرَأةٍ و هي طاهرٌ، فلامَسَها(3)، ثُمَّ آلىٰ منها عَقيبَ مُلامَسَتِها، و ارتَفَعَ الدمُ عنها، فتَربَّصَت(4)به أربعَةَ أشهُرٍ لَم يَقرُبْها، وَجَبَ عليه فيها مُرافَعتُه(5)إلَى الحاكِمِ بَعدَ الأجَلِ، فأمَرَه(6)بالكَفّارةِ، فامتَنَعَ منها؛ أيُلزِمُه الطلاقَ و هي في طُهرٍ قد وَقَعَت فيه المُلامَسةُ، فيَكونُ قد أفتىٰ بضِدِّ ما يَقتَضيهِ المَذهَبُ، أم يَترُكُه علىٰ حالِه، لا يُكفِّرُ و لا يُطلِّقُ، فيُخالِفُ الإجماعَ في ذلكَ؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:
إنّ الطلاقَ إنّما لا(7)يَقَعُ في طُهرٍ تَخلَّلَته المُلامَسةُ إذا كانَت المَرأةُ ممّن تَحيضُ
1) . «الإيلاء» لغةً: الحلف. و أمّا شرعاً، فهو حلف الزوج الدائم على ترك وطء الزوجة المدخول بها قُبلاً مطلقاً، أو زيادة على أربعة أشهر للإضرار بها، و كان طلاقاً في الجاهليّة كالظهار، فغيّر الشرع حُكمه، و جعل له أحكاماً خاصّة إن جمع شرائطه، و إلّافهو يمين يُعتبر فيه ما يُعتبر في اليمين، و يلحقه حكمه. راجع للمزيد: القاموس المحيط، ج 2، ص 1655؛ مجمع البحرين، ج 4، ص 561 (ألي)؛ النهاية للطوسي، ص 527؛ اللمعة الدمشقيّة، ص 188؛ مسالك الأفهام، ج 10، ص 125.
2) . في «د، س»: «الرمليّات».
3) . في «د، س»: «و لامسها».
4) . «التربُّص»: المكث، و الانتظار. الصحاح، ج 3، ص 1041؛ النهاية، ج 2، ص 184 (ربص).
5) . في «د، س»: «مرافعة». و لعلّ الصواب: «فَرافَعَته».
6) . في «ب، ج، د، س»: «فأمر». و في «ع»: «قام».
7) . في «د، س، ع»: - «لا».
و تَطهُرُ؛ فأمّا إذا ارتَفَعَ الدمُ عنها، و يَئِسَت مِن الحَيضِ، و تَبيَّنَ(1)ارتفاعُ الدمِ، فإنّ الطلاقَ يَقَعُ بها علىٰ كُلِّ حالٍ.
و إذا كانَ الأمرُ علىٰ ما أَوضَحناه(2)، و صادَفَ انقضاءُ الأربَعةِ أشهُرٍ [و] مُرافَعةُ المَرأةِ لِزَوجِها إلَى الحاكمِ اليأسَ(3)مِن الحَيضِ، فالحاكمُ يأمُرُه بالكَفّارةِ، فإذا امتَنَعَ عليه(4)أَلزَمَه الطلاقَ، فإن طَلَّقَ وَقَعَ طلاقُه؛ لأنّ طلاقَه طلاقُ(5)آيسةٍ مِن الحَيضِ(6).
اللّهمَّ إلّاأن يُسألَ عمّن صادَفَ مُرافَعَتُه(7)مِن زَوجتِه إلَى الحاكمِ بَعدَ انقضاءِ الأجَلِ حَيضاً، و امتَنَعَ الزوجُ مِن الكَفّارةِ، و قيلَ لنا: كَيفَ تَقولونَ هاهُنا؛ أيُلزِمُه الطلاقَ و هو لا يَقَعُ منه، أم(8)يُمسِكُ(9)عن إلزامِه فيَكونُ غيرَ مُكفِّرٍ و لا مُطلِّقٍ؟
فالجوابُ(10)عن ذلكَ: أنّا نَقولُ: إنّه يُلزِمُه(11)الطلاقَ بشَرطِ طهارةِ زَوجتِه؛ فكأنّه يَقولُ له: قد ألزَمتُكَ و حَكَمتُ عليكَ بأن تُطلِّقَ زَوجتَكَ إذا طَهُرَت. فقَد صارَ
1) . في «أ، ب»: «و بيّن». و في المطبوع: «و دام».
2) . في المطبوع: «أوضحنا».
3) . في «ب» و المطبوع: «اليائس».
4) . في المطبوع: - «عليه».
5) . في «ج، ع»: - «طلاق».
6) . في المطبوع: «يائسة» بدل «آيسة من الحيض».
7) . في «أ، ج، د، س، ع» و المطبوع: «مرافعة».
8) . في «أ» و المطبوع: «أو». و في «د، س»: «أن».
9) . في «ج» و المطبوع: «تمسك».
10) . في «ع»: «الجواب». و في المطبوع: «و الجواب».
11) . في المطبوع: «ألزمه».
الطلاقُ لازماً لمّا امتَنَعَ مِن الكَفّارةِ؛ لكِن علَى الوجهِ الصحيحِ(1).
و هذا بَيِّنٌ، بحَمدِ اللّٰهِ و مَنِّه(2).
تعرّض الشريف المرتضى في هذه المسألة للإجابة عن معنى مصطلحين دائرين على لسان الفقهاء، و هما مصطلحا: «نجس العين»، و «نجس الحكم».
فبدأ بالجواب بتقديم مقدّمة مأخوذة من مباني كلاميّة، و هي أنّ الأعيان لا تكون نجسة حقيقة؛ لأنّها أجسام، و هي جواهر متماثلة، فلو صار بعضها نجس العين من حيث هو جسم لصارت جميع الأجسام نجسة؛ لتماثلها في الجسميّة، و كان لا فرق بين الخنزير و غيره في النجاسة.
إذن نجاسة العين ليست حقيقيّة، و إنّما هي حكم شرعيّ تعبّديّ، فتحمل على المجاز.
و بعد بيان هذه المقدّمة تطرّق لبيان معنى مصطلحَي: «نجس العين»، و «نجس الحكم»؛ فذكر أنّ هذين مجرّدُ اصطلاحين تعارف عليهما الفقهاء؛ و معناهما كالتالي:
أمّا معنى «نجس العين» فهو كلّ ما ثبت وصفُ النجاسة فيه و لم يتغيّر في حال الحياة أو الموت، مثل الخنزير و الكلب.
و أمّا معنى «نجس الحكم»، فهو ما تغيّر وصفه، فتارة يوصف بالطهارة، و أُخرى بالنجاسة، مثل الشاة؛ فإنّه يُحكم بطهارتها في الحياة، و بنجاستها إذا ماتت بلا ذكاة؛ أو الكافر يحكم بنجاسته في حال كفره، و بطهارته في حال ما إذا أسلم. فنجاسة الشاة و الكافر نجاسة حُكميّة.
و ينبغي التنويه هنا إلى أنّ المعنى الذي ذكره الشريف المرتضى هو أحد معاني النجاسة العينيّة و الحُكميّة؛ فإنّ هذين الاصطلاحين يُطلقان بالاشتراك اللفظي على أكثر من معنى، فالنجاسة العينيّة تطلق على ثلاثة معاني على الأقلّ، و تقابلها النجاسة الحُكميّة، و هي كما ذكرها المحقّق البحراني (ت 1186 ه) كالتالي:
أوّلاً: أن يراد بالنجاسة العينيّة ما تتعدّى نجاسته مع الرطوبة، و هو مطلق الخبث، و هو الأكثر دوراناً في كلام الفقهاء.
و تقابلها الحُكميّة بمعنى ما لا تتعدّى، بأن يكون المحلّ الذي قامت به معها طاهراً لا ينجس الملاقي له و لو مع الرطوبة، و يحتاج زوال حُكمها إلى مقارنة النيّة، كنجاسة بدن الجنب و الحائض و نحوها المتوقّف على الغسل.
ثانياً: ما إذا كانت عين النجاسة محسوسة مع قبول الطهارة، كالدم و الغائط و البول قبل جفافه و نحوها.
و تقابلها الحُكميّة بهذا الاعتبار، و هو ما لا يكون له جرم و لا عين يشار إليها، كالبول اليابس على الثوب.
ثالثاً: ما يكون عيناً غير قابل للتطهير كالكلب و الخنزير. و هذا هو المعنى الذي ذكره الشريف المرتضى في هذه الرسالة.
و تقابلها الحُكميّة بهذا الاعتبار، و هو ما يقبل التطهير، كالميّت بعد برده و قبل تطهيره بالغسل(1).
إذن معنى النجاسة العينيّة و الحُكميّة غير منحصر في كلام الفقهاء بما ذكره
1) . راجع: الحدائق الناظرة، ج 5، ص 240. و قد ذكر فخر المحقّقين هذه المعاني أيضاً، لكن باختصار. راجع: إيضاح الفوائد، ج 1، ص 66.
الشريف المرتضى؛ بل هناك معاني أُخرى لها مستخدمة في كلامهم، و الظاهر أنّ هذه المعاني حدثت بعد عصره، و اللّٰه العالم.
و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 328، و في مسائل المرتضى، ص 59.
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (23) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (120) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ش».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (311) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحة (31) من المجموعة، و رمزنا لها ب «س».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (57) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ط».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (40) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ي».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (24) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحة (336) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ر».
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحة (14) من المجموعة، و رمزنا لها ب «م».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (264) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ه».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحة (19) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ع».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحة (57) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ل».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحة (20) من المجموعة، و رمزنا لها ب «و».
مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587؛ تقع في الصفحة (90) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ك».
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
سُئلَ - رَضيَ اللّٰهُ عنه - عن معنىٰ قولِ القائلِ: «هذا نَجِسُ العَينِ، و هذا نَجِسُ الحُكمِ»، و ما(1)هو نَجِسُ العَينِ؟ و ما هو نَجِسُ الحُكمِ؟(2)يُبيَّن ذلكَ.
و هَل إذا(3)وَقَعَ نَجِسُ الحُكمِ في الماءِ يُنجِّسُ(4)أَم لا؟
الأعيانُ لا تَكونُ نَجِسةً؛ لأنّها عبارةٌ عن الأجسامِ، و هي جَواهرُ مُتركِّبةٌ(7)،
1) . في «أ، ر، س، ش»: «ما» بدون واو العطف.
2) . في «ك، ل، م، و»: - «و ما هو نجس العين؟». و في «ه» و المطبوع: - «وما هو نجس العين؟ و ما هو نجس الحكم؟».
3) . في «أ، س»: «و إذا» بدل «و هل إذا». و في «ه» و المطبوع: «و هذا» بدلها.
4) . في «ه» و المطبوع: «منجِّس».
5) . في «أ، س» + «رحمه اللّٰه». و في «ك»: + «رضي اللّٰه عنه».
6) . في «ك، ل»: - «قال».
7) . في «ر، و»: «مركّبة». و في «ك»: «تركّبيّة». و في «ل، م، ي»: «تركّبه».
و هي مُتَماثِلةٌ(1)فلَو(2)نَجُسَ بعضُها لَنَجُسَ(3)سائرُها، و كانَ لا فَرقَ بَينَ الخِنزيرِ و بَينَ غيرِه مِن الحَيَوانِ في النجاسةِ؛ و قد عُلِمَ خِلافُ ذلكَ. و التنجيسُ حُكمٌ شَرعيٌّ، و لا يُقالُ: «نَجِسُ العَينِ» إلّاعلىٰ وجهِ المَجازِ دونَ الحَقيقةِ.
و الذي يَدورُ بَينَ الفقهاءِ في قولِهم: «نَجِسُ العَينِ» و «نَجِسُ الحُكمِ» محمولٌ علىٰ ضَربٍ مِن تَعارُفِهم؛ و هو أنّ كُلَّ ما حُكِمَ بنَجاستِه في حالِ الحياةِ و حالِ المَوتِ و لَم يَتغيَّرْ(4)إجراءُ(5)هذا الوصفِ عليه قالوا: «نَجِسُ العَينِ»، كالخِنزيرِ. و ما اختَلَفَ حالُه فحُكِمَ عليه في بعضِ الأحوالِ بالطهارةِ و في بعضِها(6)بالنجاسةِ قالوا:
«نَجِسُ الحُكمِ».
ألا تَرىٰ أنّ ما تَقَعُ عليه الذَّكاةُ كالشاةِ و غيرِها يُحكَمُ بطَهارتِه حَيّاً و بنَجاستِه إذا ماتَ، و الكافرُ يُحكَمُ بنَجاستِه في حالِ كُفرِه و بطَهارتِه عندَ إسلامِه؟
فأَجرَوا(7)علىٰ ما اختَلَفَ حالُه بأنّه نَجِسُ الحُكمِ، و علىٰ ما لَزِمَته صفةُ النجاسةِ في جميعِ الأحوالِ بأنّه نَجِسُ العَينِ.
و قد عَلِمنا أنّ الجُنُبَ يَجري عليه الوصفُ بأنّه غيرُ طاهرٍ، و معلومٌ أنّ نَجاستَه(8)حُكميّةٌ.
و أمثالُ هذا يَتَّسِعُ، و المذكورُ منه فيه(9)كِفايةٌ.
1) . في المطبوع: «مماثلة»
2) في «أ، س»: «لو».
3) . في المطبوع: «تنجّس».
4) . في «ب، ش، ع، ه»: «و لم تتغيّر». و في «ر»: «و لم يتعيّن».
5) . في «أ، س، ش، ط، ع، م، ه، و» و المطبوع: «أجزاء».
6) . في «ه»: «و في بعض الأحوال» بدل «و في بعضها». و في المطبوع: «و بعض الأحيان» بدلها.
7) . في «أ»: «و أجزوا». و في «س»: «و أجروا». و في «ك، ل»: «فحكموا». و في «م، و، ي»: «فاحمرّوا».
8) . في «م، و»: «أنّه نجاسة» بدل «أنّ نجاسته».
9) . في «ك، ل»: «و في المذكور» بدل «و المذكور منه فيه». و في «و»: - «فيه».
سُئل الشريف المرتضى في هذه المسألة عن مسألة فقهيّة متعلّقة بماء البئر، و هي أنّه لو سقطت نجاسة في بئر، ثمّ غار ماؤها قبل نزحه، و جفّت البئر، ثمّ ظهر فيها الماء من جديد، فما هو حكم هذا الماء من حيث الطهارة و النجاسة؟
فأجاب بأنّ هذه المسألة لا نصّ فيها، و لذلك تحتّم الرجوع في هذه الصورة إلى الأُصول، و هي تقتضي البقاء على أصل الطهارة؛ لأنّ هذا الماء النابع لا نعلم هل هو نفس الماء السابق النجس، أو هو ماء جديد؛ فإذا لم نقطع بنجاسته، فهو على أصل الطهارة. و هذا الحكم قد ذهب إليه أكثر الفقهاء من الإماميّة(1).
و بعد ذلك استعرض الشريف المرتضى ثلاثة إشكالات يمكن أن تورَد على ما تقدّم، و هي:
أوّلاً: أنّ ظهور الماء بعد الجفاف أمارة على أنّ الماء العائد هو نفس الماء الأوّل النجس.
و أجاب بعدم وجود أيّ أماريّة في ذلك، بل هناك احتمالان في هذا الماء:
أحدهما أنّه نفس الماء الأوّل، و الآخر أنّه ماء جديد جاء نتيجة اتّصال البئر بمياه طاهرة، و مع الشكّ يجري أصل الطهارة.
ثانياً: أنّ هذه البئر قد تعلّق بها حكم وجوب النزح، فيجب نزحها على أيّ حال.
و أجاب بأنّ النزح لم يتعلّق بعنوان البئر بما هو بئر، فإنّه لا يمكن نزح البئر نفسها،
1) . الدروس الشرعيّة، ج 1، 121؛ مشارق الشموس، ج 1، ص 244.
و إنّما تعلّق بماء البئر النجس، و هذا الماء قد غار، فقد زال حكمُ وجوب نزح البئر.
ثالثاً: أنّ أرض البئر و جوانبها قد تنجّست بالماء الأوّل، فإذا لاقاها ماء جديد تنجّس.
و أجاب بأنّ مقتضى هذا الكلام وجوب غسل البئر بعد نزحها، و هو باطل.
و قد طبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 329، تحت عنوان: «تنجّس البئر ثمّ غور مائها»، و هو عنوان غير معبّر عن محتوى المسألة؛ فإنّ السؤال يدور حول حكم الماء الجديد النابع، و هو غير مُشار إليه في هذا العنوان.
كما طبعت في ضمن مسائل المرتضى، ص 61 تحت عنوان: «حكم ماء البئر بعد الجفاف»، و هو أيضاً غير معبّر بدقّة؛ فإنّه لم يتعرّض إلى صفة الماء الأوّل قبل الجفاف، فإنّ هذه الصفة - و هي النجاسة - هي التي أثارت السؤال في ذهن السائل.
لذلك فالأفضل تسميتها: «حكم ماء البئر النابع بعد غور مائها النجس».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (24) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (120) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ش».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (312) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحة (32) من المجموعة، و رمزنا لها ب «س».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (57) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ط».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (40) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ي».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (25) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحة (346) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ر».
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحة (14) من المجموعة، و رمزنا لها ب «م».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (264) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ه».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحة (20) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ع».
مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (24) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحة (62) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ل».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحة (20) من المجموعة، و رمزنا لها ب «و».
مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587؛ تقع في الصفحة (71) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ك».
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
بئرٌ سَقَطَت فيها نَجاسةٌ و غارَ ماؤها حتّىٰ لَم يَبقَ منه فيها شَيءٌ قَبلَ التعرُّضِ لنَزحِها، ثُمّ ظَهَرَ فيها الماءُ بَعدَ الجَفافِ، ما حُكمُ ذلكَ الماءِ الذي ظَهَرَ فيها، مِن نَجاسةٍ أو طَهارةٍ؟
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(1):
إنّني لَستُ أَعرِفُ في هذه المسألةِ نَصّاً، و الذي توجِبُه الأُصولُ أن يُقالَ: إنّ الماءَ الذي ظَهَرَ في البئرِ بَعدَ الجَفافِ علىٰ أصلِ الطهارةِ، و غيرُ محكومٍ بنَجاستِه(2).
و الوجهُ في ذلكَ: أنّ الماءَ الذي حَكَمنا بنَجاستِه مِن أجلِ مُخالَطتِه النجاسةَ(3)لَسنا نَعلَمُ أهو(4)الماءُ الذي ظَهَرَ(5)الآنَ في البئرِ بَعدَ جَفافِها،
و لا أنّه(1)العائدُ إليها(2)؟ لأنّه(3)جائزٌ أن يَكونَ ذلكَ الماءُ الظاهرُ في البئرِ إنّما هو مِن مَوادٍّ لها(4)و جِهاتٍ انصَبَّت(5)إليها، و إذا لَم يُقطَعْ(6)علىٰ نَجاسةِ هذا الماءِ فهو علىٰ أصلِ الطهارةِ.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ: ظهورُ الماءِ عَقيبَ الجَفافِ أمارةٌ علىٰ أنّ العائدَ هو الماءُ الأوّلُ المحكومُ بنَجاستِه.
و ذلك: أنّ ما ذُكِرَ(7)لَيسَ بأمارةٍ علىٰ عَودِ الماءِ النجِسِ؛ لأنّ جوازَ ظهورِ الماءِ بَعدَ جَفافِ البئرِ مِن مَوادٍّ انصَبَّت(8)إليها و اتّصَلَت بها كتجويزِ(9)ظهورِ الماءِ بعَودِ(10)الماءِ الأوّلِ إليها، و لا تَرجيحَ لإحدَى الجِهتَينِ(11)علَى الأُخرىٰ(12)فلا أمارةَ في(13)ظهورِه علىٰ أنّه هو(14)الماءُ الأوّلُ.
1) . في «ك، ل»: «و أنّه» بدل «و لا أنّه». و في «م، و، ي»: «و لأنّه» بدلها. و في «ه» و المطبوع: «و إلّاأنّه» بدلها
2) أي: و ليس هو العائد إليها.
3) . في «ب، ج، ط، ع»: «إلّا أنّه» بدل «لأنّه».
4) . في «ب، ج، ع»: «موادّها» بدل «موادّ لها».
5) . في «ه» و المطبوع: «انضبّ».
6) . في «د، م، و، ي»: «لم يقع». و في «ك، ل»: «لم نقطع».
7) . في «أ»: «ذكرنا». و في «ب، ج، ع»: «ذكره». و في «س، ش، ه»: + «ما».
8) . في «ه»: «نضب». و في المطبوع: «ينضبّ».
9) . في «ب، ج، ط، ع»: «بتجويز». و في «ر»: «لتجويز».
10) . في «ك، ل»: «بعد عود» بدل «بعود». و في «م، و، ي»: «بعدد». و في «ه»: «يعود».
11) . في «أ، س»: «و لا يرجع علىٰ إحدى الجهتين» بدل «و لا ترجيح لإحدى الجهتين». و في «ب، ج، د، ط، ع، و، ي»: «و لا ترجيح لأحد الجهة» بدلها. و في «م»: «و لا بترجيح لأحد الجهة» بدلها.
12) . في المطبوع: «الآخر».
13) . في «أ، س»: «على».
14) . في «ب، ج، ط، ع»: - «هو».
و لَم يَبقَ في أيدينا إلّاالتجويزُ(1)لِكَونِه الماءَ الأوّلَ، و هذا التجويزُ بإزائه التجويزُ لِأن يَكونَ ماءاً جديداً؛ فقد تَقابَلَ الجوازانِ. و بالتجويزِ لا يُحكَمُ بنَجاسةِ الماءِ؛ لأنّ ذلكَ لَو كانَ صحيحاً لَوَجَبَ أن يُحكَمَ(2)بنَجاسةِ كُلِّ ما يَجوزُ أن يَكونَ خالَطَته نَجاسةٌ(3)!
فإن قيلَ: هذه بئرٌ تَعلَّقَ عليها الحُكمُ بوجوبِ النَّزحِ، فيَجِبُ أن تُنزَحَ(4)علىٰ كُلِّ حالٍ.
قُلنا: يَعني(5)«وَجَبَ نَزحُ البئرِ» أنّ ماءَها وَجَبَ نَزحُه(6)لا نَزحُ(7)البئرِ نفسِها؛ لأنّ نَزحَها نفسِها لا يُمكِنُ، و إنّما يَتعلَّقُ النزحُ بما فيها. و إذا وجَبَ نَزحُ ماءِ بئرٍ لأجلِ نَجاسةٍ،(8)ثُمّ فُقِدَ ذلكَ الماءُ، فقَد زالَ الحُكمُ بوجوبِ النزحِ(9)عن هذه البئرِ.
و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ: إنّ(10)أرضَ البئرِ و جَوانبَها التي أصابَها الماءُ النجِسُ
1) . في «أ»: + «يخالطه بنجاسة». و في «ب، ج، ع»: «إلّا التجوّز». و في «ط»: «إلى التجويز».
2) . من قوله: «لكونه الماء الاوّل...» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ج، د، ط، ع، ك، ل، م، ه، و، ي» والمطبوع.
3) . في المطبوع: «بنجاسة».
4) . في «أ»: - «فيجب أن تنزح». و في «ر، ه» و المطبوع: «أن ينزح» بدل «أن تنزح». و في «ي»: «أن تنزج» بدلها.
5) . في «ب، ج، ط، ع»: «معنى».
6) . في «ه» و المطبوع: - «أنّ ماءها وجب نزحه».
7) . في «ك، ل» و حاشية «و»: «لأنّ نزح» بدل «لا نزح». و في «ه» و المطبوع: «لا نزاح» بدلها.
8) . في «ك، ل»: «نزح ماءٍ لأجل نجاسته». و في «م، و»: «نزح ماء بئرٍ لأجل نجاسته».
9) . في «أ، س»: «نزح». و من قوله: «بما فيها...» إلىٰ هنا ساقط من «ر».
10) . في «أ، س»: - «إنّ».
تَنجُسُ(1)، فإذا عادَ إليها(2)ماءٌ جَديدٌ يُحكَمُ بنَجاستِه.
لأنّ هذا يَقتَضي غَسلَ البئرِ بَعدَ نَزحِ مائها، و هذا لا يَقولُه مُحصِّلٌ.
من المسائل التي وقع الخلاف فيها بين فقهاء الإماميّة من جهة، و غيرهم من فقهاء المذاهب من جهة أُخرى هي كيفيّة الوضوء. فقد اختلفوا في عدّة مسائل من مسائل الوضوء، و منها حكم الرجلين، و أنّه هل يجب فيهما المسح أو الغسل؟ فذهب الإماميّة إلى الأوّل، فيما ذهب الآخرون عادة إلى الثاني(1).
و قد اهتمّ الإماميّة بتأليف رسائل عديدة حول هذه المسألة، نذكر منها ما يلي:
المسح على الرجلين، لعليّ بن بلال المهلّبيّ الأزدي(2).
كتاب في المسح على الرجلين، لأبي محمّد العلوي(3).
المسح على القدمين، لابن عيّاش السلميّ السمرقنديّ العيّاشي (ت 320 ه)(4).
كتاب فرض المسح على الرجلين، للشيخ أبي عليّ بن الجنيد الإسكافي(5).
مسألة في المسح على الرجلين، للشيخ المفيد (ت 413 ه)(6)، و هي مطبوعة.
القول المبين عن وجوب المسح على الرجلين، للمحقّق الكراجكي (ت 449 ه)، و هي إحدى الرسائل المطبوعة في ضمن كتاب كنز الفوائد.
إضافة إلى رسالة الشريف المرتضى التي بين أيدينا.
و قد ذكر المحقّق الطهراني رسائل أُخرى حول هذا الموضوع، فراجع(2).
و من أسباب الاختلاف الحاصل حول مسح الرجلين أو غسلهما هو كيفيّة قراءة كلمة «وَ أَرْجُلَكُمْ» في قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرٰافِقِ وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ» (3)، و طريقة إعرابها.
و قد أدّى هذا الأمر إلى دخول علماء اللغة و النحو في هذا البحث لنصرة هذا الرأي أو ذاك، و لذلك دخل العالم النحويّ الكبير أبو الحسن عليّ بن عيسى الرّبعي (ت 420 ه) في هذا النزاع(4)، و كتب أوراقاً أو رسالة لنصرة القول بالغسل، فلمّا اطّلع
1) . المصدر، ص 404
2) راجع: الذريعة، ج 21، ص 16-17؛ و ج 1، ص 430.
3) . المائدة (5):6.
4) . عليّ بن عيسى الربعي: هو عليّ بن عيسى بن الفرج بن صالح، أبو الحسن الربعي النحوي، كان إماماً في النحو، مُتقِناً له. أصله من شيراز، صاحَبَ أبا عليّ الفارسي، و درس النحوَ على يديه في شيراز مدّة عشرين سنة، حتّى قال أبو عليّ في حقّه: «ما بقي له شيء يحتاج أن يسأل عنه». و تتلمذ الشريف الرضي على يده في النحو و العروض. و كان فَكِهاً كثيرَ الدعابة، فمن ذلك أنّه كان يوماً على شاطئ دجلة ببغداد، و الملك جلال الدولة [البويهي] و المرتضى و الرضي كلاهما في سمارية [نوع من الزوارق]، و معهما عثمان بن جنّي النحوي، فناداه الربعي: أيّها الملك، ما أنت بصادق في تشيّعك لعليّ بن أبي طالب، يكون عثمان إلى جانبك، و عليٌّ - يعني نفسه - هاهنا؟!» فأمر بالسميرية، فقرّبت إلى الشاطئ، و حمله معه. و قيل: إن هذا القول كان للشريفين المرتضى و الرضي، و معهما عثمان بن جنّي، فقال: «ما أعجبَ أحوالَ الشريفين، يكون عثمان معهما، و عليٌّ يمشي على الشط!!». له تصانيف في النحو، منها كتاب البديع، و شرح مختصر الجرمي، و شرح
الشريف المرتضى عليها قرّر كتابة رسالة للجواب عليها و نقدها. و قد أبدى المرتضى كالعادة قدرته على النقض و الإبرام، و الخوض في المسائل التخصّصيّة و الأدبيّة؛ فمجرّد التجرّؤ على مناقشة شخص كالرّبعي الذي درس اللغة على يد أبي عليّ الفارسي (ت 377) عشرين سنة، و كان أستاذاً للشريف الرضي (ت 406 ه) يحتاج إلى الإلمام الكبير بأسرار اللغة و غوامضها.
و للشريف المرتضى بحث مفصّل حول موضوع مسح الرجلين ذكره في كتابه مسائل الخلاف، و على الرغم من أنّ الكتاب الأخير مفقود، إلّاأنّ الشريف المرتضى قام بذكر الكثير من الأبحاث المطروحة فيه في كتابه الآخر الانتصار(1).
لقد أشار الشريف المرتضى في الرسالة محلّ البحث إلى كتابه مسائل الخلاف، و هو يعتبر قرينة داخليّة مهمّة على تصحيح نسبة الرسالة إليه.
ثمّ إنّه تطرّق في رسالته هذه إلى بعض الأبحاث المهمّة، و التي يمكن تلخيص بعضها فيما يلي:
البحث الأوّل. استدلّ الشريف المرتضى في هذه الرسالة على أنّ قراءة «و أرجلكم» بالجرّ أولى من النصب؛ و ذلك لأنّ نصب «الأرجل» إمّا أن يكون ناشئاً من عطفها على الأيدي، أو يقدّر لها عامل محذوف عَمل فيها النصب، أو تكون معطوفة على محلّ «برؤوسِكم»، و هو محلّ المفعولية.
1) . راجع: الانتصار، ص 105-114.
أمّا الاحتمال الأوّل فغير جائز؛ لبُعد عامل النصب في «الأيدي» - و هو «فاغسلوا» - عن «الأرجُل»، و أنّ إعمال العامل الأقرب - و هو «و امسحوا» - أولى من الأبعد.
و أمّا الثاني فغير جائز أيضاً؛ لأنّه يجوز حينئذٍ تقدير الغَسل و المسح، و لا مرجّح لأحدهما على الآخر. و لأنّ الحذف لا يُلجأ إليه إلّامع الضرورة، و مع استقلال الكلام بنفسه من دون حاجة إلى تقدير محذوف، لم يجز تقدير المحذوف.
و أمّا الثالث فهو جائز، لكن العطف على لفظ «الرؤوس» أولى من العطف على محلّها، فتكون إذن قراءة الجرّ أولى من النصب.
البحث الثاني. و استدلّ على أنّ حمل حكم الأرجل على حكم الرؤوس - و هو المسح - أولى من حمله على الغَسل، بأنّه بناء على القراءة بالجرّ فسوف لن يمكن حمل حكم الأرجل إلّاعلى المسح، و أمّا بناءً على القراءة بالنصب، فهناك احتمالان:
احتمال حمل حكمها على المسح - عطفاً على الرؤوس - و احتمال حمله على الغسل - عطفاً على الأيدي - لكن يجب حمل قراءة النصب على المسح بما يتوافق مع قراءة الجرّ؛ لأنّ القراءتين المختلفتين تجريان مجرى آيتين في وجوب المطابقة بينهما، فكما لا يجوز وجود اختلاف بين آيتين، فكذلك لا يجوز وجود اختلاف بين قراءتين، و بذلك يتعيّن المسح وفقاً للقراءتين معاً.
و هذا الوجه قد أشار إليه الربعي في كلامه، إلّاأنّه لم يردّ عليه، و قد أشار الشريف المرتضى إلى أنّ الربعي قد نصر بهذا الكلام القولَ بالمسح.
البحث الثالث. ذكر الربعي في ضمن كلامه أنّ الحمل على أقرب العاملَين إنّما يصحّ إذا لم يؤدّ ذلك إلى فساد، أمّا إذا أدّى إليه فلا يجوز الحمل عليه، بل يُحمل على الأبعد، و في الآية يكون حمل الأرجل على الأقرب - و هو «و امسحوا» - يؤدّي إلى الفساد؛ لأنّه يستلزم مسحها مع أنّ الواجب غسلها، فلابدّ من حملها على العامل الأبعد و هو «فاغسلوا».
و أجابه الشريف المرتضى بأنّه من أين لك أنّ الحمل على المسح فسادٌ، أوَلم يمكن أن يصرّح اللّٰه تعالى بمسح الأرجل في كتابه، و هل كان هذا التصريح سيؤدّي إلى فساد؟ إلّاأن يقول إنّه كان يَعلم بفساد المسح قبل النظر في الآية، فكان يجب عليه أن يبيّن ذلك، و أنّه من أين حصل له العلم بذلك؟
البحث الرابع. يبدو أنّ الربعي لم ينجح في الاستدلال بالآية على غَسل الأرجل، بل وجد أنّ الآية تدلّ على مسحها، و أنّ القراءة بالجرّ أولى من النصب، فاستعان بكلام لأبي زيد الأنصاري الذي تحدّث عن أنّ المسح يطلق على الغَسل، و لذلك يُعبَّر عن الوضوء فيقال: «تمسّحتُ للصلاة»، و لذلك قال إنّ المراد بمسح الأرجل في الآية هو غَسلها!!
و قد ناقش الشريف المرتضى ذلك بأربع مناقشات:
الأُولى: أنّ حقيقة الغَسل في اللغة تختلف عن المسح، فالغَسل هو إجراء الماء على العضو المغسول، بينما المسح هو مسّ العضو بالماء من دون إجراء له، فالمعنيان متضادّان، و لا يمكن أن يراد بأحدهما الآخر.
الثانية: أنّ أهل الشرع و العُرف فرّقوا بين المسح و الغَسل، فجعلوا بعض أعضاء الوضوء ممسوحاً، و الآخر مغسولاً، و هذا يعني أنّ المسح و الغَسل لا يدلّ أحدهما على الآخر.
الثالثة: إذا كانت الأرجل معطوفة على الرؤوس، و لا خلاف في وجوب مسح الرؤوس، فيجب أن يكون حكم الأرجل حكمها.
الرابعة: لو كان المسح غَسلاً، و الغَسل مسحاً، لما أمكنهم الاستدلال بما ورد عن النبي صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه من أنّه توضّأ و غَسل رجليه، على وجوب غَسل الرجلين؛ لاحتمال أن يراد بذلك المسح لا الغَسل.
ثمّ استمرّ في مناقشة بعض الاستشهادات التي ذكرها الربعي في كلامه، و التي يطول بذكرها الكلام.
و في الحقيقة ليست هذه المرّة الأُولى التي يدافع فيها تلامذة الشريف المرتضى عن أُستاذهم؛ فقد دافع سلّار (ت 448 ه) عن أُستاذه أيضاً و كتب ردّاً على أبي الحسين البصري (ت 436 ه) دفاعاً عن كتاب الشافي.
و قد قام الشريف المرتضى من خلال ردوده التي كتبها - مثل كتاب الشافي، أو رسالة الردّ على أصحاب العدد - بالحفاظ على تراث الآخرين، و هو أمر جدير بالاهتمام؛ فإنّه يمكن اعتبار الردود و النقوض التي تمّ تأليفها للردّ على الآخرين، يمكن اعتبارها مصدراً مهمّا لإعادة تكوين التراث المفقود، فيمكن استلال النصوص
1) . أبو المحاسن المعرِّي: القاضي أبو المحاسن المفضّل بن محمّد بن مسعر التنوخي المعرِّي المعتزلي الحنفي. ناب القضاء بدمشق، و ولي قضاء بعلبك. نسب إلى التشيّع، و توفّي سنة 442 ه. مجلة تراثنا، العدد 44، ص 380، الهامش 18؛ الذريعة، ج 3، ص 291؛ تاريخ الإسلام للذهبي، ج 29، ص 508).
2) . راجع: خاتمة مستدرك الوسائل، ج 3، ص 128. و قد جاء فيها نقلاً عن فهرس مصنّفات الكراجكي: «كتاب ردع الجاهل و تنبيه الغافل، و هو نقض كلام أبي المحاسن المعرِّي الذي طَعَن به على الشريف ا لمرتضى في المسح على الرجلين، عُمل بطرابلس».
المنقوض عليها من خلال كلام الشخص الناقض و إعادة تكوينها، و ذلك فيما إذا كانت مفقودة.
«كأنّ غزل العنكبوت المرمل»، و قال إنّ هذا المعنىٰ ما رآه لأحد، و لا وَقَعَ له متقدّماً. و هذا إبداع آخر من إبداعاته.(1)
هذا، و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 159.
و الأولى أن نجعل لهذه الرسالة عنواناً آخر، و هو: «نقض كلام أبي الحسن الرَّبَعي حول غَسل الرجلين».
مخطوطة مكتبة المحقّق البروجردي رحمه اللّٰه، المرقّمة 374/9؛ تقع في الصفحات (393-403) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحات (41-53) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (292-299) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (161-165) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (236-242) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
1) . راجع قائمة لبعض إبداعاته الفكريّة في ذيل مقدّمة رسالة «تفسير: أنبؤوني بأسماء هؤلاء...»، و هي من الرسائل القرآنية للشريف المرتضىٰ.
قالَ السيِّدُ - قَدَّسَ اللّٰهُ روحَه -:
وَقَفتُ علىٰ كلامٍ لأبي الحَسَنِ عليِّ بنِ عيسَى الرَّبَعيِّ(2)يَنصُرُ به: أنّ القُرآنَ دالٌّ علىٰ وجوبِ غَسلِ الرِّجلَينِ في الطهارةِ، فلمّا تأمَّلتُه وَجَدتُه كلامَ مُخمَّرٍ(3)غيرِ مُحقِّقٍ لِما يَقولُه؛ و كأنّه غَريبٌ مِن هذا الشأنِ، بَعيدٌ منه، أجنَبيٌّ. و مَن لا يُطيقُ علىٰ أمرٍ فالأستَرُ(4)عليه تَركُ الخَوضِ فيه.
و لمّا لَم يَتمكَّنْ مِن حَملِه القِراءةَ(5)بنَصبِ «الأرجُلِ» علىٰ عَطفِها(6)علَى
1) . في «أ، ب، د» و المطبوع: - «مسألة»
2) تقدّمت ترجمته في مقدّمة هذه الرسالة، فراجع.
3) . في «ج، ص» و المطبوع: «مخرّم»؛ من «الخَرم» بمعنى القطع. و أمّا «المخمَّر» من «التخمير» بمعنى التستير و التغطية، يقال لكلّ شيء أو شخص مبهم و ضعيف. راجع: المصباح المنير، ص 182؛ النهاية، ج 3، ص 77 و 78 (خمر)؛ لسان العرب، ج 12، ص 172 (خرم).
4) . في «ج، ص» و المطبوع: «فأستر».
5) . أي في الآية 6 من سورة المائدة (5) حيث قال تعالىٰ: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرٰافِقِ وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ».
6) . في «ج، ص» و المطبوع: - «على عطفها».
«الأيدي» المغسولةِ، عَدَلَ إلىٰ شَيءٍ وَجَدتُ شَيخَه أبا(1)عَليٍّ الفارِسيَّ(2)عَوَّلَ عليه، لمّا أعياه نُصرةُ إيجابِ الغَسلِ مِن الآيةِ علىٰ صِناعةِ الإعرابِ؛ و هو وجهٌ رُويَ عن أبي زَيدٍ(3)الأنصاريِّ أشَدُّ تَهافُتاً و تَضارُباً(4)مِن كُلِّ شيءٍ اعتُمِدَ عليه في هذه الآيةِ.(5)
و نَحنُ نُبيِّنُ ما في هذا الكلامِ - الذي وَقَفنا عليه - مِن الخَلَلِ و الزَّلَلِ بأَوجَزِ كلامٍ، و إن كانَ مَن اطَّلَعَ علىٰ كلامِنا - فيما كُنّا أملَيناه مِن(6)«مَسائلِ الخِلافِ»(7)
1) . في «ج، ص» و المطبوع: «أبي»، و هو سهو واضح؛ نعم، استُظهر في هامش المطبوع ما أثبتناه.
2) . أبو عليّ الحسن بن أحمد بن عبد الغفّار الفارسي الفَسَوي النحوي، المشتهر بإمام النحو، تقدّم بالنحو عند عضد الدولة، ولد في سنة 288 ه، و مات ببغداد سنة 377 ه. من تلامذته في النحو: أبو الفتح بن جنّي، و عليّ بن عيسى الربعي؛ و من تصانيفه: الإيضاح في النحو، و التكملة في النحو، و الإيضاح الشعري، و تعليقة على كتاب سيبويه، و الحجّة في شرح السبعة لابن مجاهد في القراءات، و كتاب الترجمة، و المسائل الحلبيّات، و أبيات الإعراب، و أبيات المعاني و غيرها. راجع: سير أعلام النبلاء، ج 16، ص 379؛ ميزان الاعتدال، ج 1، ص 480، الرقم 1816؛ لسان الميزان، ج 2، ص 195؛ هديّة العارفين، ج 1، ص 272.
3) . في «ج، د، ص» و المطبوع: «يزيد»، و هو سهو من النسّاخ. و هو أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاريّ اللغويّ البصري، كان من أئمّة الأدب و اللغة، من أهل البصرة، و توفّي بها سنة 215 ه، و كان يرى رأي القدريّة. من تصانيفه: النوادر في اللغة، و اللبأ و اللبن، و المياه، و خلق الإنسان، و بيوتات العرب، و غيرها. راجع: سير أعلام النبلاء، ج 9، ص 494، الرقم 186؛ ميزان الاعتدال، ج 2، ص 126، الرقم 3141؛ الأعلام للزركلي، ج 3، ص 92؛ معجم المطبوعات العربيّة، ج 1، ص 312.
4) . في جميع النسخ و المطبوع: «تقارباً»، و لم نجد له معنى يناسب المقام، و الظاهر أنّه من سهو النسّاخ.
5) . سوف يأتي الوجه المنقول عن أبي زيد الأنصاري في هذه الرسالة، في ضمن الكلام المنقول عن الربعي
6) في «ب»: «في».
7) . هذا الكتاب من الكتب المفقودة للمصنّف رحمه اللّٰه. راجع: المتبقّى من التراث المفقود للشريف المرتضى.
قَديماً(1)في هذه المَسألةِ، و ما أَورَدناه أيضاً قَريباً مِن الكلامِ في ذلكَ(2)- رأىٰ(3)بَحراً(4)، هذا الكلامُ الذي أَوجَزناهُ(5)لهذا الرجُلِ و لغَيرِه في هذه المَسألةِ كالقَطرةِ بالإضافةِ إليه، و أمكَنَ مَن ضَبَطَ ذلكَ أن يَنقُضَ منه كُلَّ كلامٍ سُطِرَ في هذه الآيةِ أو يُسطَرُ(6)و ما تَوفيقي إلّاباللّٰهِ، عليه تَوكَّلتُ و إليه أُنيبُ.
قالَ صاحبُ الكلامِ:
قولُه تَعالىٰ: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرٰافِقِ وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ» (7)، القولُ(8)في ذلكَ: أنّ مَن نَصَبَ قولَه: «وَ أَرْجُلَكُمْ» حَمَلَه علَى الغَسلِ، و عَطَفَه علَى الأيدي؛ لمّا كانَ المعنىٰ عندَه علَى الغَسلِ دونَ المَسحِ، فحَمَلَه(9)علَى النصبِ الذي يَقتَضيهِ قولُه: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» ؛ ليَكونَ علىٰ لفظِ ما في حُكمِه في الوجوبِ مِن الأيدي التي حُمِلَت علَى الغَسلِ، و لَم يَجُرَّ كما جَرَّ مَن قَرأَ: «و أرجُلِكم»؛ لمُخالَفتِه لَه(10)في المعنىٰ، فلذلكَ خالَفَ بَينَهما في اللفظِ.
1) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «هو ما» بدل «قديماً».
2) . راجع: الانتصار، ص 105 و ما بعدها؛ الناصريّات، ص 120 و ما بعدها. و قد أشار فيهما - و خاصّة في الانتصار - إلىٰ ما جاء في كتاب مسائل الخلاف من بحث حول غسل الرجلين.
3) . في «أ، ج، ص» و المطبوع: «و أيّ». و في «د»: «فأيّ».
4) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «بحر».
5) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «وجدناه».
6) . في «ب»: «بشطر». و في «ج، د، ص» و المطبوع: «له سطر» بدل «يسطر».
7) . المائدة (5):6.
8) . في «ج، ص» و المطبوع: «المعوّل».
9) . في «ج، ص» و المطبوع: «فحمل».
10) . في «ج، ص» و المطبوع: - «له».
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(1):
يُقالُ له: يَجِبُ أن تُبنَى(2)المَذاهبُ علَى الأدلّةِ، و لا تُبنَى(3)الأدلّةُ علَى المَذاهبِ؛ فقَولُ اللّٰهِ تَعالىٰ هو الدالُّ(4)علَى الأحكامِ، فيَجِبُ أن يُعتَبَرَ(5)وجهُ دَلالتِه، فتُبنىٰ(6)مَذاهبُنا عليها، و يَكونَ اعتقادُنا موافِقاً لَها(7).
فقَولُكَ: «إنّ مَن نَصَبَ الأرجُلَ حَمَلَه علَى الغَسلِ و عَطَفَه علَى الأيدي؛ لمّا كانَ المعنىٰ عندَه علَى الغَسلِ دونَ المَسحِ» طَريفٌ(8)، و(9)لَم يَكُن عندَ مَن ذَكرتَ الغَسلُ دونَ المَسحِ [إلّا](10)بغَيرِ دَلالةٍ(11)، و القُرآنُ يوجِبُ المَسحَ دونَ الغَسلِ.
و أوّلُ ما يَجِبُ - إذا فَرَضنا ناظِراً مُتأمِّلاً(12)بحُكمِ(13)هذه(14)الآيةِ و ما تَقتَضيهِ(15)مِن مَسحٍ أو غَسلٍ - يَجِبُ أن لا يَكونَ عندَه غَسلٌ و لا مَسحٌ، و لا يَسبِقَ(16)إليه أحَدُهما؛ بَل يَنظُرَ فيما يَقتَضيهِ ظاهرُ الآيةِ و إعرابُها، فيَبنيَ علىٰ مُقتَضاها: «الغَسلِ»
1) . في «ج، ص» و المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
2) . في «أ»: «أن يبنى». و في «ب»: «أن تبتني». و في «ص» و المطبوع: «أن نبني».
3) . في «أ»: «و لا يبنى». و في «ب»: «و لا تبتني».
4) . من قوله: «و لا تبنى الأدلّة...» إلىٰ هنا ساقط من «ج، ص» و المطبوع.
5) . في «ص» و المطبوع: «أن نعتبر».
6) . في «أ»: «فيبنى». و في «ص» و المطبوع: «فنبني».
7) . في «ج، ص» و المطبوع: - «لها».
8) . في «أ»: «ظريف». و في «ج، ص» و المطبوع: «طريق».
9) . في «ج، د، ص» و المطبوع: + «لو».
10) . أثبتناه بمقتضى السياق.
11) . في «ج، ص» و المطبوع: «بغير دلالته».
12) . في «ج، ص» و المطبوع: «منّا فلا».
13) . في «ج، د، ص» و المطبوع: «يحكم».
14) . في «ص» و المطبوع: «بهذه».
15) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «يقتضيه».
16) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «و لا يتضيّق».
إن وافَقَه، أو «المَسحِ» إن طابَقَه. و كلامُكَ هذا يَقتَضي استسلافَ(1)الغَسلِ، و أنّه حُكمُ الآيةِ، حتّىٰ يَثبُتَ عليه إعرابُ الأرجُلِ بالنَّصبِ، و هذا هو ضِدُّ الواجبِ.
و قد بيّنّا في «مَسائلِ الخِلافِ»: أنّ القِراءةَ بالجَرِّ أَولىٰ مِن القِراءةِ بالنَّصبِ؛ لأنّا إذا نَصَبنا الأرجُلَ فلا بُدَّ مِن عاملٍ في هذا النَّصبِ؛ فإمّا أن تَكونَ(2)معطوفةً علَى الأيدي، أو نُقدِّرَ(3)لها عاملاً(4)محذوفاً، أو تَكونَ(5)معطوفةً علىٰ مَوضِعِ الجارِّ و المجرورِ في قولِه: «بِرُؤُسِكُمْ» .
[أ.] و لا يَجوزُ أن تَكونَ(6)معطوفةً علَى الأيدي؛ لبُعدِها مِن عاملِ النَّصبِ في الأيدي، و لأنّ إعمالَ العاملِ الأقرَبِ أَولىٰ من إعمالِ الأبعَدِ.
و ذَكَرنا قولَه تَعالىٰ: «آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً» (7)، و قولَه تَعالىٰ: «هٰاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ» (8)، و قولَه تَعالىٰ: «وَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمٰا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اَللّٰهُ أَحَداً» (9).
1) . في «ج، ص» و المطبوع: «سبلاً من» بدل «استسلاف». و المراد ب «استسلاف الغَسل» أي تسليمُه و فرضُه سَلَفاً.
2) . في «أ، ب، ج، ص»: «أن يكون».
3) . في «ج، ص»: «تقدّر». و في المطبوع: «يقدّر».
4) . في المطبوع: «عامل».
5) . في «أ، ج، د، ص»: «يكون».
6) . في جميع النُّسخ: «أن يكون».
7) . الكهف (18):96.
8) . الحاقّة (69):19. و سوف يأتي في الكلام المنقول عن الرَّبَعي بعد قليل توضيحُ الاستدلال بهاتين الآيتين.
9) . الجنّ (72):7.
و ذَكَرنا ما هو أوضَحُ مِن هذا كُلِّه، و هو أنّ القائلَ إذا قالَ: «ضَرَبتُ عبدَ اللّٰهِ، و أكرَمتُ خالداً و بِشراً»، إنْ رَدَّ(1)«بِشراً» إلىٰ حُكمِ الجُملةِ الماضيةِ - التي قد انقَطَعَ حُكمُها و وَقَعَ الخروجُ عنها - لَحَنَ، و خُروجٌ(2)عن مُقتَضَى اللُّغةِ.
و قولُه تَعالىٰ: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ» جُملةٌ مُستَقِلّةٌ بنَفسِها، و قد انقَطَعَ حُكمُها بالتجاوزِ لها إلىٰ جُملةٍ أُخرىٰ، و هو قولُه: «وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» .
[ب.] و لا يَجوزُ أن تُنصَبَ الأرجُلُ بمحذوفٍ مُقدَّرٍ؛ لأنّه لا فَرقَ بَينَ أن نُقدِّرَ(3)محذوفاً هو الغَسلُ، و بَينَ أن نُقدِّرَ(4)محذوفاً هو المَسحُ. و لأنّ الحَذفَ لا يُصارُ إليه إلّا عندَ الضرورةِ، و إذا استَقَلَّ الكلامُ بنَفسِه مِن غيرِ تقديرِ محذوفٍ لَم يَجُز حَملُه علىٰ محذوفٍ.
[ج.] فأمّا حَملُ النَّصبِ علىٰ مَوضِعِ الجارِّ و المجرورِ، فهو جائزٌ شائعٌ(5)، إلّاأنّه موجِبٌ للمَسحِ دونَ الغَسلِ؛ لأنّ الرؤوسَ ممسوحةٌ، فما عُطِفَ علىٰ مَوضِعِها يَجِبُ أن يَكونَ ممسوحاً مِثلَها، إلّاأنّه لمّا كانَ إعمالُ أقرَبِ العامِلَينِ أَولىٰ و أكثَرَ في القُرآنِ و لُغةِ العَرَبِ وَجَبَ أن يَكونَ جَرُّ «الأَرجُلِ»(6)حتّىٰ تَكونَ معطوفةً علىٰ لَفظِ(7)«الرُّؤوسِ» أَولىٰ مِن نَصبِها و عَطفِها علىٰ مَوضِعِ الجارِّ و المجرورِ؛ لأنّه أبعَدُ قليلاً. فلهذا تَرجَّحَت القِراءةُ بجَرِّ الأرجُلِ علَى القِراءةِ بنَصبِها.
1) . في «ب»: «أراد».
2) . كذا في جميع النسخ و المطبوع. و الأنسب: «و خَرَجَ».
3) . في «ب، ص» و المطبوع: «أن تقدّر».
4) . في «ب، ج، د، ص» و المطبوع: «أن تقدّر».
5) . في «ب، د»: «سائغ». و في «ج»: «فسائغ». و في «ص» و المطبوع: «و شائع».
6) . في «ج» و المطبوع: «الآية» بدل «الأرجل».
7) . في «ج، د، ص» و المطبوع: «لفظة».
و ممّا يُبيِّنُ أنّ حَملَ حُكمِ الأرجُلِ علىٰ حُكمِ الرُّؤوسِ في المَسحِ أَولىٰ: أنّ القِراءةَ بالجَرِّ تَقتَضي(1)المَسحَ، و لا تَحتَمِلُ(2)سِواه، فالواجبُ حَملُ القِراءةِ بالنَّصبِ علىٰ ما يُطابِقُ معنَى القِراءةِ بالجَرِّ؛ لأنّ القِراءتَينِ المُختَلِفتَينِ تَجريانِ(3)مَجرَى الآيتَينِ(4)في وجوبِ المُطابَقةِ بَينَهما. و هذا الوجهُ يُرجِّحُ أيضاً(5)القِراءةَ بالجَرِّ للأرجُلِ علَى القِراءةِ بالنَّصبِ لها.
ثُمَّ قالَ صاحبُ الكلامِ:
فإن قالَ قائلٌ: إنّه إذا نَصَبَ فقالَ: «وَ أَرْجُلَكُمْ» جازَ أيضاً أن يَكونَ محمولاً علَى المَسحِ، كما قالوا(6): «مَرَرتُ بزَيدٍ و عَمراً»، فحَمَلوا عَمراً علىٰ مَوضِعِ الجارِّ و المجرورِ، حَيثُ كانا في مَوضِعِ نَصبٍ؛ فلِمَ لا يَقولونَ:
إنّ الجَرَّ أحسَنُ، و إنّ المَسحَ أَولىٰ مِن الغَسلِ؛ لتجويزِ القراءتَينِ جميعاً المَسحَ(7)، و(8)لأنّ مَن نَصَبَ فقالَ: «وَ أَرْجُلَكُمْ» يَجوزُ في قولِه أن يُريدَ المَسحَ و إنّما(9)نَصَبَ للحَملِ علَى المَوضِعِ، و الذي يَجُرُّ «و أرجُلِكم» لا يَكونُ إلّاعلَى المَسحِ دونَ الغَسلِ؟
1) . في «ج، د، ص» و المطبوع: «يقتضي».
2) . في «ج، د، ص» و المطبوع: «و لا يحتمل».
3) . في «ب، ج»: «يجريان».
4) . في «ج، ص» و المطبوع: «آيتين».
5) . في «ص»: «أيضاً يرجّح» بدل «يرجّح أيضاً». و في المطبوع: - «أيضاً».
6) . في المطبوع: «قال».
7) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «بالمسح».
8) . في «ب»: - «من الغسل؛ لتجويز القراءتين جميعاً المسح. و».
9) . في «ص»: «فيهما» بدل «و إنّما». و في المطبوع: «فيها» بدله.
و كَيفَ لَم يَقولوا: إنّ المَسحَ أَولىٰ مِن(1)الغَسلِ؛ لجَوازِه في القِراءتَينِ جميعاً، و انفرادِ الجَرِّ في قولِه: «و أرجُلِكم» بالمَسحِ مِن غيرِ أن يَحتَمِلَ غيرَه؟
و القولُ في ذلكَ(2): أنّ حَملَ نَصبِ «أرجُلَكم» علىٰ مَوضِعِ الجارِّ و المجرورِ في الآيةِ لا يَستَقيمُ؛ لمُخالَفتِه ما عليه يُفَسَّرُ(3)التنزيلُ(4)في هذا النحوِ؛ و ذلكَ أنّا وَجَدنا في التنزيلِ العامِلَينِ إذا اجتَمَعا حُمِلَ الكلامُ علَى العاملِ الثاني(5)الأقرَبِ إلَى المعمولِ فيه دونَ الأبعَدِ. و ذلكَ في نَحوِ قولِه:
«آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً» (6)حُمِلَ علَى العاملِ الثاني الأقرَبِ الذي هو «أُفرِغْ» دونَ الأوّلِ الذي هو «آتُوني»، و لَو حُمِلَ علَى الأوّلِ لَكانَ «آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً» أي: آتُوني قِطْراً أُفرِغْه(7)عليه.
و كذلكَ «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللّٰهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاٰلَةِ» (8)أُعمِلَ «يُفتيكُم» دونَ «يَستَفتونَكَ». و لَو أُعمِلَ الأوّلُ لَكانَ «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللّٰهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاٰلَةِ» أي:(9)يَستَفتونَكَ في الكَلالةِ(10)، قُلِ اللّٰهُ يُفتيكُم فيها.
1) . في «ص» و المطبوع: «أو» بدل «أولىٰ من».
2) . لا يُظنَّ أنّ هذا من كلام المصنّف - قدّس سرّه -؛ بل لا زال المصنّف ينقل كلامَ أبي الحسن الرَّبَعيِّ.
3) . في «أ، ب»: «لغير». و في «د»: «لغيره». و في «ص» و المطبوع: «بغير»، كلّها بدل «يفسَّر».
4) . في «ص» و المطبوع: «النبيّ بل» بدل «التنزيل».
5) . في «أ»: «النائي»
6) الكهف (18):96.
7) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «أُفرغ».
8) . النساء (4):176.
9) . في «ج، د، ص» و المطبوع: - «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللّٰهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاٰلَةِ» أي».
10) . في «ج، د، ص» و المطبوع: - «في الكلالة».
و كذلكَ قولُهُ تَعالىٰ: «هٰاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ» (1)أُعمِلَ الأقرَبُ مِن العاملَينِ، و هو: «اقرأوا»؛ و لَو أُعمِلَ(2)الأوّلُ لَكانَ «هٰاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ» [أي: هاؤم كتابيَ اقْرَءُوه](3).
فإذا(4)كانَ حُكمُ العاملَينِ إذا اجتَمَعا علىٰ هذا الذي ذَكَرتُ - مِن إعمالِ الثاني [ال] أقرَبِ منهما إلَى المعمولِ - لَم يَستَقِمْ أن يُترَكَ حَملُ «الأرجُلِ» علَى الباءِ(5)التي هي أقرَبُ إليه، و يُحمَلَ علَى الفعلِ؛ لِمُخالَفةِ(6)ذلكَ ما ذَكَرتُ مِن الآيِ، و أنّ الأكثَرَ في كلامِهم: «خَشَّنتُ بصَدرِه(7)و صدرِ زَيدٍ» بجَرِّ «صَدرٍ» المعطوفِ علَى الباءِ، مِن حَيثُ كانَ أقرَبَ إليه. و هذا مَذهَبُ سيبَوَيهِ(8).
ثُمَّ قالَ:
فإن قالَ: فإنَّه(9)إذا نَصَبَ «الأرجُلَ» فقالَ: «و أرجُلَكُم»، فقَد حَمَلَ ذلكَ علىٰ أبعَدِ العاملَينِ؛ ألا تَرىٰ أنّه حَمَلَه علَى «اغسِلوا» دونَ الباءِ، و إن كانَ
1) . الحاقّة (69):19
2) في المطبوع: «عمل».
3) . أثبتناه بمقتضى السياق.
4) في المطبوع: «فإذن».
5) . في «ج، ص» و المطبوع: «البناء».
6) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «لمخالفته».
7) . «خشّنتُ صدرَه تخشيناً»: أوغَرْتُ. راجع: لسان العرب، ج 13، ص 141 (خشن).
8) . أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي الملقّب بسيبويه، النحويّ المعروف. قيل: هو أوّل من بسط علم النحو. هو مولى بني الحرث بن كعب، ولد ببيضا من قرى شيراز، و سكن البصرة، و لزم الخليل بن أحمد ففاقه، و صنّف كتابه المسمّى «كتاب سيبويه» في النحو. قيل: توفّي بالأهواز. و قيل: بمدينة ساوه. و قيل: وفاته و قبره بشيراز. و سنة وفاته 177 ه. راجع: سير أعلام النبلاء، ج 8، ص 351، الرقم: 97؛ هديّة العارفين، ج 1، ص 802؛ الأعلام للزركلي، ج 5، ص 81.
9) . في «ص» و المطبوع: «قائل» بدل «فإنّه».
الباءُ أقرَبَ إليه؟ و إذا كانَ الذي نَصَبَ قد حَمَلَ علىٰ أبعَدِ العاملَينِ(1)، فكَيفَ لا يَجوزُ لِمَن نَصَبَ أن يَتأوَّلَ ما ذَكَرناه مِن حَملِه علىٰ مَوضِعِ الجارِّ و المجرورِ، و يَكونَ تأويلُه جائزاً، و إن لَم يَحمِلْ علَى الباءِ التي هي أقرَبُ إلَى المعمولِ مِن قولِه: «اغسِلوا»؟!
ثُمَّ قالَ:
القولُ في ذلكَ: أنّه رأىٰ إن يَحمِلْه علَى الجَرِّ لا يَستَقيمُ في المعنىٰ؛ و إنّما يُحمَلُ علىٰ أقرَبِ العاملَينِ إذا كانَ الحَملُ عليه لا يُفسِدُ معنىً، فإذا أدّىٰ ذلكَ إلىٰ(2)فَسادِ المعنىٰ عندَه لَم يَحمِلْه علَى الأقرَبِ. ألا تَرىٰ أنّ ما تأوَّلناهُ(3)مِن الآيِ إنّما حُمِلَ فيه على الثاني دونَ الأوّلِ؛ لأنّ الحَملَ علىٰ كُلِّ واحدٍ منهما في المعنىٰ مِثلُ الحَملِ علَى الآخَرِ، فلمّا كانَ كذلكَ أُعمِلَ الأقرَبُ لقُربِه؟
[و] إذا كانوا قد احتَمَلوا - لإيثارِهم الحَملَ علَى الأقرَبِ - ما لا يَصِحُّ في المعنىٰ؛ كقولِه(4): «كأنّ(5)غَزلَ العنكبوتِ المُرْمَلِ(6)» - و يُروىٰ: «نَسجَ» - و «المُرْمَلُ» مِن صفةِ الغَزلِ، و حَملُه علَى العنكبوتِ مِن حَيثُ كانَ أقرَبَ
1) . من قوله: «ألا ترىٰ أنّه...» إلىٰ هنا ساقط من «ص» و المطبوع.
2) . في «ج، ص» و المطبوع: - «إلىٰ».
3) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «تلوناه».
4) . و القائل هو العَجّاج. راجع: لسان العرب، ج 11، ص 492.
5) . في «ج، ص» و المطبوع: - «كأنّ».
6) . في النسخ و المطبوع: «المزمل» بالزاي. و هكذا المورد التالي. و الصواب ما أثبتناه، يقال: رَمَلتُ الحَصيرَ: نَسَجتُه. و أرمَلتُ النَّسجَ: إذا سَخَّفتَه تسخيفاً و رَقَّقتَه. راجع: العين، ج 8، ص 266 (رمل).
إليه مِن الغَزلِ؛ فإذا صَحَّ المعنىٰ مع الأقرَبِ فلا مَذهَبَ عن(1)ذلكَ.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(2):
يُقالُ له: أمّا صَدرُ هذا الفَصلِ مِن كلامِكَ، فهو كُلُّه عليكَ، لا لكَ(3)، و قد نَطَقتَ(4)فيه بلِسانِ مَن نَصَرَ(5)المَسحَ في الآيةِ، و استَشهَدتَ مِن(6)إعمالِ الثاني مِن العاملَينِ دونَ الأوّلِ بما استَشهَدنا نَحنُ به في نُصرةِ هذه المَسألةِ، و الردِّ علىٰ مَن أوجَبَ الغَسلَ بها دونَ المَسحِ؛ فكأنّكَ علَى الحَقيقةِ إنّما حَقَّقتَ مِن وجوبِ إعمالِ العاملِ الثاني دونَ الأوّلِ لِما(7)هو شاهدٌ عليكَ، لا لكَ!!
و لمّا سَألتَ نفسَكَ عن السؤالِ الذي فَطِنتَ به - لِلُزومِ(8)ما حَقَّقتُه و بَسَطتُه لكَ - عَدَلتَ إلىٰ دعوىً طريفةٍ(9)، و مُنيةٍ(10)مِن أينَ لكَ بُلوغُها؟! لأنّكَ قُلتَ: إنّما يَعمَلُ الثاني دونَ الأوّلِ، بحَيثُ يَستَقيمُ المعنىٰ و لا يَفسُدُ؛ فمِن أينَ قُلتَ: إنّ القولَ بمَسحِ الأرجُلِ يَؤولُ إلىٰ فَسادٍ، و أنّه مما لا يَستَقيمُ؟
أوَ ما كانَ جائزاً - علىٰ جهةِ التقديرِ عندَ كُلِّ عاقلٍ - أن يَنُصَّ(11)اللّٰهُ تَعالىٰ نَصّاً
1) . في «ج، ص» و المطبوع: «فلا يذهب علىٰ» بدل «فلا مذهب عن».
2) . في «ج، ص» و المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
3) . في «ج، ص» و المطبوع: «لأنّك» بدل «لا لك».
4) . في «ص» و المطبوع: «قد نطقت» بدون واو العطف.
5) . في جميع النسخ و المطبوع: «نصّ».
6) . في «ج، ص» و المطبوع: «في».
7) . كذا، و الأنسب: «بما».
8) . في «ب، د»: «للزم». و في «ص»: «لذمّ». و في «ج»: «للذمّ». و في المطبوع: - «للزوم».
9) . في «ج، د، ص» و المطبوع: «طريقة».
10) . في «ج»: «و وصيّة». و في «ص» و المطبوع يوجد في هذا الموضع فراغ.
11) . في «ج»: «أنّه يتغيّر» بدل «أن ينصّ». و في «ص» و المطبوع: «أن يعبّر».
صَريحاً علىٰ أنّ حُكمَ الأرجُلِ المَسحُ، كما كانَ ذلكَ حُكماً للرُّؤوسِ؟ و هَل يَدفَعُ جوازَ ذلكَ إلّامُكابِرٌ لنفسِه و حِسِّه(1)؟
اللّهُمَّ إلّاأن تَدَّعيَ(2): أنّكَ عَلِمتَ قَبلَ نَظَرِكَ في هذه الآيةِ - و ما هو يوجِبُه في الأرجُلِ مِن غَسلٍ أو مَسحٍ - أنّ(3)حُكمَ الأرجُلِ الغَسلُ دونَ المَسحِ، فبَنَيتَ(4)الآيةَ علىٰ عِلمِكَ هذا.
فقَد كانَ يَجِبُ أن تُبيِّنَ(5): مِن أينَ عَلِمتَ ذلكَ؛ حتّىٰ بَنَيتَ(6)عليه حُكمَ الآيةِ؛ و حتّىٰ(7)ساغَ لكَ أن تَقولَ: إنّما يَعمَلُ العامِلُ الأقرَبُ بحَيثُ يَستَقيمُ و لا يَفسُدُ؟
و كُلُّ هذا إخلالٌ مِنكَ بما يَلزَمُكَ.
فأمّا البَيتُ الذي أنشَدتَه، فلَيسَ مِن البابِ الذي نَحن فيه - مِن ترجيحِ إعمالِ الثاني مِن العامِلَينِ دونَ الأوّلِ - و إنّما يَتعلَّقُ به مَن نَصَرَ(8)الإعرابَ بالمُجاوَرةِ، كما استَشهَدوا بقَولِه: «جُحرُ(9)ضَبٍّ خَرِبٍ»، و بقَولِ الشاعرِ(10): «كَبيرُ
1) . في «ج، ص» و المطبوع: «وجه» بدل «و حسّه».
2) . في «ج، د»: «أن يدّعي». و في «ص» على الوجهين.
3) . في «أ، د، ص» و المطبوع: «أو».
4) . في «ج، ص» و المطبوع: «فيثبت».
5) . في «ج، ص» و المطبوع: «يتبيّن».
6) . في جميع النسخ و المطبوع: «يثبت»، و هو سهو من النسّاخ.
7) . في «ب، ص» و المطبوع: «و متىٰ».
8) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «نصّ»، و الظاهر أنّه من سهو النسّاخ.
9) . في المطبوع: «حجر» بتقديم الحاء المهملة. و في النُّسخ يمكن قراءتها بالوجهين.
10) . في «ب»: «بقول الشاعر» بدون واو العطف. و في «ج»: «و يقول الشاعر». و في «ص» و المطبوع: «و بقوله».
أُناسٍ في بِجادٍ(1)مُزَمَّلِ»(2).
