ghaemiyeh.com
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
المطبعة : ستار
الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م
عدد النسخ :1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978
ردمك الجزء (20): 9 - 62 - 8275 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970
محرّر الرقمي: محمّد رادمرد
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الجزء العشرون
الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
موسسة الأمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
لإحياء تراث أهل البيت
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الجزء العشرون
الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
القُرآن والسنّة
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
موسسة الأمام الحسن لإحياء تراث أهل البيت
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
المطبعة : ستار
الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م
عدد النسخ :1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978
ردمك الجزء «20»: 9 - 62 - 8275 – 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أقام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أعظم رصيد مشرق لهداية أُمّته وتطوّرها، وانطلاقها في آفاق الفكر والعلم لتحرير أمم العالم وشعوب الأرض من ويلات العبودية وظلمات الجهل، وتقيم فيها أعمدة النور والوعي.
أما ذلك الرصيد فهو كتاب اللّه العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والعترة الطاهرة (1)التي وعت القرآن الكريم، والتزمت بحرفيته، وجهدت علی نشر کنوزه و استخراج درره، وبيان معارفه وفضائله، وأنّه يهدي للتي هي أقوم، يهذّب الأخلاق، ويرشد الضالّ ويقيم الكمال والآداب، ويوحّد العواطف والمشاعر، ويجمع الناس على كلمة الحقّ.
وكان من اهتمام أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالقرآن الكريم أنهم جعلوا تفسيره في طليعة مناهجهم الدراسية، فقد خصص الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتاً لطلابه شرح لهم كنوز القرآن، وبيّن لهم ناسخه من منسوخه، ومحكمه من متشابهه، وقد قام طلابه بتدوین دروسه، فألف بعضهم تفسيراً كاملاً للقرآن الكريم نسبوه له (2).
كما ألّف الشهيد الخالد زيد بن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) كتاباً في تفسير القرآن، استفاده من أبيه الإمام زين العابدين، ومن أخيه الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (1).
أما الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) - الذي هو موضوع بحثنا - فقد وجّه جل اهتمامه لتفسير القرآن، وقد نقل عنه المفسّرون الشيء الكثير من آرائه الأصيلة، وقبل أن نقدم بعض النماذج من تفسيره، نعرض لبعض ما أثر عنه من آراء ممّا يتعلق بالقرآن الكريم، وفيما يلي ذلك :
حثّ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) على التفكّر والتدبّر بما في آيات القرآن الكريم من المعاني السامية التي تضيء الفكر، وتحيي القلب.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنَّ هذا الْقُرْآنَ فِيهِ مَنارُ الْهُدى، وَمَصابيح الدُّجى، فَلْيَجْلُ جالٍ بَصَرَهُ، وَيَفْتَحُ للضّياءِ نَظَرَهُ، فَإِنَّ التَّفَكَّرَ حَياةُ قَلْبِ الْبَصيرِ، كَمَا يَمْشِي الْمُسْتَنيرُ فِي الظُّلُماتِ بِالنُّورِه» (2).
إنّ من يمعن ويتأمل في آيات القرآن الكريم يتجلّى له ما فيها من سموّ التشريع وبدائع التكوين، وغير ذلك ممّا يبهر الأفكار والعقول.
كلّ ما في القرآن الكريم عجيب، وكلّ ما فيه عظيم، وذلك لما حفل به من أخبار السماء وأخبار الأرض، وغير ذلك
يقول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْعَزيزِ الْجَبَارَ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ كِتابَهُ، وَهُوَ الصادِقُ الْبار، فِيهِ خَبَرُكُمْ، وَخَبَرُ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَخَبَرُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلَوْ أَتَاكُمْ مَنْ يُخْبرُكُمْ عَنْ ذلِكَ لَتَعَجَّبْتُمْ» (1).
وألقى القرآن الكريم الأضواء فيما حكاه من قصص بعض الأمم السابقة، وأعرب عن الأسباب التي أدّت إلى هلاكهم ودمارهم، وحذر منها؛ لأنّها تؤدّي إلى هلاك من أخذ بها.
وتميّز القرآن الكريم بالدعوة إلى العمل بكل ما يقرّب الإنسان إلى ربِّه زلفى. والتحذير من الأعمال التي تبعده عنه.
يقول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّ الْقُرْآنَ زاجِرٌ وَآمِرٌ، يَأْمُرُ بِالْجَنَّةِ، وَيَزْجُرُ عَنِ النار» (2).
إنّ أوامر القرآن الكريم صريحة واضحة في الدعوة إلى أعمال البرّ والخير، وكذلك نواهيه صريحة في التحذير من اقتراف الجرائم والموبقات التي توعد عليها بالنار.
وحثّ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) على حفظ القرآن الكريم وقراءته، وذكر في كوكبة من أحاديثه الأجر الجزيل والثواب العظيم الذي يظفر به الحافظون للقرآن، ومن بين تلك الأخبار ما يلي :
«الْحَافِظُ لِلْقُرْآنِ، الْعامِلُ بِهِ، مَعَ السَّفَرَةِ الكِرامِ الْبَرَرَةِ» (1).
«ما يَمْنَعُ النَّاجِرَ مِنْكُمْ الْمَشْغُولَ فِي سُوقِهِ إِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ أَنْ لَا يَنامَ حتّى يَقْرَأَ سُوْرَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَتَكْتَبُ لَهُ مَكَانَ كلّ آيَةٍ يَقْرَؤُها عَشْرُ حَسَناتٍ، وَيُمْحَى عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئات» (2).
«مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ شَابٌ مُؤْمِنٌ اخْتَلَطَ الْقُرْآنُ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ، وَجَعَلَهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرامِ الْبَرَرَةِ، وَكانَ الْقُرْآنُ حَجِيزاً عَنْهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، يَقُولُ : يَا رَبِّ، إِنَّ كلّ عامِلٍ قَدْ أَصابَ أَجْرَ عَمَلِهِ غَيْرَ عَامِلِي فَبَلِّغْ بِهِ أَكْرَمَ عَطَايَاكَ.
قالَ : فَيَكْسُوهُ اللّه الْعَزِيزَ الْجَبَارُ حُلَّتَيْنِ مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، وَيُوْضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تاجُ الْكَرامَةِ، ثُمَّ يُقالُ لَهُ : هَلْ أَرْضَيْناكَ فيهِ ؟ فَيَقولُ الْقُرْآنُ : يا رَبِّ، قَدْ كُنْتُ أَرْغَبُ لَهُ فيما هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هذا، فَيُعْطَى الْأَمْنَ بِيَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِيَسارهِ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ دَرَجَةً : ثُمَّ يُقالُ لَهُ : هَلْ بَلَغْنَا بِهِ وَأَرْضَيْنَاكَ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ.
قالَ : وَمَنْ قَرَأَهُ كَثيراً وَتَعَاهَدَهُ بِمَشَقَّةٍ مِنْ شِدَّةِ حِفْظِهِ أَعْطَاهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَجْرَ هذا مَرَّتَيْن» (3).
إلى غير ذلك من الأخبار التي أثرت عنه، وهي تحثّ المسلمين على تلاوة کتاب اللّه العزيز وحفظه لأنّه ينوّر القلب، ويفتح آفاق الفكر، ويسمو بالإنسان ويغنيه عن كلّ فكر، وقد قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
«مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَهُوَ غَنِيٌّ، وَلَا فَقْرَ بَعْدَهُ، وَإِلَّا مَا بِهِ غِنى» (4).
ودعا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى استماع القرآن الكريم والإنصات له.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنِ اسْتَمَعَ حَرْفاً مِنْ كِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ غَيْرِ قِراءَةٍ كَتَبَ اللّه لَهُ حَسَنَةٌ وَمَحَا عَنْهُ سَيِّئَةٌ، وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَةً.
وَمَنْ قَرَأَ نَظَراً مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ كَتَبَ اللّه لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ، وَمَحا عَنْهُ سَيِّئَةٌ، وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَةً. وَمَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُ حَرْفاً ظاهِراً كَتَبَ اللّه لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سيناتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجاتٍ.
قالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَا أَقُولُ بِكُلِّ آيَةٍ، وَلكنْ بِكُلِّ حَرْفٍ : باءٍ أَوْ نَاءِ أَوْ شِبْهِهِما.
قالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَمَنْ قَرَأَ حَرْفاً ظاهِراً وَهُوَ جَالِسٌ فِي صَلاتِهِ كَتَبَ اللّه لَهُ خَمْسِينَ حَسَنَةٌ، وَمَحا عَنْهُ خَمْسِينَ سَيِّئَةٌ، وَرَفَعَ لَهُ خَمْسِينَ دَرَجَةٌ، وَمَنْ قَرَأَ حَرْفاً وَهُوَ قائِمٌ فِي صَلاتِهِ كَتَبَ اللّه لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِائَةَ حَسَنَةٍ، وَمَحا عَنْهُ مائَةَ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ مَانَةَ دَرَجَةٍ، وَمَنْ خَتَمَهُ كَانَ لَهُ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، مُؤخَّرَةٌ أَوْ مُعَجَّلَةٌ».
قال : قلت - أي الراوي -: جعلت فداك، ختمه كله، قال : «خَتَمَهُ كُلَّهُ» (1).
لقد أراد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ربط المسلمين بالقرآن، وجعله جزءاً من حياتهم، ومنهجاً كاملاً يستضيئون بنوره، ويهتدون بتعاليمه.
وأشاد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالبيوت التي يقرأ فيها القرآن الكريم.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْبَيْتَ إِذا كانَ فِيهِ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ يَتْلُو الْقُرْآنَ يَتَرَاءاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ كَما
1) أصول الكافي : 2 : 612.
يَتَراءاهُ أَهْلُ الدُّنْيا الْكَوْكَبَ الدُّرَيَّ في السَّمَاءِ» (1).
إن قراءة القرآن في البيت تجلب الخير والبركة لأهله، وقد روى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن جدّه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال : «إِنَّ الْبَيْتَ إِذا كَثُرَ فِيهِ تَلاوَةُ الْقُرْآنِ كَثُرَ خَيْرُهُ، وَاتَّسَعَ أَهْلُهُ» (2).
إنّ تلاوة القرآن الكريم تدفع السوء والشرّ، وتجلب الرزق لأهل البيت، وقد كان السلف الصالح يستقبلون الصبح بقراءة القرآن الكريم في بيوتهم ومحلات عملهم.
أمّا ما ينبغي أن يُقرأ من الذكر الحكيم في كلّ يوم فهو خمسون آية، حسبما أعلنه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : «الْقُرْآنُ عَهْدُ اللّه إِلى خَلْقِهِ، فَقَدْ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِي عَهْدِهِ، وَأَنْ يَقْرَأُ مِنْهُ فِي كلّ يَوْمٍ خَمْسِينَ آيَةً» (3).
وينبغي أن تكون القراءة عن فهم وتدبر وإمعان لمحتوياتها، فإن القراءة المجرّدة عن فهم المعنى غير مجدية.
وندب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى وضع المصحف في البيت.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّهُ لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَكونَ فِي الْبَيْتِ مُصْحَفٌ يَطْرُدُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الشَّياطين» (4).
وينبغي أن يُقرأ فيه، فقد قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ثَلاثَةٌ يَشْكُونَ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ :
مَسْجِدٌ خَرابٌ لَا يُصَلِّيَ فِيهِ أَهْلُهُ، وَعَالِمٌ بَيْنَ جُهَالٍ، وَمُصْحَفٌ مُعَلَقٌ قَدْ وَفَعَ عَلَيْهِ الْغُبَارُ لَا يُقْرَأُ فِيهِ» (1).
وكره الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يقرأ القرآن الكريم بصورة مسرعة لا يفهم القارئ معاني الآيات، وقد حبّ أن يختم القرآن بشهر، فقد قال له محمّد بن عبداللّه : «اقرأ القرآن في ليلة ؟
قال : (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُعجبني» (2).
وروى أبو بصير، قال : «قلت للإمام أبي عبد اللّه : جعلت فداك، أقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلة ؟
فقال : لا.
قلت : ففي ليلتين ؟
قال : لا.
قلت : في ثلاث ليال ؟
قال : ها وأشار بيده، ثم قال : يا أبا محمّد، إِنَّ لِرَمَضَانَ حَقًّا وَحُرْمَةً، لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنَ الشَّهورِ.
وَكانَ أَصْحابُ محمّد اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَقْرَأُ أَحَدُهُمُ الْقُرآن في شَهْرٍ أَوْ أَقَلَّ. إِنَّ الْقُرآنَ لَا يَقْرَا هَدْرَمَةٌ (3)وَلكِنْ يُرَتِّلُ تَرْتِيلاً، وَإِذا مَرَرْتَ بِآيَةٍ فيها ذِكْرُ الْجَنَّةِ فَقِفْ عِنْدَها، وَسَلِ اللّه
الْجَنَّةَ، وَإِذا مَرَرْتَ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ النّارِ فَقِفْ عِنْدَهَا وَتَعَوَّذْ بِاللّه عَزَّ وَجَلَّ مِنَ النَّارِ» (1).
إنّ السرعة في تلاوة القرآن الكريم لا يستفيد القارئ منها شيئاً، وعليه أن يتأمل في الآيات، ويستخرج ما فيها من الكنوز.
وينبغي لقارئ القرآن أن يعرب الآيات، ولا يلحن في قراءتها. قال الإمام الصادق : «اعْرِبِ الْقُرآنَ فَإِنَّهُ عَرَبيٌّ» (2).
وتحدّث الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن محتويات القرآن الكريم. قال :
«إِنَّ الْقُرآنَ نَزَلَ أَرْبَعَةَ أَرْبَاع : رُبْعٌ حَلالٌ، وَرُبْعٌ حَرامٌ، وَرُبْعٌ سُنَنٌ وَأَحْكامَ، وَرُبْعٌ خَبَرُ ما كانَ قَبْلَكُمْ، وَنَبأُ ما يَكونُ بَعْدَكُمْ، وَفَضْلُ ما بَيَنْكُمْ» (3).
إنّ القرآن الكريم يحتوي على هذه الفصول الأربع التي جاءت لإصلاح الناس، وتهذيب سلوكهم، وإقامة أخلاقهم.
وكره الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يكتب القرآن الكريم بالذهب، وإنما يكتب بالأسود، فقد روى محمّد بن الورّاق، قال : «عرضت على الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتاباً فيه قرآن مختم، معشر بالذهب، وقال :
لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُكْتَبَ الْقُرآنُ إِلَّا بِالسَّوادِ، كَمَا كُتِبَ أَوَّلَ مَرَّةٍ» (1).
وشاع بين المفسّرين وغيرهم أن القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف، واستندوا في ذلك إلى ما روي عن الإمام أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أنّه قال : «إِنَّ الْقُرآنَ نَزَلَ عَلى سَبْعَةِ أَحْرُف» (2).
وقيل : إنّها نزلت على أكثر من ذلك، وقد ذكر أبو حاتم أنها بلغت خمساً وثلاثين قولاً (3).
ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة لمعرفة معاني الأحرف السبعة، ومدى صحتها ونسبتها إلى الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ).
واختلفت أقوال العلماء في المراد من الحروف السبعة، وهذه بعضها :
1 - إنّها الوعيد والوعد، والأمر والنهي، والقصص، والمجادلة، والأمثال، وضعف ابن عطيّة هذا الوجه وقال : «إنّه لا يسمّى أحرفاً» (4).
2 - إنّها المعاني المتقاربة التي ترد بألفاظ مختلفة، مثل : أقبل، وهلمّ، وعجّل، وأسرع، واختار هذا الوجه الطبري (5).
وهذا الوجه لا يحمل أي طابع من التحقيق، فإنّ للإنسان - على هذا الوجه - أن يقرأ القرآن على أشكال مختلفة، وهذا ممّا يؤدّي إلى اختلاف كبير من إضافة آية أو حذفها؛ لأنّ الاختلاف في الألفاظ يستتبع الاختلاف في الجمل حسبما يقول القرطبي (1).
3 - إنّ المراد بها الأبواب السبعة التي نزل بها القرآن الكريم، وهي الزجر، والأمر، والحلال والحرام، والمحكم والمتشابه، والأمثال (2)، ويفنّد هذا الرأي أنّ هذه الأبواب لا تسمّى أحرفاً، مضافاً إلى أنّ الزجر والحرام شيء واحد فلا تكون سبعة.
4 - إنّها اللغات الفصيحة من لغات العرب، وهي متفرّقة في القرآن، فبعضها بلغة قريش، وبعضها بلغة هذيل، وبعضها بلغة هوازن، وبعضها بلغة اليمن، وبعضها بلغة كنانة، وبعضها بلغة تميم، وبعضها بلغة ثقيف، ونسب هذا القول إلى البيهقي والأبهري وصاحب القاموس، إلا أن هذا الوجه ينافيه ما ورد عن عمر من أن القرآن الكريم نزل بلغة مضر (3).
5 - إنّها سبع قراءات، وأشكل سيدنا الأستاذ الخوئي (قدّس سِرُّه) بأنّه إن أريد منها السبع المشهورة فهي غير ثابتة، حسبما حقّقه عند البحث عن تواتر القراءات، وإن أريد منها السبع على إطلاقها فمن الواضح أن عدد القراءات أكثر من ذلك بكثير (4).
هذه بعض الأقوال في معاني الأحرف السبعة، وقد ذكر سيدنا الأستاذ عشرة أقوال، وقد فندها وأثبت أنها لا ترجع إلى محصل، وقد ألف أبو شامة كتاباً في بيان
هذه المعانى، وزيّف معظمها (1).
وأنكر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأحرف السبعة، فقد سأله الفضيل بن يسار فقال له : «إن الناس يقولون : إن القرآن على سبعة أحرف.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كَذَّبوا أَعْدامُ اللّه، وَلكِنَّهُ نَزَلَ عَلى حَرْفٍ مِنْ عِنْدِ الْوَاحِدِ» (2).
وأمّا ما نسب إلى الإمام الأعظم محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الأحرف السبعة، فهو من الموضوعات، وقد أنكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك، فقد سأله زرارة عن ذلك، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْقُرآنَ واحِدٌ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ الْوَاحِدِ، وَلكِنَّ الاختِلافَ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ الرُّواةِ» (3).
وروى المفسرون الشيء الكثير من تفسير الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لآيات الذكر الحكيم، ونحن نذكر نماذجاً يسيرة منها، وفيما يلي ذلك :
1 - قال تعالى: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» (1).
وقد أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية قولان، وهما :
الأوّل : «يَعْنِي أَرْشِدْنَا إِلَى لُزومِ الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّي إِلَى مَحَبَّتِكَ، وَالْمُبَلِّغِ إِلَى جَنَّتِكَ وَالْمَائِعِ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَهْوَاءَنَا فَنَعْطَب، أَوْ أَنْ نَأْخُذَ بِآرَائِنَا فَنَهْلَك» (2).
الثاني : «الصِّراطُ الْمُسْتَقِيمَ هُوَ الطَّريقُ إِلى مَعْرِفَةِ اللّه، وَهُما صِراطَانِ : صِراطٌ في الدُّنْيا، وَصِراطٌ في الآخِرَةِ، فَأَمَا الصِّراط في الدُّنْيا فَهُوَ الْإِمَامُ الْمُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ، مَنْ عَرَفَهُ فِي الدُّنْيا وَاقْتَدَى بِهُداهُ مَرَّ عَلَى الصِّراطِ الَّذي هُوَ جِسْرُ جَهَنَّمَ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ في الدُّنْيا زَلَّتْ قَدَمُهُ فِي الْآخِرَةِ فَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ» (3)
2 - قال تعالى: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» (3)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ آمَنَ بِقِيامِ الْقَائِمِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَنَّهُ حَقٌّ» (1).
3 - قال تعالى: «وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ» (3)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أي وَمِمّا عَلَّمْناهُمْ يَبثُونَ» (2).
4 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ» (30)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «ما عَلِمَ الْمَلائِكَةَ بِقَوْلِهِم : «أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ» لَوْلَا أَنَّهُمْ قَدْ كَانوا رَأَوا مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ» (3).
وكشف هذا الحديث أن اللّه تعالى قد خلق في هذا الكوكب قبل آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بشراً سكنوا الأرض، واطّلعت عليهم الملائكة فرأتهم يفسدون ويسفكون الدماء.. وعلّق السيد الطباطبائي (قدّس سِرُّه) على هذا الحديث بقوله : «يمكن أن يشير بها إلى دورة
في الأرض سابقة على دورة بني آدم هذه، كما وردت فيه الأخبار، ولدينا من ذلك ما مر من أن الملائكة فهمت ذلك من قوله تعالى : «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ»، بل لا يتمّ الخبر بدون ذلك، إلّا كان هذا القول قياساً من الملائكة مذموماً كقياس إبليس» (1).
5 - قَالَ تَعَالَى: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ» (31)
وأُثرت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان هذه الآية عدة تفاسير، وهي :
قال : «الْأَرْضَينَ وَالْجِبَالَ، وَالشَّعَابَ وَالْأَوْدِيَةَ، ثم نظر إلى بساط تحته فقال : وهذا البساطُ ممّا عَلَّمَهُ» (2).
قال : «أَسْمَاءُ الْأَوْدِيَةِ وَالنَّباتِ وَالشَّجَرِ وَالْجِبالِ مِنَ الْأَرْضِ» (3).
فقلت : جعلت فداك، قوله : «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا» الطست والدست سنانه
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الفجاجُ وَالْأَوْدِيَةُ، وأهوى بيده كذا وكذا» (1).
فقالوا : «سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» (2).
قالَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «يَا آدَمُ أَنبِئُهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ» (3)وَقَفوا عَلَى عَظِيمٍ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللّه عَزَّ ذِكْرُهُ، فَعَلِموا أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِأَنْ يَكونوا خُلَفَاءَ اللّه فِي أَرْضِهِ وَحُجَجَهُ عَلَى بَرِيَّتِهِ، ثُمَّ غَيْبَهُمْ عَنْ أَبْصارِهِمْ، وَاسْتَعْبَدَهُمْ بِوَلايَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ، وَقالَ لَهُمْ: «أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُون» (4)» (5).
6 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ» (34)
والكلام فيما أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية يقع في مقامين :
الأول : في بيان المراد من سجود الملائكة لآدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد روى أبو بصير، قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): سجدت الملائكة ووضعوا جباههم على الأرض ؟
قالوا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : نَعَمْ، تَكْرِمَةٌ مِنَ اللّه تعالى».
وعلّق الإمام السبزواري على هذا الحديث بقوله : «أقول : هذا يختصّ بملائكة الأرض، وأمّا ملائكة السماء وحملة العرش فلا يعلم كيفية سجودهم، ولا يستفاد من هذا الحديث ذلك».
وفي تحف العقول عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «إِنَّ السُّجودَ مِنَ الْمَلائِكَةِ لَآدَمَ إِنَّما كانَ ذلِكَ طَاعَةً لِلَّهِ وَمَحَبَّةٌ مِنْهُمْ لَآدَمَ» (1).
وعلى هذا فالسجود هو الطاعة والولاء وليس وضع الجبهة على الأرض.
الثاني : إن إبليس هل كان من الملائكة أم لا ؟ فقد سأل جميل بن درّاج الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الجهة، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلائِكَةِ، وَكَانَتِ الْمَلائِكَةُ تَرى أَنَّهُ مِنْهَا، وَكانَ اللّه يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا، وَلَمْ يَكُنْ يَلِى شَيْئاً مِنْ أَمْرِ السَّمَاءِ» (2).
قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) «أُمِرَ إِبْليسُ بِالسُّجودِ لَآدَمَ فَقالَ : يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ إِنْ أَعْفَيْتَني مِنَ السُّجودِ لَآدَمَ لَأَعْبُدَنَّكَ عِبادَةٌ ما عَبَدَكَ أَحَدٌ قَطُّ مِثْلَها.
قالَ اللّه جَلَّ جَلالُهُ : إِنِّي أحِبُّ أَنْ أطاعَ مِنْ حَيْثُ أُرِيدُ، وَقَالَ : إِنَّ إِبْلِيسَ رَنَّ أَرْبَعَ رَنَّاتٍ :
أَوَّلُهُنَّ يَوْمَ لُعِنَ، وَيَوْمَ أهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ، وَيَوْمَ بُعِثَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَحينَ أُنزِلَتْ أُمُّ الْكِتابِ، وَنَخَرَ نَخْرَتَينِ : حينَ أَكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَحينَ أهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ» (3).
«قَالَ تَعَالَى: «وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا
رَغَداً حَيْثُ شِئْتَما وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا ممّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ» (35) و (36)
وأدلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتفسير شامل لهاتين الآيتين فقد سئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن جنّة آدم أمن جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَتْ مِنْ جِنانِ الدُّنْيا تَطْلُعُ فيها الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَلَوْ كانَتْ مِنْ جِنانِ الْآخِرَةِ ما خَرَجَ مِنْها أَبَداً».
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَلَمّا أَمْكَنَهُ اللّه الْجَنَّةَ وَأَباحَها لَهُ، إِلَّا الشَّجَرَةَ؛ لأنَّهُ خَلَقَ خِلْقَةٌ لَا يَبْقى إِلَّا بِالْأَمْرِ وَالنَّهي وَالْغِذاءِ وَاللبَاسِ وَالاكتِنانِ وَالنَّكاح، وَلَا يُدْرِكُ ما يَنْفَعُهُ ممّا يَضُرُّهُ إلَّا بِالتَّوْفِيقِ، فَجاءَهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ لَهُ : إِنَّكُما إِنْ أَكَلْتُما مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتى نَهَاكُما اللّه عَنْها صِرْتُما مَلَكَيْنِ وَبَقِيتُما فِى الْجَنَّةِ أَبَداً، وَإِنْ لَمْ تَأْكُلا مِنْها أَخْرَجَكُما اللّه مِنَ الْجَنَّةِ، وَحَلَفَ لَهُما أَنَّهُ لَهُما ناصِحٌ كَما قالَ عَزَّ وَجَلَّ حِكايةٌ عَنْهُ : «مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ» (1).
فَقَبلَ آدَمُ قَوْلَهُ : فَأَكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ فَكانَا كَما حَكَى اللّه، فَبَدَتْ لَهُما سَوءاتهما وَسَقَطَ عَنْهُما ما أَلْبَسَهُما اللّه مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَقْبَلا يَسْتَتران مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ.
«وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ» (2).
فَقالا - كَما حَكَى اللّه عَنْهُما -: «رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ» (1).
فَقالَ اللّه لَهُما : «اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ» (2). قالَ : أَي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قالَ : فَهَبَطَ آدَمُ عَلَى الصَّفا، وَإِنَّما سُمِّيَتِ الصَّفا؛ لأنَّ صَفِيَّ اللّه أُنزِلَ عَلَيْهَا، وَنَزَلَتْ حوّاهُ عَلَى الْمَرْوَةِ؛ لأنَّ الْمَرْأَةَ أُنزِلَتْ عَلَيْهَا، فَبَقِيَ آدَمُ أَرْبَعينَ صَباحاً سَاجِداً يَبْكِي عَلَى الْجَنَّةِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جَبرئيلُ فَقالَ : أَلَيْسَ خَلَقَكَ اللّه بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ روحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ ؟
قالَ : بَلَى، وَأَمَرَكَ أَنْ لَا تَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتَهُ ؟
قالَ آدَمُ : إِنَّ إِبْلِيسَ حَلَفَ لي بِاللّه كَاذِباً» (3).
وروى عبداللّه بن سنان، قال : «سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنا حاضر : كم لبث آدم وزوجته في الجنّة حتّى أخرجتهما منها خطيئتهما ؟
فقال : إِنَّ اللّه تَبارَكَ وَتَعَالَى نَفَخَ فِي آدَمَ رُوحَهُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ بَرَأَهُ زَوْجَتَهُ مِنْ أَسْفَلِ أَضْلاعِهِ، ثُمَّ أَسْجَدَ لَهُ مَلائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَوَاللّه مَا اسْتَقَر فيها إِلَّا سِتَّ ساعاتٍ مِنْ يَوْمِهِ ذلِكَ حَتَّىٰ عَصَى اللّه تَعَالَى، فَأَخْرَجَهُما اللّه مِنْها بَعْدَ غُروبِ الشَّمْسِ، وَصُيّرًا بِفِناءِ الْجَنَّةِ حتّى أَصْبَحا، فَبَدَتْ لَهُما سَوءاتِهما «وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ».
فَاسْتَحْيى آدَمُ فَخَضَعَ، وَقالَ : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسِنَا، وَاعْتَرَفْنَا بِذُنوبِنَا، فَاغْفِرْ لَنَا.
قالَ اللّه لَهُما : اهْبِطا مِنْ سَماواتِي إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَا يُجاوِرُني فِي جَنَّتِي عَاصٍ، وَلَا في سماواتي» (1).
9 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ» (63).
وسئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه : «خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ» أقوّة الأبدان أو قوّة القلب ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فيهما جميعاً» (2).
9 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّن عِندِ اللّه مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّه عَلَى الْكَافِرِينَ» (89)
أدلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتفسير هذه الآية، وسبب نزولها، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
«كانَتِ الْيَهودُ تَجِدُ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ مَهاجِرَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما بَيْنَ عَبر وَأحُدٍ، فَخَرَجوا عَيْرٍ يَطْلِبونَ الْمَوْضِعَ، فَمَرُوا بِجَبَلٍ يُقالُ لَهُ : حَدادٌ، فَقالوا : حَدادٌ وَأَحدٌ سَواءٌ، فَتَفَرَّقوا عِنْدَهُ فَنَزَلَ بَعْضُهُمْ بِتَيْماءَ وَبَعْضُهُمْ بِفَدَكِ وَبَعْضُهُمْ بِخَيْبَرٍ، فَاشْتَاقَ الَّذِينَ بِتَيمَاءَ إِلَى بَعْضٍ إِخْوَانِهِمْ، فَمَرَّ بِهِمْ أَعْرابِيُّ مِنْ فَيسٍ، فَتَكارَوا مِنْهُ، وَقالَ لَهُمْ : أَمُرُ بِكُمْ ما بَيْنَ عَيرٍ وَأُحَدٍ.
فَقالوا لَهُ : إِذا مَرَرْتَ بهما فاذِنَا لَهُما، فَلَمّا تَوَسطَ بِهِمْ أَرْضَ الْمَدينَةِ قالَ : ذلِكَ عَيْرٌ وهذا أحدٌ، فَنَزَلُوا عَنْ ظَهْرِ إِيلِهِ، وَقَالُوا لَهُ : قَدْ أَصَبْنا بُغْيَتَنا فَلَا حَاجَةَ بِنا إلى إِبِلِكَ، فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، وَكَتَبوا إِلَى إِخْوَانِهِمُ الَّذينَ بِفَدَك وَخَيْبَرٍ : إِنَّا قَدْ أَصَبْنَا الْمَوْضِعَ فَهَلُمُوا إِلَيْنا.
فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ: إِنَّا قَدِ اسْتَقَرَّتْ بنا الدَارُ، وَاتَّخَذْنا بها الأمْوالَ، وَما أَقْرَبَنَا مِنْكُمْ، فَإِذا كانَ ذلِكَ أَسْرَعْنا إِلَيْكُمْ، وَاتَّخِذُوا بِأَرْضِ الْمَدِينَةِ أَمْوالاً، فَلَمّا كَثُرَتْ أَمْوالُهُمْ بَلَغَ ذلِكَ تُبَّعْ فَغَزاهُمْ فَتَحَصَّنوا مِنْهُ، فَحاصَرَهُمْ ثُمَّ آمَنْهُمْ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ
فَقالَ لَهُمْ: إِنِّي قَدِ اسْتَطَبْتُ بِلادَكُمْ، وَلَا أَراني إِلَّا مُقيماً فِيكُمْ، فَقَالُوا : لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، إِنَّهَا مَهاجِرُ نَبِيَّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ حَتَّىٰ يَكُونَ ذلِكَ.
فَقالَ لَهُمْ: إِنِّي مُخَلَّفَ فيكُمْ مِنْ أَسْرَتى مَنْ إذا كانَ ذلِكَ سَاعَدَهُ وَنَصَرَهُ، فَخَلَّفَ حَيَّينِ تَراهُمُ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ.
فَلَمّا كَثروا بها كانوا يَتَناولونَ أَمْوالَ الْيَهُودِ، فَكانَتِ الْيَهُودُ تَقولُ : أَما لَوْ بُعِثَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لَنُخْرِ جَنَّكُمْ مِنْ ديارنا وَأَمْوالِنا، فَلَمّا بَعَثَ اللّه محمّداً آمَنَتْ بهِ الأَنْصَارُ، وَكَفَرَتْ بِهِ الْيَهُودُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : «وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا» إلى آخر الآية» (1).
وجاء في الكافي عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «كانَ قَوْمَ فيما بَيْنَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكانوا يتوعدونَ أَهْلَ الْأَصْنامِ بِالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَيَقولونَ: لَيَخْرُجَنُ نَبِيُّ وَلَيَكْسُرَنْ أَصْنَامَكُمْ لَيَفْعَلَنَّ بِكُمْ ما يَفْعَلَنُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كفروا به» (2).
10 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (124)
وعلّق الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هذه الآية بقوله : «إِنَّ اللّه تَعالى اتَّخَذَ إِبْراهيمَ عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ نَبِيّاً، وَإِنَّ اللّه اتَّخَذَهُ نَبِيَا قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ رَسولاً، وَإِنَّ اللّه اتَّخَذَهُ رَسُولاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَليلاً، وَإِنَّ اللّه اتَّخَذَهُ خَلِيلاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ إِمَاماً، فَلَمّا جَمَعَ لَهُ الْأَشْيَاءَ قَالَ : «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً».
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فَمِنْ عِظَمِها - أي الإمامة - في عَيْنِ إبْراهيمَ قالَ : «وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»، قال : لَا يَكونُ السَّفيه إمامَ التَّقِيُّ» (1).
واستند المتكلّمون من الإمامية إلى هذه الآية الكريمة إلى عدم إضفاء الإمامة التي هي من أسمى المراتب على من كان ظالماً لنفسه باقتراف المعاصي وعبادة الأصنام، ولو في زمن قصير، وإنما تضفى على الزكي الذي مُحيت من نفسه جميع أفانين الظلم والآثام، وفي طليعتهم أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، الذين طهرهم اللّه من الزيغ والإثم، وقرنهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمحكم التنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
11 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ» (125)
1) الميزان في تفسير القرآن : 1 : 276. أصول الكافي - كتاب الحجّة : 1: 175، باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، الحديث 2.
أمّا المراد من تطهير البيت، فقد أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قولان، وهما :
الأول : «إنّ تطهيره بإزالة المشركين عنه» (1)، «فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ لَا يَدْخُلَ مَكَّةَ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ قَدْ غَسَلَ عَرَقَهُ وَالأذى وَتَطَهَّرَ» (2).
الثاني : «إِنَّ الْمُرَادَ هُوَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْإِنسانُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ قَدْ غَسَلَ بَدَنَهُ مِنَ النَّجَاسَةِ وَغَيْرِها» (3).
تأسيس البيت الحرام
وأدلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمعلومات مهمة عن تأسيس البيت الحرام وبنائه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ نازِلاً في بادِيَةِ الشَّامِ، فَلَمّا وُلِدَ لَهُ مَنْ هَاجَرَ إِسْمَاعِيلُ اغْتَمَّتْ سارَةٌ مِنْ ذلِكَ غَماً شَدِيداً؛ لأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ، وَكانَتْ تُؤذي إِبْراهيمَ في هَاجَرَ وَتَغمُّهُ، فَشَكي إبْراهِيمُ ذلِكَ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ.
فَأوحى اللّه إِلَيْهِ : مَثَلُ الْمَرْأَةِ مَثَلُ الضّلْعِ الْمَوْجَاءِ، إِنْ تَرَكْتَهَا اسْتَمْتَعْتَ بِها، وَإِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَها.
ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُخْرِجَ إِسْمَاعِيلَ وَأُمَّهُ، فَقالَ : يا رَبِّ إِلى أَيِّ مَكانٍ ؟
فَقالَ : إِلَى حَرَمِي وَأَمْني، وَأَوَّلِ بُقْعَةٍ خَلَقْتُهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَهِي مَكَّةُ.
فَأَنْزَلَ اللّه عَلَيْهِ جَبْرَئِيلَ بِالْبُراقِ، فَحَمَلَ هَاجِرَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِبْراهيمَ، وَكانَ إِبْراهِيمُ لَا يَمُرُّ بِمَوْضِعِ حَسَنٍ فِيهِ شَجَرٌ وَزَرْعَ وَنَخْلٌ إِلَّا وَقالَ إِبْرَاهِيمُ : يَا جَبْرَئِيلُ، إِلَى هاهنا إِلَى هاهُنا.
فَيَقولُ جَبْرَئِيلُ : لَا امضِ، حتّى وافى مَكَّةَ فَوَضَعَهُ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ، وَقَدْ كانَ إِبْراهيم عاهَدَ سارةَ أَنْ لَا يَنْزِلَ حتّى يَرْجِعَ إِلَيْهَا، فَلَمّا نَزَلُوا فِي ذلِكَ الْمَكَانِ كَانَ فِيهِ شَجَرٌ، فَأَلْقَتْ هَاجَرُ عَلى ذلِكَ الشَّجَرِ كِساء كانَ مَعَها فاسْتَظَلُوا تَحْتَهُ، فَلَمّا سَرَّحَهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَوَضَعَهُمْ أَرادَ الإِنصرافَ عَنْهُمْ إِلى سارَةَ، قالَتْ لَهُ هَاجَرُ : يَا إِبْراهِيمُ، أَتَدَعْنا في مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ أَنيسٌ وَلَا مَاءً وَلَا زَرْعٌ.
فَقالَ إِبْراهِيمُ : اللّه الَّذي أَمَرَنِي أَنْ أَضَعَكُمْ فِي هَذَا الْمَكانِ هُوَ يَكْفِيكُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُمْ، فَلَمّا بَلَغَ كُداءَ - وَهُوَ جَبَلٌ بِذِي طُوى - الْتَفَتَ إِبْرَاهِيمُ فَقالَ : رَبِّ «إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» (1).
ثُمَّ مَضى وَبَقِيَتْ هَاجَرُ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ عَطِشَ إِسْمَاعِيلَ، فَقَامَتْ هَاجَرُ في مَوْضِعِ السَّعِي فَصَعَدَتْ عَلَى الصَّفا، وَلَمَعَ لَها السَّرابُ فِي الْوادِي فَظَنَّتْ أَنَّهُ مَاءٌ فَنَزَلَتْ فِي بَطْنِ الوادي وَسَعَتْ.
فَلَمّا بَلَغَتِ الْمَرْوَةُ غابَ عَنْهَا إِسْمَاعِيلُ عادَتْ حتّى بَلَغَتِ الصَّفا، فَنَظَرَتْ حَتَّىٰ فَعَلَتْ ذلِكَ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَلَمّا كانَ في الشَّوْط السابع وَهِيَ عَلَى الْمَرْوَةِ نَظَرَتْ إِلَى إِسْمَاعِيلَ وَقَدْ ظَهَرَ الْمَاءُ مِنْ تَحْتِ رِجْلَيْهِ، فَعَادَتْ حتّى جَمَعَتْ حَوْلَهُ رَمْلاً فَإِنَّهُ كَانَ - أَي الماء - سائِلاً فَزَمَّتهُ بِما جَعَلَتْ حَوْلَهُ، فَلِذلِكَ سُمِّيتْ زَمْزَمُ، وَكانَتْ جُرْهُمْ نازِلَةٌ بِذِي الْمَجازِ وعرفات.
فَلَمّا ظَهَرَ الْمَاءُ بِمَكَّةَ عَكَفَتِ الطَّيْرُ وَالْوَحْشُ عَلَى الْمَاءِ، فَنَظَرَتْ جُرْهُمْ إِلَى تَعَكَّفِ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ عَلى ذلِكَ الْمَكانِ، فَأَتَّبَعَتْها، حتّى نَظَرُوا إِلَى امْرَأَةٍ وَصَبِيٌّ نازِلَينِ في
1) إبراهيم 14: 37.
ذلِكَ الْمَوْضِع قَدِ اسْتَظَلّا بِشَجَرَةٍ، وَقَدْ ظَهَرَ الماءُ لَهُما، فَقالوا لهاجَرَ : مَنْ أَنْتِ ؟ وَمَا شَأْتِكِ وَشَأْنِ هذا الصبي ؟
قالَتْ : أَنا أُمُّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ خَليلِ الرَّحْمنِ، وهذا ابْنُهُ، أَمَرَهُ اللّه أَنْ يُنزِلَنا هاهنا.
فَقالوا لَها : أَتَأْذَنِينَ أَنْ نَكونَ بِالْقُرْبِ مِنْكُمْ ؟
فَقالَتْ لَهُمْ حتّى يَأْتِي إِبْرَاهِيمُ، فَلَمّا زَارَهُمْ إِبْرَاهِيمُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَالَتْ هَاجَرُ: يا خَليلَ اللّه، إِنَّ هاهنا قَوْماً مِنْ جُرْهُمْ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُمْ حتّى يَكونوا بِالْقُرْبِ مِنا، أَفَتَأْذَنَ لَهُمْ فِي ذلِكَ ؟
فَقالَ : نَعَمْ، فَأَذِنَتْ هَاجَرُ لَهُمْ، فَنَزَلُوا بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ، وَضَرَبُوا خِيامَهُمْ، فَأَنِسَتْ هاجَرُ وَإِسْمَاعِيلُ بِهِمْ، فَلَمّا زارَهُمْ إِبْرَاهِيمُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ نَظَرَ إِلَىٰ كَثْرَةِ النَّاسِ حَوْلَهُمْ، فَسُرَّ بِذلِكَ سُروراً شديداً.
فَلَمّا تَحَرَّكَ إِسْمَاعِيلُ، وَكانَتْ جُرْهُمْ قَدْ وَهَبوا لإسْمَاعِيلَ كلّ واحِدٍ مِنْهُمْ شاة وشاتينِ، فَكانَتْ هَاجَرُ وَإِسْمَاعِيلُ يَعيشان بها، فَلَمّا بَلَغَ إِسْمَاعِيلُ مَبْلَغَ الرَّجالِ، أَمَرَهُ اللّه أَنْ يَبْنِيَ الْبَيْتَ.
إلى أن قال : فَلَمْ يَدْرِ إبْرَاهِيمُ في أَي مَكانٍ يَبنيهِ، فَبَعَثَ اللّه جَبْرَئِيلَ وَخَطِّ لَهُ مَوْضِعَ الْبَيْتِ.
إلى أن قال : وَنَقَلَ إِسْمَاعِيلُ الْحَجَرَ مِنْ ذِي طُوىٰ فَرَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ تِسْعَةَ أَذْرُعٍ، ثُمَّ دَلَّهُ عَلَى مَوْضِعِ الْحَجَرِ فَاسْتَخْرَجَهُ إِبْرَاهِيمُ، وَوَضَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الآنَ، فَلَمّا بُنِي جَعَلَ لَهُ بِابَينِ : باباً إِلَى الشَّرْقِ، وَباباً إِلَى الْغَرْبِ، وَالْبَابُ الذي إِلَى الْغَرْبِ يُسَمَّى الْمُسْتَجارُ، ثُمَّ أَلقى عَلَيْهِ الشَّجَرَ وَالْإِذْخِرَ، وَأَلْقَتْ هَاجَرُ عَلَى بَابِها كِسَاءَ كَانَ مَعَهَا، وَكانوا يَكونونَ تَحْتَهُ، فَلَمّا بُنِيَ وَفُرِغَ مِنْهُ حَجَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلُ، وَنَزَلَ عَلَيْهِما
جَبْرَئِيلُ يَوْمَ التَّروِيَةِ لِثَمانٍ مِنْ ذِي الحجّة، فَقالَ : يا إِبْراهِيمُ، قُمْ وَارْتَوِ مِنَ الْمَاءِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمِنى وَعَرَفَاتٍ ماءً فَسُمِّيتْ التَّروِيَةُ لِذلِكَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ إِلى مِنى فَبَاتَ بِها، فَفَعَلَ بِهِ ما فَعَلَ بِآدَمَ.
فَقالَ إِبْراهِيمُ لَمّا فَرِغَ مِنْ بِناءِ هَذَا الْبَيْتِ : «رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم» (1).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَيْ مِنْ ثَمَراتِ الْقُلوبِ، أَيْ حَبَّبْهُمْ إِلَى النَّاسِ لِيَسْتَأْنِسوا بِهِمْ، وَيَعُودوا إِلَيْهِمْ» (2).
12 - قَالَ تَعَالَى: «وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (135)
فسر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) «بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً» «إِنَّ الْحَنِيفِيَّةَ هي الْإِسْلامُ» (3).
13 - قال تعالى: «صِبْغَةَ اللّه وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّه صِبْغَةٌ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ» (138)
وأثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الصبغة في الآية قولان :
الصبغة : «هِيَ الْإِسْلامُ» (4).
الصبغة : «هي صبغ المؤمنين بالولاية - يعني الولاية لإمام الحقّ الإمام
صَبَغَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَلايَةِ فِي الْمِيثَاقِ» (1).
وعلّق السيّد الطباطبائي على ذلك بقوله : «وهو من باطن الآية على ما سنبيّن معناه» (2).
14 - قَالَ تَعَالَى: «سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا» (142)
قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «تَحَوَّلَتِ الْقِبْلَةُ إلَى الْكَعْبَةِ بَعْدَما صَلَّى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةٌ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبَعْدَ مُهاجَرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ».
قال : «ثُمَّ وَجْهَهُ اللّه إلى مَكَّةَ، وَذلِكَ أَنَّ اليَهُودَ كانوا يُعَبِّرُونَ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَقولونَ: أَنْتَ تابعٌ لَنا تُصَلِّي إِلى قِبْلَتِنا، فَاغْتَمَّ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مِنْ ذلِكَ غَمَا شَدِيداً، وَخَرَجَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرُ إِلَى آفَاقِ السَّمَاءِ، يَنْتَظِرُ مِنَ اللّه تَعالى فى ذلِكَ أَمراً، فَلَمّا أَصْبَحَ وَحَضَرَ وَقْتُ صَلاةِ الظُّهْرِ كَانَ فِي مَسْجِدِ بَني سَالِمٍ، وَقَدْ صَلَّى مِنَ الظَّهْرِ رَكْعَتَيْنِ فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ فَأَخَذَ بِعَضُدَيْهِ وَحَوَّلَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : «قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلَّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ».
فَكانَ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَرَكْعَتَيْنِ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَقالَتِ الْيَهُودُ وَالسُّفَهَاءُ : «مَا وَلاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا» (3).
15 - قَالَ تَعَالَى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» (143)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «فَإِنْ ظَنَنْتَ أَنَّ اللّه عَنى بِهَذِهِ الْآيَةَ جَمِيعَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْمُوَحَدِينَ، أَفَتَرى أَنْ مَنْ لَا تَجوزُ شَهَادَتُهُ في الدُّنْيا عَلى صاعِ مِنْ تَمْرٍ يَطْلُبُ اللّه شَهَادَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَقْبَلُهَا مِنْهُ، بِحَضْرَةِ جَميعِ الأُمَمِ الْمَاضِيَةِ ؟ كَلَّا لَمْ يَعْنِ اللّه مِثْلَ هذا مِنْ خَلْقِهِ، يَعْنِي الأُمَّةَ الَّتِي وَجَبَتْ لَهَا دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» (1)، وَهُمُ الأمَّةُ الوسطى، وَهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» (2).
16 -قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللّه مَعَ الصَّابِرِينَ» (153)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الصَّبْرُ الصِّيامُ، وَإِذا نَزَلَتْ بِالرَّجُلِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ :«اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ» يَعْني الصِّيامَ: (3).
17 - قَالَ تَعَالَى: «الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» (156) و (157)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : إِنِّي جَعَلْتُ
الدُّنْيا قَرْضاً، فَمَنْ أَقْرَضَنى فيها قَرْضاً أَعْطَيْتُهُ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَشْراً إِلَى سَبعمانَةِ ضَعْفٍ، وَما شِئْتَ مِنْ ذلِكَ، وَمَنْ لَمْ يُقْرِضْنى مِنْها قَرْضاً وَأَخذتُ مِنْه شَيْئاً قَسْراً أَعْطَيْتُهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ، لَوْ أَعْطَيْتُ واحِدَةً مِنْهُنَّ مَلائِكَتِي لَرَضُوا بِهَا مِنِّي).
ثم قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ»، فَهَذِهِ وَاحِدَةٌ مِنْ ثَلَاثِ خِصالٍ : «وَرَحْمَةٌ» مِنِ اثْنَتَينِ، «وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» ثَلاث».
ثم قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هذا لِمَنْ أَخَذَ اللّه مِنْهُ شَيْئاً قَسْراً» (1).
وفسّر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الصَّلاةُ مِنَ اللّه تعالى بأنها رَحْمَةٌ مِنْهُ، وَالصَّلاةُ مِنَ الْمَلائِكَةِ تَزْكِيَةٌ لِلشَّخْصِ، وَمِنَ النّاسِ دُعاءٌ لَهُ» (2).
18 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللّه فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّه شَاكِرٌ عَلِيمٌ» (158)
وفي هذه الآية الكريمة مقطعان، وأثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكل منهما تفسير، وهما :
الأول : في وجه تسمية الصفا بهذا الاسم، وكذلك المروة. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«سُمِّيَ الصَّفا صَفاء؛ لأَنَّ الْمُصْطَفَى آدَمَ هَبَطَ عَلَيْهِ، فَقَطَعَ لِلْجَبَلِ اسْمٌ مِنْ اسْمِ آدَمَ.
يَقولُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «إنَّ اللّه اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ» (1)، وَهَبَطَتْ حَوَاهُ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَإِنَّما سُمِّيَتِ المَروة؛ لأنَّ الْمَرْأَةَ هَبَطَتْ عَلَيْهَا، فَقُطِعَ لِلْجَبَلِ اسْمَ مِنْ اسْم الْمَرْأَةِ» (2).
الثاني : في بيان قوله تعالى : «فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا»، وقد أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير ذلك عدة أقوال، وهي :
روى أبو بصير عن الإمام أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير قوله تعالى : «فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا» «أَي لَا حَرَجَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَوَّفَ بِهِمَا» (3).
سئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن السعي بين الصفا والمروة فريضة أم سنّة ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فَرِيضَةٌ».
فقيل له : أوليس اللّه عزّ وجلّ قال : «فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا» ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كانَ ذلِكَ فِي عُمْرَةِ الْقَضاءِ إِنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْفَعوا
الْأَصْنامَ مِنَ الصَّفا وَالْمَرْوَةِ، فَتَشاغَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّىٰ أَعِيدَتِ الْأَصْنامُ، فَأَنْزَلَ اللّه: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللّه فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا»، أَي وَالْأَصْنامُ عَلَيْها» (4).
مِنْ شَعَائِرِ اللّه فَابْدَأُ بِمَا بَدَا اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ كانوا يَظُنُّونَ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا وَالْمَرْوَةِ شَيْءٌ صَنَعَهُ الْمُشْرِكونَ فَأَنْزَلَ اللّه: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللّه فَمَنْ حَجّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوفَ بِهِمَا» (1).
أمّا السعي بين الصفا والمروة فهو واجب، وقد عرضت كتب الفقه الاستدلالي إلى ذكر الأدلّة عليه.
19 - قَالَ تَعَالَى: «كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّه أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ» (167)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «هُوَ الرَّجُلُ يَدَعْ مالَهُ لَا يُنْفِقُهُ في طَاعَةِ اللّه بُخْلاً، ثُمَّ يَموتُ فَيَدَعُهُ لِمَنْ يَعْمَلُ فِي طَاعَةِ اللّه أَوْ فِي مَعْصِيَةِ اللّه، فَإِنْ عَمِلَ بِهِ فِي طَاعَةِ اللّه رَآهُ في ميزانِ غَيْرِهِ، فَرَآهُ حَسْرَةً - وَقَدْ كانَ الْمَالُ لَهُ - وَإِنْ كَانَ عَمِلَ بِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللّه قَوَاهُ بِذلِكَ المالُ حتّى عَمِلَ بِهِ في مَعْصِيَةِ اللّه» (2).
20 – قَالَ تَعَالَى: «إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّه فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاعْ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ» (173)
أثرت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير المضطر والباغي والعادي عدة أقوال، وهي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الباغي باغي الصَّيْدِ، وَالْعادي السّارِقُ، لَيْسَ لَهُما أَنْ يَأْكُلا الْمِيتَةَ إِذا اضْطَرًا إِلَيْهَا هِيَ حَرامٌ عَلَيْهِما لَيْسَ هِيَ عَلَيْهِما كَما هِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُما أَنْ يُقَصِّرا في الصَّلاةِ» (1).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الباغي : الظَّالِمُ، وَالْعادي : الْغَاصِبُ» (2).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الباغي : الْخارِج عَلَى الإِمامِ، وَالْعادي : اللصُّ» (3).
21 - قَالَ تَعَالَى: «فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ» (175)
نقل المفسّرون عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية عدّة أقوال، وهى :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى فِعْلِ ما يَعْمَلُونَ إِنَّهُ يُصَيِّرُهُمْ إِلَى النَّارِ» (4).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسيره للآية : «ما أَجْرَأَهُمْ عَلَى النَّارِ» (5).
«ما أَعْمَلَهُمْ بِأَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ» (6).
22 - قَالَ تَعَالَى: «یَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحَرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتَّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ» (178)
وأدلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتفسير محتويات الآية الكريمة، والتي منها :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير قوله تعالى : «الْحُرُّ بِالْحُرِّ»، قال: «لَا يُقْتَلُ الْحُرُ بِالْعَبْدِ، وَلَكِنْ يُضْرَبُ ضَرْباً شديداً، وَيُغَرَّمُ دِيَةَ الْعَبْدِ، وَإِنْ قَتَلَ رَجُلٌ امْرَأَةٌ فَأَرادَ أَوْلِياءُ الْمَقْتُولِ أَنْ يَقْتُلُوهُ أَدُّوا نِصْفَ دِيَتِها إِلى أَوْلياءِ الرَّجُلِ» (1).
روى الحلبي، قال : «سألت الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوله تعالى : «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتَّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ»، قالَ : يَنْبَغِي لِلَّذِي لَهُ الحقّ أَنْ لَا يُعْسِرَ أَخَاهُ إِذا كانَ قَدْ صَالَحُهُ عَلَى دِيَّةٍ، وَيَنْبَغِي لِلَّذِي عَلَيْهِ الحقّ أَنْ لَا يُمْطِلَ أَداءَهُ إِذا قَدَرَ عَلَى مَا يُعْطِيهِ وَيُؤدِّي إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ.
وسألته عن قول اللّه عزّ وجل : «فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، قال : «هُوَ الرَّجُلُ يَقْبَلُ الدِّيَةَ أَوْ يَعْفُو أَوْ يُصالِحُ ثُمَّ يَعْتَدِي فَيُقْتَلُ كَما قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ» (2).
23 - قَالَ تَعَالَى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ جَنَفَاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (180) – (182)
وحفلت هذه الآيات الكريمة بتقنين بعض الأحكام التي تتعلق بالوصية، وقد أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسيرها بعض الأحاديث، وهي :
روى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن جدّه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنه قال : «مَنْ لَمْ يُوصِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِذَوي قَرابَتِهِ مِمَّنْ لَا يَرِثُ فَقَدْ خَتَمَ عَمَلَهُ بِمَعْصِيَةٍ» (1).
روی محمّد بن مسلم، قال : «سألت الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الوصيّة تجوز للوارث ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَعَمْ، ثم تلا هذه الآية : «إن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ»» (2).
24 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» (186)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير بعض فقرات هذه الآية: «وَلْيُؤْمِنُوا بِي» أَيْ لِيَتَحَقَّقوا أَنِّي قادِرٌ عَلَى إِعْطَائِهِمْ ما سَأَلُوهُ «لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَم أَيْ لَعَلَّهُمْ يُصيبونَ الحقّ أَيْ يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ» (4).
ومن الجدير بالذكر أن بعض أصحاب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال له : «إنّي لأجد آيتين في كتاب اللّه أطلبهما فلا أجدهما ؟
وسارع الإمام قائلاً : وَما هُما ؟
فردّ عليه الإمام : أَتَرَى اللّه أَخْلَفَ وَعْدَهُ ؟
لا.
مَهُ ؟
لا أدري
لكنّي أخْبِرُكَ مَنْ أَطَاعَ اللّه فيما أَمَرَهُ ثُمَّ دَعاهُ مِنْ جِهَةِ الدُّعاءِ أَجَابَهُ.
ما جهة الدعاء ؟
تَبْدَأُ فَتَحمَدُ اللّه وَتُمَجِّدُهُ وَتَذْكُرُ نِعَمَهُ عَلَيْكَ فَتَشْكُرُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي عَلى محمّد وَآلِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُ ذُنُوبَكَ فَتُقِرُّ بها، ثُمَّ تَسْتَغْفِرُهُ مِنْهَا، فَهَذِهِ جَهَةُ الدُّعاءِ.
ووجّه الإمام إليه السؤال التالي : ما الآية الأخرى.
فأنكر عليه الإمام قائلاً : أَتَرَى اللّه أَخْلَفَ وَعْدَهُ ؟
وأجاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالواقع الذي جهله الرجل قائلاً: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمُ اكْتَسَبَ الْمَالَ
مِنْ حِلَّهِ، وَأَنْفَقَ فِي حَقِهِ لَمْ يُنْفِقُ دِرْهَمَا إِلَّا أَخْلَفَ اللّه عَلَيْهِ» (1).
25 - قَالَ تَعَالَى: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّه أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللّه لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا» (187)
وأدلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحديث فسّر الآية به، وبيّن فيه سبب نزولها.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ الْأَكْلُ وَالنِّكَاحُ مُحَرَّمينِ في شَهْرِ رَمَضانَ بِاللَّيْلِ بَعْدَ النَّوم، يَعْنِي كلّ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَنَامَ وَلَمْ يَفْطْرِ ثُمَّ انْتَبَهَ حَرُمَ عَلَيْهِ الإِفْطَارُ، وَكَانَ النِّكَاحُ حَراماً بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ فِي شَهْرِ رَمَضانَ، وَكانَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يُقالُ لَهُ خَواتُ بْنُ جُبَيرِ الْأَنْصَارِي أَحْو عَبْدِ اللّه بْنِ جُبَيرِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَكَّلَهُ بِفَمِ الشِّعْبِ يَوْمَ أَحَدٍ في خَمْسِينَ رَجُلاً مِنَ الرُّمَاةِ، فَفَارَقَهُ أَصْحابُهُ وَبَقِيَ فِي اثْنِي عَشَرَ رَجُلاً فَقُتِلَ عَلَى بَابِ الشَّعْبِ، وَكانَ أَخوهُ هذا خَواتُ بْنُ جُبَيرٍ شَيْخاً كَبيراً ضَعِيفاً، وَكَانَ صَائِماً مَعَ رَسُولِ اللّه فِي الْخَنْدَقِ، فَجَاءَ إِلَى أَهْلِهِ حِينَ أَمْسَى، فَقَالَ : عِنْدَكُمْ طَعَامٌ ؟
فَقالوا : لَا تَنَمْ حتّى نَصْنَعَ لَكَ طَعاماً، فَأَبْطَأتَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ بِالطَّعام، فَنامَ قَبْلَ أَنْ يَفْطُرَ، فَلَمَّا انْتَبَهَ قالَ لأَهْلِهِ : قَدْ حَرُمَ عَلَيَّ الأَكْلُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَلَمّا أَصْبَحَ حَضَرَ حَفْرَ الْخَنْدَقِ، فَأَغْمِيَ عَلَيْهِ، فَرَآهُ رَسولُ اللّه فَرَقَ لَهُ، وَكانَ قَوْمَ مِنَ الشَّبَانِ يَنْكِحُونَ بِاللَّيْلِ سِرّاً في شَهْرِ رَمَضَانَ، فَأَنْزَلَ اللّه: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ».
فَأَحَلَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى النِّكَاحَ بِاللَّيْلِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْأَكْلَ بَعْدَ النَّومِ إِلى طُلوعِ
1) الميزان في تفسير القرآن : 2 : 42.
الْفَجْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» قالَ : هُوَ بَياضُ النَّهارِ مِنْ سَوادِ اللَّيْل» (1).
26 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّن أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ» (188)
روى أبو بصير، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قول اللّه عزّ وجلّ : «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكّامِ».
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أبا بَصيرٍ، إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ عَلِمَ أَنَّ فِي الأُمَّةِ حُكّاماً يَجُورونَ، أَما إِنَّهُ لَمْ يَعْنِ حُكّامَ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَلكنَّهُ عَنى حُكّامَ أَهْلِ الْجَوْرِ.
يا أَبَا محمّد، لَوْ كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَدَعَوْتَهُ إِلَىٰ حُكّامِ أَهْلِ الْعَدْلِ فَأَبَىٰ عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ يُرافِعَكَ إِلى حُكّامِ أَهْلِ الْجَوْرِ لِيَقْضوا لَهُ لَكَانَ مِمَّنْ يُحاكِمُ إِلَى الطَّاغُوتِ، وَهُوَ قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ» (2)» (3).
وأثر عنه في تفسير الآية : «إِنَّهُ كانَتْ قُرَيْسٌ تُقامِرُ الرَّجُلَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَنَهَاهُمُ اللّه عَنْ ذلِكَ» (4).
27 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَيْسَ الْبِرِّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرِّ
مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن أَبْوَابِها» (189)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «الْأَوْصياءُ هُمْ أَبواب اللّه التى مِنْها يُؤْتى، وَلَوْلَاهُمْ ما عُرِفَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَبِهِمُ احْتَجَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعالى عَلى خَلْقِهِ».
وعلّق السيّد الطباطبائي على هذه الرواية بقوله : «الرواية من الجري، وبيان لمصداق من مصاديق الآية بالمعنى الذي فسرت به في الرواية الأولى» (1).
28 - قال تعالى: «وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» (195)
وجعل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مصاديق هذه الآية : ما لو أنفق رجل ما في يديه في سبيل اللّه تعالى، ولم يبق لنفسه وعياله شَيْئاً، فَلَمْ يحسن ولم يوفّق، أليس اللّه يقول: «وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» يعني المقتصدين» (2).
29 - قَالَ تَعَالَى: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» (196)
وأثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير قوله تعالى : «وَأَتِمُوا الْحَج وَالْعُمْرَةَ» كوكبة من الروايات، منها ما يلي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله تعالى : «وَأَتِمُّوا الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ» : «هُما مَفروضانِ» (3).
في روی محمّد بن مسلم وزرارة وحمران عن الإمام أبي جعفر والإمام أبي
عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قالوا : «سألناهما عن قوله : «وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ»، قالا : فإِنَّ تَمامَ الْحَج أَنْ لَا يَرفُتَ، وَلَا يَفْسُقَ، وَلَا يُجادِل» (1).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْمُرادُ بِإتمامِهِما أَدائَهُما، وَاثْقاءَ ما يَتَّقى الْمُحْرِمُ فِيهِما» (2).
«روى الحلبي عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «إِنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حينَ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسلامِ خَرَجَ فِي أَرْبَعَ بَقِيْنَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ حتّى أَتَى الشَّجَرَةَ، وَصَلَى بِها، ثُمَّ قادَ راحِلَتَهُ حتّى أَتَى الْبَيْداءَ فَأَحْرَمَ مِنْهَا، وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَسَاقَ مَائَةَ بَدَنَةٍ، وَأَخْرَجَ النَّاسَ كُلَّهُمْ بِالْحَجِّ، لَا يَنوونَ عُمْرَةً، وَلَا يَدْرُونَ مَا الْمُتْعَةُ، حَتَّىٰ إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مَكَّةَ طافَ بِالْبَيْتِ، وَطافَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَى رُكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَقامِ وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ.
ثُمَّ قالَ : أَبْدَأُ بِما بَدَأَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، فَأَتَى الصَّفا فَبَدَأَ بِها، ثُمَّ طَافَ بَيْنَ الصَّفا وَالْمَرْوَةِ سَبْعاً، فَلَمّا قضى طَوافَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ قامَ خَطيباً وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُحِلُّوا، وَيَجْعَلوها عُمْرَةً، وَهُوَ شَيْءٌ أَمَرَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، فَأَحَلَّ النَّاسُ.
وَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَوْ كُنْتُ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْري ما اسْتَدْبَرْتُ، لَفَعَلْتُ كَما أَمَرْتُكُمْ، وَلَمْ يَكُنْ يَستطيعُ مِنْ أَجْلِ الْهَدِي الذي مَعَهُ إِنَّ اللّه تَعالى يَقولُ: «وَلَا تَحْلِقُوا رؤوسَكُمْ حتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ».
قالَ سُراقَةُ بْنُ جَعَثَمَ الْكِناني : عَلَّمَنَا دَيْنَنا كَأَنَا خُلِقْنَا الْيَوْمَ، أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي أَمَرْتَنا بِهِ لِعَامِنَا أَوْ لِكُلِّ عامٍ ؟
فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَا بَلْ لِلْأَبَدِ.
وَإِنَّ رَجُلاً قامَ فَقالَ : يا رَسولَ اللّه، نَخْرُجُ حُجَاجاً، وَرُؤوسُنَا تَقطرُ مِنْ نِسَائِنا ؟
فَقالَ رَسولُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّكَ لَنْ تُؤْمِنَ بِها أَبَداً».
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَأَقْبَلَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ حتّى وافَى الْحَجَّ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ (عَلَيهَا السَّلَامُ) قَدْ أَحَلَّتْ وَوَجَدَ ريحَ الطَّيْبِ، فَانْطَلَقَ إِلى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مُسْتَفْتِياً.
فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يا عَلَيَّ، بِأَيِّ شَيْءٍ أَهْلَلْتَ ؟
فَقالَ : بِما أَهَل بِهِ النَّبيُّ.
فَقالَ : لَا تُحِلَّ أَنْتَ، فَأَشْرَكَهُ فِي الْهَدِي، وَجَعَلَ لَهُ سَبْعاً وَثَلاثِينَ، وَنَحَرَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثَلاثاً وَسِتِّينَ، فَنَحَرَها بِيَدِهِ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ كلّ بَدَنَةٍ بِضْعَةٌ فَجَعَلَها في قَدَرٍ واحِدٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَطْبِخَ، فَأَكَلَ وَحَسا مِنَ الْمَرَقِ.
وَقالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): قَدْ أَكَلْنا الآنَ مِنْهُ جَميعاً، وَالْمُتْعَةُ خَيْرٌ مِنَ الْقَارِنِ السَّائِقِ، وَخَيْرٌ مِنَ الحاج الْمُفْرَد» (1).
30 - قَالَ تَعَالَى: «فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» (196)
وفتت هذه الآية الكريمة جملة من أحكام الحج، وهي حسب ما أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيانها :
قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) - في المتمتع لا يجد الشاة : الشاة - : «يَصومُ قَبْلَ التَّروِيَةِ وَيَوْمَ
عَرَفَةَ.
قيل : فإنّه قد قدّم يوم التروية ؟
قال : يَصومُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ التَّشريقِ.
قيل : لم يقم عليه جماله ؟
قال : يَصومُ يَوْمَ الْحَصْبَةِ وَبَعْدَهُ يَوْمَينِ.
قيل : وما الحصبة ؟
قال : يَوْمَ نَفْرِهِ.
قيل : يصوم وهو مسافر ؟
قال : نَعَمْ، أَلَيْسَ هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، إِنَّا أَهْلَ بَيْتٍ نَقولُ بِذلِكَ. يقول اللّه تعالى : «فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجَّ» يقول في ذي الحجّة» (1).
31 - قَالَ تَعَالَى: «فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» (197)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): والرَّفَثُ : الْجُمَاعُ، وَالْفُسُوقُ : الْكَذِبُ وَالسُّبابُ، وَالْجِدالُ : قَوْلُ الرَّجُل : لَا وَاللّه، وَبَلى واللّه» (2).
32 - قَالَ تَعَالَى: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ» (198)
قال في تفسير هذه الآية : «إِذا أَحَلَّ الرَّجُلُ مِنْ إِحْرامِهِ وَقَضى، فَلْيَشْتَرِ وَلْيَبعْ في الْمَوْسِمِ» (1).
33 - قَالَ تَعَالَى: «ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ» (199)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية المباركة : «إِنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ كَانُوا يَقِفُونَ عَلَى الْمِشْعَرِ الْحَرام، وَيَقِفُ الناسُ بِعَرَفَةَ، وَلَا يُفيضُونَ حتّى يَطْلُعَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ عَرَفَةَ، وَكَانَ رَجُلٌ يُكَنّىٰ أَبا سَيَارٍ، وَكَانَ لَهُ حِمَارٌ فارِةٍ، وَكَانَ يَسْبِقُ أَهْلَ عَرَفَةَ، فَإِذا طَلَعَ عَلَيْهِمْ قالوا : هذا أبو سَيَارٍ، ثُمَّ أَفاضوا، فَأَمَرَهُمُ اللّه أَنْ يَقِفُوا بِعَرَفَةَ، وَأَنْ يُفيضوا مِنْهُ» (2).
34 - قَالَ تَعَالَى: «وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةٌ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (201)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «رِضْوانُ اللّه وَالْجَنَّةُ في الآخِرَةِ، وَالسَّعَةُ في الرِّزْقِ، وَحُسنُ الْخُلُقِ في الدُّنْيا» (3).
35 - قال تعالى: «وَاذْكُرُوا اللّه فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ» (203)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «هي أيَّامُ التَّشريقِ، وَكانوا إذا أَقاموا بِمِنى بَعْدَ النَّحْرِ تفاخروا.
فَقالَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ : كانَ أَبي يَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا، فَقالَ اللّه جَلَّ شَأْنُهُ : «فَإِذَا قَضَيْتُم
مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» (1).
قال : وَالتَّكْبِيرُ : اللّه أَكْبَرُ، اللّه أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه، وَاللّه أَكْبَرُ، وَلِلهِ الْحَمْدُ، اللّه أَكْبَرُ عَلى ما هَدَانا، اللّه أَكْبَرُ عَلى ما رَزَقَنَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ» (2).
36 - قال تعالى: «فَلَا إِثْمَ عَلَيْهُ لِمَنِ اتَّقَى» (203)
وأثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قولان فى تفسير هذه الآية، وهما :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير «لِمَنِ اتَّقَى» : «يَتَّقِي الصَّيدَ حَتَّىٰ يَنْفُرَ أَهْلُ مِنى في النَّفْرِ الأخير» (3).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لِمَنِ اتَّقَى الْكَبَائِرَ» (4).
37 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ» (205)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْمُراد بـ«الْحَرْثَ» فى الآية : الدِّينُ، و «النَّسْلَ» : النَّاسُ» (5).
38 - قال تَعَالَى: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّه النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ» (213)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : كانَ ذلِكَ قَبْلَ نُوحٍ.
فقيل له : على هدى كانوا ؟
قال : بَلْ كانوا ضُلالاً، وَذلِكَ أَنَّهُ لَمَّا انْقَرَضَ آدَمُ وَصالِحُ ذُرِّيَّتِهِ، وَبَقِيَ شَيثٌ وَصِيُّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ دينِ اللّه الَّذي كانَ عَلَيْهِ آدَمُ وَصالِحُ ذُرِّيَّتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ قابيل كانَ يُواعِدُهُ بِالْقَتْلِ كَما قَتَل أخاه هابيل، فَصارَ فيهِمْ بِالتَّقيَّةِ وَالْكِتْمَانِ، فَازْدادوا كلّ يَوْمٍ ضَلَالَةٌ، حتّى لَمْ يَبْقَ عَلَى الْأَرْضِ مَعَهُمْ إِلَّا مَنْ هُوَ سَلِفٌ، وَلَحِقَ الْوَصِيَّ بِجَزِيرَةٍ مِنَ الْبَحْرِ لِيَعْبُدَ اللّه.
فَبَدا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعالى أَنْ يَبْعَثَ الرُّسُلَ، وَلَوْ سَأَلَ هَوْلاءِ الْجُهَالَ لَقالوا : قَدْ فَرِغَ مِنَ الْأَمْرِ، وَكَذَّبوا، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَحْكُمُ بِهِ اللّه في كلّ عامٍ.
ثم قرأ : «فِيهَا يُفْرَقُ كلّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» (1)، فَيُحِكُمُ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا يَكونُ في تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ شِدَّة أَوْ رَحَاءٍ أَوْ مَطَرٍ وَغَيْرِ ذلِكَ.
فقيل له : أفَضلالاً كانوا قبل النبيين أم على هدى ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَمْ يَكونوا عَلَى هُدَى، كانوا عَلى فِطْرَةِ اللّه الَّتِي فَطَرَهُمْ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّه، وَلَمْ يَكونوا لِيَهْتَدُوا حتّى يَهْدِيَهُمُ اللّه، أَما تَسْمَعُ بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ : «لَئِن لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ» (2)، أَيْ ناسياً لِلْميثاق» (3).
وعلّق السيّد الطباطبائي على هذا الحديث بقوله : «لم يكونوا على هدى، كانوا على فطرة اللّه، يفسّر معنى كونهم ضلالاً المذكور في أوّل الحديث، وأنهم إنّما خلوا عن الهداية التفصيليّة إلى المعارف الإلهيّة.
وأما الهداية الإجمالية فهي تجامع الضلال بمعنى الجهل بالتفصيل، كما يشير إليه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رواية المجمع : «عَلى فِطْرَةِ اللّه، لَا مُهْتَدِينَ وَلَا خُلالَ: (1).
39 - قَالَ تَعَالَى: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ» (219)
وشدّد الإسلام في المنع من تناول الخمر، وقد أثرت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كوكبة من الأخبار في تحريمه، والتي منها :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِنَّ الْخَمْرَ رَأْسُ كلّ إِثْمِ» (2).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ملعون، ملعونٌ مَنْ جَلَسَ طائِعاً عَلى مائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْها الْخَمْرُ» (3).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَقْسَمَ رَبِّي جَلَّ جَلالُهُ لَا يَشْرَبُ عَبْدٌ لي خَمْراً في الدُّنْيا إِلَّا سَقَيْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ مَا شَرِبَ مِنْهَا مِنَ الْحَمِيمِ، مُعَذَّباً بَعْدُ أَوْ مَغْفُوراً لَهُ.
ثُمَّ قَالَ : إِنَّ شارِبَ الْخَمْرِ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُسْوَدَاً وَجْهُهُ، مُزْرَقَةً عَيْنَاهُ، مَائِلاً شِدقُهُ، سائلاً لعابُهُ، وَالِغاً لِسانُهُ مِن قَفاهُ» (4).
كثير من أمثال هذه الأخبار وردت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي تحذّر المسلمين من اقتراف جريمة الخمر المدمّرة للأخلاق.
40 - قَالَ تَعَالَى: «نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ» (223)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «هذا في طَلَبِ الوَلَدِ، فَاطْلُبُوا الْوَلَدَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّه» (1).
41 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَا تَجْعَلُوا اللّه عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ» (224)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «هُوَ قَولُ الرَّجُلِ : لَا وَاللّه، وَبَلَى وَاللّه، هذا هُوَ جَعْلُ اللّه عُرْضَةٌ لِلأَيْمَانِ» (2).
42 - قَالَ تَعَالَى: «لَا يُؤَاخِدُكُمُ اللّه بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ» (225)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اللَّغْو : قَوْلُ الرَّجُلِ : لَا وَاللّه، وَبَلَىٰ وَاللّه، وَلَا يُعقَدُ عَلَى شَيْءٍ» (3).
