الرسائل و المسائل جلد 2

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

سرشناسه:سیدمرتضی، علی‌بن حسین، 355 - 436 ق.

Sharīf al-Murtaḍá, ʻAlam al-Hudá ʻAlī ibn al-Ḥusayn,

عنوان و نام پديدآور:الرسائل والمسائل/ المرتضی‌علی‌بن‌الحسین الموسوی،علم‌الهدی؛ تحقیق عدة من‌المحققین، محمدحسین الدرایتی، حب‌الله النجفی، حمید الاحمدی‌الجلفای؛ اعداد مرکز الموترات‌العلمیة والبحوث‌الحرة، التابع لموسسة دارالحدیث؛ تقدیم حیدر البیاتی (الحسن)؛ اشراف رضا الاستادی.

مشخصات نشر:مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی: موسسه علمی فرهنگی دارالحدیث، مرکز همایش‌های علمی و پژوهش‌های آزاد، 1399.

مشخصات ظاهری:5ج.

فروست:مولفات‌الشریف‌المرتضی؛ 33، 34، 35، 36، 37.

شابک:ج.1‌978-600-06-0492-9 : ؛ 450000 ریال: ج.2:978-600-060470-7 ؛ ج.3‌978-600-06-0471-4 : ؛ ج.4‌978-600-06-0493-6 : ؛ ج.5‌978-600-06-0503-2 :

وضعیت فهرست نویسی:فاپا

يادداشت:عربی.

يادداشت:موتمرالدولی‌الذکری الفیه‌الشریف‌المرتضی رحمه‌الله.

یادداشت:کتابنامه.

مندرجات:ج.1. الرسایل القرآنیه والحدیثیه.- ج.2.الرسائل‌الکلامیة.- ج.3. تتمة الرسائل‌الکلامیة.- ج.4. الرسائل الفقهیه.- ج.5. الرسائل‌الاصولیه والمنتزعه والمنسوبه.

موضوع:کلام شیعه امامیه -- قرن 5ق.

*Imamite Shiites theology -- 11th century

شناسه افزوده:درایتی، محمدحسین، 1343 -

شناسه افزوده:نجفی،حب‌الله، 1974- م.

شناسه افزوده:احمدی جلفایی، حمید، 1357 -

شناسه افزوده:حسن‌بیاتی، حیدر، 1977- م.

شناسه افزوده:استادی، رضا، 1316 -

شناسه افزوده:بنیاد پژوهشهای اسلامی

شناسه افزوده:Islamic Research foundation

شناسه افزوده:موسسه علمی فرهنگی دارالحدیث. مرکز همایش‌های علمی و پژوهش‌های آزاد

شناسه افزوده:کنگره بین‌المللی بزرگداشت هزاره سید مرتضی علم‌الهدی(1399 : قم)

رده بندی کنگره:BP209/7

رده بندی دیویی:297/4172

شماره کتابشناسی ملی:7273186

اطلاعات رکورد کتابشناسی:فاپا

محرر الرقمي: میثم الحیدري

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الرسائل و المسائل

الشريف المرتضى

عليّ بن الحسين الموسوي، علم الهدى

(355-436 ه‍)

المجلّد الثاني

(الرسائل الكلاميّة)

تحقيق

عدّة من المحقّقين

مؤلّفات الشريف المرتضى/ 34

الفهرس الإجمالي

ج. الرسائل الكلاميّة... 7

(26) جوابات المسائل السلّاريّة... 7

(27) جوابات المسائل الرازيّة... 137

(28) جواب المسائل الواردة من طبرستان... 215

(29) جوابات المسائل النيليّات... 271

(30) مقدِّمة في الأُصول الاعتقاديّة... 331

(31) مسألة في الإنسان... 345

(32) مسألة في بيان حقيقة الحيّ الفعّال... 373

(33) مسألة حول قدم العالم... 395

(34) مسألة في خلق الأفعال... 415

(35) نقد النيسابوري في تقسيمه للأعراض... 437

(36) مسألة في الكلام في حقيقة الجوهر... 461

(37) مسألة في إبطال قول: «إنّ الشيء شيء لنفسه»... 469

تتمة الرسائل و المسائل

ج. الرسائل الكلامية

(26) جواباتُ المَسائلِ السَّلّاريّةِ‌

اشارة

مقدّمة التحقيق
اشارة

من المسائل التي وجّهت إلى الشريف المرتضى للإجابة عليها هي المسائل السلّاريّة التي قدّمها إليه تلميذه النابِه الشيخ سلّار بن عبد العزيز الديلمي (ت 448 أو 463 ه‍)(1)، فقد وجّه إليه ثمانيَ مسائل مهمّة في مختلف المجالات الكلاميّة، و يعتبر بعضها من مسائل الكلام المعقدة للغاية، و هي تعكس جانباً من آخر ما وصل إليه علم الكلام من تطوّر و عمق في عصر الشريف المرتضى، كما تعكس عمق فكر السائل و المجيب معاً، فهما عَلَمان من أعلام الإماميّة، و من كبار رجال عصرهما. و تعتبر هذه المسائل من الأهميّة بحيث أنّ كلّ من ينوي القيام ببحث حول موضوع مرتبط بإحدى هذه المسائل فلا غنى له عن مراجعتها و الانتفاع منها، فإنّه يمكن اعتبارها بمثابة مصدر أُمّ في المسائل الكلاميّة التي تعرّضت لها.

و نقوم فيما يلي باستعراض أهمّ الجوانب المتعلّقة بهذه المسائل.

السائل
اشارة

هو الشيخ أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز الديلمي الطبرستاني المعروف بسلّار(2)(و بالفارسية: سالار، بمعنى الرئيس و المُقَدَّم)، و لا نعرف عن تفاصيل حياته الشيء الكثير، سوى أنّه ممّا لا شكّ فيه أنّه يعتبر من كبار علماء الإماميّة في مجال الفقه


1) . أعيان الشيعة، ج 7، ص 170.

2) . راجع ترجمته في رياض العلماء، ج 2، ص 438-444؛ أعيان الشيعة، ج 7، 170-172.

و الكلام و غيرها، و قد مدحه الشريف المرتضى في مقدّمة جوابه على مسائله و وصفه بالأُستاذ، حيث قال: «وقفتُ على ما أنفذه الأُستاذ - أدام اللّٰه عزّه - من المسائل، و سأل بيان جوابها، و وجدتُه - أدام اللّٰه تأييده - ما وضع يده من مسائله إلّا على نكتة و موضع شبهة».

و وصفه الشيخ منتجب الدين (ت 585 ه‍) بأنّه: «فقيه، ثقة، عين»(1).

و قال الفاضل الآبي (ت 690 ه‍) في مقدّمة كتابه: «قد اقتصرتُ في ذكر أقوال الأصحاب على المشايخ الأعيان الذين هم قدوة الإماميّة و رؤساء الشيعة»، و ذكر منهم الشيخ سلّار(2).

و قال عنه العلّامة الحلّي (ت 726 ه‍):

سلّار بن عبد العزيز الديلمي، أبو يعلى قدّس اللّٰه روحه، شيخنا المتقدّم في الفقه و الأدب و غيرهما، كان ثقة وجهاً، له المُقنع في المذهب، و التقريب في أُصول الفقه، و المراسم في الفقه، و الردّ على أبي الحسن البصري في نقض الشافي، و التذكرة في حقيقة الجوهر، قرأ على المفيد رحمه اللّٰه و على السيّد المرتضى رحمه اللّٰه(3).

كما قال عنه ابن داود (ت 740 ه‍):

سلّار بن عبد العزيز الديلمي، أبو يعلى، فقيه جليل معظّم مصنّف، من تلامذة المفيد و السيّد المرتضى، من تصانيفه كتاب الأبواب و الفصول في الفقه، و الرسالة التي سمّاها المراسم و غير ذلك، قدّس اللّٰه سره(4).

و قال عنه الشهيد الأوّل (استشهد 786 ه‍) في بعض فوائده التي عدّد فيها أسماء


1) . فهرست منتجب الدين، ص 67.

2) . كشف الرموز، ج 1، ص 40.

3) . خلاصة الأقوال، ص 167.

4) . رجال ابن داود، ص 104.

تلامذة الشريف المرتضى، و جعله في أول القائمة، و قال عنه:

أبو يعلى سلّار بن عبد العزيز، و كان من طبرستان، و كان ربما يدرّس نيابة عن السيّد، و كان فاضلاً في علم الفقه و الكلام و غير ذلك(1).

و قد أُشير في هذه الكلمات إلى فضل سلّار و مكانته العلميّة في مجال الفقه و الكلام، ولكن أضاف الصفدي (ت 764 ه‍) له تخصّصاً آخر قد يكون خفيّاً على الكثيرين، و هو تخصّصه في مجال الأدب و النحو، فقد سمّاه عند ترجمته: «سلّار بن عبد العزيز، أبو يعلى النحوي، صاحب المرتضى»، و ذكر أنّ أبا الكرم المبارك بن الفاخر النحوي قرأ على يديه(2). و لهذا خصّص السيوطي (ت 911 ه‍) لسلّار ترجمة في كتابه: بغية الوعاة في طبقات اللغويين و النحاة(3)، و بهذا اتّضح لنا جانب آخر من جوانب شخصية سلّار العلميّة. و الجدير بالذكر أنّ البعض أشار إلى تتلمذ أبي الفتح عثمان ابن جنّي النحوي المشهور على يد سلّار!!(4)، ولكن يبدو أنّه خطأ نشأ من التباس الأُستاذ بالتلميذ، فإنّ ابن جنّي يقع في طبقة أساتذة سلّار و قد توفّي سنة 392 ه‍،(5)و بذلك يبدو أنّ العكس هو الصحيح، و أنّ سلّاراً هو الذي تتلمذ على يد ابن جنّي.

وعلى أيّ حال فإنّ ارتباط سلّار بابن جنّي - و هو هو في مجال النحو - يؤيّد الجانب النحوي من شخصيّة سلّار العلميّة.

مشايخه
1. الشيخ المفيد.

1) . مجلة كتاب الشيعة، العدد المزدوج 9-10، ص 266.

2) . الوافي بالوَفَيات، ج 16، ص 33.

3) . بغية الوعاة، ج 1، ص 594.

4) . أعيان الشيعة، ج 7، 171.

5) . تاريخ بغداد، ج 11، ص 310.

2.

الشريف المرتضى. و كان سلّار من خواصّ تلامذة الشريف المرتضى، و قد تقدّم في كلام الشهيد الأوّل عنه أنّه كان ربما ينوب عنه في التدريس، كما يقال أنّ الشريف المرتضى أمره بنقض نقض الشافي الذي ألّفه أبو الحسين البصري المعتزلي (ت 436 ه‍) فقام بذلك(1)، كما كان سلّار ممّن شارك في تغسيل الشريف المرتضى(2).

3.

احتملنا قبل قليل أن يكون ابن جنّي من أساتذة سلّار.

تلاميذه
1.

عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسين بن بابويه.

2.

أبو الصلاح تقي الدين الحلبي. و كان سلّار إذا استفتي من حلب يقول: «عندكم التقي»(3).

3.

الحسن بن الحسين بن علي بن بابويه المعروف بحسكا.

4.

الداعي بن زيد بن علي بن الحسين الأفطسي الحسيني الآوي.

5.

أبو علي الطوسي ولد الشيخ الطوسي.

6.

أبو الكرم المبارك بن فاخر النحوي.

7.

أبو الفتح الكراجكي.

8.

الشيخ المفيد أبو محمّد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين النيسابوري الخزاعي.

9.

الشيخ المفيد عبد الجبّار بن عبد اللّٰه المقري الرازي(4).


1) . الفوائد الرجاليّة، ج 3، ص 11.

2) . رجال (فهرست) النجاشي، ص 271.

3) . مجمع البحرين، ج 2، ص 399.

4) . أعيان الشيعة، ج 7، ص 171.

مؤلّفاته
1.

المراسم العلويّة في الأحكام النبويّة. و هو مطبوع.

2.

المقنع في المذهب.

3.

تقريب التهذيب في أُصول الفقه.

4.

كتاب الردّ على أبي الحسين البصري في نقض الشافي.

5.

التذكرة في حقيقة الجوهر و العرض.

6.

الأبواب و الفصول في الفقه.

7.

المسائل السلّاريّة: و هي الأسئلة التي سألها من الشريف المرتضى، و هذه هي المسائل الماثلة بين يدي القارئ.

قيل: إنّه مات ودفن في قرية خسروآباد من قرى تبريز في سنة 448 أو 463 ه‍.(1)

المسائل

لقد وجّه سلّار هذه المسائل إلى الشريف المرتضى في أثناء تتلمذه على يديه في بغداد، و فضّل أن يقدّمها مكتوبة بدلاً من أن يطرحها شفهيّاً في الدرس، فقد قال في مقدّمتها:

و الخادم و إن كان متمكّناً من إيراد ذلك في المجلس الأشرف و أخذ الجواب عنه - على ما جرت به عادته - فإنّه سائل الإنعام بالوقوف على هذه المسائل، و إيضاح ما أشكل منها؛ ليعمّ النفع بها.

و هذا يعني أنّ الأسئلة و الأجوبة بغداديّة، و قد تمّ إعدادها في هذه المدينة العريقة في الثلث الأوّل من القرن الخامس.

و هذه المسائل تعكس مدى العمق الفكري الذي كان يتمتّع به سلّار في مجال


1) . أعيان الشيعة، ج 7، ص 170.

علم الكلام، فالمعروف عن سلّار أنّه فقيه، و ذلك من خلال كتابه المراسم، ولكن هذه المسائل تقدم لنا جانباً آخر من شخصيّته، و هو الجانب الكلامي، فأكثر مسائله التي وجّهها هنا تتعرّض لمسائل من لطيف الكلام، و هي مسائل عميقة و معقدة، و يحتاج التعمّق فيها إلى عقليّة فريدة وذكاء خاصّ‌. ولكن ممّا يؤسف له أنّ هذه المسائل لا تعكس لنا رأي سلّار في المسائل التي طرحها بصورة واضحة، فهو قد طرحها بصورة أسئلة و إشكالات على آراء كان يتبنّاها الشريف المرتضى، و قد حاول أن يقوي تلك الإشكالات و يفصّلها، ولكن هذا لا يدلّ على إيمانه بتلك الإشكالات و قبوله بها، فلعلّه طرحها ليجد الجواب عليها، و ليخرج من الحيرة التي ربما كانت تسبّبها له.

و من جهة أُخرى، لم يذكر المسائل السلّاريّة لا البصروي (ت 443 ه‍)، و لا النجاشي (ت 450 ه‍) و لا الشيخ الطوسي (ت 460 ه‍)(1)- و هو أمر مستغرب -، و إنّما ذكرها ابن شهر آشوب (ت 588 ه‍)(2).

و من مظاهر الاهتمام بهذه المسائل أمرُ الشريف المرتضى بإضافة المسألة الخامسة و السادسة منها، و اللتين تدوران حول المنجّمين و المنامات - إلى تكملة الأمالي(3).

كما ذكر السيّد ابن طاووس (ت 664 ه‍) الكثير من عبارات المسألة الخامسة


1) . لقد ذكر الشيخ الطوسي المسائل الديلميّة كأحد مؤلّفات الشريف المرتضى (الفهرست، ص 165)، ولكن هذه المسائل ليست نفس المسائل السلّاريّة و إن كان سلّار ديلميّاً، و ذلك لأنّ ابن شهر آشوب ذكر الديلميّة و السلّاريّة معاً في ضمن مصنّفات الشريف المرتضى (معالم العلماء، ص 105)، فلو كانتا واحدة لأشار إلى ذلك أو اكتفى بذكر إحداهما، و الأهمّ من ذلك أنّه وصف المسائل الديلميّة بأنّها مسائل في الفقه، بينما المسائل السلّاريّة لا تحتوي على أيّ مسألة فقهيّة.

2) . معالم العلماء، ص 105.

3) . الأمالي للمرتضى، ج 2، ص 319، 325.

المتعلّقة بالردّ على المنجّمين، و قام بمناقشة جزء منها(1).

و سأل السيّد ابنُ زهرة (ت 749 ه‍) فخرَ المحقّقين (ت 771 ه‍) عن بعض ما طرحه الشريف المرتضى في المسألة السادسة التي يدور موضوعها حول المنامات، و قام فخر المحقّقين بمناقشته(2).

و قد كانت هذه المسائل عند السيّد بحر العلوم (ت 1212 ه‍)، فقد نقل مقطعاً من مقدّمة الشريف المرتضى عليها(3).

و أمّا الذين أشاروا إلى المسألة الخامسة أو السادسة - كالقطب الراوندي (ت 573 ه‍) و غيره(4)- التي تقدّم أنّهما منقولتان في تكملة الأمالي، فلا يمكن الجزم بأنّ المسائل السلّاريّة كانت عندهم، فلعلّهم نقلوا هاتين المسألتين من تكملة الأمالي، كما صرّح العلّامة المجلسي (ت 1111 ه‍) بذلك عند نقله لهما(5).

و الغريب أنّ المحقّق الطهراني (ت 1389 ه‍) ذكر السلّاريّة في كتابه ثلاث مرّات!!(6)، و لعلّ ذلك لاعتبارات مختلفة، فمرّة باعتبار أنّ المسائل من تأليف سلّار، و أُخرى باعتبار أنّ الأجوبة من تأليف الشريف المرتضى، فصارت تأليفين لشخصين، و أمّا المرّة الثالثة فلا نعلم الوجه في ذكرها.

و ربّما بسبب صعوبة أكثر مطالب المسائل السلّاريّة تعرّضت هذه المسائل لمحاولة تفكيكها، و استنساخ بعضها بصورة مستقلّة، من دون الإشارة أحياناً إلى أنّها جزء من المسائل السلّاريّة. و قد وصل الأمر إلى استنساخ جواب إحدى هذه المسائل


1) . فرج المهموم، ص 41 و ما بعدها.

2) . مسائل ابن زهرة، ص 66 و ما بعدها.

3) . الفوائد الرجاليّة، ج 3، ص 15.

4) . الخرائج و الجرائح، ج 3، ص 1025؛ مفتاح الكرامة، ج 12، ص 255.

5) . بحار الأنوار، ج 55، ص 281، ج 58، ص 214.

6) . الذريعة، ج 2، ص 83؛ ج 5، ص 233؛ ج 20، ص 352.

• و هي المسألة السابعة التي يدور موضوعها حول بحث توارد الأدلّة - مع حذف سؤال سلّار، بحيث صارت المسألة تبدأ بجواب الشريف المرتضى و أخذت تبدو كأنّها رسالة مستقلة(1)!!

و أمّا ما يدلّ على صحّة نسبتها - إضافة إلى ذكر ابن شهر آشوب لها - فهو ما تقدّم من وجود مسألتين منها في ضمن تكملة الأمالي التي لا شكّ في نسبة ما فيها إلى الشريف المرتضى. إضافة إلى ما سيأتي بعد قليل من إشارة الشريف المرتضى إليها في المسائل الطرابلسيات الثالثة. و أيضاً لقد صرّح سلّار في مقدّمة كلامه باسم الشريف المرتضى ودعا له بالبقاء، و هي قرينة داخليّة مهمّة تدلّ على تصحيح النسبة.

و أمّا تاريخ كتابة المسائل فلا علم لنا به على وجه الدقّة، ولكن يمكن تخمينه من خلال إشارة الشريف المرتضى إليها في المسألة السادسة عشرة من الطرابلسيات الثالثة، حيث قال: «و قد كنّا أملينا منذ سُنَيَّات (و في النسخ الأُخرى كما يلي: "منذ سُنَينات"، و "منذ سنتنا"، و "منذ سنوات"، و "مذ سئلنا" )في جواب مسائل سُئلنا عنها، مسألةً استوفينا فيها الكلام على المنجّمين»(2)، و هذه إشارة إلى المسألة الخامسة من السلّاريّة التي تطرّق فيها بالتفصيل للكلام على المنجّمين، و قد أرسلت الطرابلسيات الثالثة سنة 427 ه‍،(3)و هذا يعني أنّ السلّاريّة قد أرسلت قبل هذا التاريخ بعدّة سنوات، و أمّا وفقاً للنسخة التي عبّرت بكلمة «سُنَيَّات» أو «سُنَينات» فسوف تكون السلّاريّة قد أرسلت بسنتين أو ثلاث - و ربما أكثر من ذلك بقليل - قبل سنة 427 ه‍.


1) . كانت نسخة هذه المسألة عند المحقّق الطهراني. راجع: الذريعة، ج 20، ص 385.

2) . المسائل الطرابلسيات، ص 518.

3) . المسائل الطرابلسيات، ص 409.

محتوى المسائل

نحاول هنا بيان محتوى المسائل السلّاريّة، و توضيح أهمّ مطالبها، مع التركيز على المطالب المعقدة، و محاولة فكّ مَغاليقها بقدر المستطاع، و ذلك كما يلي:

المسألة الأُولى: في أنّ الجوهرَ جوهرٌ في حال العدم.

تعتبر هذه المسألة من المسائل التي وقعت محلاًّ للنزاع في تاريخ الكلام، فقد ذهب الجبّائيان أبو علي (ت 303 ه‍) و أبو هاشم (ت 321 ه‍)، و أبو عبد اللّٰه البصري (ت 369 ه‍) و غيرهم من معتزلة البصرة إلى أنّ الجوهر جوهر في حال العدم(1). بمعنى أنّ الجوهر في حال عدمه يكون على صفة تقتضي أن يكونَ متحيّزاً و يشغلَ حيّزاً من الفراغ عندما يوجد في الخارج، و لا يكون ذلك مُعطى له من قِبَل الفاعل، فالفاعل لا يعطي إلّاالوجود للجوهر و لا يعطيه الجوهريّة، فالفاعل لا يجعل الجوهر جوهراً، بل يوجده و حسب(2). و هذه النظريّة غير خاصّة بالجوهر، بل تشمل الأعراض أيضاً؛ فالسواد لا يصير سواداً بالفاعل، بل يكون كذلك بذاته و في حال العدم. و قد ذهب الشريف المرتضى إلى ذلك، و تبنّاه في أكثر من رسالة(3)، و تعرّض إليه بصورة مفصّلة في هذه المسألة من السلّاريّة.

و ذهب أبو القاسم البلخي (ت 317 ه‍) إلى أنّ المعدوم شيء فقط، و هو ليس بجسم و لا جوهر و لا عرض و لا غير ذلك(4).

فيما أنكر الشيخ المفيد (ت 413 ه‍) كلّ ذلك، فقد رفض أن يكون المعدوم شيئاً


1) . المسائل في الخلاف بين البصريّين و البغداديّين، ص 37.

2) . كشف المراد، ص 55.

3) . راجع: نهاية المسألة الرابعة من الطرابلسيات الأُولى، ورسالة: كلام في حقيقة الجوهر، و رسالة: إبطال قول: «إنّ الشيء شيء لنفسه»، و هما من الرسائل الكلاميّة للشريف المرتضى.

4) . المقالات للبلخي، ص 442؛ أوائل المقالات، ص 98؛ المسائل في الخلاف بين البصريّين و البغداديّين، ص 37-38.

أو جسماً جوهراً أو عرضاً أو أيّ شيء غير ذلك، فهو برأيه نفي محض(1)، و تابعه على ذلك المحقّق الكراجكي (ت 449 ه‍)(2). كما نفاه ابن البطريق(3)(ت 600 ه‍)، و المحقّق الحلّي (ت 676 ه‍)، و العلّامة الحلّي (ت 726 ه‍)(4).

و قد استدلّ الشريف المرتضى في هذه المسألة من السلّاريّة على ما ذهب إليه بما يلي:

الدليل الأوّل: طرح في هذا الدليل بياناً واضحاً و يسيراً، و هو: من الواضح أنّ الجوهر دون غيره إذا وجد كان متحيّزاً، فلابدّ من أن يكون مختصّاً بصفة تقتضي له ذلك، و هي غير موجودة في غيره، هذا أوّلاً. و ثانياً: يجب أن تكون هذه الصفة متحقّقة في حال العدم وقبل وجوده، بحيث يجب أن يتحقّق أثرها - و هو التحيّز - فور وجود الجوهر و من دون انتظار، بخلاف ما لو كانت هذه الصفة معطاة من الفاعل، فإنّه سوف يوجِد ذات الجوهر أوّلاً ثمّ يعطيه صفة الجوهريّة و هي التحيّز، و في هذا توجد حالة انتظار و إن كانت عقليّة، بينما إذا كانت الصفة المقتضية للتحيّز متحقّقة في العدم لم يكن هناك انتظار. إذن، هذه الصفة ملازمة لذات الجوهر حتّى في حال عدمه، و هو المطلوب.

و أمّا إشكال من يقول: إنّ هذا الكلام يقتضي أن يكون المعدوم معلوماً و مشاراً إليه و هو في حال العدم، بينما المعدوم لا يمكن فيه ذلك، فالجواب عليه: أنّ المعدوم


1) . أوائل المقالات، ص 98؛ المسائل العكبريّة، ص 40-43؛ فرج المهموم، ص 41-42.

2) . كنز الفوائد، ص 14، ص 145.

3) . ذكروا له رسالة باسم: نهج العلوم إلى نفي المعدوم المعروف بسؤال أهل حلب (راجع: أمل الآمل، ج 2، ص 345).

4) . المسلك في أُصول الدين، ص 18، 135؛ مسائل ابن مهنّا، ص 88؛ مسائل ابن زهرة، ص 115-116، 127-128.

معلوم، فنحن نعلم بالصوت بعد انقطاعه و إن لم نكن ندركه بحاسّة السمع، كما نعلم بالبعث و النشور و كلّها أُمور معدومة.

و أمّا الإشكال بأنّه ما المانع من أن يوجَد الجوهر غيرَ متحيّز ثمّ يعطيه الفاعل صفة التحيّز؟ فأجاب عليه الشريف المرتضى من خلال بيان مفصّل نفى فيه كلّ الاحتمالات الممكنة و التي يمكن أن يكون الجوهر قد حصل على تحيّزه من خلالها، فلم يبق إلّااحتمال أن يكون قد حصل على ذلك لذاته، و هو المطلوب.

و يمكن اعتبار هذا البيان دليلاً ثانياً على ما ذهب إليه الشريف المرتضى في هذه المسألة. و بيانه كما يلي:

الدليل الثاني: أنّ تحيّز الجوهر إمّا أن يكون لوجوده أو لحدوثه، و هذان مشتركان بين الجوهر و غيره، بينما التحيّز خاصّ بالجوهر.

أو لحدوثه على وجه معيّن، ولكن لا يوجد وجه في حدوثه حتّى يقال:

إذا وقع الجوهر عليه كان متحيّزاً، و إذا لم يقع عليه لم يكن كذلك. كما لو كان هناك وجه لحدوثه لم يمتنع أن يحدث على وجه آخر، فلا يكون متحيّزاً. و أيضاً لو كان كذلك، لجاز أن يحدث في نفس الوقت على الوجه الذي يقتضي تحيّزه، و على وجه آخر يقتضي أن يتّصف بصفة أُخرى كالسواد؛ لأنّه لا تنافي بين التحيّز و السواد، بل التنافي بين التحيّز و عدم التحيّز، فيلزم أن يكون جوهراً سواداً في آن واحد، لكنّه باطل - أو لعدمه - لكن انعدام الجوهر يمنع من تحيّزه، فكيف يقتضيه‌؟!

أو لعدم معنى، لكن العدم لا يخصِّص شيئاً، بينما التحيّز خاصّ بالجوهر.

كما أنّ المعدوم لا يؤثّر في غيره.

أو لوجود معنى، لكن هذا المعنى لا يوجِب تحيّز الجوهر إلّاإذا كان مختصّاً به، و هذا الاختصاص إمّا بأن يحلّ في الجوهر أو يجاوره، و في كلا الحالتين لابدّ أن يكون الجوهر متحيّزاً قبل ذلك، و إلّالم يمكن أن يحلّ فيه المعنى أو يجاوره، و بذلك يلزم

أن يكون الجوهر متحيّزاً قبل تحيّزه. و أيضاً ننقل الكلام إلى هذا المعنى، فهو لابدّ أن يمتلك صفة تقتضي أن يوجِب التحيّز للجوهر، و هذه الصفة إن كانت لمعنى آخر لزم التسلسل، و إن كانت لذات المعنى فليكن الجوهر أيضاً متحيّزاً لذاته، و لا حاجة لفرض معنى اقتضى ذلك له. و أيضاً لو كان كذلك لزم أن تكون كلّ الماهيّات تستحقّ ما تختصّ به بسبب معنى، و يلزم جواز أن تمتلك الذات الواحدة معنيين يقتضيان صفتين؛ لعدم التنافي بين الصفتين، فيكون الشيء متحيّزاً و سواداً، و هو باطل. و أيضاً يلزم عدم امتناع تزايد المعاني فيزداد التحيّز، و يزداد حجم الجوهر من دون أن تنضمّ إليه جواهر أُخرى، و هو بديهي البطلان.

أو بالفاعل و هو أهمّ احتمال مقابل للنظريّة المختارة، لكن هذا يستلزم جواز أن يجمع الفاعل بين التحيّز و السواد في ذات واحدة؛ لأنّه بحسب الفرض متعلّق بفعله، و الفاعل مختار في أفعاله، ولكن هذا باطل؛ لأنّه لو فرضنا وجود البياض في هذه الحالة، فإمّا أن ينتفي التحيّز و السواد معاً، و هو باطل؛ لأنّ البياض لا ينافي التحيّز فلا ينفيه، و إمّا أن يبقيا معاً، و هو باطل؛ لأنّ البياض ينافي السواد فلا يجتمع معه، و إمّا أن ينتفي السواد دون التحيّز، و هو باطل؛ لأنّه يقتضي أن تكون الذات الواحدة موجودة و معدومة، فقد فرضنا أنّ الفاعل فعل التحيّز و السواد في ذات واحدة، فلا يمكن أن تفقد جزءاً من ذاتها دون جزء. و أيضاً لو صحّ من الفاعل أن يفعل التحيّز لجاز أن يفعل الكونَ في جهة مثلاً، و بما أنّه يمكننا فعل الكون في جهة لذا أمكننا أيضاً أن نفعل التحيّز، و هو باطل، فنحن عاجزون عن إعطاء صفة التحيّز للجوهر، بل هو أمر خاصّ باللّٰه تعالى. و أيضاً بما أنّه لا اختصاص للمقدورات بفاعل دون آخر، فلو تمكّن فاعل من فعل التحيّز في الجوهر لَكُنّا نحن أيضاً قادرين على فعل ذلك، و هو واضح البطلان.

أو لنفسه أو لِمَا هو عليه في نفسه، وعلى كلا الفرضين يثبت المطلوب، و هو أنّ‌

الصفة المقتضية للتحيّز ملازمة لذات الجوهر، سواء في حال عدمه أو وجوده، و أنّه يجب له التحيّز حين وجوده.

و ناقش الشريف المرتضى بعد ذلك دليلين أُقيما على النظريّة المختارة:

أحدهما: أن أيَّ ذاتين لا تخلوان إمّا أن تكونا متماثلتين، بمعنى أن تكون كلّ واحدة منهما تسدّ مسدّ الأُخرى لصفة ذاتيّة. أو مختلفتين، بمعنى أنّ إحداهما لا تسدّ مسدّ الأُخرى لصفة ذاتيّة. فالمماثلة و المخالفة ترجعان إلى صفة في الذات، و حينئذ إذا ثبت أنّ الجوهر المعدوم مخالف للأعراض، و بما أنّ المخالفة تكون بواسطة صفة من الصفات، ثبت أنّ الجوهر يمتلك صفة تقتضي تحيّزه متى وجد، و بهذه الصفة يخالف الأعراض التي لا تمتلك هذه الصفة، أو تمتلك صفة تقتضي - عند وجودِها - وجودَها في موضوع.

الجواب: أنّ هذه مجرّد دعوى بلا دليل، فإنّ من ينفي كلّ صفة عن المعدوم لا يسلّم لكم عدم خلوّه من أن يكون مماثلاً أو مخالفاً لغيره، و لا يسلّم ما فسّرتم به التماثل و التخالف.

و الدليل الآخر: إذا لم تختصّ الجواهر بصفة تقتضي تحيّزها عند وجودها، لما أمكن العلم بها على نحو التفصيل، و قد علمنا أنّ اللّٰه تعالى يعلم بالجواهر في حال عدمها على نحو التفصيل، و يميّز بعضها عن بعض، فلابدّ أن تختصّ بتلك الصفة.

الجواب: المقدّمة الأُولى غير مسلّمة، فأنتم تقولون: إنّ اللّٰه تعالى يعلم أجزاء السواد الموجودة على نحو التفصيل، مع أنّ هذه الأجزاء لا يمتلك كلّ واحد منها صفة خاصّة به ليست للجزء الآخر، فيجوز أن يعلم بذاتين معدومتين على نحو التفصيل و إن لم تختصّ إحداهما بصفة ليست للأُخرى.

و بعد أن بيّن الشريف المرتضى نظريّته و استدلّ عليها وناقش بعض الأدلّة الباطلة، رجع إلى الأسئلة أو الإشكالات التي قدّمها سلّار - و التي تركّزت على السؤال

عن المانع من أن يكون الجوهر جوهراً بالفاعل، و الذي يترتّب عليه أن لا يكون جوهراً في حال العدم -، و قام بالإجابة عليها، و ذلك كما يلي:

1. السؤال: ذكر سلّار في البداية إشكالاً لمن أنكر أن يكون الجوهر جوهراً بالفاعل، و هو أنّه يلزم منه أن يصير الشيء الواحد جوهراً سواداً؛ لعدم وجود تضادّ بين الجوهرية و السواد أو ما شابه ذلك ممّا يمنع اجتماعهما، فإذا صحّ ذلك و طرأ البياض فإنّه ينفي السواد؛ لاستحالة اجتماعهما، لكنّه لا ينفي الجوهر، فيلزم أن تكون الذات الواحدة موجودة معدومة.

فأشكل سلّار بأنّ جَعْل الفاعل الذات الواحدة جوهراً سواداً مستحيل من الأساس؛ لأنّه يستلزم أن تكون تلك الذات متحيّزة و غير متحيّزة في آن واحد، و هو مستحيل في نفسه. و بذلك لا يمكن إيراد هذا الإشكال لردّ القول بأنّ الجوهر متحيّز بالفاعل.

الجواب: أجاب الشريف المرتضى بأنّ العلم بتحيّز الجوهر و عدم تحيّز السواد متوقّف على العلم بأنّ السواد و التحيّز لم يكونا بالفاعل، و إنّما هما من مقتضيات ذات الجوهر و ذات السواد، فإذا لم يثبت ذلك و جوّزنا أن يكون السوادُ و تحيّزُ الجوهر بواسطة الفاعل فسوف لن نقطع بكون السواد غير متحيّز و بكون الجوهر متحيّزاً، لأنّ هذا سيكون أمراً راجعاً إلى الفاعل المختار، إن شاء فعله، و إن لم يشأ لم يفعله.

2. السؤال: أورد سلّار إشكالاً نقضيّاً على الإشكال الذي ذكره أعلاه، و هو أنّكم تقولون: إنّ حُسن الفعل و قُبحه يكون بالفاعل، و مع ذلك لا تجوّزون أن يكون الفعل الواحد حسناً و قبيحاً في آن واحد، مع عدم وجود تضادّ أو ما شابهه بينهما.

فليكن الأمر كذلك في كون الشيء جوهراً سواداً.

الجواب: أجاب الشريف المرتضى بأنّ الحُسن و القُبح و إن لم يكن بينهما تضادّ ولكنّهما لا يمكن أنّ يجتمعا؛ لأنّ الحَسَن تكون كلّ وجوه القبح منتفية عنه، و القبيح يكون فيه وجه من وجوه القُبح كحدّ أدنى، فإذا كان الشيء حسناً و قبيحاً لزم نفي ما

أثبتناه بعينه، و هو أشدّ في الاستحالة من التضادّ.

3. السؤال: و أشكل سلّار إشكالاً نقضيّاً آخر مشابهاً للسابق، و هو أنّ الخبر و الأمر يكونان بإرادة الفاعل، و لا تضادّ بين الإرادتين، ولكن مع ذلك لا يمكن لكلام واحد أن يكون خبراً و أمراً في آن واحد.

الجواب: أجاب الشريف المرتضى بأنّه لا مانع من ذلك، فيمكن أن يكون الكلام الواحد خبراً و أمراً؛ لأنّه لا تضادّ بينهما، و ليس فيهما إثبات للمَنفي كما تقدّم في اجتماع الحَسَن و القبيح. كما يمكن أن نتكلم بكلام و نقصد به الخبر فيكون خبراً، أو نقصد به الأمر فيكون أمراً، ولكن هذا يعتبر أمراً غريباً في اللغة العربيّة، ففي هذه اللغة لكلٍّ من الخبر و الأمر صيغة تختلف عن الأُخرى، فلو جُمع بينهما في صيغة واحد لكان المتكلّم كأنّه لم يتكلّم بالعربيّة.

4. السؤال: أشكل سلّار على الإشكال الذي ذكره أعلاه، و الذي دلّ على استلزام أن تكون الذات موجودة و معدومة فيما لو جعل الفاعلُ الذاتَ جوهراً سواداً و طرأ البياض، و إشكاله هو أنّ معنى جعل الذات جوهراً سواداً هو أن يَجعل الذاتين ذاتاً واحدة، و حينئذ إذا طرأ البياض نَفى تلك الذاتَ فصارت معدومة، و لم يبق شيء موجوداً حتّى يقال إنّ طروء البياض يستلزم أن تكون الذات موجودة و معدومة كما تقدّم في الدليل. و أمّا إذا كان معنى جعل الذات جوهراً سواداً جعلُ الذات الواحدة على صفتين، فهذا المعنى و إن لم يكن مراداً للمستدلّ - على الرغم من أنّه هو المتصوَّر -، لكن يرد عليه أنّه عند طروء البياض سوف تنتفي الذات و تنتفي الصفات تبعاً لها، فلا يلزم بقاء شيء حتّى يقال: يلزم أن تكون الذات موجودة و معدومة، بل سوف ينعدم كلّ شيء.

الجواب: أجاب الشريف المرتضى بأنّ الوجه في لزوم أن تكون الذات التي صارت جوهراً سواداً بالفاعل أن تكون موجودة معدومة بطروء البياض هو أنّ جَعْلها

جوهراً سواداً يقتضي بقاءها واستمرارها على حالها ما لم يطرأ مانع، فإذا طرأ البياض منع من بقاء السواد و لم يَمنع من بقاء التحيّز و الجوهريّة، فصار في الذات وجهان:

أحدهما يقتضي البقاء، و الآخر يقتضي الانتفاء؛ فصارت لأجل ذلك موجودة معدومة.

المسألة الثانية: في أن القدرة توجب حالاً للجملة دون المحلّ‌.

من الأبحاث الكلاميّة التي وقعت محلاًّ للخلاف بين المتكلّمين هو أنّ القدرة عندما تحلّ في جزء من أجزاء زيد، كاليد أو الرجل، فإنّها توجِب صفة «القادر»، ولكن ما هو الذي يستحقّ هذه الصفة‌؟ هل هو زيد - أي زيد ككلّ (الجملة)، لا كلّ جزء جزء منه - أو اليد و الرجل، أي المحلّ الذي حلّت فيه القدرة‌؟ فالبحث يدور حول أنّه هل القدرة توجب حالاً (أي صفة القادر) للجملة (زيد) أو لمحلّ القدرة (اليد)؟

ذهب الشريف المرتضى إلى أنّ القدرة توجب حالَ «القادر» للجملة، دون المحلّ و إن كانت القدرة تحلّ في المحلّ‌، و استدلّ عليه بدليلين:

الأوّل: أنّ أحكام الفعل - من مدح و ذمّ‌، و أمر و نهي - كلّها ترجع إلى الجملة دون الأجزاء، فالذي يَضرب شخصاً بيده لا يُوجَّه اللوم و الذمّ إلى يده بل إليه كلّه. و الذي يجوّز توجيه الذمّ إلى الجزءِ مخالفٌ لبديهة العقل؛ فالعقلاء يفرّقون بين تعليق الذمّ بجزء كاليد، و بين تعليقه بمجموعة أجزاء مضموم بعضها لبعض (الجملة)، فيقبّحون الأوّل و يحسّنون الثاني، و لا يجوز أن يحسَّن الثاني إلّابأن يكون مجموع تلك الأجزاء (الجملة) قادراً واحداً.

الثاني: أنّ الأفعال تقع بحسب القصد و العلم و الإدراك، و هي متعلّقة بالجملة، فيجب أن يكون ما تقتضيه متعلّقاً بها أيضاً. و قد نسب الشريف المرتضى هذا الدليل إلى القيل.

و أضاف: إنّ القادر - و هو الجملة - لا يقدر أن يفعل إلّاإذا كانت في يده - و هي

المحلّ - قدرة، ثمّ قال: إذا جهلنا سبب ذلك - أي سبب حاجة القادر في فعله إلى وجود قدرة في المحلّ - فهو لا يعني أن نشكّ في كون الجملة هي القادر دون المحلّ‌، فإنّ هذا حكم بديهي، كما تقدّم.

ثمّ أورد على نفسه إشكالين:

أحدهما: أنّ القادر الذي هو الجملة لا يفعل في غيره من الأجسام إلّابسبب، فكيف يفعل في أجزائه - و هي غيره أيضاً - بغير سبب‌؟ و هذا يدلّ على أنّ الجملة غيرالقادر بل القادر هو الأجزاء و المَحالّ‌.

و الآخر: و هو أنّه يلزم من كلامكم أن يقدر القادر - و هو الجملة - على الفعل، و إن لم تكن هناك قدرة في المحلّ‌، فكونه قادراً كافٍ لصدور الفعل، و إن لم تكن هناك قدرة في المحلّ‌، و بما أنّ هذا باطل، فيلزم أن لا تكون الجملة هي القادر.

و أجاب على ذلك بما تقدم آنفاً، و هو أنّ عدم العلم بسبب شيء لا يدعو إلى ترك ما ثبت بالبداهة.

و بعد ذلك عاد للجواب على إشكالات سلّار، و ذلك كما يلي:

1. السؤال: أقام سلّار في البداية دليلاً على أنّ القدرة توجب الحالَ للمحلّ لا للجملة - و هو خلاف ما ذهب إليه الشريف المرتضى -، و هو أنّها لو أوجبت الحالَ للجملة للزم أن يَفعل بيده مَن توجد في قلبه قدرة، من دون أن تكون في يده قدرة؛ لأنّه إذا كان وجود القدرة في المحلّ يوجب الحالَ للجملة كلّها، يلزم منه أن تكون الجملة قادرة على كلّ الأفعال بوجود قدرة في جزء واحد منها، ولكن بما أنّه لا يجوز الفعل باليد من دون أن تكون فيها قدرة دلّ ذلك على أنّ القادر هو اليد لا الجملة، و هذا خلافاً للعلم مثلاً، فعلى الرغم من وجود العلم في القلب إلّاأنّ العالِم يستطيع أن يفعل بيده أفعالاً محكمة و منظّمة.

ثمّ طرح إشكالاً على هذا الدليل، و هو أنّ سبب عدم صحّة الفعل باليد إلّاعند

وجود القدرة فيها راجع إلى طبيعة القدرة، فإنّ من أحكامها أنّ مقتضاها لا يتحقّق إلّا إذا كانت موجودة في المحلّ‌.

و أجاب عليه بأنّ هذا نفس كلامنا، فنحن نقول: القدرة توجب الحالَ للمحلّ‌، و أنتم تقولون: القدرة لا يتحقّق مقتضاها إلّاإذا كانت موجودة في المحلّ‌، فهو إقرار بما نقول لكن بعبارة أُخرى.

الجواب: أجاب الشريف المرتضى بأنّ الإقرار بما تقولون إنّما يتحقّق بأن ننفي الحالَ عن الجملة و نثبتها للمحلّ‌، و نحن لم نقل بذلك، و إنّما قلنا: إنّه لا يمكن الفعل من دون أن تكون قدرة في المحلّ‌، و هذا لا يعني إثبات الحال للمحلّ أيضاً، و ليس إقراراً بما تقولون.

2. السؤال: و أضاف سلّار: إنّ كلامنا أولى من كلامكم، فنحن نثبت إيجاب القدرةِ الحالَ لما به يصحّ الفعل و هو المحلّ‌، و أنتم تثبتونه لما لا يصحّ به الفعل و هو الجملة، فإن فعل الضرب لا يصحّ بكلّ زيد (الجملة) بل بخصوص اليد (المحلّ‌).

الجواب: أجاب الشريف المرتضى بأنّ صفة القادر (الحال) إنّما تضاف إلى ما يصحّ منه الفعل لا إلى ما يصحّ به الفعل، و هو الآلة، فإنّ الآلة لا توصف بأنّها قادرة؛ و لا إشكال في وصف زيد (الجملة) بأنّه قادر؛ لأنه يصحّ منه الفعل، و إن كان لا يصحّ به الفعل، فهو ليس آلة في الفعل.

3. السؤال: و أورد سلّار إشكالاً نقضيّاً، و هو إذا كانت القدرة في المحلّ توجب الحالَ للجملة، لزم أن يكون وجود «السواد» في جزء من الجسم يوجب «السواد» لكلّ الجسم (الجملة) أو وجود «الكون في جهة» في جزء من الجسم يوجب «الكون في جهة» في جميع الجسم (الجملة)، لكن هذا معلوم البطلان، فلكي يتّصف الجسم كلّه بالسواد لابدّ أن تتّصف جميع أجزائه بالسواد أيضاً، و هكذا الكون، فإنّ الجسم لا يكون في جهة إلّاإذا كانت كلّ أجزائه في جهة أيضاً.

الجواب: أجاب الشريف المرتضى: أمّا السواد فهو أساساً لا يوجب حالاً لا للمحلّ و لا للجملة، و معنى قولنا: «إنّ هذا المحلّ أسود» هو أنّ السواد حالّ فيه لا أنّه موصوف بالسواديّة. و أمّا الكون في جهة فنحن نوافق على أنّه يوجب الحالَ للمحلّ لا للجملة؛ لأنّ أحكامه موجودة في محلّه و لا تتعدّى إلى الجملة، فإنّه لو تحرّكت اليد لا يقال: زيد متحرّك(1)، بينما إذا قدرت اليد يقال: زيد قادر. فالكون يختلف عن القدرة التي هي محلّ كلامنا، فلا يصحّ النقض به.

4. السؤال: و أجاب سلّار على إشكال قد يتوجّه إلى ما ذكره، و هو أنّ إيجاب القدرة الحالَ للمحلّ يوجب أن يكون هناك «قادرون كثيرون» في الجسم الواحد بعدد القدرات الموجودة في أجزاء هذا الجسم، و أن لا يتصرّف هؤلاء القادرون بإرادة واحدة، بل تفعل هذه اليد ما يخالف فعل اليد الأُخرى. فأجاب على هذا الإشكال بأنّه إن أُريد أنّ كلّ جزء له حكم الجملة و هو كونه قادراً، فهو الذي كنّا نصرّ عليه منذ البداية، لكن هذا لا يوجب أن تكون هناك إرادة واحدة، فإنّ الإرادة غير القدرة، فالإرادة توجب الحالَ للجملة، و تكون الجملة هي المريدة، فتكون كلّ الأجزاء فاعلة بإرادة واحدة. و إن أُريد أنّه يلزم تسمية الجملة: «قادرون كثيرون» فهو أمر يرجع إلى اللغة العربيّة، فلو سمّاها العرب بذلك لسمّيناها نحن أيضاً بذلك.

الجواب: أمّا التفرقة بين الإرادة و القدرة فباطل، فإنّه لا فرق بينهما، فإمّا أن يوجِبا الحالَ للمحلّ معاً أو للجملة معاً. و أمّا تسمية العرب فغير مهمّة في المقام، و إنّما الكلام في المضمون، و هو باطل.

5. السؤال: ثمّ أورد سلّار إشكالاً نقضيّاً على القائلين بإيجاب القدرة الحالَ‌

1) . إنّما ذكر الحركة باعتبار أنّها عبارة عمّا يوجب كون الجسم كائناً في جهة بعد أن كان في جهة سابقة (الحدود، ص 35) فالحركة من فروع الكون في جهة.

للجملة، و هو أنّكم قبلتم بأنّ الكون في جهة يوجب الحالَ للمحلّ دون الجملة، فيلزمكم ما أوردتموه آنفاً علينا، و هو تسمية الجملة الواحدة: «كائنون كثيرون».

الجواب: أجاب الشريف المرتضى بالموافقة إجمالاً على ذلك، ولكن لم يوافق على أن تسمّى الجملة «كائنون كثيرون» - لأنّ هذا الجمع خاصّ في العربيّة بالعقلاء، و المَحالّ ليس كلّها عاقلاً - بل وافق على تسميتها: «ذوات كائنات»، أي ذوات كثيرة كائنة في جهة، و لا إشكال في ذلك.

المسألة الثالثة: في أنّ الحياة توجب حالاً للجملة، دون المحلّ‌.

و هذه المسألة تشبه في روحها المسألة السابقة، و الكلام فيها واحد، فعلى الرغم من حلول الحياة في المحلّ لكن لا يقال له: «حي»، بل الحيّ هو الجملة، أي الحيّ هو زيد لا اليد مثلاً، فإنّ من مقتضيات الاتّصاف بصفة الحيّ أن يكون هذا الحيّ عالماً و قادراً و مريداً، و هذه الأحكام راجعة إلى الجملة لا المحلّ‌، فاليد لا توصف بأنّها قادر - كما تقدّم في المسألة السابقة - و لا عالم و لا مريد.

و بقيت الإشكالات التي طرحها سلّار على لسان القائلين بأنّ الحياة في المحلّ توجب حالاً للمحلّ لا للجملة، و هي:

1. السؤال: و قد يعتبر هذا أهمّ إشكال، و هو أنّ من مقتضيات الحياة الإدراكَ - أي الإدراكات الحسيّة، و هي السمع و البصر و الذوق و اللمس و الشمّ -، فلولا الحياة لما حصل الإدراك، و لولا أن تكون الحياة موجودة في المحلّ لما حصل الإدراك، فلو لم تكن حياةٌ في العين لما أمكن الإبصار، و وجود الحياة في المحلّ كشرطٍ للإدراك يدلّ على أنّه لابدّ أنّ يكون المحلّ حيّاً أيضاً.

الجواب: أجاب الشريف المرتضى على ذلك بأنّ الحيّ هو الجملة لا المحلّ‌، و أمّا توقّف الإدراك على وجود حياة في المحلّ فهو لأمر خاصّ قد لا نعرفه يرجع إلى طبيعة الحياة، و هو لا يقتضي أن يصبح المحلّ حيّاً. فالعين توجد فيها حياة ولكن لا

تسمى «حيّة»، فالحيّ هو مجموع أجزاء زيد (الجملة) لا العين (المحلّ‌) بخصوصها، و إنّما العين جزء من الأجزاء التي يتكوّن منها الحيّ‌.

2. السؤال: إذا قلنا إنّ الحياة توجب حالاً للجملة لا للمحلّ‌، فهذا يعني أنّه إذا حلّت الحياةُ في الشَّعر مثلاً فسوف لن يُضاف إلى «الجملة» شيء جديد، أي سوف لن تصير الجملة «حيّاً» بحلول الحياة في الشَّعر؛ لأنّها كانت قد صارت «حيّة» قبل ذلك بحلول الحياة في اليد مثلاً.

الجواب: أجاب الشريف المرتضى بأنّ هناك فائدة لحلول الحياة في المحلّ الجديد كالشَّعر، و هي أن يصير الشَّعر (المحلّ‌) جزءاً من الجملة، أي يصير من جملة الحيّ‌، فإنّ مجرّد اتّصال الشَّعر بالحيّ (الجملة) لا يجعله جزءاً منه، و إنّما يصير جزءاً منه في حالِ ما لو حلّت فيه الحياة، فإذا حلّت فيه الحياة صار جزءاً من الحيّ (الجملة)، و أوجب حالَ «الحيّ‌» للجملة، و إن كانت الجملة قد وجب لها حال «الحيّ‌» بحلول الحياة في جزء سابق كاليد مثلاً.

المسألة الرابعة: في بيان وجه اختصاص العَرَض بمحلّه.

و سأل سلّار عن وجه الإشكال في القول: إنّ العرض يختصّ بمحلّه بواسطة الفاعل، أي أنّ الفاعل هو الذي يفعل العرض في هذا المحلّ و يخصّصه به. و بما أنّ الفاعل عادة يكون عالماً و قاصداً لفعله، لذلك قد يَرِد على ما ذلك أنّ الفاعلَ غيرَ القاصد كالنائم و الساهي يمكنه فعل العرض و تخصيصه بمحلّه، مثل أن يحرّك شيئاً فيفعل فيه كوناً في جهة، و يكون هذا الكون خاصّاً بمحلّه، و لذلك لم يَعتبر صاحبُ القول السابق الدالّ على تخصيص للعرض بمحلّه بواسطة الفاعل، أن يكون الفاعل قاصداً؛ و ذلك لكي يشمل غيرَ القاصد كالنائم و الساهي.

و بما أنّ هذه المسألة لا تؤثّر على مباحث أُصول الدين اكتفى الشريف المرتضى في الإجابة على المقدار الذي تَوَصّل إليه فكرُه، و أجّل البحث إلى فرصة أُخرى فيما

لو طرأ على ذهنه أمر جديد، و يبدو أنّه لم يتوصّل في بعض وجوه هذه المسألة إلى نتيجة نهائيّة.

لكنّه قال في الجواب: إنّ العرض لا يخلو من أمرين: إمّا أن يمكن أن يوجد في محلّ آخر غير الذي وجد فيه، و إمّا أن لا يمكن ذلك في حقّه بحيث يستحيل وجوده في غير محلّه.

فعلى الوجه الثاني إذا سُئل عن وجه اختصاص هذا العرض بمحلّه و استحالة وجوده في غيره، فالجواب أنّه لا يوجد سبب لذلك؛ فالقول: «إنّ العرض يختصّ بمحلّه» يتضمّن إثباتاً و هو وجوده في محلّه و نفياً و هو عدم وجوده في غير محلّه. أمّا الإثبات فعلّته الفاعل كما هو واضح، و أمّا النفي و العدم فلا يمكن تعليله و إسناده إلى علّة.

و ببيان آخر: إنّ كلّ علّة افترضناها لذلك الاختصاص كانت باطلة، فإن كانت العلّة هي نفس و ذات العرض، اقتضى ذلك تماثل الأعراض التي تحلّ في هذا المحلّ‌، و هو باطل. و إن كانت علّة ذلك أيَّ علّة أُخرى لجاز زوالها، و عند زوالها يجوز أن يحلّ ذلك العرض في غير محلّه، و قد فرضنا استحالة ذلك. و إن كانت العلّة هي الفاعل، فالفاعل مختار في فعل العرض في محلّه أو غيره، و قد فرضنا استحالة ذلك.

إذن على فرض اختصاص العرض في محلّه واستحالة وجوده في محلّ آخر لا توجد علّة يمكن تعليل ذلك بها.

و أمّا الوجه الأوّل، و هو اختصاص العرض بمحلّه مع جواز وجوده في محلّ آخر، فالكلام في وجه اختصاصه بمحلّه صعب مستصعب، و قد ذكر البعض أنّ وجه اختصاصه وجودُ «معنى» في العرض يقتضي ذلك، ولكن يرد عليه أنّه غير لازم؛ لإمكان أن يكون اختصاص العرض راجعاً إلى الفاعل القادر، خاصّة و أنّ هذا الاختصاص تابع للحدوث - لأنّه يحصل معه - لا للبقاء، و كلّ ما يتبع الحدوث يمكن

إسناده إلى الفاعل، خلافاً للبقاء فإنّه غير مستند إلى الفاعل عند المتكلّمين.

ولكن إذا صحّ هذا، يرد عليه النقض التالي: و هو إذا صحّ إسناد اختصاص العرض بمحلّه إلى الفاعل، صحّ إسناد اختصاصه بالوقت إلى الفاعل أيضاً، مع أنّ الوقت باقٍ و مستمرّ، و الباقي لا يُسنَد إلى الفاعل عند المتكلّمين كما تقدّم.

فأجاب الشريف المرتضى بأنّ الأفعال على قسمين: قسم لا يبقى إلّاوقتاً واحداً كالصوت و الإرادة، و هذا لا يستند اختصاصه بالوقت إلى الفاعل المختار؛ لاستحالة وجوده أكثر من وقت واحد، فلا يكون الفاعل المختار مختاراً في تخصيص الفعل بهذا الوقت دون وقت آخر، و هذا لا يعني أنّ الفاعل غير مُحدِث للفعل، بل هو فاعل له؛ لأنّه مختار في إحداثه أو عدم إحداثه، ولكن الكلام في تخصيصه بهذا الوقت دون غيره، فهو مختار في إحداثه لكنّه غير مختار في تخصيصه بالوقت. و القسم الآخر من الأفعال يبقى أكثر من وقت واحد، و هذا القسم لا يستند إلى الفاعل المحدَث إلّافي وقت واحد دون باقي الأوقات؛ و ذلك لأنّ هذا الفاعل الحادث يفعل بقدرة زائدة على ذاته، و طبيعةُ هذه القدرة تقتضي أن لا توجد الأشياء بها إلّافي وقت واحد، و ذلك خلافاً للفاعل القديم تعالى القادر لنفسه، فإنّه يستطيع تقديم أفعاله و تأخيرها عن وقت وجودها.

و بذلك سيكون النقض المتقدّم وارداً على الناقض نفسِه في أفعاله تعالى، و لا يرد عليه في أفعال المحدَثين؛ لما تقدّم من أنّ الحادث القادر بقدرة زائدة لا يقدر إلّا على وقت واحد. و بذلك يمكن صياغة النقض السابق بالصورة التالية: ما المانع من أن يكون تخصيصُ الفاعل المحدَث العرضَ بمحلّه مع جواز وجوده في محلّ آخر، مثلَ فعل الفاعل القديم تعالى في وقت مع جواز وجوده في وقت آخر؟

و هناك إشكال آخر، و هو: إذا جاز وجود العرض في محلّ آخر جاز انتقاله إليه، و هو يعارض اختصاصه بمحلّه الأوّل.

فيمكن أن يقال في الجواب: إنّ الفرق بين الحالتين أنّ اختصاصه بمحلّه الأوّل يكون بالفاعل، بينما انتقاله إلى محلّ آخر لا يكون كذلك؛ لأنّ الفاعل لا يُنسَب إليه إلّا ما كان في حال الحدوث دون البقاء.

و على أيّ حال يبدو أنّ المسألة لم تكن منقّحة بالكامل عند الشريف المرتضى، و لذلك اكتفى بهذا المقدار من الجواب، كما أشار إلى ذلك في نهاية كلامه.

المسألة الخامسة: في بيان بطلان أحكام النجوم.

سأل سلّار في هذه المسألة عن أمرين:

الأوّل: مدى صحّة ما ينسبه المنجّمون من تأثيرات للنجوم في الأُمور التي تحصل على كوكب الأرض، و ذكر تبريرَين لكلامهم: أحدهما: أن يقال إنّ الكواكب تؤثّر في الأُمور الأرضيّة كما تؤثّر الشمس في سُمرة البشرة. و الآخر: أن يقال إن اللّٰه تعالى قد أجرى العادة على أن يؤثّر في الأُمور الأرضيّة عند طلوع كوكب أو انتقاله من مكانه.

و الثاني: مدى إصابة المنجّمين في إخباراتهم، فالذي يقال عنهم: «إنّهم حادسون في ذلك»، ولكن كيف يكون ذلك مع إصابتهم في أكثر أقوالهم‌؟ حتّى إنّهم يصيبون دائماً في تعيين وقت الكسوف. فما الفرق بين الإخبار عن الكسوف و الإخبار عن تأثيرات الكواكب في الأُمور الأرضيّة‌؟

و أجاب الشريف المرتضى بكلام مفصّل و بيّن رأيه حول النجوم، و قسّم جوابه إلى قسمين وفقاً للسؤال:

القسم الأوّل: ذكر في البداية أنّ المنجّمين يقولون: إنّ الكواكب تفعل بطبعها في الأُمور الأرضيّة، و لم يقل منهم أحد إنّ عادة اللّٰه تعالى جرت بأن يفعل في الأرض أفعالاً عند حركة الكواكب، و الذي يقول بذلك إنّما يريد التظاهر بذلك أمام الآخرين لإبعاد التهمة عن نفسه. ثمّ قام بذكر أدلّة على إبطال تأثير الكواكب في الأُمور الأرضيّة، و هي:

الدليل الأوّل: قالوا: إن الكواكب تفعل بطبعها، مع أنّ الطبائع لا وجود لها، و القول بها باطل. إضافة إلى أنّ الفاعل لابدّ أن يكون حيّاً قادراً، ولكنّ الكواكب ليست كذلك؛ و ذلك لأنّ الحياة تزول بالحرارة الشديدة كحرارة النار، و الشمس - و هي أحد الكواكب - تمتلك من الحرارة أضعاف ما للنار الأرضيّة من الحرارة، فلا يمكن أن تكون حيّة. كما أنّ الإجماع دلّ على أنّ الفلك - و هو عبارة عن كرة مصمتة ممتلئة تحتوي في داخلها على كواكب الشمس و القمر و سائر الكواكب، و تكون الأرض في مركزها - و ما فيه من كواكب ليست حيّة، بل هي مسخّرة و مدبّرة، و ما لم يكن الشيء حيّاً لا يكون فاعلاً.

الدليل الثاني: لو سلّمنا أنّ الكواكب حيّة و فاعلة، فهي تكون فاعلة في الأرضيات بالتوليد؛ لأنّها أجسام، و الجسم لا يفعل في غيره بالاختراع، و إنّما يفعل فيه بالتوليد، و التوليد متوقّف على وجود اتّصال مادّي بين الفاعل و الفعل، مع أنّه لا اتّصال بين الكواكب و الأُمور الأرضيّة. و أمّا الهواء - الذي قد يقال إنّه هو الواسطة بين النجوم و الأُمور الأرضيّة - فهو لا يمكن أن يكون واسطة في الأفعال الشديدة و حمل الأثقال، و لو كان واسطة لكان ينبغي أن نشعر به؛ فتأثير الهواء يكون محسوساً عادة.

كما أنّ هناك أُموراً لا يجوز أن تُفعل بآلة مادّية و لا تتولّد عن سبب كالإرادات و الاعتقادات و سائر الأُمور النفسيّة و العقليّة، فكيف تمكّنت الكواكب من التأثير فيها؟

الدليل الثالث: لو كانت الكواكب مؤثّرة فينا و مدبّرة لنا لسقط الأمر و النهي و المدح و الذمّ عنّا.

الدليل الرابع: من معجزات الأنبياء عليهم السلام الإخبار عن الغيوب، فلو كانت معرفة المغيّبات ممكنة من خلال معرفة أحكام النجوم، لَما كان إخبار الأنبياء عليهم السلام معجزة و خارقاً للعادة.

الدليل الخامس: الاستدلال بإجماع المسلمين على بطلان أحكام النجوم.

و قد ذُكر

هذان الدليلان في آخر الجواب على المسألة.

و تعرّض الشريف المرتضى في الأثناء إلى ما ذكره سلّار من تبريرات لقول المنجّمين:

أحدهما: احتمال أن يكون تأثير الكواكب كتأثير الشمس في سُمرة البشرة.

فأجاب بأنّ الشمس ليست مؤثّرة في السمرة، و إنّما المؤثّر هو اللّٰه تعالى الذي جرت عادته على جعل البشرة سمراء عند تعرّضها للشمس، بينما ليس تأثير الكواكب من هذا القبيل.

و الآخر: احتمال أن يكون تأثير الكواكب من خلال عادة اللّٰه تعالى التي جرت على الفعل عند حركة الكواكب، فأشار إلى ما ذكره في بداية الجواب من أنّ أحداً من المنجّمين لم يقل ذلك، و إنّما قد يتظاهر به البعض لتحسين صورته أمام الآخرين. و نحن لا نمنع أن تجري عادة اللّٰه تعالى بذلك، ولكن ما الدليل على وقوع هذه العادة، فالسمع لا يدلّ عليه، و أمّا التجربة - التي يمكن أن يقال: إنّ التجربة دلّت على وقوع أحداث بصورة دائمة عند حركة الكواكب، فلابدّ أن تكون هذه الأحداث مستندة إلى اللّٰه تعالى، و بما أنّه تعالى ليس موجَباً بل مختار، فيجب أن تكون عادته اقتضت ذلك - فهي لا تدلّ على ذلك؛ لأنّها ليست مطّردة، فخطأ المنجّمين أكثر من إصابتهم، و بذلك لا يمكن إثبات العادة الإلهيّة من خلال التجربة، و بذلك لا يبقى أيّ طريق لإثباتها.

القسم الثاني: تعرّض الشريف المرتضى في هذا القسم من الجواب إلى إصابة المنجّمين في إخباراتهم، فرفض ما قد يدّعى من إصابتهم الدائمة، فإنّ أحكامهم مختلطة، قد تصيب و قد تخطئ، و قد بيّن ذلك من خلال استدلالات و حكايات جرت له حول هذه المسألة، و بيانها كما يلي:

أولاً: أن يقال لهم: خذوا طالع فلان، ثمّ قولوا: هل سيَعمل وفق ما يَخرج به طالعُه

أو لا؟ فإن أخبروا بالإيجاب أو النفي، عَمِل صاحبُ الطالع بخلاف ما أخبروا به، و هذا الأمر يُثبت خطأهم قطعاً و لا يمكنهم الفرار منه. و قد حاولوا التملّص من ذلك بأن اشترطوا أن يَكتب صاحبُ الطالع ما يريد أن يفعله أو يخبر غيره بذلك. ولكن هذا الشرط باطل؛ فإنّه لو كان النظر في النجوم يدلّ على ما سيحدث، فلا فرق بين أن يُكتب ذلك أو لا.

ثانياً: ذكر الشريف المرتضى حكاية له مع شخص أشار فيها إلى عدم إيمانه المطلق بأحكام النجوم، و عدم اهتمامه بها، و استشهد على عدم إصابة المنجّمين بمثال، و هو أنّه لو فرضنا طريقاً فيه آبار متقاربة بحيث يحتاج الماشي إلى الانتباه الشديد كي لا يسقط في إحداها، و في الماشين عميان و بصراء، فهل يجوز أن يتساوى الخطر الذي يهدّد العميان مع الذي يهدّد البصراء؟ بالطبع لا. و البصراء مثال للمنجّمين، و العميان مثال لغير المنجمين ممّن لا يحسن التنجيم او لا يهتمّ به، و مثال الآبار الأخطار التي تهدّد الإنسان في حياته، فإذا كان المنجّمون على حقّ و كانوا يعرفون ما يجري في المستقبل، لكان يجب أن يتّقوا الأخطار قبل وقوعها، بينما نراهم يواجهون نفس الأخطار التي تواجه غيرهم.

ثالثاً: قد شاهدنا مجموعة من الناس ممّن لهم القدرة على التنبّؤ و الإخبار عن المغيّبات - و يسمّون: «الزرّاقون» - يصيبون في إخباراتهم مع عدم امتلاكهم أيّ معرفة بعلم النجوم. ثمّ ذكر حكاية عن شخص من هؤلاء الزرّاقين كان يعرف بالشعراني.

و في النهاية أجاب عن سؤال سلّار حول معرفة الفرق بين الإخبار عن الكسوف و الإخبار عن تأثيرات الكواكب في الأُمور الأرضيّة، و قال: إنّ معرفة الكسوف يعتمد على حسابات دقيقة معروفة، و على أُصول صحيحة و قواعد سديدة، بينما أحكام النجوم و معرفة الخير و الشرّ فليس كذلك. و يكفي في الفرق وجودُ الإصابة الدائمة في معرفة الكسوف و عدم ذلك في أحكام النجوم.

المسألة السادسة: في بيان حقيقة المنامات.

وجّه سلّار عدة أسئلة يدور موضوعها حول المنامات، و هي: هل المنامات صحيحة أم باطلة‌؟ و مَن الذي يفعلها؟ و ما هو جنسها؟ وما هو وجه صحّتها في أكثر الأحيان‌؟ و ما هو سبب الإنزال عند مشاهدة حالة الجماع في المنام‌؟

و أجاب الشريف المرتضى عن ذلك، و قد احتوى جوابه على بيان مجموعة من آرائه الكلاميّة، ممّا جعل هذه المسألة من المسائل الكلاميّة المهمّة مع كونها بحسب الظاهر بعيدة عن ذلك.

و في البداية تعرّض لبيان حقيقة النائم، فذكر أنّ النائم غيرُ كامل العقل؛ و ذلك باعتبار أنّ العقل عنده عبارة عن مجموعة من العلوم التي تجتمع عند المكلّف(1)، فإذا كملت صار الإنسان كامل العقل و مكلّفاً، و إذا نقصت صار ناقص العقل و خرج عن التكليف. و النائم بسبب كونه في حكم الساهي، و السهوُ ينفي العلوم، فلذلك نراه يعتقد في أثناء نومه اعتقادات و تصوّرات باطلة لا وجود لها في الخارج، فصار غير كامل العقل و غير مكلّف. فهذه حقيقة عقل النائم، و أمّا حقيقة النائم نفسه فسوف يأتي بعد قليل أنّه - حاله حال كلّ حيّ فعّال - عبارة عن هذا الجسم المُشاهَد كَكُلّ‌.

و أمّا حقيقة المنامات فهي مجموعة اعتقادات لا علوم، و الاعتقادات أعمّ من العلوم، فهي تشمل الظنّ و الجهل و التقليد إضافة إلى العلم(2)، و بما أنّ العلم - بمعنى ما يقتضي سكون النفس(3)- غير موجود عند النائم، لذلك صار ما عند النائم عبارة عن اعتقاداتٍ من الأنواع الأُخرى غير العلم.

و أمّا الفاعل لهذه الاعتقادات التي تحدث في أثناء النوم فهو النائم نفسه؛ لأنّ كلّ‌


1) . الذخيرة، ص 121.

2) . الحدود، ص 88، 90.

3) . المصدر، ص 88.

ما كان غيرَه من الفاعلين لا يصحّ أن تصدر منه هذه الاعتقادات؛ لأنّه إمّا محدَث أو قديم، و المحدَثون من الأحياء الفاعلين - كالبشر و الملائكة و الجنّ - لا يقدرون على إيجاد الاعتقادات في غيرهم، سواء كان ذلك الغير نائماً أم يقظاً، لا ابتداء و اختراعاً و لا بنحو التوليد؛ لأنّهم أجسام، فإنّ حقيقة الحيّ الفعّال هو أنّه جسم(1)، و الجسم لا يقدر على أن يفعل الاعتقادات في جسم آخر - فالنائم جسمٌ أيضاً - ابتداء و لا تولّداً؛ لأنّ التولّد يحصل بواسطة الاعتماد(2)، و الجسم لا يؤثّر في جسم آخر إلّابواسطة الاعتماد، فالذي يريد ضرب وجه شخص آخر يجب أن يوجِد اعتماداً بين يدِه و وجهِ ذلك الشخص، أي أن يوجِد نوعاً من الدفع بينهما؛ كما أنّ اليد إذا أرادت أن ترمي حجراً فلن تتمكّن من ذلك من دون أن يكون بينهما اعتماد و دفع. و لهذا لا يمكن ما ذكرناه من أن يوجِد جسمٌ اعتقاداتٍ في جسم آخر؛ لأنّه ذكرنا الآن أنّ الجسم لا يفعل في غيره إلّابواسطة الاعتماد و الدفع، و الاعتماد لا يمكن أن يوجِد اعتقاداً و تصوّراً في قلب شخص آخر، و لهذا إذا وضعنا يدنا على قلب شخص آخر و اعتمدنا عليه مدّة طويلة فسوف لن نتمكّن من إيجاد اعتقاد فيه.

و أمّا القديم تعالى فهو قادر على أن يوجِد الاعتقادات في النائم؛ لأنّه تعالى قادر لنفسه و يستطيع أن يخترع الاعتقادات في الإنسان ابتداء و من دون حاجة إلى توسّط الاعتماد و الدفع و الاتّصال المادّي، ولكنّ مع ذلك فإنّ اللّٰه تعالى لا يفعل تلك الاعتقادات في النائم؛ لأنّ أكثرها جهالات و غير مطابقة للواقع، و فعل الجهالات قبيح. فلم يبق إلّاأن يكون الفاعل للاعتقادات في المنام هو النائم نفسه.


1) . الذخيرة، ص 114.

2) . يريد بالاعتماد نوعاً من الدفع الذي يحصل عند حصول تماسّ بين جسمين، فالذي يضع حجراًعلى يده يجد ثقل و اعتماد الحجر على يده و دفعه إيّاها. و قد يحصل هذا الدفع بين جسمين في الجهات الستّ‌. راجع: الحدود، ص 36-37.

و أمّا صحّة المنامات و بطلانها، فقد تقدّم الآن أنّ أكثرها جهالات، ولكن مع ذلك أخذ الشريف المرتضى بتفصيل البحث حول هذا الموضوع، فذكر ما حكي عن المتكلّم صالح قُبَّة من تصحيح جميع المنامات و اعتبارها مطابقة للواقع، و اعتبرها دعوى مخالفة للبداهة، و إذا كان اليقظان يرى المجذاف و القلم منكسرَين في الماء و هما ليسا كذلك، فلماذا لا يجوز للنائم أن يرى منامات باطلة، و هو في حال النوم أقرب إلى النقص منه إلى الكمال‌؟

ثمّ قسّم المنامات من حيث سببها إلى ثلاثة أقسام:

الأوّل: منامات تحصل من دون سبب، فهي تكون من فعل النائم ابتداء، أي من دون داعٍ و سبب.

الثاني: منامات تحصل من وسوسة الشيطان. و بما أنّ الشيطان حيّ فعّال، و كلّ حيّ فعّال فحقيقته أنّه جسم، و الجسم لا يوجِد الاعتقاد في جسم آخر كما تقدّم، لذلك حاول الشريف المرتضى بيان طريق لنفوذ الشيطان إلى باطن النائم، فكان هذا الطريق أن يوجِد الشيطان صوتاً و كلاماً خفيّاً يسمعه النائم فيتصوّر و يعتقد أنّه يرى مضمونه(1)، كما قد يسمع النائم كلام شخص جالس إلى جانبه فيتصوّر أنّ ما يسمعه يراه. و هذا معنى وسوسة الشيطان.

الثالث: منامات تحصل من خلال كلام أيضاً، لكنّ الموجِد لهذا الكلام - و الذي يسمّى بحسب الاصطلاح الكلامي: «الخاطر» - في هذه الصورة هو اللّٰه تعالى أو أحد الملائكة، فيعتقد النائم أنه يرى مضمونه في منامه. و المنامات الصالحة تحمل على هذا المعنى، و الباطلة تحمل على وسوسة الشيطان.

و أمّا مطابقة بعض المنامات للواقع فيمكن حمله على الاتّفاق و الصدفة، و إذا لم


1) . أي يفعل اعتقاداً مطابقاً لمضمون ذلك الصوت، فقد تقدّم أنّ فاعل الاعتقادات في المنام هو النائم نفسه.

يمكن حمله على ذلك لشدّة مطابقته لتفاصيل كثيرة من الواقع أو لتكرّر مطابقته مثلاً، فيمكن حينئذ أن تكون هذه المطابقة ناشئة من إيجاد اللّٰه تعالى كلاماً في سمع النائم يحتوي على مضمون مطابق للواقع فيتصوّر النائم و يعتقد أنّه يراه.

و أمّا المناشئ الأُخرى كالطبائع أو المأكولات، فقد نفى أبو علي الجبّائي أن تكون الطبائع منشأ للمنامات؛ لكونها غير مؤثّرة أساساً، و الشريف المرتضى وافق على ذلك فقد كان يرى بطلان نظريّة الطبائع و تأثيراتها(1). و أمّا المأكولات فقد جوّز الجبّائي تأثيرها في المنامات، لكن الشريف المرتضى رفض ذلك باعتبار أنّ المأكولات أجسام و لا يمكنها أن تفعل في غيرها، فإذا نفينا أن يكون تأثيرها من خلال طباعها، كانت تلك التأثيرات من فعل اللّٰه تعالى، أي أن تكون عادة اللّٰه تعالى جرت بأن يفعل مناماً عند أكل بعض المأكولات، ولكن هذا يؤدّي إلى نسبة التخيّلات الباطلة إلى اللّٰه تعالى، و هو قبيح.

و أمّا منامات الأنبياء عليهم السلام فالروايات الواردة في صحّتها أخبار آحاد لا يمكن التعويل عليها، و يمكن العثور على وجه في تصحيح مناماتهم، و هو أن يوحي اللّٰه تعالى للنبيّ أنّه سوف يريه مناماً في وقت معيّن، و أنّه يجب أن يعمل بمضمونه، فإذا رأى المنام قطع على صحّته، لا لمجرّد كونه مناماً لنبيّ‌. و على هذا الوجه يمكن حمل رؤية إبراهيم عليه السلام.

و أمّا خبر: «من رآني فقد رآني، فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي» فهو خبر واحد ضعيف، و لا يدلّ على صحّة كلّ منام يُرى فيه النبيُّ صلّى اللّٰه عليه و آله. و يمكن حمل هذا الخبر على رؤية اليقظان للنبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله في حياته، و أنّه إخبارٌ عن أنّ من يراه في اليقظة فقد رآه حقيقة و لم يرَ شيطاناً تلبّس بصورة النبيّ‌، فهو بهذا يريد أن


1) . الذخيرة، ص 166.

ينفي ما قد يتناقله البعض من أنّ الشيطان قد يتلبّس أحياناً بصورة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله. و هذا التأويل أقرب إلى الصواب؛ لكونه صلّى اللّٰه عليه و آله يفترض نفسَه مرئيّاً و غيرَه رائياً له، و هذا الأمر يتحقّق في حال اليقظة، خلافاً للمنام فإنّه لا رائي على الحقيقة و لا مرئي، و إنّما هي تصوّرات ذهنيّة.

و بعد ذلك ردّ الشريف المرتضى تفسير الفلاسفة للمنامات الصحيحة حيث قالوا إنّ النفس اطّلعت إلى عالمها فأشرفت على ما يكون. و قد ردّ هذا القول؛ لأنّ كلامهم غير مفهوم و لا مضبوط، فما هي حقيقة النفس‌؟ و ما معنى اطلاعها إلى عالمها؟ و ما هو عالم النفس‌؟ و لِمَ يجب أن تَعرف الكائناتِ عند حصول هذا الاطلاع‌؟

و أمّا السؤال الأخير الذي سأل عنه سلّار حول المنامات و المتعلّق بسبب حصول الإنزال في النوم عند رؤية حالة الجماع، فأجاب الشريف المرتضى بأنّ الجواب عن ذلك يتّضح عند بيان وجه الإنزال في حال اليقظة، فالرأي الصحيح في ذلك أنّ عادة اللّٰه تعالى جرت بأن يُنزِل الماء عند الحركة المخصوصة في حال اليقظة، و على هذا لا يمتنع أن يجري اللّٰه تعالى عادته بأن يُنزِل الماء من النائم عند مشاهدته و اعتقاده في المنام أنّه يجامِع.

المسألة السابعة: في توارد الادلّة.

يعتبر بحث النظر من الأبحاث الكلاميّة المهمّة، فبعد أن يُثبت المتكلّمُ قدرة الإنسان و استطاعته و اختياره، يبدأ بالحديث عن التكاليف العلميّة و العمليّة التي كُلّف بها، فمن دون الاختيار لا معنى للحديث عن التكليف؛ لقبح تكليف العاجز أو المجبَر، و من تلك التكاليف التي كُلّف بها الإنسان التكليفُ بالنظر و الاستدلال على وجود اللّٰه تعالى و صفاته و سائر المسائل العقائديّة، و لذلك طُرح بحث النظر بصورة مفصّلة بين المتكلّمين، و تحدّثوا عن تعريفه و شروطه و سائر خصوصيّاته، و ذكروا أنّ من شروطه الشكّ في المدلول؛ فإنّ الغرض من النظر تحصيل العلم

بالمدلول، فإذا كان المدلول معلوماً يكون النظر تحصيلاً للحاصل.

و لأجل وجود هذا الشرط في النظر طرح سلّار في هذه المسألة إشكالاً متعلّقاً بمسألة سمّيت: «توارد الأدلة» أو «ترادف الأدلّة» طالباً من الشريف المرتضى الإجابة عليه، و هو إذا كان لمدلول واحد دليلان أو أكثر، و أقمنا الدليل الأوّل، و حصل لنا بسببه العلمُ بالمدلول و زال عنّا الشكّ‌، فحينئذ فسوف لن نستطيع النظر في الدليل الثاني؛ لعدم تحقّق شرطه، و هو الشكّ في المدلول؛ فإنّ الشكّ قد زال بالدليل الأوّل، و ارتفع شرط صحّة النظر، فكيف يمكن النظر في الدليل الثاني‌؟

و ضرب لهذه المسألة مثالاً، و هو: إذا أقام المستدلّ على حدوث الأجسام دليلاً و هو دليل حدوث الأعراض(1)، فسوف لن يتمكّن من إقامة الدليل الثاني على حدوث الأجسام المبني على أنّ المعرفة الحسّية المسمّاة بالإدراك لا تتناول إلّاأخصّ أوصاف المُدرَك(2)، و لا يمكنه النظر فيه مع أنّنا نعلم أنّ بعض مقدّمات هذا الدليل بديهيّة للغاية، مثل «أنّ الشيء إذا لم يكن قديماً كان حادثاً».

و أضاف إشكالاً آخر، و هو: إذا سُئل المتكلّمون عن سبب ترادف الأدلّة و ذِكر أكثر من دليل على مسألة واحدة، قالوا: سبب ذلك أنّه إذا بدأنا بأيّ دليل أحببنا لوصلنا إلى العلم، فهناك متّسع لنا في اختيار أيّ دليل للوصول للعلم. إلّاأنّهم يقولون في نفس الوقت: نحن لا نعلم الدليل دليلاً إلّاإذا أنتج العلم، ولكن بعد إقامة أوّل دليل كيف نعلم أنّ باقي الأدلّة أدلّة مع أنّها سوف لن تنتج فينا العلم؛ لكونه قد


1) . مفاده: أنّ الجسم لا يخلو من الأعراض، و الأعراض حادثة، و كلّ ما لا يخلو من الحوادث فهوحادث؛ إذن الجسم حادث.

2) . مفاد هذا الدليل: أنّ الجسم مدرَك، و الإدراك يتعلّق بأخصّ أوصاف المدرَك، فلو كان الجسم قديماً لكان وصف القِدَم من أخصّ أوصافه، ولكنّ الجسم لا يُدرَك قديماً، و بما أنّ الشيء إذا لم يكن قديماً كان حادثاً، دلّ ذلك على أنّ الجسم حادث.

حصل سلفاً بواسطة الدليل الأوّل‌؟ فإذا قالوا: يمكن أن نعلم بأنّها أدلّة إذا نظر غيرُنا فيها لأوّل مرّة، فسوف يحصل عنده العلم، و بذلك نعلم أنّها أدلّة؛ لأنّها أنتجت العلم في غيرنا. فالجواب: لا طريق للعلم بحصول العلم لغيرنا، فهو من الأُمور الباطنة(1)، فيبطل ما ذكرتموه.

و أجاب الشريف المرتضى على هذا الإشكال، فبدأ بعرض الإشكال من جديد و بشيء من التفصيل، و قوّى في جوابه أن يكون الدليل الثاني مفيداً للعلم أيضاً كالدليل الأوّل، و ذلك من خلال النظر في مقدّمات الدليل الثاني، فإنّ الذي ينظر في مقدّمات دليلٍ صحيحٍ يصير مضطّراً إلى الإيمان بصحّة النتيجة، فمن يعلم مثلاً بأنّ هذا الفعل ظلم، سوف يضطرّ إلى الحكم بقبحه بلا إشكال.

و إذا رجعنا إلى الإشكال المطروح في السؤال، و هو كيف يحصل له العلم بواسطة الدليل الثاني مع أنّه كان قد حصل له العلم من خلال الدليل الأوّل‌؟ فالجواب أنّه لا يَنظر في الدليل الثاني منذ البداية، بل ينظر في مقدّماته واحدة واحدة، و إذا نظر في المقدّمة الأُولى مثلاً كان يجب أن يكون شاكّاً فيها قبل ذلك، و هذا لا يتنافى مع علمه بمفاد الدليل الأوّل؛ لأنّ مفاد هذا الدليل يختلف عن مفاد هذه المقدّمة؛ و هكذا إذا استمرّ و نظر في باقي المقدّمات من الدليل الثاني بعد شكّه في مفادها واحدة واحدة، ثمّ وصل إلى العلم بمفادها، فإذا اجتمع العلم بالمقدّمات كلّها حصل عنده علم بمفاد الدليل الثاني تلقائيّاً و اضطراراً، فقد ذكرنا أنّ من ينظر في مقدّمات دليلٍ صحيحٍ يصير مضطرّاً إلى الإيمان بصحّة النتيجة، و بذلك يرتفع الإشكال.

ثمّ أشار في الأثناء إلى فائدة، و هي أنّ سبب ما يقال من أنّ النظر لا يجتمع مع العلم بمفاد الدليل، و أنّه لابدّ من سبق الشكّ في ذلك، هو أنّ النظر لا يتعلّق بمدلولٍ‌


1) . و إخباره بحصول العلم في باطنه لا يفيد العلم، فهو خبر واحد.

موصوفٍ بصفةٍ ثابتةٍ فيه، بل يتعلّق بمدلول لا يُعلم هل تلك الصفة ثابتة فيه أو منتفية عنه‌؟ أي يكون هناك ترديد و شكّ في اتّصاف المدلول بذلك.

و عاد بعد ذلك إلى الإشكال السابق، فاستدلّ على إفادة الدليل الثاني للعلم بدليل آخر، و هو أنّه لو لم يكن مفيداً للعلم للزم أنّه لو أقام المستدلّ الدليل الأوّل، ثمّ أقام بعده الدليل الثاني، ثمّ حصل له بعد ذلك شكّ في الدليل الأوّل، للزم أن يرتفع علمه بالنتيجة؛ لأنّ الدليل الأوّل قد ارتفع بالشكّ‌، و الثاني قد افترضناه لا يفيد العلم، ولكنّنا نعلم بالبداهة أنّه لا يزول علمه في هذه الحالة، و هو يدلّ على أنّ الدليل الثاني قد أفاد العلم.

ثمّ تعرّض للإشكال الآخر الذي طرحه سلّار، و هو كيف نعلم أنّ الدليل الثاني دليل حقّاً؟ ففي حالة وجود دليل واحد يمكن معرفة كونه دليلاً أو لا من خلال حصول العلم و عدم حصوله، ولكن مع وجود دليلين و إقامة الأوّل، لا يمكن أن نميز هل الدليل الثاني دليل حقّاً أو لا؛ لأنّه لو كان دليلاً لم يحصل العلم بعده؛ لأنّ العلم كان حاصلاً قبل ذلك بالدليل الأوّل، سواء كان الدليل الثاني دليلاً أو لا.

و أجاب عنه بأنّه إذا نظر المستدلّ نظرة من الخارج إلى الدليل و تأمل في مقدّماته و وجدها صحيحة و وجد ترتيبها يؤدّي إلى النتيجة، فسوف يحصل عنده يقين بأنّه متى اجتمعت هذه المقدّمات فسوف يحصل العلم لا محالة، أي يعلم أنّ هذا الدليل بمقدّماته يقتضي العلم في حدّ ذاته، و إن لم يتميّز لنا ذلك بسبب حصول العلم مسبقاً بواسطة الدليل الأوّل.

و أشار في النهاية إلى جواب البعض عن الإشكال الأخير، حيث أجاب ذلك البعض بأنّ النظر في الدليل الثاني لا يفيد العلم بالمدلول؛ لحصوله بواسطة الدليل الأوّل، بل يفيد أنّ الدليل الثاني دليل فحسب. و أشكل عليه الشريف المرتضى بأنّه لا معنى لهذا الكلام فإنّك تذهب إلى أنّ معرفة أنّ الدليل دليل متفرّعة على حصول

العلم بالمدلول، و على هذا إذا لم يحصل العلم بالمدلول سوف لن يحصل العلم بأنّ الدليل دليل.

ثمّ أشار إلى أنّ ما يقال من أنّ العلم بأنّ الدليل دليل هو علم بالمدلول، فيه تسامح؛ فإنّهما قد ينفكّان عن بعضهما البعض، فقد يَعرف المدلول من لا يعرف أنّ ذلك الدليل دليل عليه، و بعبارة أُخرى: قد يَجهل بأنّه دليل من يعرف المدلول. فالصحيح أن يقال:

إنّ العلم بأنّ الدليل دليل يجب أن يقارنه العلم بالمدلول، وفقاً للتوضيح المتقدّم.

المسألة الثامنة: في نفي كون الإرادة مقارِنة لكلّ جزء من أجزاء الخبر.

و سأل سلّار عن الخبر، و أنّه ما المانع من أن يقارن كلَّ جزء منه إرادةٌ لكونه جزءاً من الخبر؟ فهذا أفضل من القول بأنّ إرادة واحدة قارنت أوّل جزء منه و أثّرت في الخبر كلّه؛ لأنّه يلزم إمّا أن تؤثّر الإرادة في المعدوم - لأنّها أثّرت فيما بعد الجزء الأوّل قبل وجوده - أو في الموجود مع كونها معدومة؛ لأنّها تقارن الجزء الأوّل من الخبر ثمّ تنعدم، فتؤثّر في باقي الأجزاء في حال عدمها؛ ولكن إذا قلنا بمقارنة إرادةٍ لكلّ جزء من الخبر لم يلزم ذلك.

فإذا قيل: يلزم من هذا أن يكون كلّ جزء خبراً، فالجواب: أنّ طبيعة الخبر أن تكون له أجزاء، فإنّ الجزء الواحد لا يفيد معنى الخبر، و لذلك لا يمكن أن يكون كلّ جزء خبراً. أضف إلى ذلك: لو التزمنا بقولكم من أنّ إرادة واحدة تؤثّر في الخبر، و لم يؤدِّ ذلك إلى كون كلّ جزء خبراً، فليكن كلامنا المبني على وجود إرادات لا يؤدّي إلى ذلك أيضاً.

و أجاب الشريف المرتضى بأنّ المؤثّر في كون الخبر خبراً و الأمر أمراً هو حال المريد، و ليس الإرادة الزائدة على الذات، و لذلك إذا كان المريد مريداً لنفسه لا لإرادة زائدة لأثّر في الخبر. و يدلّ أيضاً على ذلك أنّ الخبر لم يكن خبراً لوجوده أو حدوثه - لاشتراك غيره في ذلك، كالأمر - و لا لجنسه و صورته و صيغته - لأنّ قولنا:

«زيد قائم» كما يَحتمل الخبر، كذلك يَحتمل غيرَه، كما لو كان المتكلّم حاكياً لكلام غيره، فإنّه لا يقصد حينئذ الإخبار(1)- فلم يبقَ إلّاأن يكون المقتضي للخبر كون المتكلّم مريداً له.

و المريد لا يؤثّر في الخبر إلّامع وجود مصاحبة بينهما أو ما شابه ذلك، و حينئذ نقول: لا يمكن أن يصاحب المريد كلّ أجزاء الخبر بنحو المجموع؛ لأنّه يقتضي أن يكون كلّ جزء خبراً، مع أنّ الجزء لا يفيد معنى الخبر؛ كما لا يمكن أن يصاحب المريد آخِرَ جزء من الخبر؛ لاستلزامه أن لا تكون الأجزاء السابقة أخباراً؛ فلم يبق إلا أن يصاحب أوّلَ الأجزاء و يؤثّر في الجميع؛ لتعلّق أجزاء الخبر بعضها ببعض.

ولكن بقي احتمال آخر، و هو الاحتمال المذكور في السؤال، و هو أن يصاحب المريدُ كلَّ جزء جزء من الخبر بنحو الاستغراق. و يرد عليه أنّه إذا كان المقصود أنّ المريد يؤثّر في جعل كلّ جزء خبراً، فهو باطل كما تقدّم. و إن كان المقصود أنّه يؤثّر في كلّ جزء بجعله جزءاً من الخبر و من جملته، فحينئذ سوف لن تبقى حالٌ للمريد تجعل كلَّ الخبر خبراً، ولا توجد هناك إشارة إلى حال خاصّة تجعل الخبر خبراً، فبقي الخبر بلا مؤثّر، و هو باطل.

أضف إلى ذلك: أنّ كون الجزء «من جملة أجزاء الخبر» ليس صفة و لا حكماً لهذا الجزء، فلا حاجة له إلى مقتض أو مؤثّر، بينما كون الخبر خبراً يُعتبر صفة لابدّ لها من مؤثّر، و قد تقدّم أنّ المؤثّر هو كون المريد مريداً - دون وجود الخبر أو حدوثه أو جنسه -، فيجب أن يؤثّر في كون الخبر خبراً - لكونه صفة - لا في كون جزئه من جملته؛ لعدم كونه صفة، فلا حاجة له إلى مؤثّر كما تقدّم، و إنّما يؤثّر حالُ المريد في الأجزاء فيما لو قارن أوّلَ جزء منها.


1) . الملخّص، ص 357.

طبعات المسائل

تقدّم أنّ المسائل السلّاريّة - بسبب تعقيد أكثر مسائلها أو لأسباب أُخرى - تعرضت إلى محاولة تفكيكها و استنساخ بعض مسائلها، و خاصّة المسألتين الخامسة و السادسة (في الردّ على المنجّمين، و في المنامات)، إضافة إلى السابعة (في توارد الأدلّة) أحياناً، مع إهمال استنساخ باقي المسائل، و قد أثّر ذلك على نشر المسائل، فلم تنشر المسائل السلّاريّة كلّها إلّافي وقت قريب جدّاً، بينما نشرت المسائل المشار إليها بصورة مستقلّة قبل سنوات بعيدة، و توضيح ذلك كما يلي:

1.

طبعت المسألتان الخامسة و السادسة مع تكملة الأمالي في طهران سنة 1273 ه‍، و في القاهرة سنة 1373 ه‍ بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم؛ كما طبعتا في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 7، 299 في قم سنة 1405 ه‍؛ إضافة إلى طباعتهما في ضمن بحار الأنوار، ج 55، ص 281، و ج 58، ص 214. فيما طبعت المسألة السادسة في ضمن مسائل المرتضى، ص 288 في بيروت سنة 1422 ه‍.

2.

و طبعت المسألة السابعة في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 145 في قم سنة 1405 ه‍.

3.

و قد طبع نصّ المسائل السلّاريّة بصورة كاملة لأوّل مرّة سنة 2018 م في العدد الثاني من مجلّة دراسات شيعية نقدية (Shii Studies Review) الصادرة باللغة الإنجليزية، ص 271، بتحقيق الدكتور حسن الأنصاري و البروفسورة زابينه اشميتكه، مع مقدّمة باللغة الإنجليزية.

مخطوطات الرسالة
1. مخطوطة مكتبة برلين، المرقّمة 800؛ نسخها محمّد بن الحسن بن محمّد جعفر المؤدّب سنة 544 ه‍ بالخطّ النسخيّ‌، و قابلها مع نسخة مقروءة على الشيخ رشيد الدين عليّ بن زيرك الواعظ القمّي في سنة 545 ه‍. و رمزنا لها ب‍ «أ».
2.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (3014) 1255؛ تقع في الصفحات (97-118) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 1080/3؛ تقع في الصفحات (163-207) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ط».

4.

مخطوطة مكتبة الإمام الخميني رحمه اللّٰه بقائن، المرقّمة 140/5؛ و توجد بصورة ميكروفيلم في مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، و تحمل الرقم 1690/5، و الرسالة تقع في الصفحات (296 - 328) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

5.

مخطوطة مكتبة الملك بطهران، المرقّمة 593؛ تقع في الصفحات (1-46) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

6.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10007؛ تقع في الصفحات (49-81) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

7.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة، المرقّمة 432/2؛ تقع في الصفحات (2-36) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

جواباتُ‌ المَسائلِ السَّلّاريّةِ‌
اشارة

جواباتُ‌(1)المَسائلِ السَّلّاريّةِ‌(2)

بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌(3)

قالَ سَيّدُنا الشريفُ‌، السيِّدُ(4)الأجَلُّ الأَوحَدُ المُرتَضىٰ‌، ذو المَجدَينِ‌، عَلَمُ الهُدىٰ - تَغمَّدَه اللّٰهُ برِضوانِه -: وَقَفتُ‌(5)علىٰ ما أنفَذَه الأُستاذُ - أدامَ اللّٰهُ عِزَّه(6)- مِن المَسائلِ‌، و سَألَ‌(7)بيانَ جوابِها(8)فوَجَدتُه(9)- أدامَ اللّٰهُ تأييدَه(10)- ما وَضَعَ يَدَه مِن


1) . في «أ»: - «جوابات». و في «ص»: «أجوبة».

2) . في «ص»: «للشريف المرتضى رضي اللّٰه عنه». و في «ب، ج»: + «تأليف سيّدنا الإمام، العالم البارع، العلّامة المحقّ المحقّق، السيّد الشريف المرتضى، علم الهدى، ذي المجدين، أبي القاسم عليّ بن الحسين الموسويّ قدَّس اللّٰه روحه، و نوَّر ضريحه».

3) . في «د، س، ط»: + «و به نستعين».

4) . في «س»: - «السيّد».

5) . في «ج»: «وفقت». و في «س، ط»: «وافقت». و في «أ»: «قال سيّدنا الأجلّ المرتضىٰ علم الهدىٰ قدّس اللّٰه روحه: وقفت». و في «ص»: «أمّا بعد، الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة علىٰ نبيّه و آله الطاهرين، فقد وقفت» بدل «قال سيّدنا الشريف، السيّد الأجلّ الأوحد المرتضىٰ‌، ذو المجدين، علم الهدىٰ تغمّده اللّٰه برضوانه».

6) . في «أ»: - «أدام اللّٰه عزّه».

7) . في «س»: «و سائل». و في «ص»: «و سأل عن».

8) . في «أ»: «أجوبتها».

9) . في غير «ص»: «و وجدتُه».

10) . في «أ»: - «أدام اللّٰه تأييده».

مَسائلِه إلّاعلىٰ نُكتةٍ و مَوضِعِ شُبهةٍ‌.

و أنا أُجيبُ‌(1)عن المَسائلِ‌، مُعتَمِداً الاختصارَ و الإيجازَ، مِن غَيرِ(2)إخلالٍ معهما(3)ببيانِ حُجّةٍ أو دَفعِ شُبهةٍ‌؛ و مِن اللّٰهِ أستَمِدُّ المَعونةَ و التوفيقَ و التسديدَ(4).

اِبتَدأَ المَسائلَ بأن(5)قالَ‌: أمّا نِعَمُ اللّٰهِ تَعالىٰ علَى الخَلقِ بدَوامِ بقاءِ سيّدِنا الشريفِ‌، السيِّدِ(6)الأجَلِّ المُرتَضىٰ عَلَمِ الهُدىٰ - أطالَ اللّٰهُ بَقاءَه، و أدامَ عُلُوَّه و سُمُوَّه و بَسطَتَه، و كَبَتَ أعداءَه و حَسَدَتَه - فالألسُنُ تَقصُرُ عن أداءِ شُكرِها، و المُنَنُ‌(7)تَضعُفُ عن تَعاطي نَشرِها؛ فلا أزالَ اللّٰهُ عَنّا و عن الإسلامِ ظِلَّه، و حَرَسَ أيّامَه مِن الغِيَرِ.

و بَعدُ، فمَن كانَ له سَبيلٌ إلىٰ إلقاءِ ما يَعرِضُ له، و(8)يَعتَلِجُ في صَدرِه مِن الشُّبَهِ‌(9)، إلَى الخاطرِ الشريفِ‌، و استمدادِ الهُدىٰ مِن جهتِه، فلا معنىٰ لإقامتِه علىٰ ظِلِّها(10). و الغايةُ اقتباسُ نورِ اللّٰهِ سُبحانَه، ليَقِفَ علَى الطريقِ النهجِ‌، و السبيلِ‌


1) . في «أ»: «أجبت».

2) . في «أ»: «معتمداً للاختصار و غير».

3) . في «أ، ص»: «معها».

4) . في «أ»: - «و التسديد». و في «س، ط»: «و التشديد». و من هنا إلىٰ بداية المسألة الأُولىٰ ساقط من «أ».

5) . في «س»: «أن». و في «ص»: - «بأن».

6) . في «ص»: - «السيّد».

7) . في «ج»: «و المتن». و المُنَن: جمع «المُنّة» و هي القوّة.

8) . في «س، ص»: «أو».

9) . في «د»: «الشبهة».

10) . أي ظِلّ الشُّبَه.

الواضحةِ‌، و الصراطِ المُستَقيمِ‌. و الخادمُ‌، و إن كانَ مُتمكِّناً مِن إيرادِ ذلكَ في المَجلِسِ الأشرَفِ‌، و أَخذِ الجوابِ عنه - علىٰ ما جَرَت به عادتُه - فإنّه سائلٌ الإنعامَ بالوقوفِ علىٰ هذه المَسائلِ‌، و إيضاحِ ما أشكَلَ منها؛ ليَعُمَّ‌(1)النفعُ بها، فيَحصُلَ بذلكَ المُبتَغىٰ بمجموعِه، مِن الوقوفِ علَى الحَقِّ‌، و عمومِ النفعِ للمؤمنينَ كافّةً‌، و التنويهِ بِاسمِ الخادمِ‌. و لرأيِ سيّدِنا الشريفِ‌، السيِّدِ المُرتَضىٰ عَلَمِ الهُدىٰ - أدامَ اللّٰهُ قُدرتَه(2)- في ذلكَ عُلُوُّه؛ إن شاءَ اللّٰهُ‌.(3)


1) . في «د»: «ليعصم». و في «س، ص، ط»: «ليعلم».

2) . في «د، س، ص، ط»: «قدره».

3) . من قوله: «ابتدأ المسائل بأن قال» إلىٰ هنا ساقط من «أ».

المسألةُ الأُولىٰ في أنّ الجوهر جوهر في حال العدم
اشارة

ما المانعُ مِن كَونِ الجَوهرِ جَوهراً بالفاعلِ‌، و جوازِ بَينونتِه(1)ممّا بانَ منه بكَونِه جَوهراً و إن كانَ بالفاعلِ؟

فإن قيلَ‌: لَو كانَ‌(2)جَوهراً بالفاعلِ‌، لَصَحَّ‌(3)أن يَجعَلَه الفاعلُ جَوهراً سَواداً؛ لأنّه لا مانعَ مِن ذلكَ‌، مِن تَضادٍّ و لا ما يَجري مَجراه. و إذا صَحَّ ذلكَ و طَرَأَ البياضُ‌، فلا يَخلو مِن(4)أن(5)يَنفيَ‌(6)السوادَ، أو(7)لا يَنفيَه. (فإن نَفاه لَم يَخلُ - مِن حَيثُ كانَ جَوهراً - أن يَنتَفيَ بالسوادِ، أو(8)لا يَنتَفيَ‌.)(9)و قد عَلِمنا أ نّه لا بُدَّ مِن نَفيِ السوادِ بالبياضِ‌(10)


1) . في «أ»: - «و جواز بينونته».

2) . في «أ»: + «الجوهر».

3) . في «د، ط»: «يصحّ‌».

4) . في «ص» و حاشية «س»: «إمّا».

5) . في «ص»: + «لا».

6) . في «أ»: «يبقى».

7) . في «د»: «و».

8) . في «ط»: «و».

9) . إذا حذفنا الجملة التي بين الهلالين أو اعتبرناها جملة معترضة، فسوف يتّضح لنا البرهان بصورة أكبر.

10) . في غير «د»: «البياض».

لِاستحالةِ اجتماعِ الصفتَينِ‌، و لا يَجوزُ نَفيُ البياضِ للجَوهرِ. فيؤَدّي ذلكَ إلىٰ كَونِ هذه الذاتِ معدومةً موجودةً‌.

فقَد يُمكِنُ أن يُقالَ‌: إنّ جَعلَه الجَوهرَ جَوهراً سَواداً مُستَحيلٌ‌(1)لأنّه إذا جَعَلَه جَوهراً فهو مُتَحيِّزٌ، و إذا جَعَلَه سَواداً فهو غَيرُ مُتَحيِّزٍ. فيؤَدّي إلىٰ كَونِ الذاتِ الواحدةِ مُتَحيِّزةً و(2)غَيرَ مُتَحيِّزةٍ في حالٍ واحدةٍ‌(3)و هذا يَجري مَجرَى التضادِّ.

و قد يُمكِنُ‌ هذا القائلَ أن يَقولَ لنا: أنتم عندَكم أنّ كَونَ الفعلِ حَسَناً و(4)قَبيحاً بالفاعلِ‌، و مع ذلكَ فلا يُمكِنُ كَونُ الفعلِ الواحدِ حَسَناً و(5)قَبيحاً؛ و لا تَضادَّ هُناكَ و لا ما يَجري مَجراه. و كذلكَ أيضاً الخبرُ و الأمرُ إنّما كانا خبراً و(6)أمراً بالإرادةِ‌، و لا تَضادَّ بَينَ الإرادتَينِ‌(7)و لا ما يَجري مَجراه؛ و مع ذلكَ لا يُمكِنُ جَعلُ الصيغةِ‌(8)الواحدةِ خبراً و أمراً في حالٍ واحدةٍ‌.

علىٰ أ نّه له أن يَقولَ‌: لَو سَلَّمتُ صحّةَ جَعلِه جَوهراً سَواداً؛ و معناه: أن(9)يَجعَلَ الذاتَينِ ذاتاً واحدةً‌، و لَيسَ معناه أن يَجعَلَ ذاتاً علىٰ صفتَينِ‌. و إن(10)


1) . في «أ»: «مستحيلاً».

2) . في غير «ص»: - «و».

3) . في «ص»: «واحد».

4) . في «ص»: «أو».

5) . في «أ»: - «و». و في «س، ص»: «أو».

6) . في «أ»: «أو».

7) . في «أ»: «الإرادة».

8) . في «أ»: «الصنعة».

9) . في «أ»: «فمعناه أنّه».

10) . في «س، ص»: «فإن».

كانَ المُرادُ الأوّلَ‌، فإنّه إذا طَرَأَ البياضُ فنَفَى الذاتَ‌، فأيُّ شَيءٍ يُتصوَّرُ موجوداً بَعدَ ذلكَ؟ و إن كانَ المُرادُ الثانيَ‌، فإنّه إذا(1)انتَفَت الذاتُ فالصفاتُ تَبَعٌ لها، كَما تَنتَفي(2)صفاتُ الحَيِّ عندَ انتفاءِ ذاتِه. و لَيسَ مُرادُهم هذا؛ غَيرَ أنّ هذا هو المُتصوَّرُ(3)لا(4)الأوّلَ‌.

فليُنعِمْ ببيانِ ذلكَ‌.

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

في بيان الدليل علىٰ أنّ الجوهر جوهر في حال العدم

اِعلَمْ أنّ الجَوهرَ لا بُدَّ مِن أن يَكونَ في حالِ عدمِه علىٰ صفةٍ توجِبُ - إذا وُجِدَ - كَونَه مُتَحيِّزاً. و كذلكَ كُلُّ جنسٍ مِن الأجناسِ لا بُدَّ مِن كَونِه و هو معدومٌ علىٰ صفةٍ تَقتَضي(5)- بشَرطِ الوجودِ - الصفاتِ التي تَتجدَّدُ له عند الوجودِ؛ مِن تَعلُّقٍ بغَيرِه إن كانَ ممّا يَتعلَّقُ‌، أو غَيرِ ذلكَ مِن الصفاتِ‌.

و الذي يَدُلُّ علىٰ ما قُلناه: أنّ الجَوهرَ قد ثَبَتَ تَحيُّزُه عندَ وجودِه، و أنّ التحيُّزَ يَجِبُ له بشَرطِ الوجودِ(6)، دونَ غَيرِه مِن الأجناسِ‌؛ فلا بُدَّ مِن كَونِه في الحالِ علىٰ صفةٍ تَقتَضي(7)هذا الحُكمَ له. و جَرىٰ مَجرىٰ ذاتَينِ يَصِحُّ مِن إحداهما


1) . في «أ»: - «إذا».

2) . في «أ»: «ينتفي».

3) . في «س، ص»: «غير أنّ المتصوّر هو هذا».

4) . في «أ»: «و» بدل «لا».

5) . في «أ»: «يقتضي».

6) . من قوله: «من تعلّقٍ بغيره» إلىٰ هنا ساقط من «أ».

7) . في «أ»: «يقتضي».

الفعلُ و لا يَصِحُّ مِن الأُخرىٰ‌، في أ نّه لا بُدَّ مِن اختصاصِ مَن صَحَّ الفعلُ منها(1)بصفةٍ لَيسَت للأُخرىٰ‌. و لا يَجوزُ أن تَكونَ هذه الصفةُ مُنتَظَرةً و الحُكمُ حاصلٌ في الحالِ‌(2)فبانَ أ نّه لا بُدَّ في حالِ العدمِ‌(3)مِن حصولِ‌(4)صفةٍ تَقتَضي(5)ما ذَكرناه.

فإن قيلَ‌: كلامُكم كُلُّه(6)مَبنيٌّ على ما أنتم له(7)مُدَّعونَ‌، و هو غَيرُ(8)مُسلَّمٍ لكم؛ لأنّكم أشَرتم إلَى الجَوهرِ قَبلَ وجودِه فقُلتم(9): يَجِبُ أن يَكونَ مُتَحيِّزاً متىٰ وُجِدَ. و المعدومُ لَيسَ بمعلومٍ‌، و لا مُشارٍ إليه.

ثُمَّ لَو سُلِّمَ أ نّه معلومٌ للّٰه تَعالىٰ‌، فما الدليلُ علىٰ‌(10)أ نّه يَتحيَّزُ(11)متىٰ وُجِدَ، و(12)قد كانَ يَجوزُ أن يوجِدَه فلا(13)يَكونَ مُتحيِّزاً؛ لأنّه عندَ مُخالِفِكم يَتحيَّزُ(14)بالفاعلِ‌،


1) . في «أ»: «و الأُخرىٰ يتعذّر عليها الفعل، فلا بدّ من أن تختصّ التي يصحّ منها الفعل منهما» بدل «و لا يصحّ من الأُخرىٰ‌»، في أنّه لا بدّ من اختصاص من صحّ الفعل منها».

2) . في «د»: «الحاصل».

3) . في «س، ص»: «فبان أنّه في حال العدم لا بدّ»، بتقديم و تأخير.

4) . في «د»: «حصوله».

5) . في «أ»: «يقتضي».

6) . في «س»: - «كلّه».

7) . في «س، ص»: - «له».

8) . في «أ»: - «غير».

9) . في «س، ص»: + «إنّه».

10) . في «أ»: - «فما الدليل علىٰ‌».

11) . في «أ، س، ص، ط»: «متحيّز».

12) . في «أ»: - «و».

13) . في «أ»: «ولا».

14) . في «س، ص»: «متحيّز».

و كذلكَ سائرُ الأجناسِ إنّما تَكونُ‌(1)علىٰ ما هي عليه بالفاعلِ‌.

قُلنا: قد ثَبَتَ أنّ المعدومَ يَصِحُّ العِلمُ به، و أنّ عدمَه لا يَمنَعُ مِن تَناوُلِ العِلمِ له بالأدلّةِ الصحيحةِ‌؛ و قد بيّنّا ذلكَ في مَواضعَ كَثيرةٍ مِن كُتُبِنا(2)، و استَقصَيناه، و أَبطَلنا الشُّبَهَ‌(3)العارضةَ فيه.(4)و نَحنُ نَعلَمُ ضَرورةً أنّ الصوتَ بَعدَ عدمِه نَعلَمُه و إن كُنّا لا نُدرِكُه في(5)الحالِ‌، و أنّا نَعلَمُ كلامَ غَيرِنا و إن(6)مضىٰ و تَقضّىٰ‌، و ما(7)فَعَلنا(8)بالأمسِ‌، و نَعلَمُ أيضاً البَعثَ و النشورَ و القيامةَ و الجَنّةَ و النارَ؛ و كُلُّ ذلكَ معدومٌ‌، و لَم يَمنَعْ عدمُه مِن تَعلُّقِ العِلمِ به.

في بيان الدليل علىٰ وجوب تحيُّز الجوهر عند وجوده

فأمّا الذي يَدُلُّ علىٰ أنّ ما وُجِدَ مُتَحيِّزاً لا يَجوزُ أن يوجَدَ و هو غَيرُ مُتَحيِّزٍ: أنّ تَحيُّزَه الحاصلَ له(9)بَعدَ أن لَم يَكُن حاصلاً لا يَخلو مِن أن يَكونَ إنّما حَصَلَ لوجودِه، أو لحُدوثِه(10)، أو لحُدوثِه علىٰ وَجهٍ‌(11)، أو لعدمِه، أو لعدمِ معنىً‌،


1) . في «أ»: «يكون».

2) . في «س، ص»: «في مواضع من كتبنا كثيرة»؛ بتقديم و تأخير.

3) . في «س، ص»: «الشبهة».

4) . راجع: الملخّص، ص 124-128؛ شرح جمل العلم و العمل، ص 65-66.

5) . في «أ»: + «هذه».

6) . في «أ»: «و ما».

7) . في «س، ص»: «و إن مضىٰ وانقضىٰ بما».

8) . في «أ»: «فعلناه».

9) . في «أ»: - «له».

10) . في «د، س، ص، ط»: - «أو لحدوثه».

11) . في «ص»: «علىٰ ما وجد».

أو لوجودِ معنىً‌، أو بالفاعلِ‌، أو لنَفسِه، أو لِما هو عليه في نَفسِه.(1)

[1.] و لا يَجوزُ أن يَكونَ مُتَحيِّزاً لوجودِه؛ لأنّ ذلكَ يوجِبُ أن يَكونَ‌(2)كُلُّ‌(3)ما شارَكَه في الوجودِ(4)مُتَحيِّزاً.

[2.] و بمِثلِ ذلكَ يَبطُلُ‌(5)أن يَكونَ مُتَحيِّزاً لحُدوثِه.

[3.] فأمّا(6)حُدوثُه علىٰ وَجهٍ‌، فالذي يُبطِلُه: أ نّه لا وَجهَ يُشارُ إليه مِن وُجوهِ‌(7)الحُدوثِ يَقتَضي(8)كَونَه بهذه(9)الصفةِ‌.

و لأنّه كانَ لا يَمتَنِعُ حُدوثُه علىٰ وَجهٍ آخَرَ، فلا يَكونُ مُتَحيِّزاً.

و إذا كانَ لا بُدَّ مِن أن يَتميَّزَ في الوجودِ بصفةٍ فيَجِبُ أن يَكونَ متىٰ وُجِدَ علىٰ وَجهٍ‌(10)و لَم يَكُن مُتَحيِّزاً أن يَكونَ بصفةِ جنسٍ آخَرَ، و إذا لَم يَمتَنِعْ حُدوثُه علَى الوجهِ الذي يَقتَضي كَونَه مُتَحيِّزاً و علَى الوجهِ الذي يَقتَضي [كَونَه] بصفةِ جنسٍ‌


1) . فهذه تسعة وجوه، و سوف يُبطل السبعة الأُولىٰ منها، و يبقى الوجهان الأخيران، و أيُّهما يكون صحيحاً فإنّه يحقّق المطلوب و هو وجوب تحيّز الجوهر عند وجوده، كما سيشير المصنّف رحمه اللّٰه إلىٰ ذلك في نهاية الدليل بعد عدّة صفحات. و قد ذكر المصنّف هذا الدليل في كتابه الملخّص، ص 45، فراجع.

2) . في غير «د»: - «يكون».

3) . في غير «ب، ج»: - «كلّ‌».

4) . في «أ»: + «أن يكون».

5) . في «س، ص»: «نبطل».

6) . في «أ»: «و أمّا».

7) . في «س»: «وجود».

8) . في «ج» الكلمة مهملة.

9) . في «ج»: «بهذا».

10) . من قوله: «فلا يكون متحيّزاً» إلىٰ هنا ساقط من «س، ص».

آخَرَ(1)- لعدمِ التنافي بَينَ الصفتَينِ - فجائزٌ أن يَكونَ علَى الصفتَينِ معاً؛ لحُدوثِه علَى الوجهَينِ معاً. و سنُبيِّنُ فيما يأتي مِن كلامِنا أنّ المُتَحيِّزَ لا يَجوزُ أن يَكونَ بصفةِ جنسَينِ‌.

[4.] و(2)لا يَجوزُ أن يَكونَ مُتَحيِّزاً لعدمِه؛ لأنّ العدمَ يُحيلُ التحيُّزَ، فكَيفَ يوجِبُه‌؟

[5.] و لا يَجوزُ أن يَكونَ مُتَحيِّزاً لعدمِ معنىً‌؛ لأنّ المعدومَ لا يُخصِّصُ‌(3)، و هذا حُكمٌ مُتَخصِّصٌ‌.(4)

و أيضاً فقَد عَلِمنا أنّ الجَوهرَ لا يَجوزُ أن يَكونَ في جهةٍ مِن الجهاتِ لعدمِ معنىً‌؛ و العِلّةُ‌(5)في ذلكَ أنّ المعدومَ لا يؤثِّرُ في غيرِه و يَكونُ به علىٰ صفةٍ مِن الصفاتِ‌، و هذا قائمٌ في التحيُّزِ(6).

[6.] و لا يَجوزُ أن يَكونَ مُتَحيِّزاً لوجودِ معنىً‌؛ لأنّ ذلكَ المعنىٰ إذا كانَ موجِباً له صفةً فلا بُدَّ مِن اختصاصِه به، و الاختصاصُ بَينَهما لا بُدَّ مِن أن يَكونَ إمّا بالحُلولِ أو المُجاوَرةِ‌(7)، و كُلُّ واحدٍ مِن الأمرَينِ يوجِبُ تَقدُّمَ التحيُّزِ.

و أيضاً فلَو(8)كانَ مُتَحيِّزاً لمعنىً‌، لَكانَ القولُ في ذلكَ المعنىٰ كالقولِ فيه؛ لأنّ‌


1) . من قوله: «و إذا لم يمتنع حدوثه» إلى هنا ساقط من غير «أ».

2) . في «د، س، ص، ط»: - «لا يجوز أن يكون بصفة جنسين. و».

3) . في «س، ص»: «لا يتخصّص».

4) . فإنّ التحيّز حكم خاصّ ببعض الذوات - و هي الجواهر - لا بجميعها.

5) . في «أ»: «فالعلّة».

6) . في «س، ص»: «المتحيّز».

7) . في «س، ص»: «أو بالمجاورة».

8) . في «س، ص»: «لو».

ذلكَ المعنىٰ لا بُدَّ مِن أن يَستَحِقَّ صفةً تَقتَضي إيجابَه(1)تَحيُّزَ الجَوهرِ، فلا يَخلو مِن أن يَكونَ استَحَقَّها لمعنىً أيضاً أو لنَفسِه؛ فإن كانَ الأوّلَ أدّىٰ إلىٰ إحداثِ ما لا نِهايةَ له مِن المَعاني، و إن كانَ الثانيَ فيَجِبُ أيضاً(2)أن يَكونَ التحيُّزُ مُستَحَقّاً علىٰ هذا الوجهِ‌؛ لأنّ كَيفيّةَ الاستحقاقِ واحدةٌ‌.

و أيضاً فلَو كانَ مُتَحيِّزاً لمعنىً لَوَجَبَ أن يَكونَ كُلُّ جنسٍ مِن الأجناسِ لمعنىً‌؛ لأنّ كَيفيّةَ استحقاقِ ذلكَ كُلِّه واحدةٌ‌، و هذا يَقتَضي جوازَ كَونِ الذاتِ الواحدةِ بصفةِ المُتَحيِّزِ(3)و السوادِ؛ لحصولِ‌(4)المعنيَينِ الموجِبَينِ لهاتَينِ الصفتَينِ‌؛ لأنّه لا تَنافيَ بَينَهما. و سنُبيِّنُ بُطلانَ ذلكَ بعَونِ اللّٰهِ‌.(5)

و أيضاً فلَو كانَ مُتَحيِّزاً لمعنىً‌، لَم يَمتَنِعْ أن تَتزايَدَ(6)المَعاني الموجِبةُ لتَحيُّزِه فيَتزايَدَ هذا الحُكمُ‌، و هذا يؤَدّي إلىٰ أن يَتزايَدَ حَجمُ الجَوهرِ و جُثّتُه مِن غَيرِ انضمامِ جَواهرَ إليه، و قد عُلِمَ ضَرورةً خِلافُ ذلكَ‌.

[7.] و أمّا الذي يَدُلُّ علىٰ أ نّه لا يَجوزُ أن يَكونَ مُتَحيِّزاً بالفاعلِ‌:

[الدليل الأوّل]

أنّه لَو جازَ ذلكَ لَم يَمتَنِعْ أن يَجمَعَ‌(7)الفاعلُ بَينَ كَونِه مُتَحيِّزاً و(8)سَواداً؛ لأنّ‌


1) . كذا، و لعلّ الأنسب: «إيجابَ تحيّزِ الجوهرِ» أو «يقتضي إيجابُها تحيّز الجوهرِ»، فقد جاء في المسائل في الخلاف للنيسابوري، ص 39: «لأنّه كان يجب أن يكون ذلك المعنىٰ مختصّاً بصيغة لأجلها يوجَب كون الجوهر جوهراً».

2) . في «س، ص»: + «من».

3) . في «د»: «التحيّز». و في غير «أ، د»: + «التحيّز».

4) . في «د، س، ص، ط»: «بحصول».

5) . يأتي بعد سطور، عند الكلام عن عدم كون الجوهر متحيّزاً بالفاعل.

6) . في «أ»: «ولم يمتنع أن يتزايد».

7) . في «د، س، ص، ط»: «يجتمع».

8) . في «س، ص»: «أو».

ما يَكونُ بالفاعلِ‌، له التصرُّفُ فيه(1)بحَسَبِ اختيارِه، و لا تَنافيَ بَينَ هاتينِ الصفتَينِ - فمتىٰ قيلَ‌: «متىٰ وُجِدَ(2)وَجَبَ كَونُه مُتَحيِّزاً، و لَم يَتمكَّنِ الفاعلُ مِن جَعلِه بخِلافِ هذه الصفةِ‌» كانَ قائلُ ذلكَ مُسَلِّماً للمعنىٰ‌، و مُخالِفاً في العبارةِ - و متَى اجتَمَعَ في الذاتِ الواحدةِ أن تَكونَ بصفةِ التحيُّزِ و السوادِ، و قَدَّرنا وجودَ البياضِ‌، لَم تَخلُ الحالُ مِن وجوهٍ ثَلاثةٍ‌:

إمّا أن تَكونَ الذاتُ التي فَرَضنا فيها أنّها بصفةِ التحيُّزِ و السوادِ تَنتَفي(3)مِن كِلا الوجهَينِ‌. و هذا باطلٌ‌؛ لأنّه يؤَدّي إلىٰ أنّ البياضَ يُنافي التحيُّزَ.

أو يُقالَ‌: إنّها لا تَنتَفي مِن كِلا الوجهَينِ‌. و هذا يَقتَضي أنّ البياضَ لا يَنفي السوادَ، و أ نّه يَجتَمِعُ معه!

أو يُقالَ‌: إنّ الذاتَ تَنتَفي مِن حَيثُ كانَت سَواداً، و لا تَنتَفي مِن حَيثُ كانَت مُتَحيِّزةً‌(4). و هذا يوجِبُ كَونَها(5)موجودةً معدومةً في حالٍ‌(6)واحدةٍ‌.

فإن قيلَ‌: الذاتُ إذا كانَت واحدةً‌، و انتَفَت لأجلِ التضادِّ بَينَها(7)و بَينَ ما يَطرأُ عليها، وَجَبَ انتفاؤها مِن كُلِّ وَجهٍ كانَت عليه، و يَكونُ انتفاءُ الصفةِ التي لا تَضادَّ بَينَها(8)و بَينَ صفةِ الطارىِ علىٰ سَبيلِ‌(9)التَبعِ‌. و يَجري ذلكَ مَجرَى انتفاءِ العِلمِ عندَ وجودِ


1) . في «س، ص، ط»: «منه».

2) . في غير «أ»: - «متىٰ وُجد».

3) . في «أ»: «ينتفي».

4) . في «أ»: «ولا ينتفي من حيث كانت متحيّزاً».

5) . في «أ»: «كونه».

6) . في غير «أ»: «حالة».

7) . في «د، س، ص»: «بينهما».

8) . من قوله: «و بين ما يطرأ عليها» ساقط من «د».

9) . في «ص»: «علىٰ جهة».

الموتِ‌(1)و [انتفاءِ‌] الكَونِ عندَ عدمِ الجَوهرِ؛ في أنّهما يَنتَفيانِ تَبَعاً، لا للتضادِّ.

قُلنا: لا يَجوزُ انتفاءُ الذاتِ الباقيةِ إلّاللتضادِّ؛ إمّا بواسطةٍ‌، أو بِلا واسطةٍ‌. و انتفاءُ العِلمِ عندَ انتفاءِ الحياةِ مِن حَيثُ كانَ العِلمُ يَحتاجُ إلَى الحياةِ في وجودِه، فانتفاؤه(2)واجبٌ مع انتفاءِ الحياةِ‌؛ و كذلكَ القولُ في الكَونِ و انتفائه عندَ انتفاءِ الجَوهرِ. و هذا يُفارِقُ ما نَحنُ فيه مِن(3)الذاتِ الواحدةِ إذا فَرَضنا أنّها مُتَحيِّزةٌ سَوادٌ(4)في أنّ كَونَها علىٰ إحدَى الصفتَينِ لا يَحتاجُ‌(5)إلىٰ كَونِها علَى الأُخرىٰ‌؛ لجوازِ أن تَكونَ‌(6)سَواداً مِن غَيرِ أن تَكونَ مُتَحيِّزةً‌، و أن تَكونَ مُتَحيِّزةً مِن غَيرِ أن تَكونَ سَواداً.

فإن قيلَ‌: الأمرُ و إن كانَ علىٰ ما ذَكَرتم مِن أنّ إحدَى الصفتَينِ لا تَحتاجُ إلَى الأُخرىٰ كحاجةِ العِلمِ إلَى الحياةِ‌، فإنّ كَونَها مُتَحيِّزةً سَواداً يَحتاجُ‌(7)إلىٰ وجودِها. فإذا طَرأَ ضِدُّ السوادِ فانتَفَت الذاتُ مِن حَيثُ كانَت سَواداً و(8)خَرَجَت عن الوجودِ، وَجَبَ خروجُها عن التحيُّزِ أيضاً؛ لانتفاءِ الوجودِ الذي(9)تَحتاجُ‌(10)إليه كِلا الصفتَينِ‌.


1) . في «د»: + «والكون عند عدم وجود الموت».

2) . في غير «أ»: «فانتفاء العلم».

3) . في غير «أ»: «في».

4) . في «د»: «سواداً».

5) . في غير «س، ص»: «لا تحتاج».

6) . في «أ»: «يكون». وهكذا ما بعدها.

7) . في غير «س»: «تحتاج».

8) . في «س، ص»: «أو».

9) . في «س، ص، ط»: - «الذي».

10) . في «س»: «يحتاج».

قُلنا: الذاتُ إذا فَرَضنا كَونَها علىٰ هاتَينِ الصفتَينِ‌، فهي مِن حَيثُ كانَت علىٰ كُلِّ واحدةٍ منهما يَصِحُّ بقاؤها و استمرارُ الصفةِ لها إلىٰ أن يَطرأَ ما يُنافي هذه الصفةَ‌. فإذا طَرأ بياضٌ - علىٰ ما فَرَضناه - فإنّما حَصَلَ ما يُنافي السوادَ و يُضادُّه، دونَ ما يُنافي التحيُّزَ؛ فقَد حَصَلَ في هذه الذاتِ وَجهانِ‌: أحَدُهما يَقتَضي الانتفاءَ‌، و الآخَرُ يَقتَضي(1)الاستمرارَ. فيَجِبُ أن تَكونَ موجودةً معدومةً‌؛ لأنّها لَيسَ بأن تَنتَفيَ لأجلِ الموجِبِ للانتفاءِ بأَولىٰ مِن أن تَستَمِرَّ(2)لأجلِ الوجهِ المُقتَضي للاستمرارِ.

فإن قيلَ‌: ألّا(3)كانَت بِالانتفاءِ أَولىٰ؟ لأنّ الوجهَ المُقتَضيَ للانتفاءِ طارٍ(4)، و ما يَقتَضي الاستمرارَ باقٍ‌. و الطاري أَولىٰ بالتأثيرِ مِن الباقي(5)كَما(6)تَقولونَ في انتفاءِ الضدِّ بضِدِّه.

قُلنا: إنّما يُرجَّحُ‌(7)الطروُّ علَى البقاءِ في التأثيرِ في المَوضِعِ الذي تُقابِلُ‌(8)فيه صفةُ كُلِّ واحدٍ مِن الضدَّينِ لصفةِ‌(9)صاحبِه، و يَترجَّحُ‌(10)حُكمُ الطروِّ، فيَكونُ بالوجودِ


1) . في «ص»: «أحدهما مقتضي... و الآخر مقتضى».