و قد بيّنّا في «مَسائلِ الخِلافِ» بُطلانَ الإعرابِ بالمُجاوَرةِ بكلامٍ كالشمسِ وضوحاً، و تَكلَّمنا علىٰ كُلِّ شَيءٍ تَعلَّقَ به أصحابُ المُجاوَرةِ.(3)
علىٰ أنّه قد خَطَرَ لي في قولِ الشاعرِ: «كأنّ غَزلَ العنكبوتِ المُرْمَلِ(4)» شَيءٌ ما(5)رأيتُه لأحَدٍ، و لا وَقَعَ لي مُتقدِّماً، و هو أن يَكونَ «المُرْمَلُ» صفةَ العنكبوتِ، لا للغَزلِ، و يَكونَ مِن «الرَّملِ»(6)لأنّ العنكبوتَ رُبَّما يَنسِجُ بَيتَه في رَملٍ. و إنّما حَمَلَت العلماءُ [المُرْمَلَ] علىٰ أنّه(7)صفةٌ للغَزلِ، مِن حَيثُ ذَهَبوا في هذه اللفظةِ إلىٰ أنّها مِن «أرمَلتُ الثوبَ أو الحصيرَ، و رَمَلتُه أيضاً: إذا نَسَجتَه»؛ و النَّسجُ لا يَليقُ بالعنكبوتِ نفسِه(8)، و إنّما يَليقُ بغَزلِه(9). و هذا التخريجُ أيضاً يُبطِلُ(10)تَعلُّقَ أصحابِ المُجاوَرةِ بهذا البَيتِ.
1) . في «ب»: «محاد». و في «ج»: «نجاة». و «البِجاد»: الكساء من أكسية العرب، مخطَّط. مجمع البحرين، ج 1، ص 154 (بجد).
2) . قائله امرؤ القيس، كما في مغني اللبيب، ج 2، ص 699؛ و لسان العرب، ج 11، ص 311. و صدرُهُ هكذا: «كأنّ ثَبيراً في عَرانينِ وَبلِهِ». و «المزمَّل»: المغطَّى المدثَّر. راجع: تاج العروس، ج 14، ص 314 (زمل). و «مزمَّل» مجرور مع أنّه وصف للكبير المرفوع.
3) . راجع: الانتصار، ص 106، فقد نقل فيه بعض ما جاء في مسائل الخلاف المفقود.
4) . في النسخ و المطبوع: «المزمل» بالزاي، و هكذا الموارد التالية المشابهة. و الصواب ما أثبتناه. و قد تقدّم قبل قليل أنّ البيت للعجاج.
5) . في «ج، ص» و المطبوع: «و ما».
6) . في «ب»: «و يكون لزمل» بدل «و يكون من الزمل». و في «ج، د»: «و يكون من المزمّل» بدلها.
7) . أي «المُرمَل».
8) . فإنّ العنكبوت لا يكون منسوجاً.
9) . في «ب»: - «نفسه، و إنّما يليق بغزله».
10) . في «ب» و المطبوع: «يبطل أيضاً» بدل «أيضاً يبطل».
ثُمَّ قالَ صاحبُ الكلامِ:
و الأوجَهُ في الآيةِ - و اللّٰهُ أعلَمُ -: أن يُحمَلَ علَى الباءِ، و يُقرأَ: «و أرجُلِكُم»، و لا يُحمَلَ علَى «اغسِلوا»، و يَكونَ المُرادُ بالمَسحِ الغَسلَلأمرَينِ:
أحَدُهما: أنّه حُكيَ عن أبي زَيدٍ(1)أنّه قالَ: المَسحُ أخَفُّ الغَسلِ، و مِن ذلكَ:
تَمسَّحتُ للصلاةِ.(2)فإذا كانَ كذلكَ، لَجازَ(3)الذي أَوجَبَه قولُه تَعالىٰ:
«وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ» - فيمن جَرَّ - الغَسلُ دونَ المَسحِ.
و يؤكِّدُ ذلكَ: أنّ الثَّوريَّ(4)رَوىٰ(5)عن أبي عُبَيدةَ(6)في تأويلِ قَولِه تَعالىٰ:
1) . هو أبو زيد الأنصاريّ، تقدّمت ترجمته قُبيل هذا.
2) . في المصباح المنير، ص 571 (مسح): «قال أبو زيد: المَسحُ في كلام العرب يكون مَسحاً، وهو إصابةُ الماءِ؛ و يكونُ غَسلاً، يُقالُ: مَسَحتُ يدي بالماءِ: إذا غَسَلتَها. و تَمَسَّحتُ بالماءِ: إذا اغتَسَلتَ».
3) . في «ص» و المطبوع: «فجاز».
4) . أبو عبد اللّٰه سفيان بن سعيد بن مسروق الثوريّ الكوفي، من فقهاء العامّة. روى عن أبيه، وأبي إسحاق الشيباني، و أبي إسحاق السبيعي، و عبد الملك بن عمير، و غيرهم. و ذكره الشيخ الطوسي رحمه اللّٰه في رجاله فيمن يروي عن الإمام الصادق عليه السلام. مات بالبصرة سنة 161 ه. راجع: سير أعلام النبلاء، ج 7، ص 229، الرقم 82؛ طبقات الفقهاء، ص 65؛ رجال الطوسي، ص 220، الرقم 2924.
5) . في «ج»: «يرى». و في «ص» و المطبوع: «يروي».
6) . أبو عبيدة مَعمَر بن المثنّى التيميّ البصري، النحويّ اللغوي. قد رمي برأي الخوارج. روى عن هشام بن عروة، و أبي عمرو بن العلاء، و طائفة؛ و روى عنه عليّ بن المغيرة، و أبو عثمان المازني، و أبو حاتم السجستاني، مات سنة 210 ه. راجع: تاريخ بغداد، ج 13، ص 252، الرقم 7210؛ تذكرة الحفّاظ، ج 1، ص 371، الرقم 367؛ تقريب التهذيب، ج 2، ص 203.
«فَطَفِقَ مَسْحاً» (1)أنّ المعنىٰ: يَضرِبُ(2)يُقالُ: «مَسَحَ عِلاوتَه(3)» أي:
ضَرَبَها بالاعتمادِ الذي يَقَعُ باليَدِ أو غيرِها - مِن آلةِ الضربِ - علَى المضروبِ(4)مِثلُ الاعتمادِ الذي يَقَعُ علَى المغسولِ في حالِ الغَسلِ باليَدِ إذا كانَ الغَسلُ بها، و ذلكَ فَوقَ(5)المَسحِ الذي لَيسَ بغَسلٍ.
و يؤكِّدُ ذلكَ أيضاً: أنّه موقَّتٌ(6)بغايةٍ، كما وُقِّتَ غَسلُ اليَدِ بِها(7)في قولِه:
«وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرٰافِقِ» (8).
و الآخَرُ: أن يَكونَ قولُه: «وَ اِمْسَحُوا» الذي يُرادُ به المَسحُ الذي دونَ الغَسلِ لمَسحِ الرأسِ؛ فأُجريَ الجَرُّ علَى الرِّجلِ(9)في اللفظِ و المُرادُ به الغَسلُ، و حُمِلَ ذلكَ(10)لمُقارَبةِ المَسحِ للغَسلِ في المعنىٰ؛ ليَكونَ الحَملُ علىٰ أقرَبِ العامِلَينِ، كالآيِ(11)التي ذَكَرناها إذا(12)كانَ أهلُ اللغةِ قد آثَروا
1) . ص (38):33. و في «ص» و المطبوع: + «بِالسُّوقِ وَ اَلْأَعْنٰاقِ».
2) . كذا، و الأنسب: «فَضَربَ».
3) . يقال لرأس الرجل و عنقه: عِلاوة. معجم مقاييس اللغة، ج 4، ص 118 (علو). و «مسح عِلاوته»: ضرب عنقه. راجع: الكشّاف، ج 3، ص 374.
4) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «بالمضروب» بدل «على المضروب».
5) . في «ص» و المطبوع: «فرق».
6) . موقَّتٌ - هنا - بمعنى: محدَّد، و محدود.
7) . في «ب»: - «بها».
8) . المائدة (5):6.
9) . في «ص» و المطبوع: «الأرجل».
10) . كذا، و لعلّ الأنسب: «و حُمل علىٰ ذلك».
11) . الآي هنا: الشواهد.
12) . في «ج، ص» و المطبوع: «أمّا إذا» بدل «إذا».
ذلكَ فيما لا يَصِحُّ معناه إيثاراً منهم للحَملِ علَى الأقرَبِ، فلمّا استَعمَلوا ذلكَ فيما لا يَصِحُّ في المعنىٰ - نحوُ «غَزلَ العنكبوتِ المُرْمَلِ(1)» - حَسُنَ(2)فيما يَتَقارَبُ فيه المعنَيانِ(3)لأنّ المَعانيَ إذا تَقارَبَت وَقَعَ ألفاظُ بعضِها علىٰ بعضٍ، نحوُ قولِهم: «أَنبأتُ زَيداً عَمراً خَيرَ الناسِ»، و «أَنبأتُ» أَفعَلتُ مِن «النَّبإ»؛ و «النبأُ»: الخبرُ. فلمّا كانَ الإنباءُ ضَرباً مِن الإعلامِ أَجرَوا «أنبأتُ» مَجرىٰ «أعلَمتُ»، فعَدَّوه إلىٰ ثَلاثةِ مَفاعيلَ(4)، كَما عَدَّوا «أعلَمتُ» إليهم.
و كَما جَرىٰ قولُه تَعالىٰ: «ثُمَّ بَدٰا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مٰا رَأَوُا اَلْآيٰاتِ» (5)مَجرىٰ «عَلِموا» في قولِه: «و لقَد عَلِمتُ لَتأتيَنَّ مَنيَّتي»، و ذلكَ أنّ [معنىٰ] «بَدا لَهُم»: ظَهَرَ لهم رأيٌ لَم يَكونوا رَأَوه، فهو بمَنزِلةِ: «عَلِموا ما لَم يَعلَموا».
و قد زَعَمَ أبو الحَسَنِ(6)أنّهم قالوا: «ما سَمِعتُ رائحةً أطيَبَ مِن هذه»، و «لا رأَيتُ رائحةً أطيَبَ مِن هذه»، و «ما رأيتُ كلاماً أصوَبَ مِن هذا»، فوُضِعَ(7)بعضُ العبارةِ عن أفعالِ هذه الحواسِّ مكانَ بعضٍ؛ لِاجتماعِهنَّ في العِلمِ
1) . في النسخ و المطبوع: «المزمل» بالزاي. و الصواب ما أثبتناه. و قد تقدّم نظيره، فراجع.
2) . في «ج، ص» و المطبوع: «حتّى».
3) . و هما معنَيا «المسح» و «الغَسل» في بحثنا.
4) . في «أ، ج، د، ص»: «مفعول».
5) . يوسف (12):35.
6) . هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، كما صرّح به المصنّف رحمه اللّٰه في ختام الرسالة عند نقل قوله مجدّداً، و هو البخلي ثمّ البصري، المعروف بالأخفش الأوسط، من أعرف النُّحاة و أهل اللغة. أخذ العربيّة عن سيبويه، و توفّي سنة 215 ه، و قيل: 221 ه. من مصنّفاته: تفسير معاني القرآن، و شرح أبيات المعاني، و الاشتقاق، و كتاب الملوك، و غيرها. راجع: الفهرست لابن النديم، ص 58؛ كشف الظنون، ج 2، ص 1392 و 1670 و 1792؛ الأعلام للزركلي، ج 3، ص 101.
7) . في «أ، ب، ج، د»: «فموضع».
بها. و كذلكَ وُضِعَ(1)المَسحُ مَكانَ الغَسلِ؛ لاجتماعِه في وقوعِ التطهيرِ بِهما في الأعضاءِ. و المُرادُ بالمَسحِ الغَسلُ، كَما أنّ(2)المُرادَ ب «ما سَمِعتُ رائحةً»: ما شَمَمتُ؛ و «لا رأَيتُ كلاماً»: ما سَمِعتُ. فوَقَعَ كُلُّ واحدٍ منهما في الاتّساعِ مَوضِعَ الآخَرِ؛ لاجتماعِهما في العِلمِ علَى الوجهِ الذي عُلِمَ به ذلكَ.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(3):
يُقالُ له: قد صَرَّحتَ في كلامِكَ بأنّ(4)القِراءةَ في الأرجُلِ بالجَرِّ أَولىٰ و أرجَحُ(5)مِن القِراءةِ بالنَّصبِ علىٰ موجَبةِ العَرَبيّةِ؛ و هذا صَحيحٌ، مُبطِلٌ لِما يَظُنُّه مَن لا يَعرِفُ العَرَبيّةَ مِن الفقهاءِ. إلّاأنّكَ لمّا أعيَتكَ الحِيَلُ في نُصرةِ غَسلِ الأرجُلِ مِن طريقِ الإعرابِ، عَدَلتَ إلىٰ شَيءٍ حُكيَ عن أبي زَيدٍ الأنصاريِّ(6)مِن أنّ المَسحَ غَسلٌ.
و هذا الذي عَدَلتَ إليه واضِحُ(7)الفَسادِ مِن وجوهٍ:
منها: أنّ معنَى الغَسلِ و حقيقتَه يُخالِفُ(8)في اللغةِ و حقيقتِها معنَى المَسحِ؛ لأنّ الغَسلَ هو إجراءُ الماءِ علَى العضوِ المغسولِ، و المَسحَ هو مَسُّ العضوِ بالماءِ مِن
1) . في «أ، ج، د»: «موضع»
2) في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «كان».
3) . في «ج، ص» و المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
4) . في «ج، ص» و المطبوع: «أنّ».
5) في «ب»: - «و أرجح».
6) . تقدّمت ترجمته قبيل هذا.
7) . في «أ، ج، د، ش» و المطبوع: «من أوضح» بدل «واضح».
8) . في «ب»: «حقيقته مخالفاً» بدل «و حقيقته يخالف».
غيرِ أن يُجريَه عليه، فكأنّه قيلَ للماسِحِ: «نَدِّ العضوَ بالماءِ، و لا تُسِلْه عليه»، و قيلَ للغاسِلِ: «لا تَقتَصِرْ علىٰ هذا القَدرِ، بَل أسِلْه علَى العضوِ و أَجرِه».
فالمعنَيانِ مُتَضادّانِ كما تَراه، و كَيفَ(1)يُقالُ: إنّ أحَدَهما هو الآخَرُ؟!
بَل و لا يَصِحُّ ما يَقولُه(2)الفقهاءُ مِن أنّ أحَدَهما داخلٌ في الآخَرِ؛ لأنّا قد بيّنّا تَنافيَ المعنَيَينِ، و ما يَتَنافى لا يَتَداخَلُ.
و لَو جازَ أن يُسمّىٰ علَى الحقيقةِ الماسِحُ غاسِلاً، و يُدَّعىٰ دخولُ المَسحِ في الغَسلِ، لَوَجَبَ أن يُسمّىٰ مَن دَفَقَ الماءَ(3)الكثيرَ علىٰ بَدَنِه(4)و صَبَّه عليه «راشّاً(5)الماءَ علىٰ بَدَنِه، و مُقطِّراً(6)لَه(7)عليه»؛ لأنّ الدَّفقَ و الصَّبَّ يَزيدُ علىٰ معنَى الرَّشِّ و التقطيرِ. و لَوَجَبَ(8)أن يَكونَ مَن علىٰ رأسِه عِمامةٌ طويلةٌ يَصِحُّ أن يُقالَ لَه(9): علىٰ رأسِه تِكّةٌ(10)، أو خِرقةٌ؛ لأنّ العِمامةَ تَشتَمِلُ علىٰ هذه المَعاني. و قد عَلِمنا أنّ أحَداً لا يُطلِقُ(11)ذلكَ و لا يُجيزُه.
1) . كذا، و الأنسب: «فكيف».
2) . في «ب»: «يعوله».
3) . في «ج، ص» و المطبوع: «إيجاد» بدل «الماء».
4) . في «ب»: «يديه».
5) . في «ج»: «رؤس». و في «د»: «رشّ». و في «ص» و المطبوع: «و رشَّ». و الظاهر أنّ الكلّ من تصحيف النسّاخ.
6) . في «ج»: «و مضطرّاً». و في «ص» و المطبوع: «و تقطر».
7) . في «ب»: - «له». و في «ص» و المطبوع: «الماء» بدل «له».
8) . في جميع النُّسَخ و المطبوع: «و يوجب»، و الظاهر أنّه من سهو النسّاخ.
9) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: - «له».
10) . «التكَّةُ»: رباط السراويل، و الجمع: تِكَك. راجع: لسان العرب، ج 10، ص 406 (تكك).
11) . في «ج، ص» و المطبوع: «لا يطيق».
و منها: أنّا(1)لَو سَلَّمنا اشتراكَ ذلكَ في اللغةِ - و إن كانَ غيرَ صَحيحٍ، علىٰ ما بيّنّاه - لَكانَ الشرعُ و عُرفُ أهلِه يَمنَعُ مِن ذلكَ؛ لأنّ أهلَ الشرعِ كُلَّهم قد فَرَّقوا بَينَ المَسحِ و الغَسلِ، و خالَفوا بَينَهما، و لهذا جَعَلوا بعضَ أعضاءِ الطهارةِ ممسوحاً و بعضَها مغسولاً، و فَرَّقوا بَينَ قولِ القائلِ: «فُلانٌ يَرىٰ أنّ الفَرضَ في الرِّجلَينِ المَسحُ»، و بَينَ قولِهم: «يَرَى الغَسلَ».
و منها: أنّ «الرُّؤوسَ» إذا كانَت ممسوحةً - المَسحَ الذي لا يَدخُلُ في معنَى الغَسلِ - بِلا خِلافٍ بَينَ الأُمّةِ، و عُطِفَت(2)«الأرجُلُ» عليها، فواجبٌ أن يَكونَ حُكمُها مِثلَ حُكمِ الرُّؤوسِ و كَيفيّتِه؛ لأنّ مَن فَرَّقَ بَينَهما مع العطفِ في كَيفيّةِ المَسحِ، كمَن فَرَّقَ بَينَهما في نفسِ المَسحِ، و حُكمُ العَطفِ يَمنَعُ مِن الأمرَينِ.
ألا تَرىٰ أنّ القائلَ إذا قالَ: «قَوِّمْ زَيداً و عَمراً»(3)، و أرادَ بلفظِ «قَوِّمْ»(4)التأديبَ و التثقيفَ(5)، لَم يَجُز أن يُريدَ بالمعطوفِ عليه(6)إلّاهذا المعنىٰ، و لا يَجوزُ أن يُحمَلَ «قَوِّمْ» في عَمرٍو علَى القيمةِ(7)دونَ التثقيفِ، و هو معطوفٌ علىٰ ما قالَه في(8)هذا الحُكمِ؟
1) . في «ج، ص» و المطبوع: «أن»
2) في المطبوع: «عطفت» بدون واو العطف.
3) . في «أ، ب، ج، د»: «أو عمرواً».
4) في «ج، ص» و المطبوع: «القوم».
5) . التثقيف: التأديب و التهذيب، و هو من المجاز. راجع: تاج العروس، ج 12، ص 104 (ثقف).
6) . كذا، و الأنسب حذف: «عليه».
7) . في «ج، ص» و المطبوع: «الصفة».
8) . في جميع النسخ و المطبوع: «غير». و لا يستقيم المعنى معها، و جعلنا مكانه «في». و «الواو» في «و هو معطوفٌ» حاليّةٌ. و «هذا الحكم» أي: التثقيف.
و منها: أنّ المَسحَ لَو كانَ غَسلاً أو الغَسلَ مَسحاً، لَسَقَطَ(1)ما(2)لا يَزالُ مُخالِفونا يَستَدِلّونَ بِه(3)و يَفزَعونَ إليه، مِن روايتِهم عنه عليه السلامُ أنّه تَوضّأَ و غَسَلَ رِجلَيه(4)لأنّه(5)كانَ لا يُنكَرُ أن يَكونَ الغَسلُ المذكورُ إنّما(6)هو مَسحٌ؛ فصارَ(7)تأويلُهم للآيةِ علىٰ هذا يُبطِلُ أصلَ مَذهبِهم في غَسلِ الرِّجلَينِ.
فأمّا ما حَكاه عن أبي زَيدٍ، فهو خطأٌ؛ بما بيّنّاه و أوضَحناه، و الخطأُ يَجوزُ عليه.
فأمّا استشهادُ أبي زَيدٍ بقَولِهم: «تَمسَّحتُ للصلاةِ»، فقَد رُويَ عنه أنّه استَشهَدَ بذلكَ،(8)و الأمرُ(9)بخِلافِ ما ظَنَّه فيه؛ لأنّ أهلَ اللسانِ لمّا أرادوا أن يُخبِروا عن الطَّهورِ(10)بلفظٍ مُختَصَرٍ(11)، لَم يَجُز أن يَقولوا: «اغتَسَلتُ للصلاةِ»؛ لأنّ في الطهارةِ ما لَيسَ بغَسلٍ، و استَطالوا أن يَقولوا: «اغتَسَلتُ و تَمسَّحتُ»، قالوا بَدَلاً مِن ذلكَ:
«تَمسَّحتُ للصلاةِ»؛ لأنّ الغَسلَ ابتداؤه المَسحُ في الأكثَرِ، ثُمَّ يَزيدُ عليه فيَصيرُ غَسلاً، فرَجَّحوا لهذا المعنىٰ «تَمسَّحتُ» علَى «اغتَسَلتُ»، و إن(12)كانَ ذلكَ منهم تَجوُّزاً و تَوسُّعاً.
1) . في «أ، ج»: «ليسقط»
2) في «ج، ص» و المطبوع: «أن».
3) . في «ج، ص» و المطبوع: - «به».
4) في «د»: - «رجليه».
5) . في «ج، ص» و المطبوع: «كأنّه»
6) في «أ»: «لأنّما».
7) . في «ب»: «مضى و» بدل «فصار».
8) . تقدّم تخريجه فيما سبق.
9) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «فالأمر».
10) . في «أ، ج، د»: «الظهور»، و هو سهو واضح.
11) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: + «و».
12) . في «أ، ب، د»: «فإن». و في «ج، ص» و المطبوع: «فإنّه». و الصحيح ما أثبتناه على القياس.
و أمّا الآيةُ التي ذَكَرَها(1)، فإنّه(2)لَم يُحسِنْ أن يَذكُرَ كَيفيّةَ الاستدلالِ بها علىٰ أنّ المَسحَ قد يَكونُ غَسلاً، و جَرَّدَه(3)علىٰ وجهٍ آخَرَ لا طائلَ له فيه. و أيُّ فائدةٍ لَه في أنّ ضَربَ العِلاوةِ(4)يُسمّىٰ مَسحاً؟ أوَ [هذا] حُجّةٌ(5)في أنّ المَسحَ غَسلٌ؟
و الذي حُكيَ(6)عن أبي زَيدٍ مِن الاحتجاجِ بالآيةِ علىٰ غيرِ الوجهِ الذي ظَنَّه؛ لأنّ أبا زَيدٍ يُحكىٰ عنه أنّه(7)حَمَلَ قولَه تَعالىٰ: «فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ اَلْأَعْنٰاقِ» [علىٰ] أنّه غَسَلَ(8)سُوقَها(9)و أعناقَها بالماءِ. و قد أورَدنا هذه الشُّبهةَ علىٰ(10)أبي زَيدٍ، [و] قُلنا: إنّ أكثَرَ المُفسِّرينَ قالوا: إنّ المُرادَ غيرُ غَسلِ الأعناقِ و الأسوُقِ(11). بَل قالَ أكثَرُهم: إنّه أرادَ مَسحَ يَدِه علىٰ أعناقِها و سُوقِها(12)، كما يَفعَلُ الإنسانُ ذلكَ فيما يَستَحسِنُه مِن فَرشٍ و ثَوبٍ و غيرِ ذلكَ. و قالَ قومٌ: إنّه أرادَ ضَربَ أعناقِها و سُوقِها(13)بالسَّيفِ. و قالَ قومٌ: إنّه أرادَ غَسلَ سُوقِها و أعناقِها. و حَملُ الآيةِ علىٰ ما
1) . في «ب»: «ذكرنا». و في «ج»: «ذكرناها».
2) . في «ج، د، ص» و المطبوع: «فإنّها».
3) . في «ص» و المطبوع: «و جودته». و في سائر النسخ: «و جرّوه»، و الظاهر أنّه تصحيف ممّاأثبتناه، و الكلام يقتضي فعلاً مفرداً. و معنى «جَرَّدَه» هنا: أظهره و بيَّنه.
4) . تقدّم معنى «العلاوة» فيما سبق.
5) . في «ص» و المطبوع يوجد في موضع «حجّة» فراغ.
6) . في «ج، ص» و المطبوع: - «حكي».
7) . في «ب»: - «أنّه».
8) . في «ب»: - «غسل».
9) . في «ص» و المطبوع: «أسوقها».
10) . في «ج، ص» و المطبوع: «عن».
11) . في المطبوع: «و الأسواق».
12) . في «ص» و المطبوع: «و أسوقها».
13) . في «ب»: - «و سوقها».
هو حقيقةٌ - مِن غيرِ توسُّعٍ و لا تَجوُّزٍ - أَولىٰ.
و أمّا التعَلُّقُ - في أنّ الأرجُلَ مغسولةٌ - بالتحديدِ إلَى الكَعبَينِ، و إجراؤها مَجرَى الأيدي في الغَسلِ لأجلِ التحديدِ، فهو شَيءٌ يَتعلَّقُ به قديماً الفقهاءُ، و هو ضَعيفٌ جدّاً؛ و ذلكَ أنّ عَطفَ «الأرجُلِ» - في حُكمِ المَسحِ - علَى «الرُّؤوسِ» لا(1)يَجِبُ أن يَكونَ ضَعيفاً مِن حَيثُ كانَت «الأرجُلُ» محدودةً إلىٰ غايةٍ و «الرؤُوسُ» لَيسَ كذلكَ، و لا يَجِبُ أن يُعطَفَ(2)على «الأيدي» لأنّها محدودةٌ(3)و ذلكَ أنّ «الأيديَ» بغَيرِ شَكٍّ معطوفةٌ علَى «الوجوهِ»، لها مِثلُ حُكمِها مِن الغَسلِ. و إذا(4)جازَ أن نَعطِفَ(5)محدوداً مِن الأيدي(6)علىٰ غيرِ محدودٍ مِن الوجوهِ، جازَ أيضاً أن نَعطِفَ(7)محدوداً مِن الأرجُلِ علىٰ غيرِ محدودٍ مِن(8)الرُّؤوسِ.
و الذي نَقولُه أَشبَهُ بتقابُلِ الكلامِ و ترتيبِه؛ لأنّ الآيةَ تَضمَّنَت ذِكرَ عضوٍ مغسولٍ غيرِ محدودٍ، ثُمَّ عَطَفَ عليه مِن الأيدي عضواً مغسولاً محدوداً(9)، فالمُقابَلةُ تَقتَضي(10)
1) . في «ج، ص» و المطبوع: «لأنّه» بدل «لا».
2) . كذا في جميع النسخ و المطبوع. و الصواب: «أن تعطف». اللّهمّ إلّاأن يقال: إنّ نائب الفاعل هو: «لفظ الأرجل» لا «الأرجل».
3) . أي لا يصحّ أن يُضعّف عطف الأرجل علىٰ الرؤوس لكون الأرجل محدودة و الرؤوس غير محدودة، و يُقوّىٰ عطفها على الأيدي لكونها محدودة.
4) . في «ص» و المطبوع: «و ألّا».
5) . في «ب، ج، د، ص» و المطبوع: «أن يعطف».
6) . في هامش «ص» و في المطبوع: «الأرجل».
7) . في «ب، د»: «أن يعطف».
8) . من قوله: «الوجوه جاز أيضاً...» إلىٰ هنا ساقط من «ج، ص» و المطبوع.
9) . في «أ، ب، ج، د»: - «ثمّ عطف عليه من الأيدي عضواً مغسولًا محدوداً».
10) . في «ج، د، ص»: «يقتضي».
إذا ذَكَرَ عضواً ممسوحاً غيرَ محدودٍ أن يَعطِفَ(1)عليه بعضوٍ(2)ممسوحٍ(3)محدودٍ، بأن يَعطِفَ محدوداً مِن أرجُلٍ علىٰ غيرِ محدودٍ مِن الرُّؤوسِ(4)لتَتَقابَلَ الجُملتانِ الأُولىٰ و الأُخرىٰ، و هذا واضحٌ جِدّاً.
فأمّا الكلامُ الذي طَوَّل بإيرادِه مِن تسميةِ الشيءِ بما يُقارِبُه(5)، فهو إذا صَحَّ و سَلِمَ مِن كُلِّ قَدحٍ، تَوسُّعٌ مِن القومِ و تَجوُّزٌ و تَعَدٍّ للحقيقةِ، بغَيرِ شُبهةٍ؛ و لَيسَ لنا أن نَحمِلَ ظاهرَ كتابِ اللّٰهِ علَى المَجازِ و الاتّساعِ مِن غيرِ ضرورةٍ.
و قد رَضيَ القائلونَ بالمَسحِ(6)بأن(7)يَكونَ حُكمُ مَن أوجَبَ بالآيةِ غَسلَ الرِّجلَينِ حُكمَ مَن قالَ: «ما سَمِعتُ رائحةً(8)أطيَبَ مِن كَذا»، و حُكمُ(9)مَن قالَ أنّها توجِبُ المَسحَ حُكمَ القائلِ: «ما شَمَمتُ(10)رائحةً أطيَبَ مِن كَذا»، فما يُريدونَ(11)زيادةً علىٰ ذلكَ؟
علىٰ أنّ الذي حَكاه عن(12)الأخفَشِ(13)مِن قولِهم(14): «ما سَمِعتُ رائحةً أطيَبَ
1) . في «أ»: «أن نعطف»
2) في «ج، ص» و المطبوع: «بعض».
3) . في «ج، د، ص»: + «غير».
4) . من قوله: «ممسوح محدود...» إلىٰ هنا ساقط من «أ». و النصّ في «ب، ج، د» مضطربٌ جدّاً.
5) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «يقارنه»
6) في «أ، ج، د»: «المسح».
7) . في «ب، ص» و المطبوع: «أن».
8) . في «ب»: - «رائحة».
9) . في «ب»: «أو حكم».
10) . في «ب، ج، د»: «ما سمعت».
11) . في «أ، ج، د، ص» و المطبوع: «يزيدون».
12) . في «ب»: - «عن».
13) . تقدّمت ترجمته قُبيل هذا، حيث ذُكر في المتن كنيتُه: «أبو الحسن» لا لقبُه.
14) . من قوله: «ما شممت رائحة...» إلى هنا ساقط من «أ».
مِن هذه»، الأَولىٰ أن يَكونَ المُرادُ به: «ما سَمِعتُ خبرَ(1)رائحةٍ أطيَبَ مِن كَذا»، و حُذِفَ اختصاراً؛ فهذا أحسَنُ و أليَقُ مِن أن يَضَعَ «سَمِعتُ» مكانَ «شَمَمتُ»(2). و قولُهم: «ما رأيتُ أطيَبَ مِن كَذا»، [الأَولىٰ] حَملُه علَى الرؤيةِ التي هي العِلمُ؛ لأنّ [حَملَ] لفظِ «الرؤيةِ» علىٰ معنىً يُشتَرَكُ(3)أَولىٰ مِن حَملِه علىٰ «شَمَمتُ»(4)لأنّ الحَملَ علىٰ ما ذَكَرناه يُفسِدُ حقائقَ هذه الألفاظِ، و يَقتَضي(5)خَلطَ بعضِها ببعضٍ.
و هذه جُملةٌ كافيةٌ فيما قَصَدناهُ(6)، و الحَمدُ للّٰهِ رَبِّ العالَمينَ، و صَلَواتُه علىٰ سَيِّدِنا مُحمّدٍ و عِترتِه المُطهَّرينَ(7).
1) . في «أ، ب، ج، ص»: «خير».
2) . في «ج، ص» و المطبوع: - «مكان شممت».
3) . في «أ، ج، د»: «تشترك». و في المطبوع: «مشترك».
4) . في «ج، ص» و المطبوع: «ما سمعت» بدل «شممت».
5) . في جميع النسخ و المطبوع: «و تقتضي».
6) . في «ج، ص» و المطبوع: «قصدنا». و في «ب»: - «قصدناه».
7) . في «ب»: «و صلّى اللّٰه على محمّد و آله الطاهرين». و من قوله: «و صلواته علىٰ...» إلىٰ هنا ساقط من «ج، ص» و المطبوع.
من المسائل الفقهيّة الخلافيّة التي كثر النزاع حولها بين الفقهاء هي كيفيّة الوضوء، و منها مسألة المسح على الخُفّ؛ فهل يجوز أن يمسح المكلّف على خُفّه عند الوضوء بدلاً من المسح على رجله مباشرة، أم لا؟ منع الإماميّة من ذلك منعاً باتّاً، فيما أجازه جمهور فقهاء المذاهب الأُخرى(1).
و قام علماء الإماميّة بتأليف كتب و رسائل حول هذا الموضوع، نذكر منها:
المسح على الخُفّين، لعليّ بن بلال المهلّبيّ الأزدي(2).
المسح على الخُفّين، للفضل بن شاذان(3).
المسح على الخُفّين، للشيخ أبي عليّ بن الجنيد الإسكافي(4).
الإيضاح في المسح على الخُفّين، ليحيى بن محمّد بن أحمد(5).
مناظرة الشيعي و المرجي في المسح على الخُفّين، و أكل الجريّ، و غير ذلك، لأبي يحيى الجرجاني(6).
و قد سُئل الشريف المرتضى عن رأيه في هذه المسألة، حيث أُرسل إليه سؤال من خراسان، فأجاب عنه، و قد أبدى رأيه في المسألة كسائر فقهاء الإماميّة في المنع الباتّ من المسح على الخُفّ.
و كان تاريخ إملاء الرسالة في شعبان من سنة 415 ه، كما جاء في بدايتها.
و يدلّ على صحّة نسبة الرسالة إليه ما جاء من معلومات في بداية الرسالة و التي أُشير فيها إلى أنّه قد أجاب عن هذه المسألة في دار أبيه الشريف الطاهر (ت 400 ه) بباب محوّل إحدى محلّات بغداد، و هي الدار التي ولد فيها الشريف المرتضى، إنّ هذه المعلومات تدلّ كلّها على تصحيح النسبة إليه؛ فإنّ من المستبعد أن يكون النسّاخ قد اخترعوا هذه المعلومات من عندهم، أو أنّهم أضافوها خطأ؛ فإنّ طرح هذه الاحتمالات تؤدّي إلى التشكيك في كلّ ما يأتينا من قِبَل النسّاخ، و منه نفس نصوص الكتب و الرسائل التي ينقلونها إلينا، و هذا يؤدّي إلى سدّ باب الاعتماد على النسخ الخطّيّة، إلّافي صورة إحراز وثاقة سلسلة النسّاخ إلى أن نصل إلى نسخة المؤلّف، و هذا أمرٌ دونه خرط القتاد. إذن يمكن تصحيح نسبة الرسالة إلى الشريف المرتضى.
و قد استدلّ في هذه الرسالة على عدم جواز المسح على الخُفّ بثلاثة أدلّة:
أوّلاً: أنّ آية الوضوء دلّت على مسح الرِّجل، فقالت: «وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ» (1)، و الخُفّ لا يسمّى رِجلاً.
و أمّا وجود بعض التعبيرات الدالّة على تسمية الخُفّ رِجلاً، مثل قولهم: «وطأتُه
1) . المائدة (5):6.
برجلي»، و إن كان فيها خُفّ، فهي تعبيرات مجازيّة، لا يُقاس عليها، و لا يُترك ظاهر الكتاب لأجلها.
و أمّا احتمال أن تكون الآية ناظرة إلى غير لابس الخُفّ، لا إلى كلّ مُحدِث حتّى اللابس له، فردُّه بأنّ إجماع المسلمين دلّ على شمول الآية لكل مُحدِث يريد الوضوء، سواء كان لابساً للخُف أم لا.
ثانياً: أنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله توضّأ غير مرّة، و مسح رجله أو غلسها - وفقاً لروايتنا أو رواية المخالفين - و قال إنّه وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلّابه. و المسح علىٰ الخفّين يخالف ذلك الوضوء فلا تُستباح به الصلاة.
ثالثاً: استدلّ بإجماع الإماميّة على إنكار المسح على الخُفّ، و إجماع الإماميّة حجّة؛ لكونهم الفرقة المُحقّة التي دخل الإمام المعصوم في جملتها.
هذا، و كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 181.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحات (106-108) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحات (3-5) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحات (332-333) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ر».
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحات (2-3) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ح».
مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحات (4-6) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (312-313) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ش».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحات (282-285) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحات (40-42) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه البروجردي، المرقّمة 374/9؛ تقع في الصفحات (421 - 423) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحات (30-32) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحات (6 - 8) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحات (92-95) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (258) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحات (2-4) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (171-172) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (51-52) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (248-249) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحات (2-3) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587/7؛ تقع في الصفحات (70-72) من المجموعة.
1) . راجع: فهرس المكتبة، ج 18، ص 89.
بِسمِ اللّٰهِ الرحمنِ الرحيمِ
مسألةٌ في المسحِ علَى الخُفَّين إملاءُ سيِّدِنا الشريفِ المُرتَضىٰ ذي المَجدَينِ رَضِيَ اللّٰهُ عنه في شَعبانَ، سَنةَ خَمسَ عَشرةَ و أربَعِمائةٍ، فِي دارِ أبيه الطاهرِ(1)- نَضَّرَ اللّٰهُ وَجهَه - ببابِ المُحوَّلِ(2)، جواباً عن مَسألةٍ وَرَدَت مِن خُراسانَ.
فقالَ(3): الشيعةُ الإماميّةُ تُنكِرُ المَسحَ علَى الخُفَّينِ، و تُبدِّعُ فاعلَه و تُخطّئُه(4).
1) . هو الشريف الطاهر النقيب الحسين بن موسىٰ المعروف بأبي أحمد الموسوي. تولّىٰ نقابة الطالبيّين ثلاث أو خمس مرّات، و لم يزل والياً في المرّة الأخيرة إلىٰ أن توفّي. كانت له سفارات بين الخلفاء و الملوك من آل بُوَيه و الأُمراء من بني حمدان. حبسه عضد الدولة في فارس سنة 369 ه فبقي هناك إلىٰ أن أطلَق شرفُ الدولة سراحه سنة 372 ه. كان معروفاً بالسخاء و الورع و النُّسك. توفّي سنة 400 ه، و صلّىٰ عليه ابنُه الشريف المرتضىٰ. راجع: المنتظم، ج 15، ص 71-72؛ الوافي بالوفيات، ج 13، ص 49؛ شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 31؛ الكامل في التاريخ، ج 5، ص 431، 440، 452؛ تاريخ بغداد، ج 10، ص 365؛ البداية و النهاية، ج 11، ص 394.
2) . بابُ مُحوَّل: مَحلّةٌ كبيرةٌ مِن مَحالِّ بَغدادَ، كانت مُتّصِلةً بالكَرْخ، ثمّ صارت منفردةً كالقرية، ذاتَ جامعٍ و سوقٍ، مستغنيةً بنفسِها، في غَربيِّ الكرخ. راجع: معجم البلدان، ج 1، ص 312.
3) . عبارات النسخ مختلفة من بداية الرسالة إلى هنا، و ما أثبتناه مقتبس من مجموع النسخ، من دون الاعتماد على نسخة على حدة، و كلّه ساقط من المطبوع.
4) . في «ش» و المطبوع: - «و تبدّع فاعله و تخطّئه».
و خالَفَ فقهاءُ العامّةِ في ذلكَ، فأجازوا(1)المَسحَ علَى الخُفَّينِ(2)، و(3)فَرَّقوا بَينَ رُخصةِ المُقيمِ فيه و المُسافِرِ(4)، إلّاما رُويَ عن مالكٍ، فإنّه كانَ يُبطِلُ التوقيتَ في مَسحِ الخُفَّينِ و لا(5)يَضرِبُ له غايةً.(6)
و قد حكىٰ عنه(7)بعضُ أصحابِه(8)أنّه كانَ يُضعِّفُ المَسحَ علَى الخُفَّينِ علَى الجُملةِ(9).
و الذي يَدُلُّ علىٰ صِحّةِ مَذهبِنا في بُطلانِ المَسحِ علَى الخُفَّينِ:
[1.] قولُه تَعالىٰ: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرٰافِقِ وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ» (10)فأمَرَ بغَسلِ و مَسحِ أعضاءٍ مخصوصةٍ بأسماءٍ لها خاصّةٍ(11).
و قد عَلِمنا أنّ الخُفَّ لا يُسَمّىٰ «رِجلاً» في لُغةٍ و لا عُرفٍ و لا شَرعٍ، فيَجِبُ أن
1) . في «أ، ب، ح، ر، ص»: «و أجازوا».
2) . في «ش»: «عليهم». و في المطبوع: «عليهما».
3) . في المطبوع: «أو».
4) . راجع: الأُمّ، ج 1، ص 50 و 51؛ بداية المجتهد، ج 1، ص 18 و 19؛ فتح الباري، ج 1، ص 264 و 265؛ عمدة القاري، ج 3، ص 96.
5) . في «ش» و المطبوع: «فلا».
6) . راجع: الموطّأ، ج 1، ص 35-37.
7) . في «ش» و المطبوع: - «عنه». و في «ص»: «عن».
8) . في «ح»: «أصحابنا». و في «ش» و المطبوع: + «عنه».
9) . في المطبوع: + «الجواب». و راجع: تحفة الأحوذي، ج 1، ص 264 و 265؛ المدوّنة الكبرى، ج 1، ص 39 و 40.
10) . المائدة (5):6.
11) . في «ش» و المطبوع: «مخصوصة».
يَكونَ الماسحُ عليه(1)غيرَ مُتطهِّرٍ، و لا مُمتَثِلٍ لِحُكمِ(2)الآيةِ؛ لأنّ الآيةَ(3)أمَرَته(4)بمَسحِ ما يُسمّىٰ «رِجلاً»(5)، و الخُفُّ لا يَستَحِقُّ هذه التسميةَ.
فإن قيلَ: قد يُسَمَّى(6)الخُفُّ «رِجلاً» في بعضِ المَواضعِ؛ لأنّهم يَقولونَ: «وطِئتُه برِجلي» و إن كانَ فيها(7)خُفٌّ.
قُلنا: هذا مَجازٌ؛ و المَجازُ لا يُقاسُ عليه، و لا يُترَكُ ظاهرُ الكتابِ له؛ و الكلامُ محمولٌ علىٰ حقيقتِه و ظاهرِه، إلىٰ(8)أن تُخرِجَ(9)عنه ضَرورةٌ صارفةٌ(10).
و بَعدُ(11)، فيَجوزُ أن يُريدوا بقَولِهم: «وطِئتُه برِجلي»: أنّني(12)اعتَمَدتُ بها اعتماداً أفضىٰ(13)إلىٰ ذلكَ الجسمِ الذي قيلَ أنّه موطوءٌ. و الاعتمادُ بالرِّجلِ التي عليها خُفٌّ إنّما يَبتَدئُ مِن الرِّجلِ في الحَقيقةِ(14)، ثُمَّ يَنتَهي إلَى الخُفِّ و إلىٰ(15)ما جاوَرَه و ماسَّه.
1) . من قوله: «لا يسمّى رِجلاً» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
2) . في المطبوع: «و لا فمثل الحكم» بدل «و لا ممتثل لحكم».
3) . في «ش»: «إلّا أنّ الآية». و في المطبوع: - «لأنّ الآية».
4) . في «ح»: «آمرة». و في «ش» و المطبوع: «تدلّ على». و في «ص»: «أمر».
5) . في «ش» و المطبوع: «مسح الرجل» بدل «بمسح ما يُسمّىٰ رجلاً».
6) . في «ش» و المطبوع: «تسمّى».
7) في المطبوع: «فيه».
8) . في «أ، ش» و المطبوع: «إلّا».
9) . في «أ، ب، ح، ر، ص»: «أن يخرج».
10) . في «أ، ب، ر، ص»: «صادقة». و في «ش»: «إذا دلّ على العدول الظاهر، و لا نعرف هاهنا دليلاًغير الظاهر يُعدل إليه» بدل «أن تخرج عنه ضرورة صارفة». و في المطبوع: «إذا دلّ دليل على العدول عن الظاهر، و لا نعرف هاهنا دليلاً غير الظاهر يُعدل إليه» بدلها.
11) . في «ش»: «فبعد». و في المطبوع: «فيعد»، و هو تصحيف.
12) . في «ش» و المطبوع: «أي».
13) . في المطبوع: + «ذلك».
14) . في «ح»: «بالحقيقة».
15) . في «ش» و المطبوع: «إلى» بدون واو العطف.
فإن قيلَ: مِن(1)أينَ لكم تَوَجُّهُ(2)هذه(3)الآيةِ إلىٰ كُلِّ مُحدِثٍ؟ و ما تُنكِرونَ(4)أن تَكونَ(5)خاصّةً في غيرِ لابِسِ الخُفِّ، و أن يَكونَ لابِسُ الخُفِّ(6)خارجاً عنها(7)؟
قُلنا: قد أجمَعَ المُسلِمونَ علىٰ أنّ آيةَ الطهارةِ مُتَوجِّهةٌ إلىٰ كُلِّ مُحدِثٍ يَجِدُ الماءَ و لا يَتعذَّرُ عليه استعمالُه، و لا فَرقَ في ذلكَ بَينَ لابِسِ الخُفِّ و غيرِه.
علىٰ أنّ مَن جَعَلها خاصّةً، لا بُدَّ له مِن تَركِ الظاهرِ؛ لأنّه تَعالىٰ قالَ: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» ، فعَمَّ بخِطابِه جميعَ المؤمِنينَ، و لابِسُو الخُفِّ(8)مِن المُحدِثينَ يَتَناوَلُهم هذا الِاسمُ.
[2.] و يَدُلُّ أيضاً علىٰ ذلكَ(9): أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه تَوضّأَ مَرّةً مَرّةً، و طَهَّرَ رِجلَه(10)- إمّا بالمَسحِ علىٰ رِجلَيه(11)علىٰ روايتِنا، أو بالغَسلِ(12)علىٰ روايتِهم - و قالَ: «هذا وضوءٌ لا يَقبَلُ اللّٰهُ الصلاةَ إلّابه».(13)
1) . في «ش» و المطبوع: «فمن».
2) . في «ش» و المطبوع: «وجه».
3) . في «ش» و المطبوع: - «هذه».
4) . في «أ، ر» و المطبوع: «و ما ينكرون».
5) . في «أ، ح، ر، ش» و المطبوع: «أن يكون».
6) . في «ش» و المطبوع: - «و أن يكون لابس الخفّ».
7) . في «ش» و المطبوع: «عنه».
8) . في «ش» و المطبوع: «و لابسو الخفاف».
9) . في «ش» و المطبوع: «علىٰ ذلك أيضاً» بدل «أيضاً على ذلك».
10) . في «ح» و المطبوع: «رجليه».
11) . في «ح، ش» و المطبوع: - «علىٰ رجليه».
12) . في المطبوع: - «على روايتنا، أو بالغسل».
13) . السنن الكبرى للبيهقي، ج 1، ص 80؛ المبسوط للسرخسي، ج 1، ص 9.
و قد عَلِمنا أنّ المَسحَ علَى الخُفَّينِ يُخالِفُ ذلكَ الوضوءَ الذي بَيَّنَه النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و قالَ بأنّه(1)لا تُقبَلُ(2)الصلاةُ إلّابه.
و لَيسَ لهم أن يَقولوا: إنّ حُكمَ لابِسِ الخُفِّ فيما ذَكرتم حُكمُ المُتيمِّمِ؛ فكما أنّ المُتيمِّمَ تُقبَلُ صلاتُه و إن لَم يَفعَلْ ذلكَ الوضوءَ الذي فَعَلَه النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّم، و قالَ إنّ الصلاةَ لا تُقبَلُ إلّابه(3)، فكذلكَ ماسِحُ الخُفِّ.
لأنّ(4)النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه أشارَ إلىٰ وضوءٍ بالماءِ، له كَيفيّةٌ، وَقَعَ علىٰ(5)أعضاءٍ مخصوصةٍ، بَيَّنَ أنّ الصلاةَ لا تُقبَلُ إلّابه(6). فالظاهرُ مِن كلامِه أنّ كُلَّ ما يُسمّىٰ «وضوءاً» متىٰ لَم يَحصُل(7)علىٰ تلكَ(8)الكَيفيّةِ، فالصلاةُ به غيرُ مقبولةٍ - و التيمُّمُ لَيسَ بوضوءٍ - و لا خِلافَ أنّ وضوءَ الماسِحِ علىٰ خُفَّيه كوضوءِ غاسِلِ رِجلَيه أو ماسِحِهما في أنّ الِاسمَ(9)يَتَناوَلُه.
[3.] و يَدُلُّ أيضاً علىٰ صِحّةِ ما ذَهَبنا إليه: أنّ الشيعةَ الإماميّةَ مُطبِقةٌ علىٰ(10)إنكارِ المَسحِ علَى الخُفَّينِ(11)، و هي عندَنا الفِرقةُ المُحِقّةُ التي في جُملتِها الإمامُ المعصومُ، و قولُه(12)حُجّةٌ لا يَجوزُ العُدولُ عنه.
1) . في «ش» و المطبوع: «إنّه»
2) في «أ، ح، ش» و المطبوع: «لا يُقبل».
3) . من قوله: «و ليس لهم أن يقولوا» إلى هنا ساقط من «ش» و المطبوع.
4) . في «أ، ب، ر، ص»: «قلنا» بدل «لأنّ». و في «ح»: «قلنا: إنّ» بدله.
5) . في «ش» و المطبوع: «في»
6) في «ش» و المطبوع: «بها».
7) . في «ش» و المطبوع: «لم يجعل».
8) . في «ش» و المطبوع: + «الصفة و».
9) . في المطبوع: «العموم» بدل «الاسم».
10) . من قوله: «صحّة ما ذهبنا إليه» إلى هنا ساقط من «ش» و المطبوع.
11) . في «ش» و المطبوع: + «إجماع الإماميّة».
12) . في «أ، ب، ح، ر، ش» و المطبوع: «و قولها».
تحقيقُ
رضا المختاري - محمّد رضا خادميان
دارَ بين فقهاء و محدّثي الإماميّة خلاف حول كمال شهر رمضان و نقصانه؛ فكان الرأي السائد قبل الشيخ المفيد (ت 413 ه) هو القول بكمال شهر رمضان، و كونه ثلاثين يوماً دائماً من دون زيادة أونقصان. فممّن ذهب إلى ذلك: الشيخ الصدوق (ت 381 ه)(1)، و أخوه الشيخ أبو عبد اللّٰه الحسين بن عليّ بن الحسين، و الشريف أبو محمّد الحسيني، و الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه (ت 368 ه)، و الشيخ أبو محمّد هارون بن موسى (ت 385 ه)(2). فيما خالف في ذلك الشيخ محمّد بن أحمد بن داود القمّي (ت 368 ه)، و ذهب إلى زيادة شهر رمضان و نقصانه، و اعتماد الرؤية في معرفته، و ألّف كتاباً نقض فيه على الشيخ ابن قولويه(3).
و قد قام الشيخ المفيد بتأليف كتاب في أيّام شبابه - أي في سنة 363 (ولد المفيد في سنة 336 أو 338(4)- و سَمّى الكتاب: لمح البرهان؛ انتصر فيه لشيخه ابن قولويه، وردّ فيه على ابن داود(5). و بعد ذلك قام بتغيير رأيه، و ذهب إلى ما قاله ابن داود، و قام بتأليف كتابين لدعم هذا الرأي، هما: «مصابيح النور في علامات أوائل الشهور»(6)، و
1) . راجع: الخصال، ص 531
2) راجع: إقبال الأعمال، ج 1، ص 33-34.
3) . المصدر السابق، ص 34.
4) رجال النجاشي، ص 402-403، الرقم 1067.
5) . راجع: إقبال الأعمال، ج 1، ص 33-34.
6) . راجع: المسائل السروية، ص 75؛ تصحيح اعتقادات الإماميّة، ص 146-147 (سماه فيه: مصابيح النور)؛ جوابات أهل الموصل، ص 15، 26، 46 (و سمّاه في الأخير: مصباح النور في علامات أوائل الشهور).
«جوابات أهل الموصل في العدد و الرؤية»(1).
و قد مرَّ المحقّق الكراجكي (ت 449 ه) - كأُستاذه المفيد - بمرحلتين؛ فقد كان يؤمن في البداية بالعدد، و ألّف رسالة مختصر البيان عن دلالة شهر رمضان لدعم هذه النظريّة(2)، و بعد ذلك رجع عن القول بالعدد إلى القول بالرؤية، و ألّف «جواب الرسالة الخازمية»، و «الكافي في الاستدلال» لتأييد هذه النظريّة(3).
و هكذا صار العمل بالرؤية نظريّة معروفة بين فقهاء الإماميّة، حتّى عُدَّ القول المقابل شاذاً(4).
و قد سار الشريف المرتضى على خُطى شيخه المفيد في تبنّي نظريّة الرؤية، حيث قام بتأليف رسائل متعدّدة حول نصرة هذه النظريّة، و رفض النظريّة القائلة بالعدد؛ فقد قال الشيخ الطوسي (ت 460 ه) عند تعداده لكتبه و رسائله:
«و له مسائل كثيرة في نصرة الرؤية، و إبطال القول بالعدد»(5). كما قام الشريف المرتضى بتأليف رسالة «جواب الكراجكي في فساد العدد»، كما نصّ على ذلك البُصروي (ت 443 ه)(6). و أيضاً نسب إليه ابنُ شهرآشوب (ت 588 ه) كتاباً سمّاه كما هو في المطبوع من معالم العلماء: «الفرائض في نقض الرؤية و إبطال القول بالعدد»(7).
و من الواضح أنّ عنوان «نقض الرؤية» غير صحيح، و الصحيح هو «نصرة الرؤية»،
1) . و هذه الجوابات مطبوعة.
2) . خاتمة المستدرك، ج 3، ص 133.
3) . المصدر السابق، ج 3، ص 129، 133.
4) . راجع: المسألة الثامنة من المسائل الطبريّة للشريف المرتضى؛ الخلاف، ج 2، ص 169؛ تذكرة الفقهاء، ج 6، ص 138؛ مسالك الأفهام، ج 2، ص 53.
5) . الفهرست للطوسي، ص 165، ذيل الرقم 431.
6) . راجع: مجلّة العقيدة، الرقم 3، ص 383.
7) . معالم العلماء، ص 105.
كما تقدّم في عبارة الشيخ الطوسي.
و أشار الشريف المرتضى إلى تبنّيه القول بالرؤية في مجموعة من كتبه و رسائله المتبقّية، مثل: الناصريّات(1)، و المسألة الثامنة من جوابات المسائل الطبريّة، و المسألة الحادية و الأربعين من جوابات المسائل الميَّافارقيّات. إضافة إلى تصريحه بتأليف كتاب حول هذا الموضوع، حيث قال:
... و هذا كله يُبطل قول أصحاب العدد، و مَن ادّعى أنّ شهر رمضان لا يكون إلّا ثلاثين يوماً. و قد أملينا في هذه المسائل كتاباً مفرداً استقصينا الكلام فيه؛ فمن أراد الاستيفاء يرجع إليه(2).
و من الرسائل التي كتبها الشريف المرتضى، و وصلت إلينا هي هذه الرسالة التي بين أيدينا، فقد قام فيها بالنقض على كتاب ذهب مؤلّفه إلى القول بالعدد، و بدأ نقضه بإثبات نظريّته في الرؤية، و استدلّ عليها: بالإجماع، و السيرة، و ببعض الآيات، و الأخبار، ثمّ قام بمناقشة الأدلّة التي ذكرها صاحب الكتاب لإثبات القول بالعدد، و أخيراً رَدّ علىٰ مناقشات صاحب الكتاب لأدلّة القول بالرؤية، و بهذا يمكن تقسيم مطالب الرسالة إلى ثلاثة فصول وفقاً لهذه البحوث الثلاثة التي أشرنا إليها.
و قام بنقض كلام صاحب الكتاب بطريقة: «قال صاحب الكتاب... و يقال له»، و هي طريقة تشبه إلى حدّ كبير أُسلوبه في كتاب الشافي، و بعض كتاب الصرفة، اللذين نقض فيهما على كلام القاضي عبد الجبّار المعتزلي.
و قد أظهر لنا الشريف المرتضى في هذه الرسالة براعته و قدرته الفائقة على تأويل الآيات، بنفس البراعة التي أظهرها في أماليه، فقد ذكر مثلاً وجوهاً مختلفة
لتأويل قوله تعالى: «أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» (1)، لردّ تمسّك أصحاب العدد بهذه الآية لتأييد نظريّتهم.
و لا شكّ في صحّة نسبة الرسالة إليه؛ بدليل نسبتها إليه في المخطوطات، و موافقة محتوى الكتاب مع رأيه حول الذهاب إلى تحديد رمضان بالرؤية، و أنّه يزيد و ينقص(2)، إضافة إلى إرجاعه في بداياتها إلى بعض جوابات مسائله المعروفة، و هي المسائل التبّانيّات، و الموصليّات الثالثة.
و قد اختلفت أسماء هذه الرسالة؛ فسُمّيت - كما سوف يأتي - في بعض المخطوطات باسم: «نقض كلام بعض من نصر العمل بالعدد في الشهورِ» أو «النصرة للرؤية في ثبوت الأهلة»، أو «الردّ على أصحاب العدد». كما جاء في بداية بعض مخطوطاتها(3):
كتاب «النصرة للرؤية في ثبوت الأهلة»، من مصنّفات سيّدنا المرتضى في الجواب عمّا جمعه تلميذه الشيخ أبو الفتح الكراجكي.
و كلّ هذه الأسماء مناسبة لموضوع الرسالة؛ لكن إذا صحّ ما جاء في المخطوطة الأخيرة من أنّ هذه الرسالة هي نقض على كلام الكراجكيّ - الذي تقدّم أنّه كان يؤمن في البداية بالعدد، و ألّف رسالة لدعم هذا الرأي - فسوف يكون اسم الرسالة الصحيح هو: «جواب الكراجكي في فساد العدد» الذي تقدّم أنّ البُصروي قد ذكر رسالة تحمل هذا العنوان، و البُصروي أدرى بأسماء مؤلّفات الشريف المرتضى.
و هناك شواهد احتماليّة تدلّ على أنّ هذه الرسالة هي ردّ على الكراجكي، هي:
أوّلاً: تقدّم أنّ الرسالة التي بأيدينا هي ردّ على كتاب أو رسالة أُلّفت لدعم نظريّة العدد، كما هو واضح لكلّ مَن يقرأها، و أنّ للشريف المرتضى جواباً على الكراجكي حول نفس الموضوع بشهادة البُصروي.
ثانياً: أنّ الشريف المرتضى ردّ في الرسالة التي بأيدينا على أحد علماء الشيعة، كما يظهر لمن يطالع الرسالة، و لا شكّ أنّ الكراجكي منهم.
ثالثاً: تقدّم في بعض النسخ الخطّيّة للرسالة التصريح بأنّها جواب على الكراجكي.
و على أيّ حال، فهذه شواهد احتماليّة، تحتاج إلى ما يقوّيها لإثبات أنّ الرسالة التي بأيدينا هي نفس ردّ الشريف المرتضى على الكراجكي.
ثمّ إنّ الشريف المرتضى كتب هذه الرسالة بعد سنة 420؛ فقد أشار فيها إلى المسائل الموصليّات الثالثة الواردة عليه في تلك السنة(1)، حيث ذكر في بدايات الرسالة محلّ البحث أنّه بحث عن الإجماع و دخول المعصوم في أقوال الشيعة في مسائل أهل الموصل الواردة أخيراً، و إذا راجعنا المسائل الموصليّات لوجدناه يبحث عن الإجماع في الموصليّات الثالثة فقط(2)، دون الثانية منها. و أمّا الموصليّات الأُولى، فعلى الرغم من كونها مفقودة، لكن قد وصلت إلينا أسماء مسائلها، و ليست فيها مسألة حول الإجماع؛ فإنّ مسائلها كما ذكرها البُصروي هي: مسألة في الاعتماد، و أُخرى في الوعيد، و ثالثة في القياس(3). إذن لقد كتب الشريف المرتضى هذه الرسالة بعد الموصليّات الثالثة الواردة في سنة 420 ه.
إنّ هذه الرسالة تمتلك أهمّيّة خاصّة، فهي إضافة إلىٰ طرحها لنظريّة أصحاب الرؤية و أدلّتهم، فإنّها تعكس أيضاً نظريّة أصحاب العدد و أدلّتهم و أُسلوبهم في طرح رأيهم؛ فقد حفظ لنا الشريف المرتضى في ثنايا هذه الرسالة نصّاً مهماً من تراث القائلين بالعدد، فكان ينقل نصوصاً قد تكون مطوّلة أحياناً من الكتاب الذي ردّ عليه. و يمكن استلال هذا الكتاب و فصله من كلام الشريف المرتضى ليظهر بصورة رسالة مستقلّة متكاملة حول إثبات نظريّة العدد. فإن كان هذا الكتاب المردود عليه للكراجكي، فيمكن طباعته ضمن مجموعة مؤلّفاته، و إلّافيمكن طباعته بصورة مستقلّة تحت عنوان: رسالة في نصرة القول بالعدد.
و في الختام نشير إلى بعض الفوائد المُستقاة من هذه الرسالة، و هي:
و هذه النظرة السلبيّة تجاه أصحاب الحديث قد تكرّرت منه في جواب المسألة العاشرة من الطرابلسيات الأُولىٰ، حيث قال: «و ما صرّح من أصحابنا بالقول بنقصان القرآن إلّاقوم من أصحاب الحديث الذين لا يفقهون ما يقولون، و لا يعلمون إلىٰ ما يذهبون، و إنّما دأبهم تقليد الحديث، و التسليم لما في الرواية من حقّ و باطل و غثّ و سمين، من غير تفكّر و لا تدبّر، و مَن هذه صفته لا يعدّ في خلاف و لا إجماع.
على الرغم من أنّ الشريف المرتضى كان يرفض حجّيّة خبر الواحد، إلّاأنّه إذا اقترن بقرينة قطعيّة كالإجماع فإنّه كان يقول بحجّيّته و يعمل به، كما فعل هناك بالنسبة لحديث: «صوموا لرؤيته، و افطروا لرؤيته».
أشار الشريف المرتضى إلى نظريّته حول حجّيّة خبر الواحد، و هي أنّه يجوز عقلاً أن يتعبّدنا الشارع بالعمل بخبر الواحد؛ لكن لا يوجد دليل على أنّ الشارع تعبّدنا بذلك. كما أشار إلى نظريّة متشدّدة بعض الشيء لبعض الإماميّة، و هي أنّه لا يجوز عقلاً التعبّد بخبر الواحد. و لم يصرّح الشريف المرتضى باسم مَن ذهب إلى هذه النظريّة، و هو المتكلّم الإمامي ابن قبة الرازي (ت قبل 317 ه)، فقد كان يذهب إلى هذه النظريّة(1).
ذهب الشريف المرتضى بالنسبة إلى القياس إلى نظريّة تشبه ما تقدّم حول خبر الواحد، و هو أنّه يجوز عقلاً التعبّد بالقياس، إلّاأنّ الشارع لم يتعبّدنا بذلك.
أشار إلى نقطة منهجيّة مهمّة، و هي أنّه عند اشتباه آيات القرآن و عدم وضوح المراد منها، فالمرجع هو العقل؛ لأنّ أدلّة العقول أصلٌ.
أشار في جواب الدليل الأوّل الذي ذكره صاحب الكتاب المنقوض عليه إلىٰ وجهٍ في نصب قوله تعالىٰ: «أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» لم يُسبق إليه. و هذا واحد آخر من إبداعاته.
هذا، و كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 15، كما طبعت في ضمن مجموعة رسائل تحمل عنوان: رؤيت هلال، ج 1، ص 155.
1) . راجع: معارج الأُصول، ص 141.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 1255/3؛ و هي ميكروفيلم من مخطوطة مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة في مشهد المرقّمة 2337، و المخطوطة أقدم مخطوطة وقفنا عليها، و العنوان المكتوب عليها هكذا: «نقض كلام بعض من نصر العمل بالعدد في الشهور»، نسخت في الثالث من شهر ذي الحجّة من سنة ستّ و سبعين و ستّمائة (676 ه) بتصريح كاتبها في انتهاء الرسالة؛ و أكثر النسخ التالية نُسخت عن هذه النسخة. و الرسالة تقع في الصفحات (158-171) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ض».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 3324/2؛ نسخها محمّد نصر بن رضوان اللّٰه في عاشر شهر شعبان المعظّم من سنة 1097 ه. و انتقل أصلها إلى هذه المكتبة من مكتبة المحدّث الأُرموي.
و الرسالة تقع في الصفحات (30-67) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ي».
مخطوطة مكتبة الملك بطهران، المرقّمة 593/4؛ نسخت في عام 1125 ه. و الرسالة تقع في الصفحات (48-87) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ك».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 7615/16؛ نسخت في عام 1281 ه بتصريح الكاتب في انتهاء النسخة، و يُعلم ممّا كتب في فراغها أنّه نسخها عن نسخة مكتبة الروضة الرضويّة؛ لأنّ الكاتب قد كتب عبارة فراغ تلك المخطوطة بعينها. و الرسالة تقع في الصفحات (394-426) من المجموعة، و رمزنا لها ب «م».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21509 (و أيضاً 14755 في ضمن المجموعة المُهداة من قبل السيّد الخامنئي حفظه اللّٰه)(1)نسخها السيّد
1) . راجع: فهرس الكتب المُهداة للمكتبة، ص 372.
أحمد الصفائي في عام 1329 ه عن نسخة مكتبة الروضة الرضويّة كما يُعلم ممّا كتبه في فراغها واضحاً. و الرسالة معنونة في فوق الصفحة الأُولى منها بهذا العنوان: «كتاب النصرة للرؤية في ثبوت الأهلّة».
و على هوامشها علامات التصحيح و المقابلة. و تُشاهد في الورقة الأُولى منها علامة تملّك السيّد مصطفى الحسينيّ الصفائيّ الخوانساري، و خاتمه البيضويّ. تقع في (11) ورقة، و في كلّ صفحة (22) سطراً(1)، و رمزنا لها ب «خ».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 1162/19؛ و هي ميكروفيلم من نسخة آقا بزرگ الطهراني في مكتبته بالنجف الأشرف، استنسخها بنفسه عن نسخة مكتبة الروضة الرضويّة في عام 1330 ه في الكاظميّة، كما ذكره في كتابه الذريعة، و عنونها بهذا العنوان: «رسالة في الردّ على أصحاب العدد»(2)، و كتب في آخرها: «و فرغت من نسخها بمشهد الإمامين الهمامين: أبي الحسن موسى و أبي جعفر الجواد - سلام اللّٰه عليهما - يوم السبت، الثاني من جمادى الأُولى من سنة ثلاثين و ثلاثمائة بعد الألف، و أنا الأحقر المسيء الجاني محمّد محسن ابن الحاج عليّ الطهراني». و الرسالة تقع في (10) أوراق، و في كلّ صفحة (20) سطراً،(3)و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10007/4؛ نسخها عبد اللّٰه بن محمّد حسن الهشترودي التبريزي في الغري، في ليلة الأربعاء من شهر ذي القعدة من شهور سنة 1336 ه كما صرّح بذلك في انتهاء الرسالة، و يفهم ممّا كتبه في ظهر الورقة الأخيرة منها أنّه نسخها حسب أمر أُستاذه شيخ الإسلام الزنجاني.
و الرسالة تقع في الصفحات (86-113) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ل».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254/1؛ يُعلم ممّا كُتب في انتهائها أنّها نُسخت عن نسخة مكتبة الروضة الرضويّة أيضاً، و ناسخها و تاريخ نسخها غير معلوم. و الرسالة تقع في الصفحات (3-18) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ع».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 1080/4؛ لم نعثر على اسم ناسخها و تاريخ نسخها. تقع في (21) ورقة، و في كلّ صفحة (19) سطراً. و رمزنا لها ب «ت».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، ميكروفيلم 1690/6؛ و أصلها موجود في المكتبة الجعفريّة بقائن، و قد سمّيت: «نقض كلام بعض من نصر العمل بالعدد في الشهور» و هو نفس عنوان مكتبة الروضة الرضويّة. و الرسالة تقع في الصفحات (330-359) من المجموعة و رمزنا لها ب «ن».
بِسمِ اللّٰهِ الرحمنِ الرحيمِ
الحمدُ للّٰهِ علىٰ وافرِ الحِباءِ، و باهرِ العَطاءِ، و متواصِلِ الآلاءِ، و متتابِعِ السَّرّاء؛ و صَلَّى اللّٰهُ علىٰ خَيرِ البَشَرِ، و أفضَلِ البَدوِ و الحَضَرِ، سيّدِنا مُحمّدٍ نَبيِّه و صَفيِّه، و علَى الطاهرينَ مِن عترتِه، و سَلَّمَ.
وَقَفتُ - أحسَنَ اللّٰهُ توفيقَكَ - علىٰ ما أنفَذتَه مِن الكلامِ المجموعِ في نُصرةِ العَدَدِ في الشهورِ، و الطعنِ علىٰ مَن ذَهَبَ إلَى الرؤيةِ و اعتَمَدَها و لَم يَلتَفِتْ إلىٰ ما سِواها.