43 - قَالَ تَعَالَى: «وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّه فِي أَرْحَامِهِنَّ» (228)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير قوله تعالى : «وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّه فِي أَرْحَامِهِنَّ» : «الْحَبْلُ وَالْحَيْضُ» (4).
وهما اللذان خلقهما في أرحامهن، فلا يحل لهنّ أن يكتماهما.
44 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُدُوا ممّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن
يَخَافَا أَلَّا يُقِيَما حُدُودَ اللّه» (229﴾
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية وبيان ما فيها من حكم : «الْخُلْعُ لَا يَكونُ إِلَّا أَنْ تَقول الْمَرْأَة لِزَوْجِها : لَا أَبَرُّ لَكَ قَسَماً، وَلَأخْرُجَنَّ بِغَيْرِ إِذْنِكَ، وَلَأَوْطِئَنَّ فِراشَكَ غَيْرَكَ، وَلَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنابَةٍ.
أَوْ تَقُولَ : لَا أُطِيعُ لَكَ أَمْرًا أَوْ تُطَلَّقَني
فَإذا قالَتْ ذلِكَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا جَميعَ ما أَعْطاها، وَكُلَّ ما قَدَرَ عَلَيْهِ ممّا تُعْطِيهِ مِنْ مالِها، فَإِذا تَراضَيا عَلى ذلِكَ طَلَّقَها عَلَى طُهْرٍ بِشُهُودٍ، فَقَدْ بِانَتْ مِنْهُ بِوَاحِدَةٍ - أي بطلاق واحد - وَهُوَ خَاطِبٌ مِنَ الْخُطَابِ، فَإِنْ شاءَتْ زَوَّجَتْهُ نَفْسَهَا، وَإِنْ شَاءَتْ لَمْ تَفْعَلْ، فإِنْ زَوَّجَهَا فَهِي عِنْدَهُ عَلَى اثْنَتَيْنِ باقِيَتَينِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهَا كَمَا اشْتَرَطَ صاحِبُ الْمُبَارَأَةِ، فَإِذَا ارْتَجَعَتْ في شَيْءٍ ممّا أَعْطَيْتَنِي فَأَنَا أَمْلَكَ بِبَضْعَكِ».
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا خُلْعَ وَلَا مُباراةَ، وَلَا تَخْييرَ، إِلَّا عَلَىٰ طُهْرٍ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ بِشَهَادَةِ شاهِدَيْن عَدْلَين، وَالْمُخْتَلِعَةُ إِذا تَزَوَّجَتْ زَوْجاً آخَرَ ثُمَّ طَلَّقَها يَحِلُّ لِلأَوَّلِ أَنْ يَتَزوج بها».
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا رَجْعَةَ لِلزَّوْجِ عَلَى الْمُخْتَلِعَةِ وَلَا عَلَى الْمُبارَأَةِ، إِلَّا أَنْ يَبْدو لِلْمَرْأَةِ فَيَرُدَّ عَلَيْها ما أَخَذَ مِنْها» (1).
قَال تعَالَى: «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ» (233)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «ما دامَ الْوَلَدُ في الرَّضَاعَ فَهُوَ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، فَإِذا قُطِمَ فَالْوالِدُ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعُصْبَةِ، وَإِنْ وَجَدَ الْأَبُ مَنْ يُرْضِعُهُ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، وَقالَتِ الأم : لَا أَرْضِعُهُ إِلَّا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْها، إِلَّا أَنَّ ذلِكَ أَجْبَرُ لَهُ، وَأَقْدَمُ،
1) تفسير القمّي : 1 : 76 الميزان في تفسير القرآن : 2 : 253.
وَأَرْفَقُ بِهِ أَنْ يُتْرَكَ مَعَ أُمِّهِ» (1).
46 - قَالَ تَعَالَى: «لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ» (233)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ تَرفَعُ يَدَها إِلَى الرَّجُلُ إِذا أَرادَ مُجامَعَتَها فَتَقولُ : لَا أَدَعُكَ، إِنِّي أَخافُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَى وَلَدي، وَيَقولُ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ : لَا أَجَامِعُكِ إِنِّي أَخافُ أَنْ تَعلُقي فَأَقْتُلَ وَلَدي، فَنَهى اللّه أَنْ يُضارَّ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ، وَالْمَرْأَةُ الرَّجُلَ» (2)
47 - قال تعالى: «وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ» (233)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ»: «هُوَ النَّفَقَةُ، أَيْ عَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ما عَلَى الْوَالِدِ».
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ولا يَنْبَغِي لِلْوارِثِ أَنْ يُضارَّ الْمَرْأَةَ فَيَقولَ : لَا أَدَعُ وَلَدَها يَأْتِيها وَيُضار وَلَدَها إِنْ كانَ لَهُمْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَشِّرَ عَلَيْهِ» (3).
48 - قَالَ تَعَالَى: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً» (233)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَمّا نَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ : «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً» جِئْنَ النِّسَاءُ يُخاصِمْنَ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَقُلْنَ : لَا نَصْبِرُ.
فَقالَ لَهُنَّ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : كانَتْ إِحْداكُنَّ إِذا ماتَ زَوْجُهَا أَخَذَتْ بَعْرَةً فَأَلْقَتْها خَلْفَها
في دُبُرِها في خِدْرِها ثُمَّ قَعَدَتْ، فَإِذا كانَ مِثْلُ ذلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْحَوْلِ أَخَذَتْها فَفَتَقَتْها، ثُمَّ اكْتَحَلَتْ بِها، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ، فَوَضَعَ اللّه عَنْكُنَّ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ» (1).
-49 قَالَ تَعَالَى: «وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ» (255)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمَرْأَةُ فِي عِدَّتِها تَقولُ لَها قَوْلاً جميلاً تُرَضُبُها فى نَفْسِكَ، وَلَا تَقولُ إِنِّي أَصْنَعُ كَذَا وَكَذَا، أَوْ أَصْنَعُ كَذَا الْقَبِيحَ مِنَ الْأَمْرِ فِي الْبِضْعِ، وَكُلَّ أَمْرٍ فَبِيْحٍ» (2).
50 - قال تعالى: «لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ» (226)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَهَا نِصْفُ مَهرِها، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمّى لَهَا مَهْراً فَمَتاعَ بِالْمَعْرُوفِ «عَلَى الْمُوسِع قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ» (3)، وَلَيْسَ لَها عُدَّةٌ، وَ تَتَزَوَّجُ مَنْ شَاءَتْ مِنْ ساعَتِها» (4).
51 - قَالَ تَعَالَى: «مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّه قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً» (245)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَمّا نَزَلَتْ هذهِ الآيَةَ : «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا» (5)، قال اللّه
رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اللّهمَّ زِدْنِي.
فَأَنْزَلَ اللّه: «مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا» (1).
قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): اللّهمَّ زِدْني.
فَأَنْزَلَ اللّه: «مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّه قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ».
فَعَلِمَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ اللّه لَا يُحْصى، وَلَيْسَ لَهُ مُنْتَهى» (2).
52 - قَالَ تَعَالَى: «مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (255)
روى معاوية بن عمّار، قال : «سألت أبا عبداللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوله تعالى : «مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ». قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَحْنُ أُولئِكَ الشَّفَعاءُ» (3).
53 - قَالَ تَعَالَى: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ» 255)وأثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ في تفسير الكرسي ما يلي :)* روی حفص بن غیاث، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ عن قول اللّه عزّ وجلّ : «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ». قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : عِلْمُهُ» (4).)* قال (عَلَيهِ السَّلَامُ في تفسير الآية : «السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَا بَيْنَهُما فِي الْكُرْسِيِّ، وَالْعَرْشُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي لَا يُقَدِّرُ أَحَدٌ قَدَرَهُ» (5).)
54 - قَالَ تَعَالَى: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّه كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كلّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللّه يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ» (261)روی عمر بن مسلم، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول : إِذا أَحْسَنَ الْمُؤْمِنُ عَمَلَهُ ضاعَفَ اللّه عَمَلَهُ بِكُلِّ حَسَنَةٍ سَبعمانَةَ ضَعْفٍ، فَذلِكَ قَوْلُ اللّه : «وَاللّه يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ»، فَأَحْسِنُوا أَعْمالَكُمُ الَّتي تَعْمَلُونَها لِثَواب اللّه.)قلت : وما الإحسان ؟قال : إِذا صَلَّيْتَ فَأَحْسِنْ رُكُوعَكَ وَسُجُودَكَ، وَإِذا صُمْتَ فَتَوَفَّ مَا فِيهِ فَسَادُ صَوْمِكَ، وَإِذا حَجَجْتَ فَتَوَفَّ كلّ ما يَحْرُمُ عَلَيْكَ فِي حَجَّتِكَ وَعُمْرَتِكَ.قال : وَكُلُّ عَمَلٍ تَعْمَلُهُ فَلْيَكُنْ نَقِيّاً مِنَ الدَّنَسِ» (1.)55 - قَالَ تَعَالَى: «الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّه ثُمَّ لَا يُشْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَناً وَلَا أَذى» (262)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ في تفسير هذه الآية : «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مَنْ أَسْدِى إِلَى مُؤْمِنٍ مَعْرُوفاً ثُمَّ أَذَاهِ بِالْكَلامِ، أَو مَنَّ عَلَيْهِ، فَقَدْ أَبْطَلَ اللّه صَدَقَتَهُ» (2).)56 - قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا
أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ» (267)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ في تفسير الآية : «كانَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا أَمَرَ بِالنَّخْلِ أَنْ يُزَكَى يَجِيءُ قَوْمٌ بِأَلْوانِ مِنَ التَّمْرِ وَهُوَ مِنْ أَرْدَأُ التَّمْرِ يُؤْدُّونَهُ عَنْ زَكاتِهِمْ، تَمْرٌ يُقَالُ لَهُ : الْجَعْرُورُ وَالْمُعافا، قليلة اللحى، عَظيمَةُ النَّوى، وَكانَ بَعْضُهُمْ يَجِيءُ بِها عَنِ التّمْرِ الْجَيّدِ.)فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: لا تُخْرِصوا هاتين النَّخْلَتَينِ، وَلَا تَجِيئُوا مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَفي ذلِكَ نَزَلَ : «وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ» (1). وَالْإِغْمَاضُ أَنْ تَأْخُذَ هاتَينِ الثَّمَرَتَينِ» (2).)57 - قَالَ تَعَالَى: «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» (269)أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ لها في تفسير الحكمة عدة روايات، منها ما يلي :)* قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «الْحِكْمَةُ الْمَعْرِفَةُ، وَالتَّفَقَّهُ فِي الدِّينِ» (3).)* قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «الْحِكْمَةُ - في الآية - طاعَةُ اللّه، وَمَعْرِفَةُ الْإِمامِ» (4).)* قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «الْحِكْمَةُ ضياءُ الْمَعْرِفَةِ، وَ ميزانُ التَّقْوى، وَثَمَرَةُ الصِّدْقِ.)وَلَوْ قُلْتُ : ما أَنْعَمَ اللّه عَلَى عَبْدِهِ بِنِعْمَةٍ أَعْظَمَ وَأَرْفَعَ وَأَجْزَلَ وَأَبْهَى مِنَ الْحِكْمَةِ لَقُلْتُ : قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ» (1.)58 - قَالَ تَعَالَى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ» (275)وشدّد الإسلام في تحريم الربا، واعتبره من أعظم الموبقات، لأنّه يؤدّي إلى تدمير الاقتصاد العام، وإشاعة الفقر، وتكديس الثراء عند ذئاب البشر. وقد أثرت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ كوكبة من الأحاديث في تحريمه والتحذير منه.)فقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: وقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لَمَّا أَسْرِيَ بي إِلَى السَّمَاءِ رَأَيْتُ قَوْماً يُريدُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَقومَ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَقومَ مِنْ عِظَمِ بَطْنِهِ، فَقُلْتُ : مَنْ هَوْلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ ؟)قالَ : هؤلاءِ الَّذينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، لَا يَقومونَ إِلَّا كَمَا يَقومُ الَّذِي يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسُ، وَإِذا هُمْ بِسَبيلِ آلِ فِرْعَونَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوا وَعَشِيَاً، وَيَقولونَ : رَبَّنَا، مَتى تَقومُ السَّاعَةُ» (2.)وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إِنَّما شُدَّدَ في تحريمِ الرِّبا لِئَلَّا يَمْتَنِعَ النَّاسُ مِنِ اصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ قَرْضاً أَوْ رِفْداً» (3).)59 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ» (280)وفسر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ قوله تعالى : «وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ» «بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ)
عَلى ما يَفْضلُ مِنْ قُوتِهِ وَقوتِ عيالِهِ عَلَى الْإِقْتِصادِ» (1.)وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «صَعَدَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الْمِنْبَرَ ذاتَ يَوْمٍ، فَحَمِدَ اللّه وَأَثْنى عَلَيْهِ، وَصَلَىٰ عَلى أَنبيانِهِ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّها النّاسُ، لِيُبلِّغَ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ، أَلا وَمَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً كانَ لَهُ عَلَى اللّه فِي كلّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ بِمِثْلِ مَالِهِ حتّى يَسْتَوفِيَهُ».)ثم قال الإمام أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: ««وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ» أَنَّهُ مُعْسِرٌ فَتَصَدَّقوا عَلَيْهِ بِمَالِكُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» (2).)
### سورة آل عمران60 - قَالَ تَعَالَى: «هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ اُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ» (7)وأثرت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ كوكبة من الأحاديث في تفسير المحكم والمتشابه، كان منها ما يلي :)* سئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ عن المحكم والمتشابه، فقال : «الْمُحْكَمُ : ما يُعْمَلُ بِهِ، وَالْمُتَشَابِهُ : مَا اشْتَبَهَ عَلَى جَاهِلِهِ» (1).)* قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إِنَّ الْقُرْآنَ مُحْكَمْ وَمُتَشَابِةٌ.)فَأَمَّا الْمُحْكَمُ فَتُؤْمِنُ بِهِ وَتَعْمَلُ بِهِ، وَتَدِينُ.وَأَمَا الْمُتَشَابِهُ: فَتُؤْمِنُ بِهِ وَلَا تَعْمَلُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّه وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كلّ مِن عِندِ رَبِّنَا»، وَالرّاسِحُونَ فِي الْعِلْمِ : هُمْ آلُ محمّد» (2.)* روى مسعدة بن صدقة، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ عن الناسخ والمنسوخ،)
والمحكم والمتشابه.قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «النَّاسِحُ : الثَّابِتُ الْمَعْمولُ بِهِ، وَالْمَنْسوخ : ما قَدْ كانَ يُعْمَلُ بِهِ ثُمَّ جَاءَ ما نَسَخَهُ، وَالْمُتَشابه : ما اشْتَبَة عَلى جاهِلِهِ» (1).)61 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّه وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» (7)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «نَحْنُ الرّاسِخونَ فِي الْعِلْمِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ» (2).)وشجب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ الذين يفسّرون القرآن، ويميزون بين المحكم والمتشابه، وهم ليسوا من الراسخين في العلم.)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إِنَّهُمْ ضَرَبوا بَعْضَ الْقُرْآنِ بِبَعْضٍ، وَاحْتَجُوا بِالْمَنسوخ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ النَّاسِحُ، وَاحْتَجُوا بِالْمُتَشَابِهِ، وَهُمْ يَرَونَ أَنَّهُ الْمُحْكَمُ، وَاحْتَجُوا بِالْخاص وَهُمْ يُقَدِّرونَ أَنَّهُ الْعام.)وَاحْتَجُوا بِأَوَّلِ الْآيَةِ وَتَرَكوا السَّبَبَ في تأويلها، وَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَىٰ مَا يَفْتَحُ الْكَلَامَ وَإِلَى ما يَخْتِمُهُ، وَلَمْ يَعْرِفُوا مَوارِدَهُ وَمَصادِرَهُ إِنْ لَمْ يَأْخذوه عَنْ أَهْلِهِ، فَضَلُوا وَأَضَلُّوا.وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللّه - أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مِنْ كِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسوخ، وَالْخاصَّ مِنَ الْعامُ، وَالْمُحْكَمَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ، وَالْمُرَخَّصَ مِنَ الْعَزائِمِ، وَالْمَكَيَّ وَالْمَدَنيَّ، وَأَسْبَابَ التَّنزيلِ، وَالْمُبْهَمَ مِنَ الْقُرآنِ فِي أَلْفاظِهِ الْمُتَقَطَّعَةِ وَالْمُؤَلَّفَةِ، وَما فِيهِ مِنْ عِلْمِ الْقَضاءِ وَالْقَدَرِ، وَالتَّقديمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالْمُبِينِ وَالْعَمِيقِ، وَالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَالابْتِدَاءِ وَالانْتِهاءِ، وَالسُّؤالِ وَالْجَوابِ، وَالْقَطْعِ وَالْوَصْلِ، وَالْمُسْتَثْنى مِنْهُ
وَالْجارِ فِيهِ، وَالصَّفَةِ لِما قَبْلُ ممّا يَدُلُّ عَلى ما بَعْدُ، وَالْمُؤَكَّدِ مِنْهُ، وَالْمُفَصَّلِ، وَعَزائِمِهِ وَرُخَصِهِ، وَمَواضِعِ فَرائِضِهِ وَأَحْكامِهِ، وَمَعْنَى حَلالِهِ وَحَرامِهِ الَّذي هَلَكَ فيهِ الْمُلْحِدونَ، وَالْمَوصولِ مِنَ الْأَلْفاظِ، وَالْمَحْمولِ عَلى ما قَبْلَهُ وَعَلى ما بَعْدَهُ، فَلَيْسَ بِعالِم بِالْقُرْآنِ، وَلَا هُوَ مِنْ أَهْلِهِ.وَمَتى ما ادَّعَى مَعْرِفَةَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مُدَّعِ بِغَيْرِ دَليلٍ، فَهُوَ كَاذِبٌ مُرْتَابٌ مُفْتَرٍ عَلَى اللّه الْكَذِبَ وَرَسولِهِ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (1.)62 - قال تعالى: «قُلِ اللّهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ» (26)روی داود بن فرقد، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ عن قول اللّه تعالى : «قُلِ اللّهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ» أليس قد أتى اللّه بني أمية الملك ؟)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ، إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ آتانا الْمُلْكَ وَأَخَذَتْهُ بَنو أُمَيَّةَ، بِمَنزِلَةِ الرَّجُلِ يَكونُ لَهُ الثَّوْبُ، فَيَأْخُذُهُ الآخرُ، فَلَيْسَ هُوَ الَّذي أَخَذَهُ» (2).)63 - قَالَ تَعَالَى: «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّه» (31)قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللّه يُحِبُّهُ فَلْيَعْمَلْ بِطَاعَةِ اللّه وَلْيَتَّبِعْنا)
أَلَمْ يَسْمَعْ قَولَ اللّه عَزَّوَجَلَّ لِنَبِيِّهِ : «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّه» (1.)وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ما أَحَبَّ اللّه مَنْ عَصاه»، ثم تمثل بقوله :)تَعْصي الإلهَ وَأَنْتَ تُظهرُ حُبههذا لَعَمْري في الفِعالِ بَديعُلَوْ كانَ حُبُّكَ صادقاً لأَطَعْتَهُإِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطيعُ (2)64 - قَال تَعَالَى: «إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً» (35)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إِنَّ اللّه أَوْحَى إِلى عِمْرانَ : إِنِّي واهِبٌ لَكَ ذَكَرا سَوِيَاً يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّه، وَجَاعِلُهُ رَسُولاً إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ.)فَحَدَّثَ عِمْرانُ امْرَأَتَهُ حَنَّةَ بِذلِكَ وَهي أُمُّ مَرْيَمَ، فَلَمّا حَمَلَتْ كَانَ حَمْلُهَا بِها عِنْدَ نَفْسِها غُلاماً، فَلَمّا وَضَعَتْها قَالَتْ : رَبِّي، إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثَى، وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثى، لَا تَكونُ رَسولاً. يَقولُ اللّه: «وَاللّه أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ» (3، فَلَمّا وَهَبَ اللّه لِمَرْيَمَ عِيسَى كانَ هُوَ الَّذِي بُشِّرَ بِهِ عِمْرَانُ وَوَعَدَهُ إِيَّاهُ، فَإِذا قُلْنا فِي الرَّجُلِ مِنَا شَيْئاً وَكَانَ فِي وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ فَلَا تَنكِروا ذلِكَ» (4).)65 - قَالَ تَعَالَى: «وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ» (38)نزلت هذه الآية الكريمة في السيّد المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ.)
قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «بَعَثَ اللّه عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، وَاسْتَوْدَعَهُ النُّورَ وَالْعِلْمَ وَالْحُكْمَ وَجَميعَ علوم الأنبياءِ قَبْلَهُ، وَزادَهُ الْإِنْجِيلَ، وَبَعَثَهُ إِلى بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ يَدْعُوهُمْ إِلى كِتابِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَإِلَى الإيمان باللّه وَرَسولِهِ، فَأبى أَكْثَرُهُمْ إِلَّا طُغْياناً وَكُفْراً.)فَلمّا لَمْ يُؤْمِنوا دَعا رَبَّهُ، وَعَزَمَ عَلَيْهِ، فَمَسَخَ مِنْهُمْ شَياطِينَ لِيُرِيَهُمْ آيَةً فَيَعْتَبِرُوا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذلِكَ إِلَّا طُغْياناً وَ كُفْراً، فَأَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَمَكَثَ يَدْعُوهُمْ وَيُرَغَبُهُمْ فيما عِنْدَ اللّه ثَلاثاً وَثَلاثِينَ سَنَةٌ، حتّى طَلَبَتْهُ الْيَهُودُ، وَادَّعَتْ أَنَّها عَذَبَتْهُ، وَدَفَنَتْهُ فِي الْأَرْضِ حَيّاً، وَادعى بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ قَتَلوهُ وَصَلبوهُ، وَما كانَ اللّه لِيَجْعَلَ لَهُمْ سُلْطَاناً عَلَيْهِ، وَإِنَّما شُبِّهَ لَهُمْ، وَما قَدَرُوا عَلَىٰ عَذَابِهِ وَقَتْلِهِ، وَلَا عَلَى قَتْلِهِ وَصَلْبِهِ، لَأَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَى ذلِكَ لَكَانَ تكذيباً لِقَوْلِهِ، وَلكنْ رَفَعَهُ اللّه بَعْدَ أَنْ تَوفَّاهُ» (1.)66- قَالَ تَعَالَى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّه عَلَى الْكَاذِبِينَ» (61)عرضت الآية الكريمة إلى مباهلة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مع نصارى نجران، وقد أدلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتفصيل هذه الحادثة. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ نَصارىٰ نَجْرانَ لَمَا وَفَدَوا عَلَىٰ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَكانَ سَيْدُهُمُ الْأَهْتَمَّ، وَالْعَاقِبَ وَالسِّيدَ، وَحَضَرَتْ صَلَاتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا يَضْرِبُونَ الناقوسَ وَصَلّوا.)فَقالَ أَصْحابُ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: يا رَسولَ اللّه، هذا في مَسْجِدِكَ ؟)
1) الميزان في تفسير القرآن : 3 : 217.
فَقالَ : دَعوهُمْ، فَلَمّا فَرغوا دَنوا مِنْ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فَقالوا : إلامَ تَدْعو ؟)فَقالَ : إِلَىٰ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه، وَأَنَّي رَسُولُ اللّه، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدٌ مَخْلُوقٌ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيُحدِث.وَقالوا : فَمَنْ أَبُوهُ ؟فَنَزَلَ الْوَحْيِ عَلَى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فَقالَ : قُلْ لَهُمْ : ما تَقولونَ فِي آدَمَ ؟ أَكَانَ عَبْداً مخلوقاً يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيُحدِثُ وَيَنْكَحُ ؟)فَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ، فَقالوا : نَعَمْ.فَقالَ : فَمَنْ أَبُوهُ ؟فَبُهِتوا، فَأَنْزَلَ اللّه: «إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّه كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ» (1.)وَقَولُهُ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ - إلى قوله - : فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّه عَلَى الْكَاذِبِينَ».فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: قَباهِلوني، فَإِنْ كُنْتَ صادِقاً أُنْزِلَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ كُنْتُ كاذِباً أُنزِلَتْ عَلَيَّ.)فَقالوا : أَنْصَفْتَ، فَتَواعدوا لِلْمُباهَلَةِ، فَلَمَّا رَجَعوا إِلى مَنازِلِهِمْ قالَ رُؤساؤُهُمْ : السَّيِّدُ وَالْعاقِبُ وَالأَهْتَمُّ : إِنْ باهَلَنَا بِقَوْمِهِ بِاهَلْناهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ نَبِيَا، وَإِنْ بِاهَلَنَا بِأَهْلِ بَيْتِهِ خَاصَّةً لَمْ تُباهِلْهُ، فَإِنَّهُ لَا يَقدُمُ إِلَىٰ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا وَهُوَ صَادِقٌ.فَلَمّا أَصْبَحوا جاؤوا إِلَى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، فَقالَتْ النَّصارى : مَنْ هؤلاء ؟)
1) آل عمران 3: 59.
فَقِيلَ لَهُمْ: هذَا ابْنُ عَمِّهِ وَوَصِيِّهِ وَخَتَنِهِ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ، وَهَذِهِ ابْنَتَهُ فَاطِمَةً، وَهدَانِ ابْناهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، فَفَرِقوا، فَقالوا لِرَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : نُعْطِيكَ، فاعفنا مِنَ الْمُباهَلَةِ.)فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : عَلَى الْجِزْيَةِ، وَانْصَرَفوا» (1).)إنّ آية المباهلة تلقي الأضواء على سموّ منزلة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ، وأنهم أفضل الخلق عند اللّه، فإنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يخرج إلى المباهلة صنو أبيه العباس ولا أزواجه، ولا أعلام أصحابه، وإنّما أخرج الصفوة من أهل بيته.)ومن الجدير بالذكر أنّ الآية الكريمة جعلت عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُنفس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فهو امتداد ذاتي للرسول الأعظم فيما يحمل من خير وهدى ورحمة إلى الناس جميعاً.)67 - قَالَ تَعَالَى: «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلَا نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (67)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ في تفسير هذه الآية : «قال أميرُ الْمُؤْمِنينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَا - كَانَ إِبْرَاهِيمُ - يُصَلِّي إِلَى الْمَغْرِبِ، وَلَا نَصْرانِيّاً يُصَلِّي إِلَى الْمَشْرِقِ، وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً عَلى دينِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (2).)68 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذْ أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ» (81)
قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ في تفسير الآية الكريمة : «وَإِذْ أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ أُمَمِ النَّبِيِّينَ، كلّ أُمَّةٍ بتصديقِ نَبِيِّها، وَالْعَمَلِ بِما جَاءَهُمْ بِهِ، فَما وَفَّوا بِهِ وَتَرَكُوا كَثِيراً مِنْ شَرائِعِهِمْ وَحَرَّفوا كثيراً» (1).)وأثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنّه فسّر الميثاق بتوحيد اللّه تعالى.)وهو الذي أخذه عهداً وميثاقاً على النبيين.69 - قَالَ تَعَالَى: «كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ» (93)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إِنَّ إِسْرائيلَ كَانَ إِذا أَكَلَ لَحْمَ الإِبِلِ هَيَّجَ عَلَيْهِ وَجَعَ حَاصِرَتِهِ، فَحَرَّمَ عَلَىٰ نَفْسِهِ لَحْمَ الإِبِلِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنزِلَ التَّوراة، فَلَمّا نَزَلَتِ التَّوراةُ لَمْ يُحَرِّمْهُ وَلَمْ يَأْكُلُهُ» (2).)70 - قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه حَقَّ تُقَاتِهِ» (102 روى أبو بصير، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يُطاعُ فَلَا يُعْصى، وَيُذكَرُ فَلَا يُنسى، وَيُشْكَرُ فَلَا يُكْفَرُ» (3).
71 - قَالَ تَعَالَى: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» (101)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «يعني الأمة التي وَجَبَتْ لَها دَعْوَةُ إِبْراهيمَ، وَهُمُ الأمَّةُ الَّتى بَعَثَ اللّه فيها وَمِنْهَا وَإِلَيْهَا، وَهُمُ الأمَّة الوسطى، وَهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» (1).
72 - قال تعَالَى: «وَإِذْ غَدَوْتَ مِن أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (121)
الآية الكريمة نزلت في واقعة أحد، وقد عرض الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى تفصيلها.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كَانَ سَبَبُ غَزْوَةِ أَحَدٍ أَنَّ قُرَيشاً لَمَا رَجَعَتْ مِنْ بَدْرٍ إِلَىٰ مَكَّةَ وَقَدْ أَصابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالأسْرِ ما أَصابَهُمْ، لأَنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ وَأسِرَ سَبْعونَ، قال أَبو سفيان يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا تَدَعوا نِسَاءَكُمْ تَبْكِي عَلى قَتْلاكُمْ، فَإِنَّ الدَّمْعَةَ إِذَا خَرَجَتْ أَذْهَبَتِ الحُزنَ وَالْعَداوَةَ لِمحمّد.
فَلَمَّا غَرُوا رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَوْمَ أَحَدٍ أَذِنُوا لِنِسَائِهِمْ فِي الْبُكاءِ وَالنَّوْحِ، وَخَرَجوا مِنْ مَكَّةَ فِي ثَلاثَةِ آلَافِ فَارِسِ وَأَلْفَي رَجُلٍ، وَأَخْرَجوا مَعَهُمْ النِّسَاءَ.
فَلَمَّا بَلَغَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذلك جَمَعَ أَصْحابَهُ، وَحَنَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، فَقَالَ عَبْدُ اللّه بْنُ أَبي سَلُولٍ : يَا رَسُولَ اللّه، لَا تَخْرُجْ مِنَ الْمَدِينَةِ حتّى تُقاتِلَ فِي أَزِقَتِهَا، فَيُقاتِلُ الرَّجُلُ الضَّعيفُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ وَالأَمَةُ عَلى أَفْوَاءِ السَّكَكِ، وَعَلَى السُّطوح، فَما أَرادَنا قَوْمٌ قَطُّ فَظَفَرُوا بِنا وَنَحْنُ في حُصوننا وَدُورِنا، وَما خَرَجْنا إِلى عَدوُّ لَنا قَطُّ إِلَّا كانَ الظَّفَرُ لَهُمْ عَلَيْنا.
فَقامَ سَعَدُ بْنُ مُعادٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَوْسِ، فَقالوا : يا رَسولَ اللّه، مَا طَمِعَ فينا أَحَدٌ مِنَ
1) الميزان في تفسير القرآن : 3: 381.
الْعَرَبِ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ نَعْبُدُ الْأَصْنامَ، فَكَيْفَ يَطْمَعُونَ فِينَا وَأَنْتَ فينا ؟ لَا حَتَّىٰ نَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فَنْقاتِلَهُمْ، فَمَنْ قُتِلَ مِنَا كَانَ شَهيداً، وَمَنْ نَجا مِنّا كَانَ قَدْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّه.
فَقَبِلَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رَأْيَهُ، وَخَرَجَ مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَبَوَلُونَ مَوْضِعَ الْقِتالِ كَمَا قَالَ تَعالى : «وَإِذْ غَدَوْتَ مِن أَهْلِكَ»، وَقَعَدَ عَنْهُ عَبْدُ اللّه بْنُ أَبِي سَلولٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخَزْرَج اتَّبَعوا رَأْيَهُ.
وَوافَتْ قُرَيْش إلى أحدٍ، وَكانَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَبَّا أَصْحابَهُ، وَكانوا سَبْعُمِانَةِ رَجُل، وَوَضَعَ عَبْدَ اللّه بْنَ جُبَيرٍ فِي خَمْسِينَ مِنَ الرُّمَاةِ عَلَى بَابِ الشَّعْبِ، وَأَشْفَقَ أَنْ يَأْتِي كَمِينَهُمْ مِنْ ذلِكَ الْمَكانِ.
فَقالَ لِعَبْدِ اللّه بْنِ جُبَيرٍ وَأَصْحَابِهِ : إِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ هَزَمْناهُمْ حتّى أَدْخَلْناهُمْ مَكَّةَ، فَلَا تَبْرَحوا مِنْ هذَا الْمَكانِ، وَإِنْ رَأَيْتمُوهُمْ هَزَمونا حتّى أَدْخَلُونَا الْمَدِينَةَ فَلَا تَبْرَحوا وَالْزموا مَرَاكِزَكُمْ.
وَوَضَعَ أَبو سُفيانَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي مِانَتَي فارِسٍ كَمِيناً، وَقَالَ : إِذا رَأَيْتُمُونَا قَدِ اخْتَلَطَنا فَاحْرُجوا عَلَيْهِمْ مِنْ هذَا الشَّعْبِ حتّى تَكونوا وَرَاءَهُمْ.
وَعَبَّا رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَصْحابَهُ، وَدَفَعَ الرّايَةَ إِلى أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَحَمَلَ الْأَنْصَارُ عَلَى مُشْرِكِي قُرَيش، فَانْهَزَمُوا هَزِيمَةٌ قَبِيحَةً، وَوَضَعَ أَصْحَابُ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فِي سَوادِهِمْ، وَانْحَطَّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي مِائتَي فارِسٍ عَلَى عَبْدِ اللّه بْنِ جُبَيرٍ، فَاسْتَقْبَلُوهُمْ بِالسِّهامِ، فَرَجَعَ.
وَنَظَرَ أَصْحابُ عَبْدِ اللّه بْنِ جُبَيرٍ إِلى أَصْحَابِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَنْتَهِبونَ سَوادَ الْقَوْمِ، فَقالوا لِعَبْدِ اللّه بْنِ جُبَيرٍ : قَدْ غَيْمَ أَصْحابُنَا، وَتَبْقَى نَحْنُ بِلَا غَنِيمَةٍ.
فَقالَ لَهُمْ عَبْدُ اللّه : اتَّقُوا اللّه، فَإِنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْنَا أَنْ لَا نَبْرَحَ.
فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَأَقْبَلُوا يَنْسَلُّ رَجُلٌ فَرَجُلٌ حتّى أَحْلُوا مَرَاكِزَهُمْ، وَبَقِيَ عَبْدُ اللّه بْنُ جُبَيرٍ في اثْنَي عَشَرَ رَجُلاً، وَكانَتْ رايةُ قُرَيْشٍ مَعَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْعَبْدِي مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ.
وَأَخَذَ الرّايَةَ أَبو سَعِيدِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ وَسَقَطَتِ الرَايَةُ.
فَأَخَذَها مُسافِعُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، فَقَتَلَهُ عَليٍّ، حتّى قَتَلَ تِسْعَةَ نَفَرٍ مِنْ بَني عَبْدِ الدّارِ، حتّى صارَ لِواؤُهُمْ إِلى عَبْدِ لَهُمْ أَسْوَدَ يُقالُ لَهُ: صَوابٌ، فَانْتَهى إِلَيْهِ عَلى فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنى، فَأَخَذَ اللّواءَ بِالْيُسْرَى، فَضَرَبَ يُسْراهُ فَقَطَعَهَا، فَاعْتَنَقَهَا بِالْجَدْمَاوَينِ إِلَىٰ صَدْرِهِ، ثُمَّ التَفَتَ إِلى أَبِي سُفْيانَ فَقَالَ : هَلْ غَدَرْتُ في بَنِي عَبْدِ الدَارِ ؟ فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ عَلَى رَأْسِهِ فَقَتَلَهُ، وَسَقَطَ اللواء، فَأَخَذَتْهُ غَمْرَةً بِنْتُ عَلْقَمَةَ الْكِنانِيَّةِ فَرَفَعَتْهُ.
وَانْحَطَّ خالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى عَبْدِ اللّه بْنِ جُبَيرٍ، وَقَدْ فَرَّ أَصْحَابُهُ وَبَقِيَ فِي نَفَرٍ قَليلٍ، فَقَتَلَهُمْ عَلَى بَابِ الشَّعْبِ، ثُمَّ أَتَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَدْبَارِهِمْ، وَنَظَرَتْ قُرَيْسٍ فِي هَزِيمَتِها إِلَى الرّايَةِ قَدْ رُفِعَتْ فَلاذوا بها، وَانْهَزَمَ أَصْحابُ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هَزِيمَةٌ عَظيمةً، وَأَقْبَلوا يَصْعَدُونَ فِي الْجِبَالِ وَفِي كلّ وَجْهِ.
وَلَمّا رَأَى رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الْهَزِيمَةَ كَشَفَ الْبَيْضَةَ عَنْ رَأْسِهِ، وَقَالَ : إِلَيَّ أَنَا رَسولُ اللّه، إلى أيْنَ تَفِرُّونَ عَنِ اللّه وَعَنْ رَسُولِهِ ؟
وَكَانَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ فِي وَسَطِ الْعَسْكَرِ، فَكُلما انْهَزَمَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيشِ دَفَعَتْ إِلَيْهِ ميلاً وَ مُكْحُلَةٌ، وَقالَتْ لَهُ : إِنَّما أَنْتَ امْرَأَةٌ فَاكْتَحِل بهذا.
وَكانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَحْمِلُ عَلَى الْقَوْمِ، فَلَمّا رَأوهُ انْهَزَموا وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَحَدٌ، وَكانَتْ هِنْد قَدْ أعْطَتْ وَحْشيّاً عَهْداً لَئِنْ قَتَلْتَ محمّداً أَوْ عَلِيّاً أَوْ حَمْزَةَ لَأُعْطِيَنَّكَ كَذا وَكَذَا، وَكانَ وَحْشِيُّ عَبْداً لِجُبيرِ بْنِ مُطعم، حَبَشِيَّاً.
فَقالَ وَحْشي : أَمَا محمّد فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عَلَيَّ فَرَأَيْتُهُ حَذِراً كَثيرَ الالتفاتِ، فَلَا مَطْمَعَ فِيهِ، فَكَمِنْتُ لِحَمْزَةَ فَرَأَيْتُهُ يَهُدُّ النَّاسَ، فَمَرَّ بِي فَوَطَأَ عَلَى جُرْفِ نَهْرٍ فَسَقَطَ، وَأَخَذْتُ حَرْبَتِي فَهَزَزْتُها وَرَمَيْتُهُ بِهَا، فَوَقَعَتْ فِي حَاصِرَتِهِ، وَخَرَجَتْ مِنْ ثُنَّتِهِ، فَسَقَطَ، فَأَتَيْتُهُ، فَشَقَقْتُ بَطْنَهُ، وَأَخَذْتُ كَيْدَهُ، وَجِئْتُ بِهِ إِلى هِنْدِ، فَقُلْتُ : هَذِهِ كَبْدُ حَمْزَةَ، فَأَخَذَتْها فِي فَمِها فَلاكَتْها، فَجَعَلَهُ اللّه في فَمِها مِثْلَ الدَّاعِضَةِ - وَهِي عَظْمُ رَأْسِ الرُّكْيَة - فَلَفَظَتْها وَرَمَتْ بها.
فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : بَعَثَ اللّه مَلَكاً فَحَمَلَهُ وَرَدَّهُ إِلى مَوْضِعِهِ.
قالَ : فَجاءَتْ إِلَيْهِ فَقَطَعَتْ مَذاكِيرَهُ، وَقَطَعَتْ أُذُنَيهِ، وَقَطَعَتْ يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إِلَّا أَبو دُجانَةَ سِمالُ بْنُ خَرشَةَ، وَعَلىٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فَكَلَّما حَمَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى رَسولِ اللّه اسْتَقْبَلَهُمْ عَليَّ فَدَفَعَهُمْ عَنْهُ، حتّى تَقَطَّعَ سَيْفُهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سَيْفَهُ ذا الْفَقارِ، وَانْحازَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى ناحِيَةِ أَحَدٍ، فَوَقَفَ فَلَمْ يَزَلْ عَلَيَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُقاتِلُهُمْ حتّى أَصابَهُ فِي رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَبَطْنِهِ وَرِجْلَيْهِ سَبْعُونَ جُرَاحِةٍ.
فَقالَ جَبْرَئِيلُ : إِنَّ هَذِهِ لَهِيَ الْمُواساة يا محمّد.
فَقالَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِنَّهُ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ
فَقالَ جَبْرَئِيلُ : وَأَنا مِنْكُما.
قال الإمام أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَظَرَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى جَبْرَئِيلَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَى كُرْسِيَّ مِنْ ذَهَبٍ، وَهُوَ يَقولُ : لَا سَيْفَ إِلَّا ذو الْفَقارِ، وَلَا فَتى إِلَّا عَلَىٌّ» (1).
73 - قَالَ تَعَالَى: «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا
1) تفسیر مجمع البیان : 2 : 379 تفسیر جوامع الجامع : 1 : 341.
اللّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ» (135)
قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له مستشهداً بهذه الآية : «وَفي كِتابِ اللّه نَجَاةٌ مِنَ الرَّدى، وَبَصيرَةٌ مِنَ الْعَمى، وَشِفَاءٌ لِما في الصُّدورِ فيما أَمَرَكُمُ اللّه بِهِ مِنَ الاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ. قَالَ اللّه: «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللّه وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ».
وَقالَ : «وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللّه يَجِدِ اللّه غَفُوراً رَحِيماً» (1).
فَهذا ما أَمَرَ اللّه بِهِ مِنَ الاسْتِغْفارِ، وَاشْتَرَطَ مَعَهُ التَّوْبَةَ وَالإقلاعَ عَمّا حَرَّمَ اللّه، فَإِنَّهُ يَقولُ : «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» (2)» (3).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً» صَعَدَ إِبْلِيسُ جَبَلاً بِمَكَّةَ يُقالُ لَهُ : ثَورٌ، فَصَرَخَ بِأَعْلَىٰ صَوْتِهِ بِعَفَارِيتِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ
فقالوا لَهُ : يا سَيِّدَنا، لِمَ تَدعونا ؟
قالَ : نَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ، فَمَنْ لَها ؟
فَقامَ عِفْريتٌ مِنَ الشَّياطين فَقالَ : أَنا لهذا بكذا وكذا.
فَقالَ : لَسْتَ لَها.
فَقامَ آخر فَقالَ مِثْلَ ذلِكَ.
فَقالَ : لَسْتَ لَها.
فَقالَ الْوَسْواسُ الْخَنّاسُ : أَنا لَهَا.
قال : بماذا ؟
قالَ : أَعِدُهُمْ وَأمُنْبِهِمْ حتّى يُواقِعوا الخَطِيئَةَ، فَإِذا واقَعُوها أَنْسَيْتُهُمْ الاسْتِغْفَارَ.
فَقالَ : أَنْتَ لَهَا، فَوَكَّلَهُ بِها إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (1).
74 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَا كَانَ لِنَبِيُّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (161)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية وبيان نزولها : «إِنَّ رِضَى النَّاسِ لَا يُملَكُ وَأَلْسِنَتَهُمْ لَا تُضْبَطُ، أَلَمْ يَنْسِبُوهُ - أي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّهُ أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنَ الْمَغْنَمِ قَطِيفةٌ حَمْراءَ، حتّى أَظْهَرَهُ اللّه عَلَى القَطِيفَةِ، وَبَرَأَ نَبِيَّهُ مِنَ الْخِيانَةِ، وَأَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ : «وَمَا كَانَ لِنَبِيٌّ أَن يَغُلَّ»» (2).
75 - قَالَ تَعَالَى: «لَقَدْ سَمِعَ اللّه قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّه فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ» (181)
قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «وَاللّه ما رَأَوا اللّه حتّى يَعْلَمُوا أَنَّهُ فَقيرٌ، وَلكِنَّهُمْ رَأَوا أَوْلياءَ اللّه فُقَراءَ، فَقالوا : لَوْ كانَ غَنيّاً لَأَغْنى أَوْلِيَاءَهُ، فَفَخَرُوا عَلَى اللّه بالغنى» (3).
76 - قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (200)
وأثرت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدة تفاسير لهذه الآية، وهي :
77 - قَالَ تَعَالَى: «فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ» (3)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اسْتِناداً لِهَذِهِ الْآيَةِ لَا يَحِلُّ لِماءِ الرَّجُلِ أَنْ يَجْرِيَ فِي أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَرْحَامٍ مِنَ الْحَرائِرِ» (1).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِذا جَمَعَ الرَّجُلُ أَرْبَعاً فَطَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ، فَلَا يَتَزَوَّجُ الْحَامِسَةَ حَتَّىٰ تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا» (2).
78 - قَالَ تَعَالَى: «وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئًا» (4﴾
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فيما يَهَبُهُ لِامْرَأَتِهِ، وَلَا الْمَرْأَةُ فِيمَا تَهَبُ لِزَوْجِهَا، جَازَتْ أَوْ لَمْ تُجِزْ، أَلَيْسَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعالى يَقولُ : «وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُدُوا ممّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً» (3).
وَقالَ : «فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً»، وَهَذا يَدْخُلُ
في الصَّداقِ وَالْهِبَةِ» (1)
79 - قال تعالى: «وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ» (5)
وأثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية ما يلي :
روی یونس بن یعقوب، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه تعالى : «وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ«، قال : مَنْ لَا تَثِقُ بِهِ» (2).
روى إبراهيم بن عبد الحميد، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية : «وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ»
قال : كلّ مَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ فَهُوَ سَفية» (3).
80 - قَالَ تَعَالَى: «وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حتّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ» (6)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إيناسُ الرَّشْدِ - فى الآية - حِفْظُ الْمالِ» (4).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «انْقِطاعُ يُتم اليتيم الاحتِلامُ، وَهُوَ أَشَدُّهُ، وَإِنِ احْتَلَمَ وَلَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ رُشدٌ، وَكانَ سَفيها أَوْ ضَعيفاً فَلْيُمْسِكْ عَنْهُ وَلِيُّهُ مالَهُ» (5).
1) الميزان في تفسير القرآن : 4 : 176.
2) تفسير العيّاشي : 1 : 220، الحديث.20 تفسير نور الثقلين: 1 : 442، الحديث 48.
3) تفسير العيّاشي : 1 : 220، الحديث 22. تفسیر نور الثقلين : 1: 442، الحديث 49.
4) من لا يحضره الفقيه : 4: 222، الحديث 5523. وسائل الشيعة : 18 : 411، الحديث 23949
5) من لا يحضره الفقيه : 4 220، الحديث 5517. فروع الكافي : 7 : 68، الحديث 2. تهذيب الأحكام : 9: 183، الحدیث 737.
81 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» (6).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «ذاكَ رَجُلٌ يَحْبِسُ نَفْسَهُ عَنِ الْمَعِيشَةِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ إِذا كانَ يُصْلِحُ لَهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ قَليلاً فَلَا يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئاً» (1).
82 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» (10)
لقد شدّد الإسلام في حرمة أكل أموال اليتيم. قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن اللّه أَوْعَدَ في مالِ الْيَتيم عُقوبَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ : أَمَا إِحْدَاهُمَا فَعُقوبَةُ الْآخِرَةِ النَّارُ، وَأَمَا الْأُخْرَى فَعُقوبَةُ الدُّنْيا، قَوْلُهُ : «وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّه وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً» (2)، قالَ : يَعْنِي بِذلِكَ لِيَخْشَ أَنْ أَخْلَفَهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ كَما صَنَعَ بِهَوْلاءِ الْيَتامى» (3).
وروى عبد الأعلى مولى آل سام، قال : «قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مَنْ ظَلَمَ سَلَّطَ اللّه عَلَيْهِ مَنْ يَظْلِمُهُ، أَوْ عَلَىٰ عَقِبِهِ، أَوْ عَلَىٰ عَقِبٍ عَقِبِهِ.
قلت : فذكرت في نفسي فقلت : يظلم هو فيسلّط على عقبه وعقب عقبه ؟!
فقال لي قبل أن أتكلّم : إِنَّ اللّه يَقولُ : «وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةٌ ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّه وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً»» (4).
83 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ» (17)
وتظافرت الأخبار عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأئمّة الهدى بقبول التوبة، فقد روى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن جدّه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أّنه قال : «مَنْ تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ تابَ اللّه عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ : إِنَّ السَّنَةَ لَكَثيرَةٌ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ تَابَ اللّه عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ : وَإِنَّ الشَّهْرَ لَكَثِيرٌ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ تَابَ اللّه عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ : وَإِنَّ الْيَوْمَ لَكَثِيرٌ. وَمَنْ تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَاعَةٍ تابَ اللّه عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ : وَإِنَّ السَّاعَةَ لَكَثِيرٌ، وَمَنْ تابَ وَقَدْ بَلَغَتْ نَفْسُهُ هَذِهِ - وأهوى بيده إلى حلقه - تابَ اللّه عَلَيْهِ» (1).
وروى ابن وهب، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : إِذا تَابَ الْعَبْدُ تَوْبَةً نَصوحاً أَحَبَّهُ اللّه فَسَتَرَ عَلَيْهِ.
فقلت : وكيف يستر عليه ؟
قال : يُنْسى مَلَكَيْهِ ما كانا يَكْتُبانِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُوحي اللّه إِلَى جَوَارِحِهِ وَإِلَى بِقاعِ الْأَرْضِ : أَنِ اكْتُمي عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ لِيَلْقَى اللّه حِينَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ شَيْءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنَ الذُّنوبِ» (2).
84 - قَالَ تَعَالَى: «وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِن نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ» (23)
عرضت الآية الكريمة إلى النساء اللاتي يحرم زواجهنّ، ومنها الربائب، وهي بنت الزوجة من شخص آخر، واشترطت الآية في التحريم أن يكون الزوج قد دخل بأم الربيبة، فإذا لم يدخل بها وطلقها قبل الدخول فلا تحرم عليه، وقد استند الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى هذه الآية فأعلن حرمة الربيبة إذا دخل بأمها.
روی منصور بن حازم، قال : «كنت عند حازم، قال : كنت عند أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوّج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها، أيتزوّج بأمها ؟
فقال أبو عبد اللّه : قَدْ فَعَلَهُ رَجُلٌ مِنّا فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْساً.
فقلت : جعلت فداك، ما تفتخر الشيعة إلا بقضاء علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المشيخة (1)التي أفتاه ابن مسعود أنّه لا بأس به بذلك.
ثم أتى عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسأله عن ذلك، فقال له عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : من أين أخذها ؟
فقال : من قول اللّه عزّ وجلّ : «وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِن نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ».
فقال علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن هذه مستثناة.
فقال أبو عبد اللّه للرجل : أَما تَسْمَعُ مَا يُرْوى عَنْ عَلِيَّ ؟
فلما قمت ندمت، وقلت : أي شيء ء صنعت ؟
يقول : قد فعله رجل منا، ولم يربه بأساً، وأقول أنا : قضى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها، فلقيته بعد ذلك وقلت : جعلت فداك، مسألة الرجل إنما كان الذي قلت كان زلّة منّي، فما تقول فيها ؟
فقال : يا شَيْخُ، تُخْبِرُنِي أَنَّ عَلِيّاً قَضَىٰ، وَتَسْأَلُني ما أَقولُ فيها ؟» (2).
85 - قال تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» (24)
حكت هذه الآية مشروعيّة المتعة وحلّيّتها، وقد تظافرت الأخبار عن أئمة الهدى بجوازها، وقد أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الاخبار ما يلي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمُتْعَةُ نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ، وَجَرَتْ بها السُّنَّةُ مِنْ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (1).
روی عبدالرحمن بن أبي عبيد، قال : «سمعت أبا حنيفة يسأل أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المتعة، فقال : أَيُّ الْمُنْعَتَينِ تَسْأَلُ ؟
فقال : سألتك عن متعة الجّ، فأنبئني عن متعة النساء أحقّ هي ؟
فقال : سُبْحانَ اللّه : أَما قَرَأْتَ كِتابَ اللّه عَزَّ وَجَلٌ : «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٌ».
فقال أبو حنيفة : واللّه كأنها آية لم أقرأها قطّ» (2).
86 - قَال تعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» (29)
حوت هذه الآية الكريمة حكمين :
الأول : حرمة أكل المال بالباطل.
الثاني : حرمة قتل الإنسان نفسه.
وقد أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيهما ما يلي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): عَنى بذلِكَ الْقِمار» (1).
وروي عنه أنّه القمار والسحت والربا (2)، ولا إشكال أنّها من المصاديق لهذا الحكم.
وفي حديث آخر عنه أنّ الآية الكريمة عنت الرجل من المسلمين يشدّ على المشركين وحده يجيء في منازلهم فيُقْتَل، فنهاهم اللّه عن ذلك (5).
87 - قَالَ تَعَالَى: «إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ» (31)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان الكبائر من الذنوب، هي : «كلّ ما أَوْعَدَ اللّه عَلَيها النَّارَ» (6).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنِ اجْتَنَبَ مَا أَوْعَدَ اللّه عَلَيْهِ النَّارَ إِذا كانَ مُؤْمِناً كَفِّرَ اللّه عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَيُدخِلُهُ مُدْخَلاً كَريماً، وَالْكَبَائِرُ السَّبْعُ الْمُوجِباتُ لِدُخولِ النّارِ قَتْلُ النَّفْسِ الْحَرامِ، وَعُقوقُ الوالِدَينِ، وَأَكْلُ الرِّبا، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ مالِ
الْيَتِيمِ وَالْفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ» (1).
88 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللّه بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ» (32)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «أَيْ لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: لَيْتَ ما أُعطِيَ فُلانٌ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْمَرْأَةِ الْحَسْناءِ كانَ لي، فَإِنَّ ذلِكَ يَكونُ حَسَداً، وَلكِنْ يَجوزُ أَنْ يَقُولَ : اللّهمَّ أَعْطِني مثْلَهُ» (2).
89 - قَالَ تَعَالَى: «وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ممّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ» (33﴾
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «عَنى بذلك أولي الْأَرْحَامِ فِي الْمَوَارِيثِ، وَلَمْ يَعْنِ أولياءَ النِّعْمَةِ، فَأَوْلاهُمْ بِالْمَيِّتِ أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الرَّحِمِ الَّتي تَجُرُّهُ إِلَيها» (3).
90 - قَال تعَالَى: «فَابْعَثُوا حَكَماً مِن أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إصلاحاً» (35)
35
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْحَكَمانِ يَشْتَرطَانِ إِنْ شاءَا فَرَّقا، وَإِنْ شَاء جَمَعا، فَإِنْ فَرَّقا فَجَائِز، وَإِنْ جَمَعَا فَجَائِز» (4).
91 - قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى
الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (59)
سأل الحسن بن صالح الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أولي الأمر، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «هُمُ الأئمّة مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (1).
92 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا به» (83)
روی محمّد بن عجلان، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : إِنَّ اللّه عَيَّرَ أَقواماً بالإذاعَةِ في قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ»، فَإِيَّاكُمْ وَالْإِذاعة» (2).
لقد أمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالتقيّة التي حفظت دماء الشيعة في تلك العصور المظلمة.
93 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ» (83)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ».
وَقالَ : «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، فَرَدَّ أَمْرَ النَّاسِ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، الَّذِينَ أَمَرَ بِطاعَتِهِمْ وَالرَّدُّ إِلَيْهِمْ» (3).
ومما لا شبهة فيه أنّ أولي الأمر الذين أمر اللّه بطاعتهم هم أئمة الهدى لا الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
94 - قَالَ تَعَالَى ک «فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّه لَا تُكَلِّفُ إِلَّا نَفْسَكَ» 84)أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ في تفسير هذه الآية ما يلي :)* قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إِنَّ اللّه كَلَّفَ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما لَمْ يُكَلِّفُ بِهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ كَلَّفَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ وَحْدَهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِئَةٌ تُقاتِلُ مَعَهُ، وَلَمْ يُكَلِّفُ هذا أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ».)ثم تلا هذه الآية: «فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّه لَا تُخَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ»» (1.)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ما سُئِلَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شَيْئاً قَطُّ فَقالَ : لا، إِنْ كانَ عِنْدَهُ أَعْطَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قالَ : يَكون إِنْ شَاءَ اللّه، وَلَا كَافَاً بِالسَّيِّئَةِ قَطُّ، وَمَا لَقِيَ سَرِيَّةٌ مُذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ «فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّه لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ» إِلَّا وَلِيَ بِنَفْسِهِ» (2).)95 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذَا حُيَّتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا» (86)نقل الرواة عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ في التحيّة وردّها ما يلي :)* قال (عَلَيهِ السَّلَامُ : «يُسَلِّمُ الصَّغيرُ عَلَى الْكَبير، وَالْمارُّ عَلَى الْقاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكثير» (3).)* قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «الْقَلِيلُ يَبْدَأَونَ الْكَثِيرَ بِالسَّلامِ، وَالرَّكْبُ يَبْدَأُ الْمَاشي، وَأَصْحابُ الْبِغَالِ يَبْدَأُونَ أَصْحابَ الْحَمِيرِ، وَأَصْحابُ الْخَيْلِ يَبْدَأُونَ أَصْحابَ الْبِغَالِ» (4).)
* قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «يُسَلِّمُ الرّاكِبُ عَلَى الْماشي، وَالْماشِي عَلَى الْقاعِدِ، وَإِذا لَقِيتَ جَمَاعَةً سَلَّمَ الْأَقَلُّ عَلَى الْأَكْثَرُ، وَإِذا لَقِيَ وَاحِدٌ جَمَاعَةٌ سَلَّمَ الْواحِدُ عَلَى الْجَمَاعَةِ» (1).)* قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إِنَّ مِنْ تَمامِ التَّحِيَّةِ لِلْمُقِيمِ الْمُصافَحَةَ، وَتَمَامِ التَّسليمِ عَلَى الْمُسافِرِ الْمُعانَقَةَ» (2).)96 - قَالَ تَعَالَى: «أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ» (90 وأدلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحديث عن سبب نزول هذه الآية، قال : «نَزَلَتْ في بَني مِدْلَجَ لأَنَّهُمْ جاؤوا إلى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقالوا : إِنَّا قَدْ حَصِرَتْ صُدورنا أنْ نَشْهَدَ أَنَّكَ لَرَسولُ اللّه فَلَسْنا مَعَكُمْ وَلَا مَعَ قَوْمِنَا عَلَيْكَ
فقيل للإمام : كيف صنع بهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؟
قالَ : وَادَعَهُمْ إِلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنَ الْعَرَبِ ثُمَّ يَدْعُوهُمْ، فَإِنْ أَجابوا وَإِلَّا قاتَلَهُمْ» (3).
97 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ» (97)
وأثرت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان المستضعف كوكبة من الأحاديث، وهذه بعضها :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان المستضعفين : «لَا يَسْتَطيعونَ سَبيلَ أَهْلِ الحقّ فَيَدْخُلُونَ فيهِ وَلَا يَسْتَطيعونَ حيلَةٌ إِلَى النَّصْبِ فَيَنصِبونَ، وَلَا يَهْتَدونَ سَبيلاً إلَى الحقّ فَيَدْخُلُونَ فيه، هؤلاء يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِأَعْمَالِ حَسَنَةٍ، بِاجتِنابِ الْمَحارِمِ الَّتينَهَى اللّه عَنْها، وَلَا يَنالُونَ مَنازِلَ الْأَبْرار» (1).
سئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حدّ المستضعف الذي ذكره اللّه عزّ وجلّ ؟
قال : «مَنْ لَا يُحْسِنُ سورةٌ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ خَلَقَهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ خِلْقَةً ما يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ لَا يُحْسِنَ» (2).
قال : هُمْ أَهْلُ الْوِلايَةِ.
فقال له : أيّ ولاية ؟
قال : أما إنَّها لَيْسَتْ بِولايَةٍ في الدِّينِ، وَلَكِنَّهَا الْوِلايَةُ فِي الْمُناكَحَةِ وَالْمُوارَثَةِ وَالْمُخالَطَةِ، وَهُمْ لَيْسوا بِالْمُؤْمِنِينَ وَلَا بِالْكُفَّارِ، وَهُمُ الْمُرْجَونَ لأَمْرِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ» (4).
98 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ منْهُم مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ» (102)
عرضت الآية الكريمة لصلاة الخوف، وقد أوضحها الإمام الصادق لا، قال :
«صَلَّى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِأَصْحَابِهِ في غَزْوَةِ ذاتِ الرِّقاعِ، فَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ فِرْقَتَينِ : فَأَقَامَ فِرْقَةً بإزاءِ الْعَدوِّ، وَفِرْقَةً خَلْفَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّروا، فَقَرَأَ وَأَنْصَوا، فَرَكَعَ وَرَكَعوا، فَسَجَدَ وَسَجَدوا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَائِماً فَصَلُّوا لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ خَرَجوا إِلَى أَصْحَابِهِمْ فَقَامُوا بِإِزاءِ الْعَدُوِّ.
وَجاءَ أَصْحابُهُمْ فَقاموا خَلْفَ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَكَبَّرَ وَكَبَّروا، وَقَرَأَ فَأَنْصَتوا، وَسَجَدَ وَسَجَدوا، ثُمَّ جَلَسَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَتَشَهدَ ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقاموا فَقَضَوا لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ : «وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ - إِلَى قوله - : كِتاباً مَوْقُوتا»)، فَهَذِهِ صَلاةُ الْخَوْفِ الَّتِي أَمَرَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِها نَبِيَّهُ» (1).
99 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصتُم» (128)
سأل ابن أبي العوجاء هشام بن الحكم، قال له : أليس اللّه حكيماً ؟
قال : بلى، هو أحكم الحاكمين.
قال : فأخبرني عن قوله : «فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً» (2)، أليس هذا فرضاً ؟
قال : بلى.
قال : فأخبرني عن قوله : «وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كلّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ»، أي حكيم يتكلم بهذا ؟
فلم يكن عنده جواب.
فرحل هشام إلى المدينة لعرض هذه المسألة على الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولما تشرف بملاقاته قال له الإمام : في غَيْرِ وَقْتِ حَجٌ وَلَا عُمْرَةٍ ؟
قال : نعم، جعلت فداك، لأمر أهمّني، إنّ ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة ولم يكن عندي فيها شيء.
قال : وما هي ؟
فعرض ذلك عليه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أَمَا قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةٌ» يَعْنِي فِي النَّفَقَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ : «وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كلّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَة») يعنى فى الْمَوَدَّةِ».
ورحل هشام من المدينة، وعرض هذا الجواب على ابن أبي العوجاء، فبهر، وقال : واللّه ما هي من عندك» (1).
100 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوراً أَوْ إِعْرَاضاً فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلحاً» (128)
روى الحلبي، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه : «وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ بَعْلِهَا نُشُورًاً أَوْ إِعْرَاضاً».
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هِيَ الْمَرْأَةُ تَكونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَيَكْرَهُها، فَيَقولُ لَهَا : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَطَلْقَكِ.
فَتَقولُ لَهُ : لَا تَفْعَلْ إِنِّى أَكْرَهُ أَنْ تُشْمِتَ بي، وَلكِنِ انظُرْ فِي لَيْلَتِي فَاصْنَعْ بِهَا مَا شِئْتَ،
1) الميزان في تفسير القرآن : 5 : 106 - 107.
وَما كانَ سِوى ذلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَكَ، وَدَعْني عَلى حالتي، فَهُوَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وَتَعالى : «فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً»، وَهُوَ هذَا الصُّلْحُ» (1).
101 - قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ» (135)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سَبْعَةَ حُقوقِ : فَأَوْجَبُها أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ حَقّاً، وَلَوْ كانَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلى والِدَيْهِ، فَلَا يَميلُ لَهُمْ عَنِ الْحَقِّ».
ثمّ قال : «فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُو أَوْ تُعْرِضُوا» (2)، يَعْني عَنِ الْحَقِّ» (3).
102 - قَالَ تَعَالَى: «لَا يُحِبُّ اللّه الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ» (148)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْجَهْرُ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يَذْكُرَ الرَّجُلَ بِما فِيهِ» (4).
103 - قَالَ تَعَالَى: «وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً» (156)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له : «أَلَمْ يَنْسِبُوا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ إِلَى أَنَّهَا حَمَلَتْ بِصَبِيٌّ مِنْ رَجُلٍ نَجَارٍ اسْمُهُ يُوسُف» (5).
104 - قَال تعالى: «وَإِن مِن أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ» (159)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول اللّه في عيسى : «وَإِن مِن أَهْلِ الْكِتَابِ» : «إِنَّ إِيمَانَ أَهْلِ الْكِتاب إنَّما هُوَ لِمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (1).
1) الميزان في تفسير القرآن : 5 : 145.
105 - قَالَ تَعَالَى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ» (3)
سأل بعض أصحاب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له : جعلت فداك، لِمَ حرّم اللّه الميتة والدم ولحم الخنزير ؟
فقال : إِنَّ اللّه تَبارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُحَرِّمْ ذلِكَ عَلى عِبادِهِ، وَأَحَلَّ لَهُمْ مَا سِواهُ مِنْ رَغْبَةٍ مِنْهُ - تَبارَكَ وَتَعالى - فيما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، وَلَا زَهْدَ فيما أَحَلَّ لَهُمْ، وَلكِنَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، وَعَلِمَ ما يُقَوِّمُ بِهِ أَبْدانَهُمْ وَما يُصْلِحُهُمْ، فَأَحَلَّهُ وَأَباحَهُ تَفَضُّلاً مِنْهُ عَلَيْهِم لِمَصْلَحَتِهِمْ، وَعَلِمَ ما يَضُرُّهُمْ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أَباحَهُ لِلْمُضْطَرٌ، وَأَحَلَّهُ لَهُمْ فِي الْوَقْتِ الَّذي لَا يُقَوَّمُ بَدَنُهُ إِلَّا بِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنالَ مِنْهُ بِقَدَرِ الْبُلْغَةِ لَا غَيْرُ».
ثمّ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أما الْمِيتَةُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْنو مِنْها أَحَدٌ، وَلَا يَأْكُلُها، إِلَّا مَنْ ضَعُفَ بَدَنُهُ، وَنَحُلَ جِسْمُهُ، وَوَهَنَتْ قُوَّتُهُ، وَانْقَطَعَ نَسْلُهُ، وَلَا يَموتُ اكِلُ الْمِيتَةِ إِلَّا فُجْأَةً.
وَأَمّا الدَّمُ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْكَلَبَ، وَقَسْوَةَ الْقَلْبِ، وَقِلَّةِ الرّأْفَةِ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَقْتُلَ وَلَدَهُ وَوالِدَيهِ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلى حَمِيمِهِ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلى مَنْ صَحِبَهُ.
وَأَمَّا لَحْمُ الْخِنْزِيرِ، فَإِنَّ اللّه مَسَخَ قَوْماً فِي صُوَرٍ شَتَّى شِبْهَ الْخِنزيرِ وَالْقِرْدِ وَالدُّبِّ، وَما كانَ مِنَ الْأَمْساخِ، ثُمَّ نَهى عَنْ أَكْلِ مِثْلِهِ لِكَي لَا يُنْتَفَعَ بِهَا، وَلَا يُسْتَخَفْ بِعُقوبَتِهِ.
وَأَمَا الْخَمْرُ، فَإِنَّهُ حَرَّمَهَا لِفِعْلِها وَفَسادِها، وَقالَ : إِنَّ مُدْمِنَ الْخَمْرِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ،
وَيُورِثُهُ ارْتِعاشاً، وَيَذْهَبُ بِنُورِهِ، وَتَهْدِمُ مُروءَتَهُ، وَيَحْمِلُهُ عَلَىٰ أَنْ يَكْسِبَ عَلَى الْمَحارِمِ مِنْ سَفْكِ الدِّماءِ، وَرُكوبِ الزِّنا، وَلَا يُؤْمَنُ إِذا سَكَرَ أَنْ يَيْبَ عَلَى حَرَمِهِ، وَهُوَ لَا يَعْقِلُ ذلِكَ، وَالْخَمْرُ لَمْ يُؤَدِّ شارِبَهَا إِلَّا إِلى كلّ شَرَّ» (1).
وبيّن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له الأنواع التي حرم القرآن أكلها. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
«الْمُنْخَنِقَةُ : الَّتي تُخْنَقُ في رباطها.
الْمَوْقُوذَةُ : الْمَرِيضَةُ الَّتي لَا تَجِدُ أَلَمَ الذَّبْحِ وَلَا تَضْطَرِبُ، وَلَا يَخْرُجُ لَها دَم.
الْمُتَرَدِّيَةُ : التي تَرَدَى مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ وَنَحْوِهِ.
الطيحَةُ : الَّتى تَنْطَحُ صاحِبَها» (2).
106 - قَالَ تَعَالَى: «يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ» (4)
عرضت الآية الكريمة إلى حلّيّة ما صاده الكلب المعلم، وقد سأل أبو بصير الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية، فقال : «لَا بَأْسَ بِأَكْلِ ما أَمْسَكَ الْكَلْبُ، ممّا لَمْ يَأْكُلِ الْكَلْبُ مِنْهُ، فَإِذا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَهُ فَلَا تَأْكُلْهُ» (3).
وروى أبو عبيدة، عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرجل سرّح الكلب المعلم، ويسمّى إذا سرّحه.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يَأْكُلُ ممّا أَمْسَكْنَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ وَقَتَلَهُ، وَإِنْ وُجِدَ مَعَهُ كَلْبٍ غَيْرُ مُعَلَّم فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ.
قلت : فالصقور والعقاب والبازي ؟
قال : إِنْ أَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تُدْرِكْ ذَكَاتَهُ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ.
قلت : فالفهد ليس بمنزلة الكلب ؟
فقال له : لَيْسَ شَيْءٌ مُكَلَّبٌ إِلَّا الْكَلْبَ» (1).
107 - قَالَ تَعَالَى: «أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ» (5﴾
والمراد بالطعام الذي حلّلته الآية من أهل الكتاب هي العدس والحبوب حسبما جاء عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).
108 - «قَالَ تَعَالَى: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» (5)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير المحصنات من أهل الكتاب : «هُنَّ الْعَفائِفُ» (3).
وقد سئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل المؤمن يتزوج النصرانيّة واليهوديّة.
قال : إِذا أَصابَ الْمُسْلِمَةَ فَما يَصْنَعُ بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ ؟
فقيل : يكون له فيها الهوى.
فقال : إِنْ فَعَلَ فَلْيَمْنَعُها مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَكْلِ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ عَلَيْهِ غضاضةً في دينِهِ» (4).
109 - «قَالَ تَعَالَى: «وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» (5)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الَّذِي يَكْفُرُ بِالإِيمَانِ، الَّذي لَا يَعْمَلُ بِمَا أَمَرَ اللّه بِهِ وَلَا يَرْضَىٰ بِهِ» (1).
وروى عبيد بن زرارة، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّ وجلّ : «وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ».
قال : تَرْكَ الْعَمَلَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ مِنْ ذلِكَ أَنْ يَتْرُكَ الصَّلاةَ مِنْ غَيْرِ سُفْمٍ وَلَا شُغْلِ» (2).
110 - قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ» (6)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير قوله تعالى : «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ» : «أَيْ إِذَا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ إِلَى الصَّلاةِ».
وقال له ابن بكير : أينقض النوم الوضوء ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَعَمْ، إِذا كانَ يَغْلِبُ عَلَى السَّمْع، وَلَا يَسْمَعُ الصَّوْتَ» (3).
111 - قال تعالى: «أَوْ لَا مَسْتُمُ النِّسَاءَ» (6)
روى الحلبي، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّ وجلّ : «أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ».
قال : هُوَ الْجُماعُ، وَلكِنَّ اللّه سَيرٌ يُحِبُّ السِّتْرَ فَلَمْ يُسَم كَما تُسَمُونَ» (1).
112 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّه وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا» (33)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سبب نزول هذه الآية : قَدِمَ قَوْمٌ عَلى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مِنْ بَنِي ضَبَّةَ، وَكانوا مَرْضى، فَقالَ لَهُمْ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَقيموا عِنْدِي فَإِذا بَرَأْتُمْ بَعَثْتُكُمْ فِي سَرِيَّةٍ.
فَقالوا : أَخْرِجْنا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى إِبْلِ الصَّدَقَةِ يَشْرَبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِها حتّى بَرَأُوا وَاشْتَدُّوا، فَقَتَلُوا ثَلاثَةٌ مِمَّنْ كانَ فِي الْإِبِلِ، فَبَلَغَ ذلِكَ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَليّاً، وَإِذا هُمْ في وادٍ قَدْ تَحَيَّرُوا لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهُ، فَأَسَرَهُمْ الْإِمَامُ، وَجاءَ بِهِمْ إِلَى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة» (2).
113 - قَال تعَالَى: «إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ» (44)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية: «إِنَّ ممّا اسْتَحِقَّتْ بِهِ الْإِمَامَةَ التَّطْهِيرُ وَالظَّهارَةُ مِنَ الذُّنوبِ وَالْمَعَاصِي الْمُوبِقَةِ الَّتي تُوْجِبُ النَّارَ، ثُمَّ الْعِلْمُ الْمُنَوَّرُ (3)بِجَمِيعِ ما تَحْتاجُ إِلَيْهِ الأمَّةُ مِنْ حَلالِها وَحَرامِها، وَالْعِلْمُ بِكتابها خاصهِ وَعامِّهِ، وَالْمُحْكَم وَالْمُتَشَابِهِ. وَدقائِقِ عِلْمِهِ، وَغَرَائِبٍ تَأْوِيلِهِ، وَناسِخِهِ وَمَنْسوخِهِ.
فقيل للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): وما الحجّة بأنّ الإمام لا يكون إلّا عالماً بهذه الأشياء التي ذكرت ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قَوْلُ اللّه فيمَنْ أذِنَ اللّه لَهُمْ بِالْحُكومَةِ وَجَعَلَهُمْ أَهْلَها : «إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ»، فَهَذِهِ الأئمّة دونَ الْأَنْبِياءِ الَّذِينَ يُرَبِّونَ النَّاسَ بِعِلْمِهِمْ.
وَأَمّا الأخبارُ فَهُمُ الْعُلَماءُ دونَ الرَّبَانِيِّينَ، ثُمَّ أَخْبَرَ فَقالَ : «بِمَا اسْتَحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّه وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ»، وَلَمْ يَقُلْ بِما حَمَلُوا مِنْهُ» (1).
وعلّق السيد الطباطبائي على هذا الحديث بقوله : «وهذا استدلال لطيف يظهر به عجيب معنى الآية» (2).
114 - قال تعالى: «أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ» (50)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْحُكْمُ حُكْمانِ : حُكْمُ اللّه، وَحُكْمُ الْجاهِلِيَّةِ، فَمَنْ أَخْطَأَ حُكْمَ اللّه حَكَمَ بِحُكْمِ الْجاهِلِيَّةِ» (3).
115 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» (55).
نزلت هذه الآية الكريمة في إمام المتقين، وعملاق الفكر، ورائد الشرف والكرامة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك حينما كان قائماً بين يدي اللّه تعالى يؤدّي
فريضة الصلاة، فجاء مسكين إلى الجامع يستجدي، فلم يسعفه أحد من المسلمين سوى الإمام أمير المؤمنين، فأومأ إليه وتصدّق عليه بخاتمه، فنزلت في حقه هذه الآية الكريمة، وقد أضفت سمة الولاية التي هي لله ولر9سوله على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكما أن طاعة اللّه تعالى ورسوله واجبة، فكذلك طاعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وقد سأل الحسن بن أبي العلاء الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : الأوصياء طاعتهم مفترضة ؟
وَهُمُ الَّذينَ قالَ اللّه: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»» (2).
116 - قَالَ تَعَالَى: «لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ» (63)
استشهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآية حينما قال له أبو بصير : إنّ عمر بن رباح زعم أنّك قلت : لا طلاق إلّا ببينة.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما أَنا قُلْتُهُ، بَلِ اللّه تَبَارَكَ وَتَعالى يَقولُ، أَما وَاللّه لَوْ كُنَّا نُفْتِيكُمْ بِالْجَوْرِ لَكُنا أَشَرَّ مِنْكُمْ، إِنَّ اللّه يَقولُ : «لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ»» (3).
