ghaemiyeh.com
موسُوعَةُ
سیرَة اهلِ البَیت علیهم السلام
الجُزءُ التَاسِع عَشَر
الأمام جَعفَر بنُ مُحَمَّد الصَّادِق علیه السلام
تَأليفُ
باقِر شَریف القُرَشي
تَحقِيقُ
مَهدِي بَاقِر القَرَشي
مُؤَسّسَةُ الامام الحَسَن علیه السلام
لإحیاء تُراث أهل البَيت علیهم السلام
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
موسُوعَةُ
سیرَة اهلِ البَیت علیهم السلام
الأمام جَعفَر بنُ مُحَمَّد الصَّادِق علیه السلام
موسُوعَةُ
سیرَة اهلِ البَیت علیهم السلام
الجُزءُ التَّاسِع عَشَر
الأمام جَعفَر بنُ مُحَمَّد الصَّادِق علیه السلام
نَشاتُهُ وَ مُناظَراتُهُ و وَصَایَاهُ علیه السلام
تَأليفُ
باقِر شَریف القُرَشي
تَحقِيقُ
مَهدِي بَاقِر القَرَشي
موسُوعَةُ سیرَة اهلِ البَیت علیهم السلام
تَأليفُ : باقِر شَریف القُرَشي
تَحقِيقُ: مَهدِي بَاقِر القَرَشي
الناشر : دار المعروف - مؤسّسة الإمام الحسن علیه السلام
المطبعة : ستار
الطبعة الثانية : 1433ه / 2012م
عدد النسخ : 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275- 964 - 978
ردمك الجزء ( 19 ) : 2 - 61 - 8275 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
محرر الرقمي: محسن مرادي
بسم الله الرّحمَن الرَّحِیم
( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )
آل عمران 3: 33 و 34
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )
الأحزاب 33 33
(قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةٌ نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنَا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ )
الشورى 42: 23
إلى العقل الملهم والمبدع في العالم الإسلامي
إلى ضمير الإنسانيّة ورائد عدالتها الاجتماعيّة
إلى وصىّ رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم و باب مدينة علمه
عَلِیّ بن ابي طالِب علیه السلام
أقدّم هذه البحوث عن حياة حفيده
الإمَامُ الصَّادقُ علیه السلام
الذي ملأ الدنيا بعلومه
راجياً التفضّل عليّ بالقبول ليكون ذخراً لي يوم ألقى الله تعالى
المؤلّف
1 الإمام الصادق علیه السلام أثرى شخصيّة علميّة عرفها التاريخ البشري في مواهبه وعبقريّاته التي لا حدّ لأبعادها ، ولا نهاية لآفاقها ، فقد فجّر هذا الإمام الملهم ينابيع العلم والحكمة في الأرض ، وملأ الدنيا بمعارفه وعلومه - على حدّ تعبير الجاحظ - ومن فيض علومه انتهل أئمّة المذاهب الإسلاميّة، وتغذّوا من موائده التشريعية ، ولا تزال ثرواته العلميّة الهائلة نديّة تزخر بالعطاء ، خصوصاً فيما يتعلّق منها بالأحكام الشرعيّة من عبادات ومعاملات ، فإليها يرجع فقهاء الإماميّة في استنباطهم للأحكام الشرعيّة ، كما يقتبس من أصالتها وعمقها علماء القانون فيما يؤسّسون من أحكام .
2 وساهم هذا العملاق العظيم مساهمة إيجابيّة وفعّالة في بناء الحضارة الإنسانيّة ، وتطوير الحياة العامّة، وتنمية الفكر البشرى ، وذلك بما اكتشفه واخترعه من وسائل التكنولوجيا المتطوّرة التي دفعت الإنسان إلى التقدّم في جميع وسائل الحياة ، فكان ممّا اكتشفه الأوكسجين ، ونصّ على خصائصه ومركّباته ، كما أعلن أنّ الهواء ليس عنصراً بسيطاً ، وإنّما هو مركّب من عناصر مختلفة (1) مختلفة(1)، واكتشف كثيراً من أسرار الكون نصّ عليها علماء الغرب الذين درسوا آراءه من خلال دراستهم لمؤلّفات تلميذه العالم الكيماوي جابر بن حيان مفخرة الشرق ، فقد حفلت مكتبات
1) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : 120 - 130 .
الغرب بالكثير من مؤلّفاته(1).
لقد اعتبر علماء الغرب الإمام الصادق علیه السلام العقل المفكّر والمبدع في الإنسانيّة ، ومن الطريف جدّاً أنّ بعض المستشرقين زعم أنّ الإمام الصادق علیه السلام من الغرب ونزح إلى الشرق؛ لأنّ الشرقيّين لا يملكون مثل ما يملكه الإمام من الطاقات العلميّة الهائلة ، وقد خفي عليه أنّه من الأسرة النبويّة التي فجّرت النور والوعي في الأرض .
3 واعتنى الإمام الصادق علیه السلام كأشدّ ما يكون الاعتناء بإشاعة العلم ونشر الثقافة ، وبلورة الفكر الإسلامي بشتّى أنواع العلوم ، فأقام جامعته الكبرى التي تعتبر من الأحداث المهمّة في ذلك العصر ، فقد رفعت منار العلم ، وبسطت الوعي الثقافي ، وأوجدت عوامل الارتقاء والنهوض للأمّة ، وذلك بما بثّه من موجات علميّة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي وأقاليمه .
وتعتبر النهضة العلميّة في العصر العباسي من معطيات جامعة الإمام علیه السلام ، كما يعتبر بعض البحاثين والمحقّقين أنّ التقدّم التكنولوجي والتطوّر الهائل في عالم الصناعة ، الذي أحرزته الدول المتقدّمة في هذه العصور ، يستند بعضه إلى ما خلّفه جابر بن حيّان ، تلميذ الإمام علیه السلام من تراث مشرق في علمي الكيمياء والفيزياء ، اللذين هما الأساس في النهضة العلميّة الحديثة .
وعلى أي حال ، فيعرض هذا الكتاب بصورة موضوعيّة وشاملة لجامعة الإمام علیه السلام، وبيان برامجها العلميّة والثقافيّة ، وعدد طلّابها وفروعها، وغير ذلك ممّا يرتبط بالموضوع .
4 و تناول الإمام علیه السلام في محاضراته القيّمة ، وبحوثه المشرقة قضايا التوحيد التي هي في طليعة الفكر الإسلامي ، وقد أثار حولها الشبه والشكوك الحاقدون
1) راجع الجزء السادس من موسوعتنا هذه، حيث عرضنا مؤلّفاته بصورة مفصلة .
على الإسلام لإفساد عقائد المسلمين ، وقد تصدى لهم الإمام بحزم ،ففنّد مزاعهم، وأبطل شبههم ، وقد عالج قضايا التوحيد على ضوء البحوث الفلسفيّة ، وأرجع الكثير منها إلى الناحية الحسّيّة التي ترجع إلى القضايا البديهيّة التي لا تقبل الجدل ، وقد أبطل ببالغ الحجّة ، وواضح البرهان ، كلّ وهم وشبهة أثيرت حول التوحيد ، ودلّل بذلك على أصالة العقيدة الإسلاميّة من جميع جوانبها ، وسلامتها من كلّ شبهة أو إشكال، ويعرض هذا الكتاب بصورة مفصّلة ومستوعبة إلى بيان ذلك ، للتدليل على مدى جهاد الإمام علیه السلام وسعة علومه ومعارفه .
5 وأغنى الإمام الصادق علیه السلام الفكر الإسلامي بما نشره بين النّاس من جوامع الكلم ، وغرر الحكم ، الحافلة بكلّ مقوّمات الحياة ، والتي هي برنامج كامل ، و دستور شامل لجميع قضايا الإنسان ، وبالإضافة لذلك فإنّ معظمها قد بلغ أقصى مراتب البلاغة والفصاحة ، من حيث جمال الديباجة، ودقّة الأسلوب ، وروعة البيان ، وهي - من دون شكّ - من مناجم الأدب العربي ، ومن ذخائر التراث الإسلامي ، ونظراً لكثرتها وأهميّتها فقد أفردنا لها جزءاً خاصّاً من هذه الموسوعة .
6 ومن بين الثروات الفكريّة المشرقة للإمام الصادق علیه السلام أدعيته الشريفة التي تضارع الصحيفة السجّاديّة لجدّه الإمام زين العابدين علیه السلام التي هي إنجيل آل محمّد صلی الله علیه و آله وسلم ، وهي تحكي مدى انقطاعه إلى الله تعالى ، واعتصامه به ، وبالإضافة لجوانبها الروحيّة فإنّ كثيراً منها كان ذا محتوى أخلاقي واجتماعي وسياسي ، فقد حكى ما ألمّ بالنّاس في عصره من ضروب المحن والبلوى من جرّاء الحكم القائم الذي جهد في ظلم النّاس ، وإرغامهم على ما يكرهون .
إنّ أدعية الإمام الصادق علیه السلام كأدعية الأئمّة العظام من آبائه وأبنائه علیهم السلام ، وهي تهدف إلى غرس النزعات الكريمة في نفوس المسلمين ، وتهذيب سلوكهم ، وإشاعة التقوى والصلاح في مجتمعهم ، ونظراً لأهمّيتها البالغة ، فقد أفردناها مستقلّة
وأسميناها ب « الصحيفة الصادقيّة» ، وقدّ مناها للطبع قبل طبع أجزاء هذه الموسوعة .
7 وأقام الإمام الصادق علیه السلام لشيعته منهجاً رائعاً ، مستقلّاً وكاملاً، من الفقه المتطوّر الذي يساير الزمن في جميع مراحل التاريخ ، وقد أغناهم به من أن يكونوا عالة على أي مذهب من المذاهب الإسلاميّة أو الاجتماعيّة ، فقد كان فقههم من أروع وأسمى ما قنّن في عالم الفقه والقانون .
يقول الدكتور عبدالرحمن البدوي : « الإمام الصادق هو الذي نظّم الشيعة ، وأوجد لها الكيان الفقهى، ممّا جعلها من أبرز الفرق الإسلاميّة ، وأغناها آثاراً وتفكيراً، وأكثرها جهاداً في سبيل الله وخير الإنسانيّة»(1).
وقد دوّن الرواة أحاديث الإمام الصادق علیه السلام في الأصول الأربعمائة ، والتي جُمعت في الكتب الأربعة التي هي من أمّهات كتب الأحاديث ، وإليها يرجع فقهاء الإماميّة في استنباطهم للأحكام الشرعيّة .
وعلى أي حال ، فإنّ هذه الموسوعة تعرض إلى فقهه الشريف بصورة كاملة ومستوعبة .
8 وحفلت مصادر الحديث - من موسوعات وغيرها - بجمهرة مشرقة من روايات الإمام الصادق علیه السلام، روى بعضها عن جدّه الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله وسلم وروى بعضها الآخر عن آبائه الأئمّة الطاهرين علیهم السلام ، كما روى طائفة أخرى عن سنن الأنبياء وأخلاقهم ووصاياهم ، ومجموع تلك الروايات تتعلّق بآداب السلوك ، و ومكارم الأخلاق ، ومحاسن الصفات ، وهي تحثّ المسلمين على التحلّي بها ليكونوا سادة البشر وهداة العالم .
وقد أفردنا لتلك الكوكبة من الأحاديث باباً مستقلّاً في بعض أجزاء هذه الموسوعة .
1) مجلّة دراسات إسلامية 45 .
9 وكان من بين ما أثر عن هذا العملاق العظيم كوكبة من التعاليم الطبيّة والوصفات الصحّيّة ، كان يلقيها على تلاميذه السادة الأطباء ، وهي تدلّ على تخصّصه في هذا العلم ، وتضلّعه فيه . وألّف المرحوم الشيخ محمّد الخليلي كتاباً ذكر فيه ما أثر عن الإمام علیه السلام من البحوث الطبّيّة ، سوف نذكره في بنود هذا الكتاب .
ومن الجدير بالذكر، أنّ الرواة قد نقلوا عنه مجموعة من الأحاديث تناول فيها الفوائد الصحّيّة في الخضروات ، سنعرض لها عند البحث عن هذا الموضوع .
10 ولا تكاد تقرأ كتاباً في تفسير القرآن إلّا ويطالعك رأي أصيل للإمام الصادق علیه السلام في تفسير بعض الآيات الكريمة . ومن المؤكّد أنّ الإمام الصادق علیه السلام قد عنى عناية خاصّة في تفسير القرآن الكريم ، فأولاه المزيد من اهتمامه ، وجعله من جملة المناهج في دروسه التي كان يلقيها على السادة العلماء من تلاميذه ، ولو جمع ما أثر عنه في هذا الموضوع لكان كتاباً مستقلاً وقائماً بذاته ، ونعرض في بعض بنود هذه الموسوعة إلى جملة من الآيات الكريمة التي أدلى بتفسيرها .
11 ومن متمّمات البحث عن حياة الإمام الصادق علیه السلام ، الوقوف على تراجم تلاميذه ، والتعرّف على هويّاتهم ، وقدراتهم الثقافيّة ، فإنّ في ذلك ضرورة يقتضيها البحث - حسب الدراسات الحديثة - فإنّه يكشف عن الحياة العلميّة والثقافيّة في عصره ، كما يلقي الأضواء على مدى جهاد الإمام علیه السلام في نشر العلم وإذاعته بين النّاس .
لقد هرعت إلى يثرب أفواج من طلاب العلوم للانتهال من نمير علوم الإمام ، كان عددهم يربو على أربعة آلاف طالب ، وهذا العدد الضخم يصوّر مدى سعة علوم الإمام علیه السلام ، التي أمدّت الطلاب بما يحتاجونه من أنواع المعارف والعلوم .
وقد ازدهرت يثرب بهذه الهيئة العلميّة ، وعاد لها مجدها الذهبي الذي بناه لها الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله وسلم، فقد أخذت تمدّ العالم الإسلامي بالعلماء والمرشدين الذين
يتخرّجون من جامعة الإمام علیه السلام، وقد نشروا الوعي الثقافي والعلمي بين المسلمين ، وفجّروا بذلك النهضة العلميّة التي كانت من أهمّ الأهداف التي كان ينشدها الإمام علیه السلام .
وعلى أي حال ، فقد ترجمنا في هذه الموسوعة ثلاثة آلاف وستمائة واثنين وستّين شخصاً من طلاب الإمام علیه السلام طلاب الإمام ا . ومن الجدير بالذكر أنّ معظمهم كانوا من أهل الكوفة ، وقد عاد أكثرهم إليها بعد تخرّجهم من جامعة الإمام ، فرفعوا منار الفضل والعلم ، فعقدوا حلقات في جامع الكوفة ، وهم ينشرون علوم الإمام ومعارفه ، وقد احتفت بهم الناشئة ، وأصبحت الكوفة أهمّ مركز ثقافي في الإسلام .
12 ودلّل الإمام الصادق علیه السلام بمواهبه وعبقريّاته على أصالة ما تذهب إليه الشيعة من أنّ الإمام لا بدّ أن يكون أفضل وأعلم أهل عصره ، بحيث لا يدانيه أحد في ملكاته وسعة معارفه .
لقد كان الإمام الصادق علیه السلام وحيد الدنيا على امتداد التاريخ في قدراته العلميّة ، في حين أنّه لم يدخل مدرسة ، ولم يتتلمذ عند أحد ، فمن أين جاءته هذه العلوم التي أنارت العقل البشري ، ودفعت الإنسان إلى التطوّر والتقدّم ؟! إنّه لا بدّ من الالتزام حرفیّاً بما تذهب إليه الشيعة في أئمّة أهل البيت علیهم السلام من أنّ الله تعالى منحهم الحكمة وفصل الخطاب كما منح رسله وأنبياءه . ومن الطبيعي أنّه ليس في هذا القول غلوّ ولا انحراف عن موازين الحقّ بعدما توفّرت على أصالته أوثق الأدلّة ، كما يوضحه هذا الكتاب .
13 أمّا نزعات الإمام الصادق علیه السلام وعناصره النفسيّة ، فإنّها تحكي كلّ ما يسمو به الإنسان من الصفات الكريمة والمثل العليا من الحلم والكرم ، والرأفة والرحمة ، ونكران الذات ، ومن بين صفاته مكارم الأخلاق ، فقد ضارع بهذه الظاهرة جدّه الرسول الأعظم الله صلی الله علیه و آله وسلم الذي امتاز على سائر النبيين بمعالي أخلاقه .
إنّ محاسن صفات الإمام علیه السلام نفحة من رحمات الله ، وهبها تعالى لهذا الإمام العظيم ليكون الموجّه والقائد لهذه الأمّة في سيرتها ونهضتها الفكريّة والحضاريّة .
إنّ الزخم الهائل من الصفات الكريمة التي اتّصف بها سليل النبوّة هي التي جعلته طليعة أئمّة المسلمين منزلة ومكانة على امتداد التاريخ .
لقد منح الله هذا الإمام رقّة القلب ، ودقّة الشعور ، وكمال الخلق ، ما لا عهد للناس بمثله ، فكأنّه مَلك هبط إلى الأرض ليملأها برّاً وإحساناً وخيراً .
ويعرض هذا الكتاب إلى إعطاء صورة حيّة ومتميّزة من نزعات الإمام علیه السلام وعناصره النفسيّة .
14 ومن بين المظاهر الفذّة لشخصيّة الإمام الصادق علیه السلام إقباله على العبادة وانقطاعه إلى الله ، فكان في أوقات فراغه يلهج بذكر الله تعالى ، يسبّحه يكبّره .. يتلو كتابه ، وقد بهر مالك بن أنس بعبادة الإمام علیه السلام، وراح يقول بإكبار وإعجاب : « اختلفت إلى جعفر بن محمّد زماناً ، فما كنت أراه إلّا على إحدى ثلاث خصال : إمّا مصلّياً ، وإمّا صائماً ، وإمّا يقرأ القرآن » .
لقد اعتصم الإمام بالله ، وانقطع إليه ، فعبده بإخلاص ، وعمل كلّ ما يقرّبه إليه زلفى .. ويعرض هذا الكتاب إلى بعض شؤون عبادته .
15 ومن بحوث هذا الكتاب دراسة العصر الذي نشأ فيه الإمام الصادق علیه السلام ، ومن الضروري أن تكون الدراسة مستوعبة وشاملة للأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة ، فقد أصبحت دراسة العصر من البحوث المنهجيّة التي لا غنى للباحث عنها في دراسته لحياة الشخص وسيرته . أمّا عصر الإمام فقد كان حافلاً بالأحداث الجسام، فقد اضطربت فيه الحياة السياسية كأشد ما يكون الاضطراب ، وتلبدت في آفاق العالم الإسلامي آفات مروّعة من المحن والخطوب ، كانت من نتائج صراع الأحزاب على الظفر بالحكم والفوز بالسلطة ، ومن جرّاء ذلك شاعت الفتن بين المسلمين وتباعدوا عن دينهم .
ووقف الإمام الصادق علیه السلام أمام الأحداث السياسيّة موقف الحازم اليقظ ، فتجنّب
الدخول في المعترك السياسي ، واتّجه صوب العلم يذيعه وينشره بين النّاس...، ويعرض هذا الكتاب بصورة مفصّلة إلى موقف الإمام علیه السلام من الأحداث السياسيّة في عصره .
16 وظاهرة أخرى في عصر الإمام الصادق علیه السلام وهي انتشار الفِرق الإسلاميّة ، كالمعتزلة والأشاعرة والخوارج والكيسانيّة والزيديّة وغيرها ، وقد اشتدّ الصراع فيما بينها كأشد وأعنف ما يكون الصراع ، وكان لكل واحدة منها حلقات وحوزات علميّة ، تقيم الأدلّة على ما تذهب إليه ، وتدعو الجماهير إلى اعتناق مبادئها ، وقد تبنّت الدولة آراء بعض الفِرق ، وألزمت الناس باعتناق أفكارها ، كما عهدت إلى القضاة بالقضاء على وفق فقهها؛ لأنّها كانت تدعو لمساندة الدولة .
و تصدّى الإمام الصادق علیه السلام مع السادة العلماء من تلاميذه للردّ على تلك الفِرق ، وإبطال ما تذهب إليه من آراء لا تتفق مع الواقع الإسلامي .. ويوضّح هذا الكتاب ذلك كلّه بمزيد من البيان والتفصيل .
17 ويعنى هذا الكتاب بدراسة أحوال الملوك والولاة الذين عاصرهم الإمام الصادق علیه السلام ، وما جرى لهم معه من أحداث ، من دون أن نتحيّز أو نميل لأية الله جهة ، فإنّ رائدنا هو الإخلاص للحقِّ غير مشفوع بتقليد أو هوى طائفي ، وعلينا أن نسلّط الأضواء اء على الوثائق التاريخية ، فإنّها العمود الفقري لدراسة التاريخ ، وعلينا أن نبذل أقصى الحيطة في دراستها ، واستنتاج الحقائق المترتّبة عليها حتّى لا نقع في الخطأ ، فقد خلط التاريخ بكثير من الموضوعات أوجبت خفاء الحقّ على كثير من المؤلّفين والباحثين .
18 وبعد هذا التقديم الموجز لبعض بحوث هذا الكتاب أودّ أن أبيّن أنّ هذه الموسوعة على ما فيها من استيعاب وشمول لا تحكي - بصورة جازمة -
المعالم التامّة لشخصيّة الإمام الصادق علیه السلام ، كما لا تلمّ بجميع ما أثر عنه من المعارف والعلوم ، وإنّما تلقي أضواءً خافتة ومؤشّرات على بعض معالم هذه الشخصيّة التي هي ملء فم الدنيا في فضائلها وكمالها ، والتي هي كنز من الكنوز الفكريّة والعلميّة التي لا حدود لأبعادها ، وعسى أن أكون قد أدّيت خدمة متواضعة في هذه الموسوعة للإمام الصادق علیه السلام الذي وهبه الله من زخم الفكر ، وسموّ الشعور ، وطهارة النفس ، واستقامة الخلق ، مما جعله من أعظم أئمة المسلمين ، وأوفاهم لدينه ، وأحرصهم على إحياء كتاب الله ، وسنّة نبيّه ، علماً وعملاً، وفعلاً وقولاً ، سائلين منه تعالى أن يمدّنا بالتوفيق ، ويكتب لنا المزيد من الأجر .
إنّه تعالى وليّ ذلك والقادر عليه .
مَکتَبَةُ الإمَام الحَسَن العَامَّة
النَّجَفُ الاَشرَفُ
باقر شَریف القریشي
وقبل الحديث عن ولادة الإمام الصادق علیه السلام وما رافقها من السنن الشرعيّة وغيرها ، نعرض - بإيجاز - إلى أسرته الكريمة ، وإلى الأصول المشرقة التي تفرّع منها ، وفيما يلي ذلك :
الإمام الصادق علیه السلام من أسرة كريمة ، هي أجلّ وأسمى أسرة في دنيا العرب والإسلام ، تلك الأسرة التي أنجبت خاتم النبيّين ، وسيّد المرسلين ، محمّد صلی الله علیه و آله وسلم . وأنجبت عظماء الأئمّة، وأعلام العلماء ، وهي على امتداد التاريخ لا تزال مهوى أفئدة المسلمين، ومهبط الوحي والإلهام، ومبعث صوت الحقّ الذي تماوج في بطاح البيداء ، وأودية الجبال ، وسفوح الروابي ، فكان نوراً على كلّ شاطئ وخليج من مطلع الشمس حتّى مغربها ، تلك الأسرة التي يقول سيّد العرب عبدالمطلّب :
لا يَنْزِلُ المَجدُ إلا في منازلنا *** كالنّوم ليسَ لَهُ مأوى سوى الْمُقَلِ
ويقول شاعر العرب الفرزدق في رائعته التي مدح بها إمام المتّقين وسيّد العابدين الإمام زين العابدين علیه السلام:
مَنْ يَعرفِ اللَّهَ يَعرِفُ أَوَّلِيةَ ذا *** فَالْمَجْدُ مِنْ بَيْتِ هذا ناله الأمم
من هذه الأسرة التي أغناها الله بفضله ، والقائمة في قلوب المسلمين وعواطفهم
تفرّع عملاق هذه الأمة ، ومؤسّس نهضتها الفكريّة والعلميّة الإمام الصادق علیه السلام، وقد ورث من عظماء أسرته جميع خصالهم العظيمة ، فكان ملء فم الدنيا في
نزعاته وصفاته .
أمّا أبو الإمام الصادق علیه السلام فهو الإمام محمّد الباقر علیه السلام سيّد الناس لا في عصره ، وإنّما في جميع العصور على امتداد التاريخ علماً وفضلاً وتقوى ، ولم يظهر من أحد في ولد الإمامين الحسن والحسين علیهما السلام من علم الدين والسنن ، وعلم القرآن والسير ، وفنون الأدب والبلاغة مثل ما ظهر منه منه (1).
لقد فجّر هذا الإمام العظيم ينابيع العلم والحكمة في الأرض ، وساهم مساهمة إيجابيّة في تطوير العقل البشري، وذلك بما نشره من مختلف العلوم ، وسنتحدّث عن بعض شؤونه في غضون هذا الكتاب .
لقد زهرت الدنيا بهذا المولود العظيم الذي تفرّع من شجرة النبوّة ودوحة الإمامة . يقول الشاعر :
إذا وُلد المولودُ مِنْهُمْ تَهَلَّلتْ *** لَهُ الْأَرْضُ واهتَزَّتْ إِليهِ الْمنابر
إنّه من معدن الحكمة والعلم ، ومن بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً .
لوكان يوجدُ عُرفُ قبلهمْ *** لوجدتَهُ منهم على أميال
إن جئتَهُمْ أَبْصَرتَ بين بيوتهم *** كَرَماً يقيك مواقِفَ النَّسْأَلِ
نورُ النُّبوَّة والمكارم فيهم *** متوقَدُ في الشَّيبِ وَالأَطفال (2)
أمّا أمّ الإمام الصادق علیه السلام فهي السيّدة المهذّبة الزكيّة (اُمّ فروة) بنت الفقيه القاسم بن محمّد بن أبي بكر(1)
ولمّا احتضر قال لابنه : « سنّ عَلَيَّ التراب سنّاً - أي ضعه علَيَّ سهلاً ، وسوَي عَلَيَّ قبري ، والحقّ بأهلك ، وإيّاك أن تقول : كان أبي » ، وكانت وفاته بمكان يقال له قديد ، وهم اسم موضع يقع ما بين مكّة والمدينة - يراجع في ترجمته صفة الصفوة : 2 : 49 و 50. المعارف : 54 . معجم البلدان 7 38 . وفيات الأعيان : 3 : 224. تهذيب التهذيب : 8: 299.
، وكانت من سيّدات النساء عفّة وشرفاً وفضلاً، فقد تربّت في بيت أبيها ، وهو من الفضلاء اللامعين في عصره، كما تلقّت الفقه والمعارف الإسلاميّة من زوجها الإمام الأعظم محمّد الباقر علیه السلام، وكانت على جانب كبير من الفضل ، فقد كانت مرجعاً للسيّدات من نساء بلدها وغيره في مهام أمورهنّ الدينيّة ، وحسبها فخراً وشرفاً أنّها صارت أمّاً لأعظم إمام من أئمّة المسلمين ، وكانت تعامل في بيتها بإجلال واحترام من قبل زوجها وباقي أفراد العائلة النبويّة .ولم تمضِ فترة طويلة من زواج السيّدة ( أمّ فروة ) بالإمام محمّد الباقر علیه السلام حتّى حملت ، وعمّت البشرى أفراد الأسرة العلويّة ، وتطلّعوا إلى المولود العظيم تطّلعهم لمشرق الشمس ، ولمّا أشرقت الأرض بولادة المولود المبارك سارعت القابلة لتزفّ البشرى إلى أبيه فلم تجده في البيت ، وإنّما وجدت جدّه الإمام زين العابدين علیه السلام، فهنّأته بالمولود الجديد ، وغمرت الإمام موجات من الفرح والسرور لأنّه علم أنّ هذا
1) القاسم بن محمّد بن أبي بكر من الفقهاء الأجلاء ، وكان عمر بن عبدالعزيز يجلّه كثيراً ، وقد قال : « لو كان لي من الأمر شيء لوليت القاسم بن محمّد الخلافة » ، وقد عمّر طويلاً، وذهب بصره في آخر عمره .
الوليد سيجدّد معالم الدين ، ويحيي سنّة سيّد المرسلين صلی الله علیه و آله وسلم ، وأخبرته القابلة بأنّ له عينين زرقاوين جميلتين ، فتبسّم الإمام علیه السلام وقال : « إِنَّهُ يَشْبَهُ عَيْنَى وَالِدَتى»(1).
وبادر الإمام زين العابدين علیه السلام إلى الحجرة فتناول حفيده فقبله ، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعيّة ، فأذّن في أذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى .
لقد كانت البداية المشرقة للإمام الصادق علیه السلام أن يستقبله جدّه الذي هو خير أهل الأرض ، وهمس في أذنه نشيد الإسلام الخالد :
«الله أكبر » .
«لا إله إِلَّا اللهُ » .
وقد غذّاه بهذه الكلمات التى هى سرّ الوجود لتكون أنشودته في مستقبل حياته .
أمّا اسمه الشريف فهو ( جعفر ) ، ونصّ كثير من المؤرّخين أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله وسلم هو الذي سمّاه بهذا الاسم ، ولقّبه بالصادق .
أمّا ألقابه فهي تلقي الأضواء على سموّ شخصيّته العظيمة ، وما يتمتّع به من محاسن الصفات ، وهي :
1 - الصادق : لقّبه بذلك جدّه الرسول صلی الله علیه و آله وسلم لأنّه أصدق إنسان في حديثه
وكلامه(2)
قال السمعاني في أنسابه 3 : 507 : « الصادق لقب لجعفر الصادق لصدقه في مقاله ».
.وقيل : انّ المنصور الدوانيقي الذي هو من ألدّ أعدائه ، هو الذي أضفى عليه هذا اللقب ، والسبب في ذلك - حسبما يقول الرواة - أنّ أبا مسلم الخراساني طلب من الإمام الصادق علیه السلام أن يدلّه على قبر جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، فامتنع ، وأخبره أنّه إنّما يظهر القبر الشريف في أيّام رجل هاشمي يقال له أبو جعفر المنصور ، وأخبر أبو مسلم المنصور بذلك في أيّام حكومته ، وهو في الرصافة ببغداد ، ففرح بذلك وقال : « هذا هو الصادق»(1).
2- الصابر(2): ولقّب بذلك لأنّه صبر على المحن الشاقّة والخطوب المريرة التي تجرّعها من خصومه الأمويّين والعباسيّين.
3 - الفاضل(3): لقّب بذلك لأنه كان أفضل أهل زمانه وأعلمهم ، لا في شؤون الشريعة وإنّما في جميع العلوم.
4 - الطاهر(4): لأنّه أطهر إنسان في عمله وسلوكه واتّجاهاته .
5 - عمود الشرف (5): لقد كان الإمام علیه السلام عمود الشرف ، وعنوان الفخر والمجد لجميع المسلمين.
6 - القائم (6): من ألقابه الشريفة ، وفيما أحسب أنّه إنّما لقّب بذلك لأنّه كان قائماً بإحياء دين الله ، والذبّ عن شريعة سيّد المرسلين صلی الله علیه و آله وسلم .
7 - الكافل (7): إنّما لقّب بذلك لأنّه كان كافلاً للفقراء والأيتام والمحرومين ، فقد قام بالإنفاق عليهم وإعالتهم .
1) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 91 .
2) مرآة الزمان : 5 ، الورقة 166 من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام .
3) مرآة الزمان : 5 ، الورقة 166 من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام .
4) مرآة الزمان : 5 ، الورقة 166 من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام .
5) سرّ السلسلة العلويّة : 34 .
6) مناقب آل أبي طالب : 4 : 281 .
7) مناقب آل أبي طالب : 4 : 281 .
8 - المنجى(1): من ألقابه الكريمة المنجي من الضلالة ، فقد هدى من التجأ إليه، وأنقذ من اتّصل به .
هذه بعض ألقابه الكريمة التي تحكي بعض صفاته ، ومعالم شخصيّته .
وكنّي الإمام الصادق علیه السلام بما يلي :
1 - أبو عبد الله .
2 - أبو إسماعيل
3 - أبو موسى (2).
أمّا أوصافه وملامحه فقد ذكر الرواة أنّه كان ربع القامة ، أزهر الوجه ، حالك الشعر(3)، جعد (4)، أشمّ الأنف ، أنزع (5)، رقيق البشرة ، على خدّه خال(6)أسود ، وعلى جسده خيلان(7)حمرة(8)مناقب آل أبي طالب : 4 : 281 . (9).
وقيل : إنّه كان معتدل القامة ، أدم اللون(10). هذه ملامحه
1) مناقب آل أبي طالب : 4 : 281 .
2) مناقب آل أبي طالب : 4 : 281 .
3) حالك الشعر : أي شديد السواد .
4) جعد: من صفات الشعر إذا كان فيه التواء وقبض
5) الأنزع : هو الذي انحسر الشعر عن جانبي جبهته.
6) الخال : شامة فى البدن ، ويغلب على شامة الخدّ .
7) خیلان - مفرده خال - : وهي الشامة .
10) تذكرة الحفّاظ : 1 : 158 .
وأمّا صفاته النفسيّة فقد حاكى بها صفات الرسول الأعظم علیه السلام، وسنتحدّث عنها في غضون هذا الكتاب .
واختلف المؤرّخون في السنة التي وُلد فيها الإمام الصادق علیه السلام ، وهذه بعض الأقوال :
1 - إنّه وُلد بالمدينة المنوّرة سنة 80ه(1).
2 - ولد سنة 83ه ، يوم الجمعة ، ويقال : يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأوّل (2).
3 - وُلد سنة 86ه(3).
أمّا البيت الذي وُلد ونشأ فيه الإمام الصادق علیه السلام فهو بيت أبيه وجدّه ، وكان معروفاً في العصور السابقة ببيت الإمام الصادق علیه السلام.
وفي أيّام الحكومة السعوديّة منحته لنائب الحرم ، وبعد إلغاء وظيفته منحته للقائم بأوقاف الحرم النبويّ(4).
1) تاريخ ابن الوردي : 1 : 266 . الاتحاف بحبّ الأشراف : 54 سرّ السلسلة العلويّة : 34 . ينابيع المودّة : 457. تذكرة الحفّاظ : 1 : 157 نور الأبصار : 132 وفيات الأعيان: 191:1 .
2) أصول الكافي : 1 : 472 مناقب آل أبي طالب : 4 : 279 و 280 . إعلام الورى : 271 ، وجاء فيه : « أنّه ولد بالمدينة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأوّل» .
3) مناقب آل أبي طالب : 4 : 280 .
4) في منزل الوحي : 532 .
كان الإمام الصادق علیه السلام في سنّه المبكّر آية من آيات النبوغ والذكاء ، فلم يجاريه أحد بمثل سنّه على امتداد التاريخ بهذه الظاهرة التي تدعو إلى الاعجاب والإكبار ، والتي كان منها أنّه كان يحضر دروس أبيه وهو صبيّ يافع لم يتجاوز عمره الثلاث سنين ، وقد فاق بتلقّيه لدروس أبيه جميع تلاميذه من كبار العلماء والرواة .
ومن الجدير بالذكر أنّ دروس أبيه وبحوثه لم تقتصر على الفقه والحديث وتفسير القرآن الكريم ، وإنّما شملت جميع أنواع العلوم من الفلسفة والطبّ وعلم الكيمياء وعلم النجوم وغيرها ، وقد ألمّ بها الإمام الصادق علیه السلام ، وممّا يدلّ على ذلك ما نقله الرواة أنّ الوليد بن عبدالملك أمر عامله على يثرب عمر بن عبد العزيز بتوسعة المسجد النبويّ ، فأنجز عمر قسماً كبيراً منه وأعلمه بذلك ، وسافر الوليد إلى يثرب ليطّلع بنفسه على ما أنجزه عمر من أعمال التعمير والتوسيع ، وقد استقبله عمر من مسافة خمسين فرسخاً ، وأعدّ له استقبالاً رسميّاً، وخرجت أهالي يثرب بجميع طبقاتها لاستقباله والترحيب به .
وبعدما انتهى إلى يثرب دخل إلى الجامع النبوي ليشاهد ما أنجز من أعمال التعمير ، وقد رأى الإمام الباقر علیه السلام على المنبر وهو يلقي محاضرة على تلاميذه ، فسلّم عليه ، فردّ الإمام السلام عليه ، وتوقّف عن التدريس تكريماً له ، فأصرّ عليه الوليد أن يستمرّ في تدريسه ، فأجابه إلى ذلك ، وكان موضوع الدرس ( الجغرافيا ) ، فاستمع الوليد وبهر من ذلك ، فسأل الإمام : « ما هذا العلم ؟ » .
فأجابه الإمام : « إِنَّهُ عِلْمٌ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْأَرْضِ وَالسَّماءِ ، وَالشَّمْسِ وَالنُّجوم » .
ووقع نظر الوليد على الإمام الصادق علیه السلام، فسأل عمر بن عبد العزيز :
« من يكون هذا الصبي بين الرجال ؟ »
فبادر عمر قائلاً: «إنّه جعفر بن محمّد الباقر . . . » .
وأسرع الوليد قائلاً: « هل هو قادر على فهم الدرس واستيعابه ؟ » .
وبادر عمر فعرّفه بما يملكه الصبي من قدرات علميّة قائلاً: « إنّه أذكى من يحضر درس الإمام ، وأكثرهم سؤالاً ونقاشاً».
وبهر الوليد واستدعاه بالوقت ، فلمّا مثل أمامه بادر قائلاً:
« ما اسمك ؟ »
وأجابه الصبي بطلاقة قائلاً: «اسمي جَعْفَر ».
وأراد الوليد امتحانه فقال له : « أتعلم من كان صاحب المنطق ؟» ( أي مؤسّسه ) .
فأجابه الصبيّ :« كانَ أَرْسطو مُلَقَّباً بِصاحِبِ الْمَنْطِقِ ، لَقْبَهُ إِيَّاهُ تَلا مِذَتُهُ وَأَتْبَاعُه ».
ووجّه الوليد إليه سؤالاً ثانياً قائلاً: « من صاب المعز ؟ » .
فأنكر عليه الإمام ذلك وقال : «لَيْسَ هذا إسماً لأَحَدٍ ، وَلكنَّهُ إِسْمٌ لِمَجْمُوعَةٍ مِنَ النُّجومِ ، وَتُسَمّى ذو الأَعنَّة »(1).
واستولت الحيرة والذهول على الوليد ، فلم يدر ما يقول ، وتأمّل كثيراً ليستحضر مسألة أخرى يسأل بها سليل النبوّة ، وحضر في ذهنه السؤال الآتي فقال له : «هل تعلم من صاحب السواك ؟ ».
فأجابه الإمام فوراً : « هُوَ لَقَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ صاحِب جَدَى رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم».
ولم يستحضر الوليد مسألة يسأل بها الإمام ، ووجد نفسه عاجزاً أمام هذا العملاق العظيم ، فراح يبدي إكباره وإعجابه بالإمام ، ويرحّب به ، وأمسك بيده ودنا من الإمام الباقر علیه السلام يهنّئه بولده قائلاً: «إنّ ولدك هذا سيكون علّامة عره ...»(2).
وصدق توسّم الوليد ، فقد أصبح الإمام الصادق علیه السلام أعلم علماء أهل عصره علی
الإطلاق، بل أعلم علماء الدنيا على امتداد التاريخ، وليس هناك تعليل مقنع لهذه الظاهرة التي اتّصف بها سليل النبوّة في حال طفولته ، إلّا القول بما تذهب إليه الشیعة من أنّ الله تعالى منح أئمّة أهل البيت علیهم السلام العلم والحكمة في جميع أدوار حياتهم كما منح أنبياءه ورسله، فإنّ الطفل بحسب تكوينه السيكولوجي من غير الممكن أن تكون له مثل هذه القدرات العلميّة ، وإن اتّصف بالذكاء الحادّ .
وكان من السمات البارزة لنبوغه وذكائه تعلّمه في سنّه المبكر لجميع لغات العالم ، فلم تبق لغة إلّا كان عالماً بها ، وكان يتكلّم مع كلّ أهل لغة كأنه واحد منهم ، وهذه بعض اللغات التي كان يتكلّم بها :
1 - النبطية : وكان الإمام الصادق علیه السلام علیه السلام يجيد النبطيّة ، فقد روى يونس بن ظبيان النبطي أنّ الإمام الصادق علیه السلام تحدّث معه باللغة النبطية ، فأخبره عن أوّل خارجة خرجت على موسى بن عمران ، وعلى المسيح ، وعلى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام بالنهروان، وأعقب كلامه بقوله : «مالح ديربير ماكى مالح » ، ومعناه أنّ ذلك عند قريتك التي هي بالنبطية(1).
2- العبريّة: ومن اللغات التي كان يجيدها الإمام الصادق علیه السلام ( العبريّة ) ، لالا فقد روى عامر بن عليّ الجامعي ، قال : «قلت لأبي عبد الله علیه السلام : جُعلت فداك ، إنَّا نأكل كلّ ذبائح أهل الكتاب ، ولا ندري أيسمّون عليها أم لا ؟
فقال علیه السلام : «وإِذا سَمِعْتُمُوهُمْ قَدْ سَموا فَكُلُوا ، أَتَدْري مَا يَقولونَ على ذَبَائِحِهِمْ ؟
فقلت : لا .
فقرأ شيئاً لم أعرفه ، ثمّ قال : بِهذا أمروا .
1) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : 48 .
فقلت : جعلت فداك ، إن رأيت أن نكتبها .
قال علیه السلام : اكْتُبْ ( نوح أيوا ادينو بلهيز مالحوا عالم اشرسوا أورصوبنوا يوسعه موسق
ذعال اسطحوا)(1).
في رواية أخرى : أنّ النصّ كالآتي ( با روح أنا ادوناي إيلوهنوا ملخ عولام اشر فدشنوا عبسوتا وسينوانوا على هشخيطا ) ، ومعناه تبارك أنت الله مالك العالمين ، الذي قدّسنا بأوامره ، وأمرنا على الذبح(2).
3 - الفارسيّة : ومن اللغات الشرقيّة التي كان يجيدها الإمام علیه السلام إجادة تامّة اللغة الفارسيّة ، فقد روى أبو بصير ، قال :« كنت عند أبي عبد الله علیه السلام علیه السلام وعنده رجل من أهل خراسان وهو يكلمه بلسان لا أفهمه (3).
وكانت تلك اللغة التي كان يتحدّث بها مع الخراساني هي اللغة الفارسيّة .
ووفد عليه قوم من أهل خراسان ، فقال علیه السلام لهم :« مَنْ جَمَعَ مالاً يَحْرِسُهُ عَذَّبَهُ اللهُ عَلى مِقْدارِهِ » ، فقالوا له باللغة الفارسيّة : لا نفهم العربيّة ، فقال علیه السلام لهم : « هر كه درهم اندوزد جزایش دوزخ باشد »(4).
وروى أبويزيد فرقد ، قال : كنت عند أبي عبد الله علیه السلام وقد بعث غلاماً له أعجميّاً في حاجة ، فرجع إليه فجعل يغيّر الرسالة فلا يخبره حتّى ظننت أنّه سيغضب عليه ، فقال له : تَكَلَّمْ بِأَيِّ لِسانٍ شِئْتَ فَإِنّى أَنْهمُ عَنْكَ »(5).
4 - معرفته بكلّ لغة : لقد كان الإمام علیه السلام عالماً بكلّ لغة من لغات أهل الأرض ، فقد روى أبان بن تغلب ، قال : « غدوت من منزلي بالمدينة وأنا أريد أبا عبد الله ،
فلمّا صرت بالباب وجدت قوماً عنده لم أعرفهم ، ولم أرَ قوماً أحسن زيّاً منهم ، ولا أحسن سيماء منهم ، كأنّ الطير على رؤوسهم ، فجعل أبو عبد الله علیه السلام يحدّثنا بحديث ، فخرجنا من عنده وقد فهّم خمسة عشر نفراً متفرّقو الألسن ، منهم العربي والفارسي والنبطي والحبشي والصقلبي ، فقال العربي : حدّثنا بالعربيّة ، وقال الفارسي : حدثنا بالفارسيّة ، وقال الحبشي : حدّثنا بالحبشيّة ، وقال الصقلبي : حدّثنا بالصقلبيّة ، وأخبر علیه السلام بعض أصحابه بأنّ الحديث واحد ، وقد فسّره لكلّ قوم بلغتهم»(1).
ودار حديث بين الإمام علیه السلام وبين عمّار الساباطي باللغة النبطيّة ، فبهر عمّار وراح
يقول : «ما رأيت نبطيّاً أفصح منك بالنبطية ...».
فقال علیه السلام له : « يا عَمَارُ ، وَبِكُلِّ لِسان »(2).
لقد ملك الإمام الصادق علیه السلام في طفولته وشبابه وشيخوخته من النبوغ وقوّة الذكاء ما لا يوصف ، فقد فاق بهذه الظاهرة جميع العباقرة في الأرض .
ولمّا أوعز الوليد بن عبدالملك إلى عامله في يثرب عمر بن عبدالعزيز بتوسعة الجامع النبوي ، وباشر العمّال في عملهم طلب الإمام الصادق علیه السلام وهو صبي من أبيه الإمام محمد الباقر علیه السلام أن يسمح له بالعمل مع العمّال في بناء المسجد ، فقال له أبوه : « لا يا بُنَيَّ إِنَّكَ طِفْلٌ لَا تُطيقُ مِثْلَ هذا الْعَمَل».
فأجابه الصبي جواب الرجل الكبير : « إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَشارِكَ فِي بِناءِ الْمَسْجِدِ تَجَدّي رَسولِ الله صلی الله علیه و آله وسلم».
عليه واله
ويهر الإمام الباقر من جواب ولده الذي دلّ على نبوغه وطموحه، وتطلّعه القيادي لزعامة الأمّة ، فلم يسعه إلّا الاستجابة له (1).
وشارك الإمام الصادق علیه السلام و وهو صبي العمال في عملهم ، وشابه بذلك جدّه الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله وسلم الذي شارك أصحابه في بناء الجامع المقدّس .
في سنة تسعين من الهجرة انتشر مرض الجدري في يثرب فأصاب مجموعة كبيرة من الأطفال ، وكان الإمام الصادق علیه السلام في السنة السابعة أو العاشرة من عمره ، فخافت عليه أمّه أن يصاب بهذا المرض ففرّت به إلى الطنفسة ، وهي من القرى الريفيّة القريبة من المدينة .
واستقرّت السيّدة أمّ فروة مع ابنها الإمام الصادق علیه السلام في الطنفسة نائية به عن الأخطار ، إلّا أنّها أصيبت بهذا المرض من دون أن تشعر به في بادئ الأمر ، فلمّا ظهرت عليها أعراضه تنبهت إلى خطورة الموقف، ولم تهتمّ السيّدة بعلاج نفسها ، وإنّما كان همّها الوحيد إنقاذ ولدها ، فأبعدته إلى مكان آخر بعيد عنها ، وأخذت تعاني آلام المرض وسريانه في جسمها ، ولمّا انتهى الخبر إلى الإمام الباقر علیه السلام أوقف بحوثه ودروسه العلميّة واتّجه لعيادة زوجته ، وقبل أن يسافر إليها زار قبر جدّه رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، ودعا الله تعالى أن ينقذ زوجته من هذا المرض.
ولمّا انتهى الإمام الباقر علیه السلام إلى زوجته عظم عليها مجيئه ، وخافت عليه من العدوى ، وشكرته على مجيئه لزيارتها ، والتفت إليها الإمام وبشّرها بالسلامة قائلاً:
«ولَقَدْ دَعَوْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلْ عِنْدَ قَبْرِ جَدّي رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُنْجِيكِ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ ، وَإِنِّي واثقٌ أَنَّ جَدِّي لَا يَرُدُّني ، وَسَيَقْضي لي حاجَتي ، فَثِقِي بِأَنَّكِ سَتَشْفِينَ مِنْ هذا
1) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : 86 .
الْمَرْضِ ، وَأَنا أَيْضاً مَصونٌ مِنْهُ إِن شاءَ الله» .
واستجاب الله دعاء وليّه الإمام علیه السلام ، فقد عوفيت السيّدة أمّ فروة من مرضها ، ولم يترك أي أثر على جسمها .
ومن الجدير بالذكر أنّ هذا المرض لا يصيب الكبار إلّا نادراً ، فإن أصابهم فلاينجو منه إلّا القليل(1).
هيبته ووقاره علیه السلام
وكانت تعنو الوجوه لهيبة الإمام الصادق علیه السلام ووقاره ، فقد حاكي هيبة الأنبياء ، وجلالة الأوصياء ، وما رآه أحد إلّا ها به؛ لأنّه كانت تعلوه روحانيّة الإمامة ، وقداسة الأولياء ، وكان ابن مسكان - وهو من خيار الشيعة وثقاتها - لا يدخل عليه شفقة أن لا يوفّيه حقّ إجلاله وتعظيمه ، فكان يسمع ما يحتاج إليه من أمور دينه من أصحابه ، ويأبى أن يدخل عليه(2)، فقد غمرته هيبته .
نشأ الإمام أبو عبد الله الصادق علیه السلام في بيت من أعزّ بيوت الله ، ذلك البيت الذي أشرقت منه رسالة الإسلام التي فرضت المعرفة ، ومدّنت الأمم ، وكرّمت الإنسان ، ومجّدت الفكر .
في ذلك البيت المعظّم الذي هو مصدر الإشعاع في دنيا العرب والإسلام نشأ الإمام الصادق علیه السلام عملاق هذه الأمّة ورائد نهضتها الفكريّة والحضاريّة ، فكان جدّه الإمام زين العابدين، وسيّد الساجدين علیه السلام ، يغذّيه بروحانيّته وقداسته ، ويفيض عليه مقوّماته الفكريّة ، كما كان أبوه الإمام محمّد الباقر علیه السلام يغرس في أعماق نفسه جميع ما توفّر عنده من الزخم الروحي والمثل العليا ، ليكون وليده القائد لهذه الأمّة في مسيرتها الروحيّة والزمنيّة ، ونعرض لنشأته في ظلّ هذين الإمامين :
أمّا الإمام زين العابدين علیه السلام فهو المربّي الأكبر في الإسلام ، والرائد الأعلى للمتّقين الأخيار ، الذي أوقف المدّ الأموي ، والغزو الجاهلي الذي استهدف تغيير المنهج الفكري والعقائدي في الإسلام ، وذلك بما بثّه هذا الإمام الملهم من صفحات مشرقة من أدعيته الذهبية ، التي هي زبور آل محمّد صلی الله علیه و آله وسلم ، والتي كهربت القلوب والعواطف ، وأوجدت مدّاً إسلاميّاً يتفاعل مع مشاعر المسلمين في كلّ زمان ومكان .
لقد عنى هذا الإمام العظيم بتربية حفيده الإمام الصادق علیه السلام، فغرس في دخائل ذاته النزعات الخيّرة ، والسلوك النير ليكون امتداداً ذاتياً لآبائه العظام الذين غيّروا مجرى تاريخ البشريّة من الجهل والعبوديّة إلى العلم والحريّة .
لقد قطع الإمام الصادق علیه السلام المرحلة الأولى من حياته قدرت باثني عشر عاماً(1)، وهو في كنف جدّه إمام المتّقين وسيد العابدين ، وقد شاهد سيرته الفواحة العطرة التي تحكي سيرة الأنبياء والمرسلين، فما من عمل يقرّبه إلى الله زلفى إلّا عمله ، ولا مكرمة أو فضيلة يسمو بها الإنسان إلّا اتّصف بها .
لقد رافق الإمام الصادق علیه السلام جدّه الإمام زين العابدين، وسيّد المتّقين ، وهو صائم في النهار ، قائم في الليل ، لا يهدأ ولا يستقرّ ، قد هام بعبادة الله تعالى فلم يرَ الناس مثله في طاعته وإخلاصه في عبادته ، ومن كثرة صلاته وسجوده كانت له ثفنات مثل ثفنات البعير في مواضع سجوده .
لقد كانت عبادته ممّا يبهر العقول ، وصارت حديث الناس على امتداد التاريخ ، فقد عبدَ الله تعالى لا طمعاً في جنّته ، ولا خوفاً من ناره ، ولكنّه وجده أهلاً للعبادة فعبده ، كما كان جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام .
لقد تأثّر الإمام الصادق علیه السلام بهذا السلوك المشرق ، الذي أضاء سماء التوحيد ، فعبد الله تعالى كجدّه ، فكان في أكثر أيّام حياته صائماً نهاره ، قائماً ليله ، كما سنتحدّث عنه .
رأى الإمام الصادق علیه السلام جلده الإمام سيّد المتّقين والعارفين ، وهو يحمل في غلس الليل الجراب مليئاً بالأطعمة والنقود لينفقها على الفقراء والضعفاء ، وهم لا يعرفونه ، واقتدى الصادق علیه السلام بجدّه ، وسار على منهجه وسيرته ، فكان يعمل مثل جدّه .
1) مناقب آل أبي طالب : 4 : 280 .
شاهد الإمام الصادق علیه السلام جدّه زين العابدين علیه السلام وهو يحرّر العبيد ، وينعم عليهم حتّى لا يحتاجون إلى أحد ، ثمّ يغدق عليهم علومه ومعارفه ، وإذا بهم يصبحون سادة المجتمع وعلماءه بعد العبوديّة والجهل .
ينظر الإمام الصادق علیه السلام إلى جدّه سيّد المتّقين وهو غارق بالأسى والحزن يذرف الدموع ، ويصعّد آهاته على ما حلّ بأبيه وأهل بيته وأصحابه من رزايا كربلاء التي تذوب من هولها القلوب ، وقد ترك ذلك أسى في نفس الإمام الصادق علیه السلام استوعب مشاعره وعواطفه .
وعاين الإمام الصادق علیه السلام الأخلاق الرفيعة التي هي من ذاتيّات جدّه الإمام العظيم ، والتي رفعته إلى مستوى من الكمال لم يبلغه أي مصلح كان عدا آبائه .
انظروا إلى بادرة من معالي أخلاقه ، لقد كان في كلّ يوم من شهر رمضان المبارك يذبح شاة ويطبخها ويوزّعها على الفقراء ، وفي يوم حمل غلامه إناء فيه مرق شديد الحرارة فعثر الغلام بأحد أطفال الإمام ، فوقع الإناء عليه ، فتوفّي الطفل في الوقت ، فارتفعت الصيحة من العلويات ، وكان الإمام علیه السلام يصلّي ، فلمّا انفتل من صلاته أخبر بالحادثة ، فأسرع الإمام إلى الغلام فرآه يرتعد من شدّة الخوف ، فاعتنقه وأوسعه تقبيلاً وهو يقول له بلطف وحنان :
«لَقَدْ ظَنَنْتَ بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الظُّنونَ ، ظَنَنْتَ أَنَّهُ يُعاقِبُكَ ، وَيَقْتَصُّ مِنْكَ .. اذْهَبْ أَنتَ حُرِّ لِوَجْهِ اللهِ ، وَهَذِهِ أَرْبَعَةُ آلاف دينارٍ هَدِيَّةٌ إِلَيْكَ ، وَاجْعَلْنِي فِي حِلَّ مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي داخَلَكَ مِنْ أَجْلي»(1).
أي نفس ملائكيّة هذه النفس التي فاقت نفوس عباد الله الصالحين الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان .
1) حياة الإمام محمّد الباقر علیه السلام : 1: 35 و 36 .
وقد تأثّر الإمام الصادق علیه السلام بهذه الأخلاق الرفيعة التي هي نفحة من روح الله ، فكانت من ذاتيّاته وعناصره.
رأى الإمام الصادق علیه السلام جدّه الإمام الأعظم وقد أقبل على نشر العلم ، وإشاعة الثقافة بین المسلمين ، وكان يجد في ذلك متعة نفسيّة لا تعادلها أية متعة من متع الحياة ، وقد احتفت به طلاب العلوم فكانوا ينتهلون من نمير علومه ، وقد لازمه القراء فكانوا لا يخرجون إلى مكّة حتى يخرج علي بن الحسين(1).
وكانوا يسجّلون حكميّاته وأدعيته وفقهه ، وقد تخرّج على یده كبار العلماء في ذلك العصر ، وكان معظمهم من الموالي ، وهم الذين تزعّموا الحركة العلميّة في تلك العصور.
لقد تأثّر الإمام الصادق علیه السلام بهذه السيرة الفوّاحة العطرة ، فأسّس جامعته الكبرى التي ضمّت آلافاً من طلاب العلوم الذين حملوا مشعل الثقافة الإسلاميّة ، وأمدّوا العالم الإسلامي بجميع مقوّمات النهوض والارتقاء .
وعلى أي حال ، فإنّ الإمام زين العابدين علیه السلام قام بتربية حفيده الإمام الصادق علیه السلام، فأفاض عليه مكوّناته النفسيّة ، وأعدّه لقيادة الأمّة في مسيرتها الثقافيّة والروحيّة .
وقام المربّي الكبير الإمام زين العابدين علیه السلام بدور مشرق في عالم التربية لم يعهد له نظير ، فقد كان يدعو لأولاده بهذا الدعاء الشريف الذي هو من نفحات النبوّة ، ومن عبقات الإمامة ، ومن المناهج المشرقة في التربية الإسلاميّة ، وهذا نصّه :
اللَّهُمَّ وَمُنَّ عَلَيَّ بِبَقاءِ وُلْدِي ، وَبِاصْلاحِهِمْ لِي وَبِامْتَاعِي بِهِمْ ، إِلهي امْدُدْ لي في
1) حياة الإمام محمد الباقر علیه السلام : 1 : 38 .
أَعْمَارِهِمْ ، وَزِدْ لي في آجالِهِمْ ، وَرَبِّ لي صَغيرَهُمْ ، وَقَوْ لِي ضَعِيفَهُمْ ، وَأَصِحُ لِي أَبْدانَهُمْ وَأَدْيانَهُمْ ، وَأَخْلاقَهُمْ ، وَعَافِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي جَوارِحِهِمْ ، وَفي كُلِّ ما عُنِيتُ بِهِ مِنْ أَمْرِهِمْ ، وَأَدْرِرْ لي وَعَلى يَدَيَّ أَرْزاقَهُمْ ، وَاجْعَلْهُمْ أَبْراراً أَتْقِياءَ بُصَراءَ سامِعِينَ لَكَ ، وَلأَوَلِيائِكَ مُحِبَينَ مُناصِحِينَ ، وَلِجَميعِ أَعْدَائِكَ مُعَانِدِينَ وَمُبْغِضِينَ آمِينَ .
اللهُمَّ اشْدُدْ بِهِمْ عَضُدِي ، وَأَقِمْ بِهِمْ أَوَدي ، وَكَذَّرْ بِهِمْ عَدَدِي ، وَزَيَّنْ بِهِمْ مَحْضَرِي ، وَأَحْيِ بِهِمْ ذِكْرِي ، وَاكْفِني بِهِمْ فِي غَيْبَتي ، وَأَعِنِّي بِهِمْ عَلَى حَاجَتي ، وَاجْعَلْهُمْ لي مُحِبِّينَ ، وَعَلَيَّ حَدِبينَ مُقْبِلِينَ ، مُسْتَقيمينَ لي ، مُطيعينَ غَيْرَ عَاصِينَ وَلا عالِّينَ وَلا مُخالِفِينَ وَلا خَاطِئِينَ ، وَأَعِنِّي عَلى تَرْبِيَتِهِمْ وَتَأْدِيبِهِمْ وَبِرْهِمْ ، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ مَعَهُمْ أَوْلاداً ذُكُوراً ، وَاجْعَلْ ذَلِكَ خَيْراً لي ، وَاجَعَلْهُمْ لي عَوْناً عَلَىٰ مَا سَأَلْتُكَ .
وَأَعِذْنِي وَذُرِّيَّتِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ ، فَإِنَّكَ خَلَقْتَنا وَأَمَرْتَنَا وَنَهَيْتَنَا ، وَرَغْبْتَنا فِي ثَوابِ ما أَمَرْتَنا ، وَرَهَّبْتَنا عِقابَهُ ، وَجَعَلْتَ لَنا عَدُوّاً يَكيدُنا سَلَّطْتَهُ مِنَا عَلَى مَالَمْ تُسَلِّطْنا عَلَيْهِ مِنْهُ ، أَسْكَنْتَهُ صُدُورَنا ، وَأَجْرَيْتَهُ مَجارِيَ دِمائِنا ، لا يَغْفُلُ إِنْ غَفَلْنَا ، وَلا يَنْسى إِنْ نَسِينا ، يُؤْمِنُنا عِقابَكَ ، وَيُخَوِّفُنا بِغَيْرِكَ ، إِنْ هَمَمْنا بِفَاحِشَةٍ شَجَّعَنا عَلَيْهَا ، وَإِنْ هَمَمْنا بِعَمَلٍ صَالِحٍ ثَبَّطَنَا عَنْهُ ، يَتَعَرَّضُ لَنَا بِالشَّهَوَاتِ ، وَيَنْصِبُ لَنَا بِالشُّبُهَاتِ ، إِنْ وَعَدَنا كَذَبَنا ، وَإِنْ مَنَانَا أَخْلَفَنا ، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنَا كَيْدَهُ يُضِلُّنَا ، وَإِلَّا تَقِنا خَبَالَهُ يَسْتَزِلُّنا .
اللهم فَاقْهَرْ سُلطانَهُ عَنا بِسُلْطَائِكَ ، حَتَّى تَحْبِسَهُ عَنا بِكَثْرَةِ الدُّعاءِ لَكَ ، فَتُصْبِحَ مِنْ كَيْدِهِ فِي الْمَعْصُومِينَ بِك .
