الرسائل و المسائل جلد 3

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

سرشناسه:سیدمرتضی، علی‌بن حسین، 355 - 436 ق.

Sharīf al-Murtaḍá, ʻAlam al-Hudá ʻAlī ibn al-Ḥusayn,

عنوان و نام پديدآور:الرسائل والمسائل/ المرتضی‌علی‌بن‌الحسین الموسوی،علم‌الهدی؛ تحقیق عدة من‌المحققین، محمدحسین الدرایتی، حب‌الله النجفی، حمید الاحمدی‌الجلفای؛ اعداد مرکز الموترات‌العلمیة والبحوث‌الحرة، التابع لموسسة دارالحدیث؛ تقدیم حیدر البیاتی (الحسن)؛ اشراف رضا الاستادی.

مشخصات نشر:مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی: موسسه علمی فرهنگی دارالحدیث، مرکز همایش‌های علمی و پژوهش‌های آزاد، 1399.

مشخصات ظاهری:5ج.

فروست:مولفات‌الشریف‌المرتضی؛ 33، 34، 35، 36، 37.

شابک:ج.1‌978-600-06-0492-9 : ؛ 450000 ریال: ج.2:978-600-060470-7 ؛ ج.3‌978-600-06-0471-4 : ؛ ج.4‌978-600-06-0493-6 : ؛ ج.5‌978-600-06-0503-2 :

وضعیت فهرست نویسی:فاپا

يادداشت:عربی.

يادداشت:موتمرالدولی‌الذکری الفیه‌الشریف‌المرتضی رحمه‌الله.

یادداشت:کتابنامه.

مندرجات:ج.1. الرسایل القرآنیه والحدیثیه.- ج.2.الرسائل‌الکلامیة.- ج.3. تتمة الرسائل‌الکلامیة.- ج.4. الرسائل الفقهیه.- ج.5. الرسائل‌الاصولیه والمنتزعه والمنسوبه.

موضوع:کلام شیعه امامیه -- قرن 5ق.

*Imamite Shiites theology -- 11th century

شناسه افزوده:درایتی، محمدحسین، 1343 -

شناسه افزوده:نجفی،حب‌الله، 1974- م.

شناسه افزوده:احمدی جلفایی، حمید، 1357 -

شناسه افزوده:حسن‌بیاتی، حیدر، 1977- م.

شناسه افزوده:استادی، رضا، 1316 -

شناسه افزوده:بنیاد پژوهشهای اسلامی

شناسه افزوده:Islamic Research foundation

شناسه افزوده:موسسه علمی فرهنگی دارالحدیث. مرکز همایش‌های علمی و پژوهش‌های آزاد

شناسه افزوده:کنگره بین‌المللی بزرگداشت هزاره سید مرتضی علم‌الهدی(1399 : قم)

رده بندی کنگره:BP209/7

رده بندی دیویی:297/4172

شماره کتابشناسی ملی:7273186

اطلاعات رکورد کتابشناسی:فاپا

محرر الرقمي: میثم الحیدري

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الرسائل و المسائل

الشريف المرتضى

عليّ بن الحسين الموسوي، علم الهدى

(355-436 ه‍)

المجلّد الثالث

(تتمّة الرسائل الكلاميّة)

تحقيق

عدّة من المحقّقين

مؤلّفات الشريف المرتضى/ 35

الفهرس الإجمالي

تتمّة الرسائل الكلاميّة... 7

(38) مسألة في الدليل علىٰ أنّ الجواهر مدركة... 7

(39) مسألة في علّة استحقاقه تعالى المدح علىٰ تركه القبيح... 15

(40) مسألة في أنّ التاء في كلمة «الذات» ليست للتأنيث... 33

(41) مسألة في الألم و وجه الحسن فيه... 43

(42) مسألة في سبب تقديم أوَّليّة وجوب النظر على أصل وجوبه... 59

(43) مسألة في أنّ الجسم لم يكن «كائناً» بالفاعل... 69

(44) مسألة في إبطال أحد الأدلَّة على كون الصِّفة بالفاعل... 79

(45) مسألة في مناقشة الدليل علىٰ أنَّ الجوهر ليس محدثاً بمعنى... 89

(46) مسألة في وجه المناسبة بين الأفعال الشرعيّة و ما هي لطف فيه... 97

(47) مسألة في بيان أحكام أهل الآخرة... 107

(48) مناظرة أبي العلاء المعرّيِّ مع الشريف المرتضى... 129

(49) المسائل المقدَّسيّات... 147

(50) مسألة في وجه العلم بتناول الوعيد كافّة الكفّار... 159

(51) مسألة في المنع من تفضيل الملائكة على الأنبياء... 171

(52) دفع شبهةٍ للبراهمة في بعث الأنبياء... 187

(53) مسألة في ميراث الأنبياء... 203

(54) الرِّسالة الباهرة في فضل العترة الطاهرة... 211

(55) مسألة في وجه اختصاص الأئمّة الاثني عشر...... 229

(56) مسألة فيمن يتولّىٰ غسل الإمام... 243

(57) مسألة في علم الوصيِّ بساعة وفاته و عدمه... 257

(58) مسألة في مشاهدة المحتضر الإمام قبل موته... 269

(59) مسألة في معنى ما يقوله الشيعة عند مشاهد أئمّتهم... 277

(60) مسألة في علّة خذلان أهل البيت و عدم نصرتهم... 287

(61) مسألة في الجواب عن الشُّبهات الواردة في خبر الغدير... 313

(62) مسألة في علّة مبايعة أمير المؤمنين عليه السلام أبا بكرٍ... 325

(63) مسألة في علّة امتناع عليٍّ عليه السلام عن محاربة الغاصبين لحقِّه بعد...... 339

(64) إنكاح أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر... 353

(65) مسألة أخرىٰ حول إنكاح أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر... 381

(66) المسألة في تفضيل فاطمة عليها السلام... 389

(67) مسألة في فدك... 397

(68) مسألة في صحّة حمل رأس الحسين عليه السلام إلى الشام... 407

(69) رسالة في غيبة الحجّة... 415

(70) فصل في الغيبة... 431

(71) فصل: في الإمامة بعد القائم عليه السلام... 439

(72) مسألة في الرَّجعة من جملة «الدِّمشقيّات»... 445

(73) مسألة في حكم عبادة ولد الزنا... 457

(74) أقاويل العرب في الجاهليّة، و مذاهب عبدة الأصنام... 465

تتمّة ج. الرسائل الكلاميّة

(38) مسألةٌ في الدليلِ علىٰ أنّ الجَواهرَ مُدرَكةٌ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

ظهر خلاف بين العلماء حول كون الجوهر مُدرَكاً بالإدراك الحسّي، و هل يمكن رؤية الجوهر أو لمسه، أو لا؟

فذهب الفلاسفة بصورة عامّة إلى عدم كون الجوهر مُدرَكاً بالحواسّ‌، و أنّه لا يوجد حسّ قادر على إدراك الجواهر(1).

فيما صرّح بعض المتكلّمين بإمكان إدراك الجوهر بالحسّ‌، و أنّه يمكن رؤيته و لمسه(2).

و ينبغي الإشارة إلى أنّ مصطلح «الإدراك» عند المتكلّمين يُقصد به الإدراك الحسّي، و لذلك عندما يقال: «إنّ الجواهر مُدرَكة»، فالمقصود بذلك أنّها مُدرَكة إدراكاً حسّيّاً(3).

و قد ذكر الشريف المرتضى في هذه المسألة المختصرة دليلاً على أنّ الجواهر مُدرَكة، و لم يناقشه ممّا يدلّ على قبوله به.

و الدليل هو: لو أخبر النبيّ بأنّ زيداً في الدار، و أنّ هناك جسماً معيّناً في الدار، ثمّ دخلنا الدار، و شاهدنا زيداً و ذلك الجسمَ كما أخبر به النبيّ‌، ففي هذه الحالة سوف


1) . راجع: نهاية الحكمة، ص 303.

2) . راجع: المقدّمة في المدخل إلى صناعة علم الكلام (في: ضمن الرسائل العشر)، ص 67؛ الحدود، للنيسابوري، ص 30.

3) . راجع: رسائل الشريف المرتضى، ج 1، ص 364؛ و ج 2، ص 262؛ الاقتصاد، ص 39.

يَقوى علمُنا السابق، فقد كنّا قد علمنا سابقاً بذلك بواسطة خبر النبيّ‌، و الآن علمنا به بواسطة المشاهدة و الإدراك الحسّي، و لولا أنّ المشاهدة و الإدراك الحسّي تعلّقاً بجوهر زيد و ذلك الجسم المعيّن، لما ازداد علمنا، و لما قوي، و هذا يعني أنّ متعلّق خبر النبيّ و الإدراك الحسّي واحد و هو الجوهر، و هذا يعني أنّ الإدراك الحسّي تعلّق بالجوهر، و هو المطلوب.

عنوان الرسالة

لقد طبعت هذه المسألة في رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 346 في ضمن «مسائل شتّىٰ‌» تحت عنوان: «الدليل علىٰ أنّ الجواهر مدرَكة». و هذه الطبعة هي المقصودة ب‍ «المطبوع» في التحقيق الحالي. كما طبعت في ضمن مسائل المرتضىٰ‌، ص 193 تحت عنوان: «في الجواهر المدرَكة»، و هو عنوان معبِّر عن محتوىٰ المسألة.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (118) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (159) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

3.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (401) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

4.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (134) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ط».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في

الصفحة (77) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ي».

6.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (81) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

7.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (284) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ه‍».

8.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20996؛ تقع في الصفحة (27) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

9.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39685؛ تقع في الصفحة (11) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ث».

10.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39688؛ تقع في الصفحة (14) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ق».

11.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (78) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

[

مسألةٌ في الدليلِ علىٰ أنّ الجَواهرَ مُدرَكةٌ‌

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌:

اُستُدِلَّ علىٰ أنّ الجَواهرَ مُدرَكةٌ‌: بأنّ النبيَّ لَو خَبَّرَ بأنّ زَيداً في الدارِ أو كَونِ‌(1)جسمٍ مخصوصٍ فيها، ثُمّ أدرَكناه علىٰ حَدِّ ما أخبَرَ به، لَقَوِيَ‌(2)العِلمُ بذلكَ‌؛ فلَولا أنّ الإدراكَ تَناوَلَه لَما وَجَبَ قوّةُ العِلمِ لمّا كانَ مُتَناوَلُ الخبرِ و الإدراكِ واحداً؛ إذ لَو كانَ مُختَلِفاً لَما وَجَبَ‌(3)ذلكَ‌.


1) . في «ب، ث، ج، د، ص، ط، ه‍، ي» و المطبوع: «و كون».

2) . في «ه‍» و المطبوع: «تقوى».

3) . في «ه‍» و المطبوع: «أوجب».

(39) مسألةٌ في علّةِ استِحقاقِه تعالى المدحَ علىٰ تَركِه القَبيحَ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

تمكّن الشريف المرتضى خلال عقود طويلة من الدراسة و البحث و التدقيق في المسائل العلميّة المختلفة، من أن يتحوّل إلى قمّة فكريّة متألّقة في مختلف المجالات العلميّة، و منها مجال علم الكلام، و قد سمحت له قدراته العلميّة بأن يمتلك الجرأة على مخالفة كبار العلماء و المتكلّمين، و أن يناقشهم مناقشة الندّ للندّ، و شعاره في ذلك: متابعة الدليل فوق كلّ الاعتبارات، و إن أدّى ذلك إلى كثرة المخالفين و قلّة الموافقين. فقد قال في بداية الرسالة التي بين أيدينا: «اعلم أنّه لا يجب أن يوحِش من المذهب فَقْدُ الذاهب إليه، و العاثر عليه؛ بل ينبغي أن لا يوحِش منه إلّاما لا دلالة له تعضده، و لا حجّة تعمده».

إنّ هذه الكلمة المهمّة تذكرنا بكلمة شبيهة بها قالها شيخه و أُستاذه المفيد (ت 413 ه‍)، حيث قال عند اختياره لأحد آرائه الكلاميّة:

و قد جمعتُ فيه بين أُصول يختصّ بي جمعها دون مَن وافقني في العدل و الإرجاء بما كشف لي النظر عن صحّته، و لم يوحِشني مَن خالف فيه؛ إذ بالحجّة لي أتمُّ أنسٍ‌، و لا وحشة من حقّ‌، و الحمد للّٰه(1).

و في هذه الرسالة تعرّض الشريف المرتضى إلى مسألة دقيقة من مسائل علم الكلام، و هي البحث عن وجه استحقاق اللّٰه تعالى المدح على تركه للقبيح؛ فإنّ من


1) . أوائل المقالات، ص 109-110.

الواضح أنّه تعالى يستحقّ المدح على ذلك، و لكن ما هو الدليل على ذلك‌؟ و ما هو التحليل الصحيح له‌؟

و للإجابة على ذلك قام الشريف المرتضى بطرح تحليل جديد، و هو أنّه تعالى عندما لا يفعل القبيح، فهو لا يستحقّ المدح المتعلّق بالأفعال؛ لأنّه لم يفعل شيئاً، و إنّما يستحقّ المدح من جهة أُخرى، و هي أنّه يمتلك صفات رفيعة من الكمال - مثل علمه بقبح القبيح و استغناؤه عن فعله - تقتضي أن لا يختار فعل القبيح، فإنّ امتلاكه لهذه الصفات الرفيعة هي التي جعلته يستحقّ المدح على ترك القبيح.

و بعد أن بيّن رأيه حول السبب المقتضي لتركه تعالى القبيح، أخذ يبيّن خطأ ما ذكره المتكلّمون حول ذلك، حيث ذكروا أنّه تعالى لا يفعل القبيح لأنّ له صوارف عنه، أو لأنّه لا داعي له إلى فعله، و لأجل ذلك استحقّ المدح علىٰ ترك القبيح.

لكنّه أشكل على هذا التحليل بأنّه سوف يؤدّي إلى أن يكون القديم تعالى كالمُلجأ إلى عدم الفعل، و حينئذ سوف لن يستحقّ المدح؛ لأنّنا نرى أنّ المُلجأ إلى أن لا يقتل نفسه مثلاً لا يستحقّ المدح؛ لأنّ له صارفاً قويّاً عن ذلك.

إذن أنّ ما ذكره المتكلّمون لتوجيه استحقاقه تعالىٰ المدح - و هو وجود الصارف - غير مقبول؛ فإنّه يؤدّي إلى أن يكون كالملجأ، فلا بدّ من الذهاب إلى التحليل الذي ذكره الشريف المرتضى.

و لا يصحّ أن يفرّقوا بين الأمرين بأنّ الصارف عند من لم يَقتل نفسه يصل إلى حدّ الإلجاء إلى ترك القبيح (قتل نفسه)؛ و ذلك بسبب علمه بالمضرّة التي سوف تلحقه، و لأجل هذا الإلجاء لا يستحقّ المدح، بينما الصارف في القديم تعالى لا يصل إلى حدّ الإلجاء؛ لأنّه لا مضرّة تلحقه بفعل القبيح، فلا يكون تركه للقبيح لأجل دفع الضرر الذي يلحقه.

إنّ هذا الكلام لا يصحّ‌؛ لأنّ المدار على المعاني لا الألفاظ، فإنّ الإنسان صار مُلجأ

لوجود الصارف القوي له عن القبيح، و هذا الصارف القوي موجود في القديم تعالى أيضاً، فسوف يكون كالمُلجأ و لا يستحقّ المدح، سواء كان سبب الصارف العلم بالمضرّة أو لا، و سواء سمّي القديم مُلجأ أو لا. و سبب عدم تسميته بذلك هو أنّ مصطلح المُلجأ يُطلق على من ألجأه غيرُه إلى فعلٍ أو تركٍ‌، و القديم تعالى لا يمكن لأحد أن يُلجأه إلى شيء.

و إذا أجابوا بأنّ علّة الإلجاء إمّا المنع و إمّا العلم بالمضرّة و لا ثالث لها، وبما أنّ اللّٰه تعالى منزّه عن كلا الأمرين فلا يكون مُلجأ أو كالمُلجأ كما ادّعيتم.

و الجواب: أوّلاً: أنّ علّة الإلجاء و سقوط المدح عمّن ترك القبيح بسبب علمه بالمضرّة، هو وجود الصارف القوي، و هذا الصارف موجود في القديم تعالى؛ لعلمه بالقبيح و غناه عنه، فلا يستحقّ المدح سواء سمّي ملجأ أو لا.

و ثانياً: أنّ عوامل الإلجاء غير محصورة بالأمرين اللذين ذكرتموهما، فهناك عامل ثالث، و هو: أن يُعلِم اللهُ تعالى القادرَ أنّه متى أراد أن يفعل الفعل منعه منه، فإنّ سبب حصول حكم الإلجاء في ذينك الأمرين هو وجود الصارف القوي عند تحقّقهما، و هذا الصارف القوي موجود أيضاً في العامل الثالث.

و بهذا كلّه اتّضح أنّ الصارف القوي يجعل القديم كالمُلجأ، فلا يستحقّ المدح.

و إذا قالوا: إنّه مع وجود الصارف قد يُستحقّ المدح، و مثاله أن يكون شخصٌ مخيّراً بين الصدق و الكذب لأجل تحصيل شيء، فهو في هذه الحالة لا يختار إلّا الصدق، و في نفس الوقت سوف يستحقّ المدح على ترك القبيح (الكذب)، مع وجود الصارف عن الكذب، و هذا الصارف هو الاستغناء بالصدق عن الكذب، و كذلك اللّٰه تعالى فمع وجود الصارف - و هو استغناؤه بعلمه و غناه عن القبيح - فإنّه يستحقّ المدح على ترك القبيح.

فالجواب: لا نوافق على استحقاق تارك الكذب في المثال - مع وجود الصارف - المدحَ‌. و على فرض استحقاقه المدح، فما الفرق بين هذه الحالة و حالة الإلجاء، ففي

كلا الحالتين يوجد صارفٌ و يقينٌ بترك القبيح‌؟ فلماذا يستحقّ المدح في هذه الحالة دون حالة الإلجاء؟ و أيضاً على فرض التسليم باستحقاقه المدح فهو يفترق عن القديم تعالى؛ لأنّ له منفعة و داعياً إلى الكذب، و قد تركه فيستحقّ المدح، و إن كان له صارف عنه بوجود الصدق، بينما ليس للقديم تعالى منفعة وداعٍ إلى فعل القبيح، فلا يستحقّ على تركه المدح مع وجود الصارف.

و بهذا اتّضح أنّه مع وجود الصارف القوي فقط يسقط استحقاق المدح على ترك القبيح، إلّاإذا كانت هناك منفعة وداعٍ إلى فعل القبيح.

فإذا قيل: يلزم من هذا أن لا يستحقّ القديم تعالى المدح على فعل الواجب؛ لأنّه لا داعيَ له إلى تركه.

فالجواب: أنّه لا يستحقّ المدح الذي يُستحقّ على الفعل؛ لأنّه لا داعيَ له إلى تركه، ولكنّه يستحقّ المدح لكونه يمتلك صفات رفيعة من الكمال - من قدرة و علم و حكمة - جعلته يفعل الواجب، كما قلنا إنّه يستحقّ المدح لتركه القبيح لأجل امتلاكه هذه الصفات.

و أمّا فعل الإحسان - و هو غير واجب - فيستحقّ اللّٰه تعالى عليه المدح الذي يُستحقّ على الفعل؛ لأنّ الدواعي و الصوارف فيه متساوية، فيستحقّ المدح باختياره الفعل.

و أشار الشريف المرتضى أيضاً إلى أنّه بعد التسليم بما ذهب إليه من أنّ استحقاق المدح على ترك القبيح ناشيء من وجود صفات نفسيّة عنده تعالى اقتضت تركه للقبيح، قد يقال: هذا النوع من المدح يمكن أن يستحقّه الإنسان أيضاً فيما لو ترك القبيح و استغنى عنه بالحسن، كما في مثال الصدق و الكذب. فالجواب: أنّ القديم تعالى ترك القبيح لامتلاكه صفات نفسيّة ذاتيّة، بينما تَركُ الإنسان للقبيح كان لأمر عارض، و هو استغناؤه عنه بالحسن، لا لصفة ذاتيّة.

لقد سمحت مقدرة الشريف المرتضى الكبيرة على المناقشة إلى أن يخالف كبار

المتكلّمين في هذه الرسالة، و لم يأبه بذلك؛ لأنّ رائده في ذلك هو الدليل الواضح و الحجّة المقنعة.

و قد قام الشريف المرتضى بتأليف هذه الرسالة في صفر من سنة 427 ه‍؛ أي بعد تجاوزه السبعين من عمره، و بلوغه مرتبة رفيعة من النضج الفكري و الكمال العلمي.

عنوان الرسالة

لقد طبعت هذه الرسالة في رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 331 في ضمن «مسائل شتّىٰ‌» تحت عنوان: «استحقاق مدح الباري على الأوصاف». لكنّه عنوان عامّ‌؛ فإنّ البحث يدور حول وجه استحقاق الباري تعالىٰ المدح لترك القبيح خاصّة، لا حول وجه استحقاقه المدح على جميع الصفات.

كما طبعت في ضمن مسائل المرتضىٰ‌، ص 122، تحت عنوان: «القديم لا يفعل القبيح». و هذا العنوان أجنبيّ عن البحث؛ فإنّ البحث لا يدور حول أنّه تعالى يفعل القبيح أو لا يفعله، و إنّما حول بيان سبب استحقاقه المدح عند تركه القبيح.

فالأولى تسمية الرسالة: «علّة استحقاقه تعالى المدح علىٰ تركه القبيح».

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (38) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (125) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

3.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (324) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

4.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحة

(43) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

5.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (64) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ط».

6.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (45) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ي».

7.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (32) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

8.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحة (19) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «م».

9.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (267) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ه‍».

10.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحة (27) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ع».

11.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (31) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

12.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (66) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ل».

13.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحة (28) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «و».

14.

مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587/7؛ تقع في الصفحة (99) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ك».

[

مسألةٌ في علّةِ استِحقاقِه تعالى المدحَ علىٰ تَركِه القَبيحَ‌

مسألةٌ في علّةِ استِحقاقِه تعالى المدحَ علىٰ تَركِه القَبيحَ‌(1)

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌ خَرَجَت في صَفَرٍ(2)سَنةَ سَبعٍ و عِشرينَ و أربَعِمِائةٍ‌:

قالَ رَحِمَه اللّٰهُ‌: اِعلَمْ أنّه لا يَجِبُ أن يوحِشَ مِن المَذهبِ فَقدُ الذاهبِ إليه و العاثِرِ(3)عليه؛ بَل يَنبَغي أن لا يوحِشَ منه(4)إلّاما لا دَلالةَ له(5)تَعضُدُه،(6)و لا حُجّةَ تَعمِدُه.(7)

و لمّا فَكَّرتُ فيما يَمضي كَثيراً في الكُتُبِ‌، مِن أنّ القَديمَ تَعالىٰ يَستَحِقُّ المَدحَ علىٰ‌(8)أنّه تَعالىٰ لا يَفعَلُ القَبيحَ‌، رأيتُ‌(9)أنّ إطلاقَ ذلكَ مِن(10)غيرِ تفصيلٍ و ترتيبٍ غيرُ صَحيحٍ علىٰ موجَبِ الأُصولِ المُتمهِّدةِ‌.(11)

و الذي يَجِبُ أن يُقالَ‌: إنّه تَعالىٰ مِن حَيثُ‌(12)لَم يَفعَلِ القَبيحَ لا يَستَحِقُّ المَدحَ‌


1) . طُبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى تحت عنوان: «استحقاق مدح الباري علىٰ الأوصاف».

2) . في «ك، ل، م، و، ي»: - «صفر».

3) . في «أ، س، ش، ه‍» و المطبوع: «و العابر». و في «ب، ج، ط، ع»: «و الغابر».

4) . في «ه‍» و المطبوع: «عنه».

5) . في «ش، ه‍» و المطبوع: - «له».

6) . في «ك، ل، م، ه‍، و» و المطبوع: «يعضده».

7) . في «أ، ب، ج، س، ط، ع»: «بقصده و لا حجّة بعمده» بدل «له تعضده، و لا حجّة تعمده».

8) . في «ه‍» و المطبوع: «عليه».

9) . في المطبوع: «و رأيت».

10) . في «ه‍» و المطبوع: - «من».

11) . في «أ، س، ه‍» و المطبوع: «الممهّدة». و في «ك، ل، م، و»: «المتعمّدة».

12) . في المطبوع: + «إنّه».

التابعَ للأفعالِ‌، لكِنّه يَستَحِقُّ المَدحَ بذلكَ مِن حَيثُ كانَ تَعالىٰ علىٰ صِفاتٍ تَقتَضي أن لا يَختارَ فِعلَ القَبيحِ‌؛ كَما يَستَحِقُّ تَعالَى المَدحَ بكَونِه قَديماً و عالِماً و حَيّاً و قادراً، و إن كانَ هذا المَدحُ الذي يَستَحِقُّه لَيسَ هو كالمَدحِ المُستَحَقِّ علَى الأفعالِ‌.

و الذي يَدُلُّ علىٰ ما ذَكرناه: أنّه - جَلَّ و عَزَّ - [إذا كانَ‌] لا يَختارُ القَبيحَ‌؛ إمّا لثُبوتِ الصارفِ عنه و هو كَونُه تَعالىٰ عالِماً بقُبحِه و أنّه غنيٌّ عنه، أو مِن حَيثُ لا داعيَ له إلى فعلِه(1)- علَى اختلافِ عبارةِ الشيوخِ عن ذلكَ -، فجَرىٰ‌(2)مَجرىٰ مَن لا يَختارُ القَبيحَ مِنّا بالإلجاءِ إلىٰ أن لا يَفعَلَه في أنّه لا يَستَحِقُّ مَدحاً. ألا تَرىٰ أنّ أحَدَنا(3)لا يَستَحِقُّ المَدحَ بأن لا يَقتُلَ نفسَه و ولدَه و يُتلِفَ أموالَه‌؟ لأنّ ذلكَ ممّا لا يَجوزُ وقوعُه منه؛ للصارفِ القويِّ عنه.

و لَيسَ لهُم أن يُفرِّقوا بَينَ الأمرَينِ بالإلجاءِ‌، و يَقولوا:(4)إنّ أحَدَنا مُلجأٌ إلىٰ أن لا(5)يَقتُلَ نفسَه و يُتلِفَ مالَه؛ للمَضرّةِ التي تَلحَقُه بذلكَ‌(6)، و القَديمُ تَعالىٰ غيرُ مُلجَإٍ إلى أن لا يَفعَلَ القَبيحَ‌؛ لأنّ المَضارَّ التي بها يَكونُ الإلجاءُ لا تَجوزُ عليه.

و ذلكَ‌ أنّ المُعوَّلَ علَى المَعاني دونَ العباراتِ‌، و إنّما(7)كانَ أحَدُنا مُلجَأً إلىٰ أن لا يَقتُلَ نفسَه(8)لثُبوتِ الصارفِ القويِّ عن ذلكَ‌، و أنّه ممّن لا يَجوزُ أن يَختارَه و حالُه


1) . في المطبوع: «أنّه لا داعي إلىٰ فعله» بدل «لا داعي له إلى فعله».

2) . جواب «إذا». و الأنسب حذف الفاء.

3) . في «د، ك، ل، م، و، ي» و المطبوع: «أحداً».

4) . في «ش، ه‍» و المطبوع: «و يقولون».

5) . في «ه‍»: - «لا». و في المطبوع جُعلت بين معقوفين.

6) . و لذلك لا يستحقّ المدح، خلافاً للقديم تعالىٰ‌.

7) . في «د، ك، ل، م، و، ي»: «و إن».

8) . في «أ، س»: «إلّا أن لا يقبل نفسه». و في «ه‍»: «إلىٰ أن يقتل نفسه». و في المطبوع: «إلى أن [لا] يقتل نفسه». و من قوله: «و يتلف ماله...» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ج، ع».

هذه، و هذه حالُ القَديمِ تَعالىٰ‌(1)في كَونِه غيرَ فاعلِ القَبيحِ‌. و لا اعتبارَ بتسميةِ المُلجَإِ بأنّه «مُلجأٌ فاعلٌ‌»؛(2)لأنّ ذلكَ إنّما اعتُبِرَ استعمالُه فيمَن(3)ألجأَه غيرُه و حَمَلَه(4)إمّا علىٰ أن يَفعَلَ أو علىٰ أن لا يَفعَلَ‌.

و قولُهم في الكُتُبِ‌: «إنّ الإلجاءَ إذا لَم يَكُن مِن بابِ المَنعِ‌، فلا يَحصُلُ إلّا بالمَضارِّ الحاضرةِ‌» تَحكُّمٌ‌(5)غيرُ مُسلَّمٍ‌؛ لأنّ الإلجاءَ في المَوضِعِ الذي ذَكروه(6)معلومٌ سُقوطُ المَدحِ فيه، فيُحتاجُ‌(7)أن يُعلَّلَ بأنّه لِمَ يَسقُطُ المَدحُ فيه عن الفاعلِ؟ و إذا فَعَلنا ذلكَ‌(8)لَم نَجِدْ له عِلّةً إلّاخُلوصَ‌(9)الصارفِ‌(10)، و أنّه لا يَجوزُ مِن العاقلِ‌(11)و الحالُ هذه أن يَفعَلَ ما خَلَصَ الصارفُ عن فعلِه(12).

و هذا(13)بعَينِه ثابتٌ في الأفعالِ القَبيحةِ مع اللّٰهِ تَعالىٰ‌؛ لأنّه - جَلَّ اسمُه - لا يَجوزُ البَتّةَ أن يَختارَ القَبيحَ‌؛ لأنّ عِلمَه بقُبحِه و بأنّه غنيٌّ عنه صارفٌ‌، لا(14)يَجوزُ


1) . و هي وجود الصارف القويّ فيه. فالمدار علىٰ وجود الصارف القويّ في عدم استحقاق المدح، سواء سمِّي مُلجأ أو لم يُسمَّ‌.

2) . من قوله: «القبيح و لا اعتبار...» إلىٰ هنا ساقط من جميع النسخ و المطبوع سوىٰ «أ، س». و لعلّ الصواب في العبارة: «بأنّه مُلجأ إلى الفعل» بدل «بأنّه مُلجأ فاعل».

3) . في «ك، ل، م، و، ي»: «فيما».

4) . في «ك، ل»: - «و حمله».

5) . في «أ، د، س، ك، ل، م، و، ي»: «بحكمٍ‌».

6) . و هو وجود المضارّ.

7) . في المطبوع: + «إلى».

8) . أي إذا بحثنا عن علّة سقوط المدح.

9) . في «ط»: «خلاص». و في «ك، ل»: «خلوصه عن». و في «م، و، ي»: «خلوص عن».

10) . و هذه العلّة موجودة في القديم تعالىٰ‌، فلا يستحقّ المدح علىٰ كلامهم.

11) . في «أ، س»: «العامل». و في «ب، ج، ط، ع»: «القاتل».

12) . الجارّ و المجرور متعلّق ب‍ «الصارف».

13) . أي خلوص الصارف.

14) . في «ك، ل، ه‍» و المطبوع: «فلا». و في «م، و، ي»: «و لا».

معه وقوعُ القَبيحِ علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ‌، فيَنبَغي أن يَسقُطَ المَدحُ كَما سَقَطَ(1)في المَوضِعِ الذي ذَكروه. و لَيسَ بنا حاجةٌ إلَى المُضايَقةِ في تسميةِ ذلكَ «إلجاءً‌»، فلا معنىٰ للخِلافِ في العباراتِ‌.

و كَيفَ‌ يَجوزُ أن نَقولَ‌(2): «إنّ‌(3)حُكمَ الإلجاءِ مقصورٌ علَى المَضارِّ الحاضرةِ‌»(4)و عندَنا أنّ هاهُنا ضَرباً مِن الإلجاءِ بغَيرِ المَضارِّ، و هو أن يُعلِمَ اللّٰهُ تَعالَى القادرَ أنّه متىٰ رامَ الفعلَ مَنَعَه منه(5)؟

فإذا قالوا: إنّ الإلجاءَ إذا لَم يَكُن بالمَنعِ - و هو الوجهُ‌(6)الذي ذَكرتموه(7)- فلا يَكونُ إلّا(8)بالمَضارِّ.

قُلنا: إذا كانَ الإلجاءُ قد(9)يَكونُ بالمَضارِّ و قد يَكونُ بالوجهِ الذي سَمَّيتموه مَنعاً(10)، فألّا جازَ ثالثٌ‌(11)، و هو المَوضِعُ‌(12)الذي(13)أشَرنا إليه(14)لمُساواتِه في


1) . في «ه‍» و المطبوع: «يسقط». 2. في «أ، س، ك، ل، م، ه‍، و، ي»: «أن يقول».

2)

3) . في «ط، ه‍»: و المطبوع: - «إنّ‌».

4) . في المطبوع: «الحاصلة».

5) . و هذا غير الإلجاء الذي يحصل بالمنع، كما سوف يأتي بعد قليل.

6) . في المطبوع: «وجه».

7) . و هو أن يُعلِم اللّٰهُ تعالى القادرَ أنّه متىٰ ما رامَ الفعلَ منعه منه. و سوف يأتي في الجواب أنّه غيرُ المنع، خلافاً لما جاء هنا.

8) . في المطبوع: - «إلّا».

9) . في «ك، ل»: - «قد». و في المطبوع: «فلا».

10) . في «ه‍»: «سمعتموه» بدل «سمّيتموه منعاً». و في المطبوع: - «منعاً».

11) . في «ك، ل»: «فالإلجاءُ ثابتٌ‌» بدل «فألّا جاز ثالث». و في المطبوع: «ثلاث» بدل «ثالث».

12) . في المطبوع: «الوضع».

13) . من قوله: «سمّيتموه منعاً» إلىٰ هنا ساقط من «ط».

14) . و هو أن يُعلِم اللّٰهُ تعالىٰ القادرَ أنّه متىٰ رامَ الفعلَ منعه منه.

الحُكمِ للوجهَينِ اللذَينِ ذَكرتموهما؟ لأنّ الوجهَينِ اللذَينِ عَنَّيتم(1)[الإلجاءَ‌] عليهما(2)إنّما كانَ لهُما حُكمُ الإلجاءِ لخُلوصِ‌(3)الصارفِ و القَطعِ علىٰ أنّ الفعلَ لا يَجوزُ البَتّةَ وقوعُه، و هذا(4)ثابتٌ فيما ذَكرناه.

فإن قالوا: قد ثَبَتَ‌(5)أنّ أحَدَنا(6)لَو استَغنىٰ بحَسَنٍ عن قَبيحٍ‌، بأن يُقدِّرَ وصولَ صاحبِه إلىٰ دِرهَمٍ يَعلَمُ أنّه يَصِلُ إليه بكُلِّ واحدٍ مِن الصدقِ و الكَذِبِ‌، فإنّا نَعلَمُ أنّه لا يَختارُ - و حالُه هذه - إلّاالصدقَ‌؛ و مع هذا فإنّه يَستَحِقُّ المَدحَ علَى امتناعِه مِن القَبيحِ مع ثُبوتِ الصارفِ عنه(7)، و هو الاستغناءُ بالصدقِ عنه. فنَعلَمُ‌(8)بذلكَ أنّ القَديمَ تَعالىٰ يَستَحِقُّ المَدحَ إذا(9)لَم يَفعَلِ القَبيحَ‌(10)لأنّ الحالَينِ واحدةٌ‌.(11)

قُلنا: و مَن الذي يُسلِّمُ لكم أنّ أحَدَنا إذا استَغنىٰ بالصدقِ عن الكَذِبِ و حالُه ما ذَكرتم(12)، يَستَحِقُّ‌(13)بامتناعِه مِن الكَذِبِ مَدحاً؟ فدُلّوا(14)علىٰ ذلكَ‌؛ فإنّه دَعوىً‌


1) . في «أ، س، ه‍»: «عيّنتم». و «عَنَّيتُه» أي: حبستُه حبساً طويلاً. لسان العرب، ج 15، ص 102 (عنو).

2) . في «ه‍» و المطبوع: - «عليهما».

3) . في المطبوع: «لخلوّه من» بدل «لخلوص».

4) . في «ه‍» و المطبوع: «و هنا».

5) . في «أ، س»: «بيّنّا».

6) . في «ك، ل»: «أنّا نمدح بما». و في «م، و»: «أنّا حمد بها». و في «ي»: «أنّا حمدنها».

7) . و بذلك لا يكون ثبوت الصارف مانعاً من استحقاق المدح.

8) . في «أ، س، ه‍» و المطبوع: «فيعلم».

9) . في «ه‍» و المطبوع: «و إذا».

10) . لثبوت الصارف فيه.

11) . فالقديم تعالىٰ لا يفعل القبيح لاستغناؤه عنه أيضاً.

12) . في «د، ك، ل، م، و، ي»: «ذكرتموه ثمّ‌» بدل «ذكرتم».

13) . في المطبوع: «يستحقّه».

14) . في «أ، س»: «دُلّوا فدُلّوا». و في «ه‍»: «فدُلّي». و في المطبوع: «فدُلّ‌».

منكم. و هَيهاتَ أن يَتمكَّنوا مِن الدلالةِ عليه.

و لَو جازَ أن يَستَحِقَّ مَدحاً - و حالُه هذه - علَى امتناعِه مِن القَبيحِ‌، لَجازَ أن يَستَحِقَّ المَدحَ علَى امتناعِه مِن القَبيحِ مع الإلجاءِ‌؛ فأيُّ فَرقٍ بَينَ الأمرَينِ‌، و الصوارفُ ثابتةٌ‌، و الدواعي مُرتَفِعةٌ‌، و القَطعُ علىٰ أنّه لا يَجوزُ أن يَفعَلَ القَبيحَ - و حالُه هذه - حاصلٌ؟

علىٰ أنّ أحَدَنا لَو استَحَقَّ المَدحَ في هذا المَوضِعِ - و إن [كانَ‌] القولُ الصحيحُ الواضحُ‌(1)أنّه لا يَجوزُ(2)أن يَستَحِقَّه - بَينَه و بَينَ القَديمِ تَعالىٰ فَرقٌ‌؛(3)لأنّ أحَدَنا له(4)مَنفَعةٌ في الكَذِبِ و داعٍ إليه علىٰ كُلِّ حالٍ‌، و إنِ استَغنىٰ عنه بالصدقِ الذي قَرَّرنا تَساويَهما(5)فيما يَصِلُ إليه بِهما مِن النفعِ‌(6)، و القَديمُ تَعالىٰ لا حاجةَ له و لا مَنفَعةَ تَتعلَّقُ بكُلِّ واحدٍ مِن الأمرَينِ‌(7)، و كَونُ‌(8)أحَدِهما قَبيحاً(9)صارفٌ خالصٌ عن(10)فعلِه و


1) . في «ه‍»: «الصحيح الأصحّ‌» بدل «الصحيح الواضح». و في المطبوع: «أيضاً الأصحّ‌» بدلها.

2) . من قوله: «أن يفعل القبيح...» إلىٖ هنا ساقط من «ك، ل، م، و، ي».

3) . في «ك، ل، م، و، ي»: - «فرق».

4) . في «ه‍» و المطبوع: - «فرق؛ لأنّ أحدنا له».

5) . في «ه‍» و المطبوع: - «استغنىٰ عنه بالصدق الذي قرّرنا تساويهما». و الضمير في «تساويهما» راجع إلى الصدق و الكذب.

6) . فيمكن تقبُّل أن يَستحقّ المدحَ علىٰ تركه الكذب؛ لأنّه علىٰ أيّ حال تَرَكَ ما فيه منفعة، و إن استغنىٰ عنه بالصدق، خلافاً للقديم تعالىٰ‌، فإنّه بتركه الكذب لم يترك ما فيه منفعة، فلا يستحقّ المدح.

7) . أي بالصدق و الكذب، أو الفعل و الترك.

8) . في «ه‍» و المطبوع: - «الأمرين، و كون».

9) . في «أ، ب، ج، س، ش، ط، ع، ه‍» و المطبوع: «قبيح».

10) . في «ه‍» و المطبوع: «من».

استحقاقِ المَدحِ مع ذلكَ بعَينِه.(1)

فإن قالوا: فيَجِبُ علىٰ هذا أن لا يُمدَحَ مَن لَم يَفعَلِ‌(2)القَبائحَ حتّىٰ يُعلَمَ مِن حالِه أنّه امتَنَعَ مع(3)الحاجةِ إليها و أنّه لَيسَ بمُستَغنٍ عنها!

قُلنا: كذلكَ يَجِبُ‌(4)، و مَن الذي يَقولُ إنّ كُلَّ مُمتَنِعٍ مِن القَبيحِ بالإطلاقِ يَستَحِقُّ المَدحَ؟! أوَ لَسنا نَقولُ كُلُّنا إنّ مَن لَم يَفعَلِ القَبيحَ‌(5)لا لقُبحِه بَل لغَيرِ ذلكَ لا يَستَحِقُّ مَدحاً؟! فنَحنُ لا نَمدَحُ المُمتَنِعَ مِن القَبيحِ إلّابَعدَ أن نَعلَمَ أنّه امتَنَعَ منه لقُبحِه، و كذلكَ لا نَمدَحُه(6)إلّاإذا عَلِمنا أنّ‌(7)له إليه داعياً، و(8)لا نَمدَحُه(9)مع خُلوصِ‌(10)الصوارفِ عنه.

فإن قالوا: فيَجِبُ علىٰ هذا المَذهبِ أن لا(11)يَستَحِقَّ [تَعالَى] المَدحَ علىٰ‌(12)فعلِ الواجبِ‌.

قُلنا: أمّا الضربُ مِن المَدحِ الذي يُستَحَقُّ علَى الأفعالِ‌، فيَجِبُ أن لا يَستَحِقَّه


1) . أي و هو في نفس الوقت صارف عن استحقاق المدح.

2) . في «أ، س»: + «فيه». و في «م»: «من له بفعل» بدل «من لم يفعل». و في «ه‍» و المطبوع: «من لايفعل» بدلها. و في «و»: «له بفعل». و في «ي»: «من له يفعل».

3) . هكذا في «س، ش، ه‍.» و المطبوع. و في سائر النسخ: «من».

4) . في «ه‍» و المطبوع: - «يجب».

5) . من قوله: «بالإطلاق يستحقّ‌...» إلىٰ هنا ساقط من «ش، ه‍» و المطبوع.

6) . في «ه‍»: «لا قدحه»، و في المطبوع: «لا قدح» بدل «لا نمدحه».

7) . في «ش، ه‍» و المطبوع: - «أنّ‌». و في «ع»: «أنّه».

8) . من قوله: «لا نَمدحُه...» إلىٰ هنا ساقط من «د، ك، ل، م، و، ي».

9) . في «ه‍» و المطبوع: «و لا لمدحه».

10) . في المطبوع: «خلوّه من» بدل «خلوص».

11) . في «ه‍» و المطبوع: - «علىٰ هذا المذهب أن لا».

12) . في المطبوع: «من».

تَعالىٰ علىٰ فعلِ الواجبِ‌؛(1)لأنّه لا داعيَ له إلَى الإخلالِ به، كَما قُلناه في فعلِ القَبيحِ‌. لكِنَّه يَستَحِقُّ علىٰ ذلكَ الضربَ الآخَرَ مِن المَدحِ الذي(2)قد(3)تَقدَّمَت الإشارةُ إليه،(4)كَما يَستَحِقُّ هذا الضربَ‌(5)بأن لا يَفعَلَ القَبيحَ‌.

فإن قيلَ‌: فكَيفَ قولُكم في استحقاقِه تَعالَى المَدحَ علَى الإحسانِ و التفضُّلِ؟

قُلنا: يَجِبُ أن يَستَحِقَّ بذلكَ المَدحَ المُستَحَقَّ بمِثلِه علَى الأفعالِ‌؛ لأنّ الإحسانَ مما يَجوزُ - و هو علىٰ ما هو عليه - أن يَفعَلَه و أن لا يَفعَلَه، و لَيسَ إليه داعٍ موجِبٍ لا بُدَّ معه مِن فعلِه، و لا عن الامتناعِ منه صارفٌ خالصٌ لا بُدَّ مِن ارتفاعِه معه، و الدَّواعي و الصَّوارفُ فيه(6)مُتردِّدةٌ‌، و الدَّواعي إليه كَونُه إحساناً و الصَّوارفُ‌(7)كَونُه غيرَ واجبٍ علَى الفاعلِ‌،(8)فإذا اختارَ فِعلَه فلا بُدَّ مِن استحقاقِ المَدحِ‌.

فإن قالوا: فيَجِبُ متَى امتَنَعَ‌(9)أحَدُنا مِن القَبيحِ الذي يَستغني عنه بالحَسَنِ أن يَستَحِقَّ الضربَ الآخَرَ مِن المَدحِ‌، الذي قُلتم: إنّ القَديمَ تَعالىٰ يَستَحِقُّه علىٰ أنّه لَم يَفعَلِ القَبيحَ‌.


1) . في «ك، ل»: - «علىٰ فعل الواجب». و في «م، و، ي»: - «علىٰ‌».

2) . في «د، ك، ل، م، و، ي»: - «الذي».

3) . في جميع النسخ و المطبوع سوىٰ «أ، س»: - «قد».

4) . تقدّمت في بداية الرسالة عند قوله: «و الذي يجب أن يقال...».

5) . في «ه‍»: «القبح». و في المطبوع: «القبيح».

6) . في «أ، ش، ه‍» و المطبوع: - «فيه».

7) . في «أ، ب، ج، س، ش، ه‍» و المطبوع: «و الصارف». و في «ع»: - «كونه إحساناً و الصوارف».

8) . في «ك، ل»: - «على الفاعل».

9) . في «ك، ل، م، و، ي»: «من امتنع» بدل «متى امتنع». و في «ه‍»: «مع امتنع»، و في المطبوع: «مع امتناع» بدلها.

قُلنا: لا يَجِبُ ذلكَ‌؛ لأنّ القَديمَ تَعالىٰ إنّما لا يَختارُ القَبيحَ لكَونِه تَعالىٰ علىٰ صِفاتٍ نفسيّةٍ تَقتَضي(1)ذلكَ‌(2)[و] يَستَحِقُّ بها المَدحَ و التعظيمَ‌، مِن كَونِه تَعالىٰ غَنيّاً عالِماً. و هذا غيرُ ثابتٍ في أحَدِنا؛ و إنّما اتَّفَقَ لأمرٍ عارضٍ - كانَ يَجوزُ أن لا يَحصُلَ - استغناؤه عن القَبيحِ بالحَسَنِ‌، مِن غيرِ أن يَكونَ له في نفسِه صفةٌ تَقتَضي ذلكَ‌؛ فلا(3)وجهَ لاستحقاقِ ضَربٍ مِن ضُروبِ المَدحِ‌.

فإن قيلَ‌: هذا الذي حَرَّرتم يُخالِفُ كُلَّ شَيءٍ سَطَرَه الشيوخُ قَديماً في هذه المسألةِ‌!

قُلنا: الذي ذَكروه: أنّه تَعالىٰ‌(4)يَستَحِقُّ المَدحَ بأن لا(5)يَفعَلَ القَبيحَ‌. و قد قُلنا بذلكَ و دَلَّلنا عليه، فما خالَفنا ظاهرَ(6)ما أطلقَوه؛ و إن كانوا أرادوا الضربَ مِن المَدحِ الذي فَصَّلناه فقَد أصابوا، و إن كانوا عَنَوا(7)الضربَ الآخَرَ مِن المَدحِ الذي مِن شأنِه أن يَسقُطَ عندَ خُلوصِ الصوارفِ فقَد زَلّوا في ذلكَ‌،(8)و الزللُ جائزٌ عليهم لا سِيَّما في هذه المَواضعِ الضيِّقةِ المُشتَبِهةِ‌(9).


1) . في «أ»: «نفسه تقتضي». و في «ك، ل، م، و، ي»: «نفسيّة يقتضي». و في «ه‍» و المطبوع: «نفسه يقتضي»، كلّها بدل «نفسيّة تقتضي».

2) . في «ك، ل، م، و»: + «أن».

3) . في «ب، ج، ط، ع»: - «صفة تقتضي ذلك». و في «د، ش، ك، ل، م، ه‍، و، ي» و المطبوع: - «صفة تقتضي ذلك؛ فلا».

4) . في «أ، س»: «يقال» بدل «تعالىٰ‌». و في «د، ك، ل، م، و، ي»: + «لا». و في «م، و، ي»: «أن» بدل «أنّه».

5) . هكذا في المطبوع. و في النسخ: - «لا».

6) . في «د، م، و، ي»: «ظاهره».

7) . من قوله: «أرادوا الضرب...» إلىٰ هنا ساقط من «ه‍» و المطبوع.

8) . في «ك، ل»: «بذلك» بدل «في ذلك».

9) . في «أ، س، ي»: «الضيّقة المشبّهة». و في «ب، ج، ع»: «المضيّقة المشبّهة». و في «ه‍» و المطبوع: - «الضيّقة المشتبهة».

(40) مسألةٌ في أنّ التاءَ في كلمةِ «الذاتِ‌» لَيسَت للتأنيثِ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

وُجّه إلى الشريف المرتضى في هذه المسألة سؤال أدبيّ في ظاهره، إلّاأنّ سبب طرحه يرجع إلى جذور كلاميّة، و هو أنّ التاء في كلمة «ذات» عند قولنا: «ذات القديم تعالى» هل هي للتأنيث - مثل قولنا: «امرأة ذات جمال» - أو أنّها جزء من الكلمة، مثل: باتَ؟

من الواضح أنّ سبب طرح هذا السؤال الأدبيّ هو أنّه إذا كانت كلمة «ذات» للتأنيث، فكيف يمكن إطلاقها على اللّٰه تعالى، و هو المنزّه من صفات التأنيث؛ بل هو فوق التذكير و التأنيث‌؟ إذن رجع أساس السؤال إلى بحث كلامي.

و قد اختلفت أجوبة العلماء على هذا السؤال، فقد اختار الزمخشري (ت 538 ه‍) مثلاً - عند إجابته على مَن سأله هذه المسألة - الشقَّ الأوّل، و هو أنّ التاء في «ذات» للتأنيث، و أنّها بمعنى: «صاحب»، و هي موضوعة لكي يوصف بها ما تلبّس بما تضاف إليه، ثمّ قُطعت عن مقتضاها، و أُجريت مجرى الأسماء الجوامد؛ فلا تلزمها الإضافة، و لا الوصف بها، و حينئذٍ صار معناها: «نفس الباري و حقيقته»، و تقديرها:

«نفسٌ ذاتُ علم، و غير ذلك من الصفات»، ثمّ استغني بالصفة عن الموصوف(1).

إلّاان الشريف المرتضى اختار الشقّ الثاني، و هو أنّ هذه التاء ليست للتأنيث؛ بل هي جزء من كلمة «ذات»، و التي تعني: نفس الشيء و عينه؛ لأنّه لا يجوز إطلاق


1) . خزانة الأدب، ج 1، ص 151.

صفات التأنيث عليه تعالى. فالتاء إذن جزء من الكلمة، و لا تدلّ على معنى التأنيث. و ذلك بدليل أنّنا نطلق كلمة «ذات» على المذكّر و المؤنّث، فنقول مثلاً: «ذاتُ الرجل كذا»، أو «هذا الموجود في ذاته كذا»، و غير ذلك، فلو كانت تدلّ على التأنيث، لما صحّ إطلاقها على المذكّر. أمّا «ذات» في قولنا: «امرأة ذات جمال»، فالتاء فيها للتأنيث؛ لأنّها تختلف في المذكّر و المؤنَّث، فيقال: «رجلٌ ذو جمال» و «امرأة ذات جمال».

و الجدير بالذكر أنّ البعض قد بالغ في المسألة، فاعتبر إطلاق المتكلّمين كلمة «ذات» على اللّٰه تعالى، و قولهم: «ذات اللّٰه»، اعتبره جهلاً منهم، و أنّ هذا التعبير ما كان في كلام المتقدّمين؛ فإنّ أسماء اللّٰه تعالى لا تلحقها التاء أبداً، و لذلك امتنع العلماء من إطلاق كلمة «علّامة» عليه تعالى، و إن كان أعلم العالمين(1).

عنوان الرسالة

لقد طبعت هذه الرسالة في رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 339 في ضمن «مسائل شتّىٰ‌»، تحت عنوان: «التاء في كلمة الذات ليست للتأنيث». و هذه الطبعة هي المقصودة ب‍ «المطبوع» في التحقيق الحالي.

كما طبعت في ضمن مسائل المرتضى، ص 301 تحت عنوان: «مسألة التاء من قوله: ذات القديم». و كلا العنوانين مناسبان.

و طبعت أيضاً في نهاية كتاب الشريف المرتضى و جهوده اللغويّة و النحويّة لسعاد كريدي الكرعاوي، منشورات تمّوز - دمشق، 2012 م.

و الجدير بالذكر أنّ محقّق مسائل المرتضى الشيخ وفقان خضيّر الكعبي قام بشرح هذه الرسالة بالتفصيل بعد أن قدّم مقدّمة حول أحكام التاء. راجع: مسائل المرتضى، ص 301-330.


1) . اللمعة البيضاء، ص 623.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (111) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (156) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

3.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (393) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

4.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (130) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ط».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (73) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ي».

6.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (76) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

7.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحة (354) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ر».

8.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (282) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ه‍».

9.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20996؛ تقع في الصفحة (22) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

10.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39685؛ تقع في الصفحة (6) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ث».

11.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39688؛ تقع في الصفحة (8) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ق».

12.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (73) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

[

مسألةٌ في أنّ التاءَ في كلمةِ «الذاتِ‌» لَيسَت للتأنيثِ‌

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌:

سُئلَ - رَضيَ اللّٰهُ عنه - عن التاءِ في قولِنا: «ذاتُ القَديمِ تَعالىٰ‌» و في(1)قولِهم:

«صِفاتُ الذاتِ‌» و «ذاتُ‌(2)الباري»، فقيلَ‌: هَل التاءُ في «ذاتٍ‌» للتأنيثِ‌، كقَولِنا:

«جاءَتني امرأةٌ ذاتُ جَمالٍ‌» أو هي مِن نفسِ الكلمةِ‌، كالتاءِ في قولِنا: «باتَ‌»؟

فأجابَ فقالَ‌:

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ‌(3)-:

أنّ صِفاتِ التأنيثِ لا يَجوزُ إجراؤها علَى القَديمِ‌(4)تَعالىٰ‌؛ لأنّها تَقتَضي النقصَ عن كمالِ التذكيرِ(5)، و لا يَجوزُ عليه تَعالىٰ ما يَقتَضي نقصاً و يَنفي(6)كمالاً.

و لَيسَ يَعترِضُ علىٰ هذا الذي ذَكرناه قولُهم: «عَلّامةٌ‌» و «نَسّابةٌ‌»؛ لأنّ الهاءَ‌


1) . هكذا في «ط». و في المطبوع: «[و] في». و في سائر النسخ: «في» بدون واو العطف.

2) . هكذا في «ي» و المطبوع. و في سائر النسخ: «ذات» بدون واو العطف.

3) . في «ب، ث، ج، ص، ط»: - «و باللّٰه التوفيق».

4) . في «ه‍»: «لا يجوز عليه». و في المطبوع: «لا تجوز عليه».

5) . في «ه‍» و المطبوع: «التقصير».

6) . في «أ، ق»: «و تنفي». و في «ه‍» و المطبوع: «و يبقى».

هاهُنا لَيسَت للتأنيثِ‌، و إنّما هي للتأكيدِ و قوّةِ الصفةِ‌.

و قولُنا «ذاتٌ‌» لا يَقتَضي(1)تأنيثاً. و التاءُ في اللفظِ لَيسَت للتأنيثِ‌؛ بَل هي مِن نفسِ الكلمةِ‌(2). و لَو(3)لَم يَدُلَّ‌(4)علىٰ ذلكَ إلّاأنّه مُستَعمَلٌ‌(5)في القَديمِ تَعالىٰ و هو تَعالىٰ‌(6)مُنزَّهٌ عن التأنيثِ [لَكَفىٰ‌].

و يَدُلُّ علىٰ أنّ‌(7)قولَنا: «ذاتٌ‌» لَيسَت التاءُ داخلةً‌(8)فيه للتأنيثِ‌: أنّه وصفٌ يَجري علَى الذَّكرِ(9)و الأُنثىٰ و جميعِ الموجوداتِ‌، و يَجري علَى المعدوماتِ كُلِّها عندَ أكثرِ المُتكلِّمينَ‌؛ فلَو كانَ للتأنيثِ لَما جَرىٰ علَى الذَّكرِ و لَاختَصَّت(10)به المؤنَّثاتُ‌، و لَما أُجريَ‌(11)أيضاً علَى الأعراضِ و ما لا يَصِحُّ أن(12)يوصَفَ‌(13)علَى الحقيقةِ بتأنيثٍ و لا تذكيرٍ.


1) . في «أ، ب، ث، ج، ص»: «لا تقتضي».

2) . في «أ، ق»: «نفس الكلام». و في «ب، ث، ج، ص»: «نفسها لكلمة»، كلاهما بدل «نفس الكلمة».

3) . في المطبوع: - «لو».

4) . في «أ، ب، ث، ج، د، ص، ط، ق، ي»: «لم تدلّ‌».

5) . في «ه‍» و المطبوع: «يستعمل».

6) . في «ط»: - «تعالىٰ‌». و في «ه‍» و المطبوع: - «و هو تعالىٰ‌».

7) . في «د، ه‍، ي» و المطبوع: - «أنّ‌».

8) . في المطبوع: «الداخلة».

9) . في «ث، ص»: - «على الذكر». و في «ه‍»: - «على». و في المطبوع جُعلت «على» بين معقوفين.

10) . في «ب، ث، ج، د، ر، ص، ط»: «و لا اختصّت».

11) . في «ي»: «و لا جرى». و في المطبوع: «و لما جرى».

12) . في «ه‍»: - «لا». و في المطبوع: - «لا يصحّ أن».

13) . في جميع النسخ و المطبوع سوىٰ «ط»: + «به».

فوَضَحَ بذلكَ أنّه لا يَختَصُّ التأنيثَ‌، و إنّما هو عبارةٌ عن نفسِ الشيءِ و عَينِه، فنَقولُ‌: «ذاتٌ يُخالِفُ الذواتَ‌»، كما نَقولُ‌: «عَينٌ يُخالِفُ الأعيانَ‌».

و إنّما(1)قَولُنا:(2)«امرأةٌ ذاتُ جَمالٍ‌» فالتاءُ للتأنيثِ لا مَحالةَ‌؛ لأنّها تَختَلِفُ في المُذكَّرِ و المؤنَّثِ‌، فنَقولُ‌:(3)«جاءَني رجُلٌ ذو جَمالٍ‌، و امرأةٌ ذاتُ جَمالٍ‌»، فلَو لَم تَكُن للتأنيثِ لَما اختلفَت(4)مع التذكيرِ و لا تَخالَفَ‌(5)المُذكَّرُ و المؤنَّثُ في الوصفِ بأنّه «ذاتٌ‌» علىٰ ما بيّنّاه.

و اللّٰهُ‌(6)أعلَمُ بالصوابِ‌.


1) . كذا في جميع النسخ؛ و الصواب: «و أمّا».

2) . في «ش»: «نقول». و في «ه‍»: «نعني نقولنا». و في المطبوع: «نعني بقولنا»، كلّها بدل «قولنا».

3) . في «أ، ق، ه‍»: «فيقول». و في «ي» و المطبوع: «فتقول».

4) . في «ر، ط، ه‍» و المطبوع: «لما اختلف».

5) . في «أ، ب، ث، ج، ر، ص»: «و لا يخالف».

6) . في «أ، ق»: «باللّٰه». و في «ش، ه‍» و المطبوع: «فاللّٰه».

(41) مسألةٌ في الألمِ و وَجهِ الحُسنِ فيه

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

من المسائل التي يواجهها كلّ انسان و يعايشها في حياته هي الآلام و الشرور؛ فحياة كلّ شخص لا تخلو من مواجهة قد تكون يوميّة مع الآلام بمختلف أشكالها، و بذلك غدت ظاهرة الألم و الشرّ ظاهرة ضروريّة و بديهيّة؛ و لهذا لم يَجد الباحثون مُبرراً للبحث عن إثبات أصل وجود الآلام، و إنّما فضّلوا تكريس جهودهم لمعرفة أقسامها و توجيهها و التمييز بين ما هو حسن منها و ما هو قبيح.

و قد اختلفت الآراء حول ذلك، فذهب الثنويّة إلى أنّ الآلام كلّها قبيحة(1).

و ذهب آخرون إلى أنّ فيها ما هو حسن. و هؤلاء اختلفوا في وجه حسنها؛ فذهب أهل التناسخ إلى أنّه لا وجه لحسن الآلام إلّاالاستحقاق(2).

فيما ذهب آخرون - و منهم الشريف المرتضى في الرسالة محلّ البحث - إلى أنّ الآلام إنّما تكون حسنة إذا لم تكن ظلماً، أو عبثاً، أو مفسدة، و أنّ الظلم هو ما خَلا من النفع الزائد على الألم، و من دفع ضرر زائد أيضاً، و من الاستحقاق، و من المدافعة؛ و أنّ الظنّ بهذه الوجوه يقوم مقام العلم إلّاالاستحقاق. كما أضاف وجهاً آخر يكون به الألم حسناً، و هو وجود الاعتبار و المصلحة في الألم، فإنّه يُخرج الألم من أن يكون عبثاً.


1) . راجع: الاقتصاد، ص 164.

2) . المصدر.

و ذكر أبو عليّ الجبّائي (ت 303 ه‍) أنّ الألام تقبح لكونها ظلماً، و تكون ظلماً بوجوه، منها: أنّ تتعرّى من نفع، و دفع ضرر، و استحقاق. و منها: أن يقترن بها الظنّ ببعض الوجوه المتقدّمة. و على هذا، إذا ظنّ المكلّف بأنّ الألم الواصل إليه كان ظلماً، فسوف يكون هذا الألم قبيحاً، لكن لا لأجل الظنّ نفسه، بل لأجل الغمّ الذي يصيبه نتيجة الظنّ‌(1).

و أضاف أبو هاشم الجبّائي (ت 321 ه‍) الظنَّ بالاستحقاق، فذهب إلى أنّه يقوم مقام العلم، و يَحسن إيصال الألم مع وجود هذا الظنّ‌، فإنّه يحسن ذمّ مَن علمناه مُستحقّاً للذمّ إذا غاب عنّا، و إن جوّزنا منه وقوع الاعتذار، أو فِعْل ما يكفّر الإساءة(2).

ثمّ قسّم الشريف المرتضى الآلام إلى ثلاثة أقسام:

1.

ما هو مختصّ به تعالى، و هو الإيلام للاعتبار و المصلحة. فهذا النوع من الألم لا يحسن إلّامن اللّٰه تعالى، و بالعوض يخرج من كونه ظلماً.

2.

ما هو مشترك بيننا و بينه تعالى، و هو الإيلام للاستحقاق.

3.

ما هو مختصّ بنا، و هو فعل الألم لدفع الضرر، أو لتحصيل المنفعة أو الظنّ‌.

ثمّ ذكر أنّ بعض أقسام الآلام كامل الحُسن، و بعضها يحتاج إلى إضافة لكي يتكامل حُسنه.

أمّا الأوّل فمثل الألم للاستحقاق، فإنّه كامل الحُسن بنفسه، و لا يحتاج في كمال حسنه إلى غيره.

و أمّا الثاني فمثل الألم للاعتبار، فإنّه بمفرده يُخرج الألمَ من أن يكون عبثاً فقط، لكن إذا أُضيف إليه العوض تكامَلَ حُسنه و خرج من كونه ظلماً أيضاً.


1) . المغني، ج 13 (اللطف)، ص 227.

2) . المصدر، ص 363.

نسبة الرسالة و عنوانها

و قد أشار الشريف المرتضى في هذه الرسالة إلى كتاب الذخيرة، و هي قرينة مهمّة على صحّة النسبة.

و قد طبعت هذه الرسالة في رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 349 في ضمن «مسائل شتّىٰ‌»، تحت عنوان: «معنى النفع في الضرر». و هو غير واضح. و هذه الطبعة هي المقصودة ب‍ «المطبوع» في التحقيق الحالي.

كما طبعت في ضمن مسائل المرتضىٰ‌، ص 202 تحت عنوان: «الألم و وجه الحسن فيه». و هو مناسب.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (123) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (161) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

3.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (406) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

4.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (137) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ط».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (79) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ي».

6.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (84) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

7.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20996؛ تقع في الصفحة (30) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

8.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39685؛ تقع في الصفحة (14) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ث».

9.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39688؛ تقع في الصفحة (18) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ق».

10.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (81) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

11.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (285-286) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ه‍».

[

مسألةٌ في الألمِ و وَجهِ الحُسنِ فيه

اشارة

مسألةٌ في الألمِ و وَجهِ الحُسنِ فيه(1)

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌:

قالَ - رَضيَ اللّٰهُ عنه -: إنّ الألَمَ يَحسُنُ إذا لَم يَكُن ظُلماً و لا عَبَثاً و لا مَفسَدةً‌(2).

[

في بيان حدّ الظلم

و إنّ حَدَّ الظلمِ ما(3)يَعرىٰ مِن(4)نَفعٍ يُوفي عليه، و دَفعِ ضَرَرٍ يَزيدُ عليه، و مِن(5)استحقاقٍ‌. و زِيدَ فيه: و لا كانَ علىٰ وجهِ المُدافَعةِ‌.(6)

فإن ذُكِرَ القَصدُ(7)في الحَدِّ،(8)فقيلَ‌: «الألَمُ المقصودُ متىٰ تَعرّىٰ‌(9)مِن الوجوهِ‌


1) . طُبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى تحت عنوان: «معنى النفع في الضرر».

2) . في «أ، ق»: + «استحقاق».

3) . الظلم هو في الحقيقة «ألمٌ‌» يَعرىٰ من الأُمور المذكورة في المتن. راجع: الحدود، ص 60.

4) . في المطبوع: «عن».

5) . من قوله: «و إنّ حدّ الظلم...» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ث، ج، ص، ط». و في «ش، ه‍» و المطبوع: + «رأيت هذا مضروباً، و الظاهر أنّه ذو».

6) . مثل أن يريد شخصٌ قتلَ آخر، فيدفعه ذلك الآخر عن نفسه بما يؤلمه، من دون قصد إلىٰ إيلامه، بل يكون القصد إلى المدافعة فقط. راجع: الذخيرة، ص 216؛ التعليق في علم الكلام، ص 135.

7) . في «أ، ق»: «الفصل».

8) . في المطبوع: «و الحدّ» بدل «في الحدّ».

9) . في «أ، ق» و المطبوع: «يعرى». و في «ش، ه‍»: «يغرى».

الثلاثةِ كانَ ظُلماً» لَم تَدخُلِ‌(1)المُدافَعةُ‌؛ لأنّ الألَمَ فيها غيرُ مقصودٍ، و لَو قُصِدَ لَكانَ قَبيحاً و ظُلماً.

و لا بُدَّ مِن بيانِ وجهِ قولِهم: «نَفعٌ يُوفي(2)عليه»، و معناه: أنّ الانتفاعَ بهذا الألَمِ يُوفي علَى انتفاعِه وفَوتِه؛ لأنّ فَوتَ‌(3)النفعِ يَجري(4)في الضرَرِ مَجرَى(5)الألَمِ‌.

و الصحيحُ‌(6)أنّ الظنَّ يَقومُ مَقامَ العِلمِ في هذه الوجوهِ كُلِّها إلّا(7)الاستحقاقَ‌(8)فإنّ الخِلافَ [فيه] بَينَ أبي عليٍّ و أبي هاشمٍ‌: فذَهَبَ أبو هاشمٍ إلىٰ أنّ الظنَّ فيه أيضاً يَقومُ مَقامَ العِلمِ‌؛ و استَدَلَّ بأنّا نَذُمُّ العاصيَ إذا غابَ عنّا و إن جَوَّزنا أن يَكونَ قد تابَ لظنِّ الاستحقاقِ‌(9).(10)و قال أبو عليٍّ‌:(11)هذا المَوضِعُ إنّما(12)يَحسُنُ‌(13)للظنِّ‌(14)مشروطاً، لا مُطلَقاً.(15)و قولُ أبي عليٍّ كأنّه أقوىٰ‌.


1) . في «أ، ب، ث، ج، ص، ط، ق، ه‍» و المطبوع: «لم يدخل».

2) . في «ب، ث، ج، ص»: «يقع يومي» بدل «نفع يوفي». و في «ي»: «يقع يوفي» بدلها.

3) . في النسخ: «و قوّته؛ لأنّ قوّة». و الصواب ما أثبتناه.

4) . من قوله: «يوفي عليه...» إلىٰ هنا ساقط من «ه‍» و المطبوع.

5) . في «ه‍» و المطبوع: «تجري».

6) . في المطبوع: «و الظاهر».

7) . في «ط» و المطبوع: - «إلّا». و في «ه‍» يوجد في موضع «إلّا» بياض. و في «ي»: «لا».

8) . في «أ، ق»: «الاستخفاف». و في «ه‍»: «استحقاق». و في المطبوع: «للاستحقاق».

9) . في «أ، ق»: «للظنّ للاستخفاف». و في «ب، ث، ج، ص»: «الظنّ الاستحقاق». و في المطبوع: «لظنّ العلم»، كلّها بدل «لظنّ الاستحقاق».

10) . راجع: المغني، ج 13 (اللطف)، ص 228 و 363.

11) . في المطبوع: + «في».

12) . في «ه‍» و المطبوع: «و إنّما».

13) . في «أ، ق»: «إنّما يحسن هذا الموضع» بدل «هذا الموضع إنّما يحسن». و في «ي»: «هذاالموضع إنّما يصحّ بحسن» بدلها.

14) . في المطبوع: «الظنّ‌».

15) . ذهب أبو علي إلىٰ أنّ الظنّ لا يقتضي القبح في نفسه، و إنّما الغمّ المقترِن به هو المقتضي للقبح. راجع: المغني، ج 13 (اللطف)، ص 227.

[

من وجوه حُسن الألم أن يُفعل للاعتبار

و يَجِبُ أن يُزادَ(1)في(2)الوجوهِ التي تُقصَدُ(3)بالألَمِ فيَحسُنُ عليها أن يُفعَلَ‌:

«الاعتبارُ»(4)، و معنَى الاعتبارِ: أن يَفعَلَ المؤلَمُ عندَه إمّا طاعةً أو يَمتَنِعَ‌(5)مِن مَعصيةٍ‌.

و هذا الوجهُ كالمُنفَصِلِ‌(6)مِن هذه الوجوهِ‌؛ لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ إذا فَعَلَ الألَمَ للاعتبارِ،(7)فهذا هو الغرضُ فيه، لا العِوَضُ‌(8)الحاصلُ عليه؛ بَل العِوَضُ كالتابعِ‌،(9)و الأصلُ‌(10)الاعتبارُ؛ فبالعِوَضِ يَخرُجُ مِن أن يَكونَ ظُلماً، و بالاعتبارِ يَخرُجُ مِن أن يَكونَ‌(11)عَبَثاً.

[

أقسام الألم من حيث الوجوه التي يقع عليها

[1.] و هذا الوجهُ خاصّةً لا يَصِحُّ إلّامِن القَديمِ تَعالىٰ خاصّةً‌، دونَ غيرِه مِن


1) . هكذا في «د، ي». و في سائر النسخ و المطبوع: «أن يراد».

2) . في «ش، ه‍» و المطبوع: «به».

3) . هكذا في «ش». و في «د» بإهمال النقط في الأوّل. و في «ق» الكلمة غير واضحة. و في سائر النسخ: «يقصد».

4) . في «أ، ق»: «أن يُعقل للاعتبار». و في «د، ش، ه‍، ي» و المطبوع: «أن يُفعل للاعتبار». و المراد بالاعتبار نوع من المصلحة. راجع: التعليق، ص 136.

5) . في «ه‍»: «ممتنع له و». و في المطبوع: «ممتنع أو»، كلاهما بدل «يمتنع».

6) . في المطبوع: «كان [...]» بدل «كالمنفصل».

7) . في المطبوع: «للاختبار».

8) . في «د، ي»: «فهذا الغرض فيه لأنّ العوض» بدل «فهذا هو الغرض فيه لا العوض». و في «ه‍» و المطبوع يوجد بدلها فراغ.

9) . في «أ، ش، ق، ه‍»: «كالبايع». و في المطبوع بإهمال النقط تماماً.

10) . في «ب، ث، ج، د، ص، ي»: «من الأصل» بدل «و الأصل».

11) . في المطبوع: - «ظلماً، و بالاعتبار يخرج من أن يكون».

العبادِ؛ لأنّه - جَلَّ اسمُه - المُكلِّفُ لهُم، فإزاحةُ عِلّتِهم بالألطافِ‌(1)واجبةٌ عليه، و غيرُه مِن العبادِ(2)لَيسَ‌(3)بمُكلِّفٍ لغَيرِه فيَلزَمَه ألطافُه.(4)فصارَ هذا الوجهُ خاصّةً يَختَصُّ بالقَديمِ تَعالىٰ‌.

[2. و] مِن الوجوهِ المُشتَرَكةِ بَينَنا و بَينَ القَديمِ تَعالىٰ فِعلُ الألَمِ لوَجهِ‌(5)الاستحقاقِ‌؛ فإنّه(6)تَعالىٰ يُعاقِبُ العُصاةَ و يؤلِمُهم لهذا الوجهِ‌، كما يَذُمُّ‌(7)العاصيَ - و إن غَمَّه(8)ذلكَ و آلَمَه(9)- لهذا الوجهِ‌.

فصارَ هذا الوجهُ مُشتَرَكاً، و الأوّلُ خاصّاً به تَعالىٰ‌.

[3.] فأمّا باقي الوجوهِ التي ذَكرناها فنَختَصُّ نَحنُ‌(10)بها دونَه تَعالىٰ‌، و لا(11)يَصِحُّ دخولُ شَيءٍ منها فيما يُدخِلُه تَعالىٰ مِن الآلامِ‌.

أمّا الظنُّ‌، فيَستَحيلَ عليه تَعالىٰ‌؛ لأنّه عالِمٌ لنفسِه.


1) . في «ش، ه‍» و المطبوع: «بالإطلاق».

2) . في «أ، ق»: «العبادات».

3) . في «ه‍» و المطبوع: «و ليس».

4) . في «ه‍» و المطبوع: «الطاعة».

5) . في «أ، ش، ه‍»: «فعل الألم بوجه». و في المطبوع: «فعلم الألم بوجه»، كلاهما بدل «فعل الألم لوجه».

6) . في المطبوع: «فإنّ اللّٰه» بدل «فإنّه».

7) . في «ه‍»: «يفهم». و في المطبوع: «يرم».

8) . في «أ» و المطبوع: «عمّه». و في «ه‍»: «كلّه».

9) . في «ه‍»: «و تألّما». و في «ي»: «و وائمه». و في المطبوع يوجد في موضعه فراغ.

10) . في «أ»: «فيختصّ يحسن». و في «ق»: «فيختصّ بحسن». و في «ي»: «فتختصّ نحن»، كلّهابدل «فنختصّ نحن».

11) . في المطبوع: «فلا».

و أمّا فِعلُ الآلامِ‌(1)لدَفعِ الضرَرِ، فإنّما يَحسُنُ مِنّا إذا كُنّا لا نَتمكَّنُ مِن دَفعِه إلّابه؛ و لهذا لا يَحسُنُ أن نُخرِجَ‌(2)الغَريقَ مِن الغَمرةِ‌(3)بأن نَكسِرَ(4)يَدَه، إلّاإذا لَم نَتمكَّنْ‌(5)مِن إخراجِه إلّاكذلكَ‌؛ فإن تَمكَّنّا(6)مِن إخراجِه بغَيرِ كَسرِ يَدِه فأخرَجناه كاسِرينَ‌(7)يَدَه، ضَمِنّا كَسرَ يَدِه. و لمّا كانَ القَديمُ تَعالىٰ قادراً علىٰ دَفعِ كُلِّ ضَرَرٍ قَلَّ أَم كَثُرَ - مِن غيرِ أن يَفعَلَ شَيئاً مِن الآلامِ‌، ارتَفَعَ هذا الوجهُ أيضاً عن(8)جُملةِ أفعالِه.

و أمّا فِعلُ الآلامِ [لإيصالِ النفعِ‌]، فلا يَحسُنُ أيضاً(9)إلّاإذا كانَ لا يوصَلُ إلَى النفعِ إلّا به؛ و لهذا لا يَحسُنُ مِنّا أن نُتعِبَ نُفوسَنا في طَلَبِ‌(10)الأرباحِ‌، و نَحنُ نَقدِرُ علَى الوصولِ إليها مِن غيرِ ألَمٍ و لا تَعَبٍ‌. و لمّا كانَ القَديمُ تَعالىٰ قادراً علىٰ إيصالِ كُلِّ ما(11)يُريدُ إيصالَه مِن المَنافعِ مِن غيرِ مُقدِّمةِ ألَمٍ‌، لَم يَحسُنْ منه أن يؤلِمَ لإيصالِ النفعِ‌. و لهذا(12)قُلنا: إنّ الاعتبارَ هو المقصودُ، و النفعَ‌(13)تابعٌ‌.


1) . في «ه‍» و المطبوع: «الألم».

2) . في «أ، ب، ث، ج، ص، ط، ق، ه‍، ي» و المطبوع: «أن يخرج».

3) . الغَمْر من الماء: خِلافُ الضَّحْل، و هو الذي يَعلو مَن يَدخله و يُغطّيه. راجع: لسان العرب، ج 5، ص 29 (غمر).

4) . في «أ، ب، ث، ج، ص، ق، ه‍» و المطبوع: «بأن يكسر».

5) . في «أ، ب، ث، ج، ص، ق، ه‍، ي» و المطبوع: «لم يتمكّن».

6) . في «ب، ث، ج، ص»: «فإن يمكّنّا». و في «د، ي»: «فإذا تمكّنّا».

7) . في «ه‍»: «كاسر من». و في المطبوع: «كا [...] من»، كلاهما بدل «كاسرين».

8) . في «ه‍» و المطبوع: «من».

9) . في المطبوع: - «أيضاً».

10) . في «ب، ث، ج، ص، ط»: «لطلب» بدل «في طلب».

11) . في «ه‍» و المطبوع يوجد في موضع «كلّ ما» فراغ.

12) . هكذا في «أ، ق». و في سائر النسخ: «فلهذا». و في المطبوع: «فلذا».

13) . أي العوض كما تقدّم.

فصارَ المُحصَّلُ مِن هذه الجُملةِ التي ذَكرناها أنّ الوجوهَ التي يَقَعُ عليها الألَمُ فيَخرُجُ‌(1)مِن أن يَكونَ ظُلماً:

فيها: مُشتَرَكٌ‌(2)بَينَ القَديمِ تَعالىٰ و بَينَنا، و هو الاستحقاقُ فَقَط.

و منها: ما يَختَصُّه تَعالىٰ‌، و هو الاعتبارُ.

و منها: ما يَختَصُّنا، و هو باقي الوجوهِ‌؛ مِن فِعلِه لدَفعِ‌(3)الضرَرِ أو للنفعِ‌. و إذا كانَ غيرَ مقصودٍ فعلىٰ سَبيلِ‌(4)المُدافَعةِ‌؛ لأنّ هذا الوجهَ أيضاً لا يَليقُ بالقَديمِ تَعالىٰ‌؛ لأنّه قادرٌ علىٰ دَفعِ كُلِّ ألَمٍ يَقصِدُه الظالِمُ‌(5)مِن غيرِ فِعلِ شَيءٍ مِن الآلامِ‌، و لأنّه تَعالىٰ لا يَصِحُّ أن يَقَعَ منه ألَمٌ غيرُ مقصودٍ(6)، و لا ألَمَ‌(7)في المُدافَعةِ يَكونُ مقصوداً(8).

فتأمَّلْ‌(9)هذه الجُملةَ‌؛ فإنّ فيها فوائدَ كَثيرةً لا تَمضي في الكُتُبِ‌، و ما بَسَطناها في «الذخيرةِ‌».(10)و اللّٰهُ تَعالىٰ‌(11)يُحسِنُ‌(12)التوفيقَ بمَشيئتِه(13).


1) . في «ب، ث، ج، ص»: «عليه الألم ليخرج». و في «د»: «عليها الألم فتخرج»، كلا هما بدل «عليها الألم فيخرج».

2) . في المطبوع: «مشتركة». 3. في المطبوع: «لرفع».

3)

4) . في المطبوع: «سهل». 5. في «ه‍» و المطبوع: «الظاهر».

5)

6) . في المطبوع: «ألم غير ألم».

7) . هكذا يبدو في «ق». و في سائر النسخ و المطبوع: «و الآلام». و من قوله: «و لأنّه تعالىٰ‌...» إلىٰ هنا ساقط من «د، ي».

8) . هكذا يبدو في «ق». و في «ب، ث، ج، ص»: «لا تكون مقصوداً». و في سائر النسخ: «لا يكون مقصوداً» و في المطبوع: «لا تكون مقصودة» بدل «يكون مقصوداً».

9) . هكذا في «أ، ق». و في «ه‍» فراغ. و في سائر النسخ: «و تأمّل».

10) . راجع: الذخيرة، ص 215-220.

11) . في المطبوع: - «و اللّٰه تعالىٰ‌».

12) . في «ش، ط» بإهمال النقط في الحرف الأوّل. و في «ي» و المطبوع: «بحسن».

13) . في «أ، ق»: «لمشيئته». و في «ه‍» بدل «التوفيق بمشيئته» بياض. و في المطبوع: - «بمشيئته».

[

تقسيم آخر للألم من حيث الوجوه التي يقع عليها

و اعلَمْ أنّ هذه الوجوهَ التي ذَكرناها تَنقَسِمُ‌:

فمنها: ما إذا حَصَلَ تَكامَلَ منه بحُصولِه حُسنُ الألَمِ‌، و لَم يَحتَجْ‌(1)في حُسنِه إلىٰ غيرِه.

و منها: ما لا يَتكامَلُ بذلكَ الوجهِ حُسنُه، بَل يَقِفُ كمالُ حُسنِه علىٰ غيرِه.

فمثالُ الوجهِ الأوّلِ الاستحقاقُ‌؛ فإنّه يَحسُنُ [الألَمُ‌] لكَونِه مُستَحَقّاً، مِن غيرِ زيادةٍ عليه. و كذلك يَحسُنُ الألَمُ لدَفعِ ما هو أعظَمُ منه، و يَتكامَلُ بذلكَ حُسنُه.

و كذلكَ إذا وَقَعَ - غيرَ مقصودٍ - علىٰ وجهِ المُدافَعةِ‌(2)فإنّه يَحسُنُ لهذا(3)الوجهِ‌، و يَتكامَلُ به(4)حُسنُه.

و مثالُ القِسمِ الثاني الاعتبارُ؛ فإنّ [ب‍] الاعتبارِ لا يَتكامَلُ حُسنُه، و إنّما يُخرِجُه(5)مِن أن يَكونَ عَبَثاً، و بالنفعِ‌(6)الزائدِ يَخرُجُ مِن أن يَكونَ ظُلماً.

و مثالُ هذا الوجهِ أيضاً ما يُفعَلُ مِن الألَمِ للنفعِ‌(7)فإنّه يَنقَسِمُ‌:

فإن فَعَلناه بغَيرِنا،(8)نَظَرنا؛ فإن كانَ مُمكِناً(9)أن نوصِلَ ذلكَ الغَيرَ إلَى النفعِ مِن


1) . في «ه‍» يوجد بياض في موضع: «حسن الألم و لم يحتج». و في المطبوع: «حسن إلا [...]» بدلها.

2) . في المطبوع يوجد في موضع «المدافعة» فراغ.

3) . في «ه‍» و المطبوع: «هذا».

4) . في «ب، ث، ج، ص، ط»: - «به».

5) . في «ه‍»: «يفرحه». و في المطبوع في موضع «يخرجه» فراغ.

6) . في «ش، ه‍» و المطبوع: «و النفع» بدون الباء الجارّة.

7) . في «ش، ه‍»: - «ما يُفعل». و في المطبوع: «من الألم أيضاً النفع» بدل «أيضاً ما يُفعل من الألم للنفع».

8) . في «أ»: «بغير ما». و في «ه‍» و المطبوع: «يضرّنا». و في «ي»: «لغيرنا».

9) . في «أ، ق»: «متمكّناً».

غيرِ ألَمٍ‌، قَبُحَ الألَمُ‌؛ لكَونِه عَبَثاً، و إن كانَ فيه نَفعٌ‌. مثالُه: أن يُستأجَرَ(1)الأجيرُ بالأُجرةِ الوافرةِ التي يَرضىٰ بها لِاستيقاءِ‌(2)الماءِ من نَهرٍ إلىٰ آخَرَ؛ فإنّه يَكونُ عَبَثاً، و إن لَم يَكُن ظُلماً، و لا بُدَّ فيه مِن غرضٍ‌(3)زائدٍ علىٰ إيصالِ النفعِ‌.

و أمّا القِسمُ الثاني(4)- و هو ما نَفعَلُه بنُفوسِنا(5)مِن الألَمِ - فيَتكامَلُ حُسنُه بالنفعِ الزائدِ مِن غيرِ زيادةٍ عليه، و من شَرطِه أن يَكونَ ذلكَ النفعُ لا يَحصُلُ إلّابتقديمِ هذا الألَمِ‌. و مثالُه: إتعابُ نُفوسِنا بالأسفارِ طَلَباً للأرباحِ و الانتفاعِ‌. فهذا الوجهُ يَكفي في تَكامُلِ حُسنِه حصولُ النفعِ‌(6)إمّا معلوماً و إمّا مظنوناً.

و كُلُّ وجهٍ مِن هذه الوجوهِ التي ذَكرنا أنّ الألَمَ يَحسُنُ عليها(7)، متىٰ عَرَضَ‌(8)فيه المَفسَدةُ قَبُحَ لأجلِها؛ لأنّ المَفسَدةَ متىٰ عَرَضَت(9)غَيَّرَت وجوبَ الواجباتِ كُلِّها، و صارَت لأجلِها قَبيحةً‌(10)! فأَولىٰ أن يَكونَ الأمرُ(11)كذلكَ في الوجوهِ‌


1) . في المطبوع: «إن استأجر».

2) . في «أ»: «لإيفاء». و في «ه‍» و المطبوع: «لاستيفاء». و الأنسب: «لاستقاء».

3) . في جميع النسخ و المطبوع: «عوض»، و هو سهو.

4) . في «ه‍» و المطبوع: «الثالث».

5) . في «أ»: «يفعله نفوسنا». و في «ق، ي»: «يفعله بنفوسنا». و في «ش، ه‍» و المطبوع: «تفعله نفوسنا»، كلّها بدل «نفعله بنفوسنا».

6) . من قوله: «نفوسنا بالأسفار...» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.

7) . في «ه‍» يوجد بياض في موضع: «أنّ الألم يحسن عليها». و في المطبوع هكذا: «أنّ [...]» بدلها.

8) . في «ه‍»: «شيء عرض». و في المطبوع: «شيء عوض»، كلاهما بدل «متى عرض».

9) . في «ه‍» و المطبوع: «عرضه».

10) . في «ه‍» و المطبوع يوجد فراغ في موضع: «لأجلها قبيحة».

11) . في «ب، ث، ج، ص، ه‍» و المطبوع: «الألم».

التي يَحسُنُ عليها(1)الألَمُ‌.

و إذا قيلَ‌: إذا(2)كانَت المَفسَدةُ تُغيِّرُ وجوبَ الواجباتِ‌، فما الذي يؤمِنُكم أن يَكونَ رَدُّ الوَديعةِ أو قَضاءُ الدَّينِ مَفسَدةً في بعضِ الأوقاتِ؟

فالجوابُ عن ذلكَ‌: أنّه لَو كانَ شَيءٌ مِن ذلكَ‌(3)مفسَدةً في بعضِ الأوقاتِ‌، لَوَجَبَ علَى اللّٰهِ تَعالىٰ أن يُبيِّنَه لنا و يُميِّزَه؛ فلمّا لَم يَفعَلْ ذلكَ‌، عَلِمنا أنّ جميعَ الأوقاتِ مُتساويةٌ في وجوبِ ذلكَ كُلِّه. و هذا بيِّنٌ‌.


1) . في المطبوع: «عليه».

2) . في المطبوع: «و إذا».

3) . من قوله: «مفسدةً في بعض...» إلى هنا ساقط من «ي». و في المطبوع: - «من ذلك».

(42) مسألةٌ في سببِ تقديمِ أوَّليّةِ وجوبِ النظرِ على أصلِ وجوبِه

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

تحدّث الشريف المرتضى في هذه المسألة المختصرة عن مسألة ترتيب الأبحاث الكلاميّة، و تقدُّم بعضها على الآخر؛ فإنّ المُلاحَظ في كتب الكلام أنّهم عند طرح بحث النظر في معرفة اللّٰه تعالى يقدّمون بحث «النظر أوّل الواجبات» على البحث عن أصل وجوب النظر، مع أنّ المفروض أنْ يكون الأمر بالعكس؛ فإنّ الترتيب المنطقي يقتضي في البداية إثبات أنّ النظر واجب، ثمّ البحث عن أنّه أوّل الواجبات.

و قد يُجاب عن هذا الإشكال بأنّ الوجوب و الأوّلية صفتان من صفات النظر، فيمكن تقديم أيّ واحد منهما على الآخر، و ليس بينهما أيّ ترتيب منطقي.

إنّ هذا الجواب لم يكن مقبولاً عند الشريف المرتضى؛ لأنّ كون النظر أوّل الواجبات يتضمّن إثبات أنّه أوّل واجب، و لا يمكن إثبات أنّه أوّل واجب قبل إثبات أنّه واجب، فينبغي على أيّ حال تقديم البحث عن وجوبه على أوّليته، و ذلك لتعلّق الأوّلية بالوجوب و ترتّبها عليه.

و لذلك أخذ بالتأمّل و التفكير في جواب آخر عن المسألة، فتوصّل إلى الجواب التالي:

إنّ إثبات وجوب النظر يتوقّف على إثبات مجموعة من المعارف الكلاميّة، مثل وجوب معرفة اللّٰه تعالى، و أنّ العلم باستحقاق الثواب و العقاب على الطاعة و فعل القبيح متوقّف على معرفة اللّٰه تعالى، و لذلك تحتّم تأخير البحث عن النظر حتّى

تثبت تلك المعارف، بينما البحث عن أوّليّة وجوب النظر يمكن البحث عنه من دون الإحالة على بحوث كلاميّة مطوّلة، و لذلك أمكن تقديمه في البداية، و التسليم بوجوبه موقّتاً حتّى يأتي موضع البحث عن وجوبه.

إنّ هذا الجواب إنّما هو في الحقيقة تبرير لسبب تقديم بحث أوّليّة النظر على وجوبه في الكتب الكلاميّة، و لا يريد الشريف المرتضى بهذا البيان أن يثبت أنّ بحث الأوّليّة متقدّم على بحث الوجوب تقدّماً منطقيّاً، فإنّ الإشكال المتقدّم ما زال قائماً على الرغم من هذا الجواب، فإنّ بحث الوجوب سوف يبقى متقدّماً تقدّماً منطقيّاً على بحث الأوّلية، و إنّما كلّ ما أراده من وراء هذا الجواب هو التماس العذر لِمَا فعله المتكلّمون في كتبهم.

و الجدير بالذكر أنّ الشيخ الطوسي (ت 460 ه‍) قد أشار في مقدّمة كتابه تمهيد الأُصول إلى الفكرة التي طرحها الشريف المرتضى في هذه الرسالة، حيث قال في عبارة نذكرها بطولها:

و اعلم، أنّه بدأ [أي الشريف المرتضى] في هذا الكتاب [أي جُمل العلم و العمل] بالكلام في حدوث الأجسام دون ذكر أوّل ما يجب على المكلّف من النظر حسب ما ذكره في الذخيرة و الملخّص لعلّة صحيحة؛ لأنّ الكلام في أنّ النظر واجب و أنّ اللّٰه تعالى أوجب عليه معرفته فرعٌ على العلم بكونه مكلَّفاً، و هو لا يمكنه أن يَعرف أنّه مكلّف إلاّ بعد معرفة اللّٰه تعالى و توحيده و عدله، و أنّه إذا جعله على صفات مخصوصة فلا بدّ أن يكلّفه، و إلّاكان قبيحاً، و أنّه إذا كلّفه فلا بدّ من أن يكون قد أوجب عليه النظر في طريق معرفته، و أنّه أوّل واجب أوجبه عليه، و هذا يتأخر على ما ترى.

و إنّما ذكر الشيوخ في أوّل المختصرات ذلك؛ تأنيساً للمبتدئ، و حثّاً له على النظر؛ لكي إذا نظر و عرف صحّة ذلك فيما بعد، بَانَ له أنّ الأمر على ما قيل. و أنا أذكرُ فصلاً مختصراً في أوّل الكتاب على ما جرت به العادة، و على ما ذكره في الذخيرة و

الملخّص، و أذكرُ قبل الشروع في أنّ النظر أوّل واجب بيانَ حقيقة الواجب، و الفرقَ بينه و بين غيره من أقسام الأفعال، ثمّ أُبيّن أنّ النظر واجب، و أُبيّن بعده أنّه أوّل واجب فرعٌ على العلم بأنّه واجب، و أذكرُ من ذلك جُمَلاً يُنتفع بها، و أتركُ استيفاءه إلى انتهائنا إلى الكلام في المعارف»(1).

من الواضح أنّ الشيخ الطوسي قد نقل هنا فكرة الشريف المرتضى المطروحة في الرسالة التي بين أيدينا، و لعلّه كان حاضراً في مجلس إملاء المرتضى لها؛ و لكن كما أشرنا آنفاً من أنّ جواب الشريف المرتضى في الرسالة محلّ البحث ليس حلاًّ للإشكال المتقدّم حول عدم منطقيّة تقديم بحث أوّليّة وجوب النظر على وجوبه؛ بل هو تبرير و التماس عذرٍ للمتكلّمين الذين فعلوا ذلك، و لذلك نرى أنّ الشيخ الطوسي قرّر متابعة الطريقة المنطقيّة في كتابه، و تقديم بحث وجوب النظر على أوّليّته، كما أشار إلى ذلك في نهاية كلامه.

عنوان الرسالة

لقد طبعت هذه الرسالة في رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 338 في ضمن «مسائل شتّىٰ‌» تحت عنوان: «النظر قبل الدلالة». و هو غير واضح؛ فما هو المقصود بالدلالة‌؟ إلّاأن يُراد: «البحث عن أوّليّة النظر قبل الدلالة على وجوبه». و على أيّ حال، فلا يخرج العنوان من كونه غامضاً و مبهماً.

كما طبعت في ضمن مسائل المرتضى، ص 130 تحت عنوان: «أوّل الواجبات النظر». و هذا العنوان أجنبي تقريباً عن البحث، فإنّ الرسالة لا تريد إثبات أنّ النظر أوّل الواجبات، بل تريد بيان سبب تقديم هذا البحث علىٰ وجوب النظر في الكتب الكلاميّة.


1) . تمهيد الأُصول، ص 1-2.

إذن الأفضل اختيار عنوان أكثر تعبيراً، مثل: «سبب تقديم أوّليّة وجوب النظر على أصل وجوبه».

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (48) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (130) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

3.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (334) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

4.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحة (53) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

5.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (70) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ط».

6.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (49) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ي».

7.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (39) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

8.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحة (24) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «م».

9.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (269) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ه‍».

10.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحة (33) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ع».

11.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (37) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

12.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (70) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ل».

13.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحة (34) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «و».

14.

مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587/7؛ تقع في الصفحة (106) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ك».

[

مسألةٌ في سببِ تقديمِ أوَّليّةِ وجوبِ النظرِ على أصلِ وجوبِه

مسألةٌ في سببِ تقديمِ أوَّليّةِ وجوبِ النظرِ على أصلِ وجوبِه(1)

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألة:

قالَ رَضيَ اللّٰهُ عنه: اِعلَمْ أنّ عادةَ الشيوخِ جَرَت - إذا ذَكروا في كُتُبِهم أنّ أوّلَ‌(2)الواجباتِ النَّظَرُ في طَريقِ مَعرفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ - أن يَبتَدِئوا بالدلالةِ علىٰ‌(3)«كَونِ النظَرِ أوّلاً» قَبلَ الدلالةِ علىٰ وجوبِه، و الظاهرُ يَقتَضي العكسَ فيما فَعَلوه.

و لَيسَ‌ يَجوزُ أن يَكونَ الوجهُ في ذلكَ أنّ كَونَ النظَرِ أوّلاً(4)لا سابقاً و كَونَه واجباً صِفتانِ له،(5)و أنتَ بالخِيارِ في تقديمِ كُلِّ واحدةٍ علَى الأُخرىٰ‌.

و ذلكَ‌ أنّ كَونَه «أوّلَ الواجباتِ‌» يَتضمَّنُ دعوىٰ وجوبِه و أوّليّتِه، و لَيسَ يُمكِنُ أن يُعلَمَ أنّه أوّلُ الواجباتِ إلّاو قد عُلِمَ وجوبُه، و يُمكِنُ أن يُعلَمَ‌(6)واجباً و إن لم


1) . طُبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى تحت عنوان: «النظر قبل الدلالة».

2) . في «ه‍»: - «أوّل». و في المطبوع: «من».

3) . في المطبوع: + «أن».

4) . في «ه‍» و المطبوع: «لا» بدل «أوّلاً».

5) . في «ك، ل»: «و صفاتٍ‌» بدل «صفتان له». و في «م، و، ي»: «و صفات له» بدلها.

6) . في «ب، ج، ط، ع»: «أن نعلم».

يُعلَمْ‌(1)سابقاً للواجباتِ‌.(2)فوَجَبَ لذلكَ تقديمُ الكلامِ في وجوبِه علَى الكلامِ‌(3)في أوّليّتِه؛ لانفصالِ الوجوبِ مِن الأوّليّةِ‌، و تَعلُّقِ الأوّليةِ بالوجوبِ‌.

و لمّا فَكَّرتُ في جِهةِ العُذرِ(4)في ذلكَ‌، لَم أَجِدْ إلّاما أنا ذاكرهُ‌؛ و هو:

أنّ الدلالةَ علىٰ وجوبِ النظَرِ مَبنيّةٌ علىٰ وجوبِ مَعرِفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌، و مَعرِفةَ اللّٰهِ تَعالىٰ مَبنيّةٌ علىٰ أنّ اللطفَ في فعلِ الواجباتِ العقليّةِ - و هو(5)العِلمُ باستحقاقِ الثوابِ و العِقابِ علَى الطاعاتِ و القَبائحِ - لا يَتِمُّ إلّابمَعرِفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌، و مَبنيٌّ علىٰ أنّ اللطفَ واجبٌ علَى اللّٰهِ تَعالىٰ إذا كانَ مِن فعلِه، و إذا كانَ مِن فعلِنا فواجبٌ عليه أن يوجِبَه(6)علينا. فصارَ العِلمُ بوجوبِ النظَرِ في مَعرِفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ لا يَتِمُّ إلّابَعدَ مَعارِفَ كَثيرةٍ طَويلةٍ لا يُمكِنُ ذِكرُها إلّاعلىٰ تدريجٍ و ترتيبٍ‌.

فبُدئَ بالدلالةِ علىٰ كَونِه «أوّلاً» علىٰ تسليمِ وجوبِه؛ لأنّه ممّا يُمكِنُ‌(7)أن يُدَلَّ عليه عاجِلاً، مِن غيرِ حَوالةٍ علىٰ ما يَطولُ مِن أُصولٍ كَثيرةٍ‌. و أخَّروا الكلامَ في وجوبِه؛ لِما ذَكرناه(8)مِن تَعلُّقِه بما(9)لا يُمكِنُ الكلامُ [عنه] في هذا المَوضِعِ‌.

و اللّٰهُ أعلَمُ‌.


1) . في «ب، ج، ط، ع»: «لم نعلم». و في «د، ك، ل، م، و، ي»: - «و إن لم يعلم».

2) . من قوله: «إلّا و قد عُلم وجوبُه...» إلىٰ هنا ساقط من «ه‍» و المطبوع.

3) . في المطبوع: - «في وجوبه على الكلام».

4) . هكذا في «س، ش، ه‍» و المطبوع. و في سائر النسخ: «القدر».

5) . في «ك، ل»: + «أنّ‌».

6) . في «ك، ل، م، و»: «أن يوجّهه». و في «ه‍» و المطبوع: - «عليه أن يوجبه».

7) . من قوله: «ذكرُها إلّاعلى تدريجٍ‌...» إلىٰ هنا ساقط من «ه‍» و المطبوع.

8) . في «ك، ل، م، و، ي»: «ذكرنا».

9) . في «ه‍» و المطبوع: «لما».

(43) مسألة في أنّ الجسمَ لَم يَكُن «كائناً» بالفاعلِ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

وجّه المتكلّمون اهتمامهم إلى بعض الأبحاث الدقيقة، و التي تسمّى بلطيف الكلام. و من هذه الأبحاث ما أثاره معمّر (ت 215) أحد كبار معتزلة بغداد، حيث أخذ يتأمّل في الأشياء، و يتساءَل: ما الذي أدّى إلى أن يتحرّك هذا الجسم إلى جهة دون أُخرى‌؟ و لماذا صار ذاك الجسم أسود لا أبيض‌؟ و غير ذلك من التساؤلات. و بعد البحث توصّل إلى النظريّة المعروفة ب‍ «نظريّة المعاني»، فقال: إنّ هناك معنى في الجسم هو الذي أدّى إلى توجّه الجسم إلى جهة معيّنة، أو أن يتلوّن بلون معيّن(1).

و بعد ذلك أخذ أبو هاشم الجبّائي (ت 321 ه‍) هذه النظريّة، و طوّرها، و استدلّ عليها، و قلّل من إشكالاتها، فكان أحدُ «المعاني» - التي آمن بها - هو معنى «الكون»؛ فإنّه أخذ يتساءَل: عندما نقوم بتحريك جسم أو تسكينه، و يحصل التحرّك أو السكون، هل نفعل شيئاً آخر أو لا؟ أجاب أبو هاشم بأنّنا نفعل شيئاً آخر، و ذلك الشيء هو «معنى» مناسب للتحرّك و السكون، و هذا المعنى هو الذي يقوم بالتحريك و التسكين، أي أنّ الفاعل لا يفعل التحريك و التسكين مباشرة، بل يفعلهما بواسطة «معنى» و قد سمّى أبو هاشم هذا المعنى باسم: «الكون». فالفاعل يفعل معنى الكون، و هذا المعنى - أي الكون - هو الذي يقوم بالتحريك و التسكين.


1) . راجع: دائرة المعارف الإسلاميّة الكبرى، ج 6، ص 173، مدخل (الأحوال).

و معنى «الكون» يختلف بحسب ما يؤدّي إليه، فإن أدّى إلى التحريك سمّي:

«حركة»، و إن أدّى إلى التسكين سمّي: «سكوناً». و في الحقيقة أنّ الكون هو ما يؤدّي إلى أن يكون الجسم في جهة أو حيّز، فإن أدّى إلى انتقال الجسم من جهة إلى أُخرى، سمّي: «حركة»، و إن أدّى إلى بقاء الجسم في نفس الجهة في أكثر من زمان، سمّي:

«سكوناً»، و إن أدّى إلى اقتراب جسم نحو جهة جسم آخر، سمّي: «اجتماعاً»، و إن أدّى إلى ابتعاد جسم من جهة جسم آخر، سمّي: «افتراقاً».

إذن «الكون» على عدّة أقسام: «حركة» و هي تؤدّي إلى التحريك، و «سكون» و هو يؤدّي إلى التسكين، و «اجتماع أو مجاورة» و هي تؤدّي إلى اجتماع جسمين، و «افتراق» و هو يؤدّي إلى مفارقة بين جسمين.

و بعبارة أُخرى: «الكون» و هو: الحركة، و السكون، و الاجتماع، و الافتراق، يؤدّي إلى «الكائنيّة» و هي: التحريك، و التسكين، و الاجتماع، و المفارقة. فالفاعل يفعل «الكون»، و الكون يفعل «الكائنيّة»، و لهذا يمكن أن يقال: «إنّ الجسم ليس كائناً بالفاعل مباشرة، بل كائن بالكون الذي يفعله الفاعل»(1)، و هو المُشار إليه في عنوان الرسالة محلّ البحث.

و قد تبنّى الشريف المرتضى هذه النظريّة، و ذهب إلى أنّ الجسم ليس كائناً بالفاعل، و استدلّ عليه في هذه الرسالة بدليل جديد، وصفه بأنّه لم يُسبق إليه. و الدليل كالتالي:

لو كان الجسم كائناً بالفاعل مباشرة، أي لو كان الفاعل هو الذي يفعل التحريك و التسكين مباشرة من دون توسط «الكون»، فلا بدّ أن يكون الذي يفعل صفةَ «الكائنيّة» هو إحدى صفات الفاعل لا ذاته؛ لأنّ الذات لا تؤثّر في كون الجسم على صفة، إذن لا


1) . انظر تفاصيل هذه النظرية في: نهاية المرام، ج 3، ص 262 و ما بعدها.

بدّ أن يكون المؤثّر هو إحدى صفات الفاعل، و تلك الصفة المؤثّرة هي إمّا كون الفاعل قادراً، أو كونه مريداً أو كارهاً.

و لا يمكن أن تكون هي الثاني، أي كونه مريداً أو كارهاً؛ لأنّ الجسم قد ينتقل و يتحرّك من دون أن يكون الفاعل مريداً أو كارهاً، كالنائم الذي يحرّك الأجسام مع كونه خالياً من الإرادة و الكراهة.

فيبقى الأوّل، و هو أنّ الصفة المؤثّرة في «الكائنيّة» هي كون الفاعل قادراً.

و لكن هذا أيضاً لا يمكن أن يكون هو المؤثّر في الانتقال و التحريك و الكائنيّة؛ لأنّ القدرة لا تؤثّر إلّافي إحداث الأفعال دون سائر الصفات، فإن كونه قادراً لا يؤثر مثلاً في كون الفعل مُحكماً، أو في كون الصوت خبراً أو أمراً، و إنّما لا بدّ من توفّر صفات أُخرى - إضافة إلى كونه قادراً - كي يكون الفعل مُحكماً، أو يتّصف الصوت بالخبريّة أو الأمريّة(1).

إذن كونه قادراً لم يؤثر في اتّصاف الجسم بالكائنيّة، و بذلك بطل أن يكون الجسم كائناً بالفاعل، فلا بدّ أن يكون كائناً بواسطة «معنى» يفعله الفاعل، و ذلك المعنى هو «الكون».