117 - قَالَ تَعَالَى: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّه مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا
بِمَا قَالُوا» (64)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية: «إِنَّ الْيَهود كانوا يقولونَ: قَدْ فَرِغَ اللّه مِنَ الْأَمْرِ، لَا يَحْدُثُ غَيْرُ ما قَدَّرَهُ في التقديرِ الأولِ، فَرَدَّ اللّه عَلَيْهِمْ «بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ»، أَيْ يُقَدِّمُ وَيُؤَخِّرُ، وَيزِيدُ وَيُنْقِصُ، وَلَهُ الْبَداءُ وَالْمَشِيئَةُ» (1).
118 - قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» (67)
تحمل الآية الكريمة طابعاً من الاهتمام البالغ من اللّه تعالى في قضية حاسمة، تتعلق بمصير العالم الإسلامي، وصيانته من التدهور والانحراف في متاهات سحيقة من مجاهل هذه الحياة.
لقد اختار اللّه تعالى لقيادة الأمّة روحيّاً وزمنيّاً أفضل المسلمين، وأكثرهم التزاماً بحرفية الإسلام الإمام أمير المؤمنين رائد العدالة الاجتماعية، وعملاق الفكر الإنساني، صاحب المواهب والعبقريات التي لا تحدّ، وقد أكد الوحي الإلهي على النبيّ العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يعلن في غدير خم، حيث اجتمعت فيه قوافل حجاج بيت اللّه الحرام انتخاب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائداً عاماً للأمة، ومرجعاً أعلى للمسلمين على اختلاف قومياتهم وميولهم.
وفعلاً قام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فبلغ رسالة ربّه، فنصب الإمام أمير المؤمنين علماً، وأمر المسلمين بمبايعته، وقال : «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذا عَلَى مَوْلاهُ. اللّهمَّ انْصُرْ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ. وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ»، وبذلك تمّت النعمة الكبرى، وكمل أمر الدين، وانتظم أمر المسلمين.
1) تفسير القمّي : 1 : 171.
يقول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَمَا نَصَبَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَلَيَّا يَوْمَ غَدير خُمَّ، قَالَ : مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهذا عَلى مَوْلاهُ، فَطَارَ ذلِكَ فِى الْبِلادِ، فَقَدِمَ عَلَى النَّبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) النُّعْمَانُ بْنُ الْحارِثِ الْفِهْرِي، فَقَالَ : أَمَرْتَنا مِنَ اللّه أَنْ نَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه، وَأَنَّكَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَأَمَرْتَنا بِالْجِهَادِ، وَبِالْحَجِّ، وَبِالصَّوْمِ، وَالصَّلاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَقَبِلْناها، ثُمَّ لَمْ تَرْضَ حَتَّىٰ نَصَبْتَ هذا الْغُلامَ، فَقُلْتَ : مَنْ كُنْتَ مَوْلاهُ فَعَليٌّ مَوْلاهُ، فَهذا شَيْءٌ مِنْكَ أَوْ أَمْرٌ مِنَ اللّه تعالیٰ ؟
فَقالَ : بَلَى وَاللّه الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّ هذا مِنَ اللّه.
فَوَلَّى النُّعْمَانُ بْنُ الْحَارِثِ وَهُوَ يَقولُ : اللّهمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الحقّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ، فَرَمَاهُ اللّه بِحَجَرٍ عَلَى رَأْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنْزَلَ اللّه: «سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعِ» (1)» (2).
119 - قَالَ تَعَالَى: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» (78﴾
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْخَنازيرُ عَلَى لِسانِ داودَ، وَالْقِرَدَةُ عَلَى لِسانِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ» (3).
120 - قَالَ تَعَالَى: «كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» (79﴾
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «أما إِنَّهُمْ لَمْ يَكونوا يَدْخُلُونَ مَداخِلَهُمْ، وَلَا يَجْلُونَ
مَجالِسَهُمْ، وَلكِنْ كانوا إِذا لَقَوْهُمْ ضَحِكوا في وُجُوهِهِمْ وَأَنسوا بِهِمْ» (1).
121 - قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (90)
وأدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحديث له عن السبب في نزول هذه الآية المباركة.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «بَيْنَما حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابُهُ عَلَى شَرابِ لَهُمْ يُقالُ لَهُ السُّكُرْكَةُ، فَتَذاكَروا الشَّرِيفَ.
فَقالَ لَهُمْ حَمْزَةٌ : كَيْفَ لَنَا بِهِ ؟
فقالوا : هذه ناقَةُ ابْنِ أَحْكَ عَلَيَّ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا فَنَحَرَها، ثُمَّ أَخَذَ كَبِدَها وَسَنامَها فَأَدْخَلَها عَلَيْهِمْ.
وَأَقْبَلَ عَلِيٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَأَبْصَرَ ناقَتَهُ قَدْ نُحِرَتْ، فَسَأَلَ : مَن الَّذِي نَحَرَها ؟
فَقِيلَ لَهُ : حَمْزَةُ، فَذَهَبَ إِلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَشَكَاهُ إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَطَرَقَ الْبابَ، فَقِيلَ لِحَمْزَةَ : هذا رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِالْبابِ، فَخَرَجَ حَمْزَةً وَهُوَ مُغْضِبٌ، فَلَمّا رَأَىٰ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما فيهِ مِنَ الْغَضَبِ انْصَرَفَ عَنْهُ.
فَقالَ حَمْزَةً لَهُ : لَوْ أَرادَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَقودَكَ بِزَمَامٍ لَفَعَلَ.
وَكانَ ذلِكَ قَبْلَ واقِعَةِ أحَدٍ، وَلَمَّا أَنْزَلَ اللّه تَعَالَى تَحْرِيمَ الْخَمْر أَمَرَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِأَوانيها فَأُكْفِنَتْ
وَلَمًا صارَتْ واقِعَةً أَحَدٍ نُودِيَ بِالنَّاسِ إِلَى الْخُروج إِلى أَحدٍ، فَخَرَجَ حَمْزَةً وَوَقَفَ
1) تفسير العيّاشي : 1 : 335، الحديث 161. تفسير نور الثقلين : 1 : 661، الحديث 313.
ناحِيَةٌ مِنَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْقَوْمِ حتّى غُيِّبَ فِيهِم، ثُمَّ رَجَعَ إِلى مَوْقِفِهِ.
فَقالَ لَهُ النَّاسُ : اللّه اللّه، يا عَمَّ رَسولِ اللّه، أَنْ تَذْهَبَ وَفِي نَفْسِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَلَيْكَ شَيْءٌ، فَأَقْبَلَ إِلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَلَمّا رَآهُ نَحْوَهُ مُقْبِلاً أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَعَانَقَهُ وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ : احْمِلْ عَلَى النَّاسِ، فَحَمَلَ، وَاسْتُشْهِدَ، وَكَفَّتَهُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فِي نَمِرَةٍ» (1).
122 - قَالَ تَعَالَى: «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا» (93)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أُتِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِقُدامَةَ بْنِ مَطْعُونَ وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَقامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، فَسَأَلَ الْإِمَامَ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً.
فَقالَ قُدامَةُ : يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ عَلَيَّ حَدٌ، أَنَا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ : «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا»، فَقَرَأَ الْآيَةَ حتّى اسْتَتَمَّها.
فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ : كَذِبْتَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ، ما طَعِمَ أَهْلُها فَهُوَ حَلالٌ لَهُمْ، وَلَيْسَ يَأْكلونَ وَلَا يَشْرَبُونَ إِلَّا ما يَحِلُّ لَهُمْ» (2).
123 - قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّه بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ» (94)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : وحُشِرَتْ لِرَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَّةِ الوحوش، حتّى نالَتْها أَيْديهِمْ وَرِماحُهُمْ» (3).
124 - قال تعالى: «وَمَن عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّه مِنْهُ وَاللّه عَزِيرٌ ذُو انتِقَامٍ» (95)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «إِذا أَصابَ الْمُحْرِمُ الصَّيدَ خَطَأَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، فَإِنْ أَصابَهُ ثانِيَةٌ مُتَعَمِّداً فَهُوَ مِمَّنْ يَنْتَقِمُ اللّه مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ» (1).
125 – قال تعَالَى: «هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ» (95)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيّ، فَلَهُ أَنْ يَنْحَرَهُ حَيْثُ يَشَاءُ، إِلَّا فِداءُ الصَّيْدِ، فَإِنَّ اللّه يَقولُ : «هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ»» (2).
126 - قَالَ تَعَالَى: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ» (96)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان صيد البحر : «مالِحُهُ الَّذِي تَأْكُلُونَ».
وقال : «فَضلُ ما بَيْنَهُما، كلّ طَيْرِ يَكونُ في الآجامِ يَبيضُ فِي الْبَرِّ وَيُفَرِّخُ فِي الْبَرِّ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، وَما كانَ مِنَ الطَّيْرِ يَكون فى الْبَرِّ وَيَبيضُ في الْبَحْرِ وَيُفَرِّخُ، فَهُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ» (3).
وروى زيد الشحام، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّ وجلّ : «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ» الآية.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هي حيتان المالح، وَما تَزَوَّدْتَ مِنْهُ أَيْضاً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مالِحاً فَهُوَ مَتَاعٌ» (4).
127 - قَالَ تَعَالَى: «مَا جَعَلَ اللّه مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ» (102)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «إِنَّ أَهْلَ الْجاهِلِيَّةِ كانوا إذا ولدَتِ النّاقَةُ وَلَدَيْنِ في بَطْنِ واحِدٍ قالوا : وَصَلَتْ، فَلَا يَسْتَحِلُونَ ذَبْحَها وَلَا أَكْلَهَا.
وَإِذا وَلَدَتْ عَشْراً جَعَلوها سائِبَةً، وَلَا يَسْتَحِلُونَ ظَهْرَها وَلَا أَكْلَها.
وَالْحامُ : فَحْلُ الْإِبِلِ، لَمْ يَكونوا يَسْتَحِلُّونَهُ، فَأَنْزَلَ اللّه أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُحَرِّمُ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ» (1).
128- قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ» (106)
روى يحيى بن محمّد، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّ وجلّ : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةً بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِن غَيْرِكُمْ».
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللذانِ مِنْكُمْ مُسلِمانِ، وَاللَّذانِ مِنْ غَيْرِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ فَمِنَ الْمَجُوسِ، لأَنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سَنَّ فِي الْمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْجِزْيَةِ، وَذلِكَ إِذا ماتَ الرَّجُلُ فِي أَرْضِ غُرْبَةٍ فَلَمْ يَجِدْ مُسْلِمَيْنِ أَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يُحْبَسَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَيُقْسِمانِ بِاللّه عَزَّ وَجَلَّ: «لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّه إِنَّا إِذا لَمِنَ الآثِمِينَ» وَذَلِكَ إِذا ارْتابَ وَليُّ
1) تفسير العيّاشي : 1 : 347، الحديث 213. تفسير نور الثقلين : 1 : 683، الحديث 210.
الْمَيِّتِ في شَهادَتِهما.
فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُما شهدا بالْباطِل، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ شَهَادَتَهُما حتّى يَجِيءَ بِشاهِدَيْنِ فَيَقومانِ مَقامَ الشَّاهِدَينِ الْأَوَّلَينِ : «فَيُقْسِمَانِ بِاللّه لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذا لَمِنَ الظَّالِمِينَ» (1).
فَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ نَقَضَ شَهادَةَ الْأَوَّلَينَ، وَجازَتْ شَهادَةُ الْآخَرَينِ. يَقولُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «ذلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ» (2)» (3).
129 - قالاَ تَعالى: «يَوْمَ يَجْمَعُ اللّه الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» (109)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «إِنَّ الرُّسُلَ يَقولونَ : لَا عِلْمَ لَنَا بِسواك» (4).
130 - قَالَ تَعَالَى: «إِذْ قَالَ الْحَوارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ» (112﴾
131 - قَالَ تَعَالَى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلٌ مُسَمّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ» (2)
أثرت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدة تفاسير للأجلين اللذين ذكرا في الآية، وهي :
قال : الْمُسَمّى ما سُمِّيَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَهُوَ الَّذي قالَ اللّه: «فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَستَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ» (1)، وَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالآخَرُ لَهُ فيه الْمَشِيئَةُ، إِنْ شاءَ قَدَّمَهُ وَإِنْ شاءَ أَخَّرَهُ» (2).
قال : «الْأَجَلُ الَّذِي غَيْرُ مُسَمّى مَوقوفٌ يُقَدِّمُ مِنْهُ ما شَاءَ، وَأَمَا الْأَجَلُ الْمُسَمّى فَهُوَ الَّذي يُنْزِلُ ممّا يُريدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلى مِثْلِهَا. قَالَ : فَذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى : «فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَستَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ» (3).
132 - قَالَا تَعَالَى: «وَهُوَ اللّه فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ» (3)
سأل محمّد بن النعمان الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «هُوَ كَذلِك في كلّ مَكانٍ..
فردّ عليه الإمام قائلاً : وَيْحَكَ ! إِنَّ الأَماكِنَ أَقْدارٌ، فَإِذَا قُلْتَ : فِي مَكَانٍ بِذَاتِهِ لَزِمَكَ أَنْ تَقولَ : في أَقدارٍ وَغَيْرِ ذلِكَ، وَلكنْ هُوَ بائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، مُحِيطٌ بِمَا خَلَقَ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَإِحَاطَةٌ وَسُلْطاناً، وَلَيْسَ عِلْمُهُ بِما فِي الْأَرْضِ بِأَقَلَّ ممّا في السَّماءِ، وَلَا يَبْعُدُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَالْأَشْياءُ لَهُ سَواءٌ عِلْماً وَقُدْرَةً وَسُلْطَاناً وَمُلْكاً وَإِرادَةً» (2).
133 - قَالَ تَعَالَى: «ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللّه رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ» (23)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ اللّه يَعْفُو يَوْمَ الْقِيامَةِ عَفْواً لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِ أَحَدٍ حتّى يَقُولَ أَهْلُ الشِّرْكِ : «وَاللّه رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ»» (3).
وفسّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) «فِتْنَتُهُمْ» : أي «لَمْ تَكُنْ مَعْذِرَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالوا... الخ» (1).
134 - قَالَ تَعَالَى: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (54)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «رَحِمَ اللّه عَبْداً تابَ إِلَى اللّه قَبْلَ الْمَوْتِ، فَإِنَّ التَّوْبَةَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ دَنَسِ الْخَطِيئَةِ، وَمُنْقِذَةٌ مِنْ شَقاءِ الْهَلَكَةِ، فَرَضَ اللّه بِها عَلَى نَفْسِهِ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، فَقَالَ : «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»، «وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّه يَجِدِ اللّه غَفُوراً رَحِيماً» (2)» (3).
135 - قَالَ تَعَالَى: «قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ» (65﴾
وهذه الآية الكريمة ذات مقاطع أربعة، وأثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) تفسيرها، وهي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ» : الْعَبيدُ السُّوءِ، وَمَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ» (1).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير قوله تعالى : «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا»، يَعْنِي يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، بِما يُلْقِيهِ بَيْنَكُمْ مِنَ الْعَداوَةِ وَالْعَصبِيَّةِ» (2).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير قوله تعالى : «وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ» : «هُوَ سُوءُ الْجِوارِ» (3).
136 - قال تعالى: «عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ» (73)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير «عَالِمُ الْغَيْبِ» : «أَي ما لَمْ يَكُنْ».
«وَالشَّهَادَةِ» «أَي ما قَدْ كانَ» (4).
137 - قال تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ» (82)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمُرَادُ بِالظُّلْمِ هُوَ الضَّلالُ وَما فَوْقَهُ» (5).
قال السيد الطباطبائي : «أقول : كأن المراد بالضلال في الرواية الشرك الذي هو أصل كلّ ظلم، وما فوقه» (6).
138 - قَالَ تَعَالَى: «وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كلّ مِنَ
الصَّالِحِينَ» (85﴾
عرضت هذه الآية الكريمة وما قبلها إلى ذرّيّة شيخ الأنبياء إبراهيم الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ).
قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَقَدْ نَسَبَ اللّه ابْنَ مَرْيَمَ فِي الْقُرآن إِلى إِبْراهيمَ مِنْ قِبَلِ النِّساء.
ثمّ تلا: «وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كلّ مِنَ الصَّالِحِينَ» (1)» (2).
139 - قَالَ تَعَالَى: «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً» (91)
روی عبداللّه بن سنان، قال : سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوله تعالى : : «تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً».
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانوا يَكْتُمونَ ما شاؤوا، وَيُبدونَ ما شاؤوا» (3).
140 - قَالَ تَعَالَى: «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ» (103)
روی عبد اللّه بن سنان، عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) تفسير هذه الآية، قال : «لَيْسَ يَعْني مِنَ الْبَصَرِ بِعَينِهِ، إِنَّما عَنى إحاطَةَ الْوَهُم، كَما يُقالُ : فُلانٌ بَصِيرٌ بِالشَّعْرِ، وَفُلانٌ بَصِيرٌ بِالْفِقْهِ، وَفُلانٌ بَصِيرٌ بِالدراهم، وَفُلانٌ بَصِيرٌ بِالنثّيابِ، اللّه أَعْظَمُ مِنْ أَنْ
يُرى بِالْعَيْن» (1).
وروى إسماعيل بن الفضل، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن اللّه تبارك وتعالى، هل يُرى في المعاد ؟
فقال : سُبْحانَ اللّه وَتَعَالَى عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كبيراً. يابْنَ الْفَضْلِ، إِنَّ الْأَبْصَارَ لَا تُدْرِك إِلَّا ما لَهُ لَوْنٌ وَكَيْفِيَّةٌ، وَاللّه خَالِقُ الْأَلْوانِ وَالْكَيْفِيَّاتِ» (2).
141 - قَال تعَالَى: «وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّه فَيَسُبُّوا اللّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ» (108)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ الْمُؤْمِنونَ يَسُبُونَ ما يَعْبُدُ الْمُشْرِكونَ مِنْ دُونِ اللّه، فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَسُبّونَ ما يَعْبُدُ الْمُؤْمِنونَ، فَنَهَى اللّه الْمُؤْمِنِينَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ لِكَيْلا يَسُبَّ الْكُفَّارُ إلهَ الْمُؤْمِنِينَ» (3).
وروى عمرو الطيالسي، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه : «وَلَا تَسُبُّوا» الآية.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا عَمْرو، هَلْ رَأَيْتَ أَحَداً يَسُبُّ اللّه ؟
قال : فقلت : جعلني اللّه فداك، فكيف ؟
قال : مَنْ سَب وَلِيُّ اللّه فَقَدْ سَب اللّه» (4).
ولعلّه عنى (عَلَيهِ السَّلَامُ)للّه بذلك ما شاع في زمانه من سب الإمام أمير المؤمنين، رائد الفكر الإسلامي، على المنابر من قبل السلطة الأموية، التي عمدت إلى هذا المنكر لدعم ملكها وسلطانها وسيطرتها على المسلمين.
142 - قَالَ تَعَالَى: «فَمَن يُرِدِ اللّه أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ» (125)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآية المباركة في حديثه التالي، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ إِذا أَرادَ بِعَبْدِ خَيْراً نَكَتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ مِنْ نورٍ، وَفَتَحَ مَسامِعَ قَلْبِهِ، وَوَكَّلَ بِهِ مَلَكاً يُسَدِّدُهُ، وَإِذا أَرادَ بِعَبْدِ سُوءاً، نَكَتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةً سَوْداءَ، وَسَدَّ مَسامِعَ قَلْبِهِ وَوَكَّلَ بِهِ شَيْطاناً يُضِلُّهُ.
ثم تلا هذه الآية: «فَمَن يُرِدِ اللّه أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلُّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ»» (1).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْقَلْبَ يَتَلَجْلَجُ فِي الْجَوْفِ، يَطْلُبُ الْحَقَّ، فَإِذا جاءَ اطْمَأَنَّ، وقرأ الآية الكريمة» (2).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لموسى بن أشيم : أَتَدْري مَا الْحَرَجُ ؟
فقال : لا.
فضم أصابعه كالشيء المصمت لا يدخل فيه شيء، ولا يخرج منه شيء» (3).
143 - قَالَ تَعَالَى: «وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا» (141)
وأثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية المباركة ما يلي :
قال : الضَّغْتُ مِنَ السُّنْبُلِ، وَالْكَفُّ مِنَ النَّمْرِ إِذا خُرِصَ.
قال : وسألته : هل يستقيم إعطاؤه إذا أدخله بيته ؟
قال : لَا، هُوَ أَسْخى لِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُ بَيْتَهُ (1)
فقال : كانَ فُلانُ ابْنُ فُلانِ الْأَنْصاري - وسمّاه - كانَ لَهُ حَرْثٌ، وَكَانَ إِذَا جَذَّ يَتَصَدِّقُبهِ، وَيَبْقَى هُوَ وَعِيالُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَجَعَلَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ ذلِكَ إسْرافاً» (2).
قلت : وما الذي أخذ به ؟ وما الذي أعطيه ؟
قال : أَمَّا الَّذي تُؤْخَذُ بِهِ فَالْعَشْرُ وَنِصْفُ الْعِشْرِ، وَأَمَّا الَّذِي تَعْطِيهِ فَقولُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه»، يَعْنِي مِنْ حَصْدِكَ الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ...».
ولا أعلمه إلّا قال : «الضَّغْتُ تُغطيهِ، ثُمَّ الضَّغْتُ حتّى تَفْرُغَ» (3).
144 - قال تعالى: «قُلْ فَلِلَّهِ الحجّة الْبَالِغَةُ» (149)
روى مسعدة بن زياد، قال : «سمعت جعفر بن محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد سئل عن قوله تعالى : «فَللِّهِ الحجّة الْبَالِغَةُ».
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : عَبْدِي كُنْتَ عَالِماً ؟
فَإِنْ قالَ : نَعَمْ، قَالَ لَهُ : أَفَلَا عَمِلْتَ بِما عَلِمْتَ ؟
وَإِنْ قالَ : كُنْتُ جاهلاً، َقالَ : أَفَلَا تَعَلَّمْتَ حتّى تَعْمَلَ ؟ فَيَخْصِمَهُ، فَتِلْكَ الحجّة الْبالِغَةُ» (1).
1) أمالي الطوسي : 9: 10. أمالي المفيد : 6: 227.
145 - قَالَ تَعَالَى: «ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِنَ السَّاجِدِينَ» (11)
أثرت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كوكبة من الأحاديث في إبليس، وهذه بعضها :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ إِبْلِيسَ أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ وَأَنْشَأَ الْكُفْرَ» (1).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّ أَوَّلَ مَعْصِيَةٍ ظَهَرَتْ الْأَنانِيَّةُ مِنْ إِبْلِيسَ» (2).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الاسْتِكْبارُ هُوَ أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ بِهَا اللّه» (3).
سئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الجنة آدم، من جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة ؟
فقال : كانَتْ مِنْ جِنانِ الدُّنْيا، تَطْلُعُ فيها الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ جِنانِ الْآخِرَةِ ما خَرَجَ مِنْها أَبَداً.
فَلَمّا أَسْكَنَهُ اللّه تَعَالَى الْجَنَّةَ وَأَباحَها لَهُ إِلَّا الشَّجَرَةَ، لأنَّهُ خَلَقَ خِلْقَةٌ لَا تَبْقى إِلَّا بِالأمْرِ وَالنَّهْي، وَالْغِدَاءِ وَاللبَاسِ، وَالْاكِتِنانِ وَالنِّكاح، وَلَا يُدْرِك ما يَنْفَعُهُ ممّا يَضُرُّهُ،
إِلَّا بِالتَّوْفِيقِ.
فَجاءَ إِبْلِيسُ فَقَالَ لَهُ : إِنَّكُما إِنْ أَكَلْتُمَا مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَا كُمَا اللّه عَنْهَا صِرْتُما مَلَكَيْنِ وَبَقِيتُمَا فِي الْجَنَّةِ أَبَداً، وَإِنْ لَمْ تَأْكُلا مِنْها أَخْرَجَكُمَا اللّه مِنَ الْجَنَّةِ، وَحَلَفَ لَهُما أَنَّهُ لَهُما ناصِحٌ، كَما قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ حِكَايَةٌ عَنْهُ : «مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ» (1).
فَقَبِلَ آدَمُ قَولَهُ، فَأَكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ، فَكانَ كَما حَكَى اللّه: «فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا» (2).
وَسَقَطَ عَنْهُما ما أَلْبَسَهُما اللّه تَعَالَى مِنْ لِباس الْجَنَّةِ، وَأَقْبَلَا يَسْتَتِرانِ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، وَناداهُما رَبُّهُما : «أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوُّ مُبِينٌ» (3)؟
فَقالَا كَما حَكَى اللّه عَنْهُما : «رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ» (4).
فَقالَ اللّه لَهُما : «اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حين» (5).
قالَ : إلى يوم القيامة» (6).
قالَ : لَا، وَلكِنْ سَلْني مِنْ أَمْرِ الدُّنْيا مَا شِئْتَ ثَواباً لِعَمَلِكَ أَعْطِيكَ.
فَأَوَّلُ ما سَأَلَ الْبَقاءَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ، فَقَالَ اللّه : قَدْ أَعْطَيْتُكَ
قالَ : سَلِّطْنِي عَلى وَلَدِ آدَمَ.
قالَ : سَلَّطْتُكَ.
قالَ : أَجْرِني فيهِمْ مَجْرَى الدَّم مِنَ الْعُروقِ.
قالَ : قَدْ أَجْرَيْتُكَ
قالَ : لَا يُولَدُ لَهُمْ وَلَدٌ إِلَّا وُلِدَ لِي اثْنانِ، وَأَراهُمْ وَلَا يَرَوْنِي، وَأَتَصَوَّرُ لَهُمْ فِي كلّ صورَةٍ شِئْتَ.
فَقَالَ : قَدْ أَعْطَيْتُكَ.
قال : يا رَبِّ، زِدْني.
قالَ : قَدْ جَعَلْتُ لَكَ وَلِذُريَّتِكَ صُدورَهُمْ أَوْطاناً.
قالَ : رَبِّ، حَسْبي.
قال إبليسُ عِنْدَ ذلِكَ : «فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» (1)» (2).
146 - قَال تعَالَى:«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ
مِنَ الرِّزْقِ» (32)
استدل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآية الكريمة على الذين أنكروا عليه حينما لبس بعض الألبسة الفاخرة، وفيما يلى ذلك :
فدنا منه، فقال : يابن رسول اللّه، ما لبس رسول اللّه مثل هذا اللباس، ولا عليّ، ولا أحد من آبائك.
فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): كانَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في زَمانِ قَتْرٍ مُفْتِرٍ، وَكَانَ يَأْخُذُ لِقَتْرِهِ وَإِقْتارِهِ، وَإِنَّ الدُّنْيا بَعْدَ ذلِكَ أَرْخَتْ عَزاليها، وَأَحَقُّ أَهْلِها بِها أَبْرارُها، ثم تلا قوله تعالى : «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ»، فَنَحْنُ أَحَقُّ مَنْ أَخَذَ ما أَعْطَاهُ اللّه» (1).
فقال أبو عبداللّه : وَيْلَكَ يا عَبَادُ ! «مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ» ؟ إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ إِذا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَاهَا عَلَيْهِ، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» (2).
147 - قَالَ تَعَالَى: «وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّابِسِيمَاهُمْ» (46)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نَحْنُ أَصْحابُ الْأَعْرَافِ، مَنْ عَرَفَنا فَمَالُهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَنْكَرَنا فَمَالُهُ إِلَى النَّارِ» (1).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْأَعْرافُ كُثْبانِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقِفُ عَلَيْهَا كلّ نَبيَّ، وَكُلُّ خَليفَةِ نَبِيَّ مَعَ الْمُذْنِبِينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ، كَمَا يَقِفُ صاحِبُ الْجَيْشِ مَعَ الضُّعَفَاءِ مِنْ جُنْدِهِ، وَقَدْ سِيقَ الْمُحْسِنونَ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَقولُ ذلِكَ الْخَليفَةُ لِلمُذْنبينَ الْواقِفِينَ مَعَهُ : انْظُروا إلى إِخْوانِكُمُ الْمُحْسِنِينَ قَدْ سيقوا إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِم الْمُذْنِبونَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : «وَنَادَوا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ» (2).
ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُمْ «لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ» - يعني هؤلاء المذنبين الذين لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون - أَنْ يُدْخِلَهُمُ اللّه إِيَّاهَا بِشَفاعَةِ النبيّ وَالْإِمامِ، وَيَنْظُرَ هؤلاء الْمُذْنِبُونَ إِلَى أَهْلِ النَّارِ فَيَقولونَ: «رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» (3).
ثُمَّ يُنادي أَصْحابُ الْأَعْرَافِ وَهُمُ الْأَنْبياءُ وَالْخُلَفَاءُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ النَّارِ مُقَرِّعِينَ : «مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهْؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ - يعنى أهولاء الضعفاء الذين كنتم تستضعفونهم وتحتقرونهم وتستطيلون بدنياكم عليهم - ثُمَّ يَقولُ لِهِوْلاءِ الْمُسْتَضْعَفينَ عَنْ أَمْرِ مَنَّ اللّه لَهُمْ بِذلِكَ : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ» (4)» (5).
148 - قَالَ تَعَالَى: «ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ» (54)
روی حنّان بن سدير، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن العرش والكرسي.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ لِلْعَرْشِ صِفاتٍ كَثيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ لَهُ في كلّ سَبَبٍ وُضِعَ فِي الْقُرآنِ صِفَةً عَلَى حِدَةٍ، فَقَوْلُهُ : «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (1). يَقولُ : رَبُّ الْمُلْكِ الْعَظيمِ.
وَقَوْلُهُ : «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» (2)يَقولُ : عَلَى الْمُلْكِ احْتَوى، وهذا عِلْمُ الْكَيْفوفِيَّةِ فِي الْأَشْياءِ.
ثُمَّ الْعَرْشُ في الْوَصْلِ مُفْرَد - يَعْنِي مُتَفَرِّد (3)- عَنِ الْكُرْسِيِّ، لأَنَّهُما بابانِ مِنْ أَكْبَرِ أَبْوابِ الْغُيُوبِ، وَهُما جَمِيعاً غَيْبَانِ، وَهُما فِي الْغَيْبِ مَقْرونانِ، لأَنَّ الْكُرْسِيَّ هُوَ الْبَابُ الظَّاهِرُ مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي مِنْهُ مَطْلَعُ الْمُبْدِع، وَمِنْهَا الْأَشْياءُ كُلُّهَا، وَالْعَرْشُ هُوَ الْبَاطِنُ الَّذِي يُوجَدُ فيهِ عِلْمُ الْكَيْفِ وَالْكَوْنِ وَالْقَدَرِ وَالْحَدِّ وَالْأَيْنِ وَالْمَشيئَةِ، وَصِفَةِ الْإِرادَةِ، وَعِلْمُ الْأَلْفاظِ وَالْحَرَكاتِ، وَالتَّرْكِ، وَعِلْمُ الْعَوْدِ وَالْبَدْءِ.
فَهُما فِي الْعِلْمِ بابانِ مَقْرُونَانِ لأَنَّ مُلَكَ الْعَرْشِ سِوى مُلْكِ الْكُرْسِيِّ، وَعِلْمَهُ أَغْيَبُ مِنْ عِلْمِ الْكُرْسِيِّ، فَمَنْ ذلِكَ قالَ : «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ»، أَيْ صِفَتُهُ أَعْظَمُ مِنْ صِفَةِ الكُرْسِيُّ، وَهُما فِي ذلِكَ مَقْرونانِ.
قلت : جعلت فداك، لِمَ صار في الفضل جار الكرسي ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّهُ صارَ جَارَهُ لأَنَّ عِلْمَ الْكَيْفوفِيَّةِ فِيهِ، وَفِيهِ الظَّاهِرُ مِنْ أَبَوابِ الْبَداءِ وَانِيَّتِها وَحَدٌ رَتْقِهَا وَفَتْقِها، فَهَدَانِ جارانِ أَحَدُهُما حَمَلَ صاحِبَهُ في الصَّرْفِ، وَبِمِثْلِ
صَرْفِ الْعُلَماءِ، وَلِيَسْتَدِلُوا عَلَى صِدْقٍ دَعْوَاهُما لأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ الْقَويُّ الْعَزيزُ»(1).
واحتوى كلامه على أمور فلسفية عميقة أوضحها السيد الطباطبائي في الميزان.
149 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» (1143)
استشهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث التالي بالآية الكريمة على استحالة الرؤية البصريّة اللّه تعالى.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما سأله معاوية بن وهب عن رؤية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لربّه على أي صورة رآه، فأجابه : يا مُعاوِيَةُ، ما أَقْبَحَ بِالرَّجُلِ يَأْتي عَلَيْهِ سَبْعُونَ سَنَةٌ، وَثَمانُونَ سَنَةٌ، يَعيشُ في مُلْكِ اللّه، وَيَأْكُلُ مِنْ نِعَمِهِ، ثُمَّ لَا يَعْرِفُ اللّه حَقَّ مَعْرِفَتِهِ.
يا مُعاوِيَةُ، إِنَّ محمّداً لله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لَمْ يَرَ الرَّبِّ تَبارَكَ وَتَعالى بِمُشَاهَدِةِ الْعَيانِ، وَإِنَّ الرُّؤْيَةَ عَلى وَجْهَيْنِ : رُؤْيَةُ الْقَلْبِ، وَرُؤْيَةُ الْبَصَرِ، فَمَنْ عَنى رُؤْيَةَ الْقَلْبِ فَهُوَ مُصِيبٌ، وَمَنْ عَنى رُؤْيَةَ الْبَصَرِ فَقَدْ كَذَبَ وَ كَفَرَ بِاللّه وَآيَاتِهِ، لِقَوْلِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ شَبَّهُ اللّه بِخَلْقِهِ فَقَدْ كَفَرَ.
وَلَقَدْ حدّثني أَبِي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَليَّ، (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قَالَ : سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لا فَقِيلَ لَهُ : يا أخا رَسولِ اللّه، هَلْ رَأَيْتَ رَبِّكَ ؟
فَقالَ : لَمْ أَعْبُدْ رَبِّاً لَمْ تَرَهُ الْعُيونُ بمُشاهَدَةِ الْعَيانِ، وَلكِنْ تَراهُ الْقُلوبُ بِحَقائِقِ الإيمانِ، وَإِذا كانَ الْمُؤْمِنُ يَرَى رَبَّهُ بِمُشاهَدَةِ الْبَصَرِ، فَإِنْ كلّ مَنْ جازَ عَلَيْهِ الْبَصَرُ
1) التوحيد : 321. بحار الأنوار: 55: 30، الحديث 51.
وَالرُّؤْيَةُ فَهُوَ مَخْلوقٌ، وَلَا بُدَّ لِلْمَخْلُوقِ مِنْ خَالِقٍ، فَقَدْ جَعَلْتَهُ إِذا مُحْدَثاً مَخْلُوقاً، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ فَقَدِ اتَّخَذَ مَعَ اللّه شَريكاً.
وَيْلَهُمْ : أَلَمْ يَسْمَعوا قَوْلَ اللّه تَعَالَى: «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (1).
وَقَوْلَهُ لِمُوسَى : «لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً» (2)، وَإِنَّمَا طَلَعَ مِنْ نورِهِ عَلَى الْجَبَلِ كَضَوْءٍ يَخْرُجُ مِنْ سَمَّ الْخِياطِ، فَدُعْدِكَتِ الْأَرْضُ، وَصُعِقَتِ الْجِبالُ، وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، أَيْ مَيْتاً.
فَلَمّا أَفاقَ وَرُدَّ عَلَيْهِ رُوحُهُ، قَالَ : «سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ» مِنْ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّكَ تُرى وَرَجَعْتُ إِلَى مَعْرِفَتِي بِكَ : إِنَّ الْأَبْصَارَ لَا تُدْرِكُكَ.
«وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» (3)بِأَنَّكَ تَرى وَلَا تُرَى، وَأَنْتَ بِالْمَنْظَرِ الْأَعْلَى» (4).
150 - قَالَ تَعَالَى: «فَلَمَّا نَسُوا مَاذَكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَن السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ» (160)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ)في تفسير هذه الآية : كانوا ثَلاثَةَ أَصْنافٍ : صِنْفٌ ائْتَمَرُوا وَأَمَرُوا وَنَجَوا، وَصِنْفٌ ائْتَمَرُوا وَلَمْ يَأْمُرُوا فَمُسِحُوا، وَصِنْفٌ لَمْ يَأْتَمِرُوا وَلَمْ يَأْمُرُوا فَهَلَكُوا» (5).
151 - قَالَ تَعَالَى: «أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَا يَقُولُوا عَلَى اللّه إِلَّا الحقّ» (169)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ اللّه خَصَّ عِبادَهُ بِآيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ : أَنْ لَا يَقُولُوا حَتَّىٰ يَعْلَموا، وَلَا يَرُدُّوا ما لَمْ يَعْلَموا. قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَا يَقُولُوا عَلَى اللّه إِلَّا الْحَقَ».
وَقالَ : «بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ» (1)» (2).
152 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذْ نَتَفْنَا الْجَبَلَ» (171)
قال في تفسير هذه الآية : «لَمَا أَنْزَلَ اللّه التَّوراةَ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ لَمْ يَقْبَلُوهُ، فَرَفَعَ اللّه عَلَيْهِمْ جَبَلَ طُورِ سَيْناءَ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا أُوقِعْ عَلَيْكُمُ الْجَبَلَ، فَقَبلُوهُ وَطَأطَأوا رُؤوسَهُمْ» (3).
153 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا» (172)
أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية المباركة ما يلي :
قال : نَعَمْ، لِلَّهِ الحجّة عَلى جَميعِ خَلْقِهِ، أَخَذَهُمْ يَوْمَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ هكذا، وقبض يده» (1).
قال السيّد الطباطبائي : «أقول : ظاهر الرواية أنّها تفسّر الأخذ في الآية بمعنى الإحاطة والملك» (2).
قال : نَعَمْ، فَثَبَتَتِ الْمَعْرِفَةُ وَنَسَوا الْمَوْقِفَ، وَسَيَذْكُرُونَهُ، وَلَوْلَا ذِلِكَ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَنْ خالِقُهُ وَرازِقُهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِلِسانِهِ في الذُّرِّ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ، فَقالَ اللّه: «فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبلُ» (3)» (4).
قال : جَعَلَ فيهم ما إذا سَأَلَهُمْ أَجابوه».
وزاد العيّاشي : «يعني في الميثاق» (5).
قال : ثَبَتَتِ الْمَعْرِفَةُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَنَسوا الْمَوْقِفَ، وَيَذْكُرُونَهُ يَوْماً، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَنْ خَالِقُهُ وَرازَقُهُ» (1).
154 - قَالَ تَعَالَى: «وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا» (180)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له : «فَلَيْسَ لَهُ - أي اللّه تعالى - شِبْءٌ وَلَا مِثْل وَلَا عَدْلٌ، وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الَّتي لَا يُسَمّى بِها غَيْرُهُ، وَهِيَ الَّتي وَصَفَها اللّه بِالْكِتَابِ، فَقَالَ : «وَلِلّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ» جَهْلاً بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ وَيَكْفُرُ وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُحْسِنُ، فَذلِكَ قَوْلُهُ: «وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللّه إِلَّا وَهُم مُشْرِكُونَ» (2)، فَهُمُ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَيَضَعُونَها غَيْر مواضيعها» (3).
155 - قَالَ تَعَالَى: «وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» (181)
سأل عبداللّه بن سنان الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الأئمّة في هذه الآية، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «هُمُ الأئمّة» (4).
وفي رواية : «نَحْنُ هُمْ» (5).
156 - قَالَ تَعَالَى: «سَنَسْتَدْرِجُهُم مِن حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ» (182)
روى سماعة بن مهران، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية، فقال : هُوَ الْعَبْدُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ، فَيُجَدِّدُ لَهُ النِّعَمُ مَعَهُ، تُلْهِيهِ عَنِ الاسْتِغْفَارِ مِنْ ذلِكَ الذَّنْبِ» (1).
وروی سفيان بن السمط، قال : «قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِنَّ اللّه إِذا أَرادَ بِعَبْدِ خَيْراً فَأَذْنَبَ ذَنْباً أَتْبَعَهُ بِنِقْمَةٍ، وَيُذَكِّرُهُ الاسْتِغْفَارَ.
وَإِذا أَرادَ بِعَبْدٍ شَرّاً فَأَذْنَبَ ذَنْباً أَتْبَعَهُ بِنِعْمَةٍ لِيُنْسِيَهُ الاسْتِغْفَارَ، وَيَتَمَادَى بِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : «سَنَسْتَدْرِجُهُم مِن حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ» بِالنِّعَمِ عِنْدَ الْمَعاصي» (2).
157 - قَالَ تَعَالَى: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ»
أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية ما يلي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يَحولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْباطِلَ لَيْسَ حَقّاً» (1).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هُوَ أَنْ يَشْتَهِيَ الشَّيْءَ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَلِسانِهِ وَيَدِهِ، أَمَا إِنَّهُ لَا يَغْشَىٰ شَيْئاً مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ يَشْتَهِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِيهِ إِلَّا وَقَلْبُهُ مُنْكِرٌ لَا يَقْبَلُ الَّذِي يَأْتِي يَعْرِفُ أَنَّ الحقّ لَيْسَ فِيهِ» (2).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا يَسْتَيْقِنُ الْقَلْبُ أنَّ الحقّ باطِل أَبَداً، وَلَا يَسْتَيْقِنُ أَنَّ الْباطِلَ حَقٌّ أَبَداً» (3).
158 - قَالَ تَعَالى: «وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللّه وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ» (34)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يَعْني ما أَوْلِياءُ الْبَيْتِ، إِلَّا الْمُتَّقُونَ حَيْتُما كانوا هُمْ أَوْلَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (4).
159 - قَالَ تَعَالَى: «وأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّه» (57﴾
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَمَّا اخْتَلَفَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي الرَّجُلِ يَموتُ وَلَيْسَ لَهُ عَصَبَةٌ يَرِثُونَهُ، وَلَهُ ذو قَرابَةٍ لَا يَرِثُونَهُ، لَيْسَ لَهُ بَيْنَهُمْ مَفْروضٌ.
فَقالَ عَلَيَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): مِيراثُهُ لِذَوي قَرابَتِهِ؛ لأنَّ اللّه تَعالى يَقولُ : «وأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّه».
وَقالَ عُثْمَانُ : اجْعَلْ مِيرانَهُ فِي بَيْتِ مالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَرِثُهُ أَحَدٌ مِنْ قَرابَتِهِ» (1).
1) تفسير العيّاشي : 2 : 71، الحديث 84. تفسير نور الثقلين : 2: 175، الحديث 183.
160 - قَالَ تَعَالَى: «بَرَاءَةٌ مِنَ اللّه وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُم مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (1)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَعْدَما رَجَعَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي سَنَةِ سَبْعِ مِنَ الْهِجْرَةِ.
وَكَانَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ لَمْ يَمْنَع الْمُشْرِكِينَ الْحَجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَكَانَتْ سُنَّةَ الْعَرَبِ فى الْحَجِّ أَنَّهُ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ وَطافَ بِالْبَيْتِ فِي ثِيابِهِ لَمْ يَحِلُّ لَهُ إِمْسَاكَها، وَكانوا يَتَصَدَّقُونَ بِها وَلَا يَلْبَسونَها بَعْدَ الطَّوافِ، فَكانَ مَنْ وافِي مَكَّةَ يَسْتَعِيرُ ثَوْباً وَيَطوفُ فيهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ عارِيَةٌ اكْتَرى ثِياباً، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ عَارِيَةً وَلَا كِرَاءً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا ثَوْبٌ واحِدٌ طافَ بِالْبَيْتِ عُرْياناً.
فَجاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ وَسيمَةٌ جَميلَةٌ، فَطَلَبَتْ ثَوْباً عارِيَةً أَوْ كِرَاءٌ فَلَمْ تَجِدْهُ، فقالوا لَها : إِنْ طُفْتِ فِي ثِيَابِكِ احْتَجْتِ أَنْ تَتَصَدِّقِي بِها.
فَقالَتْ : وَكَيْفَ أَتَصَدَّقُ بِها وَلَيْسَ لى غَيْرُها ؟
قطاقَتْ بِالْبَيْتِ عُرْيانَةٌ، وَأَشْرَفَ عَلَيْها النّاسُ، فَوَضَعَتْ إِحْدَى يَدَيْها عَلَى قُبُلِها، وَالْأخْرى عَلَى دُبُرِها وَقالَتْ :
اليَوْمَ يَبْدو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّمْ***فَما بَدا مِنْهُ فَلا أحلّة
فَلَمًا فَرِغَتْ مِنَ الطُّوافِ خَطَبَها جَمَاعَةٌ، فَقالَتْ : إِنَّ لي زَوْجاً.
وَكانَتْ سِيرَةُ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَبْلَ نُزولِ سُورَةِ بَراءَةَ أَنْ لَا يُقاتِلَ إِلَّا مَنْ قاتَلَهُ، وَلا يُحارِبَ إِلَّا مَنْ حارَبَهُ وَأَرادَهُ، وَقَدْ كانَ أَنْزِلَ عَلَيْهِ فِي ذلِكَ مِنَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّه لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً» (1).
فَكانَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لَا يُقاتِلُ أَحَداً قَدْ تَنَحَى عَنْهُ وَاعْتَزَلَهُ، حتّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ بَراءَةَ، وَأَمَرَهُ اللّه بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ، مَنِ اعْتَزَلَهُ وَمَنْ لَمْ يَعْتَزِلْهُ، إِلَّا الَّذِينَ قَدْ كانَ عَاهَدَهُمْ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ إِلى مُدَّةٍ : مِنْهُمْ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلُ بْنُ عُمَرٍ، فَقالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «بَرَاءَةٌ مِنَ اللّه وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُم مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» (2)ثُمَّ يُقْتَلُونَ حَيْتُما وُجِدوا، فَهَذِهِ أَشْهُرُ السَّيَاحَةِ عِشْرُونَ مِنْ ذِي الحجّة وَالْمُحَرَّمُ وَصَفَرُ وَشَهْرُ رَبِيعِ الْأَوَّلِ وَعَشْراً مِنْ شَهْرِ رَبِيعِ الْآخِرِ.
فَلَمّا نَزَلَتِ الآياتُ مِنْ سُورَةِ بَراءَةَ دَفَعَها رَسولُ اللّه إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى مَكَّةَ، وَيَقْرَأَها عَلَى النَّاسِ بِمِنى يَوْمَ النَّحْرِ، فَلَمّا خَرَجَ أَبو بَكْرٍ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ عَلَى رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَقالَ : يا محمّد، لَا يُؤَدِّي عَنْكَ إِلَّا رَجُلٌ مِنْكَ.
فَبَعَثَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في طَلَبِ أَبِي بَكْرِ فَلَحِقَهُ بِالرَّوْحَاءِ وَأَخَذَ مِنْهُ الْآيَاتِ، فَرَجَعَ أَبو بَكْرِ إِلَى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللّه، أَأَنزَلَ اللّه فِيَّ شَيْئاً ؟ فَقالَ : لَا، إِنَّ اللّه أَمَرَنِي أَنْ لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي» (3).
161 - قَالَ تَعَالَى: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللّه» (31)
سأل أبو بصير الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تفسير هذه الآية، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَما وَاللّه
ما دَعَوْهُمْ - أي الأحبار والرهبان - إلى عِبادَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ دَعَوْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ أَنْفُسِهِمْ ما أَجابوهُمْ، وَلكِنْ أَحَلُوا لَهُمْ حَراماً، وَحَرَّموا عَلَيْهِمْ حَلالاً، فَعَبَدوهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ» (1).
162 - قَالَ تَعَالَى: «وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّه» (99)
روی داود بن الحصين، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية، وأنّ اللّه تعالى هل يثيب الأعراب الذين ينفقون. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : نعم» (2)، يعني إن اللّه تعالى يثيبهم على ذلك.
163 - قَالَ تَعَالَى: «خُذْ مِن أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم» (103)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي شَهْرِ رَمَضانَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مُنادِيهِ فَنادِى فِي النّاسِ : إِنَّ اللّه فَرَضَ عَلَيْكُمُ الزَّكاةَ كَما فَرَضَ عَلَيْكُمُ الصَّلاةَ، فَفَرَضَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِم مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَفَرَضَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَمِنَ الْحُنْطَةِ وَالشَّعير وَالتَّمْرِ وَالزَّبيبِ، فَنادِى بِهِمْ بِذلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضانَ، وَعَفَىٰ لَهُمْ عَمَا سِوى ذلِكَ.
ثُمَّ لَمْ يَفْرِضْ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حتّى حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلَ مِنْ قَبْلُ، فَصاموا وَأَفْطَروا، فَنادى مُناديهِ فِي الْمُسْلِمينَ : أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، زَكُّوا أَمْوالَكُمْ تُقْبَلْ صَلَاتُكُمْ، ثُمَّ وَجَهَ عُمّالَ الصَّدَقَةِ وَعُمّالَ الطُّسوقِ» (3).
164 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَا كَانَ اللّه لِيُضِلُّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حتّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ» (115)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «يُعَرِّفُهُمْ ما يُرضيهِ وَما يُسْخِطُهُ» (1).
165 - قَالَ تَعَالَى: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» (124)
عرض الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث مع أبي عمرو الزبيري تفسير هذه الآية، فقد قال الزبيري للإمام : قد فهمت نقصان الإيمان وتمامه، فمن أين جاءت زيادته ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ» (2).
وقال : «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدى» (3).
وَلَوْ كانَ كُلُّهُ واحِداً لا زيادَةَ فِيهِ وَلَا تُقْصانَ، لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ مِنْهُمْ فَضْلٌ عَلَى آخَرَ، لاسْتَوتِ النَّعَمُ فيهِ، وَلاسْتَوَى النَّاسُ، وَبَطَلَ التفضيل، وَلكِنْ بِتَمام الإيمانِ دَخَلَ الْمُؤْمِنونَ الْجَنَّةَ، وَبِالزِّيَادَةِ فى الإيمانِ تَفاضَلَ الْمُؤْمِنونَ بِالدرجاتِ عِنْدَ اللّه، وبالنقصانِ دَخَلَ الْمُفَرِّطُونَ النّارَ» (4).
166 - قَالَ تَعَالَى: «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ» (2)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْمُرادَ بِالَّذِينَ آمَنوا هُوَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (1).
وهو الذي له قدم صدق عند ربه تعالى، كما ورد عنه أنّ المراد به شفاعته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2).
167 - قَالَ تَعَالَى: «كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مَظْلِما» (27)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «أما تَرَى البَيْتَ إذا كانَ اللَّيْلُ كانَ أَشَدَّ سَواداً مِنْ خارج، فَكَذلِكَ وجُوهُهُمْ تَزْدادُ سَواداً» (3).
168 - قَالَ تَعَالَى: «وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَ بِالْقِسْطِ» (54)
سئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية فقيل له : ما ينفعهم إسرار الندامة وهم في العذاب ؟
قال : كَرِهوا شَمائَةَ الْأَعْداءِ (1).
169 - قَالَ تَعَالَى: «لَهُمُ الْبَشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ» (64)
روى عثمان بن عقبة أنه عقبة أنّه سمع الإمام أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : إِنَّ الرَّجُلَ إِذا وَقَعَتْ نَفْسُهُ فِي صَدْرِهِ رَأَى.
قلت : جعلت فداك، وما يرى ؟
قال : يَرى رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَيَقولُ لَهُ : أَنا رَسولُ اللّه، أَبْشِرُ، ثُمَّ يَرَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَيَقولُ لَهُ : أَنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ الَّذِي كُنْتَ تُحِبُّنِي، أَمَا لَأَنْفَعَنَّكَ الْيَوْمَ.
قال : قلت : أيكون أحد من الناس يرى هذا ثم يرجع إلى الدنيا ؟
قال : إِذا رَأى هذا ماتَ، وَأَعْظَمُ ذلِكَ - أي عده عظيما -.
قال : وَذلِكَ فِي الْقُرْآن قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّه» (2)» (3).
170 - قَالَ تَعَالَى: «فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ» (74)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «بَعَثَ اللّه الرُّسُلَ إِلَى الْخَلْقِ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ الرِّجالِ وَأَرْحامِ النِّساءِ، فَمَنْ صَدَّقَ حِينَئِذٍ صَدَّقَ بَعْدَ ذلِكَ، وَمَنْ كَذَّبَ حِينَئِذٍ كَذَّبَ بَعْدَ ذلك» (4).
171 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ» (23﴾
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآية الكريمة في الحديث التالي :
روى زيد الشحام، قال : «قلت له أي للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) - : إن عندنا رجلاً يقال له : كليب، فلا يجيء عنكم شيء إلا قال : أنا أسلّم - أي أعترف به - فسميناه كليب تسليم.
قال : فترحّم - أي الإمام - عليه، ثمّ قال : أَتَدرون ما التَّسْلِيمُ ؟ فسكتنا.
فقال : هُوَ واللّه الْإِخْباتُ، قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ»» (1).
172 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ» (69)
تحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مجيء الملائكة إلى إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإخبارهم له عن عزمهم على إهلاك قوم لوط.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه بَعَثَ أَرْبَعَةَ أَمْلاكِ في إِمْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ : جَبرئيل وميكائيلَ وَإِسرافيل
1) الميزان في تفسير القرآن : 10: 196.
وكُروبيلَ، فَمَرُوا بِإِبْراهِيمَ فَسَلَّموا عَلَيْهِ، وَهُمْ مُعْتَمُّونَ فَلَمْ يَعْرِفُهُمْ، وَرَأَىٰ هَيْئَةً حَسَنَةٌ، فَقالَ : لَا يَخْدِمُ هؤلاءِ إِلَّا أَنَا بِنَفْسِي، وَكانَ صاحِبَ ضِيافَةٍ، فَشَوَى لَهُمْ عِجْلاً سَمِيناً حتّى أَنْضَجَهُ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ.
فَلَمّا وُضِعَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ رَأى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ، فَنَكِرَهُمْ، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، فَلَمّا رَأى ذلِكَ جَبْرَئِيلُ حَسَرَ الْعِمَامَةَ عَنْ وَجْهِهِ، فَعَرَفَهُ إبراهيمُ، فَقالَ : أَنْتَ هُوَ ؟
قالَ : نَعَمْ، فَمَرَّتْ بِهِ امْرَأَتُهُ فَبَشَّرَها بِإِسْحَاقَ، وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ.
فَقالَتْ : ما قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَأَجابوها بِمَا فِي الْكِتَابِ
فَقالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ : لِماذا جِئْتُمْ ؟
فَقالوا : في إِهْلَاكِ قَوْمٍ لُوطٍ.
قالَ : إِنْ كانَ فيها مِائَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتُهْلِكُونَها ؟
قالَ جَبْرَئِيلُ : لا.
قالَ : وَإِنْ كانَ فيها خَمْسونَ ؟ قال : لا.
قالَ : وَإِنْ كَانَ فِيها ثَلاثونَ ؟ قَالَ : لا.
قالَ : وَإِنْ كانَ فيها عِشْرُونَ ؟ قالَ : لا.
قالَ : وَإن كان فيها عَشَرَةٌ ؟ َقالَ : لا.
قالَ : وَإِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسَةٌ ؟ قالَ : لا.
قالَ : وَإِنْ كانَ فيها واحِدٌ ؟ قالَ : لا. قالَ : فَإِنَّ فيها لُوطاً.
قالوا : «نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ» (1)،
1) العنكبوت 29: 32.
ثُمَّ مَضوا» (1).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير «عجل حنيذ» : «يَعْني زَكِيّاً مَشْويّاً نَضيحاً» (2).
173 - قال تعالى: «فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ» (71)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ضَحِكَتْ : أَيْ حاضَتْ» (3).
174 - قَالَ تَعَالَى: «وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ» (82)
عرضت الآية إلى ما نزل بقوم لوط من العذاب الأليم.
قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تعليقه على هذه الآية : «ما مِنْ عَبْدٍ يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيا يَسْتَحِلُّ عَمَلَ قَوْمٍ لُوطٍ إِلَّا رَمَاهُ اللّه جَندَلَةٌ مِنْ تِلْكَ الْحِجَارَةِ تَكونُ مَنِيَّتُهُ فِيهِ، وَلَكِنَّ الْخَلْقَ لَا يَرَوْنَهُ» (4).
175 - قَالَ تَعَالى: «وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرِ» (84)
فسّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله تعالى : «إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرِ» : «إِنَّ أَسْعَارَهُمْ كَانَتْ رَخيصةً» (5).
176 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللّه عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» (88)
1) الميزان في تفسير القرآن : 10 : 327 و 328.
2) تفسير العيّاشي : 2: 152، الحديث 44 تفسير القمّي : 1: 332، وفيه: «أي مشوي نضيج».
3) معاني الأخبار : 224، الحديث 1.
4) تفسير القمّي : 1 : 336 و 337. تفسير الصافي : 2 : 463. تفسیر نور الثقلين: 2 : 389، الحديث 183.
5) تفسير العيّاشي : 2 : 159، الحديث 61. تفسير الصافي : 2 : 467، الحديث 84.
روى عبداللّه بن الفضل الهاشمي، قال : قلت : قوله عزّ وجلّ : «وَمَا تَوْفِيقِى إِلَّا بِاللّه»، وقوله عزّ وجلّ : «إِن يَنصُرْكُمُ اللّه فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِن بَعْدِهِ» (1).
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِذا فَعَلَ الْعَبْدُ ما أَمَرَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ، كَانَ فِعْلُهُ وِفْقاً لأَمْرِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَسُمِّيَ الْعَبْدُ مُوَفِّقاً، وَإِذا أَرادَ أَنْ يَدْخُلَ في شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي اللّه فَحالَ اللّه تَبارَكَ وَتَعالى بَيْنَهُ وَبَيْنَ تِلْكَ الْمَعْصِيةِ فَتَرَكَهَا، كَانَ تَرْكُهُ لَهَا بِتَوْفِيقِ اللّه تَعَالَى، وَقَدْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْصِيَةِ فَلَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَينَها حتّى يَترُكَها فَقَدْ خَذَلَهُ وَلَمْ يَنْصُرْهُ وَلَمْ يُوَفِّقْهُ» (2).
177 - قال تعالى: «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ» (113)
أمّا الركون إلى الظَّلمة فهو المودّة والنصيحة لهم، وقد فسر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله تعالى : «فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ» بِأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْها - أي النار - خُلوداً، وَإِنَّما جَعَلَها مَسّاً» (3).
178 - قال تعالى: «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ» (114)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَمَا طَرَفَي النَّهارِ فَهُمَا الْمَغْرِبُ وَالْغَداةَ، وَأَمَا زُلَفُ اللَّيْلِ فَهُوَ صَلاةُ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ» (4).
179 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» (114)
فسّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الفقرات من الآية : بِأَنَّ الْمُرادَ مِنَ الْحَسَناتِ هي صَلَاةُ اللَّيْلِ، فَإِنَّها تَذْهَبُ بِما عَمِلَ الْإِنْسانُ مِنْ ذَنْبٍ في النَّهارِ (1).
وروى سماعة بن مهران، قال : «سأل رجل من أهل الجبل الإمام أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل أصاب مالاً من أعمال السلطان فهو يتصدّق منه ويصل قرابته ويحجّ ليغفر له ما اكتسب وهو يقول : «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ».
فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنَّ الخَطيئَةَ لَا تُكَفِّرُ الخَطيئَةَ، وَلكِنَّ الْحَسَنَةَ تُكَفِّرُ الْخَطيئَةَ» (2).
180 - قال تعالى: «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا» (24)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هَمَّتْ بِأَنْ تَفْعَلَ، وَهَمَّ بِأَنْ لَا يَفْعَلَ» (1).
وقيل : همّت بالمعصية، وهمّ يوسف بقتلها لعظيم ما تداخله، فصرف اللّه عنه قتلها (2).
وبذلك يرتفع الإشكال عن عصمة يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسائر الأنبياء.
181 - قَالَ تَعَالَى: «نَبَّئنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» (36)
فسّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله تعالى : «إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ». قال : «كان - أي يوسف - يَقومُ عَلَى الْمَريضِ، وَيَلْتَمِسُ لِلْمُحْتاج، وَيُوسُعُ عَلَى الْمَحْبوسِ، فَلَمّا أَرادَ مَنْ يَرَىٰ فِي نَوْمِهِ يَعْصِرُ خَمْراً الْخروج مِنَ الْحَبْسِ قَالَ لَهُ يُوسُفُ : «اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ»، فَكانَ كَما قالَ اللّه: «فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ» (3)» (4).
182 - قَالَ تَعَالَى: «وَاجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» (55)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآية حينما سأله سفيان عن الرجل يزكّي نفسه.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَعَمْ، أَما سَمِعْتَ قَوْلَ يُوسُفَ : «اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» (1)، وقول العبد الصالح : «وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ» (2)» (3).
183 - قال تعالى: «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ» (70)
سئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تفسير هذه الآية فقال: «إِنَّهُمْ سَرَقوا يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِ، أَلَا تَرى أَنَّهُ قالَ لَهُمْ حين قالوا : «قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ» (4)، وَلَمْ يَقولوا سَرَقْتُمْ صُواعَ الْمَلِكِ، إِنَّما عَنى أَنَّكُمْ سَرَقْتُمْ يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِ» (5).
184 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ» (94)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَجَدَ يَعْقُوبُ ريحَ يُوسُفَ حينَ فَصَلَتْ - أى العِير - مِنْ مِصْرَ وَهُوَ بِفِلِسْطِينَ مِنْ مَسيرَةِ عَشْرِ لَيالٍ» (6).
180 - قَالَ تَعَالَى: «قَالُوا تَاللّه إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ» (95﴾
روى نشيط بن ناصح البجلي، قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أكان إخوة
يوسف أنبياء ؟
قال : لَا، وَلَا بَرَرَةٌ أَنْقياءُ، وَكَيْفَ ؟ وَهُمْ يَقولونَ لأَبِيهِمْ : «تَاللّه إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيم»» (1).
186 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِم» (109)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآية في حديثه التالي مع بعض أصحابه، قال : أَوَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ اللّه تَعَالَى لَمْ يُخْلِ الدُّنْيَا قَطُّ مِنْ نَبِيَّ أَوْ إِمَامٍ مِنَ الْبَشَرِ ؟
أَوَلَيْسَ اللّه تَعالى يَقولُ : «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ» يَعْنِي إِلَى الْخَلْقِ «إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِم أَهْلِ الْقُرى» فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثِ الْمَلائِكَةَ إِلَى الْأَرْضِ فَيَكونوا أَئِمَّةً وَحُكّاماً، وَإِنَّمَا أُرْسِلُوا إِلَى الْأَنْبِياءِ» (2).
187 0 قال تعالى: «إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» (7)
أثرت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كوكبة من التفاسير لهذه الآية، وهي :
روى الفقيه الكبير محمّد بن مسلم، قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما المراد في قوله تعالى : «إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» ؟
قال : كلّ إِمَامٍ هادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ فِي زَمانِهِمْ» (1).
يا أَبا محمّد، هَلْ مِنْ هَادٍ الْيَوْمَ ؟
قلت : جعلت فداك، ما زال منكم هاد من بعد هاد، حتّى رفعت إليك.
فقال : رَحِمَكَ اللّه يا أَبا محمّد، لَوْ كَانَتْ إِذا نَزَلَتْ آيَةٌ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ماتتِ الْآيَةُ، ماتَ الْكِتابُ، وَلكِنَّهُ يَجْري فيمَنْ بَقِيَ كَمَا جَرَى فيما مضى» (2).
فقال : كلّ إِمَامٍ هَادٍ لِلْقُرْآنِ الَّذي هُوَ فيهم: (3).
188 - قَالَ تَعَالَى: «اللّه يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كلّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ» (8)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ» ما لَمْ يَكُنْ حَمْلاً.
«وَمَا تَزْدَادُ» الذَّكَرُ والأنثى» (1).
189 - قال تعالى: «عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ» (9)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْغَيْبُ ما لَمْ يَكُنْ، وَالشَّهَادَةُ ما قَدْ كانَ» (2).
190 - قال تعالى: «وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّه بِهِ أَن يُوصَلَ» (21)
نقل الرواة عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدة تفاسير لهذه الآية، وهي :
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قَرابَتُكَ» (3).
ثم قال : وَلَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ يَقولُ في الشَّيْءِ : إِنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ».
وعلّق السيّد الطباطبائي على هذه الرواية بقوله : «يعني لا تقصر القرآن على
معنى واحد إذا احتمل معنى آخر، فإن للقرآن ظهراً وبطناً» (1).
قال : مِنْ ذلِكَ صِلَةُ الرَّحِمِ، وَعَايَةً تَأْوِيلِها صِلَتُكَ إِيَّانَا» (2).
191 - قال تعالى: «وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ» (21)
ورد عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدة تفاسير لهذه الآية، وهي :
قال : جعلت فداك، كان لي عليه حق فاستقصيت منه حقّي.
قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللّه : «وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ» أَتَراهُمْ خافوا أَنْ يَجورَ عَلَيْهِمْ أَوْ يَظْلِمَهُمْ ؟ لَا وَاللّه خافوا الاستقصاء وَالْمُداقَّة» (3).
وقال : «يَحْسِبُ عَلَيْهِمُ السَّيِّئاتِ، وَلَا يَحْسِبُ لَهُمُ الْحَسناتِ» (4).
192 - قَالَ تَعَالَى: «يَمْحُوا اللّه مَا يَشَاءُ وَيُنْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» (39)
ورد عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية ما يلي :
روی هشام بن سالم وحفص بن البحتري، عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية، قال : «وَهَلْ يُمْحَى إِلَّا ما كانَ ثابِتاً ؟ وَهَلْ يُثْبَتُ إِلَّا ما لَمْ يَكُنْ» (1).
روى الفضيل بن يسار، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَتَبَ كِتاباً فيهِ ما كانَ، وَما هُوَ كائِنٌ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَما شاءَ مِنْهُ قَدَّمَ، وَما شاءَ مِنْهُ أَخَّرَ، وَما شَاءَ مِنْهُ مَحى، وَما شَاءَ مِنْهُ كانَ، وَما لَمْ يَشَأْ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ» (2).
193 - قَال تعالى: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِن أَطْرَافِهَا» (41﴾
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نَقْصُ الْأَرْضِ بِذهاب عُلَمائِهَا وَفُقَهَانِهَا وَأَخْيَارِها» (3).
194 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» (7)
نقل الرواة مجموعة من الأخبار في بيان الشكر الذي ورد في الآية عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذه بعضها :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ أَعْطِيَ الشَّكْرَ أُعْطِيَ الزِّيادَةَ. يَقولُ اللّه عَزَّ وَجَلٌ : «لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»» (1).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «شُكْرُ كلّ نِعْمَةٍ وَإِنْ عَظُمَتْ أَنْ تَحْمَدَ اللّه» (2).
روى حماد بن عثمان، قال : خرج أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المسجد وقد ضاعت دابّته، فقال : لَئِنْ رَدَّهَا اللّه عَلَىَ لَأَشْكُرَنَّ اللّه حَقَّ شُكْرهِ
فما لبث أن أتي بها، فقال : الْحَمْدُ لِلَّهِ.
فقال قائل له : جعلت فداك، ألست قلت : لأَشْكُرَنَّ اللّه حَقَّ شُكْرهِ ؟
فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَلَمْ تَسْمَعْني قُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ (3).
قال : نَعَمْ.
قلت : ما هو ؟
قال : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كلّ نِعْمَةٍ عَلَيْهِ فِي أَهْلِ وَمَالٍ، وَإِنْ كانَ فيما أَنْعَمَ اللّه عَلَيْهِ فِي مَالِهِ حَقٌّ أَدَاهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ» (1).
وَمِنْهُ قَوْلُهُ : «رَبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ» (2).
وَقَوْلُهُ : «رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِي مِن لَدُنكَ سُلْطَاناً نَصِيراً» (3)» (4).
فقال : نَعَمْ، مَنْ حَمِدَ اللّه عَلَى نِعَمِهِ وَشَكَرَهُ، وَعَلِمَ أَنَّ ذلِكَ مِنْهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ زادَ اللّه نِعَمَهُ» (5).
195 - قَالَ تَعَالَى: «ضَرَبَ اللّه مَثَلاً كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ» (24)
أثرت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كوكبة من الأقوال في تفسير هذه الآية، وهذه بعضها :
قال : رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَصلها، وأميرُ الْمُؤْمِنِينَ فَرْعُهَا، وَالأئمّة مِنْ ذُرِّيَّتِهِما أَغْصانُها، وَعِلْمُ الأئمّة ثَمَرَتُها، وَشِيعَتُهُمُ الْمُؤْمِنونَ وَرَقُهَا، هَلْ فِي هَذَا فَضْل ؟
قلت : لا واللّه.
قال : وَاللّه إِنَّ الْمُؤْمِن لَيُولَدُ فَتُورِقُ وِرَقَةٌ فيها، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَموتُ فَتَسْقُطُ وَرَقَةٌ منها» (1).
196 - قَالَ تَعَالَى: «يُثَبِّتُ اللّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ» (27)
استشهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديث التالي مع صفوان بن مهران، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الشَّيْطانُ لَيَأْتى الرَّجُلَ مِنْ أَوْلياتِنا فَيَأْتِيهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَيَأْتِيهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، لِيَصُدَّهُ عَمَا هُوَ عَلَيْهِ، فَيَأْبَى اللّه ذلِكَ، وَكَذلِكَ قَالَ اللّه: «يُثَبِّتُ اللّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ»» (4).
197 - قال تعالى: «فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي» (36)
استشهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة فيما يلي :
فقلت : جعلت فداك، منكم ؟
قال : مِنّا وَاللّه، أما سَمِعْتَ قَوْلَ اللّه، وَهُوَ قَوْلُ إِبْراهيمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي» (1).
قال : منكم أهل البيت ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، قال فيها إِبْراهيمَ : «فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي».
فقال له عمر بن يزيد : من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟
قال : إِي وَاللّه مِنْ آلِ محمّد، إي واللّه مِنْ أَنفُسِهِمْ، أَما تَسْمَعُ قَوْلَ اللّه تَعالى: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ» (2)، وَقَوْلَ إِبْراهيمَ : «فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ منّي»» (3).
198 - قَالَ تَعَالَى: «ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ» (3)
استشهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآية الكريمة في حديثه مع رفاعة، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِذا كانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ نادى مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللّه : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُسْلِمٌ، فَيَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مِسْلِمِينَ (1). ثُمَّ قَالَ : «ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» (2)، أي يشغلهم الأمل.
199 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِتُهُ» (21)
أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية ما يلي :
روی (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن آبائه في تفسير هذه الآية : «إِنَّ فِي الْعَرْشِ تمثالاً لِجَميعِ ما خَلَقَ اللّه فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وهذا تَأْوِيلُ الآيَةِ» (3)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَمّا صَعَدَ مُوسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) الطُّور نادى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ : رَبِّ أَرِني خَزائِنَكَ.
قال : يا مُوسَى إِنَّمَا خَزائِنِي إِذا أَرَدْتُ شَيْئاً أَنْ أَقُولَ لَهُ : كُنْ، فَيَكُونُ» (4).
200 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» (87)
سأل الفقيه الكبير محمّد بن مسلم الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن السبع المثاني والقرآن العظيم، هل هي فاتحة الكتاب ؟
قال : نَعَمْ.
قلت : «بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» من السبع ؟
قال : نَعَمْ، هِيَ أَفْضَلُهُنَّ» (1).
201 - قَالَ تَعَالَى: «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» (94)
روى محمّد بن علي الحلبي، عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان هذه الآية، قال : «اكْتَتَمَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِمَكَّةَ سنينَ لَيْسَ يَظْهَرُ، وَعَليٌّ مَعَهُ وَخَديجَةً، ثُمَّ أَمَرَهُ اللّه أَنْ يَصْدَعَ بِما يُؤْمَرُ، فَظَهَرَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَجَعَلَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى قَبائِلِ الْعَرَبِ، فَإِذا أَتاهُمْ قالوا : كَذَّابٌ، امْضِ عَنّا» (2).
وروى محمّد بن علي الحلبي أيضاً، عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : مَكَثَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِمَكَّةَ بَعْدَما جَاءَ الْوَحْيُ عَنِ اللّه تَبارَكَ وَتَعَالَى ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٌ مُسْتَخِفياً، مِنْها ثَلاثَ سنين خائِفاً لا يَظْهَرُ، حتّى أَمَرَهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَصْدَعَ بِما أُمِرَ، فَأَظْهَرَ حِينَئِذٍ الدَّعْوَةَ» (3).
202 - قال تعالى: «وَعَلَامَاتٍ وِبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» (16)
ورد عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية الكريمة ما يلي :
قال : «الْمُرَادُ بِالنَّجْمِ هُوَ الْجَدْيُ، لَا يَدورُ عَلَيْهِ بِناءُ الْقِبْلَةِ وَبِهِ يَهْتَدِي أَهْلُ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» (1).
روی داود الجصّاص، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : النَّجْمُ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَالْعَلامات الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)» (2).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نَحْنُ الْعَلاماتُ، وَالنَّجْمُ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَلَقَدْ َقالَ : إِنَّ اللّه جَعَلَ النجوم أماناً لأهْلِ السَّماءِ، وَجَعَلَ أَهْلَ بَيْنى أماناً لأهْل الْأَرْضِ» (3).
203 - قال تعالى: «وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً» (52)
روى سماعة، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه : «وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً»
قال : واجباً» (4).
204 - قال تعالى: «وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى» (60)
روى حنّان بن سدير، عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له في تفسير هذه الآية، قال : «هُوَ الَّذي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وَلَا يُوصَفُ وَلَا يُتَوَهَّمُ» (1).
205 - قَالَ تَعَالَى: «وَمِنكُم مَن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً» (70)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِذا بَلَغَ الْعَبْدُ مِائَةَ سَنَةٍ، فَذلِكَ أَرْذَلُ الْعُمْرِ» (2).
206 - قَالَ تَعَالَى: «وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً» (72)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «الْحَفَدَةُ بَنو الْبِنْتِ، وَنَحْنُ حَفَدَةً رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (3).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْحَفَدَةُ هُمُ الْعَوْنُ» (4).
207 - قَالَ تَعَالَى: «وَيَوْمَ تَبْعَثُ فِي كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِن أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلَاءِ» (89)
استشهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه التالي مع حمّاد اللحام، الذي أعرب فيه عن سعة علوم أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد قال : «نَحْنُ نَعْلَمُ ما في
السَّماواتِ وَنَعْلَمُ ما في الْأَرْضِ، وَما فِي الْجَنَّةِ وما فِي النَّارِ، وَمَا بَيْنَ ذلِكَ.
فبهت حمّاد، فقال له : يا حَمَادُ، إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابِ اللّه تَعَالَى.
ثم تلا هذه الآية: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِن أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ» إِنَّهُ مِنْ كِتَابٍ فِيهِ تِبْيَانَ لِكُلِّ شَيْءٍ» (1).
وبهذا المعنى وردت أخبار مماثلة عنه سلام اللّه عليه.
208 - قَالَ تَعَالَى: «مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً» (97)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه التالي : «قيل له : إنّ أبا الخطاب يذكر عنك أنك قلت : إذا عرفت الحقّ فاعمل بما شئت.