و أنا أُجيبُ مَسألَتَكَ، و أشفَعُكَ(1)بطَلِبتِكَ، و أُملي(2)في هذا البابِ كلاماً وَجيزاً تَقَعُ(3)بمِثلِه الكفايةُ؛ فإنّ مَن طَوَّلَ مِن أصحابِنا الكلامَ في هذه المسألةِ تَكلَّفَ ما لا يُحتاجُ إليه، و الأمرُ فيها أقرَبُ و أهوَنُ مِن أن يَحُوجَ إلَى التدقيقِ و التطويلِ. و اللّٰهُ الموفِّقُ للصوابِ في جميعِ الأُمورِ.
و اعلَمْ أنّ هذه مَسألةٌ إذا تُؤُمِّلَتْ عُلِمَ أنّها مَسألةُ إجماعٍ مِن جميعِ المُسلِمينَ، و الإجماعُ عليها هو الدليلُ المُعتَمَدُ؛ لأنّ الخِلافَ فيها إنّما ظَهَرَ مِن نَفَرٍ مِن أصحابِ الحديثِ المُنتَمينَ إلىٰ أصحابِنا، و قد تَقدَّمَهم الإجماعُ و سَبَقَهم، و لا اعتبارَ بالخِلافِ الحادثِ؛ لأنّه لَو كانَ به اعتبارٌ لَما استَقَرَّ إجماعٌ، و لا قامَت الحُجّةُ به.
و قد عَلِمنا ضَرورةً أنّ أحَداً مِن أهلِ العِلمِ لَم يُخالِفْ قَديماً في هذه المَسألةِ، و لا جَرىٰ بَينَ أهلِ العِلمِ فيها مُتقدِّماً كلامٌ و لا نَظَرٌ و لا جِدالٌ، حتّىٰ ظَهَرَ مِن بَينِ أصحابِنا فيها هذا الخِلافُ.
ثُمّ لا اعتبارَ بهذا الخِلافِ، سابقاً(1)كانَ أم حادثاً مُتأخِّراً؛ لأنّ الخِلافَ إنّما يُعتَدُّ به إذا وَقَعَ ممّن بمِثلِه اعتبارٌ في الإجماعِ مِن أهلِ العِلمِ و الفَضلِ و الدرايةِ و التحصيلِ.
و الذينَ خالَفوا مِن أصحابِنا في هذه المَسألةِ عَدَدٌ يَسيرٌ ممّن(2)لَيسَ قولُه بحُجّةٍ في الأُصولِ و لا في الفروعِ، و لَيسَ ممّن كُلِّفَ النظرَ في هذه المسألةِ، و لا فيما هو أجلىٰ منها؛(3)لقُصورِ فَهمِه و نُقصانِ فِطنتِه.
و ما لأصحابِ الحديثِ - الذينَ لَم يَعرِفوا الحَقَّ في الأُصولِ، و لا اعتَقَدوها بحُجّةٍ و لا نظرٍ، بَل هم مُقلِّدونَ فيها - و للكلامِ(1)في هذه المسائلِ؟ و لَيسوا بأهلِ نظرٍ فيها و لا اجتهادٍ، و لا وصولٍ إلَى الحَقِّ بالحُجّةِ، و إنّما تعويلُهم علَى التقليدِ و التسليمِ و التفويضِ.
فقَد بانَ بهذه الجُملةِ أنّ هذه المَسألةَ مَسألةُ إجماعٍ، و الإجماعُ عندَنا حُجّةٌ؛ لأنّ الإمامَ المعصومَ - الذي لا يَخلو الزمانُ منه - قولُه داخلٌ فيه، و هو حُجّةٌ لدخولِ قولِ مَن هو حُجّةٌ فيه.
و قد بيّنّا في مَواضِعَ كثيرةٍ مِن كُتُبِنا صِحّةَ هذه الطريقةِ، و كَيفيّةَ العِلمِ بالطريقِ إلىٰ أنّ قولَ الإمامِ داخلٌ في أقوالِ الشيعةِ و غيرُ منفصِلٍ عنها في زمانِ الغَيبةِ، الذي يَخفىٰ عنّا فيه قولُ الإمامِ علَى التحقيقِ؛ منها في جوابِ مسائلِ أبي عبد اللّٰهِ ابنِ التَّبّانِ رَحِمَه اللّٰهُ. و قد مضَى الكلامُ هُناكَ(2)في هذه المَسألةِ أيضاً فيما هو جوابُ مَسائلِ أهلِ المَوْصِلِ الواردةِ أخيراً. و مَن أرادَ استيفاءَ الكلامِ في هذا البابِ رَجَعَ إلىٰ ما أشَرنا إليه مِن هذه الكُتُبِ.(3)
دليلٌ آخَرُ: و هو أنّا قد عَلِمنا ضَرورةً أنّ المُسلِمينَ مِن لَدُنِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إلىٰ وقتِنا هذا يَفزَعونَ و يَلجَؤونَ في أوائلِ الشهورِ و العِلمِ بها علَى التحقيقِ إلَى الرؤيةِ، و يَخرُجونَ إلَى الصحاري و المَواضِعِ المُنكَشِفةِ، خُروجاً مُنكَشِفاً
ظاهراً مُعلَناً شائعاً ذائعاً؛ حتّىٰ إنّهم يَتأهَّبونَ لذلكَ، و يَتزيَّنونَ له، و يَتجمَّلونَ بضُروبِ التجمُّلاتِ، لا يُخالِفُ في ذلكَ منهم مُخالِفٌ، و لا يُعارِضُ منهم مُعارِضٌ، و لا يُنكِرُ منهم مُنكِرٌ، حتّىٰ إنّه قد جَرىٰ مَجرَى الأعيادِ و الجُمَعِ في الظهورِ و الانتشارِ.
فلَو كانَ تعيينُ الشهورِ - التي تَتعلَّقُ الأحكامُ بتعيينِها(1)مِن صَومٍ و حَجٍّ و انقضاءِ عِدّةٍ و وجوبِ دَينٍ، و غيرِ ذلكَ مِن الأحكامِ الشرعيّةِ - إنّما يَثبُتُ بالعَدَدِ لا برؤيةِ الأهِلّةِ، لَكانَ جميعُ ما حَكَينا مِن فعلِ المُسلِمينَ مِن الفَزَعِ إلَى الرؤيةِ عَبَثاً و غَلَطاً و تَكلُّفَ ما(2)لا فائدةَ فيه(3)، و العدولَ(4)عمّا فيه الفائدةُ.
دليلٌ آخَرُ: و هو قولُه تَعالىٰ: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوٰاقِيتُ لِلنّٰاسِ وَ اَلْحَجِّ» .(5)و هذا نَصٌّ صَريحٌ - كَما تَرىٰ - بأنّ الأهِلّةَ هي المُعتَبَرةُ في المَواقيتِ، و الدالّةُ علَى الشهورِ؛ لأنّه عُلِّقَ بها التوقيتُ.
فلَو كانَ العَدَدُ هو الذي يُعرَفُ به التوقيتُ، لَخُصَّ العَدَدُ بالتوقيتِ دونَ رؤيةِ الأهِلّةِ؛ إذ لا مُعْتَبَرَ برؤيةِ الأهِلّةِ في المَواقيتِ علىٰ قَولِ أصحابِ العَدَدِ.
دليلٌ آخَرُ: و هو قولُه تَعالىٰ: «هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِيٰاءً وَ اَلْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنٰازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَ اَلْحِسٰابَ» .(6)و هذا نَصٌّ صَريحٌ - كَما تَرىٰ - علىٰ أنّ
مَعرِفةَ السنينَ و الحِسابِ مرجوعٌ فيها إلَى القمرِ و نُقصانِه و زيادتِه، و أنّه لا حَظَّ للعَدَدِ الذي يَعتَمِدُه أصحابُ العَدَدِ في عِلمِ السنينَ و الشهورِ. و هذا أوضَحُ مِن أن تَدخُلَ علىٰ عاقلٍ فيه شُبهةٌ.
دليلٌ آخَرُ: و هو الخبرُ المَرويُّ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن قولِه: «صوموا لرؤيتِه، و أفطِروا لرؤيتِه، فإن غُمَّ عليكم فعُدّوا ثَلاثينَ».(1)
و هذا الخبرُ و إن كانَ مِن طريقِ الآحادِ - و ممّا لا يُعلَمُ كَما عُلِمَ ما طريقُه مِن الأخبارِ العِلمُ -(2)فقَد أجمَعَت الأُمّةُ علىٰ قبولِه، و إنِ اختَلفَوا في تأويلِه، فما رَدَّه أحَدٌ منهم، و لا شَكَّكَ(3)فيه.
و هو نَصٌّ صَريحٌ غيرُ مُحتَمِلٍ؛ لأنّ الرؤيةَ هي الأصلُ، و أنّ العَدَدَ تابعٌ لها(4)و غيرُ مُعتَبَرٍ إلّابَعدَ ارتفاعِ الرؤيةِ.
و لَو كانَ بالعَدَدِ اعتبارٌ لَم يُعلِّقِ الصومَ بنَفسِ الرؤيةِ، و لَعلَّقَه بالعَدَدِ و قالَ:
«صوموا بالعَدَدِ و أفطِروا بالعَدَدِ». و الخبرُ يَمنَعُ مِن ذلكَ غايةَ المَنعِ.
فإن قيلَ: فما معنىٰ قولِه: «صوموا لرؤيتِه، و أفطِروا لرؤيتِه»؟ و أيُّ فائدةٍ لهذا الكلامِ؟
قُلنا: معنىٰ ذلكَ: صوموا لأجلِ رؤيتِه و عندَ رؤيتِه، كما يَقولُ القائلُ: «صَلِّ
الغَداةَ لطلوعِ الفَجرِ(1)»؛ يَعني لأجلِ طلوعِه و عندَ طلوعِه، كما قالَ تَعالىٰ: «أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اَللَّيْلِ» .(2)
ثُمّ نَعودُ إلَى الكلامِ علىٰ ما ذَكَره صاحبُ الكتابِ.(3)
قالَ صاحبُ الكتابِ:
دليلٌ مِن القُرآنِ: قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» (1). في «ض، ي، ل، ن»: «فالمحفوظ».(2)فأخبَرَ بأنّ الصومَ المكتوبَ علينا نَظيرُ الصومِ المكتوبِ علىٰ مَنْ قَبلَنا، و قد عُلِمَ أنّه عَنىٰ بذلكَ أهلَ الكتابِ، و أنّهم لَم يُكلَّفوا في مَعرفةِ ما كُتِبَ عليهم مِن الصيامِ إلّا العَدَدَ و الحِسابَ، و قد بَيَّنَ اللّٰهُ تَعالىٰ ذلكَ بقَولِه في الآيةِ: «أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» .
و هذا نَصٌّ مِن الكتابِ في مَوضِعِ الخِلافِ، يَشهَدُ بأنّ فَرضَ الصيامِ المكتوبِ علينا أيّامٌ معدودةٌ، حَسَبَ ما اقتَضاه التشبيهُ بَينَ الصومَينِ، و ما فَسَّرَه بقَولِه: «أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» . فإذا وَجَبَ ذلكَ، فالمعدودُ(2) مِن العباداتِ محفوظٌ بعَدَدِه، محروسٌ بمعرفةِ كمّيّتِه، لا يَجوزُ عليه تغييرٌ(3)ما دامَ فَرضُه لازماً علىٰ وجهٍ.
فهذا هو الذي نَذهَبُ إليه في شهرِ رمضانَ مِن أنّ نيّةَ(1)مَعرفتِه بالعَدَدِ و الحِسابِ، و أنّه محصورٌ بعَدَدٍ سالِمٍ مِن الزيادةِ و النقصانِ، و لَولا ذلكَ لَم يَكُن لقَولِه تَعالىٰ: «أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» معنىً يُستَفادُ.
يُقالُ له: ما رأَينا أبعَدَ عن الصوابِ و مَوقِعِ الحُجّةِ مِن هذا الاستدلالِ؛ لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ إنّما جَمَعَ بَينَ ما كَتَبَه علينا مِن الصيامِ و بَينَ ما كَتَبَه على مَنْ كانَ قَبلَنا، و شَبَّهَ أحَدَهما بصاحبِه في صفةٍ واحدةٍ، و هي أنّ هذا مفروضٌ مكتوبٌ، كما أنّ ذاكَ مفروضٌ مكتوبٌ؛ فجَمَعَ [بَينَهما] في الإيجابِ و الإلزامِ، و لَم يَجمَعْ بَينَهما في كُلِّ الصفاتِ.
ألا تَرىٰ أنّ العَدَدَ فيما فُرِضَ علينا مِن الصيامِ و فيما فُرِضَ علَى اليهودِ و النصارىٰ مُختَلِفٌ غيرُ مُتَّفِقٍ؟ فكَيفَ يُدَّعىٰ أنّ الصفاتِ و الأحكامَ واحدةٌ؟
علىٰ أنّا لَو سَلَّمنا أنّ الآيةَ تَقتَضي التشبيهَ بَينَ الصومَينِ في كُلِّ الأحكامِ - و لَيسَ الأمرُ كذلكَ - لَم يَكُن لهُم في الآيةِ حُجّةٌ؛ لأنّا لا نَعلَمُ(2)أنّ فَرضَ اليهودِ و النصارىٰ في صَومِهم العَدَدُ دونَ الرؤيةِ، و اليهودُ يَختَلِفونَ في طريقِهم إلىٰ معرفةِ الشهورِ؛ فمنهم مَن يَذهَبُ إلىٰ أنّ الطريقَ هو الرؤيةُ، و آخَرونَ يَذهَبونَ إلَى العَدَدِ. و إذا لَم يَثبُتْ أنّ أهلَ الكتابِ كُلِّفوا في حِسابِ الشهورِ العَدَدَ دونَ الرؤيةِ، سَقَطَ ما بَنَوا الكلامَ عليه و تَلاشىٰ(3).
فأمّا قولُه تَعالىٰ: «أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» ، فلَم يُرِدْ به أنّ الطريقَ إلىٰ إثباتِ هذا الصيامِ
و تعيينِه هو العَدَدُ دونَ الرؤيةِ،(1)و إنّما أرادَ تَعالىٰ أحَدَ أمرَينِ:
إمّا أن يُريدَ ب «مَعْدُودٰاتٍ» محصوراتٍ مضبوطاتٍ، كما يَقولُ القائلُ: «أعطيتُه مالاً معدوداً»؛ يعني أنّه محصورٌ مضبوطٌ متعيِّنٌ، و قد يَنحصرُ الشيءُ و يَنضبطُ بالعَدَدِ و بغَيرِه، فهذا وجهٌ.
أو يُريدَ بقَولِه: «مَعْدُودٰاتٍ» أنّها قَلائلُ، كَما قالَ تَعالىٰ: «وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰاهِمَ مَعْدُودَةٍ» (2)يُريدُ أنّها قَليلةٌ.
و هذانِ(3)التأويلانِ جميعاً يَسوغانِ في قولِه تَعالىٰ: «وَ اُذْكُرُوا اَللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ» (4).
فأمّا قولُه: «إنّ المعدودَ مِن العباداتِ محفوظٌ بعَدَدِه، محروسٌ بمَعرفةِ كمّيّتِه، لا يَجوزُ عليه تغييرٌ(5)ما دامَ فَرضُه لازماً» فهو صَحيحٌ؛ لكِنّه لا يؤثِّرُ في مَوضِعِ الخِلافِ في هذه المسألةِ؛ لأنّ العَدَدَ(6)إذا كانَ محفوظاً بالعَدَدِ مضبوطَ الكمّيّةِ [فلَيسَ مَعناهُ] أنّ هذا المعدودَ المضبوطَ إنّما عُرِفَ مقدارُه و ضُبِطَ عَدَدُه لا مِن طريقِ الرؤيةِ، بَل مِن الطريقِ الذي يَدَّعيهِ أهلُ العَدَدِ؛ فلَيسَ في كَونِه مضبوطاً معروفَ العَدَدِ ما يَدُلُّ علَى الطريقِ الذي به عَرَفنا عَدَدَه و حَصَرناه، و لَيسَ بمُنكَرٍ أن تَكونَ الرؤيةُ هي الطريقَ إلىٰ مَعرفةِ حَصرِه و عَدَدِه.
ثُمّ مِن أينَ صِحّةُ قولِه: «و أنّه محصورٌ بعَدَدٍ سالِمٍ مِن الزيادةِ و النقصانِ»؟ فلَيسَ في قولِه تَعالىٰ: «أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» أنّها لا تَكونُ تارةً ناقصةً و تارةً زائدةً، بحَسَبِ ما تَدُلُّ عليه الرؤيةُ؛ و إنّما تَدُلُّ علىٰ أحَدِ الأمرَينِ اللذَينِ ذَكَرناهما: إمّا معنَى القِلّةِ، أو معنَى الضبطِ و الحَصرِ.
و لَيسَ في كَونِها مضبوطاتٍ محصوراتٍ ما يَدُلُّ علىٰ أنّها [لا] تَكونُ تارةً زائدةً و تارةً ناقصةَ العَدَدِ(1)بحَسَبِ الرؤيةِ و طلوعِ الأهِلّةِ.
فأمّا انتصابُ قولِه تَعالىٰ: «أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» ، فقَد قيلَ: إنّه علَى الظرفِ، كأنّه قيلَ: الصيامُ في أيّامٍ معدوداتٍ؛ كما يَقولُ القائلُ: أوجَبتَ علَيَّ الصيامَ أيّامَ حَياتي، و خُروجُ زَيدٍ يَومَ الخَميسِ.
و الوجهُ الثاني: أن يُعدَّى الصيامُ، كأنّه قالَ: كُتِبَ عليكم أن تَصوموا أيّاماً معدوداتٍ.
و وجهٌ ثالثٌ: أن يَكونَ تفسيراً عن «كَما»، و يَكونَ مردوداً علىٰ لفظةِ «كَما»، كأنّه قالَ: كُتِبَ عليكم الصيامُ(2)كتابةً كَما كُتِبَ علَى الذينَ مِن قَبلِكم، و فَسَّرَ فقالَ: و هذا المكتوبُ علىٰ غيرِكم أيّاماً معدوداتٍ.
و يَجوزُ أيضاً أن يَكونَ تفسيراً و تمييزاً للصومِ؛ فإنّ لفظةَ «الصومِ» مُجمَلةٌ و يَجوزُ أن تَتَناوَلَ(3)الأيّامَ و اللياليَ و الشهورَ، فيُميَّزُ بقَولِه تَعالىٰ: «أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» ، و يُبَيَّنُ أنّ هذا الصومَ واقعٌ في أيّامٍ.
و قالَ الفرّاءُ: هو مفعولُ ما لَم يُسَمَّ فاعلُه، كقَولِكَ: أُعطِيَ زَيداً المالُ.
و خالَفَه الزجّاجُ فقالَ: هذا لا يُشْبِهُ ما مَثَّلَ به؛ لأنّه لا يَجوزُ رَفعُ «الأيّامِ» فيَقولَ:
كُتِبَ عليكم الصيامَ أيّامٌ؛ كَما يَجوزُ رَفعُ المالِ فيَقولَ: أُعطِيَ زَيداً المالُ، فالأيّامُ لا تَكونُ إلّامنصوبةً علىٰ كُلِّ حالٍ.(1). في أكثر النسخ: - «معدودات».(2)
و ممّا يُمكِنُ أن يُقالَ هاهُنا في هذا البابِ ممّا لم نُسْبَقْ إليه: أن تُجعَلَ «أَيّٰاماً» منصوبةً بقَولِه: «تَتَّقُونَ» ، كأنّه قالَ: لَعلَّكم تَتَّقونَ أيّاماً معدوداتٍ(2)؛ أي تَحذَرونَها و تَخافونَ شَرَّها، و هذه الأيّامُ أيّامُ المُحاسَبةِ، و المُواقَفةِ(3)، و المُساءَلةِ، و دخولِ النارِ، و ما أشبَهَ ذلكَ مِن الأيّامِ المحذورةِ المرهوبةِ. و يَكونُ المعنىٰ: أنّ الصومَ إنّما كُتِبَ عليكم لتَحذَروا هذه [الأيّامَ] و تَخافوها، و تَتجَنَّبوا القَبائحَ و تَفعَلوا الواجبَ.
ثُمّ حَكىٰ صاحبُ الكتابِ عنّا ما لا نَقولُه و لا نَعتَمِدُه و لا نُسألُ عن مِثلِه، و هو:
«أنّ قولَه تَعالىٰ: «أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» إنّما أرادَ به: إن كانَ عَدَدُها»، و تَشاغَلَ بنَقضِ ذلكَ و إبطالِه، و إذا كُنّا لا نَعتَمِدُ ذلكَ و لا نَحتَجُّ به فقَد تَشاغَلَ بما لا طائلَ فيه.
و الذي نَقولُه في معنىٰ «مَعْدُودٰاتٍ» مِن الوجهَينِ ما ذَكَرناه فيما تَقدَّمَ و بيّنّاه، فلا معنىٰ للتشاغُلِ بغَيرِه.
قالَ صاحبُ الكتابِ:
دليلٌ آخَرُ مِن القُرآنِ، و هو قولُه - جَلَّ اسمُه -: «شَهْرُ رَمَضٰانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ هُدىً لِلنّٰاسِ وَ بَيِّنٰاتٍ مِنَ اَلْهُدىٰ وَ اَلْفُرْقٰانِ» - إلىٰ قولِه
تَعالىٰ: - «وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اَللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» .(1)في بعض النسخ: «لا تَعْتَريها».(2)فأبانَ تَعالىٰ في هذه الآيةِ أنّ شَهرَ رمضانَ عِدّةٌ يَجِبُ صيامُها علىٰ شَرطِ الكمالِ، و هذا قولُنا في شَهرِ الصيامِ: إنّه كاملٌ تامٌّ سالِمٌ مِن الاختلافِ، و إنّ أيّامَه عِدّةٌ محصورةٌ لا تَعتَرِضُها(2) زيادةٌ و لا نُقصانٌ. و لَيسَ كَما يَذهَبُ إليه أصحابُ الرؤيةِ؛ إذ كانوا يُجيزونَ نُقصانَه عن ثَلاثينَ، و عدمَ استحقاقِه لصِفةِ الكمالِ.
يُقالُ له: مِن أينَ ظَنَنتَ أنّ قولَه تَعالىٰ: «وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ» معناه: صوموا ثَلاثينَ يَوماً مِن غيرِ نُقصانٍ عنها؟
و ما أنكَرتَ أن يَكونَ قولُه: «وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ» معناه: صوموا العِدّةَ التي وَجَبَ عليكم صيامُها مِن الأيّامِ علَى التمامِ و الكمالِ؟ و قد يَجوزُ أن تَكونَ هذه العِدّةُ تارةً ثَلاثينَ، و تارةً تِسعةً و عِشرينَ يوماً؛ و مَن رأَى الهِلالَ، فقَد أكمَلَ العِدّةَ التي وَجَبَ عليه صيامُها، و ما نَقَصَ عنها شَيئاً.
أ لا تَرىٰ أنّ مَن نَذَرَ أن يَصومَ تِسعةً و عِشرينَ يَوماً مِن شَهرٍ ثُمّ صامَها، نَقولُ:
«إنّه قد أكمَلَ العِدّةَ التي وَجَبَت عليه و تَمَّمَها و استَوفاها»، و لَم يَصُمْ شَهراً عَدَدُه ثَلاثونَ يَوماً؟
ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ:
و قد عارَضَ بعضُهم في هذا الاستدلالِ، فقالَ: إنّ الشهرَ و إن نَقَصَ عَدَدُ أيّامِه عن ثَلاثينَ يَوماً، فإنّه يَستَحِقُّ مِن صفةِ الكمالِ ما يَستَحِقُّه إذا كانَ
ثَلاثينَ، و إنّ كُلَّ واحدٍ مِن الشهرَينِ المُختَلِفَينِ في العَدَدِ كاملٌ تامٌّ علىٰ كُلِّ حالٍ.
ثُمّ قالَ:
و هذا غيرُ صَحيحٍ؛ لأنّ «الكاملَ» و «الناقصَ» مِن أسماءِ الإضافاتِ، و هُما كالكبيرِ و الصغيرِ، و الكثيرِ و القليلِ؛ فكَما لا يُقالُ: «كبيرٌ» إلّالوجودِ صَغيرٍ، و لا «كثيرٌ» إلّالحصولِ قَليلٍ، فكذلكَ لا يُقالُ لشَهرٍ مِن الشهورِ:
«كاملٌ» إلّابَعدَ ثُبوتِ شَهرٍ ناقصٍ؛ فلَو استَحالَ تَسميةُ شَهرٍ بالنقصانِ، لَاستَحالَ لذلكَ تَسميةُ شَهرٍ آخَرَ بالتمامِ و الكمالِ. و هذا واضحٌ يَدُلُّ المُنْصِفَ علىٰ فَسادِ مُعارَضةِ الخُصومِ، و وجودِ كاملٍ و ناقصٍ في الشهورِ.
يُقالُ له: لَسنا نُنكِرُ أن يَكونَ في الشهورِ ما هو ناقصٌ و منها ما هو كاملٌ؛ لكِنَّ قولَنا: «ناقصٌ» يَحتَمِلُ أمرَينِ: أحَدُهما أن يُرادَ به النقصانُ في العَدَدِ، و يَحتَمِلُ أن يُرادَ به النقصانُ في الحُكمِ و أداءِ الفَرضِ.
فإذا سَأَلَنا سائلٌ عن شَهرَينِ: أحَدُهما عَدَدُه ثَلاثونَ يَوماً، و الآخَرُ عَدَدُه تِسعةٌ و عِشرونَ يَوماً، و قالَ: ما تَقولونَ أنّ الشهرَ الذي عَدَدُه تِسعةٌ و عِشرونَ يَوماً أنقَصُ مِن الذي عَدَدُه ثَلاثونَ يَوماً؟
فجوابُنا أن نَقولَ له: إن أرَدتَ بالنقصانِ(1)[النقصانَ] في العَدَدِ، فالقليلُ الأيّامِ ناقصٌ عن الذي زادَ عَدَدُه. و إن أرَدتَ النقصانَ في الحُكمِ و أداءِ الفَرضِ، فلا نَقولُ ذلكَ؛ بَل نَقولُ: إنّ مَن أدّىٰ ما عليه في الشهرِ القليلِ العَدَدِ، و صامَه كَمَلاً إلىٰ
1) . كذا في جميع النسخ.
آخِرِه، فقَد كَمَّلَ العِدّةَ التي وَجَبَت عليه، و نَقولُ: إنّ صَومَه كاملٌ تامٌّ لا نُقصانَ فيه، و إن كانَ عَدَدُ أيّامِه أقَلَّ مِن عَدَدِ أيّامِ الشهرِ الآخَرِ؛ فلَم نُنكِرْ كَما ظَنَنتَ أن يَكونَ شَهرٌ ناقصاً و شَهرٌ تامّاً، حتّىٰ نَحتاجَ إلىٰ أن نَقولَ: «إنّ هذا مِن ألفاظِ الإضافاتِ» و إنّما فَصَّلنا ذلكَ و قَسَّمناه و وَضَعناه في مَواضعِه.
ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ مِن بَعدِ ذلكَ:
ثُمّ يُقالُ لهُم: كَيفَ استَجَزتم القولَ بأنّ سائرَ الشهورِ كاملةٌ، مع إقرارِكم بأنّ فيها ما عَدَدُ أيّامِه ثَلاثونَ يَوماً، و فيها ما هو تِسعةٌ و عِشرونَ يَوماً، و لَيسَ في العَرَبِ أحَدٌ إذا سُئلَ عن الكاملِ مِن هذه الشهورِ، التَبَسَ عليه أنّه الذي عَدَدُه ثَلاثونَ؟
يُقالُ له: هذا ممّا قد بانَ جوابُه في كلامِنا الماضي، و جُملتُه: أنّنا لا نُنكِرُ أنّ الشهرَ الذي عَدَدُ أيّامِه تِسعةٌ و عِشرونَ يَوماً أنقَصُ عَدَداً مِن الذي عَدَدُه ثَلاثونَ يَوماً، و أنّ الذي عَدَدُه ثَلاثونَ أكمَلُ - مِن طريقِ العَدَدِ - مِن الذي هو تِسعةٌ و عِشرونَ.
و إنّما أنكَرنا أن يَكونَ أحَدُهما أكمَلَ مِن صاحبِه و أنقَصَ منه في بابِ الحُكمِ و أداءِ الفَرضِ؛ لأنّهما علَى الوجهِ الذي يُطابِقُ الأمرَ و الإيجابَ. و هذا ممّا لا يَشتَبِهُ علَى المُحصِّلينَ.
ثُمّ قالَ بَعدَ ذلكَ:
و قد قالَ بعضُ(1)حُذّاقِهم: إنّ قولَه تَعالىٰ: «وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ» إنّما أرادَ به
1) . كلمة «بعض» لم ترد في النسخ سوى «خ»، و لكن جواب المصنّف رحمه اللّٰه لهذا الكلام فيمايأتي بُعيدَ هذا، يدلّ علىٰ أنّ الصواب ما أثبتناه.
قَضاءَ الفائتِ علَى العليلِ و المُسافرِ؛ لأنّه ذَكَرَه بَعدَ قولِه: «فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ» .
ثُمّ قالَ:
يُقالُ لهُم: لَو كانَ الأمرُ علىٰ ما ظَنَنتموه، لَكانَ قاضي ما فاتَه في عِلّةٍ أو سَفَرٍ مندوباً إلَى التكبيرِ عَقيبَ القضاءِ؛ لقَولِ اللّٰهِ تَعالىٰ: «وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اَللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ» . و قد أجمَعَت الأُمّةُ علىٰ أنّه لا تكبيرَ عليه فَرضاً و لا سُنّةً، و إنّما هو مندوبٌ إليه عَقيبَ انقضاءِ شَهرِ رمضانَ ليلةَ الفِطرِ مِن شَوّالٍ.
فعُلِمَ بما ذَكَرنا سُقوطُ هذه المُعارَضةِ، و صِحّةُ ما ذَهَبنا إليه في معنَى الآيةِ، و أنّ كمالَ العِدّةِ يُرادُ به نفسُ شَهرِ الصيامِ، و إيرادُه علَى التمامِ.
يُقالُ له: قد بيّنّا أنّ أمرَه تَعالىٰ بإكمالِ العِدّةِ لَيسَ المُرادُ به: صوموا ثَلاثينَ علىٰ كُلِّ حالٍ؛ و إنّما يُرادُ به: صوموا ما وَجَبَ عليكم صيامُه، و اقتَضَت الرؤيةُ(1)أو العَدَدُ الذي يَصيرُ(2)إليه بَعدَ الرؤيةِ، و أكمِلوا ذلكَ و استَوْفُوه. فمَن صامَ تِسعةً و عِشرينَ يَوماً وَجَبَ عليه لموجَبِ الرؤيةِ، كمَن صامَ ثَلاثينَ يَوماً وَجَبَ عليه برؤيةٍ أو عَدَدٍ عندَ عدمِ الرؤيةِ؛ لأنّهما قد أكمَلا العِدّةَ و تَمَّماها.
و إذا كانَ الأمرُ علىٰ ما ذَكَرناه، فلا حاجةَ بنا إلىٰ أن نَجعَلَ قولَه: «وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ» مخصوصاً بقَضاءِ الفائتِ علَى العليلِ و المُسافرِ.
و لَو قالَ صاحبُ الكتابِ في جوابِ ما حَكاه - مِن أنّ بعضَ حُذّاقِهم قالَ: إنّ
إكمالَ العِدّةِ إنّما أُمرَ به العليلُ و المسافرُ(1)-: «إنّ هذا تخصيصٌ للعمومِ بغَيرِ دليلٍ»، لَكانَ أجوَدَ ممّا عَوَّلَ عليه؛ لأنّ قولَه تَعالىٰ: «وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ» عامٌّ في قَضاءِ الفائتِ مِن شَهرِ رمضانَ و في استيفاءِ العَدَدِ و تكميلِه(2)و إذا صَرَفَه صارفٌ إلىٰ مَوضِعٍ دونَ آخَرَ، كانَ مُخصِّصاً بغَيرِ دليلٍ.
فأمّا قولُه: إنّ مندوبيّةَ(3)التكبيرِ إنّما هو عَقيبَ انقضاءِ شَهرِ رمضانَ ليلةَ الفِطرِ، ولَيسَ علىٰ قاضي ما فاتَه في عِلّةٍ أو سَفَرٍ تكبيرٌ، و لا هو مندوبٌ إليه.
فغَلَطٌ منه؛ لأنّ التكبيرَ و ذِكرَ اللّٰهِ تَعالىٰ و شُكرَه علىٰ نِعَمِه مندوبٌ إليه في كُلِّ وقتٍ و علىٰ كُلِّ حالٍ، و عَقيبَ كُلِّ أداءِ العبادةِ أو قَضائها، فكَيفَ يَدَّعي أنّه غيرُ مندوبٍ إليه إلّاعَقيبَ انقضاءِ شَهرِ رمضانَ؟
ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ:
دليلٌ(4)مِن جهةِ الأثرِ: و هو ما رَوَى الشيخُ أبو جعفرٍ محمّدُ بن عليِّ بنِ بابَوَيهِ القُمّيّ رَحِمَه اللّٰهُ في رسالتِه إلىٰ حَمّادِ بنِ عليٍّ الفارِسيِّ في الردِّ علَى الجُنَيديّةِ(5)، و ذَكَرَ بإسنادِه عن مُحمّدِ بنِ يعقوبَ بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه،
1) . في بعض النسخ: «أو المسافر».
2) . هذا بحسب رأي صاحب الكتاب.
3) . في جميع النسخ سوى «خ»: «نيّة» بدل «مندوبيّة».
4) . في جميع النسخ سوى «خ»: + «دليل».
5) . هذه الرسالة مفقودة. و لعلّها نفس رسالته إلىٰ أبي محمّد الفارسي في شهر رمضان التي ذكرهاالنجاشي في ضمن مؤلّفات الشيخ الصدوق (فهرست النجاشي، ص 39). نعم لقد استظهر المحقّق الطهراني أن تكون غيرها (الذريعة، ج 11، ص 108)، ولكن لم يتّضح لنا الوجه في ذلك.
عن أبي عبدِ اللّٰهِ - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه - قالَ: قُلتُ له: إنّ الناسَ يَروونَ أنّ رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه صامَ(1)شَهرَ رمضانَ تِسعةً و عِشرينَ يَوماً أكثَرَ ممّا صامَ ثَلاثينَ، فقالَ: «كَذَبوا، ما صامَ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إلّاتامّاً(2)، و لا تَكونُ الفَرائضُ ناقصةً، إنّ اللّٰهَ تَعالىٰ خَلَقَ السَّنةَ ثَلاثَمِائةٍ و سِتّينَ يَوماً، و خَلَقَ السماواتِ و الأرضَ في سِتّةِ أيّامٍ يَحجُزُها مِن ثَلاثِمِائةٍ و سِتّينَ يَوماً، فالسَّنةُ ثَلاثُمِائةٍ و أربَعةٌ و خَمسونَ يَوماً، و شَهرُ رمضانَ ثَلاثونَ يَوماً؛ لقَولِ اللّٰهِ تَعالىٰ: «وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ» ، و الكاملُ تامٌّ، و شوّالٌ تِسعةٌ و عِشرونَ يَوماً، و ذو القَعدةِ ثَلاثونَ يَوماً؛ لقَولِ اللّٰهِ تَعالىٰ: «وَ وٰاعَدْنٰا مُوسىٰ ثَلاٰثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنٰاهٰا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقٰاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (3)، و الشهرُ هكذا أبداً؛ شهرٌ تامٌّ و شهرٌ ناقصٌ. و شهرُ رمضانَ لا يَنقُصُ أبداً، و شَعبانُ لا يَتِمُّ أبداً».(4)
و هذا الخبرُ يُغني عن إيرادِ غيرِه مِن الأخبارِ؛ لِما يَتضمَّنُه مِن النصِّ الصريحِ علىٰ صِحّةِ المَذهبِ، و يَحويهِ مِن البيانِ.
قالَ الشريفُ المُرتَضىٰ - رَضيَ اللّٰهُ عنه -:
يُقالُ له: أمّا هذا الخبرُ فكأنّه موضوعٌ و مُرتَّبٌ علىٰ مَذهبِ أصحابِ العَدَدِ؛ لأنّه علىٰ ترتيبِ مَذهبِهم، و قد احتُرسَ فيه مِن المَطاعنِ، و استُعمِلَ مِن الألفاظِ ما لا يَدخُلُه الاحتمالُ و التأويلُ، و لا حُجّةَ في هذا الخبرِ و لا في أمثالِه علىٰ كُلِّ حالٍ.
و قد بيّنّا في مَواضعَ كَثيرةٍ مِن كُتُبِنا أنّ خبرَ الواحدِ لا يوجِبُ العِلمَ، و لا يُقطَعُ علىٰ صِحّتِه و إن رَواه العُدولُ الثقاتُ، كأنّ العِلمَ به لا يَجوزُ(1)لأنّا لا نأمَنُ فيما نُقدِمُ عليه مِن الحُكمِ الذي تَضمَّنَه أن يَكونَ مَفسَدةً، و لا نَقطَعُ علىٰ أنّه مَصلَحةٌ، و الإقدامُ علىٰ مِثلِ ذلكَ قَبيحٌ، حتّىٰ إنّ مِن أصحابِنا مَن يَزيدُ علىٰ ذلكَ و يَقولُ: إنّ أخبارَ الآحادِ لا يَجوزُ العملُ بها، و لا التعبُّدُ بأحكامِها مِن طريقِ العقولِ.(2)
و قد بيّنّا في مَواضعَ كثيرةٍ أنّ المَذهبَ الصحيحَ هو تجويزُ ورودِ العبادةِ بالعملِ بأخبارِ الآحادِ مِن طريقِ العقولِ؛ لكِنّ ذلكَ ما وَرَدَ، و لا تُعُبِّدنا بها؛ فنَحنُ لا نَعمَلُ بها؛ لأنّ التعبُّدَ بها مفقودٌ و إن كانَ جائزاً.
فإن قيلَ: كَيفَ تُجيزونَ العملَ بها مِن طريقِ العقولِ و ورودِ العبادةِ بذلكَ، مع ما ذَكَرتموه مِن أنّه لا يُؤْمَنُ في الإقدامِ عليها أن يَكونَ مَفسَدةً؛ لأنّ الذي يُؤمِنُ ذلكَ القطعُ علىٰ صِدقِ رُواتِها، و لا قَطعَ إلّامع العِلمِ، و الظنُّ لا قَطعَ معه؟
قُلنا: إذا فَرَضنا ورودَ العبادةِ بالعملِ بأخبارِ الآحادِ، أَمِنّا أن يَكونَ الإقدامُ عليها مَفسَدةً؛ لأنّه لَو كانَ مَفسَدةً أو قَبيحاً لَما وَرَدَت العبادةُ به(3)مِن الحكيمِ تَعالىٰ بالعملِ بها، فصارَ دليلاً علَى العملِ بها، يُقطَعُ معه علىٰ أنّ العملَ مَصلَحةٌ و لَيسَ بمَفسَدةٍ، كما يُقطَعُ علىٰ ذلكَ مع العِلمِ بصِدقِ الراوي.
و إذا لَم تَرِدِ العبادةُ بالعملِ بأخبارِ الآحادِ و جَوَّزنا كَذِب الراوي، فالتجويزُ لكَونِ العملِ بقَولِه مَفسَدةً ثابتٌ، و مع هذا التجويزِ لا يَجوزُ الإقدامُ علَى الفعلِ؛ لأنّا
لا نأمَنُ كَونَه مَفسَدةً. فصارَت هذه الأخبارُ التي تُروىٰ في هذا البابِ غيرَ حُجّةٍ، و ما لَيسَ كذلكَ لا يُعمَلُ به و لا يُلتَفَتُ إليه.
قالَ صاحبُ الكتابِ:
دليلٌ آخَرُ: و هو أنّ مَشايخَ العِصابةِ و أُمناءَ الطائفةِ قد رَوَوا أخبارَ العَدَدِ كما رَوَوا أخبارَ الرؤيةِ، و قد عَلِمنا أنّ الأئمّةَ عليهم السلامُ كانوا في زمانِ تقيّةٍ، و لَم يَكُن أحَدٌ مِن المُتغلِّبينَ في أيّامِهم و لا مِن العامّةِ في وقتِهم يَقولُ بالعَدَدِ فيُخَوِّفَه(1)، و في عِلمِنا بخِلافِ ذلكَ دلالةٌ علىٰ أنّ أخبارَ الرؤيةِ أَولىٰ بالتقيّةِ.
يُقالُ له: هذا منكَ كلامٌ علىٰ مَن يَحتَجُّ في إثباتِ الرؤيةِ بأخبارِ الآحادِ المَرويّةِ، و نَحنُ لا نَحتَجُّ بشَيءٍ مِن ذلكَ، و لا نُعَوِّلُ إلّاعلىٰ طُرُقٍ مِن الأدلّةِ توجِبُ العِلمَ و يَزولُ معها الشكُّ و الريبُ، و قد تَقدَّمَ في صَدرِ كتابِنا هذا ما يَجِبُ أن يُعَوَّلَ عليه.
فأمّا ترجيحُ أخبارِ العَدَدِ علىٰ أخبارِ الرؤيةِ بذِكرِ الرؤيةِ [في أقوالِ العامّةِ]، فهو و إن كانَ كلاماً علىٰ غيرِنا ممّن يُعَوِّلُ علىٰ أخبارِ الآحادِ في إثباتِ العملِ بالرؤيةِ، فهو أيضاً غيرُ مُعتَمَدٍ؛ لأنّ أكثَرَ ما في هذا الترجيحِ الذي ذَكَرَه أن تَكونَ أخبارُ العَدَدِ الظنُّ فيها أقوىٰ منه في أخبارِ الرؤيةِ، و مع الظنِّ التجويزُ قائمٌ، و العِلمُ القاطعُ غيرُ حاصلٍ، و العملُ مع ذلكَ لا يَسوغُ؛ لأنّ العملَ إنّما يَحسُنُ مع القطعِ لا مع قُوّةِ الظنِّ.
قالَ صاحبُ الكتابِ:
و يَزيدُ ذلكَ بياناً: ما رُويَ عن الصادقِ صَلَواتُ اللّٰهِ عليه أنّه قالَ: «إذا
1) . هكذا في «خ». و في «م»: «فيفوته». و في سائر النسخ: «فينفونه».
أتاكم عنّا حديثانِ، فحَدِّثوا(1)بأبعَدِهما مِن أقوالِ العامّةِ». و في إجماعِ العامّةِ علَى القولِ بالرؤيةِ - مع ورودِ هذه الأخبارِ عن الأئمّةِ صَلَواتُ اللّٰهِ عليهم - دَلالةٌ واضحةٌ علىٰ وجوبِ الأخذِ بالعَدَدِ، و أنّه الأصلُ الذي عليه المُعوَّلُ.
يُقالُ له: و مِن أين عُلِمَ صِحّةُ هذا الخبرِ المَرويِّ عن الصادقِ عليه السلامُ حتّىٰ جَعَلتَه أصلاً، و عَوَّلتَ عليه في العملِ بالأخبارِ المَرويّةِ، و ترجيحِ بعضِها علىٰ بعضٍ؟ أَ وَ لَيسَ هذا الخبرُ مِن أخبارِ الآحادِ؟ نَعني بقَولِنا: «إنّه مِن أخبارِ الآحادِ» أنّه لا يوجِبُ عِلماً، و لا يَنفي تَجوُّزاً(2)، و إن كانَ رَواه أكثَرُ مِن واحدٍ.
فكَيفَ نُعوِّلُ في أخبارِ الآحادِ و ترجيحِ بعضِها علىٰ بعضٍ علىٰ خبرٍ هو مِن جُملةِ أخبارِ الآحادِ؟! و هذا يُعوِّلُ عليه مِن أصحابِنا مَن لا يَعرِفُ ما نَقولُه و نأتيهِ و نَذَرُه.
ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ:
استدلالٌ مِن طريقِ القياسِ: و ممّا يَدُلُّ علىٰ ما نَذهَبُ إليه في شهرِ رمضانَ أنّا وَجَدنا صيامَه أحَدَ فَرائضِ الإسلامِ، فوَجَبَ أن يَكونَ مِن فَرضِه سَلامةُ أيّامِه مِن الزيادةِ و النقصانِ؛ قياساً علَى الصلَواتِ الخَمسِ التي لا يَجوزُ كَونُها مَرّةً أربَعاً(3)و مَرّةً سِتّاً؛ و علَى الزكاةِ أيضاً؛ لفَسادِ إخراجِ أربَعةٍ مِن المِائتَينِ [مَرّةً] و خَمسةٍ مَرّةً أُخرىٰ.
فعُلِمَ بهذا الاعتبارِ أنّ شَهرَ رمضانَ لا يَجوزُ عليه زيادةٌ و لا نُقصانٌ.
يُقالُ له: إذا كانَ القياسُ عندَكَ باطلاً و عندَ أصحابِكَ، فكَيفَ - و لا خِلافَ بَينَهم - تَحتَجُّ بما لَيسَ بحُجّةٍ عندَكَ؟ و كَيفَ تَثبُتُ الأحكامُ الشرعيّةُ بما لَيسَ بدليلٍ؟
فإن قالَ ما قد قاله بُعَيدَ هذا المَوضِعِ:
نُنكِرُ مِن القياسِ ما خالَفَ النصوصَ، و قياسُنا هذا يَعضُدُه النصُّ الواردُ في القُرآنِ، و الأخبارُ تَدُلُّ علىٰ صِحّتِه و استمرارِه علىٰ أصلِه.
قيلَ له: هذا مُخالِفٌ لما يَقولُه أصحابُكَ المُتقدِّمونَ و المُتأخِّرونَ؛ لأنّ القياسَ عندَهم باطلٌ، لا يَجوزُ اعتمادُه فيما وافَقَ النصوصَ و لا فيما خالَفَها، و لا هو حُجّةٌ في شَيءٍ مِن الأحكامِ علىٰ وجهٍ، و لا سببٍ.
و إذا كانَت النصوصُ تَدُلُّ علَى الحُكمِ، أيُّ حاجةٍ بنا إلَى استعمالِ القياسِ في ذلكَ الحُكمِ، و قد عَرَفناه مِن طريقِ النصوصِ؟ فوجودُ القياسِ هاهُنا كعدمِه؛ و إذا كُنّا نَستَغني بالنصِّ الواردِ في الحُكمِ عن نَصٍّ آخَرَ، و إن كانَ الثاني حُجّةً دالّاً علَى الحُكمِ، [فهاهُنا أولىٰ].
علىٰ أنّ القياسَ الذي استَعمَلتَه - و لَيسَ لكَ استعمالُه - باطلٌ غيرُ صحيحٍ في نفسِه؛ لأنّ الأصلَ الذي قِستَ عليه - و هو الصلَواتُ - يَجوزُ اختلافُ العبادةِ فيها علَى المُكلَّفينَ بالزيادةِ و النقصانِ.
أ لا تَرىٰ أنّ مَن دَخَلَ في صَلاةِ الظهرِ لا يَعلَمُ أنّه يَبقىٰ حتّىٰ يُصلّيَ الركَعاتِ الأربَعَ، و أنّه [لا] يَجوزُ عليه الاخترامُ قَبلَ التمامِ، و إنّما يَعلَمُ أنّه مُكلَّفٌ بالأربَعِ إذا فَرَغَ منها و جاوَزَها؟
و قد يَجوزُ أن يُبقِيَ اللّٰهُ سُبحانَه بعضَ المُكلَّفينَ صَحيحاً سَليماً إلىٰ أن يُصلّيَ
الأربَعَ، و قد يَجوزُ أن يَختَرِمَه و قد فَرَغَ مِن واحدةٍ أو اثنَتَينِ أو ثَلاثٍ؛ فيُعلَمُ أنّ الذي دَخَلَ في تكليفِه نَقَصَ الفَراغُ منه، و ما اقتُطِعَ دونَه مِن الركَعاتِ فلَيسَ بداخلٍ في تكليفِه؛ فقَد اختَلَفَ الفرضُ كَما تَرىٰ، و صارَ فَرضُ بعضِ المُكلَّفينَ في الصلَواتِ زائداً و بعضِهم ناقصاً، و جَرىٰ ذلكَ مَجرىٰ شَهرِ رمضانَ، فإنّه يَلحَقُه الزيادةُ و النقصانُ؛ فيَجِبُ علىٰ مَن رأَى الهِلالَ ليلةَ الثلاثينَ أن يُفطِرَ، و يَكونُ فَرضُه تِسعةً و عِشرينَ يَوماً؛ و يَكونُ [فَرضُ] مَن لَم يَرَه و لا شَهِدَ عندَه به مَن يَجِبُ العملُ بقَولِه أن يَصومَ ثَلاثينَ، فيَختَلِفُ فَرضاهما. و يَجِبُ أيضاً علَى الجميعِ إذا غُمَّ عليهم ليلةَ الثلاثينَ أن يَصوموا شَهراً علَى التمامِ؛ و يَجِبُ عليهم إذا رأَوه ليلةَ الثلاثينَ أن يُفطِروا، فيَختَلِفُ التكليفانِ باختلافِ الأحوالِ.
و علىٰ هذا تَختَلِفُ أحوالُ التكليفِ في الصيامِ؛ فإنّ مَن اختُرِمَ في أيّامٍ مِن شَهرِ رمضانَ، فتكليفُه ما صامَه مِن الأيّامِ، و عَلِمنا بالاخترامِ أنّ صيامَ باقي الشهرِ لَم يَكُن في تكليفِه، و مَن بَقيَ إلىٰ آخِرِ الشهرِ قَطَعنا علىٰ أنّه مُكلَّفٌ بصيامِ جميعِ الشهرِ.
و هذا إنّما يَخفىٰ علىٰ مَن لَم يَعرِفْ كَيفَ الطريقُ إلَى العِلمِ بدخولِ بعضِ الأفعالِ في التكليفِ، و هَل يَسبِقُ ذلكَ وقوعَ الفعلِ أو يَتأخَّرُ عنه؟
قالَ صاحبُ الكتابِ:
استدلالٌ آخَرُ: و هو أنّ جميعَ الفَرائضِ يَعلَمُ المُكلَّفُ أوقاتَها قَبلَ حُلولِها، و يَعلَمُ أوائلَها قَبلَ دخولِه فيها، و كذلكَ يَعلَمُ أواخِرَها قَبلَ تَقضّيها.
أ لا تَرىٰ أنّه لا شَيءَ مِن الصلَواتِ و طَهورِها و الزكَواتِ و شَرائطِها و
فَرائضِ الحَجِّ و العُمرةِ و مَناسِكِها إلّاو هذه صِفتُه و حُكمُه؟ فعَلِمنا أنّ شَهرَ رمضانَ كذلكَ إذا كانَ أحَدَ الفَرائضِ، يَجِبُ أن يُعلَمَ أوّلُه قَبلَ دخولِ التكليفِ فيه و آخِرُه قَبلَ تَقضّيه، و هذا لا يُقدَرُ عليه إلّابالعَدَدِ دونَ الرؤيةِ؛ فعُلِمَ أنّ العَدَدَ هو الأصلُ.
يُقالُ له: إن أرَدتَ بكلامِكَ هذا أنّ جميعَ الفَرائضِ لابُدَّ أن يَعلَمَ المُكلَّفُ أوقاتَها قَبلَ دخولِه فيها و أوائلَها و أواخِرَها، و أنّه لا بُدَّ أن يَعلَمَ ذلكَ علَى الجُملةِ، و يَكونَ مُميِّزاً للأوّلِ و الآخِرِ بالصفاتِ التي أورَدَتها الشريعةُ، مِن غيرِ أن يَعلَمَ أنّه في نفسِه لا يَكونُ داخلاً في تكليفِ الأوّلِ و الآخِرِ(1)، فالأمرُ علىٰ ما ذَكرتَ.
و إن أرَدتَ أنّه لابُدَّ أن يَعلَمَ قَبلَ الدخولِ فيها أنّه مُكلَّفٌ لأوّلِها و آخِرِها [و أنّه دَخَلَ] في تكليفِ الآخِرِ كما دَخَلَ في تكليفِ الأوّلِ، فقَد بيّنّا أنّ الأمرَ بخِلافِ ذلكَ،(2)و أنّ المُكلَّفَ لا يَعلَمُ أنّه مُكلَّفٌ للآخِرِ و لا كُلِّ جُزءٍ مِن العباداتِ إلّابَعدَ قَطعِه و تَجاوُزِه.
فإن قيلَ: [لا] يَعلَمُ المُكلَّفُ علىٰ مَذهبِكم قَبلَ دخولِ شَهرِ رمضانَ أوّلَ هذه العبادةِ وآخِرَها؟
قُلنا: يَعلَمُ أوّلَ هذه العبادةِ بأن يُشاهِدَ الهِلالَ ليلةَ الشهرِ، أو يُخبِرَه مَن يَجِبُ عليه قبولُ خبرِه برؤيتِه، فيَعلَمُ بذلكَ أنّه أوّلُ هذه العبادةِ قَبلَ دخولِه فيها.
فأمّا آخِرُها، فيَعلَمُه أيضاً قَبلَ الوصولِ إليه، بأن يُشاهِدَ الهِلالَ ليلةَ الثلاثينَ، أو يُخبِرَه عن مُشاهَدتِه مَن يَلزَمُه العملُ بخبرِه، أو بأن يَفقِدَ الرؤيةَ مع الطلبِ و الخبرِ
عنها، فيَلزَمُه حينئذٍ أن يَصومَ الثلاثينَ؛ فقَد صارَ أوّلُ شَهرِ رمضانَ و آخِرُه مُتميِّزَينِ عندَ أصحابِ الرؤيةِ، كَما تَميَّزا عندَ أصحابِ العَدَدِ.
فإن قيلَ: التمييزُ عندَ أصحابِ العَدَدِ واضحٌ؛ لأنّهم يُعوِّلونَ علىٰ شَيءٍ واحدٍ في أوّلِ الشهرِ و آخِرِه، و هو العَدَدُ دونَ انتقالٍ مِن غيرِه إليه، و أصحابُ الرؤيةِ يُعوِّلونَ علَى الرؤيةِ التي يُجوِّزونَ أن تَحصُلَ و أن لا تَحصُلَ، ثُمّ يَنتَقِلونَ إذا لَم تَحصُلْ إلَى العَدَدِ.
قُلنا: و أيُّ فَرقٍ بَينَ(1)تمييزِ العبادةِ و تعيينِها بَينَ أن تَتميَّزَ بأمرٍ واحدٍ لا يُنتَقَلُ منه إلىٰ غيرِه و لا يَختَلِفُ حُكمُه و بَينَ أن تَتميَّزَ بأمرٍ يُتقدَّرُ حُصولُه و يُتوقَّعُ كَونُه؛ فإن وَقَعَ تَميَّزَ به، و إن لَم يَقَعْ وَقَعَ الانتقالُ إلىٰ أمرٍ آخَرَ؟ و أكثَرُ الشريعةِ علىٰ ما ذَكَرناه، و أنّها تَتميَّزُ بأوصافٍ مُختَلِفةٍ و شُروطٍ مُتعاقِبةٍ مُترتِّبةٍ.
أَ وَ لا تَرىٰ أنّ العِدّةَ في الطلاقِ قد تَختَلِفُ علَى المرأةِ، فتَعتَدُّ تارةً بالشهورِ، و تارةً بالأقراءِ، فتَنتَقِلُ العِدّةُ بالمُعتَدّةِ الواحدةِ مِن شُهورٍ إلىٰ أقراءٍ، و مِن أقراءٍ إلىٰ شُهورٍ، فتَختَلِفُ العادةُ؟ و هذا الاختلافُ كاختلافِ الشروطِ و الصفاتِ فيها.
قالَ صاحبُ الكتابِ:
أخبِرونا عمّن طَلَبَ أوّلَ شَهرِ رمضانَ إذا رَقَبَ الهِلالَ فرآه، لا يَخلو أمرُه مِن إحدىٰ ثَلاثِ خِصالٍ:
إمّا أن يَعتَقِدَ برؤيتِه أنّه قد أدرَكَ مَعرِفةَ أوّلِه لأهلِ الإسلامِ، حتّىٰ لا يُجيزَ وُرودَ الخبرِ برؤيتِه قَبلَ ذلكَ في بعضِ البلادِ.
1) . كذا، و الأنسب: «في» بدل «بين».
أو يَعتَقِدَ أنّه أوّلُ الشهرِ عندَه؛ لأنّه رآه، و يُجيزَ رؤيةَ غيرِه له مِن قَبلُ و استتارَه عنه في الحالِ، لكِنّه لا يَلتَفِتُ إلىٰ هذا الجوازِ، و لا يُعوِّلُ إلّاعلىٰ ما أدرَكَه و رآه.
أو لا يَعتَقِدَ ذلكَ و يَقِفَ مُجوِّزاً غيرَ قاطعٍ؛ لإمكانِ ورودِ الخبرِ الصادقِ بظُهورِه لغَيرِه قَبلَ تلكَ الليلةِ في إحدَى الجِهاتِ.
فعَلىٰ أيِّ هذه الأقسامِ يَكونُ تعويلُ المُكلَّفِ في رؤيةِ الهِلالِ؟
فإن قالوا: «علَى القِسمِ الأوّلِ، و هو القَطعُ و تَركُ التجويزِ مع المُشاهَدةِ؛ ليَصِحَّ الاعتقادُ» أوجَبوا علَى المُكلَّفِ اعتقادَ أمرٍ(1)يَجوزُ عندَ العقلاءِ خِلافُه، و ألزَموه تَركَ ما يَشهَدُ به الامتحانُ و العادةُ بتجويزِه؛ لأنّ اللَّبْسَ مُرتفِعٌ عن ذَوي التحصيلِ في اختلافِ أسبابِ المَناظِرِ، و جوازِ تخصيصِ العَوارضِ و المَوانعِ.
ثُمّ ما رَوَوه مِن وجوبِ صَومِ الشكِّ - حِذاراً مِن ورودِ الخبرِ برؤيةِ الهِلالِ - يَدُلُّ علىٰ بُطلانِ ذلكَ.
و إن قالوا: «يَعتَمِدُ علَى القِسمِ الثاني، فيَعتَقِدُ أنّه أوّلُ الشهرِ؛ لِما دَلَّته عليه المُشاهَدةُ، و لا يَكتَرِثُ لِما سِوىٰ ذلكَ مِن الأُمورِ المُجوَّزةِ»، أجازوا اختلافَ أوّلِ شَهرِ رمضانَ؛ لجوازِ اختلافِ رؤيةِ الهِلالِ، و أحَلّوا لبعضِ الناسِ الإفطارَ في يَومٍ أوجَبوا علىٰ غيرِهم فيه الصيامَ، و لَزِمَهم في آخِرِ الشهرِ نَظيرُ ما التَزَموه في أوّلِه مِن غيرِ انفصالٍ.
و هذا يَؤولُ إلىٰ نُقصانِه عندَ قومٍ، و كَونِه عندَ قومٍ علَى التمامِ.
1) . في «خ»: + «آخر».
و فيه أيضاً بُطلانُ التواريخِ و فَسادُ الأعيادِ.
و فيه: أنّ المعلومَ مِن حقيقةِ الشهرِ عندَ اللّٰهِ سُبحانَه غيرُ معلومٍ لسائرِ العبادِ، مع عمومِ التكليفِ لهُم بصَومِه علَى الكمالِ!
و هو خِلافُ ما أجمَعَت عليه الشيعةُ في الردِّ علىٰ أصحابِ القياسِ مِن بُطلانِ تحليلِ شَيءٍ لقومٍ(1)و تحريمِه علىٰ غيرِهم مِن الناسِ.(2)
و هو أيضاً يُضادُّ ما يَروونَه مِن صَومِ يَومِ الشكِّ علىٰ سَبيلِ الاستظهارِ.(3)
و ظهورُ بُطلانِ هذا القِسمِ يُغني عن الإطالةِ فيه و الإكثارِ.
و إن قالوا: «الواجبُ علَى العبدِ إذا رأَى الهِلالَ أن لا يُبادِرَ بالقَطعِ و البَتاتِ، و أن يَتوقَّفَ مُجوِّزاً لورودِ أخبارِ البلادِ بما يَصِحُّ معه الاعتقادُ»، كانَ هذا أبعَدَ(4)عن الصوابِ و أَولىٰ بالفَسادِ، و هو مُسقِطٌ عن كافّةِ الأُمّةِ اعتقادَ أوّلِ شَهرِ رمضانَ إلىٰ أن تَتَّصِلَ بهِم أخبارُ البلادِ.
و كَيفَ السبيلُ لِمَن لَم يَرَ الهِلالَ إلَى العِلمِ بأنّه قد رُئيَ في بعضِ الجِهاتِ، فَيُبيِّتَ(5)له النيّةَ في فَرضِ الصيامِ؟ بَل كَيفَ يَصنَعُ مَن رآه إذا اتَّصَلَ به أنّه ظَهَرَ قَبلَ تلكَ الليلةِ للناسِ؟ و متىٰ يَستَدرِكُ النيّةَ و الاعتقادَ في أمرٍ قد فاتَ؟
ثُمّ قالَ:
و اعلَمْ أنّ إيجابَهم لصَومِ يَومِ الشكِّ لا يُسقِطُ ما لَزِمَهم في هذا الكلامِ؛ لأ نّا سأَلناهم عن النيّةِ و الاعتقادِ، و لَيسَ يُمكِنُهم القولُ بأنّ يَومَ الشكِّ مِن شَهرِ رمضانَ، و لا يَجِبُ علىٰ مَن أفطَرَه ما يَجِبُ علىٰ مَن أفطَرَ يَوماً فُرِضَ عليه فيه الصيامُ، و الشكُّ فيه يَمنَعُ مِن النيّةِ علىٰ كُلِّ حالٍ.
يُقالُ له: القِسمُ الثاني مِن أقسامِكَ التي ذَكَرتَها هو الصحيحُ المُعتَمَدُ، و ما رأَيناكَ أبطَلتَ هذا القِسمَ إلّابما [لا] طائلَ فيه؛ لأنّكَ قُلتَ: «إنّه يَلزَمُ علَى اختلافِ أوّلِ شَهرِ رمضانَ - لجوازِ اختلافِ رؤيةِ الهِلالِ - أن يَحِلَّ لبعضِ الناسِ الإفطارُ في يَومٍ يَجِبُ علىٰ غيرِهم فيه الصيامُ، و إنّه يَلزَمُ في آخِرِ الشهرِ نَظيرُ ما لَزِمَ في أوّلِه؛ و هذا يَؤولُ إلىٰ نُقصانِه عندَ قومٍ، و كَونِه عندَ غيرِهم علَى التمامِ».
و هذا الذي ذَكرتَه كُلَّه - و قُلتَ: إنّه لازمٌ لهُم - صَحيحٌ، و نَحنُ نَلتَزِمُ ذلكَ، وهو مَذهبُنا. و أيُّ شَيءٍ يَمنَعُ مِن اختلافِ العباداتِ لِاختلافِ أسبابِها و شُروطِها، و أن يَلزَمَ بعضَ المُكلَّفينَ مِن العبادةِ ما لا يَلزَمُ غيرَه، فتَختَلِفَ أحوالُهم باختلافِ أسبابِهم؟
و مَن الذي يَدفَعُ هذا و يُنكِرُه، و الشريعةُ مَبنيّةٌ عليه؟ أ لا تَرىٰ أنّ مَن وَجَبَت عليه بعضُ الصلَواتِ و اجتَهَدَ في جِهةِ القِبلةِ فغَلَبَ في ظَنِّه - بقُوّةِ بعضِ الأماراتِ - أنّها في جِهةٍ مخصوصةٍ، فإنّه تَجِبُ عليه الصلاةُ إلىٰ تلكَ الجِهةِ، و إذا اجتَهَدَ مُكلَّفٌ آخَرُ فغَلَبَ في ظَنِّه أنّها في جِهةٍ أُخرىٰ غيرِ تلكَ الجِهةِ، فإنّه يَجِبُ عليه أن يُصلّيَ إلىٰ تلكَ الجِهةِ الأُخرىٰ و إن خالَفَت الأُولىٰ.
فقَد اختَلَفَ فَرضُ هذَينِ المُكلَّفَينِ كماتَرىٰ، و صارَ فَرضُ أحَدِهما أن يُصلّيَ
إلىٰ جِهةٍ، و فَرضُ الآخَرِ أن يُصلّيَ إلىٰ خِلافِها.
و كذلكَ لَو دَخَلَ اثنانِ في بعضِ الصلَواتِ، و ذَكرَ أحَدُهما أنّه علىٰ غيرِ وضوءٍ، أو أنّه أحدَثَ و نَقَضَ(1)الوضوءَ، و الآخَرُ لَم يَذكُرْ شَيئاً مِن ذلكَ؛ لَكانَ فَرضُ أحَدِهما أن يَقطَعَ الصلاةَ و يَستأنِفَها، و فَرضُ الآخَرِ أن يَمضيَ فيها و يَستَمِرَّ عليها.
و كذلكَ لَو حَضَرَ ماءٌ بَينَ يَدَي مُحدِثَينِ، فغَلَبَ في ظَنِّ أحَدِهما - بأمارةٍ لاحَت له - نَجاسةُ ذلكَ الماءِ، و الآخَرُ لَم يَغلِبْ في ظَنِّه نَجاستُه، لَكانَ فَرضاهما مُختَلِفَينِ، و وَجَبَ علىٰ أحَدِهما أن يَتجنَّبَ ذلكَ الماءَ و علَى الآخَرِ أن يَستَعمِلَه.
و كذلكَ حُكمُ الأوقاتِ عندَ مَن غَلَبَ في ظَنِّه دخولُ بعضِ الصلَواتِ، فإنّه تَجِبُ عليه الصلاةُ في ذلكَ الوقتِ، و مَن لم يَغلِبْ ذلكَ في ظَنِّه لا يَحِلُّ له أن يُصلّيَ في ذلكَ الوقتِ.
و هذا أكثَرُ مِن أن يُحصىٰ، و الشريعةُ مَبنيّةٌ علىٰ ذلكَ.
و كَما يَجوزُ أن يَكونَ الوقتُ وقتاً للصلاةِ عندَ قَومٍ و غيرَ وقتٍ لها عندَ آخَرينَ، و القِبلةُ في جِهةٍ عندَ قومٍ وعندَ آخَرينَ خِلافَ ذلكَ، فيَختَلِفَ الفَرضُ بحَسَبِ اختلافِ الأسبابِ، كذلكَ جائزٌ أن يَكونَ الشهرُ ناقصاً عندَ قَومٍ و تامّاً عندَ آخَرينَ، و إلّافما الفَرقُ؟
فأمّا قولُه: «إنّ في ذلكَ بُطلانَ التواريخِ و فَسادَ الأعيادِ»، فيَتبَعانِ الرؤيةَ(2)، و قد يَجوزُ أن يَكونَ عيدُ قومٍ غيرَ عيدِ غيرِهم؛ لأنّ ذلكَ يَتبَعُ الأسبابَ المُختَلِفةَ.
فأمّا قولُه: «و في هذا أنّ المعلومَ(1)مِن حقيقةِ الشهرِ عندَ اللّٰهِ تَعالىٰ غيرُ معلومٍ لسائرِ العبادِ، مع عمومِ التكليفِ لهُم بصَومِه علَى الكمالِ!».
فكلامُ غيرِ مُتحقِّقٍ لِما يَقولُه خُصومُه في هذا البابِ؛ لأنّ المعلومَ مِن حُكمِ الشريعةِ عندَ اللّٰهِ تَعالىٰ هو المعلومُ للعبادِ مِن غيرِ اختلافٍ، و لا زيادةٍ و لا نُقصانٍ؛ لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ إذا أوجَبَ علىٰ مَن رأَى الهِلالَ ليلةَ الشهرِ أن يَصومَه، و يَفتَتِحَ اليَومَ الذي رأَى الهِلالَ في ليلِه بالصومِ، و يَحكُمَ بأنّه في عبادتِه أوّلُ الشهرِ علَى الحقيقةِ في حَقِّه، و أوجَبَ علىٰ مَن لَم يَرَه في تلكَ الليلةِ و لا خَبَّرَه مُخبِّرٌ برؤيتِه أن يَحكُمَ بأنّه لَيسَ مِن شَهرِ رمضانَ، و لا وَجَبَ عليه فيه الصيامُ؛ فالمعلومُ للّٰهِ تَعالىٰ هو هذا بعَينِه، و أنّه تَعالىٰ يَعلَمُ هذا الذي فَصَّلناه و فَسَّرناه، و هو أنّ هذا اليَومَ في حَقِّ مَن رأَى الهِلالَ في لَيلِه مِن شَهرِ رمضانَ، فواجبٌ عليه صَومُه، و لَيسَ هو مِن شَهرِ رمضانَ في حَقِّ مَن لَم يَرَه و لا صَحَّ عندَه بالخبرِ رؤيتُه، و لا معلومَ له يُخالِفُ ذلكَ. كما قُلنا في سائرِ المَسائلِ الشرعيّةِ، و في جِهةِ القِبلةِ، و أنّ مَن غَلَبَ في ظَنِّه أنّها في جِهةٍ مخصوصةٍ وَجَبَ عليه التوجُّهُ إلىٰ خِلافِ الجِهةِ الأُولىٰ، و اختَلَفَ فَرضُ هذَينِ المُكلَّفَينِ، و كانَ معلومُ اللّٰهِ تَعالىٰ مُطابِقاً لمعلومِهما، و غيرَ مُخالِفٍ لِما وَجَبَ عليهما و عَلِماه في هذا البابِ.