2) . في «أ»: «يستمرّ».

3) . في «ص»: «إذا».

4) . في غير «د، ص»: «طاري».

5) . في «ص»: «أولىٰ من التأثير بالباقي».

6) . في «س، ص»: «فما».

7) . في «د»: «نرجّح». و في غير «أ، د»: «ترجّح».

8) . في «أ، ص»: «يقابل».

9) . في «أ»: «بصفة».

10) . في «أ»: «ويرجّح».

أحَقَّ‌. و ما نَحنُ فيه بخِلافِ ذلكَ‌؛ لأنّ الذاتَ إذا كانَت مُتَحيِّزةً سَواداً، ففيها وَجهانِ يَقتَضي كُلُّ واحدٍ منهما استمرارَ وجودِها، و البياضُ الطاري الذي فَرَضناه إنّما قابَلَ إحدَى(1)الصفتَينِ دونَ الأُخرىٰ‌؛ و إنّما كانَ يَجِبُ أن(2)يَترجَّحَ طُروُّه لَو لَم تَكُن هذه الذاتُ ممّا يَقتَضي استمرارَ(3)وجودِها إلّاهذا الوجهُ الواحدُ الذي قابَلَه بصفتِه، و تَرجَّحَ‌(4)عليه بطُروِّه؛ فأمّا إذا كانَ هُناكَ وَجهٌ آخَرُ لا مُقابَلةَ بَينَه و بَينَ هذا(5)الضدِّ، فكَيفَ يَنتَفي به مع عدمِ التضادِّ و المُنافاةِ؟ و أيُّ‌(6)تأثيرٍ و ترجيحٍ للطروِّ و لا مُقابَلةَ بَينَهما و لا تَضادَّ فيُرجَّحَ بالطروِّ؟

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَمنَعَ مِن كَونِ الذاتِ الواحدةِ علَى الصفتَينِ لِما يؤَدّي إليه مِن الفَسادِ.(7)

و ذلكَ‌: أ نّه لا يَجوزُ التمسُّكُ بالأصلِ المؤَدّي إلىٰ أمرٍ مِن الأُمورِ، ثُمَّ الامتناعُ مِن القولِ المؤَدّي إليه؛ بَل يَجِبُ إذا امتَنَعنا مِن فاسدٍ أن نَمتَنِعَ مِن مُقتَضيهِ و المؤَدّي إليه. فلَو جازَت هذه الطريقةُ لَجاز لقائلٍ أن يَذهَبَ إلىٰ أنّ قُدَرَنا(8)


1) . في «د»: «أحد».

2) . في «أ»: - «يجب أن».

3) . في «أ»: «باستمرار».

4) . في «أ»: «ويرجّح».

5) . في «د»: - «هذا».

6) . في «أ»: «فأيّ‌».

7) . أي ليس لأحد أن يقول بأنّ الجوهر يكون متحيّزاً بالفاعل، ثمّ يمنع ممّا يؤدّي إليه هذا القول من كون الذات الواحدة علىٰ صفتين، و يكون سبب منعه من ذلك هو ما يؤدّي إليه هذا اللازم من الفساد.

8) . في «أ»: «إلىٰ أنّ قدر ما». و في «د»: «إلىٰ أنّ قدرتنا». و في «س، ص»: «إلىٰ قدر ما». و في «ط»: «إلىٰ قدرنا».

تَتعلَّقُ‌(1)بالجواهرِ و يَقولَ‌: «إنّما لا يَقَعُ مِنّا فِعلُها لِما يؤَدّي إليه مِن اجتماعِ جَوهرَينِ في حَيِّزٍ واحدٍ إن فَعَلناها مُباشَرةً‌، أو امتلاءِ الظروفِ الفارغةِ‌(2)إذا واصَلنا(3)الاعتمادَ فيها إن فَعَلناها علىٰ سَبيلِ التوليدِ» و يَكونَ مُتَمسِّكاً مع هذا الامتناعِ بالقولِ المؤَدّي إليه، و هو أنّ القُدَرَ(4)مُتَعلِّقةٌ بالجَواهرِ.

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ‌: فأنتم تَمتَنِعونَ‌(5)مِن وجودِ الحياةِ في مَوضِعِ الاتّصالِ بَينَ زَيدٍ و عَمرٍو؛ لِما يؤَدّي إليه مِن فَسادٍ(6). فكَيفَ عِبتُم مِثلَه‌؟

و ذلكَ‌: أنّا لَم نَمتَنِعْ‌(7)مِن وجودِ الحياةِ بحَيثُ الاتّصالِ لِما يؤَدّي إليه مِن الفَسادِ؛ بَل لوجهٍ صحيحٍ ثابتٍ‌، وهو أنّ كَونَ‌(8)العضوِ الواحدِ بعضاً لحَيَّينِ في حُكمِ المُتَنافي؛ لأنّ مِن شأنِ ما يَكونُ بعضاً لزَيدٍ أن لا يَكونَ بعضاً لغَيرِه. و هذا وَجهٌ معقولٌ لا يُمكِنُ أن يُشارَ إلىٰ مِثلِه في المَنعِ مِن كَونِ الجوهرِ سَواداً.

فإن قيلَ‌: نَحنُ نُشيرُ إلىٰ حُكمٍ يوجِبُ التنافيَ فنَقولُ‌: إنّ كَونَ الذاتِ سَواداً يَقتَضي أن تَنتَفيَ‌(9)بالبياضِ‌، و كَونَها مُتَحيِّزةً يَقتَضي أن لا تَنتَفيَ‌(10)به؛ و هذانِ حُكمانِ مُتَنافيانِ‌.


1) . في «د، ط»: «نتعلّق». و في «أ، س، ص»: «يتعلّق».

2) . في «د، س، ص، ط»: «الفارقة».

3) . في «أ»: «وصلنا».

4) . في «د، س، ص»: «القدرة».

5) . في غير «أ»: «تمنعون».

6) . في «أ»: «الفساد».

7) . في «ص» و حاشية «س»: «لم نمنع».

8) . في «أ، ص»: «أن يكون».

9) . في «س، ص»: «تُنفى».

10) . في «أ»: «لا ينتفي».

قُلنا: كَونُ المُتَحيِّزِ مُتَحيِّزاً لَيسَ بمُقتَضٍ‌(1)أن لا يَنتَفيَ بالبياضِ‌؛ لأنّ التنافيَ إذا كانَ مقصوراً علىٰ أمرٍ، فالذي له لا يقعُ التنافي زَوالُ ذلكَ الأمرِ؛ سَواءٌ حَصَلَت صفةٌ أُخرىٰ أَم لَم تَحصُلْ‌(2). و لهذا نَفَينا أن يَكونَ للعاجزِ بكَونِه عاجزاً حالٌ‌؛ لأنّ صحّةَ الفعلِ إذا اقتَضاها كَونُ القادرِ قادراً، فبخُروجِه مِن هذه الصفةِ يَتعذَّرُ(3)الفعلُ‌؛ حَصَلَت صفةٌ أُخرىٰ أَم(4)لَم تَحصُلْ‌، فإثباتُه علىٰ صفةٍ لأَجلِ تَعذُّرِ الفعلِ إثباتُ‌(5)صفةٍ لا حُكمَ لها. و إذا كانَ البياضُ إنّما يَنفي ما يُخالِفُه(6)مِن الألوانِ‌، فخروجُ الذاتِ مِن أن تَكونَ لَوناً يُخالِفُ البياضَ يَكفي في عدمِ المُنافاةِ للبياضِ‌؛ فلا حَظَّ للتحيُّزِ في الحُكمِ المُشارِ إليه، و هو أن لا يَنتَفيَ بالبياضِ‌.(7)

فإن قيلَ‌: إن(8)كانَ كُلُّ حُكمٍ عَقَلناه في العدمِ يَجِبُ أن يَكونَ له مُقتَضٍ ثابتٌ‌(9)في الحالِ‌، فهذا يوجِبُ عليكم أن تَقولوا(10): «إنّ الجواهرَ المعدومةَ التي بها يَدخُلُ زَيدٌ في أن يَكونَ شَخصاً بعَينِه، إنّما(11)اختَصَّت به، و لَم يَجُز


1) . في «أ»: «ليس يقتضي». و في «د»: - «بمقتضٍ‌».

2) . في «أ»: «أو لم يحصل».

3) . في «ج»: «بتعذّر».

4) . في «أ»: «أو».

5) . خبر «فإثباتُه».

6) . في «أ»: «ينتفي بما يخالفه».

7) . أي أنّ عدم كون الذات لوناً - أسود أو أحمر أو غير ذلك - مخالفاً للبياض يكفي للحكم عليها بأنّها لا تنتفي بالبياض، و لا حاجة لإثبات صفة وجوديّة - و هي التحيّز - لتحقّق ذلك الحكم.

8) . في «س، ص»: «إذا».

9) . في «أ»: «ثابتاً».

10) . في «أ»: «أن تقولون»، و هو سهو.

11) . في غير «د»: «إذا».

أن تَكونَ‌(1)مِن جُملةِ غَيرِه» و هذا حُكمٌ معقولٌ قد اختَصَّ في حالِ العدمِ بمُقتَضٍ‌(2)لذلكَ‌، و أنتم لا تُشيرونَ إلىٰ مُقتَضٍ لهذا الحُكمِ البتّةَ‌؛ فألّا جازَ لنا في الذاتِ التي مِن شأنِها إذا وُجِدَت أن يَجِبَ تَحَيُّزُها، أن نَنفيَ‌(3)مُقتَضياً لهذا الحُكمِ فيها(4)؟(5)

قُلنا: كُلُّ حُكمٍ متىٰ عَلَّلناه(6)لَم يُمكِنْ‌(7)إسنادُه إلىٰ عِلّةٍ صحيحةٍ‌، فيَجِبُ الامتناعُ مِن تعليلهِ‌؛ والأُصولُ كُلُّها شاهدةٌ بذلكَ‌. و قد عَلِمنا أنّ اختصاصَ بعضِ الجواهرِ بحَيٍّ دونَ آخَرَ ممّا لا يُمكِنُ تعليلُه؛ لأنّا إن عَلَّلناه بالنفسِ‌(8)وَجَبَ أن يَشيعَ هذا الحُكمُ في جنسِ‌(9)الجواهرِ؛ و معلومٌ فَسادُ ذلكَ‌. و إن عَلَّلناه بعِلّةٍ فالجواهرُ المعدومةُ‌(10)لا يَجوزُ أن تُعَلَّلَ أحكامُها(11)في حالِ العدمِ بعِلّةٍ‌؛ لأنّ مِن شأنِ العِلّةِ أن تَختَصَّ بالمُعلَّلِ‌، و إنّما تَختَصُّ الجَوهرَ(12)بأن توجَدَ فيه، و المعدومُ‌


1) . في «د، س»: «يكون».

2) . في «أ»: «مقتضٍ‌».

3) . في «د»: «ينتفي». و في «ب»: «تنفي».

4) . في «أ»: - «فيها».

5) . أي كما قبلنا بعدم وجود مقتضٍ لاختصاص زيد ببعض الجواهر المعدومة، فلنقبل بعدم وجود مقتضٍ للحكم بوجوب تحيّز الجواهر عند وجودها. و هذا الإشكال ناظر إلىٰ أصل الدليل المتقدّم علىٰ وجوب تحيّز الجوهر عند وجوده، و الذي طُرحت فيه تسعة وجوه و مقتضيات لذلك، فالإشكال يقول بأنّه لا حاجة للبحث عن مقتضٍ لهذا الحكم.

6) . في «أ»: «علّلنا».

7) . في «أ»: «لم تكن» و و الأنسب: «و لم يمكن».

8) . أي بالذات.

9) . في «أ»: «حيّز».

10) . في «ج»: «المعلومة».

11) . في «ج»: «أحكامهما».

12) . في «أ»: «الجواهر».

لا يَجوزُ عليه ذلكَ‌. و إن عَلَّلناه(1)بالفاعلِ فهو أيضاً باطلٌ‌؛ لأنّ تأثيرَ الفاعلِ‌(2)إنّما يَكونُ فيما حَدَثَ‌، دونَ ما العدمُ مُستَمِرٌّ له. فبَطَلَ تعليلُ هذا الحُكمِ‌. و لَيسَ كذلكَ ما أشَرنا إليه مِن وجوبِ تَحيُّزِ الجَوهرِ متىٰ وُجِدَ؛ لأنّ تعليلَ هذا الحُكمِ مُمكِنٌ بصفةِ الذاتِ‌؛ لأنّه شائعٌ في جنسِ‌(3)الجواهِر، وكُلُّ حُكمٍ عَقَلناه فالأصلُ فيه التعليلُ إلّالمانعٍ‌.

[الدليل الثاني]

دليلٌ آخَرُ: و ممّا يُمكِنُ أن يُستَدَلَّ به علىٰ أنّ كَونَ المُتَحيِّزِ مُتَحيِّزاً(4)لا يَكونُ بالفاعلِ‌: أ نّه لَو كانَ بالفاعلِ لَجازَ أن يَجعَلَه بصفةِ جنسٍ آخَرَ، مِن كَونٍ أو غَيرِه. و لَو صَحَّ أن تَكونَ‌(5)الذاتُ بصفةِ التحيُّزِ و الكَونِ لَصَحَّ فيما نَقدِرُ(6)عليه مِن الأكوانِ أن يَكونَ بهاتَينِ الصفتَينِ‌؛ فكانَ يَصِحُّ مِن أحَدِنا أن يَجعَلَ مقدورَه مِن الكَونِ بصفةِ التحيُّزِ؛ لأنّه لا تَنافيَ بَينَ الصفتَينِ‌، علىٰ ما قَدَّمناه.

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ‌: إنّ أحَدَنا لا يَقدِرُ علىٰ تحصيلِ ذاتٍ مِن الذواتِ بصفةِ التحيُّزِ، و إن قَدَرَ علىٰ ذلكَ القَديمُ سُبحانَه(7)كَما أنّه تَعالىٰ‌(8)عندَكم قادرٌ علىٰ‌


1) . في «أ»: «علّلنا».

2) . في «أ»: - «فهو أيضاً باطل؛ لأنّ تأثير الفاعل».

3) . في «أ»: «حيّز».

4) . في «د»: «علىٰ كون أنّ المتحيّز متحيّزاً». و في «ص»: «علىٰ كون المتحيّز متحيّزاً أن».

5) . في «أ»: «يكون».

6) . في «أ»: «بقدر». و في «د»: «تقدر». و في «س، ص، ط»: «يقدر».

7) . في «أ»: «و إن قدر القديم تعالىٰ علىٰ ذلك».

8) . في «ج»: - «كما أنّه تَعالىٰ‌».

إيجادِ جنسِ الجواهرِ(1)و إن لَم نَكُن(2)قادرينَ علىٰ ذلكَ‌.

و ذلكَ‌: أنّ مِن شأنِ الصفاتِ التي تَكونُ بالفاعلِ أن لا يَقَعَ بَينَ الفاعلِينَ فيها(3)اختصاصٌ‌، فمَن قَدَرَ علىٰ بعضِها قَدَرَ علىٰ سائرِها. أ لا تَرىٰ أنّ كلامَ أحَدِنا لمّا صَحَّ أن يَكونَ خبراً و أمراً و علىٰ سائرِ ضروبِ الكلامِ‌، وَجَبَ فيمن قَدَرَ علىٰ‌(4)أن يَجعَلَه علىٰ بعضِ هذه(5)الصفاتِ أن يَكونَ قادراً علىٰ جَعلِه علىٰ سائرِها؟ و إذا كانَ الكَونُ إنّما يَكونُ علىٰ هذه الصفةِ بالفاعلِ‌، و هو ممّا يَصِحُّ أن يَكونَ مُتَحيِّزاً بالفاعلِ أيضاً، فيَجِبُ فيمن قَدَرَ علىٰ أن يَجعَلَه كَوناً أن يَجعَلَه مُتَحيِّزاً؛ لعدمِ الاختصاصِ بَينَ صفاتِ الفاعلِ‌.

و لَيسَ يُمكِنُ أن يُقالَ‌: إنّ الأكوانَ مِن فِعلِ اللّٰهِ تَعالىٰ يَصِحُّ أن تَكونَ بصفةِ التحيُّزِ(6)، دونَ الأكوانِ التي في مقدورِنا.

و ذلكَ‌: أنّا نَقدِرُ مِن الأكوانِ علىٰ أنواعِ و(7)أجناسِ ما يَقدِرُ القَديمُ تَعالىٰ عليه مِن ذلكَ‌، و مُحالٌ أن يَصِحَّ فيما يَقدِرُ تَعالىٰ عليه مِن الأكوانِ أن يَحصُلَ علىٰ صفةٍ لا يَصِحُّ فيما نَقدِرُ عليه منها أن تَكونَ علىٰ تلكَ الصفةِ‌؛ لأنّ ما يَجوزُ علَى الجنسِ و النوعِ مِن هذه الصفاتِ لا يَتخصَّصُ‌، كَما لَم يَتخصَّصْ ما يَكونُ عليه جنسُ‌


1) . في «أ»: «الجوهر».

2) . في «أ»: «لم تكن».

3) . في «ص» و حاشية «س»: «بها».

4) . في «أ»: - «علىٰ‌».

5) . في «أ»: - «هذه».

6) . في «أ»: «يصحّ أن يكون التحيّز».

7) . في «أ»: - «و».

الصوتِ و نَوعُه - فيما يَكونُ‌(1)عليه مِن الصفاتِ المُستَنِدةِ‌(2)إلَى الفاعلِ‌، ككَونِه(3)خبراً و أمراً - بقَديمٍ دونَ مُحدَثٍ‌، و قادرٍ دونَ قادرٍ.

[الدليل الثالث]

دليلٌ آخَرُ: قد عَلِمنا أنّ الاختصاصَ فيما تَحصُلُ‌(4)عليه المقدوراتُ بالفاعلِ مُرتَفِعٌ‌، و إن جازَ الاختصاصُ في الأجناسِ و الأعيانِ‌؛ فلَو صَحَّ في قادرٍ مِن القادرِينَ أن يَجعَلَ مقدورَه مُتَحيِّزاً، لَصَحَّ ذلكَ مِنّا في مقدورِنا.

و لا يَجوزُ أن يُفرَّقَ بَينَ الخبرِ و الأمرِ و التحيُّزِ بأنّ صفاتِ الكلامِ كُلَّها(5)تَدخُلُ في مقدورِنا، ولَيسَ كذلكَ التحيُّزُ.

و ذلكَ‌: أنّا قد بيّنّا(6)أنّ ما يَتعلَّقُ بالفاعلِ لا يَختَصُّ لأجلِ تَعلُّقِه به(7)فلَو صَحَّ في بعضِ الفاعِلينَ جَعلُ ذاتٍ بصفةِ التحيُّزِ، لَصَحَّ ذلكَ مِن كُلِّ قادرٍ، كَما قُلناه في الخبرِ و الأمرِ.(8)

[9، 8.] و لَم يَبقَ بَعدَ ما أبطَلناه مِن الأقسامِ إلّاأن يَكونَ التحيُّزُ راجعاً إلىٰ نَفسِ الجَوهرِ بِلا واسطةٍ‌، أو يَكونَ راجعاً إلىٰ‌(9)ما هو عليه في نَفسِه. و أيُّ الأمرَينِ كانَ‌


1) . في «أ»: «لم يكن».

2) . في «أ»: «المستند».

3) . في «أ»: «لكونه».

4) . في «أ»: «يحصل».

5) . في «أ»: - «كلّها».

6) . تقدّم آنفاً.

7) . في «أ»: - «به».

8) . تقدّم آنفاً.

9) . في «د، س، ص، ط»: «علىٰ‌».

فقَد ثَبَتَ ما أرَدناه و بَنَينا الكلامَ عليه، مِن وجوبِ تَحيُّزِ الجَوهرِ مع الوجودِ، و أنّه لا يَجوزُ أن يَكونَ علىٰ خِلافِ هذه الصفةِ‌.

و ما أَوجَبَ كَونَه مُتَحيِّزاً مع الوجودِ(1)لا يَجوزُ أن يَكونَ ممّا يَحصُلُ للجَوهرِ في حالِ وجودِه؛ لأنّه كانَ لا يَنفَصِلُ مِن التحيُّزِ(2)، فلا(3)تَكونُ تلكَ الصفةُ بأن تَقتَضيَ‌(4)التحيُّزَ بأَولىٰ مِن أن يَكونَ التحيُّزُ يَقتَضيها؛ لاقترانِهما.

و أيضاً فإذا عَلِمنا وجوبَ تَحيُّزِ الجَوهرِ متىٰ وُجِدَ، و(5)مُفارَقتَه(6)لسائرِ الأجناسِ في هذا الحُكمِ‌، و قد عَلِمنا أنّ هذا الحُكمَ الذي هو وجوبُ التحيُّزِ(7)حاصلٌ له في حالِ‌(8)العدمِ‌، فيَجِبُ أن يَكونَ مُقتَضيهِ أيضاً حاصلاً في هذه الحالِ‌؛ لأنّ الحُكمَ لا يَجوزُ أن يَجِبَ‌(9)في حالٍ و(10)المؤثِّرُ فيه مُنتَظَرٌ.

و لَيسَ لأحَدٍ أن يَقولَ‌: قد اختَصَّ الجَوهرُ عندَكم بهذه الصفةِ في العدمِ‌، دونَ سائرِ الذواتِ‌؛ فيَجِبُ أن تَقتَضيَها صفةٌ أُخرىٰ‌. و القولُ في الصفةِ الثانيةِ كالقولِ في الصفةِ الأُولىٰ‌.


1) . في «س، ص»: «الوجوه».

2) . في حال وجوده.

3) . في «أ»: «ولا».

4) . في «أ»: «يقتضي».

5) . في «أ»: «وجدوا مفارقته».

6) . في غير «أ»: + «له».

7) . في «س»: «وجوب للتحيّز». وفي «ص»: «الوجوب للتحيّز».

8) . في غير «أ»: - «حال».

9) . في «أ»: «يوجب».

10) . في «أ»: - «و».

و ذلكَ‌: أنّ الاختصاصَ يَقتَضي ما يَستَنِدُ إليه، و صفةُ الذاتِ مُقتَضَى الذاتِ‌، و ذلكَ يُغني عن صفةٍ أُخرىٰ تَستَنِدُ(1)إليها.

إبطال بعض الأدلّة التي أُقيمت لإثبات أنّ الجوهر جوهر في حال العدم

[أوّلاً:]

و لا يَجوزُ أن يُستَدَلَّ علىٰ أ نّه «لا بُدَّ في كُلِّ جنسٍ‌، مِن جَوهرٍ و غَيرِه، مِن صفةٍ يَكونُ عليها في العدمِ‌» بما يَمضي(2)كَثيراً في الكُتُبِ‌(3)مِن أنّ‌(4)الذاتَينِ لا بُدَّ مِن أن يَكونا مُختَلِفتَينِ أو مُتَماثِلتَينِ‌، و أنّ تَعاقُبَ ذلكَ عليهما واجبٌ‌؛ لأنّه إمّا أن تَكونَ كُلُّ واحدةٍ منهما تَسُدُّ مَسَدَّ الأُخرىٰ فيما يَرجِعُ إلىٰ ذاتِها(5)، أو لا تَسُدُّ(6)مَسَدَّها في ذلكَ‌، و المُماثَلةُ مُستَفادةٌ مِن القِسمِ الأوّلِ‌، و المُخالَفةُ‌(7)مُستَفادةٌ مِن القِسمِ الثاني.

و إذا ثَبَتَ أنّ الجَوهرَ المعدومَ مَثَلاً(8)يُخالِفُ الأعراضَ في حالِ عدمِه - علَى الحَدِّ الذي بيّنّاه - و ثَبَتَ أنّ المُخالَفةَ لا بُدَّ مِن(9)أن تَكونَ بصفةٍ‌(10)مِن الصفاتِ‌، فلا بُدَّ في المعدومِ مِن أن يَكونَ علىٰ صفةٍ يُخالِفُ بها(11).


1) . في «أ»: «يستند».

2) . في «أ»: «مضىٰ‌».

3) . انظر مثلاً: المسائل في الخلاف، ص 44-45.

4) . في غير «د، ص»: - «أنّ‌».

5) . في «أ»: «ذاتهما».

6) . في «أ»: «لا يسدّ».

7) . في «أ»: - «مستفادةٌ من القسم الأوّل، و المخالفة».

8) . في غير «أ»: - «مثلاً».

9) . في «أ»: - «من».

10) . في «أ»: «لصفةٍ‌».

11) . في «أ»: «فلا بدّ في المعدوم أن تكون علىٰ صفة نخالف فيها».

و الدليلُ علىٰ أنّ الذاتَ إنّما تُخالِفُ غَيرَها بصفةٍ مِن الصفاتِ‌: أ نّه لا يَصِحُّ أن تُخالِفَها(1)بكَونِها ذاتاً؛ لأنّ في الذواتِ مُشتَبِهاً و مُختَلِفاً. و لا تَصِحُّ‌(2)المُخالَفةُ بعِلّةٍ مِن العِلَلِ أو بجَعلِ الجاعلِ‌؛ لأنّ ذلكَ مُنتَظَرٌ في المعدومِ‌(3)، و المُخالَفةُ حاصلةٌ في الحالِ‌(4). فثَبَتَ أ نّه لا بُدَّ مِن كَونِ المعدومِ علىٰ صفةٍ‌.

و يُفسِدُ(5)هذه الطريقةَ‌: أنّها مَبنيّةٌ‌(6)علىٰ مَحضِ الدعوىٰ‌، و هي أنّ المعدومَ لا يَخلو مِن أن يَكونَ مُماثِلاً أو مُخالِفاً؛ و إذا فَسَّروا المُماثِلَ بأنّه «ما سَدَّ مَسَدَّ غَيرِه فيما يَرجِعُ إلىٰ ذاتِه» فمَن يُسلِّمُ‌(7)لهُم في المعدومِ أ نّه علىٰ صفةٍ تَرجِعُ إلىٰ ذاتِه‌؟ و مَن نَفىٰ عن المعدومِ كُلَّ الصفاتِ و عَرّاه منها، معلومٌ أ نّه لا يُوافِقُ علىٰ ذلكَ و لا يُسلِّمُه.

و وَجَدتُ‌ بعضَ مَن نَصَرَ هذا الدليلَ يُجيبُ عن هذا الاعتراضِ الذي ذَكرناه بأن يَقولَ‌: لَو ثَبَتَ أنّ صفةَ الذاتِ لا يَختَصُّ بها إلّاالموجودُ، لَجازَ أن نَقولَ في المعدومِ‌: إنّه لا بُدَّ أن يَكونَ إمّا أن يَسُدَّ مَسَدَّه فيها، أو لا يَكونَ كذلكَ‌.

و هذا غَيرُ نافعٍ‌؛ لأنّ المُخالِفَ يَقولُ‌: إنّ المعدومَ لا يَسُدُّ مَسَدَّ الموجودِ في صفةِ الذاتِ التي يَختَصُّ بها الموجودُ؛ لأنّ نَفيَ صفةِ‌(8)الذاتِ لا يُنافي العدمَ‌(9)، و إنّما


1) . في «أ»: «يخالفها».

2) . في «د»: «ولا يصلح».

3) . إلىٰ أن يوجد.

4) . أي في حال العدم.

5) . في غير «أ»: «و تفسد».

6) . في «د»: «مبتنية».

7) . في «أ»: «سلّم».

8) . في «أ»: «صفات». و في «س»: - «صفة».

9) . في «أ»: «المعدوم». و في «ط»: «العدوم».

يُنافيهِ ثُبوتُ الصفاتِ‌(1). و إذا أرَدتُم بالمُخالِفِ ما لَيسَ علىٰ هذه الصفةِ‌، فالمعدومُ مُخالِفٌ لِما اختَصَّ بهذه الصفةِ‌. فإن عُدتم إلىٰ أنّ الخِلافَ لا يَكونُ إلّابصفةٍ اختَصَّ بها المُخالِفُ‌(2)، نازَعناكم في ذلكَ و قُلنا: أنتم تَقولونَ خِلافَ هذا؛ لأنّكم تَحُدّونَ‌(3)المُماثِلَ بأنّه ما سَدَّ(4)مَسَدَّ غَيرِه فيما يَرجِعُ إلىٰ ذاتِه، و تَحُدّونَ‌(5)المُخالِفَ بأنّه ما لَيسَ له هذه الصفةُ‌؛ فمِن أينَ بَعدَ هذا أ نّه مع نَفيِ اختصاصِه(6)بتلكَ الصفةِ لا بُدَّ مِن أن يَكونَ علىٰ صفةٍ أُخرىٰ‌، و يَكفي في كَونِه مُخالِفاً نَفيُ اختصاصِه بما يَقتَضي التماثُلَ؟

و رُبَّما نُصِرَت(7)هذه الطريقةُ بأن يُقالَ‌: إنّ المعدومَ لا يَخلو مِن أن يَسُدَّ مَسَدَّ غَيرِه فيما يَرجِعُ إلَى الذاتِ متىٰ حَصَلَ موجوداً، أو لا يَكونَ كذلكَ‌. و هذا ممّا لا يُمكِنُ دَفعُنا عنه.

و هذا أيضاً لا يَكفي؛ لأنّ المُخالِفَ في هذه المسألةِ يَقولُ‌: إنّ المعدومَ في حالِ عدمِه لَيسَ علىٰ صفةٍ مِن الصفاتِ‌، فإذا قَدَّرنا وجودَه فإنّما يَحصُلُ مِن الصفاتِ علىٰ ما يَجعَلُه الفاعلُ عليه؛ فإن جَعَلَه بصفةِ جنسٍ مخصوصٍ كانَ سادّاً مَسَدَّه متىٰ وُجِدَ، و إن جَعَلَه بصفةِ جنسٍ آخَرَ فعلىٰ هذا.


1) . في «أ»: «الذات».

2) . في «د، س، ص»: «المخالفة».

3) . في «س، ط»: «تجدون».

4) . في «أ»: «المتماثل بأنّه يسدّ».

5) . في «س، ص»: «و تجدون».

6) . أي المخالف، و هو المعدوم في محلّ البحث.

7) . في «أ»: + «من».

فإن عُدِلَ‌ إلىٰ أن يُدَّعىٰ أنّ المعدومَ لا يَجوزُ أن يَكونَ علىٰ هذه الصفاتِ‌(1)التي تَستَنِدُ إلَى الذاتِ - مِن التحيُّزِ و ما أشبَهَه(2)- بالفاعلِ‌، و أنّ مِن الواجبِ إذا اختَصَّ في الوجودِ ببعضِ هذه الصفاتِ أن يَختَصَّ بها متىٰ وُجِدَ. فهذا انتقالٌ إلىٰ الطريقةِ التي تَقدَّمَ‌(3)بيانُنا لها و كلامُنا(4)عليها، و بيّنّا فيها(5): أنّ الجَوهرَ إذا وَجَبَ تَحيُّزُه عندَ الوجودِ - و هذا حُكمٌ ثابتٌ له في العدمِ دونَ سائرِ الأجناسِ - فلا بُدَّ مِن مُقتَضٍ حاصلٍ في العدمِ‌. و إنّما طَعَنّا(6)علىٰ ما يُخالِفُ هذه الطريقةَ‌.

[ثانياً:]

فأمّا مَن اعتَمَدَ - في أنّ المعدومَ لا بُدَّ مِن اختصاصِه بصفةٍ - علىٰ أ نّه لَو لَم يَختَصَّ بذلكَ لَما صَحَّ العِلمُ به علىٰ سَبيلِ التفصيلِ‌، و قد عَلِمنا أ نّه تَعالىٰ يَعلَمُ المعدوماتِ كُلَّها علىٰ سَبيلِ التفصيلِ و يُميِّزُ بعضَها مِن بعضٍ‌، و لَولا هذه الجُملةُ‌(7)لَما صَحَّ منه تَعالىٰ أن يُعيدَ الجواهرَ بَعدَ الفَناءِ‌.(8)

فقَولُه أيضاً يَفسُدُ، و طريقتُه هذه(9)مُعتَرَضةٌ بأن يُقالَ له: لِمَ زَعَمتَ‌(10)أنّ العِلمَ‌


1) . في «أ»: «الصفة».

2) . في «د، س، ص، ط»: «وما أشبه».

3) . في «ج، ط»: «يقدّم».

4) . في «أ»: «بيانها وكلّمنا».

5) . تقدّم في ص 70-71.

6) . في «أ»: «قطعنا». و في «س، ط»: «طعنّاه».

7) . في «أ»: - «الجملة».

8) . راجع: المسائل في الخلاف، ص 45.

9) . في «أ»: - «هذه».

10) . في «أ»: - «لم زعمت».

علىٰ سَبيلِ التفصيلِ يَقتَضي إثباتَ المعلومِ علىٰ صفةٍ لَيسَ المعلومُ الآخَرُ المُتَميِّزُ(1)منه عليها؟ أَوَ لَيسَ مِن قولِكَ‌: «إنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يَعلَمُ أجزاءَ السوادِ المُختَصّةَ متىٰ وُجِدَت بمَحلٍّ بعَينِه علىٰ سَبيلِ التفصيلِ‌، و إن كانَ لا صفةَ لبعضِ هذه الأجزاءِ‌(2)تَختَصُّ بها في حالِ العدمِ إلّاو هي حاصلةٌ لباقي الأجزاءِ‌»؟ و إذا(3)جازَ أن يُفصَلَ بَينَ ذاتَينِ لا صفةَ لإحداهما إلّاو هي للأُخرىٰ‌، جازَ أن يُفصَلَ بَينَ ذاتَينِ في حالِ العدمِ و إن كانَ لا صفةَ في تلكَ الحالِ لكُلِّ واحدةٍ منهما.

مناقشة بعض فقرات كلام السائل

فأمّا ما مضىٰ‌ في أثناءِ السؤالِ‌، مِن تَنافي كَونِ الذاتِ الواحدةِ سَواداً مُتَحيِّزةً‌؛ مِن حَيثُ كانَ مِن شأنِ السوادِ أن يَكونَ غَيرَ مُتَحيِّزٍ(4)، و(5)ما مِن شأنِه أن يَكونَ غَيرَ مُتَحيِّزٍ كَيفَ يُجعَلُ مُتَحيِّزاً؟

فلَيسَ بصَحيحٍ‌؛ لأنّ السوادَ إنّما يَجِبُ أن يَكونَ غَيرَ مُتَحيِّزٍ إذا عَلِمنا بدَليلٍ قاطعٍ أ نّه لَم يَكُن سَواداً بالفاعلِ و لا المُتَحيِّزَ يَكونُ مُتَحيِّزاً بالفاعلِ‌(6)، و(7)أنّ السوادَ إنّما يَكونُ كذلكَ لذاتِه و كذلكَ المُتَحيِّزُ إنّما يَكونُ مُتَحيّزاً لِما يَرجِعُ إلىٰ ذاتِه؛ فتُثمِرُ(8)


1) . في غير «د»: «المميّز».

2) . في «أ»: + «أن».

3) . في «أ»: «فإذا».

4) . في «أ»: «من حيث كان السواد أن يكون غير متحيّزة».

5) . في «ج»: - «من حيث كان من شأن السواد أن يكون غير متحيّز، و».

6) . أي و أنّه لم يكن المتحيّز متحيّزاً بالفاعل.

7) . أي و علمنا أيضاً.

8) . في «أ»: «فيميّز».

لنا هذه المُقدِّماتُ أنّ السوادَ يَجِبُ أن يَكونَ غَيرَ مُتَحيِّزٍ. و إذا لَم يَتقدَّمِ العِلمُ بذلكَ‌، و جَوَّزنا كَونَه سَواداً أو مُتَحيِّزاً بالفاعلِ‌، فلَيسَ يُعلَمُ‌(1)أنّ مِن شأنِ السوادِ أن يَكونَ غَيرَ مُتَحيِّزٍ.

فأمّا ما مضىٰ أيضاً في خِلالِ الكلامِ‌، مِن المُعارَضةِ بأنّ الفعلَ الواحدَ لا يَكونُ حَسَناً قَبيحاً بالفاعلِ‌، مع ارتفاعِ التضادِّ بَينَ الحَسَنِ و القَبيحِ‌؛ ليَكونَ ذلكَ طَعناً علينا فيما أَوجَبناه مِن جوازِ جَعلِ الفاعلِ الذاتَ الواحدةَ سَواداً مُتَحيِّزةً‌؛ لنَفيِ‌(2)التضادِّ بَينَ التحيُّزِ و السوادِ(3).

فهو أيضاً غَيرُ صحيحٍ‌؛ لأنّ الحَسَنَ و القَبيحَ و إن لَم يَكُن بَينَهما تَضادٌّ، فالحَسَنُ لا يَكونُ حَسَناً(4)إلّاو قد انتَفَت عنه وجوهُ القُبحِ كُلُّها، و القَبيحُ لا يَكونُ قَبيحاً إلّاو فيه وَجهٌ مِن وجوهِ القُبحِ‌. فإذا كانَ الشيءُ حَسَناً قَبيحاً، فقَد أثبَتنا ما نَفَيناه بعَينِه؛ لأنّا إذا جَعَلناه حَسَناً فقَد نَفَينا عنه وجوهَ القُبحِ‌، و إذا جَعَلناه مع ذلكَ قَبيحاً فقَد أثبَتنا وَجهاً مِن وجوهِ القُبحِ‌؛ و هذا إثباتٌ للمَنفيِّ‌(5)بعَينِه، و هو آكَدُ في الاستحالةِ مِن التضادِّ.

فأمّا ما مضىٰ أيضاً في خِلالِ الكلامِ‌، مِن المُعارَضةِ بالخبرِ و الأمرِ، و جَعلِ بعضِ الكلامِ بصِفتِهما(6)معاً في حالةٍ واحدةٍ‌.


1) . في «أ»: «فليس نعلم».

2) . كذا، و الأنسب: «لانتفاء».

3) . في «أ»: «بين السواد و التحيّز»؛ بتقديم و تأخير.

4) . في «د»: - «حَسَناً».

5) . في «أ»: «المنتفي».

6) . في «س، ص، ط»: «بصفتها».

فهو غَيرُ مُمتَنِعٍ‌؛ لأنّه لا تَضادَّ بَينَ كَونِ الكلامِ خبراً و أمراً، و لا ما يَجري مَجرَى التضادِّ، و لا إثباتَ للمَنفيِّ بعَينِه كَما قُلنا في الحَسَنِ و القَبيحِ‌(1)و لَيسَ بمُمتَنِعٍ‌(2)أن يَتكلَّمَ أحَدُنا بكلامٍ يَقصِدُ به إلىٰ ما يَكونُ به الخبرُ خبراً فيَكونُ خبراً، و إلىٰ ما به يَكونُ الأمرُ أمراً فيَكونُ أمراً؛ و إنّما يَفحُشُ ذلكَ لأنّ صيغةَ الأمرِ في اللغةِ العَرَبيّةِ تُخالِفُ‌(3)صيغةَ الخبرِ(4)، فمَن جَمَعَ بَينَهما في صيغةٍ‌(5)واحدةٍ فكأنّه غَيرُ مُتكلِّمٍ باللغةِ العَرَبيّةِ‌.

فأمّا ما خُتِمَ به الكلامُ‌، مِن أنّ الذاتَ إذا كانَت واحدةً‌، و قَدَّرنا انتفاءَها، وَجَبَ انتفاءُ الصفاتِ أجمَعَ‌.

فقَد بيّنّا في صَدرِ كلامِنا ما تَزولُ به الشبهةُ‌(6)، و استَوفَيناه،(7)و قُلنا(8): إنّ الذاتَ إذا فَرَضنا كَونَها بصِفةِ السوادِ و التحيُّزِ، فقَد فَرَضنا كَونَها(9)علىٰ ما يَجِبُ استمرارُه إلىٰ أن يَطرأَ ما يُنافيهِ‌، و أنّه متىٰ لَم يَطرأْ ما يُنافيهِ فالاستمرارُ واجبٌ‌؛ فإذا فَرَضنا حدوثَ بياضٍ‌، فإنّما حَدَثَ‌(10)ما يُنافي السوادَ دونَ ما يُنافي التحيُّزَ، فللذاتِ و


1) . تقدّم آنفاً.

2) . في غير «أ»: «و ليس يمتنع».

3) . في «أ»: «يخالف».

4) . في «ب، ج»: «الخير».

5) . في «أ»: «صفة».

6) . في غير «أ»: «تزول الشبهة به».

7) . تقدّم في ص 62.

8) . في «أ»: «فقلنا».

9) . في «ط»: - «بصفة السواد و التحيّز، فقد فرضنا كونها».

10) . في غير «أ»: «وجد».

حالُها(1)هذه وجهانِ‌: أحَدُهما يَقتَضي الانتفاءَ وهي حالُ كَونِها سَواداً، و الوجهُ الآخَرُ يَقتَضي الاستمرارَ و هي حالُ التحيُّزِ. فلَيسَ هي بأن تَنتَفيَ بأَولىٰ مِن أن تَستَمِرَّ(2)لثُبوتِ وَجهَي(3)الانتفاءِ و الاستمرارِ، فلهذا قُلنا: إنّها يَجِبُ أن تَكونَ موجودةً معدومةً‌.

و هذا واضحٌ لِمَن تأمَّلَه(4).


1) . في «أ»: «وحاله».

2) . في «أ»: «يستمرّ».

3) . في «أ»: «وجه».

4) . في «س، ص»: + «بعون اللّٰه».

المسألةُ الثانيةُ في أنّ القدرة توجب حالاً للجملة، دون المحلّ‌
اشارة

المسألةُ الثانيةُ في أنّ القدرة توجب حالاً للجملة، دون المحلّ‌(1)

ما جوابُ مَن زَعَمَ أنّ القُدرةَ توجِبُ حالاً للمَحلِّ دونَ الجُملةِ؟ و يَستَدِلُّ علىٰ ذلكَ بأن يَقولَ‌: لَو كانَت القُدرةُ توجِبُ حالاً للجُملةِ‌، لَوَجَبَ أن يَصِحَّ الفعلُ بالأطرافِ ممّن في قَلبِه أو في بعضِ جسدِه قُدرةٌ واحدةٌ‌؛ لأنّ «ما يوجِبُ حالاً للجُملةِ‌» تأثيرُه في غَيرِ مَحلِّه مِن الجُملةِ كتأثيرِه في مَحلِّه، و إذا(2)كانَ تأثيرُها صحّةَ الفعلِ وَجَبَ أن يَصِحَّ الفعلُ علَى الحَدِّ الذي ذَكَرناه؛ فلمّا وَجَدتُ وقوفَ صحّةِ الفعلِ‌(3)بالأطرافِ علىٰ وجودِ القُدرةِ فيها حتّىٰ لا يَصِحُّ فعلٌ بجُزءٍ لَيسَ فيه قُدرةٌ‌، قَطَعتُ علىٰ أنّ‌(4)تأثيرَها الحالَ للمَحلِّ لا للجُملةِ‌؛ ألا تَرىٰ أنّ العالِمَ يَصِحُّ منه المُحكَمُ‌(5)بأطرافِه و إن وُجِدَ العِلمُ‌(6)في قَلبِه‌؟


1) . أي أنّ القدرة الموجودة في اليد (المحلّ‌) توجِب صفة القادر (الحال) للمجموع المسمّىٰ‌: زيد (الجملة)، دون اليد (المحلّ‌). أي أنّ زيداً هو الذي يُسمّىٰ قادراً، لا اليد، و إن كانت القدرة موجودة في اليد.

2) . في غير «أ»: «فإذا».

3) . في «أ»: «وجدت وقوع الفعل».

4) . في غير «أ»: - «أنّ‌».

5) . في «س، ص»: «الحكم».

6) . في «أ»: «العالم».

فإن قيلَ‌: إنّما كانَ كذلكَ في القُدرةِ لأنّ مِن أحكامِ القُدرةِ أن لا يَصِحَّ الابتداءُ بها إلّافي مَحلِّها.

قيلَ‌: هذا إقرارٌ بما ذَكرناه مِن إيجابِها الحالَ للمَحلِّ‌، غَيرَ أنّكم عَبَّرتم بخِلافِ عبارتِنا؛ لأنّا نَقولُ‌: لا يَصِحُّ الفعلُ بالأطرافِ و إن كانَ في القَلبِ قُدرةٌ‌؛ لأنّ القُدرةَ ما(1)أوجَبَت حالاً للأطرافِ‌(2)و أوجَبَت للمَحلِّ الذي حَلَّت(3)فيه، و أنتم تُثبِتونَ هذا الحُكمَ و تَقولونَ‌: لأنّ القُدرةَ لا يَصِحُّ الابتداءُ بها إلّافي مَحلِّها.

علىٰ أنّ ما ذَكرناه أَولىٰ‌؛ لأنّا نُثبِتُ إيجابَ القُدرةِ حالاً لِما(4)يَصِحُّ به الفعلُ‌، و أنتم تَجعَلونَ القُدرةَ مُوجِبةً حالاً لِما لا يَصِحُّ به الفعلُ‌. ولَئن جازَ هذا لَيَجوزنَّ‌(5)أن يُقالَ‌: إنّ الأكوانَ توجِبُ الحالَ للجُملةِ‌، و السوادُ أيضاً؛ لكِن لا تَكونُ الجُملةُ كائناً بجُزءٍ واحدٍ مِن الكَونِ‌(6)، و لا سَواداً بجُزءٍ واحدٍ مِن السوادِ؛ بَل إذا حَصَلَ في كُلِّ جُزءٍ جُزءٍ‌(7)مِن الكَونِ و السوادِ، ظَهَرَ الحُكمانِ‌.

فإن قيلَ‌: كَونُ القُدرةِ موجِبةً للمَحلِّ حالاً يوجِبُ أن يَكونَ الواحدُ مِنّا قادِرينَ جماعةً‌،(8)و أن لا نَتصرَّفَ‌(9)بإرادةٍ واحدةٍ‌.


1) . «ما» هنا نافية، أي أنّ القدرة التي في القلب لم توجب حالاً للأطراف.

2) . في غير «أ»: «للأطراف حالاً»؛ بتقديم و تأخير.

3) . في «أ»: «حلّته».

4) . في جميع النسخ: «بما» وهو سهو.

5) . في «د، س، ص، ط»: «ليجوز».

6) . في «أ»: «الأكوان».

7) . في «أ»: - «جزء».

8) . لأنّه بناء علىٰ ذلك سيكون لكلّ جزء من الجملة قدرة خاصّة به، فيكون كلّ جزء قادراً؛ فتصير الجملة عبارة عن مجموعة من الأجزاء القادرة، أي مجموعة من القادرين.

9) . في «أ»: «لا ينصرف». و في «ص»: «لا يتصرّف».

قُلنا: إن(1)أرَدتم أنّ كُلَّ جُزءٍ مِن الجُملةِ له مِن الحُكمِ ما هو(2)للجُملةِ‌، فهذا مُسَلَّمٌ‌، و لا يَجِبُ أن لا نَتصرَّفَ‌(3)بإرادةٍ واحدةٍ‌(4)لأنّ الإرادةَ توجِبُ لجُملةِ الأجزاءِ الحالَ‌، فنَتصرَّفُ‌(5)علىٰ حَدٍّ واحدٍ؛ لأنّ كُلَّ جُزءٍ حُكمُه حُكمُ الآخَرِ في كَونِه مِن الجُملةِ التي صَيَّرَتها الإرادةُ علىٰ حالٍ‌.

و إن أرَدتُم تسميةَ الجُملةِ بأنّها «قادرونَ كَثيرونَ‌» فلَو سَمَّتها العَرَبُ لَسَمَّيناها. علىٰ أنّ هذا يوجِبُ عليكم أن تُسَمّوا الجُملةَ الكائنةَ‌(6): «كائنينَ كَثيرينَ‌».

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

اِعلَمْ أنّ طريقَ إثباتِ القادرِ قادراً، يوجِبُ أنّ القادرَ هو جُملةُ الحَيِّ‌، دونَ أجزائه و أبعاضِه؛ لأنّا إنّما تَوصَّلنا إلىٰ إثباتِ‌(7)هذه الحالِ له بصحّةِ الفعلِ‌، مِن حَيثُ وَجَدنا هذا الحُكمَ - الذي(8)هو صحّةُ الفعلِ - يَختَصُّ به حَيٌّ دونَ حَيٍّ‌(9)آخَرَ، فعَلِمنا أنّ أحَدَهما لَم يَختَصَّ بهذا الحُكمِ دونَ صاحبِه إلّابُمقتَضٍ له يَرجِعُ إلىٰ مَن صَحَّ الفعلُ منه. و لمّا عَلِمنا أنّ الفعلَ إنّما صَحَّ مِن الجُملةِ دونَ أبعاضِها؛ بدَلالةِ أنّ أحكامَ الفعلِ كُلَّها تَرجِعُ إلَى الجُملةِ دونَ الأبعاضِ مِن مَدحٍ و ذَمٍّ و أمرٍ و نَهيٍ‌، و لا


1) . في «أ»: «فإن».

2) . في غير «أ»: - «هو».

3) . في «أ»: «لا ينصرف».

4) . في غير «أ»: - «واحدةٍ‌».

5) . في «أ»: «فينصرف».

6) . أي التي لها أكوان.

7) . في «أ» الكلمة غير واضحة.

8) . في «أ»: - «الذي».

9) . في غير «أ»: - «حيّ‌».

شُبهةَ علىٰ عاقلٍ في أنّ المأمورَ المنهيَّ الممدوحَ المذمومَ هو الجُملةُ دونَ الأجزاءِ‌. ألا تَرىٰ أنّ أحَدَنا لَو لَطَمَ غَيرَنا و(1)بَخَصَ عَينَه(2)، لَما وَجَّهَ‌(3)العقلاءُ ذَمَّهم(4)علىٰ هذه الإساءةِ إلَى الإصبَعِ أو اليَدِ المُباشِرتَينِ للفعلِ‌، بَل إلىٰ جُملةِ الفاعلِ؟ فثَبَتَ‌(5)بهذا الكلامِ أنّ حالَ القادرِ(6)- التي تَوصَّلنا إليها بهذه الأحكامِ - يَجِبُ أن تَكونَ راجعةً إلىٰ مَن تَتعلَّقُ هذه الأحكامُ به، و هو الجملةُ‌، دونَ الأبعاضِ‌.

و ممّا قيلَ أيضاً في ذلكَ‌: أنّ الأفعالَ تَقَعُ بحَسَبِ الدواعي و القَصدِ و العِلمِ و الإدراكِ‌، و معلومٌ أنّ سائرَ ما ذَكرناه إنّما يَتعلَّقُ بالجُملةِ دون الأجزاءِ‌؛ فيَجِبُ أن تَكونَ الأفعالُ الواقعةُ بحَسَبِ هذه الأحوالِ راجعةً إلَى الجُملةِ دونَ الأجزاءِ‌.

فإن قيلَ‌: أ لَيسَ في الناسِ مَن ارتَكَبَ أنّ الأحكامَ التي أشَرتم إليها تَرجِعُ‌(7)إلَى الأجزاءِ‌، و أجازَ(8)في الجُزءِ الواحدِ أن يَكونَ ممدوحاً مذموماً؟

قُلنا: لا اعتبارَ(9)بخِلافٍ يَعلَمُ العقلاءُ كُلُّهم ضَرورةً بُطلانَه. و قد عَلِمَ كُلُّ عاقلٍ قُبحَ تعليقِ ذَمٍّ أو مَدحٍ و أمرٍ أو نَهيٍ‌(10)بجُزءٍ واحدٍ مِن أجزاءِ هذه الجُملةِ‌؛ بَل بعُضوٍ


1) . في غير «أ»: «لو لطم عين غيره أو».

2) . بخص عينَه و بخزها و بخسها، كلّه بمعنىٰ فقأها. لسان العرب، ج 7، ص 4 (بخص).

3) . في «د»: «لما وجد».

4) . في غير «أ»: «ذمّه».

5) . في «د»: «فيثبت».

6) . في «ص»: «الفاعل».

7) . في «أ»: «يرجع». و في «س، ص»: - «ترجع».

8) . في «أ»: «فأجاز».

9) . في «أ»: «الاعتبار».

10) . في «أ»: «ومدحٍ و أمرٍ و نهيٍ‌».

واحدٍ مِن أعضائها. و فَرَّقَ كُلُّ عاقلٍ بَينَ كَونِه علىٰ هذه الصفةِ‌، و بَينَ أن يَكونَ مضموماً إليه و مُلتَصِقاً به جماعةُ أحياءٍ قادرينَ‌؛ و هذا الفَرقُ لا يَتِمُّ إلّابأن تَكونَ‌(1)الجُملةُ كُلُّها حَيّاً واحداً، و قادراً واحداً. و لَو كانَ مَحلُّ القُدرةِ قادراً، و كذلكَ مَحلُّ الحياةِ حَيّاً، لَم يَكُن ما عَلِمنا ضَرورةً ثُبوتَه، مِن حُصولِ الفَرقِ الذي ذَكرناه.

و قد أُلزِمَ‌ قَديماً مَن أجازَ ذلكَ أن يُجوِّزَ كَونَ بعضِ أجزاءِ الإنسانِ علىٰ مَذهبٍ و البعضِ الآخَرِ علىٰ خِلافِه حتّىٰ يَكونَ بعضٌ مُجبِراً و بعضٌ عَدليّاً، و بعضٌ مؤمِناً و آخَرُ كافراً. و أن يَقَعَ بَينَ الأبعاضِ تَدافُعٌ و تَمانُعٌ‌، إمّا باختلافِ الدواعي أو(2)الإراداتِ‌.

و كُلُّ هذا لازمٌ‌؛ لأنّ حُكمَ هذه الأبعاضِ في أنّ كُلَّ جُزءٍ منها حَيٌّ قادرٌ مُستَقِلٌّ‌(3)بنَفسِه، حُكمُ زَيدٍ مع(4)عَمرٍو؛ و المُمانَعةُ و المُدافَعةُ و الاختلافُ في الاعتقادِ(5)و التديُّنِ غَيرُ مُنكَرٍ في زَيدٍ و عَمرٍو، فكذلكَ‌(6)فيما جَرىٰ مجراهما.

و لَيسَ يَجِبُ‌، إذا لَم نَعلَمِ‌(7)العِلّةَ التي مِن أجلِها لَم يَصِحَّ أن يَفعَلَ الحَيُّ مِنّا في مَحالِّه، مِن غَيرِ أن يَكونَ في كُلِّ مَحلٍّ قُدرةٌ‌، و اشتَبَهَ الوجهُ فيه، وقُطِعَ عليه، أو تُوقِّفَ في تعيينهِ‌، أن نَرجِعَ‌(8)عمّا عَلِمناه و تَبيّنّاه علَى الضرورةِ‌، مِن أنّ الحَيَّ‌


1) . في غير «أ، ص»: «يكون».

2) . في «د، س، ط»: «و».

3) . في «س، ص، ط»: «مستقبل».

4) . في «د، س، ص، ط»: «و».

5) . في «أ»: «الاعتقادات».

6) . في «أ»: «و كذلك».

7) . في «د، س»: «لم يعلم». و في «ط» الكلمة مهملة.

8) . في غير «ص»: «يرجع».

القادرَ هو الجُملةُ‌، دونَ الأجزاءِ‌؛ فإنّ اشتباهَ ما يَجوزُ أن يَشتَبِهَ مِثلُه لا يَجِبُ له الرجوعُ عمّا قَطَعنا علىٰ عِلمِه و المَعرِفةِ به.

و لَو أنّ قائلاً قالَ لنا: كَيفَ يَكونُ القادرُ قادراً و هو لا يَصِحُّ أن يَفعَلَ فيما نَأىٰ عنه مِن الأجسامِ إلّابسببٍ‌، و يَفعَلَ في أبعاضِه(1)بغَيرِ سببٍ‌(2)؟ و تَوصَّلَ بهذا الطعنِ إلَى القَدحِ في كَونِه قادراً.

لَكُنّا لا نُجيبُه(3)إلّابمِثلِ ما أَجَبنا به(4)مَن أَلزَمَنا أن يَفعَلَ‌(5)- لمكانِ كَونِه قادراً - في كُلِّ بعضٍ و إن لَم تَكُن(6)فيه قُدرةٌ‌، و نَقولُ له: الرجوعُ عن المعلومِ المقطوعِ عليه للجَهلِ بعِلّةِ حُكمٍ مِن الأحكامِ يَشتَبِهُ مِثلُها، غَيرُ صحيحٍ‌. ثُمَّ نَقولُ‌: العِلّةُ في هذا و ذاكَ‌(7)جميعاً هي أنّ هذا مِن حُكمِ القُدرةِ الراجعِ إلىٰ نَوعِها؛ لأنّ الدليلَ قد دَلَّ علىٰ أنّ مِن شأنِ صحّةِ الفعلِ بالقُدرةِ أن يَكونَ‌(8)الفعلُ أو سببُه مُبتَدأً بها في مَحلِّها؛ فلهذا لا يَصِحُّ أن نَفعَلَ‌(9)في غَيرِنا إلّابسببٍ‌، و في أبعاضِنا إلّابقُدرةٍ تَكونُ في ذلكَ البعضِ‌.(10)


1) . في غير «أ»: «أعضائه».

2) . في «س»: - «و يفعل في أبعاضه بغير سبب».

3) . في «أ»: «لا نجيب».

4) . في «أ»: - «به».

5) . في «أ»: «ألزمناه أن نفعل».

6) . في غير «أ، ص»: «لم يكن».

7) . في «أ»: «وذلك».

8) . في «أ»: «أنّ كون».

9) . في «د، س، ص، ط»: «يفعل».

10) . أي على الرغم من أنّ القادر هو الجملة دون الأبعاض، لكنّ الدليل دلّ علىٰ أنّ الجملة لاتفعل في أبعاضها إلّامع وجود قدرة في ذلك المحلّ‌، إلّاأنّ هذا لا يعني أنّ ذلك البعض سيكون قادراً، بل القادر يبقىٰ هو الجملة.

و ما يَرجِعُ إلىٰ حُكمِ القُدرةِ‌(1)لا يَجِبُ أن يَكونَ عامّاً لكُلِّ‌(2)قادرٍ و إن لَم يَكُن قادراً بقُدرةٍ‌؛ و لهذا جازَ أن يَبتَدئَ اللّٰهُ تَعالَى الأفعالَ في المَحالِّ كُلِّها؛ وُجِدَت القُدرةُ فيها، أو عُدِمَت عنها(3).

مناقشة بعض فقرات كلام السائل

و هذا الكلامُ الذي أَورَدناه(4)يَنكَشِفُ معه جوابُ المسألةِ‌، و تَسقُطُ به(5)كُلُّ شُبهةٍ فيها مع التأمُّلِ‌؛ غَيرَ أنّا نُشيرُ إلىٰ تعيينِ‌(6)الكلامِ علىٰ فُصولِ المسألةِ‌:

أمّا قولُ السائلِ‌: إنّكم إذا قُلتم: «هذا مِن أحكامِ القُدرةِ‌» أَقرَرتم بإيجابِ القُدرةِ الحالَ للمَحلِّ دونَ الجُملةِ‌، و إنّما غَيَّرتم(7)العبارةَ‌.

فباطلٌ‌؛ لأنّ الإقرارَ بما أرادَه المُخالِفُ‌: أن تُنفَى(8)الحالُ التي اقتَضَتها صحّةُ الفعلِ عن جُملةِ الحَيِّ‌، و نُثبِتَها(9)للجُزءِ المُفرَدِ. و هذا ما(10)جَرىٰ‌؛ بَل أَثبَتنا الحالَ


1) . لا القادر.

2) . في «د»: + «قدرة». و في «س، ط»: + «قادرة».

3) . في «س»: «منها».

4) . في «أ»: «ذكرناه».

5) . في «أ»: «و سقط». و في غير «أ، ط»: «و يسقط به».

6) . في «د»: «تعيّن».

7) . في «أ»: «عبّرتم».

8) . في «أ»: «يُنفى».

9) . في «أ»: «و تثبتها». و الأنسب: «و تُثبَت».

10) . «ما» هنا نافية.

• التي هي كَونُه قادراً - للجُملةِ حَسَبَ‌(1)ما استَدعَته صحّةُ الفعلِ‌، و مَنَعنا مِن أن يَفعَلَ‌(2)في المَحلِّ ابتداءً مِن غَيرِ أن يَكونَ قَدَرَ لحُكمٍ‌(3)يَعودُ إلىٰ نَوعِ القُدرةِ‌، كَما مَنَعنا أن يَفعَلَ في غَيرِه ابتداءً و إن كانَ قادراً بِلا شُبهةٍ‌.

و قولُ السائلِ‌: إنّا نُثبِتُ إيجابَ القُدرةِ حالاً لِما يَصِحُّ به الفعلُ‌، و أنتم تَجعَلونَ القُدرةَ موجِبةً حالاً لِما لا يَصِحُّ به الفعلُ‌(4).

غَيرُ صحيحٍ‌؛ لأنّ الحالَ إنّما يَجِبُ إضافتُها إلىٰ مَن يَصِحُّ منه الفعلُ‌، لا ما يَصِحُّ به الفعلُ‌؛ لأنّ الآلاتِ يَصِحُّ بها الفعلُ و لا حَظَّ لها في حالِ القادرِ. و يَلزَمُ علىٰ هذا أن تَكونَ مَحالُّ الفعلِ كُلُّها - و إن تَعدَّت هذه الجُملةَ - لها حالُ القادرِ؛ لأنّ الفعلَ حالٌّ بها و موجودٌ فيها.

و ما مضىٰ في السؤالِ‌، مِن أنّ جوازَ ما ذَهَبتم إليه يؤَدّي إلىٰ أن يُقالَ‌: إنّ الأكوانَ توجِبُ الحالَ للجُملةِ‌، و كذلكَ السوادُ.

ظاهرُ الفَسادِ؛ لأنّ السوادَ - قَبلَ كُلِّ شَيءٍ - لا يوجِبُ حالاً لجُملةٍ و لا مَحلٍّ‌، و معنىٰ وَصفِنا للمَحلِّ أ نّه(5)«أسوَدُ» أنّ السوادَ موجودٌ فيه.

فأمّا الكَونُ فهو لَعَمري(6)يوجِبُ حالاً، لكِن لمَحلِّه؛ لأنّ الأحكامَ الراجعةَ إلىٰ‌


1) . في «أ»: «فثبت».

2) . في غير «أ»: «نفعل».

3) . في «أ»: «تكون قُدِّر لحكم». و في «ص»: «تكون قدرة بحكم». و في غير «أ، ص»: «يكون قدرة بحكم».

4) . من قوله: «و أنتم تجعلون» إلىٰ هنا ساقط من «د».

5) . في «أ»: «فلا معنىٰ لوصفنا للمحلّ بأنّه».

6) . في «أ»: «فلعمري» بدل «فهو لعمري».

هذا الكَونِ عائدةٌ كُلُّها إلَى المَحلِّ‌؛ لأنّ مَحلَّ هذا الكَونِ إذا كانَ مُتَحرِّكاً بالكَونِ الموجودِ فيه، فلَن يَتعدّىٰ هذا الحُكمُ مَحلَّ الحَركةِ‌. أ لا تَرىٰ أ نّه قد يَتحرَّكُ بعضُ الجسمِ و يَسكُنُ بعضٌ آخَرُ مع الاتّصالِ؟ و نَحنُ نَصِفُ الجُملةَ بأنّها «حَيٌّ واحدٌ» و «قادرٌ واحدٌ»(1)بما يَحُلُّ بعضَها مِن هذه المَعاني، و لا نَصِفُها بما يَحُلُّ بعضَها مِن الحَرَكةِ بأنّها «مُتَحرِّكٌ واحدٌ» بَل متىٰ لَم يَكُن في كُلِّ جُزءٍ حَرَكةٌ لَم يوصَفْ بذلكَ‌. فبانَ الفَرقُ بَينَ الأمرَينِ‌.

فأمّا ما خُتِمَ به الفَصلُ - مِن ارتكابِ أنّ‌(2)الجُملةَ «قادرونَ كَثيرونَ‌» - فقَد بيّنّا فَسادَه، و بَسَطنا الكلامَ‌(3)فيه.

فأمّا الفَصلُ‌ بَينَ الإرادةِ و القُدرةِ‌، بأنّ الإرادةَ الواحدةَ إنّما تَتَصرَّفُ‌(4)الجُملةُ كُلُّها بحَسَبِها؛ لأنّ الإرادةَ توجِبُ الحُكمَ للجُملةِ‌، و لَيسَ كذلكَ في القُدرةِ‌.

فظاهرُ البُطلانِ‌؛ لأنّ كُلَّ شَيءٍ اقتَضىٰ في الإرادةِ - و إن حَلَّت مَحلّاً واحداً مِن هذه الجُملةِ - أن تَكونَ‌(5)الحالُ الموجَبةُ عنها تَرجِعُ‌(6)إلَى الجُملةِ دونَ المَحلِّ فهو بعَينِه قائمٌ في القُدرةِ‌، و كُلَّ شَيءٍ شَكَّكَ‌(7)في أنّ الحالَ الموجَبةَ عن القُدرةِ تَرجِعُ إلىٰ مَحلِّها لا إلَى الجُملةِ فهو يُشكِّكُ‌(8)في الإرادةِ‌؛ و مَن تَعاطىٰ‌


1) . في غير «أ»: + «لا».

2) . في «أ»: - «أنّ‌».

3) . في «ص»: «القول».

4) . في «أ»: «يتصرّف». و في «د» الكلمة مهملة.

5) . في «س، ص»: «يكون».

6) . في «أ»: «منها يرجع».

7) . في «ص»: «يشكل». و في غير «أ، ص»: «شكل».

8) . في غير «أ»: «يشكل».

ذلكَ عَلِمَ‌(1)أنّ الأمرَ علىٰ ما ذَكرناه. و كَيفَ يُشكِلُ‌(2)هذا، و معلومٌ أنّ القادرَ هو المُريدُ، كما أنّ القادرَ المُريدَ هو الحَيُّ العالِمُ؟ فكَيفَ يُرَدُّ بعضُ هذه الأُمورِ إلىٰ غَيرِ ما يُرَدُّ إليه سائرُها؟

و أمّا المَنعُ‌ مِن التسميةِ للجُملةِ بأنّها «قادرونَ كَثيرونَ‌» لأنّ العَرَبَ ما سَمَّت بذلكَ‌.

فما نَحنُ في التسميةِ حتّىٰ نَرجِعَ فيها إلَى العَرَبِ‌، و قد بيّنّا(3)أنّا نَعلَمُ ضَرورةً الفَرقَ بَينَ أن تَكونَ الجُملةُ علىٰ ما هي عليه و بَينَ أن يُضَمَّ قادرونَ بعضُهم إلىٰ بعضٍ‌؛ فالحُكمُ مُختَلِفٌ‌، و التسميةُ لا اعتبارَ بها.

و لا يَلزَمُ أن تُسَمَّى الجُملةُ الواحدةُ «كائنينَ كَثيرينَ‌»؛ لأنّ هذا الجَمعَ الذي هو بالنونِ لا يَكونُ إلّالِما(4)يَعقِلُ في لُغةِ العَرَبِ‌، و لَيسَ كُلُّ جُزءٍ مِن هذه الجُملةِ بهذه الصفةِ‌؛ لكِنّا نَقولُ‌: هذه الجُملةُ «ذَواتٌ كائناتٌ‌».


1) . في «أ»: «على».

2) . في «أ»: «فكيف يشكّك».

3) . تقدّم في ص 82-83.

4) . في «ص»: «لمن».

المسألةُ الثالثةُ في أنّ الحياة توجب حالاً للجملة دون المحلّ‌

ما جوابُ مَن قالَ‌: إنّ الحياةَ أيضاً(1)توجِبُ الحالَ للمَحلِّ‌، لا للجُملةِ؟ و استَدَلَّ بما استَدَلَّ في القُدرةِ و إيجابِها الحالَ للمَحلِّ‌، مِن أنّ أحكامَ‌(2)الحياةِ تَقِفُ علىٰ حُلولِها في المَحلِّ‌، فلا تَكونُ آلةً في الإدراكِ‌، و لا يَصِحُّ وجودُ القُدرةِ فيه و العِلمِ إلّابَعدَ حُلولِها.

مع أنّ عندَ خُصومِنا(3)أ نّه لا أمرَ يَتجدَّدُ - بحُلولِ الحياةِ في المَحلِّ - له(4)لأنّ الحالَ قد وَجَبَت له بكُلِّ حياةٍ في غيرِه.

فإذا قيلَ له: إنّ ايجابَها الحالَ لِما اتَّصَلَ بمَحلِّها إنّما يَصِحُّ‌(5)بأن يَكونَ فيه حياةٌ‌.

قالَ مِثلَ ما قالَ في القُدرةِ‌: إنّ هذا إقرارٌ بما ذَهَبَ إليه، إلىٰ آخِرِ الكلامِ الذي أَورَدَه هُناكَ‌.(6)


1) . في «ص»: - «أيضاً».

2) . في «د»: «إمكان».

3) . أي خصوم القائل المشار إليه في بداية المسألة.

4) . أي للمحلّ‌.

5) . في «أ»: «تصحّ‌».

6) . راجع بداية المسألة الثانية حيث قال: «فإن قيل... قيل: هذا إقرار...».

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

اِعلَمْ أنّ معنىٰ هذه المسألةِ و طريقةَ الطعنِ فيه(1)يُضاهيانِ ما تَقدَّمَ الكلامُ عليه في المسألةِ المُتَقدِّمةِ عليها بِلا فَصلٍ‌، و المُزيلُ للشبهةِ عن المسألتَينِ واحدٌ، و قد ذَكرناه و أَوضَحناه.

و كَيفَ تَكونُ‌(2)أحكامُ الحياةِ راجعةً إلَى المَحلِّ و أوّلُ أحكامِها إيجابُها حالَ «الحَيِّ‌»؟ و هذا لا يَليقُ بالمَحلِّ‌، و إنّما يَليقُ بالجُملةِ‌؛ لأنّا قد بيّنّا فَسادَ كَونِ كُلِّ جُزءٍ حَيّاً(3). و مِن أحكامِها تصحيحُ كَونِ العالِمِ عالِماً و القادرِ قادراً و المُريدِ مُريداً، و كُلُّ هذه الأحكامِ لا تَرجِعُ إلَى المَحلِّ بغَيرِ شُبهةٍ‌، و إنّما تَرجِعُ‌(4)إلَى الجُملةِ‌.

و لَم يَبقَ بَعدَ هذا إلّاأنّ الإدراكَ لا يَقَعُ إلّابمَحلٍّ فيه حياةٌ‌، فيُظَنُّ‌(5)أنّ هذا إنّما وَجَبَ لأنّ الحَيَّ هو المَحلُّ‌.

و هذا غَيرُ صحيحٍ‌؛ لأنّ الحَيَّ بالحياةِ التي تَحُلُّ الجُزءَ مِن الجُملةِ‌، و إن كانَ هو الجُملةَ دونَ المَحلِّ‌، فلَيسَ يَمتَنِعُ‌(6)أن يَقِفَ الإدراكُ بالمَحلِّ علىٰ وجودِ الحياةِ فيه لشَيءٍ يَرجِعُ إلىٰ جنسِ الحياةِ‌؛ فكانَ الحَيُّ الذي هو المُدرِكُ علَى الحقيقةِ لا يَكونُ مُدرِكاً للحَرارةِ و البُرودةِ إلّابمَحلٍّ فيه حياةٌ‌، و مِن شَرطِ كَونِ المَحلِّ آلةً للمُدرِكِ‌(7)


1) . في «أ»: «أنّ هذه المسألة وطريق الطعن بها».

2) . في «أ»: «يكون».

3) . قد بيّنه في جواب المسألة الثانية.

4) . في «أ»: «يرجع».

5) . في «أ»: «فنظنّ‌».

6) . في «س، ص»: «فليس يمنع».

7) . في «أ»: «أنّه المدرك» بدل «آلةً للمدرك».

في كَونِه مُدرِكاً وجودُ الحياةِ فيه؛ كَما قُلنا نَظيرَ ذلكَ في القادرِ لأمرٍ يَرجِعُ إلىٰ نَوعِ القُدرةِ‌، علىٰ ما مضىٰ‌(1).

و ما تَضمَّنَه السؤالُ‌، مِن أنّ عندَنا أ نّه لا أمرَ يَتجدَّدُ بحُلولِ الحياةِ في المَحلِّ‌؛ لأنّ الحالَ قد وَجَبَت للحَيِّ بكُلِّ حياةٍ في غيرِه.

غَيرُ مُستَقيمٍ‌؛ لأنّ العضوَ المُتَّصِلَ بالحَيِّ لا يَكونُ مِن جُملتِه بنَفسِ التأليفِ و الاتّصالِ‌، و(2)لَو كانَ كذلكَ لَوَجَبَ أن يَكونَ الشَّعرُ و الظُّفرُ لأجلِ الاتّصالِ مِن جُملةِ الحَيِّ‌؛ و قد عَلِمنا خِلافَ ذلكَ‌. و إذا وُجِدَت فيه الحياةُ صارَ مِن جُملتِه، و أَوجَبَت هذه الحياةُ حالاً للجُملةِ‌، و إن كانَت قد وَجَبَت لها مِثلُها بالحياةِ الموجودةِ في أبعاضِها الأُخَرِ.

و أمّا الحَوالةُ في هذه المسألةِ علىٰ ما مضىٰ مِن الكلامِ في القُدرةِ‌، فقَد سَلَفَ مِن إبطالِ ذلكَ و إيضاحِ الحَقِّ منه ما فيه كِفايةٌ‌.(3)


1) . مضى في جواب المسألة الثانية.

2) . في غير «أ، س، ص»: - «و».

3) . سلف في جواب المسألة الثانية.

المسألةُ الرابعةُ في بيان وجه اختصاص العرض بمحلّه

ما المُفسِدُ(1)لقَولِ مَن زَعَمَ أنّ العَرَضَ إنّما يَختَصُّ بمَحلِّه بالفاعلِ‌، مِن غَيرِ اعتبارِ كَونِه قاصداً(2)حتّىٰ لا يَلزَمَ عليه الساهي و النائمُ؟

و يَقولُ‌: كَيفَ السبيلُ إلىٰ أن يَفعَلَ النائمُ عندَكم كَوناً مخصوصاً مِن جُملةِ ما في مقدورِه كذلكَ‌، يُخصِّصُ‌(3)أحَدَ العَرَضَينِ بالمَحلِّ‌، و إن كانَ جائزاً أن يوجَدَ ما يَحُلُّ زَيداً في عَمرٍو، و ما يَحُلُّ عَمراً في زَيدٍ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

اِعلَمْ أنّ العَرَضَ لا يَخلو مِن حالَينِ‌: إمّا أن يَصِحَّ وجودُه في غَيرِ المَحلِّ الذي وُجِدَ فيه، أو لا يَصِحَّ ذلكَ فيه حتّىٰ يَستَحيلَ وجودُه إلّافي المَحلِّ الذي حَلَّه دونَ غَيرِه.

فإن كانَ الأمرُ علىٰ ما ذَكرناه ثانياً، و قيلَ لنا: ما الوجهُ في اختصاصِه بمَحلِّه، حتّىٰ كانَ لا يَصِحُّ حُلولُه إلّافيه‌؟ و إلىٰ أيِّ شَيءٍ تُسنِدونَ ذلكَ؟

فالجوابُ‌: إنّ قولَنا: «إنّ العَرَضَ يَختَصُّ بمَحلِّه» يَتضمَّنُ إثباتاً و نَفياً؛ فالإثباتُ‌


1) . في «س، ص»: «المفسدة».

2) . في «أ»: «ضدّاً».

3) . في «أ»: «تخصّص».

وجودُه في المَحلِّ الذي حَلَّه، و النفيُ أنّه لَيسَ في غيرِه(1)فالإثباتُ عِلّتُه الفاعلُ‌، و النفيُ لا يَصِحُّ تعليلُه و لا إسنادُه إلىٰ مُقتَضٍ له.

و لكَ أيضاً أن تَقولَ‌: اختصاصُ العَرَضِ بمَحلِّه حتّىٰ لا يَصِحُّ وجودُه إلّافيه ممّا لا يَصِحُّ تعليلُه؛ لأنّه(2)بأيِّ شَيءٍ عُلِّلَ كانَ ذلكَ فاسداً؛ لأنّه إن عُلِّلَ بالنفسِ‌، اقتَضىٰ تَماثُلَ كُلِّ شَيءٍ يَختَصُّ بهذا المَحلِّ‌، و معلومٌ خِلافُه؛ لأنّ الأجناسَ المُختَلِفةَ قد تَختَصُّ بالمَحلِّ الواحدِ حتّىٰ لا يَصِحَّ وجودُها إلّافيه، فلَو اقتَضىٰ ذاكَ‌(3)صفةَ نَفسٍ لَاقتَضىٰ تَماثُلَ ما له هذا الحُكمُ‌؛ و قد عَلِمنا خِلافَه. و إن عَلَّلنا ذلكَ بعِلّةٍ جازَ ارتفاعُها، فصَحَّ‌(4)حُلولُ هذا العَرَضِ في غَيرِ مَحلِّه؛ و ذلكَ أيضاً فاسدٌ. و إن عَلَّلناه(5)بالفاعلِ‌، فما يَستَنِدُ إليه يَصِحُّ فيه التخيُّرُ(6)، فكانَ يَجِبُ لَو اختارَ أن يَفعَلَه في غَيرِ هذا المَحلِّ أن يَصِحَّ ذلكَ‌؛ و قد فَرَضنا أنّ العَرَضَ لا يَصِحُّ وجودُه إلّافي المَحلِّ الذي وُجِدَ(7)فيه.

فأمّا الوجهُ الأوّلُ - و هو جوازُ وجودِ(8)العَرَضِ في المَحالِّ المُتَغايِرةِ - فهو الصعبُ المُشتَبِهُ‌.

و الذي يَمضي في الكُتُبِ‌: أنّ ذلكَ لَو كانَ جائزاً لَكانَ حُلولُه في المَحلِّ موجَباً


1) . من قوله: «فالإثبات وجوده» إلىٰ هنا ساقط من «ج».

2) . في «أ»: «لأنّ‌».

3) . في «أ، ص»: «ذلك».

4) . في «أ»: «فيصحّ‌».

5) . في «أ»: «علّلنا».

6) . في غير «أ، ب»: «التحيّز».

7) . في «س، ص»: - «وجد».

8) . في «أ»: «وجود جواز»؛ بتقديم و تأخير.

عن «معنىً‌» يَقتَضي ذلكَ فيه.

و هذا غَيرُ لازمٍ‌؛ لأنّ لقائلٍ أن يَقولَ‌: إنّ جوازَ حُلولِه في هذا المَحلِّ و في غَيرِه إنّما يَقتَضي - متىٰ حَلَّ‌(1)في بعضِ المَحالِّ - أمراً يَقتَضيهِ و يَستَنِدُ إليه، و قد يَجوزُ أن يَكونَ ذلكَ‌(2)مُستَنِداً إلَى الفاعلِ و كَونِه قادراً؛ لا سِيَّما و هذا حُكمٌ يَتبَعُ الحُدوثَ‌، و يُمكِنُ في كُلِّ شَيءٍ يَتبَعُ‌(3)الحُدوثَ أن نُسنِدَه إلَى الفاعلِ‌.

و لا يُمكِنُ دَفعُ ذلكَ بما يُدفَعُ به كَونُ الأحوالِ أو الأحكامِ التي تَحصُلُ في حالِ البقاءِ مُستَنِدةً‌(4)إلَى الفاعلِ‌.

فإذا قيلَ‌: لَو جازَ أن يَكونَ اختصاصُ العَرَضِ بمَحلٍّ مُستَنِداً إلَى الفاعلِ لَجازَ(5)أن يَكونَ اختصاصُه بالوقتِ أو(6)ما تقديرُه تقديرُ الوقتِ مُستَنِداً أيضاً إلَى الفاعلِ‌.

أمكَنَ أن يُقالَ‌: الأفعالُ علىٰ ضَربَينِ‌: ضَربٌ منها(7)لا يوجَدُ إلّاوقتاً واحداً، كالصوتِ و الإرادةِ‌. فهذا الضربُ ممّا لا يُمكِنُ إسنادُ اختصاصِه بالوقتِ إلَى الفاعلِ‌؛ لِاستحالةِ‌(8)وجودِه إلّاوقتاً واحداً. و الضربُ الآخَرُ مِن الأفعالِ يَصِحُّ وجودُه(9)أكثَرَ مِن وقتٍ واحدٍ. و قد دَلَّ الدليلُ علىٰ أنّ هذا الضربَ أيضاً مِن


1) . في غير «أ»: - «متىٰ حلّ‌».

2) . في «أ»: «كذلك».

3) . في غير «أ»: «تبع».

4) . في غير «أ»: «مسندة».

5) . في غير «د»: «جاز».

6) . في «أ»: - «أو».

7) . في «أ»: - «منها».

8) . في «أ»: «باستحالة».

9) . في «أ»: - «إلّا وقتاً واحداً. و الضرب الآخر من الأفعال يصحّ وجوده».

أفعالِنا لا يَصِحُّ أن نوجِدَه إلّافي وقتٍ واحدٍ و إن(1)صَحَّ عليه البقاءُ و الاستمرارُ أوقاتاً كَثيرةً‌؛ و إنّما لَم يَصِحَّ ذلكَ مِنّا لأمرٍ يَرجِعُ إلىٰ حُكمِ القُدَرِ التي لا نَكونُ قادرينَ إلّابها، فأمّا القَديمُ تَعالَى القادرُ لنَفسِه فهو يَقدِرُ علىٰ تقديمِ أفعالِه الباقياتِ عن أوقاتِ وجودِها و تأخيرِها. فما أَلزَمناه في الوقتِ يَلزَمُه(2)في أفعالِ القَديمِ تَعالَى الباقياتِ‌، و لا يَلزَمُه(3)في أفعالِنا و إن كانَت باقياتٍ‌؛ للوجهِ الذي ذَكرناه.

فيَتحقَّقُ السؤالُ حينَئذٍ و يُقالُ‌: ما أَنكَرتم أن يَجريَ أحَدُنا في فعلِ العَرَضِ في بعضِ المَحالِّ في جوازِ وجودِه في غَيرِه(4)مَجرَى القَديمِ تَعالىٰ في فعلِ العَرَضِ الباقي وقتَ مَنعِ جوازِ وجودِه في غَيرِه(5)؟ فلَيسَ يَمنَعُ‌(6)مِن ذلكَ في أحَدِنا - و إن جازَ في القَديمِ تَعالىٰ - مانعٌ‌، كَما فَرَّقنا في تقديمِ الأفعالِ و تأخيرِها بَينَنا(7)و بَينَ القَديمِ تَعالىٰ‌.

فإن قيلَ‌: لَو جازَ علَى العَرَضِ الوجودُ(8)في مَحالٍّ مُختَلِفةٍ لَجازَ عليه أن يَنتَقِلَ إلىٰ غَيرِ مَحلِّه بَعدَ وجودِه فيه.

أمكَنَ أن يُقالَ‌: الفَرقُ بَينَ الأمرَينِ أنّ انتقالَه لا يُمكِنُ إسنادُه إلَى الفاعلِ‌؛ لأنّ الفاعلَ لا يُسنَدُ إليه مِن الصفاتِ إلّاما تَبِعَ حُدوثَ الذواتِ‌، و العَرَضُ لَو انتَقَلَ في


1) . في «أ»: - «و إن».

2) . في «د، س»: «تلزمه». و في غير «أ، د، س»: «نلزمه».

3) . في «ب، ج، ط»: «ولا يلتزمه». و في «ص»: «ولا نلزمه».

4) . من المحالّ‌.

5) . من الأوقات. و من قوله: «مجرى القديم تعالىٰ‌» إلىٰ هنا ساقط من «أ، د، س، ص، ط».

6) . في «أ»: «فليس يمتنع».

7) . في «أ»: - «بيننا».

8) . في «أ»: «الموجود».

حالِ بقائه لَم يَجُز إسنادُ انتقالِه إلَى الفاعلِ‌؛ و الذاتُ غَيرُ حادثةٍ في هذه الحالِ‌. و لَيسَ كذلكَ حالُ الحُدوثِ‌؛ لأنّ حُلولَه في حالِ حُدوثِه كَيفيّةٌ‌(1)في حُدوثِه، و يُمكِنُ أن يُسنَدَ إلَى الفاعلِ‌.

و لنا في هذه المسألةِ نَظَرٌ، و هذا الذي ذَكَرناه آخِرُ ما حَضَرَنا الآنَ‌(2)فيها، و إن عَنَّ لنا بَعدَ هذا شَيءٌ يُخالِفُ ما ذَكرناه(3)أَورَدناه بمَشيئةِ اللّٰهِ‌. و لَيسَ يَضُرُّ الشكُّ في أنّ العَرَضَ يَجوزُ وجودُه في غَيرِ المَحلِّ الذي وُجِدَ فيه بأصلٍ‌(4)مِن أُصولِ الدينِ‌؛ فلا عِنايةَ بتَحقيقِه.


1) . في «أ»: «كيفيّته».

2) . في «أ»: «إلّا أنّ‌».

3) . في «أ»: + «و».

4) . في غير «أ»: - «بأصلٍ‌».

المسألةُ الخامسةُ‌ في بيان بطلان أحكام النجوم
اشارة

المسألةُ الخامسةُ‌(1)في بيان بطلان أحكام النجوم

ما القولُ فيما يُخبِرُ به المُنجِّمونَ مِن وقوعِ حَوادثَ‌، و يُضيفونَ ذلكَ إلىٰ تأثيراتِ النجومِ؟

و(2)ما المانعُ مِن أن تؤثِّرَ الكَواكِبُ علىٰ حَدِّ تأثيرِ الشمسِ الأُدمةَ فينا بالشعاعِ؟(3)و إن كانَ تأثيرُ الكَواكِبِ مُستَحيلاً، فما المانعُ مِن أن تَكونَ التأثيراتُ مِن فعلِ اللّٰهِ تَعالىٰ بمَجرَى العادةِ عندَ طلوعِ هذه الكَواكِبِ أو(4)انتقالِها؟ فليُنعِمْ ببيانِ ذلكَ‌؛ فإنّ الأنفُسَ إليه مشوقةٌ‌(5).

و كَيفَ نَقولُ‌(6): «إنّ المُنجِّمينَ حادسونَ‌» مع أ نّه لا يَفسُدُ مِن أقوالِهم إلّاالقَليلُ‌، حتّىٰ إنّهم يُخبِرونَ بالكُسوفِ و وَقتِه و مقدارِه، فلا يَكونُ إلّاعلىٰ ما أَخبَروا به(7)؟


1) . لم ترد هذه المسألة في «أ»، و إنّما اكتُفي منها بالكلمات التالية: «المسألة الخامسة: في إبطال النجوم، و هي عندي بحمد اللّٰه تعالىٰ‌». و قد نُقلت هذه المسألة كلّها في تكملة الأمالي للشريف المرتضى، و جاء في أوّلها: «مسألة: سُئل رضي اللّٰه عنه فقيل:».

2) . في «د، س، ط»: - «و».

3) . في الأمالي: - «بالشعاع».

4) . في «ص»: «و».

5) . في الأمالي: «متشوّقة».

6) . في الأمالي: «تقول».

7) . في غير الأمالي: «منه».

فأيُّ فَرقٍ بَينَ إخبارِهم بحُصولِ هذا التأثيرِ في هذا الجسمِ‌، و بَينَ حُصولِ تأثيرِها في أجسامِنا؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ‌(1)-:

اِعلَمْ أنّ المُنجِّمينَ يَذهَبونَ إلىٰ أنّ الكَواكِبَ تَفعَلُ في الأرضِ و مَن عليها أفعالاً يُسنِدونَها(2)إلىٰ طِباعِها. و ما فيهم أحَدٌ يَذهَبُ إلىٰ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ أَجرَى العادةَ بأن يَفعَلَ عندَ قُربِ بعضِها مِن بعضٍ أو بُعدِه أفعالاً مِن غَيرِ أن يَكونَ للكَواكِبِ أنفُسِها تأثيرٌ في ذلكَ‌، و مَن ادَّعىٰ هذا المَذهبَ الآنَ منهم فهو قائلٌ بخِلافِ ما ذَهَبَت إليه القدماءُ في ذلكَ و مُتَجمِّلٌ بهذا المَذهبِ عندَ أهلِ الإسلامِ و مُتقرِّبٌ إليهم بإظهارِه، و لَيسَ هذا بقَولٍ لأحَدٍ(3)ممّن تَقدَّمَ‌؛ فكأنَّ الذي كانَ يَجوزُ أن يَكونَ صحيحاً - و إن دَلَّ الدليلُ علىٰ فَسادِه - لا يَذهَبون إليه، و إنّما يَذهَبونَ إلَى المُحالِ الذي لا يُمكِنُ صحّتُه.

في إبطال تأثير الكواكب في الأُمور الأرضيّة

[الدليل الأوّل]

و قد فَرَغَ‌(4)المُتكلِّمونَ من الكلامِ‌(5)في أنّ الكَواكِبَ لا يَجوزُ أن تَكونَ فينا فاعلةً‌، و تَكلَّمنا نَحنُ أيضاً في مَواضِعَ علىٰ ذلكَ‌،(6)و بيّنّا بُطلانَ الطبائعِ التي


1) . في الأمالي: - «و باللّٰه التوفيق».

2) . في «ب، ج، ط»: «يسندوها». و في «س»: «و يسندوها».

3) . في «ص»: «أحد».

4) . في «د»: «فوّق». و في «س، ط»: «فرق».

5) . هكذا في الأمالي. و في النسخ: - «من الكلام».

6) . راجع: الملخّص، ص 300-301.

يَهذونَ بذِكرِها و إضافةِ الأفعالِ إليها،(1)و بيّنّا أنّ الفاعلَ لا بُدَّ مِن(2)أن يَكونَ حَيّاً قادراً(3)، و قد عَلِمنا أنّ الكَواكِبَ لَيسَت بهذه الصفةِ‌؛ فكَيفَ تَفعَلُ‌، و ما يُصحِّحُ الأفعالَ مفقودٌ فيها؟

و قد سَطَرَ المُتكلِّمونَ طُرُقاً كَثيرةً في أنّها لَيسَت بحَيّةٍ و لا قادرةٍ‌(4)، و أشَفُّ ما قيلَ في ذلكَ‌(5): إنّ الحياةَ معلومٌ أنّ الحرارةَ الشديدةَ - كحرارةِ النارِ - تَنفيها و لا تَثبُتُ معها، و معلومٌ أنّ حَرارةَ الشمسِ أشَدُّ و أقوىٰ مِن حرارةِ النارِ بكَثيرٍ؛ لأنّ الذي يَصِلُ إلينا علىٰ بُعدِ المَسافةِ مِن حرارةِ شُعاعِها(6)يُماثِلُ أو يَزيدُ علىٰ حرارةِ النارِ، و ما كانَ بهذه الصفةِ مِن الحرارةِ مُستَحيلٌ‌(7)كَونُه حَيّاً.

و أقوىٰ مِن ذلكَ كُلِّه - في نَفيِ كَونِ الفَلَكِ و ما فيه مِن شَمسٍ و قَمَرٍ و كَوكَبٍ أحياءً - السمعُ‌(8)و الإجماعُ‌؛ فإنّه لا خِلافَ بَينَ المُسلِمينَ في ارتفاعِ الحياةِ عن الفَلَكِ و ما يَشتَمِلُ عليه مِن الكَواكِبِ‌، و أنّها مُسخَّرةٌ مُدبَّرةٌ مُصرَّفةٌ‌(9)و ذلكَ معلومٌ مِن دينِ رَسولِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ضَرورةً‌.


1) . رسائل الشريف المرتضىٰ‌، ج 4، ص 23-24؛ الملخّص، ص 285 و ما بعدها؛ الذخيرة، ص 75-76، ص 165-167؛ شرح جمل العلم و العمل، ص 46-47.

2) . في الأمالي: - «من».

3) . راجع: الملخّص، ص 73 و ما بعدها، و ص 82 و ما بعدها.

4) . في الأمالي: + «أكثرها معترض».

5) . راجع: شرح الأُصول الخمسة، ص 75-76؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 6، ص 200-213.

6) . في الأمالي: «من حرارة الشمس بشعاعها».

7) . في الأمالي: «يستحيل».

8) . في «ص»: «بالسمع».

9) . في «د»: «مصروفة».

و إذا قَطَعنا علىٰ نَفيِ الحياةِ و القُدرةِ عن الكَواكِبِ‌، فكَيفَ تَكونُ فاعلةً؟!

[الدليل الثاني]

علىٰ‌(1)أنّنا قد سَلَّمنا إليهم(2)- استظهاراً في الحُجّةِ - أنّها قادرةٌ‌، و قُلنا: إنّ الجسمَ و إن كان قادراً، فإنّه لا يَجوزُ أن يَفعَلَ في غَيرِه ابتداءً‌؛ و إنّما يَفعَلُ في غَيرِه(3)علىٰ سَبيلِ التوليدِ، و لا بُدَّ مِن وُصلةٍ بَينَ الفاعلِ و المفعولِ فيه. و الكَواكِبُ غَيرُ مُماسّةٍ لنا، و لا وُصلةَ بَينَنا و بَينَها، فكَيفَ تَكونُ فاعلةً فينا؟

فإنِ ادُّعيَ أنّ الوُصلةَ بَينَنا هي(4)الهواءُ‌، فالهواءُ أوّلاً لا يَجوزُ أن يَكونَ آلةً في الحركاتِ الشديدةِ و حَملِ الأثقالِ‌. ثُمَّ لَو كانَ الهواءُ آلةً تُحرِّكُنا بها الكَواكِبُ‌، لَوَجَبَ أن نُحِسَّ بذلكَ و نَعلَمَ أنّ الهواءَ يُحرِّكُنا و يُصرِّفُنا، كَما نَعلَمُ في غَيرِنا مِن الأجسامِ‌(5)- إذا حَرَّكَنا(6)بآلةٍ - مَوضِعَ‌(7)تحريكِه لنا بها.

علىٰ أنّ في الحوادثِ الحادثةِ فينا ما لا يَجوزُ أن يُفعَلَ بآلةٍ و لا يَتولَّدَ عن سببٍ‌، كالإراداتِ و الاعتقاداتِ و أشياءَ كَثيرةٍ‌؛ فكَيفَ فَعَلَت الكَواكِبُ ذلكَ فينا، و هي لا يَصِحُّ‌(8)أن تَكونَ مُختَرِعةً للأفعالِ؟ لأنّ الجسمَ لا يَجوزُ أن يَكونَ قادراً إلّا


1) . في الأمالي: «و علىٰ‌».

2) . في الأمالي: «لهم».

3) . في الأمالي: «إلّا» بدل قوله: «ابتداءً‌؛ و إنّما يفعل في غيره» فالعبارة هكذا: «في غيره إلّاعلى سبيل التوليد».

4) . في الأمالي: - «هي».

5) . في «ص»: «من غيرنا في الأجسام».

6) . في الأمالي: «حرّكناه».

7) . في الأمالي: «يوضع».

8) . هكذا في الأمالي. و في النسخ: «لا تصحّ‌».

بقُدرةٍ‌، و القُدرةُ لا يَجوزُ(1)لأمرٍ يَرجِعُ إلىٰ نَوعِها أن يُختَرَعَ‌(2)بها الأفعالُ‌.

فأمّا الأُدمةُ فلَيسَ تؤَثِّرُها علَى الحقيقةِ الشمسُ‌(3)في وجوهِنا و أبدانِنا، و إنّما اللّٰهُ تَعالىٰ هو المؤثِّرُ لها وفاعلُها بتَوسُّطِ حرارةِ الشمسِ‌، كَما أ نّه تَعالىٰ هو المُحرِقُ علَى الحقيقةِ بحرارةِ النارِ، و الهاشمُ لِما يَهشِمُه(4)الحَجَرُ بثِقلِه.

و حرارةُ الشمسِ مُسوِّدةٌ للأجسامِ مِن جهةٍ مفهومةٍ معقولةٍ‌(5)، كَما أنّ النارَ تُحرِقُ الأجسامَ علىٰ وجهٍ معقولٍ‌؛ فأيُّ تأثيرٍ للكَواكِبِ فينا يَجري هذا المَجرىٰ في تمييزِه و العِلمِ بصحّتِه‌؟ فليُشِرْ إليه؛ فإنّ ذلكَ ممّا(6)لا يَقدِرُ عليه(7).

[الدليل الثالث]

و ممّا يُمكِنُ أن يُعتَمَدَ عليه في إبطالِ أن تَكونَ الكَواكِبُ فاعلةً فينا و مُصرِّفة لنا: أنّ ذلكَ يَقتَضي سُقوطَ الأمرِ و النهيِ و المَدحِ و الذمِّ عنّا، و نَكونُ معذورينَ في كُلِّ إساءةٍ تَقَعُ مِنّا و نَجنيها(8)بأَيدينا، و غَيرَ مشكورينَ علىٰ شَيءٍ مِن الإحسانِ و الإفضالِ‌. و(9)كُلُّ شَيءٍ يَفسُدُ به قولُ المُجبِرةِ‌، فهو مُفسِدٌ لهذا المَذهبِ‌.


1) . في الأمالي: «لا تجوز».

2) . في الأمالي: «تخترع».

3) . في الأمالي: «الشمس على الحقيقة».

4) . في غير «ص» و الأمالي: «تهشمه».

5) . في الأمالي: «معقولة مفهومة».

6) . في «ص»: «ما».

7) . في الأمالي: «ممّا لا قدرة عليه».

8) . في «د، ط»: «و نجينها».

9) . في «د»: - «و».

فأمّا(1)الوجهُ الآخَرُ: و هو أن يَكونَ اللّٰهُ تَعالىٰ أَجرَى العادةَ بأن يَفعَلَ أفعالاً مخصوصةً عندَ طلوعِ كَوكَبٍ أو غُروبِه أو اتّصالِه أو مُفارَقتِه: فقَد بيّنّا أنّ ذلكَ لَيسَ بمَذهبٍ للمُنجِّمينَ البتّةَ‌؛ و إنّما يَتجمَّلونَ الآنَ بالتظاهُرِ به.

و أ نّه قد كانَ جائزاً أن يُجريَ اللّٰهُ تَعالَى العادةَ بذلكَ‌؛ لكِن لا طريقَ إلَى العِلمِ بأنّ ذلكَ قد وَقَعَ و ثَبَتَ‌. و مِن أينَ لنا أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ أَجرَى العادةَ بأن يَكونَ زُحَلُ أو المِرّيخُ إذا كانَ في دَرَجِ الطالعِ كانَ نَحساً، و أنّ المُشتَريَ إذا كانَ كذلكَ كانَ سَعداً؟ و أيُّ سَمعٍ مقطوعٍ به جاءَ بذلكَ؟ و أيُّ نبيٍّ خَبَّرَ به و استُفيدَ مِن جهتِه‌؟

فإن عَوَّلوا في ذلكَ علَى التجرِبةِ‌، و أنّا(2)جَرَّبنا ذلكَ و مَن كانَ قَبلَنا فوَجَدناه علىٰ هذه الصفةِ‌، و إذا لَم يَكُن موجَباً فيَجِبُ‌(3)أن يَكونَ مُعتاداً.

قُلنا: و مَن سَلَّمَ لكم صحّةَ هذه التجرِبةِ و انتظامَها و اطّرادَها؟ و قد رأَينا خَطأَكم فيها أكثَرَ مِن صَوابِكم، و صِدقَكم أقَلَّ مِن كَذِبِكم؛ فألّا نَسَبتم الصحّةَ إذا اتَّفَقَت فيكم(4)إلَى الاتّفاقِ الذي يَقَعُ مِن المُخمِّنِ و المُرجِّمِ؟ فقَد رأَينا مَن يُصيبُ مِن هؤلاءِ‌(5)أكثَرَ ممّن يُخطئُ‌، و هو علىٰ غَيرِ أصلٍ مُعتَمَدٍ، و لا قاعدةٍ صحيحةٍ‌.

فإذا قُلتم: سببُ خَطإ المُنجِّمِ زَلَلٌ دَخَلَ عليه في أخذِ الطالعِ أو تسييرِ الكَواكِبِ‌.

قُلنا: و لِمَ لا كانَت إصابتُه سببُها الاتّفاقُ و(6)التخمينُ؟ و إنّما كانَ يَصِحُّ لكم هذا


1) . في «د»: «قلنا». و في الأمالي: «و أمّا».

2) . في الأمالي: «و أنّنا».

3) . في الأمالي: «وجب».

4) . في الأمالي: «منكم».

5) . في «د، س، ص، ط»: - «من هؤلاء».

6) . في الأمالي: - «الاتّفاق و».

التأويلُ و التخريجُ لَو كانَ علىٰ صحّةِ أحكامِ النجومِ دليلٌ قاطعٌ هو غَيرُ إصابةِ المُنجِّمِ‌؛ فأمّا إذا كانَ دليلُ صحّةِ الأحكامِ الإصابةَ‌، فألّا كانَ دليلُ فَسادِها الخَطأَ؟ فما أحدَهُما إلّافي مُقابَلةِ صاحبِه(1).

استدلالات و بيانات حول عدم إصابة المنجّمين في أحكامهم

[أوّلاً]

و ممّا أُفحِمَ به القائلونَ بصحّةِ الأحكامِ‌(2)، و لَم يَتحصَّلْ عنه منهم(3)جوابٌ‌، أن قيلَ لهُم في شَيءٍ بعَينِه: خُذوا الطالعَ و احكُموا هَل يؤخَذُ أو يُترَكُ؟ فإن حَكَموا إمّا بالأخذِ أو التركِ خولِفوا و فُعِلَ خِلافُ ما خَبَّروا به.

و قد أعضَلَتهم هذه المسألةُ و اعتَذَروا فيها(4)بأعذارٍ مُلفَّقةٍ لا يَخفىٰ علىٰ عاقلٍ سَمِعَها بُعدُها مِن الصوابِ‌، و قالوا(5)في هذه المسألةِ‌: يَجِبُ أن يَكتُبَ هذا المُبتَلىٰ بها ما يُريدُ أن يَفعَلَه(6)أو يُخبِرَ به غَيرَه، فإنّا نُخرِجُ ما قد عَزَمَ عليه مِن أحَدِ الأمرَينِ‌.

و هذا تَعلُّلٌ منهم بالباطلِ‌(7)لأنّه إذا كانَ النظَرُ في النجومِ يَدُلُّ علىٰ جميعِ الكائناتِ التي مِن جُملتِها ما يَختارُه أحَدُنا مِن أَخذِ هذا الشيءِ المعروضِ‌(8)


1) . في «س، ط»: «صاحبته». و في الأمالي: «فما أحدهما في المقابلة إلّاكصاحبه».

2) . من قوله: «الإصابة، فألّا كان دليل» إلىٰ هنا ساقط من «د».

3) . في الأمالي: «منهم عنه».

4) . في الأمالي: «عنها».

5) . في الأمالي: «فقالوا».

6) . في الأمالي: «أن يفعل».

7) . في الأمالي: «و هذا التعليل منهم باطل».

8) . في الأمالي: - «المعروض».

أو تَركِه، فأيُّ فَرقٍ بَينَ أن يَطويَ ذلكَ فلا يُخبِرَ به و لا يَكتُبَه حتّىٰ يَقولَ المُنجِّمُ ما عندَه، و بَينَ أن يُخبِرَ به أو(1)يَكتُبَه قَبلَ ذلكَ؟

و إنّما فَزِعوا إلَى الكِتابةِ و(2)ما يَجري مَجراها حتّىٰ لا يُخالَفَ المُنجِّمُ فيما يَذكُرُه و يَحكُمُ به مِن أَخذٍ أو تَركٍ‌. و لَو كانَت الأحكامُ صحيحةً‌، و فيها دَلالةٌ علَى الكائناتِ‌، لَوَجَبَ أن يَعرِفَ المُنجِّمُ ما اختارَه مِن أحَدِ الأمرَينِ علىٰ كُلِّ حالٍ‌.

و لَو نَزَلنا تَحتَ حُكمِهم، و كَتَبنا ما نُريدُ أن نَفعَلَه، لَما وَجَدنا إصابتَهم في ذلكَ إلّاأقَلَّ مِن خَطئهم، و لَم يَزيدوا فيه علىٰ ما يَفعَلُه و يُخبِرُ به المُزكِنُ‌(3)المُرَجِّمُ‌(4)، مِن غَيرِ نظرٍ في طالعٍ و لا غاربٍ‌، و لا رجوعٍ إلىٰ أصلٍ‌؛ و إلّافالبلوىٰ بَينَنا و بَينَهم(5).

حكايات و مناظرات وقعت للمصنّف تتعلّق بعدم إصابة المنجّمين

[الحكاية الأُولىٰ‌]

و كانَ بعضُ الرؤَساءِ‌، بَل الوزراءِ‌، ممّن كانَ فاضلاً في الأدَبِ و الكِتابةِ‌، و مشغوفاً بالنجومِ عاملاً عليها، قالَ لي يوماً - و قد جَرىٰ حَديثٌ يَتعلَّقُ بأحكامِ النجومِ‌، و رأىٰ مِن مَخايِلي(6)التعجُّبَ ممّن يَتشاغَلُ بذلكَ و يُفني زمانَه به -: أُريدُ أن أسألَكَ عن شَيءٍ في نَفسي.


1) . في الأمالي: «و».

2) . في «ص»: «أو».

3) . في «ب، د»: «المركز». و في «ج، س، ط»: «المركن». و أزكَنَ الأمرَ: ظَنَّه ظنّاً كان عنده بمنزلة اليقين.

4) . في الأمالي: «علىٰ ما يفعله المخمّن المرجّم».

5) . في الأمالي: «وبينكم».

6) . في «س»: «محالي». و في «ص»: «حالي».

فقُلتُ‌: سَلْ عمّا بَدا لكَ‌(1).

فقالَ‌(2): أُريدُ أن تُعرِّفَني هَل بَلَغَ بكَ التكذيبُ بأحكامِ النجومِ إلىٰ أن لا تَختارَ يوماً لسَفَرٍ(3)، و لُبسِ ثَوبٍ جَديدٍ، و تَوجُّهاً(4)في حاجةٍ؟

فقُلتُ‌: قد بَلَغتُ إلىٰ ذلكَ - و الحمدُ للّٰهِ - و زيادةٍ عليه، و ما في داري تقويمٌ ولا أَنظُرُ فيه، و ما رَأَيتُ مع ذلكَ إلّاخَيراً.

ثُمَّ أقبَلتُ عليه فقُلتُ‌(5): نَدَعُ ما يَدُلُّ علىٰ بُطلانِ أحكامِ النجومِ ممّا يَحتاجُ إلىٰ فِكرٍ دقيقٍ و رَويّةٍ طويلةٍ‌، و هاهُنا شَيءٌ قَريبٌ لا يَخفىٰ علىٰ أحَدٍ ممّن عَلَت طبقتُه في الفَهمِ أو انخَفَضَت؛ خَبِّرني: لَو فَرَضنا جادّةً مسلوكةً‌، و طريقاً يَمشي فيه الناسُ لَيلاً و نَهاراً، و في مَحجّتِه آبارٌ مُتَقارِبةٌ‌، و بَينَ بعضِها و بعضٍ طريقٌ يَحتاجُ سالكُه إلىٰ تأمُّلٍ و تَوقُّفٍ حتّىٰ يَتخلَّصَ مِن السقوطِ في بعضِ تلكَ الآبارِ، هَل يَجوزُ أن تَكونَ‌(6)سَلامةُ مَن يَمشي في هذا الطريقِ مِن العُميانِ كسَلامةِ مَن يَمشي فيها(7)مِن البُصَراءِ‌، و قد فَرَضنا أ نّه لا يَخلو طَرفةَ عَينٍ مِن مُشاةٍ‌(8)فيه بُصَراءَ و عُميانٍ؟ و هَل يَجوزُ أن يَكونَ عَطَبُ البُصَراءِ‌(9)مُقارِباً لعَطَبِ‌(10)العُميانِ‌،


1) . في «ح، ط»: «بذلك».

2) . في «ص» و الأمالي: «قال».

3) . في «ص»: «للسفر».

4) . في الأمالي: «و توجّه».

5) . في «ص»: «و قلت».

6) . في «س»: «يكون».

7) . في الأمالي: - «فيها».

8) . في الأمالي: «من المشاة».

9) . في «د، س»: «النظراء». و في «ط»: «البطراء».

10) . في الأمالي: «يقارب عطب».

أو(1)سَلامةُ العُميانِ مُقارِبةً‌(2)لسَلامةِ البُصَراءِ؟

فقالَ‌: هذا ممّا لا يَجوزُ؛ بَل الواجبُ أن تَكونَ‌(3)سَلامةُ البُصَراءِ أكثَرَ مِن سَلامةِ العُميانِ‌، و لا يَجوزُ في مِثلِ هذا التقارُبُ‌.

فقُلتُ له(4): إذا كانَ هذا مُحالاً فأَحيلوا نَظيرَه و ما لا فَرقَ بَينَه و بَينَه، و أنتم تُجيزونَ شَبيهَ ما ذَكَرناه و عَديلَه؛ لأنّ البُصَراءَ هُم الذينَ يَعرِفونَ أحكامَ النجومِ و يُميِّزونَ سَعدَها مِن نَحسِها و يَتوقَّونَ بهذه المَعرِفةِ مَضارَّ الزمانِ و يَتخطَّونَها و يَعتَمِدونَ مَنافِعَه و يَقصِدونَها، و مِثالُ العُميانِ كُلُّ مَن لا يُحسِنُ تَعلُّمَ‌(5)النجومِ و لا يَلتَفِتُ إليه مِن العلماءِ‌(6)و الفقهاءِ و أهلِ الدياناتِ و العباداتِ‌، ثُمَّ مِن(7)سائرِ العوامِّ و الأعرابِ و الأكرادِ و هُم أضعافُ أضعافِ‌(8)مَن يُراعي النجومَ‌(9)، و مِثالُ الطريقِ الذي فيه الآبارُ الزمانُ الذي يَمضي علَى الخَلقِ أجمَعينَ‌(10)، و مِثالُ آبارِه(11)مَصائبُه و نَوائبُه و مِحَنُه، و قد كانَ يَجِبُ - لَو صَحَّ العِلمُ بالنجومِ و أحكامِها - أن تَكونَ سَلامةُ المُنجِّمينَ أكثَرَ و مصائبُهم أقَلَّ - لأنّهم يَتوقَّونَ المِحَنَ‌؛ لعِلمِهم بها


1) . في الأمالي: «و».

2) . في «س»: «متقاربة».

3) . في «د»: «يكون».

4) . في الأمالي: - «له».

5) . في «ب، ج، س، ط»: «بعلم». و في «د» الكلمة مهملة.

6) . في الأمالي: «من الفهماء».

7) . في الأمالي: - «من».

8) . في «ج، س، ص»: - «أضعاف».

9) . في الأمالي: «عدد النجوم».

10) . في الأمالي: «يمضي عليه الخلق أجمعون».

11) . في «ص» و حاشية «س»: «الآبار».

قَبلَ كَونِها - و تَكونَ مِحَنُ كُلِّ مَن ذَكَرناه(1)مِن الطبقاتِ الكَثيرةِ أوفَرَ و أظهَرَ حتّىٰ تَكونَ‌(2)السلامةُ هي الطريقةَ الغَريبةَ‌، و قد عَلِمنا خِلافَ ذلكَ و أنّ السلامةَ أو المِحَنَ في الجميعِ مُتَقارِبةٌ غَيرُ مُتَفاوِتةٍ‌.

فقالَ‌: رُبَّما اتَّفَقَ مِثلُ ذلكَ‌.

فقُلتُ له: فيَجِبُ أن نُصَدِّقَ مَن(3)خَبَّرَنا في ذلكَ الطريقِ المسلوكِ الذي فَرَضناه بأنّ سَلامةَ العُميانِ فيه(4)كسَلامةِ البُصَراءِ‌، و نَقولُ‌: لَعَلَّ ذلكَ اتَّفَقَ‌. و بَعدُ فإنّ الاتّفاقَ لا يَستَمِرُّ(5)، و هذا الحُكمُ‌(6)الَّذي ذَكَرناه مُستَمِرٌّ غَيرُ مُنقَطِعٍ‌.

فلَم يَكُن عندَه عُذرٌ صحيحٌ‌.

[ثانياً]

و ممّا يُفسِدُ مَذهبَ المُنجِّمينَ‌، و يَدُلُّ علىٰ أنّ‌(7)ما لَعلَّه يَتَّفِقُ لهُم مِن الإصابةِ علىٰ غيرِ أصلٍ‌: أنّا قد شاهَدنا جماعةً مِن الزَّرّاقينَ‌(8)

و «الزرّاقون» هم الذين يُخبِرون عن المغيَّبات رجماً بالغيب، من دون إعمالِ فكرٍ و تعلُّمِ علمٍ‌. بحار الأنوار، ج 89، ص 151، الهامش 2.

و زَرَقَ فلاناً بعَينِه: أحَدَّها نحوه ورماه بها. تاج العروس، ج 13، ص 193 (زرق).

، الذينَ لا يَعرِفونَ شَيئاً مِن عِلمِ النجومِ‌، و لا نَظَروا قَطُّ في شَيءٍ منه، يُصيبونَ فيما يَحكُمونَ به إصاباتٍ مُستَطرَفةً‌.

1) . في «د، ص»: «ذكرنا».

2) . في «س»: «يكون».

3) . في «س»: «يصدّق عن». و في «ص»: «يصدّق من».

4) . في الأمالي: - «فيه».

5) . في الأمالي: + «بل ينقطع».

6) . في الأمالي: - «الحكم».

7) . في الأمالي: - «أنّ‌».

8) . في غير «س، ص»: «الزرّافين».

[الحكاية الثانية]

و قد كانَ المعروفُ بالشَّعرانيِّ‌(1)

و الرجل غير مذكور في الكتب، و الظاهر أنّه كان مشهوراً ببغداد في زمن المصنّف رحمه اللّٰه.

، الذي شاهَدناه و هو لا يُحسِنُ أن يأخُذَ الأَصطُرلابَ للطالعِ‌، و لا نَظَرَ قَطُّ في زيجٍ بَل و لا تقويمٍ‌، غَيرَ أ نّه ذَكيٌّ حاضرُ الجوابِ‌، فَطِنٌ بالزَّرقِ‌، معروفٌ بكَثرةِ الإصابةِ‌(2)و بلوغِ الغايةِ فيما يُخرِجُه مِن الأسرارِ؛ و لقَد اجتَمَعَ يوماً بَينَ يَدي مع(3)جماعةٍ كانوا عندي، و كُنّا(4)كُلُّنا اعتَزَمنا(5)جهةً نَقصِدُها لبعضِ الأغراضِ‌، فسألَه أحَدُنا عمّا نَحنُ بصَدَدِه، فابتَدأَ مِن غَيرِ أخذِ طالعٍ و لا نظرٍ في تقويمٍ فأخبَرَنا بالجهةِ التي أرَدنا قَصدَها، ثُمَّ عَدَلَ إلىٰ كُلِّ واحدٍ مِن الجماعةِ فأخبَرَه عن كَثيرٍ مِن تفصيلِ أُمورِه(6)و أغراضِه(7)، حتّىٰ قالَ لأحَدِهم: و أنتَ مِن بَينِ الجماعةِ قد وَعَدَك واعِدٌ بشَيءٍ يوصِلُه إليكَ‌، و قَلبُكَ به مُتَعلِّقٌ‌، و في كُمِّكَ شَيءٌ ممّا يَدُلُّ علىٰ هذا(8).

و ضَرَبَ بيَدِه(9)إلىٰ كُمِّه يَستَخرِجُ‌(10)ما فيه، فاستَحيا ذلكَ الرجُلُ و وَجَمَ‌(11)


1) . يُكتب في بعض المصادر بالغين، أي «الشغرانيّ‌». راجع: بحار الأنوار، ج 89، ص 151.

2) . في الأمالي: «معروف به كثير الإصابة».

3) . في الأمالي: - «مع».

4) . في الأمالي: - «كنّا».

5) . في الأمالي: «قد اعتزمنا».

6) . في الأمالي: «أمره».

7) . في «س»: «و أعراضه».

8) . في الأمالي: + «و قد انقضت حاجتك و انتجزت».

9) . في الأمالي: «و جذب يده».

10) . في الأمالي: «فاستخرج».

11) . في «س»: «و رجم». و وَجَمَ - هنا -: سكت فَزَعاً، فهو واجِم.

و امتَنَعَ‌(1)مِن الوقوفِ علىٰ ما في كُمِّه بجُهدِه، فلَم يَنفَعْه ذلكَ‌، و أعانَ الحاضرونَ علىٰ إخراجِ ما في كُمِّه لمّا أحَسّوا بالإصابةِ من الزَّرّاقِ‌؛ فأُخرِجَ مِن كُمِّه رِقاعٌ كَثيرةٌ‌، و(2)في(3)جُملتِها صَكٌّ علىٰ دارِ الضربِ بصِلةٍ مِن خَليفةِ الوِزارةِ في ذلكَ الوقتِ‌. فعَجِبنا ممّا اتَّفَقَ مِن(4)إصابتِه مع بُعدِه عن(5)صِناعةِ النجومِ‌.

و كانَ لنا صَديقٌ يَقولُ أبَداً: مِن أدَلِّ دليلٍ علىٰ بُطلانِ أحكامِ النجومِ إصابةُ الشَّعرانيِّ‌.

[الحكاية الثالثة]

و جَرىٰ يوماً مع مَن يَتعاطىٰ‌(6)عِلمَ النجوم هذا الحَديثُ‌، فقالَ‌: عندَ المُنجِّمينَ أنّ السببَ في إصابةِ مَن لا يَعرِفُ‌(7)شَيئاً مِن عِلمِ النجومِ أنّ مَولِدَه و ما يَتولّاه مِن الكَواكِبِ‌(8)اقتَضىٰ له ذلكَ‌.

فقُلتُ له: فلَعلَّ بَطلُميوسَ‌(9)و كُلَّ عالِمٍ مِن علماءِ المُنجِّمينَ و مصيبٍ في


1) . في الأمالي: «و منع».

2) . في الأمالي: - «و».

3) . في «ص»: «ومن».

4) . في «د، س، ص، ط»: - «من».

5) . في «ب» و الأمالي: «من».

6) . في «س»: «يتعامل».

7) . في الأمالي: «لا يعلم».

8) . في الأمالي: «وتقتضيه كواكبه» بدل «من الكواكب».

9) . في الأمالي: «بطليموس». و هو حكيم يوناني، وُلد في صعيد مصر و توفّي قرب الإسكندريّة. أكبر فلكي في التاريخ القديم، و صاحب كتاب «المَجَسطي» المشهور. المعجم الكبير (في اللغة)، ج 2، ص 391.

أحكامِ عِلمِها(1)إنّما سببُ إصابتِه مَولِدُه و ما تَقتَضيهِ كَواكِبُه مِن غَيرِ عِلمٍ و لا فَهمٍ‌؛ فلا يَجِبُ أن يُستَدَلَّ بالإصابةِ علَى العِلمِ إذا كانَت تَقَعُ مِن جاهلٍ و يَكونُ سببُها المَولِدَ. و إذا كانَت الإصابةُ بالمَواليدِ، فالنظرُ(2)في عِلمِ النجومِ عَبَثٌ و تَعَبٌ‌(3)لا يُحتاجُ إليه؛ لأنّ المَولِدَ إنِ اقتَضَى الإصابةَ أو الخَطأَ، فالتعلُّمُ لا يَنفَعُ‌، و تَركُه لا يَضُرُّ. و هذه عِلّةٌ تَسري إلىٰ كُلِّ صَنعةٍ حتّىٰ يَلزَمَ أن يَكونَ كُلُّ شاعرٍ مُفلِقٍ‌، و صانعٍ حاذقٍ‌، و ناسِجٍ للدِّيباجِ مُدقِّقٍ‌(4)لا عِلمَ له بتلكَ الصناعةِ‌، و إنّما اتَّفَقَت الصنعةُ منه(5)بغَيرِ عِلمٍ‌؛ لِما تَقتَضيه كَواكِبُ مَولِدِه. و ما يَلزَمُ علىٰ هذا مِن الجَهالاتِ لا يُحصىٰ‌.

و اعلَمْ‌ أنّ التعَبَ بعِلمِ مَراكِزِ الكَواكِبِ و أبعادِها و أشكالِها و تسييراتِها، متىٰ لَم تَكُن(6)ثَمَرتُه العِلمَ بالأحكامِ و الاطّلاعَ‌(7)علَى الحوادثِ قَبلَ كَونِها، لا معنىٰ له و لا غرضَ فيه؛ لأنّه لا مَنفَعةَ في أن يُعلَمَ ذلكَ كُلُّه لأمرٍ يَخُصُّ‌(8)نَفسَ العِلمِ به(9).

و ما يَجري مَجرَى(10)الاطّلاعِ علىٰ ذلكَ - إذا لَم تَتعدَّ المعرفةُ إلَى العِلمِ بالأحكامِ - إلّامَجرَى العِلمِ بعَدَدِ الحَصىٰ‌، و كَيلِ الثرىٰ‌(11)، و مَعرِفةِ أطوالِ الجِبالِ و أوزانِها؛


1) . في الأمالي: «في أحكامه عليها».

2) . في «د»: «فما النظر».

3) . في الأمالي: «ولعب».

4) . في الأمالي: «و مدقّق».

5) . في الأمالي: - «منه».

6) . في «ص»: «لم يكن».

7) . في الأمالي: «فالاطّلاع».

8) . في الأمالي: «و تختصّ‌» بدل «لأمر يخصّ‌».

9) . في «س، ص»: - «به».

10) . في الأمالي: - «مجرى».

11) . في الأمالي: «النوىٰ‌».

فكَما(1)أنّ العَناءَ في تَعرُّفِ ذلكَ عَبَثٌ لأنّه(2)لا يُجدي نَفعاً، فكذلكَ‌(3)العِلمُ بشَكلِ الفَلَكِ و تسييراتِ كَواكِبِه و أبعادِها، و المَعرِفةُ بزَمانِ قَطعِ كُلِّ كَوكَبٍ للفَلَكِ و تَفاضُلِها(4)فيه.

و ما شَقِيَ‌(5)القومُ بهذا الشأنِ و أَفنَوا فيه(6)أعمارَهم إلّالتقديرِهم أ نّه يُفضي إلىٰ مَعرِفةِ الأحكامِ‌؛ فلا يُغتَرَّ(7)بقَولِ مَن يَقولُ منهم: «إنّنا نَنظُرُ في ذلكَ لتَشرُفَ‌(8)نُفوسُنا بعِلمِ الهَيئةِ‌، و لَطيفِ ما فيها مِن الأعاجيبِ‌» فإنّ ذلكَ تَجمُّلٌ‌(9)منهم و تَقرُّبٌ إلىٰ أهلِ الإسلامِ‌؛ و لَولا أنّ غرضَهم مَعرِفةُ الأحكامِ لَما تَعِبوا(10)بشَيءٍ مِن هذا(11)كُلِّه، و لا كانَت فيه فائدةٌ‌، و لا منه عائدةٌ‌.

أدلّة أُخرىٰ علىٰ بطلان أحكام النجوم

و مِن أَدَلِّ الأدلّةِ‌(12)علىٰ بُطلانِ أحكامِ النجومِ‌: أنّا قد عَلِمنا أنّ مِن جُملةِ مُعجِزاتِ الأنبياءِ عليهم السلامُ الإخبارَ عن الغُيوبِ‌، و عُدَّ ذلكَ خارقاً للعاداتِ‌،


1) . في الأمالي: «و كما».

2) . في الأمالي: «و سفه» بدل «لأنّه».

3) . في غير «س، ص»: «و كذلك».

4) . في الأمالي: «و تفاصيلها».

5) . في الأمالي: «سعىٰ‌».

6) . في الأمالي: - «فيه».

7) . في الأمالي: «فلا تغترّ». و في «ص»: «فلا تعتبر».

8) . في الأمالي: «لشرف». أشرَفَ الشيءُ‌: علا و ارتفع.

9) . في «د، س»: «يحمل». و في «ط» الكلمة مهملة.

10) . في الأمالي: «لما تعنّوا».

11) . في الأمالي: «ذلك».

12) . في الأمالي: «الدليل».

كإحياءِ الميّتِ‌، و إبراءِ الأكمَهِ و الأبرَصِ‌. و لَو كانَ للعِلمِ‌(1)بما يَحدُثُ طريقٌ نُجوميٌّ‌(2)، لَم يَكُن ما ذَكرناه مُعجِزاً و لا خارقاً للعادةِ‌.

و كَيفَ يَشتَبِهُ علىٰ مُسلِمٍ بُطلانُ أحكامِ النجومِ‌، و قد أجمَعَ المُسلِمونَ قَديماً و حَديثاً علىٰ تكذيبِ المُنجِّمينَ و الشهادةِ بفَسادِ مَذاهبِهم و بُطلانِ أحكامِهم‌؟ و معلومٌ مِن دينِ الرسولِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه ضَرورةً التكذيبُ بما يَدَّعيهِ‌(3)المُنجِّمونَ و الإزراءُ عليهم و التهجينُ‌(4)لهم، و في الرواياتِ عنه عليه السلامُ مِن ذلكَ ما لا يُحصىٰ كَثرةً‌، و كذلكَ عن علماءِ أهلِ بيتِه عليهم السلامُ و خِيارِ أصحابِه(5)رَضيَ اللّٰهُ عنهم(6)، فما(7)زالوا يَتبرَّءونَ‌(8)مِن مَذاهبِ المُنجِّمينَ و يعُدّونَها ضَلا لاً و مُحالاً؛ و ما اشتَهَرَ هذه الشهرةَ في(9)دينِ الإسلامِ كَيفَ يَغتَرُّ بخِلافِه مُنتَسِبٌ إلَى المِلّةِ و مُصَلٍّ إلَى القِبلةِ‌(10)؟


1) . في الأمالي: «العلم».

2) . في الأمالي: «طريقاً نجوميّاً».

3) . في «ب، ج، د، ص، ط»: «تدّعيه».

4) . في الأمالي: «و التعجيز».

5) . نهج البلاغة، ص 105، الخطبة 79؛ الأمالي للصدوق، ص 415-416، ح 16؛ الخصال، ج 1، ص 297، ح 67؛ الاحتجاج، ج 1، ص 240. المعجم الكبير، ج 22، ص 376، ح 941؛ مسند أحمد، ج 17، ص 178، ح 11107، و ج 18، ص 305، ح 11781؛ صحيح ابن حِبّان، ج 6، ص 23 و 25؛ صحيح ابن خُزيمة، ج 2، ص 35، ح 859؛ تاريخ المدينة لابن شبّة، ج 2، ص 548.

6) . في الأمالي: - «رضي اللّٰه عنهم».

7) . في غير الأمالي: «فلا».

8) . في الأمالي: «يبرؤون».

9) . في «ص»: «من».

10) . في «ص»: «مصلٍّ إلى القبلة و منتسب إلى الملّة»؛ بتقديم و تأخير.

صحّة الإخبار عن الكسوفات، و فرقه مع سائر إخبارات المنجّمين

فأمّا إصابتُهم في الإخبارِ عن الكُسوفاتِ‌، و ما مضىٰ في أثناءِ المسألةِ مِن طلبِ الفَرقِ بَينَ ذلكَ و بَينَ سائرِ ما يُخبِرونَ به مِن تأثيرِ(1)الكَواكِبِ في أجسامِنا: فالفَرقُ بَينَ الأمرَينِ أنّ الكُسوفاتِ و اقتراناتِ الكَواكِبِ و انفصالَها طريقُه الحسابُ و تسييرُ الكَواكِبِ‌، و له أُصولٌ صحيحةٌ و قواعدُ سَديدةٌ‌. و لَيسَ كذلكَ ما يَدَّعونه مِن تأثيراتِ الكَواكِبِ في الخَيرِ و الشرِّ، و النفعِ و الضررِ(2). و لَو لَم يَكُن مِن(3)الفَرقِ بَينَ الأمرَينِ إلّاالإصابةُ الدائمةُ المُتَّصِلةُ في الكُسوفاتِ و ما يَجري مَجراها، و لا يَكادُ يَتَّفِقُ‌(4)فيها خَطأٌ البتّةَ [لكفىٰ‌]؛ فإنّ‌(5)الخطأَ المعهودَ(6)الدائمَ إنّما هو في الأحكامِ الباقيةِ‌، حتّىٰ إنّ الصوابَ هو العزيزُ فيها، و ما يَتَّفِقُ لَعلَّه فيها مِن إصابةٍ‌(7)قد يَتَّفِقُ مِن المُخمِّنِ أكثَرُ منه(8)فحَملُ أحَدِ الأمرَينِ علَى الآخَرِ بَهتٌ و قِلّةُ دينٍ و حَياءٍ‌(9).


1) . في الأمالي: «تأثيرات».

2) . في غير «د»: «و الضرّ».

3) . في الأمالي: «في».

4) . في الأمالي: «يبين».

5) . في الأمالي: «و أنّ‌».

6) . في «ص»: + «و».

7) . في الأمالي: «وما يتّفق فيها من الإصابة لعلّه».

8) . انظر أيضاً: الموضح (الصرفة)، ص 120-121.

9) . في الأمالي: - «وحياء».