فقال : لَعَنَ اللّه أَبَا الْخَطَابِ، وَاللّه ما قُلْتُ هَكَذَا، وَلكِنِّي قُلْتُ لَهُ: إِذا عَرَفْتَ الحقّ فَاعْمَلْ بِمَا شِئْتَ مِنْ خَيْرٍ مِنْكَ، إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : «وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ» (2).
وَيَقولُ : «مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً» (3).
209 - قَالَ تَعَالَى: «فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّه مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيم» (98)
روى أبو بصير، عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «قلت له : «فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّه» إلى قوله : «يَتَوَكَّلُونَ».
فقال : يا أبا محمّد، يُسَلِّطُ اللّه مِنَ الْمُؤْمِنَ عَلى بَدَنِهِ، وَلَا يُسَلِّطُ عَلى دينِهِ، قَدْ سَلَّطَ اللّه عَلى أَيُّوبَ فَشَوَّهَ خَلْقَهُ، وَلَمْ يُسَلِّطْ عَلى دينِهِ، وَقَدْ يُسَلِّطُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَبْدانِهِمْ، وَلَا يُسَلِّطُ عَلى دينهِمْ.
قلت له : قوله عزّ وجل : «إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ» (1).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الذينَ هُمْ بِاللّه مُشْرِكونَ يُسَلِّطُ عَلَى أَبْدائِهِمْ وَعَلى أَدْيَانِهِمْ» (2).
210 - قَالَ تَعَالَى: «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ» (106)
روی عمرو بن مروان، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي أَرْبَعَةً خِصالٍ : ما أَخْطَأوا، وَما نَسوا، وَمَا أَكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَمَا لَمْ يُطيقوا، وَذلِكَ فِي كِتابِ اللّه : «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ» (3).
211 - قَالَ تَعَالَى: «وَضَرَبَ اللّه مَثَلاً قَرْيَةٌ كَانَتْ آمِنَةٌ مُطْمَئِنَّةٌ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا» (112﴾
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ كانَ لَهُمْ نَهْرٌ يُقالُ لَهُ الثَّرْتَارُ، وَكَانَتْ بِلادُهُمْ خِصْبَةٌ كَثِيرةَ الْخَيْرِ، وَكَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْعَجِينِ، وَيَقُولُونَ: هُوَ أَلْيَنُ لَنا، فَكَفَرُوا بِأَنْعُمِ اللّه
وَاسْتَخَفّوا، فَحَبَسَ اللّه عَنْهُمُ الثَّرثَارَ، فَجَدِبوا حتّى أَحْوَجَهُمُ اللّه إِلَى أَكْلِ ما يَسْتَنْجونَ بهِ حتّى كانوا يَتَفَاسَمونَ عَلَيْهِ» (1).
212 - قال تعالى: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةٌ قَانِتَا لِلَّهِ حَنِيفاً» (120)
روى سماعة بن مهران، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : لَقَدْ كانَتِ الدُّنْيا وَما كانَ فيها إِلَّا واحِدٌ يَعْبُدُ اللّه، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ لأَضَافَهُ إِلَيْهِ، حَيْثُ يَقولُ : «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِين»، فَصَبَرَ بِذلِكَ ما شاءَ اللّه، ثُمَّ إِنَّ اللّه تبَارَكَ وَتَعَالَى آنَسَهُ بِإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ فَصاروا ثَلاثَةً» (2).
213 - قال تعالى: «وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (125)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «جادِلْهُمْ بِالْقُرآن» (3).
قال السيد الطباطبائي : «أقول : إنّه تفسير «بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»، ومحصّله الجدال على سنّة القرآن الذي فيه أدب اللّه» (4).
214 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ» (126)
روى الحسن بن حمزة، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : لَمّا رَأى رَسولُ
اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما صُنِعَ بِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ : اللّهمَّ لَكَ الْحَمْدُ وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ الْمُسْتَعانُ على ما أَرى.
ثمّ قال : لَئِنْ ظَفَرت لَا مَثلَنَّ وَلَا مَيْلَنَّ وَلاُمَثِلَنَّ.
قال : فَأَنْزَلَ اللّه : «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ».
فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أَصْبِرُ، أَصْبِرُ» (1).
1) تفسير العيّاشي : 2 : 274، الحديث 85.
215 - قَالَ تَعَالَى: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (1)
تحدّث الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصورة شاملة ومفصلة عن الإسراء، مع هشام بن سالم ذكرها القمّي في تفسيره، فمن أراد الوقوف عليها فليراجعه، كما أدلى بصورة موجزة عنه في حديثه مع أبان بن عثمان، وفيما يلي نص حديثه.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أُسْرِيَ بِرَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إِلى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، حَمَلَهُ جَبْرَئِيلُ عَلَى الْبُراقِ، فَأَتَبا بَيْنَ الْمَقْدِسِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَحاريبَ الأَنْبِياءِ، وَصَلَّى بِها وَرَدَّهُ، فَمَرَّ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في رُجوعِهِ بِعِيْرِ لِقُرَيْشٍ، وَإِذا لَهُمْ ماءً في آنِيَةٍ، وَقَدْ أَضَلُّوا بَعِيراً لَهُمْ، وَكانوا يَطْلِبونَهُ، فَشَرِبَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ وَأَهْرَقَ بَاقِيهِ.
فلمّا أَصْبَحَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قالَ لِقُرَيْشٍ : إِنَّ اللّه جَلَّ جَلالُهُ قَدْ أَسْرى بي إِلى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَراني آثَارَ الْأَنْبِياءِ وَمَنازِلَهُمْ، وَإِنِّي مَرَرْتُ بِعِيْرِ لِقُرَيْشٍ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ أَضَلُّوا بعيراً لَهُمْ فَشَرِبْتُ مِنْ مائِهِمْ وَأَهرَقْتُ باقيهِ.
فَقالَ أَبو جَهْلِ : قَدْ أَمْكَنَتْكُمُ الْفُرْصَةُ مِنْهُ، فَاسْأَلُوهُ كَمْ الْأَساطِينُ فيها وَالْقَنادِيلُ ؟
فَقالوا: يا محمّد، صِفْ لَنا كَمْ أَساطِينُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَقَنادِيلِهِ.
فَجاءَ جَبْرَئِيلُ فَعَلَّقَ صورَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ تِجاهَ وَجْهِهِ، فَجَعَلَ يُخْبِرُهُمْ بِما يَسْأَلُونَهُ.
فقالوا : حتّى يَجِيءَ الْعِيرُ وَنَسألُهُمْ عَمّا قُلْتَ.
فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : تَصْدِيقُ ذلِكَ أَنَّ الْعِيرَ يَطلُعُ عَلَيْكُمْ مَعَ طُلوعِ الشَّمْسِ يَقْدِمُها جَمَلٌ أَوْرَقُ.
فَلَمّا كانَ مِنَ الْغَدِ يَنْظُرُونَ إِلَى الْعَقَبَةِ، وَيَقولونَ : هَذِهِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ السَّاعَةَ، فَبَيْنَما هُمْ كَذلِكَ إِذْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الْعِيرُ حِينَ طَلَعَ الْقُرصُ، يَقدِمُها جَمَلٌ أَوْرَقُ، فَسَأَلُوهُمْ عَمّا قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقالوا : لَقَدْ كانَ هذا ضَلَّ جَمَلٌ لَنا فِي مَوْضِع كَذَا وَكَذَا، وَوَضْعَنا ماءً، فَأَصْبَحْنا وَقَدْ أهريقَ الْماءُ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذلِكَ إِلَّا عُتُواً» (1).
216 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» (9)
فسّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) «يَهْدِي»، أي : «يَدْعو» (2).
217 - قَالَ تَعَالَى: «إِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً» (14)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «يُذَكَّرُ الْعَبْدُ جَميعَ مَا عَمِلَ، وَمَا كُتِبَ عَلَيْهِ، حَتَّىٰ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ السّاعَةَ، فَلِذا قالوا: «يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةٌ إِلَّا أَحْصَاهَا» (3)» (4).
218 - قالَ تعالى: «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ
وَلَا تَنْهَرْهُمَا» (23)
روى أبو ولاد الحناط، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه : «وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً».
فقال : الْإِحْسانُ أَنْ تُحْسِنَ صُحْبَتَهُما، وَلَا تُكَلِّفَهُما أَنْ يَسْأَلَاكَ شَيْئاً ممّا يَحْتاجانِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَا مُسْتَغْنِيَينِ أَلَيْسَ اللّه يَقولُ: «لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حتّى تُنْفِقُوا ممّا تُحِبُّونَ» (1).
ثم قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَمَّا قَوْلُهُ : «إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ» قالَ : إِنْ أَضْجَراكَ فَلَا تَقُلْ لَهُما أَنَّ، وَلَا تَنْهَرْهُما إِنْ ضَرَباكَ.
وَقالَ : «وَقُل لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً» تَقولُ لَهُما : غَفَرَ اللّه لَكُما، فَذلِكَ مِنْكَ قَوْلٌ كَريمٌ.
وَقالَ : «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ»، قَالَ : لَا تَمْلَأُ عَيْنَيْكَ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا إِلَّا بِرَحْمَةٍ وَرِفَّةٍ، وَلَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فَوْقَ أَصْواتِهِمَا، وَلَا يَدَيْكَ فَوْقَ أَيْدِيهِما، وَلَا تَتَقَدَّمْ قُدامَهُما» (2).
وروى حديد بن حكيم، عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنه قال : «أَدْنَى الْعُقوقِ أَنَّ، وَلَوْ عَلِمَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ شَيْئاً أَهْوَنَ مِنْهُ لَنَهى عَنْهُ» (3).
219 - قَالَ تَعَالَى: «فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً» (25)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْأَوَابُ : التَّوابُ الْمُتَعَبْدُ، الراجِعُ عَنْ ذَنْبِهِ» (4).
وأوصى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبا بصير فقال له : يا أبا محمّد، عليكم بالورع، والاجتهاد، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وحسن الصحبة لمن صحبكم، وطول السجود، وكان ذلك من سنن التّوابين الأوّابين.
قال أبو بصير : الأوابون : التوّابون» (1).
220 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً» (26)
أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية ما يلي :
قال : مَنْ أَنْفَقَ شَيْئاً فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللّه فَهُوَ مُبَذِّرٌ، وَمَنْ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ فَهُوَ مُقْتَصِدٌ» (2).
قلت : فيكون تبذير في حلال ؟
قال : نَعَمْ» (3).
221 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا
كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً» (29)
استشهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية المباركة بالحديث التالي :
ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ رَسولَ اللّه كَانَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنَ الدُّنْيا شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ ابْناً لَها، فَقَالَتْ لَهُ : اسْأَلْهُ، فَإِنْ قالَ : لَيْسَ عِنْدَنَا شَيْءٌ فَقُلْ : أَعْطني قَميصَكَ، فَجاءَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ، فَقالَ لَهُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لَيْسَ عِنْدَنَا شَيْءٌ.
قالَ : فَأَعْطني قَميصَكَ، فَرَمَى إِلَيْهِ بِقَمِيصِهِ - وفي نسخة - فَأَدَّبَهُ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى الْقَصْدِ، فَقالَ : «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كلّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً».
قالَ : الْإِحْسارُ : الْفَاقَةُ» (1).
1) تفسير العيّاشي : 2 : 289، الحديث 59. تفسير نور الثقلين : 3 : 158، الحديث 36.
مِنَ الْمَالِ قَدْ كُنْتَ حُسِرْتَ مِنَ الْمَالِ» (1).
قال : فضم يده وقال : هكذا.
فقال : «وَلَا تَبْسُطْهَا كلّ الْبَسْطِ»، فبسط راحته، وقال : هكذا، (2).
222 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كلّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً» (36)
روى أبو عمرو الزبيري، قال : «قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه تَبارَكَ وَتَعالى فَرَضَ الْإِيمَانَ عَلَى جَوارِحٍ بَنِي آدَمَ، وَقَسَّمَهُ عَلَيْهَا، فَلَيْسَ مِنْ جَوارِحِهِ جَارِحَةٌ إِلَّا وَقَدْ وَكَلَتْ مِنَ الْإِيمَانِ بِغَيْرِ ما وُكِّلَتْ بِهِ أُخْتُها، فَمِنْها عَيْناهُ اللَّتانِ يَنْظُرُ بِهِما، وَرِجْلاهُ اللَّتَانِ يَمْشي بهما.
فَفَرَضَ عَلَى الْعَيْنِ أَنْ لَا تَنْظُرَ إِلى ما حَرَّمَ اللّه عَلَيْهِ، وَأَن تَغْضٌ عَمَّا نَهَاهُ اللّه عَنْهُ، ممّا لَا يَحِلُّ وَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ. قَالَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كلّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً»، فَهَذَا مَا فَرَضَ اللّه مِنْ غَضُ الْبَصَرِ عَمّا حَرَّمَ اللّه، وَهُوَ عَمَلُهُ، وَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ.
وَفَرَضَ اللّه عَلَى الرِّجْلَيْنِ أَنْ لَا يَمْشِيَ بِهِما إِلى شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي اللّه، وَاللّه فَرَضَ عَلَيْهِما الْمَشْيَ فيما فَرَضَ اللّه، فَقالَ: «وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ
الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً» (1).
قال: «وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنْ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير» (2)».
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يُسْأَلُ السَّمْعَ عَمَّا يَسْمَعُ، وَالْبَصَرَ عَمَّا يَطْرفُ، وَالْفُوْادَ عَمّا يَعْقِدُ عَلَيْهِ» (3).
223 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (44﴾
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما مِنْ طَيْرِ يُصادُ في بَرَّ أَوْ بَحْرٍ، وَلَا شَيْءٍ يُصادُ مِنَ الْوَحْشِ، إِلَّا بِتَضْيِيعِهِ التَّسْبيحَ» (4).
224 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِن مِن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْ الْقِيَامَةِ» (58)
وفسّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هلاك القرية قبل يوم القيامة بالقتل والموت أو غيره (5).
225 - قال تعالى: «يَوْمَ نَدْعُوا كلّ أُناسٍ بِإِمَامِهِمْ» (71)
أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية الكريمة ما يلي :
وعقب ذلك بقوله : قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ مَاتَ بِغَيْرِ إِمَامٍ مَاتَ مَيْتَةً جَاهِلِيَّةً» (1).
قالوا : بَلَى، فَيَقولُ : تَمَيَّزوا، فَيَتَمَيِّرُونَ» (2).
226 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً» (72)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآية في حديثه التالي مع أبي بصير، فقد قال له أبو بصير : رجل له مائة ألف، فقال : العام أحُجُ، العام أحُجُّ، حتّى يجيئه الموت فحجبه البلاء، ولم يحج حج الإسلام.
فقال : يا أبا بَصيرِ، أَوَ ما سَمِعْتَ قَوْلَ اللّه : «وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ
أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً»، عَمِيَ عَنْ فَرِيضَةٍ مِنْ فَرائِضِ اللّه» (1).
227 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ» (73)
أدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحديثه عن السبب في نزول هذه الآية، قال : «لَمَا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ، أَخْرَجَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَصْناماً مِنَ الْمَسْجِدِ، وَكانَ مِنْها صَنَمٌ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَطَلَبَتْ إِلَيْهِ قُرَيْضٌ أَنْ يَترُكَهُ، وَكانَ - أي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مُسْتَحياً، ثُمَّ أَمَرَ بِكَسْرِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية» (2).
228 - قال تعالى: «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً» (78)
عرضت هذه الآية المباركة إلى أوقات الصلاة، وقد قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيانها : «إِنَّ اللّه افْتَرَضَ أَرْبعَ صَلواتٍ : أَوَّلُ وَقْتِها مِنْ زَوالِ الشَّمْسِ إِلَى انْتِصافِ اللَّيْلِ. مِنْها صَلاتانِ أَوَّلُ وَقْتِهِما مِنْ عِنْدِ زَوالِ الشَّمْسِ إِلى غُروبِها، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ، وَمِنْهَا صَلاتانِ أَوَّلُ وَقْتِهِما مِنْ غُروبِ الشَّمْسِ إِلَى انْتِصافِ اللَّيْلِ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ قَبْلَ هذه» (3).
229 - قَالَ تَعَالَى: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ» (82)
روى مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّمَا الشَّفاءُ فِي عِلْمِ الْقُرآنِ» (1).
230 - قَالَ تَعَالَى: «قُلْ كلّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ» (84)
استشهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآية في حديثه مع سفيان بن عيينة. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «النّيَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ، أَلا وَإِنَّ النِّيَّةَ هي الْعَمَلُ، ثم قرأ الآية الكريمة، وفسّر الشاكلة بالنيّة» (2).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّمَا خُلَّدَ أَهْلُ النَّارِ في النَّارِ لأَنَّ نِيَا تَهِمْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَوْ خُلدوا فيها أَنْ يَعْصوا اللّه أَبَداً، وَإِنَّمَا خُلِّدَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ لأَنَّ نِيَاتَهِمْ كَانَتْ فِي الدُّنْيا لَوْ بَقوا فيها أَنْ يُطيعوا اللّه أَبَداً، فَبِالنّيَاتِ خُلْدَ هؤلاء وهؤلاء، ثم تلا قوله تعالى : «قُلْ كلّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ»، أي على نيّته» (3).
231 - قال تعالى: «يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً» (107)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الآية حينما سئل عمن بجبهته علّة لا يقدر على السجود عليها.
قال : «يَضَعُ ذِقْنَهُ عَلَى الْأَرْضِ، إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : «يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سجداً»» (4).
232 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبيلاً» (110)
بين الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) السبب في نزول هذه الآية، قال : «لَمّا كانَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِمَكَّةَ يَجْهَرُ بِصَلاتِهِ فَيَعْلَمُ بِمَكانِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَكانوا يُؤذونَهُ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هذه الآية» (1).
وروى عبداللّه بن سنان، قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «على الإمام - أي إمام الجماعة - أن يُسمع من خلفه وإن كثروا ؟
فقال : لِيَقْرَأْ وَسطاً. يَقولُ اللّه تَبَارَكَ وَتَعالى : «وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بها»» (2).
233 - قَالَ تَعَالَى: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِن آيَاتِنَا عَجَباً» (9)
وأدلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحديث له عن سبب نزول سورة الكهف، كما ذكر قصّة أهل الكهف.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ سَبَبُ نُزولِ سُورَةِ الْكَهْفِ أَنَّ قُرَيْشاً بَعَثُوا ثَلاثَةَ نَفَرٍ إِلَى نَجْرانَ : النَّضَرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعِيطٍ، وَالْعاصَ بْنَ وَائِلِ السَّهْمِي لِيَتَعَلَّمُوا مِنَ الْيَهُودِ مَسائِلَ يَسْأَلُونَها رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
فَخَرَجوا إِلَى نَجْرانَ إِلى عُلماءِ الْيَهُودِ فَسَأَلُوهُمْ، فَقالوا : اسْأَلُوهُ عَنْ ثَلاثِ مَسائِلَ، فَإِنْ أَجَابَكُمْ فِيها عَلى ما عِنْدَنا فَهُوَ صادِقٌ، ثُمَّ اسْأَلُوهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنِ ادّعى عِلْمَها فَهُوَ كَاذِبٌ.
قالوا : ما هذِهِ الْمَسائِلُ ؟
قالوا : سَلوهُ عَنْ فِتْيَةٍ كانوا في الزَّمَنِ الْأَوَّلِ فَخَرَجوا، وَعَابُوا، وَناموا، كَمْ بَقَوا في نَوْمِهِمْ حتّى انْتَبَهوا ؟ وَكَمْ كَانَ عَدَدُهُمْ ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ ؟ وَمَا كَانَتْ قِصَّتُهُمْ ؟
وَسَلُوهُ عَنْ مُوسَى حينَ أَمَرَهُ اللّه أَنْ يَتَّبِعَ الْعالِمَ، وَيَتَعَلَّمَ مِنْهُ مَنْ هُوَ ؟ وَكَيْفَ تَبِعَهُ ؟
وَما كانَتْ قِصَّتُهُ مَعَهُ ؟
وَسَلُوهُ عَنْ طَائِفٍ طَافَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَمَطْلَعَهَا، حَتَّىٰ بَلَغَ سَدَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مَنْ هُوَ ؟ وَكَيْفَ كَانَتْ قِصَّتُهُ ؟ ثُمَّ أَمْلُوا عَلَيْهِمْ أَخْبَارَ هَذِهِ الْمَسائِلِ الثَّلاثِ، وَقالوا لَهُمْ: إِنْ أَجَابَكُمْ بِما قَدْ أَمْلَيْنا عَلَيْكُمْ فَهُوَ صادِقٌ، وَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِخِلافِ ذلِكَ فَلَا تُصَدِّقوه.
قالوا : فَمَا الْمَسْأَلَةُ الرّابِعَةُ ؟
قالوا : سَلوهُ مَتى تَقومُ السَّاعَةُ ؟ فَإِنِ ادّعى عِلْمَهَا فَهُوَ كَاذِبٌ، فَإِنَّ قيامَ السَّاعَةِ لَا يَعْلَمُها إِلَّا اللّه تَبَارَكَ وَتَعالى.
فَرَجعوا إلى مَكَّةَ وَاجْتَمَعُوا إِلى أَبي طَالِبٍ، فَقالوا : يا أبا طالِبٍ، إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَزْعُمُ أَنَّ خَبَرَ السَّمَاءِ يَأْتِيهِ، وَنَحْنُ نَسْأَلُهُ عَنْ مَسائِلَ، فَإِنْ أَجَابَنا عَنْها عَلِمنا أَنَّهُ صَادِقٌ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْنَا عَلِمْنَا أَنَّهُ كَاذِبٌ.
فَقالَ أَبو طَالِبٍ : سَلُوهُ عَمَّا بَدا لَكُمْ.
فَسَأَلُوهُ عَنِ الثَّلاثِ مَسائِلَ، فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): غَداً أَخْبِرُكُمْ وَلَمْ يَسْتَثْنِ.
فَاحْتَبَسَ الْوَحْيُ عَنْهُ أَرْبَعِينَ يَوْماً، حتّى اغْتَمَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَشَكَّ أَصْحابُهُ الَّذِينَ كانوا آمَنوا بِهِ، وَفَرِحَتْ قُرَيْشُ وَاسْتَهْزَأُوا وَآذَوا، وَحَزَنَ أَبو طالِبٍ.
فَلَمّا كانَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ يَوْماً نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْكَهْفِ، فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يا جَبْرَئِيلُ، لَقَدْ أَبْطَأْتَ.
فَقالَ : إِنَّا لَا تَقْدِرُ أَنْ نَنْزلَ إِلَّا بِإِذْنِ اللّه، فَأَنْزَلَ اللّه تعالى : «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً».
ثُمَّ قَصَّ قِصَتَهُمْ، فَقالَ : «إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً
وَهَيِّئْ لَنَا مِن أَمْرِنَا رَشَداً» (1).
قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقيم كانوا في زَمَنِ مَلِكِ جَبَّارٍ عاتٍ، وَكانَ يَدْعو أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنامِ، فَمَنْ لَمْ يُجِبْهُ قَتَلَهُ، وَكانَ هؤلاءِ قَوْماً مُؤْمِنِينَ يَعْبُدونَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَوَكَّلَ الْمَلِكُ بِبابِ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَدَعْ أَحَداً يَخْرُجُ حَتَّىٰ يَسْجُدَ لِلْأَصْنامِ، فَخَرَجَ هؤلاءِ بِعِلَّةِ الصَّيْدِ وَ مَرُوا بِراعٍ فِي طَريقِهِمْ، فَدَعَوهُ إِلَى أَمْرِهِمْ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَكانَ مَعَ الرّاعي كَلْبٌ، فَأَجَابَهُمْ وَخَرَجَ مَعَهُمْ.
فَخَرَجَ أَصْحابُ الْكَهْفِ مِنَ الْمَدِينَةِ بِعِلَّةِ الصَّيْدِ هَرَباً مِنْ دِينِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا أَمْسَوا دَخَلُوا إِلَى ذلِكَ الْكَهْفِ وَالْكَلْبُ مَعَهُمْ، فَأَلْقَى اللّه عَلَيْهِمُ النُّعاسَ كَما قالَ اللّه: «فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً» (2)، فَناموا حتّى أَهْلَكَ اللّه ذلِكَ الْمَلِكَ وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ، وَذَهَبَ ذلِكَ الزَّمانُ وَجاءَ زَمانُ آخَرُ وَقَوْمٌ آخَرونَ.
ثُمَّ انتبهوا فَقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : كَمْ نُمْنا هَاهُنَا، فَنَظَرُوا إِلَى الشَّمْسِ قَدِ ارْتَفَعَتْ، فَقالوا : نُمْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.
ثُمَّ قالوا لِواحِدٍ مِنْهُمْ: خُذْ هذِهِ الْوَرِقَ، وَادْخُلِ الْمَدينَةَ مُتَنَكَّراً لَا يَعْرِفُونَكَ، فَاشْتَرِ لَنا طَعاماً، فَإِنَّهُمْ إِنْ عَلِموا بِنا وَعَرَفونا قَتَلُونا أَوْ رَدَونا إلى دينِهِمْ، فَجَاءَ ذلِكَ الرَّجُلُ فَرَأَى مَدينَةٌ بِخِلافِ الَّتي عَهِدَها، وَرَأى قَوْماً بِخِلافِ أولئك، لَمْ يَعْرِفْهُمْ، وَلَمْ يَعْرِفوا لُغَتَهُ، وَلَمْ يَعْرِفْ لُغَتَهُمْ، فَقالوا لَهُ : مَنْ أَنْتَ، وَمِنْ أَيْنَ جِئْتَ ؟
فَأَخْبَرُهُمْ، فَخَرَجَ مَلِكُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ مَعَ أَصْحَابِهِ وَالرَّجُلُ مَعَهُمْ حَتَّىٰ وَقَفُوا عَلَىٰ بَابِ الْكَهْفِ، وَأَقْبَلُوا يَتَطَلَّعونَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ : هؤلاءِ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَقالَ بَعْضُهُمْ:
خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَقالَ بَعْضُهُمْ : سَبْعَةٌ ثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.
وَحَجَبَهُمُ اللّه بِحِجابِ مِنَ الرُّعْبِ، فَلَمْ يَكُنْ يَقدُمُ بِالدُّخولِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ صاحِبِهِمْ، فَإِنَّهُ لَمّا دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَجَدَهُمْ خَائِفِينَ مِنْ أَنْ يَكُونوا أَصْحابَ دِقْيانوسَ شَعَرُوا بِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ صاحِبُهُمْ أَنَّهُمْ كانوا نائِمينَ هذَا الزَّمَنَ الطُّويل، وَأَنَّهُمْ آيَةٌ لِلنَّاسِ، فَبَكَوا وَسَأَلُوا اللّه أَنْ يُعِيدَهُمْ إِلىٰ مَضَاجِعِهِمْ نَائِمِينَ كَما كانوا.
ثُمَّ قَالَ الْمَلِكُ : يَنْبَغِي أَنْ يُبْنى هاهُنا مَسْجِداً نَزورُهُ، فَإِنَّ هَوْلاءِ قَوْمٌ مُؤْمِنونَ، فَلَهُمْ في كلّ سَنَةٍ تَقَلُّبَانِ يَنامونَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ عَلَى جُنوبِهِم الْيُمْنى، وَسِنَّةَ أَشْهُرٍ عَلَى جُنُوبِهُم الْيُسْرَى، وَالْكَلْبُ مَعَهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِفِناءِ الْكَهْفِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ» (1)إلى آخر الآيات» (2).
234 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوة» (29)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ابْنُ آدَمَ خُلِقَ أَجْوَفَ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الطَّعامِ وَالشَّرابِ. قالَ تَعَالَى: «وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ»» (3).
235 - قَالَ تَعَالَى: «فَوَجَدَا عَبْداً مِن عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةٌ مِن عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً» (65)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ مُوسَى لَمَا كَلَّمَهُ اللّه تَكْلِيماً، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاةَ، وَكَتَبَ لَهُ فِي الْأَلْواحِ
مِنْ كلّ شَيْءٍ مَوْعِظَةٌ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ، وَجَعَلَ آيَتَهُ فِي يَدِهِ وَعَصَاهُ، وفِي الطُّوفانِ وَالْجَرادِ وَالْقُمَّلِ وَالضَّفادع وَالدَّمِ، وَفَلْقِ الْبَحْرِ، وَأَغْرَقَ اللّه فِرْعَونَ وَجُنودَهُ، عَلِمَتِ الْبَشَرِيَّةُ فِيهِ حتّى قالَ فِي نَفْسِهِ : ما أَرى أَنَّ اللّه خَلَقَ خَلْقاً أَعْلَمَ مِنِّي.
فَأَوْحَى اللّه إِلَى جَبْرَئِيلَ : أَدْرِكْ عَبْدِي قَبْلَ أَنْ يَهْلِكَ، وَقُلْ لَهُ : إِنَّ عِنْدَ مُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ رَجُلاً عابداً فَاتَّبِعْهُ وَتَعَلَّمْ مِنْهُ.
فَهَبَطَ جَبْرِيلُ عَلى مُوسَى بِما أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَعَلِمَ مُوسى أَنَّ ذلِكَ لِما حَدَّثَتْهُ بِهِ نَفْسُهُ.
فَمَضى هُوَ وَفَتاهُ يُوشَع بن نون، حتّى انْتَهَيا إلى مُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ، فَوَجَدا هناك الْخِضْرَ يَعْبُدُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ كَمَا قالَ اللّه فِي كِتَابِهِ : «فَوَجَدَا عَبْداً مِن عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِن عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً»» (1).
236 - قَالَ تَعَالَى: «وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً» (80)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «خَشِيَ - أي العالم - أَنْ إِذا أَدْرَكَ الْغُلامُ أَنْ يَدْعُوَ أَبَويهِ إِلَى الْكُفْرِ فَيُجيبانِهِ مِنْ فَرْطِ حُبِّهما لَه»ُ (2).
237 - قَالَ تَعَالَى: «فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً» (81)
قال : «إِنَّهُ وُلِدَتْ لَهُما جَارِيَةً فَوَلَدَتْ غُلاماً، فَكانَ نَبِيَّاً» (1).
238 - قَالَ تَعَالَى: «وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ» (82)
روى إسحاق بن عمار، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : إِنَّ اللّه لَيُصْلِحُ بِصَلاحٍ الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ، وَيَحْفَظُهُ فِي دُويْرَتِهِ وَدُوَيراتٍ حَوْلَهُ، فَلَا يَزالونَ فِي حِفْظِ اللّه لِكَرامَتِهِ عَلَى اللّه، ثُمَّ ذَكَرَ الْغُلامَينِ «وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً»، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّه شَكَرَ صَلاحَ أبويهما لَهُما» (2).
وروى صفوان الجمال، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّ وجلّ : «وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا».
فقال : أَما إِنَّهُ ما كانَ ذَهَباً وَلَا فِضَّةٌ، وَإِنَّما أَرْبَعَ كَلِماتٍ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه، مَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ لَمْ يَضْحَكَ، وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسابِ لَمْ يَفْرَحْ قَلْبُهُ، وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ لَمْ يَخْشَ إِلَّا اللّه» (3).
239 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً» (107)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَبي ذَرٍّ وَسَلْمَانَ وَالْمِقْدادِ وَعَمَارَ بْنِ يَاسِرٍ، جَعَلَ اللّه لَهُمْ جَنَّاتِ الْفِرْدَوسِ نُزُلاً، أَي مَأوى وَمَنْزِلاً» (4).
240 - قال تعالى: «يَا لَيْتَنِي مِن قَبْلَ هَذَا» (23)
إنّما تمنّت السيّدة العذراء الموت.
يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لأَنَّها لَمْ تَرَ في قَوْمِها رَشيداً ذا فِراسَةٍ يُنَزِّهُها مِنَ السُّوءِ» (1).
241 - قَالَ تَعَالَى: «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً» (26)
«إِنَّ الصِّيامَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرابِ - الذي نذرته السيّدة مريم - وَلكِنَّهُ كانَ صَوماً صَمْتاً»، حسب ما يقول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).
242 - قال تعالى: «وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ» (31)
فسّر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) مباركاً بقوله : «نَفاعاً» (3).
243 - قَالَ تَعَالَى: «وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَادُمْتُ حَيّاً» (31)
استشهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة حينما سأله معاوية بن وهب عن
أفضل ما يتقرب به العباد إلى ربِّهم، وأحبّ ذلك إليه ؟ فما هو ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما أَعْلَمُ شَيْئاً بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ أَفْضَلَ مِنْ هذِهِ الصَّلاةِ، أَلَا تَرى أَنَّ الْعَبْدَ الصَّالِحَ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ قَالَ : «وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً»» (1).
244 - قَالَ تَعَالَى: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيَّاً» (54)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنّ إسماعيلَ الَّذي قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ في كِتَابِهِ : «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ» الآية، لَمْ يَكُنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بَلْ كَانَ نَبِيَّاً مِنَ الْأَنْبِياءِ بَعَثَهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَى قَوْمِهِ، فَأَخَذُوهُ وَسَلَحُوا فَرْوَةَ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، فَأَتَاهُ مَلَكَ فَقالَ : إِنَّ اللّه جَلَّ جَلالُهُ بَعَثَنِي إِلَيْكَ، فَمُرْني بِما شِئْتَ، فَقَالَ : لي أسْوَةٌ بِما يُصْنَعُ بِالْحُسَيْنِ» (2).
245 - قَالَ تَعَالَى: «كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّا» (82)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يَكونُ هَوْلاءِ الَّذِينَ اتَّخَذَوهِمْ آلِهَةٌ مِنْ ُدونِ اللّه ضِدّاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَتَبَرَّأُونَ مِنْهُمْ وَمِنْ عِبادتِهِمْ إِلَى يَوْم الْقِيامَةِ» (3).
246 - قَالَ تَعَالَى: «فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدا» (84)
روى عبد الأعلى مولى آل سام، قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قول اللّه عزّ وجلّ :
«إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدا».
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما هُوَ عِنْدَكَ ؟
قلت : عدّ الأيام.
قال : الآباء والأمهاتُ يَحْصونَ ذلِكَ، وَلِكِنَّهُ عَدَدُ الْأَنْفَاسِ» (1).
247 - قَالَ تَعَالَى: «لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً» (87﴾
روى أبو بصير، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً».
قال : إِلَّا مَنْ دانَ بِولاية أميرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالأئمّة مِنْ بَعْدِهِ فَهُوَ الْعَهْدُ عِنْدَ اللّه (2).
248 - قَالَ تَعَالَى: «وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً» (88)
روى أبو بصير، عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قلت له : قوله عزّ وجلّ : «وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً».
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : هذا حَيْثُ قَالَتْ قُرَيْضٌ : إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَداً، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ إِناثٌ.
فَقالَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَدَا عَلَيْهِم : «لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِذا» (3)أَي عَظيماً.
«تَكَادُ السَّماوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ» (4)يَعْني ممّا قالوهُ، وَمِمَّا رَمَوهُ بِهِ : «أَن دَعَوْا
لِلرَّحْمَنِ وَلَداً» (1).
فَقالَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كلّ مَن فِي السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدَاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ * يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً» (2)واحداً واحداً» (3).
249 - قَالَ تَعَالَى: «طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى» (1) و (2)
روي عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعن أبيه من قبل الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أَنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كانَ إِذا صَلَّى قامَ عَلى أَصابع رِجْلَيْهِ حتّى تَوَرَّمَ، فَأَنْزَلَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِ الْآيَةَ : «طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى» (1).
250 - قَالَ تَعَالَى: «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» (5)
أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية ما يلي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جواب من سأله عن تفسير الآية : «اسْتَوَىٰ مِنْ كلّ شَيْءٍ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ» (2).
سأله شخص عن هذه الآية، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «بِذلِكَ وَصَفَ نَفْسَهُ، وَكَذلِكَ هُوَ مَسْتَوِ عَلَى الْعَرْشِ، بائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكونَ الْعَرْشُ حامِلاً لَهُ، وَلَا أَنْ يَكونَ الْعَرْشُ حاوِياً لَهُ، وَلَا أَنْ يَكونَ الْعَرْشُ مُختاراً لَهُ، وَلكِنَّا نَقولُ : هُوَ حامِلُ الْعَرْشِ، وَمُمْسِكُ الْعَرْشِ، وَنَقولُ مِنْ ذلِك ما قالَ: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» (3)» (4).
ثمّ قال : «مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللّه مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مُحْدَثاً، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي شَيْءٍ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ مَحْصورٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مَحْمولاً» (1).
251 - قَالَ تَعَالَى: «فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى» (7)
روی محمّد بن مسلم، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّ وجلّ : «يَعْلَمُ السِّرِّ وَأَخْفَى».
قال : «السِّرَّ» ما أَكْنَتْتَهُ فِي نَفْسِكَ، «وَأَخْفَى» ما خَطَرَ بِبالِكَ ثُمَّ انْسِيتَهُ» (2).
252 - قَالَ تَعَالَى: «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوى» (12)
سئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية، فقال : «كانَتْ نَعَلاهُ مِنْ جِلْدِ حِمارٍ مَيَّتٍ، فَلِذلِكَ أُمِرَ بِخَلْعِهِما» (3).
يقول السيد الطباطبائي : «إنّ سياق الآية يعطي أنّ الخلع لاحترام الموقف» (4).
253 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى» (82)
استشهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه التالي.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ اللّه تَعَالَى لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْعَمَلَ الصّالِحِ، وَلَا يَقْبَلُ اللّه إِلَّا الْوَفاءَ بِالشَّروطِ وَالْعُهودِ، فَمَنْ وَفَى لِلَّهِ بِشَرْطِهِ، وَاسْتَعْمَلَ ما وُصِفَ فِى عَهْدِهِ نالَ ما عِنْدَهُ، وَاسْتَكْمَلَ وَعْدَهُ.
إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَخْبَرَ الْعِبادَ بِطُرقِ الْهُدى، وَشَرَعَ لَهُمْ فيها الْمَنارَ، وَأَخْبَرَهُمْ كَيْفَ يَسْلِكُونَ، فَقالَ : «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى».
وَقالَ : «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه مِنَ الْمُتَّقِينَ» (1)، فَمَنِ اتَّقَى اللّه فيما أَمَرَهُ لَقِيَ اللّه مُؤْمِناً بما جاءَ بِهِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (2).
254 - قَالَ تَعَالَى: «وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى» (124)
روى أبو بصير، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : «مَنْ ماتَ وَهُوَ صَحِيحٌ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ، فَهُوَ مِمَّنْ قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ».
قلت : سبحان اللّه ! أعمى !
قال : نَعَمْ أَعْمَاهُ اللّه عَنْ طَريقِ الحقّ» (3).
200 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً منْهُمْ» (131)
قال : «لَمّا نَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ اسْتَوى رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جَالِسًا، ثُمَّ قَالَ : مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ
بِعَزاءِ اللّه تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى الدُّنْيا حَسَرَاتٍ، وَمَنْ أَتْبَعَ بَصَرَهُ ما فِي أَيدي النَّاسِ طَالَ هَمُّهُ وَلَمْ يُشْفَ غَيْظَهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفُ أَنْ لِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةً لَا فِي مَطْعَمٍ وَلَا فِي مَشْرَبٍ، قَصُرَ أَجَلُهُ وَدَنا عَذابُهُ» (1).
1) تفسير القمّي : 2 : 66.
256 - قَالَ تَعَالَى: «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ» (18)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه مع أيوب بن الحرّ، فقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : «يا أَيُّوبُ، ما مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ يَرِدُ عَلَيْهِ الحقّ حتّى يَصْدَعَ قَلْبَهُ قَبِلَهُ أَمْ تَرَكَهُ، وَذلِكَ أَنَّ اللّه يَقولُ فِي كِتَابِهِ : «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ ممّا تَصِفُونَ»» (1).
257 - قال تعالى: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدَنَا» (22)
روی هشام بن الحكم، قال : «قلت لأبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما الدليل على أنّ اللّه واحد ؟
قال : اتِّصالُ التَّدبيرِ، وَتَمامُ الصُّنْع، كَما قالَ عَزَّ وَجَلَّ: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدَتَا»» (2).
258 - قال تعالى: «وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ» (35)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَرَضَ أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَعادَهُ إِخْوانُهُ، فَقالوا: كَيْفَ تَجِدُكَ يا أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟
قالَ : بِشَرٍّ.
قالوا : ما هذا كَلامُ مِثْلِكَ ؟ !
قالَ : إِنَّ اللّه تَعالى يَقولُ : «وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ»، فَالْخَيْرُ الصَّحَّةُ وَالْغِنى، وَالشَّرُّ الْمَرَضُ وَالْفَقْرُ» (1).
259 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ» (51)
عرضت هذه الآية وما بعدها من الآيات إلى قصة إبراهيم خليل الرحمن، وما لاقاه من التنكيل من قومه، الذين كانوا يعبدون الأصنام.
وقد تحدّث الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قصّته، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): خالَفَ إِبْراهِيمُ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ قَوْمَهُ وَعابَ آلِهَتَهُمْ - إلى قوله - : فَلَمّا تَوَلَّوا عَنْهُ مُدْبِرِينَ إِلَى رَعِيدٍ لَهُمْ دَخَلَ إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى آلِهَتِهِمْ بِقَدُّومٍ، فَكَسَرَها، إِلَّا كَبيراً لَهُمْ، وَوَضَعَ الْقَدُّومَ في عُنُقِهِ، فَرَجَعوا إِلَى آلِهَتِهِمْ فَنَظَروا إلى ما صَنَعَ بها، فَقالوا : لا واللّه ما اجْتَرَأَ عَلَيْها وَلَا كَسَرَها إلَّا الْفَتَى الذي كانَ يَعيبُها وَيَتَبرأُ مِنْهَا، فَلَمْ يَجِدوا لَهُ قَتَلَةٌ أَعْظَمَ مِنَ النّارِ.
فَجَمَعوا لَهُ الْحَطَبَ، وَاسْتَجادُوهُ، حتّى إِذا كانَ الْيَوْمُ الَّذِي يُحْرَقُ فِيهِ، بَرَزَ لَهُ نَمْرودُ وَجُنودُهُ، وَقَدْ بُنِي لَهُ بناء لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ كَيْفَ تَأْخُذُهُ النَّارُ، وَوُضِعَ إِبْرَاهِيمُ فِي مَنْجَنيقٍ، وَقالَتِ الْأَرْضُ : يا رَبِّ، لَيْسَ عَلى ظَهْري أَحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرُهُ.
1) تفسير مجمع البيان: 7 : 85. تفسير الصافي : 3: 339، الحديث 35.
قالَ الرَّبُّ : إِن دَعَانِي كَفَيْتُهُ».
وروى إبراهيم بن زياد الكرخي، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : إِنَّ إِبْراهيمَ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ لَمَا كَسَّرَ أَصْنامَ نَمْرُودَ، أَمَرَ بِهِ نَمْرُودُ فَأُوثِقَ، وَعُمِلَ لَهُ حَيْراً، وَجُمِعَ لَهُ فِيهِ الْحَطَبُ، وَالْهِبَ فِيهِ النَّارُ، ثُمَّ قُذِفَ إِبْراهِيمُ في النّارِ لِتُحْرِقَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلوها حتّى أُخمدَتْ.
ثُمَّ أَشْرَفوا عَلَى الْحَيْرِ فَإِذا هُمْ بِإِبْرَاهِيمَ سَليماً مُطلَقاً مِنْ وَثَاقِهِ، فَأَخْبَرَ نَمْرُودُ خَبَرَهُ، فَأَمَرَ أَنْ يُنفوا إبراهيمَ مِنْ بِلادِهِ، وَأَنْ يَمْنَعوهُ مِنَ الْخُروج بِمَاشِيَتِهِ وَمَالِهِ، فَحاجَّهُمْ إبْراهيمَ عِنْدَ ذلِكَ، فَقَالَ : إِنْ أَخَذْتُمْ مَاشِيَتي وَمالي فَحَقِّي عَلَيْكُمْ أَنْ تَرُدُّوا عَلَيَّ مَا ذَهَبَ مِنْ عُمْري في بلادِكُمْ، وَاخْتَصَموا إلى قاضي نَمْرُودَ، وَقضى عَلَى إِبْراهيمَ أَنْ يُسَلَّمَ إِلَيْهِمْ جَميعَ مَا أَصابَ فِي بِلادِهِمْ.
وَقَضى عَلَى أَصْحَابِ نَمْرُودَ أَنْ يَردُّوا عَلى إِبْراهِيمَ ما ذَهَبَ مِنْ عُمُرِهِ فِي بِلادِهِمْ، فَأَخْبَرَ بِذلِكَ نَمرودُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُخْلُوا سَبيلَهُ، وَسَبيلَ مَاشِيَتِهِ وَمَالِهِ، وَأَنْ يُخْرِجُوهُ، وَقالَ : إِنَّهُ إِنْ بَقِيَ فِي بِلادِكُمْ أَفْسَدَ دينِكُمْ، وَأَضَرَّ بِالهِتِكُمْ» (1).
وروى عبد اللّه بن هلال، قال : «قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ تَلَقَّاهُ جَبْرئيل فِي الْهَواءِ وَهُوَ يَهْوي، فَقالَ : يَا إِبْرَاهِيمُ، أَلَكَ حَاجَةٌ ؟
فَقالَ : أَمَا إِلَيْكَ فَلَا» (2).
260 - قَالَ تَعَالَى: «وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ
فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ» (78)
أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية الكريمة ما يلي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا يَكونُ النَّفْسُ إِلَّا بِاللَّيْلِ، إِنَّ عَلى صاحِبِ الْحَرْثِ أَنْ يَحْفَظَ الْحَرْثَ بِالنَّهارِ، وَلَيْسَ عَلَى صاحِبِ الْمَاشِيَةِ حِفْظُها بِالنَّهارِ، إِنَّما رُعاها بِالنَّهَارِ وَأَرْزَاقُها، فَما أَفْسَدَتْ فَلَيْسَ عَلَيْها، وَعَلَى صاحِبِ الْمَاشِيَةِ حِفْظُ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَنْ حَرْثِ النَّاسِ، فَما أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ فَقَدْ ضَمِنوا وَهُوَ النَّفْسُ، وَإِنَّ داودَ حَكَمَ لِلَّذِي أَصابَ زَرْعَهُ رِقابَ الْغَنَمِ، وَحَكَمَ سُلَيْمَانُ الرُّسُلَ وَالثَّلاثَةَ، وَهُوَ اللَّبَنُ والصُّوف في ذلِكَ الْعامِ» (1).
روى أبو بصير عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية، قال : «فَحَكَمَ داودُ بِما حَكَمَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وَأَوْحَى اللّه إِلَى سُلَيْمَانَ، وَأَيُّ غَنَمٍ نَفَشَتْ في زَرْعٍ فَلَيْسَ لِصاحِبِ الزَّرْع إِلَّا ما خَرَجَ مِنْ بُطُونِها، وَكَذلِكَ جَرَتِ السُّنَّةُ بَعْدَ سُليمانَ، وَهُوَ قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «وَكُلَا آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً» (2)، فَحَكَمُ كلّ واحِدٍ مِنْهُما بِحُكْمِ اللّه عَزَّ وَجَلٌ» (3).
روى أبو بصير، عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنّه قال : «إِنَّ الْحَرْثَ كانَ كُرْماً نَفَشَتْ بِهِ الْغَنَمُ، وذكر حكم سليمان، ثمّ قال : وَكانَ هذا حُكْمَ داودَ، وَإِنَّما أَرادَ أَنْ
يُعَرِّفَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ سُلَيْمَانَ وَصِيُّهُ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفا فِي الْحُكْمِ، وَلَوْ اخْتَلَفَ حُكْمُهُما لَقَالَ : وَكُنا لِحُكْمِهِما شاهِدِينَ» (1).
261 - قَالَ تَعَالَى: «وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةٌ تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا» (81)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية في تفسير «عَاصِفَةٌ» : «إِنَّهَا تَجْرِي مِنْ كُلِّ جانِبٍ».
وفي تفسير «الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا»، قال : «إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالشَّامِ» (2).
262 - قَالَ تَعَالَى: «وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ» (84)
روی عبداللّه بن بكير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية، قال : «أَحْيا اللّه عَزَّ وَجَلَّ - أي أهل أيوب - الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ الْبَلِيَّةِ، وَأَحْيا لَهُ الَّذِينَ ماتوا وَهُوَ في البليَّة» (3).
263 - قَالَ تَعَالَى: «وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ» (25)
روى الحسين بن أبي العلاء، قال : «ذكر أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الآية، فقال : «كانَتْ مَكَةُ لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْها بابٌ، وَكانَ أَوَّلُ مَنْ عَلَقَ عَلى بِابِهِ الْمِصْرَاعَينِ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيانَ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ الْحَاجَّ شَيْئاً مِنَ الدُّورِ وَمَنازِلها» (1).
264 - قال تعالى: «وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِالْحَادِ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن أَلِيمٍ» (25)
ورد عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية ما يلي :
قال : كلّ ظَلْمُ الْحادٌ، وَضَرْبُ الْخادِمِ في غَيْرِ ذَنْبٍ مِنَ ذلِكَ الإِلْحَادِ» (2).
فقال : كلّ ظُلْمٍ يَظْلِمُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ بِمَكَّةَ، مِنْ سَرِقَةٍ أَوْ ظَلْمِ أَحَدٍ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الظُّلْمِ، فَإِنِّي أَراهُ إِلْحاداً، وَلِذلِكَ كَانَ يَتَّقِي أَنْ يَسْكُنَ الْحَرَمَ» (1).
265 - قَالَ تَعَالَى: «لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ» (28)
أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير المنافع ما يلي :
«إنّ المنافع هي منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة» (2).
«إن المنافع أعم من منافع الدنيا والآخرة».
روى الربيع بين خيثم، قال : «شهدت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يطاف به حول الكعبة في محمل، وهو شديد المرض، فكان كلّما بلغ الركن اليماني أمرهم فوضعوه بالأرض، فأخرج يده من كوّة المحمل حتّى يجرّها على الأرض، ثمّ يقول : ارفعوني.
فلمّا فعل ذلك مراراً في كلّ شوط، قلت له : جعلت فداك، يابن رسول اللّه، إنّ هذا يشقّ عليك.
فقال : إني سمعت اللّه عَزَّ وَجَلَّ يقول : «لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ».
فقلت : منافع الدنيا أو منافع الآخرة ؟
فقال : الْكُلُّ» (3).
266 - قال تعالى: «وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللّه فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ» (28)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الأيام المعلومات : «هي أيام التشريق» (1).
وقيل : «إنّ الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجّة».
267 - قال تعالى: «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفثَهُمْ» (29)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «التَّفَثُ هُوَ الْحَلْقُ وَما فِي جِلْدِ الْإِنْسانِ» (2).
268 - قال تعالى: «وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» (29)
سأل حمّاد الناب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الطواف بالبيت العتيق الذي ورد في الآية، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هُوَ طَوافُ النِّساءِ» (3).
«وَإِنَّما سُمِّيَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ لَأَنَّهُ أَعْتِقَ مِنَ الْغَرَقِ»، كما رواه أبو بصير، عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (4).
269 - قَالَ تَعَالَى: «لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى» (33)
روى أبو الصباح الكناني، عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير قول اللّه تعالى : «لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى». قال : إِنِ احْتاجَ إِلَى ظَهْرِهَا رَكِبَهَا مِنْ غَيْرِ عُنْفِ عَلَيْها، وَإِنْ كانَ لَها لَبَنٌ حَلَبها حِلاباً لَا يُنْهكها» (5).
270 - قال تعالى: «فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّه عَلَيْهَا صَوَافَّ» (36)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «ذلك - أي ذكر اسم اللّه عليها - حينَ تُصَفُ لِلْنَحْرِ تُرْبَطُ يَدَيها ما بَيْنَ الْخُفُّ إِلَى الرُّكْبَةِ، وَوجوبُ جُنوبِها إِذا وَقَعَتْ عَلَى الْأَرْضِ» (1).
271 - قَالَ تَعَالَى: «فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ» (36)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْقانِعُ : الَّذي يَرْضَى بِما أَعْطَيْتَهُ، وَلَا يَسْخَطُ، وَلَا يَكْلَحُ، وَلَا يَلْوِي شِدْقَهُ غَضَباً، وَالْمُعْتَّرُ : الْمارُ بكَ لِتُطْعِمَهُ» (2).
وروى سيف النمّار، قال : «قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِنَّ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدِمَ حاجَّاً فَلَقِيَ أَبِي، فَقالَ : إِنِّي سُقْتُ هَدْياً فَكَيْفَ أَصْنَعُ ؟
قالَ : أَطْعِمْ أَهْلَكَ ثُلُنَا، وَأَطْعِم القانِعَ ثلثاً، وَأَطْعِمُ الْمِسْكِينَ ثلثاً.
قلت : المسكين هو السائل ؟
قالَ : نَعَمْ، وَالْقائِعُ يَقْنَعُ بِما أَرْسَلْتَ إِلَيْهِ مِنَ الْبِضْعَةِ فَمَا فَوْقَهَا، وَالْمُعْتَرُّ يَعْتَرِيكَ لا يَسْأَلُكَ» (3).
272 - قَالَ تَعَالَى: «لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ» (67﴾
روى عبدالرحمن بيّاع الأنماط عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «كَانَتْ قُرَيْش
تُلَطِّخُ الْأَصْنامَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ بِالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ، وَكَانَ يَعْوثُ قُبالَ الْبَابِ، وَيَعوقُ عَنْ يَمِينِ الْكَعْبَةِ، وَكانَ نَسْرٌ عَنْ يَسارها، وكانوا إذا دَخَلُوا خَرُّوا سُجَّداً لِيَغُوثَ، وَلَا يَنْحَنُونَ، ثُمَّ يَسْتديرونَ عَنْ يَسَارِها بحيالِهِمْ إِلى نَسر، ثُمَّ يُلَبُّونَ، فَيَقولونَ: لَبَّيْكَ اللّهمَّ لَبَّيْكَ، لا شريك لك إلا شريك هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَما مَلَك.
قالَ : فَبَعَثَ اللّه ذُباباً أَخْضَرَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ ذلِكَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ شَيْئاً إِلَّا أَكَلَهُ، وَأَنْزَلَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ» (1)» (2).
273 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ» (78﴾
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه التالي :
روى عبد الأعلى مولى آل سام، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : عثرت، فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة، كيف أصنع بالوضوء ؟
قال : يُعْرَفُ هذا وَأَشْبَاهُهُ مِنْ كِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ. قالَ اللّه: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَج» امْسَحْ عَلَيْهِ» (3).
274 - قَالَ تَعَالَى: «وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ» (2)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير اللغو : «أَنْ يَتَقَوَّلَ الرَّجُلُ عَلَيْكَ بِالْبَاطِلِ، أَوْ يَأْتِيكَ بِمَا لَيْسَ فِيكَ فَتُعْرِضَ عَنْهُ لِلّهِ» (1).
275 - قَالَ تَعَالَى: «وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ» (9)
سأل الفضيل بن يسار عن الصلاة التي يحافظ عليها، فأجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : «هِيَ الْفَريضَةُ».
وسأله عن قوله تعالى : «الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ» (2)، فقال : «هِيَ النَّافِلَةُ» (3).
276 - قَالَ تَعَالَى: «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» (60)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير قوله تعالى : «وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ»، «أي خائِفَةٌ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ» (4)، أي ما قدّموه من عمل.
277 - قَالَ تَعَالَى: «رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ» (99﴾ و (100)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه التالي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ مَنَعَ قيراطاً مِنَ الزَّكَاةِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا مُسْلِمٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : «رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ» (1).
278 - قال تعالى: «وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ» (100)
نظرت الآية الكريمة إلى عالم البرزخ. قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «واللّه ما أَخافُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْبَرْزَخَ، وَأَمَا إِذا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْنا فَنَحْنُ أَوْلى بِكُمْ» (2).
279 - قَالَ تَعَالَى: «رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ» (106)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسيرها : «شَقوا - وهم الضالون والمنحرفون عن الحقّ بِأَعْمالِهِمْ» (3).
قال رجل للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا أبا عبد اللّه، إنا خلقنا للعجب.
قال : وَما ذاكَ ؟ لِلَّهِ أَنْتَ.
قال : خلقنا للفناء. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مه يابنَ أَخ، خُلَقْنا لِلْبَقاءِ، وَكَيْفَ تَفْنى جَنَّةٌ لَا تَبِيدُ، وَنارٌ لَا تُخْمَدُ ؟ وَلكِنْ إِنَّمَا نَتَحَوّلُ مِنْ دَارٍ إِلى دارٍ» (4).
280 - قال تعالى: «الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً» (3)
سأل زرارة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : «هُنَّ نِسَاءٌ مَشْهورات، وَرِجالٌ مَشهورونَ بِالزِّنا شهروا بِهِ، وَعُرِفوا بِهِ، وَالنَّاسُ الْيَوْمَ بِذلِكَ الْمَنْزِلِ، فَمَنْ أُقيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا أَوْ مُتَّهَم بِالزِّنَا لَمْ يَنْبَغِ لَأَحَدٍ أَنْ يُناكِحَهُ حَتَّىٰ يُعْرَفَ مِنْهُ التَّوْبَةُ» (1).
281 - قَال تعَالَى:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا» (27)
روى عبد الرحمن بن أبي عبداللّه، عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، تفسير الاستيناس في الآية الكريمة.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الاستيناسُ وَقْعُ النَّعْلِ وَالتَّسْلِيمُ» (2).
282 - قَالَ تَعَالَى: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ» (29﴾
فسّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) البيوت غير المسكونة بقوله : «هِيَ الْحَمامَاتُ وَالْخاناتُ وَالْأَرْحِيَةُ
تَدْخُلُها بِغَيْرِ إِذْنٍ» (1).
283 - قَالَ تَعَالَى: «قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ» (30﴾
استدلّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه التالي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَفَرَضَ - أي اللّه تعالى - عَلَى الْبَصَرِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى مَا حَرَّمَ اللّه عَلَيْهِ، وَأَنْ يُعْرِضَ عَمَّا نَهَى اللّه عَنْهُ ممّا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَهُوَ عَمَلُهُ، وَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ، فَقالَ تَبارَكَ وَتَعَالَى: «قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ»، فَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْظُروا إِلى عَوْرَاتِهِمْ، وَأَنْ يَنْظُرَ الْمَرْءُ إِلَى فَرْجِ أَخِيهِ، وَيَحْفَظَ فَرْجَهُ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِ.
وَقالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِن أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ» (2)مِنْ أَنْ تَنْظُرَ إِحْدَاهُنَّ إِلَى فَرْجِ أَخْتِهَا، وَتَحْفَظَ فَرْجَهَا مِنْ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِ».
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كلّ شَيْءٍ فِي الْقُرآنِ مِنْ حِفْظِ الْفَرْجِ فَهُوَ مِنَ الزَّنا، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةِ، فَهُوَ مِنَ النَّظَرِ» (3).
284 - قال تعالى: «أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ» (31)
أباح القرآن الكريم نظر المرأة إلى ما ملكت أيمانها، وقد فسره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالعبيد والإماء (4).
285 - قال تعالى: «غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ» فسّر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) «أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرَّجَالِ» بالأحمق المولى عليه الذي لا يأتي النساء(1).
286 - قَالَ تَعَالَى: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللّه» (33)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ في تفسير هذه الآية : «تَضَعْ عَنْهُ - أي عن المملوك المكاتب - مِنْ نُجومِهِ الَّتي لَمْ تَكُنْ تُرِيدُ أَنْ تُنْقِصَهُ، وَلَا تَزِيدَ فَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ.)فقلت : كم هو ؟فقال : وَضَعَ أَبو جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ مَمْلُوكٍ أَلفاً مِنْ سِتَّةِ آلافٍ» (2).)287 - قَالَ تَعَالَى: «اللّه نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ» (35)أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ في تفسير هذه الآية ما يلي :)* روى إسحاق بن جرير، قال : «سألتني امرأة أن أدخلها على الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ، فاستأذنت، فأذن لها، فدخلت ومعها مولاة لها، فقالت : يا أبا عبد اللّه، قول اللّه : «زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ» (3)ما عنى بهذا ؟)
فقال لها : أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ، إِنَّ اللّه لَمْ يَضْرِبِ الْأَمْثَالَ لِلشَّجَرِ، إِنَّما ضَرَبَ الْأَمْثَالَ لِبَني آدم» (1.)2 - روى طلحة بن الزبير، عن أبيه، عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ، في تفسير هذه الآية، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نُورُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ» قال : «بَدَأَ بِنورِ نَفْسِهِ.)«مَثَلُ نُورِهِ» مِثْلُ هُداهُ في قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.«كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ» الْمِصْباحُ جَوْفُ الْمُؤْمِنِ، وَالقنديل قَلْبُهُ، وَالْمُصْباحُ النُّورُ الَّذي جَعَلَهُ اللّه في قَلْبِهِ.«يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» الشَّجَرَةُ : الْمُؤْمِنُ.«زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ» عَلى سَوادِ الْجَبَلِ، لَا غَرْبِيَّةُ أَيْ لَا شَرْقَ لَهَا، وَلَا شَرْقِيَّةٌ أَيْ لَا غَرْبَ لَها، إِذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ طَلَعَتْ عَلَيْهَا، وَإِذَا غَرَبَتْ غَرَبَتْ عَلَيْهَا.«يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ» يَكادُ النُّورُ الَّذي في قَلْبِهِ يُضيءُ وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ.«نُورٌ عَلَى نُورٍ» فَريضَةٌ عَلى فَرِيضَةٍ، وَسُنَّةٌ عَلى سُنَّةٍ.«يَهْدِي اللّه لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ» يَهْدِى اللّه لِفَرائِضِهِ وَسُنَنِهِ مَنْ يَشَاءُ.«وَيَضْرِبُ اللّه الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ» فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللّه لِلْمُؤْمِنِ.ثم قال : فَالْمُؤْمِنُ يَتَقَلَّبُ فِى خَمْسَةٍ مِنَ النُّور : مَدْخَلُهُ نُورٌ، وَمَخْرَجُهُ نُورٌ، وَعِلْمُهُ نُورٌ، وَكَلامُهُ نُورٌ، وَمَصِيرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ نُورٌ.قلت لجعفر : إنّهم يقولون مثل نور الربّ ؟
1) فروع الكافي : 5 : 551، الحديث 2.
قال : سُبْحانَ اللّه لَيْسَ لِلَّهِ مَثَلٌ. قالَ اللّه: «فَلَا تَضْرِبُوا اللّه الأَمْثَالَ» (1» (2).)* قال (عَلَيهِ السَّلَامُ في تفسير هذه الآية : «هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللّه لَنا، فَالنبيّ وَالأئمّة صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِمْ مِنْ دلالاتِ اللّه وَآيَاتِهِ الَّتي يُهْتَدى بِها إِلَى التَّوْحِيدِ، وَمَصالح الدِّينِ، وَشَرائِعِ الْإِسْلامِ، وَالسُّنَنِ وَالْفَرائِضِ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» (3).)288 - قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (58)روى زرارة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ في تفسير هذه الآية. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هي - الآية - خاصَّةٌ فِي الرِّجالِ دونَ النِّساءِ.)قلت : فالنساء يستأذن في هذه الثلاث ساعات ؟قال : لَا، وَلكِنْ يَدْخُلْنَ وَيَخْرُجْنَ» (4.)289 - قَالَ تَعَالَى: «أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً» (61)روى زرارة عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ في تفسير هذه الآية، أنّه قال: «هؤلاءِ الَّذِينَ سَمَّى اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، يَأْكُلُ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ مِنَ التَّمْرِ وَالْمَأْدومِ، وَكَذَلِكَ)
تَطْعَمُ الْمَرْأَةُ مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَأَمَّا مَا خَلا ذلِكَ مِنَ الطَّعَامِ فَلَا» (1.)وروى ابن أبي عمير عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ في تفسير الآية، قال : «الرَّجُلُ يَكونُ لَهُ وَكِيلٌ يَقومُ فِي مَالِهِ فَيَأْكُلُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ» (2).)
### سورة الفرقان290 - قَالَ تَعَالَى: «تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ» (1 سئل الإمام أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن القرآن والفرقان هما شيئان أو شيء واحد ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْقُرْآنُ جُمْلَةُ الْكِتابِ، وَالْفُرْقانُ الْمُحْكَمُ الْواجِبُ الْعَمَلُ بِهِ».
291 - قَالَ تَعَالَى: «وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنثُوراً» (23)
سأل سليمان بن خالد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية، فقال : «أَما وَاللّه لَقَدْ كانَتْ أَعْمَالُهُمْ أَشَدَّ بياضاً مِنَ الْقَباطِيِّ، وَلَكِنْ كانوا إذا عُرِضَ عَلَيْهِمْ حَرامٌ لَمْ يَدَعُوهُ» (1).
292 - قَالَ تَعَالَى: «وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّس» (38)
قدمت على الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) امرأتان فسألتاه : هل تجد غشيان المرأة للمرأة محرماً في كتاب اللّه ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هُنَّ اللُّواتِي كُنَّ عَلَى عَهْدِ تُبَّعٍ، وَهُنَّ صَواحِبُ الرَّسُ، وَكُلُّ بِشْرٍ وَنَهْرٍ رَسُ.
يُقطَعُ لَهُنَّ جِلْبَابٌ مِنْ نارٍ، وَدِرْعٌ مِنْ نارٍ، ونطاق مِنْ نَارٍ، وَتَاجٌ مِنْ نارٍ، وَمِنْ فَوْقِ ذلِكَ ثَوْبٌ غَلِيظٌ جافٌ، جاسِفٌ مُنْتِنٌ مِنْ نارٍ.
1) الميزان في تفسير القرآن : 15 : 206.
ثم التفت (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أصحابه، قال : عَلموا هذا نِساءَكُمْ» (1).
ودخلت عليه مجموعة من النسوة، فسألته امرأة منهنّ عن السحق، فقال : حَدُّها حَدُّ الزَّاني.
فقالت المرأة : ما ذكره اللّه في القرآن ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : بلى.
فقالت : وأين هو ؟
قال : هُنَّ الرَّسُ (2).
293 - قال تعالى: «وَكُلَا تَبَرْنَا تَثْبِيراً» (39)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «يعني كَسَّرْنا تَكْسيراً».
ثم قال : «هي لَفْظَةٌ بِالنَّبَطِيَّة» (3).
294 - قَالَ تَعَالَى: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً» (62)
استشهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه التالي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كُلَّما فاتَكَ بِاللَّيْلِ - يعني من الصلاة - فَاقْضِهِ بِالنَّهارِ. قالَ اللّه تَبارَكَ وَتَعالى : «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَن يَذْكُرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً»،
يَعْني يَقْضِي الرَّجُلُ ما فاتَهُ بِاللَّيْلِ بِالنَّهارِ، وَما فاتَهُ بِالنَّهارِ بِاللَّيْلِ» (1).
295 - قَالَ تَعَالَى: «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً» (63)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هُوَ الرَّجُلُ يَمْشِي بِسَجِيَّتِهِ الَّتي جُبِلَ عَلَيْهَا لَا يَتَكَلَّفُ وَلَا يَتَبَخْتَرُ» (2).
296 - قال تعالى: «لَا يَشْهَدُونَ الزُورَ» (72)
فسّر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) «الزور» بالغناء (3).
297 - قَالَ تَعَالَى: «وَالَّذِينَ إِذَا ذَكَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمَاً وَعُمْيَاناً» (73)
سأل أبو بصير الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تفسير هذه الآية، فقال : «مُسْتَبْصرينَ لَيْسوا بِشكَاك» (4).
298 - قال تعالى: «وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً» (74)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِيَّانا عَنى» (5).
299 - قال تعالى: «إِلَّا مَنْ أَتَى اللّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» (89)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير «بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» : «هُوَ الْقَلْبُ الَّذي سَلِمَ مِنْ حُبِّ الدُّنْيا» (1).
300 - قَالَ تَعَالَى: «أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ» (205) – (207)
بيّن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) السبب في نزول هذه الآيات. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «رَأَى رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مَنامِهِ بَني أُمَيَّةَ يَصْعَدُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَيُضِلُّونَ النَّاسَ عَنِ الصِّراطِ الْقَهْقَرى، فَأَصْبَحَ كَثِيباً حَزيناً، فَهَبَطَ عَلَيْهِ جَبْرِيلُ، فَقالَ : يا رَسولَ اللّه، مَا لِي أَرَاكَ كَئِيباً حَزيناً ؟
قالَ : يا جبرئيل، إِنِّي رَأَيْتُ بَني أُمَيَّةَ في لَيْلَتي هذِهِ يَصْعَدُونَ مِنْبَرِي مِنْ بَعْدِي، يُضِلُّونَ النَّاسَ عَنِ الصِّراطِ الْقَهْقَرى.
فَقالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً، إِنِّي ما اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ، فَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمْ يَلْبَتْ أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ بِأَي مِنَ الْقُرْآنِ يُؤْنِسُهُ بِهَا، قَالَ : «أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتِّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ».
وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ
1) تفسير مجمع البيان: 7: 337. الميزان في تفسير القرآن : 15: 293.
مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» (1).
جَعَل اللّه لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِنَبِيِّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خَيْراً مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ» (2).
301 - قَالَ تَعَالَى: «وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ» (5﴾
روى المفضّل بن عمر، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : «إِنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نَظَرَ إِلَى عَلَيَّ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (عَلَيهِم السَّلَامُ) فَبَكَى، وَقالَ : إِنَّهُمُ الْمُسْتَضْعَفُونَ بَعْدِي.
قال المفضّل : فقلت له : ما معنى ذلك ؟
قال : مَعْناهُ إِنَّكُمُ الأئمّة بَعْدِي. إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : «وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ»، فَهَذِهِ الْآيَةُ جَارِيَةٌ فِينَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (1).
302 - قال تعالى: «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى» (14)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير فقرات هذه الآية. قوله : «بَلَغَ أَشُدَّهُ»، قال : «بلغ ثمان عشرة سنة. «وَاسْتَوَى»، أى التحى» (2).
303 - قَالَ تَعَالَى: «وَجَاءَ رَجُلٌ مِن اقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ
إِنَّ الْمَلَا يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ (20)
روی سدير الصيرفي عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان هذه الآية. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ««وَجَاءَ رَجُلٌ مِن اقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأُ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ» مِنْ مِصْرَ بِغَيْرِ ظَهْرٍ، وَلَا دابَّةٍ، وَلَا خادِمٍ، تَخْفِضُهُ أَرْضَ، وَتَرْفَعُهُ أَخْرى، حتّى انْتَهَى إِلَى أَرْضِ مَدْيَنَ، فَانْتَهى إِلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ فَنَزَلَ، فَإِذا تَحْتَهَا بِئرٌ، وَإِذا عِنْدَها أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ يَسْقَونَ، وَإِذا جاريتانِ ضَعِيفَتانِ، وَإِذا مَعَهُما غَنِيمةٌ لَهُما.
قالَ : ما خَطْبُكُما ؟
قالَتا : أَبونا شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَنَحْنُ جَارِيتانِ ضَعِيفَتانِ لَا نَقْدِرُ أَنْ نُزاحِمَ الرِّجالَ، فَإِذا سَقَى النَّاسَ سَفَينا، فَرَحِمَهُما، فَأَخَذَ دَلْوَهُما، فَقالَ لَهُما : قَدِّما غَنَمَكُما فَسَقى لَهُما، ثُمَّ رَجَعَنَا بُكْرَةً قَبْلَ النَّاسِ.
ثُمَّ تَوَلَّىٰ مُوسَىٰ إِلَى الشَّجَرَةِ، فَجَلَسَ تَحْتَهَا، وَقالَ : «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ» (1).
فَرُوِيَ أَنَّهُ قالَ ذلِكَ وَهُوَ مُحْتاجُ إِلى شَقِّ تَمْرَةٍ، فَلَمّا رَجَعَتا إلى أبيهما، قال : ما أَعْجَلَكُما فِي هَذِهِ السَّاعَةِ ؟
قالتا : وَجَدْنا رَجُلاً صالِحاً رَحِمَنَا فَسَقَى لَنا
فَقالَ لإِحْدَاهُما : اذْهَبي فَادْعِيهِ لِي، «فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا» (2).
فَرُوِيَ أَنَّ مُوسى قالَ لَها : وَجِّهِينِي إِلَى الطَّريقِ، وَامْشي خَلْفِي، فَإِنَّا بَنو يَعْقُوبَ لا ننظرُ في أَعْجازِ النِّساء، «فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» (1).
«قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ اتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ» (2).
فَرُوِيَ أَنَّهُ قَضى أَتَمَّهُما لأنَّ الأنبياء لا تَأْخُذُ إِلَّا بِالْفَضْلِ وَالتّمامِ» (3).
304 - قَالَ تَعَالَى: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ» (41)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه التالي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الأئمّة فِي كِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ إِمامانِ. قَالَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا» (4)، لَا بِأَمْرِ النَّاسِ، يُقَدِّمونَ أَمْرَ اللّه قَبْلَ أَمْرِهِمْ، وَحُكْمَ اللّه قَبْلَ حُكْمِهِمْ.
وَقالَ اللّه: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ» يُقَدِّمونَ أَمْرَهُمْ قَبْلَ أَمْرِ اللّه، وَحُكْمَهُمْ قَبْلَ حُكْمِ اللّه، وَيَأْخُذُونَ بِأَهْوانِهِمْ خِلافَ ما في كِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ» (5).
305 - قَالَ تَعَالَى: «كُلُّ شَيْءٍ هَالِك إِلَّا وَجْهَهُ» (88)
أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية الكريمة ما يلى :
قال : كلّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَ طَرِيقَ الحقّ» (1).
فقال : ما يَقولونَ فيهِ ؟
قلت : يقولون : كلّ شيء يهلك إلا وجه اللّه.
فقال : سُبْحانَ اللّه ! لَقَدْ قالوا قَوْلاً عَظيماً، إِنَّما عَنى بِهِ وَجْهَ اللّه الَّذي يُؤْتى مِنْهُ» (2).
306 - قَالَ تَعَالَى: «ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً» (25)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه التالي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان أقسام الكفر : «وَالْوَجْهُ الْخامِسُ مِنَ الْكُفْرِ : كُفْرُ الْبَرَاءَةِ، قَالَ تَعَالَى: «وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِن دُونِ اللّه أَوْثَانَاً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً» (1)، يَعْنِي يَتَبَرأُ بَعْضُكُمْ مِنْ * بَعْض» (2).
307 - قَالَ تَعَالَى: «يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ» (56)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «إِذا عُصِيَ اللّه في أَرْضِ أَنْتَ بِهَا فَاخْرُجْ مِنْها إلى غَيْرِها» (3).
308 - قال تعالى: «فِطْرَةَ اللّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» (30﴾
أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان معنى الآية الكريمة ما يلي
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان فطرة اللّه التي فطر الناس عليها : «هِيَ التَّوْحِيدُ» (1).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ النّاسَ كُلَّهُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتي فَطَرَهُمْ عَلَيْها، لَا يَعْرِفُونَ إِيمَاناً بِشَرِيعَةٍ وَلَا كُفْراً بِجُحودٍ، ثُمَّ بَعَثَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ الرُّسُلَ يَدْعونَ الْعِبادَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللّه، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَهْدِهِ» (2).
309 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَا آتَيْتُم مِن رِياً لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللّه» (39﴾
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الرّبا رباء انِ : رِبا يُؤْكَلُ وَرِبا لَا يُؤْكَلُ.