فإن قيلَ: أ لَيسَ اللّٰهُ تَعالىٰ لا بُدَّ أن يَكونَ عالِماً بأنّ القِبلةَ في جِهةٍ بعَينِها لا يَجوزُ عليه الاختلافُ و إنِ اختَلَفَت ظُنونُ المُتوجِّهينَ، و كذلكَ لا بُدَّ أن يَكونَ عالِماً بطلوعِ الهِلالِ في ليلةٍ مخصوصةٍ أو بفَقدِ طلوعِه فيها و إن لَم يَظهَرْ ذلكَ بعَينِه
1) . في جميع النسخ: «نيّة المعلوم» بدل «أنّ المعلوم».
للمُكلَّفِ؟ و كَيفَ يَكونُ ما عَلِمَه تَعالىٰ في هذه المَواضعِ مُساوياً لِما يَعتَقِدُه العبدُ و يَعمَلُه؟
قُلنا: لا اعتبارَ في بابِ التكليفِ بجِهةِ الكعبةِ نفسِها، مع فَقدِ المُعايَنةِ و بُعدِ الدارِ؛ و إنّما الاعتبارُ الذي يَتبَعُه الحُكمُ إنّما يَرجِعُ إلىٰ ظَنِّ المُكلَّفِ و ما يؤَدّيه إليه اجتهادُه في جِهةِ الكعبةِ مع بُعدِ دارِه عنها.
و تكليفُه إنّما يَختَلِفُ بحَسَبِ اختلافِ ظُنونِه؛ فإذا غَلَبَ في ظَنِّه أنّها في جِهةٍ مخصوصةٍ، فتكليفُه مُتعلِّقٌ بالتوجُّهِ إلَى الجِهةِ بعَينِها؛ سَواءٌ كانَت الكعبةُ فيها، أو لَم تَكُن؛ و إن كانَ فَرضُه بالتوجُّهِ مُتعلِّقاً بما يَغلِبُ في ظَنِّه أنّه جِهةُ الكَعبةِ، فتلكَ الجِهةُ هي قِبلتُه،(1)و المفروضُ عليه التوجُّهُ إليها، و عِلمُ اللّٰهِ مُتعلِّقٌ بهذا بعَينِه.
و كذلكَ القولُ في مُكلَّفٍ آخَرَ غَلَبَ في ظَنِّه أنّ جِهةَ الكعبةِ في جِهةٍ أُخرىٰ، فإنّ الواجبَ عليه التوجُّهُ إلىٰ تلكَ الجِهةِ، و هي جِهتُه و قِبلتُه.(2)
و القولُ في طلوعِ الهِلالِ و استتارِه كالقولِ في الكعبةِ، فلا معنىٰ لإعادتِه.
فأمّا قولُه في الفَصلِ: «هو خِلافُ ما أجمَعَت عليه الشيعةُ في الردِّ علىٰ أصحابِ القياسِ مِن بُطلانِ تحليلِ شَيءٍ لقَومٍ و تحريمِه علىٰ غيرِهم مِن الناسِ».
فما أجمَعَت الشيعةُ علىٰ ما ظَنَّه، و لا يَرُدُّ مِن الشيعةِ علىٰ أصحابِ القياسِ بهذا الضربِ مِن الردِّ مُحصِّلٌ و لا مُتأمِّلٌ. و قد بيّنّا في كَثيرٍ مِن كُتُبِنا و كلامِنا(3)كلاماً في
هذا المَوضِعِ(1)، و أنّه لا يَمتَنِعُ في التكليفِ أن يُحلِّلَ اللّٰهُ تَعالىٰ شَيئاً علىٰ قومٍ و يُحرِّمَه علىٰ آخَرينَ، و أنّ هذا غيرُ مُتَناقِضٍ و لا مُتَنافٍ.
و إنّما يُعوِّلُ علىٰ هذا الضربِ مِن الكلامِ مَن يُبطِلُ القياسَ مِن طريقِ العقولِ، و يَعتَقِدُ أنّ العبادةَ تَستَحيلُ أن تَرِدَ به،(2)و قد بيّنّا جوازَ ورودِ العبادةِ بالقياسِ، و إنّما نُحرِّمُه في الشريعةِ و لا نُثبِتُ به أحكامَها لأنّ العبادةَ ما وَرَدَت به، و لا دَلَّ دليلٌ علىٰ صِحّتِه.
فأمّا قولُه: «و هو أيضاً يُضادُّ ما يَروونَه مِن صَومِ يَومِ الشكِّ علىٰ سَبيلِ الاستظهارِ».
فقَد كانَ يَنبَغي أن يُبيِّنَ و يُوضِّحَ مَوضِعَ التضادِّ بَينَ القولَينِ في مَذهبِنا بالرؤيةِ، و بَينَ ما نَستَحِبُّه مِن صَومِ يَومِ الشكِّ علىٰ سَبيلِ الاستظهارِ، و ما تَعرَّضَ لذلكَ.
فأمّا قولُه: «[إن قالوا:](3)الواجبُ علَى العبدِ إذا رأَى الهِلالَ أن لا يُبادِرَ بالقَطعِ و البَتاتِ، و أن يَتوقَّفَ مُجوِّزاً لورودِ أخبارِ البلادِ بما يَصِحُّ معه الاعتقادُ.
و هذا بُعدٌ عن الصوابِ و أولىٰ بالفَسادِ، و هو مُسقِطٌ عن كافّةِ الأُمّةِ اعتقادَ أوّلِ شَهرِ رمضانَ إلىٰ أن تَتَّصِلَ بِهم أخبارُ البلادِ».
فقَد بيّنّا أنّ القِسمَ الصحيحَ مِن أقسامِه التي قَسَّمَها هو غيرُ هذا القِسمِ، و أوضَحناه، و أنّ الواجبَ علىٰ مَن رأَى الهِلالَ أن يَعتَقِدَ أنّ هذه ليلةُ(4)أوّلِ شَهرِ رمضانَ في حَقِّه و حَقِّ مَن يَجري مَجراه في رؤيتِه، و إن جَوَّزَ أن يَكونَ [ما] رُئيَ
في بعضِ البلادِ، و يَختَلِفُ فَرضُ مَن رآه تلكَ الليلةِ و مَن لَم يَرَه و يُخبَرْ عنه، غيرَ أنّه و إن قَطَعَ بالرؤيةِ علىٰ أنّه أوّلُ يَومٍ مِن شَهرِ رمضانَ، فلا بُدَّ أن يَكونَ ذلكَ مشروطاً بأن لا يَرِدَ الخبرُ الصحيحُ بأنّه رُئيَ قَبلَ تلكَ الليلةِ. و [إن] كانَ قد صامَ بالاتّفاقِ و علىٰ سَبيلِ الشكِّ اليومَ الذي رآه غيرُه في ليلةٍ أُخرىٰ، أجزأَ ذلكَ عنه، و سَقَطَ عنه فَرضُ قَضائه، و كان مؤَدّياً. و إن لَم يَتَّفِقْ له صَومُ ذلكَ اليومِ، كانَ عليه قَضاءُ صيامِه، و لا إثمَ عليه و لا حَرَجَ.
فأمّا قولُه: «كَيفَ السبيلُ لِمَن لَم يَرَ الهِلالَ إلَى العِلمِ بأنّه قد رُئيَ في بعضِ الجِهاتِ، فيُبيِّتَ له النيّةَ في فَرضِ الصيامِ؟ بَل كَيفَ يَصنَعُ مَن رآه إذا اتَّصَلَ به أنّه ظَهَرَ قَبلَ تلكَ الليلةِ للناسِ؟ و متىٰ(1)يَستَدرِكُ النيّةَ و الاعتقادَ في أمرٍ قد فاتَ؟».
فقَد بيّنّا كَيفَ السبيلُ لِمَن لَم يَرَه إلَى العِلمِ بأنّه قد رُئيَ في بعضِ تلكَ الجِهاتِ قَبلَ تلكَ الليلةِ، و هو أن يُخبِرَه عن ذلكَ مَن يَثِقُ بعَدالتِه و أمانتِه، فيُبيِّتَ له النيّةَ؛ و إذا كانَ ما(2)فاتَه صيامُ ذلكَ اليومِ، فقَد بيّنّا ذلكَ.
فأمّا مَن رآه في بعضِ الليالي، و صَحَّ عندَه أنّه ظَهَرَ قَبلَ تلكَ الليلةِ، و لَم يَكُن صامَ ذلكَ اليومَ بنيّةِ النَّفلِ، فعَلَيه القَضاءُ علىٰ ما بيّنّاه، و لَيسَ عليه مِن الاستدراكِ أكثَرُ مِن أن يَصومَ يَوماً و يَعتَقِدَ أنّه قَضاءُ ذلكَ اليومِ الفائتِ.
و أمّا قولُه: «و اعلَمْ أنّ إيجابَهم لصَومِ يَومِ الشكِّ لا يُسقِطُ ما لَزِمَهم في هذا الكلامِ؛ لأنّا سأَلناهم عن النيّةِ و الاعتقادِ، و لَيسَ يُمكِنُهم القولُ بأنّ يَومَ الشكِّ مِن شَهرِ رمضانَ، و لا يَجِبُ علىٰ مَن أفطَرَه ما يَجِبُ علىٰ مَن أفطَرَ يَوماً فُرِضَ عليه
فيه الصيامُ، و الشكُّ فيه يَمنَعُ مِن النيّةِ علىٰ كُلِّ حالٍ».
فكلامٌ غيرُ صحيحٍ؛ لأنّا لا نوجِبُ صيامَ يَومِ الشكِّ، و لا أحَدٌ مِن المُسلِمينَ أوجَبَه، و إنّما نَستَحِبُّه، و يُروىٰ فيه فَضلٌ، و استظهارٌ للفَرضِ.(1)و إنّما نَستَجيزُ صَومَه بنيّةِ النَّفلِ و التطوُّعِ؛ فإنِ اتَّفَقَ أن يَظهَرَ أنّه مِن شَهرِ رمضانَ، فقَد أجزأَ(2)ذلكَ الصيامُ، و وَقَعَ في مَوقِعِه و لا قَضاءَ عليه؛ و إن لَم يَتَّفِقْ ظهورُ أنّه مِن شَهرِ رمضانَ، كانَ صائمُ ذلكَ اليومِ مُثاباً عليه ثَوابَ النَّفلِ و التطوُّعِ.
و قولُه: «و لَيسَ يُمكِنُهم القولُ بأنّ يَومَ الشكِّ مِن شَهرِ رمضانَ، و لا يَجِبُ علىٰ مَن أفطَرَه ما يَجِبُ علىٰ مَن أفطَرَ يَوماً مِن شَهرِ رمضانَ».
فبَعيدٌ عن الصوابِ؛ لأنّا لا نوجِبُ صيامَ يَومِ الشكِّ علىٰ ما قَدَّمنا ذِكرَه، و يَومُ الشكِّ إنّما هو اليومُ الذي يُجوِّزُ المُكلَّفونَ أن يَرَوا الهِلالَ في ليلتِه فيَحكُموا أنّه مِن شَهرِ رمضانَ و يَخرُجَ مِن أن يَستَحِقَّ اسمَ الشكِّ، فما لا يُجوِّزونَ أن يَرَوا الهِلالَ في تلكَ الليلةِ و لا يُخبِرَهم عن رؤيتِه مُخبِرٌ، يَقَعُ القَطعُ علىٰ أنّه مِن شَعبانَ و يَزولُ عنه اسمُ الشكِّ أيضاً.
و لَسنا نَقولُ بأنّ يَومَ الشكِّ يَومٌ مِن شَهرِ رمضانَ علَى الإطلاقِ، بَل علَى القِسمةِ الصحيحةِ التي ذَكَرناها. فأمّا مَن أفطَرَ يَومَ الشكِّ و لَم يَرَ الهِلالَ و لا أُخبِرَ عنه، فلا إثمَ عليه و لا قَضاءَ. فأمّا إذا رآه في ليلةِ يَومِ الشكِّ أو أُخبِرَ عن رؤيتِه، فالذي يَجِبُ عليه أن يَقضيَ إن كانَ ما صامَ ذلكَ اليومَ؛ و إن كانَ قد اتَّفَقَ له صيامُه بنيّةِ النَّفلِ، فلا قَضاءَ عليه.
ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ:
و رُبَّما التَبَسَ الأمرُ عليهم في هذا البابِ، فظَنّوا أنّ صَومَ يَومِ الشكِّ بغَيرِ اعتقادِ أنّه مِن شَهرِ رمضانَ يُغني عن الاعتقادِ إذا كانَ منه، و يَجري مَجرىٰ بقيّةِ الأيّامِ؛ قياساً علَى المسجونِ إذا كانَ قد صامَ شَهراً علَى الكمالِ فصادَفَ ذلكَ شَهرَ رمضانَ علَى الاتّفاقِ مِن غيرِ عِلمٍ بذلكَ، و أنّه يُجزئُه عن الفَرضِ عليه مِن صَومِه في شَريعةِ الإسلامِ و إن لَم يُقدِّمِ النيّةَ و الاعتقادَ.
و الفَرقُ واضحٌ بَينَ الصومَينِ بِلا ارتيابٍ؛ و ذلكَ أنّ أفعالَ الاضطرارِ لا تُقاسُ عليها أُمورُ التمكُّنِ و الاختيارِ، و معلومٌ تَبايُنُ الممنوعِ و المُطلَقِ، و مَن يَتمكَّنُ مِن السؤالِ و ارتقابِ الهِلالِ و مَن لا يَقدِرُ، و ما هُما إلّا كالعاجزِ و القادرِ؛ فالمُماثَلةُ فيما هذا سَبيلُه باطلةٌ، و القياسُ فاسدٌ.
يُقالُ له: أوّلُ ما نَقولُه لكَ: إنّكَ حَكيتَ عنّا أنّا نَقيسُ مَن خَفيَ عليه الهِلالُ ليلةَ يومِ الشكِّ - فلَم يَرَه و لَم يُخبَرْ عن رؤيتِه، فصامَه بنيّةِ النَّفلِ، ثُمّ ظَهَرَ بالخبرِ أنّه رُئيَ و أنّه مِن شَهرِ رمضانَ، في أنّه يُجزئُ عنه صيامُه، و إن لَم يَصِحَّ بنيّةِ الفَرضِ، و لا يَجِبُ عليه القضاءُ - علَى المسجونِ.
و نَحنُ لا نَقيسُ هذا علىٰ ذاكَ، و لا نَرَى القياسَ في الأحكامِ، و إنّما سَوَّينا بَينَهما في صِحّةِ الصيامِ و إجزائه و أنّه لا قضاءَ فيه عليه بدليلٍ يوجِبُ العِلمَ، و لَو لَم يَكُن في ذلكَ إلّاإجماعُ الفِرقةِ المُحِقّةِ مِن الشيعةِ عليه [لَكَفىٰ]. و إجماعُهم حُجّةٌ؛ لدخولِ المعصومِ عليه السلامُ فيه.
فأمّا قولُه: «إنّ حالَ الضرورةِ لا تُقاسُ علَى الاختيارِ».
فقَد بيّنّا أنّا لا نَقيسُ حالاً علىٰ أُخرىٰ؛ علىٰ أنّه إن رَضيَ لنفسِه بهذا القَدرِ مِن الفَرقِ، فالحالانِ مُتَساويانِ في الضرورةِ و نفيِ الاختيارِ؛ لأنّ المسجونَ كَما لا قُدرةَ له و لا سَبيلَ إلىٰ أن يَعلَمَ تَعيُّنَ شَهرِ رمضانَ - لأنّه لا يَتمكَّنُ مِن رؤيةِ الهِلالِ و لا مِن سؤالِ غيرِه - فكذلكَ مَن غُمَّ عليه الهِلالُ ليلةَ يومِ الشكِّ، فلَم يَرَه و لا خُبِّرَ برؤيتِه، و لا سَبيلَ له إلَى العِلمِ بأنّ ذلكَ اليومَ مِن شَهرِ رمضانَ، فهو أيضاً كالمُضطَرِّ الذي لا قُدرةَ له علَى العِلمِ بأنّ ذلكَ اليومَ مِن شَهرِ رمضانَ، فجَرىٰ مَجرَى المسجونِ في سُقوطِ الفَرضِ عنه.
ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ:
فإن تَجاسَرَ أحَدُهم علَى ادّعاءِ المُماثَلةِ بَينَهما(1)في الاضطرارِ، أتىٰ بالفَظيعِ مِن الكلامِ، و أدخَلَ سائرَ الأُمّةِ في حُكمِ الاضطرارِ، و فَتَحَ علىٰ نفسِه باباً مِن الإلزامِ في تكليفِ ما لا يُطاقُ؛ لأنّه لا فَرقَ بَينَ أن يُكلِّفَ اللّٰهُ العبادَ صَومَ شَهرِ رمضانَ علَى الكمالِ و لا يَجعَلَ لهُم علىٰ مَعرِفةِ أوّلِه دليلاً إلّادليلَ شَكٍّ و ارتيابٍ يَلتَجئُ معه المُكلَّفونَ إلىٰ أحكامِ الاضطرارِ، و بَينَ أن يَفرِضَ عليهم أمراً و يُعدِمَهم ما يَتوصَّلونَ به إليه علىٰ كُلِّ حالٍ حتّىٰ يُدخِلَهم ذلكَ في حَيِّزِ الإجبارِ؛ وهذا ما يُنكِرُه مُعتَقِدو العَدلِ مِن كافّةِ الناسِ.
ثُمّ قالَ:
و يُقالُ لهُم: فإذا كانَ اللّٰهُ تَعالىٰ قد بَعَثَ رسولَه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ليُبيِّنَ للناسِ، [فما](2)وجهٌ للبيانِ في دليلِ فَرضٍ يَعتَرِضُه اللَّبسُ؟ و أينَ مَوضِعُ
الإشكالِ إلّافي عبادةٍ افتتاحُها الشكُّ؟
يُقالُ له: ما الفظيعُ مِن الكلامِ و الشنيعُ مِن المَذهبِ إلّاما عُوِّلَ عليه في هذا الفَصلِ؛ لأنّكَ ظَنَنتَ أنّ خُصومَكَ يَقولونَ: «إنّ اللّٰهَ تَعالىٰ فَرَضَ صَومَ الشكِّ علىٰ مَن لَم يَدُلَّه عليه و لَم يُرشِدْه إلىٰ طريقِ العِلمِ به»، و ألزَمتَ علىٰ ذلكَ تكليفَه ما لا يُطاقُ؛ و هذا ما لا يَقولُه مِن الخُصومِ، و لا غيرِهم مُحصِّلٌ.
و صَومُ أوّلِ يَومٍ مِن شَهرِ رمضانَ لا يَجِبُ إلّاعلىٰ مَن دَلَّه اللّٰهُ عليه؛ إمّا برؤيتِه نفسِه الهِلالَ، أو بأن يُخبِرَه عنه مَن يَجِبُ عليه الرجوعُ إلىٰ قولِه، فأمّا مَن عَدِمَ رؤيتَه فصَومُ ذلكَ اليومِ لَيسَ مِن فَرضِه و لا عبادتِه.
و هذا الذي لا يُطِيقُ مَعرِفةَ كَونِ هذا اليومِ مِن شَهرِ رمضانَ ما تَوجَّهَ إليه قَطُّ تكليفُ صَومِه.
و يَلزَمُ علىٰ هذا كُلُّ المسائلِ التي ذَكَرناها فيما تَقدَّمَ في القِبلةِ و الصلاةِ و الأحداثِ، حتّىٰ يُقالُ له: كَيفَ يُكلِّفُ اللّٰهُ تَعالىٰ مُكلَّفاً التوجُّهَ إلَى الكعبةِ بعَينِها، و لا يَنصِبُ له دليلاً عليها يَعلَمُ به أنّه مُتَوجِّهٌ إلىٰ جِهتِها؛ لأنّه إذا كانَ بَعيداً عنها، فإنّما يَتوجَّهُ إلىٰ حَيثُ يَظُنُّ أنّه جِهةُ الكعبةِ مِن غيرِ تحقيقٍ و لا قَطعٍ؟ و هَل هذا إلّا تكليفُ ما لا يُطاقُ؟ و كذلكَ القولُ في سائرِ المسائلِ التي أشَرنا إلىٰ بعضِها، و هي كثيرةٌ.
و أمّا الرسولُ صَلَّى اللّٰهُ عليه و(1)آلِه، فقَد بَيَّنَ لنا هذه المَواضعَ بما لا يَعتَرِضُه لَبسٌ و لا يَدخُلُه شَكٌّ. و مَن تأمَّلَ ما فَصَّلناه و قَسَّمناه، عَلِمَ أنّه لا لَبسَ و لا إشكالَ في هذه العبادةِ.
1) . في جميع النسخ سوى «ض»: + «على».
قالَ صاحبُ الكتابِ:
مَسألةٌ أُخرىٰ عليهم: يُقالُ لهُم: قد رَوَيتم أنّ «يَومَ صَومِكم يَومُ نَحرِكم»(1)فما الحاجةُ إلىٰ ذلكَ و علَى الرؤيةِ مُعَوَّلُكُم؟ بَل كَيفَ يَصِحُّ ما ذَكَرتموه علىٰ أصلِ مُعتَقَدِكم لِما تُجيزونَه مِن تَتابُع ثَلاثةِ شُهورٍ ناقصةٍ و تَوالي ثَلاثةٍ أُخرىٰ تامّةٍ؟ و كَيفَ يُوافِقُ مع ذلكَ أوّلُ يَومٍ مِن شَهرِ رمضانَ ليومِ العاشرِ مِن ذي الحِجّةِ أبَداً مِن غيرِ اختلافٍ؟
فهَل يَصِحُّ هذا إلّامِن طَريقِ أصحابِ العَدَدِ؛ لقَولِهم بتَمامِ شَهرِ رمضانَ و نُقصانِ شَوّالٍ، و أنّ ذا القَعدةِ تامٌّ كشَهرِ رمضانَ، فيَكونُ يَومُ الصومِ أبداً مُوافِقاً ليومِ النحرِ علَى اتّساقٍ و نِظامٍ؟
فما تَصنَعونَ في هذا الخبرِ مع اشتهارِه؟ أ تَقبَلونَه و إن خالَفَ ما أنتم عليه في أصلِ الاعتقادِ، أو تَلتَجِئونَ فيه إلَى الدفعِ و الإنكارِ؟
يُقالُ له: أمّا هذا الخبرُ، فغَيرُ واردٍ مَورِدَ الحُجّةِ؛ لأنّه خبرٌ غيرُ مقطوعٍ عليه، و لا
1) . إقبال الأعمال، ج 1، ص 60. و معنى الحديث أنّه إذا ثبت هلال شهر رمضان و غُمّ هلال شوّال و ذي القعدة و ذي الحجّة و لم نتمكّن من معرفة يوم النحر، فاليوم الذي ثبت أنّه أوّل شهر رمضان هو بعينه يوم النحر العاشر من ذي الحجّة، فلو كان أوّل شهر رمضان يوم الجمعة فإنّ يوم النحر هو الجمعة أيضاً. و هو مبنيّ علىٰ كمال شهر رمضان و عدم توالي ثلاثة أشهر كاملة. فلو ثبت أنّ أوّل شهر رمضان يوم الجمعة فيكون عيد الفطر يوم الأحد لا محالة، ثمّ إذا حسبنا شهر شوّال 29 يوماً و ذا القعدة 30 يوماً أو بالعكس - لعدم توالي ثلاثة أشهر كاملة كما تقدّم - فيكون أوّل ذي الحجّة يوم الأربعاء لا محالة، فيكون يوم العاشر منه و هو يوم النحر يومَ الجمعة كما كان أوّل شهر رمضان. راجع: الرواشح السماوية، ص 194. و قد روى الشيخ الكليني: «يوم الأضحىٰ في اليوم الذي يُصام فيه». الكافي، ج 4، ص 547.
معلومٍ؛ و قد بيّنّا أنّ أخبارَ الآحادِ لا يَجِبُ العملُ بها في الشريعةِ، و إنِ(1)اعتُمِدَ عليها - و هي علىٰ هذه الصفةِ - فقَد عُوِّلَ علىٰ سَرابٍ بِقيعةٍ. و لَيسَ يَجِبُ علينا أن نَتأوَّلَ خبراً لا نَقطَعُ به و لا نَعلَمُ صِحّتَه.
و قد يَجوزُ علىٰ سَبيلِ التسهيلِ ما عَوَّلَ عليه بعضُ أصحابِنا في تأويلِ هذا الخبرِ - و إن لَم يَكُن ذلكَ واجباً - أنّ المُرادَ به سَنةٌ بعَينِها اتَّفَقَ فيها أنّ أوّلَ الصومِ كانَ مُوافِقاً للنحرِ، فحُمِلَ علَى الخصوصِ دونَ العمومِ؛ لأنّه لا يَصِحُّ فيه العمومُ، و شَهادةُ الاستقراءِ بخِلافِه.
و يُمكِنُ أيضاً في تأويلِ الخبرِ وجهٌ آخَرُ، و هو: أن يَكونَ المُرادُ به أنّ يَومَ الصومِ يَجري في وجوبِ الأحكامِ المشروعةِ و لزومِها مَجرىٰ يَومِ النحرِ في الأحكامِ المُتعلِّقةِ به، و المُرادُ بذلكَ تحقيقُ المُماثَلةِ و المُساواةِ، كما يَقولُ القائلُ:
«صَلاتُكم مِثلُ صَومِكم»، أو يَقولُ: «صَلاةُ العَصرِ هي صَلاةُ الغَداةِ»، و ما يُريدُ الأعَمَّ، و يُريدُ المُماثَلةَ و المُساواةَ في الأحكامِ. و هذا بَيِّنٌ.
1) . في بعض النسخ: «مَن».
ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ:
مَسألةٌ أُخرىٰ لهُم وجوابُها.
ثُمّ قالَ:
و سَألوا عن قولِ اللّٰهِ تَعالىٰ: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوٰاقِيتُ لِلنّٰاسِ وَ اَلْحَجِّ» .(1)
و أجمَعَ الكافّةُ علىٰ أنّها شُهورٌ قمريّةٌ، قالوا: فما الذي أجازَ لكُم الاعتبارَ بغَيرِ القمرِ؟ و هَل انصرافُكم إلَى العَدَدِ إلّاخِلافُ الإجماعِ؟
ثُمّ قالَ:
الجوابُ: يُقالُ لهُم: ما وَرَدَ به النصُّ و تَقرَّرَ عليه الإجماعُ، فهو مُسلَّمٌ علىٰ كُلِّ حالٍ؛ لكِنّ وجودَ الاتّفاقِ علىٰ أنّ الهِلالَ ميقاتٌ لا يُحيلُ الاختلافَ فيما يُعرَفُ به الميقاتُ. و حصولُ الموافَقةِ علىٰ أنّها شُهورٌ لا تُضادُّ المُمانَعةَ في الاستدلالِ عليها بالرؤيةِ؛ إذ لَيسَ مِن شَرطِ المَواقيتِ
1) . البقرة (2):189.
اختصاصُ العِلمِ مِن جِهةِ مُشاهَدتِها، و لا لأنّ الشهورَ العربيّةَ قمريّةٌ وَجَبَ الاستدلالُ علىٰ أوائلِها برؤيةِ أهِلّتِها؛ و لَو كانَ ذلكَ واجباً، لَدَلَّت العقولُ عليه، و شَهِدَت بقُبحِ الاختلافِ فيه.
و بَعدُ، فلا يَخلو الطريقُ إلىٰ مَعرِفةِ هذا الميقاتِ مِن أن تَكونَ المُشاهَدةَ له و العِيانَ، أو العَدَدَ الدالَّ عليه و الحِسابَ.
و مُحالٌ أن تَكونَ الرؤيةُ هي(1)أَولىٰ بالاستدلالِ؛ لِما يَقَعُ فيها مِن الاختلافِ و الشكِّ، و ذلكَ أنّ رؤيةَ الهِلالِ لَو كانَت تُفيدُ مَعرِفةً له مِن الليالي و الأيّامِ، لَم يَختَلِفْ فيه عندَ رؤيتِه اثنانِ.
و في إمكانِ وجودِ الاختلافِ في حالِ ظهورِه دَلالةٌ علىٰ أنّ الرؤيةَ لا يَصِحُّ بها الاستدلالُ، و أنّ العَدَدَ هو الدالُّ علَى الميقاتِ؛ لسَلامتِه ممّا يَلحَقُ الرؤيةَ مِن الاختلافِ.
يُقالُ له: هذه الآيةُ التي ذَكَرتَها دليلٌ واضحٌ علىٰ صِحّةِ القولِ بالرؤيةِ و بُطلانِ العَدَدِ، و قد بيّنّا في صَدرِ كتابِنا هذا كَيفيّةَ الاستدلالِ بها، و أنّ تعليقَ المَواقيتِ بالأهِلّةِ دليلٌ علىٰ أنّها لا تَتعلَّقُ بالعَدَدِ و لا بغَيرِ الأهِلّةِ.
و(2)قولُه: «إنّ وجودَ الاتّفاقِ علىٰ أنّ الأهِلّةَ ميقاتٌ لا يُحيلُ الاختلافَ فيما يُعرَفُ به الميقاتُ» لَيسَ بالصحيحِ؛ لأنّ المَواقيتَ إذا وَقَفَت علَى الأهِلّةِ، فمعلومٌ أنّ الهِلالَ لا طَريقَ إلىٰ مَعرِفتِه و طلوعِه أو عدمِ طلوعِه إلّاالرؤيةُ في النفيِ
و الإثباتِ؛ فيَعلَمُ - مَن رأىٰ(1)- طلوعَه بالمُشاهَدةِ أو بالخبرِ المَبنيِّ علَى المُشاهَدةِ، و يَعلَمُ أنّه ما طَلَعَ بفَقدِ المُشاهَدةِ و فَقدِه الخبرَ عنها. و لا يَخفىٰ علىٰ مُحصِّلٍ أنّ إثباتَ الأهِلّةِ في طلوعٍ أو أُفولٍ مَبنيٌّ علَى المُشاهَداتِ.
و وَصفُ الشهورِ العربيّةِ بأنّها «قمريّةٌ» يَمنَعُ مِن أن تَكونَ عَدَديّةً؛ لأنّه لَو كانَ الطريقُ إلىٰ إثباتِ الشهورِ العَدَدَ لا رؤيةَ الأهِلّةِ، لَأُضيفَ(2)إلَى العَدَدِ(3)، لا إلَى القمرِ؛ و كَيفَ تَكونُ قمريّةً و لا اعتبارَ بالقمرِ فيها، و لا له حَظٌّ في تمييزِها و تعيينِها؟
فأمّا قولُه: «و مُحالٌ أن تَكونَ الرؤيةُ هي أَولىٰ بالاستدلالِ؛ لِما يَقَعُ فيها مِن الشكِّ و الاختلافِ»، فقَد بيّنّا أنّه لا شَكَّ في ذلكَ و لا إشكالَ، و أنّ التكليفَ صحيحٌ مع القولِ بالرؤيةِ غيرُ مُشتبِهٍ و لا مُتناقِضٍ، و أنّ مَن ظَنَّ خِلافَ ذلكَ فهو قَليلُ التأمُّلِ. و فيما ذَكَرناه كِفايةٌ.
و قالَ صاحبُ الكتابِ:
مَسألةٌ أُخرىٰ: و سَألوا أيضاً عن الخبرِ المَرويِّ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «صوموا لرؤيتِه، و أفطِروا لرؤيتِه، فإن غُمَّ علَيكم فعُدُّوا ثَلاثينَ».(4)
قالوا: فما تَصنَعونَ في هذا الخبرِ و قد استَفاضَ بَينَ الأُمّةِ و اشتَهَرَ؟
ثُمّ قالَ:
قيلَ لهُم: لَعَمْري إنّه خبرٌ ذائعٌ لا يَختَلِفُ في صِحّتِه اثنانِ، و مَذهبُنا فيه ما
قالَ الصادقُ عليه السلامُ: «إنّ الناسَ كانوا يَصومونَ بصيامِ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و يُفطِرونَ بإفطارِه؛ فلمّا أرادَ مُفارَقَتَهم في بعضِ الغَزَواتِ، قالوا: يا رسولَ اللّٰهِ (صَلَّى اللّٰهُ عليكَ)(1)، كُنّا نَصومُ بصيامِكَ و نُفطِرُ بإفطارِكَ، و ها أنتَ ذاهبٌ لوَجهِكَ، فما نَصنَعُ؟ فقالَ عليه السلامُ:
صوموا لرؤيتِه و أفطِروا لرؤيتِه؛ فإن غُمَّ عليكم، فعُدّوا ثَلاثينَ يَوماً».
فخَصَّ بهذا القولِ لهُم تلكَ السنةَ جواباً عن سؤالِهم، فاستَعمَلَه الناسُ علىٰ سَبيلِ الغَلَطِ في سائرِ الأعوامِ. و لذلكَ أظهَرَ اللّٰهُ تَعالىٰ لهُم الهِلالَ في يَومِ السَّرارِ(2)بخِلافِ ما جَرَت به العاداتُ. و لَو لَم يَدُلَّ علىٰ تخصيصِ هذا الخبرِ إلّاما قَدَّمناه مِن دلائلِ القُرآنِ و الآثارِ، [لَكَفىٰ]؛ و إذا كانَ خاصّاً، فاستعمالُه علَى العمومِ غيرُ صَوابٍ.
يُقالُ له: إذا كانَ قولُه عليه السلام: «صوموا لرؤيتِه، و أفطِروا لرؤيتِه» عامّاً في الظاهرِ، فلا يُقبَلُ قولُ مَن خَصَّصَه و عَدَلَ به إلىٰ أنّه في سَنةٍ واحدةٍ إلّابدليلٍ قاهرٍ، و لا دليلَ علىٰ تخصيصِ هذا الخبرِ و لا حُجّةَ.
و بَعدُ، فكَيفَ يُعلَّقُ الصيامُ في سَنةٍ واحدةٍ - إذا سَلَّمنا التخصيصَ - بالرؤيةِ، فنَقولُ(3): «صوموا لأجلِ رؤيتِه، و أنّ الرؤيةَ عِلّةٌ في الصومِ موجِبةٌ له»، و علىٰ مَذهبِ أصحابِ العَدَدِ إنّ الرؤيةَ لا حَظَّ لها في الصومِ و لا تؤثِّرُ في وجوبِه؛ و إنّ العَدَدَ هو الموجِبُ للصومِ؟
فإنِ اتَّفَقَ ما قاله صاحبُ الكتابِ أن يُظهِرَ اللّٰهُ تَعالىٰ لهُم الهِلالَ، فعَلىٰ هذا
التخريجِ و التعليلِ لَم يَجِبِ الصومُ لأجلِ الرؤيةِ، بَل وَجَبَ لأجلِ العَدَدِ؛ أ لا تَرىٰ أنّه لَو فُقِدَت الرؤيةُ هاهُنا، لَوَجَبَ الصومُ بالعَدَدِ، و لم يؤثِّرْ فَقدُ الرؤيةِ في انتفاءِ وجوبِ الصيامِ؛ و لَو فُقِدَ العَدَدُ و ثَبَتَت الرؤيةُ، لَما وَجَبَ الصومُ؛ فعُلِمَ أنّ العَدَدَ هو المؤثِّرُ دونَ الرؤيةِ. و ظاهرُ الخبرِ يَقتَضي أنّ الرؤيةَ مؤثِّرةٌ في الصومِ. فقَد بانَ أنّه لا مَنفَعةَ لهُم في تخصيصِ الخبرِ أيضاً.
و أمّا قولُه عليه السلامُ: «و أفطِروا لرؤيتِه؛ فإن غُمَّ عليكم فعُدُّوا ثَلاثينَ»، فهو [يَدُلُّ] علىٰ أنّ العَدَدَ لا يُصارُ إليه إلّابَعدَ اعتبارِ الرؤيةِ و فَقدِها؛ فمَن جَعَلَه أصلاً يُرجَعُ إليه مِن غيرِ اعتبارٍ بفَقدِ الرؤيةِ، فقَد خالَفَ ظاهرَ الخبرِ.
و قولُه عليه السلامُ: «و أفطِروا لرؤيتِه» يَدُلُّ أيضاً علىٰ أنّه يَجِبُ الإفطارُ إذا رأَيناه و إن كُنّا قد صُمنا تِسعةً و عِشرينَ يَوماً و لَم يَبلُغِ الثلاثينَ؛ لأنّه لَو كانَ وَرَدَ: «و أفطِروا لرؤيتِه إذا بَلَغَ ثَلاثينَ»، لَما كانَ لقَولِه: «فإن غُمَّ عليكم فعُدّوا ثَلاثينَ» معنىً، و إنّما يَصِحُّ الكلامُ إذا كانَ معناه: «و أفطِروا لرؤيتِه علَى النقصانِ؛ فإن غُمَّ عليكم، فعُدّوا ثَلاثينَ للتمامِ».
قالَ صاحبُ الكتابِ:
علىٰ أنّ مِن أصحابِنا مَن استَدَلَّ بهذا الخبرِ بعَينِه علىٰ صِحّةِ العَدَدِ، فقالَ:
إنّه لمّا أمَرَهم بالصومِ و الإفطارِ لرؤيةِ الهِلالِ في تلكَ السنةِ، أبانَ لهُم - بجوازِ الإغماءِ(1)عليه و دخولِ اللَّبسِ فيه - ما يُستَدَلُّ به علىٰ أنّ الرؤيةَ
1) . يريد به خفاء الهلال و استتاره، مِن غمّ الهلال. و سوف يأتي في أواخر الكلام عن خبر «صوموا لرؤيته» إشارةُ المصنّف رحمه اللّٰه إلىٰ أنّ «إغماء» ليس مصدر «غُمَّ»، بل مصدر: «أُغمي». و الصواب: «غُمَّ، غَمّاً».
لَيسَت بأصلٍ يَطَّرِدُ استعمالُه في سائرِ السنينَ.
و إنّما خَصَّهم بها في تلكَ السنةِ؛ للعَجزِ مِن ظهورِ الهِلالِ يَومَ السَّرارِ لهُم، و لِما يَعلَمُ اللّٰهُ تَعالىٰ في ذلكَ الوقتِ مِن مَصلَحتِهم، فقالَ لهُم: «فإن غُمَّ عليكم فعُدُّوا ثَلاثينَ». فلمّا شَهِدَ بالإغماءِ أمَرَ بالرجوعِ عندَ ذلكَ إلَى العَدَدِ؛ [ف] - عَلِمنا أنّ العَدَدَ هو الأصلُ الذي لا يَعتَرِضُه الإغماءُ و لا اللَّبسُ، و أنّه لَو لَم يَكُن أصلاً لَجازَ الإغماءُ و الإشكالُ عليه، و لكانَ اللَّبسُ و الاختلافُ يَجوزانِ فيه. و هذا وجهٌ صَحيحٌ يُقنِعُ العارفَ المُنصِفَ، و الحَمدُ للّٰهِ تَعالىٰ.
يُقالُ له: هذا الذي ذَكَرتَه طَعنٌ علَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و شَهادةٌ بأنّه عَوَّلَ بأُمّتِه في عبادةِ الصومِ على ما لا تأثيرَ له و لا طائلَ فيه؛ لأنّ الرؤيةَ إذا كانَ لا اعتبارَ بها في الصومِ و لا حَظَّ لها في الدلالةِ علىٰ دخولِ شَهرِ رمضانَ و خروجِه، فلا معنىٰ لقَولِه: «صوموا لرؤيتِه، و أفطِروا لرؤيتِه»، و قد كانَ يَجِبُ أن يَقولَ: صوموا بالعَدَدِ و أفطِروا بالعَدَدِ؛ و لا يَجعَلَ العَدَدَ مُصاراً إليه عندَ الغُمّةِ و امتناعِ الرؤيةِ.
و كَيفَ يَصِحُّ أن يَقولَ قائلٌ: «عَلِمنا أنّ العَدَدَ هو الأصلُ» و قد جَعَلَه النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في هذا الخبرِ فَرعاً، و أحالَ عليه عندَ تَعذُّرِ الرؤيةِ؟ و هو علَى الحقيقةِ فَرعٌ، و الأصلُ غيرُه. و هذا واضحٌ.
قالَ صاحبُ الكتابِ:
و قد ظَنَّ قومٌ مِن أهلِ الخِلافِ أنّ ما تَضمَّنَه هذا الخبرُ مِن الرجوعِ إلَى العَدَدِ عندَ وجودِ الالتباسِ يَجري مَجرَى التيمُّمِ بالترابِ عندَ عدمِ الماءِ
لاضطرارٍ؛ قالوا: «فكَما أنّه لَيسَ التيمُّمُ أصلاً للوضوءِ، فكذلكَ لَيسَ العَدَدُ أصلاً للرؤيةِ».
ثُمّ قالَ:
و هذا قياسٌ بَعيدٌ، و جَمعٌ بَينَ أشياءَ هي أَولىٰ بالتفريقِ؛ و ذلكَ أنّ(1)الوضوءَ و التيمُّمَ - الذي هو بَدَلٌ منه عندَ الضرورةِ - عبادةٌ يُستَباحُ بفِعلِهما أداءُ فَرضٍ آخَرَ لا يُعرَفُ بِهما وقتُ وجوبِه، و لا يَدُلّانِ علىٰ أوّلِه و آخِرِه.
و الرؤيةُ و العَدَدُ قد وَرَدا في هذا الخبرِ مَورِدَ العلامةِ، و قاما مَقامَ الدلالةِ التي يَجِبُ بِهما التديُّنُ و يَلزَمُ الاعتقادُ؛ و لذلكَ جازَ موافَقةُ العَدَدِ للرؤيةِ في بعضِ السنينَ، و لَم يَجُزِ الجَمعُ بَينَ الوضوءِ و التيمُّمِ علىٰ قولِ سائرِ المُسلِمينَ.
يُقالُ له: لا شُبهةَ علىٰ مُحصِّلٍ في أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه عَلَّقَ الصومَ بالرؤيةِ تعليقاً يوجِبُ ظاهرُه أنّها سببٌ فيه، و علامةٌ علىٰ دخولِ وقتِه، فقالَ:
«صوموا لرؤيتِه، و أفطِروا لرؤيتِه».
فعَلَّقَ الإفطارَ أيضاً بالرؤيةِ، كَما عَلَّقَ الصومَ بها، و هذا يَقتَضي أنّ الصومَ و الإفطارَ مُتعلِّقانِ بالرؤيةِ، و لا سببَ فيهما غيرُها؛ لأنّه لَو كانَ لهُما سببٌ غيرُ الرؤيةِ مِن عَدَدٍ أو غيرِه(2)لَعلَّقَهما به.
ثُمّ قالَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «فإنْ غُمَّ عليكم، فعُدُّوا ثلاثينَ»؛ فأمَرَ بالرجوعِ إلَى
العَدَدِ عندَ عدمِ الرؤيةِ، و أنّه لا حُكمَ للعَدَدِ إلّابَعدَ انتفاءِ الرؤيةِ، و لا يَجِبُ المَصيرُ إليه إلّاعندَ امتناعِها.
و أصحابُ العَدَدِ عَكَسوا ذلكَ، فقالوا: إنّ الصومَ بالعَدَدِ و الإفطارَ بالعَدَدِ، لا حَظَّ للرؤيةِ في شَيءٍ منهما.
و لا يَمتَنِعُ أن يُقالَ: إنّ المَصيرَ إلَى العَدَدِ عندَ فَقدِ الرؤيةِ يَجري مَجرَى استعمالِ الترابِ عندَ فَقدِ الماءِ.
فأمّا تَعاطيهِ الفَرقَ بَينَ الرؤيةِ و العَدَدِ و بَينَ الماءِ و الترابِ بأنّ «الوضوءَ و التيمُّمَ عبادتانِ يُستَباحُ بفِعلِهما أداءُ فَرضٍ آخَرَ لا يُعرَفُ بِهما وقتُ وجوبِه، و لا يَدُلاّنِ علىٰ أوّلِه و آخِرِه، و أنّ الرؤيةَ و العَدَدَ في هذا الخبرِ قد وَرَدا مَورِدَ العلامةِ، و قاما مَقامَ الدلالةِ» فممّا لا يُغني شَيئاً؛ لأنّه لا فَرقَ مِن حَيثُ الجَمعِ بَينَ المَوضِعَينِ؛ لأنّ الترابَ لا حُكمَ له مع وجودِ الماءِ، و إنّما يَجِبُ استعمالُه عندَ فَقدِ الماءِ، فجَرىٰ مَجرَى العَدَدِ الذي لا حُكمَ له [مع](1)الرؤيةِ و إمكانِها، و إنّما استُعمِلَ العَدَدُ مع فَقدِ الرؤيةِ.
[قالَ صاحبُ الكتابِ:]
فأيُّ(2)وجوبٍ للرجوعِ فيما التَبَسَ ظاهرُه مِن الآياتِ المُتَشابِهاتِ إلىٰ أدِلّةِ العقولِ؟ فإن جازَ أن يَقولَ: «إنّ العَدَدَ لَيسَ بأصلٍ للرؤيةِ، و إنّما هو بَدَلٌ منها أَلجأَت إليه الحاجةُ، كالتيمُّمِ الذي لَيسَ بأصلٍ للطهارةِ، و إنّما هو بَدَلٌ منها في حالِ الضرورةِ»، جازَ لآخَرَ أن يَقولَ مِثلَ ذلكَ في
الرجوعِ إلَى القُرآنِ عندَ التباسِ الأخبارِ، و الاعتمادِ علىٰ أدِلّةِ العقولِ في مُتَشابِهِ القُرآنِ؛ فلمّا كانَ هذا لا يَجوزُ بإجماعٍ، كانَ العَدَدُ و الرؤيةُ مِثلَه.
يُقالُ له: إن كانَ هذا الذي ظَنَنتَه صَحيحاً في الرؤيةِ و العَدَدِ، و إنّما يُشبِهان ما ذَكرتَه مِن أمرِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالرجوعِ إلَى الكتابِ فيما التَبَسَ مِن الأخبارِ و عَرضِها عليه، و فيما التَبَسَ مِن الآياتِ و الرجوعِ فيها إلىٰ أدِلّةِ العقولِ، فيَجِبُ أن نَقولَ مِثلَه في الوضوءِ بالماءِ و التيمُّمِ بالترابِ، و أنّ أمرَه لنا بالرجوعِ إلَى الترابِ عندَ عدمِ الماءِ دَلالةٌ علىٰ أنّ التيمُّمَ هو الأصلُ، كما قُلتَه في الكتابِ و الأخبارِ؛ لأنّ الصومَ في قولِه: «صوموا لرؤيتِه، و أفطِروا لرؤيتِه؛ فإن غُمَّ عليكم، فعُدُّوا ثَلاثينَ» كالطهارةِ في قولِه تَعالىٰ: «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» .(1)
فكُلُّ شَيءٍ تَعتَمِدُه في أنّه لا شُبهةَ(2)بَينَ الوضوءِ و التيمُّمِ و بَينَ الرجوعِ إلَى الكتابِ و عَرضِ الأخبارِ عليه، فهو بعَينِه يُفرِّقُ بَينَ الرؤيةِ و العَدَدِ و [بَينَ] عَرضِ الأخبارِ علَى الكتابِ.
و بَعدُ، فإنّ ما أُمِرنا به - مِن الصومِ للرؤيةِ و الإفطارِ لها - مِن [قَبيلِ] المَصيرِ إلىٰ فائدةٍ في أن نُفرِّقَ بَينَ الأمرَينِ، بأن نَقولَ: «إنّ الوضوءَ و التيمُّمَ يُستَباحُ بفِعلِهما أداءُ فَرضٍ آخَرَ لا يُعرَفُ بِهما وقتُ وجوبِه»، و هَل هذا إلّاكمَن فَرَّقَ بَينَهما أنّ هذا وضوءٌ و تلكَ رؤيةٌ، و هذا تَيمُّمٌ و ذاكَ عَدَدٌ؟
و مَن الذي يَقولُ: «إنّ المَوضِعَينِ يَتشابَهانِ في كُلِّ الأحكامِ» حتّىٰ يُفرَّقَ بَينَهما بأنّ صفةَ الوضوءِ و التيمُّمِ لَيسَت للعَدَدِ و الرؤيةِ؟
فأمّا قولُه: «إنّ الرؤيةَ و العَدَدَ يَتَّفِقانِ(1)، و لا يَتَّفِقُ وجودُ الوضوءِ و التيمُّمِ في مَوضِعٍ مِن المَواضعِ» فغَلَطٌ؛ لأنّ الرؤيةَ و العَدَدَ لا يَتَّفِقُ حُكمُهما و تأثيرُهما علَى الاجتماعِ عندَ أحَدٍ؛ لأنّ مَذهبَنا أنّه إذا رأَى الهِلالَ ليلةَ الثلاثينَ، وَجَبَ عليه الإفطارُ و لا حُكمَ للعَدَدِ؛ و إذا لَم يَرَ، يُكمِلُ العِدّةَ ثَلاثينَ؛ و الحُكمُ هاهُنا للعَدَدِ، و لا تأثيرَ للرؤيةِ؛ فكَيفَ يَجتَمِعانِ علىٰ ما ظَنَّه؟
و أمّا علىٰ مَذهبِ أصحابِ العَدَدِ، فإنِ اتَّفَقَ علىٰ ما ادَّعاه أن يوافِقَ العَدَدُ للرؤيةِ، فلا حُكمَ هاهُنا عندَهم للرؤيةِ البتّةَ، و إنّما الحُكمُ للعَدَدِ.
فما اتَّفَقَ قَطُّ علىٰ مَذهبٍ اجتماعُ الرؤيةِ و العَدَدِ مؤثِّرَينِ و مُعتَبَرَينِ.
ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ:
فَصلٌ: و اعلَمْ أنّه لا شَيءَ أشبَهُ بالعَدَدِ و الرؤيةِ المذكورَينِ في هذا الخبرِ(2)مِن الاستدلالِ في أحكامِ الشرعِ بالقُرآنِ و الأثرِ(3)و ذلكَ أنّ الرسولَ عليه السلامُ أمَرَنا بالرجوعِ إلَى الكتابِ عند التباسِ الأخبارِ، و قالَ:
«ستَكثُرُ علَيَّ الكَذّابةُ مِن بَعدي، فما وَرَدَ عنّي مِن خبرٍ فاعرِضوه علَى الكتابِ»؛ و كذلكَ(4)وجوبُ الرجوعِ(5)الذي قد تَقدَّمَ، و كذلكَ(6)إذا تَعذَّرَت
الرؤيةُ، و [كذلكَ] أمرُه(1)بالوضوءِ بالماءِ و إذا فُقِدَ الماءُ(2)فالتيمُّمُ بالترابِ، مِن(3)[قَبيلِ] عَرضِ الأخبارِ علَى الكتابِ و الأخذِ بما يُوافِقُه دونَ ما يُخالِفُه.
و الجوابُ أن يُقالَ له: و لَيسَ في هذا المَوضِعِ الذي هو الأمرُ بعَرضِ الأخبارِ تنزيلٌ أُمِرنا به، فنَصيرَ إلىٰ حالةٍ بَعدَ حالةٍ، و اعتبارِ أمرٍ مِن الأُمورِ بشَرطِ إمكانِه [و] إذا تَعذَّرَ بالرجوعِ إلىٰ غيرِه، و إنّما أُمِرنا بعَرضِ الأخبارِ علَى الكتابِ؛ لأنّ الكتابَ أصلٌ و دليلٌ علىٰ كُلِّ حالٍ، و حُجّةٌ في كُلِّ مَوضِعٍ، و الأخبارَ لَيسَت كذلكَ؛ فعَرَضنا ما لَم نَعلَمْ صِحّتَه منها علَى الكتابِ الذي هو الدليلُ و الحُجّةُ علىٰ كُلِّ حالٍ و في كُلِّ وقتٍ.
و كذلكَ العقولُ دَلالةٌ علىٰ جميعِ الأحوالِ غيرُ مُحتَمِلةٍ، فرَدَدنا كُلَّ مُشتَبِهٍ مِن آياتٍ و غيرِها إلىٰ أدِلّة العقولِ؛ لأنّها أصلٌ، فما هاهُنا انتقالٌ مِن مَنزِلةٍ إلىٰ أُخرىٰ، و لا أحوالٌ مُرتَّبةٌ بعضُها علىٰ بعضٍ، كالوضوءِ و التيمُّمِ، و الرؤيةِ و العَدَدِ؛ لأنّ العَدَدَ مُرتَّبٌ علَى الرؤيةِ، و حُكمَ الصيامِ تَعلَّقَ بالرؤيةِ، و حُكمَ الإفطارِ أيضاً تَعلَّقَ بالرؤيةِ، و إنّما أُمِرنا بالمَصيرِ إلَى العَدَدِ عندَ فَوتِ الرؤيةِ، وهذه أحكامٌ - كَما تَرىٰ - مُرتَّبةٌ بعضُها علىٰ بعضٍ. و كذلكَ القولُ في الوضوءِ و التيمُّمِ.
و لَيسَ مِن هذا شَيءٌ في عَرضِ الأخبارِ علَى الكتابِ و الأخذِ بما يُوافِقُ منها، و لا الرجوعِ إلَى العقولِ في المُتشابِهِ؛ فمَن خَلَطَ بَينَ الأمرَينِ، فهو قليلُ التأمُّلِ.
قالَ صاحبُ الكتابِ:
فإن قالَ قائلٌ: إنّا نَراكم قد أقرَرتم بأنّ رؤيةَ الأهِلّةِ دَلالةٌ علىٰ أوائلِ الشهورِ، و إن كانَ العَدَدُ عندَكم هو الأصلَ، و قد نَفَيتم - قَبلَ ذلكَ - الاستدلالَ بها و عَوَّلتُم علَى العَدَدِ(1)و هَل هذا إلّامُناقَضةٌ منكم لا يَخفىٰ ظهورُها؟
ثُمّ قالَ:
قيلَ له: لَيسَ يَلزَمُنا مُناقَضةٌ علىٰ ما ظَنَنتَ، و علَى العَدَدِ نُعوِّلُ في أوائلِ الشهورِ و نَستَدِلُّ، و قد ذَكَرنا بعضَ أدِلّتِنا عليه فيما سَلَفَ. و لمّا سُئلنا عن قولِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «صوموا لرؤيتِه، و أفطِروا لرؤيتِه؛ فإن غُمَّ عليكم فعُدُّوا ثَلاثينَ»، أخبَرْنا بمَذهبِنا فيه، و أعلَمْنا السائلَ أنّه خاصٌّ لسَنةٍ واحدةٍ أمَرَ الناسَ فيها رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالاستدلالِ علىٰ أوّلِ الشهرِ بالرؤيةِ، و أوجَبَ عليهم الرجوعَ - إن عَرَضَ لهُم الإغماءُ - إلَى العَدَدِ؛ ليُعلِمَهم أنّه الأصلُ الذي لا يَعتَرِضُه اللَّبسُ، فالرؤيةُ قد كانَت دليلاً لتلكَ السنةِ، و كانَ الاستدلالُ فيها علىٰ هذا الوجهِ.
و لَيسَ يَلزَمُنا أن يَكونَ دليلاً في كُلِّ شَهرٍ؛ لِما رُويَ عن الصادقِ عليه السلامُ في تخصيصِ الخبرِ.(2)
يُقالُ له: قد بيّنّا الكلامَ عليكَ في تأويلِ ما رُويَ عنه عليه السلامُ: «صوموا
لرؤيتِه، و أفطِروا لرؤيتِه»، و أنّ الذي خَرَّجتَه فيه مِن الخصوصِ لسَنةٍ واحدةٍ تخريجٌ باطلٌ لا حَظَّ له مِن الصوابِ، فلا معنىٰ لإعادتِه.
و إذا كانَت الرؤيةُ لَيسَت بدليلٍ علىٰ أوائلِ الشهورِ و أواخِرِها علىٰ ما خَرَّجتَه في الأوقاتِ علَى الاستمرارِ، فلا يَجوزُ أن يَكونَ دليلاً في بعضِ السنينَ حَسَبَ ما ادَّعَيتَه و خَرَّجتَه؛ لأنّ الدليلَ لا يَكونُ في بعضِ المَواضعِ دليلاً و في بعضٍ غيرَ دالٍّ؛ و لأنّ الرؤيةَ في تلكَ السنةِ التي ادَّعَيتَ فيها مُوافَقَتَها للعَدَدِ لَم تَكُن دليلاً في نفسِها و مؤثِّرةً لِما يَرجِعُ إليها، و إنّما المؤثِّرُ عندَكم العَدَدُ، و إنّما طابَقَ العَدَدُ للرؤيةِ علىٰ سَبيلِ الاتّفاقِ.
فأمّا قولُكَ في أثناءِ كلامِكَ: «إن عَرَضَ لهُم الإغماءُ» فمَصدرُ: «أُغمِيَ(1)علَى المَريضِ إغماءاً»، و لَيسَ بمَصدرٍ لقَولِهم: «غُمَّ الهِلالُ» إذا خَفيَ و استَتَرَ، و إنّما مَصدَرُه «غُمَّ غَمّاً».(2)و هذا و إن كانَ خارجاً عمّا نَحنُ فيه، فلا بُدَّ مِن بيانِ الصوابِ فيه مِن الخَطإ.
ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ:
وجهٌ آخَرُ، و هو أنّ مِن أصحابِنا مَن يَستَدِلُّ برؤيةِ الهِلالِ في كُلِّ شَهرٍ، فيَقولُ: إنّ اليومَ الذي يَظهَرُ في آخِرِه هو أوّلُ المُستَهَلِّ بمُوافَقتِه للعَدَدِ(3)
فمتىٰ رأَى الاختلافَ، عادَ إلَى العَدَدِ الذي هو الأصلُ.
و منهم مَن يَستَدِلُّ بالرؤيةِ مِن وجهٍ آخَرَ، و هو أن يَرقُبَ ظهورَ الهِلالِ له في المَشرِقِ و قَبلَ طلوعِ الشمسِ، يَفعَلَ ذلكَ يَوماً بَعدَ يَومٍ مِن آخِرِ الشهرِ، إلىٰ أن يَخفىٰ عنه آخِرُه مِن الشمسِ فلا يَظهَرَ؛ فيَعلَمَ حينَئذٍ أنّه آخِرُ يَومٍ في الشهرِ الماضي، وهو يومُ السَّرارِ، و اليومُ الذي يَليه أوّلُ المُستَهَلِّ، فيَستَدِلَّ بذلكَ ما لَم يُخالِفِ العَدَدَ؛ فإذا خالَفَه أو اعتَرَضَ له لَبْسٌ، عادَ(1)مُستَمسِكاً بالأصلِ. و هذه فُصولٌ مُستَمِرّةٌ، و الحَمدُ للّٰهِ.
يُقالُ له: أمّا ما قَدَّمتَه في هذا الفَصلِ فهو غَلَطٌ فاحشٌ؛ لأنّكَ ادَّعَيتَ أنّ اليومَ الذي يَظهَرُ في آخِرِه الهِلالُ هو أوّلُ يَومِ المُستَهَلِّ(2)، ثُمّ قُلتَ: «بشَرطِ مُوافَقتِه للعَدَدِ؛ فإن وَقَعَ اختلافٌ، وَجَبَ الرجوعُ إلَى العَدَدِ»!
فأيُّ فائدةٍ في أن يَعلَمَ المُكلَّفُ إذا رأَى الهِلالَ في آخِرِ يَومٍ أنّ ذلكَ اليومَ مُستَهَلُّ الشهرِ و قد فاتَ و انقَضىٰ، و لا يَتمكَّنُ مِن صيامِه و لا أداءِ العبادةِ فيه؟ و إنّما أمارةُ الشهرِ و دخولِه تجِبُ أن تَكونَ مُتقدِّمةً لنَعلَمَ بها الشهرَ، فنؤدّيَ الفَرضَ فيه؛ فأمّا أن تَكونَ مُتأخِّرةً و قد فاتَ الصومُ فيه، فغَيرُ صَحيحٍ.
و قولُه: «بشَرطِ مُوافَقتِه للعَدَدِ(3)» يُسقِطُ أن يَكونَ برؤيةِ الأهِلّةِ اعتبارٌ و تَكونَ دليلاً في نفسِها؛ لأنّه إذا شَرَطَ أن تُوافِقَ الرؤيةُ العَدَدَ، فلا حَظَّ للرؤيةِ هاهُنا، و لا حُكمَ تؤثِّرُ فيه، و إنّما التأثيرُ للعَدَدِ دونَها؛ فلا معنىٰ لقَولِه: «إنّا نَستَدِلُّ بالرؤيةِ علىٰ بعضِ الوجوهِ».
و قولُه: «و مِن أصحابِنا مَن يَستَدِلُّ بالرؤيةِ مِن وجهٍ آخَرَ» - إلىٰ آخِرِ الفَصلِ - غيرُ صحيحٍ؛ لأنّه إذا رَقَبَ ظهورَ الهِلالِ في المَشرِقِ إلىٰ آخِرِ الشهرِ، فخَفيَ عنه؛ لقُربِه مِن الشمسِ، علىٰ(1)أنّه آخِرُ يَومٍ مِن الشهرِ الماضي، فيَعلَمُ أنّه اليومُ الذي أوّلُ المُستَهَلِّ.
فهذا الترتيبُ الذي رَتَّبَه مِن أينَ له صِحّتُه؟ و أيُّ دليلٍ قامَ عليه؟ فما رأَينا أحَداً مِن المُسلِمينَ راعىٰ في رؤيةِ الهِلالِ هذا الذي ادَّعاه مِن مُراعاةٍ عندَ طلوعِ الشمسِ، و لا رأَيناهم يُراعونَ الأهِلّةَ إلّافي أواخِرِ الأيّامِ و غيابِ الشمسِ، و لا يَبرُزونَ إلَى الأماكِنِ المُصحِرةِ إلّافي أواخِرِ النهار و عندَ مَغيبِ الشمسِ، و ما رأَيناهم قَطُّ اجتَمَعوا قَبلَ طلوعِ الشمسِ، و لا راعَوا طلوعَه في هذا الوقتِ أو خَفاءَه.
علىٰ أنّه قد نَقَضَ الكلامَ كُلَّه بقَولِه: «يَستَدِلَّ بذلكَ ما لَم يُخالِفِ العَدَدَ؛ فإذا خالَفَه، كان مُستَمسِكاً بالأصلِ»؛ لأنّه إذا كانَ الأمرُ علىٰ ما ذَكَرَه، فالعَدَدُ هو الدليلُ و هو المؤثِّرُ، و قد تَقدَّمَ هذا؛ لأنّ ظهورَ الهِلالِ أو خَفاءَه في الوقتِ الذي ذَكَرَه إذا كانَ يُصدَّقُ، و يُكذَّبُ، و إنّما يُعوَّلُ عليه(2)إذا وافَقَ العَدَدَ، و إذا خالَفَهُ اطُّرِحَ؛ فالعَدَدُ إذَن هو المؤثِّرُ، و به الاعتبارُ دونَ غيرِه، و لا تأثيرَ لرؤيةِ الهِلالِ.
فمَن ادَّعىٰ أنّ الرؤيةَ مؤثِّرةٌ، فقَد استَعارَ - هَرَباً مِن الشناعةِ و الخِلافِ، و إشفاقاً لِما رُويَ مِن قولِه: «صوموا لرؤيتِه، و أفطِروا لرؤيتِه» - ما لا يَصِحُّ له، و لا يَستَقيمُ علىٰ مَذهبِه.
قالَ صاحبُ الكتابِ: مَسألةٌ أُخرىٰ.
ثُمّ قالَ:
و سَألوا عن الخبرِ المَرويِّ عن الصادقِ عليه السلامُ أنّه قالَ: «شَهرُ رمضانَ يُصِيبُه ما يُصيبُ سائرَ الشهورِ مِن الزيادةِ و النقصانِ»(1).
ثُمّ قالَ:
و يُقالُ لهم: هذا الخبرُ إن كانَ منقولاً علَى الحقيقةِ فيُحتَمَلُ أن يَكونَ مِن أخبارِ التقيّةِ، دَفَعَ به الصادقُ عليه السلامُ عن نفسِه و شيعتِه ما خَشِيَه مِن العَوامِّ و سُلطانِ الزمانِ مِن الأذيّةِ.
فإن قالوا: كَيفَ تَجوزُ التقيّةُ بقَولٍ يُضادُّ أصلَ المَذهبِ، و لَيسَ له معنىً يَخرُجُ به عن حَدِّ الكَذِبِ؟
قيلَ لهُم: بَل يَحتَمِلُ معنىً يُضمِرُه الإمامُ يُوافِقُ الصوابَ، و هو أن يَقصِدَ زيادةَ النهارِ و نُقصانَه في الساعاتِ، فيَكونَ شَهرُ رمضانَ مَرّةً في الصيفِ خَمسَ عَشرةَ ساعةً، و يَصيرَ مَرّةً أُخرىٰ في الشتاءِ تِسعَ ساعاتٍ، فقَد لَحِقَه ما لَحِقَ سائرَ الشهورِ مِن الزيادةِ و النقصانِ باختلافِ الساعاتِ لا في عَدَدِ الأيّامِ.
يُقالُ له: هذا الخبرُ مِن أخبارِ الآحادِ، و أخبارُ الآحادِ عندَنا لا توجِبُ عِلماً و لا عملاً، و لا يَصِحُّ الاستدلالُ بها علىٰ حُكمٍ مِن الأحكامِ، و قد بيّنّا هذا فيما تَقدَّمَ. و لَو وُفِّقتَ أيُّها المُتكلِّمُ لَدَفَعتَ الاحتجاجَ عليكَ بهذا الخبرِ بأنّه لا يوجِبُ العِلمَ، و لَكُفيتَ بذلكَ.
1) . تهذيب الأحكام، ج 4، ص 157، ح 435.
و أمّا قولُه: «إنّه مِن أخبارِ التقيّةِ» فدَعوىً بِلا بُرهانٍ، و ظاهرُ هذه الأخبارِ تَقتَضي أنّها علَى السلامةِ و عدمِ الخَوفِ؛ فمَن ادَّعىٰ خِلافَ ذلكَ، فعَلَيه الدليلُ.
و أمّا السؤالُ الذي سَألتَ نفسَكَ عنه، ثُمّ أجَبتَ عنه، فما يَسألُ عن مِثلِه مُحصِّلٌ مِن مُخالِفيكَ؛ لأنّه يَجوزُ أن يُريدَ الإمامُ عليه السلامُ بقَولِه: «شَهرُ رمضانَ يُصيبُه ما يُصيبُ سائرَ الشهورِ مِن الزيادةِ و النقصانِ» - إذا كانَ شيعيّاً خائفاً علىٰ ما ادَّعَيتَ - أنّ هذا يَلحَقُه علىٰ مَذهبِ هذه الطائفةِ التي لاتَرَى العَدَدَ، كَما قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ» (1)أي عندَ قومِكَ و أصحابِكَ. فلا يُحتاجُ في ذلكَ إلىٰ ما تأوَّلتَه مِن زيادةِ الساعاتِ و نُقصانِها.
ثُمّ قالَ صاحبُ الكتابِ:
مَسألةٌ لهُم أيضاً: و سَألوا عن حَجِّ الناسِ في وقتِنا هذا علَى الرؤيةِ، فقالوا: ما يَصنَعُ أحَدُكم في حَجِّه - و أنتم علَى العَدَدِ - و هو لا يَقدِرُ أن يَنسُكَ مَناسكَه علَى الرؤيةِ؟
ثُمّ أجابَ، فقالَ:
هذا سؤالٌ عمّا يَفعَلُه، و لَيسَ فيه دَلالةٌ علىٰ صِحّةِ الرؤيةِ و بُطلانِ ما نَعتَقِدُه؛ لأنّه قد كانَ مِن الجائزِ المُمكِنِ أن يَليَ الحَرَمَينِ سُلطانٌ عَدَديٌّ، فيأخُذَ الناسَ برأيِه، ويَحُجَّ بِهم علىٰ مَذهبِه، فتَكونَ الحالُ بخِلافِ(2)ما هي عليه الآنَ(3)و معلومٌ أنّ ذلكَ لا يَكونُ دَلالةً علىٰ ما نَذهَبُ إليه مِن العَدَدِ،
و كذلكَ حَجُّ الناسِ اليومَ علَى الرؤيةِ، و لا يَصِحُّ به الدلالةُ.
و الذي نَعمَلُه أنّا نَقِفُ مع الناسِ المَوقِفَينِ، و نَفعَلُ المَناسِكَ التي هي أصلُ الحَجِّ، و لا يَجِبُ أن يَكونَ ما نَفعَلُه مِن الحَجِّ علَى الإفرادِ بَعدَ فَوتِ المُتعةِ كُلُّه صحيحاً واقعاً مَوقِعَه مِن المَناسِكِ.