اللهمَّ أَعْطِني كُلَّ سُؤْلِي ، وَاقْضِ لي حَوائِجي ، وَلَا تَمْتَعْنِي الْإِجَابَةَ وَقَدْ ضَمِنْتَها لي ، وَلا تَحْجُبُ دُعانِي عَنْكَ وَقَدْ أَمَرتَني بِهِ ، وَامْنُنْ عَلَيَّ بِكُلِّ مَا يُصْلِحُني في دُنْيَايَ وَآخِرَتي ، ما ذَكَرْتُ مِنْهُ وَما نَسِيتُ ، أَو أَظْهَرْتُ أَوْ أَخْفَيْتُ ، أَوْ أَعْلَنْتُ أَوْ أَسْرَرْتُ .
وَاجْعَلْني فِي جَمِيع ذلِكَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ بِسُؤالي إِيَّاكَ ، الْمُنْجِحِينَ بِالطَّلَبِ إِلَيْكَ ، غَيْرِ الْمَمْنُوعِينَ بِالتَّوَكُلِ عَلَيْكَ ، الْمُعَوَّذينَ بِالتَّعَوُّذِ بِكَ ، الرَّابِحِينَ فِي التَّجَارَةِ عَلَيْكَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ الحَلالُ مِنْ فَضْلِكَ الواسع بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ ، الْمُجارِينَ بِعِزِّكَ، الْمُوَسَّع الْمُعَزِّينَ مِنَ الذُّلِّ بِك ، والْمُجارِينَ مِنَ الظُّلْم بِعَدْلِكَ ، وَالْمُعَافَيْنَ مِنَ الْبَلاءِ بِرَحْمَتِكَ ، وَالْمُغْنِيْنَ مِنَ الْفَقْرِ بِغناكَ ، والْمَعْصُومِينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالزَّلَلِ وَالْخَطَأَ بِتَقْواكَ ، وَالمُوَفِّقِينَ لِلْخَيْرِ والرُّشْدِ وَالصَّوابِ بِطَاعَتِكَ ، وَالْمُحالِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الذُّنُوبِ بِقُدْرَتِكَ ، النَّارِكِينَ لِكُلِّ مَعْصِيَتِكَ ، السَّاكِنين في جوارِكَ.
اللَّهُمَّ أَعْطِنا جَميعَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِكَ وَرَحْمَتِكَ ، وَأَعِذْنَا مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ، وَأَعْطِ جَميعَ الْمُسْلِمينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ مِثْلَ الَّذي سَأَلْتُكَ لِنَفْسي وَلِوَلدي في عاجِلِ الدُّنْيا وَآجِلِ الْآخِرَةِ ، إِنَّكَ قَريبٌ مُحِيبٌ ، سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، عَفُوٌّ غَفُورٌ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ، (وَآتِنَا فِي الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةٌ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )(1).
أرأيتم هذه المناهج التربويّة التي تغذّي النفوس بالتقوى والإيمان ، وتبعدها عن مغريات الشيطان ؟ !
أرأيتم هذه المثل العليا التي كان يغرسها الإمام علیه السلام في أعماق نفوس أبنائه ليكونوا أمثلة رائعة في التربية الإسلاميّة ؟ !
لقد دعا الإمام علیه السلام لأبنائه بالصحّة في أديانهم ، وأن لا تجرفهم المذاهب المنحرفة عن الحقّ.
لقد دعا الإمام علیه السلام لأبنائه بالاستقامة والتوازن في سلوكهم ليكونوا قرّة عين له ، وعوناً له في شؤون هذه الحياة . ومن الطبيعي أنّ الأب إنّما يسعد بأبنائه إذا استقامت
1) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء الخامس والعشرون .
أخلاقهم ، وكانوا صالحين مهذّبين ، وأمّا إذا شذّوا عن ذلك فإنّهم يحوّلون حياة أبيهم وأمّهم إلى جحيم لا يطاق .
إنّ التربية الرائعة التي انتهجها المربّي الكبير ، سليل النبوّة ، الإمام زين العابدين علیه السلام لأبنائه هي منهج كامل للتربية الإسلامية التي تحقّق للإنسانيّة أهمّ ما تصبو إليه من نشر الفضيلة والكمال بين الناس.
وليس في هذه الدنيا على امتداد التاريخ مثل الإمام زين العابدين علیه السلام في تقواه وورعه وانقطاعه إلى الله ، عدا آبائه الأئمّة العظام الذين أضاء وا الحياة الدنيا بهديهم وسلوكهم وتحرجهم في الدين .
لقد كانت حياة الإمام زين العابدين علیه السلام مدرسة للتقوى والإيمان، ومنطلقاً للتهذيب والإصلاح، وكانت سيرته وسلوكه يبعثان على التجرّد من النزعات الشريرة ، والإقبال على المُثل الكريمة ، فما من صفة تشرق بها النفس ، ويسمو بها الإنسان إلّا وهي ماثلة في هذا العملاق العظيم.
وأكبر الناس أي إكبار هذا الإمام الملهم ، فهو بقيّة النبوّة ، وبقيّة الصالحين المتّقين الأخيار ، فكان السعيد من يراه ، والسعيد من يحظى بمجالسته والحديث معه ، وقد شقّ ذلك على الأمويين الذين كانوا من أحقد الناس على الأسرة النبويّة ، فقد هالهم إكبار الناس وتعظيمهم للإمام ، وورمت أنوفهم من تقديمه عليهم ، وأنّه أحقّ بخلافة المسلمين منهم ، وكان من أعظم الحاقدين عليه الوليد بن عبدالملك الخليع المستهتر ، فقد قال أمام حشد من الناس : « لا راحة لي وعليّ بن الحسين موجود في دار الدنيا »(1).
1) حياة الإمام محمد الباقر علیه السلام : 1 : 51 .
وأجمع رأي هذا الخبيث الدنس على اغتيال الإمام ، وتصفيته جسديّاً ليصفو له الملك والسلطان .
لقد قام الوليد سليل الخيانة والغدر بأخطر جريمة في الإسلام ، فقد بعث سمّاً فاتكاً إلى عامله على يثرب، وأمره أن يدسّه إلى الإمام(1).
لقد كان السمّ وسيلة من الوسائل التي شاع استعمالها عند الحكّام الأمويّين لتصفية خصومهم جسديّاً ، وكان أوّل من اعتمد عليه معاوية بن أبي سفيان ، فقد دسّه إلى أعلام المسلمين، وفي طليعتهم سيّد شباب أهل الجنّة ، وريحانة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، الامام الحسن علیه السلام ، ومعاوية هو صاحب الكلمة الشائعة : «إنّ الله جنوداً من عسل » ، وقد سار خلفاء معاوية وأبناء عمومته على هذا الخط ، فدسّوا السمّ لكلّ من يحذورن منه .
ونفذ والي يثرب ما عُهد إليه ، فدسّ السمّ إلى إمام المتّقين ، وزين العابدين علیه السلام ، وكان الإمام قد ذبل جسمه من كثرة عبادته ، وبكائه المتّصل على ما حلّ بأبيه من الأرزاء القاصمة في كربلاء التي تذوب من هولها الجبال .
وتفاعل السمّ في جسم الإمام الله علیه السلام وثقل حاله ، ولمّا علم بقربه من دار الحقّ ، ومفارقة الدنيا نصّ على إمامة ولده الإمام أبي جعفر الباقر علیه السلام ، وأقامه مرجعاً للعالم الإسلامي ، وأوصاه بعدّة وصايا كان منها :
« يا بُنَيَّ ، أوصيك بِما أَوْصاني بِهِ أَبي حينَ حَضَرَتهُ الْوَفاةُ ، فَقَدْ قال لي : يا بُنَيَّ ،
1) نور الأبصار : 129 . الفصول المهمة / ابن الصبّاغ : 233 . الاتحاف بحبّ الأشراف : 52 . الصواعق المحرقة : 53 . الجدول في تواريخ المعصومين / الكفعمي : 276 .
إيَّاكَ وَظُلْمَ مَنْ لا يَجِدُ عَلَيْكَ ناصِراً إِلَّا الله »(1).
واشتدّت حالة الإمام ، وكان يعاني من آلام السمّ ما لا يوصف، وأغمي عليه ثلاث مرّات ، فلما أفاق قرأ سورة الواقعة ، وسورة إنّا فتحنا .
ثمّ قال : « (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (2)»(3)وفاضت نفسه الزكيّة وهي راضية مرضيّة ، وقد . أشرقت الآخرة بقدومه ، وأظلمت الأرض لفقده .
لقد وقف هذا العملاق العظيم أمام التيّارات الأمويّة الجارفة التي صعّدت حملاتها ضدّ الإسلام ، وقد عملت جاهدة على لفّ لوائه ، إلّا أنّ الإمام بسيرته الملائكيه التي كانت تهزّ أعماق النفوس ، بروحانيتها التي تحكي روحانيّة الأنبياء و قد استهم، قد وقف سدّاً منيعاً أمام محاولات الأمويّين لإخماد نور الإسلام .
تجهيز الإمام علیه السلام
وقام الإمام أبو جعفر علیه السلام بتجهيز جثمان أبيه ، فغسّل جسده الطاهر ، وقد رأى الناس مواضع سجوده كأنّها مبارك الإبل من كثرة سجوده للخالق العظيم ، ونظروا إلى عاتقه كأنه مبارك الإبل أيضاً ، فدهشوا وسألوا الإمام الباقر علیه السلام عن ذلك ، فأخبرهم أنّه من أثر الجراب الذي كان يحمله على عاتقه ، ويضع فيه الطعام والمال ويوزّعه على الفقراء والبؤساء.
وبعد الفراغ من غسله أدرجه في أكفانه ، وصلّى عليه الصلاة المكتوبة ، وحمل
الجثمان تحت حالة من التكبير والتهليل إلى بقيع الغرقد ، وقد جرى له تشييع ضخم لم يشهد له مثيل ، فقد شيّعه البرّ والفاجر ، وازدحم الناس حول الجثمان المقدّس وهم يذرفون أحر الدموع ، فقد فقدوا تلك الروحانية التي لا يوجد لها مثيل ، وأخذوا يعدّدون مناقبه ومآثره وخدماته العظيمة للإسلام .
وجيء بالجثمان المقدّس إلى بقيع الغرقد ، فحفروا له قبراً بجوار قبر عمّه الزكيّ سيّد شباب أهل الجنّة ، الإمام الحسن علیه السلام، وأنزل الإمام الباقر علیه السلام جسد أبيه في مقرّه الأخير ، وقد ذاب قلبه أسى وحزناً ، وقد وارى معه البرّ والتقوى والحلم .
وبعد الفراغ من دفنه هرع الناس نحو الإمام الباقر علیه السلام وهم يرفعون إليه تعازيهم الحارّة ، ويشاركونه في لوعته وأساه .
وانصرف الإمام الباقر علیه السلام وهو غارق بالبكاء والشجون ، وقد رأى الإمام الصادق علیه السلام وهو في ميعة الشباب أحزان أبيه على جدّه ، فشاركه في مصابه وآلامه ، وقد فقد أحبّ الناس وأعطفهم عليه . ّ
وتسلّم الإمام الباقر علیه السلام بعد وفاة أبيه القيادة الروحية والزعامة الدينيّة ، وأخذ منذ تلك اللحظة ينشر علوم الشريعة الإسلاميّة وأحكام الدين.
وعلى أي حال ، فقد واكب الإمام الصادق علیه السلام جدّه الإمام زين العابدين ، وسيّد المتقين علیه السلام ، وقد شاهد سيرته النديّة العطرة التي تحكي سيرة الأنبياء والمرسلين .
ومن المؤكّد أنّه ليس في هذا الشرق العربي ولا في غيره من يضارع هذا الإمام في مُثله ومكوّناته النفسيّة ، من العلم والتقوى ، والحلم والصبر على الأحداث المفجعة ، وقد سكب هذا الإمام الملهم العظيم روحه ومكوّناته في نفس حفيده الإمام الصادق علیه السلام ليكون امتداداً له ولآبائه العظام الذين غيّروا مجرى التاريخ ،
وأقاموا رسالة الله في الأرض .
لقد تأثر الإمام الصادق علیه السلام بسيرة جدّه ، وقد حكاه وشابهه في مثله ، فكان صورة صادقة عنه .
وأقام الإمام الصادق علیه السلام تسع عشرة سنة مع أبيه (1)
ثلاثين سنة » .
، الذي هو من كواكب العترة الطاهرة ، ومن أعلام هذه الدنيا ، ومن المؤسّسين لمعالم الحضارة في دنيا العرب والإسلام. وقد عنى هذا الإمام العظيم بتربية ولده الإمام الصادق علیه السلام ، فأفاض عليه الصفات الكريمة التي يسمو بها الإنسان، وغذاه بتقواه وعلومه ليتسلّم من بعده قيادة الأمّة ، ونعرض فيما يلي لبعض شؤونه في ظلال أبيه :وحضر الإمام الصادق علیه السلام وهو صبيّ يافع دروس أبيه التي كان يلقيها في الجامع النبوي ، وفي بهو بيته، ولم تقتصر دروسه على علوم الشريعة الإسلاميّة ، وإنّما شملت فلسفة الكون ، ومظاهر الحياة .
وقد فاق الإمام الصادق علیه السلام بنبوغه وذكائه الشيوخ من كبار العلماء والفضلاء ، الذين كانوا يحضرون دروس أبيه ، كما شهد بذلك عمر بن عبدالعزيز أمام الوليد بن عبد الملك ، حينما زار المدينة المنوّرة(2).
وكان العلماء العظام يرجعون إليه فيما أشكل عليهم من بحوث أبيه وهو
يوضّحها ويبيّنها لهم .
وأخلص الإمام محمّد الباقر علیه السلام كأعظم ما يكون الإخلاص لولده الإمام الصادق علیه السلام الذي هو ملء فم الدنيا في فضائله وعلومه وتقواه ، وقد أدلى علیه السلام بكوكبة من الأحاديث أشاد فيها بفضل ولده كان منها ما يلي :
1 - روى أبو الصباح الكناني ، قال : «نظر أبو جعفر علیه السلام إلى أبي عبد الله علیه السلام يمشي ، فقال : « تَرى هذا ، هذا مِنَ الَّذينَ قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (1)»(2).
ونصّ الإمام بهذا الحديث على إمامة ولده ، وأقامه علماً للمسلمين من بعد وفاته .
2 - روی طاهر قال : «كنت عند أبي جعفر علیه السلام ، فأقبل جعفر فقال علیه السلام : « هذا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ »(3).
إنّه خير البريّة بما تحمله هذه الكلمة من معنى ، فهو خير البريّة في علمه وتقواه وتحرّجه في الدين ، وهو خير البريّة بما أسداه على هذه الأمّة من آيات وألطاف .
وزوّد الإمام محمّد الباقر علیه السلام لوالده الإمام الصادق علیه السلام بالجمهرة من الوصايا هي
خلاصة التجارب ، وجوهر الحكمة ، ومن بينها ما يلي :
1 - قال علیه السلام : «يا بُنَيَّ ، إِنَّ اللهَ خَبَّأَ ثَلاثَةَ أَشْياءِ فِي ثَلاثَةِ أَشْيَاء : خَبَّأَ رِضَاهُ في الله طاعَتِهِ ، فَلَا تَحْفِرَةً مِنَ الطَّاعَةِ شَيْئاً ، فَلَعَلَّ رضاهُ فِيهِ .
وَخَبَّا سَخَطَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ ، فَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْصِيَةِ شَيْئاً ، فَلَعَلَّ سَخَطَهُ فِيهِ .
وَخَبَّأَ أَوْلِيَاءَهُ فِي خَلْقِهِ ، فَلَا تَحْقِرَنَّ أَحَداً فَلَعَلَّهُ ذلِكَ الْوَلِي»(1).
وحفلت هذه الوصيّة بالحثّ على طاعة الله تعالى، والتحذير من معصيته ، كما فيها الحثّ بتكريم خلق الله ، وعدم الاستهانة بأي أحد منهم .
2 - حكى الإمام الصادق علیه السلام لسفيان الثوري إحدى وصايا أبيه له .
قال علیه السلام : و يا سُفْيَانُ ، أَمَرَني أَبِي بِثَلاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلاثِ ، فَكانَ فيما قال لي : يا بُنَيَّ ، مَنْ يَصْحَب صاحِبَ السّوءِ لَا يَسْلَمْ، وَمَنْ يَدْخُلْ مَداخِلَ السّوءِ يُنهم، وَمَنْ لَا يَمْلِكُ لِسَانَهُ يَنْدَمْ ، ثُمَّ أَنْشَدَنِي :
عَوَّدْ لِسانَكَ قَوْلَ الْخَيْرِ تَحْظَ بِهِ *** إِنَّ اللَّسانَ لِما عَوَّدتَ يَعْتادُ
مُوَكَّلٌ يَتَقاضى ما سَنَنْتَ لَهُ *** في الخَيْرِ والشَّرِّ فَانْظُرْ كيفَ تَعْتادُه (2)
وهذه الوصيّة من روائع الحكم ، فقد حفلت بجميع مقوّمات الآداب والفضائل ، ودعت إلى كلّ ما يسمو به الإنسان .
برٌ الإمام الصادق بأبيه علیهما السلام
كان الإمام الصادق علیه السلام من أبرّ الناس بأبيه ، ومن أكثرهم إجلالاً واحتراماً له ، وكان يقول : «إِنَّ سَكَراتِ الْمَوْتِ يُخَفِّفُها اللهُ عَلَى مَنْ كانَ باراً بِوَالِدَيْهِ ، وَإِنَّ أَفْضَلَ
الْأَعْمَالِ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» (1).
وكان يرى أنّ حدّة النظر إلى الأبوين عقوق لهما (2).
وقد قيل : « أربعة لا يأنف الشريف منهنّ وإن كان أميراً : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه ، والسؤال عما لا يعلم ، وخدمته للضيف» .
لقد كان الإمام الصادق علیه السلام مضرب المثل في برّه وتعظيمه لأبيه الذي هو ملء فم الدنيا في فضله وتقواه وتحرّجه في الدين .
وغادر الإمام الباقر مع ولده الإمام الصادق علیهما السلام يثرب إلى دمشق بإيعاز من هشام بن عبدالملك ، ويعود السبب في ذلك إلى أنّ الإمام الصادق علیه السلام قد حجّ مع أبيه ، وكان هشام بن عبد الملك قد حجّ في تلك السنة ، فقال الإمام الصادق علیه السلام أمام حشد من الحجّاج فيهم مسلمة بن عبد الملك : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذى بَعَثَ مُحَمّداً بِالْحَقِّ نَبِيّاً ، وَأَكْرَمَنا بِهِ ، فَنَحْنُ صَفْوَةُ اللهِ عَلى خَلْقِهِ ، وَخِيرَتُهُ مِنْ عِبَادِهِ ، فَالسَّعِيدُ مَنْ تَبِعَنا ، وَالشَّقيُّ مَنْ عادانا وَخالَفَنا » .
وورم أنف مسلمة ، وتميّز غيظاً حينما سمع كلام الإمام ، ففزع إلى أخيه هشام وأخبره بمقالة الإمام ، فأسرّها هشام في نفسه ، ولم يتعرّض للإمامين بسوء في الحجاز ، إلا أنّه لمّا قفل راجعاً إلى دمشق أوعز إلى عامله في يثرب بإشخاصهما إليه ، ولما انتهيا إلى دمشق حجبهما ثلاثة أيّام ولم يسمح لهما بمقابلته استهانة بهما ، وفي اليوم الرابع أذن لهما في مقابلته ، فلمّا انتهيا إليه لم يحفل بهما ، وكان مجلسه مكتظّاً بالأمويّين وسائر وزرائه وحاشيته ، وقد نصب ندماؤه برحاصاً - أي هدفا -
وأشياخ بني أميّة يرمونه .
يقول الإمام الصادق علیه السلام : « نادى هشام : يا مُحَمَّدُ ، ارْمِ مَعَ أَشْيَاحَ قَوْمِك .
فَقالَ أَبي : قَدْ كَبَرْتُ عَنِ الرَّمِي ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَعْفيني .
فَصاحَ هُشَامُ : وَحَقٌّ مَنْ أَعَزَّنَا بِدينِهِ وَبِنِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله وسلم لا أعفيك ،
وظنّ الطاغية أنّ الإمام سوف يخفق في رمايته فيتّخذ ذلك وسيلة للحطّ من شأنه أمام الغوغاء من أهل الشام ، وأومأ إلى شيخ من بني أميّة أن يناول الإمام قوسه ، فناوله وتناول معه سهماً فوضعه في كبد القوس ، ورمی به الغرض فأصاب وسطه ، ثمّ تناول سهماً فرمی به فشقّ السهم الأوّل إلى نصله ، وتابع الإمام الرمي حتّى شقّ تسعة أسهم بعضها في جوف بعض ، ولم يحصل بعض ذلك إلى أعظم رام في العالم، وجعل هشام يضطرب من الغيظ ، وضاقت عليه الأرض بما رحبت ، ولم يملك نفسه أن صاح : « يا أبا جعفر ، أنت أرمى العرب والعجم ، وزعمت أنّك قد كبرت ».
ثمّ أدركته الندامة على تقريظه للإمام ، وأطرق برأسه إلى الأرض ، والإمام واقف ، ولمّا طال وقوفه غضب ، وبان ذلك على سحنات وجهه الشريف ، وكان إذا غضب نظر إلى السماء ، ولمّا بصر هشام غضب الإمام قام إليه فاعتنقه وأجلسه عن يمينه ، وأقبل عليه بوجهه قائلاً:
«يا محمّد ، لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيها مثلك ، الله درّك من علّمك هذا الرمي ؟ وفي كم تعلّمته ؟ أيرمي جعفر مثل رميك ؟ » .
فقال أبو جعفر علیه السلام : « إِنَّا نَتَوارَثُ الْكَمالَ ».
وثار الطاغية ، واحمرّ وجهه ، وأطرق برأسه إلى الأرض يفتّش عن كلام يردّ به على الإمام، وبعد برهة رفع رأسه ، وراح يقول : « ألسنا بنو عبدمناف
نسبنا ونسبكم واحد ؟ »
وردّ الإمام مزاعمه قائلاً: «نَحْنُ كَذلِكَ ، وَلكنَّ اللهَ اخْتَصَّنا في مَكْنونِ سِرِّهِ ، وَخالِصِ عِلْمِهِ بِما لَمْ يَخُصَّ بهِ أَحَداً غَيْرَنا ».
وطفق هشام قائلاً: « أليس الله بعث محمّداً من شجرة عبد مناف إلى الناس كافّه ، أبيضها وأسودها وأحمرها ، فمن أين ورثتم ما ليس لغيركم ورسول الله مبعوث إلى الناس كافّة ، وذلك قول الله عزّ وجلّ : ( وَلِلَّهِ مِيرَاتُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ )(1)، فمن أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمّد نبيّ ، ولا أنتم أنبياء ؟ ».
وردّه الإمام ببالغ الحجّة قائلاً: « مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ : ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ )(2)، فَالَّذِي لَمْ يُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَهُ لِغَيْرِنَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَخُصَّنَا بِهِ مِنْ دُونِ غَيْرِنا ، فَلِذلِكَ كَانَ يُناجِي أَخاهُ عَلِيّاً مِنْ دُونِ أَصْحَابِهِ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ قُرْآناً فِي قَوْلِهِ : ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ )(3)، فَقالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : سَأَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أَدْنَكَ يا عَلَى.
فَلِذلِكَ قَالَ عَلِيٌّ : عَلَّمَني رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَلْفَ بَابِ مِنَ الْعِلْمِ ، يُفْتَحُ مِنْ كُلِّ بابٍ أَلْفُ بابٍ ، خَصَّهُ بِهِ النَّبِيُّ صلی الله علیه و آله وسلم مِنْ مَكْنُونِ سِرِّهِ ، كَما خَصَّ اللهُ نَبِيَّهُ ، وَعَلَّمَهُ ما لَمْ يَخُصَّ بِهِ أَحَداً مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى صَارَ إِلَيْنا فَتَوارَلْناهُ مِن دونِ أَهْلِنا».
والتاع هشام وهو يتميّز من الغيظ ، وانبرى قائلاً: « إنّ عليّاً كان يدري علم الغيب ؟ والله لم يُطلع على غيبه أحداً ، فمن أين ادّعى ذلك ؟».
فأجابه الإمام بالواقع المشرق من حياة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، رائد الحكمة
الأرض ، قائلاً:
« إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ كِتاباً بَيَّنَ فيهِ ما كانَ ، وَما يَكونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، في قَوْلِهِ تَعالى : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ )(1).
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)(2).
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (3).
وفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَمَا مِن غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ )(4).
وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ أَنْ لا يُبْقي فِي غَيْبِهِ وَسِرِّهِ ، وَمَكْنُونِ عِلْمِهِ شَيْئاً إِلَّا يُناجِي بِهِ عَليّاً ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤلَّفَ الْقُرآنَ مِنْ بَعْدِهِ ، وَيَتَولّى غُسْلَهُ وَتَحْنِيطَهُ مِنْ دُونِ قَوْمِهِ ، وَقَالَ لأَصْحَابِهِ : حَرَامٌ عَلَى أَصْحَابِي وَقَوْمِي أَنْ يَنْظُرُوا إِلَىٰ عَوْرَتي غَيْرِ أَخِي عَلِيَّ فَإِنَّهُ مِنِّي ، وَأَنَا مِنْهُ ، لَهُ ما لي ، وَعَلَيْهِ ما عَلَيَّ ، وَهُوَ قاضِي دَيْنِي ، وَ مُنْجِزُ مَوْعِدِي .
ثُمَّ قالَ لأَصْحَابِهِ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يُقاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَما قاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ بِكَمَالِهِ وَعامِّهِ إِلَّا عِنْدَ عَلِيٌّ ، وَلِذلِكَ قَالَ رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله وسلم : أَقْضاكُمْ عَلَيٌّ ، وَقالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَابِ : لَوْلا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ ، يَشْهَدُ لَهُ عُمَرُ ، وَيَجْحَدُهُ غَيْرُهُ ..».
وأطرق هشام برأسه إلى الأرض بعد سماعه لهذه الحجج التي لم تترك له منفذاً يسلك فيه للردّ على الإمام .
ثمّ قال له : « سل حاجتك .. » .
ولم يطلب الإمام منه شيئاً ، وإنّما قال : « خَلَّفْتُ أَهْلي وَعيالي مُسْتَوْحِشينَ لخروجي»(1).
صلى الله
وحكى حديث الإمام علیه السلام مكانة جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام عند رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، فهو وارث علومه ، ومنجز عدته ، والمتولّي لتجهيزه ، وقد ثقل هذا الاطراء على هشام الذي كان من ألد أعداء الإمام ، ومن الذين لا يرجون له وقاراً .
وأمر الطاغية هشام بمغادرة الإمام أبي جعفر وولده الإمام الصادق عليهما السلام دمشق ، خوفاً أن يفتتن الناس بهما ، وقد أوعز إلى أسواق المدن والمحلات التجاريّة الواقعة في الطريق ، أن تغلق محلاتها بوجه الإمام ولا تبيع عليه أية بضاعة ، وقد أراد بذلك هلاك الإمام ، وسارت قافلته تطوي البيداء وقد أضناها الجوع والعطش ، فقد أغلقت بوجهها جميع الحوانيت .
وانتهى الإمام إلى بعض المدن فبادر أهلها إلى إغلاق محلاتهم ، فصعد الإمام على جبل ورفع صوته قائلاً:
« يا أَهْلَ الْمَدِينَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها ، أَنا بَقِيَّةُ اللهِ ، يَقولُ اللهُ تَعَالَى: ( بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إن كُنتُم مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ )(2)».
وما أن أنهى الإمام هذه الكلمات حتّى بادر شيخ من شيوخ المدينة فرفع عقيرته قائلاً: « يا قوم ، هذه والله دعوة شعيب ، والله لئن لم تخرجوا إلى هذا الرجل بالأسواق لتؤخذنّ من فوقكم ، ومن تحت أرجلكم ، فصدّقوني هذه المرّة
وأطيعوني ، وكذّبوني فيما تستأنفون فإنّي ناصح لكم » .
وفزع أهل القرية وذعروا ، فاستجابوا لدعوة الشيخ الذي نصحهم وهرعوا، ففتحوا حوانيتهم ، واشترى الإمام علیه السلام ما يريده من متاع (1)
وفسدت بذلك مكيدة الطاغية ، وما دبّره من شرّ للإمام ، وقد انتهت الأنباء بفشل المؤامرة إلى هشام فتميّز غيظاً ، وراح يبغي الغوائل للإمام علیه السلام ، فدسّ إليه السمّ كما سنذكره .
وشاع مقتل الإمام محمّد الباقر علیه السلام في جميع الأوساط الإسلاميّة، وتحدّث الناس عن سعة علومه وسموّ أخلاقه ، وأنّه أدرى بأمور المسلمين وقيادتهم من بني أميّة الذين انتهكوا كلّ ما حرّمه الله ، وثقل ذلك على الأمويّين ، وكان من أحقدهم عليه هشام بن الحكم ، فقد ورم أنفه، وأقضّ مضجعه كثرة ما يسمعه من فضائل الإمام وذيوع مآثره ، واستئثاره بإكبار المسلمين وتعظيمهم ، وتقديمهم له على غيره ، فهو العلم البارز في الأسرة النبويّة المعظّمة، وقدم الطاغية على اقتراف الجريمة ، فدسّ إليه السمّ على يد عامله على يثرب، فناوله للإمام ، وتفاعل السمّ في بدنه الشريف وأثّر به تأثيراً بالغاً ، وأخذ يدنو إليه الموت سريعاً .
ونصّ الإمام أبو جعفر علیه السلام على إمامة ولده الإمام أبي عبدالله الصادق علیه السلام مفخرة هذه الدنيا، ورائد الفكر والعلم في الإسلام ، فعيّنه خليفة ومرجعاً للأمّة من بعده ، وأوصى شيعته بلزوم طاعته ، واتّباع أوامره ، وقد تظافرت الأخبار التي أثرت عنه
1) مناقب آل أبي طالب : 4 : 69. بحار الأنوار: 11 : 75 .
في النصّ على إمامة الصادق علیه السلام ، وكان من بينها :
1 - روی هشام بن سالم ، عن الفقيه العالم جابر بن يزيد الجعفي ، قال : « سئل أبو جعفر عن القائم بعده ، فضرب بيده على أبي عبد الله ، وقال : هذا وَاللهِ قائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ»(1).
2 - روى أبان بن عثمان ، عن أبي الصباح الكناني ، قال : «نظر أبو جعفر إلى ابنه أبي عبد الله علیه السلام فقال : « تَرى هذا ، هذا مِنَ الَّذينَ قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ )(2)»(3).
3 - روى عليّ بن الحكم ، عن طاهر صاحب الإمام أبي جعفر علیه السلام ، قال : « كنت عنده فأقبل الإمام جعفر علیه السلام فقال أبو جعفر : هذا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ»(4).
وكثير من أمثال هذه النصوص أعلنت إمامة الإمام الصادق علیه السلام ، وأرشدت الأمّة إلى قيادته الروحية والزمنيّة لها .
وعهد الإمام أبو جعفر علیه السلام إلى ولده الصادق علیه السلام بكوكبة من الوصايا ، ك-ان من بينها ما يلي :
1 - قال علیه السلام لولده الصادق علیه السلام : « يا جَعْفَرُ ، أوصيكَ بِأَصْحابي خَيْراً ، ، فقال له الإمام الصادق : جُعِلْتُ فِداكَ ، وَاللهِ لَا أَدَعَنَّهُمْ وَالرَّجُلُ مِنْهُمْ يَكونُ في المِصْرِ فَلَا يَسْأَلَ أَحَداً »(5).
لقد اهتمّ الإمام علیه السلام بالعلماء والفقهاء من أصحابه ، فعهد لولده بالإنفاق عليهم ، التعهّد بشؤونهم الاقتصاديّة حتّى يتفرّغوا للعلم ، وتدوين أحاديثه ، وإذاعة معارفه وآدابه بين الناس .
2 - أوصى علیه السلام ولده أن يكفّنه في قميصه الذي كان يصلّي فيه(1).
3 - إنّه أوقف بعض أمواله على نوادب تندبه عشر سنين في منى(2).
ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى أنّ منى أعظم مركز للتجمّع الإسلامي ، ووجود النوادب فيه ممّا يبعث المسلمين على السؤال عن سببه ، فيخبرون بما عاناه الامام من صنوف التنكيل من الأمويّين حتّى لا تخفيه ولا تستره أجهزة الإعلام الأموي .
أمّا نصّ وصيّته فقد رواها الإمام الصادق علیه السلام، قال :
«لَمّا حَضَرَتِ الْوَفاةُ قالَ : ادْعُ لي شُهوداً ، فَدَعَوْتُ لَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، فِيهِمْ نافع مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمْرَ ، فقالَ : اكْتُبْ : هذا ما أَوْصَى بِهِ يَعْقُوبُ بَنِيهِ : ( يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ )(3)، وَأَوْصى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ في بُرْدِهِ الذي كانَ يُصَلِّي فِيهِ الْجُمُعَةَ ، وَأَنْ يُعَمِّمَهُ بِعَمَامَتِهِ ، وَأَنْ يُرَبِّعَ قَبْرَهُ ، وَيَرْفَعَهُ أَرْبَعَةَ أَصابع ، وَأَنْ يَحِلَّ عَنْهُ أَطْمَارَهُ عِنْدَ دَفْنِهِ ».
وبعدما أدلى بهذه الوصيّة أمر الشهود بالانصراف ، وقال له الإمام الصادق علیه السلام
« ما كانَ في هذا بِأَنْ تَشْهَدَ عَلَيْهِ » . فقال علیه السلام : «كَرِهْتُ أَنْ تُغْلَبَ ، وَأَنْ يُقالَ : إِنَّهُ لَمْ یوصِ ، فَأَرَدْتُ أَنْ تَكونَ لَكَ الْحُجَّة »(1).
وأخذ الموت يدنو من الإمام سريعاً ، فقد تفاعل السمّ مع جميع أجزاء بدنه الشريف ، وأخذت الآلام القاسية تفتك في جسمه الذي أنحلته العبادة وإشاعة العلم ، ولمّا شعر بدنوّ أجله أخذ يقرأ القرآن الكريم ، ويستغفر الله تعالى ، ويسأله المزيد من المغفرة والرضوان ، وبينما كان مشغولاً بذكر الله إذ وافاه الأجل المحتوم ، فارتفعت روحه العظيمة إلى خالقها ، تلك الروح الطاهرة التي أضاءت الحياة الفكريّة والعلميّة في الإسلام، والتي لم يخلق مثلها نظير في عصره .
لقد انطوت بموته أروع صفحة من صفحات الرسالة الإسلاميّة ، التي أمدّت المجتمع الإسلامي بعناصر الوعي والتطوّر.
تجهيزه عليه السلام
وقام الإمام الصادق علیه السلام بتجهيز الجثمان المقدّس فغسّله ، وأدرجه في أكفانه و هو يذرف أحرّ الدموع على فقد أبيه الذي ما أظلّت مثله سماء الدنيا في ذلك العصر علماً وحلماً وحريجة في الدين.
ونقل الجثمان العظيم من الحميمة(2)التي توفّي فيها تحت هالة من التهليل
والتكبير قد حفّت به الجماهير وهي تعدّ فضائل الإمام وتذكر ألطافه ، وما أسداه من خدمات لهذه الأمّة ، وانتهي بالجثمان العظيم إلى بقيع الغرقد ، فحفر له قبر بجوار الإمام الأعظم أبيه زين العابدين علیه السلام ، وبجوار عمّ أبيه الإمام الحسن علیه السلام سيّد شباب أهل الجنّة .
وأنزل الإمام الصادق علیه السلام أباه في مقرّه الأخير فواراه فيه ، وقد وارى معه العلم والفضل والمعروف والبرّ بين الناس .
لقد كان فقد هذا الإمام العظيم من أفجع النكبات التي مُني بها الإمام الصادق علیه السلام ، فقد فقد ذلك الأب الذي هو من آيات الله في مواهبه وعبقريّاته ، والذي جهد على نشر العلم وبلورة الوعي الثقافي بين المسلمين .
وهرع المشيّعون إلى تعزية الإمام الصادق علیه السلام بمصابه الأليم ، ويشاركونه الأسى واللوعة بفقد الراحل العظيم الذي عطّر الدنيا بوجوده ، وملأها علماً وفضلاً، وممّن وفد عليه يعزّيه ويواسيه بمصابه سالم بن أبي حفصة ، وكان مع جماعة من أصحابه ، فاستأذن منهم ليرفع تعازيه للإمام علیه السلام.
ولمّا مثل عنده قال له : « إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ذهب والله مَن كان يقول : قالَ رَسولُ اللهِ صلی الله علیه و آله وسلم ، فلا يسأل عمّن بينه وبين رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم لا يُرى مثله أبداً».
وشكره الإمام على تعازيه ، وسكت الإمام برهة ، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال لهم : « إِنَّ اللهَ تَبارَكَ وَتَعَالَى يَقولُ : إِنَّ مِنْ عِبادِى مَنْ يَتَصَدَّقُ بِشِقُ مِنْ تَمْرَةٍ فَأَرَبِّيها
كَما يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوه»(1).
وخرج سالم مبهوراً ، فقال لأصحابه : « ما رأيت أعجب من هذا ؟ ! كنّا نستعظم قول أبي جعفر : قالَ رَسولُ الله صلی الله علیه و آله وسلم بلا واسطة ، فقال لي أبو عبد الله : قال الله بلا واسطة » (2).
وخفي على سالم أنّ حديث الإمام الصادق علیه السلام مستمدّ من حديث آبائه علیهم السلام الذين أخذوا علومهم من جدّهم رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم.
وعلى أي حال ، فقد تسلّم الإمام الصادق علیه السلام قيادة الأمّة بعد أبيه ، وصار المرجع الأعلى للعالم الإسلامي ، وقد احتفّ به الفقهاء ورواة الحديث يتلقّون منه أنواع المعارف والعلوم ، وقام علیه السلام بدور إيجابي وفعّال في نشر العلوم ، وبلورة الفكر العربي والإسلامي بشتّى ألوان الثقافة والتطوّر في مختلف ميادين العلم .
أمّا العناصر النفسيّة للإمام أبي عبد الله الصادق علیه السلام، فإنّها تمثّل كلّ ما يشرف به الإنسان ويسمو به من الصفات الكريمة والنزعات الشريفة .
لقد التقت بالإمام جميع العناصر الرفيعة التي جعلته عنواناً رائعاً للإنسانيّة الكاملة ، ومثالاً حيّاً للإسلام العظيم ، الذي غمرت أشعّته جميع أنحاء الدنیا ونعرض إلى بعض عناصره التي أضاءت غياهب الآفاق ، ومجاهل الأبد ، والتي هي امتداد ذاتي لجدّه الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله وسلم الذي مدّن الأمم ، وكرّم الإنسان ، وفرض المعرفة ، وفيما يلي ذلك :
أمّا الإمامة فهي من أبرز القيم الرفيعة الماثلة في شخصيّة الإمام أبي عبدالله الصادق علیه السلام، لأنّه لا بدّ أن تتوفّر فيها جميع صفات الكمال .
الإمامة منحة من الله يهبها لأفضل عباده، فهي كالنبوّة لا تخضع للاختيار والانتخاب ، ولا يستحقّها إلّا من اختاره الله لقيادة الأمّة روحياً وزمنيّاً ، ووهبه أرصدة روحيّة وفكريّة لا يملكها غيره، وبما أنّ هذه الصفة العظيمة من أجلّ صفات الإمام علیه السلام ، فقد أولاها الإمام المزيد من اهتمامه .
وقد أثرت عنه جمهرة من الأحاديث في شؤونها ، كان من بينها ما يلي :
1 - ضرورة الإمامة
أمّا الإمامة فإنّها من المناهج الأصليّة في السياسة الإسلاميّة الهادفة إلى نشر العدل والأمن والرخاء بين الناس ، وقد أعلن الإمام الصادق علیه السلام عن ضرورة الإمام العادل بين الناس .
قال علیه السلام : « إِنَّ اللهَ أَجَلُ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَ الْأَرْضَ بِغَيْرِ إِمَامٍ عادِل »(1).
إنّ الإمام العادل قلْبُ المجتمع ، وأساس تطوّره ، وهو الذي يقيم العدل الخالص ، والحقّ المحض بين الناس ، ويحقّق لهم جميع ما يصبون إليه .
2 - الأئمّة علیهم السلام خلفاء الله تعالى
أمّا الأئمّة الطاهرون فهم خلفاء الله في أرضه، وحججه على عباده ، وقد تظافر بذلك الأخبار الواردة عنهم .
يقول الإمام الصادق علیه السلام :« الأَوْصياءُ هُمْ أَبْوَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ التي يُؤْتَى مِنْهَا ، وَلَوْلاهُمْ ما عُرِفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَبِهِمُ احْتَجَ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى عَلى خَلْقِهِ»(2).
إنّ الأئمّة هم أوصياء رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وسدنة علومه ، وأبواب حكمته ، وهم الذين حملوا مشعل التوحيد ، ووقفوا أمام التيّارات المعادية للإسلام ، ولولا تضحياتهم
ما عبد الله عابد ، ولا وحّده موحّد .
3 - الأئمّة علیهم السلام شجرة النبوّة
والأئمّة الطيّبون هم شجرة النبوّة ، ومعدن الرسالة ، استمعوا إلى ما يقوله سليل
النبوّة الإمام الصادق علیه السلام : «نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبوَّةِ ، وَبَيْتُ الرَّحْمَةِ ، وَمَفاتيحُ الْحِكْمَةِ ، وَمَعْدِنُ الْعِلْمِ ، وَمَوْضِعُ الرَّسالَةِ ، وَمُخْتَلَفُ الْمَلائِكَةِ ، وَمَوْضِعُ سِرِّ اللَّهِ ، وَنَحْنُ وَدِيعَةُ اللهِ فى عِبادِهِ ، وَنَحْنُ حَرَمُ اللهِ الْأَكْبَرُ ، وَنَحْنُ ذِمَّةُ اللهِ ، وَنَحْنُ عَهْدُ اللَّهِ ، فَمَنْ وَفِي بِعَهْدِنا فَقَدْ وَفي بعَهْدِ اللهِ ، وَمَنْ خَفَرَها(1)فَقَدْ خَفَرَ ذِمَّةَ اللهِ وَعَهْدَهُ»(2).
4 - الأئمّة علیهم السلام ولاة الله تعالى
إنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام هم ولاة أمر الله تعالى وخزنة علمه ، وقد أدلى بذلك الصادق علیه السلام ، قال : « نَحْنُ وَلَاةً أَمْرِ اللَّهِ ، وَخَزَنَةٌ عِلْمِ اللَّهِ ، وَعَيْبَةٌ(3)وَحْيِ اللهِ »(4).
5 - طاعة الأئمّة ومعرفتهم علیه السلام
وأكّد الإمام الصادق علیه السلام على ضرورة طاعة الأئمّة ومعرفتهم ، وأنّهما من عناصر الإيمان . استمعوا إلى هذا الحديث المشرق .
قال علیه السلام: «إِنَّكُمْ لا تكونون صالِحينَ حَتَّى تَعْرِفوا ، وَلَا تَعْرِفُونَ حَتَّى تُصَدِّقوا ، وَلَا تُصَدِّقُونَ حَتَّى تُسَلِّموا أَبواباً أَرْبَعَةٌ ، لَا يَصْلُحُ أَوَّلُهَا إِلَّا بِآخِرِها ، ضَلَّ أَصْحابُ الثَّلاثَةِ ، وَتاهوا نَيْهاً بَعِيداً . إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْعَمَل الصَّالِحَ ، وَلَا يَقْبَلُ الله إِلَّا الْوَفاءَ بِالشُّروطِ وَالْعُهودِ ، فَمَنْ وَفَى لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِشَرْطِهِ ، وَاسْتَعْمَلَ ما وَصَفَ في عَهْدِهِ ، نالَ ما عِنْدَهُ ، وَاسْتَكْمَلَ ما وَعَدَهُ .
إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعالى أَخْبَرَ الْعِبادَ بِطُرُقِ الهدى ، وَشَرَعَ لَهُمْ فِيها الْمَنارَ ، وَأَخْبَرَهُمْ
كَيْفَ يَسْلُكُونَ ، فَقالَ : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى )(1)، وَقالَ : ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ )(2)، فَمَنِ اتَّقَى الله فيما أَمَرَهُ لَقِيَ اللهَ مُؤْمِناً بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مُحَمَّدٌ صلی الله علیه و آله وسلم.
هَيْهاتَ ، هَيْهاتَ ، فاتَ قَوْمٌ وَماتوا قَبْلَ أَنْ يَهْتَدُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ آمَنوا وَأَشْرَكُوا مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ . إِنَّهُ مَنْ أَتَى الْبُيوتَ مِنْ أَبْوابِهَا اهْتَدى ، وَمَنْ أَخَذَ فِي غَيْرِها سَلَكَ طَريقَ الرَّدى ، وَصَلَ اللهُ طَاعَةَ وَلِيّ أَمْرِهِ بِطَاعَةِ رَسولِهِ ، وَطاعَةَ رَسُولِهِ بِطَاعَتِهِ ، فَمَنْ تَرَكَ
ه طَاعَةَ وُلاةِ الْأَمْرِ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ وَلَا رَسولَهُ ، وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِمَا أُنْزِلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. خُذوا زينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَالْتَمِسوا الْبُيوتَ الَّتي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَكُمْ أَنَّهُمْ (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ )(3).
إِنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَخْلَصَ الرُّسُلَ لِأَمْرِهِ ، ثُمَّ اسْتَخْلَصَهُمْ مُصَدِّقِينَ بِذلِكَ فِي نُذْرِهِ ، فَقَالَ : ( وَإِن مِن أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ )(4).
تاهَ مَنْ جَهِلَ ، وَاهْتَدَى مَنْ أَبْصَرَ وَعَقَلَ . إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : ( فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور)(5)وَكَيْفَ يَهْتَدِي مَنْ لَمْ يُبْصِرُ ؟ ! وَكَيْفَ يُبْصِرُ مَنْ لَمْ يَتَدَبَّرُ ؟ ! اتَّبعوا رَسولَ اللهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ ، وَأَقِرُوا بِما نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وَاتَّبِعوا آثارَ الْهُدى ، فَإِنَّهُمْ عَلامات الأمانَةِ وَالتَّقى ، وَاعْلَموا أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ رَجُلٌ عيسَى بْنَ
مَرْيَمَ علیه السلام وَأَقَرَّ بِمَنْ سِواهُ مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يَؤْمِنُ اقْتَصَوا(1)الطَّريقَ بِالْتِماسِ الْمَنارِ، وَالْتَمِسوا مِنْ وراءِ الْحُجُبِ الآثَارَ ، تَسْتَكْمِلُوا أَمْرَ دينِكُمْ ، وَتُؤْمِنوا بِاللهِ رَبِّكُمْ»(2).
وفي هذا الحديث الشريف دعوة خلّاقة وملزمة إلى معرفة أهل البيت علیهم السلام الذين هم مصدر الوعي والفكر في العالم الإسلامي ، وقد ربط بين طاعتهم وطاعة الله تعالی، فمن أطاعهم فقد أطاع الله لأنّهم ولاة أمره ، والأدلّاء على طاعته ومرضاته .
6- سموّ منزلتهم علیه السلام
وخطب الإمام الصادق علیه السلام الانف في اي وحشد من المسلمين ، أعرب عن سموّ منزلة أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، وعظيم شأنهم ، ومن جملة خطابه ما يلي :
«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْضَحَ بِأَئِمَّةِ الْهُدَى مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا عَنْ دِينِهِ ، وَأَبْلَجَ بِهِمْ عَنْ سَبيلِ مِنْهاجِهِ ، وَفَتَحَ بِهِمْ عَنْ باطِنِ يَنابيع عِلْمِهِ ، فَمَنْ عَرَفَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّد صلی الله علیه و آله وسلم واجِبَ حَقٌّ إِمامِهِ وَجَدَ طَعْمَ حَلاوَةِ إِيمَانِهِ ، وَعَلِمَ فَضْلَ طِلاوَةِ إِسْلامِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَصَبَ الإمامَ عَلَماً لِخَلْقِهِ ، وَجَعَلَهُ حُجَّةً عَلى أَهْلِ مَوادِّهِ وَعالَمِهِ ، وَأَلْبَسَهُ الله تاج الوقار ، وَغَشاهُ مِنْ نُورِ الْجَبَارِ ، يَمُدُّ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ، لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ مَوادهُ ، وَلَا يُنالُ ما عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِجِهَةِ أَسْبابِهِ ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ أَعْمَالَ الْعِبادِ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ ، فَهُوَ عَالِمٌ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ
: مُلْتَبِساتِ الدُّجى ، وَمُعَمِّياتِ السُّنَن ، وَمُشَبِّهَاتِ الْفِتَنِ ، فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَبارَكَ وَتَعَالَى يَخْتارُهُمْ لِخَلْفِهِ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْن علیه السلام مِنْ عَقِب كُلِّ إمام يَصْطَفِيهِمْ لِذلِكَ وَيَجْتَبِيهِمْ ، وَيَرْضَىٰ بِهِمْ لِخَلْقِهِ وَيَرْتَضِيهِمْ ، كُلّما مَضى مِنْهُ إِمَامٌ نَصَبَ لِخَلْقِهِ مِنْ عَقِبِهِ إِمَاماً عَلَماً بَيِّناً ، وهادِياً نَيْراً ، وَإماماً قيماً ، وَحُجَّة عالماً ، أئِمَّةٌ مِنَ اللهِ ، يَهْدُونَ بِالْحَقِّ
وَبِهِ يَعْدِلُونَ ، حُجَجُ اللَّهِ وَدُعاتُهُ وَرُعاتُهُ عَلى خَلْقِهِ ، يَدِينُ بِهَدْيِهِمُ الْعِبَادُ ، وَتَسْتَهِلُ بِنُورِهِمُ الْبِلادُ ، وَيَنْمُوا بِبَرَكَتِهِمُ التَّلادُ ، جَعَلَهُمُ اللهُ حَياةَ لِلأَنامِ ، وَمَصابيحَ لِلظَّلام ، وَمَفاتيحَ لِلْكَلامِ ، وَدَعائِمَ لِلْإِسْلامِ ، جَرَتْ بِذلِكَ فيهِمْ مَقاديرُ الله عَلى مَحْتُومِها ، فَالإمامُ هُوَ الْمُنْتَجَبُ الْمُرْتضى ، وَالْهادِي الْمُنْتَجِى(1)، وَالْقائِمُ الْمُرْتَجى .
إِصْطَفاهُ اللَّهُ بِذلِكَ وَاصْطَنَعُهُ عَلَى عَيْنِهِ فِي الذَّرِّ حِينَ ذَرَأَهُ ، وَفِي الْبَرِيَّةِ حِينَ بَرَأَهُ ظِلَا قَبْلَ خَلْقِ نَسَمَةٍ عَنْ يَمِينِ عَرْشِهِ ، مَحْبُواْ بِالْحِكْمَةِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ ، اخْتَارَهُ بِعِلْمِهِ ، وَانْتَجَبَهُ لِطُهْرِهِ ، بَقِيَّةُ مِنْ آدَمَ علیه السلام وَخِيَرَةٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ علیه السلام ، وَمُصْطَفَى مِنْ آلِ إِبْراهيمَ علیه السلام ، وَسُلالَةٌ مِنْ إِسْماعيلَ ، وَصَفْوَةٌ مِنْ عِتْرَةِ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله وسلم.
لَمْ يَزَلْ مَرْعِيّاً بِعَيْنِ اللهِ ، يَحْفَظُهُ وَيَكْلُوهُ بِسِتْرِهِ ، مَطْرُوداً عَنْهُ حَبائِلَ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ ، مَدْفُوعاً عَنْهُ وُقوبَ(2)الْغَواسِقِ ، وَنُفُوثَ كُلُّ فاسِقِ ، مَصْروفاً عَنْهُ قَوارِفَ السُّوءِ ، مُبَرَّعاً مِنَ الْعاهاتِ ، مَحْجُوباً عَنِ الْآفاتِ ، مَعْصُوماً مِنَ الزَّلاتِ ، مَصُوناً عَنِ الْفَوَاحِشِ كُلَّها ، معروفاً بِالْحِلْمِ وَالْبِرِّ فِي يَفاعِهِ (3)، مَنْسُوباً إِلَى الْعَفافِ وَالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ عِنْدَ انْتِهائِهِ ، مُسْنَداً إِلَيْهِ أَمْرَ والِدِهِ ، صَامِتاً عَنِ الْمَنْطِقِ فِي حَيَاتِهِ .
فَإِذا انْقَضَتْ مُدَّةً والِدِهِ إِلى أَنِ انْتَهَتْ بِهِ مَقاديرُ اللهِ إِلَى مَشِيئَتِهِ ، وَجَاءَتِ الْإِرَادَةُ مِنَ اللهِ فِيهِ إِلى مَحَبَّتِهِ(4)، وَبَلَغَ مُنْتَهى مُدَّةِ والدِهِ ، فَمَضى وصارَ أَمْرُ اللَّهِ إِلَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ ، وَقَلَّدَهُ دينَهُ ، وَجَعَلَهُ الْحُجَّةَ عَلَى عِبادِهِ ، وَقَيَّمَهُ في بِلادِهِ ، وَأَيَّدَهُ بِروحِهِ ، وَآتَاهُ عِلْمَهُ ،
وَأَنْبَأَهُ فَصْلَ بَيانِهِ ، وَاسْتَوْدَعَهُ سِرَّهُ ، وَانْتَدَبَهُ لِعَظيمِ أَمْرِهِ ، وَأَنْبَأَهُ فَضْلَ بَيانِ عِلْمِهِ ، وَنَصَبَهُ عَلَماً لِخَلْقِهِ ، وَجَعَلَهُ حُجَّةٌ عَلى أَهْل عالَمِهِ ، وَضِياءَ لِأَهْلِ دينِهِ ، وَالْقَيِّمَ عَلى عِبادِهِ ، رَضِيَ اللهُ بِهِ إماماً لَهُمْ ، اسْتَوْدَعَهُ سِرَّهُ ، وَاسْتَحْفَظَهُ عِلْمَهُ ، وَاسْتَخْبَأَهُ(1)حِكْمَتَهُ ، وَاسْتَرْعاهُ لِدِينِهِ ، وَانْتَدَبَهُ لِعَظيمِ أَمْرِهِ ، وَأَحْيَا بِهَ مَناهِجَ سَبِيلِهِ وَفَرائِضِهِ وَحُدودِهِ ، فَقَامَ بِالْعَدْلِ عِنْدَ تَحَوُّرِ أَهْلِ الْجَهْلِ ، وَتَحْيِيرِ أَهْلِ الْجَدَلِ بِالنُّورِ السّاطِعِ ، وَالشَّفاءِ النَّافِعِ بِالْحَقِّ الْأَبْلَجِ ، وَالْبَيانِ اللائحِ مِنْ كُلِّ مَخْرَجِ عَلى طَريقِ الْمَنْهَجِ الذي مَضَى عَلَيْهِ الصَّادِقُونَ مِنْ آبائِهِ علیهم السلام.
فَلَيْسَ يَجْهَلُ حَقٌّ هذا الْعالِمِ إِلَّا شَقِيٌّ ، وَلَا يَجْحَدُهُ إِلَّا غَوِيٌّ ، وَلَا يَصُدُّ عَنْهُ إِلَّا جَرِيٌّ عَلَى اللهِ جَلَّ وعلا»(2).
وحفل هذا الخطاب الشريف بأمور بالغة الأهميّة ، كان منها ما يلي :
1 - إنّ الله تعالى أوضح بأئمة الهدى معالم الدين وأحكام الشريعة ، فقد بيّنوا ذلك كلّه للناس ، وعرّفوهم بكل ما يقرّبهم إلى الله زلفى .
2 - إنّ الله تعالى نصب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام علماً لهذه الأمّة ، ومرجعاً لها بعد بعد نبيّها العظيم صلی الله علیه و آله وسلم ، فألبسه تاج الإمامة ، وحباه بكلّ فضيلة ، كما رشّح من بعده أئمّة الهدى لقيادة الأمّة ، والسير بها لتحقيق أهدافها وآمالها .
3 - إنّه أعرب عن الصفات الرفيعة التي امتاز بها أئمّة أهل البيت علیهم السلام من العلم والحلم ، والعصمة من اقتراف أي ذنب ، وغير ذلك ممّا اتّصفوا به من معالي الأخلاق ، ومكارم الصفات.
7 - علم الأئمّة علیهم السلام
والشيء المؤكّد أنّ الله تعالى قد منح أئمّة أهل البيت علیهم السلام العلم والحكمة وفصل الخطاب ، فكانوا - بإجماع المؤرّخين والرواة - يملكون طاقات علميّة هائلة ، في حين أنّهم لم يدخلوا مدرسة ولا معهداً من معاهد التعليم في تلك العصور.
وممّا يدعم ذلك ما رواه المؤرّخون أنّ المأمون أوعز إلى جميع علماء الدنيا بالحضور إلى خراسان لامتحان الإمام الرضا علیه السلام لعلّه لا يستطيع الجواب عن مسائلهم ، فيتّخذ ذلك ذريعة لهدم ما تذهب إليه الشيعة من أنّ أئمّتهم أعلم الناس بجميع أنواع العلوم والمعارف ، وأدراهم بأحكام الشريعة .
وحضر العلماء في خراسان ، وقد أعدّوا لامتحان الإمام أعقد المسائل وأكثرها غموضاً، وكانت متنوعة من الطب والفلسفة والفيزياء والكيمياء وغير ذلك ، وقد سأله العلماء عن أربعة وعشرين ألف مسألة في جلسات متفرّقة ، فأجاب عنها جواب العالم الخبير ، وقد بهر العلماء بثرواته العلميّة، ودانوا بإمامته ، فاضطرّ المأمون إلى حجبه عن العلماء لئلا يفتتن به الناس.
وصنع المأمون مثل ذلك مع الإمام الجواد علیه السلام ، وكان صبيّاً يافعاً حينما تقلّد الإمامة بعد وفاة أبيه الإمام الرضاء علیه السلام ، فسأله علماء بغداد عن أعقد المسائل ، فأجاب عنها جواب العالم الخبير ممّا أدهش العلماء ، فذهب الكثيرون منهم إلى الاعتقاد بإمامته (1).
والشواهد على ذلك كثيرة ، ألم يقل سيّد العترة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام :
« أَمَا وَاللَّهِ لَوْ تُنِيَتْ لِيَ الْوِسادَةُ فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا لَأَنْتَيْتُ أَهْلَ التَّوْرَاةِ بِتَوْراتِهِمْ حَتَّى
1) ذكرنا عرضاً مفصّلاً للمسائل التي سُئل عنها الإمام وأجوبته علیه السلام في كتابنا حياة الإمام الجواد علیه السلام علیه السلام.
تَنْطِقَ التَّوْراةُ فَتَقُولُ : صَدَقَ عَلِيٌّ مَا كَذَبَ ، لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي .
وَأَفْتَيْتُ أَهْلَ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ حَتَّى يَنْطِقَ الْإِنْجِيلُ فَيَقُولُ : صَدَقَ عَلِيٌّ مَا كَذَبَ ، لَقَدْ أَفْتاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ .
وَأَفْتَيْتُ أَهْلَ الْقُرْآنِ بِقُرآنِهِمْ حَتَّى يَنْطِقَ الْقُرآنُ فَيَقُولُ : صَدَقَ عَلِيٌّ مَا كَذَبَ ، لَقَدْ أَفْتَاكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيَّ ، وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْقُرآنَ لَيْلاً وَنَهَاراً ، فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يَعْلَمُ بِمَا أُنْزِلَ فِيهِ ؟ وَلَوْلَا آيَةٌ فِي كِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِمَا كَانَ ، وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيامَةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى :( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ )(1).
وقال : «أَيُّهَا النَّاسُ ، سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، فَلَانَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ »(2).
وقد حار الناس في أمره ، وغالى فيه فريق منهم ، فذهبوا إلى ألوهيّته .
وقد تحدّث الإمام الصادق علیه السلام عن سعة علومهم ، فقد قال لأبي بصير:
«يا أبا مُحَمَّدٍ ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُعْطِ الأنبياءَ شَيْئاً إِلَّا وَقَدْ أَعْطَاهُ مُحَمَّداً صلی الله علیه و آله وسلم.
وقال : وَقَدْ أَعْطَى مُحَمَّداً جَميعَ ما أَعْطَى الأنبياءَ ، وَعِنْدَنا الصُّحُفُ التي قالَ اللهُ عَزّ وَجَلَّ : (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)(3).
فقال له أبو بصير : جعلت فداك الألواح ؟
قال : نَعَمْ»(4).
وروى بكر بن بكر الصيرفي ، قال : «سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : إِنَّ عِنْدَنا ما لَا نَحْتاجُ مَعَهُ إِلَى الرَّأْي وَالْقياسِ ، وَلَا إِلى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ، وَإِنَّ النَّاسَ لَيَحْتاجُونَ إِلَيْنَا ، وَإِنَّ عِنْدَنا كتاباً إِمْلاءُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَخَطَّ عَليَّ ، فيهِ كُلٌّ حَلالٍ وَحَرام ، وَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ بِالْأَمْرِ فَنَعْرِفُ إِذا أَخَذْتُمْ بِهِ ، وَنَعْرِفُ إِذا تَرَكْتموه»(1).
وقد شقّق الإمام الصادق علیه السلام العلوم بفكره الثاقب وبصره الدقيق ، حتّى ملأ الدنيا بعلومه ، وهو القائل : « سَلوني قَبْلَ أَنْ تَفْقِدوني ، فَإِنَّهُ لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدي بِمِثْلِ حديثي »(2).