إذن لقد آمن الشريف المرتضى بنظريّة أبي هاشم حول «الكون»؛ لكنّه أضاف إليها هنا دليلاً جديداً لم يتنبّه إليه أصحاب النظريّة أنفسهم، كما قام في المسألة القادمة - و هي مسألة: «إبطال أحد الأدلّة على كون الصفة بالفاعل» - بإبطال أحد أدلّة أبي هاشم على هذه النظريّة. و هذا يعني أنّه عندما كان يؤمن بنظريّة مّا، فإنّه لم يكن يكرّر ما قاله أصحابها؛ بل كان يتأمّل فيها، و يهذّبها، و يضيف إليها، و يرفع نواقصها ممّا يؤدّي إلى إثرائها، و إضافة شيء جديد لها.


1) . الملخّص، ص 466-468.

عنوان الرسالة

طبعت هذه الرسالة في رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 337 في ضمن «مسائل شتّىٰ‌»، تحت عنوان: «الجسم لم يكن "كائناً" بالفاعل»، و هو معنى مناسب، و قد اتّضح معناه من خلال ما تقدّم.

كما طبعت في ضمن مسائل المرتضى، ص 128، تحت عنوان: «الجسم مع الصفة»، و المقصود بالصفة صفة «الكائنيّة»؛ و لكن هذا العنوان مجمل و غير معبّر عن مضمون الرسالة. فالأرجح هو العنوان الأوّل.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (47) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (129) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

3.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (333) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

4.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحة (51) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

5.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (70) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ط».

6.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (49) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ي».

7.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (38) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

8.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحة (23) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «م».

9.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (269) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ه‍».

10.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحة (32) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ع».

11.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (37) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

12.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (70) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ل».

13.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحة (33) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «و».

14.

مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587/7؛ تقع في الصفحة (106) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ك».

مسألة في أنّ الجسمَ لَم يَكُن «كائناً» بالفاعلِ‌

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌ خَرَجَت في شَهرِ(1)رَبيعٍ الأوّلِ سَنةَ سَبعٍ و عِشرينَ و أربَعِمِائةٍ‌:

دليلٌ لَم نُسبَقْ إليه(2)علىٰ أنّ الجسمَ لَم يَكُ‌(3)«كائناً» بالفاعلِ‌.

قالَ رَحِمَه اللّٰهُ‌: الذي يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌: أنّه لَو كانَ الجسمُ «كائناً» بالفاعلِ لَوَجَبَ أن يَكونَ المؤثِّرُ(4)في هذه الصفةِ صفةً‌(5)مِن صِفاتِ الفاعلِ‌؛ لأنّ‌(6)ذاتَ الفاعلِ لا يَجوزُ أن تؤثِّرَ(7)في كَونِ الجسمِ علىٰ صفةٍ‌. و لا يَخلو مِن أن تَكونَ‌(8)تلكَ‌(9)الصفةُ المؤثِّرةُ هي كَونَ الفاعلِ قادراً، أو كَونَه مُريداً و كارهاً،(10)كَما


1) . في جميع النسخ سوىٰ «أ، س» و المطبوع: - «شهر».

2) . في «أ، س»: «دليل لم يسبق عليه». و في «ك، ل»: «إن قيل: ما الدليل». و في «م، و، ي»: «دليل ثمّ سبق إليه». و في المطبوع: «دليل لم نسبق عليه»، كلّها بدل «دليل لم نُسبق إليه».

3) . في «د، ش، ك، ل، م، ه‍، و، ي» و المطبوع: «لم يكن».

4) . في المطبوع: «التأثير».

5) . في «ك، ل، م، و، ي» و المطبوع: - «صفة».

6) . في «ه‍» و المطبوع: «لأنّه».

7) . في «أ، س، ك، ل» و المطبوع: «أن يؤثّر».

8) . في «أ، ب، ج، س، ط، ع، م، ه‍، و»: «أن يكون».

9) . في «ب، ج، ع»: - «تلك».

10) . في «ب، ج، ط، ع، ك، ل» و المطبوع: «أو كارهاً».

يَجعَلُ‌(1)[المُتكلِّمونَ‌] هاتَينِ الصفتَينِ مؤثِّرتَينِ في كَونِ الخبرِ و الأمرِ علىٰ ما هُما عليه.(2)

و لا يَجوزُ أن يؤثِّرَ في كَونِ الجسمِ كائناً في الحادثاتِ‌(3)كَونُ الفاعلِ مُريداً أو كارهاً أو صفةٌ مِن صِفاتِه غيرُ كَونِه قادراً؛ لأنّه قد يَعرىٰ مِن(4)هذه الصفاتِ كُلِّها، و يَجعَلُ الجسمَ كائناً و مُتحرِّكاً و ساكناً. ألا تَرىٰ أنّ النائمَ و الساهيَ قد يَخلُوانِ‌(5)مِن الإرادةِ و الكَراهةِ و العلومِ‌، و مع هذا يَجعَلانِ الأجسامَ مُنتَقِلةً‌(6)في الحادثاتِ‌(7)؟

فثَبَتَ أنَّ التأثيرَ بكَونِه قادراً. و كَونُه قادراً صفةٌ مؤثِّرةٌ في الإحداثِ‌؛ فيَجِبُ أن لا يؤثِّرَ سِواه(8). ألا تَرىٰ أنّ كَونَه قادراً لا يؤثِّرُ في كَونِ الفعلِ مُحكَماً، و لا في كَونِ الصوتِ خبراً و أمراً؛ مِن حَيثُ‌(9)كانَت هذه كُلُّها أحوالاً زائدةً علَى الإحداثِ؟ فيَجِبُ أن لا(10)يؤثِّرَ كَونُه قادراً في كَونِ الجسمِ كائناً؛ لِما ذَكرناه.


1) . في المطبوع: «تحصل».

2) . أي مؤثّرتين في كون الخبر و الأمر خبراً و أمراً.

3) . في «ب، ج، د، ش، ط، ع، ي»: «المحادثات». و في «ه‍» و المطبوع: «المحاذيات».

4) . في المطبوع: «يعرض في» بدل «يعرىٰ من».

5) . في غير «ك» و المطبوع: «يخلو».

6) . في «ط»: «ينتقله». و في «ه‍» و المطبوع: «مستقلّة».

7) . في «ب، ج، د، ش، ط، ع، م، و، ي»: «المحادثات». و في «ه‍» و المطبوع: «المحاذيات».

8) . أي سوى الإحداث.

9) . في المطبوع: «و حيث» بدل «من حيث».

10) . في «ه‍» و المطبوع: - «لا».

(44) مسألةٌ في إبطالِ أحدِ الأدلَّةِ على كونِ الصِّفةِ بالفاعلِ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

استدلّ أبو هاشم الجبّائي (ت 321 ه‍) على أنّ صفة «الكائنيّة» - كالتحريك و التسكين - لا تكون من تأثير الفاعل مباشرة، و إنّما هي من تأثير معنى «الكون»، بما يلي:

لو كانت صفة الكائنيّة و الانتقال من تأثير الفاعل، للزم أن يقدر الفاعل على كلّ الصفات الأُخرى؛ فمَن يقدر على جعل الذات على صفة، يكون قادراً على جعلها على صفات أُخرى؛ فإنّ مَن يقدر مثلاً على جعل الصوت خبراً، يكون قادراً على جعله أمراً أو نهياً أو غير ذلك؛ فإذا صحّ هذا الأمر، و كان الجسم كائناً و منتقلاً بالفاعل، لكان أسود و أبيض أيضاً بالفاعل؛ لأنّ هذه كلّها صفات للجسم، فإذا قدر على بعضها قدر على جميعها، و بما أنّ الفاعل لا يقدر على جعل الجسم أسود و أبيض، فهو غير قادر أيضاً على إعطاء صفة الكائنيّة و الانتقال للجسم(1).

و لقد رفض الشريف المرتضى هذا الاستدلال الذي أقامه أبو هاشم، على الرغم من إيمانه بنظريّة أنّ اتّصاف الجسم بالكائنيّة و الانتقال ليس بالفاعل، بل من خلال معنى و هو «الكون». و قد استدلّ الشريف المرتضى على هذه النظريّة بدليل من إ بداعه الشخصي، ذكره في رسالة «الجسم لم يكن كائناً بالفاعل»؛ لكنّه رفض هنا صحّة استدلال أبي هاشم فقط، لا أنّه رفض أصل النظريّة. و قد تحدّثنا حول هذه النظريّة في مقدّمة الرسالة المُشار إليها آنفاً.


1) . نهاية المرام، ج 3، ص 269-270.

و أمّا إشكال الشريف المرتضى على استدلال أبي هاشم فهو: ما المانع من أن يكون الانتقال و الكائنيّة بالفاعل، و يكون السواد و البياض بالمعنى أو العلّة‌؟ فإذا كان كذلك بطل الاستدلال من أساسه، كما أنّ مجرّد احتمال ذلك يُبطل الاستدلال أيضاً.

و إذا قيل: إنّ الصفات إذا كانت كيفيّة استحقاقها واحدة لم يصحّ أن يكون استحقاقها من علل مختلفة، فإذا كان السواد و البياض بمعنىٰ فكذلك الانتقال يجب أن يكون بمعنى لا بالفاعل؛ لأنّ كيفيّة استحقاق الجميع واحدة.

فالجواب: أنّ الاشتراك في كيفيّة الاستحقاق إنّما يُثبت أنّ الصفة ليس ذاتيّة، فإنّ المراد بكيفيّة الاستحقاق هو أنّ استحقاق الذات للصفة هل هو علىٰ وجه الوجوب أو الجواز و الإمكان‌؟ و بما أنّ كيفيّة استحقاق السواد و البياض و الانتقال هي الجواز و الإمكان، دلّ ذلك علىٰ أنّ الاستحقاق ليس ذاتيّاً لا أكثر من ذلك.

و حينئذ جاز أن يختلف علل الاستحقاق، فيكون استحقاق بعض الصفات بمعنى، و بعضها بالفاعل.

عنوان الرسالة

طبعت هذه الرسالة في رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 341 في ضمن «مسائل شتّىٰ‌»، تحت عنوان: «منع كون الصفة بالفاعل». و هو غير دقيق؛ لأنّ الشريف المرتضى لا يريد في هذه الرسالة إثبات نظريّة عدم كون الصفة بالفاعل، و إنّما يريد إبطال أحد الأدلّة التي أُقيمت على هذه النظريّة.

كما طبعت في ضمن مسائل المرتضى، ص 191، تحت عنوان: «كون الصفة بالفاعل». و المقصود بالصفة هي صفة «الكائنيّة». و هذا العنوان خاطئ؛ لأنّ الشريف المرتضى كان يؤمن بعدم كون صفة الكائنيّة بالفاعل، و استدلّ عليها كما تقدّم.

فالأولى تسمية الرسالة: «إبطال أحد الأدلّة على كون الصفة بالفاعل».

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (113) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (157) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

3.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (395) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

4.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (130) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ط».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (73) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ي».

6.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (77) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

7.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (283) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ه‍».

8.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20996؛ تقع في الصفحة (23) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

9.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39685؛ تقع في الصفحة (7) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ث».

10.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39688؛ تقع في الصفحة (9) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ق».

11.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (74) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

مسألةٌ في إبطالِ أحدِ الأدلَّةِ على كونِ الصِّفةِ بالفاعلِ‌

مسألةٌ في إبطالِ أحدِ الأدلَّةِ على كونِ الصِّفةِ بالفاعلِ‌(1)

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌:

اِستَدَلَّ‌(2)مَن مَنَعَ مِن كَونِ الصفةِ بالفاعلِ‌، بأن قالَ‌: لَو كانَت بالفاعلِ لَكانَ متىٰ‌(3)قُدِرَ علىٰ جَعلِ الذاتِ علىٰ صفةٍ قُدِرَ علىٰ جَعلِها علىٰ كُلِّ صفةٍ‌(4)يَكونُ عليها بالفاعلِ‌. ألا تَرىٰ أنّ مَن قَدَرَ مِنّا علىٰ‌(5)جَعلِ الصوتِ خبراً فهو قادرٌ علىٰ أن يَجعَلَه أمراً و نَهياً و خبراً عن كُلِّ مُخبَرٍ عنه؛ مِن حَيثُ كانَت هذه الصفاتُ أجمَعَ بالفاعلِ؟ فلَو كانَ الجسمُ مُنتَقِلاً بالفاعلِ‌(6)لَكانَ كَونُه أسوَدَ و أبيَضَ بالفاعلِ‌؛ لأنّ الطريقَ واحدٌ.

و هذا الدليلُ مُعتَرَضٌ بأن يُقالَ‌: ما أَنكرتم أن يَكونَ انتقالُه بالفاعلِ و كَونُه


1) . طُبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى تحت عنوان: «منع كون الصفة بالفاعل».

2) . المستدِلّ هو أبو هاشم الجُبّائي. راجع: نهاية المرام، ج 3، ص 269-270.

3) . في «ب، ث، ج، ص»: «مبنيّ‌».

4) . في «ب، ث، ج، ص»: «أهلها كلّ صفة» بدل «جعلها على كلّ صفة». و في «ه‍» و المطبوع: - «قُدر علىٰ جعلها علىٰ كلّ صفة».

5) . في «ب، ث، ج، ص»: - «علىٰ‌».

6) . في «ه‍» و المطبوع: «مستقلاًّ» بدل «منتقلاً». و في «ط»: - «فلو كان الجسم منتقلاً بالفاعل».

أسوَدَ و أبيَضَ بمعنىً؟ لأنّ الصفاتِ التي تَجوزُ علَى الذاتِ يَنقَسِمُ‌(1)استنادُها؛ فتارةً تَستَنِدُ إلىٰ عِلّةٍ‌(2)، و تارةً تَستَنِدُ(3)إلَى الفاعلِ‌؛ فما الذي يَمنَعُ مِن(4)استنادِ الانتقالِ إلَى الفاعلِ‌، و السوادِ و البياضِ إلَى العِلّةِ؟ و إذا كُنّا نُجوِّزُ ذلكَ لَم يُمكِنِ‌(5)القَطعُ علىٰ أنّ السوادَ إذا كانَ لعِلّةٍ كانَ الانتقالُ كذلكَ‌.(6)

و لَيسَ‌ يَعصِمُ مِن هذا السؤالِ قولُهم: إنّ الصفتَينِ إذا كانَت كَيفيّةُ استحقاقِهما واحدةً لَم يَجُز أن يَكونا مُستَحَقَّينِ مِن وجهَينِ مُختَلِفَينِ‌؛ فلمّا كانَ الجسمُ يَستَحِقُّ كَونَه أسوَدَ كَما(7)يَستَحِقُّ كَونَه مُنتَقِلاً - في بابِ الصحّةِ و الجوازِ و الشروطِ - وَجَبَ متىٰ كانَت هذه الصفةُ بالفاعلِ أن تَكونَ الأُخرىٰ كذلكَ‌، و إن كانَت لمعنىً‌(8)فكذلكَ‌.

لأنّ‌ الاشتراكَ‌(9)في كَيفيّةِ الاستحقاقِ‌(10)- و هو حصولُ الصفةِ علىٰ وجهِ الجوازِ - إنّما(11)يَدُلُّ علىٰ أنّ الصفةَ لَيسَت للنفسِ‌؛ فإذا انتَفىٰ بالاشتراكِ في هذه الكَيفيّةِ كَونُ‌


1) . في «ب، ث، ج، ص، ط»: «تنقسم».

2) . أي إلى «المعنى» المشار إليه.

3) . في «ه‍» و المطبوع: - «إلىٰ علّةٍ‌، و تارةً تستند».

4) . في المطبوع: «عن».

5) . في «أ، ب، ث، ج، ص»: «لم يكن». و في المطبوع: - «لم».

6) . بل يمكن أن يكون الانتقال بالفاعل.

7) . في المطبوع: - «كما».

8) . في «ب، ث، ج، ص»: «بالمعنى». و المراد بالمعنىٰ هو العلّة، فتارة يعبّر بالمعنىٰ و أُخرىٰ بالعلّة.

9) . في «ب، ث، ج، ص، ط»: «الاشتراط».

10) . من قوله: «كذلك. و إن كانت لمعنىً فكذلك... إلى هنا لم يرد في «د، ي».

11) . في «أ، ق»: «و إنّما».

الصفةِ مُستَنِدةً إلَى النفسِ‌، و انقَسَمَ بَعدَ(1)ذلكَ بما يُمكِنُ استنادُ الصفةِ إليه؛ فتارةً تَكونُ‌(2)بالفاعلِ‌، و أُخرىٰ بالعِلّةِ‌؛ فمتىٰ عَلِمنا بالدليلِ أنّ العِلّةَ أثَّرَتها(3)قَطَعنا(4)بذلكَ‌، و متىٰ دَلَّ علىٰ أنّ الفاعلَ أثَّرَها(5)حَكَمنا به، و متىٰ جَوَّزنا في البعضِ أن يَكونَ الفاعلُ هو المؤثِّرَ له(6)و [أن يَكونَ مؤثِّرُ] البعضِ العِلّةَ وَجَبَ التوقُّفُ و تَركُ القَطعِ‌.

و هذه حالُنا في انتقالِ الجسمِ و كَونِه أسوَدَ؛ لجوازِ أن يَستَنِدَ الانتقالُ إلَى الفاعلِ‌(7)و السوادُ إلَى المعنىٰ‌. فلا سَبيلَ بالاعتبارِ الذي اعتَبَرَ(8)أن يُقطَعَ علىٰ أنّ الانتقالَ لا يَجوزُ استنادُه إلَى الفاعلِ مِن غيرِ تَوسُّطِ معنىً‌.


1) . في «ب، ث، ج، ص، ط»: «تعذّر».

2) . في «أ، د، ط، ه‍، ي» و المطبوع: «يكون».

3) . في «أ، ب، ث، ج، د، ص، ط، ه‍، ي» و المطبوع: «أثّر بها» بدل «أثّرتها».

4) . في «ب، ث، ج، ص»: «قطعيّاً».

5) . في «أ»: «أثّرنا به»، و في المطبوع: «أثّر بها» بدل «أثّرها».

6) . في «ب، ث، ج، ص، ه‍» و المطبوع: - «له».

7) . في «ب، ث، ج، ص»: - «إلى الفاعل». و في «ط»: - «إلى».

8) . في المطبوع: + «علىٰ‌».

(45) مسألةٌ في مناقَشةِ الدليلِ علىٰ أنَّ الجوهرَ ليس محدَثاً بمعنىً‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

من الأُمور المتعارفة عند بعض المتكلّمين أنّه إذا وجدوا ذاتين، تصدر من إحداهما بعض الآثار كالقدرة على الفعل، و لا تصدر تلك الآثار من الأُخرىٰ‌، حكموا بوجود ما يسمّونه «حال» أو «معنىٰ‌» في الذات الأُولىٰ‌، و هو الذي اقتضى التفرقة بين الذاتين.(1)و إذا وجدوا ذاتاً يمكن في حدّ ذاتها أن تتّصف بصفة و أن لا تتّصف بها، فإذا اتّصفت قالوا إنّما اتّصفت بتلك الصفة بسبب وجود «معنىٰ‌» في ذاتها اقتضى الاتّصاف بتلك الصفة، أي أنّ الفاعل فعل ذلك المعنىٰ و المعنىٰ اقتضى تلك الصفة. و في محلّ كلامنا وجد بعض المتكلّمين أنّ الجوهر في حدّ ذاته يجوز أن يحدث و أن لا يحدث، فقالوا أنّه إذا حدث فحدوثه يكون بواسطة «معنىٰ‌»، لا بواسطة الفاعل مباشرة، بل الفاعل يوجد المعنى و المعنىٰ يؤثّر في اتّصاف الجوهر بالحدوث.

و في المقابل نفى بعضُ المتكلّمين أن يكون حدوث الجوهر قد حصل بواسطة «معنى» موجود في ذاته. و استدلّوا على نفي ذلك بأنّه لو كان حدوث الجوهر من خلال معنى، لاحتاج هذا المعنى إلى معنى آخر؛ لأنّ هذا المعنى في حدّ ذاته يجوز أن يحدث و أن لا يحدث، كما كان الجوهر كذلك، فيحتاج إلى معنى يقتضي حدوثه، و المعنى الثاني يحتاج إلى ثالث لنفس السبب، و هو يؤدّي إلى إثبات ما لا يتناهى من الحوادث و المعاني، و هو محال.


1) . الملخّص، ص 73.

و أجاب الشريف المرتضى على ذلك بنفس إجابته التي ذكرها في رسالة «إبطال أحد الأدلّة علىٰ كون الصفة بالفاعل»، التي أشار إليها بقوله: «المسألة الأُولى»، و هو يدلّ على أنّ الرسالة محلّ البحث تأتي في ترتيب التأليف بعد تلك الرسالة.

و جوابه هو: يمكن أن يكون حدوث بعض المُحدَثات بواسطة معنى و علّة، و البعض الآخر يكون حدوثه بالفاعل، فيمكن أن يكون حدوث الجوهر بواسطة المعنى، و حدوث المعنى بواسطة الفاعل مباشرة، لا بواسطة معنى آخر، و بذلك سوف لن يلزم افتراض حوادث و معاني غير متناهية.

و أضاف أنّه لا يصحّ أن يقال: إنّ الجوهر و المعنى قد اشتركا في كيفيّة استحقاق الحدوث و هي «جواز أن يحدثا و أن لا يحدثا»، فلا يمكن أن يستحقّ أحدهما الحدوث بالمعنى، و الآخر بالفاعل.

هذا الكلام لا يصحّ‌؛ لأنّ الاشتراك في كيفيّة الاستحقاق إنّما يعني أنّ كليهما لم يستحقّا الحدوث لذاتهما و لنفسهما، بل لسبب خارجي، و هذا السبب يمكن أن يكون مختلفاً، فيستحقّ أحدهما الحدوث بالمعنى، و الآخر بالفاعل.

و في النهاية أشار إلى عدم إمكان الجزم في هذه المسألة باستناد صفة الحدوث إلى المعنى أو الفاعل، و مع فقدان الدليل يجب التوقّف.

عنوان الرسالة

لقد كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 342 في ضمن «مسائل شتّىٰ‌» تحت عنوان: «الدليل على أنّ الجوهر ليس بمُحدَث» و هذه الطبعة هي المقصودة ب‍ «المطبوع» في التحقيق الحالي. كما طبعت في مسائل المرتضى، ص 198 تحت عنوان: «الجوهر لا يكون مُحدَثاً».

و كلا العنوانين بهذا المقدار واضحا البطلان؛ فإنّ معناهما أنّ الجوهر قديم و ليس

مُحدَثاً، و هذا باطل من وجهة نظر المتكلّمين الذين حصروا القديم باللّٰه تعالى، ولكي يكون كلا العنوانين صحيحين يحتاجان إلى إضافة كلمة واحدة إلىٰ آخرهما، و هي كلمة «بمعنىٰ‌»، ولكن بما أنّ البحث في هذه الرسالة يدور في الحقيقة حول مناقشة دليل الذين نفوا أن يكون الجوهر مُحدَثاً بواسطة معنى، لذلك كان الأفضل أن يكون اسم الرسالة: «مناقشة الدليل علىٰ أنّ الجوهر ليس مُحدَثاً بمعنى».

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (114) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (157) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

3.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (397) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

4.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (131) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (74) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ي».

6.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (79) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

7.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (283) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ه‍».

8.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20996؛ تقع في الصفحة (24) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ع».

9.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39685؛ تقع في الصفحة (78) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ث».

10.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39688؛ تقع في الصفحة (10) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ق».

11.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (75) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

[

مسألةٌ في مناقَشةِ الدليلِ علىٰ أنَّ الجوهرَ ليس محدَثاً بمعنىً‌

مسألةٌ في مناقَشةِ الدليلِ علىٰ أنَّ الجوهرَ ليس محدَثاً بمعنىً‌(1)

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌:

و ممّا استَدَلّوا به(2)علىٰ أنّ الجَوهرَ لا يَكونُ مُحدَثاً بمعنىً‌: أنّ ذلكَ لَو وَجَبَ فيه لَكانَ المعنَى الذي يَحتاجُ إليه في حدوثِه يَفتَقِرُ إلىٰ معنىً‌؛ لمُشارَكتِه له في العِلّةِ التي احتاجَ‌(3)إليه مِن أجلِها، و هي حدوثُه مع جوازِ أن لا يَحدُثَ‌. و ذلكَ يؤَدّي إلىٰ إثباتِ‌(4)ما لا نِهايةَ له(5)مِن(6)الحَوادثِ‌، و هو مُستَحيلٌ‌.

و هذا الدليلُ مُعتَرَضٌ‌(7)بمِثلِ المسألةِ الأُولىٰ‌(8)لأنّه لا(9)يَمتَنِعُ أن يَكونَ حدوثُ‌


1) . طُبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى تحت عنوان: «الدليل علىٰ أنّ الجوهر ليس بمحدث».

2) . في «أ، ق»: «أنّه». و في «ه‍» و المطبوع: «بها».

3) . في «د، ي»: «يحتاج».

4) . في «د، ي»: - «إثبات».

5) . في «ب، ث، ج، ص»: - «له».

6) . في جميع النسخ و المطبوع: + «إثبات»؛ و الظاهر أنّه من سهو أقلام النُّسّاخ.

7) . في «أ»: «معرض». و في المطبوع: «يعترض».

8) . يشير بذلك إلى الرسالة السابقة و هي رسالة «إبطال أحد الأدلّة علىٰ كون الصفة بالفاعل»، فقد تقدّم فيها نفسُ هذا الاعتراض.

9) . في «ب، ث، ج، ش، ص، ه‍» و المطبوع: - «لا».

بعضِ المُحدَثاتِ لعِلّةٍ‌(1)و حدوثُ‌(2)البعضِ الآخَرِ بالفاعلِ‌.

و قولُهم: إنّهما إذا اشتَرَكا في كَيفيّةِ الاستحقاقِ‌، لَم يَجُزْ أن يَقتَضيَ أحَدُهما أمراً و الآخَرُ سِواه باطلٌ‌؛ لأنّ المُشارَكةَ في كَيفيّةِ الاستحقاقِ - و هو(3)جوازُ الحدوثِ - يَمنَعُ مِن(4)استنادِ الصفةِ إلَى النفسِ‌. و إذا بَطَلَ استنادُها إلَى النفسِ لَم يَمتَنِعِ انقسامُ ما(5)تَستَنِدُ(6)إليه، فيَكونَ في بعضِ الذواتِ بالفاعلِ‌، و في بعضٍ بالعِلّةِ‌.

و هذا أمرٌ مُلتَبِسٌ‌(7)لا سَبيلَ معه إلَى القَطعِ عَلىٰ أنّ الصفةَ مُستَنِدةٌ‌(8)إلَى العِلّةِ‌؛ بَل الشكُّ في ذلكَ و التجويزُ هو الواجبُ‌، إلىٰ أن يَدُلَّ دليلٌ‌.


1) . المراد بالعلّة في هذا البحث «المعنىٰ‌».

2) . في المطبوع: «حدوث» بدون واو العطف.

3) . في المطبوع: - «و هو».

4) . في «ب، ث، ج، ص»: - «من».

5) . في «ه‍» و المطبوع: «انقساماً» بدل «انقسام ما».

6) . هكذا في «د، ي». و في سائر النسخ و المطبوع: «يستند».

7) . في «ه‍» و المطبوع: «متلبّس».

8) . في «ه‍» و المطبوع: - «معه إلى القطع علىٰ أنّ الصفة مستندة».

(46) مسألةٌ في وجِه المناسَبةِ بَينَ الأفعالِ الشرعيّةِ و ما هي لُطفٌ فيه

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

تعرّض الشريف المرتضى في هذه المسألة إلى البحث عن وجه المناسبة بين التكاليف الشرعيّة و بين ما هي لطف فيه من التكاليف العقليّة؛ فإنّ هناك تكاليف يدركها العقل، مثل: وجوب شكر النعمة، و ردّ الوديعة، و تحريم الظلم. و قد ذهب المتكلّمون إلى أنّ اللّٰه تعالى قد شرّع التكاليف - كالصلاة، و الصوم، و الحجّ - لكي تقرّب المكلّف إلى تلك التكاليف العقليّة.

و حينئذٍ قد يسأل سائل: ما هو وجه المناسبة و العلاقة بين الصلاة و الصوم و الحجّ و بين وجوب شكر النعمة و ردّ الوديعة و تحريم الظلم‌؟ فالظاهر أنّه لا مناسبة و لا مجانسة بينهما.

لقد بدأ الشريف المرتضى الجواب بتقديم جواب إجماليّ‌، و هو: بما أنّنا علمنا أنّ هذه الشرعيّات واجبة، فسوف نعلم بأنّ فيها مصلحة، و أنّ لها مناسبة مع ما هي لطف فيه من التكاليف العقليّة، و إن لم يتّضح لنا وجه المناسبة بالتحديد، فعدم العلم بوجه شيء لا يدلّ علىٰ عدم ذلك الشيء.

و بعد ذلك أشار إلى أنّ المتكلّمين قد ذكروا وجهين من وجوه المناسبة، من دون أن يرجّحوا أحدهما على الآخر، و الوجهان هما:

الأوّل: أنّ في الشرعيّات نوعاً من رياضة النفس، و توطينها على ذكر اللّٰه تعالى و الرجوع إليه، و التمسّك بطاعته، و هذا موجود في التكاليف العقليّة أيضاً، و هو كاف

في تحقّق المناسبة، فإنّه إذا وطّن العبد نفسه على امتثال التكاليف الشرعيّة، صار أقرب إلى امتثال التكاليف العقليّة، فهذا وجه من وجوه المناسبة.

الثاني: أنّ في التكاليف الشرعيّة مشقّة ينبغي تحمّلها و الصبر عليها، و هو نفسه موجود في التكاليف العقليّة، فالذي يوطّن نفسه على الصبر على الشرعيّات، يكون قادراً على الصبر على العقليّات، و مثّلوا لذلك بمن يصبر على الآلام و الهموم التي تنزل به، فإنّه يكون أقدر على فعل الطاعات و ترك المعاصي.

و بذلك اتّضح وجه المناسبة بين التكاليف الشرعيّة و العقليّة.

و الجدير بالذكر أنّ القاضي عبد الجبّار المعتزلي (ت 415 ه‍) قد تعرّض في كتابه المغني إلى نفس هذه الأبحاث في ذيل جواب إحدى شُبه البراهمة(1)، حتّى قد يتصوّر القارئ أنّ الشريف المرتضى قد قرّر في هذه الرسالة ما هو موجود في المغني؛ و لكن قد أشرنا في مقدّمة رسالة «دفع شبهة للبراهمة في بعث الأنبياء عليهم السلامُ‌» إلى احتمال أن يكون كلّ من الشريف المرتضى و القاضي ينقلان هذه المطالب من مصدر ثالث مشترك، لا أنّ الشريف المرتضى يأخذ من القاضي مباشرة.

و على أيّ حال، فإنّ مَن يريد أن يستوعب مطالب الرسالة محلّ بحثنا، فعليه بكتاب المغني؛ فإنّ فيه تفاصيل أُخرى تساعد على فهم مطالب الرسالة بصورة أفضل.

عنوان الرسالة

طبعت هذه الرسالة في رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 343 في ضمن «مسائل شتّىٰ‌»، تحت عنوان: «النسبة بين الأفعال و ما هو لطف منها»(2). و هذا العنوان


1) . راجع: المغني، ج 15 (التنبّؤات و المعجزات)، ص 130-132.

2) . الصحيح: «و ما هي لطف فيه».

صحيح و لكن فيه شيء من العموم؛ فإنّه لم يبيّن أنّ المقصود بالأفعال الأفعال الشرعيّة.

و طبعت في مسائل المرتضى، ص 199، تحت عنوان: «الأفعال مع اللطف». و هو عنوان غير واضح، و لا يعكس محتوى الرسالة.

لذلك فالأفضل تسميتها: «وجه المناسبة بين الأفعال الشرعيّة و ما هي لطف فيه».

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (116) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (158) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

3.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (398) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

4.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (132) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ط».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (75) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ي».

6.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (79) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

7.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (283) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ه‍».

8.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20996؛ تقع في الصفحة

(25) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

9.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39685؛ تقع في الصفحة (9) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ث».

10.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39688؛ تقع في الصفحة (9) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ق».

11.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (76) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

[

مسألةٌ في وجِه المناسَبةِ بَينَ الأفعالِ الشرعيّةِ و ما هي لُطفٌ فيه

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌:

إن سَألَ‌(1)سائلٌ عن وجهِ المُناسَبةِ بَينَ الأفعالِ في العقلِ و بَينَ ما هو لُطفٌ فيها مِن الشرعيّاتِ‌.

فالجوابُ‌:

أنّا إذا عَلِمنا كَونَ هذه الأفعالِ - أَعني الشرعيّاتِ - واجبةً‌، عَلِمنا أنّ لها وجهَ وجوبٍ‌(2)و مُناسَبةٍ [بَينَها] و بَينَ‌(3)ما هي لُطفٌ فيه(4)و إن لَم يَتعيَّنْ لنا وجهُ المُناسَبةِ‌.

غيرَ أنّهم قد بَيَّنوا ما يُمكِنُ أن يَكونَ وجهاً علىٰ طَريقِ الاستظهارِ و التقريبِ‌(5)، و قالوا(6):


1) . في «ه‍»: «مسائل». و في المطبوع: «يسأل».

2) . في المطبوع: «وجهاً» بدل «وجه وجوب».

3) . في جميع النسخ و المطبوع سوىٰ «أ، ق»: «بين» بدون واو العطف.

4) . في «ه‍» و المطبوع: «فيها».

5) . في المطبوع بياض بدل «و التقريب».

6) . راجع: المغني، ج 15 (التنبّؤات و المعجزات)، ص 131-132.

إنّه يُمكِنُ أن يَكونَ الوجهُ أنّ في الشرعيّاتِ مِن ذِكرِ اللّٰهِ تَعالىٰ و الرجوعِ إليه و التمسُّكِ بطاعتِه و تَوطينِ النفسِ عليها مِثلَ الذي يَجِبُ علَى المُكلَّفِ في التكليفِ العقليِّ أن يَفعَلَه؛ فإذا عَزَمَ علىٰ هذا الفعلِ‌، و وَطَّنَ نفسَه علَى الاستكثارِ منه، سارَعَ‌(1)إلىٰ مِثلِه في العقليّاتِ‌.

و الوجهُ الثاني: أنّ‌(2)في هذه الأفعالِ مِن تَحمُّلِ المَشقّةِ علىٰ وجوهٍ مخصوصةٍ مِثلَ ما في تلكَ الأفعالِ‌.

و هذا يُسقِطُ استبعادَ مَن يَستَبعِدُ كَونَها مَصالحَ‌(3)في العقليّاتِ‌.

و قالوا: إنّا لا نَقطَعُ علىٰ أنّها مَصلَحةٌ لأيِّ وجهٍ مِن هذَينِ الوجهَينِ‌؛ و إنّما أَورَدنا [ذلك](4)لنُزيلَ‌(5)ما يُتوهَّمُ و يُستَبعَدُ مِن المُناسَبةِ‌.

و بَيَّنوا: أنّ الطريقةَ في ذلكَ كالطريقةِ في الآلامِ و الغُمومِ و المُعالَجاتِ‌؛ و ذلكَ أنّ مَن نَزَلَت به الآلامُ فَقَلِقَ‌(6)لها و طَلَبَ التخلُّصَ منها بالمَكارِهِ و العِلاجِ‌(7)، و احتَمىٰ مِن المَلاذِّ(8)طلباً للسلامةِ منها، يَكونُ أقرَبَ إلىٰ مُفارَقةِ المَعاصي و فعلِ الطاعاتِ و تَحمُّلِ المَشقّةِ فيها؛ لِيَتخلَّصَ مِن العِقابِ الدائمِ‌، و يَستَحِقَّ الثوابَ الدائمَ‌.


1) . في «أ، ق»: «معه» بدل «منه». و في المطبوع: «و سارع» بدل «منه، سارع».

2) . في «ش، ه‍» و المطبوع: - «أنّ‌».

3) . في «ه‍» و المطبوع: «تصلح».

4) . ما أثبتناه بين المعقوفين استفدناه من المغني.

5) . في «ه‍» و المطبوع: «ليزيل».

6) . هكذا في المغني. و في «ه‍» و المطبوع: «فتلف». و في «ي»: «فعلق». و في سائر النسخ: «قلق».

7) . في المغني: «بالمكاره من العلاج»، و هو أولىٰ‌.

8) . في «ه‍» و المطبوع: «الملاق».

ثُمّ لَم يَجِبْ‌(1)أن يُعرَفَ التفصيلُ في ذلكَ‌، و لا أن يُقطَعَ علىٰ أنّ هذا هو الوجهُ دونَ غيرِه. و بَيَّنوا ذلكَ أيضاً بأنّ الإنسانَ إذا قارَفَ‌(2)ذَنباً وَجَبَ عليه التوبةُ منه؛(3)ليُزيلَ عن(4)نفسِه العِقابَ‌. و لا فَرقَ بَينَ أن يَعرِفَ عينَ الفعلِ و بَينَ أن لا يَعرِفَه في أنّ وجهَ وجوبِ التوبةِ قد حَصَلَ له، و قد تَمكَّنَ مِن تَلافي ما كانَ منه. فكذلكَ القولُ في المَصالحِ‌؛ لأنّها إنّما(5)تَجِبُ لِما تَتضمَّنُ‌(6)مِن إزالةِ المَضرّةِ و اجتلابِ‌(7)المَنفَعةِ‌، علىٰ ما بُيِّنَ‌.


1) . في «ه‍» و المطبوع: «لم يجز».

2) . في «أ، ق، ه‍»: «فارق». و في «ث، ص»: «قارن».

3) . في المطبوع: + «قد حصل».

4) . في «ب، ث، ج، ص»: «من».

5) . في «ب، ث، ج، ص»: - «إنّما». و في «ه‍»: «إذا».

6) . هكذا في «ش، ه‍». و في سائر النسخ و المطبوع: «يتضمّن».

7) . في «ب، ث، ج، ص»: «و اختلاف». و في المطبوع: «و اجتناب».

(47) مسألةٌ في بَيانِ أحكامِ أهلِ الآخِرةِ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

من المسائل الكلاميّة التي أهتمّ المتكلّمون بها هي البحث عن أحوال أهل الآخرة، من حيث تكليفهم، و حقيقة معارفهم، و كونهم مُلجئين إلى أفعالهم أو مختارين لها.

محتوى الرسالة

و قد ذكر الشريف المرتضى أن أهل الآخرة على ثلاثة أصناف: أهل الثواب، و أهل العقاب، و أهل الحساب و هم أهل الموقف. و تعمّ هؤلاء الأصناف ثلاثة أحكام:

سقوط التكليف عنهم، و كون معارفهم ضروريّة، و أنّهم مُلجؤون إلى الامتناع عن القبيح، رغم كونهم مختارين لأفعالهم. و على هذا قسّم الشريف المرتضى البحث في هذه الرسالة إلى ثلاثة أقسام، وفقاً لأحكام أهل الآخرة:

أوّلاً: سقوط التكليف. أمّا سقوط التكليف عن أهل الثواب فلأنّ من شرط الثواب أن يكون خالصاً من المَشاقّ‌، و غير مشوب بشيء من المنغِّصات، بينما التكليف فيه كلفة تخرج الثواب عن كونه خالصاً.

و أمّا سقوط التكليف عن أهل العقاب و الحساب فهو الإجماع على عدم اختلاف أحوال أهل الآخرة عن بعضهم البعض، فإذا سقط عن أهل الثواب سقط عن الباقين.

و هذا البيان في نفي تكليف أهل الثواب بالدليل المتقدّم و الباقين بالإجماع أفضل ممّن استدلّ علىٰ نفي التكليف عن الجميع بأنّه يؤدّي إلى تغيير حال أهل الثواب إلى

العقاب فيما لو عَصَوا و بالعكس فيما لو أطاعوا. و وجه الأفضليّة أنّ العقل لا يمنع من ذلك أي من تغيير أحوالهم، فيمكن التسليم بذلك فيسقط الدليل، إلّاإذا تمّ إكماله بسمع أو إجماع يمنع من ذلك. فهذا الدليل بحاجة للاستعانة بالسمع بينما دليلنا على نفي تكليف أهل الثواب لا حاجة به إلىٰ ذلك.

و إذا قيل: كيف يجوِّز العقل تكليف أهل الآخرة مع أنّه لا يجوز أن يكونوا متردّدين بين فعل الطاعة و المعصية؛ لزوال الشبهة عنهم بسبب ما شاهدوه من أهوال الآخرة، فهُم لا يختارون إلّاالطاعة، فلا يستحقّون الثواب؛ لأنّ شرط استحقاقه وجود داعي إلى الطاعة و آخر إلى المعصية، و هو غير موجود عند أهل الآخرة، و إذا لم يستحقّوا الثواب لم يكونوا مكلَّفين.

و الجواب: يمكن دخول الشبهة علىٰ أهل الآخرة فيحصل عندهم داعي إلى الطاعة و آخر إلى المعصية فيصحّ تكليفهم، و يكون حالهم حال مَن شاهد المعجزات في جواز دخول الشبهةَ عليه و جواز تكليفه.

ثانياً: ضرورية المعرفة. و يتكوّن الدليل على ذلك من مرحلتين:

الأُولى: وجوب معرفة اللّٰه تعالى و أحواله. و يدلّ على ذلك أنّ المُثاب إذا لم يعرف اللّٰه تعالى، لم يَعرف أنّ الثواب الواصل إليه كان على الوجه الذي يستحقّه، أي أنّه حاصل له على سبيل الجزاء عمّا عمله من الطاعات، و أنّه دائم غير منقطع. و بما أنّ هذه المعارف واجبة، فلا بدّ من معرفة اللّٰه تعالى؛ لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلّابه فلا بدّ من حصوله.

و دليل وجوب تلك المعارف هو أنّه إذا لم يَعرف أنّ الثواب الواصل إليه كان نتيجة لطاعات، لم يَعلم أنّه قد وُفّي حقّه على ما تحمّله من مَشاقّ التكليف. إضافةً إلى أنّ كون الثواب ثواباً متوقّف على العلم بقصد فاعله إلى التعظيم به، و العلم بالقصد يقتضي العلم بالقاصد، و هو اللّٰه تعالى. هذا بالنسبة إلى معرفة المُثاب باللّٰه تعالى.

و أمّا معرفة المُعاقَب به تعالى فهي واجبة أيضاً بدليل قريب من الدليل السابق، و هو أنّ المُعاقَب يجب أن يَعرف أنّ الآلام الواصلة إليه كانت على سبيل العقاب و الاستحقاق، و أنّ الذي يعقابه قاصد إلى عقابه لاستحقاقه له، و هذا لا يتمّ إلّابعد معرفته تعالى و أحواله.

و أمّا معرفة أهل الموقف و الحساب، فدليلها أنّ فائدة المحاسبة و المساءلة هي حصول السرور لأهل الثواب، و الألم لأهل العقاب، فلا بدّ أن يعرفوه تعالى ليعلموا ذلك. كما أنّ نشر الصحف و المحاسبة واقعة على وجه الحكمة، فلا بدّ أن يعرفوا اللّٰه تعالى حتّى يعرفوا ذلك، و إلّاجوّزوا أن يكون ذلك على خلاف الحكمة.

الثانية: بعد أن ثبت وجوب معرفة أهل الآخرة باللّٰه تعالى، فلا تخلو حالهم من أن يكونوا مكتسبين لهذه المعرفة، أو مُلجئين إليها و إلى النظر المولّد لها، أو مضطرين إليها و إلى النظر المولّد لها.

و لا يجوز أن يكونوا مكتسبين لها علىٰ نحو الابتداء و مستدلّين عليها؛ لأنّ هذا يقتضي أن يكونوا مكلّفين بهذه المعرفة التي تقدّم قبل قليل أنّها واجبة، لكن تقدّم أيضاً أنّهم غير مكلّفين؛ إذن معرفتهم غير اكتسابية علىٰ نحو الابتداء.

كما هي ليست اكتسابيّة علىٰ نحو التذكّر؛ لأنّ هذا أيضاً يقتضي أن يكونوا مكلَّفين بهذه المعرفة بسبب وجود الشبهات التي يجب عليهم دفعها. إضافة إلىٰ أنّ التذكّر خاصّ بالمؤمنين دون الملحدين، و لا يمكن أن تكون علوم بعض أهل الآخرة من سنخ - أي التذكّر - و البعض الآخرة من سنخ آخر - أي الاكتساب الابتدائي أو غير ذلك -؛ لقيام الإجماع علىٰ تساوي معارف أهل الآخرة في طريق تحصيلها.

كما لا يجوز أن يكونوا مُلجئين إلى المعرفة و لا إلى النظر المولّد لها؛ لأنّ الإلجاء إلى أفعال القلوب لا يصحّ إلّامنه تعالى؛ لأنّه المطّلِع على القلوب، و لا يكون مُلجِأ لهم إلّابعد معرفتهم به تعالى و بأحواله؛ لأنّه عندما يُلجئهم إلى الفعل يُعلِمهم بأنّهم

متى حاولوا العدول عنه منعهم منه، و هو يقتضي معرفتهم به قبل الإلجاء إليها، فيكونون مستغنين بهذه المعرفة عن الإلجاء إليها.

و أخيراً لا يجوز أن يكونوا مضطرّين إلى النظر المولد للمعرفة؛ لأنّ هذا كالعبث، فإنّ الهدف هو تحصيل المعرفة، و الاضطرار إليها يغني عن الاضطرار إلى سببها و هو النظر. إضافة إلى أنّ النظر فيه مشقّة، و هو يتنافى مع ما عليه أهل الثواب.

فلم يبق إلّاأن يكونوا مضطرّين إلى المعرفة. و إذا وجب أن تكون معارف أهل الثواب اضطراريّة، وجب أن تكون معارف أهل العقاب و الحساب أيضاً كذلك؛ لأنّ طرقهم إلى المعرفة متساوية.

و بذلك ثبت أنّ معارف جميع أهل الآخرة اضطراريّة.

ثالثاً: اختياريّة الأفعال، و الإلجاء إلى ترك القبيح. إنّ أفعال أهل الآخرة تقع على وجه الاختيار و إن كانوا مُلجئين إلى ترك القبيح، خلافاً لأبي الهذيل العلّاف (ت 235 ه‍) الذي ذهب إلى أنّ أفعالهم ضروريّة.

و الذي يدلّ على ذلك في حقّ أهل الجنّة هو أنّهم كاملو العقول، فلا بدّ أن يكونوا ممّن يُخطر القبيحَ في قلبه و يتصوّره و يكون قادراً عليه، لكن لا يجوز أن يُخلّى بينهم و بين القبيح، فلا يخلو أن يكون منعُهم من القبيح بواسطة أمر و تكليف، أو اضطرار، أو إلجاء. أمّا التكليف فقد تقدّم أنّهم غير مكلّفين، و أمّا الاضطرار فلا يمكن أن يكونوا مضطرّين؛ لأنّ المضطرّ غير خالٍ من تنغيص و تكدير، فلم يبق إلّاأن يكونوا مُلجئين إلى ترك القبيح.

ثمّ إنّ الاختيار لا تكون فيه مشقّة لأهل الجنّة؛ لأنّهم إنّما هم ينالون ما يشتهون بلا كلفة و لا مشقّة، و يكون اختيارهم أكمل للّذّة و أقوى للمنفعة، هذا بالنسبة لأفعال أهل الجنّة.

و أمّا أهل النار فإنّ كونهم مختارين أشدّ تأثيراً في إيلامهم و الإضرار بهم؛ لأنّهم إذا

لم يتمكّنوا من دفع الضررعن أنفسهم مع كونهم مختارين، يكون ذلك أشدّ إيلاماً لهم.

و أمّا أهل الموقف فقد دلّ الإجماع على أنّ أفعالهم كأفعال أهل الجنة و النار.

ثمّ إنّ الإلجاء إلى ترك القبيح لا ينافي كون الأفعال اختياريّة، لأنّ الإلجاء يتوجّه هنا إلى عدم الفعل، بينما الاختيار يكون في الفعل؛ فإنّهم يتخيّرون بين الأفعال و الأحوال المختلفة بعد أن لا يكون في أفعالهم شيء من القبيح. و لا إشكال في أن يكون المكلّف مُلجأ من جهة، و مُخيّراً من جهة أُخرى، فهو مثل مَن ألجأه السبع إلى ترك أحد الطرق المعيّنة، فيكون مخيّراً في نفس الوقت في اختيار طرق و جهات أُخرى للهرب، فيكون مختاراً لبعض الطرق و إن كان مُلجأ إلى ترك إحداها.

نسبة الرسالة

لم ينسب أحد من أصحاب الفهارس المتقدّمين رسالة بهذا العنوان إلى الشريف المرتضى على الرغم من أهمّيتها، كما لا توجد قرائن داخليّة على تصحيح نسبتها إليه، سوى مطابقتها الكبيرة لآرائه المذكورة في كتبه الأُخرى(1)، إضافة إلى نسبتها إليه في النسخ الخطّيّة.

و الجدير بالذكر أنّه جاء في آخر إحدىٰ النسخ المعتمدة في هذا التحقيق أنّها قد استنسخت علىٰ نسخة عتيقة جدّاً، و هو يدلّ علىٰ قِدَم الرسالة. فراجع.

و كانت هذه الرسالة قد طبعت في طهران سنة 1315 ه‍ في ضمن كلمات المحقّقين، ص 534، كما طبعت علىٰ هامش حاشية الرسائل للآخوند الخراساني، و طبعت أيضاً في بغداد - الكاظمية سنة 1386 ه‍ في ضمن مجموعة رسائل الشريف المرتضى، المجموعة الأولى، ص 39، بتحقيق السيّد أحمد الحسيني، و طبعت في قم سنة 1405 ه‍ في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 131.


1) . راجع على سبيل المثال: الذخيرة، ص 524.

مخطوطات الرسالة
ألف) النسخ المعتمدة:
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20997؛ تقع في الصفحات (64-70) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحات (298-303) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحات (419-430) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

4.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحات (361-369) من المجموعة و جاء في آخرها: «و هذه المسألة كانت مكتوبة في آخر النسخة المنقول منها بخطّ عتيق جدّاً»، و رمزنا لها ب‍ «د».

5.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحات (325-329) من المجموعة، و هي ناقصة من أواخر الرسالة بصفحات. و رمزنا لها ب‍ «ش».

ب) سائر النسخ:
1.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحات (102-106) من المجموعة.

2.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحات (34-40) من المجموعة.

3.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحات (116-118) من المجموعة.

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (252-256) من المجموعة.

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحات (84-89) من المجموعة.

6.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (125-130) من المجموعة.

7.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (207-211) من المجموعة.

8.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 432/5؛ تقع في الصفحات (1-7) من المجموعة.

9.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (142-144) من المجموعة.

10.

مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587/1؛ تقع في الصفحات (3-11) من المجموعة.

11.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 1631/5؛ تقع في الصفحات (1-4) من المجموعة.

12.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 504/5؛ نُسخت في القرن 12 تقريباً، و لم يعلم اسم ناسخها، و الرسالة تقع في الصفحات (1-5) من المجموعة.

مسألةٌ في بَيانِ‌ أحكامِ أهلِ الآخِرةِ‌

اشارة

مسألةٌ في بَيانِ‌(1)أحكامِ أهلِ الآخِرةِ‌(2)

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

قالَ‌(3)- رَضيَ اللّٰهُ عنه -:

سُئلتُ‌ بيانَ أحكامِ أهلِ الآخِرةِ في مَعارِفِهم و أحوالِهم(4)و أفعالِهم(5)، و أنا ذاكرٌ مِن ذلكَ جُملةً وَجيزةً‌:

اِعلَمْ‌ أنّ لِأهلِ الآخِرةِ ثَلاثَ‌(6)أحوالٍ‌: حالُ ثَوابٍ‌، و حالُ عِقابٍ‌، و حالٌ أُخرىٰ للمُحاسَبةِ‌. و يَعُمُّهم(7)في هذه الأحوالِ الثلاثِ‌(8): سُقوطُ التكليفِ عنهم، و أنّ مَعارِفَهم ضَروريّةٌ‌، و أنّهم مُلجَؤونَ إلَى الِامتناعِ مِن القَبيحِ و إن كانوا مُختارينَ لأفعالِهم مؤثِرينَ لها.

و هذا هو الصحيحُ‌، دونَ ما ذَهَبَ إليه مَن خالَفَ في(9)هذه الجُملةِ‌.


1) . في المطبوع: - «بيان».

2) . في «ج»: + «من إملاء السيّد المرتضىٰ - رضي اللّٰه عنه -».

3) . في «أ، د، ش»: + «المرتضىٰ‌». و في المطبوع جعله بين معقوفين.

4) . في «ب، ج»: - «و أحوالهم».

5) . في المطبوع: - «و أفعالهم».

6) . في «أ، ب، د، ش»: «ثلاثة»، و «الحال» يذكّر و يؤنَّث. راجع: المصباح المنير، ص 157 (حول).

7) . في «أ، د، ش»: «و تَعُمُّهم».

8) . في «أ، ب، د، ش»: «الثلاثة».

9) . في «ج» و المطبوع: - «في».

[

في بيان سقوط التكليف عن أهل الآخرة

و الذي يَدُلُّ علىٰ سُقوطِ التكليفِ عن أهلِ الثوابِ منهم، فهو أنّ الثوابَ مِن(1)شَرطِه و حقِّه أن يَكونَ خالصاً غيرَ مَشوبٍ و لا مُنغَّصٍ‌(2)، و مُقارَنةُ التكليفِ للمُثابِ تُخرِجُه(3)عن صفتِه التي لا بُدَّ أن يَكونَ عليها.

فإن قيلَ‌: فهَبوا أنّ هذا يَتِمُّ في أهلِ الجَنّةِ الذينَ هم مُثابونَ‌؛ فمِن أينَ زَوالُ التكليفِ عن أهلِ النارِ أو عن أهلِ المَوقِفِ؟

قُلنا: الجوابُ الصحيحُ عن هذا السؤالِ أنّا إذا عَلِمنا زوالَ التكليفِ عن أهلِ الجَنّةِ - بالطريقةِ التي ذَكرناها - عَلِمنا زوالَه عن أهلِ العِقابِ و أهلِ المَوقِفِ بالإجماعِ‌؛ لأنّ أحَداً مِن الأُمّةِ لا يَفصِلُ بَينَ أحوالِ أهلِ الآخِرةِ في كَيفيّةِ المَعارِفِ و زَوالِ التكليفِ‌.

و هذا الوجهُ أَولىٰ ممّا يَمضي في الكُتُبِ‌،(4)مِن أنّ‌(5)أهلَ الآخِرةِ بَينَ مُثابٍ أو مُعاقَبٍ أو مُساءَلٍ يُحاسَبُ‌، و لَو كانوا مُكلَّفينَ لَجازَ أن تَتغيَّرَ(6)أحوالُ أهلِ العِقابِ إلَى الثوابِ‌، و أحوالُ أهلِ الثوابِ إلَى العِقابِ‌، و أن يَصيرَ أَدوَنُ‌(7)المؤمِنينَ حالاً في


1) . في «ج» و المطبوع: - «من».

2) . في «أ، د، ش»: «و لا منقّص». و يقال: «نَغِصَ الرجُلُ‌؛ نَغصاً» إذا لم تَتِمَّ له هَناءتُه. و أكثره بالتشديد: «نُغِّصَ‌؛ تنغيصاً». تهذيب اللغة، ج 8، ص 61 (نغص).

3) . في «أ، ب، د، ش» و المطبوع: «يخرجه».

4) . راجع: مسائل الخلاف بين البصريّين و البغداديّين، ص 331.

5) . لفظ «أنّ‌» لا يوجد في النسخ المعتمدة؛ لكنّه موجود في سائر النسخ، و هي التي تحمل الأرقام: 1، 2، 3، 5، 6، 7، 10، 11. راجع مقدّمة الرسالة.

6) . في المطبوع: «أن يتغيّر».

7) . في المطبوع: «يصيروا دون».

الثوابِ بمَنزِلةِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليهِ و آلهِ و سَلَّمَ في مَنازِلِ‌(1)ثوابِه.(2)

و إنّما قُلنا: «إنّه أَولىٰ منه»؛ لأنّ العقلَ لا يَمنَعُ ممّا ذَكروه مِن تَغيُّرِ أحوالِ [أهلِ‌] الآخِرةِ في الثوابِ و العِقابِ‌، و إن مَنَعَ مِن(3)ذلكَ سَمعٌ أو إجماعٌ عُوِّلَ عليه في المَنعِ منه، و إلّافقَد كانَ مُجوَّزاً(4).

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ‌: كَيفَ يَكونُ‌(5)أهلُ الآخِرةِ مُكلَّفينَ و لَيسَ لَهُم دَواعٍ مُتردِّدةٌ‌، و الشُّبهةُ لا تَدخُلُ‌(6)عليهم‌؟ و التكليفُ إنّما يَحسُنُ تعريضاً للثوابِ‌، و الثوابُ لا يُستَحَقُّ مع تَوفُّرِ الدواعي(7)و امتناعِ دخولِ الشُّبهةِ‌.

فالجوابُ عن هذه الشُّبهةِ‌: أنّه غيرُ مُمتَنِعٍ دخولُ الشُّبهةِ علىٰ أهلِ الآخِرةِ‌، فيَصِحُّ أن يُكلَّفوا؛ لأنّهم في مُعايَنتِهم تلكَ الأهوالَ‌(8)و الآياتِ‌(9)يَجرونَ‌(10)مَجرىٰ مَن شاهَدَ المُعجِزاتِ العظيمةَ للأنبياءِ عليهم السلامُ في أنّه مُكلَّفٌ‌، و يَجوزُ دخولُ الشُّبهةِ عليه.

[

في بيان أنّ معارف أهل الآخرة ضروريّة

فأمّا(11)الذي يَدُلُّ علىٰ أنّ أهلَ الآخِرةِ لا بُدَّ أن يَكونوا عارفينَ باللّٰهِ تَعالىٰ و أحوالِه،


1) . في «ب، ج»: + «في». و في المطبوع: «منازله في» بدل «منازل».

2) . جاء في مسائل الخلاف، ص 331: «و يجب أن يصير أدون الناس منزلة في أوّل ما يدخل الجنّة، بمنزلة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله في أوّل ما يدخل الجنّة».

3) . في «ج»: - «من».

4) . في «أ، د، ش»: «مجبوراً».

5) . في «ج»: - «يكون».

6) . في «أ، ب، د، ش»: «و الشبه لا يدخل».

7) . أي: مع توفّر الدواعي إلى الحصول على الثواب.

8) . في المطبوع: «الأحوال».

9) . في «أ، د، ش»: «و الآفات».

10) . في «ج»: «تجري».

11) . في المطبوع: «و أمّا».

فهو أنّ المُثابَ متىٰ لَم يَعرِفْه تَعالىٰ لَم يَصِحَّ منه مَعرفةُ كَونِ الثوابِ ثَواباً واصِلاً(1)إليه علَى الوجهِ الذي استَحَقَّه(2)، و أنّه دائمٌ غيرُ مُنقَطِعٍ‌. و إذا كانَت هذه المَعارفُ واجبةً‌، فما لا تَتِمُّ‌(3)هذه المعرفةُ إلّابه - مِن مَعرِفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌، و إكمالِ العقلِ و غيرِه(4)- لا بُدَّ مِن حُصولِه.

و إنّما قُلنا بوجوبِ حصولِ هذه المَعارفِ لأنّ المُثابَ متىٰ لَم يَعرِفْ أنّ الثوابَ واصلٌ إليه علىٰ سَبيلِ الجَزاءِ عمّا فَعَلَه مِن الطاعاتِ‌، لَم يَعلَمْ أنّه قد وُفِّيَ حقَّه و وُفِيَ‌(5)له(6)بما عُرِّضَ له مِن التكليفِ الشاقِّ‌. و لأنّ كَونَ الثوابِ ثَواباً مُفتَقِرٌ إلَى العِلمِ بقَصدِ فاعلِه إلَى التعظيمِ به، و العِلمُ بالقَصدِ يَقتَضي العِلمَ بالقاصدِ.

و العِلمُ بدَوامِ الثوابِ أيضاً زائدٌ في لَذّةِ المُثابِ و نافٍ للتكديرِ و التنغيصِ بجَوازِ انقطاعِه، و معلومٌ أنّه لا يَتِمُّ العِلمُ بدَوامِه إلّابَعدَ المَعرفةِ باللّٰهِ تَعالىٰ‌.

و القولُ في المُعاقَبِ يَقرُبُ مِن القولِ في المُثابِ‌؛ لأنّه يَجِبُ أن يَعرِفَ أنّ الآلامَ الواصلةَ إليه(7)علىٰ سَبيلِ العِقابِ‌، فيَعلَمَ أنّها مُستحَقّةٌ و واقعةٌ علىٰ وجهِ الحُسنِ‌، و يَعلَمَ قَصْدَ القاصدِ إلَى الِاستخفافِ‌(8)بها، كما قُلناه في بابِ الثوابِ و القَصدِ إلَى التعظيمِ به، و يَعلَمَ أيضاً دوامَه، فيَكونَ ذلكَ زائداً في إيلامِه و الإضرارِ به. و هذا


1) . في «ب، ج» و المطبوع: «و واصلاً».

2) . في المطبوع: «يستحقّه».

3) . في «أ، د، ش» و المطبوع: «يتمّ‌».

4) . في المطبوع: «و غيرهما».

5) . في المطبوع: «وفّي» بدون واو العطف.

6) . في «ج»: «لنا».

7) . في «أ، د، ش»: - «إليه».

8) . في «أ، ج، د، ش» و المطبوع: «الاستحقاق».

كُلُّه لا يَتِمُّ إلّابالمَعرِفةِ‌(1)باللّٰهِ تَعالىٰ و أحوالِه، فيَجِبُ حصولُها.

فإن قيلَ‌: فمِن أينَ‌(2)أنّ أهلَ المَوقِفِ يَجِبُ أن يَكونوا عارفينَ باللّٰهِ تَعالىٰ‌، و لَيسَ يَتِمُّ فيهم ما ذَكرتموه في أهلِ الثوابِ و العِقابِ‌(3)؟

قُلنا: أهلُ المَوقِفِ يَجرونَ مَجرىٰ أهلِ الثوابِ و العِقابِ‌(4)في وجوبِ المَعرِفةِ باللّٰهِ تَعالىٰ‌؛ لأنّ الفائدةَ في المُحاسَبةِ و المُساءَلةِ و المُواقَفةِ هي حُصولُ السُّرورِ و اللَّذّةِ لأهلِ الثوابِ‌، و الألَمِ و الحَسرةِ لأهلِ العِقابِ‌، فلا بُدَّ مِن أن يَعرِفوا اللّٰهَ - عَزَّ و جَلَّ - لِيَعلَموا ما ذَكرناه. و لأنّ نَشْرَ الصُّحُفِ و المُحاسَبةَ و المُساءَلةَ أفعالٌ واقعةٌ علىٰ وجهِ الحِكمةِ‌، و لا يَجوزُ أن يَعرِفوا وقوعَها علىٰ هذا الوجهِ مِن الحُسنِ و الحِكمةِ إلّابَعدَ مَعرِفتِهم باللّٰهِ تَعالىٰ و أحوالِه، و مَتىٰ لَم يَعرِفوه جَوَّزوا فيها خِلافَ ما بُنيَ عليه مِن وجهِ‌(5)الحِكمةِ‌.

و إذا وَجَبَ‌(6)في أهلِ الآخِرةِ أن يَكونوا عارِفينَ باللّٰهِ تَعالىٰ‌، لَم تَخلُ‌(7)حالُهم في هذه المعرفةِ مِن وجوهٍ‌: إمّا أن يَكونوا مُكتَسِبينَ لها و مُستَدِلّينَ عليها، أو يَكونوا مُلجَئينَ إليها و إلَى النظَرِ الموَلِّدِ لها، أو يَكونوا مُضطَرّينَ إليها أو(8)إلَى النظَرِ الموَلِّدِ لها.

و لا يَجوزُ أن يَكونوا(9)مُكتَسِبينَ لهذه المَعرِفةِ‌؛ لأنّ ذلكَ يَقتَضي كَونَهم مُكلَّفينَ‌، و قد بيّنّا أنّهم غيرُ مُكلَّفينَ‌.


1) . في المطبوع: «بعد المعروفة» بدل «بالمعرفة».

2) . في «ج» و المطبوع بين معقوفين: + «علمتم».

3) . في المطبوع: + «في وجوب المعرفة باللّٰه تعالىٰ‌».

4) . من قوله: «قلنا: أهل الموقف...» إلىٰ هنا ساقط من «ج».

5) . في المطبوع: «وجوه».

6) . في «ب»: «و لو أوجب» بدل «و إذا وجب».

7) . في «أ، د، ش»: «لَم يَخلُ‌».

8) . في «ب» و المطبوع: «و».

9) . في «أ، د»: «أن يكون».

و لا يَجوزُ أن يَكونوا مُكتَسِبينَ‌(1)لها علىٰ سَبيلِ التذكُّرِ(2)- كما يَفعَلُه المُنتبِهُ مِن(3)نَومِه عندَ انتباهِه، في أنّه يَفعَلُ اعتقاداً لِما كانَ عالِماً به(4)، فيَكونُ‌(5)عُلوماً لأجلِ التذَكُّرِ(6)-؛ و ذلكَ أنّ هذا(7)الوجهَ لا يَخرُجونَ معه مِن جُملةِ التكليفِ‌؛ لأنّهم و إن كانوا عندَ التذكُّرِ لا بُدَّ أن يَفعَلوا الاعتقاداتِ التي تَصيرُ علوماً، و الشُّبَهُ مُتطرِّقةٌ عليهم، و يَجوزُ دخولُها فيما عَلِموه، فلا بُدَّ أن يُكلَّفوا دَفْعَها و التخَلُّصَ منها؛ فالتكليفُ ثابتٌ أيضاً علىٰ هذا الوجهِ‌.

علىٰ أنّ هذا الوجهَ إنّما يَتطرَّقُ فيمَن كانَ عارفاً باللّٰهِ تَعالىٰ في دارِ الدُّنيا؛ فأمّا(8)مَن لَم يَكُن عارفاً(9)فلا يَتأتّىٰ منه.

فإن قيلَ‌: هؤلاءِ الذينَ كانوا في الدُّنيا لا يَعرِفونَ اللّٰهَ تَعالىٰ يَعرِفونَه في الآخِرةِ ضَرورةً‌.(10)

قُلنا: بالإجماعِ نَعلَمُ ضَرورةً أنّ مَعارِفَ أهلِ الآخِرةِ مُتَساويةٌ في طريقِها غيرُ مُختَلِفةً‌.


1) . من قوله: «لهذه المعرفة؛ لأنّ‌...» إلىٰ هنا ساقط من «ش». و لفظ «مكتسبين» ساقط من «ج».

2) . في «أ، د، ش»: «التذكرة».

3) . في المطبوع: «عن».

4) . في المطبوع: - «به».

5) . في «ب»: + «له»، و وُضع فوقها حرف «ظ».

6) . في «أ، د، ش»: «التذكرة».

7) . في «أ، د، ش»: - «هذا».

8) . في المطبوع: «و أمّا».

9) . في المطبوع بين معقوفين: + «به»، و أُشير في الهامش إلىٰ وجوده في نسخةٍ‌؛ و هو موجود في نسخ أُخرىٰ لم نعتمدها في هذا التحقيق، و هي النسخ التي تحمل الأرقام: 6، 7، 10. راجع مقدّمة الرسالة.

10) . أي يمكن أن تكون معرفةُ من لم يعرف اللّٰه تعالى في الدنيا معرفةً ضروريّة في الآخرة، و معرفةُ من كان يعرفه في الدنيا معرفةً بالتذكّر. و بهذا التفصيل يرتفع الإشكال الأخير الذي ذكره المصنّف رحمه اللّٰه عند قوله: «علىٰ أنّ هذا الوجه...».

و لا يَجوزُ أن يَكونوا مُلجَئينَ إلَى المَعرِفةِ‌، و لا إلَى النظَرِ الموَلِّدِ للمَعرِفةِ‌؛ لأنّ الإلجاءَ إلىٰ أفعالِ القُلوبِ لا يَصِحُّ إلّامنه تَعالىٰ‌؛ لأنّه المُطَّلِعُ علَى الضمائرِ. و لا يَصِحُّ أن يَكونَ تَعالىٰ مُلجِئاً لهم إلّامع تَقدُّمِ مَعرِفتِهم به و بأحوالِه؛ لأنّه إنّما يُلجِئُهم إلَى الفِعلِ‌(1)بأن يُعلِمَهم بأنّهم مَتىٰ حاوَلوا العُدولَ عنه مَنَعَهم منه،(2)و ذلكَ يَقتَضي كَونَهم عارفينَ به تَعالىٰ و بصفاتِه.(3)

علىٰ أنّ الإلجاءَ إلَى المَعرفةِ أيضاً لا يَصِحُّ‌؛ لأنّه إنّما يُلجِئُ إلَى الِاعتقاداتِ المخصوصةِ‌؛ بأن(4)يُعلِمَ المُلجَأَ أنّه يَمنَعُه متىٰ رامَ غيرَها. و أكثَرُ ما في ذلكَ أن يَقَعَ مِن هذا المُلجَإِ تلكَ الاعتقاداتُ‌، فما الذي يَقتَضي كَونَها عُلوماً و مَعارِفَ؟ و لا وجهَ يَقتَضي(5)ذلكَ مِن الوجوهِ المذكورةِ التي يَصيرُ الاعتقادُ لها عِلماً.

و لا يَجوزُ أن يَكونَ تَعالىٰ مُضطَرّاً لهم إلَى النظَرِ المُولِّدِ للمَعرِفةِ‌؛ لأنّ ذلكَ جارٍ مَجرَى العَبَثِ الذي لا فائدةَ فيه؛ لأنّ الغرضَ هو المَعرِفةُ‌، و الِاضطرارُ إليها يُغني عن الاضطرارِ إلىٰ سببِها.

علىٰ أنّ في النظرِ مَشَقّةً و كُلفةً‌، و ذلكَ يُنافي(6)صفةَ أهلِ الثوابِ في الآخِرةِ‌.

و إذا وَجَبَ في مَعرِفةِ أهلِ الثوابِ منهم الاضطرارُ، وَجَبَ ذلكَ في مَعارِفِ الجَميعِ‌؛ مِن الوجهِ الذي بيّنّاه.

فإن قيلَ‌: دُلّوا علىٰ أنّ في(7)مقدورِه تَعالىٰ عِلماً يَفعَلُه في غيرِه، فيَكونُ ذلكَ الغَيرُ به عالِماً؛ فإنّ كلامَكم مَبنيٌّ علىٰ أنّ ذلكَ مقدورٌ غيرُ مَمتَنِعٍ‌.


1) . في «أ، د، ش»: «المعرفة» بدل «الفعل».

2) . راجع: الحدود، ص 74-75.

3) . و بذلك استغنوا بمعرفتهم المتقدّمة به تعالىٰ عن أن يكونوا مُلجَئين إليها.

4) . في «أ، د، ش»: «بل».

5) . في المطبوع: «يقضي».

6) . في «أ، د، ش»: - «ينافي».

7) . في «أ، ج، د، ش»: - «في».

قُلنا: لا بُدَّ مِن كَونِ ذلكَ في مقدوراتِه تَعالىٰ‌؛ لأنّه لَو لَم يَكُن له مقدوراً(1)لَوجبَ في أجناسِ الاعتقاداتِ علَى اختلافِها أن تَكونَ خارجةً مِن مقدورِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌؛ لأنّه لا يوصَفُ تَعالىٰ بالقُدرةِ علىٰ عِلمٍ يَكونُ به هو تَعالىٰ‌(2)عالِماً. و إذا كانَ لا يوصَفُ بالقُدرةِ علىٰ عِلمٍ يَكونُ غيرُه به عالِماً(3)، فيَجِبُ أن يَكونَ جنسُ العلومِ‌(4)مِن الاعتقاداتِ خارجاً عن مقدورِه، و هذا يَقتَضي أن يَكونَ غيرُه مِن المُحدَثينَ أقدَرَ منه و أكمَلَ حالاً في القُدرةِ‌؛ لأنّا نَقدِرُ علىٰ هذه الأجناسِ‌. و إذا ثَبَتَ أنّه تَعالىٰ أقدَرُ مِنّا و أنّه لا يَجوزُ أن نَقدِرَ علىٰ جنسٍ لا يَقدِرُ هو تَعالىٰ عليه، ثَبَتَ أنّه لا بُدَّ أن يَكونَ قادراً علىٰ جنسِ العلومِ‌(5).

و لهذا كُفِّرَ أبو القاسِمِ البَلخيُّ‌(6)في هذه المَسألةِ‌، و قيلَ له: إنّكَ‌(7)مُصرِّحٌ بأنّا أقدَرُ منه.

و لا يَلزَمُ علىٰ هذا ما نَقولُه كُلُّنا، مِن أنّه لا يوصَفُ بالقُدرةِ علَى الجَمعِ بَينَ‌


1) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «مقدورٌ» بالرفع؛ لكنّ الصحيح هو النصب؛ مطابقاً لخمس نسخ لم نعتمدها في هذا التحقيق، و هي التي تحمل الأرقام: 5، 6، 7، 8، 10. راجع مقدّمة الرسالة.

2) . في «أ، د، ش»: «عبرة» بدل «هو تعالىٰ‌».

3) . من قوله: «و إذا كان لا يوصف...» إلىٰ هنا ساقط من «أ، د، ش».

4) . في «أ، د، ش»: «المعلوم».

5) . في «ج، ش»: «المعلوم».

6) . أبو القاسم عبد اللّٰه بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي، من شيوخ المعتزلة، و من الذين انتهت إليهم رئاسة المعتزلة، و إليه تنسب الفرقة الكعبيّة. أخذ الكلام عن أبي الحسين الخيّاط، و انفرد عنه بمسائل، و كان كاتباً لمحمّد بن زيد. قيل في وفاته: 319 ه‍. و قيل: 317 ه‍. راجع: طبقات المعتزلة، ص 88؛ تاريخ بغداد، ج 12، ص 337؛ الملل و النحل، ج 1، ص 102 و 103؛ الفَرق بين الفِرَق، ص 108؛ لسان الميزان، ج 3، ص 255، الرقم 1103.

7) . في «ج»: - «إنّك». و في المطبوع وُضع بين معقوفين، و أُشير في الهامش إلىٰ كونه موجوداً في نسخةٍ واحدةٍ فقط، و أنّه في نسخةٍ أخرىٰ‌: «بأنّك».

الضدَّينِ‌، و أن يَفعَلَ في نفسِه حركةً‌(1)، و ما أشبَهَ ذلكَ‌؛ لأنّ هذا كُلَّه غيرُ مقدورٍ في نفسِه، مِن حَيثُ لا يَقدِرُ عليه مِن القادرِينَ أحَدٌ، و لَيسَ كذلكَ قَبيلُ الاعتقاداتِ‌؛ لأنّه مقدورٌ في نفسِه لِمَن هو أنقَصُ حالاً مِن القَديمِ تَعالىٰ في بابِ القُدرةِ‌، فأَولىٰ و أَحرىٰ أن يَكونَ تَعالىٰ قادراً عليه.

فإن قيلَ‌: فإذا كان التكليفُ زائلاً عنهم، فكَيفَ أمَرَهم تَعالىٰ بقَولِه: «كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً بِمٰا أَسْلَفْتُمْ فِي اَلْأَيّٰامِ اَلْخٰالِيَةِ‌» (2)؟

قُلنا: قيلَ‌: إنّ هذا اللفظَ و إن كانَ صيغتُه(3)الأمرَ فلَيسَ بأمرٍ علَى الحقيقةِ‌؛ بَل يَجري مَجرَى الإباحةِ‌، و الإباحةُ لها صورةُ الأمرِ. و قيلَ‌(4)أيضاً: إنّه أمرٌ، و إنّه تَعالىٰ أرادَ مِن أهلِ الجَنّةِ الأكلَ و الشُّربَ علىٰ سَبيلِ الزيادةِ في مَلاذِّهم و سُرورِهم، لا علىٰ سَبيلِ التكليفِ‌.

فإن قيلَ‌: فكَيفَ تَقولونَ في شُكرِ أهلِ الجَنّةِ لنِعَمِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌، أوَ لَيسَ هو بِلازمٍ‌(5)لهم‌؟

قُلنا: أمّا ما(6)يَرجِعُ إلَى القَلبِ مِن الشُّكرِ، فهو يَحصُلُ في قُلوبِهم ضَرورةً‌؛ لأنّه يَرجِعُ إلَى الِاعتقاداتِ‌. و ما يَرجِعُ إلَى اللسانِ منه فلا كُلفةَ فيه، و رُبَّما كانَ في مِثلِه(7)


1) . في المطبوع: «الحركة».

2) . الحاقّة (69):24.

3) . في «ب» و المطبوع: «صيغة».

4) . في المطبوع: «فقيل». و القائل الجبّائيّان أبو علي و أبو هاشم. راجع: الذخيرة، ص 524.

5) . في «أ، ج، د، ش» و المطبوع: «لازم» بدون الباء.

6) . لفظ «ما» لا يوجد في أيّ من النسخ المعتمدة؛ لكنّه ضروريٌّ و مطابقٌ لنسخ لم نعتمدها في هذا التحقيق، و هي التي تحمل الأرقام: 6، 7، 8، 10. راجع مقدّمة الرسالة.

7) . في «ج» و المطبوع: «مثله في» بدل «في مثله».

اللذّةُ‌؛ لأنّ أحَدَنا يَلتَذُّ و يُسَرُّ بالتحَدُّثِ بنِعَمِ اللّٰهِ تَعالىٰ عليه، لا سِيَّما إذا كانَ وصولُها إليه بَعدَ شِدّةٍ و مَدىً طويلٍ مِن الزمانِ‌.

[

أفعال أهل الآخرة

و أمّا أفعالُ أهلِ الجَنّةِ‌، فالصحيحُ أنّها واقعةٌ منهم علىٰ سَبيلِ الِاختيارِ، و إن كانوا مُلجَئينَ إلَى الِامتناعِ مِن القَبيحِ‌(1)، بخِلافِ ما قالَه أبو الهُذَيلِ‌(2)فإنّه كانَ يَذهَبُ إلىٰ أنّ أفعالَهم ضَروريّةٌ‌.

و الذي يَدُلُّ علىٰ صحّةِ ما اختَرناه: أنّه لا بُدَّ أن يَكونوا مع كمالِ عقولِهم و مَعرِفتِهم بالأُمورِ ممّن يُخطِرُ(3)القَبيحَ بقَلبِه و يَتصوَّرُه، و هُم قادرونَ عليه لا مَحالةَ‌. و لا يَجوزُ أن يُخَلّىٰ بَينَهم و بَينَ فِعلِه، فلا يَخلُونَ مِن أن يُمنَعوا(4)مِن فِعلِه(5)بأمرٍ و تكليفٍ أو بإلجاءٍ علىٰ ما اختَرناه، أو بأن يُضطَرّوا إلىٰ خِلافِه علىٰ ما قالَه أبو الهُذَيلِ‌.

و لا يَجوزُ أن يَكونوا مُكلَّفينَ‌؛ لِما تَقدَّمَ ذِكرُه، و لا مُضطَرّينَ - علىٰ ما قالَه أبو الهُذَيلِ -؛ لأنّ المُضطَرَّ مُتنغِّصُ‌(6)

و «تَنَغَّصَت عيشَتُه» أي: تَكَدَّرَت. الصحاح، ج 3، ص 1059 (نغص).

اللَّذّةِ غيرُ خالٍ مِن تنغيصٍ‌(7)و تكديرٍ؛ لِكَونِه(8)

1) . في المطبوع: «القبح».

2) . محمّد بن محمّد بن الهُذيل بن عبد اللّٰه بن مكحول العبدي، أبو الهُذيل العلّاف؛ من أئمّة المعتزلة. وُلد في البصرة، و اشتهر بعلم الكلام. له مقالات في الاعتزال و مجالس و مناظرات. كُفّ بصره في آخر عمره، و توفّي بسامرّاء سنة 235 ه‍. راجع: الأعلام للزركلي، ج 7، ص 131.

3) . في «أ، د»: «يحضر». 4. في «أ، د»: «أن يمتنعوا».

4)

5) . في المطبوع: «فعل».

6) . في «أ، د»: «منتقص». و في «ب»: «متنخّض». و في المطبوع: «مستنغص».

7) . في «أ، د»: «تنقيص». و في «ب»: «تنغيض».

8) . في «أ، ب، د»: «بكونه».

مُضطَرّاً. و لأنّ التصَرُّفَ علَى اختيارِه فيما يَتناوَلُ ما يَشتَهيهِ و يَنقُلُه مِن حالٍ إلىٰ حالٍ باختيارِه أَزيَدُ في لَذّاتِه و أَدخَلُ في تَمتُّعِه و سُرورِه، و إنّما يُرغِّبُ اللّٰهُ تَعالىٰ في اللَّذّاتِ الواصلةِ في الجَنّةِ علَى الوجهِ المُعتادِ في الدُّنيا.

فلَم يَبقَ بَعدَ ذلكَ إلّاأنّهم مُلجَؤونَ‌(1)إلَى الِامتناعِ مِن القَبيحِ‌، و إلّاجازَ وقوعُه منهم.

فأمّا(2)ما ظَنَّ أبو الهُذَيلِ‌ أنّهم متىٰ لَم يَكونوا مُضطَرّينَ إلى أفعالِهم كانَت عليهم فيها مَشَقّةٌ و هَمٌّ مِن حَيثُ تَكلَّفوا الأفعالَ‌، و قَدَّرَ(3)أنّ قولَه بذلكَ أَدعىٰ إلىٰ تخليصِ الثوابِ مِن الشوائبِ‌؛ فقَد بيّنّا: أنّ الذي يُنغِّصُ‌(4)اللَّذّةَ هو كَونُهم مُضطَرّينَ لا مُختارينَ‌، و أنّ نَيلَ‌(5)المُلتَذِّ ما يَنالُه مِن اللَّذّاتِ باختيارِه و إيثارِه أكمَلُ لِلَذّتِه و أقوىٰ لِمَنفَعتِه. و أمّا الكُلفةُ في الأفعالِ‌، فهي مُرتَفِعةٌ عنهم؛ لأنّهم يَنالونَ ما يَشتَهونَ علىٰ وجهٍ لا كُلفةَ فيه، و لا تَعَبَ‌، و لا نَصَبَ‌.

فإن قيلَ‌: فهذا يُبيِّنُ كَونَ أهلِ الثوابِ غيرَ مُضطَرّينَ‌، فما تَقولونَ‌(6)في أهلِ العِقابِ و أهلِ المَوقِفِ؟

قُلنا: أمّا أهلُ العِقابِ‌، فكَونُهم مُختارينَ لأفعالِهم أشَدُّ تأثيراً في إيلامِهم و الإضرارِ بهم؛ لأنّهم إذا لَم يَتمكَّنوا مع كونِهم مُختارينَ أن يَدفَعوا ما نَزَلَ بهم مِن الضرَرِ، كان ذلكَ أقوىٰ‌(7)لحَسَراتِهم و أزيَدَ في غَمِّهم.


1) . في المطبوع: «يلجؤون».

2) . في المطبوع: «و أمّا».

3) . في المطبوع: «و قد رأىٰ‌» بدل «و قدّر».

4) . في «أ»: «ينقص». و في «د»: «ينقض».

5) . في «أ، د»: «ميل».

6) . في «أ، ج، د»: «فيما يقولون» بدل «فما تقولون».

7) . في «أ، د»: «أكثر».

و أمّا أهلُ المَوقِفِ‌، فبالإجماعِ يُعلَمُ أنّ أفعالَهم كأفعالِ أهلِ الجَنّةِ و أهلِ النارِ؛ لأنّ أحَداً لَم يُفرِّق بَينَ‌(1)الجَميعِ‌.

فإن قيلَ‌: فإذا قُلتم أنّهم مُلجَؤونَ إلىٰ أن لا يَفعَلوا القَبيحَ‌، فقَد ثَلَمَ‌(2)ذلكَ كَونَهم مُختارينَ لأفعالِهم علىٰ بعضِ الوجوهِ‌.

قُلنا: إنّما يُلجَؤونَ إلىٰ أن لا يَفعَلوا القَبيحَ خاصّةً‌، فالإلجاءُ إنّما يَكونُ فيما لا يَفعَلونَه، فأمّا ما يَفعَلونَه فهُم فيه مُخيَّرونَ‌؛ لأنّهم(3)يؤثِرونَ فِعلاً علىٰ غيرِه، و يَنتَقِلونَ‌(4)مِن حالٍ إلىٰ أُخرىٰ بَعدَ أن لا يَكونَ في أفعالِهم شَيءٌ مِن القَبيحِ‌. و لَيسَ يَمتَنِعُ أن يَكونَ المُلجَأُ مِن وجهٍ مُخيَّراً(5)مِن آخَرَ، و علىٰ وجوهٍ أُخَرَ(6)لأنّ‌(7)مَن ألجَأَه السَّبُعُ إلىٰ مُفارَقةِ مكانٍ بعَينِه هو مُخيَّرٌ في الجِهاتِ المُختَلِفةِ و الطُّرُقِ المُتَغايِرةِ‌، فالتخَيُّرُ(8)ثابتٌ و إن كانَ مُلجَأً مِن بعضِ الوجوهِ‌.

و لَيسَ يَجِبُ أن يَلحَقَهم غَمٌّ و لا حَسرةٌ مِن حَيثُ أُلجِئوا إلىٰ‌(9)أن لا يَفعَلوا القَبيحَ‌؛ لأنّهم مُستَغنونَ عنه بالحَسَنِ‌، فلا غَمَّ و لا حَسرةَ في الإلجاءِ إلىٰ مُفارَقةِ القَبيحِ‌.

و هذه الجُملةُ‌(10)كافيةٌ لِمَن اطَّلَعَ عليها، و اللّٰهُ المُوفِّقُ للصوابِ‌.


1) . في «أ، د»: - «بين». 2. في المطبوع: + «من».

2)

3) . في «أ، د»: + «لا».

4) . في «أ، د»: «و ينتقلوا». و في المطبوع: «و ينقلون».

5) . في المطبوع: + «كذلك»، و قد وُضع بين معقوفين.

6) . في المطبوع: - «و علىٰ وجوهٍ أُخَرَ».

7) . في المطبوع: «لأنّه».

8) . في «ب، ج»: «فالتخيير».

9) . في «أ، د»: - «إلىٰ‌».

10) . في «أ، ب، د»: «جُملةٌ‌» بدون الألف و اللام.

(48) مُناظَرةُ أبي العَلاءِ المَعَرّيِّ مع الشريفِ المرتضى

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

تعتبر هذه المناظرة من مناظرات الشريف المرتضى القليلة المنقولة بنصّها، فهو على خلاف شيخه المفيد الذي حفظ لنا التاريخ العديدَ من مناظراته، خاصّة تلك المنقولة في كتاب الفصول المختارة، لم يصل إلينا من مناظراته إلّاعدد يسير جدّاً. و الذي يحضرنا الآن من مناظراته و مباحثاته - إضافة إلى هذه التي بين يدينا - ما يلي:

1.

مناظرة مع أحد المعتزلة حول نظريّة الصرفة المتعلّقة ببحث جهة إعجاز القرآن(1).

2.

مباحثة حول معنى حديث: «نيّة المرء خيرٌ من عمله»(2).

3.

مناظرة مع أبي عليّ الحسين بن الخضر البخاري الحنفي (ت 424 ه‍) حول حديث: «ما تركنا صدقة»(3).

و الجدير بالذكر أنّ الذهبي (ت 748 ه‍) قد نقل المناظرة الأخيرة؛ لكنّه لم يجزم بها، فقد عبّر عنها ب‍ «قيل» الدالّة على التضعيف، و المُلاحَظ أنّه لم ينقل شيئاً من كلام الشريف المرتضى في هذه المناظرة، و إنّما اكتفى بنقل كلام الخصم فقط(4).

و قد انعقدت المناظرة محلّ البحث في مجلس الشريف المرتضى عندما دخل


1) . الموضح عن جهة إعجاز القرآن (الصرفة)، ص 169.

2) . الأمالي للمرتضى (التكملة)، ج 2، ص 267.

3) . الأنساب للسمعاني، ج 4، ص 387.

4) . سير أعلام النبلاء، ج 17، ص 424-425.

عليه أبو العلاء المعرّي (ت 449 ه‍)، و سأله أسئلة رمزيّة، فأجاب الشريف المرتضى عليها بإجابات تشبهها في الرمزيّة. فصارت المناظرة أقربَ إلى الأحاجي و الألغاز منها إلى الوضوح و الجلاء. و لولا أنّ الشريف المرتضى قام بإيضاح معاني تلك الألغاز بعد مغادرة المعرّي المجلسَ‌، لكُنّا نجهل مضمون المناظرة تماماً، أو كنّا نكتفي ببعض التخمينات و الاحتمالات التي لا تغني من الحقّ شيئاً.

و على أيّ حال، فهذه المناظرة اللغزيّة الرمزيّة ليست كثيرة على الرجلَين المعروفَين بالذكاء و النباهة.

و أمّا تاريخ المناظرة، فيمكن تخمينه بالفترة الواقعة بين سنتي 399 و 400 ه‍؛ فقد كان المعرّي مقيماً في بغداد ما بين هاتين السنتين؛ فإنّه دخلها سنة 399 ه‍، و مكث فيها سنة و ستّة أو تسعة أشهر، و رثى خلالها الشريف الطاهر أبا أحمد الموسوي والد الشريفين المرتضى و الرضي، و الذي توفّي في جمادى الأُولى من سنة 400 ه‍(1)، و رحل منها في رمضان من نفس السنة(2)، فتكون المناظرة قد انعقدت خلال هذه الفترة.

نسبتها إلى المؤلّف

أمّا التوثيق التاريخي لهذه المناظرة، فيمكن الاطمئنان إلى وقوعها فعلاً بين الشريف المرتضى و المعرّي؛ فإنّ راويها هو الشيخ سليمان الصهرشتي كما جاء في بدايتها، و هو أحد تلامذة الشريف المرتضى. و يظهر من أُسلوب نقله للمناظرة أنّه كان حاضراً فيها، أو أنّه نقلها ممّن يوثق به، فهو قد نقل المناظرة بصورة جازمة من دون أيّ تشكيك. و يعتبر هذا قرينة مهمّة جدّاً علىٰ وقوع المناظرة تاريخيّاً.

أضف إلىٰ ذلك لقد أُشير فيها إلى بعض الآراء التي يمكن التأكّد من إيمان


1) . راجع: الجامع في أخبار أبي العلاء المعرّي و آثاره، ج 1، ص 219-220.

2) . تجديد ذكرى أبي العلاء، ص 155.

الشريف المرتضى و المعرّي بها، و ذلك من خلال مراجعة شعر المعرّي و مؤلّفات الشريف المرتضى.

و نقوم فيما يلي باستعراض بعض آراء المعرّي المذكورة في المناظرة، و نقارنها مع ما يدلّ عليها من شعره، و لعلّ مَن يغوص في تراثه و شعره يتمكّن من الحصول على شواهد أكثر على ذلك:

1. قِدَم العالم. جاءت في المناظرة إشارة إلى إيمان المعرّي بقِدَم العالم. و يمكن تأييد ذلك من خلال شعره، فهو كان يؤمن بقِدَم المادّة و عناصرها الأربعة، حيث قال:

نُرَدُّ إلى الأُصولِ و كلُّ حيٍّ *** له في الأربعِ القُدُمِ انتسابُ‌(1)

و يعني بالأربع القُدُم العناصر الأربعة.

و قال أيضاً:

آليتُ لا ينفكُّ جسمي في أذى *** حتّى يعودَ إلى قديمِ العنصرِ(2)

و هذا يدلّ على إيمانه بقِدَم المادّة و العناصر الأربعة.

كما أنّه كان يؤمن بقِدَم الزمن، حيث قال:

أرى زمناً تقادَمَ غيرَ فانِ *** فسبحانَ المهيمنِ ذي الكمالِ‌(3)

2. أحكام النجوم و الكواكب. أُشير في المناظرة في أكثر من موضع إلى اهتمام المعرّي بالنجوم و الكواكب، كالشِّعرىٰ و زحل و تأثيره، و الكواكب و النجوم السبعة، و العناصر أو الطبائع الأربع.

و هكذا كان المعرّي في شعره، فقد كان يعظّم الكواكب، و يرى أنّ النجوم قديمة و خالدة، و أنّها مؤثّرة في العالم تأثيراً طبعيّاً، و أنّها مجرّدة من الحسّ و العقل


1) . المصدر السابق، ص 264.

2) . المصدر، ص 264-265.

3) . المصدر، ص 266.

و النفس(1). و قد قال في ذلك:

يا شُهْبُ‌، إنّكِ في السماءِ قديمةٌ *** و أشرتِ للحُكماءِ كلَّ مُشارِ

و قال أيضاً:

الشُّهْبُ عظّمها المليكُ و نصَّها *** للعالمين فواجبٌ إعظامُها

و قال:

أرى أربعاً آزرت سبعة *** و تلكَ نوازلُ في اثنَي عشر

فمراده بالأربع العناصر، و بالسبعة الكواكب أو النجوم السيّارة، و بالاثني عشر البروج(2).

إذن، إنّ معظم ما جاء في المناظرة يتناسب مع آراء المعرّي المعروفة عنه و المنتشرة في ثنايا شعره.

كما أنّ‌ ما جاء فيها يتناسب أيضاً مع آراء الشريف المرتضى المعروفة عنه، فهو كان يؤمن بحدوث العالم(3)، كما كان ينكر تأثير الكواكب و النجوم(4)، و لا حاجة بنا إلى تفصيل ذلك.

إذن هذا التطابق الكبير بين ما نسب إلى الشريف المرتضى و المعرّي من آراء في هذه المناظرة، و بين ما هو معروف من آرائهما، يدعو إلى الاطمئنان بأنّ المناظرة ليست منحولة، و أنّها لا تخلو من صلة بالواقع و الحقيقة.

ثمّ إنّ هذه المناظرة منقولة في مصدر متقدّم نسبيّاً، فهي منقولة في كتاب الاحتجاج للشيخ أبي منصور الطبرسي(5)- الذي كان حيّاً في القرن السادس -، أي أنّه كانت تفصله عن تاريخ حصول المناظرة حوالي مائة سنة فقط، أو أكثر بقليل.


1) . المصدر، ص 271.

2) . المصدر، ص 269-271.

3) . الملخّص، ص 55-62.

4) . راجع: المسألة الخامسة من المسائل السلّارية.

5) . الاحتجاج، ج 2، ص 612.

و نشير في الختام إلى أنّه جاء في نهاية المناظرة بيتان للمعرّي في مدح الشريف المرتضى، لكنّهما غير موجودين في ديوانه، حيث قال مؤلّف كتاب الجامع في أخبار أبي العلاء المعرّي بعد أنّ نقل المناظرة و البيتين من كتاب الاحتجاج: «و هذان البيتان لم يُذكرا في ديوانيه، و لا رأيتهما في غير هذا المكان»(1). إنّ عدم وجود البيتين بين أشعار المعرّي المعروفة، إن دلّ فرضاً على عدم صحّة نسبة البيتين إليه، لكنّه لا يدعو إلى التشكيك في صحّة نسبة أصل المناظرة، فلعلّ هذين البيتين قد أُضيفا فيما بعد إلى المناظرة، خاصّة و إنّ الطبرسي عند نقل البيتين قال: «و قيل: إنّ المعرّي لمّا خرج عن العراق، سُئل عن السيّد المرتضى، فقال:...»، و نقل البيتين(2)، فهو عبّر عن ذلك بقوله: «قيل»، و هو يدلّ على عدم اطمئنانه بصحّة نسبة البيتين، كما يدلّ على أنّهما أُضيفا فيما بعد إلى نصّ المناظرة.

هذا، و لم تطبع هذه المناظرة في ضمن رسائل الشريف المرتضى المطبوعة في قم، و لا مسائل المرتضى المطبوعة في بيروت، ولكنّها طبعت في ضمن عدّة كتب، أهمّها كتاب الاحتجاج، ج 2، ص 612، ثمّ كتاب بحار الأنوار، ج 10، ص 406؛ الغدير، ج 4، ص 272؛ مواقف الشيعة، ج 1، ص 117؛ الجامع في أخبار أبي العلاء المعرّي، ج 1، ص 247، و غيرها.

مخطوطات الرسالة
1. مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، ميكروفيلم (3014) 1255؛ تقع في الصفحات (111-112) من المجموعة، و هي ناقصة من الآخر بسطور، و رمزنا لها ب‍ «أ».

1) . الجامع في أخبار أبي العلاء المعرّي، ج 1، ص 247.

2) . الاحتجاج، ج 2، ص 616.

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (489-490) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (46) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

4.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2929) 1162؛ تقع في الصفحات (59-60) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

5.

مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587/4؛ تقع في الصفحات (39-41) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ع».

6.

كتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي (منشورات أُسوة)، فقد تقدّم أنّه نقل هذه المناظرة في كتابه، و لذلك قمنا بمقابلتها معه.

مُناظَرةُ أبي العَلاءِ المَعَرّيِّ مع الشريفِ المرتضى

اشارة

مُناظَرةُ أبي العَلاءِ المَعَرّيِّ مع الشريفِ المرتضى(1)

بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌(2)

نصّ المناظرة

قالَ الشيخُ سُلَيمانُ الصَّهرَشتيُّ‌(3)

و الشيخ الصهرشتي هو أبو الحسن سليمان بن حسن بن سليمان الصهرشتي المشتهر بنظام الدين، و قيل: أبو عبد اللّٰه. و قيل: «سلمان» بدل «سليمان». من تلامذة الشريف المرتضى، و الشيخ الطوسي، و أبي العبّاس النجاشي، و أبي الفرج المظفّر بن عليّ بن حمدان القزويني. وصفه منتجب الدين في فهرسته، ص 67، الرقم 184 هكذا: «فقيه، ثقة، وجه، ديِّن. قرأ على شيخنا الموفّق أبي جعفر الطوسي، و جلس في مجلس درس الشريف السيّد المرتضى علم الهدى. و له تصانيف منها: كتاب النفيس، و كتاب التنبيه، و كتاب النوادر، و كتاب المتعة. أخبرنا بها الوالد عن والده عنه». و من سائر تصانيفه: شرح مصباح الشريعة، و عمدة الولي، و قبس المصباح، و نهج السالك في معرفة المناسك، و البداية و غيرها. راجع: الفهرست لمنتجب الدين، ص 67، الرقم 184؛ أمل الآمل، ج 2، ص 128، الرقم 358؛ الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج 2، ص 118، الرقم 475، و ص 400، الرقم 1604؛ و ج 3، ص 57، الرقم 154، و ص 322، الرقم 1200؛ و ج 4، ص 448، الرقم 1996؛ و ج 14، ص 51، الرقم 1703 و...؛ كشف الحجب و الأستار، ص 47، الرقم 223، و ص 350، الرقم 1958، و ص 353، الرقم 1977؛ و...؛ هديّة العارفين، ج 1، ص 397.

: دَخَلَ أبو العَلاءِ المَعَرّيُّ علىٰ‌

1) . هكذا في «د، ع». و سائر النسخ خالية من العنوان. و في الاحتجاج: «احتجاج السيّد الأجلّ علم الهدى المرتضى أبي القاسم عليّ - رضي اللّٰه عنه و أرضاه - علىٰ أبي العلاء المعرّي الدهري في جواب ما سأل عنه مرموزاً».

2) . في «ص»: + «و به نستعين، و به تمسّكي و اعتمادي».

3) . في «أ، ج»: + «رحمة اللّٰه عليه». و في «ص»: + «رحمه اللّٰه». و في الاحتجاج: - «قال الشيخ سليمان الصهرشتي».

سَيّدِنا(1)المُرتَضىٰ عَلَمِ الهُدىٰ‌(2)رَضِيَ اللّٰهُ عنه(3)، فقالَ‌: يا(4)أيُّها السيِّدُ، ما قولُكَ في الكُلِّ؟

فقالَ‌(5)السيِّدُ: ما قولُكَ في الجُزءِ؟

فقالَ أبو العَلاءِ‌(6): ما قولُكَ في الشِّعرىٰ؟

فقالَ السيِّدُ: ما قولُكَ في التَّدويرِ؟

فقالَ‌(7)أبو العَلاءِ‌: ما قولُكَ في عدمِ الانتهاءِ؟

فقالَ السيِّدُ: ما قولُكَ في التحيُّزِ و الناعورةِ‌(8)؟

فقالَ أبو العَلاءِ‌: ما قولُكَ في السَّبعِ؟

فقالَ السيِّد: ما قولُكَ في الزائدِ البَريءِ‌(9)مِن(10)السَّبعِ؟

فقالَ أبو العَلاءِ‌: ما قولُكَ في الأربَعِ؟


1) . في الاحتجاج: «السيّد».

2) . في الاحتجاج: - «علم الهدى».

3) . في «أ، ج، ص»: «قدّس اللّٰه روحه، و نوّر ضريحه». و في الاحتجاج: «قدّس اللّٰه روحه».

4) . في «د، ع» و الاحتجاج: - «يا».

5) . في الاحتجاج: «قال».

6) . في الاحتجاج: - «أبو العلاء». و قد حُذفت كلمتا «السيّد» و «أبو العلاء» في الاحتجاج من جميع الموارد المشابهة الآتية.

7) . في الاحتجاج: «قال». و هكذا في نظيره التالي.

8) . الناعورة: الدولاب. قال المجلسيّ بعد نقل ذلك: «و استُعيرَ هنا للفَلَك الدوّار». بحار الأنوار، ج 10، ص 408. و راجع: لسان العرب، ج 5، ص 222 (نعر).

9) . كذا، و لعلّ الصواب: «المُربي» أي الزائد. راجع: هامش 30 من كتاب «أبو العلاء في بغداد» لطه الراوي. و حينئذ يكون الصواب: «المُربي على السبع».

10) . في جميع النسخ: «على». و ما أثبتناه فمن بعض نسخ الاحتجاج.

فقالَ السيِّدُ: ما قولُكَ في الواحدةِ و الِاثنتَينِ‌(1)؟

فقالَ أبو العَلاءِ‌: ما قولُكَ في المؤثِّرِ؟

فقالَ السيِّدُ: ما قولُكَ في المؤثِّراتِ‌(2)؟

فقالَ أبو العَلاءِ‌: ما قولُكَ في النَّحسَينِ؟

فقالَ السيِّدُ: ما قولُكَ في السَّعدَينِ؟

قالَ‌(3): فبُهِتَ أبو العَلاءِ‌.

فقالَ‌(4)السيِّدُ المُرتَضىٰ - قَدّسَ اللّٰهُ روحَه -(5)عندَ ذلكَ‌: ألا كُلُّ مُلحِدٍ مُلهِدٌ.

فقالَ أبو العَلاءِ‌: أخَذتَهُ مِن كِتابِ اللّٰهِ‌(6)عَزَّ وَ جَلَّ‌(7): «يٰا بُنَيَّ لاٰ تُشْرِكْ بِاللّٰهِ إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‌» (8).

و قامَ و خَرَجَ‌(9).

قالَ المُرتَضىٰ‌(10)رَضِيَ اللّٰهُ عنه(11): قد غابَ عَنّا الرَّجُلُ‌، و بَعدَ هذا لا يَرانا.


1) . في جميع النسخ: - «و الاثنتين». و في الاحتجاج: «و الاثنين». و ما أثبتناه استفدناه من الاحتجاج و قمنا بتأنيثه ليتناسب مع «الواحدة». و لم يرد في «أ، ج» قوله: «فقال أبو العلاء: ما قولك في الأربع‌؟ فقال السيّد: ما قولك في الواحدة و الاثنين‌؟».

2) . في جميع النسخ: «المؤثّر». و ما أثبتناه من الاحتجاج.

3) . في الاحتجاج: - «قال».

4) . في جميع النسخ: «قال». و في الاحتجاج: «قال: فقال».

5) . في «د، ع»: - «قدّس اللّٰه روحه».

6) . في الاحتجاج: «فقال أبو العلاء: من أين أخذتَه‌؟ قال: من كتاب اللّٰه».

7) . في الاحتجاج: - «عزّ و جلّ‌».

8) . لقمان (31):13.

9) . في «د، ع»: «فخرج».

10) . في الاحتجاج: «فقال السيّد» بدل «قال المرتضى».

11) . في «أ، ج، ص»: «قدّس اللّٰه روحه».

[

شرح الشريف المرتضى للمناظرة

فسُئلَ المُرتَضىٰ‌(1)رَضِيَ اللّٰهُ عنه(2)عن هذه الوجوهِ‌(3)و الرُّموزِ و الإشاراتِ‌، فقالَ‌:

سألَني عن الكُلِّ‌، و الكُلُّ عندَهم(4)قَديمٌ‌، و يُشيرُ بذلكَ إلى عالَمٍ سَمّاه: «العالَمَ‌(5)الكَبيرَ»،(6)فقالَ لي: ما قولُكَ فيه‌؟ أرادَ أنّه قديمٌ‌(7).

فأجَبتُه عن ذلكَ و قُلتُ له: ما قولُكَ في الجُزءِ؟ لأنّ عندَهم الجُزءُ مُحدَثٌ‌، و هو مُتولِّدٌ عن العالَمِ الكَبيرِ، و هذا الجُزءُ هو(8)«العالَمُ‌(9)الصغيرُ» عندَهم(10).

و كانَ مُرادي بذلكَ أنّه(11)إذا كانَ هذا الجُزءُ مُحدَثاً(12)، فذلكَ الذي أشارَ إليه إن


1) . في الاحتجاج: «السيّد» بدل «المرتضى».

2) . في «أ، ج، ص»: «أعلى اللّٰه درجته». و في الاحتجاج: «رحمه اللّٰه».

3) . في الاحتجاج: «عن كشف هذه الرموز» بدل «عن هذه الوجوه».

4) . في الاحتجاج: «و عنده الكلّ‌» بدل «و الكلّ عندهم».

5) . في «أ، ج، د، ص»: «عالم».

6) . في جميع النسخ ما عدا الاحتجاج: + «وهذا الجزء و هو عالم (في «ع»: «هو العالم») الصغير عندهم». و ليس هذا موضع هذه العبارة؛ فإنّه لم يتكلّم بعدُ عن «الجزء»، و سوف تأتي هذه العبارة في موضعها بعد قليل. ثمّ الظاهر أنّ مراده بالعالم الكبير: السماء و الأرض و ما فيهما، و مراده بالعالم الصغير: الإنسان. راجع: شرح المواقف، ج 8، ص 301.

7) . هكذا في الاحتجاج. و في جميع النسخ: - «فقال لي: ما قولك فيه‌؟ أراد أنّه قديم».

8) . في «د»: «و هو».

9) . في «أ، ج، د، ص»: «عالم».

10) . هكذا في الاحتجاج. و في جميع النسخ: - «عندهم».

11) . هكذا في الاحتجاج. و في جميع النسخ: «متولّداً و» بدل «مرادي بذلك أنّه»، و لم نجد له وجهاً.