[يقالُ له:]
و لَيسَ(1)كذلكَ ما يَقولُه أصحابُ العَدَدِ؛ لأنّه [مَن] يَقِفُ علىٰ مَذهبِهم في يَومِ عَرَفاتٍ في غيرِ يَومِ المَوقِفِ فكأنّه ما وَقَفَ، و يأتي مِنىً في غيرِ اليومِ الذي يَجِبُ إتيانُها فيه فكأنّه ما أتاها، و إذا وَقَعَت منه المَناسِكُ في غيرِ أوقاتِها - لمُخالَفتِها العَدَدَ الذي هو المُعتَبَرُ - فكأنّه ما صَنَعَ شَيئاً، فلا حَجَّ له.
فأمّا قولُه: «إنّا نَقِفُ مع الناسِ ونُتابِعُهم للضرورةِ» فلَيسَ بشَيءٍ يُعتَمَدُ؛ لأنّ السؤالَ عليه أن يُقالَ له: و لِمَ تَكلُّفُ الخروجِ إلَى الحَجِّ و أنتَ تَعلَمُ أنّكَ لا تَتمكَّنُ منه، و لا تَقدِرُ علىٰ أن تؤَدّيَ أفعالَ الحَجِّ في أوقاتِها، و أنّك تُصَدُّ عنها و تُمنَعُ؟ و هَل ذلكَ إلّاعَبَثٌ؟
فإن قُلتَ: قد كانَ مِن الجائزِ أن يَليَ الحَرَمَينِ سُلطانٌ عَدَديٌّ، فيُتمكَّنَ به مِن أداءِ الحَجِّ علىٰ واجبِه و حَقِّه.
قيلَ لكَ: فيَنبَغي - إذا لَم يَقَعْ هذا الجائزُ الذي يُتمكَّنُ به مِن شَرائطِ الحَجِّ - أن تَتوقَّفَ عن تَكلُّفِه(2)و الخروجِ إليه؛ لأنّ ذلكَ منكَ عَبَثٌ.
فإن قُلتَ: إنّما أتكلَّفُه قَبلَ عِلمي بوقوعِ هذا الجائزِ؛ لتجويزي في طولِ طَريقي
إلَى الحَجِّ أن يَليَ الحَرَمَينِ مَن مَذهبُه العَدَدُ، فيُمكِّنّي(1)أن يَكونَ حَجّي علىٰ موجَبِ العَدَدِ.
قيلَ لكَ: و أيُّ شَيءٍ يَنفَعُكَ مِن تغيُّرِ مَذهبِ مَن يَلي الحَرَمَ...(2)و تابَعَهم عندَ الضرورةِ و لا يُخالِفُ، جارٍ في ذلكَ مَجرَى الممنوعِ و عن بعض شَرائطِ الحَجِّ مصدودٌ؟ و عندَ الاضطرارِ تُبسَطُ الأعذارُ.
[ثُمّ قالَ:]
و هو نَظيرُ ما أجمَعَت عليه الشيعةُ و خالَفَت فيه العوامَّ مِن وجوبِ التمتُّعِ بالعُمرةِ إلَى الحَجِّ علىٰ مَن لَم يَكُن أهلُه حاضِري المَسجِدِ الحَرامِ، حتّىٰ أكَّدَ أكثَرُهم ذلكَ، فقالوا: هو الفَرضُ الذي لا يُتقبَّلُ في الحَجِّ غيرُه ممّن نَأَتْ عن مَكّةَ دارُه. و معلومٌ جوازُ فَوتِه لِمَن سَلَكَ طريقَ الشامِ؛ لجوازِ دخولِه مَكّةَ بَعدَ المَوقِفِ مِن يَومِ الترويةِ، و هو وقتٌ لا يُمكِنُ فيه التمتُّعُ بالعُمرةِ، و إنّ ذلكَ يَفوتُ مَن حَجَّ علىٰ طَريقِ العِراقِ؛ لورودِه يَومَ عَرَفةَ.
فتُلجئُ الضرورةُ لِمَن يَقولُ هذا الرأيَ إلَى المُقامِ علَى الإحرامِ الذي عَقَدَه بنيّةِ التمتُّعِ بالعُمرةِ، و يَصيرُ إلَى الإفرادِ الذي لَو ابتَدأَ الإحرامَ به لَكانَ مُخطئاً عندَ الشيعةِ علىٰ كُلِّ حالٍ، فجَوَّزَت له الضرورةُ هذا الفِعالَ.
و لذلكَ عِدّةُ نَظائرَ مِن واجباتٍ و سُنَنٍ، الناسُ اليومَ علىٰ خِلافِها غيرُ مُتمكِّنينَ مِن إقامتِها علىٰ شَرائطِها.
يُقالُ له: و هذه المسألةُ أيضاً ممّا لا نُسألُ عنه، و لا نُحاجُّ بمِثلِه؛ لأنّه لا حُجّةَ فيه.
و الفَرقُ بَينَ فَوتِ التمتُّعِ بالعُمرةِ إلَى الحَجِّ لِمَن حَجَّ مع كافّةِ الناسِ و بَينَ(1)ما يَقولُه أصحابُ العَدَدِ واضحٌ؛ لأنّ فَوتَ التمتُّعِ لا يُبطِلُ العَدَدَ، و هو إذا كانَ ذلكَ(2)وَقَفَ بعَرَفاتٍ قَبلَ وقوفِ أصحابِ الرؤيةِ، فقَد فاتَ علىٰ كُلِّ حالٍ مَن يَحُجُّ مع جُملةِ الحاجِّ الخارجينَ مِن العراقِ الوقوفُ بعَرَفاتٍ علىٰ مَذهبِ أصحابِ العَدَدِ.
و لَيسَ بنافعٍ له أن يَتغيَّرَ مَذهبُ والي الحَرَمِ، فيَقِفَ بعَرَفاتٍ علىٰ موجَبِ العَدَدِ قَبلَ فَوتِه؛ لأنّ ذلكَ لا يَمنَعُ مِن فَواتِ الحَجِّ لهذا الذي خَرَجَ في جُملةِ الحَجيجِ العاملينَ علَى الرؤيةِ في يَومِ الوقوفِ، و تَعذَّرَ استدراكُ فَرضِه عليه.
و هذا كُلُّه واضحٌ لِمَن تأمَّلَه بعَينِ الإنصافِ.
تَمَّ الكتابُ بحَمدِ اللّٰهِ تَعالىٰ و مَنِّه و حُسنِ توفيقِه.
و الحَمدُ للّٰهِ رَبِّ العالَمينَ، و صَلَواتُه علىٰ مُحمّدٍ وآلِه الطاهرينَ، و حَسبُنا اللّٰهُ و نِعمَ الوكيلُ.
لقد تمتّع الشريف المرتضى بمرونة فكريّة و قدرة على تغيير رأيه إذا اقتضى الدليلُ ذلك، فقد كان تابعاً للدليل يتوجّه معه أينما وَجّهه. ومن مصاديق ذلك الرسالة التي بين أيدينا، فقد قام فيها بتغيير رأي فقهيّ قديم كان يؤمن به، و قد أودع هذا الرأي في رسالة كان قد أملاها قديماً، ذهب فيها إلى أنّ العزم في أثناء نهار شهر رمضان على ما ينافي الصوم من أكل وشرب وغير ذلك ينقض الصوم؛ ولكنّه بعد ذلك رجع عن هذا الرأي في كتابه المصباح في الفقه - أشار إلى ذلك في الرسالة التي بين أيدينا - و ذهب إلى أنّ هذا العزم لا ينافي الصوم، بل يبقى صومه صحيحاً، و لا يبطل بذلك.
و يبدو أنّه لأهمّيّة هذه المسألة من وجهة نظره قام بتأليف هذه الرسالة المستقلّة التي وصلت إلينا، فيما فُقدت تلك الرسالة القديمة، كما لم يصل إلينا كتاب المصباح.
و قد أيّد الشيخ الطوسي (ت 460 ه) الرأي الأخير(1)، فيما اختار أبو الصلاح الحلبي (ت 447 ه) الرأيَ القديم(2). و يبدو أنّ الحلبي لم يكن مطّلعاً على الرسالة التي بين أيدينا، و لا على كتاب المصباح، و إلّالو كان قد اطّلع عليهما لكان من المحتمل أن يغيّر رأيه.
ثمّ ليست هذه هي المرّة الأُولى التي يغيّر الشريف المرتضى فيها رأياً من آراءه؛ بل قد حصل ذلك له في مسألة أُخرى. فقد كان يذهب سابقاً إلى حرمة الربا بين الأب و الابن(1)لكنّه رجع عن هذا الرأي في بعض كتبه(2).
و الجدير بالذكر أنّ العلّامة الحلّي (ت 726 ه) قد أورد معظم ألفاظ الرسالة محلّ البحث في كتابه مختلف الشيعة مع شيء من التصرّف و الحذف؛ لكنّه لم يقبل بالرأي المطروح فيها، فقام بمناقشته، و اختار الرأي القديم للشريف المرتضى(3).
و قد استدلّ الشريف المرتضى في هذه الرسالة على رأيه حول أنّ العزم على فعل المفطر لا ينافي الصوم بدليلين:
الأوّل: أنّ عزيمة المنافي لا تنافي الصوم، و إنّما الذي ينافيه هو فِعل المنافي.
و قد يقال: إنّ عزيمة الصوم و إن لم تنافِ الصوم، إلّاأنّها تنافي نيّة الصوم التي لا يصحّ الصوم بدونها، فإنّ نيّة الصوم عبارة عن العزيمة على الكفّ عن المفطرات، فتكون العزيمة على فعلها منافية لها.
فأجاب: صحيح أنّ العزيمة على المنافي تنافي «نيّة الصوم» التي يجب أن تقع في ابتداء الصوم، لكنّها لا تنافي «حُكم نية الصوم» الواقع في طول النهار، فمن الواضح أنّ النيّة لا يمكن تحقُّقها بالفعل في طول النهار و في كلّ ساعاته و لحظاته، و إنّما يكفي بقاء حُكمها، و لذلك يمكن وقوع النوم أو الإغماء في أثناء الصوم من دون أن يؤدّي ذلك إلى بطلانه، و ذلك لا لأجل بقاء نيّة الصوم فعلاً، بل لبقاء حُكمها، و لذلك يمكن العزوب عن النيّة و الغفلة عنها من دون أن يؤدّي ذلك إلى بطلان الصوم.
إذن العزيمة على المنافي تنافي نيّة الصوم الواقعة في بداية اليوم، و لا تنافي حكم
هذه النيّة الواقع في طول النهار، أي إذا عزم على المنافي في بداية الصوم لم تنعقد نيّته و فسد صومه، لكن إذا عزم على المنافي في طول النهار لم يفسد صومه.
الثاني: عندما تعرّض العلماء لذكر المفطرات، لم يذكروا في ضمنها العزيمة على بعض المفطرات، و هذا يدلّ على أنّ العزيمة ليست من المفطرات.
و في النهاية أشار إلى أنّ ما ورد في هذه الرسالة كاف لنقض ما جاء في رسالته السابقة القديمة التي كتبها لتأييد رأيه السابق، فلا حاجة إلى نقض كلّ مطالب تلك الرسالة، لكنّه مع ذلك تعرّض بصورة مجملة لنقض بعض مطالبها.
طبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 322 تحت عنوان: «استمرارُ الصوم مع قصد المنافي له».
كما طبعت في ضمن مسائل المرتضى، ص 40 تحت عنوان: «العزمُ على الإفطار غيرُ مفطر».
و كلا العنوانين مناسبان، إلّاأنّ الأخير أدقّ. و الأدقّ منهما معاً أن نضيف جملة:
«في أثناء النهار»، فيكون العنوان: «العزمُ على الإفطار في أثناء النهار غيرُ مفطر» فقد تقدّم أنّه بحسب رأي الشريف المرتضى أنّ العزم على المفطر في بداية الصوم مفطرٌ.
ثمّ إنّ إرجاع الشريف المرتضى إلى كتابه المصباح في هذه الرسالة يعتبر قرينة مهمّة على تصحيح النسبة، كما يمكن اعتبار نسبة العلّامة الحلّي الرسالة إليه قرينة أُخرى جيّدة.
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (296) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحة (17) من المجموعة، و رمزنا لها ب «س».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (49) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ط».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (35) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ي».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (15) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحة (339) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ر».
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحة (8) من المجموعة، و رمزنا لها ب «م».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (261) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ه».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحة (11) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ع».
مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (13) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحة (56) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ل».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحة (11) من المجموعة، و رمزنا لها ب «و».
مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587؛ تقع في الصفحة (80) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ك».
كتاب مختلف الشيعة للعلّامة الحلّي طبعة مركز الإعلام الإسلامي، فقد تقدّم أنّه نقل معظم ألفاظ الرسالة في هذ الكتاب، مع شيء من التصرّف، و لذلك اكتفينا بنقل أهمّ الاختلافات في الهامش.
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
قالَ رَضيَ اللّٰهُ عنه: كنتُ(1)أملَيتُ قَديماً مسألةً(2)أنصُرُ فيها(3)أنّ مَن عَزَمَ في نَهارِ شَهرِ رمضانَ علىٰ أكلٍ أو شُربٍ(4)أو جِماعٍ(5)يَفسُدُ بهذا العَزمِ صَومُه، و نَصَرتُ ذلك(6)بغايةِ المُمكِنِ(7)و قَوَّيتُه؛ ثُمّ رَجَعتُ عنه في كتابِ الصومِ مِن المِصباحِ(8)، و أَفتَيتُ فيه بأنّ العازِمَ علىٰ شَيءٍ ممّا ذَكَرناه في نَهارِ شَهرِ رمضانَ بَعدَ تَقدُّمِ نيّتِه و انعقادِ صَومِه لا يُفطِرُ به. و هو الصحيحُ(9)الذي تَقتَضيهِ الأُصولُ، و هو مَذهبُ جميعِ الفقهاءِ.
1) . في «ك، ل، و، ي»: «كتبت و» بدل «كنت».
2) . هذه المسألة مفقودة.
3) . في «س»: «أنصرفها». و في «ك، ل»: «نصرت فيها». و في «ه» و المطبوع: «أنظر منها»، كلّها بدل «أنصر فيها».
4) . هكذا في «أ، س، ل». و في «ه»: «فشرب». و في سائر النسخ و المطبوع و المختلف: «و شرب».
5) . في المختلف: «و جماع».
6) . في «أ، س»: «و يضرب بذلك» بدل «و نصرت ذلك». و في «ه» و المطبوع: «و يضرب ذلك» بدلها.
7) . في المختلف: «التمكّن».
8) . هذا الكتاب للسيّد رحمه اللّٰه من المفقودات. راجع: المتبقّى من التراث المفقود للشريف المرتضى.
9) . في المطبوع: «الظاهر».
و الذي يَدُلُّ(1)عليه: أنّ الصومَ بَعدَ انعقادِه بحصولِ النيّةِ في ابتدائه إنّما(2)يَفسُدُ بما يُنافي الصومَ، مِن أكلٍ أو شُربٍ أو جِماعٍ؛ و لا(3)مُنافاةَ بَينَ الصومِ و بَينَ عزيمةِ(4)الأكلِ و الشُّربِ.
فإذا قيلَ: عزيمةُ الأكلِ(5)و إن لَم تُنافِ الصومَ، فهي(6)تُنافي نيّةَ الصومِ(7)التي لا بُدَّ للصومِ منها و لا يَكونُ صَوماً(8)إلّابها؛ لأنّ نيّةَ الصومِ إذا كانَت عندَ الفقهاءِ كُلِّهم هي العزيمةَ علَى الكَفِّ عن هذه المُفطِراتِ - و علىٰ(9)ما حَدَدتموه في المِصباحِ هي العزيمةَ علىٰ تَوطينِ النفسِ علَى الكَفِّ - و إذا(10)صادَفَت هذه العزيمةُ(11)نيّةَ الصومِ التي لا بُدَّ للصومِ منها أَفسَدَت الصومَ.
قُلنا: عزيمةُ الأكلِ لا شُبهةَ في أنّها تُنافي عزيمةَ الكَفِّ عنه(12)لكِنّها لا تُنافي حُكمَ عزيمةِ الصومِ و نيّتِه، و حُكمُ النيّةِ غيرُ النيّةِ(13)نفسِها؛ لأنّ النيّةَ إذا وَقَعَت في ابتداءِ الصومِ استَمَرَّ حُكمُها في باقي اليومِ و إن لَم تَكُن مُقارِنةً لجميعِ أجزائه و أثَّرَت فيه بِطُولِه.
1) . في المختلف: «و الدليل» بدل «و الذي يدلّ»
2) في «ه» و المطبوع: «و إنّما».
3) . في «ب، ج، د، ط، ع، ك، ل، م، و، ي»: «فلا».
4) في المختلف: «عزمه على».
5) . من هنا إلىٰ قوله بعد عدّة صفحات: «أن يحدث حدثاً ينقض الوضوء» ساقط من «أ».
6) . في «ه» و المطبوع: «فمتى». و في المختلف: «فإنّها».
7) . في المختلف: «نيّته» بدل «نيّة الصوم».
8) . في «ب، ج، ع»: - «صوماً».
9) . في «ب، ج، ع»: «عند المفطرات علىٰ» بدل «عن هذه المفطرات - و علىٰ».
10) . في جميع النسخ سوىٰ «ك، ل»: «إذا» بدون واو العطف.
11) . أي عزيمة الأكل.
12) . في «ه» و المطبوع: «عنها».
13) . في «ط، ك، ل، م، ه، و، ي» و المطبوع: - «غير النيّة».
و عندَنا أنّ هذه النيّةَ - زيادةً علىٰ تلكَ - مؤثِّرةٌ في كَونِ جميعِ أيامِ الشهرِ صَوماً و إن لَم تَكُن مُقارِنةً للجميعِ(1).
و قد قُلنا كُلُّنا: إنّ استمرارَ حُكمِ النيّةِ في جميعِ زمانِ الصومِ ثابتٌ، و إن لَم تَكُن مُقارِنةً لجميعِ أجزائه؛ و لهذا جَوَّزنا و جَوَّزَ جميعُ الفقهاءِ أن يَعزُبَ(2)عن النيّةِ و لا يُجدِّدَها و يَكونَ صائماً، و جَعَلناه صائماً(3)مع النومِ و الإغماءِ، و نَحنُ نَعلَمُ أنّ مُنافاةَ عُزوبِ النيّةِ لنيّةِ(4)الصومِ أشَدُّ مِن مُنافاةِ(5)عزيمةِ الأكلِ لعزيمةِ الكَفِّ، و كذلكَ مُنافاةُ النومِ و الإغماءِ لها.
ألا تَرىٰ أنّه لا يَجوزُ أن تَكونَ النيّةُ عازِبةً(6)عنه في ابتداءِ الصومِ و يَكونَ مع ذلكَ صائماً، و كذلكَ(7)لا يَجوزُ أن يَكونَ في ابتداءِ الدخولِ في الصومِ نائماً أو مُغمىً عليه، و لَم يَجِبْ أن يَنقَطِعَ استمرارُ حُكمِ النيّةِ بتَجدُّدِ عُزوبِ النيّةِ و لا بتَجدُّدِ(8)نَومٍ أو إغماءٍ، مع مُنافاةِ ذلكَ لنيّةِ الصومِ لَو تَقدَّمَ(9)و قارَنَها(10)؟
كذلكَ لا يَجِبُ إذا تَقدَّمَ منه الصومُ بالنيّةِ الواقعةِ في ابتدائه ثُمّ عَزَمَ في خِلالِ
1) . في «ب، ج، ر، ط، ع»: «للجمع». و في «د، ك، ل، م، و، ي»: - «للجميع».
2) . في «ك، ل»: «أنّه إن عزب». و في «م، و»: «أن تعزب».
3) . في «ك، ل، م، و» و المطبوع: - «و جعلناه صائماً».
4) . في «ب، ج، ع»: - «لنيّة».
5) . في «ه» و المطبوع: - «عزوب النيّة لنيّة الصوم أشدّ من منافاة».
6) . في «ب، س، ع»: «غازيةً». و في «د، ك، ل، م، ه، و» و المطبوع: «عاريةً». و في «ي»: «غاربةً».
7) . في المختلف: «و كذا».
8) . في «ب، ج، س، ع، ك، ه»: و المطبوع: «و لا يتجدّد».
9) . في «ب، ج، ع»: «تعذّر». و في «س»: «يقدّم».
10) . في «ب، ج، س، ط، ع، ه» و المطبوع: «و قاربها».
النهارِ علىٰ أكلٍ أو غيرِه مِن المُفطِراتِ، لا يَجِبُ(1)أن يَكونَ مُفسِداً لصَومِه؛ لأنّ حُكمَ الصومِ مُستَمِرٌّ(2)، و هذه العزيمةُ لا تَضادَّ بَينَها و بَينَ استمرارِ حُكمِ الصومِ، و إن كانَت لَو وَقَعَت في الابتداءِ لَخَرَجَت [نيّةُ الصومِ] مِن(3)الانعقادِ.
و إنّما كانَ في هذا المَذهبِ شُبهةٌ لَو وَجَبَ(4)علَى الصائمِ تجديدُ النيّةِ في جميعِ زمانِ(5)الصومِ و أجزاءِ الصومِ(6)و إذا كانَ(7)لا خِلافَ بَينَ الفقهاءِ(8)أنّ(9)تجديدَ هذه النيّةِ غيرُ واجبٍ، لَم تَبقَ شُبهةٌ في أنّ العزيمةَ علَى(10)الأكلِ في خِلالِ النهارِ مع انعقادِ الصومِ لا تؤثِّرُ(11)في فَسادِ الصومِ؛ إذ لا مُنافاةَ بَينَ هذه العزيمةِ و بَينَ(12)الصومِ و استمرارِ حُكمِه، و إنّما(13)يَفسُدُ الصومُ بَعدَ ثُبوتِه و استمرارِ حُكمِه بما نافاه(14)مِن أكلٍ أو شُربٍ أو جِماعٍ أو غيرِ ذلكَ ممّا اختَلَفَ الناسُ فيه(15).
1) . من قوله: «إذا تقدّم منه الصوم...» إلىٰ هنا ساقط من «ك، ل».
2) . في «ب، ج، ط، ع»: + «به».
3) . في «س، ه» و المطبوع: «عن».
4) . في «ه» و المطبوع: - «لو وجب».
5) . في «ه» و المطبوع: «أيّام».
6) . في المختلف: «اليوم».
7) . في «ه» و المطبوع: «كانت».
8) . في المختلف: - «بين الفقهاء».
9) . في «ه» و المطبوع: + «و أنّ».
10) . في المطبوع: «لم يبق شهرة في أنّ العزيمة عن».
11) . في «ب، ج، ر، س، ط، ع، ه» و المطبوع: «لا يؤثّر».
12) . في «د، م، و، ي»: - «و بين». و في «ك، ل»: - «بين».
13) . في «ك، ل»: «و أنّى». و في «م، و، ي»: «و إنّا».
14) . في «ب، ج، ط، ع»: «بمنافاة» بدل «بما نافاه» و في «ه» و المطبوع: «لما نافاه».
15) . من قوله: «و إنّما يفسد الصوم» إلىٰ هنا ساقط من المختلف.
و علىٰ هذا الذي قَرَّرناه لا يَكونُ مَن أحرَمَ إحراماً صَحيحاً بِنيّةٍ حَصَلَت(1)في ابتداءِ إحرامِه، ثُمّ(2)عَزَمَ في خِلالِ إحرامِه علىٰ ما يُنافي الإحرامَ - من جِماعٍ أو غيرِه - مُفسِداً لإحرامِه؛ بَل حُكمُ إحرامِه مُستَمِرٌّ لا يُفسِدُه إلّافِعلُ ما نافَى(3)الإحرامَ، دونَ العَزمِ علىٰ ذلكَ. و هذا لا خِلافَ فيه(4).
و كذلكَ(5)مَن أحرَمَ بالصَّلاةِ، ثُمّ عَزَمَ علىٰ مَشيٍ(6)أو التفاتٍ أو علىٰ شَيءٍ مِن نَواقضِ الصلاةِ، لَم يُفسِدْها(7)للعِلّةِ التي ذَكَرناها.
و كَيفَ يَكونُ العَزمُ مُفسِداً للصومِ(8)كما يُفسِدُه الفعلُ المعزومُ عليه الشرعيُّ(9)، و قد عَلِمنا أنّه لَيسَ في الشريعةِ عَزمٌ له مِثلُ حُكمِ المعزومِ عليه الشرعيِّ البَتّةَ؟
ألا تَرىٰ أنّ(10)مَن عَزَمَ علَى الصَّلاةِ لا يَجوزُ أن(11)يَكونَ له حَظٌّ(12)مِثلُ حُكمِ فعلِ الصلاةِ الشرعيِّ، و كذلكَ مَن عَزَمَ علَى الوضوءِ؟(13)و إنّما اشتَرَطنا(14)الحُكمَ
1) . في «ب، ج، د، ر، ط، ع، م، ه، و، ي» و المختلَف: «و حصلت».
2) . في المطبوع: - «ثمّ».
3) . في المختلف: «لا يفسد إلّابفعل ما ينافي».
4) . في المختلف: - «و هذا لا خلاف فيه».
5) . في المختلف: «و كذا».
6) . في «ط، ه» و المطبوع: «شيء».
7) . في المختلف: «أو التفاتٍ أو فعلٍ ناقض آخر لم يفسد».
8) . في «ه»: و المطبوع: - «للصوم».
9) . في المختلف: - «الشرعي».
10) . في «ه»: - «أنّ».
11) . في «ك، ل»: - «يجوز أن».
12) . في «د، ك، ل»: «حظر». و في «م، و، ي»: «خطر». و في المطبوع: «حكم».
13) . في المختلف: «فليس من عزم على الصلاة له حظّ فعلها» بدل «البتّة؟ ألا ترىٰ...» إلىٰ هنا.
14) . في المختلف: «شرطنا».
الشرعيَّ لأنَ حُكمَ(1)العَزمِ في الثوابِ و استحقاقِ المَدحِ حُكمُ المعزومِ عليه، و كذلكَ(2)العَزمُ علَى القَبيحِ مُستَحَقٌّ(3)عليه الذمُّ كَما يُستَحَقُّ علىٰ فعلِ(4)القَبيحِ(5)، و إن وَقَعَ اختلافٌ في تَساويهِ أو قُصورِ العَزمِ في ذلكَ عن المعزومِ عليه.
و ممّا يَدُلُّ علىٰ صِحّةِ ما اختَرناه: أنّه لَو كانَ عزيمةُ الأكلِ أو ما(6)أشبَهَه(7)مِن المُفطِراتِ يُفسِدُ الصومَ(8)، لَوَجَبَ أن يَذكُرَه(9)أصحابُنا في جُملةِ ما عَدَّدوه مِن المُفطِراتِ المُفسِداتِ(10)للصومِ التي رَوَوها عن أئمّتِهم عليهم السلامُ، و أجمَعوا عليها بتَوقيفِهم، حتّىٰ مَيَّزوا بَينَ(11)ما يُفطِرُ و يوجِبُ الكفّارةَ و بَينَ ما يوجِبُ القَضاءَ مِن غيرِ كَفّارةٍ؛ و لَم يَذكُرْ أحَدٌ منهم - علَى اختلافِ تَصانيفِهم و رِواياتِهم - أنّ العَزمَ علىٰ بعضِ هذه المُفطِراتِ يُفسِدُ الصومَ، و لا أَوجَبوا فيه قَضاءً و لا كَفّارةً.(12)و لَو كانَ العَزمُ علَى الجِماعِ جارياً مَجرَى الجِماعِ، لَوَجَبَ أن يَذكُروه في جُملةِ المُفطِراتِ، و يوجِبوا فيه(13)إذا كانَ مُتعمَّداً القَضاءَ و الكَفّارةَ، كَما أَوجَبوا [في] مُتَناوَلِه(14)مِن ذلكَ.
1) . في جميع النسخ سوىٰ «ك، ل»: - «حكم»
2) في المختلف: «و كذا».
3) . في المختلف: «يُستحقّ».
4) في «ه» و المطبوع: «الفعل».
5) . في «ع» - «مستحقّ عليه الذمّ كما يستحقّ علىٰ فعل القبيح».
6) . في «ه» و المطبوع: «و ما».
7) . في المختلف: «و شبهه» بدل «أو ما أشبهه».
8) . في المختلف: - «يفسد الصوم».
9) . في «ب، ج، ر، س، ط، ع، د» و المطبوع و المختلف: «يذكرها».
10) . في «د، ك، ل، م، و، ي»: «المُفسِدة».
11) . في «ه»: و المطبوع: - «بين».
12) . الخلاف، ج 2، ص 223، المسألة 89.
13) . في «ك، ل، م، و، ي»: + «أنّه».
14) . أي متعلَّقه.
فإن قيلَ: فما قولُكم فيمَن نَوىٰ عندَ ابتداءِ طَهارتِه بالماءِ(1)إزالةَ الحَدَثِ، ثُمّ لَمّا(2)أرادَ أن يُطهِّرَ رأسَه أو رِجلَيه غَيَّرَ هذه النيّةَ، فنَوىٰ - بما يَفعَلُ - النَّظافةَ(3)أو ما(4)يَجري مَجراها ممّا يُخالِفُ إزالةَ الحَدَثِ؟
قُلنا: إذا كانَت نيّةُ الطهارةِ لا يَجِبُ - إذا وَقَعَت النيّةُ(5)في ابتدائها - أن تُجَدَّدَ حتّىٰ تُقارِنَ(6)جميعَ أجزائها؛ بَل كانَ وقوعُها في الابتداءِ يَقتَضي كَونَ الغَسلِ و المَسحِ طَهارةً، فالواجبُ أن نَقولَ(7): إنّه(8)متىٰ غَيَّرَ نيّتَه(9)لَم يؤثِّرْ هذا التغييرُ في استمرارِ حُكمِ النيّةِ الأُولىٰ؛ كَما أنّه لَو عَزَمَ عَلىٰ أن(10)يُحدِثَ حَدَثاً يَنقُضُ الوضوءَ(11)و لَم يَفعَلْه، لا يَجِبُ أن يَكونَ ناقضاً لحُكمِ الطهارةِ، و لَم يَجرِ العَزمُ علَى الحَدَثِ في الطهارةِ مَجرَى المعزومِ(12)نفسِه.
و هذا الذي يُشبِهُ(13)مسألةَ الصومِ؛ فإنّا(14)فَرَضنا مَن عَزَمَ علَى الفِطرِ في خِلالِ النهارِ، و قُلنا: إنّه بهذا(15)العَزمِ لا يَفسُدُ صَومُه.
1) . في المختلف: - «بالماء»
2) في «ك، ه» و المطبوع: - «لمّا».
3) . في المختلف: «و نوى النظافة».
4) في «ه» و المطبوع: «و ما».
5) . في «ب، ج، ط، ع»: - «النيّة». و في «ه.»: «بالنيّة».
6) . في المطبوع: «يقارن».
7) . في «د» بإهمال النقط في الأوّل. و في سائر النسخ: «يقول»؛ و هو سهو.
8) . في «ه» و المطبوع: - «إنّه».
9) . في «ب، ج، ع، ه»: «نيّة». و في المطبوع: «النيّة».
10) . في «ك، ل، م، و، ي»: «علىٰ أنّه». و في المطبوع: - «علىٰ».
11) . من قوله قبل عدّة صفحات: «و إن لَم تُنافِ الصومَ...» إلىٰ هنا ساقط من «أ».
12) . في «د، ل، م، و، ي»: «العزم». و في «ك» و ما استُظهر في حاشية «ل»: «الحدث».
13) . في «ه» و المطبوع: «شبه».
14) . هكذا في «م»، و هو الصواب. و في سائر النسخ و المطبوع: «و إنّا».
15) . في «د، ك، ل، م، و، ي»: «لهذا».
و أيضاً فإنّه يُمكِنُ أن(1)يُفصَلَ بَينَ الوضوءِ و بَينَ الصومِ بأنّ الصومَ لا يَتبعَّضُ(2)، و لا يَكونُ بعضُ النهارِ صَوماً و بعضُه غيرَ صَومٍ، و ما(3)أفسَدَ شَيئاً منه أفسَدَ جميعَه - و كذلكَ القولُ في الإحرامِ بالحَجِّ، و الدخولِ في الصلاةِ -؛ و الوضوءُ يُمكِنُ فيه التبعيضُ، و أن يَكونَ بعضُه صَحيحاً و بعضُه فاسداً.
فلَو قُلنا: «إنّه إذا نَوىٰ إزالةَ الحَدَثِ و غَسَلَ وجهَه ثُمّ بَدا له فنَوَى النَّظافةَ بما يَفعَلُه مِن غَسلِ يدَيه أو غَسلِ بدنِه، تَكونُ هذه النيّةُ للنَّظافةِ، لا لإزالةِ الحَدَثِ،(4)و لا تَعمَلُ فيه النيّةُ(5)الأُولىٰ» لَجازَ، و لكِنّا نَقولُ له: أَعِدْ غَسلَ يدَيكَ ناوياً للطهارةِ و إزالةِ الحَدَثِ؛(6)و لا نأمُرُه بإعادةِ تطهيرِ وجهِه، بَل بالبناءِ(7)عليه، و هذا لا يُمكِنُ مِثلُه في الصومِ و لا في الإحرامِ و لا في الصلاةِ.
فإن قيلَ: فأكثَرُ ما(8)يَقتَضيهِ(9)ما بَيَّنتموه أن يَكونَ الصومُ جائزاً بقاءُ حُكمِه مع نيّةِ
1) . في «أ، س»: - «يمكن أن».
2) . في «أ»: «لا ينقض». و في «ك، ل، م، و» و ظاهر «س»: «لا ينتقض».
3) . كذا، و الأنسب: «فما».
4) . من قوله: «و غَسَلَ وجهَه» إلىٰ هنا ساقط من «د، ك، ل، م، و، ي».
5) . هكذا في «د، م، و، ي». و في «ك، ل»: «و لا يعمل في غسل اليد مثلاً بالنيّة». و في سائر النسخ: «و لا يعمل فيه النيّة».
6) . من قوله: «إنّه إذا نوىٰ إزالة الحدث» إلىٰ هنا ساقط من «أ» هنا، و مذكور بعد حوالَي سطرين، سنشير إليه في موضعه.
7) . في «أ»: «تالياً» بدل «بل بالبناء». و في «ب، ج، س، ع»: «بل تالياً» بدلها. و في «ك، ل، م، و، ي» و المطبوع: «بل البناء».
8) . في «أ»: «من أين لكم أكثر ما» بدل «فأكثر ما». و في «ك، ل، و»: - «فأكثر ما». و في «ه» والمطبوع: «و أكثر ما».
9) . في «أ، س»: «ينقضي». و في «ب، ج، ع، م، و»: «تقتضيه».
الفِطرِ(1)في خِلالِ النهارِ؛ فمِن أينَ لكم القَطعُ علىٰ أنّ هذه النيّةَ(2)غيرُ مُفسِدةٍ علىٰ كُلِّ حالٍ؟
قُلنا: كلامُنا الذي بيّنّاه و أَوضَحناه يَقتَضي(3)وجوبَ بقاءِ حُكمِ الصومِ طولَ النهارِ إذا(4)وقَعَت النيّةُ(5)في ابتدائه، و نيّةُ الأكلِ غيرُ مُنافيةٍ لحُكمِ الصومِ، و إنّما هي مُنافيةٌ لابتداءِ نيّةِ الصومِ، كَما قُلناه(6)في عُزوبِ النيّةِ و الجُنونِ و الإغماءِ. و إذا كانَ حُكمُ نيّةِ الصومِ مُستَمِرّاً، و العَزمُ علَى الأكلِ لا يُنافي هذا الحُكمَ - علىٰ ما ذَكَرناه - قَطَعنا علىٰ أنّه غيرُ مُفطِرٍ؛ لأنّ القَطعَ علَى الفِطرِ(7)إنّما يَكونُ بما هو مُنافٍ للصومِ - مِن أكلٍ، أو شُربٍ، أو جِماعٍ - و العزيمةُ خارجةٌ عن ذلكَ.
و أنتَ إذا تأمَّلتَ(8)كلامَنا هذا، عَرَفتَ فيه حَلَّ كُلِّ شُبهةٍ تَضمَّنَتها تلكَ المسألةُ(9)التي كُنّا أملَيناها و نَصَرنا فيها أنّ العَزمَ مُفطِرٌ؛ فلا معنىٰ لإفرادِها بالنقضِ.
و قد(10)مضىٰ في تلكَ المسألةِ الفَرقُ بَينَ(11)الصلاةِ و بَينَ الإحرامِ و الصومِ. و لا فَرقَ بَينَ الجميعِ؛ فمَن قالَ: «إنّ العَزمَ علىٰ ما يُفسِدُ الصومَ يُبطِلُ الصومَ» يَلزَمُه
1) . في «أ، س»: «النيّة الفطرة» بدل «نيّة الفطر».
2) . الساقط من «أ» قبل حوالَي سطرين مذكور هنا.
3) . في «أ، س»: «و يقتضي».
4) . في جميع النسخ: «فإذا». و هو سهو. و في المطبوع و المختلف: «و إن» بدل «إذا».
5) . في «أ، س»: «رفعت النيّة». و في «ه» و المطبوع: - «النيّة».
6) . في «ب، ج، ع، ه» و المطبوع: «قلنا».
7) . في «أ، ه» و المطبوع و المختلف: «المفطر».
8) . في المطبوع: + «في».
9) . أشار إليها في بداية هذه الرسالة.
10) . في «ك، ل»: «فنقول: قد» بدل «و قد». و في «م، و، ي»: «فنقول: و قد» بدلها.
11) . في «ه» و المطبوع: + «تلك».
مِثلُ ذلكَ في الصلاةِ [و الإحرامِ]، و مَن قالَ: «إنّه لا يُبطِلُه» يَلزَمُه أن يَقولَ مِثلَ ذلكَ في الصلاةِ و الإحرامِ.
و مضىٰ في تلكَ المسألةِ: أنّ مَن قَرَنَ(1)بِنيّةِ دخولِه في الصلاةِ العَزمَ علَى المَشيِ أو الكلامِ فيها، تَنعَقِدُ صَلاتُه. و هذا غيرُ صَحيحٍ؛ لأنّ معنَى(2)الصلاةِ في الشريعةِ يَتضمَّنُ(3)أفعالاً و تُروكاً، و الأفعالُ(4)كالركوعِ و السجودِ و القِراءةِ، و التُّروكُ كالكَفِّ عن الكلامِ و الالتفاتِ و المَشيِ و ما أشبَهَ ذلكَ؛ فكَيفَ يَجوزُ أن يَكونَ عازِماً في ابتداءِ الصلاةِ علىٰ أن يَتكلَّمَ أو يَمشيَ و تَنعَقِدَ صَلاتُه، و مِن جُملةِ مَعاني الصلاةِ أن لا يَتكلَّمَ؟! و لَو جازَ هذا، جازَ أن تَنَعقِدَ صَلاتُه مع عَزمِه في افتتاحِها علىٰ أن لا يَركَعَ و لا يَسجُدَ!!
و قد يَجوزُ انعقادُ الصلاةِ مع مُقارَنةِ النيّةِ الواقعةِ في افتتاحِها(5)العزيمةَ(6)علىٰ حَدَثٍ مِن بَولٍ أو غيرِه؛ لأنّ الحَدَثَ و إن أبطَلَ الصلاةَ فالعزيمةُ عليه لا تُبطِلُها؛ لأنّه لا مُنافاةَ بَينَه و بَينَها. و بَينَ عَزمِه علَى المَشيِ مُنافاةٌ لنيّةِ الصلاةِ؛ مِن الوجهِ الذي ذَكَرناه.
1) . في «أ، س، ط، ه» و المطبوع: «فرّق».
2) . في «ه» و المطبوع: «لأنّه يعني» بدل «لأنّ معنى».
3) . في «د، م» و المطبوع: «تتضمّن».
4) . في المختلف: «فالأفعال».
5) . من قوله «علىٰ أن لا يركع...» إلىٰ هنا ساقط من «ه» و المطبوع.
6) . في «أ»: «لعزيمتها». و في «س»: «لغريمها». و في «د، م، و، ي»: «لعزمه». و في «ط»: «لعزيمة». و في «ك، ل» و المختلف: «بعزمه».
يدور البحث في هذه الرسالة حول مسألتين: إحداهما متعلّقة باستلام الحجر الأسود، و الأُخرى بالتلبية.
أمّا المسألة الأُولى، فهي سؤال عن معنى ما يقال عند الوصول إلى الحجر الأسود و استلامه من قولهم: «أمانتي أدّيتُها، و ميثاقي تعاهدتُه، لتشهد لي بالموافاة غداً». لقد أثارت هذه التعابير ذهن السائل، فأخذ يتساءَل عن المخاطَب، من هو؟ و من المُستمِع؟ فإنّ هذا الخطاب يقتضي وجود مُستمع عاقل رائي و شاهد.
و أجاب الشريف المرتضى عن السؤال، فقدّم مقدّمة ذكر فيها معنى الاستلام في اللغة، ثمّ أشار إلى الغرض من استلام الحجر، و هو أداء العبادة، و امتثال أمر الرسول صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و التأسّي بسيرته، ثمّ تعرّض إلى علّة هذه العبادة - أي الاستلام - فقال: إننّا لا نعرف علّتها بالتفصيل، و لكن يمكن القول إجمالاً أنّ فيها مصلحة للمكلّفين، و تقوية لهم على الواجبات و ترك المحرّمات.
و بعد هذه المقدّمة تعرّض للإجابة عن السؤال، فذكر أنّ المخاطَب في الخطاب المذكور هو اللّٰه تعالى لا الحجر، و إنّما أُضيف الخطاب إلى الحجر لأنّه عملٌ عنده، و عبادة فيه.
و أمّا معنى: «لتشهد لي بالموافاة» فمعناه: ليكون عملي عندك شاهداً عند اللّٰه تعالى بموافاتي.
و في الختام أشار الشريف المرتضى إلى وجود روايات حول معنى استلام
الحجر و خطابه، من الأفضل تركها؛ لأنّها خارجة عن العقول، و يحتاج تأويلها إلى تكلّف شديد.
لقد برزت عقلانيّة الشريف المرتضى مرّة أُخرى بوضوح في هذا الجواب، هذه العقلانيّة التي برزت في آراء أُخرى كثيرة له، و منعته هنا من الاعتقاد بأنّ الحجر الأسود يَسمع و يَرى و يَشهد، لذلك قام بتأويل الخطاب المذكور الذي يقال عند استلامه، بحيث يكون المخاطَب هو اللّٰه تعالى لا الحجر.
و أمّا المسألة الثانية، فهي سؤال عن أنّ التلبية في الحجّ، هل هي جواب لنداء إبراهيم عليه السلامُ حين أذّن بالحجّ؟
فأجاب الشريف المرتضى - بعد بيان المعنى اللغوي للتلبية - بأنّ التلبية بالحجّ جوابٌ لمن دعا إلى الحجّ و أمَرَ به، و هو اللّٰه تعالى؛ و أمّا إبراهيم عليه السلامُ فهو غير مبعوث لأمة محمّد صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فلا يكون نداءُ إبراهيم عليه السلامُ موجّهاً إليهم، كي يجيبوه، فلم يبق إلّاأن تكون التلبية إجابة لدعاء اللّٰه تعالى و أمْرِهِ بالحجّ.
ممّا ينبغي الإشارة إليه أنّ هذه الرسالة ليست في الحقيقة رسالة مستقلّة؛ بل هي جزء من مجموعة مسائل تسمّى ب «المسائل المحمّديّات»، فإنّه عند مراجعة فهرس البُصروي (ت 443 ه) نجد مجموعة مسائل أجاب عنها الشريف المرتضى تحت عنوان «المسائل المحمّديّات»، و قد ذكر البُصروي فهرس هذه المسائل، و هي كما يلي:
قوله تعالى: «وَ إِذْ بَوَّأْنٰا لِإِبْرٰاهِيمَ مَكٰانَ اَلْبَيْتِ...» الآية(1).
ما معنى ما يقال عند استلام الحجر: «أمانتي أدّيتها...» إلى آخر الكلام؟
1) . الحجّ (22):26.
ما روي عن النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «إنّ القلوب أجناد مُجنّدة...» الخبر.
قوله تعالى: «فَتَلَقّٰى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمٰاتٍ...» الآية(2).(3)
عند ملاحظة هذه القائمة نجد بوضوح أنّ مسألة استلام الحجر تشكّل المسألة الثانية منها، و أنّها ليست مسألة مستقلّة.
و الجدير بالذكر أنّ المسألة الأُولى و الرابعة و الخامسة منها موجودة أيضاً، و هي مطبوعة في ضمن المسائل القرآنيّة من رسائل الشريف المرتضى، و هذا يعني أنّ المتبقّي من المسائل المحمّديّات هي أربع مسائل من مجموع خمس.
و يدلّ أيضاً على كون مسألة استلام الحجر هي واحدة من المسائل المحمّديّات أنّ الشريف المرتضى قال في خاتمة هذه المسألة:
و قد بيّنّا أنّ نداء إبراهيم عليه السلامُ لا يجوز أن يتعلّق جملةً بأُمّة محمّد صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ لأنّه غير مبعوث إليهم....
فهو هنا يشير إلى أنّه قد بيّن هذا المطلب في موضع آخر. و إذا رجعنا إلى المسألة الأُولى من المحمّديّات، و هي مسألة قوله تعالى: «وَ إِذْ بَوَّأْنٰا لِإِبْرٰاهِيمَ مَكٰانَ اَلْبَيْتِ...» الآية، و التي تقدّمت الإشارة إليها، لوجدنا أنّه قد بيّن فيها هذا المطلب، حيث تحدّث عن أذان إبراهيم عليه السلامُ، و أنّه لا يمكن أن يشمل أُمّة محمّد صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ لأنّه لا تلزمهم شريعته، فكيف يدعوهم إلى الحجّ و هو غير مرسل إليهم؟! و هذا يدلّ على وجود ارتباط بين هذه المسائل، و أنّها كلّها أجزاء من المسائل المحمّديّات. كما أنّ هذا كلّه يصحّح نسبة الرسالة محلّ البحث إلى الشريف المرتضى.
هذا، و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت مستقلّة في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 273.
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26149؛ تقع في الصفحات (111-114) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (201) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (293-294) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
مَسألةٌ عن مَعنَى(1)استلامِ الحَجَرِ، و(2)قولِهم عندَ استلامِهم له(3): «أمانَتي أدَّيتُها، و ميثاقي تَعاهَدتُه؛ لِتَشهَدَ لي بالمُوافاةِ غَداً»(4)مَن المُخاطَبُ به؟ و مَن المُستَمِعُ له؟ فإنّ هذا يَقتَضي أن يَكونَ المُخاطَبُ بهذه المُخاطَبةِ سامعاً واعياً(5)شاهداً مُبلِّغاً.
و ما معنىٰ قولِهم: «لَبَّيكَ اللّهُمَّ لَبَّيكَ»؟ أهو جوابٌ منهم لنِداءِ إبراهيمَ عليه السلامُ حينَ أمَرَه اللّٰهُ تَعالىٰ أن يؤذِّنَ بالحَجِّ؟ كَيفَ هو؟
الجوابُ:
أمّا «استلامُ» الحَجَرِ، فهو غيرُ مهموزٍ(6)لأنّه افتعالٌ من «السِّلامِ»(7)التي هي
1) . في «د، ص» و المطبوع: - «معنى». و في المطبوع: «في» بدل «عن».
2) . في المطبوع: - «و».
3) أي للحجر.
4) . الكافي، ج 4، ص 184، ح 1؛ و ص 185، ضمن ح 3؛ و ص 403، ضمن ح 1؛ و ص 404، ح 3؛ المحاسن، ص 340، ح 129؛ علل الشرائع، ص 424، صدر ح 2؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2، ص 90، ضمن ح 1.
5) . في «ص» و المطبوع: «رائياً».
6) . أي: لَيسَ هو «استلئام»؛ من «لأم» كما سوف يأتي بعد قليل.
7) . «السِّلام»: جمعُ «سَلِمة» بمعنى الحجر؛ فالسِّلامُ: الحِجارة. راجع: كتاب العين، ج 7، ص 265؛ لسان العرب، ج 12، ص 297 (سلم).
الحِجارةُ، و استلامُه إنّما(1)هو مُباشَرتُه و تقبيلُه و التمسُّحُ به(2).
و حَكىٰ ثَعلَبٌ(3)وَحدَه في هذه اللفظةِ الهَمزةَ(4)، و جَعَلَه وجهاً نافياً(5)لِتَركِ(6)الهَمزِ، و فَسَّرَه(7)بما اتُّخِذَ(8)جُنّةً و سِلاحاً، مِن «اللَّأْمةِ»(9)و هي الدِّرعُ. و ما هذا الوجهُ الذي حَكاه ثَعلَبٌ(10)في هذه اللفظةِ إلّامَليحاً، إذا كانَ مسموعاً فيها.
فأمّا الغَرَضُ في استلامِ الحَجَرِ، فهو أداءُ العبادةِ، و امتثالُ أمرِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و التأسّي بفِعلِه؛ لأنّه أمَرَ عليه السلامُ باستلامةِ الحَجَرِ. و لمّا حَجَّ عليه السلامُ رُئيَ مُستَلِماً له، و قد أمَرَ عليه السلامُ بالتأسّي بأفعالِه في العباداتِ، كما أمَرَ بالتأسّي بأقوالِه.
و العِلّةُ في هذه العبادةِ علىٰ سَبيلِ الجُملةِ هي(11)مَصلَحةٌ للمُكلَّفينَ، و تَقريبُهم(12)
1) . في «د، ص» و المطبوع: «و استلام بما»
2) في «د، ص» و المطبوع: - «به».
3) . في «أ، د»: «تغلب». و الرجل هو أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيّار الشيبانيّ بالوَلاء، المعروف بثعلب؛ إمام الكوفيّين في النحو و اللغة. وُلد سنة 200 ه. كان حُجّةً ديِّناً وَرِعاً، مشهوراً بالحفظ و الصدق و إكثار الرواية و حُسن الدراية. من مصنّفاته: المصون في النحو، اختلاف النحويّين، كتاب القراءات، معاني القرآن، و غيرها. توفّي سنة 291 ه. راجع: معجم الأُدباء، ج 2، ص 536-554.
4) . فيكون: «استلئام الحجر».
5) . في النسخ الثلاث و المطبوع: «ثابتاً»، و الظاهر أنّه من سهو النسّاخ.
6) . في «د، ص» و المطبوع: «و ترك».
7) . في «أ، د»: «و فسّرناه».
8) . في «أ، د»: «اتّخذه».
9) . في «ص» و المطبوع: «و لامة» بدل «من اللأمة».
10) . في «أ، د»: «تغلب».
11) . في «د، ص» و المطبوع: - «هي».
12) . في «د، ص» و المطبوع: «و تقويتهم».
مِن الواجِبِ(1)و تَركِ القَبيحِ، و إن كُنّا لا نَعلَمُ الوجهَ علىٰ سَبيلِ التفصيلِ.
و ما السؤالُ عن معنىٰ ذلكَ إلّاكالسؤالِ عن مَعنَى الطوافِ، و كَونِه سَبعةَ أشواطٍ، و رَميِ الجِمارِ، و السعيِ بَينَ الصَّفا و المَروَةِ، و الوقوفِ بعَرَفاتٍ.
فأمّا ما رُويَ مِن القولِ الذي يُقالُ عندَ استلامِ الحَجَرِ - الذي هو: «أمانَتي أدَّيتُها، و ميثاقي تَعاهَدتُه؛ لتَشهَدَ لي بالمُوافاةِ غَداً» و السؤالُ: «مَن المُخاطَبُ به، و المُستَمِعُ له؟»
فالوجهُ في ذلكَ بَيِّنٌ؛ لأنّ ذلكَ هو دعاءُ اللّٰهِ تَعالىٰ و خِطابٌ(2)له، و هو المُستَمِعُ له و المُجازي عليه. و إنّما عَلَّقَه بالحَجَرِ و أضافَه إليه لأنّه عَمَلٌ عندَه، و عبادةٌ فيه، و قُربةٌ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ بِه(3)، فكأنّه قالَ: أمانَتي في استلامِكَ(4)أدَّيتُها.
و معنىٰ «لِتَشهَدَ لي بالموافاةِ» أي: ليَكونَ عملي عندَكَ شاهداً عندَ اللّٰهِ تَعالىٰ، بموافاتي بما نُدِبتُ إليه، مِن العبادةِ المُتعلِّقةِ بكَ، المفعولةِ فيكَ.
و قد رُويَ في معنَى استلامِ الحَجَرِ و خِطابِه(5)و في عِلَلِ كَثيرٍ مِن العباداتِ أشياءُ يُرغَبُ عن ذِكرِها؛ لأنّها مُستَقبَحةٌ(6)خارجةٌ عن العقولِ، و تحميلُ(7)التأويلِ و التخريجِ [لها] علَى الوجوهِ الصحيحةِ فعَلىٰ بُعدٍ و تَعسُّفٍ و تَكلُّفٍ؛ و قد أغنَى اللّٰهُ تَعالىٰ بالظواهرِ الصحيحةِ عن البَواطِنِ السقيمةِ.
1) . في «ص» و المطبوع: «للواجب» بدل «من الواجب».
2) . في «د، ص» و المطبوع: «و خطبات».
3) . في «د، ص» و المطبوع: - «به».
4) . في «د، ص» و المطبوع: «استعلائك».
5) . راجع: علل الشرائع، ج 2، ص 423 و ما بعدها.
6) . في «د، ص» و المطبوع: «مستفتحة».
7) . في «د»: «تحميل» بدون واو العطف. و في «ص» و المطبوع: «يحمل» بدون واو العطف.
فأمّا التلبيةُ، فمأخوذةٌ مِن قولِهم: «ألَبَّ بالمكانِ إلباباً»: إذا أقامَ(1)به. فمعنىٰ «لَبَّيكَ» أي مُقيمٌ(2)علىٰ إجابتِكَ و طاعتِكَ.(3)
فأمّا السؤالُ عن هذه الإجابةِ(4)في تلبيةِ الحَجِّ، و هل هي جوابٌ لنِداءِ إبراهيمَ عليه السلامُ أم لغَيرِه؟
فالجوابُ: أنّ التلبيةَ بالحَجِّ إجابةٌ لدُعاءِ مَن دَعا إليه و أمَرَ به، و هو اللّٰهُ تَعالىٰ؛ ألا تَرىٰ أنّهم يَقولونَ: «لَبَّيكَ، إنّ الحَمدَ و النِّعمةَ لكَ و المُلكَ، لا شَريكَ لكَ» و يُتبِعونَ ذلكَ ألفاظاً لا يَليقُ(5)إلّابه تَعالىٰ؟ فالإجابةُ له تَعالىٰ؛ لأنّه الآمِرُ بالحَجِّ، و نَبيُّنا(6)صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إنّما يُبلِّغُ(7)أمرَه به.
و قد بيّنّا(8)أنّ نِداءَ إبراهيمَ عليه السلامُ لا يَجوزُ أن يَتعلَّقَ جُملةً(9)بأُمّةِ مُحمّدٍ
1) . في «د، ص» و المطبوع: «قام»
2) في «د»: «يقيم». و في «ص» و المطبوع: «نقيم».
3) . قال ابن منظور: «لَبَّ بالمكان لَبّاً و ألَبَّ: أقام به و لزمه. و ألَبَّ على الأمر: لَزِمَهُ فلم يفارقه. وقولهم: لبَّيك و لَبَّيه منه؛ أي لزوماً لطاعتك». و قال الفيّومي: «ألَبَّ بالمكان إلباباً: أقام. و لَبَّ لَبّاً - من باب قَتَلَ - لغة فيه. و ثُنّيَ هذا المصدر مضافاً إلى كاف المخاطب، و قيل: لَبَّيكَ و سَعْدَيكَ؛ أي أنا ملازمٌ طاعتَكَ لُزوماً بعدَ لزومٍ. و عن الخليل أنّهم ثَنَّوهُ على جهة التأكيد، و قال: اللَّبُّ: الإقامةُ، و أصل لبّيك: لَبَّينِ لك، فحذفت النون للإضافة. و عن يونس أنّه غير مثنّىً؛ بل اسمٌ مفردٌ يتّصلُ به الضميرُ، بمنزلة «على» و «لَدَى» إذا اتّصل به الضمير. و أنكره سيبويه، و قال: لو كان مثل «على» و «لَدى» ثبتت الياء مع المضمَر و بقيت الألفُ مع الظاهر». راجع: لسان العرب، ج 1، ص 731؛ المصباح المنير، ص 547 (لبب).
4) . في «د، ص» و المطبوع: - «الإجابة».
5) . كذا في النسخ و المطبوع. و الصواب: «لا تليق».
6) . في «ص» و المطبوع: «و تلبيتنا».
7) في المطبوع: - «يبلّغ».
8) . راجع: مسألة قوله تعالىٰ: «وَ إِذْ بَوَّأْنٰا لِإِبْرٰاهِيمَ مَكٰانَ اَلْبَيْتِ...» و هي مطبوعة في ضمن الرسائل القرآنيّة للشريف المرتضى.
9) . في «د، ص» و المطبوع: «حمله».
صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ لأنّه غيرُ مبعوثٍ إليهم، و لا مؤَدٍّ للشريعةِ التي تَلزَمُهم، فلَم يَبقَ إلّاأن تَكونَ(1)تَلبيةُ المُسلِمينَ بالحَجِّ إنّما هي إجابةٌ لدُعاءِ اللّٰهِ تَعالىٰ إليه(2)، الذي بَلَّغَه و أدّاه إلينا الرسولُ مُحمّدٌ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.
و هذا واضحٌ لِمَن تأمَّلَه.
سُئل الشريف المرتضى سؤالاً مختصراً حول جواز أن يدفع المكلّف زكاة مال من مال آخر له.
فأجاب بجواب مختصر أيضاً، و هو جواز ذلك بشرط أن يكون المزكّي مالكاً للمالين معاً.
و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 130 في ضمن مسائل تحمل عنوان: «مسائل متفرّقة من الحديث و غيره».
مخطوطة مكتبة المحقّق البروجردي رحمه اللّٰه، المرقّمة 374/9؛ تقع في الصفحة (375) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحة (16) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحة (283) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (157) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (231) من المجموعة، و رمزنا لها ب «س».
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
مسألةٌ: هَل يَجوزُ أن يُزكّيَ الرجُلُ مالاً له مِن مالٍ آخَرَ؟
الجوابُ: أنّ ذلكَ جائزٌ إذا كانَ مالكاً لكُلِّ واحدٍ مِن المالَينِ، و لَيسَ يُمنَعُ(1)مِن إخراجِ زَكاةِ كُلِّ مالٍ مِن جُملتِه، و لا بعضٍ مِن أبعاضِه.
و هذا واضحٌ.
1) . في «أ»: «و يمنع». و في «ب»: «و ليس مع». و في «د» و المطبوع: «و ليس بمنع»، كلّها بدل «وليس يمنع».
لقد أولى الشارع لتوثيق العقود و ضبطها و إيضاح كلّ شيء فيها أهمّيّة خاصّة؛ فإن كان العقد بيعاً اهتمّ الشارع بتعيين الثمن و المثمن، بحيث لا يكون فيهما أيّ غموض؛ و إن كان نكاحاً، اهتمّ أيضاً بتعيين المهر بدقّة. و هكذا الأمر في مختلف العقود المهمّة.
كما أكدّ الشارع على وضوح صيغ العقود، فينبغي أن تكون بصيغة إيجاب و قبول صريحة، فلا يصحّ مثلاً إيجاب العقد بالاستفهام؛ لأنّه غير صريح بالإيجاب.
و اختلف الفقهاء في بعض الصيغ هل هي دالّة على الإيجاب و القبول، أو لا؟
فذهب الشافعي إلى أنّه إذا قال المشتري للبائع: «بعني كذا»، فقال البائع: «بعتك»، انعقد البيع، و لا حاجة إلى أن يقول المشتري بعد ذلك: «قبلتُ»، أو «اشتريتُ». فكأنّ قوله: «بعني كذا» قبولٌ منه بالعقد. كما جوّز الشافعي ذلك في النكاح، بأن يقول الخاطِب لوليّ المرأة: «زوّجني». فإن قال: «زوّجتك» انعقد النكاح، و لا حاجة إلى أن يقول الخاطِب: «قبلتُ»(1).
إلّا أنّ أبا حنيفة فصّل في ذلك بين النكاح و البيع، فقبله في النكاح، و منعه في البيع، و اشترط أن يقول المشتري بعد ذلك: «اشتريتُ»(2).
و أمّا الشريف المرتضى فرفض ما ذكره الشافعي في البيع و النكاح معاً، و لم
يفصّل؛ و ذلك لأنّ البيع و النكاح يحتاجان معاً إلى القبول الصريح، فقول المشتري، أو الخاطِب: «بعني» أو «زوّجني» لا يدلّ على القبول؛ فإنّ «الأمر» لا يدلّ على ذلك.
و إذا دافع شخص عن أبي حنيفة بأنّ العادة جارية على السَّوم في البيع، فقول المشتري: «بعني» لا يدلّ على القبول؛ بل قد يكون سَوماً؛ بينما لم تجرِ العادة على السَّوم في النكاح؛ و لذلك أجزأ قول الرجل: «زوّجني» عن أن يقول: «تزوّجتُ» أو «قبلتُ».
أجاب الشريف المرتضى بأنّ الخطبة في النكاح كالسَّوم في البيع، فقد جرت العادة بأن يعرض الرجل نفسه في عقد النكاح؛ و حينئذٍ سوف لن يكون قوله:
«زوّجني» قبولاً صريحاً؛ بل يحتمل أن يكون من باب الخطبة و عرض النفس.
و استشهد على ما ذهب إليه في هذه الرسالة من عدم دلالة الأمر على القبول، بعدم دلالته على الإيجاب أيضاً؛ فإنّ البائع لو قال للمشتري: «ابتع منّي هذا الثوب»، لم يكن هذا القول إيجاباً؛ لأنّ الإيجاب لا يُفهم من الأمر، فكذلك القبول.
طبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 319 تحت عنوان: «صيغة البيع». و هو عنوان غير دقيق؛ لأنّ البحث ليس عن صيغة البيع فقط؛ بل عنها و عن صيغة النكاح.
كما طبعت في ضمن مسائل المرتضى، ص 30 تحت عنوان: «حكم الإيجاب و القبول في المعاملات». و هو أيضاً غير دقيق؛ فإنّ الكلام عن القبول فقط، و إنّما ذكر الإيجاب في نهاية الرسالة للاستشهاد فقط.
و أُعطيت الرسالة في بعض النسخ العنوان التالي: «القبول في النكاح و البيع».(1)و
1) . راجع: فهرس دنا، ج 8، ص 60.
هو أدقّ من سابقَيه؛ لكن من الأفضل التصريح بأنّ البحث يدور حول دلالة الأمر على القبول.
و سمّاها المحقّق الطهراني: «مسألة في تقديم القبول بلفظ الأمر في العقود».(1)و هذا العنوان أدقّ من كلّ ما تقدّم.
لكن مَن أراد التدقيق بصورة أكثر، فعليه أن يسمّي الرسالة بما يلي: «نفيُ دلالة صيغة الأمر على القبول»؛ فإنّ هذا هو موضوع الرسالة بالتحديد.
ثمّ إنّ الشريف المرتضى قد أملى هذه الرسالة في المحرّم من سنة 427، و هي واحدة من عدّة رسائل خرجت منه في تلك السنة، و تلك الرسائل هي:
رسالة في نكاح المتعة، خرجت في المحرّم أيضاً من نفس السنة.
رسالة استحقاق مدح البارئ على الأوصاف، خرجت في صفر من نفس السنة.
رسالة المنع من العمل بأخبار الآحاد، خرجت في ربيع الأوّل من السنة ذاتها.
رسالة الجسم لم يكن كائناً بالفاعل، خرجت في ربيع الأوّل أيضاً من تلك السنة.
رسالة ألفاظ الطلاق، خرجت في ربيع الآخر من نفس السنة.
و هذا يدلّ على نشاط علميّ كبير، و قدرة فائقة على المناقشة و التأمّل في المسائل العلميّة الدقيقة لرجل تجاوز السبعين من عمره.
1) . راجع: الذريعة، ج 20، ص 385.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (109) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ش».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (289) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحة (8) من المجموعة، و رمزنا لها ب «س».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (44) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ط».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (32) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ي».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (10) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحة (335) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ر».
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحة (5) من المجموعة، و رمزنا لها ب «م».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (259) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ه».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحة (6) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ع».
مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (8) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحة (53) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ل».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحة (6) من المجموعة، و رمزنا لها ب «و».
مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587؛ تقع في الصفحة (75) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ك».
مسألةٌ في نفيِ دلالةِ صيغةِ الأمرِ على القبولِ(1)
بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ
مسألةٌ خَرَجَت في مُحرَّمٍ سَنةَ سَبعٍ و عِشرينَ و أربَعِمِائةٍ:
قالَ الشريفُ المُرتَضىٰ رَضيَ اللّٰهُ عنه:
عندَ(2)الشافعيِّ: أنّ الرُجلَ(3)إذا قالَ لغَيرِه: «بِعني كَذا»، فقالَ: «بِعتُكَ»، كانَ ذلكَ إيجاباً و قَبولاً، و انعَقَدَ البَيعُ. و قالَ في النكاحِ بمِثلِ ذلكَ.(4)
و عندَ أبي حَنيفةَ: أنّ ذلكَ في النكاحِ يَكونُ إيجاباً و قَبولاً، و لا يَكونُ في البَيعِ كذلكَ.(5)و يُحتاجُ عندَه في البَيعِ إذا قالَ(6): «بِعتُكَ»، أن يَقولَ(7): «اشتَرَيتُ»، حتّىٰ يَكونَ قَبولاً صَحيحاً.(8)
1) . طبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى تحت عنوان: «صيغة البيع».
2) . في المطبوع: «عدّ».
3) . في «ه» و المطبوع: «رجلاً».
4) . راجع: المجموع للنووي، ج 9، ص 162؛ فتح العزيز، ج 8، ص 101-105.
5) . من قوله: «و عند أبي حنيفة» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
6) . في «أ، س»: «و إذا قال». و في المطبوع: «إذا كان».
7) . في «أ، ب، ج، ع»: «أن تقول».
8) . راجع: المغني لابن قدامة، ج 4، ص 3؛ المجموع للنووي، ج 16، ص 211.
و الذي يَقوىٰ(1)في نَفسي(2): أنّ النكاحَ كالبَيعِ في افتقارِه إلىٰ صَريحِ القَبولِ(3)فإذا قالَ له: «زَوِّجْني»، فقالَ له(4)الوليُّ: «زَوَّجتُكَ»، لا بُدَّ مِن(5)أن يَقولَ «قد قَبِلتُ هذا(6)العَقدَ». و كذلكَ إذا قالَ له في البَيعِ: «بِعني»، فقالَ: «قد بِعتُكَ»(7)، لا بُدَّ مِن أن يَقولَ: المُبتاعُ: «قد اشتَرَيتُ»، حتّىٰ يَكونَ قَبولاً.
و الدليلُ علىٰ صِحّةِ ما ذَهَبنا إليه: أنّ قولَه: «زَوِّجْني» أو «بِعني» أمرٌ و سؤالٌ علىٰ حَسَبِ الحالِ في رُتبةِ القائلِ و المَقولِ له، فإذا قالَ له: «بِعتُكَ» أو «زَوَّجتُكَ»، لا بُدَّ(8)مِن قَبولٍ صَريحٍ. و لَيسَ في قولِه: «بِعني» أو «زَوِّجْني» ما يُنبئُ عن القَبولِ(9)لأنّ الأمرَ لا يُفهَمُ منه ذلكَ؛ ألا تَرىٰ أنّه لَو قالَ له: «أ تَبيعُني؟» أو قالَ(10): «أ تُزوِّجُني؟»، حَتّىٰ قالَ(11)الآخَرُ: «بِعتُكَ» أو «زَوَّجتُكَ»،(12)فإنّ أحَداً لا يَقولُ أنّ ذلكَ يُغني عن القَبولِ؟ فكذلكَ إذا قالَ: «بِعني» أو «زَوِّجْني».(13)
1) . في «ك، ل»: «أقول».
2) . في «أ، س»: «النفس».
3) . في «ب، ج، ط، ع»: «القول».
4) . في «ك، ل»: - «له: زوّجني، فقال له». و في «م، و، ي»: - «زوّجني، فقال له».
5) . في «د، ك، ل، م، و، ي»: - «من».
6) . في «ب، ج، ع»: - «هذا».
7) . في «أ، س»: «و قال: بعتك».
8) . في المطبوع: + «له».
9) . في «ب، ط، ع»: «القول».
10) . في «ب، ج، ع»: - «قال». و في «أ، س»: + «له». نعم كأنّها مشطوبٌ عليها في «س».