ولم يقل أحد هذه الكلمة سوى جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام.
وأدلى علیه السلام بحديث أعرب فيه عن سعة علومه . قال علیه السلام : « وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ كِتابَ
اللَّهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ ، كَأَنَّهُ فِي كَفّي ، فيهِ خَبَرُ السَّمَاءِ وَخَبَرُ الْأَرْضِ ، وَخَبَرُ مَا كَانَ ، وَخَبَرُ ما هُوَ كَائِنٌ . قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)(3)»(4).
وكان من مظاهر علمه أنّه ارتوى من فيض علمه أربعة آلاف طالب ، وقد أشاعوا العلم والثقافة في جميع الحواضر الإسلامية ، ونشروا معالم الدين وأحكام الشريعة .
8 - العصمة
ومن أبرز ذاتيات الإمام علیه السلام العصمة من الذنوب ، والطهارة من الزيغ والدنس .
إنّ العصمة هبة من الله لأفضل عباده ، وأقربهم إليه ، وقد منحها لأنبيائه وأوصيائهم العظام ، وقد حظي بها أئمة أهل البيت علیهم السلام، الذين هم من أفضل خلق الله إيماناً وطاعة الله ، وتجرّداً من جميع نزعات الهوى والغرور . والعصمة عند الشيعة أحد العناصر الأساسيّة للإمامة ، وأنّ الإمام لا بدّ أن يكون معصوماً من كلّ ذنب وخطيئة ، سواء أكان على سبيل العمد أم السهو ، وقد أقامت الشيعة جمهرة من الأدلّة على ضرورة العصمة للأئمة الطاهرين علیهم السلام، وقد عرضنا لها بمزيد من التفصيل في كتابنا ( حياة الإمام الباقر علیه السلام ) .
من ذاتيّات الإمام الصادق علیه السلام: الجود ، فقد كان من أندى الناس كفّاً ، وكان يجود بما عنده لإنعاش الفقراء والمحرومين ، وقد نقل الرواة بوادر كثيرة من كرمه كان من بينها ما يلي :
1 - دخل عليه أشجع السلمي فوجده عليلاً، وبادر أشجع فسأل عن سبب علّته، فقال علیه السلام :« تَعَدَّ عَن الْعِلَّةَ ، وَاذْكُرُ ما جِئْتَ لَهُ ، فقال :
أَلْبَسَكَ اللهُ مِنْهُ عافِيَةٌ *** فِي نَوْمِكَ الْمُعْتَرِي وَفِي أَرَقِك
يُخْرِجُ مِنْ جِسْمِكَ السَّقامَ كَما *** أخْرَجَ ذُلَّ السُّؤالِ مِنْ عُنُقِك
وعرف الإمام حاجته فقال لغلامه : « أَيُّ شَيْءٍ مَعَكَ ؟ » .
فقال : أربعمائة ، فأمره بإعطائها له(1).
2 - دخل عليه المفضّل بن رمانة ، وكان من ثقاة أصحابه ورواته ، فشكا إليه
1) تاريخ الإسلام 6 : 45 مرآة الزمان 6 : 160 . تهذيب الكمال 5 : 87 . مناقب آل أبي طالب : 4 345 أمالي الطوسي 1: 287.
ضعف حاله ، وسأله الدعاء .
فقال علیه السلام جاريته : « هاتِ الْكيسَ الَّذِي وَصَلنا بِهِ أَبو جَعْفَر » .
فجاءته به ، فقال له : « هذا كيس فيهِ أَرْبَعْمانَةِ دينارٍ ، فَاسْتَعِنْ بِهِ» .
فقال المفضّل : لا والله جُعلت فداك، ما أردت هذا ، ولكن أردت الدعاء ، فقال علیه السلام : « لَا أَدَعُ الدُّعاءَ لَكَ»(1).
3 - سأله فقير فأعطاه أربعمائة درهم ، فأخذها الفقير وذهب شاكراً ، فقال علیه السلام لخادمه : « أَرْجِعه » .
فقال الخادم : سئلت فأعطيت ، فماذا بعد العطاء ؟
فقال علیه السلام : « قالَ رَسولُ الله صلی الله علیه و آله وسلم: خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما أَبْقَتْ غِنى ، وَإِنَّا لَمْ تُغْنِهِ ، فَخُذْ هَذَا الْحَاتَمَ فَأَعْطِهِ فَقَدْ أَعْطِيتُ فِيهِ عَشَرَةَ آلافِ دِرْهَم ، فَإِذا احتاجَ فَلْيَبِعْهُ بِهِذِهِ الْقِيمَةِ»(2).
4 - ومن جوده وسخائه وحبّه للبرّ والمعروف أنّه كانت له ضيعة قرب المدينة تسمّى رعين زياد ، فيها نخل كثير ، فإذا نضج التمر أمر الوكلاء أن يثلموا في حيطانها الثلم ليدخل الناس ويأكلوا من التمر(3).
وكان يأمر لجيران الضيعة الذين لا يقدرون على المجيء ، كالشيخ والعجوز والمريض لكلّ واحد منهم بمدّ من التمر ، وما بقى منه يأمر بحمله إلى المدينة فيفرّق أكثره على الضعفاء والمستحقّين ، وكانت قيمة التمر الذي تنتجه الضيعة أربعة آلاف دينار ، فكان ينفق ثلاثة آلاف منه ، ويبقي له ألف(4).
5- ومن بوادر كرمه أنّه كان يطعم ويكسو حتّى لم يبق لعياله شيء من كسوة
أو طعام(1).
ومن كرمه أنّه مرّ به رجل ، وكان علیه السلام يتغدى ، فلم يسلّم الرجل ، فدعاه الإمام إلى تناول الطعام ، فأنكر عليه بعض الحاضرين ، وقال له : « السُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّم ثُمَّ يُدعى ، وَقَدْ تَرَكَ السَّلامَ على عمدٍ » .
فقابله الإمام ببسمات مليئة بالبشر وقال له : « هذا فَقْهُ عِراقِيٌّ فِيهِ بُخْلٌ»(2).
أمّا الصدقات في السرّ فإنّها من أفضل الأعمال وأحبّها الله ؛ لأنّها من الأعمال الخالصة التي لا يشوبها أي غرض من أغراض الدنيا ، وقد ندب إليها أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، كما أنّها كانت منهجاً لهم ، فكلّ واحد منهم كان يعول بجماعة من الفقراء ، وهم لا يعرفونه .
وكان الإمام الصادق علیه السلام يقوم في غلس الليل إليهم فيأخذ جراباً فيه الخبز واللحم والدراهم فيحمله على عاتقه ويذهب به إلى أهل الحاجة من فقراء المدينة ، فيقسّمه فيهم وهم لا يعرفونه ، وما عرفوه حتّى مضى إلى الله تعالى، فافتقدوا تلك الصلات فعلموا أنّها منه(3)، ومن صلاته السريّة ما رواه إسماعيل بن جابر ، قال : « أعطاني أبو عبد الله علیه السلام خمسين ديناراً في صرّة ، وقال لي : ادْفَعُها إِلَى شَخْصٍ مِنْ بَني هَاشِمٍ ، وَلَا تُعْلِمْهُ أَنِّي أَعْطَيْتُكَ شَيْئاً .
فأتيته ودفعتها إليه ، فقال لي : من أين هذه ؟ فأخبرته أنّها من شخص لا يقبل أن تعرفه ، فقال العلوي : ما يزال هذا الرجل كلّ حين يبعث بمثل هذا المال ، فنعيش
إلى قابل ، ولكن لا يصلني جعفر بدرهم مع كثرة ماله(1).
وقد أثرت عنه أخبار كثيرة في الحثّ عليها ذكرناها في غضون هذا الكتاب .
و من بوادر كرمه وسخائه حبّه للضيوف وتكريمه لهم ، فكان - فيما يقول الرواة - يشرف على خدمة ضيوفه بنفسه ، وكان يأتيهم بأشهى الطعام وألذّه وأوفره ، ويكرر عليهم القول وقت الأكل : « أَشَدُّكُمْ حُبّاً لَنا أَكْثَرُكُمْ أَكْلاً عِنْدَنا».
وكان يأمر في كلّ يوم بوضع عشر ثبنات من الطعام يتغدى على كلّ ثبنة عشرة (2).
إنّ السخاء ظاهرة ذاتيّة من ظواهر أئمّة أهل البيت علیهم السلام فهم أصول الكرم ، ومعدن الجود ، ومنبع السخاء .
ومن ذاتيّات الإمام الصادق علیه السلام نكرانه للذات ، وحبّه للتواضع وهو سيّد المسلمين ، وإمام الملايين ، وكان من تواضعه أنّه يجلس على الحصير(3)، ويرفض الجلوس على الفرش الفاخرة ، وكان ينكر ويشجب المتكبّرين، وقد قال ذات مرّة لرجل من إحدى القبائل : مَنْ سَيِّدُ هذهِ القَبيلة ؟
فبادر الرجل قائلاً: أنا .
فأنكر الإمام علیه السلام ذلك وقال له : لَوْ كُنْتَ سَيْدَهُمْ ما قُلْتَ: أنا (4).
إنّ التواضع من أبرز سماته النفسية ، فقد جافى التكبّر والاستعلاء على الخلق ، وكان يرى ذلك من أفحش الصفات التي تهبط بالإنسان إلى قرار سحيق .
ومن تواضعه ونكرانه للذّات أنّ رجلاً من السواد كان يلازمه ، فافتقده ، فسأل عنه ، فبادر رجل فقال مستهيناً بمن سأل عنه : « إنّه نبطيّ » .
فردّ عليه الإمام قائلاً: «أَصْلُ الرَّجُل عَقْلَهُ ، وَحَسَبُهُ دينُهُ ، وَكَرَمُهُ تَقْواهُ ، وَالنَّاسُ في آدَمَ مُسْتَوون» ، فاستحيى الرجل(1).
وكان الإمام الصادق علیه السلام على جانب كبير من سموّ الأخلاق ، فقد ملك القلوب ، وجذب العواطف بهذه الظاهرة الكريمة التي كانت امتداداً لأخلاق جدّه رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم الذي سما على سائر النبّيين بمعالي أخلاقه .
وكان من مكارم أخلاق الإمام وسموّ ذاته أنّه كان يحسن إلى كلّ من أساء إليه ، وقد روى المؤرّخون أنّ رجلاً من الحجّاج توهّم أنّ هميانه قد ضاع منه ، فخرج يفتّش عنه ، فرأى الإمام الصادق علیه السلام يصلّي في الجامع النبويّ فتعلّق به ، ولم يعرفه ، وقال : « أنت أخذت همياني ؟ » .
فقال له الإمام بعطف ورفق : ما كانَ فيه ؟
فأعطاه الإمام ألف دينار، ومضى الرجل إلى مكانه ، فوجد هميانه ، فعاد إلى الإمام معتذراً منه ، ومعه المال ، فأبى الإمام علیه السلام قبوله وقال له : شَيْءٌ خَرَجَ مِنْ يَدي فَلَا يَعودُ إِلَيَّ ، فبهر الرجل وسأل عنه ، فقيل له : هذا جعفر الصادق ، وراح الرجل
1) مطالب السؤول : 2 : 114 .
يقول بإعجاب : « لا جرم هذا فعال أمثاله »(1).
إنّ شرف الإمام علیه السلام الذي لا حدود له هو الذي دفعه إلى تصديق الرجل ودفع المال له .
وعلى أي حال، فقد ذكرنا في جوامع كلمات الإمام جمهرة من أقواله الحكميّة مع الإشادة بمكارم الأخلاق ، والدعوة لها، والتي كان منها قوله علیه السلام : «إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مُروءَ تُنَا الْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَنا»(2).
وكان يفيض بأخلاقه النديّة على حضار مجلسه حتّى قال رجل من العامّة : « والله ما رأيت مجلساً أنبل من مجالسته(3).
ومن الصفات البارزة في الإمام علیه السلام : الصبر وعدم الجزع على ما لاقاه من عظيم المحن والخطوب ، ومن صبره أنّه لمّا توفّي ولده إسماعيل ، وكان ملء العين في أدبه وعلمه وفضله ، دعا علیه السلام جمعاً من أصحابه فقدّم لهم مائدة جعل فيها أفخر الأطعمة ، وأطيب الألوان ، ولمّا فرغوا من تناول الطعام سأله بعض أصحابه ، فقال له :
يا سيّدي لا أرى عليك أثراً من آثار الحزن على ولدك ؟
فأجابه علیه السلام : «وَما لي لَا أَكونُ كَما تَرَوْنَ وَقَدْ جاءَ فِي خَبَر أَصْدَقِ الصَّادِقِينَ - يعني جدّه رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم - إلى أَصْحَابِهِ : إِنِّي مَيَتْ وَإِيَّاكُمْ»(4).
أمّا الإقبال على عبادة الله تعالى وطاعته ، فإنّه من أبرز صفات الإمام وذاتيّاته فقد كان من أعبد الناس الله في عصره ، وقد أخلص في طاعته الله كأعظم ما يكون الإخلاص ، وهذه صورة موجزة عن عباداته .
أمّا الصلاة فإنّها من أفضل العبادات وأهمّها في الإسلام ، وقد أشاد بها الإمام الصادق علیه السلام في كثير من أحاديثه . استمعوا لبعضها :
1 - « ما تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَى اللهِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ أَفْضَلَ مِنَ الصَّلاةِ » (1).
2 - « إِنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ الصَّلاةُ ، وَمَا أَحْسَنَ مِنْ عَبْدِ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوضوء» (2).
3 -«الصَّلاةُ قُرْبانُ كُلِّ تَفيَّ»(3).
4- « أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الصَّلاةُ ، وَهِيَ آخِرُ وَصَايَا الْأَنْبِياءِ ، فَمَا أَحْسَنَ الرَّجُلَ يَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضَّأُ فَيُسْعُ الوضوءَ ثُمَّ يَتَنَحَى حَيْثُ لَا يراهُ أَنيسٌ فَيُشْرِفُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ راكِعٌ أَوْ ساجد ، إِنَّ الْعَبْدَ إِذا سَجَدَ فَأَطالَ السُّجودَ نادى إبْلِيسُ : يَا وَيْلَهُ ، أَطاعوا وَعَصَيْتُ ، وَسَجَدُوا وَأَبَيْتُ»(4).
5 - روى أبو بصير ، قال : « دخلت على أمّ حميدة - زوجة الإمام الصادق علیه السلام - أعزّيها بأبي عبد الله علیه السلام فبكت وبكيت لبكائها ، ثمّ قالت : يا أبا محمّد ، لو رأيت أبا عبدالله عند الموت لرأيت عجباً ، فتح عينيه ثمّ قال : اجْمَعُوا كُلِّ مَنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَرابَةٌ .
قالت : فما تركنا أحداً إلا جمعناه ، فنظر إليهم ثمّ قال : إِنَّ شَفاعَتَنا لَا تَنالُ مُسْتَخِفَاً بِالصَّلاةِ »(1).
وقد تظافرت الأخبار عنه وعن بقيّة الأئمّة الطاهرين علیهم السلام بأهميّة الصلاة ، وأنّها من أفضل الأعمال التي تقرّب الإنسان إلى الله تعالى ، وكان علیه السلام إذا أراد التوجّه إلى الصلاة اصفَرَّ لونه ، وارتعدت فرائصه خوفاً من الله تعالى ورهبة وخشية منه ، وقد أثرت عنه مجموعة من الأدعية في حال وضوئه ، وتوجّهه إلى الصلاة وفي قنوته ، وبعد الفراغ من صلاته ذكرناها في الصحيفة الصادقيّة .
ومن الجدير بالذكر أنّ الإمام علیه السلام لم يدع نافلة من نوافل الصلاة إلّا أتى بها بخشوع وإقبال نحو الله
الصوم من العبادات المهمّة في الإسلام ، وذلك لما يترتّب عليه من الفوائد الاجتماعيّة والصحيّة والأخلاقيّة ، وهو جُنَّةٌ مِنَ النّارِ(2)- كما قال الامام الصادق علیه السلام- .
وقد حثّ الإمام الصادق علیه السلام الصائم على التحلّي بالأخلاق والآداب التالية :
قال علیه السلام : «إِذا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسانُكَ مِنَ الْقَبيحِ وَالْحَرَامِ ، وَدَعِ
الْمِراءَ ، وَأَذَى الْخادِمِ ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقارُ الصِّيامِ ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ صَوْمِكَ مِثْلَ يَوْمِ فِطْركَ سَواء»(1).
وكان علیه السلام صائماً في أغلب أيّامه تقرّباً إلى الله تعالى ، أمّا شهر رمضان المبارك فكان يستقبله بشوق بالغ ، وقد أثرت عنه بعض الأدعية المهمّة عند رؤيته لهلاله ، كما أثرت عنه بعض عنه بعض الأدعية في أيّامه وفي ليالي القدر وفي يوم عيد الأضحى، ذكرناها في الصحيفة الصادقيّة .
أمّا الحجّ فهو بالإضافة إلى قدسيّته فإنّه من أهمّ المؤتمرات السياسيّة التي تعقد في العالم الإسلامي ، وذلك لتعرض فيه أهمّ المشاكل التي تواجه المسلمين ، سواء أكانت من الناحية الاقتصاديّة أم الاجتماعيّة ، أو المشاكل السياسيّة الخارجيّة ، مضافاً إلى أنّه من أهمّ الروابط التي يعرف بها المسلمون بعضهم بعضاً .
وقد حجّ الإمام الصادق علیه السلام مرّات متعدّدة ، والتقى بكثير من الحجّاج المسلمين ، وقد كان المعلّم والمرشد لهم على مسائل الحجّ ، فقد جهد هو وأبوه الإمام محمّد الباقر علیه السلام على بيان أحكام الحجّ ، وعنهما أخذت الرواة والفقهاء أحكام هذه الفريضة ، ولولاهما لما عرفت مسائل الحجّ وأحكامه .
وعلى أي حال، فقد كان الإمام الصادق علیه السلام يؤدّي بخضوع و خشوع مراسيم الحجّ من الطواف ، والوقوف في عرفات ومنى ، وقد روى بكر بن محمّد الأزدي ، قال : « خرجت أطوف ، وإلى جنبي الإمام أبو عبد الله الصادق علیه السلام ، حتّى فرغ من طوافه ثمّ مال فصلّى ركعتين بين ركن البيت والحجر ، وسمعته يقول في أثناء سجوده :
1) مجموعة ورّام : 2 : 85 .
سَجَدَ وَجْهِي لَكَ تَعَبداً وَرِقَاً ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ حَقّاً حَقًّا ، الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَالْآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَها أَنا ذَا بَيْنَ يَدَيْكَ ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ ، فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ غَيْرُكَ ، فَاغْفِرْ لِي ، فَإِنِّي مُقِرٌّ بِذُنوبي عَلى نَفْسِي ، وَلَا يَدْفَعُ الذَّنْبَ الْعَظيمَ غَيْرُك» ، ثمّ رفع رأسه الشريف ، ووجهه كأنّما غُمِس في الماء من كثرة البكاء» (1).
وروى حمّاد بن عثمان ، قال : «رأيت أبا عبدالله جعفر بن محمّد بالموقف رافعاً يده إلى السماء .. وكان في موقف النبيّ صلی الله علیه و آله وسلم و ظاهر كفيه إلى السماء »(2).
وكان علیه السلام إذا خرج من الكعبة المقدّسة يقول : «اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللّهُمَّ لا تُجْهَدْ بَلاءَنَا ، وَلَا تُشْمِتْ بِنا أَعْداءَنا ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الضَّارُّ النَّافِع» (3).
ومن الجدير بالذكر ما رواه حفص بن عمر مؤذّن عليّ بن يقطين ، قال : «كنّا نروي أنّه يقف للناس في الحجّ سنة ( 140ه ) خير الناس ، فحججت في تلك السنة ، فإذا إسماعيل بن عبد الله بن العبّاس واقف ، فداخلنا من ذلك غمّ شديد ، فلم نلبث ، وإذا بالإمام أبي عبد الله علیه السلام واقف على بغلة له ، فرجعت أبشّر أصحابي ، وقلت : هذا خير الناس الذي كنّا نرويه » (4).
وكان من أعظم الخاشعين والداعين في مواقف الحجّ ، فقد روى سفيان الثوري ، قال : « والله رأيت جعفر بن محمّد علیه السلام ولم أرَ حاجّاً وقف بالمشاعر ، واجتهد في التضرّع والابتهال أشدّ منه ، فلمّا وصل عرفات أخذ من الناس جانباً ، واجتهد في الدعاء في الموقف»(5).
وهزّ الإمام الصادق علیه السلام الدنيا بمواهبه وعبقرياته، وما قام به في تكوين الثقافة الإسلاميّة ، وتنمية الفكر الإنساني بمختلف أنواع العلوم والمعارف ، وقد بهر العلماء بمختلف العصور بطاقاته العلميّة الهائلة ، وأجمعوا على الاعتراف له بالفضل ، وأنّه من صنّاع الحضارة الإنسانية ، ونعرض إلى بعض ما أثر عن أئمّة المسلمين وغيرهم من كلمات قيّمة في الإشادة بفضل هذا الإمام العظيم :
وأدلى الإمام محمّد الباقر علیه السلام أمام أعلام شيعته بفضل ولده الإمام الصادق علیه السلام،
وكان ممّا قاله :
1 - روى طاهر ، قال :«كنت عند أبي جعفر علیه السلام، فأقبل جعفر ، فقال أبو جعفر هذا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ »(1).
وليس في قاموس الثناء أبلغ ، ولا أوجز ، ولا أكثر واقعيّة من هذا الثناء الذي أضفاه الإمام محمّد الباقر علیه السلام على ولده الإمام الصادق علیه السلام، الذي هو ملء فم الدنيا في فضائله وعلومه وتقواه ، فهو خير البريّة على الإطلاق بما تحويه هذه الكلمة من معنی .
1) أصول الكافي : 1 : 307 .
2 - روى أبو الصباح الكناني ، قال : «نظر أبو جعفر علیه السلام إلى أبي عبد الله علیه السلام يمشي ، فقال : « تَرى هذا ، هذا مِنَ الَّذِينَ قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ )(1)» (2).
لقد عاشت الأسرة النبويّة أمام الحكم الأموي مستضعفة ، قد أمعنت السلطات الأمويّة في ظلمهم وقهرهم والتنكيل بهم ولم يستطع أحد من أئمّة أهل البيت علیهم السلام أن ينشر علومه ، ويبسط معارفه على النّاس ، ولكن في أيّام الإمام الصادق علیه السلام انهارت الدولة الأمويّة ، ومنيت بالفتن والأحداث الجسام ، فانتهز الإمام الصادق علیه السلام هذه الفرصة ، فانبرى إلى الساحة ، فأقام سلطانه الروحي على الأمّة وذلك بما نشره من مختلف العلوم ، وبما أقامه من فقه الشريعة الإسلاميّة حتّى أغنى المنتمين لأهل البيت ، وجعلهم من أثرى المذاهب الإسلامّية في فقههم المتطوّر الذي يساير الزمن على امتداد التاريخ ، وبذلك كان الإمام الصادق علیه السلام من ألمع الأئمّة الذين عنتهم الآية الكريمة .
وأدلى الثائر العظيم زيد بن عليّ بن الحسين علیه السلام بكلمة رائعة في شأن ابن أخيه الإمام الصادق علیه السلام ، أعرب فيها عن سموّ مكانته وعظيم شأنه ، قال : «في كُلِّ زمانٍ رَجُلٌ مِنّا أَهْلَ الْبَيْتِ يَحْتَجُ اللَّهُ بِهِ عَلى خَلْقِهِ ، وَحُجَّةً زَمانِنَا ابْنُ أَحْى جَعْفَرٌ ، لَا يَضَلُّ مَنْ تَبِعَهُ ، وَلَا يَهْتَدى مَنْ خَالَفَهُ»(3).
لقد أدرك بطل الإسلام بوعيه المتفتّح ما تلقّاه من آبائه من ضرورة الإمامة ،
وأنّها منهج أصيل من مناهج الحياة الإسلاميّة ، وجزء لا يتجزّأ من رسالة الإسلام الخالدة، والإمام حجّة الله على عباده يبثّ فيهم روح الخير ، ويحسم عنهم روح الشرّ والفساد ، وأنّ الله تعالى - من باب اللطف - لا يخلي الأرض من حجّة ، يهتدي من اتبعه ، ويضل من خالفه ، وأنّ الحجّة على الأمّة في ذلك الوقت هو رائد نهضتها الفكريّة والحضاريّة الإمام الصادق علیه السلام.
وكان زيد دوماً يشيد بفضل ابن أخيه الإمام الصادق علیه السلام ، فقد قال لأصحابه : «مَنْ أَرادَ الْجِهَادَ فَإِليَّ ، وَمَنْ أَرادَ الْعِلْمَ فَإِلَى ابْنِ أَحْى جَعْفَر»(1).
وكما كان زيد البطل الخالد في دنيا الإسلام ، فقد كان ابن أخيه الإمام الصادق علیه السلام المرجع الأعلى للعالم الإسلامي في فقهه وسائر علومه .
ويحيى بن زيد نفحة من نفحات النبوّة والإمامة ، وبطل من أبطال الجهاد ، وقد سئل عن الإمام في عصره الذي تجب طاعته ، فقال : « هُوَ جَعْفَرٌ ، الإسلامي وَهُوَ أَفْقَهُ بَني هاشم»(2).
لقد كان الإمام الصادق علیه السلام أفقه بنى هاشم ، وغيرهم من فقهاء المسلمين ، وأدراهم بأحكام الشريعة ، ويعتبر هو المؤسّس لفقه أهل البيت الذي هو من ذخائر الفقه الإسلامي.
ومالك بن أنس من رؤساء المذاهب الإسلامية ، وقد اتّصل بالإمام الصادق علیه السلام،
وأعرب عن إعجابه البالغ بشخصيّته العظيمة التي استوعبت الدنيا في فضائلها ومآثرها . يقول : « اختلفت إلى جعفر بن محمّد زماناً ، فما كنت أراه إلّا على إحدى : ثلاث خصال: إمّا مصلّياً، وإمّا صائماً ، وإمّا يقرأ القرآن، وما رأيته يحدّث عن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم إلّا على طهارة ، ولا يتكلّم بما لا يعنيه، وكان من العلماء العباد والزهّاد الذين يخشون الله . وصرّح مالك بن أنس عن فضل الإمام الصادق علیه السلام بما يلي : وما رأت عين ، ولا سمعت أذن ، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق علماً وعبادة وورعاً »(1).
وهذه الخصال الرفيعة التي اتّصف بها سليل النبوّة ، إنّما هي من سمات المتّقين الأخيار الذين يخشون الله ، وبأمره يعملون ، وممّا أثار إعجاب مالك بالإمام علیه السلام جتنابه للكلام فيما لا يعنيه، وكان ذلك من مميّزاته ، فقد اجتنب فضول الكلام ، واجتنب التدخّل فيما لا يعنيه ، واتّجه نحو توجيه الناس الوجهة الصالحة ، ورفع مستواهم الفكري والثقافي ، وكان ذلك ممّا يعنيه .
وعظم الإمام الصادق علیه السلام عند أئمّة المذاهب الإسلاميّة ، فقد أيقنوا أنّه المرجع الأعلى للعالم الإسلامي في فقهه وسائر علومه ، فهذا أبو حنيفة الذي نال شرف التلمذة عنده كان يتحدّث بإعجاب وإكبار عنه ، وقد أدلى بعدّة تصريحات عن عظيم منزلته ، كان من بينها ما يلي :
وعلّق الآلوسي على هذه الكلمة بقوله : « هذا أبو حنيفة وهو من أهل السنّة يفتخر ويقول بأفصح لسان : لولا السنتان لهلك النعمان ، يعني السنتين اللتين حضر فيهما لأخذ العلم عن الإمام جعفر الصادق»(1).
قال جعفر : نَعَمْ .
ثمّ التفت إليَّ فقال : يا أبا حنيفة ، ألق على أبي عبد الله من مسائلك ، فجعلت ألقي عليه فيجيبني فيقول : أَنْتُمْ تَقولونَ كَذا ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقولونَ كَذا ، وَنَحْنُ نَقولُ كَذا ، فربّما تابعهم ، وربّما خالفنا جميعاً، حتّى أتيت على الأربعين مسألة ، ثمّ قال أبو حنيفة : ألسنا روينا أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس»(2).
أمّا النقاط الحسّاسة والمهمة في هذه الكلمة فهي :
أوّلاً : إنّها أعربت عن فزع السلطة العبّاسيّة وقلقلها لالتفاف الجماهير حول سليل النبوّة الإمام الصادق علیه السلام ، فقد رأوا فيه امتداداً لجدّه الرسول الله صلی الله علیه و آله وسلم والإمام أمير المؤمنين علیه السلام في حين أنّ الأسرة العبّاسيّة لم يكن لها أي رصيد شعبي ، الأمر الذي أثار حنق العبّاسيّين وحقدهم عليه .
ثانياً : ما يتمتّع به الإمام الصادق علیه السلام من الهيبة التي تحكي هيبة الأنبياء ، فقد غمرت أبا حنيفة هيبته وداخله من الإجلال والإكبار ما لم يداخله لأبي جعفر المنصور في حين أنّه كان زعيم السلطة ، والحاكم المطلق في البلاد .
ثالثاً : إحاطة الإمام علیه السلام بجميع الآراء والأقوال في المسائل الفقهيّة ، وهذا ممّا يدلّل على أنّه أعلم الناس بشؤون الشريعة الإسلاميّة كما يقول أبو حنيفة .
وعبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري من ألمع فقهاء ذلك العصر، وقد تولّى القضاء في العهد الأموي والعهد العبّاسي ، وقد اعترف بتفوّق الإمام الصادق علیه السلام في ميدان الفقه والقضاء ، فقد سأله نوح بن درّاج فقال له :
أكنت تاركاً قولاً قلته ، وقضاء لقول أحد ؟
فأجابه بصراحة وإيمان : لا إلّا لرجل واحد ؟
فسارع نوح قائلاً: من هو ؟
فقال : هو جعفر بن محمّد الصادق(3).
إنّ الإمام الصادق علیه السلام - باتّفاق العلماء - هو المرجع الأعلى في شؤون الشريعة الإسلاميّة ، وقوله الفصل فيما يقضي ويحكم به.
وعمرو بن ثابت المعروف بابن أبي المقدام الحدّاد الكوفي هو علم من أعلام الشيعة ، وثقة من ثقاتهم ، وقد عاشر كوكبة من الأئمّة الأطهار، وآمن بأنّهم سفن النجاة ، وأمن العباد ، وقد أدلى بكلمة ذهبيّة في الإمام الصادق علیه السلام ، قال : «كنت اذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علیه السلامعلمت أنّه من سلالة النبيّين»(1).
إنّ الإمام الصادق علیه السلام في سماحة نفسه ، وسجاحة خلقه ، وسموّ تواضعه ، وغزارة علمه ، هو نفحة من نفحات النبوّة ، وقبس من نور الإمامة ، وكنز من كنوز الحكمة ، وهبه الله لهذه الأمّة ليكون رائداً وهادياً لها .
ومنصور الدوانيقي هو ثاني حاكم عبّاسى كان من ألدّ أعداء الأسرة النبويّة ، وقد أنزل بهم ضربات قاصمة، وعانوا منه ما لم يعانوه من الأمويّين ، وبالرغم من عدائه للعلويّين ، فإنّ شخصيّة الإمام الصادق علیه السلام سيّد أهل البيت قد طغت عليه ، وقد أدلى بعدّة تصاريح في حقّه وسموّ منزلته ، كان منها ما يلي :
لقد كان الإمام الصادق علیه السلام ممّن أورثه الله الكتاب والعلم والحكمة ، وآتاه فصل
الخطاب ، واصطفاه على عباده، وميّزه على خلقه بما منحه من الفضائل وسموّ الكمال والآداب .
وحكت هذه الكلمات مدى إعجاب المنصور بما يملكه الإمام من طاقات علميّة هائلة انتهل من نميرها العلماء ، وأمدّت العالم الإسلامي بالتطوّر في جميع مجالاته .
لقد كان الإمام علیه السلام يملك قاعدة شعبيّة ، ومكانة متميّزة في العالم الإسلامي لا يملكها المنصور ولا أسرته ممّا سبّب أن يكون كابوساً ثقيلاً عليه ، وشجا معترضاً في حلقه ، ومع هذا فقد أقرّ بأنّه أعلم أهل زمانه .
كان عبدالكريم بن أبي العوجاء زنديقاً ممعناً في الزندقة ، وكان ملحداً متشدّداً في الإلحاد، وكان يحثّ على الفساد وانهيار الأخلاق ، وقد أظهر الحرب على الإسلام ، ومعاداة نظمه وتقاليده ، ومع ذلك فقد كان يكبر الإمام الصادق علیه السلام ، ولا يرى أنّ أحداً يستحقّ أن يطلق عليه اسم الإنسانيّة سواه ، وقد قال في حقّه :
«ما هذا ببشر ، وإن كان في الدنيا روحاني يتجسّد إذا شاء ظاهراً، ويتروّح إذا شاء باطناً ، فهو هذا» ، وأشار إلى الإمام الصادق علیه السلام(1).
وشهادة هذا الزنديق في حقّ الإمام تدلّل على مدى مكانته العلميّة وقابليّاته الفذّة ، وسنعرض لذلك في البحوث الآتية .
وهام الشاعر الكبير عبد الله بن المبارك بالإمام الصادق علیه السلام ، واستولى ولاؤه على مشاعره وعواطفه ، ونظم فيه أروع الشعر ، وممّا قاله فيه :
أَنْتَ يا جَعْفَرُ فَوقَ ال ***مَدحِ وَالمَدحُ عَناءُ
إِنَّما الأشرافُ أَرضٌ *** وَلَهُمْ أَنْتَ سَماءُ
جَازَ حَدَّ الْمَدحِ مَنْ *** قَدْ وَلَدتهُ الأَنبياءُ
لا أرى شعراً أصدق ولا أكثر واقعيّة من هذا الشعر ، فقد أعرب فيه ابن المبارك أنّ الإمام الصادق علیه السلام فوق المدح ، وأنّ مدحه عناء وتكلّف ، فإنّ المدح إنّما يكون - على الأكثر - للإشادة بالممدوح ورفع شأنه، والإمام أسمى وأرفع من ذلك ، فقد استوعبت شخصيّته جميع المسلمين لأنّه وليد الأنبياء ووارث كمالاتهم ، وما خلّفوه من الحكمة والعلم . ويقول ابن المبارك في مدح الإمام علیه السلام :
اللهُ أَظهَرَ دينَهُ *** وأعزهُ بمُحَمَّدِ
واللهُ أَكْرَمَ بِال *** خلافَةِ جَعْفَرَ بنَ مُحَمَّدِ(2)
وحكى ابن المبارك في البيت الثاني ما تذهب إليه الشيعة الإماميّة من أنّ الإمام الصادق علیه السلام وباقي أئمّة أهل البيت علیهم السلام هم أوصياء رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وخلفاؤه على أمّته ، والقادة الواقعيّون للإسلام ، وقد قرنهم الرسول صلی الله علیه و آله وسلم بمحكم التنزيل ، وجعلهم سفن النجاة ، وأمن العباد .
أمّا السيّد الحميري فقد أخلص لأهل البيت علیهم السلام وكأعظم ما يكون الإخلاص ، فأوقف فكره المبدع ، ومشاعره الفيّاضة على الإشادة بفضائلهم ومآثرهم ، وكان فيما يقول المؤرّخين : كيساني العقيدة ، إلّا أنّه عدل عن ذلك ، ودان بدين الحقّ ، لمعجزة رآها من الإمام الصادق علیه السلام ، وقد مدح الإمام في كثير من شعره ، وممّا قاله فيه :
أمدَحْ أَبا عَبدِ الإِلهِ *** فَتى الْبَريَّة في احتمالة
يبطُ النَّبيِّ مُحَمَّدٍ *** خبلٌ تَفَرَّعَ مِنْ حِبالة
تغشى العيونُ النّاظِرات *** إذا سَمَونَ إِلَى جَلالِة
عذبُ المَوارد بحرُهُ *** يروي الخلائق مِنْ سِجاله(1)
بحرٌ أَطَلَّ عَلَى الْبُحورِ *** یَمدهُنَّ نَدى بلالة
سَقَتِ العِبادَ يَمينُهُ *** وسقى البلاد ندى شماله
يحكي السَّحابَ يَمينُهُ *** وَالوَدْقُ يخرُجُ من خِلالِة
الأرض ميراتٌ لَهُ(2)*** وَالنَّاسُ طُرّاً في عيالة
1) السجال مفردها سجل: وهو الدلو العظيمة إذا كان فيه ماء .
2) يشير بذلك إلى الآية الكريمة : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) القصص 28: 5. وقد تلا الإمام أبو جعفر الباقر علیه السلام هذه الآية حينما رأى ولده الإمام الصادق علیه السلام كما روى ذلك أبو الصباح الكناني .
يا حُجَّةَ اللهِ الْجَليل *** وَعَينَهُ وزَعيم آلة
وابن الوصئ الْمُرْتضَى *** وَشَبية أحمد في كَماله
أنتَ ابنُ بنتِ مُحَمَّدٍ *** حذواً خُلِقتَ على مِثالة
فَضياءُ نورِكَ نوره *** وظلال روحِكَ من ظلالة
فيك الخَلاصُ عَنِ الرَّدى *** وَبِكَ الهِدايَةُ مِن ضَلالة
-ني ولَستُ ببالغ *** عُشْرَ الفَريدةِ مِنْ خِصالة(1)
وألمح السيّد الحميري في هذه الأبيات إلى هيبة الإمام علیه السلام التي تعنولها الوجوه ، والتي تضارع هيبة جدّه الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله وسلم ، وقد أخذت هيبته بمجامع قلب الطاغية الدوانيقي ، وحالت بينه وبين ما يروم من قتل الإمام علیه السلام كما كان يتحدّث بذلك .
وعرض السيّد الحميري إلى كرم الإمام وسخائه ، فقد كان فيما أجمع عليه المؤرّخون من أندى النّاس كفّاً، وأكثرهم عطاء ، وكان يعول بمجتمع كبير من الفقراء ، وحدّث الرواة عن جوده أنّه كان ينفق جميع ما عنده حتّى لم يبق لعياله أي شيء.
وتحدّث السيّد الحميري في الفصل الأخير من أبياته عن مشابهة الإمام علیه السلام لجدّه الرسول صلی الله علیه و آله وسلم في كماله ، وسموّ أخلاقه ، التي امتاز بها صلی الله علیه و آله وسلم على سائر النبيّين، لقد شابه الإمام علیه السلام جدّه الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وحاكاه في صفاته ونزعاته ، فقد خلقه الله على حذوه ومثاله ، وأنّ نوره من نوره ، وكماله من كماله ، وهو أمر لا شبهة فيه .
ونعود إلى بعض ما قاله السيّد الحميري في الإمام علیه السلام . يقول :
أيا راكباً نَحوَ المدينَةِ حَسْرَةً *** عُدَافِرَةٌ يطوي بها كلُّ سَبسَبٍ(2)
إذا ما هداك الله عاينت جَعْفَراً *** فَقُلْ لِولي اللهِ وَابْنِ الْمُهذَّبِ
ألا يا أمينَ الله وابن أمينه *** أتوبُ إِلى الرَّحمنِ ثُمَّ تَأْويي
إليكَ مِنَ الأَمْرِ الَّذي كُنْتُ مُطنباً *** أحارِبُ فيهِ جاهِداً كلَّ مُعْرِبِ(1)
وأشهدُ ربِّي أنَّ قولَكَ حُجةٌ *** على الخَلقِ طُرّاً من مُطيع ومُذْنَبِ
بذاك أدينُ اللَّهَ سِرّاً وجَهْرَةً *** ولستُ وإِنْ عُوتِبتُ فيه بِمُعْتِبِ(2)
وحكى السيّد في هذه الأبيات عمّا يختلج في ضميره من ذنب اقترفه وترك في نفسه وخزاً أقض مضجعه ، وأكبر الظنّ أنّ ذلك الذنب هو ما كان يعتقده من إمامة ابن الحنفيّة ، وأنّه كان من أكبر دعاته ، فلما تبيّن له الحقّ عدل عنه ، وقال بإمامة الإمام الصادق علیه السلام، وقد صرّح بذلك في مقطوعة له قال فيها :
تجعفَرتُ باسم الله والله أكبر *** وأيقنت أن الله يعفو ويَغْفِرُ
ودنتُ بدين غير ما كُنتُ دائناً *** به وتهاني سيد النَّاسِ جعفر
فَقلُتُ فَهَبني قَدْ تَهوَّدتُ بُرهَةٌ *** وإلا فديني دينُ مَنْ يَتنصَّرُ
وإنّي إلى الرَّحمنِ مِنْ ذاكَ تائب *** وَإِنِّي قد أسلمتُ والله أكبرُ
فلستُ بغال ما حَبيتُ وراجع *** إلى ما علَيهِ كُنتُ أُخفي وأُضمِرُ
وأكّد هذا المعنى في مقطوعة أخرى من نظمه ، قال :
تركتُ ابنَ خَولة(3)لا عَنْ قِلى *** وإِنِّي لَكَالْكَلِفِ الوامِقِ(4)
وإِنِّي له حافظ في المغيبِ *** أُدين بما دانَ في الصّادِقِ
هوَ الحَبرُ حَبرُ بَني هاشم *** ونورٌ من المَلِكِ الرّازِقِ
بِهِ يُنعِشُ اللهُ جَمعَ العِبادِ *** ويُجري البلاغة في الناطقِ
أتاني برهانُهُ مُعْلَناً *** فَدِنْتُ ولَمْ أكُ كالمائي(1)
كَمَنْ صَدَّ بعدَ بَيانِ الهُدى *** إلى حَبْتَر(2)وأبي حامِق (3)
ودلّ هذا الشعر على مدى إكبار السيّد الحميري للإمام الصادق علیه السلام وتعظيمه له، واعتقاده بإمامته ، وأنّه حجّة الله على خلقه .
وحكى الشاعر الملهم العوني(4)في هذه المقطوعة الرائعة مدى ما يكنّه في أعماق نفسه من ولاء صادق ، وحبّ عارم للإمام علیه السلام ، قال :
عُج بالمَطِي على بقيع الغرقد *** واقرا التَّحِيَّةَ جَعفَرَ بنَ مُحَمَّدِ
وَقُلْ ابن بنتِ مُحَمَّدٍ ووصيَّهُ *** یانور كل هِدايَةٍ لَمْ تجحَدِ
یا صادِقاً شَهِدَ الإِلهُ بصِدقِهِ *** فكفى شهادةَ ذي الجَلالِ الأَمْجَدِ
يا ابن الهدى وأبا الهُدى أَنْتَ الهُدى *** یانور حاضِرِ سِرِّ كُلِّ مُوَحدِ
1) المائق : الأحمق .
2) حبتر : الثعلب . يبدو أنه أشار إلى حبتر وأبي حامق أنّهما من مناوئي الإمام عليّ علیه السلام ، فكنّى ولم يصرّح .
3) ديوان السيّد الحميري : 122.
4) العوني - بفتح العين وسكون الواو - : نسبة إلى عون . قيل : إنّ عمر بن عبدالعزيز أمر به فضرب بالمدينة لأجل شعره في آل البيت فمات ، جاء ذلك في اللباب في تهذيب الأنساب : 2 : 158 .
يا ابن النبي مُحَمَّدٍ أَنْتَ الذى *** أَوْضَحتَ قَصد وَلاءِ آلِ مُحَمَّدِ
يا سادِسَ الأنوار يا عَلَمَ الْهُدى *** ضَلَّ امرؤٌ بوَلائِكُمْ لم يَهْتَدِ(1)
وليس في هذا الشعر البليغ كلمة يمجّها الطبع ، وإنما كانت جميعألفاظه سهلة وعذبة ، وهي منسجمة تمام الانسجام مع عواطف العوني المترعة بالولاء للإمام علیه السلام .
وتحت عنوان الإمام الصادق علیه السلام المعلّم الأوّل . قال صالح الجعفري :
المُتَقَدِّما
أيدري بُناةُ المَجدِ إِذْ يَرْفَعونَهُ *** بأَنَّكَ كُنتَ الباني المُتَقدِّما
تُؤدّي على مَرَّ الْعُصور رسالة *** أَعَزُّ عَلى هذي الحَياةِ وأكرَما
فَهَلْ كان منك النيران تعلَّما *** هدايَةً هذا الخَلْقِ أَمْ كُنتَ مِنهُما(2)
ويقول الشاعر الملهم الحسن بن محمّد المتجعفر في رائعته التي يخاطب بها سليل النبوّة الإمام الصادق علیه السلام :
فَأَنْتَ السلالةُ مِنْ هَاشِمٍ *** وأنتَ المهذَّبُ والأَطهَرُ
ومَنْ جَدُّهُ في العُلا شامخ *** ومَنْ فَخْرُهُ الأَعْظَمُ الأَفْخَرُ
ومَنْ أَهلُهُ خَيرُ هذا الوَرى *** ومَنْ لَهُمُ البَيتُ والمنبر
ومَنْ لَهُمُ زمزم والصَّفا *** ومَنْ لَهُمُ الرُّكنُ وَالمَشعَرُ
ومَنْ شَرعوا الدينَ في العالَمينَ *** فَأَنوارُهُمْ أَبَداً تَزْهَرُ
وَمَنْ لَهُمُ الحَوضُ يَوْمَ المَقامِ *** وَمَنْ لَهُمُ النَّشرُ وَالمَحْشَرُ
وَأنتُمْ كُنوز لأَشْياعِكُمْ *** وَإِنَّكُمُ الصَّفرُ والجَوْهَرُ
وَإِنَّكُمُ الْغُرَرُ الطَّاهِرُونَ *** وَإِنَّكُمُ الذَّهَبُ الأَحْمَرُ
وَسيِّدُ أيّامنا جَعفَرٌ *** وحَسبُكَ مِنْ سَيْدٍ جَعْفَرُ(1)
قال عليّ بن عيسى الإريلي :
مناقبُ الصّادقِ مَشهورةٌ *** يَنقلُها عن صادق صادِقُ
سما إلى نيل العُلى وادعاً *** وكَلَّ عن إدراكه اللّاحِقُ
جرى إلى المَجدِ كآبائِهِ *** كَما جرى في الحَلَبَةِ السَّابِقُ
وفاق أهل الأرضِ في عصره *** وهوَ عَلَى حالاتِهِ فَائِقُ
سماؤُهُ بالجودِ هَطَالةٌ *** وسيبُهُ هامي الحَيا دافقُ
وَكُلُّ ذي فضل بأفضالِهِ *** وفضله مُعترف ناطق
لَهُ مكان في العُلى شامخٌ *** وطودُ مجدٍ صاعِد شاهِقُ
من دوحَةِ الْعِز التي فَرعُها *** سام على أوج السُّها سامقُ(2)
وحفلت هذه الأبيات الرائعة بالولاء الصادق ، والحبّ العميق للإمام علیه السلام .
أمّا داعي الدعاة المؤيّد في الدين، فهو من ألمع الشخصيّات الإسماعيليّة ، وهو شاعر موهوب ، وكان يدين بإمامة الإمام الصادق علیه السلام ، وقد عرض في كثير من شعره إلى بعض مناحي شخصيّة الإمام ، فاسمعوه ما يقول في علمه :
بُرهان علمك فوقَ بُرهانُ العَصا *** في كُلِّ حينٍ غالِبٌ لمسَحَر
ومفجر ماء الحياةِ ولَمْ يَكُنْ *** مِنْ وَقعها الحيوانُ بِالمُتَفَجِّرِ
وقال يشير إلى ما يبثّه الإمام من الهداية للناس :
يَسْتَخْلِصُ الأرواحَ مِنْ ظَلامِها *** ويُخرجُ الثَّمارَ مِنْ أَكْمَامِها
ويقول في سموّ مكانة الإمام :
أَنْتَ الَّذِي يَعْنو الزَّمانُ لِباسه *** صِغَراً فتُلبسه لباس مُسَخَّر
فَتَجدُّ دابِرَ كُل غِرَّ كاشح *** بِمُهَنَّدِ ماضي الغرارِ وَأَسْمَرِ(1)
ونعود بعد هذه الجولة مع الشعراء إلى ما قاله الحفّاظ والمؤلّفون من آيات الثناء والإكبار للإمام علیه السلام :
وأبو حاتم الرازي هو محمّد بن إدريس ، يقال له حافظ المشرق ، وكان من أوعية العلم ، وهو في عداد البخاري وأبي زرعة الرازي(2)، وقد أدلى بكلمة قيّمة في حقّ
الإمام الصادق علیه السلام ، قال : « جعفر بن محمّد ثقة لا يسأل عن مثله» (1).
لقد كان الإمام علیه السلام من أوثق رواة الإسلام ، ومن أصدقهم في الحديث ، فإنّه نبعة من رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، وقد لقب بالصادق لتحرّجه وكثرة احتياطه فيما يرويه ، وهو لا يخضع لعوامل الجرح والتعديل التي يخضع لها باقي الرواة .
قال ابن حبّان : « وجعفر بن محمّد كان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً »(2).
لقد كان الإمام الصادق علیه السلام في علومه وفضائله سيّد أهل البيت علیهم السلام الذين هم من خيرة خلق الله في مصداقيّتهم المتميّزة بجميع الفضائل والنزعات الخيّرة .
أمّا الجاحظ ، فهو من أعلام الأدب والبيان ، ومن أقطاب الثقافة في العالم العربي ، وكان لا يدين بإمامة الإمام الصادق علیه السلام، إلّا أنّه صرّح بالحقيقة التي لا مجال للشكّ فيها ، فقد قال : « جعفر بن محمّد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه ، ويقال : إنّ أبا حنيفة(3)من تلامذته ، وكذلك سفيان الثوري ، وحسبك بهما في هذا الباب».
وألقت هذه الكلمة الأضواء على مدى ما يملكه الإمام من طاقات هائلة من العلوم والمعارف بحيث ملأت الدنيا ، وهذا يكشف عن أصالة ما تذهب إليه الشيعة ، من أنّ الإمام أعلم أهل عصره ، وأنّه ليس أحد يدانيه في فضله وعلمه .
وأدلى كمال الدين محمّد بن طلحة الشافعي بكلمة قيّمة عن شخصيّة الإمام العظيم قال فيها : « جعفر بن محمّد هو من علماء أهل البيت ، وساداتهم ، ذو علوم جمّة ، وعبادة موفورة ، وأوراد متواصلة ، وزهادة بيّنة ، وتلاوة كثيرة ، يتتبّع معاني القرآن ، ويستخرج من بحره جواهره ، ويستنتج عجائبه ، ويقسّم أوقاته على أنواع الطاعات ، بحيث يحاسب عليها نفسه ، رؤيته تذكّر بالآخرة ، واستماع كلامه يزهّد في الدنيا ، والاقتداء بهديه يورث الجنّة ، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع أنّه من ذرّيّة الرسالة ، نقل عنه الحديث ، واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الأمّة وأعلامهم ، مثل يحيى بن سعيد الأنصاري ، وابن جريج ، ومالك بن أنس ، والثوري ، وابن عيينة ، وأيّوب السجستاني وغيرهم ، وعدوا أخذهم منه منقبة شرّفوا بها ، وفضيلة اكتسبوها »(1).
وحكت هذه الكلمات القيّمة بعض الجوانب المشرقة من حياة الإمام العظيم والتي كان منها :
أوّلاً : إحاطة الإمام التامّة ، ودرايته الشاملة بجميع أنواع المعارف والعلوم.
ثانياً : إنّ الإمام كان على جانب كبير من العبادة ، فلم يترك نافلة من النوافل، ولا ورداً من الأوراد إلّا أتى به .
ثالثاً : إنّ الإمام كان من أزهد الناس فى الدنيا ، ومن أكثرهم إعراضاً عن مباهجها وزينتها .
رابعاً : إنّه كان يتلو القرآن العظيم بإمعان وتدبّر ، ويستخرج ما فيه من كنوز وأسرار ، ويذيعها بين الناس
1) مطالب السؤول : 2 : 55 .
خامساً : إنّه كان شديد الحرص على أوقاته ، فلم ينفق لحظة من عمره إلّا فيما يرضي الله تعالى .
سادساً : إنّ رؤية الإمام علیه السلام تذكّر بالدار الآخرة ؛ لأنّها تحكي رؤية آبائه الذين وهبوا حياتهم لله ، كما أنّ سماع كلام الإمام ممّا يدعو إلى الزهد في الدنيا ، والاقتداء بهديه ، والأخذ بسلوكه ممّا يوجب الفوز بالجنة .
سابعاً : إنّ كوكبة من أعلام الإسلام قد تتلمذوا عند الإمام ، وقد اعتزّوا بذلك ، واعتبروه منقبة وشرفاً لهم .
وأحمد بن بن حجر من كبار علماء المسلمين ، وكان لا يدين بإمامة الإمام علیه السلام وقد أدلى بهذه الكلمة في حقّه قال : « جعفر الصادق نقل النّاس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته في جميع البلدان ، وروى عنه الأئمّة الأكابر کیحیی بن سعيد ، وابن جريج ، ومالك ، والسفيانان ، وأبو حنيفة ، وشعبة ، وأيّوب السجستاني»(1).
وعرض ابن حجر إلى ما نشره الإمام بين المسلمين من العلوم والمعارف ، كما عرض إلى ما استفاده أئمّة المسلمين ومشاهير العلماء والفقهاء من علومه وفقهه .
وبالرغم ممّا عرف به محمّد بن عبدالكريم الشهرستاني من عدم الميل إلى أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، إلّا أنّه أعلن عن إكباره وإعجابه بشخصيّة الإمام الصادق علیه السلام ، قال :« جعفر بن محمّد الصادق هو ذو علم غزير، وأدب كامل في الحكمة ، وزهد في
1) الصواعق المحرقة : 120 .
الدنيا ، وورع تامّ عن الشهوات ، وقد أقام بالمدينة مدّة يفيد الشيعة المنتمين إليه ، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم ، ثمّ دخل العراق وأقام به مدة ما تعرّض للإمامة قطّ ، ولا نازع في الخلافة أحداً ، ومن غرق في بحر المعرفة لم يقع في شطّ، ومن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حطّ» (1).
وعرض الشهرستاني إلى ما يملكه الإمام من طاقات هائلة من العلوم ، وإلى ما اشتهر من الزهد والورع والتقوى ، وإلى ما أفاضه على شيعته من أسرار الحكمة والعلوم ، وإلى زهده في الخلافة التي ما كان الإمام يبغيها إلّا لأنّها وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعيّة بين الناس ، ولمّا تناهبها الأمويّون والعباسيّون ، أعرض عنها ، وزهد فيها ، واتّجه صوب العلم ، فرفع مناره ، وأقام قواعده بين الناس .
وهام العلّامة ابن الصبّاغ المالكي بالإمام الصادق علیه السلام ، فقال :« كان الإمام جعفر من بين إخوته خليفة أبيه ، ووصيّه ، والقائم بالإمامة من بعده ، وبرز على جماعة في الفضل ، وكان أنبههم ذكراً ، وأجلّهم قدراً ، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته وذِكرُه في سائر البلدان ، ولم ينقل العلماء عن أحدٍ من أهل بيته ما نُقل عنه في الحديث» (2).
ومعنى هذا الكلام أنّ الإمام علیه السلام قد فاق جميع إخوانه ، وتميّز عليهم بخلافته عن أبيه باقر علوم الأوّلين والآخرين ، فقد نصّ على إمامته من بعده ، بالإضافة إلى مركزه العلمي ، فقد كان عملاق هذه الأمّة في مواهبه وعبقرياته .
وترجم الحافظ أبو نعيم للإمام ترجمة وافية ، عرض فيها لبعض شؤونه وأحواله وكان ممّا قاله في حقّه : « جعفر بن محمّد الإمام الناطق ، ذو الزمام السابق ، أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق ، أقبل على العبادة والخضوع ، وآثر العزلة والخشوع ، ونهى عن الرئاسة والجموع »(1).
وعرض أبو نعيم إلى صفة من صفات الإمام ، وهي الزهد في الدنيا ، والإعراض عن مباهج الحياة ، والإقبال على العبادة .
وأعرب محمّد بن حمزة نقيب حلب عن إعجابه بشخصيّة الإمام علیه السلام ، قال : « أبو عبد الله الإمام المعظّم جعفر الصادق ، صاحب الخارقات الظاهرة ، والآيات الباهرة ، المخبر بالمغيّبات الكائنة»(2).
وأشار السيّد النقيب إلى بعض الخوارق للعادات له ، على ما أجمع عليه المؤرّخون ، كما أنّه أخبر عن كثير من الأحداث أنّها ستقع على مسرح الحياة ، وفعلاً قد وقعت كما أخبر علیه السلام ، وقد كان منها أنّه أخبر عن فشل الثورة التي قادها الزعيم الكبير ذو النفس الزكيّة وأخوه ، وأنّ الخلافة ستكون إلى المنصور الدوانيقي ، وتحقّق ذلك.
وأعرب اليافعي في ترجمته للإمام علیه السلام عن إعجابه البالغ بشخصيّته ، قال :
«سلالة النبوّة ، ومعدن الفتوّة ، أبو عبد الله جعفر الصادق ابن أبي جعفر محمّد الباقر ابن زين العابدين عليّ بن الحسين الهاشمي العلوي ، فهو علويّ الأب ، بكريّ الأمّ ، ولد سنة ثمانين في المدينة ، وفيها توفّي ، ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمّد الباقر ، وجدّه زين العابدين ، وعم جدّه الحسن بن عليّ علیهم السلام أكرم بذلك ، وما جمع
لا لا من الأشراف الكرام أولي المناقب ، وإنّما لُقب بالصادق لصدقه في مقالته ، وله كلام نفيس في علوم التوحيد وغيرها ، وقد ألّف تلميذه جابر بن حيّان الصوفي كتاباً يشتمل على ألف ورقة يتضمّن رسائله ، وهي خمسمائة رسالة »(1).
لقد التقت بالإمام جميع عناصر الشرف والمجد ، وبالإضافة لذلك فقد كان عملاق هذه الأمّة ، ورائد نهضتها العلميّة والفكريّة ، فقد فتح لها أبواباً من العلم لم تكن معروفة من قبل .
وكتب الدكتور محمود الخالدي بشرف وأمانة عن الإمام الصادق علیه السلام ، قال :« كان الإمام الصادق من بين إخوته خليفة أبيه الباقر حقّاً ، فقد برز على جماعتهم بالفضل ، وكان أنبههم ذكراً ، وأجلّهم في العامّة والخاصّة ، وبلغ عدد الرواة الثقات من أصحابه أربعة آلاف رجل ، ولسنا نستغرب هذا ، بل قد كان ممكناً أن نستغرب عكسه لو وقع ونُقل ؛ لأنّ النزاع حول الإمامة والعصمة كان قد بلغ في عصر أشدّه ، فلم يكن بُدّ للشيعة من تتّبع الروايات التي تثبت صحّة عقيدتهم في تلك الشؤون ، وأهل البيت فوق ذلك أعلم الناس بكتاب الله وسنّة نبيّه ، فلا عجب إذا اتّجهوا إلى التعليم والمناظرة والتدريس ، ولا سيّما بعد أن حاول الخلفاء الأمويّون إبعادهم عن الحكم والسياسة»(2).
وللدكتور الخالدي بحث شيّق ، وتحقيق رائع عن علوم الإمام الصادق علیه السلام ومنهجه في التشريع ، سوف نعرض له في البحوث الآتية .
والسيّد مير علي الهندي من المحقّقين والمبدعين في بحوثه الإسلاميّة والتاريخيّة، وقد كتب كلمة قيّمة عن الإمام الصادق علیه السلام لما جاء فيها : « ولا مشاحّة أنّ انتشار العلم في ذلك الحين قد ساعد على فكّ الفكر من عقاله ، فأصبحت المناقشات الفلسفيّة عامّة في كلّ حاضرة من حواضر العالم الإسلامي ، ولا يفوتنا أن نشير إلى أنّ الذي تزعّم تلك الحركة هو حفيد عليّ بن أبي طالب المسمّى بالإمام جعفر ، والملقّب بالصادق ، وهو رجل رحب أفق التفكير ، بعيد أغوار العقل ، ملمّ كلّ الإلمام بعلوم عصره، ويعتبر في الواقع أنّه أوّل من أسّس المدارس الفلسفيّه المشهورة في الإسلام ، ولم يكن يحضر حلقته العلميّة أولئك الذين أصبحوا مؤسّسي المذاهب الفقهيّة فحسب، بل كان يحضرها طلاب الفلسفة من الأنحاء القاصية»(1).
إنّ الطاقات العلميّة الهائلة التي فجّرها الإمام الصادق علیه السلام هي التي فكّت الفكر الإنساني من عقاله ، ودفعت الحياة العلميّة قدماً لا في دنيا الإسلام وحده ، وإنّما في العالم بأسره . ومن المؤكّد أن الحضارة الحديثة ما كانت تقوم لولا ما أسّسه الإمام وتلاميذه العظام من أسس علميّة في مختلف أنحاء العلوم .
وأحمد أمين معروف بانحرافه عن أهل البيت علیهم السلام ، وحقده على شيعتهم ، إلّا أنّه اعترف بسموّ مكانة الإمام الصادق علیه السلام زعيم الشيعة ، والمؤسّس الأوّل لفقههم ،
1) تاريخ العرب : 179 .
قال : « وأكبر شخصيّات ذلك العصر في التشريع الشيعي ، بل ربّما كان أكبر الشخصيّات في ذلك العصر ، بل العصور المختلفة ، الإمام جعفر الصادق ، وعلى الجملة فقد كان الإمام جعفر من أعظم الشخصيّات في عصره وبعد عصره » (1).