12) . في الاحتجاج: «إذا صحّ أنّ هذا العالم محدَث» بدل «إذا كان هذا الجزء محدَثاً».

صَحَّ فهو مُحدَثٌ مِثلُه(1)لأنّ هذا مِن جنسِه علىٰ زَعمِه(2)، و الشيءُ الواحدُ و الجنسُ الواحدُ(3)لا يَكونُ بعضُه قَديماً و بعضُه مُحدَثاً(4)، فسَكَتَ لمّا سَمِعَ ما(5)قُلتُه.

و أمّا قولُه: ما قولُكَ في الشِّعرىٰ‌(6)؟ أرادَ أ نَّهُ ليسَ‌(7)مِن الكَواكبِ السيّارةِ‌(8)لأنّهُ قَديمٌ‌.(9)

فقُلتُ له: ما قولُكَ في التَّدويرِ؟ أردتُ بذلكَ‌(10)أنّ الفَلَكَ في التَّدويرِ و الدَّوَرانِ‌، و الشِّعرىٰ لا تَقدَحُ في ذلكَ‌.(11)

و أمّا قولُه: ما قولُكَ في عدمِ الانتهاءِ‌(12)؟ أرادَ به أنّ العالَمَ‌(13)لا يَنتَهي؛ لأنّه قَديمٌ‌(14).

فقُلتُ له: قد صَحَّ عندي التحيُّزُ و التدويرُ(15)، و كِلاهُما يَدُلّانِ علَى الانتهاءِ‌.(16)

و أمّا قولُه: ما قولُكَ في السَّبعِ‌(17)؟ أرادَ بها(18)النجومَ السيّارةَ التي هي عندَهم ذَواتُ الأحكامِ‌.


1) . في الاحتجاج: «أيضاً» بدل «مثله».

2) . هكذا في الاحتجاج. و في جميع النسخ: - «علىٰ زعمه».

3) . في الاحتجاج: - «و الجنس الواحد».

4) . في «د، ع»: «بعضه محدَثاً و بعضه قديماً».

5) . هكذا في الاحتجاج. و في جميع النسخ: - «سمع ما».

6) . في الاحتجاج: «و أمّا الشعرىٰ‌».

7) . في الاحتجاج: «أنّها ليست».

8) . أي ليس من الكواكب المتحرّكة و المتغيّرة، فلا يكون حادثاً.

9) . في الاحتجاج: - «لأنّه قديم».

10) . في الاحتجاج: - «بذلك».

11) . أي أنّ الفلك في حال دوران مستمرّ، فيكون حادثاً، و الشعرىٰ جزء منه فيكون حادثاً أيضاً.

12) . في الاحتجاج: «و أمّا عدم الانتهاء».

13) . هكذا في الاحتجاج. و في جميع النسخ: «العالم أنّه» بدل «أنّ العالم».

14) . أراد هنا الاستدلال بعدم تناهي العالم علىٰ قدمه.

15) . في «ج، ع»: «التحيّز و التدبّر». و في «د»: «التحيّز في التدوير».

16) . أي أنّ التحيّز و الدوران قد ثبتا في هذا العالم، و هما يدلّان علىٰ عدم التناهي.

17) . في الاحتجاج: «و أمّا السبع».

18) . في الاحتجاج: «بذلك».

فأَجَبتُهُ عَن ذلكَ‌(1)، فقُلتُ له: هذا باطلٌ بالزائدِ(2)البَريءِ‌(3)الذي يُحكَمُ فيه(4)بحُكمٍ لا يَكونُ ذلكَ الحُكمُ‌(5)مَنوطاً بهذه النجومِ‌(6)السيّارةِ التي هي: الزُّهرةُ‌، و المُشتَري، و المِرّيخُ‌، و عُطارِدُ، و الشمسُ‌، و القَمَرُ، و زُحَلُ‌(7).

و أمّا قولُه: ما قولُكَ في الأربَعِ‌(8)؟ أرادَ بِه(9)الطَّبائِعَ‌.

فقُلتُ له: ما قولُكَ‌(10)في الطبيعةِ الواحدةِ الناريّةِ التي(11)تَتولَّدُ(12)منها دابّةٌ بجِلدِها تَمَسُّ الأيديَ‌(13)، ثُمَّ يُطرَحُ‌(14)ذلك(15)الجِلدُ علَى النارِ فتُحرَقُ‌(16)الزُّهوماتُ‌(17)و يَبقَى الجِلدُ صَحيحاً؟ لأنّ الدابّةَ خَلَقَها اللّٰهُ تعالىٰ‌(18)علىٰ طَبيعةِ‌(19)


1) . في الاحتجاج: - «فأجبته عن ذلك».

2) . هكذا في الاحتجاج. و في جميع النسخ: «ما قولك في الزائد» بدل «هذا باطل بالزائد».

3) . تقدّم احتمال أن يكون الصواب: «المُربي».

4) . هكذا في الاحتجاج. و في جميع النسخ: - «فيه».

5) . هكذا في الاحتجاج. و في جميع النسخ: - «الحكم».

6) . في بعض نسخ الاحتجاج: «الكواكب».

7) . هكذا في الاحتجاج. و لم يرد في النسخ من قوله: «التي هي: الزهرة...» إلى هنا.

8) . في الاحتجاج: «و أمّا الأربع».

9) . في الاحتجاج: «بها».

10) . في «ص»: «قلت».

11) . في «أ، ج» و الاحتجاج: - «التي».

12) . في «أ، ج، د، ص» و الاحتجاج: «يتولّد».

13) . أي: أنّ جلدها هو الذي تلمسه الأيدي و يلمسها.

14) . في «ع»: «تُطرح».

15) . في «ع»: - «ذلك». و في «أ، ج، د، ص»: «خلل» بدله.

16) . في «أ، ج»: «فتحترق».

17) . الزُّهم: الشحم. و الزُّهومة: الريح المنتنة. مجمع البحرين، ج 2، ص 298 (زهم).

18) . في «د، ع»: - «تعالى».

19) . هكذا في الاحتجاج. و في جميع النسخ: - «طبيعة».

النارِ، و النارُ لا تُحرِقُ النارَ. و الثلجُ أيضاً علىٰ طَبيعةٍ واحدةٍ‌(1)، تَتولَّدُ فيه(2)الديدانُ‌(3). و الماءُ في البَحرِ علىٰ طَبيعتَينِ‌، يَتولَّدُ منه(4)السُّموكُ و الضَّفادعُ و الحَيّاتُ و السَّلاحِفُ‌(5)و غيرُها(6). و عندَه(7)لا يَحصُلُ الحَيَوانُ إلّابالأربَعِ‌؛ فهذا مُناقَضٌ بهذا(8).

و أمّا قولُه: ما قولُكَ في المؤثِّر(9)؟ أرادَ به الزُّحَلَ‌(10).

فقُلتُ له: ما قولُكَ في المؤثِّراتِ‌(11)؟ أرَدتُ بذلكَ أنّ المؤثِّراتِ عندَك كُلُّهنَّ‌(12)مؤثِّراتٌ‌، فالمؤثِّرُ القَديمُ كَيفَ يَكونُ مؤثِّراً؟

و أمّا قولُه: ما قولُكَ في النَّحسَينِ؟(13)أرادَ بهما: أنّهما مِن النجومِ السيّارةِ‌، إذا اجتَمَعا يَخرُجُ‌(14)مِن بَينِهما سَعدٌ.


1) . نسخة «أ» ناقصة بعد هذه الكلمة.

2) . في «ج، د، ص، ع»: «فيها».

3) . في الاحتجاج: «و الثلج أيضاً تتولّد فيه الديدان، و هو علىٰ طبيعة واحدة».

4) . في «ج، د، ص، ع»: «فيها».

5) . «السَّلاحف» جمع «سُلحَفاة»، و هي من حيوانات البحر، و تُسمّى بالفارسيّة: «لاك پُشت». راجع: لسان العرب، ج 9، ص 161؛ فرهنگ أبجدي، ص 493 (سلحف).

6) . في «ج، د، ص، ع»: + «من الحيوان».

7) . هكذا في الاحتجاج. و في «ج، د، ص، ع»: «و عندك».

8) . هكذا في الاحتجاج. و في جميع النسخ: - «فهذا مناقض بهذا».

9) . في الاحتجاج: «و أمّا المؤثّر».

10) . في «ج، د، ع»: «الرجل».

11) . في «ج، د، ص، ع»: «المؤثِّر».

12) . في الاحتجاج: «كلّهنّ عنده».

13) . في الاحتجاج: «و أمّا النحسَين».

14) . في «ج، د، ص، ع»: «من نحسين خرج» بدل «إذا اجتمعا يخرج». و ما أثبتناه من الاحتجاج.

فقُلتُ له: ما قولُكَ في السَّعدَينِ‌، إذا اجتَمَعا يَخرُجُ‌(1)مِن بَينِهما نَحسٌ؟ فهذا(2)حُكمٌ أبطَلَه اللّٰهُ تَعالىٰ ليُعلِمَ الناظرَ أنّ الأحكامَ لا تَتعلَّقُ بالمُسخَّراتِ‌؛ لأنّ الشاهدَ يَشهَدُ علىٰ أنّ العَسَلَ و السُّكَّرَ إذا اجتَمَعا لا يَحصُلُ منهما الحَنظَلُ و العَلقَمُ‌، و(3)الحنظَلَ و العَلقَمَ إذا اجتَمَعا لا يَحصُلُ منهما(4)الدِّبسُ و السُّكَّرُ.(5)

و أمّا(6)قَولي له(7): «أَلا كُلُّ مُلحِدٍ مُلهِدٌ»، أرَدتُ بذلكَ‌(8)أنّ كُلَّ مُشرِكٍ ظالِمٌ‌؛ لأنّ في اللُّغةِ‌: «أَلحَدَ الرَّجُلُ‌»: إذا عَدَلَ عن(9)الدِّينِ‌؛(10)و «أَلهَدَ»:(11)إذا ظَلَمَ‌.(12)

فعَلِمَ أبو العَلاءِ ذلكَ‌، و(13)أخبَرَني عن عِلمِه بذلكَ‌(14)، فقرأ(15):


1) . في «ج، د، ص، ع»: «خرج» بدل «إذا اجتمعا يخرج». و ما أثبتناه من الاحتجاج.

2) . في الاحتجاج: «هذا».

3) . في «ج، د، ص»: + «لا».

4) . في «ج، د، ص، ع»: «إذا اجتمعا يخرج من بينهما» بدل «إذا اجتمعا لا يحصل منهما». و ما أثبتناه من الاحتجاج.

5) . في الاحتجاج: + «هذا دليل علىٰ بطلان قولهم».

6) . في «ج، د، ص»: «أمّا» بدون واو العطف.

7) . في الاحتجاج: - «له».

8) . في الاحتجاج: - «بذلك».

9) . في الاحتجاج: «من».

10) . راجع: الصحاح، ج 2، ص 534 (لحد).

11) . في «ج، ص»: + «بالهاء».

12) . راجع: المحكم و المحيط الأعظم، ج 4، ص 260 (لهد).

13) . في الاحتجاج: «فقال» بدل «و».

14) . هكذا في الاحتجاج. و في جميع النسخ: - «بذلك».

15) . في جميع النسخ: - «فقرأ». و في الاحتجاج: «فقرأتُ‌».

«يٰا بُنَيَّ لاٰ تُشْرِكْ بِاللّٰهِ إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‌» .(1)

و قيلَ‌: إنّ المَعَرّيَّ لمّا خَرَجَ عن العِراقِ سُئلَ عن السيّدِ المُرتضىٰ رَحِمَه اللّٰهُ فقالَ‌:

يا سائلي عنهُ لمّا جئتُ أسألُه ألا، هو الرجُلُ العاري مِنَ العارِ

لَو جئتَهُ لَرأَيتَ الناسَ في رجُلٍ و الدهرَ في ساعةٍ‌، و الأرضَ في دارِ

تَمَّ الخبرُ و شَرحُه، و الحمدُ للّٰهِ‌.(2)


1) . جاء في الاحتجاج بعد نقل المناظرة ما يلي:

2) . هكذا في «ج، د». و في «ص»: + «ربّ العالمين، و صلواته علىٰ سيّدنا محمّد و آله الطاهرين. تمّ‌». و في «ع»: + «قد تمّت المناظرة، و الحمد للّٰه. و قد استنسختُها علىٰ نسخة بخط شيخنا المغفور له الشيخ آغا بزرك الطهراني قدّس سرّه. و أنا الأقلّ محمّد صادق آل بحر العلوم الطباطبائي».

(49) المسائِلُ المقدَّسيّاتُ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

عُثر في ضمن مخطوطات رسائل الشريف المرتضى على أربعة نصوص قصيرة، سمّيت في بعض النسخ باسم: المسائل المقدّسات، و في أُخرى باسم: المسائل المقدّسيات؛ و لكن لم يَنسب أحدٌ مسائلَ بهذا الاسم إلى الشريف المرتضى.

و الجدير بالذكر أنّ أحد هذه النصوص يكوّن في الحقيقة جزءاً من إحدى رسائل الشريف المرتضى المنشورة، و هي: مسألة في الحسن و القبح العقلي؛(1)و أمّا النصوص الأُخرى، فلا نعلم هل أنّها أجزاء من رسائل أُخرى مفقودة، أو لا؟

و على أيّ حال، نحاول فيما يلي أن نتحدّث عن النصوص الثلاثة المتبقّية، و ذلك بعد ترك الكلام عن النصّ الموجود في ضمن رسالة الحسن و القبح العقلي المُشار إليها آنفاً؛ فإنّ الحديث عنه يقع في ضمن مقدّمة تلك الرسالة:

النصّ الأوّل: يتحدّث هذا النصّ عن أنّ الشريف المرتضى كان يتعرّض للمتنبّي (ت 354 ه‍)، و يضع من شعره، و أنّه ذكر بيتاً استنقص معناه، و اعتبر من غير الجدير بمثل المتنبّي أن يتلفّظ به.

و نودّ هنا التعليق على هذا النصّ من خلال ما يلي:

أوّلاً: لقد ألّف الشريف المرتضى كتاباً دافع فيه عن المتنبّي، و ردّ فيه على ابن


1) . هذه الرسالة تتحدّث عن كيفية تبرير بعض الأُمور القبيحة بظاهرها، مثل قتل الغلام في قصّة الخضر و موسىٰ‌، و قد تركّزت الرسالة علىٰ هذه القصّة، و لذلك وُضعت في ضمن الرسائل القرآنيّة للشريف المرتضىٰ‌.

جنّي (ت 392 ه‍)، اسمه: كتاب تتبع الأبيات التي تكلّم عليها ابن جنّي في إثبات المعاني للمتنبّي(1)، و قد كان ابن جنّي يقع في المعاني التي يحتوي عليها شعر المتنبّي، قال أبو الحسن الواحدي بهذا الصدد:

... و لقد رأيتُ أشعاراً منها شعر أبي الطيّب المتنبّي، على أنّه كان صاحب معانٍ مخترعة بديعة، و لطائف أبكار لم يُسبق إليها دقيقة... و لهذا خفيت معانيه على أكثر مَن رَوى شعره من أكابر الفضلاء، كالقاضي أبي الحسن عليّ بن عبد العزيز الجرجاني صاحب كتاب الوساطة، و أبي الفتح عثمان بن جنّي النحوي... و أمّا ابن جنّي، فإنّه كان من الكبار في صنعة الإعراب و التصريف، غير أنّه إذا تكلّم في المعاني تبلّد حماره... ثمّ إذا انتهى به الكلام إلى بيان المعاني عاد طويلُ كلامه قصيراً(2).

إنّ تأليف الشريف المرتضى كتاباً للردّ على ابن جنّي و الدفاع عن معاني شعر المتنبّي يدلّ على أنّه لم يكن يختلف مع المعاني التي تحتوي عليها أشعار المتنبّي دائماً؛ بل كان يدافع عنها، و يؤلّف الكتب لأجل ذلك. و هذا يخالف ما جاء في هذه الرسالة، إلّاأن يكون ما جاء فيها مورداً استثنائياً، حيث جاء فيها أنّه كان يتعرّض أحياناً بالمتنبّي.

ثانياً: نقل ياقوت الحموي (ت 626 ه‍) حكاية تدلّ على بغض الشريف المرتضى للمتنبّي، و تعصّبه عليه، و هي تؤيّد ما جاء في النصّ المبحوث عنه هنا، و الحكاية كالتالي:

كان أبو العلاء يتعصّب للمتنبّي، و يزعم أنّه أشعر المحدَثين، و يفضّله على بشّار و مَن بعده مثل أبي نؤاس و أبي تمام، و كان المرتضى يبغض المتنبّي و يتعصّب


1) . راجع: الفهرست للطوسي، ص 165.

2) . كشف الظنون، ج 1، ص 810.

عليه، فجرى يوماً بحضرته ذكرُ المتنبّي، فتنقّصه المرتضى، و جعل يتتبّع عيوبه، فقال المعرّي: لو لم يكن للمتنبّي من الشعر إلّاقوله: لكِ يا منازل في القلوب منازل...، لكفاه فضلاً.

فغضب المرتضى، و أمر فسُحب برجله، و أُخرج من مجلسه، و قال لمن بحضرته: أتدرون ما أراد بذكر هذه القصيدة؛ فإنّ للمتنبّي ما هو أجود منها لم يذكرها؟ فقيل: النقيب السيّد أعرف. فقال: أراد قوله في هذه القصيدة:

و إذا أتتك مذمّتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأنّي كامل(1).

إنّ هذه الحكاية تؤيّد نصّنا المبحوث عنه في هذه الرسالة؛ و لكن لا يمكن في الحقيقة التأكّد من صحّتها، فإنّ هناك غموضاً يلفّها، و قد أشار السيّد حسن الأمين إلى ذلك في مقال مقتضب، كتبه في مجلّة العرفان، حيث نبّه على عدم إمكان قبول هذه الحكاية؛ فإنّ أبا العلاء المعرّي كان قد غادر بغداد في شهر رمضان من سنة 400 ه‍، و كان قبلها قد رثى الشريف أبا أحمد الموسوي والد الشريفين المرتضى و الرضي، الذي توفّي في جمادى الأُولى من هذه السنة؛ فمتى وقع هذا الحادث الذي تدّعي الحكاية أنّه وقع بين الشريف المرتضى و أبي العلاء؛ هل وقع بعد وفاة الشريف أبي أحمد؟ و على هذا، هل يُعقل أن يُهين المرتضى مَن رثى أباه بقصيدة رائعة و مدحه فيها هو و أخاه الرضي، حيث قال:

أبقيتَ فينا كوكبَين سناهما *** في الصُبح و الظلماء ليس بخافِ‌

أو أنّ الحادث قد وقع قبل وفاة الشريف‌؟ و على هذا، هل يعقل أن يَمدح المعرّي شخصاً أهانه هذه الإهانة قبل مدّة قصيرة(2)، خاصّة و إنّ إقامة المعرّي في بغداد لم تدم طويلاً، فقد أقام فيها سنة و ستّة أو تسعة أشهر فقط(3).


1) . معجم الأُدباء، ج 1، ص 169-170.

2) . مجلّة العرفان، ج 4، المجلّد 36، ص 427-428.

3) . راجع: الجامع في أخبار أبي العلاء المعرّي و آثاره، ج 1، ص 219-220.

كما قام العلّامة الكبير المرحوم السيّد عبد الستّار الحسني رحمه اللّٰه مؤخّراً بردّ هذه الحكاية أيضاً، و ذلك في مقال له.(1)

إذن لا يمكن تقبّل هذه الحكاية كما هي، و بذلك لا يمكن اعتبارها مؤيّداً للنصّ المبحوث عنه هنا، و الدالّ على تنقص الشريف المرتضى لشعر المتنبّي.

و بعد ذكر هذه الملاحظات، نترك الحكم للقارئ ليحكم على النصّ المبحوث عنه بالصحّة أو الخطأ أو التوقّف.

النصّ الثاني: و هو عبارة عن بيان لمعنى كلمة «الزماع»، و أشير فيه إلىٰ أنّ معناه:

«العزم» بقلب موضع العين؛ فإنّ الألف في «أَزمعتُ‌» زائدة، فقُلبَ «عزمتُ‌» إلىٰ «زمعتُ‌»، ثمّ زيدت الألف فصارت: «أزمعتُ‌».

النصّ الثالث: و هو نصّ كلاميّ‌، تعرّض فيه الشريف المرتضى إلى موقف أهل النار، و عرض بحثه على تلاميذه من خلال سؤال طرحه عليهم.

و قد أشار في هذا النصّ إلى أنّ أهل النار لا يكونون راضين و لا ساخطين على العقاب الذي يتعرّضون إليه؛ أمّا عدم كونهم راضين فواضح، و أمّا عدم كونهم ساخطين، فذلك لأنّ السخط على ما هو مستحَقّ و مطابق للعدل يكون قبيحاً، و أهل النار مُلجؤون إلى ترك القبائح، حالهم حال أهل الجنّة، فلا يكونون ساخطين على العقاب.

و في هذه النقطة أشار الشريف المرتضى إلى رأي له حول أهل الآخرة ذكره في كتبه و رسائله الأُخرى، و هو أنّهم مُلجؤون إلى ترك القبائح(2). و يمكن اعتبار هذا الرأي شاهداً على تصحيح نسبة النصّ الثالث اليه.

ثمّ إنّ هذه الرسالة تطبع هنا لأوّل مرّة، و لم يَسبِق أن طبعت قبل هذا.


1) . مجلة كتاب الشيعة، العدد المزدوج 9-10، ص 52.

2) . راجع: الذخيرة، ص 527؛ كما تعرّض إلى هذا البحث في رسالة في أحكام أهل الآخرة، فراجع.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه الگلپايگاني رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 5787؛ تقع في الصفحات (8-9) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (213-214) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحة (390) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

المسائِلُ المقدَّسيّاتُ‌

اشارة

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

و مِن المَسائلِ المُقدَّسِيّاتِ‌

و مِن المَسائلِ المُقدَّسِيّاتِ‌(1)

[1.] سُئلَ رَضِيَ اللّٰهُ عنه عن(2)قَولِه تَعالىٰ‌: «حَتّٰى إِذٰا رَكِبٰا فِي اَلسَّفِينَةِ خَرَقَهٰا» (3)، و قالَ تَعالىٰ‌: «حَتّٰى إِذٰا لَقِيٰا غُلاٰماً فَقَتَلَهُ‌» (4)، و قالَ‌: «حَتّٰى إِذٰا أَتَيٰا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَمٰا أَهْلَهٰا» (5)، فعَطَفَ القَتلَ علىٰ لِقاءِ الغُلامِ بالفاءِ‌، و لَم يُدخِلْ في خَرقِ السفينةِ علَى الرُّكوبِ حَرفَ‌(6)العَطفِ‌، و لا في الِاستطعامِ علىٰ إتيانِ أهلِ القَريةِ‌.

فأجابَ رَضِيَ اللّٰهُ عنه:

أمّا دخولُ الفاءِ في قَولِه تَعالىٰ‌: «حَتّٰى إِذٰا لَقِيٰا غُلاٰماً فَقَتَلَهُ‌» ، و سُقوطُها مِن قَولِه تَعالىٰ‌: «حَتّٰى إِذٰا رَكِبٰا فِي اَلسَّفِينَةِ خَرَقَهٰا» و مِن قَولِه تَعالىٰ‌: «حَتّٰى إِذٰا أَتَيٰا أَهْلَ‌


1) . في «ج»: «المقدسات».

2) . في «ج»: «من».

3) . الكهف (18):71.

4) . الكهف (18):74.

5) . الكهف (18):77.

6) . في «ب»: «خرق».

قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَمٰا أَهْلَهٰا» ، فقَد قيلَ‌:

إنّ الوجهَ فيه: أنّ اللقاءَ لَمّا كانَ سبباً للقَتلِ‌، أُدخِلَت الفاءُ إشعاراً بذلكَ‌. و لَمّا لَم يَكُن في السفينةِ الرُّكوبُ سبباً لخَرقِها، و لا إتيانُ القَريةِ سبباً لِلاستطعامِ‌، لَم تَدخُلِ الفاءُ‌.

و هذا وَجهٌ صَحيحٌ‌.(1)

[2.] و كانَ المُرتَضىٰ رَضِيَ اللّٰهُ عنه رُبَّما يَتعرَّضُ‌(2)أحياناً بالمُتَنبّي(3)و يَضَعُ مِن شِعرِه.

و قالَ يَوماً - و قد جَرىٰ ذِكرُه في المَجلِسِ -: كَيفَ يَستَجيزُ(4)أحَدٌ أن يَقولَ‌:

يا مَن تَرىٰ كُلَّ فَوقٍ عَينُهُ دونا *** ما قِلتُ‌(5)لِلدَّهرِ إلّاجاءَ‌(6)يَشكونا(7)


1) . في حاشية «أ»: + «فيه نظر (زين)» و في «ب»: + «فيه نظر دين». و في «ج»: + «فيه نظر زين». و الظاهر أنّ الصواب: «بَيِّن». 2. كذا في النسخ، و الصواب: «يُعرِّض».

2)

3) . في «ب»: «المسمّى». و في «ج»: «بالمبتني». و المتنبّي هو أحمد بن الحسين، أبو الطيّب، المعروف بالمتنبّي. من أعظم الشعراء، له الأمثال السائرة و الحِكم البالغة و المعاني المبتكرة. ولد بالكوفة سنة 303 ه‍، و نشأ بالشام، و أكثر المقام بالبادية. طلب الأدب و علوم العربيّة، و تعاطى الشعر في حداثته حتّى بلغ فيه الغاية، و فاق أهل عصره. اتّصل بالأمير سيف الدولة الحمداني في حلب، و مدحه بقصائد عديدة. و مدح كافور الإخشيدي أمير مصر. و خرج إلىٰ فارس و مدح عضد الدولة البويهي، و في طريق العودة إلى بغداد قُتل بالقرب من النعمانيّة سنة 354 ه‍. راجع: تاريخ بغداد، ج 4، ص 324؛ الأعلام للزركلي، ج 1، ص 115.

4) . في «ب»: «نستجين». و في «ج»: «يستجين».

5) . في «ب، ج»: - «ما». و يقال: قالَ فلانٌ يَقيلُ قَيلاً و قائلةً و قيلولةً و مَقيلاً: استراح نصف النهار؛ نام أم لم يَنَم. فمعنى قوله: «قِلتُ للدهر» أي استرحتُ له، أي سكنتُ و اطمأننتُ إليه. راجع: كتاب الماء، ج 3، ص 1081 (قول - قيل).

6) . في «ب»: «حاد». و في «ج»: «حاء».

7) . لم نَعثُر عليه، لا في ديوان المتنبّي و لا في المصادر الأُخرىٰ‌.

و أيُّ‌(1)معنىً لهذا البَيتِ؟! و هَل يَتلفَّظُ(2)به مِثلُه‌؟!

[3.] و قالَ‌: الزماعُ‌: العَزمُ‌(3). و هو مِن المَقلوبِ‌؛ لأنّ الألِفَ مِن «أزمَعتُ‌» زائدةٌ‌.

[4.] و قالَ رَضِيَ اللّٰهُ عنه يَوماً لأصحابِه:

ما تَقولونَ في أهلِ النارِ، أ هُم يَرضَونَ بِما يَجري عليهم مِن العِقابِ‌(4)العَظيمِ‌، أم يَسخَطونَ؟

فأجابَ الكُلُّ بأنّهم يَسخَطونَ‌(5).

فقالَ‌: لَيسَ كذلكَ‌. و الواجِبُ أن نَقولَ فيهم: إنّهم لا يَرضَونَ و لا يَسخَطونَ‌؛ لأنّ سُخطَ ما هو «مُستَحَقٌّ عَدلٌ‌» قَبيحٌ‌، و هُم يَومَئذٍ مُلجَؤونَ‌(6)إلىٰ أن لا يَفعَلوا(7)القَبيحَ‌.


1) . في «ب، ج»: «و لي» بدل «و أيّ‌».

2) . في «ب، ج»: «يلتفظ».

3) . في «ب»: «القرع».

4) . في «ب، ج»: «العقوب».

5) . في «ب» بدل «يسخطون» بياض.

6) . في «ب»: «يُلجَؤون».

7) . في «ب، ج»: «لا يفعل».

(50) مَسألةٌ في وَجهِ العلمِ بتَناولِ الوَعيدِ كافّةَ الكفّارِ

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

لقد تسبّبت البحوث التي دارت حول مرتكب الكبيرة و مصيره يوم القيامة إلى ظهور المعتزلة بنظريّة عُرفت بنظريّة: «الوعيد»؛ نصّت على أنّ مرتكب الكبيرة خالد في نار جهنّم. و في المقابل ظهرت نظريّة أُخرى نصّت على أنّ الخلود في جهنّم مختصّ بالكفّار، و أنّ مرتكب الكبيرة من المؤمنين يُمضي مدّة من الزمن في جهنّم، ثمّ يخرج منها، و عُرفت هذه النظريّة بنظريّة: «الإرجاء».

و قد استدلّ أتباع نظريّة الوعيد بآيات قرآنيّة تدلّ بظاهرها على عموم و شمول الخلود في جهنّم لجميع الأشخاص المخالفين للحقّ‌، سواء كانوا كفّاراً أم من مرتكبي الذنوب، مثل قوله تعالى: «وَ مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذٰاباً كَبِيراً» (1)، و قوله:

«وَ إِنَّ اَلْفُجّٰارَ لَفِي جَحِيمٍ‌» (2)، فإنّ كلمة «مَن»، و الجمع في «الفجّار» عامّان، و يدلّان على عموم العذاب للمذكورين. و بما أنّ أتباع نظريّة الإرجاء رفضوا عموم الخلود لكلّ العاصين، و خصّوه بالكفّار، لذلك رفض بعضهم وجود ألفاظ تدلّ على العموم في اللغة العربيّة، و ذلك لأجل نفي دلالة أمثال الآيات المتقدّمة على عموم الخلود لجميع العاصين.

و من هنا تمَّ تأسيس بحث حول ألفاظ العموم، و هل هناك ألفاظ في العربيّة تدلّ‌


1) . الفرقان (25):19.

2) . الانفطار (82):14، و انظر: الذخيرة، ص 509-510.

على ذلك أم لا؟ فذهب بعض أصحاب الوعيد إلى القول بوجود هذه الألفاظ، فيما نفى بعض أصحاب الإرجاء وجودها(1).

و قد طرح هذه البحث في كتب الكلام إضافة إلى كتب علم أُصول الفقه، و يمكن اعتبار هذا البحث من حالات التقاء علمَي الكلام و الأُصول، فصار كلّ واحد من العلمَين يترك أثره على الآخر في هذه المسألة.

و ممّن ذهب إلى نفي وجود ألفاظ في اللغة تدلّ على العموم هو الشريف المرتضى، فقد كان ممّن نفى عموم الخلود لجميع العاصين، و خصّصه بجميع الكفّار، و قام بطرح هذا البحث بالتفصيل و الدفاع عن وجهة نظره في كتبه الكلاميّة و الأُصوليّة معاً(2).

و قد ترك هذا البحث أثره على فكره في مواضع مختلفة، فعلى سبيل المثال أنكر الشريف المرتضى دلالة قوله تعالى: «لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ‌» على عصمة الإمام؛ و ذلك لأنّ الاستدلال بهذه الآية مبنيّ على القول بعموم لفظ «الظالمين» لكلّ الظالمين، و لكن إذا أنكرنا وجود لفظ للعموم في العربيّة، فسوف لن يتمّ هذا الاستدلال(3).

و من أمثلة ذلك إنكاره لدلالة قوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اَللّٰهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ اَلشَّجَرَةِ‌...» (4)على عموم الرضا لكلّ المؤمنين، و ذلك لأنّه مبنيّ على كون الألف و اللام موضوعة للاستغراق، و هي ليست كذلك(5).

و على أيّ حال، فإنّ تخصيص الخلود بجميع الكفّار مع رفض وجود ألفاظ تدلّ‌


1) . شرح الأُصول الخمسة، ص 408؛ المعتمد في أُصول الفقه، ج 1، ص 194.

2) . راجع: الذخيرة، ص 509-515؛ الذريعة إلى أُصول الشريعة، ج 1، ص 201.

3) . الشافي، ج 3، ص 139.

4) . الفتح (48):18.

5) . الشافي، ج 4، ص 17.

على العموم، أدّى إلى طرح إشكال تعرّض إليه الشريف المرتضى في الرسالة التي بين أيدينا، و أجاب عليه.

و الإشكال هو: إذا لم تكن هناك ألفاظ تدلّ على العموم، فكيف يمكن إثبات عموم الوعيد بالخلود لجميع الكفّار إلى الأبد؟

فإن قيل: إنّنا علمنا ذلك من جهة النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بصورة ضروريّة و قطعيّة، أي أنّ النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد أخبرنا بذلك، و فهّمنا مراده بصورة قطعيّة.

و حينئذ إذا سأل سائل: و كيف علم النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه نفسُه بذلك حتّى قام بإخبارنا به‌؟

قيل: إنّ المَلَك الذي جاء بالوحي هو الذي أخبره بذلك، و جعله يعلم به بصورة قطعيّة.

و هذا البحث في الحقيقة يتعرّض بصورة مقتضبة جدّاً إلى مسألة من المسائل الكلاميّة التي تتحدّث عن مصدر معرفة النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و أنّه كيف يتمكّن من معرفة ما يؤدّيه إليه الوحي.

ثمّ طرح سؤالاً آخر، و هو: ما هو مصدر معرفة المَلك نفسه، و من أين علم بما أخبر به النبيَّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه من عموم الخلود لجميع الكفّار؟ و مع كونه مكلّفاً لا يمكن أن يجعله اللّٰه تعالى مضطرّاً إلى المعرفة، فإنّ الاضطرار ينافي التكليف.

و أجاب على الإشكال بشيء من التفصيل، فذكر جوابين:

الأوّل: أنّ ما ذكرناه من عدم وجود ألفاظ تدلّ على الاستغراق في لغة الحوار التي نعرفها، و هذا لا يعني عدم وجود لفظ يدلّ على العموم في لغة الملائكة، فلعلّه يوجد فيها هكذا لفظ، و قد خاطبهم اللّٰه تعالى بذلك اللفظ، ففهموا عموم العقاب لجميع الكفّار.

الثاني: يمكن أن يغني اللّٰه تعالى بعض الملائكة بالحَسَن عن القبيح - أي أن لا

يجعله مكلّفاً - كما هو ظاهر هذه العبارة - كي لا يتنافي التكليف مع الاضطرار - ثمّ يجعله مضطرّاً إلى معرفة عموم العقاب لكافّة الكفّار في جميع الأوقات «الخلود»، ثمّ يخبر ذلك المَلكُ غيرَه من الملائكة بصورة قطعيّة، ثمّ يخبر هؤلاء الملائكة النبيَّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بما علموه بصورة قطعيّة.

عنوان الرسالة

لقد طبعت هذه الرسالة في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 83 - و هذه الطبعة هي المقصودة ب‍ «المطبوع» في التحقيق الحالي - و في ضمن مسائل المرتضى، ص 218، كلاهما تحت عنوان: «مسألة في وجه العلم بتناول الوعيد كافّة الكفّار».

كما طبعت مرّة أُخرىٰ في رسائل الشريف المرتضى، في ضمن «مسائل شتّىٰ‌»، ج 4، ص 354، تحت عنوان: «اللفظة الدالّة على الاستغراق». و يوجد في هذه الطبعة سقط كثير، و أمّا عنوانها فعامّ‌، بينما العنوان الأوّل فيه دلالة كاملة علىٰ محتوىٰ الرسالة.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (357) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحات (397-398) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21910؛ تقع في الصفحات (12-13) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ت».

4.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20998؛ تقع في الصفحة (27) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (274-275) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

6.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحة (326) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ر».

7.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (225) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

8.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحة (33) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ع».

9.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحات (78-79) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

10.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (153) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

11.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (11) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ف».

[

مَسألةٌ في وَجهِ العلمِ بتَناولِ الوَعيدِ كافّةَ الكفّارِ

اشارة

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌:

إن سَألَ سائلٌ فقالَ‌: إذا لَم يَكُن عندَكم في لغةِ العربِ لفظٌ هو(1)حقيقةٌ في الاستغراقِ‌، فمن أيِّ وجهٍ عُلِمَ تَناوُلُ الوَعيدِ بالخُلودِ كافّةَ الكُفّارِ علىٰ جهةِ التأبيدِ؟

فإن قُلتم: إنّما عُلِمَ ذلكَ مِن قَصدِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(2)ضَرورةً‌.

قيلَ لكم: و النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن أيِّ وجهٍ عَلِمَ ذلكَ؟(3)

فإن قُلتم: اضطَرَّه المَلَكُ إلىٰ ذلكَ‌.

قيلَ لكم: و(4)المَلَكُ مِن أينَ عَلِمَ ذلكَ؟ و مع كَونِه مُكلَّفاً لا يَصِحُّ أن يَضطَرَّه اللّٰهُ سُبحانَه(5)إلىٰ قَصدِه(6).


1) . في «ف»: - «هو».

2) . في «ب، ج، ش، ف»: «عليه السلام». و في «س، ص»: - «صلّى اللّٰه عليه و آله» و هكذا في الموارد الآتية.

3) . من قوله: «فإن قلتم» إلىٰ هنا ساقط من «أ».

4) . في «ص»: «ما» بدل «و».

5) . في «أ، ب، ج»: + «و تعالىٰ‌».

6) . في «أ، ب، ج، س، ص» و المطبوع: «قصد».

الجوابُ‌ :

الجوابُ‌(1):

إنّا(2)إنّما قُلنا: «إنّه(3)لَيسَ في اللغةِ‌(4)لفظٌ هو حقيقةٌ في الاستغراقِ‌»(5)لعِلمِنا بعُرفِ أهلِها في الخِطابِ‌، و عادتِهم(6)في المُحاوَرةِ‌،(7)و أنّه لا لفظَ موضوعٌ فيها لذلكَ‌. فأمّا(8)ما عَدا هذه اللغةَ‌، ممّا لا سبيلَ لنا إلَى العِلمِ بها(9)، فغَيرُ(10)مُمتَنِعٍ أن يَكونَ فيها لفظٌ موضوعٌ لذلكَ‌؛(11)إذ(12)كانَ هذا(13)غَيرَ مُمتَنِعٍ أن(14)يَكونَ في لغةِ المَلائكةِ لفظٌ موضوعٌ للاستغراقِ يَفهَمونَ منه(15)مُرادَ الحَكيمِ سُبحانَه في الخِطابِ‌.

و إذا صَحَّ ذلكَ‌، و خاطَبَهم اللّٰهُ تَعالىٰ‌(16)بذلكَ‌، صَحَّ أن يَضطَرَّ المَلَكُ النبيَّ‌


1) . في «أ، ب، ج»: + «و باللّٰه التوفيق».

2) . في «ج»: - «أنّا».

3) . في «ت»: - «إنّه».

4) . يريد: اللغة العربيّة، كما سوف يشير إليه بعد قليل.

5) . راجع: الذخيرة، ص 509-515؛ الذريعة، ج 1، ص 201.

6) . من قوله: «إنّه ليس في اللغة» إلىٰ هنا ساقط من «ف».

7) . في «د»: «بالمحاورة».

8) . في «ت»: «أمّا».

9) . كذا، و الأنسب: «به». و كذا قوله: «فيها» بعد قليل، فالأنسب أن يكون: «فيه».

10) . في «أ، ب، ج، ت»: «و غير».

11) . من قوله: «فأمّا ما عدا هذه اللغة» إلىٰ هنا ساقط من «ف».

12) . في غير «س» و المطبوع: «إذا».

13) . كذا، و الأنسب حذف: «هذا».

14) . في «د»: «أو».

15) . في «ت، د، س، ش، ص، ف» و المطبوع: «به». و في «ر»: «أنّه».

16) . في المطبوع: - «تعالى».

صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إلىٰ مُرادِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌(1)منه في الاستغراقِ‌.

و يُمكِنُ أيضاً أن يُغنيَ اللّٰهُ تَعالىٰ بعضَ‌(2)مَلائكتِه بالحَسَنِ عن القَبيحِ‌، و يَضطَرَّه إلىٰ عِلمِ مُرادِه باستغراقِ كافّةِ الكُفّارِ في تأبيدِ العِقابِ و تَناوُلِه سائرَ الأوقاتِ‌، و يَضطَرَّ ذلكَ المَلَكُ غَيرَه مِن المَلائكةِ‌، و يَضطَرَّ مَن اضطَرَّه النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ثَمَّ‌(3)إلىٰ ذلكَ‌.

و الحَمدُ للّٰهِ‌، و صَلاتُه علىٰ محمّدٍ و آلِه الأكرَمينَ‌، و سَلَّمَ كَثيراً.


1) . في المطبوع: - «تعالىٰ‌».

2) . في «د، ر»: - «تعالىٰ‌». و في «س، ص» و المطبوع: - «تعالىٰ بعض».

3) . في غير «د، ر، س، ص»: - «ثمّ‌».

(51) مسألةٌ في المَنعِ مِن تفضيلِ المَلائكةِ علَى الأنبياءِ عليهم السلام

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

وقع خلاف بين العلماء و المتكلّمين حول فضيلة الملائكة، و مقارنتهم مع البشر عامّة، أو الأنبياء عليهم السلامُ‌، أو الأئمّة عليهم السلامُ خاصّة. و المقصود بالفضيلة في هذا البحث بالخصوص هو زيادة استحقاق الثواب، فالذي يستحقّ ثواباً أكثر يكون أكثر فضيلة من غيره.

و يمكن إرجاع جذور هذا الخلاف إلى القرن الأوّل، حيث نُقل مجلس حضره عمر بن عبد العزيز (ت 101)، و دار البحث فيه حول هذه المسألة(1).

و قد ذهب جمهور المعتزلة إلى القول بتفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم السلامُ‌، فيما توقّف بعضهم في البتّ في المسألة(2).

أمّا الإماميّة، فقد وقفوا على الطرف المقابل للمعتزلة، و أجمعوا على تفضيل الأنبياء عليهم السلامُ على الملائكة(3)، و ألّفوا في ذلك عدّة كتب و رسائل و نقوض، و منهم الشيخ المفيد حيث ألّف الردّ على أبي عبد اللّٰه البصري في تفضيل الملائكة(4)، كما اهتمّ الشريف المرتضى بهذه المسألة، و قام بتأليف رسالتين، استدلّ فيهما على تفضيل الأنبياء عليهم السلامُ على الملائكة، و أجاب على أدلّة الآخرين من المعتزلة


1) . راجع: تاريخ مدينة دمشق، ج 9، ص 303.

2) . راجع: أوائل المقالات، ص 49-50؛ الإنصاف فيما تضمّنه الكشّاف، ج 4، ص 225.

3) . راجع: أوائل المقالات، ص 49-50.

4) . راجع: رجال (فهرست) النجاشي، ص 402.

و غيرهم ممّن اختلفوا معه في ذلك. كما أجاب بالتفصيل على أسئلة وُجّهت إليه حول هذه المسألة، و ذلك في المسألة الثالثة من المسائل الرازيّة، و المسألة العشرين من الطرابلسيات الثالثة، حيث أشار في هاتين المسألتين إلى الرسالة الأُولى من بين الرسالتين المُشار إليهما آنفاً التي ألّفها حول مسألة تفضيل الأنبياء عليهم السلامُ على الملائكة. و تعرّض أيضاً إلى المسألة باختصار في المسألة الرابعة و العشرين من المسائل الميّافارقيّات. و يبدو من كلّ ذلك أنّ المسألة كانت محلّ نقاش في ذلك العصر، بحيث كثر السؤال عنها.

و فيما يلي نستعرض أهمّ مطالب الرسالتين اللتين قام الشريف المرتضى بتأليفهما حول هذه المسألة، و ذلك لأهمّيتها:

أمّا الرسالة الأُولى فهي إحدى رسائل تكملة أمالي المرتضى، و عنوانها: مسألة في تفضيل الأنبياء عليهم السلامُ على الملائكة(1)، حيث ذكر الشريف المرتضى فيها أنّه ليس للعقل مجال للتوصّل إلى رأي حول تفضيل مكلّف على آخر؛ لأنّ معرفة مقادير الثواب - الذي يحدّد مقدار الفضل، حيث تقدّم أنّ معنى الفضل في هذه المسألة هو زيادة استحقاق الثواب - أمر غير ممكن، فقد تتساوى الطاعتان في الظاهر، لكن يكون ثوابهما مختلفاً.

فإذا لم يكن للعقل مجال للوصول إلى نتيجة حول هذا الموضوع، فلا بدّ من اللجوء إلى النقل و السمع ليحدّد لنا فضيلة الأنبياء عليهم السلامُ على الملائكة أو العكس، و لكن ليس في القرآن و لا السنّة آية أو حديث يدّلان بصورة قطعيّة على تفضيل أحد الصنفين على الآخر، و لهذا انتقل الشريف المرتضى إلى إجماع الإماميّة، و استدلّ به على المسألة، فإنّ الإماميّة قد أجمعوا على تفضيل الأنبياء عليهم السلامُ‌


1) . الأمالي للمرتضى، ج 2، ص 280.

على الملائكة، كما أجمعوا على تفضيل الأئمّة عليهم السلامُ على الملائكة، و إجماعُهم حجّة؛ لدخول الإمام المعصوم فيهم.

إذن العمدة في الاستدلال على تفضيل الأنبياء عليهم السلامُ على الملائكة من وجهة نظر الشريف المرتضى هو إجماع الإماميّة. و قد يمكن أن يُستدلّ أيضاً على ذلك - حسب رأيه - بأمره تعالى الملائكة أن يسجدوا لآدم عليه السلامُ‌، فهو يدلّ على تعظيمه و تقديمه عليهم، و كلّ مَن قال بفضيلة آدم عليه السلامُ على الملائكة قال بفضيلة الأنبياء عليهم السلامُ عليهم، و لم يفصل أحد بين الأمرين. و هذا الدليل يعتمد في الحقيقة على الإجماع أيضاً، لكن إجماع الأُمّة، لا خصوص الإماميّة.

ثمّ ناقش الشريف المرتضى في هذه الرسالة ما استدلّ به بعض الإماميّة على تفضيل الأنبياء عليهم السلامُ‌، كما ناقش أربع آيات استدلّ بها الخصم على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم السلامُ‌، و قام بتأويلها، و توصّل إلى أنّها لا دلالة فيها على ما رامه الخصم.

و أمّا الرسالة الثانية التي ألّفها الشريف المرتضى حول المسألة، فهي الرسالة محلّ بحثنا هنا، حيث خصّصها للإجابة على إحدى الآيات الأربع التي استدلّ بها الخصم على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم السلامُ‌، و ناقشها في الرسالة الأُولى المتقدّمة، و هي قوله تعالى: «وَ لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنٰاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ رَزَقْنٰاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبٰاتِ وَ فَضَّلْنٰاهُمْ عَلىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنٰا تَفْضِيلاً» (1).

و تحتوي الرسالة محلّ البحث على سؤال مقدّر، و هو إذا سأل سائل عن الآية المذكورة آنفاً، و قال: إنّ آخرها يدلّ على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم السلامُ‌؛ لأنّه تعالى قد أخبر فيها على أنّه فضّل بني آدم على كثير ممّن خلقه، و الظاهر من هذا الكلام أنّ هناك من مخلوقاته تعالى مَن لم يُفضَّل بنو آدم عليه، و إذا علمنا أنّ كلّ‌


1) . الإسراء (17):70.

المخلوقات عبارة عن الإنس، و الجنّ‌، و الملائكة، و البهائم، و الجمادات، و من الواضح أنّ الإنس أفضل من الجنّ‌، و البهائم، و الجمادات، فلا يبقى إلّاالملائكة الذين لم يُفضّل عليهم بنو آدم في الآية.

و هناك طريقة أُخرى للاستدلال بالآية، و هي أنّ لفظة «مَن» في الآية تطلق على العاقل من الموجودات، فتخرج البهائم و الجمادات منها، و لا يدخل فيها مَن يمكن أن يفضّل على بني آدم إلّاالجنّ و الملائكة، فإذا علمنا أنّ الإنس أفضل من الجنّ‌، فلا يبقى إلّاالملائكة ليُفضّلوا على الإنس، الذين منهم الأنبياء عليهم السلامُ‌.

و قد أجاب الشريف المرتضى على الاستدلال بهذه الآية بجوابين:

الأوّل: لا يوجد في الآية ما يدلّ على أنّ هناك من المخلوقات من لم يُفضّل بنو آدم عليه، فهو أوّل الكلام. فإن قيل: إنّ كلمة «كثير» تدلّ على ذلك، فيجاب عليه بأنّ العرب استعملوا مثل هذه اللفظة من دون أن يقصدوا التخصيص، بل قصدوا العموم و الشمول، فقالوا: «أعطيتُه الكثير من مالي»، فإنّهم لم يعنوا بذلك أنّي أعطيتُه بعض مالي دون بعض، و إنّما عَنوا أنّي أعطيتُه مالي الموصوف بأنّه كثير. كما يقولون:

«بذلتُ له العريض من جاهي»، و لا يعنون أنّي بذلتُ له عريض جاهي، و منعتُه ما ليس بعريض؛ بل يعنون أنّي بذلتُ له جاهي الموصوف بأنّه عريض. و لهذا نظائر و أمثلة كثيرة من القرآن، و كلام العرب و أشعارهم، و قد اهتمّ الشريف المرتضى بذكر أمثلة متعدّدة من ذلك.

فإذا صحّ هذا، فسوف يكون معنى الآية: «أنّا فضّلناهم على جميع من خلقنا، و هم كثير»، فيكون ذكر الكثير على نحو الوصف، لا على نحو التخصيص. و هذا طبعاً لا يعني أنّ كلمة «كثير» لا تدلّ على التخصيص، لكن الكلام هو أنّها في هذه الآية لا تدلّ قطعاً على التخصيص، و هذا كاف لردّ الاستدلال بها على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم السلامُ‌.

الثاني: يمكن أن يقال: إنّ الملائكة أفضل من جميع البشر ما عدا الأنبياء عليهم السلامُ‌، فيمكن حينئذ أن يكون مفاد الآية أنّ بني آدم لم يُفضلوا على الملائكة، لا لأنّ الملائكة أفضل من جميع البشر حتّى الأنبياء عليهم السلامُ‌، بل لأنّهم أفضل من أكثر البشر.

و بهذا سوف لن يكون في الآية دلالة على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم السلامُ‌، و إن دلّت على تفضيلهم على باقي البشر غير الأنبياء عليهم السلامُ‌، و لو كانت هناك آية تحدّثت عن خصوص الأنبياء عليهم السلامُ لفضّلتهم على الملائكة.

عنوان الرسالة و نسبتها إلى المؤلّف

قد ذكر البُصروي (ت 443 ه‍) و النجاشي (ت 450 ه‍) هذه الرسالة الثانية؛ لكن سمّياها: «الكلام على مَن تعلّق بقوله: «وَ لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنٰاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ» »(1)، فمن الأفضل تسميتها بما سمّياها به؛ فهما أدرى بأسماء كتب و رسائل أستاذهما.

ثمّ إنّ ذِكرهما لها يدلّ على صحّة نسبة الرسالة التي بأيدينا إلى الشريف المرتضى؛ لأنّ موضوعها هو الردّ على من تعلّق بالآية المذكورة، و هو يتطابق بالضبط مع العنوان الذي ذكره البُصروي و النجاشي. كما توجد قرينة أُخرى على تصحيح نسبة هذه الرسالة إلى الشريف المرتضى، و هي أنّه قد أشار إليها في الرسالة الأُولى المتقدّمة، حيث قال هناك عند مناقشته الاستدلال بالآية الأخيرة: «و قد كنّا أملينا في تأويل هذه الآية كلاماً مفرداً استقصيناه، و شرحنا هذا الوجه، و أكثرنا من ذكر أمثلته»(2).

و بما أنّه لا يوجد شكّ في صحّة نسبة الرسالة الأُولى إلى الشريف المرتضى


1) . راجع: مجلّة العقيدة، العدد 3، ص 379؛ رجال (فهرست) النجاشي، ص 270.

2) . راجع: الأمالي للمرتضى، ج 2، ص 284.

باعتبارها من رسائل تكملة الأمالي، فتكون الإشارة فيها إلى الرسالة الثانية دليلاً على تصحيح نسبتها إليه أيضاً.

هذا، و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في الكاظمية سنة 1386 ه‍ في ضمن مجموعة رسائل الشريف المرتضى، المجموعة الأُولىٰ‌، ص 31 بتحقيق السيّد أحمد الحسيني، كما طبعت في قم سنة 1405 ه‍ في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 167.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 255؛ تقع في الصفحات (16-20) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 8؛ تقع في الصفحات (10-14) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (46-47) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

4.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2611/20؛ تقع في الصفحة (116-120) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

مسألةٌ‌ في المَنعِ مِن تفضيلِ المَلائكةِ علَى الأنبياءِ‌:

مسألةٌ‌(1)في المَنعِ مِن(2)تفضيلِ المَلائكةِ علَى الأنبياءِ‌:(3)

بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ‌

إن سَألَ سائلٌ مُستَدِلاًّ علىٰ فَضلِ المَلائكةِ علَى الأنبياءِ - صَلَواتُ اللّٰهِ عليهم - فقالَ‌: ما تُنكِرونَ‌(4)أن يَكونَ قولُه تَعالىٰ‌: «وَ لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنٰاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ رَزَقْنٰاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبٰاتِ وَ فَضَّلْنٰاهُمْ عَلىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنٰا تَفْضِيلاً» (5)يَدُلُّ علىٰ ذلكَ؟

و وجهُ الدَّلالةِ منه: أنّه تَعالىٰ خَبَّرَ بأنَّه فَضَّلَ بَني آدَمَ علىٰ كَثيرٍ ممّن خَلَقَه، و ظاهرُ هذا الكلامِ يَقتَضي أنّ في خَلقِه مَن لَم يُفضِّلْ بَني آدَمَ عليه؛ و قد عَلِمنا أنّ المخلوقاتِ هُم الإنسُ‌، و الجِنُّ‌، و المَلائكةُ‌، و البَهائمُ‌، و الجَماداتُ‌. و معلومٌ أنّ بَني آدَمَ أفضَلُ مِن الجِنِّ و البَهائمِ و الجَماداتِ بِلا شُبهةٍ‌، فيَجِبُ أن يَكونَ مَن يَجِبُ خروجُه مِن الكلامِ ممّن لَم يُفضِّلْ بَني آدَمَ عليهم هُم المَلائكةُ عليهم السلامُ‌، و إلّاسَقَطَت الفائدةُ‌.


1) . في «أ، ب»: + «أُخرىٰ من إنشائه - رفَع اللّٰه درجاته -». و في «ج»: + «من إنشاء السيّد المرتضى، رفَع اللّٰه درجاته». و في «د»: + «أُخرىٰ‌».

2) . في «د» و المطبوع: «عن».

3) . في «د»: + «من إنشاء السيّد الشريف المرتضىٰ و إملائه».

4) . في «أ، ب، د»: «ينكرون». 5. الإسراء (17):70.

5)

علىٰ أنّ لَفظةَ «مَن» لا يَتوَجَّهُ‌(1)إلَى البَهائمِ و الجَماداتِ‌، و إنّما يَختَصُّ‌(2)بمَن يَعقِلُ‌، فلَيسَ يَدخُلُ تَحتَها ممّن يَجوزُ أن يُفضَّلَ الآدَميّونَ عليه إلّاالمَلائكةُ و الجِنُّ‌، و إذا عَلِمنا أنّهم أفضَلُ مِن الجِنِّ بَقيَ المَلائكةُ خارجِينَ مِن الكلامِ‌، و في خروجِهم دَلالةٌ علىٰ أنّهم أفضَلُ‌.

الجوابُ‌:

[أوّلاً:] يُقالُ له: لِمَ زَعَمتَ أوّلاً أنّ ظاهرَ الكلامِ يَقتَضي أنّ في المخلوقاتِ مَن لَم يُفضِّلْ بَني آدَمَ عليه، فعلىٰ ذلكَ بَنَيتَ‌(3)الكلامَ كُلَّه‌؟ فإنّه غيرُ صحيحٍ‌، و لا يُسلَّمُ‌.

فإن قالَ‌: إنّ لَفظةَ «كَثيرٍ» تَقتَضي(4)ذلكَ‌.

قيلَ له: مِن أينَ قُلتَ أنّها تَقتَضي(5)ما ادَّعَيتَه‌؟ و يُطالَبُ بالدَّلالةِ‌؛ فإنّه(6)لا يَجِدُها(7).

ثُمَّ يُقالُ له: قد جَرَت عادةُ الفُصَحاءِ مِن العَرَبِ بأن يَستَعمِلوا مِثلَ هذه اللفظةِ مِن غيرِ إرادةٍ للتخصيصِ‌؛ بَل مع قَصدِ الشُّمولِ و العُمومِ‌، فيَقولونَ‌: «أعطَيتُه الكَثيرَ مِن مالي»، و «أبَحتُه المَنيعَ مِن حَريمي»، و «بَذَلتُ له العَريضَ مِن جاهي»، و لَيسَ يُريدونَ‌: أنّني أعطَيتُه شَيئاً مِن مالي و اذَّخَرتُ‌(8)عنه شَيئاً آخَرَ منه، و لا أبَحتُه مَنيعَ حَريمي و لَم أُبِحْه(9)ما لَيسَ مَنيعاً(10)، و لا بَذَلتُ له عَريضَ جاهي و مَنَعتُ ما لَيسَ‌


1) . كذا في جميع النسخ، و في المطبوع: «لا تتوجّه»، و هو الأنسب.

2) . كذا في جميع النسخ، و في المطبوع: «تختصّ‌»، و هو الأنسب.

3) . في «أ»: «شيّدت».

4) . في «أ، ب، ج»: «يقتضي».

5) . في «أ، ب، ج»: «يقتضي».

6) 6. في المطبوع: «فإنّا».

7) . في «ب، د» و المطبوع: «لا نجدها».

8) . في المطبوع: «وادّخرت» بالدال المهملة.

9) . في المطبوع: «و لم أبح».

10) . في المطبوع: «ليس يمنعها».

بعَريضٍ‌. و إنّما المَعْزيُّ بذلكَ و المَقصَدُ(1): أنّني أعطَيتُه مالي و مِن صفتِه أنّه كَثيرٌ، [و أبَحتُه حَريمي و مِن صفتِه أنّه مَنيعٌ‌،] و بَذَلتُ له جاهي و مِن صفتِه أنّه(2)عَريضٌ‌.

و له(3)نَظائرُ في القُرآنِ كَثيرةٌ‌(4)، و في أشعارِ العَرَبِ و مُحاوَراتِها، و هو بابٌ معروفٌ لا يَذهَبُ علىٰ مَن أَنَسَ بمَعرِفةِ لَحنِ كلامِهم(5). و نَحنُ نَذكُرُ مِنه طَرَفاً؛ لأنّ استيعابَ الجَميعِ يَطولُ‌:

فممّا يَجري هذا المَجرىٰ قولُه تَعالىٰ‌: «اَللّٰهُ اَلَّذِي رَفَعَ اَلسَّمٰاوٰاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهٰا» (6)، و لَم يُرِدْ أنّ لها عَمَداً لا تَرَونَها(7)بَل أرادَ نَفيَ العَمَدِ علىٰ كُلِّ حالٍ‌.

و قالَ تَعالىٰ‌: «وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اَللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ لاٰ بُرْهٰانَ لَهُ بِهِ‌» (8)، و لَم يُرِدْ أنّ لأحَدٍ بُرهاناً في دُعاءِ إلهٍ‌(9)مع اللّٰهِ تَعالىٰ‌؛ بَل أرادَ أنّ مَن فَعَلَ ذلكَ فقَد فَعَلَ ما لا بُرهانَ عليه.

و قولُه تَعالىٰ‌: «فَبِمٰا نَقْضِهِمْ مِيثٰاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ وَ قَتْلِهِمُ اَلْأَنْبِيٰاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ‌» (10)، و لَم يُرِدْ تَعالىٰ أنّ فيمَن يُقتَلُ مِن الأنبياءِ مَن يُقتَلُ بحَقٍّ‌؛ بَل المَعنىٰ ما ذَكرناه و بيّنّاه.

و مِثلُه قولُه تَعالىٰ‌: «وَ لاٰ تَشْتَرُوا بِآيٰاتِي ثَمَناً قَلِيلاً» (11)، و لَم يُرِدِ النهيَ عن


1) . في «د» و المطبوع: «و القصد».

2) . من قوله: «كثيرٌ، و بَذلتُ‌...» إلىٰ هنا ساقط من «أ، ب، ج».

3) . في «أ، ب، ج»: «و لها».

4) . في «أ، ج»: «كثير».

5) . في «أ، ب، ج»: «كلامه».

6) . الرعد (13):2.

7) . في «أ، ب، ج»: «لا يراه».

8) . المؤمنون (23):117.

9) . في المطبوع: «اللّٰه».

10) . النساء (4):155.

11) . البقرة (2):41.

الثمَنِ القَليلِ دونَ الكَثيرِ؛ بَل نَهىٰ تَعالىٰ عن أخذِ جميعِ الأثمانِ عنها و الأبدالِ‌، و وَصَفَ ما يؤخَذُ عنها بالقِلّةِ‌.

و قالَ سُوَيدُ بنُ أبي كاهِلٍ‌(1):

مِن أُناسٍ لَيسَ في أَخلاقِهِمْ *** عاجِلُ الفُحشِ و لا سوءُ الجَزَعْ‌(2)

و لَم يُثبِتْ بهذا الكلامِ‌(3)في أخلاقِهم فُحشاً آجِلاً(4)و جَزَعاً غيرَ سَيّئٍ‌، و إنّما نَفَى الفُحشَ و الجَزَعَ علىٰ كُلِّ حالٍ‌؛ و لَولا ذلكَ لَكانَ هاجياً لهُم، و لَم يَكُن مادِحاً.

و قالَ الفَرَزدَقُ‌(5):


1) . أبو سعد سويد بن أبي كاهل - و اسمه غطيف، أو شبيب - بن حارثة بن حسل الذبيانيّ الكنانيّ اليشكريّ‌، شاعر من مخضرمي الجاهليّة و الإسلام، عدّه ابن سلّام في طبقة «عنترة». كان يسكن بادية العراق، و سجن بالكوفة لمهاجاته أحد بني يشكر، فعمل بنو عبس و ذبيان على إخراجه؛ لمديحه لهم. أشهر شعره عينيّة كانت تسمّى في الجاهليّة «اليتيمة»، و هي من أطول القصائد. توفّي سنة ستّين هجريّة. راجع: الإصابة، ج 3، ص 222، الرقم 3737؛ الأغاني، ج 11، ص 165-167؛ خزانة الأدب، ج 2، ص 546-548؛ الأعلام للزركلي، ج 3، ص 146.

2) . حكي عنه في التبيان، ج 1، ص 187؛ مجمع البيان، ج 1، ص 186؛ و ج 6، ص 274؛ متشابه القرآن لابن شهر آشوب، ج 2، ص 280.

3) . في حاشية «ب»: + «أنّ‌».

4) . في «د» و المطبوع: «أصلاً».

5) . أبو فراس همّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية التميميّ البصريّ الشاعر، ولد بالبصرة سنة 38 ه‍، و أقام في باديتها مع أبيه، و ظهرت فيه ملكة الشعر و هو غلام. قيل: فجاء به أبوه عليّ بن أبي طالب عليه السلام بعد وقعة الجمل، و أخبر أنّه شاعر، فقال: «علّمه القرآن»، فلم ينظم شعراً حتّى حفظ القرآن. راجع: رجال الكشّي، ص 130، ح 207؛ رجال الطوسي، ص 119، الرقم 1208؛ سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 589، الرقم 226؛ ميزان الاعتدال، ج 3، ص 345، الرقم 6698؛ الإصابة، ج 5، ص 300، الرقم 7050.

و لَم تَأتِ‌(1)عِيرٌ(2)أهلَها بالذي(3)أتَت *** به جَعفَراً يَومَ الهُضَيباتِ عِيرُها(4)

أتَتهُم بِعِيرٍ(5)لَم تَكُن(6)هَجَريّةً *** و لا حِنطةَ الشَّأْمِ المَزِيتِ خَميرُها(7)

فقَولُه: «لَم تَكُن(8)هَجَريّةً‌»؛ أي: لَم يَحمِلِ‌(9)التمرَ الذي يَكونُ كَثيراً(10)في «هَجَرٍ»، و لَم يُرِدْ بباقي البَيتِ أنّ هُناكَ حِنطةً لَيسَ في خَميرِها زَيتٌ‌، بَل أرادَ بها: لَم يَحمِلْ تَمراً و لا حِنطةً‌، ثُمَّ وَصَفَ الحِنطةَ بأنّ الزَّيتَ يُجعَلُ في خَميرِها.

و نَظائرُ هذا البابِ أكثَرُ مِن أن يُحصىٰ‌(11).


1) . في جميع النسخ: «و لم يأت». و ما أثبتناه هو الصحيح طبقاً للديوان بطبعتَيه المحقَّقتَين: دار الكتب العلمية، ص 318، و دار الكتاب العربي، ج 1، ص 402. و في هذه الأبيات يهجو الفرزدقُ بني جعفر بن كلاب و يعيّرهم بقتلىٰ منهم أُصيبوا في حروبهم، فحملت النساء هؤلاء القتلىٰ حتّىٰ أتين بهم الحيّ‌. راجع: الأمالي للشريف المرتضى، ج 1، ص 166.

2) . في «أ، ج» و المطبوع: «غير». و «العيرُ»: القوم الذين معهم أحمال الميرة، و ذلك اسم للرجال و الجمال الحاملة للميرة. و «العير»: القافلة. راجع: المفردات، ص 596؛ لسان العرب، ج 4، ص 624 (عير).

3) . في الأمالي للشريف المرتضى رحمه اللّٰه: «كالتي».

4) . في «أ، ب، ج»: «أدم الهصيّات غيرها». و في «د»: «لقرم الهضاب عيرها»، كلُّ ذلك بدلاً من «يوم الهضيبات عيرها» المُثبَت في الديوان بطبعتيه المحقَّقتَين. و قال السيّد المدني في الطراز الأوّل، ج 3، ص 157: «يوم الهُضَيبات - بالتصغير - هو يوم طَخفَةَ‌، كان للضِّباب على بني جعفر».

5) . في «أ، ب، ج»: «بغير». و في «د» و المطبوع: «بتمر». و ما أثبتناه من الديوان بطبعتيه.

6) . في النسخ و المطبوع: «لم يكن». و ما أثبتناه من الديوان بطبعتَيه.

7) . ديوان الفرزدق، ج 1، ص 402.

8) . في النسخ و المطبوع: «لم يكن». و ما أثبتناه هو الصحيح كما تقدّم.

9) . في «أ، ج»: «لم يحتمل». و الأصحّ‌: «لم تحمل».

10) . في المطبوع: «كثير».

11) . كذا في جميع النسخ. و في المطبوع: «أن تحصىٰ‌»، و هو الأنسب.

فعَلىٰ ما ذَكرناه لا يُنكَرُ أن يُريدَ تَعالىٰ‌: أنّا فَضَّلناهم علىٰ جميعِ مَن خَلَقْنا، و هُم كَثيرٌ. فجَرىٰ ذِكرُ الكَثرةِ علىٰ سَبيلِ الوصفِ المُعلَّقِ‌، لا علىٰ وجهِ التخصيصِ‌.

و لَيسَ لأحَدٍ أن يُخبِرَ بقَولِهم(1): «فَعَلَ كَذا و كَذا كَثيرٌ مِن الناسِ‌» علىٰ سَبيلِ التخصيصِ دونَ العُمومِ‌، و قولِه تَعالىٰ‌: «وَ إِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوٰائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ‌» (2). كذا في جميع النسخ. و في المطبوع: «تقتضي»، و هو الأنسب.(3)، و قولِه تَعالىٰ‌: «وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلنّٰاسِ بِلِقٰاءِ رَبِّهِمْ لَكٰافِرُونَ‌» (4).

و ذلكَ‌ أنّا لَم نَقُلْ‌: إنّ هذه اللَّفظةَ في كُلِّ مَوضِعٍ يُستَعمَلُ‌(5)بمَعنىً واحدٍ؛ بَل الوجهُ في استعمالِها يَختَلِفُ‌، و رُبَّما أُريدَ بها التخصيصُ‌، و رُبَّما أُريدَ ما ذَكرناه ممّا تَقدَّمَ‌. و إنّما يُرجَعُ في ذلكَ إمّا إلَى الوَضعِ‌، أو إلىٰ دَلالةٍ‌(6)تَدُلُّ علَى المعنَى المقصودِ. و إنّما أرَدنا الردَّ علىٰ مَن ادَّعىٰ أنّها يَقتَضي(6) التخصيصَ لا مَحالةَ‌، فدَفَعناه عن ذلكَ بما أَورَدناه.

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَدَّعيَ‌: أنّ الظاهرَ مِن هذه اللفظةِ يَقتَضي التخصيصَ‌، و أنّها إذا وَرَدَت لا يَقتَضيهِ‌(7)كانَت مَجازاً، و حُمِلَ‌(8)عليه بدَلالةٍ‌.

لأنّ‌ ذلكَ تَحكُّمٌ مِن قائلِه، و إذا عُكِسَ عليه و قيلَ له: «بَل التخصيصُ هو


1) . في «أ، ب، ج»: «لقولهم». و في المطبوع: «بقوله». و الأصحّ الأنسب في المقام: «و ليس لأحدٍأن يُنكِرَ ذلك؛ لِقولِهم...».

2) . الأنعام

3) :119.

4) . الروم (30):8.

5) . كذا في جميع النسخ. و في المطبوع: «تستعمل»، و هو الأنسب.

6) . في «أ، ب، د» و المطبوع: «الدلالة».

7) . كذا في النسخ. و في المطبوع: «لا تقتضيه»، و هو الأنسب. و قوله: «لا يقتضيه» حالٌ‌.

8) . في «أ، ب، ج» و المطبوع: «و عمل».

المَجازُ، و ورودُها مَورِدَ النَّعتِ و الوصفِ هو الحَقيقةُ‌»، لَم يَجِدْ فَصلاً.

[ثانياً:] و وجهٌ آخَرُ، و هو: أنّ الجنسَ‌(1)إنّما يَكونُ مُفضَّلاً علَى الجنسِ علىٰ أحَدِ وجهَينِ‌: إمّا بأن يَكونَ كُلُّ عَينٍ مِن أعيانِه أفضَلَ مِن أعيانِ الجنسِ الآخَرِ، أو بأن يَكونَ الفضلُ في أعيانِه أكثَرَ. و لَيسَ يَجوزُ أن يُفضَّلَ الجنسُ علىٰ غيرِه بأن يَكونَ فيه عَينٌ واحدةٌ أفضَلُ مِن كُلِّ عَينٍ في الجنسِ الآخَرِ و باقيهِ‌(2)خالٍ مِن فضلٍ‌، و يَكونَ الجنسُ الآخَرُ لِكُلِّ عَينٍ منه فضلاً، و إن لَم يَبلُغْ إلىٰ فضلِ تلكَ العَينِ التي ذَكرناها. و لهذا لا يَجوزُ أن يُفضَّلَ أهلُ بَغدادَ علىٰ أهلِ الكوفةِ إذا(3)كانَ في بَغدادَ فاضلٌ واحدٌ أفضَلُ مِن كُلِّ واحدٍ مِن أهلِ الكوفةِ‌، و باقي أهلِ بَغدادَ لا فضلَ لهم، مَتىٰ‌(4)كانَ أكثَرُ(5)أهلِ الكوفةِ ذَوي فَضلٍ‌، و إن لَم يَبلُغوا إلىٰ مَنزِلةِ الفاضِلِ الذي ذَكرناه.

فإذا صَحَّت هذه المُقدِّمةُ‌، لَم يُنكَرْ أن يَكونَ‌(6)جنسُ المَلائكةِ أفضَلَ مِن جنسِ‌(7)بَني آدَمَ‌(8)لأنّ الفضلَ في المَلائكةِ عامٌّ لجَميعِهم - علىٰ مَذهَبِ أكثَرِ الناسِ - أو لأكثَرِهم، و الفضلَ في بَني آدَمَ مُخصَّصٌ‌(9)بقَليلٍ مِن كَثيرٍ.


1) . مثل «جنس البشر» و «جنس الملائكة».

2) . أي و باقي الجنس الأوّل.

3) . في المطبوع: «إن».

4) . في «د» و المطبوع: «حتّىٰ‌».

5) . في «د»: «كثيراً من» بدل «أكثر». و في المطبوع: «كثير من» بدله.

6) . في المطبوع: - «يكون».

7) . في «أ، ج، د» و المطبوع: - «الملائكة أفضل من جنس».

8) . في «ج»: + «أفضل». و في المطبوع بين معقوفين: + «مفضولاً»، و أُشير في هامش المطبوع إلىٰ أنّ الزيادة إنّما وُضعَت من قِبَل المحقّق لتتميم الكلامِ‌.

9) . في «أ، ب»: «تخصيص». و في «ج»: «يختصّ‌».

و علىٰ هذا لا يُنكَرُ أن يَكونَ الأنبياءُ عليهم السلامُ أفضَلَ مِن المَلائكةِ‌، و إن كانَ جنسُ المَلائكةِ أفضَلَ مِن جنسِ بَني آدَمَ‌؛ للمعنَى الذي ذَكرناه.

و لمّا تَضمَّنَت الآيةُ ذِكرَ بَني آدَمَ علىٰ سَبيلِ الجنسيّةِ‌، وَجَبَ أن يُفضَّلوا علىٰ مَن عَدا المَلائكةَ‌. و لَو ذَكَرَ الأنبياءَ بذِكرٍ يَخُصُّهم ممّن عَداهم ممّن لَيسَ بذي فضلٍ‌، لَفضَّلَهم علَى المَلائكةِ‌.

و هذا واضحٌ بحَمدِ اللّٰهِ و حُسنِ مَعونَتِه و توفيقِه.

(52) دَفعُ شُبهةٍ للبَراهِمةِ في بَعثِ الأنبياءِ عليهم السلام

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

تعرّضت الرسالة المحمّديّة منذ ظهورها إلى شبهات و إشكالات و اتّهامات عديدة من قِبَل المناوئين لها، فتارة اتّهم النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالسحر، و أُخرى بالكذب، و ثالثة بأنّه اقتبس ما جاء به من أهل الكتاب، إلى غير ذلك من الشُبه و الاتّهامات البدائيّة التي لا ترقى إلى مستوى الإشكال العلمي الرصين؛ بل ظلّت قابعة في مستوى التهمة التي يكيلها الأعداء عندما تعوزهم الحجّة.

إلّا أنّ انتشار الإسلام و اختلاطه بالحضارات الأُخرى أدّى إلى ظهور إشكالات أكثر دقّة و عمقاً، و ربّما من أهمّ الإشكالات على النبوّة ما أورده البراهمة على أصل بعثة الأنبياء عليهم السلامُ‌؛ فإنّ البراهمة كانوا ينكرون الأديان و بعثة الأنبياء عليهم السلامُ بصورة عامّة(1)و لذلك وجّهوا إشكالاتهم إلى أصل البعثة، و هي بطبيعة الحال تهدّد نبوّة رسول الإسلام صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، حاله حال سائر الأنبياء عليهم السلامُ‌، و لذلك اهتمّ المتكلّمون بدراستها و الردّ عليها بكلّ ما أوتوا من قوّة علميّة و طاقة فكرية.

و قد أورد البراهمة إشكالات عديدة على البعثة، أوصلها القاضي عبد الجبّار المعتزلي (ت 415 ه‍) في كتابه المغني إلى 15 إشكالاً(2). و من أشهر تلك الإشكالات


1) . راجع: الملل و النحل، ج 2، ص 250.

2) . المغني، ج 15 (التنبّؤات و المعجزات)، ص 109-146.

المذكورة عادة في الكتب الكلاميّة هو أنّه لو كانت تعاليم الأنبياء عليهم السلامُ موافقة للعقول، لم تبق حاجة إلى الأنبياء، و إن كانت مخالفة لها، وجب رفضها.

و قد أجاب المتكلّمون عن هذه الشبهة بأنّ الأنبياء عليهم السلامُ قد يأتون بما يوافق العقول، فيكون الشرع مؤيّداً للعقل، و قد يأتون بما لا يهتدي العقل إليه، أي لا يكون للعقل حكم معيّن فيه، فلا يَحكم فيه بإيجاب أو سلب(1).

و في هذه الرسالة استعرض الشريف المرتضى إشكالاً آخر من إشكالات البراهمة على البعثة، و هو: لو كانت البعثة حسنة، لكان الرسول المبعوث من قِبَل اللّٰه تعالى قاطعاً على أنّه سوف يبقى حيّاً حتّى يؤدّي رسالته، و إلّالو مات قبل ذلك لمَا كان اللّٰه تعالى قد حقّق الهدف من وراء بعثته، و هو هداية الناس و إرشادهم، فيكون قد فَعَل قبيحاً؛ و إذا قطع الرسول على بقائه حيّاً حتّى يؤدّي واجبه المطلوب منه، لأدّى إلى وقوع مفسدة، و هي الإغراء بالمعاصي؛ فإنّ مَن يَعلم أنّه سيبقى حيّاً إلى فترة من الزمن، سوف يُقدِم على المعاصي، و يتماهل في التوبة و هو أمر قبيح؛ إذن بعثة الأنبياء لا تنفكّ عن القبيح.

و يمكن استعراض عدّة أجوبة على هذه الشبهة:

الجواب الأوّل: أنّ تكليف الرسول بأداء الرسالة مساوي لتكليفه بسائر التكاليف من صلاة و صيام، و وجه المساواة هو أنّه في كلا التكليفين يعلم أنّه سوف يبقى حيّاً لكن بشرط، و هو العقل، و القدرة(2)، و غير ذلك. فإذا كان علمه بالبقاء مع وجود هذه الشروط لا يؤدّي إلى القطع على البقاء، فكذلك في التكليف بأداء الرسالة، و بذلك يبطل الإشكال.


1) . راجع: كشف المراد، ص 470.

2) . لم يصرح الشريف المرتضى في الرسالة بهذه الشروط، لكن من المحتمل أنّه يريدها، و اللّٰه العالم.

قد يقال: إنّه في التكاليف الأُخرى لا يعلم أنّه سوف تتحقّق شروطها، و لذلك لا يقطع بالبقاء، بينما بالنسبة إلى التكليف بأداء الرسالة هو يعلم ببقائه حتّى الانتهاء من أدائها، فحصل الفرق بين الحالتين.

لكن يمكن الإجابة على ذلك بأنّ الرسول سوف لن يقطع بالبقاء؛ لأنّه يَحتمل أنّه إذا لم يتمكّن من أداء الرسالة أن يرسل اللّٰه تعالى رسولاً آخر لأدائها، و بذلك سوف لن يقطع بالبقاء حيّاً، و سوف يرتفع إشكال الإغراء بالمعاصي.

الجواب الثاني: أنّ العلم بالبقاء لا يوجب الإغراء دائماً، فإنّ المكلّفين يختلفون، فإذا عُلم أنّ هذا المكلّف معصوم، و أنّه يبقى على الطاعة و إن عَلم ببقائه حيّاً، فسوف لن يؤدّي علمه بالبقاء إلى الإغراء بالمعاصي.

و أضاف أنّ مَن ذهب من المعتزلة إلى القول بوجود معاصي صغائر تكون محبَطة بواسطة الحسنات، يمكنه أن يفرّق بين العلم بالصغيرة و العلم بالتبقية، فإنّ العلم بأنّ هذه المعصية صغيرة يؤدّي إلى إغراء الجميع بارتكابها؛ لأنّه يعني العلم بأنّها لا تضرّ ضرراً كبيراً مع وجود الداعي و الشهوة إليها، فيكون الإعلام بكون المعصية صغيرة إغراء لجميع المكلّفين بفعلها، بينما الإعلام بالتبقية يكون إغراء لبعضهم؛ لأنّ البعض الآخر من المكلّفين المؤمنين سوف يجوّزون إذا بقوا و عصوا أن لا يتوبوا، فحينئذ سوف يمتنعون من المعصية، و سوف لن يكون علمهم بالبقاء إغراء لهم بالمعصية.

الجواب الثالث: ذكر الشريف المرتضى جواباً ثالثاً و هو للقاضي عبد الجبّار (ت 415 ه‍)، لكنّه رفضه، و قام بمناقشته. و الجواب هو أنّ الرسول يقطع بالبقاء إلى حين الانتهاء ممّا كلّف به من أداء الرسالة، و لكن بما أنّه لا يعرف متىٰ ينتهي من ذلك فهو يجوّز دائماً أن يبقىٰ حيّاً بسبب بقاء تكليفه بأداء الرسالة، و أن يموت بسبب انتهاء ذلك التكليف، و حينئذ سوف لن يكون هناك إغراء؛ لأنّ الخوف - أي الشكّ في البقاء و عدم البقاء - إنّما يزول عند العلم بانتهاء التكليف، و أمّا مع عدم العلم

فيبقىٰ الخوف و الشكّ قائماً، فلا إغراء. و أشكل عليه الشريف المرتضىٰ بأنّ الكلام حول أنّه إذا قطع بالبقاء إلىٰ وقت الأداء حصل الإغراء، و أمّا بعد الأداء فهو مجوِّز للأداء فلا إغراء، و حينئذ إذا علم بوقت أداء الرسالة و وقت انتهاء تكليفه بالأداء فسوف يقطع بالبقاء إلى ذلك الوقت و يحصل الإغراء، أي أنّ القاضي افترض الرسول غير عالم بوقت انتهاء تكليف الأداء فلزم ارتفاع الإغراء، بينما افترض الشريف المرتضىٰ علمَه بذلك فحصل الإغراء. هذا ما ظهر لنا من الجواب و الإشكال.

و الجدير بالذكر أنّ من يقارن الرسالة محلّ البحث مع كتاب المغني الذي ألّفه القاضي عبد الجبّار، يجد تطابقاً مدهشاً بين العبارات، فإنّ كلّ محتوى الرسالة مذكور تقريباً في المغني، مع اختلاف في العبارات، قد يرجع إلى تصرّف الشريف المرتضى في العبارة، أو إلى اختلاف نسخ المغني، و لا يوجد تقريباً فيها شيء للشريف المرتضى إلّاإشكاله الأخير على القاضي، و إلّاقوله: «و لمن حكم بأنّ في المعاصي "صغائر". ..»فإنّه لم يكن يقسّم المعاصي إلى كبائر و صغائر، خلافاً للقاضي.

و هذا قد يثير تساؤلاً، و هو هل كان الشريف المرتضى يدرّس كتاب المغني، و يمليه على تلاميذه، ثمّ يعلّق عليه‌؟

إنّ هذا محتمل، و لكن هناك احتمال آخر، و هو أن يكون الشريف المرتضى و القاضي قد نقلا شبهة البراهمة الآنفة و جوابها من مصدر مشترك ثالث، مثل كتب أبي عبد اللّٰه البصري المعروف بجُعَل (ت 369 ه‍)، أو غيره من كبار المعتزلة، و يشهد لذلك أنّ القاضي قال في نهاية جوابه الأخير، و الذي ردّه الشريف المرتضى: «فهذا الجواب أبين، و إنّما ذكرنا الأوّل لتُعلم طريقة مَن سلك من شيوخنا ذلك المسلك في الجواب عن هذه المسألة»(1).


1) . المغني، ج 15 (التنبؤات و المعجزات)، ص 142-144.

و هذا يعني أنّ الجواب المتقدّم ليس للقاضي، بل هو لشيوخه، و لعلّ الشريف المرتضى أخذه من كتبهم تلك، لا من المغني مباشرة، خاصّةً و أنّ قول الشريف المرتضى في نهاية الرسالة: «و وجدتُ عبد الجبّار بن أحمد قد ذكر في هذا فصلاً في المغني...»، يظهر منه أنّه بعد نقل الجواب المتقدّم من كتاب آخر غير المغني، وجد أنّ القاضي قد أضاف جواباً جديداً على الشبهة.

و كلّ هذا يقوّي احتمال أن يكون الشريف المرتضى قد استفاد من مصدر آخر غير كتاب المغني، و اللّٰه العالم.

عنوان الرسالة

طبعت هذه الرسالة في رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 346 في ضمن «مسائل شتّىٰ‌» تحت عنوان: «دفع شبهة للبراهمة في بعث الأنبياء عليهم السلام». و هو عنوان عامّ لكن لا بأس به. كما طبعت في ضمن مسائل المرتضى، ص 193 تحت عنوان: شبهة للبراهمة.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (119) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (401) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

3.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحة (134) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ط».

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (77) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ي».

5.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (82) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

6.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (285) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ه‍».

7.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20996؛ تقع في الصفحة (27) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

8.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39685؛ تقع في الصفحة (11) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ث».

9.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39688؛ تقع في الصفحة (14) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ق».

10.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (79) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

[

دَفعُ‌ شُبهةٍ للبَراهِمةِ في بَعثِ الأنبياءِ‌:

اشارة

دَفعُ‌ شُبهةٍ للبَراهِمةِ في بَعثِ الأنبياءِ‌:(1)

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

شُبهةٌ للبَراهِمةِ‌:

قالوا: لَو حَسُنَت البِعثةُ لَكانَ مَن يَبعَثُه اللّٰهُ تَعالىٰ لأداءِ الرسالةِ يَقطَعُ علىٰ أنّه سيَبقىٰ حتّىٰ يؤدّيَها؛ لأنّه متىٰ لَم يَقطَعْ علىٰ ذلكَ جَوَّزَ أن لا يَكونَ تَعالىٰ مُزيحاً لعِلّةِ المبعوثِ إليهم في مَصالحِهم. و قَطعُه علَى البقاءِ مَفسَدةٌ‌؛ لأنّ فيه إغراءً‌(2)بالمَعاصي، علىٰ ما يَقولونَ بمِثلِه في سائرِ المُكلَّفينَ‌، و كَما يَذكُرونَه في تعريفِ الصغائرِ و تعريفِ غُفرانِ الكبائرِ. و هذا يوجِبُ‌(3)أن يَكونَ بِعثةُ الرسولِ لا تَنفَكُّ مِن القَبيحِ‌. فإذا ثَبَتَ أنّه لا يَجوزُ أن يَستَصلحَ المبعوثَ إليهم باستفسادِ المبعوثِ‌، فيَجِبُ قُبحُ البِعثةِ‌.

الجوابُ‌:

إنّ الرسولَ فيما كُلِّفَه مِن أداءِ الرسالةِ بمَنزِلتِه في سائرِ ما كُلِّفَه، في أنّه يَعلَمُ أنّه(4)


1) . قد ذكر القاضي عبد الجبّار هذه الشبهة و جوابها مع اختلاف يسير في كتابه المغني، ج 15 (التنبّؤات و المعجزات)، ص 142-144.

2) . في «ب، ث، ج، ص»: «لأنّ فيه إغواء». و في المطبوع: «لأنّه إغراء».

3) . في المطبوع: «يجوز».

4) . في «ب، ث، ج، ص»: - «يعلم أنّه».

سيَبقىٰ بشَرطٍ، و هذا مُسقِطٌ للسؤالِ‌؛(1)لأنّه إذا جَوَّزَ في سائرِ ما كُلِّفَ هذه الطريقةَ‌، و لَم يَجِبْ قَطعُه علىٰ أنّه سيَبقىٰ‌، فكذلكَ أداءُ الرسالةِ‌.

فإن قيلَ‌: إنّما جازَ ذلكَ في سائرِ ما كُلِّفَ‌(2)لأنّه قد عَلِمَ بحُكمِ العقلِ‌(3)أنّ تكليفَه علىٰ شَريطةٍ‌، و إذا لَم يَقطَعْ‌(4)علىٰ حصولِها جَوَّزَ أن لا يَكونَ مُكلَّفاً، و إن كانَ يَعلَمُ أنّ تلكَ الشرائطَ(5)متىٰ ثَبَتَت كانَ مُكلَّفاً. و لَيسَ كذلكَ حالُ أداءِ الرسالةِ‌؛ لأنّه قد عَلِمَ‌(6)أنّ البِعثةَ [الغرضُ‌](7)بها أداؤها(8)إلَى المبعوثِ إليهم، فمتىٰ لَم يُمكَّنْ مِن الأداءِ‌(9)لَم تُزَحْ‌(10)عِلّةُ المبعوثِ إليهم في المَصالحِ‌. فيَعلَمُ بعقلِه(11)أنّه يُمكَّنُ مِن التأديةِ‌(12)فحَصَلَ‌(13)مِن ذلكَ‌(14)الإغراءُ‌.

فيُقالُ له: و إن عَلِمَ في الرسالةِ أنّها مَصلَحةٌ للغَيرِ، و أنّه متىٰ لَم يَعلَمْها(15)ذلكَ الغَيرُ لَم يَكُن مُزاحَ العِلّةِ‌، فإنّه يُجوِّزُ متىٰ لَم يُمكَّنْ‌(16)مِن الأداءِ‌(17)


1) . في «ه‍»: «سقط للسؤال». و في المطبوع: «السؤال»، كلاهما بدل «مسقط للسؤال».

2) . من قوله: «هذه الطريقة...» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.

3) . في المطبوع: «النقل».

4) . في «أ»: «لم ينقطع». و في «ب، ث، ج، ص، ط»: «لم نقطع». و في «ق»: «لم يتقطّع».

5) . في «ه‍» و المطبوع: «الشريطة».

6) . في «ه‍» و المطبوع: «يعلم».

7) . ما بين المعقوفين استفدناه من المغني.

8) . في «أ»: «أوان». و في «ه‍»: «أداؤهما». و في المطبوع: «أرادها».

9) . في «ه‍» و المطبوع: «الا» بدل «الأداء».

10) . في «د، ه‍، ي» و المطبوع: «لم يزح».

11) . في «ه‍» و المطبوع: «لعقله».

12) . أي يمكَّن من أداء الرسالة علىٰ كلّ حال.

13) . في «ه‍» و المطبوع: «محصّل».

14) . في «أ، ق»: - «من ذلك».

15) . في «ب، ث، ج، ص»: «لم يعلم ما» بدل «لم يعلمها».

16) . في «أ، ه‍» و المطبوع: «لم يكن». و في «د، ي»: «لم يتمكّن».

17) . في «ه‍» و المطبوع: «الا» بدل «الأداء».

أن يؤدّيَها(1)غيرُه فتُزاحَ‌(2)عِلّتُه(3)لأنّ الذي يَعلَمُه بالعقلِ أنّه لا بُدَّ مِن إزاحةِ عِلّةِ المُكلَّفِ‌، ثُمّ لا يَعلَمُ أنّ ذلكَ يَكونُ مِن قِبَلِه أو مِن(4)قِبَلِ غيرِه، كَما لا يَعلَمُ أنّه يَكونُ بالمُشافَهةِ دونَ الخبرِ؛ و شَكُّه في أنّه قد يَجوزُ الانتفاءُ‌(5)لا يَمنَعُ‌(6)مِن حصولِ اليقينِ‌(7)له(8)، و لا يؤَدّي إلىٰ فَسادٍ.

فإن قيلَ‌: فيَجِبُ علىٰ هذا الجوابِ أن لا يَعَلمَ الرسولُ أنّه قد حُمِّلَ الرسالةَ لا مَحالةَ‌!

قيلَ‌: هو يَعلَمُ ذلكَ‌، و إنّما يَشُكُّ‌: هَل كُلِّفَ الأداءَ في الأحوالِ المُتراخيةِ‌(9)أم لا؟ مع عِلمِه بأنّه قد كُلِّفَ ذلكَ‌(10)لا مَحالةَ إن بَقيَ علىٰ شَرائطِه.

فإن قيلَ‌: إنّما حُمِّلَ الرسالةَ لكَي(11)يؤَدّيَ‌، فيَجِبُ أن يَقطَعَ بثُبوتِ‌(12)الأوّلِ‌.(13)


1) . في المطبوع: «أن يؤمر بها» بدل «أن يؤدّيها».

2) . في «أ»: «بمزاح». و في «ب، ث، ج، ص، ي»: «فتنزاح». و في «ق»: «فيزاج». و في «ه‍»: «فيراح». و في المطبوع. «فيزاح».

3) . في «أ، ق»: + «بالفعل».

4) . في المطبوع: - «من قِبله أو من»، و وُضع بدلها ثلاث نقاط بين معقوفين.

5) . في «ه‍» و المطبوع: - «أنّه قد يجوز الانتفاء».

6) . في المطبوع: «لا نمنع».

7) . في «ه‍» و المطبوع: + «من».

8) . أي شكُّه في أنّه يجوز أن لا يبقىٰ حيّاً كي يؤدّي الرسالة بنفسه، لا يمنع من حصول اليقين له بإزاحة علّة المكلّف علىٰ أيّ حال، إمّا بواسطته و إمّا بواسطة شخص آخر.

9) . في «أ»: «المزاحمة». و في «ب، ث، ج، ص، ط، ي»: «المراخية».

10) . في المطبوع: - «ذلك».

11) . في المطبوع: «حتّىٰ‌».

12) . في «ه‍» و المطبوع: «ثبوت» بدون الباء الجارّة.

13) . في المغني: «فلا يجوز مع ثبوت الأوّل أن لا يقطع بثبوت الثاني». و هو الصواب.

قيلَ له: إنّ مَن يَسلُكُ‌(1)هذه الطريقةَ يقولُ‌: «إنّما حُمِّلَها لكَي يؤَدّيَ إن بَقيَ علىٰ صِفاتِ المُكلَّفِ‌»، و لا يُطلِقُ‌(2)ما أَورَدتَ إطلاقاً؛ كَما يَقولُ في رَدِّ الوديعةِ عندَ المُطالَبةِ‌: «إنّه مُكلَّفٌ بذلكَ‌(3)إن بَقيَ مُمكَّناً،(4)و إن لَم يَتمكَّنْ لَم يَجِبْ‌»، و لَم يوجِبْ‌(5)إلّاأن يَكونَ مُكلَّفاً في الأوّلِ علَى الشرطِ الذي ذَكرناه.

فإن قيلَ‌: الغرضُ‌(6)فيما يَفعَلُه مِن مُقدِّماتِ رَدِّ(7)الوديعةِ وصولُها إلىٰ صاحبِها(8).

[قُلنا:] فالغرضُ بتَحمُّلِ الرسالةِ العَزمُ علىٰ تأديتِها إلىٰ مَن بُعِثَ الرسولُ إليه.

جوابٌ آخَرُ:

إذا قُلنا: «إنّه يَعلَمُ أنّه سيَبقىٰ ليؤدّيَ‌(9)الرسالةَ‌»، فلا يَجِبُ بذلكَ الإغراءُ‌؛ لأنّ الإغراءَ يَختَلِفُ باختلافِ المُكلَّفينَ‌؛ فمَن عُلِمَ مِن حالِه أنّه يَبقىٰ‌(10)علَى الطاعةِ - لِكَونِه معصوماً أو العِلمِ‌(11)بحالِه في إيثارِه التمسُّكَ بما يَلزَمُه - فعِلمُه(12)بذلكَ‌


1) . في «ه‍» و المطبوع: «سلك».

2) . في المطبوع: + «إلّا».

3) . في «أ، ق»: «و ذلك». و في سائر النسخ و المطبوع: «ذلك». و كلاهما سهو.

4) . في المطبوع: «متمكّناً».

5) . هكذا في «أ، ق». و في «ه‍» و المطبوع: - «و لم يوجب». و في سائر النسخ: «و لم يجب».

6) . في المغني: «و إن كان الغرض».

7) . في «ه‍» و المطبوع: - «ردّ».

8) . في «أ»: «مباحها». و في المطبوع ثلاث نقاط وُضعت بين معقوفين بدل «صاحبها».

9) . في «ب، ث، ج، ص»: - «يعلم أنّه». و في «ه‍» و المطبوع يوجد في موضع: «أنّه سيبقى ليؤدّي» فراغ.

10) . في «أ، ق»: «تبقى». و في «ه‍» و المطبوع يوجد في موضع «حاله أنّه يبقى» فراغ.

11) . في المطبوع: «و العلم».

12) . في «ج، ه‍» و المطبوع: «فعله».

لا يَكونُ إغراءً‌، و مَن المعلومُ‌(1)مِن حالِه خِلافُ ذلكَ يَكونُ إغراءً في حَقِّه.

فتَختَلِفُ أحوالُ المُكلَّفينَ بحَسَبِ المعلومِ مِن أحوالِهم؛ فلا يَجِبُ في البِعثةِ ما(2)قَدَّروه مِن الفَسادِ.

و لِمَن حَكَمَ بأنّ في المَعاصي «صَغائرَ»(3)أن يُفرِّقَ بَينَ العِلمِ بصَغيرِ المَعصيةِ و العِلمِ بالتبقيةِ‌؛ بأن(4)يَقولَ‌: العِلمُ بصَغيرِ المَعصيةِ يَقتَضي أن لا يَستَضِرَّ بفعلِها ضَرَراً يُعتَدُّ(5)بمِثلِه، مع ما له فيها مِن الشهوةِ‌، فيَكونُ ذلكَ إغراءً‌(6)و كذلكَ القولُ في تعريفِ الغُفرانِ‌.(7)

و لَيسَ كذلكَ إذا عَلِمَ أنّه سيَبقىٰ‌؛ لأنّه فيما يأتيه(8)يَعلَمُ‌(9)أنّه يَستَحِقُّ المَضارَّ عليه، و عِلمُه بأنّه سيَبقىٰ‌(10)يُجوِّزُ معه أن لا يَختارَ التوبةَ‌.(11)فالمَخافةُ‌(12)قائمةٌ مِن الإقدامِ علَى المَعاصي؛ فلذلكَ جازَ أن تَختَلِفَ أحوالُ المُكلَّفينَ فيه. و إنّما يَصيرُ


1) . في «ه‍» و المطبوع يوجد في موضع «إغراءً‌، و مَن المعلوم» فراغ.

2) . في «ه‍» و المطبوع يوجد في موضع «في البعثة ما» فراغ.

3) . إشارة إلى المعتزلة و منهم القاضي عبد الجبّار. راجع: المغني، ج 15 (التنبّؤات و المعجزات)، ص 144. و أمّا المصنّف رحمه اللّٰه فذهب إلىٰ أنّ معاصي اللّٰه تعالىٰ كبائر، و إنّما تكون صغيرة بالإضافة إلى غيرها. راجع: الذخيرة، ص 533-534.

4) . في المطبوع يوجد في موضع «بالتبقية ب‍» ثلاث نقاط وُضعت بين معقوفين.

5) . في «أ، ق»: «يغيَّر». و في «ه‍» و المطبوع: «يعتقد».

6) . أي يكون إغراء لجميع المكلَّفين.

7) . في «ه‍» و المطبوع: «القرآن».

8) . من المعاصي.

9) . في «أ»: «ستبقى أنّه فيما يأتيه فعلم». و في «ق»: «ستبقى؛ لأنّه فيما يأتيه نعلم».

10) . من قوله: «لأنّه فيما يأتيه...» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.

11) . في «ب، ث، ج، ص، ط»: «الاعتبار بالتوبة» بدل «أن لا يختار التوبة».

12) . في «ب، ث، ج، ص»: «و المخافة».

الإعلامُ بالتبقيةِ‌(1)إغراءً‌(2)إذا انضافَ‌(3)إلىٰ هذا(4)العِلمِ [العِلمُ‌](5)بأنّه سيَتوبُ‌(6)لا مَحالةَ و إن أقدَمَ علَى المَعاصي.

و يُمكِنُ أن يُقالَ‌: إنّه لا(7)يأمَنُ مِن أن لا(8)يَستَكثِرَ مِن الطاعاتِ فتَفوتَه المَنافعُ العظيمةُ‌، و الخَوفُ مِن فَواتِ المَنفَعةِ كالخَوفِ مِن فَواتِ المَضَرّةِ‌.

[ثالثاً:] و وَجَدتُ عبدَ الجَبّارِ بنَ أحمَدَ(9)قد ذَكَرَ في هذا فَصلاً(10)في المُغني(11)، و هو أن قالَ‌:

إنّ الرسولَ‌(12)يَقطَعُ علىٰ أنّه سيَبقىٰ‌(13)إلىٰ أن يؤَدّيَ الرسالةَ التي حُمِّلَها، ثُمّ بَعدُ(14)يَعودُ حالُه إلىٰ أنّه في كُلِّ وقتٍ مُستَقبَلٍ يُجوِّزُ أن يَبقىٰ‌(15)


1) . في «ش» و المطبوع: «بالتبعيّة». و في «ه‍»: «بالبيّنة».

2) . أي إغراء للجميع.

3) . في «أ»: «إذ لا يضاف إليه». و في «ق»: «إذ لا يضاف». و في المطبوع: «إذا انضافه».

4) . في المطبوع: - «هذا».

5) . ما بين المعقوفين من المغني

6) . في «د»: «سيموت». و في «ه‍»: «مسمور». و في «ي»: «يسمونه». و في المطبوع: «مأمور».

7) . في «أ، د، ط، ق، ه‍، ي» و المطبوع: - «لا».

8) . في «ب، ث، ج، ص»: - «يأمن من أن لا». و في «د، ط، ه‍، ي» و المطبوع: - «من».

9) . هو قاضي القضاة عبد الجبّار بن أحمد الهمذاني الأسدآبادي. كان شيخ المعتزلة في عصره. ولي القضاء بالريّ‌، و مات فيها سنة 415 ه‍. له من التصانيف: المغني، و تنزيه القرآن عن المطاعن، و الأمالي و غيرها. الأعلام، ج 3، ص 273؛ الوافي بالوَفَيات، ج 18، ص 20-22.

10) . في «ط، ه‍» و المطبوع: «فضلاً».

11) . هكذا في مسائل المرتضى، ص 196. و في النسخ و المطبوع: «المعنىٰ‌».

12) . في المغني: + «إنّما».

13) . في المغني: «يبقىٰ‌».

14) . في المغني: «ثمّ من بعد تعود».

15) . في المغني: «أن لا يبقىٰ‌».

و أن(1)يُقطَعَ تكليفُه؛ و كذلكَ كانَت أحوالُ الأنبياءِ عليهم السلامُ‌(2)تَنتَهي إلىٰ هذه الطريقةِ‌. و ذلكَ يُزيلُ ما يُذكَرُ(3)مِن الإغراءِ‌؛ لأنّ الوَجَلَ و الخَوفَ إنّما يَزولانِ عن المُكلَّفِ‌(4)متىٰ عَلِمَ انتهاءَ تكليفِه، فأمّا إذا لَم يَعلَمْ‌(5)فالخَوفُ قائمٌ‌.(6)

و هذا الجوابُ‌ مُعتَرَضٌ‌(7)بأن يُقالَ‌: إنّما أُلزِمتَ الإغراءَ في الحالِ التي يَقطَعُ فيها المُكلَّفُ علىٰ أنّه سيَبقىٰ لا مَحالةَ‌، و هي الحالُ التي يَعلَمُ فيها بقاءَه إلىٰ حينِ الأداءِ‌.

فأمّا بَعدَ هذه(8)الحالِ‌، فلا قَطعَ للنبيِّ عليه السلامُ علَى التبقيةِ‌(9)، و الإغراءُ لَيسَ بحاصلٍ‌؛ فإذا عَلِمَ انتهاءَ تكليفِه عادَت الحالُ إلَى الإغراءِ‌.(10)فيُعلَمُ أنّ هذا الجوابَ لَيسَ بصَحيحٍ‌.


1) . في «ب، ث، ج، ص»: - «أن».

2) . في المغني: «صلوات اللّٰه عليهم».

3) . في «ب، ث، ج، ص»: «يذكرها». و في «ش، ه‍» و المطبوع: «نذكره». و في المغني: «ذكره».

4) . في «أ، ق»: «يزيلان عن المكلّف». و في «ه‍»: «يزولان عن». و في المطبوع: «يزولان عنه»، كلّها بدل «يزولان عن المكلّف».

5) . في المغني: «فإذا لم يعلم ذلك».

6) . المغني، ج 15 (التنبّؤات و المعجزات)، ص 144.

7) . في المطبوع: «يُعترض».

8) . في المطبوع: + «إلى».

9) . في «أ»: «المنفعة». و في «ه‍»: «التبعيّة». و في المطبوع: «البقيّة».

10) . من قوله: «ليس بحاصل...» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ث، ج، ص».

(53) مسألةٌ في ميراثِ الأنبياءِ عليهم السلام

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

وقع خلاف قديم بين الشيعة و السنّة حول ميراث النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و ذلك بسبب النزاع الذي دار بين السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلامُ و أبي بكر حول ميراث رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، حيث رفض أبو بكر إعطاء ميراث الرسول صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه إلى ابنته فاطمة الزهراء عليها السلامُ بدعوى أنّ الأنبياء عليهم السلامُ لا يورثون، و بذلك صار البحث عامّاً و شاملاً لميراث جميع الأنبياء عليهم السلامُ‌.

و كان الاستدلال المُتعارف على هذه الدعوى هو حديث: «نحن معاشرَ الأنبياء لا نورث؛ ما تركناه صدقة»، إلّاأنّ الشريف المرتضى ذكر في هذه الرسالة دليلاً قياسيّاً استدلّوا عليه لتأييد تلك النظريّة، و الدليل هو:

إذا كان أهل النبيّ يرثونه، لكانوا يتمنّون موته لكي يصلوا إلى الإرث، إلّاأنّ تمنّي موت النبيّ كفر، فأراد اللّٰه تعالى تنزيه أهل النبيّ من ذلك، فمنعهم من أخذ ميراثه.

و أجاب على ذلك بما يلي:

أوّلاً: أنّ جعل ميراث النبيّ صدقة، سوف يعرّض الفقراء بل جميع الأُمّة إلى تمنّي موته، فإنّه حتّى الأغنياء يحتمل أن يصبحوا فقراء يوماً من الأيّام، فيتمنّون موته، و بهذا إذا منع اللّٰه تعالى أهل نبيّه من تمنّي موته فقد عرّض في المقابل أعداداً كبيرة من الأُمّة إلى ذلك.

ثانياً: أنّ إعطاء ميراث النبيّ إلى أهله، ثمّ نهيُهم عن تمنّي موته، يعتبر تعريضاً لهم لمنزلة عالية و رفيعة من منازل التكليف؛ لأنّهم إذا انتهوا عن ذلك مع وجود الداعي

إليه فسوف يستحقّون الثواب الجزيل، فيكون تعريضهم إلى ذلك إحساناً إليهم و نعمة عليهم، فكيف يحرمهم اللّٰه تعالى من هذا الإحسان و الإنعام‌؟!

ثالثاً: أنّ اللّٰه تعالى قد أقدر أهل النبيّ على مختلف أنواع الذنوب و الكفر، و لم يكن ذلك تعريضاً لهم إلى القبائح، و لم يجب عليه أن ينزّههم من ذلك، فكذلك ميراث النبيّ‌.