11) . في «ك، ل»: «فقال» بدل «حتّىٰ قال». و في المطبوع: - «حتّىٰ».
12) . في «ه» و المطبوع: - «أو زوّجتك».
13) . في «ك، ل»: - «فكذلك إذا قال: بِعني أو زَوِّجْني».
فإن قيلَ: إنّما لَم يُغنِ(1): «أ تَبيعُني؟»(2)عن القَبولِ لأنّه استفهامٌ لا يَدُلُّ علىٰ إرادةِ المُستَفهِمِ المُستَفهَمَ عنه، و(3)الأمرُ يَدُلُّ علىٰ إرادةِ الآمِرِ(4)للمأمورِ به، فقامَ مَقامَ القَبولِ دونَ الاستفهامِ.
قُلنا: الأمرُ و إن دَلَّ علَى الإرادةِ و لَم يَدُلَّ الاستفهامُ عليها، فلَيسَ بقَبولٍ صَريحٍ؛ ألا تَرىٰ أنّه لَو قالَ مُصرِّحاً: «أنا مُريدٌ للنكاحِ أو البَيعِ» لم يَكُن ذلكَ قَبولاً؟ فإذا(5)كانَ التصريحُ بكَونِه مُريداً لا يُغني عن لفظِ «القَبولِ»، فأجدَرُ أن لا يُغنيَ عن لفظِ «القبولِ» الأمرُ الذي يَدُلُّ علَى الإرادةِ.
و إنّما ضاقَ الكلامُ علىٰ أبي حَنيفةَ في هذه المسألةِ مع الشافعيِّ؛ لأنّ الشافعيَّ يَحمِلُ البَيعَ علَى النكاحِ، و لَم يَختَلِفا في النكاحِ، و نَحنُ نُسَوّي بَينَ الأمرَينِ في أنّه لا بُدَّ مِن قَبولٍ صَريحٍ فيهما؛ فلَيسَ يَتوَجَّهُ كلامُ الشافعيِّ علينا.
فإن قالَ الناصرُ لأبي حَنيفةَ: إنّ العادةَ بالسَّومِ(6)في البَيعِ جاريةٌ، فإذا قالَ له:
«بِعني»، فإنّما(7)هو مُستامٌ، فإذا قالَ: «بِعتُكَ»، يَحتاجُ إلىٰ قَبولٍ مُجدَّدٍ.
و لَيسَ كذلكَ النكاحُ؛ لأنّ العادةَ لَم تَجرِ فيه بالمُساوَمةِ بقَولِه: «زَوِّجْنيها» عن(8)أن
1) . من قوله: «القبول؟ فكذلك إذا قال» إلىٰ هنا ساقط من «م، و، ي».
2) . في «ك، ل»: «فإن قال: إنّ ذلك لا يغني» بدل «فإن قيل: إنّما لم يغن: أ تبيعني؟».
3) . في «أ، س»: - «عنه». و في «ه» و المطبوع: - «المستفهِم المستفهَم عنه، و».
4) . في «ه» و المطبوع: - «يدلّ علىٰ إرادة الآمر».
5) . في «د، ك، ل، و، ي»: «و إذا».
6) . سامَ البائعُ السِّلعةَ: عَرَضَها للبيع. و أسامَها المشتري و استامَها: طَلَبَ بَيعَها. و المساوَمة: المجاذَبة بين البائع و المشتري على السِّلعة و فَصلِ ثمنِها. مجمع البحرين، ج 2، ص 459 (سوم).
7) . في «أ، م، و، ي»: «بعني قائماً». و في «س»: «يعني قائماً».
8) . كذا في النسخ، و الأنسب: «فقوله: زوّجنيها يعني» بدل «بقوله: زوّجنيها عن».
قُلنا: الخِطبةُ في النكاحِ كالسَّومِ في البَيعِ، و قد جَرَت العادةُ بأن يَخطُبَ الرجُلُ و يَعرِضَ نفسَه في عَقدِ(3)النكاحِ علىٰ غيرِه، كَما جَرىٰ في البَيعِ بالمُساوَمةِ؛ فلا يَجِبُ أن يُجعَلَ قولُه: «بِعني» و لا «زَوِّجْني» مفهوماً منه القَبولُ في المَوضِعَينِ، و لا بُدَّ مِن قَبولٍ صَريحٍ.
و الذي يَكشِفُ عن صِحّةِ ما ذَكَرناه: أنّه لَو قالَ له(4): «اِبتَعْ مِنّي هذا الثوبَ»، فقالَ:
«قد ابتَعتُه»، لا يَكونُ قولُه: «اِبتَعْ مِنّي» إيجاباً حتّىٰ يقولَ: «قد بِعتُكَ»؛ فكذلكَ لا يَكونُ قولُه: «بِعني» قَبولاً حتّىٰ يَقولَ: «قد(5)اشتَرَيتُ». و كذلكَ القولُ في النكاحِ.
و العِلّةُ الجامعةُ بَينَ الأمرَينِ أنّ الإيجابَ غيرُ مفهومٍ مِن لفظِ الأمرِ(6)، و كذلكَ القَبولُ لا يُفهَمُ مِن لفظِ الأمرِ. فإذا(7)اعتَبَروا الإرادةَ، و أنّ قولَه: «بِعني» يَدُلُّ علَى الإرادةِ، لَزِمَهم في الإيجابِ مِثلُه؛ لأنّه إذا قالَ: «اِبتَعْ مِنّي» فقَولُه(8)يَدُلُّ علَى الإرادةِ، و مع(9)هذا فلَم يُغنِ ذلكَ عن لفظِ الإيجابِ الصريحِ.
1) . في «أ، س»: «تقول».
2) . هكذا في المطبوع. و في النسخ: «زوَّجتُ».
3) . في «ك، ل، م، و»: «عند» بدل «في عقد».
4) . في «ر، ك، ل»: - «له».
5) . في المطبوع: - «قد».
6) . في «أ، س»: «غير المفهوم لفظة من الأمر». و في «ب، ج، د، ش، ع، م، و، ي»: «غير مفهوم لفظه من الأمر».
7) . في المطبوع: «فلذا».
8) . من قوله: «يدلّ على الإرادة...» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.
9) . في «ك، ل، م، و»: - «و مع».
يعتبر نكاح المتعة من المسائل الفقهيّة الخلافيّة التي دار حولها نزاع قديم بين المسلمين، و قد استمرّ هذا النزاع إلى يومنا هذا بين مَن ذهب إلى مشروعيّته، و بين مَن ذهب إلى تحريمه.
و قد تبنّى الشيعة الإماميّة تبعاً لأئمّتهم عليهم السلام الموقفَ الأوّل، و أصرّوا دائماً على مشروعيّة هذا النوع من النكاح، فيما انحاز أتباع المذاهب الإسلاميّة الأُخرى بصورة عامّة إلى الموقف الثاني، و أصرّوا على تحريمه.
و قد أُلّفت في هذا المجال كتب و رسائل عديدة(1)، و منها الرسالة محلّ بحثنا. و قد نسب كلٌّ من البُصروي (ت 443 ه) و النجاشي (ت 450 ه) رسالة حول المتعة إلى الشريف المرتضى، لعلّها تكون نفس الرسالة التي بين أيدينا.
و قد أُلّفت هذه الرسالة في فترة متأخّرة من حياة الشريف المرتضى، و ذلك في المحرّم من سنة 427 ه، كما جاءت الإشارة إلى ذلك في مقدّمتها.
لقد تنوّعت الإشكالات التي وجّهها أتباع المذاهب المختلفة إلى نكاح المتعة؛ منها أنّ من خصوصيّات كلّ نكاح مشروع صحّة دخول الطلاق فيه، و بما أنّ نكاح
1) . راجع: الذريعة، ج 19، ص 63-67، حيث ذكر فيه أكثر من ثلاثين كتاباً و رسالة حول جواز المتعة.
المتعة ليس فيه طلاق، فيُحكم بفساده من باب القياس على الأنكحة الفاسدة التي لا طلاق فيها.
و قد انبرىٰ الشريف المرتضى في هذه الرسالة للإجابة على هذا الإشكال، أو القياس، أو الاستدلال، ما شئتَ فعبِّر، و لم يتعرّض إلى بحث آخر حول المتعة، فالرسالة كلّها مكرّسة لذلك.
و قد أشكل على هذا القياس، أو الاستدلال بعدة إشكالات:
الإشكال الأوّل: أنّ أساس هذا الاستدلال مبني على قياس نكاح المتعة على الأنكحة الفاسدة، و من المعلوم من موقف الشريف المرتضى و سائر الإماميّة بطلان الاستدلال بالقياس، و أنّه ليس بحجّة في الشريعة؛ فيكون الاستدلال باطلاً من أساسه.
و لكن بعد ذلك تنزّل الشريف المرتضى، و سلّم جدلاً بصحّة الاستدلال بالقياس، و لذلك انتقل إلى الإشكال التالي.
الإشكال الثاني: وجّه الشريف المرتضى إشكاله إلى علّة الحكم(1)، و أشكل عليها بعدّة إشكالات:
أوّلاً: ما هو دليل صحّة هذه العلّة؟ فإنّه مَن قال: أنّ كلّ نكاح لا يدخل الطلاق فيه، فهو نكاح فاسد؟
و لا يمكنهم أن يتهرّبوا من إثبات صحّة العلّة من باب أنّه لا يُبحث عن صحّة العلّة في القياس؛ و ذلك لأنّ المحصّلين من أصحاب القياس لا يمتنعون من المطالبة بصحّة العلّة.
1) . يتكوّن القياس من أربعة أركان: 1. المَقيس عليه، و يسمّى: «الأصل». 2. المَقيس، و يسمّى: «الفرع». 3. العلّة، و هي التي تثبت الحكمَ للمَقيس عليه «الأصل»، و يُراد إثباتها إلى المَقيس «الفرع». 4. الحكم، و هو الصحّة أو البطلان، أو غير ذلك. (انظر: المستصفى، ص 280) و إشكال الشريف المرتضى موجّه إلى الركن الثالث، و هو العلّة.
كما لا يمكنهم أن يستدلّوا على صحّة العلّة من خلال الاطّراد و الانعكاس، بمعنى أن يقولوا: إنّنا استقرأنا، فوجدنا كلّ نكاحٍ صحيحٍ لا يخلو من صحّة دخول الطلاق فيه و أنّه إذا خلا منها كان نكاحاً فاسداً؛ فإنّ هذه الطريقة في الاستدلال باطلة، و لا يعتمدها المحصّلون من أصحاب القياس؛ لأنّ الطرد و الانعكاس لا يدلّان على صحّة العلّة، و إنّما الذي يدلّ على ذلك هو بيان تأثير العلّة في الحكم الذي تعلّقت به.
ثانياً: و بعد أن بَيّن عدم وجود دليل على صحّة علّة القياس المتقدّم، قام بإثبات أنّ تلك العلّة المدّعاة لا تصلح أن تكون علّة لفساد النكاح، و ذلك من خلال القول: إنّ إمكان الطلاق حكمٌ من أحكام النكاح، كما أنّ التوارث بين الزوجين حكمٌ آخر من أحكامه، فإذا تعذّر التوارث بين الزوجين أحياناً، لا يُحكم بفساد النكاح، و ذلك كما في حالة نكاح الذمّية، فإنّ هذا النكاح صحيح، لكن لا يثبت فيه التوارث، فإنّ الذمّية لا ترث المسلم، فعلى الرغم من سقوط حكم من أحكام النكاح - و هو التوارث - لم يحكموا بفساد النكاح، و هكذا إذا سقط إمكان الطلاق من قسم من أقسام النكاح لم يُحكم ببطلان ذلك القسم أيضاً.
ثالثاً: و بعد أن أثبت أنّ علّة القياس المتقدّم - و هي اشتراط إمكان الطلاق في النكاح - ليست علّة و دليلاً على بطلان النكاح، قام بتوجيه هذه العلّة و بيان حكمتها، بالنسبة إلىٰ بعض أنواع الأنكحة فقال: إذا فهمنا طبيعة نكاح المتعة، فسوف يتبيّن لنا بكلّ وضوح سبب عدم إمكان دخول الطلاق فيه، فإنّ طبيعة نكاح المتعة هو أنّه نكاح مؤجّل إلى وقت معيّن، و بذلك لم يحتج إلى طلاق؛ لأنّ انقضاء المدّة يقع موقع الطلاق في ارتفاع هذا النكاح، و إنّما احتاج النكاح الدائم إلى طلاق؛ لأنّه نكاح مستمرّ في جميع الأوقات، فتطلّب وجود ما يقطع استمراره، خلافاً للمتعة. و بناء على هذا نقول: إنّ إمكان الطلاق ليس حكماً عامّاً لكلّ نكاح، بل هو حكم خاصّ بالنكاح الدائم.
الإشكال الثالث: ثمّ أشكل الشريف المرتضى إشكالاً عامّاً على القياس المتقدّم، و هو أنّ هذا القياس اقتضى فساد نوع من أنواع النكاح لعدم دخول شروط باقي أنواع النكاح فيه، و هذا القياس غير صحيح؛ فإنّه إذا راجعنا أنواع البيوع لوجدنا أنّ لكلّ نوع شروطاً غير موجودة في النوع الآخر، إلّاأنّ هذا الأمر لم يؤدّ إلى فساد بعض أنواع البيوع لفقدانها شروط الأنواع الأُخرى، و هكذا الأنكحة المختلفة، فإنّ عدم وجود شرط بعض الأنواع في أنواع أُخرى لا يؤدّي إلى بطلان تلك الأنواع.
الإشكال الرابع: و في الختام أشار إلى مفارقة سوف يقع فيها مَن يستدلّ بهذا القياس، و هي أنّه لو صحّت تلك العلّة المدّعاة في القياس، و هي أنّ عدم دخول الطلاق في النكاح مستلزم لفساده، فسوف تتنافى مع ما هو معلوم بلا خلاف من أنّ نكاح المتعة كان مشرّعاً و مباحاً في صدر الإسلام، و إنّما تمّ تحريمه - عند البعض - فيما بعد، فكيف تجتمع علّة البطلان و الحظر مع الإباحة، فإنّ هذه العلّة كانت موجودة أيضاً في صدر الإسلام، عندما كانت المتعة مباحة، و هذا كلّه يدلّ على بطلان العلّة، و إذا بطلت العلّة بطل القياس المتقدّم الذي أقيم لإبطال نكاح المتعة.
هذا، و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 301، كما طبعت في ضمن مسائل المرتضى، ص 26.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحات (108-110) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ر».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحات (285-288) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحات (6-8) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحات (5-8) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحات (3-4) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ح».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحات (333-335) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ش».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (2) من المجموعة، و الرسالة ناقصة من أوّلها.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحات (42-44) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحات (31-32) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحات (8 - 10) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحات (258-260) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحات (4-6) من المجموعة.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (52-53) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحات (4-6) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587/7؛ تقع في الصفحات (72-75) من المجموعة.
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
مَسألةٌ خَرَجَت في مُحرَّمٍ سَنةَ سَبعٍ و عِشرينَ و أربَعِمِائةٍ.
قالَ الشريفُ المُرتَضىٰ - رَضيَ اللّٰهُ عنه -(1):
استَدَلَّ بعضُهم علىٰ [فَسادِ] نِكاحِ المُتعةِ: بأنّه نِكاحٌ لا يَصِحُّ دخولُ الطلاقِ فيه، فوَجَبَ الحُكمُ بفَسادِه؛ قياساً علىٰ كُلِّ الأنكِحةِ الفاسِدةِ.
فيُقالُ للمُستَدِلِّ بذلكَ: هذه طريقةٌ قياسيّةٌ، و قد دَلَّلنا في مَواضِعَ مِن كُتُبِنا علىٰ أنّ القياسَ في أحكامِ الشريعةِ غيرُ صحيحٍ.(2)
و إذا سُلِّمَ استظهاراً صِحّةُ القياسِ، جازَ أن يُقالَ لِمَن تَعلَّقَ في ذلكَ: دُلَّ علىٰ صِحّةِ هذه العِلّةِ(3)، و أنّ الحُكمَ في الأصلِ تَعلَّقَ(4)بها.
فإذا قالَ: ما اعتادَ الفقهاءُ المطالَبةَ بذلكَ، و إنّما تَقَعُ(5)الدَّلالةُ علىٰ صِحّةِ عِلّةِ الأصلِ عندَ المُعارَضةِ.
قُلنا: ما امتَنَعَ مُحصِّلٌ مِن أصحابِ القياسِ مِن المُطالَبةِ بصِحّةِ(1)العِلّةِ في الأصلِ، و إنّما لَجَئوا إلَى المُناقَضةِ إذا أمكَنَت أو المُعارَضةِ(2)لأنّ بالمُعارَضةِ يَخرُجُ(3)الكلامُ في صِحّةِ العِلّةِ و بأيِّ شَيءٍ تَعلَّقَ حُكمُ الأصلِ، و إلّافلَو طولِبَ المُحتَجُّ بالطريقةِ القياسيّةِ بأن يَدُلَّ علىٰ صِحّةِ عِلّتِه، لَما قَدَرَ علىٰ دَفعِ ذلكَ.
فإنِ استَدَلَّ علىٰ صِحّتِها بالِاطِّرادِ و الانعكاسِ؛ فليسَ ذلكَ بحُجّةٍ في صِحّتِها، و قد نَصَّ مُحصِّلو أصحابِ القياسِ علىٰ أنّ الطَّردَ و العَكسَ لا يَدُلُّ علىٰ صِحّةِ العِلّةِ، و إنّما يَدُلُّ علىٰ صِحّتِها بيانُ تأثيرِها في الحُكمِ الذي عُلِّقَت به(4)و هَيهاتَ أن يُبيِّنَ صاحبُ هذه الطريقةِ تأثيرَ إمكانِ الطلاقِ في صِحّةِ العَقدِ.
ثُمَّ يُقالُ له: إمكانُ الطلاقِ حُكمٌ مِن أحكامِ النكاحِ، كما أنّ التوارُثَ بَينَ(5)الزوجَينِ حُكمٌ مِن أحكامِه، و لَيسَ يَجِبُ إذا تَعذَّرَ في بعضِ الأنكِحةِ بعضُ(6)أحكامِ النكاحِ أن يُحكَمَ بفَسادِ العَقدِ؛ ألا تَرىٰ أنّ نِكاحَ الذمّيّةِ عندَكم صحيحٌ، و التوارُثُ لا يَثبُتُ فيه، و هو حُكمٌ مِن أحكامِ النكاحِ، و لَيسَ يَجِبُ أن يُقضىٰ(7)بفَسادِ هذا العَقدِ مِن حَيثُ تَعذَّرَ فيه هذا الحُكمُ المخصوصُ؟
فلَو استَدَلَّ مُستَدِلٌّ علىٰ أنّ نِكاحَ الذمّيّةِ فاسدٌ بأنّه لا تَوارُثَ فيه، و قاسَه(8)علَى الأنكِحةِ الفاسدةِ؛ ألَستم إنّما كنتم تَفزَعونَ إلىٰ مِثلِ ما ذَكَرناه، مِن أنّه غيرُ مُمتَنِعٍ أن
يَعرِضَ في بعضِ الأنكِحةِ ما يَمنَعُ مِن حُكمٍ ثابتٍ فيه(1)و في(2)غيرِه؟
فإذا قُلتُم: المعنَى الذي عَرَضَ في نِكاحِ الذمّيّةِ [و] يَمنَعُ مِن التوارُثِ معقولٌ؛ و هو اختلافُ المِلّةِ.
قُلنا: ألَيسَ هذا المانعُ مِن التوارُثِ - و هو مِن أحكامِ النكاحِ كالطلاقِ - لَم(3)يَمنَعْ مِن صِحّةِ هذا النكاحِ؟
و بَعدُ، فالمانعُ مِن دخولِ الطلاقِ في نِكاحِ المُتعةِ أيضاً مفهومٌ، و هو أنّه نِكاحٌ مؤجَّلٌ إلىٰ وقتٍ بعَينِه، فلَم يَحتَجْ إلىٰ طلاقٍ؛ لأنّ انقضاءَ المُدّةِ في ارتفاعِ هذا النكاحِ يَجري مَجرَى الطلاقِ. و الطلاقُ(4)إنّما دَخَلَ في النكاحِ المؤبَّدِ لأنّه مُستَمِرٌّ علَى الأوقاتِ، فيَحتاجُ إلىٰ ما يَقطَعُ استمرارَه و يوجِبُ الفُرقةَ، و لَيسَ كذلكَ المُتعةُ.
فإن قالوا: لا نُسلِّمُ أنّ «التوارُثَ» حُكمُ الأنكحةِ علَى الإطلاقِ، بَل هو مِن(5)[أحكامِ] نِكاحِ مُتَّفِقي(6)المِلّةِ.
قُلنا: و لا نُسلِّمُ نَحنُ أنّ إمكانَ الطلاقِ مِن حُكمِ كُلِّ نِكاحٍ؛ بَل هو مِن أحكامِ النكاحِ المؤبَّدِ.
ثُمَّ يُقالُ له: ما أَنكَرتَ أن يَكونَ المعنىٰ في(7)الأنكِحةِ الفاسدةِ أنّ الطلاقَ لا يَدخُلُها و لا ما يَقومُ مَقامَه في الفُرقةِ؟ و لَيسَ كذلكَ نِكاحُ المُتعةِ؛ لأنّه لمّا لَم(8)
1) . في «ب، ح، د، ش» و المطبوع: - «فيه»
2) في «ب، ح، د، ش»: «في» بدون واو العطف.
3) . في المطبوع: «لا».
4) . في «ب، ح»: - «و الطلاق». و في المطبوع: «فالطلاق».
5) . في «ب، ح، د، ر، ش» و المطبوع: - «من».
6) . في المطبوع: «منتفى».
7) . في المطبوع: «المتعة من» بدل «المعنى في».
8) . في «ب، ح»: - «لم». و في المطبوع: «لا» بدل «لمّا لم».
يَدخُلْه الطلاقُ(1)، فإنّ فيه ما يَقومُ مَقامَه في وقوعِ الفُرقةِ، و هو انقضاءُ المُدّةِ.
و بَعدُ، فإنّ موضوعَ(2)هذا القياسِ فاسدٌ؛ لأنّه يَقتَضي فَسادَ نَوعٍ مِن أنواعِ النكاحِ مِن حَيثُ لَم يَدخُلْ(3)فيه شُروطُ باقي أنواعِه، و قد عَلِمنا أنّ البَيعَ بَيعُ موجودٍ حاضرٍ، و بَيعٌ علىٰ جِهةِ السَّلَمِ؛ و لَيسَ نَجِدُ شُروطَ السَّلَمِ في بَيعِ الموجودِ، و لا شُروطَ الموجودِ في(4)السَّلَمِ، و لَم يوجِبْ ذلكَ فَسادَ البُيوعِ المختلفةِ، فكذلكَ الأنكِحةُ المُختَلِفةُ غيرُ مُمتَنِعٍ اختلافُ شُروطِها، و إن عَمَّ الجميعَ الصحّةُ.
علىٰ أنّ هذه العِلّةَ لَو كانَت صَحيحةً لَما اجتَمَعَ(5)[عدمُ صحّةِ دخولِ الطلاقِ](6)مع إباحةِ نِكاحِ المُتعةِ، و قد عَلِمنا بلا خِلافٍ أنّ نِكاحَ المُتعةِ كانَ في صَدرِ الإسلامِ مُباحاً، و إنّما ادَّعىٰ قَومٌ أنه حُظِرَ بَعدَ ذلكَ و نُسِخَت إباحتُه؛ فكَيفَ تَجتَمِعُ(7)عِلّةُ الحَظرِ مع الإباحةِ؟
و إذا كانَت عِلّةُ حَظرِ هذا النكاحِ أنّ الطلاقَ لا يَدخُلُ فيه، و كَونُه(8)مِمّا لا يَدخُلُه الطلاقُ قد كانَ حاصلاً مع الإباحةِ المُتقدِّمةِ بِلا خِلافٍ، و ذلكَ دليلٌ واضحٌ علىٰ فَسادِ هذه العِلّةِ.
و ما يَفسُدُ به هذا القياسُ كَثيرٌ، و في هذا القَدرِ كِفايةٌ.
1) . في «ب، ح، ر»: - «الطلاق».
2) . في «أ» و المطبوع: «موضع».
3) . في المطبوع: - «لم يدخل».
4) . في «ب»: «مع». و في «ح»: «بيع». و فيهما: - «و لا شروط الموجود».
5) . في المطبوع: «اجتمعت».
6) . ما بين المعقوفين أثبتناه على القياس، و لا يخفى إبهام الكلام من دون ما أضفناه.
7) . في «ج، د، ر»: «يجتمع».
8) . كذا، و الأنسب: «فكونه».
ذهب مشهور الإماميّة إلى أنّه إذا طلّق الرجل زوجته ثلاثاً بلفظ واحد، وقعت تطليقة واحدة(1)، فيما ذهب بعضهم - و هو ابن أبي عقيل إلى أنّه لا يقع طلاق أصلاً(2)، كما اشترط سلّار (ت 448 ه) في الطلاق أن يكون موحَّداً(3).
و يؤيّد القول المشهور ما روي عن الإمام الباقر عليه السلامُ أنّه قال: «إن طلّقها للعدّة أكثر من واحدة، فليس الفضل على الواحدة بطلاق»(4).
و اختار الشريف المرتضى رأي المشهور، و في هذه الرسالة استعرض استدلالاً للقائل بعدم وقوع الطلاق، و هو أنّ الطلاق ثلاثاً بدعة مخالفة لسنّة الطلاق؛ فيجب أن لا يقع، كما لا يقع الطلاق في حيضٍ أو طهرٍ فيه جماع.
و أجاب عنه بأنّ قوله: «أنتِ طالق» طلاق كامل الشروط، و ليس بدعة، فيقع. و أمّا إذا أتبع ذلك بقوله: «ثلاثاً»، فتكون هذه الإضافة ملغاة، فهو كما لو طلّقها، ثمّ أتبع ذلك بشتمها و لعنها؛ فإنّ الطلاق يقع، و إن كان مُبدِعاً في شتمها و لعنها.
و هذا على خلاف الطلاق في الحيض؛ فإنّه بنفسه منهيّ عنه، فلا يقع.
ثمّ استشهد على كلامه بمسألة أُخرى، و هي: «إتباع الطلاق بالطلاق»؛ فلو قال لها:
«أنتِ طالق»، ثمّ أتبع ذلك في نفس المجلس أو بعده بقوله: «أنتِ طالق» مرّة أُخرى، لكان مُبدِعاً بقوله الثاني؛ لكنّ الطلاق يقع لا محالة بقوله الأوّل. و هكذا إذا أتبع قولَه:
«أنتِ طالق» بقوله: «ثلاثاً»؛ فإنّ الطلاق يقع، و إن كان مبدِعاً بقوله: «ثلاثاً».
قد خرجت هذه الرسالة في ربيع الأوّل من سنة 427 ه، و في الحقيقة لا يوجد فيها مطلب جديد؛ فإنّه يمكن العثور على مطالبها في كتب الشريف المرتضى الفقهيّة(1)، و لعلّ سبب إملائها مع كون معلوماتها مكرّرة يرجع إلى أنّ أحدهم قام بطرح سؤال حول هذه المسألة، فاضطرّ الشريف المرتضى إلى بحثها من جديد؛ أو لأنّه كان يملي بعض المسائل الفقهيّة في الدرس على تلاميذه، فكانت هذه إحداهنّ؛ أو غير ذلك من الأسباب.
طبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 321 تحت عنوان: «ألفاظ الطلاق»، و هو عنوان عامّ لا يعبّر عن محتوى الرسالة؛ فإنّ البحث لا يدور حول الألفاظ التي يقع بها الطلاق، و إنّما عن لفظ معيّن، و هو قول الزوج: «أنتِ طالق ثلاثاً».
كما طبعت الرسالة في ضمن مسائل المرتضى، ص 33 تحت عنوان: «أحكام الطلاق بلفظ واحد»، و المقصود به «حكم الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد».
1) . راجع: الناصريّات، 348-349؛ الانتصار، 314.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (111) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ش».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (291) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحة (11) من المجموعة، و رمزنا لها ب «س».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (46) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ط».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (33) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ي».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (12) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحة (336) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ر».
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحة (6) من المجموعة، و رمزنا لها ب «م».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (260) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ه».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحة (8) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ع».
مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (10) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحة (54) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ل».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحة (8) من المجموعة، و رمزنا لها ب «و».
مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587؛ تقع في الصفحة (77) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ك».
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
مسألةٌ خَرَجت في شَهرِ رَبيعٍ الآخِرِ(1)سَنةَ سَبعٍ و عِشرينَ و أربَعِمِائةٍ:
قالَ(2)رَضيَ اللّٰهُ عنه: إنِ اعتَمَدَ بعضُ أصحابِنا في أنّ الطلاقَ الثلاثَ(3)بلفظٍ واحدٍ لا يَقَعُ منه واحدةٌ(4)، علىٰ(5)أنّ مَن قالَ: «أنتِ طالقٌ ثَلاثاً» مُبدِعٌ مُخالِفٌ لسُنّةِ(6)الطلاقِ، فيَجِبُ أن لا يَقَعَ طلاقُه، كَما لا يَقَعُ طلاقُ البِدعةِ إذا كانَ في حَيضٍ أو طُهرٍ فيه جِماعٌ و ما جَرىٰ مَجرىٰ ذلكَ.
الجوابُ:
أنّ تَلفُّظَه بالطلاقِ و قولَه: «أنتِ طالقٌ» و الشروطُ مُتكامِلةٌ، لَيسَ ببِدعةٍ(7)، و إنّما
1) . في «ك، ل، م، و»: «ربيع الأوّل».
2) . في «ك، ل، م، و، ي»: + «الشريف المرتضى».
3) . في «ب، ج، ر، ط، ع»: - «الثلاث».
4) . في «ك، ل، م، و، ي»: «واحد». و في «ه» و المطبوع: - «لا يقع منه واحدة».
5) . في «ه» و المطبوع: «غير».
6) . في «أ، س»: «مبدعاً مخالف سنّة». و في «ه»: «مبدعاً مخالفاً لسنّة». و في المطبوع: [كان] مبدعاً مخالفاً لسنّة».
7) . في المطبوع: «ليس بدعة».
أبدَعَ بأن(1)أتبَعَ ذلكَ بقَولِه: «ثَلاثاً». و قولُه «ثَلاثاً» مُلغىً لا حُكمَ له، و الطلاقُ واقعٌ بقَولِه: «أنتِ طالقٌ» مع تَكامُلِ الشروطِ؛ كَما لَو قالَ: «أنتِ طالقٌ» و شَتَمَها(2)و لَعَنَها لَكانَ(3)مُبدِعاً بذلكَ، و طلاقُه واقعٌ لا مَحالةَ.
و لَيسَ كذلكَ الطلاقُ في الحَيضِ؛ لأنّه مَنهيٌّ(4)عن التلفُّظِ بالطلاقِ في وقتِ الحَيضِ، و النهيُ بظاهرِه يَقتَضي الفَسادَ في الشريعةِ، و لا(5)تَتعلَّقُ به أحكامُ الصحّةِ.
و ممّا يوضِحُ ذلكَ: أنّه لَو قالَ لها: «أنتِ طالقٌ»، ثُمّ أتبَعَ ذلكَ في المَجلِسِ أو بَعدَه بقَولِه: «و أنتِ طالقٌ» لَكانَ عندَنا مُبدِعاً بذلكَ(6)- و طلاقُه واقعٌ(7)لا مَحالةَ(8)- بإدخالِه الطلاقَ علَى الطلاقِ مِن غيرِ مُراجَعةٍ بَينَهما؛ و مع هذا فلا(9)يَقدِرُ أحَدٌ مِن أصحابِنا علىٰ أن يَقولَ: إنّ تطليقةً واحدةً ما وَقَعَت بقَولِه الأوّلِ: «أنتِ طالقٌ»، و إن أتبَعَ ذلكَ بما(10)هو مُبدِعٌ(11)فيه مِن التلفُّظِ ثانياً بالطلاقِ. فكذلكَ لا يَمنَعُ قولُه: «ثَلاثاً» الذي هو مُبدِعٌ في(12)التلفُّظِ به مِن أن يَكونَ قولُه: «أنتِ طالقٌ» - الذي لَم يَكُن به(13)مُبدِعاً - واقعاً.
1) . في المطبوع: «إذا»
2) في «ك، ل، م، و، ي»: «و قسمها».
3) . في «ب، ج، ط، ع»: «كان».
4) . في «أ، س»: «متى نُهي» بدل «منهيّ». و في «ه» و المطبوع: «منتهى».
5) . في «د، ك، ل، و، ي»: «لا» بدون واو العطف
6) في المطبوع: - «بذلك».
7) . في «أ، ر، س، ش، ه» و المطبوع: «واقعاً».
8) . في «ك، ل»: + «لا يبطل».
9) . في «د، ك، ل، م، و، ي»: «لا».
10) . في «ه» و المطبوع: «لما».
11) . في «ر، س»: «يبدع». و في «و»: «مبتدع».
12) . في «ه» و المطبوع: «من».
13) . في «ك، ل، م، ه، و، ي» و المطبوع: - «به».
تعرّض الشريف المرتضى في هذه الرسالة إلى مسألة خلافيّة من مسائل الإرث وقع الخلاف فيها بين فقهاء الإماميّة، و هي أنّ أولاد الأولاد هل يرثون سهم آبائهم و مَن يتقرّبون بهم، بحيث إذا خلّف الميّت ابنة ابن و ابن بنت، فهل يكون للبنت الثلثان سهم أبيها، و للابن الثلث سهم أُمّه؟ أو لا يرثون كذلك؛ بل ابنة الابن هي بنت للميّت حقيقة، فترث سهماً واحداً و هو الثلث؛ و ابن البنت هو ولدٌ ذكر حقيقة، فيرث سهمين و هما الثلثان؟
ذهب مشهور الإماميّة إلى الأوّل(1)، فيما ذهب الشريف المرتضى إلى الثاني في هذه الرسالة. و ذهب إليه أيضاً كلّ من ابن أبي عقيل، و ابن إدريس، و معين الدين المصري، فأعطوا لأولاد الأولاد سهم الأولاد المباشرين، لا سهم آبائهم(2).
و ركز الشريف المرتضى في الاستدلال على رأيه على النقطة التالية و هي: أنّ أولاد الأولاد يصدق عليهم أنّهم أولاد حقيقة؛ و ذلك لإطلاق لفظ الأولاد عليهم، و الاستعمال علامة الحقيقة(3)فيكونون كأولاد مباشرين، فيرثون سهمهم.
و قد طبق الشريف المرتضى هذه الرؤية التي ترى أنّ أولاد الأولاد هم أولاد حقيقة في موارد فقهيّة أُخرى:
منها: أنّ ولد البنت يحجبون الزوجة من الربع إلى الثمن؛ لوقوع اسم الولد عليهم، فيكونون كولد مباشر(1).
و منها: أنّ الواقف لو وقف على ولده شيئاً، فإنّ الوقف سوف يشمل ولد الابن و ولد البنت؛ و ذلك لإطلاق اسم الولد على الصنفين حقيقة(2).
و منها: ما نسب إليه من أنّه أعطى الخُمس للمنتسِب إلى هاشم من أُمّه، أي إلى ولد البنت؛ لأنّه ولد حقيقة(3).
و قد جاء في بداية الرسالة محلّ البحث أنّه يَرِدُ على الرأي المشهور سبعة إشكالات؛ لكن عند التدقيق يظهر أنّه لم تُذكر إلّاخمسة إشكالات فقط، فهل سقط من الرسالة شيء؟ يبدو أنّه لم يسقط منها شيء؛ لأنّه طُرح في نهاية الرسالة إشكالان على الفضل بن شاذان الذي كان يذهب إلى رأي المشهور؛ فإذا أضفنا هذين الإشكالين إلى تلك الخمسة، فسوف تتمّ السبعة إشكالات.
ثمّ إنّ هذه الرسالة قد أوردها ابن إدريس بأكملها في كتابه(4)، و قال في نهاية كلامه:
«هذا آخر كلام السيّد المرتضى رضي اللّٰه عنه».(5)و هذا يدلّ على أنّه لم يسقط من الرسالة شيء.
كما أنّ العلّامة الحلّي قد أورد الرسالة كلّها أيضاً مع كلام ابن إدريس(1).
و من المحتمل أنّ المصدر الرئيسي لهذه الرسالة هو ابن إدريس، و أنّ كلّ مَن نقل منها شيئاً إنّما نقله من كتاب ابن إدريس.
لقد أشار الشريف المرتضىٰ إلىٰ هذهِ الرسالة في كتابه الانتصار، حيث قال في بحث العول من كتاب الفرائض: «و قد بيّنّا في مسألة أمليناها مفردة، و تكلّمنا فيها علىٰ شيء أخطأ فيه الفضل بن شاذان في المواريث، بطلانَ هذهِ الشبهة...».(2)فهو قد أشار هنا إلى الرسالة محلّ بحثنا، فمن يقارن بين ما جاء في هذا الموضع من الانتصار و بين هذهِ الرسالة يجد مطابقة تامّة بينهما. إنّ إشارة الشريف المرتضى إلىٰ هذه الرسالة في الانتصار يعتبر قرينة قطعية على تصحيح نسبتها إليه.
كما أنّ نسبة ابن إدريس هذه الرسالة إلى الشريف المرتضى مع قرب عهده نسبيّاً، يدلّ على تصحيح النسبة. أضف إلىٰ ذلك أنّ احتواء الرسالة على رؤية معروفة للشريف المرتضى و مذكورة في كتبه و رسائله و مُطبّقة على مسائل فقهيّة أُخرى - كما تقدّم آنفاً - يدلّ على ذلك أيضاً.
و يدلّ عليه أيضاً احتواءُ الرسالة على بعض الآراء الأُصوليّة المعروفة للشريف المرتضى، مثل أنّ الاستعمال علامة الحقيقة.
ثمّ إنّ هذه الرسالة قد حفظت لنا في آخرها نصوصاً من كتاب الفرائض للفضل بن شاذان، و هو كتاب مفقود، و هذا يَرفع من قيمة الرسالة و أهمّيّتها.
تقدّم أنّ الشريف المرتضى أورد في هذه الرسالة سبعة إشكالات على القول المشهور القائل بأنّ الأولاد يرثون سهم مَن يتقرّبون بهم، و خلاصة هذه الإشكالات كالتالي:
الإشكال الأوّل: يلزم من كلام المشهور أن يكون حال البنت في بعض الأحيان أفضل من حال الابن، بل من حال جماعة كثيرة من الأبناء، فلو فرضنا أنّ رجلاً خلّف بنتاً لابن، و عشرين ابناً لبنت أي خلّف حفيدة واحدة من ابنه، و عشرين حفيداً ذكراً من بنته، فسوف يكون للبنت الحفيدة الثلثان نصيب أبيها، و للأبناء الأحفاد الثلث نصيب أُمّهم، فيكون للبنت الواحدة نصيب أكثر بكثير من عشرين ابناً!!
الإشكال الثاني: و يلزم أيضاً من كلامهم أن يكون نصيب البنت أحياناً مساوياً لنصيب الابن، فبناءً على نظريّة المشهور فإنّ بنت الابن تأخذ كلّ المال بسبب واحد، لأنّها ترث ما يرث أبوها، فلو كان بدل هذه البنت ابنٌ، لورث المال كلّه أيضاً بسبب واحد، فيكون مساوياً لحكم البنت!! و ليس لدينا في الشريعة أنّ الابن يساوي البنت في الميراث.
و أمّا أخذ البنت المباشرة لجميع المال إذا انفردت لا يجعلها مساوية للابن الذي يأخذ جميع المال أيضاً إذا انفرد؛ و ذلك لوجود اختلاف بينهما في كيفيّة و سبب أخذ جميع المال؛ فإنّ البنت تأخذ النصف إذا انفردت بالتسمية، و الباقي بالردّ، بينما الابن يأخذ كلّ المال من دون تسمية و لا ردّ، بينما المشهور هنا قد ساوى بينهما في الميراث و السبب معاً.
الإشكال الثالث: دلّت الشريعة - كما تقدّم - على أنّ البنت تأخذ النصف إذا انفردت، و أنّ البنتين تأخذان الثلثين، بينما هؤلاء - أي المشهور - يعطون بنت الابن إذا انفردت جميع المال من غير ردّ، مع صدق كونها بنت المتوفّى، كما يعطون بنتي
الابن الجميع أيضاً من غير ردّ، و هذا خلاف الكتاب و الإجماع.
الإشكال الرابع: قد جعل اللّٰه تعالى للبنت الواحدة النصف مع الوالدَين، فلو ترك الميّتُ بنتَ ابن و والدَين، فإنّه وفقاً لقول المشهور سوف يكون للأبوين السدسان، و الباقي أي الثلثان لبنت الابن، مع أنّه يصدق عليها حقيقة أنّها بنت المتوفى، و بهذا صارت البنت الواحدة ترث أكثر من النصف مع الوالدَين بسبب واحد، فصار حالها حال الابن!!
الإشكال الخامس: لو أنّ شخصاً خلّف أولاد ابن و أولاد بنت من الجنسين، فإنّ مقتضى نظريّة المشهور أن يرث أولاد الابن سهمين يوزع بينهم للذكر مثل حظّ الأُنثيين، و أن يعطى أولاد البنت سهماً واحداً يوزع عليهم كذلك، فأشكل الشريف المرتضى على ذلك بأنّ دليلهم على ذلك هو قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ...» الآية(1)، فإن كان كذلك، فإنّ أولاد الأولاد يطلق عليهم اسم أولاد، و بذلك يستحقون سهم إرث الأولاد المباشرين، فإن كان كذلك، فينبغي عدم التفريق بين حالة ما لو كان الأولاد أولاد ابن و بنت، أو أولاد ابن واحد، أو بنت واحدة، فإنّه في كلّ الأحوال يسمّون أولاداً، و يجب أن توزع عليهم التركة للذكر مثل حظ الأُنثيين، لا أن يوزع عليهم سهم مَن يتقرّبون به.
إنّ أهمّ دليل للشريف المرتضى على نظريّته - كما تقدم - هو إطلاق اسم الأولاد على أولاد الأولاد، فتشملهم آية: «يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ» ، فيرثون سهم الأولاد من الصلب، لا سهم مَن يتقرّبون بهم. و أمّا ما استدلّ به المشهور من الرواية الدالّة على أنّ كلّ مَن يتقرّب بغيره، يأخذ سهام مَن يتقرّب به(2)، فهذه الرواية تشمل أولاد
الأعمام و أولاد الأخوال، و غيرهم، فإنّهم يرثون سهم آبائهم و أُمّهاتهم؛ لأنّهم يتقرّبون بهم، بينما الأمر مختلف بالنسبة لأولاد الأولاد، فإنّهم يسمّون أولاداً كآبائهم، بينما أولاد الأعمام مثلاً لا يسمّون أعماماً كآبائهم، و لذلك تقرّب أولاد الأولاد بأنفسهم إلى الميّت، فأخذوا حصّة الأولاد من الصلب، بينما تقرّب أولاد الأعمام بآبائهم، فأخذوا حصّة آبائهم.
مناقشة رأي العامّة: إنّ تأكيد الشريف المرتضى على تسمية الأولاد أولاداً جعله يستطرد و يتوجّه نحو العامّة الذين فصّلوا بين ولد الولد و ولد البنت، فسمّوا الأوّل ولداً، و امتنعوا من تسمية الثاني بذلك، فأخذ الشريف المرتضى بمناقشتهم، و إثبات أنّ ولد البنين و البنات يُطلق عليهم اسم الولد على السواء، فاستدلّ بقوله تعالى:
«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ وَ عَمّٰاتُكُمْ وَ خٰالاٰتُكُمْ وَ بَنٰاتُ اَلْأَخِ وَ بَنٰاتُ اَلْأُخْتِ» (1)، فقد دلّ الإجماع على أنّ ظاهر هذه الآية دلّ على حرمة بنات الأولاد مع أنّهنّ لم يُذكَرن في الآية؛ و ذلك لأنّ إطلاق البنات على بنات الأولاد يَسمح بدخولهنّ تحت عنوان «بناتكم» الوارد في الآية. و لو لم تسمّ بنات الأولاد بنات لَمَا دخلن في الآية، بينما صرّحت الآية بتحريم بنات الأخ و الأُخت؛ و ذلك لعدم دخولهنّ تحت عنوان الأخوات؛ لكن لم تصرّح الآية بتحريم بنات الأولاد، و ذلك لدخولهنّ تحت عنوان البنات.
و استشهد الشريف المرتضى لكلامه بأُمور، مثل تسمية الحسن و الحسين عليهما السلامُ بأنّهما أبناء رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و تسمية الإمام الصادق عليه السلامُ بأنّه ابن أبي بكر، و تسمية عيسى عليه السلامُ بأنّه من بني آدم عليه السلامُ و ولده، مع أنّهم جميعاً ينتمون إلى من نُسبوا إليهم و عُدّوا أولاداً لهم، من جهة الأُمّ.
1) . النساء (4):23.
ثمّ استعرض الإشكال القائل بأنّ إجراء اسم الولد على ولد البنت إنّما هو استعمال مجازي لا حقيقي، و أجاب من خلال مبناه في علم الأُصول القائل بأنّ الاستعمال من علامات الحقيقة؛ فإنّ الظاهر منه هو ذلك، و لا يمكن الخروج عن الحقيقة إلّابقرينة.
الإشكال السادس: يوجد تناقض في كلام الفضل بن شاذان في كتابه الفرائض، حيث قال فيه: «لو أنّ رجلاً خلّف بنت ابن و ابن بنت، فإنّ البنت ترث الثلثين سهم أبيها، و الابن يرث الثلث سهم أُمّه، فكلٌ منهما يرث سهم مَن يتقرّب به»، لكنّه قال بعد ذلك في نفس الكتاب في بنت ابن و ابن ابن - بحيث يكون أبواهما مختلفَين -:
«إنّ المال بينهما للذكر مثل حظ الأُنثيين»، مع أنّ المفروض أنّهما يتقرّبان بأبويهما، فيجب أن يرثا سهم أبويهما بالتساوي، فإنّ سهم أبويهما متساويان.
الإشكال السابع: قال الفضل في كتابه المتقدّم: «لو خلّف رجل ابن بنت و ابنة ابن و أبوين، فللأبوين السدسان، و ما بقي فلابنة الابن الثلثان سهم أبيها، و لابن البنت الثلث سهم أُمّه»، و علّل ذلك بأنّ ولد الابنة ولد، كما أنّ ولد الابن ولد. و الإشكال مبني علىٰ قبول التعليل الأخير، و هو أنّه لو كان ولد البنت ولداً، كما أنّ ولد الابن كذلك، لوجب أن يكون المال بينهما للولد مثل حظّ الأُنثيين؛ لدخولهما تحت قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ» ، فكيف أعطى الأُنثى ضعف الذكر؟!
و في الختام أشار الشريف المرتضى إلى موافقته لابن شاذان في بعض الصور مع اختلافه معه في التعليل، و ذلك مثل ما لو خلّف الميّت بنت بنت و ابن ابن، فإنّ ابن شاذان يعطي البنت الثلث سهم أُمّها، و الابن الثلثين سهم أبيه، و هو صحيح من وجهة نظر الشريف المرتضى، و لكن لا لأنّهما يرثان سهم أبيهما و أُمّهما، بل لأنّهما بمنزلة بنت و ابن مباشرَين؛ فإنّهما يرثان مثل كلّ ابن و بنت للصلب، للذكر مثل حظّ الأُنثيين، فتأخذ البنت سهماً واحداً و هو الثلث، و الابن يأخذ سهمين و هما الثلثان.
هذا، و كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص
255، و في ضمن كتاب السرائر، ج 3، ص 232، و كتاب مختلف الشيعة، ج 9، ص 28، فقد تقدّم أنّ ابن إدريس و العلّامة الحلّي قد نقلا نصّ الرسالة في هذين الكتابين.
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26149؛ تقع في الصفحات (69-85) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (197-200) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (288-292) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
كتاب السرائر، طبعة جماعة المدرّسين، فقد تقدّم آنفاً أنّ ابن إدريس نقل نصّ الرسالة في كتابه، و لذلك قمنا بمقابلة ما جاء فيه مع هذه الرسالة.
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
قالَ الأجَلُّ المُرتَضىٰ عَلَمُ الهُدىٰ - قَدَّسَ اللّٰهُ روحَه -: اِعلَمْ أنّه يَلزَمُ مَن ذَهَبَ مِن أصحابِنا إلىٰ أنّ أولادَ البَنينَ و البَناتِ يَرِثونَ سِهامَ آبائهم مَسائلُ سَبعٌ(1)لا مَخلَصَ لَهم مِنها:
[1] فمِن(2)ذلكَ: أنّه يَلزَمُهم أن يَكونَ حالُ البِنتِ أحسَنَ مِن حالِ الِابنِ؛ بَل أحسَنَ مِن حالِ جماعةٍ كثيرةٍ مِن البَنينَ، كرَجُلٍ خَلَّفَ بِنتَ ابنٍ و عِشرينَ ابناً مِن بِنتٍ(3)فعندَهم أنّ لبِنتِ الِابنِ نَصيبَ أبيها و هو الثُّلُثانِ، و لبَني البِنتِ نَصيبَ أُمِّهم و هو الثُّلُثُ؛ فالبِنتُ الواحدةُ أوفَرُ نَصيباً مِن عِشرينَ ابناً.
[2] و منها: أن يَكونَ نَصيبُ البِنتِ يُساوي نَصيبَ الِابنِ، حتّىٰ لَو كانَ مكانَها ابنٌ لَوَرِثَ ما تَرِثُه(4)هي بعَينِه علىٰ وجهٍ واحدٍ و سببٍ واحدٍ؛ و ذلكَ: أنّ مَذهبَهم أنّ بِنتَ الِابنِ تَأخُذُ(5)المالَ كُلَّه بسببٍ واحدٍ؛ لأنّ لها عندَهم نَصيبَ أبيها؛ فلَو كانَ مكانَ هذه البنتِ ابنٌ، لَساواها في هذا الحُكمِ، و أخَذَ ما كانَت تأخُذُه البنتُ، علَى الوجهِ
الذي كانَت(1)تأخُذُه عليه(2)و لَيسَ في الشريعةِ أنّ الِابنَ يُساوي البِنتَ في الميراثِ.
فإذا عارَضونا بمَن خَلَّفَ بِنتاً و لَم يُخلِّفْ غيرَها، فإنّها تأخُذُ جميعَ المالِ؛ و لَو(3)كانَ مكانَها(4)ابنٌ لَجَرىٰ في ذلكَ مَجراها.
فالجوابُ: أنّ الِابنَ لا يَجري عندَنا(5)مَجرَى البِنتِ هاهُنا(6)لأنّ البِنتَ(7)تأخُذُ النِّصفَ بالتسميةِ و النِّصفَ الآخَرَ(8)بالردِّ، و الِابنَ يأخُذُ المالَ بسَبَبٍ واحدٍ مِن غيرِ تسميةٍ و لا رَدٍّ؛ و أنتم توجِبونَ مُساواةَ الِابنِ للبِنتِ في الميراثِ و السبَبِ.
[3] و منها: أنّ البِنتَ في الشرعِ و بظاهرِ(9)القُرآنِ لها النِّصفُ إذا انفَرَدَت، و للبِنتَينِ الثُّلُثانِ، و هُم يُعطُونَ بِنتَ الِابنِ - و هي عندَهم بِنتُ المُتوَفّىٰ و مُستَحِقّةٌ لهذه التسميةِ - الجميعَ(10)و كذلكَ(11)يَقولونَ في ابنَتَي(12)ابنٍ أنّ(13)لهما(14)جميعَ المالِ مِن غيرِ رَدٍّ عليهما، و هذا بخِلافِ الكتابِ و الإجماعِ.
فإن قالوا: ما جَعَلَ اللّٰهُ تَعالىٰ للبِنتِ الواحدةِ النِّصفَ و للبِنتَينِ الثُّلُثَينِ(15)في كُلِّ مَوضِعٍ، و إنّما جَعَلَ لَهُنَّ ذلكَ مع الأبَوَينِ خاصّةً، و إذا انفَرَدنَ(16)عن الأبَوَينِ لَم يَكُن لَهُنَّ ذلكَ.
1) . في «ص» و المطبوع: - «كانت»
2) في «ص» و المطبوع: - «عليه».
3) . في «د»: «لو» بدون واو العطف.
4) في المطبوع: «مكان».
5) . في «ص» و المطبوع: - «عندنا»
6) في «ص» و المطبوع: «هنا».
7) . في «د»: - «البنت». و في «ص» و المطبوع: «لأنّها» بدل «لأنّ البنت».
8) . في «ص» و المطبوع: «و الباقي» بدل «و النصف الآخر».
9) . في «أ، د»: «و تظاهر».
10) . في المطبوع: «الجميعة».
11) . في «ص» و المطبوع: «و كذا».
12) . في «ص» و المطبوع: «بنتي».
13) . في «ص» و المطبوع: «فإنّ». و في السرائر: - «أنّ».
14) . في «أ، د»: «لها».
15) . في «أ، د»: «الثلثان».
16) . في «د»: «انفردت».
قُلنا: قد ذَهَبَ الفَضلُ بنُ شاذانَ(1)إلىٰ هذا المَذهَبِ و مَن تابَعَه عليه(2)فِراراً مِن مَسألةِ العَولِ(3)و نَحنُ نُبيِّنُ فَسادَ هذه الطريقةِ، بَعدَ أن نُبيِّنَ لُزومَ ما ألزَمناهم إيّاه علىٰ تسليمِ ما اقتَرَحوه، فنَقولُ:
[4] قد جَعَلَ اللّٰهُ تَعالىٰ للبِنتِ الواحدةِ النِّصفَ مع الوالدَينِ، بِلا خِلافٍ مِنكم؛ فخَبِّرونا عمّن خَلَّفَ ابنةَ ابنٍ و أبَوَينِ(4)، و مَذهَبُكم(5)هذا يَقتَضي أنّ للأ بَوَينِ السُّدُسَينِ(6)، و ما بَقيَ لبِنتِ الِابنِ(7)، و هي عندَكم بِنتُ المُتوَفّىٰ علىٰ سَبيلِ الحقيقةِ؛ فقَد صارَت البِنتُ تأخُذُ مع الأبَوَينِ أكثَرَ مِن النِّصفِ بسَبَبٍ واحدٍ، و جَرَت في ذلكَ مَجرَى الِابنِ(8)!
1) . أبو محمّد الفضل بن شاذان بن خليل الأزدي النيسابوري، المتوفّى سنة 260 ه. قال النجاشي رحمه اللّٰه في رجاله، ص 306، الرقم 840: «كان أبوه من أصحاب يونس، و روى عن أبي جعفر الثاني، و قيل: عن الرضا أيضاً عليهما السلام. و كان ثقة، أحد أصحابنا الفقهاء و المتكلّمين. و له جلالة في هذه الطائفة، و هو في قدره أشهر من أن نصفه. و ذكر الكَنْجي أنّه صنّف مائة و ثمانين كتاباً، وقع إلينا منها: كتاب النقض على الإسكافي في تقوية الجسم، كتاب العروس - و هو كتاب العين -، كتاب الوعيد، كتاب الردّ على أهل التعطيل،...».
2) . راجع: الفقيه، ج 4، ص 201-202؛ و ص 214-215.
3) . قال المؤلّف رحمه اللّٰه في الانتصار، ص 561: «العَولُ في اللغة العربيّة اسم للزيادة و النقصان، و هو يجري مجرى الأضداد. و إنّما دخل هذا الاسم في الفرائض في الموضع الذي ينقص فيه المال عن السهام المفروضة فيه، فدخل هاهنا النقصان. و يمكن أن يكون دخوله لأجل الزيادة؛ لأنّ السهام زادت على مبلغ المال، و إذا أُضيف إلى المال كان نقصاناً، و إذا أُضيف إلى السهام كان زيادة». و راجع ص 564 من الانتصار، فقد أشار فيه إلىٰ هذا البحث و إلىٰ هذه الرسالة.
4) . من قوله: «مع الوالدين» إلىٰ هنا ساقط من السرائر.
5) . في «د»: «و مذهبُهم»
6) في «أ، د»: «السدس».
7) . فيكون للأبوين الثلث، و ما بقي و هو الثلثان لبنت الابن. و سوف يأتي التصريح بذلك في كلام الفضل بن شاذان المنقول في نهاية هذه الرسالة.
8) . في «ص» و المطبوع: «الأبوين».
فأمّا القولُ(1)بأنّ للبِنتِ الواحدةِ النِّصفَ و للبِنتَينِ الثُّلُثَينِ، إنّما يَختَصُّ باجتماعِ الأبَوَينِ(2)معهنَّ؛ فمِن بَعيدِ القولِ عن الصوابِ؛ لأنَّ اللّٰهَ تَعالىٰ قالَ: «يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ» (3). في «د، ص» و المطبوع و السرائر: «القرآن».(4)، و هذه جُملةٌ مُستَقِلّةٌ بنَفسِها، و ظاهرُ القولِ(4) يَقتَضي أنّ للذَّكَرِ مِثلَ حَظِّ الأُنثَيَينِ علىٰ كُلِّ حالٍ، و مع وجودِ كُلِّ واحدٍ(5)و فَقدِ كُلِّ أحَدٍ.
ثُمَّ عَطَفَ عليها جُملةً أُخرىٰ مُستَقِلّةً أيضاً(6)، فقالَ تَعالىٰ: «فَإِنْ كُنَّ نِسٰاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثٰا مٰا تَرَكَ» (7)ظاهرُ هذه الجُملةِ أنّ ذلكَ لهُنَّ علىٰ كُلِّ حالٍ، مع(8)فَقدِ كُلِّ أحَدٍ(9)و وجودِه.
ثُمَّ عَطَفَ تَعالىٰ جُملةً(10)أُخرىٰ مُستَقِلّةً غيرَ مُتعلِّقةٍ بما يَليها و لا ما تَقدَّمَها(11)، فقالَ تَعالىٰ: «وَ إِنْ كٰانَتْ وٰاحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ» (12)، و ما جَرى إلىٰ هاهُنا(13)للوالدَينِ
1) . هذه عودة للإجابة على الإشكال المتقدّم عند قوله: «فإن قالوا: ما جعل اللّٰه تعالىٰ...».
2) . في «د، ص» و المطبوع: «الأمرين».
3) . النساء
4) :11.
5) . في «ص» و المطبوع و السرائر: «أحد».
6) . في «ص» و المطبوع: «مستقلّة أُخرىٰ» بدل «أُخرىٰ مستقلّة أيضاً».
7) . تتمّة الآية السابقة.
8) . في «ص» و المطبوع و السرائر: «و مع».
9) . في السرائر: «واحد».
10) . في «ص» و المطبوع: - «تعالىٰ جملة».
11) . في «د»: «و لا يتقدّمها». و في «ص» و المطبوع: «و ما يتقدّمها».
12) . تتمّة الآية السابقة.
13) . في المطبوع: «و لم يجر» بدل «و ما جرى إلى هاهنا».
ذِكرٌ، و ظاهرُ الكلامِ يَقتَضي أنّ للواحدةِ(1)النِّصفَ مع كُلِّ أحَدٍ، إلّاأن يَمنَعَ دليلٌ.
ثُمَّ قالَ تَعالىٰ: «وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ مِمّٰا تَرَكَ إِنْ كٰانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوٰاهُ فَلِأُمِّهِ اَلثُّلُثُ» (2)، فبَيَّنَ - جَلَّ اسمُه - هاهُنا(3)حُكمَ الوالدَينِ(4)في الميراثِ، مع وجودِ(5)الوَلَدِ و فَقدِه.
فكَيفَ يَجوزُ أن يُعلَّقَ(6)إيجابُ النِّصفِ للبِنتِ الواحدةِ و الثُّلُثَينِ للبِنتَينِ بوجودِ الأبَوَينِ، و قد تَقدَّمَ ذِكرُ حُكمِ البَناتِ مُطلَقاً، و بَعدَ الخروجِ عنه أتىٰ ذِكرُ(7)الأبَوَينِ مشروطاً؟!
و كَيفَ يَتوهَّمُ ذلكَ مُتأمِّلٌ(8)و اللّٰهُ تَعالىٰ يَقولُ: «إِنْ كٰانَ لَهُ وَلَدٌ» ، فشَرَطَ في ميراثِ الأبَوَينِ الوَلَدَ؟! و لَو كانَ المُرادُ أنّ النِّصفَ للبِنتِ و الثُّلُثَينِ للبِنتَينِ(9)مع وجودِ الأبَوَينِ لَكانَ اشتراطُ الوَلَدِ لَغواً و اشتراطاً(10)لِما هو موجودٌ مذكورٌ.
و لَو صَرَّحَ تَعالىٰ بما ذَكَروه لَكانَ الكلامُ قَبيحاً خارجاً عن البَلاغةِ و البَيانِ؛ ألا تَرىٰ أنّه(11)لَو قالَ تَعالىٰ: «و لأبَوَيه مع البِنتِ أو البِنتَينِ لكُلِّ واحدٍ منهما السدُسُ إن كانَ له وَلَدٌ» لَقَبُحَ ذلكَ و فَحُشَ؟ فكَيفَ نُقدِّرُ(12)في الكلامِ ما لَو أظهَرناه لَكانَ غيرَ مُستَقيمٍ؟!
1) . في «ص» و المطبوع: «فهذا يقتضي أنّ لها» بدل «و ظاهر الكلام يقتضي أنّ للواحدة».
2) . تتمّة الآية السابقة.
3) . في «ص» و المطبوع: «تعالىٰ» بدل «جلّ اسمه هاهنا».
4) . في «د»: «الواحدين».
5) في المطبوع: - «وجود».
6) . في «أ»: «أن تعلّق».
7) في «ص» و المطبوع: «بذكر».
8) . في «ص» و المطبوع: «متأمّل ذلك» بدل «ذلك متأمّل».
9) . في السرائر: - «للبنتين».
10) . في المطبوع: - «و اشتراطاً».
11) . في «ص» و المطبوع: «فإنّه» بدل «ألا ترى أنّه».
12) . في «ص» و المطبوع و السرائر: «يقدّر».
و أجمَعَ أهلُ العربيّةِ علىٰ أنّ الوقفَ التامَّ عندَ قولِه تَعالىٰ: «وَ إِنْ كٰانَتْ وٰاحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ» ، و لَو كانَ المُرادُ ما تَوهَّموه مِن أنّ لها النِّصفَ مع الأبَوَينِ لَما كانَ ذلكَ وقفاً تامّاً.
و لا خِلافَ مِن(1)أحَدٍ مِن أهلِ العِلمِ البَتّةَ(2)و المُفسِّرينَ و أصحابِ الأحكامِ في أنَّ قولَه تَعالىٰ: «وَ لِأَبَوَيْهِ» كلامٌ مُبتدأٌ مُستأنَفٌ، لا تَعلُّقَ له بما قَبلَه.
فأمّا اعتذارُهم عندَ سَماعِ هذا الكلامِ بأنّ اشتراطَ الوَلَدِ إنّما حَسُنَ ليَدخُلَ فيه الذُّكورُ و ما(3)زادَ علَى البِنتَينِ؛ لأنّه لَم يَمضِ إلّاذِكرُ البِنتِ الواحدةِ و البِنتَينِ، فعَجيبٌ؛ لأنّه لَو أرادَ ما ذَكَروه(4)لَقالَ تَعالىٰ: «يوصيكم اللّٰهُ في أولادِكم للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ مع الأبَوَينِ؛ فإن كُنَّ نِساءً فَوقَ اثنَتَينِ معهما(5)فلهُما ثُلُثا ما تَرَكَ، و إن كانَت واحدةً معهما فلها النِّصفُ».
فلَو أرادَ هذا المعنىٰ على الترتيبِ الذي رَتَّبوه، و عَنىٰ بقَولِه أنّ ذلكَ لهُما مع البِنتِ أو البِنتَينِ و ما زادَ عليهما، و أرادَ أن يُبيِّنَ أنّ السُّدُسَ(6)للأبَوَينِ مع الأولادِ، لَكانَ لا يَحسُنُ أن يَقولَ: «إِنْ كٰانَ لَهُ وَلَدٌ» ؛ بَل يَقولَ: «و إن كانَ له أيضاً ذُكورٌ»؛ لأنّه قد تَقدَّمَ ذِكرُ البِنتِ الواحدةِ و ما زادَ عليها، فلا معنىٰ لاشتراطِ الوَلَدِ؛ و انفرادُ قولِه تَعالىٰ: «وَ لِأَبَوَيْهِ» عن الجُملةِ المُتقدِّمةِ لا(7)يَذهَبُ علىٰ مُتأمِّلٍ.
و إنّما(1)فَرّوا(2)- بهذا التقديرِ الذي لا يَتحصَّلُ(3)- عن نُقصانِ البِنتِ في مَسألةِ العَولِ عن النِّصفِ، فادَّعَوا(4)أنّ النِّصفَ جُعِلَ(5)لها مع الأبَوَينِ، لا في كُلِّ مَوضِعٍ.
و أحسَنُ مِن رُكوبِهم(6)هذه المُعضِلةَ أن يَقولوا: إنّ اللّٰهَ تَعالىٰ جَعَلَ لها النِّصفَ بظاهرِ الكلامِ في كُلِّ مَوضِعٍ، و في مَسألةِ العَولِ قامَ دليلٌ علىٰ أنّ لها دونَ ذلكَ؛ فعَلِمنا أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لَم يَجعَلْ لها النِّصفَ في هذا المَوضِعِ خاصّةً، و إن كانَ لها في سائرِ المَواضعِ.
و أيُّما(7)أحسَنُ؛ أن يُخَصَّ(8)بدليلٍ بعضُ المَواضعِ، أو يَحصُلَ ما هو مطلقٌ مِن القولِ مشروطاً بغَيرِ دليلٍ و لا حُجّةٍ، علىٰ وجهٍ يَسمُجُ(9)به الكلامُ و يَذهَبُ رَونَقُه، و تَزولُ(10)فَصاحتُه؟
[5] ثُمَّ يُقالُ لهم: خَبِّرونا عمّن خَلَّفَ أولادَ ابنٍ و(11)أولادَ بِنتٍ - ذُكوراً و إناثاً -؛
1) . في «أ، د»: «فإنّما».
2) . في «ص» و المطبوع: «فرّق».
3) . في «ص» و المطبوع: «لا يحصل».
4) . في «أ، ص» و المطبوع و السرائر: «و ادّعوا».
5) . في «ص» و المطبوع: «حصل».
6) . في «د»: «ركانهم». و في «ص» و المطبوع: «ركونهم».
7) . في جميع النسخ و المطبوع و السرائر (ط. جماعة المدرّسين): «و إنّما»، و هو سهو من النسّاخ. و الذي أثبتناه استفدناه من السرائر (ط. مكتبة الروضة الحيدريّة) بتحقيق السيّد محمّد مهدي الخرسان.
8) . في «ص» و المطبوع و السرائر: «أن نخصّ».
9) . في «أ»: «ينسح». و في «د»: «ينسخ». و في «ص» و المطبوع و السرائر: «يسمح». و سَمُجَالشيءُ - بالضمّ -: قَبُحَ، إذا لم يكن فيه مَلاحةٌ. راجع: لسان العرب، ج 2، ص 300 (سمج).
10) . في «ص» و المطبوع: «و يذهب به رونقه، فتزول».
11) . في السرائر: «أو».
كَيفَ تَقسِمونَ(1)الميراثَ بَينَ هؤلاءِ الأولادِ؟
فإذا(2)قالوا: للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ.
قُلنا: فبأيِّ حُجّةٍ فَعَلتم ذلكَ؟
فلا وجهَ لهذه القِسمةِ إلّاقولُه تَعالىٰ(3): «يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ» و إلَى الآيةِ المَفزَعُ(4)في ذلكَ؛ فيُقالُ لهم: فقَد(5)سَمَّى اللّٰهُ تَعالىٰ أولادَ الأولادِ أولاداً؛ فأيُّ فَرقٍ بَينَ أن يَكونَ الذُّكورُ و الإناثُ أولادَ ابنٍ واحدٍ أو بِنتٍ واحدةٍ و بَينَ أن يَكونَ هؤلاء الذُّكورُ و الإناثُ أولادَ بِنتٍ و أولادَ(6)ابنٍ في تَناوُلِ الِاسمِ لهم؟
و إذا(7)كانَ الِاسمُ مُتَناوِلاً لهم في الحالَينِ، فيَجِبُ أن تَكونَ القِسمةُ في الحالَينِ تَتَّفِقُ و لا تَختَلِفُ، و يُعطىٰ أولادُ البَناتِ الذُّكورُ و الإناثُ و أولادُ البَنينَ الذُّكورُ و الإناثُ للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ، فلا يُخالَفُ حُكمُ الآيةِ في أحَدِ المَوضِعَينِ، و تَناوَلُ(8)الآيةُ لهُما تَناوُلاً واحداً.
فإن قالوا: يَلزَمُكم(9)أن تُوَرِّثوا أولادَ الأولادِ مع الأولادِ؛ لتَناوُلِ الِاسمِ للجماعةِ عندَكم(10).