ولم يكن الإمام أكبر الشخصيات في التشريع الشيعي ، وإنّما كان من أعظم أئمّة التشريع الإسلامي ، فقد انتهل من نميره كبار الفقهاء والعلماء ، وتعدّ مدرسته الفقهيّة المصدر الرئيس لتخرّج الفقهاء منها .
وتحدّث البحّاثة بطرس البستاني عن شخصيّة الإمام العظيم ، فقال : « جعفر الصادق هو ابن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، أحد الأئمّة الإثنى عشر على مذهب الإماميّة ، وكان من سادات أهل البيت ، ولُقّب بالصادق لصدقه في مقالته ، وفضله عظيم ، وله مقالات في صناعة الكيمياء والزجر والفأل ، وكان تلميذه جابر بن حيّان قد ألّف كتاباً يشتمل على ألف ورقة يتضمّن رسائل جعفر ، وهي خمسمائة رسالة ، وإليه ينسب كتاب الجفر .. وكان جعفر أديباً ، تقيّاً ، ديّناً ، حكيماً في سيرته»(2).
وهذه الكلمات التي أدلى بها المسيحي بطرس قد حفلت بالثناء على الإمام علیه السلام الذي هو ملء فم الدنيا في مواهبه وعبقريّاته .
وأوجز محمّد فريد وجدي البحث عن سيرة الإمام مفخرة الإسلام في حين أنّه
أطال البحث عن جعفر البرمكي ، وعرض لسيرته وشؤونه بإسهاب ، قال : «أبو عبدالله جعفر الصادق ابن محمّد الباقر ابن زین العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، هو أحد الأئمّة الإثني عشر على مذهب الإماميّة ، كان من سادات أهل البيت النبويّ ، لقّب بالصادق لصدقه في كلامه ، كان من أفاضل الناس ، له مقالات في صناعة الكيمياء والزجر والفأل ، وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيّان الصوفي الطرسوسي قد ألّف كتاباً يشتمل على ألف ورقة تتضمّن رسائل جعفر الصادق ، وهي خمسمائة رسالة »(1)
قال أحمد عطيّة الله في ترجمة الإمام علیه السلام :« جعفر الصادق أحد الأئمّة الاثني عشر ، من أحفاد عليّ بن أبي طالب ، وهو ابن محمّد الباقر ابن زين العابدين ، لقّب بالصادق لاشتهاره بالصدق والأمانة ، كما اشتهر بصناعة الكيمياء .
قيل : إنّ جابر بن حيّان شيخ كيميائيّ العرب تتلمذ عليه ، وأخذ منه أصول هذا العلم الجديد» (2).
وترجم خير الدين الزركلي هذه الترجمة للإمام ، قال فيها : « جعفر بن محمّد الباقر ابن عليّ زين العابدين ابن الحسين السبط الهاشمي القرشي ، أبو عبد الله ، الملقّب بالصادق ، سادس الأئمّة الإثني عشر عند الإماميّة ، كان من أجلاء التابعين ، وله منزلة رفيعة في العلم ، أخذ عنه جماعة منهم الإمامان أبو حنيفة ، ومالك .
لقّب بالصادق لأنّه لم يعرف عنه الكذب قطّ، له أخبار مع الخلفاء من بني العبّاس ، وكان جريئاً عليهم ، صدّاعاً بالحقّ . له رسائل مجموعة في كتاب ، ورد ذكرها في كشف الظنون»(1).
وعرض الزركلي إلى مكانة الإمام العلميّة التي بلغت القمّة حتى أخذ عنه العلم أبو حنيفة ، ومالك ، وكبار فقهاء المسلمين ، كما عرض الزركلي إلى مواقفه مع بعض ملوك بني العبّاس ، وقد تميّزت بقول الحقّ ، وإنكار الظلم والجور، وسنعرض لذلك في بحوث هذا الكتاب .
وترجم السيّد عبّاس المكّي للإمام الصادق علیه السلام هذه الترجمة ، فقال : « الإمام الصادق أحد الأئمّة الإثني عشر ، كان من سادات أهل البيت ، ولقّب بالصادق لصدقه في مقالته ، وفضله أشهر من نار على علم ، كيف لا وهو ابن سيّد الأمم ، وله كلام في صنعة الكيمياء والجفر ، والفأل ، وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيّان الصوفي الطرسوسي قد ألّف كتاباً يشتمل على ألف ورقة يتضمّن رسائل الإمام الصادق وهي خمسمائة رسالة »(2).
قال عمر رضا كحّالة في الإمام الصادق علیه السلام : « جعفر بن محمّد الباقر ابن زين العابدين ابن الحسين السبط ، الهاشمي ، القرشي ، الملقّب بالصادق ، أبو عبدالله سادس الأئمّة الإثني عشر عند الإماميّة ، أخذ عنه جماعة منهم الإمامان أبو حنيفة
ومالك . له رسائل مجموعة في كتاب»(1).
ومصطفى غالب إسماعيلي المذهب ، وهو ممّن يدين بالولاء للإمام الصادق علیه السلام ويقول بإمامته ، وقال عنه : «كان الإمام جعفر الصادق من أعظم الشخصيات الإسلاميّة في عصره وبعد عصره، وبالرغم من أنّ شخصيّته العلميّة لا تزال غامضة أشدّ الغموض تحتاج إلى من يكشف كنهها ، لا لأهميّتها في تاريخ الفكر الإسلامي فحسب، بل لأنّ تاريخ العلوم والمعارف يتطلب منا أنّ نكشف القناع عن حقیقة أعظم شخصيّة علميّة أوجدت مدرسة خاصّة في الإسلام كان لها تأثير متباين في التيّارات الفكريّة والإسلاميّة المختلفة ، وقد تخرج من تلك المدرسة فرق عديدة من (المعتزلة ، والصوفيّة ، والحركات الباطنيّة ) ، هذا عدا عن مناهج العلوم الكونيّة المستمدّة في توجيهها من الروح الإسلاميّة ، والفلسفة اليونانيّة » .
وأضاف يقول : « وإذا ما افتخرت المدنيّة الغربيّة بالثقافة الإنسانيّة للأوائل ، فليس علينا إلّا أن نفتخر بالنزعة الإنسانيّة التي أوجدها التيّار الإسلامي ، وضع أسسه الإمام جعفر الصادق، وصاحب لواء انبعث من الأعماق لأجله ، بل الصراحة المدوّية لإيقاظ رسالة الإنسان الكاملة في معانيها الرفيعة، ومطاليبها السامية ، ولقد جعل الإنسان محور القيم ، ومفسّر معالم الكون من الوجهة الإنسانيّة»(2).
والحقّ أنّ الإمام علیه السلام أسمى شخصية عرفتها الإنسانيّة في جميع أدوارها؛ وذلك لما أفاضه على البشريّة من المعارف والعلوم التي لم تكن معروفة من قبل ، وليست شخصيّته غامضة - كما يقول السيّد مصطفى - وإنّما هي واضحة ومكشوفة،
فإنّها نفحة من نفحات الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ، ولطف من ألطاف الله على هذه الأمّة، فقد خصّه الله بالإمامة والقيادة الروحيّة لهذه الأمّة ، ووهبه من العلوم كما وهب آباءه من قبل .
ومن الحقِّ - كما يقول السيّد مصطفى - أن يفخر المسلمون بالإمام الصادق علیه السلام مفجّر الحكمة والنور في دنيا الإسلام ، وموقظ الضمير الإنساني ، ومحرّر الفكر من سبات الجهل والتأخّر .
والسيّد عارف تامر من دعاة الإسماعيليّة ، ومن الذاهبين إلى إمامة الإمام الصادق علیه السلام ، وقد كتب عنه ما يلي :« عندما يتفرّغ الباحث لدراسة شخصيّة الإمام الصادق علیه السلام المصدّق جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الدراسة صحيحة على ضوء الضمير النقي، والواقع العقلي ، والتجرّد العلمي ، متّبعاً الأصول الحديثة لدراسة حياة العظماء ، مبتعداً عن العاطفة ومرض التعصّب ، وأثر العنصريّة والجنسيّة ، فلا يستطيع إلّا الاعتراف بأنّها مجموعة فلسفيّة قائمة بذاتها ، تزخر بالحيويّة التنكّريّة النابضة ، وبالروحيّة المتجسّدة الوضّاءة ، وبالعقليّة المبدعة الخلّاقة التي استنبطت العلوم ، وأبدعت الأفكار ، وابتكرت السنن والقوانين ، وأوجدت النظم والأحكام.
شخصيّة الإمام الصادق المصدّق جعفر بن محمّد علیه السلام ليست باعتقادي شخصيّة بسيطة عاديّة تسهل دراستها ، والنفاذ إلى كنهها، ومعرفة تفكيرها ودخائلها ، والوقوف على مجمل أعمالها وواقعها، بل هي شخصيّة خارقة متفوقة ، ذات مستوى رفيع ، هامت بجلائل الأعمال والمكرمات ، وارتقت من المستوى المحدود للبشرية جمعاء، لتسمو ببصيرتها إلى عالم ما وراء الطبيعة ، المحجوب عن أبصارنا ، محلّقة في أرجائه الفسيحة البعيدة المدى، ما طاب لها التحليق ، ثمّ تعود أخيراً
لتستقرّ في ظلال المثاليّة السامية والكمال المطلق .
شخصيّة الإمام الصادق المصدّق جعفر بن محمّد ، وأعتقد أنّها تسمو بعظمتها ومثاليّتها عن وصف الواصفين، ونعت الناعتين ، وأقوال القائلين ، فالقول عن الإمام الصادق أنّه كان إمام مذهب أو فقيهاً أو راوية للحديث أو متشرّعاً أو غير ذلك من الألقاب العاديّة التي لا أراها تعطي الدليل القاطع والبرهان الأكيد الدامغ على شخصيّته ، وما كانت تتمتّع به من مزايا حميدة عالية، وأخلاق فاضلة نبيلة ، وعقل محرّر ، وحكمة وأدب وحنكة ، واطّلاع على الثقافات والديانات كافّة» (1).
إنّ الإمام الصادق علیه السلام هو العقل المبدع ، والدماغ المفكّر في الإنسانية ، وهو ملء فم الدنيا في فضائله وعبقريّاته ومواهبه ، وأنّ الدراسات الحديثة ستكشف عن كنوز من العلم والحكمة عند هذا العملاق العظيم .
قال الشيخ محمود بن وهيب البغدادي في ترجمته للإمام علیه السلام : « جعفر الصادق ابن محمّد الباقر ابن عليّ زين العابدين ابن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين . كنيته أبو عبد الله ، وقيل : أبو إسماعيل ، وألقابه : الصادق والفاضل والطاهر ، وأشهرها الأوّل ، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته في جميع البلدان ، وروى عنه الأئمّة الكبار ، كيحيى ومالك وأبي حنيفة»(2).
وألمح الشيخ محمود إلى الشهرة العلميّة للإمام علیه السلام، والتي طبقت العالم بأسره ، فقد آمن الجميع أنّ الإمام هو الرائد الأوّل للحركات العلميّة في جميع العصور والأزمان .
وترجم الشيخ عبدالله الشبراوي للإمام علیه السلام ، قال : « جعفر الصادق ذو المناقب الكثيرة ، والفضائل الشهيرة . روى عنه الحديث أئمّة كثيرون ، مثل : مالك بن أنس ، وأبي حنيفة ، ويحيى بن سعيد ، وابن جريج ، والثوري ، وابن عيينة ، وشعبة وغيرهم .
ولد سنة ثمانيه من الهجرة بالمدينة المنوّرة ، وغرر فضائله وشرفه على جبهات الأيّام كاملة ، وأندية المجد والعزّ بمفاخره ومآثره آهلة »(1).
وعرض الشبراوي إلى الناحيّة العلميّة من شخصيّة الإمام علیه السلام ، وما استفاده أئمّة المسلمين وفقهاؤهم من علومه التي ورثها من آبائه العظام .
والذهبي معروف بانحرافه عن أهل البيت علیهم السلام وحقده عليهم ، إلّا أنّه أعلن عن سموّ مكانة الإمام العلميّة ، قال : « جعفر بن محمّد بن عليّ ابن الشهيد الإمام أبو عبدالله العلويّ المدني الصادق ، أحد السادة الأعلام . روى عنه مالك والسفيانان ، وحاتم بن أبي إسماعيل ، ويحيى القطّان ، وأبو عاصم النبيل ، وخلق كثير»(2).
ترجم ابن أبي حاتم للإمام الصادق علیه السلام ما يلي : « جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، أبو عبد الله . روى عن أبيه ، والقاسم ، ونافع ، والزهري ، ومحمّد بن المنكدر ومسلم بن أبي مريم ، روى عنه يحيى بن سعيد
الأنصاري ، وابن جريج ، والثوري ، وشعبة ، ومالك ، وابن إسحاق ، وسليمان بن بلال ، وابن عيينة ، وحاتم ، وحفص .
سئل أبو زرعة عمّا يرويه جعفر بن محمد عن أبيه ، وسهيل بن صالح عن أبيه ، والعلاء عن أبيه ، أيّما أصحّ ؟
قال : لا يقرن جعفر إلى هؤلاء ، وعلّق ابن أبي حاتم على ذلك بقوله : يريد أنّ جعفر أرفع من هؤلاء في كلّ معنى» (1).
قال أحمد بن عبدالله الخزرجي في ترجمته للإمام علیه السلام : « جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي ، أبو عبد الله ، الإمام الصادق المدني ، أحد الأعلام . روى عن أبيه وجدّه أبي أمّه : القاسم بن محمّد ، وعروة . روى عنه خلق لا يحصون ، منهم : ابنه موسى ، والسفيانان ، ومالك» (2).
والشيء الذي يلفت النظر في هذه الكلمة هو أنّ من روى عن الإمام علیه السلام لا يحصون ، ومعنى ذلك أنّهم كانوا أكثر من أربعة آلاف حسبما ذكره بعض المؤرّخين ، وهو الأقرب إلى الصواب؛ لأنّ مركز الإمام الروحي ، وعدم فرض الرقابة عليه في أواخر العهد الأموي وأوائل الحكم العبّاسي ، ممّا أوجب التفاف الجماهير من مختلف أنحاء العالم الإسلامي حوله ، وانتهالهم من نمير علمه .
وعرض الدكتور أحمد محمود صبحي إلى بروز شخصيّة الإمام الصادق علیه السلام ،
وتفسير الشيعة لذلك، وإلى جدله مع الزنادقة ، وحواره مع عمرو بن عبيد في الإمامة ، وإلى ما أثر عنه من النصوص في الإمامة وغير ذلك من البحوث المفيدة .
وقال في طليعة بحوثه : « ينسب المذهب الإثنى عشري إليه - أي إلى الإمام الصادق علیه السلام - ويحمل فقه الطائفة اسمه ، فهو أكثر أئمّة المذاهب آراءٌ في كلّ لون من ألوان المعرفة المعروفة آنذاك ، ولا تقف معرفته عند علوم الدين فحسب ، بل تجاوز ذلك إلى الكيمياء والطبّ وغير ذلك من العلوم التي تبدو بعيدة الصلة عن الإمامة الدينيّة .
ويثير تفوّق الإمام الصادق على سائر الأئمّة في العلم والدين تساؤلاً؛ إذ أنّ العلم اللدني الشهودي الصادر عن الوحي والإلهام حسب عقيدة الشيعة في مصدر علم الأئمّة ، يقتضي أن لا تتفاوت درجتهم في العلم ، فالشيعة لا يفسّرون ما أحرزه الصادق من سبق على كثير من أسلافه ، بقصورهم عنه في العلم والفضل ، ولكن المكلّفين هم الذين أعرضوا عن أن ينهلوا من علوم الأئمّة ، فاحتجب نورهم عنهم ، فلم تسنح الفرص لواحد منهم ليظهر ما استودعه الرسول صلی الله علیه و آله وسلم إيّاه ، وليبلغ ما استحفظ عليه كما سنحت للصادق علیه السلام»(1).
إنّ الشيعة - باعتزاز وفخر - تنسب إلى هذا الإمام العظيم المعلّم الأوّل لأئمّة المذاهب الإسلاميّة ، والمفجّر لينابيع العلم والحكمة في الأرض ، وقد أغنى الشيعة بما تركه لهم من ثروات فقهيّة هائلة ، عرضت بصورة شاملة لجميع ما يحتاجون إليه في عبادتهم ومعاملاتهم ، ولم يجعلهم يستجدون معرفة ، أي حكم من الأحكام التكليفيّة والوضعيّة من غيرهم ، فما أعظم عائدته ولطفه عليهم !
وتعدّت علوم الإمام الصادق علیه السلام أحكام الشريعة الإسلاميّة فشملت أسرار الكون، وأشعة الكواكب وما فيها ، وجاذبيّة الأرض ، وسرّ الحياة والموت ،
1) نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشريّة : 362 .
وغير ذلك ، فالعلوم المدهشة التي دلّلت على أصالة ما تذهب إليه الشيعة في أئمّتهم من أنّهم ورثة علوم النبيّ صلی الله علیه و آله وسلم، وسدنة معارفه .
ومن الجدير بالذكر أنّ الإمام الصادق علیه السلام لا يمتاز في علومه على بقيّة أئمّة أهل البيت ، فهم سلام الله عليهم على مستوى واحد في علومهم ، وكمالاتهم النفسيّة ، وإنّما لم يؤثر عنهم كما أثر عنه من نشر العلوم وإذاعتها بين النّاس بسبب ما قام به أئمّة الظلم والجور من حكّام الأمويّين وإخوانهم العبّاسيّين من حجب الأئمّة عن النّاس ، وفرض الرقابة الشديدة عليهم ، وإنزال أقصى العقوبة بمن يتّصل بهم ، فلذلك قلّ ما أثر عنهم من العلوم والمعارف .
قال محمّد أمين السويدي في ترجمته للإمام علیه السلام: « جعفر الصادق كان من بين إخوته خليفة أبيه ، ووصيّه ، ونقل عنه من العلوم ما لم ينقل عن غيره ، وكان إماماً في الحديث ، مناقبه كثيرة»(1).
لقد كان الإمام الصادق علیه السلام إماماً في الحديث ، ومرجعاً لأئمّة المذاهب ، فقد اقتبسوا من نمير علومه ، ورووا عنه ما يتعلّق بأحكام الشريعة وآداب الدين .
وأفاد القرماني في ترجمته للإمام ما نصّه : « الإمام الصادق كان من بين إخوته خليفة أبيه ووصيّه ، نقل عنه من العلوم ما لم ينقل عن غيره ، كان رأساً في الحديث»(2).
لقد نقل العلماء عن الإمام علیه السلام من صنوف العلوم والمعارف ما لم ينقل عن أي إمام من أئمّة المسلمين، وكان ذلك آية على ما تذهب إليه الشيعة الإماميّة من أنّ الإمام لا بدّ أن يكون أعلم أهل عصره لا في شؤون الشريعة الإسلاميّة فحسب ، وإنّما في جميع أنواع العلوم .
وترجم شمس الدين أحمد بن محمّد المعروف بابن خلّكان للإمام علیه السلام هذه الترجمة الموجزة ، قال : « أبو عبدالله جعفر الصادق ابن محمّد الباقر ابن عليّ زين العابدين ابن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ، أحد الأئمّة الإثني عشر على مذهب الإماميّة ، وكان من سادات أهل البيت ، ولقّب بالصادق لصدقه في مقالته ، وفضله أشهر من أن يُذكر »(1).
أمّا أبو الفتح الإريلي الوزير نصر الله مثواه ، فقد ترجم للإمام علیه السلام ترجمة وافية ، وذكر الكثير من شؤونه ، وجاء في بعض ما كتبه عنه : « مناقب الصادق فاضلة وصفاته في الشرف كاملة ، جرى على سنن آبائه الكرام ، وأخذ بهديهم علیهم السلام ، ووقف نفسه الشريفة على العبادة ، وحبسها على الطاعة والزهادة ، واشتغل بأوراده وتهجّده وصلاته وتعبّده لو طاوله الفلك لتزحزح عن مكانه»(2).
وعرض السيد الوزير في هذه الكلمات إلى جانب مشرق من حياة الإمام علیه السلام ، وهو إقباله على العبادة، فقد كان من أعبد أهل زمانه ، وقد عمل كلّ ما يقرّبه إلى الله زلفى
وألّف البحّاثة السيّد عبد العزيز سيّد الأهل ، كتاباً رائعاً في الإمام الصادق علیه السلام ، ذكر فيه غرر أحواله ، وجواهر حياته ، فجزاه الله عن أهل البيت خيراً ، وحشره في زمرتهم ، وممّا قاله في الإمام : « جعفر بن محمّد كان إماماً مفخرة من مفاخر المسلمين ، لم تذهب قطّ، وإنّما بقي منها في كلّ غدٍ قادم حتّى القيامة صوت صارخ ، يعلّم الزهّاد زهداً، ويكسب العلماء علماً ، يهدّئ المضطرب ، ويشجّع المقتحم ، يهدِّم الظلم ، ويبني العدالة ، وهو ينادي بالمسلمين جميعاً أن هلمّوا واجتمعوا ، وأنّ قوماً لم يختلفوا في ربِّهم وفي كتابهم وفي نبيهم لمجموعون مهما اختلفوا في يوم قريب» (1).
لقد كان الإمام علیه السلام قبساً من نور الرسالة الإسلاميّة ، يلهم العلماء بعلمه ، ويغذّي الزهّاد بزهده، ويهدي المضطرب سلوكه ، ويبني معالم العدالة ، ويهدم صروح الظلم بمواقفه ومناهضته لأئمّة الظلم والجور ، وهو الحريص على الوحدة الإسلاميّة من التشتّت والانهيار . هذا هو الإمام الصادق مفخرة الإسلام كما يقول السيّد الأهل .
وألّف العلّامة الشيخ محمّد أبو زهرة كتاباً قيّماً في الإمام الصادق علیه السلام جاء فيه :« نشأ جعفر في مهد العلم ومعدنه ، نشأ ببيت النبوّة الذي توارث علمها كابراً عن كابر ، وعاش في مدينة جدّه رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، فتغذّى من ذلك الغرس الطاهر ، وأشرق في قلبه نور الحكمة بما درس وبما تلقّى ، وبما فحص ومحّص(2).
وكان قوّة فكريّة في عصره، فلم يكتفِ بالدراسات الإسلاميّة وعلوم القرآن
والسنّة والعقيدة ، بل اتّجه إلى دراسة الكون وأسراره ، ثمّ حلَّق بعقله الجبّار في سماء الأفلاك ، ومدار الشمس والقمر والنجوم ، كما عنى عناية كبرى بدراسة النفس الإنسانيّة ، وإذا ذكر التاريخ أنّ سقراط قد أنزل الفلسفة من السماء إلى الإنسان ، فإنّ الإمام الصادق قد درس السماء والأرض ، والإنسان ، وشرائع الأديان .
وكان في علم الإسلام كلّه الإمام الذي يرجع إليه فهو أعلم الناس باختلاف الفقهاء ، وقوله الفصل والعدل، وقد اعتبره أبو حنيفة أستاذه في الفقه .
أمّا صفاته النفسيّة والعقليّة فقد علابها على أهل الأرض ، وأمّن لأهل الأرض أن
يسامتوا أهل السماء ؟ ! سموّ في الغاية، وتجرّد في الحقّ ، ورياضة في النفس وانصراف إلى العلم والعبادة، وابتعاد عن الدنيا ومآربها ، وبصيرة تبدّد الظلمات ، وإخلاص لا يفوقه إخلاص ؛ لأنّه من معدنه من شجرة النبوّة ، وإذا لم يكن الإخلاص في عترة النبيّ وأحفاد عليّ سيف الله المسلول ، وفارس الإسلام ، فمن يكون ؟
فقد توارث أحفاد عليّ الإخلاص خلفاً عن سلف ، وفرعاً عن أصل ، فكانوا يحبون الله ، ويبغضون الله ، ويعتبرون ذلك من أصول الإيمان ، وظواهر اليقين».
لقد أثبتت الدراسات الحديثة التي أجراها علماء الغرب على شخصيّة الإمام الصادق علیه السلام أنّه نسخة لا ثاني لها في تاريخ البشريّة ، فقد منحه الله من المواهب والعبقريّات ما جعله من عمالقة الفكر الإنساني ، وقد أثبتوا بصورة موضوعيّة لا تقبل الشكّ أنّه قد تناول في بحوثه ومحاضراته التي ألقاها على العلماء أسرار الكون ، وأشعّة الكواكب ، وجاذبية الأرض، وتحويل المادة من عنصر إلى عنصر آخر ، كما تناول فلسفة الحياة والموت ، وغير ذلك من الأمور المذهلة ، وأنّه لم يقتصر في بحوثه على بيان أحكام الشريعة ، وفلسفة التشريع .
وقدّم الدكتور محمد عبد المنعم الخفاجي الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف،
السفر الجليل ( الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب)، وهو من أجلّ الكتب الحديثة ، فقد اشترك في تأليفه 25 عالماً من مشاهير علماء الغرب ، وقد بحثوا بصورة موضوعيّة وشاملة شخصيّة الإمام الملهم العظيم الصادق علیه السلام ، وما أثر عنه من مختلف العلوم والفنون ، والكتاب يثبت بصورة لا تقبل الجدل صحّة ما تذهب إليه الشيعة في أئمّتهم من غزارة العلم ، والدراية الواسعة لا في أحكام الدين ، وإنّما في جميع أنواع العلوم
ولنعد إلى ما قاله الأستاذ الخفاجي في الكتاب وفي الإمام علیه السلام : « وإنّ القارئ لهذه الفصول ليقف أمام صفحاتها المضيئة مذهولاً حقّاً ، ولسوف يجد نفسه أمام عظمة هذه الروح العلميّة التي انعكس ضوءها على هذه الدراسات ، فكان من وراء ذلك عالم فسيح كشف عنه هؤلاء العلماء ، وبدا في صدر هذه الصور الرفيعة صورة الإمام جعفر الصادق مشرقة شامخة بفكره الرفيع، وبشخصيّته الجليلة المهيبة ، وبحكمته الصادقة ، وتجاربه الواسعة في فهم الحياة والناس .
وتجلّت عظمة هذه الشخصيّة فى عظمة هذه البحوث ، فكان من وراء ذلك كلّه حقيقة رائعة لم نكن نعرف عنها شيئاً ، حقيقة هذا العقل العظيم الذي بنى للإنسانيّة وللإنسان أروع ما يمكن أن يبنيه من أصول حضارة الدنيا ورفاهيّتها .
وإذا ذكرنا الإمام الصادق ذكرنا أرفع منقبة ، وأجلّ مأثره ، وأعظم شخصيّة من
الشخصيّات الرائدة في تاريخ الفكر الإسلامي ، والحضارة الإسلاميّة ، وفي نشأة المذاهب الفقهيّة التشريعيّة لأئمّة علماء المسلمين، وحدّث عن الإمام الصادق ولا حرج ، حدّث عن سليل بيت النبوّة ، ووارث فضائلها ومناقبها ومفاخرها وعلومها وحكمتها .
حدّث عنه في ورعه وزهده، وفي دينه وتقواه ، وفي علمه وفقهه ، وفي عراكه للأحداث ، ونضاله للخطوب، وفي مجابهته للظلم ومقاومته للطغيان ، وفي خبرته
بالحياة ، ومعرفته العميقة بالزمان وناسه ، وفي حبّه للسلام وكراهيّته لإراقة الدماء ، بل في كلّ محمدة من المحامد التي يُذكر بها الناس ويُعرف بها عظماء التاريخ . . . »(1).
لقد فتح هذا العملاق العظيم أنواعاً من العلوم لم تكن معروفة من قبله ، وقد ساهمت مساهمة إيجابيّة في تطوّر الفكر البشري، وبناء الحضارة الإنسانيّة ، بالإضافة إلى بحوثه المتطوّرة في شؤون الشريعة الإسلاميّة ، وبناء هيكل مستقلّ للفقه الشيعي يساير الزمن ، ويعالج مشكل الإنسان، ويتبنّى المصالح العامّة التي ينعم في ظلالها الإنسان .
بحث العلّامة المغفور له السيّد محمّد جواد فضل الله نضّر الله مثواه ، عن الإمام الصادق علیه السلام ، فتناول بالبسط والتحليل خصائصه ومميّزاته . قال في طليعة كتابه :
«الحديث عن الإمام الصادق حديث طويل وشاقّ .. إنّه حديث الإيمان والحقيقة .. إنّه حديث الأخلاق والسلوك .. إنّه حديث التاريخ والعلم والمعرفة .. إنّه حديث الإسلام في أروع معطياته ومثله .. إنّه حديث يمثّل عبر حدود الإنسان فيما يملك من طاقات ومواهب وإبداع .
ذلك هو حديث الإمام الصادق الذي يبدأ من اللحظات التي ولد فيها العظيم ولا ينتهي حتّى ينتهي شيء اسمه الحياة »(2).
إنّ الحديث عن الإمام الصادق علیه السلام إنّما هو حديث عن طاقات الإسلام الهائلة وحديث عن الحياة الفكريّة المتطوّرة التي يسمو بها الإنسان .
إنّ الحديث عن الإمام الصادق علیه السلام إنّما هو حديث عمّن أغنى الفكر الإنساني
بأنواع المعارف والعلوم ، وعمّن دفع الحياة إلى الازدهار في مجالاتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والفكريّة .
وترجم الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات المشايخ الصوفيّة للإمام الصادق علیه السلام ، وقال : « جعفر الصادق فاق جميع أقرانه من أهل البيت ، وهو ذو علم الله غزير في الدين ، وزهد بالغ في الدنيا ، وورع تامّ عن الشهوات، وأدب كامل في الحكمة »(1).
وذكر الشيخ السلمي بعض مناحي حياة الإمام علیه السلام من العلم ، والزهد والورع ، والأدب الكامل في الحكمة ، وقد برز في هذه الصفات، وبلغ بها الذروة ممّا ميّزته على جميع أقرانه من أهل البيت علیهم السلام ، الذين هم مصدر الشرف والكرامة في هذه الأمّة.
رحم الله صديقنا العلّامة المغفور له الشيخ أسد حيدر ، فقد أنفق معظم حياته في البحث والتنقيب عن الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، وقد أتحف المكتبة الإسلاميّة بموسوعته القيمة التي لا يستغني عنها الباحث والمؤلّف ، فرحمه الله ، وأجزل له المزيد من الأجر ، قال : « ومثل شخصيّة جعفر بن محمّد ، تلك الشخصيّة الإسلاميّة العظيمة يجب على التاريخ إعطاءها حقّها من البحث ، فهو أبرز شخصيّة في عصره ، وأعلم الأمّة على الإطلاق.
ولا نتجاوز الحقيقة إن قلنا إنّ الإمام الصادق كان أعلم أهل عصره ، وهو ، وهو أولى
1) ينابيع المودّة : 457 .
الناس بحفظ أمانة الدين، ولا نبعد عن الواقع ، إن تلك الخطوات التي سار عليها في عصر ازدهار العلم قد أعطت الأمّة درساً ، وعلّمتهم كيف يجب أن يكون المصلح الذي يقتدي به عظماء الأمة ورجال الدعوة ، وأن يستقلّ العلم بمؤهّلاته النفسيّة ، ويفرض نفسه على المجتمع بقيمه الروحيّة بدون التزام بالقوّة ، بل الأولى أن يكون مقبولاً من حيث هو لا من حيث الارهاب والسلطة أو المغريات الخداعة ، وإنّ الكثير ممّن درسوا حياة الإمام الصادق علیه السلام ، إنّما سلكوا طرق الحذر والتكتّم ، فتلك دراسة سطحيّة لا تتجاوز حدود دائرة الحذر أو التعصّب »(1).
إنّ الواجب على المؤرّخين المسلمين إبراز شخصيّة الإمام الصادق علیه السلام الحقيقيّة المشرقة إلى العالم الخارجي ، فهي أبرز شخصيّة ظهرت في سماء هذا الشرق ، وأعلم الأمّة على الإطلاق ، كما يقول المغفور له الشيخ أسد حيدر .
قال فخر الإسلام أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد في الإمام علیه السلام: «كان الصادق جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين علیهم السلام من بين إخوانه خليفة أبيه محمّد بن عليّ ، ووصيّه القائم بالإمامة من بعده ، برز على جماعتهم بالفضل ، وكان أنبههم ذكراً ، وأعظمهم قدراً ، وأجلّهم في العامّة والخاصّة ، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان ، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته من العلماء ما نقل عنه ، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار ، ونقلة الأخبار ، ولا نقل عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله ، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات ، فكانوا أربعة آلاف رجل .
1) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : 1: 52 .
وكان له علیه السلام من الدلائل الواضحة في إمامته ما بهرت القلوب ، وأخرست المخالف عن الطعن فيها بالشبهات»(1).
وحكى الشيخ المفيد بعض فضائل الإمام علیه السلام التي طبق شذاها العالم بأسره ، فقد تحدّث عن معارفه وعلومه التي كان لها الأثر في تكوين الثقافة الإسلاميّة ، وازدهار الحركة الفكريّة في الإسلام.
قال الحافظ أبو حفص عمر بن شاهين ، المتوفّى سنة 385ه : « جعفر بن محمّد الصادق ، ثقة مأمون ، قاله يحيى : وسئل عثمان بن أبي شيبة عنه ، فقال : مثل جعفر يسأل عنه ؟ ! هو ثقة إذا روى عنه الثقات» (2).
قال الدكتور فاروق عمر : « وخلف جعفر بن محمّد أباه في رئاسة الشيعة من أنصار الحسينيّين ، وقد لعبت شخصية الصادق دوراً في تبلور مذهب الشيعة الإماميّة ، أو ما يُسمّى بالإثني عشريّة ، فلقد استطاع أن يوضّح أصول هذا المذهب الذي نسب إليه عادة ، فيسمّى بالمذهب الجعفري .
ويرى المستشرق هودسون بأنّ هناك ثلاث مبادئ رئيسيّة أسهمت في قوّة مركز الصادق ، هي :
أوّلاً : ادّعاؤه بأنّ الإمامة بالنصّ من الله ورسوله ، وأنّ الأئمّة الحسينيّين منصوص عليهم .
ثانياً : ادّعاؤه العلم الغيبى المتوارث، بمعنى أنّ الأئمّة محيطون بالعلوم الإلهيّة ، يتوارثونها من إمام إلى إمام. إنّ هذه المعرفة زادت من قدسيّته بين أتباعه ، كما أنّها أهّلته لكى يقرّر الوقت المناسب للثورة ضدّ العبّاسيّين، وإعلان الإمامة العلويّة .
ثالثاً : : سياسته السلميّة وعزوفه عن حمل السلاح ضدّ السلطة ، وإيثاره العلم ، وتكوين حلقة من أتباعه الذين نشروا مذهبه بين الناس بصورة سليمة وفي مناطق مختلفة .
ولعلّ هذا العامل الثالث هو الذي أدّى إلى تزايد أتباع الصادق؛ ذلك لأنّ النّاس عامّة تفضّل السلم وعدم التورّط في الفتنة والقتال(1).
قال المؤرّخ الشهير أحمد بن أبي يعقوب المعروف بابن واضح : «كان - أي الإمام الصادق علیه السلام - أفضل الناس ، وأعلمهم بدين الله ، وكان أهل العلم الذين سمعوا منه إذا رووا عنه قالوا : أخبرنا العالم »(2).
لقد كان الامام علیه السلام أفضل علماء عصره لا في أحكام الشريعة الإسلاميّة فحسب وإنّما في جميع العلوم والفنون على اختلافها وتعدّد مواضيعها .
قال العالم الوزير الصاحب بن عباد في الإمام الصادق علیه السلام : « لم يظهر في الإسلام
بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم شخصية علميّة معظّمة مثل جعفر الصادق علیه السلام»(3).
قال المستشرق آدم هو دجسون : « يُعدّ جعفر عند معظم الشيعة إماماً من أعظم الأئمّة ، والمعلّم الثاني للفقه .. ويشير الإثنا عشريّة إلى أنفسهم باعتبار أنّهم أصحاب مذهب سمّوه المذهب لجعفري .
وأضاف يقول : وكان حجّة في الحديث والفقه على الأرجح ، وتتحدّث عنه أسانيد أهل السنّة باحترام» (1).
وأبو شاكر الديصاني من رؤوس الملاحدة في الشرق ، وكان ممعناً في الزندقة والعداء للدين، وفي نفس الوقت كان يكبر الإمام الصادق علیه السلام ، وكان ممّا قاله فيه :« إنّك لأحد النجوم الزواهر ، وكان آباؤك بدوراً بواهر ، وأمّهاتك عقيلات عباهر ، وعنصرك من أكرم العناصر ، وإذا ذكر العلماء فعليك تنثني الخناصر » (2).
قال الأستاذ السيّد رمضان لاوند : «لقد كان - الإمام الصادق علیه السلام - فرعاً من شجرة هي أكرم ما عرف النسب العربي ، ورث بها الزخم الروحي الذي تناقله أهل البيت النبوي الهاشمي الكريم ، وورث بها الإرادة الفاعلة التي لا تعترف بالهزيمة والفشل ، كما ورث عمق الإدراك والحسّاسيّة الشديدة، والخلاصة أنّه ورث الحافز العجيب الذي لم يجد له الدارسون بعد تفسيراً في حدود ما عرفوه من الحقائق الإنسانيّة وجوانب النفس الخفيّة . انّه الذي تظهر به عبقريّة الأمّة ، وتتجلّى به طبيعتها الكامنة ،
علماً أو نضالاً ، في سبيل الخير ، أو قيادة عسكريّة أو نبلاً في الخلق والضمير ، وقد هيّأت له ظروف حياته أن يكون من هذا كله موضعاً للعبقريّتين العلميّة والخلقيّة ، فكان إماماً لفرقة دينيّة عظيمة ، أنبتت عبر التاريخ الإسلامي قمماً خالدة في الفنّ والسياسة والفكر ، كان منها العلماء الأجلّاء ، والشعراء الخالدون ، والفلاسفة أصحاب المدارس التاريخيّة الواضحة » .
وأضاف يقول : «كانت حياته كلّها إشعاعاً لا ينقطع ، يصوغ به العلماء ، ويشيع به حبّ المعرفة ، ويشارك في الاستنتاج المنطقي السليم ، والتأمّل الفكري ، كما كانت حياته إشعاعاً لا ينقطع ، يصوغ به الحبّ ، سخاء في اليد ، وسعة في الصدر ، ونبلاً في النفس ، ونقاءٌ في الضمير»(1).
قال العلّامة السيد حسن الأمين :« لعلّ أوّل ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر الإمام الصادق علیه السلام أنّ ثقافته لا تتجاوز المجال الديني ، ولا تتعدّى التفسير والحديث والفقه ، وما إلى ذلك ممّا لا بدّ منه لإمام في مثل منزلة جعفر الصادق يفترض فيه أن يكون عارفاً بكلّ ما له ارتباط بأحكام الشريعة ومشاكلها .
ولكن الأمر عند الصادق أوسع من هذا ، فقد أحاط إحاطة كاملة بعلوم شتّى تتجاوز الفقه وما إليه ، وتشتمل على جوانب متعدّدة من علوم مختلفة ، كانت في عهدها قمّة الثقافات العالميّة ، ثمّ أخذ في تأسيس المدارس المستندة على هذه العلوم ، فرأينا بين خريجي معاهده الفقيه ، والمحدّث ، والمفسّر ، والفيلسوف ، والرياضي ، والكيمياوي، والطبيب ، والشاعر ، والكاتب ، والمثقّف ثقافة عامّة» (2).
إنّ شخصيّة الإمام الصادق علیه السلام بما تحمل من عبقريّات ومواهب قد تجاوزت حدود الزمان والمكان ، وأصبحت شخصيّة التاريخ على امتداد الزمان .
قال عبد الرحمن بن محمّد الحنفي : « جعفر بن محمّد ازدحم على بابه العلماء ، واقتبس من مشكاة أنواره الأصفياء ، وكان يتكلّم بغوامض الأسرار ، وعلوم الحقيقة وهو ابن سبع سنين»(1).
وحفلت هذه الكلمة بما يتمتّع به الإمام علیه السلام من المواهب ، فقد كان المنبع الوحيد الذي ترتوي منه الأصفياء ، وقد ظهرت بوادر علومه في سنّه المبكّر ، فكان ابن سبع سنين من آيات الله العظام ، يتكلّم بغوامض الأسرار وعلوم الحقيقة .
قال الشيخ محمّد الخضري : « أبو عبدالله جعفر الصادق كان من سادات أهل البيت ، ولقّب بالصادق لصدقه في مقالته . ولد سنة ثمانين . وروى عنه مالك بن أنس ، وأبو حنيفة ، وكثيرون من أهل المدينة»(2).
إنّ أشهر ألقاب الإمام علیه السلام هي الصادق ، وذلك لصدقه في حديثه ومقالته ، وكان ذلك من السمات البارزة في شخصيّته العظيمة .
قال الزرقاني : « جعفر بن محمّد ، أبو عبد الله ، فقیه صدوق »(3).
قال السيّد محمّد صادق نشأت الأستاذ بكليّة الآداب بجامعة القاهرة : «كان بيت جعفر الصادق كالجامعة يزدان على الدوام بالعلماء الكبار في الحديث والتفسير والحكمة والكلام ، فكان يحضر مجلس درسه في أغلب الأوقات ألفان ، وبعض الأحيان أربعة آلاف من العلماء المشهورين ، وقد ألّف تلاميذه من جميع الأحاديث والدروس التي كانوا يتلقّونها في مجلسه مجموعة من الكتب تعدّ بمثابة دائرة معارف للمذهب الشيعي أو الجعفري» (1).
إنّ من عائدات الإمام الصادق علیه السلام على هذه الأمّة ، أنّه فتح لها آفاقاً من العلم ، وأشاع فيها الوعي الحضاري ، وأسّس فيها جامعة امتدّت فروعها إلى أغلب البلاد الإسلاميّة ، وقد رفعت منار العلم ، ونمت الفكر ، وأوجدت التطوّر للحياة العامّة .
قال عبد الرحمن بن الجوزي: «جعفر بن محمّد كان مشغولاً بالعبادة عن حبّ الرئاسة »(2).
لقد شغلته العبادة بنطاقها الواسع الشامل لنشر العلم وإشاعة الثقافة بين المسلمين عن طلب الرئاسة التي لم يطلبها هو ولا آباؤه ، إلّا لتكون وسيلة لخدمة الأمّة ، وإنقاذها من ويلات الفقر وكوارث الحرمان ، ولكن الأطماع والأهواء التي اتّسم بها خصومهم حالت بينهم وبين ما يرومونه من إيجاد الفرص المتكافئة بين المسلمين ، ونشر العدل السياسي والاجتماعي بين المسلمين .
قال محمّد بن سراج الدين الرفاعي : « ولد الصادق بالمدينة يوم الجمعة عند طلوع الفجر سنة ثلاث وثمانين هجريّة ، وعاش 65 سنة ، وكانت إمامته أربعاً وثلاثين سنة ، وقد نقل الناس عنه على اختلاف مذاهبهم ودياناتهم ما سارت به الركبان ، وقد عُدّ أسماء الرواة عنه ، فكانوا أربعة آلاف رجل» (1).
قال جمال الدين أبو المحاسن : « جعفر الصادق ابن محمّد الباقر ، السيّد أبو عبدالله الهاشمي العلويّ الحسينيّ المدنيّ ، كان يلقّب بالصابر والفاضل والطاهر ، وأشهر ألقابه الصادق. حدّث عنه أبو حنيفة ، وابن جريج ، وشعبة ، والسفيانان . ومالك ، وغيرهم»(2).
إنّ أئمّة المذاهب الإسلاميّة قد تتلمذوا عند الإمام الصادق علیه السلام ، وأخذوا منه علوم الشريعة الإسلاميّة ، وقد اعتزّوا وافتخروا بحضورهم عند حفيد الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله وسلم.
قال علي القاري : « جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، الهاشمي ، المدني ، المعروف بالصادق ، أمّه أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر .. متّفق على إمامته وجلالته»(3).
إنّ من أبرز صفات الإمام علیه السلام الصدق في القول ، والصدق في الحديث ، وفي كلّ شيء ، وقد عرف بهذه الظاهرة ولقّب بها .
قال الدكتور مصطفى الشكعة : «كانت شخصيّة الإمام جعفر من ناحية العلم والفضل والتقوى والتسامح ، لما يدعو كلّ مسلم مهما كان مذهبه إلى احترامه وإجلاله ، وهل من مسلم إلّا ويحبّ أبناء آل البيت ، فما بالنا إذا كان هذا الابن غزير العلم ، وافر الحكمة ، كامل الأدب، زاهداً ، ورعاً ، بعيداً عن الغلو ، بريئاً من التطرّف، لا يحبّ الاعتزال، هكذا كان الإمام جعفر»(1).
لقد توفّرت في الإمام الصادق علیه السلام جميع صفات الأدب والكمال ، فما من فضيلة
الجميع من فضائل الدنيا التي يعتزّ بها هذا الكائن الحيّ من بني الإنسان إلّا وهي من عناصر الإمام ومن ذاتيّاته ، مضافاً إلى حسبه الوضّاح فقد تفرع من دوحة النبوّة من شجرة الإمامة .
قال الشيخ عبدالله بن أسعد اليماني : «كان جعفر الصادق واسع العلم ، وافر الحلم ، وله من الفضائل والمآثر ما لا يحصى »(2).
إنّ مآثر الإمام علیه السلام وفضائله غير قابلة للإحصاء والعدّ ، فهو من منبع النبوّة والإمامة التي تلتقي بهما جميع الفضائل والمآثر .
قال الساجي : «كان صدوقاً مأموناً ، إذا حدّث عنه الثقات فحديثه مستقيم »(1).
قال أبو الفداء : « جعفر الصادق أحد الأئمّة الاثني عشر على رأي الإماميّة ، فإنّه تقدّم منهم عليّ بن أبي طالب ، ثمّ ابنه الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ زين العابدين ، ثمّ الباقر ، ثمّ جعفر الصادق .. وسمّي جعفر بالصادق لصدقه . وله كلام في صنعة الكيمياء .»(2).
أمّا النقاط المهمة والحسّاسة في هذا الزخم من الكلمات التي أدلى بها أئمّة المسلمين وكبار المؤلّفين في مختلف العصور ، في حقّ الإمام علیه السلام ، والإشادة بفضله ، فهي :
أولاً : إنّه خير البريّة كما يقول أبوه الإمام الباقر علیه السلام- ولم يُضف الإمام علیه السلام على ولده هذه الكلمة بما تحوي من أبعاد محاباة أو اندفاعاً وراء العواطف ، فإنّ شأن الإمام أسمى من ذلك ، وإنّما أضفى عليه ذلك بعد أن خبره فرآه نسخة لا ثاني لها في نزعاته الخيّرة ، وصفاته العظيمة .
ثانياً : إنّ الإمام علیه السلام قد تفرّد في مواهبه وعبقريّاته ، فلم تر عين ، ولا سمعت أذن ، ولا خطر على قلب بشر أفضل منه كما يقول الإمام مالك - ولم يدلِ مالك
بذلك إلّا بعد أن خبر الإمام وتتلمذ عليه ، وعرف واقعه المشرق .
ثالثاً : إنّ الإمام ممّن أورثه الله الكتاب ، واصطفاه على عباده ، ومن السابقين بالخيرات ، كما قال بذلك ألدّ أعدائه وخصومه المنصور الدوانيقي .
رابعاً : إنّ الإمام قد ملأ الدنيا بعلمه وفقهه ، وقد أدلى بذلك أبو بحر الجاحظ .
خامساً : إنّ الإمام من سادات أهل البيت في علمه وورعه وتقواه ، وأهل البيت هم سادة الدنيا في تقواهم وشدّة تحرّجهم في الدين ، وقد أعلن ذلك ابن حِبّان وغيره .
سادساً : إنّه في أعلى درجات الثقة والصدق ، وإنّه لا يسأل عن مثله في رواياته وقد صرّح بذلك أبو حاتم الرازي .
سابعاً : إنّ الإمام هو الذي تزعّم الحركة العلميّة في عصره، والتي امتدّت إلى سائر العصور ، وقد أعلن ذلك السيّد مير علىّ الهندي .
ثامناً : إنّ الإمام لا إنّما لُقّب بالصادق لوثاقته وصدقه في مقالته ، وقد صرّح بذلك بطرس البستاني وغيره .
تاسعاً : إنّ الإمام أنبه وأسمى شخصيّة في العالم الإسلامي ، ومن الحقّ أن يكون مصدر عزّ وفخر لجميع المسلمين ، كما قال بذلك مصطفى غالب وغيره .
عاشراً: إنّ شخصيّة الإمام علیه السلام مجموعة فلسفيّة تزخر بالحيويّة النابضة ، والروحيّة المتجسّدة ، والعقليّة المبدعة ، التي أسّست العلوم ، وأبدعت الأفكار ، وابتكرت السنن ، وأوجدت الأحكام والنظم ، كما قال بذلك عارف تامر .
حادي عشر : إنّ الإمام علیه السلام من أكثر أئمّة المذاهب آراءٌ في كلّ لون من ألوان المعرفة ، ولا تقف معرفته عند علوم الدين فحسب، بل تجاوزت إلى الكيمياء والطبّ وغير ذلك ، كما صرّح بذلك الدكتور أحمد محمود صبحي .
ثاني عشر : إنّ الإمام كان قوّة فكريّة مبدعة في عصره، فلم يكتف بالدراسات الإسلاميّة ، وعلوم القرآن والسنّة ، وإنّما اتّجه إلى دراسة الكون وأسراره ، ثمّ حلّق بعقله الجبّار سماء الأفلاك ، ومدار الشمس والنجوم ، كما عنى بدراسة النفس الإنسانيّة ، كما أعلن ذلك الشيخ أبو زهرة .
ثالث عشر : إنّ الإمام علیه السلام وهو العقل المتفتّح الذي بنى للإنسانيّة وللإنسان أروع ما يمكن أن يبنيه من أصول حضارة الدنيا ورفاهيّتها ، كما صرّح بذلك الدكتور محمّد عبد المنعم الخفاجي .
رابع عشر : إن الحديث عن الإمام الصادق علیه السلام إنّما هو حديث عن الإسلام في أروع معطياته ومثله ، وحديث يمتدّ عبر حدود الإنسان فيما يملك من طاقات ومواهب ، كما صرّح بذلك السيّد محمّدجواد فضل الله .
خامس عشر : إنّ الواجب على المؤرّخين إبراز شخصيّة الإمام وإظهارها إلى العالم لما في ذلك من خدمة للفكر والعلم والحياة .
إنّ الإمام أبرز شخصيّة في عصره ، وأعلم الأمّة على الإطلاق ، كما قال بذلك المرحوم العلّامة الشيخ أسد حيدر .
هذه بعض النقاط الحسّاسة والمهمّة في كلمات الأعلام في حقّ الإمام الصادق علیه السلام المبدع ، والدماغ المفكّر في الإنسانيّة ، الذي ملأ الدنيا بفيض علومه ، وأفكاره المتطوّرة التي تساير الزمن في جميع مراحل التاريخ .
وحقد جماعة من المنحرفين على سليل النبوّة ، ومعدن الرسالة ، الإمام الصادق علیه السلام، فقد وغرت عليه صدورهم ، وورمت آنافهم حسداً له ، وحقداً عليه ، وذلك لانتشار اسمه ، وإشاعة ذكره، وتهافت العلماء والفقهاء على رواية حديثه ، والحضور في مجلس درسه ، وإجماع العالم الإسلامي على تعظيمه وإكباره ، وكان من بين الحاقدين عليه هؤلاء :
وعُرف ابن سعد بالانحراف عن أهل البيت علیهم السلام، و من الحاقدين على الإمام الصادق علیه السلام ، وقد قال عنه :« كان كثير الحديث ، ولا يحتجّ به ، ويستضعف ، سئل مرّة : سمعت هذه الأحاديث من أبيك ؟ فقال : نعم ، وسئل مرّة فقال : إنّما وجدتها في كتبه .
وعلّق ابن حجر على ذلك بقوله : قلت : يحتمل أن يكون السؤالان وقعا عن أحاديث مختلفة ، فذكر فيما سمعه أنّه سمعه ، وفيما لم يسمعه أنه وجده ، وهذا يدل على تثبّته»(1).
وأبو بكر بن عيّاش معروف بالانحراف عن أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، ومن الحاقدين على الإمام الصادق علیه السلام ، وقد سئل : مالك : لم تسمع عن جعفر بن محمّد وقد
1) تهذيب التهذيب : 2 : 103 .
أدركته ؟ قال : سألناه عمّا يتحدّث به من الأحاديث أشيء سمعته ؟ فقال : لا ، ولكنها رواية رويناها عن آبائنا »(1).
إنّا لنتساءل من أبي بكر: هل إنّ رواية الإمام عن آبائه أئمّة الهدى، وأعلام الإسلام ، عن جدّهم رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ما يوجب القدح في صحّة الرواية وطرحها ؟!
إنّ حساب هؤلاء لعسير وشاقّ عند الله تعالى ، فقد تنكّر والعترة نبيّهم الذين ألزم الله مودّتهم في كتابه ، وجعلهم النبيّ صلی الله علیه و آله وسلم سفن النجاة ، وأمن العباد .
من الحاقدين على الإمام علیه السلام يحيى بن سعيد القطّان ، فقد سئل عن الإمام علیه السلام،
فقال : « في نفسي منه شيء ، ومجالد أحبّ إليَّ منه»(2)
قال الذهبي : «هذه من زلقات يحيى القطّان ، بل أجمع أئمّة هذا الشأن على أنّ جعفر أوثق من مجالد ، ولم يلتفتوا إلى قول يحيى » - سير أعلام النبلاء : 6 : 256 .
.لم يبيّن يحيى عن الشيء الذي يكمن في نفسه من الإمام حتّى توقّف من قبول روايته ، أليس الإمام من سلالة النبوّة ومن معادن العلم والحكمة في الإسلام ؟ ألم يكن الإمام هو المجدّد للإسلام والمحيي لسننه وآثاره ؟ فلماذا يحقد عليه يحيى ؟
وعلّق المرحوم السيّد محمّدجواد فضل الله على ذلك بقوله : « ولو أنّ روايات الإمام الصادق علیه السلام كانت عن أبي هريرة ، ومعاوية ، ومروان ، لكان في أعلى درجات الوثاقة ، ولكن عيب رواياته أنّها عن آبائه وصحفهم التي تلقّوها عن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم»(3).
وهو تعليل وثيق للغاية ، فإنّ السر في توقف يحيى وأمثاله من رواية الإمام علیه السلام
هو عدم روايته عن أبي هريرة وأمثاله من الوضّاعين .
من الحاقدين على الإمام الصادق علیه السلام ، والمستضعفين لرواياته محمّد بن إسماعيل في كتابه المعروف بصحيح البخاري ، وقد اعتذر ابن حجر عنه في تركه للرواية عن الإمام بقوله : ( إنّ صعوبة التمييز بين ما هو صحيح وغير صحيح حملت البخاري على أن لا يروي شيئاً من حديثه » .
وعلّق المرحوم السيّد محمّدجواد فضل الله على ذلك بقوله : « ولم يذكر لنا ابن حجر كيف ميّز البخاري بين ما هو صحيح وغير صحيح ممّا رواه أبو هريرة وأمثاله من واضعي الحديث ومخترعيه ، ولعلّه يعتل بأنّ الصحابة عدول ، وهو عذر أقبح من ذنب بعدما ثبت كذب ذلك بسلوك الصحابة بعضهم مع بعضهم ، وتفسيق البعض منهم للبعض الآخر ، ولا نفهم تفسيراً لهذه الظاهرة الغريبة غير التعصّب ، والتأثّر بالأجواء المذهبيّة القاتمة التي تعبّأت الحقد والبغض المريرين لأهل هذا البيت ، والتي هي امتداد للجهود المستميتة التي بذلها معاوية وعمّاله وخلفاء الجور من بعده ، في سبيل تعميق الفجوة التي افتعلوها بين الأمّة وأهل البيت النبويّ ، وعزلهم بعيداً عن الواقع العملي للحياة العامّة»(1).
وعلى أي حال، فقد تعرّض البخاري لحملة من النقد والتشهير في تركه للرواية عن الإمام ، وقد نقده العلّامة أبو بكر بن شهاب الدين، وهو من مشاهير علماء السنّة بهذه المقطوعة :
قضيَّةٌ أَشبه بالمُرزنَة *** هذا البخاري إمامُ الفِئَة
بالصادق الصديق ما احتج في *** صحيحه واحتج بالمُرجِنَة
1) الإمام الرضا علیه السلام : 25 .
ومثل عمران بن حطان أو أَوْ *** مروان وابن المَرأَةِ المُخطِئَة
مشكلةٌ ذاتُ عُوارٍ إلى *** حَيرَةِ أَربابِ النُّهى مُلجِئَة
وحقُ بَيتٍ يمَّمَتهُ الوَرى *** مُعَدَّةٌ في السَّيرِ أَو مُبطِئَة
إن الإمام الصادق المُجتَبى *** -فَضلِهِ الآيُ أَتَت مُنبِئَة
أَجَلُّ مَنْ في عَصرِهِ رتبَةٌ *** لَمْ يَعْتَرِفْ فِي عُمرِهِ سَيِّئَة
قلامَةٌ مِنْ ظفر إبهامه *** تَعدِلُ مِنْ مِثلِ البُخاري مِنَة (1)
لقد تحرّج البخاري من الرواية عن الإمام الصادق علیه السلام سليل النبوّة ، والعقل المبدع للإنسانيّة ، وفي نفس الوقت قد ملأ صحيحه بالرواية عمّن لا حريجة له في الدين ، وفيما يلي بعض النماذج من رواته :
وعمران بن حطّان السدوسي البصري من أعلام الخوارج الذين ناصبوا الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وأعلنوا بغضه ، وهو القائل يمدح ابن ملجم :
يا ضَربَةٌ مِنْ نَفي ما أَرادَ بِها *** إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضوانا
يا لله ! أمثل هذا الشقي المنحرف عن الإسلام يعوّل البخاري على رواياته ، ويترك الرواية عن الإمام الصادق علیه السلام ، الذي هو من أعلام الدين ، ومن سادات أهل البيت علیهم السلام !
وأبو العبّاس السائب بن فروخ ، كان من أشهر المبغضين لآل النبيّ صلی الله علیه و آله وسلم، وهو القائل لأبي الطفيل عامر بن واثلة الموالي لأهل البيت علیهم السلام :
1) العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل : 33 .
لَعَمرُكَ إِنَّني وأَبا طُفَيل *** لمُختلِفان والله الشَّهيدُ
لَقَدْ ضَلوا بحُبِّ أَبي تُراب *** كَما صَلَّتْ عَن الْحَقِّ اليَهودُ(1)
وهذا الشخص المصاب بعقيدته ودينه يعوّل البخاري على رواياته ويأخذ عنه ، ولا يروي عن أئمّة الهدى، ومصابيح الإسلام ، وسادات الأنام !
أمّا جرير بن عثمان الحمصي فقد أعلن عداءه العارم لآل رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، وكان ينال من سيّد العترة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وهو القائل : « لا أحبّ عليّاً ، فقد قتل آبائى » ، وكان يقول : « لنا إمامنا - يعني معاوية - ولكم إمامكم - يعني الإمام أمير المؤمنين علیه السلام- » (2).
التميمي ، المتوفّى سنة 131ه ، وهو ممّن عرف بالنصب والعداء لأخي رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، وباب مدينة علمه .
الأشعري ، المتوفّى سنة 179ه ، كان ناصبيّاً شديد العداء للإمام أمير المؤمنين علیه السلام
الذي كان مع القرآن ، والقرآن معه ، كما قال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم.
هؤلاء بعض من يروي عنهم البخاري في صحيحه في حين أنّه ترك الرواية عن أئمّة الهدى علیهم السلام .
وتصدّى الإمام الصادق علیه السلام مع المتكلّمين من تلاميذه إلى تفنيد الشبه والشكوك التي أثارها الحاقدون على الإسلام لتشكيك المسلمين في واقع دينهم العظيم الذي جعلهم سادة الأمم والشعوب .
وكانت تلك الشبه تحمل طابع الحقد والكراهية للإسلام ، والنكاية بالمسلمين . يقول بعض الكتاب المعاصرين :« إنّ الدعوات الإلحاديّة في عصر الإمام قد تبرقعت ببرقع العلم ، وهي تبغي هدم الإيمان بالله تعالى ، وقد تصدّى لها الإمام الصادق علیه السلام بالردّ ، فقد كان على يقين أنّ هذه الدعوات تهدّد الأمّة الإسلاميّة ، فإنّها إنّما سادت الأمم بالإيمان بالله ، وهي إذا فقدت هذه الجهة فإنّها تفقد وجودها وكيانها .
ومن الجدير بالذكر أنّ فرنسا لمّا فقدت هذا العنصر من حياتها خسرت نفسها
وكيانها . يقول « ديغول » رئيس الجمهورية الفرنسيّة : «إنّ فرنسا قد فقدت مكانتها كدولة عظمى لأنّها فقدت الإيمان بالله ، وإنّها لكي تستردّ مكانتها يجب أن تستردّ إيمانها بالله » (1).
ونعرض لبعض ما أثر عنه من غرر الاحتجاجات الرائعة ، التي أفحم بها الزنادقة والملحدين ، وتركهم يتميزون من الغيظ ، قد سدّ عليهم كلّ نافذة يسلكون منها للتمسّك بشبههم وأوهامهم ، وبذلك فقد صان العقيدة الإسلاميّة من هجماتهم ،
1) العقيدة الإسلاميّة وأسسها / عبدالرحمن حسن حنبكة : 125 .