و الجدير بالذكر أنّ هذه الرسالة هي في الحقيقة من الرسائل الجديدة التي تمّ العثور عليها في ضمن مخطوطات رسائل الشريف المرتضى التي قامت الأمانة العامّة لمؤتمر ألفيّة الشريف المرتضى بجمعها، و هي غير متنافية مع أفكاره و أُسلوبه في بيان المسائل العلميّة. و قام الشيخ البياضي العاملي (ت 877 ه‍) بتلخيص بعض مطالبها في كتابه، و نسبها إلى الشريف المرتضى.(1)

مخطوطة الرسالة

لقد تمّ العثور علىٰ مخطوطة واحدة لهذه الرسالة، و هي:

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 903/4؛ تقع في الصفحة (8 - 9) من المجموعة الخطّيّة.

و النسخة صحّحت بيد نفس الكاتب على الظاهر، و فيها موارد من الإعراب مغلوطة، و كتب الناسخ في آخرها:

«فتمّ و فرغ، و الحمد للّٰه أوّلاً و آخراً و ظاهراً و باطناً، و لا حول و لا قوّة إلّاباللّٰه العليّ العظيم. نمّقها الشيخ حمزة متولّي مسجد الشمس في الحلّة الفيحاء - حرسها اللّٰه من البلاء - في سنة ستّة و ثمانين بعد الألف».


1) . الصراط المستقيم، ج 2، ص 291.

[

مسألةٌ في ميراثِ الأنبياءِ عليهم السلام

مسألةٌ في ميراثِ الأنبياءِ عليهم السلام(1)

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

قال المرتضىٰ رَضيَ اللّٰهُ عنه: تَجَدَّدَ لِمَن خالَفَنا في ميراثِ الأنبياءِ عليهم السلامُ أنِ استَدَلَّ علىٰ أ نّهم لا يورَثونَ بطَريقةٍ قياسيّةٍ - و إنّما كانَ مُعوَّلُهم(2)قَديماً علَى السمعِ و الخبرِ - فقالوا: قد عَلِمنا أنّ النبيَّ عليه السلامُ لَو كان يورَثُ المالَ فقَد عُرِّضَ‌(3)أهلُه و وَرَثَتُه [ل‍] أن يَتمنَّوا مَوتَه علَى العادةِ الجاريةِ بذلكَ‌، و تَمنّي مَوتِه عليه السلامُ كُفرٌ؛ فنَزَّهَ اللّٰهُ تَعالىٰ نَبيَّه عليه السلامُ و أهلَه عن(4)مِثلِ هذه الحالِ‌.

الجوابُ أن يُقالَ لهُم: إذا جَعَلَ تَعالىٰ ميراثَ النبيِّ عليه السلامُ صَدَقةً‌، فقَد عَرَّضَ جميعَ فُقَراءِ المُسلِمينَ‌، بَل جميعَ الأُمّةِ لِما ذَكرتُم مِن(5)تَمنّي مَوتِه؛ لأ نّه لا أحَدَ مِن الأُمّةِ إلّاو يَجوزُ(6)- و إنَ كانَ غَنيّاً - أن يَفتَقِرَ فيَكونَ مِن أهلِ ميراثِ النبيِّ عليه السلامُ‌. فإن كانَ مَنَعَ مِن هذه الحالِ قوماً(7)، فقَد عَرَّضَ لها مَن


1) . تُطبع هذه الرسالة لأوّل مرّة، و علىٰ نسخة واحدة.

2) . في النسخة «مقولتهم». و ما أثبتناه هو الصواب.

3) . في النسخة: «فتطرّق من». و ما أثبتناه هو الصواب.

4) . في النسخة: «من». و ما أثبتناه هو الصواب.

5) . في النسخة: «لما ذكرتهم منه». و ما أثبتناه هو الصواب.

6) . في النسخة: «و تجوّز». و ما أثبتناه هو الصواب.

7) . و هُم أهلُه.

هو أكثَرُ مِن عَدَدِهم أضعافاً مُضاعَفةً‌؛ و إن كانَ نَزَّهَه عليه السلامُ عن(1)أن يَتمنّىٰ قومٌ بأعيانِهم مَوتَه، فقَد عَرَّضَه(2)لأِ ن يَتمنّىٰ جميعُ الأُمّةِ مَوتَه بأن(3)جَعَلَ ميراثَه صَدَقةً‌.

فإذا قالوا: ما يَجعَلُ الميراثُ لهُم [طَريقاً] لِتَمنّي مَوتِه عليه السلامُ‌؛ لأنّهم عن ذلكَ مَنهيّونَ‌، و عليه مُعاقَبونَ‌.

قُلنا: كذلكَ نَقولُ‌(4)في أهلِه عليهم السلامُ‌؛ لأنّهم قد زُجِروا عن تَمنّي مَوتِه عليه السلامُ‌، و متىٰ فَعَلوه كانوا مُخطِئينَ مُعاقَبينَ‌، و عادَ الضررُ فيه إليهم عليهم السلامُ‌، و لا عَيبَ بذلكَ علَى النبيِّ عليه السلامُ و لا تَبِعةَ‌.

ثُمَّ يُقالُ لهُم: قد عَرَّضَ اللّٰهُ تَعالىٰ وَرَثةَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه - بأن حَكَمَ أنّ ميراثَه لهُم، و مَنَعَهم بالنهيِ و الزجرِ عن تَمنّي مَوتِه - لمَنزِلةٍ مِن التكليفِ رَفيعةٍ جَليلةٍ يُستَحَقُّ عليها الثوابُ الجَزيلُ‌؛ لأنّهم إذا كانوا أهلَ ميراثِه و مُستَحِقّيهِ‌، و لَم يَتمنَّوا مَوتَه عليه السلامُ‌، عَدَلوا بذلكَ عن مُقتَضَى الهَوىٰ‌(5)في العادةِ‌، و شَقَّ ذلكَ عليهم، فاستَحَقّوا جَزيلَ الثوابِ‌، فتعريضُهم لذلكَ إحسانٌ إليهم و نِعمَةٌ عليهم؛ فكَيفَ يُنزَّهونَ و يُباعَدونَ عمّا هو غايةُ الإحسانِ و الإنعامِ؟

علىٰ‌ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ قد أقدَرَ وَرَثةَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه علىٰ ضُروبِ الكُفرِ و صُنوفِ المَعاصي و أنواعِ الكَبائرِ، و لَم يَكُن في ذلكَ تعريضٌ لهذه القَبائحِ و لا وَجَبَ أن يُنزِّهَهم عن هذه الحالِ بأكثَرَ مِن النهيِ و الزجرِ؛ فأيُّ فَرقٍ بَينَ ذلكَ‌


1) . في النسخة: «من». و ما أثبتناه هو الصواب.

2) . في النسخة: «عوضه». و ما أثبتناه هو الصواب.

3) . في النسخة: «بل». و ما أثبتناه هو الصواب.

4) . في النسخة: «يقول». و ما أثبتناه هو الصواب. 4. في النسخة: «التهوّي». و ما أثبتناه هو الصواب.

5)

أجمَعَ و بَينَ ما ذَكروه‌؟ و كَيفَ [لَم] يُنزَّهوا عمّا هو أكثَرُ منها و أكبَرُ؟ و أيُّ شَيءٍ ذَكروه في ذلكَ قيلَ لهُم مِثلُه فيما تَعلَّقوا به.

تَمَّتِ الرسالةُ‌، و الحَمدُ للّٰهِ وَحدَه، و صَلَّى اللّٰهُ علىٰ سَيّدِنا مُحمّدٍ و آلِه الطيّبينَ الطاهرينَ‌.

(54) الرِّسالةُ الباهِرةُ في فَضلِ العِترةِ الطاهِرةِ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

أوردها الطبرسيّ (ت 548 ه‍) بأكملها في آخر كتابه الاحتجاج، و سمّاها: «الرسالة الباهرة في فضل العترة الطاهرة» حيث قال: «احتجاجُه قدّس اللّٰه روحه في التعظيم و التقديم لأئمّتنا عليهم السلام علىٰ سائر الورىٰ ما عدا نبيّنا صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، بطريقة لم يسبقه إليها أحد، ذكرها في رسالته الموسومة بالرسالة الباهرة في فضل العترة الطاهرة»(1)كما ذكرها ابن شهر آشوب (ت 588 ه‍)، و سمّاها: «الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة»(2)و تَقدُّمُ الأخيرَين و قُربُ عهدهما نسبيّاً من عهد الشريف المرتضى يدلّ على صحّة نسبة الرسالة إليه. إضافةً إلى أنّه قد أُرجِعَ القارئُ في أوائل الرسالة إلى المسائل التبّانيّات و كتاب الانتصار - الذي سُمّي في هذه الرسالة باسم: «كتاب نُصرة ما انفردت به الشيعة الإماميّة من المسائل الفقهيّة»، و هذان الكتابان من كُتب الشريف المرتضى المعروفة. إذَن لا شكّ في صحّة نسبة «الرسالة الباهرة» إليه.

ثمّ إنّ العلّامة المجلسي (ت 1111 ه‍) قد أورد الرسالة بأكملها في البحار نقلاً عن الاحتجاج.(3)

و يظهر ممّا بأيدينا من هذه الرسالة سقوط أوّلها؛ فهي تبدأ هكذا: «و ممّا يدلّ‌


1) . الاحتجاج، ج 2، ص 617.

2) . معالم العلماء، ص 105.

3) . بحار الأنوار، ج 27، ص 332-337.

أيضاً على تقديمهم عليهم السلامُ و تعظيمهم على البشر...»، ممّا يدلّ علىٰ أنّ الكلام معطوف على كلام سابق عليه قد سقط.

و قد تركّز بحث الشريف المرتضى في هذه الرسالة على مسألة تفضيل أئمّة أهل البيت عليهم السلامُ على سائر البشر، و بذلك تكون تسميةُ الطَّبرسيّ لها المشتملةُ على كلمة «فضل» أدقّ تعبيراً عن محتوى الرسالة.

و «التفضيل» عنوان عامّ‌، تنطوي تحته عناوين متعدّدة، مثل: تفضيل الأنبياء على الملائكة، و تفضيل النبيّ على سائر الأنبياء، و تفضيل أمير المؤمنين على سائر الصحابة، و تفضيله على سائر البشر عدا النبيّ محمّد صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه. و قد كتبت رسائل متعدّدة حول هذه العناوين من قِبل المتكلّمين، و خاصّة متكلّمي الإماميّة، تُراجَع في مظانّها.

محتوى الرسالة

و من العناوين المرتبطة بالتفضيل تفضيلُ أئمّة أهل البيت عليهم السلامُ على سائر البشر، و هو الذي يشكّل موضوع «الرسالة الباهرة» فقد كتب الشريف المرتضى هذه الرسالة لإثبات ذلك، و استدلّ عليه بدليلَين:

الدليل الأوّل: أنّ معرفتهم - كالمعرفة بِاللّٰه تعالى - إيمان و إسلام، و أنّ الجهل بهم و الشكّ فيهم - كالجهل باللّٰه و الشكّ فيه - كفر و خروج عن الإيمان. و ليست هذه الخصوصيّة لأحد من البشر إلّاللنبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و أمير المؤمنين عليه السلامُ‌، و الأئمّة من ولده عليهم السلام، و أمّا باقي الأنبياء فليست لهم هذه الخصوصيّة؛ لأنّه لا تجب معرفتهم، و لا يتعلّق بها تكليف، سوى أنّ أسماء بعضهم وردت في القرآن، فوجبت معرفتهم تصديقاً للقرآن، و إلّافلا وجه لوجوب معرفتهم، و لا تعلُّقَ لها بشيء من تكاليفنا؛ و هذا يعني تفضيل الأئمّة عليهم السلامُ علىٰ سائر البشر.

و لأجل إكمال هذا الدليل أخذ في إثبات مقدّمته، و هي وجوب معرفة الأئمّة، و أنّ معرفتهم إيمان، و الجهل بهم كفر و خروج عن الإيمان، فأقام على ذلك دليلَين:

أحدهما: إجماع الإماميّة على ذلك، و عدم اختلافهم فيه، و إجماعُهم حجّة؛ لدخول المعصوم فيه، كما هو محقّق في بحث الإجماع.

و الآخر: إجماع الأُمّة؛ فإنّ بعض علماء الأُمّة ذهبوا إلى أنّ الصلاة على الآل في التشهّد الأخير واجب، فتكون معرفتهم واجبة، فإنّ الصلاة عليهم فرع المعرفة بهم.

فيما ذهب بعض آخر من علماء الأُمّة إلى استحباب الصلاة عليهم، فتكون من جملة العبادة التي لا تتحقّق من دون معرفتهم، و ليس لأحد غير الأئمّة عليهم السلامُ مثل هذه الخصوصية.

الدليل الثاني: أنّ اللّٰه تعالى قد غرس في قلوب الناس - علىٰ اختلاف مذاهبهم و دياناتهم - حبَّهم و تعظيمهم و إكبارهم، فيقومون بقصد قبورهم من أقاصي الأرض. و في هذه النقطة سجّل لنا الشريف المرتضى، ملاحظة تاريخيّة مهمّة، و هي اهتمام أهالي نيسابور و ما حولها من المدن بزيارة الإمام الرضا عليه السلامُ في طوس بالجِمَال الكثيرة و الأهبة التي لا يوجد مثلها إلّافي حجّ بيت اللّٰه الحرام، و ذلك على الرغم من انحراف أهل خراسان عن أهل البيت عليهم السلامُ‌، و عدم اعتقادهم بإمامتهم. إنّ تسخير هذه القلوب القاسية هو كالخارق للعادات، و إلّافما الداعي لهؤلاء الناس أن يذهبوا إلى قبور الأئمّة عليهم السلامُ دون غيرهم، فليست هناك بالتأكيد دواع دنيويّة و لا تقيّة و لا غير ذلك، و إنّما هي مشيئة اللّٰه تعالى التي تذلّل الصعاب، و تقود بأزمّتها الرقاب. و هذا يدلّ علىٰ تفضيلهم علىٰ سائر الناس.

ثمّ تطرّق الشريف المرتضى إلى الإشكال القائل: ليس سبب هذا التعظيم أمراً خارقاً للعادة و خارجاً عن الطبيعة، بل سببه هو تعظيم المسلمين لأهل بيت الرسول صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و عترته عليهم السلامُ‌، و كلّ من عظّم الرسول صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، عظّم عترته.

فأجاب على هذا الإشكال بأنّ هذه الخصوصية ليست خاصّة بأئمّة أهل البيت عليهم السلامُ‌، فإنّ الكثير من ذريّة الرسول صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه يشاركونهم فيها، لكن لا يهتمّ بهم المسلمون كلّ هذا الاهتمام، و لا يعظّمونهم كلّ هذا التعظيم الذي يُولُونه للأئمة عليهم السلامُ‌، و هذا يدلّ على خصوصية اختصّهم اللّٰه تعالى بها.

إضافة إلى أنّ الثابت تاريخيّاً أنّ الأئمّة عليهم السلامُ كانوا في العقيدة، و مسائل الحلال و الحرام، على خلاف ما يذهب إليه مخالفو الإماميّة، و إذا شكّ أحد في ذلك، فعلى الأقلّ ما كان الأئمّة عليهم السلامُ على مذهب أتباع تلك الفرق المُجمعين على تعظيمهم، خاصّة و أنّ شيوخ الإماميّة كانوا بطانة للباقر و الصادق و الكاظم عليهم السلامُ‌، و يُظهرون أنّ كلّ ما يقولون به فقد أخذوه من هؤلاء الأئمّة عليهم السلامُ‌، فلو لم يكونوا كذلك لتبرّؤوا منهم، و أعلنوا ذلك، و هذا يدلّ على أنّهم راضون بما كان ينسبه إليهم الإماميّة.

فلو كان الأمر كذلك فكيف يمكن لشخص أن يعظّم شخصاً مخالفاً له في الرأي و العقيدة، و يتقرّب إلى اللّٰه تعالى بزيارته و تعظيمه‌؟!!

و هذا يدلّ على أنّ اللّٰه تعالى قد خرق العادة في حقّ هؤلاء الأئمّة الهداة عليهم السلامُ‌، ليدلّ على عظم منزلتهم و رفعتهم و فضلهم علىٰ جميع البشر. فهذه هي أهمّ مضامين الرسالة.

هذا، و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 249، كما طبعت في ضمن كتاب الاحتجاج، ج 2، ص 617، و بحار الأنوار، ج 27، ص 332 نقلاً عن الاحتجاج.

مخطوطات الرسالة

لم نعثر علىٰ مخطوطة مستقلّة لهذه الرسالة، فقمنا بانتزاعها من مخطوطات كتاب الاحتجاج، و قابلناها معها، إضافة إلىٰ مقابلتها مع كتاب البحار و المطبوع.

و مواصفات مخطوطات الاحتجاج المعتمد عليها كما يلي:

1.

مصوّرة مركز إحياء التراث الإسلامي، المرقّمة 1339، و أصل المخطوطة محفوظ في مكتبة الفاتكان برقم 1774، تاريخ النسخ 873 ه‍. و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مصوّرة مركز إحياء التراث الإسلامي، المرقّمة 214، و أصل المخطوطة محفوظ في المكتبة التابعة لحرم السيّدة فاطمة المعصومة عليها السلام في قم المقدّسة، برقم 5914، تاريخ النسخ 3 ذي الحجّة سنة 982 ه‍، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مصوّرة مركز إحياء التراث الإسلامي، المرقّمة 2588، و أصل المخطوطة محفوظ في المكتبة المرتضويّة - مشهد، و تاريخها يرجع إلى القرن الحادي عشر. و رمزنا لها ب‍ «ج».

الرِّسالةُ الباهِرةُ في فَضلِ العِترةِ الطاهِرةِ‌

اشارة

[بسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ‌]

قالَ رَضِيَ اللّٰهُ عَنهُ‌(1):

و مِمّا(2)يَدُلُّ أيضاً علىٰ تَقديمِهم عليهم السلامُ‌(3)و تَعظيمِهِم(4)علَى البَشَرِ: أنَّ اللّٰهَ تَعالىٰ دَلَّنا علىٰ أنَّ المَعرِفَةَ بِهِم كالمَعرِفَةِ بِه تَعالىٰ‌(5)في أنَّها إيمانٌ و إسلامٌ‌، و أنَّ الجَهلَ بِهِم(6)و الشَّكَّ فيهِم كالجَهلِ بِه و الشَّكِّ فيه في أنَّه كُفرٌ و خُروجٌ مِنَ الإيمانِ‌؛ و هذِه مَنزِلةٌ لَيسَ لأَِحدٍ مِنَ البَشَرِ إلّالِنَبيِّنا صَلَّى اللّٰهُ علَيه و آلِه، و بَعدَه لأِميرِ المُؤمِنينَ‌(7)و الأئمّةِ مِن وُلدِه، علىٰ جَماعتِهم السَّلامُ‌.

لأنَّ المَعرِفَةَ بنُبُوَّةِ الأنبياءِ المُتَقدِّمينَ - مِن آدَمَ إلىٰ عيسىٰ علَيهم السلامُ أجمعينَ - غَيرُ واجِبةٍ علَينا، و لا تَعلُّقَ لَها بشَيءٍ مِن تَكاليفِنا؛ و لَولا أنَّ القُرآنَ وَرَدَ بنُبُوَّةِ مَن سُمِّيَ فيه مِن الأنبياءِ المُتَقدِّمينَ فعَرَفناهُم تَصديقاً للقُرآنِ‌، و إلّافَلا وَجهَ لوُجوبِ‌


1) . هكذا في المطبوع. و في جميع النسخ: - «رضي اللّٰه عنه».

2) . في المطبوع: «ممّا» بدون واو.

3) . في النسخ: - «عليهم السلام».

4) . في «ب»: «على تعظيمهم و تقديمهم».

5) . في «ب»: - «تعالىٰ‌».

6) . هكذا في «أ» و البحار. و في المطبوع: - «بهم».

7) . في المطبوع: + «عليه السلام».

مَعرفَتِهم علينا، و لا تَعَلُّقَ لَها بشَيءٍ مِن أحوالِ تَكليفِنا(1).

و بَقيَ علَينا أن نَدُلَّ علىٰ أنَّ الأمرَ علىٰ‌(2)مَا ادَّعَيناهُ‌.

[

إجماعُ الإماميّةِ علىٰ وُجوبِ مَعرِفةِ الأئمّةِ عليهم السلام

و الذي يَدُلُّ علىٰ أنَّ المَعرِفَةَ بإمامةِ مَن ذَكَرناهم(3)علَيهم السلامُ مِن جُملَةِ الإيمانِ و أنَّ الإخلالَ بِها كُفرٌ و رُجوعٌ عنِ الإيمانِ‌: إجماعُ الشيعةِ الإماميَّةِ علىٰ ذلكَ‌؛ فإنَّهم لا يَختَلِفونَ فيه. و إجماعُهم حُجّةٌ‌؛ بدَلالةِ أنَّ قَولَ الحُجَّةِ المَعصومِ - الذي قَد دَلَّتِ العُقولُ علىٰ وُجودِه في كُلِّ زَمانٍ - في جُملَتِهم و في زُمرَتِهم. و قَد دَلَّلنا علىٰ هذِه الطَّريقَةِ في مَواضِعَ كَثيرةٍ مِن كُتُبِنا، و استَوفَيناها في «جَوابِ المَسائلِ التَّبّانيّاتِ‌»(4)خاصَّةً‌، و في كتابِ «نُصرَةِ مَا انفَرَدَت به(5)الشيعةُ الإماميَّةُ مِنَ‌(6)المَسائلِ الفِقهيَّةِ‌»(7)، فإنَّ هذَا الكِتابَ مَبنيٌّ علىٰ صِحَّةِ هذَا الأصلِ‌.

[

إجماعُ الأُمّةِ علىٰ وجوبِ مَعرفةِ الأئمّةِ عليهم السلام و فَضلِهِم

و يُمكنُ أن يُستَدَلَّ‌(8)علىٰ وُجوبِ المَعرِفَةِ بِهِم علَيهم السلامُ بإجماعِ الأُمّةِ - مُضافاً إلىٰ ما بَيَّنَّاهُ مِن إجماعِ الإماميّةِ -؛ و ذلكَ أنَّ جَميعَ أصحابِ الشافعيِّ يَذهَبونَ إلىٰ أنَّ الصلاةَ علىٰ نَبيِّنا محمّدٍ(9)صَلَّى اللّٰهُ علَيه و آلِه في التَّشَهُّدِ الأَخيرِ


1) . في المطبوع: «تكاليفنا».

2) . في «ب»: - «علىٰ‌».

3) . في «ب، ج» و المطبوع: «ذكرناه».

4) . راجع الفصل الأوّل من المسائل التَّبّانيّات.

5) . في «أ»: - «به».

6) . من قوله: «المسائل التبّانيّات» إلىٰ هنا ساقط من «ج».

7) . الانتصار، ص 1، 81، 120، 224، 562.

8) . في «ب»: «نستدلّ‌».

9) . في «ب، ج» و المطبوع: - «محمّد».

فَرضٌ واجبٌ و رُكنٌ مِن أركانِ الصَّلاةِ‌، مَتىٰ أخَلَّ به الإنسانُ‌(1)فلا صَلاةَ لَه.

و أكثَرُهُم يَقولُ‌(2): إنّ الصلاةَ في هذا التَّشَهُّدِ علىٰ آلِ النبيِّ علَيهمُ الصلَواتُ‌(3)- في الوُجوبِ و اللُّزومِ و وُقوفِ إجزاءِ الصَّلاةِ علَيها(4)- كالصَّلاةِ علَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه(5)و آلِه. و الباقونَ مِنهم يَذهَبونَ إلىٰ أنَّ الصلاةَ علَى الآلِ مُستَحَبَّةٌ‌، و لَيسَت بواجِبَةٍ‌.(6)

فعَلَى القَولِ الأوَّلِ لا بُدَّ لكُلِّ مَن وَجَبَت علَيه الصلاةُ مِن مَعرفَتِهِم؛ مِن حَيثُ كانَ واجباً علَيه الصَّلاةُ علَيهم؛ فإنَّ‌(7)الصلاةَ علَيهم فَرعٌ علَى المَعرِفَةِ بِهِم. و مَن ذَهَبَ إلىٰ أنَّ ذلكَ مُستَحَبٌّ فهُوَ مِن جُملةِ العِبادةِ‌، و إن كانَ مَسنوناً مُستَحَبّاً، و التَّعَبُّدُ بِه يَقتَضي التَّعَبُّدَ بِما لا يَتِمُّ إلّابِه مِنَ المَعرِفَةِ‌. و مَن عَدا أصحابَ الشافعيِّ لا يُنكِرونَ‌(8)أنَّ الصَّلاةَ علَى النبيِّ‌(9)و آلِه عليهمُ السلامُ‌(10)في التَّشَهُّدِ مُستَحَبَّةٌ‌.(11)


1) . في «أ» و المطبوع: و البحار: «من أخلّ به» بدل «متى أخلّ به الإنسان». و في هامش «أ»: «متى». و في «ب»: - «الإنسان».

2) . في «ب»: «يقولون».

3) . في «أ»: «صلّى اللّٰه عليه و آله» بدل «عليهم الصلوات». و في «ب»: «صلّى اللّٰه عليه و آله عليهم الصلوات».

4) . في جميع النسخ: «عليهم». و ما أثبتناه من المطبوع و البحار.

5) . في «ج»: - «صلّى اللّٰه عليه».

6) . راجع للمزيد من أقوال الشافعيّة: فتح العزيز، ج 3، ص 493 و 516؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 465-467؛ فتح الوهّاب، ج 1، ص 95.

7) . في «ب»: «و إنّ‌».

8) . في «أ»: «لا يكون» بدل «لا ينكرون»، و في هامشها: «ينكرون» تحت «يكون».

9) . في «أ»: + «صلّى اللّٰه عليه».

10) . في «أ» و المطبوع: - «عليهم السلام».

11) . راجع: تحفة الفقهاء للسمرقندي، ج 1، ص 137؛ المغني لابن قدامة، ج 1، ص 577-580.

و أيُّ شُبهَةٍ تَبقىٰ مَعَ هذا في أنَّهُم علَيهمُ السَّلامُ أفضَلُ الناسِ و أجَلُّهُم، و ذِكرُهم واجبٌ في الصلاةِ‌، و عندَ أكثرِ الأُمَّةِ - مِن الشيعةِ الإماميّةِ و جُمهورِ أصحابِ الشافعيِّ - أنَّ الصلاةَ تَبطُلُ بتَركِه‌؟ و هَل مِثلُ‌(1)هذِه الفَضيلةِ لمَخلوقٍ سِواهُم أو تَتَعدّاهُم(2)؟

[

إجماعُ الأُمَّةِ علىٰ لُزومِ تَعظيمِ الأئمّةِ عليهم السلام و إكبارِهِم

و مِمّا يُمكِنُ الِاستِدلالُ بِه علىٰ ذلكَ‌(3): أنَّ اللّٰهَ تَعالىٰ قَد أَلهَمَ جَميعَ القُلوبِ و غَرَسَ في كُلِّ النُّفوسِ‌(4)تَعظيمَ شَأنِهِم و إجلالَ قَدرِهِم علىٰ تَبايُنِ مَذاهِبِهم و اختِلافِ دياناتِهم و نِحَلِهِم، و ما أجمَعَ‌(5)هؤلاءِ المُختَلِفونَ المُتَبايِنونَ - مَعَ تَشَتُّتِ الأهواءِ و تَشَعُّبِ الآراءِ - علىٰ شَيءٍ كإجماعِهِم(6)علىٰ تَعظيمِ مَن(7)ذَكَرناهُ و إكبارِه(8)إنَّهم(9)يَزورُونَ قُبورَهُم، و يَقصِدونَ مِن شاحِطِ(10)البِلادِ و شاطِّها(11)مَشاهِدَهم و مَدافِنَهم و المَواضِعَ الَّتي رُسِمَت(12)، بصَلاتِهم فيها و حُلولِهِم بِها،


1) . في «أ»: - «مثل».

2) . في «أ، ب»: «يتعدّاهم».

3) . أي علىٰ كونهم أفضل الناس و أجلّهم.

4) . في «أ»: «نفوس».

5) . في البحار و المطبوع: «و ما اجتمع».

6) . في «أ، ب»: «إجماعَهم».

7) . في «ب»: «ما».

8) . في المطبوع و البحار: «و إكبارهم».

9) . كذا في جميع النسخ و المطبوع و البحار، و لعلّ الأنسب: «فإنّهم».

10) . الشَّحْط: البُعد. و «شاحطُ البلاد»: ما تَباعَدَ منها. راجع: لسان العرب، ج 7، ص 325 (شحط).

11) . في المطبوع و البحار: «و شاطئها». و شَطَّ بمعنى: «بَعُدَ». لسان العرب، ج 7، ص 334 (شطط). و شاطئ الوادي: جانبُه. المفردات، ص 455 (شطأ).

12) . في «أ، ج» و المطبوع: «وُسِمَت».

و يُنفِقونَ في ذلكَ الأموالَ‌، و يَستَنفِدونَ‌(1)الأحوالَ‌.

فقَد خَبَّرَني(2)مَن لا أُحصيهِ كَثرةً أنَّ أهلَ نَيسابورَ و ما(3)والاها مِن تِلكَ البُلدانِ يَخرُجونَ في كُلِّ سَنَةٍ إلىٰ طوسَ لِزِيارةِ الإمامِ أبي الحَسَنِ عَليِّ بنِ موسَى الرِّضا - صَلَواتُ اللّٰهِ عليهما(4)- بالجِمالِ الكَثيرةِ و الأُهَبِ‌(5)التي لا يُوجَدُ مِثلُها إلّاللحَجِّ إلىٰ بَيتِ اللّٰهِ الحَرامِ‌(6)هذا(7)مَعَ المَعروفِ مِنِ انحِرافِ أهلِ خُراسانَ عَن هذِه الجِهةِ و ازوِرارِهِم(8)عَن هذَا الشِّعبِ‌. و ما تَسخيرُ هذِه القُلوبِ القاسية و عَطفُ هذِه الأُمَمِ النائيةِ‌(9)إلّاكالخارِقِ للعاداتِ و الخارِجِ‌(10)عنِ الأُمورِ المألوفاتِ‌؛ و إلّافمَا الحامِلُ‌(11)للمُخالِفينَ لهذهِ النِّحلَةِ المُنحازينَ عَن هذهِ الجُملةِ علىٰ أن يُراوِحوا هذِه المَشاهدَ و يُغادوها، و يَستَنزِلوا عندَها مِنَ اللّٰهِ تَعالَى الأَرزاقَ‌، و يَستَفتِحوا(12)بها(13)


1) . قال الفراهيدي في كتاب العين، ج 8، ص 50 (نفد): «نَفِدَ الشيءُ نَفاداً، أي فَنيَ‌. و أنفَدَ القومُ‌: نَفِدَ زادُهم. و استَنفَدوا: نَفِدَ ما عندهم».

2) . في المطبوع و البحار: «أخبرني».

3) . في المطبوع و البحار: «و مَن».

4) . في «أ، ب»: «عليه السلام».

5) . في البحار و المطبوع: «الأُهبة». و «الأُهبة»: العُدّة. و جمعها: أُهَب. كتاب العين، ج 4، ص 99 (أهب).

6) . في المطبوع و البحار: - «الحرام».

7) . هكذا في «أ، ب». و في غيرهما: «و هذا».

8) . الِازوِرارُ عن الشيء: الانحرافُ و العُدولُ عنه. راجع: لسان العرب، ج 4، ص 335 (زور).

9) . في «ب»: «الباقية»، و في هامشها كما أثبتناه. و في «ج» و البحار و المطبوع: «البائنة».

10) . في «أ»: «إلّا لخارقٍ للعادات و خارجٍ‌».

11) . في «أ»: «الداعي».

12) . في «أ»: «و يستفتح».

13) . في جميع النسخ و المطبوع و البحار: - «بها». و ما أثبتناه فقد استفدناه من الاحتجاج.

الأغلاقَ‌، و يَطلُبوا بِبَرَكاتِها الحاجاتِ‌، و يَستَدفِعوا(1)البَليّاتِ‌؛ و الأحوالُ الظاهرةُ كُلُّها لا توجِبُ ذلكَ‌، و لا تَقتَضيهِ‌، و لا تَستَدعِيهِ‌(2)و ألّا فَعَلوا ذلكَ فيمَن يَعتَقِدونَ - هُم(3)أو أكثَرُهُم(4)- إمامَتَه و فَرضَ طاعَتِه، و أنَّهُ في الدِّيانةِ مُوافِقٌ لَهُم غَيرُ مُخالِفٍ‌، و مُساعِدٌ غَيرُ مُعانِدٍ.

و مِنَ المُحالِ أن يَكونوا فَعَلوا ذلكَ لِداعٍ مِن دَواعِي الدنيا؛ فإنَّ‌(5)الدُّنيا عندَ غَيرِ هذِه الطائفةِ مَوجودَةٌ‌، و عندَها هيَ مَفقودَةٌ‌. و لا لتَقِيَّةٍ و استِصلاحٍ‌؛ فإنَّ التَّقِيَّةَ هيَ فيهِم، لا مِنهُم، و لا خَوفَ مِن جِهَتِهم، و لا سُلطانَ لَهُم، و كُلُّ خَوفٍ إنَّما هوَ علَيهم.

فلَم يَبقَ إلّاداعِي الدِّينِ‌؛ و ذلكَ هوَ الأمرُ الغَريبُ العَجيبُ الذي لا يَنفُذُ في مِثلِه إلّا مَشيَّةُ اللّٰهِ‌، و قُدرَةُ القادِرِ(6)القَهّارِ التي تُذَلِّلُ الصِّعابَ و تَقودُ بأَزِمَّتِها الرِّقابَ‌.

[

دَفعُ شُبهةٍ في المَقامِ‌

و لَيسَ لِمَن جَهِلَ هذِه المَزِيَّةَ أو تَجاهَلَها و(7)تَعامىٰ عَنها و هو يُبصِرُها أن يَقولَ‌: إنَّ العِلَّةَ في تَعظيمِ غَيرِ فِرَقِ الشيعةِ لهؤُلاءِ القَومِ لَيسَت ما عَظَّمتُموه(8)و فَخَّمتُموه و ادَّعَيتُم خَرقَهُ للعادَةِ و خُروجَهُ عن(9)الطبيعةِ‌؛ بَل هيَ لأنَّ هؤُلاءِ القَومَ‌


1) . في «أ»: «و يستدفع».

2) . في المطبوع: «و يستدعيه» بدل «و يستدفعوا البليّات؛ و الأحوال الظاهرة...» إلى هنا.

3) . في «ج» و البحار و المطبوع: «يعتقدونهم» بدل «يعتقدون - هم».

4) . في «ب»: «و أكثرهم» و في البحار و المطبوع: «و أكثرهم يعتقدون» بدل «أو أكثرهم».

5) . في «ب»: + «دواعي».

6) . في المطبوع: - «القادر».

7) . في «أ، ج»: «أو».

8) . في «ج»: «عظّموه».

9) . في البحار و المطبوع: «من».

مِن عِترَةِ النَّبيِّ صَلَّى اللّٰهُ علَيه و آلِه، و كُلُّ مَن عَظَّمَ النَّبيَّ صَلَّى اللّٰهُ علَيه و آلِه فَلا بُدَّ مِن أن يَكونَ لِعِترَتِه و أهلِ بَيتِه مُعَظِّماً مُكَرِّماً؛ و إذَا انضافَ إلَى القَرابةِ الزُّهدُ و هَجرُ الدُّنيا و العِفَّةُ‌(1)و العِلمُ‌، زادَ الإجلالُ و الإكرامُ‌(2)لزيادةِ أسبابِهِما(3).

و الجَوابُ‌ عَن هذِه الشُّبهَةِ الضَّعيفةِ‌: أن قَد شارَكَ أئمَّتَنا علَيهمُ السَّلامُ - في حَسَبِهِم و نَسَبِهِم(4)و قَرابَتِهم(5)مِنَ النَّبيِّ صَلَّى اللّٰهُ علَيه و آلِه(6)- غَيرُهُم، و كانَت لِكَثيرٍ مِنهُم عِباداتٌ ظاهرَةٌ‌، و زَهادَةٌ في الدنيا باديةٌ‌، و سِماتٌ جَميلَةٌ‌، و صِفاتٌ حَسَنَةٌ‌، مِن وُلدِ أَبيهِم علَيه و آلِه السَّلامُ‌(7)، و مِن وُلدِ عَمِّهِم(8)العَبّاسِ رِضوانُ اللّٰهِ علَيه(9)فَما رَأَينا مِنَ الإجماعِ علىٰ تَعظيمِهِم، و زيارَةِ مَدافِنِهم، و الِاستِشفاعِ بِهِم في الأَغراضِ‌، و الِاستِدفاعِ بمَكانِهِم للأَعراضِ‌(10)و الأَمراضِ‌، و ما وَجَدنا مُشاهَداً مُعايَناً في هذَا الشِّراكِ‌(11)، و إلّا(12)فمَن ذَا(13)الذي أُجمِعَ علىٰ فَرطِ إعظامِه و إجلالِه


1) . في «أ»: «و الفقه».

2) . في «أ»: «و الإكبار».

3) . في «ب»: «أسبابها».

4) . في «أ، ج»: «نسبهم و حسبهم».

5) . في «ج» و المطبوع و البحار: «و قراباتهم».

6) . في المطبوع: + «و سلّم».

7) . في «أ»: «عليهم السلام» بدل «عليه و آله السلام». و في «ب»: - «عليه و آله السلام».

8) . في جميع النسخ و المطبوع و البحار: - «عمّهم». و ما أثبتناه إنّما استفدناه من الاحتجاج.

9) . في «ب»: «عليهم».

10) . في «أ»: «الأعراض».

11) . في «أ» و حاشية «ب»: «الاشتراك».

12) . في «ج» و البحار و المطبوع: «ألا» بدل «و إلّا».

13) . في «أ، ب»: - «ذا».

مِن سائرِ صُنوفِ العِترةِ يَجري في هذِه الحالِ مَجرَى(1)الباقِرِ و الصادِقِ و الكاظِمِ و الرِّضا، صَلَواتُ اللّٰهِ علَيهم أَجمَعينَ؟! لأنَّ مَن عَدا مَن ذَكَرناهُ‌(2)مِن صُلَحاءِ العِترَةِ و زُهّادِها [فهو] مِمَّن يُعَظِّمُه فَريقٌ مِنَ الأُمَّةِ و يُعرِضُ عَنهُ فَريقٌ‌، و مَن عَظَّمَه مِنهُم و قَدَّمَه لا يَنتَهي في الإجلالِ و الإعظامِ إلَى الغايةِ التي يَنتَهي(3)إلَيها مَن(4)ذَكَرناهُ‌.

و لَولا أنَّ تَفصيلَ‌(5)هذِه الجُملةِ مَلحوظٌ مَعلومٌ لَفَصَّلناها علىٰ طولِ ذلكَ‌، و لأَسمَينا(6)مَن كَنَّينا عَنه، و نَظَّرنا بَينَ كُلِّ مُعَظَّمٍ مُقَدَّمٍ مِنَ العِترَةِ‌؛ لِيُعلَمَ أنَّ الَّذي ذَكَرناهُ هوَ الحَقُّ الواضِحُ‌، و ما عَداهُ هوَ الباطِلُ الماصِحُ‌(7).

و بَعدُ، فمَعلومٌ ضَرورةً أنَّ الباقِرَ و الصادقَ و مَن وَلِيَهُما(8)مِنَ الأئمَّةِ‌(9)- صَلَواتُ اللّٰهِ علَيهم أجمَعينَ - كانوا في الدِّيانَةِ و الاعتقادِ و ما يُفتونَ مِن حَلالٍ و(10)حَرامٍ علىٰ خِلافِ ما يَذهَبُ إلَيه مُخالِفو الإماميَّةِ‌؛ و إن ظَهَرَ(11)شَكٌّ في ذلكَ كُلِّهِ‌(12)فلا شَكَّ و لا شُبهَةَ علىٰ مُنصِفٍ في أنَّهُم لَم يَكونُوا على مَذهَبِ الفِرَقِ‌(13)المُختلِفَةِ‌


1) . هكذا في «أ، ب» و في غيرهما: «في هذه الحالة يجري» بدل «يجري في هذه الحال».

2) . في «أ»: «ذكرنا».

3) . في «أ»: «انتهىٰ‌».

4) . في «أ، ب»: «فيمن». و في «ج»: «ممّا».

5) . في «ب»: «تفضيل».

6) . في «ب»: «و لسمّينا».

7) . مَصَحَ الشيءُ مُصوحاً: ذَهَبَ و انقَطَعَ‌. الصحاح، ج 1، ص 405 (مصح).

8) . في «ب»: «وليهم».

9) . في «أ»: «أئمّة أبنائهما»، و في «ب»: «أئمّة أبنائهم» كلاهما بدل «الأئمّة».

10) . في «ب»: «أو».

11) . في «ب»: «أُظهر».

12) . في «ج»: - «كلّه».

13) . في البحار و المطبوع: «الفرقة».

المُجتَمِعَةِ‌(1)علىٰ تَعظيمِهِم و التَّقَرُّبِ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ بِهِم.

و كَيفَ يَعترِضُ رَيبٌ فيما ذَكَرناهُ‌(2)، و مَعلومٌ ضَرورةً أنَّ شُيوخَ الإماميَّةِ و سَلَفَهُم في تلكَ الأزمانِ‌(3)كانوا بِطانَةً للباقِرِ(4)و الصادِقِ - صَلَواتُ اللّٰهِ و سَلامُه(5)علَيهما - و مَن وَلِيَهما عليهم السلامُ‌(6)، و مُلازِمِينَ لَهُم، و مُتَمسِّكينَ بِهِم، و مُظهِرينَ أنَّ كُلَّ شَيءٍ يَعتَقِدونَه و يَنتَحِلونَه و يُصَحِّحونَه أو يُبطِلونَه(7)فعَنهُم(8)تَلَقَّوهُ و مِنهم أخَذُوهُ؟! فلَو لَم يَكونوا عليهمُ السلامُ‌(9)بذلكَ راضِينَ و علَيه مُقِرِّينَ لأَبَوا علَيهم نِسبةَ تلكَ المَذاهِبِ إلَيهم و هُم(10)مِنها بَريئونَ خَلِيُّونَ‌، و لَنَفَوا ما بَينَهم مِن مُواصَلةٍ و مُجالَسَةٍ و مُلازَمَةٍ و مُوالاةٍ و مُصافاةٍ و مَدحٍ و إطراءٍ و ثَناءٍ‌، و لأََبدَلوه(11)بالذَّمِّ و اللَّومِ و البَراءَةِ و العَداوةِ‌. فلَو لَم يَكُن أنّهم(12)علَيهمُ السَّلامُ‌(13)


1) . في «ب»: «المجمعة».

2) . في «أ»: «ذكرنا».

3) . في «أ»: «ذلك الزمان». و في «ب»: «ذلك الأزمان».

4) . في «ب»: «الباقر».

5) . في المطبوع: - «و سلامه». و في «ب»: «عليهما السلام».

6) . في «ب»: «عليهم أجمعين السلام». و في «ج» و البحار و المطبوع: «كانوا بطانة للصادق و الكاظم و الباقر عليهم السلام» بدل «كانوا بطانة للباقر...» إلى هنا. و في «ج»: «صلوات اللّٰه و سلامه عليهم» بدل «عليهم السلام».

7) . في «أ»: «يعتقدونه و يصحّحونه و ينالونه»، و في حاشيتها: «أو يبطلونه و ينتحلونه».

8) . في «ج»: «فمنهم».

9) . في «ج» و البحار و المطبوع: «عنهم» بدل «عليهم السلام».

10) . في «ب»: «و هما».

11) . في «أ»: «و لأبدلوها».

12) . في «أ، ب»: «لم يكن على أنّهم» و في «ج»: «لم يكونوا» بدل «لم يكن أنّهم».

13) . في «ب»: - «عليهم السلام». و في «أ»: «عليهم الصلاة و السلام».

لهذِه المَذاهِبِ مُعتَقِدونَ‌، و بِها راضونَ‌، لَبانَ لَنا و اتَّضَحَ‌؛ و لَو لَم يَكُن إلّاهذِه الدَّلالةُ‌، لَكَفَت و أَغنَت.

و كيفَ يَطيبُ قَلبُ عاقلٍ أو يَسُوغُ في الدِّينِ لأِحَدٍ أن يُعَظِّمَ في الدِّينِ مَن هوَ علىٰ خِلافِ ما يَعتَقِدُ أنَّه الحَقُّ و ما سِواهُ باطلٌ‌، ثُمَّ يَنتَهيَ في التعظيماتِ و الكَراماتِ إلىٰ أَبعَدِ الغاياتِ و أَقصَى النِّهاياتِ؟! و هَل جَرَت بمِثلِ ذلك(1)عادَةٌ‌، أو مَضَت علَيه سُنَّةٌ؟

أ وَ لا يَرَونَ أنَّ الإماميَّةَ لا تَلتَفِتُ إلىٰ مَن خالَفَها مِنَ العِترَةِ و حادَ عن جادَّتِها في الدِّيانَةِ و مَحَجَّتِها في الوِلايَةِ‌، و لا تَسمَحُ لَه بشَيءٍ مِنَ المَدحِ و التعظيمِ فَضلاً عَن غايَتِه و أَقصىٰ نِهايَتِه؛ بَل تَبَرّأُ(2)مِنه، و تُعاديهِ‌، و تُجريهِ في جَميعِ الأَحكامِ مَجرىٰ مَن لا نَسَبَ لَه و لا حَسَبَ‌(3)و لا قَرابَةَ و لا عُلقَةَ؟

و هذا يُوقِظُ علىٰ أنَّ اللّٰهَ تَعالىٰ خَرَقَ في هذِه العِصابَةِ العاداتِ‌، و قلَبَ الجِبِلّاتِ‌؛ لِيُبِينَ عن(4)عَظيمِ مَنزِلَتِهِم و شَريفِ مَرتَبَتِهم. و هذِه فَضيلَةٌ تَزيدُ علَى الفَضائِلِ‌، و تُربِي(5)علىٰ جَميعِ الخَصائِصِ و المَناقِبِ‌، و كَفىٰ بِها بُرهاناً لائِحاً و ميزاناً راجِحاً.

و الحَمدُ لِلّٰهِ رَبِّ العالَمينَ‌.


1) . في البحار و المطبوع: «هذا» بدل «ذلك».

2) . في المطبوع و البحار: «تتبرّأ».

3) . في البحار و المطبوع: + «له».

4) . هكذا في «أ». و في غيرها: «من».

5) . في البحار و المطبوع: «و توفي». و في «أ»: «و ترقىٰ‌».

(55) مسألةٌ في وجهِ اختصاصِ الأئمّةِ الِاثنَي عَشَرَ عليهم السلام بالإمامةِ دونَ سائرِ أهلِ البيتِ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

سُئل الشريف المرتضى في هذه الرسالة أن يذكر الدليل على حصر الأئمّة عليهم السلامُ في اثني عشر إماماً لا أكثر، بحيث لا تشمل الإمامة غيرَهم من أهل البيت، فأجاب بطرح دليلين على ذلك:

الدليل الأوّل: و هو دليل الاعتبار، و قد ركّز في هذا الدليل على ما برز عن الأئمّة الاثني عشر عليهم السلامُ من علوم و معارف فاقوا بها كلّ من عاصرهم، و لذلك استحقّوا الإمامة دون غيرهم، و ذكر أمثلة لعلومهم، و فصّل الكلام في ذلك.

الدليل الثاني: و هو دليل النصّ‌، حيث نقل حديث الأئمّة الاثني عشر من كتب العامّة و الخاصّة، و نقل بهذا الصدد روايتين مسندتين عن طريق شيخه المفيد (ت 413 ه‍)، و هي حالة نادرة في كتب و رسائل الشريف المرتضى، فإنّه لا يذكر عادة اسم الشيخ المفيد، كما لا ينقل روايات مسندة. ثمّ إنّه نقل حديث اللوح الأخضر، و ذكر أنّه مشهور بين الطائفة.

نسبتها إلى المؤلّف

و هذه الرسالة هي من الرسائل الجديدة التي تمّ العثور عليها في ضمن رسائل الشريف المرتضى الأُخرى المخطوطة، و قد نقل منها الشيخ الطبرسي (ت 548 ه‍) مقطَعاً بتصرّف، و لم يصرّح بأنّه نقله من إحدى رسائل الشريف المرتضى(1).


1) . راجع: إعلام الورى، ج 2، ص 199.

ثمّ الغريب في الدليل الأوّل المتقدّم هو أنّ الشريف المرتضى عندما تعرّض إلى بحث الأئمّة الاثني عشر في بعض كتبه لم يُشر إليه، و إنّما ذكر دليلاً آخر، و عبّر عنه بأنّه من قويّ ما يُعتمد عليه، و هو أنّه قد ثبت وجوب عصمة الإمام، و وجوب ثبوت الإمامة في كلّ عصر، و إذا لاحظنا شرط العصمة، نجده غير متوفّر إلّافي الأئمّة الاثني عشر عليهم السلامُ‌، و هذا يدلّ علىٰ إمامتهم. و هناك تفاصيل أُخرى في الدليل تراجع في محلّها(1). إنّ عدم تعرّض الشريف المرتضى إلى هذا الدليل في هذه الرسالة قد يثير بعض الشكوك حول نسبة الرسالة إليه.

و على أيّ حال، فالرسالة قديمة؛ فإنّها من مصادر الطبرسي كما تقدّم، كما أنّها من تأليف أحد تلامذة الشيخ المفيد، حيث تقدّم وجود روايتين في الرسالة ينقلها المؤلّف عن الشيخ المفيد مباشرة، و هذا الأمر يعطي قيمة خاصّة للرسالة؛ فإنّها إذا لم تكن للشريف المرتضى، فهي لبعض معاصريه من تلامذة الشيخ المفيد.

و الجدير بالذكر أنّ المحقّق الكراجكي (ت 449 ه‍) - و هو من تلامذة الشيخ المفيد - قد ألّف رسالة أُخرىٰ حول نفس الموضوع، سمّاها «الاستبصار في النص على الأئمّة الأطهار عليهم السلامُ‌»، و استدلّ فيها على إمامة الأئمّة الاثني عشر عليهم السلامُ بالنصوص المرويّة من طرق الخاصّة و العامّة.

مخطوطة الرسالة

لقد تمّ العثور علىٰ مخطوطة واحدة لهذه الرسالة، و هي:

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 7539؛ تقع في الصفحات (10-16) من المجموعة.


1) . راجع: الذخيرة، ص 503.

[

مسألةٌ في وجهِ اختصاصِ الأئمّةِ الِاثنَي عَشَرَ عليهم السلام بالإمامةِ دونَ سائرِ أهلِ البيتِ‌

مسألةٌ في وجهِ اختصاصِ الأئمّةِ الِاثنَي عَشَرَ عليهم السلام بالإمامةِ دونَ سائرِ أهلِ البيتِ‌(1)

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

قالَ سَيّدُنا الشريفُ المرتَضىٰ رَضيَ اللّٰهُ عنه: سَألتَ - أدامَ اللّٰهُ تَعالىٰ حِراستَكَ -: ما الدليلُ علىٰ أنّ الأئمّةَ اثنا عَشَرَ؟ و لِمَ اختَصَصتم أنتم بها(2)دونَ أهلِ البَيتِ كُلِّهم‌؟ و النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ علَيه و آلِه قالَ‌: «إنّي مُخلِّفٌ فيكم الثقَلَينِ‌؛ كِتابَ اللّٰهِ و عِترَتي أهلَ بَيتي؛ حَبلَينِ ممدودَينِ بَينَكم و بَينَ اللّٰهِ‌، ما إن تَمسَّكتم بِهما لَن تَضِلّوا»(3)، فما وجهُ اختصاصِكم بهذا العَدَدِ(4)دونَ ما زادَ عليه‌؟


1) . تُطبع هذه الرسالة لأوّل مرّة، و علىٰ نسخة واحدة.

2) . كذا، و لعلّ الصواب: «و لِمَ خَصَصتموهم بها».

3) . الطرق و الأسانيد إلى مضمون الحديث كثيرة بحيث بلغت إلى حدّ التواتر؛ فراجع: الأمالي للصدوق، ص 616، المجلس 76، ح 3؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 208، ح 1؛ معاني الأخبار، ص 90، ح 5؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 28؛ تحف العقول، ص 426؛ كفاية الأثر، ص 265؛ مسند أحمد، ج 3، ص 14 و 17؛ و ج 4، ص 371؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 432؛ المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 148؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 7، ص 30؛ و ج 10، ص 114؛ خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي، ص 93؛ مسند أبي يعلى، ج 2، ص 297، ح 1021؛ و ص 303، ح 1027.

4) . أي فما وجه جَعلِكم عدد الأئمّة خاصّاً بهذا العدد. و لعلّ الأنسب: «فما وجه اختصاصِكم الأئمّةَ بهذا العدد».

و الجوابُ عن ذلكَ‌: أنّ الذي نَعلَمُ به «أنّ هذا العَدَدَ المخصوصَ المُعبِّرَ عن(1)جماعةِ أهلِ البيتِ عليهم السلامُ هُم الأئمّةُ دونَ مَن سِواهم» طُرُقٌ كثيرةٌ‌؛ أحَدُها الاعتبارُ، و الثانيةُ النصُّ مِن الرسولِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه علىٰ هذا العَدَدِ دونَ ما زادَ عليه أو نَقَصَ‌. و أنا أذكُرُ لكَ هاتَينِ الطريقتَينِ و أقتَصِرُ عليهما؛ لأنّ إثباتَ جميعِ ذلكَ يَطولُ و يَخرُجُ عن الغرضِ المقصودِ.

فأمّا طريقةُ الاعتبارِ: فهو ما ظَهَرَ مِن اعتبارِ الذين عَيَّنّاهم و مَيَّزناهم مِن العلوم التي تَفرَّقَ‌(2)فيها الناسُ و اجتَمَعَ سائرُها فيهم عليهم السلامُ‌. فمِن ذلكَ ما ظَهَرَ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مِن عِلمِ الدينِ ممّا بَهَرَ ذَوي العقولِ و الأذهانِ‌، حَتّى افتَقَرَ إليه كافّةُ أهلِ عصرِه مِن رئيسٍ و تابعٍ لرئيسٍ‌، و فَزِعَ إليه الفقهاءُ في عِلمِ الأحكامِ و الحَلالِ و الحَرامِ‌، و أخَذَ المُتكلِّمونَ أدلّةَ التوحيدِ مِن معنىٰ ألفاظِه و كلامِه، و حَفِظَ طالِبو تفسيرِ القُرآنِ ما أرادوه مِن ذلكَ مِن جِهتِه، و روىٰ عنه أهلُ العربيّةِ [أُصولَ الإعرابِ‌] و نَقَلوا عنه مَعانيَ‌(3)اللُّغاتِ‌، و قالَ في الطبِّ ما استفادَ الأطبّاءُ‌(4)عنه فيه، و اعتَرَفوا له بخصوصِه بعِلمِه دونَ مَن تَعاطاه مِن سائرِ الناسِ‌، و نَقَلَ الأُدباءُ عنه الآدابَ‌، و خَرَجَ عنه [مِن] الحِكَمِ في قَضاياه وَ كُتُبِه ما أَربىٰ و زادَ علىٰ ما رُويَ عن الحُكَماءِ‌، و استَشهَدَ الشُّعَراءُ في نَظمِهم بنَظمِه و [في] نَثرِهم بنَثرِه الذي زادَ علىٰ كافّةِ الفُصَحاءِ‌، و خَبَّرَ عن الأُمورِ الماضيةِ و عن الأُمَمِ السالفةِ‌، و أَنبأَ عمّا يَكُونُ في مُستَقبَلِ الزمانِ كَما شوهِدَ و عُرِفَ ممّا لا يَخفىٰ علىٰ مُتأمِّلي الأخبارِ.


1) . في النسخة: «من».

2) . في النسخة: «تفرَّقت».

3) . في النسخة: «و نقل عنه معيّن» بدل «و نقلوا عنه معاني».

4) . الكلمة غير واضحة.

و نَقَلَ الخاصّةُ و العامّةُ عمّن مَيَّزناه و عَيَّنّاه مِن عترتِه عليه السلامُ مِثلَ ذلكَ مِن العلومِ و الحِكمةِ و الآدابِ‌، و لَم يُخالِفْ في(1)تبريزِهم و تقديمِهم في هذه العلومِ أحَدٌ ممّن خالَطَ العلماءَ‌.

ألا تَرىٰ إلىٰ ما ظَهَرَ عن مُحمّدِ بنِ عليِّ بنِ الحُسَينِ عليهم السلامُ لمّا تَمكَّنَ مِن الإظهارِ و زالَت عنه التقيّةُ التي كانَت علىٰ أبيه زَينِ العابدينَ عليهما السلامُ؟ فأجابَ عن الحلالِ و الحَرامِ و قالَ في الفُتيا و الأحكامِ ما سُمّيَ لأجلِه «باقرَ العِلمِ‌»، و سَلَّمَ له استحقاقَ هذا الاسمِ جميعُ الأنامِ‌، و رَوَى الناسُ عنه علومَ الكلامِ و تفسيرَ القُرآنِ‌.

و كذلكَ ظَهَرَ مِن الصادقِ عليه السلامُ حتّىٰ رَوىٰ عنه مِن مشهوري أهلِ العِلمِ أربَعةُ آلافِ إنسانٍ‌، و صُنِّفَ مِن جواباتِه في المسائلِ الأربَعمِائةِ كُتُبٌ معروفةٌ بكُتُبِ «الأُصولِ‌» رَواها السائلونَ له و لأبيه مِن قَبلِه و لابنِه موسىٰ عليهم السلامُ مِن بَعدِه، و لَم يَبقَ فَنٌّ مِن فُنونِ العِلمِ إلّارُويَت عنه فيه أبوابٌ‌.

و كذلكَ كانَت حالُ ابنِه موسىٰ عليه السلامُ مِن بَعدِه في إظهارِ العلومِ‌، إلىٰ أن حَبَسَه سُلطانُ زمانِه و مَنَعَه مِن القولِ في الفُتيا.

و ما انتَشَرَ عن الرِّضا عليه السلامُ مِن ذلكَ و عن ابنِه(2)أبي جعفرٍ [عليه السلامُ‌] ما شُهرتُه تُغني عن الشرحِ له و التفصيلِ‌، متىٰ رَجَعَ الإنسانُ إلىٰ كُتُبِ الآثارِ وَجَدَه هُناكَ‌.

و كذلكَ كانَت سَبيلُ أبي الحَسَن عليِّ بنِ مُحمّدٍ و أبي مُحمّدٍ الحَسَنِ بنِ عليٍّ عليهم السلامُ‌، و إن كانَ الذي ظَهَرَ عنهما أقَلَّ ممّا ظَهَرَ عن آبائهما؛ لأنّ تَقيّتَهما


1) . في النسخة: «فيه».

2) . في النسخة: «أبيه»، و هو سهو.

كانَت أشَدَّ، و كانا محبوسَينِ في عَسكَرِ السلطانِ‌، و ممنوعَينِ مِن انبساطٍ في الفُتيا، و لَم يَلقَهما كُلُّ أحَدٍ مِن الناسِ‌.

و كذلكَ القولُ في عليِّ بنِ الحُسَينِ زَينِ العابدينَ عليهما السلامُ‌، و إن لَم يُروَ عنه ما رُويَ عن ابنِه أبي جعفرٍ عليهما السلامُ‌، و السببُ فيه ما كانَ يَخافُه علىٰ نفسِه مِن يَزيدَ و مَن قامَ بَعدَه منِ بَني مَروانَ‌.

فأمّا الحَسَنُ و الحُسَينُ عليهما السلامُ‌، فقَد رَوَت العامّةُ و الخاصّةُ عنهما جُمَلاً مِن العِلمِ علىٰ حَسَبِ تَمكُّنِهما مِن القولِ‌؛ لأنّ الحَسَنَ عليه السلامُ اشتَغَلَ بَعدَ أبيه بمعاويةَ و مَسيرِه إليه ثُمَّ بمُهادَنتِه، فانقَطَعَ الناسُ عنه خَوفاً مِن مُعاويةَ‌، و كانَت شيعتُه قَريبي العَهدِ بأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، و فيهم مَن قد أتىٰ رسولَ اللّٰهِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فهُم أغنياءُ بما سَمِعوه - ممّا يَحتاجونَ إليه - منهما؛ فقَلَّ الراوي عنه لِما ذَكرناه.

ثُمَّ قام الحُسَين عليه السلامُ مِن بَعدِه، فما طالَ به الزمانُ حتَّى استُشهِدَ، و صَعُبَ الزمانُ بَعدَه علَى ابنِه عليِّ بنِ الحُسَينِ عليه السلامُ حَسَبَ ما ذَكرناه؛ فلمّا زالَ أكثَرُ الخَوفِ و تَمكَّنَ مُحمّدُ بنُ عليٍّ عليهما السلامُ مِن الجلوسِ للناسِ نَشَرَ مِن العلومِ ما ذَكرناه.

و إذا ثَبَتَ‌ عِلمُ مَن عَدَّدناه مِن الأئمّةِ عليهم السلامُ [و] بَينونتُهم مِن سائرِ الأنامِ‌، و لَم يَتمكَّنْ أحَدٌ أن يَدَّعيَ أخذَهم هذه العلومَ عن رجالِ العامّةِ‌، و لا فَزِعوا فيه إلىٰ رؤسائِهم، و لا تَلَقَّوه مِن رُواتِهم و فقهائهم؛ لأنّه أكثَرُ ما رُويَ عنهم يُخالِفُ ما عليه العامّةُ‌، و لأنّه لَم يُرَ أحدٌ منهم يَخَتلِفُ إلىٰ أحَدٍ مِن الناسِ في تَعلُّمِ شَيءٍ منه، و لا ادَّعىٰ ذلكَ مُدَّعٍ مِن أعدائهم و لا أوليائهم، و كانت هذه العلومُ بأَسرِها قد ظَهَرَت

عنهم مع غَنائهم عن سائرِ الناسِ و نُقصانِ الكُلِّ عن رُتبتِهم فيما تَلَقَّوه(1)منها و زيادتِهم علَى الكافّةِ في مَعانيها.

ثَبَتَ‌ أ نّهم إنّما أخَذوها عن النَّبيِّ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و أنّه أفرَدَهم بها ليَدُلَّ علىٰ إمامتِهم و فَرضِ طاعتِهم، و أنّهم أحَقُّ بالتقدُّمِ علىٰ سائرِ الناسِ‌؛ لفَقرِ الكُلِّ فيما يَحتاجونَ إليه و غِناهم عن سائرِ الخَلقِ‌، و كَونِهم مَفزَعاً لأُمَّتِه(2)في الدينِ و مَلجأً لهُم في الأحكامِ‌. و جَرَوا في ذلكَ مَجرَى النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في تخصيصِ اللّٰهِ تَعالىٰ له بإعلامِه بما في كُتُبِه الأُوَلِ و ما فَنيَ مِن الأُمَمِ السالفةِ‌، مِن غيرِ أن يَلقىٰ أحَداً مِن أهلِ الكِتابِ‌، أو يَقرأَ كِتاباً فيما مضىٰ مِن الزمانِ‌، و جَعَلَ ذلكَ دالّاً علىٰ نُبوّتِه و عَلَماً علىٰ إبانتِه(3)مِن كافّةِ أهلِ بَيتِه و أقاربِه.

و قد ثَبَتَ أيضاً أنّ مَن تَقدَّمَ في العِلمِ و الفَضلِ أَولىٰ بالإمامةِ مِن المفضولِ‌؛ بحُكمِ اللّٰهِ سُبحانَه في القُرآنِ المُبينِ بذلكَ‌، حَيثُ يَقولُ‌: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاٰ يَهِدِّي إِلاّٰ أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‌» (4)، و قولِه تعالى:

«هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ‌» (5)فنَفَى الاستواءَ بَينَ العالِمِ و مَن هو دونَه في العِلمِ‌، فَضلاً [عن] أن يَكونَ المفضولُ فيه يَزيدُ علَى الفاضلِ في رُتبةِ الدينِ‌.

و قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ‌: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ‌» (6)، ثُمَّ أبانَ عن الأتقىٰ فقالَ‌: «إِنَّمٰا يَخْشَى اَللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ اَلْعُلَمٰاءُ‌» (7)فدَلَّ علىٰ أنّ أعلَمَ الأُمّةِ أتقاها [و] أكرَمُها عندَه.


1) . في النسخة: «يلقوه». 2. في النسخة: «لذاته».

2)

3) . في النسخة: «أمانته». 4. يونس (10):35.

4)

5) . الزمر (39):9.6. الحجرات (49):13.

6)

7) . فاطر (35):28.

و قد فُطِرَت العقولُ علىٰ وجوبِ تقديمِ الفاضلِ و التعظيمِ له علَى المفضولِ و الاقتداءِ به دونَه.

فدَلَّت هذه الجُملةُ علىٰ أنّ مَن ذَكرناه مِن آلِ مُحمّدٍ عليهم السلامُ هُم الأئمّةُ‌، دونَ مَن عَداهم ممّن لَم تَحصُلْ له هذه الصفاتُ‌، و إن شَمِلَهم الاسمُ و الانضيافُ إلَى النبيِّ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالأهليّةِ‌، حَسَبَ ما شَرَحناه.

و أمّا الطريقةُ الثانية ُ‌: فهو ما وَرَدَت به الأخبارُ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن طَريقِ العامّةِ و الخاصّةِ لهذا العَدَدِ المخصوصِ‌، و الأخبارُ إذا وَرَدَت به(1)[و كَثُرت مِن المُخالفِينَ‌] الطرُقُ إليه(2)فهو(3)حَقٌّ لا مَحالةَ‌؛ بدَلالةِ أنّ العادةَ قد جَرَت بأنّ المُخالِفَ للشيءِ تَدعوه الدَّواعي إلىٰ كِتمانِ ما قَرأَه و [سَمِعه ممّا] أَبانَ عن صِحّتِه، فأَنبأَ عن حَقِّهِ و صِدقِ قائلِه؛ فإذا رأَيناه ناقِلاً له، عَلِمنا أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ قد سَخَّرَه لذلكَ‌؛ لإظهارِ الحُجّةِ و إزالةِ الريبِ في الشيءِ الذي نَقَلَه، و الإبانةِ عن أ نّه صَوابٌ‌.

فمِن الأخبارِ التي رَواها المُخالِفونَ‌ و تَفرَّدوا بنَقلِها: ما رَواه مُحمّدُ بنُ عُثمانَ الذهَبيُّ‌(4)قالَ‌: حَدَّثنا عبدُ اللّٰهِ بنُ جَعفرٍ الرَّقِّيُّ قالَ‌: حَدَّثنا عيسَى بنُ يونُسَ‌(5)، عن مُجالِدٍ(6)، عن الشَّعبيِّ‌، عن مَسروقٍ قالَ‌: كُنّا عندَ ابنِ مسعودٍ، فقالَ له رجُلٌ‌:

أحَدَّثَكم نَبيُّكم كَم يَكونُ بَعدَه مِن الخُلَفاءِ؟ فقالَ له عبدُ اللّٰهِ‌: نَعَم، و ما سَألَني عنها أحَدٌ قَبلَكَ‌، و إنّكَ لأََحدَثُ القومِ سِنّاً؛ سَمِعتُه يَقولُ‌: «يَكونُ بَعدي مِن الخُلَفاءِ عِدّةُ‌


1) . في النسخة: «بها». 2. في النسخة: «عليه».

2)

3) . في النسخة: «فهي».

4) . هكذا في المصادر كلّها، و في النسخة: «الزبير»، و الظاهر أنّه من سهو النسّاخ.

5) . هكذا في المصادر كلّها، و في النسخة: «يوسف».

6) . هكذا في المصادر كلّها، و في النسخة: «مخالد».

نُقَباءِ موسىٰ عليه السلامُ اثنا عَشَرَ خَليفةً كُلُّهم مِن قُرَيشٍ‌»(1).

[و رَوىٰ‌ عبدُ اللهِ بنُ أَبي أُميّةَ مَولىٰ مُجاشِعٍ‌، عن يَزيدَ الرَّقاشيِّ‌، عن أَنَسِ بنِ مالكٍ‌] قالَ‌: قالَ رسولُ اللّٰهِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «لَن يَزالَ [هذا] الدينُ قائماً إلَى اثنَي عَشَرَ مِن قُرَيشٍ‌، فإذا مَضَوا ماجَت الأرضُ بأهلِها».(2)

و رَوىٰ‌ أبو بَكرِ بنُ أَبي خَيثَمةَ‌، عن عليِّ بنِ الجَعدِ، عن زُهَيرِ بنِ مُعاويةَ‌، عن زيادِ بنِ خَيثَمةَ‌، عن الأسوَدِ بنِ سَعيدٍ الهَمْدانيِّ أ نّه قالَ‌: إنّي سَمِعتُ جابرَ بنَ سَمُرةَ يَقولُ‌: سَمِعتُ رسولَ اللّٰهِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه يَقولُ‌: «يَكونُ مِن بَعدي اثنا عَشَرَ خَليفةً‌، كُلُّهم مِن قُرَيشٍ‌». فقالوا: ثُمَّ يَكونُ ماذا؟ فقالَ‌: «يكونُ الهَرْجُ‌».(3)

و رُويَ‌ عن الشَّعبيِّ‌، عن جابرِ بنِ سَمُرةَ‌، أنّ النبيَّ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قالَ‌: «لا يَزالُ أهلُ هذا الدينِ يُنصَرونَ علىٰ مَن ناواهُم إلَى اثنَي عَشَرَ خَليفةً‌»، فجَعَلَ الناسُ يَقومونَ و يَقعُدونَ‌، فتَكلَّمَ بكَلِمةٍ لَم أَفهَمْها، فقلتُ لأَبي: أيُّ شَيءٍ يَقولُ؟ فقالَ‌:


1) . الغيبة للنعماني، ص 106، ح 37؛ الاستنصار للكراجكي، ص 23؛ الغيبة للطوسي، ص 133، ح 97. و في عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 53، ح 9 بإسناد آخر عن الشعبي عن عمّه قيس بن عبد اللّٰه عن ابن مسعود. و في ينابيع المودّة للقندوزي، ج 2، ص 314، ح 905 بإسناده عن الشعبي عن عمر بن قيس عن ابن مسعود.

2) . الغيبة للنعماني، ص 124، ح 21؛ الاستنصار للكراجكي، ص 24؛ مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج 1، ص 250؛ مقتضب الأثر، ص 4؛ كنز العمّال، ج 12، ص 34، ح 33861 (و في الأخير بالإسناد عن ابن النجّار عن أنس).

3) . الخصال، ص 472، ح 26؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 55، ح 14؛ الغيبة للنعماني، ص 104، ح 31؛ و ص 122، ح 13؛ مقتضب الأثر، ص 4؛ الغيبة للطوسي، ص 128، ح 90؛ مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج 1، ص 250؛ مسند أحمد، ج 5، ص 92؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 309، ح 4281؛ فتح الباري، ج 13، ص 184؛ صحيح ابن حبّان، ج 15، ص 43؛ المعجم الأوسط، ج 9، ص 23؛ المعجم الكبير، ج 2، ص 253.

«كُلُّهم مِن قُرَيشٍ‌»(1).

و أخبارُ العامّةِ و ما أَورَدوه في هذا المعنىٰ أكثَرُ مِن أن تُحصىٰ‌.

و أمّا ما انفَرَدَ أصحابُنا بنَقلِه، فمِن ذلكَ‌: ما أَخبَرَنا به الشيخُ المُفيدُ أبو عبدِ اللّٰهِ مُحمّدُ بنُ مُحمّدِ بنِ النُّعمانِ - رَضيَ اللّٰهُ عنه - قالَ‌: أخبَرَني أبو القاسمِ جَعفرُ بنُ مُحمّدِ بنِ قولَوَيهِ‌، عن مُحمّدِ بنِ يَعقوبَ الكُلَينيِّ‌، عن مُحمّدِ بنِ يَحيىٰ‌(2)، عن مُحمّدِ بنِ أحمَدَ، عن مُحمّدِ بنِ الحُسَينِ‌، [عن مُحمّدِ بنِ الحَسَنِ‌،] عن أبي سَعيدٍ العُصفُريِّ‌، عن عَمرِو بنِ ثابتٍ‌، عن أبي الجارودِ، عن أبي جَعفرٍ مُحمّدِ بنِ عليِّ بنِ الحُسَينِ‌، عن أبيه، عن جَدِّه عليهم السلامُ قالَ‌: قالَ رسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «إنّي و اثنَي عَشَرَ مِن أهلِ بَيتي - أوّلُهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ - أوتادُ الأرضِ التي أَمسَكَها اللّٰهُ تَعالىٰ بنا أن تَسيخَ بأهلِها، فإذا ذَهَبَ الِاثنا عَشَرَ مِن أهلي ساخَت الأرضُ بأهلِها و لَم يُنظَروا».(3)

و بهذا الإسنادِ عن أبي سَعيدٍ، رَفَعَه إلىٰ أبي جَعفرٍ قالَ‌: قالَ رسولُ اللّٰهِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «مِن أهلِ بَيتي اثنا عَشَرَ نَقيباً نَجيباً، مُحدَّثونَ مُفهَّمونَ‌،(4)آخِرُهم القائمُ بالحَقِّ‌، يملَؤها عَدلاً كَما مُلِئَت جَوراً».(5)


1) . الخصال، ص 470، ح 17؛ و ص 472، ح 23؛ الغيبة للنعماني، ص 105، ح 33؛ الاستنصار للكراجكي، ص 25؛ الغيبة للطوسي، ص 129، ح 92 و 93؛ مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج 1، ص 250.

2) . هكذا في المصادر. و في النسخة: «محمّد بن الحسن»، و هو سهو.

3) . الكافي، ج 1، ص 534، ح 17.

4) . في النسخة: «مفهومون»، و هو سهو.

5) . الأُصول الستّة عشر، ص 15 بإسناده عن عباد مرفوعاً عن أبي جعفر عليه السلام مع اختلاف يسير في اللفظ.

و مِن ذلكَ‌ أيضاً ما رَواه ابنُ أبي عُمَيرٍ، عن سَعيدِ بنِ غَزوانَ‌، عن أبي بَصيرٍ، عن أبي عبدِ اللّٰهِ عليه السلامُ عن آبائه عليهم السلامُ قالَ‌: قالَ رسولُ اللّٰهِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «إنّ اللّٰهَ اختارَ مِن الأيّامِ الجُمُعةَ‌، و مِن الشُّهورِ رَمَضانَ‌، و مِن الليالي لَيلةَ القَدرِ، و اختارَ مِن الناسِ الأنبياءَ‌، و اختارَ مِن الأنبياءِ المُرسَلينَ‌، و اختارَني مِن المُرسَلينَ‌، و اختارَ مِنّي عليّاً، و اختارَ مِن عليٍّ الحَسَنَ و الحُسَينَ‌، و اختارَ مِن الحُسَينِ‌(1)الأوصياءَ‌، و هُم تِسعةٌ مِن ولدِ الحُسَينِ عليهم السلامُ جميعاً؛ يَنفونَ عن هذا الدينِ تحريفَ الغالينَ و انتحالَ المُبطِلينَ و تأويلَ الجاهلينَ‌، تاسعُهم باطنُهم و ظاهرُهم و هو قائمُهم».(2)

و مِن ذلكَ‌ ما رَواه وَردانُ عن سَلمانَ - رَحِمَه اللّٰهُ - قالَ‌: رأَيتُ رسولَ اللّٰهِ و قد أَجلَسَ الحُسَينَ بنَ عليٍّ علىٰ فَخِذِه، و تَفرَّسَ في وجهِه، ثُمَّ قالَ‌: «أنتَ إمامٌ‌، ابنُ إ مامٍ‌، أخو إمامٍ‌، أبو أئمّةٍ تِسعةٍ‌، [تاسعُهم] قائمُهم أفضَلُهم أحكَمُهم(3)أعلَمُهم».(4)

و مِن ذلكَ‌ حَديثُ الخَضِرِ عليه السلامُ و سؤالِه(5)أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ عن المَسائلِ‌، فأمَرَ الحُسَينَ عليه السلامُ بإجابتِه عنها، فأجابَه، فأظهَرَ الخَضِرُ عليه السلامُ بحَضرةِ الجماعةِ الإقرارَ للّٰهِ سُبحانَه بالربوبيّةِ‌، و لمُحمّدٍ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالنبوّةِ‌، و لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بالإمامةِ‌، و للحَسَنِ و الحُسَينِ عليهما السلامُ و التسعِة مِن ولدِ الحُسَينِ عليهم السلامُ و ذَكرَهم بأسمائهم؛ ثُمَّ انصَرَفَ‌


1) . في النسخة: + «عليّ بن الحسين».

2) . كمال الدين، ص 281، ح 32؛ وسائل الشيعة، ج 7، ص 381، ح 9636.

3) . في النسخة: «أجملهم».

4) . كتاب سليم بن قيس، ص 460، ح 77 مع اختلاف يسير في اللفظ.

5) . في النسخة: «و سؤال».

و لَم يَعرِفِ القومُ مَن هو؟ فأخبَرَهم أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ أ نّه الخَضِرُ.(1)

و الحَديثُ مُدوَّنٌ مشهورٌ في كُتُبِ أصحابِنا، و له شَرحٌ لَم أُورِدْه للاختصارِ.

و مِن ذلكَ‌ أيضاً حَديثُ اللوحِ الذي أهبَطَه اللّٰهُ تَعالىٰ علىٰ نَبيِّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فيه أسماءُ الأئمّةِ الاثنَي عَشَرَ.(2)و هو أيضاً مشهورٌ عندَ الطائفةِ مضروبٌ في حِياطِها(3).

و الأخبارُ في هذا كَثيرةٌ لا تُحصىٰ‌، و لَو قَصَدتُ إلىٰ إثباتِها لَطالَ بها المَقالُ‌(4)، و هذا كافٍ في الغرضِ [الذي] تَحرَّيناه بها.

و أمّا الخبرُ الذي أَورَدتَه مِن قولِ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «إنّي مُخلِّفٌ فيكم ما إن تَمسَّكتم به لَن تَضِلّوا؛ كِتابَ اللّٰهِ و عِترَتي أهلَ بَيتي»، فلَيسَ المُرادُ به منهم [إلّا] مَن يُهتَدىٰ [به]، و مَن اجتَمَعَ له الصفاتُ التي يَستَحِقُّ بها الاتّباعَ و يَكونُ المُتمسِّكُ به حينَئذٍ غيرَ ضالٍّ بهَديِه، و هذا غيرُ موجودٍ إلّافي أئمّتِنا عليهم السلامُ‌؛ بدَلالةِ ما بيّنّاه. و إذا كانَ الأمرُ كذلكَ‌، دَلَّ علىٰ أ نّهم هُم المَعنيّونَ بذلكَ دونَ مَن سِواهم، علىٰ ما رَتَّبناه.

و الحمدُ للّٰهِ وَحدَه، و صَلَّى اللّٰهُ علىٰ سَيّدِنا مُحمّدٍ و آلِه الطيّبينَ الطاهرينَ‌، و سَلَّم تسليماً كَثيراً كَثيراً، آمينَ‌.


1) . راجع: الإمامة و التبصرة، ص 106، ح 93؛ كمال الدين، ص 385، ح 1؛ الاستنصارللكراجكي، ص 31؛ مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج 1، ص 246.

2) . راجع: الإمامة و التبصرة، ص 103، ح 92؛ كمال الدين، ص 312، ح 3؛ الإرشاد، ج 2، ص 138؛ الروضة في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لابن شاذان، ص 62، ح 46.

3) . الحِياط: الجُدران. راجع: لسان العرب، ج 7، ص 280 (حوط).

4) . في النسخة: «طال بها المتعاص»، و في حاشيتها: «كذا».

(56) مسألةٌ فيمن يَتولّىٰ غُسلَ الإمامِ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

تعرّض الشريف المرتضى في هذه الرسالة إلى مسألة تغسيل الإمام اللاحق للإمام السابق، و أنّه هل هو الذي يتولّى تغسيله و الصلاة عليه دون غيره أو لا؟ فقام ببيان رأيه حول هذا الموضوع بصورة صريحة و احترافيّة، فقد كان في هذه الرسالة وفيّاً لمبانيه و آرائه الكلاميّة التي اختارها في كتبه المفصّلة، و حاول تطبيقها هنا.

فهذه الرسالة إضافة إلى فائدتها في التعريف برأي الشريف المرتضى حول مسألة المتولّي لتغسيل الإمام، فإنّها على الرغم من اختصارها تعرّفنا على مجموعة مهمّة من آرائه و مبانيه الكلاميّة، إضافة إلى أنّها تبيّن لنا نوع العقلانيّة التي كانت حاكمة على فكره.

لقد رأى الشريف المرتضى أنّ دليل مسألة لزوم تغسيل الإمام اللاحق للسابق هو خبر واحد، و خبر الواحد ليس بحجّة، فإنّه لا يوجب علماً و لا يقيناً، و لهذا لا يمكن إثبات وجوب تغسيل الإمام اللاحق للسابق.

ثمّ على فرض تسليم صحّة الخبر الدالّ على ذلك، قام الشريف المرتضى بتقييده، من خلال حمله على الغالب و الأكثر بشرط القدرة و الإمكان، ففي أكثر الموارد كان الإمام اللاحق بقرب الإمام السابق، و كان قادراً على الوصول إليه بسهولة، فبطبيعة الحال يكون هو المتولّي للغسل، لكن إذا لم يمكن وصول الإمام اللاحق إلى مكان السابق بسبب بُعد المسافة بينهما، فالخبر لا يشمل هذه الحالة، و ذلك مثل حالة الإمام

الكاظم و الرضا عليهما السلامُ‌، فقد كان الكاظم عند شهادته في بغداد و الرضا في المدينة، أو حالة الإمام الرضا الذي استشهد في طوس، و ابنه الجواد في المدينة، فإنّه لا يمكن لمن كان في المدينة أن يغسّل من هو في بغداد أو طوس، و ذلك بسبب بُعد المسافة، و عدم إمكان الوصول إليه في وقت قصير. إذن ليس الخبر الدالّ على تغسيل الإمام اللاحق للسابق شاملاً لمثل هذه الحالات الخارجة عن القدرة و الإمكان.

ثمّ نقل الشريف المرتضى عن بعض الإماميّة جواباً على ذلك، و هو أنّه يمكن أن ينقل اللّٰه تعالى الإمام عليه السلامُ إلى أماكن بعيدة في أسرع وقت، و بذلك يمكن أن ينتقل من المدينة إلى بغداد أو طوس في فترة قصيرة جدّاً.

و أجاب الشريف المرتضى: أنّه لا إشكال في ظهور المعجزات على يد غير الأنبياء. (و في هذه النقطة يشير الشريف المرتضى إلى مسألة خلافيّة بين المتكلّمين، و هي هل يمكن أن تظهر المعجزات على يد غير الانبياء أو لا؟ حيث ذهب جمهور علماء الإماميّة(1)- و منهم الشريف المرتضى(2)- إلى إمكان ذلك، فيما رفض معظم الفِرق الأُخرى - و منهم المعتزلة - إمكانه، و حصروا ظهور المعجزات بالأنبياء عليهم السلامُ‌(3).

إذن لقد أجاب الشريف المرتضى على ما تقدّم من كلام بعض الإماميّة: أنّه لا إشكال في ظهور المعجزات على يد غير الأنبياء، و منهم الأئمّة عليهم السلامُ‌، و لكنّ للمعجزة شرطاً، و هو أن لا تكون مستحيلة في حدّ ذاتها، فإنّ المعجزة لا تحقّق المستحيلات، و انتقال الإمام إلى مناطق بعيدة جدّاً في فترة قصيرة يعتبر أمراً مستحيلاً و غير مقدور؛ لأنّ انتقال الجسم من مكان إلىٰ آخر يحتاج إلىٰ زمان معيّن


1) . أوائل المقالات، ص 68؛ الذخيرة، ص 332؛ المغني، ج 15 (التنبؤات و المعجزات)، ص 218.

2) . الذخيرة، ص 332.

3) . أوائل المقالات، ص 69؛ الذخيرة، ص 332.

و متناسب مع المسافة المقطوعة، و يستحيل أن يقطع الجسم المسافة البعيدة في فترة قصيرة جداً.

و لأجل الإجابة على هذا الإشكال - أي إشكال الاستحالة - الذي طرحه الشريف المرتضى، قام بطرح جوابين للدلالة على إمكان هذا الانتقال السريع إلى أماكن بعيدة، ثمّ ناقشهما، و هما:

أوّلاً: يمكن أن يَنتقل الإمام عليه السلامُ كما يَنتقل الطائر إلى أماكن بعيدة في فترة قصيرة.

و أجاب الشريف المرتضى على ذلك: إذا قصدتم أنّ اللّٰه تعالى يجعل للإمام جناحاً لينتقل كما ينتقل الطائر، فهو أمر ممكن و غير منكر في حدّ ذاته، لكن الطائر الثقيل لا يكون طيرانه في السرعة و الخفّة مثل الطائر الصغير، و نحن نعلم أنّ الطائر الصغير لا يمكنه الطيران من المدينة إلى طوس في يوم واحد، فمن الأَولى أن لا يتمكّن الإنسان من ذلك و إن كان له جناح.

ثانياً: يمكن أن يقوم اللّٰه تعالى بإعدام الإمام في المدينة، ثمّ إيجاده في اللحظة التالية في بغداد أو طوس.

و أجاب الشريف المرتضى بأنّ هذا مستحيل؛ لأنّ عدم بعض الأجسام لا يكون إلّا بالضدّ الذي هو الفناء. (و هو في هذه النقطة يشير إلى مسألة كلاميّة أُخرى، و هي أنّه كيف يمكن إعدام الأجسام و الجواهر؟ فكان رأيه أنّ هذا يكون من خلال إيجاد ضدّها و هو الفناء فتنعدم؛ لأنّ الجواهر باقية، و الباقي لا يخرج من الوجود إلّابضدّ ينافيه. و أيضاً أنّ الجوهر لا يحتاج إلى غيره فينتفي بانتفائه كما في العرض. إذن يجب متى انتفى الجوهر أن ينتفي من خلال إيجاد ضدٍّ ينفيه(1).

إذن لقد أجاب الشريف المرتضى على النقطة الثانية المتقدّمة بأنّ إعدام الإمام ثمّ‌


1) . الذخيرة، ص 146.

إيجاده يعتبر أمراً مستحيلاً؛ لأنّ عدم بعض الأجسام لا يكون إلّابالضدّ و هو الفناء.

هذا من جهة، و من جهة أُخرى فإنّ فناء بعض الجواهر فناءٌ لجميعها. (و هو هنا يشير إلى مسألة كلاميّة أُخرى، و هي ما ذهب إليه بعض المتكلّمين - و منهم الشريف المرتضى - من أنّ الإعدام لا يجوز على جسم دون آخر، بل إذا أراد اللّٰه تعالى إعدام جسم فيجب أن يعدم جميع الأجسام(1)، فإذا أراد أن يعدم الإمامَ‌، فيجب أن يعدم جميع الأجسام معه، و هو أمر لا يقول به أحد.

و بعد ذلك تبرّع الشريف المرتضى للإجابة على إشكال الاستحالة المتقدّم بالقول: من الممكن أن يوجد اللّٰه تعالى رياحاً عواصف تحمل الإمام من المدينة إلى طوس بسرعة هائلة تزيد على سرعة الطائر الصغير.

إلّا أنّه أجاب عليه أيضاً بجواب عام يصلح أن يكون جواباً لكلّ مَن يذهب إلى ضرورة أن يغسل الإمامُ اللاحق الإمامَ السابق، و هو أنّه على فرض صحّة جميع ما تقدّم من توجيهات أو بعضها، فيردُ عليها كلّها أنّه لو ذهب الإمام عليه السلامُ من المدينة إلى بغداد أو طوس، لرآه الناس الحاضرون هناك؛ لأنّه جسم، و الجسم لا بدّ أن يُرى. (و هنا طرح مسألة كلاميّة أُخرى، و هي حقيقة الإنسان، فهل هي هذا الجسم المُشاهَد، أو أنّها عبارة عن روحه المجردة‌؟ و قد ذهب الشريف المرتضى إلى القول بأنّ حقيقة الإنسان هو هذا الجسم المُشاهَد(2).

إذن لو ذهب الإمام عليه السلامُ إلى بغداد أو طوس لشاهده الناس؛ لأنّ حقيقة الإمام ككلّ إنسان آخر عبارة عن هذا الجسم المُشاهَد، و الجسم لا بدّ أن يراه كلّ صحيح العين، فكيف يمكن هذا مع أنّه قد نُقل في كتب التاريخ أسماء الأشخاص الذين غسلوا الإمام الكاظم و الرضا عليهما السلامُ‌، فإنّهم لم يكونوا الأئمّة اللاحقين،


1) . انظر: المغني، ج 11 (التكليف)، ص 444؛ الذخيرة، ص 145.

2) . الذخيرة، ص 113-114.

و هذا يقتضي أن يكون الأمر على ما اختاره الشريف المرتضى.

و الخلاصة: أنّ مسألة تغسيل الإمام اللاحق للسابق مرويّة بأخبار آحاد ليست حجّة، و على فرض التسليم بها، فإنّ الانتقال إلى أماكن بعيدة في فترة قصيرة أمر مستحيل و غير ممكن في حدّ ذاته، و على فرض كونه ممكناً لكان الحاضرون في تلك الأماكن يشاهدون الأئمّة المنتقلين من الأماكن البعيدة، و ينقلونه لنا، لكن لم يحصل شيء من ذلك، بل على العكس لقد نُقلت لنا أسماء أشخاص آخرين قاموا بتغسيل الأئمّة عليهم السلامُ‌.

إنّ قراءة هذه الرسالة على اختصارها أمر مُمتع، بسبب ما احتوت عليه من تطبيق لمختلف الآراء و المباني الكلاميّة.

نسبتها إلى المؤّلف

لقد أشار الشريف المرتضى في هذه الرسالة إلى كتابه الذخيرة، كما نقل ابن شهر آشوب (ت 588 ه‍) نصّاً منها و نسبه إلى الشريف المرتضى(1)و هذا يدلّ علىٰ صحّة نسبة الرسالة إليه.

و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 153.

مخطوطات الرسالة
ألف) النسخ المعتمدة:
1. مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 255؛ تقع في الصفحات (58-62) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

1) . راجع: متشابه القرآن و مختلفه، ج 1، ص 253.

2.

مخطوطة مكتبة المحقّق البروجردي رحمه اللّٰه، المرقّمة 374/9؛ تقع في الصفحات (378-380) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

3.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 8؛ تقع في الصفحات (19-22) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «م».

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (389-390) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

و تكرّرت أيضاً في ا لصفحات (285-286) من نفس المجموعة.

5. مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2611؛ تقع في الصفحات (82-86) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ل».
ب) سائر النسخ:
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحات (20-23) من المجموعة.

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (157-158) من المجموعة، و تكرّرت أيضاً في الصفحات (212 - 213) من نفس المجموعة.

3.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (47-48) من المجموعة.

4.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 438/9؛ تقع في الصفحات (1-4) من المجموعة.

[

مسألةٌ فيمن يَتولّىٰ غُسلَ الإمامِ‌

بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ‌

مسألةٌ‌(1): مَن المُتوَلّي لغُسلِ الإمامِ الماضي و الصلاةِ عليه‌؟ و هَل ذلكَ موقوفٌ علىٰ تَولّي الإمامِ بَعدَه له، أم يَجوزُ أن يَتوَلّاه غيرُه‌؟

الجوابُ‌(2): قد رَوَت الشيعةُ الإماميّةُ أنّ غُسلَ الإمامِ و الصلاةَ عليه مَوقوفانِ‌(3)علَى الإمامِ الذي يَتوَلَّى الأمرَ(4)بَعدَه،(5)و تَعسَّفوا لها فيما ظاهرُه بخِلافِ ذلكَ‌.

و هذه الروايةُ المُتضمِّنةُ لِما ذَكرناه واردةٌ مِن طَريقِ الآحادِ، التي لا توجِبُ‌(6)عِلماً، و لا يُقطَعُ بمِثلِها.

و لَيسَ يَمتَنِعُ في هذه الأخبارِ - إذا صَحَّت - أن يُرادَ بها الأكثَرُ الأغلَبُ‌، و مع الإمكانِ و القُدرةِ‌؛ لأنّا قد شاهَدنا(7)ما جَرىٰ علىٰ خِلافِ ذلكَ‌؛ لأنّ موسَى بنَ جَعفَرٍ


1) . في «ب، م»: + «أُخرىٰ من إنشائه - بَرَّدَ اللّٰه مَضجَعَه - في». و في «د»: + «و من مسائل السيّدالمرتضى رضي اللّٰه عنه و فوائده، و قد سُئل رضي اللّٰه عنه». و في «ل»: + «من إنشاء المرتضىٰ - بَرَّدَ اللّٰه مَضجَعَه - في».

2) . في «ب، م»: + «قال الأجلّ المرتضىٰ - نَوَّرَ اللّٰه برهانَه -». و في «ل»: + «قال المرتضىٰ - أناراللّٰه برهانَه -».

3) . في المطبوع: «موقوف».

4) . في المطبوع: + «من».

5) . راجع: الكافي، ج 2، ص 285، ح 1003؛ البحار، ج 27، ص 290، ح 5.

6) . في «أ» و المطبوع: «لا يوجب».

7) . في المطبوع: «تشاهدنا».

عليهما السلامُ تُوفّيَ بمَدينةِ السَّلامِ و الإمامُ بَعدَه عليُّ بنُ موسَى الرِّضا عليه السلامُ بالمَدينةِ‌، و عليَّ بنَ موسىٰ‌(1)عليه السلامُ تُوفّيَ بِطوسَ و(2)ابنُه محمّدٌ عليه السلامُ بالمَدينةِ‌. و لا يَتَمكَّنُ‌(3)أن يَتولّىٰ مَن بالمَدينةِ غُسلَ مَن ماتَ‌(4)بِطوسَ‌، أو(5)بمَدينةِ السَّلامِ‌.

و قد تَعسَّفَ بعضُ أصحابِنا فقالَ‌: غيرُ مُمتَنِعٍ أن يَنقُلَ اللّٰهُ تَعالَى الإمامَ مِن المكانِ الشاسِعِ‌(6)في أقرَبِ الأوقاتِ و يَطويَ له البَعيدَ، فيَجوزُ أن يَنتقلَ مَن بالمَدينةِ‌(7)إلىٰ مَدينةِ‌(8)السَّلامِ و طوسَ في الوقتِ‌.

و الجوابُ‌(9)عن هذا: أنّا لا نَمنَعُ‌(10)مِن إظهارِ المُعجِزاتِ و خَرقِ العاداتِ للأئمّةِ عليهم السلامُ‌، إلّاأنّ خَرقَ العادةِ إنّما هو في إيجادِ المقدورِ دونَ المُستَحيلِ‌؛ و الجسمُ‌(11)لا يَجوزُ أن يَكونَ مُنتَقِلاً إلَى الأماكِنِ البَعيدةِ إلّافي أزمِنةٍ مخصوصةٍ‌، فأمّا أن يَنتَقِلَ إلَى البَعيدِ مِن غيرِ زمانٍ مُحالٌ‌؛ و ما بَينَ المَدينةِ و بَغدادَ و(12)طوسَ‌


1) . في المطبوع: + «الرضا».

2) . في المطبوع: + «الإمام بعده».

3) . في المطبوع: «و لا يمكن».

4) . في «ب، ل، م»: «مَن» بدل «غسل مَن مات». و في المطبوع: «يتوفّىٰ‌» بدل «مات».

5) . في «أ»: - «بطوس أو».

6) . في «ب، ل، م»: «الواسع». و في «د»: «التاسع». و «الشاسع»: البعيد. راجع: كتاب العين، ج 1، ص 242؛ لسان العرب، ج 8، ص 180 (شسع).

7) . في «ب»: «بمدينة». و في المطبوع: «المدينة» بدون الباء الجارّة.

8) . في «ب، ل، م»: - «إلىٰ مدينة».

9) . في «ب، د، م»: «الجواب» بدون واو العطف.

10) . في «ب، ل، م»: «لا نمتنع».

11) . في المطبوع: «و الشخص».

12) . في «ب، م»: «ببغداد أو» بدل «و بغداد و». و في «ل»: «إلىٰ بغداد أو» بدلها.

مِن المَسافةِ لا يَقطَعُها الجسمُ إلّافي أزمانٍ لا يُمكِنُ معها أن يَتولّىٰ مَن هو بالمَدينةِ غُسلَ مَن هو ببَغدادَ.

فإن(1)قيلَ‌: ألّاانتَقَلَ كما يَنتَقِلُ الطائرُ مِن البَعيدِ في أقرَبِ مُدّةٍ؟

قُلنا: ما نُنكِرُ(2)اختلافَ انتقالِ الأجسامِ بحَسَبِ الصُّوَرِ و الهَيَئاتِ‌؛ فإن أرَدتم أنّ الإمامَ يُجعَلُ له جَناحٌ يَطيرُ به، فهو غيرُ مُنكَرٍ، إلّاأنّ الثقيلَ الكبيرَ مِن الأجسامِ لا يَكونُ طَيَرانُه في الخِفّةِ مِثلَ الصغيرِ الجسمِ‌؛ و لهذا لا يَكونُ طَيَرانُ الكَراكيِّ‌(3)- و ما شاكَلَها في عِظَمِ الأجسامِ - كسُرعةِ الطُّيورِ الخِفافِ‌. و إذا(4)كانَ الطائرُ الخفيفُ الجسمِ إنّما لَم يَقطَعْ في يَومٍ واحدٍ مِن المَدينةِ إلىٰ طوسَ‌، فأجدَرُ أن لا يَتمكَّنَ مِن ذلكَ الإنسانُ إذا كانَ له جَناحٌ‌.

و لا يُمكِنُ أن يُقالَ‌(5): إنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يُعدِمُ الإمامَ مِن هُناكَ‌، و يوجِدُه في الحالِ الثانيةِ‌(6)هاهُنا.

لأنّ‌ هذا أيضاً(7)مُستَحيلٌ مِن وجهٍ آخَرَ؛ لأنّ عَدَمَ بعضِ الأجسامِ لا يَكونُ إلّا بالضدِّ الذي هو «الفَناءُ‌»، و فَناءُ بعضِ الجواهرِ فَناءٌ لجَميعِها، فلَيسَ‌(8)يُمكِنُ أن


1) . في «ب، ل، م»: «فإذا». و في «د»: «و إذا».

2) . في غير «د، م» و المطبوع: «ما يُنكر».

3) . «الكراكي» جمع «كُرْكي»، و هو طائر كبير أغبر اللون، طويل العنق و الرِّجلين، أبتر الذنَب، قليل اللحم، يأوي إلى الماء أحياناً. و يقال له بالفارسيّة: «مُرغ كُلَنگ». راجع: كتاب الماء، ج 3، ص 1108 (كرك)؛ الإفصاح، ج 2، ص 892 (كركي).

4) . في «أ» و المطبوع: «فإذا».

5) . في «ب، ل، م»: «أن يقول». و في «د»: «أن تقولوا».

6) . في «ب، د، ل»: «الثابتة».

7) . في المطبوع: - «أيضاً».

8) . في «أ، د» و المطبوع: «و ليس».

يَفنىٰ جَوهرٌ مع بَقاءِ جَواهِرَ(1)أُخَرَ؛ علىٰ ما دَلَّلنا عليه في كَثيرٍ مِن كلامِنا، لا سِيَّما في الكتابِ‌(2)المعروفِ ب‍ «الذخيرةِ‌».(3)

إلّا أنّه يُمكِنُ مَن ذَهَبَ مِن أصحابِنا إلىٰ ما حَكَيناه أن يَقولَ نُصرةً لطَريقتِه: ما الذي يَمنَعُ مِن أن يَنقُلَ‌(4)اللّٰهُ تَعالَى الإمامَ مِن المَدينةِ إلىٰ طوسَ بالرياحِ العَواصفِ التي لا نِهايةَ لِما يَقدِرُ اللّٰهُ تَعالىٰ عليه مِن فِعلِ الِاعتماداتِ‌(5)فيها؟ و ما المُنكَرُ مِن أن يَكونَ‌(6)في هذه(7)الريحِ التي تَنقُلُه ما يَزيدُ معه علىٰ سُرعةِ الطائرِ الخَفيفِ المُسرِعِ‌، فيَنتَقِلَ في أقرَبِ الأوقاتِ؟

و الذي يُبطِلُ هذه التقديراتِ - لَو صَحَّت أو صَحَّ بعضُها -: أنّا قد(8)عَلِمنا أنّ الإمامَ لَو(9)انتَقَلَ مِن المَدينةِ إلىٰ بَغدادَ أو طوسَ لِغُسلِ المُتوفّىٰ و الصلاةِ عليه، لَشوهِدَ في مَوضِعِ الغُسلِ و الصلاةِ‌؛ لأنّه جسمٌ‌، و الجسمُ لا بُدَّ مِن أن يَراه كُلُّ صحيحِ العَينِ‌(10).


1) . في «ب»: «دون» بدل «مع بقاء جواهر». و في «ل، م»: - «مع بقاء جواهر». و في المطبوع: «جوهر» بدل «جواهر».

2) . في غير «ب، د، ل، م»: «كتابي».

3) . راجع: الذخيرة، ص 145.

4) . في «أ»: «أن ينتقل». و في «ب، ل، م»: «أن يحمل».

5) . في المطبوع: «من فعلها و إن» بدل «من فعل الاعتمادات».

6) . في «ب، م» و المطبوع: «أن يقول». و في «د»: «أن نقول». و في «ل»: «أن يعوّل». و ما أثبتناه مطابقٌ لنسخة مكتبة الإمام الحكيم العامّة.

7) . في «أ»: «يده». و في «ب، ل، م»: «هذا».

8) . في «ب، ل، م»: - «قد».

9) . في «ب، ل، م»: «إذا».

10) . في حاشية بعض النسخ: «أمّا وجوب ظهوره على الحاضرين ففي غاية البعد؛ إذ يجوز من قدرة اللّٰه تعالى أن يمنع أبصارهم و شعاعها عن الوصول إليه، أو صرف قلوبهم عن التأمّل فيه و النظر إليه، و إن كانوا يرونه و هم لا يعرفونه، كما نقوله في صاحب الزمان عليه السلام و شهوده المواسم.... حيدر عليّ‌».

و لَو شوهِدَ(1)لَعُلِمَ‌(2)و عُرِفَ‌(3)حالُه و نُقِلَ خبرُه و لَم يَخفَ علَى الحاضرينَ‌؛ و كَيفَ‌(4)يَجوزُ ذلكَ و قد نُقِلَ في التواريخِ مَن تَولّىٰ غُسلَ هذَينِ الإمامَينِ عليهما السلامُ و الصلاةَ عليهما و سُمِّيَ و عُيِّنَ‌(5)؟ و هذا يَقتَضي أنّ الأمرَ علىٰ ما اختَرناه(6).


1) . في «ب، د، ل، م» و المطبوع: «شهد».

2) . في «د» و المطبوع: «لهم». و في المطبوع: + «لعلمه».

3) . في «ب، د، ل، م»: - «و عرف».

4) . في «أ» و المطبوع: «فكيف».

5) . في «أ، د»: + «عليه».

6) . في «ب، ل، م»: «أخبرناه ممّا قدّمناه» بدل «اخترناه». و في «د»: + «ممّا قدّمنا ذكره».

(57) مسألةٌ في عِلمِ الوصيِّ بساعةِ وفاتهِ و عدمِه

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

تتعرّض الأفكار و المفاهيم عادة إلى طروء تغيّرات و تطوّرات مختلفة، مثل توسعة أو تضييق المفاهيم، و ذلك من خلال رفع قيود عنها أو اضافتها إليها، كما يمكن أن تولَد بعضُ المفاهيم أو تزول بمرور الزمن و يعود ذلك إلى أسباب مختلفة؛ منها: اكتشاف نظريّات و حقائق جديدة ممّا يؤدّي إلى تعميق النظرة إلى مفهوم من المفاهيم؛ و منها: اختلاط العلوم ممّا يؤدّي إلى تأثير بعضها على بعض، فيؤدّي هذا التأثير إلى تغيير بعض المفاهيم؛ و غير ذلك من الأسباب.

و من أمثلة هذه التغيّرات في المفاهيم التغيّر الذي طرأ على مفهوم «علم الغيب» عند الإماميّة. فقد كانت الرؤية العامّة عند المتقدّمين من متكلّمي الإماميّة هي إنكار نسبة علم الغيب إلى الأئمّة عليهم السلامُ‌، و اعتبار ذلك نوعاً من الكفر(1)و يرجع ذلك إلى أنّهم عرّفوا مفهوم «علم الغيب» بأنّه علم ذاتيّ غير مُستفاد، أي أنّه مقتضى ذاتِ العالِم، فهو لم يستفده و لم يأخذه من موجود غيره، أو من آلة، أو غير ذلك.

و من الواضح أنّ هذا النوع من العلم لا يتناسب إلّامع علم اللّٰه تعالى الذي يَعلم الأشياء بذاته؛ و أمّا الإمام عليه السلامُ فهو غير مستقلّ في علومه، و إنّما يأخذها من الإمام الذي قبله، أو من رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، أو غير ذلك من مصادر علوم الأئمّة عليهم السلامُ‌؛ و لذلك عندما تحدّث أمير المؤمنين عليه السلامُ في بعض


1) . راجع: أوائل المقالات، ص 67.

كلامه عن بعض الأحداث المستقبليّة، و قال له أحد الحاضرين: إنّه عليه السلامُ قد أُعطي علم الغيب؛ نجد الإمام يضحك من هذا الكلام، و يرفض أن يكون ذلك من علم الغيب، و إنّما هو تعلّمٌ من ذي علم(1).

و قد صرّح المتقدّمون من متكلّمي الإماميّة - كما تقدّم - بهذه الرؤية، أي رفض نسبة علم الغيب إلى الأئمّة عليهم السلامُ‌، و اعتبار ذلك نوعاً من الكفر. فقد رفض ابن قِبَة (ت قبل 317 ه‍) نسبة علم الغيب إلى الأئمّة عليهم السلامُ‌، و قال: «و من ينحل للأ ئمّة عليهم السلامُ علم الغيب، فهذا كفر باللّٰه، و خروج عن الإسلام عندنا».(2)

و قال: «... و الإمام عليه السلامُ أيضاً لم يقف على كلّ هذه التخاليط التي رويت؛ لأنّه لا يَعلم الغيب»(3).