1) . في «أ، د»: «يقسمون»
2) في المطبوع: «فإن».
3) . في السرائر: - «تعالىٰ».
4) في «ص» و المطبوع: «و إلى آخر الآية المفرَّع».
5) . في «ص» و المطبوع: «قد»
6) في «د، ص» و المطبوع و السرائر: - «أولاد».
7) . في «ص» و المطبوع: «فإذا».
8) . أي: «تتناول». و هو نظير قوله تعالىٰ: «وَ تَرَى اَلشَّمْسَ إِذٰا طَلَعَتْ تَزٰاوَرُ...» [الكهف (18):17] أي: «تتزاور». راجع: تفسير الثعلبي، ج 6، ص 159.
9) . في «أ، د»: «ليلزمكم».
10) . في «ص» و المطبوع: - «عندكم».
قُلنا: لَو تُرِكنا و ظاهرَ الآيةِ فَعَلنا ذلكَ؛ لكِنَّ إجماعَ الشيعةِ - بَل إجماعَ كُلِّ المُسلِمينَ - مَنَعَ مِن ذلكَ؛ فخَصَّصنا(1)الظاهرَ، و حَمَلنا الآيةَ علىٰ أنّ المُرادَ:
يوصيكمُ اللّٰهُ في أولادِكم بَطناً بَعدَ بَطنٍ.
فإن قالوا: فنَحنُ أيضاً نُخصِّصُ الظاهرَ، و نَحمِلُ قولَه تَعالىٰ: «يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ» علىٰ أنّ المُرادَ به أولادُ الصُّلبِ بغَيرِ واسطةٍ.
قُلنا: تَحتاجونَ إلىٰ دليلٍ قاطعٍ علىٰ هذا(2)التخصيصِ؛ كما فَعَلنا نَحنُ في ذلكَ، و رَجَعنا فيه إلَى الإجماعِ(3).
فإن قالوا: أجمَعَت الإماميّةُ علىٰ ذلكَ(4).
قُلنا: ما(5)الدليلُ علىٰ ذلكَ؟ فإنّا ما(6)نَعرِفُ هذا الإجماعَ، و في المَسألةِ خِلافٌ بَينَهم، و إن كانَ(7)أكثَرُهم يَقولُ بخِلافِ الصوابِ في هذه المسألةِ(8)تقليداً و تعويلاً علىٰ رِواياتٍ رَوَوها: أنّ كُلَّ مَن تَقرَّبَ(9)بغَيرِه أخَذَ سِهامَ مَن تَقرَّبَ به.(10)
و هذا الخبرُ إنّما هو في أولادِ الإخوةِ و الأخَواتِ، و الأعمامِ و العَمّاتِ، و
1) . في «أ، د»: «تخصّصنا».
2) . في «ص» و المطبوع: - «هذا».
3) . في «ص» و المطبوع: - «نحن في ذلك، و رجعنا فيه إلى الإجماع».
4) . في «ص» و المطبوع: «عليه» بدل «على ذلك».
5) . في «ص» و المطبوع: «و ما».
6) . في المطبوع: «لا».
7) . في «د، ص» و المطبوع: - «كان».
8) . هكذا في السرائر. و في النسخ و المطبوع: - «المسألة».
9) . في «ص» و المطبوع: «يتقرّب».
10) . راجع للمزيد: التهذيب، ج 9، ص 261، ذيل ح 13؛ الخلاف، ج 4، ص 127.
الأخوالِ و الخالاتِ، و بَني الأعمامِ و الأخوالِ(1)لأنّ هؤلاءِ(2)لا تَسميةَ لهُم في الميراثِ، و إنّما يَتقرَّبونَ بغَيرِهم، فأُعطوا سِهامَ مَن يَتقرَّبونَ به.
و لَيسَ كذلكَ أولادُ الأولادِ؛ لأنّ هؤلاءِ و إن سَفَلوا(3)داخِلونَ في اسمِ الوَلَدِ و اسمِ البَنينَ و البَناتِ(4)علَى الحقيقةِ، ممّن هو مُسَمّىً(5)في الكتابِ و(6)منصوصٌ علىٰ تَوريثِه، فلا(7)يُحتاجُ في تَوريثِه إلىٰ ذِكرِ قَرابتِه، و أن نُعطيَه(8)نَصيبَ مَن يَتقرَّبُ به، كما لا يُحتاجُ في تَوريثِ أولادِ الصُّلبِ بِلا واسطةٍ إلىٰ شَيءٍ مِن ذلكَ.
فإن قيلَ: فما دليلُكم علىٰ صِحّةِ ما ذَهَبتم إليه مِن تَوريثِ أولادِ الأولادِ، و القِسمةِ عليهم للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ؟
قُلنا: دليلُنا علىٰ ذلكَ قولُه تَعالىٰ: «يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ» (9)، و لا خِلافَ بَينَ أصحابِنا في أنّ وُلدَ البَنينَ و وُلدَ البَناتِ و إن سَفَلوا تَقَعُ عليهم هذه التسميةُ، و تَتَناوَلُهم علىٰ سَبيلِ الحقيقةِ.
و لهذا حَجَبوا(10)الأبَوَينِ عن ميراثِهما إلَى السُّدُسَينِ بوَلَدِ الوَلَدِ و إن هَبَطَ(11)، و
1) . في «أ»: «و العمّات و الخالات و هي الأعمام و الأخوال» بدل قوله: «و الأعمام و العمّات...» إلىٰ هنا. و في «ب»: «و العمّات و الخالات و الابن الأعمام و الأخوال» بدلها.
2) . في «ص» و المطبوع: «لأنّهم» بدل «لأنّ هؤلاء».
3) . في «د»: «سلفوا». و في «ص» و المطبوع: «نزلوا».
4) . في «أ»: «و اسم البنات و اسم البنين». و في «د» و السرائر: «و اسم البنات و البنين».
5) . في «أ، د»: «يُسمّىٰ»
6) في السرائر: - «و».
7) . في «أ، د» و السرائر: «لا».
8) . هكذا في السرائر. و في النسخ: «يعطيه».
9) . النساء (4):11.
10) . في «د»: «حجر».
11) . في «ص» و المطبوع و السرائر: «هبطوا».
حَجَبوا(1)الزوجَ عن النِّصفِ إلَى الرُّبُعِ، و الزوجةَ عن الرُّبُعِ إلَى الثُّمُنِ بوَلَدِ الوَلَدِ؛ فمَن سَمّاه اللّٰهُ تَعالىٰ وَلَداً في حَجبِ الأبَوَينِ و حَجبِ الزوجَينِ، يَجِبُ أن يَكونَ هو الذي سَمّاه وَلَداً في قولِه تَعالىٰ: «يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ» .
و كَيفَ يُخالَفُ بَينَ حُكمِ الأولادِ و يُعطىٰ بعضُهم للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ، و البعضُ الآخَرُ نَصيبَ(2)آبائهم الذي يَختَلِفُ و يَزيدُ و يَنقُصُ؛ و يَقتَضي(3)تارةً تفضيلَ الأُنثىٰ علَى الذَّكَرِ و القليلِ علَى الكَثيرِ، و تارةً المُساواةَ بَينَ(4)الذَّكَرِ و الأُنثىٰ؟
و علىٰ أيِّ شَيءٍ يُعوَّلُ(5)في الرجوعِ عن ظاهرِ كتابِ اللّٰهِ(6)تَعالىٰ؟
فأمّا مُخالِفونا مِن العامّةِ، فإنّهم يُخالِفونَنا(7)في تَسميةِ وَلَدِ البِنتِ بأنّه وَلَدٌ علَى الحقيقةِ(8)، و فيهم مَن وافَقَ علىٰ ذلكَ؛ و وافَقَ(9)جميعُهم علىٰ أنّ وَلَدَ الوَلَدِ(10)و إن هَبَطَ يُسمّىٰ وَلَداً علَى الحقيقةِ.(11)
1) . في «د»: «حجر».
2) . في «د»: + «أولاد».
3) . في «د»: - «و يقتضي».
4) . في «ص» و المطبوع: «من».
5) . في السرائر: «نعوّل».
6) . في «ص» و المطبوع: «كتابه» بدل «كتاب اللّٰه».
7) . في «د»: - «يخالفوننا». و في «ص» و المطبوع و السرائر: «لا يوافقونا» بدل «يخالفوننا».
8) . في «ص» و المطبوع: «حقيقة» بدل «على الحقيقة».
9) . في «أ»: «فيوافق». و في «د»: «بتوافق».
10) . في «د»: + «ابن»، و هكذا أيضاً يظهر من «أ».
11) . راجع: المجموع، ج 15، ص 350؛ و ج 20، ص 55؛ مواهب الجليل، ج 7، ص 635-637؛ بدائع الصنائع، ج 7، ص 345 و 346؛ المغني لابن قدامة، ج 7، ص 512.
و قد حُكيَ عن بعضِهم أنّه كانَ يَقولُ: إنّ وُلدَ الوَلَدِ إنّما يُسمَّونَ هذه(1)التسميةَ إذا لَم يَحضُرْ أولادُ الصُّلبِ، فإن حَضَروا لَم يَتَناوَلْهم الِاسمُ.(2)
و هذا طَريفٌ؛ فإنّ الِاسمَ إذا(3)تَناوَلَهم لَم يَختَلِفْ ذلكَ، بأن يَحضُرَ غيرُهم أو لا يَحضُرَ. و ما راعىٰ أحَدٌ فيما يُجري علَى المُسمَّياتِ مِن الأسماءِ مِثلَ ذلكَ.
و إنّما أحوَجَهم إلىٰ ذلكَ أنّهم وَجَدوا أولادَ الِابنِ لا يأخُذونَ مع حضورِ الِابنِ(4)شَيئاً، و يأخُذونَ مع فَقدِه، بالآيةِ المُتضمِّنةِ للقِسمةِ علَى الأولادِ؛ فظَنّوا(5)أنّ الِاسمَ يَتَناوَلُهم في الحالِ التي يَرِثونَ(6)فيها، و لا يَتَناوَلُهم في الحالِ التي لا يَرِثونَ فيها(7). و هذا(8)غَلَطٌ منهم.
و قد أغناهُم اللّٰهُ تَعالىٰ عن هذه البِدعةِ في إجراءِ(9)الِاسمِ و الخروجِ عن المعهودِ فيها؛ بأن يَقولوا: إنّ الظاهرَ يَقتَضي اشتراكَ الوَلَدِ و وَلَدِ الوَلَدِ في الميراثِ، إلّا(10)أنّ(11)الإجماعَ علىٰ خِلافِ ذلكَ، فيُخَصِّصوا(12)بالإجماعِ الظاهرَ.
1) . في «د، ص» و المطبوع و السرائر: «بهذه».
2) . في «ص» و المطبوع: - «الاسم». و راجع: المجموع، ج 15، ص 350؛ مواهب الجليل، ج 7، ص 637.
3) في «ص» و المطبوع: «إن».
4) . في المطبوع: «آبائهم» بدل «الابن».
5) . في «أ، د» و السرائر: «و ظنّوا».
6) . في السرائر: «لا يرثون».
7) . في «ص» و المطبوع و السرائر: - «و لا يتناولهم في الحال التي لا يرثون فيها».
8) . في «ص» و المطبوع: «و هو».
9) . في «د، ص» و المطبوع: «آخر».
10) . في «أ»: «و لا». و في «ص» و المطبوع و السرائر: «لولا».
11) . في «د»: - «أنّ».
12) . هكذا في السرائر. و في النسخ و المطبوع: «فتخصّصوا».
و ممّا يَدُلُّ علىٰ أنّ وُلدَ البَنينَ و البَناتِ يَقَعُ عليهم اسمُ «الوَلَدِ»:
[أ] قولُه تَعالىٰ: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ» (1). في «ص» و المطبوع: «و تحقيق».(2)، و لا خِلافَ بَينَ الأُمّةِ في(3)أنّ بظاهرِ هذه الآيةِ تَحرُمُ علينا(4)بَناتُ أولادِنا، فلَو لَم تَكُن بِنتُ البِنتِ بِنتاً علَى الحقيقةِ لَما دَخَلَت تَحتَ هذه الآيةِ.
و يُحقِّقُ(4) ذلكَ: أنّه تَعالىٰ لمّا قالَ: «وَ أَخَوٰاتُكُمْ وَ عَمّٰاتُكُمْ وَ خٰالاٰتُكُمْ وَ بَنٰاتُ اَلْأَخِ وَ بَنٰاتُ اَلْأُخْتِ» ذَكَرَ في المُحرَّماتِ بَناتِ الأَخِ و بَناتِ الأُختِ؛ لأنّهُنَّ لَم يَدخُلْنَ تَحتَ اسمِ «الأخَواتِ»، و لمّا دَخَلَ بَناتُ البَناتِ تَحتَ اسمِ «البَناتِ» لَم يَحتَجْ - و قد حَرَّمَهنَّ(5)- أن يَقولَ: «و بَناتُ بَناتِكم». و هذه حُجّةٌ قَويّةٌ فيما قَصَدناه.
[ب] و قولُه تَعالىٰ: «وَ حَلاٰئِلُ أَبْنٰائِكُمُ» (6)، و قولُه - جَلَّ اسمُه -: «وَ لاٰ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ» - إلىٰ قولِه(7): - «أَوْ أَبْنٰائِهِنَّ أَوْ أَبْنٰاءِ بُعُولَتِهِنَّ» (8)، لا خِلافَ في عُمومِ الحُكمِ هاهُنا(9)لجميعِ(10)أولادِ الأولادِ مِن ذُكورٍ و إناثٍ.
[ج] و ممّا يَدُلُّ أيضاً علىٰ أنّ وَلَدَ البِنتِ مُنطَلِقٌ(11)عليه اسمُ «الوَلَدِ» علَى
1) . النساء
2) :23.
3) . في «ص» و المطبوع: «و بالإجماع» بدل «و لا خلاف بين الأُ مّة في».
4) . في «ص» و المطبوع: «حُرِّمَت» بدل «تحرم علينا».
5) . في «ص» و المطبوع: - «و قد حرّمهنّ».
6) . النساء (4):23.
7) . في «أ، د» و المطبوع و السرائر: «إِلاّٰ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبٰائِهِنَّ أَوْ آبٰاءِ بُعُولَتِهِنَّ» بدل «إلى قوله».
8) . النور (24):31.
9) . في «ص» و المطبوع: - «هاهنا».
10) . في السرائر: «بجميع».
11) . في السرائر: «ينطلق».
الحقيقةِ، أنّه لا خِلافَ في(1)تَسميةِ الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهما السلامُ بأنّهما «ابنا(2)رسولِ اللّٰهِ» صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و أنّهما يُفضَّلانِ بذلكَ و يُمدَحانِ، و لا فَضيلةَ و لا مَدحَ في وصفٍ مَجازٍ مُستَعارٍ؛ فثَبَتَ أنّه حقيقتُهم(3).
و قد رَوىٰ أصحابُ السِّيَرِ كُلُّهم أنّ أميرَ المؤمنينَ - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه - لمّا أمَرَ ابنَه مُحمّدَ بنَ الحَنَفيّةِ، و كانَ صاحبَ رايتِه يَومَ الجَمَلِ في ذلكَ اليَومِ، فقالَ له:
اِطْعَنْ بها طَعنَ أبيكَ تُحمَدِ *** لا خَيرَ في الحَربِ إذا لَم تُوقَدِ(4)
بالمَشْرَفيِّ(5)و القَنا(6)المُسدَّدِ
فحَمَلَ مُحمّدٌ(7)رَضيَ اللّٰهُ عنه، فأبلىٰ(8)جُهدَه، فقالَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ:
«أنتَ ابني حَقّاً، و هذانِ ابنا رَسولِ اللّٰهِ»؛(9)يَعني الحَسَنَ و الحُسَينَ عليهما السلامُ.
فأجرىٰ عليهما هذه التسميةَ مادحاً لهُما(10)و مُفضِّلاً(11)، و المَدحُ لا يَكونُ بالمَجازِ و الاستعارةِ.
1) . في «ص» و المطبوع: «و لأنّ الإجماع واقع علىٰ» بدل «و ممّا يدلّ أيضاً على أنّ...» إلى هنا.
2) . في المطبوع: «أبناء».
3) . في «د، ص» و المطبوع و السرائر: «حقيقة». و مرجع الضمير في «حقيقتهم»: أولاد البنات مطلقاً.
4) . في جميع النُّسخ و المطبوع: «لم يوقد»، و هو سهو من النسّاخ.
5) . في «د، ص»: «بالشرقيّ».
6) . في «أ»: «و الفتا». و في «ص»: «الفناء».
7) . في المطبوع: - «محمّد».
8) . في «ص» و المطبوع: «و أبلى».
9) . راجع: المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 341؛ وقعة الجمل، ص 143؛ بحار الأنوار، ج 32، ص 175؛ و ج 34، ص 411، ح 27؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 1، ص 243.
10) . في «ص» و المطبوع: «لهم».
11) . في السرائر: + «لهما».
و ما زالَت(1)العَرَبُ في الجاهليّةِ تَنسِبُ(2)الوَلَدَ [مِن البنتِ] إلىٰ جَدِّه - إمّا في مَوضِعِ مَدحٍ، أو ذَمٍّ - و لا يَتَناكَرونَ ذلكَ، و لا يَحتَشِمونَ منه.
و قد كانَ الصادقُ أبو عبد اللّٰهِ عليه السلامُ يُقالُ له(3)أبَداً: «أنتَ ابنُ الصِّدّيقِ»؛ لأنّ أُمَّه بنتُ القاسِمِ بنِ مُحمّدِ بنِ أبي بَكرٍ.(4)
و لا خِلافَ بَينَ الأُمّةِ(5)في(6)أنّ عيسىٰ عليه السلامُ مِن بَني آدَمَ و وُلدِه، و إنّما يُنسَبُ(7)إليه بالأُمومةِ دونَ الأُبوّةِ(8).
فإن قيلَ: اسمُ «الوَلَدِ» يَجري علىٰ وُلدِ البَناتِ مَجازاً، و لَيسَ كُلُّ شَيءٍ استُعمِلَ في غيرِه يَكونُ حقيقةً له.
قُلنا: الظاهرُ مِن الاستعمالِ الحقيقةُ(9)، و علىٰ مَن ادَّعَى المَجازَ الدَّلالةُ. و قد بيّنّا في غيرِ مَوضِعٍ أنّ الأصلَ الحقيقةُ، و المَجازَ طارٍ داخِلٌ، و(10)الاستعمالُ محمولٌ علَى الأُصولِ، إلّاأن يَنقُلَ(11)دَلالةٌ قاهرةٌ.
1) . في «ص»: «و لم يزل». و في المطبوع: «و لم تزل».
2) . في «أ»: «ينسب». و في «د»: «بنت».
3) . في «ص» و المطبوع: «و قد كان يُقال للصادق عليه السلام».
4) . القاسم بن محمّد بن أبي بكر، أبو محمّد، أحد الفقهاء السبعة في المدينة. ولد سنة 37 ه، و كان صالحاً ثقة و من سادات التابعين. عمي في أواخر أيّامه، و توفّي سنة 107 ه و هناك أقوال أُخرىٰ في تاريخ وفاته. راجع: الأعلام، ج 5، ص 181؛ الثقات لابن حبّان، ج 5، ص 302.
5) . في «ص» و المطبوع: - «بين الأُمّة».
6) . في المطبوع: - «في».
7) . في «ص» و المطبوع: «ينتسب».
8) . في السرائر: «الأبويّة».
9) . الذريعة، ج 1، ص 13.
10) . في «د، ص» و المطبوع: «في» بدل الواو.
11) . كذا، و الأنسب: «تنقله».
فإن قالوا: لَو حَلَفَ رَجُلٌ بالطلاقِ أو باللّٰهِ تَعالىٰ أنّه «لا وَلَدَ له» و له وَلَدُ بِنتٍ، لَما كانَ حانِثاً(1).
قُلنا: يَكونُ عندَنا حانثاً إذا أطلَقَ القولَ، و إنّما لا يَكونُ حانِثاً إذا نَوىٰ ما يُخرِجُه عن الحِنْثِ.(2)
[6] و قد ناقَضَ الفَضلُ بنُ شاذانَ(3)في مَذهبِه، و قالَ في(4)كتابِه في الفَرائضِ(5)في رَجُلٍ خَلَّفَ بِنتَ ابنٍ و ابنَ بِنتٍ: «إنّ لبِنتِ الابنِ الثُّلُثَينِ نَصيبَ أبيها، و لِابنِ البِنتِ الثُّلُثَ نَصيبَ أُمِّه»؛ فجَعَلَ(6)[لِ] وَلَدِ الوَلَدِ نَصيبَ مَن يَتقرَّبُ به و أعطاه ذلكَ.
ثُمَّ قالَ في هذا الكتابِ في بِنتِ ابنٍ و ابنِ ابنٍ: «إنّ المالَ بَينَهما(7)للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ»(8).
1) . «الحِنث»: الإثم، و الذنب، و الخُلف في اليمين. و المراد هنا الأخير. راجع: الصحاح، ج 1، ص 280 (حنث).
2) . في «ص» و المطبوع: + «من لا ولد له و له ولد بنت أنّه لا ولد له لم يحنث. قلنا: بل يحنث مع الإطلاق، و إنّما لا يحنث إذا نوى ما يُخرجه عن الحنث».
3) . تقدّمت ترجمته في بداية الرسالة.
4) . في السرائر: - «في».
5) . قد ذكر له النجاشي رحمه اللّٰه في فهرسته، ص 306، الرقم 840 ثلاثة كتب باسم الفرائض، و هي: كتاب الفرائض الكبير، و كتاب الفرائض الأوسط، و كتاب الفرائض الصغير؛ و لكن ذكر الطوسي رحمه اللّٰه في الفهرست، ص 197، الرقم 563 و ابن شهر آشوب رحمه اللّٰه في معالم العلماء، ص 125 اثنين منها من دون «كتاب الفرائض الأوسط».
6) . هكذا في نسخة من السرائر كما جاء في هامشه. و في جميع النُّسخ و المطبوع و متن السرائر: «في» بدل «فجعل»، و هو سهو واضح من النسّاخ.
7) . في «أ، د»: «بينهم».
8) . حكاه الشيخ الكليني عنه في الكافي، ج 7، ص 88.
و هذه مُناقَضةٌ لِما قَرَّره؛ لأنّ بِنتَ الِابنِ تَتقرَّبُ(1)بأبيها، و ابنَ الِابنِ يَتقرَّبُ أيضاً بأبيه، فيَجِبُ أن يَتَساويا في النَّصيبِ؛ فكَيفَ جَعَلَ هاهُنا للذَّكَرِ مِثلَ حَظِّ الأُنثَيَينِ، مع أنّ كُلَّ واحدٍ يَتقرَّبُ بغَيرِه، فله علىٰ مَذهبِه نَصيبُ مَن يَتقرَّبُ به؟! و ألّافَعَلَ مِثلَ ذلكَ في بِنتِ ابنٍ و ابنِ بِنتٍ، و جَعَلَ للذَّكَرِ مِثلَ حَظِّ الأُنثَيَينِ؟
[7] و مِن العَجَبِ أنّه قالَ في كتابِه ما هذه حِكايةُ لَفظِه:
فإن تَرَكَ ابنَ بِنتٍ و ابنةَ ابنٍ و أبَوَينِ، فللأبَوَينِ السُّدُسانِ، و ما بَقيَ: فلِابنةِ الِابنِ حَقُّ أبيها(2)الثُّلُثانِ، و لِابنِ البِنتِ حَقُّ أُمِّه الثُّلُثُ؛ لأنّ وَلَدَ الِابنةِ وَلَدٌ، كما أنّ وَلَدَ الِابنِ وَلَدٌ.(3)
و هذا التعليلُ يَنقُضُ الفَتوىٰ؛ لأنّه إذا كانَ وَلَدُ البِنتِ وَلَداً كما أنّ وَلدَ الِابنِ كذلكَ، فيَجِبُ أن يَكونَ المالُ بَينَهما للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ؛ لظاهرِ(4)قَولِه تَعالىٰ(5):
«يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ» ، فكَيفَ(6)أَعطَى الأُنثىٰ ضِعفَ ما أَعطَى الذَّكَرَ؟
و قد يُوافِقُ(7)الحَقَّ مَذهَبُ ابنِ شاذانَ في بعضِ المَسائلِ مِن هذا البابِ، و إن خالَفَ في التعليلِ، مِثلُ مَن خَلَّفَ بِنتَ بِنتٍ و ابنَ ابنٍ؛ فإنّه يُعطي البِنتَ نَصيبَ أُمِّها و هو الثُّلُثُ، و يُعطي الِابنَ نَصيبَ أبيه و هو الثُّلُثانِ. و هكذا نُعطيهما نَحنُ؛ لأنّا
نُنزِّلُهما مَنزِلةَ ابنٍ(1)و بِنتٍ بلا واسطةٍ؛ للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ.
تَمَّت المَسألةُ(2).
من الآراء التي ذهب إليها الشريف المرتضى، و استدلّ عليها و رتّب عليها نتائج متعدّدة و منتشرة في أبواب مختلفة من الفقه هي أنّ ولد البنت يسمّى «ولداً» حقيقةً، فيُعامل معاملة ولد الابن الذكر؛ و ذلك لإطلاق اسم «الولد» على ولد البنت، و الاستعمال علامة الحقيقة حسب رأيه المعروف في الأُصول(1).
و هناك نتائج فقهيّة تترتّب على هذا الرأي:
منها: لو وقف شخصٌ شيئاً على أولاده، فسوف يَستحقّ أولاد بنته سهماً من ذلك الوقف(2).
و منها: ما نُسب إلى الشريف المرتضى من أنّه أعطى الخُمس لمن يَنتسب إلى هاشم من جهة أُمّه(3).
و في الرسالة محلّ البحث تطبيقٌ آخر لهذا الرأي، حيث ورد سؤال إلى الشريف المرتضى سُئل فيه عن رجل تزوّج من امرأة حسنيّة أو حسينيّة - أي علويّة من بنات فاطمة عليها السلامُ - و رُزق منها ولداً، ثمّ جاءت أموال خاصّة بأولاد فاطمة الزهراء عليها السلامُ؛ فهل يَستحقّ ولد هذه المرأة سهماً من تلك الأموال؟
و تنبغي الإشارة هنا إلى أنّه قد جاء في بداية السؤال أنّ الرجل الذي تزوّج من تلك المرأة هو رجل من ولد أبي طالب عليه السلامُ، فيجب أن يُحمل ذلك على أنّ الرجل ليس من أولاد فاطمة عليها السلامُ، و إلّالم يبق مجال للسؤال؛ لأنّه لو كان الرجل من ولد فاطمة عليها السلامُ أيضاً، لكان ولده الذي رُزقه من تلك المرأة يَنتسب إلى فاطمة عليها السلامُ من جهة أبيه، و لا إشكال حينئذٍ في استحقاقه لسهمٍ من ذلك المال. فينبغي تصوير الرجل بأنّه طالبيّ؛ لكنّه ليس من ولد فاطمة عليها السلامُ، فيكون مثلاً من أولاد محمّد بن الحنفيّة، أو العبّاس ابن أمير المؤمنين عليه السلامُ، أو من أولاد عقيل، أو جعفر الطيّار.
و قد أجاب الشريف المرتضى على السؤال بما هو متوقَّع من رأيه حول اعتبار ولد البنت ولداً على الحقيقة، فأفتى بأنّ ولد تلك المرأة يستحقّ سهماً من ذلك المال؛ لأنّ أولاد البنت يُضافون إلى جدّهم من أُمّهم إضافة حقيقية.
طبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 327 تحت عنوان: «إضافة الأولاد إلى الجدّ إضافة حقيقيّة». و هذا العنوان عامّ؛ لأن الرسالة لا تتحدّث عن إضافة كلّ الأولاد إلى جدّهم؛ بل تتحدّث عن إضافة خصوص أولاد البنت إلى جدّهم. فمن الأفضل تعديل العنوان، و إضافة كلمة «البنت»، فيصير كالتالي:
«إضافة أولاد البنت إلى جدّهم إضافة حقيقيّة».
كما طبعت الرسالة في ضمن مسائل المرتضى، ص 47 تحت عنوان: «حكمُ ولد البنت من حيث السيادة». و قد تجاوز هذا العنوانُ الإشكالَ السابقَ، ولكن يرد عليه أنّ المسألة محلّ البحث لا تتحدّث عن السيادة، و إن كان قد يكون ذلك من لوازمها، و إنّما تتحدّث عن انتماء أولاد البنت إلى فاطمة عليها السلامُ، و السيادة غير خاصّة بأولاد فاطمة عليها السلامُ، بل هي عامّة لكلّ بني هاشم بأنواعهم.
فالظاهر أنّ الأَولى تسمية المسألة بما يلي: «شمولُ الوصيّة إلى أولاد فاطمة عليها السلامُ لأولاد بناتها».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (15) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (304) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحة (23) من المجموعة، و رمزنا لها ب «س».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (54) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ط».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (20) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحة (343) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ر».
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحة (11) من المجموعة، و رمزنا لها ب «م».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (263) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ه».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحة (16) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ع».
مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (21) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحة (59) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ل».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحة (16) من المجموعة، و رمزنا لها ب «و».
مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587؛ تقع في الصفحة (85) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ك».
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
ما تَقولُ(1)في رجُلٍ مِن وُلدِ أبي طالبٍ تَزوَّجَ امرأةً حَسَنيّةً أو حُسَينيّةً(2)، فرُزِقا مولوداً، فخَرَجَت قِسمةٌ رُسِمَ مَخرَجُها أن تُفَضَّ(3)علىٰ ولدِ فاطمةَ عليها السلامُ، هَل يَستَحِقُّ به هذا(4)المولودُ مِن الحَسَنيّةِ أو الحُسَينيّةِ سَهماً لوِلادتِه مِن مَولاتِنا فاطمةَ صَلَواتُ اللّٰهِ عليها، بما تَقدَّمَ مِن قيامِ الدلالةِ مِن كِتابِ اللّٰهِ تَعالىٰ أنّ وُلدَ البنتِ وُلدُ الجَدِّ علَى الحَقيقةِ؟ تُفتينا في ذلكَ(5)مأجوراً.
الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(6):
وُلدُ البنتِ يُضافونَ إلىٰ جَدِّهم أبي(7)أُمِّهم إضافةً حَقيقيّةً، فمَن وَصّىٰ بمالٍ لوُلدِ
1) . في «ك، ل، و»: «ما القول». و في «م»: «فالقول».
2) . في «أ، ه» و المطبوع: - «أو حسينيّة».
3) . في «أ»: «أن تقضّ». و في «ب، ج، ع، ك، ل»: «أن يفضّ». و في «م، و»: «أن يقضّ».
4) . في «ب، ج، ط، ع»: - «هذا».
5) . في «د، م، و»: «يُفتينا بذلك». و في «ك، ل» و حاشية «و»: «أفتنا بذلك».
6) . هكذا في «ك، ل، م، و». و في سائر النسخ و المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».
7) . في «ر، ه» و المطبوع: «إلى».
فاطمةَ عليها السلامُ كانَ(1)عامّاً في أولادِ بَنيها و أولادِ بَناتِها(2)، و الِاسمُ يَتناوَلُ الجميعَ تَناوُلاً حَقيقيّاً.
هذه مسألة أُخرى يبرز فيها رأي الشريف المرتضى حول تسمية أولاد البنت أولاداً حقيقة، و عدم الفرق من هذه الناحية بينهم و بين أولاد الولد الذكر؛ و ذلك لإطلاق اسم «الولد» عليهم كلّهم؛ و الاستعمال عند الشريف المرتضى علامة الحقيقة(1).
و المسألة تتحدّث عن سؤال وُجّه إليه حول الوقف على «الأولاد»، و أنّه هل يشمل أولاد البنت، أم يختصّ بأولاد الولد الذكر؟
فأجاب وفقاً لرأيه المُشار إليه آنفاً بأنّ ولد البنت يدخلون في الوقف كولد الذكر بلا فرق؛ و ذلك لتناول اسم «الأولاد» لهما جميعاً. و هذا إذا أَطلق الواقف الوقف علىٰ «ولده»، و أمّا إذا خصَّصه بأولاد أولاده الذكور، فسوف يخرج أولاد بناته بسبب هذا التخصيص.
طبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 328، تحت عنوان: «تحديد نسبة الأولاد إلى الآباء». و هو عنوان عامّ و غير دقيق؛ فإنّ الكلام عن خصوص أولاد البنات، لا مطلق الأولاد، كما أنّ الكلام عن نسبة أولاد البنات إلى
1) . راجع: الذريعة، ج 1، ص 13.
جدّهم من أُمّهم، لا إلى مطلق الآباء كما يظهر من هذا العنوان.
كما طبعت الرسالة في ضمن مسائل المرتضى، ص 47 تحت عنوان: «الوقف على الأولاد يَشمل ولد البنت». و هو عنوان دقيق و معبِّر عن موضوع المسألة، إلّاأنّ الأفضل صياغته بصورة جملة ناقصة، كما هو المتعارف في صياغة العناوين؛ فيكون كالتالي: «شمول الوقف على الأولاد لولد البنت».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (15) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (305) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحة (24) من المجموعة، و رمزنا لها ب «س».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (54) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ط».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (21) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحة (343) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ر».
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحة (11) من المجموعة، و رمزنا لها ب «م».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (263) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ه».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحة (16) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ع».
مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (21) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحة (59) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ل».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحة (16) من المجموعة، و رمزنا لها ب «و».
مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587؛ تقع في الصفحة (86) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ك».
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
مسألةٌ:
ما تَقولُ فيمَن وَقَفَ علىٰ وُلدِه و وُلدِ وُلدِه ذُكورِهم و إناثِهم بالسويّةِ بَينَهم أبَداً ما تَناسَلوا، فتَزوَّجَت إحدىٰ بَناتِه برجُلٍ(1)مِن غيرِ الواقفِ(2)فرُزِقَ ولداً، هَل(3)يَستَحِقُّ مِن الوقفِ مِثلَ(4)ما يَستَحِقُّ أولادُ الرجُلِ(5)لصُلبِه، بالأدِلّةِ(6)القائمةِ مِن كتابِ اللّٰهِ تَعالىٰ أنّ وُلدَ البنتِ وُلدُ الصُّلبِ حَقيقةً لا مَجازاً؟ أَفتِنا في ذلكَ.
الجوابُ:
إذا أطلَقَ الواقفُ القولَ بأنّ الوقفَ(7)علىٰ «وُلدِه»، دَخَلَ فيهم وُلدُ الأُنثَى(8)البنتِ
كدخولِ وُلدِ الذَّكَرِ؛ لأنّ الاسمَ يَتناوَلُ الجميعَ علىٰ سَبيلِ الحقيقةِ. اللّٰهُمَّ إلّاأن يَستَثنيَ اللفظَ و يُخصِّصَه بما يُخرِجُ منه وُلدَ البنتِ، و إلّافالإطلاقُ يَقتَضي ما تَقدَّمَ ذِكرُه.
يُعدّ المال في الشريعة الإسلاميّة من الأُمور المهمّة جداً التي ينبغي الحفاظ عليها، فحُرمة الأموال محفوظة في الإسلام، و لا يجوز التعدّي عليها بأيّ وجه من الوجوه، و قد ضمنت الشريعة الحفاظ على أموال الناس بأساليب مختلفة، و فرضت عقوبات في حال التعدّي على أموال الآخرين، بلغت أحياناً إلى حدّ قطع اليد.
كما منعت من أداء العبادات بواسطة أموال محرّمة و مغصوبة، و من تلك العبادات الصدقة، فقد منعت الشريعة من التصدّق بأموال محرّمة، حيث روي عن الإمام أبي عبد اللّٰه الصادق عليه السلامُ في قوله تعالى: «وَ لاٰ تَيَمَّمُوا اَلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ» (1)وسائل الشيعة، ج 17، ص 212.(2)أنها نزلت في أقوام لهم أموال من ربا الجاهلية، و كانوا يتصدّقون منها، فنهاهم اللّٰه عن ذلك، و أمَرَ بالصدقة من الحلال الطيب(2).
و قد سُئل الشريف المرتضى في هذه الرسالة عن حكم التصدّق من مال محرّم، فأجاب بالنفي؛ باعتبار أنّ الحرام غير مملوك للمتصدّق، فيكون تصدُّقه به غير مقبول.
لقد طبّق الشريف المرتضى هنا ضوابط فقهيّة واضحة، و هي أنّ مَن لا يملك المال لا يصح أن يتقرّب إلى اللّٰه تعالى.
ثمّ ذكر خبر «لا صدقة من غُلول»(3)، و يبدو أنّ هذا الخبر حسب رأيه من أخبار الآحاد، و لذلك جاء به متأخّراً للاستشهاد به.
و بعد ذلك ردّ على كلام البعض من أنّ ثواب التصدّق من مال الغير يرجع إلى صاحب المال. لقد رفض الشريف المرتضى هذا القول، و ذهب إلى أنّ الثواب في هذه الصورة لا يرجع إلى أحد، لا إلى المتصدّق؛ لأنّه لا يملك المال، و لا إلى صاحب المال؛ لأنّه غير راضٍ بالتصرّف في ماله قطعاً.
و يبدو أنّه افترض عدم رضا صاحب المال بالتصدّق من ماله، و لذلك لم يفصّل بين حالة ما لو أجاز صاحبُ المال الصدقة، أو لم يُجزها، و اللّٰه أعلم.
هذا و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 129 في ضمن مجموعة رسائل تحمل عنوان: «أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره».
مخطوطة مكتبة المحقّق البروجردي رحمه اللّٰه، المرقّمة 374؛ تقع في الصفحة (375) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحات (15-16) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحة (283) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (157) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (231) من المجموعة، و رمزنا لها ب «س».
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
مسألةٌ: ما القولُ في رجُلٍ تَصدَّقَ مِن مالٍ محظورٍ؟
الجوابُ: أنّ الحَرامَ غيرُ مملوكٍ لِمَن هو في يَدِه، فتَصدُّقُه به(1)غيرُ مقبولٍ و لا مبرورٍ؛ و قد رُويَ أنّه: «لا صدقةَ مِن غُلولٍ(2). مسند زيد بن عليّ، ص 74؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 247؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 398، ح 1039، مسند أحمد، ج 2، ص 20 و 51 و 73؛ و ج 5، ص 74؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 175؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 140.(3)»(3).
و أمّا مَن قالَ مِن الجُهّالِ: «إنّ مَن تَصدَّقَ مِن مالٍ في يَدِه، و المالكُ له غيرُه، فإنّ الثوابَ لِمالكِ المالِ» فغالِطٌ لا مَحالةَ(4)لأنّ هذه الصدقةَ لا أجرَ عليها للمُتصدِّقِ؛ لأنّه لا يَملِكُ المالَ، و لا لِمالكِ المالِ؛ لأنّه لَم يَرضَ بكَونِ(5)هذا المالِ صدقةً، و لا أرادَ إخراجَه فيها؛ لكِنَّها صدقةٌ لا أجرَ لأحَدٍ عليها.
1) . في «س، ص» و المطبوع: «برّ».
2) . غَلَّ فُلانٌ غُلولاً: خانَ في المَغنَم و غيره؛ كما في قوله تعالى: «وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ» [آل عمران
3) :161]. راجع: المفردات، ص 610 (غلل).
4) . في «س» و المطبوع: «فقال باطل» بدل «فغالط لا محالة». و في «ص»: «فقال باطل لا محالة» بدله.
5) . في «س» و المطبوع: «أن يكون» بدل «بكون». و في «ص»: «يكون» بدله.
تعتبر هذه الرسالة من الرسائل المهمّة في تاريخ الدراسات السياسيّة، و التي ينبغي إعطاؤها أهمّيّة خاصّة(1)، فهي تعرض لنا نظريّة واحد من كبار علماء الإماميّة في القرنين الرابع و الخامس حول شرعيّة التعامل مع الأنظمة الحاكمة.
فقد كان الإماميّة ينظرون دائماً إلى الحكومات المتعاقبة على أنّها حكومات جائرة و غاصبة، و لكن بمرور الزمن أخذ بعض الشيعة بتولّي بعض الأُمور لحكّام الجور، حتّى وصل الأمر أحياناً إلى تولّي الوزارة. و قد زاد من وتيرة ارتباط الشيعة مع الحكومات وصولُ آل بويه الشيعة إلى سدّة الحكم؛ فانخرط بعض الشيعة في جهاز حكمهم، و منهم الوزير المغربي (ت 418 ه) الذي غدا وزيراً للملك البويهي مشرّف الدولة (ت 416 ه)(2).
كلّ هذا فَرَض على المنظِّرين و أصحاب الفكر من علماء الإماميّة أن يبيّنوا رأيهم حول شرعيّة التولّي للحكّام في مثل هذه الحكومات.
و قد تركّز البحث في هذه الرسالة على مسألة الولاية من قِبَل السلطان الظالم،
باعتبار أنّ الولاية من قِبَل السلطان العادل لا كلام في جوازها؛ بل قد تصبح واجبة أحياناً فيما لو أوجبها ذلك السلطان.
و أمّا الولاية من قِبَل السلطان الجائر، فلم يجعل لها الشريف المرتضى حكماً واحداً، و لم يحكم عليها بالجواز أو الحرمة بصورة مطلقة، و إنّما قسّمها من حيث الحكم الشرعيّ إلى أقسام: واجب، و مباح، و محظور.
أمّا الواجب، فهو أن يَعلم المتولّي أنّه يتمكّن من خلال ولايته إقامة حقّ، أو دفع باطل، و أمر بمعروف، و نهي عن منكر، بحيث لولاه لمَا أمكنه تحقيق ذلك، فتجب الولاية من باب مقدّمة الواجب.
و قد يصل الأمر أحياناً إلىٰ حدّ الإلجاء، كما لوخاف من سفك دمه لو لم يَتولَّ.
و أمّا المباح، فهو أن يخاف على مال له، أو مكروه يصيبه يُتحمّل مثله، و ذلك في حالِ ما إذا لم يتولَّ، ففي هذه الحالة يباح له التولّي.
و أمّا المحظور، فلم يتعرّض له في بداية الرسالة بصورة صريحة، و إنّما تعرّض له في خلال بحوث الرسالة، و ربما قد يعود ذلك إلى وضوح مصاديقه، مثل أن يؤدّي التولّي إلى الخوض في دماء الأبرياء.
و بعد أن انتهى من بيان أقسام و أشكال التولّي للحاكم الجائر، أخذ بطرح مجموعة من البحوث و التساؤلات التي قد تثار حول هذا الموضوع الشائك و المثير للجدل، نستعرضها باختصار من خلال ما يلي:
و هذه نقطة مهمّة جدّاً، و هي أنّ الحسن و القبح قد يكونان عقليّين، أو شرعيّين، و ذلك فيما لو لم يدرك العقل حسن و قبح الشيء، فإن كانا شرعيّين صارا تابعين للشارع، فإن حظر الشارع شيئاً ممّا لا يدرك العقل قبحه علمنا أنّه قبيح، و إن أجازه علمنا خروجه من دائرة القبح.
و هذه نقطة مهمّة أيضاً توضح وجه شرعيّة ما يقوم به المتولّي من قِبَل الجائر لإقامة الحدود و قطع السرّاق مثلاً، فهو في الحقيقة لا يقوم بذلك إلّابتخويل من أئمّة الحقّ الذين أذنوا له بالقيام بذلك.
إنّ التولّي للجائر و إن استلزم تعظيم الحاكم الجائر و إظهار فرض طاعته، إلّاأنّه غير خاصّ بالمتولّي، بل هو شامل لكلّ رعايا السلطان، فإنّ على الجميع أن يقدّموا له فروض الطاعة و الولاء للتقيّة و الخوف، و ليس الأمر خاصّاً بالمتولّي لأعمال السلطان. و بذلك لا يرد إشكال على المتولّي للجائر من هذه الناحية، خاصّة و أنّه يتمكّن من خلال تولّيه أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر.
لو كان لازم التولّي أن يقوم المتولّي بأعمال قبيحة، بحيث لولا الولاية لم يفعل تلك الأعمال، فحينئذٍ تصبح الولاية قبيحة، و لا يجوز له أن يدخل فيها مختاراً.
كما لا يجوز للمتولّي قتل النفوس المحرّمة و البريئة و إن أكره على ذلك كما هو واضح؛ فإنّ الإكراه لا حكم له في الدماء، و لا مجال للتقيّة في ذلك.
يجوز لهذا المتولّي أن يقاتل الآخرين للحفاظ على منصبه؟
أجاب الشريف المرتضى بالإيجاب؛ فهذه الولاية إذا كانت حسنة أو واجبة أحياناً، و قد تقدّم أنّها في الحقيقة ولاية من قِبَل إمام الحقّ و صاحب الأمر، فيكون حكم من مَنع منها و عارضها، حكم من منع من ولاية مَن ينصبه الإمام العادل، في جواز دفعه بالقتل و القتال، و غير ذلك من وجوه الدفع.
أجاب بأنّ طريقة ذلك أن نجد مَن يعتقد مذهب الحقّ قد تولّى باختياره أمراً من أُمور الظالم، فنعلم أنّه لم يتولَّ ذلك إلّالأمر صحيح و شرعي.
و إن شككنا في ذلك، باعتبار أنّ الكثيرين ممّن يعتقدون مذهب الحقّ قد يعصون، و لا يعيرون أهمّيّة للشرع، ففي هذه الحالة يجب أن نشاهد الحالة العامّة لذلك الشخص المتولّي، فإن كان معروفاً بالصلاح و الورع و الإيمان، و رأيناه تولّى مختاراً أمراً من أُمور السلطان الظالم، علمنا أنّه لم يفعل ذلك إلّالأمر شرعي، و إن كان معروفاً بالفسق و ارتكاب المعاصي، فحينئذٍ يغلب الظنّ بأنّه لم يتولَّ ذلك الأمر إلّا لأهداف دنيويّة، فيجب دفعه و منازعته. و إن تساوت القرائن و الأمارات، وجب الكفّ عنه؛ لأنّ منازعته قد تؤدّي إلى الوقوع في القبيح، و كلّ ما لا يؤمَن فيه وجه القبح يجب الكفّ عنه.
و إن كان هدف المتولّي للجائر الجمع بين الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و بين الوصول إلى بعض المصالح الماديّة، فحينئذٍ إذا كان هدفه الرئيسي هو الأوّل
حسنت الولاية، و إن توصّل في الأثناء إلى بعض المصالح الشخصيّة، و إن كان الثاني كانت ولايته قبيحة. و طريقة تحديد أنّ هدفه الرئيسي هو الأوّل أو الثاني هو أن نعلم بأنّه لولا ذلك الهدف لَما أقدم على الفعل.
و أجاب بذكر تأويلين للحديث:
الأوّل: قد يكون المراد أنّ قضاء حاجة الإخوان يُخرج الولاية للجائر من القبح إلى الحسن، كما أنّ الكفّارة تُسقِط اللوم عن مرتكب المعصية، فبدلاً من أن يقول:
«قضاء حوائج الإخوان يُدخِل الولاية في الحسن»، قال: إنّها تكون كفّارة لها، و ذلك من باب التشبيه.
الثاني: و قد يكون المراد أنّ من تولّى للظالم من دون أن يريد من ولايته إقامة الحقّ و دفع الباطل؛ فإنّ عمله يكون قبيحاً و باطلاً، فإن قضى حوائج الإخوان سقط عقاب تلك الولاية، فصار كفّارة لعمله.
إنّ ما ذكره الشرف المرتضى في هذه الرسالة يدلّ على دقّة متناهية و حذر شديد في استعمال العبارات، مع شجاعة في إبداء الرأي؛ فهو لم يقل إنّ كلّ من كان معتقداً للحقّ يكون تولّيه للظالم أمراً شرعيّاً، حتّى يسيء بعض المتسلّطين من آل بويه استعمال هذه الفتوى لتبرير سلطانهم، و إنّما اشترط أن يكون هذا التولّي بهدف إقامة الحقّ و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و أن لا يكون الهدف الرئيسي الحصول
1) . وسائل الشيعة، ج 17، ص 192، ح 22328.
على مصالح شخصيّة. كما لم يجوّز القتال و الدفاع عن هذه الولاية لكلّ من تولّاها من معتقدي الحقّ، و إنّما اشترط في جواز ذلك أن تكون ولايته حسنة و شرعيّة وفقاً للشروط المتقدّمة، و بذلك لا يمكن تبرير ولاية جميع ملوك آل بويه، و لا الحروب التي خاضوها للدفاع عن سلطانهم، و إنّما سوف يشمل كلام الشريف المرتضى بعض المتولّين.
هذا و قد جاءت هذه الرسالة نتيجة بحثٍ جرى في مجلس الوزير المغربي في جمادى الآخرة سنة 415 ه، و دار البحث حول شرعيّة الولاية من قِبَل الظلمة، فقام الشريف المرتضى بتأليف هذه الرسالة لإيضاح رؤيته حول المسألة.
ذكر النجاشي (ت 450 ه) مسألة للشريف المرتضى سمّاها: «مسألة في الولاية من قِبَل السلطان»(1)، فيما أشار البُصروي (ت 443 ه) إلى عنوانين:
أحدهما: «كتاب جواز الولاية من جهة الظالمين».
و الآخر: «مسألة في الولاية من قِبَل الظالمين»(2).
و يظهر منه أنّ للشريف المرتضى بحثين حول الموضوع: أحدهما بصورة كتاب، و الآخر بصورة رسالة. و قد سُمّيت الرسالة في أكثر النسخ الخطّية باسم: «مسألة في العمل مع السلطان»(3)، و سُمّيت في بعض نسخها باسم: «مسألة في الولاية من قبل الظالمين»(4).
و بما أنّ الرسالة التي بين أيدينا تتركز على مسألة العمل مع السلطان الجائر، فإنّ العناوين التي ذكرها البُصروي، و التي جاءت في بعض المخطوطات تكون أنسب؛ لكن بما أنّه توجد إشارة مقتضبة في بداية الرسالة إلى مسألة العمل مع السلطان العادل، لذا يمكن اختيار عنوان عام للرسالة ليشمل السلطان العادل و الظالم معاً، كما فعل النجاشي و كما جاء في أكثر النسخ الخطّية.
و جدير بالإشارة في نهاية هذا البحث أنّ الشريف المرتضى قد أجاب في بعض رسائله و هي رسالة: «حكم أموال السلطان» عن سؤال حول حكم الأموال التي يتمّ الحصول عليها من قِبَل السلطان، فأجاب أيضاً - كما في الرسالة محلّ بحثنا - بالتفصيل بين حالات مختلفة، فتارة يكون ذلك المال حراماً كالمغصوب، و أُخرى يكون مباحاً كالمال الذي يُهدى إلى السلطان من طيب نفس، و ثالثة الأَولى الاجتناب عنه، و هو المال المخلوط بالحرام، و إنْ أباحه أكثر الفقهاء مع اختلاط التصرّف فيه، إلّاأنّ الأَولى في رأي الشريف المرتضى أن يكون محظوراً، و أنّ التنزّه عنه أَولى.
هذا، و قد طبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 87 باسم: «مسألة في العمل مع السلطان»، كما طبعت في ضمن مسائل المرتضى، ص 65 بنفس الاسم، و طبعت أيضاً في ضمن مجلّة قضايا إسلاميّة معاصرة، العدد 2، سنة 1418 ه. و ترجمت إلى الفارسيّة مرّتين: مرّة في ضمن كتاب: مكتب ها و فرقه هاى اسلامى در سده هاى ميانه، ترجمة: جواد قاسمي. و مرّة في ضمن مجلّة علوم سياسى، العدد 14، سنة 1380 ش، ترجمة: محمود شفيعي. و أعاد شفيعي نشر هذه الترجمة مع النصّ العربي للرسالة في ضمن كتابه: انديشۀ سياسى سيّد مرتضى.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحات (73-78) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21910؛ تقع في الصفحات (3-12) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
مخطوطة مكتبة المحقّق البروجردي رحمه اللّٰه، المرقّمة 374/9؛ تقع في الصفحات (384-388) من المجموعة، و هي ناقصة من آخرها، و رمزنا لها ب «ط».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحات (390-398) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ع».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحات (320-326) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ف».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحات (28-34) من المجموعة، و هي ناقصة من آخرها، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحات (2-8) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ل».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20998؛ تقع في الصفحات (20-28) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحات (350-357) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
الصفحات (221-225) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 432/6؛ تقع في الصفحات (2-8) من المجموعة.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 7615؛ تارة تقع في الصفحات (270-274) من المجموعة؛ و تارة أُخرى في الصفحات (289-292) منها.
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254؛ تارة تقع في الصفحات (150-153) من المجموعة؛ و تارة أُخرى في الصفحات (160-161) منها.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (153-165) من المجموعة.
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
الحَمدُ لِلّٰهِ، و سَلامُه علىٰ عِبادِه الذينَ اصطَفىٰ، محمّدٍ نَبيِّه، و الطَّيِّبينَ مِن عِترَتِه.(1)
جَرىٰ في مَجلِسِ الوَزيرِ السَّيّدِ الأجَلِّ أبي القاسمِ الحُسَينِ بنِ عليٍّ المَغرِبيِّ(2)
و هذا الوزير هو أبو القاسم الحسين بن عليّ المغربي المعروف بالوزير المغربي. من ولد بلاس بن بهرام جور، و أُمّه فاطمة بنت أبي عبد اللّٰه محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني صاحب الغيبة. ولد في حلب سنة 370 ه، و ذهب إلىٰ مصر مع والده سنة 381 إلى سنة 400، و كانت نشأته و دراسته هناك. و عندما قام الخليفة الفاطمي الحاكم بقتل أبيه و عمّه و أخويه هرب إلى الشام، و بقي باقي أيّام حياته متنقّلاً بين العراق و الجزيرة، فاستوزر للبُوَيهيّين سنة 414-415 ه في بغداد، و للعُقَليّين في الموصل، و للمروانيّين في ميّافارقين. له كتب، منها: خصائص علم القرآن، و اختصار إصلاح المنطق، و اختصار غريب المصنّف، و رسالة في القاضي و الحاكم، و اختيار شعر أبي تمّام، و اختيار شعر المتنبّي و الطعن عليه. توفّي بميّافارِقين سنة 418 ه، و حُمل تابوته إلى الغريِّ و دفن هناك. راجع: رجال (فهرست) النجاشي، ص 69، الرقم 167؛ الوزير المغربي للدكتور إحسان عبّاس، ص 7-81.
- أدامَ اللّٰهُ سلطانَه - في جُمادَى الآخِرةِ سَنةَ خَمسَ عَشرةَ و أربَعِمائةٍ(3)كلامٌ فِي الوِلايةِ مِن قِبَلِ الظَّلَمةِ، و كَيفيَّةِ القَولِ في حُسنِها و قُبحِها؛ فَاقتَضىٰ ذلكَ إملاءَمسألةٍ وَجيزةٍ يُطَّلَعُ بِها عَلىٰ ما يُحتاجُ إليهِ في هذَا البابِ، و اللّٰهُ المُوَفِّقُ للصَّوابِ و الرَّشادِ.(1)
اِعلَم أنَّ السُّلطانَ عَلىٰ ضَربَينِ: مُحِقٍّ عادِلٍ، و مُبطِلٍ ظالمٍ مُتغَلّبٍ.
فالوِلايةُ مِن قِبَلِ السُّلطانِ المُحِقِّ العادِلِ لا مَسألةَ عَنها؛ لأنَّها جائزةٌ، بل رُبَّما كانَت واجِبةً إذا حتَمَها السُّلطانُ و أوجَبَ الإجابةَ إلَيها.
و إنَّما الكلامُ في الوِلايةِ مِن قِبَلِ المتغَلِّبِ، و هيَ عَلىٰ ضُروبٍ: واجِبٍ - و رُبَّما تَجاوَزَ(2)الوجوبُ إلَى الإلجاءِ(3)-، و مُباحٍ، و قَبيحٍ مَحظورٍ(4).
فأمَّا(5)الواجِبُ، فهوَ أن يَعلَمَ المُتولِّي - أو يَغلِبَ عَلىٰ ظَنِّه بأماراتٍ لائِحةٍ - أنَّه يَتمكَّنُ بالوِلايةِ مِن إقامةِ حَقٍّ و دَفعِ باطلٍ و أمرٍ بمَعروفٍ و نَهيٍ عَن مُنكَرٍ، و لَولا هذهِ الوِلايةُ لَم يَتِمَّ(6)شَيءٌ مِن ذلكَ، فتَجبُ(7)عَلَيه الوِلايةُ لِوُجوبِ(8)ما هيَ سَببٌ إلَيه و ذَريعةٌ إلَى الظَّفَرِ بِه.
فأمّا(9)ما يخرُجُ إلَى الإلجاءِ، فهوَ أن يُحمَلَ علَى الوِلايةِ بالسَّيفِ، و يَغلبَ في ظَنِّه
1) . في «أ، د، ع»: «للرشاد و الصواب». و في «ب، ط»: + «قال الأجلّ المرتضى، قدّس اللّٰه روحه».
2) . في «ط»: «يجاوزن». و في «ل»: «يجاوز».
3) . في «ص»: «لإلجاء» بدل «إلى الإلجاء».
4) . هكذا في «ب، ط». و في سائر النسخ و المطبوع: «و محظور».
5) . في «ط»: «أمّا».
6) . في «ب، ط»: + «له».
7) . هكذا في «أ، ط، ع، ل». و في سائر النسخ و المطبوع: «فيجب».
8) . في المطبوع: «بوجوب».
9) . هكذا في «أ، ب، د، ط، ع، ف، ل». و في سائر النسخ و المطبوع: «و أمّا».
أنَّه مَتىٰ لَم يُجِب إلَيها سُفِكَ دَمُه، فيَكونُ بذلكَ مُلجَأً إلَيها.(1)
فأمّا(2)المُباحُ مِنها، فهوَ أن يَخافَ عَلىٰ مالٍ لَه، أو مِن(3)مَكروهٍ يَقَعُ بِه(4)يُتَحمَّلُ مِثلُه، فتَكونُ الوِلايةُ مُباحَةً بذلكَ، و يَسقُطُ عَنه قُبحُ الدُّخُولِ فِيها. و لا يَلحَقُ بالواجبِ(5)لأنَّه إن آثَرَ تَحمُّلَ الضَّرَرِ في مالِه و الصَّبرَ علَى المَكروهِ النازلِ بِه و لَم يَتَولَّ(6)، كانَ(7)ذلكَ أيضاً لَه.
فإن قيلَ: كيفَ تَكونُ الوِلايةُ منِ قِبَلِ الظالِمِ حَسَنةً، فَضلاً عَن واجِبةٍ، و فيها وَجهُ القُبحِ ثابتٌ، و هوَ كَونُها «وِلايةً مِن قِبَلِ الظالِمِ»؛(8)و وَجهُ القُبحِ إذا ثَبَتَ في فِعلٍ، كانَ الفِعلُ قَبيحاً، و إن حَصَلَت فِيه وُجوهُ حُسنٍ(9). ألا تَرىٰ(10)أنَّ الكَذِبَ لا يَحسُنُ، و إنِ اتَّفَقَت فِيه مَنافعُ دينيَّةٌ بألطافٍ(11)يَقَعُ(12)عِندَها الإيمانُ و كثيرٌ(13)مِنَ الطاعاتِ؟!
1) . من قوله: «و يغلب في ظنّه أنّه متى...» إلى هنا ساقط من «ط».
2) . في «ب، ط»: «و أمّا».
3) . في «ب، ط»: - «من».
4) . في المطبوع جُعلت لفظة «به» بين معقوفين؛ لكنّها وردت في جميع النسخ.
5) . في «ص»: «بالوجوب».
6) . في «ب، ط»: «و لم يولّ».
7) . في «أ، د، ع، ف، ل»: «فإنّ».
8) . من قوله: «حسنة، فضلاً عن واجبة...» إلى هنا ساقط من «ب».
9) . في المطبوع: «أحسن».
10) . في «ب، ط» «ترون».
11) . هكذا في «أ، ج، د، ص، ع، ف، ل». و في سائر النسخ و المطبوع: «كالألطاف».
12) . هكذا في «أ، ج، د، ص، ع، ل». و في سائر النسخ و المطبوع: «تقع».
13) . في المطبوع: «و كثيراً».
قُلنا: [أ.] غَيُر مُسلَّمٍ أنّ وَجهَ القُبحِ(1)في الوِلايةِ للظالِمِ(2)هوَ كَونُها وِلايةً(3)مِن قِبَلِه(4)، و كيفَ يَكونُ ذلكَ و هوَ لَو أُكرِهَ بالسَّيفِ علَى الوِلايةِ لَم تَكُن مِنه قَبيحةً؟! و كذلكَ(5)إذا كانَ فيها تَوَصُّلٌ إلىٰ إقامةِ حَقٍّ و دَفعِ باطلٍ تَخرُجُ(6)عَن وَجهِ القُبحِ.
و لا يُشبِه ذلكَ ما يَعترِضُ(7)في الكَذِبِ مِمّا لا يُخرِجُه عَن(8)كَونِه قَبيحاً؛ لأنّا قَد عَلِمنا بالعَقلِ وَجهَ(9)قُبحِ الكَذِبِ، و أنَّه مُجرَّدُ كَونِهِ كَذِباً؛ لأنَّ هذِه جِهةٌ عَقليَّةٌ يُمكِنُ أن يَكونَ العقلُ(10)طَريقاً إلَيها.
و ليسَ كذلكَ الوِلايةُ مِن قِبَلِ الظالِمِ؛ لأنَّ وَجهَ قُبحِ ذلكَ في المَوضِعِ(11)الذِي يَقبُحُ فِيه(12)شَرعيٌّ(13)، فيَجِبُ أن نُثبِتَهُ(14)قَبيحاً في المَوضِعِ الذي جَعَلَه الشَّرعُ(15)كذلكَ.
1) . في «ب، ط»: «قبح الوجه» بدل «وجه القبح».
2) . في «ص»: «ولاية الظالم» بدل «الولاية للظالم».
3) . في «أ، د، ع»: - «للظالم هو كونها ولاية».
4) . في المطبوع: «قبلها».
5) . في «ب، ط» و المطبوع: «فكذلك».
6) . هكذا في «أ، د، ع». و في سائر النسخ و المطبوع: «يخرج».
7) . في «ب، ط»: «يعرض».
8) . في «أ، ب، ح، ص، ط، ع، ف، ل»: «من».
9) . في «ب، ط»: - «وجه».
10) . في «ص، ط»: «للعقل».
11) . في «ب، ط»: «المواضع».
12) . في «ب، ط»: «فيها».
13) . في المطبوع: «شرع».
14) . هكذا في «ج، د، ع». و في «ب، ص» الكلمة مبهمة. و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يثبته».
15) . في «ط»: «الشارع».
و إذا كانَ الشَّرعُ قَد أباحَ(1)التَّوَلِّيَ مِن قِبَلِ الظالِمِ مَعَ الإكراهِ، و في المَوضِعِ(2)الَّذي فَرَضنا أنَّه مُتَوصَّلٌ بهِ إلى إقامَةِ الحُقوقِ الواجباتِ(3)، عَلِمنا أنَّه لَم يَكُن وَجهُ القُبحِ في هذِه(4)الوِلايةِ مُجَرَّدَ كَونِها وِلايةً مِن جِهَةِ ظالمٍ(5). و قَد عَلِمنا أنَّ إظهارَ كَلِمةِ(6)الكُفرِ لَمّا كانَت تَحسُنُ مَعَ الإكراهِ، فلَيسَ وَجهُ قُبحِها مُجَرَّدَ النُّطقِ بِها و إظهارِها، بَل بِشَرطِ الإيثارِ.
[ب.] و قَد نَطَقَ القُرآنُ بأنَّ يوسُفَ علَيه السلامُ تَوَلّىٰ مِن قِبَل العَزيزِ و هوَ ظالِمٌ، و رَغِبَ إلَيه في هذِه الوِلايةِ، حَتّىٰ زَكّىٰ نَفسَه فقالَ(7): «اِجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» (8)و لا وَجهَ لحُسنِ(9)ذلكَ إلّاما ذَكَرناهُ مِن تَمَكُّنِه بالوِلايةِ مِن إقامَةِ الحُقوقِ التي كانَت(10)تَجِبُ(11)عَلَيه إقامَتُها.
[ج.] و بَعدُ، فلَيسَ التَّوَلِّي مِن جِهةِ الفاسِقِ أكثَرَ مِن إظهارِ طَلَبِ الشَّيءِ مِن جِهةٍ لا يُستَحَقُّ مِنها و بِسببٍ لا يُوجِبُه.
1) . في «ب، ط»: + «و أطلق».
2) . في «ب، ط»: «المواضع».
3) . هكذا في جميع النسخ. و في المطبوع: «و الواجبات».
4) . في «ب»: «من هذه». و في «ط»: «من بيّنّا».
5) . في «ط»: «الظالم».
6) . في «ط»: - «كلمة».
7) . في «ب، ط»: «و قال».
8) . يوسف (12):55.
9) . في «ب، ط»: «يحسّن».
10) . في ««ب، ط»: «كان».
11) . هكذا في «أ، د، ع، ل». و في سائر النسخ و المطبوع: «يجب».
و قَد فَعَلَ ما لَه هذا المَعنىٰ أميرُ المُؤمنينَ عَليُّ بنُ أبي طالبٍ(1)علَيه السلامُ(2)لأنَّه دَخَلَ في الشُّورىٰ تَعَرُّضاً لِلوُصولِ إلَى الإمامَةِ، و قَد عَلِمَ أنَّ تِلكَ الجِهَةَ لا يُستَحَقُّ مِن مِثلِها التَّصَرُّفُ في الإمامَةِ؛ ثُمّ قَبِلَ اختيارَ المُختارينَ لَه عندَ إفضاءِ الأمرِ إلَيه، و أظهَرَ أنَّه(3)صارَ إماماً باختيارِهِم و عَقدِهِم. و هذا لَه مَعنَى التَّوَلِّي مِن قِبَلِ الظالِمِ بعَينِه؛ للاشتراكِ في إظهارِ(4)التَّوَصُّلِ إلَى الأمرِ بِما لا يُستَحَقُّ بِه، و لا هوَ مُوجِبٌ لِمِثلِه.
لكِنّا(5)نَقولُ: إنَّ التَّصَرُّفَ في الإمامَةِ(6)كانَ إلَيه علَيه السلامُ(7)بحُكمِ النَّصِّ مِن رَسولِ اللّٰهِ(8)صَلَّى اللّٰهُ عَلَيه و آلِه عَلىٰ إمامتِه(9)فإذا دُفِعَ عَن مَقامِهِ، و ظَنَّ أنَّه رُبَّما تَوَصَّلَ إلَى الإمامةِ بأسبابٍ وَضَعَها واضِعونَ(10)، لا(11)تَكونُ الإمامةُ مُستَحَقَّةً(12)بمِثلِها(13)، جازَ بَل(14)وَجَبَ أن يَدخُلَ فيها و يَتَوصَّلَ إلَيها(15)حَتّىٰ إذا وَصَلَ إلى الإمامَةِ كانَ تَصَرُّفُه فيها بحُكمِ النَّصِّ، لا بحُكمِ هذهِ الأسبابِ العارِضَةِ. و يَجري
1) . في «ص، ط»: - «عليّ بن أبي طالب».
2) . في «ب»: - «عليّ بن أبي طالب عليه السلام».
3) . في «ب، ط»: + «قد».
4) في «ب، ط»: - «إظهار».
5) . في «أ، د، ع»: - «لكنّا»
6) في «ج، ص، ف، ل»: «الأُمّة».
7) . في المطبوع: - «عليه السلام».
8) . في «ط»: «الرسول» بدل «رسول اللّٰه».
9) . هكذا في «ب، ط». و في «ل»: «اللّٰه». و في سائر النسخ و المطبوع: «أُمّته».
10) . في المطبوع: «الواضعون».
11) . في «أ»: «و لا».
12) . في «أ»: «يُستَحَقُّ». و في «د، ع، ل»: «مُستَحَقٌّ».
13) . في ظاهر «د، ل»: «بمائها».
14) . في «أ، ج، ع، ف»: - «جاز بل». و في «ص»: «و كان» بدل «مستحقّة بمثلها، جاز بل».
15) . في «ب، ط» و المطبوع: «بها».
ذلكَ مَجرىٰ مَن غُصِبَ عَلىٰ وَديعةٍ، و حِيلَ(1)بَينَه و بَينَها، و أظهَرَ غاصِبُها أنَّه يَهَبُها(2)لصاحِبِها؛ فإنَّه يَجوزُ لصاحِبِ الوَديَعةِ، أن يَتَقَبَّلَ في الظاهرِ هذهِ الوَديعةَ، و يُظهِرَ أنَّه قَبَضَها عَلىٰ جِهَةِ(3)الهِبَةِ؛ و يَكونُ تَصَرُّفُه حينئذٍ فيها بحُكمِ المِلكِ الأوَّلِ، لا عَن جِهَةِ الهِبَةِ.
و عَلىٰ هذا الوَجهِ يُحمَلُ تَوَلِّي أميرِ المؤمنينَ علَيه السلامُ(4)لِجَلْدِهِ(5)الوَليدَ بنَ عُقبةَ(6).