كما نعرض لبعض مناظراته مع بعض الأعلام في عصره ، كأبي حنيفة الذي يتمسّك بالقياس ، ويراه أحد الأدلّة الشرعيّة التي يستنبط منها الحكم الشرعي ، وقد فنّد الإمام علیه السلام ذلك بأوثق الأدلّة ، وفيما يلي ذلك :
أمّا الزنادقة فهم الممعنون بالكفر والإلحاد والتضليل ، وقد سعوا بقوى محمومة لإفساد أفكار المسلمين وتضليلهم ، وقد انبرى الإمام الصادق علیه السلام مع السادة العلماء من تلاميذه لتفنيد شبههم التي لا سند لها من علم ، خصوصاً فيما يتعلّق بالله تعالى ، فإنّ إنكاره إنكار للبديهيّات والضرورات ، فقد تجلّى الله في كلّ شيء، وهو من الأمور الفطريّة التي يشعر بها كلّ إنسان في دخائل نفسه ، وأعماق ذاته .
وهذا ما عبّر عنه ديكارت بقوله :« إنّني مع شعوري بنقص في ذاتي أُحسّ في الوقت نفسه وأرأني مضطرّاً إلى اعتقادي بأنّ هذا الشعور بوجود ذات كاملة . قد غرسته في ذاتي تلك الذات الكاملة المتحلّية بجميع صفات الكمال ، وهي الله تعالى »(1).
وكان من بين من تصدّى الإمام الصادق علیه السلام للردّ على أضاليلهم ، وإبطال شبههم
ما يلي :
وكان الجعد بن درهم ممعناً في الكفر ، ومبتدعاً ومتفانياً في الزندقة ، وكان يعلن الإلحاد ، وقد زعم أنّ الله لم يتّخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلّم موسى(2). وقد تتلمذ
عنده مروان بن محمّد الأموي ، وتغذّى بإلحاده ، فكان يلقّب بمروان الجعدي(1).
ومن بدعه أنّه جعل في قارورة تراباً وماءً فاستحال دوداً وهواماً ، فقال لأصحابه : إنِّي خلقت ذلك لأنّي كنت سبب كونه .
وبلغ ذلك الإمام الصادق علیه السلام، فردّه بأبلغ البرهان والحجّة قائلاً:
إِنْ كَانَ خَلَقَهُ فَلْيَقُلْ : كَمْ هُوَ ؟ وَكَم الذِّكْرانُ مِنْهُ وَالْإِناتُ؟ وَكَمْ وَزْنُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ ؟ وَلْيَأْمُرِ الَّذي يَسْعى إلى هذا الْوَجْهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلى غَيْرِهِ .
وما أروع هذه الحجّة التي أدلى بها سليل النبوّة ، فقد نسف جميع خرافاته، ويقول الرواة : «إنّ الجعد لمّا سمع بهذه الحجّة انقطع عن سمع بهذه الحجّة انقطع عن الكلام وبان عليه الضعف والعجز وهرب»(2).
وهو من زنادقة مصر ، وقد بلغه أنّ الإمام الصادق علیه السلام يملك ثروة علميّة هائلة ، فخرج لمحاججته ، وقصد يثرب فأخبر أنّ الإمام علیه السلام في مكّة المكرّمة ، فانتهى إليها ، وقصد الإمام علیه السلام فعرف قصده ، فقدّم علیه السلام له السؤال التالي : ما اسْمُكَ ؟
عبد الملك .
فَما كُنْيَتُكَ ؟
أبو عبد الله .
ووجّه الإمام علیه السلام سؤالاً محيّراً لم يهتد إلى جوابه قائلاً:
فَمَنْ هذَا الْمَلِكُ الَّذى أَنْتَ عَبْدٌ لَهُ ؟ أَمِنْ مُلوكِ الْأَرْضِ ، أَمْ مِنْ مُلوكِ السَّماءِ ؟ أَخْبِرْنِي عَنِ ابْتِكَ - واسمه عبد الله - عَبْدُ إِلهِ السَّمَاءِ أَمْ عَبْدُ إِلَهِ الْأَرْضِ ؟
ووجم الزنديق ولم يطق جواباً، وأمهله الإمام علیه السلام حتّى يفرغ من الطواف لعلّه يجد الجواب ، ولمّا فرغ من الطواف جلس الزنديق بين يدي الإمام تعظيماً واحتراماً له ، فقال علیه السلام له : أَتَعْلَمُ أَنَّ لِلْأَرْضِ تَحْتاً وَفَوْقاً ؟
نعم .
فَدَخَلْتَ تَحْتَها ؟
لا.
فَمَا يُدْرِيكَ ما تَحْتَها ؟
لا أدري ، إلا أنّي أظنّ أن ليس تحتها شيء .
فَالظَّنُّ عَجْزْ لِمَا لَا تَسْتَيْقِنُ .
أَفَصَعِدْتَ إِلَى السَّمَاءِ ؟
لا .
أَفَتَدْري ما فيها ؟
لا
أَتَيْتَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ فَنَظَرْتَ مَا خَلْفَهُما ؟
لا.
عَجَباً لَكَ لَمْ تَبْلُغَ الْمَشْرِقَ ، وَلَمْ تَبْلُغ الْمَغْرِبَ ، وَلَمْ تَنْزِلْ تَحْتَ الْأَرْضَ ، وَلَمْ تَصْعَدْ إِلَى السَّمَاءِ ، وَلَمْ تُخْبَرُ ما هُنالِكَ فَتَعْرِفْ ما خَلْفَهُنَّ ، وَأَنْتَ جاحِدٌ بما فيهِنَّ ، وَهَلْ يَجْحَدُ الْعَاقِلُ ما لَا يَعْرفُ ؟
واستولت الحيرة والذهول عليه ، فقد أخذه الإمام علیه السلام من جميع جهاته ، ولم يدرِ
ما يقول ، والتفت بكلّ خضوع وإكبار للإمام قائلاً: ما كلّمني بهذا غيرك .
والتفت إليه الإمام ليقيم عليه الحجّة قائلاً :
فَأَنْتَ مِنْ ذلِكَ في شَكٍّ ؟ فَلَعَلَّهُ هُوَ ، وَلَعَلَّهُ لَيْسَ هُوَ .
وانبرى الإمام علیه السلام فأقام كوكبة من الأدلّة الوثيقة على وجود الخالق العظيم قائلاً:
أَيُّها الرَّجُلُ ، لَيْسَ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ حُجَّةٌ عَلى مَنْ يَعْلَمُ ، وَلَا حُجَّةَ لِلْجَاهِلِ عَلَى الْعالِم بَعْدَ هذا .
يا أخا أَهْلَ مِصْرَ ، تَفَهُمْ عَنّي ، فَإِنَّا لَا نَشْلُّ في اللهِ أَبَداً ، أما تَرَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، وَاللَّيْلَ وَالنَّهارَ ، يَلِجانِ وَلَا يَسْتَبِقانِ ، يَذْهَبَانِ وَيَرْجِعان ، قَدِ اضْطَرًا لَيْسَ لَهُما مَكانٌ إِلَّا مَكانَهُما ، فَإِنْ كانا يَقْدِرانِ عَلى أَنْ يَذْهَبا فَلَا يَرْجِعانِ ؟ وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُضْطَرَّيْن فَلِمَ لَا يَصيرُ اللَّيْلُ نَهاراً ، وَالنَّهارُ لَيْلاً ؟! اضْطَرًا وَالله يا أخا أَهْلَ مِصْرَ ...
إِنَّ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ ، وَتَظُنُّونَ مِنَ الدَّهْرِ ، فَإِنْ كانَ هُوَ يُذْهِبُهُمْ فَلِمَ يَرُدُّهُمْ ؟ وَإِنْ كانَ يَرُدُّهُمْ فَلِمَ يَذْهَبُ بِهِمْ ؟!
يا أَخا أَهْلَ مِصْرَ ، أَما تَرى السَّماءَ مَرْفُوعَةٌ ، وَالْأَرْضَ مَوْضُوعَةٌ ، لَا تَسْقُطُ السَّماءُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَلَا تَنْحَدِرُ الْأَرْضُ فَوْقَ ما تَحْتَهَا ؟ أَمْسَكَها والله خالِقُها وَمُدَبِّرُها .
وذهب الشكّ والوهم من المصري ، وآمن بالله العظيم بعدما أقام عليه الإمام الأدلّة العلميّة الوجدانيّة على وجود الخالق الحكيم، والتفت الإمام إلى هشام فقال له : خُذْهُ إِلَيْكَ وَعَلَّمْهُ (1).
.130 :1 :
1) الاحتجاج : 2 : 72 - 74 . نظرية الإمامة : 364 أصول الكافي : 1: 130.
لقد اعتمد الإمام علیه السلام على وجود الخالق العظيم على أوثق الأدلّة وأكثرها وضوحاً، وأبعدها عن الغموض والتعقيد، فلم يركن إلى الأدلّة الفلسفيّة الغامضة ، وإنّما اتّجه صوب الأدلّة المحسوسة التي لا يتطرّق إليها الوهم والشكّ ، والتي لا يمكن الجدل والنزاع فيها .
والتقى الإمام علیه السلام مع بعض الملحدين ، وجرى نزاع بينهما ، فقال علیه السلام للملحد :
إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلى ما تَقولونَ - من إنكار الله - وَهُوَ لَيْسَ عَلَىٰ مَا تَقُولُونَ ، فَقَدْ نَجَوْنا وَنَجَوْتُمْ ، وَإِنْ كانَ الأَمْرُ على ما نَقولُ : فَقَدْ نَجَوْنَا وَهَلَكْتُمْ(1).
وحفل احتجاج الامام علیه السلام بالدليل الرائع ، فإنّ الأمر إن كان كما يقول الملاحدة - من إنكار الله تعالى - فلا يلحق بالمؤمنين ولا بغيرهم أي ضرر أو خسارة ، وإن كان الأمر كما يقول المؤمنون بوجود الله تعالى فقد نجا المؤمنون وفازوا ، وخسر الكافرون .
وقد أطبق العقلاء في جميع العصور والأزمان على أنّ دفع الضرر المحتمل لازم ، فالواجب على الملحدين أن يرجعوا إلى طريق الحقّ لإنقاذ أنفسهم من الضرر المحتمل .
وأبو شاكر الديصاني رجس من أرجاس الكفر والضلال ، وكان من رؤوس الملاحدة في العالم الإسلامي ، وقد جرت بينه وبين الإمام الصادق لا عدّة مناظرات أفحمه فيها الإمام ، وأبطل مزاعمه ، وكان من بينها ما يلي :
1) المجالس المؤيّديّة / المؤيّد في الدين الشيرازي : 377 .
1 - وجّه أبو شاكر السؤال التالي للإمام الصادق علیه السلام ، قائلاً :
ما الدليل على أنّ لك صانعاً ؟
فأجابه الإمام بأروع الأدلّة التي لا تخطئ قائلاً:
وَجَدْتُ نَفْسي لا تَخْلُو مِنْ إِحْدَى جِهَتَيْنِ : إِمَّا أَنْ أَكُونَ صَنَعْتُها أَنَا أَوْ صَنَعَهَا غَيْرِي ، فَإِنْ كُنْتُ صَنَعْتُها فَلَا أَخْلو مِنْ أَحَدٍ مَعْنَيِينِ : إِما أَنْ أَكونَ صَنَعْتُهَا وَكَانَتْ مَوْجودَةٌ ، فَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ بِوجودِها عَنْ صَنْعَتِها ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْدومَةً فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمَعْدومَ لا يُحْدِثُ شَيْئاً ، فَقَدْ ثَبَتَ الْمَعْنَى الثَّالِثُ أَن لى صانعاً وَهُوَ رَبُّ الْعالَمين(1).
ویهر أبو شاكر وحار في الجواب ، وبدا عليه العجز ، فقد أقام الإمام علیه السلام عليه الحجّة ، وأثبت ببالغ البرهان وجود الخالق الحكيم المدبّر لهذه الأكوان ، والخالق للإنسان .
2 - دخل الديصاني على الإمام الصادق علیه السلام فقال له :
يا جعفر بن محمّد ، دلّني على معبودي ؟
وكان إلى جانب الإمام غلام بيده بيضة ، فأخذها منه وقال له :
يا دَيْصاني، هذا حِصْنٌ مَكْنُونَ لَهُ جِلْدٌ غَلِيظٌ ، وَتَحْتَ الْجِلْدِ الْغَلِيظِ جِلْدٌ رَقِيقٌ ، وَتَحْتَ الْجِلْدِ الرَّقِيقِ ذَهَبَةٌ ،مائِعَةٌ ، وَفِضَّةٌ ذائِبَةٌ ، فَلَا الذَّهَبَةُ المائِعَةُ تَخْتَلِطُ بِالْفِضَّةِ الذَائِبَةِ ، وَلَا الْفِضَّةُ الذَّائِبَةُ تَخْتَلِطُ بِالذَّهَبَةِ الْمَائِعَةِ ، فَهِيَ عَلَى حَالِها لَا يَخْرُجُ مِنْها خارِجٌ مُصْلِحْ فَيُخْبِرُ عَنْ صَلاحِها ، وَلَا يَدْخُلُ فيها مُفْسِدٌ فَيُخْبِرُ عَنْ فَسادِها ، لَا يُدْرى لِلذَّكَرِ خُلِقَتَ أَمْ لِلأنثى ، تَنْفَلِقُ عَنْ مِثْل ألوانِ الطُّواويس ، أترى لَها مُدَبِّراً ؟
1) بحار الأنوار: 3 : 50 نور البراهين : 120 . مستدرك سفينة البحار : 6: 379.
وأطرق الديصاني مليّاً إلى الأرض ، وأعلن التوبة والإسلام والبراءة ممّا قاله (1).
وأقام الإمام علیه السلام الحجّة عليه ، فقد ضرب له مثلاً بتركيب البيضة التي هي من عجائب مخلوقات الله تعالى ، فهي تنتج الأنواع المختلفة من الطيور، ومن أبدعها الطاووس بما يحمل في ريشه من الألوان الزاهية البديعة ، إنّه من مصنوعات الله الخالق العظيم التي لا يجحدها إلّا الجاهلون .
وعبد الكريم بن أبي العوجاء رأس من رؤوس الكفر والإلحاد في العالم العربي ، وبالإضافة إلى إلحاده إنّه كان يهاجم الأخلاق التي يكبرها الناس ، كما كان يهاجم القيم والتقاليد التي يخضع لها المسلمون .
وبالإضافة إلى إلحاده إنّه كان فاحش اللسان ، وكان في بداية أمره من تلامذة الحسن البصري ، ثمّ انحرف عن التوحيد، فقيل له : تركت مذهب صاحبك ، ودخلت فيما لا أصل له ؟
فقال : إنّ صاحبي كان مخلطاً يقول : طوراً بالقدر ، وطوراً بالجبر ، فما أعلمه اعتقد مذهباً دام عليه (2).
وكان يفسد الأحداث فتهدّده عمرو بن عبيد فلحق بالكوفة ، وفيه يقول بشار بن برد:
قُلْ لِعَبدِ الْكَرِيمِ يَابْنَ أَبِي العَو *** جاء بِعْتَ الإِسْلامَ بِالْكُفْرِ فَوقا
لا تُصَلّى ولا تصومُ فَإِنْ صُمتَ *** فَبعضُ النّهار صوماً رقيقا
ما تُبالي إِذا شَرِيتَ مِنَ الخَمْرِ *** عتيقاً أو لا يكونُ عَتيقا (1)
وقد جرت بينه وبين الإمام الصادق علیه السلام عدّة مناظرات أفحمه فيها الإمام ، ويان عليه العجز ، ولم يستطع الكلام ، كان من بينها ما يلي :
1 - إنّ عصابة من الملحدين كانوا في مكّة المكرّمة أيّام موسم الحجّ ، وهم : عبد الكريم ، وابن طالوت ، وابن الأعمى ، وابن المقفّع مع نفر من الزنادقة ، وكان الإمام الصادق علیه السلام آنذاك في الجامع الأعظم ، وقد احتفّ به المسلمون يسألونه عن معالم دينهم ، وأحكام حجّهم ، وهو يجيبهم عن مسائلهم.
فقال أصحاب ابن أبي العوجاء له : هل لك في تغليط هذا الجالس وسؤاله عمّا يفضحه عند هؤلاء المحيطين به، فقد ترى فتنة الناس به وهو علامة زمانه ؟
فأجابهم ابن أبي العوجاء إلى ذلك ، وانبرى نحو الإمام ، فلمّا مثل أمامه قال له :
يا أبا عبدالله ، إنّ المجالس أمانات ، ولا بدّ لكلّ من كان به سعال أن يسعل ، فتأذن لي في السؤال ؟
وسمح له الإمام بالسؤال ، وانبرى ابن أبي العوجاء بلا أدب قائلاً:
إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر - يعني الحجر الأسود - وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب - أي الآجر - والمدر، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر ، مَن فكّر هذا وقدّر علم أنه فعل غير حكيم ، ولا ذي نظر ، فقل فإنّك رأس هذا الأمر وسنامه ، وأبوك أسّه ونظامه .
وتأثّر الإمام علیه السلام من كلام هذ الملحد الذي لا نصيب له من الأدب ، فقال له :
إِنَّ مَنْ أَضَلَّهُ اللهُ وَأَعْمَى قَلْبَهُ اسْتَوْخَمَ الْحَقَّ وَلَمْ يَسْتَعْذِبُهُ ، وَصَارَ الشَّيْطَانُ وَلِيَّهُ
1) لسان الميزان : 4 : 52 .
وَرَبَّهُ ، وَيُورِدُهُ مَوارِدَ الْهَلَكَةِ وَلَا يُصْدِرَهُ ، وَهَذا بَيْتُ اسْتَعْبَدَ اللهُ بِهِ خَلْقَهُ لِلْمُصَلِّينَ لَهُ ، فَهُوَ شُعْبَةٌ مِنْ رِضْوانِهِ ، وَطَريقٌ يُؤَدِّي إلى غُفْرانِهِ ، مَنْصوبٌ عَلى استواءِ الْكَمالِ ، وَمَجْمَعُ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ ، خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ دَحْوِ الْأَرْضِ بِأَلْفَي عَامٍ ، فَأَحَقُّ مَنْ أطبعَ فيما أَمَرْ ، وَانْتَهِيَ عَمَا زَجَرَ الْمُنْشِئُ لِلْأَرْواحِ وَالصُّوَر .
واندفع ابن أبي العوجاء فقطع على الإمام كلامه الذي أعرب فيه عن سموّ منزلة الكعبة المقدّسة ، فقال : ذكرت يا أبا عبدالله فأحلت على غائب .
وزجره الإمام فقال له : كَيْفَ يَكونُ - يعني الله تعالى - يا وَيْلَكَ عَائِباً مَنْ هُوَ مَعَ خَلْقِهِ شاهِدٌ ، وَإِلَيْهِمْ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَريدِ ، يَسْمَعُ كَلامَهُمْ ، وَيَعْلَمُ أَسْرَارَهُمْ ، لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكانٌ ، وَلَا يَشْغَلُ بِهِ مَكانٌ ، وَلَا يَكونُ مِنْ مَكانٍ أَقْرَبَ مِنْ مَكانٍ ، تَشْهَدُ لَهُ بِذلِكَ آثَارُهُ ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ أَفْعَالُهُ ، وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالآياتِ الْمُحْكَمَةِ ، وَالْبَرَاهِينِ الْواضِحَةِ مُحَمَّدٌ صلی الله علیه و آله وسلم جَاءَنَا بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ ، فَإِنْ شَكَكْتَ فِي شَيْءٍ فَسَلْ عَنْهُ أَوَ ضُحْهُ لَكَ .
وحار ابن أبي العوجاء ، وورم أنفه ، ولم يدرِ ما يقول ، وقام منهزماً نحو أصحابه ، وقد بان عليه العجز ، وأخذ يعتب على أصحابه قائلاً لهم : سألتكم أن تلتمسوا لي خمرة(1)فألقيتموني على جمرة .
فصاح به أصحابه محتقرين له قائلين : اسكت فوالله لقد فضحتنا بحيرتك وانقطاعك ، ما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه ؟
وردّ عليهم قائلاً: إلىَّ تقولون هذا ؟ إنه ابن مَن حلق رؤوس من ترون ، وأومأ بيده إلى أهل الموسم(2).
وكيف يقف هذا الجاهل الغبي الذي أنكر الله تعالى أمام سليل النبوّة ومفجّر العلم والحكمة في الأرض ؟!
2 - وحضر موسم الحجّ ابن المقفّع وعبد الكريم بن أبي العوجاء ليبثّا بين صفوف المسلمين أفكارهم الإلحادية ، وكان الإمام الصادق علیه السلام في المسجد الحرام ، فقال ابن المقفّع يخاطب أصحابه : ترون هذا الخلق - وأومأ إلى الحجّاج الذين يطوفون حول البيت الحرام - ما منهم أحد أوجب له إسم الإنسانية ، إلّا ذلك الشيخ الجالس ، وأشار إلى الإمام أبي عبد الله الصادق علیه السلام .
فبهر عبد الكريم وقال : كيف أوجبت هذا الإسم - يعني الإنسانيّة - له دون هؤلاء ؟
وانبرى ابن المقفّع قائلاً لأنّي رأيت عنده ما لم أره عندهم .
وأخذ الحسد أي مأخذ من ابن أبي العوجاء ، وراح يقول : لا بدّ من اختبار ما قلت فيه منه .
فنهاه ابن المقفع وقال له : لا تفعل ، فإنّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك(1).
وأصرّ ابن أبى العوجاء على فكره قائلاً : ليس ذا رأيك ، ولكن تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إيّاه المحلّ الذي وصفت .
وردّ عليه ابن المقفّع قائلاً: أما إذا توهّمت علَيَّ هذا فقم إليه ، وتحفّظ ما استطعت من الزلل، ولا تثني عنانك(2)إلى استرسال فيسلمك إلى عقال ، وسمه ما لك أو عليك .
وانطلق ابن أبي العوجاء صوب الإمام علیه السلام ، وجرت بينهما مناظرة أُفْحِمَ فيها ابن أبي العوجاء ، وخرج مبهوراً ، قد ملك الإمام قلبه ومشاعره ، ورجع إلى قومه
يحدّثهم بما جرى بينه وبين الإمام قائلاً لابن المقفّع : ويلك يابن المقفّع ما هذا ببشر ، وإن كان في الدنيا روحاني يتجسّد إذا شاء ظاهراً، ويتروّح إذا شاء باطناً فهو هذا !
أرأيتم ما أبداه هذا الملحد من الإعجاب والإكبار للإمام علیه السلام الذي هو ملء فم الدنيا في علومه ومواهبه وعبقريّاته .. وانبرى أصحاب ابن أبي العوجاء يسألونه عمّا دار بينه وبينه الإمام من الحديث فأجابهم قائلاً: جلست إليه ، فلمّا لم يبق عنده غيري ابتدأني فقال :
إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلى ما يَقولُ هَؤُلاءِ وَهُوَ عَلى ما يَقُولون - يعني أهل الطواف - فَقَدْ سَلِموا وَعَطِبْتُمْ ، وَإِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلى ما تَقولونَ ، وَلَيْسَ كَمَا تَقولُونَ ، فَقَدِ اسْتَوَيْتُمْ وَهُمْ.
وفزع ابن أبي العوجاء لما علم الإمام بقصده ومحاورته التي جاء من أجلها ، فأسرع قائلاً:
يرحمك الله ، وأي شيء نقول ؟ وأي شيء يقولون ؟ ما قولي وقولهم إلّا واحد .
وأنكر الإمام علیه السلام أن يكون رأي ابن أبي العوجاء متّفقاً مع رأي الموحّدين قائلاً:
وَكَيْفَ يَكونُ قَوْلُكَ وَقَوْلُهُمْ وَاحِداً ؟ وَهُمْ يَقولونَ : إِنَّ لَهُمْ مَعاداً وَثَواباً وَعِقاباً ، وَبَدِينونَ بِأَنَّ في السَّمَاءِ إِلهَا ، وَأَنَّها عُمْرانَ ، وَأَنتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ السَّمَاءَ خَرَابٌ لَيْسَ فيها أَحَدٌ .
واغتنم ابن أبي العوجاء كلام الإمام وراح يُشكل عليه قائلاً: فما منعه - أي : الله تعالى - إن كان الأمر كما يقولون - يعني أهل التوحيد - أن يظهر لخلقه ، ويدعوهم إلى عبادته ، حتّى لا يختلف منهم اثنان ، ولِمَ احتجب عنهم وأرسل إليهم الرسل ؟ ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به ؟
وردّ الإمام علیه السلام أوهامه قائلاً:
وَيْلَكَ ! كَيْفَ احْتَجَبَ عَنْكَ مَنْ أَراكَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ ، نُشُوءَكَ وَلَمْ تَكُنْ ، وَكِبَرَكَ بَعْدَ صِغَركَ ، وَقُوَّتَكَ بَعْدَ ضَعْفِكَ وَضَعْفَكَ بَعْدَ قُوَّتِكَ ، وَسُفْمَكَ بَعْدَ صِحْتِكَ وَصِحتَك بَعْدَ سُقْمِكَ ، وَرِضاكَ بَعْدَ غَضَبِكَ وَغَضَبَكَ بَعْدَ رِضاكَ ، وَحُزْنَكَ بَعْدَ فَرَحِكَ وَفَرَحَكَ بَعْدَ حُزْنِكَ ، وَحُبَّكَ بَعْدَ بُغْضِكَ وَبُغْضَكَ بَعْدَ حُبِّكَ ، وَعَزْمَكَ بَعْدَ أَناتِكَ وَأَنا تَكَ بَعْدَ عَزْمِكَ ، وَشَهْوَتَكَ بَعْدَ كَراهَتِكَ وَكَراهَتَكَ بَعْدَ شَهْوتِكَ ، وَرَغْبَتَكَ بَعْدَ رَهْبَتِكَ وَرَهْبَتَكَ بَعْدَ رَغْبَتِكَ ، وَرَجانَكَ بَعْدَ يَأْسِكَ وَيَأْسَكَ بَعْدَ رِجائِكَ ، وَخاطِرَكَ بِما لَمْ يَكُنْ في وَهْمِكَ ، وَعُرُوبَ مَا أَنْتَ مُعْتَقِدُهُ عَنْ ذِهْنِكَ .
وأخذ الإمام يعدّد ما يطرأ على النفس من الحالات المختلفة والمتباينة ، والتي تدلّ - بوضوح - على وجود خالقها العظيم الذي أوجد فيها هذه التطوّرات ، التي هي شبيهة بالأمواج التي تنحلّ بعضها ببعض ، ورحم الله السماوي إذ يقول في تغيّرات النفس :
فيكِ يا نفسُ كَما في الكون نورٌ وظَلام
أَنتِ حَربٌ وسَلامٌ وهوَ حَربٌ وَسلام
كُلَّما سادَ نِظامٌ فيكِ يَنْدَكُ نِظام
إنّ النفس بما انطوت عليه من العوالم الغريبة لتنادي بوجود الله تعالى ، وإنّ الذي يشكّ في ذلك ، فهو غير مستقيم الفكر ، قد زاغ قلبه ، وضلّ عن الطريق القويم.
وعلى أي حال ، فإنّ ابن أبي العوجاء لمّا سمع هذه الحجج الدامغة من سلیل النبوّة انهزم ، وأخذ ينفق ليله ساهراً يفتّش عن دليل يتمسّك به للردّ على الإمام علیه السلام، وفي اليوم الثاني خفّ مسرعاً نحو الإمام علیه السلام ، فجلس ساكتاً لا ينطق بشيء ، فقال له
الإمام : كَأَنَّكَ جِئْتَ تُعيدُ بَعْضَ ما كُنا فيه ؟
فأسرع ابن أبي العوجاء قائلاً: أردت ذلك يابن رسول الله ؟
وسخر منه الإمام قائلاً: ما أَعْجَبَ هذا ، تُنْكِرُ اللَّهَ وَتَشْهَدُ أَنِّي ابْنُ رَسولِ اللَّهِ !
واعتذر ابن أبي العوجاء فقال : العادة تحملني على ذلك
وظلّ ابن أبي العوجاء ساكتاً لا ينطق ببنت شفة ، فقال له الإمام : ما يَمْنَعُكَ مِنَ الْكَلامِ؟
وكشف ابن أبي العوجاء السرّ في إحجامه عن الكلام قائلاً: إجلالاً لك ومهابة ، ما ينطق لساني بين يديك ، فإنّي شاهدت العلماء ، وناظرت المتكلّمين ، فما تداخلني هيبة قطّ مثل ما تداخلني من هيبتك .
وبادر الإمام يفنّد شبهه وأوهامه ، قائلا له : أَمَصْنوعٌ أَنْتَ أَوْ غَيْرُ مَصْنوع ؟
وانبرى ابن أبي العوجاء مصرّاً على كفره قائلاً: أنا غير مصنوع .
وأجابه الإمام قائلاً: صِف لى لَوْ كُنْتُ مَصْنوعاً كَيْفَ كُنْتَ تَكون ؟
ووجم ابن أبي العوجاء لا يستطيع أن يتكلّم ، فقد سدّ عليه الإمام كلّ نافذة ، وكانت بين يديه خشبة ، فاعتمد عليها ، ورفع رأسه ليصف نفسه إلى الإمام علیه السلام قائلاً : طويل ، عريض ، عمیق ، قصير ، متحرّك ، ساكن ، كلّ ذلك صفة خلقه .
وأسرع الإمام علیه السلام قائلاً :
فَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَعْلَمْ صِفَةَ الصَّنْعَةِ غَيْرَها ، فاجْعَلْ نَفْسَكَ مَصْنوعاً ، لِما تَجِدُ في نَفْسِكَ مِمَّا يَحْدَثُ مِنْ هذِهِ الأمور.
وارتبك ابن أبي العوجاء فلم يدر ما يقول، واعترف بالعجز قائلاً: سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك ، ولا يسألني أحد بعدك عن مثلها .
وبادر الإمام قائلاً : هَبْكَ عَلِمْتَ أَنَّكَ لَمْ تَسْأَلْ فيما مَضى ، فَما عِلْمُكَ أَنَّكَ لَا تُسْأَلُ
فيما بَعْدُ ، عَلَى أَنَّكَ يا عَبْدَ الكَريمِ نَفَضْتَ قَوْلَكَ لأَنَّكَ تَزْعَمُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْأَوَّلِ سَواءٌ ، فَكَيْفَ قَدَّمْتَ وَأَخَّرْتَ .
يا عَبْدَ الْكَريم أُريدُكَ وُضوحاً ، أَرَأَيْتَ لَوْ كانَ مَعَكَ كيس فيهِ جَواهِرٌ ، فَقالَ لَكَ قائِلٌ : هَلْ في الكيس دينار ؟ فَنَفَيْتَ كَوْنَ الدِّينار في الكيسِ ، فَقالَ لَكَ : صِف لي الدينارَ ، وَكُنْتَ غَيْرَ عَالِم بِصِفَتِهِ ، هَلْ كَانَ لَكَ أَنْ تَنْفِي كَوْنَ الدِّينَارِ عَنِ الْكيسِ ، وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ .
قال ابن أبي العوجاء : لا .
فقال علیه السلام : الْعالِمُ أَكْبَرُ ، وَأَطْوَلُ ، وَأَعْرَضُ مِنَ الْكيسِ ، فَلَعَلَّ فِي الْعالَمِ صَنْعَةٌ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ صِفَةَ الصَّنْعَةِ مِنْ غَيْرِ الصَّنْعَة .
فانقطع ابن أبي العوجاء عن الكلام ، واعترف بواقعيّة التوحيد في لسانه ، إلّا أنّه لم يؤمن به بقلبه .. وعاد إلى مجلس الإمام الصادق علیه السلام في اليوم الثالث ، وطلب من الإمام علیه السلام أن يسمح له بالسؤال ، فسمح له ، فقال : ما الدليل على حدوث الأجسام ؟
فأجابه الإمام علیه السلام جواباً فلسفيّاً مبنيّاً على الدقّة قائلاً:
إنّي ما وَجَدْتُ شَيْئاً صَغِيراً وَلَا كَبيراً إِذا ضَمَّ إِلَيْهِ مِثْلُهُ - وذلك بأن يمتزجا - صار أَكْبَرَ ، وَفِي ذلِكَ زَوالٌ وَانْتِقالُ عَن الْحالَةِ الأولى - أي الصغر - وَلَوْ كانَ قَديماً ما زالَ وَلَا َحالَ؛ لأنَّ الَّذى يَزولُ وَيَحولُ يَجوزُ أنْ يوجَدَ وَيَبْطَلَ ، فَيَكونُ بوجودِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ دخول في الحَدَثِ ، وَفِي كَوْنِهِ فِي الْأَزَلِ دُخولُهُ فِي الْعَدَمِ ، وَلَنْ تَجْتَمِعَ صِفَةُ الْأَزَلِ وَالْعَدَمِ ، وَالْحدوثِ وَالْقِدَمِ في شَيْءٍ واحد .
و انبرى عبد الكريم :قائلاً: هبك علمت في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت ، واستدللت بذلك على حدوثها ، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدلّ على حدوثهنّ ؟
فقال علیه السلام : إِنَّما نَتَكَلَّمُ عَلى هذَا الْعالَمِ الْمَوْضوع ، فَلَوْ رَفَعْناهُ ، وَوَضَعْنا عَالَماً آخَرَ كانَ لَا شَيْءَ أَدَلَّ عَلَى الْحَدَثِ مِنْ رَفْعِنَا إِيَّاهُ وَوَضْعِنا غَيْرَهُ ، وَلكِنْ أُجِيبُكَ مِنْ حَيْثُ قَدَرْتَ أَنْ تَلْزِمَنا ، فَتَقولُ : إِنَّ الْأَشْيَاءَ لَوْ دَامَتْ عَلَى صِغَرِها لَكَانَ فِي الْوَهْم أَنَّهُ مَتى ضُمَّ شَيْءٌ إِلَيْهِ مِثْلُهُ كَانَ أَكْبَرَ ، وَفِي جَوازِ التَّغْسِيرِ عَلَيْهِ خُروجُهُ مِنَ الْقِدَمِ ، كَمَا أَنَّ فِي تَغْسِيرِهِ دخولَهُ فِي الْحَدَثِ لَيْسَ لَكَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ يَا عَبْدَ الْكَرِيمِ.
وقام ابن أبي العوجاء يجرّ رداء الخزي والخيبة والخسران ، ويقي مصرّاً على كفره والحاده ، لم تنفع معه الحجج الباهرة والأدلّة الساطعة التي أقامها الإمام علیه السلام على بطلان معتقده .. ويقول الرواة : إنّه عاد إلى مقابلة الإمام في السنة الثانية ، وكان الإمام علیه السلام في حرم البيت العظيم ، فقال له : ما جاءَ بِكَ إلى هذا الْمَوْضِع ؟
فقال ابن أبي العوجاء : عادة الجسد ، وسنّة البلد ، ولننظر ما الناس فيه من الجنون ، والحلق ، ورمي الحجارة .. فنهره الإمام وقال له : أَنْتَ بَعْدَكَ عَلى عُتُوكَ وَضَلالِكَ يا عَبْدَ الْكَريم .
ورام أن يتكلّم ابن أبي العوجاء ، فصدّه الإمام عن الكلام وقال له : لا جدال في الْحَج . وأضاف يقول : إِنْ يَكُنِ الأمْرُكَما تَقولُ وَلَيْسَ كَما نَقولُ نَجَوْنَا وَنَجَوْتَ ، وَإِنْ كانَ الأمْرُكَما نَقولُ ، وَهُوَ كَما نَقولُ ، نَجَوْنَا وَهَلَكْتَ.
وورم أنف ابن أبى العوجاء ، وانتفخت أوداجه من الغيظ ، وأصيب في الوقت بعارض خطير في قلبه ، فأمر أصحابه بحمله ، ولم يلبث إلّا قليلاً من الوقت حتّى هلك ، وبذلك انطوت حياة هذا الملحد الخطير الذي هو رأس الكفر والإلحاد في العالم الإسلامي، والذي عمل جاهداً على تضليل المسلمين، وإفساد عقائدهم بشبهه وأوهامه التي أبطلها الإمام الصادق علیه السلام(1).
1) توحيد المفضّل - المقدّمة ( ترجمة العلّامة المجلسي ) : 7 - 11 .
ووفد زنديق على الإمام الصادق علیه السلام ، ولم يذكر الرواة اسمه ، وفيما أحسب أنّه من الزنادقة البارزين في عصر الإمام ، والممعنين في الزندقة والإلحاد ، وقد قدّم للإمام علیه السلام مسائل حسّاسة ، فأجاب الإمام عنها ، كان منها ما يلي :
1 - كيف يعبد الله الخلقُ ولم يروه ؟
رَأَتْهُ الْقُلوبُ بِنورِ الْإِيمَانِ ، وَأَثْبَتَتْهُ الْعُقولُ بِيَقْظَتِها إِثْبَات الْعَيانِ ، وَأَبْصَرَتْهُ الْأَبْصَارُ يما رأتْهُ مِنْ حُسْنِ التركيبِ وَإِحْكامِ التأليفِ ، ثُمَّ الرُّسُلُ وَآيَاتُهَا ، وَالْكُتُبُ وَمُحْكَمَاتُها ، وَاقْتَصَرَتِ الْعُلماءُ عَلى ما رَأَتْ مِنْ عَظَمَتِهِ دونَ رُؤْيَتِه .
وحفل جواب الإمام علیه السلام بأروع الأدلّة الوجدانيّة التي لا تقبل الجدل على وجود الخالق العظيم الذي أقام المجرّات في الفضاء ، لا تعتمد على شيء سوى قدرة الله تعالى . إنّ العقول الواعية ، والقلوب المطمئنّة بالإيمان هي التي ترى الله تعالى ، وذلك بما تبصره من بدائع مخلوقاته التي ركّبت بأحسن تركيب، وأحكم تأليف والأثر كما يقول المنطقيّون - يدلّ على المؤثّر ، والمعلول يدلّ على علّته . إنّ قضيّة وجود الله تعالى أصبحت من القضايا البديهيّة التي لا ينكرها إلّا من زاغ قلبه، وعميت بصيرته ، وضلّ عن طريق الحقّ .
2 - من أين أثبت أنبياء ورسلاً؟
إِنَّا لَمَا أَثْبَتْنا أَنَّ لَنا خالِقاً صائِعاً مُتَعَالِياً عَنا وَعَنْ جَميع ما خَلَقَ ، وَكانَ ذلِكَ الصَّانِعُ حكيماً ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشاهِدَهُ خَلْقَهُ ، وَلَا أَنْ يُلامسوهُ ، وَلَا أَنْ يُباشِرَهُمْ وَيُباشِرُوهُ ، وَيُحاجِجَهُمْ وَيُحَاجَوهُ ، ثَبَتَ أَنَّ لَهُ سُفَراءٌ فِي خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ ، يَدُلُّونَهُمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَمَنافِعِهِمْ ، وَما بِهِ بَقاؤُهُمْ ، وَفِي تَرْكِهِ فَناؤُهُمْ ، فَثَبَتَ الْآمِرُونَ وَالنَّاهونَ عَنِ الْحَكِيمِ
الْعَليم في خَلْقِهِ ، وَثَبَتَ عِنْدَ ذلِكَ أَنَّ لَهُ مُعبدينَ ، هُمْ أَنْبِياءُ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ ، حُكَماءُ مُؤَدِّينَ بِالْحِكْمَةِ ، مَبْعُوثِينَ عَنْهُ ، مُشارِكِينَ للنّاسِ فِي أَحْوالِهِمْ عَلَى مُشارَكَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْخَلْقِ وَالتَّركيبِ ، مُؤَيَّدِينَ مِنْ عِنْدِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ بِالْحِكْمَةِ وَالدَّلائِلِ وَالْبَرَاهِينِ وَالشَّواهِدِ ، مِنْ إِحْياءِ الْمَوْتَى ، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَةِ وَالْأَبْرَصِ ، فَلَا تَخْلو الْأَرْضَ مِنْ حُجَّةٍ يَكونُ مَعَهُ عِلْمٌ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَقالِ الرَّسُولِ ، وَوجوبِ عَدالَتِهِ .
وأضاف الإمام علیه السلام قائلاً :
نَحْنُ نَزْعَمُ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ ، وَلَا تَكونُ الْحُجَّةُ إِلَّا مِنْ عَقِبِ الْأَنْبِياءِ ، ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً قَطُّ مِنْ غَيْرِ نَسْلِ الْأَنْبِياءِ ، وَذلِكَ أَنَّ اللَّهَ شَرَّعَ لِبَنِي آدَمَ طَرِيقاً منيراً ، وَأَخْرَجَ مِنْ آدَمَ نَسْلاً طَاهِراً طَيِّباً ، أَخْرَجَ مِنْهُ الأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ هُمْ صَفْوَةُ اللَّهِ ، وَخَلَصُ الْجَوْهَرِ ، طُهروا في الأَصْلابِ ، وَحُفِظوا في الْأَرْحَامِ ، لَمْ يُصِبْهُمْ سِفَاحُ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا شَابَ أَنْسابَهُمْ لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَهُمْ فِي مَوْضِعِ لَا يَكُونُ أَعْلَىٰ دَرَجَةً وَشَرَفًا مِنْهُ ، فَمَنْ كانَ خازِنُ عِلْم اللَّهِ ، وَأَمِينُ غَيْبِهِ ، وَمُسْتَوْدَعُ سِرِّهِ ، وَحُجَّتُهُ عَلَى خَلْقِهِ ، وَتُرْجُمَانُهُ وَلِسانُهُ لَا يَكونُ إِلَّا بِهذِهِ الصَّفَةِ ، فَالْحُجَّةُ لَا يَكونُ إِلَّا مِنْ نَسْلِهِمْ ، يَقومُ مَقامَ النَّبِيِّ صلی الله علیه و آله وسلم في الْخَلْقِ بِالْعِلْمِ الَّذي عِنْدَهُ ، وَوَرِثَهُ عَنِ الرَّسُولِ ، إِنْ جَحَدَهُ النَّاسُ سَكَتَ ، وَكَانَ بَقاءُ ما عَلَيْهِ النَّاسُ قَليلاً مِمّا في أَيْديهِمْ مِنْ عِلْم الرَّسولِ عَلَى اخْتِلافِ مِنْهُمْ فِيهِ ، قَدْ أَقاموا بَيْنَهُمُ الرّأْيَ وَالْقِياسَ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ أَفَرُوا بِهِ وَأَطاعوهُ وَأَخَدُوا عَنْهُ ، ظَهَرَ الْعَدْلُ ، وَذَهَبَ الْاخْتِلافُ وَالنَّشاجُرُ ، وَاسْتَوَى الأَمْرُ ، وَبانَ الدِّينُ ، وَغَلَبَ عَلَى الشَّكُ الْيَقينُ ، وَلَا يَكادُ أَنْ يَقِرَّ النَّاسُ بِهِ ، وَلَا يُطيعوا لَهُ ، أَوْ يَحْفَظوا لَهُ بَعْدَ فَقْدِ الرَّسولِ ، وَمَا مَضى رَسُولٌ وَلَا نَبِيٌّ قَطُّ لَمْ تَخْتَلِفْ أُمَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ ، وَإِنَّمَا كانَ عِلَّةُ اخْتِلافِهِمْ عَلَى الْحُجَّةِ وَتَرْكِهِمْ إِيَّاهُ .
وحكى هذا المقطع من جواب الإمام علیه السلام أموراً بالغة الأهميّة ، وهي :
أوّلاً: إنّه بعدما ثبت من الأدلّة الحاسمة العقليّة والحسّيّة أنّ لهذا الكون خالقاً حكيماً مدبّراً لطيفاً هو أعظم وأجلّ وأسمى من أن يشاهده خلقه . وكان من منّه وألطافه على عباده أن بعث إليهم رسلاً منهم يهدونهم إلى ما يصلحهم ، ويقيمون أودهم ، ويرشدونهم إلى سبل النجاة.
ثانياً : إنّ أنبياء الله ورسله هم صفوة الخلق وخيرتهم ، قد منحهم الله الحكمة وفصل الخطاب ، وأيّدهم بالمعجزات والبراهين لتكون شاهد صدق على ما جاءوا به من المبادئ التي تسمو بالإنسان وترفع مستواه .
ثالثاً : إنّ الأرض لا تخلو من حجّة الله على عباده ، تذيع أحكامه ، وتنشر معالم دينه ، لئلا تكون للنّاس الحجّة على الله . وإنّ الحجّة بعد موت الأنبياء علیهم السلام هم الأوصياء الذين يقومون بدور إيجابي وفعّال في تبليغ الناس بأحكام الشريعة ، ولا بدّ أن يكونوا من نسل الأنبياء الذين لم تنجّسهم الجاهليّة بأنجاسها ، ولم تلبسهم من مدلهمّات ثيابها ، فقد خلقوا من الأرحام الطاهرة ، والأصلاب المطهّرة .
رابعاً : إنّ الواجب على الناس إطاعة أوصياء الرسل وأئمّة الهدى ، فإنّ طاعتهم طاعة الله ورسوله . ومن المؤكّد أنّ الناس لو أطاعوهم وساروا على ضوء تعاليمهم لظهر العدل، وساد الحقّ ، وانحسم الجور ، وانحسر الظلم .
هذه بعض المعالم في جواب الإمام علیه السلام.
3 - ما يصنع بالحجّة إذا كان بهذه الصفة ؟
قَدْ يَقْتَدِى بِهِ ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ الشَّيْء بَعْدَ الشَّيْءِ ، مَكانُهُ مَنْفَعَةُ الْخَلْقِ وَصَلاحُهُمْ ، فَإِنْ أَحْدَثوا في دينِ اللهِ شَيْئاً أَعْلَمَهُمْ ، وَإِنْ زادوا فيهِ أَخْبَرَهُمْ ، وَإِنْ نَفَدُوا مِنْهُ شَيْئاً أَفَادَهُمْ .
·
لقد ذكر علیه السلام الفوائد المهمّة التي تترتّب على الأئمّة علیهم السلام ، وأنّهم مصدر خير وهدى للنّاس .
4 - من أي شيء خلق الله الأشياء ؟
لَا مِنْ شَيْءٍ.
5- كيف يجيء من لا شيء شيء ؟ -
إِنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تَخْلُو إِمَا أَنْ تَكونَ خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ، فَإِنْ خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ كَانَ مَعَهُ ، فَإِنَّ ذلِكَ الشَّيْءَ قَديمٌ ، وَالْقَديمُ لا يَكونُ حَديثاً وَلَا يَفْنى وَلَا يَتَغَيَّرُ ، وَلَا يَخْلُو ذلِكَ الشَّيْءُ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَوْهَراً واحِداً ، وَلَوْناً وَاحِداً ، فَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْ هَذِهِ الألوانُ الْمُخْتَلِفَةُ ، وَالْجَواهِرُ الْكَثِيرَةُ الْمَوْجودَةُ في هذَا الْعالَم مِنْ ضُروبٍ شَتّى ؟ وَمِنْ أَيْنَ جَاءَ الْمَوْتُ إِنْ كانَ الشَّيءُ الَّذِي أَنْشِئَتْ مِنْهُ الأَشْياءُ حَيّاً ؟ وَمِنْ أَيْنَ جَاءَتِ الْحَياةُ إن كانَ ذلِكَ الشَّيْءُ مَيْتاً ؟ وَلَا يَجوزُ أَنْ يَكونَ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ قَديمَيْنِ لَمْ يَزالا ؛ لأَنَّ الْحَيَّ لَا يَجِيءُ مِنْهُ مَيَّتْ ، وَهُوَ لَمْ يَزَلْ حَيّاً ، وَلَا يَجوزُ أَيْضاً أَنْ يَكونَ الْمَيِّتُ قَدِيماً لَمْ يَزَلْ لِما هُوَ بِهِ مِنَ الْمَوْتِ؛ لأنَّ الْمَيِّتَ لَا قُدْرَةَ لَهُ وَلَا بَقاء .
وفي هذا المقطع من كلام الإمام علیه السلام بحوث فلسفيّة غامضة عرضت لها بالتفصيل الموسوعات الفلسفيّة ، كالأسفار ،وغيرها ، والتعرّض لها ممّا يوجب الإطالة في هذا الكتاب .
6- فمن أين قالوا : إنّ الأشياء أزليّة ؟
هذِهِ مَقالَةُ قَوْمٍ جَحَدُوا مُدَبِّرَ الْأَشْياءِ ، فَكَذَّبوا الرُّسُلَ وَمَقالَتَهُمْ ، وَالْأَنْبِيَاءَ وَما أَنْبَأوا عَنْهُ ، وَسَمَوا كُتُبَهُمْ أَساطير ، وَوَضَعوا لأَنْفُسِهِمْ ديناً بِأَرَائِهِمْ وَاسْتِحْسَانِهِمْ ، إِنَّ الْأَشْيَاءَ
تَدُلُّ عَلى حُدوثِها مِنْ دَورانِ الْفَلَكِ بِما فِيهِ ، وَهِيَ سَبْعَةُ أَفْلَاكٍ ، وَتَحَرُّكِ الْأَرْضِ وَمَنْ عَلَيْهَا ، وَانْقِلابِ الْأَزْمِنَةِ ، وَاخْتِلافِ الْوَقْتِ ، وَالْحَوادِثِ الَّتِي تَحْدَثُ فِي الْعالَم ، مِ-نْ زِيادَةٍ وَنُقْصانٍ ، وَمَوْتٍ وَبَلاءِ ، وَاضْطِرارِ النَّفْسِ إِلَى الْإِقْرارِ بِأَنَّ لَها صاعاً وَمُدَبَّراً ، أَلَا تَرَى الْحُلْوَ يَصيرُ حامضاً ، وَالْعَذْبَ مُرَاً ، وَالْجَدِيدَ بالياً ، وَكُلٌّ إِلَى تَغَيَّرِ وَفَناء .
وعرض الإمام الحكيم في هذا الفصل من أجوبته إلى بطلان أزليّة الأشياء ، وأثبت أنّها حادثة وليست بقديمة منذ الأزل ، وأنّ من يؤمن بأزليّتها إنّما هم الجاحدون الله تعالى ، وقد أقام الإمام علیه السلام أروع الأدلّة على حدوث الأشياء ، والتي منها دوران الأرض ، واختلاف الأزمنة والحوادث التي تجري في العالم ، وغير ذلك من الأحداث التي تدلّل بوضوح على عدم أزليّة الأشياء .
7- فلم يزل صانع العالم عالماً بالأحداث التي أحدثها قبل أن يُحدثها ؟
فَلَمْ يَزَلْ يَعْلَمُ ، فَخَلَقَ ما عَلِم .
إنّ الله تعالى قد أحاط بكلّ شيء علماً ، وقد خلق وصوّر وأبدع ما علم به .
8- أمختلف هو أم مؤتلف ؟
لا يَليقُ بهِ الاخْتِلافُ ، وَلَا الانْتِلافُ ، وَإِنَّما يَخْتَلِفُ الْمُتَجَنِّى ، وَيَأْتَلِفُ الْمُتَبَعضُ ، فَلَا يُقالُ لَهُ مُؤْتَلِفٌ وَلَا مُخْتَلِفٌ .
إنّ الاختلاف والائتلاف، سواء أكانا في الأبعاض والأجزاء أم في الشؤون والأحوال ، إنّما هما من صفات الممكن ، ومن عوارضه ، أمّا واجب الوجود تعالى اسمه فإنّه يستحيل أن يتّصف بذلك أو تطرأ عليه مثل هذه الأحوال ، كما دلّل على ذلك في البحوث الفلسفيّة والكلاميّة .
9 - فكيف هو الله الواحد ؟
واحِدٌ فى ذاتِهِ ، فَلَا واحِدٌ كَواحِدٍ ؛ لأنَّ ما سِواهُ مِنَ الْواحِدِ مُتَجَنِّى ، وَهُوَ تَبارَكَ وَتَعالى واحِدٌ لَا يَتَجَزأ ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعَدُّ.
إنّ الواحد الذي يُطلق على الله تعالى ليس كالواحد الذي يطلق على غيره؛ وذلك لأنّ الغير متجزّئ ، وقابل لأن يُطلق عليه غير الواحد من الأعداد ، وتعالى الله عن ذلك
10 - لأي علّة خلق الخلق وهو غير محتاج إليهم ، ولا مضطرّ إلى خلقهم ، ولا يليق به العبث بنا ؟
خَلَقَهُمْ لإظهار حِكْمَتِهِ ، وَإِنْفَاذِ عِلْمِهِ ، وَإِمْضَاءِ تَدْبِيرِهِ .
إنّ الله تعالى خلق الخلق ، وخلق غيرهم من العوالم المذهلة والمحيّرة للأفكار ، وذلك لإظهار قدرته اللامتناهية، وفيضه اللامحدود على جميع العوالم والكائنات .
11 - كيف لا يقتصر على هذه الدار فيجعلها دار ثوابه ، ومحتسب عقابه ؟
إِنَّ هَذِهِ الدّارَ دارُ ابْتِلاءِ ، وَ مَتْجَرُ الثَّوابِ ، وَمُكْتَسَبُ الرَّحْمَةِ ، مُلِئَتْ آفَاتٍ ، وَطَبَقَتْ شَهَوَاتٍ لِيَخْتَبِرَ فِيها عَبيدَهُ بِالطَّاعَةِ ، فَلَا تَكونُ دارُ عَمَلٍ دارَ جَزاء .
إنّ هذه الدار التي خلقها الله تعالى إنّما هى دار امتحان واختبار ، فمن زکّی نفسه وعمل ما يقرّبه إلى الله زلفى ، فقد فاز في الدار الآخرة ، وأمّا من عصى ، وضلّ عن طريق الهدى ، فإنّ جهنّم هي المأوى .
12 - أمِنْ حكمته أن جعل لنفسه عدوّاً ، وقد كان ولا عدوّ له ، فخلق كما زعمت - إبليس ، فسلّطه على عبيده يدعوهم إلى خلاف طاعته ، ويأمرهم بمعصيته ، وجعل له من القوّة كما زعمت - ما يصل بلطف الحيلة إلى قلوبهم فيوسوس إليهم ، فيشكّكهم في ربّهم ، ويُلبس عليهم دينهم ، فيزيلهم عن معرفته ، حتّى أنكروا قوم لما وسوس إليهم ربوبيّته ، وعبدوا سواه ، فلِمَ سلّط عدوّه على
عبيده ، وجعل له السبيل إلى إغوائهم ؟
إِنَّ هَذَا الْعَدُوَّ الَّذِي ذَكَرْتَ لَا تَضُرُّهُ - أي الله تعالى - عَداوَتُهُ ، وَلَا تَنْفَعُهُ وَلايَتُهُ ، وَعَداوَتُهُ لا تُنْقِصُ مِنْ مُلْكِهِ شَيْئاً ، وَوَلايَتُهُ لَا تَزيدُ فيهِ شَيْئاً ، وَإِنَّما يُتَّقَى الْعَدُوُّ إِذا كانَ فِي قُوَّةٍ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ ، إِنْ هَمَّ بِمُلْكِ أَخَذَهُ ، أَوْ بِسُلْطَانٍ فَهَرَهُ ، فَأَمَا إِبْلِيسُ فَعَبْدٌ خَلَقَهُ لِيَعْبُدَهُ وَيُوَحدَهُ ، وَقَدْ عَلِمَ حينَ خَلَقَهُ ما هُوَ، وَإِلى ما يَصيرُ إِلَيْهِ ، فَلَمْ يَزَلْ يَعْبُدُهُ مَعَ مَلَائِكَتِهِ حَتَّى امْتَحَنَهُ بِسُجودِ آدَمَ ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذلِكَ حَسَداً وَشَقاوَةً غَلَبَتْ عَلَيْهِ ، فَلَعَنَهُ عِنْدَ ذلِكَ ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ صُفوفِ الْمَلَائِكَةِ ، وَأَنْزَلَهُ إِلَى الْأَرْضِ مَلْعوناً مَدْحوراً ، فَصارَ عَدُوَّ آدَمَ وَوَلَدِهِ بِذلِكَ السَّبَبِ ، ما لَهُ مِنَ السَّلْطَنَةِ عَلى وَلَدِهِ إِلَّا الْوَسْوَسَةَ ، وَالدُّعاءَ إِلَى غَيْرِ السَّبِيلِ ، وَقَدْ أَقَرَّ مَعَ مَعْصِيَتِهِ لِرَبِّهِ بِرُبُوبِيَّتِهِ .
وحكى هذا المقطع من جواب الإمام علیه السلام أنّ الله تعالى لا تنفعه طاعة من أطاعة ، ولا تضرّه معصية من عصاه ؛ لأنّه صاحب القوّة العظمى ، وبيده ملكوت كلّ شيء .
أمّا إبليس فقد علم الله تعالى حين خلقه له ما هو عليه من التمرّد والعصيان ، فامتحنه بالسجود لآدم فأبى واستكبر ، وقد أظهره بذلك لملائكته ، وقد أنزل به عقابه ، ولعنته إلى يوم الدين ، وحينما استقرّ في الأرض أظهر العداوة القصوى لآدم وذريّته ، وزيّن لهم كلّ ما يغويهم ويصدّهم عن الطريق المستقيم ، وقد أنذر تعالى ابن آدم من اتباعه ، وحذّرهم من سطوته ومكره ، وتوعّد التابعين له بالعذاب الأليم .
13 - أيصلح السجود لغير الله ؟
لا.
14 - كيف أمر الله الملائكة بالسجود لآدم ؟
إِنَّ مَنْ سَجَدَ بِأَمْرِ اللَّهِ سَجَدَ لِلَّهِ إِذَا كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ
وهو جواب وثيق للغاية ، فإنّ السجود إذا كان بأمر الله تعالى فهو سجود له لا سجود لغيره .
15 - من أين أصل الكهانة ؟ ومن أين يخبر الناس بما يحدث ؟
إِنَّ الْكَهَانَةَ كَانَتْ فِي الْجاهِلِيَّةِ فِي كُلِّ حينٍ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ كَانَ الْكاهِنُ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ يَحْتَكِمُونَ إِلَيْهِ فيما يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأمورِ بَيْنَهُمْ ، فَيُخْبِرُهُمْ عَنْ أَشْيَاءَ تَحْدَثُ ، وَذَلِكَ مِنْ وُجوهِ شَتّى ، فَرَاسَةِ الْعَيْنِ ، وَذَكاءِ الْقَلْبِ ، وَوَسْوَسَةِ النَّفْسِ ، وَفِتْنَةِ الرُّوحِ ، مَعَ قَذْفٍ في قَلْبِهِ ، لأنَّ ما يَحْدَثُ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْحَوادِثِ الظَّاهِرَةِ ، فَذلِكَ يَعْلَمُهُ الشَّيْطَانُ ، وَيُؤَدِّيهِ إِلَى الْكاهِنِ ، وَيُخْبِرُهُ بِما يَحْدَثُ فِي الْمَنازِلِ وَالْأَطْرافِ .
وَأَمَا أَخْبارُ السَّمَاءِ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ تَفْعُدُ مَقاعِدَ اسْتِراقِ السَّمْع إِذْ ذاكَ ، وَهِيَ لَا تُحْجَبُ ، وَلَا تُرْجَمُ بِالنُّجومِ ، وَإِنَّما مُنِعَتْ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ لَئِلًا يَقَعَ فِي الْأَرْضِ سَبَبُ نَشاكُلِ الْوَحْيِ مِنْ خَبَرِ الشُّبْهَةِ .
وَكانَ الشَّيْطَانُ يَسْتَرِقُ الْكَلِمَةَ الْواحِدَةَ مِنْ خَبَرِ السَّماءِ ، بِما يَحْدَثُ مِنَ اللهِ فِي خَلْقِهِ فَيَخْتَطِفُها ، ثُمَّ يَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ فَيَقْذِفُها إِلَى الْكاهِن ، فَإِذا قَدْ رَادَ كَلِمَاتٍ مِنْ عِنْدِهِ ، فَيَخْلُطُ الْحَقِّ بِالْباطِلِ ، فَما أَصابَ الْكاهِنُ مِنْ خَبَرِ مِمَّا كَانَ يُخْبِرُ بِهِ فَهُوَ مِمَا أَدَاهُ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ لِما سَمِعَهُ ، وَما أَخْطَأَ فِيهِ فَهُوَ مِنْ باطِلِ ما زادَ فِيهِ ، فَمُنْذُ مُنِعَتِ الشَّيَاطِينُ عَنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ انْقَطَعَتِ الْكَهَانَةُ و
وَالْيَوْمَ إِنَّما تُؤَدِّي الشَّياطينُ إِلى كُهَانِها أَخْباراً لِلنَّاسِ بِما يَتَحَدَّثُونَ بِهِ ، وَما تُحْدِثونَهُ ، وَالشَّياطينُ تُؤَدِّي لِلشَّياطين ما يَحْدَثُ فِي الْبَعْدِ مِنَ الْحَوادِثِ مِنْ سَارِقٍ سَرَقَ ، وَمِنْ قاتِل قَتَلَ ، وَمِنْ عَائِبٍ غَابَ وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ النَّاسِ أَيْضاً صَدوقٌ وَكَذوب .
وحوى هذا المقطع من جواب الإمام علیه السلام ما يلي :
أوّلاً : إنّ الكهانة تأسّست أيّام الجاهليّة ، حينما لم يكن بين الأمم بصيصر الوعي والعلم .
ثانياً : إنّ الكاهن في تلك العصور المظلمة بمنزلة الحاكم ، وكان الناس يرجعون إليه في أمورهم .
ثالثاً : إنّ أحكام الكاهن تستند تارة إلى الفراسة ، وأخرى إلى ذكاء القلب ، وثالثة إلى ما يوحي به الشيطان إليه .. هذه بعض الأمور في كلام الإمام علیه السلام.