فَأَمَّا الَّذِي يُؤْكَلُ فَهَدِيَّتُكَ إِلَى الرَّجُلِ تَطْلُبُ مِنْهُ الثَّوابَ أَفْضَلَ مِنْهَا، فَذلِكَ الرّبا الَّذي يُؤكَلُ، وَهُوَ قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «وَمَا آتَيْتُم مِن رِباً لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللّه». وَأَمَّا الَّذِي لَا يُؤْكَلُ، فَهُوَ الَّذِي نَهَى اللّه وَأَوْعَدَ عَلَيْهِ النَّارَ» (3).
310 - قال تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللّه» (6﴾
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير «لَهْوَ الْحَدِيثِ» : «هُوَ الطَّعْنُ فِي الحقّ وَالاسْتِهْزاءِ بِهِ» (1).
311 - قَالَ تَعَالَى: «وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ» (14﴾
وعني الإسلام عناية بالغة بالأبوين، واعتبر عقوقهما من كبائر الذنوب.
يقول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّ مِنَ الْكَبَائِرِ عُقوقَ الْوالِدَينِ» (2).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): جاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقالَ : يَا رَسولَ اللّه، مَنْ أَبُرُ ؟
قالَ : أُمَّكَ.
قالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : أُمَّك.
قالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قالَ : أُمَّكَ.
قالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قالَ : أَباكَ» (3).
312 - قال تعالى: «يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ» (17)
الصلاة من أهم العبادات في الإسلام، وقد شرّف بها الإنسان؛ إذ يقف بين يدي الخالق العظيم ويمثل، وهي من ألطاف اللّه على عباده حيث كرمهم بالمثول أمامه.
وقد سئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أفضل ما يتقرب به العباد إلى ربهم، وأحبّ ذلك إلى اللّه عز وجل، فقال : «ما أَعْلَمُ شَيْئاً بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ - أي معرفة اللّه تعالى - أَفْضَلَ مِنْ هذِهِ الصَّلاةِ» (1).
313 - قال تعالى: «وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ» (18)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية : ـأي لَا تُمِلْ وَجْهَكَ مِنَ النَّاسِ تَكَبَّراً، وَلَا تُعْرِضْ عَمَّنْ يُكَلِّمُكَ اسْتِخْفافاً بِهِ» (2).
314 - قال تعالى: «إِنَّ اللّه عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» (34)
روى أبو أسامة عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَمْسَةٍ لَمْ يُطْلِعِ اللّه عَلَيْهَا أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ ؟
قلت : بلی.
قال : «إِنَّ اللّه عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ»» (3).
315 - قال تعالى : «قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ» (11)
سئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الجمع بين هذه الآيات الكريمة، وهي : «اللّه يَتَوَفَّى الأنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا» (1).
وعن قول اللّه عزّ وجلّ : «قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ».
وعن قول اللّه عزّ وجل : «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ» (2).
«الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ» (3).
وعن قول اللّه عزّ وجلّ : «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا» (4).
وعن قوله عزّ وجلّ : «وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ» (5)، وقد يموت في الدنيا في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلا اللّه عزّ وجلّ، فكيف هذا ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ اللّه تَبارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَعْوَانَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَقْبِضُونَ
الْأَرْواحَ، بِمَنْزِلَةِ صاحِبِ الشَّرَطَةِ لَهُ أَعْوانٌ مِنَ الْإِنْسِ يَبْعَثُهُمْ فِي حَوائِجِهِ، فَيَتَوفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ، وَيَتَوفَّاهُمْ مَلَك الْمَوْتِ مِنَ الْمَلائِكَةِ مَعَ ما يَقْبِضُ هُوَ، وَيَتَوفَّاهُمُ اللّه تعالى مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ» (1).
1) من لا يحضره الفقيه : 1 : 136، الحديث 368.
316 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ» (4﴾
روى جميل عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) اله الا السبب في نزول هذه الآية.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «كانَ سَبَبُ ذلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لَمَا تَزَوَّجَ خَديجَةَ بِنْتَ خُويلِدٍ، خَرَجَ إِلى سُوقِ عُكاظ في تِجارَةٍ، وَرَأى زَيْداً يُباعُ، وَراهُ غُلاماً كَيْساً حَصيناً، فَاشْتَراهُ، فَلَمّا نبيَّ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دَعاهُ إِلَى الْإِسْلامِ فَأَسْلَمَ، وَكَانَ يُدْعَى زَيدٌ مَوْلَىٰ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَلَامًا بَلَغَ حارِثَةَ بْنَ شَراحِيلَ الْكَلْبِي خَبَرُ وَلَدِهِ زَيدٍ قَدِمَ مَكَّةَ، وَكانَ رَجُلاً جَليلاً، فأتى أَبا طالِبٍ، فَقالَ : يا أبا طالب، إِنَّ ابْنِي وَقَعَ عَلَيْهِ السَّبْيُّ، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ صَارَ إِلَى ابْنِ أَخِيكَ تَسْأَلُهُ إِمَّا أَنْ يَبِيْعَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُفادِيهِ، وَإِمَا أَنْ يُعْتِقَهُ.
فَكَلَّمَ أبو طالب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): هُوَ حُرّ، فَلْيَذْهَبْ حَيْثُ شاءَ.
فَقامَ حَارِثَةُ، فَأَخَذَ بِيَدِ زَيدٍ فَقالَ لَهُ : يَا بُنَيَّ، الحقّ بِشَرَفِكَ وَحَسَبِكَ.
فَقالَ زَيدٌ : لَسْتُ أَفَارِقُ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
فَقالَ لَهُ أَبوهُ : فَتَدَعْ حَسَبَكَ وَنَسَبَكَ وَتَكونُ عَبْداً لِقُرَيْشٍ ؟
فَقالَ زَيدٌ : لَسْتُ أفارقُ رَسول اللّه ما دُمْتُ حَيّاً. فَغَضِبَ أَبوهُ، فَقالَ : يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ بَرِئْتُ مِنْهُ، وَلَيْسَ هُوَ ابْنِي.
فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): اشْهَدُوا أَنَّ زَيداً ابْني، أَرِتُهُ وَيَرِثُنِي، فَكَانَ يُدعى زَيدُ بْنُ
محمّد، وَكانَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يُحِبُّهُ، وَسَمَاهُ زَيدَ الْحِبِّ.
فَلَمّا هَاجَرَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إِلَى الْمَدِينَةِ زَوَّجَهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ.
وَأَبْطَأَ عَنْهُ يَوْماً، فَأَتى رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مَنْزِلَهُ يَسْأَلُ عَنْهُ، فَإِذا زَيْنَبُ جَالِسَةً وَسَطَ حُجْرَتِها تَسْحَقُ طِيباً بِفِهْرِ لَهَا، فَدَفَعَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الْبَابَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا، وَكَانَتْ جَمِيلَةٌ حَسَنَةٌ، فَقالَ : سُبْحانَ اللّه رَبِّ الْعالَمينَ، وَتَبَارَكَ اللّه أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
ثُمَّ رَجَعَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إِلى مَنْزِلِهِ وَوَقَعَتْ زَيْنبُ فِي قَلْبِهِ مَوْقِعاً.
وَجاءَ زَيْدٌ إِلَى مَنْزِلِهِ فَأَخْبَرَتْهُ زَينبُ بِما قالَ رَسولُ اللّه.
فَقالَ لَها زَيدٌ : هَلْ لَكِ أَنْ أَطَلْقَكِ حتّى يَتَزَوَّجَ بِكِ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟
فَقَالَتْ: أَخْشَى أَنْ تُطَلَّقَني وَلَا يَتَزَوَّجَنِي رَسولُ اللّه.
فَجاءَ زَيدٌ إِلى رَسولِ اللّه، فَقالَ : بِأَبي أَنْتَ وَأمّي يا رَسُولَ اللّه، أَخْبَرَتْني زَيْنَبُ بِكَذا وَكَذَا، فَهَلْ لَكَ أَن أَطَلْقَها حتّى تَتَزَوَّجَها ؟
فَقالَ لَهُ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَا، اذْهَبْ وَاتَّقِ اللّه، وَأَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ.
ثُمَّ حَكَى اللّه، فَقالَ : «أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللّه وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّه مِبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللّه أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللّه مَفْعُولاً» (1)، فَزَوْجَهُ اللّه مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ.
فَقالَ الْمُنافِقُونَ: يُحَرِّمُ عَلَيْنَا نِساءَ أَبْنائِنَا وَيَتَزَوَّجُ امْرَأَةَ ابْنِهِ زَيدِ، فَأَنْزَلَ اللّه: «وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللّه يَقُولُ الحقّ وَهُوَ يَهْدِي
1) الأحزاب 33 : 37.
السَّبِيلَ» (1).
317 - قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النبيّ قُل لِأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرَّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً» (28)
كان سبب نزول هذه الآية وما بعدها، أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما رجع من غزوة خيبر وأصاب كنز آل أبي الحقيق قلن أزواجه : أعطنا ما أصبت.
فقال لهنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قَسَمْتُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلى ما أَمَرَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، فغضين من ذلك
يقول الإمام الصادق : «إِنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ قَالَتْ : يَرَى رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إِن خَلَىٰ سَبِيلَنا أَنْ لَا نَجِدَ زَوْجاً غَيْرَهُ، وَقَدْ كانَ اعْتَزَلَ نِسَاءَهُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمًا قالَتْ زَيْنَبُ الَّذي قالَتْ بَعَثَ اللّه جَبْرَئِيلَ إِلى محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقالَ : «قُل لِأَزْوَاجِكَ» الآيتين.
فَقُلْنَ : بَلْ نَخْتارُ اللّه وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ» (2).
318 - قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّه ذِكْرًا كَثِيراً» (41)
روى ابن القداح عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنّه قال : «ما مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَلَهُ حَدٌ ينتهي إِلَيْهِ، إِلَّا الذَّكَرُ، فَلَيْسَ لَهُ حَدٌ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، فَرَضَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ الْفَرَائِضَ، فَمَنْ أَدَاهُنَّ فَهُوَ حَدُهُنَّ، وَشَهْرُ رَمَضانَ، فَمَنْ صَامَهُ فَهُوَ حَدُّهُ، وَالْحَجُ، فَمَنْ حَج فَهُوَ حَدُهُ،
إِلَّا الذَّكرُ، فَإِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَرْضَ مِنْهُ بِالْقَلِيلِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَداً يَنْتَهِي إِلَيْهِ، ثم تلا : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّه ذِكْرًا كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً» (1).
فقال : لَمْ يَجْعَلِ اللّه لَهُ حَدّاً».
قال : «وَكانَ أَبي كَثيرَ الذَّكرِ، لَقَدْ كُنْتُ أَمْشي مَعَهُ وَأَنَّهُ لَيَذكُرُ اللّه، وَاَكِلُ مَعَهُ الطَّعامَ وَأَنَّهُ لَيذكُرُ اللّه، وَلَقَدْ كانَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ ما يَشْغَلُهُ ذلِكَ عَنْ ذِكْرِ اللّه، وَكُنْتُ أَرى لِسَانَهُ لازقاً بِحَنْكِهِ يَقولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه.
وَكانَ يَجْمَعُنَا فَيَأْمُرُنَا بِالذِّكرِ حتّى تَطْلُعَ الشَّمْسِ، وَيَأْمُرُ بِالْقِرَاءَةِ مَنْ كَانَ يَقْرَأْ مِنَا، وَمَنْ كانَ لَا يَقْرَأُ مِنَا أَمَرَهُ بِالذَّكرِ
وَالْبَيْتُ الَّذي يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرآنُ، وَيُذكَرُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ تَكْثُرُ بَرَكتُهُ، وَتَحْضُرُهُ الْمَلائِكَةُ، وَتَهْجُرُهُ الشَّيَاطِينُ، وَيُضيءُ لَأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا يُضِيءُ الْكَوْكَبُ لَأَهْلِ الْأَرْضِ.
وَالْبَيْتُ الَّذِي لَا يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرآنُ وَلَا يُذكَرُ فيهِ اللّه تَقِلُّ بَرَكَتُهُ، وَتَهْجُرُهُ الْمَلائِكَةُ، وَتَحْضُرُهُ الشَّياطين.
وَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَلا أَخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمالِكُمْ، وَأَرْفَعِها في دَرَجاتِكُمْ، وَأَزْكاها عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَخَيرٍ لَكُمْ مِنَ الدِّينارِ وَالدَّرْهَم، وَخَير لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقُوا عَدُوَّكُمْ فَتَقْتُلُوهُمْ وَيَقْتُلُوكُمْ.
فقالوا : بلى.
قالَ : ذِكْرُ اللّه كَثيراً.
ثم قال : جاءَ رَجُلٌ إِلى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقالَ : مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ ؟
1) الأحزاب 33 : 41 و 42.
فَقالَ : أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ذِكْراً.
وَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مَنْ أَعْطِيَ لِساناً ذاكِراً فَقَدْ أَعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» (1).
1) الميزان في تفسير القرآن : 16 : 330 و 331.
319 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ» (10﴾
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له يذكر فيه قصة داود : «إِنَّهُ خَرَجَ يَقْرَأُ الزَّبورَ، وَكَانَ إِذا قَرَأَ الزَّبورَ لَا يَبْقَى جَبَلْ وَلَا حَجَرٌ وَلَا طَائِرٌ إِلَّا أَجابَهُ» (1).
320 - قال تعالى: «فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ» (16)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سَيْلَ الْعَرِمِ» : هُوَ اسْمُ الْجُرْةِ الَّذي ثَقَبَ السَّدَّ» (2)
321 - قَالَ تَعَالَى: «فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ» (19)
روی سدیر، قال : «سأل رجل أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّ وجلّ : «فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ» الآية.
فقال : هؤلاءِ قَوْمٌ كَانَتْ لَهُمْ قُرى مُتَّصِلَةٌ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَأَنْهَارٌ جَارِيَةً، وَأَمْوالٌ ظَاهِرَةٌ، فَكَفَرُوا بِأَنْهُم اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَغَيَّروا ما بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ عَافِيَةِ اللّه، فَغَيْرَ اللّه ما بِهِمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَاللّه لَا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حتّى يُغَيِّروا ما بِأَنْفُسِهِمْ، فَأَرْسَلَ اللّه عَلَيْهِمْ سَيْلَ
الْعَرِمِ فَفَرَّقَ قُراهُمْ، وَخَرَّبَ ديارَهُمْ، وَذَهَبَ بِأَمْوَالِهِمْ، وَأَبْدَلَهُمْ مَكانَ جِنانِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُل خَمْطٍ وَأَثْلِ وَشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ» (1).
ثُمَّ قالَ : «ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ» (2)» (3).
322 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى» (37)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه التالي :
«ذكر رجل عنده الأغنياء ونال منهم، فقال له : اسْكُتْ، فَإِنَّ الْغَنِيَّ إِذا كَانَ وَصولاً لِرَحِمِهِ، باراً بِإخْوَانِهِ، أَضْعَفَ اللّه لَهُ الْأَجْرَ ضِعْفَينِ، لأَنَّ اللّه تَعَالَى يَقولُ : «وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلاَدُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ»» (4).
323 - قَالَ تَعَالَى: «وَاللّه الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابِاً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ» (9)
روى جميل بن درّاج، عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «إِذا أَرادَ اللّه أَنْ يَبْعَثَ الْخَلْقَ أَمْطَرَ السَّماءَ عَلَى الْأَرْضِ أَرْبَعينَ صَباحاً، فَاجْتَمَعَتِ الْأَوصالُ، وَنَبْتَتِ اللحوم» (1).
وهذه الرواية توضح كيفية النشور الذي جاء في الآية الكريمة.
324 - قَالَ تَعَالَى: «فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ ِلنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ» (32)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «الظَّالِمُ يَحومُ حَوْمَ نَفْسِهِ، وَالْمُقْتَصِدُ يَحومُ حَوْمَ قَلْبِهِ، وَالسّابِقُ بِالْخَيْراتِ يَحومُ حَوْمَ رَبِّهِ» (2).
وأوضح السيّد الطباطبائي معنى هذا الحديث بقوله : «الحوم والحومان الدوران، و دوران الظالم لنفسه حوم نفسه اتباعه أهواءها، وسعيه في تحصيل ما يرضيها،
ودوران المقتصد حوم قلبه اشتغاله بما يزكّي قلبه ويطهره بالزهد والتعبد، ودوران السابق بالخيرات حوم ربّه إخلاصه له تعالى، فيذكره وينسى غيره، فلا يرجو إلّا إيّاه، ولا يقصد إلّا إيّاه» (1).
325 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ» (45)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية الكريمة : «اتَّقوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مِنَ الذُّنوبِ، وَمَا خَلْفَكُمْ مِنَ الْعُقوبَةِ» (2).
326 - قال تعالى: «قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» (78)
روى الحلبي عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذا السبب في نزول هذه الآية.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جاءَ أبيُّ بْنُ خَلَفٍ فَأَخَذَ عَظْماً بالياً مِنْ حَائِطٍ، فَفَتَّهُ، ثُمَّ قَالَ : إِذا كُنا عِظاماً وَرُفاتاً إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً ؟
فَأَنْزَلَ اللّه تَعَالَى: «قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» (3)» (4).
وأوضح الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له مع من سأله عن كيفيّة النشور بعد تلاشى الأبدان، وهذه صورة السؤال :
أتتلاشى الروح بعد خروجها عن قالب البدن أم هي باقية ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «بَلْ هِيَ باقيةٌ إلى وَقْتِ يُنْفَخُ فى الصُّورِ، فَعِنْدَ ذلِكَ تَبْطُلُ الأَشياء وَتَفْنى، فَلاحِسٌ، وَلَا مَحْسوس، ثُمَّ أعيدَتِ الأَشْياءُ كَما بَدَأَها مُدَبِّرُها، وَذلِكَ أَرْبَعْمِائَةُ سَنَةٍ يَسْبُتُ فيها الْخَلْقُ، وَذَلِكَ بَيْنَ النَّفْخَتَينِ.
قال : وأنّى له بالبعث والبدن قد بُلي، والأعضاء قد تفرّقت، فعضو ببلدة تأكله سباعها، وعضو بأخرى تمزقه هوامها، وعضو قد صار تراباً يبنى به مع الطين في حائط ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ الَّذِي أَنْشَأَهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، وَصَوَّرَهُ عَلَى غَيْرِ مِثالٍ كَانَ سَبَقَ إِلَيْهِ، قادِرٌ أَنْ يُعيدَهُ كَما بَدَأَهُ.
قال : أوضح لي ذلك.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ الرُّوحَ مُقِيمَةٌ في مَكانِها، رُوحُ الْمُحْسِنِ في ضياءٍ وَفُسْحَةٍ، وَرُوحُ الْمُسيءِ في ضيقٍ وَظُلْمَةٍ، وَالْبَدَنُ يَصيرُ تُراباً كَما مِنْهُ خُلِقَ، وَما تَقْذِفُ بِهِ السِّباعُ وَالْهَوامُ مِنْ أَجْوافِها، فَما أَكَلَتْهُ وَمَزَّقَتْهُ كلّ ذلِكَ فِي التُّرابِ مَحْفُوظٌ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْزِبُ عَنْهُ مِثقَالُ ذَرَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، وَيَعْلَمُ عَدَدَ الْأَشْياءِ وَوَزْنَهَا، وَإِنَّ تُرابَ الرُّوحَانِيِّينَ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ فِي التُّرابِ. فَإِذا كانَ حِينَ الْبَعْثِ مُطِرَتِ الْأَرْضُ مَطَرَ النُّشورِ، فَتَرْبو الْأَرْضُ ثُمَّ تَمَخَّضُ مَخْضَ السِّقاءِ، فَيَصيرُ تُرابَ النَّشْرِ كَمَصِيرِ الذَّهَبِ مِنَ التُّرابِ إِذا غُسِلَ بِالْمَاءِ، وَالزَّبَدِ مِنَ اللَّبَنِ إِذا مُحْضَ، فَيَجْتَمِعُ تُرابُ كلّ قَالَبٍ إِلى قالَبِهِ، فَيَنْتَقِلُ بِإِذْنِ اللّه الْقادِرِ إِلى حَيْثُ الرُّوحُ، فَتَعودُ الصُّوَرُ بِإِذْنِ الْمُصَوِّرِ كَهَيْتَتِها، وَتَلِجُ الرُّوحُ فيها، فَإِذا قَدِ اسْتَوى لَا يُنْكِرُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً» (1).
1) الاحتجاج : 2 : 98. بحار الأنوار: 7: 37، الحديث 5.
327 - قال تعالى: «فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ» (141)
المساهمة : المقارعة، وقد استشهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما تَقارَعَ قَوْمٌ فَفَوَّضوا أَمْرَهُمْ إِلى اللّه عَزَّ وَجَلَّ، إِلَّا خَرَجَ سَهُمُ الْحَقِّ.
وقال : أَيُّ قَضِيَّةٍ أَعْدَلُ مِنَ الْقُرْعَةِ إِذا فُوَّضَ الْأَمْرُ إِلى اللّه، أَلَيْسَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : «فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ»» (1).
1) من لا يحضره الفقيه : 3: 92، الحدیث 3390 و 3391.
328 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ» (39)
روی عبد اللّه بن سنان، عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنه قال : «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إذا نُشِرَتِ الدَّواوِينُ، وَنُصِبَتِ الْمَوَازِينُ، لَمْ يُنْصَبْ ِلأَهْلِ الْبَلاءِ مِيزانٌ، وَلَمْ يُنْشَرْ لَهُمْ ديوان، ثم تلا هذه الآية : «إِنَّمَا یُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ»» (1).
329 - قَالَ تَعَالَى: «وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا» (17)
روى أبو بصير عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنّه قال له في تفسير هذه الآية : «أَنتُمْ هُمْ - يعني الذين اجتنبتم عبادة الطاغوت - وَمَنْ أَطاعَ جَبَاراً فَقَدْ عَبَدَهُ» (2).
330 - قَالَ تَعَالَى: «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ» (65﴾
قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي خطابٌ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَلكِنَّ الْمَعْني بها أمَّتُهُ» (3).
331 - قال تعالى: «يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ» (19)
روى عبدالرحمن بن سلمة الحريري، قال : سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عز وجل : «يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ».
فقال : أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى الشَّيْءِ وَكَأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ، فَذلِكَ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» (1).
332 - قَالَ تَعَالَى: «فَوَقَاهُ اللّه سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا» (45)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «أما لَقَدْ سَطُوا عَلَيْهِ، وَلكِنْ أَتَدْرُونَ ما وَقاهُ ؟ وَقَاهُ أَنْ يَفْتِنوهُ في دِينِهِ» (2).
يعني أنّ الذي منعهم من قتل موسى أنّهم حاولوا أن يجروه إلى دينهم، ويصرفونه عن دين التوحيد.
333 - قَالَ تَعَالَى: «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً» (46)
قال رجل لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما تقول في قول اللّه عزّ وجل : «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِياً» ؟
فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما يَقولُ النّاسُ ؟
فقال : يقولون : إنّها في نار الخلد وهم لا يعذبون فيما بين ذلك.
فقال : فَهُمُ السعداء.
فقال له : جعلت فداك، فكيف هذا ؟
فقال : إِنَّما هذا في الدُّنْيا، فَأَما في دارِ الْخُلْدِ فَهُوَ قَوْلُهُ : «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ» (1)» (2).
334 - قَالَ تَعَالَى: «وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَتُم بِرَبِّكُمْ» (23)
روى عبدالرحمن بن الحجاج عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَظُنُّ بِاللّه عَزَّ وَجَلَّ خَيْراً إِلَّا كَانَ عِنْدَ ظَنَّهِ بِهِ، وَذلِكَ قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ : «وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُم بِرَبِّكُمْ»» (1).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِن أَنْ يَخَافَ اللّه خَوْفاً كَأَنَّهُ يُشْرِفُ عَلَى النَّارِ، وَيَرْجُوهُ رَجاءَ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. إِنَّ اللّه تَعَالَى يَقولُ : «وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُم بِرَبِّكُمْ» إِنَّ اللّه عِنْدَ ظَنْ عَبْدِهِ إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرّاً فَشَرٌّ» (2).
335 - قَالَ تَعَالَى: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ» (53)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية، قال : «خَسْفُ وَمَسْخٌ وَقَدْفٌ» (3).
هذه هي الآيات التي يريها اللّه تعالى لعباده.
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية : «يُرِيهُمْ في أَنفُسِهِمُ الْمَسْخَ، وَيُرِيهُمْ فِي الْآفَاقِ انْتِقاض الْآفَاقِ عَلَيْهِمْ، فَيَرَوْنَ قُدْرَةَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي الْآفَاقِ.
فقيل له : «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ».
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): خُروجُ الْقائِمِ هُوَ الحقّ عِنْدَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَراهُ الْخَلْقُ» (1).
1) روضة الكافي : 8 : 381، الحديث 575.
336 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللّه إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجابٍ» (51)
عرضت الآية الكريمة إلى نزول الوحي على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعض الأحاديث في ذلك، وهي :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ذلِك إِذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللّه أَحَدٌ، ذاكَ إِذا تَجَلَّى اللّه لَهُ.
ثمّ قال : تِلْكَ النُّبوَّةُ يا زرارَةُ» (1).
روى ابن أبي عمير عن عمرو بن جميع، عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «كانَ جَبرئِيلُ إِذا أَتَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ قِعْدَةَ الْعَبْدِ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ حتّى يَسْتَأْذِنَهُ» (2).
روی هشام بن سالم عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «قال بعض أصحابنا : أصلحك اللّه، كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : قالَ جَبْرَئِيل، وهذا جَبْرَئِيل يأمرني، ثم يكون في حال أخرى يغمى عليه.
فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا كانَ الْوَحْيُ مِنَ اللّه إِلَيْهِ لَيْسَ بَيْنَهُما جَبرئيلُ أَصابَهُ ذَلِكَ لِثِقْلِ الْوَحِي مِنَ اللّه، وَإِذا كانَ بَيْنَهُما جَبْرَئِيلُ لَمْ يُصِبْهُ ذلِكَ، فَقَالَ : قَالَ لي جَبْرَئِيلُ، وهذا جَبرَئيلُ» (1).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه اتَّخَذَ عَبْداً رَسُولاً أَنْزَلَ عَلَيْهِ السَّكِينَةَ وَالْوَقارَ، فَكَانَ يَأْتِيهِ مِنْ قِبَلِ اللّه مِثْلُ الَّذي يَراهُ بِعَيْنِهِ» (2).
337 - قَالَ تَعَالَى: «فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ» (55)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «إِنَّ اللّه تعالى لا يَأْسَفُ كَأسَفِنا، وَلكِنَّهُ خَلَقَ أَوْلياءَ لنَفْسِهِ يَأْسَفونَ وَيَرضُونَ، وَهُمْ مَخْلُوقونَ مُدبرون، فَجَعَلَ رِضاهُمْ لِنَفْسِهِ رِضى، وَسَخَطَهُمْ لِنَفْسِهِ سَخَطَاً، وَذلِكَ لأَنَّهُ جَعَلَهُمُ الدُّعاةَ إِلَيْهِ، وَالْأَدِلَاءَ عَلَيْهِ، فَلِذلِكَ صاروا كَذلِكَ، وَلَيْسَ أَنَّ ذلِكَ يَصِلُ إِلَى اللّه كَما يَصِلُ إِلى خَلْقِهِ، وَلكِن هذا معنى مَنْ قالَ ذلِكَ، وَقَدْ قَالَ : مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيَا فَقَدْ بِارَزَنِي بِالْمُحارَبَةِ وَدَعَانِي إِلَيْهَا.
وَقالَ أَيْضاً : «مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه» (1).
وَقالَ أَيْضاً : «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللّه» (2)، وَكُلُّ هذا وَشِبْهُهُ ما ذَكَرتُ لَكَ، وَهكذا الرّضا وَالْغَضَبُ وَغَيْرُها مِنَ الْأَشْياءِ ممّا يُشاكِلُ ذلِك.
وَلَوْ كانَ يَصِلُ إِلَى الْمُكَوِّنِ الأَسَفُ وَالضَّجَرُ، وَهُوَ الَّذِي أَحْدَثَهُما وَأَنْشَأَهُما، لَجَازَ لِقائِلٍ أَنْ يَقول : إِنَّ الْمُكَوِّنَ يَبيدُ يَوْماً، لأَنَّهُ إِذا دَخَلَهُ الشَّجَرُ وَالْغَضَبُ دَخَلَهُ التغيير، فَإِذا دَخَلَهُ التَّغْسِيرُ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ الْإِبَادَةُ، وَلَوْ كانَ ذلِكَ كَذلِكَ لَمْ يُعْرَفَ الْمُكَونِ مِنَ الْمُكَوِّنِ، وَلَا الْقادِرُ مِنَ الْمَقْدورِ، وَلَا الْخالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقينَ، تَعالَى اللّه عَنْ هذَا الْقَوْلِ عُلُوّاً كبيراً.
هو الخالق للأشياء لا لحاجة إليه، فإذا كان لا لحاجة استحال الحد والكيف» (1).
338 - قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلهُ وَفِي الْأَرْضِ إِله» (84)
روى هشام بن الحكم، قال : «قال أبو شاكر الديصاني : إن في القرآن آية.
قال هشام : وما هي ؟
قال : قوله تعالى : «وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلهَ وَفِي الْأَرْضِ إِلهُ».
قال هشام : فلم أدر بما أجيبه، فحججت، وأخبرت الإمام أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمقالته.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذا كَلامُ زِنْدِيقٍ خَبِيثٍ، إِذا رَجَعْتَ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ : مَا اسْمُكَ بِالْكُوفَةِ ؟ فَإِنَّهُ يَقولُ : فُلانٌ.
فَقُلْ : ما اسْمُكَ بِالْبَصْرَةِ ؟ فَإِنَّهُ يَقولُ : فُلانٌ، فَقُلْ كَذلِكَ اللّه رَبُّنَا، فِي السَّمَاءِ إِلهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلهُ، وَفِي الْبِحارِ إِلهُ وَفِي الْقِفَارِ إِلهُ، وَفِي كلّ مَكَانٍ إِلهُ.
قال هشام : فقدمت إلى الكوفة وأتيت إلى أبي شاكر، فأخبرته، فقال : هذه نقلت من الحجاز» (2).
339 - قال تعالى: «أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمَ تُبَّع» (37)
تبع كان رجلاً صالحاً بشر بالنبيّ العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّ تُبعاً قالَ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَج : كونوا هاهنا حتّى يَخْرُجَ هذَا النَّبيُّ، أَمَّا أَنا فَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَخَدَمْتُهُ وَخَرَجْتُ مَعَهُ» (3).
340 - قَالَ تَعَالَى: «ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللّه وَكَرِهُوا رضْوَانَهُ» (28)
روی محمّد بن عمارة، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقلت له : يابن رسول اللّه أخبرني عن اللّه عزّ وجلّ، هل رضي وسخط ؟
قال : نَعَمْ، وَلَيْسَ ذلِكَ عَلى ما يُوجَدُ مِنَ الْمَخْلُوقينَ، وَلكِنَّ غَضَبَ اللّه عِقابُهُ، وَرِضاهُ ثَوابه» (1).
1) التوحيد : 170، الحديث 4.
341 - قال تعالى: «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» (1)
روى ابن سنان عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذا السبب في نزول هذه الآية، وهذا الفتح العظيم : «إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ رَسولَهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في النَّوْمِ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ، وَيَطوفَ، وَيَخْلُقَ مَعَ الْمُحَلِّقِينَ، فَأَخْبَرَ أَصْحابَهُ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُروج، فَخَرَجوا.
فَلَمّا نَزَلَ ذَا الْحُليفةِ أَحْرَموا بِالْعُمْرَةِ، وَساقوا البُدْنَ، وَسَاقَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سِتّاً وَسِتِّينَ بَدَنَةٌ، وَأَحْرَموا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ مُلَيِّينَ بِالْعُمْرَةِ، وَقَدْ سَاقَ مَنْ ساقَ مِنْهُمُ الْهَدْيَ مُشْعَرَاتٍ مُجَلَّلاتِ.
فَلَمّا بَلَغَ قُرَيْشاً بَعَثوا خالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي مِانَتِي فارِسٍ كَمِيناً يَسْتَقْبِلُ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَكانَ يُعارِضُهُ عَلَى الْجِبال، فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الطَّرِيقِ حَضَرَتْهُ صَلاةُ الظُّهْرِ، فَأَذَّنَ بِلال، فَصَلَّى رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِالنَّاسِ.
فَقالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ : لَوْ كُنَا هَجَمْنا عَلَيْهِمْ وَهُمْ في الصَّلاةِ لأَصَبْناهُمْ، لأَنَّهُمْ لَا يَقْطَعُونَ صَلاتَهُمْ، وَلكِنْ تَجِيءُ لَهُمْ صَلاةٌ أُخْرى أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ ضِياءِ أَبْصَارِهِمْ، فَإِذا دَخَلُوا فِي الصَّلَاةِ أَغَرْنَا عَلَيْهِمْ.
فَنَزَلَ جَبرئيلُ عَلَى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِصَلَاةِ الْخَوْفِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : «وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ» (1).
1) النساء 4: 102.
فَلَمّا كانَ فِي الْيَوْم الثاني نَزَلَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الْحُدَيبِيةَ، وَكانَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَسْتَنْفِرُ الأَعْراب فى طَريقِهِ، فَلَمْ يَتَّبِعْهُ أَحَدٌ، ويقولونَ: أَيَطْمَعُ محمّد وَأَصْحابُهُ أَنْ يَدْخُلوا الْحَرَمَ، وَقَدْ غَزَتْهُمْ قُرَيْضٌ فِي عُقْرِ ديارِهِمْ فَقَتَلُوهُمْ، إِنَّهُ لَا يَرْجِعُ محمّد وَأَصْحابُهُ إلَى الْمَدِينَةِ» (1).
342 - قَالَ تَعَالَى: «لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوْا» (25)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «لَوْ أَخْرَجَ اللّه ما في أَصْلَابِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَمَا فِي أَصْلابِ الْكَافِرِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا» (2).
343 - قال تعالى: «وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى» (26)
سئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المراد من «كَلِمَةَ التَّقْوَى»، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هي الإيمان» (3).
344 - قَالَ تَعَالَى: «وَالذَّارِيَاتِ ذَرُواً * فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً * فَالْجَارِيَاتِ یُسراً» (1) – (3)
روی جميل عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآيات.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ ابْنَ الْكَوَا سَأَلَ الْإِمَامَ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَنِ «وَالذَّارِيَاتِ ذَرُواً»، قال : الرّيحُ.
وَعَن «فَالْحامِلَاتِ وِقْراً»، قالَ : هِيَ السَّحابُ.
وَعَنِ «فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً»، فَقالَ : هِيَ السُّفُنُ» (1).
345 - قال تعالى: «كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ» (17)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «كانوا - المؤمنين - «أَقَلَّ لَيْلَةٍ تَمُرُّ بِهِمْ إِلَّا صَلوا فيها» (2).
346 - قال تعالى: «وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (18)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانوا يَسْتَغْفِرُونَ اللّه فِي الْوِتْرِ سَبْعِينَ مَرَّةٌ في السَّحَرِ» (3).
347 - قَالَ تَعَالَى: «وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» (19)
«قالَ عَلَي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي نَفْسِيرِ الْمَحْرُومِ : هُوَ الْمُحارِفُ الَّذي حُرِمَ كَدُّ يَدِهِ في الشّراءِ وَالْبَيْع» (1).
وفي رواية أخرى عنه : «إِنَّ الْمَحْرُومُ الرَّجُلُ لَيْسَ بِعَقْلِهِ بَأْسٌ، وَلَا يُبْسَطُ لَهُ فِي الرِّزْقِ، وَهُوَ مُحارِفٌ» (2).
348 - قال تعالى: «وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ» (21)
عرضت الآية الكريمة إلى آيات اللّه التي هي ملء الكون، والتي منها نفس الإنسان.
قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «خَلَقَكَ سَمِيعاً بَصيراً، تَغْضَبُ مَرَّةً وَتَرْضَى مَرَّةٌ، وَتَجوعُ مَرَّةً وَتَشْبَعُ مَرَّةً، وَذلِكَ كُلُّهُ مِنْ آيَاتِ اللّه» (3).
وسئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقيل له : بما عرفت ربّك ؟
قال : بِفَسْخِ الْعَزائِمِ، وَنَقْضِ الْهِمَمِ، عَزِمْتُ فَفُسِخَ عَزْمِي، وَهَمَمْتُ فَنُقِضَ هَمّي» (4).
349 - قال تعالى: «فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ» (29)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فِي صَرَّةٍ» : أَي في جَمَاعَةٍ» (1).
350 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (56)
روى أبو بصير، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية، فقال : «خَلَقَهُمْ لِيَأْمُرَهُمْ بِالْعِبادَةِ» (2).
351 - قَالَ تَعَالَى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانِ» (21)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية: «قَصُرَتِ الْأَبْناءُ عَنْ عَمَلِ الآباءِ، فَأَلْحَقوا الأَبْناءَ بِالآباءِ لِتَقَرَّ بِذلِكَ أَعْينتُهُمْ» (1).
1) الميزان في تفسير القرآن : 19 : 15.
352 - قَالَ تَعَالَى: «وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى» (42)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِذا انْتَهَى الْكَلامُ إِلى اللّه فَأَمْسِكوا، وتلا الآية الكريمة» (1).
353 - قال تعالى: «وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى» (48)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)في قَولِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى».
قالَ : أَغْنى كلّ إِنْسانِ بِمَعيشتِهِ، وَأَرْضاهُ بِكَسْبٍ يَدِهِ» (2).
354 - قَالَ تَعَالَى: «وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ» (37﴾
عرضت الآية الكريمة إلى قوم لوط، وما كانوا يأتونه من الفحشاء، حتّى حلّ بهم عذاب اللّه.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان هذه الآية الكريمة : «فَكابَروه - يعني لوطاً - حتّى دَخَلُوا الْبَيْتَ، فَصاحَ بِهِ جَبْرِئيلُ، فَقالَ : يا لوط، دَعْهُمْ، فَلَمّا دَخَلُوا أَهْوَى جَبْرَئِيلُ بِإِصْبَعِهِ نَحْوَهُمْ، فَذَهَبَتْ أَعْيُتُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ»» (1).
355 - قَالَ تَعَالَى: «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ» (48)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «إِنَّ الْقَدَرِيَّةَ مَجوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَرادوا أَنْ يَصِفُوا اللّه بِعَدْلِهِ، فَأَخْرَجُوهُ مِنْ سُلْطَانِهِ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَفَرَ * إِنَّا كلّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ» (2)» (3).
قال السيّد الطباطبائي في بيان هذا الحديث : «أقول : المراد بالقدرية النافون
للقدر، وهم المعتزلة بالتفويض.
وقوله : إنّهم مجوس هذه الأُمّة ذلك لقولهم : إنّ خالق الأفعال الاختياريّة هو الإنسان، واللّه خالق لما وراء ذلك، فأثبتوا إلهين اثنين، كما أثبت المجوس إلهين اثنين : خالق الخير وخالق الشرّ.
وقوله : أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله فأخرجوه من سلطانه، وذلك أنهم قالوا بخلق الإنسان لأفعاله فراراً عن القول بالجبر المنافي للعدل، فأخرجوا اللّه من سلطانه على أعمال عباده بقطع نسبتها عنه تعالى.
وقوله : وفيهم نزلت هذه الآية... الخ، المراد به جري الآيات فيهم دون كونهم سبباً للنزول ومورداً له» (1).
1) الميزان في تفسير القرآن : 19 : 89.
356 - قَالَ تَعَالَى: «وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ» (46)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ عَلِمَ أَنَّ اللّه يَرَاهُ وَيَسْمَعُ مَا يَقولُ، وَيَعْلَمُ مَا يَعْمَلُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، فَيَحْجِرُهُ ذلِكَ عَنِ الْقَبيحِ مِنَ الْأَعْمالِ، فَذلِكَ الَّذي خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى» (1).
357 - قال تعالى: «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ» (60)
روى عليّ بن سالم، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : «آيَةٌ في كتابِ اللّه مُسَجَلَةٌ.
قلت : وما هي ؟
قال : قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ» جَرى في الْكَافِرِ والْمُؤْمِنِ، وَالْبَرِّ وَالْفاجِرِ، وَمَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَعَليهِ أَنْ يُكَافِئَ بِهِ، وَلَيْسَ الْمُكَافَأَةً أَنْ يَصْنَعَ كما صُنِعَ حتّى يُربى، فَإِنْ صَنَعْتَ كَما صُنِعَ كانَ لَهُ الْفَضْلُ بالابتداء» (2).
358 - قال تعالى: «وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ» (62)
روی العلاء بن سيّابة، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إنّ النّاس يتعجّبون منا إذا قلنا : يخرج قوممن النار فيدخلون الجنّة، فيقولون لنا : فيكونون مع أولياء اللّه في الجنّة ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا عَلاهُ، إِنَّ اللّه يَقولُ : «وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ» ما يَكونونَ مَعَ أَوْلياءِ اللّه» (1).
359 - قال تعالى: «فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ» (66)
فسّر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) «نَضَّاخَتَانِ» أي تفوران (2).
360 - قال تعالى: «فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ» (70)
روى الحلبي، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّ وجلّ : «فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ».
قال : هُنَّ صَوالِحُ الْمُؤْمِنَاتِ الْعارِفاتِ» (3).
361 - قَالَ تَعَالَى: «فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ» (88) و (89)
روى أبو بصير، قال : سمعت أبا عبد اللّه يقول : «فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ» في قَبْرِهِ، «وَجَنَّةَ نَعِيمٍ» في الآخِرَةِ» (1).
1) تفسير القمّي : 2 : 350.
362 - قَالَ تَعَالَى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللّه وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ» (19﴾
روى منهال القصّاب، قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): ادع اللّه أن يرزقني الشهادة.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ الْمُؤْمِنَ شَهِيدٌ، وتلا هذه الآية الكريمة» (1).
363 - قَالَ تَعَالَى: «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ» (23﴾
روی حفص بن غیاث، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : جعلت فداك، ما حدّ الزهد في الدنيا ؟
فقال : قَدْ حَدَّدَهُ اللّه في كِتابِه، وتلا الآية الكريمة» (2).
364 - قَالَ تَعَالَى: «أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِروح مِنْهُ» (22)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببعض هذه الآية في حديث الذي رواه أبان بن تغلب.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلِقَلْبِهِ أَدْنَانِ فِي جَوْفِهِ : أُذُنٌ يَنْقُتُ فيها الْوَسْواس الْخَنّاسَ، وَأذَنْ يَنْقُتُ فيها الْمَلَكُ، فَيُؤَيَّدُ اللّه الْمُؤْمِنَ ِبالْمَلَكِ، فَذلِكَ قَوْلُهُ : «وَأَيَّدَهُم بروح منه»» (1).
1) الميزان في تفسير القرآن : 19 : 198.
365 - قَالَ تَعَالَى: «مَا أَفَاءَ اللّه عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهْلِ الْقُرَى» (7)
روى الحلبي عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنه قال في تفسير هذه الآية : «الْقَيءُ ما كانَ مِنْ أَمْوَالٍ لَمْ يَكُنْ فِيها هَرَاقَةً دَمٍ أَوْ قَتْلِ، وَالْأَنْفَالُ : مِثْلُ ذلِكَ وَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ» (1).
366 - قال تعالى: «وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ» (9)
فسّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) علي الشحّ في حديثه التالي :
روى الفضل بن قرّة السمندي، قال : «قال لي أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَتَدْرِي ما الشَّحيحُ ؟
قلت : هو البخيل.
قال : الشُّحُ أَشَدُّ مِنَ الْبُخْلِ، إِنَّ الْبَحْيِلَ يَبْخَلُ بِما في يَدِهِ، وَالشَّحيحُ يَشحُّ بِما في أَيْدي النَّاسِ، وَعلى ما في يَدِهِ، حتّى لَا يَرى ما في أَيْدِي النَّاسِ شَيْئاً إِلَّا تَمَنَىٰ أَنْ يَكُونَ ما لَهُ بِالْحِلَّ وَالْحَرامِ، وَلَا يَقْنَعُ بِما رَزَقَهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ» (2).
367 - قَالَ تَعَالَى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ» (2)
روى معاوية بن عمّار عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الأميين في الآية الكريمة.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وكانوا يَكْتُبونَ، وَلكِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّه، وَلَا بُعِثَ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ، فَنَسَبَهُمُ اللّه إِلَى الْأُمِّيِّينَ» (1).
368 - قَالَ تَعَالَى: «فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللّه» (10﴾
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه مع عمر بن يزيد.
قال : «إِنِّي لأَرْكَبُ فِي الْحَاجَةِ الَّتِي كَفاهَا اللّه مَا أَرْكَبُهُ فِيهَا إِلَّا الْتِمَاسَ أَنْ يَرَانِيَ أضحي في طَلَبِ الْحَلالِ، أَما تَسْمَعُ قَوْلَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللّه»، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ بَيْتاً وَطَيَّنَ عَلَيْهِ بِابَهُ، ثُمَّ قالَ : رِزْقِي يَنزِلُ عَلَيَّ، أكانَ يَكونُ هذا ؟ أما إِنَّهُ أَحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لَا يُسْتَجابُ لَهُمْ.
قال عمر : قلت : من هؤلاء ؟
1) تفسير القمّي : 2 : 366.
قال : رَجُلٌ يَكونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ فَيَدْعو عَلَيْها فَلَا يُسْتَجابُ لَهُ، لأَنَّ عِصْمَتَها فِي يَدِهِ، لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْلِيَ سَبِيلَها، وَالرَّجُلُ يَكونُ لَهُ الحقّ عَلَى الرَّجُلِ فَلَا يُشْهِدُ عَلَيْهِ فَيَجْحَدُهُ حَقَّهُ، فَيَدْعو عَلَيْهِ فَلَا يُسْتَجابُ لَهُ، لأَنَّهُ تَرَكَ ما أَمِرَ بِهِ، وَالرَّجُلُ يَكون عِنْدَهُ الشَّيْءُ فَيَجْلِسُ في بَيْتِهِ، وَلَا يَنْشِرُ، وَلَا يَطْلِبُ، وَلَا يَلْتَمِسُ حتّى يَأْكُلَهُ، ثُمَّ يَدْعو فَلَا يُسْتَجابُ لَهُ (1).
1) الميزان في تفسير القرآن : 19: 279.
369 - قَالَ تَعَالَى: «ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ» (9)
فسّر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأوضح عدة كلمات وردت في القرآن منها كلمة التغابن.
قال : «يَوْمَ التَّلاقِ» (1): يَوْمَ يَلْتَقِي أَهْلُ السَّماءِ وَالْأَرْضِ.
وَ «يَوْمَ التَّنَادِ» (2): يَوْمَ يُنادى أَهْلَ النّارِ أَهْلَ الْجَنَّةِ : «أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّه» (3).
وَ «يَوْمُ التَّغَابُنِ» : يَوْمَ يَغْبِنُ أَهْلَ الْجَنَّةِ أَهْلُ النّارِ.
وَ «يَوْمَ الْحَسْرَةِ» : يَوْمَ يُؤْتى بِالْمَوْتِ فَيُذْبَحُ» (4).
370 - قَالَ تَعَالَى: «وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (16)
روى الفضل بن أبي مرّة، قال : «رأيت أبا عبد اللّه يطوف من أول الليل إلى الصباح، وهو يقول : اللّهمَّ قِني شُحَّ نَفْسي.
فقلت : جعلت فداك، ما رأيتك تدعو بغير هذا الدعاء.
فقال : وَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِنْ شُحُ النَّفْسِ إِنَّ اللّه يَقولُ : «وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (1).
371 - قال تعالى: «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه فَهُوَ حَسْبُهُ» (3)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه مع معاوية بن وهب.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ أَعْطِيَ ثَلاثاً لَمْ يُمْنَعْ ثَلاثاً : مَنْ أَعْطِيَ الدُّعاءَ أُعْطِيَ الْإِجَابَةَ، وَمَنْ أعْطِيَ الشُّكْرَ أُعْطِيَ الزِّيَادَةَ، وَمَنْ أَعْطِيَ التَّوَكُلَ أُعْطِيَ الْكِفَايَةَ.
قال : أَتَلَوْتَ كِتابَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه فَهُوَ حَسْبُهُ».
وَقالَ : «لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْم (2).
وَقالَ : «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» (3).
372 - قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً» (6)
روى عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «لَمّا نَزَلَتْ هذه الآية : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً» جَلَسَ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنينَ يَبْكي، وَقالَ : أَنا عَجِزْتُ عَنْ نَفْسِي، وَكُلِّفْتُ أَهْلِي.
فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : حَسْبُكَ أَنْ تَأْمُرَهُمْ بِما تَأْمُرُ بِهِ نَفْسَكَ، وَتَنْهاهُمْ عَمَّا تَنْهى عَنْهُ نَفْسَكَ» (1).
373 - قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللّه تَوْبَةٌ نَصُوحاً» (8)
سأل أبو الصباح الكناني الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن التوبة النصوحة في الآية.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يتوبُ الْعَبْدُ مِنَ الذَّنْب ثُمَّ لَا يَعودُ فيهِ» (2).
374 - قَالَ تَعَالَى: «يَوْمَ لَا يُخْزِي اللّه النبيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ
يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» (8)
روى صالح بن سهل الهمداني، قال : «قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «أَئِمَّةُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسْعَى (1)بَيْنَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، وَبِأَيْمَانِهِمْ حتّى يُنزِلُوهُمْ مَنازِلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (2).
375 - قَالَ تَعَالَى: «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» (2)
روى سفيان بن عيينة عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية، قال : «لَيْسَ يَعْني أَكْثَرَكُمْ عَمَلاً، وَلكِنْ أَصْوَبَكُمْ عَمَلاً، وَإِنَّما الإصابَةُ خَشْيَةُ اللّه، وَالنَّيَّةُ الصَّادِقَةُ، وَالْخَشْيَةُ.
وأضاف الإمام قائلاً: الْإِبْقاءُ عَلَى الْعَمَلِ حتّى يُخْلِصَ أَشَدَّ مِنَ الْعَمَلِ، أَلَا وَالْعَمَلُ الْخالِصُ الَّذى لَا تُريدُ أَنْ يَحْمَدَكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا اللّه، أَلَا وَإِنَّ النِّيَّةَ الْعَمَلُ، ثم تلا قوله تعالى : «قُلْ كلّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ» (3)يَعْنى على نِيَّتِهِ» (4).
376 - قال تعالى: «سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعِ» (1)(1)
بين الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) السبب في نزول هذه الآية، قال : «لَمّا نَصَبَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَليا يَوْمَ غَدير خُم، قالَ : مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهذا عَلَى مَوْلاهُ، فَطَارَ ذلِكَ فِى الْبِلادِ، فَقَدِمَ عَلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) النُّعْمَانُ بْنُ الْحَارِثِ الْفِهْرِي، فَقَالَ : أَمَرْتَنا مِنَ اللّه أَنْ نَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه، وَأَنَّكَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأَمَرْتَنا بِالْجِهَادِ، وَبِالْحَجِّ، وَبِالصَّوْمِ، وَالصَّلاةِ، وَالزَّكاةِ، فَقَبِلْناها.
ثُمَّ لَمْ تَرْضَ حَتَّىٰ نَصَبْتَ هذا الْغُلامَ، فَقُلْتَ : مَنْ كُنْتَ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، فَهَذَا شَيْءٌ مِنْكَ أَوْ أَمْرٌ مِنَ اللّه تَعَالَى ؟
فَقالَ : بَلَى وَاللّه الَّذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّ هَذَا مِنَ اللّه.
فَوَلَّى النَّعْمَانُ بْنُ الْحَارِثِ وَهُوَ يَقولُ : اللّهمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الحقّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ، فَرَمَاهُ اللّه بِحَجَرٍ عَلَى رَأْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنْزَلَ اللّه: «سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعِ» (2)» (3).
377 - قال تعالى: «فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (4)
استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في هذا الحديث.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَلا فَحاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبوا، فَإِنَّ فِي الْقِيَامَةِ خَمْسِينَ مَوْقِفاً، كلّ مَوْقِفٍ مِثْلُ أَلْفِ سَنَةٍ ممّا تَعدُّونَ، ثم تلا الآية: «فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»» (1).
378 - قال تعالى: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ» (34)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْحَقُّ الْمَعْلُومُ لَيْسَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي تُخْرِجُهُ مِنْ مالِكَ إِنْ شِئْتَ كلّ جُمُعَةٍ، وَإِنْ شِئْتَ كلّ يَوْمٍ، وَلِكُلِّ ذِي فَضْلٍ فَضْلُهُ» (2).
379 - قَالَ تَعَالَى: «وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ اللّه فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللّه أَحَداً» (18)
استدل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية الكريمة في حديثه التالي :
روى حمّاد بن عيسى، قال : «سجد - يعني الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)- على ثمانية أعظم: الكفّين، والركبتين، وإبهامي الرجلين، والجبهة، والأنف، وقال : سَبعَةٌ مِنْها فَرْضٌ يُسْجَدُ عَلَيْهَا، وَهِيَ الَّتي ذَكَرَها اللّه فِي كِتَابِهِ، فَقالَ: «وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللّه أَحَداً»، وَهِيَ الْجَبْهَةُ، وَالْكَفَانِ، وَالرُّكْبتانِ، وَالْإِبهامانِ، وَوَضْعُ الْأَنْفِ عَلَى الْأَرْضِ سُنَّةٌ» (1).
1) الميزان في تفسير القرآن : 20 : 58.
380 - قال تعالى: «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً» (4)
روى أبو بصير، عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الترتيل، فقال : «هُوَ أَنْ تَتَمَكَّثَ فِيهِ وَتُحَسِّنَ بِهِ صَوْتَك» (1).
وروى علي بن أبي حمزة، قال : «قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّ الْقُرآنَ لَا يُقْرَأُ هَذْرَمَةٌ (2)، وَلكِنْ يُرَتَّلُ تَرْتِيلاً، فَإِذا مَرَرْتَ بِآيَةٍ فيها ذِكْرُ الْجَنَّةِ، فَقِفْ عِنْدَهَا وَاسْأَلِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ، وَإِذا مَرَرْتَ بِآيَةٍ فيها ذِكْرُ النّارِ، فَقِفْ عِنْدَها وَتَعَوَّذْ بِاللّه مِنَ النَّارِ» (3).
381 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطاً وَأَقْوَمُ قِيلاً» (6)
روى هشام بن سالم عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية، قال : «هي قيامُ الرَّجُلِ عَنْ فِراشِهِ يُريدُ بِهِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ» (4).
والمراد أن يقوم الرجل من فراشه ليصلّي النافلة، ويتعبّد في هذا الوقت.
382 - قال تعالى: «وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً» (8)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «التَّبَتُّلُ : هُنا هُوَ رَفْعُ الْيَدَينِ في الصَّلاةِ».
وفي رواية أبي بصير أنه : «رَفْعُ الْيَدِ إِلَى اللّه، وَالتَّضَرُّعُ إِلَيْهِ (1).
383 - قَالَ تَعَالَى : «هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ» (56)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : «إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ قالَ : أَنا أَهْلَ أَنْ أَتَّقَى وَلَا يُشْرِكَ بِي عَبْدِي شَيْئاً، وَأَنا أَهْلَ إِنْ لَمْ يُشْرِكْ بِي عَبْدِي شَيْئاً أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ.. إِنَّ اللّه تَبارَكَ وَتَعَالَى أَقْسَمَ بِعِزَّتِهِ وَجَلالِهِ، أَنْ لَا يُعَذِّبَ أَهْلَ تَوْحِيدِهِ بِالنَّارِ» (2)
384 - قَالَ تَعَالَى: «بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» (14)
ورد عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية ما يلي :
ثم قال : يا أَبا حَفْصٍ، ما يَصْنَعُ الْإِنسانُ أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَى النَّاسِ بِخِلافِ ما يَعْلَمُ اللّه مِنْهُ، إِنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كَانَ يَقولُ : مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةٌ أَلْبَسَهُ اللّه رِداها، إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرّاً فَشَرٌ» (2).
وروی محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «ما يَصنَعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُظْهِرَ حَسَناً، وَيَسْتُرَ شَيْئاً ؟ أَلَيْسَ إِذا رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذلِكَ ؟ وَاللّه سُبْحَانَهُ يَقولُ : «بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» إِنَّ السَّرِيرَةَ إِذَا صَلُحَتْ قَوِيَتِ الْعَلَانِيَةُ» (3).
وروى زرارة، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما حدّ المرض الذي يفطر صاحبه ؟ قال : «بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» هو أعلم بما يطيق» (4).
385 - قَالَ تَعَالَى: «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ» (1)
روى عبداللّه بن ميمون عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذا السبب في نزول هذه السورة، قال : «كانَ عِنْدَ فَاطِمَةً (عَلَيهَا السَّلَامُ) شَعِيرٌ، فَجَعَلُوهُ عَصيدَةٌ، فَلَمّا أَنْضَجوها وَوَضَعوها بَيْنَ أَيْدِيهِمْ جَاءَ مِسْكِينَ، فَقَالَ : مِسْكِينٌ رَحِمَكُمُ اللّه، فَقامَ عَلَى فَأَعْطاهُ ثُلثاً.
فَلَمْ يَلْبَتْ أَنْ جاءَ يَتيمٌ، فَقالَ : الْبَنيمُ رَحِمَكُمُ اللّه، فَقامَ عَلىٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَأَعْطاه الثّلث.
ثُمَّ جَاءَ أَسيرٌ، فَقالَ : الأسيرُ رَحِمَكُمُ اللّه، فَقامَ عَلَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَأَعْطَاهُ الثَّلَثَ، وَما ذاقوها. فَأَنْزَلَ اللّه سُبْحانَهُ فِيهِمْ، وَهِيَ جَارِيَةٌ في كلّ مُؤْمِنٍ فَعَلَ ذلِكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (1).
لقد روى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) موجز القصّة، أما تفصيلها فقد ذكرته كتب الحديث.
386 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً» (3)
سأل حمران بن أعين الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية، فقال : «إِمّا آخِذٌ - يعني بأحكام الدين - فَهُوَ شاكِرٌ، وَإِما تارِك فَهُوَ كَافِرٌ» (2).
387 - قَالَ تَعَالَى: «وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نِعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً» (20)
روی عبّاس بن يزيد، قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وكنت عنده ذات يوم - : أخبرني عن قول اللّه عزّ وجل : «وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نِعِيماً وَمُلْكاً كبيراً»، ما هذا الملك الذي كبّره اللّه عز وجل حتّى سمّاه كبيراً ؟
قال : إِذا أَدْخَلَ اللّه أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ أَرْسَلَ رَسُولاً إِلى وَلِيَّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَيَجِدُ الْحَجَبَةَ على بابِهِ، فَتَقولُ لَهُ : قِفْ حتّى نَسْتَأْذِنَ لَكَ، فَما يَصِلُ إِلَيْهِ رَسُولُ رَبِّهِ إِلَّا بِإِذْنِ، فَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : «وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نِعِيماً وَمُلْكاً كَبِيرا»» (1).
وورد عنه في تفسير الآية أنّ الملك الكبير هو الذي لا يزول ولا يفنى (2).
388 – قال تعالى: «عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ» (21)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «تعلوهُمُ الثَّيابُ فَيَلْبَسونَها» (3).
389 - قال تعالى: «وَإِذَا الرُّسُلُ أُقْتَتْ» (11)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير «أُقِّتَتْ» : «أَي بُعِثَتْ - الرسل - في أَوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ» (4).
390 - قَالَ تَعَالَى: «وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ»(40﴾
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ عَلِمَ أَنَّ اللّه يَرَاهُ وَيَسْمَعُ ما يَقولُ، وَيَعْلَمُ ما يَعْمَلُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَيَحْجُرُهُ ذلِكَ عَنِ الْقَبيح مِنَ الْأَعْمالِ، فذلك الذي خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى» (1).
391 - (قَالَ تَعَالَى: «عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى» (1) و (2)
قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): كانَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إِذا رَأَى عَبْدَ اللّه بْنَ أُمِّ مَكْتوم قالَ : مَرْحَباً، مَرْحباً، وَاللّه لَا يُعاتبنى اللّه فيكَ أَبَداً، وَكانَ يَصْنَعُ بِهِ مِنَ اللُّطْفِ حتّى كَانَ يَكُفُّ عَنِ النبيّ ممّا يَفْعَلُ بِه» (2)، أي كان يكف عن الحضور عند النبيّ لكثرة تكريمه له.
392 - قال تعالى: «وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَحِيمٍ» (25)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية : «يَعْنِي الْكَهَنَةَ الَّذينَ كَانُوا فِي قُرَيْشٍ، فَنَسَبَ كَلامَهُمْ إِلَى كَلامِ الشَّياطينِ الَّذِينَ كانوا مَعَهُمْ، يَتَكَلَّمُونَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، فَقَالَ: «وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمِ» مِثْلِ أُولئِكَ» (1).
393 - قال تعالى: «لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ» (19)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية : «لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَأَحْوالِهِمْ» (2).
394 - قال تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْل فَضل» (12)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية : «إِنَّ الْقُرآنَ يَفْصِلُ بَيْنَ الحقّ وَالْبَاطِلِ بِالْبَيانِ عَنْ كلّ واحد منهما» (1).
395 - قَالَ تَعَالَى: «قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى» (14) و (15)
سئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه تعالى : «قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى»، قال : «مَنْ أَخْرَجَ الْفِطْرَةَ - أي زكاة الفطرة -.
قيل له : «وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى».
قال : «الَّذي خَرَجَ إِلَى الْجَبَانَةِ فَصَلَّى» (2).
396 -قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى» (18) و (19)
روى أبو بصير، قال : «قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «عِنْدَنا الصُّحُفُ التي قال اللّه: «صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى».
قلت : الصحف هي الألواح ؟ قال : نَعَمْ» (1).
397 - قال تعالى: «عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةٌ» (3) و (4)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كلّ ناصِب - هو الذي نصب العداء لآل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - وَإِنْ تَعَبَّدَ وَاجْتَهَدَ يصير إلى هذِهِ الْآيَةِ : «عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةٌ»» (2).
398 - قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ» (25) و (26)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كُلُّ أُمَّةٍ يُحاسِبُها إمامُ زَمانِها، وَيَعْرِفُ الأئمّة أَوْلياءَهُمْ وَأَعْداءَهُمْ بسيماهُمْ وَهُوَ قَوْلَهُ : «وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ» (3)» (4).
399 - قال تعالى: نوَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ» (10)
روى أبان الأحمر، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّ وجلّ : «وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ» لأي شيء سُمّي ذو الأوتاد ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لأَنَّهُ كانَ إِذا عَذَبَ رَجُلاً بَسَطَهُ عَلَى الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِهِ، وَمَدَّ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَأَوْتَدَها بِأَرْبَعَةِ أَوْتَادٍ فِي الْأَرْضِ، وَرُبَّمَا بَسَطَهُ عَلى خَشَبٍ مُنْبَسِطٍ فَوَتَّدَ رِجْلَيْهِ وَيَدَيْهِ بِأَرْبَعَةِ أَوْ تادٍ ثُمَّ تَرَكَهُ عَلَى حالِهِ حتّى يَموتَ، فَسَمَاهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِرْعَونَ ذا الأوتاد» (1).
400 - قَال تعَالَى: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ» (14)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمِرْصَادُ قَنْطَرَةٌ عَلَى الصِّراطِ لا يَجوزُهَا عَبْدٌ بِمَظْلَمَةِ عَبْدٍ» (2).
401 – قال تَعَالَى: «وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزقَهُ» (16)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير قوله تعالى : «فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ» : «أَي ضَيَّقَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ» (3).
402 - قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً» (27) و (28)
استشهد بالآية الكريمة وطبّقها على بعض المؤمنين في حديثه مع سدير الصيرفي. قال سدير : «قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): جعلت فداك، يا بن رسول اللّه، هل يُكره المؤمن على قبض روحه ؟
قال : لَا وَاللّه، إِنَّهُ إِذا أَتاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ جَزَعَ عِنْدَ ذلِكَ، فَيَقُولُ مَلَكُ الْمَوْتِ : يا وَلِيَّ اللّه، لَا تَجْزَعْ، فَوَالَّذِي بَعَثَ محمّداً، إِنِّي أَبَرُّ بِكَ، وَأَشْفَقُ عَلَيْكَ مِنْ وَالدٍ رَحيم لَوْ حَضَرَكَ، افْتَحْ عَيْنيكَ فَانْظُرْ.
قال : وَيُمَثَّلُ لَهُ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَالأئمّة مِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ (عَلَيهِم السَّلَامُ) فَيقالُ لَهُ : هذا رَسولُ اللّه، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَفَاطِمَةُ، وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، وَالأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) رُفَقاؤُكَ، فَيَفْتَحُ عَيْنَيْهِ فَيَنْظُرُ فَينادِي رُوحَهُ مُنَادٍ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْعِزَّةِ، فَيَقولُ : «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ» إِلَى محمّد وَأَهْلِ بَيْتِهِ.
«ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً» بِالْوِلايَةِ. «مَرْضِيَّةٌ» بِالثَّوابِ.
«فَادْخُلِي فِي عِبَادِي» (1)يَعْنِي محمّداً وَأَهْلَ بَيْتِهِ.
«وَادْخُلِي جَنَّتِي» (2)، فَما مِنْ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْهِ من اسْتِلالِ روحِهِ وَاللّحوقِ بِالْمُنادي» (3).
403 - قال تعالى : «وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» (3)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْوالِدُ : هُوَ آدَمُ «وَمَا وَلَدَ» مِنَ الْأَنْبِياءِ وَالْأَوْصياءِ وَأَتْباعِهِمْ» (1).
404 - قَالَ تَعَالَى: «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ» (10)
روی حمزة بن محمّد، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه تعالى : «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ»، قال : نَجْدُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» (2).
405 - قَالَ تَعَالَى: «فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب» (7) و (8)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآية : «إِذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَانْصَبْ إِلَى رَبِّكَ فِي الدُّعاءِ، وَارْغَبْ إِلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ» (1).
1) تفسير مجمع البيان: 10 : 391. الميزان في تفسير القرآن 20 : 318.
406 - قال تعالى: «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» (1)
روى حسّان بن أبي عليّ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ليلة القدر.
قال : اطْلُبُها فِي تَسْعَ عَشْرَةَ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَثَلاثٍ وَعِشْرِينَ» (1).
407 - قَالَ تَعَالَى: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» (3)
«سئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقيل له : كيف تكون ليلة القدر خيراً من ألف شهر ؟
قال : الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ» (2).
408 - قال تعالى: «تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ» (4)
سأل أبو بصير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له : جعلت فداك، أليس الروح هو جبرئيل ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): جَبَرئيلُ مِنَ الْمَلائِكَةِ، وَالرُّوحُ أَعْظَمُ مِنَ الْمَلائِكَةِ، أَلَيْسَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : «تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ» (3).
409 - قَالَ تَعَالَى: «ثُمَّ لَتَسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» (8)
روى جميل، قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ».
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): تُسْأَلُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَمَّا أَنْعَمَ اللّه عَلَيْها بِرَسولِهِ، ثُمَّ أَهْلِ بَيْتِهِ» (1).
وروى أبو حمزة، قال : «كنّا عند أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فدعا بطعام ما لنا عهد بمثله لذاذة وطيباً، وأتينا بتمر ننظر فيه أوجهنا من صفائه وحسنه، فقال رجل : لتسألن عن هذا النعيم الذي تنعمتم به عند ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَكْرَمَ وَأَجَلٌ مِنْ أَنْ يُطْعِمَ طَعاماً فَيُسَوِّغَكُموهُ ثُمَّ يَسْأَلَكُمْ عَنْهُ، إِنَّمَا يَسْأَلُكُمْ عَمَّا أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَآلِ محمّد» (2).
410 - قال تعالى: «إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا» (2) و (3)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «استثنى - من الذين هم في خسر - أَهْلَ صَفْوَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ» (1).
411 - قَالَ تَعَالَى: «الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ» (5)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عَنى بِهِ تَأْخِيرَ الصَّلاةِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ» (2).
412 - قَالَ تَعَالَى: «وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ» (7)
فسّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الماعون - في الآية - بالقرض والمعروف ومتاع البيت والزكاة (3).
413 - قَالَ تَعَالَى: «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ» (1﴾ و (2)
سأل أبو شاكر الديصاني أبا جعفر الأحول عن قول اللّه تعالى: «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ»، وعن التكرار الذي جاء في هذه السورة، فلم يكن عنده جواب، فسافر إلى المدينة وعرض المسألة على الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : إِنَّ قُرَيْشاً قالَتْ لِرَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): تَعْبُدُ الِهَتَنا سَنَةٌ وَنَعْبُدُ إِلهَكَ سَنَةٌ، وَتَعْبُدُ الِهَتَنا سَنَةٌ وَنَعْبُدُ إِلهَكَ سَنَةٌ، فَأَجَابَهُمُ اللّه بِمِثْلِ ما قالوا، فَقالَ فيما قالوا : تَعْبُدُ الهَتَنا سَنَةٌ : «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ».
وفيما قالوا : نَعْبُدُ إِلهَكَ سَنَةٌ : «وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ» (1).
وفيما قالوا : تَعْبُدُ الهَتَنا سَنَةٌ : «وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ» (2).
وفيما قالوا : نَعْبُدُ إِلهَكَ سَنَةٌ : «وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِيَ دِينِ» (3). فرجع أبو جعفر إلى أبي شاكر فأخبره بذلك. قال : هذا حملته الإبل من الحجاز» (4).
414 - قال تعالى: «قُلْ هُوَ اللّه أَحَدٌ» (1)
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقالوا : انْسُبْ لَنا رَبَّكَ ؟
فَلَبِثَ ثَلاثاً لَا يُجيبُهُمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ : «قُلْ هُوَ اللّه أَحَدٌ» إِلَى آخِرِها» (1).
415 - قَالَ تَعَالَى: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» (1)
روى أبو خديجة عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «جاءَ جَبْرَئِيلُ إِلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ شَاكٍ، فَرَقَاهُ بِالْمُعَوَّذَتَيْنِ و«قُلْ هُوَ اللّه أَحَدٌ»، وقالَ : بِسْمِ اللّه أُرَقّيكَ، وَاللّه يَشْفِيكَ مِنْ كلّ داءٍ يُؤذيك، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ :
بسم اللّه الرحمن الرحيم
«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» إلى آخِرِ السُّورةِ» (2).
وقد انتهى بذلك ما أثر عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من تفسيره لبعض آيات القرآن الكريم، وهي نماذج يسيرة من تفسيره لكتاب اللّه العزيز.
وحفلت مصادر الحديث وموسوعات الفقه بجمهرة كبيرة جدّاً من الأخبار التي رواها سليل النبوّة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي من ذخائر التراث الإسلامي، وذلك بما حوته من مناهج التربية، وقواعد السلوك وأصول الأخلاق، ومحاسن الآداب، وهي بجملتها منهج كامل للحياة المتطوّرة التي تفيض بالكمال والآداب، وقد روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمّن يلي :
1 - روى بواسطة آبائه عن جدّه النبيّ العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
2 - روى عن آبائه الأئمّة الطاهرين الطيّبين (عَلَيهِم السَّلَامُ).
3 - روى عن أعلام الصحابة النابهين رضي اللّه عنهم.
كما روى طائفة أخرى من الأخبار عن سنن الأنبياء العظام ليس هو جميع ما أثر عنه من الأخبار، فإنّ ذلك أبعد من أن يحيط به هذا الكتاب أو غيره، فإذن نحن نقدّم طائفة من رواياته عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
روى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) طائفة من الأخبار عن جده الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بواسطة آبائه الأئمّة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهي من أصح الروايات في الإسلام ومن أكثرها وثوقاً عند أعلام الرواة، بشرط عدالة من يروي عن الإمام.
لقد أخذت رواياته عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خطاً قصيراً ومستقيماً، فهو يروي عن أبيه الإمام محمّد الباقر، باقر علوم الأوّلين والآخرين، وهو يروي عن أبيه الإمام
زين العابدين وسيّد الساجدين، وهو يروي عن أبيه ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وسيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو يروي عن أبيه، سيّد العترة الطاهرة، وباب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهو يروي عن أخيه وابن عمه الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فحلقات السلسلة متداخلة ومتماسكة ومتصله ومشرقة كالشمس، وهي تحمل اتّجاهات الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأفكاره.
يقول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «حديثي حَديثُ أبي، وَحَديثُ أَبي حَديثُ جَدّي، وَحَديثُ جَدّي حَديثُ الْحُسَيْنِ، وَحَدِيثُ الْحُسَيْنِ حَدِيثُ الْحَسَنِ، وَحَدِيثُ الْحَسَنِ حَديثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَديثُ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَحَدِيثُ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلٌ» (1).
وألقى هذا الحديث الأضواء على جميع ما رواه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو أفتى به، فإنّه مأخوذ عن جدّه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولم يكن بأي حال مستنداً إلى رأيه الخاص، فقد التزم هو وآباؤه بحرفية ما أثر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يشدّوا عنه ولم يخالفوه، ويؤكد ذلك ما رواه قتيبة، قال : «سأل رجل أبا عبد اللّه عن مسألة فأجابه عنها، فقال الرجل : أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): مَه، ما أَجَبْتُكَ فِيهِ عَنْ شَيْءٍ فَهُوَ عَنْ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لَسْنَا مِنْ أَرَأَيْتَ في شَيْءٍ» (2).
وأوضح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الحديث أن جميع ما رواه أو أفتى به لا يستند إلى رأيه الخاص، وإنّما هو مقتبس عن جدّه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد استمدّ علومه وفقهه وسائر ملكاته ومكوّناته العلميّة والفكريّة من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه، فهو وآباؤه ورثة علومه،
وسدنة حكمته.
والشيء المؤكد أن روايات أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) واحدة ليس بينها أي اختلاف أو تغاير، وقد أجاز الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبي بصير أن يروي ما سمعه منه عن أبيه، وما سمعه من أبيه أن يرويه عنه (1).
ويعود السبب في ذلك إلى وحدة الموضوع، فإنّهم جميعاً ينتهلون من منبع النبوة، فليس لأحدهم رأي يستقلّ به، وإنما كانت أقوالهم وأفعالهم تعكس أقوال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأفعاله، فيصحّ أن تنسب آراء كلّ واحد منهم إلى الآخر، كما يصح أن تنسب إلى رأي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه، وعلى هذا الضوء، فقد أسند الإمام طائفة من الأخبار عن آبائه إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، كما حذف السند عن طائفة أخرى من الأخبار عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد تلقاها المحدّثون والرواة بالتصديق، فهو كما قيل : راوياً للحديث، لم يحوج المعروف من صدقه إلى الإسناد.
ومن الجدير بالذكر أنّ القدامى من الرواة كانوا يتلقّون رواية الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن آبائه بالتبجيل والتعظيم، وفي ذلك يقول ابن شبرمة : «ما ذكرت حديثاً سمعته من جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلّا كان أن يتصدّع له قلبي، قال : حدّثني أَبِي، عَنْ جَدِّي رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأقسم باللّه ما كذب أبوه على جدّه، ولا جدّه على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (2).
وكان عليّ بن غراب إذا حدث عن الإمام يقول : «حدّثني الصادق عن أبيه محمّد بن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان حفص بن غياث إذا حدّث عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : حدّثني خير الجعافرة جعفر بن محمّد» (3).