المسألةُ السادسةُ‌ في بيان حقيقة المنامات
اشارة

المسألةُ السادسةُ‌(1)في بيان حقيقة المنامات

ما القولُ في المناماتِ؟ أ(2)صحيحةٌ هي(3)أَم باطلةٌ؟ و مِن فِعلِ مَن هي‌؟ و مِن أيِّ جنسٍ هي‌؟(4)

و ما هي‌؟(5)و وَجهُ صحّتِها في الأكثَرِ؟ و ما وَجهُ الإنزالِ عندَ رؤيةِ المُباشَرةِ في المَنامِ؟

فإن(6)كانَ فيها صحيحٌ و باطلٌ‌، فما السبيلُ إلىٰ تمييزِ أحَدِهما مِن صاحبِه‌؟(7)

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ‌(8)-:

اِعلَمْ أنّ النائمَ غَيرُ كاملِ العقلِ‌؛ لأنّ النومَ ضَربٌ مِن السهوِ، و السهوُ


1) . لقد نُقلت هذه المسألة كلّها أيضاً في تكملة الأمالي للشريف المرتضى، و جاء في أوّلها: «مسألة في المنامات» بدل «المسألة السادسة».

2) . في «أ»: - «أ».

3) . في «د»: - «هي».

4) . في «د»: - «هي».

5) . في غير «أ»: - «و ما هي‌؟».

6) . في الأمالي: «و إن».

7) . في «ص» و حاشية «س» و الأمالي: «الآخر» بدل «صاحبه».

8) . في الأمالي: - «و باللّٰه التوفيق».

يَنفي العلومَ‌، و لهذا يَعتَقِدُ النائمُ في نَفسِه(1)الاعتقاداتِ الباطلةَ‌؛ لنُقصانِ عَقلِه، و فَقدِ علومِه.(2)

حقيقة المنامات و فاعلها

و جميعُ المَناماتِ إنّما هي «اعتقاداتٌ‌» يَبتَدئُها النائمُ في نفسِه، و لا يَجوزُ أن تَكونَ مِن فعلِ غَيرِه فيه؛ لأنّ مَن عَداه مِن المُحدَثينَ - سَواءٌ‌(3)كانوا بَشَراً أو مَلائكةً أو جِنّاً - أجسامٌ‌،(4)و الجسمُ لا يَقدِرُ علىٰ‌(5)أن يَفعَلَ في غَيرِه اعتقاداً ابتداءً‌، بَل و لا شَيئاً مِن الأجناسِ علىٰ هذا الوجهِ‌؛ و إنّما يَفعَلُ ذلكَ في نَفسِه علىٰ سَبيلِ الابتداءِ‌.

و إنّما قُلنا: «إنّه لا يَفعَلُ في غَيرِه جنسَ الاعتقاداتِ مُتولِّداً»(6)لأنّ الذي يُعدّي الفعلَ مِن مَحلِّ القُدرةِ إلىٰ غَيرِها مِن الأسبابِ إنّما هو الاعتماداتُ‌، و لَيسَ في أجناسِ الاعتماداتِ ما يُوَلِّدُ الاعتقاداتِ‌، و لهذا لَو اعتَمَدَ أحَدُنا علىٰ قَلبِ غَيرِه الدهرَ الطويلَ‌، ما تَولَّدَ فيه شَيءٌ مِن الاعتقادِ(7). و قد(8)بُيِّنَ ذلكَ و شُرِحَ في مَواضِعَ كَثيرةٍ‌(9).


1) . في غير «أ»: - «في نفسه».

2) . ذهب المصنّف رحمه اللّٰه إلىٰ أنّ العقل عبارة عن مجموع علوم. الذخيرة، ص 121.

3) . في الأمالي: - «سواء».

4) . ذهب المصنّف رحمه اللّٰه إلىٰ أنّ المكلّف الحيّ هو هذه الجملة التي نشاهدها، أي أنّه جسم فقط. الذخيرة، ص 114.

5) . في غير «أ»: - «علىٰ‌».

6) . في «أ»: - «متولّداً».

7) . في «د» و الأمالي: «الاعتقادات».

8) . في «أ»: «فقد».

9) . راجع: شرح جمل العلم، ص 129.

و القَديمُ تَعالَى القادرُ(1)علىٰ أن يَفعَلَ في قُلوبِنا ابتداءً مِن غَيرِ سببٍ أجناسَ الاعتقاداتِ‌، لا يَجوزُ(2)أن يَفعَلَ في قَلبِ النائمِ اعتقاداً؛ لأنّ أكثَرَ اعتقاداتِ‌(3)النائمِ جَهلٌ‌، و يَتناوَلُ‌(4)الشيءَ علىٰ خِلافِ ما هو به؛ لأنّه يَعتَقِدُ أ نّه يَرىٰ و يَمشي و أنّه راكبٌ و علىٰ صفاتٍ كَثيرةٍ‌، و كُلُّ ذلكَ علىٰ خِلافِ ما هو به(5)و هو تَعالىٰ لا يَفعَلُ الجَهلَ‌.

فلَم يَبقَ إلّاأنّ الاعتقاداتِ كُلَّها مِن جهةِ النائمِ‌.

إبطال القول بصحّة جميع المنامات

و قد حُكيَ‌(6)في «المَقالاتِ‌»: أنّ المعروفَ بصالحِ قُبَّةٍ‌(7)كانَ يَذهَبُ إلىٰ أنّ كُلَّ ما يَراه النائمُ في مَنامِه علَى الحقيقةِ‌.(8)

و هذا جَهلٌ منه(9)يُضاهي(10)جَهلَ السوفِسطائيّةِ‌؛ لأنّ النائمَ يَرىٰ أنّ رأسَه مقطوعٌ‌، و أ نّه قد ماتَ‌، و أ نّه قد صَعِدَ إلَى السماءِ‌، و نَحنُ نَعلَمُ ضَرورةً خِلافَ‌


1) . في الأمالي: «هو القادر».

2) . في الأمالي: «ولا يجوز».

3) . في «ص»: «اعتقاد».

4) . في الأمالي: «وتناول».

5) . من قوله: «لأنّه يعتقد» إلىٰ هنا ساقط من «أ».

6) . في الأمالي: «و قد ذُكر». و في «أ»: - «و قد حُكي».

7) . ذكره أحمد بن يحيى بن مرتضى في الطبقة السابعة من المعتزلة فقال: «له كتب كثيرة، و خالف الجمهور في أُمور: منها كون المتولّدات فعل اللّٰه ابتداءً‌، و كون الإدراك معنى». طبقات المعتزلة، ص 73. و راجع: مقالات الإسلاميّين، ص 407.

8) . المقالات لأبي القاسم البلخي، ص 486؛ مقالات الإسلاميّين، ص 433.

9) . في غير «أ»: - «منه».

10) . في الأمالي: «أيضاً هو» بدل «يضاهي».

ذلكَ كُلِّه. و إذا جازَ(1)عندَ صالحٍ هذا أن يَعتَقِدَ اليقظانُ في السرابِ‌(2)أ نّه ماءٌ‌، و في المُرديِّ‌(3)

و المُرديّ‌: خشبة يَدفع بها الملّاحُ السفينة. لسان العرب، ج 3، ص 402 (مرد).

إذا كانَ في الماءِ أ نّه مكسورٌ و هو علَى الحقيقةِ صحيحٌ لضَربٍ‌(4)مِن الشُّبهةِ و اللَّبْسِ‌، فألّا جازَ ذلكَ في النائمِ‌، و هو مِن الكمالِ أبعَدُ و إلَى(5)النقصِ أقرَبُ؟
أقسام المنامات

و يَنبَغي أن يُقسَّمَ‌(6)ما يَتخيَّلُ النائمُ أ نّه يَراه إلىٰ أقسامٍ ثَلاثةٍ‌:

منها: ما يَكونُ مِن غَيرِ سببٍ يَقتَضيهِ أو داعٍ يَدعو إليه، فيَكونُ‌(7)اعتقاداً مُبتَدَءاً.

و منها: ما يَكونُ مِن وَسواسِ الشيطانِ‌. و معنىٰ هذه الوَسوَسةِ‌: أنّ الشيطانَ‌(8)يَفعَلُ في داخلِ سَمعِه كلاماً خَفيّاً يَتضمَّنُ أشياءَ مخصوصةً‌: فيَعتَقِدُ النائمُ إذا سَمِعَ ذلكَ الكلامَ أ نّه يَراه؛ فقَد نَجِدُ(9)كَثيراً مِن النيامِ يَسمَعونَ حَديثَ مَن يَتحدَّثُ بالقُربِ منهم، فيَعتَقِدونَ أنّهم يَرَونَ معنىٰ‌(10)ذلكَ الحديثِ في مَنامِهم.


1) . في «أ»: «فإذا كان».

2) . في «أ، ط»: «الشراب».

3) . في «د، س، ص»: «المتردّي».

4) . في «أ»: «بضربٍ‌».

5) . في «د، س، ص، ط»: «من».

6) . في «ب، ج، ط»: «نقسّم».

7) . من هنا إلى قوله بعد أكثر من صفحة: «مَن يتخيّل الفاسد» ساقط من «ص».

8) . في الأمالي: - «و معنىٰ هذه الوسوسة: أنّ الشيطان».

9) . في غير «أ، د»: «يجد».

10) . في الأمالي: - «معنىٰ‌».

و منها: ما يَكونُ سببُه و الداعي إليه خاطراً(1)يَفعَلُه اللّٰهُ تَعالىٰ أو يأمُرُ بعضَ المَلائكةِ بفِعلِه. و معنىٰ هذا الخاطرِ أيضاً: أ نّه يَكونُ‌(2)كلاماً يُفعَلُ في داخلِ سَمعِ النائمِ‌(3)، فيَعتَقِدُ النائمُ‌(4)أيضاً أ نّه يَرىٰ ما يَتضمَّنُه(5)ذلكَ الكلامُ‌.

و المَناماتُ الداعيةُ إلَى الخَيرِ و الصلاحِ في الدِّينِ يَجِبُ أن تَكونَ إلىٰ هذا الوجهِ مصروفةً‌، كَما أنّ ما يَقتَضي الشرَّ منها الأَولىٰ أن تَكونَ‌(6)إلىٰ وَسواسِ الشيطانِ مصروفةً‌.

في بيان سبب صحّة بعض المنامات

و قد يَجوزُ - علىٰ هذا - فيما يَراه النائمُ في مَنامِه ثُمَّ يَصِحُّ ذلكَ حتّىٰ يَراه في يَقَظتِه علىٰ حَدِّ ما رآه(7)في مَنامِه، و في كُلِّ مَنامٍ يَصِحُّ تأويلُه(8)، أن يَكونَ‌ سببُ صحّتِه: أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يَفعَلُ كلاماً في سَمعِه - لضَربٍ من المَصلَحةِ - بأنّ شَيئاً يَكونُ أو قد كانَ علىٰ بعضِ الصفاتِ‌، فيَعتَقِدُ النائمُ أنّ الذي يَسمَعُه هو يَراه، فإذا صَحَّ تأويلُه علىٰ ما رآه(9)فلِما ذَكرناه، إن لَم يَكُن ممّا يَجوزُ أن تَتَّفِقَ‌(10)فيه الصحّةُ‌


1) . هكذا في الأمالي، و هو الصحيح. و في جميع النسخ: «خاطر»، و هو سهو.

2) . في الأمالي: «أن يكون» بدل «أنّه يكون».

3) . في «أ»: «داخل سمعه». و في الأمالي: «في داخل السمع».

4) . في «أ»: - «النائم». و في «د، س، ط»: - «فيعتقد النائم».

5) . في الأمالي: «يتضمّن».

6) . في «أ، س»: «يكون».

7) . في الأمالي: «يراه».

8) . في «أ»: - «تأويله».

9) . في الأمالي: «يراه».

10) . هكذا في الأمالي. و في «أ»: «يتيقّن». و في سائر النسخ: «يتّفق».

اتّفاقاً؛ فإنّ في المَناماتِ ما يَجوزُ أن يَصِحَّ بالاتّفاقِ‌، و ما يَضيقُ فيه مَجالُ‌(1)نِسبتِه(2)إلَى الاتّفاقِ فهذا الذي ذَكرناه يُمكِنُ أن يَكونَ وَجهاً فيه.

نفي تأثير المأكولات في حصول المنامات

فإن قيلَ‌: أ فلَيسَ‌(3)قد قالَ أبو عليٍّ الجُبّائيُّ‌(4)في بعضِ كلامِه في المَناماتِ‌: «إنّ الطبائعَ لا يَجوزُ(5)أن تَكونَ مؤَثِّرةً فيها؛ لأنّ الطبائعَ ممّا(6)لا يَجوزُ(7)علَى المَذاهبِ الصحيحةِ أن تؤَثِّرَ في شَيءٍ‌. و إنّه غَيرُ مُمتَنِعٍ مع ذلكَ أن يَكونَ بعضُ المأكولاتِ‌(8)يَكثُرُ عندَها المَناماتُ بالعادةِ‌، كَما أنّ‌(9)فيها ما يَكثُرُ عندَه بالعادةِ تَخيُّلُ‌(10)الإنسانِ وهو مُستَيقِظٌ لِما(11)لا أصلَ له»؟


1) . في «د، س، ط»: «محال».

2) . في «أ»: «ننسبه». و في غير «أ، د»: «نسبه».

3) . في الأمالي: «أ ليس».

4) . أبو علي محمّد بن عبد الوهّاب بن سلام الجبّائي البصري، شيخ المعتزلة، و صاحب التصانيف، و رئيس علماء الكلام في عصره. أخذ عن أبي يعقوب الشحّام، و أخذ عنه فنَّ الكلام أبو الحسن الأشعري، ثمّ خالفه. له مقالات و آراء انفرد بها في المذهب، و إليه تُنسب الطائفة الجبّائية. نسبته إلى جُبّىٰ من قرى البصرة. اشتهر بالبصرة و دفن بجُبّىٰ‌. له تفسير مطوّل، ردّ عليه الأشعري. و كان أبو علي متوسّعاً في العلم، سيّال الذهن، و هو الذي ذلّل الكلام و سهّله و يسّر ما صعب منه. و كان يقف في أمير المؤمنين عليه السلام و أبي بكر أيّهما أفضل‌؟ عاش 86 سنة، و مات بالبصرة سنة 303 ه‍، و خلَفَه ابنُه أبو هاشم الجبّائي. الأعلام للزركلي، ج 6، ص 256؛ سير أعلام النبلاء، ج 14، ص 174-183، الرقم 102.

5) . في الأمالي: «لا تجوز».

6) . في الأمالي: - «ممّا».

7) . في الأمالي: «لا تجوز».

8) . في الأمالي: «المآكل».

9) . في غير «أ، د»: + «ما».

10) . في «ب، ج، د»: «يخيّل».

11) . في الأمالى: «ما».

قُلنا: قد قالَ ذلك أبو عليٍّ‌، و هو خَطأٌ؛ لأنّ تأثيراتِ المأكَلِ‌(1)بمَجرَى العادةِ علَى المَذاهبِ الصحيحةِ إذا لَم يَكُن مُضافاً(2)إلَى الطبائعِ فهو مِن فعلِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌؛ فكَيفَ نُضيفُ‌(3)التخيُّلَ الباطلَ و الاعتقادَ الفاسدَ إلىٰ فعلِ اللّٰهِ تَعالىٰ؟ فأمّا المُستَيقِظُ الذي استَشهَدَ به، فالكلامُ فيه و(4)في النائمِ واحدٌ، و لا يَجوزُ أن نُضيفَ التخيُّلَ الباطلَ إلىٰ فعلِ اللّٰهِ تَعالىٰ في نائمٍ و لا يَقظانَ‌(5)فأمّا مَن يَتخيَّلُ الفاسدَ(6)و هو غَيرُ نائمٍ‌، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ ناقصَ العقلِ في الحالِ‌، أو(7)فاقدَ التمييزِ(8)بسَهوٍ و(9)ما يَجري مَجراه، فيَبتَدئَ اعتقاداتٍ لا أصلَ لها(10)كَما قُلناه(11)في النائمِ‌.

في حقيقة منامات الأنبياء عليهم السلام

فإن قيلَ‌: فما قولُكم في مَناماتِ الأنبياءِ عليهم السلامُ؟ و ما السببُ في صحّتِها حتّىٰ عُدَّ ما يَرَونَه في المَنامِ مُضاهياً لِما يَسمَعونَه مِن الوحيِ؟


1) . في الأمالي: «المآكل».

2) . في الأمالي: «إذا لم تكن مضافة».

3) . في «أ»: «يضيف».

4) . في غير «أ»: + «الكلام».

5) . في «أ»: «فعل اللّٰه من نائمٍ و يقظان».

6) . في الأمالي: «فأمّا ما يُتخيّل من الفاسد». ومن قوله قبل أكثر من صفحة: «اعتقاداً مبتَدَءاً. و منها ما يكون» إلىٰ هنا ساقط من «ص».

7) . في «أ» و الأمالي: «و».

8) . في الأمالي: «و فاقداً للتمييز».

9) . في «ص»: «أو».

10) . في الأمالي: «اعتقاداً لا أصل له».

11) . في «أ»: «قلنا».

قُلنا: الأخبارُ الواردةُ بهذا الجنسِ‌(1)غَيرُ مقطوعٍ علىٰ صحّتِها، و لا هي ممّا يوجِبُ‌(2)العِلمَ‌. و قد يُمكِنُ أن يُعلِمَ اللّٰهُ تَعالَى(3)النبيَّ‌(4)- بوَحيٍ يَسمَعُه مِن المَلَكِ علَى الوجهِ الموجِبِ للعِلمِ -: «أنّني(5)سَأُريكَ في مَنامِكَ في وقتِ كَذا ما يَجِبُ أن تَعمَلَ‌(6)به(7)» فيَقطَعَ علىٰ صحّتِه مِن هذا الوجهِ‌، لا بمُجرَّدِ رؤيتِه له(8)في المَنامِ‌. و علىٰ هذا الوجهِ يُحمَلُ مَنامُ إبراهيمَ عليه السلامُ في رؤيةِ‌(9)ذَبحِ ابنِه، و لَولا ما أشَرنا إليه، كَيفَ كانَ‌(10)يَقطَعُ إبراهيمُ عليه السلامُ بأنّه مُتعبَّدٌ بذَبحِ ابنِه‌؟(11)

تأويل قوله صلى الله عليه و آله: «مَن رآني فقد رآني»

فإن قيلَ‌: فما تأويلُ ما يُروىٰ عنه عليه السلامُ مِن قولِه(12): «مَن رآني فقَد رآني؛ فإنّ الشيطانَ لا يَتمثَّلُ‌(13)بي»(14)؟ و قد عَلِمنا أنّ المُبطِلَ و المُحِقَّ و المؤمِنَ‌


1) . راجع: بصائر الدرجات، ج 1، ص 231-233، و ص 368-374؛ الكافي، ج 1، ص 176-177. و بعض ما ذكرنا عنوانه فهو في منامات الأئمّة عليهم السلام.

2) . في غير «أ»: «توجب».

3) . في «أ»: - «تعالىٰ‌».

4) . في الأمالي: «و قد يمكن أن يكون اللّٰه تعالىٰ أعلَمَ النبيَّ‌».

5) . في الأمالي: «أنّي».

6) . في «د» الكلمة مهملة. و في «س، ط»: «يعمل».

7) . في الأمالي: «عليه».

8) . في «أ»: - «له».

9) . في الأمالي: - «رؤية».

10) . في «ص»: - «كان».

11) . في الأمالي: «ولده».

12) . في «أ»: - «من قوله». و في «س»: «من قول».

13) . في الأمالي: «لا يتخيّل».

14) . كتاب من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 584-585، ح 3191؛ الأمالي للصدوق، ص 64، ح 10؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2، ص 257، ح 11؛ كمال الدين، ج 1، ص 70.

و الكافرَ قد يَرَونَ النبيَّ عليه السلامُ في النومِ‌، و يُخبِرُ كُلُّ واحدٍ منهم عنه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(1)بضِدِّ ما يُخبِرُ به الآخَرُ؛ فكَيفَ يَكونُ رائياً(2)علَى الحقيقةِ‌(3)مع هذا؟

قُلنا: هذا خبرُ واحدٍ، و مِن ضَعيفِ أخبارِ الآحادِ(4)، و لا مُعوَّلَ علىٰ مِثلِ ذلكَ‌.

علىٰ أ نّه يُمكِنُ - مع تسليمِ صحّتِه - أن يَكونَ المُرادُ به: مَن رآني في اليَقَظةِ فقَد رآني علَى الحقيقةِ‌؛ لأنّ الشيطانَ لا يَتمثَّلُ بي لليَقظانِ‌(5)، فقَد قيلَ‌: إنّ الشياطينَ‌(6)رُبَّما تَمثَّلَت بصورةِ بعضِ‌(7)البَشرِ. و هذا التأويلُ أَشبَهُ بظاهرِ ألفاظِ الخبرِ؛ لأنّه قالَ‌: «مَن رآني فقَد رآني» فأثبَتَ غَيرَه رائياً له و نَفسَه مَرئيّةً‌، و في النومِ لا رائيَ علَى الحقيقةِ‌(8)و لا مَرئيَّ‌، و إنّما ذلكَ في اليَقَظةِ‌.

و لَو حَمَلناه علَى النومِ لَكانَ تقديرُ الكلامِ‌: مَن اعتَقَدَ أ نّه يَراني في مَنامِه، و إن كانَ غَيرَ راءٍ‌(9)لي(10)علَى الحقيقةِ‌، فهو في الحُكمِ‌(11)كأنّه قد رآني. و هذا عُدولٌ عن ظاهرِ لفظِ الخبرِ و تبديلٌ لصيغتِه.


1) . في «أ، ب» و الأمالي: - «صلّى اللّٰه عليه و آله».

2) . في «أ»: «إثباتاً».

3) . في الأمالي: «رائياً له في الحقيقة».

4) . في الأمالي: «خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد».

5) . في «أ»: «اليقظان».

6) . في «ص»: «الشيطان».

7) . في الأمالي: - «بعض».

8) . في الأمالي: «في الحقيقة».

9) . في غير «ص» و الأمالي: «غير رائي».

10) . في «أ»: - «لي».

11) . في «أ»: «الحُلم».

و هذا الذي رَتَّبناه(1)في المَناماتِ و قَسَّمناه أَشَدُّ(2)تحقيقاً مِن كُلِّ شَيءٍ قيلَ في أسبابِ المَناماتِ‌، و ما سُطِرَ في ذلكَ معروفٌ غَيرُ مُحرَّرٍ(3)و لا مُحقَّقٍ‌.

في نفي تفسير الفلاسفة للمنامات الصحيحة

فأمّا ما تَهذي به الفَلاسِفةُ في هذا البابِ‌، فهو ممّا يُضحِكُ الثَّكلىٰ‌؛ لأنّهم يَنسُبونَ ما صَحَّ مِن المَناماتِ - لمّا أَعيَتهم الحِيَلُ في ذِكرِ سببِه - إلىٰ أنّ النفسَ اطَّلَعَت إلىٰ‌(4)عالَمِها فأَشرَفَت(5)علىٰ ما يَكونُ‌. و الذي(6)يَذهَبونَ إليه في حقيقةِ النفسِ غَيرُ مفهومٍ و لا مضبوطٍ؛ فكَيفَ إذا أُضيفَ إليه الاطّلاعُ إلىٰ‌(7)عالَمِها؟ و ما هذا الاطّلاعُ؟ و إلىٰ أيِّ شَيءٍ يُشيرونَ بعالَمِ النفسِ؟ و لِمَ يَجِبُ أن تُعرَفَ‌(8)الكائناتُ عندَ هذا الاطّلاعِ؟ و كُلُّ هذا زَخرَفةٌ و مَخرَقةٌ و تَهاويلُ لا يَتحصَّلُ منها شَيءٌ‌.

و قولُ صالحِ قُبَّةٍ‌(9)- مع أ نّه تَجاهُلٌ مَحضٌ - أقرَبُ إلىٰ أن يَكونَ مفهوماً مِن قولِ‌(10)الفَلاسِفةِ‌؛ لأنّ صالحاً ادَّعىٰ أنّ النائمَ يَرىٰ علَى الحقيقةِ ما لَيسَ يَراه،


1) . في «أ»: «أثبتناه».

2) . في الأمالي: «أسدّ».

3) . في «أ»: «غير محكّك». و في «س»: «غير محرد». و في الأمالي: «غير محصّل».

4) . في الأمالي: «علىٰ‌».

5) . في غير «أ، د، ص»: «فأشرقت».

6) . في الأمالي: «و هذا الذي».

7) . في الأمالي: «علىٰ‌».

8) . في غير «ص» و الأمالي: «يُعرف».

9) . في «د، ط»: «فيه».

10) . في «د، س، ص، ط»: «غير» بدل «قول».

فلَم(1)يُشِرْ إلىٰ أمرٍ غَيرِ معقولٍ و لا مفهومٍ بَل ادَّعىٰ ما لَيسَ بصَحيحٍ و إن كانَ مفهوماً، و هؤلاءِ عَوَّلوا علىٰ ما لا يُفهَمُ مع الاجتهادِ، و لا يُعقَلُ مع قوّةِ التأمُّلِ و التبيُّنِ‌(2)فالفَرقُ بَينَهما واضحٌ‌.

في بيان سبب الإنزال في المنام

فأمّا(3)سببُ الإنزالِ في المَنامِ‌(4): فيَجِبُ أن يُبنىٰ علىٰ تحقيقِ سببِ الإنزالِ في اليَقَظةِ‌، و قد عَلِمنا أنّ سببَ الإنزالِ في الجِماعِ مع اليَقَظةِ‌(5)لَيسَ هو ما يَهذي به أصحابُ الطبائعِ‌؛ لأنّا قد بيّنّا في غَيرِ مَوضِعٍ‌(6)أنّ الطبعَ‌(7)لا أصلَ له، و أنّ الإحالةَ فيه علىٰ سَرابٍ لا يَتحصَّلُ‌، و إنّما سببُ الإنزالِ أنّ اللّٰهَ‌(8)تَعالىٰ أَجرَى العادةَ بإخراجِ‌(9)الماءِ مِن ظَهرِ الرجُلِ عندَ هذه الحركةِ المخصوصةِ‌؛ و لَيسَ يَمتَنِعُ أن يُجريَ اللّٰهُ تَعالَى العادةَ بأن يَخرُجَ هذا الماءُ مِن الظهرِ عندَ اعتقادِ النائمِ أ نّه يُجامِعُ‌، و إن كانَ هذا الاعتقادُ باطلاً.


1) . في الأمالي: «ولم».

2) . في «أ»: «و التمييز». و في الأمالي: «و التدبّر».

3) . في الأمالي: «و أمّا».

4) . في غير «أ»: - «في المنام».

5) . في الأمالي: «مع الجماع» بدل «و قد علمنا أنّ سبب الإنزال في الجماع مع اليقظة»، و هذه الزيادة الأخيرة موجودة في نسخة من نسخ الأمالي.

6) . تقدّم تخريجه في أوائل المسألة الخامسة من هذه الرسالة.

7) . في الأمالي: «أنّ قول أصحاب الطبائع» بدل «أنّ الطبع».

8) . في الأمالي: «و أمّا سبب الماء فأنّ اللّٰه».

9) . في غير «أ» و الأمالي: «بإنزال».

المسألةُ السابعةُ في توارد الأدلّة

وَجَدتُ كُلَّ المُتكلِّمينَ قالوا في كُتُبِهم، حتّىٰ سَيّدَنا الأجَلَّ - كَبَتَ اللّٰهُ أعداءَه - الذي هو إمامُهم و الكاشفُ عمّا يَلتَبِسُ عليهم: إنّ مِن شَرطِ(1)النظَرِ المولِّدِ(2)للعِلمِ أن يَكونَ الناظرُ شاكّاً في المدلولِ‌.(3)و هذا القولُ يوجِبُ أن يَكونَ العالِمُ بحدوثِ الأجسامِ مِن جهةِ دليلِ الأعراضِ‌(4)، و العالِمُ بأنّ الإدراكَ لا يَتناوَلُ إلّاأخَصَّ الأوصافِ‌، لا يَعلَمُ بدَليلِ أبي عليٍّ‌(5)شَيئاً، بَل(6)لا يُمكِنُه النظرُ فيه؛ و نَحنُ نَعلَمُ أنّ مَن لا يَعلَمُ‌(7)«أنّ الموجودَ إذا لَم يَكُن قَديماً فلا بُدَّ مِن كَونِه مُحدَثاً» غَيرُ كاملِ‌(8)العقلِ‌.

علىٰ أنّهم قالوا أيضاً - حينَ‌(9)سَألوا نُفوسَهم فقالوا: ما وَجهُ تَرادُفِ الأدلّةِ علَى


1) . في «د»: «شروط».

2) . في «أ»: - «المولّد».

3) . راجع: الذخيرة، ص 159؛ المغني، ج 12 (النظر و المعارف)، ص 11.

4) . في «ص»: «الأغراض».

5) . سوف يوضح المصنّف رحمه اللّٰه هذا الدليل بعد قليل.

6) . في «أ»: «بدليل إلّاعلى مسائل».

7) . في «أ»: - «أنّ من لا يعلم».

8) . في «أ»: «عند كمال».

9) . في «أ»: «حتّى».

المدلولِ الواحدِ؟ -: وَجهُه أنّا نَعلَمُ أنّها ممّا لَو سَبَقنا إليها لَولَّدَت العِلمَ‌. هذا مع قولِهم: إنّا لا نُفرِّقُ بَينَ الدليلِ و الشبهةِ إلّابَعدَ توليدِ الدليلِ العِلمَ‌. فكَيفَ نَعلَمُ‌(1)أنّها أدلّةٌ‌، و لا يُمكِنُنا النظرُ فيها، و لا تُوَلِّدُ(2)لنا عِلماً أبَداً؟

فإن قيلَ‌: إنّه إذا نَظَرَ غَيرُنا فيها، اضطُرِرنا إلىٰ أ نّه عالِمٌ بمدلولِها؛ فعَلِمنا أنّها أدلّةٌ‌.

أمكَنَ أن يُقالَ‌: إنّه لا سَبيلَ إلىٰ أن نَعلَمَ‌(3)أحَدَنا عالِماً، و إن جازَ أن نَعلَمَه مُعتَقِداً؛ و إذا لَم نَعلَمْه عالِماً، فلا سَبيلَ إلىٰ ما ذَكَروه.

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

اِعلَمْ أنّه لا شُبهةَ في أنّ القولَ بأنّ «مَن عَلِمَ شَيئاً مِن المعلوماتِ بدَليلٍ نَظَرَ فيه(4)أَوجَبَ له ذلكَ العِلمَ‌، لا يَصِحُّ أن يَعلَمَه بدَليلٍ آخَرَ» إذا اجتَمَعَ مع القولِ بأنّ «وَجهَ النظرِ في الأدلّةِ المُتَرادفةِ مع تَقدُّمِ العِلمِ بالمعلومِ إنّما هو ليُعلَمَ أنّ ذلكَ المنظورَ فيه دليلٌ‌» مُناقَضةٌ و قولٌ يَتنافىٰ‌(5)لأنّ الدليلَ إنّما يُعلَمُ دليلاً إذا حَصَلَ عندَه العِلمُ‌، فكَيفَ يَجوزُ أن نَعلَمَ‌(6)في الدليلِ الثاني إذا نَظَرنا فيه أ نّه دليلٌ و ما حَصَلَ لنا عندَه عِلمٌ؟(7)

والذي يَقوىٰ في النفسِ أن يُقالَ‌: إنّ مَن نَظَرَ في شَيءٍ فعَلِمَه مِن طريقِ الدليلِ‌،


1) . في «ب» الكلمة مهملة. و في «ج، ط»: «يعلم».

2) . في غير «ص»: «ولا يولّد».

3) . في «ب»: «يعلم».

4) . في «أ»: - «فيه».

5) . في «ص»: «متنافٍ‌».

6) . في «أ، د، س، ص، ط»: «يعلم».

7) . في «أ»: «العلم».

قد يَجوزُ أن يَنظُرَ في دليلٍ آخَرَ يُفضي إلَى العِلمِ به و يَكونَ عالِماً به(1)مِن طريقَينِ‌.

مِثالُ ذلكَ‌: أن يَنظُرَ(2)في طريقةِ إثباتِ الأعراضِ‌، و يَستَدِلَّ بها(3)علىٰ حُدوثِ الأجسامِ‌، فيَعلَمَ‌(4)بهذه الطريقةِ أنّ الأجسامَ مُحدَثةٌ‌.

ثُمَّ يَنظُرَ(5)في الطريقةِ الأُخرَى التي يُعتَمَدُ(6)فيها علىٰ أنّ مِن شأنِ الإدراكِ أن يَتعلَّقَ في كُلِّ ذاتٍ مُدرَكةٍ بأخَصِّ أوصافِها، و الجسمُ لَو كانَ قَديماً لَوَجَبَ إدراكُه علىٰ هذه الصفةِ‌(7)لأنّها مِن أَخَصِّ أوصافِه، و إذا عَلِمَ ضَرورةً أ نّه لا يُدرَكُ قَديماً فلا بُدَّ مِن العِلمِ بحُدوثِه.

و هذه الطريقةُ مَبنيّةٌ علىٰ مُقدِّماتٍ‌: منها أنّ الجسمَ مُدرَكٌ‌. و منها أنّ مِن شأنِ الإدراكِ أن يَتعلَّقَ بأخَصِّ أوصافِ الذاتِ المُدرَكةِ‌. و منها أنّ الجسمَ لَو كانَ قَديماً لَكانَ كَونُه بهذه الصفةِ مِن أَخَصِّ أوصافِه. و منها أ نّه لا يُدرَكُ قَديماً. فمتىٰ عَلِمَ بالتأمُّلِ صحّةَ هذه المُقدِّماتِ‌، فلا بُدَّ مِن أن يَفعَلَ لنَفسِه اعتقاداً لأنّ‌(8)الجسمَ لَيسَ بقَديمٍ‌، و إذا لَم يَكُن قَديماً و هو موجودٌ فلابُدَّ مِن كَونِه مُحدَثاً.

و إنّما(9)قُلنا: «إنّه مع صحّةِ تلكَ المُقدِّماتِ و عِلمِه بها لا بُدَّ مِن أن يَفعَلَ اعتقاداً


1) . في «أ»: - «به».

2) . في «ب، ص»: «ننظر».

3) . في غير «أ»: «ونستدلّ فيها».

4) . في «ص»: «فنعلم».

5) . في «ب، ج، ص»: «ننظر».

6) . في غير «أ»: «نعتمد».

7) . أي صفة القِدَم.

8) . في «أ»: «أنّ‌». و اللام في «لأنّ‌» ليست للتعليل، بل لربط الاعتقاد بمفعوله.

9) . في «أ»: «و إنّه».

لأنّه(1)لَيسَ بقَديمٍ‌» لأنّ‌(2)مجموعَ‌(3)ما ذَكرناه مُلجئٌ له إلىٰ فعلِ هذا الاعتقادِ، كَما أنّ مَن عَلِمَ في ذاتٍ أنّها لَم تَسبِقْ ذَواتاً مُحدَثةً مُلجَأٌ إلَى اعتقادِ كَونِها مُحدَثةً‌، و مَن عَلِمَ في فعلٍ أنّ له صفةَ الظلمِ مُلجَأٌ - بما استَقَرَّ في عقلِه مِن قُبحِ ما له هذه الصفةُ - إلىٰ فعلِ اعتقادٍ لقُبحِه(4). و يَكونُ ذلكَ الاعتقادُ عِلماً؛ لوقوعِه علَى الوجهِ الذي ذَكرناه.

فإذا قيلَ‌: كَيفَ يَنظُرُ في حُدوثِ الجسمِ بالدليلِ الثاني و هو عالِمٌ بحُدوثِه بالدليلِ الأوّلِ؟ و العِلمُ بالشيءِ يَمنَعُ مِن النظرِ فيه، و لَو جازَ أن يَنظُرَ فيما عَلِمَه لَجازَ أن يَنظُرَ في المُشاهَداتِ‌.(5)

قُلنا: لَيسَ نظرُه في الدليلِ الثاني علَى الحقيقةِ نظراً في حُدوثِ الجسمِ‌، فيَلزَمَ أن يَكونَ شاكّاً في حُدوثِه؛ و إنّما يَنظُرُ في مُقدِّماتِ الدليلِ الثاني التي(6)منها أنّ مِن شأنِ الإدراكِ أن يَتعلَّقَ بأخَصِّ أوصافِ المُدرَكِ‌، و منها أنّ الجسمَ لَو كانَ قَديماً لَكانَ كَونُه كذلكَ مِن أخَصِّ أوصافِه، و غيرُ ذلكَ ممّا قد بيّنّاه. و إذا نَظَرَ في شَيءٍ فيَجِبُ أن يَكونَ شاكّاً فيما نَظَرَ فيه، لا في غَيرِه؛ لأنّه إذا نَظَرَ في(7)«هَل(8)الإدراكُ‌


1) . في «أ»: «أنّه».

2) . في غير «أ»: «أنّ‌».

3) . في «د»: «مجمع».

4) . في غير «أ»: «بقبحه».

5) . أي لجاز أن يستدلّ علىٰ وجود المشاهَدات، مثل أن يستدلّ علىٰ وجود زيد الذي يشاهده واقفاً أمامه.

6) . في «أ»: - «التي».

7) . في «د»: + «أنّ‌».

8) . في «ج، د، س، ط»: «أهل».

يَتناوَلُ في المُدرَكِ أخَصَّ الصفاتِ‌، أو لا يَتناوَلُ ذلكَ؟» إنّما يَجِبُ أن يَكونَ شاكّاً في تَناوُلِ الإدراكِ‌، و كذلكَ سائرُ مُقَدِّماتِ الدليلِ‌. وعِلمُه بالدليلِ الأوّلِ حُدوثَ الأجسامِ لا يَمنَعُ مِن شَكِّه في مُقَدِّماتِ الدليلِ الثاني.

و إنّما يَمنَعُ‌(1)- علَى الوجهِ الصحيحِ - أن يَكونَ ناظراً في شَيءٍ و هو عالِمٌ به، أنّ النظرَ(2)لا يَتعلَّقُ مِن المنظورِ فيه بوَجهٍ مُعيَّنٍ‌، بَل يَتعلَّقُ ب‍: هَل الصفةُ ثابتةٌ أو مُنتَفيةٌ؟ فكأنّه تمييلٌ‌(3)بَينَ الأمرَينِ و بَحثٌ عن أيِّهما هو الثابتُ‌، فلا بُدَّ مِن الشكِّ مع ذلكَ‌؛ لأنّ العِلمَ و القَطعَ يُنافيانِ‌(4)وَجهَ تَعلُّقِ النظَر.

فهذا هو المانعُ مِن أن يَنظُرَ الناظرُ فيما يَعلَمُه، لا ما(5)يُذكَرُ في الكُتُبِ مِن النظرِ في المُشاهَداتِ‌؛ لأنّ لقائلٍ أن يَقولَ‌: إنّما لا يَصِحُّ أن يُنظَرَ(6)في المُشاهَداتِ‌؛ لأنّه لا دليلَ يُفضي إلَى العِلمِ بها.

و لَولا أنّ النظرَ في الدليلِ الثاني يَحصُلُ عندَه عِلمٌ بالمدلولِ عليه، لَوَجَبَ أن يَكونَ مَن عَلِمَ حُدوثَ الأجسامِ بدَليلِ إثباتِ الأعراضِ‌، ثُمَّ نَظَرَ في الطريقةِ الأُخرَى المَبنيّةِ علىٰ كَيفيّةِ تَناوُلِ الإدراكِ‌، متىٰ عَرَضَ له شَكٌّ في إثباتِ الأعراضِ أن يَخرُجَ مِن أن يَكونَ عالِماً بحُدوثِ الأجسامِ‌؛ لأنّ شَكَّه في حُدوثِ الأجسامِ يؤَثِّرُ(7)في عِلمِه بحُدوثِها مِن هذا الطريقِ‌؛ بدَلالةِ أ نّه لَو انفَرَدَ كَونُه ناظراً بهذا


1) . في غير «أ»: «يمتنع».

2) . هذه الجملة فاعل «يمنع»، و التي قبلها مفعول به.

3) . في «أ»: «تمثيل». و في «د»: «تميل». و في «س»: «يميل». و مَيَّلَ بَينَ الأمرَين: تَردَّدَ.

4) . في «د، س، ص، ط»: «منافيان».

5) . في «ص»: «لا فيما».

6) . في غير «أ»: «أنظر».

7) . في «ص»: «مؤثّر».

الدليلِ دونَ غَيرِه - حتّىٰ يَشُكَّ في إثباتِ الأكوانِ‌(1)، أو(2)حُدوثِها، و أنّ الجسمَ لا يَخلو منها - لَخَرَجَ مِن أن يَكونَ عالِماً بحُدوثِ الأجسامِ‌، و قد عَلِمنا أ نّه إذا كانَ قد نَظَرَ في الطريقةِ الثانيةِ ثُمَّ شَكَّ‌(3)في إثباتِ الأكوانِ لا(4)يَخرُجُ مِن أن يَكونَ عالِماً بحُدوثِ الأجسامِ‌؛ فلَولا أنّ الطريقةَ الثانيةَ‌(5)قد اقتَضَت حُصولَ عِلمٍ له ثانٍ بالمدلولِ لَما وَجَبَ مع الشُّبهةِ في الدليلِ الأوّلِ أن(6)يَستَمِرَّ كَونُه عالِماً(7). و هذا واضحٌ‌.

فإن قيلَ‌: كَيفَ يَعلَمُ في الدليلِ الثاني أ نّه دليلٌ و هو لا يَتميَّزُ له حُصولُ العِلمِ له مِن جهتِه‌؟ لأنّه إذا كانَ عالِماً بحُدوثِ الأجسامِ بالدليلِ الأوّلِ‌، ثُمَّ نَظَرَ في الدليلِ الثاني، و ادَّعَيتم أنّه يَجِبُ أن يَفعَلَ لنَفسِه عندَ تَكامُلِ صحّةِ مُقَدِّماتِ الدليلِ الثاني اعتقاداً لحُدوثِ الأجسامِ‌، و هذا ممّا لا يَتميَّزُ له؛ لأنّه(8)مُعتَقِدٌ و عالِمٌ بحُدوثِ الأجسامِ بالنظرِ الأوّلِ‌، فكَيفَ يَعلَمُ أنّ الدليلَ الثانيَ دليلٌ علَى الحقيقةِ؟ و لا(9)يَجري ذلكَ مَجرىٰ مَن لَم يَكُن عالِماً بشَيءٍ‌، ثُمَّ نَظَرَ في دليلٍ عليه، فوَجَدَ نَفسَه عالِمةً بما لَم تَكُن عالِمةً به(10)لأنّ هاهُنا يَتميَّزُ له حُصولُ العِلمِ بَعدَ أن لَم يَكُن حاصلاً.


1) . كذا، و الأنسب: «إثبات الأعراض»؛ لما تقدّم. و هكذا في المورد التالي.

2) . في «ص»: «و».

3) . في «أ»: «يشكّ‌».

4) . في «ص»: «أن» بدل «لا».

5) . في «أ»: - «الثانية».

6) . في «د، س، ص، ط»: - «أن».

7) . في «د، س، ص، ط»: - «عالماً».

8) . في «د، س، ط»: «لأنّ‌».

9) . في «أ»: «فلا».

10) . في «أ»: + «و».

قُلنا: الناظرُ قَبلَ أن يَنظُرَ في هذا الدليلِ الثاني إذا تأمَّلَ مُقَدِّماتِه فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ عالِماً بأنّها متىٰ صَحَّت و عَلِمَ الناظرُ ذلكَ مِن حالِها فإنّه لا بُدَّ مِن أن يَفعَلَ لنَفسِه عِلماً بحُدوثِ الأجسامِ‌، و أ نّه لا يَجوزُ أن يَتكامَلَ له العِلمُ بثُبوتِ تلكَ‌(1)المُقَدِّماتِ و صحّتِها ثُمَّ لا يَفعَلَ لنَفسِه(2)عِلماً بحُدوثِ الجسمِ‌، كما أ نّه يَعلَمُ قَبلَ النظرِ في طريقةِ إثباتِ الأعراضِ و حُدوثِها أ نّه متىٰ عَلِمَ الناظرُ أنّ الجسمَ لَم يَسبِقْ ذَواتاً مُحدَثةً فلا بُدَّ(3)مِن أن يَفعَلَ لنَفسِه اعتقاداً لأنّه مُحدَثٌ‌، و يَكونُ ذلكَ الاعتقادُ عِلماً؛ لهذا الوجهِ‌. فكأنّ العِلمَ بأنّ الدليلَ دليلٌ هو عِلمٌ بتَعلُّقِه بالمدلولِ علىٰ وجهٍ مخصوصٍ يُفضي إلَى العِلمِ‌.

و مَن قالَ‌: إنّ النظرَ في الدليلِ‌(4)الثاني لا يَحصُلُ عندَه(5)عِلمٌ [بالمدلولِ‌، بَل] بأنّ [الدليلَ دليلٌ‌] يُضيَّقُ‌ عليه هذا الكلامُ‌، و يُقالُ‌(6)له: أيُّ معنىً لقَولِكَ‌: «إنّه يَنظُرُ في الدليلِ الثاني ليَعلَمَ أ نّه دليلٌ‌، لا ليَعلَمَ‌(7)المدلولَ عليه» و أنتَ تَزعُمُ أنّ‌(8)العِلمَ بأنّ الدليلَ دليلٌ هو عِلمٌ بالمدلولِ؟ و إذا كانَ العِلمُ عندَكَ بأنّ الدليلَ دليلٌ‌(9)إنّما يَحصُلُ بَعدَ حُصولِ العِلمِ للناظرِ بالمدلولِ‌، فهذا الناظرُ لا يَعلَمُ أبداً أنّ هذا الدليلَ الثانيَ دليلٌ‌.


1) . في «د»: - «تلك».

2) . من قوله: «علماً بحدوث الأجسام» إلىٰ هنا ساقط من «أ».

3) . في «ص»: «فإنّه لا بدّ».

4) . في «أ»: «دليل».

5) . في «أ»: «عنه».

6) . في «أ»: «فيُقال».

7) . في «أ»: «لأنّا نعلم» بدل «لا ليعلم».

8) . في «ص»: «بأنّ‌».

9) . في «أ»: - «دليل».

و لا بُدَّ مِن أن يَكونَ ما يَمضي في الكُتُبِ مِن «أنّ العِلمَ بأنّ الدليلَ دليلٌ هو عِلمٌ بالمدلولِ‌»(1)فيه ضَربٌ مِن التجوُّزِ و الاختصارِ، و يَجِبُ أن يُقالَ‌: «إنّ‌(2)العِلمَ بأنّه دليلٌ لا بُدَّ مِن أن يُقارِنَه العِلمُ بالمدلولِ‌» و إلّافقَد يَعلَمُ المدلولَ مَن لا يَعرِفُ أنّ ذلكَ الدليلَ دليلٌ عليه، و قد يَجهَلُ كَونَ هذه الطريقةِ دالّةً علَى المدلولِ مَن يَعلَمُ المدلولَ‌، فالذي ذَكرناه أَصَحُّ و أَوضَحُ‌(3).


1) . راجع: المغني، ج 12 (النظر و المعارف)، ص 77 و ما بعدها.

2) . في «أ»: - «إنّ‌».

3) . في غير «أ»: «أَوضَح و أَصرَح».

المسألةُ الثامنةُ في نفي كون الإرادة مقارنة لكلّ جزء من أجزاء الخبر

ما المانعُ مِن أن يُقارِنَ كُلَّ جُزءٍ مِن الخبرِ إرادةٌ لكَونِه مِن جُملةِ الخبرِ؟ و هو أَسلَمُ علَى الأُصولِ مِن أن يُقالَ‌: إنّ الإرادةَ أثَّرَت في معدومٍ‌، أو أثَّرَت - و هي معدومةٌ - في موجودٍ.

فإذا قيلَ‌: يَلزَمُكم أن يَكونَ كُلُّ جُزءٍ منه خبراً.

قيلَ‌(1): الخبرُ لا بُدَّ(2)مِن كَونِه أجزاءً كَثيرةً‌، و لا يُفيدُ جُزءٌ واحدٌ.

و أيضاً فإنّا قُلنا بكَونِ‌(3)كُلِّ [جُزءٍ مِن الخبرِ تَسبِقُه] إرادةٌ لكَونِه مِن جُملةِ الخبرِ؛ و إن(4)جازَ أن تؤَثِّرَ(5)الإرادةُ الأُولىٰ في الأجزاءِ المعدومةِ كتأثيرِها فيما قارَنَته، و لَم يوجِبْ ذلكَ كَونَ كُلِّ جُزءٍ مِن الأجزاءِ خبراً، لِيَجوزَنَّ‌(6)أن تؤَثِّرَ الإراداتُ‌(7)هذا التأثيرَ.


1) . في «أ»: «قبل».

2) . في «أ»: + «له».

3) . في «أ، س»: «يكون». و في «ص»: «تكون».

4) . كذا، و الأنسب: «فإن».

5) . في «أ»: «يؤثّر».

6) . في «أ، د، س، ص، ط»: «ليجوز».

7) . في «د»: «الإرادة».

فليَتقرَّبْ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ ببيانِ ذلكَ أجمَعَ‌.(1)

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

اِعلَمْ أنّ الصحيحَ‌(2)أنّ المؤثِّرَ في كَونِ الخبرِ خبراً و الأمرِ أمراً و سائرِ ضروبِ الخِطابِ‌، إنّما هو كَونُ المُتكلِّمِ مُريداً، دونَ الإرادةِ‌؛(3)لأنّه لَو أرادَ كَونَ الخبرِ خبراً أو(4)الخِطابِ خِطاباً لزَيدٍ بعَينِه مِن غَيرِ إرادةٍ‌، أو كانَ كذلكَ لنَفسِه، لَم يَتغيَّرِ التأثيرُ الذي ذَكَرناه، فعُلِمَ أنّ التأثيرَ لكَونِه مُريداً. و إنّما تَجوَّزَ(5)القومُ بأن عَلَّقوا ذلكَ بالإرادةِ‌؛ لأنّها مُصاحِبةٌ للمؤَثِّرِ في الحقيقةِ‌، و هو كَونُه مُريداً.

و إذا كُنّا قد دَلَّلنا في مَواضعَ كَثيرةٍ علىٰ أنّ الخبرَ لَم يَكُن خبراً لجنسِه و لا لوجودِه و لا لحدوثِه و لا لصيغتِه و صورتِه، و بيّنّا أ نّه لا بُدَّ مِن وَجهٍ يَقتَضي كَونَه بهذه الصفةِ‌، و أنّ ذلكَ لَيسَ إلّاكَونَ المُخاطِبِ به مُريداً(6)، فبنا(7)حاجةٌ إلَى النظرِ كَيفَ يؤَثِّرُ كَونُه مُريداً في الخبرِ؟ ومعلومٌ أ نّه لا يَجوزُ أن يؤَثِّرَ فيه و لا عُلقةَ بَينَه و بَينَه مِن مُصاحَبةٍ أو ما جَرىٰ‌(8)مَجراها.

و لَيسَ يَجوزُ أن يُصاحِبَ كَونُه مُريداً لجميعِ أجزاءِ الخبرِ؛ لأنّ هذا الوجهَ يَقتَضي في كُلِّ جُزءٍ مِن أجزاءِ الخبرِ أن يَكونَ خبراً بانفرادِه؛ لأنّ كَونَه مُريداً إنّما


1) . و بهذه الكلمات ختم الشيخ سلّار مسائله.

2) . في غير «أ»: - «أنّ الصحيح».

3) . راجع: الملخّص، ص 349.

4) . في غير «أ»: «و».

5) . في «د، ط»: «يجوز».

6) . راجع: الملخّص، ص 357.

7) . في «د، س، ص»: «فينا».

8) . في «ص»: «من صاحبه أو ما يجري».

يَتعلَّقُ‌(1)بالقَصدِ إلىٰ كَونِه خبراً، و الجُزءُ‌(2)الواحدُ لا يُمكِنُ ذلكَ فيه.

و لا يَجوزُ أن يُقارِنَ كَونُه مُريداً للخبرِ آخِرَ جُزءٍ من أجزائه؛ لأنّ ما وَقَعَ مِن الأجزاءِ و تَقدَّمَ وجودُه، و لَم يَكُن خبراً و لا مِن جُملةِ الخبرِ، لا يَجوزُ أن يَتغيَّرَ عن ذلكَ بما يُصاحِبُ هذا الجُزءَ الأخيرَ.

فلَم يَبقَ إلّاأن يُصاحِبَ كَونُه مُريداً للإخبارِ أوّلَ جُزءٍ‌(3)مِن أجزاءِ الخبرِ، و يؤثِّرَ في الجميعِ‌؛ لتَعلُّقِ الخبرِ بعضِه ببعضٍ‌.

و لَم يَبقَ‌ بَعدَ هذا إلّاأن نُجيبَ‌(4)عن الشُّبهةِ المذكورةِ في السؤالِ‌، و هي أن تُقارِنَ‌(5)الإرادةُ‌، أو كَونُ المُريدِ مُريداً، كُلَّ جُزءٍ مِن أجزاءِ الخبرِ.

و الذي يُفسِدُ ذلكَ‌: أ نّه لا يَخلو مِن أن تَكونَ هذه الحالُ المُقارِنةُ لكُلِّ جُزءٍ مِن أجزاءِ الخبرِ مُتَناوِلةً‌(6)لجَعلِ‌(7)ما قارَنَته(8)خبراً، أو مِن جُملةِ الخبرِ.

فإن كانَ القِسمَ الأوّلَ‌، وَجَبَ أن يَكونَ كُلُّ جُزءٍ مِن أجزاءِ الخبرِ خبراً؛ و قد عَلِمنا فَسادَ(9)ذلكَ‌.

و إن كانَ الثانيَ‌، فيَبطُلُ بأنّه لَم يَبقَ مؤَثِّرٌ في كَونِ الخبرِ علَى الحقيقةِ خبراً؛ لأنّ‌


1) . في «أ»: «تعلّق».

2) . في «أ»: «والخبر».

3) . في «أ»: «والجزء» بدل «أوّل جزء».

4) . في «د، س، ص»: «يجيب». و في «ط» الكلمة مهملة.

5) . في «س»: «يقارن».

6) . في «أ»: «مشاركة».

7) . في «د»: «بجعل».

8) . في «د، ط»: «قاربته».

9) . في «ب، ج»: «خلاف». و في «د، س، ص، ط»: - «فساد».

كُلَّ جُزءٍ مِن أجزاءِ الخبرِ إذا لَم يَكُن خبراً، و كانَت الإرادةُ أو(1)حالُ المُريدِ المُقتَرِنةُ به لا تَتناوَلُ‌(2)كَونَه خبراً و إنّما تَتناوَلُ‌(3)كَونَه مِن جُملةِ الخبرِ، فما المؤَثِّرُ في كَونِ الخبرِ بكَمالِه خبراً، و(4)هو المقصودُ؟ و لَيسَ هاهُنا إشارةٌ إلىٰ إرادةٍ و لا حالٍ تَتعلَّقُ بهذا الوجهِ بعَينِه، فقَد عَرِيَ كَونُ الخبرِ خبراً مِن مؤَثِّرٍ فيه و مُقتَضٍ له.

و بَعدُ فلَيسَ لكُلِّ جُزءٍ من أجزاءِ الخبرِ صفةٌ و لا حُكمٌ بكَونِه «مِن جُملةِ أجزاءِ الخبرِ»، فكَيفَ تَعلَّقَ ذلكَ بمُقتَضٍ و مؤَثِّرٍ؟ و له بكَونِه «خبراً» صفةٌ‌، و لا بُدَّ مِن مؤَثِّرٍ فيها. و إذا أَبطَلنا كُلَّ ما يُشارُ إليه مِن المؤَثِّراتِ إلّاكَونَ المُريدِ مُريداً، فيَجِبُ أن تَتعلَّقَ‌(5)هذه الحالُ‌(6)بكَونِ الخبرِ خبراً، لا بكَونِ الجُزءِ الذي يُقارِنُه مِن جُملةِ أجزاءِ الخبرِ. و إذا تَعلَّقَت بكَونِه خبراً، فأَولىٰ ما يُقالُ في كَيفيّةِ الاختصاصِ حتّىٰ يؤَثِّرَ، ما قُلناه مِن المُقارَنةِ لأوّلِ جُزءٍ مِن أجزائه.(7)

تَمَّت المَسائلُ‌(8)و الجوابُ‌(9)، بعَونِ المَلِكِ الوهّابِ‌، و الحَمدُ للّٰهِ رَبِّ العالَمينَ‌(10).


1) . في «د، س، ص، ط»: «و».

2) . في «أ»: «لا يتناول».

3) . في «أ»: «يتناول».

4) . في «ص» و حاشية «س»: «جزءاً» بدل «خبراً، و».

5) . في «أ»: «يتعلّق».

6) . في «أ»: - «الحال».

7) . في «ص»: + «هذا ما حضر، و الحمد للّٰه علىٰ آلائه، و الصلاة علىٰ أُمنائه».

8) . في «د»: «الرسالة». و في «ص»: «أجوبة المسائل».

9) . في «ب، ج»: «و أجوبتها»، و في «أ، ص»: «السلّاريّة» بدل «و الجواب».

10) . في «ب، ج، س، ص»: - «بعون الملك الوهّاب، و الحمد للّٰه ربّ العالمين». و في «أ» بدلها: «و للّٰه الحمد و الشكر، و صلّى اللّٰه علىٰ محمّد و آله الأخيار، و اللّٰه حسبي و نعم الوكيل».

(27) جوابات المسائل الرازيّة

اشارة

مقدّمة التحقيق
اشارة

وُجّهت إلى الشريف المرتضى أسئلة من الريّ‌، أجاب عن بعضها بشيء من التفصيل، فيما اكتفى في الإجابة على بعضها بالإجمال. و أكثر هذه المسائل كلاميّة؛ فمن مجموع 15 مسألة توجد 12 مسألة كلاميّة، و اثنتان فقهيّة، و واحدة تدور حول توضيح معنى أحد الأحاديث. و بذلك يمكن اعتبار هذه المسائل من المسائل الكلاميّة التي قام الشريف المرتضى بتأليفها، و بيّن آرائه الكلاميّة فيها.

و كما تقدّم فهذه المسائل تحتوي على 15 مسألة، إلّاأنّ ابن شهر آشوب (ت 588 ه‍) ذكر أنّها 14 مسألة(1)، و قد يعود هذا الأمر إلى الاختلاف في النسخ.

نسبتها إلى المؤلّف

و يدلّ على صحّة نسبة هذه المسائل إلى الشريف المرتضى، إضافة إلى ذكر ابن شهر آشوب لها - كما تقدّم(2)- هو أنّه أرجع فيها إلى كتابه تنزيه الأنبياء و الأئمّة عليهم السلامُ‌ في المسألة السابعة، و المسائل المَوصليّات الأُولى، و كتاب الذخيرة في المسألة الرابعة عشرة، إضافة إلى مطابقة لغتها، و أُسلوب البحث فيها، و الآراء المطروحة فيها


1) . معالم العلماء، ص 105.

2) . كما نقل الشيخ ابن شهر آشوب عبارة من المسألة الثامنة منها في كتابه متشابه القرآن و مختلفه، ج 2، ص 97، و هو شاهد آخر علىٰ تصحيح نسبة المسائل؛ و ذلك لقرب عهد ابن شهر آشوب نسبيّاً من عهد الشريف المرتضى.

مع لغة و أُسلوب و آراء الشريف المرتضى المعروفة. و هذه القرائن تدلّ بوضوح على صحّة نسبة المسائل إليه.

محتوى الرسالة

و قد تعرّض الشريف المرتضى في هذه المسائل إلى مجموعة من الآراء الكلاميّة و الفقهيّة المهمّة، و التي ترفع من أهمّيّة المسائل الرازيّة إلى درجة كبيرة. و فيما يلي استعراض لأهمّ تلك الأبحاث بالقدر الذي يتّسع له المجال:

المسألة الأُولى: تحريم الفقّاع. تعرّض الشريف المرتضى في هذه المسألة إلى مسألة تحريم الفقّاع، و ذكر أنّها من المسائل المُجمَع عليها من قِبَل الإماميّة، في مقابل علماء المذاهب الأُخرى الذين ذهبوا إلى تجويز شربه(1). و أشار إلى أنّ تحريم الفقّاع غير مرتبط بكونه مسكراً، بل حتّى لو لم يكن مسكراً فهو محرّم. كما أورد في هذا الجواب عدّة روايات من أخبار العامّة تدلّ على تحريم الفقّاع، و ألزمهم القول بتحريمه، خاصّة و أنّهم يؤمنون بحجيّة خبر الواحد. و الجدير بالذكر أنّه قد أورد معظم مطالب هذه المسألة - إن لم يكن كلّها - في كتابه الانتصار(2).

و يبدو أنّ مسألة الفقّاع كانت مثار بحث و سؤال في ذلك العصر، حيث تعرّض الشريف المرتضى إلى السؤال عنها في أكثر من موضع، فإضافة إلى هذه المسائل، فقد سُئل عن حكم الفقّاع في المسائل الطبريّة، المسألة 9، و أجاب عنه هناك بشيء من الإجمال، كما أجاب عنه بصورة أشدّ إجمالاً في المسائل الموصليّات الثالثة، المسألة 70، و أيضاً في المسائل الميّافارقيات، المسألة 43.

و قد ألّف علماء الإماميّة عدّة رسائل حول تحريم الفقّاع، نذكر منها:


1) . الخلاف، ج 5، ص 489-490.

2) . الانتصار، ص 418.

1.

كتاب في تحريم الفقّاع، للشيخ الصدوق (ت 381 ه‍)(1).

2.

الارتياع في تحريم الفقّاع، لابن الجنيد(2).

3.

جواب أهل جرجان في تحريم الفقّاع، للشيخ المفيد (ت 413 ه‍)(3).

4.

رسالة تحريم الفقّاع، للشيخ الطوسي (ت 460 ه‍)، و هي مطبوعة في ضمن الرسائل العشر، و قد أشار فيها إلى أكثر مطالب الشريف المرتضى، و أضاف إليها روايات أهل البيت عليهم السلامُ حول تحريم الفقّاع.

5.

رسالة تحريم الفقّاع، للسيّد ابن زهرة الحلبي (ت 585 ه‍)(4).

المسألة الثانية: أُمّية النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

اختلف المتكلّمون حول أُمّية النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فهل كان أُمّياً لا يعرف الكتابة و القراءة أم لا؟ و إذا كان كذلك، فهل كان أُمّياً قبل النبوّة فقط و تعلّمها فيما بعد، أم كان كذلك قبل النبوّة و بعدها؟

الظاهر أنّ الكلام عن ما قبل النبوّة واضح؛ و ذلك لوجود آية قرآنيّة تصرّح بذلك، و هي قوله تعالى: (وَ مٰا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتٰابٍ وَ لاٰ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتٰابَ اَلْمُبْطِلُونَ‌) (5)، فقد دلّت هذه الآية على أنّ النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه ما كان يقرأ و لا يكتب قبل النبوّة.

و إنّما الكلام فيما بعدها، فقد اختلف الإماميّة في ذلك، فذهب جماعة منهم كالشيخ المفيد إلى أنّه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه صار يعرف القراءة و الكتابة بعد النبوّة، فيما خالف الباقون في ذلك، و ذهبوا إلى أنّه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بقي أُمّياً حتّى بعد أن صار نبيّاً(6).


1) . رجال (فهرست) النجاشي، ص 390.

2) . الفهرست، للشيخ الطوسي، ص 210.

3) . رجال (فهرست) النجاشي، ص 402.

4) . الذريعة، ج 11، 139.

5) . العنكبوت (29):48.

6) . أوائل المقالات، ص 137.

أمّا الشريف المرتضى فقد توقّف في هذه المسألة، و لم يجزم بشيء. و يرجع سبب هذا الترددّ إلى عدم وجود دليل، لا على وجوب القول بعلم النبيّ بالكتابة - بل الدليل قائم على عدم وجوبها - و لا على وقوعها منه خارجاً.

أمّا ما يدلّ على عدم وجوب معرفة النبيّ بالكتابة، فأمران:

الأوّل: ذهب الشريف المرتضى إلى أنّ معرفة القراءة و الكتابة ليست من العلوم الدخيلة في منصب النبوّة و الإمامة، فإنّ الدليل إنّما دلّ على وجوب أن يكون النبيّ و الإمام عالمَين باللّٰه تعالى و صفاته، و جميع أحوال الديانات، و أحكام الشريعة، و أمّا ما عدا ذلك من الحِرف و الصناعات فلا يجب أن يكونا عالمين بها. و الكتابة صنعة، حالها حال النساجة و الصياغة، فكما لا يجب أن يتعلّما هذه الصناعات، فكذلك لا يجب أن يتعلّما الكتابة. إذن تعلّم القراءة و الكتابة غير واجبَين على النبيّ و الإمام.

الثاني: أنّ القول بوجوب ذلك يؤدّي إلى القول بوجوب أن يعلم النبيّ و الإمام بسائر المعلومات الغائبات و الحاضرات، و أن يكونا محيطين بمعلومات اللّٰه تعالى كلّها، و هذا محال؛ فإنّ المحدَث عالِم بعلم زائد علىٰ ذاته و ليس عالماً لنفسه و ذاته، و إذا كان كذلك لم يمكنه العلم بكلّ المعلومات؛ لأنّ العلم الزائد على الذات إنّما يتعلّق بالتفصيل بمعلوم واحد، فلابدّ لكلّ معلوم من علم، و بما أنّه لا يجوز وجود معلومات لامتناهية في الخارج فكذا لا يجوز علوم لا متناهية، فثبت أنّ معلومات المحدَثين - و منهم النبيّ و الإمام - متناهية. و أمّا القديم العالِم لنفسه فعلمه غير زائد علىٰ ذاته و هو لا يعلمُ بعلمٍ بل علمه لنفسه، فيمكن أن يعلم بجميع المعلومات. هذا ما ظهر لنا من هذا الدليل.

إذن هذا كلّه يدلّ على عدم وجوب الكتابة على النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه. هذا من جهة، و من جهة أُخرى لا يوجد دليل على وقوع الكتابة منه صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، فإنّ الأدلة التي أقيمت على ذلك ضعيفة، منها ما روي من أنّ النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه

كتب بيده في كتاب صلح الحديبية ما اقترحه سهيل بن عمرو.

لكن بما أنّ الشريف المرتضى لم يكن يؤمن بحجّية خبر الواحد، لذلك لم يقبل هذه الرواية كدليل على وقوع الكتابة من النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه.

و قد يُستدلّ بالآية المتقدّمة على معرفة النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالكتابة بعد النبوّة، فهي قد دلّت على أنّ النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه ما كان يعرف الكتابة قبل النبوّة، و هذا يدلّ على أنّه صار يعرفها بعد ذلك، و إلّالم يكن هناك مبرّر وجيه لتقييد نفي الكتابة في الآية بما قبل النبوّة. كما أنّ التعليل في الآية يدلّ على ذلك، فإنّ ريب المبطلين و شكّهم إنّما كان يتحقّق لو كان النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آلِه يعرف الكتاب قبل النبوّة، و أمّا بعدها فلا وجه لوقوع الريب و الشكّ‌. و الجدير بالذكر أنّ الشيخ المفيد استدلّ بنفس هذا الدليل على معرفة النبيّ بالكتابة بعد النبوّة(1).

و قد أيّد الشريف المرتضى دلالة ظاهر الآية على نفي معرفة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آلِه الكتابة قبل النبوّة، و أمّا بعدها فقد بقي متوقّفاً في ذلك، و يدلّ عليه قوله في نهاية هذه المسألة: «قلنا: أمّا أصحابنا القاطعون علىٰ أنّه عليه السلامُ كان يحسن الكتابة بعد النبوّة...» وهو يدلّ على عدم قطعه و توقّفه في ذلك ولكن بما أنّ الاستدلال بالآية علىٰ نفي الكتابة قبل النبوّة يستلزم الدور - فإنّ نفي الكتابة يدلّ على نفي الريب في النبوّة، و بالتالي يدلّ علىٰ النبوّة، ولكن نفي الكتابة متوقّف علىٰ إثبات النبوّة، فيلزم الدور - لذلك استدلّ بدليل آخر، و هو أنّه صلّى اللّٰه عليه و آلِه لو كان يعلم الكتابة قبل النبوّة لظهر ذلك؛ لأنّ الدواعي متوفّرة على كشف حقيقة الحال في ذلك، ثمّ إنّ الذين كانوا يعرفون الكتابة من العرب قليلون، فلو كان قد علّمه أحدهم لعرفناه.

إذن هناك دليل على عدم وقوع الكتابة من النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه قبل النبوّة، و


1) . أوائل المقالات، ص 136-137.

أمّا بعدها فالشريف المرتضىٰ متوقّف في ذلك.

و في النهاية أورد إشكالاً على القائلين بمعرفة النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالكتابة، و هو وَصْفُه بالأُمّي في القرآن، وهو دليل واضح على عدم معرفته بذلك.

و أجاب على لسان القاطعين بمعرفة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آلِه بالكتابة بعد النبوّة بأنّ هذا الوصف يحتمل أمرين: أحدهما: أنّه ما كان يحسن الكتابة، و الأُخرى: أنّها نسبة إلى «أُمّ القرى»، و هي من أسماء مكّة، و مع وجود هذين الاحتمالين لا يمكن القطع بأحد الأمرين.

إذن لا يوجد من وجهة نظر الشريف المرتضى أيّ دليل على وجوب معرفة النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه بالقراءة و الكتابة بعد النبوّة، و لا على وقوعهما منه، و هذا الأمر يجعل المسألة محتمِلة لكونه أُمّياً و لعدمه، و لهذا توقّف فيها.

ملاحظة: إنّ توقّف الشريف المرتضى في هذه المسألة يدلّ على أمانة علميّة و احتراف فكري نادرَين، فليس من الضروري أن يُبدي العالِم رأياً قاطعاً في كلّ مسألة علميّة، بل يمكن في بعض الحالات أن يتوقّف في الحكم و ذلك عندما يعوزه الدليل على الإثبات أو النفي، و هذا أمر طبيعي يقتضيه البحث العلمي النزيه.

و ليست هذه المرّة الوحيدة التي توقّف فيها الشريف المرتضى عن إبداء رأي معيّن في مسألة علميّة و كلاميّة، فإنّه توقّف في مسائل أُخرى، منها:

1.

بقاء القدرة و عدمها(1).

2.

تبقية المقتول لولا القتل(2).

3.

إنّ بعض أقسام الخبر المتواتر يورث العلم الضروري أو المكتسب(3).


1) . الذخيرة، ص 96.

2) . المصدر، ص 263.

3) . المصدر، ص 345.

4.

تفضيل الأئمّة عليهم السلامُ بعضهم على بعض(1).

5.

حقيقة كلام الجوارح يوم القيامة(2).

6.

حاجة مَن نأى عنّا إلى إمام آخر(3).

7.

إثبات أنّ حدوث الجوهر لمعنى(4).

المسألة الثالثة: تفضيل الأنبياء على الملائكة. من المسائل التي اهتمّ بها الشريف المرتضى، و تعرّض إلى السؤال عنها في أكثر من موضع هي مسألة أفضليّة الأنبياء عليهم السلامُ على الملائكة، فهل الأنبياء عليهم السلامُ أفضل من الملائكة أو بالعكس‌؟ و المقصود بالفضل هنا كثرة الثواب و وفوره كما صرّح بذلك في بداية الجواب.

و قد كتب الشريف المرتضى كثيراً حول هذه المسألة، فقام بتأليف رسالتين على الأقلّ حولها: إحداهما: مسألة تفضيل الأنبياء على الملائكة، و هي إحدى رسائل تكملة أماليه، و الأُخرى: مسألة المنع عن تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم السلامُ‌. كما أجاب عن هذا السؤال في أجوبة المسائل الطرابلسيات الثالثة، المسألة 20، و المسائل الميّافارقيّات، المسألة 24، إضافة إلى هذه المسائل.

و قد قام هنا بتلخيص ما جاء في رسالة تفضيل الأنبياء على الملائكة، حيث أشار إليها في خلال البحث، و ذهب إلى أنّ هذا الموضوع لا دخالة للعقل فيه، بل لا بدّ من الاستعانة بالسمع، فذهب إلى تفضيل الأنبياء عليهم السلامُ على الملائكة، و استدلّ على ذلك بإجماع الإماميّة، كما ذهب إلى تفضيل الأئمّة عليهم السلامُ أيضاً على الملائكة، بنفس الدليل و هو الإجماع.


1) . رسائل الشريف المرتضى، ج 1، ص 281.

2) . الذخيرة، ص 531.

3) . المصدر، ص 414.

4) . رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 342.

و ناقش مَن استدلّ على تفضيل الأنبياء عليهم السلامُ‌، بأنّ مَشاقّ الأنبياء أكثر؛ باعتبار أنّ لديهم شهوات نحو فعل القبائح، و نفور من فعل الواجبات، و ذلك غيرموجود في الملائكة.

فقال: إنّ هذا الاستدلال غير صحيح؛ فبما أنّ الملائكة مكلّفون فلابدّ أن تكون عليهم مشقّة في التكليف، و الّا لما استحقّوا الثواب و التكليف لا يشقّ إلّابشهوات و نفور، فمن أين نعلم أنّ مشاقّ الأنبياء في التكليف أكثر من الملائكة. ثمّ لو سلّمنا أن لا شهوات لهم، و لا مشاقّ لهم من هذه الناحية، ولكن يمكن أن تحصل عندهم مشاقّ من ناحية أُخرىٰ مثل أن يتألّموا ببعض ما يدركونه. و بذلك لا يمكن إثبات أنّ مشاقّ الأنبياء أكثر.

ثمّ أخذ يناقش دليلين من أدلّة الذين ذهبوا إلى تفضيل الملائكة، نشير إليهما بصورة مقتضبة:

الأوّل: قوله تعالى: (مٰا نَهٰاكُمٰا رَبُّكُمٰا عَنْ هٰذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاّٰ أَنْ تَكُونٰا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونٰا مِنَ اَلْخٰالِدِينَ‌) (1)، فقد رغّبهما أن يكونا ملكين، فلو كان المَلَك أقلّ شأناً منهما، لمَا صحّ أن يرغّبهما بالمعصية كي يتنزّلا إلى مرتبة هي أدون منهما.

و أجاب الشريف المرتضى بثلاثة أجوبة، و هي:

أوّلاً: إنّ معنى الفضل المبحوث عنه هو كثرة الثواب، و هو يحصل كنتيجة للأعمال، و هو إنّما رغّبهم في أن تكون لهم صورة الملائكة و خلقتهم، و هذا لا يترتّب عليه الثواب، إنّما الثواب يترتّب على الأعمال، و هي غير مُشار إليها في الآية، فالآية غير ناظرة أساساً إلى محلّ النزاع.

ثانياً: بناء علىٰ ما يذهب إليه المعتزلة من تجويز الصغائر على الأنبياء، يمكن أن يقال: إنّ آدم عليه السلامُ كان يعتقد خطأ بتفضيل الملائكة على الأنبياء، فرغب في


1) . الأعراف (7):20.

الوصول إلى درجتهم، فجاءت الآية تماشياً مع هذا الاعتقاد الخاطئ و ليست فيها دلالة على تفضيل الملائكة.

ثالثاً: إنّ إبليس أراد بهذا الكلام أن يخدعهما و يقول لهما: إنّ النهي لم يشملكما، و إنّما هو خاصّ بالملائكة، إلّاأن تكونا ملكين، لكنّكما لستما كذلك، فالنهي إذن لا يشملكما. و ليس في هذا الكلام إشارة إلىٰ تفضيل الملائكة.

الثاني: قوله تعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ اَلْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّٰهِ وَ لاَ اَلْمَلاٰئِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ‌) (1)، فإنّ تأخير ذكر الملائكة في الآية يدلّ على أفضليّتهم، و في مثل هذا النوع من الكلام لا يجوز أن يؤخَّر إلّاالفاضل، فإنّه لا يصحّ أن يقال: «ما يأنف الأمير من كذا و كذا و لا الحارس»، بل العكس هو الصحيح و هذا يدلّ على تفضيل الملائكة.

و أجاب الشريف المرتضى بثلاثة أجوبة أيضاً، و هي:

أوّلاً: يمكن أن يكون تعالى قد خاطب قوماً يعتقدون خطأ بأفضليّة الملائكة، فجاء تأخير ذكرهم تماشياً مع هذا الاعتقاد الخاطئ.

ثانياً: نسلّم أنّ مجموع الملائكة أفضل من المسيح عليه السلامُ‌، لكن هذا لا يعني أنّ كل واحد منهم أفضل منه، فإنّنا نقول إنّ المسيح عليه السلامُ أفضل من كلّ واحد منهم، و هذا هو محلّ النزاع.

ثالثاً: أنّ تأخير المفضول مع كثرة الفضل و تباعده أمر قبيح، لكن إذا كان الفضل قريباً فلا إشكال في تأخيره، و الفضل بين الأنبياء عليهم السلامُ و الملائكة ليس بالكثير، فيمكن تأخير ذكر الملائكة مع كونهم مفضولين و أقلّ فضلاً.

و هناك آيتان أُخريان استدلّ بهما مَن يؤمن بتفضيل الملائكة، لم يذكرهما الشريف المرتضى هنا، لكنّه ذكرهما في رسالة تفضيل الأنبياء على الملائكة، و ناقشهما، فراجع.


1) . النساء (4):172.

المسألة الرابعة: الذرّ و حقيقته. من الأفكار التي أصرّت مدرسة بغداد الإماميّة على رفضها هي فكرة عالم الذرّ، فقد ذهب كبار علماء هذه المدرسة كالشيخ المفيد و الشريف المرتضى إلى إنكار هذا العالم جملة و تفصيلاً، و قاموا بتأويل الآيات الدالّة عليه(1).

و يمكن أن يرجع هذا الإصرار على إنكار عالم الذرّ إلى محاولة سدّ الباب على مسألة التناسخ، فإنّ الذي يؤمن بعالم الذرّ كأنّه يؤمن بنوع من التناسخ، بمعنى انتقال الأرواح من ذلك الجسم الذرّي إلى الجسم المُشاهَد في هذه الدنيا، فقد قال الشيخ المفيد:

فأمّا الأخبار التي جاءت بأنّ ذرّية آدم عليه السلام استُنطقوا في الذرّ فنطقوا، فأخذ عليهم العهد فأقرّوا، فهي من أخبار التناسخية، و قد خلطوا فيها و مزجوا الحقّ بالباطل(2).

و قال أيضاً:

فإنْ تعلّق متعلّق بقوله تبارك اسمه: (وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‌...) ، فظنّ بظاهر هذا القول تحقّق ما رواه أهل التناسخ و الحشويّة و العامّة في إنطاق الذرّية و خطابهم، و أنّهم كانوا أحياء ناطقين... إلخ(3).

و لذلك حاولت هذه المدرسة رفض كلّ ما يرتبط بالتناسخ، أو يسهّل الإيمان به من قريب أو بعيد.

و من آثار إنكار عالم الذرّ، و كلّ عالم قبل عالمنا هو إنكار فكرة استحقاق أيّ شيء كالنبوّة و الإمامة، فإنّ هذه المناصب لا يمكن أن تكون استحقاقيّة بسبب عملٍ‌


1) . المسائل السروية، ص 44-52؛ الأمالي للمرتضى، ج 1، ص 54.

2) . المسائل السروية، ص 46.

3) . المصدر، ص 47.

عمله النبيّ أو الإمام في عالم سابق؛ لأنّه لا وجود لعالم قبل عالمنا كما تقدّم، و إنّما هذه المناصب تفضُّليّة، فإنّ اللّٰه تعالى تفضّل بها على الأنبياء و الأئمّة، و الذي يؤمن بأنّها استحقاقيّة هو من وجهة نظر هذه المدرسة من أهل التناسخ، قال الشيخ المفيد بهذا الصدد:

و أقول: إنّ تعليق النبوّة تفضُّلٌ من اللّٰه تعالى على من اختصّه بكرامته؛ لعلمه بحميد عاقبته... و هذا مذهب الجمهور من أهل الإمامة و جميع فقهائنا و أهل النقل منها، و إنّما خالف فيه أصحاب التناسخ المعتزين إلى الإماميّة و غيرهم...

و أقول: إنّ تكليف الإمامة في معنى التفضّل به على الإمام كالنبوّة على ما قدّمتُ من المقال...، و هذا مذهب الجمهور من الإماميّة على ما ذكرتُ في النبوّة، و قد خالف فيه منهم من قدّمتُ ذكره(1).

و قد أنكر الشريف المرتضى في هذه المسألة من الرازيّة عالم الذرّ، حيث تجلّت في هذا البحث عقلانيّته و قدرته على التأويل:

أما عقلانيّته، فقد تجلّت في استدلاله على إنكار عالم الذرّ، حيث ذكر أنّ الأدلّة قد دلّت على أنّ اللّٰه تعالى لا يكلّف إلّاالبالغين الكاملي العقول، و هذا يدلّ على أنّه لو كان هناك عالم ذرّ لكان المخاطبون فيه عاقلين و كاملي العقول، كي يمكن خطابهم و تكليفهم بالإقرار، و لو كانوا كذلك لاستحال أن ينسوا ذلك العالم و ما جرى فيه؛ فإنّ العادة قد جرت بذلك، و لولا ذلك لأمكن أن يقيم شخص كامل العقل في بلد من البلدان، ثمّ ينسى أنّه كان مقيماً فيه، و لا يذكر من ذلك شيئاً أبداً، و بما أنّ أحداً لا يذكر ما جرى في عالم الذرّ، فهذا يدلّ على عدم وجوده.

و قد يُنقض على هذا الكلام فيقال: إنّنا لا نذكر كثيراً من الأُمور التي شاهدناها في طفولتنا. فالجواب: أنّنا في تلك الفترة لم نكن كاملي العقول، فيكون هذا النقض


1) . أوائل المقالات، ص 63-64.

خارجاً عن محلّ البحث.

كما قد يقال: لقد تخلّلت بين عالم الذرّ و عالمنا هذا مراحل كثيرة أدّت إلى نسياننا ذلك العالم. فيقال: إنّ تخلّل ذلك لا يوجب النسيان، فقد يتخلّل في أثناء الحياة حالات من الإغماء و الجنون و الأمراض المُزيلة للعلوم، لكنّ هذا كلّه لا يؤدّي إلى النسيان بعد زوال تلك الحالات.

إنّ هذا المنطق قد يبدو غريباً على مَن اعتاد على الفكر الفلسفي الدقيق الذي يَعتبر النسيان أمراً ممكناً، بسبب احتمال وجود ما يؤدّي إليه، و لو كان هذا الاحتمال قليلاً جدّاً، لكن إذا نظرنا إلى المسألة من وجهة نظر كلاميّة، و التي تنظر إلى الأشياء نظرة عرفيّة عاديّة، فربّما سوف يكون هذا الكلام أقرب إلى المنطق العرفي العادي، و اللّٰه أعلم.

و أمّا قدرة الشريف المرتضى على التأويل فقد برزت في تأويله لآية الذرّ، حيث ذكر أنّ تأويلها هو أنّ اللّٰه تعالى لمّا خلق البشر و ركّبهم تركيباً يدلّ على معرفته، و أراهم العبر و الآيات، كان بمنزلة المُشهِد لهم، و كانوا في مشاهدتهم ذلك و معرفته و تعذّر امتناعهم منه بمنزلة المُقرّين المعترفين، من دون أن يكون هناك إشهاد أو إقرار على الحقيقة.

و قد ذكر الشيخ المفيد هذا التأويل(1)، و ذكره الشريف المرتضى في أماليه أيضاً(2)، كما ذكر هناك تأويلاً آخر للآية. و في هذه المسألة من الرازيّة قام الشريف المرتضى بتلخيص مطالب ما جاء في أماليه.

المسألة الخامسة: البداء و حقيقته. تعرّض الشريف المرتضى في هذه المسألة إلى معنى البداء، فذكر أنّ معناه اللغوي هو الظهور، و أمّا معناه الاصطلاحي فالبداء هو ما


1) . المسائل السروية، ص 47-52.

2) . الأمالي للمرتضى، ج 1، ص 56.

يقتضي المعنى اللغوي، أي ما يقتضي الظهور، و يمكن أن يُبيّن ذلك من خلال ما يلي: إذا أمر اللّٰه تعالى بالشيء في وقت مخصوص على وجه معيّن بمكلّف واحد، ثمّ نهى عنه على هذه الوجوه كلّها، فهو بداء. و بعبارة أوضح: إنّه إذا نهى عن نفس ما أمر به، بحيث يكون هذا الأمر فيه نوع من الرجوع عن نهيه و تغيير للرأي، فهو بداء؛ لأنّه دلّ علىٰ ظهور ما لم يكن ظاهراً. و الفرق بينه و بين النسخ أنّ المولى يقول في حال النسخ: إنّ النهي قد انتهى تاريخه، و من الآن فصاعداً فأنا آمُرُ به فيكون الاختلاف بين الناسخ و المنسوخ في الوقت. و بعبارة أُخرى: في البداء يكون الأمر عن عين ما نهى عنه، و في النسخ يتعلّق الأمر بمثل ما نهى عنه لا بعينه(1). و البداء بهذا المعنى محال على اللّٰه تعالى، لأنّه عالم لنفسه، و لا يجوز أن يظهر له من العلم ما لم يكن ظاهراً له. و قد وردت أخبار آحاد دلّت علىٰ نسبة البداء إلى اللّٰه تعالىٰ‌، أوَّلَها الشريف المرتضى و محقّقو الإمامية بالنسخ للشرائع، و هو جائز عليه تعالىٰ‌.

و بعد ذلك تعرّض الشريف المرتضى إلى إمكان تسمية النسخ بالبداء، فذهب إلىٰ أنّ إطلاق لفظ «البداء» على النسخ إطلاق حقيقي؛ و ذلك لصحّة أن يسمّى الأمر بعد النهي بأنّه ظهور ما لم يكن ظاهراً، و هذا بداء بالمعنى اللغوي له، أي الظهور، فإنّه حاصل في البداء و النسخ معاً، و بذلك يمكن تسمية النسخ بداءً على الحقيقة. و أمّا ما يقال من أنّ هذا الإطلاق يصحّ مع عدم إضافة لفظ البداء، و أمّا مع إضافته فلا يصحّ إطلاقه على النسخ؛ لأنّه إذا أضيف البداء و قيل: «بدا له» فمعناه أنّه ظهر له وحده دون غيره ما لم يظهر، بينما ليس الأمر كذلك في النسخ، فإنّ الأمر الجديد الناسخ للنهي يكون ظاهراً للجميع و ليس خاصّاً بصاحب النسخ. ولكن هذا الفرق ضعيف، فإنّه يمكن أن يشترك في الظهور أكثر من شخص، و يضاف البداء مع ذلك إلى أحدهم فيقال: «بدا له». و يمكن أن يقال: إنّ هذه الإضافة متقوّمة بفاعل الأمر، فالذي يأمر هو


1) . الذخيرة، ص 355-357.

الذي يضاف إليه البداء، دون كلّ من ظهر له، فإضافة البداء تكون إلى الفاعل، لا إلىٰ مَن ظهر له.

المسألة السادسة: قوله صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «نيّة المرء خير من عمله». أجاب الشريف المرتضى في هذه المسألة عن سؤال حول معنى الحديث المذكور، و هو أنّه من الواضح أنّ النيّة أقلّ ثواباً من العمل، فكيف يقال إنّها خير من العمل‌؟

فأجاب بأنّه يمكن قراءة كلمة «خير» الواردة في الحديث بقراءتين:

الأُولى: بمعنى «أفعل»، أي أفضل و أكثر ثواباً.

و الثانية: أن تحمل على معنى يخالف التفضيل و المبالغة، فيكون معنى الحديث:

إنّ نيّة المرء هي أحد أعمال الخير التي يقول بها الإنسان. و هذا الوجه مطابق لظاهر الحديث و غير مخالف له.

و أمّا بناء على القراءة الأُولى فيمكن تأويل الحديث بتأويلين:

أحدهما: أنّ نيّة المؤمن مع عمله، خير من عمله الخالي من النيّة، و هذا معنى صحيح.

و الآخر: أنّ نيّة بعض الأعمال الشاقّة العظيمة الثواب خير من عمل آخر يكون أقلّ مشقّة و أقلّ ثواباً.

و علّق الشريف المرتضى علىٰ هذين التأويلين بأنّهما علىٰ كلّ حال مخالفان لظاهر الحديث؛ لأنّ فيهما زيادة غير موجودة فيه. فالأفضل هو الوجه المبني علىٰ القراءة الثانية المتقدّمة.

و قد كتب الشريف المرتضى رسالة مستقلّة حول معنى هذا الحديث و تأويلاته، حيث تعرّض إلى تفصيل البحث هناك، و في نهاية تلك الرسالة - التي هي من رسائل تكملة أمالي المرتضى(1)- ذكر عين أكثر العبارات المذكورة في هذه المسألة من المسائل الرازيّة.


1) . و قد طبعت أيضاً في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 233.

المسألة السابعة: هل تقع من الأنبياء الصغائر أو الكبائر؟ سُئل الشريف المرتضى في هذه المسألة عن عصمة الأنبياء عليهم السلامُ‌، و أنّه إذا كانوا معصومين فما معنى ما ورد في ظواهر القرآن، مثل قوله تعالى:

(وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ‌) (1)؟

فأجاب ببيان قاعدة في التأويل عند معارضة العقل و النقل، و هي أنّه إذا دلّ العقل على شيء فينبغي اتّباعه و عدم العدول عنه بسبب ظواهر الكتاب، فإنّ هذه الظواهر إن كانت محتمِلة لمعنيين أو أكثر، فيجب حملها على المعنى الموافق للعقل، و إن كانت غير محتمِلة إلّاللمعنى الظاهر المخالف للعقل، فيجب حينئذ ترك الظاهر و القطع على أنّ اللّٰه تعالى إنّما أراد غير ما يقتضيه ذلك الظاهر.

ثمّ استدلّ على عصمة الأنبياء عليهم السلامُ من الذنوب بأدلّة، منها دلالة المعجزات، فإنّ المعجزات تدلّ على صدق مَن ظهرت على يديه فيما يؤدّيه عن اللّٰه تعالىٰ و عدم كتمانه، و إلّالأدّىٰ إلىٰ نقض الغرض. و أمّا باقي الذنوب ممّا لا دخالة له في أداء الرسالة فيدلّ علىٰ عصمتهم منه دليل التنفير. و هذا الدليل يشمل الصغائر؛ لأنّها منفرّة.

و هذه المسألة من الرازيّة هي في الحقيقة تلخيص لما جاء في كتاب تنزيه الأنبياء و الأئمّة عليهم السلامُ‌، و قد أشار الشريف المرتضى فيها إلى هذا الكتاب و أهمّيته، حيث قال: «و هذا كتاب جليل الموقع في الدين، كثير الفائدة».

و أجاب عن الآية المذكورة في السؤال و المتعلّقة بعصيان آدم عليه السلامُ‌، بأنّ العصيان يَحتمل مخالفة الواجب و الندب، و لا دليل على أنّ المراد بالعصيان في الآية مخالفة الواجب فقط، فلا يبقى إشكال.

و أمّا قوله: (فَغَوىٰ‌) فمعناه: خاب، بمعنى حرمان الثواب بسبب ترك المندوب،


1) . طه (20):121.

و ليس معنى «غوى» القبيح و ضدّ الرشد؛ فإنّ فعل القبيح يعني فعل المعصية، فإذا كان معنىٰ «غوىٰ‌» فَعَلَ القبيح، فسوف يكون معنى الآية: «عصىٰ فعصىٰ‌» أي «فَعَلَ القبيح فَفَعَلَ القبيح»، و هو عطف للشيء علىٰ نفسه، و هو قبيح. فالصحيح في معنى الآية أنّه «ترك الأمر المندوب فحُرم الثواب».

فإن قيل: ترك الواجب يستلزم أيضاً حرمان الثواب، فلماذا خصّصتموه بترك المندوب‌؟

فالجواب: أنّ ظاهر التفريع بالفاء أنّ كلّ الجزاء مذكور فيما دخلت عليه الفاء مثل:

«سرق فقُطع» فهو يدلّ علىٰ أنّ كلّ جزاء السرقة هو القطع فقط و ليس هناك جزاء آخر غير مذكور، و الآية فرّعت حرمان الثواب على المعصية، و هو يدلّ علىٰ أنّ حرمان الثواب هو كلّ الجزاء، بينما جزاء ترك الواجب ليس حرمان الثواب فقط، بل إضافة إلى ذلك فيه استحقاق للذمّ و العقاب، لكن جزاء ترك المندوب حرمان الثواب فقط، و هو يتناسب مع ظاهر الآية و التفريع بالفاء خلافاً لترك الواجب.

المسألة الثامنة: حقيقة الرجعة. من المسائل التي اشتهر بها الإماميّة، و عُرفوا بالإيمان بها هي مسألة الرجعة، لكنّهم اختلفوا في معناها، فذهب المشهور إلى تفسيرها بعودة الأموات إلى الحياة، و أنّ اللّٰه تعالى عند ظهور صاحب الزمان عليه السلامُ يُرجِع قوماً من شيعته و أعدائه إلى الدنيا، ليفوز شيعته بثواب نصرته و مشاهدة دولته، و لينتقم من أعدائه(1)، فيما ذهب بعضهم إلى تفسير الرجعة بعودة دولة آل محمّد صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه عند ظهور صاحب الزمان عليه السلامُ‌، كما أشار إلى ذلك الشريف المرتضى في جواب هذه المسألة.

و قد اختار الشريف المرتضى الرأي الأوّل، و قام بتبيينه و الاستدلال عليه في هذه


1) . أوائل المقالات، ص 77-78.

المسألة من الرازيّة، و بشيء أكثر تفصيلاً في المسألة الوحيدة المتبقّية من المسائل الدمشقيّات، فيما اكتفى بإشارة إجماليّة إلى البحث في المسألة 60 من الميّافارقيّات.

و أمّا ما جاء في هذه المسألة من الرازيّة فيمكن تلخيصه في النقاط التالية:

1.

بيّن الشريف المرتضى معنى الرجعة الذي اختاره، و هو عودة الأموات، و هو رأي المشهور المتقدّم.

2.

ذكر أنّ هذا المعنى ممكن، و ليس مستحيلاً كما قد يُخيّل للبعض؛ و ذلك لأنّ اللّٰه تعالى قادر على كلّ شيء.

3.

الدليل على إثبات هذا المعنى للرجعة هو إجماع الإماميّة.

و ينبغي هنا الإشارة إلى أنّ الإجماع عند الشريف المرتضى لا يعني الاتّفاق الكامل بين العلماء بحيث لا يظهر أيّ خلاف في المسألة، بل الإجماع عنده يمكن أن يجتمع مع وجود الخلاف؛ و ذلك لأنّ الإجماع عنده إنّما يكون حجّة بالقدر الذي يكشف عن دخول المعصوم بين المُجمِعين، فإذا خرج من هذا الإجماع أشخاص معروفون، أو كان خروجهم بسبب شبهة معيّنة، فإنّ خروجهم لا يضرّ بحجّية الإجماع، ما دام أنّنا نعلم أنّ المعصوم ليس من بين الخارجين، و سوف يأتي بعد قليل أنّ المخالفين في معنى الرجعة إنّما خالفوا لدخول شبهة عليهم، و لذلك لم يكن خلافهم مُضرّاً بالإجماع.

4. أجاب على الإشكال القائل: إنّ الرجعة - بمعنى عودة الأموات - تخالف التكليف؛ لأنّها تؤدّي إلى الإلجاء، فإنّ مَن يشاهد أهوال الموت ثمّ يرجع إلى الدنيا، سوف يكون مُلجأ إلى الإيمان و العمل الصالح، خوفاً من تلك الأهوال التي شاهدها عند موته، و لم ينسَها.

فأجاب بأنّ الرجعة لا تخالف التكليف و لا تؤدّي إلى الإلجاء، بل تبقى عند

الإنسان دواعي متردّدة بين فعل الطاعة و المعصية، فكما أنّ مشاهدة المعجزات الباهرة العظيمة غير مُلجئة إلى فعل الطاعة، بل قد يخالفها الكثيرون، فكذلك مشاهدة أهوال الموت و الرجعة غير مُلجئة إلى فعل الطاعة.

5. إنّ مخالفة مَن خالف في معنى الرجعة من الإماميّة و ذهب إلىٰ أنّ معناها عودة الدولة، ناشئة من عدم قدرتهم على حلّ إشكالات الرجعة التي تقدّمت الإشارة إليها، من كونها مستحيلة، أو كونها مخالِفة للتكليف، فلجؤوا إلى هذا القول، إلّاأنّه غير صحيح؛ لأنّ دليل الرجعة ليس خبر واحد حتّى يمكن تأويل ظاهره، بل دليلها الإجماع و معناه معلوم و مقطوع به غير ظاهر، و لا يمكن تأويل المعلوم و المقطوع.

المسألة التاسعة: الطريق إلى معرفة اللّٰه تعالى.

تتحدّث هذه المسألة عن كيفية إثبات وجود اللّٰه تعالى، و هل هو بالعقل فقط، أو يمكن أن يكون بالسمع أيضاً؟

و أجاب الشريف المرتضى بما يتناسب مع الأحكام العقليّة الواضحة من أنّ ذلك لا يمكن أن يتحقّق إلّابواسطة العقل؛ لأنّ السمع لا يثبت إلّابعد معرفة اللّٰه تعالى و صفاته، فلا يمكن أن يَثبت به وجود اللّٰه تعالى؛ لأنّه سوف يؤدّي إلى الدور.

و لعلّ سبب طرح هذا السؤال هو أنّ البعض - كما جاء في هذه المسألة - ذهب إلى أنّ وجود اللّٰه تعالى يَثبت بقول الإمام، و هذا الكلام كما هو واضح غير منطقي، و يؤدّي إلى الدور.

و لكن هناك كلام أكثر منطقيّة، و هو أنّ المكلّف بحاجة إلى الإمام لكي ينبّهه على وجوب معرفة اللّٰه تعالى، و ينبّهه على طريق الاستدلال على ذلك، فيكون دور الإمام هو التنبيه فقط، ثمّ يأخذ المكلّف الدليل الذي علّمه الإمام إيّاه، و يستقلّ بمعرفة اللّٰه تعالى، من دون أن يؤدّي ذلك إلى الدور.

إنّ هذا الطريق منطقي و مقبول، فمَن هو أعرف باللّٰه تعالى و بالطرق إليه من الإمام المعصوم‌؟ و قد رضي الشريف المرتضى بهذا الدور للإمام، إلّاأنّه لم يحصره فيه، بل

جعل هناك طرقاً أُخرى إلى جانب الإمام تقوم بوظيفة التنبيه، فإنّ المكلّف إذا عاش بين الناس، و سمع اختلافهم في الديانات، و أنّ كثيراً منهم يؤمن بوجود خالق للعالم، فإنّه سوف يخاف و يتنبّه على وجوب معرفته تعالى، و إن كان يعيش منفرداً عن الناس، فقد يتنبّه بنفسه إلى وجوب النظر و المعرفة، كما قد يُخطِر اللّٰه تعالى في سمعه كلاماً ينبّهه على ذلك، و هو المسمّى بالخاطر.

و بعد نهاية المسألة التاسعة أخذ الشريف المرتضى باختصار الأجوبة، حتّى اكتفى أحياناً بنصف سطر، و كأنّه كان على عجلة من أمره، أو أنّه كان يرى أنّ المسألة لا تستحقّ أكثر من ذلك.

و قد أشار في إحدى تلك المسائل المتبقّية إلى حقيقة الروح، و اعتبرها عبارة عن الهواء المتردّد في مخارق الحيّ منّا، بحيث لا يكون حيّاً إلّامع تردّده، و صرّح بأنّ الروح جسم. و هذا الرأي يتناسب مع ما ذهب إليه من أنّ حقيقة الإنسان هو هذا الجسم المُشاهَد(1)، و أنّه لا يوجد أيُّ بُعد مجرّد للإنسان.

كما أشار في مسألة أُخرى إلى الإرجاء، و اعتبره هو الرأي الصحيح عند الإماميّة، و أنكر نظريّة التحابط التي ذهب إليها المعتزلة. و قد فصّل الكلام عن الإرجاء و الوعيد في عدّة مواضع من كتبه و رسائله، من أهمّها المسائل الموصليّات الأُولى، فقد تعرّض إلى هذا البحث بالتفصيل، لكن مع الأسف هذه المسائل مفقودة. كما تعرّض إلى بحث الإرجاء و بطلان التحابط في كتاب الذخيرة(2)، و في المسائل الطبريّة، المسألة 4.

و قد كانت المسائل الرازية قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضىٰ‌، ج 1، ص 97 - 132.


1) . الذخيرة، ص 114.

2) . المصدر، ص 302، 504 و ما بعدها.

مخطوطات الرسالة

ألف) النسخ المعتمدة:

1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 2429؛ و لم يعلم اسم ناسخها و تاريخ النسخ، و يشاهد في الورقة الأُولى منها خاتم بيضويّ يحمل اسم «سعيد الحلّي». و تقع في الصفحة (22) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحات (578-588) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14673؛ تقع في الصفحات (4-17) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

4.

مخطوطة مكتبة مدرسة الصدر بأصفهان، المرقّمة 914/2؛ تقع في الصفحات (1-12) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (57-73) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

ب) سائر النسخ:

1.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 3694؛ تقع في الصفحات (3-16) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ك».

2.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 2319؛ نُسخت بأمر «علم الهدى محمّد الكاشاني رحمه اللّٰه» بكاشان في عام 1079 ه‍ بالخطّ النسخي، و لم يُعلم اسم الناسخ، و رمزنا لها ب‍ «ج».

و هي تشتمل على رسالات لا يتعلّق بالشريف المرتضى إلّاالرسالة الرابعة منها، و هي «جوابات المسائل الرازيّات»، و تقع في 15 صفحة.

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (74-81) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ر».

4.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2929) 1262؛ تقع في الصفحات (148-157) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ع».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (102-112) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «م».

6.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 438/7؛ تقع في الصفحات (1-19) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ط».

7.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحات (99-123) من المجموعة.

8.

مخطوطة المكتبة الوطنيّة بطهران، المرقّمة 4633؛ نُسخت في يوم العشرة من شهر جمادى... السنة... (لم نتمكّن من قراءة سنة الكتابة في المخطوطة)، و لم يعلم اسم الناسخ أيضاً. و الرسالة تقع في 15 صفحة.

جواباتُ المَسائلِ الرازيّةِ‌
اشارة

بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌(1)

هذه مَسائلُ وَرَدَت علَى السيِّدِ الأجَلِّ المُرتَضىٰ عَلَمِ الهُدىٰ‌(2)- رَضيَ اللّٰهُ عنه - مِن بَلَدِ الرَّيِّ‌(3).

المَسألةُ الأُولىٰ حُرمةُ الفُقّاعِ عندَ الإماميّةِ‌

سُئِلَ‌(4)- رَضيَ اللّٰهُ عنه - عن الفُقّاعِ‌؛ و هو مُحرَّمٌ عندَ الإماميّةِ‌، هَل علىٰ تحريمِه دليلٌ عقليٌّ أو سَمعيٌّ؟

الجوابُ‌:

اِعلَمْ أنّ الفُقّاعَ مُحرَّمٌ محظورٌ عندَ الإماميّةِ‌؛ يُحَدُّ شارِبُه، كَما يُحَدُّ شارِبُ الخَمرِ. و يَجري الفُقّاعُ عندَهم في النَّجاسةِ و التحريمِ مَجرَى الخَمرِ.


1) . في «ب، ص»: + «و هو حسبي و نعم الوكيل». و في «د»: + «ربّ وفّق للتتميم، بحقّ وليّك الرضا - عليه الصلاة و التحيّة و التسليم -».

2) . في «ب، د، ص»: + «ذي المجدين أبي القاسم عليّ ابن الطاهر الأوحد ذي المناقب أبي أحمد الموسوي».

3) . من قوله: «هذه مسائل» إلىٰ هنا لم ترد في المطبوع.

4) . في «ب» و المطبوع: «سأل».

و الدليلُ الواضحُ علىٰ ذلكَ إجماعُ الإماميّةِ عليه؛ لأنّهم لا يَختَلِفونَ فيما ذَكَرنا(1)مِن الأحكامِ‌. و إجماعُهم علىٰ ما أشَرنا إليه حُجّةٌ و دَلالةٌ توجِبُ العِلمَ‌، فيَجِبُ لذلكَ القَطعُ علىٰ تحريمِ الفُقّاعِ و نَجاسَتِه.

فإن قيلَ‌: كَيفَ يَكونُ الفُقّاعُ حَراماً و هو لا يُسكِرُ؟

قلنا: لَيسَ التحريمُ مَوقوفاً علَى المُسكِراتِ‌؛ لأنّ الدمَ و لَحمَ الخِنزيرِ لا يُسكِرانِ و هُما مُحرَّمانِ‌، و كذلكَ قَليلُ الخَمرِ لا يُسكِرُ و هو مُحرَّمٌ‌.

فإن قالوا: قَليلُ الخَمرِ مِن الجِنسِ الذي يُسكِرُ كَثيرُه، و لَيسَ كذلكَ الفُقّاعُ‌. و أمّا الدمُ و لَحمُ الخِنزيرِ فلَيسا مِن جُملةِ «الأشرِبةِ‌» التي لَم تُحرَّمْ في الشريعةِ إلّالأجلِ وجودِ الإسكارِ في الجِنسِ‌.

قُلنا: غيرُ مُسَلَّمٍ لكم أنّ‌(2)عِلّةَ تحريمِ‌(3)الأشرِبةِ في الشرعِ مَوقوفةٌ علىٰ أنّها مِن جِنسِ المُسكِرِ.

و عِلّةُ التحريمِ في الحقيقةِ هي «المَصلحَةُ‌»، و اللّٰهُ تَعالىٰ أعلَمُ بوَجهِها. و قد حَرَّمَ اللّٰهُ تَعالَى الدمَ - و هو ممّا يُشرَبُ‌، فهو «شَرابٌ‌» علىٰ موجِبِ اللغةِ - و إن لم يَكُن فيه قُوّةُ الإسكارِ، بَل لِعَينِه؛ فما المُنكَرُ مِن أن يَكونَ تحريمُ الفُقّاعِ كذلكَ؟

و يُمكِنُ أن نُعارِضَ خُصومَنا في تحريمِ الفُقّاعِ‌، و نورِدَ عليهم الأخبارَ التي يَرويها(4)ثِقاتُهم و رُواتُهم في تحريمِ الفُقّاعِ‌، لأنّهم يَعمَلونَ في الشريعةِ بأخبارِ الآحادِ، فيَلزَمُهم أن يَحكُموا بتَحريمِ الفُقّاعِ‌؛ للأخبارِ الواردةِ مِن طُرُقِهم بِتَحريمِه.


1) . في «ب، ص»: «ذكرناه».

2) . في المطبوع: «لكنّ‌» بدل «لكم أنّ‌»، و استُظهر في هامشه: «كون».

3) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: - «تحريم». و إثباتُها هو الصواب؛ طبقاً للنُّسخة «ج».

4) . في «ب، ص» و المطبوع: «ترويها».

فأمّا ما وَرَدَ مِن طُرُقِنا في تحريمِه و أنّه كالخَمرِ في التحريمِ و وجوبِ الحَدِّ علىٰ شارِبِه و النَّجاسةِ‌، فأكثَرُ مِن أن يُحصىٰ‌. و لا يَنفَعُنا(1)لمُعارَضةِ الخُصومِ‌؛ لأنّهم لا يَعرِفونَ هذه الرواياتِ‌، و لا يوثِّقونَ رُواتَها.

فالمُعارَضةُ برواياتِهم لهم(2)أَولىٰ‌.

فمِن ذلكَ‌: ما رَواه أبو عُبَيدٍ القاسِمُ بنُ سَلّامٍ قالَ‌: حَدَّثَنا أبو الأَسوَدِ عن(3)ابنِ‌(4)لَهيعَةَ‌(5)، عن دَرّاجٍ أبي السَّمْحِ‌(6).

و رَوَى الساجيُّ‌(7)صاحبُ «اختلافِ الفقهاءِ‌» قالَ‌: حَدَّثَنا سُلَيمانُ بن داودَ، قالَ‌: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ‌، قالَ‌: أخبَرَني عَمرُو بنُ الحارِثِ‌، أنّ دَرّاجاً أبا السَّمْحِ حَدَّثَه.

و اجتَمَعا علىٰ أنّ دَرّاجاً(8)قالَ‌: أنّ عُمَرَ بنَ الحَكَمِ حَدَّثَه عن أُمِّ حَبيبةَ زَوجِ‌(9)النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: أنّ ناساً(10)مِن أهل اليَمَنِ قَدِموا علىٰ رسولِ اللّٰهِ صَلَّى


1) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «و لا معنى». و الأنسب ما أثبتناه؛ وفقاً للنُّسختَين: «ط، ع».

2) . في المطبوع: «له». نعم، نُقل في هامشِه عن نسخةٍ أخرىٰ ما أثبتناه.

3) . في المطبوع: + «عن».

4) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «أبي». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً ل‍ «ط».

5) . في «ب، ص»: «كهينة». و في «د»: «كهيعة». و في «ش»: «الهيعة». و في المطبوع: «ربيعة»؛ نعم، صُحِّحَ في هامشه بما أثبتناه.

6) . في «أ، ب، ش، ص»: «المسيح». و في «د»: «المسح». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و للمصادر و للنُّسختين: «ط، م».

7) . أبو يحيى زكريّا بن يحيى بن عبد الرحمٰن بن محمّد الضبّي البصري الساجي، من محدّثي عصره في البصرة، و كان من الحفّاظ، له كتاب جليل في علل الحديث، توفّي سنة 307 ه‍. راجع: الأعلام للزركلي، ج 3، ص 47.

8) . في النُّسخ المعتمدة: - «أبا السمح حدّثه. و اجتمعا علىٰ أنّ درّاجاً». و إثباتُها أصَحّ و أفصح؛ وفقاً للنُّسخة «م» و للمطبوع.

9) . في «ب، ش، ص» و المطبوع: «زوجة».

10) . في المطبوع: «أُناساً».

اللّٰهُ عليه و آلِه ليُعلِّمَهم(1)الصلاةَ و السُّننَ و الفَرائضَ‌، فقالوا: يا رَسولَ اللّٰهِ‌، إنّ لنا شَراباً نصنَعُه(2)مِن القَمحِ و الشَّعيرِ. فقالَ عليه السلامُ‌: «الغُبَيراءُ؟» قالوا:(3)نَعَم، قالَ‌(4)عليه السلامُ‌:

«لا تَطعَموه».(5)قال الساجيُّ في حديثِه: قالَ عليه السلامُ ذلكَ ثَلاثاً.(6)

و قال(7)أبو عُبَيدٍ(8): ثُمَّ لمّا كانَ بَعدَ ذلكَ بيَومَينِ‌،(9)ذَكَروها(10)له عليه السلامُ‌، فقالَ‌: «الغُبَيراءُ؟» قالوا: نَعَم. قالَ عليه السلامُ‌: «لا تَطعَموها»(11). قالوا: فإنّهم لا يَدَعونَها. قالَ عليه السلامُ‌:(12)«مَن لَم يَترُكْها فاضرِبوا عُنُقَه».(13)

و رَوىٰ‌ أبو عُبَيدٍ أيضاً عن ابنِ أبي مَريَمَ‌، عن مُحمّدِ بنِ جَعفَرٍ، عن زَيدِ بنِ أَسلَم، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ(14): أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه سُئلَ عن الغُبَيراءِ‌، فنَهىٰ‌


1) . كذا في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع. و في المصادر: «فعلّمهم».

2) . في المطبوع: «نعمله».

3) . في المطبوع: «فقالوا».

4) . في «ش»: - «قال». و في المطبوع: «فقال».

5) . في المطبوع: «لا تطعموها».

6) . مسند أحمد، ج 6، ص 427؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 8، ص 292.

7) . في المطبوع: «قال» بدون واو العطف.

8) . في المطبوع: + «القاسم بن سلّام».

9) . في المطبوع: «يومين».

10) . كذا في النُّسخ و المطبوع. و في المصادر تارة: «ذكروهما» و أُخرىٰ‌: «ذكروه»؛ نعم، في بعضها ما أثبتناه.

11) . كذا في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع. و في جميع المصادر: «لا تطعموه».

12) . في «أ»: «نعم» بدل «عليه السلام».

13) . السنن الكبرى للبيهقي، ج 8، ص 292.

14) . في النُّسخ المعتمدة: «دينار». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و للمصادر و للنُّسخة «م».

عليه السلامُ عنها و قالَ‌: «لا خَيرَ(1)فيها».(2)

قالَ‌: قالَ زَيدُ بنُ أسلَمَ‌: هي الأُسكُركةُ‌.(3)

و «الأُسكُركةُ‌» في لغةِ العربِ‌: اسمُ الفُقّاعِ‌.

و قالَ ابنُ الروميِّ‌(4)، و هو ممّن لا يُطعَنُ عليه في عِلمِ اللغةِ و العربيّةِ‌؛ لأنّه كانَ مُتقدِّماً في عِلمِها، مُتولِّجاً(5)إلىٰ مَعانيها، قالَ‌:

اِسقِني(6)الأُسكُركةَ‌(7)الصِّنْ‍ *** نَبْرَ في جَعضَلَفُونِهْ‌(8)

و اجعَلِ الفَيجَنَ‌(9)فيهِ‌(10)*** يا خَليلي(11)بِغُضُونِهْ‌(12)


1) . في «ش»: «لا حدّ».

2) . راجع: كتاب الأُمّ‌، ج 6، ص 193؛ عوالي اللآلي، ج 1، ص 317.

3) . الموطّأ، ج 2، ص 845؛ لسان العرب، ج 4، ص 376.

4) . أبو الحسن عليّ بن العبّاس بن جورجس البغدادي المعروف بابن الرومي، مولى عبيد اللّٰه بن عيسى بن جعفر العبّاسي، شاعر معروف من طبقة بشّار و المتنبّي، روميّ الأصل، كان جدّه من موالي بني العبّاس، وُلد و نشأ ببغداد، و مات فيها مسموماً، له ديوان شعر في مجلّدين، و كان بينه و بين ابن الحاجب مودّة. و نُقل عن ابن سينا: «إنّ ممّا كلّفني أُستاذي في الأدب حفظُ ديوان ابن الرومي، فحفظتُه مع عدّة كتب في ستّة أيّام و نصف يوم». توفّي سنة 283 ه‍. راجع: معجم المؤلّفين، ج 2، ص 425؛ الأعلام، ج 4، ص 297؛ الغدير، ج 3، ص 30 و 51.

5) . في «أ» و المطبوع: «متولّي».

6) . كذا في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع. و في الديوان: «سقِّني».

7) . في «ب، ص»: «الأسكزكة». و في الديوان: «الأسكركع».

8) . في «أ»: «حنطلفوبه». و في «ب، ص»: «جعظلعونه». و في «د»: «حعطلعونه». و في «ش»: «حفظ لعوبه». و في المطبوع: «جعصلقونه». و الصحيح ما أثبتناه، كما في الديوان.

9) . في «ب، ص»: «السحن». و في المطبوع: «القيحن».

10) . في المطبوع: «فيها».

11) . في الديوان: «في الأفواهِ منه» بدل «فيه يا خليلي».

12) . في «أ، ش» و المطبوع: «بغصونه». و في «ب، ص»: «بعضونه». و الصحيح ما أثبتناه؛ وفقاً للديوان. و الغَضْن و الغَضَن: كلّ تَثَنٍّ من ثوب أو جلد أو درع أو غيرها. معجم متن اللغة، ج 4، ص 303 (غضن).

إنّهُ‌(1)مِصفاةُ أعلا *** هُ‌، و مِسكٌ‌(2)لِبُطُونِهْ‌(3)

و(4)أرادَ ب‍ «الأُسكُركةِ‌»: الفُقّاعَ‌. و «الجَعضَلَفُونُ‌»:(5)الكوزُ الذي يُشرَبُ فيه الفُقّاعُ‌.(6)و «الصِّنَّبْرُ»: الباردُ. و «الفَيجَنُ‌»:(7)الشرابُ‌.(8)

و رَوىٰ‌ أصحابُ الحَديثِ مِن طُرُقٍ معروفةٍ‌: أنّ قوماً مِن العربِ سَألوا رَسولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه عن الشرابِ المُتَّخَذِ مِن القَمحِ‌، فقالَ رَسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «يُسكِرُ؟(9)» قالوا:

نَعَم. فقالَ عليه السلامُ‌: «لا تَقرَبوه».(10)

و لَم يَسألْ في الشرابِ المُتَّخَذِ مِن الشَّعيرِ عن الإسكارِ بَل حَرَّمَ ذلكَ علَى الإطلاقِ‌، و حَرَّمَ الشرابَ الآخَرَ إذا كانَ مُسكِراً؛ فدَلَّ ذلكَ علىٰ أنّ الغُبَيراءَ مُحرَّمةٌ لعَينِها،(11)كالخَمرِ.


1) . في المطبوع: «أنّها».

2) . في «ب، ص»: «و مشك». و في الديوان: «و عِطرٌ».

3) . ديوان ابن الرومي، ج 3، ص 495.

4) . في النُّسخ المعتمدة: + «إن»، و الصواب حذفُها؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخ الثلاث: «ج، ط، م».

5) . في المطبوع: «الجعصلقون».

6) . في النُّسخ المعتمدة: - «و الجعضلفون: الكوز الذي يشرب فيه الفقّاع». و الصوابُ إثباتُها؛ وفقاً ل‍ «م».

7) . في «ب، ص»: «الينجن». و في المطبوع: «القيحن».

8) . في النُّسخ المعتمدة: «السداب». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخ الثلاث: «ط، ع، م».

9) . في «أ، ب، د، ش» و المطبوع: «أ يُسكِرُ؟».

10) . مسند أحمد، ج 4، ص 232؛ سنن أبي داود، ج 3، ص 328؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 8، ص 292.

11) . في المطبوع: «بعينها».

و رَوىٰ أصحابُ الحَديثِ في كُتُبِهم المشهورةِ‌: أن عُبَيدَ(1)اللّٰهِ الأشجَعيَّ‌(2)كانَ يَكرَهُ الفُقّاعَ‌.(3)

و قالَ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ كذلكَ‌، و كانَ ابنُ المُبارَكِ‌(4)يَكرَهُه.

قالَ أحمَدُ: حَدَّثَنا عبدُ الجَبّارِ بنُ محمّدٍ الخَطّابيُّ‌، عن ضَمْرةَ‌(5)قال: «الغُبَيراءُ‌» التي نَهىٰ رَسولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه عنها: الفُقّاعُ‌.(6)

فيَلزَمُ‌(7)مُخالِفينا مع هذه الأخبارِ المَرويّةِ مِن طُرُقِهم أن يُحرِّموا الفُقّاعَ‌، و لا يَلوموا(8)الإماميّةَ علىٰ تحريمِه(9)، و لا يُبدِّعوهم(10)و لا يُعيِّروهم(11)بتحريمِها


1) . في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «عبد». و الصواب ما أثبتناه.

2) . في «ب، ص»: «الأشجع». و هو أبو عبد الرحمٰن عبيد اللّٰه بن عبد الرحمٰن الحافظ الأشجعي، كوفيّ‌. روى عن حمّاد بن سلمة، و سفيان بن سعيد، و مسعر، و تميم أبي خلف و غيرهم؛ و روى عنه: أبو عبيد، و يحيى بن آدم، و عبد اللّٰه بن محمّد بن عبد العزيز و غيرهم. توفّي سنة 182 ه‍. راجع: سير أعلام النبلاء، ج 8، ص 514، معرفة الثقات، ج 2، ص 116، الرقم 1174؛ تذكرة الحفّاظ، ج 1، ص 286.

3) . راجع: عوالي اللآلي، ج 1، ص 318، ح 43.

4) . أبو عبد الرحمٰن بن مبارك بن الواضح الحنظلي التميمي، من الفقهاء و الشعراء، روى عن: سليمان التيمي، و حُميد الطويل، و غيرهما؛ و روى عنه الثوري و غيره. مات سنة 181 ه‍. راجع: تاريخ بغداد، ج 10، ص 152؛ سير أعلام النبلاء، ج 8، ص 378-421؛ تهذيب التهذيب، ج 5، ص 382.

5) . في المطبوع: «سمرة».

6) . راجع: عوالي اللآلي، ج 1، ص 318.

7) . في المطبوع: «و يلزم».

8) . في «أ، ش»: «و لا يلزموا». و في المطبوع: «و لا يلزم».

9) . في المطبوع: «تحرير».

10) . في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «و لا يبدّعونهم»، و هو سهو.

11) . في «ب، ص»: «و يعرونهم». و في «د»: «و يعدوهم». و في المطبوع: «و لا يبزوهم»، و نُقِلَ في هامشه عن نسخةٍ‌: «و لا يعيرونهم».

و النهيِ عن بَيعِها.

و شُيوخُهم مالكُ بن أنَسٍ و يَزيدُ(1)بنُ هارونَ‌(2)يَكرَهانِه؛(3)

قالَ أحمَدُ: و حَدَّثَنا ابنُ‌(4)عبدِ اللّٰهِ المَدِينيُّ‌(5)قالَ‌: قالَ مالكُ بنُ أنَسٍ‌: يُكرَهُ الفُقّاعُ‌، و يُكرَهُ أن يُباعَ في الأسواقِ‌.(6)

و غيرُه ممّن ذَكرناه يَنهىٰ عن شُربِ الفُقّاعِ و بَيعِه. و العَصَبيّةُ تُعمي و تُصِمُّ‌.


1) . في النُّسخ المعتمدة: «و زيد». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و للمصادر و لنُسخة «م».

2) . أبو خالد يزيد بن هارون بن زاذان بن ثابت السُّلمي الواسطي، من حفّاظ الحديث. أصله من بُخارىٰ‌، و مولده و وفاته بواسط. روى عن سليمان التيمي، و حُميد الطويل، و عاصم الأحوَل، و غيرهم؛ و روى عنه: أحمد بن حنبل، و إسحاق بن راهويه، و يحيى بن مَعين، و غيرهم. مات سنة 206 ه‍. راجع: تاريخ ابن خلدون، ج 3، ص 64؛ وفيات الأعيان، ج 2، ص 264؛ تهذيب التهذيب، ج 11، ص 368؛ الأعلام للزركلي، ج 8، ص 190.

3) . في المطبوع: «يكرهان».

4) . في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «أبو»، و الصواب ما أثبتناه.

5) . في «ش»: «المدنيّ‌». و في المطبوع: «المدائنيّ‌».

6) . راجع: عوالي اللآلي، ج 1، ص 318.

المسألةُ الثانيةُ عِلمُ النبيِّ صلى الله عليه و آله بالكِتابةِ و القِراءةِ‌

ما الذي يَجِبُ أن يُعتَقَدَ في النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، هَل كانَ يُحسِنُ الكِتابةَ و قِراءةَ الكُتُبِ‌(1)، أَم لا؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

الذي يَجِبُ اعتقادهُ في ذلكَ التجويزُ لكَونِه عليه السلامُ عالِماً بالكِتابةِ و قِراءةِ الكُتُبِ‌،(2)و لكَونِه غيرَ عالِمٍ بذلكَ‌؛ مِن غيرِ قَطعٍ علىٰ أحَدِ الأمرَينِ‌.

و إنّما قُلنا ذلكَ لأنّ العِلمَ بالكِتابةِ لَيسَ مِن العلومِ التي يُقطَعُ علىٰ أنّ النبيَّ و الإمامَ عليهما السلامُ لا بُدَّ مِن أن يَكونَ عالِماً بها و حائزاً(3)لها؛ لأنّا إنّما نَقطَعُ في النبيِّ و الإمامِ عليهما السلامُ علىٰ أنّهما لا بُدَّ مِن(4)أن يَكونَ كُلُّ واحدٍ عالِماً باللّٰهِ تَعالىٰ و أحوالِه و صفاتِه، و ما يَجوزُ عليه و ما لا يَجوزُ، و بجميعِ أُصولِ‌(5)الدياناتِ‌، و بسائرِ أحكامِ الشريعةِ - التي يؤدّيها النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه


1) . في «ب، ص»: - «و قراءة الكتب».

2) . في «أ، د، ش»: - «و قراءة الكتب».

3) . في النُّسخ المعتمدة «و جائزاً». و الصواب ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسختين: «ط، ع».

4) . في «أ، ش»: «في». و في المطبوع: - «من».

5) . في المطبوع: «أحوال».

و يَحفَظُها(1)الإمامُ عليه السلامُ و يَتقدَّمُها؛ حتّىٰ لا يَشُذَّ علىٰ كُلِّ واحدٍ منهما مِن ذلكَ شيءٌ‌(2)يَحتاجُ فيه إلَى استفتاءِ غيرِه، كما يَذهَبُ المُخالِفونَ لنا.

فأمّا(3)ما عَدا ذلكَ مِن الصِّناعاتِ و الحِرَفِ‌، فلا يَجِبُ أن يَعلَمَ نَبيٌّ أو إمامٌ شَيئاً مِن ذلكَ‌. و الكِتابةُ صَنعةٌ‌، كالنِّساجةِ و الصِّياغةِ‌؛ فكَما لا يَجِبُ أن يَعلَمَ ضُروبَ الصِّناعاتِ‌، فكذلك الكِتابةُ‌.

و قد دَلَّلنا علىٰ هذه المَسألةِ و استَقصَينا الجوابَ عن كُلِّ ما يُسألُ عنه فيها في مَسألةٍ مُفرَدةٍ أملَيناها جواباً لسؤالِ بعضِ الرؤساءِ عنها، و انتَهَينا إلىٰ أبعَدِ الغاياتِ‌؛(4)و قُلنا: إنّ إيجابَ ذلكَ يؤدّي إلىٰ إيجابِ العِلمِ حَقّاً(5)بسائرِ المعلوماتِ الغائباتِ و الحاضراتِ‌، و أن يَكونَ كُلُّ واحدٍ مِن النبيِّ و الإمامِ مُحيطاً بمعلوماتِ اللّٰهِ تَعالىٰ كُلِّها.

و بيّنّا أنّ ذلكَ يؤدّي إلىٰ أن يَكون المُحدَثُ عالِماً لنفسِه، كالقَديمِ تَعالىٰ‌؛ لأنّ العِلمَ الواحدَ لا يَجوزُ أن يَتعلَّقَ بمعلومَينِ‌(6)علىٰ جِهةِ التفصيلِ‌، و كُلُّ معلومٍ مُفصَّلٍ لا بُدَّ له مِن عِلمٍ مُفرَدٍ يَتعلَّقُ به، و أنّ المُحدَثَ لا يَجوزُ أن يَكونَ عالِماً


1) . في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «أن يحفظها» بدل «و يحفظها»، و الأنسب ما أثبتناه.

2) . في المطبوع: «الشيء».

3) . في المطبوع: «أمّا».

4) . هذه المسألة مفقودة، و قد أرجع إليها المصنّف رحمه اللّٰه في موضعين آخرين: أحدهما في المسألة الثامنة من الطرابلسيّة الثالثة، و قال أنّه أملاها قديماً. و الآخر في جواب مسألة: علم الوصيّ بساعة وفاته و عدمه. و كلّ هذا يدلّ علىٰ أهمّيّة المسألة.

5) . في المطبوع: - «حقّاً».

6) . في المطبوع: «بمعلوم».

لنفسِه، و لا يَجوزُ(1)أيضاً وجودُ ما لا نِهايةَ له مِن المعلومِ‌. فبَطَلَ‌(2)قولُ مَن ادَّعىٰ أنّ الإمامَ مُحيطٌ بالمعلوماتِ‌.

فإن قالوا: الفَرقُ بَينَ الصِّناعاتِ و بَينَ الكِتابةِ‌، أنّ الكِتابةَ قد تَتعلَّقُ‌(3)بها أحكامُ‌(4)الشرعِ‌، و لَيسَ كذلك باقي الصِّناعاتِ‌.

قُلنا: لا صِناعةَ - مِن نِساجةٍ أو بِناءٍ أو غيرِهما - إلّاو قد يَجوزُ أن يَتعلَّقَ به حُكمٌ شَرعيٌّ كالكِتابةِ‌.

ألا تَرىٰ أنّ مَن استأجَرَ بَنّاءً لِبناءٍ‌(5)مخصوصٍ - و أيضاً النِّساجةُ - قد يَجوزُ أن يَختَلِفا؛(6)فيَقولَ الصانعُ‌: قد وَفَيتُ العملَ الذي استؤجِرتُ له؛ و يَقولَ المُستأجِرُ: ما وَفَيتَ بذلكَ؟

فمتىٰ لَم يَكُنِ الإمامُ عالِماً بتلكَ الصِّناعاتِ‌، و مُنتَهياً فيها(7)إلىٰ أبعَدِ الغاياتِ‌، لَم يُمكِنْه أن يَحكُمَ بَينَ المُختَلِفَينِ‌.

فإن قيلَ‌: يَرجِعُ إلىٰ أهلِ تلكَ الصِّناعةِ‌، فيما اختَلَفا فيه.