16 - وكيف صعدت الشياطين إلى السماء ، وهم أمثال الناس في الخلقه والكثافة ، وقد كانوا يبنون لسليمان بن داود من البناء ما يعجز عنه ولد آدم ؟
سُخّروا لِسُلَيْمانَ ، وَهُمْ خَلْقَ رَقِيقٌ غَدَاؤُهُمُ النَّسيمُ ، وَالدّليلُ عَلى ذلِكَ صُعودُهُمْ إِلَى السَّماءِ لاسْتِراقِ السَّمْعِ ، وَلَا يَقْدِرُ الْجِسْمُ الْكَثِيفُ عَلَى الارْتِقاءِ إِلَيْهَا بِسُلَّم أَوْ بِسَبَبٍ .
وجواب الإمام علیه السلام في منتهى الروعة والدقّة ، فإنّ الجنّ ليسوا كالبشر في كثافة أجسامهم، و إنّما هم خلق رقيق جداً ، قد جعل الله تعالى غذاءهم من النسيم .
17 - أخبرني عن السحر ما أصله ؟
وكيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه ، وما يفعل ؟
إِنَّ السِّحْرَ عَلَىٰ وُجُوهِ شَتّى :
وَجْهٌ مِنْها بِمَنْزِلَةِ الطَّبَ ، فَكَما أَنَّ الأطباءَ وَضَعوا لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ ، فَكَذلِكَ عِلْمٌ السحر ، احتالوا لِكُلِّ صِحَّةِ آفَةٌ ، وَلِكُلِّ عافية عاهَةٌ ، وَلِكُلِّ مَعْنى حيلَةٌ .
وَنَوْعَ آخَرُ مِنْ خَطْفَةٍ وَسُرْعَةٍ ، وَمَخاريقَ وَخِفَّة .
وَنَوْعٌ آخَرُ ما يَأْخُذُ أَوْلِياءُ الشَّياطينِ عَنْهُمْ .
18 - من أين علم الشياطين السحر ؟
مِنْ حَيْثُ عَرِفَ الْأَطِباءُ الطَّبَّ بَعْضُهُ تَجْرِبَةٌ ، وَبَعْضُهُ عِلاج .
19 - ما تقول فى الملكين : هاروت وماروت ، وما يقول الناس بأنّهما يعلّمان الناس السحر ؟
إِنَّهُما مَوْضِعُ ابْتِلاءِ ، وَمَوْضِعُ فِتْنَةٍ ، تَسْبيحُهُما الْيَوْمَ ، لَوْ فَعَلَ الْإِنسانُ كَذَا وَكَذَا ، وَلَا يُعالِجُ كَذَا وَكَذَا ، لَكانَ كَذا ، أَصْنافُ السِّحْرِ ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما مَا يَخْرُجُ عَنْهُما ، فيقولان لَهُمْ: إِنَّمَا نَحْنَ فِتْنَةٌ فَلَا تَأْخُذُوا عَنَّا مَا يَضُرُّكُمْ وَلَا يَنْفَعُكُمْ .
20 - أيقدر الساحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب أو الحمار أو غير ذلك ؟
هُوَ أَعْجَرُ مِنْ ذلِكَ ، وَأَضْعَفُ مِنْ أَنْ يُغَيّرَ خَلْقَ اللهِ ، إِنَّ مَنْ أَبْطَلَ ما رَكَّبَهُ اللهُ وَصَوَّرَهُ وَغَيَّرَهُ فَهُوَ شَرِيكُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذلِكَ عُلُوا كَبِيراً ، لَوْ قَدَرَ السَّاحِرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ لَدَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الْهَرَمَ وَالْافَةَ وَالْأَمْراضَ ، وَلَنَفَى الْبَياضَ عَنْ رَأْسِهِ ، وَالْفَقْرَ عَنْ ساحَتِهِ ، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ السِّحْرِ النَّمِيمَةَ يُفَرِّقُ فيها بَيْنَ الْمُتَحابَينَ ، وَيَجْلِبُ الْعَداوَةَ عَلَى الْمُتَصافِينَ ، وَيَسْفِكُ بها الدّماءَ ، وَيَهْدِمُ بها الدّورَ ، وَيَكْشِفُ بها السُّتورَ ، وَالنَّمَامُ أَشَرُّ مَنْ وَطَأَ الْأَرْضَ بِقَدَمٍ ، فَأَقْرَبُ أَقاويلِ السِّحْرِ مِنَ الصَّوابِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الطَّبَ ، إِنَّهُ السَّاحِرُ عالَجَ الرَّجُلَ فَامْتَنَعَ مِنْ مُجامَعَة النِّساءِ ، فَجاءَ الطَّبيبُ فَعَالَجَهُ بِغَيْرِ ذلِكَ الْعِلَاحِ فَأَبْرِئ .
إنّ الساحر أعجز وأضعف من أن يغيّر أو يبدّل ما خلق الله تعالى ، ولو كان قادراً على ذلك لأصبح شريكاً له تعالى فى خلقه، ولو كان قادراً لنفى الهرم والشيخوخة
عن نفسه ، وهو أعجز من أن يقوم بذلك.
وعرض الإمام علیه السلام إلى النمّام، فشنّ عليه حملة شعواء ، وأنّه من مصادر الفساد في الأرض ، وأنّ ما يلحق بالناس من أضرار بالغة عن نميمته من سفك الدماء ، وهدم المنازل وغير ذلك كلّها مسؤول عنها النمّام ومعاقب عليها .
21 - ما بال ولد آدم فيهم شريف ووضيع ؟
الشَّريفُ الْمُطيعُ ، وَالْوَضِيعُ الْعاصي .
22 - أليس فيهم فاضل ومفضول ؟
إِنَّمَا يَتَفاضَلُونَ بِالتَّقْوى .
23 - أتقول : إنّ ولد آدم كلّهم سواء في الأصل لا يتفاضلون إلّا بالتقوى ؟
نَعَمْ ، إِنِّي وَجَدْتُ أَصْلَ الْخَلْقِ التُّرابَ ، وَالْأَبُ آدَمُ ، وَالامُ حَوَاهُ ، خَلَقَهُمْ إِلهُ واحِدٌ ، وَهُمْ عَبيدُهُ . إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ اخْتارَ مِنْ وُلْدِ آدَمَ أناساً طَهَّرَ ميلادَهُمْ ، وَطَيَّبَ أَبْدَانَهُمْ ، . وَحَفَظَهُمْ في أَصْلابِ الرِّجالِ وَأَرْحامِ النِّساءِ ، أَخْرَجَ مِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ ، فَهُمْ أَزْكَى فُروعَ آدَمَ ، فَعَلَ ذلِكَ لأَمْرِ اسْتَحَفُّوهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلكِنْ عَلِمَ اللهُ مِنْهُمْ حِينَ ذَرَأَهُمْ أَنَّهُمْ يُطيعونَهُ وَيَعْبُدونَهُ ، وَلَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئاً ، فَهَؤُلاءِ بِالطَّاعَةِ نالوا مِنَ اللَّهِ الْكَرامَةَ وَالْمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ عِنْدَهُ ، وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لَهُمُ الشَّرَفُ وَالْفَضْلُ وَالْحَسَبُ ، وَسَائِرُ النَّاسِ سَواءٌ ، أَلَا مَن اتَّقَى اللَّهَ أَكْرَمَهُ ، وَمَنْ أَطاعَهُ أَحَبَّهُ ، وَمَنْ أَحَبَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهُ بالنار .
وحكى جواب الإمام علیه السلام عن المادّة التي تكوّن وخُلق منها الإنسان ، فقد تكوّن من التراب ، فهو منشأه وأصله ، وإليه يعود . وقد اختار الله تعالى من ذرّيّة آدم الصفوة والجوهر ، فجعلهم أنبياء ورسلاً لعباده يبلغون أحكامه ، ويرشدون عباده ، ويهدونهم إلى سواء السبيل ، وما عدا هؤلاء من الخلق فهم متساوون لا يفضّل أحد
منهم على أحد إلّا بالتقوى ، ألا هي المقياس الصحيح في التفاضل بين النّاس .
24- أخبرني عن الله عزّ وجلّ كيف لم يخلق الخلق كلّهم مطيعين ، موحّدين ، وكان على ذلك قادراً ؟
لَوْ خَلَقَهُمْ مُطبعينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ثَواب ؛ لأنَّ الطَّاعَةَ إذا ما كَانَتْ مِنْ فِعْلِهِ لَمْ تَكُنْ جَنَّةٌ وَلَا نارٌ ، وَلكِنْ خَلَقَ خَلْقَهُ فَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ، وَاحْتَجُ عَلَيْهِمْ بِرُسُلِهِ ، وَقَطَعَ عُذْرَهُمْ بِكُتُبِهِ ، لِيَكونوا هُمُ الَّذينَ يُطيعونَ وَيَعْصونَ ، وَيَسْتَوْجِبُونَ بِطَاعَتِهِمْ لَهُ التّوابَ ، وَبِمَعْصِيَتِهِمْ إيَّاهُ الْعِقاب.
وعرض الإمام علیه السلام في حديث إلى إبطال الجبر ، فإنّ من لوازمه أن لا تكون هناك جنّة ولا نار وهذا مستحيل، فإنّ الله تعالى خلق الجنّة لمن أطاعه ، والنار لمن عصاه ، والطاعة والمعصية خاضعان لإرادة المكلّف واختياره ، ولم يكن مجبوراً على أي واحد منهما ، وقد عرضت الكتب الكلاميّة إلى الاستدلال على ذلك بصورة مفصّلة .
25 - فالعمل الصالح من العبد هو فعله ، والعمل الشرّ من العبد هو فعله؟
الْعَمَلُ الصَّالِحُ مِنَ الْعَبْدِ بِفِعْلِهِ ، وَاللَّهُ بِهِ أَمَرَهُ ، وَالْعَمَلُ الشَّرُّ مِنَ الْعَبْدِ بِفِعْلِهِ ، وَاللهُ عَنْهُ نَهاه .
26 - أليس فعله بالآلة التي ركّبه فيها ؟
نَعَمْ ، وَلكِنْ بِالْآلَةِ التي عَمِلَ بِهَا الْخَيْرَ ، قَدَرَ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي نَهَاهُ عَنْه .
إنّ الإنسان الذي يعمل الخير هو في نفس الوقت قادر على عمل الشرّ ، وهذا أمر وجداني ، وبهذا الاعتبار استحقّ الثواب ، كما أنّه لو فعل المحرّم استحقّ عليه العقاب .
27 - فإلى العبد من الأمر شيء ؟
ما نَهَاهُ اللهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يُطِيقُ تَرْكَهُ ، وَلَا أَمَرَهُ بِشَيْءٍ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ فِعْلَه ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ الْجَوْرُ وَالْعَبَتُ وَالظُّلْمُ ، وَتَكليفُ الْعِبادِ ما لا يطيقون .
إنّ الله تعالى بجميع تكاليفه من واجبات ومحرّمات، اشترط فيها قدرة العبد على الامتثال ، وقد علم تعالى أنّ العبد قادر على الامتثال ومع قدرة العبد على ذلك ، فلاجبر له على الطاعة ولا على المعصية .
28 - فمن خلقه الله كافراً أيستطيع الإيمان ، وله عليه بتركه الإيمان حجّة ؟
إِنَّ اللهَ خَلَقَ خَلْقَهُ جَميعاً مُسْلِمِينَ ، أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ ، وَالْكُفْرُ إِسْمٌ يَلْحَقُ الْفِعْلَ حِينَ يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ ، وَلَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ الْعَبْدَ حِينَ خَلَقَهُ كَافِراً ، إِنَّهُ إِنَّمَا كَفَرَ مِنْ بَعْدِ أَنْ بَلَغَ وَقْتا لَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ مِنَ اللَّهِ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْحَقَّ فَجَحَدَهُ ، فَبِإِنْكَارِهِ الْحَقَّ صَارَ كَافِراً .
إنّ الله تعالى خلق عباده على فطرة التوحيد ، وأمرهم بما يقرّبهم إليه زلفى ، وقد اختارت شرائح من الخلق الكفر والإلحاد وجحدوا الحقّ ، وذلك بإرادتهم واختيارهم .
29 - أفيجوز أن يقدِّر على العبد الشرّ ، ويأمره بالخير ، وهو لا يستطيع الخير أن يعمله ويعذّبه عليه ؟
إِنَّهُ لَا يَليقُ بِعَدْلِ اللهِ وَرَأْفَتِهِ أَنْ يُقَدِّرَ عَلَى الْعَبْدِ الشَّرُ ، وَيُريدُهُ مِنْهُ ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِما يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَخْذَهُ ، وَالْإِنْزَاعُ عَمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهِ ، ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَى أَمْرِهِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَخْذَه .
وقد أبطل الإمام علیه السلام بذلك جميع الشبه التي أثارها القائلون بالجبر ، وأثبت أنّ
الإنسان مخيّر في فعل الخير والشرّ، وليس هناك إلجاء لأي واحد منهما ، فقد منحه الله الإرادة والاختيار في كلّ عمل يعمله .
30 - بماذا استحقّ الذين أغناهم ، وأوسع عليهم من رزقه الغناء والسعة ، وبماذا استحقّ الفقير التقتير والتضييق ؟
اخْتَبَرَ الأَغْنياءَ بِما أَعْطَاهُمْ لِيَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُهُمْ ، وَ الْفُقَراءَ بِما مَنَعَهُمْ لِيَنْظُرَ كَيْفَ صَبْرُهُمْ ، وَوَجْهُ آخَرُ أَنَّهُ عَجَلَ لِقَوْمٍ فِي حَيَاتِهِمْ ، وَلِقَوْمٍ أَخَّرَ لِيَوْمِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ عَلِمَ احْتِمَالَ كُلِّ قَوْمِ فَأَعْطَاهُمْ عَلَى قَدَرِ احْتِمَالِهِمْ ، وَلَوْ كَانَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ أَغْنِيَاءُ لَخَرَبَتِ الدُّنْيا ، وَفَسَدَ التَّدبيرُ ، وَصارَ أَهْلُهَا إِلَى الْفَناءِ ، وَلكِنْ جَعَلَ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ عَوْناً ، وَجَعَلَ أَسْبَابَ رِزْقِهِمْ فِي ضُروبِ الأَعْمالِ ، وَأَنواع الصناعاتِ ، ذلِكَ أَدْوَمُ فِي الْبَقَاءِ ، وَأَصَحُ في التدبير ، ثُمَّ اخْتَبَرَ الْأَغْنياءَ بِالْإِسْتِعْطَافِ عَلَى الْفُقَراءِ ، كُلُّ ذلِكَ لُطْفٌ وَرَحْمَةٌ مِنَ الْحَكِيمِ الَّذِي لَا يُعَابُ تَدْبِيرُه .
وأجاب الإمام علیه السلام بثلاثة أجوبة عن التفاوت بين الناس في الغنى والفقر ، وهي :
أوّلاً : إنّ هذا التفاوت بين الناس فى الغنى والفقر ، إنّما هو لاختبار الأغنياء لينظر كيف شكرهم لنعمته ، وهل يسعفون الفقراء بما أعطاهم الله من فضله ، كما أنّه في نفس الوقت اختبار للفقير هل يصبر على البؤس والحرمان ليعوّضه الله تعالى الجزاء الجزيل ؟
ثانياً : إنّه إنّما عجّل الله الثراء لقوم في حياتهم الدنيا ، وأمّا الفقراء الصابرون فقد ادّخر لهم الجزاء يوم يلقونه .
ثالثاً : إنّ التفاوت بين الناس في الغنى والثروة ، إنّما هو لأجل إقامة النظام الاجتماعي بين الناس، فإنّهم لو أصبحوا كلّهم أغنياء لعطّلت المكاسب ، وسادت
البطالة ، وفي الحديث الشريف: «لَوْ تَساوَيْتُمْ لَهَلَكْتُمْ » ، فالتفاوت إنّما هو لطف ورحمة من الله تعالى على عباده .
31 - فيما استحقّ الطفل الصغير ما يصيبه من الأوجاع والأمراض بلا ذنب عمله ، ولا جرم سلف منه ؟
إِنَّ الْمَرَضَ عَلَى وُجوهِ شَتَى : مَرَضُ بَلْوى ، وَمَرَضُ عُقوَبَةٍ ، وَمَرَضٌ جُعِلَ عِلَّةٌ لِلْفَناءِ ، وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ ذلِكَ مِنْ أَغْذِيَةٍ رَدينَةٍ ، وَأَشْرِبَةٍ وَبِيَّةٍ ، أَوْ مِنْ عِلَّةٍ كَانَتْ بِأُمِّهِ ، وَتَزْعُمُ أَنَّ مَنْ يُحْسِنُ السَّيَاسَةَ لِبَدَنِهِ ، وَأَجْمَلَ النَّظَرَ فِي أَحْوالِ نَفْسِهِ ، وَعَرَفَ الضَّارَ مِمّا يَأْكُلُ مِنَ النَّافِع لَمْ يَمْرَضُ، وَتَميلُ في قَوْلِكَ إِلى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَكونُ الْمَرَضُ وَالْمَوْتُ ، إِلَّا مِنَ الْمَطْعَم وَالْمَشْرَبِ ! قَدْ مَاتَ أَرِسْطاطاليسُ مُعَلِّمُ الأَطِبَاءِ ، وَإِفْلاطون رَئيسُ الْحُكَماءِ ، وَجالينوس شاخَ وَدَقَّ بَصَرُهُ ، وَما دَفَعَ الْمَوْتَ حِينَ نَزَلَ بِسَاحَتِهِ ، وَلَمْ يَأْلُوا حِفْظَ أَنْفُسِهِمْ وَالنَّظَرَ لِما يُوافِقُها ، كَمْ مَريضِ قَدْ زَادَهُ الْمُعَالِجُ سَقَماً ؟ وَكَمْ مِنْ طبيب عالِم وَبِصيرِ بِالْأَدْواءِ وَالْأَدْوِيَةِ ماهِرٍ ماتَ ، وَعاشَ الْجَاهِلُ بِالطَّبَ بَعْدَهُ زَماناً ؟ فَلَا ذاكَ نَفَعَهُ عِلْمُهُ بِطِيِّهِ عِنْدَ انْقِطاع مُدَّتِهِ وَحُضورٍ أَجَلِهِ ، وَلَا هَذا أَضَرَّهُ الْجَهْلُ بِالطَّب مَعَ بَقاءِ الْمُدَّةِ وَتَأَخُرِ الْأَجَلِ .
وأضاف الإمام علیه السلام قائلاً:
إِنَّ أَكْثَرَ الْأَطِبَاءِ قالوا : إِنَّ عِلْمَ الطَّبَ لَمْ تَعْرِفْهُ الأنبياءُ ، فَمَا نَصْنَعُ عَلَى قياسِ قَوْلِهِمْ
بِعِلْمٍ زَعَمُوا لَيْسَ تَعْرِفُهُ الْأَنْبياءُ وَيُكَذِّبُ الْكُتُبَ الْمُنْزَلَةَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَهذا أَزْهَدَنِي فِي طَلَبِهِ وَحامِليه .
وقسم الإمام علیه السلام الأمراض إلى أنواع شتّى حسب ما هو مذكور في كلامه ، وأكّد أنّها ليست ناجمة فقط عن سوء التغذية ، والعدوى من الأمّ ، وإنّما لها أسباب أخرى ،
كما فنّد المزاعم التي تحصر المرض والموت في المطعم والمشرب ، فقد لاقى حتفه أرسطاطاليس معلّم الأطباء ، وكذلك إفلاطون رئيس الحكماء ، وجالينوس ، وقد احتاط هؤلاء لأنفسهم كأشّد ما يكون الاحتياط ، فلم ينفعهم ذلك ، وكم بقي على قيد الحياة الجهّال الذين لا معرفة لهم بالطبّ ، وهذا ممّا يدلّل على أنّ الموت بيد الله تعالى ، وأنّ كلّ إنسان يموت بساعته وأجله .
32 - كيف تزهد في قوم وأنت مؤدبهم وكبيرهم ؟
إِنِّي رَأَيْتُ الرَّجُلَ الْمَاهِرَ فِي طِبْهِ إِذا سَأَلْتُهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى حُدودِ نَفْسِهِ ، وَتَأْلِيفِ بَدَنِهِ ، وَتَرْكيبٍ أَعْضائِهِ ، وَمَجْرَى الْأَغْذِيَةِ فِي جَوَارِحِهِ ، وَمَخْرَجِ نَفْسِهِ ، وَحَرَكَةِ لِسانِهِ ، وَ مُسْتَقَرٌّ كَلامِهِ ، وَنورٍ بَصَرِهِ ، وَانْتِشارِ ذَكَرِهِ ، وَاخْتِلافِ شَهَواتِهِ ، وَانْسِكاب عَبَراتِهِ ، وَمَجْمَعِ سَمْعِهِ ، وَمَوْضِع عَقْلِهِ ، وَمَسْكَنِ رَوْحِهِ ، وَمَخْرَج عَطَشِهِ ، وَمُهَيْج عُمومِهِ ، وَأَسْبابِ سُرورِهِ ، وَعِلَّةَ ما حَدَثَ فِيهِ مِنْ بُكُم وَصَمَمِ ، وَغَيْرِ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ في
ذلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَقاويلَ اسْتَحْسَنوها ، وَعِلَلِ فِيمَا بَيْنَهُمْ جَوَّزوها .
لقد نعى الإمام الحكيم على الأطباء جهلهم بحقائق الجوارح ، وأعضاء البدن ، والشؤون النفسيّة التي تربط كلّ واحد منها بعدّة أسباب قد جهلوها ولم يقفوا على واقعها ، وليس عندهم من بضاعة سوى أقاويل لا تمتّ إلى العلم بصلة .
33 - أخبرني عن الله ، أله شريك في ملكه أو مضادّ له في تدبيره ؟
لا .
34 - ما هذا الفساد الموجود في العالم ، من سباع ضارية ، وهوام مخوفة ، وخلق كثير مشوّه ، ودود ، ويعوض ، وحيّات وعقارب ، وزعمت أنّه لا يخلق شيئاً إلّا لعلّة؛ لأنّه لا يعبث ؟
أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ الْعَقارِبَ تَنْفَعُ مِنْ وَجَعِ الْمَثَانَةِ وَالْحَصَاةِ ، وَلِمَنْ يَبولُ فِي الْفِراشِ ؟ وَأَنَّ أَفْضَلِ تِرْياقٍ ما عولج مِنْ لُحومِ الْأَفاعي ، فَإِنَّ لَحومَهَا إِذا أَكَلَهَا الْمَجْدُومُ يَشِبُّ نَفْعُهُ ، وَتَزْعُمُ أَنَّ الدَّودَ الأَحْمَرَ الَّذي يُصابُ تَحْتَ الْأَرْضِ نَافِعٌ لِلْآكِلَةِ ؟
الزنديق : نعم .
الإمام : فَأَمَا الْبَعوضُ وَالْبَقُ فَبَعْضُ سَبَبُهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ أَرْزاقَ الطَّيْر ، وأهانَ بها جَبَاراً تَمَرَّدَ عَلَى اللهِ وَتَجَبَّرَ ، وَأَنْكَرَ رُبوبيَّتَهُ ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَضْعَفَ خَلْقِهِ لِيُرِيَهُ قُدْرَتَهُ وَعَظَمَتَهُ ، وَهِيَ الْبَعوضُ ، فَدَخَلَتْ فِي مَنْخَرِهِ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَىٰ دَمَاغِهِ فَقَتَلَتْهُ ، وَاعْلَمْ أَنَا لَوْ وَقَفْنا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَ خَلَقَهُ ؟ وَلأَيِّ شَيْءٍ أَنْشَأَهُ ؟ لَكُنَا قَدْ سَاوَيْناهُ في عِلْمِهِ وَعَلِمْنَا كُلَّ ما يَعْلَمُ ، وَاسْتَغْنَيْنا عَنْهُ ، وَكُنَّا وَهُوَ فِي الْعِلْمِ سَواء .
وعرض الإمام علیه السلام في آخر حديثه إلى خلق البعوض والبقّ ، وما يترتّب عليها من فائدة ، فقد جعلهما الله رزقاً للطيور، خصوصاً المرابطة منها على سواحل البحر في بعض مناطق أفريقيا ، فإنه لولا تلك الطيور ذات الألوان البديعة الممتعة لما عاش إنسان في تلك المناطق من جرّاء البعوض الذي ملأ الفضاء ، فكانت تلك الطيور سدّاً منيعاً من وصولها إلى تلك المناطق ، وهي تعيش عليها(1).
كما أنّ من حكمة خلق البعوض أنّ الله تعالى أهان بها جبّاراً تمرّد على الله ، وهو نمرود ، فسلّط الله عليه أضعف مخلوقاته ، وهي البعوض فدخلت في أنفه حتّى وصلت إلى دماغه فقتلته .
35 - أخبرني هل يعاب شيء من خلق الله وتدبيره ؟
لا.
1) من الكفر للإيمان ، وكان ذلك من الأسباب التي دعت المؤلّف مصطفى محمود أن يرفض الشرك والإلحاد ويرجع إلى الإسلام .
36 - إنّ الله خلق خلقه عزلاً (1)، أذلك منه حكمة أم عبث ؟
بَلْ مِنْهُ حِكْمَة
37 - غيّرتم خلق الله ، وجعلتم فعلكم في قطع الغلفة أصوب ممّا خلق الله لها ، وعبتم الأغلف والله خلقه ، ومدحتم الختان وهو فعلكم ، أم تقولون إنّ ذلك من الله كان خطاً غير حكمة ؟
ذلِكَ مِنَ اللهِ حِكْمَةٌ وَصَوابٌ ، غَيْرَ أَنَّهُ سَنَّ ذلِكَ ، وَأَوْجَبَهُ عَلَى خَلْقِهِ ، كَمَا أَنَّ الْمَوْلُودَ إذا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَجَدْنا سُرَّتَهُ مُتَّصِلَةٌ بِسُرَةِ أُمِّهِ ، كَذلِكَ خَلَفَها الْحَكيمُ ، فَأَمَرَ الْعِباد بِقَطْعِها ، وَفِي تَرْكِها فَسَادٌ بَيِّنٌ لِلْمَوْلُودِ وَالْأُمِّ .
وَكَذلِكَ أَظْفارُ الْإِنْسَانِ أَمَرَ إِذا طالَتْ أَنْ تُقَلَّمَ ، وَكَانَ قادِراً يَوْمَ دَبَّرَ خَلْقَ الْإِنْسَانَ أَنْ يَخْلُقَها خِلْقَةً لَا تَطولُ.
وَكَذلِكَ الشَّعَرُ مِنَ الشَّارِبِ وَالرّأسِ يَطولُ ، فَيُجَزُّ .
وَكَذلِكَ الثَّيرانُ خَلَقَها الله فحولَةٌ ، وَإِحْصاؤُها أَوْفَقُ ، وَلَيْسَ فِي ذلِكَ عَيْبٌ فِي تَقْدِيرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وكان جواب الإمام علیه السلام عن الإشكال جواباً نقضيّاً - كما يقول الأصوليّون - فقد أنقض عليه بأمور كثيرة كان منها تقليم الأظافر وإزالة الشعر، وغيرهما ، وكان باستطاعة الله يوم خلقه لها أن يخلقها خلقة لا تطول كما يقول علیه السلام.
38 - ألست تقول : يقول الله تعالى : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ )(2)، وقد نرى
المضطرّ يدعوه فلايجاب له ، والمظلوم يستنصره على عدوّه لا ينصره ؟
وَيْحَكَ ! ما يَدْعوهُ أَحَدٌ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ ، أَمَا الظَّالِمُ فَدعاؤُهُ مَرْدُودٌ إِلَى أَنْ يَتوبَ إِلَيْهِ ، وَأَمَّا الْمُحِنُّ فَإِنَّهُ إِذا دَعاهُ اسْتَجابَ لَهُ ، وَصَرَفَ عَنْهُ الْبَلاءَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُهُ ، أَوِ ادَّخَرَ لَهُ ثَواباً جزيلاً لِيَوْمِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ الَّذِي سَأَلَ الْعَبْدُ خَيْراً لَهُ إِنْ أَعْطَاهُ أَمْسَكَ عَنْهُ ، وَالْمُؤْمِنُ الْعارِفُ باللَّهِ رُبَّما عَزَّ عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُوهُ فيما لا يَدْري أَصَوابٌ ذلِكَ أَمْ خَطَأً ؟ وَقَدْ يَسْأَلُ الْعَبْدُ رَبَّهُ هَلاكَ مَنْ لَمْ يَنْقَطِعْ مُدَّتُهُ ، أَوْ يَسْأَلِ الْمَطَرَ وَقْتاً ، وَلَعَلَّهُ أوان لا يَصْلُحُ فِيهِ الْمَطَرُ ، لأَنَّهُ أَعْرَفُ بِتَدْبِيرِ ما خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ كَثيرَةٌ ، فَافْهُمْ .
وأدلى الإمام علیه السلام ببعض الشروط التي ينبغي أن تتوفّر لاستجابة الدعاء ، والتي منها أن لا يكون الداعي ظالماً ، فإنّ دعاءه مردود ، فإنّ الله لا يستجيب دعاءه ، وأمّا إذا كان محقّاً ، فإنّ الله تعالى يستجيب دعاءه ويصرف عنه السوء والبلاء من حيث لا يدري ، أو أنّه يدّخره ليوم حاجته له .
وذكر الإمام علیه السلام من موارد استجابة الدعاء أن يكون الموضوع قابلاً للتحقّق ، فإذا لم يكن قابلاً لذلك فإنّه لا يستجاب كما في الدعاء بنزول المطر في غير أوانه ، وأمثال ذلك فإنّه لا يستجاب .
39 - أخبرني أيّها الحكيم ما بالُ السماء لا ينزل منها إلى الأرض أحد ، ولا يصعد من الأرض إليها بشر ، ولا طريق إليها ولا مسلك ، فلو نظر العباد في كلّ دهر مرّة من يصعد إليها وينزل ، لكان ذلك أثبت في الربوبيّة ، وأنفى للشكّ ، وأقوى لليقين ، وأجدر أن يعلم العباد أنّ هناك مدبّراً إليه يصعد الصاعد ، ومن عنده يهبط الهابط ؟
إِنَّ كُلَّ ما تَرى فِي الْأَرْضِ مِنَ التَّدْبير ، إِنَّما هُوَ يَنْزَلُ مِنَ السَّمَاءِ ، وَمِنْهَا يَظْهَرُ ، أما تَرَى الشَّمْسَ مِنْها تَطْلُعُ ، وَهِيَ نورُ النَّهارِ ، وفيها قوامُ الدُّنْيا ، وَلَوْ حُبِسَتْ حارَ مَنْ
عَلَيْها وَهَلَكَ ، وَالْقَمَرُ مِنْها يَطْلُعُ ، وَهُوَ نورُ اللَّيْلِ ، وَبِهِ يُعْلَمُ عَدَدُ السِّنينَ وَالْحِسابِ ، وَالشُّهورِ وَالآيَامِ ، وَلَوْ حُبِسَ لَحارَ مَنْ عَلَيْهَا ، وَفَسَدَ التَّدبير ، وَفي السَّماءِ النُّجومُ الَّتي يُهْتَدى بِها في ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَمِنَ السَّمَاءِ يَنْزِلُ الْغَيْثُ الَّذِي فِيهِ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ ، مِنَ الزَّرْعِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَنْعَامِ ، وَكُلُّ الْخَلْقِ لَوْ حُبِسَ عَنْهُمْ لَما عاشوا ، وَالرِّيحُ لَوْ حَبَسْتَ إِيَّاهُ لَفَسَدَتِ الْأَشْياءُ جَمِيعاً وَتَغَيَّرَتْ ، ثُمَّ الْغَيْمُ وَالرَّعْدُ وَالْبَرْقُ وَالصَّواعِقُ كُلُّ ذلِكَ إِنَّما هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هُناكَ مُدَبِّراً يُدَبِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ، وَمِنْ عَنْدِهِ يَنْزِلُ ، وَقَدْ كَلَّمَ اللهُ مُوسَى وَناجاهُ ، وَرَفَعَ اللهُ عيسى بْنَ مَرْيَمَ ، وَالْمَلائِكَةُ تَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ ، غَيْرَ أَنَّكَ لَا تُؤْمِنُ بِما لَمْ تَرَهُ بِعَيْنِكَ ، وَفيما تَراهُ بِعَيْنِكَ كِفَايَةً أَنْ تَفْهَمَ وَتَعْقَلَ .
وحكى الإمام الصادق علیه السلام في جوابه أنّ الله تعالى ظهر لعباده بجميع معاني الظهور ، فقد تجلّى لهم في آياته العظام التي منها خلقه للشمس التي تمدّ هذا الكوكب الذي نعيش عليه بجميع مقومات الحياة ، فلولا طاقاتها الحرارية لما عاش الإنسان ، وانعدمت جميع وسائل الحياة ، فهي التي تمدّ الأرض بالعناصر الكيماوية التي يحتاج إليها الزرع ولولاها لاستحال الزرع .
ومن آياته العظام القمر ، فهو أيضاً يمدّ الأرض ببعض العناصر الكيماويّة التي يحتاج إليها الزرع ، كما أنّ المدّ والجزر في البحار يستندان إلى أشعّته ، وعليهما يتوقّف نظام البحار ، وما فيها من بدائع المخلوقات .
ومن بدائع آياته تعالى الغيث الذي ينزل من السماء ، فقد جعله في وقت محدود ، ولو دام لدمّر ، وبه يحيي ، وبه يحيي الأرض بعد موتها ، ولو حُبس المطر عن الأرض لهلك الإنسان والحيوان .
ومن عظيم آياته الهواء الذي هو العنصر الأساس للحياة ، فلو توقّف لحظة لما عاش الإنسان ، فبالهواء حياته وبقاؤه ، كما أنّه هو العنصر الأساس لبقاء جميع
الكائنات الحيّة على هذا الكوكب .
وهذه الآيات العظيمة كلّها تدلّل على وجود مبدعها ومكوّنها ، فالأثر يدلّ على المؤثر - كما يقول علماء المنطق - وهي تحكي بلاخفاء وجود الخالق العظيم ، خالق الكون وواهب الحياة .
40 - فلو أنّ الله ردّ إلينا من الأموات في كلّ مائة عام واحداً لنسأله عن مَن مضى منّا إلى ما صاروا إليه ، وكيف حالهم ؟ وماذا لقوا بعد الموت ؟ وأيّ شيء صُنع بهم ؟ ليعمل الناس على اليقين، واضمحلّ الشكّ ، وذهب الغلّ عن القلوب ؟
إنَّ هَذِهِ مَقالَةَ مَنْ أَنْكَرَ الرُّسُلَ وَكَذَّبَهُمْ ، وَلَمْ يُصَدِّقُ بِمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، إِذْ أَخْبَرُوا وَقالوا : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ في كِتَابِهِ عَلى لِسَانِ أَنْبِيَائِهِ ، حَالَ مَنْ مَاتَ مِنَا ، أَفَيَكونُ أَحَدٌ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قَوْلاً وَمِنْ رُسُلِهِ ، وَقَدْ رَجَعَ إِلَى الدُّنْيا مِمَّنْ ماتَ خَلْقٌ كَثيرٌ مِنْهُمْ ( أَصْحَابَ الْكَهْفِ ) أَمَاتَهُمُ اللَّهُ ثَلاثَمَانَةِ عامِ وَتِسْعَةَ ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ فِي زَمَانِ قَوْمٍ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ لِيَقْطَعَ حُجَّتَهُمْ ، وَلِيُرِيَهُمْ قُدْرَتَهُ ، وَلِيَعْلَموا أَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ .
وَأَماتَ الله ( أرمياءَ ) النّبيُّ الَّذى نَظَرَ إلى خَراب بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَما حَوْلَهُ حِينَ غَرَاهُمْ يُخْت نُصَّرُ ، وَقَالَ :( أَنَّىٰ يُحْيِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِانَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ )(1)، وَنَظَرَ إِلَى أَعْضَائِهِ كَيْفَ تَلْتَيمُ ، وَكَيْفَ تَلْبَسُ اللَّحْمَ ، وَإلى مَفاصِلِهِ وَعُرُوقِهِ كَيْفَ تُوصَلُ ، فَلَمَا اسْتَوى قاعِداً قالَ : (أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ، وَأَحْيَا اللَّهُ قَوْماً خَرَجوا مِنْ أَوْطَائِهِمْ ها ربينَ مِنَ الطَّاعونِ لَا يُحْصى عَدَدُهُمْ ، وَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ دَهْراً طويلاً ، حَتَّى بَلِيَتْ عِظامُهُمْ ، وَتَقَطَّعَتْ أَوْصالُهُمْ ، وَصاروا تُراباً ، فَبَعَثَ الله في وَقْتٍ أَحَبَّ أَنْ يُرِيَ
1) البقرة 2: 259 .
خَلْقَهُ قُدْرَتَهُ نَبِيّاً يُقالُ لَهُ: ( حِزْقِيلُ) ، فَدَعاهُمْ ، فَاجْتَمَعَتْ أَبْدانُهُمْ ، وَرَجَعَتْ أَزْواجُهُمْ ، وقاموا كَهَيْئَةِ يَوْمَ ماتوا ، لَا يَفْقِدُونَ مِنْ أَعْدادِهِمْ رَجُلاً ، فَعاشوا بَعْدَ ذلِكَ دَهْراً طويلاً.
وَأَنَّ اللَّهَ أَماتَ قَوْماً خَرَجُوا مَعَ مُوسى علیه السلام حينَ تَوَجَّهَ إِلَى اللَّهِ ، فَقَالُوا : ( أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً)(1)، فَأَماتَهُمُ اللهُ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ .
وحكى هذا المقطع من جواب الإمام علیه السلام عن جمهرة من الذين أماتهم الله ثمّ أحياهم، والذين منهم أصحاب الكهف وغيرهم ممّن عدّدهم الإمام ، وقد وجم السائل ، ولم يطق الجواب ، ثمّ توجّه بسؤال آخر إلى الإمام .
41- أخبرني عمّن قال بتناسخ الأرواح ، من أي شيء قالوا ذلك ، وبأي حجّة قاموا على مذهبهم ؟
إِنَّ أَصْحابَ التَّناسُخ قَدْ خَلَّفوا وَراءَهُمْ مَناهِجَ الدِّينِ ، وَزَيَّنوا لأَنْفُسِهِمُ الضَّلالاتِ ، وَأَمْرَجوا(2)أَنْفُسَهُمْ في الشَّهَوَاتِ ، وَزَعَمُوا أَنَّ السَّماءَ خاوِيَةٌ ، ما فيها شَيْءٌ مِمَا يُوصفُ ، وَأَنَّ مُدَبِّرَ هَذَا الْعَالَمِ في صورَةِ الْمَخْلُوقِينَ ، بِحُجَّةِ مَنْ رَوِيَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَى ُصورَتِهِ ، وَأَنَّهُ لَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ ، وَلَا بَعْثَ وَلَا نُشْورَ ، وَالْقِيامَةُ عِنْدَهُمْ خُروجُ الروحِ مِنْ قالَبِهِ ، وَولوجُهُ في قالب آخَرَ ، فَإِنْ كانَ مُحْسِنَا فِي الْقَالَبِ الْأَوَّلِ ، أَعِيدَ فِي قالَبٍ أَفْضَلَ مِنْهُ حَسَناً فِي أَعْلَى دَرَجَةٍ مِنَ الدُّنْيا ، وَإِنْ كَانَ مُسِينَا أَوْ غَيْرَ عَارِفٍ صَارَ فِي بَعْضِ الدَّوابِّ الْمُتْعِبضة في الدُّنْيا ، أَوْ هَوامِ مُشَوَّهَةِ الْخِلْقَةِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ صَوْمٌ ، وَلَا صَلَاةٌ ، وَلَا شَيْءٌ مِنَ الْعِبَادَةِ أَكْثَرُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَتُهُ ، وَكُلَّ شَيْءٍ مِنْ
شَهَواتِ الدُّنْيا مُباحٌ لَهُمْ ، مِنْ فُروج النِّساءِ ، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنَ الْأَخَواتِ وَالْبَناتِ وَالْخالات وَذَاتِ البعولَةِ ، وَكَذلِكَ الْمَيْتَةُ وَالْخَمْرُ وَالدَّمُ ، فَاسْتَقْبَحَ مَقالَاتِهِمْ كُلُّ الْفِرَقِ ، وَلَعَنتَهُمْ كُلُّ الأمم ، فَلَمّا سَلُوا الْحُجَّةَ زاغَوا وَحادوا ، فَكَذَّبَ مَقالَتَهُمُ التَّوْراةُ ، وَلَعَنَهُمُ الْفُرْقانُ ، وَزَعَموا مَعَ ذلِكَ أَنَّ إِلهَهُمْ يَنْتَقِلُ مِنْ قالَبٍ إِلى قالب ، وَأَنَّ الْأَرْواحَ الْأَزَلِيَّةَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ في آدَمَ ، ثُمَّ هَلُمَّ جَرّاً ، تَجْرِي إِلى يَوْمِنا هذا في واحِدٍ بَعْدَ آخَرَ ، فَإِذَا كَانَ الْخَالِقُ فِي صورَةِ الْمَخْلُوقِ ، فَبِما يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُما خَالِقُ صَاحِبِهِ ؟!
وقالوا : إِنَّ الْمَلائِكَةَ مِنْ وُلْدِ آدَمَ كُلُّ مَنْ صَارَ في أَعْلَىٰ دَرَجَةٍ مِنْ دِينِهِمْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلَةِ الامْتِحَانِ وَالتَّصْفِيَّةِ فَهُوَ مَلَكَ ، فَطَوْراً تَخالُهُمْ نَصارىٰ فِي أَشْيَاءَ ، وَطَوْراً دَهْرِيَّةٌ يَقولونَ : إِنَّ الْأَشْيَاءَ عَلى غَيْرِ الْحَقِيقَةِ ، فَقَدْ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَأْكُلُوا شَيْئاً مِنَ اللُّحْمَانِ؛ لأَنَّ الذَّرَاتِ كُلَّها مِنْ وُلْدِ آدَمَ حَوِّلُوا مِنْ صُوَرِهِمْ ، فَلَا يَجوزُ أَكْلُ لحوم الْقُرباتِ .
وقدّم الإمام علیه السلام عرضاً شاملاً عن عقيدة التناسخ ، وما فيها من أوهام وخرافات لا يدعمها منطق ، ولا يساندها فكر ، لا يؤمن بها إلّا من ضلّ عقله ، وانحدر إلى مستوى سحيق من الجهل ما له من قرار .
42 - ومن زعم أنّ الله لم يزل ، ومعه طينة مؤذية، فلم يستطع التفصّي منها إلّا بامتزاجه بها ، ودخوله فيها ، فمن تلك الطينة خلق الأشياء ؟
سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى ! أَمَا عَجْزُ إِلهِ يُوصَفُ بِالْقُدْرَةِ لَا يَسْتَطِيعُ التَّفَصَّي مِنَ الطَّيئَةِ ! إِنْ كانَتِ الطِّيئَةُ حَيَّةٌ أَزَليَّةٌ ، فَكانا إِلهَيْنِ قَديمَينِ فَامْتَزَجا ، وَدُبِّرَ الْعالَمُ مِنْ أَنفُسِهِما ، فَإِنْ كانَ ذلِكَ كَذلِكَ فَمِنْ أَيْنَ جاءَ الْمَوْتُ وَالْفَناء؟
وَإِنْ كَانَتِ الطَّيئَةُ مَيْتَةٌ فَلَا بَقَاءَ لِلْمَيِّتِ مَعَ الأَزلي القديم ، وَالْمَيْتُ لَا يَجِيءُ مِنْهُ. وَهَذِهِ مَقالَةُ الدّيصانِيَّةِ أَشَدَّ الزَّنادِقَةِ قَوْلاً ، وَأَمْهَنِهِمْ مَثَلاً ، نَظَرُوا فِي كُتُبِ قَدْ صَنَّفَها أَوائِلُهُمْ ، وَحَبَّرُوها بِالْغازِ مُزَخْرَفَةٍ مِنْ غَيْرِ أَصْلِ ثابِتٍ ، وَلَا حُجَّةٍ تُوجِبُ إثبات ما ادعوا ، كُلُّ ذلِكَ خِلافٌ عَلَى اللهِ ، وَعَلَى رُسُلِهِ بِمَا جَاءُوا عَنِ اللَّهِ .
فَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَبْدانَ ظُلْمَةٌ ، وَالْأَرْواحَ نورٌ ، وَأَنَّ النُّورَ لَا يَعْمَلُ الشَّرَّ ، وَالظُّلْمَةَ لَا تَعْمَلُ الْخَيْرَ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَلومُوا أَحَداً عَلى مَعْصِيَةٍ ، وَلَا رُكوبِ حُرْمَةٍ ، وَلَا إِثْيَانِ فَاحِشَةٍ ، وَإِنَّ ذلِكَ عَنِ الظُّلْمَةِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ؛ لأَنَّ ذلِكَ فِعْلُهَا ، وَلَا لَهُ أَنْ يَدْعو رَبِّاً ، وَلَا يَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ لأنَّ النُّورَ الرَّبُّ ، وَالرَّبُّ لَا يَتَضَرَّعُ إِلَى نَفْسِهِ ، وَلَا يَسْتَعْبِدُ بِغَيْرِ ، وَلَا لَأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنْ يَقُولَ : أَحْسَنْتَ يَا مُحْسِنُ أَوْ أَسَأْتَ؛ لأَنَّ الْإِساءَةَ مِنْ فِعْلِ الظُّلَمَةِ ، وَذلِكَ فِعْلُهَا ، وَالْإِحْسَانُ مِنَ النّورِ ، وَلَا يَقولُ النُّورُ لِنَفْسِهِ أَحْسَنْتَ يا مُحْسِنُ ، وَلَيْسَ هُناكَ ثالِث ، وكانَتِ الظُّلْمَةُ عَلى قياس قَوْلِهِمْ ، أَحْكَمَ فِعْلاً وَأَتْقَنَ تَدْ ِبيراً ، وَأَعَزَّ أَرْكاناً مِنَ النّورِ؛ لأَنَّ الْأَبْدانَ مُحْكَمَةٌ ، فَمَنْ صَوَّرَ هَذَا الْخَلْقَ صورَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى نُعوتٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُرى ظاهِراً مِنَ الزَّهَرِ وَالْأَشْجَارِ وَالنَّمَارِ ، وَالطَّيْرِ وَالدَّوابِّ ، يَجِبُ أَنْ يَكونَ إِلهاً ، ثُمَّ حَبَسَتِ النَّورَ في حَبْسِهَا ، وَالدَّولَةُ لَها .
وَأَمَا مَا ادَّعَوا بِأَنَّ الْعَاقِبَةَ سَوْفَ تَكونُ لِلنُّورِ ، فَدَعْوىٰ ، وَيَنْبَغِي عَلَىٰ قِياسِ قَوْلِهِمْ أَنْ لَا يَكونَ لِلنُّورِ فِعْلٌ ؛ لأَنَّهُ أَسيرٌ ، وَلَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ ، فَلَا فِعْلَ لَهُ وَلَا تَدْبِيرَ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَعَ الظُّلْمَةِ تَدْبِيرٌ فَما هُوَ بِأَسِيرٍ ، بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ عَزيزٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ ، وَكَانَ أَسيَرَ الظُّلْمَةِ ، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ في هذا الْعالَم إِحْسَانٌ ، وَجامِعُ فَسادٍ وَشَرٌّ ، فَهذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الظُّلْمَةَ تُحْسِنُ الْخَيْرَ وَتَفْعَلُهُ ، كَما تُحْسِنُ الشَّرِّ وَتَفْعَلُهُ .
فَإِنْ قالوا : مَحالٌ ذلِكَ فَلَانورُ يَثْبُتُ وَلَا ظُلْمَةٌ ، وَبَطَلَتْ دَعْوَاهُمْ ، وَرَجَعَ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّ
الله واحِدٌ ، وَما سِواهُ باطِلٌ ، فَهَذِهِ مَقالَهُ مَا فِي الزِّنْدِيقِ وَأَصْحَابِهِ .
وَأَمَّا مَنْ قالَ : النُّورُ وَالظُّلْمَةُ بَيْنَهُما حَكْرُ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكونَ أَكْبَرُ الثَّلاثَةِ الْحَكَمَ؛ لأَنَّهُ لَا يَحْتاجُ إِلَى الْحَاكِمِ إِلَّا مَغْلُوبٌ أَوْ جَاهِلٌ أَوْ مَظْلُومٌ ، وَهَذِهِ مَقالَةُ الْمَانَوِيَّةِ ، وَالْحكايَةُ عَنْهُمْ تَطولُ .
وحكى الإمام علیه السلام بعض المذاهب والأديان الإلحاديّة التي لا تلبث أن تتلاشى وتتهاوى أمام المنطق والدليل ، وقد بيّن الإمام علیه السلام ما يواجهها من النقود والمؤاخذات . لقد بنيت تلك المذاهب على فلسفة خرقاء سوداء ، لا سند يدعمها ، ولا برهان يعضدها، ومن ثم اضمحلت وليس لها أي ركيزة اجتماعيّة .
43 - ما قصّة ماني ؟
شَخْصُ أَخَذَ بَعْضِ الْمَجُوسِيَّةِ فَشابَهَا بِبَعْضِ النَّصرانِيَّةِ فَأَخْطَأَ ، وَلَمْ يُصِبْ مَذْهَباً واحِداً مِنْهُما ، وَزَعَمَ أَنَّ الْعالَمَ دُبِّرَ مِنْ إِلنهينِ : نُورٌ وَظُلْمَةٌ ، وَأَنَّ النُّورَ في حِصارٍ مِنَ الظُّلْمَةِ ، عَلى ما حَكَيْنا مِنْهُ ، فَكَذَّبَتْهُ النَّصارى ، وَقَبِلَتْهُ الْمَجوس .
وحكى الإمام علیه السلام بعض المعالم في العقيدة المانويّة التي أباحت كلّ ما حرّمه الله ، وأقرّت كلّ إثم وفساد في الأرض ، وقد لعبت دوراً خطيراً في تضليل الرأي العامّ ، وآمن بها جمهور كبير من المنحرفين والمصابين بأخلاقهم .
44- أخبرني عن المجوس أفبعث الله إليهم نبيّاً ؟ فإنّي أجد لهم كتباً محكمة ومواعظ بليغة ، وأمثالاً شافية ، يقرّون بالثواب والعقاب ، ولهم شرائع يعملون بها ؟
ما مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيها نَذِيرٌ(1)، وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ نَبِيٌّ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَأَنْكَرُوهُ وَجَحَدوه .
1) اقتباس من الآية الكريمة : ( وَإِن مِن أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ) فاطر 35 : 24 .
45 - ومن هو - أي نبيّ المجوس - ؟ فإنّ الناس يزعمون أنّه خالد بن سنان ؟
إِنَّ خَالِداً كَانَ عَرَبِيّاً بَدَوِيَاً ، ما كانَ نَبِيَّاً ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ يَقولُهُ النَّاسُ .
46 - افزردشت ؟
إِنَّ زَرْدَشت أَتاهُمْ بِزَمْمَةٍ ، وَادْعَى النُّبوَّةَ فَآمَنَ مِنْهُمْ قَوْمٌ وَجَحَدَهُ قَوْمٌ ، فَأَخْرَجُوهُ فَأَكَلَتْهُ السِّباعُ فِي بَرِّيَّةٍ مِنَ الْأَرْضِ .
47 - أخبرني عن المجوس كانوا أقرب إلى الصواب في دهرهم أم العرب ؟
الْعَرَبُ فِي الْجاهِلِيَّةِ كَانَتْ أَقْرَبُ إِلَى الدّينِ الْحَنيفِ مِنَ الْمَجُوسِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَجُوسَ كَفَرَتْ بِكُلِّ الْأَنْبِياءِ ، وَجَحَدَتْ كُتُبَهُمْ ، وَأَنْكَرَتْ بَرَاهِينَهُمْ ، وَلَمْ تَأْخُذْ بِشَيْءٍ مِنْ سُنَنِهِمْ وَآثَارِهِمْ ، وَأَنَّ كَيخُسرو مَلِكَ الْمَجوس فى الدَّهْرِ الْأَوَّلِ قَتَلَ ثَلاثَمانَةِ نَبِيٍّ.
وَكانَتِ الْمَجُوسُ لَا تَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنابَةِ ، وَالْعَرَبُ كانَتْ تَغْتَسِلُ ، وَالاغْتِسالُ مِنْ خالِصِ شَرائِعِ الْحَنيفِيَّةِ .
وَكانَتِ الْمَجوسُ لَا تَخْتِنُ ، وَهُوَ مِنْ سُنَنِ الْأَنْبِياءِ ، وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذلِكَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الله.
وَكانَتِ الْمَجوسُ لَا تَغْسِلُ مَوْتاها وَلَا تُكَفِّنُها ، وَكانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذلِكَ .
وَكانَتِ الْمَجوسُ تَرْمِي الْمَوْتَى فِي الصَّحاري والنووايسِ ، وَالْعَرَبُ تُواريها في قبورِها وَتُلْحِدُها ، وَكَذلِكَ السُّنَّةُ عَلَى الرُّسُلِ . إِنَّ أَوَّلَ مَنْ حُفِرَ لَهُ قَبْرٌ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ ، وَالْجِدَ لَهُ لَحْدٌ .
وَكانَتِ الْمَجُوسُ تَأتي الأمهاتِ ، وَتَنْكِحُ الْبَنَاتِ وَالْأَخَواتِ ، وَحَرَّمَتْ ذلِكَ الْعَرَبُ .
وَأَنْكَرَتِ الْمَجُوسُ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرامُ ، وَسَمَّتْهُ بَيْنَ الشَّيْطَانِ ، وَالْعَرَبُ كَانَتْ تَحِجُهُ وَتُعَظْمُهُ ، وَتَقولُ : بَيْتُ رَبِّنَا ، وَتُقِرُّ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، وَتَسْأَلُ أَهْلَ الْكُتُبِ وَتَأخُذ ، وَكانَتِ الْعَرَبُ في كُلِّ الْأَسْبابِ أَقْرَبُ إِلَى الدِّينِ الْحَنيفِيَّةِ مِنَ الْمَجُوسِ .
وذكر الإمام علیه السلام الفوارق بين العرب في جاهليّتهم ، وبين المجوس ، فالعرب كانت تتمتّع بكلّ صفة كريمة ، ونزعة شريفة ، وهي أقرب إلى طاعة الله تعالى من غيرهم ، أمّا المجوس فقد اقترفوا كلّ إثم ، فجحدوا الأنبياء ، واستباحوا إتيان الأمّهات ونكح البنات والأخوات ، ولم تكن عندهم أيّة نزعة كريمة ولا صفة شريفة ، وذكر علیه السلام جمهرة من الأمور التي آمن بها العرب وجحدتها الديانة المجوسيّة .
48 - إنّهم - أي: المجوس - احتجّوا بإتيان الأخوات أنّها سنّة من آدم ؟
ما حُجَّتُهُمْ فى إثبانِ الْبَناتِ وَالأمَّهاتِ ، وَقَدْ حَرَّمَ ذلِكَ آدَمُ وَكَذلِكَ نوحٌ وَإِبْراهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَسَائِرُ الْأَنْبِياءِ ، وَكُلُّ ما جاءَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وليس عند المجوس أي دليل أو برهان علمى يدلّ على أنّ آدم علیه السلام أجاز نكاح الأخوات ، وإنّما ذلك من إيحاءات الشيطان لهم .
49 - لِمَ حرّم الله الخمر ، ولا لذة أفضل منها ؟
حَرَّمَهَا لأَنَّها أُمُّ الْخَبَائِثِ ، وَأَسُّ كُلَّ شَرٍّ ، تَأْتي شارِبَهَا سَاعَةٌ يُسْلَبُ لُبُّهُ ، وَلَا يَعْرِفُ رَبَّهُ ، وَلَا يَتْرُكُ مَعْصِيَةً إِلَّا رَكِبَها ، وَلَا حُرْمَةً إِلَّا انْتَهَكَها ، وَلَا رَحِمَ ماسةٌ إِلَّا قَطَعَها ، وَلَا فَاحِشَةً إِلَّا أَتاها ، والسَّكْرانُ زمامُهُ بِيَدِ الشَّيْطَانِ ، إِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَسْجُدَ لِلْأَوْثَانِ سَجَدَ
وَيَنْقادُ حَيْثُ ما قادَهُ .
إنّ الخمر أمّ الخبائث التي تفتك بالإنسان ، وتدمّره صحّياً وفكريّاً واقتصاديّاً، فمن مضارّه الصحيّة أنّ الكحول التي فيه تتسرّب إلى الدم ، وإذا أخذنا من دم سكران وأدنيناه من النار فإنّه يشتعل كما يشتعل السبيرتو ، كما أنه دائماً يصاب بالتهاب في المعدة، وغيرها من الأجهزة الهضميّة، وإذا أصيب بالتيفو ، فإنّ المضادّات الحياتيّة ، كالبنسلين وغيره ، لا تجدي معه شيئاً ، إلى غير ذلك من المضارّ الخطيرة التي يصاب بها .
وأمّا ضرره الفكري ، فإنّه دائماً يكون مشلول الفكر ، لا يقوى على النظر والتأمّل في أي شيء من أموره . وأمّا مضارّه الاقتصاديّة فإنّها من الأمور الواضحة ، فالمدمن على الخمر لا ينفق ما عنده من النقود التي أتعب نفسه على تحصيلها إلّا على هذه المادّة القذرة ، ويبقي عياله ينهشهم الجوع والفقر .
50 - لمَ حُرّم الدم المسفوح ؟
لأَنَّهُ يورِثُ الْقَسَاوَةَ ، وَيَسْلُبُ الْفُؤادَ رَحْمَتَهُ ، وَيُعَفِّنُ الْبَدَنَ ، وَأَكْثَرُ مَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ الْجُدَامُ يَكونُ مِنْ أَكْلِ الدَّم .
إنّ شرب الدم يعود بالأمراض الخطيرة على الإنسان ، وأنّه يمنى بالإصابة التي أدلى بها الإمام علیه السلام ، وقد أكّد الطبّ الحديث ذلك .
51 - فأكل الغدد ؟
يُورِثُ الْجُدَامَ .
لقد حرّم الإسلام في الذبيحة أموراً ، منها الغدد التي تكون فيها ، وهي ممّا توجه الإصابة بالجذام لو أكلها الإنسان .
52 - الميتة لِمَ حرّمها ؟
فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا يُذكّى ، وَيُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ ، وَالْمِيتَةُ قَدْ جَمُدَ فيها الدَّمُ ، وَتَراجَعَ إِلَى بَدَنِهَا ، فَلَحْمُها ثَقِيلٌ غَيْرُ مَريء؛ لأنَّهُ يُؤكَلُ لَحْمُها بِدَمِها .
إنّ الميتة من الحيوانات هي غير المذكّاة بالتذكية الشرعيّة ، وهي لا تصلح للأكل على ما قرّر علم فحص اللحوم ، وذلك لاسودادها ولزوجتها ، وكراهة رائحتها ، وفي نفس الوقت تحتوي على جراثيم مؤذية تعود بالأضرار الخطيرة على الإنسان .
53 - فالسمك ميتة ؟
إِنَّ السَّمَكَ ذَكَاتُهُ إِخْراجُهُ حَيّاً مِنَ الْمَاءِ ، ثُمَّ يُتْرَكُ حَتّى يَموتَ مِنْ ذاتِ نَفْسِهِ ، وذلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَمٌ ، وَكذلِكَ الْجَرادُ .
واستند فقهاء الإماميّة إلى ما أعلنه الإمام الصادق علیه السلام من أنّ ذكاة السمك إخراجه من الماء حيّاً ، وموته في خارج الماء ، وقد أفتوا على ضوء ذلك .
54 - لم حُرّم الزنا ؟
لما فيهِ مِنَ الْفَسَادِ ، وَذَهَابِ الْمَوارِيثِ ، وَانْقِطَاعِ الْأَنْسَابِ ، لَا تَعْلَمُ الْمَرْأَةُ في الزَّنا مَنْ أَحْبَلَهَا ؟ وَلَا الْمَوْلودُ يَعْلَمُ مِنْ أبوهُ ، وَلَا أَرْحامٌ مَوْصولَةٌ ، وَلَا قَرابَةٌ مَعْرُوفَةٌ .
بالإضافة إلى هذه الأضرار الفظيعة التي أدلى بها الإمام علیه السلام لجريمة الزنا ، فإنّ هناك أضراراً صحيّة بالغة الخطورة ، والتي منها مرض الزهري ، والمصاب به لا يستريح إلّا بالموت ، فإنّه يصيب جميع أجهزة الجسم ، كالجهاز العصبي والتنفسي واللمفاوي والهضمي والتناسلي والعظام والمفاصل ، وجميع غدد الجسم القنوية واللّاقنويّة ، والجلد والعين والأذن ، بالإضافة إلى ما يحدثه من القرحة الرخوة والقرحة الآكلة .
كما يحدث الزنا مرض السيلان ، وهو ميكروب صغير جدّاً لا يُرى إلّا بالمجهر ،
ونظراً إلى هذه المضاعفات السيّئة فقد حرّمه الإسلام، وجعل عقوبته الجلد مائة جلدة لغير المحصن ، والرجم للمحصن ، وذلك لقطع دابر هذه الجريمة التي هي من أخطر الجرائم التي يُمنى بها المجتمع الإنساني .
55 - لِمَ حُرّم اللواط ؟
مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِنْيانُ الْغُلامِ حَلَالاً لَاسْتَغْنَى الرِّجَالُ عَنِ النِّسَاءِ ، وَكَانَ فِيهِ قَطْعُ النَّسْلِ ، وَتَعْطِيلُ الْفُروحِ ، وَكَانَ فِي إِجَازَةِ ذلِكَ فَسَادٌ كَثِيرٌ .