ونعود بعد هذا التقديم الموجز إلى عرض بعض رواياته عن جده الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
1 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قامَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خطيباً في أَصْحَابِهِ فَقالَ : أَيُّهَا النَّاسُ، كَأَنَّ الْمَوْتَ فيها - أي فى الدنيا - عَلَى غَيْرنا كُتِبَ، وَكَأَنَّ الحقّ فِيها عَلَى غَيْرِنا وَجَبَ، وَكَأَنَّ الَّذِي نُشَيْعُ مِنَ الْأَمْواتِ سافروا عَمّا قَلِيلِ إِلَيْنا راجِعونَ، نَأْكُلُ تُراثَهُمْ كَأَنَّنَا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ، قَدْ نَسينا كلّ واعِظَةٍ، وَأَمِنَا كلّ جَائِحَةٍ. طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيوبِ النّاسِ. طُوبى لِمَنْ طَابَ مَكْسَبُهُ، وَصَلَحَتْ سَريرَتُهُ، وَحَسُنَتْ عَلانِيَتُهُ، وَاسْتَقَامَتْ طَريقَتُهُ.
طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ مِنْ غَيْرِ مَنْقَصَةٍ، وَأَنْفَقَ ممّا جَمَعَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَخالَط أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ، رَحِمَ اللّه أَهْلَ الذُّلُّ وَالْمَسْكَنَةِ.
طُوبى لِمَنْ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مالِهِ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ، وَلَمْ يَعْدِلْ عَنْها إِلى بِدْعَةٍ» (1).
وفي هذه الخطبة النبوية البليغة دعوة بالغة لمن اتعظ بها، ففيها الدعوة إلى التأمل والتفكر فيما يؤول إليه أمر الإنسان من مفارقة هذه الحياة، والمصير إلى دار الآخرة، ومن المؤسف أنّ الغفلة قد استولت على الناس فذهلوا عن الموت، ولم يتعظوا بما يشيعونه من جنائز آبائهم وإخوانهم وأصحابهم، وأنّهم - من دون شكّ - عما قليل سيلاقون نفس مصيرهم، ولم يدفعهم ذلك إلى التزوّد من أعمال البر والخير ليجعلونه ذخراً يوم يلقون اللّه.
1) جمهرة الأولياء : 2 : 79.
كما حوت هذه الخطبة الإشادة بالمتقين الأخيار الذين استقامت طريقتهم، وحسنت أعمالهم، وتميزوا على غيرهم بنزعاتهم الخيّرة، وصفاتهم الشريفة.
2- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أَبي عَنْ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما أَنْفَقَ مُؤْمِنٌ نَفَقَةٌ أَحَبُّ إِلَى اللّه مِنْ قَوْلِ الحقّ فِي الرّضا وَالْغَضَبِ» (1).
إنّ من أعظم المبادئ التي تبنّاها الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ورفع شعارها الدعوة إلى الحقّ في حال الرضا والغضب، ومن الطبيعي أنّ الإنسان الذي يتبنى الحقّ يكون أرفع إنسان في مجتمعه.
3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : خَيْرُ الْعِبادَةِ قَوْلُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه» (2).
إنّ كلمة التوحيد رمز للفكر الإسلامي المتطوّر الهادف للتحرير والانطلاق من خرافات الشرك والإلحاد، فمن أجل هذه الكلمة المشرقة انطلقت دعوة الإنبياء، ومن أجلها ناضل الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فناجز القوى الجاهلية التي عكفت على أوثانها وأصنامها التي لا تعي ولا تعقل.
4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَعْظَمُ الْجِهَادِ مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهِمُ بِظُلْمٍ أَحَدٍ، وَمَنْ أَصْبَحَ لَا يَهِمُ بِظُلْمٍ أَحَدٍ غُفِرَ لَهُ مَا اجْتَرَمَ» (3).
إنّ الإسلام بُني على الحقّ المحض، والحقّ الخالص، وحارب الظلم والطغيان، وناجز جميع القوى الشريرة التي تدعو إلى قهر الإنسان، وسلب حريته وإرادته.
5 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سُئِلَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَى اللّه.
قالَ : أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» (1).
إنّ إسداء الخير إلى الناس، والسعي في منافعهم من أسمى الأعمال التي يقدّرها اللّه تعالى، وأنّ من يقوم بها فهو من أحب الناس إلى اللّه تعالى.
6 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ عَشِقَ الْعِبادَةَ، وَأَحَبَّها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : بِقَلْبِهِ، وَباشَرَها بِجَسَدِهِ، وَتَفَرَّغَ لَهَا، وَهُوَ لَا يُبالي عَلَى مَا أَصْبَحَ مِنَ الدُّنْيا عَلَى عُسْرٍ أوْ يُسْرِ» (2).
إنّ العبادة في الإسلام تهدف إلى تشرّف الإنسان بالاتصال بخالقه العظيم، فإذا أحبها الإنسان وأدّاها بوعي وإخلاص فهو من أفضل عباد اللّه.
7 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ إِبْرادَ الْكَبِدِ الْحَرّى» (3).
إنّ الإسلام تبنّى بصورة إيجابية الدعوة الملحة إلى القيام بإدخال السرور على القلوب المعذبة، وإزالة همومها، واعتبر من يقوم بذلك فقد قام بأفضل الأعمال، وأحبّها عند اللّه تعالى.
8 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): التَّعْزِيَةُ تُورِثُ الْجَنَّةَ» (4).
لقد اهتمّ الإسلام بالوسائل الخلاقة التي تؤلّف ما بين قلوب المسلمين وعواطفهم، وتجمعهم على صعيد المحبة والألفة، والتي منها تعزية المصاب وتسليته، فإنّها من أفضل الأعمال عند اللّه تعالى.
9 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِذا رَأَيْتُمْ أَهْلَ الرَّيْبِ وَالْبِدَعِ مِنْ بَعْدِي فَأَظْهِرُوا الْبَراءَةَ مِنْهُمْ، وَأَكثرُوا مِنْ سَبِّهِمْ، وَالْقَوْلَ فيهِمْ، وَالْوَقِيعَةَ، وَناهبوهُمْ - أي تناولوهم بالكلام - كَيْلا يَطْمَعوا في الفَسادِ في الإِسْلامِ، وَتَحْذَرَهُمُ النَّاسُ، وَلَا يَتَعَلَّمُونَ مِنْ بِدَعِهِمْ يَكْتُبِ اللّه لَكُمْ بِذلِكَ الْحَسناتِ، وَتُرْفَعُ لَكُمْ بِهَا الدَّرَجاتِ في الآخِرَةِ» (1).
لقد دعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى محاربة أهل البدع والضلال، والوقيعة بهم، ومناجزتهم بجميع الطرق والوسائل ؛ لأنّهم مصدر خطر وفتنة على المسلمين، والواجب على كلّ مسلم أن يقوم بدور إيجابي في محاربتهم وفضحهم، لئلّا يصاب المسلمون بأفكارهم وأضاليلهم.
10 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِذا بَلَغَكُمْ عَنْ رَجُلٍ حُسْنُ حاله فَانْظُروا في حُسْنِ عَقْلِهِ، فَإِنَّما يُجازى بِعَقْلِهِ» (2).
إنّ العقل في الإسلام هو المقياس في حسن الإنسان وسموّ شأنه، ولا أثر لأي عمل لا يستند إلى حسن العقل.
11 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أتى رَجُلٌ إِلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللّه، أَوْصِني.
فَقالَ لَهُ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): فَهَلْ أَنتَ مُسْتَوْصِ إِنْ أَنَا أَوْصَبْتُكَ ؟
قالَ لَهُ ذلِكَ ثَلاثَ مَرَاتٍ، وَفِي جَميعِها يَقولُ الرَّجُلُ : نَعَمْ.
فَقالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): فَإِنِّي أَوْصِيكَ إِذا : إِذا هَمَمْتَ بِأَمْرِ فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَهُ، فَإِنْ يَكُنْ رُشْداً فَامْضِهِ وَإِنْ يَكُنْ غَيْا فَانْتَهِ عَنْهُ» (3).
لقد أوصى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالتدبّر والتروّي في كلّ عمل يقدم عليه الإنسان لئلا يقع في مشاكل ومصاعب يعسر التخلّص منها.
12 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِذا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ كَثيرَ الصَّلاةِ، كَثير الصِّيامِ، فَلَا تُباهوا بِهِ حتّى تَنْظُرُوا كَيْفَ عَقْلُهُ» (1).
إنّ الاعتزاز والتباهي بالرجل لا بكثرة صلاته وصيامه، وإنما بوفور عقله وفكره.
13 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كلّ مُسْلِمٍ، أَلَا إِنَّ اللّه يُحِبُّ بُغاةَ الْعِلْمِ» (2).
إنّ تقدّم الأمة واحتلالها المركز اللائق بها إنما هو بقدر ما تملكه من طاقات وثروات علمية، وقد دعا الإسلام المسلمين إلى التسلّح بالعلم لتطوير حياتهم وتقدّمهم في جميع المجالات.
14 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ إِلَّا لِرَجُلَينِ : عالِمٌ مُطاعِ، وَمُسْتَمِع واع» (3).
إن الحياة الحرة الكريمة إنما يستحقها العلماء والصالحون الذين يعون ما يبثّه العلماء من الوعظ والإرشاد.
15 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ سَلَكَ طَريقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً سَلَكَ اللّه بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتِهَا لِطالِبِ الْعِلْمِ رِضاً بِهِ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِطالِبِ الْعِلْمِ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حتّى الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، وَفَضْلُ الْعالِم عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجومِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَإِنَّ الْعُلَماءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِياءِ، وَالْأَنْبِياءُ لَمْ
يُورثوا ديناراً وَلَا دِرْهَماً، وَلكِنْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ أَخَذَ بِحَظِّ وَافِرٍ» (1).
أرأيتم هذا البعث والتحريض لطلب العلم من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، مفجر العلم والحكمة في الأرض، فقد وعد طالب العلم بالأجر الجزيل، والثواب العظيم الذي يظفر في يوم حشره ونشره.
16 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قالَتِ الْحَوَاریُّونَ لِعيسى : يا روح اللّه، مَنْ نُجالِس ؟
قالَ : مَنْ يُذَكِّرُكُمُ اللّه رُؤْيَتُهُ، وَيَزِيدُ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَيُرَغْبُكُمْ فِي الْآخِرَةِ عَمَلُهُ» (2).
لقد دعا السيد المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه إلى مجالسة أهل العلم من الأخيار المتحرّجين في دينهم، ليكتسبوا منه فضلاً وإقبالاً على الأعمال الصالحة الي تقربهم إلى اللّه زلفى.
17 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مُجالَسَةُ أَهْلِ الدِّينِ شَرَفٌ في الدُّنْيا وَالآخِرَة»(3).
لقد حثّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على مجالسة أهل التقوى والدين، فإن مجالستهم تكسب شرفاً عظيماً في الدنيا والآخرة.
18 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أُفٍّ لِرَجُلٍ لَا يُفَرِّغْ نَفْسَهُ في كلّ جُمْعَةٍ لأَمْرِ دينِهِ، فَيَتَعَاهَدُهُ وَيَسْأَلُ عَنْ أَمْر دينِهِ» (4).
لقد دعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه الإنسان المسلم إلى محاسبة نفسه، فإن كان قد اقترف سيئة
تاب إلى اللّه منها، وإن كان عمل صالحاً حمد اللّه على ذلك وسأله المزيد.
19 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مَنْ عَمِلَ بِالْمَقاييس فَقَدْ هَلَكَ وَأَهْلَكَ. وَمَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسوخِ، وَالْمُحْكَمَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ، فَقَدْ هَلَكَ وَأَهْلَكَ» (1)
إن من موارد الهلكة العمل بالقياس، والإفتاء بغير علم، فالعمل بالقياس لا يصيب الواقع، مضافاً إلى ذلك فإنّ الشارع العظيم قد أغنانا عن العمل بالقياس والاستحسنان، وذلك بما أودعه في الكتاب العزيز والسنة المقدّسة من الأحكام التي يحتاج إليها المكلف، وأما الإفتاء بغير علم فإنّه أيضاً من موجبات الهلكة؛ لأنه إفتاء بغير الحق، وذلك من المحرمات في الإسلام.
20 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رَجُل أَتَاهُ : أَلَا أَدُلُّكَ عَلَىٰ أَمْرٍ يُدْخِلُكَ اللّه بِهِ الْجَنَّةَ ؟
قالَ : بَلَى يَا رَسولَ اللّه.
قالَ : أَنِلْ ممّا أَنَالَكَ اللّه.
قالَ : فَإِن كُنْتُ أَحْوَجَ مِمَّنْ أَنيلُهُ ؟
قالَ : فَانْصُرِ الْمَظلوم.
قالَ : فَإِنْ كُنْتَ أَضْعَفَ مِمَّنْ أَنْصُرُهُ ؟
قالَ : فَاصْنَعْ الْأَخْرَقَ - يعني أشر عليه -.
قالَ : فَإِنْ كُنْتُ أَخْرَقَ مِمَّنْ أَصْنَعُ لَهُ ؟
قالَ : فَاصْمِتْ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، أَما يَسُرُّكَ أَنْ تَكونَ فيكَ خَصْلَةٌ مِنْ هذِهِ الْخِصَالِ
1) أصول الكافي : 1: 43.
تَجُرُّكَ إِلَى الْجَنَّةِ» (1).
لقد أوصاه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بهذه الخصال الكريمة التي تقربه إلى اللّه زلفى، وتضمن له الجنّة التي أعدها اللّه للمتقين من عباده.
21 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أتى رَجُلٌ إِلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقالَ لَهُ : يَا رَسولَ اللّه، إِنِّي راغِبٌ في الْجِهَادِ نَشِيطٌ.
فَقالَ لَهُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): فَجاهِد في سَبيلِ اللّه، فَإِنَّكَ إِنْ تُقْتَلْ تَكُنْ حَيّاً عِنْدَ اللّه تُرْزَقُ، وَإِنْ تَمُتْ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُكَ عَلَى اللّه، وإِنْ رَجَعْتَ رَجَعْتَ مِنَ الذُّنوبِ كَما وُلِدْتَ.
فقال : يا رسولَ اللّه، إِنَّ لي والِدَيْنِ كَبِيرَيْنِ يَزْعَمَانِ أَنَّهُما يَأْنْسانِ بِي، وَيَكْرَهَانِ خُروجي.
فَقالَ رَسولُ اللّه : فَقِرْ مَعَ وَالِدَيْكَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْسُهُما بِكَ يَوْماً وَلَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ جهادِ سَنَةً» (2).
وفي هذا الحديث الشريف دعوة إلزامية إلى البرّ بالأبوين والإحسان إليهما، وأنّ ذلك أعظم أجراً، وأكثر ثواباً من الجهاد في سبيل اللّه.
22 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جاءَ رَجُلٌ مُوسِرٌ إِلَى رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ، وَجَاءَ رَجُلٌ مُعْسِرٌ فَجَلَسَ إِلى جَنْبِ الْمُوسِرِ فَجَرَّ ثِيَابَهُ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّه ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ : أَخِفْتَ أَنْ يَمَسَّكَ مِنْ فَقْرِهِ شَيْءٍ؟
لا.
ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟
فَالْتَفَتَ رَسولُ اللّه إِلَى الْفَقير، وَقَالَ لَهُ : أَتَقْبَلُ هذا مِنْهُ ؟
إنّ الإسلام بكل اعتزاز لا يرى الفقر عيباً في الإنسان، وليس فيه أية منقصة عليه، وأشاد بالفقراء ورفع منزلتهم، وأهاب بالأغنياء أن لا يحتقروا فقيراً، ولا يستهينوا بكرامته.
23 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : سَيَأْتي زَمَانٌ عَلَى النَّاسِ تَخْبُثُ فِيهِ سَرائِرُهُمْ، وَتَحْسُنُ فِيهِ عَلَانِيَتُهُمْ طَمَعاً في الدُّنْيا، لَا يُرِيدُونَ بِهِ مَا عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَيَكُونُ دينُهُمْ رِياءٌ، لَا يُخالِطُهُمْ خَوْفٌ، يَعُمُّهُمُ اللّه بِعِقابِ فَيَدْعُونَهُ دُعاءَ الْفَرِيقِ فَلَا يُسْتَجَابَ لَهُمْ» (2).
لقد استشف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من وراء الغيب ما يؤول إليه أمر الناس في العصور التي بعده، من خلعهم للإيمان، وتجرّدهم من المثل العليا، والقيم الكريمة، وأنّ اللّه تعالى سيعمهم بعقاب أليم.
24 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَوَّلُ ما عُصِيَ بِهِ اللّه سِتَّةُ أَشْيَاءٍ : حُبُّ
الدُّنْيا، وَحُبُّ الرِّئَاسَةِ، وَحُبُّ الطَّعامِ، وَحُبُّ النَّوْمِ، وَحُبُّ الرّاحَةِ، وَحُبُّ النِّساءِ» (1).
إنّ هذه الأمور التي أدلى بها الإمام من العناصر المهمة في دفع الناس إلى المعصية، والخروج من عزّ طاعة اللّه.
25 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مَنْ تَعَصَّبَ أَوْ تُعُصْبَ لَهُ فَقَدْ خَلَعَ رَبْقَةَ الْإِيمَانِ مِنْ عُنُقِهِ» (2).
إن الإسلام بكل طاقاته قد ناهض العصبية، واعتبرها من الأسباب التي تؤدي إلى انحطاط الأمّة وتأخرها ؛ لأنّ فيها إماتة للحق وإحياء للباطل.
26 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ عَصَبيَّةٍ بَعَثَهُ اللّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَعْرابِ الْجَاهِلِيَّةِ» (3).
إنّ الإسلام بكل اعتزاز وفخر تبنّى المبادئ الرفيعة التي ترفع قيمة الإنسان، وتميزه عن غيره من سائر الكائنات الحيّة، وقد حارب العصبية لأنها تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق من الجهل ما له من قرار.
27 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : شَرُّ النَّاسِ عِنْدَ اللّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُكْرَمونَ اتّقاءَ شَرِّهِمْ» (4).
إنّ أخبث الناس وشرّهم الذي يُكرم ويُحترم لا لخصلة شريفة ماثلة فيه، وإنّما اتّقاء شرّه وظلمه.
28 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُهُ أَكْثَرَ
مما يُصْلِحُهُ» (1).
إنّ العمل بغير علم موجب لمخالفة الواقع، ومن الطبيعي أن ما يفسده يكون أكثر مما يصلحه.
29 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الْفُقَهَاءُ أَمَناءُ الرُّسُلِ ما لَمْ يَدْخُلُوا في الدُّنْيا.
قيل : يا رسولَ اللّه، وَما دُخولُهُمْ فِي الدُّنْيا ؟
قالَ : اتِّباعُ السُّلْطانِ، فَإِذا فَعَلُوا ذلِكَ فاحْذَرُوهُم عَلى دينِكُم» (2).
إنّ للفقهاء مركزاً مهماً في الإسلام، فقد منحهم النعوت الكريمة، والأوصاف الشريفة، فهم أمناء الرسل، وورثة الأنبياء، وعلى المسلمين أن يعظموهم، ويكنوا لهم خالص الولاء، ولكنّ ذلك مشروط باتّجاه الفقهاء نحو اللّه، لا يبغون في بضاعتهم إلّا الدار الآخرة، أما إذا اتجهوا نحو الدنيا، وصاروا من وعاظ السلاطين، ومن خدّام الحكّام، فإنّهم يكونون مصدر خطر على الإسلام، وعلى المسلمين أن يخافوهم على دينهم لأنّهم من عوامل الدمار والفساد في الأرض.
30 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : نِعْمَ وَزِيرُ الْإِيمَانِ الْعِلْمُ، وَنِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الْحِلْمُ، وَنِعْمَ وَزِيرُ الْحِلْمِ الرّفْقُ، وَنِعْمَ وَزِيرُ الرِّفْقِ (3)الْعِبْرَةُ» (4).
إن هذه الصفات الكريمة تسمو بالإنسان، وترفع مستواه، وقد حثّ النبيّ العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على التحلّي بها ليرتفع بذلك شأن الإنسان.
31 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «رجاءَ رَجُلٌ إِلى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقالَ: يا رسول اللّه، ما الْعِلْمُ ؟
قالَ : الْإِنصات.
قالَ : ثُمَّ مَهُ ؟ قَالَ : الْاسْتِمَاعُ.
قالَ : ثُمَّ مَهُ ؟ قَالَ : الْحِفْظُ.
قالَ : ثُمَّ مَهُ ؟ قالَ : الْعَمَل بِهِ.
قالَ : ثُمَّ مَهُ ؟ قَالَ : نَشْرُهُ» (1).
لقد وضع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) البرامج المشرقة للعلم، فأوّل مرتبة منه الإنصات لما يقوله الأستاذ، والمرتبة الثانية حفظه ووعيه، والمرتبة الثالثة العمل به، والمرتبة الرابعة نشره وإذاعته بين الناس.
32 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ فَلْيُكْثِرُ مِنْ ذِكْرِ الْحَمْدُ لِله رَبِّ الْعالَمينَ
وَمَنْ كَثُرَتْ هُمومُهُ فَعَلَيْهِ بِالاسْتِغْفَارِ.
وَمَنْ أَلَحٌ عَلَيْهِ الْفَقْرُ فَلْيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ» (2).
إن ذكر اللّه تعالى يستوجب المزيد من النعم على الإنسان، ويدفع عنه النقم والأسواء.
33 - قال «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَصْحَابِهِ : أَيُّ عُرَى الْإِيمَانِ أَوْثَقُ ؟
فَقالوا : اللّه وَرَسولُهُ أَعْلَم. وَقالَ بَعْضُهُمْ : الصَّلاةَ، وَقالَ بَعْضُهُمْ : الزَّكَاةَ، وَقَالَ
بَعْضُهُمْ : الصَّوْمَ، وَقالَ بَعْضُهُمْ الْحَجِّ وَالْعَمْرَةُ، وَقالَ بَعْضُهُمْ : الْجِهَادَ.
فَقالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لِكُلِّ ما قُلْتُمْ فَضْل، وَلكِنْ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ في اللّه، وَالْبَغْضُ في اللّه، وَموالاة أَوْلياءِ اللّه، وَالتَّبَرَى مِنْ أَعْداءِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ» (1).
إنّ من أوثق عرى الإيمان، ومن أشدّه صلابة وقوة الحبّ في اللّه والبغض في اللّه، وموالاة أولياء اللّه، والتبرّي من أعداء اللّه، فإنّ ذلك ينمّ عن انطباع الإيمان في أعماق القلوب ودخائل النفوس.
34 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما أَقْبَحَ الْفَقْرَ بَعْدَ الْغِنى، وَأَقْبَحَ الْخَطِيئَةَ بَعْدَ الْمَسْكَنَةِ، وَأَقْبَحُ مِنْ ذلِكَ الْعابِدُ لِلهِ ثُمَّ يَدَعُ عِبادتَهُ» (2).
إن الفقر بعد الغنى ممّا يوجب الذلّ خصوصاً إذا أنفق الإنسان أمواله في معاصي اللّه، كما أنّ من القبح اقتراف الإثم والمعصية بعد الطاعة والمسكنة، وأقبح من ذلك كله ترك العابد لعبادته، وانصرافه إلى الآثام والمعاصي.
35 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَلْفَ دِرْهَم أَقْرِضُهَا مَرَّتَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ «أَتَصَدَّقَ بِها مَرَّةً، وَكَما لَا يَحِلُّ لِغَرِيمِكَ أَنْ يَمْطَلَكَ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَكَذلِكَ لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُعْسِرَهُ إِذا عَلِمْتَ أَنَّهُ مُعْسِر» (3).
لقد حثّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على القرض للمحتاج، واعتبره أفضل من الصدقة، كما نهى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن مطالبة المستقرض إذا كان معسراً.
36 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اسْتَقْبَلَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حارِثَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ النُّعْمَانِ فَقالَ لَهُ:
كَيْفَ أَنْتَ يَا حَارِثَةُ ؟
فَقالَ: يا رسول اللّه، أَصْبَحْت مُؤْمِناً حَقّاً.
فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يا حارِثَةُ، لِكُلِّ شَيْءٍ حَقيقَةٌ فَمَا حَقيقَةً قَوْلِكَ ؟
قال : يا رسولَ اللّه، عَزَفَتُ نَفْسي عَنِ الدُّنْيا، وَأَسْهَرَتْ لَيْلِي، وَاطْمَأَنَّتْ هَواجسي وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزاورونَ فِي الْجَنَّةِ، وَكَأَنِّي أَسْمَعُ عَواءَ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ.
وبهر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بإيمان حارثة، واندفع يثني عَلَيْهِ قائلاً: عبد نور اللّه قلبه للإيمان.
وَطَلَبَ حارِثَةُ مِنَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَنْ يَدْعو لَهُ اللّه لِيَرْزُقَهُ الشَّهادَةَ، فَدَعَا لَهُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِذلِكَ، فَلَمْ يَلْبَتْ إِلَّا أَيَا مَا حتّى بَعَثَهُ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فِي سَرِيَّةٍ، فَقاتَلَ حَتَّىٰ قُتِلَ» (1).
لقد وعى حارثة حقيقة الإيمان، فهام في أمر آخرته، وسعى لكلّ ما يقربه إلى اللّه زلفى، ونال بذلك الشهادة في خدمة الإسلام.
37 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَتى رَجُلٌ إِلَى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ لَهُ : إِنِّي جِئْتُكَ أَبايِعُكَ عَلَى الْإِسْلامِ.
فَقالَ لَهُ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : عَلَى أَنْ تَقْتُلَ أَبَاكَ ؟
فَقَبَضَ الرَّجُل يَدَهُ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ عادَ، فَأَعادَ عَلَيْهِ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مَقَالَتَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذلِكَ، فَقالَ له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لا نَأْمُرُكُمْ بِقَتْلِ آبائِكُمْ، وَلكِنِ الآنَ عَلِمْتُ مِنْكَ حَقيقَةَ الْإِيمانِ، وَأَنَّكَ لَنْ تَتَّخِذَ مِن دونِ اللّه وَليجَةً، أطيعوا آبَاءَكُمْ فيما أَمَروكُمْ، وَلَا تُطيعوهُمْ في معاصي اللّه» (2).
لقد أراد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اختبار الرجل وامتحانه ليكشف لأصحابه واقعه وصدقه،
وصلابة إيمانه.
38 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ بَعْضَ الْقُرَشِيِّينَ قالَ لِرَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : بِأَيِّ شَيْءٍ سَبَقْتَ الأنبياءَ، وَأَنْتَ بُعِثْتَ آخِرَهُمْ وَخَاتَمَهُمْ ؟
فَقالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِنِّي كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِرَبِّي، وَأَوَّلَ مَنْ أَجَابَ، حَيْثُ أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ النَّبيِّينَ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ فَكُنْتُ أَوَّلَ نَبِيَّ قَالَ بَلَى، فَسَبَقْتُهُمْ إِلَى الْإِقْرارِ بِاللّه عَزَّ وَجَلٌ» (1).
لقد سبق الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جميع الأنبياء في عالم التكوين والذرّ بالإقرار اللّه تعالى بالوحدانية، كما سبقهم جميعاً بما يمنحه اللّه من مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات.
39 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ما أَعزَ اللّه بِجَهْلِ قَطُّ، وَلَا أَذَلَّ بِحِلْمٍ قَطُّ» (2).
إن الجهل بجميع صوره وألوانه يوجب انحطاط الإنسان وتأخره، ومن المستحيل أن يعتز به، كما أنّ الحلم من موجبات العزّة والكرامة، وهيهات أن يذلّ حليم.
40 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يُعَذِّبُ اللّه اللَّسانَ بِعَذَابِ لَا يُعَذِّبُ بِهِ شَيْئاً مِنَ الْجَوَارِحِ، فَيَقولُ : أَيْ رَبِّ عَذَّبْتَني بِعَذَابٍ أَلِيمٍ لَمْ تُعَذِّبُ بِهِ شَيْئاً.
فَيقالُ لَهُ : خَرَجَتْ مِنْكَ كَلِمَة فَبَلَغَتْ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا، فَسُفِكَ بِها الدَّمُ الْحَرامِ، وَانْتُهِبَ بِها المالُ الْحَرامِ، وَانْتُهِكَ بِها الْفَرْجُ الْحَرام.
وَعِزَّتي وجلالي لأُعَذِّبَنَّكَ بِعَذابٍ لَا أُعَذِّبُ بِهِ شَيْئاً مِنْ جَوارِحِكَ» (3).
إن اللسان يحكي الرغبات النفسيّة، وما اختلج في آفاق النفس، وإنّ جميع ما وقع في العالم من الحروب المدمّرة والمهلكة إنّما كانت بواسطة اللسان، فهو الذي يبعث الحروب، فلذا كان عذابه أشدّ بكثير من عذاب سائر الأعضاء.
41 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ رَأَى مَوْضِعَ كَلَامِهِ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فيما يَعْنيهِ» (1).
إنّ الإنسان لو أبصر وفكّر من أنّ كلامه جزء من عمله، وأنه محاسب عليه، فإن قال خيراً أثيب عليه، وإن قال شرّاً عوقب عليه، إنّ الإنسان لو وعى ذلك لقل كلامه إلّا فيما يعنيه.
42 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ثَلَاثَ مَنْ لَمْ يَكُنَّ فِيهِ لَمْ يَتِمَّ لَهُ عَمَلٌ : وَرَعٌ يَحْجُرُهُ عَنْ مَعاصي اللّه، وَخُلُقٌ يُداري بِهِ النَّاسَ، وَحِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ الْجاهِلِ» (2).
إنّ من محاسن الصفات التي توجب المزيد من رضا اللّه تعالى، الورع من محارم اللّه، كما أنّ من الصفات الكريمة التي تسمو بالإنسان الخلق الرفيع الذي يجلب عواطف الناس، ومن الصفات الرفيعة الحلم الذي يرد به جهل الجاهلين عن الإنسان.
43 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَمَرَني رَبِّي بِمُدارَاةِ النَّاسِ، كَمَا أَمَرَنِي رَبِّي : بِأَداءِ الْفَرائِضِ» (3).
إن مداراة الناس تجمع الكلمة، وتلمّ الشمل، وتوحد ما بين القلوب، وهذا ما يعني به الإسلام في رسالته الخالدة.
44 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ اللّه يُحِبُّ الرَّفْقَ، وَيُعينُ عَلَيْهِ، فَإِذا
رَكِبْتُمْ الدّوابَّ الْعُجْفَ - وهي الدابة الهزيلة - فَأَنزلوها مَنازِلَها، فَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ مُجْدِبَةٌ فَانْجوا عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُخْصِبَةٌ فَأَنزلوها مَنازِلَها» (1).
وحكى هذا الحديث الشريف رفق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه بالحيوان ورعايته له، ومناشدته الرفق فيما يحتاج إليه سقياً ورعياً.
45 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال رسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما اصْطَحَبَ اثْنَانِ إِلَّا كَانَ أَعْظَمُهُما أَجْراً، وَأَحَبُّهُما إلى اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَرْفَقَهُما بِصَاحِبِهِ» (2).
إنّ الرفق بالصاحب من شعار الاخوة الإسلامية التي تبناها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ودعا إليها في جميع المجالات.
46 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ فِي طَلَبِ الدُّنْيا إِضْراراً بِالْآخِرَةِ، وَفي طَلَبِ الْآخِرَةِ إِضْراراً بِالدُّنْيا، فَأَضِرُوا الدُّنْيا فَإِنَّهَا أَوْلَى بِالْإِضْرارِ» (3).
وفي هذا الحديث الشريف دعوة إلى الزهد في الدنيا، والإقبال على الآخرة التي هي دار البقاء والخلود.
47 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما لي وَلِلدُّنْيا، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُهَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ رُفِعَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَقالَ (4)تَحْتَها، ثُمَّ راحَ وَتَرَكها» (5).
وحكى هذا الحديث زهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه في الدنيا، ورفضه لجميع مباهجها، فقد رغب فيما أعدّ اللّه له في دار البقاء والخلود من المنازل الكريمة.
48 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ مِنْ أَغْبَطِ أَوْلِيَانِي عِنْدي عَبْداً مُؤْمِناً ذا حَظِّ مِنْ صَلاحٍ، أَحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ، وَعَبَدَ اللّه فِي السَّرِيرَةِ، وَكَانَ غامضاً في النَّاسِ فَلَمْ يُشَرْ إِلَيْهِ بِالأصابع، فَكانَ رِزْقُهُ كَفَافًا فَصَبَرَ، فَعَجَّلَتْ بِهِ الْمَنيَّةً فَقَلَّ تُراتُهُ، وَقَلَّتْ بَواكيه» (1).
وفي هذا الحديث الشريف دعوة إلى إصلاح الإنسان لنفسه، واتصاله بخالقه العظيم، وقد نظم بعض الشعراء هذا الحديث الشريف بقوله :
أَخَصُّ النَّاسِ بِالْإِيمَانِ عَبْدٌ***خفيفُ الْحالِ مَسْكَنُهُ القِفارُ
لَهُ فِي اللَّيْلِ حَظِّ مِنْ صَلَاةٍ***وَمِنْ صَوْمِ إِذا طَلَعَ النَّهارُ
وَقوتُ النَّفْسِ يَأْتِي مِنْ كَفَافٍ***وَكَانَ لَهُ عَلى ذاكَ اصْطَبارُ
وفيهِ عِفَةٌ وَبِهِ حُمولٌ***إِلَيْهِ بِالأَصابع لا يُشَارُ
وَقَلَّ الباكياتُ عَلَيْهِ لَمّا***قضى نَحْبَاً وَلَيْسَ لَهُ يَسارُ
فَذلِكَ قَدْ نَجا مِنْ كلّ شَرٌّ***وَلَمْ تَمْسَسْهُ يَوْمَ البَعْثِ نارُ (2)
49 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): سَيَدُ الْأَعْمَالِ إِنْصافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ، وَمُواساة الأخ في اللّه، وَذِكْرُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ عَلى كلّ حالٍ» (3).
وهذه الخصال الكريمة من طلائع الصفات الرفيعة، التي يشرف بها هذا الكائن الحيّ من بني الإنسان.
50 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مَنْ واسَى الْفَقِيرَ مِنْ مالِهِ، وَأَنْصَفَ النَّاسَ
مِنْ نَفْسِهِ، فَذلِكَ الْمُؤْمِنُ حَقًّا» (1).
لقد حثّ الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على كلّ خصلة كريمة، ودعا لكل فضيلة ترفع الإنسان إلى ذروة الشرف والكرامة.
51 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مَنْ سَرَّهُ النَّسَاءُ فِي الْأَجَلِ، وَالزِّيَادَة في الرِّزْقِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (2).
لقد تظافرت الأخبار عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأوصيائه في الحثّ على صلة الرحم؛ لأنها من أهمّ العوامل في نشر المحبة والوئام بين المسلمين.
52 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ الْقَوْمَ لَيَكونونَ فَجَرَةٌ وَلَا يَكُونُونَ بَرَرَةٌ فَيصِلُونَ أَرْحَامَهُمْ فَتُنَمَى أَمْوَالُهُمْ، وَتَطولُ أَعْمَارُهُمْ، فَكَيْفَ إِذا كانوا أَبْرَاراً بَرَرَةً» (3).
وهذا الحديث كالحديث السابق في الحثّ على صلة الأرحام والبرّ بهم، وذكر الفوائد المهمّة التي تترتب على ذلك.
52 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ رَجُلاً أَتَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللّه، أَوْصِني.
فَقالَ : لَا تُشْرِكْ بِاللّه شَيْئاً، وَإِنْ أَحْرِقْتَ بِالنَّارِ، وَعُذِّبْتَ إِلَّا وَقَلْبُكَ مِطْمَئِنُّ بِالْإِيمَانِ، وَوالِدَيْكَ فَأَطِعْهُما وَبِرَّهُما حَيَّيْن كانا أَوْ مَيِّتَيْنِ، وَإِنْ أَمْراكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ فَافْعَلْ، فَإِنَّ ذلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ» (4).
لقد أكّد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على البر بالوالدين والرفق بهما، والإحسان إليهما، وإن ذلك
شأن من شؤون الإسلام والإيمان.
54 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ : بِمُسْلِمٍ» (1).
لقد فرض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على جميع المسلمين الاهتمام بأمورهم وشؤونهم السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، وغيرها من الأمور التي تمسّ حياتهم، وإنّ من لا يهتمّ بها فليس له نصيب من الإسلام.
55 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أَنْسَكُ النَّاسِ نُسُكاً أَنْصَحُهُمْ جَيْباً» (2).
إنّ أفضل الناس وأميزهم من كان نقي القلب، سليم الذات لا يظلم ولا يغشّ أحداً من الناس.
56 - قال إِنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مِنْهُمْ، وَمَنْ سَمِعَ رَجُلاً يُنادي يا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ» (3).
وحكى هذا الحديث الشريف المسؤوليّة العامة على كلّ مسلم من الاهتمام الجاد بشؤون المسلمين ومصالحهم، كما ألزم بإغاثة المستغيث ونصرته من المسلمين، وقد أعلن الإسلام بذلك أهم شعارات الوحدة والتضامن بين المسلمين.
57 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَفَدَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَم عَلَى رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللّه، ما هُوَ الْأَفْضَلُ فِي الْإِسْلامِ ؟ الْإِيمَانُ بِاللّه.
ثُمَّ ماذا ؟ صِلَةُ الرَّحِمِ.
ثُمَّ ماذا ؟ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهَى عَنِ الْمُنْكَرِ
أَيُّ الأَعْمَالِ أَبْغَضُ إِلَى اللّه ؟ الشَّرْكُ بِاللّه.
ثُمَّ ماذا ؟ قَطِيعَةُ الرَّحِم.
ثُمَّ ماذا ؟ الأمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهى عَنِ الْمَعْرُوفِ» (1).
58 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللّه السُّرُورُ الَّذِي تُدْخِلُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِ تَطْرُدُ عَنْهُ جَوْعَتَهُ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَتَهُ» (2).
إنّ أحب الأعمال إلى اللّه تعالى إدخال السرور على المؤمن والإحسان إليه، فإنّ ذلك ممّا يوجب تماسك المجتمع وشيوع المحبة بين أبنائه.
59 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ أَكْرَمَ أَخاهُ الْمُسْلِمَ بِكَلِمَةٍ يُلْطِفُهُ بِها، وَفَرَّجَ عَنْهُ كُرْبَتَهُ لَمْ يَزَلْ فِي ظِلُّ اللّه الْمَمْدودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ما كانَ فِي ذلِكَ» (3).
إنّ من أهمّ المبادئ التي تبنّاها الإسلام إيجاد التضامن بين المسلمين، ونشر المحبّة والتعاون فيما بينهم، وما أعلنه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في هذا الحديث هو من بنود التضامن والتعاون.
60 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ اللّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْشَاهُمْ فِي أَرْضِهِ بِالنَّصِيحَةِ لِخَلْقِهِ» (4).
إنّ الإسلام ينشد كلّ ما يسمو به الإنسان من المثل الكريمة والقيم الرفيعة، والتي منها النصيحة لخلق اللّه.
61 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : طُوبَى لِعَبْدِ نُوَمَةٍ (1)عَرَفَهُ اللّه، وَلَمْ يَعْرِفُهُ النَّاسُ، أُولَئِكَ مَصابيحُ الْهُدى، وَيَنابيعُ الْعِلْمِ، يَنْجَلِي عَنْهُمْ كلّ فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ، لَيْسوا بِالْمَذابيع الْبُذُرِ (2)، وَلَا بِالْجُفاةِ الْمُرائيينَ» (3).
وأشاد هذا الحديث الشريف بالمؤمنين الأخيار المتحرّجين في دينهم، الذين اتجهوا نحو اللّه، وأعرضوا عن الناس وأعرض الناس عنهم، فهؤلاء مصابيح الهدى، وينابيع العلم والفضل بين الناس.
62 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَصْحَابِهِ : أَلَا أُخْبِرُكُم بِأَشْبَهِكُمْ بي ؟
قالوا : بلى يا رَسولَ اللّه.
قالَ : أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً، وَأَلْيَنكُمْ كَتَفاً، وَأَبَرُّكُمْ بِقَرابَتِهِ، وَأَشَدُّكُمْ حُبّاً لإخْوانِهِ في دينِهِ، وَأَصْبَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَأَكْظَمُكُمْ لِلْغَيْظِ، وَأَحْسَنُكُمْ عَفْواً، وَأَشَدُّكُمْ مِنْ نَفْسِهِ إِنْصافاً فِي الرِّضا وَالْغَضَبِ» (4).
من اتصف بهذه الصفات الكريمة كان شبيهاً بالرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في هديه وأخلاقه، التي امتاز بها على سائر النبيّين.
63 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنافِقاً، وَإِنْ صَامَ وَصَلَى، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ : مَنْ إِذا ائْتُمِنَ خَانَ، وَإِذا حَدَّثَ كَذَّبَ، وَإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، إنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ قال في كتابهِ : «إِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ» (5).
وَقالَ : «أَنَّ لَعْنَتَ اللّه عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ» (1).
وفي قوله عَزَّ وَجَلَّ: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً» (2)» (3).
إنّ هذه الصفات البغيضة تُبعد الإنسان عن ربّه، وتهوي به إلى قرار سحيق.
64 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ثَلاث ملعونٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ : الْمُتَغَوِّطُ في ظِل النُّزّالِ، وَالْمانِعُ الْمَاءَ الْمُنْتَابَ، وَالسّادُّ الطَّريقَ الْمَسْلوك» (4).
إنّ من يقوم بأحد هذه الأعمال فهو مذموم حقير مفسد وضار بالناس.
65 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ الْمَلَكَ لَيَصْعَدُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجاً بِهِ، فَإِذا صَعَدَ بِحَسَناتِهِ يَقولُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ اجْعَلوها في سَجَّينِ، إِنَّهُ لَيْسَ إِيَّاي أَرادَ بِها» (5).
إنّ العمل إذا كان مشفوعاً بالرياء ولم يكن خالصاً لوجه اللّه تعالى، فإنّه لا يصعد إلى اللّه.. إنّ الرياء آفة مدمّرة للأعمال، أعاذنا اللّه منه.
66 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَخْتِلُونَ الدُّنْيا بِالدِّينِ، وَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، وَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَسِيرُ الْمُؤْمِنُ فِيهِمْ بِالتَّقيَّةِ، أَبي يَفْتَرُونَ، أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِرُونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ لا تِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةٌ تترُكُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرانَ» (6).
الويل لهؤلاء الأصناف الذين أفلست ضمائرهم من تقوى اللّه، وخلت قلوبهم من الإيمان، فصدّوا عن سبيل اللّه وابتغوا الفتنة.
67 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ عُرِضَتْ لَهُ فَاحِشَةٌ أَوْ شَهْوَةٌ فَاجْتَنَبَهَا مَخافَةَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ اللّه عَلَيْهِ النَّارَ، وَآمَنَهُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَأَنْجَزَ لَهُ مَا وَعَدَهُ فِي کتابِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ» (1).
أَلَا وَمَنْ عُرِضَتْ لَهُ دُنْيا وَآخِرَةٌ فَاخْتارَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ، لَقِيَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَيْسَتْ لَهُ حَسَنَةٌ يَتَّقِي بِهَا النَّارَ، وَمَنِ اخْتارَ الْآخِرَةَ وَتَرَكَ الدُّنْيا رَضِيَ اللّه عَنْهُ، وَغَفَرَ لَهُ مَسَاوِقَ عَمَلِهِ» (2).
إنّ من اجتنب محارم اللّه خوفاً منه تعالى وفزعاً من عقابه وعذابه، كان حقّاً على اللّه أن يجزل له المزيد من الأجر ويمنحه المراتب العالية في الفردوس الأعلى.
68 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ ممّا حُفِظَ مِنْ خُطَبِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لَكُمْ مَعالِمَ فَانْتَهُوا إِلَى مَعالِمِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ، أَلَا إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْمَلُ بِيْنَ مَخافَتَيْنِ : بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضى لَا يَدْري ما اللّه صانِعٌ فِيهِ، وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْري ما اللّه قاضِ فِيهِ، فَلْيَأْخُذِ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْ دُنْيَاهُ لَآخِرَتِهِ، وَفِي الشَّبيبَةِ قَبْلَ الْكِبَرِ، وَفِي الْحَياةِ قَبْلَ الْمَماتِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ محمّد بِيَدِهِ ما بَعَدْ الدُّنْيا مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَما بَعْدَها مِنْ دَارٍ إِلَّا الْجَنَّةُ أَوِ النَّارِ» (3).
وفي هذا الخطاب الشريف دعوة ملحة إلى تقوى اللّه تعالى والخوف منه،
والتحذير من عقابه، وأنّ الواجب على العارفين الاحتياط في دينهم والورع عن محارم اللّه والعمل على ما يقربهم إليه زلفى.
69 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جاءَ في وَصِيَّةِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لِعَليُّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا عَلِيُّ، ثَلَاثَةٌ مَنْ لَقِيَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِنَّ فَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ : مَنْ أَتَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ، وَمَنْ وَرِعَ عَنْ مَحارِمِ اللّه فَهُوَ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ، وَمَنْ قَنِعَ بِمَا رَزَقَهُ اللّه فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ.
يا عَلِيُّ، ثَلَاثٌ مَنْ لَمْ يَكُنَّ فِيهِ لَمْ يَتُمْ عَمَلُهُ : وَرَعٌ يَحْجِزُهُ عَنْ مَعَاصِي اللّه، وَخُلُقٌ يداري بِهِ النَّاسَ، وَحِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ الْجَاهِلِ.
يا عَلِيُّ، الْإِسْلامُ عَرْيانٌ، وَلِبَاسُهُ الْحَياءَ، وَزِينَتُهُ الْعَفَافَ، وَمُروءَتْهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَعِمَادُهُ الْوَرَعُ» (1).
وفي هذه الوصيّة منهج كامل للحياة الكريمة التي تسمو بالإنسان، وتقربه من خالقه العظيم، وتجعله في غنى عن مشاكل الحياة.
70 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ تَرَكَ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ مَخَافَةَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرْضاهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ» (2).
لقد حثّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له على ترك المعاصي التي تبعد الإنسان عن ربّه، وتهوي به إلى قرار سحيق.
1- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اعْمَلْ بِفَرَائِضِ اللّه تَكُنْ مِنْ أَتْقَى النَّاسِ، وَارْضَ بِقِسْمِ اللّه تَكُنْ مِنْ أغْنَى النَّاسِ، وَكُفَّ عَنْ مَحارِمِ اللّه تَكُنْ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ،
وَأَحْسِنُ مُجاوَرَةَ مَنْ يُجاوِزكَ تَكُنْ مُؤْمِناً، وَأَحْسِنْ مُصاحَبَةً مَنْ صَاحَبَكَ تَكُنْ مُسْلِماً» (1).
وفي هذه الوصيّة دعوة إلى محاسن الأعمال التي يشرف ويسعد بها الإنسان.
72 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): سَيَأْتي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَنالُ الْمُلْكُ فِيهِ إِلَّا بِالْقَتْلِ.. فَمَنْ أَدْرَكَ ذلِكَ الزَّمَانَ فَصَبَرَ عَلَى الْفَقْرِ وَهِوَ يَقْدِرُ عَلَى الْغِنى، وَصَبَرَ عَلَى الْبِغْضَةِ وَهوَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَحَبَّةِ، وَصَبَرَ عَلَى الذُّلُّ وَهوَ يَقْدِرُ عَلَى الْعِزَّ آتاهُ اللّه ثَوابَ خَمْسِينَ صِدِّيقاً مِمَّنْ صَدَّقَ بي» (2).
لقد استشفّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه من وراء الغيب في الأزمنة التالية بعده تصارع النّاس على السلطة، وتهالكهم على الحكم فتسفك في سبيله الدماء، وتزهق الأرواح، وقد أوصى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أُمّته بالصبر وعدم الدخول في المعتركات السياسية، ليسلم لهم دينهم.
73 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ بِالصَّبْرِ مَعَ الْيَقِينِ فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَاصْبِرْ، فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُ خَيْراً كَثِيراً، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» (3).
لقد حثّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على التسلّح بالصبر، والتماسك أمام الأحداث، فإنّ فيه الراحة والسلامة للإنسان.
74 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما جُمِعَ شَيْءٌ إِلَى شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ حِلْمٍ إِلى عِلْم» (4).
إنّ الحلم من أفضل الصفات، فإذا اجتمع معه العلم فإنّه يبلغ من اتّصف بهما أرقى مراتب السموّ والكمال.
75 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جاءَ فِي وَصِيَّةِ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إِلَى الْإِمَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):
يا عَلِيُّ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشْبَهِكُمْ فِي خُلْقاً ؟
قالَ أَصْحَابُهُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللّه.
قالَ : أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً، وَأَبَرُّكُمْ بِقَرابَتِهِ، وَأَشَدُّكُمْ مِنْ نَفْسِهِ إِنْصافاً» (1).
إنّ هذه الصفات الكريمة من مميزات الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فمن اتصف بها فقد شابه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
76 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الرّفْقُ يُمْنٌ، وَالْخَرْقُ شُومٌ» (2).
إنّ الرفق بماله من مفهوم واسع يمن وخير على صاحبه، كما أن الخرق شؤم لأنّه أذى ومكروه يصيب به الإنسان نفسه وأهله ومجتمعه.
77 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ اللّه رَفيق يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعينُ عَلَيْهِ» (3).
إنّ اللّه تعالى يحبّ كلّ صفة كريمة يتّصف بها الإنسان، ومن بينها الرفق، فإنّه من صفات الشرف والكمال.
78- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مَنْ َواسَى الْفَقِيرَ مِنْ مالِهِ، وَأَنْصَفَ النَّاسَ
مِنْ نَفْسِهِ فَذلِكَ الْمُؤْمِنُ حَقًّا» (1).
إنّ من صفات المؤمن مواساة الفقراء فى أمواله، كما أنّ من صفاته إنصاف الناس ولو من نفسه
79 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): طُوبى لِمَنْ تَرَكَ شَهْوَةٌ حاضِرَةٌ لِمَوْعِدٍ لَمْ يَرَهُ» (2).
إنّ من نبذ شهواته طلباً لمرضاة اللّه تعالى فقد فاز، ونجا من عذاب اللّه.
80 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مِنْ عَلاماتِ الشَّقاءِ جُمودُ الْعَيْنِ، وَقَسْوَةً الْقَلْبِ، وَشِدَّةُ الْحِرْصِ فِي طَلَبِ الدُّنْيا، وَالإِصْرارُ عَلَى الذَّنْبِ» (3).
إن هذه الخصال تنم عن قساوة القلب، وقلّة الإيمان، وشقاوة الإنسان.
81 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ أَذْنَبَ ذَنْباً وَهوَ ضَاحِدٌ دَخَلَ النّارَ وَهوَ باكٍ» (4).
لعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في هذا الحديث أن من أذنب ذنباً واقترف سيّئة وهو مسرور بها، فإنّ اللّه سيعاقبه على ذلك فيدخله النار باكياً.
82 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أصولُ الْكُفْرِ أَرْبَعَةُ : الرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالسَّخَطُ، وَالْغَضَبُ» (5).
إنّ هذه الخصال الذميمة هي من أصول الكفر والتمرد على اللّه تعالى، فما من كافر إلا وفي قرارة نفسه هذه الخصال الأربع.
83 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَبْعَدِكُمْ مِنِّي شَبَهَا ؟
قالوا : بلى يا رسول اللّه.
فَقالَ : الْفَاحِشُ الْمُتَفَحْشُ، البذيء، البخيل، الْمُخْتالُ، الْحَقودُ، الحَسود، القاسي الْقَلْبِ، الْبَعيدُ مِنْ كلّ خَيْرٍ يُرْجِى، غَيْرُ الْمَأْمونِ، مِنْ كلّ شَرٌّ يُتَّقى» (1).
إن من يتصف بهذه الصفات فقد بَعُد عن نبي الإسلام وباينه في أخلاقه التي كان منها الرحمة والرأفة والسخاء وحب الخير للناس.
84 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَرِهَ لَكُمْ أَيَّتُهَا الأُمَّةُ : أَرْبَعاً وَعِشْرِينَ خَصْلَةٌ، وَنَهَاكُمْ عَنْهَا : كَرِهَ لَكُمُ الْعَبَثَ فِي الصَّلاةِ، وَكَرِهَ الْمَنَّ في الصَّدَقَةِ، وَكَرِهَ الضَّحِكَ بَيْنَ الْقُبورِ، وَكَرِهَ التَّطَلُّعَ فِي الدُّورِ، وَكَرِهَ النَّظَرَ إِلى فُروج النِّساءِ، وَقالَ : يُورِثُ الْعَمَى، وَكَرِهَ الْكَلامَ عِنْدَ الْجُمَاعِ، وَقالَ : يُورِثُ الْخَرَسَ، وَكَرِهَ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَكَرِهَ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَكَرِهَ الْغُسْلَ تَحْتَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مِنْزَرٍ، وَكَرِهَ الْمُجامَعَةَ تَحْتَ السَّماءِ، وَكَرِهَ دخول الْأَنْهارِ إِلَّا بِمِنْزَرٍ، وَقالَ : في الْأَنْهارِ عُمَارٌ، وَسُكَانٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ، وَكَرِهَ دُخولَ الْحَمَامِ إِلَّا بِمِنْزَرٍ، وَكَرِهَ الْكَلَامَ بَيْنَ الأذان والإقامَةِ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ حتّى تَنْقَضِيَ الصَّلاةُ، وَكَرِهَ رُكوبَ الْبَحْرِ فِي هَيجَانِهِ، وَكَرِهَ النَّوْمَ فَوْقَ سَطْحِ لَيْسَ بِمُحَجَّرٍ، وَقالَ : مَنْ نامَ عَلَىٰ سَطْحِ لَيْسَ بِمُحَجَّرٍ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الدَّمةُ، وَكَرِهَ أَنْ يَنامَ الرَّجُلُ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ، وَكَرِهَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَغْشَى أَهْلَهُ وَهِيَ حائِضٌ، فَإِنْ غَشِيَهَا وَخَرَجَ الْوَلَدُ مَجْدُومَا أَوْ أَبْرَصَاً فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَغْشَى
1) وسائل الشيعة : 11 : 274.
الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَقَدِ احْتَلَمَ حتّى يَغْتَسِلَ مِنِ احْتِلامِهِ الَّذِي رَأَى، فَإِنْ فَعَلَ وَخَرَجَ الْوَلَدُ مَجْنوناً فَلَا يَلومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَكَرِهَ أَنْ يُكَلَّمَ الرَّجُلُ مَجْذُوما إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَدْرَ ذراع، وَقالَ : فِرَّ مِنَ الْمَجْدُومِ فِرارَكَ مِنَ الْأَسَدِ، وَكَرِهَ الْبَوْلَ عَلَىٰ شَطٌ نَهْرٍ جَارٍ، وَكَرِهَ أَنْ يُحْدِثَ الرَّجُلُ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ قَدْ أَيْنَعَتْ أَوْ نَخْلَةٍ قَدْ أَيْنَعَتْ، وَكَرِهَ أَنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ وَهوَ قائِمٌ، وَكَرِهَ أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ الْبَيْتَ الْمُظْلِمَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ سِراجٌ أَوْ نَارٌ، وَكَرِهَ النَّفْخَ فِي الصَّلاةِ» (1).
لقد كره النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هذه الأمور وذلك لما فيها من الأضرار الصحية والاجتماعية، ومجافاة الآداب الإسلامية التي تندب إلى كلّ ما يسمو به الإنسان.
85 - روى عن آبائه، عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أَنَّهُ قَالَ : «أَلَا وَمَنْ تَوَلَّىٰ عِرافَةَ قَوْمٍ أَتَىٰ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَداهُ مَغْلُولَتانِ إِلَى عُنُقِهِ، فَإِنْ قامَ فِيهِمْ بِأَمْرِ اللّه أَطْلَقَهُ اللّه، وَإِنْ كَانَ ظَالِماً هُويَ بِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِير»ِ (2).
إنَّ اللّه تعالى يحاسب عرافة القوم وغيرهم من المسؤولين، فإن ساروا بين الناس بالحقّ، فقد نجوا، وإلا فمصيرهم النار وبئس المصير.
86 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): الْغَضَبُ يُفْسِدُ الْإِيمَانَ كَما يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ» (3).
لقد حذّر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الغضب لأنه مفتاح كلّ سوء، وقد ألقى الناس في شرّ عظيم.
87 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يَا رَسُولَ اللّه، عَلَّمْنِي.
قالَ : اذْهَبْ فَلَا تَغْضَبْ» (1).
88 - قال سَمِعْتُ أَبي يَقولُ : أَتى رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رَجُلٌ بَدَوِيٌّ فَقَالَ : إِنِّي أَسْكُنُ الْبَادِيَةَ فَعَلَّمْنِي جَوامِعَ الْكَلِمِ، فَقَالَ : آمُرُكَ أَنْ لَا تَغْضَبَ.
فَأَعادَ عَلَيْهِ الْأَعْرابِي الْمَسْأَلَةَ ثَلَاثَ مَرَاتٍ حتّى رَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ : لَا أَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ هذا، ما أَمَرَني رَسولُ اللّه إِلَّا بِالْخَيْرِ.
قالَ : وَكانَ أَبي يَقولُ : أَى شَيْءٍ أَشَدُّ مِنَ الْغَضَبِ، إِنَّ الرَّجُلَ لِيَغْضَبُ فَيَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللّه وَيَقْذِفُ الْمُحْصَنَةَ» (2).
وكثير من أمثال هذه الأخبار أثرت عن الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهي تحذر من الغضب، وتدعو إلى الحلم.
89 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال رسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما كاد (3)جَبْرَئِيل يَأْتيني إِلَّا قَالَ : يا محمّد، اتَّقِ شَحْنَاءَ الرِّجالِ وَعَداوَتَهُمْ» (4).
إنّ عداوة الناس وشحناءهم تسبّب للإنسان الكثير من المشاكل وتلقيه في شرّ عظيم.
90 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما أَتاني جَبْرَئِيلُ قَطُّ إِلَّا وَعَظَنِي، فَآخِرُ قَوْلِهِ لي : إِيَّاكَ وَمُشارةَ النّاسِ، فَإِنَّها تَكْشِفُ الْعَوْرَةَ، وَتُذْهِبَ بِالْعِزَّ» (5).
إنّ مشارة الناس وعداوتهم تلقي الإنسان في الشر وتسبّب له المصاعب.
91 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى بْنِ عِمْران (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يابْنَ عِمْرانَ، لَا تَحْسُدَنَّ النَّاسَ عَلى ما آتَيْنَهُمْ مِنْ فَضْلِي، وَلَا تَمُدُّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى ذلِكَ، وَلَا تُتْبِعَهُ نَفْسَكَ فَإِنَّ الْحَاسِدَ سَاخِطٌ لِنِعَمي، صادَ لِقَسْمِيَ الَّذِي قَسَمْتَ بَيْنَ عِبادِي، وَمَنْ يَكُ كَذلِكَ فَلَسْتَ مِنْهُ وَلَيْسَ مِنّي» (1).
الحسد من أعظم الآفات الاجتماعية، وقد ابتلي به الناس منذ بدء حياتهم، وقد جرّلهم الويلات والمحن والخطوب.
92 - روى عبد الأعلى بن أعين، قال : «قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِنَّ أَعْظَمَ الْكِبَرِ غَمْصُ الْخَلْقِ، وَسَفَهُ الْحَقَّ.
قال : قلت : وما غمص الخلق وسفه الحقّ ؟
قال : يَجْهَلُ الْحَقَّ، وَيَطْعَنُ عَلَى أَهْلِهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَقَدْ نازَعَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ رداءه» (2).
إنّ التكبّر من أرذل الصفات وأمقتها عند اللّه تعالى، فإنّ من ابتلي به لا يرى لغيره أي منزلة، ويرى أنّه قد حاز جميع أسباب القوّة والكمال، وبذلك فقد نازع اللّه رداءه.
93 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزاءِ اللّه تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ عَلَى الدُّنْيا، وَمَنْ أَتْبَعَ بَصَرَهُ ما فِي أَيْدِي النَّاسَ كَثُرَ هَمُّهُ، وَلَمْ يَشْفِ غَيْظَهُ، وَمَنْ لَمْ يَرَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ نِعْمَةً إِلَّا في مَطْعَمٍ أَوْ مَشْرَبٍ أَوْ مَلْبَسٍ فَقَدْ فَصَرَ عَمَلُهُ،
وَدَنا عَذَابُهُ» (1).
وحكى هذا الحديث ما يسعد به الإنسان في دنياه، فقد أمر بالصبر والكفّ وعدم النظر إلى ما في أيدي الناس وكظم الغيظ، وغير ذلك من موجبات السعادة.
94 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَبَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ لِصاحِبِ الْخُلُقِ السَّيِّئ : بِالتَّوْبَةِ.
قيلَ : وَكَيْفَ ذاكَ يا رَسُولَ اللّه ؟
قالَ : لأَنَّهُ إِذا تابَ مِنَ ذَنْبٍ وَقَعَ فِي ذَنْبٍ أَعْظَمَ مِنْهُ» (2).
إنّ من مرديات الإنسان سوء الخُلق، فإنّه يوقع في المهالك، ويجرّ إلى الجرائم والموبقات.
95 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ مِنْ شَرِّ عِبادِ اللّه مَنْ تُكْرَهُ مُجالَسَتُهُ لِفُحْشِهِ» (3).
إن الفاحش في كلامه وعمله تنفر منه النّاس، ولا ترغب في مجالسته، وه-و من شرار عباد اللّه.
96 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : شَرُّ النَّاسِ عِنْدَ اللّه الَّذِينَ يُكْرَمُونَ اثْقاءَ شَرِّهِمْ» (4).
إن الذي يحترمه الناس ويكرمونه اتقاء شرّه ويغيه فهو من شرار الخلق.
97 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) :«قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ أَعْجَلَ الشَّرِّ عُقوبَةٌ الْبَغْي» (1).
إنّ البغي على الناس ممّا يعجّل به اللّه العقوبة على الباغي، ويأخذه أخذاً سريعاً وأليماً.
98 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : آفَةُ الْحَسَبِ الْافْتِخار» (2).
إن الافتخار بالأحساب والأنساب منقصة، وأنّ الشريف هو الذي يفتخر بأعماله، وبما يسديه على الناس من نعم وألطاف.
99 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اتَّقوا الظُّلْمَ، فَإِنَّهُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القيامَةِ» (3).
100 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهُمُّ بِظُلْمٍ أَحَدٍ غَفَرَ اللّه لَهُ ما اجْتَرَمَ» (4).
101 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مَنْ خَافَ الْقِصَاصَ كَفَّ عَنْ ظُلْمِ النّاس» (5).
حذّرت هذه الأحاديث من الظلم، فإنّه من الآفات المدمّرة والمهلكة، وإن اللّه تعالى يعاقب الظالمين بأشد وأقسى ما يكون العذاب.
102 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يَجِيءُ كلّ غَادِرٍ يَوْمَ الْقِيامَةِ بِإِمام مائِلٍ شدْقُهُ حَتَّىٰ يَدْخُلَ النَّارَ، وَيَجِيءُ كلّ ناكِثٍ بَيْعَةَ إِمَامٍ أَجْذَمَ حَتَّىٰ يَدْخُلَ النَّارَ» (6).
لقد حذّر الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الغدر، وأن الغادر يحشر يوم القيامة مع إمام
غادر مثله حتّى يرد النار، كما حذر من نكث بيعة الإمام العادل، وأنّه يحشر يوم القيامة أجذم حتّى يرد النّار.
103 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَيْسَ مِنَا مَنْ ماكَرَ مُسْلِماً» (1).
إنّ من يمكر بالمسلم ويغدر به، فليس له من الإسلام نصيب.
104 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَا كَذِبَ عَلَى مُصْلِحٍ، ثُمَّ تَلَا : «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ» (2).
ثُمَّ َقالَ : وَاللّه ما سَرَقوا وَمَا كَذَبَ، ثُمَّ تَلَا : «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ» (3). ثُمَّ قالَ : وَاللّه ما فَعَلَهُ وَما كَذِبَ» (4).
إنّ الكذب من أفحش الذنوب، ومن أكثرها مقتاً عند اللّه، وذلك لما تترتب عليه من المفاسد الاجتماعية، وقد لعن اللّه تعالى الكذاب، وتوعده بالنار، إلا إنّه قد أباحه لإصلاح ذات البين وأثاب عليه.
105 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لَا هِجْرَةَ فَوْقَ ثَلَاثِ» (5).
وكره الإسلام هجرة المؤمن لأخيه، وعدم الكلام فيه، وقد حدّد المبغوضيّة بثلاثة أيام، أما ما زاد عليها فإنّه أشد مبغوضيّة، وأعظم كراهة كما يعلن ذلك الحديث التالي.
106 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أبي : قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَيُّمَا مُسْلِمَيْنِ نَهَاجَرًا فَمَكثنَا ثَلَاثَاً لَا يَصْطَلِحانِ، إِلَّا كانا خارِجَيْنِ مِنَ الْإِسْلامِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما وِلايَةٌ، فَأَيُّهُما سَبَقَ إِلَى كَلامِ أَخيهِ كانَ السَّابِقُ إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْحِسَابِ» (1).
إنّ هجران المسلم لأخيه ممّا يوجب شيوع الكراهية والبغضاء، وانتشار العداء بينهما، وذلك ممّا يبغضه الإسلام الذي جاء لنشر المحبّة والمودة بين الجماعة الإسلاميّة.
107 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حديثٍ : أَلَا إِنَّ فِي التَّباغُضِ الْحَالِقَةَ، لَا أَعْني حالِقَةَ الشَّعْرِ، وَلكِنْ حالِقَةَ الدِّينِ» (2).
إنّ التباغض والتباعد بين الإخوان وذوي الأرحام ممّا يوجب ذهاب الدين، وقصر الأعمار، وغير ذلك من المضار الجسيمة.
108 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : فَوْقَ كلّ ذِي بِرَّ بُرُ حتّى يُقْتَلَ الرَّجُلُ في سَبيلِ اللّه، فَإِذا قُتِلَ في سَبِيلِ اللّه فَلَيْسَ فَوْقَهُ بِرُّ، وَإِنَّ فَوْقَ كلّ عُقوقٍ عُقوقاً حَتَّىٰ يَقْتُلَ الرَّجُلُ أَحَدَ والِدَيْهِ، فَإِذا فَعَلَ ذلِكَ فَلَيْسَ فَوْقَهُ عُقوقٌ» (3).
إنّ الشهادة في سبيل اللّه هي آخر فضيلة ينتهي إليها الإنسان، فهي التي تقرّبه من اللّه زلفى، ويفوز الشهيد برضوان اللّه وجنانه ومغفرته، وبعكس ذلك عقوق الوالدين، وخصوصاً قتل أحدهما، فإذا فعل الإنسان ذلك، فقد باء بالخيبة والخسران وغضب اللّه ومقته.
109 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قالَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً
فَقَدْ أَرْصَدَ لِمُحارَبَتي» (1).
إنّ إهانة أولياء اللّه واحتقارهم إنّما هي إيذان بمحاربة اللّه تعالى، وإن اللّه لا يدع أولياءه، ولا بد أن ينتقم من خصومهم وأعدائهم.
110 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ : أَرْصَدَ لِمُحارَبَتي، وَمَا تَفَرَّبَ إِليَّ عَبْدٌ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ ممّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّافِلَةِ حتّى أُحِبَّهُ، فَإِذا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَلِسانَهُ الَّذي يَنْطِقُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بِها، إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أَنا فَاعِلُهُ كَتَرَدَدي عَنْ مَوْتِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَكْرَهُ مُساءَتَهُ» (2).
وعنى هذا الحديث بكرامة المؤمن عند اللّه، وما له من المنزلة الرفيعة عنده، وأنّ أي اعتداء عليه إنّما هو اعتداء على اللّه تعالى ومحاربة له.
111 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَقَدْ أَسْرَى رَبِّي بِي، فَأَوْحَى إِلَيَّ مِنْ وَرَاءِ الْحِجاب ما أَوْحَى، وَشَافَهَني - إِلى أَنْ قالَ لي -: يا محمّد، مَنْ أَذَلَّ لِي وَلِيّاً فَقَدْ أَرْصَدَني بِالْمُحارَبَةِ، وَمَنْ حارَبَنِي حَارَبْتُهُ.
قُلْتُ : يا رَبِّ، وَمَنْ وَليُّك هذا، فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ مَنْ حارَبَكَ حَارَبْتَهُ ؟
قال لي : ذاكَ مَنْ أَخَذْتُ مِيثَاقَهُ لَكَ وَلِوَصيَّكَ، وَلِذُرِّيَّتِكُما بِالْوِلايَةِ» (3).
وهذا الحديث كالحديث السابق في مضمونه ومدلوله، فقد أكد أنّ إذلال ولي اللّه
إنّما هي محاربة اللّه تعالى.
112 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسانِهِ وَلَمْ يُخْلِصِ الْإِيمَانَ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تَذْمُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِهِمْ تَتَبَّعَ اللّه عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللّه عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي بَيْتِهِ» (1).
إنّ تتّبع عورات المؤمنين والبحث عن نقائصهم ممّا يوجب انحطاطهم اجتماعيّاً، الأمر الذي يتنافى مع تعاليم الإسلام الذي ينشد إعزازهم وتكريمهم.
113 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): باب الْمُؤْمِنِ كَالْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَكَةِ» (2).
إنّ سباب المؤمن فسق، وخروج عن روح الإسلام الذي حرّم السباب وغيره ممّا يوجب تفكك المجتمع الإسلامي.
114 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ سَعَى فِي حَاجَةٍ لأَخِيهِ فَلَمْ يَنْصَحُهُ فَقَدْ خانَ اللّه وَرَسولَهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (3).
إن نصيحة المسلم جزء من الإسلام، ومن لم ينصح أخاه ويدله على ما يصلحه فليس له من الإسلام نصيب.
115 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَفِ إذا وَعَدَ» (4).
إنّ الوفاء بالوعد والعهد عنصر أساسي في العقيدة الإسلامية، فمن لم يفِ بوعده
فليس له من المروءة والكرامة من نصيب.
116 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ نَظَرَ إِلَى مُؤْمِن نَظْرَةٌ لِيُخِيفَهُ بِهَا، أَخَافَهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» (1).
وحرص الإسلام على نشر الأمن بين الناس، فمن روّع مؤمناً وأفزعه، فقد باء بغضب اللّه وانتقامه.
117 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرارِكُمْ ؟
قالوا : بلى يا رسولَ اللّه.
قالَ : الْمَشَاوُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الباغونَ لِلْبَراءِ الْمَعايبِ» (2).
إنّ النميمة من الوسائل الذميمة التي تؤدّي إلى تفرقة المجتمع وشيوع الكراهة والبغضاء بين أبنائه، وقد حرّمها الإسلام وتوعد عليها بالنار.
118 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ طَلَبَ رضا النَّاسِ بِسَخَطِ اللّه جَعَلَ اللّه حامِدَهُ مِنَ النّاسِ ذاماً» (3).
إنّ من يطلب رضا النّاس والتزلّف إليهم بسخط الخالق العظيم فقد خسر خسراناً مبيناً، وعكس اللّه مرامه، فجعل من يحمده من الناس ذاماً له.
119 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما زادَ خُشوعُ الْجَسَدِ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ فَهُوَ عِنْدَنا نِفاق» (4).
من الخصال المذمومة أن يخشع الجسد اصطناعاً على ما في قرارة القلب ودخائله، فإنّ ذلك لون من ألوان النفاق.
120 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَثَلُ الْمُنافِقِ مَثَلُ جِذْعِ النَّخْلِ، أَرَادَ صَاحِبْهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ فِي بَعْضِ بِنَائِهِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَرَادَ فَحَوَّلَهُ فِي مَوْضِعِ آخَرَ فَلَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ، فَكانَ آخِرُ ذلِكَ أَنْ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ» (1).
النفاق من أرذل الصفات وأمقتها عند اللّه تعالى، والمنافقون هم أعداء اللّه وأعداء رسوله، وهم أعظم خطراً على الإسلام من الكافرين.
121 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقالَ : يَا رَسُولَ اللّه، هَلَكْتُ.
فَقالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَتاكَ الْخَبيثُ فَقَالَ لَكَ : مَنْ خَلَقَكَ ؟
فَقُلْت : اللّه.
فَقَالَ لَكَ : اللّه مَنْ خَلَقَهُ ؟
فَقالَ : إِي وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ كَانَ كَذا.
فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ذاك واللّه مَحْضُ الإيمانِ.
قال ابن أبي عمير : فحدّثت بذلك عبد الرحمن بن الحجّاج، فقال : حدّثني أبي، عن أبي عبد اللّه، أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إنما عنى بقوله هذا وَاللّه مَحْضُ الْإِيمَانِ خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض له ذلك في قلبه» (2).
إنّ الوسوسة بمثل هذه الأمور إنما هي من الشيطان ليخرج الإنسان من حظيرة
الإيمان، فإذا خاف الإنسان حينما تعرض له هذه الشكوك والأوهام فقد خرج من الإثم ولا شيء عليه، إنّ الإيمان باللّه تعالى حقيقة قائمة قد فطر عليها كلّ إنسان، والشك في ذلك إنّما هو من الشيطان الرجيم.
122 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ لَمْ يَهْلِكْ.. عَلَى اللّه بَعْدَهُنَّ، إِلَّا هَالِكُ : يَهُمُ الْعَبْدُ بِالْحَسَنَةِ فَيَعْمَلُها، فَإِنْ هُوَ لَمْ يَعْمَلُها كَتَبَ اللّه لَهُ حَسَنَةٌ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ، وَإِنْ هُوَ عَمِلَها كَتَبَ اللّه لَهُ عَشْراً. وَيَهُم بِالسَّيِّئَةِ أَنْ يَعْمَلَهَا، فَإِنْ لَمْ يَعْمَلَهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ هُوَ عَمِلَهَا أَجَلَ سَبْعَ ساعاتٍ، وَقَالَ صَاحِبُ الْحَسَنَاتِ لِصاحِبِ السَّيِّئاتِ وَهُوَ صاحِبُ الشِّمَالِ : لَا تَعْجَلْ عَسَى أَنْ يُنْبِعَها بِحَسَنَةٍ تَمْحوها، فَإِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» (1)أَوِ الْاسْتِغْفارِ، فَإِنْ هُوَ قالَ : أَسْتَغْفِرُ اللّه الذي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزيزَ الْحَكِيمَ، الْغَفُورَ الرَّحِيمَ، ذَا الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ مَضَتْ سَبْعُ ساعاتٍ، وَلَمْ يُتْبِعُها بِحَسَنَةٍ وَاسْتِغْفَارٍ، قال صاحِبُ الْحَسَناتِ لِصاحِبُ السَّيِّئَاتِ : اكْتُبْ عَلَى الشَّقِيِّ الْمَحْرُومِ» (2).
إنّ اللّه اللطيف الرحيم قد تفضّل على عباده فشملهم بعفوه، وأحاطهم بفضله، وتكرّم عليهم بكلّ ما يقربهم إليه زلفى، فلم يعجل بالعقوبة على المذنب، وإنّما فتح له باب التوبة ليقلع عن غيّه، ويرجع إلى حظيرة الحق، فيصفح عنه ويتوب عليه.
123 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) توبُ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِي كلّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مرّةٍ.
فقال له زيد الشحّام : أكان يقول : أستغفر اللّه وأتوب إليه ؟
قال : لا، وَلكِنْ كانَ يَقولُ : أَتوبُ إلَى اللّه.
قلت : إنّ رسول اللّه كان يتوب ولا يعود، ونحن نتوب ونعود ؟
فقال : اللّه الْمُسْتَعانُ» (1).