قُلنا في الكِتابةِ مِثلَ ذلكَ‌، سَواءً‌.

و بيّنّا في(8)تلكَ المَسألةِ التي أشَرنا إليها بأنّ‌(9)هذا يؤدّي إلىٰ‌(10)عِلمِ الإمامِ‌


1) . في المطبوع: + «أن يكون».

2) . في «ب، د، ش، ص»: «فيبطل». و في المطبوع: «و يبطل».

3) . في «أ، د، ش، ص»: «يتعلّق».

4) . في «أ، د، ش»: «به أحكام». و في المطبوع: «بأحكام» بدل «بها أحكام».

5) . في المطبوع: «على» بدل «لبناء».

6) . في المطبوع: أن «يختلف».

7) . في المطبوع: - «فيها».

8) . في «ب، ص»: «ذلك و تتنافى» بدل «و بيّنّا في».

9) . في النُّسخ المعتمدة: «فإنّ‌». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخ الثلاث: «ج، ط، م».

10) . في المطبوع: + «أنّ‌».

بصِدقِ‌(1)الشهادةِ‌(2)أو كَذِبِه فيما يَشهَدُ به؛ لأنّه إذا جازَ أن يَحكُمَ بشَهادتِه(3)مع تجويزِ كَونِه كاذباً...(4)و ألّا جازَ أن يَحكُمَ بقَولِ ذَوي(5)الصِّناعاتِ - في قِيَمِ المُتلَفاتِ‌، و أُروشِ‌(6)الجِناياتِ‌، و كُلِّ شَيءٍ اختُلِفَ‌(7)فيه - فيما له تَعلُّقٌ بالصِّناعاتِ‌، و إن جازَ الخَطأُ علَى المُقوِّمينَ؟

و بيّنّا أنّ ارتكابَ ذلكَ يؤدّي إلىٰ كُلِّ جَهالةٍ و ضَلالةٍ‌.

فإن قيلَ‌: ألَيسَ قد رَوىٰ أصحابُكم أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه في يَومِ الحُدَيبِيَةِ لمّا كُتِبَ بَينَه و(8)بَينَ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو(9)كتابُ‌(10)مُواعَدةٍ‌(11)، و جَرىٰ مِن سُهَيلٍ ما جَرىٰ من إنكارِ ذِكرِ النبيِّ عليه السلامُ بالنبوّةِ‌، و امتَنَعَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلامُ ممّا(12)اقتَرَحَ‌(13)سُهَيلٌ‌، كَتَبَ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بيَدِه(14)في الكتابِ؟


1) . في «أ، ش» و المطبوع: «تصديق». و في «ب، د، ص»: «بتصديق». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للنُّسخ الثلاث: «ج، ط، ع».

2) . كذا، و الأنسب: «الشاهد».

3) . في المطبوع: «بشهادة».

4) . في «أ، ش» و المطبوع يوجد في هذا الموضع فراغ.

5) . في «ب، ص» و المطبوع: «ذي».

6) . في «ب، ص»: «و أرش».

7) . في «ب، ص»: «اختلفت».

8) . في المطبوع: «معيّنة» بدل «بينه و».

9) . سهيل بن عمرو القرشي العامري، من مُسلِمة الفتح، و من أشراف قريش و خطبائهم. أُسر يوم بدر كافراً. و هو صاحب القضيّة يوم الحديبية مع رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله. خرج مع أهل بيته إلى الشام و مات هناك. أُسد الغابة، ج 2، ص 371؛ الإصابة، ج 3، ص 177.

10) . في المطبوع: «و كتاب».

11) . في «ب، د، ص»: «موادعة».

12) . في النُّسخ المعتمدة: «فيما». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و لنسخة «م».

13) . في «أ، ش»: «أقدح»

14) . في «أ، د، ش» و المطبوع: - «بيده».

قُلنا: هذا قد رُويَ في أخبارِ الآحادِ، و لَيسَ بمقطوعٍ عليه. و إنّما أَنكَرنا القَطعَ‌، و نَحنُ مُجوِّزونَ - كَما ذَكرنا - أن يَكونَ عليه السلامُ كانَ يُحسِنُ الكِتابةَ‌، كما نُجوِّزُ(1)أن لا يَكونَ يُحسِنُها.

فإن قيلَ‌: ألَيسَ اللّٰهُ تَعالىٰ يَقولُ‌: (وَ مٰا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتٰابٍ وَ لاٰ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتٰابَ اَلْمُبْطِلُونَ‌) (2)؟

قُلنا: إنّ هذه الآيةَ إنّما تَدُلُّ علىٰ أنّه عليه و آلِه(3)السلامُ ما [كانَ‌] يُحسِنُ الكِتابةَ قَبلَ النبوّةِ‌. و إلىٰ هذا يَذهَبُ أصحابُنا؛(4)فإنّهم يَعتَقِدونَ‌(5)أنّه عليه السلامُ ما كانَ يُحسِنُها قَبلَ البِعثةِ‌، و أنّه تَعلَّمَها مِن جَبرَئيلَ عليه السلامُ بَعدَ النبوّةِ‌.

و ظاهرُ الآيةِ يَقتَضي(6)ذلكَ‌؛ لأنّ النفيَ تَعلَّقَ بما قَبلَ النبوّةِ‌، دونَ ما بَعدَها. و لأنّ التعليلَ أيضاً يَقتَضي اختصاصَ النفيِ بما قَبلَ النبوّةِ‌؛ لأنّ‌(7)المُبطِلينَ و المُشكِّكينَ إنّما [كانوا] يَرتابونَ‌(8)في نُبوّتِه عليه السلامُ لَو كانَ يُحسِنُ الكِتابةَ قَبلَ النبوّةِ‌، فأمّا(9)بَعدَ النبوّةِ فلا تَعلُّقَ له بالريبةِ و التُّهَمةِ‌.

فإن قيلَ‌: فمِن(10)أينَ يُعلَمُ أنّه عليه السلامُ ما كانَ يُحسِنُ الكِتابةَ قَبلَ النبوّةِ؟ و إذا


1) . في «ب، ش، ص» و المطبوع: «يجوز».

2) . العنكبوت (29):48.

3) . في «ش» و المطبوع: - «و آله».

4) . أوائل المقالات، ص 136-137.

5) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «يعتمدون». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً للنُّسخة «ج».

6) . في «ب» و المطبوع: «تقتضي».

7) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «و لأنّ‌». و الصوابُ حذف الواو؛ طبقاً للنُّسخة «ج».

8) . «إنّما يرتابون» لا توجد في النُّسخ المعتمدة. و إثباتُها هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخة: «م».

9) . في المطبوع: «و أمّا».

10) . في «ش»: «ممّن». و في المطبوع: «من».

كانَ عندَكم أنّه(1)قد أحسَنَها بَعدَ النبوّةِ‌، فلَعلَّ‌(2)هذا العِلمَ كانَ مُتقدِّماً.

فإن قُلتم:(3)نَعلَمُ أنّه عليه السلامُ ما كانَ يُحسِنُ الكِتابةَ قَبلَ النبوّةِ بهذه الآيةِ‌.

قيلَ لكم: هذه الآيةُ إنّما تَكونُ حُجّةً و موجِبةً للعِلمِ إذا صَحَّت النبوّةُ‌؛ فكَيفَ يُجعَلُ نفيُ الآيةِ [للكِتابةِ‌] دَلالةً علَى النبوّةِ‌، و هو مَبنيٌّ عليها؟

قُلنا: الذي يَجِبُ أن يُعتَمَدَ عليه في أنّه عليه السلامُ ما كانَ‌(4)يُحسِنُ الكِتابةَ و القِراءةَ قَبلَ النبوّةِ‌، هو أنّه لَو كانَ يُحسِنُها - و قد نَطَقَ القُرآنُ الذي أتىٰ بنَفيِ ذلكَ عنه عليه السلامُ قَبلَ النبوّةِ - لَما(5)جازَ(6)أن تَخفَى(7)الحالُ فيه مع التتبُّعِ و التفتيشِ و التنقيرِ؛ لأنّ هذه الأُمورَ(8)إنّما يَجوزُ أن تَخفىٰ‌(9)مع عَدَمِ الدواعي إلىٰ كَشفِها، و مع الغَفلةِ عنها و الإعراضِ عن تأمُّلِ أحوالِها، فأمّا(10)إذا قَوِيَت الدواعي و تَوفَّرَت البَواعِثُ علىٰ كَشفِ حقيقةِ الحالِ‌، و تَعلَّقَ بذلكَ‌(11)دعوىٰ مُدَّعٍ بمُعجِزةٍ‌، فلا بُدَّ مِن الفَحصِ و التفتيشِ‌؛ و معهما(12)لا بُدَّ مِن ظهورِ حقيقةِ الحالِ‌.


1) . في «ب، د، ص»: - «أنّه».

2) . في المطبوع: «و لعلّ‌».

3) . في المطبوع: «قلت: فلم» بدل «قلتم».

4) . في المطبوع: «لا» بدل «ما كان».

5) . في المطبوع: «ممّا».

6) . في المطبوع: + «له».

7) . في المطبوع: «أن يخفى».

8) . في المطبوع: + «كلّها».

9) . في النُّسخ المعتمدة: «أن يخفى». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للنُّسختين: «ط، ع» و المطبوع.

10) . في المطبوع: «و أمّا».

11) . في المطبوع: «ذلك» بدون الباء الجارّة.

12) . في «أ، ش» و المطبوع: «و معها».

و مَن كانَ يُحسِنُ القِراءةَ و الكِتابةَ‌، لا بُدَّ مِن(1)أن يَكونَ قد تَعلَّمَهما(2)أو أحَدَهما(3)مِن مُوقِفٍ و مُعرِّفٍ‌، و الذينَ كانوا يُحسِنونَ الكِتابةَ مِن العَرَبِ في ذلكَ الزمانِ مَعدودونَ قَليلونَ‌؛ فمَن(4)تَعلَّمَ مِن أحَدِهم و كُشِفَ عن أمرِه علىٰ طولِ الأيّامِ لا بُدَّ مِن ظهورِ حالِه بمُقتَضَى العادةِ‌.

و هذه الجُملةُ تَدُلُّ علىٰ أنّه عليه السلامُ ما كانَ يُحسِنُ الكِتابةَ قَبلَ النبوّةِ‌.

فإن قيلَ‌: فقَد وَصَفَ اللّٰهُ تَعالىٰ نبيَّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه بأنّه «أُمّيٌّ‌» في مَواضِعَ مِن القُرآنِ‌(5). في المطبوع: «فإن».(6)، و «الأُمّيُّ‌» الذي لا يُحسِنُ الكِتابةَ‌، فكَيفَ تَقولونَ إنّه عليه السلامُ أحسَنَها بَعدَ النبوّةِ؟

قلنا: أمّا أصحابُنا القاطعونَ علىٰ أنّه عليه السلامُ كانَ يُحسِنُ الكِتابةَ بَعدَ النبوّةِ‌، فإنّهم يُجيبونَ عن هذا السؤالِ بأن يَقولوا: لَم يُرِدِ اللّٰهُ تَعالىٰ بقَولِه «أُمّيٌّ‌» أنّه لا يُحسِنُ الكِتابةَ‌؛ و إنّما أرادَ اللّٰهُ تَعالىٰ نِسبتَه إلىٰ أُمِّ القُرىٰ‌؛ لأنّ‌(7)مِن أسماءِ مَكّةَ «أُمَّ القُرىٰ‌». فإذا(7) كانَت هذه النسبةُ مُحتَمِلةً لأمرَينِ‌، لَم يَجُز أن تَقطَعوا(8)علىٰ أحَدِهما بغَيرِ دليلٍ‌.


1) . في «ب، د، ص»: - «من».

2) . في «أ، د، ش، ص» و المطبوع: «تعلّمها».

3) . في المطبوع: «أخذها».

4) . في المطبوع: «ممّن».

5) . الأعراف

6) :157 و 158.

7) . في المطبوع: «لأنه».

8) . في «أ، ب، د، ص» و المطبوع: «أن يقطعوا».

المَسألةُ الثالثةُ تفضيلُ الأنبياءِ علَى المَلائكةِ‌
اشارة

ما تَقولُ في الأنبياءِ و المَلائكةِ عليهم السلامُ‌، أيُّ القَبيلَينِ أفضَلُ و أكثَرُ ثَواباً؟ و ما الذي يَجِبُ أن يُعتَقَدَ في ذلكَ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ‌(1)-:

اِعلَمْ أنّ «الفَضلَ‌» الذي هو كَثرةُ الثوابِ و وُفورُه، لا دَلالةَ في مُجرَّدِ العقلِ علىٰ أنّ بعضَ المُكلَّفينَ فيه أفضَلُ مِن غيرِه؛ لأنّ كَثرةَ الثوابِ و قِلّتَه إنّما يَتبَعانِ الوجوهَ التي(2)تَقَعُ‌(3)عليها(4)الأفعالُ‌، و ذلكَ ممّا لا يَطَّلِعُ عليه إلّاعَلّامُ الغُيوبِ‌، جَلَّ و عَزَّ.

و إنّما المَرجِعُ في أنّ‌(5)بعضَ المُكلَّفينَ أكثَرُ ثَواباً مِن غيرِه إلىٰ طُرُقٍ‌(6)سَمعيّةٍ‌.

و قد أجمَعَت الإماميّةُ‌(7)بِلا خِلافٍ بَينَها علىٰ أنّ كُلَّ واحدٍ مِن الأنبياءِ عليهم السلامُ أفضَلُ و أكثَرُ ثَواباً مِن كُلِّ واحدٍ مِن المَلائكةِ‌. و ذَهَبوا في الأئمّةِ عليهم


1) . في المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».

2) . في المطبوع: «أثره الذي» بدل «الوجوه التي».

3) . في «ب، د، ش، ص» و المطبوع: «يقع».

4) . في المطبوع: «عليهما».

5) . في «أ، ش» و المطبوع: - «أنّ‌».

6) . في المطبوع: «طريق».

7) . في «ب، ص»: - «و قد أجمعت الإماميّة».

السلامُ أيضاً إلىٰ مِثلِ ذلكَ‌. و إجماعُ الإماميّةِ حُجّةٌ علىٰ ما بيّنّاه، فيَجِبُ القَطعُ بهذه الحُجّةِ علىٰ أنّ الأنبياءَ أفضَلُ مِن المَلائكةِ علىٰ جماعتِهم عليهم السلامُ‌.

و مَن اعتَمَدَ مِن أصحابِنا في (1)أنّ الأنبياءَ عليهم السلامُ أفضَلُ‌، علىٰ أنّ المَشاقَّ‌ (2)علَى الأنبياءِ عليهم السلامُ من التكليفِ أكثَرُ؛ لأنّ لهُم شَهَواتٍ تَتعلَّقُ‌ (3)بالقَبيحِ و نِفاراً (4)عن فِعلِ الواجبِ‌، و المَلائكةُ عليهم السلامُ لَيسوا كذلكَ‌.

فقَد عَوَّلَ‌ علىٰ غيرِ صَحيحٍ‌، لأنّ المَلائكةَ عليهم السلامُ مِن حَيثُ كانوا مُكلَّفينَ لا بُدَّ (5)مِن (6)أن تَكونَ‌ (7)عليهم مَشقّةٌ في التكليفِ‌، لَولا ذلكَ لَما استَحقّوا ثَواباً.

و التكليفُ لا يَشُقُّ إلّابشَهَواتٍ يتعلَّقُ‌ (8)بها حَظْرٌ و مَنعٌ منه، و نِفارٍ (9)يَتعلَّقُ بالواجباتِ‌. و إذا كانَ الأمرُ علىٰ ذلكَ‌، فمِن أينَ يُعلَمُ بالعقلِ أنّ‌ (10)مَشاقَّ‌ (11)الأنبياءِ عليهم السلامُ أكثَرُ مِن مَشاقِّ‌ (12)المَلائكةِ في التكليفِ؟

و لَيسَ إذا عَلِمنا علىٰ طريقِ الجُملةِ أنّ المَلائكةَ لا تَتعلَّقُ‌ (13)شَهَواتُهم بالأكلِ‌


1) . في «أ، ش»: - «في». و في «ص»: «من».

2) . في «ب، ص»: الميثاق».

3) . في «د، ش»: «يتعلّق».

4) . في المطبوع: «و نفار».

5) . في المطبوع: + «له».

6) . في «ب، ص»: - «من».

7) . في «ش» و المطبوع: «أن يكون».

8) . في «ب، ص» و المطبوع: «تتعلّق».

9) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «و نفاراً». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للنُّسخ الثلاث: «ج، ط، ع».

10) . في «أ، ش» و المطبوع: «بأنّ‌».

11) . في «ب، ص»: «ميثاق».

12) . في «ب، ص»: «ميثاق».

13) . في «أ، د، ش»: «لا يتعلّق».

و الشُّربِ و الجِماعِ‌، فيَكونوا مُلتَذّينَ و آلِمينَ‌(1)بما يَرجِعُ إلىٰ هذه الأُمورِ، أحَطنا عِلماً بسائرِ ما يَلتَذّونَ‌(2)به(3)و يألَمونَ‌(4)معه مِن ضُروبِ المُدرَكاتِ‌؛ و لا بُدَّ مع(5)التكليفِ مِن أن يَكونوا ممّن يَلتَذُّ و يألَمُ ببَعضِ ما يُدرِكونَه، لولا(6)ذلكَ لَما استَحقّوا ثَواباً و لا كانوا مُكلَّفينَ‌.

و قد أملَينا مَسألةً مُفرَدةً في تفضيلِ الأنبياءِ علَى المَلائكةِ‌،(7)و استَقصَيناها للمُوافِقِ و المُخالِفِ في ذلكَ‌، و أجَبنا عن الشُّبُهاتِ التي(8)عَوَّلَ عليها مُخالِفونا بما أَوضَحناه(9)و أشبَعناه.

مناقشة ما استُدلّ به علىٰ تفضيل الملائكة على الأنبياء

[أوّلاً:]

و مِن أوكَدِ ما تَعلَّقوا به قولُه تَعالىٰ حِكايةً عن إبليسَ مُخاطِباً لآدَمَ و حَوّاءَ عليهما السلامُ‌: (مٰا نَهٰاكُمٰا رَبُّكُمٰا عَنْ هٰذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاّٰ أَنْ تَكُونٰا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونٰا مِنَ اَلْخٰالِدِينَ‌) (10)، فرَغَّبَهما في أن يَكونا مَلَكَينِ‌؛ و لا يَجوزُ أن يُرغِّبَهما بأن يَعصِيا اللّٰهَ تَعالىٰ حتّىٰ يَنتَقِلا إلىٰ حالٍ‌(11)هي دونَ حالِهما، و حالُهما هي أفضَلُ منها.


1) . في المطبوع: «و آملين».

2) . في «ب، ص»: «يلتذّونه».

3) . في «أ، ش، ص» و المطبوع: - «به».

4) . في المطبوع: «و يأملون».

5) . في «أ، د، ش»: «و لا يتبع». و في «ص»: «و لا يد مع». و في المطبوع: «و لا يسع»؛ كلّها بدل «ولا بدّ مع».

6) . في المطبوع: «و لولا».

7) . هذه المسألة من مسائل تكملة الأمالي للشريف المرتضى، فراجعها هناك. كما أنّها طُبعت ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 153.

8) . في المطبوع: + «قد».

9) . في المطبوع: «أوضحنا».

10) . الأعراف (7):20.

11) . في المطبوع: «الحال التي» بدل «حال».

[أ.] و هذه(1)شُبهةٌ لها رَوعةٌ‌، و لا محصولَ‌(2)لها عندَ التفتيشِ‌؛ لأنّ الفَضلَ الذي هو كَثرةُ‌ (3)الثوابِ لا يَجوزُ أن يُستَحقَّ إلّابالأعمالِ‌، و مَن صارَت خِلقتُه خِلقةَ المَلَكِ لا يَجوزُ(4)أن يَكونَ ثَوابُه مِثلَ ثَوابِ المَلَكِ‌.(5)

و إنّما رَغَّبَهما في أن يَنتَقِلا إلىٰ صورةِ المَلائكةِ و خِلقتِهم(6)، لا إلىٰ ثَوابِهم و الجَزاءِ‌(7)علىٰ أعمالِهم؛ لأنّ الجَزاءَ علَى الأعمالِ تابعٌ لها، و لا يَتغيَّرُ بِانقلابِ الخَلقِ و الصورةِ‌.

فبَطَلَ أن تَكونَ‌(8)في هذه الآيةِ دَلالةٌ علىٰ مَوضِعِ الخِلافِ‌.

[ب.] و أيضاً فإنّ المُعتزلةَ يُجوِّزونَ علَى الأنبياءِ الصغائرَ مِن الذُّنوبِ‌؛ فيُقالُ لهُم: إن يَكُن (9)آدَمُ عليه السلامُ اعتَقَدَ أنّ المَلائكةَ أفضَلُ مِن الأنبياءِ‌، و كانَ ذلكَ ذَنباً صَغيراً منه، فرَغِبَ في حالِ المَلائكةِ و الانتقالِ إليها بِناءً علىٰ هذا الخَطإ، فلا(10)تَكونُ‌(11)الآيةُ دالّةً في الحَقيقةِ علىٰ أنّ المَلائكةَ أفضَلُ مِن الأنبياءِ‌.

[ج.] و ممّا قيلَ في هذه الآيةِ‌: إنّ قولَه: (إِلاّٰ أَنْ تَكُونٰا مَلَكَيْنِ‌) لَم يُرِد (12)به: إلّاأن


1) . في المطبوع: «و هي».

2) . في المطبوع: «و لا محصَّل».

3) . في «أ، ش»: «كثر». و في المطبوع: «كثير».

4) . كذا، و الأنسب: «لا يجب». راجع: رسائل الشريف المرتضى، ج 2، ص 160-161.

5) . فمن شابه زيداً في خلقته لا يجب أن يكون ثوابه كثوابه.

6) . في «ش» و المطبوع: «و خلقهم».

7) . في المطبوع: «ما تجزا» بدل «والجزاء».

8) . في «ب، د، ش، ص» و المطبوع: «أن يكون».

9) . كذا، و لعلّ الأنسب: «جوِّزوا أن يكون» بدل «إن يكن».

10) . في النُّسخ المعتمدة والمطبوع: «و لا». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل‍ «ط».

11) . في «د»: «و لا يكون». و في «ش»: «و لا يكن». و في «ص»: + «هذه». و في المطبوع: «و لا يكون».

12) . في المطبوع: «أن يراد» بدل «لم يرد».

تَصيرا(1)و تَنقَلِبا(2)إلىٰ هذه الحالةِ‌؛ و إنّما أرادَ إبليسُ التلبيسَ عليهما، و إيهامَهما أنّ المَنهيَّ عن أكلِ الشجرةِ غيرُهما؛ فإنّ النهيَ عن تَناوُلِ الشجَرةِ‌ (3)اختُصَّ به المَلائكةُ و الخالدونَ‌. و يَجري ذلكَ مَجرىٰ قولِ أحَدِنا [لغَيرِه]: «ما نُهِيتَ عن دخولِ الدارِ [إلّاأن تكونَ‌] زَيداً» [و إنّما يَعني أنّ المنهيَّ هو زيدٌ] (4)دونَكَ‌.

[ثانياً:]

فأمّا قولُه: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ اَلْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّٰهِ وَ لاَ اَلْمَلاٰئِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ‌) (5)و ادّعاءُ القومِ أنّ ذلكَ يَدُلُّ علىٰ فَضلِ المَلائكةِ علَى الأنبياءِ‌؛ لأنّه أخَّرَ ذِكرَهم، و لا يَجوزُ أن يؤخَّرَ في مِثلِ هذا الكلامِ إلّاالفاضلُ دونَ المفضولِ‌؛ ألا تَرىٰ أنّه لا يَجوزُ أن يَقولَ القائلُ‌: ما يأنَفُ الأميرُ مِن كَذا و كَذا و لا الحارسُ‌، و إنّما يَجوزُ أن يَقولَ‌: ما يأنَفُ مِن كَذا و كَذا المفضولُ‌، ثُمَّ يُعقِّبَ بذِكرِ الفاضلِ‌، مِثلُ أن يَقولَ‌: ما يأنَفُ مِن لقاءِ زَيدٍ الوزيرُ و لا الأميرُ.

[أ.] و هذا مِن رَكيكِ الشُّبَهِ‌؛ لأنّه(6)يَجوزُ أن يَكونَ اللّٰهُ تَعالىٰ خاطَبَ بهذا الكلامِ قوماً (7)كانوا يَعتَقِدونَ فَضلَ المَلائكةِ علَى الأنبياءِ‌، فرتَّبَه(8)علىٰ حَسَبِ اعتقادِهم، لا علىٰ ما تَقتَضيهِ‌(9)أحوالُ المذكورينَ‌. و جَرىٰ ذلكَ مَجرىٰ أن يَقولَ أحَدُنا لغَيرِه:


1) . في «أ، ش» و المطبوع: «أن يصيرا».

2) . في المطبوع: «و ينقلبا».

3) . في المطبوع: «الشجر».

4) . ما بين المعقوفين أضفناه من تكملة الأمالي، ج 2، ص 283.

5) . النساء (4):172.

6) . في «ب، ص»: «لا» بدل «لأنّه». و في «أ، د، ش»: + «لا».

7) . في المطبوع: «فيمن» بدل «قوماً».

8) . في «ب، ص»: «مترتّبة». و في المطبوع: «مرتّبة».

9) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «يقتضيه». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً لنُسخة «ك».

ما يأنَفُ أبي مِن كَذا و لا أبوكَ‌. و إن كانَ القائلُ يَعتَقِدُ فَضلَ أبيهِ علىٰ أبِ المُخاطَبِ‌.

[ب.] و يُمكِنُ في هذه الآيةِ وجهٌ آخَرُ، و هو: أنّا نُسلِّمُ أنّ جميعَ المَلائكةِ أفضَلُ ثَواباً مِن المَسيحِ عليه السلامُ‌، و إن كانَ المَسيحُ أكثَرَ ثَواباً مِن كُلِّ واحدٍ منهم، و هو مَوضِعُ الخِلافِ‌؛ لأنّا لا نَمنَعُ مِن أن تَكونَ (1)المَلائكةُ‌ (2)أكثَرَ ثَواباً مِن كُلِّ واحدٍ منهم (3)، و إن (4)كانَ كُلُّ نَبيٍّ أكثَرَ ثَواباً مِن كُلِّ مَلَكٍ‌.

[ج.] و ممّا يَجوزُ أن يُقالَ في هذه أيضاً: إنّ تأخيرَ الذِّكرِ لا يَحسُنُ مع تَفاوُتِ‌ (5)الفَضلِ و تَباعُدِه؛ فأمّا مع التقارُبِ و التساوي، فهو حَسَنٌ جائزٌ؛ و لهذا يَحسُنُ أن يَقولَ القائلُ‌: ما يأنَفُ مِن لِقائي و الركوبِ إليَّ زَيدٌ و لا عَمرٌو؛ و إن كانَ عَمرٌو (6)دونَ زَيدٍ في الفَضلِ بيَسيرٍ غيرِ مُعتَدٍّ به، و إنّما يَقَبُحُ ذلكَ مع التفاوُتِ‌ (7)الذي ذَكَروه (8)بَينَ الحارِسِ و الأميرِ. و لَيسَ بَينَ المَلائكةِ و الأنبياءِ عليهم السلامُ مِن الفَضلِ ما يَظهَرُ فيه التفاوُتُ‌ (9)الذي لا يَليقُ بتأخُّرِ (10)ذِكرِهم.


1) . في «ش» و المطبوع: «يكون».

2) . أي كلّهم.

3) . أي الأنبياء.

4) . في المطبوع: «و أنّه».

5) . في النُّسخ المعتمدة: «تقارب». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و حاشية «م».

6) . في «أ»: - «و إن كان عمرو». و في المطبوع: «و هو» بدل «و إن كان عمرو».

7) . في النُّسخ المعتمدة: «التقارب». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و لنسخة «م».

8) . في المطبوع: - «الذي ذكروه».

9) . في النُّسخ المعتمدة: «التقارب». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و لنسخة «م».

10) . في «أ، ش»: «يتأخّر».

المَسألةُ الرابعةُ الذَّرُّ و حقيقتُه

ما تَقولُ في الأخبارِ التي رُويَت مِن جِهةِ المُخالِفِ و المُوافِقِ في الذرِّ و ابتداءِ الخَلقِ علىٰ ما تَتضمَّنُ‌ (1)تلكَ الأخبارُ؛ هَل هي صَحيحةٌ‌، أَم لا؟ و هَل لها مَخرَجٌ مِن التأويلِ يُطابِقُ الحقَّ؟ (2)

الجوابُ‌:

إنّ الأدلّةَ القاطعةَ إذا (3)دَلَّت علىٰ أمرٍ، وَجَبَ إثباتُه و القَطعُ عليه، و أن لا يُرجَعَ عنه بخبرٍ مُحتَمَلٍ‌، و لا بقَولٍ مُعتَرِضٍ للتأويلِ‌. و تُحمَلُ الأخبارُ الواردةُ بخِلافِ ذلكَ علىٰ ما يوافِقُ مدلولَ‌ (4)تلكَ الدَّلالةِ و يُطابِقُه، و إن رَجَعنا بذلكَ عن ظواهِرِها. و بصِحّةِ هذه الطريقةِ نَرجِعُ عن ظواهِرِ آياتِ القُرآنِ التي تَتضمَّنُ إجباراً (5)أو (6)تشبيهاً (7).


1) . في النُّسخ المعتمدة: «يتضمّن». و في المطبوع: «تضمّن». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للنُّسختين: «ط، ع».

2) . في «ب، د، ص»: - «الحقّ‌».

3) . في المطبوع: «إذ».

4) . في «أ، ش» و المطبوع: - «مدلول».

5) . في النُّسخ المعتمدة: «أخباراً». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسختَين: «ك، م».

6) . في النُّسخ المعتمدة: «و». و ما أثبتناه موافق للمطبوع و للنُّسختين: «ر، م».

7) . في «أ، ب، د، ش، ص»: «تشبّهاً». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسختَين «ك، م».

و قد دَلَّت الأدِلّةُ [علىٰ‌] أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لا يُكلِّفُ إلّاالبالغينَ الكاملي (1)العُقولِ‌، و لا يُخاطِبُ إلّامَن يَفهَمُ عنه (2)الخِطابَ‌.

و هذه الجُملةُ تَدُلُّ علىٰ أنّ مَن رُويَ أنّه خوطِبَ في الذَّرِّ - و أُخِذَت عليه (3)المَعارِفُ‌، فأقَرَّ قومٌ‌، و أنكَرَ قومٌ - كانَ عاقلاً كاملاً مُكلَّفاً؛ لأنّه لَو كانَ بغَيرِ هذه الصفةِ لَم يَحسُنْ خِطابُه، و لا جازَ أن يُقِرَّ و لا (4)يُنكِرَ.

و لَو كانَ عاقلاً كاملاً، لَوَجَبَ أن يَذكُرَ الناسُ ما جَرىٰ في تلكَ الحالِ مِن الخِطابِ‌، و الإقرارِ، و الإنكارِ؛ لأنّ مِن المُحالِ أن يَنسىٰ جميعُ الخَلقِ ذلكَ‌، حتّىٰ لا يَذكُروا و لا يَذكُرَه بعضُهم. بهذا جَرَت العاداتُ‌ (5)و لَولا صِحّةُ هذا الأصلِ لَجوَّزَ (6)العاقلُ مِنّا أن يَكونَ أقامَ في بَلَدٍ مِن البُلدانِ مُتصرِّفاً، و هو كاملٌ عاقلٌ‌، ثُمَّ نَسيَ ذلكَ كُلَّه مع تَطاوُلِ العهدِ، حتّىٰ لا يَذكُرُ مِن أحوالِه تلكَ شَيئاً.

و إنّما لَم نَذكُرْ (7)ما جَرىٰ مِنّا و إنّا في حالِ الطُّفوليّةِ‌؛ لفَقدِ كمالِ العقلِ في تلكَ الحالِ‌.

و ما يَتعلَّقونَ‌ (8)به مِن تَخلُّلِ أحوالِ عَدَمٍ و مَوتٍ مِن تلكَ الحالِ و أحوالِنا هذه،


1) . في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «الكاملين»؛ و الصواب ما أثبتناه.

2) . في «أ، ش» و المطبوع: «عند».

3) . في المطبوع: «عنه».

4) . في المطبوع: + «أن».

5) . في المطبوع: «هذا ما جرت العادات به» بدل «بهذا جرت العادات».

6) . في «أ، ش»: «يجوّز». و في «ب، ص»: «لجواز».

7) . في «ب، د، ش، ص»: «لم يذكر».

8) . في «ش» و المطبوع: - «و ما يتعلّقون». و في «أ» في مكانها بياض. و في «ب، د، ص»: «و مايهدون». و في هامش المطبوع: «و ما يجدون». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل‍ «ط».

و يَجعَلونَه(1)سبباً(2)في عَدَمِ الذِّكرِ، غيرُ صحيحٍ‌؛ لأنّ اعتراضَ العَدَمِ أو المَوتِ بَينَ الأحوالِ لا يوجِبُ النسيانَ لجميعِ‌(3)ما جَرىٰ مع كمالِ العقلِ‌. ألا تَرىٰ أنّ اعتراضَ «السُّكرِ» و «الجُنونِ‌» و «الأمراضِ المُزيلةِ للعُلومِ‌(4)» بيَنَ الأحوالِ لا يوجِبُ النسيانَ للعقلاءِ لِما(5)جَرىٰ بَينَهم‌؟

فهذه الأخبارُ إمّا أن تَكونَ باطلةً مصنوعةً‌، أو يَكونَ تأويلُها - إن كانَت صَحيحةً - ما ذَكرناه في مَواضِعَ كَثيرةٍ‌(6)مِن تأويلِ قولِه تعالىٰ‌: (وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‌) (7)و هو أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لمّا خَلَقَ الخَلقَ علىٰ أحوالٍ‌(8)تَدُلُّ‌(9)الناظرَ فيها المُتأمِّلَ لها علىٰ مَعرِفةِ اللّٰهِ و إلهيّتِه و وَحدانيّتِه و وجوبِ عبادتِه و طاعتِه، جازَ أن يُجعَلَ تسخيرُها(10)و حُصولُها علىٰ هذه الصفاتِ - الدالّةِ علىٰ ما ذَكرناه - إقراراً منها بالوَحدانيّةِ و وجوبِ العبادةِ‌، و يُجعَلَ تصييرُها علىٰ هذه الصفاتِ - الدالّةِ علىٰ ما


1) . في «ب، ص»: «و يجعلون». و في «د»: «و تجعلونه». و في «ش»: «و يجعلوه».

2) . في النُّسخ المعتمدة: «شيئاً». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخ الستّ‌: «ج، ر، ط، ع، ك، م».

3) . في «ب، د، ش، ص» و المطبوع: «بجميع».

4) . في النسخ و المطبوع: «للمعلوم». و الصواب ما أثبتناه.

5) . في المطبوع: «بما».

6) . أمالي المرتضى، ج 1، ص 56.

7) . الأعراف (17):172.

8) . في المطبوع: «و ركّبهم تركيباً، و أراهم الآيات و الدلائل و العبر في أنفسهم و في غيرهم» بدل «على أحوال».

9) . في «ب، ش، ص» و المطبوع: «يدلّ‌».

10) . في «ب، د، ش، ص» و المطبوع: + «له».

ذَكرناه(1)- استشهاداً لها علىٰ هذه الأُمورِ.

و للعربِ في هذا المعنىٰ مِن الكلامِ المَنثورِ و المَنظومِ ما لا يُحصىٰ كَثرةً‌؛ و منه قولُ الشاعرِ:

اِمتَلأَ الحَوضُ‌، و قالَ‌: قَطْني *** مَهلاً، رُوَيداً، قد مَلأَتَ بَطني(2)

و معنىٰ ذلكَ‌: إنّني ملأتُه حتّىٰ لَو(3)أنّه ممّن يَقولُ لَقالَ‌:(4)حَسْبي، قد اكتَفَيتُ‌(5)، فجَعَلَ ما لَو كانَ قائلاً لَنَطَقَ به،(6)كأنّه قالَ و نَطَقَ به.

و هذا هو(7)تأويلُ الآيةِ و الأخبارِ المَرويّةِ في الذَّرِّ.

و في هذه الجُملةِ كِفايةٌ‌.


1) . في المطبوع: «ذكرنا».

2) . في «ب، ص»: «امتلأت» بدل «ملأت بطني». راجع: كشف المشكل، ج 2، ص 246؛ ترتيب إصلاح المنطق، ص 31؛ الصحاح، ج 3، ص 1153 (قطط).

3) . في المطبوع: - «لو».

4) . في «ش»: «يقال». و في المطبوع: - «لقال».

5) . في المطبوع: «اكتفت».

6) . في «أ، ش» و المطبوع: - «به».

7) . في المطبوع: - «هو».

المَسألةُ الخامسةُ البَداءُ و حقيقتُه

ما تَقولُ في إطلاقِ لَفظِ «البَداءِ‌» علَى اللّٰهِ تَعالىٰ؟ و هَل هو لَفظٌ له معنىً يُطابِقُ الحَقَّ‌،(1)أَم لا يَجوزُ إطلاقُ هذه اللفظةِ علىٰ حالٍ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

أمّا «البَداءُ‌» في لغةِ العَرَبِ هو الظهورُ، مِن قولِهم: بَدا الشيءُ‌، إذا ظَهَرَ و بانَ‌.

و المُتكلِّمونَ تَعارَفوا فيما بَينَهم أن يُسَمّوا ما(2)يَقتَضي هذا البَداءَ بِاسمِه، فقالوا: إذا أمَرَ(3)اللّٰهُ تَعالىٰ بالشيءِ في وقتٍ مخصوصٍ علىٰ وجهٍ مُعيَّنٍ لمُكلَّفٍ‌(4)واحدٍ، ثُمَّ نَهىٰ عنه علىٰ هذه الوجوهِ كُلِّها، فهو «بَداءٌ‌»؛ لأنّه يَدُلُّ عليه مِن حَيثُ [إنّه لَو] لَم يَظهَرْ(5)أمرٌ لَم يَكُن ظاهراً، ما(6)جازَ أن يُطابِقَ النهيُ الأمرَ بهذه المُطابَقةِ‌(7).


1) . في المطبوع: «مطابق للحقّ‌» بدل «يطابق الحقّ‌».

2) . في النُّسخ المعتمدة: «بما». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و لنُسخة «م».

3) . في «ب، ص»: «أراد».

4) . في المطبوع: «بمكلّف».

5) . في المطبوع: «لم تظهر».

6) . في المطبوع: «أما».

7) . في المطبوع: «المنهيّ أمر بهذه الطائفة» بدل «النهي الأمر بهذه المطابقة».

و فَرَّقوا بَينَ «النَّسخِ‌» و «البَداءِ‌» باختلافِ‌(1)الوقتَينِ في الناسخِ و المنسوخِ‌.

و البَداءُ علىٰ ما حَدَّدناه لا يَجوزُ علَى اللّٰهِ تَعالىٰ‌؛ لأنّه عالِمٌ لِنفسِه(2)، لا يَجوزُ(3)أن يَتجدَّدَ كَونُه عالِماً، و لا أن يَظهَرَ له مِن المعلوماتِ ما لَم يَكُن ظاهراً.

و لهذا قالوا: إذا كانَ البَداءُ لا يَجوزُ عليه(4)، لَم يَجُز أيضاً عليه ما يَدُلُّ علَى البَداءِ و يَقتَضيهِ‌(5)مِن النهيِ عن نفسِ ما أمَرَ به علىٰ وجهِه في وقتِه، و المأمورُ و المَنهيُّ واحدٌ.

و قد وَرَدَت أخبارُ آحادٍ لا توجِبُ عِلماً و لا تَقتَضي قَطعاً بإضافةِ البَداءِ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ‌،(6)و حَمَلَها(7)مُحقِّقو أصحابِنا علىٰ أنّ المُرادَ بلَفظِ(8)«البَداءِ‌» فيها النَّسخُ للشرائعِ‌، و لا خِلافَ بَينَ العلماءِ في جوازِ النَّسخِ للشرائعِ‌.(9)

و بَقيَ أن نُبيِّنَ‌: هَل لفظةُ‌(10)«البَداءِ‌» إذا حُمِلَت علىٰ معنَى «النَّسخِ‌» حقيقةٌ أو مُستَعارةٌ؟

و يُمكِنُ أن يُنَصَّ [علىٰ‌] أنها حقيقةٌ في النَّسخِ غيرُ مُستَعارةٍ‌؛(11)لأنَّ «البَداءَ‌» إذا


1) . في النُّسخ المعتمدة: «لاختلاف». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخة «م».

2) . في المطبوع: «بنفسه».

3) . في المطبوع: + «له».

4) . في النُّسخ المعتمدة: «عليهم». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و لنُسخة «م».

5) . في المطبوع: «أو يقتضيه».

6) . راجع: الكافي، ج 1، ص 146-149، باب البداء، ح 1-16.

7) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «و حملوها». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً ل‍. «ط».

8) . في «ب، ص» و المطبوع: «بلفظة».

9) . راجع: أوائل المقالات، ص 80.

10) . في النُّسخ المعتمدة: «لفظ». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و لنُسخة «م».

11) . في المطبوع: «المستعارة».

كانَ في اللغةِ العربيّةِ اسماً للظهورِ، و إذا سَمَّينا مَن ظَهَرَ له مِن المعلوماتِ ما لَم يَكُن ظاهراً، حتَّى اقتَضىٰ ذلكَ أن يأمُرَ بنفسِ ما نَهىٰ عنه، أو يَنهىٰ عن نفسِ ما أمَرَ به: أنّه قد «بَدا له(1)»، لَم(2)يَمتَنِعْ أيضاً(3)أن يُسَمّىٰ [فاعلُ‌] الأمرِ بَعدَ النهيِ و الحَظرِ بَعدَ الإباحةِ علىٰ سَبيلِ التدريجِ‌، بأنّه(4)«بَدا له»؛ لأنّه ظَهَرَ مِن الأمرِ ما لَم يَكُن ظاهراً، و بَدا مِن الحَظْرِ(5)ما لم يكن بادياً.(6)

فمعنَى(7)البَداءِ الذي هو الظهورُ و البُروزُ حاصلٌ في الأمرَينِ‌؛ فما المانعُ علىٰ مُقتَضَى(8)اشتقاقِ اللغةِ‌(9)، أن نُسمّيَ‌(10)الأمرَينِ بَداءً‌؛ لأنّ فيهما معاً ظهورَ أمرٍ لَم يَكُن ظاهراً؟

فإن قيلَ‌: هذا إنّما يَسوغُ إذا أُطلِقَ لَفظُ(11)«البَداءِ‌» و لَم يُضَفْ‌(12)فأمّا إذا أُضيفَ فقيلَ‌:(13)«بَدا له في كَذا» فلا يَليقُ إلّابما ذَكرناه، دونَ ما خَرَّجتُموه؛ لأنّ اطّلاعَ «مَن


1) . في المطبوع: - «له».

2) . في النُّسخ المعتمدة: «و لا». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسختَين: «ر، م».

3) . في المطبوع: - «أيضاً».

4) . في «أ، د، ش» و المطبوع: «فإنّه».

5) . في «ب، ص»: «أو الحظر» بدل «من الحظر». و في المطبوع: - «من الحظر».

6) . في «أ»: «بايياً». و في «ب، د، ش، ص» و المطبوع: «بائناً». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل‍ «ط».

7) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «بمعنى». و ما أثبتناه هو الصواب؛ وفقاً ل‍ «ج»

8) . في «ب، ص»: «يقضى». و في «ش»: «تقضى». و في المطبوع: «نفص». نعم، استُظهر في هامشه ما أثبتناه.

9) . في المطبوع: «الاستنفات» بدل «اشتقاق اللغة». و استُظهر في هامشه: «الاشتقاق» بدلها.

10) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «أن يسمّى». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للنُّسخة «ط».

11) . في «ب، د، ص» و المطبوع: «لفظة».

12) . في المطبوع: «و لم تنصف».

13) . في المطبوع: «أضيفت و قيل» بدل «أُضيف فقيل».

أمَرَ بَعدَ نَهيٍ‌(1)، أو نَهىٰ بَعدَ أمرٍ» علىٰ أمرٍ ما كانَ مُطَّلِعاً(2)[عليه]، خَصَّه فلا يَتعَدّاه(3)إلىٰ غيرِه، فيَجوزُ أن يُقالَ علىٰ سَبيلِ التخصيصِ‌: «بَدا له».

و لَيسَ كذلكَ النَّسخُ‌؛ لأنّ الأمرَ و إن كانَ مُتجدِّداً بَعدَ النهيِ‌، و كذلكَ الحَظرُ بَعدَ الإباحةِ‌، فذلكَ ممّا(4)لا يَقتَضي الإضافةَ علىٰ سَبيلِ التخصيصِ‌؛ لأنّ الأمرَ المُتجدِّدَ ظاهرٌ للآمِرِ(5)، و لكُلِّ سامعٍ له و مُخاطَبٍ به.

قُلنا: هذا فَرقٌ‌(6)ضعيفٌ‌؛ لأنّه قد يَجوزُ أن يُضافَ إلَيَّ‌(7)مِن البَداءِ - الذي هو الظهورُ - ما يُشارِكُني فيه غيري(8)، و لا تَمنَعُ‌(9)مُشارَكةُ غيري(10)- في أنّ ذلكَ بادٍ له(11)- مِن إضافتِه إلَيَّ‌.(12)ألا تَرىٰ أنّه قد يَجوزُ أن يَظهَرَ لي و لغَيري مِن حُسنِ الفِعلِ أو قُبحِه ما لَم يَكُن ظاهراً، فآمُرَ به(13)بَعدَ نَهيٍ‌، أو أَنهىٰ‌(14)[عنه] بَعدَ أمرٍ(15)؟


1) . في النُّسخ المعتمدة: «النهي». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسختَين: «ج، ط».

2) . في «ب، د، ص» و المطبوع: «مطلقاً».

3) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «فلا يتعدّىٰ‌». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً ل‍ «ط».

4) . في «أ، ش»: «ما».

5) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «الأمر». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للنُّسختَين: «ط، ع».

6) . في المطبوع: «مرّت» بدل «هذا فرق».

7) . في المطبوع: - «إليّ‌».

8) . في المطبوع: «ما شارك فيه غيره».

9) . في «ب، د، ص»: «و لا يمنع». و في «ش»: «و لا لمنع».

10) . في المطبوع: «مشاركته» بدل «مشاركة غيري».

11) . في «ب» و المطبوع: «بأدلّة» بدل «بادٍ له».

12) . في «ب، ص»: - «إليّ‌». و في المطبوع: «إلى الأمر» بدل «إليّ‌».

13) . في المطبوع: - «به».

14) . في «ب، د، ش، ص» و المطبوع: «نهى».

15) . في «ب، ص»: - «بعد أمر».

فدَلَّ علىٰ‌(1)أنّه قد «بَدا له» و يُضافُ البَداءُ‌(2)إليه، و إن شارَكَه في أنّه «ظاهرٌ له» غيرُه؛ فالمُشارَكةُ لَيسَ تَنفي هذه الإضافةَ‌.

و يَجوزُ(3)أن يَكونَ القِوامُ‌(4)لهذه(5)الإضافةِ‌: أنّ‌(6)الأصلَ في ظهورِ هذا الأمرِ هو الفاعلُ له، دونَ كُلِّ مَن سَمِعَه؛ لأنّهم و إنِ اشتَرَكوا في العِلمِ به عندَ ظهورِه، فالأصلُ في ظهورِه هو الفاعلُ له. فتَقومُ‌(7)الإضافةُ بذلكَ‌.(8)

و لَيسَ يَنبَغي أن يُنكَرَ هذا التخريجُ‌(9)لأنّ أهلَ اللغةِ‌(10)ما واقَفونا(11)علىٰ أنّ البَداءَ لا يَكونُ إلّافي المَوضعِ الذي ذَكَرَه بعضُ المُتكلِّمينَ‌(12)، و شَرَطَه(13)بتلكَ الشرائطِ المشهورةِ‌.

بَل قالَ أهلُ اللغةِ‌: «إنّ البَداءَ هو الظهورُ»، و لَم يَزيدوا علىٰ ذلكَ‌، و المُتكلِّمونَ‌


1) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: - «علىٰ‌». و الصوابُ إثباتُها؛ طبقاً للنُّسختَين: «ط، ع».

2) . في المطبوع: - «البداء».

3) . في المطبوع: + «له».

4) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «القويّ‌». و في «ط، ع»: «القول». و ما أثبتناه هو الصواب؛ لقوله - قدّس سرّه - في آخر هذه الفقرة: «فتقوم الإضافة بذلك».

5) . في «أ، د، ش» و المطبوع: «بهذه».

6) . في المطبوع: «و أنّ‌».

7) . في «ب، د، ص» و المطبوع: «فيقوم». و في «ش»: «فيقول».

8) . في «ب، د، ش، ص» و المطبوع: «لذلك».

9) . في «ش»: «التحريم». و من قوله: «سمعه؛ لأنّهم» إلىٰ هنا ساقط من «أ». و المراد بالتخريج ما تقدّم من تسمية النسخ باسم البَداء.

10) . في «أ»: «لأنّ اللّٰه أهل» بدل «لأنّ أهل اللغة».

11) . في «أ، د، ش» و المطبوع: «ما وافقونا» بتقديم الفاء.

12) . في «أ، د، ش»: «المكلّفين».

13) . في المطبوع: «و شرط». و من قوله: «أن ينكر هذا التخريج» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ص».

قَصَروه علىٰ مَوضعٍ بحَسَبِ ما اختاروه؛ لأنّ معنَى البَداءِ - الذي مَرَّ(1)- الظهورُ، فيَجوزُ لغَيرِهم ان يُعَدّيَه إلىٰ مَوضعٍ آخَرَ فيه أيضاً معنَى الظهورِ؛(2)فاللغةُ‌(3)لا تَحظُرُ(4)عليه ذلكَ‌.

ثُمَّ لَو سَلَّمنا لخصوصِ اللغةِ أنّ لَفظَ(5)«البَداءِ‌» يَختَصُّ‌(6)حقيقةً بما ذَكَروه، جازَ أن يُستَعارَ في غيرِه، و هو «النَّسخُ‌»؛ لأنّ فيه معنَى الظهورِ علىٰ كُلِّ حالٍ‌.

و قد بانَ بهذه الجُملةِ جميعُ ما يُحتاجُ [إليه] في هذه المَسألةِ‌(7).


1) . في «د، ش» و المطبوع: «هو».

2) . من قوله: «مَوضعٍ بحَسَبِ‌» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ص». و في المطبوع: + «في».

3) . في «ب، ص» و المطبوع: «اللغة».

4) . في النُّسخ و المطبوع: «لا قصر»، و سهو.

5) . في النُّسخ المعتمدة: «لفظة». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخ: «ر، ط، ع، ك، م».

6) . في «ب، د، ص»: «تختصّ‌».

7) . في «أ، ش»: - «المسألة».

المَسألةُ السادسةُ تحقيقٌ حَولَ قولِه عليه السلام: «نيّةُ المؤمِنِ خَيرٌ مِن عملِه»

ما تَقولُ‌(1)في قولِه عليه السلامُ‌: «نيّةُ المؤمِنِ خَيرٌ مِن عملِه»(2)؟ و(3)معلومٌ أنّ النيّةَ أخفَضُ ثَواباً مِن العملِ‌؛ و أبو هاشمٍ‌(4)يَقولُ‌: إنّ العَزمَ لا بُدَّ مِن أن يَكونَ دونَ المعزومِ عليه في ثَوابٍ و عِقابٍ‌، و إلّالَزِمَ‌(5)أن يَكونَ‌(6)العَزمُ علَى الكُفرِ كُفراً.(7)

الجوابُ‌:

فيه(8)الوَجهانِ‌(9)...


1) . في «ب، ش، ص»: «ما يقول».

2) . الكافي، ج 2، ص 84، ح 22؛ تهذيب الأحكام، ج 4، ص 142، ضمن ح 398؛ المحاسن، ج 1، ص 260، ح 315، المعجم الكبير، ج 6، ص 185؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 678، ح 9295 و 9296؛ كنز العمّال، ج 3، ص 419، ح 7236 و 7237.

3) . في «ب، د، ص»: «الجواب» بدل الواو.

4) . أبو هاشم عبد السلام بن أبي عليّ محمّد الجبّائي. راجع ترجمته في رسالة: «نقد النيسابوريّ في تقسيم الأعراض».

5) . في «أ»: «و لا له». و في «ب، د، ص»: «و لا بدّ». و في «ش»: «و لا بعد»، كلّها بدل «و إلّالزم». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و لحاشية «ش» و للنُّسخ: «ر، ط، ع، م».

6) . في «ب، د، ص»: - «يكون».

7) . انظر تفصيلاً أكثر لكلام أبي هاشم في: الأمالي للمرتضى، ج 2، ص 267.

8) . في «ب، د، ص»: «يكون» بدل «الجواب: فيه».

9) . في المطبوع: «وجهان» بدون الألف و اللام.

[في] النِّيّةِ‌(1)- إذا قَدَّرنا(2)أنّ‌(3)لفظةَ «خَيرٌ» في الخبرِ محمولةٌ علَى المُفاضَلةِ -:

فأحَدُهما(4)أن يَكونَ المُرادُ: نيّةُ‌(5)المؤمِنِ مع عملِه خَيرٌ مِن عملِه(6)العاري مِن نيّتِه.

و هذا ما لا شُبهةَ في أنّه كذلكَ‌.

و الوجهُ الثاني: أن يُريدَ: نيّةُ المؤمِنِ لبعضِ أعمالِه،(7)قد تَكونُ‌(8)خيراً مِن عملٍ آخَرَ له(9)لا تَتناوَلُه(10)هذه النيّةُ‌.

و هذا صَحيحٌ‌؛ فإنّ النيّةَ لا يَجوزُ أن تَكونَ‌(11)خَيراً مِن عملِها نفسِها. و غيرُ مُنكَرٍ أن تَكونَ‌(12)نيّةُ‌(13)بعضِ الأعمالِ الشاقّةِ العظيمةِ الثوابِ أفضَلَ مِن عملٍ آخَرَ دونَ ثَوابِها، حتّىٰ لا يَظُنُّ ظانٌّ أنّ النيّةَ لا يَجوزُ أن تُساويَ أو تَزيدَ علىٰ ثَوابِ بعضِ الأعمالِ‌.


1) . في المطبوع: - «النيّة».

2) . في «ب، ص»: «قدّرت».

3) . في المطبوع: - «أنّ‌».

4) . في المطبوع: «أحدهما».

5) . في النُّسخ المعتمدة: «بنيّة». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و لنسخة «م».

6) . في «أ» و المطبوع: - «خير من عمله».

7) . من قوله: «مع عمله خيرٌ» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ص».

8) . في «د، ش» و المطبوع: «يكون».

9) . في المطبوع: - «له».

10) . في «أ»: «لا بتناوله». و في «د، ش» و المطبوع: «لا يتناوله».

11) . في «ب، د، ش، ص» و المطبوع: «أن يكون».

12) . في «ب، د، ش، ص» و المطبوع: «أن يكون».

13) . في «أ، ش»: «منه». و في «ب، د، ص»: «بنيّة». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للنُّسخ: «ط، ع، م» و المطبوع.

و هذانِ الوجهانِ فيهما(1)علىٰ كُلِّ حالٍ تَركٌ لظاهرِ الخبرِ؛ لإدخالِ زيادةٍ لَيسَت في الظاهرِ.

و التأويلُ الأوّلُ - إذا حَمَلنا لفظةَ‌(2)«خَيرٌ» علىٰ خِلافِ المُبالَغةِ و التفضيلِ - مُطابِقٌ للظاهرِ و غيرُ مُخالِفٍ له.

و في هذا كِفايةٌ‌.(3)


1) . في «أ، ش» و المطبوع: «فيها».

2) . في «أ، د، ش»: «لفظ».

3) . راجع: الأمالي للمرتضى، ج 2، ص 269-270.

المَسألةُ السابعةُ هَل تَقَعُ مِن الأنبياءِ الصغائرُ أو الكبائرُ؟

إذا كان مِن مَذهبِ الإماميّةِ المُحقِّقةِ‌(1)منهم(2)أنّ الأنبياءَ عليهم السلامُ لا يَجوزُ عليهم شَيءٌ مِن القبائحِ‌؛ لا صَغيرِها و لا كَبيرِها، فما معنَى الظواهِرِ التي وَرَدَت في القُرآنِ‌، مِثلُ قولِه تَعالىٰ‌:

(وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ‌) (3)و ما أشبَهَ ذلكَ مِن الأنبياءِ عليهم السلامُ؟ و ما الوجهُ‌(4)الصحيحُ في تأويلِ هذه الأخبارِ(5)؟

الجوابُ‌:

اِعلَمْ أنّ الأدِلّةَ العقليّةَ إذا كانَت دالّةً علىٰ أنّ الأنبياءَ عليهم السلامُ لا يَجوزُ أن يُواقِعوا شَيئاً مِن الذُّنوبِ - صَغيراً أو كَبيراً(6)- فالواجبُ القَطعُ علىٰ ذلكَ‌، و لا يُرجَعُ عنه بظَواهِرَ مِن(7)الكتابِ‌(8)إمّا أن تَكونَ مُحتَمِلةً مُشتَرَكةً‌، أو يَكونَ‌(9)ظاهراً


1) . في «ص» و المطبوع: «المحقّة».

2) . في المطبوع: - «منهم».

3) . طه (20):121.

4) . في المطبوع: «بالوجه» بدل «و ما الوجه». نعم، نُقِلَ في هامشه عن «ن» ما أثبتناه.

5) . الأخبار - هنا -: مجموع ما أخبر اللّٰه تعالىٰ في كتابه الكريم عن أحوال أنبيائه، لا ما أخبر الرواة عن أئمّتنا عليهم السلام.

6) . في المطبوع: «و كبيراً».

7) . في المطبوع: - «من».

8) . في المطبوع و هامش «ش»: + «لأنّها».

9) . في المطبوع: «تكون».

خالصاً(1)لِما دَلَّت العقولُ علىٰ خِلافِه؛ لأنّها إذا كانَت مُحتَمِلةً حَمَلناها(2)علَى الوجهِ المُطابِقِ للحقِّ‌، الذي هو أحَدُ مُحتَمَلاتِها. و إن كانَت غيرَ مُحتَمِلةٍ‌، عَدَلنا عن ظواهرِها، و قَطَعنا علىٰ أنّه تَعالىٰ أرادَ غيرَ ما يَقتَضيهِ الظاهرُ ممّا يُوافِقُ الحقَّ‌.

و الذي يَدُلُّ عقلاً علىٰ‌(3)أنّ الأنبياءَ عليهم السلامُ لا يَجوزُ أن يَفعَلوا قَبيحاً: أنّ‌(4)القَبيحَ علىٰ ضَربَينِ‌:

فضَربٌ منه تَمنَعُ‌(5)الآياتُ مِن وقوعِه منهم(6)كالكَذِبِ فيما يؤدّونَه و الزيادةِ فيه أو النُّقصانِ‌، أو الكِتمانِ لبعضِ ما كُلِّفوا بتبليغِه(7)لأنّ المُعجِزاتِ تَقتَضي(8)صِدقَ مَن ظَهَرَت(9)عليه، و أنّه لا يَجوزُ أن يُحرِّفَ الرسالةَ و لا يُبَدِّلَها، و تَقتَضي(10)أيضاً أن لا يَجوزَ عليه الكِتمانُ لِما(11)أُمِرَ(12)بأدائه؛ لأنّه يَنقُضُ‌(13)الغرضَ في بِعثَتِه(14).

و الضربُ الآخَرُ مِن القَبائحِ‌: هو ما لا تعلُّقَ له بالأداءِ و التبليغِ‌؛ فهذا الضربُ‌


1) . كذا، و الأنسب: «أو تكون ظاهرة خالصة».

2) . في «أ، ش»: «حملناه».

3) . في «أ، ش» و المطبوع: - «علىٰ‌».

4) . في المطبوع: «و أنّ‌».

5) . في «ب، د، ش، ص» و المطبوع: «يمنع».

6) . في المطبوع: «وقتهم» بدل «وقوعه منهم».

7) . في «أ»: «يتبلّغه». و في المطبوع: «تبليغه» بدون الباء الجارّة.

8) . في النُّسخ المعتمدة: «يقتضي». و ما أثبتناه من «ط، ع، ك» و المطبوع. و في «ب، ص»: + «من».

9) . في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «ظهر». و الصواب ما أثبتناه.

10) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «و يقتضي». و الصوابُ ما أثبتناه؛ وفقاً للنُّسخ: «ط، ع، ك».

11) . في المطبوع: «ممّا».

12) . في النُّسخ المعتمدة + «به». و حذفُها هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخ الثلاث: «ر، ط، م».

13) . في المطبوع: «لنقض» بدل «لأنّه ينقض».

14) . في المطبوع: «بعثه».

الذي يَمنَعُ‌(1)منه أنّه مُنفِّرٌ عن القبولِ‌(2)منهم، و إنّما بُعِثوا ليؤدّوا ما حُمِّلوه، و ليُعمَلَ‌(3)بما أدَّوه؛ فما أدّىٰ إلَى التنفيرِ من القبولِ‌(4)يَقتَضي نقضَ الغرضِ أيضاً.

و الصغائرُ في هذا البابِ كالكبائرِ؛ لأنّ الكُلَّ مِن حَيثُ كانَت قَبائحَ تُنفِّرُ،(5)و لَو لَم تَكُن كذلكَ لَكانَ السكونُ مِن المبعوثِ إليه أكثَرَ و أوفَرَ.

فمَن جَوَّزَ الصغائرَ عليهم و اعتَذَرَ(6)بأنّها ممّا(7)لا يُستَحقُّ به في الحالِ العِقابُ‌، كمَن جَوَّزَ عليهم الكبائرَ قَبلَ النبوّةِ - و إن كانوا منها في(8)حالِ النبوّةِ مُمتَنِعينَ - و اعتَذَرَ بمِثلِ‌(9)عُذرِهم(10)في الصغائرِ مِن(11)أنّ الكبائرَ الماضيةَ قَبلَ النبوّةِ لا يُستَحقُّ بها(12)شَيءٌ مِن(13)العِقابِ‌.


1) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: «يمتنع»؛ و الصوابُ ما أثبتناه، طبقاً للنُّسخ الثلاث: «ط، ع، ك».

2) . في «ب، ص»: «منفيّ عن القبول». و في المطبوع: «منعيّ عن القول»، كلاهما بدل «منفّر عن القبول».

3) . في «أ»: «و يعلموا». و في «ش»: «و يعملوا». و في المطبوع: «و ليعلموا».

4) . في المطبوع: «التفسير من القول» بدل «فما أدّى إلى التنفير من القبول».

5) . في المطبوع: «تنفرد».

6) . في جميع النُّسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع: «و اعتقد». و الصواب ما أثبتناه بقرينة ما يأتي بعد قليل.

7) . في «أ، ش» و المطبوع: - «ممّا».

8) . في المطبوع: «فيها» بدل «منها في».

9) . في «ب، ص»: «مثل».

10) . في المطبوع: «مثله» بدل «بمثل عذرهم».

11) . في «أ، د، ش»: «عن». و في «ب، ص» و المطبوع: «غير». و ما أثبتناه هو الصواب.

12) . في المطبوع: «لها».

13) . في النُّسخ المعتمدة و المطبوع: + «الصغائر، و أنّ الكبائر الماضيةَ قبل النبوّة لا يُستحقّ بها». و الصوابُ حذفُها؛ طبقاً ل‍ «ط».

و إنّما سَقَطَ عِقابُها(1)لأجلِ زيادةِ ثَوابِ طاعاتِ فاعلِها؛ ألا تَرىٰ أنّها لَو انفَرَدَت لَاستُحِقَّ بها العِقابُ؟(2)

و لا مَخلَصَ للخُصومِ مِن هذه النُّكتةِ‌.

و قد بيّنّا ذلكَ و شَرَحناه و استَوفَيناه في كتابِنا المعروفِ ب‍ «تنزيهِ الأنبياءِ و الأئمّةِ عليهم السلامُ‌(3)»،(4)و بَلَغنا فيه الغايةَ القُصوىٰ‌.

و ذَكَرنا أيضاً في هذا الكتابِ تأويلَ كُلِّ آيةٍ ادُّعيَ أنّ ظاهرَها يَقتَضي وقوعَ معصيةٍ مِن نَبيٍّ‌، و بيّنّا الصحيحَ مِن تأويلِها، و سُقنا الكلامَ في نَبيٍّ بَعدَ نَبيٍّ مِن آدَمَ إلىٰ نبيِّنا مُحمّدٍ - صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه(5)أجمعينَ‌(6)-، و فَعَلنا مِثلَ ذلكَ في الأئمّةِ عليهم السلامُ‌. و هذا كتابٌ جَليلُ المَوقِعِ في الدينِ كَثيرُ الفائدةِ‌.

فأمّا قولُه تَعالىٰ‌: (وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ‌) ، فهذه الآيةُ أوّلُ شَيءٍ تَكلَّمنا عليها(7)في كتابِ «التنزيهِ‌»،(8)و بيّنّا أنّها لا تَدُلُّ علىٰ وقوعِ قَبيحٍ من آدَمَ عليه السلامُ‌؛ و أنّ ظاهرَها يَحتَمِلُ الصحيحَ الذي نَقولُه(9)، كما أنّه مُحتَمِلٌ للباطلِ الذي(10)يَذهَبونَ إليه.


1) . أي عقاب الصغائر.

2) . من قوله: «و إنّما سقط عقابها» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ص».

3) . في المطبوع: - «عليهم السلام».

4) . راجع: تنزيه الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام، ص 17 و ما بعدها.

5) . في النسخ ما عدا المطبوع: + «و عليهم».

6) . في «ب، ص» و المطبوع: - «أجمعين».

7) . كذا، و الأنسب: «عليه».

8) . تنزيه الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام، ص 24.

9) . في «أ، ش»: «بقوله». و في «د»: «يقوله».

10) . في المطبوع: «الذين».

لأنّ لفظةَ «عَصىٰ‌» تَدُلُّ علىٰ مُخالَفةِ الأمرِ أو الإرادةِ‌، و الأمرُ و الإرادةُ قد يَتعلَّقانِ بالواجبِ و بما له صفةُ النَّدبِ‌، و الأمرُ علَى الحقيقةِ أمرٌ بالنَّدبِ كما أنّه أمرٌ بالواجبِ دونَ النَّدبِ‌؛ فمِن أينَ لهم أنّه خالَفَ الواجبَ‌، دونَ أن يَكونَ «عَصىٰ‌» بأن عَدَلَ عن المندوبِ إليه‌؟ و لَيسَ [يَمتنعُ‌] أن يَكونَ اللّٰهُ تَعالىٰ «نَدَبَهُ‌» إلَى الكَفِّ عن تَناوُلِ تلكَ الشجرةِ‌، فعَصىٰ‌(1)بأن خالَفَ و تَناوَلَ‌، فلَم يَستَحِقَّ عِقاباً؛ لأنّه لَم يَفعَلْ قَبيحاً، لكِنّه حَرَمَ نفسَه الثوابَ الذي كانَ يَستَحِقُّه علَى الطاعةِ التي نُدِبَ إليها.

و معنىٰ قولِه تَعالىٰ‌: (فَغَوىٰ‌) أي: خابَ‌. و لا شُبهةَ في اللغةِ أنّ لفظةَ «غَوىٰ‌» تَكونُ‌(2)بمعنىٰ «خابَ‌»؛ قالَ الشاعرُ:

فمَن يَلقَ‌(3)خَيراً يَحمَدِ الناسُ أمرَهُ *** و مَن(4)يَغوِ لا(5)يَعدَمْ علَى الغَيِّ لائما(6)

و ممّا لَم نَذكُرْه في كتابِ «التنزيهِ‌» أنّ قولَه تَعالىٰ‌: (فَغَوىٰ‌) بَعدَ قولِه:

(عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ‌) لا يَليقُ إلّابالخَيبةِ‌(7)، و لا يَليقُ بالغَيِّ الذي هو القَبيحُ و ضدُّ الرُّشدِ؛ لأنّ الشيءَ لا(8)يُعطَفُ علىٰ نفسِه، و لا يَكونُ سبباً في نفسِه، و مُحالٌ أن


1) . في المطبوع: «من تناول الشجرة و عصىٰ‌» بدل «عن تناول تلك الشجرة، فعصىٰ‌».

2) . في «أ، د، ش»: «يكون».

3) . في «ب، ص»: «يعمل».

4) . في المطبوع: «و لم».

5) . في «أ، د، ش» و المطبوع: «لم».

6) . البيت للمرقِّش الأصغر (ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك). انظر: المفضَّليّات، ج 2، ص 47؛ الصحاح، ج 6، ص 2450؛ و جمهرة الأمثال، ج 1، ص 177؛ و ترتيب إصلاح المنطق، ص 283؛ و لسان العرب، ج 15، ص 140.

7) . في المطبوع: «بالخلبة».

8) . في المطبوع: - «لا».

يُقالَ‌: «عَصىٰ فعَصىٰ‌» و لا بُدَّ مِن أن يُرادَ بما عُطِفَ بالفاءِ غيرُ معنَى الأوّلِ‌.

و الخَيبةُ هي حِرمانُ الثوابِ بالمعصيةِ التي هي تَركُ المندوبِ و سببٌ‌(1)فيها، فجازَ أن تُعطَفَ‌(2)عليها. و الغَيُّ الذي(3)هو الفِعلُ القَبيحُ‌، لا يَجوزُ عَطفُه علَى المعصيةِ‌، و لا أن تَكونَ‌(4)المعصيةُ‌(5)سبباً فيه.

فإن قالوا: ما المانعُ مِن أن يُريدَ ب‍ (عَصىٰ‌) :(6)لَم يَفعَلِ الواجبَ مِن الكَفِّ عن الشجرةِ؟ و الواجبُ يُستَحقُّ بالإخلالِ به حِرمانُ الثوابِ‌، كالفِعلِ المندوبِ إليه؛ فكَيفَ رَجَّحتم ما ذَهَبتم إليه، لا(7)ما(8)ذَهَبنا نَحنُ إليه‌؟

قُلنا: الترجيحُ لقَولِنا ظاهرٌ؛ إذ(9)الظاهرُ مِن قولِه تَعالىٰ‌: (عَصىٰ‌ ... فَغَوىٰ‌) أنّ الذي دَخَلَته الفاءُ جزاءٌ علَى المعصيةِ‌، و أنّه كُلُّ الجزاءِ المُستَحَقِّ بالمعصيةِ‌(10)لأنّ الظاهرَ مِن قولِ القائلِ‌: «سَرَقَ فقُطِعَ‌» و «قَذَفَ فجُلِدَ ثَمانينَ جَلدةً‌»(11)أنّ ذلك جميع الجزاءِ‌، لا بعضُه.


1) . في «ب، د»: «سبب» بدون واو العطف. و في «ص»: - «و سبب».

2) . في «ب، د، ش، ص» و المطبوع: «أن يعطف».

3) . في «ب، د، ش، ص»: - «الذي».

4) . في «أ، د، ش» و المطبوع: «أن يكون».

5) . في المطبوع: - «المعصية».

6) . في «ب، د، ص»: «فعصىٰ‌» بدل «ب‍ (عَصىٰ‌)». و في المطبوع: + «أي».

7) . في «ب، د، ص»: - «لا». و في المطبوع: «علىٰ‌».

8) . في النُّسخ المعتمدة: «كما». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و لنُسختَي «ط، م».

9) . في النُّسخ المعتمدة: «أنّ‌». و الصوابُ ما أثبتناه؛ طبقاً للمطبوع و لنُسخة «م».

10) . في «ب، ص»: - «بالمعصية». و من قوله: «الظاهر من قوله تعالىٰ‌» إلىٰ هنا ساقط من «أ، ش».

11) . في «ب، د، ص» و المطبوع: - «جَلدةً‌».

و كذلكَ‌(1)إذا قالَ القائلُ‌: «مَن دَخَلَ داري فله دِرهَمٌ‌»، حَمَلناه علىٰ أنّ الظاهرَ يَقتَضي أنّ الدِّرهَمَ جميعُ جزائه، و لا يَستَحِقُّ بالدخولِ سِواه.

و مَن لَم يَفعَلِ الواجبَ استَحقَّ الذمَّ و العِقابَ و حِرمانَ الثوابِ‌، و مَن لم يَفعَلِ المندوبَ‌(2)فهو غيرُ مُستَحِقٍّ لشَيءٍ كانَ تَركُه للنَّدبِ سبباً تامّاً(3)فيه إلّاحِرمانَ الثوابِ فقط، و بيّنّا أنّ مَن لَم يَفعَلِ الواجبَ لَيسَ كذلك.

و إذا كان الظاهرُ يَقتَضي أنّ ما دَخَلَته الفاءُ جميعُ الجزاءِ علىٰ ذلكَ السببِ‌، لَم يَلِقْ إلّابما قُلناه، دونَ ما ذَهَبوا إليه.

و هذا واضحٌ لِمَن تَدبَّرَه.


1) . في المطبوع: «و كذا».

2) . في المطبوع: + «إليه».

3) . في «ب، د، ص»: «ما» بدل «تامّاً».

المسألةُ الثامنةُ حقيقةُ الرَّجعةِ‌

ما(1)حقيقةُ الرَّجعةِ؟ لأنّ شُذّاذَ الإماميّةِ‌(2)يَذهَبونَ إلىٰ أنّ الرجعةَ رجوعُ دَولتِهم في أيّامِ القائمِ عليه السلامُ‌، مِن دونِ رجوعِ أجسامِهم.

الجوابُ‌:

اِعلَمْ أنّ الذي تَذهَبُ الشيعةُ الإماميّةُ إليه(3): أنّ اللّٰهَ تَعالى يُعيدُ عندَ ظهورِ إمامِ الزمانِ - المَهديِّ عليه السلامُ - قوماً ممّن كانَ قد تَقدَّمَ مَوتُه من شيعتِه؛ ليَفوزوا بثَوابِ نُصرتِه و مَعونتِه و مُشاهَدةِ دَولتِه. و يُعيدُ أيضاً قوماً من أعدائه؛ ليَنتَقِمَ منهم [و يَنالوا بعضَ ما يَستَحِقّونَه مِنَ العِقابِ في القَتلِ علىٰ أيدي شيعتِه، أو الذُّلِّ و الخِزيِ‌](4)بما يُشاهِدونَ مِن ظهورِ الحقِّ و عُلوِّ كلمةِ أهلِه.

و الدَّلالةُ علىٰ صحّةِ هذا المَذهبِ‌: أنّ الذي ذَهَبوا إليه ممّا لا شُبهةَ علىٰ عاقلٍ في أنّه مقدورٌ للّٰهِ تَعالىٰ‌، غيرُ مُستَحيلٍ في نفسِه؛ فإنّا نَرىٰ كَثيراً مِن مُخالِفينا


1) . في النُّسخ المعتمدة: «عن». و في المطبوع: «سُئل عن» بدل «ما». و ما أثبتناه هو الأنسب؛ طبقاً ل‍ «ط».

2) . راجع: أوائل المقالات، ص 78، فقد عبّر الشيخ المفيد عن هؤلاء بالشُّذّاذ أيضاً.

3) . المصدر السابق.

4) . هكذا في مجمع البيان، ج 7، ص 367. و ورد بدل ما بين المعقوفين في «أ، ش»: «فتلتذّوا»، في «ب، د، ص» و المطبوع: «فيلتذّوا».

يُنكِرونَ الرجعةَ إنكارَ مَن يَراها مُستَحيلةً غيرَ مقدورةٍ‌.

و إذا ثَبَتَ‌(1)جوازُ الرجعةِ و دخولُها تَحتَ المقدورِ، فالطريقُ‌(2)إلىٰ إثباتِها إجماعُ الإماميّةِ علىٰ وقوعِها؛ فإنّهم لا يَختَلِفونَ في ذلكَ‌. و إجماعُهم قد بيّنّا - في مَواضِعَ مِن كُتُبِنا - أنّه حُجّةٌ‌؛ لدخولِ قولِ الإمامِ عليه السلامُ فيه، و ما يَشتَمِلُ علىٰ قولِ المعصومِ مِن الأقوالِ لا بُدَّ فيه مِن كَونِه صَواباً.

و قد بيّنّا أنّ الرجعةَ لا تُنافي التكليفَ‌،(3)و أنّ الدواعيَ مُتردِّدةٌ معها؛ حَتّىٰ‌(4)لا يَظُنَّ ظانٌّ أنّ تكليفَ مَن يُعادُ باطلٌ‌. و ذَكَرنا أنّ التكليفَ كما يَصِحُّ مع ظهورِ المُعجِزاتِ الباهرةِ و الآياتِ القاهرةِ‌، فكذلكَ مع الرجعةِ‌؛(5)لأنّه لَيسَ في جميعِ‌(6)ذلكَ مُلجئٌ إلىٰ فِعلِ الواجبِ و الامتناعِ مِن فِعلِ القَبيحِ‌.

فأمّا مَن تأوَّلَ الرجعةَ مِن(7)أصحابِنا علىٰ أنّ معناها «رجوعُ الدولةِ و الأمرِ و النهيِ‌، مِن دونِ رجوعِ الأشخاصِ و إحياءِ الأمواتِ‌»، فإنّ قوماً مِن الشيعةِ لمّا عَجَزوا عن نُصرةِ الرجعةِ و بيانِ جوازِها و أنّها [لا] تُنافي التكليفَ‌، عَوَّلوا علىٰ هذا التأويلِ للأخبارِ الواردةِ بالرجعةِ‌.(8)


1) . في المطبوع: «أثبت».

2) . في «ب، ص»: «فالدخول».

3) . راجع رسالة مسألة في الرجعة من جملة «الدمشقيّات»، و هي من الرسائل الكلاميّة القادمة، رقم 71.

4) . في «أ» الكلمة غير واضحة. و في «ب، ص»: «حيث». و في «د» و المطبوع: «حين».

5) . راجع الرسالة السابقة المشار إليها في الهامش قبل قليل.

6) . في «ب، ص»: - «جميع».

7) . في المطبوع: «في».

8) . راجع أخبار الرجعة في: كتاب الإيقاظ من الهجعة للشيخ الحرّ العامليّ‌، و كتاب الرجعة في أحاديث الفريقين للشيخ نجم الدين الطبسيّ‌.

و هذا منهم غيرُ صَحيحٍ‌؛ لأنّ الرجعةَ لَم تَثبُتْ بظواهرِ الأخبارِ المنقولةِ‌، فتَتطرَّقَ‌(1)التأويلاتُ عليها؛ فكَيفَ يَثبُتُ ما هو مقطوعٌ علىٰ صحّتِه بأخبارِ آحادٍ(2)لا توجِبُ العِلمَ؟

و إنّما المُعوَّلُ في إثباتِ الرجعةِ علىٰ إجماعِ الإماميّةِ علىٰ معناها، فإنّ‌(3)اللّٰهَ تَعالىٰ يُحيي أمواتاً عندَ قيامِ القائمِ عليه السلامُ - مِن أوليائه و أعدائه - علىٰ ما بيّنّاه؛ فكَيفَ تَطرَّقَ‌(4)التأويلُ علىٰ ما هو معلومٌ‌، فالمعنىٰ غيرُ مُحتَمِلٍ‌.


1) . في «د، ش» و المطبوع: «فيطرق». و في سائر النُّسخ المعتمدة: «فتطرق». و ما أثبتناه من «ط».

2) . في المطبوع: + «التي».

3) . في المطبوع: «بأنّ‌».

4) . في «ب، د، ص» و المطبوع: «يطرق».

المَسألةُ التاسعةُ الطريقُ إلىٰ مَعرِفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌

قد سُئلَ - رَحمةُ اللّٰهِ عليه - عن الطريقِ إلىٰ مَعرِفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ بمُجرَّدِ العقلِ‌، أو مِن طريقِ السمعِ؟(1)

الجوابُ‌:(2)

الطريقُ إلىٰ مَعرِفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ هو العقلُ‌، و لا يَجوزُ أن يَكونَ السمعَ‌؛ لأنّ السمعَ لا يَكونُ دليلاً علىٰ شَيءٍ‌(3)إلّابَعدَ مَعرِفةِ اللّٰهِ تَعالىٰ و حِكمتِه، و أنّه لا يَفعَلُ القَبيحَ‌، و لا يُصدِّقُ الكَذّابينَ‌. فكَيفَ يَدُلُّ السمعُ علَى المَعرِفةِ‌، و وَجهُ دَلالتِه مَبنيٌّ علىٰ حصولِ المَعارِفِ باللّٰهِ‌؛ حتّىٰ‌(4)يَصِحَّ أن يوجِبَ عليه النظَرَ؟

و رَدَدنا علىٰ مَن يَذهَبُ مِن أصحابِنا إلىٰ أنّ مَعرِفةَ اللّٰهِ تُستَفادُ(5)مِن قولِ الإمامِ عليه السلامُ‌، أنّ‌(6)مَعرِفةَ كَونِ الإمامِ إماماً مَبنيّةٌ علَى المَعرِفةِ باللّٰهِ تَعالىٰ‌.


1) . في «أ» + «لأنّ‌».

2) . في المطبوع: + «أنّ‌».

3) . في المطبوع: «الشيء».

4) . في النسخ ما عدا المطبوع: + «أن».

5) . في النُّسخ المعتمدة: «يُستفاد». و ما أثبتناه الصواب؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخ: «ر، ع، م».

6) . في المطبوع: «لأنّ‌». و الأنسب: «بأنّ‌».

و بيّنّا أنّهم عَوَّلوا في ذلكَ علىٰ أنّ‌(1)الإمامَ يُنبِّهُ‌(2)علَى النظَرِ في الأدِلّةِ‌.

فهو(3)غيرُ صحيحٍ‌؛ لأنّ‌(4)تنبيهَ‌(5)الإمامِ علَى النظَرِ إذا لَم يَكُن للعاقلِ‌(6)[مُنبِّهٌ آخَرُ، فهو مؤثِّرٌ؛] لكِنّه في تلكَ الحالِ‌(7)[و قَبلَ‌] مَعرِفةِ‌(8)كَونِه إماماً كتَنبيهِ‌(9)غيرِه ممّن ليَسَ بإمامٍ‌.(10)

و بيّنّا أنّ العاقلَ إذا نَشأَ بَينَ الناسِ‌، و سَمِعَ اختلافَهم في الدياناتِ‌، و قولَ كَثيرٍ منهم: «إنّ للعالَمِ صانِعاً، خَلَقَ العقلاءَ ليَعرِفوه، و يَستَحِقّوا الثوابَ علىٰ طاعاتِهم، و إنّ مَن فَرَّطَ في المَعرِفةِ استَحقَّ العِقابَ‌» لا بُدَّ مِن كَونِه خائفاً مِن تَركِ النظَرِ و إهمالِه؛ لأنّ خَوفَ الضرَرِ جِهةُ‌(11)وجوبِ كُلِّ نَظَرٍ في دينٍ أو دُنيا، و أنّه متىٰ خافَ الضرَرَ وَجَبَ عليه النظَرُ و قَبُحَ منه إهمالُه و الإخلالُ به.

و بيّنّا(12)أنّه إن اتَّفَقَ هذا العاقلُ‌، بحَيثُ لا مُنبِّهَ‌(13)له علَى النظَرِ و لا مُخوِّفَ‌، جازَ


1) . في المطبوع: + «معرفة».

2) . في المطبوع: «مبنيّة».

3) . كذا، و الأنسب: «و هو».

4) . في «أ، د، ش» و المطبوع: «لأنّا».

5) . في «أ، ش» و المطبوع يوجد فراغ. و في «د» الكلمة غير واضحة؛ و كأنّها: «نبيّنه».

6) . في «أ، ش» و المطبوع: «العاقل».

7) . في «أ، ش» و المطبوع: - «الحال».

8) . في المطبوع: «المعرفة».

9) . في «أ، ش» يوجد في موضع كلمة «كتنبيه» فراغ. و في المطبوع: - «كتنبيه».

10) . راجع: الشافي، ج 1، ص 43، و ص 72-73.

11) . في النسخ و المطبوع: «وجهه علىٰ‌» بدل «جهة». و ما أثبتناه استفدناه من الذخيرة، ص 167.

12) . في المطبوع: «و قلنا».

13) . في المطبوع: «لا عينيّة».

أن يَتنبَّهَ هو مِن قِبَلِ نفسِه في الأماراتِ التي تَظهَرُ(1)له، علىٰ مِثلِ ما يُخوِّفُه به المُخوِّفُ‌، فيَخافَ مِن الِاستضرارِ بتَركِ النظَرِ، فيَجِبَ عليه النظَرُ، و إن كانَ مُنفَرِداً عن الناسِ‌.

فإن فَرَضنا أنّه مع التفَرُّدِ مِن الناسِ لا يَتَّفِقُ أنّه يَتنبَّهُ‌(2)مِن قِبَلِ نفسِه، فلا بُدَّ أن يُخطِرَ اللّٰهُ تَعالىٰ ببالِه ما يُخوِّفُه مِن إهمالِ النظَرِ(3)حتّىٰ يَصِحَّ أن يوجِبَ عليه النظَرَ و المَعرِفةَ‌.

و ذَكَرنا اختلافاً في(4)«الخاطرِ»، ما هو؟ و أنّ الأقوىٰ في(5)ذلكَ أن يَكونَ «كَلاماً يَفعَلُه اللّٰهُ تَعالىٰ في داخلِ سَمعِ العاقلِ‌، يَتضمَّنُ مِن التنبيهِ‌(6)علَى الأماراتِ ما يَخافُ منه من إهمالِ النظَرِ»، فيَجِبُ‌(7)عليه حينئذٍ ذلك.

و هذا كُلُّه مُستَقصىً في كتابِ «الذخيرةِ‌».(8)


1) . في «د، ش، ص»: «يظهر».

2) . في المطبوع: «أن ينبّه» بدل «أنّه يتنبّه».

3) . و هو ما يسمّىٰ ب‍ «الخاطر».

4) . في «أ، ب، د، ش»: «اختلافاً من». و في «ص»: «اختلافاً عن». و في المطبوع: «اختلاف أمن».

5) . في «أ، ب، ش، ص» و المطبوع: «من».

6) . في «ش»: «التنبّه». و في المطبوع: «المبنيّة».

7) . في المطبوع: «نظر يجب» بدل «النظر، فيجب».

8) . الذخيرة في علم الكلام، ص 171 و ما بعدها.

المَسألةُ العاشرةُ الوجهُ في حُسنِ أفعالِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌

القَديمُ تَعالىٰ لا يَجوزُ عليه المَنافعُ و المَضارُّ؛ فما وجهُ حُسنِ أفعالِه في ابتداءِ خَلقِ العالَمِ؟

الجوابُ‌:

الفِعلُ كما يَقَعُ حَسَناً لِاجتلابِ مَنفَعةٍ أو دَفعِ مَضرّةٍ‌، فكذلكَ قد يَكونُ حَسَناً إذا فُعِلَ لوَجهِ حُسنِه، مِن غيرِ اجتلابِ مَنفَعةٍ و لا دَفعِ مَضرّةٍ‌.

المَسألةُ الحاديةَ‌ عَشْرةَ‌ عدمُ وجوبِ خَلقِ الخَلقِ‌

المَسألةُ الحاديةَ‌(1)عَشْرةَ‌(2)عدمُ وجوبِ خَلقِ الخَلقِ‌

هَل يَجِبُ علَى اللّٰهِ تَعالىٰ في حِكمتِه إيجادُ الخَلقِ‌، أو خَلَقَهم تَفضُّلاً منه‌؟

الجوابُ‌:

لَو كانَ إيجادُهم واجباً علَى اللّٰهِ تَعالىٰ‌، لَلَزِمَ أن يكونَ في وقتٍ مُخِلاًّ بالواجبِ‌، و كانَ حينئذٍ مُستَحِقّاً للذّمِّ‌.


1) . في النُّسخ المعتمدة: «الحادي». و ما أثبتناه هو الصواب؛ طبقاً للمطبوع و للنُّسخ: «ج، ر، م».

2) . في «ب، د، ص» و المطبوع: «عشر».

المَسألةُ الثانيةَ‌ عَشْرةَ‌ حقيقةُ الروحِ‌

المَسألةُ الثانيةَ‌(1)عَشْرةَ‌(2)حقيقةُ الروحِ‌

الروحُ‌، ما يَقولُ السيِّدُ فيه(3)؟

الجوابُ‌:

الصحيحُ عندَنا أنّ الروحَ عبارةٌ عن الهَواءِ المُتردِّدِ في مَخارِقِ الحَيِّ مِنّا، الذي لا يَثبُتُ كَونُه حَيّاً إلّامع تَردُّدِه؛ و لهذا لا يُسَمّىٰ ما يَتردَّدُ(4)في مَخارِقِ الجَمادِ روحاً. فالروحُ جسمٌ علىٰ هذه القاعدةِ‌.


1) . في «أ، ب، د، ش»: «الثاني».

2) . في «ب، د، ص» و المطبوع: «عشر».

3) . في المطبوع: «ما تقول في الروح‌؟» بدل «الروح؛ ما يقول السيّد فيه‌؟».

4) . في «ب، ش، ص»: «تردّد».

المَسألةُ الثالثةَ‌ عَشْرةَ‌ حُكمُ الزاني بذاتِ البَعلِ في تزويجِها

المَسألةُ الثالثةَ‌(1)عَشْرةَ‌(2)حُكمُ الزاني بذاتِ البَعلِ في تزويجِها

ما يَقولُ السيِّدُ في امرأةٍ ذاتِ بَعلٍ زَنىٰ بها رَجُلٌ ثُمَّ‌(3)بَعدَ أن طَلَّقَها(4)تَزوَّجَها(5)تَحِلُّ له(6)أم لا؟

الجوابُ‌:

أمّا إذا كانَت ذاتَ بَعلٍ‌، لا تَحِلُّ له أبداً. فأمّا(7)غيرُ ذاتِ بَعلٍ‌، يَحِلُّ تزويجُها بَعدَ إظهارِ تَوبتِها.


1) . في «أ، ب، د، ش»: «الثالث».

2) . في «ب، د، ص» و المطبوع: «عشر».

3) . في المطبوع: - «ثمّ‌».

4) . أي طلّقها بعلُها.

5) . في «ش» و المطبوع: «زوجُها».

6) . في «أ، ش» و المطبوع: - «له».

7) . في المطبوع: + «إذا كانت».

المَسألةُ الرابعةَ‌ عَشْرةَ‌ الإرجاءُ‌

المَسألةُ الرابعةَ‌(1)عَشْرةَ‌(2)الإرجاءُ‌

ما يَقولُ السِّيدُ في الإرجاءِ؟

الجوابُ‌:

هو الدينُ الصحيحُ عندَ أهلِ‌(3)الإماميّةِ‌، و لا تَحابُطَ عندَنا في ثَوابٍ و(4)عِقابٍ‌.

و يَجوزُ أن يُبلَى [المؤمنُ‌] بالبَلاءِ في الدنيا، و يُمحَّصَ‌(5)مِن الذُّنوبِ‌، فإن فَضَلَ مِن ذلكَ شَيءٌ يُعاقَبْ في القَبرِ، ثُمَّ أهوالِ‌(6)القيامةِ‌، فإن فَضَلَ يُعاقَبْ عِقاباً مُنقَطِعاً، ثُمَّ يُرَدَّ إلَى الجنّةِ و الثوابِ الدائمِ‌؛ لأنّ المؤمنَ يَستَحِقُّ بإيمانِه وَحدَه الثوابَ الدائمَ‌، فإن وَقَعَ منه شَيءٌ من الذُّنوبِ عوقِبَ بذلكَ‌، ثُمَّ يُرَدَّ إلىٰ ما يَستَحِقُّه مِن الثوابِ و الإيمانِ‌.

و وَلايةُ المعصومينَ تَقطَعُ‌(7)عليهم بالثوابِ الدائمِ‌؛(8)فإن كانَ عليهم ذُنوبٌ‌


1) . في «أ، ب، ش»: «الرابع».

2) . في «أ، ب، د، ص» و المطبوع: «عشر».

3) . في المطبوع: - «أهل».

4) . في المطبوع: + «لا».

5) . في المطبوع: «و التمحيص».

6) . في المطبوع: + «يوم».

7) . في «ب، د، ش، ص»: «يقطع».

8) . من قوله: «فإن وقع منه شيء» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.

موبِقاتٌ يُمحَّص(1)، و يَشفَع فيه الشافعونَ‌(2)- النبيُّ و الأئمّةُ عليهم السلامُ -، و لا يُمنَع ممّا(3)يَستَحِقُّه بإيمانِه مِن الثوابِ الدائمِ‌.

و هذه المَسألةُ مُستَقصاةٌ في «جَوابِ أهلِ المَوصِلِ‌»(4)، و في كِتابِ «الذخيرةِ‌».(5)


1) . في «ب، د، ص»: «تُمحّص».

2) . في المطبوع: «و الشافعون» بدل «فيه الشافعون».

3) . في «ش» و المطبوع: «بما».

4) . يعني مسألة الوعيد من جوابات المسائل الموصليّات الأُولىٰ‌، و هذه المسائل مفقودة، و لكن بقيت منها بعض المقاطع، راجع: المتبقّى من التراث المفقود للشريف المرتضى.

5) . راجع: الذخيرة في علم الكلام، ص 302 و ما بعدها، و ص 504 و ما بعدها.

المَسألةُ الخامسةَ‌ عَشْرةَ‌ دخولُ العَبدِ الجَنّةَ باستحقاقِه

المَسألةُ الخامسةَ‌(1)عَشْرةَ‌(2)دخولُ العَبدِ الجَنّةَ باستحقاقِه

العَبد يدخُلُ الجَنّةَ بعملِه، أو بتَفضُّلِ اللّٰهِ تَبارَكَ و تَعالىٰ؟

الجوابُ‌:

العَبدُ يَدخُلُ‌(3)باستحقاقِه الجَنّةَ‌(4)، كالحُرِّ.

تَمَّت المَسائلُ و أجوبتُها(5)، و الحمدُ للّٰهِ رَبِّ العالَمينَ‌، و صَلَّى اللّٰهُ علىٰ خَيرِ خَلقِه(6)مُحمّدٍ(7)، و آلِه أجمَعينَ‌(8).


1) . في «أ، ب، ش»: «الخامس».

2) . في «ب، د» و المطبوع: «عشر». و في «ص»: - «المسألة الخامسة عشرة».

3) . في المطبوع: + «الجنّة».

4) . في «أ، د»: - «الجنّة».

5) . في «ب، د، ص»: - «و أجوبتها».

6) . في «ب، د، ص»: «سيّدنا» بدل «خير خلقه». و في المطبوع: - «خير خلقه».

7) . في «ب، د، ص»: + «النبيّ‌».

8) . في «ب، د، ص»: «الطاهرين» بدل «أجمعين». و من قوله: «و أجوبتها» إلىٰ هنا لا يوجد في «أ». و في «ب، ص»: + «و صحبه المنتجبين». و في المطبوع: + «و حسبنا اللّٰه و نعم الوكيل».

(28) جواب المسائل الواردة من طبرستان

اشارة

مقدّمة التحقيق
اشارة

تحتوي هذه المسائل على مجموعة مهمّة جدّاً من المسائل الكلاميّة و الفقهيّة، و هي مكوّنة من إحدى عشرة مسألة؛ تسع منها كلاميّة، و اثنتان فقهيّتان، و بذلك يمكن اعتبار المسائل الطبريّة مسائل كلاميّة، باعتبار كثرة المسائل الكلاميّة فيها.

و الطبريّة منسوبة إلى طبرستان في شمال إيران، و لا يُتوهّم أنّ الطبري نسبة إلى مدينة طبريّة - إحدى مدن الشام -؛ فإنّ النسبة إليها: «طبراني» لا «طبري». قال ياقوت الحموي:

و النسبة إليها [أي طبريّة] طبراني على غير قياس، فكأنّه لمّا كثرت النسبة بالطبري إلى طبرستان، أرادوا التفرقة بين النسبتين، فقالوا: «طبراني» إلى طبريّة(1).

و لم يتمّ تعيين السائل الذي قام بطرح هذه المسائل، سوى أنّه أُشير في بداية المسائل إلى أنّه أحد الأشراف.

نسبتها إلى المؤلّف

و يدلّ على تصحيح نسبة المسائل الطبريّة إلى الشريف المرتضى، إضافة إلى تناسبها مع آرائه المعروفة في كتبه المشهورة، هو أنّه أرجع فيها إلى كتاب الملخّص (مسألة 2)، و الموصليّات الأُولى (مسألة 4 و 7).


1) . معجم البلدان، ج 4، ص 18.

ثمّ إنّ هذه المسائل كاملة، و لم يسقط منها شيء؛ بدلالة ما جاء في آخرها من قوله: «قد أجبنا عن المسائل بكمالها».

و الجدير بالذكر أنّ للشريف المرتضى مسائل طبريّة أُخرى غير هذه، و هي معروفة باسم: «الناصريّات»، و هي فقهيّة، و تحتوي على 207 مسائل، و قد سمّيت طبريّة لأنّها مرسلة أيضاً من بلاد طبرستان، فينبغي عدم الخلط بينهما.

محتوى الرسالة

و فيما يلي استعراض لأهمّ مطالب المسائل الطبريّة:

المسألة الأُولى: نسبة أفعال العباد إلىٰ اللّٰه تعالىٰ و إليهم. يمكن تقسيم البحث في هذه المسألة إلى نقاط، هي:

1. بيّن الشريف المرتضى في هذه المسألة رأيه حول أفعال الإنسان الاختياريّة، فقد ذهب إلى أنّها مخلوقة للإنسان نفسه، لا اللّٰه تعالى، بمعنى أنّ الإنسان هو الذي أحدثها و أنشأها. و دليل هذا التصوّر عن أفعال الإنسان أمران:

أوّلاً: أنّ هذه الأفعال تنسب إلى الإنسان نفسه، و تضاف إليه إضافة الفعليّة، فيقال:

إنّها فعله، أي أنّه هو الذي أكل و شرب و ضرب، و هذا يعني أنّها مخلوقة له، و لو كانت مخلوقة للّٰه تعالى لنسبت إليه، و لمَا توجّه المدح و الذمّ إلى الإنسان؛ كما لا يُمدح و لا يُذمّ علىٰ صورته و شكله؛ لأنّه ليس من فعله.

يبدو أنّ الشريف المرتضى لم يتمكّن هنا من الجمع بين فاعلَين طوليَّين يقومان بإيجاد فعل واحد، لكن يُنسب الفعل إلى الفاعل القريب فقط، فيُمدح و يُذمّ عليه، بل تصوّر أنّ مجرد الخلق يساوي نسبة الفعل إلى خالقه.

ثانياً: أنّ الفعل تابع لتصوّرات الإنسان و دواعيه، فهو بالخيار في فعله و تركه، و هذا يدلّ على أنّه هو فاعل له الفعل.

و الجدير بالذكر أنّ هذا الدليل دليل سيّال، فقد استخدمه الشريف المرتضى في

موارد أُخرى، مثل إثبات نسبة الفعل المتولّد و العلم المكتسب إلى الإنسان(1).

2.

هناك معنى آخر للخلق يمكن من خلاله أن يسمّى اللّٰه تعالى خالقاً لأفعال الإنسان الاختياريّة، و هو معنى التقدير، و معناه أنّ اللّٰه تعالى هو الذي قدّر هذه الأفعال، و فصّل حَسَنها من قبيحها، و ميّز خيرها من شرّها، و واجبها من ندبها، و المقدِّر يسمّى في اللغة خالقاً.

3.

إنّ إطلاق لفظ «الخالق» على الإنسان ليس مُستعظَماً - خلافاً للبلخي حيث رفض ذلك - فأهل اللغة سمّوه بذلك، و قال تعالىٰ‌: (فَتَبٰارَكَ اَللّٰهُ أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ‌) (2)فهذا تصريح بوجود أكثر من خالق، و لو كان هناك خالق واحد لما صحّ هذا التعبير، كما لم يصحّ أن يقال: «أحسن الآلهة». و أمّا رفض البلخي إطلاق لفظ «الخالق» على الإنسان بحجّة أنّه تنقيص للّٰه تعالىٰ و إبطال لتعظيمه فينتقض بتجويزه - أي البلخي - إطلاق لفظ «مُحدِث» و «مخترع» على الإنسان، فلو كان في لفظ «خالق» تنقيص فهو كذلك في هذه الألفاظ.

4.

و أمّا معنى ما روي عن الإمام الصادق عليه السلامُ من أنّ أفعال العبد مخلوقة خلق تقدير، لا خلق تكوين، فهو ناظر إلىٰ نسبة أفعال العباد إلى اللّٰه تعالىٰ‌، لا إلىٰ نسبتها إلى العباد أنفسهم، فإنّ نسبتها إليهم بالتقدير و التكوين معاً، لا بأحدهما. و هذا المعنىٰ مناسب لِمَا تقدّم من أنّ اللّٰه تعالى خالق بمعنى مقدِّر، لا بمعنى الإحداث و الإنشاء و التكوين.

و أمّا قوله عليه السلامُ‌: «أمر بين أمرين، لا جبر و لا تفويض»، فمعناه أنّ العباد غير مُجبرين على أفعالهم، و في نفس الوقت فإن الأمر غير مفوّض إليهم، و ذلك بمعنيين:

الأوّل: أنّه تعالى لو لم يُقدِرهم على الفعل، لمَا تمكّنوا منه.


1) . الذخيرة، ص 73، 166.

2) . المؤمنون (23):14.

الثاني: أنّ تقدير الأفعال و تمييز حَسَنها من قبيحها و واجبها من ندبها بيده تعالى.

و المعنى الثاني أنسب بالجملة الأُولى، فيكون المعنى: «لا جبر»، أي أنّ اللّٰه تعالى لم يخلق الأفعال خلق تكوين، و «لا تفويض»، أي أنّه تعالى خالق الأفعال خلق تقدير.

المسألة الثانية: عدم إرادة اللّٰه تعالى المعاصي و القبائح. من الأبحاث المهمّة التي تدور حول مسألة إرادة اللّٰه تعالى هي أنّه هل يريد المعاصي و يرضى بها أو لا؟

أجاب الشريف المرتضى بالنفي القاطع، و هو أنّه تعالى لم يُرد شيئاً من المعاصي أبداً، و ذكر دليلين عقليين علىٰ ذلك:

الأوّل: أنّه نهى عنها، و كلّ مَن نهى عن فعل كان كارهاً له.

الثاني: أنّ إرادة القبيح قبيحة، و اللّٰه تعالى منزّه عن القبيح.

كما استدلّ على كلامه بآيات من القرآن، و بإجماع المسلمين علىٰ أنّه تعالىٰ لا يرضىٰ بالمعاصي التي وقعت من العباد مثل أن يُكفر به أو أن يُشتم أولياؤه، و هذا يعني أنّه كاره لها؛ إذ لو كان مريداً لها لكان راضياً بها.

و قد أجاب بعد ذلك عن إشكال مفاده أنّ العباد لو فعلوا ما يكرهه اللّٰه تعالى لدلّ على ضعفه، قياساً على رعيّة الملك إذا خالفوا أوامره.

و الجواب: أنّه إذا كانت أوامر المَلك تصبّ في مصلحة الرعيّة و قاموا بمخالفته، فإنّه لا يدلّ على ضعفه، نعم إذا كانت أوامره تصب في صالحه هو و نظامِه، فإنّ مخالفتهم تدلّ على ضعفه، و اللّٰه تعالى لا يأمر بشيء لأجل مصالحه الخاصّة و العياذ باللّٰه، و إنّما كلّ أوامره لمصلحة العباد، فمخالفتهم لا تدلّ على ضعفه.

ثمّ أضاف جوابين نقضيّين:

أحدهما: إنّ صاحب الإشكال يقول: إنّ اللّٰه تعالىٰ مريد للمعاصي، لكنّه يسلّم في نفس الوقت بأنّه قد نهىٰ عنها، فيقال له: لو سلّمنا بإشكالك من أنّ وقوع ما يكرهه تعالىٰ يدلّ على ضعفه، للزم أن تقبل بأنّ وقوع ما نهىٰ عنه يدلّ علىٰ ضعفه أيضاً؛ فإنّ‌

الملك إذا ضعف لفعل رعيّته ما لا يريده، لكان ضعيفاً أيضاً لفعلهم ما يكرهه.

و الآخر: أنّه تعالىٰ لو كان آمراً و مريداً من الكفّار أن يكفروا به و من العصاة أن يعصوه، لكان آمراً لهم أن يضعفوه و يغلبوه و مريداً لذلك، و هو واضح البطلان.

و قد تعرّض الشريف المرتضى إلى هذا البحث و الإشكال و الجواب عليه في كتابه الملخّص(1).

المسألة الثالثة: القول في الاستطاعة. عرّف الشريف المرتضى الاستطاعة بأنّها القدرة على الفعل، و صرّح بأنّها متقدّمة على الفعل، و هذا من الأبحاث الخلافيّة، فقد ذهب بعض المتكلّمين إلى أنّ القدرة مع الفعل، فيما أصرّ العدليّة على أنّها قبله، و يدلّ عليه:

أوّلاً: إنّما يُحتاج إلى القدرة لكي يخرج الفعل من العدم إلى الوجود، فلو كان موجوداً لكان مستغنياً عنها، فيجب أن تكون القدرة موجودة في حال عدم الفعل. و ليست القدرة كالعلّة؛ فإنّ تأثير العلّة تأثير إيجاب للمعلول بينما تأثير القدرة تأثير اختيار لا إيجاب، و لو كانت القدرة كالعلّة لاحتاج الفعل إليها في البقاء أيضاً إضافة إلى الحدوث، و هو خلاف ما ذهب إليه المتكلّمون.

ثانياً: لو كانت القدرة مع الفعل لامتنع فعلُ الإيمان من الكافر، و لم يكن قادراً عليه؛ لأنّه بناء علىٰ ذلك لو كان قادراً علىٰ الإيمان قدرة حاصلة مع الإيمان لا قبله، لحصل الإيمان، و الفرض أنّه كافر. و إن لم يكن قادراً على الإيمان لم يحسن تكليفه به؛ فإنّه لا فرق بينه - بناء علىٰ ذلك - و بين العاجز.

ثالثاً: دلّت آية وجوب الحجّ علىٰ اشتراط وجوبه بالاستطاعة، فإذا كانت الاستطاعة و القدرة مع الفعل، لزم أن يكون الأمر بالحجّ متوجّهاً إلىٰ من قام به، و هو باطل.


1) . الملخّص، ص 385-394.

المسألة الرابعة: الوعيد و الشفاعة. سُئل الشريف المرتضى في هذه المسألة عن بحثين مهمّين، هما: حكم مرتكب الكبيرة، و الشفاعة، و العلاقة بين البحثين هي أنّ مرتكب الكبيرة هل يمكن أن تشمله الشفاعة، و يخرج من النار، أو لا؟

البحث الأوّل: و هي من المسائل المهمّة في علم الكلام، حيث يدور الأمر فيها حول مصير مرتكب الكبيرة، و هل هو خالد في النار أو لا؟

فقد ذهب المعتزلة إلى القول بخلود مرتكب الكبيرة في النار، و بذلك أسّسوا نظريّة كلاميّة صارت من أُصولهم الخمسة، و هي: «الوعيد»، فيما خالف الإماميّة بصورة عامّة في ذلك، و آمنوا بأنّ المؤمن إذا ارتكب كبيرة لا يخلّد في النار، بل يخرج منها، و هي النظريّة التي عُرفت باسم: «الإرجاء»(1). و قد صار الخلاف في الوعيد من العلامات الفارقة بين الإماميّة بصورة عامّة و المعتزلة.

و استدلّ الإماميّة، و منهم الشريف المرتضى، على قولهم بأنّ إجماع المسلمين دلّ على أنّ الإيمان يُستحَقّ به الثواب الدائم، و أمّا المعصية فقد دلّ الإجماع و العقل علىٰ استحقاق العقاب المنقطع بفعلها، كما دلّ الدليل على بطلان التحابط، و أنّ الذنوب لا تُحبِط ما يستحقّه الإنسان من ثواب، و حينئذ إذا ارتكب المؤمن كبيرة مع اعتقاده بحرمتها فسوف يستحقّ الثواب الدائم بإيمانه، فإنّ هذه الكبيرة لم تحبط ثوابه؛ لبطلان التحابط، و هذا يلزم منه أنّه لا يستحقّ لارتكابه الكبيرة إلّاعقاباً منقطعاً، فإنّه لا يعقل أن يستحقّ الثواب و العقاب الدائمَين معاً، كما لا يصحّ القول بأنّه يتردّد بين الجنّة و النار، فيُنعّم تارة، و يُعذّب أُخرى؛ و ذلك لأنّ السمع و الإجماع منعا من ذلك، و دلّا على أنّ من يدخل الجنّة فإنّه لا يخرج منها أبداً، و بذلك ثبت انقطاع عقاب مرتكب الكبيرة على خلاف ما ذهب إليه المعتزلة.

و أمّا الدليل علىٰ بطلان التحابط فهو أنّ الشيء إنّما ينفي شيئاً آخر إذا نافاه


1) . أوائل المقالات، ص 46-47.

و ضادّه، و لا منافاة و لا تضادّ بين الثواب و العقاب المستحَقَّين، كما أنّ التضادّ يكون بين الأُمور الموجودة، بينما المستَحقّ من الثواب و العقاب لا يكون إلّامعدوماً، و لا تضادّ بين المعدومات. فبطل ما قاله أهل التحابط بأنّ المستحقّ من العقاب أبطل المستحقّ من الثواب.

البحث الثاني: و هذا البحث انعكاس للبحث السابق، و هو يدور حول حقيقة الشفاعة، أمّا المعتزلة الذين ذهبوا إلى أنّ مرتكب الكبيرة خالد في النار و لا يخرج منها أبداً، فمن الطبيعي سوف لن تشمله الشفاعة، لذلك قاموا بتعريف الشفاعة بأنّها عبارة عن إيصال المنافع و زيادة المرتبة، و أمّا الإماميّة الذين جعلوا عقاب مرتكب الكبيرة منقطعاً، فأمكنهم القول بشمول الشفاعة له، و أنّها ستكون بمعنى إسقاط العقاب عن مُستحِقّه، و أشكلوا على المعتزلة بأنّه لو كان معنى الشفاعة طلب إيصال المنافع و زيادة المرتبة لكنّا شافعين للنبي صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ لأنّنا ندعو له بزيادة المرتبة و المنزلة، و من المسلّم أنّنا لا نسمّى شافعين للنبي صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، لا لفظاً و لا معنىً‌. و لا يصحّ أن يقال إنّ سبب عدم كوننا شافعين للنبيّ صلّى اللّٰه عليه و آلِه هو اشتراط الرتبة في الشفاعة بين الشافع و المشفوع فيه، فلا يمكن أن يكون الشافع أقلّ مرتبة من المشفوع فيه. إنّ هذا لا يصحّ‌؛ لأنّ الرتبة إنّما تشترط بين الشافع و المشفوع إليه، لا بين الشافع و المشفوع فيه.

و استدلّ الإماميّة على صحّة المعنى الذي ذهبوا إليه في الشفاعة بقوله صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه: «ادخرتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي». فإنّ تخصيص أهل الكبائر بالشفاعة يدلّ علىٰ أنّ معناها إسقاط العقاب، و لو كانت بمعنىٰ زيادة المنافع لما صحّ تخصيصها بأهل الكبائر، فإنّه لا فرق بينهم و بين غيرهم - من أهل الطاعات أو مرتكبي الصغائر - في الانتفاع بزيادة المنافع.

المسألة الخامسة: القرآن مُحدَث غير مخلوق. برز خلاف قديم بين المسلمين حول

حدوث القرآن و قِدمه أدّى إلى ظاهرة عرفت باسم المحنة أو محنة خلق القرآن، حيث ذهب المعتزلة إلى حدوث القرآن، فيما ذهب أهل الحديث إلى القول بقِدمه(1)، و قد ذهب الإماميّة بصورة عامّة إلى القول بحدوث القرآن. و استدلّ الشريف المرتضى في هذه المسألة على ذلك بتجدّد الكلام، فإنّ القرآن كلام متجدّد، فعند ما نسمعه نعلم بوجوده و تجدّده بعد عدمه، و عندما ينقطع الصوت نعلم بانقضائه و انعدامه، و التجدّد علامة الحدوث. و للقرآن أوّل و آخر و أجزاء، و يوصف بأنّه مُنزَل و محكم و عربي و محدَث، و كلّ هذا يدلّ على حدوثه. ولكن أكّد الشريف المرتضى على عدم جواز إطلاق اسم «المخلوق» على القرآن؛ لأنّ هذا اللفظ يدلّ على الاختلاق و الجعل، و القرآن منزّه من ذلك.

المسألة السادسة: حكم المخالف في الفروع. سُئل الشريف المرتضى في هذه المسألة عن الخلاف في فروع الدين، هل يؤدّي إلى نفس النتائج التي يؤدّي إليها الخلاف في أُصول الدين‌؟

فأجاب بأنّ لدينا أدلّة علميّة و قطعيّة على الأحكام الفرعيّة، و هذا يعني أنّها تتساوى من حيث القيمة مع الأُصول، فيكون المخالف لفروع الإماميّة كالمخالف لأُصولها، و هو الذي عليه إطباق الإماميّة.

و قد فضّل الشريف المرتضى الاختصار في الإجابة عن هذه المسألة، و عدم التصريح برأيه حول المخالف لأُصول الإماميّة، و لعلّه مراعاة لبعض المسائل المعيّنة.

المسألة السابعة: حكم مرتكب الكبائر. و سُئل الشريف المرتضى عن مرتكبي الكبائر كشرب الخمر و الزنا، و هل يكون غير المستحلّ لها كافراً؟

إنّ هذا السؤال قد يكون ناظراً إلى ما ذهب إليه الخوارج من تكفير كلّ مرتكب للكبيرة، و استباحة دمه و عرضه و ماله.


1) . المعتزلة في بغداد، ص 58.

و قد أجاب الشريف المرتضى بالتفريق بين المستحلّ لارتكاب هذه الكبائر و المحرِّم لها، أمّا المستحلّ فجزم بكفره بإجماع المسلمين؛ لأنّه باستحلاله لشرب الخمر و الزنا يكون مخالفاً لصريح ما شرّعه النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه، و هو يكون ناشئاً من الشكّ في نبوّته، و هو كفر. أمّا المحرِّم فهو ليس بكافر؛ لأنّه لو صار كافراً بذلك لصار مرتدّاً؛ لِتقدّم إيمانه، و يترتّب علىٰ ذلك آثار الكفر من استباحة المال و منع الموارثة و المناكحة، و هذا لم يقل به أحد من المسلمين، و خلافُ الخوارج متأخّر. و الشريف المرتضى هنا يشير إلى قاعدة مهمّة في باب الإجماع، و هي أنّ الخلاف المتأخّر عن الإجماع لا يضرّ به، بل يبقى الإجماع على حجيّته. و الجدير بالذكر أنّ عدم تكفير مرتكب الكبيرة غير المستحلّ لها قد تقدّم في المسألة الرابعة، و أنّه يعتبر فاسقاً بعمله، و إن كان ما زال مؤمناً من حيث عقيدته.

المسألة الثامنة: اعتبار الرؤية في الشهور. ظهر خلاف بين الإماميّة حول أنّ شهر رمضان يزيد و ينقص، و يكون ثبوته بالرؤية، أو أنّه ثابت العدد، فلا ينقص عن ثلاثين يوماً، و قد تبنّى الشريف المرتضى الرأي الأوّل، و كتب عدّة رسائل حوله، و أجاب عن عدّة مسائل، منها رسالة ألّفها في الجواب على بعض علماء الإماميّة ممّن كان يذهب إلى نظريّة العدد، اسمها: الردّ على أصحاب العدد. و في هذه المسألة استدلّ على رأيه من خلال الاستدلال باتّفاق المسلمين على اعتبار الرؤية، و أنّ النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه كان يطلب الأهلّة، و كذلك المسلمون، و لو كان العدد معتبراً لاتّبعه النبيّ صلّى اللّٰهُ عليه و آلِه و المسلمون و تركوا طلب الأهلّة، ثمّ استدلّ بعدد من الروايات، و ردّ الرواية المؤيّدة للقول بالعدد و الدالّة علىٰ عدم نقصان شهر رمضان و عدم تمام شعبان، و سبب ردّه لها هو شذوذها و ضعفها. ولكنّه لم يترك تأويل هذه الرواية بما لا يتنافىٰ مع ما ذهب إليه، كعادته في عدم ترك تأويل الأخبار الضعيفة، فذكر أنّ تأويل هذه الرواية هو أنّ شهر رمضان لا نقص فيه من حيث الفضيلة و

الكمال، و أنّ شعبان بالنسبة إلى شهر رمضان نقاص الفضيلة و الكمال.

و أمّا هل القول بالعدد يستلزم الكفر أو لا، فقد أحال الشريفُ المرتضىٰ جوابَه إلى ما تقدّم في المسألة السادسة حول حكم المخالف في الفروع.

المسألة التاسعة: حكم شرب الفقّاع. لقد تعرّض الشريف المرتضى للسؤال عن الفقّاع أكثر من مرّة، و قد تعود كثرة السؤال عن ذلك إلى مخالفة علماء أهل السنّة، حيث ذهبوا إلى جواز شربه.(1)

و قد تكلّم الشريف المرتضى في الجواب هنا بشيء من الاختصار، فاستدلّ على حرمة الفقّاع بإجماع الإماميّة، و بالأخبار المتظاهرة الفاشية، و أشار إلى عدم تعلّق تحريم الفقّاع بكونه مسكراً و عدمه، و ذكر أخيراً أنّ مستحلّ الفقّاع عند الإماميّة حالُه حال مستحلّ الخمر.

المسألة العاشرة: حكم عبادة الكافر. من المسائل التي كانت و ما زالت إلى يومنا هذا مثاراً للبحث و الجدل و السؤال، هي أنّ الكافر هل تقبل منه الطاعات‌؟ فإنّه لو صلّى أو صام أو تصدّق، أو فعل غير ذلك من أفعال الخير، فهل تقبل منه أو لا؟

أجاب الشريف المرتضى بأنّ الكافر لا تقبل طاعاته أبداً؛ و ذلك لأنّ الطاعة يترتّب عليها استحقاق المدح و الثواب، و من المعلوم أنّ الكافر لا يستحقّ شيئاً من المدح و الثواب. و الذي ذهب إلىٰ قبول طاعاته هو القائل بالتحابط، حيث ذهب إلىٰ أنّ ثواب طاعات الكفّار يُحبط عقابهم بمقدار ذلك الثواب. ولكن قد تقدّم في المسألة الرابعة الكلام عن بطلان التحابط.

ثمّ أجاب الشريف المرتضى عن إشكال قد يثار، و هو أنّ عدم وقوع الطاعة من الكافر مخالف للبداهة، فإنّا نرى رَأيَ العين أنّ الكفّار يمارسون الكثير من العبادات و القربات، و هذا يدلّ على كونهم عارفين باللّٰه تعالى و أنّ طاعاتهم مقبولة.


1) . المغني لابن قدامة، ج 10، ص 337.

فأجاب من خلال بيان نقطتين:

الأُولى: لا يوجد شيء مخالف للبداهة في كلامنا، فإنّ الطاعة ليست أمراً ظاهراً للعيان حتّى يمكن إدراكها، بل هي من الأُمور المستورة عن الخلق، و لا يعلمها إلّا علّام الغيوب، و إنّما أقصى ما يمكن أن يقال: إنّ الكافر قد فعل ما هو طاعة في الظاهر، و أمّا هل هي طاعة حقّاً فهو أمر مستور عنّا، و إذا دلّ الدليل على عدم وقوع الطاعة منهم، علمنا أنّ ما يفعلونه ليس طاعة حقيقة.

الثانية: طرح في هذه النقطة بحثاً مهمّاً، و إن لم يَرد في السؤال، و هو هل أنّ الكفّار عارفون باللّٰه تعالى أو لا؟

أجاب الشريف المرتضى بأنّهم غير عارفين باللّٰه تعالى قطعاً، بنفس الدليل السابق الدالّ على نفي الطاعات عنهم، و هو أنّ معرفة اللّٰه تعالى تستوجب المدح و الثواب، و الكافر لا يستحق شيئاً من ذلك.

و أمّا ما يقال من أنّهم نظروا في الدليل المؤدّي إلى المعرفة كما نظرنا نحن فيه، فلا بدّ أن تحصل لهم المعرفة. فأجاب عن ذلك بأنّنا لا نعلم أوّلاً أنّهم نظروا في الأدلّة، و لو علمنا ذلك فإنّنا لا نعلم أنّهم نظروا فيها من الوجه الذي يؤدّي إلى المعرفة و العلم، و لو علمنا بذلك لم نعلم تكامل باقي الشروط اللازمة في توليد العلم، و بذلك لا يمكن الجزم بأنّهم نظروا في الأدلّة بما يؤدّي إلى حصول العلم، فنبقى على الشكّ‌، و إذا قام الدليل على عدم حصول المعرفة لديهم جزمنا بذلك.

و قد تعرّض الشريف المرتضى إلىٰ بحث معرفة الكفّار بصورة أكثر تفصيلاً في المسألة الرابعة من المسائل الرسّيّة الأُولى، و أشار إليه بشيء من الإجمال في نهاية المسألة الأخيرة من الرسّية الثانية.

المسألة الحادية عشر: عدد أُصول الدين. و سُئل الشريف المرتضى أخيراً عن عدد أُصول الدين، فأجاب بأنّ المتكلّمين - و عنى بهم المعتزلة - قد ذكروا أنّ أُصول الدين خمسة، و ذكر أُصول المعتزلة الخمسة، و هي: التوحيد، و العدل، و المنزلة بين

المنزلتين، و الوعد و الوعيد، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. إلّاأنّه أشكل على هذا التقسيم بأنّه لم يتعرّض إلى ذكر النبوّة. فإن قيل: إنّها داخلة في العدل لأنّها من الألطاف، و اللطف داخل في العدل. فيقال لهم: إنّ الوعد و الوعيد، و المنزلة بين المنزلتين، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أيضاً من باب الألطاف و هو من فروع العدل، فلماذا أفردتموها بالذكر، و تركتم النبوّة‌؟ و لماذا لم تُدخلوا الجميع تحت باب العدل‌؟

و لذلك قال: إنّ بعض المتأخّرين قسّم أُصول الدين إلى اثنين فقط: التوحيد و العدل. و على هذا، فمن أراد الإجمال اقتصر على التوحيد و العدل، و من أراد التفصيل وجب أن يضيف النبوّة و الإمامة. فهي من الأُصول المهمّة، و لا يصحّ تركها و الإخلال بها.

و بهذا أنهى الشريف المرتضى الجواب عن المسائل الطبرية.

و كانت هذه المسائل قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 1، ص 133 - 166.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26149؛ تقع في الصفحات (3-36) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (334-372) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحات (184-191) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (268-278) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

جوابُ المَسائلِ الواردةِ مِن طَبَرِستانَ‌
اشارة

جوابُ المَسائلِ الواردةِ مِن طَبَرِستانَ‌(1)

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

المَسألةُ الأُولىٰ نسبةُ أفعالِ العبادِ إلى اللّٰهِ تعالىٰ و إليهم

سألَ الشريفُ - أحسَنَ اللّٰهُ توفيقَه - فقالَ‌: ما القولُ في أفعالِ العبادِ، هَل هي مخلوقةٌ أم لا؟

و ما معنىٰ قولِ الصادقِ عليه السلامُ‌: «أفعالُ العبادِ مخلوقةٌ خَلقَ تقديرٍ، لا خَلقَ تكوينٍ‌؛ أمرٌ بَينَ أمرَينِ‌، لا جَبرَ و لا تفويضَ‌»(2)؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

أمّا أفعالُ العِبادِ فلَيسَت مخلوقةً للّٰهِ عَزَّ و جَلَّ‌؛ و كَيفَ تَكونُ‌(3)خَلقاً له، و هي مُضافةٌ إلَى العِبادِ إضافةَ الفِعليّةِ؟

و لَو كانَت مخلوقةً لَكانَت مِن فِعلِه، و لَو كانَت فِعلاً له لَما تَوجَّهَ الذمُّ‌


1) . في النسخ: + «إملاءُ السيّدِ الأجَلِّ المُرتَضىٰ عَلَمِ الهُدىٰ قدَّسَ اللّٰهُ روحَه».

2) . التوحيد، ص 407، ح 5؛ الخصال، ص 608، ح 9؛ تحف العقول، ص 421. و في كلّها مع اختلاف في اللفظ.

3) . في النُّسخ و المطبوع: «يكون». و ما أثبتناه هو الصواب.

و المَدحُ علىٰ قَبيحِها(1)و حَسَنِها إلَى العِبادِ، كما لا يُذَمّونَ و يُمدَحونَ بخِلَقِهم و صُوَرِهم و هَيْئاتِهم(2).

و لَكانَت أيضاً لا تَتبَعُ‌(3)في وقوعِها قُصودَ(4)العِبادِ و دَواعيَهم و أحوالَهم؛ ألا تَرىٰ أنّ أفعالَه في العِبادِ - التي لا شُبهةَ فيها - لا(5)تَتبَعُ‌(6)إرادتَهم، و لا تَقَعُ‌(7)بحَسَبِ قُصودِهم‌؟(8)

هذا إن أُريدَ بالخَلقِ هاهُنا الإحداثُ و الإنشاءُ علىٰ بعضِ الوجوهِ‌.

و إن أُريدَ بالخَلقِ التقديرُ الذي لا يَتبَعُ الفِعليّةَ‌، جازَ القولُ بأنّ أفعالَ العِبادِ مخلوقةٌ للّٰهِ عَزَّ و جَلَّ كَكُلٍّ‌(9)بمعنىٰ أنه مُقدِّرٌ لها، مُرتِّبٌ لجَميعِها.

ألا تَرىٰ أنّ أهلَ اللغةِ يُسَمّونَ مُقدِّرَ الأَديمِ «خالقاً» له، و إن كانَ الأَدْمُ مِن فِعلِ غيرِه‌؟

قالَ الشاعرُ:

و لأَنتَ تَفري(10)ما خَلَقتَ‌، و بَع‍ *** ضُ القَومِ يَخلُقُ ثُمَّ لا يَفري(11)


1) . في «ج، د» و المطبوع: «قبحها».

2) . في «أ، ب، ج، د» و المطبوع: «و هيأتهم».

3) . في النُّسخ و المطبوع: «لا يتبع». و الصوابُ ما أثبتناه.

4) . في «ب، ج»: «قصور». و في «د» و المطبوع: «تصوّر».

5) . في النُّسخ و المطبوع: «و لا»، و هو سهو.

6) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «لا يتبع».

7) . في النُّسخ و المطبوع: «و لا يقع». و ما أثبتناه هو الصواب.

8) . في «ب، ج»: «قصورهم». و في «د» و المطبوع: «تصوّرهم».

9) . في النُّسخ و المطبوع: «فكلّ‌»؛ و الأنسب ما أثبتناه.

10) . في «ب»: «لا تفري». و في «ج، د» و المطبوع: «تعرى».

11) . في «ج، د» و المطبوع: «لا يعترى». و البيت من قصيدة لزهير بن أبي سُلمى، يمدح بها هَرِم بن سِنان. راجع: ديوان زهير، ص 29؛ كنزالفوائد، ص 29.

و قالَ الآخَرُ:

و لا يَئطُّ(1)بأيدي الخالِقينَ‌(2)و لا *** أيدي الخَوالِقِ‌(3)إلّاجَيِّدُ الأُدُمِ‌(4)

هذا جوابٌ لِمَن سَألَ‌(5)عن أفعالِ العِبادِ: هَل تَكونُ‌(6)مخلوقةً للّٰهِ تَعالىٰ‌، أم لا؟

فأمّا مَن سَألَ‌: هَل هي مخلوقةٌ للعِبادِ، أم لا؟

فجوابُه: أنّ الصحيحَ كَونُ العِبادِ خالِقينَ لأفعالِهم المقصودةِ المُجرىٰ بها إلَى الأغراضِ الصحيحةِ‌؛ [و] هو مَذهبُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ‌.

و خالَفَ أبو القاسمِ البَلخيُّ‌(7)في ذلكَ‌، و إن كانَ مُوافِقاً علىٰ أنّ العِبادَ يُحدِثونَ و يُنشِئونَ و يَختَرِعونَ‌.(8)

و لَيسَ يَمتَنِعُ أن يوصَفوا بأنّهم «خالِقونَ‌» لأفعالِهم؛ لأنّ «الخَلقَ‌» إن كانَ معناه إيقاعَ الفِعلِ مُقدَّراً أو مقصوداً، فهذا المعنىٰ قائمٌ بَينَ العِبادِ و أفعالِهم؛ و لا معنىٰ للامتناعِ من(9)العبارةِ‌، مع ثُبوتِ معناها.

و قد بيّنّا أنّ أهلَ اللغةِ قد سَمَّوا العَبدَ «خالِقاً»، و إليهم المَرجِعُ فيما(10)طَريقُه اللغةُ‌.