أمّا اللواط فهو من الجرائم الخُلقيّة ، وهو خروج عن سنن الله الطبيعيّة ، وهو ممّا يوجب قطع النسل ، وتعطيل الفروج ، وقد سمّاه الله تعالى بالفاحشة ، كالزنا.
قال تعالى في شأن قوم لوط الذين انتشرت فيهم هذه الفاحشة :( وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِن أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ)(1)، أمّا عقوبة المتعاطي للواط فهو القتل كما يذهب إلى ذلك فقهاء الإماميّة .
56 - لِمَ حُرّم إتيان البهيمة ؟
كَرِهَ أَنْ يُضَيِّعَ الرَّجُلُ مَاءَهُ ، وَيَأْتي غَيْرُ شَكْلِهِ ، وَلَوْ أَبَاحَ ذلِكَ لَرَبَطَ كُلُّ رَجُلٍ أَتانا يَرْكَبُ ظَهْرَها ، وَيَغْشَى فَرْجَهَا ، وَكَانَ يَكونُ فِي ذلِكَ فَسادٌ كَثيرٌ ، فَأَباحَ ظُهورَها ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فُرِوجَهَا ، وَخَلَقَ لِلرِّجالِ النِّسَاءَ لِيَأْنسوا بِهِنَّ ، وَيَسْكُنُوا إِلَيْهِنَّ ، وَيَكُنَّ مَواضِعَ شَهَواتِهِمْ ، وَأَمَّهاتِ أَوْلادِهِمْ .
إنّ إتيان البهيمة من الفواحش المغيّرة لسنّة الله في خلقه ، والموجبة للحطّ من كرامة الإنسان ، التي أباها الحيوان الأعجم ، وبالإضافة لذلك فإنّ الحيوان الموطوء
1) العنكبوت 29 : 28 .
إذا كان مأكول اللحم ، وتناول لحمه شخص فأكله ، فإنّه يصاب بالسرطان الحادّ ، كما أعلنت ذلك الإذاعة البريطانيّة ، فقد اكتشفه بعض الأطباء اللامعين في انكلترا ، وقد ألزم بإحراق الحيوان لئلا يتناول أحد لحمه ، وهذا ممّا يكشف - باعتزاز وفخر - عن أصالة التشريع الإسلامي، فقد ألزم بإحراق الحيوان الموطوء حتّى لا يأكل لحمه أحد .
57 - ما علّة الغسل من الجنابة ، وإن ما أتى حلالاً ، وليس في الحلال تدنيس ؟
إِنَّ الْجَنابَةَ بِمَنْزِلَةِ الْحَيْضِ ، وَذلِكَ أَنَّ النُّطْفَةَ دَم لَمْ يُسْتَحْكَمْ وَلَا يَكونُ الْجِماعُ إِلَّا بِحَرَكَةٍ شَدِيدَةٍ ، وَشَهْوَةٍ عَالِبَةٍ ، فَإِذا فَرَغَ تَنَفَّسَ الْبَدَنُ ، وَوَجَدَ الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ رائِحَةٌ كَريهَةٌ ، فَوَجَبَ الْغُسْلُ لِذلِكَ ، وَغُسْلُ الْجَنابَةِ مَعَ ذلِكَ أَمَانَةٌ انْتَمَنَ اللهُ عَلَيْها عَبيدَهُ لِيَخْتَبِرَهُمْ بِها.
إنّ غسل جميع البدن بالماء ، ارتماساً أو ترتيباً ، للرجل أو المرأة ، عقيب العمليّة الجنسيّة ، أو من الاحتلام ضرورة صحّيّة لا غنى عنها ، فقد ثبت في الطب الحديث أنّ الجسم الإنساني يفقد شيئاً من حيويّته وقوّته بعد الاتّصال الجنسي ، وليس من شيء يعيد إليه تلك القوّة الحيويّة سوى غسل الجسم كلّه بالماء النظيف ، ولو ترك المغتسل قطعة صغيرة من جسمه من دون أن يصيبها الماء لم يصحّ غسله ، كما أفتى بذلك الفقهاء .
58 - أيّها الحكيم ، ما تقول فيمن زعم أنّ هذا التدبير الذي يظهر في العالم تدبير النجوم السبعة ؟
يَحْتاجُونَ إِلَى دَليلٍ ، إِنَّ هَذَا الْعَالَمَ الْأَكْبَرَ ، وَالْعَالَمَ الْأَصْغَرَ مِنْ تَدْبِيرِ النُّجومِ الَّتِي تَسْبَحُ فِي الْفَلَكِ ، وَتَدورُ حَيْثُ دارَتْ مُتَّبِعَةٌ لَا تَفْتُرُّ ، وَسائِرَةٌ لَا تَقِف .
وأضاف الإمام قائلاً:
إِنَّ لِكُلِّ نَجْمِ مُوَ كَلَا مُدَبِّراً ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبِيدِ الْمَأْمُورِينَ الْمُنْتَهِينَ ، فَلَوْ كَانَتْ قَديمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَمْ تَتَغَيَّرُ مِنْ حالٍ إلى حالٍ .
إنّ الكواكب والمجرّات لا تملك فكراً ولا وعياً ولا تدبيراً، وإنّما هي كتل من الصخور والرمال قائمة في الفضاء يديرها ويدبرها الخالق العظيم ، وليس لها أي شأن في مسيرة الأحداث وغيرها من عوالم الكون .
59 - من قال بالطبائع ؟
الْقَدَرِيَّةُ ، فَذلِكَ قَوْلُ مَنْ لَمْ يَمْلِكِ الْبَقاءَ ، وَلَا صَرْفَ الْحَوادِثِ ، وَغَيَّرَتْهُ الْأَيامُ وَاللَّيالى ، وَلَا يَرُدُّ الْهَرَمَ ، وَلَا يَدْفَعُ الْأَجَلَ ، وَمَا يَدْرِي مَا يُصْنَعُ بِهِ .
إنّ هذه الأقوال الفاسدة ذهبت إليها القدرية الذين لا يملكون دليلاً، وإنّما يسرحون في عالم الأوهام والأضاليل .
60 - أخبرني عمّن يزعم أنّ الخلق لم يزل يتناسلون ويتوالدون ، ويذهب قرن ويجيء قرن ، وتفنيهم الأمراض والأعراض وصنوف الآفات ، ويخبرك الآخر عن الأوّل ، وينبئك الخلف عن السلف ، والقرون عن القرون، إنّهم وجدوا الخلق على هذا الوصف بمنزلة الشجر والنبات في كلّ دهر يخرج منه حكيم عليم بمصلحة الناس ، بصير بتأليف الكلام ، ويصنّف كتاباً قد حبّره بفطنته ، وحسنه بحكمته ، قد جعله حاجزاً بين الناس ، يأمرهم بالخير ، ويحثّهم عليه ، وينهاهم عن السوء والفساد ، ويزجرهم عنه لئلا يتهارشوا ، ولا يقتل بعضهم بعضاً .
وَيْحَكَ ! إِنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ أَمْسِ ، وَيَرْحَلُ عَنِ الدُّنْيا غَداً لَا عِلْمَ لَهُ بِما كانَ قَبْلَهُ ، وَلَا بِما يَكونُ بَعْدَهُ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَخْلُو الْإِنْسانُ مِنْ أَنْ يَكونَ خَلَقَ نَفْسَهُ ، أَوْ خَلَقَهُ غَيْرُهُ ، أَوْ لَمْ يَزَلْ مَوْجوداً ، فَمَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لَيْسَ يَقْدِرُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا ، وَهُوَ لَيْسَ بِشَيْءٍ
وَكَذلِكَ ما لَمْ يَكُنْ فَيَكونُ شَيْئاً يُسْأَلُ ، فَلَا يَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ ابْتِدَاؤُهُ . وَلَوْ كَانَ الْإِنْسَانُ أَزَلِيَاً لَمْ تَحْدَتْ فِيهِ الْحَوادِثُ؛ لأَنَّ الْأَزَلِيَّ لَا تُغَيَّرُهُ الْأَيَّامُ ، وَلَا يَأْتي عَلَيْهِ الْفَناء ، وَمَعَ أَنا لَمْ نَجِدْ بِناءً مِنْ غَيْرِ بانِ ، وَلَا أَثَراً مِنْ غَيْرِ مُؤَثْرٍ ، وَلَا تَأليفاً مِنْ غَيْرِ مُؤَلِّفٍ ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَاهُ خَلَقَهُ قيلَ : فَمَنْ خَلَقَ أَبَاهُ ، وَلَوْ أَنَّ الْأَبَ هُوَ الَّذى خَلَقَ ابْنَهُ لَخَلَقَهُ عَلى شَهْوَتِهِ ، وَصَوَّرَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ ، وَلَمَلَكَ حَياتَهُ ، وَلَجَازَ فِيهِ حُكْمَهُ ، وَلكِنَّهُ إِنْ مَرِضَ لَمْ يَنْفَعْهُ ، وَإِنْ ماتَ عَجَزَ عَنْ رَبِّهِ ، إِنَّ مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً وَيَنْفُخُ فِيهِ روحاً حَتَّىٰ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْهِ سَوِيَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ الْفَساد .
وألمَ جواب الإمام علیه السلام بالأدلّة الحاسمة التي تثبت زيف وبطلان ما ذهب إليه الماديّون من إنكار الخالق العظيم ، والمدبّر لهذه العوالم ، فإنّ إنكارهم إنكارهم للضروريّات والبديهيّات ، فإنّ الأثر يدلّ على المؤثّر، والدخان يدلّ على وجود النار ، فمن زعم أنّ أباه خلقه ، فمن خلق الأب ؟ وهكذا حتّى ينتهي إلى أب الأب ، فمن أوجده وكوّنه .
إنّ الأفكار الإلحاديّة لا تلبث أن تتلاشى وتذوب أمام الفكر والمنطق ، وقد فنّد الإمام علیه السلام في حديث جميع شبههم وأوهامهم .
61 - ما تقول في علم النجوم ؟
هُوَ عِلْمٌ فَلَّتْ مَنْفَعَتُهُ ، وَكَثُرَتْ مَضَرَاتُهُ؛ لأنَّهُ لَا يَدْفَعْ بِهِ الْمَقْدور ، وَلَا يُتَّقى بِهِ الْمَحْذُورُ إِنْ أَخْبَرَ الْمُنَجِّمُ بِالْبَلاءِ لَمْ يُنْجِهِ التَّحَرُّزُ مِنَ الْقَضاءِ ، وَإِنْ أُخْبِرَ هُوَ بِخَيْرٍ لَمْ يَسْتَطِعْ تَعْجِيلَهُ ، وَإِنْ حَدَثَ بِهِ سُوءٌ لَمْ يَمْكِنْهُ صَرْفُهُ ، وَالْمُنَجِّمُ يُضادُّ اللَّهَ في عِلْمِهِ ، بِزَعْمِهِ أَنْ يَرُدَّ قَضاءَ اللَّهِ عَنْ خَلْقِهِ .
إنّ علم النجوم لا منفعة فيه ، وذلك لكثرة أخطائه ، ومخالفته للواقع . ويقول
المؤرّخون : إنّ المأمون كان من علماء النجوم ، وقد استعمل هذا العلم في سفره إلى طرسوس ، وهي من المصايف الجميلة في الشام ، فدلّه علمه على حسن القصد والخير في سفره ، وحينما انتهى إليه لم يلبث إلّا قليلاً حتّى وافته المنيّة ، وفي ذلك يقول الشاعر :
هَلْ عُلومُ النُّجومِ أَغْنَتْ عَنِ الْمَأ *** مونِ شَيْئاً أَوْ مُلْكِهِ الْمَأنوس
خَلْفوهُ بِساختي طرسوس *** مِثْلَما خَلَّفوا أَبَاهُ بِطوسِ(1)
إنّ مجريات الأحداث بيد الله تعالى ، فهو الذي يتصرّف في كلّ شيء من خلقه وليس للنجوم ولا لغيرها أي أثر في ذلك .
62 - الرسول أفضل أم الملك المرسل إليه ؟
بَلِ الرَّسُولُ أَفْضَلُ .
63 - ما علّة الملائكة الموكّلين بعباده يكتبون عليهم ولهم ، والله عالم السرّ وما هو أخفى ؟
اسْتَعْبَدَهُمْ بِذلِكَ ، وَجَعَلَهُمْ شُهُوداً عَلَى خَلْقِهِ لِيَكونَ الْعِبادُ لِمُلازَمَتِهِمْ إِيَّاهُمْ أَشَدَّ عَلى طَاعَةِ اللهِ مُواظِبَةٌ ، وَعَنْ مَعْصِيَتِهِ أَشَدَّ انْقِباضاً ، وَكَمْ مِنْ عَبْدِ يَهِم بِمَعْصِيَتِهِ فَذَكَرَ مَكَانَهُما فَارْعَوىٰ وَكَفَّ ، فَيَقُولُ رَبِّي يَراني ، وَحَفَظَتِي عَلَيَّ بِذلِكَ تَشْهَدُ ، وَأَنَّ اللَّهَ بِرَأْفَتِهِ وَلُطْفِهِ أَيْضاً ، وَكَلَهُمْ بِعِبَادِهِ يَذْبُونَ عَنْهُمْ مَرَدَةَ الشَّيْطَانِ وَهَوامَ الْأَرْضِ ، وَآفَاتٍ كَثِيرَةً مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَ بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَىٰ أَنْ يَجِيءَ أَمْرُ اللَّهِ .
إنّ الله تعالى وكلّ ملكين يسجّلان ما يعمله الإنسان من خير أو شرّ ، ليكونا
1) حياة الحيوان / الدميري: 1 : 78 .
شاهدَين عليه يوم حشره ونشره ، فلا يكون له مجال حينئذٍ لإنكار ما عمله .
64 - فخلق الخلق للرحمة أم للعذاب ؟
خَلَقَهُمْ لِلرَّحَمَةِ ، وَكانَ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهُمْ أَنَّ قَوْماً مِنْهُمْ يُصيرونَ إلى عَذَابِهِ بِأَعْمَالِهِمُ الرَّدِيَّةِ ، وَجَحْدِهِمْ بِهِ .
65 - يعذّب من أنكر فاستوجب عذابه بإنكاره ، فبم يعذّب من وحّده وعرفه ؟
يُعَذِّبُ الْمُنْكِرَ الهِيَّنِهِ عَذابَ الْأَبَدِ ، وَيُعَذِّبُ الْمُقِرَّ بِهِ عَذَابَ عُقُوبَةٍ لِمَعْصِيَتِهِ إِيَّاهُ فيما فَرَضَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يُخْرَجُ ، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً.
66 - بين الكفر والإيمان منزلة ؟
لا .
67 - ما الإيمان والكفر ؟
الإيمانُ أَنْ يُصَدِّقَ الله فيما غابَ عَنْهُ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ كَتَصْدِيقِهِ بِمَا شَاهَدَ مِنْ ذلِكَ وَعايَنَ ، وَالْكُفْرُ الْجُحود
إنّ التصديق فيما غاب عن الشخص من عظمة الخالق الحكيم هو جوهر الإيمان وحقيقته ، ويعاكسه الجحود ، فإنّه الكفر والإلحاد.
68 - ما الشرك ، وما الشكّ ؟
الشِّرْكُ هُوَ أَنْ يَضُمَّ إِلَى الْوَاحِدِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ آخَرَ ، وَالشَّلُ ما لَمْ يَعْتَقِدُ قَلْبُهُ شَیئاً.
69 - أيكون العالم جاهلاً؟
عالِمٌ بِما يَعْلَمُ ، وَجاهِلٌ بِما يَجْهَلُ .
وأعرب الإمام علیه السلام أنّه ليس هناك أي مانع أو حاجب من أن يكون الإنسان عالماً بشيء وجاهلاً بشيء آخر ، وهذا من الأمور البديهيّة التي لا تحتاج إلى الدليل .
70 - ما السعادة ، وما الشقاوة ؟
السَّعادَةُ: سَبَبٌ لِلْخَيْرِ تَمَسَّكَ بِهِ السَّعِيدُ فَيَجُرُّهُ إِلَى النَّجاةِ ، وَالشَّقاوَةُ : سَبَبُ خُذْلان تَمَسَّكَ بِهِ الشَّقِيُّ فَيَجُرُّهُ إِلَى الْهَلَكَةِ ، وَكُلٌّ بِعِلْم الله .
إنّ السعادة الحقيقيّة هي التوصّل إلى مرضاة الله ، والعمل بما يقرّبه إليه زلفى ، والشقاوة هي الابتعاد عن الله ، والعمل بما لا يرضيه ، وليست السعادة هي الحصول على ملاذّ الحياة ونعيمها التي لا بقاء لها .
71 - أخبرني عن السراج إذا انطفأ أين يذهب نوره ؟
يَذْهَبْ فَلَا يَعود .
إنّ الضياء إذا انطفأ يتلاشى نوره ويذوب في الفضاء ، ولا عودة له بعد فنائه .
72 - فما أنكرت أن يكون الإنسان مثل ذلك إذا مات ، وفارق الروح البدن ، لم يرجع إليه أبداً ، كما لا يرجع ضوء السراج إليه أبداً إذا انطفأ ؟
لَمْ تُصِبِ الْقِياسَ ، إِنَّ النَّارَ فِي الْأَجْسامِ كامِنَةٌ ، وَالْأَجْسامُ قائِمَةٌ بِأَعْيانِها ، كَالْحَجَرِ وَالْحَديدِ ، فَإِذا ضُرِبَ أَحَدُهُما بِالْآخَرِ سَقَطَتْ مِنْ بَيْنِهِما نَارٌ تُقْتَبَسُ مِنْهُما سِراجٌ لَهُ ضَوْءٌ ، فَالنَّارُ ثَابِتَةٌ في أَجْسامِهَا ، وَالضَّوْءُ ذاهِبٌ ، وَالرّوحُ جِسْمٌ رَقِيقٌ قَدْ أُلْبِسَ قَالَبٌ كَثِيفٌ وَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ السِّراج الَّذِي ذَكَرْت .
إنّ الذي خلق في الرحم جنيناً من ماء صافٍ، وركّب فيه ضروباً مختلفة من
عروق ، وعصب ، وأسنان ، وشعر ، وعظام ، وغير ذلك هو يحييه بعد موته ، ويعيده بعد فنائه .
وألقى الإمام علیه السلام الأضواء على ( الروح) التي هي من أمر الله تعالى ، وأنّها عنصر رقيق أُودعت في قالب كثيف ، فإذا خرجت منه عاد كالتراب . يقول بعض الشعراء :
وما هذهِ الأَجْسامُ مِنْ بَعدِ مَوْتِها *** سوى قَفَصِ وَمِنْها أَفْلَتَ الشادي
وإذا أراد الله تعالى أن يعيدها للأجسام أعاد الأجسام البالية ، وأعاد لها الروح ، وذلك من أبسط الأمور وأهونها عند الله تعالى .
قال تعالى : (قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة )(1).
73 - فأين الروح ؟
في بَطْنِ الْأَرْضِ ، حَيْثُ مَصْرَعُ الْبَدَنِ إِلَىٰ وَقْتِ الْبَعْثِ .
74 - فمن صلب ، فأين روحه ؟
فِي كَفِّ الْمَلَكِ الَّذِي قَبَضَهَا حَتَّىٰ يَودِعَهَا الْأَرْضِ .
75 - أخبرني عن الروح أغير الدم ؟
نَعَم ، الرّوحُ عَلى ما وَصَفْتُ لَكَ ، مادَّتُها مِنَ الدَّمِ ، وَمِنَ الدَّمِ رُطُوبَةُ الْجِسْمِ ، وَصَفاءُ اللَّوْنِ ، وَحُسْنُ الصَّوْتِ ، وَكَثْرَةُ الضَّحِكِ ، فَإِذا جَمَدَ الدَّمُ فارَقَ الرّوحُ الْبَدَنَ .
76 - فهل يوصف - أي الروح - بخفة وثقل ووزن ؟
1) یس 36: 78 و 79 .
الرّوحُ بِمَنْزِلَةِ الرّيحِ فِي الزَّقِّ ، إِذا نَفَخْتَ فِيهِ امْتَلَا الزَّقُ مِنْهَا ، فَلَا يَزِيدُ فِي وَزْنِ الزَّقُ ولوجها فيهِ ، وَلَا يَنْقُصُها خُروجُها مِنْهُ ، كَذلِكَ الرّوحُ لَيْسَ لَهَا ثِقْل وَلَا وَزْنٌ
77 - ما هو جوهر الريح ؟
الريحُ هَوَاءٌ إِذا تَحَرَّكَ يُسَمّى ريحاً ، فَإِذا سَكَنَ يُسَمَى هَوَاءٌ ، وَبِهِ قِوامُ الدُّنْيا ، وَلَوْ كَفَّتِ الرِّيحُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَنَتَنَ ، وَذلِكَ أَنَّ الرّيحَ بِمَنْزِلَةِ الْمِرْوحَةِ تَذْبُ وَتَدْفَعُ الْفَسَادَ عَنْ كُلَّ شَيْءٍ وَتُطيِّبُهُ ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الرّوحِ إِذا خَرَجَ عَن الْبَدَنِ نَيْنَ الْبَدَنُ وَتَغَيَّرَ ، وَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخالقين .
والشيء المؤكّد أنّه لم توصف الروح بوصف شامل ودقيق مثل ما وصفها الإمام الصادق علیه السلام ، فقد ألقى الأضواء على كثير من جوانبها ، كما بيّن أهمية الهواء ، وأنّ فيه الحياة العامّة لجميع الكائنات الحيّة .
78 - أفتتلاشى الروح بعد خروجه من قالبه أم هو باقٍ ؟
بَلْ هُوَ باقٍ إِلى وَقْتِ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، فَعِنْدَ ذلِكَ تَبْطُلُ الْأَشْياءُ وَتَفْنى فَلَاحِسَّ ، وَلَا مَحْسوس ، ثُمَّ أعيدَتِ الأشْياءُ كَما بَدَأَها مُدَبِّرُها ، وذلك أربعمائةِ سَنَةٍ يَسْبتُ فيها الْخَلْقُ وَذلِكَ بَيْنَ النَّفْخَتَين .
79- وأنّى له بالبعث والبدن قد بلي ، والأعضاء قد تفرّقت ، فعضو ببلدة يأكلها سباعها ، وعضو بأخرى تمزّقه هوامها ، وعضو قد صار تراباً بُني به مع الطين حائط ؟
إِنَّ الَّذِي أَنْشَأَهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ، وَصَوَّرَهُ عَلَى غَيْرِ مِثالٍ كَانَ سَبَقَ إِلَيْهِ ، قَادِرٌ أَنْ يُعِيدَهُ كَما بَدَأَه .
80 - أوضح لي ذلك ؟
إِنَّ الرّوحَ مُقِيمَةٌ في مَكانِها ، روحُ الْمُحْسِنِ فِي ضِياءٍ وَفُسْحَةٍ ، وَروحُ الْمُسيئ في ضِيقٍ وَظُلْمَةٍ ، وَالْبَدَنُ يَصيرُ تُراباً كَما مِنْهُ خُلِقَ ، وَما تَقْذِفُ بِهِ السَّباعُ وَالْهَوامُ مِنْ أَجْوافِها مِمَّا أَكَلَتْهُ وَمَزَّقَتْهُ ، كُلُّ ذلِكَ في الترابِ مَحْفُوظٌ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ في ظُلُماتِ الْأَرْضِ ، وَيَعْلَمُ عَدَدَ الْأَشْياءِ وَوَزْنَهَا ، وَأَنَّ تُرابَ الرَّوْحَانِيِّينَ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ في التُّرابِ ، فَإِذا كانَ حِينَ الْبَعْثِ مُطِرَتِ الْأَرْضُ مَطَرَ النُّشور ، فَتَرْبُو الْأَرْضُ ثُمَّ تُمْخَضُ مَخْضَ السَّقاءِ ، فَيَصيرُ تُرابُ الْبَشَرِ كَمَصِيرِ الذَّهَبِ مِنَ التُّرابِ إِذا غُسِلَ بِالْماءِ ، وَالزَّيْدُ مِنَ اللَّبَنِ إِذا مُخِضَ ، فَيَجْتَمِعُ تُرابُ كُلِّ قالب إلى قالبِهِ ، فَيَنْتَقِلُ بِإِذْنِ الْقَادِرِ إِلَى حَيْثِ الرّوح ، فَتَعودُ الصُّوَرْ بِإِذْنِ الْمُصَوِّرِ كَهَيْئَتِها ، وَتَلِجُ الرّوحُ فِيهَا ، فَإِذا قَدِ اسْتَوى لَا يُنْكِرُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً .
وألمّ جواب الإمام علیه السلام بأمور خفيّة لم يطلع عليها إلّا الأنبياء وأوصياؤهم ، فقد كشف النقاب عن البعث والنشور ، ورجوع الإنسان بعد فنائه للحساب ، فإن كان من المتّقين الأخيار فاز برضوان الله تعالى وفردوسه ، وإن كان من الظالمين الأشرار زجّ في النار .
81 - فأخبرني عن الناس يحشرون يوم القيامة عراة ؟
بَلْ يُحْشَرُونَ فى أَكْفانِهِمْ .
82 - أنّى لهم بالأكفان ؟
إِنَّ الَّذِي أَحْيا أَبْدانَهُمْ جَدَّدَ أَكْفَانَهُمْ .
83 - فمن مات بلاكفن ؟
يَسْتُرُ الله عَوْرَتَهُ بِما يَشاءُ مِنْ عِنْدَه .
84 - أيعرضون صفوفاً ؟
نَعَمْ ، هُمْ يَوْمَئِذٍ عِشْرُونَ وَمانَةُ أَلْفِ صَفْ فِي عَرْضِ الْأَرْضِ .
85- أليس توزن الأعمال ؟
إِنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ بِأَجْسامِ ، وَإِنَّما هي صِفَةُ ما عَمِلُوا ، وَإِنَّمَا يَحْتاجُ إِلى وَزْنِ الشَّيْءِ مَنْ جَهِلَ عَدَدَ الْأَشْياءِ ، وَلَا يَعْرِفُ ثِقْلَها أَوْ خِفَّتَهَا ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ .
86 - ما معنى الميزان ؟
الْعَدْل.
87 - ما معناه في كتابه :( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ )(1)؟
فَمَنْ رَجَحَ عَمَلُه .
88 - أخبرني أوَليس في الناس مقتنع أن يعذّب خلقه بها دون الحيّات والعقارب ؟
إِنَّما يُعَذِّبُ بِها قَوْماً زَعَمُوا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ خَلْقِهِ ، إِنَّما شَريكَهُ الَّذِي يَخْلُقُهُ فَيُسَلِّطُ اللهُ عَلَيْهِمُ الْعَقارِبَ وَالْحَيَاتِ فى النَّارِ لِيُذيقَهُمْ بِها وَبالَ ما كَذَّبوا عَلَيْهِ ، فَجَحَدُوا أَنْ يَكونَ صَنَعَهُ .
ولم يبق هذا الزنديق شبهة أو وهماً إلّا سأل به الإمام علیه السلام، وقد أجابه بأروع الأجوبة ، ولم يترك له أي ثغرة يسلك فيها للردّ عليه ، ومن بين تلك المسائل التي عرضها على الإمام :
89 - من أين قالوا : إنّ أهل الجنّة يأتي الرجل منهم إلى ثمرة يتناولها فإذا
1) الأعراف 7: 8 .المؤمنون 23 : 102 .
أكلها عادت كهيئتها ؟
نَعَمْ ، ذلِكَ عَلَى قِياسِ السَّراج يَأْتي الْقابِسُ فَيَقْتَبِسُ مِنْهُ ، فَلَا يَنْقُصُ مِنْ ضَوْنِهِ شَيْءٌ ، وَقَدِ امْتَلَأتْ مِنْهُ الدُّنْيا سِراجاً .
ما أروع هذا الجواب ! إنّ أهل الجنّة في تناولهم لثمرات ما أعدّ الله لهم من أنواع النعم ، من دون أن ينقص منها شيء كمثل السراج الذي يقتبس منه ، وهو باق على حاله .
90 - أليسوا يأكلون ويشربون ، وتزعم أنّه لا يكون لهم الحاجة ؟
بَلي؛ لأَنَّ غَدَاءَهُمْ رَقِيقٌ لَا يُقْلَ لَهُ ، بَلْ يَخْرُجُ مِنْ أَجْسَادِهِمْ بِالْعَرَقِ
91 - كيف تكون الحوراء في جميع ما أتاها زوجها عذراء ؟
لأنَّها خُلِقَتْ مِنَ الطّيبِ لَا تَعْتَريها عاهَةٌ ، وَلَا يُخالِطُ جِسْمَها ،آفَةٌ ، وَلَا يَجْري في تَقْبِها شَيْءٌ ، وَلَا يُدَنَّسُها حَيْضُ ، فَالرَّحِمُ مُلْتَزِقَةٌ مَلومٌ ، إِذْ لَيْسَ فِيهَا لِسِوَى الْإِحْليل مَجْرى .
ووصف الإمام علیه السلام الحور العين وصفاً دقيقاً ، وأنّها ليست على غرار النساء في هذه الدنيا ، وإنّما هنّ على صفة خاصّة خاليات من العاهات والآفات.
92 - فهي تلبس سبعين حلّة، ويرى زوجها مُخّ ساقها من وراء حُللها وبدنها ؟
نَعَمْ ، كَما يَرى أَحَدُكُمُ الدَّرَاهِمَ إِذا الْقِيَتْ في ماءٍ صافٍ قَدَرُهُ قَدَرَ رُمْحِ .
93 - كيف ينعم أهل الجنّة بما فيه من النعيم ، وما منهم أحد إلّا وقد فقد ابنه ، أو أباه ، أو حميمه ، أو أمّه ، فإذا افتقد وهم في الجنّة لم يشكّوا في مصيرهم إلى النار ،
فما يصنع بالنعيم من يعلم أنّ حميمه في النار ويعذّب ؟
إِنَّ أَهْلَ الْعِلْم قالوا : إِنَّهُمْ يَنْسَوْنَ ذِكْرَهُمْ ، وَقالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ قُدومَهُمْ ، وَيَرْجُونَ أَنْ يَكونوا بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فِي أَصْحابِ الْأَعْرافِ .
لقد كانت أجوبة الإمام علیه السلام حاسمة ومقنعة ، وقد ذهل هذا الزنديق من الثروات العلميّة الهائلة التي يملكها الإمام ، وانتقل بعد هذه الأسئلة إلى مسائل أخرى :
94 - أخبرني عن الشمس أين تغيب ؟
إِنَّ بَعْضَ الْعُلَماءِ قالَ : إِذا انْحَدَرَتْ أَسْفَلَ الْقُبَّةِ دارَ بِهَا الْفَلَك إِلَى بَطْنِ السَّمَاءِ صَاعِدَةً أَبَداً إلى أَنْ تَنْحَطُ إِلى مَوضع مَطْلِعَها ، يَعْني أَنها تَغِيبُ في عَيْنٍ حَامِيَةٍ ، ثُمَّ تَخْرِقُ الْأَرْضَ راجِعَةً إِلى مَوْضِعِ مَطْلِعِها ، فَتَحيرُ تَحْتَ الْعَرْشِ حَتَّى يُؤْذَنَ لَها بِالطَّلوعِ وَيُسْلَبُ نورها كُلَّ يَوْمٍ ، وَتَجَلَّلَ نوراً آخَر .
وليس هذا الجواب رأي الإمام علیه السلام ، وإنّما حكاه عن بعض أهل العلم ، من دون أن يقرّه أو ينفيه ، ولم يدل علیه السلام بجواب عن ذلك لعلمه أنّ السائل لا يتحمّله ولا يقرّه .
95 - الكرسي أكبر أم العرش ؟
كُلُّ شَيْءٍ خَلَفَهُ اللَّهُ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ ، ما خَلَا عَرْشُهُ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهِ الْكُرْسِيُّ(1).
وبهذا تنتهي معظم الأسئلة ، وهي غامضة ومعقّدة، دلّت على أنّ السائل كان ممعناً في الزندقة والإلحاد ، وقد أجاب عنها الإمام علیه السلام جواباً حاسماً مشفوعاً بأوثق
1) الاحتجاج : 2 : 77 - 100 .
الأدلّة التي لا مجال لإنكارها والشكّ فيها ، ولم توضّح المصادر التي بأيدينا حال السائل ، هل رجع من الكفر إلى الإيمان ، أو بقي مصرّاً على عناده والحاده ، بعدما أوضح له الإمام علیه السلام القصد ، وفنّد شبهه وشكوكه .
روى عليّ بن سالم ، قال : « سألت أبا عبد الله علیه السلام عن الرقي(1)، أتدفع من القدر شيئاً ؟
قال له : « هِيَ مِنَ الْقَدَر » .
وأضاف يقول : «إِنَّ الْقَدَرِيَّةَ مَجوس هذه الأمةِ ، وَهُمُ الَّذينَ أرادوا أَنْ يَصِفوا اللهَ بِعَدْلِهِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ سُلْطانِهِ ، وَفِيهِم نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَفَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (2)»(3).
وجرت للإمام الصادق علیه السلام عدّة مناظرات ، كانت في منتهى الروعة ، مع بعض لالالالا أعلام عصره الذين يخالفونه في الرأي ، كان من بينهم ما يلي :
كان أبو حنيفة يذهب إلى القياس ، وأنّه من مصادر التشريع في الإسلام ، وكان الإمام الصادق علیه السلام ينكر ذلك أشدّ الإنكار ، ويرى أنّ من مصادر التشريع الإسلامي : الكتاب والسنة والإجماع ، وليس القياس منها ، وقد حضر أبو حنيفة عند الإمام الصادق علیه السلام وتعلّم منه الفقه ، وقد أعلن ذلك بقوله : « لولا السنتان لهلك النعمان »، وقد جرت بينهما عدّة لقاءات ومحاورات ، كان منها ما يلي :
1 - وفد ابن شبرمة(1)مع أبي حنيفة على الإمام الصادق علیه السلام ، فقال لابن شبرمة : مَنْ هذا الَّذِي مَعَكَ ؟
لَعَلَّهُ الَّذِي يَقيسُ أَمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ ؟
والتفت الإمام علیه السلام لأبي حنيفة قائلاً: ما اسْمُكَ ؟
1) وفي رواية الطبرسي : « ابن أبي ليلى » .
يا نُعْمانُ ، هَلْ قِسْتَ رَأْسَكَ ؟
كيف أقيس رأسي ؟
ما أَراكَ تُحْسِنُ شَيْئاً ، هَلْ عَلِمْتَ مَا الْمُلوحَةُ فِي الْعَيْنَيْنِ ، وَالْمَرَارَةُ فِي الأَذْنَيْنِ ، وَالْحَرارَةُ فِي الْمَنْخَرَيْنِ ، وَالْعُذوبَةُ فِي الشَّفَتَيْنِ ؟
وبهر أبو حنيفة ، وأنكر معرفة ذلك ، ووجّه الإمام إليه السؤال التالي :
هَلْ عَلِمْتَ كَلِمَةٌ أَوَّلُها كُفْرٌ ، وَآخِرُها إيمان ؟
والتمس أبو حنيفة من الإمام علیه السلام أن يوضّح له هذه الأمور ، فقال علیه السلام :
أَخْبَرَنِي أَبي عَنْ جَدّي رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِفَضْلِهِ وَمَنْهِ جَعَلَ لَابْنِ آدَمَ الْمُلوحَةَ فِي الْعَيْنَيْنِ لِيَلْتَقِطا ما يَقَعُ فيهما مِنَ الْقَذى ، وَجَعَلَ الْمَرَارَةَ في الأُذُنَيْنِ حِجاباً مِنَ الدَّوابِّ ، فَإِنْ دَخَلَتِ الرّأْسَ دابَّةٌ وَالْتَمَسَتْ إِلَى الدَّمَاعَ ، فَإِنْ دَاقَتِ الْمَرَارَةَ الْتَمَسَتِ الْخُروجَ ، وَجَعَلَ اللهُ الْبُرُودَةَ فِي الْمَنْخَرَيْنِ يَسْتَنْشِقُ بِهِمَا الرَّيحَ ، وَلَوْلا ذلِكَ لأنْتَنَ الدَّماعُ ، وَجَعَلَ الْعُذوبَةَ فِي الشَّفَتَينِ لِيَجِدَ لَذَّةَ اسْتِطْعَامٍ كُلِّ شَيْءٍ .
والتفت أبو حنيفة إلى الإمام قائلاً: أخبرني عن الكلمة التي أوّلها كفر ، وآخرها إيمان ؟
وأقبل الإمام على أبي حنيفة ينهاه عن العمل بالقياس ، قال له : يا نُعْمانُ ، حَدَّثَنِي َبِي ، عَنْ جَدِّي رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قالَ : أَوَّلُ مَنْ قاسَ أَمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ إِبْلِيسُ ، قَالَ لَهُ اللَّهُ
تَعالى : اسْجُدْ لَآدَمَ ، فَقالَ : (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)(1)فَمَنْ قاسَ الدِّينَ بِرَأْيهِ قَرَنَهُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيامَةِ بِإِبْلِيسَ لأَنَّهُ تَبِعَهُ بِالْقِياسِ(2).
2 - التقى أبو حنيفة بالإمام الصادق علیه السلام ، فقال له الإمام : ما تَقولُ في مُحْرِمٍ كَسَرَ رُباعِيَّةَ ظَبْي ؟
لَا تَعْلَمُ أَنَّ الظُّبْيَ لَا تَكونُ لَهُ رُباعِيَّةٌ ، وَهُوَ لِني أَبَداً (3).
3 - والتقى أبو حنيفة بالإمام الصادق الالها وسأله الإمام عن بعض المسائل
فلم يجبه عنها ، ومن بين ما سأله الإمام علیه السلام : أَيُّهُما أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ : الْقَتْلُ أَوِ الزَّنا ؟
بل القتل .
كَيْفَ رَضِيَ فِي الْقَتْلِ بِشَاهِدَيْنِ ، وَلَمْ يَرْضَ فِي الزِّنا إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ ؟
ووجم أبو حنيفة ولم يطق جواباً ، وانهار قياسه أمام سليل النبوة، ثمّ وجّه الإمام علیه السلام السؤال التالي : الصَّلاةُ أَفْضَلُ أَمِ الصِّيام ؟
فَيَجِبُ عَلَى قِياسِ قَوْلِكَ عَلَى الْحَائِضِ قَضاءُ ما فاتَها مِنَ الصَّلاةِ في حالِ حَيْضِها دونَ الصّيامِ ، وَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ تَعالى فَضاءَ الصَّوْم دونَ الصَّلاةِ .
ولم يستطع أبو حنيفة الجواب، فقد مزّق الإمام قياسه ، وأعلمه أنّ دين الله لا يصاب ولا يدرك بالقياس والاستحسان ، ثمّ وجه الإمام له السؤال التالي : الْبَوْلُ أَقْذَرُ أَمِ الْمَنيُّ ؟
البول أقذر .
يَجِبُ على قياسِكَ أَنْ يَجِبَ الْغُسْلُ مِنَ الْبَوْلِ - لأَنَّهُ أَقْذَرُ دونَ الْمَنيِّ ، وَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ تَعَالَى الْغُسْلَ مِنَ الْمَنيِّ دونَ الْبَوْلِ .
ووجم أبو حنيفة أمام هذه اللوازم الفاسدة التي تترتب على القياس ، ولم يستطع الدفاع عن فكرته ، واستأنف الإمام علیه السلام حديثه في الردّ عليه .
ما تَرى في رَجُلٍ كانَ لَهُ عَبْدٌ فَتَزَوَّجَ ، وَزَوَّجَ عَبْدَهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَدَخَلا بِامْرَأَتَيْهِما في لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، ثُمَّ سافرا وَجَعَلا امْرَأَتَيْهما في بَيْتِ واحِدٍ وَوَلَدَتا غُلامَيْن ، فَسَقَطَ الْبَيْتُ عَلَيْهِمْ فَقُتِلَتِ الْمَرْأَتِا ، وَبَقِيَ الْغُلامانِ ، أَيُّهُما في رَأْيِكَ الْمالِكُ ، وَأَيُّهُما المَمْلوك ، وَأَيُّهُما الوارث ، وَأَيُّهُما الْمَوْروثُ ؟
وأعرب أبو حنيفة عن عجزه قائلاً: إنّما أنا صاحب حدود .
ووجّه الإمام إليه السؤال التالي : ما تَرى فِي رَجُلٍ أَعْمَىٰ فَقَأَ عَيْنَ صَحِيحٍ ، وَأَقْطَعٍ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ، كَيْفَ يُقامُ عَلَيْهِمَا الْحَدُّ ؟
واعترف أبو حنيفة بعجزه وعدم قدرته ، فقال : أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء .
فوجّه الإمام له السؤال التالي عن حال بعض الأنبياء قائلاً: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللهِ لِمُوسى وهارون حينَ بَعَثَهُما إِلى فِرْعَونَ: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )(1)،
1) طه 44:20 .
وَلَعَلَّ مِنْكَ شَكٍّ ؟
في الراد
نعم.
وَكَذلِكَ مِنَ اللَّهِ شَكٍّ إِذْ قالَ : (لَعَلَّهُ ).
لا علم لي .
وأخذ الامام علیه السلام يوبخه على عمله بالقياس قائلاً:
تَزْعَمُ أَنَّكَ تَفْتِي بِكِتابِ اللهِ ، وَلَسْتَ مِمَّنْ وَرِثَهُ ، وَتَزْعَمُ أَنَّكَ صَاحِبُ قياسٍ ، وَأَوَّلُ مَنْ قاسَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ ، وَلَمْ يُيْنَ دِينُ الْإِسْلامِ عَلَى الْقِياسِ ، وَتَزْعَمُ أَنَّكَ صَاحِبُ رَأْيِ ، وَكَانَ الرَّأْيُ مِنْ رَسولِ اللَّهِ الله صواباً ، وَمِنْ ُدونِ خَطَاً؛ لأَنَّ اللهَ تَعالى قالَ : لِتَحْكُمَ ( بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ )(1)، وَلَمْ يَقُلْ ذلِكَ لِغَيْرِهِ ، وَتَزْعَمُ أَنَّكَ صَاحِبُ حُدودٍ ، وَمَنْ انْزِلَتْ عَلَيْهِ أَوْلى بِعِلْمِها مِنْكَ ، وَتَزْعَمُ أَنَّكَ عالِمٌ بِمَباعِثِ الْأَنْبِياءِ ، وَخاتَمُ الْأَنْبِياءِ أَعْلَمُ بِمَباعِثِهِمْ مِنْكَ ، لَوْلَا أَنْ يُقالَ دَخَلَ عَلَى ابْنِ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ ما سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ ، فَقِسٌ إِنْ كُنْتَ مُقيساً .
والتفت أبو حنيفة إلى الإمام معرباً له عن تركه العمل بالقياس قائلاً: لا أتكلّم بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس .
وأجابه الإمام : كَلَّا إِنَّ حُبَّ الرِّئَاسَةِ غَيْرُ تارِكِكَ كَما لَمْ يَتْرُكْ مَنْ كانَ قَبْلَكَ (2).
وهكذا انهار أبو حنيفة أمام عملاق الفكر الإسلامي ، وسليل النبوّة ، الإمام الصادق علیه السلام ، ولم يستطع أن يتمسّك بدليل يدافع عن فكرته في حجّيّة القياس ، لقد مزّقه الإمام علیه السلام وتركه أوهى من بيت العنكبوت .
4 - التقى أبو حنيفة بالإمام الصادق علیه السلام، وتقدّم أبو حنيفة فسأل الإمام : كم بين المشرق والمغرب ؟
واستعظم ذلك أبو حنيفة وأنكره ، فردّ عليه الإمام : لِمَ تُنْكِرُ هذا ؟ ! إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنَ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ (1).
إنّ اليوم يطلق من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، ومن المؤكّد أنّ مسيرة يوم للشمس أقلّ من اليوم.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض مناظرات الإمام مع أبي حنيفة .
كان ابن أبي ليلى قاضياً من قبل الحكومة الأمويّة والعباسيّة ، وكان يفتي بالرأي قبل أبي حنيفة ، وقد تشرّف بمقابلة الإمام الصادق علیه السلام ، وقد كان معه سعيد بن أبي الخصيب ، فقال علیه السلام له : مَنْ هذا الَّذى مَعَكَ ؟
ووجّه الإمام له السؤال التالي : أَتَأْخُذُ َمالَ هذا فَتُعْطِيهِ هذا ، وَتُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، وَلَا تَخافُ في هذا أَحَداً ؟
نعم.
بِأَيِّ شَيْءٍ تَقْضِي ؟
بما بلغني عن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، وعن أبي بكر وعمر .
1) الاحتجاج : 2 : 272 .
بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ بَعْدِي ؟ » .
نعم .
كَيْفَ تَقْضِي بِغَيْرِ قَضاءِ عَلَيَّ ، وَقَدْ بَلَغَكَ هذا ؟
واصفرّ وجه ابن أبي ليلى ، وعرف أنّه قد جانب الحقّ فيما حكم وأفتى به ، والتفت الإمام علیه السلام قائلاً : الْتَمِسُ مَثَلاً لِنَفْسِكَ ، فَوَاللَّهِ لَا أَكَلِّمُكَ مِنْ رَأْسِي كَلِمَةً أبداً (1).
والتقى بالإمام الصادق علیه السلام بمكّة وفد من المعتزلة في مستوى رفيع ضمّ أعلامهم ورؤوسهم ، فكان من بينهم عمرو بن عبيد ، وواصل بن عطاء ، وحفص بن سالم ، وغيرهم من وجوههم وأعيانهم ، وذلك بعد قتل الوليد ، واختلاف أهل الشام ، وقد أجمع رأي المعتزلة على محمّد بن عبدالله بن الحسن للخلافة الإسلاميّة ، وتكلموا بحضرة الإمام علیه السلام، فقال لهم : إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَيَّ فَأَطَلْتُمْ ، فَأَسْنِدُوا أَمْرَكُمْ إِلى رَجُلٍ مِنْكُمْ فَلْيَتَكَلَّمْ بِحُجَجِكُمْ وَلْيوجِزْ .
وأجمع رأيهم على إسناد أمرهم إلى زعيمهم الروحي عمرو بن عبيد ، فخطب خطاباً بليغاً ورائعاً ، وكان من جملة ما قاله : قتل أهل الشام خليفتهم - يعني الوليد - وضرب الله بعضهم ببعض ، وتشتّت أمرهم ، فنظرنا فوجدنا رجلاً له دين وعقل ومروءة ، ومعدن للخلافة ، وهو محمد بن عبد الله بن الحسن ، فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه ، ثمّ نظهر أمرنا معه ، وندعو الناس إليه ، فمن بايعه كنّا معه ، وكان منّا ، ومن اعتزلنا كففنا عنه ، ومن نصب لنا جاهدناه ، ونصبنا له على بغيه ، ونردّه إلى الحق وأهله .
1) الاحتجاج : 2 : 102 .
ثمّ التفت إلى الإمام وقال له : وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك ، فإنّه لا غنى بنا عن مثلك ، لفضلك ولكثرة شيعتك .
ولمّا أنهى عمرو بن عبيد خطابه الهادف إلى ترشيح محمّد للخلافة ، والطلب من الإمام تأييدهم فيما عزموا عليه ، التفت علیه السلام إلى المعتزلة فقال لهم : أَكُلُّكُمْ عَلَى مِثْلِ ما قالَ عَمْرو ؟
وحمد الإمام الله ، وأثنى عليه ، وصلّى على النبيّ صلی الله علیه و آله وسلم ، ووجّه خطابه إلى عمرو فقال له : يا عَمْرو ، لَوْ أَنَّ الأُمَّةَ قَلَّدَتْكَ أَمْرَها فَمَلَكْتَهُ بِغَيْرِ قِتَالٍ ، وَلَا مَؤونَةٍ ، فَقِيلَ لَكَ : وَلَّها مَنْ شِئْتَ ، مَنْ كُنْتَ تُوَلّي ؟
وبادر عمرو فقال : أجعلها شورى بين المسلمين.
بَيْنَ كُلِّهِمْ بَيْنَ فُقَهَائِهِمْ وَخِيَارِهِمْ ؟
نعم .
قُرَيْسٌ وَغَيْرُهُمْ ؟
نعم.
الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ ؟
نعم.
أَخْبِرْني - يا عمرو - أَتَتَوَلَّىٰ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَوْ تَتَبَرَّأُ مِنْهُما ؟
أتولّاهما .
يا عَمْرو ، إِنْ كُنْتَ تَتَبَرَّأُ مِنْهُما فَإِنَّهُ يَجوزُ لَكَ الْخِلافُ عَلَيْهِما ، وَإِنْ كُنْتَ تَتَوَلاهُما
فَقَدْ خَالَفْتَهُما ، فَقَدْ عَهِدَ عُمَرُ إِلى أَبي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ ، وَلَمْ يُشاوِرُ أَحَداً ، ثُمَّ رَدَّها أَبو بَكْرٍ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُشاوِرْ أَحَداً ، ثُمَّ جَعَلَهَا عُمَرُ شورى بَيْنَ سِتَّةٍ ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا الْأَنْصَارَ ، ثُمَّ أَوْصَى النَّاسَ فيهِمْ - أي في الستّة الذين انتخبهم - بِشَيْءٍ ما أَراكَ تَرْضى أَنْتَ وَلَا أَصْحابُكَ بِهِ.
وبهذا فقد فنّد الإمام علیه السلام مزاعم عمرو بن عبيد من أنّه يدعو الناس كافّه إلى البيعة ، ويجعل الانتخاب عامّاً وشاملاً لجميع قطاعات الشعب ، فإنّه إن فعل ذلك فقد خالف سيرة الشيخين اللذين لم يستندا في عملية الانتخاب إلى قاعدة شعبيّة عامّة ، وإنّما اقتصر أبو بكر في بيعته على جمع من الناس حملهم عليها عمر بدرّته ، كما أجمع على ذلك المؤرّخون ، وأمّا البيعة لعمر فإنّها كانت بترشيح من أبي بكر لا غير ، وبعدما اغتيل عمر جعلها شورى في ستّة من المهاجرين ، وأخرج الأنصار الذين كانوا ذراع الإسلام ودرعه الحصين.
وطفق عمر و يسأل الإمام علیه السلام عمّا صنع عمر قائلاً: ما صنع ؟
أجابه الإمام بتفصيل الحادث ، قال : أَمَرَ صُهَيْباً أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَأَنْ يَتَشاوَرَ أُولئِكَ السِّتَّةُ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ سِواهُمْ إِلَّا ابْنُ عُمَرَ ، وَيُشَاوِرونَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ، وَأَوْصَى مَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِنْ مَضَتَ ثَلَاثَةٌ أَيَّامٍ وَلَمْ يَفْرُعُوا وَيُبايعوا ، أَنْ تُضْرَبَ أَعْناقُ السَّنَّهِ جَميعاً ، وَإِنِ اجْتَمَعَ أَرْبَعَةٌ قَبْلَ أَنْ يَمْضِي ثَلاثَةٌ أَيَّامٍ ، وَخالَفَ اثْنَانِ أَنْ يُضْرَبَ أَعْناقُ الْإِثْنَيْنِ ، أَفَتَرْضُونَ بِذَا فِيمَا تَجْعَلُونَ مِنَ الشَّورِىٰ في الْمُسْلِمين ؟
وهكذا حفلت الشورى العمريّة بإعدام جميع أعضاء الشورى إن لم يتّفقوا على مبايعة واحد منهم بعد ثلاثة أيّام، وإن اجتمع أربعة منهم على مبايعة شخص دون اثنان تضرب أعناقهما ، وهذا الحكم لا يقرّه الفقه الإسلامي الذي لم يبح بأي حال
إراقة دماء المسلمين إلا بالحقِّ ، وقد رفض عمرو بن عبيد هذه الشورى ، والتفت له الإمام قائلاً: دَعْ ذا ، أَرَأَيْتَ لَوْ بِايَعْتَ صاحِبَكَ هذَا الَّذِي تَدْعو إِلَيْهِ ، ثُمَّ اجْتَمَعَتْ لَكُمُ الْأُمَّةُ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْكُمْ مِنْها رَجُلانِ ، فَأَفْضَيْتُمْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِموا وَلَمْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ كَانَ عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ صاحِبِكُمْ مِنَ الْعِلْمِ ما تَسيرونَ فيهِمْ بِسِيرَةِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي الْمُشْرِكِينَ فِي الْجِزْيَةِ ؟
والتفت إليهم الإمام بعد هذه المقدّمة المحرجة لهم قائلاً : فَتَصْنَعونَ ماذا ؟
فأجابوا جميعاً : ندعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية .
وأشكل عليهم الإمام قائلاً: فَإِنْ كانوا ،مجوساً ، وَأَهْلَ كِتابٍ ، وَعَبَدَةَ النيرانِ وَالْبَهَائِمِ وَلَيْسوا بِأَهْلِ كِتَابٍ ؟
فانبروا قائلين هم سواء .
وأشكل عليهم الإمام قائلاً: أَخْبِرُونِي عَنِ الْقُرْآنِ تَقْرَأُونَهُ ؟
نعم.
قَرَأْتُمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ )(1).
فَاسْتَثْنَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الَّذينَ أوتوا الْكِتابَ ، فَكَيْفَ يَكونونَ مَعَ الَّذينَ لَمْ يُؤْتَوا الكتاب سَواءٌ ؟
وأصرّ الجماعة على التسوية بين الطائفتين في الحكم ، فقال علیه السلام لعمرو بن عبید :
1) التوبة 9: 29 .
وَعَمَّنْ أَخَذْتَ هذا ؟
فأجابه جواباً لا يستند إلى ركيزة علميّة قائلاً : سمعتُ النّاس يقولونه .
وليس قول الناس من مدارك الأحكام الشرعيّة ، ووجّه الإمام إليه سؤالاً آخر قائلاً: دَعْ ذا ، فَإِنَّهُمْ إِنْ أبوا الْجِزْيَةَ فَقاتَلْتَهُمْ فَظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِالْغَنِيمَةِ ؟
أخرج الخمس وأقسّم أربعة أخماس بين من قاتل عليها .
تُقَسّمُهُ بَيْنَ جَميع مَنْ قَاتَلَ عَلَيْها ؟
نعم .
لَقَدْ خَالَفْتَ رَسولَ اللهِ صلی الله علیه و آله وسلم في فِعْلِهِ وَفي سيرَتِهِ ، وَبَيْنِي وَبَيْنَكَ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَشْيَخَتُهُمْ ، فَسَلْهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ وَلَا يَتَنَازَعُونَ فِي أَنَّ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا صالَحَ الْأَعْرابَ عَلى أَنْ يَدَعَهُمْ فِي دِيارِهِمْ ، وَأَنَّ لَدَيْها جُرْداً عَلَى أَنَّهُ إِنْ دَهَمَهُ عَدُوٌّ فَيَسْتَفِزَّهُمْ ، فَيُقاتِلُ بِهِمْ ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ نَصيبٌ ، وَأَنْتَ تَقولُ : بَيْنَ جَميعِهِمْ ، فَقَدْ خَالَفْتَ رَسولَ اللهِ صلی الله علیه و آله وسلم في الْمُشْرِكِينَ .. دَعْ ذا فَما تَقولُ في الصَّدَقَةِ ؟
فقرأ عمرو بن عبيد الآية: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا )(1).
فقال الإمام علیه السلام لعمرو : كَيْفَ تُقَدِّمُ بَيْنَهُمْ ؟
وأشكل الإمام عليه قائلاً: إن كانَ صِنْفٌ مِنْهُمْ عَشَرَةَ آلافٍ ، وَصِنْفُ رَجُلاً واحِداً
1) التوبة 9: 60 .
أَوْ رَجُلَيْن أَوْ ثَلاثَةَ ، جَعَلْتَ لهذا الْواحِدِ مِثْلَ مَا جَعَلْتَ لِعَشْرَةِ آلافٍ ؟
نعم.
خالَفْتَ رَسولَ الله صلی الله علیه و آله وسلم في كُلِّ ما أَتى بِهِ ، كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقَدِّمُ صَدَقَةَ البوادي في أَهْلِ الْبَوادِي ، وَصَدَقَةَ أَهْلِ الْحَضَرِ فِي أَهْلِ الْحَضَرِ ، وَلَا يُقَسِّمْ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ، إِنَّما يُقَسِّمُهُ قَدَرَ ما يَحْضَرُ مِنْهُمْ ، وَعَلى قَدَرِ مَا يَحْضَرُهُ ، فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُ لَكَ ، فَإِنَّ فُقَهَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَشْيَخَتَهُمْ كُلُّهُمْ لَا يَخْتَلِفونَ فِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَذا كَانَ يَصْنَعُ.
ثمّ أقبل على عمرو فجعل يوبخه ، ويأمره وأصحابه بتقوى الله ، والرجوع إلى أئمّة الهدى ، الذي أقامهم رسول الله أعلاماً لأمّته قائلاً:
اتَّقِ اللهَ يا عَمْرو ، وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ فَاتَّقُوا اللهَ ، فَإِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي وَكَانَ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ ، وَأَعْلَمَهُمْ بِكِتابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسولِهِ : أَنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : مَنْ ضَرَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ ، وَدَعاهُمْ إِلَى نَفْسِهِ ، وَفِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَعْلَمْ مِنْهُ فَهُوَ ضَالٌ مُتَكَلِّفٌ (1).
ووجم عمرو بن عبيد ، ولم يهتد إلى حجّة يتمسّك بها للدفاع عن نفسه ، ونهض مع بقيّة الزعماء الروحانيّين للمعتزلة ، وهم يجرّون رداء الخيبة ، قد ضلوا عن الطريق ، وانحرفوا عن القصد ، فقد أوضح لهم الإمام علیه السلام أنّه يجب أن تكون مسيرتهم خلف إمام عالم بأحكام الله ، عارف بما تحتاج إليه الأمّة في جميع شؤونها .
ولم تقتصر مناظرات الإمام الصادق علیه السلام على صنف خاصّ من المذاهب والأديان ،
1) الاحتجاج : 2 : 118 - 122 .
وإنّما شملت جميع المذاهب ، وكان من بينها النصارى ، فقد تشرّف بمقابلته وفد من النصارى ، وقدّموا له السؤال التالي : إنّ موسى وعيسى ومحمّد سواء لأنّهم جميعاً أصحاب شرائع وكتب .
فأنكر علیه السلام ذلك وقال : مُحَمَّدٌ صلی الله علیه و آله وسلم أَفْضَلُ مِنْهُما وَأَعْلَمُ ، وَقَدْ أَعْطاهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الله الْعِلْمِ مَا لَمْ يُعْطِ غَيْرَهُ .
فانبروا جميعاً قائلين: هل آية من كتاب الله نزلت في هذا ؟
نَعَمْ ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحَ مِن كُلِّ شَيْءٍ)(1).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ( وَلِأُبَيَّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ )(2).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى لِلنَّبيِّ الْمُصْطَفَى : ( وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ )(3).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ( لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ) (4)، فَهُوَ وَاللَّهِ أَعْلَمُ مِنْهُما ، وَلَوْ حَضَرَ مُوسَى وَعِيسَى مَحْضَرِي وَسَأَلاني لأَجَبْتُهُما ، وَلَوْ سَأَلْتُهُما ما أَجابا» (5).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض احتجاجات الإمام ومناظراته ، وهي تمثّل جانباً كبيراً من من الصراع الفكري والعقائدي في ذلك العصر بين الإسلام والقوى المعادية له .
من أنماط الثقافة الإسلاميّة العالية رسائل الإمام الصادق علیه السلام ووصاياه التي زوّد بها نخبة من أعلام شيعته ، وهي تمثّل جانباً كبيراً من الفكر الإسلامي المتطوّر الهادف إلى رفع مستوى الحياة ، وتنظيم سلوك النّاس، وتهذيب غرائزهم ، وإقامة الروابط الاجتماعيّة المتكاملة بينهم ، كما عرضت للقضايا السياسيّة في الإسلام، فوضعت أهمّ البنود المشرقة في عالم السياسة والحكم .. وفيما يلي بعض ما أثر من رسائله ووصاياه .
أمّا رسائل الإمام الصادق علیه السلام فهي من مناجم التراث الإسلامي ، وهي في نفس الوقت تحكي مدى اهتمامه في تركيز المفاهيم الخيّرة في عواطف الناس وضمائرهم ، ونلمح إلى بعضها :
وسرت موجات من الشكوك والأوهام حول قضايا التوحيد ، والتي كان منها الجدل في صفات الله تعالى ، وقد رفع عبدالملك بن أعين رسالة إلى الإمام الصادق علیه السلام يسأله عن ذلك ، وقد جاء في رسالته ما يلي :
«إنّ قوماً بالعراق يصفون الله بالصورة وبالتخطيط، فإن رأيت جعلني الله فداك ، أن تكتب إليَّ بالمذهب الصحيح من التوحيد».
فكتب إليه الإمام علیه السلام ما يلي : « سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللهُ عَنِ التَّوْحِيدِ ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلَكَ ، فَتَعَالَى اللَّهُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَهوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، تَعَالَى عَمَّا يَصِفُهُ الْواصِفونَ الْمُشَبِّهونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ ، الْمُفْتَرُونَ عَلَى اللهِ .
فَاعْلَمْ - رَحِمَكَ الله- أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحيحَ فى التَّوْحِيدِ مَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَاتِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ ، فَانْفِ عَنِ اللهِ تَعَالَى الْبُطْلانَ وَالتَّشْبيهَ ، فَلَا نَفْيَ وَلَا تَشْبيهَ ، هُوَ اللهُ الثَّابِتُ الْمَوْجودُ ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَصِفُهُ الْواصِفونَ وَلَا تَعَدّوا الْقُرْآنَ فَتَضِلُّوا بَعْدَ التَّبْيان »(1).