و قال أيضاً: «فيقال لصاحب الكتاب: لقد أكثرتَ في ذكر علم الغيب، و الغيب لا يعلمه إلّااللّٰه، و ما ادّعاه لبشر إلّامُشرك كافر».(4)

و قد أيّده الطبرسي (ت 548 ه‍) في خلال ردّه على أحد المخالفين الذي نسب في تفسيره إلى الإماميّة أنّهم يقولون: «إنّ الأئمّة عليهم السلامُ يعلمون الغيب»؛ فقال في ردّه:

و أقول: إنّ هذا القول ظلم منه لهؤلاء القوم؛ فإنّا لا نعلم أحداً منهم - بل أحداً من أهل الإسلام - يصف أحداً من الناس بعلم الغيب. و من وصف مخلوقاً بذلك فقد فارق الدين. و الشيعةُ الإماميّة بُرَآء من هذا القول؛ فمن نسبهم إلى ذلك، فاللّٰه فيما بينه و بينهم.(5)


1) . راجع: نهج البلاغة، ج 2، ص 10.

2) . نقض كتاب الإشهاد (في ضمن كتاب كمال الدين للشيخ الصدوق)، ص 106.

3) . المصدر، ص 110.

4) . المصدر، ص 116.

5) . مجمع البيان، ج 3، ص 447.

كما بيّن الشيخ المفيد (ت 413 ه‍) رؤية الإماميّة لمفهوم «علم الغيب»، و أنّه علم استقلاليّ غير مُستفاد من الغير، حيث قال:

فأما إطلاق القول عليهم [أي الأئمّة عليهم السلامُ‌] بأنّهم يعلمون الغيب، فهو منكَر بيّن الفساد؛ لأنّ الوصف بذلك إنّما يستحقّه مَن عَلِمَ الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد.(1)

و قال ابن ميثم (كان حيّاً سنة 687):

المراد بعلم الغيب هو العلم الذي لا يكون مستفاداً عن سبب يفيده، و ذلك إنّما يصدق في حقّ اللّٰه تعالى؛ إذ كلّ علم لذي علم عداه فهو مستفاد من جوده، إمّا بواسطة أو بغير واسطة؛ فلا يكون علمَ غيب و إن كان اطّلاعاً على أمر غيبيّ‌.(2)

و قد أيّد الطبرسي هذا التعريف، حيث قال في موضع آخر من تفسيره:

و لا نعلم أحداً منهم [أي الإماميّة] استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق، فإنّما يستحقّ الوصف بذلك مَن يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد.(3)

إذن كان تعريفهم لعلم الغيب يحتوي على هذه النقطة، و هي أنّه عِلم غير مستفاد؛ أمّا لو عَلم شخصٌ بالغيب بعلم مستفاد - مثل أن يأخذه من رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه الذي أخذه هو بدوره من اللّٰه تعالى - فلا إشكال في ذلك. و قد صرّح ابن قبة بوجود علم الغيب المستفاد عند الأئمّة عليهم السلامُ‌، فقال: «... فعَلِمنا أنّ أسلافنا لم يعلموا الغيب، و أنّ الأئمّة عليهم السلامُ أعلموهم ذلك بخبر الرسول صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه».(4)


1) . أوائل المقالات، ص 67.

2) . شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 84.

3) . مجمع البيان، ج 5، ص 352.

4) . كمال الدين، ص 113.

إذن لا تصحّ نسبة علم الغيب إلى الأئمّة عليهم السلامُ بصورة مطلقة - كما صرّح بذلك الشيخ المفيد - فإنّه ينصرف إلى العلم الاستقلاليّ غير المستفاد؛ و أمّا تقييد تلك النسبة بأنّه مستفاد من رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه فلا مانع منه. و أمّا العلم غير المستفاد، فهو من مختصّات اللّٰه تعالى، و لا يشاركه أحد فيه، و قد قال أمير المؤمنين عليه السلامُ عند وصفه لعلمه تعالى: «العالِم بلا اكتساب، و لا ازدياد، و لا علم مستفاد».(1)

و الجدير بالذكر أنّه وفقاً لهذه الرؤية حول مفهوم «علم الغيب»، إذا تمكّن الإنسان من معرفة ما في الأرحام من ذكر أو أنثى مثلاً من خلال الأجهزة المتطوّرة، فإنّ هذا لا يعتبر علم غيب؛ لأنّه علم مستفاد من الآلات و الأجهزة، و هو لا يُعدّ علم غيب عند المتقدّمين من الإماميّة.

و بعد ذلك تمّ إدخال تغيير على المفهوم، و أخذ الإماميّة يطلقون «علم الغيب» على الأئمّة عليهم السلامُ‌، و ذلك من خلال إضافة قيد: «بالغير»، أو التعبير عن علم الأئمّة عليهم السلامُ بأنّه علم تبعيّ قائم باللّٰه تعالى(2)فصار مفهوم «علم الغيب» غير خاصّ بالعلم الذاتيّ الاستقلاليّ‌، بل أعمّ منه و من العلم المستفاد من الغير. و لعلّ ذلك كان ناشئاً من تأثيرات اختلاط علم الكلام بالفلسفة، فقد أطلق الفلاسفة بعضَ المفاهيم المختصّة باللّٰه تعالى على الممكنات، مثل مفهوم «واجب الوجود»؛ فإنّهم أطلقوه على الممكن الموجود، لكنّهم قيّدوه بأنّه «واجب الوجود بالغير».

و على أيّ حال، أمّا الشريف المرتضى فهو لم يخرج عن الرؤية العامّة لمتقدّمي الإماميّة من إنكار نسبة علم الغيب إلى الأئمّة عليهم السلامُ‌.


1) . نهج البلاغة، ج 2، ص 194، الخطبة 213.

2) . راجع: اختصاص العلم بالغيب باللّٰه سبحانه (في ضمن كتاب علم إمام)، ص 572.

محتوى الرسالة و نسبتها إلى المؤلّف

و قد سُئل الشريف المرتضىٰ في الرسالة محلّ البحث عن مسألة متعلّقة بعلم الغيب عند الأئمّة عليهم السلامُ‌، و هو سؤال لم ينقطع السؤال عنه على طول التاريخ، و هو أنّه إذا كان الإمام عليه السلامُ يعلم الغيب، فلماذا لم يدفع الموت عن نفسه‌؟ و أنّه هل كان يعلم ساعة قتله على التعيين أو لا؟ فإن لم يكن يعلم، فهو مخالف لعلم الإمام بالغيب؛ و إن كان يعلم، فلماذا لم يدفعه عن نفسه‌؟ أ ليس هذا إلقاءً للنفس في التهلكة‌؟

و قد طرح السائل في هذه الرسالة هذا السؤال بصورة مختصرة، و التفصيل الذي ذكرناه يمكن أن يُفهم من جواب الشريف المرتضى. فقد قام بالإجابة عن السؤال بشقّيه من خلال نقطتين:

النقطة الأُولى: لقد أنكر الشريف المرتضى - كسائر الإماميّة في عصره و العصور القريبة منه - وجوب علمَ الإمام بالغيب؛ لأنّه يؤدّي إلى محاذير، و هي أن يكون مشاركاً للقديم تعالى في جميع معلوماته، فتكون معلوماته لا متناهية، و يكون عالماً بنفسه، و هذه اللوازم باطلة؛ لأنّه قد ثبت أنّ الإمام عالم بعلم مُحدَث زائد علىٰ ذاته، و أنّ العلم الواحد الزائد على الذات لا يتعلّق على التفصيل إلّابمعلوم واحد؛ فلو علم بما لا يتناهى من العلوم، لوجب وجود ما لا يتناهى من المعلومات؛ و هو محال.

و الجدير بالذكر أنّ الشريف المرتضى قد ذكر هذا الاستدلال أيضاً في المسألة الثانية من المسائل الرازيّة، و المسألة الثامنة من الطرابلسيّات الثالثة.

و أشار في هذين الموضعين، و في الرسالة محلّ البحث إلى تأليفه رسالة مفردة حول علم الإمام، بيّن فيها موقفه من هذه المسألة. إنّ تكرار إحالته على هذه الرسالة المفردة يدلّ على أهمّيّتها؛ لكن مع الأسف هي مفقودة، و قد تكون الفائدة الوحيدة التي يمكن استفادتها من هذه الرسالة المفقودة هي تصحيح نسبة الرسالة محلّ بحثنا

إليه، حيث أحال فيها إلى هذه الرسالة المفقودة التي نعلم أنّها من مؤلّفاته، بدليل أنّه أحال إليها في المسائل الرازيّة و الطرابلسيّات الثالثة كما تقدّم، و المسائل الأخيرة من تأليفاته بلا شكّ‌.

إذن رأي الشريف المرتضى حول علم الإمام هو أنّه لا يعلم الغيب، و أنّ هذا غير واجب في منصب الإمامة، فإنّ هذا المنصب لا يقتضي علم الإمام بالغيب، و إنّما يقتضي علمه بعلوم الدين و الشريعة، نعم يمكن أن يعلم الغائبات بإعلام من اللّٰه تعالى، إلّاأنّه غير واجب(1). و بذلك لن يكون من الواجب أن يعلم الإمام بوقت وفاته أو قتله على التعيين.

النقطة الثانية: بعد أن تحدّث الشريف المرتضى في النقطة السابقة عن عدم وجوب علم الإمام بوقت قتله على التعيين، تحدّث في هذه النقطة عمّا روي من أنّ أمير المؤمنين عليه السلامُ كان يعلم أنّه مقتول، و أنّ قاتله هو ابن ملجم لعنه اللّٰه، و وجهِ تخريج هذه الروايات، فقد أجاب مرّة أُخرى بما تقدّم من أنّ الإمام عليه السلامُ ما كان يعلم وقت القتل على نحو التعيين و التفصيل، فإنّه لو كان عالماً بذلك بالتفصيل لكان يجب أن يدفعه عن نفسه، و إلّاكان إلقاءً للنفس في التهلكة، و إنّما كان يعلم ذلك على نحو الإجمال، و العلم الإجمالي لا يوجب الدفع عن النفس.

و ينبغي الإشارة إلى أنّه قد حصل خلاف بين الإماميّة في هذه النقطة بالتحديد، و هي هل يمكن أن يعلم الإمام وقت قتله على التفصيل و التعيين أو لا؟

فقد ذهب بعض الإماميّة، - و منهم الشيخ المفيد - إلى أنّه يجوز أن يعلم الإمام بوقت قتله على نحو التفصيل، و في هذه الصورة يكون متعبَّداً بالصبر على الشهادة لكي يبلغه اللّٰه تعالى درجات ما كان ليبلغها لولا ذلك، و بذلك لا يكون


1) . و راجع: المسألة 21 من المسائل الميّافارقيات.

أمير المؤمنين عليه السلامُ ملقياً بنفسه إلى التهلكة، و لا معيناً على نفسه معونة مستقبحة في العقول(1).

فيما ذهب آخرون - و منهم الشريف المرتضى - إلى عدم جواز أن يعلم الإمام بوقت قتله على التفصيل؛ لأنّ دفع الضرر عن النفس واجب عقلاً و شرعاً، و لا يجوز أن يُتعبَّد بالصبر على القبيح، و إنّما يُتعبَّد بالصبر على الحسن، و من المسلّم أنّ قتل الإمام كان قبيحاً، بل من أقبح القبيح، و لذلك تأوّل ما دلّ على علم أمير المؤمنين عليه السلامُ بوقت قتله بأنّه كان يعلم بذلك على نحو الإجمال كما تقدّم، و أنّه كان يعلم الليلة التي يُقتل فيها، لكنّه ما كان يعلم الوقت الذي يحدث فيه ذلك بالتحديد(2).

و في النهاية لا بأس بالإشارة إلى أنّ ابن شهر آشوب (ت 588 ه‍) قد ذكر معظم عبارات الرسالة محلّ البحث؛ لكنّه أضاف النبيّ إلى الإمام، و تحدّث عنهما معاً، و لذلك جاءت عباراته بصيغة التثنية(3)، بينما تحدّث الشريف المرتضى هنا عن الإمام فقط.

و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 130 في ضمن «أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره».

مخطوطات الرسالة
1. مخطوطة مكتبة المحقّق البروجردي رحمه اللّٰه، المرقّمة 374/9؛ تقع في الصفحة (376) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

1) . المسائل العكبرية، ص 70.

2) . استعرض الشيخ الطوسي هذين المذهبين في كتابه تلخيص الشافي، ج 4، ص 189-190، و صرّح بأن الشريف المرتضى ذهب إلى الثاني.

3) . متشابه القرآن و مختلِفه، ج 1، ص 211.

2.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحة (16) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحة (284) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د». و تكرّرت أيضاً في الصفحة (392) من نفس المجموعة.

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (157) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص». و تكرّرت أيضاً في الصفحة (214) من نفس المجموعة.

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (232) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

[

مسألةٌ في عِلمِ الوصيِّ بساعةِ وفاتهِ و عدمِه

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌: هَل يَجِبُ عِلمُ الوصيِّ بساعةِ‌(1)وفاتِه أو قَتلِه علَى التعيينِ‌، أَم ذلكَ مَطويٌّ عنه‌؟

الجوابُ‌: قد بيّنّا في مسألةٍ أملَيناها مُنفَرِدةً ما يَجِبُ أن يَعلَمَه الإمامُ و ما لا يَجِبُ أن يَعلَمَه.(2)

و قُلنا: إنّ‌(3)الإمامَ لا يَجِبُ أن يَعلَمَ الغُيوبَ و ما كانَ و ما يَكونُ‌؛ لأنّ ذلكَ يؤَدّي إلىٰ أنّه مُشارِكٌ للقَديمِ تَعالىٰ في جميعِ معلوماتِه، و أنّ معلوماتِه لا تَتَناهىٰ‌!(4)و أنّه يوجِبُ أن يَكونَ عالِماً لنفسِه،(5)و قد ثَبَتَ أنّه عالِمٌ بعِلمٍ مُحدَثٍ‌(6). و العِلمُ‌(7)لا


1) . في جميع النسخ سوىٰ «ص» و المطبوع: «ساعة» بدون الباء الجارّة.

2) . في «س» و المطبوع: «و ما يجب أن لا يعلمه»، و في «ص»: «و ما يجب أن يعلمه» بدل «و ما لا يجب أن يعلمه». ثمّ إنّ المسألة المشار إليها مفقودة، و قد أحال المصنّف رحمه اللّٰه إليها في موضعين آخرين: أحدهما: في المسألة الثانية من المسائل الرازيّة. و الآخر: في أواخر المسألة الثامنة من المسائل الطرابلسية الثالثة، و قال هناك إنّه أملاها قديماً.

3) . في «ص»: «فأجاب - رضي اللّٰه عنه - بأنّ‌» بدل قوله: «الجواب...» إلىٰ هنا.

4) . في «ب، د، س، ص» و المطبوع: «لا يتناهىٰ‌».

5) . في المطبوع: «بنفسه».

6) . و العالم بعلم يكون علمه زائداً علىٰ ذاته.

7) . أي العلم الزائد على الذات الموجود عند جميع المحدَثات، و منهم الإمام.

يَتعلَّقُ علَى التفصيلِ إلّابمعلومٍ واحدٍ، و لَو(1)عَلِمَ ما لا يَتَناهىٰ لَوَجَبَ وجودُ ما لا يَتَناهىٰ مِن المعلوماتِ‌؛ و ذلكَ مُحالٌ‌.

و بيّنّا أنّ الذي يَجِبُ أن يَعلَمَه علومُ الدينِ و الشريعةِ‌. فأمّا الغائباتُ‌(2)و الكائناتُ‌(3)الماضياتُ أو المُستَقبَلاتُ‌(4)، فإن(5)عَلِمَ بإعلامِ اللّٰهِ تَعالىٰ شَيئاً منها(6)فجائزٌ، و إلّافذلكَ غيرُ واجبٍ‌.

و علىٰ هذا الأصلِ لَيسَ مِن الواجبِ عِلمُ الإمامِ بوَقتِ وفاتِه أو قَتلِه علَى التعيينِ‌.

و قد رُويَ أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ في أخبارٍ كَثيرةٍ‌(7)كانَ يَعلَمُ أنّه مقتولٌ‌، و أنّ ابنَ مُلجَمٍ - لَعَنَه اللّٰهُ - قاتلُه.(8)

و لا يَجوزُ أن يَكونَ عالِماً بالوقتِ الذي يَقتُلُه فيه علَى التحديدِ و التعيينِ‌؛ لأنّه لَو عَلِمَ ذلكَ لَوَجَبَ عليه(9)أن يَدفَعَه عن نفسِه، و لا يُلقيَ بيَدِه إلَى التهلُكةِ‌، و أنّ هذا في عِلمِ الجُملةِ غيرُ واجبٍ‌.


1) . كذا، و الأنسب: «فلو».

2) . في «أ، ب، د، ص»: «العادات».

3) . في «س» و المطبوع: «أو الكائنات». و في «ص»: «و إلى النيّات»، كلاهما بدل «و الكائنات».

4) . في «س» و المطبوع: «و المستقبلات».

5) . في «ص»: «ولو». و في غيرها: «و إن»؛ و كلاهما سهو.

6) . في المطبوع: - «منها».

7) . كذا في جميع النسخ؛ و الصواب: «و قد رُويَ في أخبارٍ كثيرةٍ‌: أنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ‌» مع تقديم و تأخير.

8) . راجع: المسائل العكبريّة، ص 69؛ متشابه القرآن و مختلفه لابن شهر آشوب، ج 1، ص 211؛ بحار الأنوار، ج 42، ص 257.

9) . في جميع النسخ سوىٰ «ص» و المطبوع: - «عليه».

(58) مسألةٌ في مُشاهَدةِ المُحتَضَرِ الإمامَ قَبلَ مَوتِه

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

من المسائل المهمّة التي أُثيرت في تاريخ الفكر الإسلامي و التي أدّت إلى حصول خلافات و نزاعات كبيرة بين علماء الإسلام و مفكريه، هي ظاهرة تعارض العقل و السمع. فقد تتعارض معطيات العقل القطعيّة أحياناً مع ظواهر السمع؛ و حينئذ كان لابدّ من رفع هذا التعارض الظاهري، و في هذه النقطة بالتحديد برز الخلاف بين مَن أصرّ على تقديم معطيات العقل و تأويل السمع بما يتناسب مع تلك المعطيات و بين مَن وجد أنّه لا مناص من التمسّك بنتائج السمع و وضع معطيات العقل جانباً. و قد كان العدليّة - و منهم الإماميّة - من روّاد النظريّة الأُولى، فيما تمسّك بعض أصحاب الحديث و الحشويّة خاصّة بالنظريّة الثانية.

و قد واجه الإماميّة هذه الإشكاليّة و التعارض في بعض المسائل المنقولة في تراثهم الروائي، منها مسألة رؤية المحتضَر لأمير المؤمنين عليه السلامُ عند احتضاره؛ فقد دلّت على ذلك روايات بلغت حدّ التواتر، كما أجمع الإماميّة عليه، و لم يخالفوا فيه(1).

و لكن وَجَدَ روّاد مدرسة بغداد الإماميّة و منهم الشريف المرتضى أنّ هذه الروايات تتعارض مع معطيات العقل؛ فإنّه وفقاً لنظريّة الشريف المرتضى حول


1) . راجع: أوائل المقالات، ص 73.

حقيقة الإنسان الدالّة على أنّ الانسان ليس إلّاهذا الجسم، و أنّه ليست فيه أيّ جهة مجرّدة، فإنّه وفقاً لهذه النظريّة سوف تكون حقيقة أمير المؤمنين عليه السلامُ هي الجسم أيضاً، و إذا كان كذلك فكيف يمكن للجسم أن يكون في وقت واحد في أماكن عديدة، و ذلك فيما لو كان هناك محتضَرون عديدون في وقت واحد؟!

و لذلك أجاب الشريف المرتضى في هذه الرسالة على السؤال عن مشاهدة المحتَضَر لجسم الإمام عليه السلامُ بعدم قبول تلك الروايات على حقيقتها، و ضرورة تأويلها بأنّ المحتضَر يشاهد في تلك الحالة ثمرة ولاية أمير المؤمنين عليه السلامُ‌، و الانحراف عنه، و لا يشاهد شخصه و جسمه، و يشهد له أنّه روي أنّه إذا عاين الإنسان الموت و قاربه، أري في تلك الحالة ما يدلّه على أنّه من أهل الجنّة أو النار.

و قد عُمّم هذا البحث إلى ملك الموت؛ فقد قال البعض - الذين وصفهم الشريف المرتضى بالمحصّلين - لا يمكن أن يكون ملك الموت واحداً، و في نفس الوقت يقوم بقبض أرواح جميع البشر؛ لأنّه - حسب رأيهم - جسم، و الجسم لا يمكن أن يكون في وقت واحد في أماكن كثيرة؛ و لذلك تأوّلوا الآيات الدالّة بظاهرها على وجود ملك واحد لقبض الأرواح بأنّ المراد بها جنسُ ملك الموت، لا الشخص الواحد؛ و ذهبوا إلى أنّ هناك أكثر من ملك موت واحد.

و الجدير بالذكر أنّ الشيخ المفيد (ت 413 ه‍) كان يؤمن بأنّ حقيقة الإنسان هي الروح المجرّدة، لا هذا الجسم(1)، خلافاً لما ذهب إليه الشريف المرتضى؛ و لكنّه مع ذلك قام بتأويل روايات رؤية المحتَضَر لأمير المؤمنين عليه السلامُ بنفس التأويل المذكور هنا. و هو لم يذكر الدليل الذي دعاه إلى هذا التأويل، لكنّ الظاهر أنّ السبب هو أنّ تلك الروايات تدلّ بظاهرها على أنّ الإمام يحضر بجسمه عند المحتضَر،


1) . راجع: أوائل المقالات، ص 77؛ المسائل السرويّة، ص 58.

و الجسم لا يمكن أن يحضر في وقت واحد في أماكن كثيرة، فلا بدّ من تأويلها. إذن الظاهر أنّ سبب تأويل أخبار الاحتضار عند المفيد و المرتضى واحد، و لا ارتباط لذلك برأيهما حول حقيقة الإنسان؛ و اللّٰه العالم.

نسبتها إلى المؤلّف

لقد نقل ابن شهر آشوب (ت 588 ه‍) في كتبه معظم مطالب الرسالة محلّ البحث و لكن بتصرّف، و نسب تلك المطالب تارة إلى الشريف المرتضى، فيما لم يصرّح بنسبتها إليه تارة أُخرى(1)و إنّ نسبته هذه المطالب إلى الشريف المرتضى يمكن اعتباره قرينة جيّدة على تصحيح نسبة الرسالة إليه. كما أنّ الشريف المرتضى تعرّض إلى روايات الاحتضار في المسألة 18 من المسائل الميّافارقيّات، و ذكر هناك نفس التأويل الذي ذكره هنا. و هو شاهد آخر علىٰ تصحيح النسبة.

هذا و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 133 في ضمن «أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره».

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة مكتبة المحقّق البروجردي رحمه اللّٰه، المرقّمة 374/9؛ تقع في الصفحة (378) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحة (19) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحة (285) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».


1) . راجع: مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج 3، ص 24؛ متشابه القرآن و مختلِفه، ج 1، ص 17.

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (158) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (232) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

مسألةٌ في مُشاهَدةِ المُحتَضَرِ الإمامَ قَبلَ مَوتِه

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌ عن المُحتَضَرِ، هَل يُشاهِدُ في تلكَ الحالِ جسمَ الإمامِ نفسِه، أَم غيرَ ذلكَ؟

الجوابُ‌: قد رَوَت الشيعةُ الإماميّةُ أنّ كُلَّ مُحتَضَرٍ يَرىٰ قَبلَ مَوتِه أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ‌(1)، و رُويَ عنه شِعرٌ يَتضمَّنُ ذلكَ‌، و هو قولُه:

يا حارِ هَمْدانَ‌، مَن يَمُتْ يَرَني *** مِن مؤمِنٍ أو منافِقٍ قُبُلا(2)

و إذا صَحَّت هذه الروايةُ‌، فالمعنىٰ‌: أنّه يَعلَمُ في تلكَ الحالِ ثَمرةَ وَلايتِه عليه السلامُ و انحرافِه عنه؛ لأنّ المُحتَضَرَ قد رُويَ أنّه إذا عايَنَ المَوتَ و قارَبَه، أُريَ في تلكَ الحالِ ما يَدُلُّه علىٰ أنّه مِن أهلِ الجَنّةِ أو مِن أهلِ النارِ.(3)

و هذا معنىٰ قولِ أحَدِهم إذا قارَبَ الهَلاكَ‌: «كِدتُ أَرىٰ أعمالي(4)»؛ أي الجَزاءَ عليها.

و قد يَقولُ العربيُّ‌: «رأيتُ فُلاناً» إذا رأىٰ ما يَتعلَّقُ مِن فعلٍ به(5)أو أمرٍ يَعودُ إليه.


1) . راجع: الكافي، ج 1، ص 258-260، ح 1-8.

2) . تفسير القمّي، ج 2، ص 266؛ الغارات، ج 2، ص 720؛ المناقب للعلوي، ص 59؛ الأمالي للطوسي، ص 627، المجلس 30، ح 1293.

3) . راجع: تفسير القمّي، ج 1، ص 296.

4) . في «أ، ب»: - «أرىٰ‌». و في «س، ص» و المطبوع: «أعبرا» بدل «أعمالي».

5) . كذا، و الأنسب: «به من فعلٍ‌» بتقديم و تأخير.

و إنّما اختَرنا هذا التأويلَ لأنّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلامُ جسمٌ‌؛ فكَيفَ يُشاهِدُه كُلُّ مُحتَضَرٍ، و الجِسمُ لا يَجوزُ أن يَكونَ في الحالِ الواحدةِ في جِهاتٍ مُختَلِفةٍ؟!

و لهذا قالَ المُحصِّلونَ‌: إنّ مَلَكَ المَوتِ الذي يَقبِضُ الأرواحَ لا يَجوزُ أن يَكونَ واحداً؛(1)لأنّه جسمٌ و الجسمُ لا يَصِحُّ أن يَكونَ في الأماكِنِ الكَثيرةِ‌. و تأوَّلوا قولَه تَعالىٰ‌: «قُلْ يَتَوَفّٰاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‌» (2)أنّه أرادَ بمَلَكِ المَوتِ الجنسَ دونَ الشخصِ الواحدِ؛ كَما قالَ‌(3)تَعالىٰ‌: «وَ اَلْمَلَكُ عَلىٰ أَرْجٰائِهٰا» (4)، و إنّما أرادَ جنسَ الملائكةِ‌.


1) . في «د، س، ص» و المطبوع: - «واحداً».

2) . السجدة (32):11.

3) . في «س، ص» و المطبوع: + «اللّٰه».

4) . الحاقّة (69):17.

(59) مسألةٌ في معنىٰ ما يَقولُه الشيعةُ عندَ مَشاهدِ أئمّتِهم عليهم السلام

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

سُئل الشريف المرتضى في هذه الرسالة من قِبَل بعض المخالفين عن ما يقوله الشيعة عند قبور الأئمّة عليهم السلامُ‌: «أشهد أنّك تسمع كلامي، و تردّ سلامي»؛ فقد استبعد السائل أن يتمكّن الأئمّة - و هم ميّتون - من سماع الكلام، أو يقدروا على ردّ السلام.

و قد كان الشريف المرتضى قد تعرّض في جواب المسائل الميّافارقيّات (المسألة 17) إلى هذا البحث بصورة مختصرة، و استدلّ هناك بالإجماع على أنّ الأئمّة عليهم السلامُ يسمعون كلام الزائر لهم أو المصلّي عليهم، و يشاهدونه، و ذلك بأن يُبلغهم اللّٰه تعالى ذلك، أو يُعلمهم به. و لم يقتصر في هذا الحكم على الأئمّة عليهم السلامُ‌؛ بل عمّمه لسائر المؤمنين، فهم أيضاً يسمعون و يشاهدون من يزور قبورهم.

و في هذه الرسالة تحدّث عن المسألة بصورة مفصّلة، و ركّز كلامه على عدم وجود مبرّر مقبول و عقلائي لرفض أن يَسمع الميّت أو يشاهِد مَن يزوره من الأحياء، و يمكن تصوّر حصول السمع و البصر للميّت من خلال صور و معاني مختلفة:

الأُولى: أن يكون معنى السلام و ردّ الجواب هو حصول الثواب و المنفعة للزائر،

فيكون المعنى مجازيّاً.

الثانية: أنّ تبلغه الملائكة أنّ فلاناً قد زاره و سلّم عليه. و هذا يمكن تسميته سماعاً و مشاهدةً‌.

الثالثة: أنّ اللّٰه تعالى قادر على حفظ الصوت و إيصاله إلى حواسّ الميّت فيسمعه.

و بذلك لا معنى لاستبعاد ذلك، إلّاأن يشكّك أحد بقدرة اللّٰه تعالى، و العياذ باللّٰه.

و هذه الرسالة هي رسالة جديدة، تمّ العثور عليها في ضمن رسائل الشريف المرتضى التي قامت الأمانة العامّة لألفية الشريف المرتضى بتحضير مخطوطاتها، و يوجد في نسختها سقط في موضعَين، تُرك بشكل بياض.

مخطوطة الرسالة

لقد تمّ العثور علىٰ مخطوطة واحدة لهذه الرسالة، و هي:

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 433/7؛ تقع في الصفحات (11-14) من المجموعة.

[

مسألةٌ في معنىٰ ما يَقولُه الشيعةُ عندَ مَشاهدِ أئمّتِهم عليهم السلام

مسألةٌ في معنىٰ ما يَقولُه الشيعةُ عندَ مَشاهدِ أئمّتِهم عليهم السلام(1)

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

المسألةُ‌:

ما معنىٰ قولِكم عندَ الزيارةِ لمَشاهدِ أئمّتِكم عليهم السلامُ‌: «أَشهَدُ أنّكَ تَسمَعُ كلامي، و تَرُدُّ جَوابي»؟ و كَيفَ يُتصوَّرُ في الميّتِ سَماعُ الكلامِ و في المقبورِ رَدُّ الجوابِ؟ و هَل هذا إلّاسَهوٌ مِن قائلِه، و غَفلةٌ مِن مُورِدِه‌؟ و اللّٰه المُوفِّقُ‌.

الجوابُ‌:

السهوُ و الغَفلةُ بالمُتكلِّمِ - بالاستبعادِ و العَجَبِ قَبلَ الفكرِ و التأمُّلِ - أَليَقُ و به أَشبَهُ‌؛ فإنّه تَعجَّبَ ممّا لَو وَقَفَ عليه أَقَرَّ به أو بما في معناه. فنَقولُ‌:

[أمّا سَماعُ الكلامِ فيُستَعمَلُ في إدراكِه بآلةِ السمعِ‌، و يُستَعمَلُ في ترتيبِ فائدةٍ و نَفعٍ و ثَمرةٍ عليه؛ كَقَولِ‌](2)القائلِ‌: «كلامُ فُلانٍ مسموعٌ‌»، و «القاضي و السُّلطانُ لَيسَ يَسمَعُ كلامَ فُلانٍ و يَسمَعُ كلامَ فُلانٍ‌»، فيُتبِعونَ الوصفَ بالسَّماعِ لِما يُحصِّلُ فائدةً و يُثمِرُ نَفعاً، دونَ ما عَدا ذلكَ‌؛ و إن كانَ الجميعُ مُدرَكاً بحاسّةِ السمعِ معلوماً.

و أمّا رَدُّ الجوابِ فيُستَعمَلُ في رَدِّه بالكلامِ‌، و يُستَعمَلُ في فعلِ ما تَضمَّنَه


1) . تُطبع هذه الرسالة لأوّل مرّة، و علىٰ نسخة واحدة.

2) . ما بين المعقوفين منّا، أُضيف لاقتضاء السياق. و في النسخة بياض في الموضع.

السؤالُ‌، كالذي يَسألُ غيرَه فعلاً، فَيفعَلُ المسؤولُ ما تَضمَّنَه سؤالُه فيُقالُ‌: «قد أجابَه» و إن لَم يَتكلَّمْ‌، و يُستَعمَلُ في فعلِ ما يَقتَضيهِ الحالُ مِن الأفعالِ‌.

فإذا أجابَ إلىٰ أنّ ذلكَ يُستَعمَلُ في اللُّغةِ علىٰ هذه الوجوهِ‌، قيلَ له: ما تُنكِرُ لَو صَرَفتَ ما سَألتَ عنه مِن سَماعِ الكلامِ و رَدِّ الجوابِ إلىٰ حصولِ الفائدةِ و إثمارِ المَنفَعةِ؟ فيَكونَ معنىٰ ذلكَ أنّ الزائرَ للمَشهَدِ إذا تَقرَّبَ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ بما يورِدُه مِن السلامِ علىٰ خِيَرة اللّٰهِ و صَفوَتِه، و الشهادةِ لهُم بما تَكلَّفوه و لَقوه و بما تَحمَّلوه و صَبَروا عليه، و البَراءةِ ممّن ظَلَمَهم و اللّعنةِ له و لِمَن أَعانَ‌(1)علىٰ قَتلِهم و رَضيَ به و لَم يُنكِرْه، و التوسُّلِ إلَى اللّٰهِ - عَزَّ و جَلَّ - في الغُفرانِ لذُنوبِه و القَبولِ لأعمالِه، فإنّ هذا ممّا يُحصِّلُ الفَوائدَ و يُثمِرُ أجزَلَ المَنافعِ التي هي مَرجُوّةٌ مِن اللّٰهِ تَعالىٰ‌، و استحقاقَ الثوابِ الدائمِ و النعيمِ المُقيمِ‌.

فإن أنكَرَ ما هذا حالُه ظَهَرَ جَهلُه و وَضَحَ عِنادُه، و إن أقَرَّ به قيلَ له: كَيفَ أَسرَعتَ إلَى التعجُّبِ و الاستبعادِ دونَ [الفكرِ و التأمُّلِ؟

و يُمكِنُ فيه جوابٌ آخرُ: و هو أنّ الأئمّةَ و الشهداءَ و الصالحينَ بَعدَ أن يَموتوا و يُفارِقوا الحياةَ في الدنيا أحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‌](2)تشريفاً لهم و تعظيماً لقَدرِهم، فإذا زارَهم الزائرُ و تَوسَّلَ إلَى اللّٰهِ - جَلَّ اسمُه - بَلَّغَتهم المَلائكةُ فَعلِموا بتبليغِهم مَن زارَ مَشهَدَهم و تَوسَّلَ بِهم، فشَفَعوا له إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ و سَألوه غُفرانَ ذُنوبِهم و قبولَ أعمالِهم. و يَجري ذلكَ مَجرىٰ مَن له مَن يُبلِّغُه أعمالَ مَن بَعُدَ عنه، و يُخبِرُه بما يَكونُ منه، فيَقولُ له: «أنا سامعٌ لكلامِكَ‌، مُشاهِدٌ لأعمالِك» و يُريدُ أ نّها تَصِلُ إليه.


1) . في النسخة: «أعان به». و ما أثبتناه هو الصواب.

2) . ما بين المعقوفين مقتبسٌ من جواب المسألة الثانية عشرة من المسائل الطرابلسيّات الثالثة. وفي النسخة بياض في الموضع.

و هذا وجهٌ في سَماعِ الكلامِ لا يَدفَعُه عاقلٌ و لا يُنكِرُه مُحصِّلٌ‌، فلِمَ عَدَلَ عن جُلِّ ما سَألَ عنه فأظهَرَ التعجُّبَ منه‌؟

علىٰ أنّ سائرَ المُسلِمينَ يَقولونَ عند استلامِ الحَجَرِ الأسوَدِ في الحَجِّ‌: «أمانتي(1)أَدَّيتُها، و ميثاقي تَعهَّدتُه؛ لتَشهَدَ لي بالمُوافاةِ‌». و كَيفَ يَشهَدُ الحَجَرُ و يَسمَعُ الجَمادُ؟ فإن كانَ لذلكَ وجهٌ يَسوغُ تأويلُه عليه إذا سَألَ المُلحِدُ ممّن يَقصِدُ التهزّؤَ و التعجُّبَ‌، فلِمَ تَغافَلَ السائلُ عن ذلكَ الوجهِ و سَلَكَ مَسلَكَ أعداءِ المِلّةِ مِن المُلحِدةِ؟ و هَل هذا إلّالفَرطِ العَصَبيّةِ المُهلِكةِ و تَركِ الانقيادِ إلَى الحُجَجِ و السبيلِ‌(2)المُنجيةِ؟ نَعوذُ باللّٰهِ مِن استيلاءِ الهَوىٰ و تقليدِ الرؤَساءِ‌.

ثُمَّ يُقالُ له:

أ لَيسَ مَن هو حَيٌّ عندَ اللّٰهِ تَعالىٰ يُرزَقُ و يُنعَّمُ‌، يُدرِكُ الأصواتَ و يَسمَعُ الكلامَ؟

فإذا قالَ‌: «نَعَم» قيلَ له: أ فَتَصِفُ اللّٰهَ تَعالىٰ بالقُدرةِ علىٰ حفظِ المَحالِّ التي وُجِدَ(3)فيها الأصواتُ و الكلامُ - الذي يَتكلَّمُ به الزائرُ لمَشاهدِ الأئمّةِ عليهم السلامُ - مِن التبدُّدِ في الهواءِ و تفريقِ الأجزاءِ‌، حتّىٰ تَصِلَ إلىٰ حَواسِّهم بحَيثُ هُم فيَسمَعونَها؟

فإن قالَ‌: «لا» فارَقَ مَذهبَ كُلِّ مَن أثبَتَ الصانعَ و ادَّعىٰ بالعُبوديّةِ‌؛(4)و كَيفَ لا يوصَفُ بالقُدرةِ علىٰ ذلكَ‌، و أحَدُنا يَقدِرُ علىٰ حفظِ مَحلِّ كلامِه بالآلاتِ فيُسمِعُ‌


1) . في النسخة: «أمّا ذمّتي»، و الصواب ما أثبتناه. راجع: المقنعة، ص 401.

2) . كذا في النسخة؛ و لعلّ الصواب: «السُّبُل».

3) . كذا في النسخة، و الأنسب: «وُجدت».

4) . كذا في النسخة؛ و يبدو أنّ الصواب: «و ادّعى العبوديّة».

مَن بَعُدَ منه بقَدرِ ما يَتمكَّنُ مِن الآلةِ و طولِها؟ كالذي يَتكلَّمُ في الأجسامِ المُجوَّفةِ الرفيعةِ المُمتَدّةِ بَينَ فَمِه و حاسّةِ مَن يُريدُ أن يُسمِعَه كلامَه، ثُمَّ يَتكلَّمُ بالكلامِ الخَفيِّ الذي لا يَسمَعُه مَن يُحاوِرُه و يُصغي إليه، فتَحفَظُه الآلةُ بمَحلِّ كلامٍ‌(1)و تَمنَعُه مِن التبدُّدِ حتّىٰ يَصِلَ إلىٰ حاسّةِ مَن تَتَّصِلُ الآلةُ بحاسّتِه، لا يَلتَبِسُ و لا يَشتَبِهُ‌؛ لمكانِ حفظِ المَحلِّ و مَنعِه مِن التفريقِ‌. و كُلُّ ما يَقدِرُ العبدُ عليه بالآلاتِ فإنّه تَعالىٰ أَقدَرُ منه علىٰ ما لا نِهايةَ له بِلا آلةٍ و استعانةٍ‌.

و لا فَرقَ هُنا بَينَ [مَن](2)مَنَعَ ذلكَ‌(3)و أَحوَجَ‌(4)إلى الآلةِ فيه، و بَينَ مَن مَنَعَ تصويرَ الحَيَوانِ و سائرَ ما يَفعَلُه اللّٰهُ تَعالىٰ في العالَمِ - ممّا لا سَبيلَ لأحَدٍ مِن المخلوقينَ إلىٰ فعلِ اليَسيرِ منه إلّابالآلاتِ - إلّابالآلةِ‌!! تَعالَى اللّٰهُ عن ذلكَ عُلوّاً كَبيراً. فإن تَجاهَلَ مُتَجاهِلٌ و أَحوَجَ إلَى الآلةِ كانَ الكلامُ فيما سَلَفَ [الآلةَ‌](5)، و في ذلكَ تعلُّقُ وجودِ الآلةِ بما لا نِهايةَ له مِن الآلاتِ‌، و هذا مُحالٌ‌، فلا بُدّ مِن الانتهاءِ إلىٰ فاعلٍ غَنيٍّ عن الآلاتِ و هو اللّٰهُ تَعالىٰ‌.

فإذا أقَرَّ بصِحّةِ ذلكَ و القُدرةِ عليه قيلَ له: فما أَنكَرتَ أن يُشرِّفَ اللّٰهُ تَعالىٰ أولياءَه مِن الأنبياءِ و الأئمّةِ عليهم السلامُ‌، و يُرغِّبَ أتباعَهم و رَعاياهم في أن يَزوروا مَشاهِدَهم - بالقَصدِ إليها، و التضرُّعِ إليه تَعالىٰ فيها، و التوسُّلِ بمَن نُسِبَت إليه - بأن يَحفَظَ مَحالَّ كلامِهم حتّىٰ يَصِلَ إلىٰ سَمعِ مَن حَضَرَ الزائرُ مَشهَدَه،


1) . كذا في النسخة؛ و الظاهر أنّ الصواب: «بحفظ محلّ الكلام».

2) . ما بين المعقوفين منّا؛ أُضيف لاقتضاء السياق. و هكذا ما بعده.

3) . أي منع من قدرته تعالىٰ علىٰ ذلك بلا آلة.

4) . في النسخة: «و أحرج». و ما أثبتناه هو الصواب؛ بقرينة ما يأتي بعد قليلٍ‌.

5) . أي فيما قبل الآلة.

فيَسمَعَه و يَسألَ اللّٰهَ تَعالىٰ إجابةَ دُعائه و قبولَ أعمالِه‌؟

و هذا غايةُ ما استَبعَدَه السائلُ‌، [و] قد بانَ أنّه جائزٌ مُمكِنٌ غيرُ مُحالٍ و لا مُتعذِّرٍ.

و مَن أنكَرَه فلا يَخلو مِن أحَدِ أمرَينِ‌: إمّا فَرطِ الجَهلِ أو العَصَبيّةِ اللذَينِ يَمنَعانِ مِن الانقيادِ للحَقِّ و التصوُّرِ(1)و الإقرارِ بالصانعِ و قُدرتِه - علىٰ ما قَدَّمناه -، أو جَحدِ الصانعِ و إبطالِ النبوّةِ‌، و التوصُّلِ بإنكارِ ذلكَ إلىٰ تشكيكِ الضعفاءِ و تقبيحِ مَذهبِ أخَصِّ الناسِ برسولِ اللّٰهِ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و التمسُّكِ بشَرعِه و الاتّباعِ لعِترتِه.

نَسألُ اللّٰهَ تَبارَكَ و تَعالَى التوفيقَ لِما يُرضيهِ مِن عِلمٍ و عملٍ‌؛ إن شاءَ اللّٰهُ‌، و به الثقةُ‌.


1) . كذا في النسخة.

(60) مَسألةٌ في عِلّةِ خِذلانِ أهلِ البَيتِ عليهم السلام و عَدَمِ نُصرتِهم

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

أجاب الشريف المرتضى في هذه الرسالة على سؤال افتراضي، حيث بدأ بقوله:

«إن سأل سائل، فقال:...». و السؤال يدور حول ما يؤمن به الشيعة من أنّ الأئمّة الاثني عشر عليهم السلامُ هم صفوة اللّٰه بعد نبيّه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و حُججه على خلقه؛ فإذا كان كذلك فلماذا تمكّن الظلمة من قتلهم و ظلمهم‌؟ و لماذا خذلهم اللّٰه و أسلمهم و لم ينصرهم‌؟

و بدلاً من أن يجيب الشريف المرتضى على هذا السؤال أو الإشكال مباشرة، أخذ يتعمّق في البحث و يفصّله، مُبرِزاً بذلك كلّ عبقريّته و قدراته الجدليّة و الكلاميّة.

حيث بدأ أوّلاً بجواب نقضي مفاده: أنّ هذا الإشكال هو في الحقيقة إشكال للملاحدة النافين للربوبيّة، و البراهمة النافين للنبوّة، فإنّ الملاحدة يقولون: إذا كان اللّٰه هو الخالق لهذا العالم، فلماذا تمكّن العصاة و الظلمة من النيل من عباده و المطيعين له‌؟ و هكذا يقول البراهمة بالنسبة إلى الأنبياء عليهم السلامُ‌، فكلّ ما يجيب به السائل عن هذه الإشكالات، فنحن نجيب به عن إشكاله على الأئمّة عليهم السلامُ‌، فالإشكال غير خاصّ بالشيعة.

فإن أجاب السائل بقبول أن يكون اللّٰه تعالىٰ قد خذل أنبياءه فهو خلاف إجماع الأُمّة الدالّ علىٰ أنّ اللّٰه ينصر أولياءه و أنبياءه. و إن أجاب بأنّهم مع قتلهم و الظلم لهم منصورون. فهذا يعني أنّ القتل لا ينافي النصر، فلنقل مثل ذلك في الأئمّة.

فإن قال: هناك فرق بين الأنبياء و الأئمّة، فإنّ اللّٰه تعالىٰ قد انتقم للأ نبياء بإهلاك أعدائهم خلافاً للأئمّة.

فالجواب: أوّلاً: أنّه لم يهلك كلّ أعداء الأنبياء بل بعضهم. و ثانياً: أنّ هذا الإهلاك لم يمنع من قتل الأنبياء، فلا يصحّ أن يقال إنّه لم يمكِّن من الأنبياء. و ثالثاً: يلزم السائل أن يسلّم بأنّ اللّٰه تعالىٰ قد خذل أنبياءه الذين لم يهلك أعداءَهم، و هذا مخالف لإجماع الأُمّة كما تقدّم.

و بعد تفصيل و استطراد في البحث، أخذ الشريف المرتضى بالإجابة على السؤال جواباً حَلّيّاً، فقال: إنّ المعتبر في التمكين هو قصدُ الممكِّن (بالكسر)، دون الإمكانات التي تمكِّن الممكَّن (بالفتح) من القيام بالأفعال؛ لأنّه لولا ذلك لمَا وجدنا في العالم شخصاً ممكِّناً من قتل عدوّه دون نفسه؛ لأنّ كلّ شيء يصلح أن يَقتل به عدوّه مِن سلاح و غيره، فإنّه يصلح أن تُقتل به نفسُه، و لهذا فالعبرة بالقصد، لا بالإمكانات.

و إذا صحّ هذا فيجب ملاحظة حال الممكِّن، فإنْ كان قَصَدَ من تمكينه الحسنَ دون القبيح، قلنا: إنّه مكّن من الحسن و إنْ كان ما مكّن منه يصلح لفعل القبيح أيضاً. و إن قَصَدَ من تمكينه القبيحَ دون الحسن، قلنا: إنّه مكّن من القبيح و إنْ كان ما مكّن منه يصلح لفعل الحسن أيضاً.

و قد ثبت أنّ اللّٰه تعالى لا يقصد القبيح، و لا غرض له فيه، فيعلم منه أنّه مكّن من الطاعات دون المعاصي، و أنّه لم يمكّن من قتل أنبيائه و رسله و الأئمّة عليهم السلامُ‌؛ لأنّه تعالى نهى عن ذلك و زجر عنه. و ما كان يمكن أن يصل حدُّ النهي إلى المنع من الفعل و الإلجاء؛ لأنّه منافي للتكليف و التخيير الذي اقتضته الحكمة الإلهية.

و بذلك انتهى الجواب عن السؤال المذكور، حيث برزت مرّة أُخرى قدرة الشريف المرتضى على الإجابة على أيّ نوع من الإشكالات العقائديّة و الكلاميّة.

و قد احتوى الجواب في طيّاته على بعض الفوائد، نشير إلى بعضها:

1.

إنّ سبب عدم معاجلة الأُمّة الإسلاميّة بالعقاب على ما فعلته بنبيّها صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و الأئمّة عليهم السلامُ‌، خلافاً للأمم السابقة التي كان ينزل عليها العذاب، هو أنّ اللّٰه تعالى خصّ نبيّه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بخصائص دون سائر الأنبياء عليهم السلامُ‌، منها: أمان أُمّته إلى قيام الساعة من المعاجلة بالعذاب و العقاب، و منها: إكرامه بالشفاعة، و الحوض، و المقام المحمود، و اللواء، و غير ذلك.

2.

إنّ الأئمّة عليهم السلامُ إذا اجتهدوا بالدعاء، و طلبوا من اللّٰه تعالى هلاك أعدائهم، لأجيبوا إلى ذلك، لكنّهم عارفون بالدنيا و صِغر قدرها، و لذلك لم يَدْعوا بذلك. و لأجل ذلك ذكر الشريف المرتضى عدّة وجوه لتفسير دعاء الأئمّة عليهم السلامُ‌، كما فسّر ما يوصف به الأئمّة عليهم السلامُ من أنّهم مستجابو الدعوة بعدّة وجوه أيضاً.(1)

ملاحظة

لقد ذكر الشريف المرتضىٰ في هذه الرسالة كلاماً يظهر منه اتّهام ابن الراوندي بالإلحاد، حيث جاء فيها: «و بمثل هذا أُجيب ابنُ الراوندي و غيرُه من الملحدة خذلهم اللّٰه...».

ولكن هذا يخالف ما جاء في كتاب الشافي عند اتّهام القاضي عبد الجبّار ابنَ الرواندي بالإلحاد، حيث أجاب الشريف المرتضى هناك على هذا الاتّهام، و قال:

فأمّا ابن الراوندي، فقد قيل: إنّه إنّما عمل الكتب التي شنّع بها عليه معارضةً للمعتزلة و تحدّياً لهم؛ لأنّ القوم كانوا أساؤوا عشرته، و استنقصوا معرفته، فحمله ذلك على إظهار هذه الكتب ليبيّن عجزهم عن استقصاء نقضها، و تحاملهم عليه في رميه بقصور الفهم و الغفلة، و قد كان يتبرّأ منها تبرّأً ظاهراً، و


1) . و لا بأس بالإشارة هنا إلىٰ تعرّض المصنّف رحمه اللّٰه إلىٰ بحث مختصر حول الدعاء و بعض خصوصيّاته في خاتمة كتاب الذخيرة، ص 604-606، فليُراجع.

ينتفي من عملها، و يضيفها إلى غيره، و ليس يُشكّ في خطئه بتأليفها، سواء اعتقدها أم لم يعتقدها. و ما صنع ابن الراوندي من ذلك إلّاما قد صنع الجاحظ مثله أو قريباً منه... و ليس لأحد أن يقول: إنّ الجاحظ لم يكن معتقداً لما في هذه الكتب المختلفة، و إنّما حكى مقالات الناس و حِجاجهم، و ليس على الحاكي جريرة، و لا تلزمه تبعة؛ لأنّ هذا القول إن قنع به الخصوم فليقنعوا بمثله في الاعتذار، فإنّ ابن الراوندي لم يقل في كتبه هذه التي شنّع بها عليه: إنّني أعتقد المذاهب التي حكيتها و أذهب إلى صحّتها، بل كان يقول: قالت الدهريّة، و قال الموحّدون، و قالت البراهمة، و قال مثبتو الرسول؛ فإن زالت التبعة عن الجاحظ في سبّ الصحابة و الأئمّة، و الشهادة عليهم بالضلال، و المروق عن الدين بإخراجه كلامه مَخرج الحكاية، فلتزولنّ أيضاً التبعة عن ابن الراوندي بمثل ذلك(1).

لقد نفىٰ الشريف المرتضى بهذه الكلمات تهمة الإلحاد التي وجّهها القاضي إلىٰ ابن الراوندي، و لذلك ينبغي حمل عبارة الشريف المرتضى التي نقلناها قبل قليل و التي يظهر منها اتّهام ابن الراوندي بالإلحاد، علىٰ أنّ المراد عطف «الملاحدة» علىٰ ابن الراوندي، لا لأنّه منهم، بل لأنّ إشكالهم و كلامهم متشابه.

هذا، و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 207.

مخطوطات الرسالة
ألف) النسخ المعتمدة:
1. مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 23972؛ تقع في الصفحات

1) . الشافي، ج 1، ص 87-88.

(4-13) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحات (127-139) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (325-332) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (178-182) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (259-264) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

ب) سائر النسخ:
1. مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 433/7؛ تقع في الصفحات (1-10) من المجموعة.

[

مَسألةٌ في عِلّةِ خِذلانِ أهلِ البَيتِ عليهم السلام و عَدَمِ نُصرتِهم

اشارة

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مَسألةٌ‌: قالَ الأجَلُّ المُرتَضىٰ عَلَمُ الهُدىٰ ذو المَجدَينِ - رَضيَ اللّٰهُ عنه -:

إن سَألَ سائلٌ فقالَ‌: إذا كُنتُم تَزعُمونَ أنّ عليّاً و الحَسَنَ و الحُسَينَ و التِّسعةَ مِن وُلدِ الحُسَينِ عليهم السلامُ صَفوةُ اللّٰهِ بَعدَ نَبيِّه و حُجَجُه(1)علىٰ خَلقِه و أُمَناؤُه(2)علىٰ دينِه، فلِمَ مَكَّنَ‌(3)مِن قَتلِهم و ظُلمِهم، و أَسلَمَهم و خَذَلَهم، و لَم(4)يَنصُرْهم علىٰ أعدائهم، حتّىٰ قُتِلوا بأنواعِ القتلِ‌، و ظُلِموا بأفانينِ الظُّلمِ؟

[الجواب الأوّل(5)]

قيلَ له: هذا سؤالُ المُلحِدةِ في نَفيِ الرُّبوبيّةِ و قُبحِ العِبادةِ‌، و سؤالُ البَراهِمةِ‌(6)في نَفيِ النُّبوّةِ و إبطالِ الرِّسالةِ‌.

أمّا المُلحِدةُ فتَقولُ‌: لَو كانَ لِلعالَمِ خالقٌ خَلَقَه و مُحدِثٌ أحدَثَه و ابتَدَعَه، لَم


1) . في «أ، ص» و المطبوع: «و حجّته».

2) . في «ج»: «و أمناء». و في المطبوع: «و أميناً».

3) . في «ج، ص» و المطبوع: «تمكّن».

4) . في «ص» و المطبوع: «و لا».

5) . هذا الجواب نقضيٌّ‌.

6) . «البراهمة» فرقة من كفرة الهند، يقدّسون العقل و يرون أنّه يغني عن النبوّة، و النسبة في هذه التسمية لرجل يقال له: «بَرهَم». راجع: لسان العرب، ج 12، ص 48؛ تاج العروس، ج 16، ص 51 (برهم)؛ نهج الحقّ‌، ص 83.

يُمَكِّنْ مَن جَحَدَه ممّن عَبَدَه(1)و مَن عصاه ممّن أطاعَه، و لَمَنَعَهم مِن قَتلِهم و لَنَصَرَهم و لَم يُسلِمْهم؛ فإذا رَأَينا مَن يَتَمسَّكُ‌(2)بطاعتِه(3)و الإقرارِ برُبوبيّتِه مَخذولاً(4)غيرَ مَنصورٍ(5)، و ذَليلاً غيرَ عَزيزٍ، و مَظلوماً مُستَضاماً، و مَقتولاً مُستَهاناً، عَلِمنا أنّه لا خالقَ لهم يَمنَعُ منهم، و لا مُحدِثَ يَدفَعُ عنهم.

و أمّا البَراهِمةُ فتَقولُ مِثلَ ذلكَ في الأَنبياءِ و الرُّسُلِ‌(6)، و ما نالَهم(7)مِن أمرِهم و حَلَّ‌(8)بِهم مِن أعدائهم؛ حَرفاً بحَرفٍ‌.

و مَن كانَ مُلحِداً أو بِرَهْميّاً، فلا يَسألُ عن الأئمّةِ و خُلَفاءِ الأنبياءِ و الرُّسُلِ دونَ الأنبياءِ‌(9)و الرُّسُلِ و سائرِ المؤمنينَ‌؛ لأنّ الكُلَّ عندَه فيما يَلحَقُهم و يَنزِلُ بِهم سَواءٌ‌.

فإن زَعَمَ هذا السائلُ أن يَكونَ مُلحِداً أو بِرَهْميّاً - فَلا يَسألُ الشيعةَ دونَ غيرِهم مِن المُقرِّينَ بالرُّبوبيّةِ المُثبِتينَ للنُّبوّةِ و الرِّسالةِ‌، و لا يَخُصُّ الأئمّةَ دونَ الأنبياءِ و الرُّسُلِ و المؤمنينَ - لَم يَلزَمْ جوابُه(10)الشيعةَ‌، دونَ غيرِهم ممّن أقَرَّ بالرُّبوبيّةِ و أثبَتَ النُّبوّةَ و الرسالةَ‌؛ و لَم يَكُن لتخصيصِه السؤالَ عن(11)الأئمّةِ وجهٌ و لا فائدةٌ‌.


1) . في «ص» و المطبوع: - «ممّن عبده».

2) . في «أ»: «يظهر». و في «س» و المطبوع: «يستمسك».

3) . في «أ»: «طاعته» بدون الباء الجارّة.

4) . في «س، ص» و المطبوع: + «و لا».

5) . في «س، ص» و المطبوع: «غير منظور».

6) . في «س، ص» لفظٌ غيرُ واضحٍ بدل «و الرسل». و في المطبوع: «عليهم السلام قيل» بدل «و الرسل».

7) . في «س، ص» و المطبوع: «و ما بالهم».

8) . في «س، ص» و المطبوع: «و جدّ».

9) . في «أ»: - «و الرسل دون الأنبياء». و في «س، ص» و المطبوع: «فالرسل دون الأنبياء».

10) . في المطبوع: «لم يلزمه جواب» بدل «لم يلزم جوابه».

11) . في «س، ص» و المطبوع: «على».

و إن تَبرَّأَ مِن المُلحِدةِ‌، و انتَفىٰ مِن البَراهِمةِ‌، و أقَرَّ بالرُّبوبيّةِ‌، و صَدَّقَ بالنُّبوّةِ و الرِّسالةِ‌، قيلَ له: فخَبِّرْنا عن أنبياءِ اللّٰهِ‌(1)و رُسُلِه و أتباعِهم مِن المؤمنينَ‌؛ لِمَ‌(2)مَكَّنَ اللّٰهُ تَعالىٰ مِن قَتلِهم و ظُلمِهم‌؟ و لِمَ‌(3)خَذَلَهم و لَم يَنصُرْهم حتّىٰ قُتِلوا و ظُلِموا؟

فإن أجابَ إلَى الإقرارِ بذلكَ و التصريحِ بأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ مَكَّنَ أعداءَه - مِن الكُفّارِ و المُشرِكينَ - مِن قَتلِ أنبيائه و رُسُلِه و أهاليهِم، و لَم يَنصُرْهم، بَل نَصَرَ أعداءَهم عليهم، فارَقَ بهذا الإقرارِ و التصريحِ ظاهرَ كتابِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌؛ إذ يَقولُ‌: «إِنّٰا لَنَنْصُرُ رُسُلَنٰا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا» (4). و فارَقَ إجماعَ الأُمّةِ‌، بَل كُلَّ مَن أقَرَّ بالنُّبوّةِ‌؛ لأنّه لا أحَدَ مِن الأُمّةِ و ممّن أقَرَّ بالنُّبوّةِ‌(5)يُقدِمُ علَى القولِ بأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ خَذَلَ أنبياءَه و نَصَرَ أعداءَه، بَل الكُلُّ قائلٌ بأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ ناصرٌ لأنبيائه(6)و أوليائه و مانعٌ عنهم و خاذلٌ لعَدوِّهم.

و إن امتَنَعَ مِن(7)الإقرارِ بذلكَ و التصريحِ به، و قالَ‌: إنّهم مع قَتلِهم و الظُّلمِ لهم منصورونَ مؤيَّدونَ‌؛ قيلَ له(8): أفلَيسَ قد ثَبَتَ بهذا الإقرارِ منكَ أنّ القتلَ و الظُّلمَ لا يوجِبُ القولَ بأنّ اللّٰهَ مَكَّنَ مِن قَتلِ أنبيائه، و أنّه خَذَلَ رُسُلَه و لَم يَنصُرْهم، و إن قَتَلَهم أعداؤهم و ظَلَموهم‌؟


1) . في «س، ص» و المطبوع: «أنبيائه» بدل «أنبياء اللّٰه».

2) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «لما».

3) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «و لما».

4) . غافر (40):51.

5) . في «س، ص»: - «لأنّه لا أحد من الأُمّة و ممّن أقرّ بالنبوّة». و في المطبوع: «[لا]» بدل ذلك.

6) . في «س، ص» و المطبوع: «بأنبيائه».

7) . في المطبوع: - «من».

8) . في «س، ص» و المطبوع: «لهم».

فإذا قالَ‌: نَعَم.

قيلَ له(1): فهَلّا سَوَّغتَ مِثلَ ذلكَ فيما جَرىٰ علَى الأئمّةِ عليهم السلامُ مِن القَتلِ و الظُّلمِ‌، و أنّه غيرُ مُنْبئٍ‌(2)عن التمكينِ منهم و الخِذلانِ لهم، و جَعَلتَ ما نالَهم مِن القَتلِ و الظُّلمِ مِن أعدائهم كالذي نالَ الأنبياءَ و الرُّسُلَ مِن أعدائهم، في أنّه غيرُ موجِبٍ للتمكينِ منهم و إسلامِهم(3)و الخِذلانِ لهم.

فإن قالَ‌: مَن ذَكرتُموه مِن الأنبياءِ و الرُّسُلِ لمّا قُتِلوا و ظُلِموا(4)أهلَكَ اللّٰهُ قاتِليهم(5)و استأصَلَ ظالِميهم(6)، فعُلِمَ بذلكَ أنّه غيرُ ممكِّنٍ‌(7)منهم(8)، و لا(9)خاذلٍ لهُم.

قيلَ له: أوّلُ ما يُسقِطُ ما ذَكرتَه أنّه تَعالىٰ لَم يُهلِكْ جميعَ مَن قَتَلَ الأنبياءَ‌، و لا استأصَلَ كُلَّ مَن ظَلَمَهم، بَل الذي أَهلَكَ منهم قَليلٌ مِن كَثيرٍ؛ لأنّه لَو آثَرَ ذلكَ لَكانَ مُلجِئاً، و لَبَطَلَ التكليفُ الذي أَوكَدُ شُروطِه التخييرُ و تَردُّدُ الدَّواعي المُنافي للإلجاءِ‌.

و أيضاً فإنّ الهَلاكَ و الِاستئصالَ لِمَن أهلَكَه و استأصَلَه(10)لَيسَ يَمنَعُ مَن قَتَلَ الأنبياءَ عن قَتلِهم، و لا [هو] حَيلولةٌ بَينَهم و بَينَ‌(11)ظُلمِهم؛ و كَيفَ يَكونُ الهَلاكُ‌


1) . في «س، ص» و المطبوع: - «له».

2) . في «س، ص» و المطبوع: «مبنيّ‌».

3) . في «س» و المطبوع: - «و إسلامهم».

4) . في «س، ص» و المطبوع: «أو ظلموا».

5) . في «س، ص» و المطبوع: «قاتلهم».

6) . في «س، ص» و المطبوع: «ظالمهم».

7) . في «س، ص» و المطبوع: «غير متمكّن».

8) . في المطبوع: «منه».

9) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: - «لا».

10) . في المطبوع: «استأصله» بدون واو العطف.

11) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: + «من».

المُتأخِّرُ عن القَتلِ و الظُّلمِ مَنعاً ممّا تَقدَّمَ وجودُه و حَيلولةً بَينَه و بَينَه، و المَنعُ و الحَيلولةُ مِن حَقِّهما أن يَستَحيلَ لِمَكانِهما وجودُ(1)ما هُما مانعٌ و حَيلولةٌ منه‌؟ و بهذا الحُكمِ يَنفَصِلُ ممّا لَيسَ بمَنعٍ و لا حَيلولةٍ‌. و إنّما قُدِّمَ لِمَن عوجِلَ‌(2)بالهَلاكِ و الِاستئصالِ بعضُ ما يَستَحِقُّه مِن العِقابِ علىٰ وجهٍ تَقتَضيهِ‌(3)المَصلَحةُ‌، و لا يُنافي التكليفَ‌؛ فأمّا أن يَكونَ مَنعاً و حَيلولةً‌، فلا. و جَرىٰ‌(4)ذلكَ مَجرَى الحُدودِ؛ في(5)أنّها تقديمُ‌(6)بعضِ المُستَحَقِّ‌(7)للمَصلَحةِ و الرَّدعِ‌، الذي يَختَلِفُ بحَسَبِ المُكلَّفينَ و دَواعيهِم(8)و صَوارِفِهم.

علىٰ أنّ هذا السائلَ يَجِبُ عليه أن يَكُفَّ عن إطلاقِ ما ألزَمناه فيمن عوجِلَ قاتلُه و ظالمُه مِن الأنبياءِ و الرُّسُلِ و المؤمنينَ‌، و يُصرِّحَ به(9)فيما لَم يُعاجَلْ قاتلُه و ظالمُه منهم؛ بأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لَم يَنصُرْه؛ بَل(10)خَذَلَه و أسلَمَه(11). و لا فَرقَ بَينَ الكُلِّ و البعضِ في ذلك، و أنّ التصريحَ به خُروجٌ عن الإسلامِ‌.

علىٰ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لَم يَستأصِلْ مَن ظَلَمَ خَيرَ أنبيائه و أشرَفَ رُسُلِه مُحمَّداً صَلَّى


1) . في «س، ص»: «وجوده». و في المطبوع: «و وجود».

2) . في «س، ص» و المطبوع: «هو حلّ‌» بدل «عوجل».

3) . في «أ، ج، س، ص» و المطبوع: «يقتضيه».

4) . في «س، ص» و المطبوع: + «في».

5) . في «ب، س» و حاشية «أ» و المطبوع: «من». و في «ج، ص» على الوجهين.

6) . في «أ، س، ص» و المطبوع: «تقدّم».

7) . أي تقديمه علىٰ عقاب يوم القيامة.

8) . في «س، ص» و المطبوع: «دواعيهم» بدون واو العطف.

9) . في «س، ص» و المطبوع: «بهم».

10) . في «س» و المطبوع: - «لم ينصره؛ بل». و في «ص»: - «لم ينصره».

11) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «أو سلّمه» بدل «و أسلمه».

اللّٰهُ عليه و آلِه، فيَجِبُ أن يَكونَ تَعالىٰ قد خَذَلَه و لَم يَنصُرْه، و أسلَمَه و لَم يَمنَعْ منه؛ و إطلاقُ ذلكَ مِن أقبَحِ الكُفرِ و أعظَمِ الفِريةِ علَى اللّٰهِ جَلَّ اسمُه.

فبانَ بما ذَكرناه: أنّ ما سَألَ عنه غيرُ مُتوَجِّهٍ إلَى الشيعةِ‌، و لا(1)يَختَصُّ بأئمّتِهم(2)، بَل هو سؤالُ المُلحِدةِ و البَراهِمةِ لِكُلِّ مَن أقَرَّ بالرُّبوبيّةِ و صَدَّقَ بالنُّبوّةِ و الرِّسالةِ‌؛ و هذه عادةُ مَن خالَفَهم(3)في استعارةِ ما يَسألُ عنه المُلحِدةُ و مَن فارَقَ الإسلامَ و المِلّةَ‌، إذا أرادوا سؤالَهم.

فإن قالَ قائلٌ‌: فلِمَ لَم يُعاجِلْ بالعِقابِ مَن قَتَلَ أئمّتَكم و عِترةَ نَبيِّكم أو بعضَهم(4)، كما عاجَلَ مَن تَقدَّمَ؟

قيلَ له: هذا أيضاً سؤالٌ لا يَتوَجَّهُ إلَى الشيعةِ دونَ مَن خالَفَهم مِن فِرَقِ الأُمّةِ‌؛ لأنّ رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد ظُلِمَ بأنواعِ الظُّلمِ‌؛ مِن إخافةٍ‌، و سَبٍّ‌، و حَصرٍ، و قَتلِ أقارِبِه، و التنكيلِ بعَمِّه حَمزةَ عليه السلامُ بَعدَ القَتلِ‌، و ما لَحِقَه(5)في نفسِه مِن إدماءِ جَبينِه و كَسرِ رَباعِيَتِه، إلىٰ غيرِ ذلكَ مِن الأُمورِ التي جَرَت عليه و علىٰ أقارِبِه و أصحابِه؛ و لَم يُعاجَلْ أحَدٌ ممّن نالَ منه و(6)منهم بالعِقابِ‌.

و قد عوجِلَ عاقِرُ ناقةِ صالحٍ مع أنّ قَدرَها و قَدرَ كُلِّ حَيَوانٍ غيرِ مُكلَّفٍ لا يُوازِنُ عندَ اللّٰهِ قَدرَ أقَلِّ المؤمنينَ ثَواباً.

فأيُّ جوابٍ أجابَ به جميعُ المُسلِمينَ - عمّا نالَ رسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه


1) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: - «لا».

2) . في «س، ص» و المطبوع: «بأعينهم».

3) . أي مَن خالف الشيعة.

4) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: - «أو بعضهم».

5) . في «ب»: «يحقّه». و في «س، ص» و المطبوع: «تخصّه».

6) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: - «ممّن نال منه و».

و آلِه، و نالَ أقاربَه و أصحابَه، و لَم يُعاجَلْ مَن نالَ منه و منهم - فهو جوابُ الشيعةِ عن سؤالِ مَن يَسألُهم عن أئمّتِهم و عِترةِ نَبيِّهم(1)و ما نالَهم مِن القَتلِ و الظُّلمِ‌.

فإن قالَ‌: فما الجوابُ لِمَن يَسألُ عمّا نالَ رسولَ اللّٰهِ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و أقارِبَه و أصحابَه، و ما نالَ خُلَفاءَه مِن بَعدِه و عِترتَه‌؟ و أينَ‌(2)المُعاجَلةُ بالعِقابِ؟

قيلَ له: الجوابُ عن ذلكَ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ خَصَّ نَبيَّنا بأُمورٍ شَرَّفَه بها و كَرَّمَه علىٰ سائرِ مَن تَقدَّمَ مِن الأنبياءِ و الرُّسُلِ‌؛ مِن جُملتِها أمانُ أُمّتِه إلىٰ قيامِ الساعةِ مِن المُعاجَلةِ بالهَلاكِ و العِقابِ‌. و هذا معلومٌ مِن دعوتِه، كما يُعلَمُ‌(3)إكرامُه بِالشَّفاعةِ‌، و الحَوضِ‌، و المَقامِ المحمودِ، و اللِّواءِ‌، و أنّه أوّلُ مَن تَنشَقُّ عنه الأرضُ‌، و تأبيدِ(4)شَرعِه، و رَفعِ النُّبوّةِ بَعدَه.

و بمِثلِ هذا أُجيبَ ابنُ الراوَنديِّ‌(5)

راجع للمزيد: معاهد التنصيص، ج 1، ص 155؛ الشافي، ج 1، ص 38 و 82 و 83-98 و 310؛ و ج 2، ص 108 و 119 و 120 و 143 و 178 و 182 و 257؛ و ج 4، ص 112؛ المنتظم لابن الجوزي، ج 6، ص 59؛ الأعلام للزركلي، ج 1، ص 267.

و غيرُه مِن المُلحِدةِ - خَذَلَهم اللّٰهُ - لمّا سَألوا

1) . في «س، ص» و المطبوع: «و قرّة عينهم».

2) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «و هي».

3) . في «س» و المطبوع: «نعلم».

4) . في «أ، ب، ج، ص»: «و تأييد».

5) . هو أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين الراوندي، المعروف بابن الراوندي، متكلّم معاصر للجاحظ، و منسوب إلى «راوند» من توابع أصبهان. له من الكتب مائة و أربعة عشر كتاباً، منها كتاب فضيحة المعتزلة، أشار إليه المصنّف رحمه اللّٰه في الشافي، ج 1، ص 38، و كأنّه أراد مناقضة كتاب معاصره الجاحظ «فضيلة المعتزلة». قال ابن خلّكان: «له مجالس و مناظرات مع جماعة من علماء الكلام، و قد انفرد بمذاهب نقلوها عنه في كتبهم». و اتّهمه بالزندقة و الإلحاد جماعة، منهم: ابن كثير، و ابن حجر العسقلاني، و ابن الجوزي و غيرهم؛ و قد نقل المصنّف رحمه اللّٰه بعض آرائه في كتابه الشافي أيضاً، و ذكر له كتاباً في الإمامة. و نقل عن الجبّائي أنّه وضع كتاباً في قدم العالم و نفي الصنائع و تصحيح مذهب الدهر و الردّ على مذهب أهل التوحيد، و كتاباً في الطعن على نبوّة النبيّ محمّد صلّى اللّٰه عليه و آله. توفّي سنة 245 أو 250 ه‍.

عن قولِه تَعالىٰ‌: «وَ مٰا مَنَعَنٰا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيٰاتِ إِلاّٰ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اَلْأَوَّلُونَ‌» (1)، فالآياتُ هاهُنا الأعلامُ و المُعجِزاتُ‌.

قالوا: و هذا القولُ يُنبئُ عن المُناقَضةِ أو السَّهوِ؛ لأنّ تكذيبَ مَن تَقدَّمَ لا يَمنَعُ مِن قيامِ الحُجّةِ علينا و الإزاحةِ لِعِلَّتِنا(2)، فكَيفَ يُعلَّلُ المَنعُ‌(3)لنا ممّا(4)يُحَسِّنُ‌(5)تَكليفَنا(6)بأنّ غيرَنا كَذَّبَ و لَم يُصَدِّقْ‌، و خالَفَ و لَم يُجِبْ؟ هذا(7)بَعيدٌ مِن القولِ‌.

علىٰ أنّه قد ادُّعيَ ظُهورُ الأعلامِ عليه و فِعلُ المُعجِزاتِ علىٰ يَدِه، كالقُرآنِ‌، و غيرِه مِن مَجيءِ الشجَرةِ‌، و تسبيحِ الحَصىٰ‌، و حَنينِ الجِذعِ‌، و إطعامِ الخَلقِ الكَثيرِ حتّىٰ شَبِعوا و سَقيِهم حتَّى ارتَوَوا مِن القَليلِ مِن الطَّعام و اليَسيرِ مِن الشَّرابِ‌؛ فلِمَ‌(8)لَم يَمنَعْ تكذيبُ الأوّلينَ إظهارَ ما ادَّعاه مِن الأعلامِ و المُعجِزاتِ؟

قيلَ لهم: الأعلامُ التي تَظهَرُ علىٰ أيدي الأنبياءِ و الرُّسُلِ تَنقَسِمُ‌(9)إلىٰ‌(10):


1) . الإسراء (17):59.

2) . في «ب»: «لعللنا». و في «س، ص» و المطبوع: «لعلمنا».

3) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «بالمنع».

4) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «بما».

5) . في «ب»: «تحسّن». و في «ج، س، ص» و المطبوع: «يخش».

6) . في «ج»: «و نكلّفنا». و في «س» و المطبوع: «و تكلّفتا». و في «ص»: «و تكلّفنا».

7) . في «س، ص» و المطبوع: «و هذا».

8) . في «ص» و المطبوع: «فلو».

9) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «ينقسم».

10) . في «س، ص» و المطبوع: «علىٰ‌».

[1.] ما يُظهِرُه(1)اللّٰهُ تَعالىٰ للدَّلالةِ علىٰ صدقِهم حَسَبَ ما تَقتَضيهِ‌(2)الحِكمةُ و المَصلَحةُ و توجِبُه(3)إزاحةُ العِلّةِ‌، كسائرِ الأدلّةِ التي نَصَبَها للتمَكُّنِ‌(4)مِن النظَرِ فيها. فالمُخالِفُ لها و العادلُ‌(5)عن النظَرِ و الِاستدلالِ بها مُتَواعَدٌ(6)بعِقابِ الآخِرةِ و عَذابِ يَومِ الجَزاءِ‌، علىٰ ما توجِبُه(7)شُروطُ(8)التكليفِ‌.

[2.] و إلىٰ‌(9)ما تَقتَرِحُه الأُمَمُ و تَعبَثُ في طَلَبِه(10)ممّن(11)بُعِثَ إليهم، بَعدَ إظهارِ ما تَقتَضيهِ‌(12)الحِكمةُ و توجِبُه المَصلَحةُ مِن إزاحةِ العِلّةِ‌؛ فحُكمُ اللّٰهِ‌(13)تَعالىٰ في التكذيبِ بها بَعدَ إظهارِها و العُدولِ عن تصديقِها المُعاجَلةُ ببَعضِ ما يُستَحَقُّ مِن(14)العِقابِ‌.

فكانَ تقديرُ الكلامِ‌: و ما مَنَعَنا أن نُرسِلَ بالآياتِ المُقتَرَحةِ إلّاأن كَذَّبَ بها


1) . في «س» و المطبوع: «يظهرها». و في «ص»: «يظهر».

2) . في «أ، ج، س، ص»: «يقتضيه».

3) . في «ب، ج، س، ص»: «و يوجبه».

4) . في «أ»: «و التمكّن». و في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «و التمكين». و ما أثبتناه هو الصحيح المطابق لنسخة مكتبة الإمام الحكيم.

5) . في «س، ص» و المطبوع: «و المعادل».

6) . في «ب، ج»: «مُواعَد». و الصحيح: «مُتوعَّد».

7) . في «أ، ب، ج»: «يوجبه». و ما أثبتناه هو الصحيح المطابق لنسخة مكتبة الإمام الحكيم.

8) . من قوله: «النظر و الاستدلال بها...» إلىٰ هنا ساقط من «س، ص» و المطبوع.

9) . في «س» و المطبوع: «إلى» بدون واو العطف.

10) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: - «و تعبث في طلبه».

11) . في «س، ص» و المطبوع: «عمّن».

12) . في «أ، ج، ص»: «يقتضيه».

13) . في المطبوع: + «و».

14) . في «س، ص» و المطبوع: «عن».

الأوّلونَ‌، فاستأصَلناهم(1)بتعجيلِ بعضِ ما يَستَحِقّونَه مِن العِقابِ‌. و قد وَعَدنا رسولَنا و شَرَّفناه(2)بأمورٍ؛ لا(3)منها أن(4)نَستأصِلَ‌(5)أُمّتَه، و لا نُعاجِلَها(6)بالعِقابِ‌.

و قد ذَكَرَ اللّٰهُ تَعالىٰ ما اقتُرِحَ علىٰ رسولِه، فقالَ‌: «وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ اَلْأَنْهٰارَ خِلاٰلَهٰا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ اَلسَّمٰاءَ كَمٰا زَعَمْتَ عَلَيْنٰا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّٰهِ وَ اَلْمَلاٰئِكَةِ قَبِيلاً - إلي قوله: - قُلْ سُبْحٰانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّٰ بَشَراً رَسُولاً» (7).

[الجواب الثاني]

فإن قالَ‌: قد بَيَّنتُم(8)الجوابَ لِمَن وافَقَكم في الإقرارِ بالصانعِ و التصديقِ بِالنُّبوّةِ‌(9)فما الجوابُ للمُلحِدةِ و البَراهِمةِ؟

قيلَ له: الجوابُ لهم: أنّ التمكينَ يُعتَبَرُ فيه قَصدُ المُمَكِّنِ و غرضُه، دونَ ما يَصلُحُ له ما مَكَّنَه(10)به مِن الأفعالِ‌.

يُبيِّنُ ذلكَ‌: أنّه لَو لَم يُعتَبَرْ فيه ما ذَكرناه(11)لَم نَجِدْ في العالَمِ مُمَكِّناً مِن قَتلِ‌


1) . في «س، ص» و المطبوع: - «فاستأصلناهم».

2) . في «أ»: «و سرفنا». و في «س» و المطبوع: «و شرّفنا».

3) . في «ص» و المطبوع: - «لا».

4) . كذا، و الأنسب: «منها أن لا».

5) . في «أ»: «لا يستأصل» بدل «لا منها أن نستأصل». و في المطبوع: «تستأصل» بدل «نستأصل».

6) . في «أ»: «و لا يعاجلها». و في المطبوع: «و لا تعاجلها».

7) . الإسراء (17):90-93.

8) . في «س، ص» و المطبوع: «قدّمتم» بدل «قد بيّنتم».

9) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «للنبوّة».

10) . في «أ»: - «به». و الصحيح: «ما مَكَّنَ به» كما سوف يأتي.

11) . في «س، ص» و المطبوع: «ما ذكرنا».

عَدوِّه دونَ نفسِه و وليِّه؛ لأنّه لا شَيءَ يُمَكِّنُ‌(1)به - مِن سِلاحٍ و جُندٍ و سائِرِ ما(2)يَقوىٰ به - إلّاو هو(3)يَصلُحُ لقَتلِه و قَتلِ وليِّه، كما يَصلُحُ لِقَتلِ عدوِّه.

و كذلكَ الحالُ فيما يُمَكِّنُ‌(4)به مِن طاعتِه و امتثالِ أوامرِه مِن الأموالِ و الآلاتِ‌، في أنّه(5)يَصلُحُ لمَعصيتِه و ارتكابِ ما نَهىٰ عنه، كما يَصلُحُ لطاعتِه و امتثالِ أوامرِه(6).

و في عِلمِنا بأنّ المُمَكِّنَ مِنّا قد يَكونُ مُمَكِّناً مِن عدوِّه دونَ نفسِه و وليِّه، و مِن(7)طاعتِه دونَ معصيتِه، و أنّ الجاحِدَ لذلكَ مُتَجاهِلٌ دافعٌ لِما يُعلَمُ بالِاضطرارِ، دَلالةٌ علىٰ وجوبِ اعتبارِ قَصدِ المُمَكِّنِ و غرضِه، دونَ ما يَصلُحُ له ما مَكَّنَ به.

و إذا ثَبَتَ هذا وَجَبَ اعتبارُ حالِ المُمَكِّنِ‌؛ فإن كانَ قَصدُه(8)بما مَكَّنَ و غرضُه(9)الحَسَنَ دونَ القبيحِ‌، قيلَ‌: «إنّه(10)مَكَّنَ مِن الحَسَنِ دونَ القَبيحِ‌»، و إن كانَ ما مَكَّنَ به يَصلُحُ لِلقَبيحِ‌(11). و كذلكَ إن كانَ قَصدُه بما مَكَّنَ و غرضُه القَبيحَ دونَ الحَسَنِ قيلَ‌(12): «إنّه مَكَّنَ مِن القَبيحِ دونَ الحَسَنِ‌»، و إن كانَ‌(13)ما مَكَّنَ به يَصلُحُ للحَسَنِ‌.


1) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «يتمكّن».

2) . في المطبوع: «و سائرها» بدل «و سائر ما».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «هو» بدون واو العطف.

4) . في «ب، ج، ص»: «نمكّن». و في «س» و المطبوع: «تمكّن».

5) . في «س، ص» و المطبوع: + «لا».

6) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «أمره».

7) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «من» بدون واو العطف.

8) . في «س، ص» و المطبوع: «قصد».

9) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: - «و غرضه».

10) . في «ب، س» و المطبوع: «له» بدل «إنّه».

11) . في المطبوع: «القبيح».

12) . في «س» و المطبوع: + «له».

13) . في «أ»: «فإن كان». و في «ج، ص»: - «كان».

و متىٰ لَم يُعتَبَرْ هذا الاعتبارُ، خَرَجَ في المعنىٰ و الإطلاقِ عن(1)اللُّغةِ و العُرفِ و المعقولِ‌، و لَزِمَ أن لا يَكونَ في العالَمِ مَن يُطلَقُ عليه: التمكينُ مِن الحَسَنِ دونَ القَبيحِ‌، و الطاعةِ دونَ المَعصيةِ‌، و النُّصرةِ دونَ الخِذلانِ‌؛ و في هذا ما قَدَّمناه مِن التجاهُلِ‌.

و إذا وَجَبَ اعتبارُ القَصدِ و الغرضِ في التمكينِ‌، وَجَبَ الرُّجوعُ إلىٰ حالِ المُمَكِّنِ‌، دونَ الرُّجوعِ إلىٰ حالِ ما مَكَّنَ‌(2)به:

فإن عُلِمَ‌(3)قَصدُ المُمَكِّنِ و غرضُه ضَرورةً اتُّبِعَ الإطلاقُ و الوصفُ بالتمكينِ لِما عُلِمَ‌(4)مِن قَصدِه و غرضِه.

و إن لَم يُعلَمْ ضَرورةً استُدِلَّ بحالِ المُمَكِّنِ و بما(5)يَتبَعُ ما مَكَّنَ به، مِن أمرٍ، و نهيٍ‌، و ترغيبٍ‌، و دُعاءٍ‌، و حَثٍّ‌، و وعدٍ، و وعيدٍ(6)إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا يُنبئُ عن قَصدِه و يوضِحُ عن غرضِه، فَيُتَّبَعُ‌(7)الإطلاقُ و الوصفُ له.

و قد ثَبَتَ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لا قَصْدَ له إلَى القَبيحِ‌، و لا(8)غرضَ له فيه؛ لأنّه عالِمٌ بقُبحِه و بغِناه(9)عنه. و لِمُقارَنةِ الأمرِ و الترغيبِ و الدُّعاءِ و الحَثِّ و التزيينِ‌(10)


1) . في «ج، ص»: «الإطلاق في» بدل «و الإطلاق عن». و في «س» و المطبوع: «من الإطلاق في» بدلها.

2) . في «س، ص» و المطبوع: «تمكّن».

3) . في «ب»: + «من».

4) . من قوله: «قصد الممكّن و غرضه» إلىٰ هنا ساقط من «ج، س، ص» و المطبوع.

5) . في «أ»: «و ربّما» بدل قوله: «اتُّبع الإطلاق» إلى هنا.

6) . في «س، ص» و المطبوع: - «و وعيد».

7) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «و يتّبع».

8) . في «س، ص» و المطبوع: «فلا».

9) . في «أ»: «و بغنائه». و في «س، ص» و المطبوع: «و نفيناه».

10) . في «أ»: «و التوثيق». و في «س» و المطبوع: «و الزجر». و في «ص»: «و الوتر».

و الوَعدِ بالثوابِ للواجباتِ و المُحسَّناتِ‌، و مُقارَنةِ‌(1)النهيِ و التخويفِ و الزَّجرِ و الوَعيدِ للمُقبَّحاتِ‌، عُلِمَ أنّه مُمَكِّنٌ‌(2)مِن الطاعاتِ دونَ المَعاصي(3)، فَوَجَبَ‌(4)إطلاقُ ذلكَ دونَ غيرِه.

فإن قالَ‌(5): فهَلّا مَكَّنَ تَعالىٰ بما يَصلُحُ للطاعةِ دونَ المَعصيةِ‌، و الإيمانِ دونَ الكُفرِ، و الحَسَنِ دونَ القَبيحِ‌(6)؟

قيلَ له: هذا خُلفٌ‌(7)مِن القولِ‌، و تَناقُضٌ في المَعنىٰ‌؛ لأنّ «ما يُمكَّنُ‌(8)به» يَصلُحُ لجميعِ ذلكَ‌، لنفسِه و عَدُوِّه(9). و لأنّه لَو اختَصَّ بالشيءِ دونَ تَركِه و خِلافِه لَكانَ المُمَكَّنُ مطبوعاً، و لَو كانَ مطبوعاً لَم يَصِحَّ الوصفُ لفِعلِه بالحُسنِ و القُبحِ و الطاعةِ و المَعصيةِ و الإيمانِ و الكُفرِ، كما لا يَصِحُّ ذلكَ في إحراقِ النارِ و تبريدِ(10)الثلجِ و هُوِيِّ‌(11)الحَجَرِ و جَرَيانِ الماءِ‌؛ و لَبَطَلَ‌(12)التكليفُ و الأمرُ و النهيُ و المَدحُ و الذمُّ و الثوابُ و العِقابُ‌؛ لأنّ جميعَ هذه الأحكامِ تَثبُتُ‌(13)مع الإيثارِ و التخييرِ(14)،


1) . في «س، ص» و المطبوع: «و لمقارنة».

2) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «مكّن».

3) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «المعصية».

4) . في «ب، ج»: «و وجب». و في «س، ص» و المطبوع: «وجب» بدون الفاء.

5) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «قيل».

6) . في «س» و المطبوع: «القبح».

7) . الخلف بالضمّ‌: المحال الذي ينافي المنطق و يخالف المعقول. و بالفتح: الرديء من القول. المعجم الوسيط، ص 251.

8) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «ما مكّن».

9) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «وعيد» بدل «و عدوّه».

10) . في «س» و المطبوع: «و برد». و في «ص»: «و يزيد».

11) . في «س» و المطبوع: «و هدّ». و في «ص»: «و هو».

12) . في «ب، ج، س، ص»: «لبطل» بدون واو العطف. و في المطبوع وُضعت الواو بين معقوفين.

13) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «يثبت».

14) . في «ب، س» و المطبوع: «و التخيّر». و في «ج»: «و التحيّر». و في «ص»: «و البحر».

و تَرتَفِعُ مع الطَّبعِ و الخِلقةِ و زَوالِ المِحنةِ‌(1). فلا بُدَّ - علىٰ هذا - مِن تَعلُّقِ التمكينِ بالفِعلِ و تَركِه، و خِلافِه و ضِدِّه؛ لِيَصِحَّ الإيثارُ و التخييرُ(2)، و يُطابِقُ ما يَقتَضيهِ الحُكمُ‌(3)مِن حُسنِ التكليفِ‌، و تَوَجُّهِ المَدحِ و الثوابِ إلَى المُطيعِ‌، و استحقاقِه لهما، و تَوَجُّهِ الذمِّ و العِقابِ إلَى العاصي، و استحقاقِه لهما(4).

فهذا(5)الجوابُ عن التمكينِ‌، و قد بانَ به أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لَم يُمكِّنْ مِن قتلِ أنبيائه و رُسُلِه و خُلَفائهم و المؤمنينَ مِن أُمَمِهم؛ لأنّه - جَلَّ اسمُه - نَهىٰ عن ذلكَ‌، و زَجَرَ عنه، و تَواعَدَ عليه بأليمِ العِقابِ‌، و أمَرَ(6)باتِّباعِهم و طاعتِهم و الانقيادِ(7)لهم و الذبِّ عنهم، و رَغَّبَ‌(8)فيه، و دَعا إليه، و وَعَدَ عليه بجَزيلِ الثوابِ‌.

فأمّا المَنعُ عنهم و النُّصرةُ لهم، فالمَنعُ و النُّصرةُ‌(9)يَنقَسِمُ‌(10)أيضاً:

[1.] إلىٰ مَنعٍ و نُصرةٍ يَزولُ معه(11)التكليفُ و الأمرُ و النهيُ و الترغيبُ و الزجرُ و الثوابُ و العِقابُ‌. و هو ما أدّىٰ إلَى الإلجاءِ‌، و يُنافي التخييرَ(12)و الإيثارَ. فهذا


1) . في «أ» الكلمة غير واضحة. و في «ب، س، ص» و المطبوع: «التخيّر». و في «ج»: «التحيّر». و ما أثبتناه من نسخة مكتبة الإمام الحكيم.

2) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «و التخيّر». 3. «الحكم» هنا بمعنى «الحكمة».

3)

4) . في «س، ص» و المطبوع: - «و توجّه الذمّ و العقاب إلى العاصي، و استحقاقه لهما».

5) . في «أ»: «هذا». و في «س، ص» و المطبوع: «فهو».

6) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «و أمرنا».

7) . في «س، ص»: «الانقياد» بدون واو العطف. و في المطبوع وُضعت الواو بين معقوفين.

8) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: «فرغّب».

9) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: - «فالمنع و النصرة».

10) . في «ب، ج»: «تنقسم». و في «س، ص» و المطبوع: «تسقم».

11) . في «أ، ب، س، ص» و المطبوع: «معها».

12) . في «ب» و المطبوع: «التخيّر». و في «ج، س، ص»: «التحيّر».

الضربُ مِن المَنعِ و النُّصرةِ لا يَجوزُ أن يَفعَلَه تَعالىٰ مع التكليفِ‌؛ لِمُنافاتِه للحِكمةِ‌(1)، و مُبايَنتِه لِما تَقتَضيهِ المَصلَحةُ و حُسنُ التدبيرِ.

[2.] و إلىٰ مَنعٍ و نُصرةٍ يُلائمُ التكليفَ و الأمرَ و النهيَ و الترغيبَ و الزجرَ و الثوابَ و العِقابَ‌، و يَثبُتُ معه التخييرُ(2)و الإيثارُ، و هو النُّصرةُ بإقامةِ الأدِلّةِ و نَصبِ البَراهينِ‌، و الأمرِ بنُصرتِهم و الجِهادِ دونَهم و الطاعةِ لهم و الذبِّ عنهم، و المَنعِ بالنهيِ عن مُخالَفتِهم و المُوالاةِ لأعدائهِم. و هذا ممّا قد فَعَلَ اللّٰهُ تَعالىٰ منه الغايةَ التي لا يَبلُغُها تَمَنٍّ‌(3)، و لا يُدرِكُها طَلَبٌ‌.

في بيان الوجه في دعاء الأئمّة علىٰ مَن ظلمهم

فإن قالَ‌: فقَد ظَهَرَ مِن أئمّتِكم الدُّعاءُ علىٰ مَن ظَلَمَهم و غَصَبَهم(4)حَقَّهم و جَحَدَهم مَقامَهم، و نالَ منهم بالقَتلِ و الأَذىٰ‌؛ فلِمَ لَم(5)يَستَجِبِ اللّٰهُ‌(6)لهم و لَم يَسمَعْ دُعاءَهم، و في ذلكَ وَهنٌ لهم(7)، و حَطٌّ مِن قَدرِهم، و تنفيرٌ عنهم‌؟

قيلَ له: لَيسَ الأمرُ كما ظَنَنتَ في دُعائهم؛ لأنّهم(8)عليهم السلامُ لَو اجتَهَدوا في الدُّعاءِ و الطلَبِ و سَألوا اللّٰهَ تَعالىٰ هَلاكَ الأرضِ و مَن عليها لَأُجيبوا، بَل كانوا عليهم السلامُ عارفينَ بالدُّنيا و صِغَرِ قَدرِها بالإضافةِ إلىٰ ما أعَدَّ اللّٰهُ لهم في


1) . في «ج، س، ص» و المطبوع: «الحكمة» بدون اللام.

2) . في «ب، ج»: «التخيّر».

3) . في «أ، ص» الكلمة غير واضحة. و في «ب، ج»: «ثمن». و استُظهر في حاشية «س»: «شيء».

4) . في «س» و المطبوع: «و غصب».

5) . في «ب، ج، س، ص» و المطبوع: - «لم».

6) . من هنا إلىٰ آخر المسألة، بمقدار صفحتين، قد سقط من «ب».

7) . في «أ»: «عليهم». و في نسخة مكتبة الإمام الحكيم: «عظيم»؛ و يبدو أنّه أقرب إلى الصواب.

8) . في «س، ص» و المطبوع: - «لأنّهم».

الآخِرةِ‌، فلَم يَكُن لها عندَهم مَحَلٌّ‌، و لا لِشَيءٍ‌(1)منها في أنفُسِهم(2)وزنٌ‌.

و كَيفَ لا يَكونونَ‌(3)كذلكَ؟ مع عِلمِهم باللّٰهِ جَّلَ اسمُه و ما أعَدَّ لأوليائه مِن الثوابِ و لأعدائه مِن العِقابِ‌، و أنّهم مِن أشرَفِ أوليائه الذينَ اجتَباهم و اصطَفاهم، و جَعَلَهم الواسطةَ بَينَه و بَينَ خَلقِه، و الأُمَناءَ عليهم، و الحُفَّاظَ لدينِهم؛ فهُم القُدوةُ‌، و إليهم المَفزَعُ مِن سائرِ البَشَرِ، و أنّ أعداءَهم أعداءُ اللّٰهِ الذينَ لَعَنَهم و غَضِبَ عليهم و أَعَدَّ لهم أَعظَمَ العِقابِ و أَشَدَّ العَذابِ‌.

فقُلوبُهم مَملُوَّةٌ بالمَعرفةِ لخالقِهم، و ما يُقرِّبُ إليه و يُزلِفُ لَدَيه؛ مِن الطاعةِ له، و الخَوفِ مِن مُخالَفتِه، و القيامِ بعِباداتِه؛ لَيسَ لِسِوىٰ‌(4)ذلكَ فيها مكانٌ‌، و لا لغَيرِ ما يُثمِرُ الفَوزَ و النجاةَ عليها مَجالٌ‌. و لذلكَ وَجَبَ الحُكمُ بعِصمتِهم و نَزاهتِهم و طَهارتِهم، حتّىٰ قالَ تَعالىٰ فيهم: «وَ لَقَدِ اِخْتَرْنٰاهُمْ عَلىٰ عِلْمٍ عَلَى اَلْعٰالَمِينَ‌» (5).

فإذا ثَبَتَ هذا مِن حالِهم، كانَ الدُّعاءُ منهم يَحتَمِلُ أُموراً:

منها: تعليمُ أُمَمِهم و رَعاياهم كَيفَ يَدعونَ و يَسألونَ إذا نابَتهُم النوائبُ و نَزَلَت بِهم الشدائدُ، و لا يَقصِدونَ بذلكَ سِوىٰ تعليمِهم و البيانِ لهم.

و منها: الِانقطاعُ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ و الخُضوعُ له؛(6)كما يَنقَطِعُ إليه «مَن لا يَستَحِقُّ العِقابَ‌» بالتوبةِ و الِاستغفارِ و يَخضَعُ له بذلكَ‌. و كالدُّعاءِ للّٰهِ تَعالىٰ بأن يَحكُمَ‌


1) . في «س، ص» و المطبوع: «بشيء».

2) . في «ج، س، ص»: «نفوسهم». و في المطبوع: «نفوسم»؛ بإغفال الهاء.

3) . في «ج، س، ص» و المطبوع: «لا يكونوا».

4) . في «ج، س، ص» و المطبوع: «سوىٰ‌» بدون اللام.

5) . الدخان (44):32.

6) . راجع: الذخيرة، ص 605.

بالحَقِّ‌، و إن لَم يَكُن فِعلُه له(1)لِمَكانِ اليقينِ أنّه لا يَحكُمُ إلّابالحَقِّ و القَطعِ عليه، كما لا تَحسُنُ المَسألةُ له بأن يُطلِعَ الشمسَ و يُغرِبَها؛ لِمَكانِ العِلمِ بذلكَ و القَطعِ عليه.

و منها: المَسألةُ لأتباعِهم و شيعتِهم إذا اقتَضَت الحِكمةُ المَسألةَ‌(2)لهم، و تَعلَّقَ كَونُ ما يُفعَلُ لهم(3)صَلاحاً إذا فُعِلَ لأجلِ المَسألةِ و الدُّعاءِ‌، و متىٰ لَم تَكُن المَسألةُ و الدُّعاءُ لَم يَكُن فِعلُه صَلاحاً.

و هذا وجهٌ صحيحٌ في الألطافِ و المَصالِحِ‌، و بذلكَ وَرَدَت الروايةُ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في سَعةِ الرزقِ عندَ الدُّعاءِ‌، و طولِ العُمُرِ عندَ البِرِّ للوالدَينِ‌، و دَفعِ البَلاءِ عندَ الصدَقةِ‌، إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا تَكونُ المَصلَحةُ فيه مشروطةً بتقديمِ غيرِه عليه؛ كقَولِه عليه السلامُ‌: «حَصِّنوا أموالَكم بِالزكاةِ‌(4)، و داووا مَرضاكُم(5)بالصدَقةِ‌، و رُدّوا نائبةَ‌(6)البَلاءِ بالدُّعاءِ و الاستغفارِ(7)و التوبةِ‌»(8).

فوَجَبَ‌(9)حَملُ ما ظَهَرَ منهم مِن الدُّعاءِ علىٰ هذه الوجوهِ‌، دونَ المَسألةِ لهم فيما يَتعلَّقُ بأُمورِ الدُّنيا و الطلَبِ لمَنافِعِها و دَفعِ مَضارِّها فيما يَرجِعُ إليهم(10)خاصّةً‌؛ إذ لا قَدرَ لها عندَهم، و لا وزنَ لها في نُفوسِهم، علىٰ ما بيّنّاه.


1) . في «أ» الكلمة غير واضحة. و في «ج، س، ص» و المطبوع: «مثله» بدل «فعله له». و ما أثبتناه من نسخة مكتبة الإمام الحكيم. و المعنىٰ‌: و إن لم يكن الحكم بالحقّ لأجل الدعاء.

2) . في «ج، س، ص» و المطبوع: «و المسألة».

3) . في «ج، س، ص» و المطبوع: «بهم».

4) . في «س، ص» و المطبوع: - «بالزكاة».

5) . في «س، ص» و المطبوع: «أمراضكم».

6) . في «ج، س، ص» و المطبوع: «و ردّ» بدل «و ردّوا نائبة».

7) . في «ج، ص»: + «نائبة». و في «س» و المطبوع: + «ثابتة».

8) . دعائم الإسلام، ج 1، ص 240؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 361؛ كنز العمّال، ج 15، ص 844، ح 43354 (مع اختلاف في الفقرة الأخيرة من الحديث).

9) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «وجب». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً لنسخة مكتبة الإمام الحكيم.

10) . في «ج، س، ص» و المطبوع: «إليه». و استُظهر في هامش المطبوع كونُ اللفظِ: «إليها».

فإن قالَ‌: فإذا لَم يَتضمَّنْ دُعاؤهم المَسألةَ و الطلَبَ‌(1)، فما معنَى الوصفِ له بأنّه «مُستَجابٌ‌»(2)، و لهم بأنّهم «مُستَجابو الدُّعاءِ‌»؟

قيلَ له: عن ذلكَ أجوِبةٌ‌:

أحَدُها: أنّا قد بيّنّا أنّ مِن دُعائهم ما هو مَسألةٌ و طَلَبٌ لِما يَتعلَّقُ بمَصالِحِ أتباعِهم و تدبيرِ شيعتِهم، و إن لَم تَكُن مَسألةً و طَلَباً فيما يَرجِعُ إليهم، فلأجلِ دُعائهم فُعِلَ ما سَأَلوا، و أُوجِدَ ما طَلَبوا.

و ثانيها: أنّهم - صَلَواتُ اللّٰهِ عليهم(3)- قد يَتضمَّنُ دعاؤهم المَسألةَ و الطَلَبَ لثَوابِ الآخِرةِ و عُلُوِّ المَنازِلِ فيها، فالإجابةُ واقعةٌ بإعطاءِ ما سَأَلوا و تَوقُّعِ ما طَلَبوا.

و ثالثُها: أنّ ما لَم يَكُن مِن دُعائهم مَسألةً و طَلَباً، فإنّ‌(4)الإجابةَ له الإثابةُ‌(5)عليه؛ لِمكانِ الِانقطاعِ و الخُضوعِ و التعليمِ و الأداءِ‌.

فلمّا كانَ مُثمِراً لغايةِ المَنافعِ و أجَلِّها كانَ مُستَجاباً؛ لأنّ معنَى الإجابةِ حصولُ النفعِ أو دفعُ‌(6)الضَررِ لأجلِ الدُّعاءِ‌.

فقَد ثَبَتَ بهذه الوجوهِ الجوابُ عمّا تَضمَّنَه السؤالُ و الزياداتُ فيه. و الحمدُ للّٰهِ رَبِّ العالَمينَ‌.


1) . في «س» و المطبوع: «و الوصف».

2) . في «س» و المطبوع: «يستجاب». و في «ص»: «تسبيحات».

3) . من قوله: «فعل ما سألوا...» إلىٰ هنا ساقط من «س، ص» و المطبوع، إلّاأنّ في المطبوع وُضِعَلفظ «و ثانيها» بين معقوفين.

4) . في «ج، س، ص» و المطبوع: «و طلب، و أنّ‌» بدل «و طلباً، فإنّ‌».

5) . في «ج، س، ص» و المطبوع: «الإنابة».

6) . في المطبوع: «و دفع».

(61) مسألةٌ في الجوابِ عن الشُّبُهاتِ الواردةِ في خبرِ الغَديرِ

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

هذه الرسالة هي في الحقيقة آخِر مسألة من مجموعة مسائل وُجّهت إلى الشريف المرتضى، فقد جاء في خاتمتها:

هذه جملٌ كافية في جواب هذه المسائل؛ فمن أراد التفريع و التطويل و التشعيب، فعليه بالكتاب الشافي و ما جرى مجراه من كتبنا في الإمامة و تصانيفنا و أمالينا.

و لا نعلم اسم هذه المجموعة من المسائل، و لا السائل الذي يظهر أنّه لم يكن شخصاً واحداً، بل عدّة أشخاص، كما يظهر من بداية المسألة، حيث قال: «و سألوا أيضاً، فقالوا...».

كما لا نعلم بالدقّة باقي مسائل هذه المجموعة، سوى أنّه يمكن احتمال أن تكون مسألة «علّة مبايعة أمير المؤمنين عليه السلامُ أبا بكر» - و هي إحدى رسائل الشريف المرتضى - واحدةً منها؛ فإنّها تبدأ بنفس البداية، أي قوله: «و سألوا أيضاً، فقالوا...»، كما أنّ بحثها يدور حول الإمامة أيضاً(1).

و الظاهر من خاتمة الرسالة محلّ البحث و التي تقدّمت قبل سطور أنّ هذه المسائل كانت تدور حول الإمامة؛ فقد أحال الشريف المرتضى فيها إلى كتابه الشافي


1) . و هناك رسائل أُخرىٰ من المحتمل أن تكون جزءاً من هذه المجموعة. راجع بهذا الصدد نهاية مقدّمة كتاب المتبقّى من التراث المفقود للشريف المرتضى، ص 16-17.

و ما جرىٰ مجراه من سائر كتبه، و الشافي كما هو معروف تدور أبحاثه حول الإمامة.

محتوى الرسالة و نسبتها إلى المؤلّف

لقد قام السائل - الذي يظهر من سؤاله أنّه من المخالفين - بطرح إشكال، و هو أنّه لو كان حديث الغدير دالاًّ على إمامة أمير المؤمنين عليه السلامُ حقّاً، فلماذا جاء النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في هذا الحديث بألفاظٍ تحتمل أكثر من معنى، أمَا كان يستطيع أن يأتي بعبارة لا لبس فيها، خاصّةً و أنّه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه كان قد بيّن الشريعة كلّها بألفاظ واضحة، فلماذا لم يبيّن الإمامة بألفاظ واضحة أيضاً؟

و أجاب الشريف المرتضى بطريقته المعتادة التي تحتوي على شيء كبير من القوّة و عدم التردّد، حيث أعطى درساً للذين يريدون أن يدخلوا في مجال الجدل و الدفاع عن العقيدة بأن لا ينبهروا بألفاظ المناظرين لهم، فيفقدوا زمام المبادرة، و يخرج الأمر من أيديهم، بل يجب عليهم التركيز على الثوابت، و عدم الابتعاد عنها قيد أنملة، فقد قال في الجواب: إنّ حديث الغدير - خلافاً لما تصوّره السائل - صريح في النصّ على الإمامة، و لا لبس فيه أبداً، و هو لا يَحتمل معنى آخر، و لا يليق أن يُحمل على معنى غير الإمامة.