إنّ اللّه تعالى فتح باب التوبة لعباده، ومنحهم بفضله ولطفه الاستغفار، فمن تاب عن ذنبه تاب اللّه عليه وعفا عنه.
124 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ قَبِلَ اللّه تَوْبَتَهُ.
ثُمَّ قَالَ : إِنَّ السَّنَةَ لَكَثيرةٌ، مَنْ تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ قَبِلَ اللّه تَوْبَتَهُ.
ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الشَّهْرَ لَكَثِيرٌ، مَنْ تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِجُمُعَةٍ قَبِلَ اللّه تَوْبَتَهُ.
ثُمَّ قالَ : إِنَّ الْجُمُعَةَ لَكَثِيرٌ، مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ قَبِلَ اللّه تَوْبَتَهُ
ثُمَّ قالَ : إِنَّ يَوْماً لَكَثِيرٌ، مَنْ تابَ قَبْلَ أَنْ يُعاين - يعني الموت - قَبلَ اللّه تَوْبَتَهُ (2).
وتجلّت بهذا الحديث الشريف مدى ألطاف اللّه بعباده ورحمته لهم، فهو يقبل التوبة، ويعفو عن الذنوب حتّى في الشوط الأخير من حياة الإنسان.
125 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : وَعِزَّتِي وَجَلالي، لَا أُخْرِجُ عَبْداً مِنَ الدُّنْيا وَأَنا أُريدُ أَنْ أَرْحَمَهُ حتّى أَسْتَوْفِي مِنْهُ كلّ خَطِيئَةٍ عَمِلَهَا، إِمَا بِسُقْمِ في جَسَدِهِ، وَإِمَا بِضِيقٍ فِي رِزْقِهِ، وَإِمَا بِخَوْفٍ فِي دُنْيَاهُ، فَإِنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ شَدَّدْتُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَعِزَّتِي وَجَلالي، لَا أُخِرِجُ عَبْداً مِنَ الدُّنْيا وَأنا أريدُ أَنْ أُعَذِّبه حتّى أُوَفِّيَهُ كلّ حَسَنَةٍ
عَمِلَها، إِمَّا بِسَعَةٍ فِي رِزْقِهِ، وَإِمَّا بِصِحَةٍ فِي جِسْمِهِ، وَإِمَا بِأَمْنِ فِي دُنْيَاهُ، فَإِنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ هَوَّنْتُ عَلَيْهِ بها الْمَوْتَ» (1)
إنّ اللّه رؤوف بعباده المؤمنين، فهو لا يخرجهم من هذه الدنيا حتّى يبتليهم ببلاء يكون كفّارة عمّا اقترفوه من الذنوب، فيقدمون عليه وقد كفر ذنوبهم، ومحا عنهم سيئاتهم، ويعكس المؤمنين الكفرة والماردين، فإنّه يسبغ عليهم النعم في هذه الدنيا لتكون كفّارة عمّا عملوه من الحسنات، فيردوا على اللّه تعالى ولا حسنة لهم فيوافيهم بذنوبهم وسيئاتهم.
126 - سأل الفضل بن عياض الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل يحسن في الإسلام أيؤاخذ بما عمل في الجاهلية ؟
فقال : قالَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلامِ لَمْ يُوَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أساءَ فِي الْإِسْلامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ» (2).
إنّ الإسلام يجبّ عمّا قبله، فمن اقترف خطيئة في الجاهليّة ثمّ أسلم، فلاشيء ولا عقوبة عليه، فقد طهره الإسلام من كلّ ذنب.
127 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعُ خِصَالٍ : الْخَطَأَ، وَالنِّسيانُ، وَما لَا يَعْلَمونَ، وَما لَا يُطيقونَ، وَما اضْطُرُّوا إِلَيْهِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَالطَّيْرَةُ، وَالْوَسْوَسَةُ فِي التَّفَكُرِ فِي الْخَلْقِ، وَالْحَسَدُ مَا لَمْ يُظْهِرْ بِلِسَانٍ أَوْ يَدٍ» (3).
إنّ حديث الرفع يشكل قاعدة فقهيّة أصيلة، فقد استند إليه الفقهاء في كثير من الفروع الفقهيّة التي أفتوا بها، وقد أطالوا البحث والتحقيق في أن المرفوع هل
هو الحكم التكليفي أو الوضعي أو كلاهما.
128 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): الدُّعاءُ سَلاحُ الْمُؤْمِنِ، وَعَمُودُ الدِّينِ، وَنُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» (1).
لقد حثّ النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على الدعاء لأنه من أهم الوسائل في نجاح الإنسان وقضاء مهمّاته.
129 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : رَحِمَ اللّه عَبْداً طَلَبَ مِنَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ حاجَةٌ فَأَلَحَّ في الدُّعاءِ، اسْتُجِيبَ لَهُ أَوْ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ، وَتَلَا هَذِهِ الآيَةَ : «وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً» (2)» (3).
لقد حثّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على الدعاء والتوسل إلى اللّه في جميع الأمور، فإن مفاتيحها بيده، وهو القادر على الاستجابة، والكاشف للبلاء والضرّاء.
130 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : خَيْرُ وَقْتٍ دَعَوْتُمُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ الْأَسْحَارُ، وَتَلا هذِهِ الآيَةَ فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ : «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي» (4)قالَ : أَخْرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ» (5).
إن لاستجابة الدعاء أوقاتاً مخصوصة والسحر منها، وقد ذكرناها بالتفصيل في الصحيفة الصادقيّة.
131- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِذا دَعا أَحَدُكُمْ فَلْيَعُمَّ، فَإِنَّهُ أَوْجَبُ لِلدُّعاءِ» (1).
إنّ من آداب الدعاء أن يدعو الإنسان دعاءً شاملاً وعاماً، ولا يخصّ به نفسه، فإنّ ذلك من موجبات قبول الدعاء عند اللّه تعالى.
132 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَا تَجْعَلُونِي كَفَدَحَ الرَّاكِبِ، فَإِنَّ الرّاكِبَ يَمْلَأُ قَدَحَهُ فَيَشْرَبُهُ إِذا شَاءَ، اجْعَلُونِي في أَوَّلِ الدُّعاءِ وَفِي آخِرِهِ وَفي وَسَطِهِ» (2).
لقد دعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى ذكره في الدعاء في أوّله ووسطه وآخره، فإنّ ذلك من موجبات قبول الدعاء عند اللّه.
133 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الصَّلَاةُ عَلَيَّ وَعَلَىٰ أَهْلِ بَيْتِي تَذْهَبُ بالنفاق» (3).
إنّ الصلاة على النبيّ وعلى آله تذهب بالنفاق وتنوّر القلب بالإيمان، فإنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مصدر النور، وباعث الإيمان في الأرض.
134 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما مِنْ قَوْمِ اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسٍ فَلَمْ يَذْكروا اسْمَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كانَ ذلِكَ الْمَجْلِسُ حَسْرَةً وَوَبالاً عَلَيْهِمْ» (4).
إنّ ذكر اللّه تعالى، والصلاة على نبيه العظيم رحمة لكل قوم اجتمعوا في مجلس، فإذا لم يفعلوا ذلك فقد خسروا، وكان ذلك وبالاً عليهم.
135 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَحَبَّهُ اللّه، وَمَنْ ذَكَرَ اللّه كثيراً كُتِبَتْ لَهُ بَراءَتانِ : بَراءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَراءَةٌ مِنَ النِّفاقِ» (1).
إنّ ذكر اللّه تعالى حياة للقلوب، وأمان من النار، وبراءة من النفاق.
136 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال كَانَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَحْمَدُ اللّه تَعَالَى فِي كلّ يَوْمٍ ثَلاثَمِانَةَ مَرَّةٍ وَسِتِّينَ مَرَّةً، عَدَدَ عُروقِ الْجَسَدِ، يَقولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ كَثِيراً عَلى كلّ حالٍ» (2).
137 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الاسْتِغْفارُ وَقَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه خَيْرُ الْعِبَادَةِ، قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِله إِلَّا اللّه وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ» (3)» (4).
إنّ الاستغفار وقول لا إله إلا اللّه من أفضل العبادات؛ لأن فيها تمجيداً وتعظيماً للخالق العظيم.
138 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما مِنْ مُؤْمِنٍ دَعَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إِلَّا رَدَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ مِثْلَ الَّذِي دَعَا لَهُمْ بِهِ، مِنْ كلّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ مِنْ أَوَّلِ الدَّهْرِ أَوْ هُوَ آتٍ إِلى يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
إِنَّ الْعَبْدَ لَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَيُسْحَبُ، فَيَقولُ الْمُؤْمِنونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ : يا رَبِّ، هذَا الَّذِي كَانَ يَدْعُو لَنا فَشَفَعْنَا فِيهِ، فَيُشَفِّعُهُمُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ فَيَنْجو» (5).
وهذا الحديث من نماذج التربية الإسلامية التي تسمو بالإنسان إلى مستوى رفيع.
139 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَرْبَعَةٌ لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ حتّى تُفْتَحَ لَهُمْ أبواب السَّماءِ، أَوْ نَصيرَ إلَى الْعَرْشِ الْوالِدُ لِوَلَدِهِ، وَالْمَظْلُومُ عَلى مَنْ ظَلَمَهُ، وَالْمُعْتَمِرُ حتّى يَرْجِعَ، وَالصَّائِمُ حتّى يُفْطِرَ» (1).
إنّ هؤلاء الأصناف لهم المنزلة الكريمة عند اللّه تعالى، فإذا دعوا فلا تردّ لهم دعوة.
140 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أتى رَجُلٌ إِلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ لَهُ : يَا نَبِيَّ اللّه، الْغَالِبُ عَلَيَّ الدِّينُ وَوَسْوَسَةُ الصَّدْرِ.
فَقالَ لَهُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قُلْ : تَوَكَّلْتُ عَلَى الْحَيِّ الَّذي لَا يَموتُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً وَلَا وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكَ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبَّرْهُ تَكْبيراً.
وَصَبَرَ الرَّجُلُ ما شاءَ اللّه، ثُمَّ مَرَّ عَلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَهَتَفَ بِهِ قَائِلاً: مَا صَنَعْتَ ؟
فَقالَ الرَّجُلُ : أَدْمَنْتُ ما قُلْتَ لي يا رسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَقَضَى اللّه دَيْنِي، وَأَذْهَبَ وَسْوَسَةَ صَدْري» (2).
لا إشكال أنّ الدعاء والانقطاع إلى اللّه ممّا يجيبه اللّه ولا يردّ سائله خائباً.
141 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أَيُّها النَّاسُ، إِنَّكُمْ فِي دَارِ هُدْنَةٍ، وَأَنتُمْ عَلَى ظَهْرِ سَفَرٍ، وَالسَّيْرُ بِكُمْ سَريعٌ، وَقَدْ رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، يُبْلِيانِ كلّ جديدٍ، وَيُقَرِّبانِ كلّ بَعِيدٍ، وَيَأْتِيانِ بِكُلِّ مَوْعِودٍ، فَأَعِدُّوا الْجَهَازَ لِبُعْدِ الْمَجَازِ.
فَقامَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ فَقالَ: يا رسولَ اللّه، وَما دارُ الْهُدْنَةِ ؟
قالَ: دارُ بَلاغ وَانْقِطَاعِ، فَإِذا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِم فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرآنِ فَإِنَّهُ شافِعٌ مُشَفَعٌ، وَمَاحِلٌ مُصَدِّقٌ، وَمَنْ جَعَلَهُ إماماً قادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ ساقَهُ إِلَى النّارِ، وَهُوَ الدَّليلُ يَدُلُّ عَلى خَيْرٍ سَبيلِ، وَهُوَ كِتَابٌ فِيهِ تَفْصِيلُ وَبَيَانٌ وَتَحْصيلٌ، وَهُوَ الْفَضْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، وَلَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، فَظَاهِرُهُ حُكْمٌ، وَباطِنُهُ عِلْمٌ، ظَاهِرُهُ أَنيقٌ، وَباطِنُهُ عَمِيقٌ، لَهُ نُجُومٌ، وَعَلى نُجومِهِ نُجومٌ (1)، لَا تُحْصى عَجائِبُهُ، وَلَا تُبْلَى غَرَائِبُهُ، فِيهِ مَصابِيحُ الْهُدى، وَمَنارُ الْحِكْمَةِ، وَدَليلٌ عَلَى الْمَعْرِفَةِ لِمَنْ عَرَفَ الصَّفَةَ، فَلْيَجْلُ جالٍ بَصَرَهُ، وَلْيُبْلِغِ الصَّفَةَ نَظَرَهُ، يَنْجُ مِنْ عَطَبٍ (2)، وَيَتَخَلَّصْ مِنْ نَشَبٍ (3)، فَإِنَّ التَّفَكَّرَ حَياةُ قَلْبِ الْبَصيرِ، كَما يَمْشي الْمُسْتَنيرُ في الظُّلماتِ بِالنُّورِ، فَعَلَيْكُمْ بِحُسْنِ التَّخَلُص، وَقِلَّةِ التَّرَبُّص» (4).
وأشاد الرسول العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالقرآن الكريم رسالة اللّه إلى عباده، وأعرب عن ثمراته ومعطياته التي لا تحصى، وأمر بتلاوته والإمعان في آياته التي هي منجاة من الضلال والفتن.
142 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالتَّخَشُّع في السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ لَحامِلُ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ أَحَقُّ النَّاسِ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ بِالصَّلاةِ وَالصَّوْمِ لَحامِلُ الْقُرآنِ، ثُمَّ نادى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِأَعْلَى صَوْتِهِ : يا حامِلَ الْقُرْآنِ، تَواضَعْ بِهِ يَرْفَعْكَ اللّه، وَلَا تَعَزَّزُ بِهِ فَيُذِلكَ اللّه.
يا حامِلَ الْقُرْآنِ، تَزَيَّنْ بِهِ لِلَّهِ يُزَيِّنكَ اللّه بِهِ، وَلَا تَزَيَّنْ بِهِ لِلنَّاسِ فَيَشيَنَكَ اللّه بِهِ.
مَنْ خَتَمَ الْقُرآنَ فَكَأَنَّما أَدْرِجَتِ النُّبوَّةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ، وَلكِنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ، وَمَنْ جَمَعَ الْقُرآنَ فَنَوْلُهُ، لَا يَجْهَلُ مَعَ مَنْ يَجْهَلُ عَلَيْهِ، وَلَا يَغْضَبُ فيمَنْ يَغْضَبُ عَلَيْهِ، وَلَا يَحِدُّ فيمَنْ يَحِدُّ، وَلكِنَّهُ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَيَغْفِرُ وَيَحْلُمُ لِتَعْظيمِ الْقُرْآنِ، وَمَنْ أُوتِيَ الْقُرْآنَ فَظَنَّ أَنَّ أَحَداً مِنَ النَّاسِ أُوتِيَ أَفْضَلَ ممّا أُوتِيَ، فَقَدْ عَظَمَ ما حَقَّرَ اللّه، وَحَفَّرَ ما عَظَمَ اللّه (1).
143 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اقْرَأَوا الْقُرْآنَ بِأَلْحَانِ الْعَرَبِ وَأَصْواتِها، وَإِيَّاكُمْ وَلُحونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَأَهْلَ الْكَبَائِرِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ مِنْ بَعْدِي أَقْوامٌ يُرَجِعونَ الْقُرْآنَ تَرْجِيعَ الْفِناءِ، وَالنَّوْحِ وَالرَّهبانِيَّةِ، لَا يَجوزُ تَراقِيَهُمْ، قُلُوبُهُمْ مَقْلُوبَةٌ، وَقُلوبُ مَنْ يُعْجِبُهُ شَأْنُهُمْ» (2).
لقد نهى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن ترجيع القرآن الكريم، وهو الغناء به، وقد أفتى فقهاء الإمامية بحرمة ذلك استناداً لهذه الرواية وغيرها.
144 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ قَرَأَ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ عِنْدَ النَّوْمِ وَقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْر» (3).
إن لبعض سور القرآن الكريم أثراً مهماً لمن يقرأها، ومنها هذه السورة الكريمة، فإنّ من قرأها باستمرار وقاه اللّه فتنة القبر وشروره.
145 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ثَلَاثٌ يُصْفِينَ وُدَّ الْمَرْءِ لَأَخِيهِ الْمُسْلِمِ : يَلْقَاهُ بِالْبُشْرِ إِذا لَقِيَهُ، وَيُوَسِّعُ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ إِذا جَلَسَ إِلَيْهِ، وَيَدْعُوهُ بِأَحَبُ الْأَسْمَاءِ
إِلَيْهِ» (1).
إنّ هذه الخصال الثلاث تجلب الود والمحبة، وقد أوصى بها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأنّها من الأسباب المهمة في جمع كلمة المسلمين وتوحيد شملهم.
146 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ» (2).
إنّ التودّد إلى الناس دليل على كمال المرء، ونموّ عقله، وسموّ ذاته.
147 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال رسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : السَّلامُ تَطَوُّع، وَالرَّدُّ فَرِيضَةٌ» (3).
وأفتى الفقهاء على ضوء هذا الحديث باستحباب ابتداء السلام، أمّا ردّه فهو واجب وفريضة.
148 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عَطَسَ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ عِنْدَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ.
فَقالَ لَهُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : بارَكَ اللّه فيك» (4).
لقد اهتم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بتعليم المسلمين بالآداب الإسلامية التي تسمو بهم إلى أرقى درجات الكمال، وقد شجّع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هذا الغلام وشكره على حسن أدبه وكماله.
149 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ عَرَفَ فَضْلَ كَبِيرٍ لِسِنِّهِ فَوَكَّرَهُ آمَنَهُ اللّه مِنْ فَزَعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (5).
150 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ وَقَرَ ذَا شَيْبَةٍ فِي الْإِسْلامِ آمَنَهُ اللّه
عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فَزَع يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (1).
وفي هذين الحديثين الشريفين دعوة مباركة إلى توقير الشيخ الكبير وتعظيمه، وهذا من سموّ الآداب الإسلامية، ومن محاسن ما شرعه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من مكارم الأخلاق.
151 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ مِنْ حَقِّ الدّاخِلِ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ أَنْ يَمْشُوا مَعَهُ هُنَيْنَةً إِذا دَخَلَ، وَإِذا خَرَجَ» (2).
152 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِذا دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي بَيْتِهِ، فَهُوَ أَميرٌ عَلَيْهِ حتّى يَخْرُجَ» (3).
إنّ من محاسن الآداب الإسلاميّة تكريم الزائر والاحتفاء به، فإنّ ذلك ممّا يوجب شيوع المودّة والمحبة بين المسلمين.
153 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قَرَأْتُ في كِتابِ عَلِيَّ لا أَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كَتَبَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ لَحِقَ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ : إِنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرُ مُضارٌ وَلَا آئِمٍ، وَحُرْمَةُ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ كَحُرْمَةِ أُمِّهِ» (4).
وعنى الإسلام بالجار عناية بالغة، فألزم باحترامه وتكريمه ورفع الأذى عنه.
154 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جاءَتْ فَاطِمَةُ (عَلَيهَا السَّلَامُ) تشكو إِلَى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بَعْضَ أَمْرِها، فَأَعْطاها كُرَيْسَةٌ (5)، وَقالَ : تَعَلَّمى ما فيها.
فَإِذا فيها : مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤذي جارَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللّه وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَسْكُت» (1).
لقد حفلت هذه الوصية بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي يشرّف بها الإنسان، ويسمو على غيره من الكائنات الحيّة.
155 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَعُوذُ بِاللّه مِنْ جَارِ السَّوْءِ في دارِ إِقَامَةٍ : تَراكَ عَيْناهُ، وَيَرْعَاكَ قَلْبُهُ، إِنْ رَآكَ بِخَيْرِ سَاءَهُ، وَإِنْ رَاكَ بِشَرَّ سَرَّهُ» (2).
إن من المحن السود التي يمنى بها الإنسان : جار السوء، فإنّه مصدر بلاء وشرّ على الإنسان، وقد ورد الاستعاذة باللّه العظيم منه في كثير من أدعية أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
156 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : كلّ أَرْبَعينَ دار جيرانٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ» (3).
وحدّد هذا الحديث الشريف الجار الذي ينبغي مراعاته، والإحسان إليه.
157 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما اصْطَحَبَ اثْنَانِ إِلَّا كَانَ أَعْظَمُهُما أَجْراً، وَأَحَبُّهُما إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَرْفَقَهُما بِصاحِبِهِ» (4).
لقد أوصى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالرفق بالصاحب والإحسان إليه، وهذا من بنود الآداب
الإسلامية الرفيعة التي يتميّز بها الإنسان المسلم.
158 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَقْسِمُ لَحْظَاتَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَيَنْظُرُ إِلى ذا، وَيَنْظُرُ إِلى ذا بِالسَّوِيَّةِ.
قالَ : وَلَمْ يَبْسُطُ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رِجْلَيْهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ قَطُّ، وَإِنْ كَانَ لَيُصافِحُهُ الرَّجُلُ فَما يَتْرُكُ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حتّى يَكونَ هُوَ النَّارِكَ، فَلَمّا فَطَنوا لِذلِكَ كَانَ الرَّجُلُ إِذا صافَحَهُ مالَ بِيَدِهِ فَنَزَعَها مِنْ يَدِه» (1).
إن أخلاق الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لقد بلغت القمة من مكارم الأخلاق، وقد استطاع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بسموّ أخلاقه ان ينشر دين اللّه، ويوحّد ما بين قلوب المسلمين وعواطفهم.
159 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِذا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَحَاهُ الْمُسْلِمَ فَلْيَسْأَلْهُ عَنِ اسْمِهِ، وَاسْمِ أَبِيهِ، وَاسْمِ قَبِيلَتِهِ وَعَشِيرَتِهِ، فَإِنَّ مِنْ حَقِّهِ الْوَاجِبِ، وَصِدْقَ الْإِحَاءِ أَنْ يَسْأَلُهُ عَنْ ذلِكَ، وَإِلَّا فَإِنَّها مَعْرِفَةٌ حُمْقٍ» (2).
إنّ تعرّف المسلم على أخيه المسلم بهذا اللون ممّا يقيم المحبّة، وينشر المودّة، ويعقد عرى الاخوة الصادقة التي هي من أعظم المبادئ التي نادى بها الإسلام.
160 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ صاحِبَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ الْقائِمِ» (3).
161 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَكْثَرُ ما تَلِجُ بِهِ أُمَّتِي الْجَنَّةَ تَقْوَى اللّه،
وَحُسْنُ الْخُلُقِ» (1).
وفي هذين الحديثين الشريفين دعوة إلى حسن الخلق الذي هو من أفضل الصفات وأحبّها عند اللّه.
162 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أَفَاضِلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ أَخْلاقاً، الْمُوَطَّئونَ أَكْنافاً، الَّذِينَ يَأْلفونَ وَيُؤْلَفونَ، وَتُوَطَّأَ رِحالُهُمْ» (2).
ودعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أُمّته إلى مكارم الأخلاق التي يسمو بها الإنسان ويشرّف، ويتميّز على جميع الكائنات الحيّة.
163 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يا بَني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنَّكُمْ لَمْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوالِكُمْ، فَالْقَوْهُمُ بِطَلاقَةِ الْوَجْهِ، وَحُسْنِ الْبِشْرِ» (3).
وحثّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أسرته على حسن الأخلاق، ومسايرة الناس بطلاقة الوجه وحسن البشر.
164 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في خُطْبَتِهِ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ خَلائِقِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ : الْعَفْو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى مَنْ أَساءَ إِلَيْكَ، وَإِعْطاءُ مَنْ حَرَمَكَ» (4).
لقد دعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الصفات، التي يشرّف بها هذا الكائن الحي من بني الإنسان.
165 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : من أَرادَ أَنْ يَحْيا حَياتِي، وَيَمُونَ ميتني،
وَيَدْخُلَ جَنَّةَ عَدْنٍ (1)الَّتِي غَرَسَهَا اللّه رَبِّي بِيَدِهِ، فَلْيَتَوَلَّ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَلْيَتَولَّ وَلِيَّهُ، وَلْيُعادِ عَدُوَّهُ، وَلْيُسَلَّمْ لِلْأَوْصياءِ مِنْ بَعْدِهِ، فَإِنَّهُمْ عِتْرَتي مِنْ لَحْمِي وَدَمي، أَعْطَاهُمُ اللّه فَهمى وَعِلْمي، إِلَى اللّه أَشْكُو أَمْرَ أُمَّتي، الْمُنْكِرِينَ لِفَضْلِهِمْ، الْقاطِعينَ فِيهِمْ صِلَتي، وَأَيْمُ اللّه لَيَقْتُلُنَّ ابْنِي (2)لَا أَنا لَهُمُ اللّه شَفاعَتي» (3).
وحكى هذا الحديث الشريف سموّ منزلة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، سيد العترة الطاهرة، وباب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنّ الواجب على كلّ مسلم موالاته، والبراءة من أعدائه، كما حكى هذا الحديث وجوب التسليم والموالاة لأئمة الهدى وأوصياء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وخلفاءه على أمته، وهم الأئمّة الاثنا عشر (عَلَيهِم السَّلَامُ).
166 - قال خَطَبَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مَسْجِدِ الْخِيْفِ فَقَالَ : نَضَّرَ اللّه عَبْداً سَمِعَ مَقالتي فَوعاها وَحَفِظَهَا، وَبَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْها، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهِ غَيْرُ فَقِيهِ، وَرُبَّ حامل فقه إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ.
ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِيُّ مُسْلِمٍ : إِخْلاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لأَئِمَّةِ الْمُسْلِمينَ، وَاللُّزومُ لِجَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ مُحيطَةٌ مِنْ وَرائِهِمْ.
الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ.. وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سواهُمْ» (4).
وقد وضع الرسول الأعظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأُسس الوثيقة لتضامن المسلمين ووحدتهم،
ومن الجدير بالذكر أنّ أحد رواة هذا الحديث سفيان الثوري مع رجل من قريش، وقد كتبه عن الإمام اللّه، فلما انصرف قال الرجل لسفيان : دعني أنظر في هذا الحديث، فنظر فيه ثمّ قال : قد واللّه ألزم أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) رقبتك شيئاً لا يذهب.
فقال : وأيّ شيء ؟
قال : قوله : ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِيُّ مُسْلِمٍ : إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ - قد عرفناه - وَالنَّصيحَةُ لأَئِمَّةِ الْمُسْلِمينَ مَن هؤلاء الأئمّة الذين يجب علينا نصيحتهم، معاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وكل من لا تجوز شهادته عندنا، ولا تجوز الصلاة خلفهم، وقوله : وَاللَّزومُ لِجَمَاعَتِهِمْ، فأي الجماعة ؟ مرجئ يقول : من لم يصل ولم يصم، ولم يغتسل من جنابة، وهدم الكعبة، ونكح أُمه، فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل، أو قدري يقول : لا يكون ما شاء اللّه عزّ جلّ، ويكون ما شاء إبليس ؟ أو حروري يتبرأ من علي بن أبي طالب، وشهد عليه بالكفر ؟ أو جهمي يقول : إنّما هي معرفة اللّه وحده ليس الأيمان شيء غيرها ؟
قال : ويحك وأي شيء يقول ؟
فقلت : يقول : إنّ علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) - واللّه - الإمام الذي يجب نصيحته علينا، ولزوم جماعته أهل بيته.
قال : فأخذ الكتاب فخرّقه وقال : لا تخبر به أحداً» (1).
167 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أيما مُؤْمِن أَوْ مُسْلِمِ مَاتَ وَتَرَكَ دَيْنَا لَمْ يَكُنْ في فَسادٍ، وَلَا إِسْرَافٍ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْضِيَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ فَعَلَيْهِ إِثْمُ ذلِكَ، إِنَّ اللّه تَبارَكَ وَتَعالى يَقولُ : «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ» الآية (2)، فَهُوَ مِنَ
الْغارِمِينَ، وَلَهُ سَهُمْ عِنْدَ الْإِمَامِ، فَإِنْ حَبَسَهُ فَإِثْمُهُ عَلَيْهِ» (1).
إنّ من بنود الاقتصاد الإسلامي المتطوّر الذي ينتعش به المجتمع، هو قضاء دين المسلم في حال حياته وبعد وفاته، فإنّه من الغارمين الذين لهم سهم في الزكاة.
168 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ : مَجْلِساً، أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً، وَأَشَدُّكُمْ تَواضِعاً، وَإِنَّ أَبْعَدَكُمْ مِنّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرثارونَ - وَهُمُ المستكبرون -» (2).
لقد دعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى محاسن الأخلاق، وحثّ على التواضع ونهي عن التكبّر، وكان ذلك من بنود رسالته المقدّسة التي من اللّه بها على النّاس.
169 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ تَمَنَّى شَيْئاً وَهُوَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيا حتّى يُعْطاهُ» (3).
ومعنى هذا الحديث : أنّ من يتمنى الظفر بما يرضي اللّه تعالى من أعمال الخير، كإنشاء المدارس، والمعاهد العلميّة، والمكتبات العامّة، وغير ذلك ممّا فيه رضا للّه، ومنفعة للنّاس، فإنّه لا يخرج من الدنيا حتّى يحقّقه اللّه له.
170 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : فَضْلُ الْعِلْمِ أَحَبُّ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فَضْلِ الْعِبادَةِ، وَأَفْضَلُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ» (4).
وأشاد هذا الحديث بفضل العلم وأهميّته، وأنّه أفضل من العبادة التي لا ينتفع
بها سوى العابد، أما العلم ففائدته وثمراته تعم الناس.
171 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لِجَبْرَئِيلَ : عِظْني.
فَقالَ : يا محمّد، عِشْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتُ، وَأَحْبِبْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفارِقُهُ، وَاعْمَلْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلاقيه.
شَرَفُ الْمُؤْمِنِ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزُّهُ كَفُّهُ عَنْ أَعْراضِ النَّاسِ» (1).
ما أثمن هذه الموعظة، فإنّ الإنسان لو تأمّلها لما هام في دنيا الضلال والأباطيل، واتّجه صوب الحق.
172 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : كادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْراً، وَكَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ» (2).
إنّ الفقر من الآفات المدمّرة للإنسان، ويسبّب له الكثير من المشاكل ويلقيه في شرّ عظيم.
وأمّا الحسد فإنّه من مساوئ الأخلاق، ويلحق بالمحسود أعظم الأضرار.
173 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مَنْ بَدَأَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ السَّلامِ فَلَا تُجِيبُوهُ» (3).
إنّ من محاسن التربية الإسلامية ومن آدابها، أن يسلّم الرجل قبل أن يتكلّم.
174 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما مَحَقَ الْإِيمَانَ مَحَقَ الشَّحْ شَيْءٌ
ثُمَّ قَالَ : إِنَّ لِهَذَا الشُّرِّ دَبيباً كَذَبِيبِ النَّمْلِ، وَشُعَباً كَشُعَبِ الشِّرْكِ» (4).
من أرذل الصفات الممقوتة : الشحَ، فإنّه يصدّ الإنسان عن عمل كلّ خير ويمنعه عن كلّ معروف.
175 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الْحَياءُ عَلَى وَجْهَيْنِ : فَمِنْهُ ضُعْفٌ وَمِنْهُ قُوَّةً، وَإِسْلامٌ وَإِيمان» (1).
إنّ الحياء أمام الذين لا دين لهم، فإنّه ضعف وخور، وأمّا الحياء أمام المتّقين والصالحين فإنّه قوة وسلام وإيمان.
176 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِنَّ فِي الْجَنَّةِ دَرَجَةً لَا يَنالُهَا إِلَّا إِمَامٌ عادِلٌ، أَوْ ذُو رَحِمٍ وَصولٌ، أَوْ ذو عِيالٍ صَبور» (2).
إنّ هؤلاء الأصناف يستحقون الفردوس الأعلى، وذلك لما اتصفوا به من الخصال الكريمة والصفات الرفيعة.
177- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَوْلَا ثَلَاثٌ فِي ابْنِ آدَمَ ما طَأَ طَأَ رَأْسَهُ شَيْءٌ : الْمَرَضُ، وَالْفَقْرُ، وَالْمَوْت، كُلُّهُمْ فِيهِ، وَأَنَّهُ مَعَهُنَّ لَوَثَابٌ» (3).
إنّ هذه الأمور الثلاث التي ألمت بالإنسان هي التي جعلته يطأطئ رأسه، ولولاها لأخذه الغرور والطيش.
178 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في وَصِيَّتِهِ لِعَلَيَّ : يَا عَلَيَّ، أَرْبَعَةٌ أَسْرَعُ شَيْءٍ في عُقوبَةٌ : رَجُلٌ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ فَكافَأَكَ بِالْإِحْسانِ إِلَيْهِ إِساءَةٌ، وَرَجُلٌ لَا تَبْغِي عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْغِي عَلَيْكَ، وَرَجُلٌ عَاهَدْتَهُ عَلَى أَمْرٍ فَوَفَيْتَ لَهُ وَغَدَرَ بِكَ، وَرَجُلٌ وَصَلَ قَرابَتَهُ فَقَطعوهُ.
ثُمَّ قَالَ : يا عَلِيُّ، مَنِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الضَّجَرُ رَحَلَتْ عَنْهُ الرّاحَةُ» (1).
إن من اتّصف بأحد هذه الأوصاف الأربعة فقد تعرّض لعقوبة اللّه تعالى وانتقامه.
179 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يَلْزَمُ الحقّ لَأُمِّنِي فِي أَرْبَعِ : يُحِبُونَ التَّائِبَ، وَيَرْحَمُونَ الضَّعِيفَ، ويعينونَ الْمُحْسِنَ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُذْنِب» (2).
إنّ المسلمين إذا لازموا هذه الخصال الأربعة فقد لازموا الحقّ وجانبوا الباطل. وسلكوا الطريق القويم.
180 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مِنْ عَلاماتِ الشَّقاءِ جُمودُ الْعَيْنِ، وَقَسْوَةً الْقَلْبِ، وَشِدَّةُ الْحِرْصِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، وَالْإِصْرارُ عَلَى الذَّنْبِ» (3).
181 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَليَّ : يا عَليُّ، أَرْبَعُ خِصَالٍ مِنَ الشَّقاءِ : جُمودُ الْعَيْنِ، وَقَسَاوَةُ الْقَلْبِ، وَبُعْدُ الأمَلِ، وَحُبُّ الْبَقاءِ» (4).
إنّ هذه الخصال الأربع في الحديثين توجب شقاء من اتصف بهنّ أو بواحدة منها، وتُبعده عن اللّه تعالى، وتهوي به إلى مستوى سحيق.
182 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): خَمْسٌ لَا أَدَعُهُنَّ حتّى الْمَمَاتِ : الْأَكْلُ عَلَى الْحَضِيضِ مَعَ الْعَبِيدِ، وَرُكوبي الْحِمارَ مُؤكَفاً، وَحَلْبُ الْعَنْزِ بِيَدِي، وَلِبْسُ الصُّوفِ، وَالتَّسْلِيمُ عَلَى الصِّبيانِ لِتَكُونَ سُنَّةٌ مِنْ بَعْدِي» (5).
وهذه الخصال التي لم يدعها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من مكارم أخلاقه، ومعالي صفاته التي
امتاز بها على سائر النبيّين.
183 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اسْتَحْيوا مِنَ اللّه حَقَّ الْحَياء.
قالوا : وَما تَفْعَلُ يا رَسولَ اللّه ؟
قالَ : فَإِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ فَلا يَبِيتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَأَجَلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلْيَحْفُظ الرّأْسَ وَما وَعى، وَالْبَطْنَ وَ ما حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الْقَبْرَ وَالْبَلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ فَلْيَدَعْ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيا» (1).
لقد دعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أُمّته إلى الزهد في الدنيا، والإقبال على الدار الآخرة التي هي المقرّ الدائم، وأن يعمل الإنسان حسب طاقته، إلى كلّ ما يقرّبه إلى اللّه زلفى.
184 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال في وَصِيَّتِهِ لِعَلِيُّ : يَا عَلِيُّ، إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ سَنَّ في الْجَاهِلِيَّةِ خَمْسَ سُنَنِ أَجْرَاهَا اللّه لَهُ فِي الْإِسْلامِ : حَرَّمَ نِسَاءَ الْآبَاءِ عَلَى الْأَبْناءِ، فَأَنْزَلَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ» (2).
وَوَجَدَ كَنْزاً فَأَخْرَجَ مِنْهُ الْخُمْسَ وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَه» الآية (3).
وَسَنَّ فِي الْقَتْلِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، فَأَجْرَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ ذلِكَ في الإِسْلامِ.
وَلَمْ يَكُنِ الطُّوافُ عِنْدَ قُرَيْشٍ فَسَنَّ فِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَبْعَةَ أَشْواطٍ، فَأَجْرَى اللّه ذلِكَ في الْإِسْلامِ.
يا عَليُّ، إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَ لَا يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلامِ، وَلَا يَعْبُدُ الْأَصْنامَ، وَلَا يَأْكُلُ
ما ذُبِحَ عَلَى النُّصْبِ، وَيَقولُ : أَنَا عَلَى دِينِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (1).
لقد كان عبدالمطلب يملك طاقات من الإيمان والوعي ما جعلته في طليعة المؤمنين باللّه تعالى في تلك العصور المظلمة، وحسبه فخراً أنّه جدّ الرسول الأعظم مفجّر الفكر والنور في هذه الدنيا.
185 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال في وَصِيَّتِهِ لِعَليَّ : يَا عَليُّ، فِي الزِّنى سِتُّ خصالٍ، ثَلَاثٌ مِنْهَا فِي الدُّنْيا، وثَلَاثٌ فِي الْآخِرَةِ.
فَأَمَّا الَّتي في الدُّنْيا : فَيَذْهَبُ بِالْبَهَاءِ، وَيُعَجِّلُ الْفَناءَ، وَيَقْطَعُ الرِّزْقَ.
وَأَمَّا الَّتي في الآخِرَةِ : فَسُوءَ الْحِسابِ، وَسَخَطُ الرَّحْمَنِ، وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ» (2).
إنّ الزنا من الجرائم الموبقات، وقد حرمه الإسلام كأشدّ ما يكون التحريم، واعتبره من كبائر الذنوب، وذلك لما يترتب عليه من المفاسد الاجتماعية التي منها إضاعة الأنساب، وضياع الأسرة التي هي الخلية الأولى في بناء المجتمع الإنساني.
186 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في وَصِيَّتِهِ لِعَلَيَّ : يا عَلِيُّ، إِنَّ اللّه تَبَارَكَ في وَتَعالى أعطاني فيكَ سَبْعَ خِصَالٍ : أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ مَعي، وأَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَقِفُ عَلَى الصِّراطِ مَعي، وَأَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يُكْسى إذا كسيتُ، وَيَحْيا إِذَا حُيِّيتُ، وَأَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَسْكُنُ مَعي في عِلِّيِّينَ، وَأَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَشْرَبُ مَعِي مِنَ الرَّحينِ الْمَخْتوم، الذي ختامُهُ مِسْك» (3).
الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد الفكر الإسلامي، والقائد الأعلى للإسلام الذي نافح
بكل طاقاته عن قيمه ومبادئه وأهدافه، وقد حباه اللّه كما حبى نبيّه الكريم بألطافه وخصّه بالمزيد من فضله التي منها ما ذكره الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
187 - إِنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال في وَصِيَّتِهِ لِعَليَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا عَلِيُّ، سَبْعَةٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ حَقيقَةَ الْإِيمَانِ، وَأَبوابُ الْجَنَّةِ مُفَتَّحَةٌ لَهُ : مَنْ أَسْبَغَ وُضوءَهُ، وَأَحْسَنَ صَلاتَهُ، وَأَدَىٰ زَكاةَ مَالِهِ، وَكَفَّ غَضَبَهُ، وَسَجَنَ لِسَانَهُ، وَاسْتَغْفَرَ لِذَنْبِهِ، وَأَدَّى النَّصيحَةَ لأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ» (1).
إن حقيقة الإيمان أن يتصف المسلم بهذه الصفات الكريمة التي تضمن له رضا اللّه تعالى والفوز بالجنّة.
188- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال في وَصِيَّتِهِ لِعَلَيَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا عَلِيُّ، ثَمَانِيَةٌ إِنْ أُهينوا فَلَا يَلوموا إِلَّا أَنْفُسَهُمْ : الذَاهِبُ إِلى مَائِدَةٍ لَمْ يُدْعَ إِلَيْهَا، وَالْمُتَأَمِّرُ عَلى رَبِّ الْبَيْتِ، وَطَالِبُ الْخَيْرِ مِنْ أَعْدائِهِ، وَطَالِبُ الْفَضْلِ مِنَ اللَّئَامِ، وَالدّاخِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي سِرَّ لَهُمْ لَمْ يُدْخِلاهُ فِيهِ، وَالْمُسْتَخِفٌ بِالسُّلْطَانِ، وَالْجَالِسُ في مَجْلِسٍ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلِ، وَالْمُقْبِلُ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ» (2).
إن هؤلاء الأصناف قد فقدوا كرامتهم، وعرّضوا نفوسهم للإهانة والذلّ.
189 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : آفَةُ الْحَديثِ الْكَذِبُ، وَافَةُ الْعِلْمِ النِّسيانُ، وَآفَةُ الْحِلْم السَّفَهُ، وَآفَةُ الْعِبادَةِ الْفَتْرَةُ، وَآفَةُ الظُّرْفِ الصَّلَفُ، وَآفَةُ الشَّجَاعَةِ الْبَغْيُ، وَآفَةُ السَّخاءِ الْمَنُّ، وَآفَةُ الْجَمَالِ الْخيَلاءُ، وَآفَةُ الْحَسَبِ الْفَخْر» (3).
إنّ هذه الخصال الكريمة لها آفات مدمّرة قد ذكرها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحذّر منها، ومن اتّصف بها وتجرّد من أضدادها كان في منتهى الكمال.
190 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال في وَصِيَّتِهِ لِعَليَّ : يَا عَليُّ، السَّواكُ مِنَ السُّنَّةِ، وَهُوَ مُطَهِّرٌ لِلْقَم، وَيَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُرْضَى الرَّحْمَنَ، وَيُبَيِّضُ الأَسْنانَ، وَيَذْهَبُ بِالْحُفَر، وَيَشُدُّ اللَّةَ، وَيُشَهّي الطَّعامَ، وَيَذْهَبُ بِالْبَلْغَمِ، وَيَزِيدُ فِي الْحِفْظِ، وَيُضَاعِفُ الْحَسناتِ، وَتَفْرَحُ بهِ الْمَلائِكَةُ» (1).
إنّ السواك يحتوي على كثير من الفوائد الصحية، وقد حث الإسلام عليه؛ لأنه ممّا يوجب حماية الإنسان، وصيانته من كثير من الأمراض.
191 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ النبيّ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ لِعَلَيَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا عَلِيُّ، اثْنَتَا عَشْرَةَ خِصْلَةٌ يَنْبَغِي لِلرَّجلِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَلَّمَهَا فِي الْمَائِدَةِ، أَرْبَعٌ مِنْها فَرِيضَةٌ، وَأَرْبَعٌ مِنْهَا سُنَّةٌ، وَأَرْبَعٌ مِنْها أَدبٌ.
فَأَمَّا الْفَريضَةُ : فَالْمَعْرِفَةُ بِما يَأْكُلُ، وَالتَّسْمِيَةُ، وَالشُّكْرُ، وَالرّضا.
وَأَمّا السُّنَّةُ : فَالْجُلُوسُ عَلَى الرِّجْلِ الْيُسْرَى، وَالْأَكْلُ بِثَلاثِ أَصابعَ، وَأَنْ يَأْكُلَ ممّا يَلِيهِ، وَمَصُّ الأصابع.
وَأَمَّا الْأَدَبُ : فَتَصْغِيرُ اللقَمَةِ، وَالْمَضْعُ الشَّدِيدُ، وَقِلَّةُ النَّظَرِ في وُجوهِ النَّاسِ، وَغَسْلُ الْيَدَيْن» (2).
وهذه الوصايا تعود بالصحة والخير على الإنسان، وتجنّبه من كثير من الأمراض.
192 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اخْتِنوا أَوْلَادَكُمْ يَوْمَ السَّابِعِ، فَإِنَّهُ أَطْهَرُ
وَأَطْيَبُ وَأَسْرَعَ لِنَباتِ اللَّحْمِ، فَإِنَّ الْأَرْضَ تَنْجَسُ مِنْ بَوْلِ الْأَغْلَفِ أَرْبَعِينَ صَباحاً» (1).
لقد شرّع الإسلام الختان للطفل يوم السابع من ولادته، وقد ختن الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سبطيه وريحانتيه، وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في اليوم السابع من ولادتهما، وجرت السنّة بذلك.
193 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَوْصى إِلى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَكانَ فيما أَوْصى بِهِ أَنَّهُ قالَ : يَا عَلِيُّ، مَنْ حَفِظَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَديثاً يَطْلُبُ بِذلِكَ وَجْهَ اللّه تَعالى وَالدّارَ الْآخِرَةَ، حَشَرَهُ اللّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقينَ وَالشُّهداءِ وَالصَّالِحينَ، وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً» (2).
وتظافرت الأخبار عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأئمّة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالحثّ على حفظ أربعين حديثاً، ومن الطبيعي أنّ المقصود من الحفظ العمل بها.
194 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال في وَصِيَّتِهِ لِعَليَّ لا : يا عَلِيُّ، الرَّبَا سَبْعونَ جُزْءاً، فَأَيْسَرُها مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُل أُمَّهُ في بَيْتِ اللّه الْحَرامِ.
يا عَلَيَّ، دِرْهَم رِبا أَعْظَمُ مِنْ سَبْعِينَ زَنْيَةٌ كُلُّهَا بِذَاتِ مَحْرَمٍ فِي بَيْتِ اللّه الْحَرامِ» (3).
الربا من الآفات المدمرة للاقتصاد، وقد شدّد الإسلام في حرمته لحماية اقتصاد الأمّة من التدهور والانهيار، فإنّ الأموال العامة تتكدّس عند فريق من الناس لا يعملون، وينهبون الثروات من دون عناء، ويخلقون بذلك أزمات اقتصادية حادة في البلاد.
195 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِذا أَعْشَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ،
وَلْيَضْرِبْ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللّه، وَلَا يَغُمُ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ» (1).
ودعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى العمل، والضرب في الأرض، وليس للإنسان المسلم أن يتكاسل، فإن ذلك ممّا يؤدّي إلى إشاعة البؤس والحرمان في البلاد
196 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ باتَ كالاً مِنْ طَلَبِ الْحَلالِ باتَ مَغْفُوراً لَه» (2).
إنّ من أعظم المكاسب التي يظفر بها الإنسان في حياته الحصول على لقمة العيش من طريق الحلال، والتجنّب عن أكل الحرام الذي يعود بالأضرار البالغة على الإنسان.
197 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «خَطَبَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِمِنى، فَقالَ : أَيُّها النَّاسُ، ما جاءَكُمْ عَنّي يُوافِقُ كِتابَ اللّه فَأَنا قُلْتُهُ، وَما جاءَكُمْ يُخالِفُ كِتابَ اللّه فَلَمْ أَقُلْهُ» (3).
وجعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المقياس في صدق الحديث، موافقته لكتاب اللّه العزيز، وما شذّ عنه وما خالفه فهو زخرف، لا نصيب له من الصحّة.
198 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ عَلَى كلّ حَقٌّ حَقيقَةٌ، وَعَلَى كلّ صَوابِ نُوراً، فَما وافَقَ كِتابَ اللّه فَخُذُوهُ، وَما خالَفَ كِتابَ اللّه فَدَعوهُ» (4).
وهذا الحديث كالحديث السابق قد جعل موافقة الكتاب العظيم هو المختبر في صحّة الحديث وصدقه .
199 - روى الفضيل بن يسار، قال : «ابتدأنا أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوماً وقال : قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ ماتَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إمامٌ فَمِيتَتُهُ مِينَةٌ جاهِلِيَّة.
فقلت : قال ذلك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؟
فقال : إِي وَاللّه قَدْ قالَ.
قلت : فكل من مات وليس له إمام فميتته جاهلية ؟
قال : نَعَمْ» (1).
وألقى هذا الحديث الأضواء على أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ودلّل عليهم دلالة صريحة واضحة، فهم الذين عناهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهل يعقل أن الرسول عنى الحكّام الذين استولوا على قيادة الحكم أمثال معاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن معاوية، و مروان بن الحكم، وأمثالهم من ذئاب الأمويين والعباسيين الذين أشاعوا الجور والظلم في البلاد.
200 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): مَنْ أَصْبَحَ مِنْ أُمَّتِي وَهَمُّهُ غَيْرُ اللّه فَلَيْسَ مِنَ اللّه» (2).
201 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : سابُّ الْمَيِّتِ كَالْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَكَةِ» (3).
وحرّم الإسلام السباب، وجعله فسوقاً لأنه مجاف لأخلاق المسلم الذي يجب أن يتربى على الفضيلة، ويبتعد في سلوكه عن كلّ رذيلة، وتتأكد الحرمة في سبّ الأموات الذين جاوروا اللّه تعالى، فإن احترامهم وعدم النيل منهم من الواجبات الإسلاميّة.
202 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): زَيْنُ أُمَّتِي حُسْنُ السَّمْتِ» (4).
أمّا حسن السمت فهو ممّا حثّ عليه الإسلام، فليس من أخلاق الإسلام في
شيء أن يكون المسلم رئاً في لباسه، فإنّه يجلب له ذلك المهانة والاحتقار.
203 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إِذا أَحَبُّ أَحَدُكُمْ صاحِبَهُ أَوْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ» (1).
204 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إذا رأَيْتُمْ أَهْلَ الْبَلاءِ فَاحْمَدوا اللّه وَلَا تُسْمِعوهُمْ، فَإِنَّ ذلِكَ يَحْزُنُهُمْ» (2).
إنّ من الآداب الإسلامية أن لا يعرض الإنسان إلى شخص مبتلى بالحمد اللّه من معافاته، فإنّ ذلك يترك أسى وحزناً في نفس المبتلى وجرحاً لعواطفه.
205 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الْقُرآنُ هُدى مِنَ الضَّلالَةِ، وَتِبْيانٌ مِنَ الْعَمى، وَاسْتِقالَةٌ مِنَ الْعَشَرَةِ، وَنورٌ مِنَ الظُّلْمَةِ، وَضِياءٌ مِنَ الْأَحْداثِ، وَعِصْمَةٌ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَرُشْدُ مِنَ الْغِوَايَةِ، وَبَيانٌ مِنَ الْفِتَنِ، وَبَلاغَ مِنَ الدُّنْيا إِلَى الْآخِرَةِ، وَفِيهِ كَمَالُ دينِكُمْ، وَما عَدَلَ أَحَدٌ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا إِلَى النَّارِ» (3).
القرآن نور وهدى ورحمة للنّاس، ففيه صلاحهم وسعادتهم، وفي مجافاته هلاكهم ودمارهم، فمن تمسك بالقرآن وعمل به فقد نال خير الدنيا والآخرة.
206 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لَا حَاجَةَ لِلَّهِ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ فِي مَالِهِ وَبَدَنِهِ نَصِيبٌ» (4).
207 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سُئِلَ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلاء في الدُّنْيا ؟
فَقالَ : النَّبيِّونَ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، وَيُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ، وَحُسْنِ
أَعْمَالِهِ، فَمَنْ صَحٌ إِيمَانُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَمَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ، وَضَعُفَ عَمَلُهُ قل بلاؤه» (1).
لقد خصّ البلاء بالمؤمنين الذي امتحن اللّه قلوبهم ليزدادوا إيماناً، ويرفع درجتهم في الدار الآخرة التي أعدها اللّه للصالحين من عباده.
208 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سُئِلَ : فيما النَّجاةُ غَداً ؟
فَقالَ : النَّجاةُ أَنْ لَا تُخادِعوا اللّه فَيَخْدَعَكُمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يُخادِعُ اللّه يَخْدَعْهُ، وَيَخْلَعْ مِنْهُ الْإِيمَانَ، وَنَفْسَهُ يَخْدَعُ لَوْ يَشْعُرُ.
فَقِيلَ : فَكَيْفَ يُخادِعُ اللّه ؟
قالَ : يَعْمَل بِما أَمَرَ اللّه ثُمَّ يُرِيدُ بِهِ غَيْرَهُ، فاتَّقُوا اللّه فِي الرِّياءِ، فَإِنَّهُ شِرْكٌ بِاللّه، إِنَّ الْمُرائي يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ : يا كَافِرُ، یا فاجِرُ، یا غادِرُ، یا خاسِرُ، حَبَطَ عَمَلُكَ، وَبَطَلَ أَجْرُكَ، وَلَا خَلاقَ لَكَ الْيَوْمَ، فَالْتَمِسْ أَجْرَكَ مِمَّنْ كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ» (2).
إنّ الرياء لونه من ألوان النفاق، وهو ينم عن ضمير لا بصيص فيه من نور الإيمان.
روى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) طائفة كبيرة من الأخبار عن جده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عملاق الفكر الإسلامي، وباب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ويتعلق معظمها بآداب السلوك، وأصول الأخلاق، وقواعد التربية، وغير ذلك ممّا ينفع الناس، وفيما يلي بعض تلك الروايات :
1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): تَرْلُ الْخَطِيئَةِ أَيْسَرُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ، وَكَمْ مِنْ شَهْوَةِ سَاعَةٍ أَوْرَثَتْ حُزْناً طَويلاً، وَالْمَوْتُ فَضَحَ الدُّنْيا فَلَمْ يَتْرُكْ لِذي لُبِّ فرحاً» (1).
وحفلت هذه الكلمات الذهبيّة بجواهر الحكمة، ولباب الأدب، وهي في مغزاها الأصيل منهج كامل لسلامة الإنسان من التورّط والانغماس في شهوات هذه الحياة التي تبعده عن اللّه تعالى.
2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : ثَلَاثَ مَنْ أَبْوابِ الْبِرِّ : سَخاءُ النَّفْسِ، - وَطِيبُ الكَلامِ، وَالصَّبْرُ عَلَى الأذى» (2).
إنّ هذه الخصال الكريمة من أبواب البر والإحسان، فمن اتصف بها كان باراً شريفاً.
3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِن قُلوبَ الْجُهَالِ تَسْتَفِزُّها الأطماعُ،
وَتَرْتَهِنُهَا الْمُنى، وَتَسْتَعْلِقُها الْخَدائِعُ» (1).
ما أروع هذه الكلمات المشرقة التي ألمت بدراسة نفسية عن طبائع الجهّال وميولهم واتّجاهاتهم، فهم منقادون في جميع الأحوال إلى الأطماع والأماني والخدائع، وليس لهم أي اتّجاه آخر.
4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ عَقْلِهِ» (2).
وهذه الكلمة الحكميّة من أروع الكلمات الحكميّة التي أدلى بها أمير الحكمة والبيان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنّه من الطبيعي أن الإنسان إذا اعجب بنفسه، وزهى بذاته التي مصيرها إلى التراب، والتي هي رهينة الأحداث والنكبات، فإنّه لیس برشید.
5 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ الإمام أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقولُ : بِالْعَقْلِ اسْتَخْرِجَ غَوْرُ الْحِكْمَةِ، وَبِالْحِكْمَةِ اسْتُخْرِجَ غَوْرُ الْعَقْلِ، وَبِحُسْنِ السَّيَاسَةِ يَكونُ الْأَدَبُ الصّالِحُ.
قالَ : وَكانَ يَقولُ : التَّفَكُرُ حَياةُ قَلْبِ الْبَصيرِ، كَما يَمْشي الماشي في الظُّلُماتِ بِالنُّورِ بِحُسْنِ التَّخَلُّصِ، وَقِلَّةِ التَّرَبُّص» (3).
وحكت هذه الكلمات الحكميّة مدى أهمية العقل، وأنه المصدر الأساس في الإبداع، واستخراج كنوز الفكر والحكمة، وأن الحياة الحقيقية إنما هي للقلوب البصيرة الواعية.
6- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَلَا أَخْبِرُكُمْ بِالْفَقِيهِ حَقَّ الْفَقِيهِ ؟
مَنْ لَمْ يُقَنِّطِّ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللّه، وَلَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللّه، وَلَمْ يُرَخُضْ لَهُم في معاصي اللّه، وَلَمْ يَتْرُكِ الْقُرآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ
أَلَا لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَهُمْ، أَلَا لَا خَيْرَ فِي قِراءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ، أَلَا لَا خَيْرَ في عِبادَةٍ لَيْسَ فيها تَفَكَّرٌ» (1).
وحدّد أمير الفكر والبيان الفقيه الواقعي، وهو المتبصر بحقائق الأمور، العالم بأسرار التشريع الإسلامي، وهو الذي لا يقنط الناس ولا ييأسهم من رحمة اللّه تعالى التي وسعت كلّ شيء، وفي نفس الوقت لا يؤمنهم من عذاب اللّه تعالى حتّى لا يقعوا في المعاصي والآثام.
ثم دعا (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى تفهم ما يقرأه الإنسان، وتدبّر ما في العلوم من الحقائق.
7 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ الْإِمَامُ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقولُ : يا طالِبَ الْعِلْمِ، إِنَّ لِلْعَالِمِ ثَلَاثَ عَلامات : الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ وَالصَّمْتَ.
وَلِلْمُتَكَلِّفِ ثَلَاثُ عَلامات : يُنازِعُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَيَظْلِمُ مَنْ دونَهُ بِالْغَلَبَةِ، وَيُظَاهِرُ الظُّلَمَةَ» (2).
وأعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن العلامات المميزة للعالم عن غيره، كما بين العلامات التي يتميّز بها الدخيل على أهل العلم، والذي يدّعي ما ليس فيه.
8 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَقولُ : إِنَّ مِنْ حَقٌّ الْعَالِمِ أَنْ لَا تُكْثِرَ عَلَيْهِ السُّؤالَ، وَلَا تَأْخُذَ بِثَوْبِهِ، وَإِذا دَخَلْتَ عَلَيْهِ وعِنْدَه قَوْمٌ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ جَميعاً، وَخُصَّهُ بالتَّحِيَّةِ دُونَهُمْ، وَاجْلِسْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا تَجْلِسْ خَلْفَهُ، وَلَا تَغْمِز بِعَيْنِكَ، وَلَا تُشِرْ
بِيَدِكَ، وَلَا تُكْثِرْ مِنَ الْقَوْلِ قالَ فُلانٌ، وَقالَ فُلانٌ، خلافاً لِقَوْلِهِ، وَلَا تَضْجَرْ بِطُولِ صُحْبَتِهِ، فَإِنَّما مَثَلُ الْعالِم مَثَلُ النَّخْلَةِ، تَنْتَظِرُها حتّى يَسْقُطَ عَلَيْكَ مِنْها شَيْءٌ، وَالْعالِمُ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللّه» (1).
ووضع الإمام المربّي المناهج التربوية السليمة لحقوق العالم والمعلّم، وما ينبغي على المتعلّم، أن يقوم به من رعاية وأدب لمعلّمه الذي هو مصدر الوعي والإلهام للمتعلّم.
9 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقولُ : يا طالِبَ الْعِلْم، إِنَّ الْعِلْمَ ذو فَضائِلَ كَثِيرَةٍ، فَرَأْسُهُ التَّواضُعُ، وَعَيْنُهُ الْبَرَاءَةُ مِنَ الْحَسَدِ، وَاذْنُهُ الْفَهْمُ، وَلِسانُهُ الصَّدْقُ، وَحِفْظُهُ الفَحْصُ، وَقَلْبُهُ حُسْنُ النِّيَّةِ، وَعَقْلُهُ مَعْرِفَةُ الْأَشْياءِ وَالأمورِ، وَيَدُهُ الرَّحْمَةُ، وَرِجْلُهُ زِيارَةُ الْعُلَماءِ، وَهِمَّتُهُ السَّلامَةُ، وَحِكْمَتُهُ الْوَرَعُ، وَمُسْتَقَرُّهُ النَّجاةُ، وَقائِدُهُ الْعَافِيَةُ، وَمَرْكَبُهُ الْوَفاءُ، وَسَلاحُهُ لينُ الْكَلِمَةِ، وَسَيْفَهُ الرّضا، وَقَوْسُهُ الْمُداراة، وَجَيْشُهُ مُحاورَةُ الْعَلَماءِ، وَمَالُهُ الْأَدَبُ، وَذَخِيرَتُهُ اجْتِنابُ الذُّنوبِ، وَزادهُ الْمَعْرُوفُ، وَمَأْواهُ الْمُوادَعَةُ، وَدَليلُهُ الْهُدى، وَرَفيقُهُ مَحَبَّةُ الْأَخْيَارِ» (2).
ورسم الإمام المربي الحكيم الأسس الرائعة التي ينبغي أن يتصف بها طالب العلم ليكون قدوة إلى الغير في سلوكه وأدبه وعلمه وعمله.
10 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْخَلْقِ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَرَجُلَينِ : رَجُلٌ وَكَلَهُ اللّه إِلَى نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، مَشْعُوفٌ بِكَلامِ بِدْعَةٍ، قَدْ لَهِجَ بِالصَّومِ وَالصَّلاةِ فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنْ افْتَتَنَ بِهِ، ضَالٌ عَنْ هَدْيَ مَنْ كانَ قَبْلَهُ،
مُضِلَّ لِمَنِ اقْتَدِى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ، حَمَالُ خَطايا غَيْرِهِ، رَهْنَّ بِخَطيئَتِهِ.
وَرَجُلٌ قَمَضٌ جَهْلاً في جُهَالِ النَّاسِ، عانٍ بِأَغْباشِ الْفِتْنَةِ، قَدْ سَمَاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عالِماً، وَلَمْ يَغْنَ فيهِ يَوْماً سالماً، بَكْرَ فَاسْتَكْثَرَ، ما قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ ممّا كَثُرَ، حَتَّىٰ إِذَا ارْتوى مِنْ آجِنٍ، وَاكْتَنَزَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ، جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قاضياً ماضياً ضامِناً لِتَخْليص ما الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ خَالَفَ قاضياً سَبَقَهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ مَنْ يَأْتي بَعْدَهُ كَفِعْلِهِ بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَماتِ الْمُعْضِلاتِ، هَيَّأَ لَها حَشْواً مِنْ رَأيهِ، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ في مَثْلِ غَزْلِ الْعَنْكَبوتِ، لَا يَدْري أَصابَ أَمْ أَخْطَأَ، لَا يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْءٍ ممّا أَنْكَرَ، وَلَا يَرَى أَنَّ وَراءَ مَا بَلَغَ فِيهِ مَذْهَباً، إِنْ قاسَ شَيْئاً بِشَيْءٍ لَمْ يُكَذِبْ نَظَرَهُ، وَإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ لِكَيْلَا يُقالُ لَهُ: لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ جَسَرَ فَقَضىٰ فَهُوَ مِفْتاحُ عَشَواتٍ (1)، وَكَابُ شُبُهاتٍ، خَبَاطُ جَهالاتٍ، لَا يَعْتَذِرُ ممّا لَا يَعْلَمُ فَيَسْلَمَ، وَلَا يَعضُّ فِي الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قاطِع فَيَغْنَمَ، يَدْرِي الرواياتِ ذَرْوَ الرّياحِ الْهَشيم، تَبْكِي مِنْهُ الْمَوارِيثُ، وَتَصْرَخُ مِنْهُ الدّماءُ، يُسْتَحَلُّ بِقَضائِهِ الْفَرَجُ الْحَرامُ، وَيُحَرَّمُ بِقَضائِهِ الْفَرَجُ الْحَلالُ، لَا مِلِي (2)بِإِصْدَارِ ما عَلَيْهِ وَرَدَ، وَلَا هُوَ أَهْلَ لِما مِنْهُ فَرَطَ مِنْ ادّعائِهِ عِلْمَ الحقّ» (3)
وقدح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صنفين من الناس قد ابتعدا في سلوكهما عن الحقّ، فالنصف الأوّل يظهر العبادة والنسك، ولم يكن ذلك عن واقع في دخيلة نفسه، فهو ضالّ مضلّ يتحمّل آثام من يقتدي به، والصنف الآخر هم الذين يتصدون للحكم والقضاء بين الناس، وليس لهم نصيب من العلم والفضل، وهؤلاء يحكمون بغير ما أنزل اللّه
فيحلّلون ما حرّم اللّه، ويحرمون ما أحل اللّه، وقد نعى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما هم فيه من ضلال وغيّ وانحراف عن الحقّ.
11 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أميرُ الْمُؤْمِنِينَ : أَيُّها النّاسُ، إِنَّ اللّه تَبارَكَ وَتَعالى أَرْسَلَ إِلَيْكُمُ الرَّسُولَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَأَنْزَلَ إِلَيْهِ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، وَأَنتُمْ أُميّونَ عَنِ الْكِتابِ وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَعَنِ الرَّسولِ، وَمَنْ أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ (1)مِنَ الْأُمَمِ، وَانْبِساطِ مِنَ الْجَهْلِ، وَاعْتِراضِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَانْتِقاضِ مِنَ الْمُبْرَمِ، وَعَمَى عَنِ الْحَقِّ، وَاعْتِسافٍ (2)مِنَ الْجَوْرِ، وَامْتِحَاقٍ مِنَ الدِّينِ، وَتَلَ مِنَ الْحُروبِ عَلَى حِينِ اصْفِرارِ مِنْ رِياضِ جَنَّاتِ الدُّنْيا وَيُبْسٍ مِنْ أَغْصَانِها، وَانْتِثَارٍ مِنْ وَرَقِهَا، وَيَأْسٍ مِنْ ثَمَرِها، وَاغْوِرارٍ مِنْ مائِها، قَدْ دُرِسَتْ أَعْلَامُ الهدى، فَظَهَرَتْ أَعْلامُ الرَّدى، فَالدُّنْيا مُتَجَهُمَةٌ فِي وُجوهِ أَهْلِها، مُكْفَهِرَّةٌ مُدْبِرَةٌ غَيْرُ مُقْبِلَةٍ، ثَمَرَتُها الْفِتْنَةُ، وَطَعامُها الجيفَةُ، وَشِعارُها الْخَوْفُ، وَدثارُها السَّيْفُ، مُزّقْتُمْ كلّ مُمَزَّقٍ، وَقَدْ أَعْمَتْ عُيونَ أَهْلِهَا، وَأَظْلَمَتْ عَلَيْهَا أَيَّامُها، وَقَدْ قَطَعوا أَرْحَامَهُمْ، وَسَفَكوا دِمَاءَهُمْ، وَدَفَنوا في التُّرابِ الْمَوْعُدَةَ، بَيْنَهُمْ مِنْ أَوْلادٍ يَجْتاز دُونَهُمْ طِيبُ الْعَيْشِ، وَرَفاهِيَةُ خُفوضِ الدُّنْيا، لَا يَرْجُونَ مِنَ اللّه ثَواباً، وَلَا يَخافُونَ وَاللّه مِنْهُ عِقاباً، حَيَّهُمْ أَعْمَى نَجِسٌ، وَمَيْتُهُمْ في النَّارِ مُبْلِس (3)، فَجَاءَهُمْ بِنُسْخَةِ ما في الصُّحُفِ الأولى، وَتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَفْصِيلِ الْحَلَالِ مِنْ رَيْبِ الْحَرامِ، ذلِكَ الْقُرآنُ فَاسْتَنْطِقوهُ، وَلَنْ يَنْطِقَ لَكُمْ، أَخْبِرُكُمْ عَنْهُ أَنَّ فِيهِ عِلْمَ ما مَضى، وَعِلْمَ ما يَأْتِي إِلَى يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَحُكْمَ ما بَيْنَكُمْ، وَبَيانَ ما أَصْبَحْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفونَ، فَلَوْ
سَأَلْتُمُونِي عَنْهُ لَعَلَّمْتُكُمْ» (1).
وأشاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الكلمة بالرسول العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنّه منحة اللّه تعالى إلى هذه الدنيا، بعدما كانت مقفرة من المثل العليا والمبادئ الكريمة، فأقام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيها العدل الخالص، والحقّ المحض، وفتح آفاقاً كريمة للوعي والتحرر والانطلاق في ميادين الشرف والكرامة.
12 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : اعْرِفوا اللّه بِاللّه، وَالرَّسُولَ بِالرِّسالَةِ، وَأُولي الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» (2).
أمّا معطيات هذا الحديث الشريف فهي كما يلي :
1 - إن اللّه تعالى قد دلّ على ذاته بذاته، وذلك بما أبدعه وأوجده في هذه العوالم من الكائنات الحيّة وغيرها التي تدل بوضوح على وجود خالقها ومكوّنها العظيم، فالإنسان - مثلاً - وما فيه من الأجهزة الدقيقة والمذهلة المرتبة يستحيل أن تتكوّن وحدها، وإنّما الذي أوجدها هو اللّه تعالى.
2 - إنّ الرسول إنّما يعرف صدقه برسالته، فإن كانت أصيلة محرّرة للأفكار داعية إلى الاتّصال باللّه، محتوية على ما يسمو به الإنسان من المبادئ والنظم الخلّاقة، فإنّه صادق بنبوته.
3 - إنّ ولاة الأمور إنّما يعرف صدقهم بما يصدر منهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بالعدل والإحسان، فإذا لم يقوموا بذلك فإنّهم ولاة ظلم وجور.
13 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبارِ الْإِمَامَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقالَ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَتى كانَ رَبُّكَ ؟
قالَ : وَيْلَكَ إِنَّما يُقالُ مَتى كانَ لِما لَمْ يَكُنْ، فَأَما ما كانَ فلا يُقالُ مَتى كَانَ، كَانَ قَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا قَبْلِ، وَبَعْدَ الْبَعْدِ بِلَا بَعْدِ، وَلَا مُنْتَهَى عَايَةٍ لِتَنْتَهِي عَايَتُهُ.
فَقالَ له : أَنبيَّ أَنت ؟
فَقالَ : لأُمِّكَ الْهَبَلُ، إِنَّما أَنا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (1).
إن اللّه تعالى هو الحقيقة الكبرى التي لا تحدّ ولا توصف بما يوصف به الممكن، من الحدود والأبعاد، فإن تصوّر الإنسان ومداركه محدودة، وهي لا تصل بأي حال من الأحوال إلى معرفة الخالق العظيم الموجد والمكوّن لكلّ شيء.
14 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جاءَ حَبْرٌ إِلَى الإمام أميرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِ فَقالَ : يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ حينَ عَبَدْتَهُ ؟
فَقالَ : وَيْلَكَ ! ما كُنْتُ أَعْبُدُ رَبِّاً لَمْ أَرَهُ.
قالَ : كَيْفَ رَأَيْتَهُ ؟
قالَ : وَيْلَكَ ! لَا تُدْرِكُهُ الْعُيونُ في مُشاهَدَةِ الْأَبْصارِ، وَلكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمانِ» (2).
إنّ العقول رأت اللّه تعالى فيما أبدعه من هذه الأكوان، فكلّ ذرّة من ذرّات هذا الوجود تنادي بوجود اللّه تعالى.
15 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الإمام أميرَ الْمُؤْمِنِينَ اسْتَنْهَضَ النَّاسَ في حَرْبِ لا مُعاوِيَةَ فى الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، فَلَمّا حَشَدَ النَّاسُ قامَ خَطيباً فَقالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الْواحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ، الْمُتَفَرِّدِ الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ، قَدْ بِانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ،
وَبانَتْ الأَشْياءُ مِنْهُ، فَلَيْسَتْ صِفَةٌ تُنالُ، وَلَا حَدٌ تُضْرَبُ لَهُ فِيهِ الأَمْثالُ، كلّ دونَ صِفاتِهِ، تَحْيِيرُ اللُّغاتِ وَضَلَّ هُناكَ، تصاريفُ الصِّفاتِ، وَحارَ فِي مَلَكُوتِهِ عَميقاتُ مَذاهِبِ التَّفْكيرِ، وَانْقَطَعَ دونَ الرُّسوخ في عَمَلِهِ جَوامِعُ التَّفْسِيرِ، وَحال دونَ غَيْبِهِ الْمَكْنُونِ حَجُبٌ مِنَ الْغُيُوبِ، تاهَتْ في أَدْنى أدانيها طامحاتُ الْعُقولِ في لطيفاتِ الأُمورِ.
فَتَبَارَكَ اللّه الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَم، وَلَا يَنالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ، وَتَعَالَى الَّذِي لَيْسَ لَهُ وَقْتْ مَعْدودٌ، وَلَا أَجَلٌ مَمْدودٌ، وَلَا نَعْتُ مَحْدودٌ، سُبْحانَ الَّذى لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ مُبْتَدَاً وَلا غايةٌ مُنْتَهى، وَلَا آخِرُ يَفْنى، سُبْحانَهُ هُوَ كَما وَصَفَ نَفْسَهُ، وَالْواصِفُونَ لَا يَبْلُغُونَ نَعْتَهُ، وَحَدَّ الأَشْيَاءَ كُلَّها عِنْدَ خَلْقِهِ، إِبَانَةٌ لَهَا مِنْ شِبْهِهِ، وَإِبَانَةٌ لَهُ مِنْ شِبْهِها، فَلَمْ يَحْلُلْ فيها، فَيُقالَ : هُوَ فيها كائِنٌ، وَلَمْ يَنْأَ عَنْها فَيُقالَ هُوَ مِنْها بائِنٌ، وَلِمَ يَخْلُ مِنْهَا فَيُقالَ لَهُ أَيْنَ ؟ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أَحاطَ بها عِلْمُهُ، وَأَتْقَنَها صُنْعُهُ، وَأَحْصاها حِفْظُهُ، لَمْ يَعْرُبْ عَنْهُ خَفِيَاتُ غُيُوبِ الْهَواءِ، وَلَا غَوامِضُ مَكْنونِ ظُلَم الدُّجى، وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ الْعُلى إِلَى الْأَرْضِينَ السُّفْلَى، لِكُلِّ شَيْء مِنْها حافِظٌ وَرَقِيبٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْها بِشَيْءٍ مُحِيطٌ، وَالْمُحيط بما أحاطَ مِنْها.
الْواحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَا يُغَيِّرُهُ صُروفُ الْأَزْمانِ، وَلَا يَتَكَأَّدُهُ (1)صُنْعُ شَيْءٍ كانَ، إِنَّمَا قَالَ لِشَيْءٍ كُنْ فَكَانَ، ابْتَدَعَ مَا خَلَقَ بِلَا مِثالٍ سَبَقَ، وَلَا تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ، وَكُلُّ صانع شَيْءٍ فَمِنْ شَيْءٍ صَنَعَ، وَاللّه لَا مِنْ شَيْءٍ صَنَعَ مَا خَلَقَ، وَكُلُّ عَالِمِ فَمِنْ بَعْدَ جَهْلٍ تَعَلَّمَ، وَاللّه لَمْ يَجْهَلْ، وَلَمْ يَتَعَلَّمْ، أَحاطَ بِالأَشْياءِ عِلْماً قَبْلَ كَوْنَها فَلَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِها عِلْماً عَلْمُهُ بِها قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَها كَعِلْمِهِ بَعْدَ تَكْوِينِها، لَمْ يُكَوِّنُها لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلَا خَوْفٍ مِنْ زوال، وَلَا نُقصانَ، وَلَا اسْتِعَانَةٍ عَلى ضِدُّ مُناءٍ، وَلَا نِدٌ مُكَاثِرِ، وَلَا شَرِيكَ مُكَابِرٍ، لَكِنْ
1) لا يتكاده : أي لا يثقله.
خَلَائِقُ مَرْبوبونَ وَعِبَادٌ دَاخِرُونَ.