1) . في «ب»: «تيطّ». و في «ج، د» و المطبوع: «و لا تبطّ».

2) . في «ب، ج، د» و المطبوع: - «الخالقين».

3) . في «ج»: «الخير التي» بدل «الخوالق». و في «د»: «الخبر». و في المطبوع: «الخير».

4) . البيت لابن هَرمة. راجع: البيان و التبيين، ص 126؛ الأغاني، ج 4، ص 516.

5) . في «ج، د» و المطبوع: «يسأل».

6) . في «ج، د» و المطبوع: «يكون»

7) . راجع ترجمته في رسالة: «أحكام أهل الآخرة».

8) . المقالات، ص 320-321.

9) . في «ج، د» و المطبوع: «لا» بدل «من».

10) . في النسخ: «فيها». و الصواب ما أثبتناه.

و قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ‌: (فَتَبٰارَكَ اَللّٰهُ أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ‌) (1)فَجَعَلَ غَيرَه «خالِقاً»(2)بصَريحِ القولِ‌؛ و لَو(3)كان غيرُه لا يَستَحِقُّ هذا الوصفَ‌، لَم(4)يَسُغْ‌(5)أن يَقولَ‌:

(أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ‌) ، ألا تَرىٰ أنّه لمّا كانَ لا إلهَ سِواه، لَم يَحَسُنْ أن يَقولَ‌(6): «أكرَمُ الآلِهةِ‌»، أو «أحسَنُ الآلِهةِ‌(7)»؟

و إنّما استَنكَرَ(8)أبو القاسمِ البَلخيُّ إطلاقَ القولِ بأنّ الإنسانَ «خالقٌ‌» ظَنّاً منه أنّ ذلكَ أَدخَلُ في تعظيمِ اللّٰهِ عَزَّ و جَلَّ‌، و تمييزِه عمّا يَجري مِن الأوصافِ علىٰ عِبادِه. و لَيسَ الأمرُ علىٰ ما ظَنَّه؛ لِما بيّنّاه مِن إطلاقِ هذا الوصفِ علَى العِبادِ في القُرآنِ و استعمالِ أهلِ اللغةِ‌.

و ما تَوهَّمَه البَلخيُّ في التمييزِ و التخصيصِ له تَعالىٰ يَنتَقِضُ بوَصفِه - بِلا خِلافٍ بَينَه و بَينَهم(9)- للعبدِ(10)بأنّه «مُحدِثٌ‌»، «مُنشئٌ‌»، «مُختَرِعٌ‌»، كَما يَصِفُ اللّٰهَ تَعالىٰ بذلكَ‌؛ فإن(11)كانَ في الاشتراكِ في الوصفِ بالخَلقِ نَقصٌ و إبطالٌ للتعظيمِ و المَزيّةِ‌، ففي الِاشتراكِ في الوصفِ‌(12)بالإنشاءِ و الِاختراعِ مِثلُ ذلكَ‌.


1) . المؤمنون (23):14.

2) . من قوله: «و إليهم المرجع» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ج، د» و المطبوع.

3) . في «ج، د» و المطبوع: «و لمن».

4) . في «ج، د» و المطبوع: «أن».

5) . في «ب، ج، د»: «يسنع». و في المطبوع: «يشنع».

6) . من قوله: (أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ‌) إلىٰ هنا ساقط من «ب، ج، د» و المطبوع.

7) . في «ج، د» و المطبوع: - «الآلهة».

8) . في «أ، ب، ج»: «استنكره».

9) . في «أ، ب، ج»: «و بينه». و في «د» و المطبوع: «و بين». و ما أثبتناه هو المناسب السياق.

10) . في «أ»: - «للعبد». و في «ج، د» و المطبوع: «العبد».

11) . في النُّسخ و المطبوع: «و إن». و المناسبُ للسياق ما أثبتناه.

12) . في «ج، د» و المطبوع: «بالوصف» بدل «في الوصف».

و ما يَعتَذِرُ به البَلخيُّ في الِاختراعِ و الإنشاءِ إلَى المُجبِرةِ يُعتَذَرُ إليه بمِثلِه في الخَلقِ‌.

فأمّا ما رُويَ عن الصادقِ - صَلَواتُ اللّٰهِ عليه و سَلامُه - مِن(1)أنّ «أفعالَ العِبادِ مخلوقةٌ خَلقَ تقديرٍ، لا خَلقَ تكوينٍ‌» و المُرادُ بأنّها(2)مخلوقةٌ للّٰهِ تَعالىٰ علىٰ وجهِ التقديرِ لا التكوينِ‌،(3)فلَم يُرِد عليه السلامُ‌(4)أنّها مخلوقةٌ للعِبادِ علىٰ أحَدِ الوجهَينِ لا الآخَرِ؛ لأنّه عليه السلامُ لَو أرادَ ذلكَ لم يَكُن صَحيحاً؛ لأنّ أفعالَ العِبادِ مخلوقةٌ لهم خَلقَ تقديرٍ و تكوينٍ مَعاً، و مَن المُكوِّنُ‌(5)[والمُقدِّرُ] لِفعلِ العَبدِ سِواه‌؟

فأمّا معنىٰ إضافةِ الصادقِ عليه السلامُ - في الخبرِ المَرويِّ عنه(6)- أفعالَ العِبادِ إلىٰ أنّها مخلوقةٌ للّٰهِ تَعالىٰ خَلقَ تقديرٍ، فَجارٍ علىٰ ما قَدَّمنا بيانَه، مِن أنّه تَعالىٰ لمّا كانَ مُبيِّناً لها، مُفصِّلاً(7)لحَسَنِها مِن قَبيحِها،(8)مميِّزاً خَيرَها مِن شَرِّها، كانَ بذلكَ مُقدِّراً لها. و إذا كانَ مُقدِّراً، جازَ أن يُقالَ‌: إنّه خالقٌ لها؛ كَما قالوا في مُقدِّرِ الأَديمِ و مُرتِّبِه(9)و مُبيِّنِ ما يَجيءُ منه - من مَزادةٍ‌(10)أو غيرِها(11)-: إنّه خالقٌ‌.


1) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «في».

2) . في «ب»: «بأنّه». و الأنسب: «فالمراد أنّها».

3) . في «ج، د» و المطبوع: «كالتكوين» بدل «لا التكوين».

4) . في «ج، د» و المطبوع: «عليها» بدل «عليه السلام». و استُظهر في هامش المطبوع زيادة: «عليها».

5) . في «ج»: «دين» و في «د» و المطبوع: «بل» بدل «و من». و استُظهر في هامش المطبوع: «لا مكوّن» بدل «و من المكوّن».

6) . في «أ، ج، د» و المطبوع: «من». و في «ب»: «عن». و ما أثبتناه هو الموافق للسياق.

7) . في «أ، ج، د»: «مفضّلاً».

8) . في «ب، د» و المطبوع: «قبحها».

9) . في «د» و المطبوع: «و مربّيه».

10) . في «أ»: «مرارة». و في «ج، د» و المطبوع: «مراده». و المَزادةُ‌: وِعاءٌ يُحمَلُ فيه الماءُ في السفَرِ، كالقِربةِ و نحوِها. و الجمع: مَزادٌ. راجع: لسان العرب، ج 3، ص 199 (زود).

11) . في «ج، د» و المطبوع: «و غيرها».

و قد صَرَّحَ في الخبرِ بالمعنَى الذي أشَرنا إليه، و أَعرَبَ عنه أحسَنَ إعرابٍ‌؛ لقَولِه: «خَلقَ تقديرٍ، لا خَلقَ تكوينٍ‌».

فأمّا قولُه عليه السلامُ في الخبرِ: «أمرٌ بَينَ أمرَينِ‌، لا جَبَر و لا تفويضَ‌» فمِن(1)حَسَن التخليصِ‌(2)و التمييزِ للحَقِّ مِن الباطلِ‌؛ لأنّ العِبادَ غيرُ مُجبَرينَ على أفعالِهم - عندَ مَن أَنعَمَ‌(3)النظَرَ - بَل هم مُختارونَ لها، و مُوقِعونَ لجَميعِها بحَسَبِ إيثارِهم و دَواعيهِم؛ و قد لَوَّحنا في صَدرِ هذه المَسألةِ بالدَّلالةِ علىٰ ذلكَ‌.

غيرَ أنّهم، و إن كانوا غيرَ مُجبَرينَ‌، فالأمرُ في أفعالِهم غيرُ مُفوَّضٍ إليهم مِن وجهَينِ‌:

أحَدُهما: أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لَو لَم يُقدِرْهم و يُمكِّنْهم بالآلاتِ و غيرِها، لَما تَمكَّنوا مِن تلكَ الأفعالِ‌. فأشفَقَ عليه السلامُ مِن أن يَقتَصِرَ علىٰ نفيِ الإجبارِ عنهم؛ فيُظَنَّ أنّهم مُستَقِلّونَ بنُفوسِهم، و أنّهم غيرُ مُحتاجينَ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ في تلكَ الأفعالِ‌، فنَفَى التفويضَ‌؛ لِيُعلَمَ أنّ الأمرَ في تَمكُّنِهم و إقدارِهم لَيسَ إليهم.

و الوجهُ الآخَرُ: أن يَكون المُرادُ بنَفيِ التفويضِ أنّ الأمرَ في تمييزِ هذه الأفعالِ و ترتيبِها و تبيينِ‌(4)حَسَنِها مِن قَبيحِها(5)، و واجبِها مِن نَدبِها لَيسَ مُفوَّضاً(6)إليهم؛ بَل


1) . في «ب»: «و من». و في «ج، د» و المطبوع: «عن».

2) . في النُّسخ و المطبوع: «التخلّص». و أكبرُ الظنّ أنّه من سهو النُّسّاخ.

3) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «أمعن». و أنعَمَ النظَرَ في الأمر: أطالَ الفكرةَ فيه. راجع: لسان العرب، ج 12، ص 586 (نعم).

4) . في «ج»: «و يتبيّن». و في «د» و المطبوع: «و تبيّن».

5) . في «د» و المطبوع: «قبحها».

6) . في «ج»: «ليس مفرضاً».

هو ممّا يَختَصُّ اللّٰهُ عَزَّ و جَلَّ بالدَّلالةِ عليه و الإرشادِ إليه.(1)

و هذا الوجهُ أشبَهُ بالجُملةِ الأُولىٰ مِن الكلامِ‌، و تَعلُّقِ معنىٰ آخِرِ الخبرِ بأوّلِه؛ لأنّه عليه السلامُ قالَ‌: «هي مخلوقةٌ خَلقَ تقديرٍ، لا تكوينٍ‌»، ثُمَّ أَتبَعَ الكلامَ علىٰ سَبيلِ التفسيرِ و الإيضاحِ بقَولِه: «أمرٌ بَينَ أمرَينِ‌، لاجَبرَ و لا تفويضَ‌»(2)فقَولُه:(3)«لا جَبرَ» تفسيرٌ لِنَفيِ‌(4)الخَلقِ علىٰ سَبيلِ التكوينِ‌، و قولُه: «لا تفويضَ‌» إيضاحُ إثباتِ‌(5)الخَلقِ علىٰ سَبيلِ التقديرِ، و تنبيهٌ‌(6)علىٰ أنّ تقديرَها - علىٰ ما بيّنّاه - إلىٰ غيرِهم.(7)


1) . في «ج، د» و المطبوع: - «إليه».

2) . من قوله: «ثمّ أتبع الكلام» إلىٰ هنا ساقط من «ب، ج، د» و المطبوع.

3) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «و قوله».

4) . في «أ، ب»: «المعنى». و في «ج» الكلمة غير واضحة. و في «د» و المطبوع: «بأنّ‌». و المناسب للسياق ما أثبتناه.

5) . في «ب، ج، د» و المطبوع: - «إثبات».

6) . في «أ، ب، ج»: «و بيّنه». و في «د» و المطبوع: «و نبّه». و ما أثبتناه هو المناسب للسياق.

7) . في «أ»: «عليهم» بدل «إلىٰ غيرهم».

المَسألةُ الثانيةُ عَدَمُ إرادةِ اللّٰهِ تَعالَى المَعاصيَ و القَبائحَ‌

و سَألَ - أحسَنَ اللّٰهُ توفيقَه -: هَل تَكونُ‌(1)المَعاصي بإرادةِ اللّٰهِ عَزَّ و جَلَّ و مَشيئتِه، أَم لا تَكونُ‌(2)بإرادةِ اللّٰهِ؟ و هَل شاءَها تَعالىٰ و رَضيَها،(3)أم شاءَها و لَم يَرضَها؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -(4):

إنّ اللّٰهَ تَعالىٰ لَم يُرِد شَيئاً مِن المَعاصي و القَبائحِ‌، و لا يَجوزُ أن يُريدَها و لا يَشاءَها و لا يَرضاها؛ بَل هو تَعالىٰ كارهٌ ساخِطٌ(5)لها.

و الذي يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌: أنّه - جَلَّت عظمتُه - قد نَهىٰ عن سائرِ القَبائحِ و المَعاصي، بِلا خِلافٍ‌. و النهيُ إنّما يَكونُ نَهياً بكَراهِيَةِ‌(6)الناهي للفِعلِ المَنهيِّ عنه؛ و قد بُيِّنَ ذلكَ في الكُتُبِ‌،(7)و الأمرُ فيه واضحٌ لائِحٌ‌(8).


1) . في «أ، ج، د»: «يكون».

2) . في «أ، ب، ج، د»: «لا يكون». و المناسب للسياق ما أثبتناه.

3) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «و رضاها».

4) . في «ج، د» و المطبوع: + «اعلم».

5) . في «ج»: «و ساقط». و في «د» و المطبوع: «و ساخط».

6) . في «د» و المطبوع: «بكراهة».

7) . راجع: الملخّص في أُصول الدين، ص 387.

8) . في «ب، د» و المطبوع: «لا يخفى». و في «ج»: «لا يخلو» كلاهما بدل «لائح».

ألا ترى أنّ أحَدَنا لا يَجوزُ أن يَنهىٰ إلّا(1)عمّا يَكرَهُه‌؟ فلَو كانَ النهيُ في كَونِه نَهياً غيرَ مُفتَقِرٍ إلَى الكَراهِيَةِ‌(2)لَم يَجِبْ ما ذَكرناه.

و لأنّه(3)لا فَرقَ بَين قولِ أحَدِنا لغَيرِه: «لا تَفعَلْ كَذا» ناهياً له، و بَينَ قولِه: «أنا كارهٌ له»؛ كَما لا فَرقَ بَينَ قولِه: «اِفعَلْ‌» آمِراً له، و بَينَ قولِه: «أنا مُريدٌ منكَ أن تَفعَلَ‌».

و إذا كانَ - جَلَّت عظمتُه - كارِهاً لجَميعِ المَعاصي و القَبائحِ‌، مِن حَيثُ كانَ ناهياً عنها(4)، استَحالَ أن يَكونَ مُريداً لها؛(5)لِاستحالةِ أن يَكونَ مُريداً(6)كارِهاً للأمرِ الواحدِ علىٰ وجهٍ واحدٍ.

و يَدُلُّ أيضاً علىٰ ذلكَ‌: أنّه لَو كانَ مُريداً للقَبيحِ‌، لَوَجَبَ أن يَكونَ علىٰ صفةِ نَقصٍ‌(7)إن كانَ مُريداً له بِلا إرادةٍ‌، و إن كانَ مُريداً له بإرادةٍ [يَفعَلُها، لَوَجَبَ‌] أن يَكونَ فاعلاً لقَبيحٍ‌؛ لأنّ إرادةَ القَبيحِ قَبيحةٌ‌، و فاعلَها فاعلُ القَبيحِ و مُستَحِقٌّ للذمِّ‌.

و لا(8)خِلافَ في ذلكَ في الشاهِدِ،(9)كَما لا خِلافَ في قُبحِ الظلمِ مِن أحَدِنا.

و إنّما يَدَّعي مُخالِفونا حُسنَ إرادةِ القَبيحِ‌(10)إذا كانَت مِن فِعلِه تَعالىٰ‌، كما


1) . في «ج، د» و المطبوع: - «إلّا».

2) . في «ج، د» و المطبوع: «الكراهة».

3) . في «أ، ب، ج»: «و لا أنّه» بدل «و لأنّه».

4) . في «ج، د» و المطبوع: + «أن يكون».

5) . في «د» و المطبوع: + «لا».

6) . في النُّسخ و المطبوع: + «لها»، و هو سهو.

7) . في «ب، ج، د» و المطبوع: + «و ذمٍّ‌».

8) . في المطبوع: - «لا».

9) . في حاشية «د» و متن المطبوع: «الشائي».

10) . في «ب»: «القبح».

يَدَّعونَ حُسنَ‌(1)ما له(2)صفةُ الظلمِ مِن فِعلهِ تَعالىٰ‌. و ذلكَ باطلٌ بما لا شُبهةَ فيه.

و قد أكَّدَ السمعُ دليلَ العقلِ‌؛ فقالَ اللّٰهُ تَعالىٰ (وَ مَا اَللّٰهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبٰادِ) (3)، (وَ مَا اَللّٰهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعٰالَمِينَ‌) (4)، و قولُه تَعالىٰ‌: (كُلُّ ذٰلِكَ كٰانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) .(5)

و قالَ تَعالىٰ (وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ‌) (6)و إذا كانَ خَلَقَهم للعبادةِ‌، فلا يَجوزُ أن يُريدَ منهم الكُفرَ.

و قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ (وَ لاٰ يَرْضىٰ لِعِبٰادِهِ اَلْكُفْرَ) (7)، و لَو كانَ مُريداً له لَكانَ شائياً له و راضياً به.

و قد أجمَعَ المُسلِمونَ علىٰ أنّه تَعالىٰ لا يَرضىٰ أن يُكفَرَ به، و يُشتَمَ أولياؤه، و يُكذَّبَ أنبياؤه و يُفتَرىٰ عليهم.

فأمّا تَعلُّقُ المُخالِفِ بأنّه لَو حَدَثَ مِن العبادِ ما لا يُريدُه تَعالىٰ‌، لَدَلَّ ذلكَ علىٰ ضَعفِه(8)قياساً علىٰ رَعيّةِ المَلِكِ إذا فَعَلوا ما يَكرَهُه و لا(9)يُريدُه.

فباطلٌ‌؛ الجوابُ عنه أنّه: غيرُ مُسلَّمٍ لهم أنّ جميعَ ما يُريدُه المَلِكُ مِن رَعيّتِه إذا


1) . في «أ»: «خسر».

2) . في «ج»: «حاله» بدل «ما له». و في «د» و المطبوع: «حالة» بدلاً منه.

3) . غافر (40):31.

4) . آل عمران (3):108.

5) . الإسراء (17):38.

6) . الذاريات (51):56.

7) . الزُّمَر (39):7.

8) . في «ج، د» و المطبوع: «صفة».

9) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «و ما».

وَقَعَ منهم خِلافُه دَلَّ‌(1)علىٰ ضَعفِه؛ لأنّه لو أرادَ منهم ما يَعودُ صَلاحُه و نَفعُه عليهم لا عليه، لَم يَكُن في ارتفاعِه و وقوعِ خِلافِه ضَعفٌ‌.

ألا تَرىٰ أنّ رَعيّةَ المَلِكِ المُسلِمِ يُريدُ مِن جميعِهم أن يَكونوا علىٰ دينِه، لا لنَفعٍ يَرجِعُ إليه، بَل إليهم، و قد يَكونُ مِن جُملتِهم اليَهودُ و النصارىٰ و المُخالِفُ لدينِ الإسلامِ‌، و لا يَكونُ في تَمسُّكِ هؤلاءِ بأديانِهم و اختلافِهم إلىٰ ثُبوتِ عاداتِهم(2)دَلالةٌ علىٰ ضَعفِ مَلِكِهم و نَقصِه‌؟

و إنّما يَضعُفُ المَلِكُ بخِلافِ رَعيّتِه له إذا كانَ مُتكثِّراً بطاعتِهم، مُنتَفِعاً بنُصرتِهم، مُعْتَضِداً(3)بقُوّتِّهم. فمتىٰ خالَفوه(4)اقتَضَى الخِلافُ ضَعفَه؛ لِفَوتِ مَنافعِه، و انتفاءِ نُصرتِه و مَعونتِه.

و القَديمُ‌، تَعالىٰ عن أن يَنتَفِعَ بطاعاتِ العِبادِ، و إنّما هُم المُنتَفِعونَ بذلكَ‌؛ فلا ضَعفَ يَلحَقُه مِن مَعاصيهِم،(5)و لا فَوتَ نَفعٍ‌.

و يَلزَمُ المُحتَجَّ‌(6)بهذه الشُّبهةِ الضعيفةِ أن يَضعُفَ اللّٰهُ - تَعالىٰ عن ذلكَ عُلوّاً كَبيراً - لوقوعِ ما نَهىٰ عنه و لَم يأمُرْ به مِن عِبادِه، قياساً علَى المَلِكِ و رَعيّتِه؛ فإنّ مَن يَضعُفُ مِن مُلوكِنا بفِعلِ رَعيّتِه لِما يَكرَهُه و لا يُريدُه، يَضعُفُ بأن يَفعَلوا ما نَهاهم عنه و لَم يأمُرْهم به(7).


1) . في «ج، د» و المطبوع: «خلاف ذلّ‌» بدل «خلافه دلّ‌».

2) . كذا، و في الملخّص، ص 390: «الاختلاف إلى البيعة و الكنيسة».

3) . في «ب»: «معتضد». و في «ج، د» و المطبوع: «مقتصداً».

4) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «خالفن». و استُظهر في هامش المطبوع: «خالفوا».

5) . في المطبوع: «معاصيه».

6) . في «ب»: «المجتمع». و في «ج، د» و المطبوع: «المنتج».

7) . في المطبوع: - «و لم يأمرهم به».

و يَجِبُ أيضاً أن يَكونَ اللّٰهُ تَعالىٰ إذا كانَ آمِراً للكُفّارِ(1)بالإيمانِ و العُصاةِ بالطاعاتِ أن يَكونَ آمِراً لهم أن يُضعِفوه و يَغلِبوه و يَقهَروه! و هذا ممّا لا يَقولُه عاقلٌ‌.

و قد استَقصَينا الكلامَ في هذا البابِ في كتابِنا المعروفِ ب‍ «المُلخَّصِ في أُصولِ الدينِ‌».(2)و في القَدرِ الذي أَورَدناه(3)هاهُنا(4)كِفايةٌ‌.


1) . في «ج، د» و المطبوع: «أمر الكفّار» بدل «آمراً للكفّار».

2) . راجع: الملخّص في أُصول الدين، ص 385-394.

3) . في «أ، ب، ج»: «أوردنا».

4) . في المطبوع: - «هاهنا».

المَسألةُ الثالثةُ القولُ في الِاستطاعةِ‌

و سَألَ - أدامَ اللّٰهُ حِراستَه - فقالَ‌: ما القولُ في الِاستطاعةِ؟ و هَل تَكونُ قَبلَ الفِعلِ‌، أو معه‌؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -.

إنّ الاستطاعةَ هي القُدرةُ علَى الفِعلِ‌، و القُدرةُ التي يُفعَلُ بها الفِعلُ لا تَكونُ‌(1)إلّاقَبلَه، و لا تَكونُ‌(2)معه في حالِ وجودِه.

و الذي يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌: أنّ القُدرةَ إنّما يُحتاجُ إليها ليَحدُثَ بها الفِعلُ‌، و يَخرُجَ بها مِن العدمِ إلَى الوجودِ؛ فمتىٰ وُجِدَت(3)و الفِعلُ موجودٌ، فقَد وُجِدَت(4)في حالِ استغنائه عنها؛ لأنّه لَو(5)لَم يَستَغنِ بوجودِه عن مؤثِّرٍ في وجودِه، و إنّما يَستَغني في حالِ البَقاءِ عن(6)مؤثِّراتِ الوجودِ؛ لحُصولِ الوجودِ، لا لشَيءٍ‌(7)سِواه.


1) . في النُّسخ و المطبوع: «لا يكون». و ما أثبتناه هو المناسب للسياق.

2) . في النُّسخ و المطبوع: «و لا يكون». و ما أثبتناه هو المناسب للسياق.

3) . في «ج، د» و المطبوع: «وجبت».

4) . في «ج»: «وجوب». و في «د» و المطبوع: «وجب».

5) . كذا، و الظاهر زيادة «لو».

6) . في «د» و المطبوع: «من».

7) . في «ج، د» و المطبوع: «لا بشيء».

و لَيسَ يُمكِنُ أن تُنزَّلَ‌(1)القُدرةُ في مُصاحَبتِها للفِعلِ الذي تؤثِّرُ فيه مَنزِلةَ العِلّةِ المُصاحِبةِ للمعلولِ‌؛ لأنّ القُدرةَ لَيسَت عِلّةً في المقدورِ، و لا موجِبةً له؛ بَل تأثيرُها تأثيرُ(2)اختيارٍ و إيثارٍ، مِن غيرِ إيجابٍ‌؛ لِما قد بُيِّنَ في مَواضِعَ كَثيرةٍ مِن الكُتُبِ‌.(3)

و لَولا أنّها مُفارِقةٌ للعِلّةِ بغَيرِ شُبهةٍ‌، لَاحتاجَ المقدورُ في حالِ بَقائه إليها كحاجتِه في حالِ حُدوثِه؛ لأنّ العِلّةَ يَحتاجُ المعلولُ إليها في كِلا(4)حالتَيه؛(5)مِن حُدوثٍ أو بَقاءٍ‌. و لا خِلافَ في أنّ القُدرةَ يَستَغني عنها المقدورُ في حالِ بَقائه.

و قد قال الشُّيوخُ مؤكِّدينَ لهذا المعنىٰ‌: فمَن كانَ في يَدِه شَيءٌ فألقاه، لا تَخلو(6)استطاعةُ إلقائه مِن أن تَكونَ‌(7)ثابتةً و الشيءُ في يَدِه أو خارجٌ عنها.

فإن كانَت ثابتةً و الشيءُ في يَدِه، فقَد دَلَّ علىٰ تَقدُّمِها(8)، و هو الصحيحُ‌. و إن كانَت ثابتةً و الشيءُ خارجٌ عن يَدِه مُلقىً عنها، فقَد قَدَرَ علىٰ أن يُلقيَ ما لَيسَ في يَدِه، و هذا مُحالٌ‌. و لَيسَ بَينَ كَونِ الشيءِ في يَدِه و كَونِه خارجاً عنها واسطةٌ و مَنزِلةٌ ثالثةٌ‌.

و ممّا يَدُلُّ أيضاً علىٰ أنّ الِاستطاعةَ قَبلَ الفِعلِ‌: أنّها لَو كانَت مع الفِعلِ كانَ الكافرُ


1) . في «أ، ب، د»: «أن ينزّل».

2) . في «ج، د»، و المطبوع: - «تأثير».

3) . راجع: الذخيرة في علم الكلام، ص 83.

4) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «كلّ‌».

5) . في «ج»: «حاليّة». و في «د» و المطبوع: «حالة».

6) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «لا يخلو».

7) . في «أ، ج، د»: «أن يكون».

8) . في «ج، د» و المطبوع: «تقديمها».

غيرَ قادرٍ علَى الإيمانِ‌؛ لأنّه لَو قَدَرَ علَى الإيمانِ‌(1)لَكانَ‌(2)الإيمانُ موجوداً منه، علىٰ هذا المَذهبِ الفاسدِ. و لَو لَم يَكُن قادراً علَى الإيمانِ لَما حَسُنَ أن يؤمَرَ به و يُعاقَبَ علىٰ تَركِه، كَما لا يُعاقَبُ العاجزُ عن الإيمانِ بتَركِه و لا يؤمَرُ به. و لا فَرقَ بَينَ العاجزِ و الكافرِ علىٰ مَذاهبِهم؛ لأنّهما جميعاً غيرُ قادرَينِ علَى الإيمانِ و لا مُتمكِّنَينِ منه.

[و أيضاً:] قد قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ (وَ لِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعٰالَمِينَ‌) ،(3)فشَرَطَ تَوجُّهَ الأمرِ بالِاستطاعةِ له(4)، فلَو لا أنّها مُتقدِّمةٌ للفِعلِ‌، و أنّه يَكونُ مُستَطيعاً للحَجِّ و إن لَم يَفعَلْه، لَوَجَبَ أن يَكونَ الأمرُ بالحَجِّ إنّما تَوجَّهَ إلىٰ مَن فَعَلَه و وُجِدَ منه! و هذا مُحالٌ‌.

و قد بيّنّا الكلامَ في الِاستطاعةِ‌(5)و أحكامِها في مَواضِعَ كَثيرةٍ مِن كُتُبِنا،(6)و في هذه الجُملةِ مَقنَعٌ‌(7).


1) . في «د» و المطبوع: - «لأنّه لو قدر على الإيمان». و المراد بالعبارة: أن تكون له قدرة حاصلة مع الإيمان (الفعل)، لا قبله.

2) . في «ج، د» و المطبوع: «لمكان».

3) . آل عمران (3):97.

4) . أي للفعل، و هو الحجّ في الآية الكريمة.

5) . في «ج، د» و المطبوع: - «في الاستطاعة».

6) . راجع: الذخيرة في علم الكلام، ص 80 و ما بعدها.

7) . في «ج»: «فقيع». و في «د» و المطبوع: «مقنعة».

المَسألةُ الرابعةُ الوعيدُ و الشفاعةُ‌

و سَألَ - أحسَنَ اللّٰهُ توفيقَه - في الوَعيدِ: و هَل يَكونُ العَبدُ المُسلِمُ خالداً مُخلَّداً في النارِ بكَبيرةٍ واحدةٍ أو تَلحَقُه الشفاعةُ إذا ماتَ مِن غيرِ تَوبةٍ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ العَبدَ المُسلِمَ المؤمِنَ لا يَجوزُ أن يَكونَ مُخلَّداً في النارِ بعِقابِ مَعاصيهِ‌؛ لأنّ الإيمانَ يُستَحَقُّ به الثوابُ الدائمُ و النعيمُ المُتَّصِلُ‌، و الكَبيرةَ التي واقَعَها المؤمنُ إنّما يُستَحَقُّ بها(1)العِقابُ المُنقَطِعُ‌، و لا تأثيرَ لعِقابِها المُستَحَقِّ في ثَوابِ الإيمانِ المُستَحَقِّ‌.

و إذا لَم يَقَعْ تَحابُطٌ بَينَ المُستَحَقَّينِ‌، فهُما(2)علىٰ حالِهما؛ لَم يؤثِّرْ أحَدُهما في صاحبِه. فلَو خُلِّدَ المؤمنُ بعِقابِ معصيتِه في النارِ، لَوَجَبَ أن يَكونَ ممنوعاً حَقَّه مِن الثوابِ‌، و مبخوساً(3)نَصيبَه مِن النعيمِ‌.

و أمّا الشفاعةُ‌، فهي(4)مَرجُوّةٌ له في إسقاطِ عِقابِه، و غيرُ مقطوعٍ عليها فيه. فإن


1) . في «د» و المطبوع: «به».

2) . في «ج»: «فيها». و في «د» و المطبوع: «فيهما».

3) . في «أ، ج»: «و منحوساً». و في «ب»: «و منحرساً». و «البخس»: الناقص؛ و «المبخوس» مثله. راجع: الصحاح، ج 3، ص 907 (بخس).

4) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «فهو».

وَقَعَت فيه الشفاعةُ‌، أسقَطَت عقابَه؛ فلَم يَدخُلِ النارَ، و خَلَصَ له الثوابُ‌. و إن لَم تَقَعِ الشفاعةُ فيه، عوقِبَ في النارِ بقَدرِ استحقاقِه، و أُخرِجَ إلَى الجَنّةِ فأُثيبَ فيها(1)ثَواباً دائماً، كَما استَحقَّه بإيمانِه.

فإن قيلَ‌: كُلُّ ما ذَكَرتُموه يَجري مَجرَى الدعوىٰ‌(2)، و فيه خِلافٌ‌.

قُلنا: الأمرُ كذلكَ‌، و إنّما كانَ غرضُنا أن نُبيِّنَ كَيفيّةَ المَذهبِ في هذه المَسألةِ‌، و كَيفَ يُبنَى القولُ فيها علىٰ المَذاهبِ الصحيحةِ‌.

و الأدِلّةُ و البَراهينُ علىٰ صِحّةِ هذه المَذاهبِ و فَسادِ ما عَداها موجودةٌ مُستَقصاةٌ في كلامِنا علىٰ أهلِ الوَعيدِ و نُصرةِ القولِ بالإرجاءِ في «جوابِ مَسائلِ أهلِ المَوصِلِ‌»(3)، غيرَ أنّا لا نُخْلي هذا الموضِعَ مِن إشارةٍ خفيفةٍ‌(4)لطيفةٍ إلَى الحُجّةِ و وجهِ الدَّلالةِ‌، فنَقولُ‌:

أمّا الدَّلالةُ علىٰ أنّ‌(5)الايمانَ يُستحَقُّ به الثوابُ الدائمُ‌، فهو الإجماعُ و السمعُ‌؛ لأنّ العقلَ عندَنا لا يَدُلُّ علىٰ دوامِ ثَوابٍ و لا عِقابٍ‌، و إن دَلَّ علَى استحقاقِهما في الجُملةِ‌.

و قد أجمَعَ المُسلِمونَ - علَى اختلافِ مَذاهِبهم - علىٰ أنّ الإيمانَ يُستحَقُّ به الثوابُ الدائمُ‌، و أنّ مَن(6)لَم يُحبِطْ ثَوابَه بما يَفعَلُه مِن المَعاصي المُستحَقِّ عليها العِقابُ العظيمُ يَرِدُ(7)القيامةَ مُستَحِقّاً مِن ثَوابِ الإيمانِ ما كانَ يَستَحِقُّه عَقيبَ فِعلِه.


1) . في «د» و المطبوع: «فيه».

2) . في المطبوع: + «فيه».

3) . أي جواب المسائل الموصليّات الأُولى، و هي مفقودة.

4) . في «ج، د» و المطبوع: «خفيّة».

5) . في «ج، د»: - «أنّ‌». و جاء في المطبوع بين معقوفين.

6) . في «ج، د» و المطبوع: - «من».

7) . في النُّسخ «ترد»، و هو سهو.

و إذا ثَبَتَت(1)هذه الجُملةُ‌، نَظَرنا في المعصيةِ التي يأتي بها هذا المؤمِنُ و يَفعَلُها، و هو مُحرِّمٌ لها(2)غيرُ مُستَحِلٍّ للإقدامِ‌(3)عليها، فقُلنا: لا بُدَّ أن يَكونَ مُستَحِقّاً عليها العِقابَ‌؛ بدليلِ العقلِ و الإجماعِ أيضاً.

و ثَبَتَ‌(4)أنّه لا يَجوزُ أن يؤثِّرَ الثوابُ المُستحَقُّ في العِقابِ المُستحَقِّ فيُبطِلَه، و لا العِقابُ المُستحَقُّ علَى الثوابِ المُستحَقِّ فيُبطِلَه؛ لفَسادِ التحابُطِ عندَنا بَينَ الأعمالِ و بَينَ‌(5)المُستحَقِّ عليها؛ بما(6)قد بيّنّاه في مَواضِعَ كَثيرةٍ‌، خاصّةً في الكتابِ الذي أشَرنا إليه.(7)

و مِن قَويِّ ما يَدُلُّ علىٰ نفيِ التحابُطِ بَينَ الثوابِ و العِقابِ‌: أنّ الشيءَ إنّما يَنفي غيرَه و يُبطِلُه و يُحبِطُه إذا ضادَّه و نافاه(8)، أو نافىٰ ما(9)يَحتاجُ ذلك الشيءُ في وجودِه إليه. و لا(10)تَضادَّ و لا تَنافيَ بَينَ الثوابِ و العِقابِ المُستحَقَّينِ‌؛ لأنّ الثوابَ قد يَكونُ مِن جنسِ العِقابِ‌، و لَو خالَفَه لَما انتَهىٰ إلَى التنافي و التضادِّ.

و لَو كانَ هُناكَ‌(11)تَضادٌّ أو تَنافٍ‌(12)لَكانَ علَى الوجودِ؛ كتَنافي(13)سائرِ


1) . في «ج، د» و المطبوع: «ثبت».

2) . في «ج، د» و المطبوع: «لها».

3) . في «د» و المطبوع: «الإقدام».

4) . في «ج، د» و المطبوع: «و مثبت».

5) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «و عند». و استُظهر في هامش المطبوع زيادةُ الواو.

6) . في «ج، د» و المطبوع. «و ربّما».

7) . يريد المسائل الموصليّات الأُولى. و راجع: الذخيرة في علم الكلام، ص 521.

8) . في «ج، د» و المطبوع: «أو نافاه».

9) . في «ج، د» و المطبوع: «أمّا فيما» بدل «أو نافىٰ ما».

10) . في «ج، د» و المطبوع: «لا» بدون واو العطف.

11) . في «ب»: «لا» بدل «هناك».

12) . في النُّسخ و المطبوع: «تنافي»؛ سهواً من أقلام النُّسّاخ، و جهلاً منهم بلغة الضاد.

13) . في المطبوع: «كنافي».

المُتَضادّاتِ‌. و المُستحَقُّ مِن الثوابِ و العِقابِ لا يَكونُ إلّامعدوماً، و التنافي لا يَصِحُّ بَينَ المعدوماتِ‌؛ فكَيفَ يُعقَلُ قولُهم: إنّ المُستحَقَّ مِن العِقابِ المعدومِ أبطَلَ المُستحَقَّ مِن الثوابِ المعدومِ؟!

و إذا بَطَلَ الإحباطُ، فلا بُدَّ مِن أن يَكونَ «مَن ضَمَّ إلَى الإيمانِ المَعاصيَ الموسومةَ بالكبائرِ» مِن أن يَرِدَ القيامةَ و هو مُستَحِقٌّ لثَوابِ إيمانِه و عِقابِ معصيتِه؛ فإن لَم يُغفَر عِقابُه - إمّا ابتداءً‌، أو بشَفاعةٍ - عوقِبَ بقَدرِ استحقاقِه، ثُمَّ نُقِلَ إلَى الجَنّةِ‌، فخُلِّدَ(1)فيها بقَدرِ استحقاقِه(2).

و لَيسَ لقائلٍ أن يَقولَ‌: ألّاجَوَّزتم أن يُستحَقَّ بكَبائرِ(3)الذُّنوبِ العِقابُ الدائمُ؟

فإن قلتم: كَيفَ يَستَحِقُّ العِقابَ الدائمَ مَن يَستَحِقُّ الثوابَ الدائمَ‌، و في فِعلِ‌(4)أحَدِ المُستحَقَّينِ قَطعٌ عن المُستحَقِّ الآخَرِ؟

قيلَ لكم: ألّاجَوَّزتم أن يُثابَ أحياناً في الجَنّةِ و يُعاقَبَ‌(5)أحياناً في النارِ، و يُوَفَّرَ عليه في حال ثَوابِه ما فاتَه مِن الثوابِ في أوقاتِ عِقابِه تَوفيراً واجباً، و يُوَفَّرَ عليه(6)في أوقاتِ عِقابِه ما فاتَه منه في أوقاتِ ثَوابِه إن شاءَ [اللّٰهُ تعالىٰ‌] مُعاقَبتَه - فإنّ هذا لَيسَ بواجبٍ كالأوّلِ - ثُمَّ لا يَزالُ علىٰ هذا أبَداً سَرمَداً مُعاقَباً مُثاباً؟ فكَيفَ زَعمتم أنّ الدائمَينِ مِن الثوابِ و العِقابِ لا يَجتَمِعُ استحقاقُهما؟


1) . في «أ»: «مخلّد». و في «ج، د»: فتخلّد». و في المطبوع: «فيخلد».

2) . المراد من «بقدر استحقاقه» هنا: الإشارة إلىٰ ما ذكره سابقاً من أنّ «الإيمان يُستحَقُّ به الثوابُ الدائمُ‌».

3) . في «ج، د» و المطبوع: «بكبار».

4) . في «ج، د» و المطبوع: - «فعل».

5) . في «أ، ب، ج»: «و نعاقب».

6) . من قوله: «في حال ثوابه» إلىٰ هنا ساقط من «د» و المطبوع.

و الجوابُ عن ذلكَ‌: إنّ العقلَ غيرُ مانعٍ مِن أن يَجريَ الأمرُ علىٰ ما ذُكِرَ في السؤالِ‌، غيرَ أنّ السمعَ و الإجماعَ مَنَعا منه؛ و لا خِلافَ بَينَ الأُمّةِ - علَى اختلافِ مَذاهبِها(1)- أنّ مَن أُدخِلَ الجَنّةَ و أُثيبَ‌(2)فيها لا يَخرُجُ إلَى النارِ. و إذا كانَ الإجماعُ يَمنَعُ مِن هذا التنزيلِ و(3)التقديرِ الذي(4)تَضمَّنَه(5)السؤالُ‌، فلَم يَبقَ بَعدَه إلّاما ذَكرناه مِن القَطعِ علىٰ أنّ عِقابَ المَعاصي التي لَيسَت بكُفرٍ مُنقَطِعٌ‌.

و إنّما قُلنا: إنّ الشفاعةَ مَرجُوّةٌ في إسقاطِ عِقابِ المَعاصي الواقعةِ من المؤمِنينَ‌؛ لأنّ الإجماعَ حاصلٌ علىٰ أنّ للنبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه شَفاعةً في أُمّتِه مقبولةً مسموعةً‌.

و حقيقةُ الشفاعةِ و فائدتُها: طَلَبُ إسقاطِ العِقابِ عن مُستَحِقّه، و إنّما تُستَعمَلُ‌(6)في طَلَبِ إيصالِ المَنافعِ مَجازاً و تَوَسُّعاً. و لا خِلافَ في أنّ طَلَبَ إسقاطِ الضرَرِ و العِقابِ يَكونُ شَفاعةً علَى الحقيقةِ‌، فلَم يَبقَ إلّا أن نُبيِّنَ أنّ طَلَبَ إيصالِ النفعِ لَيسَ بشَفاعةٍ حقيقةً‌؛(7)و الذي يُبيِّنُ ذلكَ‌: أنّه لَو كانَ شَفاعةً علَى التحقيقِ‌، لَكُنّا شافعِينَ في النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ لأنّا مُتعبَّدونَ بأن نَطلُبَ له عليه السلامُ مِن اللّٰهِ عَزَّ و جَلَّ الزيادةَ مِن كَراماتِه، و التعليةَ لمَنازلِه، و التوفيرَ مِن كُلِّ خَيرٍ


1) . في «ج، د» و المطبوع: «مذهبها».

2) . في «ج، د» و المطبوع: «و أثبت».

3) . في «ب، ج، د» و المطبوع: - «التنزيل و».

4) . في غير «ب، ج، د» و المطبوع: «الذين».

5) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «تضمّنها».

6) . في النسخ و المطبوع: «يستعمل». و الأنسب ما أثبتناه.

7) . من قوله: «فلم يبق إلّا» إلى هنا ساقط من «ج، د» و المطبوع.

لحُظوظِه.(1)و لا إشكالَ في أنّا غيرُ شافعِينَ فيه عليه السلامُ‌؛ لا لفظاً و لا معنىً‌.

و لَيسَ لهم أن يَقولوا: إنّما(2)لَم يَسُغِ‌(3)القولُ بأنّا شافعونَ‌(4)له لنُقصانِ رُتبَتِنا عن رُتبَتِه، و الشافعُ يَجبُ‌(5)أن يَكونَ أعلىٰ رُتبةً مِن المشفوعِ فيه.

و ذلكَ‌: أنّ الاعتبارَ منهم للرُّتبةِ‌(6)غلطٌ فاحشٌ‌؛ لأنّ الرُّتبةَ إنّما تُعتَبَرُ - بحَيثُ تُعتَبَرُ(7)- بَينَ المُخاطِبِ و المُخاطَبِ‌، و لا يَعتَبِرُها أحَدٌ بَينَ المُخاطِبِ و المُخاطَبِ فيه.

ألا تَرىٰ أنّ الآمِرَ لا بُدَّ أن يَكونَ أعلىٰ رُتبةً مِن المأمورِ، و الناهيَ لا بُدَّ أن يَكونَ أعلىٰ مَنزِلةً مِن المَنهيِّ‌، و لا اعتبارَ(8)بمَن يَتعلَّقُ الأمرُ به - مِن المأمورِ فيه - في كَونِه مُنخَفِضَ الرُّتبةِ‌(9)أو عاليَ المكانِ‌؛ بَل الِاعتبارُ في الرُّتبةِ بَينَ المُتَخاطِبَينِ؟

و الشفاعةُ يُعتَبَرُ فيها الرُّتبةُ‌(10)لا مَحالةَ‌(11)، لكِنْ بَينَ الشافعِ و المشفوعِ إليه، لا(12)يُسمّىٰ شافعاً إلّاإذا كانَ‌(13)أدوَنَ رُتبةً مِن المشفوعِ إليه(14)، و حُكمُ المشفوعِ‌


1) . في «ج، د» و المطبوع: «بحظوظه».

2) . في «ج»: «أمّا». و في «د» و المطبوع: «إنّا».

3) . في «ج»: «لم يمنع». و في «د» و المطبوع: «لم نمنع».

4) . في «ج، د» و المطبوع: «شافعوه».

5) . في «د»: «يحرى». و في «ج» و المطبوع: «يجزي».

6) . في «د» و المطبوع: «و ذلك لأنّ اعتبار الرتبة منهم».

7) . في «ب، ج، د» و المطبوع: - «بحيث تعتبر».

8) . في «ج، د» و المطبوع: - «اعتبار».

9) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «المرتبة».

10) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «المرتبة».

11) . في «د» و المطبوع: - «لامحالة».

12) . كذا، و الأنسب: «فلا».

13) . في «ج، د» و المبطوع: + «أحد».

14) . في «ج، د» و المطبوع: - «إليه».

فيه في أنّه لا اعتبارَ برُتبتِه(1)حُكمُ المأمورِ فيه في ذلكَ‌(2).

و ممّا يَدُلُّ علىٰ أنّ‌(3)شَفاعةَ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إنّما هي في إسقاطِ العِقابِ دونَ إيصالِ المَنافعِ‌: الخبرُ المُتَظاهِرُ(4)المُجمَعُ علىٰ قبولِه - و إن كانَ الخِلافُ في تأويلِه - مِن قولِه عليه السلامُ‌: «أعدَدتُ شَفاعتي لأهلِ الكَبائرِ مِن أُمّتي»(5)فهَل تخصيصُ أهلِ الكَبائرِ بالشفاعةِ إلّالأجلِ استحقاقِهم للعِقابِ؟

و لَو كانَت الشفاعةُ في المَنافعِ‌، لَم يَكُن لهذا القولِ معنىً‌؛ لأنّ أهلَ‌(6)الكَبائرِ كغَيرِهم في الانتفاعِ بزيادةِ‌(7)النفعِ‌.

و كُلُّ‌(8)هذا واضحٌ لِمَن تأمَّلَه.


1) . في «ب»: «مرتبة». و في «ج، د» و المطبوع: «رتبة».

2) . في «ب»: «كلّه». و في «ج، د» و المطبوع: «كلمة».

3) . في المطبوع: - «أنّ‌».

4) . في المطبوع و حاشية «د»: «المتضافر».

5) . كتاب من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 574، ج 4963؛ الأمالي للصدوق، ص 56، المجلس 2، ح 11؛ التوحيد، ص 407، ح 6؛ مسند أحمد، ج 3، ص 213؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 421، ح 4739؛ سنن الترمذيّ‌، ج 4، ص 45، ح 2553.

6) . في «ب»: «لأهل» بدل «لأنّ أهل».

7) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «بدون».

8) . في المطبوع: - «و كلّ‌».

المَسألةُ الخامسةُ القُرآنُ مُحدَثٌ غيرُ مخلوقٍ‌

و سَألَ - أحسَنَ اللّٰهُ توفيقَه - عن القُرآنِ هَل هو مخلوقٌ أو غيرُ مخلوقٍ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ القُرآنَ مُحدَثٌ لا مَحالةَ‌، و أماراتُ الحَدَثِ في الكلامِ أبيَنُ و أظهَرُ منها في الأجسامِ و كَثيرٍ مِن الأعراضِ‌؛ لأنّ الكلامَ يُعلَمُ تَجدُّدُه بالإدراكِ‌(1)، و تَقضّيهِ‌(2)بفَقدِ الإدراكِ‌، و المُتجدِّدُ لا يَكونُ إلّامُحدَثاً، و المُتَقضّي(3)لا يَكونُ قَديماً، و ما لَيسَ بقَديمٍ و هو موجودٌ فمُحدَثٌ‌؛(4)فكَيفَ لا يَكونُ القُرآنُ مُحدَثاً؟

و له أوّلٌ و آخِرٌ و أبعاضٌ و أجزاءٌ‌؛(5)و(6)[هي] أماراتُ الحَدَثِ‌.

و هو موصوفٌ بأنّه «مُنزَّلٌ‌»(7)و «مُحكَمٌ‌»(8)، و لا يَليقُ بهذه الأوصافِ القَديمُ‌.


1) . أي بالمعرفة الحسّيّة، و المقصود هنا خصوص الحاسّة السامعة.

2) . في «ج» و حاشية «د»: «و تقتضيه». و في «د» و المطبوع: «و نقيضه».

3) . في «أ، ب، ج» و حاشية «د»: «و المقتضي». و في «د» و المطبوع: «والنقيض».

4) . في «د» و المطبوع: «محدث» بدون الفاء.

5) . في «ج، د» و المطبوع: «رابعاً جزاء جزاء» بدل «و أبعاضٌ و أجزاءٌ‌».

6) . في «ب، ج، د» و المطبوع يوجد في هذا الموضع بياض.

7) . الأنعام (6):114.

8) . هود (11):1.

و قد وَصَفَه اللّٰهُ تَعالىٰ بأنّه «عَرَبيٌّ‌»(1)، و أضافَه إلَى العَرَبيّةِ‌؛ و معلومٌ أنّ العَرَبيّةَ‌(2)لها(3)أوّلٌ‌، فما(4)أُضيفَ إليها لا بُدَّ أن يَكونَ مُحدَثاً ذا أوّلٍ‌(5).

و قد وَصَفَ اللّٰهُ تَعالَى القُرآنَ بأنّه «مُحدَثٌ‌»(6)مُصرِّحاً غيرَ مُلوِّحٍ‌، و لا يَجوزُ أن يَصِفَه بغَيرِ ما يَستَحِقُّه مِن الأوصافِ‌.

فأمّا الوصفُ للقُرآنِ بأنّه «مخلوقٌ‌»، فالواجبُ الامتناعُ منه، و العُدولُ‌(7)عن إطلاقِه؛ لأنّ اللغةَ العربيّةَ تَقتَضي فيما وُصِفَ مِن الكلامِ بأنّه مخلوقٌ أو مُختَلَقٌ أنّه مكذوبٌ مُضافٌ إلىٰ غيرِ فاعلِه، و لهذا قالَ اللّٰهُ عَزَّ و جَلَّ‌: (إِنْ هٰذٰا إِلاَّ اِخْتِلاٰقٌ‌) (8)، (إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ خُلُقُ اَلْأَوَّلِينَ‌) (9)، (وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً) (10)، و لا فَرقَ بَينَ قولِ العَرَبيِّ لغَيرِه: كَذَبتَ‌، و بَينَ قولِه: خَلَقتَ كلامَكَ و اختَلَقتَه؛ و لهذا يَقولونَ‌: قَصيدةٌ مَخلوقةٌ‌، إذا أُضيفَت إلىٰ غيرِ قائلِها و فاعلِها. و هذا تَعارُفٌ ظاهرٌ في هذه اللفظةِ‌، يَمنَعُ مِن إطلاقِ لفظةِ «الخَلقِ‌» علَى القُرآنِ‌.

و قد وَرَدَ عن أئمّتِنا عليهم السلامُ في هذا المعنىٰ أخبارٌ كثيرةٌ تَمنَعُ مِن وصفِ‌


1) . الشعراء (26):195.

2) . في المطبوع: «العرب».

3) . في «ب، ج، د» و المطبوع يوجد في هذا الموضع بياض.

4) . في النُّسخ و المطبوع: «فيما»، و هو سهو.

5) . في «ج، د» و المطبوع: «إذا دلّ‌» بدل «ذا أوّل».

6) . الأنبياء (21):2؛ الشعراء (26):5.

7) . في «ج»: «و المعدول». و في المطبوع: «و العدل».

8) . ص (38):7.

9) . الشعراء (26):137. و في «ج»: - (إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ خُلُقُ‌). و هذه الآية ساقطة من المطبوع.

10) . العنكبوت (29):17.

القُرآنِ بأنّه مخلوقٌ‌، و أنّهم عليهم السلامُ قالوا: «لا خالقٌ‌، و لا مخلوقٌ‌»(1).

و رُويَ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ أنّه قالَ في قِصّةِ التحكيمِ‌: «إنّني ما حَكَّمتُ مخلوقاً، و إنّما حَكَّمتُ كِتابَ اللّٰهِ عَزَّ و جَلَّ‌»(2).

و يُشبِهُ أن يَكونَ الوجهُ في منعِ أئمّتِنا عليهم السلامُ مِن وصفِ القُرآنِ بأنّه «مخلوقٌ‌» ما ذَكرناه، و إن لَم يُصرِّحوا به عليهم السلامُ‌.


1) . تفسير العيّاشي، ج 1، ص 6، ح 14 (عن الباقر عليه السلام)؛ الكامل لابن عَدي، ج 1، ص 199 (عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله). و ورد مع اختلاف في اللفظ في: الأمالي للصدوق، ص 639، المجلس 76، ح 862؛ و التوحيد، ص 223، ح 1 (في كليهما عن الإمام الرضا عليه السلام).

2) . التوحيد، ص 225، ح 6؛ الإرشاد، ج 2، ص 164؛ روضة الواعظين، ص 204؛ الاحتجاج، ج 2، ص 58.

المَسألةُ السادسةُ حُكمُ المُخالِفِ في الفُروعِ‌

و سَألَ - أدامَ اللّٰهُ تمهيدَه(1)- عن الخِلافِ في فُروعِ الدينِ‌: هَل يَجري مَجرَى الخِلافِ في أُصولِ الدينِ؟

و هَل المُخالِفُ في الأمرَينِ علىٰ حُكمٍ واحدٍ في(2)الضلالِ و الأحكامِ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ فُروعَ الدينِ عندَنا كأُصولِه؛ في أنّ علىٰ كُلِّ‌(3)واحدٍ منها أدِلَّةً قاطعةً واضحةً لائحةً‌، و أنّ التوَصُّلَ إلَى العِلمِ بكُلِّ واحدٍ مِن الأمرَينِ - يَعني الأُصولَ و الفُروعَ - مُمكِنٌ صَحيحٌ‌، و أنّ الظنَّ لا مَجالَ له في شَيءٍ مِن ذلكَ‌، و لا الاجتهادَ(4)المُفضي إلَى الظنِّ دونَ العِلمِ‌.

فلا شُبهةَ في أنّ مَن خالَفَ في فَرعٍ‌(5)كُلِّفَ إصابتَه و إدراكَ الحقِّ [فيه]، و نُصِبَت


1) . في «د» و المطبوع: «تأييده». و تَمهَّد الرجُلُ‌: تَمكَّن؛ فتمهيدُه معناه - هاهنا -: تمكينُه. راجع: القاموس المحيط، ج 1، ص 339 (مهد).

2) . في «ج، د» و المطبوع: - «في».

3) . في «ج»: - «علىٰ‌». و في «د» و المطبوع: «لكلّ‌» بدل «علىٰ كلّ‌».

4) . في المطبوع: «و إلّالاجتهاد» بدل «ولا الاجتهاد».

5) . في النُّسخ و المطبوع: «فروع». و الأنسب ما أثبتناه؛ بقرينة الضمائر الآتية.

له الأدِلّةُ الدالّةُ عليه و الموصِلةُ إليه، يَكونُ عاصياً مُستَحِقّاً للعِقابِ‌.

فأمّا الكلامُ في أحكامِه؛ و هَل له أحكامُ أهلِ‌(1)الكُفرِ أَو غيرِهم‌؟

فطريقُه السمعُ‌، و لا مَجالَ لأدِلّةِ العقلِ فيه. و الشيعةُ الإماميّةُ مُطبِقةٌ - إلّامَن شَذَّ عنها - علىٰ أنّ مُخالِفَها في الفُروعِ كمُخالِفِها في الأُصولِ في الأحكامِ‌.(2)

و في(3)هذا نَظَرٌ و تفصيلٌ يَضيقُ الوقتُ عنه.


1) . في «د» و المطبوع: - «أهل».

2) . في «ج»: «لمخالفها في الأحكام» بدل «كمخالفها في الأُصول في الأحكام». و في «د» والمطبوع: - «في الأحكام».

3) . في المطبوع: - «في».

المَسألةُ السابعةُ حُكمُ مُرتَكِبِ الكَبائرِ

و سَألَ - أحسَنَ اللّٰهُ توفيقَه - عن شارِبِ الخَمرِ، و الزاني، و مَن جَرىٰ مَجراهما مِن أهلِ المَعاصي الكَبائرِ، هل يَكونونَ‌(1)كُفّاراً باللّٰهِ تَعالىٰ و رَسولِه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه إذا لَم يَستَحِلّوا(2)ما(3)فَعَلوه‌؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ مُرتَكِبي هذه المَعاصي المذكورةِ علىٰ ضَربَينِ‌: مُستَحِلٍّ‌، و مُحرِّمٍ‌.

فالمُستَحِلُّ لا يَكونُ إلّاكافراً. و إنّما قُلنا: «إنّه كافرٌ»؛ لإجماعِ الأُمّةِ علىٰ تكفيرِه؛ لأنّه لا يَستَحِلُّ الخمرَ و الزنا - مع العِلمِ الضروريِّ بأنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه حَرَّمَهما، و كانَ مِن دينِه عليه السلامُ حَظْرُهما - إلّامَن هو شاكٌّ في نُبوّتِه عليه السلامُ و غيرُ مُصدِّقٍ به. و الشكُّ في النبوّةِ كُفرٌ، فما لا بُدَّ مِن مُصاحَبةِ الشكِّ في النبوّةِ له كُفرٌ أيضاً.

فأمّا المُحرِّمُ لهذه المعاصي مع الإقدامِ عليها فلَيسَ بكافرٍ. و لَو كانَ كافراً، لَوَجَبَ أن يَكونَ مُرتَدّاً؛ لأنّ كُفرَه بَعدَ إيمانٍ تَقدَّمَ منه. و لَو كانَ مُرتَدّاً، لَكانَ مالُه


1) . في المطبوع: «يكونوا».

2) . في «أ»: «لم يستحيلوا». و في «د» و المطبوع: «لم يستحلّوه».

3) . في «د» و المطبوع: «أما».

مُباحاً، و عَقدُ نِكاحِه مُنفَسِخاً، و لَم تَجُز مُوارَثتُه، و لا مُناكَحتُه، و لا دَفنُه في مَقابرِ المُسلِمينَ‌؛ لأنّ الكُفرَ يَمنَعُ مِن هذه الأحكامِ بأَسرِها.

و هذه المَذاهبُ إنّما قالَ بها(1)الخَوارجُ‌، و خالَفوا فيه(2)جميعَ المُسلِمينَ‌.

و الإجماعُ مُتقدِّمٌ لقَولِهم؛ فلا شُبهةَ في أنّ أحَداً قَبلَ حُدوثِ الخَوارجِ ما قالَ في الفاسقِ المَليِّ‌(3)أنّه كافرٌ و لا له أحكامُ الكُفّارِ.

و الكلامُ في هذا الباب قد بيّنّاه و أشبَعناه في «جوابِ أهلِ المَوصِلِ‌»(4).


1) . في النُّسخ و المطبوع: «به». و أكبر الظنّ أنّه سهوٌ ارتكبه النُّسّاخ، و المناسبُ للسياق ما أثبتناه.

2) . أي في قولهم بهذه المذاهب.

3) . في «ج»: «المسلمي». و في «د» و المطبوع: «المسلم».

4) . أي في مسألة الوعيد من جواب المسائل الموصليّات الأُولى، و هذه المسائل مفقودة كما تقدّم.

المَسألةُ الثامنةُ اعتبارُ الرؤيةِ في الشُّهورِ

و سَألَ - أحسَنَ اللّٰهُ توفيقَه - عن شَعبانَ و شَهرِ رَمَضانَ‌: هَل تَلحَقُهما(1)الزيادةُ و النقصانُ‌، فيَكونُ أحَدُهما تارةً ثَلاثينَ‌، و تارةً تِسعةً و عِشرينَ؟

و عمّن قالَ‌: «إنّ الزيادةَ و النقصانَ تَلحَقُهما و سائرَ الشُّهورِ»: هَل يَصيرُ كافراً بذلكَ‌، أم لا؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ الصحيحَ مِن المَذهبِ اعتبارُ الرؤيةِ في الشُّهورِ كُلِّها، دونَ العَدَدِ، و أنّ شَهرَ رَمَضانَ كغَيرِه مِن الشُّهورِ في أنّه يَجوزُ أن يَكونَ تامّاً و ناقصاً.

و لَم يَقُلْ بخِلافِ ذلكَ مِن أصحابِنا إلّاشُذّاذٌ خالَفوا الأُصولَ‌، و قَلَّدوا قوماً مِن الغُلاةِ‌؛ تَمسَّكوا بأخبارٍ رُويَت عن أئمّتِنا عليهم السلامُ غيرِ صَحيحةٍ و لا مُعتَمَدةٍ و لا ثابتةٍ‌، و لأكثَرِها - إن صَحَّ - وجهٌ يُمكِنُ تخريجُه(2)عليه.

و الذي يُبينُ عمّا ذَكرناه و يوضِحُه: أنّه لا خِلافَ بَينَ المُسلِمينَ في أنّ رؤيةَ الأهِلّةِ مُعتَبَرةٌ‌، و أنّ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه كانَ يَطلُبُ الأهِلّةَ‌، و أنّ المُسلِمينَ‌(3)


1) . في «ج» و المطبوع: «تلحقها».

2) . في «ج، د» و المطبوع: «تخرجه».

3) . من قوله: «في أنّ رؤية الأهلّة» إلىٰ هنا ساقط من «ب».

في(1)ابتداءِ الإسلامِ و إلىٰ‌(2)وقتِنا هذا، يَطلُبونَ رؤيةَ الأهِلّةِ‌(3)و يَعتَمِدونَها. و لَو كانَ العَدَدُ مُعتَبَراً مُعتَمَداً، لَكانَ هذا مِن فِعلِ النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و فِعلِ المُسلِمينَ‌(4)عَبَثاً، لا طائلَ فيه، و لا حُكمَ يَتعلَّقُ به.

و قد رُويَ عن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه، مِن عِدّةِ طُرُقٍ ما هو شائعٌ ذائعٌ‌: «صوموا لرؤيتِه، و أفطِروا لرؤيتِه؛ فإن غُمَّ‌(5)عليكم، فأكمِلوا العِدّةَ ثَلاثينَ‌، فعُدّوا ثَلاثينَ‌(6)يَوماً»(7).

فجَعَلَ الرؤيةَ المُقدَّمةَ‌، و جَعَل العَدَدَ مرجوعاً إليه(8)بَعدَ تَعذُّرِ الرؤيةِ‌؛ و هذا تصريحٌ بخِلافٍ مِن مَذهبِ مَن يَعتَمِدُ(9)علَى العَدَدِ، و لا يَعتَبِرُ الرؤيةَ‌.

و قال اللّٰهُ تَعالىٰ‌: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوٰاقِيتُ لِلنّٰاسِ وَ اَلْحَجِّ‌) (10)، و لَيسَ يَكونُ ميقاتاً إلّابأن تَكونَ‌(11)الرؤيةُ مُعتَبَرةً‌. و لَو كانَ مَذهبُ أهلِ العَدَدِ


1) . هكذا في النُّسخ و المطبوع. و الأنسب: «مِن».

2) . في «ج»: - «و إلىٰ‌». و في «د» و المطبوع: «إلى» بدون واو العطف.

3) . في المطبوع: «الهلال».

4) . في «ج، د» و المطبوع: «المؤمنين».

5) . غُمَّ عليه الهلالُ‌: حالَ دون رؤيته غَيم أو ضَباب. لسان العرب، ج 15، ص 135 (غمم).

6) . في «د» و المطبوع: - «فعدّوا ثلاثين».

7) . عوالي اللآلي، ج 1، ص 137، ح 43؛ مسند أحمد، ج 2، ص 259 و 263 و 287 و 415 و 497؛ و ج 3، ص 329؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 3؛ سنن الترمذي، ج 2، ص 96، ح 679.

8) . في «ج، د» و المطبوع: - «إليه».

9) . في «ج»: «من يذهب من يعقد». و في «د» و المطبوع: «من يذهب»، كلاهما بدل «من مذهب من يعتمد».

10) . البقرة (2):189.

11) . في «ج، د»: «بأن يكون».

صَحيحاً، لَسَقَطَ(1)حُكمُ المواقيتِ بالأهِلّةِ‌.

و رَوَى الحَلَبيُّ عن الصادقِ عليه السلامُ أنّه قالَ‌: «إذا رأيتَ الهِلالَ فصُمْ‌، و إذا(2)رأيتَه فأفطِرْ».(3)

و رَوىٰ مُحمّدُ بنُ مُسلِمٍ عن أبي عبدِ اللّٰهِ عليه السلامُ أنّه قالَ‌: «إذا رأيتُم الهِلالَ فصوموا، و إذا(4)رأيتُموه فأفطِروا، و لَيسَ بالرأيِ‌(5)و لا بالظنِّ‌»(6).

و رَوَى الفُضَيلُ بنُ عُثمانَ عن أبي عبدِ اللّٰهِ عليه السلامُ أنّه قالَ‌: «لَيسَ علىٰ أهلِ القِبلةِ إلّاالرؤيةُ‌، و لَيسَ علَى المُسلِمينَ إلّاالرؤيةُ‌»(7).

و كُتُبُ أصحابِنا و أُصولُهم مشحونةٌ بالأخبارِ الدالّةِ علَى اعتمادِ الرؤيةِ و اعتبارِها(8)دونَ غيرِها.

فأمّا تَعلُّقُ المُخالِفِ في هذا البابِ‌، إنّما(9)[هو بما] يُروىٰ عن أبي عبدِ اللّٰهِ‌


1) . في «ج»، «لتسقط». و في «د» و المطبوع: «ليسقط».

2) . في «ج، د» و المطبوع: «فإذا».

3) . في «ج، د» و المطبوع: «فأفطره». و الرواية في الكافي، ج 4، ص 76، ح 1؛ تهذيب الأحكام، ج 4، ص 156، ح 434؛ وسائل الشيعة، ج 10، ص 252، ح 13339.

4) . في «ج، د» و المطبوع: «فإذا».

5) . في «ج، د» و المطبوع: «بالظنّ‌».

6) . الكافي، ج 4، ص 77، ح 6؛ كتاب من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 123، ح 1908؛ وسائل الشيعة، ج 10، ص 252، ح 13340 (مع اختلاف يسير في اللفظ).

7) . الكافي، ج 4، ص 77، ح 5؛ كتاب من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 123، ح 1909؛ تهذيب الأحكام، ج 4، ص 158، ح 442؛ وسائل الشيعة، ج 10، ص 255، ح 13350.

8) . في «ج»: «على اعتبار الرؤية و اعتبارها». و في «د» و المطبوع: «على اعتبار الرؤية»، كلاهما بدل «على اعتماد الرؤية و اعتبارها».

9) . في «د» و المطبوع: «بما».

عليه السلامُ مِن أنّه: «ما تَمَّ شَعبانُ قَطُّ، و لا نَقَصَ رَمَضانُ قَطُّ».(1)

و هذا شاذٌّ ضَعيفٌ‌، لا يُلتَفَتُ إلىٰ مِثلِه.

و يُمكِنُ - إن صَحَّ - أن يَكونَ له وجهٌ يُطابِقُ الحقَّ‌؛ و هو أن يَكونَ المُرادُ بنَفيِ النقصانِ عن شَهرِ رَمَضانَ نُقصانَ الفَضيلةِ و الكمالِ و ثَوابِ الأعمالِ الصالحةِ فيه؛ و معلومٌ أنّه أفضَلُ الشُّهورِ و أشرَفُها، و أنّ الأعمالَ فيه أكثَرُ ثَواباً و أجَلُّ‌(2)مَوقِعاً.

و نفيُ التمامِ عن شَعبانَ أيضاً يَكونُ محمولاً علىٰ هذا المعنىٰ‌؛ لأنّه بالإضافةِ إلىٰ شَهرِ رَمَضانَ أنقَصُ و أخفَضُ‌؛ بالتفسيرِ الذي قَدَّمناه.

فأمّا ما تَضمَّنَه السؤالُ مِن تكفيرِ مَن قالَ‌: «إنّ شَهرَ رَمَضانَ و شَعبانَ تَلحَقُهما الزيادةُ و النقصانُ‌، كسائرِ الشُّهورِ» [ف‍] إنَّ‌ الصحيحَ هو المَذهبُ الذي ذَكرناه، دونَ ما عَداه.

و الكلامُ في تكفيرِ مَن قالَ في(3)الفُروعِ خِلافَ‌(4)الحقِّ قد تَقدَّمَ بيانُه.(5)


1) . راجع: كتاب من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 170-171؛ معاني الأخبار، ص 382-383؛ رسالة في الردّ على أصحاب العدد، و هي إحدى الرسائل الفقهيّة للشريف المرتضى.

2) . في «ج، د» و المطبوع: «و أجمل».

3) . في «ج، د» و المطبوع: «إلى».

4) . في «د» و المطبوع: «بخلاف».

5) . تقدّم في المسألة السادسة من هذه المسائل.

المَسألةُ التاسعةُ حُكمُ شُربِ الفُقّاعِ‌

و سألَ - أدامَ اللّٰهُ تسديدَه - عن شُربِ الفُقّاعِ‌: هَل هو حَرامٌ؟

و عن مُستَحِلِّ شُربِه: كَيفَ صورتُه‌؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ المُعتَمَدَ في تحريمِ شُربِ الفُقّاعِ علىٰ إجماعِ الشيعةِ الإماميّةِ‌؛ إذ هُم لا يَختَلِفونَ في تحريمِه، و إيجابِ الحَدِّ علىٰ شارِبِه. و هذا معلومٌ مِن دينِهم ضَرورةً‌، كما أنّه معلومٌ مِن دينِهم تحريمُ سائرِ المُسكِراتِ مِن الأشربِة. و إجماعُ أهلِ الحقِّ حُجّةٌ في الدينِ‌.

و الأخبارُ الواردةُ عن الأئمّةِ عليهم السلامُ و عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلامُ - مِن قَبلُ - مُتَظاهِرةٌ مُتَناصِرةٌ‌،(1)فاشيةٌ شائعةٌ‌، لَولا خَوفُ التطويلِ لَذَكرناها.(2)

و لَيسَ يَنبَغي أن يُعجَبَ مِن تحريمِ شُربِه و هو غيرُ مُسكِرٍ؛ لأنّ التحريمَ غيرُ واقفٍ علَى الإسكارِ،(3)و إنّما هو بَحسَبِ ما يَعلَمُه اللّٰهُ تَعالىٰ مِن الصلاحِ‌


1) . في «ج، د» و المطبوع: - «متناصرة».

2) . راجع: وسائل الشيعة، ج 3، ص 468، ح 4201؛ و ج 17، ص 225-226، ح 22390 و 22391، باب تحريم بيع الفقّاع؛ و ج 25، ص 359-364، ح 32121-32135، باب تحريم الفقّاع إذا غلى و وجوب اجتنابه.

3) . راجع المسألة الأُولى من جوابات المسائل الرازيّة.

و الفَسادِ؛ ألا تَرىٰ أنّ شُربَ قليلِ الخَمرِ مُحرَّمٌ و إن لَم يَكُن مُسكِراً؟

و لَيسَ يَجوزُ الشكُّ في تحريمِ الفُقّاعِ إلّامع الشكِّ في صِحّةِ إجماعِ الإماميةِ‌، و معلومٌ صِحّةُ إجماعِ الإماميّةِ‌،(1)فما يَبتَني(2)عليه و يَتفرَّعُ منه(3)تَجِبُ صِحّتُه.

و مَن يَستَحِلُّ شُربَ الفُقّاعِ عندَ الإماميّةِ‌،(4)جارٍ عندَهم مَجرىٰ مُستَحِلِّ المُسكِرِ التَّمْريِّ و الخَمرِ.


1) . في «ب»: - «و معلومٌ صحّةُ إجماعِ الإماميّةِ‌».

2) . في «أ، ب، ج»: «يبنى».

3) . في «د» و المطبوع: - «منه».

4) . في «د» و المطبوع: «عندهم» بدل «عند الإماميّة».

المَسألةُ العاشِرةُ حُكمُ عبادةِ الكافرِ

و سَألَ - أحسَنَ اللّٰهُ توفيقَه - عن صَلاةِ الكافرِ و حَجِّه و صَومِه: هَل تَكونُ معصيةً أو طاعةً؟ و هَل تَقَعُ منه حَسَنةً أو قَبيحةً؟

و بيانِ الصحيحِ مِن ذلكَ علىٰ مَذاهبِ أئمّتِنا عليهم السلامُ‌.

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنَّ الكافرَ لا يَقَعُ منه(1)في حالِ كُفرِه شَيءٌ مِن الطاعاتِ‌؛ لأنّ الطاعةَ يُستَحَقُّ بها المَدحُ و الثوابُ‌، و معلومٌ أنّ الكافرَ في حالِ‌(2)كُفرِه لا يَستَحِقُّ مَدحاً و لا ثَواباً، و لا يَحسُنُ مَدحُه علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ‌.

و إنّما يَقولُ بجوازِ وقوعِ الطاعاتِ مِن الكُفّارِ مَن يَقولُ بالتحابُطِ(3)بَينَ الثوابِ و العِقابِ‌، و يَزعُمُ أنّ ثَوابَ طاعاتِ الكُفّارِ تَقَعُ مُحبِطةً لِعقابِه علىٰ مقدارِ ثَوابِه؛ و قد بيّنّا فَسادَ(4)التحابُطِ،(5)و دَلَّلنا علىٰ أنّ الصحيحَ خِلافُه، فلا بُدَّ - مع(6)نَفيِ‌


1) . في «ج، د» و المطبوع: - «منه».

2) . في المطبوع: - «حال».

3) . في «ب، ج»: «بالتخليط».

4) . من قوله: «طاعات الكفّار» إلىٰ هنا ساقط من «ج، د» و المطبوع.

5) . تقدّم في المسألة الرابعة من هذه المسائل.

6) . في «ج، د» و المطبوع: «فلا يدفع» بدل «فلا بدّ مع».

التحابُطِ - مِن القولِ بأنّ الطاعةَ لا تَقَعُ مِن الكافرِ في حالِ كُفرِه.

فإن قيلَ‌: هذا دَفعٌ للعِيانِ‌؛ لأنّا نَرَى اليَهودَ و النصارىٰ يَتقرَّبونَ‌(1)إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ بكَثيرٍ مِن العباداتِ‌، و يَتصدَّقونَ لوَجهِ اللّٰهِ عَزَّ و جَلَّ‌، و يَفعَلونَ في كَثيرٍ مِن أبوابِ البِرِّ مِثلَ ما يَفعَلُه المؤمِنُ‌؛ و لَو لَم يَكُن في ذلكَ إلّاأنّهم عارفونَ باللّٰهِ عَزَّ و جَلَّ و بنُبوّةِ أنبيائه عليهم السلامُ [لَكَفىٰ‌].

قُلنا: لَيسَ فيما يُنكِرُه(2)مِن وقوعِ الطاعاتِ مِن الكُفّارِ دَفعٌ للعِيانِ‌؛ و أيُّ‌(3)عِيانٍ يَدخُلُ في كَونِ الطاعةِ طاعةً‌، و الوجهُ الذي تَقَعُ‌(4)عليه الطاعةُ فتَكونُ‌(5)طاعةً‌، مستورٌ عن الخَلقِ‌؛ لا يَعلَمُه إلّا عَلّامُ الغُيوبِ‌، جَلَّت عظمتُه. و أكثَرُ ما يُمكِنُ أن(6)يُدَّعىٰ‌: وقوعُ ما ظاهرُه(7)الطاعةُ مِن الكُفّارِ؛ فأمّا القَطعُ علىٰ أنّ ذلكَ طاعةٌ و قُربةٌ علَى الحقيقةِ‌، فلا طَريقَ إليه.

و إذا دَلَّ الدليلُ - الذي تَقدَّمَ ذِكرُه - علىٰ أنّ الطاعاتِ لا يَقَعُ‌(8)منهم، قَطَعنا علىٰ أنّ ما ظاهرُه الطاعةُ لَيسَ بطاعةٍ علَى الحَقيقةِ‌؛ لأنّ الطاعةَ تَفتَقِرُ إلىٰ قُصودٍ و وجوهٍ لا يَطَّلِعُ العبادُ عليها.

فأمّا مَعرِفةُ الكُفّارِ باللّٰهِ تَعالىٰ و بأنبيائه عليهم السلامُ‌، فالقولُ فيها كالقولِ في


1) . في «ج»: «لتقويون». و في «د» و المطبوع: «لتقربون».

2) . في «أ»: «ينكره». و في «ج، د» و المطبوع: «تنكروه». و الصواب: «ننكره».

3) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «و أنّىٰ‌».

4) . في «ج، د» و المطبوع: «يقع».

5) . في النُّسخ و المطبوع: «فيكون»، و هو سهو.

6) . في «أ»: - «يمكن أن».

7) . في «ج»: «ظهره». و في «د» و المطبوع: «أظهره».

8) . كذا، و الأنسب: «لا تقع».

الطاعاتِ‌. و الصحيحُ أنّهم غيرُ عارفينَ‌؛ و كَيفَ يَكونونَ عارفينَ‌، و المَعرفةُ باللّٰهِ تَعالىٰ و رُسُلِه صَلَّى اللّٰهُ عليهم يُستَحَقُّ‌(1)عليها أجزَلُ الثوابِ و المَدحِ و التعظيمِ‌، و الكافرُ لا يَستَحِقُّ شَيئاً مِن ذلكَ؟

و لا مُعوَّلَ علىٰ قولِ مَن يَقولُ‌: فقد نَظَروا في الأدِلّةِ التي تُوَلِّدُ المَعرفةَ المُفضيةَ إلَى العِلمِ‌؛ فكَيفَ لا يَكونونَ عارفينَ‌، و النظَرُ في الأدِلَّةِ يُوَلِّدُ المَعرفةَ؟

و ذلكَ‌: أنّا أوّلاً لا نَعلَمُ أنّهم نَظَروا في الأدِلّةِ‌؛ لأنّ ذلكَ ممّا لا يُعلَمُ‌(2)ضَرورةً‌. ثُمَّ إذا عَلِمناه، فلا نَعلَمُ أنّهم نَظَروا فيها مِن الوجهِ الذي يُفضي إلَى العِلمِ‌. ثُمَّ إذا عَلِمنا ذلكَ‌، لَم نَعلَمْ تَكامُلَ باقي الشروطِ في تَوَلُّدِ العِلمِ لهم، و لا انتفاءَ ما إذا عَرَضَ مَنَعَ مِن حُصولِ العِلمِ عنهم. و إذا كانَ ذلكَ كُلُّه غيرَ معلومٍ‌، فهو علَى التجويزِ و الشكِّ‌.

و إذا قَطَعَ الدليلُ - علَى [التفصيلِ‌] الذي ذَكرناه - على أنّهم لا يَستَحِقّونَ ثَواباً، مَنَعْنا قاطِعينَ مِن أن تَقَعَ منهم طاعةٌ أو مَعرِفةٌ باللّٰهِ جَلَّ و عَزَّ.


1) . في «د» و المطبوع: «مستحقّ‌».

2) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «لا نعلم».

المَسألةُ الحاديةَ عَشَرَ عَدَدُ أُصولِ الدينِ‌

و سَألَ - أدامَ اللّٰهُ تمهيدَه(1)- عن عَدَدِ أُصولِ الدينِ‌، و كَيفَ القولُ فيه‌؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ الذي سَطَرَه المُتكلِّمونَ‌(2)في عَدَدِ أُصولِ الدينِ أنّها خَمسةٌ‌: التوحيدُ، و العَدلُ‌، و الوَعدُ و الوَعيدُ، و المَنزِلةُ بَينَ المَنزِلتَينِ‌، و الأمرُ بالمعروفِ و النهيُ عن المُنكَرِ. و لَم يَذكُروا النبوّةَ‌.

فإذا قيلَ لهم(3): كَيفَ أخلَلتم بها؟

قالوا: هي داخلةٌ في أبوابِ العَدلِ‌(4)- مِن حَيثُ كانَت لُطفاً - كدخولِ الألطافِ و الأعواضِ و ما يَجري مَجرىٰ ذلكَ‌.

فقيلَ لهم: فالوَعدُ و الوَعيدُ، و المَنزِلةُ بَينَ المَنزِلتَينِ‌، و الأمرُ بالمعروفِ و النهيُ عن المُنكرِ أيضاً مِن بابِ الألطافِ‌، و يدخُلُ اللطفُ في بابِ العَدلِ كدخولِ النبوّةِ‌؛ فلِمَ‌(5)ذَكرتم هذه الأُصولَ مُفصَّلةً‌، و لَم تَكتَفوا بدخولِها في جُملةِ أبوابِ العَدلِ‌


1) . في حاشية «د»: «تأييده». و في حاشية أُخرىٰ ل‍ «د» و المطبوع: «تسديده».

2) . يعني بهم المعتزلة.

3) . في المطبوع: - «لهم».

4) . في «ج، د» و المطبوع: «العلم».

5) . في «ج، د» و المطبوع: «ثمّ‌».

مُجمَلةً؟ و حَيثُ فَصَّلتم المُجمَلَ‌، و لَم تَكتَفوا بالإجمالِ‌، فألّا فَعَلتم ذلكَ بالنبوّةِ؟

و هذا سؤالٌ لائِحٌ‌(1)، و له(2)اقتَصَرَ بعضُ المتأخِّرينَ على أنّ أُصولَ الدينِ اثنانِ‌: التوحيدُ و العَدلُ‌؛ و جَعَلَ باقيَ الأُصولِ المذكورةِ داخِلاً في أبوابِ العَدلِ‌.

فمَن أرادَ الإجمالَ‌، اقتَصَرَ علىٰ أصلَينِ‌: التوحيدِ، و العَدلِ‌؛ فالنبوّةُ و الإمامةُ - التي هي واجبةٌ عندَنا، و مِن كِبارِ الأُصولِ و مُهِمِّها -(3)داخِلتانِ في أبوابِ العَدلِ‌.

و مَن أراد التفصيلَ و الشرحَ‌، وَجَبَ أن يُضيفَ إلىٰ ما ذَكَروه مِن الأُصولِ الخَمسةِ أصلَينِ‌: النبوّةَ‌، و الإمامةَ‌؛ و إلّا(4)كانَ مُخِلاًّ ببعضِ الأُصولِ‌.

و هذا بيِّنٌ لِمَن تأمَّلَه.

خاتمة

قد أجَبنا عن المَسائلِ بكَمالِها، و اعتَمَدنا علَى الِاختصارِ و الِاقتصارِ و الإشارةِ‌، دونَ البَسطِ في العِبارةِ‌؛ و إن كانَ [جوابُ‌] كُلِّ مَسألةٍ مِن هذه المَسائلِ متىٰ‌(5)بُسِطَ القولُ فيه و فُرِّعَ‌(6)، زادَ علىٰ قَدرِ حَجمِ جوابِنا عن جميعِ المَسائلِ‌، لِكنّ ضيقَ الوقتِ و إعجالَ مُتنجِّزِ(7)الجوابِ اقتَضَيا ما اعتَمَدناه مِن الإجمالِ دونَ التفصيلِ‌، و إن كُنّا ما أخلَلنا بمُحتاجٍ إليه.


1) . في «ج، د» و المطبوع: «رابع».

2) . في «أ»: «و لها». و في «ب، ج، د» و المطبوع: «و بها». و ما أثبتناه هو الصواب.

3) . في «ب، ج، د» و المطبوع: «و هما».

4) . في «ج، د» و المطبوع: + «ما».

5) . في «ج، د» و المطبوع: «في».

6) . في «د» و المطبوع: «و التفريع».

7) . في «ب» الكلمة غير واضحة. و في «ج، د» و المطبوع: - «متنجّز».

و اللّٰهُ وليُّ التوفيقِ و التسديدِ لِما يُرضيهِ من قولٍ و عملٍ‌، و هو حَسبُنا و نِعمَ الوكيلُ‌، و صَلَواتُه(1)علىٰ خِيَرَتِه(2)مِن(3)خَلقِه سيِّدِنا مُحمَّدٍ النبيِّ و آلِه الطاهرينَ و سَلامُه(4).


1) . في «ج، د» و المطبوع: «و صلاته».

2) . في «ج، د» و المطبوع: «خير».

3) . في «د» و المطبوع: - «من».

4) . في «أ»: - «و سلامه».

(29) جوابات المسائل النيليّات

اشارة

مقدّمة التحقيق
اشارة

من المسائل المهمّة التي وُجّهت إلى الشريف المرتضى، و التي تعكس مجموعة مهمّة من آرائه و أفكاره الكلاميّة هي المسائل النيليّات أو المصريّات، و هي تحتوي على 27 مسألة، سقطت منها خمس مسائل من أوّلها، فإنّها تبدأ من المسألة السادسة.

و من يدري فلعلّه قد سقط من آخرها أيضاً عدّة مسائل. ولكن جاء في آخرها في بعض النسخ لا كلّها: «فهذا ما سنح من الأجوبة لهذه المسائل»، و يظهر منه أنّ المسائل كاملة من آخرها. و على أيّ حال فالمتبقّي منها 22 مسألة.

نسبة الرسالة و عنوانها

أمّا نسبة الرسالة إلى الشريف المرتضى صحيحة؛ بدليل الإرجاع في المسألة 11 منها إلى كتابه الذخيرة، إضافة إلى ملائمة الأفكار المطروحة فيها مع أفكاره التي نعرفها، مثل رأيه حول حقيقة الإنسان، و حقيقة العقل، و حقيقة الكلام و المتكلّم، و نفي الطبائع، و إثبات الخلأ، و استحالة الإيجاد على القادر بقدرة زائدة، و نفي عالم الذرّ أو الميثاق، و بطلان التناسخ. فكلّ هذه من آراء الشريف المرتضى التي تبنّاها في مختلف كتبه، و تبنّاها أيضاً في هذه المسائل ممّا يقوّي إلىٰ حدّ كبير نسبتها إليه.

و من جهة أُخرىٰ ينبغي الإشارة إلى أنّ أحداً من أصحاب الفهارس المتقدّمين لم يَنسب مسائل للمرتضى باسم النيليّات، و إنّما نسبت إليه مسائل باسم المصريّات، و حينئذ يجب البحث عن حقيقة المسائل التي بأيدينا، و معرفة الاسم الصحيح أو

الأقرب إلى الصحّة لها. فقد جاء في بعض المخطوطات تسميتها ب‍ ‍النيليّات، كما جاء في بعضها الآخر تسميتها ب‍ ‍المصريّات.

و من جهة أُخرى لقد نسب البُصروي (ت 443 ه‍) إلى الشريف المرتضى ثلاث مجموعات من المسائل المصريّات: الأُولى منها مكوّنة من خمس مسائل، و الثانية من تسع، و الثالثة لم يتّضح عددها لوجود سقط في نسخ فهرس البُصروي.

و على أيّ حال، فالأُولى و الثانية منها لا تنطبقان على المسائل التي بأيدينا؛ لأنّها مكوّنة - كما تقدّم - من 27 مسألة على الأقلّ‌، لا من خمس، و لا تسع. و أمّا احتمال أنّ المسائل التي بأيدينا هي المصريّات الثالثة، فهو مجرّد احتمال لا يقوّيه شيء، سوى احتمال أنّ العدد الساقط من نسخ فهرس البُصروي هو العدد 27 - فقد تقدّم آنفاً أنّه لم يتّضح لنا عدد المصريّات الثالثة؛ لوجود سقط في نسخ فهرس البُصروي - لكي يتطابق مع العدد الموجود بين أيدينا من النيليّات أو المصريّات، و هو مجرّد احتمال ليس هناك ما يؤيّده.

إذن الظاهر أنّ المسائل التي وصلت إلينا ليست واحدة من المصريّات التي ذكرها البُصروي.

إضافة إلى أنّ الظاهر عدم إمكان تقبّل أن تكون المسائل التي بأيدينا مرسلة من بلاد مصر؛ و ذلك لأنّه قد جاء في بعض النسخ - كما تقدّم - أنّها تسمّى: النيليّات؛ أي أنّها مرسلة من «النيل»، فقد جاء في بدايتها ما يلي: «مسائل ممّا وُجد من المسائل الواردة من النيل و جوابها»، و ليس المقصود بهذا النيل نهر النيل الذي يجري في مصر؛ لأنّ المسائل تُسمّى عادة باسم الشخصيّات التي أرسلتها، أو المدن المرسلة منها. و لا معنى لأن تنسب إلى نهر، أو بحر، أو ما شاكل ذلك؛ فإنّه لا يصحّ أن يقال مثلاً: «هذه المسائل واردة من دجلة أو الفرات»؛ فإنّه أمر غير متعارف، خاصّة و أنّ كلّ نهر يمرّ من خلال عشرات المدن، فمن أيِّها أُرسلت المسائل‌؟

و على هذا، فالظاهر أنّ المقصود بالنيل الذي أُرسلت منه المسائل منطقة محددة و معروفة بهذا الاسم، و هناك مدينة مشهورة تقع في العراق و تحمل اسم «النيل»(1)، فيكون الأرجح أن تكون المسائل النيليّات مرسلة منها(2).

و حينئذ سوف يكون معقولاً أن تُرسل مسائل من هذه المدينة، و يقال: إنّها مسائل واردة من النيل؛ أي من «مدينة النيل» العراقيّة، لا «نهر النيل» المصري.

و لو وجد في بعض النسخ أنّها مسائل واردة من نيل مصر، فالظاهرّ أنّ المقصود مدينة النيل أيضاً، لا نهر النيل؛ و ذلك لأنّ ياقوتاً الحموي قال عند حديثه عن مدينة النيل:

النيل: بكسر أوّله... مواضع؛ أحدها: بُليدة في سواد الكوفة، قرب حلّة بني مزيد، يخترقها خليج كبير، يتخلّج من الفرات الكبير، حفره الحجّاج بن يوسف، و سماه بنيل مصر...»(3).

إذن هناك خليج يمرّ من وسط مدينة النيل، و يسمّى: «نيل مصر». فما جاء في بعض النسخ من أنّ المسائل مرسلة من نيل مصر، لا يدلّ على أنّها مرسلة من بلاد مصر؛ بل هو يتناسب مع إرساله من الخليج المسمّى: «نيل مصر». و بما أنّ هذا الخليج يمرّ من مدينة النيل، لذلك يمكن نسبة المسائل إليه، و إرادة مدينة النيل.

كما يمكن حمل النسخ التي سَمّت المسائل باسم المصريّات - لا النيليّات - بأنّها ناظرة إلى خليج «نيل مصر» الذي حفره الحجّاج في وسط مدينة النيل؛ فإنّ النسبة إلى المضاف و المضاف إليه تكون عادة إلى المضاف إليه، كما في «هاشميّ‌» نسبةً إلى بني هاشم. فالنسبة حينئذٍ إلى نيل مصر: «مصريّ‌». كما يمكن حمل تسميتها ب‍ ‍المصريّات


1) . معجم البلدان، ج 5، ص 334. و سوف تأتي عبارة ياقوت الحموي حول هذه المدينة بعد قليل.

2) . و قد أيّد بعض المحقّقين هذا الأمر. اُنظر: مجلّة تراثنا، العدد 32، ص 111.

3) . معجم البلدان، ج 5، ص 334.

على خطأ النساخ، و تصوّرهم أنّها مرسلة من بلاد مصر.

إذن الأرجح و الأقرب إلى الصحّة تسمية المسائل باسم: «المسائل النيليّات».

محتوى الرسالة:

و تعتبر هذه المسائل من المسائل المهمّة التي تعكس مجموعة من البحوث الكلاميّة و غير الكلاميّة التي كان يؤمن بها الشريف المرتضى و فيما يلي تعريف بأهمّ ما ورد فيها:

المسألة السادسة: إحداث الحشرات و استحقاقها للعوض. أجاب الشريف المرتضى في هذه المسألة عن سؤال حول سبب ما ذهب إليه ثمامة بن الأشرس حول خلق الحشرات، فقد ذهب إلى أنّها حوادث لا مُحدِث لها، و أنّه هل لها عوض إذا قُتلت بلا ذنب‌؟ فأجاب بأنّ سبب ما قاله ثمامة هو أنّه رأى أنّ الحشرات حادثة، فبحث عن مُحدثِها، فوجد أنّ الإنسان غير قادر على خلقها لتعذّر ذلك عليه، كما رأى أنّه لا يمكن للقديم تعالى أن يخلقها؛ لأنّه لا فائدة فيها، فيكون خلقها عبثاً، و هو تعالى منزّه عن العبث. فلمّا لم يجد مُحدِثاً لها، قال إنّها حوادث لا مُحدِث لها، و لو كان قد علم وجه الحكمة في خلقها لجوّز خلقها على القديم تعالى. و أمّا عوضها إذا قُتلت بلا ذنب فهو ثابت لها كغيرها، و الدليل واحد، و هو أنّه لولاه للزم الظلم(1).

المسألة السابعة: ماهية الرعد و البرق و الغيم، و وجود جبال البَرَد. فسّر الشريف المرتضى معاني هذه الأُمور وفق ما توصّل إليه العلم في عصره، فقال: إنّ الغيم جسم كثيف، و الرعد صوت يحصل من اصطكاك أجرام السحاب، و البرق يتوقّد نتيجة اصطدام هذه الأجرام.


1) . راجع: الذخيرة، ص 239.

و أمّا جبال البَرَد المشار إليها في قوله تعالى: (وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مِنْ جِبٰالٍ فِيهٰا مِنْ بَرَدٍ) (1)، فقد سُئل عن أنّها موجودة حقّاً أم لا؟ فأجاب بأنّه ما دام ذلك من كلام اللّٰه تعالى، فيمكن أن يقال: لا يمتنع خلقُها في حال نزول البَرَد. و هذا واضح بناء على القول بعموم قدرته تعالى.

و لم يقم الشريف المرتضى هنا بتأويل لفظ الجبال الوارد في الآية؛ لأنّه لا يتعارض مع دليل عقلي أو مشاهدات تجريبية كانت في عصره أو أيّ أمر آخر مقطوع به كإجماع أو خبر متواتر، و لعلّه إذا كان يعيش في عصرنا لقام بتأويل لفظ «الجبال» بما لا يتعارض مع آخِر ما توصّل إليه العلم.

المسألة الثامنة إلى المسألة السابعة عشر. تعرّض السائل في هذه المسائل العشر إلى مجموعة أبحاث مترابطة تدور حول بحث الفاعلية وصفات الفاعل بصورة رئيسية، و قد عُطفت في السؤال على بعضها البعض بقول السائل: «فإن قيل»، و هذه الأبحاث كما يلي:

1. تعقّل عدم كون الفاعل جسماً. مفاد السؤال أنّه إذا كان ينبغي أن يكون الفاعل حيّاً، فما المانع من كونه جسماً؟ و مقصوده بالفاعل الفاعل القاصد لفعله.

و أجاب الشريف المرتضى بأنّ الدليل لم يدلّ مباشرة على لزوم أن يكون الفاعل حيّاً، بل دلّ في البداية على لزوم كونه قادراً، و بما أنّ القادر لا يكون إلّاحيّاً لذلك لزم أن يكون الفاعل حيّاً أيضاً؛ بينما لا يتوقّف كون الفاعل قادراً على كونه جسماً، و لذلك لم يلزم أن يكون الفاعل جسماً. فهذا هو الفرق بين لزوم كون الفاعل حيّاً، و عدم لزوم كونه جسماً. و هذا كلّه بالنسبة إلى مطلق الفاعل.

و قد يقال: إذا كان الأمر كذلك فلماذا لزم أن يكون الفاعل منّا جسماً؟


1) . النور (24):43.

فالجواب: إنّ الفاعل منّا قادر بقدرة زائدة على ذاته، و حيّ بحياة زائدة أيضاً، و الحياة و القدرة الزائدتان لا توجبان هاتين الصفتين لمن يتّصِف بهما إلّابعد أن تختصّا به غاية الاختصاص، و لا يكون ذلك إلّابالحلول في محلّهما(1)، و هو الجسم، فيصير المحلّ آلة في الفعل. و لهذا لزم أن يكون الفاعل منّا جسماً، بينما الفاعل القديم الذي هو قادر لنفسه وحيّ لنفسه - أي قادر لا بقدرة زائدة على ذاته، و حيّ لا بحياة زائدة على ذاته - فلا حاجة له إلى الجسم كي يكون فاعلاً.

2.

تعقّل مَن لا مثل له و لا ضدّ. و سأل السائل عن كيفيّة إمكان تعقّل وجود موجود لا مثل له و لا ضدّ. فأجاب الشريف المرتضى بالتفريق بين مفهومَي المثل و الضدّ و مفهوم الخلاف، بأنّ كلّ ذات لا بدّ لها من مخالف؛ لتميّزها عن غيرها بنفسها، نعم لا يجب أن تُعلم حقيقة المخالف لها، بل يكفي أن يُعلم أنّ لها مخالفاً؛ بينما مفهومَا المثل و الضدّ لا يجب في كلّ ذات أن تتّصف بهما أو أن لا تتّصف، فذلك أمر تابع للدليل، و إذا قام الدليل على أنّ القديم تعالى لا مثل له و لا ضدّ لزم القول بذلك. و كذلك لقد قام الدليل على أنّ القدرة التي يُقدر بها لا مثل لها؛ لأنّه يلزم من وجود مثل لها أن تتعلّق قدرتان بمقدور واحد، و هو محال بحسب رأي الشريف المرتضى(2).

3.

تعقّل فاعل من دون لمس أو اتّصال. و سأل السائل أيضاً عن كيفيّة إمكان تعقّل وجود فاعل يفعل الفعل من دون لمس المفعول أو الاتّصال به.

فأجاب الشريف المرتضى بشيء قريب ممّا تقدّم، و هو أنّ الفاعل إنّما يحتاج في أن يكون فاعلاً الى القدرة و الحياة مثلاً، و ليس الملامسة و الاتّصال دخيلَين في كونه قادراً أو حيّاً، فلا حاجة إليهما في كون الفاعل فاعلاً. هذا بالنسبة إلى مطلق الفاعل.


1) . الملخّص، ص 85؛ الذخيرة، ص 81.

2) . الملخّص، ص 270، 456.

و أمّا بالنسبة لنا فهناك حاجة إلى الملامسة و الاتّصال في أفعالنا؛ و ذلك لأنّه تقدّم أنّنا قادرون و أحياء بقدرة و حياة زائدتين، و هما يحتاجان إلى محلّهما و هو الجسم الذي صار آلة لتحقّق آثار القدرة و الحياة، فصارت هناك حاجة إلى الملامسة و الاتّصال لأجل استعمال محلّ القدرة و الحياة الذي هو الجسم؛ فإنّ الجسم لا يفعل إلّا بملامسة أو اتّصال. و أمّا القديم تعالى القادر لنفسه - أي القادر بلا قدرة زائدة - فلا حاجة له إلى ذلك.

4. استحالة كون خالق الأجسام جسماً أقدره اللّٰه على ذلك. و سأل السائل عن وجه استبعاد أن توجد الأجسام بواسطة جسم آخر يكون القديم تعالى أعطاه القدرة على ذلك. فأجاب الشريف المرتضى بأنّه قد ثبت أنّ القدرة الزائدة على الذات غير قادرة على إيجاد جسمٍ‌(1)، و الجسم إنّما يَفعل بقدرة زائدة عليه، فلا يمكنه أن يوجِد جسماً آخر. فالأجسام إذن لا تدخل تحت مقدور القُدَر الزائدة، نعم القادر لنفسه قادر على إيجاد الأجسام.

و أضاف الشريف المرتضى بأنّه أمكننا بهذا الجواب أن نجيب على المفوّضة القائلين بأنّ شؤون الخلق و الرزق في هذا العالَم مفوَّضة إلى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السلام.

و الظاهر أنّه يشير بذلك إلى رأيه حول حقيقة الحيّ - و هو أعمّ من الإنسان و المَلَك و الجنّ - حيث ذهب إلى أنّ حقيقته هو مجموع هذا الجسم المُشاهَد (الجملة المُشاهَدة)(2)، فتكون حقيقة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السلام جسماً أيضاً، و بذلك ينطبق عليهما ما تقدّم من عدم قدرة الجسم على إيجاد


1) . راجع دليل ذلك في شرح: المقدّمة في الكلام، ص 46.

2) . الذخيرة، ص 113-114.

جسم آخر، فلا يمكن أن يكون خلق هذا العالم الجسماني مفوّضاً إليهما.

5.

استحالة إقدار اللّٰه تعالى جسماً على اختراع الأجسام. و طرح السائل السؤال الآتي: لو سلّمنا أنّ الجسم لا يقدر على إيجاد الأجسام بالمباشرة و لا بالتولّد، فلماذا لا يمكن أن يعطيه اللّٰه تعالى القدرة على أن يوجدها بطريقة الاختراع. فأجاب الشريف المرتضى بما تقدّم من أنّ القدرة الزائدة على الذات لا تفعل إلّابواسطة استعمال محلّها و هو الجسم، و قد يُستعمل المحلّ للقيام بالفعل و ذلك في الفعل المباشر، كما يُستعمل ليكون سبباً لحصول الفعل و ذلك في الفعل المتولّد، و لا شيء من هذين الأمرين موجود في الفعل المخترع، ففي الفعل المخترع لا يتمّ استعمال الجسم (محلّ القدرة) لا مباشرة و لا بعنوان سبب للفعل، و لذلك يستحيل أن يوجِد الجسمُ القادرُ بقدرة زائدة جسماً آخر بطريقة الاختراع.

6.

إمكان صدور الخير و الشرّ من فاعل واحد. وسَأل عن إمكان نسبة مخلوقات العالَم إلى فاعلَين، على أساس أنّ العالَم ينقسم إلى خير و شرّ، و لا يمكن لفاعل واحد أن يخلقهما معاً، فتحتّم أن يكون لكلّ منهما فاعل معيّن. و أجاب الشريف المرتضى برفض المقدّمة القائلة إنّ الفاعل الواحد لا يمكنه خلق الخير و الشر معاً، بل هو أمر ممكن و غير مستحيل، فلا تبقى ضرورة لافتراض فاعلَين لهما، و بالتالي فاعلَين للعالَم.

7.

تعقّل كون الخالق لا جسماً و لا عرضاً. و سأل السائل عن إمكان وجود موجود مجرّد عن المادّة، لا هو ظلمة و لا ضياء، و لا يقع في زمان و لا مكان، و ليس جسماً أو جوهراً و لا عرضاً. فأجاب الشريف المرتضى بأنّ حقيقة الظلمة و الضياء و الزمان و المكان حقائق ملازِمة للجسمية، و قد ثبت أنّ الجسم محدَث لكونه متجدّداً، فإذا أثبتنا وجود قديم غير جسماني لزم أن تنتفي عنه هذه الحقائق.

8.

تعقّل حدوث شيء لا من شيء. كما سأل عن إمكان حدوث شيء لا من شيء.

فأجاب الشريف المرتضى من خلال توضيح معنى «لا من شيء»، فإنّه إن أُريد به: «لا من شيء موجود» فهو أمر معقول؛ لأنّ الشيء لا يوجد من أمر موجود و إلّاصار له وجودان، فهو إذا حدث و صار موجوداً استغنى بوجوده هذا عن وجودٍ آخر. و إن أُريد بذلك: «من شيء معدوم» فهو معقول أيضاً؛ لأنّ الأشياء وجدت من العدم، و بذلك صار حدوث شيء لا من شيء أمراً معقولاً.

9.

إشكال إحداث الطبائع للعالَم. و سأل السائل عن إمكان أن يكون العالَم مخلوقاً للطبائع. فأجاب الشريف المرتضى بجواب مبنائي، حيث صرّح بما ذهب إليه من أنّ الطبائع غير معقولة أساساً(1)، و أنّنا لا نتباحث مع أصحاب الطبائع لأنّها أُمور لا تعقل، و كلّ ما أسندوه إليها نسنده نحن إلى عرض أو غيره ممّا قام عليه الدليل. فلا بدّ أوّلاً من إثبات أنّ الطبائع معقولة، و حينئذ يمكن الكلام عن إسناد ما يراد إسناده إليها، و إلّابطل الكلام من الأساس.

10.

إنكار صفات الطبائع. و سأل أيضاً سؤالاً آخر حول الطبائع، و هو ما المانع من اتّصافها بالحياة و القدرة و العلم و غير ذلك من الصفات‌؟ فأجاب الشريف المرتضى بنفس جواب المسألة السابقة من أنّ الطبائع غير معقولة أساساً، فلا معنى للبحث عن أنّ لها صفات أو لا.

المسألة الثامنة عشر: حول بعض خصوصيات جبرئيل عليه السلام. وجّه السائل عدّة أسئلة متعلّقة بمواضيع مختلفة حول جبرئيل عليه السلام، و هي:

1. تمثّل جبرئيل بصورة دحية الكلبي. سأل السائل عن نزول جبرئيل بصورة الصحابي دحية الكلبي، و أنّه كيف يمكن لجبرئيل أن يتصوّر بصورة غير صورته‌؟ و هل هو قادر على ذلك أو كان ذلك بقدرة اللّٰه تعالى‌؟ ثمّ ما يُسمع من القرآن عند

1) . الذخيرة، ص 166.

تصوّره بصورة دحية، إن كان يُسمع من صورةٍ لغير جبرئيل فإشكاله واضح؛ لأنّنا نعلم أنّ المؤدّي للوحي و القرآن هو جبرئيل لا غيره، و إن كان يُسمع من صورة جبرئيل، فكيف نقول إنّه يُسمع من صورة بشريّة و هي صورة دحية‌؟ ثمّ لقد ورد في الرواية قدرة إبليس و الجنّ على التصوّر، فما هو الصحيح في ذلك‌؟

فأجاب الشريف المرتضى بأنّ نزوله بهذه الصورة كان بطلب من النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله. و أمّا تصوّره بصورة دحية فلم يكن بقدرته؛ لأنّه غير قادر على ذلك، و إنّما كان بقدرة اللّٰه تعالى القادر على كلّ شيء. و الدليل على عدم قدرة جبرئيل على التصوّر هو ما تقدّم من أنّ الحيّ - و هو أعمّ من الإنسان و المَلَك و الجنّ - لا يقدر على إيجاد الأجسام؛ لأنّه قادر بقدرة زائدة على ذاته، و في التصوّر يتمّ إيجاد جسم شبيه بجسم المتصوَّر، و هو جسم دحية في بحثنا. و أمّا ما يُسمع من القرآن عند تصوّر جبرئيل بصورة دحية فقد كان من جبرئيل على الحقيقة لا من غيره. و أمّا إبليس و الجنّ فغير قادرين أيضاً على التصوّر؛ لما تقدّم من كونهم قادرين بقدرة زائدة، إلّاأن تقتضي المصلحة ذلك، فيقوم اللّٰه تعالى بتصويرهم.

2. كيفيّة تلقّي جبرئيل للوحي. هذا السؤال متعلّق ببحث حقيقة الوحي، و هو من الأبحاث المهمّة في عصرنا، و قد كان يشغل ذهن السائل قبل ألف سنة، و هو أنّه كيف كان يتلقّى جبرئيل الوحي، هل كان يأخذه من اللّٰه تعالى مباشرة، أو من وراء حجاب‌؟

فأجاب الشريف المرتضى بما يتوافق مع مبناه حول حقيقة المَلَك، فهو جسم حاله حال كلّ الأحياء من البشر و الجنّ كما تقدّم، و الجسم لكي يتلقّى معرفة فالعادة تقتضي إمّا أن يسمعها أو أن يقرأها، و لذلك احتمل الشريف المرتضى أن يقوم اللّٰه تعالى بخلق كلام فيسمعه جبرئيل، أو يكون قد قرأ مضمون الوحي في اللوح المحفوظ، و وعاه ثمّ بلّغه إلى النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله.

3. مدى معرفة جبرئيل باللّٰه تعالى و صفاته. سأل السائل عن ذلك، و هل ما يعلمه جبرئيل من صفاته تعالى أكثر مما نعلمه، أو مثله‌؟ و هل يمكن لجبرئيل أن يُخطر اللّٰهَ تعالى في ذهنه و وهمه، أو أنّ ما يطرأ على ذهنه أمرٌ مخالف لحقيقته تعالى الذي لا تدركه الأوهام‌؟ هذا ما ظهر لنا من السؤال.

فأجاب الشريف المرتضى بأنّ ما يعلمه جبرئيل من صفاته تعالى تابع للدليل الذي يقوم عنده، و هو بذلك مساوي لباقي العلماء و المتكلّمين من البشر، فالكلّ تابع للدليل، و هم في ذلك سواء. و أمّا بالنسبة لما يخطره جبرئيل في ذهنه فلا يجوز، و السبب في ذلك هو ما كان يذهب إليه الشريف المرتضى من عصمة جبرئيل، و أنّه لا يفعل قبيحاً. و هذه مسألة مهمّة، فهو قد أشار هنا إلى أنّ جبرئيل لم يكن معصوماً في تلقي الوحي و تبليغه فحسب، بل كان معصوماً عن فعل مطلق القبيح.

4. مكان جبرئيل في السماء. و سأل السائل عن مكان جبرئيل.

فأجاب الشريف المرتضى بما روي من أنّه في السماء الرابعة. و هو جواب مقتضب ناشئ من عدم وجود دليل قطعي في المسألة.

المسألة التاسعة عشر: معنى الصفة في القديم تعالى. كما سَأل عن ما ذهب إليه بعض المعتزلة من أنّ كونه تعالى سميعاً بصيراً مريداً هي صفات زائدة و مستقلّة عن الصفات الأُخرى، خلافاً لمن أرجع هذه الصفات إلى صفة العلم مثلاً، فسأل هل أنّهم يجعلون هذه الصفات مثل صفتي العلم و القدرة، أو لا؟

و أجاب الشريف المرتضى ببيان معنى الصفة التي هي قول الواصف، و هي بحسب الاصطلاح تعني ما تكون عليه الذات من الحال التي تختصّ بها، أعمّ من أن يكون ذلك للذات، أو لمعنى من المعاني أو بالفاعل. و أمّا القدرة و العلم فلا يسمّيان صفة، و إنّما الصفة هي ما أوجبته القدرة و العلم من كونه قادراً و عالماً.

المسألة العشرون: كلام اللّٰه تعالى، كيف يكون‌؟ و سأل السائل عن الكلام الإلهي،

هل تكلّم به أو أحدثه، و كأنّه تصوّر أنّه تعالى إذا تكلّم فكلامه يكون قديماً، خلافاً لِما لو أحدثه، و لذلك أجابه الشريف المرتضى بأنّه إذا أحدثه يصدق عليه أنّه تكلّم أيضاً، و لا تعارض بين الأمرين، فالمتكلّم هو فاعل الكلام، فإذا فعل الكلام فقد تكلّم به و أحدثه؛ فمعناهما واحد.

و سأل أيضاً عن كيفيّة كلامه تعالى مع موسى عليه السلام من خلال الشجرة، مع أنّ اللّٰه تعالى قال: (وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللّٰهُ إِلاّٰ وَحْياً) (1)، و الكلام من خلال الشجرة لا يعدّ وحياً. و أجاب الشريف المرتضى بأنّه إذا أكمل الآية لوجد أصنافاً أُخرى غير الوحي، و هي: من وراء حجاب، أو إرسال الرسول، فيمكن أن يكون الكلام من خلال الشجرة داخلاً تحت الصنف الذي هو من وراء حجاب، و بذلك يرتفع الإشكال. و يبدو أنّ سبب الإشكال عدم قراءة الآية بصورة كاملة!!

المسألة الحادية و العشرون: حول الكعبة و الميثاق و العقل و الروح. و سأل السائل عن عدّة أُمور بدأت بالسؤال عن الكعبة، ثمّ تسلسلت الأسئلة إلى أُمور أُخرى، و ذلك كما يلي:

1.

هل الكعبة كانت قِبلة لمن كان قبلنا، أم أنّها قبلة لنا و لإبراهيم عليه السلام فقط؟ فأجاب الشريف المرتضى بأنّه ممّا لا شكّ فيه أنّها قبلتنا، و أمّا كونها قبلة لمن كان قبلنا، فهو أمر غير مقطوع به، بل هو أمر ممكن. و هذا الجواب هو الجواب المنطقي عند فقدان الدليل على الإيجاب أو السلب في أيّ مسألة علمية، و قد تكرّر أكثر من مرّة في كلامه رحمه اللّٰه.

2.

و بمناسبة الكلام عن الكعبة انتقل السائل إلى السؤال عن الحجر الأسود، و ما ورد من استحباب مخاطبة الحاجّ إيّاه بقوله: «وفيتُ بعهدي و تعاهدتُ ميثاقي»، و


1) . الشورى (42):51.

أشكل على ذلك بإشكالين:

الإشكال الأوّل: هل يَسمع الحجر ما يُقال له، أو أنّه يحصل عنده علم بذلك يوم القيامة‌؟ و أجاب الشريف المرتضى بعقلانيّته المعهودة، فأنكر أن يَسمع الحجر شيئاً؛ لأنّه جماد، و السمع يتوقّف على وجود الحياة، و لذلك فنحن متعبَّدون فقط بمخاطبة الحجر لمصلحةٍ مّا، لا لكونه يَسمع كلامنا.

و الإشكال الثاني متعلّق بكلمة «الميثاق» الواردة في كلام الحاجّ للحجر، فقد أورد عليه إشكالين: أحدهما: أنّنا لو كنّا عقلاء في عالم أخذ الميثاق فلا بدّ أن نذكره، و إن لم نكن عقلاء فمن القبيح أن يؤخذ الميثاق من غير العاقل. و الآخر:

أنّ القول بالميثاق يقوّي شبهة التناسخ؛ فإنّهم يُلزموننا بما روي من أنّ الأرواح خلقت قبل الأبدان بألفي عام، و هذا يتناسب مع القول بالميثاق ممّا يؤدّي إلى تقوية شبهة التناسخ.

و علّق الشريف المرتضى على الإشكالين الأخيرين بما يلي:

أمّا الأوّل: فهو يتناسب مع تصور أنّ المقصود بالميثاق في كلام الحاجّ هو ميثاق عالم الذرّ المذكور في القرآن، بينما ليس الأمر كذلك، فإنّ المقصود هو الميثاق الذي أخذه اللّٰه تعالى من الحاجّ على لسان نبيه صلّى اللّٰه عليه و آله. و بذلك لا يرد إشكال على تكليم الحاجّ للحجر من هذه الناحية.

و الجدير بالذكر أنّ هذا الكلام لا يعني إيمان الشريف المرتضى بعالم الذرّ، فهو قد ذهب إلى إنكار هذا العالم، و استدلّ بنفس ما ذكره السائل من ضرورة تذكّر ذلك العالم على فرض وجوده(1)، و إنّما كان مقصوده هنا إنكار أن يكون الميثاق المذكور في كلام الحاجّ هو نفس ميثاق الذرّ.


1) . الأمالي للمرتضى، ج 1، ص 56-54؛ المسائل الرازية، المسألة الرابعة.

و أمّا الثاني: فقد ثبت بطلان التناسخ بأدلّة قطعيّة، وبذلك لا يمكن تقوية شبهة التناسخ من خلال القول بالميثاق أو خلق الأرواح قبل الأبدان.

3. و بمناسبة الكلام عن خلق الأرواح انتقل السائل إلى السؤال عن الأرواح، و هل هي قديمة و مخلوقة قبل الأبدان أم لا؟ و كأنّ السائل و غيره فهموا من تقدّم خلق الأرواح على الأبدان بألفي عام أنّ الأرواح قديمة. فأجاب الشريف المرتضى بأنّ هذه من الدعاوى الباطلة، و قد ثبت بالدليل حدوث جميع الأجسام، سواء كانت أرواحاً أم لا، فإنّ الروح جسم؛ لأنّ غاية ما يقولونه: إنّ الروح حية، و الحيّ بكلّ مصاديقه - من إنسان أو مَلَك أو جنّ أو روح - من الأجسام، و بذلك لا تكون الأرواح قديمة.

و ينبغي الإشارة هنا إلى أنّ الشريف المرتضى سوف يصرّح بأنّ الروح ليست حيّة، لكنّه مع ذلك يقول بأنّها جسم؛ لأنّ تعريفه للروح هي أنّها هواء متردّد في مخارق الحيّ‌، و الهواء جسم و إن كان رقيقاً.

4. و من الأسئلة المتعلقة بالروح السؤال عن حال الأرواح بعد مفارقة الأبدان، هل يكون لديها حسّ أم لا؟ و هل يقع الحساب عليها فقط، أو عليها و على الأبدان معاً؟ فأجاب الشريف المرتضى بأن الحسّ من خصوصيات الحيّ‌، و الحيّ - الذي تحلّ فيه الحياة - هو مجموع هذا الجسم الذي نشاهده و الذي يحس و يدرِك، و الإدراك عند المتكلّمين يعني المعرفة الحسيّة. و إذا اتّضح هذا، فإذا كانت الأرواح بعد انفرادها غير حيّة، فهي لا تحسّ‌؛ لإن الحسّ هو الإدراك و الإدراك هو الحسّ كما تقدم آنفاً، و المقتضي للإدراك هو كون المدرِك حياً(1)، فإذا فُقدت الحياة فُقد الإدراك و الحسّ‌.

و بهذا اتّضح الجواب عن السؤال الآخر، و هو وقوع الحساب على الروح، فقد أجاب الشريف المرتضى بأنّ الحساب على الحيّ‌، و بما أنّ الروح تابعة في كونها


1) . الملخّص، ص 95.

حيّة لغيرها - أي للبدن - فالحساب يقع على من تكون تابعة له، لا عليها.

5.

و سؤال آخر عن جانب آخر من الروح، و هو حال نوم الإنسان، فما المقدار الذي يفارق منها البدن، و ما الذي يبقى‌؟ و أجاب الشريف المرتضى من خلال تعريف الروح، حيث عرّفها بأنّها الهواء المتردّد و المتحرّك في مَخارق و فراغات جسم الحيّ‌، و هذا الهواء موجود في حالتي النوم و اليقظة. و يظهر من هذا الكلام أنّ الروح لا تفارق البدن في حال النوم، و لا حتّى جزء منها.

6.

و لعلّه لمناسبة البحث عن الروح و البدن، تطرّق السائل للسؤال عن علاقة العقل و البدن، و عن مستقرّ العقل منه‌؟ و هل يتساوى جميع الناس - و منهم الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام - في العقل، أم لبعض الناس مزيّة على الآخرين فيه‌؟ فأجاب الشريف المرتضى بأنّ مستقرّ العقل و مكانه في القلب. و أمّا بالنسبة إلى السؤال الآخر، فبما أنّ الشريف المرتضى ذهب إلى أنّ العقل عبارة عن مجموعة من العلوم المعيّنة التي يمتلكها المكلّف، لذلك صرّح هنا بأنّ جميع البشر متساوون في العقل، و لا مزيّة لأحد - حتّى الأنبياء عليهم السلام - على غيره فيه؛ لتساويهم في تلك العلوم التي تشكّل العقل، نعم لبعض البشر - كالأنبياء عليهم السلام - مزيّة على غيرهم في امتلاكهم علوماً أُخرى غير علوم العقل.

7.

ثمّ طرح السائل سؤالاً آخر عن العقل، و هو هل يكبر العقل مع الصبي، أي هل تزداد العلوم التي يتكوّن منها العقل في الصبي، أو أنّه يحصل على علوم معيّنة و ثابتة ليست فيها زيادة‌؟ فأجاب الشريف المرتضى بأنّ هناك خلافاً حول غير العاقل، هل يملك شيئاً من العقل، أي هل يمتلك بعض العلوم التي يتكوّن منها العقل، أو لا؟ و يعني بغير العاقل الصبي الذي وقع محلاًّ للسؤال، فإنّ العقل هو مدار التكليف، فالذي يحصل على مقدار من العلوم بحيث يصير مكلّفاً يسمّى عاقلاً، و الذي لم يحصل

على ذلك المقدار من العلوم - كالصبي - يسمّى غير عاقل أو جاهل(1). و أجاب الشريف المرتضى عن السؤال الأخير بأنّ ذلك راجع إلى اختيار اللّٰه تعالى، فيمكنه أن يَخلق في الأطفال العقل، أي أن يعطيهم العلوم التي يكونون بها من العقلاء، و قد فعل ذلك بالفعل في حقّ عيسى و بعض أئمّتنا عليهم السلام.

8.

و سأل السائل أيضاً عن عدد أرواح الإنسان، و مكانها، و مكان العقل منها، و هل هو داخل فيها أو خارج عنها؟ فأجاب الشريف المرتضى بأنّ الروح واحدة، و ذلك اعتماداً على ما تقدّم من أنّ حقيقتها عبارة عن الهواء المتردّد في مَخارق الحيّ - و إذا كان متردّداً في مَخارق غير الحيّ‌، فهو مجرّد هواء و لا يسمّى روحاً - و الهواء واحد غير متنوّع. و أمّا مكان الروح فهو مَخارق الحيّ و فراغاته، كما هو مذكور في التعريف. و أمّا مكان العقل منها، فالروح ليست إلّاهواء، فهي ليست عاقلة حتّى يُسأل عن مكان العقل منها، و قد تقدّم أنّ مكان العقل هو القلب.

9.

و بمناسبة الكلام عن عدد أرواح الإنسان، تعرّض السائل للسؤال عن حقيقة الإنسان. فأجاب الشريف المرتضى بأنّها مسألة مطوّلة و قد تقدّمت بعض الإشارات إليها، و هو أنّ الإنسان حيّ‌، و حقيقة الحيّ هو هذا الجسم المشاهَد.

المسألة الثانية و العشرون: أوّل ما خلق اللّٰه تعالى.

و سأل السائل عن أنّه إذا كان اللّٰه تعالى قديماً، فكيف يمكننا القطع بأنّ أوّل شيء خلقه هو السماوات و الأرض‌؟ فهل هناك دليل قطعي من الشرع أو غيره‌؟ فأجاب الشريف المرتضى بعدم وجود قطع على شيء من ذلك؛ لعدم قيام دليل قطعي على ذلك، و لذلك يبقى الأمر في حيّز الإمكان.

المسألة الثالثة و العشرون: في الفراغ و نهايته و علم الباري بها. ذهب الشريف


1) . الذخيرة، ص 121-123.

المرتضى إلى القول بالخلأ، و أنّ العالم ليس كلّه ملأ، بل هناك خلأ إلى جانبه(1)، و لذلك أورد السائل أسئلته و إشكالاته على الخلأ و الفراغ، فسأل عن حقيقة الفراغ و معناه، و هل له نهاية‌؟ و باعتبار أنّ السماوات و الأرض سبع طبقات، فهل يوجد بعد ذلك - أي في الطبقة الثامنة - فراغ قطعاً أو لا؟ فإن قلت: لا يوجد هناك فراغ، و إنّما ينقطع الفراغ بانقطاع السماوات و الأرضين السبع، فحينئذ نسأل: ماذا يوجد بعد هذه السماوات و الأرضين‌؟ أي ماذا يوجد بعد الملأ، فإذا لم يوجد هناك خلأ و فراغ فماذا؟ و إن قلت: يوجد هناك فراغ، فنسأل: إذا انتهى الفراغ فماذا يوجد بعده‌؟ و كأنّ السائل تصوّر أنّ الفراغ لا بدّ أن ينتهي عند حدّ.

و أجاب الشريف المرتضى بأنّ حقيقة الفراغ لا شيء، فلا هو جوهر و لا عرض، و لا قديم و لا حادث، و لا هو ذات و لا معلوم كباقي المعلومات. و لا يوصف على الحقيقة بالتناهي و عدمه، بل يوصف بذلك مجازاً. و أمّا ما وراء السماوات و الأرضين السبع - أي الطبقة الثامنة - فلا نعرفها، و القرآن الكريم نطق بما يدلّ على سبع طبقات فقط، و أمّا غير ذلك فلا دليل عليه.

المسألة الرابعة و العشرون: وجود جابَرقا و جابَرسا، و حكم أهلها. و ممّا سأل عنه السائل، سؤاله عن حقيقة مدينتَي جابَرقا و جابَرسا الواردتين في كلام الإمام الحسن عليه السلام، و هل لهما وجود؟ و ما هو تكليف أهلها؟ فباعتبار وقوع إحدى المدينتين في شرق الأرض و الأُخرى في غربها و بُعدهما عنّا بحيث يُحتمل أن لا تكون دعوة الإسلام قد وصلت إليهم، لذلك سأل عن نوع تكليف أهلها.

و أجاب الشريف المرتضى بأنّ الخبر المشار إليه خبر واحد، و لذلك لا يمكن القطع على محتواه و على وجود هاتين المدينتين. و أمّا تكليف أهلها على فرض


1) . الملخّص، ص 112؛ الأمالي للمرتضى، ج 2، ص 274.

وجودهما، فالأمر دائر بين أمرين: إمّا أن تكون دعوة الإسلام قد وصلت إليهم، و قامت عليهم الحجّة، فهُم مكلّفون بنفس تكاليفنا. و إمّا أن لا تكون قد وصلت إليهم، فهُم مكلّفون بما يمليه عليهم العقل من تكاليف فقط.

المسألة الخامسة و العشرون: حكم الأطفال يوم القيامة. و سأل عن حكم أطفال المؤمنين و الكافرين يوم القيامة. فأجاب الشريف المرتضى بأنّ المرويّ دخول أطفال المؤمنين الجنّة، إمّا تفضلاً من اللّٰه تعالى عليهم، و إمّا لأجل أن يزيد سرور آبائهم بذلك، فيكون دخول هؤلاء الأطفال إلى الجنّة أحد أنواع الثواب الذي يصل إلى آبائهم. إنّ نسبة الشريف المرتضى ذلك إلى المرويّ يدلّ على عدم قطعه به. و أمّا بالنسبة إلى أطفال الكافرين فيبدو أنّه لا توجد في حقّهم رواية يمكن الركون إليها، و لذلك اكتفى في الجواب بذكر ما يدلّ عليه العقل، و هو أنّ كلّ غير عاقل - و منهم الأطفال كما تقدّم - يعاد يوم القيامة كي يحصل على أعواض آلامه في الدنيا، ثمّ يصير تراباً.

المسألة السادسة و العشرون: عقاب مَن قاتل إماماً عادلاً. و سأل عن عقاب مَن قاتل الإمام و هو مؤمن بالشريعة كلّها، و مات من دون توبة، فهل يكون عقابه منقطعاً، حتّى إذا انتهى عقابه خرج من النار و دخل الجنّة‌؟ فأجاب الشريف المرتضى بضرس قاطع و هو أنّ من قاتل الإمام كافرٌ، و عقابه كعقاب سائر الكفّار عقابٌ دائمٌ في النار غير منقطع، فلا يسقط بعفو و لا شفاعة، و لا يسقط إلّابأن يتوب في حياته.

المسألة السابعة و العشرون: حكم الملائكة و الجنّ بعد انتهاء التكليف. و سأل عن حال الملائكة بعد انتهاء التكليف و دخول أهل الجنّة إلى الجنّة، فهل الجنّة التي يدخلها الملائكة هي نفس جنّة بني آدم أو غيرها؟ و هل يمكن للبشر أن يروهم‌؟ و هل هم يأكلون و يشربون كالبشر، أم هم مشغولون بالتسبيح و التقديس فقط؟ و هل

يسقط التكليف عنهم هناك في الجنّة‌؟ و أكثر هذه الأسئلة تشمل الجنّ أيضاً.

فأجاب الشريف المرتضى بجواز أن تكون جنّتهم نفس جنّة بني آدم أو غيرها، فإنّ الجنان كثيرة. و أمّا رؤية البشر لهم فهو أمر ممكن؛ لأنّهم أجسام - فقد تقدّم أنّ حقيقة الحيّ أنّه جسم، و الملائكة أحياء - ولكن بما أنّ أجسامهم شفافة و رقيقة لذلك لا يمكن رؤيتهم إلّابتقوية شعاع بصر البشر كي يصبحوا قادرين على رؤية الأجسام الشفّافة، أو بتكثيف أجسام الملائكة، و كلّ ذلك بقدرة اللّٰه تعالى. و أمّا أكلهم و شربهم فجائز أن يكون و أن لا يكون، فاللّٰه تعالى يثيبهم بما فيه لذّتهم، فإن كانت في الأكل و الشرب جاز، و إن كانت في غير ذلك جاز أيضاً. و أمّا تكليفهم فالذي يدلّ عليه العقل هو أنّه يَسقط عنهم؛ لأنّه لا يمكن أن يكونوا مكلّفين و مثابين في آن واحد؛ فإنّ التكليف مأخوذ من الكلفة و المشقّة، و هي لا تجتمع مع الثواب الخالي من ذلك(1). و نفس الكلام في الجنّ‌.