و لو كان النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد عبّر بأيّ تعبير آخر أوضح من ذلك، لكان يمكن لمن يريد التشبيه و الإشكال أن يحمل كلامه على معنى آخر، فحتّى لو قال:

«أنت الإمام من بعدي، و الخليفة على أُمّتي» لقال المخالف: إنّه قصد بهذا الكلام أنّك تكون خليفة إذا اختارتك الأُمّة، أو ما شاكل ذلك.

و بعد ذلك بيّن الشريف المرتضى دلالة حديث الغدير على الإمامة من خلال الاستدلال بمقدّمة الحديث التي يدلّ عليها قوله تعالى: «اَلنَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‌» (1)، فأخذ النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في البداية إقرار الأُمّة بأنّه أُولى بهم من


1) . الأحزاب (33):6.

أنفسهم، و أقرّوا بذلك، و كان المقصود بتلك الأولويّة أنّه أحقّ بتدبير أُمورهم، و إدارة شؤونهم، و أنّ طاعته واجبة، فعندما قال بعد ذلك مباشرة: «فمن كنتُ مولاه، فعليٌّ مولاه»، دلّ قطعاً على أنّ مراده من الولاية هنا نفس ما جاء في المقدّمة، و لا يمكن حملها على معنى آخر. و هذه طريقة معروفة لدى الأُدباء و العارفين باللغة مِن أنّه إذا عُطفت جملة تحتمل معنيين على جملة لا تحتمل إلّامعنى واحداً، أن يحملوها على معنى الجملة الأُولى دون ما عداه.

و في النهاية تجدر الإشارة إلىٰ أنّ الإرجاع في هذه الرسالة إلىٰ كتاب الشافي يمكن اعتباره قرينة مهمّة علىٰ تصحيح نسبتها إلى الشريف المرتضى.

هذا، و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 249.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26149؛ تقع في الصفحات (64-69) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ل».

2.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (286-288) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

مسألةٌ في الجوابِ عن الشُّبُهاتِ الواردةِ في خبرِ الغَديرِ

اشارة

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌:(1)و سَألوا أيضاً، فقالوا: أنتم تَحتَجّونَ بالنصِّ مِن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(2)على صاحبِكم بما قالَ فيه يومَ الغَديرِ، و لَيسَ في ذلكَ أنّ عَليّاً بَعدي الإمامُ فيكم، و الخليفةُ عليكم. و مَوضِعُ الردِّ عليكم بزَعمِكم فهو(3)حاجةُ‌(4)الكلامِ الواردِ مِن(5)المُفصِحِ المُبينِ عليه السلامُ إلىٰ تَكلُّفِكم(6)له و احتجاجِكم لِيَثبُتَ‌(7)معناه الذي تَدَّعونَه. و لَو كانَ أرادَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بذلكَ اللفظِ الموجِدِ للشُّبهةِ و المُوقِعِ للتأويلِ ما ذَهَبتم إليه، لَكانَ حينَئذٍ أقدَرَ منكم اليومَ علىٰ بلوغِ غايةِ‌(8)الإفصاحِ بالغرضِ المقصودِ و الأمرِ المشهودِ.

و ألّا نَصَّ علَى الخِطابِ نفسِه، كما استَغنَينا - علىٰ زَعمِكم - مع أمرِه و نهيِه عليه


1) . في المطبوع: - «مسألة».

2) . في «س» و المطبوع: - «من النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله».

3) . في «س» و المطبوع: «فهي». و الأنسب: «هو».

4) . هكذا قد تُقرأ الكلمة، و قد تُقرأ: «جاحد». 5. في «س» و المطبوع: «و من».

5)

6) . هكذا قد تُقرأ الكلمة، و قد تُقرأ: «مكلِّفكم». و الأنسب أن يقال: «و الكلام الوارد من الموضع المبين بحاجة إلىٰ تكلّفكم له و احتجاجكم عليه».

7) . في «س» و المطبوع: «لثبت». 8. في «س» و المطبوع: «غلبة».

8)

السلامُ إلىٰ‌(1)إقامةِ‌(2)شَريعةٍ مُكمِّلةٍ لَدَينا، مُتَّهَمةٍ عندَنا بآرائنا و قياسِنا و تأويلِ لُغةٍ و استحسانِ أمرٍ، فيَجيءُ إذَن و(3)نَحنُ مُفتَقِرونَ إلَى الِاجتهادِ، مُضطَرّونَ إلَى الإبانةِ و الإيضاحِ؟ أم تَراه عليه السلامُ قد كانَ أَوضَحَ كُلَّ شَيءٍ مِن أُمورِ الشريعةِ و أحوالِ الدينِ إلّاما يَتعلَّقُ بالإمامةِ - حَسَبَ‌(4)ما تأوَّلتم له مِن النصِّ‌، و جَعَلتم له معنىً و كلاماً إذَن مُستَظهَراً(5)لنفسِه في الاجتهادِ و الأخذِ بسابغِ النظَرِ(6)

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

قالَ الأجَلُّ المرتَضىٰ عَلَمُ الهُدىٰ - قَدَّسَ اللّٰهُ روحَه -: إنّ كلامَه عليه السلامُ في يومِ الغَديرِ تصريحٌ في النصِّ بالإمامةِ‌، و الِاستخلافِ علَى الأُمّةِ‌. و إنّه لا يَحتَمِلُ سِوىٰ هذا المعنى، و لا يَليقُ خِلافُ‌(7)هذا. و إنّه إن حُمِلَ علىٰ غيرِه كانَ خَطَلاً(8)مِن القولِ‌.

[ف‍] ثَبَتَ ما قَصَدناه و اعتَمَدناه، و صارَ(9)مَن ألزَمَنا(10)أن يُعدَلَ عن هذا اللفظِ إلىٰ غيرِه مِن الألفاظِ مُتثبِّطاً(11)في الاقتراحِ مُعنِّناً(12)لأنّ الألفاظَ إذا دَلَّت علىٰ معنىً‌


1) . كذا، و الأنسب: «عن».

2) . في «س»: «اقايد». و في المطبوع: «أقاويل».

3) . في «س» و المطبوع: «إذ» بدل «إذن و».

4) . في «س» و المطبوع: «حيث».

5) . في «س» و المطبوع: «إذا استظهر» بدل «إذن مستظهراً».

6) . في «س» و المطبوع: «بسائع الظنّ‌» بدل «بسابغ النظر». و في حاشية «س»: «بسائغ البطن» بدلها.

7) . في «س» و المطبوع: «بخلاف».

8) . «الخَطَلَ‌»: الكلام الفاسد الكثير المضطرب. راجع: لسان العرب، ج 11، ص 209 (خطل).

9) . في «س» و المطبوع: «فصار».

10) . في «س» و المطبوع: «إلزامنا».

11) . في «س» و المطبوع: «مبسِّطاً». و في «ل» لا توجد نقاط على الحروف. و ثَبَطَهُ عن الشيء، ثَبطاً و ثَبَّطَهُ‌: رَيَّثَهُ و ثَبَّتَهُ‌. و ثَبَّطَهُ على الأمر فتَثَبَّط: وَقَّفَهُ عليه فتوقّف. راجع: لسان العرب، ج 7، ص 267 (ثبط).

12) . في «س» و المطبوع: «معنا». و العَنَن: الباطل من القول، و ما أُخذ بغير حقّ‌. راجع: شمس العلوم، ج 7، ص 4283؛ تاج العروس، ج 18، ص 393 (عنن).

واحدٍ فإنّ المُتكلِّمَ مُخيَّرٌ بَينَها(1)، و لا لَفظَ إلّاو قد يَجوزُ أن تَقَعَ الشُّبهةُ فيه للمُتأمِّلِ‌، و أن لا يوفيَ النظَرَ حقَّه.

ألا تَرىٰ أنّه عليه السلامُ لَو قالَ فيه: «أنتَ الإمامُ مِن بَعدي، و الخليفةُ علىٰ أُمّتي» و ذلكَ أصرَحُ الألفاظِ، جازَ أنَ تَدخُلَ شُبهةٌ علىٰ مُبطِلٍ‌، فيَقولَ‌: إنّه عليه السلامُ إنّما أرادَ بلفظةِ «بَعدي» بَعدَ عُثمانَ‌، أو يَقولَ‌: أنتَ الخليفةُ إنِ اختارَتكَ الأُمّةُ و اجتَمَعَت عليكَ‌.

فإذا قيلَ‌: إنّ هذا خِلافُ ظاهرِ الكلامِ‌.

قُلنا: و كذلكَ حَملُ لفظِ الغَديرِ علىٰ غيرِ النصِّ بالإمامةِ عُدولٌ عن ظاهرِ الكلامِ‌، و سنُبيِّنُ ذلكَ‌.

فأمّا دخولُ الشُّبهةِ في لفظِ خبرِ الغَديرِ، فإنّما أُتيَ فيها مَن دَخَلَت عليه مِن قِلّةِ تَبصُّرِه و قِلّةِ تأمُّلِه، كما دَخَلَت(2)علىٰ قومٍ في قولِه تَعالىٰ‌: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ» (3). في «س» و المطبوع: «في الآخرة لما» بدل «للآخرة كما».(4).

فلا خِلافَ بَينَنا و بَينَ المُعتَزِلةِ في أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ كانَ قادراً علىٰ أن يَقولَ - بَدَلاً مِن هذا اللفظِ الذي دَخَلَت فيه الشُّبهةُ علَى المُخالِفينَ في الرؤيةِ -: «لا يَراه ذَوو الأبصارِ بأبصارِهم في دُنياً ولا آخِرةٍ‌(5)»، حتّىٰ تَزولَ شُبهةُ مَن خالَفَ في «أنّ الإدراكَ غيرُ الرؤيةِ‌، و أنّ نَفيَ إدراكِ الأبصارِ لَيسَ بنَفيٍ لإدراكِ المُبصِرينَ‌»(6)فإنّ الكلامَ لَيسَ بعامٍّ للآخِرةِ كما(6) هو مُتَناوِلٌ للدنيا.


1) . في النسختين و المطبوع: «بينهما»، و هو من سهو القلم.

2) . في «س» و المطبوع: «دخلته».

3) . الأنعام

4) :103.

5) . في «س» و المطبوع: «في الدنيا و الآخرة» بدل «في دنياً و لا آخرةٍ‌».

6) . في «س» و المطبوع: «إدراك البصر» بدل «لإدراك المبصرين».

فإذا قيلَ لنا كُلِّنا(1): كَيفَ عَدَلَ عن(2)اللفظِ الصريحِ إلَى اللفظِ المُحتَمِلِ الذي عُلِمَ دخولُ الشُّبهةِ معه‌؟

لَم يَكُن لنا جوابٌ إلّامِثلَ ما أجَبنا(3)في خبرِ الغَديرِ.

و لَم يَبقَ إلّاأن يُدَلَّ‌(4)علىٰ أنّ خبرَ الغَديرِ يَقتَضي الِاستخلافَ و(5)الإمامةَ‌، مِن غيرِ احتمالٍ لسِواهما(6).

[

تقرير دلالة حديث الغدير على الإمامة

و الذي يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌: أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قَرَّرَ(7)أُمّتَه علىٰ فَرضِ طاعتِه الذي(8)أَوجَبَها اللّٰهُ تَعالىٰ له بقَولِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌: «اَلنَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‌» (9)، و إنّما أرادَ تَعالىٰ أنّه أحَقُّ بتدبيرِهم و تصريفِهم، و أنّ طاعتَه عليهم واجبةٌ‌، فقالَ عليه السلامُ في يَومِ الغَديرِ: «ألَستُ أَولىٰ بِكم مِن أنفُسِكم‌؟» ثُمَّ عَطَفَ علىٰ هذه المُقدِّمةِ بحَرفِ العَطفِ فقالَ‌(10): «فمَن كُنتُ مَولاه فعَليٌّ مَولاه».

فأتىٰ مِن لفظةِ «مَولىٰ‌» بلفظٍ يَحتَمِلُ معنَى(11)المُقدِّمةِ‌(12)، و إن كانَ مُحتَمِلاً لغَيرِها؛


1) . في «س» و المطبوع: - «كلّنا».

2) . في «س» و المطبوع: «تعدل بين» بدل «عدل عن».

3) . في المطبوع: «أجبناه». 4. في «س» و المطبوع: «أن ندلّ‌».

4)

5) . في «س» و المطبوع: «في» بدل واو العطف.

6) . في «س» و المطبوع: «لسواها». 7. في «س» و المطبوع: + «مع».

7)

8) . كذا في النسختين و المطبوع، و الأصحّ الأفصح: «التي».

9) . الأحزاب (33):6.

10) . من قوله: «عليه السلام في يوم الغدير...» إلىٰ هنا ساقط من «س» و المطبوع.

11) . في النسخ: «المعنىٰ‌»، و ما أثبتناه هو الصواب.

12) . في «س» و المطبوع: «المتقدّمة».

لأنّ لفظَ «مَولىٰ‌»(1)يَحتَمِلُ «الأَولىٰ‌»، كما يَحتَمِلُ‌(2)ابنَ العَمِّ‌، و الحَليفَ‌، و الناصِرَ، و الجارَ، و غيرَ ذلكَ‌؛ فقَد نَصَّ جميعُ أهلِ اللُّغةِ علىٰ أنّ لفظةَ «مَولىٰ‌» مُحتَمِلةٌ ل‍ «الأَولىٰ‌» في جميعِ كُتُبِهم، و قد ذَكرنا في «الكتابِ الشافي»(3)مِن الشواهِدِ علىٰ ذلكَ‌، مِن القُرآنِ و السُّنّةِ و كلامِ العَرَبِ و أشعارِها(4)و(5)ما هو مسطورٌ. و الحالُ في احتمالِ هذه اللفظةِ للمعنَى الذي ذَكرناه(6)أشهَرُ مِن أن يَخفىٰ علىٰ مُحصِّلٍ‌.

و مِن شأنِ العَرَبِ‌(7)إذا عَطَفَت علىٰ‌(8)جُملةٍ مُفسِّرةٍ بكلامٍ‌(9)يَحتَمِلُ للمعنَى(10)الأوّلِ كما(11)يَحتَمِلُ غيرَه، أن لا يُريدوا بالكلامِ‌(12)إلّاالمعنَى الأوّلَ دونَ ما عَداه؛ ألا تَرىٰ أنّ أحَدَهم إذا قالَ لجَماعةٍ‌: «أ لَستُم تَعرِفونَ عَبدي زَيداً(13)؟» - و له عَبيدٌ كَثيرةٌ -، ثُمَّ قالَ عاطفاً علىٰ كلامِه: «فاشهَدوا أنّني قد أعتَقتُ عَبدي»، أو «وَهَبتُه لفُلانٍ‌»، لَم يَجُزْ أن يُحمَلَ‌(14)لفظةُ «عَبدي» [ال‍] ثاني المُحتَمِلُ إلّاعلَى العَبدِ الأوّلِ الذي وَقَعَ‌


1) . في المطبوع: «المولىٰ‌».

2) . في «س» و المطبوع: «و» بدل «كما يحتمل».

3) . راجع: الشافي في الإمامة، ج 2، ص 268 و ما بعدها.

4) . في «س» و المطبوع: «العرب» بدل قوله: «في جميع كتبهم...» إلى هنا.

5) . كذا، و الواو هنا زائدة.

6) . في المطبوع: «ذكرنا».

7) . في «س» و المطبوع: «الأُدباء».

8) . في «س» و المطبوع: - «علىٰ‌».

9) . قوله: «بكلام» متعلّق ب‍ «عطفت».

10) . كذا في النسختين و المطبوع. و الأصحّ الأفصح: «المعنىٰ‌».

11) . في «س» و المطبوع: «و لما» بدل «كما».

12) . في «ل»: «ما الكلام» بدل «بالكلام».

13) . في «س» و المطبوع: «زيد» بدون تنوين النصب، و هو سهو.

14) . في «س، ل»: + «علىٰ‌»، و هو سهو.

التصريحُ به، و مَن حَمَلَه علىٰ سِواه كانَ مُخطئاً عادلاً عن حقيقةِ الكلامِ و مَنعِه(1).

و إذا صَحَّ ما ذَكرنا، و كانَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه قالَ‌: «فمَن كُنتُ أَولىٰ به مِن نفسِه، فعَليٌّ أَولىٰ به مِن نفسِه»، و لا يَكونُ أَولىٰ بنا مِن نُفوسِنا إلّاو طاعتُه واجبةٌ علينا، و لا يَكونُ طاعتُه واجبةً علينا إلّاو هو إمامٌ مُستَخلَفٌ‌.

و لا فَرقَ علىٰ ما ذَكرناه و رَتَّبناه بَينَ أن يَقولَ اللّٰهُ تَعالىٰ‌: «اَلنَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‌» و بَينَ أن يَقولَ‌: «طاعتُه واجبةٌ عليهم». و لا فَرقَ بَينَ أن يَقولَ النبيُّ عليه السلامُ في المُقدِّمةِ‌: «[أ] لَيسَ طاعَتي واجبةً‌(2)عليكم و لازمةً لكم‌؟» و بَينَ أن يَقولَ‌: «أ لَستُ أَولىٰ بِكم مِن أنفُسِكم‌؟»

هذه جُمَلٌ‌(3)كافيةٌ في جوابِ هذه المَسائلِ‌؛ فمَن أرادَ التفريعَ‌(4)و التطويلَ و التشعيبَ‌(5)، فعَلَيه ب‍ «الكتابِ‌(6)الشافي» و ما جَرىٰ مَجراه مِن كُتُبِنا في الإمامةِ و تَصانيفِنا و أَمالينا.

و نَسألُ اللّٰهَ تأييداً و توفيقاً و تسديداً في قولٍ و عملٍ‌؛ فإنّه نِعمَ المَولىٰ و نِعمَ النصيرُ.


1) . في المطبوع: «و وضعه». و المراد بمنعه: أنّ الكلام يمنع من حمل اللفظ الثاني علىٰ غير الأوّل.

2) . من قوله: «عليهم. و لا فرق...» إلىٰ هنا ساقط من «س» و المطبوع.

3) . في المطبوع: «جملة».

4) . في «س» و المطبوع: «التفصيل». و في حاشية «س» صُحِّحَت ب‍ «التصريح».

5) . في «س» و المطبوع: - «و التشعيب».

6) . في «س» و المطبوع: «بكتاب».

(62) مسألةٌ في عِلّةِ مُبايَعةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام أبا بَكرٍ

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

تعتبر هذه الرسالة جزءاً من مجموعة مسائل وجّهها بعض المخالفين إلى الشريف المرتضى للإجابة عليها؛ فإنّها تبدأ بما يلي: «و سألوا أيضاً، فقالوا:...». فقد عُطف السؤال فيها على سؤال آخر قبله، و لا نعلم بالدقّة باقي الأسئلة المطروحة في هذه المجموعة، و قد تكون «مسألة في الجواب عن الشبهات الواردة في خبر الغدير» - و هي إحدى رسائل الشريف المرتضى - واحدةً منها.

محتوى الرسالة و نسبتها إلى المؤلّف

لقد وجّه السائل إشكالين، و هما:

أولاً: عند ما نصّ اللّٰه تعالى على أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة، فإمّا أن يكون عالماً بأنّه قادر على القيام بشؤون الإمامة أو لا، فعلى الأوّل لِمَ لم يقم أمير المؤمنين عليه السلام بما يلزم للحصول على منصب الإمامة من التعريف بنفسه و التذكير بالنصّ؟ و على الثاني - أي إن لم يكن أمير المؤمنين عليه السلام قادراً على القيام بشؤون الإمامة - فسوف يكون تكليفه بذلك تكليفاً بما لا يطاق، و هو قبيح.

و من الواضح أنّ الشريف المرتضى سوف يختار الشقّ الأوّل - و هو أنّه عليه السلام كان قادراً عى القيام بشؤون الإمامة - و عليه فيجب أن يجيب على الإشكال الموجّه في هذا الشقّ‌.

ثانياً: هناك ما يدلّ على عدم وجود النصّ‌، و هو أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد بايع أبا بكر، فلو كان هناك نصّ لَما بايع. فإن قلتم إنّه قد بايع مكرهاً، قلنا: يجب أن تأتوا بدليل على ذلك؛ فإنّ البيعة تدلّ على الرضا.

و أجاب الشريف المرتضى على الإشكالين معاً بما يناسبهما، و ذلك كما يلي:

جواب الإشكال الأوّل:

1.

إنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان قادراً على القيام بشؤون الإمامة كلّها و زيادة، ولكن كان هناك مانع منع من القيام بذلك، و هو أنّهم قد عقدوا الإمامة لغيره، و منعوه منها.

2.

و أمّا سبب عدم تعريفهم و تذكيرهم بحقّه و بالنصّ فهو أنّه وجد عدم الفائدة في ذلك، فإنّ من خالف صريح كلام نبيّه صلّى اللّٰه عليه و آله كيف يمكن أن يرجع إلى الحقّ بتذكير مذكّر و تبصير مبصّر؟

جواب الإشكال الثاني:

1.

إنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يبايع أبا بكر عن رضا و تسليم، و إنّما أظهر الرضا و كفّ عن المنازعة من باب الضرورة و بعد حصول مجموعة من المراجعات و المعاتبات و التهديدات، و كان قبل ذلك قد أظهر السخط و عدم الرضا.

2.

ادّعى السائل أنّ الظاهر من بيعة أمير المؤمنين عليه السلامُ أنّه كان راضياً بذلك، و أنّ الشيعة يدّعون أنّه كان مُكرَهاً على ذلك، فعليهم المجيء بالدليل؛ فإنّ البيعة من أوضح الأدلّة على الرضا، أمّا الإكراه الباطني فهو بحاجة إلى دليل.

و أجاب الشريف المرتضى على ذلك بأن قام بقلب المسألة، و قال: إنّ الأمر بالعكس تماماً، و هو أنّ مدّعي الرضا بالبيعة بحاجة إلى دليل، لا مدّعي الإكراه؛ و ذلك لأنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ أمير المؤمنين عليه السلامُ كان ساخطاً على الوضع القائم، و قد

تأخّر عن البيعة و أظهر الغضب، ثمّ كفّ بعد ذلك عن إظهار المنازعة، فَمَن ادّعى من المخالفين بعد اتّفاقهم معنا على تقدُّم سخطه، أنّه قد رضي بعد ذلك في قلبه، فعليه الدليل. أي أنّ مدّعي الإكراه لا حاجة به إلى دليل كما ادّعى السائل، بل بالعكس، و هو أنّ مدّعي الرضا بحاجة إلى ذلك.

و الذي يدلّ علىٰ أنّه لم يكن راضياً ببيعة أبي بكر هو أنّه قد ثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه نصّ على إمامة أمير المؤمنين عليه السلامُ من بعده، و إذا كان كذلك فلا شكّ أنّه كان كارهاً لعقد الإمامة لغيره.

أضف إلىٰ ذلك، إذا دلّت بيعة أمير المؤمنين عليه السلامُ علىٰ رضاه و صحّة إ مامة أبي بكر، لدلّت بيعة الإمام الحسن عليه السلام لمعاوية علىٰ رضاه و صحّة إ مامته، و كلّ ما يجيب به من يرفض إمامة معاوية - من المعتزلة و غيرهم - أجبنا به في بيعة أبي بكر.

و بهذا انتهىٰ جواب الشريف المرتضى. و هو في هذه الرسالة علّمنا طريقة مهمّة في الجدل و المناظرة، و هي أنّ المجادل يجب أن لا ينبهر بكلام الخصم، فينسى موقفه و مبانيه و أدلّته، و إنّما عليه التمسّك بآرائه و أدلّته، و عدم التزلزل أمام الشبهة، فإنّ الشبهة التي أوردها السائل قد تبدو قويّة في بادئ الأمر، و تكون نتيجتها أنّ من يدّعي الإكراه فعليه الدليل، لكن الشريف المرتضى تمكّن من المحافظة بكلّ رباطة جأش على موقفه و رأيه في المسألة، و انتهى بعد بيان قوي إلى أنّ مدّعي الرضا هو الذي عليه أن يأتي بالدليل، و هذا درس نافع للغاية في مجال الجدل و المناظرة.

و قد أرجع الشريف المرتضى في هذه المسألة إلى كتابَيه الشافي و الذخيرة، و هو يعتبر قرينة داخليّة مهمّة على تصحيح نسبة المسألة إليه.

هذا، و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 241.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26149؛ تقع في الصفحات (59-64) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ل».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (195-196) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (285-286) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

[

مسألةٌ في عِلّةِ مُبايَعةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام أبا بَكرٍ

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

و سَألوا أيضاً فقالوا: لَيسَ يَخلو أن يَكونَ اللّٰهُ تَعالىٰ لمّا أمَرَ بنَصبِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ إماماً قد عَلِمَ أنّه قادرٌ علىٰ ذلكَ‌، أَم لا. فإن كانَ يَعلَمُ أنّه قادرٌ، و لَم يَفعَلْ في ذلكَ ما يَلزَمُه(1)، فحوشِيَ‌(2)عندَنا مِن هذه الحالِ‌. و إن كانَ يَعلَمُ أنّه يَعجِزُ عمّا كَلَّفَه القيامَ به، فقَد كَلَّفَه ما لا قُدرةَ له عليه، و حَمَّلَه ما لا يَحتَمِلُه(3)، و جَشَّمَه(4)

و قال ابن منظور: «أجشَمَني فلانٌ أمراً و جَشَّمَنيهِ‌؛ أي: كلَّفني... و جَشَّمتُه الأمرَ تجشيماً. و تجشّمتُ الأمر و تجسَّمتُه: إذا حملتَ نفسَك عليه». لسان العرب، ج 12، ص 100 (جشم).

ما لا يَتمكَّنُ منه و لا يُطيقُه؛ فتَعالَى اللّٰهُ عن كُلِّ قَبيحٍ عُلُوّاً كَبيراً.

و هذا(5)المَنصوصُ‌(6)عليه عليه السلامُ ألّادَلَّ علىٰ نفسِه‌؟ و ألّا قامَ‌(7)مَقاماً


1) . في «س، ص» و المطبوع: «ما يلزم».

2) . في «س، ص» و المطبوع: «محو شيء» بدل «فحوشي».

3) . في «ل»: «ما لا تحمّل». و في المطبوع: «ما لا يتحمّله».

4) . في «س» و المطبوع: «و حتمه»؛ نعم، صحِّح في حاشية «س» ب‍ «و جسّمه». و في «ص» أيضاً: «و جسّمه» بالسين المهملة.

5) . في المطبوع: «و هذه».

6) . في «س، ص» و المطبوع: «النصوص».

7) . في «س، ص» و المطبوع: «و الإقدام» بدل «و ألّا قام».

واحداً يُذكِّرُهم النَّصَّ عليه‌؟ بَل رُوِّينا و رُوِّيتم أنّه بايَعَ أبا بَكرٍ؛ فقُلتم: «مُكرَهاً»، و قُلنا: «طائعاً»؛ فهاتوا فَصلاً كشُهرةِ هذه البَيعةِ و وضوحِها، و إلّافقَد أتيتم لنا فَصلاً لَسنا نَتبيَّنُ لكم عليه عِلّةً‌(1).

و الحاصلُ الآنَ في أيدينا إيجابُه البَيعةَ‌(2)و إقرارُه بها و إجابتُه إليها و صحّةُ وقوعِها، و لَيسَ ما أَجمَعتم عليه معنا كما فيه(3)خالَفتمونا(4)فقولوا(5)و أَنصِفوا، و اعلَموا أنّنا لا نَقبَلُ‌(6)منكم إلّاما شاكَلَ في الشُّهرةِ أمرَ البَيعةِ‌.

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

قالَ الشريفُ المُرتَضىٰ عَلَمُ الهُدىٰ - قَدَّسَ اللّٰهُ روحَه -: اعلَمْ أنّا قد بيّنّا في «الكتابِ الشافي»(7)في(8)الكلامِ‌(9)و في كتابِنا المعروفِ بِ‍ «الذخيرةِ‌»(10)- في بابِ الإمامةِ منه - الكلامَ في إظهارِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مُبايَعةَ أبي بَكرٍ، و كَفِّه عن مُنازَعتِه. و لا بُدَّ مِن ذِكرِ جُملةٍ هاهُنا يُستَغنىٰ بها.

فنَقولُ في ابتداءِ ما ذُكِرَ في هذه المَسألةِ - مِن أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ نَصَّ علىٰ‌


1) . أي دليلاً. و المعنىٰ‌: أنّكم ادّعيتم أنّ بيعته عليه السلام كانت عن إكراه، لكنّكم لم تقيموا دليلاً علىٰ ذلك.

2) . في «س، ص» و المطبوع: «لبيعة». 3. في «س، ص» و المطبوع: «فيها».

3)

4) . في «س، ص» و المطبوع: «خالفتموننا».

5) . في المطبوع: «فتولّوا».

6) . في «ص»: «تقبل» بدون «لا». و في «ل»: «لا يقبل». و في المطبوع وُضعت «لا» بين معقوفين.

7) . راجع: الشافي في الإمامة، ج 3، ص 237 و ما بعدها.

8) . في «ص، ل»: «و في»، و الظاهر أنّه من سهو النسّاخ.

9) . كذا، و الصواب: «في الإمامة». كما يحتمل أن يكون هناك سقط في العبارة.

10) . راجع: الذخيرة في علم الكلام، ص 474 و ما بعدها.

أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بالإمامةِ‌، و تقسيمِ حالِه في القُدرةِ علَى القيامِ بها أو العجزِ(1)عنها -: إنّ اللّٰهَ تَعالىٰ ما كَلَّفَه القيامَ مِن الإمامةِ إلّابما يُطيقُه و يَستَطيعُه و تَفضُلُ قُدرتُه عليه و يَزيدُ أضعافاً، غيرَ أنّ الفاعلَ و إن كانَ قادراً فلا بُدَّ في(2)وقوعِ الفعلِ - و إن كانَ قادراً عليه -(3)علىٰ ما أَوجَبَه اللّٰهُ و اقتَضاه العقلُ‌(4).

و السبَبُ في أنّه عليه السلامُ لَم(5)يُدبِّرْ أمرَ الأُمّةِ و لَم(6)يَتصرَّفْ فيهم كما أَوجَبَه اللّٰهُ تَعالىٰ عليه: أنّهم مَنَعوه مِن ذلكَ‌؛ لأنّهم عَقَدوا الإمامةَ لغَيرِه، و دَخَّلوها(7)في سِواه، و ادَّعَوا أنّهم قد أَجمَعوا علىٰ إمامةِ غيرِه، و أنّ مَن خالَفَه و عَصاه و تأخَّرَ عن بَيعتِه مارِقٌ‌(8)و لِعَصا الدينِ شاقٌّ‌(9)و هذا مَنعٌ - كما تَراه - له عليه السلامُ مِن أن يَفعَلَ ما كُلِّفَه قويٌّ‌، فلا لَومَ‌(10)علىٰ تكليفِه تَعالىٰ مِن التصَرُّفِ فيها.

و الذي مَنَعَه عليه السلامُ مِن أن يَقومَ مَقاماً يُذكِّرُهم فيه حَقَّه، هو ما ذَكرنا بعضَه، و أشَرنا إلىٰ جميعِه؛ فكَيفَ يَطمَعُ في رُجوعِ القومِ بالتذكيرِ و التبصيرِ، و هو عليه السلامُ قد شاهَدَهم خالَفوا الرسولَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه جِهاراً و عِياناً، و


1) . في «س، ص» و المطبوع: «و العجز».

2) . كذا في جميع النسخ. و في المطبوع: «من»، و هو أنسب.

3) . كذا في جميع النسخ. و في المطبوع وضعت عبارة «و إن كان قادراً» بين معقوفين، و استُظهر في الهامش كون الجملة زائدة.

4) . في «س» و المطبوع: «الفعل». نعم، صُحِّحت في حاشية «س» بما أثبتناه.

5) . في «س، ص» و المطبوع: «لا».

6) . في «ص، ل»: - «لم».

7) . في «س» و المطبوع: «و نقلوها». و في «ص»: «و فعلوها». و الصحيح: «و جعلوها».

8) . «المارقُ‌»: الخارج، و المراد أنّه خارج عن الدين. راجع: الصحاح، ج 4، ص 1554 (مرق).

9) . في «س، ص» و المطبوع: «شارق».

10) . في «س، ص» و المطبوع: «فلا لزم».

عَدَلوا عمّن نَصَّ عليه، و أشَرنا(1)بالإمامةِ إليه‌؟ هذا مع قُربِ العَهدِ، الذي لا يَقَعُ في مِثلِه نسيانٌ‌.

فمَن(2)لَم يُطِعْ رَبَّه تَعالىٰ و خالَفَ نَبيَّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كَيفَ يَطمَعُ طامعٌ في إجابتِه و يَرجو رُجوعَه و طاعتَه‌؟

و أمّا أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، فما بايَعَ أبا بَكرٍ قَطُّ، و لا رَضيَ بإمامتِه و سَلَّمَ صحّتَها(3)و افتَرَضَ علىٰ نفسِه طاعتَه، و إنّما أظهَرَ - بحُكمِ الضرورةِ - أنّه قد رَضيَ‌، بأن كَفَّ عن المُنازَعةِ و المُجاذَبةِ‌، بَعدَ أن كانَ أظهَرَ السُّخطَ و الكَراهيَةَ هو و جَماعةُ بَني هاشمٍ و جَماعةٌ مِن المُهاجِرينَ و الأنصارِ، و تأخَّروا عن البَيعةِ‌، و جَرَت في ذلكَ مِن المُراسَلاتِ و المُراجَعاتِ و المُعاتَباتِ و التهويلاتِ و التهديداتِ ما هو مَسطورٌ في كُتُبِ العامّةِ فَضلاً عن الخاصّةِ‌، فأَوجَبَت الحالُ الكَفَّ عن إظهارِ المُنازَعةِ و الإمساكَ عن المُخالَفةِ‌، حتّىٰ لا يَنتَشِرَ الحَبلُ و يَتفرَّقَ الشَّملُ‌.

فإن كانَ المُخالِفُ يَدَّعي غيرَ هذا الذي ذَكرناه، فهو دَعوىً عاريةٌ مِن بُرهانٍ‌.

و إن لَم يَرِدْ علَى المُخالِفِ‌(4)ما ذَكرناه، فلا حُجّةَ في القَدرِ المعروفِ‌(5)لأنّ إظهارَ الرضا عندَ الأسبابِ التي جَرَت لا يَدُلُّ علىٰ رضا القُلوبِ و تسليمِ الصدورِ.

و أمّا الترجيحُ علينا بأنّنا نُسلِّمُ البَيعةَ الظاهرةَ‌، و نَدَّعي أُموراً باطنةً مِن الإكراهِ‌


1) . في «س» و المطبوع: «و أصرّ». و الأنسب: «و أشار».

2) . في «س، ل» و المطبوع: «ممّن».

3) . من قوله: «و أمّا أمير المؤمنين عليه السلام...» إلىٰ هنا ساقط من «س، ص» و المطبوع.

4) . في «س، ص» و المطبوع: - «و إن لم يرد على المخالف».

5) . أي ما ظهر من البيعة.

و السُّخطِ، فغَيرُ صحيحٍ‌؛ لأنّ سُخطَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ و تأخُّرَه عن البَيعةِ و إظهارَه(1)الغضبَ لمّا عُقِدَ الأمرُ لغَيرِه هو المعلومُ ضرورةً‌، و الذي لا خِلافَ بَينَ العقلاءِ فيه، ثُمَّ كَفَّ بَعدَ ذلكَ عن إظهارِ المُنازَعةِ و المُجاذَبةِ‌، و إن كانَ عليه السلامُ في خَلَواتِه و بَينَ أصحابِه و ثِقاتِه يَتألَّمُ و يَتظلَّمُ و يَقولُ أقوالاً مَرويّةً‌.

فمَن ادَّعىٰ مِن مُخالِفينا - بَعدَ إجماعِهم مَعَنا علىٰ أنّه عليه السلامُ كانَ ساخِطاً كارِهاً - أنّه رَضيَ بقَلبِه و سَلَّمَ في سِرِّه، فعَلَيه الدَّلالةُ‌؛ لأنّه قد ادَّعىٰ ما الظاهرُ(2)خِلافُه.

و الذي يُعتَمَدُ عليه في أنّه عليه السلامُ كانَ ساخِطاً كارِهاً بقَلبِه و إن كانَ مُمسِكاً بلِسانِه(3): أنّه قد ثَبَتَ أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه نَصَّ عليه بالإمامةِ في مَقامٍ بَعدَ مَقامٍ و مَقالٍ بَعدَ مَقالٍ‌، و بما رَواه المُخالِفُ و الموافِقُ - كخبرِ الغَديرِ، و قِصّةِ تَبوكَ‌(4)- و ممّا(5)هو ظاهرٌ في الروايةِ الخاصّةِ و إن كانَ قَليلاً في العامّةِ‌، مِن(6)خبرِ يَومِ الدارِ.

و إذا ثَبَتَ أنّه الإمامُ‌، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ كارهاً لعَقدِ الإمامةِ لغَيرِه، و أن يَكونَ ما فَعَلَه مِن إظهارِ البَيعةِ إنّما هو للتقيّةِ و الضرورةِ‌.

فإن شَكَّ مُخالِفونا في النَّصِّ دَلَلناهم عليه و أوضَحناه لهم؛ فإنّ الكلامَ في


1) . في «س، ص» و المطبوع: «و إظهار».

2) . في «س، ص» و المطبوع: «بالظاهر» بدل «ما الظاهر».

3) . في «ص»: «بل» بدل «بلسانه». و في «س» و المطبوع: - «بلسانه».

4) . يعني حديث المنزلة.

5) . كذا، و الأنسب: «و ما».

6) . في المطبوع: - «من».

تثبيتِ‌(1)النَّصِّ أَوضَحُ مِن الكلامِ في تَقيّتِه(2)و السبَبِ في إمساكِه، فلا شُبهةَ في أنّ ذلكَ كُلَّه بغَيرِ الرضا و التسليمِ‌.

و إذا لَم يُسلِّمونا النَّصَّ كانَ كلامُهم في سببِ البيعةِ و عِلّةِ الإمساكِ لغواً و عبَثاً؛ لأنّ مَن لَيسَ بمنصوصٍ عليه و لا حَظَّ له في الإمامةِ لا يُقالُ له: لِمَ لَم(3)يُغالِبْ عليها و يُحارِبْ؟ و لا يُتعجَّبُ مِن مُبايَعتِه و موافَقتِه.

علىٰ أنّ‌ إظهارَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ بَيعةَ المُقدَّمينَ‌(4)عليه و إمساكَه عن مُجاهَدتِهم و كَفَّه عن مُكاشَفتِهم كانَ مِثلَ فِعلِ الحَسَنِ عليه السلامُ مع مُعاويةَ و بَيعةِ الأُمّةِ بأَسرِها - و فيهم الصالحونَ و الخيِّرونَ الفاضلونَ - لمُعاويةَ و ابنِه يَزيدَ مِن بَعدِه و جميعِ مَن وَليَ الأمرَ مِن بَني مَروانَ‌، و مُخاطَبتِهم(5)لهُم بإمرةِ المؤمنينَ‌؛ فيَنبَغي أن يُستدَلَّ بذلكَ علَى استحقاقِهم للإمامةِ‌، و كَونِهم فيها علَى الحقِّ و الصوابِ‌!

فإذا قُلنا كُلُّنا: «كانَت هُناكَ غلبةٌ و قَهرٌ و استيلاءٌ‌، و لَم تَكُن القلوبُ راضيةً بما أظهَروا مِن ذلكَ‌»، قالَت الشيعةُ الإماميّةُ مِثلَ ذلكَ في بَيعةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلامُ للقومِ‌. و جوابُ الإماميّةِ لِمَن يَقولُ لهُم: «في أيدينا(6)البَيعةُ و الرضا و التسليمُ‌، و ذلكَ هو الظاهرُ اللائحُ‌؛ و مَن ادَّعىٰ شيئاً في الباطنِ يُخالِفُ ذلكَ‌،


1) . في «س، ص» و المطبوع: «سبب و» بدل «في تثبيت».

2) . في «س، ص» و المطبوع: «و نفسه» بدل «في تقيّته».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «لم لا» بدل «له: لِمَ لَم».

4) . في «س» و المطبوع: «المتقدّمين».

5) . في «س، ص» و المطبوع: «و مخاطبهم».

6) . في «س، ص» و المطبوع: - «أيدينا».

عليه الدَّلالةُ‌» هو جوابُ المُعتزِلةِ‌(1)و مَن نَفىٰ إمامةَ هؤلاءِ الفُسّاقِ عن هذا الِاعتراضِ إذا اعتُرِضَ به في إمامةِ معاويةَ و يَزيدَ ابنِه و بَني مَروانَ‌، و هَيهاتَ أن يَجِدوا فَصلاً(2)بَينَ الأمرَينِ‌، ما أظَلَّت سَماءٌ أرضاً و خالَفَ الطولُ العَرضَ‌.

و إنّما يُحمَلُ علىٰ قِلّةِ الفِكرِ فيما ذَكرناه و العَصَبيّةِ و الهَوىٰ‌، و نَعوذُ(3)باللّٰهِ مِن ذلكَ‌.


1) . نقل القاضي عبد الجبّار كلام أبي عليّ الجبّائي حول بيعة معاوية فقال: «و قد قال شيخُنا أبوعليّ‌: إنّ بيعته وقعت علىٰ حدّ الإكراه؛ لظهور أهل الشام و قهرهم و خوف القتل لو وقع الامتناع من البيعة. و البيعة إذا وقعت علىٰ هذا الحدّ حلّت محلّ إظهار كلمة الكفر في أنّ وجودها كعدمها؛ لأنّ البيعةَ قولٌ‌، فتَحتمل أن لا يُقصد به ظاهره، كما نقول في كلمة الكفر». المغني، ج 20 (في الإمامة ق 2)، ص 146.

2) . في «س» و المطبوع: + «لما». و في «ص» و حاشية «س»: «نصّاً لما». و في «ل»: «فصالاً».

3) . في «س» و المطبوع: «نعوذ» بدون واو العطف.

(63) مسألةٌ في عِلّةِ امتناعِ عليٍّ عليه السلام عن مُحارَبةِ الغاصبينَ لحَقِّه بَعدَ الرسولِ صلى الله عليه و آله

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

لقد أثارت إمامة أمير المؤمنين عليه السلامُ و نصبه من قِبَل رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه إشكالات عديدة من قِبَل المخالفين، أدّت إلى أن ينبري علماء الشيعة للردّ عليها و بيان وجوه الخطأ فيها؛ و من تلك الإشكالات التي طرحت حول ذلك و خُصّصت له هذه الرسالة هو: لماذا لم يقف عليه السلامُ بوجه الحكم القائم، و يحارب الذين أنكروا إمامته، و يسترجع حقّه بالقوّة‌؟

إنّ جواب علماء الشيعة عادة على هذا الإشكال هو أنّه عليه السلامُ لو قام بذلك لارتدّ الناس، و عادوا إلى الكفر، مع قُرب عهدهم به، و لذلك امتنع عليه السلامُ من القتال دفعاً للفساد الأعظم.

لكن هناك إشكال قد يرد على هذا الجواب، و هو أنّه: كيف تكون إمامته عليه السلامُ من المصالح الدينيّة التي لا غنى عنها، و مع ذلك يتعلّق بها الفساد و الردّة‌؟ هذا أوّلاً.

و ثانياً: ما هي الردّة التي كان يَخاف عليه السلامُ منها، أ وَ لستم تدّعون أنّ كلّ من خالف النصّ و جحده يكون كافراً مرتدّاً؟ فكأنّه عليه السلامُ في هذه الصورة قد خاف ممّا هو واقع أصلاً.

فهذا هو محتوى الإشكال المطروح في هذه الرسالة و الذي قام الشريف المرتضى بالإجابة عليه، حيث أجاب على الإشكال الأوّل بعد تقديم مقدّمة، مفادها

أنّ اللّٰه تعالى قد فعل ما فيه مصلحة في دين الناس من نصب أمير المؤمنين عليه السلامُ للإ مامة، و قد كان تحقُّق هذه المصلحة متوقّفاً على تمكين الناس له من تسلّم الحكم و السلطة، فإن لم يمكّنوه من ذلك، فهم الملومون على تركهم ذلك، و تقصيرهم في حقّه.

و بعد ذلك بيّن جوابه على الإشكال الأصلي حول سبب ترك أمير المؤمنين عليه السلامُ محاربة القوم، و عدم استرجاع حقّه بالقوّة، فأجاب بطريقة أُخرى غير ما تقدّم في جواب علماء الشيعة، و قال: اذا كان الهدف من الحرب أن يرجع القوم إلى الحقّ‌، فقد يمكن أن يَعلم عليه السلامُ من دراسة أحوالهم و اطّلاعه عليها أنّهم لا يرجعون حتّى مع الحرب، بل يصرّون على موقفهم الرافض له، فحينئذ لا تبقى فائدة من الحرب. و إن كان الهدف منها هو ما يجب على الإمام من جهاد الباغي، فإنّ هذا إنّما يجب مع التمكّن منه و القدرة عليه، و لم تكن له عليه السلامُ تلك القدرة في ذلك الوقت، و هذا كاف في سقوط فرض الحرب و وجوبها على الإمام.

و أمّا بالنسبة إلى الجواب المطروح من قِبَل علماء الشيعة - و هو أنّ سبب ترك الحرب الخوف من ارتداد الناس - و الإشكال عليه بأنّ هذا سيؤدّي إلى أن تتحوّل الإمامة من مصلحة دينيّة إلى مفسدة، فقد أجاب الشريف المرتضى عليه بأنّه لو أدّى جهاد الباغي إلى الفساد و الارتداد لكان قبيحاً، لكن هذا لا يؤدّي إلى أن تصير الإمامة بنفسها قبيحة أيضاً، فإنّ تدبير الإمام لأُمور الأُمّة و رعاية مصالحها لا يكون قبيحاً، و إنّما قد يعرض الفساد لأمر خارج، و هو جهاد الباغي. إذن ليس الأمر كما جاء في الإشكال، فإنّ الإمامة سوف تبقى على حُسنها، و لن تتحوّل إلى أمر قبيح، بل الفساد و القبح يكون لأمر خارج عارض.

و أمّا بالنسبة إلى الإشكال الثاني المتقدّم - و هو أنّه من أيّ شيء كان يخاف ما دام الجميع كانوا قد ارتدّوا بإنكارهم النصّ؟ - فقد أجاب عنه الشريف المرتضى

بعدّة أجوبة:

منها: أنّه عليه السلامُ خاف من ارتداد المستضعفين الذين ما كانوا مرتدّين قبل الحرب.

و هنا يشير إلى نقطة مهمّة، و هي أنّه ليس كلّ منكِر للنصّ يكون مرتدّاً، بل الجاحد للنصّ عن علم هو الذي يكون مرتدّاً، أمّا من وردت عليه شبهة أدّت به إلى إنكار النصّ فلا يكون مرتدّاً.

و منها: أنّ الكفر درجات و أنواع، فيكون بعضه أعظم من بعض، و يعود سبب هذا الاختلاف في الدرجة إمّا إلى أنّ عقاب بعض أنواع الكفر أغلظ من غيره، أو إلى أنّ بعض أنواعه يؤدّي إلى إضعاف الإسلام و طمع الأعداء به، فمثلاً إنكار النصّ و إن كان يُعدّ كفراً و ارتداداً، إلّاأنّ الأشدّ منه هو إعلان ترك الإسلام و نزع شعاره و هو يؤدّي إلىٰ إضعاف الإسلام، فلو حارب أميرُ المؤمنين عليه السلامُ القوم لخاف أن يعلنوا ترك الإسلام، و يقعوا في كفر أعظم من كفر إنكار النصّ‌، و لذلك ترك محاربتهم، دفعاً لفساد أشدّ و أعظم.

و بهذا أظهر الشريف المرتضى شخصيّته العلميّة النادرة، حيث أضاف إلى جواب علماء الشيعة جواباً آخر، و لم يكتفِ بتكرار ما قاله الآخرون، و هو ما يمكن تسميته:

«إنتاج المعرفة و توليدها»، إضافةً إلى أنّه لم يترك الإشكال على جواب علماء الشيعة بلا جواب، بل حاول أن يجيب عليه بكلّ علميّة و احتراف.

هذا، و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 315.

مخطوطات الرسالة
ألف) النسخ المعتمدة:
1.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه الگلپايگاني رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 5787؛ تقع في الصفحات (1-8) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6616؛ تقع في الصفحات (12-14) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ر».

3.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 903/3؛ تقع في الصفحات (11-15) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ح».

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (386-390) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (310-312) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

ب) سائر النسخ:
1.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (211-212) من المجموعة.

2.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 7539؛ تقع في الصفحات (7-10) من المجموعة.

[

مسألةٌ في عِلّةِ امتناعِ عليٍّ عليه السلام عن مُحارَبةِ الغاصبينَ لحَقِّه بَعدَ الرسولِ صلى الله عليه و آله

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌:

قالَ الشريفُ الأجَلُّ المُرتَضىٰ - رَضيَ اللّٰهُ عنه -: إن سَألَ سائلٌ فقالَ‌: إذا كانَ شُيوخُكم يَعتَمِدونَ قَديماً و حَديثاً - في عِلّةِ امتناعِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ عن(1)مُحارَبتِه بَعدَ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه القومَ الخارجينَ عن طاعتِه الغاصبينَ لرُتبتِه(2)النازِلينَ بغَيرِ حَقٍّ في مَنزِلتِه - بأنّه(3)عليه السلامُ عَلِمَ أنّه لَو شَرَعَ في ذلكَ لَارتَدَّ الناسُ مع قُربِ عهدِهم بالكُفرِ، و أنّه عليه السلامُ إنّما كَظَمَ و صَبَرَ حَذَراً مِن الفَسادِ الأعظَمِ‌.

و علىٰ‌(4)هذه الطريقةِ سؤالٌ صَعبٌ‌؛ و هو أن يُقالَ‌: كَيفَ يَجوزُ أن تَكونَ‌(5)إمامتُه و فَرضُ طاعتِه مِن المَصالِحِ الدينيّةِ التي لا عِوَضَ عنها، و يَتعلَّقَ بها بعَينِها الفَسادُ


1) . في «ح، ر، س» و المطبوع: «من». 2. في «أ، د، ر»: «لحقّه». و في «ح»: «بحقّه».

2)

3) . في «أ، د، ر، س» و المطبوع: «فإنّه».

4) . كذا، و الأنسب: «فعلىٰ‌» لتكون جواباً لقوله: «إذا كان شيوخكم...».

5) . في «د، ر، س»: «أن يكون».

و الرِّدّةُ؟ لأنّه عليه السلامُ إذا كانَ الغرضُ في إمامتِه أن يَتصرَّفَ في الأُمّةِ‌(1)و يُدبِّرَ أُمورَهم، و كانَ لا سَبيلَ له إلىٰ ذلكَ إلّابما هو مَفسَدةٌ لهم و مُؤدٍّ(2)إلىٰ رِدّتِهم، فقَد تَعلَّقَ الِاستفسادُ بإمامتِه، و خَرَجَت مِن أن تَكونَ واجبةً إلىٰ أن تَكونَ قَبيحةً‌!!

و بَعدُ، فأيُّ رِدّةٍ كانَ يَخافُ منها، و جميعُ مَن خالَفَ النصَّ عندَكم «مُرتَدٌّ» بدَفعِهم له؛ فكأنّه خافَ ممّا هو واقعٌ حاصلٌ؟!

الجوابُ‌:

اِعلَمْ‌(3)أنّه لا صُعوبةَ في الجوابِ عن هذا السؤالِ لِمَن تأمَّلَ الأمرَ حَقَّ تأمُّلهِ‌(4)لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ إذا عَلِمَ أنّ المَصلَحةَ الدينيّةَ بَعدَ وفاةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في إمامةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ تدبيرُ [ه] أُمورَ الأُمّةِ‌، وَجَبَ عليه أن يَنُصَّ علىٰ‌(5)إمامتِه و فَرضِ طاعتِه، و قد فَعَلَ ذلكَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بأمرِه تَعالىٰ‌.

و إذا كانَت المَصلَحةُ في تدبيرِه لأُمورِ الأُمّةِ‌، إنّما يَتِمُّ بتمكينِهم له مِن النظَرِ(6)و التدبيرِ و الأمرِ و النهيِ و الحَلِّ و العقدِ، وَجَبَ أن يأمُرَهم بتمكينِه و يوجِبَ عليهم التخليةَ بَينَه و بَينَ تدبيرِه، و قد فَعَلَ ذلكَ أيضاً(7)علىٰ أَوكَدِ(8)الوجوهِ‌، فخالَفوا و عَصَوا، و اتَّبَعوا الهَوَى المُردي، و عَدَلوا عن الحَقِّ المُنجي.

فقامَت له - جَلَّ ثناؤه - بذلكَ الحُجّةُ عليهم؛ لأنّه أزاحَ عِلّتَهم فيما به تَتِمُّ‌


1) . في «أ، د، س» و المطبوع: «الأمر». 2. في «س» و المطبوع: «و موءدة».

2)

3) . في «أ، ح، د، ر»: - «اعلم».

4) . في «س» و المطبوع: - «حقّ تأمّله».

5) . من قوله: «إ مامة أمير المؤمنين...» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.

6) . أي النظر في أُمورهم.

7) . في «أ، د، س» و المطبوع: - «أيضاً».

8) . في «س» و المطبوع: «أوجه».

مَصلَحتُهم، و فَعَلَ ما يَتِمُّ به ذلكَ مِن مقدورِه؛ و هو النَّصُّ‌، و الدَّلالةُ‌، و الحُجّةُ‌، و الأمرُ بالتمكينِ‌، و إيجابُ‌(1)التخليةِ‌. و بَقيَ‌(2)ما هو في مقدورِهم مِن التمكينِ و التخليةِ اللَّذَينِ لا يَتِمُّ التصرُّفُ إلّابهما، فهُم المَلومونَ المُعاتَبونَ علىٰ فَوتِ مَصلَحتِهم، و هو تَعالَى المَشكورُ علىٰ فِعلِه بِهم.

و لَيسَ يَجوزُ أن يُكرِهَهم و يُلجِئَهم إلَى التمكينِ‌؛ لأنّ ذلكَ يُبطِلُ التكليفَ‌، و يُسقِطُ استحقاقَ الثوابِ‌، و المُجرىٰ‌(3)بالتكليفِ إليه.

و أمّا المُحارَبةُ‌، فإن كانَ الغرضُ في تكلُّفِها(4)أن يَرجِعَ القومُ عن(5)الباطلِ إلىٰ جهةِ الحَقِّ‌، فقَد يَجوزُ أن(6)يُعلَمَ أو يَغلِبَ في الظنِّ مِن(7)أحوالِهم أنّهم(8)بذلكَ لا يَرجِعونَ‌، فلا طائلَ إذَن فيها.

و إن كانَ الغرضُ في المُحارَبةِ ما يَجِبُ في جهادِ الباغي علَى الإمامِ‌، الخارجِ عليه، العادِلِ عن طاعتِه، فإنّ ذلكَ كُلَّه إنّما يَجِبُ مع التمكينِ و القُدرةِ و الأنصارِ و الأعوانِ‌، و لَم يَكُن شَيءٌ مِن ذلكَ في تلكَ الأحوالِ‌.

و هذا كافٍ في سُقوطِ فَرضِ المُحارَبةِ‌، إلّاأنّا [إذا] كُنّا نُريدُ أن نَنصُرَ جوابَ الشُّيوخِ‌(9)- بأنّ العِلّةَ في الكَفِّ عن المُحارَبةِ الخَوفُ مِن ارتدادِ القومِ - فيَجِبُ‌


1) . في جميع النسخ: «و إيجاد»؛ و هو من سهو القلم. و الصحيح ما أثبتناه؛ وفقاً للمطبوع و لماقاله - قدّس سرّه - قبل أسطر: «أن يأمرهم بتمكينه و يوجب عليهم التخلية بينه و بين تدبيره».

2) . في «أ، ح، د، س» و المطبوع: «و نفى».

3) . في «أ، د، س» و المطبوع: «و المجزى» بالزاي المعجمة.

4) . في المطبوع: «تكليفها».

5) . في «ح، ر»: «من».

6) . في «س» و المطبوع: «أو».

7) . في «د، ر، س» و المطبوع: «في».

8) . في «س» و المطبوع: «أنّه».

9) . في «س» و المطبوع: «تصرّحوا» بدل «ننصر جواب الشيوخ». و في «ح»: «ننصر كقولك الشيوخ» بدله.

أن نَعدِلَ عن الجوابِ بغَيرِه - مِن أنّه غيرُ مُتمكِّنٍ مِن ذلكَ لِفَقدِ(1)الناصِرِ، و ما جَرىٰ مَجرىٰ ذلك - فنَقولَ‌: إذا كانَت المُحارَبةُ إنّما تُتكلَّفُ‌(2)لوجوبِ جهادِ(3)الباغي الشاقِّ للعَصا، فقَد يَجوزُ أن يُعلَمَ‌(4)أنّها تؤَدّي إلىٰ فَسادٍ في الدينِ‌، مِن رِدّةٍ عنه، أو ما أشبَهَها، فيَقبُحَ استعمالُها؛ لأنّها مَفسَدةٌ‌. و لَيسَ ذلكَ بموجِبٍ أن تَكونَ‌(5)نفسُ الإمامةِ هي المَفسَدةَ‌، أو تدبيرُ الإمامِ لأُمورِ(6)الأُمّةِ و تصريفُه(7)لهم؛ لأنّ المَفسَدةَ هاهُنا مُنفَصِلةٌ عن الإمامةِ نفسِها، و إن عَرَضَت في المُجاهَدةِ لِمَن خالَفَ‌(8)الإمامَ‌؛ لأنّ‌(9)الذي هو مَصلَحةُ الأُمّةِ إنّما هو(10)تدبيرُ الإمامِ لأُمورِهم(11)، و ذلكَ لا يَتِمُّ إلّا بالنَّصِّ عليه، و إيجابِ فَرضِ طاعتِه. و الِاستفسادُ الذي ذَكرناه غيرُ راجعٍ إلىٰ شَيءٍ مِن ذلك؛ بَل هو راجعٌ إلىٰ مُحارَبةِ‌(12)مَن بَغىٰ علَى الإمامِ و خالَفَ‌(13)إمامتَه؛ و ذلكَ مُنفَصِلٌ عن نفسِ الإمامةِ‌.


1) . في «س» و المطبوع: «انعقد»؛ نعم، استُظهر في هامش المطبوع ما أثبتناه.

2) . في «د، ر، س» و المطبوع: «يتكلّف».

3) . في «س» و المطبوع: «الجهاد».

4) . في «أ، ح، د، س» و المطبوع: «أن نعلم».

5) . في «ر، س» و المطبوع: «أن يكون».

6) . في «س» و المطبوع: «أُمور».

7) . في «ح»: «و نصّ من» بدل «و تصريفه». و في «س» و المطبوع: «و تعريفه».

8) . في «أ، د، ر»: «خالفه».

9) . في «أ، د، ر، س» و المطبوع: - «لأنّ‌».

10) . في «أ، د، ر، س» و المطبوع: «أمّا» بدل «إنّما هو».

11) . في «د، س» و المطبوع: «يتمّ‌» بدل «لأمورهم».

12) . في «س» و المطبوع: «المحاربة».

13) . في «س» و المطبوع: + «طاعته و».

و قد بيّنّا أنّ جهادَ(1)المارقِ عن الدينِ و مُحارَبةَ الباغي علىٰ أهلِه(2)إنّما يَجِبُ إذا لَم يَعرِضْ فيها استفسادٌ يُسقِطُ وجوبَها(3)، و لا شَيءَ مِن الواجباتِ إلّاو مَتىٰ عَرَضَ فيها وجهُ قُبحٍ سَقَطَ وجوبُها.

و إذا تَقرَّرَت هذه الجُملةُ‌(4)و قيلَ لنا مِن بَعدُ: فكَيفَ حارَبَ أهلَ الجَمَلِ و صِفّينَ لمّا بَغَوا عليه و مَرَقوا عن طاعتِه‌؟

فالجوابُ‌: أنّه تَمكَّنَ مِن ذلكَ لوجودِ الأعوانِ و الأنصارِ و المُشايِعينَ و المُتابِعينَ‌، و لَم يَحصُلْ في أوّلِ الأمرِ شَيءٌ مِن ذلكَ‌.

و الجوابُ الآخَرُ: أنّه لَم يَعلَمْ أنّ جهادَهم يؤَدّي إلَى استفسادٍ، و عَلِمَ في الحالِ الأُولىٰ أنّ المُحارَبةَ تؤَدّي إلىٰ ذلكَ‌.

فأمّا(5)ما مَضىٰ في السؤالِ‌(6): أنّ الرِّدّةَ حاصلةٌ في كُلِّ دافعِ النَّصِّ‌(7)فمِن أيِّ شَيءٍ خافَ في المُجاهَدةِ؟

فالجوابُ‌: أنّه خافَ مِن(8)ارتدادِ مَن لَم يَكُن مُرتَدّاً قَبلَ الحَربِ‌،


1) . في المطبوع: «الجهاد» بدل «أنّ جهاد».

2) . في «ح»: «الباغي علىٰ أهل الحقّ‌». و في «د»: «الباقي علىٰ أهله». و في «ر»: «الباغي علىٰ أهل». و في «س» و المطبوع: «الباغي عن الإمامة»، كلّها بدل «الباغي على أهله».

3) . في «أ، د، ر، س» و المطبوع: + «بل قبحت». و في «ح»: + «يلزمه قبحت».

4) . في «ح»: «فإذا تعذّرت هذه الجملة». و في «د»: «و بل ذا تقرّرت هذه الجملة». و في «س» والمطبوع: «و بل ذا تقرّرت»، كلّها بدل «و إذا تقرّرت هذه الجملة».

5) . في «س» و المطبوع: + «ظاهر».

6) . في «أ، د، ر، س» و المطبوع: - «السؤال».

7) . في «أ، د، س» و المطبوع: - «النصّ‌».

8) . في «د، س» و المطبوع: - «من».

مِن المُستَضعَفينَ‌، و الناقِصي(1)البَصيرةِ في الدينِ‌، الذينَ‌(2)ما كانوا ارتَدّوا قَبلَ المُحارَبةِ‌، و تَدخُلُ عليهم الشُّبُهاتُ فيها حتّىٰ يَرجِعوا عن الحَقِّ إلَى الباطلِ‌.

و قد دَخَلَت الشُّبهةُ علىٰ كَثيرٍ مِن الضعفاءِ في قِتالِه(3)عليه السلامُ لأهلِ الجَمَلِ و صِفّينَ‌، و شَكَّكَهم ذلكَ في أحوالِه. و لَيسَت مَنزِلةُ مَن خالَفَه(4)مِن أهلِ الجَمَلِ و صِفّينَ في النُّفوسِ و مكانُهم مِن الصُّدورِ مكانَ مَن خالَفَ في النَّصِّ و عَمِلَ بخِلافِه بَعدَ وفاةِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(5)فمِنَ الجائزِ القَويِّ أن تَدخُلَ بمُحارَبتِهم الشُّبُهاتُ‌.

و وجهٌ آخَرُ، و هو أنّ الكُفرَ قد يَتَفاضَلُ‌، فيَكونُ بعضُه أعظَمَ مِن بعضٍ‌؛ إمّا لأنّ العِقابَ عليه أغلَظُ - لوجوهٍ لا تَظهَرُ(6)لنا - أو لوقوعِه علىٰ وجهٍ يُطمِعُ في الإسلامِ‌(7)و أهلِه(8)أعداءَهما. و دَفعُ‌(9)النَّصِّ - علَى الوجهِ الذي وَقَعَ‌(10)عليه في الأصلِ - و إن كانَ كُفراً و ارتداداً عندَ الشيعةِ الإماميّةِ‌، و أعظَمُ‌(11)منه و أفحَشُ و أشَدُّ إطماعاً في الإسلامِ و أهلِه أن يُخلَعَ معه(12)و يَفسُدَ الإسلامُ‌، و يُنزَعَ شِعارُه، و يَظهَرَ التكذيبُ‌


1) . في «س» و المطبوع: «و النافي».

2) . في «أ، د، ر»: - «الذين».

3) . في «س» و المطبوع: «قتله».

4) . في «س» و المطبوع: «خالف».

5) . في «أ، د، ر، س» و المطبوع: + «و إلّا».

6) . في «س» و المطبوع: «الوجوه و لا يظهر» بدل «لوجوهٍ لا تظهر».

7) . في «س» و المطبوع: «إسلامه».

8) . في «س» و المطبوع: «و أهل».

9) . في «أ، د، س» و المطبوع: «و وقع».

10) . في «س» و المطبوع: - «على الوجه الذي وقع».

11) . كذا في النسخ و المطبوع، و الصحيح: «فأعظمُ‌»؛ لأنّها تفريعٌ علىٰ ما قبلها.

12) . في المطبوع: «منه».

بالنبيِّ صَلَّى اللّٰه عليه و آلِه و بما جاءَ به مِن الشرائعِ‌، و بحَيثُما(1)اقتَضىٰ قوّةَ الكُفرِ و تعاظُمَه(2)علَى الجُملةِ‌.

و يُمكِنُ جوابٌ آخَرُ، و هو أن يُقالَ‌: كما أنّ وقوعَ نوعٍ مِن(3)الكُفرِ عندَ فِعلٍ مِن الأفعالِ مع الشرائطِ المُراعاةِ يَكونُ‌(4)مَفسَدةً‌، كذلكَ وقوعُ زيادةٍ عليه مِن ضُروبِ الكُفرِ و مِن بعضِ الأفعالِ‌(5)لا يَجوزُ أن يُفعَلَ به ما يُعلَمُ أنّه يَفعَلُ عندَه ضَرباً آخَرَ مِن الكُفرِ؛ فمَن كَفَرَ بدَفعِ النَّصِّ و العملِ بخِلافِه، يَجوزُ أن يَكفُرَ بأن يُظهِرَ الطعنَ في النُّبوّةِ و الشرائعِ و التوحيدِ و العدلِ‌؛ فالمَنعُ ممّا يَقَعُ عندَه زيادةُ الكُفرِ في الوجوبِ كالمَنعِ ممّا يَقَعُ عندَه شَيءٌ مِن الكُفرِ.

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ‌: هذا الجوابُ لا يَليقُ بمَذاهبِ الإماميّةِ‌؛ لأنّهم يَذهَبونَ إلىٰ أنّ دافعَ النَّصِّ و الكافرَ به لا طاعةَ معه(6)و لا مَعرِفةَ باللّٰهِ تَعالىٰ و أنبيائه و شرائعِه،(7)بَل هو في حُكمِ الدافعِ لذلكَ و الجاهلِ به؛ فلَيسَ يَزدادُ بالمُحارَبةِ عندَ المُجاهَدةِ إلّا ما كانَ حاصلاً عليه(8)قَبلَها.

و ذلكَ‌: أنّا إذا صَفَحنا عن تلخيصِ‌(9)هذا المَوضِعِ و المُناقَشةِ‌(10)فيه و تحقيقِه،


1) . في «أ، د، س»: «و تجنّب ما» بدل «و بحيثما». و في المطبوع: «و تجتنب ما» بدله.

2) . في «أ، د»: «و معاظمه».

3) . في «أ، د، ر، س» و المطبوع: - «نوع من».

4) . في «أ، ح، د»: «تكون».

5) . كذا، و لعلّ الأنسب إضافة هذه الزيادة إلى المتن: «يكون مفسدة أيضاً، فلا يجوز...».

6) . كذا، و الأنسب: «له» بدل «معه».

7) . راجع بهذا الصدد: المسألة الرابعة من المسائل الرّسيّة الأُولىٰ‌، فإنّ فيها ما ينفع.

8) . في «د، س» و المطبوع: - «عليه».

9) . و التلخيص هنا بمعنى التهذيب.

10) . في «د، س» و المطبوع: + «عليه».

جازَ لنا أن نَقولَ‌: مِن جُملةِ ضُروبِ الكُفرِ مُحارَبةُ الإمامِ و مُدافَعتُه و مُمانَعتُه، و ما كانوا بهذا الضربِ كافرينَ بدَفعِ النَّصِّ‌(1)، و لا مُستَحِقّينَ لعَذابِ المُحارَبةِ و المُدافَعةِ‌. فإذا خَرَجَ بِهم إلَى الحَربِ فحارَبوا و مانَعوا، كَفَروا بذلكَ و استَحَقّوا(2)العَذابَ بَعدَ أن لَم يَكونوا عليه في الأوّلِ‌. و كذلكَ‌(3)إذا(4)نَطَقوا و أظهَروا و أعلَنوا جَحْدَ الإمامةِ و الشريعةِ‌، و طَعَنوا فيها طَعناً مسموعاً مُتحقِّقاً، فكُلُّ ذلكَ كُفرٌ ما كانوا عليه و لا مُستَحِقّينَ‌(5)عِقابَه.

فبانَ صحّةُ هذا الجوابِ أيضاً، مُضافاً إلىٰ ما تَقدَّمَ عليه(6).

و الحَمدُ للّٰهِ رَبِّ العالَمينَ‌(7).


1) . أي و ما كانوا بدفعهم النصّ كافرين بهذا الضرب من الكفر؛ أي كفر المحاربة للإمام.

2) . في «أ، د، س» و المطبوع: + «به».

3) . في جميع النسخ المعتمدة و المطبوع: «و لذلك». و ما أثبتناه هو الأنسب؛ طبقاً لنسخة مكتبة مجلس الشورىٰ برقم 7539.

4) . في «س» و المطبوع: «إن».

5) . في «أ، د، ر، س» و المطبوع: «و لا مستحقّي».

6) . في «أ، د، ر، س» و المطبوع: - «عليه».

7) . في «س» و المطبوع: + «و صلّى اللّٰه علىٰ خير خلقه محمّدٍ و عترته المعصومين».

(64) إنكاحُ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام ابنَتَه مِن عُمَرَ

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

لقد دارت حول مسألة زواج الخليفة الثاني من بنت أمير المؤمنين عليه السلامُ بحوث و نزاعات كثيرة، بين مَن يحاول أن يستغلّ هذه الحادثة ليقول إنّه ما كان بين أمير المؤمنين عليه السلامُ و الخلفاء أيّ خلاف أو نزاع، بل كانت بينهم محبّة و توادّ و مصاهرة، و بين مَن أنكر القصّة من الأساس، و أخذ يناقش في سندها و الراوي لها(1)، و بين مَن قبلها و حاول أن يبحث عن أجوبة مقنعة للإشكالات الفقهيّة و الكلاميّة التي أخذت تثيرها هذه الحادثة.

محتوى الرسالة

فإنّ لحادثة الزواج هذه جهتين للبحث:

الأُولى تاريخيّة، و هي هل حدث الزواج بالفعل أو لا؟

و الثانية فقهيّة و كلاميّة، و هي أنّ اعتقاد الإماميّة مبنيّ على كفر كلّ جاحد للنصّ على أمير المؤمنين عليه السلامُ‌، فكيف جاز لأمير المؤمنين عليه السلامُ أن يزوّج ابنته المؤمنة لشخص هذه حاله‌؟

و قد وُجِّه للشريف المرتضى في مجلسِ مَن وصفه ب‍ «الرئيس» سؤال عن الجهة الثانية، فقام بتأليف هذه الرسالة، و لم يكتف بالإجابة على الجهة الثانية فقط، بل أجاب على كلا الجهتين المتقدّمتين للبحث، و ذلك كما يلي:


1) . المسائل السروية، ص 86.

أمّا الجهة الأُولى فقد جزم بوقوع الزواج، و اعتبره من الأُمور المعلومة تاريخيّاً و التي لا ينبغي الشكّ فيها، بل ينبغي البحث عن مَخلص للإجابة عن الإشكال الذي تثيره.

و أمّا الجهة الثانية فقد قام بتوسعة مجال البحث ليشمل تزويج النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه ابنتيه من عثمان، و زواجه هو صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه من عائشة و حفصة، فإنّ نفس الإشكال في هؤلاء وارد أيضاً؛ لأنّهم قد جحدوا النصّ على أمير المؤمنين عليه السلامُ‌، فكيف يمكن تزويج هؤلاء من بنات مؤمنات أو الزواج منهم‌؟

و لا ينفع أن يقال: إنّ حالة هؤلاء مختلفة عن حالة الخليفة الثاني؛ لأنّ هؤلاء عند زواجهم ما كانوا قد جحدوا النصّ بعدُ، و إنّما جحدوه بعد وفاة النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فيكونون عند زواجهم من المؤمنين، و لا إشكال حينئذ في زواجهم، بينما كان الخليفة الثاني عند زواجه جاحداً للنصّ‌، فيكون الإشكال خاصّاً بزواج الأخير.

لكن هذا الكلام لا يُجدي؛ لأنّه وفقاً لنظريّة «الموافاة» التي كان يؤمن بها الشريف المرتضى و غيره من متكلّمي الإماميّة، أنّ المؤمن لا يمكن أن يكفر أبداً، فلو وجدنا شخصاً قد فعل ما يوجب الكفر في فترة متأخّرة من حياته، فسوف نعلم أنّه ما كان مؤمناً طيلة حياته، و أنّه كان منذ البداية مُظهراً للإيمان و مُبطناً للكفر. و بناء على هذا، إذا جحد شخصٌ النصّ بعد وفاة النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، نعلم أنّه ما كان مؤمناً منذ البداية، و حتّى في حياة النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و بذلك يرد على زواج الخليفة الثالث و عائشة و حفصة نفسُ الإشكال الوارد على تزويج الخليفة الثاني، من دون فرق بينهم.

و لهذا قام الشريف المرتضى بالإجابة على كلا الإشكالين، أي: إشكال زواج الخليفة الثالث من بنات النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و زواج النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه من عائشة و حفصة، و إشكال زواج الخليفة الثاني من بنت أمير المؤمنين عليه

السلامُ‌. و ذلك كما يلي:

أوّلاً: ذكر في البداية جواباً عامّاً و مختصراً، و هو أنّه يمكن مبدئياً أن يقال: لا إشكال من الناحية العقليّة في تزويج الكافر، و هو ليس أمراً مستقبحاً ذاتيّاً، فإذا رأينا النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أو أمير المؤمنين عليه السلامُ قد فعلوا ذلك، فسوف نجزم بصحّة فعلهما؛ لأنّ الأحكام تؤخذ من أفعالهما.

ثانياً: أجاب بعد ذلك عن زواج الخليفة الثالث و عائشة و حفصة بعدّة إجابات، هي:

1.

أنّهم عند زواجهم كانوا يظهرون الإيمان، و لم يكونوا جاحدين للنصّ‌، بينما كان الخليفة الثاني حين زواجه جاحداً للنصّ علناً، و هذا يعني أنّ حال أولئك أفضل من حاله، و أنّ الإشكال فيهم أضعف، و لعلّ اللّٰه تعالى لم يُطلع رسوله صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه على حالهم بعد وفاته، فزوّجهم بناء على ظاهر الحال.

2.

يمكن أنّ النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه ما علم من حال عائشة و حفصة إلّاقتال أمير المؤمنين عليه السلامُ و التحريض عليه، من دون أن يكون ذلك على سبيل الاستحلال له و جحد إمامته، و مجرّدُ القتال ليس كفراً بل فسق، و لا إشكال في الزواج من الشخص الذي سوف يفسق في المستقبل، و خاصّة أنّه يمكن أن يتقدّم الإيمان على الفسق، على خلاف الكفر الذي لا يمكن أن يتقدّم الإيمان عليه، كما تقدّم عند الإشارة إلى نظريّة «الموافاة».

3.

كما يمكن أن يقال بجواز نكاح المنافق، و أنّه لا يجري مجرى نكاح المُظهر للكفر.

4.

يمكن أن يكون النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه قد فعل هذا الأمر تدبيراً و سياسة و تألّفاً.

ثالثاً: و في هذه النقطة تعرّض الشريف المرتضى للإجابة على إشكال زواج الخليفة الثاني من بنت أمير المؤمنين عليه السلامُ‌، حيث أجاب عن ذلك بأنّ أمير

المؤمنين عليه السلامُ لم يزوّج بنته اختياراً و عن رضى، بل كان مُكرهاً على ذلك، و ما فعله إلّاتقيّة، و ذلك بعد التهديد و الوعيد، و ليس النكاح بأشدّ خطراً من البيعة لهم، و إظهار طاعتهم، فإنّ أمير المؤمنين عليه السلامُ قد فعل كلّ ذلك تقيّة، فيمكن أن يكون قد رضي بالزواج تقيّة أيضاً.

هذه هي الإجابات التي أجاب بها الشريف المرتضى في هذه الرسالة عن الإشكالات المتقدمة.

نسبتها إلى المؤلّف

يدلّ على صحّة نسبة الرسالة إلى الشريف المرتضى أُمور:

منها: أنّ الإجابات الواردة فيها موافق لمَا هو موجود في كتبه و رسائله الأُخرى؛ فقد أجاب هناك بنفس الإجابات مع شيء من الاختلاف بالإجمال و التفصيل(1).

و منها: أنّ النظريّات الكلاميّة المطروحة فيها موافقة لنظريّات الشريف المرتضى المعروفة، مثل نظريّة «الموافاة»(2).

و منها: أنّه أشار في رسالته الأُخرىٰ حول نكاح أمّ كلثوم إلى تأليفه رسالة مستقلّة حول الموضوع، حيث قال:

... و أزلنا الشبهة المعترضة بها، و أفردنا كلاماً استقصيناه و استوفيناه في نكاح أُمّ كلثوم و إنكاح النبيّ بنتَيه من عثمان بن عفّان، و نكاحه هو عليه السلامُ أيضاً عائشة و حفصة، و شرحنا ذلك و بسطناه.

و هذا ينطبق على الرسالة التي بين أيدينا انطباقاً تامّاً، فإنّها رسالة مستقلّة، و تعرّضت إلى زواج المذكورين.


1) . راجع: الذخيرة، ص 477؛ الشافي، ج 3، ص 272.

2) . راجع: الذخيرة، ص 521.

و منها: أنّ ابن الجوزي (ت 597 ه‍) قد نقل هذه الرسالة بأكملها في كتابه المنتظم، و نسبها إلى الشريف المرتضى و قال: «أخبرنا محمّد بن ناصر الحافظ، أخبرنا أبو الفضل أحمد بن الحسين بن خيرون المعدّل أنّه نَسَخَ من نسخةٍ ذَكَرَ ناسخُها أنّه كتبها عن المرتضى، من تأليفه و كلامه». ثمّ نقل نصّ الرسالة(1)و هذا يدلّ على تصحيح النسبة بصورة كبيرة جدّاً.

إذن كلّ هذه القرائن تدلّ علىٰ تصحيح نسبة الرسالة.

من فوائد المخطوطات

جاء في هامش النسخة «ب» من نسخ هذه الرسالة فائدة من الناصر جدّ الشريف المرتضى لأُمّه، فضّلنا نقلها هنا و إن كانت تختلف في الرؤية مع ما ذكره الشريف المرتضى في هذه الرسالة، و الفائدة هي:

[قال:] الناصر للحقّ جدُّ المرتضى لأُمّه: الصحيح عندنا أنّ عليّاً عليه السلام لم يزوّج ابنته من عمر، و أنّ عمر جاء إلى عليّ عليه السلام، و قال له: جئتُك خاطباً على أمّ كلثوم، و قد بذلتُ لها من المهر أربعين ألف درهم، فإنّي سمعت رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله يقول: «كلّ سبب و نسب منقطع يوم القيامة إلّاسببي و نسبي»، فأحببتُ أن يكون لي برسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله سبب و نسب.

فقال له عليّ عليه السلام: «ما يمنعنا إلّاالصغر».

فغضب عمر، و انصرف عنه، و بعث إلى العبّاس و دعاه، و قال له: ما لي‌؟ أبي بأس‌؟

فقال العبّاس: و ما ذاك، يا أمير المؤمنين‌؟

فقال: خطبتُ إلى ابن أخيك فردّني. و اللّٰه إن لم يفعل لأردمنّ زمزم فأضيّق على


1) . المنتظم، ج 15، ص 295.

الطائفين، و لأرفعنّ السقاية، و لأمحونّ أسماءَكم من ديوان الأعطية، و لا أدع لكم مكرمة إلّاطمستُها.

فقال له العبّاس: فدعني حتّى ألقاه.

فجاء إلى عليّ عليه السلام، و قال: إنّ الرجل يقول كذا و كذا، و أوعد كذلك، و اللّٰه لا آمنه أن يفعل شرّاً ممّا قال.

فقال له عليه السلام: «إنّها صغيرة، و مثلها لا تُزوّج».

فقال له العبّاس: فدعني حتّى أردّ عنك بأمر جميل.

فقال له عليّ عليه السلام: «لا تطمعه في التزويج، و اعمل ما بدا لك».

قال الناصر: فهذه جملة ما جرى بينهم في خطبتها، فلم يبالِ عليٌّ بتهديده و إيعاده.

قال: و إنّما غلط الناس في ذلك؛ لأنّ عمر كانت عنده امرأة يقال لها: أُمّ كلثوم بنت الجرو (كذا، و الصواب: جرول) الخزاعيّة، فوافق اسمها اسمها، فغلطوا و ظنّوا أنّ تلك أُمّ كلثوم بنت عليّ عليه السلام. انتهى كلام الناصر.

و هل هو إمامي المذهب أم زيدي المذهب‌؟ فالإمامية تقول: بأنّه إمامي، و الزيدية تقول بأنّه زيدي، و اللّٰه أعلم.

و قد كتبتُ هذا النقل مِن خطّ مَن نَقَلَ مِن خطّه.

انتهت الفائدة.

هذا و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت من قبل مؤتمر ألفيّة الشيخ المفيد رحمه اللّٰه سنة 1413 ه‍، ذيل رسالة منسوبة للشيخ المفيد حول نفس الموضوع، عنوانها:

«تزويج عليّ عليه السلام بنته من عمر»، و حَملت هذه الرسالة الرقم 47 من بين رسائل الشيخ المفيد. و هذه الطبعة هي التي أشير إليها في هذا التحقيق بكلمة:

«المطبوع». كما طبعت في ضمن كتاب المنتظم لابن الجوزي كما تقدّم. و نُقل نصّ الرسالة من كتاب المنتظم في مجلّة كتاب الشيعة، العدد المزدوج 9-10، ص 229.

مخطوطات الرسالة
ألف) النسخ المعتمدة:
1. مخطوطة مكتبة مدرسة السلطاني بكاشان، المرقّمة 300/5؛ نُسخت في أوائل القرن 11 بخطّ النسخ، و لم يُعلم اسم ناسخها.

و هي مجموعة تحتوي على سبع رسالات مختلفة، لا تتعلّق بالشريف المرتضى إلّا هذه الرسالة.

و على هوامشها علامات للتصحيح و المقابلة. و تشاهد في الورقة الأُولىٰ منها علامات للتّملّك و الوقف، منها ما تتعلّق بسيف الدين قاضي حسن مع خاتمه البيضوي المكتوب عليه «عبده سيف الدين بن حسن»؛ و منها ما كُتب عليه: «عبده الراجي محمّد بن محمّد جعفر»؛ و منها ما كُتب عليه: «عبده مؤمن بن محمّد».(1)

و رمزنا لها ب‍ «أ».

2. مخطوطة مكتبة الملك بطهران، المرقّمة 1838/5؛ نسخت بخطّ النستعليق، و لم يُعلم اسم ناسخها، و الظاهر أنّها تتعلّق بالقرن 11.

و عليها تشاهد علامة وقف من قِبَل: «ملّا هادي» مع خاتمه، و علامة أُخرى من قِبَل: «ملّا عليّ نقي» بتاريخ 1028 ه‍.

و هي مجموعة تحتوي على 14 رسالة متعدّدة، لا تتعلّق بالشريف المرتضى إلّا هذه الرسالة.(2)

و رمزنا لها ب‍ «ب».

3. مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 3694؛ تقع في الصفحات (19-23) من المجموعة، و كان الفراغ من نسخها في ربيع الأوّل سنة

1) . راجع: فهرس المكتبة، ص 454-458.

2) . راجع: فهرس المكتبة، ج 5، ص 378.

1220 ه‍ (هكذا قد تقرأ السنة، و قد تقرأ 1330 ه‍)، و رمزنا لها ب‍ «ج».

4.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 903/3؛ تقع في الصفحات (2-9) من المجموعة؛ نسخها حمزة بن محمود الحلّي متولّي مسجد الشمس في الحلّة سنة 1086 ه‍، و رمزنا لها ب‍ «د».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه الگلپايگاني رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6853 (12507)؛ نسخها «محمّد رحيم الكاتب القزويني» بأمر «محمّد شفيع الحسينيّ‌» بين الأعوام «1101-1103 ه‍) بخطّ النستعليق.

و هي مجموعة تحتوي على 41 رسالة، لا تتعلّق بالشريف المرتضى إلّاهذه الرسالة، و هي الرسالة الثالثة من المجموعة، و نسبت في فهرس المكتبة سهواً إلى الشيخ البهائي.(1)

و تشاهد في الورقة الأُولى من النسخة علامة تملّك «محمّد حسين بن محمّد تلقي الطسوجي» مع خاتمه بتاريخ 1215 ه‍.

و تقع الرسالة في ثلاث صفحات، و رمزنا لها ب‍ «س».

ب) سائر النسخ:
1.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2929) 1162؛ تقع في الصفحات (3-6) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ع».

2.

مخطوطة مكتبة مدرسة الفيضيّة بقمّ‌، المرقّمة 1879/6؛ نسخها «أبو تراب بن عبد اللّٰه» بخط النستعليق، و فرغ منها يوم الخميس، الرابع من جمادى الثانية، سنة 1340 ه‍ في المشهد الغروي.

و تشاهد فيها صورة إجازة «الشريعة الأصفهاني» إلى «محمّد حسين الخوانساري» بتاريخ 19 من جمادى الثاني من شهور سنة 1344 ه‍.


1) . راجع: فهرس المكتبة، ج 8، ص 4007.

و هي مجموعة تحتوي على ست رسائل، لا تتعلّق بالشريف المرتضى إلّاهذه الرسالة، و هي الرسالة السادسة منها.(1)و تقع في صفحة واحدة، و رمزنا لها ب‍ «ف».

3.

مخطوطة مكتبة أمير المؤمنين عليه السلامُ بالنجف الأشرف، المرقّمة 497؛ نسخها «عبد الحسين بن أحمد الأمينيّ التبريزيّ‌» في صفر سنة 1346 ه‍. و الرسالة تقع في خمس صفحات، و رمزنا لها ب‍ «ي».

4.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 7539؛ تقع في الصفحات (71-74) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ل».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه البروجردي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 224/8؛ نسخها «الحاج أحمد بن عليّ أكبر الخادمي البروجردي» في العاشر من رجب سنة 1360 ه‍ بأمر آية اللّٰه البروجردي رحمه اللّٰه.

و هي مجموعة تحتوي على ثمان رسائل، لا تتعلّق بالشريف المرتضى إلّاهذه الرسالة و رمزنا لها ب‍ «ر».(2)

6. مخطوطة مكتبة مؤسّسة كاشف الغطاء بالنجف؛ نسخها السيّد أحمد بن السيّد حبيب زوين الحسيني الأعرجي النجفي في المشهد الغروي، و رمزنا لها ب‍ «ك».

1) . راجع: فهرس المكتبة، ص 135 و 136.

2) . راجع: فهرس المكتبة، ص 143.

إنكاحُ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام ابنَتَه مِن عُمَرَ

اشارة

بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ‌(1)

مَسألةٌ‌(2):

قالَ‌(3)المُرتَضىٰ - رَضِيَ اللّٰهُ عنه -: سَألَنيَ الرَّئيسُ - أَدامَ اللّٰهُ تَمكينَه(4)- عنِ السببِ في إنكاحِ‌(5)أميرِ المُؤمنينَ عليه السلامُ بِنتَه عُمَرَ بنَ الخَطّابِ‌، و كَيفَ يَصِحُّ ذلكَ معَ اعتقادِ الشيعةِ الإماميَّةِ في عُمَرَ أنَّهُ علىٰ حالٍ لا يَجوزُ مَعَها إنكاحُه‌؟(6)و أنَا أذكُرُ(7)مِنَ الكلامِ في ذلكَ جُملَةً كافيَةً يُنتَفَعُ‌(8)بالِاطِّلاعِ علَيها.(9)

اِعلَم(10)أنَّ الزَّيديَّةَ‌(11)القائِلينَ بالنَّصِّ علىٰ‌


1) . في المطبوع: + «الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة علىٰ محمّد و آله الطاهرين».

2) . في «أ»: + «من إملاء السيّد المرتضىٰ قدّس اللّٰه روحه، و صلواته على سيّد المرسلين محمّد و آله الطاهرين».

3) . في «د»: + «السيّد».

4) . في «أ»: «تمكّنه». و في «د» الكلمة غير مقروءة.

5) . في «ب، د»: «نكاح».

6) . في «ب، د، س»: «نكاحه». و في «د»: - «على حال».

7) . في «أ»: + «في ذلك». و في «د»: «و إنّما» بدل «و أنا».

8) . في «د، س»: «تنفع». و في «أ، ج»: - «في ذلك».

9) . في «أ، ب»: - «عليها».

10) . في «أ، د»: «و اعلم».

11) . في «أ»: - «أنّ الزيديّة». و هم أتباع زيد بن عليّ بن الحسين عليه السلام (79-121 ه‍)، الذي قُتلَ وصُلبَ بالكُناسة - موضع قريب من الكوفة -؛ و هم يعتقدون بإمامة كلّ فاطميّ عالم صالح ذي رأي يخرج بالسيف. راجع: الإرشاد للمفيد، ص 268؛ فِرق الشيعة، ص 58؛ الملل و النحل، ص 137؛ معجم رجال الحديث، ج 7، ص 345، الرقم 4870.

أميرِ المُؤمنينَ عليه السلامُ‌(1)بَعدَ الرسولِ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بغَيرِ فَصلٍ قَد(2)سَلِموا مِن هذِه المَسألةِ و أمثالِها؛ لأنَّهُم يَذهَبونَ إلىٰ‌(3)أنَّ دَفعَ النَّصِّ فِسقٌ - و إن كانَ ذَنباً كَبيراً يُستَحَقُّ بِه الخُلودُ في نارِ جَهنَّمَ - و ليسَ بِكُفرٍ، و الفاسِقُ يَجوزُ نِكاحُه و إنكاحُه(4)، و لَيسَ كذلكَ الكافِرُ. و يَبقَى الكلامُ معَ الإماميّةِ الذينَ يَذهَبونُ إلىٰ أنَّ دفعَ النَّصِّ كُفرٌ، و يُسأَلونَ‌(5)علىٰ ذلكَ مَسائلَ‌:

منها: إنكاحُ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ علَيه و آلِه عُثمانَ بنَ عَفّانَ ابنَتَيهِ واحِدةً بَعدَ أُخرىٰ‌، و أنَّ ذلكَ يَمنَعُ‌(6)القَولَ بِكُفرِه بِجَحدِه النَّصَّ علىٰ أميرِ المُؤمِنينَ‌(7)عليه السلامُ‌.(8)

و لَيسَ لَكُم أن تَقولوا: جَحدُ النَّصِّ إنَّما كانَ بعَدَ وَفاةِ النبيِّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فَهوَ غَيرُ مُؤَثِّرٍ(9)، و إنَّما(10)يَقدَحُ‌(11)فِيما يَكونُ في حَياتِه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

لأنَّ دَفعَ النَّصِّ عندَكُم كُفرٌ(12)، و الكافِرُ(13)لا يَجوزُ أن يَقَعَ مِنه إيمانٌ مُتَقدِّمٌ‌؛ بَلِ‌


1) . في المطبوع: + «بالإمامة».

2) . في «ب، ج»: - «قد».

3) . في المطبوع: - «إلىٰ‌».

4) . هكذا في «ب، ج». و في «أ، س»: «إنكاحه و النكاح إليه» بدل «نكاحه و إنكاحه». و في «د»: «إنكاحه و النكاح» بدلها.

5) . في المطبوع «و يفرّعون». و في «أ»: «و يسلّمون».

6) . في «س»: «مع».

7) . في «أ»: + «عليّ‌».

8) . في «أ، س»: + «غير جائز». و في «د»: + «و هو غير جائز».

9) . في المطبوع: «غير منافٍ‌».

10) . في «ب، ج»: «و لا». و في «س»: «و ممّا».

11) . في «د»: «و القدح» بدل «و إنّما يقدح». و في حاشية «ج»: «يفيد» بدل «يقدح».

12) . هكذا في «ب». و في «ج»: - «عندكم». و في «أ، د، س» و المطبوع: «إذا كان كفراً» بدل «عندكم كفر».

13) . في «أ، د، س» و المطبوع: + «عندكم».

المُستَقِرُّ عندَكُم(1)أنَّ مَن آمَنَ باللّٰهِ طَرفةَ عَينٍ لا يَجوزُ أن يَكفُرَ بَعدَ إيمانِه.(2)

فعَلىٰ هذَا المَذهَبِ أنَّ كُلَّ مَن كفَرَ بدَفعِ‌(3)النَّصِّ لا يَجوزُ(4)أن يَكونَ لَه حالُ‌(5)إيمانٍ مُتَقدِّمةٌ‌(6)و إن أظهَرَ الإيمانَ فهوَ مُبطِنٌ لخِلافِه(7). و المَسألةُ لازمةٌ‌(8)معَ هذَا التحقيقِ‌.(9)

و مِن مَسائِلِهم أيضاً علىٰ هذَا المَذهَبِ‌(10): أنَّ عائشةَ إذا كانَت بقِتالِها لأميرِ(11)المُؤمِنينَ عليه السلامُ قَد كفَرَت(12)، و بدَفعِها أيضاً إمامَتَه؛ و كانَت حَفصَةُ‌(13)شَريكَةً لَها في إنكارِ إمامَتِه و الإجلابِ‌(14)علَيه، فقَدِ اشتَرَكَتا في الكُفرِ؛ و علىٰ مَذهَبِكُم(15)لا يَجوزُ أن يَكونَ الإيمانُ واقعاً في حالٍ مُتَقَدِّمٍ مِمّن كفَرَ و ماتَ علىٰ كُفرِه، فكَيفَ ساغَ للنبيِّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه أن يَنكِحَهُما، و هُما في تِلكَ الحالِ غَيرُ مُؤمِناتٍ‌(16)؟!


1) . في «أ، د، س» و المطبوع: «من مذهبكم» بدل «عندكم».

2) . هذا وفقاً لنظريّة «الموافاة» التي كان يذهب إليها المصنّف رحمه اللّٰه. راجع: الذخيرة، ص 521.

3) . في «ب، ج»: «بجحود». و قوله: «بدفع النصّ‌» أي بسبب دفع النصّ و جحده.

4) . في «س»: - «أن يكفر بعد إيمانه...» إلى هنا.

5) . في «ج»: - «حال». و في «أ»: - «أن يكون».

6) . في «ب، ج» و المطبوع: «متقدّم».

7) . في «أ، ج، د» و المطبوع: «بخلافه».

8) . في «ب، ج» و المطبوع: + «لكم».

9) . في «ج»: - «مع هذا التحقيق».

10) . في «د»: «هذه المذاهب».

11) . في «د»: «أمير» بدون اللام.

12) . في المطبوع: + «أيضاً».

13) . في المطبوع: + «أيضاً».

14) . في «أ، ج» و المطبوع: «و الاختلاف». و في «ب» الكلمة غير مقروءة.

15) . في «أ، د، س»: «مذاهبكم».

16) . في المطبوع: «غير مؤمنَين». و الصواب: «غير مؤمنتَين».

و مِنَ المَسائلِ أيضاً(1): تَزويجُ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلامُ بِنتَه عُمَرَ(2)بنَ الخَطّابِ‌، و تَحقيقُ الكَلامِ في ذلكَ كتَحقيقِه في عُثمانَ‌، و قَد تَقدَّمَ مِنهُ‌(3)ما فِيه كِفايةٌ‌.

[

إنكاحُ النبيِّ صلى الله عليه و آله ابنَتَيهِ عُثمانَ و نكاحُه عائشةَ و حفصةَ‌

و الجَوابُ‌:

أنَّ إنكاحَ الكافِرِ أو نِكاحَ الكافِرَةِ‌(4)أمرٌ لا يَدفَعُه العَقلُ‌، و لَيسَ في مُجَرَّدِهِ‌(5)ما يَقتَضي قُبحَه، و إنَّما يُرجَعُ في قُبحِه و حُسنِه(6)إلىٰ أدِلَّةِ‌(7)السَّمعِ‌، و لا شَيءَ أَوضَحُ و أَدَلُّ علَى الأحكامِ مِن فِعلِ النبيِّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و(8)فِعلِ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلامُ‌؛ و إذا رَأَيناهُما قَد نَكَحا و أَنكَحا إلىٰ مَن ذُكِرَت حالُه، و فِعلُهما عليهما السلامُ حُجَّةٌ و مِمّا لا يَقَعُ إلّاصَحيحاً و صَواباً، قَطَعنا علىٰ جَوازِ(9)ذلكَ‌، و أنَّهُ غَيرُ قَبيحٍ‌، و لا مَحظورٍ(10).

و بعدُ، فلَيسَت(11)حالُ عُثمانَ في نِكاحِه(12)بِنتَي رَسولِ اللّٰهِ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه


1) . في «ج»: - «أيضاً».

2) . في «أ»: «لعمر».

3) . في «أ»: - «منه».

4) . هكذا في «س». و في سائر النسخ: «أنّ نكاح الكافرة أو نكاح (د: إنكاح) الكافر». و في المطبوع: «أنّ نكاح الكافر أو إنكاحه».

5) . في «ب، ج» و المطبوع: «مجرّد فعله» بدل «مجرّده».

6) . في «د»: «حسنه أو قبحه». و في «س»: «قبحه أو حسنه». و في المطبوع: «حسنه و قبحه».

7) . في «ب، ج، د»: - «أدلّة».

8) . في المطبوع: «أو».

9) . في «س»: «قطر».

10) . في «أ» و المطبوع: «و لا محذور». و في «س»: «و لا محصور». و في «ج»: + «فيه». و في «ب»: - «و ممّا لا يقع إلّاصحيحاً...» إلى هنا.

11) . في «ب، ج»: «فإن قيل» بدل «و بعد». و في «أ»: «فليس»، و في «ب، ج»: «ليست» بدل «فليست».

12) . في «د، س»: «إنكاحه».

و حالُ‌(1)عائِشةَ و حَفصةَ كحالِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ في نِكاحِه بِنتَ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلامُ‌؛ لأنَّ عُثمانَ كانَ في حَياةِ النبيِّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم(2)يَظهَر مِنهُ ما يُنافي الإيمانَ‌، و إنَّما كانَ مُظهِراً بغَيرِ شَكٍّ الإيمانَ‌(3)، و كذلكَ عائِشةُ و حَفصَةُ‌، و عُمَرُ بنُ الخَطّابِ في حالِ نِكاحِ‌(4)بِنتِ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلامُ كانَ مُظهِراً مِن جَحدِ النَّصِّ ما هوَ كُفرٌ؛ فَالحالُ‌(5)مُفتَرِقَةٌ‌.

و إذا قيلَ‌(6): أَيُّ انتفاعٍ‌(7)بإظهارِ الإيمانِ و النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ علَيه و آلِه يَقطَعُ علىٰ كُفرِ(8)مُظهِرِه في الباطِنِ‌(9)؟ لأنَّهُ إذَا عَلِمَ أنَّه سيَظهَرُ مِمَّن أَظهَرَ الإيمانَ في تلكَ الأحوالِ كُفرٌ و يَموتُ علَيه، فلا بُدَّ مِن(10)أن يَكونَ في الحالِ‌(11)قاطِعاً علىٰ أنَّ الإيمانَ المُظهَرَ(12)هوَ نِفاقٌ‌، و أنَّ الباطِنَ بخِلافِه؛ فقَد عُدنا إلىٰ أنَّهُ نَكَحَ و أَنكَحَ‌(13)معَ القَطعِ علَى الكُفرِ.

قُلنا(14): غَيرُ مُمتَنِعٍ أن يَكونَ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في حالِ إنكاحِ عُثمانَ‌(15)


1) . في المطبوع: + «نكاح». 2. في «أ» و المطبوع: «و لم».

2)

3) . في «د»: «للإيمان». 4. في المطبوع: «نكاحه».

4)

5) . في «ب، ج»: «فحالتهما». و في «د»: «و الحال».

6) . في «ب، ج»: «قلنا» بدل «و إذا قيل». و في «أ»: «فإن»، و في «س» و المطبوع: «فإذا» بدله.

7) . في المطبوع: + «الآن». 8. في المطبوع: «بكفر» بدل «علىٰ كفر».

8)

9) . في «ب، ج»: «مُضمِرِه» بدل «مظهره في الباطن». و في المطبوع: «بالباطن» بدل «في الباطن».

10) . في «أ»: «بل منّا» بدل «فلا بدّ من». و في «س»: - «من».

11) . في «ب، ج»: «تلك الأحوال» بدل «في الحال».

12) . في المطبوع: + «إنّما».

13) . في «أ، س»: «أنكح و نكح» بدل «نكح و أنكح».

14) . في «ب، ج»: «فإن قيل» بدل «قلنا».

15) . في «أ»: «إنكاحه عليه السلام» بدل «إنكاح عثمان».

لَم يَكُنِ اللّٰهُ تَعالىٰ أَطلَعَه علىٰ أنَّهُ سيَجحَدُ النَّصَّ بَعدَهُ‌؛ فإنَّ ذلكَ مِمّا لا يَجِبُ الاطِّلاعُ علَيه. ثُمَّ إذا ظَهَرَ مِن مَذهَبِ الإماميّةِ أنَّهُ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ مُطَّلِعاً علىٰ ذلكَ‌، فلَيسَ مَعَنا تاريخٌ لِوَقتِ‌(1)اطّلاعِه علَيه(2)، و يَجوزُ أن يَكونَ علَيه السَّلامُ إنَّما عَلِمَ بذلكَ بَعدَ الإنكاحِ أو بَعدَ مَوتِ المَرأتَينِ المَنكوحَتَينِ‌.

و كذلكَ القَولُ في عائِشةَ و حَفصَةَ‌؛ لِجَوازِ أن(3)يَكونَ ما عَلِمَ بأحوالِهِما إلّابَعدَ النِّكاحِ‌(4)لَهُما.

فإذا(5)قيلَ‌: فكانَ يَجِبُ علَيه أن يُفارِقَهُما بَعدَ العِلمِ بِما لا يَجوزُ استِمرارُ(6)الزَّوجيَّةِ مَعَه.

قُلنا: أَمكَنَ‌(7)أن يُقالَ‌: لَيسَ مَعَنا قَطعٌ علىٰ أنَّه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه عَلِمَ‌(8)أنَّ المَرأتَينِ‌(9)تَجحَدانِ‌(10)النَّصَّ‌؛ فإنَّ ذلكَ‌(11)لَم تَرِد(12)به رِوايةٌ مُعتبَرَةٌ‌، و


1) . هكذا في «ف، ر، ي». و في «أ، ب، ج، د، س» و المطبوع: «بوقت».

2) . في المطبوع: - «عليه».

3) . في «ب، ج»: - «لجواز أن». و فيهما: «حفصة و عائشة» بدل «عائشة و حفصة».

4) . هكذا في «د». و في سائر النسخ و المطبوع: «الإنكاح».

5) . في «أ، ب»: «فإن».

6) . في «ب، ج، د»: - «استمرار».

7) . في «ب، ج» و المطبوع: «يمكن». و في «أ، د»: - «قلنا».

8) . في «د»: «أُعلم».

9) . في «س»: - «المنكوحتين. و كذلك القول في...» إلى هنا.

10) . في المطبوع: «من المرأتين جحدان» بدل «أنّ المرأتين تجحدان».

11) . في المطبوع: + «ممّا»

12) . هكذا في «ف». و في سائر النسخ و المطبوع: «لم يرد».

أكثَرُ ما وَرَدَت بِه الرِّوايةُ - و إن(1)كانَت مِن جِهَةِ الآحادِ و مِمّا لا يُقطَعُ بِمِثلِه - أنَّه قال صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لعائِشَةَ‌: «ستُقاتِلينَهُ‌(2)و أنتِ ظالمةٌ لَه»(3).

و هذا إذا صَحَّ و قُطِعَ علَيه أمكَنَ أن يُقالَ فيه: إنَّ مَحضَ القِتالِ لَيسَ بكُفرٍ، و إنَّما يَكونُ كُفراً إذا وَقَعَ على سَبيلِ الاستِحلالِ‌(4)و الجُحودِ لإمامَتِه و نَفيِ فَرضِ طاعَتِه.

و إذا جازَ أن يَكونَ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لَم يَعلَم بأكثَرَ(5)مِن مُجَرَّدِ(6)القِتالِ - الذي يَجوزُ أن يَكونَ فِسقاً، و(7)يَجوزُ أن يَكونَ كُفراً - فَلا يَجِبُ أن يَكونَ قاطِعاً(8)على نِفاقِ‌(9)المَرأتَينِ في الحالِ‌؛ لأنَّ الفاسِقَ في المُستَقبَلِ لا(10)يَمتَنعُ أن يَتَقَدَّمَهُ‌(11)الإيمانُ‌، بَل لا يَمتَنِعُ أن يَكونَ في حالِ فِسقِه علَى الإيمانِ‌.

و هذِه المُحاسَبَةُ و المُناقَشَةُ‌(12)لَم تَمضِ‌(13)في كُتُبِ أحَدٍ مِن أصحابِنا(14)، و فيها سُقوطُ هذِه المَسألةِ‌.


1) . في «ب، ج»: - «و إن». و في «أ، ج، د»: - «به». و في «أ، د، س»: - «معتبرة».

2) . هكذا في «ف، ر، ي» و المطبوع. و في سائر النسخ: «ستقاتليه».

3) . في وقعة الجمل، ص 106: «يا حُميراءُ‌، إنّكِ لَتُقاتلينَ عليّاً و أنتِ ظالمةٌ له».

4) . في المطبوع: + «له».

5) . في المطبوع: «أكثر».

6) . في «ب، ج»: - «مجرّد». و فيهما: «أكثر» بدل «بأكثر».

7) . في المطبوع: «أو».

8) . في «ب، ج»: «قطعنا» بدل «فلا يجب أن يكون قاطعاً».

9) . في «س»: «قتال». و في المطبوع: «نكاح».

10) . في «أ»: - «لا».

11) . في «أ»: «أن يتقدّم». و في «د»: «أن يتقدّم منه». و في «س»: «أن يُقدّم منه».

12) . في «س»: «و المناشدة». و في «أ»: «المباحثة» بدل «المحاسبة».

13) . هكذا في «د، س». و في «أ، ب، ج»: «لم يمض». و في المطبوع: «لم تنصّ‌».

14) . في «ج»: «الأصحاب». و في «ب، ج»: - «أحد من».