فَسُبْحانَ الَّذي لَا يَؤُودُهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ، وَلَا تَدْبِيرَ ما بَرَأَ، وَلَا مِنْ عَجْزِ، وَلَا مِنْ فَتْرَةٍ بِما خَلَقَ اكْتَفى، عَلِمَ مَا خَلَقَ، وَخَلَقَ مَا عَلِمَ، لَا بِالتَّفكيرِ فِي عِلْمٍ حَادِثِ، أَصابَ ما خَلَقَ، وَلَا شُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فيما لَمْ يَخْلُقُ، لكِنْ قَضاءٌ مُبْرَمٌ، وَعِلْمٌ مُحْكَمٌ، وَأَمْرٌ مُتْقَنٌ، تَوَحَدَ بِالرُّبوبِيَّةِ، وَخَصَّ نَفْسَهُ بِالْوَحْدانِيَّةِ، وَاسْتَخْلَصَ بِالْمَجْدِ وَالسَّناءِ، وَتَفَرَّدَ بِالتَّوحيدِ وَالْمَجْدِ وَالسَّناءِ، وَتَوَحَّدَ بِالتَّحْمِيدِ، وَتَمَجَّدَ بِالتَّمْجِيدِ، وَعَلَا عَنِ اتَّخاذ الْأَبْناءِ، وَتَطَهَّرَ وَتَقَدَّسَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّساءِ، وَعَزَّ وَجَلَّ عَنْ مُجاوَرَةِ الشُّركاءِ، فَلَيْسَ لَهُ فيما خَلَقَ ضِدٌ، وَلَا لَهُ فيما مَلَكَ نِدٌ، وَلَمْ يَشْرَكْهُ في مُلْكِهِ أَحَدٌ، الْواحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الْمُبِيدُ لِلْأَبَدِ (1)، وَالْوارِثُ لِلْأَمَدِ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزالُ وَحْدانِيَا أَزَلِيَا قَبْلَ بِدْءِ الدُّهورِ، وَبَعْدَ صُروفِ الأمور، الَّذي لَا يَبيدُ وَلَا يَنْفَدُ، بِذلِكَ أَصِفُ رَبِّي، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللّه مِنْ عَظيم ما أَعْظَمَهُ، وَمِنْ جَلِيلٍ ما أَجَلَّهُ، وَمِنْ عَزيزِ مَا أَعَزَّهُ، وَتَعَالَى عَمَّا يَقولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كبيراً» (2).
وهذه الخطبة من أجل خطب أمير المؤمنين في أمور التوحيد، وهي جامعة وشاملة لقضايا التوحيد، وقد علّق عليها ثقة الإسلام الكليني، قال : «وهذه الخطبة من مشهورات خطبه، حتّى لقد ابتذلها العامة، وهي كافية لمن طلب علم التوحيد إذا تدبرها، وفهم ما فيها، فلو اجتمع ألسنة الجنّ والإنس ليس فيها لسان نبين على أن يبينوا التوحيد بمثل ما أتى به بأبي وأمي ما قدروا عليه، ولولا إبانته ما علم الناس كيف يسلكون سبيل التوحيد» (3).
16 - روى إسماعيل بن قتيبة، قال : «دخلت أنا وعيسى شلقان على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : «عَجَباً لأقوامٍ يَدعونَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ما لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ قَطُّ، خَطَبَ أميرُ الْمُؤْمِنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) النَّاسِ بِالْكُوفَةِ، فَقَالَ :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُلْهِم عَبَادَهُ حَمْدَهُ، وَفَاطِرِهِمْ عَلَى مَعْرِفَةِ رُبوبُويَّتِهِ، الدَّالُ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وَبِحُدوثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِهِ، وَبِأَشْتِباهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شِبْهَ لَهُ، الْمُسْتَشْهِدِ بِآيَاتِهِ عَلَى قُدْرَتِهِ، الْمُمْتَنِعَةِ مِنَ الصَّفاتِ ذاتُهُ، وَمِنَ الْأَبْصارِ رُؤْيَتُهُ، وَمِنَ الْأَوْهَامِ الْإِحاطة بِهِ، لَا أَمَدَ لِكَوْنِهِ، وَلَا عَايَةَ لِبَقَائِهِ، لَا تَشْمُلُهُ الْمَشاعِرُ، وَلَا تَحْجُبُهُ الْحُجُبُ، وَالْحِجابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، خَلْقَهُ إِيَّاهُمْ ِلامْتِناعِهِ ممّا يُمْكِنُ في ذَواتِهِمْ، وَلَا مَكانَ ممّا يَمْتَنِعُ مِنْهُ، وَلاخْتِراقِ الصَّائِعِ مِنَ الْمَصْنوع، وَالْحادُ مِنَ الْمَحْدودِ، وَالرَّبِّ مِنَ الْمَرْبوبِ، الْواحِدُ بِلَا تَأْوِيلِ عَدَدٍ، وَالْخالِقُ لَا بِمَعْنى حَرَكَةٍ، وَالْبَصِيرُ لَا بِأَداةٍ، وَالسَّمِيعُ لَا بِتَفْريقِ آلَةٍ، وَالشَّاهِدُ لَا بِمُماسَّةٍ، وَالْباطِنُ لَا بِاجْتِنانِ (1)، وَالظَّاهِرُ الْبَائِنُ لَا بِتَراخي مَسافَةٍ أَزَلُهُ نَهْيُهُ لِمَجاوِلِ الْأَفْكَارِ، وَدَوامُهُ رَدْعٌ لِطَامِحَاتِ الْعُقولِ، قَدْ حَسَرَ كُنْهُهُ نَوافِذَ الْأَبْصارِ، وَقَمَعَ وَجودُهُ جَوائِلَ الْأَوْهامِ، فَمَنْ وَصَفَ اللّه فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدُهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ، وَمَنْ قالَ : أَين ؟ فَقَدْ غَيَّاهُ، وَمَنْ قَالَ : عَلَامَ ؟ فَقَدْ أَخْلَا مِنْهُ، وَمَنْ قالَ فِيمَ ؟ فَقَدْ ضَمَّنَهُ» (2).
وهذه الخطبة الشريفة من ألمع خطبه في التوحيد، وشرحها ممّا يطول به المقام، وقد عرض صدر المتألهين إلى شرحها وبيان معطياتها في شرحه لأصول الكافي.
17 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّا أَهْلُ الْبَيْتِ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، وَمَوْضِعُ
الرِّسالَةِ، وَمُخْتَلَفُ الْمَلائِكَةِ، وَبَيْتُ الرَّحْمَةِ، وَمَعْدِنَ الْعِلْمِ» (1).
إنّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) سفن النجاة، وأمن العباد، وقد قرنهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمحكم التنزيل، وفرض اللّه تعالى مودتهم على جميع عباده
18 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَا تَخْتانوا وَلاتَكُمْ، وَلَا تَغُشُّوا هداتَكُمْ، وَلَا تَجْهَلُوا أَئِمَّتَكُمْ، وَلَا تَصَدَّعوا عَنْ حَبْلِكُمْ فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، وَعَلى هذا فَلْيَكُنْ تَأسيسُ أُمورِكُمْ، وَالْزَموا هذِهِ الطَّريقَةَ فَإِنَّكُمْ لَوْ عَايَنْتُمْ ما عَايَنَ مَنْ قَد ماتَ مِنْكُمْ مِمَّنْ خالَفَ ما قَدْ تُدْعَوْنَ إِلَيْهِ لَبَدَرْتُمْ وَخَرَجْتُمْ، وَلَسَمِعْتُمْ، وَلكن مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ ما قَدْ عاينوا، وَقَريباً ما يُطْرَحُ الْحِجابُ» (2).
وألزم الإمام العظيم بالنصيحة والطاعة لولاة الأمور، الذين يسيرون بين الناس بسيرة مشرقة قوامها الحقّ المحض والعدل الخالص.
19 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَلَى الْمُنْبَرِ : لَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ طَعْمَ الْإِيمَانِ حتّى يَعْلَمَ أَنَّ ما أَصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَما أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَهُ، وَأَنَّ الضَّارَّ النَّافِعَ هُوَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ» (3).
إن حقيقة الإيمان أن يعتقد الإنسان بأن مجريات الأحداث كلها بيد الخالق العظيم، وأن ما يكتبه على الإنسان لا بد أن يجري عليه.
20 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقولُ : نَبِّهُ بِالتَفْكُرِ قَلْبَكَ، وَجافِ عَنِ النَّوْمِ جَنْبَكَ، وَاتَّقِ اللّه رَبَّكَ» (4).
وأمر الإمام الحكيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الكلمات المشرقة بالإصلاح الشامل للإنسان، فقد يمرّ بالتفكر ليصل إلى الحقيقة العظمى المشرقة، وهي معرفة اللّه تعالى التي هي جوهر هذا الوجود.
21 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَتَأْمُرنَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيَفْتَحَنَّ اللّه عَلَيْكُمْ فِتْنَةٌ تَتَرُكُ الْعاقِلَ فِيكُمْ حَيْراناً، ثُمَّ لَيُسَلِّطَنَّ اللّه عَلَيْكُمْ شِرارَكُمْ فَيَدْعو خِيارُكُمْ فَلَا يُسْتَجابَ لَهُمْ، ثُمَّ مِنْ وَرَاءِ ذلِكَ عذابٌ أَلِيمٌ» (1).
إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزء لا يتجزأ من رسالة الإسلام الهادفة إلى إقامة العدل السياسي والعدل الاجتماعي بين الناس.
22 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مَنْ مَشى إِلى صاحِبٍ بِدْعَةٍ فَوَكَّرَهُ، فَقَدْ مَشى في هَدْمِ الْإِسْلامِ» (2).
لقد حارب الإسلام أصحاب البدع والأهواء الفاسدة، الذين يسعون في الأرض فساداً، ومن الطبيعي أنّ تكريمهم بأي وسيلة من الوسائل هدم الإسلام، وانحراف عن طريق الحق.
23 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : اخشوا اللّه خشية ليست بتعذير، واعملوا اللّه في غَيْرِ رياء ولا سمعة، فإنه من عمل لغير اللّه وكله اللّه إلى عمله يَوْمَ القيامة» (3).
ودعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الإخلاص في العمل إلى ما يرضى اللّه، وأن أي عمل
لا يقصد به وجه اللّه تعالى، فلا يثاب عليه صاحبه.
24 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): اعْلَموا أَنَّهُ لَا يَصْغَرُ ما ضَرَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَصْغَرُ ما يَنْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَكونوا فيما أَخْبَرَكُمُ اللّه كَمَنْ عايَنَ» (1).
إنّ ما يعمله الإنسان من خير أو شرّ يحفظه اللّه يوم القيامة لا يتغيّر ولا يتبدل، فيثاب عليه إن كان حسناً، ويعاقب عليه إن كان شراً.
25 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِنَّ الْعَالِمَ الْكاتِمَ عِلْمَهُ يُبْعَثُ أَنْتَنَ أَهْل القيامَةِ ريحاً، تَلْعَنُهُ كلّ دابَّةٍ حتّى دوابِّ الْأَرْضِ الصَّغارِ» (2).
ودعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) العلماء إلى إشاعة علمهم، وإذاعته بين الناس، وأن الذين يكتمون علمهم هم أشرّ الناس يوم القيامة، وأكثرهم محنة وعذاباً.
26 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَا خَيْرَ فِي الدُّنْيا إِلَّا لأَحَدِ رَجُلَيْنِ : رَجُلٍ يَزْدادُ كلّ يَوْمٍ إِحْساناً.
وَرَجُلٍ يَتدارَلُ مَنِيَّتَهُ بِالتَّوْبَةِ، وَأَنَّىٰ لَهُ بِالتَّوْبَةِ، وَاللّه لَوْ سَجَدَ حَتَّىٰ يَنْقَطِعَ عُنُقُهُ ما قَبِلَ اللّه مِنْهُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ» (3).
وأشاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالعاملين للإحسان، الذين يسدون الخير والمعروف على الناس، كما أشاد بالعارفين للحق والعاملين به.
27 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ عَلَى : لَا يَسْتَحْيِ الْعالِمُ إِذا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقول : عَلِيٌّ
لَا عِلْمَ لي بِهِ» (1).
من المناهج التربوية العالية التي رسمها وصيّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى العلماء أنّهم إذا سُئلوا عن مسألة لا علم لهم بها، أن يجيبوا بعدم علمهم، فإن ذلك أزكى لهم.
28 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّىٰ يَأْتِيكَ ما يَغْلِبُكَ مِنْهُ، وَلَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً، وَأَنْتَ تَجِدُ لَها فِي الْخَيْرِ مَحْمَلاً» (2).
وعُني الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكل ما يجمع كلمة المسلمين، ويوحّد صفوفهم، ويجمع شملهم، وينفي الغائلة عنهم، وكان من بين ما عني به أن يضع المسلم أمر أخيه، وما يصدر منه على أحسنه، ولا يظنّ به سوءاً.
29 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْثُرَ خَيْرَ بَيْتِهِ، فَلْيَتَوَضًا عِنْدَ حُضور طَعامِهِ» (3).
إنّ من ثمرات الوضوء النظافة، وسعة الرزق، وصباحة الوجه.
30 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مَنْ طَالَ أَمَلُهُ ساءَ عَمَلُهُ» (4).
إنّ طول الأمل ممّا يوجب الحرص على الدنيا، ونسيان الآخرة، والإعراض عن اللّه تعالى.
1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سَمِعْتُ أَبي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلا قَامَ إِلَى الْإِمَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فَقالَ لَهُ: يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ ؟
قالَ : بِفَسْحَ الْعَزْمِ، وَنَقْضِ الْهَمُ، لَمّا أَنْ هَمَمْتُ فَحالَ بَيْنِي وَبَيْنَ هَمِّي، وَعَزَمْتُ فَخالَفَ الْقَضاءُ عَزْمي، فَعَلِمْتُ أَنَّ الْمُدَبِّرَ غَيْرِي.
قالَ : فَبِمَاذَا شَكَرْتَ نَعْمَاءَهُ ؟
قالَ : نَظَرْتُ إِلى بَلَاءِ قَدْ صَرَفَهُ عَنِّي، وَأَبْلَى بِهِ غَيْرِي، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيَّ فَشَكَرْتُهُ.
قالَ : فَبِمَاذَا أَحْبَيْتَ لِقاءَهُ ؟
قالَ : لَمَا رَأَيْتُهُ قَدِ اخْتارَ لي دينُ مَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَأَنْبِيائِهِ عَلِمْتَ أَنَّ الَّذِي أَكْرَمَني بِهِذا لَيْسَ يَنْسانِي فَأَحْبَبْتُ لِقاءَهُ» (1).
إنّ جميع مجريات الأحداث بيد اللّه تعالى، فهو الذي يتصرّف في خلقه كيفما شاء، وليس لإرادة الإنسان وعزمه أي أثر في وجود الأشياء وعدمها.
32 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): ثَلاثَةٌ لَا يَنتَصِفُونَ مِنْ ثَلاثَةٍ : شَرِيفٌ مِنْ وَضيعٍ، وَحَلِيمٌ مِنْ سَفيهِ، وَبَةٌ مِنْ فَاجِرٍ» (2).
إنّ هذه الأصناف الثلاثة تتمتّع بالعزة والكرامة، فهي لا تنتصف من أضدادها.
33 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : الدُّهْنُ - أي الطيب - يُظهِرُ الْغِنى، وَالثّبابُ تُظهِرُ الْجَمَالَ، وَحُسْنُ الْمَلَكَةِ يَكْبِتُ الأَعْداءَ» (3).
34 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْعامِلُ بِالظُّلْمِ، وَالْمُعِينُ عَلَيْهِ، وَالرّاضِي بِهِ شُرَكَاءُ ثَلاثَة» (1).
لقد حارب الإسلام الظلم بجميع صوره وألوانه التي منها المعين على الظلم والراضي به.
35 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْمُؤْمِن يَتَقَلَّبُ في خَمْسَةٍ مِنَ النُّورِ: مدْخَلُهُ نُورٌ، وَمَخْرَجُهُ نورٌ، وَعِلْمُهُ ُنورٌ، وَكَلامُهُ نورٌ، وَمَنْظَرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى النور» (2).
المؤمن بركة ورحمة وخير، فهو يضيء للناس في سلوكه، وتحرّجه في الدين، وهو نور في جميع مراحل حياته.
36 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَتَبَ إِلى عُمَالِهِ : ارْقوا أَقْلَامَكُمْ، وَقارِبوا بَيْنَ سُطُورِكُمْ، وَاحْذِفوا عَنِّي فُضولَكُمْ، وَاقْصِدوا قَصْدَ الْمَعاني، إِيَّاكُمْ وَالْإِكْثَارَ، فَإِنَّ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ لَا تَحْتَمِلُ الْإِضْرارَ» (3).
وفي هذا المرسوم من كلامه دعوة العمّال إلى جودة الخطّ، والإيجاز فيما يكتبونه مع جودة المعاني، والنهي عن الإطناب في الكلام، فإنّه يستدعي كثرة القرطاس، وذلك ممّا يضر بمصالح المسلمين.
37 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): خَمْسٌ لَوْ رَحَلْتُمْ فِيهِنَّ مَا قَدَرْتُمْ عَلَى مِثْلِهِنَّ : لَا يَخافَ عَبْدٌ إِلَّا ذَنْبَهُ، وَلَا يَرْجُو إِلَّا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَسْتَحي الْجَاهِلَ
إِذا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَتَعَلَّمَ (1)، وَالصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ» (2).
وهذه الوصيّة من أروع الوصايا، فقد حفلت بما ينجي الإنسان من شرور هذه الدنيا، وبما يقربه إلى اللّه زلفى.
38 - روى عن جده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال : «السُّحْتُ ثَمَنُ الْمَيتَةِ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ، وَثَمَنُ الْخَمْرِ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ وَالرَّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ، وَأَجْرَةُ الْكاهِنِ» (3).
وعلى ضوء هذه الرواية فقد أفتى فقهاء الإمامية بأنّ الثمن المبذول بإزاء هذه الأمور سحت، وأنّ أكل المال بإزائها أكل بالباطل.
39 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْإِيمَانُ أَرْبَعَةُ أَرْكَانِ : الرِّضا بِقَضاءِ اللّه، وَالتَّوَكُلُ عَلَى اللّه، وَتَفْوِيضُ الْأَمْرِ إِلَى اللّه، وَالتَّسْلِيمُ لأَمْرِ اللّه» (4).
وهذه الأركان الأربعة إن اتّصف بها شخص فقد بلغ قمة الإيمان باللّه الذي هو من أشرف الصفات وأفضلها.
40 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلواتُ اللّه عَلَيْهِ يَقولُ : أَفْضَلُ الْعِبادَةِ الْعَفافُ» (5).
إن عفة البطن والفرج من اقتراف الحرام من أفضل أنواع العبادة، وأكثرها حبّاً وتقرّباً اللّه.
41 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِنَّ عَلَامَةَ الرّاغِبِ فِي ثَوابِ الْآخِرَةِ زُهْدُهُ في عاجِلِ زَهْرَةِ الدُّنْيا، أما إِنْ زُهْدِ الزَّاهِدِ في هذِهِ الدُّنْيا لَا يَنْقُصُهُ ممّا قَسَمَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ فيها وَإِنْ زَهِدَ، وَإِنْ حِرْصَ الْحَرِيصِ عَلى عاجِلِ زُهْرَةِ الدُّنْيا لَا يَزِيدُهُ فيها وَإِنْ حَرَصَ بِالْمَغْبُونُ مَنْ حُرِمَ حَقَّهُ مِنَ الْآخِرَةِ» (1).
إنّ رزق الإنسان وحرمانه كلّ ذلك بيد اللّه تعالى، فزهده في هذه الدنيا لا ينقصه ممّا قسم اللّه فيها من رزق، كما أنّ حرص الحريص في هذه الدنيا لا يزيده حرصه عمّا قسم اللّه له، وأنّ الخاسر والمغبون من حرم حظه من دار البقاء والخلود.
42 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ يَعِظُهُ :
أوصيك وَنَفسي بِتَقْوى مَنْ لَا تَحِلُّ مَعْصِيَتُهُ، وَلَا يُرْجِيَ غَيْرُهُ، وَلَا غِنى إِلَّا بِهِ، فَإِنَّ مَنْ اتَّقَى اللّه جَلَّ وَعَزَّ وَقَوِيَ، وَشَبعَ وَرَوِيَ، وَرُفِعَ عَقْلُهُ عَنْ أَهْلِ الدُّنْيا، فَبَدَنُهُ مَعَ أَهْلِ الدُّنْيا، وَقَلْبُهُ وَعَقْلُهُ مُعاينُ الْآخِرَةِ.
فَاطْفَأَ بِضَوْءِ قَلْبِهِ ما أَبْصَرَتْ عَيْنَاهُ مِنْ حُبِّ الدُّنْيا، فَقَذَّرَ حَرامَهَا، وَجَانَبَ شُبُهَاتِها، وَأَضَرَّ وَاللّه بِالْحَلالِ الصَّافِي إِلَّا ما لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كِسْرِةٍ (2)يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ، وَثَوْبٍ يُوارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنْ أَغْلَطِ ما يَجِدُ وَأَخْشَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فيما لا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ثِقَةٌ وَلَا رَجَاءٌ، فَوَقَعَتْ ثِقَتُهُ وَرَجَاؤُهُ عَلى خَالِقِ الْأَشْياءِ، فَجَدَ وَاجْتَهَدَ، وَأَتْعَبَ بَدَنَهُ، حَتَّىٰ بَدَتِ الْأَضْلاعُ، وَغَارَتِ الْعَيْنانِ، فَأَبْدَلَ اللّه لَهُ مِنْ ذلِكَ قُوَّةٌ فِي بَدَنِهِ، وَشِدَّةٌ فِي عَقْلِهِ، وَما ذُخِرَ لَهُ في الْآخِرَةِ أَكْثَرَ، فَارْفَضِ الدُّنْيا، فَإِنَّ حُبَّ الدُّنْيا يُعْمِي وَيُصِمُّ وَيُبْكِمُ، وَيُذِلُّ الرّقابَ، فَتَدارَكَ ما بَقِيَ مِنْ عُمُرِكَ، وَلَا تَقُلْ غَداً أَوْ بَعْدَ غَدٍ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ بِإِقَامَتِهِمْ
عَلَى الْأَماني، وَالتَّسْوِيفِ حتّى أَتَاهُمْ أَمْرُ اللّه بَغْتَةً وَهُمْ غَافِلُونَ، فَنُقِلوا عَلَى أَعْوادِهِمْ إلى قبورِهِمُ الْمُظْلِمَةِ الضَّيِّقَةِ، وَقَدْ أَسْلَمَهُمُ الْأَوْلادُ وَالْأَهْلُونَ، فَانْقَطِعْ إِلَى اللّه بِقَلْبٍ مُنيبٍ مِنْ رَفْضِ الدُّنْيا، وَعَزْمٍ لَيْسَ فِيهِ انْكِسارٌ وَلَا انْخِزالُ، أَعانَا اللّه وَإِيَّاكَ عَلَى طاعَتِهِ، وَوَفَّقَنا اللّه وَإِيَّاكَ لِمَرْضاتِهِ» (1).
ودعا إمام المّتقين والعارفين إلى الزهد في الدنيا الفانية، والإقبال على مرضاة اللّه تعالى التي هي أسمى غاية عند المتقين.
43 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلواتُ اللّه عَلَيْهِ يَقولُ : ابْنَ آدَمَ، إِنْ كُنْتَ تُريدُ مِنَ الدُّنْيا ما يكفيكَ، فَإِنَّ أَيْسَرَ ما فيها يكفيكَ، وَإِنْ كُنْتَ تُريدُ ما لَا يَكْفِيكَ فَإِنَّ كلّ ما فيها لَا يَكْفيك» (2).
وهذه الكلمة الذهبية من أروع كلماته المشرقة، فقد ألمت بالواقع الذي لا شبهة فيه، فإنّ أيسر ما في الدنيا من متعها يكفي الإنسان، فلا داعي له أن يتطلع إلى المزيد من رغباتها وإن كان الإنسان يتطلب ويسعى إلى الظفر بما لا يكفيه، فإنّه إن ظفر بجميع الدنيا من مشرقها ومغربها، فإنّه لا يسدّ رغباته.
44 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلواتُ اللّه عَلَيْهِ يَقولُ : لِيَجْتَمِعْ فِي قَلْبِكَ الْافْتِقارُ إِلَى النَّاسِ، وَالاسْتِغْناءُ عَنْهُمْ فَيكونَ افْتِقارُكَ إِلَيْهِمْ فِي لِينِ كَلامِكَ، وَحُسْنِ بِشْرِكَ، وَيَكونَ اسْتِغْناؤُكَ عَنْهُمْ فى نَزاهَةِ عَرْضِكَ، وَبَقاءِ عِزّكَ» (3).
وأعطى الإمام الحكيم في هذه الكلمة درساً بليغاً للإنسان في حياته مع الناس،
سواء في افتقاره لهم أو استغناءه عنهم.
45 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَنْ يَرْغَبَ الْمَرْءُ عَنْ عَشِيرَتِهِ وَإِنْ كانَ ذا مالٍ وَوَلَدٍ، وَعَنْ مَوَدَّتِهِمْ وَكَرامَتِهِمْ وَدِفاعِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ، هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ حيطَةً مِنْ وَرائِهِ، وَأَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ، وَأَلَمُّهُمْ لِشَعَيْهِ، إِنَّ أَصابَتْهُ مُصِيبَةٌ أَوْ نَزَلَ بِهِ بَعْضُ مَكَارِهِ الأمور، وَمَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ فَإِنَّمَا يَقْبِضُ عَنْهُمْ يَداً واحِدَةً، وَتُقْبَضُ عَنْهُ مِنْهُمْ أَيْدي كَثِيرَةٌ، وَمَنْ يُلِنْ حَاشِيَتَهُ يَعْرِفْ صَديقُهُ مِنْهُ الْمَوَدَّةَ، وَمَنْ بَسَطَ يَدَهُ بِالْمَعْرُوفِ إِذا وَجَدَهُ، يَخْلِفِ اللّه لَهُ مَا أَنْفَقَ فِي دُنْياهِ، وَيُضَاعِفُ لَهُ فِي آخِرَتِهِ، وَلِسانُ الصِّدِقِ لِلْمَرْءِ يَجْعَلُهُ اللّه في النَّاسِ خَيْراً مِنَ الْمَالَ، يَأْكُلُهُ وَيُوَرِّثُهُ، لَا يَزْدادَنَّ أَحَدُكُمْ كِبْراً وَعِظَماً فِي نَفْسِهِ وَنَأْياً عَنْ عَشِيرَتِهِ إِنْ كَانَ مُوسِراً فِي الْمَالِ، وَلَا يَزْدادُ أَحَدُكُمْ في أَخيهِ زُهْداً، وَلَا مِنْهُ بُعْداً، إِذا لَمْ يَرَ مِنْهُ مُروءَةٌ، وَكانَ مُعوزاً في الْمَالِ، لَا يَغْفُلُ أَحَدُكُمْ عَنِ الْقَرابَةِ، بها الْخَصَاصَةُ أَنْ يَسُدَّها بِما لَا يَنْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَلَا يَضُرُّهُ إِنْ اسْتَهْلَكَهُ» (1).
وأوصى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصلة الأسرة والقرابة التي هي الجناح للشخص، والأصل الذي إليه يصير، ففي صلتها عزّ للشخص في حياته الاجتماعية، فإنّه إنّما يعزّ بأسرته وأرحامه، فإذا تجرّد عنهم مسه الذلّ والهوان.
46 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالتَّسْلِيمِ. يَقولُ اللّه تَبارَكَ وَتَعالى : «وَاتَّقُوا اللّه الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللّه كَانَ عَلَيْكُمْ رقيباً» (2)» (3).
وأكد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كثير ممّا أثر عنه في صلة الأرحام، وذكر ما يترتّب عليها
من الأجر الجزيل، والثواب العظيم في الدنيا والآخرة.
47 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): لِمَاءُ الْإِخْوانِ مَغْنَمٌ جَسيم» (1).
وحثّ الإمام المسلمين على التواصل والترابط فيما بينهم، توثيقاً لعرى الوحدة الإسلامية التي هي من أهم المبادئ التي تبناها الإسلام.
48 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ في وَصِيَّةِ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأَصْحَابِهِ : اعْلَمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ هُدَى اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَنُورُ اللَّيْلِ الْمُظْلِم عَلى ما كانَ مِنْ جَهْدٍ وَفاقَةٍ، فَإِذا حَضَرَتْ بَلِيَّةٌ فَاجْعَلُوا أَمْوالَكُمْ دونَ أَنْفُسِكُمْ، وَإِذا نَزَلَتْ نازِلَةٌ فَاجْعَلُوا أَنْفُسَكُمْ دونَ دِينَكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْهَالِكَ مَنْ هَلَكَ دينُهُ، وَالْحَريبَ مَنْ حُرِبَ دينُهُ، أَلَا وَإِنَّهُ لَا فَقْرَ بَعْدَ الْجَنَّةَ، أَلَا وَإِنَّهُ لَا غِنى بَعْدَ النارِ لَا يُفَكُّ أَسيرُها، وَلَا يَبْرَأُ ضَريرُها» (2).
وأشاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقرآن العظيم الذي هو رسالة اللّه العظمى إلى البشر يهديهم للّتى هى أقوم، ويمدهم بأسباب القوة والعزّة والكرامة.
49 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ لأَهْلِ الدِّينِ عَلاماتِ يُعْرَفونَ بِها : «صِدْقَ الْحَديثِ، وَأَداءَ الْأَمَانَةِ، وَالْوَفاءَ بِالْعَهْدِ، وَصِلَةَ الْأَرْحَامِ، وَرَحْمَةَ الضُّعَفَاءِ، وَقِلَّةَ الْمُراقَبَةِ ِللنِّساءِ - أو قال : قِلَةَ الْمُواتاةِ لِلنِّساءِ - وَبَذْلَ الْمَعْرُوفِ، وَحُسْنَ الْخُلُقِ، وَسِعَةَ الْخُلْقِ، وَاتِّباعَ الْعِلْمِ، وَمَا يُقَرِّبُ إِلَى اللّه زُلفى، طُوبىٰ لَهُم وَحُسْنُ مَآبٍ، وَطُوبىٰ شَجَرَةٌ في الْجَنَّةِ أَصْلُها في دارِ النبيّ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَلَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَفِي دَارِهِ غُصْنٌ مِنْهَا، لَا يَخْطُرُ عَلَىٰ قَلْبِهِ شَهْوَةً شَيْءٍ إِلَّا أَتَاهُ بِهِ ذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّ رَاكِباً مُجدّاً سارَ في ظِلُّها مائَةَ عامٍ ما خَرَجَ مِنْهُ، وَلَوْ طارَ مِنْ أَسْفَلِها غَرابٌ ما بَلَغَ أَعْلَاهَا حتّى يَسْقُطُ هَرِماً،
أَلَا فَفى هذا فَارْغَبوا، إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ، إِذا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ افْتَرَضَ وَجْهَهُ، وَسَجَدَ لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَكارِم بَدَنِهِ يُناجي الَّذِي خَلَقَهُ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ، أَلَا فَهَكَذا كونوا» (1).
وهذه الصفات الكريمة التي يتميّز بها المؤمن هي التي جعلته في قمة المجتمع الإنساني، وشرفته على جميع الكائنات الحيّة، وجعلته قدوة لغيره.
50 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : إِيَّاكُمْ وَالْمَراءَ وَالْخُصُومَةَ، فَإِنَّهُما يُمْرِضانِ الْقُلوبَ عَلَى الْإِخْوانِ، وَيَنْبُتُ عَلَيْهما النّفاقُ» (2).
لقد نهى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المراء والخصومة، لأنّهما ممّا يعرضان المجتمع إلى العداء والبغضاء بين أبنائه.
51 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لَمَّتَانِ - أي خصلتان - لَمَّةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَمَّةٌ مِنَ الْمَلِكِ، فَلَمَّةُ الْمَلِكِ : الرِّقَةُ وَالْفَهْمُ، وَلَمَّةُ الشَّيْطانِ : السَّهْوَ وَالْقَسْوَةُ» (3).
أمّا لمة الملك من اللّه تعالى فهو يمنح العبد كلّ فضيلة، وأما لمة الشيطان، فهي كلّ ما يشقي به الإنسان، وقد اقتبس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك من الآية الكريمة.
قال تعالى : «الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللّه يَعِدُكُم مَّغْفِرَةٌ مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللّه وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» (4).
52 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : مَنْ خَافَ الْقِصَاصَ كَفَّ عَنْ ظُلْمِ النَّاسِ» (1).
وهذه الكلمة من أروع الكلمات التي أدلى بها أمير المؤمنين والفصاحة، وهي حقيقة لا جدال فيها، فإنّ من يخاف القصاص من اللّه تعالى ومن شريعته، فإنّه لا يقدم على ظلم الناس والاعتداء عليهم.
53 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : شِرارُكُمُ الْمَشَاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْمُبْتَغُونَ لِلْبُراءِ الْمَعايبِ» (2).
إنّ هؤلاء الأصناف من شرار المجتمع، لأنّهم من عوامل التخريب والإفساد بين المسلمين.
54 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ قَالَ : يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَنِبَ مُوْاحَاةَ ثَلاثَةِ : الْمَاجِنِ، وَالْأَحْمَقِ، وَالْكَذَّابِ.
فَأَمَّا الْماجِنُ فَيُزَيّنُ لَكَ فِعْلَهُ، وَيُحِبُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ، وَلَا يُعِينُكَ عَلى أَمْرِ دينِكَ وَمَعادِكَ، وَ مُقارَنَتُهُ جَفَاءٌ وَقَسْوَةٌ، وَمَدْخَلُهُ وَمَخْرَجُهُ عَلَيْكَ عارٌ.
وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَإِنَّهُ لَا يُشيرُ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ، وَلَا يُرْجِى لِصَرْفِ السُّوءِ عَنْكَ وَلَوْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ، وَرُبَّما أَرادَ مَنْفَعَتَكَ فَضَرَّكَ، فَمَوْتُهُ خَيْرٌ مِنْ حَياتِهِ، وَسُكُوتُهُ خَيْرٌ مِنْ نُطْقِهِ، وَبُعْدُهُ خَيْرٌ مِنْ قُرْبِهِ.
وَأَمَّا الْعَذَابُ فَإِنَّهُ لَا يُهْنِتُكَ مَعَهُ عَيْسٍ، يَنْقُلُ حَديثَكَ وَيَنْقُلُ إِلَيْكَ الْحَدِيثَ، كُلَّما
لقد حذّر الإمام الحكيم العالم بشؤون الناس من مصاحبة هؤلاء الأصناف، ودلّل على الأضرار البالغة في مزاملتهم.
55 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قيلَ لِلإِمَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِ : عِظْنَا وَأَوْجِزْ.
فَقالَ : الدُّنْيا (في) حَلَالِها حِسابٌ، وَ (في) حَرَامِهَا عِقابٌ، وَأَنَّى لَكُمْ بِالرَّوْحِ، وَلَمَا تَأْسَوْا بِسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآلِهِ تَطْلُبُونَ مَا يُطْفِيكُمْ، وَلَا تَرْضَونَ ما يكفيكُمْ» (4).
وفي هذه الكلمة الموجزة عظة بالغة لمن تدبّر وفكر، وعرف أن في حلال هذه الدنيا حساب، وفي حرامها عقاب، فإنّه يكف عمّا حرّمه اللّه من المال الحرام.
056 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَثيراً ما يَقولُ فِي خُطْبَتِهِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ دينَكُمْ، دينَكُمْ، فَإِنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْحَسَنَةِ في غَيْرِهِ، وَالسَّيِّئَةَ فِيهِ تُغْفَرُ، وَالْحَسَنَةِ في غَيْرِهِ لَا تُقْبَلُ» (5).
إنّ الإسلام دين اللّه الذي ارتضاه لعباده، وجعله رحمة لهم وخيراً وهدى، وجميع بنود تشريعه تساير الفطرة، ولا تشدّ عن سنن الكون.
57 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ في لا الْأَرْضِ الدُّعاءُ، وَأَفْضَلُ الْعِبادَةِ الْعَفافُ.. وَكانَ أمير المؤمِنينَ رَجُلاً دَعَاءً» (1).
إنّ الدعاء إذا كان بانقطاع وإخلاص فهو من أجل الأعمال وأحبّها عند اللّه تعالى، لأنّه إقرار من العبد بأن جميع مجريات الأحداث بيده تعالى.
58 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): الدُّعاءُ مَفاتِيحُ النَّجاةِ، وَمَقاليد الْفَلاحِ (2)، وَخَيْرُ الدُّعاءِ ما صَدَرَ عَنْ صَدْرٍ نَقِيُّ، وَقَلْبِ تَفَيَّ، وَفِي الْمُناجاةِ سَبَبُ النَّجاةِ، وَبِالْإِخْلاصِ يَكونُ الْخَلاص، فَإِذا اشْتَدَّ الْفَزَعْ فَإِلَى اللّه الْمَفْزَعُ» (3).
وعرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الحديث إلى أهمية الدعاء، وأنه من أسباب النجاح، ولكنّه مشروط بأن يصدر عن إخلاص وإيمان.
59 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ : الدُّعاءُ تُرْسُ الْمُؤْمِنِ، وَمَتى تُكْثِرُ قَرْعَ الْبابِ يُفْتَحُ لَكَ» (4).
إنّ الدعاء ترس المؤمن، وجنته الواقية، وسلاحه الذي يدافع به، وأنه إن واصل الدعاء يستجاب له.
60 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال إِنَّ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَانَ يَقولُ إِذا أَصْبَحَ : سُبْحَانَ اللّه الْمَلِكِ القدوس - ثلاثا - اللّهمَّ إِنِّي أَعوذُ بِكَ مِنْ زَوالِ نِعْمَتِكَ، وَمِنْ تَحويلِ عَافِيَتِكَ، وَمِنْ فَجْأَةِ نِقِمَتِكَ، وَمِنْ دَرَكِ الشَّقاءِ، وَمِنْ شَرِّ ما سَبَقَ فِي اللَّيْلِ، اللّهم إنّي أَسْأَلُكَ بِعِزَّةِ مُلْكِكَ،
وَشِدَّةِ قُوَّتِكَ، وَبِعَظيم سُلْطائِكَ، وَبِقُدْرَتِكَ عَلى خَلْقِكَ» (1).
ومثل هذا الدعاء مدى انقطاع الإمام وتمسكه باللّه تعالى، والتجائه إليه في جميع أموره.
61 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِ يَقولُ : مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ كانَ مَعَ محمّد وَآلِ محمّد، إِذا قَامَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَفْتِحَ الصَّلاةَ: اللّهم إنّي أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِمحمّد وَآلِ محمّد، وَأَقَدِّمُهُمْ بَيْنَ يَدَيْ صَلاتِي، وَأَتَقَرَّبُ بِهِمْ إِلَيْكَ، فَاجْعَلْني بِهِمْ وَجيهاً في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، مَنَنْتَ عَلَيَّ بِمَعْرِفَتِهِمْ، فَاخْتِمْ لي بَطَاعَتِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ وَوَلَا يَتِهِمْ، فَإِنَّهَا السَّعادَةُ، وَاخْتِمْ لي بِهَا، فَإِنَّكَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ثُمَّ تُصَلِّي، فَإِذا انْصَرَفْتَ قُلْتَ: اللّهمَّ اجْعَلْنِي مَعَ محمّد وَآلِ محمّد فِي كلّ عَافِيَةٍ وَبَلاء، وَاجْعَلْني مَعَ محمّد وَآلِ محمّد فِي كلّ مَثْوَى وَ مُنْقَلَبٍ، اللّهمَّ اجْعَلْ مَحْيَايَ مَحْيَاهُمْ، وَمَماتي مَمَاتَهُمْ، وَاجْعَلْنِي مَعَهُمْ فِي الْمَواطِنِ كُلَّهَا، وَلَا تُفَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، إِنَّكَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٍ» (2).
62 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَواتِ اللّه عَلَيْهِ إِذا فَرَغَ مِنَ الزَّوالِ (3)يَقولُ : اللّهمَّ إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، وَأَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِمحمّد عَبْدِكَ وَرَسولِكَ، وَأَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِمَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيائِكَ الْمُرْسَلينَ، وَبِكَ، اللّهمَّ أَنْتَ الْغَنيُّ عَنّي، وَبِي الْفَاقَةُ إِلَيْكَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ وَأَنَا الْفَقِيرُ إِلَيْكَ، أَقَلْتَني عَشْرَتي، وَسَتَرْتَ عَلَيَّ ذُنوبي، فَاقْضِ الْيَوْمَ حَاجَتي، وَلَا تُعَذِّبْني بِقَبيح ما تَعْلَمُ مِنّي، بَلْ عَفُوكَ وَجُودِكَ يَسَعُني.. ثُمَّ
يَخِرُّ ساجداً وَ يَقولُ : يَا أَهْلَ التَّقوى وَيا أَهْلَ الْمَغْفِرَةِ، يَا بَرُّ يَا رَحيمُ، أَنْتَ أَبَرُّ بِي مِنْ أَبِي وَأُمِّي وَمِنْ جَمِيعِ الْخَلائِقِ، اقْبَلْني بِفَضاءِ حاجتي، مُجاباً دعاني، مرحوماً صَوْتي، قَدْ كَشَفْتَ أَنْواعَ الْبَلاءِ عَنِّي» (1).
وكان الإمام سيّد المتقين وزعيم الموحدين يستقبل الصلاة ويودّعها بمثل هذه الأدعية المباركة التي تنم عن مدى خشوعه وطاعته اللّه تعالى.
63 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كَانَ مِنْ دُعاءِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : اللّهمَّ كَتَبْتَ الْآثَارَ، وَعَلِمْتَ الْأَخْبارَ، وَاطَّلَعْتَ عَلَى الْأَسْرارِ، فَحُلْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقُلوبِ، فَالسِّرُّ عِنْدَكَ عَلانِيَةٌ، وَالْقلوبُ إِلَيْكَ مُفْضاةٌ، وَإِنَّما أَمْرُكَ لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْتَهُ أَنْ تَقُولَ لَهُ : كُنْ، فَيَكُونُ، فَقُلْ بِرَحْمَتِكَ لِطَاعَتِكَ أَنْ تَدْخُلَ فِي كلّ عُضْوِ مِنْ أَعْضائي، وَلَا تُفَارِقَنِي حَتَّىٰ أَلْقَاكَ، وَقُلْ بِرَحْمَتِكَ لِمَعْصِيَتِكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ كلّ عُضْوِ مِنْ أَعْضائي فَلَا تَقَرَبَنِي حتّى أَلْقاكَ، وَارْزُقْني مِنَ الدُّنْيا، وَزَهْدْني فيها، وَلَا تَزْوِها عَنّي، وَرَغْبني فيها» (2).
لقد انقطع سيّد الأوصياء وإمام الموحدين إلى اللّه تعالى، وهام بحبّه، والإخلاص إليه، وعمل كلّ ما يقربه إليه زلفى.
64 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أتى رَجُلٌ الْإِمَامَ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فَقَالَ لَهُ : يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كانَ لي مالٌ وَرِثْتُهُ، وَلَمْ أَنْفِقْ مِنْهُ دِرْهَماً فِي طَاعَةِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اكْتَسَبْتُ مِنْهُ مالاً، فَلَمْ أَنْفِقْ مِنْهُ دِرْهَماً في طَاعَةِ اللّه، فَعَلَّمْني دُعاءً يُخْلِفُ عَلَيَّ مَا مَضى، وَيَغْفِرُ لي ما عَمِلْتُ أوْ عَمَلاً أَعْمَلُهُ.
قالَ : قُلْ.
قالَ : وَأَيُّ شَيْءٍ أَقولُ ؟
قالَ : قُلْ كَما أَقولُ : يا نوري في كلّ ظُلْمَةٍ، وَيا أُنسي في كلّ وَحْشَةٍ، وَيا رَجائي في كلّ كُرْبَةٍ، وَيَا ثِقَتي في كلّ شِدَّةٍ، وَيا دَليلي في الضَّلَالَةِ، أَنْتَ دَليلي إِذا انْقَطَعَتْ دَلَالَةُ الْأَدِلَّاءِ، فَإِنَّ دَلَالَتَك لَا تَنْقَطِعُ، وَلَا يَضِلُّ مَنْ هَدَيْتَ، أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَأَسْبَغْتَ، وَرَزَقْتَنِي فَوَفَّرْتَ، وَغَذَّيْتَني فَأَحْسَنْتَ غِذائي، وَأَعْطَيْتَني فَأَجْزَلْتَ، بِلَا اسْتِحقاقِ لِذلِكَ بِفِعْلٍ مِنّي، وَلَكِنِ ابْتِداءً مِنْكَ لِكَرَمِكَ وَجودِكَ، فَتَقَوَّيْتُ بِكَرَمِكَ عَلَى مَعاصِيكَ، وَتَقَوَّيْتُ بِرِزْقِكَ عَلى سَخَطِكَ، وَأَفْنَيْتُ عُمْري فيما لا تُحِبُّ، فَلَمْ تَمْنَعْكَ جُرْأَتِي عَلَيْكَ، وَرُكوبي لِما نَهَيْتَني عَنْهُ، وَدُخولي فيما حَرَّمْتَ عَلَيَّ أَنْ عُدْتَ عَلَيَّ بِفَضْلِكَ، وَلَمْ يَمْنَعْني حِلْمُكَ عَنِّي، وَعَوْدُكَ عَلَيَّ بِفَضْلِكَ وَإِنْ عُدْتُ في مَعاصِيكَ، فَأَنْتَ الْعَوَادُ بِالْفَضْلِ، وَأَنَا الْعَوَادُ بِالْمعاصي، فَيا أَكْرَمَ مَنْ أُقِرَّ لَهُ بِذَنْبٍ، وَأَعَزَّ مَنْ خُضِعَ لَهُ بِذُلُّ، لِكَرَمِكَ أَقْرَرْتُ بِذَنْبي، وَلِعِزِّكَ خَضَعْتُ بِذَلّي، فَما أَنْتَ صانِعٌ بِي فِي كَرَمِكَ وَإِقْرَاري بِذَنْبي، وَعِزُكَ وَخُضوعي بِذَلِّي، افْعَلْ بي ما أَنْتَ أَهْلُهُ، وَلَا تَفْعَلْ بي ما أَنا أَهْلُهُ» (1).
ومثل هذا الدعاء جانباً من جوانب انقطاع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى اللّه تعالى، واعتصامه به، وقد ذكرنا المزيد ممّا يرويه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أدعية جده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الصحيفة الصادقية من موسوعات الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).
65 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ في وَصِيَّةِ الإمام أميرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأَصْحَابِهِ : اعْلَمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ هُدَى النَّهارِ، وَنُورُ اللَّيْلِ الْمُظْلِم عَلى ما كانَ مِنْ جَهْدٍ وَفاقَةٍ» (2).
القرآن كتاب اللّه ورسالته لعباده، جعله هدى ونوراً لهم تستقيم به حياتهم، ويعلو
به شأنهم، ويفتح لهم آفاقاً كريمة من الوعي.
66 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْبَيْتُ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرآنُ، وَيَذْكَرُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ تَكْثُرُ بَرَكَتُهُ، وَتَحْضُرُهُ الْمَلائِكَةُ، وَتَهْجُرُهُ الشَّيَاطِينُ، وَيُضيءُ لأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تُضِيءُ الْكَواكِبُ لَأَهْلِ الْأَرْضِ.
وَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذي لَا يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرآنُ، وَلَا يُذْكَرُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ تَقِلُّ بَرَكَتُهُ، وَتَهْجُرُهُ الْمَلائِكَةُ، وَتَحْضُرُهُ الشَّياطين» (1).
وحثّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على قراءة القرآن الكريم، وذكر اللّه تعالى؛ لأنّ فيهما المزيد من الخير والبركات.
67 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لَا عَلَيْكَ أَنْ تَصْحَبَ ذَا الْعَقْلِ، وَإِنْ لَمْ تَحْمَدْ كَرَمُهُ، وَلكِنِ انْتَفَعْ بِعَقْلِهِ، وَاحْتَرِسْ مِنْ سيِّئِ أَخْلَاقِهِ، وَلَا تَدَعَنَّ صُحْبَةَ الكَريمِ، وَإِنْ لَمْ تَنتَفِعْ بِعَقْلِهِ، وَلكِنِ انْتَفِعْ بِكَرَمِهِ بِعَقْلِكَ، وَافْرُرْ كلّ فِرارٍ مِنَ اللَّيْيم الأَحْمَقِ» (2).
ودعا الإمام الحكيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مزاملة العاقل وإن كان بخيلاً لينتفع بتجاربه وعقله، كما دعا إلى مزاملة الكريم لينتفع بكرمه وجوده فائدة معنوية، وحذّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مصاحبة اللئيم الأحمق الذي ليس في مصاحبته إلا الخسران.
68 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُواخي اللّه الْفاجِرَ، فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَهُ فِعْلَهُ، وَيُحِبُّ أَنْ يَكونَ مِثْلَهُ، وَلَا يُعينُهُ عَلى أَمْرِ دُنْياهُ، وَلَا أَمْرِ مَعادِهِ، وَمَدْخَلُهُ إِلَيْهِ وَمَخْرَجُهُ مِنْ عِنْدَه شَيْنٌ عَلَيْهِ» (3).
وحذّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مصاحبة الفاجر الذي تعود مصاحبته بالأضرار الفادحة، وتجلب الشقاء والخسران على كلّ من اتصل به.
69 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ: حَبَاكَ اللّه ثُمَّ يَسْكُتَ، حتّى يَتْبَعَها بِالسَّلامِ» (1).
من الآداب الإسلامية أن يسلّم المسلم، ثمّ يتبع ذلك بالكلام، ويكره أن يبتدئ بالتحية وغيرها ثم يسلّم.
70 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ الْإِمَامُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : سَوقُ الْمُسْلِمِينَ كَمَسْجِدِهِمْ، فَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَكانٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ إِلَى اللَّيْلِ.
قالَ : وَكانَ لَا يَأْخُذُ عَلى بُيوتِ السُّوقِ كِراءُ» (2).
وأسّس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك حكماً شرعياً، فقد جعل السابق إلى السوق أولى بما يشغله من المكان من غيره، وليس لأحد أن يزاحمه عليه.
71 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِيَّاكُمْ وَالْمِزاحَ فَإِنَّهُ يَجُرُّ السَّخيمَةَ، وَيُورِثُ الضَّعْينَةَ، وَهُوَ السَّبُّ الأَصْغَرُ (3).
إنّ المزاح في كثير من الأحيان يؤدّي إلى الضغائين والأحقاد، فلذلك نهى الإمام عنه.
72 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ رَجُلاً قَالَ لِلْإِمَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): هَلْ تَصِفُ لَنَا رَبَّنَا نَزْدادُ لَهُ حُبّاً وَبِهِ مَعْرِفَةٌ، فَغَضِبَ وَخَطَبَ النّاسَ فَقالَ فيما قالَ: عَلَيْكَ يا عَبْدَ اللّه بِما
دَلَّكَ عَلَيْهِ الْقُرآنُ مِنْ صِفَتِهِ، وَتَقَدَّمَكَ فيهِ الرَّسُولُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَاسْتَضِيءُ مِنْ نورِ هدايَتِهِ، فَإِنَّما هي نِعْمَةً وَحِكْمَةً أُوتِيتَها، فَخُذْ ما أوتيتَ، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَما كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ ممّا لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الْكِتابِ فَرْضُهُ، وَلَا فِي سُنَّةِ الرَّسولِ، وَأَثَمِّةِ الْهُدى أَمْرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللّه، وَلَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللّه، وَاعْلَمْ يا عَبْدَ اللّه، أَنَّ الرَّاسِخينَ في الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمُ اللّه عَنِ الافْتِحَامِ في السُّدِدِ الْمَضْروبَةِ دونَ الْغُيُوبِ، إِقْرَاراً بِجَهْلِ ما جَهِلوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ فَقالوا : «آمَنَّا بِهِ كلّ مِن عِندِ رَبِّنَا» (1)، وَقَدْ مَدَحَ اللّه اعْتِرافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَناولِ ما لَمْ يُحيطوا بِهِ عِلْماً، وَسَمّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فيما لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسوخاً، فَاقْتَصِرْ عَلى ذلِكَ وَلَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللّه عَلَى قَدْر عَقْلِكَ فَتَكونَ مِنَ الْهالِكينَ» (2).
73 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَثيراً ما يَقولُ : اعْلَموا عِلْماً يَقيناً أَنَّ اللّه جَلَّ وَعَزَّ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ وَإِنِ اشْتَدَّ جَهْدُهُ، وَعَظُمَتْ حِيلَتُهُ، وَكَثُرَتْ مَكَايدُهُ، أَنْ يَسْبِقَ ما سُمِّيَ لَهُ في الذِّكْرِ الحَكيم.
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَنْ يَزْدادَ امْرُؤٌ نَقيراً بِحِلْقِهِ، وَلَنْ يَنْقُصَ امْرُؤٌ نَقيراً لِحُمْقِهِ، فَالْعالِمُ بِهَذَا الْعامِلُ بِهِ أَعْظَمُ النَّاسِ راحَةٌ فِي مَنْفَعَتِهِ، وَالْعَالِمُ بِهَذَا التَّارِكُ لَهُ أَعْظَمُ النَّاسِ شُغُلاً في مَضَرَتِهِ، وَرُبَّ مُنْعَمِ عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَرُبَّ مَغْرُورٍ فِي النَّاسِ مَصْنوع لَهُ، فَاتَّقِ اللّه أَيُّها السّاعى عَنْ سَعْيِكَ، وَقَصَّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وَانْتَبِهُ مِنْ سِنَةِ غَفْلَتِكَ، وَتَفَكَّرْ فيما جاءَ عَنِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ» (3).
وروى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) طائفة من الأخبار عن ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وريحانته وسبطه الأول الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كان من بينها ما يلي :
1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَقِيَ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَليَّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عَبْدَ اللّه بْنَ جَعْفَرٍ، فَقَالَ : يا عَبْدَ اللّه، كَيْفَ يَكونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً، وَهُوَ يَسْخَطُ قِسْمَهُ (1)، وَيَحْتَقِرُ مَنْزِلَتَهُ، وَالْحَاكِمُ عَلَيْهِ اللّه، وَأَنَا الضَّامِنُ لِمَنْ لَمْ يَهْجُسٌ فِي قَلْبِهِ إِلَّا الرّضا أَنْ يَدْعُوَ اللّه فَيُسْتَجابَ لَهُ» (2).
وأعرب ريحانة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّ المؤمن إنما يكون مؤمناً إذا كان قانعاً بما قسم اللّه له، وراضياً بما كتب اللّه له، فإذا اطمئن قلبه بذلك فقد بلغ أرقى درجة من الإيمان.
2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَلَى (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْقَرِيبُ مَنْ قَرَّبَتْهُ الْمَوَدَّةُ، وَإِنْ بَعْدَ نَسَبُهُ، وَالْبَعيدُ مَنْ بَعَدَتْهُ الْمَوَدَّةً وَإِنْ قَرُبَ نَسَبُهُ، لَا شَيْءَ أَقْرَبُ إِلَىٰ شَيْءٍ مِنْ يَدٍ إِلَىٰ جَسَدٍ، وَإِنَّ الْيَدَ تَغُلُ فَتَقْطَعُ، وَتُقْطَعُ فَتُحْسَم» (3).
إنّ الحقيقة التي لا ريب فيها هي أنّ المحبّة والمودّة هما اللذان يقربان بين الناس، وإن بعدت بينهم الأنساب، كما أنّ البعيد من بعدته المودة وإن قرب نسبه، وقد ضرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لذلك مثلاً باليد التي هي من الأعضاء البارزة في البدن، فإذا خانت صاحبها فتقطع، ويحسم موضعها، ويحفظ الدم.
روى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كوكبة من الأحاديث عن جده الإمام زين العابدين، وسيد الساجدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذا نصها :
1- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِما يَقولُ : إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أداوِمَ عَلَى الْعَمَلِ وَإِنْ قَلَّ» (1).
إنّ المداومة على العمل والاستمرار فيه هو السرّ في نجاح المخترعين، فإنّهم ظلوا زماناً عاكفين على مخترعاتهم حتّى أنجرت، ولم يصدّهم عن الاستمرار ما واجهوه من الإخفاق في بداية عملهم.
2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) يَقولُ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِذَلُّ نَفْسي حُمْرَ النَّعَمِ، وَمَا تَجَرَّعْتُ جُرْعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جُرْعَةِ غَيْطٍ لَا أَكافِي بِها صاحبها» (2).
وحفلت هذه الكلمة بما يحمله هذا الإمام العظيم من الكرامة وعزة النفس فلا يرضى بالذل، وإن بُذلت له كرائم النعم، كما عرض (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أنّ في تجرّع الغيظ العزّ والكرامة، ولا يكافئ بسوء من يغيظه.
2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقُولُ : إِنَّ الْمَعْرِفَةَ بِكَمَالِ دينِ
الْمُسْلِمِ تَرْكُهُ الْكَلامَ فيما لَا يَعْنِيهِ، وَقِلَّةُ مِرائِهِ، وَحِلْمُهُ، وَصَبْرُهُ، وَحُسْنُ خُلُقِهِ» (1).
إنّ من توفّرت فيه هذه الصفات الكريمة فقد كمل دينه، ونمت مداركه، وكان على خير عميم.
4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ): مَرَّ مُوسَى بْنُ عُمْرانَ بِرَجُلٍ رافِعاً يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَدْعو اللّه، فَانْطَلَقَ مُوسى في حاجَتِهِ، وَبَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مَرَّ عَلَيْهِ، فَرَآهُ رَافِعاً يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَدْعو، فَقالَ مُوسى : يا رَبِّ، هذا عَبْدُكَ رافعاً يَدَهُ يَسْأَلُكَ حاجَتَهُ، وَيَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ مُنْذُ سَبْعَةِ أَيَّامٍ لَا تَسْتَجِيبُ لَهُ.
فَأَوْحَى اللّه إِلَيْهِ : يا مُوسى، لَوْ دَعَانِى حتّى تَسْقُط يَداهُ، أَوْ يَنْقَطِعَ لِسانُه، ما اسْتَجَبْتُ لَهُ، حتّى يَأْتِينِي مِنَ الْبَابِ الَّذِي أَمَرْتُهُ» (2).
إنّ لاستجابة الدعاء شروطاً ذكرناها بالتفصيل في الصحيفة الصادقية إحدى حلقات هذه الموسوعة.
5 - روى الإمام الصادق، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال : «قالَ لي أَبي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِ : يا بُنَيَّ، انْظُرْ خَمْسَةَ فَلَا تُصَاحِبُهُمْ، وَلَا تُحادِثُهُمْ، وَلَا تُرافِقُهُمْ فِي طَرِيقٍ.
فَقُلْتُ : يَا أَبَتِ، مَنْ هُمْ عَرَّفْنِيهِمْ ؟
قالَ : إِيَّاكَ وَمُصاحَبَةَ الْعَذَابِ، فَإِنَّهُ بِمَنْزلَةِ السَّراب، يُقَرِّبُ لَكَ الْبَعيدَ، وَيُبَعدُ لَكَ الْقَريب.
وَإِيَّاكَ وَمُصاحَبَةَ الْفاسِقِ، فَإِنَّهُ بِائِعُكَ بِأَكْلَةٍ أَوْ أَقَلُ مِنْ ذلِكَ.
وَإِيَّاكَ وَمُصاحَبَةَ الْبَخْيِلِ، فَإِنَّهُ يَخْذُلُكَ فِي مَالِهِ، أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ.
وَإِيَّاكَ وَمُصاحَبَةَ الْأَحْمَقِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرُّكَ.
وَإِيَّاكَ وَمُصاحَبَةَ الْقاطِعِ لِرَحِمِهِ، فَإِنِّي وَجَدْتُهُ مَلْعوناً فِي كِتَابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِي ثَلاثَةِ مَواضِعَ :
قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّه فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ» (1).
وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ : «وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّه مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّه بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ» (2).
وَقالَ فِي الْبَقَرَةِ : «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّه مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّه بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ» (3)» (4).
روى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) طائفة من الأخبار عن أبيه الإمام محمّد الباقر، باقر علوم الأولين والآخرين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كان منها ما يلي :
1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَبي يَقولُ : إِذا هَمَمْتَ بِخَيْرٍ فَبَادِر، فَإِنَّكَ لَا تَدْري ما يَحْدُثُ» (1).
إنّ المبادرة لعمل الخير دعا إليها الإسلام، وأكد عليها لأنّ تأخيرها له آفات قد تحول بينه وبين إنجازه.
2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَبي يَقولُ : ما مِنْ شَيْءٍ أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنْ خَطِيئَةٍ، إِنَّ الْقَلْبَ ليُواقِعُ الْخَطيئَةَ، فَما تَزالُ بِهِ حتّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ، فَيُصَيِّرَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ» (2).
إنّ فساد الإنسان وانقلابه على عقبه هو اقترافه للإثم والجريمة، فإذا اعتادها، وغلبت عليه شقوته فقد هوى في مستوى سحيق ما له من قرار.
3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَبي يَقولُ : إِنَّ اللّه قَضى قضاءً حَتْماً أَلَا يُنْعِمَ عَلَى الْعَبْدِ بِنِعْمَةٍ فَيَسْلُبَهَا إِيَّاهُ حتّى يُحْدِثَ الْعَبْدُ ذَنْباً يَسْتَحِقُّ بِذلِكَ النَّقِمَةَ» (3).
إنّ اللّه تعالى لا يسلب نعمة أحد تفضّل بها عليه، حتّى يحدث ذنباً يستحق به
سلب النعمة منه.
4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كَانَ أَبي يَقولُ : نَعُوذُ بِاللّه مِنَ الذُّنوبِ الَّتي تُعَجِّلُ الْفَنَاءَ، وَ تُقَرِّبُ الأَجالَ، وَتُخْلِي الدّيارِ، وَهِيَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَالْعُقوقُ، وَتَرْكُ الْبِرِّ» (1).
إنّ اقتراف الذنوب لها آثارها المخيفة، والتي منها أنها تقرّب الأجل، وتدع الديار بلاقع، وقد تواترت الأخبار عن أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) في التحذير عنها.
5 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أبي : رَبُّ الْبَيْتِ آخِرُ مَنْ يَغْسِلُ يَدَيْهِ» (2).
وعرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أنّ عميد الأسرة ينبغي له أن يقدم غيره من الضيوف وغيرهم على مائدة الطعام، ويكون هو آخر من يغسل يديه من الطعام، ولا يكون هو الأول البادئ بغسل يديه.
6 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَبي يَقولُ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَفِي قَلْبِهِ نُورانِ : نورُ خِيفَةٍ، وَنورُ رَجاءِ، لَوْ وُزِنَ هذا لَمْ يَزِدْ عَلى هذا، وَلَوْ وَزِنَ هذا لَمْ يَزِدْ عَلى هذا» (3).
إنّ المؤمن الحقيقي هو الذي يكون خائفاً من عقاب اللّه تعالى، وحذراً من عقابه، وفي نفس الوقت يكون راجياً لعفو اللّه ولطفه ورحمته.
7 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَبي يَقولُ : اتَّقوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ تَصْعَدُ إِلَى السَّماءِ» (4).
8 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أبي : أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَمْسَةٍ لَمْ يُطْلِعَ اللّه عَلَيْهَا أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ ؟
قُلْتُ : بَلَى. قَالَ : إِنَّ اللّه عِنْدَه عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ، وَما تَدْري نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْري نَفْسٍ بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ، إِنَّ اللّه عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (1).
إنّ هذه الأمور الخمس ممّا أخفاها اللّه على عباده، فلم يطلع عليها أحد من أنبيائه وغيرهم من أوليائه.
9 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أبي : إِذا غَدَوْتَ في حَاجَتِكَ بَعْدَ أَنْ تُصَلِّيَ الْغَداةَ بَعْدَ التَّشَهُدِ، فَقُلْ : اللّهمَّ إِنِّي غَدَوْتُ أَلْتَمِسُ مِنْ فَضْلِكَ كلّ ما أَمَرْتَنِي، فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ رِزْقاً حَلَالاً طَيِّباً، وَأَعْطِنِي فِيمَا تَرْزُقُنِي الْعَافِيَةَ، تَقولُ ذلِكَ ثَلاثاً» (2).
10 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أبي : لَا يُؤْمِنُ رَجُلٌ فِيهِ الشُّحُ وَالْحَسَدُ وَالْجُبْنُ وَلَا يَكونُ الْمُؤْمِنُ جَباناً وَلَا حَريصاً وَلَا شَحيحاً» (3).
11 – روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال : «لا تُسَلِّموا عَلَى الْيَهُودِ، وَلَا عَلَى النَّصارى، وَلَا عَلَى الْمَجُوسِ، وَلَا عَلى عَبَدَةِ الأَوْثانِ، وَلَا عَلى شُرَابِ الْخَمْر، وَلَا عَلَى صاحِبِ الشَّطْرَنْج وَالنَّرْدِ، وَلَا عَلَى الْمُخَنَّثِ، وَلَا عَلَى الشَّاعِرِ الَّذِي يَقْذِفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَلَا عَلَى الْمُصَلِّي، لأَنَّ الْمُصَلِّي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدَّ السَّلامَ، لأَنَّ التَّسْلِيمَ مِنَ الْمُسْلِم تَطَوُّعُ، وَالرَّدَّ فَرِيضَةً، وَلَا عَلَى آكِلِ الرِّبا، وَلَا عَلَى رَجُلٍ جَالِسِ عَلَى غَائِطِ، وَلَا عَلَى الَّذِي فِي الْحَمَامِ، وَلَا عَلَى الْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ بِفِسْقِهِ» (4).
والنهي عن السلام في هذه الأمور إرشادي لا مولوي.
روى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعض الأخبار عن الصحابي الثائر العظيم أبي ذرّ، كان من بينها ما يلي :
1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبي ذرّ، فَقَالَ : يَا أَبا ذرّ، ما لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ ؟
فَقالَ : لأَنَّكُمْ عَمَّرْتُمُ الدُّنْيا، وَأَخْرَبْتُمْ الْآخِرَةَ، فَتَكْرَهُونَ أَنْ تُنْقَلُوا مِنْ عُمْرَانٍ إِلَى خَراب.
فَقالَ لَهُ : فَكَيْفَ تَرَىٰ قُدُومَنَا عَلَى اللّه ؟
فَقالَ : أَمَا الْمُحْسِنُ مِنْكُمْ فَكَالْغَائِبِ يَقْدَمُ عَلى أَهْلِهِ، وَأَمَّا الْمُسِيءُ مِنْكُمْ فَكَالاَبِقِ يُرَدُّ عَلى مَوْلاهُ.
قالَ : فَكَيْفَ تَرى حالَنا عِنْدَ اللّه ؟
قالَ : اعْرِضُوا أَعْمَالَكُمْ عَلَى الْكِتَابِ، إِنَّ اللّه يَقولُ : «إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمِ» (1).
فَقالَ الرَّجُلُ : فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللّه ؟
قالَ : رَحْمَةُ اللّه قَريبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» (2).
وحفل حديث أبي ذرّ بالموعظة الحسنة التي تقرّب الإنسان من اللّه، وتنجيه
من عذاب أليم.
2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كَتَبَ رَجُلٌ إِلى أَبي ذر : يا أبا ذَرٍّ، أَطْرِقْني بِشَيْءٍ مِنَ الْعَلْمِ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ : إِنَّ الْعِلْمَ كَثِيرٌ، وَلكِنْ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ لَا تُسِيءَ إِلَى مَنْ تُحِبُّهُ فافْعَلْ.
فَقالَ لَهُ الرّجُلُ : وَهَلْ رَأَيْتَ أَحَداً يُسِيءُ إِلَى مَنْ يُحِبُّهُ ؟
فَقالَ : نَعَمْ، نَفْسُكَ أَحَبُّ الْأَنْفُسِ إِلَيْكَ، فَإِذا أَنْتَ عَصَيْتَ اللّه فَقَدْ أَسَأْتَ إِلَيْهَا» (1).
رحم اللّه أبا ذر فقد صهره الإسلام، وتغذى بلبابه، وعرض جواهره إلى المسلمين ليستضيئوا بها، ويهتدوا بها في حياتهم ويسعدوا بها في آخرتهم.
3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كان أبو ذر يقولُ في خُطْبَتِهِ : يَا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ، كَأَنَّ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ شَيْئاً إِلَّا ما يَنْفَعْ خَيْرُهُ، وَيَضُرُّ شَرُّهُ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللّه.
يا مُبْتَغِيَ الْعِلْمَ، لَا يَشْغُلُكَ أَهْلَ وَلَا مَالٌ عَنْ نَفْسِكَ، أَنْتَ يَوْمَ تُفَارِقُهُمْ كَضَيْفٍ بِتَّ فيهِمْ، ثُمَّ غَدَوْتَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَالدُّنْيا وَالْآخِرَةُ كَمَنْزِلٍ تَحَوَّلْتَ مِنْهُ إِلَىٰ غَيْرِهِ، وَمَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْبَعْثِ إِلَّا كَنَوْمَةٍ نِمْتَهَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْتَ مِنْهَا.
يا مُبْتَغِيَ الْعِلْم، قَدَّمْ لِمَقامِكَ بَيْنَ يَدَيِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّكَ مُتَابٌ بِعَمَلِكَ، كَما تَدِينُ تُدانُ يا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ» (2).
إنّ مواعظ أبي ذرّ تهتز لها النفوس لأنها خرجت من قلب متّعظ، ومن نفس مليئة بالتقوى والإيمان.
4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قامَ أَبو ذَرٌ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَقالَ : أنا جُنْدَبُ بْنُ السَّكَنِ،،
النّاسُ، فَقالَ : لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَرادَ سَفَراً لَاتَّخَذَ فِيهِ مِنَ الزَّادِ مَا يُصْلِحُهُ، لِسَفَرِهِ فَتَزَوَّدُوا لِسَفَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أما تُريدونَ فيهِ ما يُصْلِحُكُمْ ؟
فَقامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ : أَرْشِدْنا ؟
فَقالَ : صُمْ يَوْماً شَدِيدَ الْحَرِّ لِلنُّشورِ، وَحُجَّ حَجَّةٌ لِعَظَائِمِ الْأُمورِ، وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ في سَوادِ اللَّيْلِ لِوَحْشَةِ القبورِ، كَلِمَةُ خَيْرِ تَقولُها، وَكَلِمَةُ شَرَّ تَسْكُتُ عَنْهَا، وَصَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى مِسْكِينِ لَعَلَّكَ تَنجو بِها يا مُسْتَكِينُ مِنْ يَوْمٍ عَسيرٍ، اجْعَلِ الدُّنْيا دِرْهَمَينِ، دِرْهماً أَنْفَقْتَهُ عَلى عيالِكَ، وَدِرْهَما قَدَّمْتَهُ لَآخِرَتِكَ، وَالثَّالِثُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ فَلَا تُرِدْهُ، اجْعَلْ الدُّنْيا كَلِمَتَيْنِ : كَلِمَةٌ فِي طَلَبِ الْحَلالِ، وَكَلِمَةٌ لِلْآخِرَةِ، وَالثَّالِثَةُ تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ لَا تَرِدْهَا.
ثُمَّ قَالَ : قَتَلَني هَمَّ يَوْمٍ لَا أُدْرِكُهُ» (1).
1) الخصال : 40.
روى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الصحابي الجليل سلمان الفارسي هذه الرواية :
«عَجِبْتُ لِسِتٍّ؛ ثَلَاثَةٌ أَضْحَكَتْنِي، وَثَلاثَةٌ أَبْكَتْنِي:
فَأَمَّا الَّتي أَبْكَثْني : فَفِراقُ الْأَحِبَّةِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَحِزْبِهِ، وَهَوْلُ الْمُطَلَعِ، وَالْوَقوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ.
وَأَمَّا الَّتي أَضْحَكَتْني : فَطَالِبُ الدُّنْيا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ، وَعَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ، وَضاحِكَ مَلَأَ فِيهِ لَا يَدْري أَرَضِيَ رَبُّهُ أَمْ سَخَطَ» (1).
الحمد للّه رب العالمين وصلّى اللّه على نبيّنا محمّد وعلى آله الطاهرين
1) الاختصاص : 224.
في رحاب القرآن الكريم
7 - 19
1 - التفكّر في آيات القرآن...10
2 - عجائب القرآن...10
3- القرآن زاجر وآمر...11
4 - ثواب حافظ القرآن...11
5 - ثواب المستمع للقرآن للقرآن...13
6 - البيوت التي يقرأ فيها القرآن...13
7 - ما ينبغي أن يقرأ في اليوم...14
8 - وضع المصحف في البيت...14
9 - مقدار الزمان الذي يختم به القرآن...15
10 - إعراب القرآن...16
11 - القرآن نزل أربعة أرباع...16
12 - كتابة القرآن بالذهب...16
13 - نزول القرآن على سبعة أحرف...17
الحروف السبعة...17
إنكار الإمام للأحرف السبعة...17
نمَاذِجُ مِن تَفسِيره (عَلَيهِ السَّلَامُ)
21 - 284
سورة الفاتحة (1)...23
سورة البقرة (2)...24
آل عمران (3)...65
سورة النساء (4)...80
سورة المائدة (5)...96
سورة الأنعام (6)...110
سورة الأعراف (7)...119
سورة الأنفال (8)...131
سورة التوبة (9)...133
سورة يونس (10)...137
سورة هود (11)...139
سورة يوسف (12)...144
سورة الرعد (13)...147
سورة إبراهيم (14)...151
سورة الحجر (15)...155
سورة النحل (16)...157
سورة الإسراء (17)...163
سورة الكهف (18)...174
سورة مريم (19)...180
سورة طه (20)...184
سورة الأنبياء (21)...188
سورة الحج(22)...193
سورة المؤمنون (23)...198
سورة النور (24)...200
سورة الفرقان (25)...206
سورة الشعراء (26)...209
سورة القصص (28)...211
سورة العنكبوت (29)...215
سورة الروم (30)...216
سورة لقمان (31)...217
سورة السجدة (32)...219
سورة الأحزاب (33)...221
سورة سبأ (34 )...226
سورة فاطر (35)...228
سورة الصافات (37)...231
سورة الزمر (39)...232
سورة غافر (40)...233
سورة فصلت (41)...235
سورة الشورى (42)...237
سورة الزخرف (43)...239
سورة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (47 )...241
سورة الفتح (48)...242
سورة الذاريات (51)...244
سورة الطور (52)...247
سورة النجم (53)...248
سورة القمر (54)...249
سورة الرحمن (55)...251
سورة الواقعة (56)...253
سورة الحديد (57)...254
سورة المجادلة (58)....255
سورة الحشر (95)...256
سورة الجمعة (62)... 257
سورة التغابن (62)...259
سورة الطلاق (65)...260
سورة التحريم (66)...261
سورة الملك (67)...262
سورة المعارج (70)...262
سورة الجنّ (70)...263
سورة المزمل (73)...265
سورة المدثر (74)...267
سورة القيامة (75)...268
سورة الدهر (76)...269
سورة المرسلات (77)...270
سورة النازعات (79)...271
سورة عبس (80)...271
سورة التكوير (81)...272
سورة الانشقاق (84)...272
سورة الطارق (86)...273
سورة الأعلى (87)...273
سورة الغاشية (88)...274
سورة الفجر (89)...275
سورة البلد (90)...277
سورة الانشراح (94)...278
سورة القدر (97)...279
سورة التكاثر (102)...280
سورة العصر (103)...281
سورة الماعون (107)...281
سورة الكافرون (109)...282
سورة النّاس (114)...283
في رحاب السُنّة
285 - 402
رواياته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن جدّه الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...290
رواياته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...359
رواياته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)...391
رواياته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...392
رواياته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 395
روايته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبي ذرّ (رضیَ اللّهُ عنهُ)...398
روايته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن سلمان (رضیَ اللّهُ عنهُ)...401
محتويات الكتاب...403