و بعد الانتهاء من التعريف بما ورد من بحوث في هذه المسائل يمكن تقديم فهرس مختصر لها من خلال تصنيفها إلى عدّة أصناف، نقوم بذكرها هنا باختصار، و نشير إلى عنوان و رقم المسألة التي تعرّضت إليها، و ذلك كما يلي:

1.

الطبيعيات؛ مثل: الإشارة إلى حدوث حشرات الأرض و البراغيث، أو عدم حدوثها، كما ذهب إليه ثُمامة (ت 303 ه‍) (المسألة 6)، و مثل البحث عن حقيقة الرعد و البرق و الغيم (المسألة 7)، و حقيقة الفراغ، أو الخلأ (المسألة 23).

2.

الصفات الإلهيّة؛ مثل: حقيقة الصفات (المسألة 19)، و نفي الجسميّة (المسألة 8)، و المثل، و الضدّ (المسألة 9)، و الشريك (المسألة 13) عنه تعالى، و حقيقة الكلام (المسألة 20).


1) . راجع بداية: مسألة في أحكام أهل الآخرة، و هي إحدى الرسائل الكلاميّة للشريف المرتضى.

3.

لطيف الكلام؛ مثل: عدم قدرة الجسم على خلق و إبداع جسم آخر (المسألة 11، 12)، و كيفيّة حدوث شيء لا من شيء (المسألة 15)، و نفي الطبائع (المسألة 16، 17).

4.

الوحي؛ مثل: كيفية تصوّر جبرئيل بصورة دحية الكلبي، و كيفيّة سماعه للوحي، و غير ذلك من الأبحاث (المسألة 18).

5.

المعاد؛ مثل: حكم الأطفال يوم القيامة (المسألة 25)، و مصير مَن قاتل الإمام (المسألة 26)، و حكم الملائكة في الآخرة (المسألة 27).

6.

مسائل كلاميّة أُخرى؛ مثل: حقيقة الكلام مع الحجر الأسود، و حقيقة الميثاق، و بطلان التناسخ، و حقيقة الروح، و الإنسان، و العقل (المسألة 21)، و أوّل ما خلق اللّٰه تعالى (المسألة 22)، و تكليف أهل جابرقا و جابرسا (المسألة 24).

فهذه أهمّ الأبحاث المطروحة في المسائل النيليّات، و هي تعكس الكثير من آراء الشريف المرتضى الكلاميّة التي تبنّاها في مختلف كتبه و رسائله.

و كانت المسائل النيليات قد طبعت مرّتين: إحداهما في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 15-35 باسم: جوابات المسائل المصريات. و قد قوبلت الطبعة الجديدة مع هذه الطبعة. و أُشير إليها بكلمة: «المطبوع». و الطبعة الأُخرىٰ في ضمن مسائل المرتضى، ص 132-153 باسم: أجوبة المسائل النيليات.

مخطوطات الرسالة

ألف) النسخ المعتمدة:

1.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحات (131-138) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

2.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 21914؛ تقع في الصفحات

(54-74) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحات (348-354) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

4.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20995؛ تقع في الصفحات (34-44) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

5.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (71-77) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

ب) سائر النسخ:

1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحات (49-70) من المجموعة.

2.

مخطوطة مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحات (336-352) من المجموعة.

3.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحات (72-81) من المجموعة.

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحات (50-56) من المجموعة.

5.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحات (40-150) من المجموعة.

6.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 541/14؛ تقع في الصفحات (24-32) من المجموعة.

7.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحات (269-273) من المجموعة.

8.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحات (38-48) من المجموعة.

9.

مخطوطة مكتبة الإمام الحكيم العامّة بالعراق، المرقّمة 432/4؛ تقع في الصفحات (1-10) من المجموعة، و هي بخطّ الشيخ محمّد بن طاهر السماوي رحمه اللّٰه.

10.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10005؛ تقع في الصفحات (35-45) من المجموعة.

11.

مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587/7؛ تقع في الصفحات (107-120) من المجموعة.

جواباتُ المَسائلِ النيليّاتِ‌
اشارة

جواباتُ المَسائلِ النيليّاتِ‌(1)

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مَسائلُ‌(2)ممّا(3)وُجِدَ(4)مِن المَسائلِ الواردةِ مِن النِّيلِ و جوابِها، سِوىٰ ما شَذَّ مِنها.

المَسألةُ السادسةُ‌ إحداثُ الحَشَراتِ و استحقاقُها للعِوَضِ‌

المَسألةُ السادسةُ‌(5)إحداثُ الحَشَراتِ و استحقاقُها للعِوَضِ‌

قولُ ثُمامةَ‌(6): «إنّ حَشَراتِ الأرضِ و البَراغيثَ‌(7)حَوادثُ لا مُحدِثَ لها» مِن أيِّ‌


1) . في المطبوع: «المصريّات».

2) . في «أ، د، س»: «مسألةٌ‌». و في المطبوع: - «مسائل».

3) . في «أ»: «و ما». و في «ب، س» و المطبوع: «ما».

4) . في مسائل المرتضى: «وجدت».

5) . لقد سقطت خمس مسائل من بداية النسخ.

6) . في «أ، ب، د»: «قول تمامة»، و في مسائل المرتضى: «قول أبي علي قوله تمامه»، و في المطبوع: «قوله [زيد] بهاؤه» بدل «قول ثُمامة». و ثُمامةُ هو ثُمامةُ بنُ الأشرس أبو معن النميريّ البصريّ‌؛ من متكلّمي المعتزلة في زمن المأمون العبّاسيّ‌، و كان ذا نوادر و مُلَح، و من تلاميذه الجاحظ، و أراد المأمون أن يستوزره فاستعفاه. توفّي سنة 213 ه‍. و قيل: 234 ه‍. راجع: لسان الميزان، ج 2، ص 83؛ معجم الأُدباء، ج 20، ص 18؛ الأعلام للزركلي، ج 2، ص 100.

7) . «البَراغيث» جمع «البُرغوث»، و هي دُوَيبّة سوداء صغيرة تَثِبُ وَثَباناً. راجع: لسان العرب، ج 2، ص 116 (برغث).

طَريقٍ قالَه(1)؟ و إلىٰ أيِّ شَيءٍ ذَهَبَ؟ و ما يُقتَلُ‌(2)منها(3)و من(4)القُمَّلِ‌(5)و الصِّئْبانِ‌(6)أيضاً بغَيرِ ذَنبٍ‌، له عِوَضٌ أم لا؟ و إن كانَ لَيسَ له عِوَضٌ فما بالُ غيرِه له عِوَضٌ‌(7)؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّه رَأَى استحالةَ حُدوثِها مِنّا(8)لِتَعذُّرِ فِعلِ الأجسامِ و بِنيةِ‌(9)الحياةِ علينا.

و خَفيَ عليه وجهُ الحِكمةِ و المَصلَحةِ في وقوعِها مِن القَديمِ تَعالىٰ‌، فقالَ‌: لا يَصِحُّ وقوعُها منه. فلمّا رأىٰ تَعذُّرَ وقوعِها مِن الفاعلِ القَديمِ و تَعذُّرَ وقوعِها مِن الفاعلِ‌(10)المُحدَثِ و قد ثَبَتَ حُدوثُها قالَ‌: إنّها حَوادثُ لا مُحدِثَ لها. و لَو عَلِمَ وجهَ الحِكمةِ فيها(11)لَأضافَها إلَى القَديمِ تَعالىٰ‌.

فأمّا العِوَضُ فهو ثابتٌ فيما يَدخُلُ عليها مِن الآلامِ كما يَستَحِقُّه غيرُها مِن المؤلَماتِ‌؛ و الدليلُ علىٰ ثُبوتِ العِوَضِ في المَوضِعَينِ واحدٌ(12).


1) . في المطبوع: «من أيّ طريقة قال»، و أُشير في هامشه إلىٰ أنّ في الأصل: «قالوا» بدل «قال».

2) . في «أ» و المطبوع: «يقبل».

3) . في «أ، ب، س» و المطبوع: «منهما».

4) . في المطبوع: - «من».

5) . في «أ» و المطبوع: «العمل».

6) . في «أ، ب» و المطبوع: «و الصبيان». و «الصئبانُ‌» جمعُ «صؤابة»، و هي بيضة القمّل و البرغوث على قولٍ‌، أو بيضة القمّل وحده على قولٍ آخر. راجع: تاج العروس، ج 2، ص 135 (صئب).

7) . في المطبوع: - «له عوض».

8) . في «أ، د»: «منها». و في المطبوع: «هنا».

9) . في «ب»: «و بيّنة». و في «د، ص» و المطبوع لا توجد نقاط على الحروف؛ فالكلمة غير واضحة.

10) . في المطبوع: - «القديم و تعذّر وقوعها من الفاعل».

11) . في المطبوع: - «فيها».

12) . المسألة السادسة بتمامها ساقطة من «ص».

المسألةُ السابعةُ‌ ماهيّةُ الرعدِ و البَرقِ و الغَيمِ‌، و وجودُ جبالِ البَرَدِ

المسألةُ السابعةُ‌(1)ماهيّةُ الرعدِ و البَرقِ و الغَيمِ‌، و وجودُ جبالِ البَرَدِ

«الرعدُ» و «البَرقُ‌» و «الغَيمُ‌» ما هو؟ و قولُه(2)تَعالىٰ‌: (وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مِنْ جِبٰالٍ فِيهٰا مِنْ بَرَدٍ) (3)هَل هُناكَ‌(4)[جبالُ‌] بَرَدٍ أم لا؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ «الغَيمَ‌» جسمٌ كَثيفٌ‌، و هو مُشاهَدٌ لا يُمكِنُ الشكُّ فيه.

و أمّا «الرعدُ» و «البَرقُ‌»، فقَد رُويَ أنّهما مَلَكانِ‌(5). و الذي نَقولُه هو أنّ الرعدَ صَوتٌ مِن اصطكاكِ أجرامِ السحابِ‌، و البَرقُ يَتَّقِدُ(6)أيضاً مِن تصادُمِها(7).

و قولُه: (مِنْ جِبٰالٍ فِيهٰا مِنْ بَرَدٍ) لا شُبهةَ فيه أنّه كلامُ اللّٰهِ‌، و أنّه لا يَمتَنِعُ أن تَكونَ‌(8)جبالُ البَرَدِ مخلوقةً في(9)حالِ ما يَنزِلُ البَرَدُ.


1) . في المطبوع: + «في». و في «ص»: + «من المسائل الواردة من النيل و جوابها».

2) . في المطبوع: «قوله» بدون واو العطف.

3) . النور (24):43.

4) . في «ص»: - «هل». و في المطبوع: «و هل هنا» بدل «هل هناك».

5) . راجع: غريب الحديث، ج 4، ص 357؛ كتاب العين، ج 2، ص 33؛ المفردات، ص 33؛ لسان العرب، ج 3، ص 179 (رعد).

6) . في «أ»: «ينفقذ». و في «د»: «ينفد». و في «س» و المطبوع: «يبعد».

7) . في «أ، س، ص» و المطبوع: «تصادمهما».

8) . في «أ، د، س، ص» و المطبوع: «أن يكون».

9) . في المطبوع: - «في».

المسألةُ الثامنةُ‌ تَعقُّلُ عدمِ كَونِ الفاعلِ جسماً

المسألةُ الثامنةُ‌(1)تَعقُّلُ عدمِ كَونِ الفاعلِ جسماً

إذا كانَ الفاعلُ لا يَكونُ إلّاحَيّاً، فما يُنكَرُ أن لا يَكونَ إلّاجسماً؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ الفاعلَ لا يَكونُ إلّاقادراً، و كَونُ الحَيِّ حَيّاً يُصحِّحُ كَونَه(2)قادراً؛ فمِن هذا الوجهِ وَجَبَ‌(3)أن يَكونَ الفاعلُ حَيّاً. و لَيسَ كَونُه جسماً مُصحِّحاً لكَونِه فاعلاً و لا قادراً، فلا يَجِبُ ذلكَ فيه.

و الفاعلُ مِنّا إنّما احتاجَ إلىٰ كَونِه جسماً؛ لأنّه قادرٌ «بقُدرةٍ‌» و حَيٌّ «بحَياةٍ‌»، و للقُدرةِ و الحياةِ تأثيرٌ في مَحلِّهما، فيَصيرُ مَحلُّهما آلةً في فِعلِه. فمَن هو قادرٌ «لا بقُدرةٍ‌» و حَيٌّ «لا بحياةٍ‌» لا(4)يَحتاجُ إلىٰ ذلكَ‌؛ ففارَقَ‌(5)كَونُه جسماً لكَونِه حَيّاً.


1) . من هنا إلى بداية المسألة السادسة عشر ساقط من «ص».

2) . في «د»: «يصحّ مع كونه» بدل «يصحّح كونه». و في المطبوع: «يصحّ أن يكون» بدلها.

3) . في «د»: - «الوجه». و في المطبوع وُضع بين معقوفين: «يصحّ‌» بدل «وجب».

4) . في المطبوع: «و لا».

5) . في المطبوع: «معارف» بدل «ففارق»، و سُطر في هامشه ما نصُّه: «كذا في النسخة».

المسألةُ التاسعةُ تَعقُّلُ مَن لا مِثلَ له و لا ضِدَّ

فإن قيلَ‌: كَيفَ يُعقَلُ مَن لا مِثلَ له و لا ضِدَّ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ إثباتَ المِثلِ و الضدِّ و الخِلافِ تابعٌ للدليلِ‌. و إن كانَ إثباتُ مُخالِفٍ للذاتِ لا بُدَّ منه؛ لأنّ تَميُّزَها مِن غيرِها نفسُها، إلّاأنّه يَكفي أن يُعلَمَ أنّ لها مُخالِفاً علىٰ جهةِ الجُملةِ‌. فأمّا إثباتُ ضِدٍّ و مِثلٍ فمنه بُدٌّ(1)و يَجوزُ أن يَكونَ و يَجوزُ أن لا يَكونَ‌؛ بحَسَبِ الدليلِ‌.

و القُدَرُ التي يُقدَرُ(2)بها لا مِثلَ لواحدِها؛ لأنّه لا يَصِحُّ أن تَتعلَّقَ‌(3)قُدرتانِ بمقدورٍ واحدٍ.

و إذا كانَ الدليلُ قد دَلَّ علىٰ أنّ القَديمَ تَعالىٰ لا مِثلَ له و لا ضِدَّ له - بما بيّنّاه في مَوضِعِه -(4)وَجَبَ أن نَقولَ‌(5)به، و لا(6)عَجَبَ فيما دَلَّ الدليلُ عليه.


1) . في «أ»: «ند». و في «د» و المطبوع: «بدأ».

2) . في «أ، د»: «تقدر». و في «س»: «نقدر». و في المطبوع: «يتقدّر».

3) . في النسخ المعتمدة: «يتعلّق».

4) . راجع: الملخّص، ص 43-44، و 159.

5) . في «أ، ب، د»: «أن يقول».

6) . في المطبوع: - «لا».

المسألةُ العاشرةُ تَعقُّلُ فاعلٍ مِن دونِ لمسٍ أو اتّصالٍ‌

فإن قيلَ‌: كَيفَ يُعقَلُ فاعِلٌ‌(1)مِن غيرِ مُلامَسةٍ و لا اتّصالٍ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ الفاعلَ إنّما يَحتاجُ في(2)كَونِه فاعلاً إلىٰ ما يُصحِّحُ‌(3)الفِعلَ‌(4)، مِن كَونِه قادراً و ما يَجري مَجراه، و لَيسَ المُلامَسةُ و الاتّصالُ مِن ذلكَ في شَيءٍ‌. و قد بيّنّا أنّه إنّما احتيجَ‌(5)إلَى الجسميّةِ فينا(6)لأجلِ القُدرةِ و الحياةِ‌،(7)فصارَ مَحلُّهما آلةً في استعمالِهما، فاحتيجَ إلى الاتّصالِ و المُلامَسةِ‌(8)لأجلِ استعمالِ مَحلِّ‌(9)القُدرةِ و الحياةِ‌؛ فمَن هو حَيٌّ «لا بحياةٍ‌» لا يَحتاجُ إلىٰ ذلكَ‌.


1) . في «أ، ب»: «كيف يفعل فاعلاً» بدل «كيف يعقل فاعل». و في «س»: «كيف يعقل فاعلاً» بدلها. و في «د»: - «كيف».

2) . في المطبوع: «فيما».

3) . في المطبوع: «يصحّ‌».

4) . في «أ، ب»: «العقل».

5) . في المطبوع: «يحتاج».

6) . في المطبوع: «فبينا».

7) . تقدّم في المسألة الثامنة.

8) . في المطبوع: «في الملامسة» بدل «و الملامسة».

9) . في «س» و المطبوع: - «محلّ‌».

المسألةُ الحاديةَ عَشَرَ استحالةُ كَونِ خالقِ الأجسامِ جسماً أقدَرَه اللّٰهُ علىٰ ذلكَ‌

فإن قيلَ‌: فمِن أينَ بَعُدَ(1)أن تَكونَ الأجسامُ خَلْقَ غيرِه ممّن(2)أقدَرَه عليها مِن جسمٍ آخَرَ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّه إذا ثَبَتَ أنّ القُدَرَ لا يَصِحُّ بها(3)فِعلُ الأجسامِ‌، و كانَ وقوعُ الأجسامِ بها مُحالاً، لَم يَصِحَّ ما ذُكِرَ في السؤالِ‌؛ و قد ذُكِرَت في «الذخيرةِ‌» و «الشرحِ‌»(4)و غيرِهما مِن كُتُبِ الشيوخِ‌.

و بهذا تَوصَّلنا إلىٰ إبطالِ قولِ المُفوِّضةِ الذينَ قالوا: إنّ اللّٰهَ تَعالىٰ فَوَّضَ إلىٰ محمّدٍ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيه و آلِه و عليٍّ عليه السلامُ الخَلقَ و الرزقَ و غيرَ ذلكَ‌.(5)


1) . في «ب»: «يفسد». و في المطبوع: «هذا».

2) . في «أ» و المطبوع: «فمن».

3) . في المطبوع: «لا يصلح لها».

4) . في المطبوع: «و الشيوخ» بدل «و الشرح».

5) . تصحيح اعتقادات الإماميّة، ص 133-134؛ المقالات للبلخي، ص 512.

المسألةُ الثانيةَ عَشَرَ استحالةُ إقدارِ اللّٰهِ تعالىٰ جسماً علَى اختراعِ الأجسامِ‌

فإن قيلَ‌: ما تُنكِرونَ‌(1)أن يُعطيَه قُدرةً علَى الاختراعِ مِن غيرِ مُباشَرةٍ و لا تَولِدةٍ‌(2)؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّه إذا كانَ مُستَحيلاً بالقُدرةِ فِعلُ الجسمِ - لأنّ القُدرةَ لا يَصِحُّ الفِعلُ بها إلّاباستعمالِ مَحلِّها في الفِعلِ إن كانَ مُباشَراً أو في سببِ الفِعلِ إن كانَ مُتولِّداً - بَطَلَ أن يَقَعَ بها مُختَرَعاً؛ لاستحالةِ الوجهَينِ فيه.(3)


1) . في «د»: «ما ينكرون».

2) . في «ب، د، س»: «و لا متولّدة». و في المطبوع: «و لا تولية».

3) . من قوله: «إن كان متولّداً...» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.

المسألةُ الثالثةَ عَشَرَ إمكانُ صدورِ الخيرِ و الشرِّ من فاعلٍ واحدٍ

فإن قيلَ‌: فلِمَ لا تَرجِعُ الأفعالُ‌(1)إلَى اثنَينِ‌، مِن حَيثُ كانَ في العالَمِ خَيرٌ و شَرٌّ، و لا يَجوزُ أن يَكونَ الخَيرُ و الشرُّ مِن فاعلٍ واحدٍ؟(2)

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ الخَيرَ و الشرَّ لا يَستَحيلُ وقوعُهما مِن فاعلٍ واحدٍ؛ و لهذا يَفعَلُ الواحدُ مِنّا الخيرَ و الشرَّ. و إذا كانَ كذلكَ‌، فما المُلزِمُ لنا أن يَكونا فاعلَينِ؟

و إنّما كانَ يَجِبُ ذلكَ لَو كانَ الخيرُ يَقَعُ مِن فاعلٍ و يَستَحيلُ‌(3)أن يَقَعَ الشرُّ منه، و الشرُّ يَقَعُ مِن(4)فاعلٍ و الخيرُ(5)يَستَحيلُ أن يَقَعَ منه(6)و إذا لَم يَكُن كذلكَ‌(7)فلا وجهَ‌(8)لإثباتِ اثنَينِ‌(9).


1) . في «أ»: - «لم». و في «ب»: - «لا». و في «د»: «يرجع» بدل «ترجع». و في المطبوع: - «فإن قيل: فلم لاترجع الأفعال»، و عنوانُ «المسألة الثالثة عشر» أيضاً تغيَّر مكانُه.

2) . في المطبوع وُضع هنا عنوان «المسألة الثالثة عشر».

3) . في «أ»: - «و يستحيل». و في «ب»: «فاعله و يستحيل». و في «س»: «فاعل واحد يستحيل». و في المطبوع: «فاعل واحد مستحيل» كلّها بدل «فاعل و يستحيل».

4) . في المطبوع: «عن».

5) . في المطبوع: - «و الخير».

6) . في المطبوع: «عنه».

7) . في «ب، د»: - «و إذا لم يكن كذلك». و في «س» و المطبوع يوجد في هذا الموضع فراغ.

8) . في «أ»: «و لا وجه». و في «د»: «فحينئذٍ ترجع الأفعال» بدل «فلا وجه».

9) . في المطبوع: «الاثنين».

المسألةُ الرابعةَ عَشَرَ تَعقُّلُ كَونِ الخالقِ لا جسماً و لا عَرَضاً

فإن قيلَ‌: كَيفَ يَفعَلُ مَن(1)هو لا ظُلمةٌ و لا ضياءٌ‌، و لا زمانٌ و لا مكانٌ‌، و لا شَيءٌ مِن الأجسامِ و الأعراضِ؟(2)

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إذا كانَت «الظُّلمةُ‌» اسماً لجسمٍ فيه سَوادٌ، و «الضياءُ‌» اسماً لجسمٍ‌(3)فيه بياضٌ‌، و «الزمانُ‌» اسماً لحَرَكاتِ الفَلَكِ‌، و «المكانُ‌» اسماً لِما اعتَمَدَ عليه جسمٌ آخَرُ، و كانَ جميعُ ذلكَ مُعلَّقاً بالأجسامِ و الأعراضِ التي قد ثَبَتَ أنّها مُحدَثةٌ‌، فالمُحدَثُ لا بُدَّ أن يَكونَ وجودُه مُتجدِّداً؛ فقَبلَ أن يَتجدَّدَ وجودُه(4)لَم يَكُن و لا يُتصوَّرُ.

فقَد(5)عُقِلَ نفيُ‌(6)الظُّلمةِ و الضَّوءِ و الزمانِ و المكانِ‌؛ لأنّه مُتعلِّقٌ‌(7)بوجودِ الأجسامِ و الاعراضِ‌، و قَبلَ وجودِها لا يَجِبُ أن يَكونَ شَيئاً.(8)


1) . في «ب»: - «فإن قيل: كيف يفعل من». و في «د»: «هل يعقل شيء» بدلها. و في «س» و المطبوع يوجد في هذا الموضع فراغ.

2) . في «ب»: - «الأجسام و الأعراض». و في «د»: «ذلك» بدلها. و في «س» و المطبوع يوجد في هذا الموضع فراغ.

3) . في «د»: «لجنس». و في المطبوع: «لما». و في المطبوع من قوله: «فيه سواد» إلىٰ هنا وُضع بين معقوفين و أُشير في الهامش إلىٰ عدم وجوده في الأصل.

4) . من قوله: «متجدّداً» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.

5) . في «ب، س» و المطبوع: «و قد».

6) . في المطبوع: «يعني».

7) . في المطبوع: «تعلّق».

8) . كذا، و الظاهر أنّ في العبارة سقطاً.

المسألةُ الخامسةَ عَشَرَ تَعقُّلُ حُدوثِ شَيءٍ لا مِن شَيءٍ‌

فإنَ قيلَ‌: كَيفَ يُعقَلُ حُدوثُ شَيءٍ لا(1)مِن شَيءٍ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إن أرادَ: كَيفَ يُعقَلُ حُدوثُ شيءٍ لا(2)«مِن شَيءٍ موجودٍ»؟ فإنّه يُعقَلُ ذلكَ‌؛ لأنّ الشيءَ إذا كانَ موجوداً و مُحدَثاً(3)، فقَد صَحَّ وجودُه و إحداثُه، و استَغنىٰ بوجودِه عن وجودٍ ثانٍ‌.

و إن أرادَ: «مِن شَيءٍ معدومٍ‌»، فما حَدَثَت الأشياءُ إلّامِن أشياءَ معدومةٍ‌؛ لأنّ الأجسامَ و الأعراضَ كانَت معدومةً قَبلَ وجودِها ثُمَّ وُجِدَت.

فقَد(4)عُقِلَ حُدوثُ شيءٍ‌، لا «مِن شيءٍ موجودٍ».


1) . في المطبوع: «و لا».

2) . في المطبوع: «و لا».

3) . في «ب» و المطبوع: «أو محدثاً».

4) . في «س» و المطبوع: «و قد».

المسألةُ السادسةَ عَشَرَ إشكالُ إحداثِ الطبائعِ للعالَمِ‌

المسألةُ السادسةَ عَشَرَ(1)إشكالُ إحداثِ الطبائعِ للعالَمِ‌

فإن قيلَ‌: لِمَ لا يَكونُ قَديمُ العالَمِ‌(2)شَيئاً أحدَثَته الطبائعُ‌(3)؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّه يَنبَغي أن تَكونَ‌(4)الطبائعُ‌(5)أوّلاً معقولةً‌(6)حَتّىٰ يُقالَ‌: «أوجَبَته الطبائعُ‌»، و نحنُ لا نُكلِّمُ أصحابَ الطبائعِ‌(7)إلّابأنّها لا تُعقَلُ‌؛ لأنّ كُلَّ ما يُضيفونَه(8)إلَى الطبعِ مُضافٌ عندَنا إلىٰ عَرَضٍ مِن الأعراضِ‌، أو إلىٰ غيرِه ممّا دَلَّ الدليلُ عليه؛ فمَن ادَّعىٰ أنّه يَرجِعُ إلىٰ طبعٍ‌، فعَلَيه الدَّلالةُ‌؛ فإذا أثبَتَ‌(9)أنّ الطبائعَ‌(10)


1) . هذه المسألة كلّها ساقطة من «د».

2) . أي العالَم القديم. هكذا يبدو.

3) . في «ب»: - «شيئاً أحدثته الطبائع». و في «ص»: «شيء أحدثته الطبائع». و في «س» و المطبوع يوجد في هذا الموضع فراغ. و في مسائل المرتضى: «لم لا يكون القديم العالم هو الطبائع».

4) . في «أ، ص»: «لا يجب أن يكون» بدل «ينبغي أن تكون». و ما أثبتناه هو الصحيح؛ طبقاً لنسخة مكتبة الإمام الحكيم العامّة، رقم 432/4.

5) . في «س» و المطبوع: - «ينبغي أن تكون الطبائع».

6) . من قوله: «ينبغي أن تكون» إلى هنا ساقط من «ب».

7) . في «ب»: - «الطبائع». و في «ب، س» و المطبوع: - «و نحن لا نكلّم أصحاب».

8) . في «س» و المطبوع: «تضيفونه».

9) . في «ب، س» و المطبوع: «و إذا ثبت». و في «ص»: «إذا أثبت».

10) . في المطبوع: «الطباع».

معقولةٌ صَحَّ‌(1)إثباتُ إضافةِ ما يُريدُ إضافتَه إليها(2)، و إذا لَم تَكُن معقولةً‌(3)فقد بَطَلَ ما قالَه مِن أصلِه و استَغنَينا عن الكلامِ معه.(4)


1) . أي أمكن.

2) . في المطبوع: «إليه».

3) . من قوله: «صحّ إثبات إضافة...» إلىٰ هنا ساقط من «ب».

4) . راجع الأقوال حول أفعال الطبائع في: المقالات للبلخي، ص 474.

المسألةُ السابعةَ عَشَرَ إنكارُ صفاتِ الطبائعِ‌

المسألةُ السابعةَ عَشَرَ(1)إنكارُ صفاتِ الطبائعِ‌

فإن قيلَ‌: فما يُنكَرُ أن تَكونَ‌(2)الطبائعُ حَيّةً قادرةً عالِمةً قَديمةً مُستَغنيةً بنفسِها(3)عن مَحلٍّ أو غيرِه‌؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ هذه المَسألةَ تَجري مَجرَى التي قَبلَها، و إنّما يَصِحُّ الكلامُ في أنّ الطبائعَ حَيّةٌ أو قادرةٌ‌(4)أو عالمةٌ أو قَديمةٌ أو غيرُ ذلكَ إذا ثَبَتَت الطبائعُ‌؛ فأمّا إذا لَم تَثبُتْ‌، فلا معنىٰ للكلامِ في صفاتِها؛ لأنّ الصفاتِ فَرعٌ‌، و إذا(5)بَطَلَ الأصلُ بَطَلَ فَرعُه(6).


1) . هذه المسألة كلّها ساقطة من «ص».

2) . في «أ، س»: «ينكر أن يكون». و في «د»: «ينكرون». و في المطبوع: «تنكر أن تكون».

3) . في المطبوع: - «بنفسها».

4) . في المطبوع: «و قادرة».

5) . في المطبوع: «فإذا».

6) . في المطبوع: «الفرع».

المسألةُ الثامنةَ عَشَرَ تَمثُّلُ جَبرَئيلَ في صورةِ دِحيةَ الكَلبيِّ‌

نُزولُ جَبرَئيلَ عليه السلامُ بالوحيِ في صورةِ دحيةَ‌(1)الكَلبيِّ‌(2)، كَيفَ كانَ يَتصوَّرُ بغَيرِ صورَتِه‌؟

ثُمَّ [هَل] هو القادرُ عليها، أو القَديمُ تَعالىٰ يُشكِّلُ صورةً‌(3)و لَيسَت صورةَ جَبرَئيلَ؟ فإن كانَ الذي يُسمَعُ‌(4)مِن القُرآنِ مِن صورةٍ غيرِ جَبرَئيلَ‌، ففيه ما فيه؛ و إن كانَ مِن جَبرَئيلَ‌، فكَيفَ يَتصوَّرُ بصورةِ البَشَرِ؟

و هذه القُدرةُ [علَى التصوُّرِ] قد رُويَت [عن غيرِ جَبرَئيلَ‌؛ فقَد رُويَ‌] أنّ إبليسَ قد(5)يَتصوَّرُ، و كذلكَ الجِنُّ‌(6)أُريدُ أن(7)توضِحَ‌(8)أمرَ ذلكَ‌(9).


1) . في المطبوع: - «دحية».

2) . هو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي؛ صاحب رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله. شهد أُحداً و ما بعدها. و كان جبرئيل يأتي النبي صلّى اللّٰه عليه و آله في صورته أحياناً. بعثه رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله إلىٰ قيصر رسولاً سنة ستّ في الهُدنة. شهد اليرموك، و نزل دمشق، و عاش إلى أيّام معاوية. أُسد الغابة، ج 2، ص 130؛ الإصابة، ج 2، ص 321.

3) . في المطبوع: - «صورة».

4) . في «ب»: «يستمع». و في «س» و المطبوع: - «يسمع».

5) . في «ب، د، س، ص» و المطبوع: - «قد».

6) . في «ص»: «الحقّ‌». و راجع: الإرشاد للشيخ المفيد، ج 1، ص 349-350.

7) . في المطبوع: - «أن».

8) . في «ص»: «يوضح». و في المطبوع: «توضيح».

9) . في المطبوع: «الفلك» بدل «ذلك».

و ما كانَ يَسمَعُه(1)جَبرَئيلُ عليه السلامُ مِن الوحيِ‌، [هَل هو] مِن(2)الباري تَعالىٰ أو(3)مِن وَراءِ‌(4)حِجابٍ؟ و كَيفَ كانَ يَبلُغُه‌؟

و هَل جَبرَئيلُ يَعلَمُ مِن صفاتِ الباري تَعالىٰ أكثَرَ ممّا نَعلَمُه أو مِثلَه‌؟

و أينَ مَحلُّه مِن السماءِ؟

و هَل القَديمُ إذا خَطَرَ ببالِ جَبرَئيلَ يَكونُ مُتجوِّزاً(5)فيه مِثلَنا، و يَكونُ سُبحانَه لا تُدرِكُه الأوهامُ و(6)مُنزَّهاً(7)علينا و علىٰ‌(8)جميعِ المَلائكةِ أيضاً؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ نُزولَ جَبرَئيلَ عليه السلامُ بصورةِ دِحيةَ كان بمَسألةٍ‌(9)مِن النبيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه للّٰهِ تَعالىٰ في ذلكَ‌. فأمّا تَصوُّرُه فلَيسَ بقُدرتِه، بَل اللّٰهُ تَعالىٰ يُصوِّرُه كذلكَ‌؛ صورةً‌(10)حقيقيّةً‌(11)لا شَكليّةً‌(12).


1) . في «د»: «يستمعه». و في المطبوع: «يسمعها».

2) . في المطبوع: «أ مِن».

3) . في المطبوع: «أم».

4) . في النسخ المعتمدة: - «وراء». و ما أثبتناه أنسب، و هو موافق لنسخة مكتبة الإمام الحكيم العامّة، رقم 432/4.

5) . في «ص»: «متحيّزاً». و في سائر النسخ و المطبوع: «متحيّراً». و الذي أثبتناه استفدناه ممّا سيأتي في جوابه قدّس سرّه.

6) . في «أ، ب، د، س» و المطبوع: «أو».

7) . في «أ، س، ص» و المطبوع: «منزّه». و في «ب»: «ميّزه». و في «د»: «يتنزّه». و ما أثبتناه هو الصحيح؛ طبقاً لنسخة مكتبة الإمام الحكيم العامّة، رقم 432/4.

8) . في «أ، ب، د، س» و المطبوع: - «على».

9) . في المطبوع: «لمسألة».

10) . في المطبوع: - «صورة».

11) . في «أ، ب، س، ص» و المطبوع: «حقيقة».

12) . في «أ»: «لا يشكيل». و في «ب، د، ص»: «لا تشكيل». و في «س»: «لا شكيل». و في المطبوع: «لا شكلاً». و ما أثبتناه من نسخة مكتبة الإمام الحكيم العامّة، رقم 432/4.

و الذي كانَ يَسمَعُه النبيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و سَلَّمَ مِن القُرآنِ مِن جَبرَئيلَ‌، في الحقيقةِ كانَ‌.

فأمّا إبليسُ و الجِنُّ‌، فلَيسَ يَقدِرُ(1)علَى التصَوُّرِ. و كُلُّ قادرٍ بقُدرةٍ فحُكمُهم سَواءٌ في أنّهم لا يَصِحُّ أن يُصوِّروا نُفوسَهم؛ بَل إنِ‌(2)اقتَضَت المَصلَحةُ أن يَتصوَّرَ بعضُهم بصورةٍ صَوَّرَه(3)اللّٰهُ تَعالىٰ للمَصلَحةِ‌.

فأمّا جَبرَئيلُ عليه السلامُ و سَماعُه الوحيَ‌، فيَجوزُ أن يَتكلَّمَ اللّٰهُ تَعالىٰ بكلامٍ يَسمَعُه فيَتعلَّمُه(4)، و يَجوزُ أن يَقرأَه مِن اللوحِ المحفوظِ.

فأمّا ما يَعلَمُ جَبرَئيلُ مِن صفاتِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌، فطريقُه(5)الدليلُ‌، و هو و العلماءُ فيه واحدٌ.

فأمّا مَحلُّه مِن السماءِ‌، فقَد رُويَ أنّه في السماءِ الرابعةِ‌(6).

فأمّا ما يَخطُرُ ببالِه، فلا يَجوزُ أن يَتجوَّزَ فيه؛ لأنّ جَبرَئيلَ عليه السلامُ معصومٌ لا يَصِحُّ أن يَفعَلَ قَبيحاً.


1) . في المطبوع: «يقدران».

2) . في المطبوع: - «إن».

3) . في «ص»: «صوّرها». و في المطبوع: «يصوّره».

4) . في المطبوع: «فيعلمه».

5) . في المطبوع: «و طريقه».

6) . في المطبوع: «السابعة».

المسألةُ التاسعةَ عَشَرَ معنَى «الصفةِ‌» في القَديمِ تَعالىٰ‌

المسألةُ التاسعةَ عَشَرَ(1)معنَى «الصفةِ‌» في القَديمِ تَعالىٰ‌

قولُ أبي عليٍّ الجُبّائيِّ‌: «إنّ للقَديمِ‌(2)تَعالىٰ بكَونِه سَميعاً بَصيراً صفةٌ زائدةٌ‌»، و كذلكَ البَصريّونَ يَقولونَ‌: «إنّ له بكَونِه مُريداً صفةٌ زائدةٌ‌»(3)أُريدُ أن توضِحَ «الصفةَ‌»؛ هَل يَجعلونَها(4)مِثلَ القُدرةِ و العِلمِ أو غيرَ ذلكَ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ‌(5)-:

إنّ الصفةَ في الأصلِ هي قولُ الواصفِ‌؛ فأمّا الصفةُ التي تُقالُ له(6)بكَونِه قادراً أو عالِماً(7)أو غيرَ(8)ذلكَ‌، فالمُرادُ بها: ما عليه(9)الذاتُ مِن الحالِ التي تَختَصُّ بها؛ سَواءٌ كانَت للنفسِ‌، أو للمعنىٰ‌، أو لفاعلٍ‌.


1) . هذه المسألة و ما بعدها ساقطتان بتمامهما من «ص».

2) . في المطبوع: «القديم».

3) . من قوله: «و كذلك البصريّون» إلىٰ هنا ساقط من المطبوع.

4) . في «د»: «يجعلوها». و في المطبوع: «تجعلونها».

5) . في «س» و المطبوع: - «و باللّٰه التوفيق».

6) . في «أ، ب»: «يقال له». و في «د»: «يقال». و في المطبوع وضعت بين معقوفين كلمة: «يوصف» كلّها بدل «تقال له».

7) . في «أ، ب، س» و المطبوع: «و عالماً».

8) . في «أ، ب، س» و المطبوع: «و غير».

9) . في المطبوع: «فاعلة» بدل «ما عليه».

فأمّا «القُدرةُ‌» و «العِلمُ‌» فلَيسَت عندَنا صفةً‌؛ إنّما(1)يُسمّيها بذلكَ‌(2)الصفاتيّةُ‌(3)أصحابُ الأشعَريِّ‌(4)، فأمّا(5)نحنُ فنُسمّي «الصفةَ‌» و «الحالَ‌» ما أوجَبَته القُدرةُ و العِلمُ‌، مِن كَونِه قادراً أو عالِماً أو ما يَجري مَجرىٰ ذلكَ‌.


1) . في «ب»: «أن» بدل «إنّما».

2) . في المطبوع: - «بذلك».

3) . هم الذين يثبتون للّٰه تعالىٰ صفات أزليّة من العلم و القدرة و الحياة و غيرها. راجع: الملل و النحل، ج 1، ص 92.

4) . الأشعري: هو علي بن إسماعيل بن إسحاق، أبو الحسن، من نسل أبي موسى الأشعري، و هو مؤسّس مذهب الأشاعرة. ولد في البصرة و تلقّىٰ مذهب المعتزلة و تقدّم فيهم، ثمّ رجع و جاهر بخلافهم، و توفّي ببغداد. من مؤلّفاته: الردّ علىٰ المجسّمة، و مقالات الإسلاميّين، و الإبانة عن أُصول الديانة، و اللمع في الردّ علىٰ أهل الزيغ و البدع. توفّي سنة 324 ه‍. راجع: الأعلام للزركلي، ج 4، ص 263.

5) . في المطبوع: «و أمّا».

المسألةُ العِشرونَ كلامُ اللّٰهِ تَعالىٰ‌؛ كَيفَ يَكونُ؟

كلامُ اللّٰهِ تَعالىٰ‌؛ هل تَكلَّمَ‌(1)به، أو أحدَثَه مِثلَ غيرِه مِن المُحدَثاتِ؟

و كلامُه لموسىٰ عليه السلامُ مِن الشجَرةِ‌؛ كَيفَ كانَ؟ و قد قالَ‌(2)تَعالىٰ‌: (وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللّٰهُ إِلاّٰ وَحْياً) (3).

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّه إذا أحدَثَه فقَد تَكلَّمَ به؛ لأنّ المُتكلِّمَ هو فاعلُ الكلامِ‌،(4)فإذا فَعَلَ الكلامَ فقَد تَكلَّمَ به و قد أحدَثَه، و المعنىٰ فيهما واحدٌ.

و أمّا كلامُ موسىٰ عليه السلامُ مِن الشجَرةِ‌، فإنّ اللّٰهَ‌(5)تَعالىٰ كَلَّمَه؛ و لذلكَ قالَ‌: (وَ كَلَّمَ اَللّٰهُ مُوسىٰ تَكْلِيماً) (6)، فأخبَرَ تَعالىٰ بأنّه كَلَّمَه(7).

و أمّا قولُه: (وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللّٰهُ إِلاّٰ وَحْياً) ، فقَد قالَ أيضاً: (أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) ، فمَيَّزَ(8)بعضَها مِن(9)بعضٍ‌.


1) . في المطبوع: «يكلّم».

2) . في المطبوع: «كان». و في «ب»: + «اللّٰه».

3) . الشورى (42):51.

4) . راجع: الملخّص، ص 409.

5) . في «ب، د، س» و المطبوع: «فاللّٰه».

6) . النساء (4):164.

7) . في المطبوع: - «فأخبر تعالى بأنّه كلّمه».

8) . في «د»: «فمبين». و في المطبوع: «فمن».

9) . في المطبوع بين معقوفين: «يفسّر» بدل «من»، و صرّح المحقّق في الهامش بأنّ الزيادة منه لا من النسخ.

المسألةُ الحاديةُ و العِشرونَ حول «الكَعبةِ‌» و «الميثاقِ‌» و «العَقلِ‌» و «الروحِ‌»

«الكَعبةُ‌» كانَت قِبلةَ مَن تَقدَّمَنا، أو لنا و لإبراهيمَ‌(1)عليه السلامُ؟

و قولُ الحاجِّ‌(2)للحَجَرِ: «وَفَيتُ بعَهدي، و تَعاهَدتُ‌(3)ميثاقي»(4)أيَسمَعُ الحَجَرُ ذلكَ‌، أو يَحدُثُ فيه يَومَ القيامةِ العِلمُ بذلكَ؟

و هذا(5)«الميثاقُ‌» له أصلٌ؟ فإن كانَ هُناكَ ميثاقٌ‌، فيَجِبُ أن نَذكُرَه إن كُنّا عُقَلاءَ في ذلكَ الوقتِ‌، و إن كُنّا غيرَ ذلكَ فحوشِيَ أن يأخُذَ(6)الميثاقَ علىٰ غيرِ عاقلٍ‌.(7)

و أيضاً(8)فهذا ممّا يَقوىٰ به مَذهَبُ‌(9)أصحابِ التناسُخِ‌؛ لأنّهم يَحتَجّونَ‌(10)علينا


1) . في المطبوع: «لإبراهيم» بدون واو العطف.

2) . في المطبوع: «الحجّاج».

3) . في المطبوع: «تعهّدت».

4) . الوارد ما يلي: «أمانتي أدّيتُها، و ميثاقي تعاهدتُه؛ لتشهد لي بالموافاة». الكافي، ج 4، ص 184 و 185؛ كتاب من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 531؛ تهذيب الأحكام، ج 5، ص 102.

5) . في المطبوع: «و هل».

6) . في «س»: «أن نأخذ». و في المطبوع: «أن يؤخذ».

7) . استدلّ المصنّف رحمه اللّٰه بذلك علىٰ نفي عالم الذرّ في المسألة الرابعة من المسائل الرازيّة.

8) . في المطبوع: «فأيضاً».

9) . في المطبوع: - «مذهب».

10) . في «ب»: «يجتمعون». و في «د»: «محتجّون».

بأنّ الأرواحَ مخلوقةٌ قَبلَ الأبدانِ بألفَي عامٍ‌.(1)

و أُريدُ أيضاً أن تَشرَحَ صورةَ الأرواحِ‌؛ هل خُلِقَت قَبلَ الأبدانِ‌، أم لا؟ فأكثَرُ(2)تَعلُّقِهم بهذا الخبرِ و كَونِ الأرواحِ قَديمةً قَبلَ الأجسامِ‌.

و هذه الأرواحُ إذا فارَقَت الأبدانَ‌، هل تُحِسُّ‌، أم لا؟ و هل الحِسابُ‌(3)عليها و علَى الأبدانِ‌، أو عليها وَحدَها؟

و إذا نامَ الإنسانُ ما يُعدَمُ‌(4)مِن البَدَنِ منها، و ما الذي يَبقىٰ فيه‌؟

و «العقلُ‌» أين مُستَقَرُّه مِن البَدَنِ؟ و هَل هو في العالَم سَواءٌ‌، أو يَتَفاضَلُ الناسُ فيه‌؟ و هَل الأنبياءُ و الأئمّةُ عليهم السلامُ لهم علينا مَزيّةٌ فيه، أو نحنُ و هم فيه سَواءٌ؟

فإن كانَ‌(5)اكتسابَ علومٍ فلا بُدَّ مِن أصلٍ‌؛ أيَّما أعني(6)بذلكَ الأصلِ‌.

و هَل يَكبُرُ مع الصبيِّ كُلَّما كَبُرَ، أو الذي يَكسِبُه علومٌ [ثابتةٌ‌]؟

و «الروحُ‌» في الإنسانِ كَم(7)روحاً(8)؟ [و أينَ مُستَقَرُّها؟](9)و أينَ مُستَقَرُّ العقلِ منها(10)؟ و هل هو داخلٌ فيها، أو خارجٌ عنها؟


1) . راجع: تصحيح اعتقادات الإماميّة، ص 80-87. و راجع: خبر خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام في الكافي، ج 1، ص 438؛ معاني الأخبار، ص 108.

2) . في المطبوع: «و أكثر».

3) . في المطبوع: «الحسّيّات».

4) . أي: ما يَخرُج، و ما يُفارِق.

5) . في المطبوع: «بأن» بدل «فإن كان».

6) . في «أ، ب»: «إنّما أغنى». و في «ص»: «إنّما عني». و في المطبوع: «الماء أعني».

7) . في المطبوع: «لم».

8) . في جميع النسخ و المطبوع: «روح»، و هو سهو.

9) . ما بين المعقوفين استفدناه ممّا سيأتي في الجواب.

10) . في المطبوع: - «منها».

و «الإنسانُ‌» مَن هو؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ الكَعبةَ معلومٌ أنّها قِبلتُنا؛ و أمّا كَونُها قِبلةَ مَن تَقدَّمَنا فغَيرُ معلومٍ‌، و هو مُجوَّزٌ.

و أمّا قولُ‌ الحاجِّ للحَجَرِ، فإنّا تُعُبِّدنا بذلكَ أن نَقولَ هذا اللفظَ عندَ الحَجَرِ؛ و كَيفَ يَجوزُ أن يَسمَعَ الحَجَرُ، و السمعُ يَفتَقِرُ إلىٰ كَونِه حَيّاً، و معلومٌ أنّه جَمادٌ؟

و أمّا قولُه: «و هذا الميثاقُ له أصلٌ؟»(1)إلىٰ قولِه: «فحوشِيَ أن يأخُذَ الميثاقَ علىٰ غيرِ عاقلٍ‌» [فهو](2)كلامُ مَن يَعتَقِدُ أنّ الميثاقَ المَعنيَّ‌(3)هُنا(4)هو(5)ميثاقُ الذَّرِّ، و هو قولُه: (أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ‌) (6). في «د»: «بعينه» و في «س» و المطبوع: «يعنيه» و في «ص»: «هو بعينه» بدل «نعنيه».(7).

و لَيسَ الأمرُ كذلكَ‌؛ لأنّ الميثاقَ الذي نَعنيهِ‌(7) هُنا(8)هو الميثاقُ الذي أخَذَه اللّٰهُ تَعالىٰ علينا بالحَجِّ علىٰ لسانِ نبيِّه صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ و إذا كانَ كذلكَ‌، فلا مَسألةَ‌(9)علينا إلّافي خِطابِه للحَجَرِ، و قد قُلنا: إنّه عبادةٌ مِن اللّٰهِ تَعالىٰ لنا بذلكَ‌.


1) . في «ص»: - «له أصل». و في «أ»: «الأصل» بدل «له أصل». و في «ب»: «الميثاق الأصل» بدل «و هذا الميثاق له أصل». و في «س» و المطبوع: «هذا الميثاق الأصل» بدلها.

2) . في النسخ و المطبوع: «و» بدل «فهو». و ما أثبتناه أوفق بالسياق.

3) . من قوله: «إلى قوله: فحوشيَ‌...» إلىٰ هنا ساقط من «أ، ب، د، س» و المطبوع. و في «د»: + «فالأصل».

4) . في «ب، د، س، ص» و المطبوع: - «هنا».

5) . في «ب، د، س، ص» و المطبوع: - «هو».

6) . الأعراف

7) :172.

8) . في «ب، د، س، ص» و المطبوع: - «هنا».

9) . في «س»: «و لا مسألة». و في المطبوع: «و لا مالة».

و أمّا قولُه: «إنّ هذا يُقوّي مَذهَبَ‌(1)أهلِ التناسُخِ‌»؛ فقَد بيّنّا في مَواضِعَ مِن كلامِنا و كلامِ شُيوخِنا بُطلانَ التناسُخِ‌، بأدلّةٍ لا يُمكِنُ دخولُ الشُّبهةِ عليها، فكَيفَ يُرجَعُ عنها(2)بمِثلِ ذلكَ؟

فأمّا قولُه: «إنّهم قالوا: إنّ الأرواحَ مخلوقةٌ قَبلَ الأبدانِ بألفَي عامٍ‌»، فمِن جُملةِ الدَّعاوَى الباطلةِ التي يَفتَقِرونَ في تصحيحِها إلَى الأدلّةِ الظاهرةِ‌، و لا دليلَ‌. و نحنُ فقَد دَلَّلنا علىٰ حُدوثِ الأجسامِ جميعِها - روحاً كانَت(3)أو غيرَ روحٍ - و دَلَّلنا علىٰ حاجتِها إلىٰ مُحدِثٍ‌؛ في مَواضِعَ‌.(4)و عُمدةُ كلامِهم علىٰ أنّ الروحَ نفسَها حَيّةٌ‌، و الحَيُّ عندَنا هو الجسمُ الذي الروحُ له. و هذه المَسألةُ مَبنيّةٌ علىٰ معرفةِ الإنسانِ الحَيِّ الفَعّالِ‌، مَن هو؟(5)فإذا عُرِفَ سَقَطَ كلامُهم و ثَبَتَ ما نَقولُه.

و مَن الذي يُسلِّمُ لهم أنّ الأرواحَ قديمةٌ‌، و الأرواحُ عندَنا مِن جُملةِ‌(6)الأجسامِ‌، و قد دَلَّلنا علىٰ حُدوثِها؟

و قولُه: «هذه الأرواحُ إذا فارَقَت الأبدانَ‌، هل تُحِسُّ؟»

فقَد قُلنا: إنّ الذي يُحِسُّ هو الحَيُّ‌، و الحَيُّ هو الذي تَحُلُّه الحياةُ‌، و هو الجُملةُ التي تُدرِكُ المُدرَكاتِ‌. و إذا كانَت الأرواحُ إذا انفَرَدَت لا يَكونُ لها هذا الحُكمُ‌(7)، لَم


1) . في المطبوع بدل «يقوّي مذهب» فراغ، و صرَّح المحقّق في هامشه بوجود بياضٍ في الأصل.

2) . في «س» و المطبوع: «عليها».

3) . سوف يأتي بعد قليل أنّ الأرواح أجسام.

4) . راجع بداية كتاب الملخّص، و ص 62 و ما بعدها منه؛ شرح الجمل العلم و العمل، ص 39 و 43.

5) . راجع: الذخيرة، ص 114.

6) . في المطبوع: «جملة من» بدل «من جملة».

7) . أي لا تكون حيّة.

يَجُز أن تُحِسَّ‌؛ لأنّ الحِسَّ عبارةٌ عن الإدراكِ‌(1).

و قولُه: «و هَل الحِسابُ عليها، أو علَى الأبدانِ؟»

فالحسابُ‌(2)علَى الحَيِّ المُكلَّفِ المأمورِ المَنهيِّ‌. و إذا كانَت الأرواحُ لا تَقومُ بنَفسِها - أعني في(3)كونِها حَيّةً - و إنّما هي تابِعةٌ‌، فالحِسابُ علىٰ مَن هي تابعةٌ له، لا عليها.

و أمّا قولُه: «و إذا(4)نامَ الإنسانُ‌، ما الذي يُعدَمُ مِن البَدَنِ [منها]، و ما الذي يَبقىٰ؟»

فالروحُ عندَنا عبارةٌ عن الهَواءِ المُتردِّدِ في مَخارِقِ الحَيِّ‌، و هذا الهَواءُ الحالُّ في حالتَي النومِ و الانتباهِ‌.

و قولُه: «و العقلُ‌؛ أينَ مُستَقَرُّه‌؟»

فمُستَقَرُّه القَلبُ‌، و قد ذَكَرنا ذلكَ في مَسألةٍ أُخرىٰ‌.

و قد قُلنا: إنّ الناسَ فيه سَواءٌ لا يَتَفاضَلونَ‌، و لا مَزيّةَ للأنبياءِ عليهم السلامُ علينا فيه، و إنّما المَزيّةُ في علومٍ أُخَرَ(5).

و قولُه: «و هَل يَكبُرُ مع الصَّبيِّ؟»

فإنّه مِن فِعلِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌، و هو مجموعُ عُلومٍ‌.(6)و بَينَ‌(7)الناسِ فيه خِلافٌ‌:


1) . في «س» و المطبوع: «إدراك» بدون ألف و لام.

2) . في «س» و المطبوع: «و الحساب».

3) . في «ب»: «من». و في سائر النسخ و المطبوع: «عن». و الصواب ما أثبتناه.

4) . في «ب، د، س، ص» و المطبوع: «إذا» بدون واو العطف.

5) . في «د» و المطبوع: «أُخرىٰ‌». و راجع حول هذا الموضوع نهاية المسألة الثانية من المسائل الرسّيّة الأُولىٰ‌، فقد أشار المصنّف رحمه اللّٰه هناك إلىٰ تساوي العقلاء في كمال العقل.

6) . ذهب المصنّف رحمه اللّٰه إلىٰ أنّ العقل عبارة عن «مجموعة من العلوم». راجع: الذخيرة، ص 121.

7) . في المطبوع: «بين» بدون واو العطف.

هَل يَكونُ فيمن لَيسَ بعاقلٍ بعضُه(1)، أم لا؟ و الصحيحُ‌(2): أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يَفعَلُه مَتىٰ شاءَ أن(3)يَفعَلَه؛ صَغيراً كانَ مَن يَفعَلُه فيه، أو كَبيراً؛ لأنّه يَتعلَّقُ به باختيارِه تَعالىٰ مَتَى اختارَ(4)أن يَفعَلَه فَعَلَه، و قد فَعَلَه لعيسىٰ عليه السلامُ في المَهدِ و لغَيرِه مِن أئمّتِنا عليهم السلامُ‌(5)و هُم أطفالٌ‌.

و قولُه: «و الروحُ في الإنسانِ كَم(6)روحاً(7)؟».

الروحُ‌(8)روحٌ واحدةٌ‌، و قد قُلنا: إنّها(9)عبارةٌ عن الهَواءِ المُتردِّدِ في مَخارِقِ الحَيِّ‌، و إذا لَم يَكُن في مَخارِقِ‌(10)حَيٍّ فهو هَواءٌ لا روحٌ‌(11).

و قولُه: «و أين مُستَقَرُّها؟».

فقَد قُلنا: مَخارِقُ الحَيِّ‌.


1) . في «أ»: «يقتضيه». و في المطبوع: «يعضد».

2) . في المطبوع: «و الظاهر».

3) . في المطبوع: «بأن».

4) . في المطبوع بين معقوفين: «شاء» بدل «اختار» و صرّح المحقّق في الهامش بأنّ الزيادة منه، لا من النسخ.

5) . في المطبوع: - «في المهد و لغيره من أئمّتنا عليهم السلام».

6) . في المطبوع: «ثم».

7) . في النسخ المعتمدة و المطبوع: «روح»، و هو سهو.

8) . في «أ، د، س، ص» و المطبوع: «و الروح».

9) . في «أ، ب، س، ص»: «إنّه».

10) . في مسائل المرتضى: + «الحيّ‌».

11) . في جميع النسخ المعتمدة و غير المعتمدة و المطبوع و مسائل المرتضى: «و روح» بدل «لا روح»، و هو سهو. و المراد أنّ الهواء المتردّد في مخارق غير الحيّ يسمّىٰ هواء فقط و لا يسمّىٰ روحاً.

و قولُه: «و أينَ‌(1)مُستَقَرُّ العقلِ منها؟».

فلَيسَ الروحُ هي العاقلةَ‌، فتَكونَ‌(2)الروحُ داخلةً في العقلِ و لا العقلُ فيها.

و قولُه: «و الإنسانُ‌؛ مَن هو؟».

فهذه المسألةُ أصلٌ لجميعِ هذه المَسائلِ‌، و هي مَسألةٌ طويلةٌ لا يَحتَمِلُها هذا المَوضِعُ‌،(3)و قد أشَرنا إلىٰ بعضِها(4).


1) . في «ب، د، س، ص» و المطبوع: «أين» بدون واو العطف.

2) . في «أ، س»: «فيكون». و في المطبوع: «و تكون». و من قوله: «و قوله: و أين مستقرّها؟» إلىٰ هنا ساقط من «د».

3) . راجع: الذخيرة، ص 113 و ما بعدها.

4) . في «س» و المطبوع: «تفصيلها». و من هنا إلىٰ قوله: «الجواب و باللّٰه التوفيق» ساقط من «ص».

المسألةُ الثانيةُ و العِشرونَ أوّلُ ما خَلَقَ اللّٰهُ تعالىٰ‌

إذا كانَ القَديمُ تَعالىٰ قَديماً فيما لَم يَزَلْ‌، فكَيفَ يُقطَعُ عليه أنّ بِنيَةَ‌(1)السماواتِ و الأرضِ و ما فيهما أوّلُ و ابتداءُ‌(2)خَلقِه‌؟ فهَل الشريعةُ تَقطَعُ بذلكَ أو غيرِه‌؟ توضِحْ ذلك.

و هو قَديمٌ فيما لَم يَزَلْ‌؛ كَيفَ‌(3)يُقطَعُ بذلكَ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّا لا نَقطَعُ علىٰ أنّ السماواتِ و الأرضَ أوّلُ ما خُلِقَ‌، و ذلكَ مُجوَّزٌ(4)، و اللّٰهُ‌(5)تَعالىٰ هو العالِمُ بذلكَ‌؛ و لَيسَ في العقلِ و لا في الشرعِ ما يُقطَعُ به علىٰ‌(6)ذلكَ‌.


1) . في «ب»: «بيّنة». و في «د»: «أبنية». و في المطبوع وُضع في هذا المحلّ فراغ، و صرَّح المحقّق في الهامش بوجود بياضٍ في النسخة.

2) . في «ب، س» و المطبوع: «ابتداء» بدون واو العطف.

3) . في المطبوع: - «يزل كيف».

4) . في «ب»: «تجوّز». و في المطبوع: «فجوز».

5) . في المطبوع: «اللّٰه» بدون واو العطف.

6) . في المطبوع: «عن».

المسألة الثالثةُ و العِشرونَ في «الفَراغِ‌» و نِهايتِه و عِلمِ الباري بها

الفَراغُ له نِهايةٌ؟ و القَديمُ تَعالىٰ يَعلَمُ مُنتَهىٰ نِهايتِه‌؟

و هذا الفَراغُ‌؛ أيُّ شَيءٍ هو؟

و كذلكَ الطبقةُ الثامنةُ‌(1)مِن الأرضِ و الثامنةُ مِن السماءِ‌؛ يُقطَعُ‌(2)أنّ هُناكَ فَراغاً أم لا؟

فإن قُلتَ‌: «لا»، طالَبتُكَ‌(3)بما وَراءَ المَلاءِ‌، و هَل القَديمُ تَعالىٰ يَعلَمُ أنّ هُناكَ نِهايةً؟

فإن قُلتَ‌: «نَعَم»، طالَبتُكَ‌(4): أيُّ شَيءٍ وَراءَ النهايةِ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ الفَراغَ لا يوصَفُ بأنّه «مُتَناهٍ‌»، و لا أنّه «غيرُ مُتَناهٍ‌»(5)علىٰ وجهِ الحقيقةِ‌، و إنّما يوصَفُ بذلكَ مَجازاً و اتّساعاً.

و أمّا قولُه: «و هذا الفراغُ‌؛ أيُّ شَيءٍ هو؟»


1) . في المطبوع: «الثانية».

2) . في «ب»: «و يقطع». و في «س»: «تقطع». و في المطبوع: «نقطع».

3) . في المطبوع: «طالبناك».

4) . في المطبوع: «طالبناك».

5) . في «أ، ب، د، س» و المطبوع: «بأنّه منتهاه و لا أنّه غير منتهاه».

فقَد قُلنا: إنّه لا جَوهَرٌ و لا عَرَضٌ‌، و لا قَديمٌ و لا مُحدَثٌ‌، و لا هو ذاتٌ‌، و لا معلومٌ كالمعلوماتِ‌.

فأمّا الطبقةُ الثامنةُ‌(1)مِن [السماءِ و] الأرضِ فما نَعرِفُها، و الذي نَطَقَ به القُرآنُ (سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ طِبٰاقاً) (2)، (وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ‌) (3). فأمّا غيرُ ذلكَ‌، فلا طريقَ يُقطَعُ به؛ مِن عقلٍ و لا شَرعٍ‌.


1) . في المطبوع: «الثانية».

2) . نوح (71):15.

3) . الطلاق (65):12.

المسألةُ الرابعةُ و العِشرونَ وجودُ «جابَرْقا» و «جابَرْسا» و حُكمُ أهلِها

قولُ الحَسَنِ و الحُسَينِ عليهما السَّلامُ‌: «ما بَينَ جابَرْقا و جابَرْسا حُجّةٌ للّٰهِ غيرُنا»(1)

و روي ما هو قريب منه في الفصول المهمّة لابن الصبّاغ، ج 2، ص 731. و يظهر من المصدرَين الأوّلَين أنّ جابَرقا و جابَرسا مدينتان، إحداهما في المشرق و الأُخرىٰ في المغرب. ثمّ إنّ الرواية مرويّة عن الإمام الحسن عليه السلام يتحدّث فيها عن نفسه و عن أخيه الحسين عليه السلام.

هل هذه «جابَرْقا» و «جابَرْسا»(2)لها(3)تحقيقٌ؟ و ما تكليفُهم‌؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ الخبرَ قد وَرَدَ بذلكَ‌، و لا يُقطَعُ عليه بصِحّةٍ و لا بُطلانٍ‌؛ لأنّه مِن أخبارِ الآحادِ. فإن قُطِعَ‌(4)علىٰ صحّتِه؛ فإن كانَ‌(5)قد اتَّصَلَ بِهم خبرُ نبيِّنا عليه السلامُ‌، فهُم مُتعبَّدونَ بما في العقلِ و بِشريعتِه(6)، و يَجرون مَجرانا؛ و إن لَم يَكُن قد اتَّصَلَ بِهم خبرُ نبيِّنا عليه السلامُ‌، فهُم مُتعبَّدونَ بما في العقلِ فَقَط.


1) . بصائر الدرجات، ص 359؛ الكافي، ج 1، ص 462 مع اختلاف في الألفاظ.

2) . في «أ، ب، س، ص»: «جابرسا و جابرقا» بدل «جابرقا و جابرسا».

3) . في المطبوع: «لهما».

4) . في «ص»: «فلا قطع». و في المطبوع: «فلن نقطع».

5) . في المطبوع: - «كان».

6) . في «د»: «و الشريعة». و في «س» و المطبوع: «و شريعته».

المسألةُ الخامسةُ و العِشرونَ حُكمُ الأطفالِ يَومَ القيامةِ‌

الأطفالُ ما حُكمُهم يَومَ القيامة، أطفالُ المؤمنينَ و الكافِرينَ‌؛ أعني(1)مَن له أربَعونَ يَوماً و ما زادَ عليه‌؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّ‌(2)المَرويَّ أنّ أطفالَ المؤمنينَ‌(3)يَدخُلونَ الجَنّةَ تَفضُّلاً عليهم(4)، أو لِيَزيدَ(5)بذلكَ سُرورُ آبائهم، فيَكونَ مِن جُملةِ ثَوابِ الآباءِ‌.

و أمّا(6)أولادُ الكُفّارِ، فحُكمُهم حُكمُ غيرِهم ممّن لَيسَ بعاقلٍ في أنّه يُعادُ للعِوَضِ‌(7)، ثُمَّ يَصيرُ تُراباً.


1) . في المطبوع: «يعني».

2) . في المطبوع: - «أنّ‌».

3) . في «د»: «الأطفال» بدل «أطفال المؤمنين». و في المطبوع: «[أولاد] المؤمنين».

4) . راجع: الجامع الصغير، ج 1، ص 166، ح 1102؛ كنز العمّال، ج 14، ص 472، ح 39310.

5) . في «أ، د، ص»: «يزيد». و في «ب، س»: «يريد». و في المطبوع: «يرون». و ما أثبتناه هو الصحيح؛ طبقاً لنسخة مكتبة الإمام الحكيم العامّة، رقم 432/4.

6) . في «س» و المطبوع: «فأمّا».

7) . في المطبوع: «للعرض».

الَمسألةُ السادسةُ و العِشرونَ عِقابُ مَن قاتَلَ إماماً عادلاً

مَن قاتَلَ إماماً عادلاً و هو مؤمِنٌ بجميعِ الشريعةِ إلّاخُروجَه علَى الإمامِ‌، و قُتِلَ‌، و لَم تَصِحَّ منه تَوبةٌ‌؛ هَل يَجوزُ أن يُقتَصَّ منه بقَدرِ ظُلمِه للإمامِ‌(1)و يَدخُلَ الجَنَّةَ؟

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

مُقاتَلةُ الإمامِ العادلِ كُفرٌ باللّٰهِ تَعالىٰ‌، و(2)عِقابُ فاعلِه عِقابُ الكُفّارِ علىٰ وجهِ الدوامِ‌، و لا يَصِحُّ العفوُ عنه و لا(3)الشفاعةُ فيه. و لا يَسقُطُ عِقابُه إلّابالتوبةِ‌.


1) . في «ب، د، ص»: «الإمام».

2) . في المطبوع بدل «باللّٰه تعالىٰ و» فراغ، و صرَّح المحقّق في هامشه بوجود بياضٍ في النسخة.

3) . في المطبوع: - «لا».

المسألةُ السابعةُ و العِشرونَ حُكمُ المَلائكةِ و الجِنِّ بَعدَ انتهاءِ التكليفِ‌

إذا حَصَلَ أهلُ الجَنّةِ في الجَنّةِ‌، ما حُكمُ المَلائكةِ؟ هَل يَكونونَ‌(1)في جَنّةِ بَني آدَمَ أو غيرِها؟

و هل يَراهُم البَشَرُ؟

و هُم يأكُلونَ و يَشرَبون مِثلَ البَشَرِ، أو تهليلٌ و(2)تسبيحٌ و تقديسٌ؟

و هَل يَسقُطُ عنهم التكليفُ؟

و كذلكَ الجِنُّ‌.

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

إنّه يَجوزُ أن يَكونوا في الجَنّةِ مع بَني آدَمَ‌، و يَجوزُ أن يَكونوا في جَنّةٍ سِواها؛ فإنّ الجِنانَ كَثيرةٌ‌: جَنّةُ الخُلدِ،(3)و جَنّةُ عَدنٍ‌،(4)و جَنّةُ المأوىٰ‌،(5)و غيرُ ذلكَ ممّا لَم يَذكُرْه اللّٰهُ تَعالىٰ‌.(6)


1) . في المطبوع: «يكونوا».

2) . في «ب، د، س، ص» و المطبوع: - «تهليل و».

3) . الفرقان (25):15.

4) . الوارد في الذكر الحكيم (جَنّٰاتِ عَدْنٍ‌). التوبة (9):72؛ الرعد (13):23، و غيرها.

5) . النجم (53):15.

6) . راجع: تفسير القرطبي، ج 8، ص 329.

فأمّا(1)رؤيةُ البَشَرِ لهم، فلا تَصِحُّ‌(2)إلّاعلىٰ أحَدِ وجهَينِ‌: إمّا أن يُقوّيَ اللّٰهُ تَعالىٰ شُعاعَ بَصَرِ البَشَرِ(3)، أو يُكثِّفَ‌(4)المَلائكةَ‌.

فأمّا(5)الأكلُ و الشُّربُ فمُجوَّزٌ، و اللّٰهُ تَعالىٰ يُثيبُهم(6)بما فيه لَذَّتُهم، فإن جَعَلَ لَذّتَهم في الأكلِ و الشُّربِ جازَ، و إن جَعَلَها في غيرِه جازَ.

و أمّا التكليفُ‌، فإنّه يَسقُطُ عنهم؛ لأنّه لا يَصِحُّ أن يَكونوا مُكلَّفينَ مُثابينَ في حالةٍ واحدةٍ‌.

و الكلامُ في الجِنِّ يَجري هذا المَجرىٰ‌.

(فهذا ما سَنَحَ مِن الأجوبةِ لهذه المسائلِ‌، و الحمدُ للّٰهِ رَبِّ العالَمينَ‌)(7).


1) . في المطبوع: «و أمّا في» بدل «فأمّا».

2) . في «أ، ب»: «فلا يصحّ‌». و في المطبوع: «فلا يصلح».

3) . في «أ، ب، س»: - «بصر». و في «ص»: - «بصر البشر». و في المطبوع: - «شعاع بصر البشر».

4) . في «ب، س» و المطبوع: «يكيّف».

5) . في «د» و المطبوع: «و أمّا».

6) . في «أ»: «بينهم». و في المطبوع: «ينبّئهم».

7) . ما بين القوسين من نسخة مكتبة الإمام الحكيم العامّة، رقم 432/4.

(30) مقدِّمة في الأُصول الاعتقاديّة

اشارة

مقدّمة التحقيق
اشارة

دأب العلماء و المؤلّفون على إعداد مؤلّفات من أحجام و أنماط مختلفة تتراوح بين المطوّل و المتوسّط و المختصر، حيث يضمّنون في الأوّل الاستدلالات مفصّلة و مناقشات لا آخِر لها، فيما يقتصرون في الثاني على عرض أهمّ الاستدلالات مع ترك المناقشات المطوّلة، و يكتفون في الثالث بذكر الآراء و النظريّات النهائيّة للمؤلّف من دون الاستدلال عليها.

أمّا فائدة النمط الأوّل و الثاني فواضحة، حيث يُكتبان عادة لأصحاب الاختصاص، و لمن يريد التعمّق في البحث.

و أمّا الثالث، فله فوائد متعدّدة:

منها: تسهيل حفظ مسائل العلم المبحوث عنه؛ فإنّ حفظ عدّة مسائل مختصرة أسهل بكثير من حفظ نصوص مطوّلة.

و منها: القيام بعرض سريع لأفكار المؤلّف؛ فإذا كان المؤلّف ذا شخصيّة علميّة مهمّة، فسوف يهتمّ الباحثون بمعرفة أفكاره و آرائه، و النصُّ المختصر أفضل طريقة و أسرعها للتعرّف على تلك الأفكار.

و منها: إمكان شرحها بسهولة؛ فإنّ من يريد تدريس أحد العلوم أو شرح مسائله، فهو بحاجة إلى خطّة للعمل يسير على أساسها، و يَعرف من أين يبدأ و إلى أين ينتهي، و النصّ المختصر أفضل وسيلة لذلك؛ فإنّه يوفّر المادّة اللازمة التي يحتاجها الشارح و المدرّس للعلم.

و قد كان المتكلّمون أحدَ أصناف العلماء الذين أولوا اهتماماً خاصّاً بتأليف الكتب الكلاميّة وفقاً للأنماط و الأحجام الثلاثة المتقدمة:

فمثال الأوّل كتاب المغني للقاضي عبد الجبّار الذي ألّفه في عشرين مجلّداً، و قد لا نجد في تاريخ علم الكلام دورة كلاميّة بهذا الحجم.

و مثال الثاني: كتاب الملخّص و الذخيرة للشريف المرتضى، فهما كتابان متوسّطان من حيث الحجم، خاصّة بالنسبة إلى كتاب المغني.

و مثال الثالث: رسالة النكت في مقدّمات الأُصول للشيخ المفيد، و جُمَل العلم و العمل للشريف المرتضى.

و من أمثلة النمط الأخير الرسالة محلّ بحثنا، فهي رسالة مختصرة للغاية؛ لكنّها تحتوي على دورة كلاميّة كاملة.

نسبتها إلى المؤلّف

و هذه الرسالة تتناسب مع أن تكون من مؤلّفات الشريف المرتضى؛ فهي موافقة للنظام الكلامي الإمامي، و ألفاظها تتلائم مع ألفاظ المرتضى و عصره، كما أنّ الآراء المطروحة فيها تتلائم مع آرائه الكلاميّة التي نعرفها، و من تلك الآراء المطروحة فيها:

1.

أوّل الواجبات النظر. قارن: الذخيرة، ص 167-171.

2.

الاستدلال بحدوث الأجسام على المُحدِث. قارن: رسائل الشريف المرتضى (جُمَل العلم و العمل)، ج 3، ص 10.

3.

قدرته تعالى على فعل القبيح. قارن: الملخّص، ص 324.

4.

الطريق إلى وجوب الإمامة هو العقل. قارن: الذخيرة، ص 409-410.

5.

الاستدلال على إمامة الأئمّة الاثني عشر، و هو من آراء الشريف المرتضى البديهيّة.

6.

حقيقة الشفاعة هي إسقاط المضارّ، لا زيادة المنافع. قارن: رسائل الشريف المرتضى (المسائل الطبريّة)، ج 1، ص 150.

7.

بطلان التحابط. قارن: رسائل الشريف المرتضى (المسائل الطبريّة)، ج 1، ص 149.

و لكن هناك نقطة ينبغي الإشارة إليها، و هي أنّه عند التعرّض إلى مبحث إعجاز القرآن في هذه الرسالة، لم يتعرّض مؤلّف الرسالة إلى نظريّة الصرفة التي كان يتبنّاها الشريف المرتضى، و يهتمّ بها كثيراً، حتّى إنّه ألّف كتاباً لها مستقلاًّ، سمّاه: الموضح عن جهة إعجاز القرآن، أو الصرفة، و هو أمر يثير الاستغراب، إلّاأن يقال: إنّه قد ترك الإشارة إلى نظريّته مجاراة للنظريّة المشهورة؛ لكن هذا مُستبعد من الشريف المرتضى، فهو قد عوّدنا على إبراز آرائه و عدم التردّد في إظهارها في كلّ فرصة و في مختلف كتبه و رسائله.

و أمّا قوله في هذا المبحث من الرسالة: «و صَرَفهم إلى المحاربة»، فهو لا يعبّر عن نظريّة الصرفة؛ فإنّ معنى الصرفة هو: «سلب المشركين العلومَ التي تمكّنهم من معارضة القرآن»(1)، لا صَرْفُهم إلى الحرب.

و كانت هذه الرسالة قد طبعت في بغداد سنة 1373 ه‍ - 1954 م، في ضمن المجموعة الثانية من نفائس المخطوطات، بتحقيق المرحوم الشيخ محمّد حسن آل ياسين.

كما طبع في ضمن كتاب عقيدة الشيعة، ص 258-263، سنة 1437 ه‍ - 2016 م.

مخطوطات الرسالة
1. مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14673/11؛ تقع في الصفحات (19-21) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ن».

1) . الموضح عن جهة إعجاز القرآن، ص 35-36.

2.

مخطوطة مكتبة مدرسة «صدر بازار» بأصفهان، المرقّمة 914/3؛ تقع في الصفحات (1-3) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

3.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2930) 1162؛ تقع في الصفحات (47-48) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

4.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10006/4؛ و هي تحتوي على خمس رسائل، لا يتعلّق بالشريف المرتضى منها إلّاهذه الرسالة، و هي الرسالة الرابعة من المجموعة؛ و الرسالة الأُولى منها بخطّ «فضل اللّٰه الزنجاني»، نسخها في عام 1327 ه‍ بالخطّ النسخي.(1)و الرسالة تقع في الصفحات (3-9) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «م».

5.

مخطوطة مكتبة السيّد حسن الصدر رحمه اللّٰه، المرقّمة 587/6؛ تقع في الصفحات (66-69) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ع».


1) . راجع: فهرس المكتبة، ج 32، ص 18-19.

مُقدِّمةٌ في الأُصولِ الاعتقاديّةِ‌
اشارة

بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰن الرَّحيمِ‌(1)

فَصلٌ في إثباتِ الصانعِ و صفاتِه

اِعلَمْ أنّ أوّلَ فعلٍ يَجِبُ علَى العاقلِ‌(2)مِن أفعالِ قَلبِه(3)ما هو ذَريعةٌ إلَى العِلمِ برَبِّه، و لا طَريقَ إلىٰ ذلك إلّاالنظَرُ في حُدوثِ الأجسامِ و ما يَجري مَجراها.

و الذي يَدُلُّ علىٰ حُدوثِ الأجسامِ‌: استحالةُ خُلوِّها مِن المَعاني المُتجدِّدةِ‌، و ما لَم يَخلُ‌(4)مِن المُتجدِّدِ(5)يَجِبُ أن يَكونَ مُحدَثاً.

فإذا ثَبَتَ حُدوثُها، فليُقَسْ علىٰ أفعالِنا، يُعلَمْ أنّ لها(6)مُحدِثاً.

و لا بُدَّ مِن كونِه قادراً؛ لِاستِحالَةِ وُقوعِ الفِعلِ ممَّن ليسَ بقادرٍ.

و لا بُدَّ مِن كونِه عالِماً(7)لأنّ الفعلَ المُحكَمَ لا يَقَعُ إلّامِن عالِمٍ‌.


1) . في «ش، ع»: + «لك الحمد يا كريم».

2) . في «ش، ع»: - «على العاقل».

3) . في «ص»: «أفعاله» بدل «أفعال قلبه».

4) . في «ص، ن»: «لم يخيّل»، و هو سهو.

5) . في «م»: «التجدّد».

6) . أي للأجسام. فكما أنّ أفعالنا حادثة و تحتاج إلىٰ محدِث، فكذلك الأجسام.

7) . هكذا في «ن». و في باقي النسخ: - «و لا بدّ من كونه قادراً...» إلى هنا.

و يَجِبُ أن يَكونَ تَعالىٰ قادراً عالِماً لنفسِه؛ لاستغنائه عن غيرِه.

و لا بُدَّ مِن كَونِه حَيّاً؛ لحصولِ الفَرقِ بَينَ مَن يَصِحُّ كَونُه حَيّاً قادراً عالِماً و مَن لا يَصِحُّ‌، و رجوعُ الفَرقِ إلىٰ ما(1)يَرجِعُ كَونُه قادراً عالِماً إليه يُبطِلُ‌(2)البِنيةَ و ما في معناها،(3)و رجوعُه إلىٰ غيرِ النفسِ باطلٌ‌.

و إذا كانَ حَيّاً، و لَم تَكُن(4)به آفةٌ‌، وَجَبَ أن يَكونَ سَميعاً بَصيراً.

و لمّا تَعلَّقَ كَونُه قادراً بكَونِه موجوداً، وَجَبَ وجودُه.

و لا بُدَّ مِن كَونِه قَديماً؛ و إلّالَم تَتوقَّفِ الحَوادثُ علىٰ هذه [الغايةِ‌](5).

و وجوبُ هذه الصِّفاتِ يَدُلُّ علىٰ أنّ لها مُقتَضِياً، و المُقتَضي لذلكَ صفةُ ذاتِه(6)التي خالَفَ بها جَميعَ الذَّواتِ‌.

و يَجِبُ أن يَكونَ تَعالىٰ مُدرِكاً عند وجودِ(7)المُدرَكاتِ‌؛ مِن حَيثُ كَونِه(8)حَيّاً.

و إذا كانَ عالِماً، و استَحالَ عليه السهوُ، [و] كانَ قد فَعَلَ الفعلَ لغرضٍ يَخُصُّه، فلا بُدَّ أن يَكونَ مُريداً. و إذا ثَبَتَ كَونُه مُريداً، ثَبَتَ كَونُه كارِهاً. و استحقاقُه لهاتَينِ‌(9)الصِّفتَينِ لمعنىً ظاهرٌ؛ لتجدُّدِ مقتضاهُما. و استحالةُ قِدَمِ المعنىٰ بوُجوبِ ثُبوتِ‌


1) . في النسخ: «مَن». و الصواب ما أثبتناه.

2) . في «ص، ن»: «تبطل».

3) . راجع: الملخّص، ص 82 و ما بعدها.

4) . في «ص»: «و لم يكن».

5) . و إلّالأدّىٰ إلىٰ تسلسل الحوادث إلىٰ ما لا نهاية له و عدم توقّفها، و هي لا تتوقّف إلّاعند الانتهاء إلى القديم.

6) . هكذا في «ع» و حاشية «ش، م». و في «ش، ص، م، ن»: «نفسه».

7) . هكذا في «ع». و في باقي النسخ: «وجوب».

8) . في «ص، ن»: «كان».

9) . في «ص، م، ن»: «لها بين» بدل «لهاتين».

حُدوثِه؛ و بُطلانُ حلولِه فيه أو في غيرِه يَقتَضي وجودَه لا في مَحلٍّ‌.(1)

و لا بُدَّ مِن كَونِه غَنيّاً؛ لأنّه لَيسَ بمُحتاجٍ‌.

و لا يَجوزُ إثباتُ ما زادَ عن هذه الصِّفاتِ‌؛ لأنّه يُفضي إلَى الجَهالاتِ‌.

و لا يَجوزُ أن يُدرَكَ بشَيءٍ مِن الحَواسِّ‌؛ لأنّ ذلكَ يؤَدّي إلىٰ قِدَمِ المُدرِكاتِ‌، أو إلىٰ حدوثِه؛ و كِلاهُما باطلانِ‌.

و لا بُدَّ مِن كَونِه واحداً؛ لأنّه لَو كانَ معه ثانٍ‌، لَكانَ إمّا فاعلاً لفِعلِه، أو مانعاً له؛ و كِلاهما باطلانِ‌.

فَصلٌ في العَدلِ‌

يَجِبُ العِلمُ بأ نّه تَعالىٰ قادرٌ علىٰ فعلِ القَبيحِ‌؛ بثُبوتِ كَونِه قادراً. و لا يَجوزُ أن يَفعَلَه؛ مِن حَيثُ كانَ عالِماً بقُبحِه، و قُبحُ ذلكَ في الشاهدِ [لا يَخفىٰ‌] علىٰ مَن له مُسكةٌ مِن عَقلِه. و بهذا القَدرِ [نَعلَمُ‌] بحُسنِ جميعِ أفعالِه و تكاليفِه.

و الطَّريقُ إلىٰ إثبات كَونِه(2)مُتكلِّماً السَّمعُ‌. و كلامُه مُحدَثٌ‌؛ لأنّه مِن جِنسِ كلامِنا، و(3)كانَ فيه مِن الآيِ ما يَدُلُّ علىٰ حُدوثِه.

فَصلٌ في النُّبوَّةِ‌

الدَّليلُ علىٰ نُبوَّةِ نبيِّنا مُحمّدٍ صلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه القُرآنُ‌، الذي تَحَدّىٰ به العَرَبَ فعَجَزوا عن مُعارَضَتِه، معَ تَقريعِه لهُم و تَوبيخِه إيّاهم. و معلومٌ بقَريبٍ‌(4)


1) . أي أنّ بطلان حلول معنى الإرادة فيه تعالىٰ أو في غيره، يقتضي وجود ذلك المعنىٰ و حدوثه لا في محلّ‌. و راجع تفصيل ذلك في: الملخّص، ص 370 و ما بعدها.

2) . في «ص، م، ن»: «إثباته» بدل «إثبات كونه».

3) . في «ص، م، ن»: + «إن».

4) . في «ع»: - «بقريب».

مِن الضَّرورةِ اشتهارُ عُلوِّ طَبَقتِهم في الفَصاحةِ‌، كالأعشىٰ‌(1)، و المُغيرةِ‌(2)

و يحتمل أن يكون المراد «الوليد بن المغيرة» كما صرّح به في الموضح عن جهة إعجاز القرآن (الصرفة)، ص 114. و هو: «الوليد بن المغيرة بن عبد اللّٰه بن عمرو بن مخزوم» من قضاة العرب في الجاهليّة، و من زعماء قريش. يقال له: «العِدل»؛ لأنّه كان عِدل قريش كلّها؛ كانت قريش تكسو البيت جميعُها، و الوليد يكسوه وحده. أدرك الإسلام و هو شيخ هَرِم فعاداه و قاوم دعوته، و هو الذي وصف النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله بأنّه ساحر. مات بعد الهجرة بثلاثة أشهر، و دُفن بالحجون. و هو والد خالد بن الوليد. الأعلام للزركلي، ج 8، ص 122.

، و مَن يَجري مَجراهما. و عُدولُهم عن المُعارَضةِ يَدُلُّ علىٰ عَجزِهم، و صَرفُهم إلَى المُحارَبةِ يَدُلُّ علىٰ صِدقِه(3).

1) . ميمون بن قيس بن جندل الوائلي أبو بصير، المعروف بالأعشى و الأعشى الكبير، من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، من شعراء الطبقة الأُولى في الجاهليّة، و أحد أصحاب المعلّقات، كان كثير الوفود على الملوك من العرب و الفُرس، غزير الشعر، و ليس أحد ممّن عُرف قبله أكثر شعراً منه، و كان يغنّي بشعره، فسمّي «صنّاجة العرب». عاش عمراً طويلاً، و أدرك الإسلام و لم يُسلِم، و لُقّب بالأعشى لضعف بصره، و عمي في أواخر عمره. الأعلام للزركلي، ج 7، ص 340-341.

2) . لعلّه هو: «المغيرة بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم». أحد الأبطال الشعراء في الجاهليّة و الإسلام، و هو أخو رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله من الرضاع، كان يألفه في صباهما، و لمّا أظهر النبي صلّى اللّٰه عليه و آله الدعوة إلى الإسلام عاداه المغيرة و هجاه و هجا أصحابه، و استمرّ على ذلك إلى أن قوي المسلمون و تداول الناس خبر تحرّك النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله لفتح مكّة، فخرج من مكّة و نزل بالأبواء، ثمّ تنكّر و قصد رسول اللّٰه؛ فلمّا رآه أعرض عنه النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله فتحوّل المغيرة إلى الجهة التي حوّل إليها بصره، فأعرض، فأدرك المغيرة أنّه مقتول لا محالة، فأسلم و رسول اللّٰه مُعرِض عنه. ثمّ شهد معه فتح مكّة ثمّ وقعة حُنين، و أبلى بلاء حسناً، فرضي عنه النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله، ثمّ كان من أخصّائه. له شعر كثير في الجاهليّة هجاء بالمسلمين، و شعر كثير في الإسلام هجاء بالمشركين. مات بالمدينة، و صلّى عليه عمر. الأعلام، ج 7، ص 276.

3) . في «ص، م، ن»: + «صلّى اللّٰه عليه و آله».

فَصلٌ في الإمامةِ‌

الإمامةُ‌(1)تَجِبُ بشَرطِ انتفاءِ العِصمة عن المُكلَّفينَ‌؛ و إلّافلا وَجهَ لوُجوبِها.

و الطَّريقُ إلىٰ وُجوبِها العقلُ‌؛ بخِلافِ ما يَذهَبُ إليه المُعتَزِلةُ و مَن ضارَعَهم(2).

و إنّما وَجَبَت لقُربِ المُكلَّفينَ مِن الصَّلاحِ و بُعدِهم مِن الفَسادِ، فدَليلُ الألطافِ مُتناوِلٌ لها.

و لا بُدَّ من كَونِ الإمامِ معصوماً؛ و إلّاأَدّىٰ ذلكَ إلىٰ أن تَكونَ عِلّةُ الحاجةِ إليه فيه، [و هو يَقتَضي وُجودَ ما لا يَتناهىٰ مِن الرؤساءِ أو الإخلالَ بالواجب في عَدلِه تعالىٰ‌،](3)و كِلاهُما باطلانِ‌(4)و ذلكَ يؤدّي إلىٰ رئيسٍ مَعصومٍ يَكونُ رئيساً للكُلِّ‌.

و إذا ثَبَتَ وُجوبُ الرئاسةِ و وُجوبُ العِصمةِ ثَبَتَت(5)إمامةُ الِاثنَي عَشَرَ، الذينَ أوّلُهم أميرُ المؤمنينَ‌، ثُمَّ الحَسَنُ‌، ثُمَّ الحُسَينُ‌، ثُمَّ عليٌّ‌، ثُمَّ مُحمّدٌ، ثُمَّ جعفرٌ، ثُمَّ موسىٰ‌، ثُمَّ عليٌّ‌، ثُمَّ مُحمّدٌ، ثُمَّ عليٌّ‌، ثُمَّ الحَسَنُ‌، ثُمَّ الحُجّةُ صاحبُ الزمانِ - صَلَواتُ اللّٰهِ عليهم أجمَعينَ -؛ لأنّ مَن أثبَتَ هٰذَينِ الشَّرطَينِ‌(6)المُقَدَّمَينِ‌(7)و جَعَلَ الإمامةَ في غيرِهم، يُقالُ‌: إنّه(8)خارجٌ عن الإجماعِ‌. و إذا كانَ ثاني عَشَرَهم قد


1) . في «ص، ن»: - «الإمامة».

2) . «المضارعة»: المشابَهة و المقارَبة. النهاية لابن الأثير، ج 1، ص 24 (ضرع).

3) . ما بين المعقوفين استفدناه من تقريب المعارف، ص 150.

4) . في النسخ، قوله: «و كلاهما باطلان» جاء بعد قوله: «يكون رئيساً للكلّ‌».

5) . في «ع، م»: «ثبت».

6) . في «ش»: - «الشرطين».

7) . في «ع»: «هاتين المقدّمتين» بدل «هذين الشرطين المقدّمين».

8) . في «ص، م، ن»: «له».

غابَ قَطَعنا علىٰ حُسنِ غَيبتِه؛ لثُبوتِ عصمتِه.(1)

و حُكمُ مَن حارَبَ إماماً عادلاً حُكمُ مَن حارَبَ النبيَّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه و تَجِبُ مُحارَبتُه و يَستَحِقُّ الخُلودَ في النار إلىٰ أن يَتوبَ و يُراجِعَ التَّوبةَ علىٰ شُروطِها الصَّحيحةِ‌.

فَصلٌ في الوَعدِ و الوَعيدِ

يَجِبُ العِلمُ بما يُستَحَقُّ علَى الأفعالِ التي أمَرَ اللّٰهُ بها و نَهىٰ عنها، فيُعلَمَ أنّ الثَّوابَ يُستَحَقُّ بالطاعةِ إذا فُعِلَت علَى الوَجهِ الذي أمَرَ اللّٰهُ تَعالىٰ به، و أنّ العِقابَ يُستَحَقُّ بالمَعصيةِ إذا فُعِلَت علَى الوَجهِ الذي نَهَى اللّٰهُ تَعالىٰ عنه.

و مَن استَحَقَّ ثَواباً(2)، أُوصِلَ إليه دائماً(3).

و مَن استَحَقَّ ثَواباً و عِقاباً(4)، و حَضَرَ عَرصةَ القيامةِ‌، فلا تَخلو(5)حالُه [مِن] أن يَعفوَ اللّٰهُ عنه إمّا ابتداءً‌، أو يَشفَعَ فيه النَّبِيُّ صَلَّى اللّٰهُ عليه و آلِه؛ فإنّ له شَفاعةً‌، و هي حقيقةٌ في إسقاطِ(6)المَضارِّ. و لا يُشفَعُ في زيادةِ المَنافعِ - علىٰ ما تَذهَبُ‌(7)إليه المُعتَزِلةُ -؛ لأنّ ذلكَ يؤَدّي إلىٰ أن يَكونوا شافِعينَ في النَّبِيِّ صَلَّى اللّٰهُ عليه


1) . اعتمد المصنّف رحمه اللّٰه في المقنع هذه الطريقةَ في الاستدلال علىٰ حُسن الغيبة، و عَدَّها طريقة لم يُسبق إليها. راجع: المقنع في الغيبة، ص 73-74.

2) . أي ثواباً على الإيمان.

3) . في «ص»: - «دائماً».

4) . أي ثواباً دائماً على الإيمان، و عقاباً منقطعاً على المعاصي.

5) . في «ع، ش، ن»: «يخلو».

6) . في «ع، ش»: «في إسقاطه» بدل «حقيقة في إسقاط».

7) . في «ع»: «ذهب».

و آلِه بَل في جميعِ الأنبياءِ صَلَّى اللّٰهُ عليهم، و هذا حَدٌّ لا يَرتَكِبُه إلّامؤوفُ العقلِ فاسدُ التَّصَرُّفِ‌.

فإن عُدِمَ ذلكَ - نَعوذُ باللّٰهِ منه - أُوصِلَ إلىٰ ما يَستَحِقُّه مِن العِقابِ‌، و يُعادُ إلَى الثَّوابِ الدائمِ‌(1)بخِلافِ ما تَذهَبُ إليه المُعتَزِلةُ القائلونَ بالإحباطِ.

و مَن استَحَقَّ عِقاباً(2)، فعِقابُه دائمٌ‌(3)بلا خِلافٍ‌؛ و ذلكَ يَختَصُّ بالكُفّارِ.

فَصلٌ في الأمرِ بالمَعروفِ و النهيِ عنِ المُنكرِ

و الأمرُ بالمعروفِ و النهيُ عن المُنكَرِ يَجِبان إذا لَم يؤَدّيا إلَى الفَسادِ فيهما؛ قَلَّ بِهما، أو كَثُرَ بِهما(4). و الأمرُ بالمعروفِ الواجبِ واجبٌ‌(5)، و المندوبِ‌(6)مندوبٌ‌.

و النهيُ عن المُنكَرِ كُلِّه واجبٌ‌؛ لأنّه لَيسَ في المُنكَرِ ما هو مُستَحَبُّ التَّركِ‌.

فَصلٌ في المَعادِ

و يَجِبُ الإيمانُ بعَذابِ القَبرِ، و بفَناءِ العالَمِ و الإعادةِ إلَى الحِسابِ‌، و الميزانِ‌، و الصِّراطِ، و الجَنّةِ و النارِ؛ فمَن عَرَفَ ذلكَ مَعرِفةً صَحيحةً بتحقيقٍ‌، كانَ مُستَحِقّاً للثوابِ‌.

و اللّٰهُ أعلَمُ بالصوابِ‌،(7)و صَلَّى اللّٰهُ علىٰ سَيّدِنا مُحمّدٍ و آلِه الطيِّبينَ الطاهِرينَ‌(8).


1) . الذي استحقّه بإيمانه.

2) . أي عقاباً على الكفر، لا كلّ معصية.

3) . في «ص، م»: - «دائم».

4) . في «ص، م، ن»: «منهما».

5) . في «ص، م، ن»: - «واجب».

6) . في حاشية «م»: «بالمندوب».

7) . في «م»: + «تمّت المقدّمة».

8) . في «ص، ن»: - «و صلّى اللّٰه على سيّدنا محمّد و آله الطيّبين الطاهرين».

(31) مسألة في الإنسان

اشارة

مقدّمة التحقيق
اشارة

تحدّث المتكلّمون كثيراً عن التكاليف التي ينبغي على المكلّف القيام بها، فبحثوا عن أوّل الواجبات على المكلّف، و عن تكليفه بالاعتقاد بمجموعة من العقائد التي هي شرط الإيمان، فلولا الاعتقاد بها لخرج المكلّف عن الإيمان، مثل وجوب الاعتقاد بالتوحيد، و النبوّة، و المعاد، و غير ذلك.

و لأجل اهتمامهم بمبحث التكليف، أخذوا يبحثون عن شروطه، و عن المكلِّف (بالكسر) و شروطه، و عن المكلَّف (بالفتح) الذي تتوجّه إليه التكاليف، فجرّهم هذا البحث إلى البحث عن حقيقة المكلَّف و ماهيّته، فظهر بحث جديد طرح على طاولة البحث الكلامي تحت عنوان: «حقيقة الإنسان».

و حصل خلاف بين المتكلّمين حول ذلك، فذهب البعض إلى أنّ حقيقة الإنسان هو هذا الجسم المُشاهَد، و أنّه ليست فيه أيّ جهة مجرّدة روحانيّة، فيما ذهب آخرون إلى اعتبار حقيقته هي روحه المجرّدة.

و أمّا الإماميّة فكانت نظريّة تجرّد حقيقة الإنسان هي النظريّة المتداوَلة بينهم لعدّة قرون، فقد ذهب إليها هشام بن الحكم في عصر الحضور، و استمرّ على القول بها مجموعة من متكلّمي القرن الثالث و الرابع و الخامس، مثل أبي محمّد النوبختي (توفّي بعد 300)(1)، و أبي الجيش البلخي (ت 367 ه‍)(2)(تلميذ أبي سهل النوبختي)،


1) . رجال (فهرست) النجاشي، ص 63.

2) . المصدر، ص 422.

و الشيخ المفيد (ت 413 ه‍)(1)(تلميذ أبي الجيش)، و أبي يعلى الجعفري (ت 463 ه‍)(2)(تلميذ الشيخ المفيد و صهره و الجالس مجلسه).

و لمّا وصلت النوبة إلى الشريف المرتضى قام باختيار النظريّة الأُخرى القائلة بجسمانية حقيقة الإنسان، و استدلّ عليها، و دافع عنها في أكثر من كتاب و رسالة(3).

و قد ألّف الرسالة محلّ البحث حول هذا الموضوع أيضاً، و هي من الرسائل الجديدة التي عُثر عليها في ضمن مخطوطات رسائل الشريف المرتضى الأُخرى، و هي متطابقة إلى حدّ كبير جدّاً مع عبارات بحث حقيقة الإنسان من كتاب الذخيرة(4)، حتّى يمكن الاستعانة بنسخة هذه الرسالة لتصحيح بعض ألفاظ و عبارات هذا البحث من الذخيرة، فإنّ التطابق وصل أحياناً إلى نقل عين عبارات الذخيرة.

و هذا لا يعني خلوّ الرسالة من أيّ فائدة زائدة على ما في الذخيرة، بل فيها بعض الفوائد التي يمكن الإشارة إلى بعضها، مثل وجود إشارة إلى كتاب الإنسان لأبي سهل النوبختي، أو مناقشة تعريف الفلاسفة للإنسان بصورة مفصّلة، أو الإشارة في خاتمة الرسالة إلى إشكال حول النظريّة المختارة و الجواب عليه، و غير ذلك من الفوائد، و كلّها غير مذكورة في الذخيرة.

و على أيّ حال فإنّ التطابق الكبير بين الرسالة و كتاب الذخيرة يعتبر شاهداً جيّداً على تصحيح نسبة الرسالة إلى الشريف المرتضى، كما أنّ ورود نسخة الرسالة في ذيل نسخة المسائل الطرابلسيات الأُولى قد يعتبر شاهداً آخر على ذلك.


1) . أوائل المقالات، ص 77؛ المسائل السروية، ص 58-59.

2) . رجال (فهرست) النجاشي، ص 404.

3) . الذخيرة، ص 114؛ المسائل الطرابلسيات الأُولى، المسألة 12؛ المسائل النيليّات، المسألة 21.

4) . انظر: الذخيرة، ص 113-121.

محتوى الرسالة

تعرّض الشريف المرتضى في البداية إلى الأقوال المطروحة حول حقيقة الإنسان، فبدأ بنظريّته القائلة بأنّ الإنسان هو هذه الجملة المشاهَدة، أي هذا المجموع المشاهَد من جسم الإنسان ككلّ‌، لا خصوص اليد و الرجل مثلاً، بل الكلّ ككلّ‌. و أشار إلى أنّ البحث غير خاصّ بالإنسان، بل هو عامّ يشمل الملائكة و الجنّ‌، فالبحث يُطرح تحت عنوان: «حقيقة الحيّ الفعّال»، ولكن يبدو أنّه لأهمّية الإنسان عرف البحث باسم: «حقيقة الإنسان»، و إن كان الاسم العامّ الآخر ليس أقلّ شهرة بين المتكلّمين من هذا الاسم.

و أضاف الشريف المرتضى عند بيانه لنظريّته أنّ التمثال المصنوع من خشب أو شمع على صورة إنسان لا يسمّى إنساناً حقيقة؛ لاشتراط الأعراض الخاصّة بالإنسان في إطلاق هذا الاسم، و هذه الأعراض غير موجودة في التمثال الخشبي أو الشمعي، نعم الإنسان الميّت يسمّى إنساناً على الحقيقة، و لا يمنع قولنا: «الإنسان هو الحيّ الفعّال» من إطلاق ذلك على الميّت؛ فإنّ أهل اللغة يسمّون الميّت بأنّه إنسان ميّت. ثمّ إنّه وفقاً لهذه النظريّة ستكون أطراف الإنسان من يد و رجل داخلةً في حقيقة الإنسان إذا كانت فيها حياة. و إذا قطعت وصف الشخص بأنّه «إنسان ناقص»، لكنّه لا يعني أنّه ناقص في كونه حيّاً، بل هو ناقص اليد أو ناقص الرجل.

و أمّا النظريّات الأُخرى حول حقيقة الإنسان، فهي: ذهب بعض المتكلّمين إلى أنّ الإنسان هو حقيقة مجرّدة ليس بجسم (جوهر متحيّز) و لا عرض حالّ في هذا الجسم المشاهَد، و هو يفعل في هذا الجسم و يدبّره و يتصرّف فيه. و ذهب آخرون إلى أنّه جزء في القلب. فيما قال آخرون: هو الروح. و آخرون: هو جسم رقيق منساب في جميع جسم الإنسان. فيما ذهب الفلاسفة إلى أنّه الحيّ الميّت الناطق.

ثمّ استدل الشريف المرتضى على نظريّته بما يلي:

الدليل الأوّل: لو كانت حقيقة الإنسان مجرّدة، و كان الإنسان يفعل في جسمه و

يدبّره، فيلزم أن يفعل ذلك بالاختراع لا المباشرة و لا بالتولّد، أي يفعل في جسمه عن بُعد. لكن هذا باطل؛ لأنّنا نشعر بثقل الشيء إذا حملناه بيد واحدة، فإذا استعنّا باليد الأُخرى خفّ عليه حمله، و هذا يدلّ على أنّ القدرة موجودة في اليدين، بينما على القول بالاختراع تكون القدرة في أمر مجرّد و منفصل عن الجسم، فينبغي أن لا يكون هناك فرق بين حمل الشيء بيد واحدة أو يدين؛ لأنّ القدرة ليست فيهما. و نفس الإشكال يرد على القائل بأنّ الإنسان معنى في القلب؛ فإنّ القدرة تكون في هذا المعنى، لا في اليدين.

الدليل الثاني: أنّ الذي يعاني من أمراض شديدة قد يصل به الأمر إلى العجز عن تحريك يده مع أنّ اليد في حدّ ذاتها قابلة للحركة، فلو كان الإنسان يخترع أفعاله في جسده لكان ينبغي أن يقدر هذا المريض على تحريك يده؛ لأنّه قادر - كما هو قادر على أُمور أُخرى من إرادة و كراهة و اعتقاد - و في يده قابليّة الحركة؛ لأنّ غير المريض يمكن أن يمسك بيد هذا المريض و يحرّكها.

فإن قيل: إنّه يحرّكها على نحو التولّد، و كلامنا حول أنّ المرض يمنع من اختراع الحركة في اليد و ابتدائها فيها.

فالجواب: أنّ اليد إذا لم تتقبّل الحركة لم تتقبّلها على أيّ نحو كان، سواء بالتولّد أو الاختراع. ثمّ إنّ اللّٰه تعالى قادر على اختراع الحركة في يد هذا المريض، و هذا يعني أنّ المرض لم يمنع من اختراع الحركة أو توليدها. و إذا بطل هذا دلّ على أنّ القدرة كانت موجودة في اليد ثمّ زالت، و لهذا عجز المريض عن تحريكها.

و هذا الدليل يُبطل قول من ذهب إلى تجرّد حقيقة الإنسان أو كونه جزءاً في القلب. ويُبطِل القول الأخير أيضاً أنّه لو كان كذلك لم يمكن تحريك الأطراف؛ لأنّ هذا المعنى الذي في القلب إمّا أن يَفعل بالاختراع وقد تقدّم بطلانه، و إمّا بالتولّد، و هو باطل أيضاً؛ لأنّه يستلزم أن نشعر عند تحريك اليد مثلاً بحركة على نحو

الجذب و الدفع في القلب، مثل أن تكون هناك أربطة و أعصاب توصل بين القلب و اليد فيشدّها القلب و يجرّها أو يدفعها، ممّا يؤدي إلى حصول الحركة في اليد، مع أنّه لا يوجد شيء من ذلك قطعاً.

و يبطل القول بتجرّد الإنسان أنّنا نشعر بوجود الإرادة في قلبنا، فإذا أكثرنا من الفكر و البحث العلمي شعرنا بالتعب في قلبنا، و هذا يدلّ على أنّ الإرادة و الفكر - و هي من أهمّ خصائص الإنسان - تكون في هذا القلب المادّي، فلا يكون الإنسان مجرّداً.

و يبطله أيضاً أنّه بناءً عليه لا يكون الإنسان مختصّاً بهذا الجسم - مثل جسم زيد - فإنّ الاختصاص يكون بالمجاورة أو الحلول، و لا شيء من ذلك بين الإنسان و هذا الجسم، فلا يكون هذا الجسم (جسم زيد) أولى بالاختصاص بالإنسانيّة من أيّ جسم آخر مثل جسم عمرو أو بكر، و هو باطل.

و يبطله أيضاً أنّهم لا يمكنهم أن يفسّروا موت الإنسان عند قطع رأسه أو قطع جسده من الوسط، فإنّ نقص الجسم لا يؤثّر على حقيقة الإنسان المجرّدة، ثمّ لماذا مات الإنسان بهذا النقص و لم يمت بقطع يده أو رجله، مع أنّه نقص أيضاً؟

الدليل الثالث: هناك أحكام - من مدح و ذمّ و أمر و نهي - تتعلّق بهذا الشخص الجسماني الذي نشاهده واقفاً أمامنا، فهذه الأُمور متوجّهة إليه، فيجب أن يكون هذا الجسم هو الإنسان، فلا يصحّ تركه و اللجوء إلى أمر غير معلوم كالحقيقة المجرّدة، و إلّاأدّى ذلك إلى الجهالات و السفسطة.

الدليل الرابع: أنّنا ندرك و نحسّ بكلّ أعضائنا، فلا بدّ أن تكون الحياة حالّة في الأعضاء، و إلّاكانت كالشعر و الظفر الخالية من الإدراك و الحسّ‌. و حينئذ نسأل عن مكان هذه الحياة، فهي لا يمكن أن تحلّ كلّ أعضاء الجسم بالتفصيل - و إلّا كان عندنا أحياء كثيرون - كما لا يمكن أن توجب الحياةَ لغير هذا الجسم - لأنّها لا تختصّ بجسم معيّن آخر، فلا ترجيح لجسم على آخر - فبقي أنّها تحلّ هذا الجسم ككلّ‌، أي أنّها تحلّ الجملة.

و أشكل على قول النظّام باليد الشلّاء، فهي لا تتحرّك، و لو كان الحيّ غير هذه الجملة لحرّكها، خاصّة و هي لم تخرج من قابلية الحركة؛ لقدرة اللّٰه تعالى على تحريكها.

و يبطل قول النظّام أيضاً بأنّه ما المقصود بالروح‌؟ هل المقصود الحياة التي هي عرض، أو الهواء المتنقّل في فجوات و فراغات الجسم‌؟ و على كلا المعنيين لا يمكن أن تحلّه الحياة.

و يبطل أيضاً بأنّ الإدراك و الحسّ يقع بأطراف الجسم، فلو كان المحرّك شيئاً داخل الجسم لكان تحريكه بالشدّ و الدفع، و هو باطل.

و يبطل أيضاً بأنّه لا يمكن للنظّام أن يفسّر وقوع الموت بقطع الرأس.

و أمّا القائل بأنّ الإنسان جسم رقيق منساب في الجسم فقال في التفريق بين قطع الرأس و اليد أنّه عند قطع اليد يتقلّص الظاهر فقط و ينقص دون الباطن، فلا يتحقّق الموت، بينما عند قطع الرأس ينقطع الظاهر و الباطن فيتحقّق الموت.

و يرد عليه أنّه إذا جاز تقلّص الظاهر فقط في قطع اليد جاز كذلك في قطع الرأس، و حينئذ يجوز أن يبقى من قُطع رأسه حيّاً!!

و في النهاية ذكر الشريف المرتضى إشكالين أوردا على النظريّة المختارة، و هما:

الأوّل: كيف ترجع صفة واحدة إلى مجموعة أجزاء (الجملة)، و كيف يتحقّق الحيّ من انضمام غير حيّ إلى غير حيّ؟

الجواب: أنّ الدليل اقتضى ذلك، فلا معنى للتعجّب ممّا اقتضاه الدليل. و قد وجدنا الأحكام - كالمدح و الذمّ - متوجّهة إلى الجملة، فعلمنا أنّها هي الحيّ‌. كما لا عجب من ضمّ شيء غير حيّ إلى غير حيّ فيحصل الحيّ‌، فقد يضمّ ما ليس بمعجز إلى أمر آخر غير معجز، فيحصل أمر معجز.

الثاني: لو كان الإنسان هو هذه الجملة، لتغيّرت حقيقته بحصول السمنة و الهزال.

الجواب: أنّ الجملة ثابتة و لا تتغيّر بالسمن و الهزال، فنحن نعلم أنّ الإنسان حيّ قادر، و هذا العلم لا يتغيّر بزيادة اللحم أو قلّته.

مخطوطات الرسالة

مخطوطات هذه المسألة هي نفس مخطوطات الطرابلسيّات الأُولى، و هي:

1. مخطوطة مكتبة الآستانة الرضويّة المقدّسة، برقم: 18499؛(1)تقع في الصفحة (76-84) من المخطوطة، كُتبت بخطّ النستعليق، و هي من مخطوطات القرن الحادي عشر، ورد عنوان المخطوط كالتالي:

«كتاب جوابات مسائل شتّى التي قد سئل السيّد المرتضى رضي اللّٰه عنه عنها، و هو ذو فوائد كثيرة في أنواع المطالب الدينيّة».

و عرّف في الفهرس بعنوان: «مسائل الآيات» و هو خطأ.

و قد رمزنا لهذه النسخة ب‍: «أ».

2. مخطوطة مكتبة آية اللّٰه السيّد البروجردي في قم المقدّسة، برقم: 1/374(2)تقع في الصفحة (98-108) من المخطوطة، و عليها تملّك المحدّث السيّد عبد اللّٰه بن محمّدرضا شبّر و نقش خاتمه: «الواثق باللّٰه الغني عبده عبد اللّٰه الحسيني»، و ملاحظات بخطّ آية اللّٰه السيّد البروجردي، و في آخرها علامة البلاغ بقوله: «بلغ مقابلة».

و قد رمزنا لهذه النسخة ب‍: «ب».

3. مخطوطة مكتبة المدرسة الجعفريّة في قائن بخراسان، برقم: 3/140؛(3)تقع في الصفحة (237-245)، في ضمن مجموعة استنسخها الملّا محمّد اللاري بخطّ نسخ جميل، و فرغ منها في غرّة شهر المحرّم سنة 1046 ه‍، و هي نسخة مصحّحة،

1) . لاحظ: فنخا، ج 10، ص 887.

2) . فهرس مخطوطاتها، ج ص 224.

3) . فهرس مصوّراتها، ج 5، ص 139-142.

استكتبها الشيخ محمّد ابن خاتون العاملي، و عليها تملّك السلطان محمود القائني في سنة 1167 ه‍، كتبت عناوينها بالشنجرف.

توجد مصوّرتها في مركز إحياء التراث الإسلامي، برقم: 1690.(1)

و قد رمزنا لهذه النسخة ب‍: «ج».

4. مخطوطة مكتبة ملك العامّة في طهران، برقم:

1/593؛(2)تقع في الصفحة (271-281) في ضمن مجموعة، كتبت بخطّ النسخ، و فُرغ من نسخها سنة 1125 ه‍، و كُتبت عناوينها بالشنجرف، و ورد عنوانها في الفهرست هكذا: «أجوبة في المسائل المتفرّقة» و هو خطأ.

و قد رمزنا لهذه النسخة ب‍: «د».

5. مخطوطة مكتبة جامعة طهران، برقم: 1/1080؛(3)تقع في الصفحة (94-103) في ضمن مجموعة، استنسخها سليمان بن المولى مبارك بن إبراهيم بن عبد اللّٰه بن معين الدين القرشي، بخطّ النسخ، غير مورّخة، و في بعض مواضع النسخة بياض، و الظاهر أنّها نسخت سنة 973 ه‍ لما ورد في أوّل المخطوطة من عبارة: «تمام بخطّ كمال الدين خفري است كه در كلكته سنة 973، ترقيم...»، و عبارة: «تاريخ كتابت سنة 973 ه‍». و عليها تملّك «أبو طالب بن القاضي عبد الوهّاب».

و قد رمزنا لهذه النسخة ب‍: «ط».


1) . لاحظ: الفهرس، ص 119-120.

2) . فهرس مخطوطاتها، ج 25، ص 92-93.

3) . فهرس مخطوطاتها، ج 3، ص 610-613.

مسألةٌ في الإنسانِ‌
اشارة

مسألةٌ في(1)الإنسانِ‌

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

الأَولىٰ‌(2)في هذهِ المسألةِ‌(3)أن نُبيِّنَ كلاماً وجيزاً فيها يُطَّلَعُ به علىٰ أُصولِها و طَريقِ الكلامِ فيها، و أنّ مَن ضَبَطَ ما نورِدُه تَمكَّنَ مِن نَقضِ‌(4)كلامِ المُخالِفينَ في هذه المسألة علَى افتراقِهم، و تَمكَّنَ مِن مَعرِفةِ فَسادِ ما أَورَدَه أبو سَهلٍ النَّيبَختيُّ‌(5)رَحِمَه اللّٰهُ في كتابِه في الإنسانِ‌(6)، فهذا أَولىٰ من التشاغُلِ بنَقضِ ذلكَ الكتابِ‌؛ لقِلّةِ إفادتِه(7)، و كَثرةِ الفائدةِ فيما نورِدُه و نَعتَمِدُه.

بيان الأقوال في حقيقة الإنسان

و قد اختَلَفَ الناسُ في «الحَيِّ‌(8)الفَعّالِ‌»:


1) . في «ب»: - «مسألة في».

2) . في «أ»: - «مسألة في الإنسان، الأَولىٰ‌».

3) . في «ب»: - «في هذه المسألة».

4) . في «أ، ب، ط»: «نقص».

5) . إسماعيل بن عليّ بن نوبخت، أبو سهل النوبختي، من متكلّمي الإماميّة. كان فاضلاً، له مجلس يحضر فيه المتكلّمون، و له مصنّفات كثيرة، منها: التنبيه في الإمامة، و الردّ على اليهود، و الإرجاء، و غيرها. توفّي سنة 311 ه‍. الوافي بالوَفَيات، ج 9، ص 103؛ فهرست النجاشي، ص 31.

6) . سمّاه النجاشي: «كتاب الإنسان و الردّ على ابن الراوندي». (رجال (فهرست) النجاشي، ص 32) فيظهر منه أنّه قد رَدَّ فيه علىٰ نظريّة ابن الراوندي في الإنسان. ثمّ إنّ هذا الكتاب مفقود، و لم يصل إلينا.

7) . في «أ»: «إقامته».

8) . في «أ»: «حيّ‌».

فقالَ قومٌ‌(1): هو هذه «الجُملةُ‌» التي(2)تَتعلَّقُ الأحكامُ به مِن أمرٍ و نَهيٍ و مَدحٍ و ذَمٍّ‌. و يُسَمّىٰ هذا الحَيُّ الفَعّالُ‌: «إنساناً»(3)إذا كانَ مَبنيّاً مِن هذه البِنيةِ‌، و قد يُسَمَّى(4)الحَيُّ الفَعّالُ - مِن «المَلائكةِ‌» و «الجِنِّ‌» - بأسماءٍ أُخَرَ موضوعةٍ لذلكَ الجنسِ‌. و الفَلاسفةُ تُسَمّي الحَيَّ الفَعّالَ بأنّه: «نَفسٌ‌».

و قالَ قومٌ‌: إنّ الحَيَّ الفَعّالَ هو ذاتٌ مِن الذواتِ‌، لَيسَت بجَوهرٍ مُتَحَيِّزٍ و لا(5)عَرَضٍ حالٍّ في هذه الجُملةِ‌، و إن كانَ فاعلاً(6)فيها و مُصَرِّفاً لها. و هذا المَذهبُ يُحكىٰ عن مُعمَّرٍ(7)، و كانَ أبو مُحمّدٍ(8)الحَسَنُ بنُ موسىٰ‌(9)و أبو سَهلٍ النَّوبَختيّانِ - رَحِمَهما اللّٰهُ - يَذهَبانِ إليه.

و كانَ الفُوَطيُّ‌(10)و ابنُ الراوَنديِّ‌(11)يَذهَبانِ جَميعاً إلىٰ أ نّه جُزءٌ في


1) . في جميع النسخ سوىٰ «ج»: - «فقال قوم».

2) . في غير «د»: «الذي».

3) . في جميع النسخ سوىٰ «ج»: - «إنساناً».

4) . في «ب»: «سمّي».

5) . في «ألف»: «فلا».

6) . في «ب»: «فاعلات».

7) . معمّر بن عبّاد السُّلمي، أبو عمرو، من متكلّمي المعتزلة. له مناظرات مع النظّام. من كتبه: المعاني، و الاستطاعة. توفّي سنة 215 ه‍. فهرست ابن النديم، ص 207؛ الأعلام للزركلي، ج 7، ص 272.

8) . في جميع النسخ سوىٰ «ج»: + «بن».

9) . الحسن بن موسىٰ‌، أبو محمّد النوبختي، من متكلّمي الإماميّة. كان يجتمع إليه جماعة من نقلة كتب الفلسفة، مثل أبي عثمان الدمشقي، و إسحاق، و ثابت. له من الكتب: الآراء و الديانات، و الردّ على أصحاب التناسخ، و الإنسان غير هذه الجملة، و غيرها. فهرست ابن النديم، ص 225؛ رجال (فهرست) النجاشي، ص 63.

10) . هشام بن عمرو، أبو محمّد الفُوَطيّ‌؛ من متكلّمي المعتزلة. كان من أصحاب أبي الهُذيل، و أخذ عنه عبّاد بن سليمان. له من الكتب: المخلوق، و خلق القرآن، و التوحيد، و غيرها. توفّي سنة 226 ه‍. فهرست ابن النديم، ص 214؛ سير أعلام النبلاء، ج 10، ص 547.

11) . في «أ»: «راوندي». و الرجل هو أحمد بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسين ابن الراوندي أو الريوَندي. كان من المعتزلة ثمّ تركهم و اتُّهم بالإلحاد. له من الكتب: فضيحة المعتزلة، و غيره. قيل: توفّي سنة 298 ه‍. لسان الميزان، ج 1، ص 323؛ سير أعلام النبلاء، ج 14، ص 59.

القَلبِ مِن الروحِ‌.

و قالَ النظّامُ‌(1): إنّه الروحُ‌، و هي الحياةُ المُداخِلةُ‌(2)لهذه الجُملةِ‌.

و ذَهَبَ بعضُ المتأخِّرينَ‌، و هو ابنُ الإخشيدِ(3)، إلىٰ أ نّه جسمٌ رقيقٌ مُنسابٌ في جميعِ هذه الجُملةِ‌.

بيان القول المختار

و نَحنُ نَدُلُّ علَى المَذهبِ الصحيحِ مِن هذا الكلامِ‌؛ فإنّ الفلاسفةَ حَدّوا الإنسانَ بأنّه «الحَيُّ المائتُ الناطقُ‌»(4)، و الصحيحُ ما قَدَّمناه مِن أ نّه عبارةٌ عن هذا الشخصِ المَبنيِّ البِنيةَ المخصوصةَ‌.

و الأَولىٰ أن يَكونَ ما نُحِتَ مِن حَجَرٍ أو خَشَبٍ علىٰ صورةِ الإنسان لا يُسَمّىٰ بأنّه إنسانٌ علَى الحقيقةِ‌، و إن كانَ أبو عليٍّ الجُبّائيُّ قد رَكِبَ ذلكَ‌، و خالَفَه أبو هاشمٍ و قالَ‌: إنّ قَولَنا: «إنسانٌ‌» عبارةٌ عن هذه الصورةِ مع التحيُّزِ و الصِّفاتِ المخصوصةِ‌. و هذا هو الصحيحُ‌؛ لأنّ تَسميةَ الإنسانِ بأنّه إنسانٌ يَجري مَجرىٰ


1) . إبراهيم بن سيّار، أبو إسحاق النظّام، من متكلّمي المعتزلة، و كان شاعراً أديباً بليغاً، و هو شيخ الجاحظ. له من الكتب: الطفرة، و الجواهر و الأعراض، و الوعيد، و غيرها. توفّي سنة 231 ه‍. سير أعلام النبلاء، ج 10، ص 541؛ لسان الميزان، ج 1، ص 67؛ الأعلام، ج 1، ص 43.

2) . في «ب»: «الداخلة».

3) . هذا هو الصواب؛ و في النسخ اضطراب. و الرجل هو أحمد بن عليّ بن بيغجور، ابن الإخشيد، من متكلّمي المعتزلة. كان يدري الحديث و يرويه، و كان ذا تعبّد و زهادة. له من الكتب: نقل القرآن، و الإجماع، و المعونة في الأُصول، و غيرها. توفّي سنة 326 ه‍. سير أعلام النبلاء، ج 15، ص 217؛ الأعلام، ج 1، ص 171.

4) . سيأتي بعض التوضيح لهذا الحدِّ بعد قليل.

تسميةِ النخلةِ بأنّها نَخلةٌ‌، فكَما لا يَقَعُ اسمُ النخلةِ علىٰ ما صُوِّرَ مِن طينٍ أو شَمعٍ علىٰ صورةِ النخلةِ‌، و اعتُبِرَ في ذلكَ الأعراضُ المخصوصةُ التي تَختَصُّ بالنخلةِ‌، فكذلكَ الإنسانُ‌.

فأمّا الإنسانُ الميّتُ فيوصَفُ بهذا الاسمِ‌(1)علَى التحقيقِ‌، و لَيسَ قولُنا: «الحياةُ‌»(2)مؤثِّراً في إجزائه(3).

و الصحيحُ أيضاً: أنّ أطرافَ الإنسانِ‌(4)إذا كانَ فيها حياةٌ‌، داخلةٌ تَحتَ الاسمِ‌.

و مَن قُطِعَت يدُه أو رِجلُه يوصَفُ بأنّه «إنسانٌ ناقصٌ‌»، و الأَولىٰ أن يُفسَّرَ هذا النقصانُ لئلّا يوهِمَ أ نّه(5)ناقصٌ في كَونِه حيّاً.

و الصحيحُ‌: أنّ الشَّعرَ و الظُّفرَ لَيسا مِن جُملةِ الحَيِّ‌؛ لأنّه لا حياةَ فيهما و لا يَقَعُ الإدراكُ بِهما.

مناقشة تعريف الفلاسفة للإنسان

فأمّا الحَدُّ المَحكيُّ‌(6)عن الفَلاسفةِ‌: فقَد اعتُرِضَ بأنّ في العربِ مَن أثبَتَ الجِنَّ و الملائكةَ‌، و أثبَتَ لهُما هذه الأوصافَ التي أضافوها إلَى الإنسانِ‌، و إن لَم يُسَمّوها(7)بالإنسانِ‌.


1) . في «ب»: «الإنسان».

2) . كذا، و الأنسب: «الحيّ‌»، فإنّه ناظر إلى ما تقدّم من أنّ الإنسان هو «الحيّ الفعّال».

3) . كذا في جميع النسخ، و الظاهر أنّ الصواب: «إجرائه»، و المراد: أنّ قولنا: «الحيّ‌» غير مانع من إجراء اسم الإنسان على الميّت.

4) . في «ب»: - «أنّ أطراف الإنسان».

5) . في جميع النسخ سوىٰ «ج»: - «أنّه».

6) . في «ب»: + «و».

7) . في «ط»: «لم يسمّوهما».

و لَيسَ لهُم أن يُخطِّئوا العربَ‌(1)و يُجهِّلوهم(2)في إثباتِ الجِنِّ و المَلائكةِ‌؛ لأنّ خَطأَهم(3)- لَو كانوا أَخطأوا(4)في ذلكَ - لا يؤثِّرُ فيما ذَكرناه؛ لأنّ عبارتَهم تَجري علَى اعتقادِهم، لا علىٰ حَسَبِ علومِهم. ألا تَرىٰ أنّهم يُسَمّونَ‌(5)الأصنامَ بأنّها «آلهةٌ‌» لمّا اعتَقَدوا أنّ العبادةَ تَحِقُّ لهم‌؟ فهُم مُصيبونَ في الِاسمِ و إن كانوا مُخطِئينَ في الاعتقادِ. فقَد كانَ يَجِبُ لَو كانَ حَدُّ الإنسانِ ما ذَكروه أن يَصِفَ‌(6)أهلُ اللُّغةِ‌(7)ما أَثبَتوه مِن الجِنِّ و المَلائكةِ - مُخطِئينَ أو مُصيبِينَ - بأنّهم(8)«ناسٌ‌»، و معلومٌ خِلافُ ذلكَ‌.

علىٰ أنّ الميّتَ لَيسَ بحَيٍّ‌، و لا خِلافَ بَينَ أهلِ اللُّغةِ في أ نّه يُسَمّىٰ‌: «إنساناً»؛ لأنّهم يَقولونَ‌: إنسانٌ حَيٌّ‌، و إنسانٌ ميِّتٌ‌.

فإن قالوا: ما أرَدنا بقَولِنا: «حَيٌّ‌» مَن هو كذلكَ في الحالِ‌، بَل مَن يَجوزُ أن يَحصُلَ علىٰ هذه الصِّفةِ‌، كَما لَم نُرِد بقَولِنا: «مائتٌ‌»(9)إثباتَ الصِّفةِ في الحالِ و إنّما أرَدنا جوازَها؛ [و] لَولا ذلكَ لَتَناقَضَ قولُنا: «حَيٌّ مائتٌ‌».(10)

[قُلنا:] فلَيسَ يُفهَمُ مِن حَدِّكم في لُغتِنا(11)- التي بها يُكلَّمونَ - إلّاإثباتَ الصِّفةِ‌


1) . في «د»: - «العرب».

2) . في «ب»: «و يجعلهم».

3) . في «أ»: «لأنّه خطأهم». و في «د»: - «لأنّ خطأهم».

4) . في «د»: - «أخطأوا».

5) . في «د»: «يسعون».

6) . في «أ»: «يوصف».

7) . في «ج»: «الصفة».

8) . في جميع النسخ سوىٰ «د»: «لأنّهم».

9) . في جميع النسخ «ميّت». و الأنسب ما أثبتناه.

10) . في «أ»: «حتّى ماتت». و في «ب، د»: «حيّ ماتت».

11) . في «أ»: «لغتان».

دونَ جوازِها؛ لأنّهم لا يَصِفونَ‌(1)مَن يَجوزُ أن يَكونَ حَيّاً بأنّه حَيٌّ‌،(2)كَما لا يَصِفونَ مَن يَجوزُ أن يَكونَ مُتحرِّكاً بأنّه مُتحرِّكٌ‌، و عالِماً بأنّه عالِمٌ‌.

و بَعدُ، فلَيسَ يَخلو مِن أن يُريدوا بالنطقِ «الكلامَ‌»، أو يُريدوا «التمييزَ»(3)، علىٰ ما يَذهَبونَ إليه.

فإن أرادوا الأوّلَ فيَجِبُ أن لا يَكونَ الأخرَسُ إنساناً! و إن أرادوا الثانيَ فغَيرُ معروفٍ في لُغتِنا [أنّ‌] النطقَ التمييزُ(4)، و مَن حَدَّ بلُغتِنا فيَجِبُ أن يوافِقَ حَدُّه موضوعاتِ لُغتِنا و إلّاكانَ مُخطئاً.