[د.] و لَم يَزَلِ الصالِحونَ و العُلَماءُ يَتَولَّونَ في أزمانٍ مُختلفةٍ مِن قِبَلِ الظَّلَمةِ لبَعضِ الأسبابِ التي ذَكَرناها.
و التَّوَلِّي مِن قِبَلِ الظَّلَمةِ إذا كانَ فيهِ ما يُحسِّنُه مِمّا تَقَدَّمَ ذِكرُه، فهوَ عَلَى الظاهرِ مِن قِبَل الظالِمِ، و في الباطِنِ مِن قِبَلِ أئمَّةِ الحقِّ عَلَيهم السلامُ(7)لأنَّهم إذا أذِنوا لهُم(8)
1) . في «ط»: «و حال».
2) . في «ب، ط»: «وهبها».
3) . في «ب، ط»: «وجه».
4) . في «ب، ف» و المطبوع: - «عليه السلام».
5) . في «ب، ط»: «لخالدين» بدل «لجَلدِهِ»؛ و الظاهر أنّه من سهو النسّاخ. راجع: النوادر للأشعري، ص 172؛ بحار الأنوار، ج 101، ص 243، ح 156؛ تنزيه الأنبياء، ص 160.
6) . هو الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط الأُموي، من مسلمة الفتح. و هو الفاسق الذي نزل فيه قوله تعالىٰ: «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا...». ولّاه عثمان - و كان أخاه من أُمّه - الكوفة، فشرب الخمر و صلّىٰ بالناس صلاة الصبح أربعاً، ثمّ قال: «أزيدكم؟»، فاستُدعي إلىٰ المدينة و جلده أميرُ المؤمنين عليّ عليه السلام الحدَّ و لمّا قتل عثمان اعتزل القتال، لكنّه كان يحرّض معاوية علىٰ قتال أمير المؤمنين عليه السلام بكتبه و شعره، مات بالرقّة سنة 61 ه. راجع: أُسد الغابة، ج 5، ص 90؛ الإصابة، ج 6، ص 481؛ الأعلام، ج 8، ص 122.
7) . في «ط» و المطبوع: - «عليهم السلام».
8) . في «ص» و المطبوع: - «لهم».
في هذِه الوِلايةِ عِندَ الشُّروطِ التي ذَكَرناها، فَتَولّاها(1)بأمرِهِم، فهوَ عَلَى الحَقيقةِ والٍ مِن قِبَلِهِم و مُتَصرِّفٌ بأمرِهِم. و لهذا(2)جاءتِ(3)الرِّوايةُ(4)الصَّحيحةُ بأنَّه(5)يَجوزُ لِمَن هذه حالُه أن يُقيمَ الحُدودَ و يَقطَعَ السُّرّاقَ، و يَفعَلَ كُلَّ ما اقتَضَتِ الشَّريعةُ فِعلَه مِن هذه الأُمورِ.(6)
فإن قيلَ: ألَيسَ هوَ بهذه الوِلايةِ(7)مُعَظِّماً للظالِمِ و مُظهِراً فَرضَ(8)طاعَتِه، و هذا وَجهُ قُبحٍ(9)لا مَحالةَ(10)، كانَ غَنيّاً عَنه لَولا(11)الوِلايةُ؟
قُلنا: الظالِمُ إذا كانَ مُتَغلِّباً عَلَى الدِّينِ، فلا بُدَّ لِمَن هوَ(12)في بِلادِه و عَلَى الظاهِرِ مِن جُملةِ رَعيَّتِه مِن إظهارِ تَعظيمِه و تَبجيلِه و الانقيادِ لَه عَلىٰ وَجهِ فَرضِ الطاعَةِ؛ فهذا المُتَولِّي مِن قِبَلِه لَو لَم يَكُن مُتَولِّياً لشَيءٍ، لَكانَ لابُدَّ لَه مَع المُتَغلِّبِ
1) . كذا، و الأنسب: «فتولّاها أحدُهم»؛ باعتبار ما قبله.
2) . في «ب، ط»: «و بهذا».
3) . في «ج، ص»: «جاز». و في «ل»: «جاء».
4) . في «ب، ط»: «الروايات». و في «ج، ص»: «للرواية». و في «ط»: + «الصريحة».
5) . في «ب، ط»: «أنّه». و في «أ»: + «لا».
6) . لم نعثر على نصّ رواية في هذا المجال؛ لكن راجع للمزيد من البحث عن المسألة و مفهوم بعض الروايات: المقنعة، ج 2، ص 248-250؛ القواعد و الفوائد، ج 1، ص 405؛ كشف الغطاء، ص 414؛ غاية الآمال، ج 1، ص 164؛ البدر الزاهر، ص 74-75؛ جامع المدارك، ج 3، ص 62؛ و ج 6، ص 12؛ مصباح الفقاهة، ج 5، ص 150.
7) . في «ب، ط»: «الآية»، و الظاهر أنّه من سهو النسّاخ.
8) . في «ب، ط»: «من».
9) . هكذا في «أ، د، ع، ف، ل». و في سائر النسخ و المطبوع: «قبيح».
10) . في «ب، ط»: - «لا محالة».
11) . في «ب، ط»: «بترك» بدل «لولا».
12) . في «ب، ط»: «معه».
مِن(1)إظهارِ جَميعِ ما ذَكَرناه مِن فُنونِ(2)التَّعظيمِ؛ للتَّقيَّةِ و الخَوفِ؛ فلَيسَ تُدخِلُه(3)الوِلايةُ في شَيءٍ مِن ذلكَ لَم يَكُن يَلزَمُه لَو لَم يَكُن(4)والياً، و بالوِلايةِ يَتمكَّنُ مِن أمرٍ بِمعروفٍ و نَهيٍ عَن مُنكَرٍ، فيَجِبُ أن يَتَوصَّلَ بِها إلى ذلكَ.
فإن قيلَ: أرَأيتُم لَو(5)غَلَبَ عَلىٰ ظَنِّه أنّه كما(6)يَتمكَّنُ بالوِلايةِ مِن أمرٍ ببَعضِ المَعروفِ و نَهيٍ عَن بَعضِ المُنكَرِ، فإنَّه يُلزَمُ عَلىٰ(7)هذه الوِلايةِ أفعالاً(8)مُنكَرةً(9)قَبيحةً - لَولا هذه الوِلايةُ لَم تَلزَمه - لا يَتَمكَّنُ مِنَ الكَفِّ عَنها؟
قُلنا: إذا كانَ لا(10)يَجِدُ عَن هذه الأفعالِ القَبيحَةِ(11)مَحيصاً، و لابُدَّ مِن(12)أن تَكونَ(13)الوِلايةُ سَبباً لذلكَ، و لَو لَم يَتَولَّ(14)لَم يَلزَمهُ أن يَفعَلَ هذه الأفعالَ
1) . هكذا في «ب، ط». و في «أ، ج، د، ع، ف»: «من التغلّب منه مع»، و في «ل»: «من التغلّب عنه مع»، و في المطبوع: «من التغلّب معه مع» بدل «مع المتغلّب من».
2) . في «ص»: «قبول».
3) . هكذا في «ب، ط». و في سائر النسخ و المطبوع: «يُدخِلُه».
4) . في «ص»: «سواء كان والياً أو لم يكن» بدل «لم يكن يلزمه لو لم يكن». و في «ط»: + «يلزمه لم يكن».
5) . في «ل»: «إن».
6) . في «ب، ط»: «لما».
7) . في «ب، ج، ط» و المطبوع: «لأجل».
8) . في «ط» و المطبوع: + «و أُموراً».
9) . في «ص»: + «أيضاً».
10) . في «ط»: «لم» بدل «كان لا».
11) . في المطبوع: - «القبيحة».
12) . في «أ، ج، د، ع، ف، ل»: - «من».
13) . هكذا في «أ، د، ع، ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يكون».
14) . في المطبوع: «لم يتوصّل».
القَبيحةَ؛ فإنَّ الوِلايةَ حينَئذٍ تَكونُ قَبيحةً، لا(1)يَجوزُ أن يَدخُلَ فيها مُختاراً.
فإن قيلَ: أرَأيتُم إن أُكرِهَ عَلىٰ قَتلِ النُّفوسِ المُحَرَّمَةِ، كَما أُكرِهَ عَلَى الوِلايةِ؛ أ يَجوزُ لَه قَتلُ النُّفوسِ المُحَرَّمَةِ(2)كَما أُكرِهَ عَلَى الوِلايةِ(3)؟
قُلنا: لا يَجوزُ ذلكَ؛ لأنّ الإكراهَ لا حُكمَ لَه في الدِّماءِ، و لا يَجوزُ أن يَدفَعَ عَن نَفسِه المَكروهَ بإيصالِ ألَمٍ(4)إلىٰ غَيرِه عَلىٰ وَجهٍ لا يَحسُنُ و لا يَحِلُّ. و قَد تَظاهَرَتِ الرواياتُ عَن(5)أئمَّتِنا علَيهمُ السلامُ بأنَّه(6)لا تَقيَّةَ في الدِّماءِ،(7)و إن كانَت مُبيحةً لِما عَدَاها عندَ الخَوفِ علَى النَّفسِ.(8)
فإن قيلَ: فما عِندَكم في هذا المُتَولِّي(9)لِلظَّلَمَةِ - و نِيَّتُه مَعقودَةٌ عَلىٰ أنَّه إنَّما دَخَلَ في هذه الوِلايَةِ لإقامَةِ(10)الحُقوقِ - إن مَنَعَه مِن هذه الوِلايَةِ أو مِمّا يُتصرَّفُ فِيه فيها(11)
1) . في المطبوع: «و لا».
2) . في «ب، ط»: - «المحرّمة».
3) . هكذا في «ج، د، ص، ع، ف، ل». و في سائر النسخ و المطبوع: - «كما أُكره على الولاية».
4) . في «ب، ط»: «بإيصاله» بدل «بإيصال ألم».
5) . في «ب، ط»: + «جميع».
6) . في «أ، د، ع»: «بأن». و في «ل»: «أنّه».
7) . لم نعثر عليه في كتب الحديث بهذا اللفظ؛ لكن ورد في المصادر الحديثيّة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: «إنّما جُعلَت التقيّةُ ليُحقَنَ بها الدماءُ؛ فإذا بَلَغَ الدمَ فلا تقيّةَ». راجع: المحاسن، ج 1، ص 259، ح 310؛ بحار الأنوار، ج 72، ص 399، ح 36.
8) . «ب، ط» ناقصتان من هنا.
9) . في «ف»: «التولّي».
10) . في «ج» و المطبوع: + «الحدود و».
11) . في «ل»: «منها». و في «ص»: «و» بدل «فيها».
مانِعٌ مِنَ الناسِ و رامَ الحَيلولَةَ بينَه و بينَ أغراضِه؛ كيفَ قَولُكم في دَفعِه عَن ذلكَ و قِتالِه وَ قَتلِه(1)؟
قُلنا: هذه الوِلايَةُ إذا كانَت حَسَنةً أو واجِبةً عِندَ ثُبوتِ شَرطِ وُجوبِها - و بَيَّنّا أنَّها في المَعنىٰ مِن قِبَلِ إمامِ الحَقِّ و صاحِبِ الأمرِ، و إن كانَت عَلَى الظاهِرِ الذي لا مُعتَبَرَ(2)بِه كأنَّها مِن قِبَلِ غَيرِه - فحُكمُ مَن مَنَعَ مِنها و عارَضَ فيها حُكمُ مَن مَنَعَ مِن وِلايَةِ مَن يَنصِبُهُ الإمامُ العادلُ؛ في دَفعِه بالقَتلِ و القِتالِ و غَيرِ ذلكَ مِن أسبابِ الدَّفعِ.
فإن قيلَ: كيفَ السَّبيلُ إلَى العِلمِ بأنَّ هذا المُتَوَلِّيَ في الظاهِرِ مِن قِبَلِ السُّلطانِ الجائِرِ(3)مُحِقٌّ(4)لا تَحِلُّ مُعارَضَتُه و مُخَالَفَتُه، و هوَ عَلَى الظاهِرِ مُتَوَلٍّ مِن قِبَلِ الظالِمِ الداعي(5)الذي يَجِبُ جِهادُه و لا يَحسُنُ إقرارُ أحكامِهِ؟
فإن قُلتُم: الطَّريقُ إلىٰ ذلكَ أن نَجِدَ(6)مَن يَعتقِدُ المَذهَبَ(7)الحَقَّ يَلي(8)مِن قِبَلِ الظَّلَمَةِ و المُتَغَلِّبينَ مُختاراً، فَيُعلَمُ(9)أنَّهُ ما اعتَمَدَ ذلكَ إلّالِوَجهٍ صَحيحٍ اقتَضاهُ.
1) . في المطبوع: - «و قتله».
2) . في المطبوع: «لا نُقِرُّ».
3) . في «أ، د، ع، ل»: «الجابر».
4) . في «أ، د، ع»: «محقّق». و في «ل»: «محلّ». و في «ص» الكلمة مبهمة. و في المطبوع: «بحقّ».
5) . هكذا في جميع النسخ. و في المطبوع: «الطاغي».
6) . في «ل»: «أن يجد».
7) . في «ف»: «مذهب».
8) . في المطبوع: «المتولّي».
9) . هكذا في «أ، ج، د، ع». و في «ص»: «فعلمه». و في «ل»: «فتعلم». و في «ف» الكلمة غير منقوطة. و في المطبوع: «فنعلم».
قيلَ لكُم: و هذا كَيفَ يَكونُ طَريقاً صَحيحاً، و قَد يَجوزُ لِمُعتَقِدِ(1)الحَقِّ أن يَعصِيَ، بأن يَليَ وِلايَةً مِن قِبَلِ ظالِمٍ لِبَعضِ أغراضِ الدُّنيا و مَنافِعِها؛ فَلا يَكونُ دَفعُه و مَنعُه قَبيحَينِ(2)؟!
قُلنا: المُعَوَّلُ في هذا المَوضِعِ عَلىٰ غَلَبةِ الظُّنونِ و قُوَّةِ الأماراتِ؛ فإن كانَ هذا(3)المُتَوَلِّي خَليعاً فاسقاً قَد جَرَت عادَتُه بِتَوَرُّطِ القَبائِحِ و رُكوبِ المَحارِمِ، و رَأيناهُ يَتَولّىٰ لِلظَّلَمَةِ(4)، فلا بُدَّ مِن غَلَبةِ الظَّنِّ بأنَّه لَم يَتَولَّ ذلكَ معَ عادَتِه الجاريَةِ بِالجُرمِ(5)و الفُجورِ(6)إلّالأغراضِ الدُّنيا، فيَجِبُ مَنعُه و مُنازَعَتُه و الكَفُّ عَن تَمكينِه؛ و إن كانَت عادَتُه جاريةً بالتَّدَيُّنِ و التَّصَوُّنِ(7)و الكَفِّ عَن المَحارِمِ، و رَأَيناهُ قَد تَوَلّىٰ - مُختاراً غَيرَ مُكرَهٍ - لِظالِمٍ، فالظَّنُّ يَقوىٰ(8)أنَّه لَم يَفعَل ذلكَ معَ الإيثارِ إلّالِداعٍ مِن دَواعِي الدِّين التي تَقَدَّمَ ذِكرُها؛ فحينَئذٍ لا يَحِلُّ منعُه، و يَجِبُ تَمكينُه.
فإن اشتَبَهَ في بَعضِ الأحوالِ الأمرُ، و تَقابَلَتِ الأماراتُ، و تعادَلَتِ الظُّنونُ، وَجَبَ الكَفُّ عَن(9)مَنعِه و مُنازَعَتِه عَلىٰ كُلِّ حالٍ(10)لأنّا لا نَأمَنُ في هذه المُنازَعَةِ
1) . في «ج» و المطبوع: «لمعتمد».
2) . هكذا في «ل». و في سائر النسخ و المطبوع: «مُبيحَينِ».
3) . في «د»: - «هذا».
4) . في «ل»: «الظلمة».
5) . في «أ، د، ع»: «بالتحرّم». و في «ج»: «بالتخرّم». و في «ف»: «بالتحريم». و في «ل»: «بالتجرّم».
6) . في «ص»: + «و الظلم».
7) . في المطبوع: «و التصوّب». و «التصوّن» من «الصون»، بمعنى التقوى و التجنّب من الآثام والقبائح. راجع: لسان العرب، ج 13، ص 251 (صون).
8) . في «أ، د، ع»: + «له».
9) . في المطبوع: «من».
10) . في المطبوع: «حالة».
أن تَقَعَ عَلىٰ وَجهٍ قَبيحٍ، و كُلُّ ما لا(1)يؤمَنُ فيهِ وَجهُ القُبحِ يَجِبُ الكَفُّ عَنه.
و نَظائرُ هذه الحالِ في فُنونِ التَّصَرُّفِ و ضُروبِ الأفعالِ أكثرُ مِن أن تُحصىٰ(2)فإنّا لَو عَهِدنا مِن بَعضِ الناسِ الخَلاعةَ و الفِسقَ و شُربَ الخُمورِ(3)و التَّرَدُّدَ إلىٰ مَواطِنِ القُبحِ(4)، و رَأَيناهُ في بَعضِ الأوقاتِ يَدخُلُ إلىٰ بَيتِ خَمّارٍ، و نَحنُ لا نَدري أيَدخُلُ للقَبيحِ أم للإنكار عَلىٰ مَن يَشرَبُ الخَمرَ؛ فإنَّنا(5)لقُوّةِ ظُنونِنا(6)بالقَبيح مِنه عَلىٰ عادَتِه المُستَمِرَّةِ يَجِبُ أن نَمنَعَه(7)مِنَ الدُّخولِ و نَحولَ(8)بَينَه و بَينَه إذا تَمَكَّنّا مِن ذلكَ، و إن جازَ عَلىٰ أضعَفِ الوجوهِ و أبعَدِها مِنَ الظَّنِّ أن يَكونَ دَخَلَ للإنكارِ، لا لِشُربِ الخَمرِ.
و لَو رَأَينا مَن جَرَت عادَتُه بالصِّيانَةِ و الدِّيانَةِ و إنكارِ المُنكَرِ يَدخُلُ بَيتَ خَمّارٍ، فإنَّه لا يَحسُنُ مَنعُهُ مِنَ الدُّخولِ؛ لأنَّ الظَّنَّ يَسبِقُ و يَغلِبُ أنَّه لَم يَدخُل إلّالوَجهٍ يَقتَضيهِ الدِّينُ؛ إمّا الإنكارِ(9)، أو غَيرِه.
فإن رَأَينا داخِلاً لا نَعرِفُ(10)له عادَةً حُسنىٰ(11)و لا سُوأىٰ(12)، تَوَقَّفنا(13)أيضاً عَن
1) . في «أ، د، ص، ع»: «لم»
2) في «ص»: «أن يُحصىٰ».
3) . في «ل»: «الخمر».
4) . في «ج، ف، ل»: «القبيح». و في «ص» و المطبوع: «القبيحة».
5) . هكذا في «أ، د، ع». و في سائر النسخ و المطبوع: «فإنّا».
6) . في «ج، ص»: «ظنونا». و في المطبوع: «ظنِّنا».
7) . في «ل»: «أن يمنعه».
8) . في «ص، ف»: «و يحول».
9) . هكذا في «أ، د». و في سائر النسخ و المطبوع: «لإنكارٍ».
10) . في «ع»: «لا تُعرَفُ». و في «ف» و المطبوع: «لا يُعرَفُ».
11) . في «ف»: «حسّي». و في «ص»: - «حسنى». و في المطبوع: «حتّى».
12) . هكذا في «ل»، و ظاهر «أ، د، ع». و الكلمة في «ج، ص، ف» مبهمة. و في المطبوع: «ينوي».
13) . في «ف»: «يوقفنا». و في المطبوع: «تَرفَّعنا».
مَنعِه؛ لأَنَّه يَجوزُ(1)أن يَكونَ الدُّخولُ لوَجهٍ جَميلٍ، و لا أمارةَ لِلقَبيحِ ظاهرَةٌ.
فإن قيلَ: فكَيفَ القَولُ فيمَن تَوَلّىٰ(2)للظالِمِ و غَرَضُه أن يَتِمَّ لَه بهذِه الوِلايةِ الأمرُ بالمَعروفِ و النَّهيُ عَنِ المُنكَرِ، و جَمَعَ بَينَ هذا الغَرَضِ و بَينَ الوُصولِ إلى بَعضِ مَنافِعِ الدُّنيا؛ إمّا عَلىٰ وَجهِ القُبحِ، أو(3)وَجهِ الإباحةِ؟!
قُلنا: المُعتَبَرُ في خُلوصِ الفِعلِ لبَعضِ الأغراضِ أن يَكونَ لَولا ذلكَ الغَرَضُ لَما فَعَلَه و أقدَمَ عَلَيه، و إن جازَ أن يَكونَ فيه أغراضٌ أُخَرُ(4)لَيس هذا حُكمَها.
فإن كانَ هذا المُتَوَلِّي لَوِ انفَرَدَتِ الوِلايَةُ بالأغراضِ الدِّينيّةِ و زالَت عَنها الأغراضُ الدُّنيويَّةُ لَكانَ يَتَولّاها و يَدخُلُ فيها، و لَو انفَرَدَت عَن أغراضِ الدِّينِ بأغراضِ الدُّنيا لَم يُقدِم عَلَيها؛ فهذا(5)دَليلٌ عَلىٰ أنَّ غَرَضَه فيها(6)هوَ ما(7)يَرجِعُ إلى الدِّينِ، و إن جازَ أن يَجتَمِعَ إليه غَيرُه مِمّا لا يَكونُ هوَ المَقصودَ؛ و إن كانَ الأمرُ بالعَكسِ مِن هذا(8)، فالغَرَضُ الخالِصُ المَقصودُ(9)هوَ الراجِعُ إلى الدُّنيا؛ فحينَئذٍ تَقبُحُ(10)الوِلايةُ.
1) . في المطبوع: «لا يجوز».
2) . هكذا في «أ، ج، د، ع، ف». و في «ص، ل» و المطبوع: «يتولّى».
3) . في «ج»: + «على».
4) . في «أ، د، ع»: - «أُخر».
5) . في «ف»: «هذا» بدل «عليها؛ فهذا».
6) . في «ل»: «فيه».
7) . في «ف»: - «هو». و في «ص»: «ما هو» بدل «هو ما».
8) . في «ص»: «منها» بدل «من هذا».
9) . في المطبوع: - «المقصود».
10) . في «أ، ع»: «بفَتحِ». و في «د»: «يُتَحُ». و في «ج، ص» و المطبوع: «يَقبُحُ».
فإن قيلَ: ما الوَجهُ فيما يُروىٰ(1)عنِ الصادقِ علَيه السلامُ مِن قَولِهِ: «كَفّارَةُ العَمَلِ معَ السُّلطانِ قَضاءُ حاجاتِ(2)الإخوانِ»(3)؟ أوَ لَيسَ هذا يوجِبُ أنَّ العَمَلَ مِن قِبَلِه مَعصيةٌ و ذَنبٌ حتّىٰ يُحتاجُ إلَى الكَفّارةِ عَنها؟ و قَد قُلتُم: إنَّها تَكونُ في بَعضِ الأحوالِ حَسَنةً و واجِبةً(4)؟!
قُلنا: يَجوزُ أن يَكونَ علَيه السلامُ أرادَ بذلكَ أنَّ قَضاءَ حاجاتِ الإخوانِ يُخرِجُ الوِلايَةَ مِن القُبحِ إلى الحُسنِ، و يَقتَضي تَعَرِّيَها(5)مِن جِهَةِ اللَّومِ، كما أنَّ الكَفّارَةَ تُسقِطُ اللَّومَ عَن مُرتَكِبِ ما يقَتَضيها؛ فأرادَ أن يَقولَ: إنَّ قَضاءَ حاجاتِ الإخوانِ(6)يُدخِلُها في الحُسنِ، فقالَ: «يَكونُ كَفّارةً لَها» تَشبيهاً.
و يُمكِنُ أيضاً أن يُريدَ بِذلكَ مَن تَوَلّىٰ للسُّلطانِ(7)الظالِمِ، و هوَ لا يَقصِدُ بهذه الوِلايةِ التَّمكينَ مِن إقامَةِ(8)الحَقِّ و دَفعِ الباطِلِ، ثُمّ قَضىٰ بَعدَ ذلكَ حاجاتِ الإخوانِ عَلىٰ وَجهٍ يَحسُنُ(9)و يَستَحِقُّ الثَّوابَ و الشُّكرَ؛ فهذه الوِلايةُ وَقَعَت في الأصلِ
1) . في المطبوع: «رُويَ».
2) . في «ل»: «حوائج». و هكذا في مصادر الحديث.
3) . الفقيه، ج 3، ص 176، ح 3666؛ و ص 378، ح 4329؛ مشكاة الأنوار، ص 101 و 216؛ عوالي اللآلي، ج 1، ص 314؛ وسائل الشيعة، ج 17، ص 192، ح 22328. و لفظ الحديث في كلّها هكذا: «كفّارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان».
4) . في المطبوع: «و راجحة».
5) . هكذا في «د، ع، ل». و في سائر النسخ و المطبوع: «تَقرُّبَها».
6) . في «أ، د، ص، ع»: «يُسقِطُ»، و هو سهو من النسّاخ.
7) . في «أ، د، ع»: «السلطان».
8) . في «ص»: «لإقامة» بدل «من إقامة».
9) . في «أ، د، ع»: «تحسين».
قَبيحةً(1)، و يَجوزُ أن يَسقُطَ عِقابُها و يَتَمَحَّصَ عَن فاعِلِها بأن يَفعَلَ طاعةً قَصَدَها، و تَكونَ(2)تِلكَ الطاعةُ هيَ قَضاءَ حاجاتِ الإخوانِ(3)المؤمنينَ.
و هذا واضحٌ.
و الحَمدُ لِلّٰهِ رَبِّ العالَمينَ كثيراً(4)، و الصَّلاةُ عَلىٰ مُحمّدٍ و آلِه الطاهِرينَ(5).
1) . في «ف» و المطبوع: - «قبيحة».
2) . هكذا في «أ، د، ع، ل». و في سائر النسخ و المطبوع: «و يكون».
3) . هكذا في «ج، ص، ل». و في سائر النسخ و المطبوع: «إخوان».
4) . في «ج، ل» و المطبوع: - «كثيراً».
5) . في «ص»: + «بكرة و أصيلاً، برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ، و أجودَ الأجودين، و أكرمَ الأكرمينَ، يا إلهَ العالمينَ، يا خيرَ الناصرينَ، الطُفنا بلطفك الخفيّ، يا مَن لُطفُه عامٌّ لجميع الموجودات».
تمكّن الشيعة بعد عقود طويلة من التهميش و الاعتزال السياسي من الصعود إلى أعلى سُلّم المناصب الحكوميّة في الدولة العبّاسيّة، من أمثال بني فرات و بني نوبخت و البريديين؛ كما اشتهر منهم شخصيّات علميّة و أدبيّة بارزة وصلت إلى الوزارة أيضاً، مثل الوزير المغربي (ت 418 ه). و قد كان لوصول البويهيّين الشيعة إلى سدّة الحكم، و فرض نفوذهم على قلب الدولة العبّاسيّة دور مهمّ في زيادة هذا النفوذ.
إنّ الارتباط الجديد للشيعة بالدولة، و الذي أخذ يتأصّل يوماً فيوماً أدّى إلى طرح تساؤلات فقهيّة حول جواز التولّي للسلطان الظالم، أو أخذ المال منه، و غير ذلك من المسائل المهمّة؛ فعلى الرغم من صعود الشيعة إلى مناصب حسّاسة في الدولة، إلّاأنّه على أيّ حال كان ما يزال الخليفة من بني العبّاس، و هم برأي الشيعة من سلاطين الجور، إضافة إلى أنّ بعض الشيعة ممّن كان قد انخرط في سلك الدولة ما كان عادلاً، بل كان يسعى وراء الدنيا، و كان مستعدّاً لفعل كلّ شيء للبقاء في السلطة.
إذن كلّ هذا أدّى إلى طرح تلك التساؤلات على علماء الشيعة حول طبيعة الارتباط مع الدولة.
و من عادة الشريف المرتضى عند الإجابة على مثل هذا النوع من التساؤلات أن يقوم بتشقيق الشقوق و الفروض، و عدم إعطاء حكم عامّ في المسألة؛ لذلك صار التولّي للسلطان عنده محرّماً تارة، و مباحاً أُخرى، و واجباً ثالثة، كما جاء ذلك في رسالة «العمل مع السلطان».
و في الرسالة محلّ بحثنا سُئل الشريف المرتضى عن حكم ما يحصل عليه الشخص من أموال السلطان، فأجاب بتشقيق الشقوق أيضاً، و قسّم المال المأخوذ من السلطان إلى ثلاثة أقسام:
الأوّل حرام، و ذلك كالأموال المغصوبة.
و الثاني مباح، و ذلك كالمال الذي يُهدى إلى السلطان عن طيب نفس.
و الثالث و هو المال المختلط بالحرام، بحيث لا يتميّز الحلال فيه من الحرام؛ و قد اختار الشريف المرتضى في هذه المسألة الحظر، و أنّ التنزّه عنه أولى، فيما أباحه أكثر الفقهاء، كما صرّح هو بذلك.
و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 128 في ضمن مجموعة رسائل تحمل عنوان: «أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره».
مخطوطة مكتبة المحقّق البروجردي رحمه اللّٰه، المرقّمة 374/9؛ تقع في الصفحة (375) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحة (14) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحة (283) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (157) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (231) من المجموعة، و رمزنا لها ب «س».
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
مسألةٌ:
هَل يَحِلُّ ما يَحصُلُ مِن جِهةِ السلطانِ و خَدَمَتِه إذا دَعَت إلىٰ(1)ذلكَ ضَرورةٌ؟
الجوابُ:
أنّ أموالَ السلطانِ علىٰ ضُروبٍ:
فضَربٌ الظاهرُ أنّه حَرامٌ، كالمغصوبِ، و الجِناياتِ مِن غيرِ وجوهِها.
و الضربُ الثاني: ما ظاهرُه أنّه مُباحٌ؛ كالمالِ الذي يُهدىٰ إليه عن(2)طيبِ نفسِ [مُهدي] - هِ، [ف] - يَجتَبيهِ(3)[لنَفسِه] أو يَبَرُّ به أقارِبَه.
و الضربُ الثالثُ: ما(4)يَختَلِطُ فيه الحَرامُ بالحَلالِ، و لا يَتميَّزُ أحَدُهما مِن صاحبِه.
فأمّا الضربُ الأوّلُ، فمحظورٌ أن يؤخَذَ منه.
و أمّا الضربُ الثاني، فمُباحٌ أَخذُه و التصرُّفُ فيه بغَيرِ خِلافٍ.
و الضربُ الثالثُ - و هو المُختَلِطُ - قد أَباحَ(1)أكثَرُ الفقهاءِ مع الاختلاطِ(2)التصرُّفَ فيه، و الأخذَ منه(3). و الأَولىٰ عندي أن يَكونَ محظوراً، و التنزُّهُ عنه(4)أَولىٰ.
تعرّض الشريف المرتضى في هذه الرسالة إلى بحثين متعلّقين بالنوافل:
البحث الأوّل: وجوب أن يبيّن الشرعُ النوافلَ للمكلّفين؛ بما أنّ العقل لا يدرك المصلحة في النوافل، فيجب على الشرع أن يبيّن النوافل للمكلّفين، و يشرحها لهم.
و وجه هذا الوجوب هو أنّ العقل إذا بقي بمفرده فإنّه يدرك قبح النوافل، و ذلك لِمَا فيها من المشقّة، و لكن الواقع أنّ في النوافل جهات مختلفة من المصالح، فلو تُرك العقل وحده لوقع في الجهل، و لأدرك قبح شيء فيه مصلحة لم يدركها، فكان يجب على الشرع بيان النوافل لكي لا يقع العقل في الجهل.
البحث الثاني: وجه حُسن النوافل؛ قد ذكر المتكلّمون وجهين على الأقلّ لحُسن النوافل:
الأوّل: أنّها مُسهّلة للفرائض؛ فإنّ الذي يتمرّن على فعل النوافل يكون أقرب إلى فعل الفرائض.
الثاني: و قد عبّر الشريف المرتضى عن هذا القول ب «قيل»، ممّا يدلّ على تضعيفه له، و هو: أنّ النوافل مُسهّلة لأمثالها من النوافل العقليّة، مثل الإحسان و التفضّل.
و أضاف صاحب هذا الوجه: لا يصحّ أن يقال: إنّ النوافل مُسهّلة للفرائض و الواجبات الشرعيّة كما تقدّم في الوجه الأوّل؛ و ذلك لأنّها لو كانت مُسهّلة للواجبات الشرعيّة لصارت واجبة من باب اللطف، كما أنّ الواجبات الشرعيّة صارت واجبة
لأنّها مقرّبة إلى الواجبات العقليّة، فإنّ الشرعيّات ألطاف في العقليات.
و لم يقبل الشريف المرتضى هذا الاستدلال، لكنّه لم يبيّن سبب ذلك.
و الجدير بالذكر أنّ أكثر مطالب هذه الرسالة قد ذكرها القاضي عبد الجبّار المعتزلي (ت 415 ه) في ذيل جواب إحدى شُبه البراهمة، فلأجل اتّضاح مطالب الرسالة بصورة أفضل، يمكن مراجعة كتاب المغني(1).
طبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 345 تحت عنوان: «دور العقل و السمع في النوافل». و هو عنوان عامّ، لا يعبّر عن محتوى الرسالة بدقّة.
كما طبعت في ضمن مسائل المرتضى، ص 63 تحت عنوان: «أحكام النوافل» و يبدو أنّه عنوان أجنبيّ عن البحث.
فالأفضل تسميتها: «وجوب بيان النوافل على الشرع، و وجهُ حسنها».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (117) من المجموعة، و رمزنا لها ب «أ».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (159) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ش».
مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (400) من المجموعة، و رمزنا لها ب «د».
1) . المغني، ج 15 (التنبّؤات و المعجزات)، ص 134-135.
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (133) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ط».
مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (76) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ي».
مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (81) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ب».
مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (284) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ه».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20996؛ تقع في الصفحة (26) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ص».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39685؛ تقع في الصفحة (10) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ث».
مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39688؛ تقع في الصفحة (13) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ق».
مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (78) من المجموعة، و رمزنا لها ب «ج».
[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ]
إذا قُلنا: «إنّ النوافلَ إنّما نَعلَمُها كذلكَ(1)بالسمعِ، و هو استحقاقُ الثوابِ عليها و أنّ تَركَها لا يُستَحَقُّ عليه العِقابُ(2)» فلا بُدَّ مِن بيانِ أنّ السمعَ هو الكاشفُ عن ذلكَ، و أنّ العقلَ لا مَدخَلَ له فيه.
و ذلك أنّه قد تَقرَّرَ في العقولِ(3)كَونُها لِما فيها(4)مِن المَشَقّةِ قَبيحةً، فلَو لَم يَكُن فيها بعضُ وجوهِ المَصالحِ لَعُرِّضنا(5)لاعتقادٍ يَجري مَجرَى الجهلِ؛ لأنّه كانَ يَجِبُ لَولا البيانُ أن نَعتَقِدَها قَبيحةً مِنّا، و مِن حَقِّها أن تَكونَ حَسَنةً!
و الوجهُ الذي ذُكِرَ في حُسنِها: أنّها مُسهِّلةٌ للفَرائضِ، فكأنّ المُكلَّفَ إذا مَرَنَ(6)علىٰ
1) . في «أ، ق»: «يعلمها كذلك». و في «ه» و المطبوع: «يتعلّقها لذلك».
2) . في «ب، ج، ص، ط»: «عليها العقاب». و في المطبوع: «العقاب عليه».
3) . في المطبوع: - «في العقول».
4) . في «ب، ج، د، ص، ط، ي»: «فيه».
5) . في «أ، ق»: «لأعرضنا». و في «ب، ج، د، ص، ي»: «لغرضنا».
6) . مَرَن الشيءُ يَمرُنُ مُروناً: إذا استمرّ. راجع: لسان العرب، ج 13، ص 403 (مرن).
فعلِها و اعتادَها يَكونُ إقدامُه علَى الواجبِ أسهَلَ و علَى النِّفارِ مِن فعلِه أبعَدَ، فيَكونُ وجهاً مُقوّياً داعياً إلىٰ فعلِ الفَرائضِ.
و علىٰ هذا وَرَدَ الشرعُ في أن نأمُرَ(1)الصبيَّ بالصلاةِ في حالٍ و نَضربَه(2)علىٰ فعلِه في حالٍ؛ لكَي يَعتادَ فِعلَها(3)و يَمرُنَ عليها.
فإذا كانَ ما يَتقدَّمُ التكليفَ يؤثِّرُ هذا التأثيرَ، فلأَن تؤثِّرَ(4)النوافلُ علىٰ هذا الحَدِّ في حالِ التكليفِ أقرَبُ.
و هذه الطريقةُ مُتَعارَفةٌ؛ لأنّ مَن تَحمَّلَ(5)المَشَقّةَ فيما لا يَجِبُ عليه، يَكونُ الواجبُ عليه أسهَلَ عندَه و أقرَبَ إلىٰ فعلِه.
و قد قيلَ: إنّ النوافلَ مُسهِّلةٌ لأمثالِها مِن العقليّاتِ(6)مِن الإحسانِ، و التفضُّلِ. و اعتَبَرَ قائلُ ذلكَ أنّها لَو كانَت مُقرِّبةً إلىٰ فعلِ الواجباتِ الشرعيّةِ لَوَجَبَت، كَما وَجَبَت الشرعيّاتُ لتَقريبِها(7)مِن الواجباتِ العقليّةِ.
و في هذا نَظَرٌ.
1) . في «د، ش، ه، ي» و المطبوع: «أن يأمر».
2) . في «د، ه، ي» و المطبوع: «و يضربه».
3) . في «ش، ه» و المطبوع: - «فعلها».
4) . في «أ»: «فلا تؤثّر». و في المطبوع: «فإن تأثّر».
5) . في «أ، ق، ه»: «يحمل». و في المطبوع: «يتحمّل».
6) . أي لأمثالها من النوافل العقليّة.
7) . في جميع النسخ و المطبوع: «لتقرّبها»؛ و هو سهو.
الفهرس الإجمالي... 5
د. الرسائل الفقهيّة... 3
مقدّمة التحقيق... 9
نسبتها إلى المؤلّف... 11
مخطوطات الرسالة... 12
جوابات المسائل الرسّيّة الأُولىٰ... 15
مقدِّمة المؤلِّف... 15
المسألة الأُولىٰ: حكم عبادات المقلِّد و تارك النظر... 17
المسألة الثانية: كيفيّة رجوع العامّيِّ إلى العالم... 24
في بيان حقيقة العقل... 27
المسألة الثالثة: عدم توقّف القول بالصرفة على العلم بالعربيّة و فنون الفصاحة... 29
المسألة الرابعة: نفي حصول المعرفة باللّٰه تعالىٰ للكفّار... 37
المسألة الخامسة: عدم جواز الرجوع إلى الكتب المصنَّفة لمعرفة الأحكام... 43
المسألة السادسة: وجوب قضاء الحجِّ التطوُّعيِّ عند إفساده... 48
المسألة السابعة: حول الخبر المتواتر... 52
فصلٌ: فيه ستُّ مسائل تتعلَّق بالنيّات في العبادات... 59
المسألة الأُولىٰ (و هي الثامنة)... 59
المسألة الثانية (و هي التاسعة)... 60
المسألة الثالثة (و هي العاشرة)... 61
المسألة الرابعة (و هي الحادية عشرة)... 62
المسألة الخامسة (و هي الثانية عشرة)... 63
المسألة السادسة (و هي الثالثة عشرة)... 64
جواب المسائل الستِّ المتعلِّقة بالنيّات... 66
جواز نقل نيّة الصلاة من الحاضرة إلى الفائتة... 66
استحباب إعادة المنفرد صلاته جماعةً... 72
حكم من فاتته صلاةٌ غير متعيِّنةٍ... 76
حكم الواقع بعض صلاته قبل الوقت... 78
حكم صيام يوم الشكِّ... 82
حكم نيّة صوم الشهر كلِّه في أوّله... 86
فصلٌ يتضمَّن مسألتين تتعلَّق أيضاً بأحكام النيّة في العبادة... 89
المسألة الأُولىٰ (و هي الرابعة عشرة)... 89
المسألة الثانية (و هي الخامسة عشرة)... 89
جواب المسألتين المتعلِّقتين أيضاً بالنيّات... 90
حكم المخلِّ بالنيّة في العبادة... 90
حكم نيّة العبادة المشتملة علىٰ أفعالٍ كثيرةٍ... 92
المسألة السادسة عشْرة: نيّة النيابة في العبادات و ثوابها... 93
المسألة السابعة عشْرة: حكم الماء النجس يتمَّم كرّاً... 96
المسألة الثامنة عشْرة: سجدة قراءة العزائم في الصلاة تجب بعد الفراغ من الصلاة... 98
فصلٌ يتضمَّن مسألتين تتعلَّق بقضاء الصلوات الفائتة... 100
المسألة التاسعة عشْرة و العشرون... 100
جواب المسألتين المتعلِّقتين بقضاء الصلوات الفائتة... 102
عدم إجزاء أداء الصلاة مع تذكّر الفائتة... 102
حكم من عليه صلواتٌ فائتةٌ كثيرةٌ... 103
المسألة الحادية و العشرون: إثبات حجّيّة إجماع الطائفة... 106
المسألة الثانية و العشرون: حكم العاقد في الإحرام مع الجهل بالحكم... 113
المسألة الثالثة و العشرون: ما يجوز قتله من الحيوان المؤذي... 115
المسألة الرابعة و العشرون: برُّ الوالدين الكافرين أو الفاسقين... 119
المسألة الخامسة و العشرون: حكم المنعم الكافر... 121
المسألة السادسة و العشرون: أعواض الكافر في الآخرة... 123
المسألة السابعة و العشرون: حكم العالم بقبائح غيره... 125
المسألة الثامنة و العشرون: معرفة الشُّهداء و الأنبياء و...... 127
الخاتمة... 129
مقدّمة التحقيق... 133
نسبتها إلى المؤلّف و تاريخها... 134
مخطوطات الرسالة... 134
جوابات المسائل الرسّيّة الثانية... 137
المسألة الأُولىٰ: سقوط القضاء بعد الوقت عمّن صلّىٰ تماماً في موضع القصر... 137
المسألة الثانية: جواز تجديد نيّة الصوم بعد مضيِّ شطر النهار... 139
المسألة الثالثة: أحكام الصلوات المفروضات غير الصلوات الخمس... 141
المسألة الرابعة: حكم اللاحن في القراءة في الصلاة... 143
المسألة الخامسة: هل يدلُّ الكلام المرتّب المتَّسق علىٰ كون فاعله عالماً؟... 145
مقدّمة التحقيق... 153
عنوان الرسالة و نسبتها إلى المؤلف... 155
مخطوطات الرسالة... 158
جوابات المسائل الموصليّات الثانية... 161
المقدِّمة... 161
المسألة الأُولىٰ: حكم المذي و الودي... 163
المسألة الثانية: أكثر النِّفاس و أقلُّه... 166
المسألة الثالثة: كراهة السُّجود على الثَّوب المنسوج... 170
المسألة الرابعة: مسائل في الشُّفعة... 172
المسألة الخامسة: من لا ربا بينهما... 179
المسألة السادسة: عدّة الحامل... 186
المسألة السابعة: أقلُّ مدّة الحمل و أكثرها... 193
المسألة الثامنة: حكم المطلَّقة في مرض بعلها... 197
المسألة التاسعة: حكم عتق عبد المكاتب و توريثه... 200
مقدّمة التحقيق... 205
بين الموصليّات الثالثة و كتاب «الإعلام»... 206
فوائد مستلّة من المسائل... 207
نسبتها إلى المؤلّف... 208
مخطوطات الرسالة... 209
جوابات المسائل الموصليّات الثالثة... 211
مقدِّمة... 211
بطلان العمل بالقياس و خبر الواحد... 212
الدليل علىٰ بطلان العمل بهما... 214
بيان الطريق إلى العلم بالأحكام الشرعيّة... 214
إثبات حجّيّة الإجماع في الأحكام الشرعيّة... 215
كيفيّة تحصيل إجماع الطائفة... 216
بيان طرق أخرىٰ غير الإجماع لإثبات الأحكام الشرعيّة... 221
حكم المسألة الشرعيّة التي لا دليل عليها من الكتاب و السُّنّة... 222
عدم حجّيّة جلِّ الأخبار المنقولة من طريق أصحاب الحديث... 223
أحكام الطهارة... 227
المسألة الأُولىٰ: كيفيّة غسل اليدين في الوضوء... 227
المسألة الثانية: كيفيّة مسح الرأس في الوضوء... 231
عدم جواز مسح جميع الرأس، و غسل الرِّجلين... 232
المسألة الثالثة: حكم مسح الأذنين أو غسلهما... 232
المسألة الرابعة: عدد الغسلات في الوضوء... 234
المسألة الخامسة: أكثر أيّام النِّفاس... 235
المسألة السادسة: حكم قراءة القرآن للجنب و الحائض... 235
فصلٌ: فيه ستُّ مسائل تتعلَّق بالأموات... 237
أحكام الصلاة... 239
المسألة الثالثة عشر: وجوب «حيَّ علىٰ خير العمل» في الأذان... 239
المسألة الرابعة عشر: حكم إرسال اليدين في الصلاة و كتفهما... 239
المسألة الخامسة عشر: قول «آمين» مبطلٌ للصلاة... 240
المسألة السادسة عشر: عدم جواز قراءة أكثر أو أقلَّ من سورةٍ بعد الحمد... 240
المسألة السابعة عشر: ما يسجد عليه... 241
المسألة الثامنة عشر: صلاة التَّراويح بدعةٌ... 241
المسألة التاسعة عشر: صلاة الضُّحىٰ بدعةٌ... 242
المسألة العشرون: حكم سجود الشُّكر... 242
المسألة الحادية و العشرون: العدد المعتبر في مقيمي الجمعة و العيدين... 243
المسألة الثانية و العشرون: من لا يصلح لإمامة الجمعة و العيدين... 244
المسألة الثالثة و العشرون: حكم صلاة الكسوف... 245
المسألة الرابعة و العشرون: كيفيّة الصلاة على الموتىٰ... 246
المسألة الخامسة و العشرون: استحباب توقُّف الإمام حتّىٰ ترفع الجنازة... 246
أحكام الزكاة و الخمس... 247
المسألة السادسة و العشرون: حكم الذهب و الفضّة في باب الزكاة... 247
المسألة السابعة و العشرون: أقلُّ ما يجزئ من الزكاة... 247
المسألة الثامنة و العشرون: اشتراط الولاية في مستحقّي الزكاة... 248
المسألة التاسعة و العشرون: مقدار زكاة الفطرة... 248
المسألة الثلاثون: أحكام الخمس... 249
المسألة الحادية و الثلاثون: حكم الأنفال... 251
المسألة الثانية و الثلاثون: صفوة الأموال من الأنفال... 252
أحكام الحجِّ و الشُّفعة و الرِّبا... 253
المسألة الثالثة و الثلاثون: فوت عرفاتٍ و إدراك المشعر... 253
المسألة الرابعة و الثلاثون: عدد الشُّفعاء في العقار... 254
المسألة الخامسة و الثلاثون: من لا ربا بينهما... 254
أحكام النكاح... 255
المسألة السادسة و الثلاثون: حكم الزاني بذات البعل... 255
المسألة السابعة و الثلاثون: عقد النكاح علىٰ ما لا قيمة له... 255
المسألة الثامنة و الثلاثون: التزويج في حال الإحرام... 256
المسألة التاسعة و الثلاثون: التزويج في العدّة... 257
المسألة الأربعون: عقد النكاح في العدّة... 257
المسألة الحادية و الأربعون: حكم المطلَّقة تسعاً... 257
المسألة الثانية و الأربعون: حكم من فجر بعمّته أو خالته... 258
المسألة الثالثة و الأربعون: حكم من تلوَّط بغلامٍ... 258
المسألة الرابعة و الأربعون: جواز نكاح النساء في أدبارهنّ... 258
المسألة الخامسة و الأربعون: عقد المرأة علىٰ نفسها من دون إذن وليِّها... 261
المسألة السادسة و الأربعون: جواز النكاح بغير شهودٍ... 263
المسألة السابعة و الأربعون: حكم نكاح المتعة... 264
المسألة الثامنة و الأربعون: جواز نكاح المرأة علىٰ عمّتها و خالتها... 266
أحكام الطلاق و الظِّهار... 267
المسألة التاسعة و الأربعون: وقوع الطلاق بشاهدين عدلين مسلمين... 267
المسألة الخمسون: توقيفيّة ألفاظ الطلاق... 268
المسألة الحادية و الخمسون: حكم الطلاق بشرطٍ... 269
المسألة الثانية و الخمسون: حكم الطلاق باليمين... 269
المسألة الثالثة و الخمسون: حكم الطلاق الثلاث... 269
المسألة الرابعة و الخمسون: شرائط الظِّهار... 270
المسألة الخامسة و الخمسون: حكم التخييرِ في الطلاقِ... 271
المسألة السادسة و الخمسون: عدّة الحامل... 274
المسألة السابعة و الخمسون: الرَّجعة في الطلاق الثلاث في مجلسٍ واحدٍ... 275
المسألة الثامنة و الخمسون: حكم المطلِّق ثلاثاً في مجلسٍ واحدٍ... 275
المسألة التاسعة و الخمسون: أقلُّ الحمل و أكثره... 276
أحكام العتق... 277
المسألة السِّتّون: كيفيّة العتق... 277
أحكام القضاء و الشهادات... 278
المسألة الحادية و السِّتّون: ما لو ابتدأ الخصمان بمحضر الحاكم... 278
المسألة الثانية و السِّتّون: شهادة الِابنِ لأبيهِ و عليه... 279
أحكام النذر و اليمين... 280
المسألة الثالثة و السِّتّون: حكم حانث النَّذر... 280
المسألة الرابعة و السِّتّون: كيفيّة اليمين... 280
المسألة الخامسة و السِّتّون: حكم اليمين... 281
أحكام بعض الأطعمة و الأشربة... 282
المسألة السادسة و السِّتّون: حكم الطِّحال... 282
المسألة السابعة و السِّتّون: السَّمك المحرَّم... 282
المسألة الثامنة و السِّتّون: ما يحرم من الطير... 282
المسألة التاسعة و السِّتّون: ما يحرم من الطير أيضاً... 283
المسألة السبعون: حكم الفقّاع... 283
أحكام الحدود و الديات... 284
المسألة الحادية و السبعون: حدُّ السارق... 284
المسألة الثانية و السبعون: حدُّ السارق إذا عاد إلى السَّرقة... 285
المسألة الثالثة و السبعون: حدُّ الحرِّ الزاني... 285
المسألة الرابعة و السبعون: حدُّ العبد الزاني... 285
المسألة الخامسة و السبعون: شارب الخمر ثلاثاً... 286
المسألة السادسة و السبعون: حكم من ضرب امرأةً فطرحت... 286
المسألة السابعة و السبعون: إفزاع المجامع و عزله... 286
المسألة الثامنة و السبعون: إنْ قتل اثنان أو أكثر واحداً... 287
المسألة التاسعة و السبعون: إنْ قتل ثلاثةٌ واحداً، و اختلفوا فيما قاموا به... 287
المسألة الثمانون: حكم منْ قطع رأس ميِّتٍ... 288
المسألة الحادية و الثمانون: إذا قتل الرجل امرأةً... 288
المسألة الثانية و الثمانون: ادّعاء رجلين بالقتل... 289
المسألة الثالثة و الثمانون: اعتراف رجلين بقتل رجلٍ واحدٍ... 290
المسألة الرابعة و الثمانون: ديات أهل الكتاب و ولد الزنا... 290
أحكام الإرث... 292
المسألة الخامسة و الثمانون: من يرث مع الوالدين... 292
المسألة السادسة و الثمانون: من خلَّف والدين و بنتاً... 293
المسألة السابعة و الثمانون: من خلَّف بنتين و أحد أبويه و ابن ابنٍ... 294
المسألة الثامنة و الثمانون: لا يحجب الأمَّ الإخوة من الأمِّ خاصّةً... 295
المسألة التاسعة و الثمانون: من يرث مع الولد... 295
المسألة التسعون: حقيقة الحبوة... 296
المسألة الحادية و التسعون: ولد الصُّلب يحجب من دونه... 297
المسألة الثانية و التسعون: الزوج يرث من الزوجة... 298
المسألة الثالثة و التسعون: المرأة لا ترث من الرِّباع... 298
المسألة الرابعة و التسعون: إرث الإخوة و الأخوات من الأب خاصّةً... 299
المسألة الخامسة و التسعون: توريث الرجال و النساء بالنَّسب... 300
المسألة السادسة و التسعون: ميراث من خلَّف ابنة ابنٍ و ابن عمٍّ... 302
المسألة السابعة و التسعون: إرث ابن الأخ مع الجدِّ... 303
المسألة الثامنة و التسعون: إرث ولد الملاعنة... 304
المسألة التاسعة و التسعون: إرث المطلَّقة في مرض بعلها... 304
المسألة المائة: كيفيّة توريث الخنثىٰ... 305
المسألة الحادية و المائة: كيفيّة توريث من ليس له ما للرجال و للنساء... 305
المسألة الثانية و المائة: توريث رأسين علىٰ حقوٍ واحدٍ... 306
المسألة الثالثة و المائة: أحكام إرث المملوك... 306
المسألة الرابعة و المائة... 306
المسألة الخامسة و المائة: ما يرثه المكاتب... 307
المسألة السادسة و المائة: ما يورث من المكاتب... 307
المسألة السابعة و المائة: إرث الكفّار و المجوس... 308
المسألة الثامنة و المائة: ميراث المجوس... 308
المسألة التاسعة و المائة: حكم العول في الفرائض... 309
مقدّمة التحقيق... 315
ميّافارقين... 315
مخطوطات الرسالة... 319
جوابات مسائل أهل ميّافارقين... 323
مسألةٌ أوّلةٌ: عدالة إمام الجماعة... 324
مسألةٌ ثانيةٌ: أحكام صلاة الجمعة... 324
مسألةٌ ثالثةٌ: أحكام صلاة العيدين... 325
مسألةٌ رابعةٌ: وقت صلاة الظُّهر و العصر... 326
مسألةٌ خامسةٌ: وقت صلاة المغرب و العشاء... 327
مسألةٌ سادسةٌ: تعيين الصلاة الوسطىٰ... 328
مسألةٌ سابعةٌ: ما يجوز عليه السُّجود... 329
مسألةٌ ثامنةٌ: حكم التسليم في الصلاة... 329
مسألةٌ تاسعةٌ: استحباب القنوت في الصلاة... 330
مسألةٌ عاشرةٌ: التكبيرات السَّبع في مفتتح الصلاة... 330
مسألةٌ حادية عشر: الوتيرة... 331
مسألةٌ ثانية عشر: كيفيّة غسل الوجه في الوضوء... 331
مسألةٌ ثالثة عشر: وجوب المسح ببلّة اليد... 332
مسألةٌ رابعة عشر: الرجوع إلى الكتب الثلاثة... 332
مسألةٌ خامسة عشر: عدم وجوب «محمّدٌ و عليٌّ خير البشر» في الأذان... 334
مسألةٌ سادسة عشر: «الصلاة خيرٌ من النوم» في الأذان بدعةٌ... 334
مسألةٌ سابعة عشر: الأئمّة: أحياءٌ يشاهدوننا... 334
مسألةٌ ثامنة عشر: معنىٰ حضور الرسول و أمير المؤمنين عليهما السلام عند كلِّ ميِّتٍ... 335
مسألةٌ تاسعة عشر: هل الأئمّة: يتفاضل بعضهم علىٰ بعضٍ؟... 336
مسألةٌ عشرون: تساوي الحسن و الحسين عليهما السلام في الفضل... 337
مسألةٌ حاديةٌ و عشرون: إنّ اللّٰه تعالىٰ أطْلع الأئمّة عليهم السلام على الغائبات... 337
مسألةٌ ثانيةٌ و عشرون: متىٰ يظهر الحجّة عليه السلام؟... 338
مسألةٌ ثالثةٌ و عشرون: المحارب لعليٍّ عليه السلام كافرٌ... 338
مسألةٌ رابعةٌ و عشرون: تفضيل الأنبياء على الملائكة... 339
مسألةٌ خامسةٌ و عشرون: معنىٰ أنّه لولا النبيُّ و الأئمّة لما خلق اللّٰه السماء و الأرض... 339
مسألةٌ سادسةٌ و عشرون: حقيقة الكفر و الشرك و الإيمان... 340
مسألةٌ سابعةٌ و عشرون: حقيقة التوحيد... 341
مسألةٌ ثامنةٌ و عشرون: حكم إرث الإخوان... 341
مسألةٌ تاسعةٌ و عشرون: الثوب المصاب بالمنيِّ و لم يعرفْ مكانه... 342
مسألةٌ ثلاثون: إصابة الثوب بالكلب الناشف... 342
مسألةٌ حاديةٌ و ثلاثون: حكم المجامع أهله في نهار رمضان... 343
مسألةٌ ثانيةٌ و ثلاثون: لا تجوز الصلاة في ثوبٍ أصابه خمرٌ... 343
مسألةٌ ثالثةٌ و ثلاثون: حكم من غاب عن أهله سنين... 344
مسألةٌ رابعةٌ و ثلاثون: عدم جواز الترحُّم للأقارب الكفّار... 345
مسألةٌ خامسةٌ و ثلاثون: عدم جواز إعطاء الفطرة و الزكاة للمخالفين... 345
مسألةٌ سادسةٌ و ثلاثون: عدم انعقاد اليمين على المعصية... 346
مسألةٌ سابعةٌ و ثلاثون: هل زوَّج أمير المؤمنين عليه السلام فلاناً ابنته؟... 346
مسألةٌ ثامنةٌ و ثلاثون: ثواب زيارة قبور الأئمّة:... 347
مسألةٌ تاسعةٌ و ثلاثون: حقيقة المسافر الذي يجب عليه التقصير... 348
مسألةٌ أربعون: استحباب التختُّم باليد اليمنىٰ... 348
مسألةٌ حاديةٌ و أربعون: المعوَّل في معرفة أوائل الشُّهور... 349
مسألةٌ ثانيةٌ و أربعون: حكم لحم الأرنب... 350
مسألةٌ ثالثةٌ و أربعون: حكم شرب الفقّاع... 350
مسألةٌ رابعةٌ و أربعون: حلّيّة المتعة... 351
مسألةٌ خامسةٌ و أربعون: حرمة اللَّعب بالشِّطْرنج و النَّرْد... 352
مسألةٌ سادسةٌ و أربعون: حكم لبس جلود الثعالب و الأرانب، و الصلاة فيها... 352
مسألةٌ سابعةٌ و أربعون: لبس ما يتَّخذ من جلود الغنم... 353
مسألةٌ ثامنةٌ و أربعون: حكم لبس القزِّ و الخزِّ... 353
مسألةٌ تاسعةٌ و أربعون: معنىٰ تحليل المولىٰ أمته للغير... 354
مسألةٌ خمسون: جعل أمِّ الولد في ضمن الميراث... 354
مسألةٌ حاديةٌ و خمسون: جواز تملُّك السبايا و نكاحهنَّ... 355
مسألةٌ ثانيةٌ و خمسون: حكم زكاة الغلّات... 355
مسألةٌ ثالثةٌ و خمسون: كفّارة حنث اليمين... 356
مسألةٌ رابعةٌ و خمسون: إسلام الذمّيِّ و له مرأةٌ ذمّيّةٌ... 356
مسألةٌ خامسةٌ و خمسون: حكم تزويج الهاشميّة... 357
مسألةٌ سادسةٌ و خمسون: حلّيّة الوطء دبراً و قبلاً... 357
مسألةٌ سابعةٌ و خمسون: القرآن منزلٌ غير مخلوقٍ... 358
مسألةٌ ثامنةٌ و خمسون: أفضل الأعمال... 359
مسألةٌ تاسعةٌ و خمسون: لزوم العمل مع الِاعتقادِ... 359
مسألةٌ ستّون: مسألة الرَّجعة... 360
مسألةٌ حاديةٌ و ستّون: المسلم يرث الكافر... 360
مسألةٌ ثانيةٌ و ستّون: العمّة ترث مع العمِّ... 361
مسألةٌ ثالثةٌ و ستّون: إرث الخال و الخالة مع الأعمام... 361
مسألةٌ رابعةٌ و ستّون: إرث أولاد الأخت... 362
مسألةٌ خامسةٌ و ستّون: جواز الوطء قبل غسل الحيض... 362
مسألةٌ سادسةٌ و ستّون: حكم الخمس... 363
مقدّمة التحقيق... 367
مخطوطات الرسالة... 368
جوابات المسائل الواسطيّات... 371
المسألة الخامسة من المسائل الواسطيّات: إنكاح النَّواصب و الغلاة... 371
المسألة السادسة من الواسطيّات: المسلم يرث الكافر... 372
المسألة السابعة من الواسطيّات: الصلاة في ثوبين أحدهما إبريسمٌ و الآخر كتّانٌ... 373
المسألة الثامنة من الواسطيّات: عدّة وفاة الذِّمّيِّ... 374
المسألة التاسعة من الواسطيّات: المرأة المتسامحة في نفسها عن مراعاة عدّة الطلاق... 375
المسألة العاشرة من الواسطيّات: لا حدَّ للمستمتعات بهنَّ في العدد... 376
المسألة الحادية عشر من الواسطيّات: طلاق المضطرِّ ثلاثاً، كم يعدُّ؟... 377
المسألة الثانية عشر من الواسطيّات: جواز التمتُّع بالمستمتع بها قبل انقضاء العدّة... 378
مقدّمة التحقيق... 381
نسبة الرسالة... 383
محتوى الرسالة... 384
مخطوطات الرسالة... 389
جوابات المسائل الرَّمليَّة... 391
المسألة السادسة: حكم الخلاف في رؤية الهلال... 391
مسألةٌ من المسائل الرَّمليَّة:... 391
المسألة السابعة: حكم الطلاق بعد ارتفاع الدم و إيلاء المرأة... 394
مقدّمة التحقيق... 399
ملاحظة... 400
مخطوطات الرسالة... 401
مسألةٌ في الفرق بين نجس العين و نجس الحكم... 403
مقدّمة التحقيق... 407
عنوان الرسالة و طبعاتها... 408
مخطوطات الرسالة... 408
مسألةٌ في حكم ماء البئر النابع بعد غور مائها النَّجس... 411
مقدّمة التحقيق... 417
نسبة الرسالة إلى المؤلّف، و عرضٌ لمحتواها... 419
فوائد... 422
مخطوطات الرسالة... 423
مسألةٌ في عدم وجوب غسل الرِّجلين في الطهارة... 425
مقدّمة... 425
أرجحيّة قراءة «و أرجلكم» بالجرِّ... 429
أدلّة بطلان أن يكون المسح غسلاً... 441
الدليل الأوّل... 441
الدليل الثاني... 443
الدليل الثالث... 443
الدليل الرابع... 444
مقدّمة التحقيق... 451
نسبة الرسالة إلى المؤلّف... 452
محتوى الرسالة... 452
مخطوطات الرسالة... 453
مسألةٌ في المسح على الخفَّين... 457
مقدّمة التحقيق... 465
نسبة الرسالة و عنوانها... 468
تاريخ تأليف الرسالة... 469
أهمّيّة الرسالة... 470
فوائد مهمّة من الرسالة... 470
مخطوطات الرسالة... 472
رسالةٌ في الردِّ علىٰ أصحاب العدد... 475
مقدِّمةٌ... 475
الفصل الأوّل: في بيان الأدلّة على القول بالرؤية... 476
الدليل الأوّل: إجماع المسلمين... 476
الدليل الثاني: سيرة المسلمين... 477
الدليل الثالث: الكتاب... 478
الدليل الرابع: آية قرآنيّة أخرىٰ... 478
الدليل الخامس: السنّة... 479
الفصل الثاني: مناقشة أدلّة صاحب الكتاب علىٰ القول بالعدد... 481
الدليل الأوّل: دليل من القرآن... 481
الدليل الثاني: دليل آخر من القرآن... 485
معنىٰ نقصان الشهر و كماله... 486
معنىٰ إكمال العدّة... 488
الدليل الثالث: دليل من جهة الأثر... 490
ردُّ حجّية خبر الواحد... 492
الدليل الرابع: حمل أخبار الرؤية على التقيّة... 493
الدليل الخامس: الاستدلال من طريق القياس... 494
الدليل السادس: معرفة أوقات الفرائض قبل حلولها بناء على القول بالعدد... 496
الدليل السابع: لوازم باطلة تلزم القول بالرؤية... 498
في أنّ معلوم اللّٰه تعالىٰ مطابق لتكاليف المكلّفين، و إن اختلفت... 503
الكلام في صوم يوم الشكِّ، و فرقه مع صوم المسجون... 508
الدليل الثامن: خبر «يوم صومكم يوم نحركم»... 511
الفصل الثالث: مناقشة ما ردَّ به صاحب الكتاب أدلّة القائلين بالرؤية... 513
الدليل الأوّل: آية الأهلّة... 513
الدليل الثاني: خبر «صوموا لرؤيته»... 515
بطلان الاستدلال بخبر «صوموا لرؤيته» علىٰ صحّة القول بالعدد... 517
مقارنة بين الرؤية و العدد، و بين الوضوء و التيمّم... 518
بطلان المقارنة بين الرجوع إلى القرآن و الأخبار و بين العدد و الرؤية... 522
بطلان تخصيص خبر «صوموا لرؤيته» في سنةٍ واحدةٍ... 524
نكتة لغويّة... 525
مناقشة اعتماد بعض القائلين بالرؤية على العدد... 525
الدليل الثالث: خبر «شهر رمضان يصيبه ما يصيب سائر الشهور»... 528
كيفيّة الحجِّ على القول بالعدد... 529
مقدّمة التحقيق... 535
عنوان الرسالة و نسبتها إلى المؤلّف... 537
مخطوطات الرسالة... 537
مسألةٌ في استمرار الصوم مع قصد المنافي له... 541
مقدّمة التحقيق... 553
علاقة هذه الرسالة ب «المسائل المحمّديّات».... 554
مخطوطات الرسالة... 556
مسألةٌ في استلام الحجر و التلبية... 557
مقدّمة التحقيق... 565
مخطوطات الرسالة... 565
مسألةٌ في جواز تزكية مالٍ من مالٍ آخر... 567
مقدّمة التحقيق... 571
عنوان الرسالة... 572
تاريخ تأليف الرسالة... 573
مخطوطات الرسالة... 573
مسألةٌ في نفي دلالة صيغة الأمر على القبول... 577
مقدّمة التحقيق... 583
محتوى الرسالة... 583
مخطوطات الرسالة... 586
مسألةٌ في نكاح المتعة... 589
بطلان الاستدلال علىٰ فساد نكاح المتعة بعدم دخول الطلاق فيه... 589
مقدّمة التحقيق... 595
عنوان الرسالة... 596
مخطوطات الرسالة... 596
مسألةٌ في حكم الطلاق ثلاثاً بلفظٍ واحدٍ... 599
مقدّمة التحقيق... 603
نسبتها إلى المؤلف... 605
محتوى الرسالة... 606
مخطوطات الرسالة... 610
مسألةٌ في إرث الأولاد... 611
في أنّ ولد البنت ولدٌ على الحقيقة... 621
مقدّمة التحقيق... 631
عنوان الرسالة... 632
مخطوطات الرسالة... 633
مسألةٌ في إضافة أولاد البنت إلى جدِّهم إضافةً حقيقيّةً... 635
مقدّمة التحقيق... 639
عنوان الرسالة... 639
مخطوطات الرسالة... 640
مسألةٌ في شمول الوقف على الأولاد لولد البنت... 643
مقدّمة التحقيق... 647
مخطوطات الرسالة... 648
مسألةٌ في حكم التصدُّق بالمال الحرام... 649
مقدّمة التحقيق... 653
عنوان الرسالة... 658
مخطوطات الرسالة... 660
مسألةٌ في العمل مع السلطان... 663
ضروب الولاية من قبل السلطان... 664
بيان الوجه في حسن و وجوب الولاية من قبل الظالم في بعض الأحيان... 665
في جواز القتال لدفاع المتولّي عن ولايته... 672
كيفيّة معرفة المتولِّي المحقّ من غيره... 673
جواز توصّل المتولّي المحقّ إلىٰ منافع الدنيا عرضاً... 676
معنىٰ حديثٍ عن الصادق عليه السلام حول كفّارة العمل مع السلطان... 677
مقدّمة التحقيق... 681
مخطوطات الرسالة... 682
مسألةٌ في حكم أموال السلطان... 683
مقدّمة التحقيق... 687
عنوان الرسالة... 688
مخطوطات الرسالة... 688
مسألةٌ في وجوب بيان النوافل على الشرع، و وجه حسنها... 691