علىٰ أنَّنا(1)إذا سَلَّمنا علىٰ أشَدِّ الوُجوهِ أنَّه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه عَلِمَ أنَّهُما(2)في الحالِ علىٰ نِفاقٍ‌، و عَلِمَ في عُثمانَ أيضاً(3)مِثلَ ذلكَ في حالِ إنكاحِه - لا بَعدَ ذلكَ - جازَ أن نَقولَ‌: إنَّ نِكاحَ المُنافِقِ و إنكاحَهُ جائزٌ في الشريعَةِ‌، و لا يَجِبُ أن يُجرَى المُنافِقُ مُجرىٰ مُظهِرِ الكُفرِ و مُعلِنِه(4). و إذا جازَ أن تُفَرِّقَ‌(5)الشريعَةُ بَينَ الكافِرِ الحَربيِّ و المُرتَدِّ و بَينَ‌(6)الذِّمِّيِّ في جَوازِ النِّكاحِ - فيَصِحَّ‌(7)نِكاحُ الذِّمِّيَّةِ عندَ مُخالفِينا كُلِّهِم معَ الِاختيارِ، و عِندَنا معَ الضَّرورَةِ و فَقدِ المُؤمِناتِ‌، و لا يَصِحَّ‌(8)نِكاحُ الحَربيَّةِ علىٰ كُلِّ حالٍ - جازَ أن تُفَرِّقَ‌(9)بَينَ مُظهِرِ الكُفرِ(10)و المُنافِقِ‌(11)في جَوازِ إنكاحِه و نِكاحِه(12).

و الشيعَةُ الإماميَّةُ تَقولُ‌: إنَّ النبيَّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ يَعرِفُ جَماعةً مِنَ المُنافِقينَ بأعيانِهِم، و يَقطَعُ علىٰ أنَّ‌(13)في بَواطِنِهمُ‌(14)الكُفرَ؛ بِدَلالَةِ قَولِه تَعالىٰ‌:


1) . في «ب، ج»: «أنّا».

2) . في «أ»: «بهما».

3) . في «أ، د، س» و المطبوع: «أيضاً في عثمان» بدل «في عثمان أيضاً».

4) . في «أ»: «و مقبله».

5) . في «أ، د، س»: «أن يفرّق».

6) . في «أ»: - «بين».

7) . في «س»: «فيُباح». و في «د»: «فيُبيح».

8) . في «س»: «و لا يُباح». و في «د»: «و لا يُبيح».

9) . في «أ، ج، د»: «أن يفرّق».

10) . في «أ»: «المُظهر للكفر» بدل «مظهر الكفر». و في «د، س»: + «و مبطنه في جواز النكاح؛ و إذا فرّقت الشريعة بين نكاح الذمّي و النكاح إليه [في «س»: + «جائز»]، جاز الفرق بين المظهر للكفر».

11) . في المطبوع: «و مُبطِنه» بدل «و المنافق».

12) . في «س»: - «و نكاحه».

13) . في المطبوع: «بأنّ‌» بدل «علىٰ أنّ‌».

14) . في «ج»: «نواصيهم». و في «أ»: «بأنّ‌» بدل «علىٰ أنّ‌».

«وَ لاٰ تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً وَ لاٰ تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ‌» الآيةَ‌(1). في «أ، د»: «المؤمن».(2)، و مُحالٌ أن يَتَعبَّدَهُ بتَركِ الصلاةِ علَيه و القيامِ علىٰ قَبرِه إلّاو قَد عَيَّنَه تَعالىٰ لَه(3)صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ و بدَلالةِ قَولِه(4)تَعالىٰ‌: «وَ لَوْ نَشٰاءُ لَأَرَيْنٰاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمٰاهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ‌» .(5)

و إذا كانَ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه(6)عارِفاً بأحوالِ المُنافِقينَ‌(7)، و مُمَيِّزاً لَهُم مِن(8)غَيرِهِم، و معَ هذا فَما رَأَيناهُ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه فَرَّقَ بَينَ أحدٍ مِنهُم و بَينَ زَوجَتِه، و لا خَالَفَ بَينَ أحكامِه(9)و أحكامِ المُؤمِنينَ‌(9)، و كانَ علَى الظاهِرِ يُعَظِّمُهُم كما يُعَظِّمُ الذي لا قَطعَ علىٰ‌(10)نِفاقِه؛ فَقَد بانَ أنَّ الشريعةَ قَد فَرَّقَت بَينَ مُظهِرِ الكُفرِ و مُبطِنِه في هذِه الأحكامِ‌.

فإن قيلَ‌: فيَجوزُ(11)أن يَكونَ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه نَكَحَ و أَنكَحَ مَن يَعلَمُ خُبثَ باطِنِه(12)مُختاراً؟


1) . التوبة

2) :84. و في المطبوع: - «الآية».

3) . في المطبوع: - «له».

4) . في «ب، ج»: «بقوله». و فيهما: - «بدلالة».

5) . محمّد (47):30.

6) . في «أ»: - «و بدلالة قوله تعالى...» إلىٰ هنا.

7) . في «أ»: «المنافق».

8) . في المطبوع: «عن».

9) . في المطبوع: «أحكامهم».

10) . في «ب، ج» و المطبوع: «يقطع بعدم» بدل «لا قطع على».

11) . في «د»: «فيجوّزون». و في المطبوع: «أفيجوز».

12) . في «أ»: «خبثه باطناً و» بدل «خبث باطنه». و في «د»: «ناقليه» بدل «باطنه».

قُلنا(1): فِعلُه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه لذلكَ‌(2)يَقتَضي أنَّهُ مُباحٌ‌، غَيرَ أنَّهُ يَبعُدُ أن يُنكِحَ أحَدُنا غَيرَهُ معَ قَطعِه علىٰ أنَّهُ عَدُوٌّ في الدِّينِ‌، و إن جازَ أن تُبيحَ الشريعَةُ ذلكَ‌.

فالأَشبَهُ‌(3)أن يَكونَ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه إذا فَرَضنا أنَّهُ عالِمٌ بخُبثِ باطنِ مَن أَنكَحَه و نَكَحَه(4)في الحالِ‌(5)، أن يَكونَ فَعَلَ ذلكَ لتَدبيرٍ(6)و سياسَةٍ و تَألُّفٍ‌(7)، و إلّا فمع الإيثارِ و ارتفاعِ‌(8)الأسبابِ لا يَجوزُ أن يَفعَلَ ذلكَ‌.

و مَن حَمَلَتهُ نَفسُه مِن(9)غَفَلَةِ أصحابِنا علىٰ أن دَفَعَ كَونَ رُقَيَّةَ و زينَبَ‌(10)بِنتَي رَسولِ اللّٰهِ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه علَى الحَقيقَةِ‌، و زَعَمَ أنَّهُما بِنتا خَديجَةَ - رَضِيَ اللّٰهُ عَنها - مِن(11)أبي هالَةَ‌(12)، دافِعٌ لِما(13)هوَ مَعلومٌ ضَرورةً‌؛ لأنَّ العِلمَ بذلكَ ممَّن(14)


1) . في «ب»: «فأمّا». و في «ج»: «و أمّا».

2) . في «أ»: «كذلك». و في «س»: «بذلك».

3) . في «ب، ج، س»: «و الأشبه».

4) . في «د، س»: - «و نكحه». و في «أ»: - «أنكحه و».

5) . في «ب، ج»: «و الحال» بدل «في الحال». و في «ب، ج» و المطبوع: + «يقتضي».

6) . في «ب»: «تدبير». و في «ج» و المطبوع: «تدبيراً». و في «د»: «لتدبّر».

7) . في «ج» و المطبوع: «و تألّفاً».

8) . في «س»: + «تلك». و في «أ، س»: «مع» بدل «فمع».

9) . في «ب، ج»: - «حملته نفسه من». و في «د»: «جهل»، و في «س»: «حمل» بدل «حملته».

10) . في «ب، ج»: + «ليستا». و فيهما: «من قال: إنّ‌» بدل «على أن دفع كون». و في المطبوع: «رقيّة و زينب ليستا بنت» بدل «دفع كون رقيّة و زينب بنتي».

11) . في «أ»: «بن» بدل «من»، و هو سهو.

12) . في جميع النسخ ما عدا «أ»: «هالة بن أبي هالة». و في المطبوع: «[هالة] ابن أبي هالة». و هو سهو، فإنّ الذي قيل إنّه كان زوجاً لخديجة عليها السلام قبل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله هو أبو هالة و اسمه هند بن النبّاش، و أمّا هالة فقيل هو ابن خديجة عليها السلام. راجع: الإصابة، ج 6، ص 406؛ أُسد الغابة، ج 5، ص 50؛ الثقات لابن حِبّان، ج 3، ص 437.

13) . في «أ»: «بما». و في «ب، ج» و المطبوع: «غير صحيح» بدل «دافع».

14) . هكذا في «ف، ر، ي» و المطبوع. و في سائر النسخ: «فيمن».

خالَطَ أهلَ الأخبارِ كالعِلمِ بغَيرِه(1)مِنَ الأُمورِ الظاهِرَةِ‌، و الشكُّ‌(2)فيهِ كالشكِّ في أمرٍ مَعلومٍ بالأخبارِ(3)، و ما بِنا إلَى المُكابَراتِ في المَعلوماتِ حاجَةٌ‌(4)، و الحَمدُ اللّٰهِ وَحدَهُ‌.(5)

[

حَقُّ القَولِ في إنكاحِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام ابنَتَه مِن عُمَرَ

و أمَّا الكَلامُ في نِكاحِ‌(6)عُمَرَ، فَقَد تَقدَّمَ أنَّ العَقلَ لا يَمنَعُ مِن(7)مُناكَحَةِ الكُفّارِ، و أنَّ فِعلَ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلامُ‌(8)أَقوىٰ حُجَّةٍ‌، و أَوضَحُ دَليلٍ‌. و هذِه الجُمَلةُ كافيَةٌ لَوِ(9)اقتَصَرنا علَيها.

لكِنّا نَقولُ‌: إنَّ أميرَ المُؤمِنينَ عليه السلامُ لَم يُنكِح عُمَرَ مُختاراً؛ بَل مُكرَهاً، و بَعدَ مُراجَعَةٍ و تَهديدٍ و وَعيدٍ.

و قَد وَرَد الخَبَرُ بأنَّه راسَلَ أميرَ المُؤمِنينَ‌(10)عليه السلامُ يَخطُبُ إلَيه، فدَفَعَه(11)عَن ذلكَ بأَجمَلِ دَفعٍ‌، فَاستَدعىٰ‌(12)عُمَرُ العَبّاسَ بنَ عبدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللّٰهُ عنه،


1) . في «أ، ب، ج، س»: «بغيرهم». و في «د»: «لغيرهم». و الصحيح ما أثبتناه من المطبوع.

2) . في المطبوع: «و زعم الشكّ‌» بدل «و الشكّ‌».

3) . في «ب»: «بالاختبار». و في «ج»: «بالاختيار». و في المطبوع: «في الأخبار».

4) . في المطبوع: «و ما لنا إلى المكابرة بالمعلومات من حاجة».

5) . في «أ»: «فلنحمد اللّٰه» بدل «و الحمد للّٰه وحده». و في «س»: + «و صلّى اللّٰه على محمّد و آله».

6) . في «أ»: «مناكحة». و في المطبوع: «مناكحته».

7) . في «ب، ج»: - «من». و في «س»: «لا يمتنع» بدل «لا يمنع».

8) . في «د»: + «فهو».

9) . في «أ» و المطبوع: «و لو».

10) . في «أ»: «أرسله»، و في «د، س» و المطبوع: «راسَلَه» بدل «راسل أمير المؤمنين».

11) . في «أ»: «فدفع». و فيه: - «يخطب إليه».

12) . في «ب، ج»: «و استدعىٰ‌». و في «د»: «في أجمل» بدل «بأجمل».

ثُمَّ قالَ لَه(1): ما لي‌؟ أ بي بَأسٌ؟

فقالَ لَه العَبّاسُ‌: و ما الذي اقتَضىٰ هذَا القَولَ؟

قالَ‌(2): خَطَبتُ إلَى ابنِ أَخيكَ ابنَتَه فدَفَعَني، و هذا يَدُلُّ علىٰ عَداوَتِه لي و تَبَرِّيهِ‌(3)مِنِّي؛ و اللّٰهِ‌، و اللّٰهِ‌، لَأَفعَلَنَّ كَذا و كَذا(4)، و لَأَبْلُغَنَّ‌(5)إلىٰ كَذا(6)و كَذا(7).

و إنَّما كَنَّينا عنِ التصريحِ بالوَعيدِ الذي نُقِلَ‌(8)لِفُحشِه و قُبحِه و تَجاوُزِه كُلَّ حَدٍّ، و الألفاظُ مَشهورةٌ في الرِّوايَةِ مَعروفَةٌ‌.

فعادَ العَبّاسُ رَحِمَه اللّٰهُ إلىٰ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلامُ‌، فعاتَبَه و خَوَّفَه، و سَأَلَه رَدَّ(9)أمرِ المَرأةِ إليهِ‌، فقالَ لَه: «افعَل ما شِئتَ‌(10)». فمَضىٰ و عَقَدَ عليها.(11)

و معَ هذَا الإكراهِ و التخويفِ قَد(12)تَحِلُّ المَحارِمُ‌(13)، كالخَمرِ و الخِنزيرِ.

و رُويَ‌ أنَّ أبا عَبدِ اللّٰهِ‌(14)الصادقَ عليه السلامُ سُئِلَ عَن ذلكَ‌، فقالَ عليه السلامُ‌:


1) . في «ب، ج»: - «له».

2) . في المطبوع: «فقال».

3) . في «ج»: «و براءته». و في «د»: «و نفره». و في «س»: «و نفوره».

4) . في «أ»: - «و كذا». و في «أ، د، س»: «عنّي» بدل «منّي».

5) . هكذا في «د، س» و المطبوع و المصدر. و في «أ»: «و لا يكثر». و في «ب»: «و لأرمينّ‌». و في «ج»: «و لأرمينّه».

6) . هكذا في «أ، د، س» و المطبوع و المصدر. و في «ب»: «بكذا». و في «ج»: - «إلى».

7) . في «أ، س»: - «و كذا». و في المطبوع: + «و لا يكثر إلىٰ كذا».

8) . في «ج» و المطبوع: «ذكره». و في «د»: «تُتلى».

9) . في المطبوع: «أن يردَّ» بدل «ردّ».

10) . في «ب، ج»: - «ما شئت».

11) . راجع: الكافي، ج 5، ص 346، ح 2؛ النوادر للأشعري، ص 129-130، ح 332.

12) . في «ج»: «فقد». و في «د»: «فلا»، و هو سهو واضح.

13) . في «د»: «للمحارم». و في «أ»: «يحلّ‌» بدل «تحلّ‌».

14) . في «ب، ج»: - «أبا عبد اللّٰه».

«ذلكَ فَرجٌ غُصِبنا علَيه».(1)

فإذا كانَتِ التقيَّةُ و خَوفُ المُحارَبَةِ‌(2)و قَطعُ مادَّةِ المُظاهَرَةِ مِمّا(3)حَمَلَ مَجموعُه و تَفصيلُه(4)أميرَ المُؤمِنينَ عليه السلامُ علىٰ بَيعَةِ مَن جَلَسَ في(5)مَقعَدِه و استَولىٰ علىٰ حَقِّه، و إظهارِ طاعَتِه(6)، و الرِّضا بإمامَتِه، و أخذِ عَطِيَّتِه، فأَهوَنُ مِن ذلكَ إنكاحُه(7)فَما النِّكاحُ بأعظَمَ مِمّا ذَكَرناهُ‌(8). و إذا حَسُنَ العُذرُ بهذِه(9)الأُمورِ كُلِّها، و لَولاهُ كانَت قَبيحةً مَحظورةً‌، فذلكَ‌(10)العُذرُ بعَينِه قائمٌ في النِّكاحِ‌.

و بَعدُ، فإنَّ النِّكاحَ أخَفُّ حالاً و أهوَنُ‌(11)خَطباً مِن سائرِ ما عَدَّدناهُ‌(12)لأنَّه جائزٌ في العُقولِ أن يُبيحَ اللّٰهُ تَعالىٰ إنكاحَ الكُفّارِ معَ الاختيارِ؛ فلَيسَ‌(13)في ذلكَ وَجهُ قُبحٍ ثابتٍ‌(14)لا بُدَّ مِن حُصولِه؛ ولكِن(15)تُقَبِّحُ العُقولُ‌(16)معَ الإيثارِ


1) . راجع: الاستغاثة، ج 1، ص 77؛ الصراط المستقيم، ج 3، ص 130. و في ا لمطبوع: + «و بعدُ».

2) . هكذا في «أ». و في «ب»: «الخارجة». و في «ج»: «الجارحة». و في «د، س»: «المحارجة».

3) . في المطبوع: «و ما».

4) . في «أ، س»: «و تفصيله». و في «ب»: + «عن». و في «ج»: + «غير».

5) . في «د»: - «في». و فيه: - «علىٰ‌».

6) . إلى هنا انتهت نسخة «ب»، و هي ناقصة من هنا.

7) . في «أ»: «نكاحه». و في «ج، د»: «النكاح».

8) . في المطبوع: «ذكرنا».

9) . في «س»: «إلىٰ هذه». و فيه: «جَرىٰ‌» بدل «حَسُنَ‌».

10) . هكذا في «ع». و في سائر النسخ: «و كذلك». و في المطبوع: «فكذلك».

11) . في «أ»: «و أخفّ‌». و فيها: «أهوَن» بدل «أخَفّ‌».

12) . في «أ، ج»: «عدّدنا». و في «د»: «أعددناه».

13) . في «أ» و المطبوع: «و ليس».

14) . في «ج» و المطبوع: + «بل».

15) . في «أ، د، س» و المطبوع: «و ليس».

16) . في «أ»: «في قبح القول». و في «د»: «يتنحّ العقول». و في «س» و المطبوع: «في تقبيح العقول».

و الاختيارِ(1)أن يُسَمّىٰ بالإمامَةِ مَن لا يَستَحِقُّها، و أن يُطاعَ و يُقتَدىٰ بمَن لَم يَكمُل(2)لَه شَرائطُ الإمامَةِ‌.

فإذا أَباحَتِ الضرورةُ ما لا يَجوزُ معَ الإيثارِ في العُقولِ إباحَتُه(3)، كَيفَ لا تُبيحُ الضرورةُ ما كانَ يَجوزُ في العُقولِ معَ الإيثارِ استباحَتُه‌؟!

و مَن حَمَلَتهُ نَفسُه مِن أصحابِنا علىٰ إنكارِ هذِه المُصاهَرَةِ‌، [هو] كمَن حَمَلَ نَفسَه علىٰ‌(4)إنكارِ(5)كَونِ رُقَيَّةَ و زَينبَ بِنتَي رَسولِ اللّٰهِ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ في دَفعِ الضرورَةِ‌، و الإشماتِ بنَفسِه(6)أعداءَه(7)، و التطريقِ علَيه لِمَن لا يَعلَمُ حَقائِقَ الأُمورِ أنَّه(8)في كُلِّ مَذاهِبِه و اعتقاداتِه علىٰ مِثلِ هذِه الحالِ‌(9)التي لا تَخفىٰ علَى العُقَلاءِ ضَرورةُ سَفَهِ‌(10)مُرتَكِبِها.

فأمّا مَن قالَ‌ مِن جُهّالِ‌(11)أصحابِنا: «إنَّ العَقدَ(12)وَقَعَ‌؛ ولكِنَّ‌(13)اللّٰهَ تَعالىٰ‌


1) . في «أ، ج»: «و الإخبار».

2) . في «د»: «و لعندي يتعيّن لا بكلّ‌» بدل «و أن يطاع و يقتدى بمن لم يكمل». و في «أ»: «لا يكمل» بدل «لم يكمل».

3) . في «د»: «إ باحيّته».

4) . في «أ»: - «هذه المصاهرة، [هو] كمن حمل نفسه على».

5) . هكذا في «س». و في «ج، د»: - «كون». و في «أ، ب»: - «إنكار».

6) . في «أ»: «بنفسها». و في «د»: «معهم».

7) . في «د، س»: «أعداءً‌». و في المطبوع: «أعداؤه».

8) . في المطبوع: «و أنّه».

9) . في «د، ج» و المطبوع: «الحالة». و «الحال» يؤنّث و يذكّر.

10) . في «د، س»: «صورة» بدل «ضرورة سفه».

11) . في «د»: «خِيار».

12) . في «س»: «الفعل».

13) . في المطبوع: «لكنّ‌» بدون واو.

كانَ يُبَدِّلُ‌(1)المَعقودَ علَيها(2)شَيطانَةً عندَ القَصدِ إلَى التمتُّعِ بها(3)»، فمِمّا يُضحِكُ‌(4)الثَّكلىٰ‌، لأنَّ المَسألةَ باقيةٌ علَيه في العَقدِ للكافِرِ؛ سَواءٌ‌(5)تَمَتَّعَ أو لَم يَتَمتَّع.

فَما(6)يَعتَذِرُ بِه مِن(7)إيقاعِ العَقدِ لكافرٍ(8)علىٰ مُؤمِنَةٍ هوَ المَطلوبُ‌(9)مِنه؛ فَلا مَعنىٰ لذِكرِ المَنعِ مِنَ‌(10)التَّمَتُّعِ‌! و كَيفَ يُبيحُ‌(11)العَقدَ علىٰ مَن لا يَجوزُ مُناكَحَتُه و لا عَقدُ النكاحِ لَه‌؟! و إذا أَباحَه العَقدَ(12)الواقعَ للتَّمَتُّعِ‌(13)، فكَيفَ يَمنَعُه(14)مِمّا(15)يَقتَضيهِ العَقدُ(16)؟ و المَنعُ مِنَ العَقدِ أَولىٰ مِن إيقاعِه و المَنعِ مِن مُقتَضاهُ‌. و إنّما أَحوَجَ إلىٰ‌


1) . في المطبوع: «أبدل» بدل «كان يبدّل».

2) . هكذا في «ج» و المطبوع. و في سائر النسخ: «عليه».

3) . هكذا في «س». و في سائر النسخ و المطبوع: - «بها».

4) . في المطبوع: «يضحك به». و في «أ، س»: «ممّا» بدل «فممّا».

5) . في «د»: + «أن».

6) . هكذا في «ف، ر، ي» و المطبوع. و في ظاهر سائر النسخ: «ممّا».

7) . في «س»: «مع».

8) . لم يرد في «ج» من: «سواء تمتّع أو لم يتمتّع...» إلى هنا. و في المطبوع: «[عقد] الكافر».

9) . في «أ» و المطبوع: «المحذور» بدل «المطلوب».

10) . في «ج»: «في». و في «أ» و المطبوع: «و لا» بدل «فلا».

11) . في «د»: - «و كيف يبيح». و في «س»: «صحّ‌» بدل «يبيح». و في «ج»: «فكيف» بدل «و كيف».

12) . في النسخ و المطبوع: «بالعقد». و الصواب ما أثبتناه.

13) . هكذا في «ف، ي» و المطبوع. و في سائر النسخ: «التمتّع». و المراد بالعقد الواقع للتمتّع: العقد الذي يقع بطبيعته بهدف التمتّع.

14) . هكذا في «ف، ي» و المطبوع. و في سائر النسخ: «منعه».

15) . هكذا في «د». و في سائر النسخ: «لما».

16) . في «ج، د، س»: - «العقد».

ذلكَ العَجزُ عَن ذِكرِ العُذرِ الصحيحِ‌.(1)

و هذِه جُملَةٌ مُغنيَةٌ عَمّا(2)سِواها بإذنِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌، و الحَمدُ لِلّٰهِ وَحدَهُ‌(3).


1) . هكذا في «ر، س، ع، ف». و في «أ»: «و إنّما أخرج عن ذلك العجز عن ذكر الصحيح». و في «ج»: + «من العذر». و في «د»: «و إنّما أخرج العجز عن ذكر العذر».

2) . في «أ»: «عن» بدل «عمّا». و في المطبوع: «عن ذكر» بدله. و في «د»: «فهذه» بدل «و هذه».

3) . في «أ، د»: - «و الحمد للّٰه وحده». و في المطبوع: «و له الحمد و الصلاة علىٰ محمّد و آله» بدل «و الحمد للّٰه وحده».

(65) مَسألةٌ أُخرىٰ حَولَ إنكاحِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام ابنَتَه مِن عُمَرَ

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

تعرّض الشريف المرتضى إلى السؤال أكثر من مرّة عن موضوع زواج الخليفة الثاني من بنت أمير المؤمنين عليه السلامُ‌، و عن السبب الذي دعا إلى ذلك. فقد سُئل عن ذلك في المسائل الميّافارقيّات (مسألة 37)، كما سُئل في مجلس مَن وصفه ب‍ «الرئيس» عن نفس الموضوع، فقام بتأليف رسالة مستقلّة حملت عنوان «إنكاح أمير المؤمنين عليه السلامُ ابنته من عمر»، تحدّث فيها عن الموضوع بالتفصيل، و وسّع البحث فيها ليشمل زواج الخليفة الثالث من بنات النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و زواج النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه من عائشة و حفصة. و قد أشار إلى تأليفه هذه الرسالة في الرسالة محلّ البحث، حيث قال:

و أزلنا الشبهة المعترضة بها، و أفردنا كلاماً استقصيناه و استوفيناه في نكاح أُمّ كلثوم، و إنكاح النبي بنتَيه من عثمان بن عفّان، و نكاحه هو عليه السلامُ أيضاً عائشة و حفصة، و شرحنا ذلك و بسطناه.

كما تعرّض إلى هذا الموضوع في بعض كتبه الكلاميّة الأُخرى(1).

و في هذه الرسالة لم يزد على ما ذكره في تلك المواضع، حيث ذهب إلى أنّ زواج الخليفة الثاني لم يكن عن رضا و اختيار من أمير المؤمنين عليه السلامُ‌، بل كان تقيّة،


1) . الذخيرة، ص 477؛ الشافي، ج 3، ص 272.

و جاء نتيجة توعُّد و تهديد، و ذكر رواية الزواج و التهديد الذي حصل قبل ذلك.

و أضاف أنّه ليس من العجيب أن تبيح التقيّة هذا الزواج، بعدما أباحت البيعة لهم، و الدخول في الشورى، و غير ذلك مما فعله أمير المؤمنين عليه السلامُ تقيّة.

و يدلّ على تصحيح نسبة الرسالة إلى الشريف المرتضى إرجاعُه فيها إلى كتابه الشافي، و هذا يعتبر قرينة داخليّة مهمّة على تصحيح النسبة.

هكذا و كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 148 في ضمن مجموعة مسائل حملت عنوان: «أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره».

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26149؛ تقع في الصفحة (56) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (193-195) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (284) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

[

مَسألةٌ أُخرىٰ حَولَ إنكاحِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام ابنَتَه مِن عُمَرَ

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

و سَألوا أيضاً عن(1)موجَبِ الفقهِ المُجيزِ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ تزويجَ أُمِّ كُلثومٍ‌، و قالوا: أَوضِحوا لنا(2)عن(3)طَريقٍ يوجِبُه الدينُ و يُبيحُه(4)و لا يَمنَعُه، و هَل(5)مُستَعمِلُ التقيّةِ و مُظهِرُ المُجامَلةِ [يَجوزُ له] أن يَنتَهيَ إلَى الحَدِّ الذي لا مَزيدَ عليه في الخِلطةِ‌، و هو التزويجُ؟!

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ‌(6)-:

قالَ الشريفُ المرتَضىٰ عَلَمُ الهُدىٰ - قَدَّسَ اللّٰهُ روحَه -: اِعلَم أنّا قد بيّنّا في كتابِنا «الشافي في [الإمامةِ‌]» الجوابَ عن هذه المسألةِ‌، و أَزَلنا الشُّبهةَ المُعتَرِضةَ بها.(7)


1) . في «س، ص» و المطبوع: «من».

2) . في «س، ص» و المطبوع: «أوضحي النساء» بدل «أوضحوا لنا».

3) . في النسخ الثلاث و المطبوع: «من». و ما أثبتناه هو الصواب.

4) . في «س، ص» و المطبوع: «و يتّجه».

5) . في «س، ص» و المطبوع: «و هو».

6) . في «س، ص» و المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».

7) . الشافي في الإمامة، ج 3، ص 272.

و أَفرَدنا كلاماً استَقصَيناه و استَوفَيناه في نِكاحِ أُمِّ كُلثومٍ‌، و إنكاحِ النبيِّ بِنتَيه(1)مِن عُثمانَ بنِ عَفّانَ‌، و نِكاحِه هو عليه السلامُ أيضاً عائشةَ و حَفصةَ‌؛ و شَرَحنا ذلكَ و بَسَطناه.(2)

و الذي يَجِبُ‌ أن يُعتَمَدَ في نِكاحِ أُمِّ كُلثومٍ عليها السلامُ‌: أنّ هذا النكاحَ لَم يَكُن عن اختيارٍ و لا إيثارٍ، و لكِن بَعدَ مُراجَعةٍ و مُدافَعةٍ كادَت تُفضي إلَى المُخارَجةِ‌(3)و المُجاهَرةِ‌(4).

فإنّه رُويَ أنّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ استَدعَى العبّاسَ بنَ عبدِ المُطَّلِبِ‌، فقالَ له: ما لي‌؟ أبي بأسٌ؟

فقالَ له ما يَجِبُ‌(5)أن يُقالَ لمِثلِه في الجوابِ عن هذا الكلامِ‌.

فقالَ له: خَطَبتُ إلَى ابنِ أخيكَ علىٰ بنتِه أُمِّ كُلثومٍ‌، فدافَعَني و مانَعَني و أَنِفَ مِن مُصاهَرَتي؛ وَ اللّٰهِ لَأُغَوِّرَنَّ‌(6)زَمزَمَ و أَسُدَّنَّ‌(7)السِّقايةَ‌، و لا تَرَكتُ لكُم يا بَني هاشِمٍ مَنقَبةً إلّاأَدحَضتُها(8)، و لَأُقيمَنَّ عليه شُهوداً يَشهَدونَ عليه بالسَّرَقِ و أَحكُمُ بقَطعِه.


1) . في «س، ص»: «و إنكاح بنته». و في المطبوع: «و إنكاح بنته صلّى اللّٰه عليه و آله».

2) . في «س، ص» و المطبوع: «فبسطناه». و راجع رسالة: إنكاح أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر.

3) . «المُخارَجةُ‌»: المُناهَدةُ (أي المُخاصَمةُ‌) بالأصابع؛ و هو أن يُخرِجَ هذا مِن أَصابعِه ما شاءَو الآخَرُ مِثلَ ذلك. راجع: لسان العرب، ج 2، ص 249 (خرج).

4) . في حاشية «س» نقلاً عن نسخةٍ‌: «المجاهَدة».

5) . في «س» و المطبوع: «يجيب».

6) . في «ص» و المطبوع: «لأعوّرنّ‌». و غَوَّرَ فُلانٌ‌: أتَى الغَورَ؛ و الغَورُ مِن كُلِّ شيءٍ‌: قَعرُه و عمقُه. راجع: لسان العرب، ج 5، ص 33 (غور).

7) . في «س» و المطبوع: «و لأهدمنّ‌»، و في المصادر: «و لأنتزعنّ منك» كلاهما بدل «و أسدّنّ‌».

8) . في «س» و المطبوع: «إلّا و هدمتها». و في «ص» و حاشية «س»: «إلّا أوحصها».

فمَضَى العبّاسُ إلىٰ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌، فأخبَرَه بما جَرىٰ‌، و خَوَّفَه مِن المُكاشَفةِ التي كانَ عليه السلامُ يَتَحاماها و يَفتَديها برُكوبِ كُلِّ صَعبٍ و ذَلولٍ‌؛ فلمّا رأىٰ ثِقَلَ ذلكَ عليه، قالَ له العبّاسُ‌: رُدَّ أمرَها إليَّ حتّىٰ أعمَلَ أنا ما أراه. ففَعَلَ عليه السلامُ‌(1)ذلكَ‌، و عَقَدَ عليها العبّاسُ‌.(2)

و هذا إكراهٌ يَحِلُّ له كُلُّ مُحرَّمٍ‌، و يَزولُ معه كُلُّ اختيارٍ.

و يَشهَدُ بصِحّتِه ما رُويَ عن أبي عبد اللّٰهِ عليه السلامُ‌، مِن قولِه و قد سُئلَ عن هذا العَقدِ، فقالَ عليه السلامُ‌: «ذلكَ فَرجٌ غُصِبنا عليه».(3)

و ما العَجَبُ‌ مِن أن تُبيحَ التقيّةُ و الإكراهُ و الخَوفُ مِن الفتنةِ في الدينِ و وقوعِ الخِلافِ بَينَ المُسلِمينَ لِمَن هو الإمامُ بَعدَ الرسولِ عليهما السلامُ المُستَخلَفُ‌(4)علىٰ أُمّتِه أن يُمسِكَ عن هذا الأمرِ، و يُخرِجَ نفسَه منه، و يُظهِرَ البَيعةَ لغَيرِه، و يَتصرَّفَ بَينَ أمرِه و نَهيِه، و يَنفُذَ عليه أحكامُه(5)، و يَدخُلَ في الشورَى التي هي بِدعةٌ و ضَلالٌ و ظُلمٌ و مُحالٌ‌، و مِن أن يَستَبيحَ لأجلِ هذه الأُمورِ المذكورةِ [العَقدَ] علىٰ مَن لَو مَلَكَ اختيارَه لَما عَقَدَ عليه‌؟!

و إنّما يَتعجَّبُ مِن ذلكَ مَن لا يُفكِّرُ في الاُمورِ و لا يَتأمَّلُها و لا يَتدبَّرُها؛ [أمّا مَن فَكَّرَ في الأمورِ و تأَمَّلها و تَدبَّرَها، لَم يُحرَمْ مِن] دليلٍ علىٰ جوازِ العَقدِ، و اقتَضَى


1) . في «س، ص» و المطبوع: - «السلام».

2) . راجع: الكافي، ج 5، ص 346، ح 2؛ النوادر للأشعري، ص 129-130، ح 332.

3) . الاستغاثة، ج 1، ص 77؛ الصراط المستقيم، ج 3، ص 130.

4) . في المطبوع: «و المستخلف».

5) . في «س، ص» و المطبوع: «أحكام».

الحالُ له فِعلَ‌(1)أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ‌؛ لأنّه عليه السلامُ لا يَفعَلُ قَبيحاً، و لا يَرتَكِبُ مأثَماً.

و قد تُبيحُ الضرورةُ أَكلَ المَيتةِ و شُربَ الخَمرِ! فما العَجَبُ ممّا هو دونَها؟!

فأمّا مَن جَحَدَ مِن غَفَلةِ أصحابِنا وقوعَ هذا العَقدِ، [فإنّ وقوعَ هذا العَقدِ] و نَقلَ هذا البَيتِ‌، و أنّها وَلَدَت أولاداً مِن عُمَرَ، معلومٌ مشهورٌ،(2)و لا يَجوزُ أن يَدفَعَه إلّا جاهلٌ أو مُعانِدٌ؛ و ما الحاجةُ بِنا إلىٰ دَفعِ الضروراتِ و المُشاهَداتِ في أمرٍ له مَخرَجٌ مِن الدينِ صَحيحٌ؟!(3)


1) . في «س، ص» و المطبوع: «مثل».

2) . تهذيب الأحكام، ج 9، ص 362-363؛ سنن الدارقطني، ج 4، ص 40؛ القاموس المحيط، ج 4، ص 71.

3) . في المطبوع: - «صحيح».

(66) المسألةُ في تفضيلِ فاطمةَ عليها السلام

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

تعدّ فاطمة الزهراء عليها السلامُ في الوجدان الإسلامي شخصيّة ذات قدسيّة و مكانة خاصّة، فهي شخصيّة منقطعة النظير، و على الرغم من قصر عمرها إلّاأنّها استطاعت أن تترك بصماتها على التاريخ، فصارت تعدّ في مصاف الشخصيّات الإسلاميّة الكبرى.

و قد ساعد على ذلك بشكل كبير كلماتُ رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه في حقّها، و الألقاب التي أضفاها عليها، فهي بضعة منه(1)، و نور عينه، و ثمرة فؤاده(2)، و هكذا أخذ الرسول صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه يرقى في وصفها و تعداد مناقبها، حتّى رفعها فوق نساء العالمين، فصارت سيّدة نساء العالمين بلا منازع(3)، و بذلك فاقت مريم، و آسية، و أُمّها خديجة في الفضل و الرفعة.

و هذا بالطبع لا يعني أنّها ارتفعت بواسطة كلمات رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه فقط - و إن كانت هذه الكلمات مَدعاة للرفعة - و إنّما كانت تستحقّ تلك الكلمات بجدارة، فوسمها الرسول صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بها، و جاءت كلماته في مكانها المناسب.


1) . صحيح البخاري، ج 4، ص 210.

2) . الأمالي للصدوق، ص 575.

3) . راجع: المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 156.

محتوى الرسالة

و قد سُئل الشريف المرتضى في هذه الرسالة من قِبَل جماعة عن فضل فاطمة الزهراء عليها السلامُ‌، و يبدو أنّ هذا السؤال هو جزء من مجموعة أسئلة وجّهوها إليه، فإنّ الرسالة تبدأ هكذا: «و سألوا أيضاً»؛ فإنّه يظهر من هذا أنّ السؤال المطروح هنا معطوف على أسئلة أُخرى.

و يبدو أنّ السائلين كانوا على مستوى ضئيل من المعرفة، حيث سألوا عن سبب تفضيل فاطمة الزهراء عليها السلامُ على سائر بنات رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ مع أنّها في الحقيقة أفضل من جميع النساء، لا من أخواتها فقط؛ فإنّ المتعارف وصفها بأنّها سيّدة نساء العالمين، لا سيّدة بنات الرسول صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه فحسب؛ و لذلك تحدّث الشريف المرتضى في الجواب عن سبب تفضيلها على سائر النساء دون خصوص بنات الرسول صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه من دون أن يصرّح بخطأ السائلين في ذلك.

و في الجواب، و بعد أن بيّن أنّ المقصود بالفضل كثرة الثواب، تحدّث عن تفضيل فاطمة الزهراء عليها السلامُ على النساء من خلال بحثين: أحدهما ثبوتيّ‌، و الآخر إثباتي.

أمّا البحث الثبوتي، فقد بيّن فيه أنّ كثرة الثواب تحصل بطريقتين:

كمّية، و ذلك من خلال الاستكثار من الطاعات.

و كيفية، و ذلك من خلال الإخلاص في العبادة، و الخضوع للّٰه تعالى فيها، و القربة إليه، فإنّه يمكن أن تربو طاعة واحدة مخلصة على ثواب طاعات سنوات مديدة لأشخاص كثيرين.

و إذا كان الأمر كذلك، فما الإشكال في افتراض أنّ فاطمة الزهراء عليها السلامُ قد استكثرت من العبادة كمّاً، و اخلصت للّٰه تعالى فيها كيفاً، حتّى فاقت جميعَ النساء؟

و بنفس هذه الطريقة يمكننا الحديث عن فضيلة رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه على سائر الخلق من نبيّ و غيره.

إذن لا استبعاد في إمكان أن يزيد ثواب فاطمة الزهراء عليها السلامُ على جميع النساء، فتكون أفضل منهنّ جميعاً.

و أمّا البحث الإثباتي، فقد قام الشريف المرتضى بإثبات أنّ فاطمة الزهراء عليها السلامُ هي سيّدة النساء بلا منازع من خلال إجماع الإماميّة على أنّها أفضل النساء، و أنّ زوجها أمير المؤمنين عليه السلامُ أفضل الرجال بعد الرسول صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و إجماعُ الإماميّة حجّة.

هذا، و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 147 في ضمن «أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره».

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26149؛ تقع في الصفحة (54) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (194) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (283) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

المسألةُ في تفضيلِ فاطمةَ عليها السلام

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

و سألوا أيضاً عن السيّدةِ فاطمةَ عليها السلامُ فقالوا: ما وجهُ هذا الفَضلِ المتفاوِتِ علىٰ سائرِ بَناتِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه‌؟ و ما [الذي] يوجِبُ ذلكَ وجوباً يُصحِّحُه(1)النظَرُ؟ و ألّا سَلَّمتم لغَيرِها منهُنَّ‌(2)مِثلَ ميراثِها(3)صَلَّى اللّٰهُ عليها؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ‌(4)-:

اِعلَمْ أنّ «الفَضلَ في الدينِ‌» إنّما هو كَثرةُ الثوابِ المُستَحَقِّ علىٰ وجهِ التعظيمِ و التبجيلِ‌، و الثوابُ إنّما يُستَحَقُّ علَى اللّٰهِ تَعالىٰ بالطاعاتِ و فعلِ الخَيراتِ و القُرُباتِ‌.

و إنّما يَكثُرُ باستحقاقِه بأحَدِ وجهَينِ‌:(5)إمّا بالاستكثارِ مِن فعلِ الطاعاتِ‌، أو بأن تَقَعَ الطاعةُ علىٰ وجهٍ مِن الإخلاصِ و الخضوعِ للّٰهِ تَعالىٰ و القُربةِ إليه يُستَحَقُّ بها لأجلِ ذلكَ الثوابُ الكَثيرُ؛ و لهذا كانَ ثَوابُ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه علىٰ كُلِّ‌


1) . في «س، ص» و المطبوع: «بصحيحة».

2) . في «س، ص» و المطبوع: «منهيّ‌».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «يراثها».

4) . في «س، ص» و المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».

5) . في «س، ص» و المطبوع: «الوجهين».

طاعةٍ بصَلاةٍ أو صيامٍ يَفعَلُها أكثَرَ مِن ثَوابِ كُلِّ فاعلٍ مِنّا(1)لمِثلِ تلكَ الطاعةِ‌.

و إذا كانَت هذه الجُملةُ مُتمهِّدةً في الأُصولِ‌، فما المُنكَرُ مِن أن تَكونَ‌(2)سَيّدةُ النساءِ فاطمةُ عليها السلامُ قد انتَهَت مِن الِاستكثارِ مِن فعلِ الطاعاتِ‌، ثُمَّ مِن وقوعِها منها(3)علىٰ أفضَلِ الوجوهِ الموجِبةِ لكَثرةِ الثوابِ و تَضاعُفِه؛ إلَى(4)الحَدِّ الذي فاقَت و فَضَلَت علَى النساءِ كُلِّهِنَّ؟

و لَو قالَ لنا قائلٌ‌: و ما الفَضلُ الذي بانَ به مُحمّدٌ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مِن سائرِ الخَلقِ أجمَعينَ مِن نَبيٍّ و غيرِه‌؟ هَل كانَ جوابُنا له إلّامِثلَ ما تَقدَّمَ مِن جوابِنا؟ فوجوهُ زيادةِ الفَضلِ لا تُحصىٰ و لا تُحصَرُ.

و لَم يَبقَ إلّاأن يُدَلَّ علىٰ أنّها عليها السلامُ أفضَلُ النساءِ كُلِّهنَّ‌. و المُعتَمَدُ في الدلالةِ علىٰ ذلكَ إجماعُ الشيعةِ الإماميّةِ عليه؛(5)فإنّهم مُجمِعونَ بلا خِلافٍ بَينَهم(6)على أنّها عليها السلامُ أفضَلُ النساءِ‌، كَما أنّ بَعلَها(7)عليه السلامُ أفضَلُ الرجالِ بَعدَ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.


1) . في «س، ص» و المطبوع: «منها».

2) . في النسخ الثلاث: «أن يكون». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للمطبوع.

3) . في «س، ص» و المطبوع: - «منها».

4) . في «ج، ص»: - «إلى».

5) . في «س» و المطبوع: - «عليه». و في «ص»: «عليهم».

6) . في «س، ص» و المطبوع: «فيها».

7) . في النسخ الثلاث و المطبوع: «بعله»، و هو سهو واضح.

(67) مَسألةٌ في فَدَكَ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

لقد أثار النزاع الذي وقع بين السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلامُ و الخليفة الأوّل حول فدك بحوثاً و نزاعات كلاميّة عديدة، فقد أخذ الشيعة على الخليفة عدمَ تصديقه لكلام فاطمة الزهراء عليها السلامُ في أنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه نَحَلها فدكاً في حياته، مع علمه بعصمتها، و أنّها من أهل البيت عليهم السلامُ‌، و أنّها سيّدة نساء العالمين.

و قد تعرّض الشريف المرتضى في هذه الرسالة إلى هذا البحث، حيث افترض سؤالاً، و خلاصته: أنّه من أين كان يجب على الخليفة أن يعلم بعصمة فاطمة الزهراء عليها السلامُ؟ و لو افترضنا أنّه كان لديه طريق إلى العلم بذلك، فمن قال إنّه يجب عليه النظر في ذلك الطريق‌؟ فليس كلّما وُجد طريقٌ إلى العلم بشيء، وجب النظر فيه.

و أجاب بجوابين:

الأوّل: جواب مبنائي، و هو أنّ الخليفة الأوّل لم يكن هو الإمام، بل الإمام هو أمير المؤمنين عليه السلامُ‌، و بذلك لا يحقّ للخليفة أن يحكم في مسألة فدك أساساً، حتّى يقال: إنّه لم يكن يعلم بعصمة فاطمة الزهراء عليها السلامُ‌، و لذلك لم يحكم لصالحها.

الثاني: على فرض التنزّل و التسليم بأنّ للخليفة حقّ الحكم في هذه المسألة، فنقول: كان يجب عليه أن يعلم بعصمة فاطمة الزهراء عليها السلامُ كي يحكم

لصالحها من دون الحاجة إلى بيّنة، و قد كان له طريق إلى العلم بذلك، فإنّ الدليل على عصمتها منصوص موجود، و كان يجب عليه النظر في هذا الدليل؛ لأنّه إذا تمكّن الحاكم من معرفة صدق المدّعي، وجب عليه النظر في ذلك.

و الجدير بالذكر أنّ الشريف المرتضى كان يرى أنّ لكلّ من الأُصول و الفروع التي عليها الإماميّة أدلّة قطعيّة واضحة، و أنّ التوصّل إلى العلم بذلك أمر ممكن، و أنّه لا مجال إلى الظنّ في ذلك، فيجب النظر في تلك الأدلّة ليحصل العلم(1)، و لذلك كان برأيه أنّه يجب على الخليفة النظر في دليل عصمة فاطمة الزهراء عليها السلامُ‌، و تحصيل العلم و اليقين بذلك، و لا عذر له في ذلك.

و في الختام أجاب الشريف المرتضى عن إشكال، و هو: إنّما يجب علىٰ الحاكم النظر في بيِّنة المدّعي فيما لو طالبه المدّعي بذلك، و فاطمة عليها السلام لم تطالب أبا بكر بالنظر في بيِّنتها و هي دليل عصمتها، فلم يجب عليه النظر في ذلك الدليل.

فأجاب بأنّ ما وقع في الخارج و ما جرىٰ هو أنّ أبا بكر كان له طريق إلى العلم بعصمتها عليها السلام، و كان يجب عليه النظر فيه و إن لم تطلب منه ذلك. ولكن في الإشكال الأخير طُرح افتراض آخر، و هو أنّ فاطمة عليها السلام لم تكن لديها بيِّنة ظاهرة علىٰ دعواها، ففي هذا الصورة يجب أن نجيب بما يتناسب مع هذا الافتراض فنقول: كان يجب علىٰ فاطمة عليها السلام أن تنبّه أبا بكر علىٰ دليل عصمتها كي ينظر فيه. ولكن بما أنّ أساس الافتراض الذي بُني عليه الإشكال غير صحيح لذلك لم يجب عليها التنبيه علىٰ دليل عصمتها؛ لوضوحه. هذا ما ظهر لنا من جواب الشريف المرتضى على الإشكال الأخير.

هذا، و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص


1) . رسائل الشريف المرتضى، ج 1، ص 154.

141 في ضمن «أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره».

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26149؛ تقع في الصفحة (42) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (192) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (280) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

مَسألةٌ في فَدَكَ‌

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

إن سَألَ سائلٌ فقالَ‌: إذا كنتم تُخطِّئونَ أبا بَكرٍ في مَنعِه فاطمةَ عليها السلامُ مِن أن يُسلِّمَ إليها فَدَكَ علىٰ جِهةِ النِّحلةِ‌، و أن يَقبَلَ فيها دَعواها؛ لأجلِ عِصمتِها عليها السلامُ‌، و أنّ المعصومَ المقطوعَ علىٰ صِدقِه لا يَحتاجُ إلىٰ بيِّنةٍ‌، فمِن أينَ أنّ‌(1)أبا بَكرٍ كانَ يَعلَمُ عِصمتَها عليها السلامُ؟

فإن قُلتم: إن لَم يَكُن عالِماً بذلكَ‌، فكانَ يَجِبُ عليه أن يَعلَمَه؛ فإذا فَرَّطَ فيه مع قيامِ الدلالةِ عليه كانَ مَلوماً.

قيلَ لكم: و مِن أينَ يَجِبُ عليه أن يَعلَمَه، و لَو كانَ إليه طَريقٌ و عليه دليلٌ؟ فلَيسَ كُلُّ شَيءٍ إلَى العِلمِ به طَريقٌ وَجَبَ علينا أن نَعلَمَه.

الجوابُ‌:

أمّا(2)أبو بَكرٍ فلَيسَ له علَى الحقيقةِ الحُكمُ علىٰ فاطمةَ عليها السلامُ و لا لها، فيَجِبَ‌(3)أن يَعلَمَ عِصمتَها ليَعلَمَ وجوبَ الحُكمِ بما تَدَّعيه، و الأحكامُ إلَى الإمامِ‌


1) . في «س، ص» و المطبوع: - «أنّ‌».

2) . في «س، ص» و المطبوع: «فأمّا».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «و يجب».

الذي هو غيرُه، فصارَ المنعُ منه لها عليها السلامُ مِن فَدَكَ بغَيرِ حَقٍّ علىٰ كُلِّ حالٍ‌.

لا سِيَّما و أبو بَكرٍ يَعلَمُ أنّ إمامَ ذلكَ الزمانِ هو بَعلُها عليه السلامُ‌، و ما فَسَحَ‌(1)لها في(2)المُطالَبةِ إليه بفَدَكَ إلّاو هي مُستَحِقّةٌ‌؛ و مَعرِفتُه بإمامتِه واجبةٌ لا مَحالةَ بِلا شُبهةٍ‌.

فإذا قيلَ‌: لَو قَدَّرنا أنّه(3)الإمامُ و الحاكمُ بَينَ المُسلِمينَ‌، أيَجِبُ عليه أن يَعلَمَ عصمةَ فاطمةَ عليها السلامُ أم لا يَجِبُ عليه‌؟ فإن جَوَّزتم أن لا يَجِبَ عليه العِلمُ بالعصمةِ‌، فقَد عَذَرتموه بهذا التقديرِ و الفَرضِ في مَنعِها فَدَكَ‌.(4)و إن أَوجَبتم العِلمَ بالعصمةِ‌، فبيِّنوا مِن أيِّ وجهٍ يَجِبُ عليه ذلكَ؟

قُلنا: إذا قَدَّرنا المسألةَ هذا التقديرَ - الذي هو بخِلافِ الحالِ التي جَرَت عليها - فالجوابُ‌: أنّ أبا بَكرٍ إذا كانَ له أن يَحكُمَ لفاطمةَ عليها السلامُ و عليها، بأن قَدَّرنا صِحّةَ إمامتِه، و كانَ اللّٰهُ تَعالىٰ قد دَلَّ علىٰ عِصمتِها صَلَواتُ اللّٰهِ عليها، فيَجِبُ عليه أن يَعلَمَ هذه الحالَ منها؛ حتّىٰ إذا ادَّعَت أمراً وَجَبَ تسليمُه إليها؛ للعِلمِ بصِدقِها.

و معلومٌ أنّها ادَّعَت فَدَكَ‌(5).

و لأبي بَكرٍ طَريقٌ إلَى العِلمِ بصِدقِها في دَعواها؛ بأن يَنظُرَ في الدليلِ الذي نَصَّه اللّٰهُ تَعالىٰ علىٰ عِصمتِها، فيَجِبُ أن يَنظُرَ فيه ليَعلَمَ صِدقَها و يَجِبَ‌(6)التسليمُ إليها؛


1) . أي أمير المؤمنين عليه السلامُ‌.

2) . في «س، ص»: «من في». و في المطبوع: «من».

3) . أي أبا بكر.

4) . في «س، ص» و المطبوع: «من منعها في فدك» بدل «في منعها فدك».

5) . في النسخ: «فدكاً».

6) . كذا، و الأنسب: «و وجوبَ‌».

لأنّه لا خِلافَ في أنّ الخَصمَ إذا ادّعىٰ بيِّنةً عندَ الحاكمِ‌، فيَجِبُ علَى الحاكمِ أن يَنظُرَ في بيِّنتِه؛ ليَغلِبَ في ظنِّه ثُبوتُ الحَقِّ له فيَقضيَ له(1)به.

و معلومٌ أنّ الظنَّ لا حُكمَ له مع إمكانِ العِلمِ‌؛ و إذا تَمكَّنَ الحاكمُ مِن أن يَعلَمَ صِدقَ المُدَّعي، وَجَبَ أن يَنظُرَ في ذلكَ ليَعلَمَ بحَسَبِ عِلمِه، كَما وَجَبَ عليه النظَرُ فيما يؤَدّي إلىٰ‌(2)غلبةِ الظنِّ مِن بيِّناتِه(3)، و إذا لَم يَفعَلْ فقَد فَرَّطَ.

فإذا قيلَ‌: المُدَّعي عند الحاكمِ لحَقِّه إنّما يَلزَمُ الحاكمَ‌(4)النظَرُ في بيّنتِه التي أشارَ إليها المُدَّعي(5)و عَيَّنَها(6)، و طالَبَ الحاكمَ بالنظَرِ(7)فيها؛ و فاطمةُ عليها السلامُ ما طالَبَت أبا بَكرٍ بالنظَرِ فيما يَجري مَجرَى البيِّنةِ لها مِن دليلِ عِصمتِها، فكَيفَ يَجِبُ عليه النظَرُ في ذلكَ؟

قُلنا:(8)إذا كُنّا نُقدِّرُ حالاً لَم يَكُن - و الحالُ الجاريةُ علىٰ ما ذَكرنا يَقتَضي وجوبَ التسليمِ لِما ادَّعَته و تَركِ المُعارَضةِ فيه، فإذا قَدَّرنا حالاً أُخرىٰ لَم يَتَّفِقْ - قَدَّرنا ما يَليقُ بها، فقُلنا: [إذا] ادَّعَت فاطمةُ عليها السلامُ فَدَكاً عندَ حاكمٍ له أن يَحكُمَ بَينَ‌


1) . في «س، ص» و المطبوع: - «فيقضي له».

2) . في «ج» و حاشية «س»: «يؤدّيه إليه». و في «ص»: «يرويه إليه».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «بيانه».

4) . في «س، ص» و المطبوع: - «لحقّه إنّما يلزم الحاكم».

5) . كذا، و الأنسب حذف كلمة «المدّعي»؛ للاستغناء عنها بما تقدّم.

6) . في «س، ص» و المطبوع: «أسند إليها المدّعي و يمينها» بدل «أشار إليها المدّعي و عيّنها».

7) . في «ج»: «الحاكم النظر». و في «س، ص» و المطبوع: «الحكم بالنظر»، كلاهما بدل «الحاكم بالنظر».

8) . في «ص» و حاشية «س»: «ظنّاً».

المُسلِمينَ‌، و لَم يَكُن لها بيِّنةٌ ظاهرةٌ‌(1)تَقتَضي غلبةَ الظنِّ مِن شَهادةٍ‌، وَجَبَ عليها أن تُنبِّهَ‌(2)الحاكمَ علىٰ أنّ جِهةَ وجوبِ تسليمِه(3)الحَقَّ إليها هو(4)دليلُ عِصمتِها، و تُشيرَ(5)أيضاً إلَى الدليلِ بعَينِه؛(6)حتّىٰ يَكونَ بَينَ النظَرِ فيه(7)و وقوعِ العِلمِ له و وجوبِ التسليمِ‌، و بَينَ لزومِ التقصيرِ إيّاه(8).

و هذا واضحٌ لِمَن تأمَّلَه.


1) . في المطبوع: - «ظاهرة».

2) . في «س» و المطبوع: «ينبّه».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «تسليم».

4) . في «س، ص» و المطبوع: «و هو».

5) . في «ج، ص»: «و نشير».

6) . في «س» و المطبوع: «بيّنته».

7) . في «س، ص» و المطبوع: «إليه».

8) . أي: و بين أن يلزمه التقصير.

(68) مسألةٌ في صِحّةِ حَملِ رأسِ الحُسَينِ عليه السلام إلَى الشامِ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

لقد كان لمقتل الحسين عليه السلامُ و ما جرى عليه من أحداث مأساويّة وقعٌ كالصاعقة على المسلمين، فقد كان ما حصل في يوم عاشوراء أمرٌ لا يُصدَّق بكلّ المعايير؛ فكيف يمكن التعامل مع سيّد شباب أهل الجنّة و ريحانة رسول اللّٰه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و أحد أهل البيت عليهم السلامُ بكلّ هذه القسوة و الفضاعة و الجفاء؟!

و قد جَرَّ هذا الحدث المُريع إلى طرح تساؤل كلامي، و هو أنّه كيف يمكّن اللّٰه تعالى عدوَّه من وليّه ليفعل به أشنع الأفعال‌؟! أ ليس هذا أمراً قبيحاً، و نوعاً من الإعانة على الظلم‌؟

و قد كان لوقعة كربلاء صور مأساويّة كثيرة، و يبدو أنّ إحدى تلك الصور التي أثارت السائل الذي طرح السؤال على الشريف المرتضى، و حاول التشكيك فيها هي صورة حمل الرأس الشريف إلى الشام، فقد سأل عن صحّة هذه الحادثة تاريخيّاً، و عن الوجه فيها.

و الظاهر أنّ مراده من الوجه - كما سوف يتّضح من جواب الشريف المرتضى - هو السؤال عن البحث الكلاميّ المتقدّم حول كيفيّة إمكان أن يُمكَّن عدوُّ اللّٰه من وليّه.

و قد أجاب الشريف المرتضى أوّلاً بأنّ خبر حمل الرأس الشريف قد أطبق عليه جميعُ الرواة و المصنّفين حول يوم الطفّ‌، و هذا يعني أنّه خبر معتبر و قابل

للاعتماد، و أنّه لا يصحّ التشكيك في هذه الحادثة، و لو كان خبرَ واحد لأشار إليه الشريف المرتضى، كما هي عادته عندما يُسأل عن قضايا و إشكالات مأخوذة من الأخبار.

و بعد ذلك أجاب على الإشكال الكلاميّ‌، و ذلك من خلال بيانين:

الأوّل: جواب نقضيّ‌، و هو أنّ حمل الرأس الشريف ليس أفضع و أقبح شيء حصل في مأساة كربلاء، بل قد حصل آنذاك ما هو أفضع و أقبح، و هو نفس قتل أبي عبد اللّٰه عليه السلامُ‌، فإنّ قبح هذا الفعل لا يُوزَن به شيء، و قد مكّن اللّٰهُ تعالى منه، كما مكّن أيضاً من قتل أمير المؤمنين عليه السلامُ‌، و لا يمكن لأحد إنكار هذه الوقائع تاريخيّاً. إذن تمكين عدوّ اللّٰه من وليّه قد وقع في التاريخ، و لو أمكن لأحد إنكار حمل الرأس الشريف إلى الشام لأجل قبحه، لم يمكنه إنكار أصل قتل الحسين، أو أمير المؤمنين عليهما السلامُ‌.

و الثاني: جواب حلّيّ‌، و هو أنّ من شرط التكليف التمكين من القبيح، و عدم الحيلولة بين المكلّف و بين القبيح، فإنّ الإنسان مختار في أفعاله، و هذا الاختيار شرط للتكليف، فإنّ المضطرّ لا يحسن تكليفه، و لذلك شاءت إرادة اللّٰه تعالى أن لا يحول بين الإنسان المختار و بين ما يريد فعله من حَسَن أو قبيح، فلم يَمنع من الأعمال القبيحة التي وقعت في حادثة الطف، من قتل أبي عبد اللّٰه عليه السلامُ‌، و حمل الرأس الشريف إلى الشام.

هذا، و قد أشار ابن شهر آشوب (ت 588 ه‍) إلىٰ هذه الرسالة و نسبها إلى الشريف المرتضى.(1)

و كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 130 في ضمن «أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره».


1) . مناقب آل أبي طالب عليه السلام، ج 3، ص 231.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة مكتبة المحقّق البروجردي رحمه اللّٰه، المرقّمة 374/9؛ تقع في الصفحة (375) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحة (16) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحة (283) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (157) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (231) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

[

مسألةٌ في صِحّةِ حَملِ رأسِ الحُسَينِ عليه السلام إلَى الشامِ‌

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌: هَل ما رُويَ مِن حَملِ رأسِ مَولانا الشهيدِ أبي عبدِ اللّٰهِ عليه السلامُ إلَى الشامِ صَحيحٌ؟ و ما الوجهُ فيه‌؟!

الجوابُ‌: هذا أمرٌ قد رَواه جميعُ الرُّواةِ و المُصنِّفينَ في يَومِ الطفِّ‌(1)، و أَطبَقوا عليه.

و قد رَوَوا أيضاً أنّ الرأسَ أُعيدَ بَعدَ حَملِه إلىٰ هُناكَ‌، و دُفِنَ مع الجسدِ بالطفِّ‌.

فإن تَعجَّبَ مُتعجِّبٌ مِن تَمكينِ اللّٰهِ تَعالىٰ مِن ذلكَ [مع كِبَرِ](2)فُحشِه و عِظَمِ قُبحِه، فلَيسَ حَملُ الرأسِ إلَى الشامِ بأفحَشَ‌(3)و لا أقبَحَ مِن القَتلِ نفسِه، و قد مَكَّنَ اللّٰهُ تَعالىٰ منه، و [مَكَّنَ‌] مِن قَتلِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ مَن قَتَلَه.(4)

و مِن شَرطِ التكليفِ التمكينُ مِن القَبيحِ في دارِ التكليفِ‌، و [أن] لا يَحولَ اللّٰهُ‌


1) . في «ص»: «يوم الظفر».

2) . في جميع النسخ و المطبوع بدل ما أضفناه: «من»؛ و الظاهر أنّه من سهو أقلام النُّسّاخ.

3) . في «س» و المطبوع: «أفحش».

4) . في «س» و المطبوع: - «مَن قَتَلَه». و راجع تفصيل الكلام حول موضوع تمكين أعداء اللّٰه من أهل البيت عليهم السلام، في: «مسألة في علّة خذلان أهل البيت عليهم السلام و عدم نصرتهم» المتقدّمة.

تَعالىٰ بَينَ المُكلَّفِ و بَينَه، و إنّما تُمُكِّنَ مِن ذلكَ‌(1)كَما تُمُكِّنَ في(2)دارِ التكليفِ مِن كُلِّ قَبيحٍ ممّا يَكثُرُ تَعدادُه.


1) . أي من قتل أمير المؤمنين و الحسين عليهما السلام.

2) . في «ص» و حاشية «س»: «من».

(69) رسالةٌ في غَيبةِ الحُجّةِ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

تعرّض الإماميّة في عصر الغيبة إلى هجوم واسع من قِبَل متكلّمي المدارس الكلاميّة المناوئة لهم، حيث استغلّ أولئك المتكلّمون هذا الظرف لتسديد ضربات - تصوّروا أنّها موجِعة - إلى جسد الإماميّة؛ و لكن تمكّن علماء الإماميّة من التصدّي لتلك الهجمة، فقاموا بتبيين أسباب الغيبة، و الظروف التي أدّت اليها.

و عندما وصلت النوبة إلى الشريف المرتضى، أدلى بدلوه في هذه المسألة، فجاء برأي جديد، و هو عدم الحاجة إلى بيان سبب الغيبة؛ فما دام الإمام الغائب عليه السلامُ معصوماً، فلا يوجد مبرّر للبحث عن السبب لتوجيه و تبرير غيبته؛ فإنّ عصمته ضامنة لصحّة غيبته، و بذلك سوف لن تبقى فائدة وراء البحث عن أسباب الغيبة سوى الاستظهار على الخصم، و ردّ شبهاته و كلامه، و إنّ ذكر تلك الأسباب سوف يكون تبرّعاً و فضلاً من الإماميّة(1).

و أمّا الرسالة محلّ البحث فتحتوي على البحث المتقدّم، كما تطرّق مؤلّفها إلى بحوث أُخرى من جملتها الاستدلال على الحاجة إلى الإمام في كلّ عصر و الاستدلال على عصمته، ثمّ قام ببيان سبب الغيبة، و أجاب على بعض الإشكالات المتعلّقة بها.


1) . راجع: المقنع في الغيبة، ص 42 و 51-52.

نسبتها إلى المؤلّف

و الجدير بالذكر أنّه إذا قارنّا بين مباحث هذه الرسالة و مباحث رسالة المقنع في الغيبة، لوجدنا تطابقاً مدهشاً بين مباحث الرسالتين؛ فليس الاختلاف بينهما إلّافي الإجمال و التفصيل. فهل قام الشريف المرتضى باختصار رسالة المقنع في الغيبة المختصرة في حدّ ذاتها؟ و ما الحاجة الداعية إلى ذلك‌؟ أو قام شخص آخر بتأليف هذا المختصر؟

ثمّ إنّ الذي يدعو إلى الشكّ في نسبة الرسالة، هو أنّ الشريف المرتضى قد ذكر بحثاً مبتكراً حول الغيبة في موضعين على الأقلّ من رسائله، و أكّد في كلا الموضعين على أنّه من إبداعاته و ابتكاراته(1)لكن نرى أنّ هذا البحث قد ذكر في الرسالة محلّ البحث بعينه، إلّاأنّ المؤلّف لم يُشر إلى أنّه من إبداعاته؛ فلو كانت الرسالة للشريف المرتضى حقّاً، لذكر أنّه كذلك، كما أشار إلى ذلك في الموضعَين الآخرَين.

و ذلك البحث هو أنّ أولياء الإمام عليه السلامُ ينتفعون به حتّى في حال غيبته؛ فإنّهم مع علمهم بوجوده و وجوب طاعته فلا بدّ أن يخافوه و يهابوه عند ارتكاب المعاصي، و يخافوا تأديبه لهم، فيكثر منهم فعل الواجب، و يقلّ منهم ارتكاب القبيح، أو يكونوا أقرب إلى ذلك(2).

إذن ينبغي التعامل بحذر مع نسبة هذه الرسالة إلى الشريف المرتضى، على الرغم من أنّه ليس فيها مطلب جديد؛ فإنّ كلّ ما فيها مذكورٌ في المقنع كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك.

و نظراً لوضوح مطالب هذه الرسالة، و الاستغناء عنها برسالة المقنع، لذلك أعرضنا عن تلخيص محتواها.


1) . المقنع في الغيبة (قسم الزيادة)، ص 74؛ رسالة فصلٌ في الغيبة القادمة، ص 145.

2) . المصدران السابقان.

هذا و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في طهران سنة 1315 ه‍ في ضمن كلمات المحقّقين، ص 531، باسم: «مسألة وجيزة في الغيبة». و طبعت في ضمن المجموعة الرابعة من نفائس المخطوطات، سنة 1955 م باسم: «مسألة وجيزة في الغيبة» بتحقيق الشيخ محمّد حسن آل ياسين، كما طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 291 باسم: «رسالة في غيبة الحجّة». و طبعت أيضاً في ضمن مسائل المرتضى، ص 154 باسم: «مسألة في الغيبة». و أُعيدت طباعة ما حقّقه الشيخ آل ياسين من قِبَل الروضة الكاظميّة المقدّسة سنة 1436 ه‍.

مخطوطات الرسالة
ألف) النسخ المعتمدة:
1. مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21915؛ نُسخت في عام 1048 ه‍، و لم يُعلم اسم ناسخها. و تشاهد في هوامشها علامات التصحيح و المقابلة.

و الرسالة تقع في الصفحات (2-8) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحات (138-141) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحات (353-360) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحات (56-57) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

5.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحات (50-55) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

6.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحات (32-35) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

7.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحات (44-49) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ط».

8.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (122-125) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ع».

9.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 438/10؛ تقع في الصفحات (1-6) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ف».

ب) سائر النسخ:
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 400017؛ تقع في الصفحات (71-78) من المجموعة.

2.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39684؛ نسخها «عبد المجيد بن محمّد مهدي» في عام 1243 ه‍. و الرسالة تقع في خمس صفحات.

3.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحات (273-275) من المجموعة.

4.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحات (48-53) من المجموعة.

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (205-217) من المجموعة.

6.

مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587/3؛ تقع في الصفحات (34-38) من المجموعة.

7.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحات (81-85) من المجموعة.

[

رسالةٌ في غَيبةِ الحُجّةِ‌

اشارة

رسالةٌ في غَيبةِ الحُجّةِ‌(1)

بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌

الحَمدُ للّٰهِ حَمدَ مُرتَبِطٍ(2)للنِّعَمِ‌، مُستَدفِعٍ‌(3)للنِّقَمِ‌، و صَلَّى اللّٰهُ علىٰ خَيرِ العَرَبِ و العَجَمِ‌، المبعوثِ إلىٰ سائرِ الأُمَمِ‌، محمّدٍ، و علىٰ آلِه الطاهري النَّسَمِ‌، الظاهري الفَضلِ و الكَرَمِ‌.

و بَعدُ، فإنّ المُخالِفينَ لنا(4)في الِاعتقادِ يَتوهَّمونَ صُعوبةَ الكلامِ علينا في الغَيبةِ و سُهولتَه عليهم، و لَيسَ بأوّلِ اعتقادِ جَهلٍ اعتَقَدوه، و عندَ التأمُّلِ يَبينُ‌(5)عَكسُ ما تَوهَّموه.

بيانُ ذلكَ‌: أنّ الغَيبةَ فَرعٌ لأُصولٍ‌؛ إن صَحَّت فالكلامُ في الغَيبةِ أسهَلُ شَيءٍ و أوضَحُه - إذ هي مَبنيّةٌ‌(6)عليها -، و إن كانَت غيرَ صحيحةٍ فالكلامُ في الغَيبةِ‌


1) . في «أ، ب، ج، د، س، ص»: «وجدتُ في كتبه رحمه اللّٰه مسألة وجيزة في الغيبة لا أعلم (في «ج، د، ص»: «و لا علم بها») من كلام مَن هي‌؟ فكتبتُها (في «ج»: «فكُتبت». و في «د، ص»: «فكُتب») على وجهها، و هي». و في «ع»: «مسألة وجيزة في الغيبة لمولانا و سيّدنا الشريف المرتضى ذي المجدين، رضي اللّٰه تعالى عنه». و في «ف»: «جواب مسألة في غيبة الإمام عليه السلام».

2) . في «ف»: «حمداً مرتبطاً» بدل «حمدَ مرتبطٍ».

3) . في «ف»: «مستدفعاً».

4) . في «أ»: + «في الآخرة».

5) . في «أ، د، ف»: «تبيّن».

6) . في «د، س، ص، ط، ع» و المطبوع: «متوقّفة».

لَعَمري(1)صَعبٌ غيرُ مُمكِنٍ‌.

بيانُ هذه الجُملةِ‌: أنّ العقلَ يَقتَضي(2)بوُجوبِ الرئاسةِ في كُلِّ زمانٍ‌، و أنّ الرئيسَ لا بُدَّ مِن كَونِه معصوماً مأموناً منه كُلُّ فِعلٍ قَبيحٍ‌.

و إذا ثَبَتَ هذانِ الأصلانِ لَم تَبقَ‌(3)إلّاإمامةُ مَن نُشيرُ إلىٰ إمامتِه؛ لأنّ الصفةَ التي اقتَضاها العقلُ‌(4)و دَلَّ علىٰ وجوبِها لا توجَدُ إلّافيه، و تَنساقُ‌(5)الغَيبةُ بهذا سَوقاً ضَروريّاً لا تَقرُبُ منه شُبهةٌ‌.

فيُحتاجُ أن نَدُلَّ‌(6)علىٰ صحّةِ الأصلَينِ المذكورَينِ‌، فنَقولَ‌:

[

وجوب الإمامة في كلّ زمان

أمّا الذي يَدُلُّ علىٰ وجوبِ الإمامةِ في كُلِّ زمانٍ‌، فهو أنّا نَعلَمُ عِلماً(7)لا طَريقَ للشكِّ عليه(8)أنّ وجودَ الرئيسِ المُطاعِ المَهيبِ المُنبَسِطِ اليدِ أدْعىٰ إلىٰ فِعلِ الحَسَنِ و أردَعُ عن فِعلِ القَبيحِ‌، و أنّ التظالُمَ‌(9)بَينَ الناسِ إمّا أن يَرتَفِعَ‌(10)عندَ وجودِ مَن وَصَفناه، أو يَقِلَّ‌.

و أنّ الناسَ عند الإهمالِ و فَقدِ الرؤساءِ يُبالِغونَ‌(11)في القَبيحِ‌، و تَفسُدُ أحوالُهم، و يَختَلُّ نِظامُهم. و الأمرُ في ذلكَ أظهَرُ مِن أن يَحتاجَ إلىٰ دليلٍ‌، و الإشارةُ إليه كافيةٌ‌، و استقصاؤه(12)في مَظانِّه.


1) . في «ج، د، ص، ع» و المطبوع: - «لعمري».

2) . كذا، و الأنسب: «يقضي».

3) . في «د، ص، ع، ف» و المطبوع: «لم يبق».

4) . في «ع» و المطبوع: - «العقل».

5) . في «د، ص، ع» و المطبوع: «و تساق».

6) . في «د، س، ص، ط، ع»: «أن تدلّ‌».

7) . في «ع» و المطبوع: - «علماً».

8) . في «د، ص، ع» و المطبوع: - «عليه».

9) . في «أ، س، ط» و المطبوع: «المظالم».

10) . أي يزول تماماً.

11) . في غير «ج، د، ص، ع» و المطبوع: «يتابعون». و في المقنع، ص 36: «يَتتابَعون».

12) . في «ج، د، ع» و المطبوع: «فاستقصاؤه».

[

وجوب عصمة الإمام

و أمّا الذي يَدُلُّ علىٰ وجوبِ عِصمةِ الرئيسِ المذكورِ، فهو أنّ عِلّةَ الحاجةِ هي أن يَكونَ لُطفاً للرعيّةِ في الِامتناعِ مِن فِعلِ القَبيحِ و في اعتمادِ فِعلِ الحَسَنِ‌؛ فإن كانَت عِلّةُ الحاجةِ‌(1)إليه موجودةً فيه(2)، وَجَبَ أن يَحتاجَ إلىٰ رئيسٍ و إمامٍ كما احتيجَ إليه، و الكلامُ في الإمامةِ كالكلامِ فيه، و هذا يَقتَضي إمّا(3)القولَ بأئمّةٍ لا نِهايةَ لهم(4)، و هو مُحالٌ‌؛ أو القولَ بوجودِ إمامٍ تَرتَفِعُ‌(5)عنه عِلّةُ الحاجةِ‌.

و إذا ثَبَتَ ذلكَ لَم يَبقَ إلّاالقولُ بإمامٍ معصومٍ لا يَجوزُ عليه القَبيحُ‌، و هو الذي(6)قَصَدناه، و شَرحُ ذلكَ و بَسطُه مذكورٌ في أماكنِه.

[

إثبات إمامة صاحب الزمان عليه السلام

و إذا ثَبَتَ هذانِ الأصلانِ‌(7)، فلا بُدَّ مِن القولِ بأنّه صاحبُ الزمانِ بعَينِه، ثُمَّ لا بُدَّ مع(8)فَقدِ تَصرُّفِه و ظُهورِه مِن القَولِ بغَيبتِه؛ لأنّه إذا بَطَلَت إمامةُ مَن أُثبِتَت له الإمامةُ بالِاختيارِ؛ لفَقدِ الصفةِ التي دَلَّ العقلُ عليها.

و بَطَلَ قولُ مَن خالَفَ مِن شُذّاذِ الشيعةِ‌(9)[في إمامةِ‌](10)صاحِبِنا - كالكَيسانيّةِ‌،


1) . في «د، ص، ع» و المطبوع: - «هي أن يكون لطفاً للرعيّة...» إلى هنا.

2) . في «د، ص، ع» و المطبوع: - «فيه». 3. في «ع» و المطبوع: - «إمّا».

3)

4) . في «ج، د، ص، ع» و المطبوع: «لها».

5) . في «أ»: «يرتفع». و في «ص»: «فادفع». و في «د، ع» و المطبوع: «فارقت».

6) . في «ص، ع» و المطبوع: «ما».

7) . في «ف»: «هذا» بدل «هذان الأصلان».

8) . في «أ، ب، ج، د، ص، ع، ف» و المطبوع: «من».

9) . في «د، ع» و المطبوع: + «من أصحابنا».

10) . في النسخ و المطبوع: «بما» بدل ما بين المعقوفين، و الذي أثبتناه استفدناه من المقنع، ص 37.

و الناووسيّةِ‌، و الواقفيّةِ -؛ لانقراضِهم و شُذوذِهم، و لِعَودِ الضرورةِ إلىٰ فَسادِ قولِهم.

و لا(1)مَندوحةَ عن(2)مَذهَبِنا، فلا بُدَّ(3)مِن صحّتِه؛ و إلّاخَرَجَ الحَقُّ عن الأُمّةِ‌(4).

[

بيان الوجه في الغَيبة

و إذا عَلِمنا بالسياقةِ التي ساقَ الأصلانِ إليها(5)أنّ الإمامَ هو ابنُ الحَسَنِ عليه السلامُ دونَ غيرِه، و رأيناه غائباً عن الأبصارِ، عَلِمنا أنّه لَم يَغِبْ - مع عِصمتِه و تَعيُّنِ فَرضِ الإمامةِ فيه و عليه - إلّالسببٍ‌(6)اقتَضىٰ ذلكَ‌، و مَصلَحةٍ استَدعَته، و حالٍ أوجَبَته، و إن(7)لَم نَعلَمْ‌(8)وجهَ ذلكَ مُفصَّلاً؛ لأنّ ذلكَ ممّا لا يَلزَمُ عِلمُه، و إن تَكلَّفناه(9)و تَبرَّعنا بذِكرِه كان تَفضُّلاً، كما(10)إذا تَبرَّعنا بذِكرِ وُجوهِ المُتَشابِهِ مِن الآيِ بَعدَ العِلمِ بحِكمةِ‌(11)اللّٰهِ تَعالىٰ سُبحانَه كانَ ذلكَ تَفضُّلاً.

فنَقولُ‌: السببُ في الغَيبةِ هو إخافةُ الظالِمينَ له(12)، و مَنعُهم يَدَه مِن التصرُّفِ‌(13)


1) . في «ج، د، س، ص» و المطبوع: «فلا».

2) . في «س، ط»: «عند».

3) . في «أ، س، ط»: «و لا بدّ».

4) . في «ج، د، ص، ع، ف» و المطبوع: «الإمامة».

5) . في «أ، ب، ج، س، ف»: - «إليها».

6) . في «د، ص، ع» و المطبوع: «بسبب».

7) . في «د، ص، ع» و المطبوع: - «إن».

8) . في «أ، د، ص، ع» و المطبوع: «لم يُعلم».

9) . في «ص، ع، ف» و المطبوع: «تكلّفنا».

10) . في «س، ط، ف»: + «أنّا».

11) . في «ف»: «الحكم بمحكم» بدل «العلم بحكمة».

12) . في «س، ط»: - «له».

13) . في المطبوع: + «فيه».

فيما جُعِلَ إليه التصرُّفُ فيه؛ لأنّ الإمامَ إنّما يُنتَفَعُ به النفعَ الكُلّيَّ إذا كانَ مُتمكِّناً مُطاعاً، مُخَلّىً بَينَه و بَينَ أغراضِه؛ ليُقوِّمَ‌(1)الجُناةَ‌(2)، و يُحارِبَ البُغاةَ‌، و يُقيمَ الحدودَ، و يَسُدَّ الثُّغورَ، و يُنصِفَ المظلومَ‌. و كُلُّ ذلكَ لا يَتِمُّ إلّامع التمَكُّنِ‌، فإذا حيلَ بَينَه و بَينَ أغراضِه مِن ذلكَ سَقَطَ عنه فَرضُ القيامِ بالإمامةِ‌.

و إذا خافَ علىٰ نفسِه وَجَبَت غَيبتُه، و التحَرُّزُ مِن المَضارِّ واجبٌ عقلاً و سَمعاً، و قد استَتَرَ النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(3)في الشِّعبِ‌، و أُخرىٰ في الغارِ، و لا وجهَ لذلكَ إلّاالخَوفُ و التحرُّزُ مِن المَضارِّ.

فإن قيلَ‌: النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ما استَتَرَ عن قومِه إلّابَعدَ أداءِ ما وَجَبَ عليه أداؤه، و قولُكم في الإمامِ يُخالِفُ ذلكَ‌؛ و لأنّ استتارَه عليه السلامُ لَم يَتَطاوَلْ و لَم يَتَمادَ(4)، و استتارُ إمامِكم قد مَضَت عليه الدهورُ(5)، و انقَرَضَت(6)دونَه العُصورُ(7).

قُلنا: لَيسَ الأمرُ علىٰ ما ذَكرتم؛ لأنّ استتارَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ قَبلَ الهِجرةِ‌، و لَم يَكُن عليه السلامُ أدّىٰ‌(8)جميعَ الشريعةِ‌؛ فإنّ مُعظَمَ الأحكامِ و أكثَرَها نَزَلَ‌(9)بالمَدينةِ‌، فكَيفَ ادَّعَيتم ذلكَ؟!


1) . في «ب، ج، د، ص»: «لتقوّه». و في «ع» و المطبوع: «ليقود».

2) . في «ع» و المطبوع: «الجنود». و في «أ، ب، ج، د، ص»: «الحياة».

3) . في «ف»: + «تارة».

4) . في «أ»: - «و لم يتماد».

5) . في «د، ص، ع» و المطبوع: «الشهور».

6) . في المطبوع و المقنع، ص 53: «و انقضت».

7) . في «أ»: «القصور». و في «ع» و المطبوع: «الدهور».

8) . في المطبوع: «أرى».

9) . في «أ»: «نزلت».

علىٰ أنّه لَو كانَ الأمرُ علىٰ ما ادَّعَيتم مِن(1)الأداءِ‌(2)الكاملِ‌(3)قَبلَ الِاستتارِ، لَما كانَ ذلكَ رافعاً للحاجةِ إلىٰ تدبيرِه و سياستِه و أمرِه و نهيِه.

و مَن الذي يَقولُ‌: إنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه غيرُ مُحتاجٍ إليه بَعدَ أداءِ الشرعِ؟ و إذا جازَ استتارُ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه مع تَعلُّقِ الحاجةِ به لخَوفِ الضرَرِ، و كانَت التَّبِعةُ في ذلكَ‌(4)لازمةً لِمَن أخافَه و أحوَجَه إلَى الِاستتارِ و ساقطةً‌(5)عنه، فكذلكَ القولُ في استتارِ إمامِ الزمانِ‌.

فأمّا التفرقةُ بطولِ الغَيبةِ و قِصَرِها ففاسدةٌ‌؛ لأنّه لا فَرقَ بَينَ القَصيرِ و المُمتَدِّ، و ذلكَ موقوفٌ علىٰ عِلّتِه و سببِه، فتَطولُ بِطولِ السببِ‌، و تَقصُرُ بقِصَرِه(6)، و تَزولُ بزَوالِه.

و الفَرقُ بَينَه و بَينَ آبائه عليهم السلامُ ظاهرٌ؛ لأنّه يَظهَرُ(7)بالسَّيفِ‌، و يَدعو إلىٰ نفسِه، و يُجاهِدُ مَن خالَفَه، و يُزيلُ الدُّوَلَ‌؛ فأيُّ نسبةٍ بَينَ خَوفِه مِن الأعداءِ و خَوفِ آبائه عليهم السلامُ لَولا قِلّةُ التأمُّلِ؟!

[

بيان الفرق بين غَيبة الإمام و عدمه

فإن قيلَ‌: فأيُّ فَرقٍ بين وُجودِه غائباً لا يَصِلُ إليه أحَدٌ و لا يَنتَفِعُ به بَشَرٌ، و بَينَ عدمِه‌؟ و ألّا جازَ إعدامُه إلىٰ حينِ عِلمِ اللّٰهِ سُبحانَه بتَمكينِ الرعيّةِ له، كما جازَ أن


1) . في «س، ط، ف»: + «أنّ‌».

2) . في المطبوع: + «[و]».

3) . في «ص، ع»: «تكامل». و في «ف»: «كان». و في «أ، ب، ج، د» و المطبوع: «التكامل».

4) . في المطبوع: - «التبعة في ذلك».

5) . في «أ، ب، ج، د، ص، ع» و المطبوع: «و ساقط».

6) . في «ف»: «بتقصيره». و في «أ، د» و المطبوع: «بقصيره».

7) . في «د، ع» و المطبوع: «أنّه ظاهر» بدل «ظاهر؛ لأنّه يظهر». و في «ج، ص»: «ظاهر» بدلها.

يُبيحَه(1)الِاستتارَ حتّىٰ يَعلَمَ منهم(2)التمكينَ له فيَظهَرَ؟

قيلَ له(3)أوّلاً: نَحنُ نُجوِّزُ أن يَصِلَ إليه كَثيرٌ مِن أوليائه و القائلينَ بإمامتِه فيَنتَفِعونَ به، و مَن لا يَصِلُ إليه منهم و لا يَلقاه مِن شيعتِه و مُعتَقِدي إمامتِه فهُم يَنتَفِعونَ به في حالِ الغَيبةِ النفعَ الذي نَقولُ إنّه لا بُدَّ في التكليفِ منه؛ لأنّهم مع عِلمِهم بوُجودِه بَينَهم و قَطعِهم علىٰ وجوبِ طاعتِه عليهم و لُزومِها لهم لا بُدّ مِن أن يَخافوه و يَهابوه(4)في ارتكابِ القَبائحِ‌، و يَخشَوا تأديبَه و مؤاخَذَتَه، فيَقِلَّ منهم فِعلُ القَبيحِ و يَكثُرَ فِعلُ الحَسَنِ‌، أو يَكونَ ذلكَ أقرَبَ‌.

و هذه جهةُ الحاجةِ العقليّةِ إلَى الإمامِ‌، فهو و إن لَم يَظهَرْ لأعدائه - لخَوفِه منهم، و سَدِّهم علىٰ أنفُسِهم طُرُقَ الانتفاعِ به - فقَد بيّنّا في هذا الكلامِ الانتفاعَ به لأوليائه علَى الوجهَينِ المذكورَينِ‌.

علىٰ أنّا نَقولُ‌: الفَرقُ بَينَ وجودِ الإمامِ غائباً(5)مِن أجلِ الخَوفِ مِن أعدائه - و هو يَتوقَّعُ في هذه الحالةِ أن يُمكِّنوه فيَظهَرَ و يَقومَ بما فُوِّضَ‌(6)إليه - و بَينَ عدمِه جَليٌّ واضحٌ‌؛ لأنّه إذا كانَ معدوماً كانَ ما(7)يَفوتُ العبادَ مِن مَصالِحِهم و يُعدَمونَه مِن مَراشِدِهم و يُحرَمونَه مِن لُطفِهم منسوباً إلَى اللّٰهِ سُبحانَه، لا حُجّةَ فيه علَى العبادِ و لا لَومَ لهم(8). و إذا كانَ موجوداً مُستَتِراً بإخافتِهم إيّاه كانَ ما يَفوتُهم مِن المَصالحِ‌


1) . في «أ، ص»: «أن يتّجه».

2) . في «ع» و المطبوع: «منه».

3) . في «ف»: - «له».

4) . في «س، ط»: «و يجابوه». و في «ف»: - «و يهابوه».

5) . في «أ، ب، ج، د، ص، ع» و المطبوع: - «غائباً».

6) . في «ج، د، ع» و المطبوع: «فوّض اللّٰه» بدل «فوّض». و في «ط، ف»: «فرض اللّٰه» بدله.

7) . في المطبوع جُعلت «ما» بين معقوفين.

8) . في غير «ف»: - «لهم». و في المقنع، ص 56: «و لا لوم يلزمهم و لا ذمّ‌».

و يَرتَفِعُ عنهم مِن المَنافعِ منسوباً إليهم، و هُم المَلومونَ‌(1)عليه المؤاخَذونَ به.

علىٰ أنّ هذا يَنعَكِسُ عليهم في استتارِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ فأيُّ شَيءٍ قالوه فيه أجَبناهم بمِثلِه هُنا.

[

بيان حال الحدود في عصر الغيبة

و القولُ في الحدودِ(2)في حالِ الغَيبةِ ظاهرٌ، و هو أنّها في جُنوبِ‌(3)فاعِليها(4)و جُناتِها(5)فإن ظَهَرَ الإمامُ و المُستَحِقُّ للحدودِ باقٍ‌، و هي ثابتةٌ عليه(6)بالبيِّنةِ أو الإقرارِ(7)، استَوفاها منه؛ و إن فاتَ ذلكَ بمَوتِه، كانَ الإثمُ علىٰ مَن أخافَ الإمامَ و ألجَأَه(8)إلَى الغَيبةِ‌.

و لَيسَ [هذا](9)بنَسخِ الشريعةِ في إقامةِ الحدودِ(10)لأنّه إنّما يَكونُ‌(11)نَسخاً(12)لَو سَقَطَ فَرضُ إقامتِها مع التمكينِ و زَوالِ الأسبابِ المانعةِ مِن إقامتِها، فأمّا(13)


1) . في «س، ط»: «الملمّون».

2) . في «د، ص، ع» و المطبوع: «بالحدود» بدل «في الحدود».

3) . في «أ، ب، ج، د، ع» و المطبوع: «حياة». و في «ف»: «ذنوب».

4) . في أكثر النسخ و المطبوع: «فاعلها»، و الظاهر أنّه سهو من النسّاخ.

5) . في «أ، ب، ج، د، ص، ع» و المطبوع: «و حياتها».

6) . في «س، ط»: - «عليه».

7) . في «أ، ب، ج، د، ص، ع» و المطبوع: «و الإقرار».

8) . في «س، ط»: «و ألجأ».

9) . ما بين المعقوفين استفدناه من المقنع، ص 58.

10) . في المقنع: «و ليس هذا بنسخٍ لإقامة الحدود».

11) . في «س، ط» و حاشية «أ»: «كان». و في «ب، ف»: «كان يكون».

12) . في «س، ط»: «قبيحاً».

13) . في «ص»: «و أمّا»، و في «ب، ف»: «و كان»، و في المطبوع: «و أمّا مع عدمه» بدل «فأمّا».

و الحالُ‌(1)ما ذَكرناه(2)فلا.

و هذه جُملةٌ مُقنِعةٌ في الكلامِ في(3)هذه المسألةِ‌، و اللّٰهُ المُستَعانُ‌(4)، و به التوفيقُ‌.


1) . في «ص»: «الحال» بدون واو العطف.

2) . في «أ، ب، ج، د» و المطبوع: «ذكرنا».

3) . في «ج، د، ص» و المطبوع: - «الكلام في».

4) . في «ع» و المطبوع: «المستعين».

(70) فَصلٌ في الغَيبةِ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

بعد وقوع ظاهرة الغيبة و حصول الانقطاع بين الإمام و بين الإماميّة انهالت الإشكالات عليهم من قِبَل المخالفين، حيث عدّوا تلك الظاهرة دليلاً على بطلان القول بالإمامة، و ساووا بين غيبة الإمام و بين عدمه(1)، ناسين بذلك غيبات الأنبياء عليهم السلامُ التي طال بعضها(2)، و مستبعدين ذلك على قدرة اللّٰه تعالى، إلّاأنّ الإماميّة أخذوا على عاتقهم الدفاع عن عقيدتهم، و صاروا يبحثون و يبيّنون المبرّرات و الأسباب التي دعت الإمام إلى الغيبة.

إلى أن وصلت النوبة إلى الشريف المرتضى، فتصدّى للدفاع عن معتقدات الإماميّة، و منها الغيبة، و قام بإبداع دليل جديد للدفاع عن عقيدة الغيبة، فذهب إلى أنّه لا ضرورة للبحث عن مبرّرات الغيبة و عللها و أسبابها؛ و ذلك لأنّه قد ثبت بالدليل وجوب الإمامة في كلّ عصر، و أنّ الإمام معصومٌ‌، و لا يجوز عليه فعلُ القبيح، فلو غاب و استتر عَلِمنا أنّ لغيبته مبرّراً و سبباً معيّناً، و أنّ غيبته هذه حسنة و ليست قبيحة، بل لها أسبابها و مبرّراتها و إن لم نعلمها على نحو الدقّة، و بذلك سوف يكون البحث عن أسباب الغيبة أمراً زائداً، و لا حاجة إليه إلّااستظهاراً على المخالفين، و إتماماً للحجّة، و هذا كلّه يدلّ على أهمّية بحث العصمة في موضوع الإمامة، و


1) . راجع: تنزيه الأنبياء و الأئمّة عليهم السلامُ‌، ص 225.

2) . راجع: كمال الدين، ص 127 و ما بعدها.

ضرورة الاهتمام به، و الاشتغال بإثباته و تصحيحه.

و قد ذكر الشريف المرتضى في المقنع و زيادتِه هذه الفكرة بعينها، أي فكرة الاستغناء بعصمة الإمام عن البحث عن أسباب الغيبة و دواعيها(1)، و أشار في زيادة المقنع إلى أنّ هذه الفكرة لم يُسبق إليها، حيث قال:

ثمّ استأنفنا في المقنع طريقة غريبة لم نُسبَق إليها، و دللنا على أنّه لا يجب علينا بيان السبب في غيبته على التعيين، بل يكفي في العلم بحُسن الغيبة منه عِلمُنا بعصمته، و أنّه ممّن لا يَفعل قبيحاً، و لا يَترك واجباً(2).

و لم يتعرّض في الرسالة محلّ البحث إلى سبب الغيبة؛ لكنّه أشار إليه في مواضع أُخرى من كتبه، نذكره هنا للفائدة، و هو أنّ سبب الغيبة إخافة الظالمين للإمام عليه السلامُ‌، و منعه من التصرّف فيما جُعل إليه التصرّف فيه، و عدم تمكينه منه(3).

و من جهة أُخرى، أشار في هذه الرسالة إلى إشكال آخر، و هو أنّه إذا كان الإمام لطفاً في فعل الواجبات و ترك القبائح، فإنّ غيبته سوف تنقض ذلك.

فأجاب بأنّه لا يمتنع أن يكون هذا اللطف في أثناء غيبته أقوى من حضوره، و ذلك لأنّ أولياء الإمام عليه السلامُ على الرغم من أنّهم لا يَعرفون مكانه و لا شخصه، لكنّهم يعلمون أنّه موجود معهم، و لا يشكّون في ذلك. هذا من جهة، و من جهة أُخرى أنّهم يجوّزون في مَن يشاهدونه أن يكون هو الإمام عليه السلامُ‌، فلا يأمنون حينئذ من أنّهم إذا فعلوا القبائح أن يقوم بتأديبهم، و لذلك سوف يبتعدون عن القبائح، و يقتربون إلى فعل الواجبات، و هو اللطف.

و ذكر في نهاية كلامه أنّ هذا الجواب ليس لأحد من الأصحاب، بمعنى أنّه من


1) . المقنع، ص 41، 73-74.

2) . المصدر (قسم الزيادة)، ص 73-74.

3) . تنزيه الأنبياء و الأئمّة عليهم السلامُ‌، ص 223؛ المقنع، ص 52.

إ بداعاته، كما أنّه ذكر هذا الجواب أيضاً في زيادة المقنع(1)، و قال: «و خطر ببالنا الآن ما لابدّ من ذكره ليُعرف»،(2)و هذا يعني أيضاً أنّ الجواب من إبداعاته، و هو يدلّ على تصحيح نسبة الرسالة محلّ البحث إليه؛ فإنّه قد ذكر فيها جواباً نعلم من خلال كتبه المعلومة النسبة إليه أنّه من إبداعاته الشخصيّة.

هذا، و كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 144 في ضمن «أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره».

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26149؛ تقع في الصفحة (45) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (192) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (281) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».


1) . المقنع (قسم الزيادة)، ص 74-77.

2) . المصدر، ص 74.

فَصلٌ في الغَيبةِ‌

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

قالَ - رَضيَ اللّٰهُ عنه -:

إن قالوا: إن قَبِلتم(1)أنّ الإمامَ موجودٌ، و أنّه يَظهَرُ و يَفعَلُ و يَصنَعُ‌، فأيُّ شَيءٍ يَمنَعُ مِن ظهورِه‌؟ بيِّنوا ما الموجِبُ لِاستتارِه و غَيبتِه‌؟!

قُلنا: قد ثَبَتَ وجوبُ [وجودِ] الإمامِ‌، و أنّ مِن صفتِه أن يَكونَ معصوماً لا يَجوزُ أن يَقَعَ منه الفعلُ القَبيحُ‌؛ و إذا كانَ كذلكَ‌، و قد بيّنّا أنّ الإمامَ يَجِبُ كَونُه موجوداً، و الآنَ ما بَقيَ إلّا(2)ظهورُه و غَيبتُه.

فنَقولُ‌: إذا ثَبَتَ عِصمتُه ثُمّ استَتَرَ و لَم يَظهَرْ، وَجَبَ أن يَكونَ ذلكَ لعُذرٍ؛ لأنّ القَبيحَ لا يَجوزُ وقوعُه منه. و لَيسَ يَجِبُ علينا بيانُ ذلكَ العُذرِ و أنّه «ما(3)هو؟» بوجهٍ مِن الوجوهِ‌.

و هذا مِثلُ ما نَقولُ [كُلُّنا لمُخالِفينا] و هُم المُلحِدةُ حينَ يَقولونَ‌: ما الحِكمةُ في رَميِ الحِجارةِ و الهَروَلةِ و استلامِ الحَجَرِ، [و نَحنُ‌] لا نَعلَمُ شَيئاً [مِن حِكمتِه]؟ إلىٰ غيرِ ذلكَ ممّا يَسألونَ عنه.

أ لَسنا نَقولُ لهُم: إنّ صانعَ العالَمِ قد ثَبَتَت حِكمتُه بالدليلِ الباهرِ القاهرِ؛ و مع


1) . في «س» و المطبوع: «قلتم».

2) . في «ص» و حاشية «س»: «ما بقي ان لا». و في «س» و المطبوع بدل «ما بقي إلّا» فراغ.

3) . في «س، ص» و المطبوع: «و إنّما» بدل «و أنّه ما».

حِكمتِه إذا أُمِرنا بمِثلِ هذه الأشياءِ‌، عَلِمنا أنّ الحِكمةَ أَوجَبَت ذلكَ الأمرَ؟

فإذا قالوا: ما ذلكَ الأمرُ؟

قُلنا: لا يَجِبُ علينا بيانُه؛ مِن حَيثُ عَلِمنا أنّ القَبيحَ لا يَحصُلُ منه تَعالىٰ‌.

و الطريقانِ واحدٌ علىٰ ما تَرىٰ‌؛ و هذا هو سَدُّ البابِ علىٰ مُخالِفينا، و قَطعُ التطويلاتِ عنهم و الإسهاباتِ‌(1)، و بهذا يَنبَغي(2)أن يُستَعمَلَ معهم.

سؤالٌ لهُم: إذا قالوا: إنّ نَصبَ الإمامِ إذا كانَ لُطفاً للمُكلَّفينَ في فعلِ الواجباتِ و تَجنُّبِ المُقبَّحاتِ‌، فإنّ استتارَه و غَيبتَه يَنقُضانِ هذا البِناءَ‌، و يُبطِلانِ هذا الغرضَ‌.

قُلنا لهُم: لا يَمتَنِعُ أن يَقَعَ هذا اللطفُ مع غَيبتِه في هذا البابِ [بشَكلٍ‌] أقوىٰ‌؛ لأنّ المُكلَّفَ إذا لَم يَعلَمْ مكانَه، و لَم يَقِفْ علىٰ‌(3)مَوضِعِه، و يُجوِّزُ فيمن لا يَعرِفُه أنّه(4)الإمامُ‌، يَكونُ إلىٰ أن لا يَفعَلَ القَبيحَ و لا يُقصِّرَ في فعلِ الواجبِ أقرَبَ منه لَو عَرَفَه و لَم(5)يُجوِّزْ فيه كَونَه إماماً.(6)

و هذا جوابٌ ظاهرٌ لَيسَ لأحَدٍ مِن أصحابِنا هذا الجوابُ‌.

قالَ - رَضيَ اللّٰهُ عنه -:

العصمةُ في صِفاتِ الإمامِ من أكبَرِ الأُصولِ في الإمامةِ‌؛ إن ثَبَتَت(7)يَكفي كَثيراً مِن المؤَنِ‌، فالواجبُ أن يَكونَ الاشتغالُ بتصحيحِها أكثَرَ.


1) . في «س، ص» و المطبوع: «و الأمارات».

2) . في «س، ص» و المطبوع: - «ينبغي».

3) . في «س، ص» و المطبوع: - «علىٰ‌».

4) . في «س، ص» و المطبوع: «أنّ‌».

5) . في «س» و المطبوع: «و لا».

6) . فإنّه لو عرف أنّ هذا الشخص ليس بإمام لم يحترز منه، بينما لو جوَّز كونَه الإمامَ احترز منه. و راجع: المقنع، ص 78.

7) . في «س، ص» و المطبوع: «تثبت».

(71) فَصلٌ في الإمامة بَعدَ القائمِ عليه السلام

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

قد تؤدّي بعض النظريّات التي يؤمن بها المتكلّمون من مختلف الفرق إلى إثارة إشكالات ينبغي عليهم الإجابة عليها، كي يتمكّنوا من التمسّك بتلك النظريّات، و منها نظريّة «عدم خلوّ الزمان من الإمام»، و هي نظريّة آمن الإماميّة بها، و بنوا عليها نظريّات مهمّة أُخرى، مثل إثبات إمامة الأئمّة الاثني عشر عليهم السلامُ‌(1)، و مثل حجّيّة إجماع أهل كلّ عصر؛ لدخول الإمام فيهم الذي لا يخلو منه زمان(2)إضافة إلى بعض المسائل المتعلّقة بالغيبة، مثل عدم الحاجة إلى معرفة أسباب الغيبة على التفصيل بعد ثبوت عصمة الإمام(3)، و الدليل على طول عمر صاحب الزمان عليه السلامُ‌(4)، و غير ذلك من الأبحاث و النظريّات.

و اشترط الإماميّة لنظريّة «عدم خلوّ الزمان من الإمام» شرطين: أحدهما ثبوت التكليف، و الآخر عدم عصمة الأُمّة. فلو انقطع التكليف، أو صار الناس معصومين، انتفت الحاجة إلى الإمام في كلّ عصر(5).

و الإشكال الذي وُجّه إلى هذه النظريّة في الرسالة محلّ البحث هو: إذا لم يخلُ الزمان من إمام كما تقولون، فهل هذا يشمل حالة ما بعد الإمام الثاني عشر عليه السلامُ أيضاً، أو لا؟ خاصّة و إنّه لا دليل على انقطاع التكليف بعده حتّى يقال بعدم الحاجة إلى إمام آخر، بحجّة أنّ الحاجة إليه - و هي إصلاح الدين، و القيام بمصالح المسلمين


1) . راجع: الذخيرة، ص 503.

2) . المصدر، ص 435.

3) . راجع: المقنع في الغيبة، ص 34.

4) . راجع: كنز الفوائد، ص 244.

5) . راجع: الذخيرة، ص 409.

قد انتفت بانقطاع التكليف؛ و حينئذ إذا قلنا بعدم وجود دليل على انقطاع التكليف، فإن قلنا بعدم وجود إمام بعد الإمام الثاني عشر عليه السلامُ‌، سقطت نظريّة عدم خلوّ الزمان من الإمام من الاعتبار، و إن قلنا بوجود امام جديد يأتي من بعده، تعرّضت نظريّة أُخرى للخطر، و هي نظريّة أنّ عدد الأئمّة اثنا عشر إماماً، لأنّه سوف يزيد عدد الأئمّة - مع مجيء الإمام الجديد - على هذا العدد.

و في الجواب تمسّك الشريف المرتضى بنظريّة عدم خلوّ الزمان من الإمام، و بأنّه لا دليل على انقطاع التكليف بعد الإمام الثاني عشر عليه السلامُ‌، لكنّه جوّز أن يكون بعد الإمام الثاني عشر عليه السلامُ عدّة أئمّة، يقومون بحفظ الدين و مصالح أهله.

و أمّا نظريّة الاثني عشر إماماً، فبحسب رأيه سوف لن تتعرّض إلى خطر؛ لأنّ المقصود بهذه النظريّة هو الإيمان باثني عشر إماماً، لا أقلّ من ذلك، و أمّا الإيمان بأكثر من هذا العدد، فسوف لن يخرجنا من الإيمان باثني عشر إماماً، و هو المطلوب، فإنّ المطلوب هو هذا العدد، لا نفي الزائد.

هذا، و كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 145 في ضمن «أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره».

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26149؛ تقع في الصفحة (45) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (192) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (281) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

فَصلٌ في الإمامة بَعدَ القائمِ عليه السلام

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

و سُئلَ - رَضيَ اللّٰهُ عنه - عن الحالِ بَعدَ إمامِ الزمانِ عليه السلامُ في الإمامةِ فقالَ‌(1): إذا كانَ مِن المَذهبِ المعلومِ أنّ كُلَّ زمانٍ لا يَجوزُ أن يَخلوَ مِن إمامٍ يَقومُ بإصلاحِ الدينِ و مَصالحِ المُسلِمينَ‌، و لَم يَكُن [معلوماً] لنا بالدليلِ الصحيحِ أنّ خروجَ القائمِ يُطابِقُ زوالَ التكليفِ‌، فلا يَخلو الزمانُ بَعدَه عليه السلامُ مِن أن يَكونَ فيه إمامٌ مُفتَرَضُ الطاعةِ‌، أو لَيسَ يَكونُ‌.

فإن قُلنا بوجود إمامٍ بَعدَه، خَرَجنا مِن القولِ بالِاثنَي عَشَريّةِ‌.

و إن لَم نَقُلْ بوجودِ إمامٍ بَعدَه، أبطَلنا الأصلَ الذي هو عِمادُ المَذهبِ‌؛ و هو قُبحُ خُلوِّ(2)الزمانِ مِن إمامٍ‌(3).

فأجابَ - رَضيَ اللّٰهُ عنه - و قالَ‌: إنّا لا نَقطَعُ علىٰ مُصادَفةِ خروجِ صاحبِ الزمانِ مُحمّدِ بنِ الحَسَنِ عليهما السلامُ زوالَ التكليفِ‌؛ بَل يَجوزُ أن يَبقَى العالَمُ بَعدَه زماناً كَثيراً، و لا يَجوزُ خُلوُّ الزمانِ بَعدَه مِن الأئمّةِ‌.