علىٰ أنّ الحَدَّ إنّما يُذكَرُ فيه ما يَبينُ به(5)المحدودُ مِن غيرِه، و لا يَدخُلُ فيه ما يُشارِكُ المحدودُ فيه غيرَه،(6)و قد عَلِمنا أنّ الإنسانَ لا يَبينُ مِن البَهائمِ بكَونِه «حَيّاً مائتاً» فلِمَ أدخَلوا(7)ذلكَ في الحدودِ،(8)و قد كانَ يَجِبُ أن يَقتَصِروا علَى «النطقِ‌» الذي هو معنَى التمييزِ(9)فهو الذي يَبينُ به الإنسانُ مِن غيرِه‌؟ و هذا يَدُلُّ علَى اختلالِ حَدِّهم و فَسادِه(10)، مع أنّهم عندَ أنفُسِهم أهلُ التحقيقِ‌، و أربابُ التمييزِ(11)و التحديدِ!


1) . في «د»: + «بالحيّ‌».

2) . في جميع النسخ سوىٰ «ج»: - «بأنّه حيّ‌».

3) . في «أ، ب»: «التميّز».

4) . في «أ»: «بالتميّز». و في «ب»: «للتميّز».

5) . في «أ، ب، ط»: - «به».

6) . هذا ما ذهب إليه المتكلّمون. راجع: الحدود للنيسابوري، ص 122؛ الذخيرة، ص 154. و يبدو أنّهم كانوا يرون عدم صحّة ذكر الجنس في الحدّ، و ضرورة الاقتصار على الفصل.

7) . في «ب»: «أدخل».

8) . كذا في جميع النسخ؛ و الصواب: «الحدّ».

9) . في «أ»: «التميّز».

10) . في «ب»: «حالهم و فساد».

11) . في «أ»: «التميّز».

أدلّة القول المختار في حقيقة الإنسان

و الذي يَدُلُّ علىٰ صِحّةِ ما ذَهَبنا إليه في الحَيِّ‌(1)الفعّالِ أشياءُ‌:

[الدليل الأوّل]

منها: أنّ الفاعلَ في هذه الجُملةِ لَو كانَ لَيسَ فيها - علىٰ‌(2)ما ذَهَبَ إليه مُعمَّرٌ و كُلُّ مَن وافَقَه - لَكانَ الفاعلُ يَختَرِعُ الأفعالَ في هذه الجُملةِ و يَبتَدئُها(3)لأنّ علىٰ مَذهبِهم أنّ القُدرةَ قائمةٌ بالإنسانِ الحَيِّ الفَعّالِ لا بهذه الجُملةِ‌، و المعلومُ بُطلانُ ذلكَ ضَرورةً‌؛ لأنّ أحَدَنا قد يَتعذَّرُ عليه حَملُ بعضِ الأجسامِ أو يَثقُلُ إذا حَمَلَه بإحدىٰ يَدَيه، فإذا استَعانَ بالأُخرىٰ تأتَّى المُتعذِّرُ و خَفَّ المُستَثقَلُ‌، و هذا(4)الحُكمُ معلومٌ ضَرورةً [و] لا يَصِحُّ مع القولِ بالاختراعِ‌؛ فإنّ القُدرةَ [علىٰ هذا القولِ‌] قائمةٌ في الحَيِّ الذي أثبَتوه و(5)إنّ هذه الأعضاءَ لَيسَت بمَحَلٍّ للقُدرةِ‌(6). و لا يَصِحُّ هذا الفَرقُ المعلومُ ضَرورةً إلّاعلىٰ مَذهبِ مَن أثبَتَ في كُلِّ واحدٍ مِن اليَدَينِ قُدَراً(7)و أ نّه لا يَصِحُّ أن يُفعَلَ بإحدىٰ قُدرةِ اليدَينِ‌(8)في الأُخرىٰ‌، فلهذا خَفَّ‌(9)عند الاستعانةِ‌(10)ما ثَقُلَ‌؛ لأنّه استَعمَلَ قُدَراً ما كانَ استَعمَلَها قَبلَ الاستعانةِ‌. و مَن قالَ‌: «إنّ‌


1) . في «أ»: «حيّ‌».

2) . في «ب»: - «علىٰ‌».

3) . في «أ»: «يخترع للأفعال في هذه الجملة و يبتدئ بها».

4) . في جميع النسخ سوىٰ «ج»: «فهذا».

5) . في «ب»: - «و».

6) . في «د»: «بمحلِّ القدرة». و في الذخيرة: «بمَحالٍّ للقُدَر».

7) . في «أ، د»: «قدرة».

8) . كذا، و الأنسب: لا يصحّ أن يُفعل بقدرة إحدى اليدين.

9) . في «أ»: «أخفّ‌».

10) . أي عند الاستعانة باليد الأُخرىٰ‌.

القُدرةَ قائمةٌ في الحَيِّ الذي لَيسَ بهذه الجُملةِ‌، فإنّما(1)يَختَرِعُ الفعلَ بها اختراعاً في هذه الأعضاءِ‌» فلا يَمتَنِعُ أن يَفعَلَ - علىٰ هذا - في يَمينِه بجميعِ قُدَرِه، فلا يَخِفَّ‌(2)عليه ما يَستَثقِلُ‌(3)في حَملِه بيدَيه؛ لأنّ القُدرةَ في الحالَينِ واحدةٌ‌، و قد عُلِمَ خِلافُ ذلكَ‌. فإن راموا(4)أن يَذكُروا وجهاً في خِفّةِ المحمولِ مع الاستعانةِ‌، لَم يَجِدوه.

و هذا الوجهُ يُبطِلُ أيضاً مَذهبَ مَن يَقولُ‌: «إنّ الحَيَّ الفَعّالَ‌(5)[معنىً في] القَلبِ‌»؛ لأنّ اليدَينِ علىٰ مَذهبِهم لَيسا(6)بمَحالِّ القُدرةِ‌، و إنّما تَحُلُّ‌(7)القُدرةُ المعنَى الذي في القَلبِ‌.

[الدليل الثاني]

و منها: أنّ المَريضَ المُدنِفَ‌(8)قد يَنتَهي به المرضُ إلىٰ تَعذُّرِ تحريكِ يدِه(9)عليه مع احتمالِه(10)للحركةِ‌، فلَو كانَ الإنسانُ مِنّا مُختَرِعاً لَجازَ أن يَختَرِعَ بقُدَرِه التي هي قائمةٌ به الأفعالَ في الأعضاءِ مع المرضِ‌؛ لأنّه قادرٌ، و المَحَلُّ مُحتَمِلٌ‌.

و لَيسَ لهُم أن يَنفوا مع المرضِ كَونَه قادراً؛ لأنّا نَعلَمُ أنّ الإنسانَ مع تَعذُّرِ حركةِ أطرافِه عليه عند المرضِ قد يُريدُ و يَكرَهُ و يَعتَقِدُ، فلَولا أ نّه قادرٌ علىٰ هذه المَعاني


1) . كذا في جميع النسخ؛ و الصواب: «و إنّما».

2) . في «ألف»: «فلا يخفّف».

3) . في جميع النسخ: «يستعمل»؛ و الصواب ما أثبتناه.

4) . في «أ»: «داموا». و في «ب، د، ط»: «يراموا».

5) . في جميع النسخ سوىٰ «أ»: «الفاعل».

6) . كذا، و الأنسب: «ليستا».

7) . في «ب»: «يحلّ‌».

8) . رجُلٌ مُدنِفٌ‌: بَراه المرضُ حتّىٰ أشفىٰ على الموت. لسان العرب، ج 9، ص 107 (دنف).

9) . في «أ»: «يديه».

10) . كذا، و الأنسب: «احتمالها»؛ لرجوع الضمير إلى اليد.

لَما صَحَّ منه أن يَفعَلَها، فقَد كانَ يَجِبُ أن يَفعَلَ بهذه القُدرةِ الحركةَ في الأطرافِ‌.

و لَيسَ يَجوزُ أن يَكونَ المرضُ أخرَجَ العضوَ مِن احتمالِ الحركةِ‌؛ لأنّ غيرَ المريضِ يُحرِّكُها(1).

و لَيسَ لهُم أن يَقولوا: إنّ المرضَ إنّما أخرَجَ العضوَ مِن صِحّةِ ابتداءِ الحركةِ‌(2)فيه، و لَم يُخرِجْه مِن أن يَقَعَ علىٰ سَبيلِ التوليدِ؛ و غيرُ هذا المريضِ مِنّا إنّما يُحرِّكُ يدَ المريضِ مِنّا علىٰ سَبيلِ التوليدِ.

قُلنا: هذا تعليلٌ بالمُحالِ‌؛ لأنّ ما أخرَجَ المَحلَّ مِن احتمالِ معنىً‌(3)مِن المَعاني أخرَجَه مِن احتمالِه علىٰ كُلِّ وجهٍ‌. و بَعدُ فإنّ القَديمَ تَعالىٰ يَصِحُّ أن يَبتدئَ و يَخترعَ الحركةَ في أطرافِ المريضِ‌، فعَلِمنا أنّ المرضَ لا يُخرِجُ العضوَ مِن احتمالِ الحركةِ‌؛ مُبتدأةً و لا مُتولِّدةً‌(4).

و إن كانَ المرضُ - علىٰ مَذهبِهم - ما نَفَى القُدرةَ علَى الحركةِ‌، و هي باقيةٌ في الحَيِّ علىٰ ما كانَت عليه، فلا يُخرِجُ المَحلَّ مِن احتمالِ الحركةِ‌؛ و كَيفَ يُخرِجُه مِن ذلكَ و الحياةُ لا تَحتاجُ في وجودِها في المَحلِّ إلىٰ معنىً زائدٍ علىٰ وجودِ المَحلِّ‌، و لَيسَت ممّا يَحتاجُ إلىٰ بِنيةٍ‌(5)و أعراضٍ مخصوصةٍ؟

مناقشة سائر الأقوال في حقيقة الإنسان

و هذا الدليلُ يُبطِلُ مَذهبَ مُعمَّرٍ و مَن وافَقَه من بَني نَيبَختَ و مَذهبَ ابنِ الراوَنديِّ و مَن وافَقَه في أنّ الحَيَّ جُزءٌ في القَلبِ‌.


1) . كذا، و الأنسب: «يحرِّكه»؛ لرجوع الضمير إلى العضو.

2) . أي اختراعها.

3) . في «أ»: «المعنى».

4) . في «أ»: «و لا متولّداً».

5) . في «ج»: «إليه بنيّة».

و ممّا يُبطِلُ‌ مَذهبَ‌(1)ابنِ الراوَنديِّ و مَن وافَقَه مُضافاً إلىٰ ما تَقدَّمَ‌: أنّ الفاعلَ لَو كانَ معنىً في القَلبِ لَما صَحَّ ظهورُ الحركةِ في الأطرافِ‌؛ لأنّها إن كانَت علىٰ جِهةِ الاختراعِ فقَد أبطلناه، و إن كانَت علىٰ سَبيلِ التوليدِ فنَحنُ نَعلَمُ خِلافَه؛ لأنّ ذلكَ يَقتَضي أن نَجِدَ جَذباً و دَفعاً(2)مِن ناحيةِ القَلبِ‌، و قد عَلِمنا أنّ اليدَ تَتحرَّكُ مِن غيرِ أن يَسريَ إليها مِن القَلبِ حركةٌ ضَرورةً‌.

و(3)ممّا يُبطِلُ‌ مَذهبَ مُعمَّرٍ و مَن وافَقَه: أنّ أحَدَنا يَجِدُ كَونَه مُريداً مِن ناحيةِ قَلبِه، فإذا أدمَنَ الفِكرَ و النظَرَ وَجَدَ التعَبَ و الألَمَ في جِهةِ قَلبِه؛ فلَولا أنّ القَلبَ‌(4)مَحلٌّ للإرادةِ و النظَرِ لَم تَكُن هذه الأحكامُ‌.

و ممّا يُفسِدُ هذا المَذهبَ أيضاً: أنّ الفاعلَ لَو كانَ غيرَ مُجاوِرٍ لهذه(5)الجُملةِ‌(6)و لا حالٍّ فيها، و إنّما يَختَرِعُ الفعلَ فيها(7)اختراعاً، لَم يَكُن بعضُ الجُمَلِ بذلكَ أحَقَّ مِن بعضٍ‌؛ لأنّه لا وجهَ للاختصاصِ به(8).

فإن قيلَ‌: ما أَنكرتم أن تَختَصَّ بعضُ الأحياءِ‌(9)بصِحّةِ الفعلِ في بعضِ هذه الأشخاصِ دونَ بعضٍ‌؛ لوجهٍ‌(10)مِن التعلُّقِ غيرِ معلومٍ علىٰ سَبيلِ التفصيلِ‌، كقَولِهم:


1) . من قوله: «ابن الراونديّ‌» إلى هنا ساقط من «ب».

2) . في «أ»: «يقتضي أن اتّخذ دفعاً».

3) . في «ب»: - «و».

4) . في «ب»: - «أنّ القلب».

5) . في «أ»: «غير هذه». و في «ب، د، ط»: «غير لهذه».

6) . أي لجسم زيد مثلاً.

7) . في «ب»: - «فيها».

8) . في «د»: - «به».

9) . في «ب»: «يختصّ بعض لوجه الأحياء».

10) . في «أ»: «بوجه».

«إنّ الحالَّ مِن الأعراضِ في المَحلِّ يَختَصُّ ببعضِ الجواهرِ دونَ بعضٍ‌» و كذلك ما كانَ به الحَيُّ زَيداً بعَينِه لا يَجوزُ أن يُضَمَّ إلىٰ حَيٍّ آخَرَ؟

قُلنا: إنّا لمّا حَكَمنا باختصاصِ العَرَضِ بمَحلِّه لَم يَجُز أن يوجَدَ في غيرِه مِن المَحالِّ علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ‌، و كذلكَ الجواهرُ التي تَختَصُّ زَيداً لا يَجوزُ أن تَختَصَّ بغَيرِه علىٰ حالٍ مِن الأحوالِ‌. و قولُهم في الفاعلِ في هذا الجسدِ بخِلافِ ذلكَ‌؛ لأنّهم يَذهَبونَ إلىٰ أ نّه لَو زيدَت في هذا(1)الجسدِ أجزاءٌ كَثيرةٌ‌(2)و انضَمَّت إليه و بُنيَت معه لَكانَ ذلكَ الفاعلُ يَفعَلُ فيها علىٰ وجهٍ ما كانَ فاعلاً فيما كانَ فيما قَبلَها، و يَقولونَ‌: إنّه(3)تعالىٰ قادرٌ - مِن الأجزاءِ التي إذا انضَمَّت إلىٰ هذه الجُملةِ صَحَّ الفعلُ في الجميعِ - علىٰ ما لا يَتناهىٰ‌. فما يؤمِنُكم مِن أن يَبنيَ اللّٰهُ تَعالىٰ هذه الأجزاءَ التي إذا زادَها في جسمِ زَيدٍ فَعَلَ زَيدٌ(4)فيها شَخصاً آخَرَ(5)، ففَعَلَ فيه زَيدٌ(6)كما يَفعَلُ في الشخصِ الأوّلِ؟ لأنّ هذه الأجزاءَ ممّا يَصِحُّ أن يَفعَلَ فيها(7)زَيدٌ و ممّا يَختَصُّ بالتعلُّقِ بها، و لَيسَ لغَيرِه تَعلُّقٌ بها؟

و يُبطِلُ‌ أيضاً هذا المَذهبَ أ نّه لا وجهَ - مع التمسُّكِ به - بخروجِ‌(8)الحَيِّ الفاعلِ القادرِ مِن صِفاتِه و عدمِه عندَ ضَربِ رَقَبةِ‌(9)هذا الرجُلِ أو قَطعِ رأسِه! و لَيسَ لنَقصِ‌


1) . في «أ»: «هذه».

2) . في «أ، ط»: «كثيراً».

3) . في «أ»: - «إنّه».

4) . في جميع النسخ سوىٰ «د»: «زيداً». و الظاهر زيادة كلمة: «زيد».

5) . في «ب»: + «ففعل زيداً فيها شخصاً آخر».

6) . في جميع النسخ سوىٰ «د»: «زيداً». و هكذا ما بعده.

7) . من قوله: «شخصاً آخر» إلىٰ هنا ساقط من «أ».

8) . كذا في جميع النسخ؛ و الصواب: «في خروج».

9) . في «ب، ط»: «رقبته».

بِنيةِ هذا الجسمِ تأثيرٌ في خروجِ ذلكَ الحَيِّ مِن صِفاتِه؛ لأنّ الحَيَّ إنّما يَجِبُ أن يَخرُجَ مِن صِفاتِه عندَ ظهورِ ضِدِّها أو ما يَجري مَجرَى الضِّدِّ، و أيُّ وجهٍ لانتفائها و وجوبِ الخروجِ عنها؟

و ما رَضوا بأن ذَهَبوا إلىٰ أنّ الحَيَّ القادرَ العالِمَ يَخرُجُ عن صِفاتِه كُلِّها بقَطعِ وَسَطِ هذا الجسدِ، حتّىٰ‌(1)زادوا علىٰ ذلكَ فقالوا: إنّه إذا قُطِعَ وَسَطُه عُدِمَ ذلكَ الحَيُّ الموجودُ و خَرَجَ عن الوجودِ. و هذا ممّا لا يُعقَلُ مِن قولِهم و لا يَصِحُّ تَصوُّرُه؛ لأنّا إذا أَوجَبنا خروجَ الحَيِّ مِن كَونِه حَيّاً بنَقضِ‌(2)بِنيةِ الحياةِ فقَد أحَلنا علىٰ أمرٍ مفهومٍ‌، و إذا قُلنا إنّ عدمَ المَحلِّ يوجِبُ عدمَ الحالِّ فقَد أشَرنا أيضاً إلىٰ معقولٍ‌، و لا وجهَ يُعقَلُ لخروجِ الحَيِّ مِن صِفاتِه و وجودِه بنَقصِ‌(3)هذا الجسدِ علىٰ وجهٍ مِن الوجوهِ‌.

علىٰ أنّا نقولُ لهُم: كَيفَ خَرَجَ ذلكَ الحَيُّ مِن كَونِه علىٰ صِفاتِه و بَطَلَ و تَلاشىٰ بقَطعِ الوسطِ، و لَم يَخرُجْ بقَطعِ اليَدِ و الرِّجلِ‌، و الحُكمُ واحدٌ فيما لَيسَ بمُجاوِرٍ لهذه الجُملةِ و لا حالٍّ فيها؟

عودة إلى أدلّة القول المختار في حقيقة الإنسان

[الدليل الثالث]

و ممّا يَدُلُّ ابتداءً علىٰ أنّ الحَيَّ هو هذه الجُملةُ المشاهَدةُ‌: أنّا نَجِدُ أحكاماً تَظهَرُ مِن هذه الجُملةِ يُمكِنُ أن تَكونَ مُتعلِّقةً بها و مُستَنِدةً إليها، فيَجِبُ أن لا تَتعدّاها؛


1) . في «ب»: «و حتّى».

2) . في «ب، ط»: «بنقص».

3) . في «ج»: «بنقض». و في «د»: «ينقص».

لأنّ تَعلُّقَها بغَيرِها مع أ نّه غيرُ معلومٍ و التجاوزَ بها عن الجُملةِ المعلومةِ يؤَدّي إلىٰ كُلِّ جَهالةٍ‌، و إلىٰ‌(1)أن تَكونَ الصِّفاتُ و ما يُستَحَقُّ علَى المَعاني مُتعلِّقةً بغَيرِها من طَبعٍ أو غيرِه؛ و أن يَكونَ السوادُ لَم يَنفِه البياضُ‌(2)الطارئُ علىٰ مَحلِّه بَل نَفاه سِواه(3)! و كذلك القولُ في استحقاقِ المَدحِ و الذَّمِّ علَى الأفعالِ في تجويزِ تعليقِه بغَيرِ المعقولِ الذي ظَهَرَ حُكمُه.

[الدليل الرابع]

و ممّا يَدُلُّ أيضاً علىٰ صِحّةِ مَذهبِنا في الإنسانِ و بُطلانِ ما عَداه: أنّ الإدراكَ يَقَعُ بكُلِّ أعضاءِ هذه الجُملةِ‌، فلَو لَم يَكُن في هذه الأعضاءِ حياةٌ لَكانَت كالشَّعرِ و الظُّفرِ لا يُدرَكُ بِهما؛ و إذَن كان لا بُدَّ مِن حياةٍ تَحُلُّ الأعضاءَ‌.

و مُحالٌ أن توجِبَ هذه الحياةُ حُكمَ «الحَيِّ‌» لكُلِّ ما حَلَّته؛ لأنّ ذلكَ يَقتَضي كَونَ هذه الجُملةِ أحياءً كثيرينَ‌، فكانَت لا تَتصرَّفُ بإرادةٍ واحدةٍ و لا تَكونُ كالشيءِ الواحدِ، و لا يَمتَنِعُ وقوعُ الاختلافِ و التمانُعِ مِن هؤلاءِ الأحياءِ و يَجروا مَجرىٰ أحياءٍ كَثيرينَ ضُمَّ بعضُهم إلىٰ بعضٍ‌. و مُحالٌ أن تَكونَ هذه الحياةُ توجِبُ الحُكمَ لغَيرِ هذه الجُملةِ‌؛ لفَقدِ الاختصاصِ و لأنّه لَيسَ أحَدٌ بذلكَ أَولىٰ مِن غيرِه. و لا توجِبُ الحياةُ الموجودةُ في البعضِ حُكماً لبعضٍ إذا فُقِدَ(4)لفَقدِ(5)الاختصاصِ‌(6)أيضاً. فإذا لَم يَصِحَّ كَونُ‌


1) . في الذخيرة: «و إلىٰ تجويز».

2) . في «ب»: + «من».

3) . في «أ، ط»: «نفا سواده». و في «د»: «نفاه سوا». و في سائر النسخ: «نفاه سواده». و في الذخيرة: «نفاه غيرُه». و الأنسب ما أثبتناه.

4) . في الذخيرة: «لبعض آخر» بدل «لبعض إذا فقد».

5) . في «ب»: «بفقد».

6) . من قوله: «و لأنّه ليس أحد» إلى هنا ساقط من «ج».

الحَيِّ غيرَ هذه الجُملةِ و لا بعضَها و لا كُلَّ جُزءٍ منها، فقَد ثَبَتَ مَذهبُنا بأنّ الحَيَّ بهذه الحياةِ الموجودةِ في أحَدِ الأجزاءِ هو «الجُملةُ‌» التي هذا الجزءُ بعضٌ لها.

عودة لمناقشة الأقوال الأُخرىٰ في حقيقة الإنسان

و قد بَطَلَ مَذهبُ النظّامِ بجميعِ ما ذَكرناه أو بعضِه.

و ممّا يُبطِلُه: أنّ أحَدَنا قد يُحرِّكُ يدَه في جِهتَينِ مُختَلِفتَينِ‌(1)في الحالِ الواحدةِ‌؛ فلَو كانَ الحَيُّ شَيئاً غيرَ هذا الجسمِ‌، لَم يَصِحَّ ابتداءُ الحركاتِ مع اختلافِها في الأطرافِ‌.

و أيضاً: فإنّ اليدَ إذ شُلَّت لَم يَكُن قَبضُها و بَسطُها علَى الحَدِّ الذي كانَ يُمكِنُ و هي صَحيحةٌ‌؛ فلَولا أنّ هذه الأعضاءَ مِن جُملةِ الحَيِّ لَما وَجَبَ ذلكَ‌، و لَو كانَ الحَيُّ مُنفَصِلاً عنها لَم يؤثِّرْ تَغيُّرُ صِفاتِها في فِعلِه فيها.

و لَيسَ يُمكِنُ القولُ بأنّها خَرَجَت بالشَّلِّ مِن احتمالِ الحركةِ‌؛ لأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يُحرِّكُها، و غيرَ هذه الجُملةِ التي اليدُ الشَّلّاءُ مُتَّصِلةٌ بها أيضاً يُحرِّكُها؛ فلَو كانَت غيرَ مُحتَمِلةٍ للحركةِ لَم يَجِبْ‌.

و بَعدُ، فإن أشاروا ب‍ «الروحِ‌»(2)إلَى الحياةِ التي نَقولُ‌(3)بأنّها(4)عَرَضٌ‌، فالحياةُ‌(5)لا يَصِحُّ فيها أن تَكونَ حَيّةً عالِمةً قادرةً‌. فإن أرادوا(6)به(7)الهَواءَ المُتردِّدَ في مَنافذِ


1) . في جميع النسخ سوىٰ «ب»: «مختلفين».

2) . تقدّم أنّ النظّام ذهب إلىٰ أنّ الحيّ هو الروح. و في الذخيرة: «أشار».

3) . في الذخيرة: «يقول». و الضمير راجع إلى النظّام.

4) . في «ب»: «يقول إنّها».

5) . في الذخيرة: «عرض بالحياة».

6) . في الذخيرة: «أراد».

7) . أي بالروح.

الجسمِ‌، فذلكَ أيضاً ممّا لا يَصِحُّ أن تَحُلَّه(1)الحياةُ و لا يُدرَكَ الألَمُ و اللَّذّةُ به و هو علىٰ صِفتِه؛ و إن لَم يُرَدْ به ذلكَ فهو غيرُ معقولٍ‌.

علىٰ أنّ الإدراكَ يَقَعُ بظاهرِ الجسمِ‌، فيَجِبُ أن تكونَ‌(2)الحياةُ في الظاهرِ موجودةً و الفعلُ يَقَعُ ابتداءً في الأطرافِ‌؛ فلَو كانَ المُحرِّكُ لها شَيئاً مُداخِلاً لهذا الجسمِ لَكانَت الحركةُ علىٰ سَبيلِ الجَذبِ و الدفعِ‌، و معلومٌ ضَرورةً خِلافُ ذلكَ‌.

و بَعدُ، فما(3)السببُ الموجِبُ لتلَفِ هذه الرُّوحِ المُداخِلةِ عندَ قَطعِ الوسطِ و الرأسِ؟ و كَيفَ لَم تَتلَفْ عندَ قَطعِ اليَدِ و الرِّجلِ؟ فعلىٰ مَذهبِ النظّامِ لا وجهَ لذلكَ يُعقَلُ‌.

و لكِنَّ‌(4)ما قَدَّمناه و ما خَصَّصنا به النظّامَ مِن الكلامِ يُبطِلُ قولَ مَن ذَهَبَ في الإنسانِ إلىٰ‌(5)أ نّه جسمٌ رقيقٌ مُنسابٌ في جميعِ هذه الجُملةِ‌؛ لمُضاهاةِ‌(6)هذا المَذهبِ لمَذهبِ النظّامِ‌، و إنّما احتَرَسَ‌(7)الذاهبُ إليه ممّا يَلزَمُ النظّامَ في الفَرقِ بَينَ قَطعِ‌(8)الرأسِ و اليدَينِ [بأن](9)قالَ‌: اليدُ إذا قُطِعَت تَقلَّصَ الباطنُ فلَم يَتلَفْ‌، فإذا قُطِعَ [الرأسُ انقطَعَ‌] الظاهرُ و الباطنُ [و] تَلِفَ‌. و هذا مِن قائله و مُرتَضيهِ تعليلٌ بالباطلِ‌(10)،


1) . في «ب»: «يحلّه».

2) . في جميع النسخ سوىٰ «د»: «يكون». و فيها بإهمال النقط في الأوّل.

3) . في جميع النسخ سوىٰ «ج»: «و ما».

4) . كذا، و الأنسب: «و علىٰ‌» بدل «ولكنّ‌».

5) . في «ج»: - «إلىٰ‌».

6) . في «ب»: «في جميع هذه المضاهات». و في «ط»: «في جميع هذه الجملة المضاهات».

7) . في «ب، ط»: «اخترس».

8) . في «أ»: «القطع».

9) . هكذا في الذخيرة. و هكذا في الموردين التاليين.

10) . في «ب»: «بالباطن».

و إذا(1)جازَ التقلُّصُ في اليدِ جازَ في الرأسِ و الوسطِ، و إذا جَوَّزناه لَم نأمَنْ‌(2)فيمَن قُطِعَ رأسُه و وسطُه أن يَبقىٰ حَيّاً.

مناقشة إشكالات القول المختار

[الإشكال الأوّل]

و اعلَمْ أنّ الذي قَوَّى الشُّبهةَ في الإنسانِ حتّىٰ ذَهَبَ القومُ في الخَطإ إلىٰ كُلِّ مَذهبٍ أنّهم استَبعَدوا أن تَرجِعَ‌(3)الصِّفةُ الواحدةُ إلىٰ جُملةٍ مِن الأجزاءِ‌، و أن يَنضَمَّ ما لَيسَ بحَيٍّ فيَصيرَ حَيّاً.

فالجوابُ‌(4)عن هذا: أنّ كُلَّ ما لا يَدخُلُ تَحتَ العِلمِ الضروريِّ فإنّما يُرجَعُ فيه إلَى الدليلِ فيُنقادُ له كائناً ما كانَ‌، و لا معنىٰ للتعجُّبِ ممّا تَسوقُ‌(5)إليه الأدِلّةُ‌، فإنّما التعجُّبُ مِن قولٍ لا دليلَ عليه. و «رجوعُ الصِّفةِ الواحدةِ إلىٰ جُملةِ أجزاءٍ‌» مِن الجائزِ في العقلِ‌، الخارجِ عن المُستَحيلِ‌؛ فإذا دَلَّ عليه الدليلُ وَجَبَ إثباتُه. و ذلكَ في الجوازِ كرجوعِ الصِّفاتِ الكَثيرةِ إلَى الذاتِ الواحدةِ‌.

و قد عَلِمنا أنّ الحَيَّ هو هذه الجُملةُ دونَ بعضِها؛ لأنّ الأحكامَ المعقولةَ تَرجِعُ إلَى الجُملةِ دونَ أجزائها - مِن مَدحٍ و ذَمٍّ -، و الإنسانُ يَعلَمُ ضَرورةً أ نّه مُدرِكٌ واحدٌ و مُريدٌ واحدٌ. و إذا اعتَبَرنا ذلكَ وَجَدنا الحَيَّ منّا يَفتَقِرُ إلىٰ معنىً يَكونُ به حَيّاً، و عَلِمنا أنّ الحياةَ لا توجِبُ له هذا الحُكمَ إلّامع غايةِ‌


1) . كذا، و الأنسب: «فإذا».

2) . في «أ»: «لمن تأمن». و في «ب، ج، ط»: «لمن نأمن».

3) . في «ب»: «يرجع».

4) . في جميع النسخ سوىٰ «د»: «و الجواب».

5) . في «أ»: «نَسوُتُ‌».

الاختصاصِ به(1)، فإنِ استَحالَ حلولُ الحياةِ الواحدةِ في جميعِ الأجزاءِ استَحالَ أيضاً أن يَكونَ المَحلُّ بها حَيّاً؛ لِما تَقدَّمَ ذِكرُه، فلَم يَبقَ في تَعلُّقِ الحياةِ بالجُملةِ و إيجابِها الحالَ إلّا(2)ما ذَهبنا إليه مِن حلولِ بعضِها و إيجابِها الحُكمَ لها.(3)و لمّا وَجَدنا الحَيَّ يَخرُجُ مِن كَونِه حَيّاً عندَ نَقضِ‌(4)بِنيةِ بعضِ هذا الجسمِ‌، عَلِمنا أنّ الحَيَّ يَفتَقِرُ إلىٰ بِنيَةٍ‌(5)، و أنّا لا نَقِفُ‌(6)علىٰ تفصيلِ ذلكَ و تحديدِه(7).

و لَيسَ يَمتَنِعُ أن يُضَمَّ‌(8)ما لَيسَ بذي صِفةٍ إلىٰ ما لَيسَ له تلكَ الصِّفةُ فتَحصُلَ‌(9)الصِّفةُ التي ما كانَت لكُلِّ واحدٍ منهما. ألا تَرىٰ أ نّه قد يُضَمُّ ما لَيسَ بمُعجِزٍ و لا خارقٍ للعادةِ‌(10)إلىٰ ما لَيسَ كذلكَ‌(11)فيصيرُ مُعجِزاً و خارقاً للعادةِ‌، و ما لَيسَ بمُحكَمٍ مِن الأفعالِ و لا دالٍّ علىٰ كَونِ فاعلِه(12)عالِماً إلىٰ ما لَيسَ كذلكَ‌(13)فيَصيرُ(14)بالاجتماعِ‌(15)دَلالةً علَى العِلمِ‌، و ما لَيسَ بجسمٍ‌(16)إلىٰ ما لَيسَ بجسمٍ‌


1) . في «أ»: - «به».

2) . في «أ، ب، ط»: - «إلّا».

3) . أي أنّ الحياة تحلّ في بعض الجملة، ولكنّها توجب حكم الحياة للجملة كلّها.

4) . في «أ، ب»: «نقص».

5) . في «أ، ب»: «بنيته».

6) . في جميع النسخ سوىٰ «د»: «و إنّما لا يقف».

7) . في الذخيرة: «و إنْ لم يوقَف علىٰ تفصيل ذلك و تحديده».

8) . في «أ»: «يعمّ‌».

9) . في «ب»: «فيحصل».

10) . في «ب»: + «و».

11) . أي: إلىٰ ما ليس بمعجز أيضاً. و في الذخيرة: «إلىٰ ما هو كذلك».

12) . هكذا في الذخيرة. و في النسخ: «كونِه» بدل «كون فاعله».

13) . في الذخيرة: «إلىٰ ما هو كذلك».

14) . في الذخيرة: «فيصيران».

15) . في «أ»: «بالإجماع».

16) . في «د»: «لجسم».

فيَصيرُ جسماً، و المَحلُّ لَيسَ بمُتحرِّكٍ قَبلَ‌(1)وجودِ الحركةِ‌؛ فإذا وُجِدَت الحركةُ فيه و هي أيضاً غيرُ مُتحرِّكةٍ‌، صارَ متحرِّكاً؟

الإشكال الثاني

و مِن شُبَهِهم أيضاً قولُهم: لَو كانَ الحيُّ القادرُ هو الجُملةَ المُشاهَدةَ‌(2)، و نَحنُ نَعلَمُ جوازَ دخولِ الزيادةِ و النقصانِ و السِّمَنِ و الهُزالِ علىٰ هذه الجُملةِ‌، فكانَ‌(3)يَجِبُ أن لا يَعلَمَ الإنسانُ مِنّا اليَومَ أ نّه الحَيُّ القادرُ مِن قَبلُ إذا زادَت أجزاؤه أو نَقَصَت، و لَما صَحَّ أن نَذُمَّ‌(4)السَّمينَ علىٰ ما وَقَعَ في حالِ هُزالِه، و الهَزيلَ علىٰ ما كانَ منه في حالِ سِمَنِه.

و الجوابُ‌ عن(5)هذه الشُّبهةِ - علىٰ رَكاكتِها -: أنّ العِلمَ بالحَيِّ القادرِ إنّما تَعلَّقَ بالمُختَصِّ بهذه الصِّفةِ مِن «الجُملةِ‌» التي لا تَتغَيّرُ في نفسِها بالزيادةِ و النقصانِ‌، و تَكونُ علىٰ حَدٍّ(6)واحدٍ في كَونِها عالِمةً قادرةً مع السِّمَنِ و الهُزالِ‌؛ و لَيسَ العِلمُ بالحَيِّ القادرِ(7)متعلِّقاً بالأجزاءِ التي يَدخُلُها الزيادةُ و النقصانُ‌، و إنّما يَتعلَّقُ بالجُملةِ‌.


1) . في جميع النسخ سوىٰ «د»: «مثل».

2) . في «ب»: «المشافهة».

3) . في «ألف»: «فكانت».

4) . في «ب»: «يذمّ‌».

5) . في «ج»: «علىٰ‌».

6) . في «أ»: «حده».

7) . من قوله: «إنّما تعلّق بالمختصّ‌» إلىٰ هنا ساقط من «ب».

(32) مسألة في بيان حقيقة الحيّ الفعّال

اشارة

مقدّمة التحقيق
اشارة

تعرّضت هذه الرسالة إلى مسألة «ماهيّة الإنسان»، أو «حقيقة الحيّ الفعّال»(1)، و هي من المسائل التي كثر البحث و النزاع فيها بين المتكلّمين، حيث اختلفوا حول حقيقة الإنسان، و أنّ حقيقته هل هي عبارة عن النفس المجرّدة، أو أنّها ليست إلّاهذا الجسم المُشاهَد؟ و قد اختار الشريف المرتضى الرأي الأخير، و استدلّ عليه في أكثر من كتاب و رسالة(2).

نسبة الرسالة

هذه الرسالة من الرسائل الجديدة المنسوبة إليه، و التي لم تطبع من قبل، و هي قديمة نسبيّاً، فهي منقولة من خطّ السيّد مهنّا بن سنان الحسيني (ت 754 ه‍) المعاصر للعلّامة الحلّي (ت 726 ه‍)، و المُجاز من عنده، و الذي سأله المسائل المعروفة ب‍ «المسائل المهنّائية»، كما أنّها تطرح رأي الشريف المرتضى القائل بجسمانيّة حقيقة الإنسان، إضافة إلى مناسبة ألفاظها مع ألفاظه و عصره، أو ما قارب ذلك العصر.

فهذه شواهد احتمالية على تأييد صحّة نسبة الرسالة إليه، و لكن هناك بعض


1) . هذا الاصطلاح من الاصطلاحات المنسيّة في عصرنا، و قد كان معروفاً و متداولاً في عصرالمصنّف رحمه اللّٰه. و هو اصطلاح عامّ يشمل الإنسان و الملائكة و الجنّ‌، ولكن عادة ما يُقصد به الإنسان؛ لوقوعه محلاًّ للبحث و النقاش بين المتكلّمين.

2) . راجع: الذخيرة، ص 114؛ المسائل الطرابلسيّات الأُولى، المسألة 12؛ المسائل النيليّات، المسألة 21، مسألة في الإنسان.

الغموض يحوم حول هذه الرسالة لا بأس بالإشارة إليه، و هي:

1.

ردّه الصريح لرأي الشيخ المفيد (ت 413 ه‍) الذي كان يذهب إلى القول بتجرّد حقيقة الإنسان(1)، حيث قال: «أمّا ما يبطل به مذهب معمر، و الأسواري من المعتزلة، و شيوخنا بني نوبخت، و المفيد (رضي اللّٰه عنهم)، فهو...» إلخ. و هذا بعيد عن أُسلوب الشريف المرتضى، فهو لم يعتد على ذكر اسم شيخه المفيد في كتبه و رسائله(2)، حتّى عندما يختلف معه في بعض الآراء، فإنّه لا يشير إلى اختلافه مع المفيد بصراحة، إجلالاً له، فتصريحه هنا بالردّ عليه غريب للغاية على الشريف المرتضى.

2.

وجود اختلاف واضح بين طريقة البحث في هذه الرسالة، و بين بحث حقيقة الإنسان من كتاب الذخيرة؛ سواء في نسبة الأقوال إلى أصحابها، أو في مناقشة تلك الأقوال، أو الاستدلال على النظريّة المختارة.

و لهذا ينبغي التعامل مع هذه الرسالة بحذر.

محتوى الرسالة

تحتوي هذه الرسالة على استعراض للآراء المطروحة حول حقيقة الإنسان، و خمسة أدلّة لإثبات نظريّة جمسانيّة الإنسان، و إشكالات على باقي النظريّات، و إشارة إلى عدم منافاة بعض الآيات القرآنيّة مع النظريّة المختارة، و أنّ السمن و الهزال غير داخلين في حقيقة الإنسان، إضافة إلىٰ بعض النصائح الخِتاميّة.

هذا، و لم تطبع هذه الرسالة من قبل كما تقدّمت الإشارة إليه، و هي تطبع هنا لأوّل مرّة.


1) . راجع: أوائل المقالات، ص 77؛ المسائل السرويّة، ص 58-59.

2) . لم يذكر المصنّف رحمه اللّٰه - حسب تتبّعنا - اسم شيخه المفيد في مصنّفاته قطّ - و حتّىٰ في قصيدته التي رثىٰ بها أُستاذه لم يصرّح فيها باسمه - إلّافي كتاب الفصول المختارة الذي هو تلخيص لكتاب شيخه، فكان من الطبيعي أن يذكر اسمه. فذِكر اسمه في هذه الرسالة أمرٌ غريب و غير معتاد.

مخطوطات الرسالة
1. مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 10188/4؛ نسخها «حيدر بن محمّد بن أحمد الطبراني» هذه المجموعة بين الأعوام (958-961 ه‍) بخطّ النستعليق.

و هي تحتوي على خمس رسائل، لا يتعلّق بالشريف المرتضى إلّاالرسالة الرابعة منها، و هي الرسالة التي بين يدينا، و قد فُرغ من نسخها في يوم الأربعاء السابع من شهر رمضان المعظّم، سنة 958 ه‍.

و تشاهد في بداية المجموعة علامة تملّك «عبد العزيز بن الحسن بن عليّ الحانيني (ت 1067 ه‍) (1)» و «محمّد باقر الفامي / الفاسي». و رمزنا لها ب‍ «أ».

2. مخطوطة مكتبة العلّامة الطباطبائي بشيراز، المرقّمة 867/4، تاريخها 1124 ه‍. و قد نالت الرطوبة من صفحاتها، و لذلك تعذّرت قراءة الكثير من كلماتها. و يظهر أنّ كاتب هذه النسخة كان يجيز لنفسه التصرّف فيما ينسخ، فقد حذف ألفاظ التعظيم و الإجلال للشخص الذي كُتبت له هذه الرسالة. ولكن كانت هذه النسخة نافعة في تصحيح عددٍ مهمّ من الأخطاء التي مُنيت به النسخة الأُخرىٰ‌. و رمزنا لها ب‍ «ب».

1) . أمل الآمل، ج 1، ص 111.

مسألةٌ في بيانِ حَقيقةِ الحَيِّ الفَعّالِ‌
اشارة

مسألةٌ في بيانِ حَقيقةِ الحَيِّ الفَعّالِ‌ (1)

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ‌]

قالَ - رَحِمَه اللّٰهُ -:

ذَهَبَت الفَلاسفةُ‌ إلىٰ أنّ الحَيَّ الفَعّالَ هو النفسُ‌، و هو مِن العالَمِ العِلويِّ‌، و لَيسَ هو مِن المُركَّباتِ‌، و أنّه يَستَحيلُ عليه الفَسادُ و العدمُ‌، و أنّ عدمَه بُعدُه عن جِهتِه التي كانَ يَظهَرُ فيها فعلُه، و رجوعُه إلىٰ عالَمِه. و هذا مَذهبُ أَفلاطونَ و أَرَسطاطاليسَ و بُقراطَ و سُقراطَ و وجوهِ الفَلاسفةِ‌.

و ذَهَبَت الدَّيَصانيّةُ‌ من المَجوسِ إلىٰ أنّ الحَيَّ الفَعّالَ هو (2)النورُ، و أنّ الظُّلمةَ مَواتٌ‌.

و ذَهَبَت المانَويّةُ‌ إلىٰ أنّ الحَيَّ الفعّالَ هو النورُ و الظلمةُ‌؛ فالنورُ فاعلُ الخيرِ،


1) . جاء في حاشية «أ»: «نقلاً من خطٍّ هذه صورتُه: نَقلاً من خطّ الإمام العَلّامة عليّ بن محمّد بن عليّ التولبي قدّست نفسه الزكيّة بما صورتُه: نَقلاً من خطّ السيِّد مهنّا بن سنان الحسيني رحمه اللّٰه تعالى ما هذه صورته و لفظه: بِسمِ اللّٰه الرحمنِ الرحيمِ‌. مسألةٌ‌: في بيان حقيقة الحَيِّ الفَعّالِ و ذِكرِ الخِلافِ فيه، و الدلالةِ علَى الصحيحِ في ذلك؛ للسيّدِ المرتضى عَلَم الهُدى، قَدَّسَ اللّٰهُ روحَه و نَوَّرَ ضَريحَه». و في حاشية «ب»: «بِسمِ اللّٰهِ الرحمنِ الرحيمِ‌. مسألةٌ‌: في بيان حقيقة الحَيِّ الفَعّالِ و ذِكرِ الخِلافِ فيه، و الدلالةِ علَى الصحيحِ من ذلكَ‌؛ إملاءُ سيّدِنا الشريف المرتضى عَلَم الهدى ذي المَجدَينِ الموسوي».

2) . في «ب»: - «هو».

و الظلمةُ فاعلُ الشرِّ.(1)و ذَهَبَ‌ هِشامُ بنُ الحَكَمِ‌ (2)و النظّامُ‌ (3)إلىٰ أنّه (4)جسمٌ لطيفٌ يَختَصُّ القَلبَ‌، و سمّاه هِشامٌ «نوراً».

و ذَهَبَ‌ ابنُ الراوَنديِّ‌ (5)إلىٰ أنّه جُزءٌ في القَلبِ لا تَصِحُّ عليه القِسمةُ‌، يَختَرِعُ الأفعالَ فيما بَعُدَ عنه مِن أطرافِ الجُملةِ‌.

و ذَهَبَ‌ ابنُ الإخشيذِ (6)إلىٰ أنّه جسمٌ مُنبَثٌّ في هذه الجُملةِ جميعاً، يَتقلَّصُ‌ (7)مِن كُلِّ جارحةٍ متىٰ قُطِعَت.


1) . من قوله: «و ذهبت المانويّة» إلىٰ هنا ساقط من «أ».

2) . أبو محمّد هشام بن الحكم، مولىٰ كِندة؛ كوفيّ تحوّل إلىٰ بغداد من الكوفة، من أصحاب الإمامين الصادق و الكاظم عليهما السلام. و هو من متكلّمي الشيعة و ممّن فتق الكلام في الإمامة، كان حاذقاً بصناعة الكلام، سريع البديهة، و كانت له مباحثات كثيرة مع المخالفين في الأُصول و غيرها. ذكره النجاشي في رجاله و وثّقه بقوله: «كان ثقة في الروايات، حسن التحقيق بهذا الأمر»، و روى الكشّي روايات كثيرة في مدحه. كان له أصل، و له كتب كثيرة، منها: كتاب الإمامة، و كتاب الدلالات على حدوث الأشياء، و الردّ على الزنادقة، و كتاب التوحيد، و كتاب التديّن. رجال النجاشي، ص 433، الرقم 1164؛ رجال الكشّي، ص 255-258، ح 457-484؛ الفهرست للطوسيّ‌، ص 493، الرقم 783؛ رجال الطوسي، ص 318، الرقم 4750؛ و ص 345، الرقم 5153؛ رجال البرقيّ‌، ص 35 و 48؛ خلاصة الأقوال، ص 178، الرقم 1؛ الفهرست لابن النديم، ص 249؛ معجم رجال الحديث، ج 20، ص 297، الرقم 13358.

3) . تقدّمت ترجمته في الرسالة السابقة: «مسألة في الإنسان».

4) . في «ب»: «أنّ الحيّ الفعّال» بدل «أنّه».

5) . تقدّمت ترجمته في الرسالة السابقة: «مسألة في الإنسان».

6) . تقدّمت ترجمته في الرسالة السابقة: «مسألة في الإنسان».

7) . في «أ»: «يتخلّص».

و ذَهَبَ‌ ضِرارُ بنُ عَمرٍو (1)إلىٰ أنّه جسمٌ مؤلَّفٌ مِن أعراضٍ مُجتَمِعةٍ‌.

و ذَهَبَ‌ بِشرُ (2)بنُ المُعتَمِرِ (3)إلىٰ أنّه الجسمُ و الروحُ التي هي «الحَياةُ‌»، إلّاأنّه يَذهَبُ إلىٰ أنّ الحياةَ حَيّةٌ لنفسِها.

و ذَهَبَ‌ حُسَينٌ النجّارُ (4)و الأشعَريُّ‌ (5)

و «الأشعري» هو علي بن إسماعيل بن إسحاق، أبو الحسن، من نسل أبي موسى الأشعري، و هو مؤسّس مذهب الأشاعرة. ولد في البصرة و تلقّىٰ مذهب المعتزلة و تقدَّم فيهم، ثمّ رجع و جاهر بخلافهم، و توفّي ببغداد. من مؤلّفاته: الردّ علىٰ المجسّمة، و مقالات الإسلاميّين، و الإبانة عن أُصول الديانة، و اللُّمَع في الردّ علىٰ أهل الزيغ و البدع. توفّي سنة 324 ه‍. راجع: الأعلام للزركلي، ج 4، ص 263.

إلىٰ أنّ الفَعّالَ هو اللّٰهُ تَعالىٰ و العبدُ جميعاً؛ فاللّٰهُ‌ (6)تَعالىٰ مِن حَيثُ خَلَقَ الفعلَ‌، و العبدُ مِن (7)حَيثُ حَلَّه ذلك الفعلُ‌.

1) . ضرار بن عمرو المعتزليّ‌، إليه تُنسب الفرقة الضراريّة من المعتزلة، كان يقول: يمكن أن يكون جميع من في الأرض ممّن يظهر الإسلام كافراً. و قال: الحجّة بعد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله في الإجماع فقط. و زعم أنّ الإمامة تصلح في غير قريش. و كان يذهب إلىٰ أنّ أفعال العباد مخلوقة للباري حقيقة، و أنّ للّٰه تعالىٰ ماهيّة لا يعلمها إلّاهو، و أنّ للإنسان حاسّة سادسة يرىٰ بها الباري تعالىٰ في الجنّة، و أنّه لا يجب على اللّٰه تعالىٰ شيء بحكم العقل. توفّي حدود سنة 230 ه‍. الفَرق بين الفِرَق، ص 201-202؛ الملل و النحل للشهرستانيّ‌، ج 1، ص 102-104؛ الوافي بالوفيات، ج 16، ص 365، الرقم 397؛ طبقات المعتزلة، ص 72.

2) . في «ب»: - «بشر».

3) . في «ب»: + «الفُوَطي». و هو بِشر بن المعتمر، انتهت إليه رئاسة المعتزلة ببغداد، و توفّي سنة 210 ه‍. لسان الميزان، ج 2، ص 33.

4) . هو الحسين بن محمّد بن عبد اللّٰه النجّار، أحد كبار المتكلّمين و من أعيان المعتزلة و أعلامهم، و كان يختلف معهم في مسائل عقائديّة. و له أتباع سُمّوا بالنجّاريّة، مات حدود سنة 230 ه‍. راجع: الفهرست لابن النديم، ص 229؛ الملل و النحل، ج 1، ص 88-90.

5) . في «أ»: «و ذهب أبو الحسن الأشعري و النجّار».

6) . في «ب»: «اللّٰه».

7) . في «أ»: - «من».

و ذَهَبَ‌ جَهمُ بنُ صَفوانَ‌(1)إلىٰ أنّه هو اللّٰهُ وَحدَه، و أنّ العبدَ لا عُلقةَ‌(2)له بفعلِه إلّاما للجَمادِ بما يَحُلُّ فيه مِن(3)الأعراضِ‌.

و ذَهَبَ‌ مُعمَّرٌ(4)و الأَسواريُّ‌(5)و ابنا نَوبَختَ‌(6)و الشيخُ أبو عبدِ اللّٰهِ‌(7)المُفيدُ - رَضيَ اللّٰهُ عنهم - إلىٰ أنّه ذاتٌ مِن الذواتِ‌، و لَيسَ بجَوهرٍ مُتحيِّزٍ و لا عَرَضٍ مِن الأعراضِ‌(8)، و أنّه غيرُ حالٍّ في هذهِ‌(9)الجُملةِ و لا مُجاوِرٍ لها، و أنّ اللّٰهَ سُبحانَه(10)أحدَثَه و فَعَلَه و جَعَلَ الجُملةَ آلةً له، يَفعَلُ بها و فيها بالاختراعِ يَقدِرُ لذاتِه.(11)


1) . جَهْم بن صفوان أبو مُحرِز الراسبي السمرقندي. رأس الجَهْمِيّة، و كانت معتقَداته موافقة مع المعتزلة في نفي الصفات الأزليّة عن الباري تعالى، و زاد عليهم بأشياء، مثل: فناء الجنّة و النار بعد فترة من تنعّم أهل الجنّة و تألّم أهل النار، و أنّ الجاحد باللسان لم يكفر بعد المعرفة - لأنّ الإيمان عقد بالقلب - و إن تلفَّظ بالكفر. قُتل سنة 128 ه‍. راجع: تاريخ الطبري، ج 6، ص 2 و ما بعدها؛ الملل و النحل، ج 1، ص 86-88؛ سيَر أعلام النبلاء، ج 6، ص 26.

2) . في «أ»: - «لا علقة».

3) . في «أ»: - «من».

4) . تقدّمت ترجمته في الرسالة السابقة: «مسألة في الإنسان».

5) . الأُسواريّ يُطلق علىٰ جماعة، أعرَفهم هو أبو عليّ عمرو بن فائد الأُسواريّ التميميّ‌، و لعلّه هو المقصود هنا، و هو معتزليّ قَدَريّ من أهل البصرة، أخذ عن عمرو بن عُبيد، و له معه مناظرات، عدّه ابن المرتضىٰ من الطبقة السادسة. قال ابن حجر: مات بعد المائتين بيسير. راجع: طبقات المعتزلة، ص 60؛ لسان الميزان، ج 4، ص 372.

6) . و هما العالمان المتكلّمان الإماميّان النوبختيّان: أبو سهل إسماعيل بن عليّ بن نوبخت، و ابن أُخته أبو محمّد الحسن بن موسى.

7) . في «أ»: - «أبو عبد اللّٰه».

8) . في حاشية «ب»: «و ذهب إليه المحقّق الطوسي في التجريد، و الشيخ المفيد...» و باقي الكلمات مطموسة.

9) . في «أ»: - «هذه».

10) . في «ب»: - «سبحانه».

11) . في «ب»: «و لها» بدل «بالاختراع يقدر لذاته». «يفعل بها» أي: يصرّفها كيف يشاء. و جاء في «ب» بعد ذلك: «و ذهب بعض المتكلّمين إلىٰ أنّه هذه الجملة المشاهدَة بأجمعها». و هو غير موجود في «أ». و قد وضعناه في الهامش لأنّه مذهب المصنّف رحمه اللّٰه، و سوف يأتي التصريح به بعد قليل و تفصيله و الاستدلال عليه، فلا مبرِّر لذكر هذا القول هنا، و يبدو أنّه من تصرّفات الناسخ.

و ذَهَبَت الصوفيّةُ‌ إلىٰ أنّه جسمٌ لطيفٌ كهَيئةِ الإنسانِ‌، يَلبسُهُ كالثوبِ على الجسدِ.(1)و الذي أذهَبُ إليه أنا: هو (2)أنّ الحَيَّ الفَعّالَ‌ (3)هذه الجُملةُ المُشاهَدةُ‌، التي هي أبعاضٌ مُتغايِرةٌ‌، و تَحُلُّها (4)أعراضٌ مُختَلِفةٌ كالعقلِ و الشهوةِ و العِلمِ و القُدرةِ و الحياةِ و المَوتِ‌، و أنّها غيرُ (5)مُحتَمِلةٍ للزيادةِ‌ (6)و النقصانِ‌. و هذا المَذهبُ هو الصحيحُ‌، الذي قامَت عليه الأدِلّةُ‌، و قادَت (7)الحُجَجُ إليه.

أدلّة القول المختار

و الدليلُ علىٰ ذلكَ‌: أنّ الأمرَ و النهيَ و المَدحَ و الذمَّ‌ (8)قد تَقرَّرَ في العقولِ قُبحُ تَوجُّهِها إلىٰ مَن لَيسَ بحَيٍّ قادرٍ صحيحِ الآلاتِ‌، و لا ذي عِلمٍ‌ (9)ضَرورةَ قُبحِ أمرِ


1) . من قوله: «و ذهبت الصوفيّة» إلىٰ هنا لم يرد في «أ».

2) . في «ب»: «و الصحيح» بدل «و الذي أذهب إليه أنا: هو».

3) . في «ب»: + «أجزاء أصليّة من»، و هو من تصرّفات الناسخ، فإنّ هذا ليس رأي المصنّف رحمه اللّٰه، بل رأيه هو المذكور في المتن.

4) . في «ب»: «و محلّها». نعم، ورد في حاشيتها ما أثبتناه.

5) . في «ب»: - «غير»، و هو سهو.

6) . في «أ»: «الزيادة».

7) . في «ب»: «و تَأدَّت».

8) . في «ب»: - «و المدح و الذمّ‌».

9) . في «أ»: «و لهذا نعلم» بدل «الآلات، و لا ذي علم».

الجَمادِ و نَهيِه و مَدحِه و ذَمِّهِ‌، و كذلكَ المَيّتُ‌. فلا بُدَّ مِن كَونِ مَن يُوجَّهُ الأمرُ و النهيُ إليه (1)حَيّاً قادراً كاملاً. و قد عَلِمنا تَعلُّقَ التكليفِ بأبعاضِ هذه الجُملةِ‌؛ كالشُّكرِ للّٰهِ‌ (2)تَعالىٰ [علىٰ‌] نِعَمِه و لكُلِّ‌ (3)مُنعِمٍ علىٰ نِعمتِه - و أنّه هو الاعترافُ - بالنُّطقِ باللِّسانِ مع الاعتقادِ بالقلبِ‌ (4)، و رَدِّ الوَديعةِ بالسعيِ بالرِّجلَينِ و مُناوَلتِها باليدَينِ مع الاعتقادِ بالقَلبِ‌، و كذلكَ‌ (5)قَضاءُ الدَّينِ و التحرُّزُ مِن الضررِ، و تَركُ استعمالِ هذه الجَوارحِ في الظُّلمِ و الكَذِبِ و غيرِهما مِن القَبائحِ العقليّةِ‌. فلَو كانَ غيرُ هذه الجُملةِ هو الفاعلَ لَتعلَّقَ التكليفُ به، و تَعلُّقُه بهذه الجُملةِ يَدُلُّ علىٰ بُطلانِ ذلكَ‌.(6)و لَو لَم تَكُن هذه الجُملةُ هي الفاعلةَ لَما تَعلَّقَ التكليفُ بكُلِّ جُزءٍ منها، و لَكان يَتعلَّقُ بالفاعلِ الذي هو غيرُها. و في عِلمِنا بأنّها هي المُكلَّفةُ جُملةً و تفصيلاً، و أنّها (7)هي التي يَنالُها (8)العِقابُ في الحدودِ - كالجَلدِ (9)و القَطعِ و القَتلِ - دليلٌ علىٰ أنّ الحَيَّ الفَعّالَ هو هذه الجُملةُ دونَ ما سِواها.

دليلٌ آخَرُ ثانٍ‌ (10): هو أنّ الحَيَّ مِنّا يَستَحِقُّ هذه الصفةَ و ضِدَّها، كَما أنّ الجَمادَ


1) . في «ب»: «إليه الأمر و النهي».

2) . في «ب»: «اللّٰه».

3) . في «ب»: «و كلّ‌».

4) . في «أ»: - «بالقلب».

5) . في «أ»: «و لذلك».

6) . في حاشية «ب»: «و هذا لا ينافي القول بأنّ الحيّ الفعّال حقيقةً هو الجوهر المجرّد المتعلّق بالبدن تعلُّقَ التدبير و التصرّف، كما لا يخفىٰ‌».

7) . في «ب»: «و إنّما».

8) . في «أ، ب»: «بدا لها».

9) . في «أ»: «كالحدّ».

10) . في «أ»: - «ثانٍ‌».

يَصِحُّ‌(1)أن يَتحرَّكَ و يَسكُنَ و تَصِحُّ عليه الحركةُ و ضِدُّها، فإذا عَلِمنا أنّ الجَمادَ متىٰ تَحرَّكَ فإنّما هو(2)لوجودِ الحركةِ فيه؛ و كذلكَ‌(3)نَعلَمُ أنّ الجُملةَ متىٰ صارَت(4)حَيّةً بَعدَ أن لَم تَكُن كذلكَ فإنّما هو لوجودِ الحياةِ فيها(5)، و الحياةُ‌(6)لا تَقومُ بنفسِها كسائرِ الأعراضِ‌، فلا بُدَّ(7)مِن حاجتِها إلىٰ مَحلٍّ تَحُلُّه، و لَيسَ هُناكَ مَحلٌّ للأعراضِ إلّاالجَواهرُ، فَثبَتَ بذلكَ أنّ الحَياةَ تَحُلُّ الجَواهرَ و توجِبُ كَونَها حَيّةً‌، كَما أنّ الحركةَ تَحُلُّ المُتحرِّكَ و توجِبُ كَونَه مُتحرِّكاً بَعدَ أن كانَ ساكناً.

دليلٌ آخَرُ ثالثٌ‌(8): و هو أنّ دَواعيَ الحاجةِ و الجَهلِ و التصرُّفَ بحَسَبِها، و دَواعيَ العِلمِ‌(9)و وقوعَ الفعلِ الحَسَنِ بحَسَبِها(10)، و هي(11)تَختَصُّ هذه الجُملةَ دونَ ما سِواها، فيَجِبُ أن تَكونَ هي الحَيّةَ الفاعلةَ‌(12)لأنّ مِن المعلومِ ضرورةً‌(13)أنّ الحَيَّ الفَعّالَ مَن وَقَعَت أفعالُه بحَسَبِ دَواعيه.


1) . في «أ»: «يصلح».

2) . في «أ»: - «فإنّما هو». و توجد قبلها كلمات مطموسة في «ب».

3) . كذا، و الأنسب: «فكذلك».

4) . في «أ»: «كانت».

5) . في «أ»: - «فإنّما هو لوجود الحياة فيها».

6) . في «ب»: - «الحياة».

7) . في «ب»: «و لابدّ».

8) . في «أ»: - «ثالث».

9) . في «أ»: + «أنّ‌».

10) . في «أ»: «لأجلها».

11) . في «أ»: - «و هي».

12) . في «أ»: + «لمجموعها».

13) . في «أ»: - «ضرورة».

دليلٌ آخَرُ رابعٌ‌(1): و هو أنّ الآفاتِ المانعةَ مِن الفعلِ تَحصُلُ في هذه الجُملةِ و في أبعاضِها، و يَتعذَّرُ لأجلِ حصولِها ما كانَ يَصِحُّ قَبلَ ذلكَ‌؛ و المانعُ مِن الفعلِ إنّما يَصِحُّ علَى الفاعلِ الذي يَصِحُّ دخولُ ذلكَ عليه. فلَو كانَ الفاعلُ غيرَ هذه الجُملةِ لَكانَت الآفاتُ متىٰ وُجِدَت لَم تؤثِّرْ في انتفاءِ الفعلِ‌، و المعلومُ خِلافُ ذلك(2).

دليلٌ آخَرُ خامسٌ‌(3): و هو أنّه لا يَصِحُّ وجودُ القُدرةِ إلّافي مَحلٍّ فيه حياةٌ‌، و القُدرةُ آلةٌ لِما(4)حَلَّته في صِحّةِ الفعلِ لأجلِها. و قد عَلِمنا أنّ في كُلِّ بعضٍ مِن هذه الجُملةِ قُدرةً علىٰ ما تَختَصُّ به مِن التكليفِ‌، فيَجِبُ أن تَكونَ هذه الحَيّةَ الفاعلةَ‌؛ إذ لَو كانَ الحَيُّ الفاعلُ‌(5)غيرَها لَم يَجِبْ ذلكَ فيه(6)، فكانَ وجودُ القُدرةِ في أبعاضِ الجُملةِ كعدمِها في صِحّةِ ما يَصِحُّ بها(7)، و لَيسَ الأمرُ كذلك(8).

مناقشة الأقوال الأُخرىٰ‌

فأمّا ما يُبطِلُ مَذهبَ الفَلاسفةِ‌: فهو أنّ العالَمَ العِلويَّ و السِّفليَّ مُركَّبٌ مِن جَواهرَ و أعراضٍ‌، فإن أشاروا بالنفسِ إلىٰ جسمٍ أو عَرَضٍ فقولُهم معقولٌ‌، و هُم لا يُشيرونَ إلىٰ ذلكَ فيما(9)يَعتَقِدونَه، فهو إذَن غيرُ معقولٍ‌.


1) . في «أ»: - «رابع».

2) . في «أ»: «خلافه».

3) . في «أ»: - «خامس».

4) . في «ب»: «فيما».

5) . في «أ»: - «الفاعل».

6) . في «أ»: - «فيه».

7) . في «أ»: «فيها».

8) . في «أ»: «الأوّل» بدل «كذلك».

9) . في «ب»: «فما».

و معنىٰ لفظةِ «العالَمِ العِلويِّ‌» إشارةٌ عندَنا إلىٰ مَن زَكَت أفعالُه و عَلَت بالطاعاتِ مَنازِلُه؛ كالمَلائكةِ و الأنبياءِ و الأئمّةِ و المؤمنينَ‌.

و أمّا ما يُبطِلُ مَذهبَ الدَّيَصانيّةِ مِن(1)المَجوسِ‌: فهو أنّ النورَ جسمٌ مؤلَّفٌ مِن الجَواهرِ، حَلَّه البياضُ الكبيرُ الأجزاءِ‌، فزادَ بياضُه(2)فسُمّيَ‌: «نوراً». و هو جَمادٌ، إلّاأن تَحُلَّه حياةٌ و يَفعَلَه الفاعلُ بالآلاتِ‌(3)[التي] تَحُلُّها القُدرةُ‌، فحينئذٍ يَكونُ حَيّاً؛ فأمّا مِن حَيثُ كَونِه نوراً بمُجرَّدِه يَجِبُ أن يَكونَ حَيّاً لأجلِ ذلكَ‌، فلَيسَ الأمرُ علىٰ ما ظَنّوه. و قد(4)فَعَلَ اللّٰهُ سُبحانَه مِن الأحياءِ سوداً؛ ليَدُلَّهم بذلكَ علىٰ أنّ الأبيَضَ و الأسوَدَ متىٰ شاءَ القَديمُ تَعالىٰ فَعَلَ أيَّهما أرادَ حَيّاً(5).

و بمِثلِه يَبطُلُ [مَذهبُ المانَوَيّةِ‌](6).

و أمّا ما يُبطِلُ مَذهبَ هِشامٍ و النظّامِ‌(7): فهو أنّهما(8)إن أشارا(9)بالجسمِ‌(10)إلىٰ ما أشَرنا إليه مِن «الجَواهرِ المؤلَّفةِ‌» فقَد وافَقونا في المسألةِ‌، و إنّما خالَفونا في استتارِه في القَلبِ‌.


1) . في «أ»: - «الديصانيّة من».

2) . في «ب»: «ما فيه» بدل «بياضه».

3) . في «أ»: «كآلات».

4) . في «أ»: «و هذا».

5) . في «أ»: «فعل فيهما أيّهما أراد حيّاً».

6) . هكذا في «ب»، و بدل ما بين المعقوفين كلمات مطموسة. و في «أ»: - «و بمثله يبطل».

7) . في «ب»: «مذهب نظّام (كذا) و هشام».

8) . في «أ»: - «أنّهما».

9) . في «ب»: «أشاروا». و في «أ»: «أشار»؛ نعم، استُظهر في حاشيتها ما أثبتناه.

10) . في «ب»: «إلى الجسم».

و الذي يُفسِدُ ذلكَ‌: أنّ الجسمَ يَستَحيلُ عليه الفعلُ المُختَرَعُ‌، و إنّما يَفعَلُ مُباشَرةً بمَحلِّ قُدرتِه، و مُتولِّداً ممّا(1)باشَرَه بمَحلِّ قُدرتِه(2)فمَن(3)عندَهما فاعلُ السعيِ في القَدَمَينِ‌، و البَطشِ في اليَدَينِ؟ فإن قالا: «إنّ له آلاتٍ مُنتَشِرةً في الجسمِ جميعِه(4)» فقَد تَرَكا مَذهبَهما، و قالا بمذهبِ‌(5)ابنِ الإخشيذِ.

و بمِثلِ ما ذَكَرنا(6)يَبطُلُ مَذهبُ ابنِ الراوَنديِّ أيضاً.

و أمّا(7)ما يُبطِلُ مَذهبَ ابنِ الإخشيذِ: فهو أنّ الفعلَ ظاهرٌ في هذه الجُملةِ‌(8)فقولُه أنّ الفَعّالَ جسمٌ مُنسابٌ‌(9)فيها(10)كقَولِ مَن ألزَمَه بأنّ الفَعّالَ جسمٌ مُنسابٌ في ذلكَ الجسمِ‌، و هذا يَفتَحُ أبوابَ الجَهالاتِ و يؤَدّي إلىٰ ما لا يَتناهىٰ مِن الأجسامِ‌.

و بمِثلِ ذلك يَبطُلُ مَذهبُ الصوفيّةِ الذينَ قالوا بأنّه لطيفٌ مُتلبِّسٌ لهذا المُشاهَدِ كهَيئةِ الإنسانِ‌.(11)

و أمّا(12)ما يُبطِلُ مَذهبَ ضِرارِ بنِ عَمرٍو: فهو أنّ الأعراضَ لا يَصِحُّ عليها التأليفُ‌، و إنّما يَصِحُّ ذلكَ علَى الجَواهرِ؛ لأنّ‌(13)المؤلَّفَ هو المُجتَمِعُ الذي يَصعُبُ تفريقُه،


1) . في «أ»: «فيما».

2) . في «ب»: - «و متولّداً ممّا باشره بمحلّ قدرته».

3) . في «ب»: + «ترىٰ‌».

4) . في «ب»: - «جميعه».

5) . في «أ»: «مذهب».

6) . في «ب»: «ذكرناه».

7) . في «ب»: «فأمّا».

8) . في «ب»: - «الجملة».

9) . في «أ، ب»: «منسوب». و هكذا ما بعد.

10) . في «ب»: + «فهو».

11) . من قوله: «و بمثل ذلك» إلىٰ هنا ساقط من «أ». و الكلمة الأخيرة مطموسة في «ب»، و قد أضفناها مستفيدين ممّا تقدّم.

12) . في «ب»: «فأمّا».

13) . في «أ»: «لا».

و الاجتماعَ و الافتراقَ أعراضٌ‌، و لا يَصِحُّ حلولُ العَرَضِ في العَرَضِ‌، و إنّما يَصِحُّ حلولُه في الجَواهرِ.

و أمّا ما يُبطِلُ مَذهبَ بِشرِ بنِ المُعتَمِرِ(1): فهو أنّ الحياةَ عَرَضٌ‌، فلَو كانَت حَيّةً لنفسِها لَوَجَبَ أن تَكونَ موجودةً لنفسِها قديمةً‌(2)، و لَاستَحالَ حدوثُها و حاجتُها إلىٰ فاعلٍ‌، و قد عَلِمنا أ نّها في الحدوثِ كسائرِ الأعراضِ‌؛ لجوازِ العدمِ عليها(3)، فيَجِبُ أن تَكونَ كسائرِ(4)أجناسِ الأعراضِ في استحالةِ كَونِها مَحلّاً حاملاً لِما به تَكونُ حَيّةً‌.

فأمّا ما يُبطِلُ مَذهبَ النجّاريّةِ و الأشعَريّةِ‌: فهو أنّ اللّٰهَ سُبحانَه خَلَقَنا و لنا أفعالٌ يَشُقُّ علينا فعلُها؛ ليَكونَ ثوابُنا في مُقابَلةِ مَشاقِّنا. فلَو كانَ هو الخالقَ لِما كَلَّفَنا فِعلَه مِن الطاعاتِ‌، لَم نَجِدْ مَشَقّتَها، و لَكانَ وجودُ(5)تلكَ الأفعالِ فينا كوجودِ ألوانِنا و قُدَرِنا في أنّا لا نَجِدُ مَشَقّةً عندَ ذلكَ‌، و المعلومُ خِلافُه. فإذَن يَجِبُ أن يَكونَ فاعلُ الطاعاتِ هو المُطيعَ بها، و هو المُكلَّفُ علىٰ ما نَذهَبُ إليه.(6)

فأمّا ما يَبطُلُ به(7)مَذهبُ جَهمِ بنِ صَفوانَ‌: [هو] أنّ‌(8)الأمرَ لابُدَّ مِن تَعلُّقِه(9)بمأمورٍ، و


1) . في «ب»: + «و الفُوَطيّ‌».

2) . في «ب»: «و لو وجب ذلك لوجب قدمها» بدل «قديمة».

3) . في «أ»: - «عليها».

4) . في «ب»: «مثل سائر».

5) . في «أ»: «وجودنا». و الصواب ما أثبتناه.

6) . من قوله: «فأمّا ما يبطل مذهب النجّاريّة» إلىٰ هنا ساقط من «ب».

7) . في «ب»: - «به».

8) . في «أ، ب»: «فإنّ‌».

9) . في «ب»: «لابدّ له من تعلّقٍ‌».

المأمورُ المَنهيُّ‌(1)هو المُكلَّفُ‌، و القَديمُ سُبحانَه يَبطُلُ أن يَكونَ مأموراً مَنهيّاً. و لَو كانَ القَديمُ سُبحانَه يُكَلِّفُ‌(2)ما يَنفَرِدُ(3)بفعلِه لَكَلَّفَ الميّتَ و الجَمادَ؛ لأنّه هو الفاعلُ فيه الموتَ و الجَماديّةَ‌، و لأَمَرَه و نَهاه كما أمَرَ الأحياءَ العقلاءَ الأصِحّاءَ و نَهاهم، و ذلكَ قَبيحٌ في العقولِ‌.

و أمّا ما يَبطُلُ به مَذهبُ‌ مُعمَّرٍ و الأُسواريِّ مِن المُعتَزِلةِ‌(4)و شُيوخِنا بَني نَوبَختَ و المُفيدِ - رَضيَ اللّٰهُ عنهم - فهو أنّ هذه الذاتَ التي ذَهَبوا إلىٰ أنّها حَيّةٌ إمّا أن تَكونَ مُحدَثةً أو قَديمةً‌، و عندَهم مُحدَثةٌ و مع كَونِها مُحدَثةً يَجِبُ أن يَكونَ مَن أحدَثَها هو الذي فَعَلَها حَيّةً‌. و لَم تَكُن حَيّةً لحدوثِها(5)لمُشارَكةِ‌(6)الجَماداتِ و جميعِ الأعراضِ لها في الحدوثِ‌. فلا بُدَّ مع ذلكَ مِن أن يَكونَ فاعلُها مَيَّزَها بأمرٍ زائدٍ عن المُحدَثاتِ‌، به كانَت حَيّةً [...](7)لا يَختَصُّ بها علىٰ هذَينِ الوجهَينِ‌، فلا عُلقةَ بَينَه و بَينَها إلّاما بَينَه(8)و بَينَ غيرِها ممّا يَفعَلُه القَديمُ‌، فلَيسَ تلكَ الذاتُ بكَونِها حَيّةً لأجلِه مع فَقدِ الاختصاصِ المعقولِ أَولىٰ مِن غيرِها، و ذلكَ يَفتَحُ بابَ الجَهالاتِ‌؛ فيَجِبُ بُطلانُ ما أدّىٰ إليه و صِحّةُ مَذهبِنا الذي دَلَّلنا عليه.


1) . في «ب»: «و المنهي».

2) . في «أ»: «تكلّف».

3) . في «أ»: + «هو به».

4) . في «ب»: - «من المعتزلة».

5) . في «أ»: «بحدوثها».

6) . في «ب»: «لشاركه».

7) . يبدو أنّ هاهنا كلاماً قد سقط من النسخ؛ ذُكر فيه الوجهان اللذان أُشير إليهما بعده.

8) . في «ب»: «بينها».

جواب ما قد يرد علَى النظريّة المختارة من إشكالات

و اعلَمْ‌، أيُّها المَولَى الأجَلُّ الذي عَظُمَ في الدينِ مَحلُّه و شَرُفَ به أهلُه، أنّ كُلَّ ما وَرَدَ مِن النصوصِ علىٰ أنّ اللّٰهَ يُجازي(1)الطائعينَ بَعدَ موتِهم مِن غيرِ تأخيرٍ(2)، مِثلُ قولِه تَعالىٰ‌: (وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‌) (3)لا يَقدَحُ في مَذهبِنا(4)لأنّ الجَزاءَ إنّما يَتعلَّقُ بالطاعاتِ‌، و المُستَحِقَّ له هو الطائعُ‌؛ و هو الذي نَذهَبُ إليه، و قد بَيَّنَه قولُه تَعالىٰ‌: (يُرْزَقُونَ‌) ، و المُرادُ بذلكَ‌(5): «يأكُلونَ و يَشرَبونَ‌»، و ذلكَ مِن صفاتِ الأجسامِ‌؛ لأنّ الأكلَ و الشُّربَ لا يَصِحُّ علىٰ مَن لَيسَ بجسمٍ‌.

و الذي أَذهَبُ إليه(6)في ذلكَ‌: أنّ اللّٰهَ سُبحانَه أوجَبَ علىٰ نفسِه في كتابِه إيصالَ الثوابِ إلىٰ مُستَحِقِّه، و دَلَّ عليه بما نَصَبَه(7)مِن الأدلّةِ العقليّةِ علىٰ عَدلِه و استحالةِ القَبيحِ عليه. فمَن أورَدَ عليكَ خبراً أو أثراً بأنّ‌(8)اللّٰهَ سُبحانَه عَجَّلَ جَزاءَ مَن أطاعَه مِن جِهةٍ مأمونةٍ فصَدِّقْه؛ فإنّ الاستحقاقَ‌(9)قد حَصَلَ للمُكلَّفِ‌(10)بالطاعةِ المفعولةِ‌


1) . هناك كلمات ساقطة قبل هذه الكلمة في «ب» قد تصل إلىٰ سطر كامل، و لا يمكن معرفة مقدار الساقط بسبب طمس الكلمات الناشئ من الرطوبة الشديدة.

2) . في «ب»: «تأخّر».

3) . آل عمران (3):169.

4) . في «ب»: «فلا يقدح ذلك في مذهبنا، مثل قوله تعالىٰ‌: (وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا...)» إلىٰ آخر الآية.

5) . في «ب»: «فالمراد» بدل «و المراد بذلك».

6) . في «ب»: «و الصحيح» بدل «و الذي أذهب إليه».

7) . في «ب»: «ما نصب عليه» بدل «بما نصبه».

8) . في «أ»: «في أنّ‌» بدل «بأنّ‌».

9) . في «ب»: «عجَّلَ جزءً‌ا من الثواب لبعض أوليائه... فإنّ الاستحقاق». و بدل النقاط كلمات مطموسة.

10) . في «أ»: - «للمكلّف».

في زمنِ‌(1)التكليفِ عَقيبَ فعلِها، و إنّما أخَّرَه(2)القَديمُ‌(3)سُبحانَه عن ذلكَ الوقتِ زيادةً فيه(4)لتَضاعُفِ المَشاقِّ علَى المُكلَّفينَ فأخَّرَه(5)لذلكَ‌، و زيادةُ الثوابِ علىٰ قَدرِ زيادةِ المَشَقّةِ‌. و هذا مَذهبُنا في الأنبياءِ‌(6)و الأئمّةِ عليهم السلامُ‌، و هو مَذهبُ مُخالِفينا القائلينَ‌(7)بعذابِ القبرِ و تنعيمِه.

فتَحقَّقْ‌ أيُّها المَولىٰ - أدامَ اللّٰهُ توفيقَكَ - أنّ السِّمَنَ‌(8)و الهُزالَ‌(9)حِليةٌ للجسمِ‌(10)و زينةٌ‌(11)، لا مَدخَلَ لهُما(12)في التكليفِ‌، و يَجري ذلكَ مَجرىٰ‌(13)صِغَرِ المَحاسِنِ‌(14)و الآلاتِ و كِبَرِها في أنّها كذلكَ‌.

[خاتمة:] و اعلَمْ‌ أنّ النظَرَ هو الموصِلُ إلَى العِلمِ بالمدلولِ‌(15)، و أنّ تقليدَ(16)الرجالِ هو المُهلِكُ للجُهّالِ‌؛ فإنّ‌(17)الهَوىٰ في الأديانِ يؤَدّي إلَى الخِذلانِ‌(18)،


1) . في «أ»: «أزمنة».

2) . في «أ»: «أخّرها».

3) . في «ب»: - «القديم».

4) . في «أ»: «فيها».

5) . في «أ، ب»: «فأخّرها».

6) . في «ب»: «الأولياء».

7) . في «ب»: - «القائلين».

8) . في «ب»: «فأمّا السمن» بدل «فتحقّق أيّها المولىٰ‌...» إلىٰ هنا.

9) . في «ب»: + «فإنّه».

10) . في «أ»: «الجسم».

11) . في «أ»: «و زينته».

12) . في «ب»: «و لا مدخل لها».

13) . في «ب»: «و تجري مجرىٰ‌».

14) . المحاسن: المواضع الحسنة من البدن. تاج العروس، ج 18، ص 142 (حسن).

15) . في «أ»: - «بالمدلول».

16) . في «ب»: + «الكتب و».

17) . في «ب»: «و أنّ‌».

18) . في «ب»: «الضلال و الجهال» بدل «الخذلان».

و كثيرٌ(1)ممّن يَنتَحِلُ‌(2)النظرَ و يَظُنُّ أنّه قد ظَفِرَ، فإذا شَيَّعتَه بالسؤالِ بانَ تقصيرُه بالجِدالِ‌، و سَتَرَ(3)جَهلَه بالتمويهِ بالمُحالِ‌، و التشنيعِ بذِكرِ مَن تَقدَّمَه مِن الرجالِ‌؛ و لَو(4)أبصَرَ بلُبِّه و بقَلبِه ما أرادَ اللّٰهُ بقَولِه:

(فَالْيَوْمَ لاٰ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَ لاٰ ضَرًّا) (5)و قولِه: (كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ‌) (6)و أنّ مَن تَقدَّمَه إن كانَ‌(7)أصابَ فلنفسِه و إن أَخطأَ فعَلَيها، و أنّ الحَقَّ مع الدليلِ لِمَن وَجَدَ له السبيلَ دونَ ما سِواه، لَصَدَّه ذلكَ‌(8)عن اتّباعِ هَواه، و عَدَلَه عن ذِكرِ مَن سِواه(9).

و الحَمدُ للّٰهِ الذي خَصَّ المَولَى الأجَلَّ بالبَحثِ و النظرِ، و فَضَّلَه علىٰ كَثيرٍ مِن البَشَرِ؛ فهذه هي المِنّةُ العظيمةُ و المَوهِبةُ الجَسيمةُ‌، التي هي أفضَلُ المَواهبِ و أسنَى الرَّغائبِ‌؛ لكَونِها تؤَدّي إلىٰ أجَلِّ المراتبِ‌، و تُنجي مِن العذابِ الواصبِ‌.

و هذه(10)مسألةٌ عظيمةُ الخَطَرِ جَليلةُ‌(11)القَدرِ، لَو(12)بَسَطتُ فيها الكلامَ و أورَدتُه علىٰ أتَمِّ نِظامٍ‌(13)لَاحتَمَلَت بَسطاً يَطولُ‌، و تَفرَّعَ [عنها] أبوابٌ و فُصولٌ‌(14)،


1) . في «أ»: - «و كثير».

2) . انتحل الشيءَ‌: ادّعاه لنفسه و هو لغيره.

3) . في «أ»: «ستر» بدون واو.

4) . في «ب»: «فلو».

5) . سبأ (34):42.

6) . المدّثّر (74):38.

7) . في «أ»: - «كان».

8) . في «ب»: «لمن وجّه إليه السبيل يصدّه ذلك» بدل «لمن وجد» إلىٰ هنا.

9) . في «أ»: «و لكان من كان كذلك يحطّ الخُطا، و عليها جنىٰ‌» بدل «و عدله عن ذكر من سواه».

10) . من قوله: «و عدله عن ذكر من سواه» إلىٰ هنا ساقط من «ب».

11) . في «ب»: - «الخطر جليلة».

12) . في «ب»: «و لو».

13) . في «ب»: «التمام» بدل «أتمّ نظام».

14) . في «ب»: «أبواباً و فصولاً».

لكنّي(1)آثَرتُ التخفيفَ‌، و أَوضَحتُ‌(2)ما لا غِنىٰ عنه فيها(3)مِن غيرِ تقصيرٍ في الحُجّةِ‌، و لا تَنكُّبٍ عن المَحجّةِ‌. و كُلُّ ما يأتي مِنّي(4)، مع شُغُلِ قَلبي، و تَقسُّمِ‌(5)فِكري و لُبّي، فبسَعادتِه و بَرَكتِه؛ لا زالَ للدِّينِ عَضُداً، و لأهلِه كَهفاً و سَنَداً، إن شاءَ اللّٰهُ تَعالىٰ‌.

تَمَّت، و الحمدُ لِلّٰهِ رَبِّ العالَمينَ‌، و صَلَواتُه علىٰ سَيّدِنا مُحمّدٍ و آلِه الطاهرينَ‌، و حَسبُنا اللّٰهُ و نِعْمَ الوَكيلُ‌(6).


1) . في «أ»: «لكن».

2) . في «ب»: «أوردتُ من ذلك ما لابدّ منه، و سطرتُ‌» بدل «آثرتُ التخفيف، و أوضحتُ‌».

3) . في «ب»: - «فيها».

4) . في «ب»: - «و كلّ ما يأتي منّي».

5) . في «ب»: «و تقسيم».

6) . في «ب»: «و فيما ذكرتُ كفايةٌ لمن تدبَّره، و غِنىً لمن تصوَّرَه، و اللّٰه تعالىٰ ناصر من نصره، و مُزيد من شكره، عليه توكّلتُ‌، و هو حسبي و نعم الوكيل، و الحمد للّٰه ربّ العالمين. تمّت الرسالة» بدل «فبسعادته و بركته...» إلىٰ هنا.

(33) مسألة حول قدم العالم

اشارة

مقدّمة التحقيق
اشارة

دار نزاع قديم بين الفلاسفة و المتكلّمين حول قِدَم العالم و حدوثه، حيث كلّفهم الكثير من الوقت و الجهد الفكري، مع الشيء الكثير من التقاذف و تبادل التهم التي وصلت إلى حدّ التكفير(1).

و النزاع بعبارة أُخرى: هل أنّ لوجود العالم نقطة انطلاق، منها بدأ و حدث، ثمّ استمرّ في الوجود، أم أنّه لا بداية لوجوده، و أنّه كلّما توغّلنا راجعين إلى الوراء وجدنا العالم قائماً موجوداً، فهو قديم بقِدَم علّته، و رغم كونه معلولاً، إلّاأنّه غير متأخّر عن علّته، بل هو معها دائماً، فحاله حال حركة المفتاح المعلولة لحركة اليد، فرغم أنّ الأُولى معلولة و الثانية علّة لها، إلّاأنّه لا يوجد تقدّم و تأخّر زمانيّ بينهما(2).

و قد نسب القول بحدوث العالم إلى الفيلسوف اليوناني أفلاطون (ت 347 ق. م)، الذي أشار في كتابه طيماوس إلى هذه النظريّة(3)، إلّاأنّ البعض ناقش في نسبة هذه النظريّة إلى أفلاطون(4).

ثمّ جاء أرسطو (ت 322 ق. م) و أسّس لنظريّة قِدَم العالم، حيث ذهب إلى أنّ الحركة و الزمان قديمان لا أوّل لهما(5). و قد حاول الفارابي (ت 339 ه‍) نفي نسبة


1) . تهافت الفلاسفة، ص 225.

2) . شرح الإشارات، ج 3، ص 112.

3) . جوامع كتاب طيماوس في العلم الطبيعي (في ضمن كتاب: أفلاطون في الإسلام)، ص 89.

4) . تهافت الفلاسفة، ص 53؛ فكرة الأُلوهيّة عند أفلاطون، ص 195-217.

5) . تاريخ الفلسفة اليونانيّة، ص 145.

القول بقِدَم العالم إلى أرسطو، فنسب نظريّة حدوث العالم إليه، و ذلك من خلال الاعتماد على كتاب أثولوجيا(1)، الذي اتّضح فيما بعد أنّه ليس لأرسطو أساساً، بل لأفلاطين (ت 270 م)(2).

و من أقدم النصوص التي حُفظت لنا منذ عهد اليونان، و التي تحدّثت عن قِدَم العالم، هي رسالة لأبرقلس، حيث حاول إثبات هذه النظريّة من خلال طرح تسعة أدلّة على ذلك(3).

و في العالم الإسلامي، و بعد توغل أفكار فلاسفة اليونان - و خاصّة أرسطو - بين المسلمين، عُرف الفلاسفة المسلمون بتبنّي رأي أرسطو حول قِدَم العالم(4)، على الرغم من أنّ بعضهم مثل الفيلسوف الكندي (المتوفّى حوالي سنة 252) رفض تلك النظريّة، و آمن بحدوث العالم(5).

أمّا المتكلّمون فقد تبنّوا في المقابل نظريّة حدوث العالم، و هي نظريّة منقولة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلامُ‌(6). و قد حاول المتكلّمون منذ البداية الردّ على رأي الفلاسفة حول قِدَم العالم و إثبات حدوثه، فلم يخلُ كتاب كلاميّ عادة من بحثٍ حول حدوث العالم، حتّى لقد أُلّفت رسائل و كتب مستقلّة في هذا المجال، نذكر منها:

1.

كتاب الدلالة على حَدَث الأجسام، لهشام بن الحكم(7).

2.

كتاب حدوث الأشياء، لبشر بن المعتمر(8).


1) . الجمع بين رأيَي الحكيمَين، ص 58.

2) . المصدر السابق، ص 23.

3) . حُجج برقلس في قِدَم العالم (في ضمن كتاب: الأفلاطونيّة المُحدَثة عند العرب)، ص 34.

4) . النجاة (الإلهيّات)، ص 604 و ما بعدها.

5) . رسائل الكندي الفلسفيّة، ص 205-207؛ و راجع أيضاً: مقدّمة المحقّق، ص 62.

6) . الكافي، ج 1، ص 77.

7) . رجال (فهرست) النجاشي، ص 433.

8) . الفهرست لابن النديم، ص 184.

3.

كتاب الدلالة على حَدَث الأشياء، لضرار بن عمرو(1).

4.

المسائل في العالم و حدوثه، للفضل بن شاذان(2).

5.

كتاب حَدَث العالم و نقض مسألة أبي عيسى الورّاق في قِدَم العالم، لأبي سهل النوبختي(3).

6.

الردّ على يحيى بن عدي في اعتراضه دليل الموحّدين في حَدَث الأجسام، للشريف المرتضى(4).

إضافة إلى هذه الرسالة التي بين أيدينا، و التي قام الشريف المرتضى فيها بالردّ على أحد أدلّة الفلاسفة على قِدَم العالم.

و قد تمسّك الفلاسفة لتأييد وجهة نظرهم حول قِدَم العالم بحجج، من أهمّها: أنّ العلّة الأُولى ثابتة، و يستحيل طروء التغيّر عليها، و حينئذٍ إمّا أن يَصدر الفعلُ منها أبداً و دائماً، و إمّا أن لا يَصدر الفعل منها أبداً. أمّا إذا كان فعلها حادثاً و متجدّداً، فيلزم تجدّد إرادتها و حدوثها، و يلزم منه طروء التغيّر على العلّة الأُولى، و هو محال(5).

و دافع المتكلّمون عن وجهة نظرهم حول حدوث العالم بأن قالوا: من الممكن أن تكون هناك إرادة قديمة يكون مُرادها حادثاً، أي يمكن أن تتعلّق الإرادة منذ الأزل بإحداث العالم في وقت محدّد يتحقّق فيما بعد، فمتى حان ذلك الوقت، سوف يوجد العالم بواسطة تلك الإرادة الأزلية، و بذلك سوف لن يلزم طروء التغيّر على الذات الإلهية(6).


1) . المصدر السابق، ص 215.

2) . الفهرست للشيخ الطوسي، ص 198.

3) . رجال (فهرست) النجاشي، ص 32.

4) . المصدر السابق، ص 270.

5) . النجاة (الإلهيات)، ص 609؛ تهافت الفلاسفة، ص 54.

6) . تهافت الفلاسفة، ص 57؛ تاريخ الفلسفة اليونانيّة، ص 145.

و من جهة أُخرى، لقد أدّى التعمّق في نظريّة حدوث العالم عند المتكلّمين إلى ظهور نظريّات غريبة، مثل نظريّة «سكون أهل الخُلدَين»، أي أهل الجنّة و النار، و هي النظريّة التي اشتهر بها أبو الهذيل العلّاف المتكلّم المعتزليّ الشهير (ت 235 ه‍)، فقد أورد عليه أحدُهم في بعض المناظرات إشكالاً حول أنّه إذا كانت حركات الأجسام متناهية من حيث البداية - باعتبار أنّ الأجسام حادثة، فحركاتها مثلها - فيجب أن تكون متناهية أيضاً من حيث النهاية، أي يجب أن تكون لحركة الأجسام نهاية، و أن لا تستمرّ إلى ما لا نهاية، مع أنّ المتكلّمين يؤمنون - كباقي المتديّنين - بأنّ الناس خالدون إمّا في الجنّة و إمّا في النار، و أنّ حركاتهم لا تتوقّف أبداً. فعندما واجه أبو الهذيل هذا الإشكال، قال بأنّ الحركة لها نهاية، و أنّ أهل الجنّة و النار يبقون فترة فيها، ثمّ تَرِدُ عليهم حالة سكون و لا حركة، فيصيرون إلى سكون دائم يلتذّون به(1). و بذلك أبدع نظريّة «سكون أهل الخُلدَين».

و قد رفض المتكلّمون الآخرون منذ البداية هذه النظريّة(2)، و رَدّوا عليها بطريقتين:

نقضيّة، و حَلّيّة.

أمّا النقضيّة، فقالوا: يلزم من هذه النظريّة أنّه إذا كان وليُّ اللّٰه عزّ و جلّ في الجنّة قد تناول بإحدى يديه الكأس، و بالأخرى بعض التحف، ثمّ حضر وقت السكون الدائم، أن يبقى وليّ اللّٰه أبداً على هيئة المصلوب!(3)

كما نُسب نفس الجواب لكن بصياغة أُخرى إلى هشام بن الحكم في مناظرة له مع النظّام المعتزلي (ت 231 ه‍). راجع: رجال الكشّي، ج 2، ص 552، الرقم 493.


1) . التوحيد، المنسوب لأبي رشيد النيشابوري، ص 265؛ الملل و النحل، ج 1، ص 51-52.

2) . حتّى لقد ألّف أبو محمّد النوبختي (توفّي بعد 300 ه‍) كتاباً في هذا المجال سمّاه: كتاب الردّ على أبي الهذيل العلّاف في أنّ نعيم أهل الجنّة منقطع. راجع: رجال (فهرست) النجاشي، ص 63.

3) . نُسب هذا الإشكال النقضيّ إلى المتكلّم المعتزلي أبي موسى المردار (ت 226 ه‍). راجع: الفرق بين الفِرَق، ص 113.

و أمّا الطريقة الحَلّيّة - و هي التي أشار اليها الشريف المرتضى في نهاية هذه الرسالة - فقد قال المتكلّمون أنّ هناك فرقاً واضحاً بين حدوث الشيء لا إلى بداية، و حدوثه لا إلى نهاية؛ فيمكن أن يَحدث الشيء بعد الشيء لا إلى نهاية، بينما لا يمكن حدوث الشيء قبل الشيء لا إلى بداية، فينبغي عدم قياس الحالتين على بعضها البعض. قال القاضي عبد الجبّار بهذا الصدد: «و إنّما أورد ذلك أبو الهذيل في مكالمة أصحاب الحركات، فسوّى بين ما مضى و بين ما يستقبل؛ دفعاً لسؤالهم. و الأمر في ذلك في الفرق بينهما ظاهر؛ فإنّ حدوث الشيء بعد الشيء لا إلى غاية و آخر، لا يُخرج الفعل عن كونه فعلاً، و لا القادر عن كونه قادراً، و ليس هكذا ما يحدث لا إلى أوّل»(1).

و طبعاً حاول بعض المعتزلة تبرئة أبي الهذيل من أصل هذه النظريّة، فقالوا: إنّه إنّما أوردها للجدل و إفحام الخصم، لا اعتقاداً منه بذلك(2).

و إنّما تعرّضنا لنظريّة أبي الهذيل هنا لأنّ الشريف المرتضى قد ألمح إليها في نهاية الرسالة من دون تفصيل، حيث استشهد بجواب المتكلّمين الحَلّي على أبي الهذيل، فكان من الأفضل التعرّض لها هنا بشيء من التوضيح و التفصيل؛ لكي يكون القارئ على بيّنة من أمره.

هذه الرسالة

لم يَخرج الشريف المرتضى عن دائرة المتكلّمين في القول بحدوث العالم، و الدفاع عن هذه النظريّة في مختلف كتبه و رسائله، و متى سنحت له الفرصة، كما تقدّمت الإشارة إليه، و كما أشار هو إلى ذلك في نهاية الرسالة.

و قد كان الشريف المرتضى يمثّل مرجعيّة فكريّة و ملجأ علميّاً يلجأ إليه الجميع


1) . المحيط بالتكليف، ص 116.

2) . انظر: الفرق بين الفِرَق، ص 113.

حتّى العلماء عندما تستعصي عليهم المسائل، و كان المحقّق الكراجكي (ت 449 ه‍) قد دخل - و هو في الشام - في مناظرة مع أحد الفلاسفة الذين كانوا يؤمنون بقِدَم العالم، فأورد ذلك الفيلسوف استدلالاً لإثبات قِدَم العالم، عجز الكراجكي عن الإشكال عليه بصورة مقنعة، فأرسل الاستدلال إلى بغداد، حيث الشريف المرتضى الذي كان قد بلغ قمّة رفيعة من النضج العلمي، ما منحه القدرة على الإجابة على مختلف الإشكالات مهما كانت. و لمّا وصل الكتاب إليه قام بالإجابة عليه، و أرسل الإجابة إلى الكراجكي، فقام الأخير بإثبات الاستدلال (الشبهة) وجواب الشريف المرتضى في بدايات كتابه كنز الفوائد.

عنوان الرسالة و نسبتها إلى المؤلّف

لم يذكر الكراجكي اسماً لهذه الرسالة، لكن نقل ابن شهر آشوب (ت 588 ه‍) رسالة للشريف المرتضى سمّاها «جواب الملحدة (الملاحدة) في قِدَم العالم»(1)، لعلّها تكون هي هذه الرسالة.

ولكن بما أنّه لا توجد قرينة قطعيّة على التطابق بين هذا الاسم و بين الرسالة التي بأيدينا، لذا كان من الأفضل اختيار عنوان مختلف قليلاً، مثل: «مسألة حول قِدَم العالم».

و بما أنّ هذه الرسالة لم تُطبع في ضمن مجموعات رسائل الشريف المرتضى؛ لذلك غفل عنها الكثير من الباحثين. فكان من الضروري القيام باستخراجها من كتاب كنز الفوائد، و تحقيقها بصورة مستقلّة؛ كي تنشر و تطبع لأوّل مرّة مع باقي رسائل الشريف المرتضى.

و أمّا نسبة الرسالة إلى الشريف المرتضى فواضحة جدّاً؛ فإنّ إيراد المحقّق


1) . معالم العلماء، ص 105.

الكراجكي لها في كتابه و نسبته إيّاها إلى الشريف المرتضى يعتبر دليلاً قطعيّاً على ذلك.

محتوى الرسالة

تقدّم أنّ الرسالة مكوّنة من شبهة أو استدلال على قِدَم العالم، و جوابِ الشريف المرتضى على ذلك، و فيما يلي نقوم باستعراضهما:

أمّا الشبهة أو الاستدلال، فقد تركّز على إثبات عدم تقدّم الصانع على الصنعة في الأزل، و محاولة إثبات أنّ كليهما أزليّان و قديمان، و ذلك من خلال ما يلي: إنّ هناك ثلاثة احتمالات في المسألة، اثنان منها باطل، و واحد منها هو الصحيح، و هي:

إمّا أن تتقدّم الصنعة على الصانع، أو أن تتأخّر عنه، أو أن يشتركا معاً في الوجود الأزلي القديم.

أمّا الاحتمال الأوّل، فهو باطل بالإجماع.

و أمّا الثاني - و هو المهمّ‌، و الذي تركّز عليه اهتمام صاحب الشبهة لأجل إبطاله - فباطل أيضاً؛ لأنّ تقدّم الصانع على الصنعة إمّا أن يكون بزمن محدّد و محصور، أو بزمن غير محدّد و غير محصور.

فإنّ تقدّمها بزمن محدّد، له بداية و نهاية، فهذا يعني أنّ الصانع قد وُجد في بداية هذا الزمن، و أنّ الصنعة وجدت في نهايته، و هو يعني أنّ الصانع حادث؛ لأنّه وجد في بداية زمن محدّد ومحصور، وذلك باطل.

و إن تقدّمها بزمن غير محدّد، بحيث يكون هذا الزمن فاصلاً بين الصانع و الصنعة، أي أن توجد الصنعة في نهايته، و بما أنّه لا نهاية لهذا الزمن، فهذا يعني أنّه سوف لن يتحقّق الزمن الذي توجد فيه الصنعة أبداً، أي أنّ الصنعة سوف لن توجد أبداً، و هو باطل بالوجدان، فإنّ الصنعة قد وُجدت.

و إذا قيل باستحالة وجود زمان غير محدّد و غير متناهي، فمجرّد افتراضه يلزم منه هذا الإشكال.

فبقي الاحتمال الأخير هو الصحيح، و هو أنّ الصانع و الصنعة قد وجدا منذ القِدَم.

و أجاب الشريف المرتضى على ذلك، و يمكن تقسيم إجابته إلى قسمين رئيسيّين:

القسم الأوّل: قام في هذا القسم بتقديم جواب عامّ عن الشبهة، و طرح رؤيته حول قِدَم العالم، و ذلك من خلال ثلاث نقاط:

الأُولى: أنّ الصانع - سواء كان قديماً أم حادثاً - يجب أن يتقدّم على الصنعة باعتباره فاعلاً، فإنّ من شأن الفاعل أن يكون قادراً، و القادر لا يؤثّر في الموجود، فإنّ وجود ذلك الموجود يغنيه عن الفاعل، فلابدّ أن يتقدّم القادر عليه في الوجود.

و في هذه النقطة يختلف الشريف المرتضى مع صاحب الشبهة، حيث ذهب الأخير إلى أنّ الصانع و الصنعة موجودان معاً منذ الأزل، و لا تقدُّم بينهما.

الثانية: أنّ تقدّم الصنعة على الصانع باطل بكلّ تأكيد؛ لاستحالة تقدّم المؤثَّر فيه (بالفتح) على المؤثِّر (بالكسر).

و لا خلاف في هذه النقطة بين الشريف المرتضى و صاحب الشبهة، فقد تقدّم أنّ الأخير قد أبطل ذلك بالإجماع، سوى أنّه سوف يأتي في القسم الثاني من الجواب أنّ الشريف المرتضى لا يوافق على الاستدلال بالإجماع لإبطال ذلك.

الثالثة: أنّ الصانع القديم يجب أن يتقدّم على الصنعة بزمن غير محدّد و غير محصور؛ لأنّه لو كان متقدّماً عليها بزمن محدّد و محصور، لكان القديم واقعاً في بداية هذا الزمن المحدّد، و هو يساوي حدوثه.

و اختلف الشريف المرتضى مع صاحب الشبهة في الجزء الأوّل من هذه النقطة، و هو وجوب تقدّم الصانع على الصنعة، فإنّ صاحب الشبهة رفض ذلك، لكنّه اتّفق معه في الجزء الثاني منها، و هو أنّه لو كان بين الصانع و الصنعة زمن محدّد لأدّى إلى

حدوث القديم، و قد تقدّم هذا في كلام صاحب الشبهة.

القسم الثاني: قام الشريف المرتضى في هذا القسم بتفصيل الجواب على الشبهة، و التركيز على وجوه الخلاف بينه و بين صاحب الشبهة، و ذلك من خلال النقاط التالية:

الأُولى: أنّ ما تقدّم من محاولة استدلال صاحب الشبهة على إبطال القول بتقدّم الصنعة على الصانع بالإجماع غير صحيح - على الرغم من أنّ أصل الفكرة صحيحة -؛ لأنّ حجّيّة الإجماع مبنيّة علىٰ دخول الإمام المعصوم عليه السلامُ فيه، و هو يتوقّف علىٰ نصب الإمام و علىٰ بعثة الرسول صلّىٰ اللّٰه عليه و آله، و كلّ هذا مبني علىٰ إثبات وجود الصانع القديم تعالىٰ‌، و قبل ثبوت حدوث الصنعة و العالم لا يثبت وجود الصانع، فلا يكون الإجماع حجّة في بحثنا؛ لأنّ حدوث الصنعة لم يثبت بعدُ.

فلابدّ من الاستعانة بطرق أُخرىٰ‌، و ذلك إمّا من خلال الاستدلال أو ادّعاء الضرورة، لا الإجماع.

الثانية: و هذه هي نقطة الخلاف الرئيسيّة، و هي أنّه تقدّم في كلام صاحب الشبهة أنّه إذا كان بين الصانع و الصنعة زمن غير محدّد و غير محصور، فكما أنّه لا أوّل لهذا الزمن فإنّه لا آخر له، و هو يلزم عدم حدوث الصنعة أبداً، و هو باطل.

و ركّز الشريف المرتضى في نقاشه على هذه النقطة، فقال: إنّه لا ملازمة بين عدم التناهي من حيث البداية، و بين عدم التناهي من حيث النهاية، لأنّه يمكن افتراض أن يكون الزمن غير متناهي من حيث البداية - ما يؤمّن لنا قِدَمَ الصانع -، لكنّه يكون متناهياً من حيث النهاية، و هو يؤمّن لنا إمكان حدوث الصنعة، فلا يَرد ما تقدّم في كلام صاحب الشبهة من أنّ الصنعة سوف لن تحدث أبداً.

الثالثة: ما استنتجه صاحب الشبهة في نهاية دليله من أنّ الصنعة و الصانع موجودان معاً في الأزل و منذ القِدَم، باطل في حدّ ذاته؛ لأنّ وصف الصنعة بأنّها قديمة أمر

متناقض؛ فإنّ فرض أنّها صنعة يعني أنّها متأخّرة عن صانعها، كما تقدّم في النقطة الأُولى من القسم الأوّل.

و أضاف الشريف المرتضى: أنّ افتراض قِدَم الصنعة يساوي في الاستحالة افتراضَ كون القديم مصنوعاً و مخلوقاً، فإنّ كلا الفرضين محال، و هما عبارة أُخرى عن القول بقِدَم الحادث، و حدوث القديم.

مخطوطات الرسالة

لم نعثر على نسخة مستقلّة للرسالة؛ ولكن بما أنّها منقولة في ضمن كتاب كنز الفوائد للمحقّق الكراجكي (ت 449 ه‍) كما تقدّم، لذلك اعتمدنا في تحقيقها على نسخ هذا الكتاب، و هي كما يلي:

1. مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 226؛ نسخها «جعفر بن محمّد» في شهر رمضان من سنة 677 ه‍ بخطّ النسخ.

و تقع المخطوطة في (252) ورقة.(1)و رمزنا لها ب‍ «أ».

2. مخطوطة مكتبة مركز إ حياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2899؛ نسخت في القرن 13 تقريباً بخطّ النسخ، و لم يعلم اسم ناسخها.

و تشاهد في الأوراق الأُولىٰ منها فهرس لمحتويات كتاب كنز الفوائد نقلاً عن الفاضل الهنديّ‌، و خاتم بيضويّ يتعلّق بمكتبة «ضياء الدين النوري».

و هي تقع في (200) ورقة.(2)و رمزنا لها ب‍ «ب».

3. الطبعة الحجريّة من منشورات مكتبة المصطفوي - قم، و قد رمزنا لها ب‍ «ح».

1) . راجع: فهرس المكتبة، ج 1، ص 190.

2) . راجع: فهرس المكتبة، ج 7، ص 335.

مَسألةٌ حَولَ قِدَمِ العالَمِ‌
اشارة

بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ‌

قالَ المُحقِّقُ الكَراجكيُّ‌ :
اشارة

قالَ المُحقِّقُ الكَراجكيُّ‌(1)

قال السمعاني: «الكَراجَكي» بفتح الكاف و الراء و الجيم و في آخرها كافٌ أُخرى، هذه النسبة إلى «كراجك» و هي قرية على باب واسط؛ هكذا سمعتُ أُستاذي أبا القاسم إسماعيل بن محمّد بن الفضل الحافظ بأصبهان لمّا سألتُه. الأنساب، ج 11، ص 58.

و قال ياقوت الحموي: «كَراجُك» بالفتح و الجيم المضمومة و آخره كاف؛ قال السمعاني: قرية على باب واسط. معجم البلدان، ج 4، ص 443.

و قال السيّد محسن الأمين: و «الكَراجكي» بفتح الكاف و إهمال الراء و كسر الجيم، نسبة إلى «الكراجِك» عمل الخيم؛ و لهذا وصفه بعض مترجميه بالخيمي. و ضبطه بعضهم بضمّ الجيم نسبة إلى «الكراجُك» قرية على باب واسط؛ ذكرها ياقوت في معجم البلدان، ج 4، ص 443. و لكنّ هذا ليس بصحيح. أعيان الشيعة، ج 9، ص 401.

و هو أبو الفتح محمّد بن عليّ بن عثمان الكراجكيُّ‌؛ من علماء الشيعة في القرن الخامس، وُلد في أواخر القرن الرابع. كان متكلّماً فقيهاً محدّثاً، أخذ عن الشيخ المفيد و الشريف المرتضى و الشيخ الطوسيّ‌؛ و أخذ عنه: عبد الرحمٰن الخُزاعي، و أبو محمّد الحبشي، و الحسين بن هبة اللّٰه الطرابلسي، و ابن البرّاج، و أعاظم آخَرونَ‌. من تصانيفه: التعجّب من أغلاط العامّة، و كنز الفوائد، و معدن الجواهر، و غيرها. توفّي بصور سنة 449 ه‍. راجع: الفهرست للطوسي، ص 100، الرقم 355؛ معدن الجواهر، المقدّمة، ص 11؛ الرسالة العلويّة للكراجكي، ص 19-25؛ الفوائد الرجالية لبحر العلوم، ج 3، ص 303؛ بحار الأنوار، ج 1، ص 35؛ أمل الآمل، ج 2، ص 287، الرقم 857؛ الكنى و الألقاب، ج 3، ص 14؛ رياض العلماء، ج 7، ص 237.

:

قَد(2)كُنتُ اجتَمَعتُ في.........................


1) . هل هو الكَراجَكي بفتح الجيم، أو الكَراجُكي بضمّها، أو الكَراجِكي بكسرها؟

2) . في النسخ: «و قد»؛ و إنّما حذفنا الواو لكي يكون النصّ مستأنفاً و مناسباً لبداية رسالةٍ‌.

الرَّملَةِ‌(1)برَجُلٍ عَجَميٍّ‌، يُعرَفُ بِأبي سَعيدٍ البَرذَعيِّ‌(2)

و قد وَصَفَه الكراجكي هنا بأنّه رجُلٌ أعجميّ‌، لاقاه في الرملة، و أنّه كان يتبنّى آراء الفلاسفة حول قِدَم العالم، حتّى إنّ الكراجكيّ سوف يصفه بعد قليل بالملحد، و هو وصفٌ عادةً ما يوصف به الفلاسفة. هذا كلّ ما قدّمه لنا الكراجكيّ من معلومات حول هذه الشخصيّة، و ليست بأيدينا شخصيّة نعرفها تحمل هذا الاسم مع هذه الأوصاف.

أمّا «أبو سعيد البَردَعي» شيخ الحنفيّة المشهور ببغداد، فقد كان فقيهاً و متكلّماً معتزليّاً، و قد قُتل مع الحاجّ في فتنة القرامطة سنة 317 ه‍ أي قبل حياة الكراجكيّ (ت 449 ه‍) بعقود. كما أنّه لا تنطبق عليه الأوصاف التي ذكرها الكراجكيّ لصاحب الشبهة. راجع: الوافي بالوفيات، ج 6، ص 207.

و هناك أيضاً شخص آخر يحمل هذا الاسم - أي أبا سعيد البرذعيّ - لكنّه كان محدِّثاً و لم يكن فيلسوفاً. راجع: تاريخ مدينة دمشق، ج 13، ص 305.

هذا مَن عثرنا عليه ممّن يُسمّى بأبي سعيد البرذعيّ‌، أو البردعيّ بالدال المهملة.

و هناك شخص آخر يُدعى أبا الحسن البرذعيّ‌، إلّاأنّه أيضاً كان متكلّماً لا فيلسوفاً، و كان معاصراً لأبي علي الجبّائي (ت 303 ه‍)، فيكون متقدّماً بأكثر من قرن على الكراجكيّ‌. راجع: تاريخ بغداد، ج 5، ص 46.

نعم هناك شخص يُدعى «أبا منصور البرذعيّ‌»، ذكره حمزة بن عليّ الزوزنيّ - أحد أئمّة المذهب الدُّرزيّ - في الرسالة 19 من رسائل الحكمة، ج 1، ص 227؛ و قد كتب حمزة هذه الرسالة في سنة 410 ه‍ (رسائل الحكمة، ج 1، ص 225)، حيث تحدّث عن دعوته لأبي منصور البرذعيّ إلى التوحيد، و هو يدلّ على معاصرة البرذعيّ لحمزة، و هو يناسب أيضاً كونه معاصراً للكراجكيّ‌؛ فيُحتمل أن يكون نفسَ البرذعي الذي ذكره الكراجكي هنا، و بذلك يكون «سعيد» تصحيفاً من «منصور». ثمّ إنّ حمزة قد ذكر البرذعيَّ أيضاً من دون كنيته في الرسالة 16 من رسائل الحكمة، ج 1، ص 204. و نحن مَدينون في الإشارة إلى أبي منصور البرذعي المذكور في رسائل الحكمة، للشيخ «عبد اللّٰه نعمة» محقّق كتاب كنز الفوائد [ج 1، ص 42، الهامش 1].

ثمّ إنّ لقب «البرذعي» منسوب إلى «بَرذَعة» - و قد رُويت بالدال المهملة - بلد في أقصى أذربيجان، و هو معرَّب: «بَردِه دار»؛ أي موضع السبي؛ لأنّ بعض ملوك الفُرس سَبى سبياً من وراء إرمينيَة، و أنزلهم هناك. راجع: معجم البلدان، ج 1، ص 379.

، و كانَ يَحفَظُ شُبَهاً

1) . «الرملة»: بلدة عظيمة بفلسطين. راجع: معجم البلدان، ج 3، ص 69.

2) . في «أ»: «سعد البزدعيّ‌». و في «ب»: «سعد اليزدعيّ‌». و في «ح»: «سعيد البزدعيّ‌». و لم نعثر فيما بأيدينا من كتب التراجم على شخص يحمل واحداً من هذه الأسماء الثلاثة، و إنّما الموجود في الكتب هو «أبو سعيد البرذعيّ‌».

في هذا البابِ‌(1)، و كُنتُ كثيراً ما أُكلِّمُه فيها(2)، و أستَظهِرُ(3)بإثباتِ الحُجَّةِ عَليه، فأَورَدَ علَيَّ يَوماً(4)شُبهَةً كانَت أكبرَ ما(5)في يَدَيهِ‌، و تَكلَّمتُ علَيها بِكلامٍ لَم أَقنَعْ بِه فأَحكِيَه.

ثُمَّ كَتَبتُ كِتاباً إلىٰ بَغدادَ إلىٰ حَضرَةِ سَيِّدِنا الشَّريفِ المُرتَضىٰ ذِي المَجدَينِ - رَضيَ اللّٰهُ عَنه - و ذَكَرتُ الشُّبهَةَ فِيه، فوَرَدَ إلَيَّ جَوابُه عَنها(6).

و أنا(7)أذكُرُ الشُّبهَةَ و الجَوابَ و ما وَجَدتُه بَعدَ ذلكَ مِنَ الكَلامِ في هذَا البابِ‌.

الشُّبهَةُ‌:

قالَ المُلحِدُ(8)مُستَدِلاًّ علىٰ أنَّ الصانعَ لَم يَتَقدَّمِ الصَّنعَةَ‌: إنّي وَجَدتُ أمرَهُما لا يَخلو مِن ثَلاثِ خِصالٍ‌: إمّا أن تَتَقدَّمَ الصَّنعَةُ عليه، أو أن تَتَأخَّرَ عَنه، أو أن(9)يَكونا في الوُجودِ سَواءً‌(10).


1) . أي باب حدوث العالم و قِدَمه. فقد تقدّم الكلام عن هذا البحث في كلام الكراجكي في كنزالفوائد.

2) . في «ح»: - «فيها».

3) . في «ب»: «أستظهر» بدون واو العطف.

4) . في «ب»: «يوماً عليّ‌» بدل «عليّ يوماً».

5) . في النسخ التي بأيدينا: «ممّا»، و ما أثبتناه أنسَب.

6) . في «ب»: «منها».

7) . في «ح»: «فأنا».

8) . في «أ»: «قال أحد الملحدة». كذا كُتبت، و لعلّ المقصود: «الملاحدة»، فحُذفت الألف وفقاًلأُسلوب الكتابة القديم. و في «ح»: «قال الملحدة».

9) . في «ح»: - «أن».

10) . جاءت العبارة في «ب» بصورة مضطربة، و ذلك كالتالي: «إمّا أن يتقدّم الصنعة عليه، و أن يتأخّر عنه، أن يكون في الوجود سواء».

و قَد فَسَدَ باتِّفاقٍ تَقَدُّمُها علَيه.

قالَ‌: و يَفسُدُ أيضاً تَقَدُّمُه علَيها؛ إذ كانَ لا يَخلُو مِن أن يَكونَ تَقَدَّمَها(1)بِمُدَّةٍ مَحصورَةٍ و تَقديرِ أَوقاتٍ مُتَناهيَةٍ‌، أو بِمُدَّةٍ غَيرِ مَحدودَةٍ و تَقديرِ أوقاتٍ غَيرِ مَحصورَةٍ‌.

قالَ‌: فإن كانَ بَينَهما فِي الوُجودِ أمَدٌ مَحصورٌ و تَقديرُ زَمانٍ مَحدودٍ، فهوَ مُتَناهٍ‌، و لَه(2)أوَّلٌ و آخِرٌ. فكَما أنَّ آخِرَه حُدوثُ الصَّنعَةِ‌(3)، فكذلكَ أوَّلُه حُدوثُ الصانعِ‌.

و نَعوذُ بِاللّٰهِ مِنَ القَولِ بذلكَ‌.

قالَ‌: و إن تَقَدَّمَها بِمُدَّةٍ لا تُحَدُّ، و تقديرِ أَوقاتٍ لا تَتَناهىٰ و تُحصَرُ، فلا آخِرَ لهذهِ المُدَّةِ‌، كَما لا أوَّلَ لَها. و إذا لَم يَكُن لها آخِرٌ، فقَد بَطَلَ حُدوثُ الصَّنعَةِ‌.

و إن نَفَيتُمُ الأوقاتَ و الأزمانَ التي يَصِحُّ‌(4)هذا فيها، فإنَّه لا يُمكِنُكُم إنكارُ تَقديرِها، و في التَّقديرِ يَلزَمُ هذا(5)أيضاً(6).

قالَ‌: فهذا دَليلٌ علىٰ أنَّ الصَّنعَةَ و الصانِعَ قَديمانِ لَم يَزالا.

الجَوابُ‌:

قالَ الشَّريفُ المُرتَضىٰ - رَضيَ اللّٰهُ عَنه -(7):

أمَّا الصانِعُ مِن حَيثُ كانَ صانِعاً(8)، فَلا بُدَّ مِن تَقَدُّمِه علىٰ صَنعَتِه، سَواءٌ كانَ‌


1) . في «ح»: «تقدّمه عليها» بدل «تقدّمها».

2) . في «أ»: «فهو متناهٍ‌، له». و في «ب»: «فهي متناولة». و ما أثبتناه استفدناه من «ح».

3) . يمكن أن تُقرأ «ح»: «فكما أنّ آخِره حَدَثَ و الصنعةَ‌»، فتكون الواو للمعيّة، أي: حَدَثَ مع الصنعة.

4) . في «ب»: «يقبح».

5) . في «ب»: «هو».

6) . في «ح»: «هنا» بدل «أيضاً».

7) . في «ب»: «و الجواب: قال الشريف المرتضى رحمه اللّٰه». و في «ح»: «و الجواب: قاله الشريف المرتضى رحمه اللّٰه».

8) . في «ب»: «صانع»، و هو سهو.

قَديماً أو مُحدَثاً؛ لأِنَّ تَقَدُّمَ الفاعِلِ علىٰ فِعلِه حُكمٌ يَجِبُ لَه مِن حَيثُ كانَ فاعِلاً.

و يَستَوي في هذا الحُكمِ الفاعِلُ القَديمُ و الفاعِلُ المُحدَثُ‌، غَيرَ أنَّ الصانِعَ القَديمَ يَجِبُ أن يَتَقَدَّمَ صَنعَتَه بِما إذا قَدَّرناهُ أوقاتاً و أزماناً كانَت غَيرَ مُتَناهيةٍ و لا مَحصورَةٍ‌؛ و لا يَجِبُ هذا في الصانِعِ المُحدَثِ‌؛ بَل يَتَقَدَّمُ الصانِعُ مِنَ المُحدَثينَ صَنعَتَه بالزمانِ الواحدِ، أو الأزمانِ‌(1)المُتَناهِيَةِ المَحصُورةِ‌.

و الذي يَدُلُّ علىٰ أنَّ الصانِعَ لا بُدَّ مِن أن يَتَقَّدمَ صَنعَتَه - و يَستَوي في هذا الحُكمِ القَديمُ و المُحدَثُ -: أنَّه لَو لَم يَتَقَدَّمْ علَيها، لَم تَكُن فِعلاً لَه و حادثةً بِه؛ لأنَّ مِن شَأنِ الفاعِلِ أن يَكونَ قادراً، و القادرُ لا يَقدِرُ علَى المَوجودِ؛ لأنَّ وُجودَه يُغني عَن تَعلُّقِ القُدرةِ بِه. فهذا يَدُلُّ علَى استِحالَةِ مُصاحَبَةِ الفاعلِ لفِعلِه.

فأمّا تَقَدُّمُ الفعلِ علىٰ فاعلِه فأظهَرُ فَساداً؛ لأنَّ المُؤثِّرَ في وُجودِ الفعلِ و حُدوثِه كَونُ فاعِلِه قادراً، فكيفَ يَتَقَدَّمُ المُؤثَّرُ فيه علَى المُؤثِّرِ؟!

و أمّا تَقَدُّمُ الصانِعِ القَديمِ تَعالىٰ علىٰ صَنعَتِه، فيَجِبُ أن يَكونَ غَيرَ مَحصورِ الأوقاتِ‌. و إنَّما وَجَبَ ذلكَ فيه - و لَم يَجِبْ في الصانعِ المُحدَثِ - لِكَونِه قَديماً؛ لأنَّه(2)لَو كانَ بَينَ القَديمِ و المُحدَثِ أوقاتٌ مُتناهِيَةٌ‌، لَخَرَجَ مِن أن يَكونَ قَديماً، و دَخَلَ في أن يَكونَ مُحدَثاً؛ لأِنَّ مِن شَأنِ القَديمِ أن(3)لا يَكونَ لِوُجودِه أوّلٌ و لا ابتِداءٌ‌(4)، و تَناهي ما بَينَه [مِنَ‌](5)الأَوقاتِ و بَينَ المُحدَثِ يَقتَضي أن يَكونَ لِوُجودِه(6)أوّلٌ و ابتِداءٌ‌.


1) . في «أ، ب»: «و الأزمان».

2) . الظاهر أنّ هذين تعليلان متتاليان لأمر واحد، سوى أنّ الأوّلَ مجمل، و الثاني مفصّل.

3) . في «أ»: - «أن».

4) . في «ح»: «أن لا يكون بوجوده ابتداء» بدل «أن لا يكون لوجوده أوّل و لا ابتداء».

5) . في النسخ بدل ما بين المعقوفين: «و بين».

6) . في «ح»: «بوجوده».

فأمّا ما تَضَمَّنَه السؤالُ‌، مِنَ التقسيمِ‌، و التعويلِ - في إفسادِ تَقَدُّمِ الصَّنعَةِ علَى الصانعِ - علَى الاتّفاقِ علىٰ‌(1)ذلكَ‌، فغَيرُ صَحيحٍ‌؛ لأنَّ مِثلَ هذا لا يُعَوَّلُ فيه علَى الاتِّفاقِ‌، بَل لا بُدَّ مِن(2)أن يُعَيَّنَ طَريقُ العِلمِ‌(3)إمّا مِن ضَرورَةٍ‌، أو استِدلالٍ‌. و قَد بَيَّنَّا ما يَدُلُّ علىٰ أنَّ الصَّنعَةَ لا تَتَقَدَّمُ الصانعَ‌.(4)

فأمّا ما مَضىٰ مِن السؤالِ - مِن إلزامِ نَفيِ التَّناهي و الآخِرِ عَنِ المُدَّةِ التي تَكونُ بَينَ الصانِعِ و الصَّنعَةِ‌، كَما نُفِيَ عَنها الِابتداءُ و التَّناهي مِن قِبَلِ أوَّلِها - فغَيرُ صَحيحٍ و لا لازمٍ‌؛ لأنّا قَد بَيَّنَّا أنّا مَتىٰ جَعَلنا بَينَ الصانعِ القَديمِ و صَنعَتِه مُدَّةً مُتَناهيَةَ الابتداءِ مَحصورَةً‌، لَحِقَ القدَيمُ بالمُحدَثِ‌، و خَرَجَ مِن أن يَكونَ قَديماً. و إذا جَعَلناها(5)مَحصورَةَ الانتهاءِ‌، لَم يَجِبْ ذلكَ فيها(6)، و لا أدّىٰ إلىٰ ما قَد عَلِمنا فَسادَهُ مِن كَونِ القَديمِ مُحدَثاً، و لا إلىٰ غَيرِه مِن ضُروبِ الفَسادِ؛ فَلَم يَلْزَمْ نَفيُ الآخِرِ عنِ المُدَّةِ‌، قياساً علىٰ نَفيِ الأوّلِ‌.

و قَد بَيَّنَ‌ شُيوخُ أهلِ العَدلِ في كُتُبِهم الفَرقَ بَينَ هذَينِ الأمرَينِ‌(7)، و قالوا:(8)

مِنَ المُستَحيلِ إثباتُ فاعلٍ لَم يَزَلْ فاعلاً، و ليسَ بمُنكَرٍ و لا مُستَحيلٍ إثباتُ فاعلٍ‌


1) . في «ب»: + «أنّ‌».

2) . في «ح»: - «من».

3) . هكذا في «ح». و في «أ»: «أن تُبيَّن طريقة العلم». و في «ب»: «أن يُبيَّن طريقة العلم».

4) . تقدّم آنفاً.

5) . يريد أن يقول: إذا جعلنا المدّة محصورة و متناهية من جهة الابتداء لزم أن يصير القديم حادثاً؛ لكن إذا جعلنا المدّة محصورة و متناهية من جهة الانتهاء، لم يلزم ذلك. فلا يصحّ حينئذٍ إضافة كلمة «غير» إلى العبارة كي تُصبِح كالتالي: «و إذا جعلناها غير محصورة الانتهاء» كما تصوَّرَ محقِّق كتاب كنز الفوائد [ج 1، ص 44، الهامش 1]؛ لأنّه سيؤدّي إلى اختلال العبارة.

6) . أي: لم يجب أن يصير القديم مُحدَثاً. و سيأتي توضيح ذلك في العبارة التالية من المتن.

7) . أي بين نفي التناهي من جهة الابتداء، و نفيه من جهة الانتهاء.

8) . في «ب»: + «إنّ‌».

لا يَزالُ فاعلاً.

و بَيَّنوا: أنَّ نَفيَ التَّناهي و الابتداءِ عنِ الأفعالِ مِن قِبَلِ أوَّلِها يُخرِجُها مِن أن تَكونَ أفعالاً، و لَيسَ نَفيُ التَّناهي عَنها مِن قِبَلِ آخِرِها يُخرِجُها مِن أن تَكونَ أفعالاً.

و ذَكَروا: أنّ نَعيمَ أهلِ الجَنّةِ و عِقابَ أهلِ النارِ دائمانِ‌، لَاانقطاعَ لَهُما(1)و لا آخِرَ،(2)و لَم يُؤَدِّ(3)ذلكَ إلَى المُحالِ و الفَسادِ؛ إلىٰ‌(4)ما أدّىٰ إليهِ نَفيُ التَّناهي عنِ الأفعالِ مِن قِبَلِ أوّلِها.

و قالوا: لَيسَ بمُنكَرٍ أن يَدخُلَ داخِلٌ داراً بَعدَ دارٍ أبداً بغَيرِ انقطاعٍ‌، و مِنَ المُستَحيلِ المُنكَرِ أن يَدخُلَ داراً قَبلَ دارٍ أبداً بِلا أوّلٍ‌.(5)

و قَدِ استَقصَينا نَحنُ هذا الكلامَ في مَواضِعَ كَثيرةٍ مِن كُتُبِنا، و ذَكَرناهُ في «الملخَّصِ‌»(6)و غَيرِه مِن أجوِبَةِ المَسائلِ‌،(7)و النُّقوضِ علَى المُخالِفينَ‌(8).


1) . في «أ، ح»: «لها».

2) . هذه إشارة إلى بطلان نظريّة أبي الهُذَيل العلّاف؛ و هي نظريّة: «سكون أهل الخُلدَين»، و التي تقدّمت الإشارة إليها في مقدّمة التحقيق.

3) . في «ب»: «و لم يعد».