و يَجوزُ أن يَكونَ بَعدَه عِدّةُ أئمّةٍ يَقومونَ بحِفظِ الدينِ و مَصالحِ أهلِه،


1) . أي السائل.

2) . في «ص»: + «إ مام».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «الإمام».

و لَيسَ يَضُرُّنا ذلكَ فيما سَلَكناه مِن طُرُقِ الإمامةِ‌؛ لأنّ الذي كُلِّفنا إيّاه و تُعُبِّدنا منه(1)أن نَعلَمَ إمامةَ هؤلاءِ الِاثنَي عَشَرَ، و نُبيِّنَه بياناً شافياً؛ إذ هو مَوضِعُ الخِلافِ و الحاجةِ‌.

و لا يُخرِجُنا هذا القولُ عن التسَمّي بالِاثنَي عَشَريّةِ‌؛ لأنّ هذا الِاسمَ عندَنا يُطلَقُ علىٰ مَن يُثبِتُ إمامةَ اثنَي عَشَرَ إماماً، و قد أثبَتنا نَحنُ‌؛ و لا مُوافِقَ لنا في هذا المَذهبِ‌، فانفَرَدنا نَحنُ بهذا الِاسمِ دونَ غيرِنا.


1) . كذا، و الأنسب: «به».

(72) مسألةٌ فيِ الرَّجعةِ مِن جُملةِ «الدِّمَشقيّاتِ‌»

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

أجاب الشريف المرتضى على مجموعة مسائل وردت عليه من دمشق، عُرفت ب‍ «المسائل الدمشقيّات»، كما سمّيت ب‍ «المسائل الناصريّات»، فقد ذكرها البُصروي (ت 443 ه‍)، و قال: «المسائل الدمشقيّة، و هي الناصريّة»(1).

و هذه المسائل هي غير الناصريّات المعروفة التي هي أيضاً من تأليفات الشريف المرتضى؛ فإنّ الناصريّات المعروفة ليست دمشقيّة، بل طبريّة أُرسلت من طبرستان، و تحتوي على 207 مسائل فقهيّة، و هي موجودة بأيدينا و كاملة، و ليست فيها مسألة في الرجعة، و التي سوف يأتي أنّها تشكّل المسألة الوحيدة المتبقّية من «الناصريّة الدمشقيّة». إذن «الناصريّة الدمشقيّة» غير «الناصريّة الطبريّة»، فينبغي عدم الخلط بينهما.

و من المحتمل أنّ المُرسل للناصريّة الدمشقيّة هو الأمير الحسن بن الحسين بن حمدان الملقّب بناصر الدولة، و الذي ولي دمشق في سنة 433 ه‍(2)، و هو الذي ألّف له المحقّق الكراجكي (ت 449 ه‍) الرسالة الناصريّة(3)و لهذا سمّيت الدمشقيّة بالناصريّة، باعتبار لقب السائل: «ناصر الدولة». فلو كان ناصر الدولة هو السائل حقّاً، و قد أرسل


1) . مجلّة العقيدة، العدد 3، ص 383.

2) . تاريخ مدينة دمشق، ج 13، ص 77.

3) . خاتمة المستدرك، ج 3، ص 127.

مسائله إلى الشريف المرتضى في أثناء ولايته على دمشق، فهذا يعني أنّ هذه المسائل هي من أواخر - إن لم تكن آخر - ما ألّفه الشريف المرتضى (ت 436 ه‍)، و أجاب عليه من مسائل.

و يدلّ على تصحيح نسبة هذه المسائل إلى الشريف المرتضى - إضافة إلى ذكر البُصروي لها - أنّه أرجع فيها إلى كتاب الذخيرة، و هي قرينة داخليّة مهمّة.

ثمّ إنّ ما تبقّى من الدمشقيّة مسألة واحدة، و لا نعلم عدد ما سقط منها من مسائل.

و تتحدّث المسألة المتبقّية عن موضوع الرجعة، و هي تبدأ بكلام الشريف المرتضى من دون بيان سؤال السائل، و ربّما قام النسّاخ بحذف السؤال لاعتبارات خاصّة، و أبقوا على الجواب فقط.

و الجدير بالذكر أنّ هناك نصّاً آخر مُنتزعاً ممّا سُمّي بالمسائل الناصريّة للشريف المرتضى، و هو يتحدّث أيضاً عن الرجعة(1)، و إذا لاحظنا ما تقدّم من أنّ «الدمشقيّة» تسمّى «ناصريّة» أيضاً، و أنّ «الناصريّة الطبريّة» ليست فيها مسألة حول الرجعة، و أنّ ما تبقّى من الدمشقيّة يحتوي على بحث حول الرجعة، علمنا أنّ النص المنقول من الناصريّة منتزع في الحقيقة من الدمشقيّة.

محتوى الرسالة

و قد تعرّض الشريف المرتضى في المسألة الوحيدة المتبقّية من المسائل الدمشقيّة إلى بحث الرجعة، كما أنّه تعرّض إلى الرجعة في المسألة الثامنة من المسائل الرازيّة، بحيث يمكن مشاهدة تشابه في الأبحاث بين ما هو موجود هناك و بين المسألة محلّ بحثنا.

و قد ركّز في هذه المسألة على بعض النقاط المهمّة، نشير إليها باختصار:


1) . مصائب النواصب في الردّ على نواقض الروافض، ج 2، ص 53.

1.

إنّ الرجعة أمر ممكن، و غير خارج عن قدرة اللّٰه تعالى، فلا معنى للقول باستحالتها.

2.

معنى الرجعة أنّ اللّٰه تعالى يُرجع إلى الدنيا عند ظهور الإمام المهدي عليه السلامُ قوماً من أوليائه لنصرته و الابتهاج بدولته، و قوماً من أعدائه للانتقام منهم.

3.

الدليل على ثبوت الرجعة هو إجماع الإماميّة فقط، و ليس هناك دليل آخر معتبر عليها.

4.

إنّ الرجعة لا تنافي التكليف كما قد يتصوّر البعض، فإنّ البعض ظنّ أنّ مَن شاهد أهوال البرزخ ثمّ رجع إلى الدنيا، فسوف يكون مُلجأ إلى الطاعة، خوفاً ممّا شاهده من أهوالٍ بقيت في ذاكرته و لم ينسَها، لكن الشريف المرتضى رفض هذا التحليل، و أكّد على أنّ الدواعي إلى الطاعة و المعصية تبقى موجودة بعد الرجعة، و أنّ الرجعة لا تكون مُلجئة إلى الطاعة، كما أنّ مَن يشاهد المعجزات الباهرة من الكفّار يبقى مخيّراً بين الإيمان و الكفر، و لا يصير مُلجأ إلى الإيمان.

5.

رفض الشريف المرتضى استدلال بعض الإماميّة على الرجعة بقوله تعالى:

«وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ‌...» الآية(1).

هذا، و كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 135 في ضمن «أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره».

مخطوطات الرسالة
1. مخطوطة مكتبة آية اللّٰه البروجردي، المرقّمة 374/9؛ تقع في الصفحة (381) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

1) . القصص (28):5.

2.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحة (24) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحة (287) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (158) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (234) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

مسألةٌ فيِ الرَّجعةِ مِن جُملةِ «الدِّمَشقيّاتِ‌»

اشارة

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

قالَ الأجَلُّ المُرتَضىٰ - رَضيَ اللّٰهُ عنه -: اِعلَمْ أنّ الذي تَقولُه(1)الإماميّةُ مِن(2)الرَّجعةِ‌، لا خِلافَ بَينَ المُسلِمينَ - بَل بَينَ المُوحِّدينَ - في جَوازِه، و أنّه مقدورٌ للّٰهِ تَعالىٰ‌، و إنّما الخِلافُ بَينَهم في أنّه سيوجَدُ(3)لا مَحالةَ‌، أو لَيسَ كذلكَ؟

[

في بيان إمكان الرجعة و وقوعها

و لا يُخالِفُ في صِحّةِ رَجعةِ الأمواتِ إلّامُلحِدٌ و خارجٌ عن أقوالِ أهلِ التوحيدِ؛ لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ قادرٌ علىٰ [إعادةِ‌] الجَواهرِ بَعدَ إعدامِها. و إذا كانَ عليها قادراً، جازَ أن يوجِدَها متىٰ شاءَ‌.

و الأعراضُ التي بها يَكونُ أحَدُنا حَيّاً مخصوصاً علىٰ ضَربَينِ‌:

أحَدُهما: لا خِلافَ في أنّ إعادتَه(4)بعَينِه غيرُ واجبةٍ‌؛ كالكَونِ‌، و الاعتمادِ، و ما


1) . في «د، س، ص»: «يقوله». و في المطبوع: «يقول».

2) . في «س، ص» و المطبوع: «في».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «يوجد».

4) . في «د، ص»: «إعادة». و في «س» و المطبوع: «الإعادة».

يَجري مَجرىٰ ذلكَ‌.

و الضربُ الآخَرُ: اختُلِفَ في وجوبِ إعادتِه بعَينِه، و هو الحياةُ و التأليفُ‌.

و قد بيّنّا في كتابِ «الذخيرةِ‌» أنّ إعادتَهما بعَينِهما(1)غيرُ واجبةٍ‌،(2)[و] إن ثَبَتَ أنّ الحياةَ و التأليفَ مِن الأجناسِ الباقيةِ‌؛ ففي ذلك شَكٌّ‌.

فالإعادةُ جائزةٌ صَحيحةٌ علىٰ كُلِّ حالٍ‌.

و قد اجتَمَعَت الإماميّةُ علىٰ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ عندَ ظُهورِ القائمِ صاحبِ الزمانِ عليه السلامُ يُعيدُ قوماً مِن أوليائه لنُصرتِه و الابتهاجِ بدَولتِه، و قوماً مِن أعدائه ليَفعلَ بِهم بعضَ‌(3)ما يَستَحِقّونَه(4)مِن العَذابِ‌. و إجماعُ هذه الطائفةِ قد بيّنّا في غيرِ مَوضِعٍ مِن كُتُبِنا أنّه حُجّةٌ‌؛ لأنّ المعصومَ فيهم. فيَجِبُ القَطعُ علىٰ ثُبوتِ الرَّجعةِ‌، مُضافاً إلىٰ جَوازِها في القُدرةِ‌.

[

عدم منافاة الرجعة للتكليف

و لَيسَت الرَّجعةُ ممّا يُنافي التكليفَ و يُحيلُ الإجماعَ معه؛(5)و ذلكَ أنّ الدواعيَ مع الرَّجعةِ مُتردِّدةٌ‌، و العِلمَ باللّٰهِ تَعالىٰ في تلكَ الحالِ لا يَكونُ إلّامُكتَسَباً غيرَ ضَروريٍّ‌؛ كَما أنّ العِلمَ به تَعالىٰ‌(6)يَكونُ مُكتَسَباً غيرَ ضَروريٍّ‌، و الدواعيَ‌(7)ثابتةً مع


1) . في «س» و المطبوع: «الإعادة بعينها» بدل «إعادتهما بعينهما».

2) . راجع: الذخيرة في علم الكلام، ص 152-153.

3) . في «د، س، ص» و المطبوع: - «بعض».

4) . في «أ»: «يستحقّون». و في «د، س، ص» و المطبوع: «يستحقّ‌».

5) . أي: يجعل اتّفاقَ الرجعة و التكليف و اجتماعَهما أمراً مُحالاً.

6) . أي بصورة عامّة، و في جميع الأحوال.

7) . هكذا في «س» و المطبوع. و في «أ، د» بعد «الدواعي» بياض. و في «ب»: + «انى».

تَواتُرِ المُعجِزاتِ و تَرادُفِ باهِرِ الآياتِ‌.

و مَن هَرَبَ مِن أصحابِنا مِن القولِ بثَباتِ التكليفِ علىٰ أهلِ الرَّجعةِ - لِاعتقادِه أنّ التكليفَ في تلكَ الحالِ لا يَصِحُّ‌(1)، [و أنّ‌] القولَ بالرَّجعةِ إنّما هي علىٰ طَريقِ الثوابِ و إدخالِ المَسَرّةِ علَى المؤمنينَ ممّا يُشاهَدُ(2)مِن ظُهورِ كلمةِ الحَقِّ - فهو غيرُ مُصيبٍ‌؛ لأنّه لا خِلافَ بَينَ أصحابِنا في أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يُعيدُ(3)مَن سَبَقَت وفاتُه مِن المؤمنينَ ليَنصُروا الإمامَ و ليُشارِكوا إخوانَهم مِن ناصِريه و مُحارِبي أعدائه، و أنّهم بالرجعةِ‌(4)أدرَكوا مِن نُصرتِه و مَعونَتِه(5)ما كان يَفوتُهم(6)لَولاها؛ و مَن أُعيدَ للثوابِ المَحضِ‌، لا(7)يَجِبُ عليه نُصرةُ الإمامِ عليه السلامُ و القِتالُ عنه و الدفاعُ‌.

و قد أغنَى اللّٰهُ تَعالىٰ عن القولِ بما لَيسَ بصَحيحٍ هَرَباً ممّا هو غيرُ لازمٍ و لا مُشتَبِهٍ‌(8).

فإن قيلَ‌: فإذا كانَ التكليفُ ثابتاً علىٰ أهلِ الرجعةِ‌، فجَوِّزوا(9)ثُبوتَ تكليفِ الكُفّارِ الذينَ أُعيدوا(10)لنُزولِ‌(11)استحقاقِ‌(12)العِقابِ‌.


1) . في «أ» بدل «لا يصحّ‌» بياض. و في «ب»: + «إلى». و في «س، ص» و المطبوع: + «له».

2) . في جميع النسخ سوىٰ «ب» و المطبوع: «يشاء».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «ليعيد». 4. في «س، ص» و المطبوع: - «بالرجعة».

4)

5) . في المطبوع: «معونته» بدون واو العطف.

6) . في «س، ص» و المطبوع: «يقوّيهم».

7) . في «س، ص» و المطبوع: «ممّا».

8) . في «س، ص» و المطبوع: «و لا مشبه».

9) . في «س» و المطبوع: «فتجوّزوا». و في «ص»: «فيجوّزوا».

10) . في «ب»: «اعدوا». و في «س، ص» و المطبوع: «اعتقدوا».

11) . في «أ، س، ص» و المطبوع: «النزول».

12) . كذا، و الأنسب حذف كلمة: «استحقاق»، فيكون المعنىٰ‌: الذين أُعيدوا لإنزال العقاب بهم.

قُلنا: عن هذا جَوابانِ‌:

أحَدُهما: أنّ مَن أُعيدَ مِن الأعداءِ للنَّكالِ و العِقابِ‌، لا تكليفَ عليه. و إنّما قُلنا:

إنّ التكليفَ باقٍ علَى الأولياءِ‌؛ لأجلِ النُّصرةِ و الدفاعِ و المَعونةِ‌.

و الجوابُ الآخَرُ: أنّ التكليفَ و إن كانَ ثابتاً عليهم، فيَجوزُ أن يَعلَمَ‌(1)اللّٰهُ تَعالىٰ أنّهم لا يَختارونَ التوبةَ‌؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الرجعةَ غيرُ مُلجِئةٍ إلىٰ تَركِ‌(2)القَبيحِ و فعلِ الواجبِ‌، و أنّ الدواعيَ مُتردِّدةٌ‌. و يَكونُ وجهُ القَطعِ علىٰ أنّهم لا يَختارونَ ذلكَ‌(3)ما(4)عَلِمنا و قَطَعنا عليه مِن أنّهم مُخَلَّدونَ لا مَحالةَ في النارِ.

و بمِثلِ ذلك نُجيبُ‌(5)مَن يَقولُ‌: جَوِّزوا في بعضِ هؤلاءِ الأعداءِ أو كُلِّهم أن يَكونَ قَبلَ مَوتِه بساعةٍ تابَ‌، فأَسقَطَت التوبةُ عِقابَه، و لا تَقطَعوا - لأجلِ هذا التجويزِ - علىٰ أنّهم لا مَحالةَ مُخلَّدونَ في النارِ.

فإن قيلَ‌: فما عندَكم فيما تَستَدِلُّ به الإماميّةُ علىٰ ثُبوتِ الرجعةِ مِن قولِه تَعالىٰ «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوٰارِثِينَ * وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هٰامٰانَ وَ جُنُودَهُمٰا مِنْهُمْ مٰا كٰانُوا يَحْذَرُونَ‌» ،(6)و ظاهرُ(7)هذا الكلامِ يَقتَضي الاستقبالَ‌، فلا يَجوزُ أن يُحمَلَ علىٰ أنّ المُرادَ به موسىٰ عليه السلامُ و شيعتُه. و إذا حَمَلنا فِرعَونَ و هامانَ علىٰ‌


1) . في «س، ص»: «فيجوّزون بعلم». و في المطبوع: «فتجوّزون بعلم».

2) . في جميع النسخ و المطبوع: «قول»؛ خطأً ناشئاً عن سهو أقلام النُّسّاخ.

3) . أي: لا يختارون التوبة.

4) . في جميع النسخ سوىٰ «س» و المطبوع: «ممّا».

5) . في «ب، س» و المطبوع: «يجيب». و في «د، ص»: «يجب».

6) . القَصَص (28):5-6.

7) . كذا، و الأنسب: «فظاهر».

أنّهما الرجُلانِ المعروفانِ اللذانِ كانا في عَهدِ موسىٰ عليه السلامُ و شيعتِه(1)، فيَجِبُ أن يُعادا لِيَرَيا ما مَنَّ اللّٰهُ تَعالىٰ به علىٰ مَن(2)ذَكرَه مِن المُستَضعَفينَ‌؛ و هذا يوجِبُ الرجعةَ إلىٰ ما بيّنّاه لا مَحالةَ‌.

قُلنا: لَيسَ الاستدلالُ بذلكَ مَرضيّاً، و لا دليلَ يَقتَضي ثُبوتَ الرجعةِ إلّاما بيّنّاه مِن إجماعِ الإماميّةِ‌. و إنّما قُلنا أنّ ذلكَ لَيسَ بصَحيحٍ إذ لفظُ الاستقبالِ في الآيةِ لا يَدُلُّ علىٰ أنّ ذلكَ ما وَقَعَ‌؛ لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ تَكلَّمَ‌(3)بالقُرآنِ عندَ جَميعِ المُسلِمينَ قَبلَ خَلقِ آدمَ عليه السلامُ فَضلاً عن موسىٰ عليه السلامُ‌، و الألفاظُ التي تَقتَضي المُضيَّ في القُرآنِ هي التي نَحتاجُ‌(4)أن نَتأوَّلَها(5)إذا كانَ إيجادُه مُتقدِّماً.

و إذا سَلَّمنا أنّ ذلكَ ما وَقَعَ إلَى الآنَ و أنّه مُنتَظَرٌ، مِن أينَ‌(6)اقتضاؤه للرجعةِ‌(7)في الدنيا؟ و لَعلَّ ذلكَ خبرٌ عمّا يَكونُ في الآخِرةِ و عندَ دخولِ الجَنّةِ و النارِ؛ فإنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لا مَحالةَ يَمُنُّ علىٰ مُستَضعَفي أوليائه المؤمنينَ في الدنيا، بأن يورِثَهم الثوابَ في الجَنّةِ‌، و يُمكِّنَ لهُم في أرضِها، و يَجعَلَهم أئمّةً و أعلاماً بما(8)يوصِلُه(9)إليهم مِن


1) . في «د، س، ص» و المطبوع: - «و شيعته».

2) . في «د، س، ص» و المطبوع: «ما».

3) . في «ب، د، ص»: «يكلّم».

4) . في «ب، د، س» و المطبوع: «تحتاج». و في «ص»: «يحتاج».

5) . في «أ، ب، د»: «أن يتأوّلها». و في «ص»: «أن يتناولها». و في المطبوع: «أن تناولها».

6) . في «س، ص» و المطبوع: «من أنّ‌». و استُظهر في هامش المطبوع: «منعنا» بدلها.

7) . في «س» و المطبوع: «الرجعة».

8) . في «أ، ب»: «ممّا». و في «د»: «ما». و في «س» و المطبوع: - «بما».

9) . في المطبوع: «يوصل».

صُنوفِ‌(1)التعظيماتِ و فُنونِ الكَراماتِ‌، و يُعلِمُ فِرعونَ و هامانَ و جُنودَهما في النارِ ذلكَ مِن حالِهم؛ ليَزدادوا حَسرةً و غَمّاً و أسَفاً.

و قولُ اللّٰهِ تَعالىٰ‌: «مٰا كٰانُوا يَحْذَرُونَ‌» صَحيحٌ‌، لا يَنبو عن التأويلِ الذي ذَكرناه؛ لأنّ فِرعَونَ و هامانَ و شيعتَهما [كانوا] يَحذَرونَ و يَكرَهونَ‌(2)وصولَ الثوابِ و المَسارِّ(3)و التعظيمِ و التبجيلِ إلىٰ أعدائهما مِن موسىٰ و أنصارِه و شيعتِه، و مُشاهَدتُهم لذلكَ أو عِلمُهم به زائدٌ في عِقابِهم و مُقوٍّ لعَذابِهم و مُضاعِفٌ لإيلامِهم. و هذا ممّا لا يَخفىٰ صِحّتُه و اطّرادُه علىٰ مُتأمِّلٍ‌.


1) . في «أ»: «صون». و في «س، ص» و المطبوع: «حقوق». نعم، استُظهر في حاشيتَي «س» والمطبوع ما أثبتناه.

2) . في «أ»: «حذرون و كرهون». و في «ب، د، ص» بدل «يحذرون» بياض. و في «س» والمطبوع: - «يحذرون و».

3) . في «أ»: «و المساور». و في «س، ص» و المطبوع: «و المسارعة».

(73) مسألةٌ في حُكمِ عبادةِ ولدِ الزنا

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

يحتوي تراثنا الروائي على نقاط قد تصطدم أحياناً بحسب الظاهر مع الواقع الخارجيّ المُعاش، أو مع بعض الإدراكات الواضحة البديهيّة، الأمر الذي يتطلّب القيام برفع هذا التعارض الظاهري في سبيل رفع ما قد يرد على هذا التراث من إشكالات.

و قد اهتمّ الشريف المرتضى بهذه الناحية؛ فإنّه على الرغم من عدم إيمانه بحجّيّة خبر الواحد، إلّاأنّه حاول في أكثر من مناسبة توجيه الكثير من أخبار الآحاد، و البحث عن تخريج للإشكالات التي قد ترد عليها.

و قد سُئل في هذه الرسالة عن توجيه ما ورد في بعض الأخبار من «أنّ ولد الزنا في النار»، و أنّه لا يكون من أهل الجنّة أبداً؛ فإنّ هذا النوع من الأخبار يتصادم مع الواقع الخارجيّ‌؛ لأنّنا نشاهد الكثير من أولاد الزنا يمارسون العبادات الدينيّة من صلاة و صيام؛ و مع هذا، كيف يكونون من أهل النار؟!

و لم يكتفِ الشريف المرتضى بالإجابة على هذا الإشكال فقط؛ بل أضاف إليه إشكالات أُخرى، و أجاب عنها ما أدّى إلى إثراء البحث، و تحويله إلى بحث مُمتع.

و قد بدأ كعادته عند الإجابة على إشكالاتٍ يكون مصدرها أخبار آحاد، ببيان أنّ هذه الأخبار غير مقطوع على صحّتها، و بالتالي فهي ساقطة عن الحجّية، و بهذا يكون

الإشكال ساقطاً من الأساس، و لكن مع ذلك قام بالبحث عن توجيه للخبر، و ذلك من خلال ما يلي:

أوّلاً: أنّ وجه دخول كلّ ولد زنا في النار الوارد في الخبر هو أنّ اللّٰه تعالى يعلم أنّ كلّ ولد زنا لا يختار الإيمان، بل يختار الكفر و يموت عليه، أي أنّ كونه ولد زنا ليس له أيّ دخالة في دخوله النار، و إنّما هو علامة عليه فحسب، فكونه ولد زنا لا يعدّ ذنباً له، و إنّما هو ذنب أبويه، و إنّما سبب دخوله النار هو اختياره الكفر، و هذا ذنب له قد فعله باختياره، فيُعاقب عليه.

و هذا البحث في الحقيقة هو إجابة على الإشكال القائل: إنّ دخول ولد الزنا إلى النار يتعارض مع إدراكاتنا البديهيّة المدرِكة للحسن و القبح، فإنّ كونه ولد زنا ليس ذنباً له، فلماذا يُعاقب عليه، و يدخل النار بسببه‌؟ إنّ هذا أمر قبيح و ظلم لا يفعله العادل الحكيم. فأجاب الشريف المرتضى على هذا الإشكال بما تقدّم.

ثانياً: طرح إشكالاً آخر، و هو ما دام أنّ اللّٰه تعالى قد علم أنّ ولد الزنا سوف يختار الكفر و يدخل النار، فما معنى تكليفه، و أمْره بالواجبات، و نهيه عن المحرّمات‌؟

و أجاب بأنّنا لا نقطع أنّه سوف لن يختار إلّاالكفر و إن كان ظاهر أمره ذلك، فإذا لم يكن هناك قطع لم يقبح التكليف.(1)

ثالثاً: في هذه النقطة أجاب على الإشكال الذي طرحه السائل، و هو أنّنا نرى في واقعنا المُعاش الكثير من ولد الزنا يمارسون العبادات بأحسن صورة، فكيف يقال إنّهم لا يستحقّون الثواب، بل هم من أهل النار؟

و أجاب بجوابين:

الأوّل: ليس الاعتبار بظاهر العبادات، فلعلّ مَن يمارس العبادة بصورة حسنة إنّما


1) . راجع: الانتصار، ص 544-545.

يمارسها رياء و طلباً للسمعة، و ليس عنده أيّ إخلاص في الواقع، فلا يستحقّ الثواب على هذه الأعمال، و بذلك ينبغي عدم الاغترار بظاهره.

الثاني: قد يكون مَن نظنّه ولد زنا ليس كذلك في الحقيقة، فإنّه قد يكون مولوداً من عقد صحيح، إلّاأنّه بحسب الظاهر يعدّ ولد زنا، فتكون عباداته التي يقوم بها مقبولة، و يكون مُثاباً عليها.

و بذلك يكون الشريف المرتضى قد أجاب في هذه الرسالة على أهمّ الإشكالات التي يمكن أن ترد على هذا الخبر.

نسبتها إلى المؤلّف

لقد أرجع الشريف المرتضى إلى هذه الرسالة في المسألة العاشرة من المسائل الطرابلسيات الثالثة المرسلة في سنة 427 ه‍، و أشار فيها إلى الجوابين الأخيرين المذكورين آنفاً.

كما أشار إلى هذه الرسالة في كتابه الانتصار، حيث قال عند حديثه عن ردّ شهادة ابن الزنا:

هذا موضع لطيف لابدّ من تحقيقه، و قد حقّقناه في مسألة أمليناها قديماً في الخبر الذي يُروى بأنّ ولد الزنا لا يدخل الجنّة، و بسطنا القول فيها(1).

و هذا يدلّ على تصحيح نسبة الرسالة، و على أنّ هذه الرسالة قديمة، و ليست من مؤلّفاته المتأخّرة.

هذا، و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 131 في ضمن «أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره».


1) . الانتصار، 501-502.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه البروجردي، المرقّمة 374/9؛ تقع في الصفحة (377) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحة (18) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحة (284) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د». و تكرّرت أيضاً في الصفحة (392) منها.

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (157) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص». و تكرّرت أيضاً في الصفحة (214) منها.

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (232) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

[

مسألةٌ في حُكمِ عبادةِ ولدِ الزنا

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌:

ما يَظهَرُ مِن ولدِ الزنا مِن صَلاةٍ و صيامٍ و قيامٍ لعبادةٍ كَيفَ القولُ فيه، مع الروايةِ الظاهرةِ أنّ ولدَ الزنا في النارِ، و أنّه لا يَكونُ قَطُّ مِن أهلِ الجَنّةِ؟(1)

الجوابُ‌:

هذه الروايةُ موجودةٌ في كُتُبِ أصحابِنا، إلّاأنّها(2)غيرُ مقطوعٍ بها.

و وجهُها - إن صَحَّت -: أنّ كُلَّ مَن وُلِدَ مِن زَنْيةٍ‌(3)، لا بُدَّ مِن(4)أن يَكونَ في(5)عِلمِ اللّٰهِ تَعالىٰ أنّه يَختارُ الكُفرَ و يَموتُ‌(6)عليه، و أنّه لا يَختارُ الإيمانَ‌. و لَيسَ كَونُه مِن ولدِ الزَّنْيةِ ذَنباً يؤاخَذُ به؛ فإنّ ذلكَ لَيسَ بذَنبٍ له(7)في نفسِه، و إنّما الذنبُ فيه(8)لأبوَيه؛ و لكِنَّه إنّما يُعاقَبُ بأفعالِه الذميمةِ القَبيحةِ التي عَلِمَ اللّٰهُ أنّه يَختارُها.


1) . راجع: المحاسن، ج 1، ص 108، الباب 48 «عقاب ولد الزنا»؛ عوالي اللآلي، ج 3، ص 534، ح 24؛ المعجم الأوسط، ج 1، ص 263؛ مجمع الزوائد للهيثمي، ج 6، ص 257.

2) . في «س» و المطبوع: «أنّه».

3) . في «س» و المطبوع: «كلّ وَلَد زنية». و في «ص»: «كلّ مَن وُلد زنية»، كلاهما بدل «كلّ مَن وُلدمن زنية».

4) . في «س، ص» و المطبوع: - «من».

5) . في «أ، ب، د، ص»: - «في».

6) . في «ب»: «و يهون».

7) . في «س»: «ليس ذنباً له». و في المطبوع: «ليس ذنباً» كلاهما بدل «ليس بذنب له».

8) . في «س» و المطبوع: - «فيه».

و يَصيرُ(1)كَونُه ولدَ زِناً علامةً‌(2)علىٰ وقوعِ ما يُستَحَقُّ به العِقابُ منه(3)، و أنّه مِن أهلِ النارِ بتلكَ الأفعالِ‌(4)، لا لأنّه مولودٌ مِن الزنا(5).

و لَم يَبقَ إلّاأن يُقالَ‌: كَيفَ يَصِحُّ تكليفُ ولدِ الزنا مع عِلمِه و قَطعِه علىٰ أنّه مِن أهلِ النارِ، و أنّه لا يَنتَفِعُ بتكليفِه،(6)و لا يَختارُ إلّاما يُستَحَقُّ به العِقابُ؟

قُلنا: لَيسَ يَقطَعُ‌(7)ولدُ الزنا أنّه كذلكَ لا مَحالةَ‌، و إن كانَ هُناكَ ظَنٌّ علىٰ ظاهرِ الأمرِ. و إذا لَم يَكُن قاطعاً علىٰ ذلكَ لَم يَقبُحِ التكليفُ‌.

فإن قيلَ‌: فنَحنُ نَرىٰ كَثيراً مِن أولادِ الزنا يُصَلّونَ و يَقومونَ بالعباداتِ أحسَنَ قيامٍ‌، فكَيفَ لا يَستَحِقّونَ الثوابَ؟

قُلنا: لَيسَ الاعتبارُ(8)في ذلكَ بظَواهرِ الأُمورِ؛ فرُبَّما كانَت تلكَ الأفعالُ منه رياءً و سُمعةً‌، و واقعاً(9)علىٰ وجهٍ لا يَقتَضي استحقاقَ الثوابِ‌.

و رُبَّما كانَ الذي يُظَنُّ أنّه علَى(10)الظاهرِ ولدُ الزنا مُولَداً عن عَقدٍ صَحيحٍ‌، و إن كانَ الظاهرُ بخِلافِه، فيَجوزُ أن يَكونَ هذا الظاهرُ منه مِن الطاعاتِ مُوافِقاً للباطنِ‌.


1) . في «س» و المطبوع: + «كذا و».

2) . في «أ، ب، د، ص»: «الزنا علامةً لنا» بدل «زناً علامة».

3) . في «س» و المطبوع: «من العقاب» بدل «به العقاب منه».

4) . في «س» و المطبوع: «الأعمال».

5) . في «س» و المطبوع: «من زناً». و في المطبوع: «في الزنا».

6) . في «س، ص» و المطبوع: «تكليفه» بدون الباء الجارّة.

7) . في المطبوع: «نقطع».

8) . في «د، س، ص» و المطبوع: + «في هذا الباب».

9) . كذا في النسخ و المطبوع؛ و الصواب: «و واقعةً‌».

10) . في «د، س، ص» و المطبوع: - «على».

74 أقاويل العَرَبِ في الجاهليّةِ‌، و مذاهبُ عَبَدَةِ الأصنامِ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق

اشارة

وُجِدت هذه الرسالة - أو بالأحرى النصّان - في ضمن رسائل الشريف المرتضى، و لذلك نسبت إليه، مع أنّه لا توجد أيّ قرائن داخليّة أو خارجيّة تدلّ على نسبتها إليه؛ فإنّه لم ينسب إليه أحد من أصحاب الفهارس رسالة بهذا العنوان، كما لا يوجد عند مطالعة محتواها ما يدلّ على أنّه هو المؤلّف لها.

و تحتوي هذه الرسالة على نصّين أو فصلين:

يتحدّث الأوّل منهما - و المنقول من كتاب أبي عيسى الورّاق (ت 247 ه‍) - عن عقائد العرب في الجاهليّة، و يتطرّق إلى مجموعة من الشخصيّات الكبيرة التي كانت تؤمن في الجاهليّة بالخالق و المعاد و الثواب و العقاب، و يبدأ بقوله: «حكى أبو عيسى الورّاق في كتابه كتاب المقالات: أنّ العرب صنوف شتّى: صنف أقرّوا بالخالق...».

و قد نقل القاضي عبد الجبّار (ت 415 ه‍) هذا النصّ باختصار في كتابه(1)، كما نقله أبو المعالي العلوي في كتابه بعد أن ترجمه إلى الفارسيّة، حيث قال ما ترجمته: "ذكر أبو عيسى الورّاق في كتابه أنّ جماعة من العرب كانوا مُقِرّين بالصانع و القيامة...»(2).


1) . المغني، ج 5 (الفرق غير الإسلاميّة)، ص 156.

2) . بيان الأديان (بالفارسيّة)، ص 25. و النصّ بالفارسيّة كالتالي: «أبو عيسى وراق در كتاب خويش آورده است: كه گروهى از عرب به صانع و قيامت مُقِر بوده اند...».

و أمّا النصّ أو الفصل الثاني - و هو منقول من كتاب «الآراء و الديانات» لأبي محمّد الحسن بن موسى النوبختي (توفّي بعد 300 ه‍) - فعنوانه: «فصل في ذكر مذاهب أهل الأصنام، و ذكر البيوت و النيران المعظمة»، و يبدأ بعد ذلك بقوله:

حكى الحسن بن موسىٰ عن قوم ممّن يعرف أُمور العالم و يبحث عن قصصهم - منهم جعفر بن محمّد المنجّم أبو معشر -: أنّ كثيراً من أهل الهند و الصين....

ثمّ جاء بعد ذلك سردٌ مختصر لكيفيّة نشوء عبادة الكواكب و الأصنام عند الأُمم المختلفة و استعراض لبيوت الأصنام، إضافة إلى إشارة لعبادة النار و بيوت النار.

إذن الرسالة مؤلّفة من نصّين فقط: الأوّل منقول من كتاب الورّاق، و الثاني من كتاب النوبختي، و لا توجد هناك أيّ إضافة على هذين النصّين.(1)

و لكن ينبغي التنويه إلى وجود احتمال أن يكون النصّ الأوّل منقولاً أيضاً من كتاب النوبختي، بمعنى أنّ النوبختي قام في كتابه بنقل النصّ الأوّل من كتاب أبي عيسى الورّاق. و هذا أمر ممكن؛ فإنّ النوبختي متأخّر زمنيّاً عن الورّاق، و ليس غريباً أن يعتمد في كتابه على كتاب الأخير.

و يشهد لهذا الاحتمال أنّ القاضي عبد الجبّار قد نقل النصّين معاً؛ لكنّه نقلهما بتقديم و تأخير، فنقل النصّ الثاني قبل الأوّل، و عند نقله للثاني قال: «حَكى الحسنُ بن موسى عن أبي معشر المنجّم»، و بعد نهاية هذا النصّ قام بنقل النصّ الأوّل مباشرة عاطفاً له على النصّ السابق، حيث قال: «و حكى عن أبي عيسى الورّاق». فإذا


1) . و قد نقل أكثر هذين النصَّين أو بعضها - إضافة إلىٰ من تقدّم - كلٌّ من المسعودي في مروج الذهب، ج 2، ص 102، 225؛ و الشهرستاني في الملل و النحل، ج 2، ص 232؛ و ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 117؛ و الفخر الرازي في تفسيره، ج 2، ص 112؛ و ج 13، ص 37؛ و الآلوسي في تفسيره، ج 7، ص 196.

قرأنا الفعل بصورة: «و حَكى» بصيغة المبني للمعلوم - بقرينة «حَكى» الأُولى في قوله: «حَكى الحسنُ بن موسى» - فسوف يكون الضمير راجعاً إلى النوبختي، و بذلك يكون النوبختي قد حَكى مطلبَين عن شخصيّتين، هما: أبو معشر المنجّم، و أبو عيسى الورّاق. و لكن إذا قرأناه بصورة: «و حُكي» بالمبني للمجهول فسوف ينتفي هذا الاحتمال.

فإذا صحّ احتمال القراءة بالمبني للمعلوم، فهو يعني أنّ النصّين المنقولين في الرسالة محلّ بحثنا منقولان في الحقيقة من كتاب النوبختي، فيكون من المُحتمل أنّ المؤلّف للرسالة - و قد يكون هو الشريف المرتضى - كان يقرأ كتاب النوبختي، أو فصولاً منه على تلامذته، فقرأ هذين النصّين المنقولين من كتاب أبي معشر و أبي عيسىٰ‌، و كتب التلامذة ما قرأه عليهم الأُستاذ، ثمّ بعد مرور الزمان تصوّر البعض أنّ هذين النصّين رسالة من رسائل ذلك الأُستاذ، فوضعت في ضمن رسائله.

و على أيّ حال، فليس في هذه الرسالة أيّ نشاط علميّ للمؤلّف؛ فإنّه لم يقم إلّا بنقل نصوص من بعض الكتب، لا أكثر.

هذا، و قد كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 221.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (332-336) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (182-184) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

3. مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (264-268) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

كما قمنا بمقابلة بعض مقاطع الفصل الثاني من الرسالة مع كتاب المعتمد لابن الملاحمي، و المغني للقاضي عبد الجبّار، و الملل و النحل للشهرستاني، و أثبتنا أهمّ الاختلافات.

أقاويل العَرَبِ في الجاهليّةِ‌، و مذاهبُ عَبَدَةِ الأصنامِ‌

اشارة

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ‌]

1 فصلٌ في أقاويلِ العَرَبِ في الجاهليّةِ‌
أديان العرب و مذاهبهم

حَكىٰ أبو عيسَى الوَرّاقُ‌(1)في كتابِه «كتابِ المَقالاتِ‌»(2)أنّ العَرَبَ صُنوفٌ شَتّىٰ‌:


1) . أبو عيسى محمّد بن هارون الورّاق، أحد المتكلّمين المهمّين، و من أبرز علماء المقالات. كان معتزليّاً، ثمّ انتقل إلى التشيّع و ألَّف لصالحه، ولكن اتُّهم بالمانويّة، و لعلّ السبب في هذا الاتّهام هو كثرة ما نقله من آراء المانويّة في كتبه. له من الكتب: المقالات - و هو أشهر كتبه -، و الإمامة الكبير و الصغير، و الردّ على النصارى الكبير، و الأوسط، و الأصغر، و السقيفة. توفّي سنة 247 ه‍. الشافي، ج 1، ص 79؛ الانتصار للخيّاط، ص 220، 224، 291؛ مقالات الإسلاميّين، ص 64؛ مروج الذهب، ج 4، ص 23؛ رجال (فهرست) النجاشي، ص 372؛ فهرست ابن النديم، ص 216.

2) . من أهمّ ما كتب حول الأديان و المذاهب، و هو مفقود، ولكن نقلت منه مقاطع كثيرة في كتب متأخّرة، و تدور هذه المقاطع المتبقّية حول مواضيع مختلفة، مثل: آراء الثنويّة، و صنوف عرب الجاهليّة - و هو المنقول في هذه الرسالة -، و أعياد اليهود، و فِرَق الزيديّة، و غيرها. راجع: المعتمد في أُصول الدين، ص 547 و ما بعدها؛ الآثار الباقية للبيروني، ص 343، 352؛ مروج الذهب، ج 3، ص 208؛ الملل و النحل، ج 1، ص 184، 187؛ المجدي، ص 14.

[1.] صِنفٌ‌ أقَرّوا(1)بالخالقِ و بالابتداءِ و الإعادةِ‌، و أنكَروا الرُّسُلَ‌، و عَبَدوا الأصنامَ - زَعَموا لِتُقرِّبَهُم إلَى اللّٰهِ زُلفىٰ -، و حَجّوا(2)إليها، و نَحَروا لها الهَدايا، و نَسَكوا لها النَّسائكَ‌، و أحَلّوا لها و حَرَّموا.

[2.] و منهم صِنفٌ‌ أقَرّوا بالخالقِ و بابتداءِ الخَلقِ‌، و أنكَروا الإعادةَ و البَعثَ و النُّشورَ.

[3.] و منهم صِنفٌ‌ أنكَروا الخالقَ و البَعثَ و الإعادةَ‌، و مالوا إلَى التعطيلِ و القولِ بالدَّهرِ؛ و هُم الذينَ أَخبَرَ القُرآنُ عن قولِهم: «مٰا هِيَ إِلاّٰ حَيٰاتُنَا اَلدُّنْيٰا نَمُوتُ وَ نَحْيٰا وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلاَّ اَلدَّهْرُ» (3).

[4 و 5.] و منهم صِنفٌ‌ مالوا إلَى اليَهوديّةِ‌، و آخَرُ إلَى النَّصرانيةِ‌.

الموحِّدون من العرب

قالَ‌:

و ممّن كانَ يُقِرُّ بالخالقِ و ابتداءِ الخَلقِ و الإعادةِ و الثوابِ و العقابِ‌: عَبدُ المُطَّلِبِ بنُ هاشِمِ بنِ عَبدِ مَنافٍ‌، و زَيدُ بنُ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ‌(4)، و قُسُّ بنُ ساعِدةَ الإياديُّ‌(5)،


1) . في «س، ص» و المطبوع: «أقرّ». 2. في «س، ص»: «و مجرا». و في المطبوع: «و محبراً».

2)

3) . الجاثية (45):24.

4) . أبو سعيد زيد بن عمرو بن نُفيل القرشي، كان رَغِبَ عن عبادة الأوثان، و طَلَبَ الدين الحنيف، و قال: «أنا على دين إبراهيم»، و «أنا ساجد على نحو البَنيّة التي بناها إبراهيم»، و كان يقول: «إنّا ننتظر نبيّاً من ولد إسماعيل من ولد عبد المطّلب». قتله النصارى بالشام قبل البعثة في سنة ولادة فاطمة الزهراء عليها السلام، و روي أنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله استغفر له. راجع للمزيد: الموطّأ، ج 1، ص 198؛ مواهب الجليل، ج 1، ص 31؛ الإصابة، ج 2، ص 507، الرقم 2930؛ تهذيب التهذيب، ج 3، ص 363، الرقم 773؛ كمال الدين، ص 198، ح 41.

5) . في «س» و المطبوع: + «النِّزاريّ‌». و في «ص»: + «المروانيّ‌». و هو قُسّ بن ساعدة بن حُذاقة بن زُفَر بن إياد بن نِزار الإياديّ‌، ممّن تحنّف في الجاهليّة، و قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله فيه: «رحم اللّٰه أخي قسّاً، يُحشر يوم القيامة أُمّةً وحده». و ذكره أبو عليّ بن السَّكَن و ابن شاهين و عَبدان المَروَزيُّ و أبو موسى في الصحابة، و صرّح ابن السكَن بأنّه مات قبل البعثة. و ذكره أبو حاتِم السِّجِستانيُّ في المعمَّرين و قال: إنّه عاش ثلاثمائة و ثمانين سنة، و هو أوّل من آمن بالبعث من أهل الجاهليّة. و قال المرزباني: ذكر كثير من أهل العلم أنّه عاش ستّمائة سنة، و كان خطيباً حكيماً عاقلاً، له نباهة و فضل. راجع: إكمال الكمال، ج 7، ص 119؛ الإصابة، ج 5، ص 412، الرقم 7355؛ الأعلام للزركلي، ج 5، ص 196.

و عامِرُ بنُ الظَّرِبِ العَدْوانيُّ‌(1).

[أ.] و كانَ عبدُ المُطَّلِبِ‌ يوصي وُلدَه بتَركِ الظُّلمِ‌، و يأمُرُهم بمَكارِمِ الأخلاقِ‌، و يَنهىٰ عن دَنيِّها(2). و كانَ بَدئيّاً، يَقولُ في وَصاياه أنّه: «لَن(3)يَخرُجَ مِن الدُّنيا ظَلومٌ حَتّىٰ يَنتَقِمَ اللّٰهُ منه و يُصيبَه عُقوبةٌ‌»، إلىٰ أن هَلَكَ رجُلٌ ظَلومٌ و ماتَ حَتفَ أنفِه لَم تُصِبْه عقوبةٌ‌، فقيلَ لعَبدِ المُطَّلِبِ ذلكَ‌، ففَكَّرَ ثُمَّ قالَ‌: «فوَ اللّٰهِ‌، إنّ وَراءَ هذه الدارِ داراً، يُجزىٰ فيها(4)المُحسِنُ بإحسانِه، و المُسيءُ يُعاقَبُ علىٰ إساءتِه».(5)

و ممّا دَلَّ علىٰ إقرارِه بالإعادةِ قولُه و هو يَضرِبُ بالقِداحِ علىٰ عبدِ اللّٰهِ ابنِه - أبي النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه - و علَى الإبِلِ‌:


1) . في «س، ص» و المطبوع: - «و عامر بن الظرب العدوانيّ‌». و الرجل هو عامر بن الظَّرِب بن عمرو بن عِياذ العدواني، من حكماء العرب في الجاهليّة، و كان إمامَ مُضَر، و ممّن حرَّم الخمر في الجاهليّة، و هو من المعمَّرين، و كان يقال له: «ذو الحِلم»، و كان حَكَماً للعرب في عصره. و قيل: إنّ بنته «عاتكة» كانت من أُمّهات النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله. راجع: الطبقات الكبرى، ج 1، ص 63؛ المحبّر، ص 237؛ الأعلام للزركلي، ج 3، ص 252.

2) . في «س» و المطبوع يوجد فراغ بمقدار كلمة.

3) . في «س، ص» و المطبوع: «لم».

4) . في «س»: «فيها يُجزى». و في المطبوع: - «فيها».

5) . راجع أيضاً: السيرة الحلبّية، ج 1، ص 7.

يا رَبِّ‌، أنتَ المَلِكُ المَحمودُ *** و أنتَ رَبّي المُبدئُ المُعيدُ(1)

مِن عِندِكَ‌(2)الطارِفُ و التَّليدُ

في أُرجوزةٍ طَويلةٍ‌(3).

و قد زَعَمَ بعضُ الناسِ أنّ عَبدَ المُطَّلِبِ لَم يَعبُدْ صَنَماً، و أنّه كانَ مُوحِّداً حَنيفاً علىٰ مِلّةِ إبراهيمَ‌، و كذلكَ كانَ أبو النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه.(4)

[ب.] فأمّا زَيدُ بنُ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ‌، فكانَ يُسنِدُ ظَهرَه إلَى الكعبةِ‌، ثُمَّ يَقولُ‌: «أيُّها الناسُ‌، هَلُمّوا إلَيَّ‌؛ فإنّه لَم يَبقَ علىٰ دينِ إبراهيمَ أحَدٌ غَيري».(5)

و سَمِعَ أُمَيّةَ بنَ أبي الصَّلتِ‌(6)يَوماً يُنشِدُ:

كُلُّ دينٍ يَومَ‌(7)القيامةِ - عندَ ال‍ *** لّٰهِ‌، إلّا(8)دينَ الحَنيفةِ‌(9)- زورُ(10)


1) . في النسخ: «و المعيد».

2) . في «س» و المطبوع: «و العبد عبدك»؛ نعم، صُحِّحت في حاشية «س» بما أثبتناه.

3) . في «د، ص»: «بتطويله». و نُقل عنه أيضاً في: أخبار مكّة و ما جاء فيها من الآثار، ج 2، ص 47؛ تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 247؛ سيرة ابن إسحاق، ج 1، ص 6؛ الملل و النحل، ج 2، ص 240.

4) . اتّفق الإماميّة علىٰ أنّ آباء النبي صلّى اللّٰه عليه و آله كلّهم إلىٰ آدم عليه السلام مؤمنون باللّٰه تعالىٰ و موحِّدون له. راجع: أوائل المقالات، ص 45.

5) . راجع: الملل و النحل، ج 2، ص 241.

6) . أُميّة بن عبد اللّٰه أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفيّ‌؛ شاعر جاهليّ حكيم، من أهل الطائف، قدم دمشق قبل الإسلام. و هو ممّن حرّموا على أنفسهم الخمر و نبذوا عبادة الأوثان في الجاهليّة. ذكره ابن السَّكَن في الصحابة و قال: لم يُدركه الإسلام، و قد صدَّقَه النبيُّ في بعض شِعره و قال: «قد كاد أُميّةُ أن يُسلِمَ‌». مات في الخامسة من الهجرة. راجع: الإصابة، ج 1، ص 384، الرقم 552؛ الأعلام للزركلي، ج 2، ص 23.

7) . في «س، ص» و المطبوع: «يوم دين» بدل «دين يوم».

8) . في «س، ص» و المطبوع: «لا».

9) . في «د»: «الحنيفيّة». و في «س» و المطبوع: «الحنفيّة».

10) . في «س، ص» و المطبوع: «دور». و في بعض المصادر: «بور».

فقالَ له(1): صَدَقتَ‌.(2)

و قالَ زَيدٌ:

فلَن تَكونَ‌(3)لِنَفسٍ‌(4)مِنكَ واقيةٌ *** يَومَ الحِسابِ إذا ما يُجمَعُ البَشَرُ(5)

[ج.] و أمّا قُسُّ بنُ ساعِدةَ الإياديُّ‌، فهو الذي يَقولُ في بعضِ مَواعظِه: «كَلّا، و رَبِّ هذه الكَعبةِ‌، لَيَعودَنَّ مَن ماتَ‌(6)، و لئن ذَهَبَ لَيَعودَنَّ يَوماً».

و أيضاً في بعضِ مَواعظِه: «كَلّا، بَل هُوَ اللّٰهُ إلهٌ واحِدْ، لَيس بمَولودٍ و لا بوالِدْ(7)أعادَ و أَبدىٰ‌، و إلَيهِ المَآبُ غَدا».(8)

فأقَرَّ في هذا الكلامِ بالإلهِ الواحدِ، و أَثبَتَ الإبداءَ و الإعادةَ‌.

و قد دَلَّ علىٰ ذلكَ أيضاً بأبياتٍ قالَها، و هي:

يا ناعيَ المَوتِ‌(9)، و الأمواتُ في جَدَثٍ‌(10)*** عليهِمُ مِن بَقايا بَزِّهِمْ خِرَقُ‌


1) . في «س، ص» و المطبوع: «لا» بدل «له».

2) . راجع: تاريخ مدينة دمشق، ج 30، ص 35؛ أُسد الغابة، ج 3، ص 207؛ الإصابة، ج 1، ص 386؛ البداية و النهاية، ج 2، ص 220؛ الملل و النحل، ج 2، ص 241.

3) . في «س، ص» و المطبوع: «فلن يكون».

4) . في النسخ و المطبوع: «لنفسي». و ما أثبتناه هو الصحيح؛ طبقاً لما جاء في المصادر المعتمدة.

5) . في النسخ و المطبوع: «البصر». و ما أثبتناه هو الصحيح؛ طبقاً لما جاء في المصادر المعتمدة. راجع: الملل و النحل، ج 2، ص 241.

6) . في المصادر: «ما باد» بدل «من مات».

7) . في «س» و المطبوع: «و لا والد». و في «ص»: «و لا بواحد».

8) . راجع: الملل و النحل، ج 2، ص 242.

9) . في «د، ص»: «يا باكي الميت» بدل «يا ناعي الموت».

10) . في «د، ص»: «حدث». و «الجَدَثُ‌»: القبر. راجع: النهاية، ج 1، ص 243 (جدث).

دَعهُمْ‌؛ فإنّ لَهُم يَوماً يُصاحُ بِهِمْ‌(1)*** كما يُنَبَّهُ مِن نَوماتِهِ‌(2)الصَّعِقُ

حَتّىٰ يُجيبوا بِحالٍ غَيرِ حالِهِمُ *** خَلقٌ مَضَوا، ثُمَّ ماذا بَعدَ ذاكَ لَقوا(3)

مِنهُمْ عُراةٌ‌، و مَوتىٰ‌(4)في ثِيابِهِمُ *** منها الجَديدُ(5)، و منها الأَورَقُ الخَلِقُ‌(6)

[د.] و أمّا عامرُ بنُ الظَّرِبِ العَدْوانيُّ‌، فإنّه كانَ مِن حُكَماءِ العَرَبِ و خُطَبائهم، و له وصيّةٌ طويلةٌ‌(7)يَقولُ في آخِرِها: «إنّي ما رأيتُ شَيئاً قَطُّ خَلَقَ نفسَه، و لا رأيتُ موضوعاً إلّامصنوعاً، و لا جائياً إلّاذاهباً. و لَو كانَ يُميتُ الناسَ الداءُ لَأعاشَهم الدواءُ‌».

ثُمَّ قالَ‌: «أَرىٰ أُموراً شَتّىٰ‌، و شَتّىٰ‌، حَتّىٰ‌»(8).

قيلَ له: و ما «حَتّىٰ‌»(9)؟


1) . في «د»: «يصاح به». و في «ص»: «إفصاح به».

2) . في «س» و المطبوع: «رقداته».

3) . في «د»: «خلقٌ مضى، ثمّ هذا بعد ذا خُلقوا». و في «ص»: «خلقٌ مضى مثل هذا بَعدُ، و اختلفوا». و الصحيح كما في المصادر المعتمدة: «خَلقاً جديداً، كما مِن قَبلِهِ خُلِقوا».

4) . كذا في النسخ و المطبوع. و الصحيح كما في المصادر المعتمدة: «و منهم» بدل «و موتى».

5) . في «ص»: «الحديث».

6) . راجع: المعمَّرين، ص 71؛ الزاهر في معاني كلمات الناس، ص 663؛ دلائل النبوّة للبيهقي، ج 2، ص 104؛ إعجاز القرآن للباقلّاني، ص 152.

7) . في «س» و المطبوع: «الوصيّة الطويلة». و في «ص»: «الوصيّة طويلة».

8) . في «س، ص» و المطبوع: «و شيء حيّ‌» بدل «و شتّى، حتّى».

9) . في «س، ص» و المطبوع: «حيّ‌».

قالَ‌: «حَتّىٰ يَرجِعَ المَيِّتُ حَيّاً، و يَعودَ لا شَيءَ شَيئاً؛ و كذلكَ خُلِقَت السماءُ و الأرضُ‌».

فتَولَّوا عنه ذاهِبينَ‌، فقالَ‌: «وَيلُمِّها نَصيحةً‌؛ لَو كانَ مَن يَقبَلُها لَقُلتُها».(1)

[ه‍.] و مِن هؤلاءِ زُهَيرُ بنُ أبي سُلمىٰ‌(2)، و كان يَمُرُّ(3)بالعِضَاهِ‌(4)

و العِضاه: اسم يقع علىٰ شجر من شجر الشوك، له أسماء كثيرة مختلفة يجمعها «العِضاه»، واحدتها عِضاهة. لسان العرب، ج 7، ص 190 (عضض).

و قد أَورَقَت بَعدَ يُبسٍ‌(5)، فيَقولُ‌: «لَولا أن تَسُبَّنيَ العَرَبُ لَآمَنتُ أنّ‌(6)الذي أحياكِ بَعدَ يُبسٍ‌(7)سيُحيي العِظامَ و هي رَميمٌ‌».

ثُمَّ آمَنَ بَعدَ ذلكَ‌، و قالَ في قَصيدتِه التي أوّلُها: «أ مِن أُمِّ أَوفىٰ دِمْنةٌ‌(8)لَم تَكَلَّمِ‌(9)»:

يؤخَّرْ فيوضَع في كِتابٍ فيُدَّخَرْ *** لِيَومِ الحِسابِ‌، أو يُعَجَّلْ فيُنقَمِ‌(10).


1) . راجع: مجمع الأمثال، ج 1، ص 325؛ البيان و التبيين، ج 2، ص 37؛ جمهرة خطب العرب في عصور العربيّة الزاهرة، ج 1، ص 20.

2) . زهير بن أبي سُلمى ربيعة المُزَنيّ‌؛ كان من الشعراء المتقدّمين الثلاثة في الجاهليّة، و هم: امرؤالقيس، و النابغة الذُّبياني، و زهير. كان أبوه شاعراً، و كذلك خاله و أُختاه و ابناه. و كان مقرَّباً من أُمراء ذُبيان، و خصوصاً هَرِم بن سِنان و الحرث بن عوف، و كانت قصائده تسمّى «الحَوليّات». وُلد في بلاد «مُزَينة» بنواحي المدينة، و كان يقيم في الحاجز من ديار نجد. و له ديوان شعر معروف. قيل: توفّي سنة 10 من الهجرة. راجع: هديّة العارفين، ج 1، ص 375؛ معجم المطبوعات العربيّة، ج 1، ص 980؛ الأعلام للزركلي، ج 3، ص 52.

3) . في «س، ص»: «يمزّ». و في المطبوع: «يميز».

4) . في «د، ص»: «بالعصاة». و في «س» و المطبوع: «بالعصا». و ما أثبتناه هو الصواب.

5) . في «د»: «بيس». و في «س، ص» و المطبوع: «يئس».

6) . في «س، ص» و المطبوع: «لأنت» بدل «لآمنت أنّ‌».

7) . في «س» و المطبوع: - «بعد يبس».

8) . في «س، ص» و المطبوع: «ذمّته».

9) . في «س» و المطبوع: - «تكلّم». و في «ص»: «سكم» غير واضحة.

10) . في «س» و المطبوع: «فينتقم». راجع: الملل و النحل، ج 2، ص 244.

[و.] و منهم زَيدُ الفَوارِسِ بنُ حُصَينِ بنِ ضِرارٍ الضَّبّيُّ‌(1)، و هو الذي يَقولُ‌:

أُريدَ به يَومَ الجَزاءِ حِسابُهُ *** لَدىٰ حاسِبٍ يَومَ القيامةِ عالِمِ‌(2)

«أُريدَ به بَعدَ الممات جزاؤهُ لدى حاسبٍ يومَ القيامة عالِمِ‌».

في خَلقٍ كثيرٍ مِن مشهوريهم يَطولُ ذِكرُهم.

المؤمنون بالبعث من العرب

و كانَ ممّن يُقِرُّ بالبَعثِ منهم: قومٌ يَزعُمونَ أنّ مَن ماتَ‌، فرُبِطَت علىٰ قَبرِه راحِلةٌ‌، و تُرِكَت حَتّىٰ تَموتَ‌، حُشِرَ عليها؛ و مَن لَم يَفعَلْ ذلكَ‌، حُشِرَ ماشياً.(3)

[أ.] و منهم عَمرُو بنُ زَيدٍ الكَلبيُّ‌(4)، و هو يوصي ابنَه:

أَ بُنَيَّ‌، زَوِّدْني إذا فارَقتَني *** في القَبرِ راحِلَةً‌(5)برَحلٍ قاتِرِ(6)

لِلبَعثِ أَركَبُها إذا قيلَ‌: «اركَبوا *** مُستَوسِقينَ‌(7)لِيَومِ حَشرٍ حاشِرِ»


1) . شاعر جاهليّ من بني ضَبَّة، نُقلت بعض أشعاره في المصادر الإسلاميّة، و كان فارساً من فرسان الجاهليّة، و اسم فرسه: شَولَةُ و قيل: كامل. و قيل: الخَرماء. و قيل غيره. راجع: خزانة الأدب، ج 3، ص 167 و 168؛ و ج 4، ص 218 و 219؛ أنساب الأشراف، ج 11، ص 366؛ لسان العرب، ج 11، ص 377 و 599؛ تاج العروس، ج 16، ص 199 و 245.

2) . نُقل البيت في ربيع الأبرار للزمخشري، ج 3، ص 274 هكذا:

3) . راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 19، ص 387؛ المحبّر، ص 322؛ الملل و النحل، ج 3، ص 230؛ تاريخ مختصر الدول، ص 94.

4) . لم نعثر على ترجمة الرجل في المصادر الموجودة عندنا، إلّاأنّ الزَّبيدي ذكر اسم سيفه: «لسان الكلب». راجع: المحبّر، ص 324؛ تاج العروس، ج 2، ص 386.

5) . في النسخ و المطبوع: «راحلتي». و الصحيح ما أثبتناه، و قد استفدناه من المصادر المعتمدة.

6) . في «س» و المطبوع: «قائد». و في سائر النسخ: «قابر». و الصحيح ما أثبتناه، و قد استفدناه من المصادر المعتمدة. و الرحل القاتر: الجيّد منه.

7) . في «س، ص» و المطبوع: «سيوسقين».

مَن لا يُوافيهِ‌(1)علىٰ عُشَرائهِ‌(2)*** فالخَلقُ بَينَ مُدَفَّعٍ أو عاثِرِ(3)

[ب.] و منهم جُرَيبةُ‌(4)بنُ أَشيَمَ الفَقعَسيُّ الأسَديُّ‌(5)، و هو الذي يوصي ابنَه سَعداً:

يا سَعدُ، إمّا أَهلِكَنَّ فإنّني *** أُوصيكَ‌؛ إنّ أخا الوَصاةِ الأَقرَبُ‌(6)

[لا تَترُكَنَّ أباكَ يَعثُرُ راجِلاً *** في الحَشرِ، يُصرَعُ لليَدَينِ‌، و يُنكَبُ‌](7)

و احمِلْ أباكَ علىٰ بَعيرٍ صالِحٍ *** و تَقِ‌(8)الخَطيئةَ‌؛ إنّما هُوَ(9)أَصوَبُ

و لَعلَّ لي فيما تَرَكتُ مَطيّةً *** في الحَشرِ(10)أَركَبُها إذا قيلَ‌: «اركَبوا»(11)

و كانوا يُسَمّونَ الناقةَ التي يَفعَلونَ بها ذلكَ‌: «البَليّةَ‌» و جَمعُها: «البَلايا»، و كانوا


1) . في «س، ص» و المطبوع: «لا يراقبه».

2) . في النسخ و المطبوع: «غيرانه». و ما أثبتناه استفدناه من المصادر المعتمدة. و «العُشَراءُ‌» من النوقِ‌: ما مضىٰ على حَملِها عشرةُ أشهُرٍ؛ الجمع: عِشارٌ. و منه قولُه تعالىٰ‌: «وَ إِذَا اَلْعِشٰارُ عُطِّلَتْ‌» [التكوير (81):4]. راجع: المخصَّص، ج 5، ص 67؛ لسان العرب، ج 4، ص 572؛ تاج العروس، ج 7، ص 226 (عشر).

3) . في «س، ص»: «عاشر». و نُقلت الأبيات عنه أيضاً في المحبّر، ص 324.

4) . في النسخ و المطبوع: «حريث». و ما أثبتناه مطابق لحاشية «س» و المصادر المعتمدة.

5) . شاعر جاهلي، و نِسبتُه إلى «فَقعَس بن الحارث» من بني أسد بن خزيمة. راجع: المحبّر، ص 323؛ لسان العرب، ج 12، ص 625؛ تاج العروس، ج 17، ص 771؛ الأعلام للزركلي، ج 2، ص 118.

6) . في النسخ و المطبوع: «الوصيّة أقرب» بدل «الوصاة الأقرب». و ما أثبتناه مطابق لحاشية «س» و المصادر المعتمدة.

7) . ما بين المعقوفين ساقط من النسخ، و بدونه يختلّ معنى الشعر؛ لذا وجدنا إضافته ضروريّةً‌.

8) . في النسخ و المطبوع: «و اتَّق». و ما أثبتناه مطابق لحاشية «س» و المصادر المعتمدة.

9) . كذا في النسخ و المطبوع. و الصحيح طبقاً للمصادر المعتمدة: «إنّ ذلك» بدل «إنّما هو».

10) . في النسخ و المطبوع: «الهام» بدل «الحشر». و ما أثبتناه هو الصحيح، طبقاً لحاشية «س».

11) . راجع أيضاً: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 19، ص 388؛ المحبّر، ص 323؛ البدء و التاريخ، ج 2، ص 144؛ الملل و النحل، ج 2، ص 244.

يَربِطونَها؛ يأخُذونَ وَليّةً فيَشُقّونَ‌(1)وَسَطَها، ثُمَّ يُدخِلونَ عُنُقَ الناقةِ فيها، فتَبقىٰ مُعلَّقةً في عُنُقِها حتّىٰ تَموتَ عندَ القَبرِ.

و قال بعضُهم(2)

كالبَلايا رُؤوسُها في الوَلايا مانِحاتِ السَّمومِ حُرَّ الخُدودِ

راجع: جمهرة الأمثال، ج 2، ص 274؛ معجم مقاييس اللغة، ج 1، ص 293؛ أساس البلاغة، ص 1042؛ لسان العرب، ج 14، ص 86 (بلي).

: «كالبَلايا أعناقُها في الوَلايا»، الوَلايا: جمعُ وَليّةٍ‌، و هي البَرذَعةُ‌(3)التي في ظَهرِ البَعيرِ.

[و] قالَ لَبيدٌ(4)

ما عاتَبَ المَرءَ الكريمَ كنَفسِهِ و المَرءُ يُصلِحُهُ الجَليسُ الصالحُ‌

و سكن الكوفة، و عاش عمراً طويلاً. و هو أحد أصحاب المعلَّقات. راجع: الأعلام للزركلي، ج 5، ص 240؛ معجم المطبوعات العربيّة، ج 2، ص 1587.

:

تأوي إلَى الأَطنابِ كُلُّ رَذيّةٍ‌(5)*** مِثلُ البَليّةِ قالِصٌ‌(6)أَهدامُها(7)


1) . في النسخ و المطبوع: «فيسقون» بالسين المهملة؛ و هو إهمالٌ من النُّسّاخ.

2) . القائل هو أبو زُبَيدٍ الطائيّ‌؛ قال:

3) . «البَرذَعةُ‌»: ما يوضَع على الحِمارِ أو البغلِ ليُركَبَ عليه؛ كالسَّرج للفرس. راجع: غريب الحديث لابن سلّام، ج 3، ص 103؛ الصحاح، ج 6، ص 2530؛ لسان العرب، ج 8، ص 8 (برذع).

4) . لبيد بن ربيعة بن مالك أبو عَقيل العامري، من الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهليّة، من أهل عالية نجد. أدرك الإسلام، و وفد على النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله، و يُعدّ من الصحابة، و من المؤلَّفة قلوبُهم، و ترك الشعر فلم يقل في الإسلام إلّابيتاً واحداً، قيل: هو:

5) . في «س» و المطبوع: «وليّة»؛ لكنّها صُحِّحَت في حاشية «س» بما أثبتناه. و الرذيّة: الناقة المهزولة من السير. الصحاح، ج 6، ص 2356 (رذي).

6) . في «د، ص»: «قالصاً». و في «س» و المطبوع: «قانصاً». و ما أثبتناه هو الصحيح المطابق لكتاب «جمهرة أشعار العرب».

7) . جمهرة أشعار العرب، ص 137.

شَبَّهَ الناقةَ الرَّذيّةَ‌(1)التَّعِبةَ‌(2)بالبَليّةِ‌، و «القالِصُ‌»: القَصيرُ(3)، و «الأهدامُ‌»: أخلاقُ الثيابِ‌.(4)

سائر أصناف العرب

[أ.] و أمّا الصنفُ الذينَ‌(5)يَقولونَ بالتوحيدِ، و الإنشاءِ لا مِن شَيءٍ‌، و يُنكِرونَ الإعادةَ و البَعثَ‌، فهُم(6)الجُهَّلُ و الجُمهورُ، و قد أخبَروا بذلكَ في أشعارِهم؛ فقالَ بعضُهم في مَرثيةِ أهلِ بَدرٍ مِن المُشرِكينَ‌:

فماذا بالقَليبِ‌(7)قَليبِ بَدرٍ *** مِنَ الشِّيزىٰ‌(8)يُكلَّلُ‌(9)بالسَّنامِ‌(10)

يُخبِّرُنا الرسولُ بأن سنَحيا(11)*** و كَيفَ حَياةُ أصداءٍ‌(12)و هامِ؟!(13)


1) . في النسخ و المطبوع: «الرديّة» بالدال المهملة؛ إهمالاً من النُّسّاخ.

2) . في «س» و المطبوع: «الصعبة».

3) . في «س» و المطبوع: «القانص» بدل «القالص»، و هو من سهو النسّاخ. و راجع للمزيد: لسان العرب، ج 7، ص 80 (قلص).

4) . راجع للمزيد: النهاية، ج 5، ص 252 (هدم).

5) . في «س» و المطبوع: «الذي».

6) . في «س» و المطبوع: «منهم».

7) . القَليب: البئر. راجع: كتاب العين، ج 5، ص 171 (قلب).

8) . في «س» و المطبوع: «البشرى». و في «ص»: «البسرى». و الشِّيزىٰ و الشيز: شجرٌ يُتَّخَذ منه الجِفان، و أراد بالجِفان أربابُها الذين كانوا يُطعِمونَ فيها و قُتلوا ببدرٍ و أُلقوا في القليب، فهو يَرثيهم. و سَمَّى الجِفانَ «شِيزى» باسم أصلها. النهاية، ج 2، ص 518؛ (شيز).

9) . في «د، ص»: «يظلّل».

10) . كأنّه قال: ماذا بالقليب من أصحاب الجِفانِ املأى بلحوم أسنمة الإبل. فتح الباري لابن حَجَر، ج 7، ص 201.

11) . في «س» و المطبوع: «سيحيا». و في «ص»: «سحبا».

12) . في «د»: «أصدام». و في «ص»: «أصلاء». و الأصداءُ‌: جمعُ «الصَّدىٰ‌»، و هو طائرٌ خُرافيٌّ زعموا أنه يخرج من رأس المقتول، و لا يزال يقول: «اسقوني» حتّىٰ يؤخذ بثأره. و يقال له: «الهامة» أيضاً؛ فالأصداء و الهام هنا بمعنىً‌. راجع: الصحاح، ج 5، ص 2063 (هيم)؛ و ج 6، ص 2399؛ المخصّص، ج 4، ص 183؛ لسان العرب، ج 14، ص 456 (صدي).

13) . نسبها ابن هشام في سيرته إلى «شدّاد بن أبي الأسود»، و الزمخشري في ربيع الأبرار إلى «أسود بن عبد يغوث»، و ابن الأثير إلى «ابن سوادة». راجع: سيرة ابن هشام، ج 2، ص 549؛ ربيع الأبرار، ج 5، ص 10؛ النهاية لابن الأثير، ج 2، ص 518.

قالَ‌(1):

[ب.] و كانَ فيهم قومٌ يَعبُدونَ المَلائكةَ‌، و يَزعُمونَ أنّها بَناتٌ فيَعبُدونَها؛ زَعَموا لِتُقرِّبَهم إلَى اللّٰهِ زُلفىٰ و تَشفَعَ‌(2)لهم.

[ج.] و منهم مَن يَدعو للّٰهِ وَلَداً، و يَتَّخِذُه إلهاً(3)مِن دونِه.

عبادة الأصنام عند العرب

و منهم مَن يَعبُدُ الأصنامَ‌؛ لِتُقرِّبَهم إلَى اللّٰهِ زُلفىٰ‌:

و قالَ - جَلَّ و عَزَّ -: «قُلِ اُدْعُوا اَلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاٰ يَمْلِكُونَ كَشْفَ اَلضُّرِّ عَنْكُمْ وَ لاٰ تَحْوِيلاً» (4)، و قالَ‌: «وَ يَجْعَلُونَ لِلّٰهِ اَلْبَنٰاتِ سُبْحٰانَهُ وَ لَهُمْ مٰا يَشْتَهُونَ‌» (5).

و لَم يَكُن بهذه الصفةِ إلّاقَومٌ مِن مُشرِكي العَرَبِ‌.

و قالَ - جَلَّ و عَلا -: «أَ فَأَصْفٰاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَ اِتَّخَذَ مِنَ اَلْمَلاٰئِكَةِ إِنٰاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً» (6)، و قالَ‌(7): «أَمِ اِتَّخَذَ مِمّٰا يَخْلُقُ بَنٰاتٍ وَ أَصْفٰاكُمْ بِالْبَنِينَ‌» (8).

و قالَ‌: «وَ قٰالُوا اِتَّخَذَ اَلرَّحْمٰنُ وَلَداً سُبْحٰانَهُ بَلْ عِبٰادٌ مُكْرَمُونَ * لاٰ يَسْبِقُونَهُ


1) . أي: أبو عيسي الوراق. و في «س، ص» و المطبوع: - «قال».

2) . في «د»: «و ليشفع». و في «ص»: «و لينتفع».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «لها» بدل «إلها».

4) . الإسراء (17):56.

5) . النحل (16):57.

6) . الإسراء (17):40.

7) . في «س، ص» و المطبوع: - «و قال». و في المطبوع لم يفصل بين الآيتين، بل ضمهما و جمع بينهما، و كأنهما آية واحدة!!

8) . الزخرف (43):16.

بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‌» (1)، و قالَ تَعالىٰ‌: «وَ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكٰاءَ اَلْجِنَّ وَ خَلَقَهُمْ وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَنٰاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحٰانَهُ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يَصِفُونَ‌» (2). الأنبياء (21):36.(3)، و قالَ تَعالىٰ‌:

«وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَلْجِنَّةِ نَسَباً» (4).

و قالَ في عبادتِهم الأصنامَ‌: «إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ عِبٰادٌ أَمْثٰالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ‌» (5). في «س، ص» و المطبوع: - «و قالوا».(6)، و قالَ‌: «وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مٰا لاٰ يَضُرُّهُمْ وَ لاٰ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هٰؤُلاٰءِ شُفَعٰاؤُنٰا عِنْدَ اَللّٰهِ‌» (7)، و قالَ‌: «وَ إِذٰا رَآكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّٰ هُزُواً أَ هٰذَا اَلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ‌» (6).

و قد عَبَدَ الأصنامَ‌ قومٌ مِن الأُمَمِ الماضيةِ مِن أهلِ الهِندِ و السِّندِ و غيرِهما، و قد أخبَرَ اللّٰهُ تَعالىٰ عن قومِ نوحٍ أنّهم عَبَدوها أيضاً، فقالَ‌: «وَ قٰالُوا(7) لاٰ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لاٰ تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لاٰ سُوٰاعاً وَ لاٰ يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً» (8)، و قد حَكَينا قولَ [عَبَدةِ‌] الأصنامِ قَبلَ هذا.

أصنام العرب

و كانَ «سُواعٌ‌» لهُذَيلٍ‌، و كانَ‌(9)بِرُهاطٍ.(10)


1) . الأنبياء (21):26-27.2.

2) الأنعام

3) :100.

4) . الصافّات (37):158.4.

5) الأعراف

6) :194.

7) . يونس (10):18.

8) . نوح (71):23.

9) . في غير «س» و المطبوع: «يكون».

10) . قال ابن الكلبي: و كان أوّل من اتّخذ تلك الأصنام هُذيل بن مُدرِكة، اتّخذوا سُواعاً، فكان لهم برُهاط من أرض يَنبُع، و يَنبُع عِرض من أعراض المدينة. الأصنام، ص 9.

و كانَ [«وَدٌّ» لبَني كَلبٍ‌](1)بدُومةِ الجَندَلِ‌(2).

و كانَ «يَغوثُ‌» لمَذحِجٍ و لقَبائلِ اليَمَنِ‌.

و كانَ «نَسرٌ» لذي الكَلاعِ بأرضِ حِميَرَ.

و كانَ «يَعوقُ‌» لهَمْدانَ‌.

و كانَ‌(3)«اللاتُ‌» لثَقيفٍ‌، و كانَت بالطائفِ‌.

و كانَت «العُزّىٰ‌» لقُرَيشٍ و جميعِ بَني كِنانةَ‌، و سَدَنَتُها(4)مِن بَني سُلَيمٍ‌.

و كانَت «مَناةُ‌» للأَوسِ و الخَزرَجِ و غَسّانَ‌، و كانَت بالمُشَلَّلِ‌(5).

و كانَ «هُبَلُ‌» أعظَمَ أصنامِهم عندَ أنفُسِهم، و كانَ علَى الكَعبةِ‌.

و كانَ «إسافٌ‌» و «نائلةُ‌» علَى الصَّفا و المَروةِ‌(6)، و وَضَعَهما عَمرُو بنُ‌


1) . ما بين المعقوفين ساقط من جميع النسخ و المطبوع؛ و قد أضفناه من المصادر المعتمدة. راجع: كتاب الأصنام، ص 10.

2) . دُومة الجَندَل: حِصنٌ و قُرىً بين الشام و المدينة، قرب جَبَلَي طيّئ، كانت به بنو كِنانة من كَلب. معجم البلدان، ج 2، ص 487.

3) . كذا، و الأنسب: «و كانت».

4) . «السَّدَنة»: جمع «السادن» بمعنى الخادم. و سَدَنَةُ البيت: خُدّامه و حُجّابه. راجع: كتاب العين، ج 7، ص 228؛ لسان العرب، ج 13، ص 207؛ المصباح المنير، ص 271 (سدن).

5) . في النسخ و المطبوع: «بالمسلك»، و الصواب ما أثبتناه. و المُشَلَّل: جبل يُهبط منه إلىٰ قُدَيد من ناحية البحر. و كانت مناة منصوبة علىٰ ساحل البحر من ناحية المُشَلَّل بقُدَيد، بين المدينة و مكّة. راجع: معجم البلدان، ج 5، ص 136 و 204.

6) . قال الحموي: قال ابن إسحاق: هما مِسخان، و هما: إساف بن يَعلى، و نائلة بنت ذئب - و قيل: بنت زيد -. و قيل: إساف بن عمرو، و نائلة بنت سَهل. و إنّهما زنيا في الكعبة، فمُسِخا حجرَين، فنُصبا عند الكعبة. و قيل: نُصب أحدهما على الصفا، و الآخر على المروة؛ ليُعتبر بهما. فقَدُمَ الأمرُ، فأمر عمرو بن لُحَي الخُزاعي بعبادتهما، ثمّ حوَّلهما قُصيٌّ‌، فجعَل أحدهما بلِصق البيت، و جعَل الآخر بزمزم، و كان ينحر عندهما، و كانت الجاهليّة تتمسّح بهما. قال أبو المنذر هشام بن محمّد: حدّثني أبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: أنّ إسافاً رجل من جُرهُمَ‌، يقال له: إساف بن يعلى، و نائلة بنت زيد من جُرهُمَ‌، و كان يتعشّقها بأرض اليمن، فأقبلا حاجَّين، فدخلا الكعبة، فوجدا غفلة من الناس، و خلوة في البيت، ففَجَرَ بها في البيت، فمُسِخا، فأصبحوا فوجدوهما مِسخَين، فأخرجوهما، فوضعوهما موضعهما، فعبَدَتهما خُزاعة و قريش و من حَجَّ البيتَ بَعدُ من العرب...». راجع: معجم البلدان، ج 1، ص 170؛ الصحاح، ج 4، ص 1231؛ لسان العرب، ج 9، ص 6؛ تاج العروس، ج 12، ص 82 (أسف)؛ المغازي، ج 2، ص 841 و 842؛ عمدة القاري، ج 18، ص 99؛ تاج العروس، ج 12، ص 82.

لُحَيٍّ‌(1)، فكانَ يَذبَحُ عليهما تِجاهَ الكَعبةِ‌. و زَعَموا أنّهما كانا مِن جُرهُمَ‌(2): «إسافُ بنُ عَمرٍو» و «نائلةُ بنتُ سُهَيلٍ‌»، ففَجَرا في الكَعبةِ‌، فمُسِخا حَجَرَينِ‌. و يُقالُ‌: خالُهما عَمرُو بنُ لُحَيٍّ‌(3)، وَضَعَهما علَى الصَّفا قَبلَ ذلكَ‌.


1) . في النسخ و المطبوع: «يحيىٰ‌» بدل «لُحَيّ‌» و الصواب ما أثبتناه. و عمرو بن لُحَيّ اسمه: عمروبن ربيعة، و هو لُحَيّ بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي، و كانت أُمّه من جُرهُمَ‌. و هو أوّل من غيَّر دين إسماعيل عليه السلام؛ فنصَب الأوثان، و سيَّب السائبة، و وصَل الوصيلة، و بحَّر البَحيرة، و حَمَى الحامية. نفىٰ جُرهُمَ من مكّة، و تولّىٰ حِجابة البيت بعدهم. و قَدِم بالأصنام من الشام إلىٰ مكّة، و نصبها حول الكعبة. كتاب الأصنام، ص 8.

2) . في «س»: «خيرهم». و في «ص» و المطبوع: «خبرهم».

3) . في النسخ و المطبوع: «يحيىٰ‌» بدل «لُحَيّ‌» و الصواب ما أثبتناه.

[

2 فَصلٌ في ذِكرِ مَذاهبِ أهلِ الأصنامِ‌، و ذِكرِ البُيوتِ‌ و النيرانِ‌ المُعَظَّمةِ‌
اشارة

فَصلٌ في ذِكرِ مَذاهبِ أهلِ الأصنامِ‌، و ذِكرِ البُيوتِ‌(1)و النيرانِ‌(2)المُعَظَّمةِ‌

عبادة الأصنام في الهند و الصين

حَكَى الحسنُ بنُ موسىٰ‌(3)عن(4)قومٍ ممّن يَعرِفُ أُمورَ العالَمِ و يَبحَثُ عن


1) . في المطبوع: «بيوت» بدون الألف و اللام.

2) . في «س» و المطبوع: «النيران» بدون واو العطف.

3) . هو أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختي، من متكلّمي الإماميّة، و أحد كبار علماء المقالات. و هو ابن أُخت أبي سهل النوبختي. كان يجتمع إليه جماعة من النقَلة و المترجمين لكتب الفلسفة، مثل أبي عثمان الدمشقي، و إسحاق، و ثابت، و غيرهم. و كان جَمَّاعة للكتب، و قد نسخ بخطّه شيئاً كثيراً. له من الكتب: الآراء و الديانات، و هو أشهر كتبه، لكنّه مفقود، و كتاب فِرق الشيعة، و الجامع في الإمامة، و الردّ على المنجّمين، و الردّ على أصحاب المنزلة بين المنزلتين في الوعيد، و غيرها. الفهرست لابن النديم، ص 225؛ رجال (فهرست) النجاشي، ص 63.

4) . في النسخ و المطبوع: - «الحسن بن موسىٰ عن». و الذي أثبتناه استفدناه من كتاب المعتمد لابن المَلاحِمي، ص 822، حيث جاء فيه: «حكَى الحسن بن موسىٰ عن قوم ممّن بحَث عن أمور العالم و عرَفها، منهم جعفر بن محمّد المنجّم أبو معشر: أنّ كثيراً من أهل الهند و الصين...» إلىٰ آخر عبارات هذا الفصل. كما جاء في المغني عبارة قريبة من ذلك، حيث جاء فيه: «حكَى الحسن بن موسىٰ عن أبي معشر المنجّم: أنّ كثيراً من أهل الهند و الصين...». المغني، ج 5 (الفرق غير الإسلامية)، ص 155.

قِصَصِهم - منهم(1)جَعفَرُ بنُ محمّدٍ المُنجِّمُ أبو مَعشَرٍ(2)-: أنّ كَثيراً مِن أهلِ الهِندِ و الصينِ كانوا يَعتَقِدونَ الرُّبوبيّةَ‌، و يُقِرّونَ بأنّ للّٰهِ مَلائكةً‌، و كانوا يَعتَقِدونَ أنّه جسمٌ ذو صورةٍ كأحسَنِ الصُّوَرِ و أتَمِّ الأجسامِ‌(3)، و أنّ المَلائكةَ أجسامٌ لها حُسنٌ‌(4)، و أنّ اللّٰهَ و مَلائكتَه مُحتَجِبونَ بالسَّماءِ‌؛ فدَعاهم ذلكَ إلىٰ أن اتَّخَذوا أصناماً علىٰ صورةِ اللّٰهِ عندَهم، و بعضَهم(5)علىٰ صورةِ المَلائكةِ‌، فكانوا يَعبُدونها و يُقرِّبونَ القَرابينَ لها؛ لشَبَهِها عندَهم باللّٰهِ‌، و يُقدِّرون فيها أنها تَنفَعُهم(6).

فلَم يَزالوا كذلكَ حتّىٰ قالَ لهم بعضُ مَن كانَ عندَهم في قَبيلِ‌(7)الأنبياءِ‌: إنّ الأفلاكَ و الكواكبَ أقرَبُ الأجسامِ‌(8)إلَى اللّٰهِ‌، و إنّها حَيّةٌ ناطقةٌ‌(9)، و إنّ المَلائكةَ تَختَلِفُ‌(10)فيما بَينَ اللّٰهِ و بَينَها، و إنّ كُلَّ ما يَحدُثُ في العالَمِ إنّما هو علىٰ قَدرِ ما يَجري به حَرَكاتُ الكواكبِ مِن أمرِ اللّٰهِ‌. فعَظَّموها و قَرَّبوا لها القَرابينَ ليَنفَعَهم(11)،


1) . في «س، ص» و المطبوع: «منه».

2) . هو أبو معشر جعفر بن محمّد المنجِّم البلخيّ‌؛ صاحب التصانيف في النجوم و الهندسة. كان محدّثاً، ثمّ دخل في النجوم بعد أن صار ابن نيِّف و أربعين، ثمّ تجاوز المائة. له من الكتب: الزيج، و المواليد، و القِرانات، و طبائع البلدان، و غيرها. توفّي بواسط سنة 272 ه‍. سير أعلام النبلاء، ج 13، ص 161؛ فهرست ابن النديم، ص 335.

3) . في «س، ص» و المطبوع: «و كأتمّ الصنام».

4) . في «س، ص» و المطبوع: - «حسن». و في المغني: «أجسام حسنة».

5) . في المعتمد: «و بعضها».

6) . في «س» و المطبوع: «شفيعهم». و في «ص»: «شفعهم».

7) . في «س، ص» و المطبوع: «سبيل». و في المغني: «حُكم» بدل «قبيل». و في المعتمد: «بمنزلة» بدل «في قبيل».

8) . في المعتمد: + «المرئيّة». و في المغني: «مرتبة» بدل «الأجسام».

9) . في المغني: + «مدبّرة». 10. في «س، ص» و المطبوع: «يختلف».

10)

11) . في «س»: «ليشفعهم». و في المطبوع: «لتشفعهم».

فمَكَثوا علىٰ ذلكَ دَهراً.

فلمّا رأَوا الكواكبَ تَخفىٰ‌(1)بالنهارِ و في بعضِ أوقاتِ الليلِ - لِما يَعرِضُ في الهَواءِ مِن الغُيومِ -، أشارَ عليهم بعضُ رؤسائهم بأن يَجعَلوا لها أصناماً؛ ليَرَوها في كُلِّ وقتٍ‌. فجَعَلوا لها أصناماً علىٰ عَدَدِ الكواكبِ الكِبارِ المشهورةِ‌، و هي السَّبعةُ المُتحيِّرةُ‌(2). فكانَ كُلُّ صنفٍ يُعظِّمُ كوكباً معلوماً، و يُصيِّرُ(3)له جنساً مِن القُربانِ خِلافَ ما للآخَرِ، و اعتَقَدوا أنّهم إذا عَظَّموا الأصنامَ تَحرَّكَت الكواكبُ لهُم بما يُحِبّونَ‌(4). و بَنَوا لكُلِّ صَنَمٍ بَيتاً و هَيكَلاً مُفرَداً، و سَمَّوا ذلكَ البَيتَ بِاسمِ الكواكبِ‌(5)- و زَعَمَ بعضُ الناسِ أنّ بَيتَ اللّٰهِ الحَرامَ كانَ بَيتَ زُحَلَ‌، و إنّما بَقيَ لأنّ زُحَلَ يَدُلُّ‌(6)علَى البَقاءِ أكثَرَ مِن سائرِ الكواكبِ -، فلمّا طالَ عَهدُهم عَبَدوا الأصنامَ علىٰ أنّهم(7)تُقرِّبُهم إلَى اللّٰهِ زُلفىٰ‌(8)، و ألغَوا ذِكرَ الكواكبِ‌.

فلَم يَزالوا كذلكَ حَتّىٰ ظَهَرَ «يوذاسُفُ‌»(9)ببِلادِ الهِندِ، و كانَ هِنديّاً، و ذلكَ -


1) . هكذا في المطبوع. و في النسخ: «يخفىٰ‌».

2) . هكذا في النسخ و المطبوع و المعتمد.

3) . كذا في النسخ جميعاً. و في المطبوع و حاشية «س»: «و ينحر».

4) . في النسخ و المطبوع: «إنّما عظّموا الأصنام لحرمة الكواكب هم يحتاجون» بدل «إذا عظّمواالأصنام تحرّكت الكواكب لهم بما يحبّون»، و ما أثبتناه استفدناه من المغني و المعتمد.

5) . راجع: تفسير الرازي، ج 2، ص 112؛ و ج 13، ص 37؛ تفسير الآلوسي، ج 7، ص 196.

6) . هكذا في المطبوع. و في النسخ: «تدلّ‌».

7) . كذا في النسخ و المطبوع. و الصحيح: «علىٰ أنّها».

8) . في «د، ص»: - «زلفى».

9) . «يوذاسُف» كذا بالياء - آخر الحروف -، و لعلّه تصحيف: «بوذاسُف» بالباء - ثاني الحروف -، و يُسمّى: «بوذا». وُلد بوذا حوالَي سنة 563 قبل الميلاد في الهند، و كان ينتمي إلى طبقة «الكشاتريّة» أي المقاتلين، و قد أُحسن تدريبه على القتال، و تزوّج و أنجب طفلاً، لكنّه بعد ذلك هرب من القصر، و أخضَعَ نفسه لأشدّ أنواع الرياضات مدّة ستّ سنين، ثمّ ترك ذلك لأنّه لم يجد فيه فائدة، و جلس في ظلّ شجرة وارفة، و صمّم على أن لا يبرح ذلك المكان حتّى يأتيه التنوير، فتنبّه حينئذ إلى ظاهرة الموت و الولادة المتكرّرة، و أنّها لا تتوقَّف - لأنّ قانون «الكارما» (السبب و المسبَّب، أو العلّة و المعلول) يقتضي ذلك؛ كي تكفِّر الأرواح عن ذنوبها السابقة -، فوجد أنّه إذا عاش الإنسان حياة يسودها العدل الكامل و الصبر و الشفقة فسوف يتمكّن من تجنيب نفسه من العودة إلى الحياة، و سوف يدرك السكينة. فالسعادة مستحيلة، سواء في الدنيا أو في الآخرة، ولكنّ الذي يمكن أن نُصيبه هو السكون و الهمود البارد الذي سمّاه: «النِّرْفانا». فتوجّه نحو المدينة المقدّسة «بِنارِسَ‌»، و أخذ يبشِّر بالنِّرْفانا. مات بوذا سنة 483 قبل الميلاد. قصّة الحضارة، ج 3، ص 64-90؛ إكمال الدين، ص 584 الهامش 1.

[كما] زَعَموا - في أوّلِ سَنةٍ مِن مُلكِ «طَهمورِثَ‌»(1)مَلِكِ فارِسَ‌(2). فادَّعىٰ‌(3)يوذاسُفُ النُّبوّةَ‌(4)، و أمَرَهم بالزُّهدِ، و جَدَّدَ عندَهم عبادةَ الأصنامِ و السُّجودَ لها.

و ذَكَرَ(5)أهلُ فارِسَ‌ أنّ «جَمَ‌»(6)


1) . هو طَهمورِث بن ويجَهانَ‌، من ملوك الفُرس البيشداذيّين. مَلَكَ بعد أُوشهنج. قيل: إنّه ابتَنى سابورَ من فارِسَ و نَزَلَها، و دَعا إلى ملّة الصابئة. و بقي في المُلك ثلاثين سنة، و قيل أربعين. و هو أوّل من كتب بالفارسيّة. و في عهده ظهر بوذاسُف. التنبيه و الإشراف، ص 75؛ الآثار الباقية، ص 118؛ الكامل في التاريخ، ج 1، ص 61.

2) . في «س، ص» و المطبوع: «فارسيّ‌».

3) . هكذا في المعتمد. و في النسخ و المطبوع: - «فادّعىٰ‌».

4) . لم يدّع بوذا النبوّةَ و الاتّصالَ باللّٰه تعالىٰ‌، بل ادّعَى الاستنارة. راجع: قصّة الحضارة، ج 3، ص 74. و لعلّ كلمة «النبوّة» الواردة في المتن مصحَّفة من كلمة أُخرىٰ‌، مثل: «التنوير» أو «التنوّر»؛ و لعلّه لا يجود تصحيف، و إنّما كلمة «النبوّة» تعكس تصوّر علماء المقالات من المسلمين حول بوذا، و أنّه كان برأيهم يدّعي النبوّة.

5) . هكذا في المعتمد و المغني. و في النسخ و المطبوع: «ذكر» بدون الواو.

6) . في المغني: «جَمشيد». و هو جَم أو جَمشيد بن ويجَهان أخو طهمورِث؛ من ملوك الفُرس البيشداذيّين، مَلَكَ بعد طهمورِث. و «جَم» بمعنى القمر، و «شيد» بمعنى الشعاع، سَمَّوه بذلك لجماله. قيل: إنّه أمر بصناعة السيوف و الدروع من الحديد، كما أمر بغزل الإبريسم و القطن و الكَتّان. و قد اختلطت سيرته ببعض الخرافات. التنبيه و الإشراف، ص 75؛ الآثار الباقية، ص 119؛ الكامل في التاريخ، ج 1، ص 64-66.

المَلِكَ أوّلُ مَن عَظَّم(1)النارَ، و دَعا الناسَ إلىٰ تعظيمِها؛ قالَ‌: «لأنّها تُشبِهُ ضَوءَ الشمسِ و الكواكبِ‌»، قالَ‌: «و لأنّ النورَ أفضَلُ مِن الظُّلمةِ‌». ثُمَّ اختَلَفَ الناسُ‌(2)بَعدَ ذلكَ‌؛ فعَظَّمَ‌(3)كُلُّ قومٍ ما يَرَونَ تعظيمَه مِن الأسماءِ‌؛ تَقرُّباً إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ بذلكَ‌(4).

ثُمَّ نَشأَ عَمرو بنُ لُحَيٍّ‌(5)، فسادَ قومَه بمَكّةَ‌، فاستَولىٰ علىٰ أمرِ البَيتِ‌، ثُمَّ صارَ إلىٰ مَدينةِ‌(6)البَلقاءِ‌(7)بالشامِ‌، فرأىٰ قوماً يَعبُدونَ الأصنامَ‌، فسألَهم عنها، فقالوا: «هذه أربابٌ نَتَّخِذُها؛ نَستَنصِرُ بها فنُنصَرُ(8)، و نَستَسقي(9)فنُسقىٰ‌(10)». فطَلَبَ منها(11)صَنَماً، فدَفَعوا إليه هُبَلَ‌(12)، فصارَ به إلىٰ مَكّةَ و إلَى الكَعبةِ و معه إسافٌ و نائلةُ‌(13)،


1) . هكذا في المعتمد. و في النسخ و المطبوع: «أعظم».

2) . في المطبوع: - «الناس».

3) . في ««س» و المطبوع: «يعظّم». و في «ص»: «تعظيم».

4) . في «س» و المطبوع: - «بذلك».

5) . هكذا في المعتمد، و هو الصواب كما تقدّم. و في النسخ و المطبوع: «يحيىٰ‌» بدل «لُحَيّ‌».

6) . هكذا في المطبوع و المعتمد. و في النسخ: «المدينة».

7) . في «س، ص» و المطبوع: «البلغاء».

8) . هكذا في المطبوع. و في النسخ: «فيَنصُر».

9) . في «س»: «و نسقي». و في «ص»: «فتسقى». و في المطبوع: «و نستقي».

10) . هكذا في المطبوع و المعتمد. و في «د»: - «فنُسقىٰ‌». و في «س، ص»: «فيسقي».

11) . في المطبوع: «منهم».

12) . في «س» و المطبوع: «الهبل». و في «ص»: «أسيل».

13) . تقدّم الكلام عنهما في نهاية الفصل السابق، فراجع.

و دَعا الناسَ إلىٰ تعظيمِها و عبادتِها، ففَعَلوا - و ذلكَ‌(1)فيما يَزعُمُ أصحابُ التاريخِ في أوّلِ مُلكِ «سابورَ» ذي الأكتافِ‌(2)- إلىٰ أن أظهَرَ اللّٰهُ الإسلامَ فأُخرِجَت(3).

بيوت الأصنام

و قد قُلنا: إنّ البيتَ‌(4)فيما زَعَمَ المُخبِرونَ كانَ لزُحَلَ‌، و قد كَذَبوا لَعَنَهم اللّٰهُ‌.

و مِن تلكَ البيوتِ السَّبعةِ‌(5)التي كانَت للكواكبِ بَيتٌ علىٰ رأسِ جَبَلٍ بأصبَهانَ‌، علىٰ ثَلاثِ‌(6)فَراسِخَ مِن مَدينتِها؛ فكانَت فيه أصنامٌ‌، إلىٰ أن(7)أخرَجَها(8)«كُشتاسِبُ‌»(9)


1) . في «س، ص» و المطبوع: «ذلك و» بدل «و ذلك».

2) . «سابور ذو الأكتاف» هو سابور بن هُرمُز بن نَرسي، من ملوك الفرس الساسانيّين. مَلَكَ و هو صغير السنّ‌، فطَمِعَت به الملوك و منهم العرب، فسار جمع كبير منهم إلى بلاده و استقرّوا فيها؛ فلمّا بلغ غزا العربَ و غوَّر عليهم المياه، و غزاه مَلِكَ الروم، و هو يوليانوس فأعانته العرب، و أقام سابور على معاداة العرب لا يظفر بأحد منهم إلّاخلَع كتفه، فلذلك سُمّي: سابور ذا الأكتاف. و كان مُلكه اثنتين و سبعين سنة. تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 161-162؛ التنبيه و الإشراف، ص 87-88؛ تاريخ الطبري، ج 1، ص 490.

3) . في المعتمد: «فأُحرقت» بدل «فأُخرجت». و جاء في المعتمد بعد ذلك: «ثمّ ذكر أبو محمّد الحسن بن موسىٰ بيوت الأصنام التي كانت في الأرض، و مواضعها من أقاليم الأرض، ثمّ ذكر بيوت النيران، و لا طائل في ذكرها».

4) . أي بيت اللّٰه الحرام، صانه اللّٰه من البلايا.

5) . في «د، ص»: «التسعة».

6) . كذا في النسخ و المطبوع. و الصحيح: «ثلاثة».

7) . في «س» و المطبوع: - «إلىٰ أن». و في «ص»: «عن» بدل «إلىٰ أن».

8) . في «د»: «أخرجهما». و في «ص»: «إخراجها».

9) . هو كُشتاسِب أو كَيْبُشتاسِب بن لُهراسِب، أحد ملوك الفُرس الكيانيّين، و هو الذي ظهر زَرادُشتُ في زمانه، و دعاه إلى المجوسيّة فقبِلها، و حمَل أهل مملكته عليها - و كانوا قبل ذلك على رأي الصابئة التي دعا إليها طهمورث -، و قاتل عليها حتى ظهرت. التنبيه و الإشراف، ص 79؛ الملل و النحل، ج 1، ص 236-237؛ الآثار الباقية، ص 121.

المَلِكُ لمّا(1)تَمجَّسَ‌(2)، و جَعَلَه بَيتَ نارٍ.

و الثاني: البيتُ الذي بمُولتانَ‌(3)مِن أرضِ الهِندِ، و به أصنامٌ‌.

و البَيتُ الثالثُ‌: بَيتُ «سَدوسانَ‌»(4)مِن الهِندِ.

و هُما بَيتانِ عظيمانِ عندَهم، يأتونَهما في أوقاتٍ مِن السنةِ‌.

و البَيتُ الرابعُ‌: هو «النَّوبَهارُ»(5)، الذي بَناه «مَنوشِهرُ»(6)بمَدينةِ بَلخَ مِن خُراسانَ علَى اسمِ القمرِ، فلمّا ظَهَرَ الإسلامُ خَرَّبَه أهلُ بَلخَ‌.

و بَيتُ «عُمدانَ‌»(7)الذي بمَدينةِ صَنعاءَ مِن مُدُنِ اليَمَنِ‌، و كانَ «الضحّاكُ‌»(8)بَناه


1) . في النسخ و المطبوع: «إلىٰ‌». و ما أثبتناه من المصادر المعتمدة.

2) . في «س، ص» و المطبوع: «عجن».

3) . في «س» و المطبوع: «بمُلتان». و هو صحيحٌ أيضاً. و مُولتان أو مُلتان: مدينة في بلاد الهند بالقرب من غَزنة، و بها صنم يعظّمه الهند و يحُجّون إليه من أقصى البلاد. و قد فُتحت في عهد الوليد بن عبد الملك. معجم البلدان، ج 5، ص 227-228.

4) . في مروج الذهب: «مندوسان».

5) . راجع وصف هذا المعبد في: معجم البلدان، ج 5، ص 307 و ما بعدها.

6) . هو منوشهر بن إيْرَج بن أفريدون؛ أحد ملوك الفرس البيشداذيّين. و الفُرس تعظِّم أمره، و ترفع من شأنه. و كان له سبعة أولاد، ترجع إليهم أكثر شعوب فارس في أنسابها و سائر طبقات ملوكهم؛ فهو كالشجرة في النسب للفُرس. التنبيه و الإشراف، ص 78؛ الآثار الباقية، ص 119، 122؛ تاريخ الطبري، ج 1، ص 265.

7) . عُمدان: اسم جبل أو موضع. معجم البلدان، ج 4، ص 153؛ الآثار الباقية، ص 42.

8) . «الضحّاك» هو بَيوَرأسبُ بنُ أروَندأسبَ‌؛ من ملوك الفُرس البيشداذيّين، مَلَكَ بعد جَم. ومن أخباره ما يقال من أنّ حيّتَين كانتا في كتفَيه تعتريانه، لا تهدءان إلّابأدمغة الناس. و قال الكثير من أهل الكتب: إنّهما كانتا لحمتين طويلتين على كتفيه كلُّ واحدة منهما كرأس الثعبان، و كان يسترهما بالثياب. و لمّا عظُم بغيُه ظهَر رجُل من أصبهان يُدعى «كابي» (كاوَه) فدعا الناسَ إلى خَلعه و تمليك أفريدون، فاتّبَعه العوامُّ و كثيرٌ من الخواصّ‌، و تمكَّن من خَلعه. التنبيه و الإشراف، ص 75؛ الآثار الباقية، ص 122؛ الكامل في التاريخ، ج 1، ص 74.

علَى اسمِ الزُّهرةِ‌، و خَرَّبَه عُثمانُ بنُ عَفَّانَ‌.

و بَيتُ «كاوُسانَ‌»، بَناه «كاوُسُ‌»(1)المَلِكُ‌؛ بِناءً عَجيباً(2)علَى اسمِ الشمسِ‌، بِمَدينةِ‌(3)فَرغانةَ مِن مُدُنِ خُراسانَ‌، خَرَّبَه المُعتَصِمُ‌(4).

و أمّا بُيوتُ النارِ فهي كَثيرةٌ‌، و أوّلُ مَن رَسَمَ لها بَيتاً - فيما يَزعُمونَ - «أَفريدونُ‌»(5)وَجَدَ ناراً يُعظِّمُها أهلُها، فبَعَثَ بها إلىٰ خُراسانَ‌.

و اتَّخَذَ «بَهمَنُ‌»(6)بيتاً بسِجِستانَ‌(7)يُسَمّىٰ‌: «كَركُو»(8).


1) . هو كاوُسُ أو كَيكاوُسُ بن كَيقُبادَ، من ملوك الفُرس الكيانيّين. مَلَكَ بعد كَيقُبادَ، و كان يسكن بنواحي بلخَ‌. و كانت له وقعات كثيرة مع أفراسيابَ مَلِك التُّرك. و غزا اليمَن فلقيه ذو الأذعار في حِميَر و قحطان، فظفر به و حبَسه في بئر، إلى أن تمكّن رُستَم الشديدُ بن داستانَ من تحريره بعد أن اصطلح مع ذي الأذعار، و أعاده إلى المُلك. الآثار الباقية، ص 121-122؛ الكامل في التاريخ، ج 1، ص 245؛ تاريخ ابن خلدون، ج 2، ق 1، ص 159.

2) . في «س، ص» و المطبوع: «بناه أعجبنا» بدل «بناء عجيباً».

3) . هكذا في الملل و النحل. و في «س، ص» و المطبوع: «شهر المدينة». و في «د»: «أشهر مدينة» كلاهما بدل: «الشمس بمدينة».

4) . في «س، ص» و المطبوع: «معتصم» بدون الألف و اللام.

5) . هو أفريدونُ بن أثفيانَ‌، من ملوك الفُرس البيشداذيّين، و هو من وُلد جَم، مَلَك بعد خَلع الضحّاك. الآثار الباقية، ص 119، 122؛ الكامل في التاريخ، ج 1، ص 83.

6) . «بَهمَن» هو أردَشيرُ بَهمَنُ بنُ إسفَندِيارَ بنِ كُشتاسِبَ بنِ لُهراسِبَ‌؛ أحد ملوك الفُرس الكيانيّين. مَلَكَ بعد جدّه كُشتاسِبَ‌. كان مظفَّراً في مَغازيه، و كان ملوك الأرض يحملون إليه الإتاوة. و هو أبو «دارا» الأكبر. التنبيه و الإشراف، ص 82؛ الكامل في التاريخ، ج 1، ص 278.

7) . في النسخ و المطبوع: - «و اتّخذ بهمن بيتاً بسجستان»، و ما أثبتناه استفدناه من الملل و النحل.

8) . هكذا في الملل و النحل. و في النسخ و المطبوع: «كركوا». و جاء في معجم البلدان، ج 4، ص 453: «كَركُويَه: مدينة من نواحي سِجِستان، فيها بيتُ نارٍ معظَّمٌ عند المجوس». و في «ص»: + «أبحو.