4) . كذا في «أ، ب، ح»، و الظاهر زيادة «إلى». ثمّ إنّ الأفضل أن تُحذف «ما»، و يوضع بدلاً عنها: «كما»، فتصير العبارة كالتالي: «و لم يؤدّ ذلك إلى المحال و الفساد كما أدّى إليه نفيُ التناهي...».

5) . راجع: المحيط بالتكليف، ص 116.

6) . الملخّص، ص 60-62.

7) . في «ب»: «مسائل». و لم نعثر في أجوبة المسائل الكثيرة و المتنوّعة التي أجاب عنها الشريف المرتضى على بحثٍ له حول حدوث الصنعة و قِدَم الصانع؛ لكن ذكر البُصرويّ - الذي قام بفَهرَسة مصنفَّات الشريف المرتضى في حياته - اسم إحدى المسائل المفقودة للشريف المرتضى، و هي المسألة الأُولى من المسائل الرمليّات، و قال: إنّها تحمل عنوان: مسألة في الصنع و الصانع. فيُحتمل قويّاً أن يكون الشريف المرتضى قد تَعرَّضَ إلى بحث حدوث الصنعة في هذه المسألة المفقودة.

8) . مثل نقضه على يحيى بن عَديّ النصرانيّ في رسالة تحت عنوان: «الكلام فيما يتناهى و ما لايتناهى»، و هذه الرسالة مفقودة؛ لكن أشار الشريف المرتضى إلى بعض محتوياتها في الملخّص، ص 62. كما تقدّم في مقدّمة التحقيق أنّ للشريف المرتضى نقضاً آخر على يحيى بن عَديّ يحمل عنوان: «الردّ على يحيى في اعتراضه دليل الموحّدين في حَدَث الأجسام». راجع: رجال (فهرست) النجاشيّ‌، ص 270.

و أمّا ما تَضَمَّنَهُ السؤالُ - مِن أنَّ هذا يَدُلُّ علىٰ أنَّ الصَّنعَةَ و الصانعَ قَديمانِ لَم يَزالا - فمُناقَضةٌ ظاهرَةٌ‌؛ لأنَّ الوَصفَ للصَّنعَةِ بالقِدَمِ يَنقُضُ كَونَها صَنعَةً‌(1)، كَما أنَّ وَصفَ القَديمِ بأنَّه مَصنوعٌ يَنقُضُ كَونَه قَديماً؛ و هَل هذا إلّاتَصريحٌ بأنَّ المُحدَثَ قَديمٌ‌، و القَديمَ مُحدَثٌ؟! و لا خَفاءَ بفَسادِ ذلكَ‌.

[قالَ المُحَقِّقُ الكَراجكيُّ‌:]

هذا آخِرُ الجَوابِ الوارِدِ إلَيَّ مِن حَضرَةِ الشَّريفِ‌(2)المُرتضى - رَضِيَ اللّٰهُ عَنهُ - عن هذه الشُّبهةِ‌.(3)


1) . في «ح»: «لأنّ الوصف المتّصف بالقِدَم ينقض كونه صفة».

2) . في «ح»: + «السيّد».

3) . و قد ذكر الكراجكيُّ بعد ذلك توضيحاً مختصراً لكلام الشريف المرتضى، لا بأس بإيراده، و هو: «و جميع ما تضمَّنه [أي جواب الشريف المرتضى] من إطلاق القول بأنّ بين القديم و أوّل المحدثات أوقاتاً لا أوّل لها، فإنّما المراد به «تقدير أوقات»، دون أن يكون القصد أوقاتاً في الحقيقة؛ لأنّ الأوقات أفعال؛ و قد ثبت أنّ للأفعال أوّلَ‌. فلو قلنا: «إنّ بين القديم و أوّل الأفعال أوقاتاً في الحقيقة» لَناقَضناه، و دَخَلنا في مذهب خصمنا؛ نعوذ باللّٰه من القول بهذا». كنز الفوائد، ج 1، ص 45.

(34) مسألة في خلق الأفعال

اشارة

مقدّمة التحقيق
اشارة

يُعتبر البحث عن حقيقة أفعال الإنسان و اختياره أو جبره من أقدم المسائل التي احتدم الصراع حولها بين المتكلّمين، و دارت بينهم بحوث كثيرة؛ فقد آمن بعض المتكلّمين باختيار الإنسان و حرّيّته في أفعاله، بينما أصرّ آخرون على أنّه مجبر في أفعاله، كما هو مجبر و غير مختار بالنسبة إلى لونه و شكله و طوله و قصره.

و قد عُرف أتباع النظريّة الأُولى بالعدليّة و أهل العدل، فيما سُمّي الآخرون بالمجبرة أو أهل التجوير؛ أي الذين يجوّزون الظلم و الجور على اللّٰه تعالى، حيث يقولون؛ إنّه تعالى يجبر العبد على المعصية و يخلقها فيه، ثمّ يعاقبه عليها.

و بهذا صار بحث العدل من المسائل الأساسيّة التي انقسمت الفرق الكلاميّة على أساسه إلى عدليّة و غير عدليّة (مجبرة)، و اتّضح أنّ المراد بالعدل في هذا البحث هو اختيار الإنسان؛ لأنّه - كما تقدّم - لو قلنا بالجبر، لاستلزم أن يكون تعالى جائراً و ظالماً؛ تعالى عن ذلك. و على هذا إذا قلنا بالاختيار، صار تعالى عادلاً.

قال أبو حاتم الرازي عند حديثه عن وصف المعتزلة أنفسهم بأنّهم أهل العدل و التوحيد:

و قد لقّبت المعتزلة نفسها بلقب آخر، فقالوا: نحن أهل العدل و التوحيد، يعنون بالتوحيد أنّهم خرجوا من شرط التشبيه... و يعنون بالعدل أنّهم خرجوا من حدّ الإجبار(1).

فهو هنا يصرّح بأنّ المقصود بالعدل هو نفي الجبر، أي القول بالاختيار.


1) . كتاب الزينة، ج 3، ص 50.

و قد قام الشريف المرتضى في هذه الرسالة بالتعرّض إلى بحث العدل بصورة مستوفاة، حيث استعرض الأدلّة العقليّة و النقليّة الدالّة على العدل، و ناقش الإشكالات التي قد ترد عليه؛ و بذلك تكون هذه الرسالة مثالاً لبحث كامل و مختصر حول العدل، يقوم ببيان نظريّة العدليّة و ينتصر لها، و هي نافعة جدّاً لمن يريد أن يطّلع على بحث العدل و اختيار الإنسان بصورة سريعة و كاملة، من دون تطويل مُمِلّ‌، و لا اختصار مُخِلّ‌.

محتوى الرسالة

و في بداية الرسالة، قسّم الشريف المرتضى أفعال الإنسان إلى قسمين:

الأوّل: أجمع المسلمون على أنّه من فعل اللّٰه تعالى، مثل ألواننا، و أشكالنا، و طولنا.

و الثاني: مثل قيامنا، و قعودنا، و حركتنا، و سكوننا.

و قد اختلفت الأقوال حول القسم الأخير إلى قولين:

أحدهما: أنّ هذه التصرّفات هي من فعل الإنسان لا فعل اللّٰه تعالى، على الرغم من أنّه تعالى هو الذي أعطى الإنسان القدرة لكي يقوم بهذه الأفعال.

و الآخر: أنّه أيضاً من فعل اللّٰه تعالى، حاله حال ألواننا و أشكالنا.

و استدلّ الشريف المرتضى على القول الأوّل بثلاثة أدلّة عقليّة، و هي:

الأوّل: أنّ تلك الأفعال تابعة لدواعي الإنسان و صوارفه، فمتى ما أراد وقعت، و متى ما لم يُرد لم تقع، و هذا يدلّ على أنّها تابعة له، و أنّه مختار فيها.

و هذا الدليل قد استعمله المرتضى في موضع آخر من علم الكلام، فقد استدلّ به على اكتسابيّة المعرفة، فإنّ المعرفة باللّٰه تعالى تابعة لدواعي الإنسان و صوارفه

في تحققها و عدمه، و هذا يعني أنّها فعله، و أنّه هو المُكتسِب لها(1)، كما استدلّ بنفس الدليل لإثبات مسؤوليّة الإنسان عن أفعاله المتولّدة(2).

الثاني: أنّ اللّٰه تعالى قد أمر العباد بأفعال، و نهاهم عن أُخرى، و لولا أنّها من فعلهم لَما صحَّ ذلك.

و هذا الدليل موجود في تراث أهل البيت عليهم السلامُ‌، حيث روي عن الإمام الكاظم عليه السلامُ أنّه قال في حديث له مع أبي حنيفة النعمان حول فاعل المعصية:

«إنّ المعصية لا بدّ أن تكون من العبد، أو من ربّه، أو منهما جميعاً. فإن كانت من اللّٰه، فهو أعدل و أنصف من أن يظلم عبده، و يأخذه بما لم يفعله. و إن كانت منهما، فهو شريكه، و القويُّ أولى بإنصاف عبده الضعيف. و إن كانت من العبد وحده، فعليه وقع الأمر، و إليه توجه النهي....(3)

الثالث: أنّ العباد يُحمَدون على أفعال و يُذمّون على أُخرى، أي أنّهم هم الذين يتحمّلون مسؤوليّة أفعالهم، و هذا يدلّ على اختيارهم فيها.

و هذا الدليل موجود أيضاً في تراث أهل البيت عليهم السلامُ‌، حيث روي عن أمير المؤمنين عليه السلامُ أنّه قال في حديث له حول الاختيار مع شيخ كبير بعد مُنصَرَفه من صفّين، حيث قال ذلك الشيخ: و كيف لم نكن في شيء من حالاتنا مُكرَهين، و لا إليه مضطرّين، و كان بالقضاء و القدر مسيرنا و منقلبنا و منصرفنا؟ فقال له: «و تظنّ أنّه كان قضاءً حتماً و قدراً لازماً؟ إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب، و الأمر و النهي، و الزجر من اللّٰه، و سقط معنى الوعد و الوعيد، فلم تكن لائمة


1) . الذخيرة، ص 166.

2) . المصدر، ص 73.

3) . الأمالي للمرتضى، ص 166.

للمذنب، و لا مَحْمَدة للمحسن...»(1). و في الحقيقة لقد أشار الإمام عليه السلامُ في كلامه هذا إلى الدليلين الآخرين معاً.

ثمّ إنّ دليل الحمد و الذمّ قد استعمله الشريف المرتضى أيضاً لإثبات اكتسابيّة المعرفة(2)، و مسؤوليّة الإنسان بالنسبة للأفعال المتولّدة(3)، كما تقدم في الدليل الأوّل.

و بعد ذلك استدلّ الشريف المرتضى على بطلان الجبر بأربعة أدلّة، و هي:

أوّلاً: أنّ في أفعال الإنسان كفراً و ظلماً، فلو كان الفاعل لها هو اللّٰه تعالى، لصحّ أن يوصف بأنّه كافر و ظالم - تعالى اللّٰه عن ذلك -؛ لأنّ اللغة العربيّة تقتضي أن يوصف فاعل الفعل به و يُشتقّ منه اسم فاعل، فيوصف فاعل العدل و الإحسان بأنّه عادل و محسن، و إذا كان كذلك صحّ وصف فاعل الكفر و الظلم بأنّه كافر و ظالم، ولكنّ إجماع المسلمين يمنع من إطلاق هذه الأوصاف عليه تعالى، فلا يكون تعالى فاعلاً للكفر و الظلم.

ثانياً: أجمعت الأُمّة على أنّ اللّٰه تعالى يثيب المؤمن و يعاقب الكافر، فإذا لم يكن الإيمان و الكفر من فعلهما لقبح إثابة و عقاب شخص على فعلٍ فَعَله غيرُه.

ثالثاً: لو جاز من اللّٰه تعالى فعل جميع القبائح و منها الكذب لِعدم قبحها عليه، لجاز أن يصدّق الكاذب، و بذلك لا تبقى ثقة بالأنبياء عليهم السلام و جميع الأديان.

رابعاً: لو صحّ الجبر لما وجبت عبادة اللّٰه تعالى على الكافر؛ لأنّ العبادة نوع من الشكر، و لا يجب على الكافر شكر اللّٰه تعالى؛ لأنّه لم يُنعِم عليه؛ فإنّه تعالى قد خلق فيه الكفر الذي يستحقّ به الخلود في النار، و هو بذلك يستحقّ أن يسمّى مُسيئاً لا مُنعماً.


1) . الكافي، ج 1، ص 155، ح 1.

2) . الذخيرة، ص 166.

3) . المصدر، ص 73.

و أمّا خلق الحياة و الشهوات التي تحقّق له بعض الملذّات و المنافع العاجلة، فهذه لا تعدّ نعمة؛ لأنّها إن كانت للاستدراج إلى الكفر، لم تكن نفعاً و لا نعمة. و لو سلّمنا أنّها تعدّ نفعاً فهي لا تساوي الضرر الذي سوف يلحقه بسبب الكفر.

ثمّ‌ استدلّ الشريف المرتضى بأدلّة قرآنيّة على الاختيار و بطلان الجبر، حيث دلّت آيات عديدة على أنّ العباد هم الذين يفعلون أفعالهم، مثل قوله تعالى: (جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌) (1)، فهو صريح في نسبة الأفعال إلى العباد.

و قوله: (مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‌) (2). الذاريات (51):56.(3). فهو صريح أيضاً في أنّ السيّئة من العبد.

و لا يصحّ ما قد يقال من أنّ الطاعات نوع من الحسنات و هي عند القائل بالاختيار تكون من فعل العبد، بينما قد نسبت في الآية إلى اللّٰه تعالى.

لا يصحّ هذا الكلام؛ لأنّه على الرغم من أنّ الطاعة من العبد ولكن يمكن نسبتها إلى اللّٰه تعالى؛ لأنّه تعالى قد مكّن العبد من هذه الأفعال، بينما لا تنسب السيّئة إليه؛ لأنّه قد نهى و زجر عنها.

و قوله: (وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتٰابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ اَلْكِتٰابِ وَ مٰا هُوَ مِنَ اَلْكِتٰابِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ وَ مٰا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ‌) (4)، فلو كان ما يلوون به ألسنتهم من خلقه تعالى لما نفاه عن نفسه، و لكان من عنده.

و قوله: (وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ‌) (4) ، و في هذه الآية دلالة على الاختيار من وجهين:


1) . السجدة (32):17.

2) . النساء

3) :79.

4) . آل عمران (3):78.

أحدهما: إضافة العبادة للعباد تدلّ على أنّها من فعلهم، بينما لو كان اللّٰه تعالى قد خلقها فيهم و لم تكن من فعلهم، لنسبها إلى نفسه تعالى، لا إليهم.

و الآخر: أنّ اللام في قوله: (لِيَعْبُدُونِ‌) هي لام الغرض، و هذا يعني أنّ غرضه و هدفه تعالى من خلق العباد أن يعبدوه، فلو كانوا غير مختارين لأفعالهم لما صحّ هذا الهدف. و لا يصحّ أن تكون هذه اللام للعاقبة؛ لأنّها سوف تعني أنّ العبادة ستقع من جميع الجنّ و الإنس، و من الواضح عدم حصول ذلك.

و بعد ذلك طرح إشكالاً على القول بالاختيار و على أنّ أفعال العباد من فعلهم لا من فعل اللّٰه تعالى، و هو أنّ هذا مخالف لما أجمع عليه المسلمون من أنّ كلّ ما يقع في هذا الكون إنما يقع بقضاء من اللّٰه تعالى.

فأجاب الشريف المرتضى بطرح ثلاثة معاني للقضاء: أحدهما الإعلام و العلم، و الآخر الأمر، و الثالث الحكم و الإلزام. فوفق المعنى الأوّل لا يخرج شيء من قضاء اللّٰه تعالى حتّى أفعال العباد؛ لعلمه تعالى بكلّ شيء. ولكن وفق المعنيين الآخرين فسوف تخرج المعاصي و القبائح من قضائه تعالى؛ لأنّه ما أمر بها و لا حَكَمَ‌.

و في النهاية طرح إشكالاً أخيراً، و هو أنّنا نصف العبد بأنّه فاعل، كما نصف اللّٰه تعالى بأنّه فاعل، و هذا يقتضي الشركة و الشَّبَه.

فأجاب بوجود فرق بين فاعليّة العبد و فاعليّة اللّٰه تعالى، فالعبد فاعل و قادر بإقدار اللّٰه تعالى، بينما اللّٰه تعالى قادر و فاعل بنفسه، فلا شبه.

و لقد جاءنا الشريف المرتضى في هذه الرسالة بعرض واضح و كامل لنظريّة العدليّة، حتّى صار يغني عن الكثير من البحوث.

و كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضىٰ‌، ج 3، ص 187.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة مكتبة المحقّق البروجردي رحمه اللّٰه، المرقّمة 9/374؛ تقع في الصفحة (423-426) من المجموعة، و هي ناقصة من أوّلها بمقدار 6 صفحات. و رمزنا لها ب‍ «ر».

2.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 26147؛ تقع في الصفحات (95-105) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 7615؛ تقع في الصفحات (313-317) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

4.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (172-174) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحات (249-252) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

مسألةٌ في خَلقِ الأفعالِ‌
اشارة

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ‌]

اِعلَمْ أنّ الأفعالَ التي تَظهَرُ(1)في أجسامِ العبادِ علىٰ ضَربَينِ‌:

أحَدُهما: أجمَعَ المسلمونَ علىٰ أنّه فِعلُ اللّٰهِ تَعالىٰ مُنفَرِدةً‌(2)، لا صَنعةَ‌(3)للعَبدِ فيه، مِثلُ ألوانِنا و هَيئاتِنا، و طولِنا و قِصَرِنا، و سِمَنِنا و هُزالِنا، و حَرَكةِ عُروقِنا.

و الضربُ الآخَرُ: مِثلُ قيامِنا و قُعودِنا، و حَرَكتِنا و سُكونِنا، و أكلِنا و شُربِنا، و ما أشبَهَ ذلكَ مِن تَصرُّفِنا.

و اختَلَفَ الناسُ في ذلكَ‌؛ فقالَ أهلُ الحَقِّ‌: كُلُّ هذا التصرُّفِ فِعلُ العبادِ، انفَرَدوا به، لا صُنعَ للّٰهِ تَعالىٰ فيه، و إن كانَ هو المُقدِرَ(4)لهم عليه.

و قالَت المُجبِرةُ‌: هذا الضربُ أيضاً مِن فِعلِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌. و ذَهَبوا إلىٰ أنّ جميعَ الأفعالِ التي تَظهَرُ في العالَمِ‌، اللّٰهُ تَعالىٰ أوجَدَها و فَعَلَها، و لا فاعِلَ سِواه، و أنّه لا فِعلَ للعبدِ مِن طاعةٍ و لا معصيةٍ و لا خَيرٍ و لا شَرٍّ(5).


1) . في «ب، ج، س، ص»: «يظهر».

2) . كذا، و الأنسب: «منفرداً».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «لا صفة» بدل «منفردة، لا صنعة».

4) . في «س، ص» و المطبوع: «المقدور».

5) . راجع: الملل و النحل، ج 1، ص 67 و 71.

أدلّة اختيار الإنسان
الدليل الأوّل

و الذي يَدُلُّ علىٰ أنّ العبادَ يَفعَلونَ و يوجِدونَ - بخِلافِ‌(1)ما ذَهَبَ إليه المُجبِرةُ -: أنّا وَجَدنا مِن الأفعالِ الظاهرةِ‌، فيها ما يَقَعُ‌(2)بحَسَبِ قُصودِهم(3)و دَواعيهم و أحوالِهم، و يَرتَفِعُ بحَسَبِ صَوارفِهم و كَراهتِهم و أحوالِهم.

ألا تَرىٰ أنّ أحَدَنا متىٰ‌(4)قَصَدَ إلَى الأكلِ و أرادَه(5)و عَزَمَ عليه، وَقَعَ منه إذا كانَ صَحيحاً غيرَ ممنوعٍ‌، و قد يَقصِدُ غيرُه إلَى الأكلِ فلا يَجِبُ أن يأكُلَ هو؟ و كذلكَ متىٰ جاعَ و احتاجَ إلَى الطعامِ و حَضَرَه(6)الطعامُ أكَلَ إذا كانَ علىٰ ذلكَ قادراً غيرَ ممنوعٍ‌، و لا يَجِبُ أن يأكُلَ هو متىٰ جاعَ غيرُه. فلَولا أنّه مُحدِثُ‌(7)الأكلِ و مُوجِدُه لَما(8)تعلَّقَ بقَصدِه و داعيهِ و حاجتِه، و يَجري مَجرىٰ أكلِ غيرِه، لمّا لَم يَكُن فاعلاً له لَم يَقصِدْ قُصودَه(9)و حاجاتِه.

و لَولا أنّ هذه الأفعالَ - التي أُشيرَ إليها - أفعالُنا، لَم يَجِبْ أن تَقَعَ بحَسَبِ حاجاتِنا(10)و أحوالِنا، و تَقِفَ علىٰ دَواعينا، كما لَم يَجِبْ ذلكَ في ألوانِنا و هَيئاتِنا و حَرَكةِ عُروقِنا.


1) . في «س، ص» و المطبوع: «بخلافه».

2) . في «س، ص» و المطبوع: «ما يصحّ‌».

3) . في «ب، س، ص» و المطبوع: «تصوّرهم». و في سائر النسخ: «قصورهم» و هو تصحيف مما أثبتناه.

4) . في «ر، س، ص»: - «متى». و في المطبوع: «إذا».

5) . في «س» و المطبوع: «و أراد».

6) . في «س» و المطبوع: «و حضر».

7) . في «ر» و المطبوع: «يحدث».

8) . في «س، ص» و المطبوع: «ما».

9) . في «ج»: «قصوره». و في المطبوع: «تصوّره».

10) . في «ب» و المطبوع: «حاجتنا».

ألا تَرىٰ أنّ أحَدَنا يُريدُ أن يَكونَ علىٰ هَيئةٍ‌، فيَجِدُ نَفسَه(1)علىٰ خِلافِها و يُريدُ أن يَكونَ طويلاً و هو قصيرٌ، و شابّاً و هو شَيخٌ‌، و صَحيحاً و هو مَريضٌ؟

فلَو كانَ القيامُ و القُعودُ مِثلَ الطولِ و القِصَرِ [و الشبابِ‌] و الهَرَمِ‌(2)و الصحّةِ و المرضِ لَكانَت أحكامُ الجميعِ واحدةً في الحصولِ بحَسَبِ دَواعينا أو خِلافَ ذلكَ‌؛ فلمّا اختَلَفَ حُكمُ الجميعِ عَلِمنا اختلافَ حُكمِها في الإضافةِ إلينا.

الدليل الثاني

دليلٌ آخَرُ: و ممّا يَدُلُّ أيضاً علىٰ ذلكَ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ قد أمَرَ العبادَ بأفعالٍ كثيرةٍ - كالإيمانِ‌، و الطاعةِ مِن الصلاةِ و الصومِ و سائرِ العباداتِ -، فلَو لا أنّ هذه الأفعالَ لهم و واقعةٌ مِن جهتِهم و لَيسَت بأفعالِ اللّٰهِ تَعالىٰ‌، لَما جازَ أن يؤمَروا و يُنهَوا(3)عن فِعلِه تَعالىٰ و عمّا لَيسَ بفِعلٍ لهم.

الدليل الثالث

دليلٌ آخَرُ: و يَدُلُّ أيضاً علىٰ ذلكَ أنّا وَجَدنا العبادَ يُحمَدونَ و يُمدَحونَ‌(4)ببعضِ الأفعالِ التي تَظهَرُ منهم، و يُذَمّونَ ببعضٍ آخَرَ؛ ألا تَرىٰ أنّهم يُمدَحونَ بفِعلِ الطاعاتِ و أداءِ الواجباتِ‌، و يُمدَحونَ‌(5)علَى الإحسانِ و الإنعامِ و الإفضالِ‌، و يُذَمّونَ بالمَعاصي و القبائحِ؟ فلَولا أنّ ذلكَ مِن أفعالِهم لَما تَوجَّهَ إليهم مَدحٌ و لا ذَمٌّ‌، كما لا يَحسُنُ أن يُمدَحوا و يُذَمّوا بألوانِهم و هيئاتِهم و خَلقِهم، و لا علىٰ ما يَقَعُ مِن غيرِهم مِن الأفعالِ‌.


1) . في «س، ص»: «فيجب نفسه». و في المطبوع: «فيجب» بدل «فيجد نفسه».

2) . في «س» و المطبوع: «الطول و الهرم» بدل «الطول و القصر [و الشباب] و الهرم». و في «ص»: «الطوال و الهرم» بدلها.

3) . في النسخ: «ينهاهم» بدل «و يُنهَوا».

4) . في «س، ص» و المطبوع: - «و يمدحون».

5) . في «ر، س، ص» و المطبوع: «يُمدحون» بدون الواو.

أدلّة بطلان الجبر
الدليل الأوّل

دليلٌ آخَرُ: و ممّا(1)يَدُلُّ علىٰ بُطلانِ قولِ المُجبِرةِ في إضافتِهم جميعَ الأفعالِ إلَى اللّٰهِ تَعالىٰ‌: أنّ في(2)أفعالِ العبادِ ما هو كفرٌ و ظُلمٌ و قبيحٌ و كَذِبٌ‌؛ فلَو كانَ اللّٰهُ تَعالىٰ هو الفاعلَ لذلكَ‌، لَوَجَبَ أن يَكونَ مِن حَيثُ فَعَلَ الظلمَ ظالماً، و بفعلِ الكَذِبِ كاذباً، و بفعلِ الكفرِ كافراً(3)، و بفعلِ القبيحِ مُقبَّحاً؛ لأنّ اللُّغةَ العربيّةَ‌(4)تَقتَضي هذا الِاشتقاقَ للفاعلِ‌.

ألا تَرىٰ أنّه تَعالىٰ مِن حَيثُ فَعَلَ العَدلَ يُسمّىٰ عادلاً، و بفعلِ الإحسانِ و الإنعامِ يُسمّىٰ‌(5)مُحسِناً و مُنعِماً؟ و لا وجهَ لتسميَتِه بأنّه مُنعِمٌ و عادلٌ إلّاأنّه فَعَلَ هذه الأفعالَ‌، فلَو كان فاعلاً لِما سواها لَاشتُقَّ له منها اسمُ الفاعلِ علىٰ ما ذَكرناه.

و أجْمَعَتِ‌(6)الأُمّةُ علىٰ أنّه تَعالىٰ لا يَستَحِقُّ الوصفَ بأنّه ظالمٌ و لا كاذبٌ و لا كافرٌ، و أنّ مَن وَصَفَه بذلكَ و سَمّاه به كانَ خارجاً عن الدينِ‌، و إجماعُ المُسلِمينَ حُجّةٌ‌، فوَجَبَ‌(7)أن يُنفىٰ كَونُه فاعلاً لِما يوجِبُ هذا الِاشتقاقَ و يَقتَضيهِ‌.


1) . في «س، ص» و المطبوع: - «ممّا».

2) . في «ر، س، ص» و المطبوع: - «في».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «و بفعل الكفر كاذباً» بدل «و بفعل الكذب كاذباً، و بفعل الكفر كافراً».

4) . في المطبوع: - «العربيّة».

5) . في «س، ص» و المطبوع: «يستحقّ‌».

6) . في «ر، س، ص» و المطبوع: «و اجتمعت».

7) . في «س، ص» و المطبوع: - «فوجب».

الدليل الثاني

دليلٌ آخَرُ: و ممّا يَدُلُّ أيضاً علىٰ ذلكَ - و إن كانَ معناه داخلاً فيما تَقدَّمَ -: أنّ الأُمّةَ مُجمِعةٌ علىٰ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ يُثيبُ المؤمِنينَ و يُعاقِبُ الكافرينَ‌، فلَولا أنّ الإيمانَ و الكفرَ مِن فِعلِ المؤمنِ و الكافرِ لَم يَحسُنِ الثوابُ و لا العقابُ‌(1)لأنّه قبيحٌ أن يُثابَ أو يُعاقَبَ أحَدٌ بفِعلِ غيرِه(2).

ألا تَرىٰ أنّ أحَدَنا لَو فَعَلَ في عبدِه فِعلاً مِن الأفعالِ‌، لَما حَسُنَ أن يُعاقِبَه عليه و يؤاخِذَه به، و مَن فَعَلَ ذلكَ منّا(3)عُدَّ ظالماً سَفيهاً؟

الدليل الثالث

دليلٌ آخَرُ: و يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌: أنّه تَعالىٰ لَو فَعَلَ الظلمَ و الكَذِبَ و سائرَ القبائحِ‌، و لَم يَكُن(4)ذلكَ منه قَبيحاً علىٰ ما يَقولُه مُخالِفونا، لم نأمَنْ‌(5)أن يَقَعَ منه تصديقُ الكَذّابينَ‌، و إن(6)لَم يَكُن ذلكَ منه قبيحاً؛ لأنّا لا نأمَنُ‌(7)أن يَفعَلَ بعضَ القبائحِ لمّا لَم نأمَنْ أن يَفعَلَ سائرَها؛ و إذا أجَزنا منه تعالَى البعضَ جازَ الكُلُّ‌. و هذا يُبطِلُ الثقةَ بصدقِ الأنبياءِ عليهم السلامُ‌، و يَقتَضي الشكَّ في جميعِ الشرائعِ‌، و الخروجَ مِن دينِ الإسلامِ‌؛ بَل مِن سائرِ الأديانِ‌.


1) . في «ب، س، ص» و المطبوع: «القبيح».

2) . «بفعل غيره» أثبتناها من «ر»، و لم ترد في سائر النسخ و المطبوع.

3) . في «س» و المطبوع: - «منّا».

4) . في «س» و المطبوع: «لم يكن» بدون واو العطف.

5) . في «س» و المطبوع: «لأنّه لا نأمن» بدل «لم نأمن».

6) . الظاهر زيادة: «إن».

7) . في «ج»: «لأنّا نأمن». و في «س» و المطبوع: «لأنّه لا نأمن».

الدليل الرابع

دليلٌ آخَرُ: و يَدُلُّ علىٰ ما ذَكرناه(1): أنّ القولَ بأنّ اللّٰهَ تَعالىٰ هو الفاعلُ للأفعالِ الظاهرةِ مِن العبادِ يَقتَضي أنّه لا نعمةَ له تَعالىٰ علَى الكافرِ، و إذا لَم تَكُن له عليه نعمةٌ لَم تَجِبْ عبادتُه علَى الكافرِ؛ لأنّ العبادةَ كَيفيّةٌ في الشُّكرِ، و إنّما(2)يَجِبُ بالنِّعَمِ العظيمةِ‌، و مَن لا نعمةَ له فلا شُكرَ يَستَحِقُّه و لا عبادةَ‌.

و إنّما قُلنا(3)إنّه لا نعمةَ له على الكافرِ؛ لأنّه خَلَقَ - علىٰ مَذاهبِهم - فيه الكُفرَ الذي يَستَحِقُّ به الخُلودَ في النارِ و العِقابَ الدائمِ‌، فهو بأن يَكونَ مُسيئاً إليه أَولىٰ مِن أن يَكونَ مُنعِماً عليه.

و لَيسَ لهم أن يَقولوا: إنّ له عليه نعمةً دُنياويّةً‌، كخَلقِ الحياةِ فيه و الشهَواتِ المؤدّيةِ إلىٰ ضُروبِ اللَّذّاتِ و المَنافعِ العاجلةِ‌.

و ذلكَ‌: أنّ خَلقَ الحياةِ و الشهوةِ إذا كانَ الغرضُ [فيه] الاستدراجَ إلَى الكُفرِ لَم يَكُن نعمةً‌، و إنّما يَكونُ نعمةً إذا كان الغرضُ فيه النفعَ‌، و يَجري مَجرىٰ مَن سَمَّنَ عَنزَه(4)و غَذّاه بضُروبِ الأطعمةِ المُلِذّةِ ليأكُلَه، في أنّه لا يَكونُ مُنعِماً عليه بذلكَ‌، و إن انتَفَعَ‌(5)به في العاجِلِ‌.

و أيضاً فلَو سُلِّمَ أنّ ذلكَ نَفعٌ لَما عادَلَ و لا قارَبَ الِاستضراءَ‌(6)لعِقابِ‌


1) . في المطبوع: «ذكرنا».

2) . في «ج، س، ص» و المطبوع: «فإنّما».

3) . في المطبوع: - «قلنا».

4) . «العَنزُ»: الأُنثى من المَعز. راجع: الصحاح، ج 3، ص 887 (عنز).

5) . في «س، ص» و المطبوع: «و أنّ النفع» بدل «و إن انتفع».

6) . استضرى الصيدَ و نحوه: خَتَلَه من حيث لا يَعلم. و يقال: استضرىٰ له. المعجم الوسيط، ص 539. و يحتمل أنّ الصواب: «الاستضرار بعقاب الكفر».

الكُفرِ(1)و الخُلودِ في النيرانِ المُضرَمةِ‌(2)، فلا يُستَحَقُّ عليه شَيءٌ مِن الشُّكرِ و الحالُ هذه، و يَكونُ وجودُه كعدمِه، و يَجري مَجرىٰ مَن نَفَضَ‌(3)تُراباً عن ثَوبِ غيرِه و ابتَسَمَ في وجهِه، ثُمّ قَرَنَ ذلكَ بقَتلِ أولادِه و أحِبّائه و أخذِ أموالِه و انتهاكِ حُرَمِه، في أنّه لا يَستَحِقُّ منه شُكراً.

الأدلّة القرآنيّة على الاختيار و بطلان الجبر

و إذا تأمَّلنا القُرآنَ وَجَدنا أكثَرَه دالّاً علىٰ أنّ العبادَ يَفعَلونَ و يَعمَلونَ‌، و أنّهم إنّما يُجازَونَ بثَوابٍ أو عِقابٍ علىٰ أفعالِهم، لا علىٰ أفعالِ غيرِهم فيهم، فيَقولُ تَعالىٰ‌: (جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌) (4)، و في مَواضِعَ أُخَرَ: (يَصْنَعُونَ‌) (5)، و: (يَفْعَلُونَ‌) (6)و: (يَكْسِبُونَ‌) (7). في «س» و المطبوع: «في الحسنات و الطاعات» بدل «فمن الحسنات الطاعات».(8). فلَو كانَت الأفعالُ كُلُّها له، بَطَلَت هذه الإضافاتُ إلينا، و كانَت كَذِباً.

و يَدَلُّ أيضاً علىٰ ما ذَكرناه:

[1.] قولُه تَعالىٰ‌: (مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‌) (9)، و هذا صريحٌ بأنّ السيّئةَ مِنّا، لا منه.

و لَيسَ لهم أن يَقولوا: فمِن الحَسَناتِ الطاعاتُ‌(9)، و هي عندَكم فِعلُ العبادِ؛ فكَيفَ أضافَها اللّٰهُ تَعالىٰ إلىٰ نَفسِه‌؟


1) . في «س» و المطبوع: «الاستقراء و العقاب» بدل «الاستضراء لعقاب الكفر». و في «ص»: «الاستقراء و العقاب و الكفر» بدلها.

2) . «أضرَمَ النارَ»: إذا أوقَدَها. النهاية لابن الأثير، ج 3، ص 86 (ضرم).

3) . في «ب»: «نقض». و في المطبوع: «نقص». و كلاهما من سهو النسّاخ.

4) . الواقعة (56):24.

5) . المائدة (5):14.

6) . المائدة (5):79.

7) . التوبة

8) :82.

9) . النساء (4):79.

لأنّ‌ الطاعةَ و إن كانَت مِن فِعلِنا، فقَد يَصِحُّ أن يُضيفَها اللّٰهُ إليه(1)مِن حَيثُ التمكينِ منها(2)، و التعريضِ‌(3)لها، و الدعاءِ إليها، و اللطفِ‌(4)فيها؛ و هذه أُمورٌ تُحسِّنُ هذه الإضافةَ‌. و لا يَجوزُ ذلكَ في السيّئةِ‌؛ لأنّه تَعالىٰ نَهىٰ عنها، و مَنَعَ مِن فِعلِها، و فَعَلَ كُلَّ شَيءٍ يَصرِفُ عن فِعلِها.

فأمّا قولُه تَعالىٰ‌: (وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ‌) (5)، فلا يُعارِضُ ما ذَكرناه؛ لأنّ المُرادَ بالسيّئةِ هاهنا الأمراضُ و المصائبُ و القَحطُ، لأنّ قُرَيشاً كانَت إذا نَزَلَ بها خِصْبٌ و خَفضٌ قالوا: «هذا مِن عندِ اللّٰهِ‌»، و إذا نَزَلَ بهِم شِدّةٌ و مَجاعةٌ قالوا: «هذا شؤمُ محمّدٍ»؛ حاشا له مِن ذلكَ‌!

فبيَّنَ تَعالىٰ أنّ ذلكَ كُلَّه(6)مِن اللّٰهِ تَعالىٰ‌.

[2.] و قولُه تَعالىٰ‌: (وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتٰابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ اَلْكِتٰابِ وَ مٰا هُوَ مِنَ اَلْكِتٰابِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ وَ مٰا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ وَ يَقُولُونَ عَلَى اَللّٰهِ اَلْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‌) (7)، و لَو كانَ‌(8)مِن خَلقِ اللّٰهِ لَكانَ مِن عندِه علىٰ آكَدِ الوجوهِ‌.


1) . في «س» و المطبوع: - «إليه».

2) . في «س، ص» و المطبوع: «فيها».

3) . في حاشية «س»: «و التوفيق».

4) . في «س، ص» و المطبوع: - «و اللطف».

5) . النساء (4):78.

6) . في المطبوع: - «كلّه».

7) . آل عمران (3):78.

8) . أي ولو كان ما يلوون به ألسنتهم.

[3.] و قولُه تَعالىٰ‌: (وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ‌) (1)، يَدُلُّ علىٰ صحّةِ ما نَذهَبُ إليه مِن وجهَينِ‌:

أحَدُهما: أنّه تَعالىٰ أضافَ العبادةَ إليهم، فلَو كانَت مخلوقةً فيهم لأَضافَها إليه تَعالىٰ لا إليهم.

و مِن الوجهِ الآخَرِ: أنّ هذا القولَ يَقتَضي أنّ غرضَه في خَلقِهم أن يَعبُدوه؛ لأنّ اللامَ في قولِه تَعالىٰ‌: (لِيَعْبُدُونِ‌) هي لامُ الغرضِ‌، بدَلالةِ قولِهم: «جئتُك لِتُكرِمَني»، و «قَصَدتُكَ لِتَنفَعَني» أي غرضي في قَصدِكَ الإكرامُ و النفعُ‌.

و لَيسَ يجري هذا الكلامُ مَجرىٰ قولِه: (وَ لَقَدْ ذَرَأْنٰا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ‌) (2). قطعة من قول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة (تحقيق محمّد عبده)، ج 4، ص 33، ح 132. و تمامه: «إِنّ لِلّٰهِ مَلَكاً يُنادِي في كُلِّ يومٍ‌: لِدُوا لِلْمَوتِ‌، وَ اجْمَعُوا لِلفَناءِ‌، و ابْنُوا لِلخَرَابِ‌».(3)لأنّ تلكَ اللّامَ لامُ عاقبةٍ‌، و جاريةٌ مَجرىٰ قولِه تَعالىٰ‌:

(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً) (4)، و نَحنُ نَعلَمُ أنّهم إنّما التَقَطوه ليَكونَ لهم صَديقاً سارّاً، غيرَ(5)أنّ العاقبةَ لمّا كانَت هي العَداوةَ أُدخِلَت هذه اللامُ فيه.

و يَجري ذلكَ مَجرىٰ قولِ الشاعرِ:

فَلِلمَوتِ تَغْذو الوالِداتُ سِخالَها *** كَما لِخَرابِ الدَّهرِ تُبْنَى المَساكِنُ‌(6)

و قولِه: «لِدوا(7)لِلمَوتِ‌، و ابْنوا لِلخَرابِ‌»(7).


1) . الذاريات (51):56.

2) . الأعراف

3) :179.

4) . القصص (28):8.

5) . اضطربت النسخ في هذه العبارة؛ ففي «ب، ج، ص»: «ساداً، غير»، و في «س»: «سئا»، و في المطبوع: «سئا، و أخبر». و ما أثبتناه هو المناسب للعبارة.

6) . قائله سابق البربريّ‌، كما في العقد الفريد، ج 2، ص 69.

7) . فعل أمر من: وَلَدَ، يَلِدُ، لِدْ.

و لا يَجوزُ أن يَكونَ اللامُ في قولِه: (لِيَعْبُدُونِ‌) لامَ عاقبةٍ لا لامَ غرضٍ‌؛ لأنّه لَو كانَ‌(1)كذلكَ لَكانَت العبادةُ شاملةً للجِنِّ و الإنسِ‌، و واقعةً مِن جميعِهم؛ إذ كانَت اللامُ مُنبِئةً عن عاقبتِهم، و معلومٌ أنّ في الجِنِّ و الإنسِ كثيراً مَن(2)لا يَعبُدُ اللّٰهَ‌، و يَجحَدُه، و لَم يُقِرَّ به؛ فعَلِمنا أنّه لامُ غرضٍ‌.

تحقيق معنى «القضاء»

فإن قالوا: كَيفَ يَجوزُ أن يَقَعَ مِن العبادِ ما لَم يَقضِه اللّٰهُ تَعالىٰ‌، و المُسلِمونَ يأبَونَ ذلكَ‌، و يُطلِقونَ أنّه لا يَخرُجُ مِن قَضاءِ اللّٰهِ شَيءٌ؟

قُلنا: «القضاءُ‌» في اللُّغةِ العربيّةِ علىٰ وجوهٍ‌:

أحَدُها: أن يَكونَ بمعنَى الإعلامِ [و] العِلمِ‌(3)، كقَولِه تَعالىٰ‌: (وَ قَضَيْنٰا إِلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ فِي اَلْكِتٰابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي اَلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) (4)، و إنّما أرادَ اللّٰهُ تَعالَى الإعلامَ بغَيرِ شُبهةٍ‌.

فعلىٰ هذا الوجهِ لا يَخرُجُ شَيءٌ مِن قضاءِ اللّٰهِ‌، كما لا يَخرُجُ مِن معلومِه، و أنتَ إذا وقفتَ‌(5)علىٰ مَن أطلَقَ ذلكَ‌(6)مِن أهلِ الحَمدِ و السلامةِ لَم يُفسِّره(7)إلّابالعِلمِ دونَ غيرِه.


1) . في «س، ص» و المطبوع: «كانت».

2) . كذا، و الأنسب: «ممّن».

3) . في جميع النسخ و المطبوع: «العلم» بدون واو العطف؛ لكن لا يستقيم الكلام من دونه.

4) . الإسراء (17):4.

5) . في «س، ص» و المطبوع: «وصفت».

6) . في «س، ص» و المطبوع: - «ذلك».

7) . في «س، ص» و المطبوع: «لم يقسر» بالقاف.

و [الوجهُ الثاني:] قد يَكونُ القضاءُ بمعنَى الأمرِ؛ قالَ اللّٰهُ تَعالىٰ‌: (وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ‌) (1). و معلومٌ عندَ جميعِ المُسلِمينَ أنّ المَعاصيَ و الكُفرَ لَيسا ممّا أمَرَ اللّٰهُ تَعالىٰ [به]؛ بَل نَهىٰ عنه و حَذَّرَ و زَجَرَ. و أحَدٌ مِن المُسلِمينَ لا يَقولُ‌: إنّ اللّٰهَ تَعالىٰ أمَرَ بالمَعاصي و القبائحِ‌. و لا شُبهةَ في أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ ما قَضىٰ بجميعِ الكائناتِ علىٰ هذا الوجهِ‌؛ لأنّه تَعالىٰ ما أمَرَ بجميعِها.

و [الوجهُ الثالثُ‌] مِن وجوهِ القضاءِ‌: الحُكمُ و الإلزامُ‌، مِن قولِهم: «قَضَى القاضي(2)بكَذا و كَذا»، إذا أَلزَمَه. و معلومٌ أنّ اللّٰهَ تَعالىٰ ما حَكَمَ بالظلمِ‌، و لا أَلزَمَه. و هذا الوجهُ أيضاً(3)غيرُ عامٍّ‌، و إنّما العامُّ‌(4)مِن وجوهِ‌(5)القضاءِ هو العِلمُ‌.

فإن قيلَ‌: كَيفَ يَجوزُ أن يَكونَ العبدُ فاعلاً و اللّٰهُ تَعالىٰ فاعلٌ؟! و هذا يَقتَضي الشَّرِكةَ‌!!

قُلنا: العبدُ و إن كانَ فاعلاً، فبإقدارِ اللّٰهِ تَعالىٰ له(6)علَى الأفعالِ و تمكينِه منها(7)، و فِعلِه تَعالىٰ فيه القُدَرَ(8)و الآلاتِ و جميعَ ما يَحتاجُ إليه في الأفعالِ‌. و اللّٰهُ تَعالىٰ قادرٌ علىٰ أفعالِه بنفسِه، مِن غيرِ مُقدِرٍ(9)و لا مُمكِّنٍ‌، بِلا تشابُهٍ‌.


1) . الإسراء (17):23.

2) . في المطبوع: - «القاضي».

3) . في «س، ص» و المطبوع: - «أيضاً».

4) . في «س، ص» و المطبوع: - «و إنّما العامّ‌».

5) . في «ص» و حاشية «س»: «من وبرة».

6) . في «س، ص» و المطبوع: - «له».

7) . في «س، ص» و المطبوع: «منه».

8) . في «ب، ج، ص» و المطبوع: «القدرة». و «القُدَر» جمع «قُدرة»، و هو الأنسب؛ بقرينة ما بعده.

9) . في «س» و المطبوع: «مقدور».

و لَو وَجَبَ بهذا القَدرِ التشابُهُ‌، لَوَجَبَ إذا كانَ أحَدُنا موجوداً و حَيّاً و عالِماً، و كانَ اللّٰهُ تَعالىٰ بهذه الصفاتِ‌، أن يَكونَ مُشبِهاً(1)و نَظيراً لَه(2)، تَعالَى اللّٰهُ عن ذلكَ‌.

و إذا فَرَّقوا بَينَ الأمرَينِ بما يَرجِعُ إلىٰ كيفيّةِ استحقاقِ أحَدِنا لهذه الصفاتِ‌، و أنّه يُخالِفُ كيفيّةَ استحقاقِه تَعالىٰ لها، رَجَعنا إلىٰ مِثلِ ذلكَ في كَونِ أحَدِنا فاعلاً، و مُفارَقتِه(3)لكَونِه تَعالىٰ [فاعلاً].

و هذه جُملةٌ كافيةٌ إن شاءَ اللّٰهُ تَعالىٰ‌، و الحَمدُ للّٰهِ رَبِّ العالَمينَ‌(4).


1) . في «س» و المطبوع: «متشبّهاً».

2) . في «ج، س، ص» و المطبوع: - «له».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «صرفارقته» بدل «فاعلاً، و مفارقته».

4) . في «ب»: + «و صلواته علىٰ سادتنا محمّد و آله المطهّرين». و في «ج»: + «و الصلاة علىٰ محمّد و آله الطاهرين».

(35) نقد النيسابوري في تقسيمه للأعراض

اشارة

مقدّمة التحقيق
اشارة

عاش الشريف المرتضى في عصر كان يَغصّ بالعلماء من جميع الفرق و الاختصاصات، فكان هناك المتكلّمون و المحدّثون و الفقهاء و المفسّرون و الفلاسفة و المؤرّخون و الشعراء و الأُدباء و غير ذلك من أصحاب الاختصاص، الذين قد ينتمون إلى فرق و تيّارات فكريّة مختلفة. و قد كان الشريف المرتضى على ارتباط بالكثير من هذه الشخصيّات المهمّة، إمّا مباشرة من خلال التتلمذ و المباحثة، و إمّا بصورة غير مباشرة من خلال الاطّلاع على كتبهم و رسائلهم التي ألّفوها في كافّة الاختصاصات.

و من تلك الفرق التي كان الشريف المرتضى متابعاً لآخِر إنتاجها الفكري هي المعتزلة، فقد كان مطّلعاً اطّلاعاً كاملاً على مؤلّفات علماء هذه الفرقة، و خاصّة إنتاجها الكلامي المعاصر له، فكان يقرأه بدقّة، و يسجّل ملاحظاته عليه، و ربما يدخل في مناقشات مطوّلة معه. و يمكن رصد نماذج من اطّلاع الشريف المرتضى على الإنتاج الفكري للمعتزلة المعاصرين له من خلال ما يلي:

1. نقد كتاب المغني؛ و هو الموسوعة الكلاميّة الكبرى المعروفة بكتاب المغني في التوحيد و العدل، للقاضي عبد الجبّار المعتزلي (ت 415 ه‍). فقد كان المرتضى مواكباً لهذا الإنتاج الفكري الضخم، فقام بدراسته و تلخيص بعض مطالبه(1)، كما قام بنقد

1) . راجع: الذخيرة، ص 138.

أجزاء منه، خاصّة الجزء المتعلّق بالإمامة و الإماميّة. فقد ألّف الشريف المرتضى موسوعته الخالدة كتاب الشافي في الإمامة، و نقد فيه أهمّ أبحاث الجزء العشرين من المغني بصورة تفصيليّة، و هو الجزء المتعلّق بالإمامة، حتّى صار يمكن اعتبار الشافي أهمَّ ما كتب حول الإمامة. كما نقد في الشافي شيئاً من بحوث الإجماع من المغني، المبحوث عنها في الجزء السابع عشر من المغني المسمّى الشرعيّات(1). و قام أيضاً في كتابه الموضح (الصرفة) بنقد القسم المختصّ بإعجاز القرآن من المغني. إذن لقد كان الشريف المرتضى على اطّلاع تامّ على كتاب المغني.

2.

الأمر بنقد النقد على الشافي؛ بعد أن ألّف الشريف المرتضى كتابه الشافي، و الذي انتشر بسرعة فائقة، و تداولته الأيدي في فترة زمنية قياسيّة، قام معاصره المعتزليّ الكبير أبو الحسين البصري (ت 436 ه‍) بنقد الشافي و الردّ عليه، و قد اطّلع الشريف المرتضى بطبيعة الحال على هذا الإنتاج المعتزليّ الجديد، و الموجّه إليه مباشرة، فطلب من تلميذه النابِه العالِم أبو يعلى سلّار الديلمي (ت 448 ه‍) أن يكتب ردّاً على هذا الردّ(2).

3.

نقد كلام أبي رشيد النيسابوري حول الأعراض؛ كما كان الشريف المرتضى على علم بإنتاج آخر لمعاصر معتزليّ آخر، و هو أبو رشيد النيسابوري (ت 440 ه‍). و الذي يبدو أنّه كتب رسالة في بيان أنواع الأعراض و أقسامها، فرآها الشريف المرتضى و طالعها، و وجد فيها بعض الخلل و النقص، فقام بالاستدراك عليها، و إتمامها من خلال تأليف هذه الرسالة التي بأيدينا.

إذن لقد كان الشريف المرتضى مواكباً للإنتاج الفكري للمعتزلة، و مطّلعاً عليه، فكان يقرأه و ينتقده و يبدي ملاحظاته و إشكالاته و استدراكاته عليه، و ذلك من


1) . الشافي، ج 1، ص 219-275.

2) . راجع: الفوائد الرجاليّة، ج 3، ص 11 (نقله عن الشيخ البهائي)؛ روضات الجنّات، ج 2، ص 360 (كما هو منقول من خطّ الشهيد الأوّل).

خلال تأليف رسالة أو كتاب، أو حتّى موسوعة - مثل الشافي - إن تطلّب الأمر.

و قد تجلّى ذلك في الرسالة محلّ البحث، حيث قام الشريف المرتضى بإظهار براعته و عمقه الفكري، و اطّلاعه على دقائق علم الكلام في مسألة دقيقة من المسائل الكلاميّة، و هي أنواع الأعراض، فقد كان أبو رشيد سعيد بن محمّد النيسابوري - و الذي يُعدّ أحد كبار معتزلة البصرة - أدلى بدلوه في هذا الموضوع، فقام بذكر مجموعة من تقسيمات الأعراض. و أبو رشيد هو من تلامذة القاضي عبد الجبّار المعتزلي البارزين، و كان القاضي يخاطبه بالشيخ، و لا يخاطب به أحداً غيره، و اليه انتهت الرئاسة بعد القاضي، و له تصانيف كلاميّة مختلفة، منها: ديوان الأُصول، و المسائل في الخلاف بين البصريّين و البغداديّين، و النقض على أصحاب الطبائع، و التذكرة، و زيادات الشرح، و قد توفّي بالريّ سنة 440(1).

محتوى الرسالة

نشير في البداية إلى أنّ المتكلّمين قسّموا الأعراض إلى اثنين و عشرين نوعاً، عشرة منها مقدور لنا، و الاثنى عشر الباقية يختصّ القديم تعالى بالقدرة عليها. أمّا المقدورة لنا فهي: الكون، و الاعتماد، و الألم، و الصوت، و التأليف، و الاعتقاد، و النظر، و الظنّ‌، و الإرادة، و الكراهة. و الخمسة الأُولى منها من أفعال الجوارح، و الأخيرة من أفعال القلوب. و أمّا الباقية الواقعة تحت قدرته تعالى فقط فهي: الحياة، و القدرة، و الشهوة، و النِّفار، و اللون، و الرطوبة، و اليبوسة، و الحرارة، و البرودة، و الطعم، و الرائحة، و الفناء.(2)


1) . طبقات المعتزلة، ص 116؛ و راجع: مقدّمة تحقيق كتاب المسائل في الخلاف بين البصريّين و البغداديّين.

2) . الحدود، ص 33.

ثمّ إنّ الشريف المرتضى ذكر في مقدّمة الرسالة أنّ النيسابوري قد ذكر عند تقسيمه لأنواع الأعراض تقسيمات متعدّدة، ولكنّه غفل عن أمرين: أحدهما: غفل عن إيراد تقسميات أُخرى للأعراض. و الآخر: غفل - عند ذكر بعض تقسيمات الأعراض - عن بعض الأقسام و الأمثلة، و لذلك قام الشريف المرتضى في هذه الرسالة باستدراك ما فات النيسابوريَّ من ذلك، فقسّم الرسالة بناء على ذلك إلى قسمين رئيسيين(1):

القسم الأوّل: بيان تقسيمات أُخرى للأعراض: و هي التقسيمات التي غفل النيسابوري عن ذكرها، و هي:

التقسيم الأوّل: ما يوجِب لمن يختصّ به حالاً، و ما لا يوجِب حالاً.

و الأوّل ينقسم إلى قسمين: ما يوجب حالاً للحيّ (الجملة)، و ما يوجب حالاً للمحلّ‌.

و الثاني ينقسم إلى قسمين: ما يوجب لمحلّه حكماً، و ما لا يوجب حكماً.

فيكون هذا القسم لا يوجب حالاً و لا حكماً.

التقسيم الثاني: ما يصحّ أن يتعلّق بكلّ حيّ - من قديم و مُحدَث - و يوجب له حالاً، و ما لا يصحّ أن يتعلّق إلّابالمُحدَث خاصّة. و لا يوجد عرض يختصّ بالقديم تعالى.

التقسيم الثالث: ما لا يصحّ خلوّ الجواهر من نوعه، و ما يصحّ خلوّها و تعرّيها من أجناسه و أنواعه.

التقسيم الرابع: ما يدلّ على حدوث الأجسام و الجواهر، و ما لا يدلّ على ذلك.

التقسيم الخامس: و هذا التقسيم يقسّم الأعراض إلى ثلاثة أقسام، و هي:

ما لا يكون إلّاحسناً و لا قبح فيه، و ما لا يكون إلّاقبيحاً و لا حُسن فيه، و ما يمكن أن يدخل


1) . قمنا هنا بذكر تلخيص مطالب هذين القسمين من دون ذكر أمثلة الأقسام أو بعض التفصيلات و التوضيحات؛ لأنّنا قمنا بتوضيح معظم ما كان غامضاً من مطالب الرسالة في هامشها و ذلك بحسب الطاقة، فراجع.

عليه الحُسن و القبح على البدل.

ثمّ إن القسم الثاني من هذا التقسيم - و هو ما لا يكون إلّاقبيحاً و لا حُسن فيه - ينقسم إلى ما لا يمكن أن يكون حسناً بأيّ وجه من الوجوه، و إلى ما يمكن أن يكون حسناً بوجه من الوجوه.

التقسيم السادس: ما يقبح لوجه يخصّه و آخر يعمّه و غيرَه، و ما لا يقبح إلّالوجه يعمّه و غيرَه.

القسم الثاني: بيان أقسام و أمثلة جديدة: قام الشريف المرتضى في هذا القسم من الرسالة ببيان ملاحظاته و استدراكاته على تقسيمات النيسابوري، فذكر أنّه عندما تعرّض إلى بعض التقسيمات، غفل عن ذكر بعض الأقسام المهمّة و بعض الأمثلة، و هذه الملاحظات كما يلي:

أوّلاً: لمّا ذكر النيسابوري تقسيم الأعراض إلى متماثِل و مختلِف و متضادّ، فعندما ذكر أمثلة المتماثِل غفل عن ذكر الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة، مع أنّها من المتماثِلات.

ثانياً: و عندما ذكر أمثلة قسم المتماثِل المتضادّ الذي لا يدخله المختلِف الذي هو ليس بمتضادّ، غفل عن ذكر الأصوات.

ثالثاً: لمّا ذكر النيسابوري أقسام الأعراض المتعلّقات، غفل عن ذكر ضروب تعلّقها، و هي أنّ المتعلّقات على قسمين: ما يتعلّق بعين واحدة تفصيلاً، و ما يتعلّق بما لا يتناهى.

رابعاً: و غفل أيضاً عن تقسيم المتعلّقات إلى ما يتعلّق بمتعلَّقه على نحو الجملة و التفصيل، و ما لا يتعلّق إلّاعلى نحو التفصيل.

خامساً: لمّا ذكر النيسابوري كيفيّة توليد الأسباب المولِّدة، غفل عن تقسيم هذه الأسباب إلى ما يولِّد في الزمن الثاني، و ما يولِّد في حال حدوثه.

سادساً: لمّا ذكر النيسابوري تقسيم الأعراض المحسوسة إلى ما يكفي في

الإحساس به محلُّ الحياة، و ما لا يكفي ذلك فيه بل يحتاج إلى الحاسّة للإحساس به، غفل عن ذكر الأراييح.

سابعاً: و غفل أيضاً عن تقسيم الأعراض المحسوسة إلى ما يُدرَك بمحلّ الحياة، و ما يُدرَك في محلّه، و ما يُدرَك محلُّه من غير إدراكه.

عنوان الرسالة و نسبتها إلى المؤلّف

يعتبر عمل الشريف المرتضى في هذه الرسالة استدراكاً و تتميماً لعمل النيسابوري؛ و لذلك سمّاها ابن شهر آشوب (ت 588 ه‍): «تتمّة أنواع الأعراض من جمع أبي رشيد النيسابوري»(1)كما سمّيت: «المتمِّم لأنواع الأعراض من جمع أبي رشيد النيسابوري»(2).

و بما أنّ ابن شهر آشوب قد ذكر هذه الرسالة كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك آنفاً، و نسبها إلى الشريف المرتضى، فيمكن الاطمئنان إلى صحّة نسبتها إليه.

و كانت هذه الرسالة قد طبعت في ضمن رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 307 تحت عنوان: «نقد النيسابوري في تقسيمه للأعراض»، و هذه الطبعة هي المقصودة ب‍ «المطبوع» في التحقيق الحالي. كما طبعت الرسالة في ضمن مسائل المرتضى، ص 208 تحت عنوان: «الكلام في الأعراض».

مخطوطات الرسالة

ألف) النسخ المعتمدة:

1. مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحات (163-166) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

1) . معالم العلماء، ص 105.

2) . الفوائد الرجالية، ج 3، ص 144.

2.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في الصفحات (140-144) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 11340؛ تقع في الصفحات (355-359) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

4.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحات (286-288) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «م».

5.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحات (84-89) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

ب) سائر النسخ:

1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحات (128-134) من المجموعة.

2.

مخطوطة مكتبة مركز إ حياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحات (411-419) من المجموعة.

3.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحات (81-84) من المجموعة.

4.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحات (88-93) من المجموعة.

5.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20996؛ تقع في الصفحات (33-38) من المجموعة.

نَقدُ النَّيسابوريِّ في تقسيمِه للأعراضِ‌
اشارة

بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ‌

مَسألةٌ‌: قالَ - رَضيَ اللّٰهُ عنه -:

تَصفَّحتُ الأوراقَ التي عَمِلَها «أبو رَشيدٍ سَعيدُ بنُ محمّدٍ»(1)في ذِكرِ أنواعِ الأعراضِ و أقسامِها و فُنونِ أحكامِها، فوَجَدتُه(2)قد أخَلَّ بأقسامٍ‌(3)كانَ يَجِبُ‌(4)أن يَذكُرَها، كما ذَكَرَ ما يَجري مَجراها. و أخَلَّ أيضاً في تقسيماتِه(5)بأقسامٍ‌، و تمثيلاتِه(6)بأشياءَ لا بدّ من ذكرها.

و أنا(7)أُشيرُ إلىٰ ذلكَ‌؛ حتّىٰ يَتكامَلَ‌(8)بما استَدرَكتُه، و بِما(9)تَقدَّمَه جميعاً ما


1) . أبو رشيد سعيد بن محمّد بن الحسن بن حاتم النيسابوريّ‌؛ من كبار المعتزلة، من أهل نيسابور، أخذ عن قاضي القضاة عبد الجبّار بن أحمد، و انتهت إليه الرئاسة بعده. و كانت له حلقة في نيسابور، ثمّ انتقل إلى الريّ و توفّي بها سنة 440 ه‍. و روى عن أبي عمرو بن حمدان. له تصانيف؛ منها: مسائل في الخلاف بين البصريّين و البغداديّين، و ديوان الأُصول، و إعجاز القرآن، و غيرها. راجع: لسان الميزان، ج 3، ص 42، الرقم 164؛ الأعلام للزركلي، ج 3، ص 101.

2) . في المطبوع: «فوجدتها».

3) . في المطبوع: «بأيّام».

4) . في «د، ص» و المطبوع: «يحب».

5) . أي في خلال تقسيماته.

6) . معطوف علىٰ‌: «تقسيماته».

7) . في «م» و المطبوع: «و إنّي».

8) . في «م» و المطبوع: «تتكامل».

9) . في «م» و المطبوع: «و لما».

تَتعلَّقُ به الحاجةُ‌(1)في هذا البابِ‌، بمَشيئةِ اللّٰهِ و عَونِه و حُسنِ مَعونتِه.

تقسيماتُ الأعراضِ‌
التقسيم الأوّل

الأعراضُ علىٰ ضَربَينِ‌: ضَربٌ‌(2)يوجِبُ لِمَن(3)يَختَصُّ به حالاً(4)، و الآخَرُ لا يوجِبُ حالاً.

و ما يوجِبُ حالاً علىٰ ضَربَينِ‌: ضَربٌ يوجِبُ حالاً لِحَيٍّ‌(5)، و الضربُ الآخَرُ يوجِبُ الحالَ لمَحَلِّه.

فأمّا الذي يوجِبُ حالاً لحَيٍّ‌، فأنواعٌ‌: الاعتقاداتُ‌، و الإراداتُ‌، و الكَراهاتُ‌، و الظُّنونُ‌، و القُدرةُ‌، و الحَياةُ‌،(6)و الشهوةُ‌، و أضدادُها(7)، و النظَرُ.(8)


1) . في «م»: - «تتعلّق به الحاجة»، و في مكانها فراغ. و في المطبوع وُضع بدلها بين معقوفين: «لا بدَّ منه»، و قيل في الهامش: «العبارة منّا، و بياض في الأصل».

2) . في «م»: - «ضرب». و في المطبوع بدل هذه الكلمة يوجد بين معقوفين: «ما».

3) . في المطبوع: «أن» بدل «لمن».

4) . أي حالةً و صفةً مثل صفة القادر و الحيّ و المريد، فإنّ القدرة - و هي عرض - إذا حلّت في الجسم أوجبت له حالة و صفة القادر، و هكذا عرض الحياة والإرادة يوجبان صفة الحيّ و المريد لما يحلّان فيه.

5) . في «م» و المطبوع: «حالَ الحيّ‌» بدل «حالاً لحيّ‌». و يعني بالحيّ هنا الجملةَ‌؛ أي جملة جسم الحيّ الفعال. و الجملة هنا في مقابل المحلّ‌.

6) . لتفصيل الكلام حول إيجاب القدرة و الحياة الحالَ لجملة الحيّ لا لمحلّ القدرة و الحياة، راجع: المسألة الثانية و الثالثة من المسائل السلّاريّة.

7) . أي النِّفار.

8) . فالأعراض التي من هذا الضرب تسعة فقط، لا أكثر. راجع: الحدود، ص 33.

فأمّا(1)ما يوجِبُ حالاً لمَحَلِّه، فهو أنواعُ الأكوانِ‌(2).

و أمّا ما لا يوجِبُ [حالاً] لحَيٍّ و لا مَحَلٍّ‌(3)، فما عَدا ما ذَكرناه(4).

و يَنقَسِمُ‌ ما لا يوجِبُ حالاً لمَحَلٍّ و لا جُملةٍ‌(5)إلىٰ ضَربَينِ‌: فضَربٌ يوجِبُ لمَحَلِّه حُكماً(6)، و ضَربٌ لا يوجِبُ ذلكَ‌.

و الأوّلُ هو: التأليفُ‌(7)إذا كانَ التزاقاً(8)، و الاعتماداتُ‌(9).

و الثاني - و هو ما لا يوجِبُ حالاً و لا حُكماً -، و هو(10)المُدرَكاتُ‌(11)مِن الألوانِ‌، و الطُّعومِ‌(12)، و الأراييحِ‌(13)، و الحَرارةِ‌، و البُرودةِ‌، و الأصواتِ‌، و الآلامِ‌.


1) . في «م» و المطبوع: «و أمّا».

2) . فمثال هذا الضرب هو الكون فقط. راجع: الحدود، ص 33؛ المسائل السلّاريّة، المسألة الثانية.

3) . في المطبوع: «و لا لمحلّ‌».

4) . أي الاثنا عشر عرضاً المتبقّية من مجموع الاثنين و عشرين عرضاً التي ذكرها المتكلّمون. راجع: مقدّمة هذه الرسالة.

5) . في «أ، ص» و المطبوع: «و لا حمله». و المرادُ بالجملةِ الحيُّ‌، كما تقدّم قبل قليل في الهامش.

6) . مثل عرض الاعتماد كما سوف يأتي، فإنّه لا يوجب لمحلّه حالةَ و صفةَ المعتمِد، بل يوجب لمحلّه حكماً و هو مدافعة محلّه. راجع: الحدود، ص 36.

7) . إنّ الحكم الذي يوجبه التأليف هو صعوبة التفكيك بين الجسمين، إذا كان التأليف صلابة أو شدّة أو كثافة. و المراد بالصلابة هي التأليف الواقع علىٰ وجه الالتزاق. راجع: الحدود، ص 43.

8) . في «د، م» و المطبوع: «التزاماً».

9) . في «م» و المطبوع: «و الاعتقادات». و هو سهو؛ فقد تقدّم قبل قليل أنّ الاعتقادات توجب حالاً للحيّ (الجملة).

10) . في المطبوع: «هو» بدون واو العطف.

11) . أي المحسوسات.

12) . في «ش»: «و الطعام».

13) . في «د، ش، ص»: «و الأرايح». و في «م» و المطبوع: «و الأرياح».

التقسيم الثاني

و الأعراضُ علىٰ ضَربَينِ‌:

ضَربٌ يَصِحُّ أن يَتعلَّقَ بكُلِّ حَيٍّ - مِن قَديمٍ و مُحدَثٍ - و يوجِبُ له حالاً.

و الضربُ الآخَرُ: لا يَصِحُّ أن يَتعلَّقَ إلّابالمُحدَثِ خاصّةً‌.

و لَيسَ فيها ما يَختَصُّ بالقَديمِ تَعالىٰ‌، و لا يَصِحُّ تَعلُّقُ جنسِه و لا نَوعِه بالمُحدَثِ‌.

فأمّا ما يَتعلَّقُ بكُلِّ حَيٍّ - مِن قَديمٍ أو مُحدَثٍ -: فالإراداتُ‌، و الكَراهاتُ‌.

و ما عَداها مِن المُتعلِّقاتِ‌(1)لا يَصِحُّ‌(2)أن(3)توجِبَ‌(4)حالاً إلّاللمُحدَثِ دونَ القَديمِ‌.

التقسيم الثالث

و الأعراضُ علىٰ ضَربَينِ‌: ضَربٌ لا يَصِحُّ خُلوُّ الجَواهرِ مِن نَوعِه، و ضَربٌ يَصِحُّ خُلوُّها و تَعرّيها مِن أجناسِه و أنواعِه.

فالأوّلُ هو نَوعُ الأكوانِ‌(5)لأنّ الجَواهِرَ لا يَصِحُّ‌(6)مع وجودِها أن تَعرىٰ مِن نَوعِ الكَونِ‌؛ لأنّ الجَوهرَ مع تَحيُّزِه لا بُدَّ مِن اختصاصِه بالجِهةِ‌، و لا يَكونُ فيها(7)إلّابِكَونٍ‌(8).

و الضربُ الثاني هو ما عَدا نَوعَ الأكوانِ‌؛ لأنّه يَصِحُّ‌(9)تَعَرِّي الجَواهرِ مِن كُلِّ ما عَدا الأكوانَ مِن المَعاني.


1) . في المطبوع: «التعلّقات».

2) . في «د، ش»: «لا تصحّ‌».

3) . في المطبوع: «إذا».

4) . في «أ، م» و المطبوع: «يوجب».

5) . الكون: معنىً إذا وُجد أوجب كون الجوهر كائناً في جهة. الحدود، ص 34.

6) . في «د، ش»: «لا تصحّ‌».

7) . أي في جهة.

8) . في «د، ش»: «تكوّن». و في «م» و المطبوع: «يكون».

9) . في «ش» و المطبوع: + «أن».

التقسيم الرابع

[و] الأعراضُ علىٰ ضَربَينِ‌: ضَربٌ يَدُلُّ علىٰ حُدوثِ الأجسامِ و الجَواهرِ، و الضربُ الآخَرُ لا يَدُلُّ علىٰ ذلكَ‌.

فالضربُ الأوّلُ هو الأكوانُ‌(1)لأنّها المُختَصّةُ‌، فإنّ الجَواهرَ لا تَخلو مِن نوعِها.(2)

و الثاني ما عَدا الأكوانَ‌؛ لأنّه إذا جازَ خُلوُّ الجَواهرِ منها(3)، لَم تَدُلَّ‌(4)علىٰ حُدوثِها، و إن كانَت هذه المَعاني(5)مُحدَثةً‌؛ لتَقدُّمِ الجَواهرِ لها خاليةً مِنها.(6)

التقسيم الخامس

و الأعراضُ علىٰ ضُروبٍ ثَلاثةٍ‌: ضَربٌ لا يَكونُ إلّاحَسَناً، و(7)لا قُبحَ‌(8)فيه.

و الضربُ الآخَرُ لا يَكونُ إلّاقَبيحاً، و لا حُسنَ فيه.(9)

[و الضربُ الثالثُ قد يَكونُ حَسَناً، و قد يَكونُ قَبيحاً].

و الضربُ الأوّلُ‌: العُلومُ‌(10)و النظَرُ، عندَ أبي هاشمٍ‌(11)فإنّه يَذهَبُ إلىٰ أنّ العِلمَ‌


1) . و من أنواعها الحركة و السكون التي لا تخلو منها الأجسام.

2) . كما تقدّم آنفاً في التقسيم السابق.

3) . أي ممّا عدا الأكوان.

4) . في «أ، د، ش»: «لم يدلّ‌». و في «م» و المطبوع: «فلم تدلّ‌».

5) . أي الأعراض التي هي غير الأكوان.

6) . فلا تصدق المقدّمةُ القائلةُ‌: «ما لا يخلو من الحوادث فليس بحادث»، و هي إحدىٰ مقدّمات دليل حدوث الأجسام. راجع: شرح جمل العلم و العمل، ص 39.

7) . في المطبوع: «أو».

8) . في «أ، د، ص، م»: «لا قبيح».

9) . في «م» و المطبوع: - «والضرب الآخر لا يكون إلّاقبيحاً، و لا حسن فيه».

10) . ليس العلم عرضاً مستقلاًّ إلىٰ جانب سائر الأعراض، بل هو نوع من أنواع الاعتقاد الذي يُعَدّمن الأعراض؛ فالعلم بهذا اللحاظ عرض أيضاً. راجع: الحدود، ص 32 و 88.

11) . أبو هاشم عبد السلام بن أبي عليّ محمّد الجبّائيّ‌، رأس الفرقة البهشميّة المعروفة من فرق المعتزلة، و هو و أبوه من رؤسائهم، و لهما مقالات على مذهب الاعتزال، و من تصانيفه: كتاب الأبواب الصغير، و كتاب الأبواب الكبير، و كتاب الاجتهاد، و كتاب الإنسان، و غيرها. توفّي سنة 321 ه‍ في بغداد. راجع: ميزان الاعتدال، ج 2، ص 618؛ وَفَيات الأعيان، ج 2، ص 356؛ الملل و النحل، ج 1، ص 103-112؛ هديّة العارفين، ج 1، ص 569؛ الأعلام للزركلي، ج 4، ص 130.

و النظَرَ لا يَكونانِ إلّاحَسَنَينِ‌. و عندَ أبي عليٍّ‌(1): إنّه قد يَجوزُ أن يَكونا قَبيحَينِ‌؛ بأن يَكونا مَفسَدةً‌.

و الضربُ الثاني: الجهلُ‌(2)، و الظلمُ‌(3)، و الكَذِبُ‌(4)، و إرادةُ القَبيحِ‌، و كَراهةُ الحَسَنِ‌،(5)و الأمرُ بالقَبيحِ‌، و النهيُ عن الحَسَنِ‌، و تكليفُ ما لا يُطاقُ‌. و هذا الضربُ كَثيرٌ، و إنّما ذَكَرنا الأُصولَ‌.

و هذا الضربُ علىٰ ضَربَينِ‌: أحَدُهما لا يُمكِنُ علىٰ حالٍ مِن الأحوالِ إلّاأن(6)يَكونَ قَبيحاً،(7)و الثاني يُمكِنُ علىٰ بعضِ الوجوهِ أن لا يَكونَ قَبيحاً.(8)


1) . أبو عليّ محمّد بن عبد الوهّاب الجبّائيّ‌.

2) . الجهل داخل تحت عرض الاعتقاد، فهو عبارة عن الاعتقاد الذي إذا كان له متعلَّق لم يكن معتقَده علىٰ ما اعتُقِد. الحدود، ص 90.

3) . الظلم داخل تحت عرض الألم، فهو عبارة عن كلّ ألم عَري من الاستحقاق، و العوض الموفي، و المدافعة، و دفع ما هو أعظم منه. الحدود، ص 60.

4) . أي قول الكذب، فهو داخل تحت عرض الصوت. راجع: الحدود، ص 44-50. و هكذا الأمر بالقبيح، و النهي عن الحسن، و تكليف ما لا يُطاق.

5) . الإرادة و الكراهة عرضان مستقلّان. راجع: الحدود، ص 33.

6) . في «م» و المطبوع: - «أن».

7) . لأنّه تعلّق بأمر لا يمكن بأيّ وجه من الوجوه أن يخرج من القبح، مثل الاعتقاد بأنّ القديم تعالىٰ جسمٌ‌، فإنّه جهل قبيح، و لا يمكن بأيّ وجه من الوجوه أن يخرج من كونه جهلاً و يصبح اعتقاداً و علماً.

8) . لأنّه تعلّق بأمر يمكن علىٰ بعض الوجوه أن يصبح حسناً، مثل الاعتقاد بأنّ زيداً في الدار، فإن لم يكن فيها كان جهلاً قبيحاً، لكن يمكن لهذا الاعتقاد أن يخرج من كونه جهلاً، و هو ما إذا فرضنا أنّ زيداً في الدار، فسوف يصبح ذلك الاعتقاد علماً حسناً و يزول الجهل القبيح. فالجهل إن تعلّق بما لا يمكن تغيّره لم يخرج من كونه قبيحاً، و إلّاأمكن خروجه من القبح.

فمثالُ الأوّلِ الجهلُ المُتعلِّقُ باللّٰهِ تَعالىٰ‌، كاعتقادِ أنّه جسمٌ أو مُحدَثٌ‌.

و مِن أمثلتِه(1): ما تَعلَّقَ‌(2)- مِن الجهلِ‌(3)- بما لا يَجوزُ تَغيُّرُ حالِه و خروجُه عن(4)صفتِه، كاعتقادِ أنّ السوادَ مُتحيِّزٌ،(5)و أنّ الجَوهرَ له ضِدٌّ غيرُه مِن الأجناسِ‌.

و يَجوزُ أن يُلحَقَ بهذا الضربِ إرادةُ الجهلِ الذي ذَكَرناه أوّلاً(6)أو الأمرُ(7)به؛ لأنّه كما لا يَجوزُ تَغيُّرُ المُرادِ عن قُبحِه، لا يَجوزُ [تَغيُّرُ] قُبحِ الإرادةِ المُتعلِّقةِ‌(8)به.

و مثالُ الضربِ الثاني - و هو ما(9)يُمكِنُ علىٰ بعضِ الوجوهِ أن لا يَكونَ قَبيحاً -: الجهلُ المُتعلِّقُ بما يَجوزُ تَغيُّرُ حالِه، و الظلمُ‌، و الكَذِبُ‌، و باقي القَبائحِ التي عَدَّدناها.

و إنّما قُلنا أنّ الجهلَ المُتعلِّقَ بما ذَكرناه(10)يَجوزُ أن لا يَكونَ قَبيحاً و لا جَهلاً(11)لأنّه إذا اعتَقَدَ أنّ زَيداً في الدارِ في حالةٍ مخصوصةٍ‌، و لَم يَكُن فيها في


1) . في «د، ش، ص»: «أمثلة». و في «م»: «أصله». و في المطبوع: «مسلة».

2) . في «م» و المطبوع: «يعلّق».

3) . في «م» و المطبوع: «بالجهل» بدل «من الجهل».

4) . في «م» و المطبوع: «على».

5) . فهذا الاعتقاد جهل لا يمكن أن يتغيّر؛ لأنّ السواد يستحيل أن يصير متحيّزاً إلّاإذا انقلب جوهراً، و هو محال.

6) . مثل إرادة الاعتقاد بأنّه تعالىٰ جسم، فهذه الإرادة قبيحة و لا يمكن أن يتغيّر قبحها.

7) . في «أ، ش، ص، م» و المطبوع: «و الأمر».

8) . في «د، ش، ص»: «المعلّقة».

9) . في جميع النسخ و المطبوع: + «لا»، و هو سهو.

10) . في المطبوع: - «ذكرناه».

11) . فإنّ الجهل لا يخرج عن كونه قبيحاً إلّابخروجه عن كونه جهلاً و تحوّله إلىٰ علم، و إلّافالجهل لا يكون حسناً، فقد تقدّم أنّه من أمثلة الضرب الذي لا يكون إلّاقبيحاً و لا حسن فيه.

تلكَ الحالِ‌، فاعتقادُه جهلٌ‌، إلّاأنّه كانَ يُمكِنُ أن لا يَكونَ جهلاً، بأن يَكونَ زَيدٌ في الدارِ في تلكَ الحالِ‌.

و الضربُ‌(1)الذي هو ظلمٌ كانَ يُمكِنُ أن يَكونَ عدلاً، بأن يَقَعَ علىٰ خِلافِ ذلكَ الوجهِ‌، و قد يَكونُ أيضاً مِن جنسِه ما لَيسَ بظلمٍ‌.

و كذلكَ الكَذِبُ‌، فيه الوجهانِ اللذانِ ذَكرناهما معاً.

و أمّا الضربُ الثالثُ‌، فهو باقي الأعراضِ‌؛ لأنّ الحُسنَ و القُبحَ يُمكِنُ أن يَدخُلَ في الجميعِ علَى البَدَلِ‌.

التقسيم السادس

و ما يَقبُحُ مِن الأعراضِ‌(2)علىٰ ضَربَينِ‌: أحَدُهما يَختَصُّ بوجهِ قُبحٍ لا يَكونُ لغَيرِه، و إن جازَ أن يَقبُحَ للوجهِ الذي يَعُمُّه و يَعُمُّ غيرَه.(3)و الضربُ الآخَرُ إنّما يَقبُحُ لوجهٍ مُشارِكةٍ‌(4)فيه كُلُّ القَبائحِ‌.

فمثالُ الأوّلِ‌: الألَمُ إذا كانَ ظُلماً، و الصوتُ إذا كانَ‌(5)كَذِباً، و إرادةُ القَبيحِ‌، و كَراهةُ الحَسَنِ‌؛ لأنّ الظلمَ وجهُ قُبحٍ يَختَصُّ به، فلا(6)يُشارِكُه في هذا الوجهِ سِواه. و كذلك الكَذِبُ و إرادةُ القَبيحِ و كَراهةُ الحَسَنِ‌.

و إنّما قُلنا إنّه يَجوزُ مع هذا الاختصاصِ أن يُشارِكَ باقيَ القَبائحِ في وجهِ القُبحِ‌؛


1) . في جميع النسخ المعتمدة و المطبوع: «و الضرر». و ما أثبتناه هو الصحيح الموافق لنسخة مكتبة المرعشي برقم 6862.

2) . في المطبوع: «أعراض».

3) . فيجتمع فيه وجهان للقبح: خاصّ‌، و عامّ‌.

4) . كذا، و الأنسب: «تشاركه».

5) . في «م» و المطبوع: - «ظلماً، و الصوتُ إذا كان».

6) . في المطبوع: «و لا».

لأنّه يَجوزُ أن يَعرِضَ في(1)الظلمِ أو الكَذِبِ أو إرادةِ القَبيحِ أو كَراهةِ الحَسَنِ أن يَكونَ مَفسَدةً أو عَبَثاً، فيَقبُحَ لذلكَ‌.

و أمّا(2)مثالُ الضربِ الثاني - ممّا يَقبُحُ لوجهٍ مُشتَرَكٍ - فهو سائرُ الأعراضِ‌؛ لأنّه لا شَيءَ منها إلّاو قد يَجوزُ أن تَعرِضَ فيه المَفسَدةُ أو يَكونَ عَبَثاً، فيَقبُحَ لذلكَ‌.

و اعلَمْ‌ أنّه لا يُمكِنُ أن تَجتَمِعَ‌(3)وجوهُ القُبحِ كُلُّها في عَرَضٍ واحدٍ، حتّىٰ يَكونَ عَبَثاً ظُلماً كَذِباً إرادةً لقَبيحٍ‌(4)كَراهةً لحَسَنٍ مَفسَدةً عَبَثاً(5)لتَنافي(6)هذه الوجوهِ‌(7).

و أكثَرُ ما يَجتَمِعُ فيه مِن وجوهِ القُبحِ أن يَكونَ العَرَضُ مَثَلاً ظُلماً كَذِباً، و يَتَّفِقُ أن يَكونَ مَفسَدةً و عَبَثاً. و كذلكَ القولُ في الكَذِبِ و إرادةِ القَبيحِ و كَراهةِ الحَسَنِ إذا اتَّفَقَ في كُلِّ واحدٍ مِنها المَفسَدةُ و العَبَثُ‌(8). و أمّا باقي الأعراضِ‌، فإنّما تَجتَمِعُ فيها مِن وجوهِ القُبحِ المَفسَدةُ و العَبَثُ‌،(9)فاعلَمْ ذلكَ‌.


1) . في «م» و المطبوع: - «في».

2) . في «م» و المطبوع: «فأمّا».

3) . في «د، ص، م»: «أن يجتمع».

4) . في «ش»: «القبيح». و في المطبوع: «بقبيح».

5) . كذا، و الظاهر أنّه تكرار لقوله: «عبثاً» قبل قليل، فالأنسب حذفه.

6) . في جميع النسخ المعتمدة و المطبوع: «لنا في». و ما أثبتناه هو الصحيح الموافق لما جاء في نسخة مكتبة المرعشيّ برقم 6862.

7) . في المطبوع: «الوجه».

8) . في «م» و المطبوع: «و العيب».

9) . في «ص، م» و المطبوع: - «و أمّا باقي الأعراض، فإنّما تجتمع فيها من وجوه القبح المفسدة و العبث».

مواردُ إخلالِ النَّيسابوريِّ في تقسيمِ الأعراضِ‌

فأمّا ما(1)أخَلَّ بذِكرِه في خِلالِ تقسيمِه:

[أوّلاً:] فإنّه لمّا قَسَّمَ الأعراضَ في(2)تَماثُلٍ‌، و اختلافٍ‌، و تَضادٍّ؛ ذَكَرَ في قسمةِ المُتَماثِلِ‌(3)- الذي لا اختلافَ فيه و لا تَضادَّ - التأليفَ‌، و الحَياةَ‌، و الفَناءَ‌(4)، و الألَمَ‌؛ و أخَلَّ بذِكرِ الحَرارةِ‌، و البُرودةِ‌، و الرُّطوبةِ‌(5)، و اليُبوسةِ‌. و هذه أجناسٌ تَجري مَجرىٰ ما ذَكَرَه، في أنّها مُتَماثِلةٌ لا مُختَلِفَ فيها و لا مُتَضادَّ.

[ثانياً:] و لمّا ذَكَرَ قِسمَ ما هو مُتَماثِلٌ و مُتَضادٌّ - و لا يَدخُلُه المُختَلِفُ الذي لَيسَ بمُتَضادٍّ(6)- ذَكَرَ الأكوانَ‌، و(7)الألوانَ‌، و الطُّعومَ‌، و الأَراييحَ‌(8)و أخَلَّ بذِكرِ الأصواتِ‌؛ و هي عندَ أبي هاشمٍ مُتَماثِلةٌ و مُتَضادّةٌ بغَيرِ مُختَلِفٍ لَيسَ بمُتَضادٍّ.(9)

فإنِ اعتَذَرَ باعتذارٍ هو: «أنّ الأصواتَ غيرُ مُتَضادّةٍ‌»، فقَد كانَ يَجِبُ أن يَذكُرَها في بابِ «المُتَماثِلِ و المُختَلِفِ‌» مع الاعتماداتِ‌، و الإراداتِ‌، و الكَراهاتِ‌،


1) . في «ش»: - «ما». و في المطبوع: «الذي» بدلها.

2) . كذا، و الأنسب: «إلىٰ‌».

3) . في «أ»: «تقسيمه المتمائل» بدل «قسمة المتماثل». و في «م» و المطبوع: «قسمة التماثل» بدلها.

4) . في «د» الكلمة غير واضحة، و كأنّها «و القيمة». و في «ش، م» و المطبوع: «و القيمة». و في «ص» الكلمة غير منقوطة، و كأنّها «و القيامة».

5) . في المطبوع: «و الرطوب».

6) . أي هذا القسم يكون علىٰ ضربين: ضربٌ منه متماثل، و ضربٌ متضادٌّ لا يدخله المختلِف الذي ليس بمتضادّ. راجع: الحدود، ص 34.

7) . في «م» و المطبوع: - «الأكوان و».

8) . في «د، ش، ص»: «الأرايح». و في «م» و المطبوع: «الأرياح».

9) . قوله: «ليس بمتضادّ» صفة «مختلف».

و الشهوةِ‌، و النِّفارِ(1)، و النظَرِ؛ فلا(2)هاهُنا ذَكَرَها و لا هُناكَ‌.(3)

1.

متماثل فقط، لا مختلِف و لا متضادّ، و هو: التأليف، و الحياة، و الفناء، و الألم، و الحرارة، و البرودة، و الرطوبة، و اليبوسة. فهذه ثمانية أعراض.

2.

مختلف فقط، لا متماثل و لا متضادّ، و هو القدرة،. راجع: الحدود، ص 69. و لم يذكر المصنّف رحمه اللّٰه هذا القسم؛ لعدم تعلّق غرضه به.

3.

متماثل و مختلف، لا متضادّ، و هو: الاعتماد، و الإرادة، و الكراهة، و الشهوة، و النِّفار، و النظر. فهذه ستّة أعراض.

4.

متماثل و متضادّ، و لا يدخله المختلِف الذي ليس بمتضادّ، و هو: الكون، و اللون، و الطعم، و الرائحة، و الصوت. فهذه خمسة أعراض.

5.

متماثل و مختلف و متضادّ، و هو الاعتقاد، و الظنّ‌. راجع: الحدود، ص 288؛ المقدِّمة: في المدخل إلى صناعة علم الكلام (ضمن الرسائل العشر، ص 68-77). و لم يذكر المصنّف رحمه اللّٰه هذا القسم أيضاً؛ لعدم تعلّق غرضه به.

فإن(4)كانَ مُتوقِّفاً في القَطعِ بتَضادِّ المُختَلِفِ منها، فقَد كانَ يَجِبُ أن يَذكُرَ تَوقُّفَه؛ و أنّها مع التوقُّفِ إمّا أن تَكونَ داخلةً في «المُختَلِفِ الذي لَيسَ بمُتَضادٍّ» مع الاعتماداتِ و الإراداتِ‌، أو مع(5)«الذي هي مُختَلِفةٌ‌»(6)كالألوانِ و الأكوانِ‌، و هذا إخلالٌ‌.

[ثالثاً:] و لمّا ذَكَرَ أقسامَ الأعراضِ المُتعلِّقاتِ و كيفيّاتِ تَعلُّقِها(7)، أخَلَّ بقسمةِ‌(8)


1) . في «ص، م» و المطبوع: «و البقاء».

2) . في المطبوع: «و لا».

3) . و حاصل التقسيم المذكور هنا هو أنّ الأعراض علىٰ أقسام:

4) . كذا، و الأنسب: «و إن».

5) . في «م» و المطبوع: «و مع». و الأنسب: «في» بدل «مع».

6) . العبارة فيها خلل، و لعلّ الصواب: «مع المختلِف الذي هو متضادّ».

7) . في «د، ش»: «و كيفيّة تعلّقاتها». و في «م»: «تعلّقه ما» و في المطبوع: «تعلّقه ذا» بدل «تعلّقها».

8) . في «ص، م» و المطبوع: + «من».

ضُروبِ تَعلُّقِها، كانَ يَنبَغي أن يَذكُرَها، و هي أنّ المُتعلِّقاتِ علىٰ ضَربَينِ‌: ضَربٌ يَتعلَّقُ‌(1)بعَينٍ‌(2)واحدةٍ‌(3)تفصيلاً، مِن غيرِ تَجاوُزٍ له؛ كالاعتقادِ(4)، و الظنِّ‌، و الإرادةِ‌، و الكَراهةِ‌، و النظَرِ. و الضربُ الآخَرُ يَتعلَّقُ بما لا يَتَناهىٰ‌؛ كالشهوةِ‌، و النِّفارِ، و القُدرةِ فيما تَتعلَّقُ به مِن الأجناسِ أو الجنسِ الواحدِ في المَحالِّ و الأوقاتِ‌؛ لأنّها إنّما تَتعلَّقُ‌(5)بالواحدِ مِن غيرِ تَعَدٍّ له إذا كانَ الجنسُ و المَحلُّ و الوقتُ واحداً.(6)

[رابعاً:] و أخَلَّ بقسمةٍ أُخرىٰ في المُتعلِّقاتِ‌؛ لأنّها علىٰ ضَربَينِ‌: أحَدُهما يَتعلَّقُ‌(7)بمُتعلَّقِه علَى الجُملةِ و التفصيلِ‌؛(8)و هو الاعتقاداتُ‌، و الإراداتُ‌(9)، و الكَراهاتُ‌(10).

و الضربُ الثاني لا يَتعلَّقُ إلّاعلىٰ طريقِ‌(11)التفصيلِ‌، و هو القُدَرُ، و الشهَواتُ‌، و النِّفاراتُ‌(12).


1) . في «ص، م» و المطبوع: «متعلِّق».

2) . في «ص، م» و المطبوع: «بغير».

3) . في «ص، م» و المطبوع: «واحد».

4) . في «م» و المطبوع: «كالاعتقادات».

5) . في «د، م» و المطبوع: «يتعلّق».

6) . في بداية العبارة خلل، و المراد أنّ القدرة إنّما تتعلّق بما لا يتناهى إذا اختلف الجنس و المحلّ و الوقت، و أمّا إذا اتّحدت هذه الأُمور تعلّقت بأمر واحد. راجع: الحدود، ص 70.

7) . في «ص، م» و المطبوع: «متعلّق».

8) . فمثلاً قد يعتقد العاقل وجوب ردّ الوديعة على نحو الإجمال و بصورة عامّة، و قد يعتقد وجوب ردّ هذه الوديعة على نحو التفصيل و التعيين. فهنا قد تعلَّق الاعتقاد بمتعلَّقه علىٰ نحو الإجمال تارة، و التفصيل أُخرىٰ‌. راجع: الحدود، ص 89.

9) . في «م» و المطبوع: «أو الإرادات».

10) . في «م» و المطبوع: «أو الكراهات».

11) . في «ص، م» و المطبوع: + «سبيل».

12) . في «أ، د، ص، م» و المطبوع: «و النِّفار».

[خامساً:] و لمّا ذَكَرَ كيفيّةَ توليدِ(1)الأسبابِ المولِّدةِ - و هي(2)النظَرُ، و الاعتمادُ(3)، و الكَونُ - أخَلَّ بقسمةٍ في هذه المولِّداتِ كانَ يَجِبُ ذِكرُها، و هي أن يُقالَ‌: إنّ الأسبابَ المولِّدَةَ‌(4)علىٰ ضَربَينِ‌: ضَربٌ يولِّدُ(5)في الثاني(6)، و الضربُ الآخَرُ يولِّدُ(7)في حالِه(8). فمثالُ الأوّلِ النظَرُ و الاعتمادُ، و مثالُ الثاني الأكوانُ‌.

[سادساً:] و لمّا ذَكَرَ قسمةَ ما يُدرَكُ‌(9)مِن الأعراضِ‌، و أنّ فيها ما يَكفي في إدراكِه مَحلُّ الحَياةِ‌(10)، و فيها ما يَحتاجُ إلىٰ بِنيةٍ زائدةٍ‌(11)، أخَلَّ - لمّا ذَكَرَ أقسامَ ما لا يَكفي في إدراكِه مَحلُّ الحَياةِ - بالأراييحِ‌؛ فإنّه ذَكَرَ الألوانَ و الطُّعومَ و الأصواتَ‌(12)، و تَرَكَ ذِكرَ الأراييحِ‌.

[سابعاً:] و أخَلَّ أيضاً بقسمةٍ - في كَيفيّةِ إدراكِ هذه المُدرَكاتِ - واجبٍ ذِكرُها؛ هي أنّ هذه الأعراضَ المُدرَكاتِ علىٰ ضُروبٍ‌: منها ما يُدرَكُ بمَحلِّه(13)،


1) . في «ص، م» و المطبوع: «تولّد».

2) . في «د، م» و المطبوع: «و على».

3) . في «د، ش»: «و الاعتبار».

4) . في «م» و المطبوع: «المولودة».

5) . في «ص، م» و المطبوع: «تولد».

6) . أي في الوقت الثاني بعد وقت حدوثه.

7) . في «ص، م» و المطبوع: «تولد».

8) . أي في حال حدوثه. الحدود، ص 39.

9) . أي ما يُحَسّ‌. و قد تقدّمت الأعراض المدرَكة في بدايات هذه الرسالة.

10) . و هي: الحرارة، و البرودة، و الألم. فهذه ثلاثة أعراض. راجع: الحدود، ص 68.

11) . أي تحتاج إلىٰ آلة، و هي العين و اللَّهاة و الصماخ و الخيشوم لأجل إدراك الألوان و الطعوم و الأصوات و الأراييح، فهذه أربعة أعراض. راجع: الحدود، ص 68.

12) . في المطبوع: - «و الأصوات».

13) . كذا، و الظاهر أنّ الصواب: «بمحلّ الحياة». راجع ما سوف يأتي في الهامش.

و منها(1)ما يُدرَكُ في مَحلِّه، و منها ما يُدرَكُ مَحلُّه مِن غيرِ إدراكِ مَحلِّه(2)و لا انتقالِه إلىٰ حاسّةِ الإدراكِ‌. فالأوّلُ هو الألَمُ‌، و الثاني هو اللونُ و الحَرارةُ و البُرودةُ و الأصواتُ و الطُّعومُ و الأراييحُ‌، و الثالثُ هو الأكوانُ‌(3).(4)

1.

ما يُدرَك بمحلّ الحياة فيه، و هو الألم. أي يُدرَك بواسطة محلّ الحياة - كاليد و الرِّجل - و يكون كائناً في محلّ الحياة، فإنّ الألم يكون في اليد أو الرِّجل مثلاً.

2.

ما يُدرَك بمحلّ الحياة لا فيه، و هو الحرارة و البرودة. فهُما يُدرَكان و يُحَسَّان بواسطة محلّ الحياة، لكنّهما لا يكونان فيه.

3.

ما يُدرَك بالحاسّة في محلّه، و هو اللّون، و الصوت، و الطعم، و الرائحة.

4.

ما يُدرَك محلُّه من غير إدراكه و لا انتقاله إلى الحاسّة، و هو الكون.

و لأجل توضيح ذلك ننقل هنا كلام المقرئ النيسابوري في خصوص هذا القسم، حيث قال: «و زعم بعضهم أنّ الأكوان مُدرَكة بمحلّ الحياة، و استشهد علىٰ ذلك بأنّ أحدنا إذا أخذ جرادةً في يده، قال: فإنّه يدرِك حركاتها كلّما اضطربت و تحرّكت. و الصحيح أنّها غير مدرَكة، و الحيوان إذا تحرّك في يد إنسان فإنّه يُحِسّ بذلك، غير أنّه يُدرِك محلّ الحركة بالمماسّة إلىٰ محلّ حياته؛ لأنّه كلّما اضطرب صار مماسّاً لموضع آخر من يده، فالمحِسّ بذلك يدرِك المحلّ علىٰ ما ذكرت دون الحالّ و حقيقته». الحدود، ص 36، و راجع: ص 40، و 57 و 68؛ المقدّمة في المدخل إلىٰ صناعة علم الكلام، ص 73.

تَمَّت المسألةُ‌(5).


1) . في «د»: - «ما يدرك بمحلّه، و منها».

2) . كذا، و الظاهر أنّ الصواب: «من غير إدراكه». راجع ما سوف يأتي في الهامش.

3) . في المطبوع: «الألوان».

4) . كذا، و المحصَّل من كتاب الحدود و غيره فيما يتعلّق بهذا التقسيم هو أنّ الأعراض المدرَكة و المحسوسة علىٰ أقسام:

5) . في «أ»: «الرسالة». و في المطبوع: - «تمّت المسألة».

(36) مسألة في الكلام في حقيقة الجوهر

اشارة

مقدّمة التحقيق
اشارة

ظهر خلاف بين المتكلّمين حول أنّ الأشياء في عدمها أشياء، أو لا؟ و هل الجوهر في حال عدمه جوهر أيضاً، أو إنّه ليس كذلك، و إنّما يصير جوهراً إذا وُجد؟

فذهب معتزلة البصرة إلى الأوّل، أي إلى أنّ الجوهر جوهر في حال عدمه(1)، و إلى هذا ذهب الشريف المرتضى، فيما ذهب معتزلة بغداد إلى الثاني، و قالوا: إنّ الجوهر لا يصير جوهراً إلّابعد وجوده، لكن جوّزوا أن يسمّىٰ‌: «شيئاً» في حال العدم.(2)فيما رفض الشيخ المفيد أن يكون الجوهر جوهراً أو شيئاً في حال العدم(3).

و عُرفت هذه المسألة الخلافيّة في تاريخ الكلام باسم «مسألة المعدوم».

و تعرّض الشريف المرتضى بالتفصيل إلى رأيه حول هذه المسألة في المسألة الأُولى من المسائل السلّاريّة، كما أشار إليه في نهاية المسألة الرابعة من الطرابلسيّات الأُولى، إضافة إلى الرسالة محلّ البحث؛ فقد سُئل فيها عن هذه المسألة، حيث طرح السائل إشكالين على ما ذهب إليه الشريف المرتضى، و هما:

الأوّل: لو كان الجوهر جوهراً في حال عدمه، فما الذي فعله اللّٰه تعالى‌؟ إنّه في الحقيقة لم يفعل شيئاً بناء على قولكم. قد يقال: إنّه أعطى الوجود للجوهر، فحينئذ


1) . راجع: المسائل في الخلاف بين البصريّين و البغداديّين، ص 37.

2) . المصدر.

3) . راجع: أوائل المقالات، ص 98.

نسأل: هل أنّ الوجود شيء غير نفس الجوهر أو لا؟ فإن كان شيئاً لزم أن يكون في حال عدمه كذلك؛ لأنّكم ترون أنّ الأشياء في حال عدمها أشياء أيضاً، فيكون الوجود شيئاً في العدم، و هو واضح البطلان للزوم التناقض. و إن لم يكن شيئاً فقد ثبت ما قلناه من أنّ الفاعل لم يفعل شيئاً.

الثاني: أنّ رأيكم يؤدّي إلى قول المجبرة القائلين بالكسب. و لم يتّضح لنا وجه المقارنة بين القولين، و لعلّ مراده أنّ أصحاب الكسب يقولون: إنّ العبد لا يوجِد الفعل، و إنّما اللّٰه تعالى يوجِده، و العبد يكسبه، فكأنّ الفعل صار جاهزاً و العبد قام بكسبه فقط، فإذا سُئلوا: ما الفرق بين إيجاد الفعل و كسبه، هل هو نفسه أو غيره‌؟ أجابوا بكلام غير مفهوم: و هكذا القائلون بأنّ الجوهر جوهر في حال عدمه، فهُم يقولون: إنّ الفاعل لم يجعل الجوهر جوهراً، و إنّما الجوهر جوهر بذاته، و الفاعل إنّما أعطاه الوجود، فكأنّ الجوهر كان جوهراً جاهزاً بذاته، و الفاعل قام بإيجاده فقط من دون أن يضيف عليه شيئاً، فإذا سُئلوا: ما الفرق بين الوجود و ذات الجوهر، هل هو نفسها أو غيرها؟ أجابوا بكلام غير مفهوم. هذا ما ظهر لنا من الإشكال الثاني، و اللّٰه العالم.

و قد أجاب الشريف المرتضى جواباً عاماً شاملاً لكلا الإشكالين، و ذلك من خلال بيان وجهة نظره حول المسألة، حيث يمكن تلخيص ما قاله من خلال النقاط التالية:

1.

الجوهر عبارة عمّا يجب له التحيّز متى وُجد.

2.

إذا كان كذلك فلا بدّ أن يكون في حال عدمه على حالٍ‌، بحيث إذا وُجد وجب له التحيّز، و لهذا وجب أن يكون في حال عدمه جوهراً، وصحّ أن يقال: إنّه جوهر لذاته.

3.

ثمّ ذكر علىٰ كلامه دليلاً سقط نصفه الأخير من النسخ، و مفاده أنّ المتحّيز إذا وُجد، إمّا أن يكون التحيّز واجباً له، أو لا.

فإن كان واجباً فلا بدّ أن يكون في حال عدمه على حال بحيث إذا وُجد وجب له

التحيّز لذاته، و استحال أن يكون شيئاً آخر؛ لأنّ تحيّز الجوهر إن لم يكن لذاته بل كان بواسطة الفاعل، لم يجب له التحيّز؛ لأنّ الفاعل مختار في إعطاء التحيّز و عدم إعطائه.

و إن لم يكن واجباً، و هذا هو القسم الساقط من النسخة، و لكن يمكن إكماله بصورة حدسيّة، و ذلك من خلال القول: و إن لم يكن واجباً، أمكن أن يوجد الجوهر من دون أن يكون متحيّزاً! و هذا مستحيل؛ لأنّه قد أُخِذ في مفهوم و حقيقة الجوهر أنّه يجب له التحيّز إذا وُجد.

إذن الشقّ الأوّل هو الصحيح، و لا بدّ أن يكون الجوهر جوهراً في حال عدمه، و هو المطلوب.

حقيقة الرسالة و نسبتها إلى المؤلّف

و الذي يبدو لنا أنّ هذه الرسالة ليست رسالة مستقلّة، و إنّما هي تشكل في الحقيقة المسألة الثانية من المسائل الرمليّات؛ فإنّ البُصروي (ت 443 ه‍) حفظ لنا أسماء المسائل الرمليّات التي فُقِد معظمُها، و ذكر أنّ المسألة الثانية منها هي مسألة في الجوهر، و سمّاها: مسألة في الجوهر، و تسميتِه جوهراً في العدم، و هذا ينطبق على مسألتنا محلّ البحث انطباقاً تامّاً.

أضف إلى ذلك أنّه قد جاء في بداية الرسالة محلّ البحث ما يلي: «المسألة الثانية من المسائل التي وردت على الأجلّ المرتضى علم الهدى»، و هذا أيضاً ينطبق تماماً على ما ذكره البُصروي، حيث ذكر أنّ المسألة الثانية من الرمليّات تبحث عن حقيقة الجوهر، و قد صُرّح هنا بأنّ هذه المسألة تشكل المسألة الثانية من مسائل وردت على الشريف المرتضى، و هذا يقوي احتمال أن تكون هذه المسألة إحدى المسائل الرمليّات إلى درجة كبيرة.

و إذا صحّ هذا الأمر، أمكن الجزم بصحّة نسبة الرسالة إلى الشريف المرتضى؛ لذكر البُصروي للرمليّات، و تصريحه بعناوينها.

هذا، و كانت هذه الرسالة قد طبعت في رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 150 في ضمن أجوبة مسائل متفرّقة من الحديث و غيره.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 14254؛ تقع في الصفحة (209) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ص».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 1497؛ تقع في الصفحة (306) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «س».

مسألةٌ في الكلامِ في حَقيقةِ الجَوهرِ

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

المسألةُ الثانيةُ‌ مِن المسائِل(1)التي وَرَدَت علَى الأجَلِّ المُرتَضىٰ عَلَمِ الهُدىٰ - قَدَّسَ اللّٰهُ روحَه -: إذا كانَ الجَوهرُ(2)في عدمِه جَوهراً، فما(3)الذي فَعَلَ مُحدِثُه‌؟

و هَل صفةُ الوجودِ و الإحداثِ «شَيءٌ‌» غيرُ نفسِه(4)؟

فإن كانَت شَيئاً، لَزِمَكم أن تَكونَ‌(5)في عدمِها كذلكَ‌!

و إن لَم تَكُن(6)شَيئاً، فقَد حَصَلنا علىٰ أنّ الفاعلَ في الحَقيقةِ لَم يَفعَلْ شَيئاً!!

و قد قالَ أصحابُ هذه المسألةِ‌: إنّ أمرَكم فيها يَؤولُ إلىٰ قولِ المُجبِرةِ‌؛ لزَعمِكم أنّ الجَوهرَ لَم يَكُن «جَوهراً» بفاعلِه، و لا صارَ «شَيئاً» بصانعِه(7)، و إنّما «أَوجَدَه(8)». فإذا سَألناكم عن إيجادِه و هَل هو نفسُ الجَوهرِ، أَم شَيءٌ غيرُه‌؟ لَم نَسمَعْ في ذلكَ إلّاما ادَّعَته المُجبِرةُ في الكَسبِ‌.


1) . لقد سقطت المسألة الأُولىٰ من هذه المسائل، كما سقطت بعض المسائل التالية للثانية، و الظاهر أنّ هذه المسائل هي المسائل الرمليّات. راجع: مقدّمة هذه الرسالة.

2) . في «س، ص» و المطبوع: «لجوهر».

3) . في «س، ص» و المطبوع: «جوهر منها» بدل «جوهراً فما»، و الظاهر أنّه من سهو النسّاخ.

4) . أي غير نفس الجوهر.

5) . في «س، ص» و المطبوع: «أن يكون»، و الصواب ما أثبتناه.

6) . في «س، ص» و المطبوع: «أن يكن»، و الصواب ما أثبتناه.

7) . في «س، ص» و المطبوع: «يضايفه»، و هو سهو.

8) . في «س، ص» و المطبوع: «وجوه»، و هو سهو.

الجوابُ - و باللّٰهِ التوفيقُ -:

اِعلَمْ أنّ قولَنا: «جَوهرٌ» عبارةٌ عمّا يَجِبُ له التحيُّزُ إذا وُجِدَ؛(1)لأنّ الذواتَ علىٰ ضَربَينِ‌:

منها: ما يَجِبُ متىٰ وُجِدَ أن يَكونَ مُتحيِّزاً.

و منها: ما يَستَحيلُ فيه التحيُّزُ مع الوجودِ، كالأعراضِ و القَديمِ تَعالىٰ‌.

فعَبَّرنا عن القِسمِ الأوّلِ بعبارةٍ مُفيدةٍ‌؛ و هي قولُنا: «جَوهرٌ».

و إنّما قُلنا: «إنّ الجَوهرَ لا بُدَّ أن يَكونَ في حالِ عدمِه(2)جَوهراً»؛ لأنّه لا بُدَّ أن يَكونَ في حالِ عدمِه علىٰ حالٍ يَجِبُ لأجلِها التحيُّزُ متىٰ وُجِدَ؛ و لهذا قُلنا: «إنّه جَوهرٌ لنفسِه و جنسِه».

و الدليلُ علىٰ ذلكَ‌: أنّه لا يَخلو أن يَكونَ المُتحيِّزُ في الوجودِ ممّا يَجِبُ له هذه الصفةُ و لا يَجوزُ عليه خِلافُها و لا التبدُّلُ‌(3)بها، أو أن(4)يَكونَ الأمرُ بخِلافِ ذلكَ‌.

فإن كانَ الأمرُ علَى الأوّلِ‌، فلا بُدَّ مِن اختصاصِه في حالِ العدمِ بصِفةٍ يَجِبُ معها لها هذا الحُكمُ عندَ الوجودِ حتّىٰ‌(5)يَستَحيلَ عليه [خِلافُ‌] هذا الحُكمِ عندَ الوجودِ.

و أَضَفنا تلكَ الصفةَ إلَى «النفسِ‌»؛ لأنّ‌(6)....


1) . في «س، ص» و المطبوع: «وجدت»، و الصواب ما أثبتناه.

2) . في «س، ص» و المطبوع: «عدّه»، و الظاهر أنّه من سهو النسّاخ.

3) . في «س» و المطبوع: «المتبدّل». و في «ص»: «المبتذل».

4) . في «س» و المطبوع: «و أن».

5) . في «س، ص» و المطبوع: «ممّا». و في نسخة بدل مذكورة في هامش المطبوع: «حتّىٰ‌».

6) . هذا آخر ما ورد في النسختين و المطبوع، و المطلب ناقص. و لعلّه يمكن إكماله هكذا: «لأنّ تلك الصفة لو كانت بالفاعل لما وجب حصولها عند وجود الجوهر؛ لأنّ الفاعل مختار، فهو مخيّر بين أن يجعل الجوهر متحيّزاً و أن لا يجعله كذلك. و إن كان الأمر على الثاني لزم جواز أن يوجد الجوهر و لا يكون متحيّزاً، و هو محال».

(37) مسألة في إبطال قول: «إنّ الشيء شيء لنفسه»

اشارة

مقدّمة التحقيق
اشارة

ركّز الشريف المرتضى في هذه المسألة على عدم جواز أن يقال: «الشيء شيء لنفسه»؛ و علّل ذلك بأنّ الشيء ليس صفة حتّى يتباين به شيء عن شيء، فإنّ الصفة في عُرف المتكلّمين هي: «ما تقع به الإبانة بين معلومَين»(1)، أي أنّ الصفة تُميّز بين معلومَين، و «الشيء» لا يميّز بين الأشياء؛ لأنّه حسب رأي الشريف المرتضى(2)و مِن قَبله معتزلة البصرة(3)أنّ المعدوم يسمّى شيئاً، كما أنّ الموجود يسمّى شيئاً، و هكذا سائر الأجناس المختلفة؛ فإنّها كلّها تسمّى أشياء، و لا يمكن أن يقال: هذا شيء، و هذا ليس بشيء؛ و بذلك سوف لن يكون «الشيء» صفة حتّى يُميَّز به بين المعلومات، فلا يمكن أن يقال: الشيء - كالمعدوم مثلاً - شيء لنفسه؛ فإنّه ليس هناك أمر ليس شيئاً لنفسه، بل شيء لغيره.

و هذا على خلاف «الوجود»، فإنّه صفة يمكن التمييز بواسطتها بين معلومَين، فيقال: هذا موجود، و هذا غير موجود، و لذلك يمكن وصف الموجود بأنّه موجود


1) . راجع: الحدود للنيسابوري، ص 22.

2) . تعرّض الشريف المرتضى إلى رأيه حول مسألة المعدوم في المسألة الأُولى من المسائل السلاريّة، كما أشار إليه في نهاية المسألة الرابعة من الطرابلسيّات الأُولى، إضافة إلى رسالته «كلام في حقيقة الجوهر».

3) . راجع: المسائل في الخلاف بين البصريّين و البغداديّين، ص 37.

لنفسه - كما في القديم تعالى - في مقابل الموجود لغيره.

و أمّا «العَرَض» فليس بصفة، و إن كان تعريفه أنّه: «ما لا لبث له كلبثِ الأجسام»، إلّا أنّ هذا الحكم ليس صفة، حتّى نميّز به بين معلومَين، و نقول هذا العرض عرض لنفسه، و ذاك عرض لغيره.

عنوان الرسالة و نسبتها إلى المؤلّف

لقد أشير في هذه المسألة إلى رأي من آراء الشريف المرتضى، و هو القول بشيئية الأشياء في العدم، و هو يعتبر شاهداً يدعو إلى الاطمئنان بصحّة نسبة الرسالة اليه.

هذا، و قد طبعت هذه المسألة في رسائل الشريف المرتضى، ج 4، ص 343 في ضمن «مسائل شتّىٰ‌»، تحت عنوان: «إبطال قول: «إنّ الشيء شيء لنفسه»؛ و هو عنوان مناسب. و هذه الطبعة هي المقصودة ب‍ «المطبوع» في التحقيق الحالي. كما طبعت في ضمن مسائل المرتضى، ص 201 تحت عنوان: «وصف الشيء لنفسه»؛ و هو غير واضح كوضوح الأوّل.

مخطوطات الرسالة
1.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 40017؛ تقع في الصفحة (115) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «أ».

2.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 12923؛ تقع في الصفحة (158) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ش».

3.

مخطوطة مكتبة مركز إ حياء التراث الإسلامي بقمّ‌، المرقّمة 2719/8؛ تقع في الصفحة (397) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «د».

4.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة (2358) 1256؛ تقع في

الصفحة (132) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ط».

5.

مخطوطة مكتبة آية اللّٰه المرعشي رحمه اللّٰه بقمّ‌، المرقّمة 6862؛ تقع في الصفحة (75) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ي».

6.

مخطوطة المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، المرقّمة 6914؛ تقع في الصفحة (79) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ب».

7.

مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، المرقّمة 5187؛ تقع في الصفحة (283) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ه‍».

8.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 20996؛ تقع في الصفحة (25) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ع».

9.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39685؛ تقع في الصفحة (9) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ث».

10.

مخطوطة المكتبة الرضويّة المقدّسة بمشهد، المرقّمة 39688؛ تقع في الصفحة (11) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ق».

11.

مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري رحمه اللّٰه بطهران، المرقّمة 2533؛ تقع في الصفحة (76) من المجموعة، و رمزنا لها ب‍ «ج».

مسألةٌ في إبطالِ قولِ‌: «إنّ الشيءَ شَيءٌ لنفسِه»

[بِسمِ اللّٰهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ‌]

مسألةٌ‌:

لا يَجوزُ أن يُقالَ‌: «إنّ الشيءَ شَيءٌ لنفسِه»؛ لأنّ ذِكرَ المعلومِ بأنّه «شَيءٌ‌» لَيسَ بصِفةٍ‌؛ لاشتراكِ الموجودِ و المعدومِ و الأجناسِ المُختَلِفةِ في إجراءِ هذا الاسمِ عليها.

فإن قيلَ‌: فلِمَ تَصِفونَ‌(1)الموجودَ بأنّه «موجودٌ لنفسِه»، و إجراءُ ذلكَ في القَديمِ تَعالىٰ؟

قيلَ له: لأنّ «المَوجودَ»(2)صفةٌ‌، فجازَ أن يَستَنِدَ إلَى النفسِ‌.

فإن قيلَ‌: فما تَقولونَ في العَرَضِ؟

قيلَ‌: إجراءُ هذا الاسمِ علَى العَرَضِ‌(3)لَيسَ بصِفةٍ‌، و إن كانَ معنىٰ‌(4)قولِنا:


1) . في «أ، د، ق، ي»: «فلم يصفون». و في «ش، ه‍» و المطبوع: «فلما تصفون».

2) . في المطبوع: «الوجود».

3) . في «ه‍»: - «العَرَض». و في المطبوع: «ما» بدل «العَرَض».

4) . في «ه‍» و المطبوع: «غير».

«عَرَضٌ‌» أنّه الذي لا لَبْثَ‌(1)له كلَبْثِ‌(2)الأجسامِ‌، و هذا حُكمٌ و لَيسَ‌(3)بصِفةٍ‌.


1) . في «ه‍»: «لا البيت». و في «ي»: «لا تسبت». و في المطبوع كما في المتن، ولكن بإهمال النقط.

2) . في «ه‍»: «لا لكلية». و في «ي»: «له كليث». و في المطبوع: «له كلية».

3) . في «أ، ق»: «حكم فليس». و في «ه‍» و المطبوع: «الحكم فليس»، كلاهما بدل «حكم و ليس».

فهرس المطالب

الفهرس الاجمالي... 5

ج. الرسائل الكلاميّة... 7

26. جوابات المسائل السَّلّاريّة

مقدّمة التحقيق... 9

السائل... 9

مشايخه... 11

تلاميذه... 12

مؤلّفاته... 13

المسائل... 13

محتوى المسائل... 17

طبعات المسائل... 46

مخطوطات الرسالة... 46

جوابات المسائل السَّلّاريّة... 49

المسألة الأُولىٰ‌: في أنّ الجوهر جوهر في حال العدم... 52

في بيان الدليل علىٰ أنّ الجوهر جوهر في حال العدم... 54

في بيان الدليل علىٰ وجوب تحيُّز الجوهر عند وجوده... 56

إبطال بعض الأدلّة التي أقيمت لإثبات أنّ الجوهر جوهر في حال العدم... 71

مناقشة بعض فقرات كلام السائل... 75

المسألة الثانية: في أنّ القدرة توجب حالاً للجملة، دون المحلّ‌... 79

مناقشة بعض فقرات كلام السائل... 85

المسألة الثالثة: في أنّ الحياة توجب حالاً للجملة دون المحلّ‌... 89

المسألة الرابعة: في بيان وجه اختصاص العرض بمحلّه... 92

المسألة الخامسة: في بيان بطلان أحكام النجوم... 97

في إبطال تأثير الكواكب في الأمور الأرضيّة... 98

استدلالات و بيانات حول عدم إصابة المنجّمين في أحكامهم... 103

حكايات و مناظرات وقعت للمصنّف تتعلّق بعدم إصابة المنجّمين... 104

أدلّة أُخرىٰ علىٰ بطلان أحكام النجوم... 111

صحّة الإخبار عن الكسوفات، و فرقه مع سائر إخبارات المنجّمين... 113

المسألة السادسة: في بيان حقيقة المنامات... 114

حقيقة المنامات و فاعلها... 115

إبطال القول بصحّة جميع المنامات... 116

أقسام المنامات... 117

في بيان سبب صحّة بعض المنامات... 118

نفي تأثير المأكولات في حصول المنامات... 119

في حقيقة منامات الأنبياء:... 120

تأويل قوله صلى الله عليه و آله: «من رآني فقد رآني»... 121

في نفي تفسير الفلاسفة للمنامات الصحيحة... 123

في بيان سبب الإنزال في المنام... 124

المسألة السابعة: في توارد الأدلّة... 125

المسألة الثامنة: في نفي كون الإرادة مقارنة لكلّ جزء من أجزاء الخبر... 133

27. جوابات المسائل الرازيّة

مقدّمة التحقيق... 139

نسبتها إلى المؤلّف... 139

محتوى الرسالة... 140

مخطوطات الرسالة... 158

جوابات المسائل الرازيّة... 161

المسألة الأُولىٰ‌: حرمة الفقّاع عند الإماميّة... 161

المسألة الثانية: علم النبيِّ صلى الله عليه و آله بالكتابة و القراءة... 169

المسألة الثالثة: تفضيل الأنبياء على الملائكة... 176

مناقشة ما استدلّ به علىٰ تفضيل الملائكة على الأنبياء... 178

المسألة الرابعة: الذَّرُّ و حقيقته... 182

المسألة الخامسة: البداء و حقيقته... 186

المسألة السادسة: تحقيقٌ حول قوله عليه السلام: «نيّة المؤمن خيرٌ من عمله»... 192

المسألة السابعة: هل تقع من الأنبياء الصغائر أو الكبائر؟... 195

المسألة الثامنة: حقيقة الرَّجعة... 202

المسألة التاسعة: الطريق إلىٰ معرفة اللّٰه تعالىٰ‌... 205

المسألة العاشرة: الوجه في حسن أفعال اللّٰه تعالىٰ‌... 208

المسألة الحادية عشرة: عدم وجوب خلق الخلق... 209

المسألة الثانية عشرة: حقيقة الروح... 210

المسألة الثالثة عشرة: حكم الزاني بذات البعل في تزويجها... 211

المسألة الرابعة عشرة: الإرجاء... 212

المسألة الخامسة عشرة: دخول العبد الجنّة باستحقاقه... 214

(28) جواب المسائل الواردة من طبرستان

مقدّمة التحقيق... 217

نسبتها إلى المؤلّف... 217

محتوى الرسالة... 218

مخطوطات الرسالة... 228

جواب المسائل الواردة من طبرستان... 229

المسألة الأُولىٰ‌: نسبة أفعال العباد إلى اللّٰه تعالىٰ و إليهم... 229

المسألة الثانية: عدم إرادة اللّٰه تعالى المعاصي و القبائح... 236

المسألة الثالثة: القول في الِاستطاعةِ‌... 241

المسألة الرابعة: الوعيد و الشفاعة... 244

المسألة الخامسة: القرآن محدثٌ غير مخلوقٍ‌... 251

المسألة السادسة: حكم المخالف في الفروع... 254

المسألة السابعة: حكم مرتكب الكبائر... 256

المسألة الثامنة: اعتبار الرؤية في الشُّهور... 258

المسألة التاسعة: حكم شرب الفقّاع... 262

المسألة العاشرة: حكم عبادة الكافر... 264

المسألة الحادية عشر: عدد أصول الدين... 267

خاتمة... 268

(29) جوابات المسائل النيليّات

مقدّمة التحقيق... 273

نسبة الرسالة و عنوانها... 273

محتوى الرسالة... 276

مخطوطات الرسالة... 292

جوابات المسائل النيليّات... 295

المسألة السادسة: إحداث الحشرات و استحقاقها للعوض... 295

المسألة السابعة: ماهيّة الرعد و البرق و الغيم، و وجود جبال البرد... 297

المسألة الثامنة: تعقُّل عدم كون الفاعل جسماً... 298

المسألة التاسعة: تعقُّل من لا مثل له و لا ضدَّ... 299

المسألة العاشرة: تعقُّل فاعلٍ من دون لمسٍ أو اتّصالٍ‌... 300

المسألة الحادية عشر: استحالة كون خالق الأجسام جسماً أقدره اللّٰه علىٰ ذلك... 301

المسألة الثانية عشر: استحالة إقدار اللّٰه تعالىٰ جسماً على اختراع الأجسام... 302

المسألة الثالثة عشر: إمكان صدور الخير و الشرِّ من فاعلٍ واحدٍ... 303

المسألة الرابعة عشر: تعقُّل كون الخالق لا جسماً و لا عرضاً... 304

المسألة الخامسة عشر: تعقُّل حدوث شيءٍ لا من شيءٍ‌... 305

المسألة السادسة عشر: إشكال إحداث الطبائع للعالم... 306

المسألة السابعة عشر: إنكار صفات الطبائع... 308

المسألة الثامنة عشر: تمثُّل جبرئيل في صورة دحية الكلبيِّ‌... 309

المسألة التاسعة عشر: معنى «الصفة» في القديم تعالىٰ‌... 312

المسألة العشرون: كلام اللّٰه تعالىٰ‌؛ كيف يكون‌؟... 314

المسألة الحادية و العشرون: حول «الكعبة» و «الميثاق» و «العقل» و «الروح»... 315

المسألة الثانية و العشرون: أوّل ما خلق اللّٰه تعالىٰ‌... 322

المسألة الثالثة و العشرون: في «الفراغ» و نهايته و علم الباري بها... 323

المسألة الرابعة و العشرون: وجود «جابرْقا» و «جابرْسا» و حكم أهلها... 325

المسألة الخامسة و العشرون: حكم الأطفال يوم القيامة... 326

المسألة السادسة و العشرون: عقاب من قاتل إماماً عادلاً... 327

المسألة السابعة و العشرون: حكم الملائكة و الجنِّ بعد انتهاء التكليف... 328

(30) مقدِّمة في الأُصول الاعتقاديّة

مقدّمة التحقيق... 333

نسبتها إلى المؤلّف... 334

مخطوطات الرسالة... 336

مقدِّمةٌ في الأُصول الاعتقاديّة... 337

فصلٌ في إثبات الصانع و صفاته... 337

فصلٌ في العدل... 339

فصلٌ في النُّبوَّة... 339

فصلٌ في الإمامة... 341

فصلٌ في الوعد و الوعيد... 342

فصلٌ في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر... 343

فصلٌ في المعاد... 343

(31) مسألة في الإنسان

مقدّمة التحقيق... 347

محتوى الرسالة... 349

مخطوطات الرسالة... 353

مسألةٌ في الإنسان... 355

بيان الأقوال في حقيقة الإنسان... 355

بيان القول المختار... 357

مناقشة تعريف الفلاسفة للإنسان... 358

أدلّة القول المختار في حقيقة الإنسان... 361

مناقشة سائر الأقوال في حقيقة الإنسان... 363

عودة إلى أدلّة القول المختار في حقيقة الإنسان... 366

عودة لمناقشة الأقوال الأُخرىٰ في حقيقة الإنسان... 368

مناقشة إشكالات القول المختار... 370

الإشكال الثاني... 372

(32) مسألة في بيان حقيقة الحيّ الفعّال

مقدّمة التحقيق... 375

نسبة الرسالة... 375

محتوى الرسالة... 376

مخطوطات الرسالة... 377

مسألةٌ في بيان حقيقة الحيِّ الفعّال... 379

أدلّة القول المختار... 383

مناقشة الأقوال الأُخرىٰ‌... 386

جواب ما قد يرد على النظريّة المختارة من إشكالات... 391

(33) مسألة حول قدم العالم

مقدّمة التحقيق... 397

هذه الرسالة... 401

عنوان الرسالة و نسبتها إلى المؤلّف... 402

محتوى الرسالة... 403

مخطوطات الرسالة... 406

مسألةٌ حول قدم العالم... 407

قال المحقِّق الكراجكيُّ‌:... 407

الشُّبهة:... 409

الجواب:... 410

(34) مسألة في خلق الأفعال

مقدّمة التحقيق... 417

محتوى الرسالة... 418

مخطوطات الرسالة... 423

مسألةٌ في خلق الأفعال... 425

أدلّة اختيار الإنسان... 426

الدليل الأوّل... 426

الدليل الثاني... 427

الدليل الثالث... 427

أدلّة بطلان الجبر... 428

الدليل الأوّل... 428

الدليل الثاني... 429

الدليل الثالث... 429

الدليل الرابع... 430

الأدلّة القرآنيّة على الاختيار و بطلان الجبر... 431

تحقيق معنى «القضاء»... 434

(35) نقد النَّيسابوريِّ في تقسيمه للأعراض

مقدّمة التحقيق... 439

محتوى الرسالة... 441

عنوان الرسالة و نسبتها إلى المؤلّف... 444

مخطوطات الرسالة... 444

نقد النَّيسابوريِّ في تقسيمه للأعراض... 447

تقسيمات الأعراض... 448

التقسيم الأوّل... 448

التقسيم الثاني... 450

التقسيم الثالث... 450

التقسيم الرابع... 451

التقسيم الخامس... 451

التقسيم السادس... 454

موارد إخلال النَّيسابوريِّ في تقسيم الأعراض... 456

(36) مسألة في الكلام في حقيقة الجوهر

مقدّمة التحقيق... 463

حقيقة الرسالة و نسبتها إلى المؤلّف... 465

مخطوطات الرسالة... 466

مسألةٌ في الكلام في حقيقة الجوهر... 467

(37) مسألة في إبطال قول: «إنّ الشيء شيء لنفسه»

مقدّمة التحقيق... 471

عنوان الرسالة و نسبتها إلى المؤلّف... 472

مخطوطات الرسالة... 472

مسألةٌ في إبطال قول: «إنّ الشيء شيءٌ لنفسه»... 475