وعرض الإمام علیه السلام في رسالته إلى تفنيد القائلين بنفي الصفات مطلقاً مطلقاً عن عن الله
تعالى ، وأنّه ليست له أيّة صفة ، كما فنّد قول الذاهبين إلى أنّ له صفات ولكنّها تشبه صفات المخلوقين، فإنّ كلا هذين القولين ليس لهما واقع علمي وإنّما هو تخرّص بالباطل ، والواجب الرجوع إلى مائدة القرآن الكريم ، فهو يثبت في كثير من آياته أنّ له صفات ، ولكنّها ليست كصفات المخلوقين، فهو تعالى الثابت الموجود تعالى عمّا يصفه الواصفون .
1) أصول الكافي : 1 : 100 .
رفع شخص من شيعة الإمام علیه السلام رسالة إليه يسأله فيها عن الغنائم والخمس ، ويطلب أن يوقفه على الأسباب التي حجبت ذوي القربي من عترة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم عن تناولهم لسهمهم الذي فرضه الله لهم . وقد أجابه الإمام علیه السلام جواباً موضوعيّاً وشاملاً قد دعمه بالأدلّة الحاسمة ، وهذا نصّه بعد البسملة :
فَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ اهْتَمَمْتَ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ بوجوهِ مَواضِعِ مَا لِلَّهِ فِيهِ رِضَيَّ ، وَكَيْفَ أَمْسِكُ سَهْمَ ذِي الْقُربى مِنْهُ ، وَما سَأَلْتَني مِنْ إِعْلامِكَ ذلِكَ كُلَّهُ ، فَاسْمَعْ بِقَلْبِكَ ، وَانْظُرْ بِعَفْلِكَ ، ثُمَّ أَعْطِ في جَنْبِكَ النَّصْفَ مِنْ نَفْسِكَ ، فَإِنَّهُ أَسْلَمُ لَكَ غَداً عِنْدَ رَبِّكَ ، الْمُتَقَدِّمُ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ إِلَيْكَ ، وَفَقَنا اللهُ وَإِيَّاكَ
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبِّكَ ما عَابَ عَنْ شَيْءٍ ،(وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) (1)، وَما فَرَّطَ في الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ(2)، وَكُلُّ شَيْءٍ فَصَّلَهُ تَفْصِيلاً(3)، وَأَنَّهُ لَيْسَ ما وَضَحَ اللهُ تَبارَكَ وَتَعَالَى مِنْ أَخْذِ مَالِهِ بِأَوْضَحَ مِمَا أَوْضَحَ اللَّهُ مِنْ قِسْمَتِهِ إِيَّاهُ فِي سُبُلِهِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَفْتَرِضْ مِنْ ذلِكَ شَيْئاً فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا وَقَدْ أَتْبَعَهُ بِسُبُلِهِ إِيَّاهُ غَيْرَ مُفَرِّقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، يُوجِبُهُ لِمَنْ
. فَرَضَ لَهُ ما لَا يَزولُ عَنْهُ مِنَ الْقَسْمِ كَمَا يَزولُ ما بَقِيَ سِواهُ عَمَّنْ سُمِّيَ لَهُ لأَنَّهُ يَزولُ عَنِ الشَّيْخ بِكِبَرِهِ ، وَالْمِسْكِينِ بِغِناهُ ، وَابْنِ السَّبِيلِ بِلْحُوقِهِ بِبَلَدِهِ ، وَمَعَ تَوْكِيدِ الْحَجِّ مَعَ ذلِكَ بِالْأَمْرِ بِهِ تَعْلِيماً ، وَبِالنَّهْي عَمَا رَكِبَ مِمَّنْ مَنَعَهُ تَحَرُّجاً ، فَقالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ فِي الصَّدَقَاتِ وَكانَتْ أَوَّلَ ما افْتَرَضَ اللَّهُ سُبُلَهُ :( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ
1) مريم 19: 64 .
2) اقتباس من قوله تعالى : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) الأنعام 6: 38 و : ( وَكُلِّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً) الإسراء 17: 12 .
3) اقتباس من قوله تعالى : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) الأنعام 6: 38 و : ( وَكُلِّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً) الإسراء 17: 12 .
عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ )(1)، فَاللَّهُ أَعْلَمَ نَبِيَّهُ صلی الله علیه و آله وسلم مَوْضِعَ الصَّدَقَاتِ ، وَأَنَّها لَيْسَتْ لِغَيْرِ هَؤُلاءِ ، يَضَعُها حَيْثُ يَشَاءُ مِنْهُمْ الله عَلى ما يَشاءُ ، وَيَكُفُّ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ نَبِيَّهُ وَأَقْرِبَاءَهُ عَنْ صَدَقَاتِ النَّاسِ وَأَوْساخِهِمْ ، فَهَذا سَبيلُ الصَّدَقَاتِ .
الله وَأَمَا الْمَعَانِمُ فَإِنَّهُ لَمَا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ كَذَا وَكَذَا ، وَمَنْ أَسَرَ أَسيراً فَلَهُ مِنْ غَنائِمِ الْقَوْمِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يَفْتَحَ عَلَيَّ ، وَأَنْعَمَني عَسْكَرَهُمْ ، فَلَمّا هَزَمَ اللهُ الْمُشْرِكِينَ وَجُمِعَتْ غَنَائِمُهُمْ ، قامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقالَ : يا رَسولَ اللهِ ، إِنَّكَ أَمَرْتَنا بِقِتالِ الْمُشْرِكِينَ وَحَثَقْتَنا عَلَيْهِ وَقُلْتَ : مَنْ أَسَرَ أَسيراً فَلَهُ كَذَا وَكَذَا مِنْ غَنائِمِ الْقَوْمِ ، وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ كَذا وَكَذَا ، إِنِّي قَتَلْتُ قَتِيلَيْنِ - لي بِذلِكَ البَيِّنَةُ - وَأَسَرْتُ أَسيراً ، فَأَعْطِنا ما أَوْجَبْتَ عَلى نَفْسِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ثُمَّ جَلَسَ .
فَقامَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ ، ما مَنَعَنا أَنْ نُصِيبَ مِثْلَ ما أَصابوا حُبْنٌ عَنِ الْعَدُوِّ ، وَلَا زَهَادَةٌ فِي الْآخِرَةِ وَالْمَغْنَمِ ، وَلَكِنَّا تَخَوَّفْنا إِنْ بَعُدَ مَكانُنا مِنْكَ ، فَيَميلَ إِلَيْكَ مِنْ جُنْدِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ يُصيبوا مِنْكَ ضَيْعَةٌ (2)فَيَميلُوا إِلَيْكَ فَيُصيبوكَ بِمُصِيبَةٍ ، وَإِنَّكَ إِنْ تُعْطِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ ما طَلَبوا يَرْجِعْ سائِرُ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ ، ثُمَّ جَلَسَ .
فَقامَ الْأَنْصارِيُّ فَقالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأولى ، ثُمَّ جَلَسْ . يَقولُ ذلِكَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، فَصَدَّ النَّبِيُّ صلی الله علیه و آله وسلم بِوَجْهِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ . الْأَنْفَالِ)(3)، وَالأَنْفالُ اسْمٌ جامِعٌ لِما أَصابوا يَوْمَئِذٍ ، مِثْلَ قَوْلِهِ : (مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى
رَسُولِهِ )(1)وَمِثْلَ قَوْلِهِ : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ )(2).
ثُمَّ قَالَ : (الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ) (3)، فاخْتَلَجَها الله(4)مِنْ أَيْدِيهِمْ فَجَعَلَها لِلَّهِ وَلِرَسولِهِ .
ثُمَّ قَالَ : (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ )(5)، فَلَمّا قَدِمَ رَسولُ اللهِ صلی الله علیه و آله وسلم صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ )(6).
فَأَمَّا قَوْلَهُ : (لِلَّهِ ) فَكَما يَقولُ الْإِنْسانُ هُوَ لِلَّهِ وَلَكَ وَلَا يُقْسَمُ لِلَّهِ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَخَمْسَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْغَنِيمَةَ الَّتِي قَبَضَ بِخَمْسَةِ أَسْهُم . فَقَبَضَ سَهْمَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ يُحْيِي بِهِ ذِكْرَهُ ، . وَيُورَثُ بَعْدَهُ ، وَسَهْماً لِقَرَابَتِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَأَنْقَذَ سَهْمَا لِأَيْمَامِ الْمُسْلِمِينَ ، وَسَهْماً لِمَاكينهمْ ، وَسَهْماً لابنِ السَّبِيلِ مِنَ الْمُسْلِمينَ في غَيْرِ تِجارَةٍ ، فَهذا يَوْمَ بَدْرٍ ، وَهذا سَبيلُ الْغَنَائِمِ الَّتِي أُخِذَتْ بِالسَّيْفِ .
وَأَمّا ما لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ(7)بِخَيْلِ وَلَا رِكابٍ(8)فَإِنْ كانَ الْمَهاجِرونَ حِينَ قَدِموا الْمَدينَةَ أَعْطَتْهُمُ الأَنْصَارُ نِصْفَ دورِهِمْ وَنِصْفَ أَمْوَالِهِمْ ، وَالْمُهَاجِرونَ يَوْمَئِذٍ نَحْوُ مائَةِ رَجُلٍ .
فَلَمّا ظَهَرَ رَسولُ اللهِ صلی الله علیه و آله وسلم عَلَى بَني قُرَيْظَةَ وَالنَّضير(1)وَقَبَضَ أَمْوالَهُمْ قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلأَنصارِ: إِنْ شِئْتُمْ أَخْرَجْتُمُ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ دورِكُمْ وَأَمْوالِكُمْ ، وَقَسَمْتُ لَهُمْ هذِهِ الأموال دونَكُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُمْ أَمْوالَكُمْ وَدورَكُمْ ، وَقَسَمْتُ لكَمُ مَعَهُمْ .
قالَتِ الْأَنْصَارُ : بَلِ اقْسِمْ لَهُمْ دونَنَا ، وَاتْرُكْهُمْ مَعَنا فِي دُورِنا وَأَمْوالِنا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعالى: ( وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ - يَعْنِي يَهُودَ قُرَيْظَةَ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ )(2)لأَنَّهُمْ كانوا مَعَهُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْرَبَ مِنْ أَنْ يُوجَفَ عَلَيْهِمْ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ .
ثُمَّ قَالَ : (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمَوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (3)، فَجَعَلَها اللَّهُ لِمَنْ هاجَرَ مِنْ قُرَيْشٍ مَعَ النَّبِيِّ صلی الله علیه و آله وسلم وَصَدَقَ ، وَأَخْرَجَ أَيْضاً عَنْهُمُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ رَسولِ الله صلی الله علیه و آله وسلم مِنَ الْعَرَبِ لِقَوْلِهِ : ( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمَوَالِهِمْ) (4)لأَنَّ قُرَيْشاً ؟ ، كانَتْ تَأْخُذُ ديارَ مَنْ هَاجَرَ مِنْها وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذلِكَ بِمَنْ هَاجَرَ مِنْهَا ، ثُمَّ أَثْنى عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ جَعَلَ لَهُمُ الْخُمْسَ وَبَرَّأَهُمْ مِنَ النِّفاقِ بِتَصْدِيقِهِمْ إِيَّاهُ حِينَ قالَ : ( أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )(5)لا الْكاذِبُونَ ، ثُمَّ أَثْنَىٰ عَلَى الْأَنْصَارِ ، وَذَكَرَ ما صَنَعوا ، وَحُبَّهُمْ لِلْمُهاجرينَ ، وَإِبْثَارَهُمْ إِيَّاهُمْ ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدوا في أَنْفُسِهِمْ حَاجَةً - يَقولُ : حَزازَةٌ مِمّا أوتوا ، يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ دونَهُمْ فَأَحْسَنَ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ ، فَقالَ : (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي
صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(1)، وَقَدْ كانَ رِجالٌ اتَّبَعوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ وَتَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فيما أَخَذوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، فَكانَتْ قُلُوبُهُمْ قَدِ امْتَلَأَتْ عَلَيْهِمْ ، فَلَمَا حَسُنَ إِسْلامُهُمُ اسْتَغْفَروا لأَنْفُسِهِمْ مِمَّا كانوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ، وَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَذْهِبَ بِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِلَّ لِمَنْ سَبَقَهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ ، وَاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ حَتَّى يُحَلِّلَ ما في قُلوبِهِمْ ، وَصاروا إخْواناً لَهُمْ ، فَأَثْنَى اللهُ عَلَى الَّذِينَ قالوا ذلِكَ خاصَّةً ، فَقالَ : ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ )(2)، فَأَعْطى رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمُهَاجِرِينَ عَامَّةٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ فيما يرى؛ لأَنها لَمْ تُخْمَسٌ فَتُقْسَمُ بِالسَّوِيَّةِ ، وَلَمْ يُعْطِ أَحَداً مِنْهُمْ شَيْئاً إِلَّا الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ غَيْرَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَنْصَارٍ ، يُقالُ لِأَحَدِهِمَا سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، وَلِلْآخَرِ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ أَبُو دُجَانَةَ فَإِنَّهُ أَعْطَاهُما لِشِدَّةِ حاجَةٍ كانَتْ بِهِمَا مِنْ حَقِّهِ ، وَأَمْسَكَ النَّبِيُّ صلی الله علیه و آله وسلم مِنْ أَمْوَالِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّصْيرِ مِمَّا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكابِ سَبْعَ حَوائِطَ لِنَفْسِهِ لأَنَّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلى فَدَكَ خَيْلٌ أَيْضاً وَلَا رِكابٌ .
وَأَمَّا خَيْبَرَ فَإِنَّهَا كَانَتْ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَهِيَ أَمْوالُ الْيَهُودِ ، وَلَكِنَّهُ أَوْجَفَ عَلَيْها خَيْلٌ وَرِكابٌ ، وَكانَتْ فيها حَرْبٌ ، فَقَسَّمَها عَلَى قِسْمَةِ بَدْرٍ ، فَقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِن أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا )(1). فَهذا سَبيلُ ما أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَا . أَوْجَفَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ. وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ : مَا زِلْنا نَقْبِضُ سَهْمَنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي أَوَّلُها تَعَلَّمَ وَآخِرُها تَحَرُّجُ ، حَتَّى جَاءَ خُمْسُ السُّوسِ وَجُنْدي سابورَ(2)إِلى عُمَرَ وَأَنَا وَالْمُسْلِمُونَ وَالْعَبّاسُ عِنْدَهُ ، فَقالَ عُمَرُ لَنا : إِنَّهُ قَدْ تَتابَعَتْ لَكُمْ مِنَ الْخُمْسِ أَمْوالٌ فَقَبَضْتُموها حَتَّى لَا حاجَةَ بِكُمُ الْيَوْمَ وَبِالْمُسْلِمِينَ حاجَةٌ وَخَلَلٌ (3)، فَأَسْلِفُونَا حَقَّكُمْ مِنْ هذَا الْمَالِ حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِقَضائِهِ مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ يَأْتِي الْمُسْلِمِينَ ، فَكَفَفَتُ عَنْهُ لِأَنِّي لَمْ آمَنْ حِينَ جَعَلَهُ سَلَفَا لَوْ أَلْحَحْنَا عَلَيْهِ فِيهِ أَنْ يَقُولَ في خُمْسِنَا مِثْلَ قَوْلِهِ فِي أَعْظَمَ مِنْهُ ، أَعْني مِيراثَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم حِينَ أَلْحَحْنَا عَلَيْهِ فِيهِ .
فَقالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : لا تَغْمَزْ فِي الَّذِي لَنا يا عُمَرُ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْبَتَهُ لَنا مِمَا أَثْبَتَ بِهِ المواريث بَيْنَنَا .
فَقالَ عُمَرُ : وَأَنْتُمْ أَحَقُّ مَنْ أَرْفَقَ الْمُسْلِمِينَ وَشَفَّعَني ، فَقَبَضَهُ عُمَرُ .
ثُمَّ قالَ : لا وَاللهِ ما آتِيهِمْ ما يَقْبِضُنا حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ ، ثُمَّ ما قَدَرْنا عَلَيْهِ بَعْدَهُ .
ثُمَّ قَالَ عَلَى : إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصَّدَقَةَ فَعَوَّضَهُ مِنْهَا سَهْماً مِنَ ه الْخُمْسِ ، وَحَرَّمَها عَلى أَهْلِ بَيْتِهِ خَاصَّةً دونَ قَوْمِهِمْ ، وَأَسْهَمَ لِصَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ ، وَذَكَرِهِمْ وَأَنْتَاهُمْ ، وَفَقيرهِمْ، وَشَاهِدِهِمْ وَغائِبِهِمْ ، وَلأَنَّهُمْ إِنَّما أَعْطُوا سَهْمَهُمْ لأَنَّهُمْ قَرابَةً نَبِيِّهِمْ ، وَالَّتى لَا تَزولُ عَنْهُمْ .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَهُ مِنَا ، وَجَعَلَنا مِنْهُ ، فَلَمْ يُعْطِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَداً مِنَ الْخُمْسِ
غَيْرَنَا ، وَغَيْرِ حُلَفَائِنا وَمَوالِينا ، لأَنَّهُمْ مِنَا ، وَأَعْطى مِنْ سَهْمِهِ نَاسًا لِحُرُم كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مَعُونَةٌ فِي الَّذي كانَ بَيْنْهَمُ ، فَقَدْ أَعْلَمْتُكَ ما أَوْضَحَ اللهُ مِنْ سَبيلِ هَذِهِ الْأَنْفَالِ الْأَرْبَعَةِ وَما وَعَدَ مِنْ أَمْرِهِ فِيهِمْ ، وَنَوَّرَهُ بِشِفَاءٍ مِنَ الْبَيانِ ، وَضِياءٍ مِنَ الْبُرهانِ ، جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ الْمُنْزَلُ ، وَعَمِلَ بِهِ النَّبِيُّ صلی الله علیه و آله وسلم الْمُرْسَلُ ، فَمَنْ حَرَّفَ كَلامَ اللهِ أَوْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ وَعَقَلَهُ ، فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَيْهِ (1)، وَاللهُ حَجِيجُهُ فِيهِ . وَالسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ» (2).
وحفلت هذه الرسالة بأمور بالغة الأهمّية ، كان من بينها ما يلي :
1 - أنّ الإمام علیه السلام لعرض إلى ما فرضه الله على المسلمين من الخمس الذي هو ضريبة ماليّة ، ويعطى نصفه إلى السادة الفقراء من الهاشميّين زادهم الله شرفاً، وقد عوّضهم بذلك عن الزكاة التي هي من الضرائب الماليّة في الإسلام ، وقد شرعت لمكافحة الفقر والحرمان ، وهي تصرف على ثمانية أصناف ذكرهم القرآن الحكيم ، ومن بينهم الفقراء والمساكين ، وأبناء السبيل ، وقد أشار الإمام علیه السلام إلى أنّ الحكم التكليفي بأداء الزكاة يسقط عن المرحلة الفعليّة فيما إذا تبدّل عنوان الموضوع ، كما إذا صار الفقير الذي يستحقّ الزكاة غنياً ، فانّه يحرم عليه تناولها ، ويجب عليه ردّ ما عنده منها إلى مالكه أو إلى الحاكم الشرعي أو إلى الفقير حسبما ذكره الفقهاء وكذلك ابن السبيل ، فإنّه إنّما يستحقّ الزكاة فيما إذا كان متّصفاً بهذا العنوان ، فإذا التحق ببلده ، فليس له أن يتناول من الزكاة شيئاً ، ويجب ردّ ما عنده منها إلى أهلها .
2 - أوضح الإمام علیه السلام الحكم فيما يغنمه المسلمون في ميادين الحرب مع الكفّار والمشركين ، وأنّ الحكم هو إخراج خمس ما يغنمونه ، مستنداً في ذلك إلى ما فعله النبيّ صلی الله علیه و آله وسلم في واقعة بدر حينما فتح الله له الفتح المبين ، وقضى على معسكر الشرك ،
فأخذ خمس ما غنمه المسلمون .
3 - أفاد الإمام علیه السلام حكم ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، كفدك ، فهي
للنبيّ صلی الله علیه و آله وسلم لا يشاركه فيها أحد ، ويقول المؤرّخون : إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله وسلم قد وهبها لبضعته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء علیها السلام.
4 - روى الإمام علیه السلام في رسالته عن جدّه الإمام أمير المؤمنين سيّد العترة الطاهرة ، أنّهم كانوا يأخذون الخمس في أيّام النبيّ صلی الله علیه و آله وسلم وبعد وفاته ، إلى أن حجبه عنهم الخليفة الثاني ، ولم يعطهم منه شيئاً ، وأكبر الظنّ أنّ السبب في ذلك لئلا تقوى شوكتهم، فيقوون على معارضة حكومته ، وهذا لون من الحرب الاقتصاديّة التي تستعملها الدول ضدّ خصومها .
5 - وحفلت هذه الرسالة بكثير من الشواهد والأدلّة على وجوب الخمس الذي
هو من من أعظم الضرائب الماليّة في الإسلام ، ومن أكثرها عائدة على المسلمين ، فإن نصف الخمس الذي يعطى للإمام علیه السلام أو إلى نائبه في حال الغيبة ، وهو المرجع العامّ للأمّة ، ليقوم بإنفاقه على إحياء معالم الدين، كإعالة طلاب العلوم الدينيّة ، وبناء المدارس ، وتأسيس المشاريع التي تعود بالخير العميم على الإسلام.
هذه بعض محتويات هذه الرسالة الشريفة .
وكتب الإمام علیه السلام إلى أهل الآفاق بهذه الرسالة القيّمة التي فنّد فيها الإشاعات الكاذبة التي يبثّها أعداء الإسلام من أنّ الإمام محمّد الباقر علیه السلام، قال : « اذا عرفت - يعني الإمام - فاعمل ما شئت » من فعل ما حرّمه الله .
فقال علیه السلام : ما لَهُمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ؟ إِنَّمَا قالَ أَبي : إِذا عَرَفْتَ الْحَقَّ فَاعْمَلْ ما شِئْتَ مِنْ خَيْرٍ يُقْبَلُ مِنْكَ(1).
وقال علیه السلام مثل مقالة أبيه فتأوّلها المبطلون والمنحرفون عن الحقّ فتألّم علیه السلام ، وقال :« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ ، تَأَوَّلَ الْكَفَرَةُ ما لَا يَعْلَمُونَ ، وَإِنَّما قُلْتُ : اعْرِفْ وَاعْمَلْ ما شِئْتَ مِنَ الطَّاعَةِ ، فَإِنَّهُ مَقْبُولٌ مِنْكَ ، لأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلاً مِنْ عَامِلٍ بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً عَمِلَ أَعْمالَ البِرَّ كُلَّها ، وَصامَ دَهْرَهُ ، وَقامَ لَيْلَهُ ، وَأَنْفَقَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَعَمِلَ بِجَميع طَاعَةِ اللهِ ، وَلَمْ يَعْرِفْ نَبِيَّهُ الَّذي جاءَ بِتِلْكِ الْفَرائِضِ فَيُؤْمِنْ بِهِ وَيُصَدِّقْهُ ، وَإِمَامَ عَصْرِهِ الَّذِي افْتَرَضَ اللَّهُ طَاعَتَهُ فَيُطيعَهُ لَمْ يَنْفَعُهُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ.
قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مِثْلِ هؤلاءِ : (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثوراً )(2)» (3).
وكتب علیه السلام بذلك رسالة إلى أهل الآفاق جاء فيها : «إِنَّما يَقْبَلُ اللهُ الْعَمَلَ مِنَ الْعِبادِ بِالْفَرائِضِ الَّتى افْتَرَضَها عَلَيْهِمْ ، بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَنْ جاءَ بِها مِنْ عِنْدِهِ ، وَدَعاهُمْ إِلَيْهِ ، فَأَوَّلُ ذلِكَ : مَعْرِفَةُ مَنْ دُعِيَ إِلَيْهِ وَهوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، وَتَوْحِيدُهُ وَالْإِقْرَارُ بِرُبوبِيَّتِهِ ،
وَمَعْرِفَةُ الرَّسولِ الَّذِي بَلَغَ عَنْهُ وَقَبولُ مَا جَاءَ بِهِ .
ثُمَّ مَعْرِفَةُ الْأَئِمَّةِ بَعْدَ الرَّسُولِ الَّذِينَ افْتَرَضَ طَاعَتَهُمْ فِي كُلِّ عَصْرِ وَزَمَانٍ عَلَى أَهْلِهِ ، وَالْإِيمَانُ وَالتَّصْدِيقُ بِجَميعِ الرُّسُلِ وَالْأَئِمَّةِ .
ثُمَّ الْعَمَلُ بِما افْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعِبادِ مِنَ الطَّاعاتِ ظاهِراً وَباطِناً ، وَاجْتِنابُ ما حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ ظَاهِراً وَباطِناً » (1).
وحوت هذه الرسالة جوهر الإيمان، وحقيقة الإسلام، وليس فيها أيّة دعوة إلى الغلوّ في الأئمّة ، وقد فنّد بها جميع ما نسب إليه من أقوال لا تتّفق مع واقع الإمام .
1) وسائل الشيعة : 1 : 139 .
وأنكر الإمام الصادق علیه السلام أشّد ما يكون الإنكار أن يكون الرأي والقياس من مصادر التشريع الإسلامي اللذان تستنبط منهما الأحكام الشرعيّة ، وإنّما تستنبط من منابعها الأصليّة : الكتاب العزيز، والسنّة المقدّسة ، وقد بعث بهذه الرسالة إلى القائلين بالرأي والقياس ، وشجب فيها ما ذهبوا إليه ، وهذا نصّها :
«أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ مَنْ دَعا غَيْرَهُ إِلَى ِدينِهِ بِالْإِرْتباءِ وَالْمَقاييس لَمْ يُنْصِف وَلَمْ يُصِبْ حَظَهُ، لأَنَّ الْمَدْعُو إِلَى ذلِكَ أَيْضاً لَا يَخْلُو مِنَ الْإِرْتيَاءِ وَالْمَقاييسِ ، وَمَتى لَمْ يَكُنْ بِالدّاعي قُوَّةٌ فِي دُعائِهِ عَلَى الْمَدْعُو لَمْ يُؤْمَنْ عَلَى الدّاعي أَنْ يَحْتاجَ إِلَى الْمَدْعُو بَعْدَ قَليلٍ؛ لأَنا قَدْ رَأَيْنَا الْمُتَعَلَّمَ الطَّالِبَ رُبَّمَا كَانَ فَائِقَا لِمُعَلِّمِهِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ .
وَرَأَيْنا الْمُعَلَّمَ الدّاعِيَ رُبَّما احتاجَ في رَأيهِ إِلى رَأْي مَنْ يَدْعو ، وَفِي ذلِكَ تَحَيَّرَ الْجاهِلونَ ، وَشَدَّ الْمُرْتابونَ ، وَظَنَّ الظَّانّونَ ، وَلَوْ كانَ ذلِكَ عِنْدَ الله جائزاً لَمْ يَبْعَثِ الله الرُّسُلَ بِما فيهِ الْفَضْلُ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنِ الْهَزْلِ ، وَلَمْ يَعِبِ الْجَهْلَ ، وَلَكِنَّ النَّاسَ لَمَا سَفِهَوا الْحَقِّ ، وَغَمَطوا النّعْمَةَ ، وَاسْتَغْنُوا بِجَهْلِهِمْ وَتَدابيرِهِمْ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ ، وَاكْتَفُوا بِذَلِكَ عَنْ رُسُلِهِ ، وَالْقَوَامِ بِأَمْرِهِ ، وَقَالُوا : لَا شَيْءَ إِلَّا ما أَدْرَكَتْهُ عُقولُنَا ، وَعَرَفَتْهُ أَلْبابُنا ، فَوَلَاهُمُ اللهُ ما تَوَلَّوا ، وَأَهْمَلَهُمْ وَخَذَلَهُمْ حَتَّى صاروا عَبَدَةَ أَنْفُسِهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ، وَلَوْ كَانَ اللهُ رَضِيَ مِنْهُمُ اجْتِهادَهُمْ وَارْتِيَاءَهُمْ فيما ادَّعَوا مِنْ ذلِكَ لَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهِمْ فَاصِلاً لِما بَيْنَهُمْ وَلَا َزاجِراً عَنْ وَصْفِهِمْ ، وَإِنَّما اسْتَدْلَلْنا أَنَّ رضا اللهِ غَيْرَ ذلِكَ بِبَعْدِهِ الرُّسُلَ بالأمور الْقَيِّمَةِ الصَّحيحَةِ ، وَالتَّحذير مِنَ الأمور الْمُشْكِلَةِ الْمُفْسِدَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ أَبْوابَهُ وَصِراطَهُ ، وَالْأَدِلَاءَ عَلَيْهِ بِأمورٍ مَحْجُوبَةٍ عَنِ الرَّأْي وَالْقِياسِ ، فَمَنْ طَلَبَ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِقِياسِ وَرَأْيِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إِلَّا بُعْداً ، وَلَمْ يَبْعَثْ رَسُولاً قَطُّ، وَإِنْ طالَ عُمُرُهُ قابِلا مِنَ النَّاسِ خلاف
ما جاءَ بِهِ حَتَّى يكون متبوعاً مَرَّةً ، وتابعاً أخرى ، وَلَمْ يُرَ أَيْضاً فيما جاءَ بِهِ اسْتَعْمَلَ رَأْياً وَلَا قياساً ، حَتَّى يَكونَ ذلِكَ واضِحاً عِنْدَهُ كَالْوَحِي مِنَ اللَّهِ ، وَفِي ذلِكَ دَليلٌ لَكُلِّ ذِي لُبَّ وَجَحْدٍ ، حَتَّىٰ إِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ وَالْقِياسِ مُخْطِبُونَ مُدْحَصُونَ »(1).
وأبطل الإمام علیه السلام ببليغ حجّته ، وبديع برهانه ، العمل بالرأي والقياس ، وأنّهما لا يصيبان الواقع ، ويخطئان ما شرّع الله من أحكام ، وأنّهما لو كانا حجّتين لاكتفى الله بهما عن بعث الرسل والأنبياء الذين عهد إليهم بتبليغ أحكامه إلى الناس .
1) وسائل الشيعة : 18 : 32 .
1 - أرسل الإمام علیه السلام إلى كوكبة من شيعته رسالة جاء فيها ما يلي :
« لِيَعْطِفَنَّ ذو السِّنَّ مِنْكُمْ وَالنَّهْي وَالرَّأْي عَلى ذِي الْجَهْلِ وَطُلَابِ الرِّئَاسَةِ أَوْ لِيُصِيبَنَّكُمْ لَعْنَتِي أَجْمَعِين»(1).
وعرضت هذه الرسالة الموجزة إلى ضرورة إبداء النصح من قبل ذوي الرأي والتجارب إلى الجهّال وطلاب الرئاسة ، وصدّهم عن غرورهم وطيشهم .
2 - وزوّد الإمام الصادق علیه السلام وكوكبة من شيعته بهذ الرسالة القيّمة المليئة بالنصائح الرفيعة التي ترفع مستواهم ، وتشيع بينهم المودّة والألفة ، ويقول الرواة : إنّه أمرهم بدراستها، والعمل بها ، وكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها (2)، وهذا نصها :
أَمَّا بَعْد : فَسَلُوا رَبَّكُمُ الْعَافِيَةَ ، وَعَلَيْكُمْ بِالدِّعَةِ وَالْوقارِ ، وَالسَّكينَةِ وَالْحَياءِ ، وَالتَّنَزُهَ عَمَّا تَنَزَّهَ عَنْهُ الصَّالِحونَ مِنْكُمْ . وَعَلَيْكُمْ بِمُجامَلَةِ أَهْل الْباطِل ، تَحَمَّلُوا الضَّيْمَ مِنْهُمْ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُماظَّتِهِمْ(3). دِينُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ، إِذا أَنْتُمْ جَالَسْتُمُوهُمْ وَخالَطْتُموهُمْ ونا زَعْتُمُوهُمُ الْكَلامَ ، فَإِنَّهُ لا بُدَّ لَكُمْ مِنْ مُجالَسَتِهِمْ وَ مُخالَطَتِهِمْ وَمُنازَعَتِهِمْ بِالتَّقِيَّةِ الَّتي أَمَرَكُمُ اللهُ بِها ، فَإِذا ابْتُلِيتُمْ بِذلِكَ فَإِنَّهُمْ سَيُؤ ذونَكُمْ ، وَيَعْرِفُونَ فِي وُجُوهِكُمُ الْمُنْكَرَ ، وَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ يَدْفَعُهُمْ عَنْكُمْ لَسَطَوْا(4)بِكُمْ ، وَما في صُدورِهِمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ أَكْثَرُ
مِمّا يُبْدونَ لَكُمْ ، مَجالِسُكُمْ وَمَجالِسُهُمْ وَاحِدَةٌ.
وَإِنَّ الْعَبْدَ إِذا كانَ اللهُ خَلَقَهُ فِي الْأَصْلِ مُؤْمِناً لَمْ يَمُتْ حَتَّى يُكَرِّهُ إِلَيْهِ الشَّرَّ ، وَيُباعِدَهُ مِنْهُ ، وَمَنْ كَرَّمَ اللهُ إِلَيْهِ الشَّرَّ ، وَباعَدَهُ مِنْهُ عافاه اللهُ مِنَ الْكِبْرِ أَنْ يَدْخُلَهُ وَالْجَبْرِيَّةِ(1)، فَلانَتْ عَرِيكَتُهُ(2)وَحَسُنْ خُلْقَهُ ، وَطَلقَ وَجْهُهُ ، وَصارَ عَلَيْهِ وقارُ الإِسلام وَسَكِينَتَهُ وَتَخَشُعُهُ ، وَورعَ عَنْ مَحارِمِ اللهِ ، وَاجْتَنَبَ مَسَاخِطَهُ ، وَرَزَقَهُ اللَّهُ مَوَدَّةَ النَّاسِ وَمُجامَلَتَهُمْ ، وَتَرَكَ مُقاطَعَة النَّاسِ وَالْخُصوماتِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْها ، وَلا مِنْ أَهْلِها في شَيْءٍ .
وَإِنَّ الْعَبْدَ إِذا كانَ اللهُ خَلَقَهُ فِي الْأَصْلِ كَافِراً لَمْ يَمُتْ حَتَّىٰ يُحَبِّبَ إِلَيْهِ الشَّرِّ وَيُقَرِّبَهُ مِنْهُ ، فَإِذا حَبَّبَ إِلَيْهِ الشَّرِّ وَقَرَّبَهُ مِنْهُ ابْتُلِي بِالْكِبْرِ وَالْجَبْرِيَّةِ فَقَا قَلْبُهُ ، وَساءَ خُلْقَهُ ، وَغَلُظَ وَجْهُهُ ، وَظَهَرَ فُحْشُهُ ، وَقَلَّ حَياؤُهُ ، وَكَشَفَ اللهُ سِتْرَهُ ، وَرَكِبَ الْمَحارِمَ فَلَمْ يُنْزَعْ ، وَأَبْغَضَ طَاعَتَهُ وَأَهْلَهَا ، فَبُعْدَ مَا بَيْنَ حالِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، عَنْهَا ، وَرَكَبَ مَعَاصِيَ ال فَسَلُوا اللهَ الْعافِيَةَ ، وَاطْلُبوها إِلَيْهِ ، وَلَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
أَكْثِرُوا مِنَ الدَّعاءِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عِبادِهِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ ، وَقَدْ وَعَدَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ الإِسْتِجابَةَ ، وَاللهُ مُصَيِّرٌ دُعاءَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيامَةِ لَهُمْ عَمَلاً ، يَزِيدُهُمْ بِهِ فِي الْجَنَّةِ .
وَأَكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ ما اسْتَطَعْتُمْ فى كُلِّ ساعَةٍ مِنْ ساعاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، فَإِنَّ اللهَ أَمَرَ بِكِثْرَةِ الذِّكْرِ لَهُ ، وَاللهُ ذاكِرٌ مَنْ ذَكَرَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا ذَكَرَهُ بِخَيْرٍ.
وَعَلَيْكُمْ بِالْمُحافَظَةِ عَلَى الصَّلواتِ ، وَالصَّلاة الوسطى ، وَق-وموا لِلَّهِ قَانِتِينَ ،
كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِهِ(1)مِنْ قَبْلِكُمْ ، وَعَلَيْكُمْ بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ مَنْ حَقَّرَهُمْ وَتَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ زَلَّ عَنِ دينِ اللهِ ، وَاللهُ لَهُ حاقِرٌ ماقِتٌ ، وَقَدْ قَالَ أَبونا رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه و آله وسلم : أَمَرَني رَبِّي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ الْمُسْلِمينَ مِنْهُمْ .
وَاعْلَمُوا أَنَّ مَنْ حَقَّرَ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَقْتَ مِنْهُ وَالْمَحْفَرَةَ حَتَّى يَمْقُتَهُ النَّاسُ أَشَدَّ مَقْناً ، فاتَّقُوا اللهَ فِى إِخْوانِكُمُ الْمُسْلِمِينَ الْمَسَاكِينِ ، فَإِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً أَنْ تُحِبُّوهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ صلی الله علیه و آله وسلم بِحُبِّهِمْ ، فَمَنْ لَمْ يُحِبَّ مَنْ أَمَرَ اللهُ بِحُبِّهِ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَماتَ عَلى ذلِكَ ، ماتَ وَهُوَ مِنَ الْغاوِينَ . إِيَّاكُمْ وَالْعَظَمَةَ وَالْكِبْرَ، فَإِنَّ الْكِبْرَ رِداءُ اللهِ ، فَمَنْ نازَعَ اللَّهَ رِداءَهُ قَصَمَهُ اللهُ وَأَذَلَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . إِيَّاكُمْ أَنْ يَبْغِي بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ خِصَالِ الصَّالِحينَ ، فَإِنَّهُ مَنْ بَغِى صَيَّرَ اللهُ بَغْيَهُ عَلى نَفْسِهِ ، وَصارَتْ نُصْرَةُ اللَّهِ لِمَنْ يُغِيَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ نَصَرَهُ اللهُ غَلَبَ ، وَأَصابَ الظُّفَرَ مِنَ اللهِ .
إِيَّاكُمْ أَنْ يَحْسُدَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ، فَإِنَّ الْكُفْرَ أَصْلُهُ الْحَسَدُ .
إِيَّاكُمْ أَنْ تُعِينوا عَلَى مُسْلِمٍ مَظْلُومٍ يَدْعو اللهَ عَلَيْكُمْ ، وَيُسْتَجَابُ لَهُ فِيكُمْ ، فَإِنَّ أَبانا رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ : إِنَّ دَعْوَةَ الْمُسْلِم الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ .
إِيَّاكُمْ أَنْ تَشْرَة نُفُوسُكُمْ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّهُ مَنِ انْتَهَكَ ما حَرَّمَ الله عَلَيْهِ هاهنا في الدُّنْيا حَالَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِها وَلَذَّتِهَا وَكَرَامَتِهَا الْقَائِمَةِ الدَائِمَةِ لأهْل الْجَنَّةِ أبد الآبدينَ»(2).
ومثّلت هذه الرسالة المبادئ والقيم التي دعا لها الأئمّة علیهم السلام وتتلخّص بما يلي :
1 - إنّه أوصى شيعته بالتحلّي بمحاسن الصفات، ومكارم الأخلاق ، والتنزّه عن الصفات الذميمة التي يهبط بها الإنسان إلى مستوى سحيق ما له من قرار .
2 - أوصاهم بالدعة ، والسلوك الجيّد مع المخالفين لهم عقائديّاً ، وذلك للحفظ على دمائهم ، إذ لم يكن لهم ركن شديد يأوون إليه لدفع الأخطار والكوارث عنهم .
3 - إنّه أمرهم بالدعاء والتضرّع إلى الله ، فإنّه من أهمّ الوسائل التي يلجأ إليها المؤمن في تأمين سلامته ، كما أنّه ذخر له يوم يلقى الله تعالى .
4 - إنّه ألزمهم بالمحافظة على الصلاة التي هي عمود الدين، والتي يرتبط بها الإسلام وجوداً وعدماً .
5 - إنّه أمرهم بحبّ الفقراء ، والعطف عليهم ، والإحسان إليهم ، وذلك للحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه .
6 - إنّه حرّم عليهم تحقير أي أحد من المسلمين؛ لأنّ ذلك ممّا يوجب إشاعة البغضاء والكراهية بين المسلمين، وذلك يتصادم مع ما يريده الإسلام من نشر المحبّة والمودّة بين قطاعات المجتمع الإسلامي .
7 - إنّه نهاههم عن الكبرياء والعظمة، وهما من أرذل الصفات الموجبة لمسخ الإنسان وانحطاطه .
8 - إنّه حرّم عليهم البغي على إخوانهم ، فإنّه لا يبغي أحد على أحد إلّا كان ظالماً له ، ومعتدياً عليه وذلك محرّم في شريعة الله .
9 - إنّه حذّرهم من الحسد ، وهو داء خبيث ألقى الناس في شرّ عظيم ، وهو من أهم الأسباب في صراع الناس ، وبغي بعضهم على بعض .
هذه بعض البنود المشرقة التي حوتها رسالة الإمام علیه السلام التي زوّد بها شيعته ، ، وهي ممّا لا شبهة توجب تطوّر حياتهم، وارتفاع كلمتهم لو طبّقوها على واقع حياتهم .
1 - وكتب الإمام الصادق علیه السلام رسالة إلى كوكبة من أصحابه ، وقد حفلت بالنصائح الرفيعة ، وفيما يلي بعض فصولها :
«اتَّقوا اللهَ ، وَكُفّوا أَلْسِنَتَكُمْ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ .. عَلَيْكُمْ بِالصَّمْتِ إِلَّا ما يَنْفَعُكُمُ اللهُ بِهِ في آخِرَتِكُمْ ، وَيَأْجُرُكُمْ عَلَيْهِ ، وَأَكْثِرُوا مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ ، وَالتَّسْبِيحَ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ ، وَالتَّضَرُّع إِلَيْهِ ، وَالرَّغْبَةِ فيما عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ ، الَّذِي لَا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ، وَلَا يَبْلُغُ كُنْهَهُ أَحَدٌ ، فَاشْغَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِذلِكَ عَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَقاويلِ الْباطِلِ ، الَّتِي تَعْقُبُ أَهْلَهَا خُلوداً في النَّارِ مَنْ ماتَ عَلَيْها ، وَلَمْ يَتُبْ إِلَى اللهِ ، وَلَمْ يَنْزَعْ عَنْها»(1).
وطلب الإمام علیه السلام - في هذه الرسالة - من أصحابه أن يتسلّحوا بالتقوى ، ويتّصفوا بمكارم الأخلاق ليكونوا في سلوكهم قدوة لغيرهم من أبناء المسلمين .
2 - وزوّد الإمام علیه السلام أصحابه بهذه الرسالة القيّمة علیه السلام ، قال : «إِيَّاكُمْ أَنْ تَشْرَهَ أَنْفُسُكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّ مَنِ انْتَهَكَ ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ هاهنا في الدُّنْيا حالَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِها وَلَذَّتِها وَكَرامَتِها الْقائِمَةِ الدّائِمَةِ لأهْل الْجَنَّةِ أَبَدَ الآبدين».
إلى أن قال : « وَإِيَّاكُمْ وَالْإِصْرارَ عَلَى شَيْءٍ مِمَا حَرَّمَ اللهُ فِي الْقُرْآنِ ظَهْرِهُ وَبَطْنِهُ ، وَقَدْ قالَ : ( وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) »(2).
ودعا الإمام علیه السلام في هذه الرسالة إلى تقوى الله ، والابتعاد عن معاصيه ، فإنّ في ذلك النجاة للإنسان المسلم يوم يلقى الله تعالى .
وكتب الإمام علیه السلام إلى رجل من أصحابه هذه الرسالة الموجزة ، وجاء فيها بعد البسملة :
«أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ الْمُنافِقَ لَا يَرْغَبُ فيما قَدْ سَعِدَ بِهِ الْمُؤْمِنونَ ، وَالسَّعِيدُ يَتَّعِظُ بِمَوْعِظَةِ التَّقْوى ، وَإِنْ كَانَ يُرَادُ بِالْمَوْعِظَةِ غَيْرُهُ»(1).
وفي هذه الرسالة دعوة إلى التخلّي عن النفاق الذي هو من أقبح الرذائل النفسية ، فإنّ من ابتلي به لا يرغب فيما يسعد به المؤمنون ، وإنّما يرغب في بلائهم وشقائهم .
وكتب الإمام علیه السلام لبعض الناس هذه الرسالة القيّمة ، وقد جاء فيها :
«إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يُخْتَمَ بِخَيْرٍ عَمَلُكَ حَتَّى تُقْبَضَ ، وَأَنْتَ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمالِ ، فَعَظَّمْ لِلَّهِ حَقَّهُ ، أَنْ لَا تَبْذِلَ نَعْمَاءَهُ في مَعاصِيهِ ، وَأَنْ لَا تَغْتَرُّ بِحِلْمِهِ عَنْكَ ، وَأَكْرِمْ كُلَّ مَنْ وَجَدْتَهُ يَذْكُرُنا أَوْ يَنْتَحِلُ مَوَدَّتَنا ، ثُمَّ لَيْسَ عَلَيْكَ صادِقاً كانَ أَوْ كاذباً ، إِنَّما لَكَ نِيَّتُكَ ، وَعَلَيْهِ كَذِبُهُ»(2).
وحفلت هذه الرسالة بما يقرّب الإنسان من الله ، ويكون على اتّصال وثيق به ، وذلك بأن يعظّمه ولا يبذل نعماءه في معاصيه ، ولا يغترّ بحلمه عنه .. إنّ هذه الرسالة الذهبيّة لو عمل بها الإنسان لكانت عاقبته على خير عميم .
1 - تشرّف عبد الله بن زرارة بمقابلة الإمام الصادق علیه السلام، وبعد حديث دار بينهما أمره الإمام علیه السلام أن يبلّغ الرسالة التالية : «اقْرِى َوالِدَكَ السَّلامَ ، وَقُلْ لَهُ: إِنّى إِنَّما أعيبُكَ دِفاعاً مِنِّي عَنْكَ ، فَإِنَّ النَّاسَ وَالْعَدُوَّ يُسارِعُونَ إِلى كُلِّ مَنْ قَرَّبْناهُ ، وَحَمَدْنا مَكانَهُ ، لإِدْخالِ الأذى في مَنْ نُحِبُّهُ وَنُقَرِّبُهُ ، وَيَرْمُونَهُ لِمَحَبَّتِنا لَهُ ، وَقُرْبِهِ وَدُنُوِّهِ مِنَا ، وَيَرَوْنَ إِدْخال الأذى عَلَيْهِ وَقَتْلَهُ ، وَيَحْمَدُونَ كُلَّ مَنْ عِبْناهُ نَحْنُ ، فَإِنَّما أعيبُكَ لأَنَّكَ رَجُلٌ اشْتَهَرْتَ بِنا ، وَبِمَيْلِكَ إِلَيْنَا ، وَأَنْتَ فِي ذلِكَ مَذْمُومٌ عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مَحْمُودِ الْأَثَرِ بِمَوَدَّتِكَ إِلَيْنَا ، وَلِمَيْلِكَ إِلَيْنا ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَعِيبَكَ لِيَحْمَدُوا أَمْرَكَ في الدِّينِ بِعَيْبِكَ ، وَنَقْصِكَ وَيَكونُ ذلِكَ مِنّا دافِعُ شَرِّهِمْ عَنْكَ . يَقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً)(1)، هذَا التَّنْزِيلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ صَالِحَةٌ لَا والله ما عابَهَا إِلَّا لِكَيْ تَسْلَمَ مِنَ الْمَلِكِ ، وَلَا تَعْطَبُ عَلَى يَدَيْهِ ، وَلَقَد كانَتْ صالِحَةٌ لَيْسَ لِلْعَيْبِ فيها مَساعٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، فَافْهَم الْمَثَلَ يَرْحَمُكَ اللهُ ، فَإِنَّكَ وَاللهِ أَحبُّ النَّاسِ إِليَّ ، وَأَحِبُّ أَصْحَابٍ أَبِي حَيّاً وَمَيْتاً ، فَإِنَّكَ أَفْضَلُ سُفْنِ ذلِكَ الْبَحْرِ الْقَمْقامِ الزَّاخِرِ ، وَإِنَّ مِنْ وَرائِكَ مَلِكاً ظَلُوماً غَصوباً ، يَرْقُبُ عُبور كُلِّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ تَرِدُ مِنْ بَحْرِ الْهُدَى لِيَأْخُذَها غَصْباً ، ثُمَّ يَغْصِبُهَا وَأَهْلَهَا ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ حَيّاً ، وَرَحْمَتُهُ وَرضْوانُهُ عَلَيْك ميتاً .
وَلَقَدْ أَدّى إليَّ ابْناكَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رِسالَتَكَ أَحاطَهُما اللَّهُ وَكَلَاهُما وَحَفِظَهُما بِصَلاحٍ أبيهما ، كَمَا حَفِظَ الْغُلامَينِ ، فَلَا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ مِنَ الَّذي أَمَرَكَ أَبي وَأَمَرْتُكَ بِهِ.
1) الكهف 18: 79 .
وَأَتاكَ أَبو بَصيرِ بِخِلافِ الَّذي أَمَرْنَاكَ بِهِ ، فَلَا وَاللهِ ما أَمَرْنَاكَ وَلَا أَمَرْنَاهُ إِلَّا بِأَمْرٍ وَسِعَنا وَوَسِعَكُمُ الْأَخْذُ بِهِ ، وَلِكُلٍّ ذلِكَ عِنْدَنا تصاريف وَمَعانِ ، تُوافِقُ الْحَقِّ ، وَلَوْ أَذِنَ لَنا لَعَلِمْتُمْ أَنَّ الْحَقَّ فِي الَّذِي أَمَرْناكُمْ ، فَرُدَوا إِلَيْنَا الْأَمْرَ ، وَسَلَّموا لَنَا ، وَاصْبِرُوا الأَحْكامِنا ، وَارْضوا بِها ، وَالَّذي فَرَّقَ بَيْنَكُمْ فَهُوَ راعيكُمُ الذي اسْتَرْعَاهُ اللهُ خَلْقَهُ ، وَهوَ أَعْرَفُ بِمَصْلَحَةِ غَنَمِهِ في فَسادِ أَمْرِها ، فَإِنْ شاءَ فَرَّقَ بَيْنَهَا لِتَسْلَمَ ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهَا لِيَأْمَنَ مِنْ فَسادِهَا وَخَوْفِ عَدُوّهَا فِي آثَارِ ما يَأْذَنِ اللَّهُ ، وَيَأْتيها بِالْأَمْنِ مِنْ مَأْمَتِهِ ، وَالْفَرَح مِنْ عِنْدِهِ . عَلَيْكُمْ بِالتَسْلِيمِ وَالرَّدَّ إِلَيْنَا ، وَانْتِظارِ أَمْرِنَا وَأَمْرِكُمْ ، وَفَرَجِنَا وَفَرَجِكُمْ ، فَلَوْ قَدْ قامَ قَائِمُنا ، وَتَكَلَّمَ مُتَكَلِّمُنا ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِكُمْ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ ، وَشَرائِعِ الدِّينِ وَالْأَحْكامِ وَالْفَرائِضِ ، كَما أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله وسلم ، لأَنْكَرَ أَهْلُ الْبَصائِرِ فيكُمْ ذلِكَ الْيَوْمَ إنكاراً شَديداً ، ثُمَّ لَمْ تَسْتَقيموا عَلَى دِينِ اللهِ وَطَريقَتِهِ إِلَّا مِنْ تَحْتِ حَدَّ السَّيْفِ فَوْقَ رِقابِكُمْ ، إِنَّ النَّاسَ بَعْدَ نَبِيَّ اللهِ صلی الله علیه و آله وسلم رَكِبَ اللهُ بِهِمْ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَغَيَّرُوا وَبَدَّلُوا وَحَرَّفوا ، وَزادوا في دينِ اللهِ وَنَقَصوا مِنْهُ ، فَما مِنْ شَيْءٍ عَلَيْهِ النَّاسُ الْيَوْمَ إِلَّا وَهوَ مُنْحَرِفٌ عَمّا نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ مِنْ عِنْدِ اللهِ .
فَأَجِبْ يَرْحَمُكَ اللهُ مِنْ حَيْثُ تُدْعَى إِلَى حَيْثُ تُدعى حَتَّى يَأْتي مَنْ يَسْتَأْنِفُ بِكُمْ دينَ اللَّهِ اسْتِتْنافاً ، وَعَلَيْكَ بِصَلاةِ السِّتَّةِ وَالْأَرْبَعِينَ ، وَعَلَيْكَ بِالْحَجِّ أَنْ تَهِلَّ بِالْإِفرادِ ، وَتَنْوِي الْفَسْخَ إِذا قَدِمْتَ مَكَّةَ وَطِفْتَ وَسَعَيْتَ ، فَسَخْتَ ما أَهْلَلْتَ بِهِ، وَقَلَبْتَ الْحَجَّ عُمْرَةٌ ، أَحْلَلْتَ إِلى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ ، ثُمَّ اسْتَأْنِفِ الإِمْلالَ بِالْحَجِّ مُفْرَداً إِلَى مِنى ، وَتَشْهَدِ الْمَنافِعَ بِعَرَفَاتٍ وَالْمُزْدَلِفَةِ ، فَكَذلِكَ حَجُ رَسولِ اللهِ صلی الله علیه و آله وسلم ، وَهَكَذَا أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَفْعَلُوا ، أَنْ يَفْسَخوا ما أَهَلُوا بِهِ ، وَيَقْلِبُوا الْحَجَّ عُمْرَةً ، وَإِنَّمَا أَقامَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِحْرامِهِ لِيَسوقَ الَّذي ساقَ مَعَهُ ، فَإِنَّ السَّائِقَ قارِنٌ ، وَالْقارِنُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَبْلُغَ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ ، وَمَحِلُّهُ الْمَنْحَرُ بِمِنى ، فَإِذا بَلَغَ أَحَلَّ ، فَهذا الَّذي أَمَرْناكَ بِهِ حَجُ التَّمَتُّع ، فَالْزَمْ
ذلِكَ ، وَلَا يَضيقَنَّ صَدْرُكَ .
وَالَّذِي أَتَاكَ بِهِ أَبو بَصيرٍ مِنْ صَلاةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ ، وَالْإِهْلالِ بِالتَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَما أَمَرْنا بِهِ ، مِنْ أَنْ تَهِلَّ بِالتَّمَتُّع فَلِذلِكَ عِنْدَنا مَعَانٍ وَتَصَارِيفٍ ، لِذلِكَ مَا يَسَعُنا وَيَسَعُكُمْ ، وَلَا يُخالِفُ شَيْءٌ مِنْهُ الْحَقَّ وَلَا يُضارُّهُ .
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»(1)
ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة أمام ما احتوت عليه هذه الرسالة من أمور بالغة الأهميّة ، وفيما يلي ذلك :
1 - كشفت هذه الرسالة جانباً خطيراً عمّا كان يعانيه شيعة أهل البيت علیهم السلام من المحن والخطوب من حكّام الأمويين والعباسيين ، فقد جهدوا في ظلمهم وإرهاقهم إلى حدّ لا يوصف في مرارته وبشاعته ، فقد سخّروا جميع ما يملكونه من أجهزة إعلاميّة وسياسيّة واقتصاديّة ضدّ الشيعة الذين كانوا العنصر الوحيد المعارض
السياسة تلك الحكومات الاستبداديّة ، التي كفرت بحقوق الإنسان ، واتّخذت مال الله دولاً ، وعباده خولاً ، وقد سلّطوا جام غضبهم على أتباع أهل البيت علیهم السلام فصفوا الكثير منهم جسدياً ، وملأوا السجون منهم ممّا اضطرّ أئمة أهل البيت إلى فرض التقيّة على شيعتهم ، حقناً لدمائهم وحفاظاً عليهم من تلك الوحوش الكاسرة .
2 - وحكت هذه الرسالة الموقف البارع الذي اتّخذه الإمام الحكيم علیه السلام لإنقاذ أعلام شيعته من أيدي الطغمة الحاكمة ، فكان يبالغ في ذمّهم أمام أجهزة الأمن والمباحث لتلك الدول ، ويعلن سخطه عليهم حتّى لا يتّهمون بالتشيّع والولاء لأهل البيت علیهم السلام، وقد وقف هذا الموقف مع العالم الكبير زرارة الذي هو من ألمع أصحابه ، ومن كبار فقهاء شيعته ، فسبّه وانتقصه ، وذلك لتأمين سلامته ، وقد أحاط
1) الكشّي : 138 ، الحديث 221 .
زرارة علماً بذلك كي لا يتأثّر من الإمام علیه السلام.
3- وأوصى الإمام علیه السلام زرارة بالتسليم لأمره ، والانقياد لطاعته ، فإنّه لا يأمر إلّا بما فيه المصلحة التي تعود بالخير العميم والشامل لزرارة وغيره من المسلمين.
4- ومن بنود هذه الرسالة الإشارة إلى ما يقوم به مصلح هذه الأمّة ومنقذها الإمام المهدي أرواحنا له الفداء من نشر العدالة الاجتماعيّة ، وقمع الغبن والظلم ، ومحاربة الفساد والطغيان لا يحاب ولا يجامل أي أحد في برامجه الإصلاحيّة الهادفة إلى نشر الدين على حقيقته النازلة من ربّ العالمين ، وتثور عليه بذلك الحفائظ ، وتوغر عليه الصدور ، ولا يفقه حقيقة سياسته المشرقة إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان .
5 - وألمح الإمام علیه السلام إلى التغيير الفكري والعقائدي الذي مني به المسلمون بعد موت نبيّهم صلی الله علیه و آله وسلم ، فقد غيّروا وبدّلوا وحرّفوا وزادوا في دين الله انقياداً لشهواتهم ، واندفاعاً وراء مصالحهم ، فقد غرّتهم الدنيا وراقهم زيرجها ، وفتنتهم ملاذّها .
6 - وأوضح الإمام علیه السلام لزرارة بعض مناسك الحجّ ، وبيّن له أنّه إذا أحرم للعمرة ، وأحلّ منها فيبقى محلّاً إلى يوم التروية ، ثمّ يحرم للحجّ مرّة أخرى ، وإنّ ذلك كان من فعل جدّه رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم. هذه بعض البنود التي حوتها هذه الرسالة
2 - وفد الحسين بن زرارة على الإمام الصادق علیه السلام ، فلما استقرّ به المجلس ، التفت إلى الإمام علیه السلام فبلغه رسالة أبيه إليه قائلاً:
«إنّ أبي يقرأ عليك السلام ويقول لك : جعلني الله فداك ، إنّه لا يزال الرجل والرجلان يقدمان فيذكران أنّك ذكرتني ، وقلت فيَّ » .
فأجابه الإمام علیه السلام بما يكنّه له من حبّ وإخلاص قائلاً: «أُقْرِى أَباكَ السَّلامَ ، وَقُلْ لَهُ : أَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّ لَكَ الْخَيْرَ فِى الدُّنْيا ، وَأَحِبُّ لَكَ الْخَيْرَ فِى الْآخِرَةِ ، وَأَنا وَاللَّهِ عَنْكَ
راض ، فما تُبالي ما قالَ النَّاسُ بَعْدَ هذا»(1).
إنّ زرارة قد احتل مكانة متميّزة في نفس الإمام علیه السلام ، فهو فقيه أهل البيت علیهم السلام ، والناشر العلومهم وأحكامهم ، وإنّما قال الإمام علیه السلام في قدحه للحفاظ عليه كما أوضحنا ذلك
1) الكشّي : 141 ، الحديث 222 .
كان عبدالله النجاشي حاكماً على الأهواز ، وهو من أفذاذ شيعة الإمام علیه السلام ، ومن خيار الحكّام والمسؤولين في تقواه وورعه وتحرّجه في الدين ، وقد طلب من الإمام الصادق علیه السلام أن يزوّده برسالة يتّخذها منهجاً ودستوراً يسير على ضوئه في أيّام ولايته وحكمه ، ليكون بمنجاة من الهلاك والإثم ، وهذا نصّ رسالته :
«أطال الله بقاء سيّدي ، وجعلني من كلّ سوء فداه ، ولا أراني فيه مكروهاً ، فإنّه ولي ذلك والقادر عليه .
اعلم يا سيّدي ومولاي أنّي بُليت بولاية الأهواز ، فإن رأى سيّدي ومولاي أن يحدّ لى حدّاً ، ويمثّل لي مثالاً استدلّ به على ما يقربني إلى الله عزّ جلّ ، وإلى رسوله ، ويلخّص لي في كتابه ما يرى لي العمل به، وفيما أبذله ، وأين أضع زكاتي ، وفيمن أصرفها ، وبمن آنس به ، وإلى من أستريح ، وبمن أثق وآمن وألجأ إليه في سرّي ، فعسى أن يخلّصني الله تعالى بهدايتك وولايتك ، فإنّك حجّة الله على خلقه ، وأمينه في بلاده ، لا زالت نعمته عليك .. » .
وحكت هذه الرسالة ما يتمتّع به النجاشي من الكمال وسموّ الأدب ، وذلك بتعظيمه لسليل النبوّة ، ولبقيّة الله في الأرض الإمام الصادق علیه السلام ، كما حكت احتياطه فى أمر آخرته كأشدّ ما يكون الاحتياط ، فقد اعتبر تقلّده لولاية الأهواز بلاء ومحنة عليه ، والحقّ أنّ أي عمل في جهاز الدولة إنّما هو بلاء ومحنة على من يتقلّده إن لم يقم بواجباته ومسؤوليّاته ويؤدّيها على النحو الكامل ، وقد طلب النجاشي من الإمام الله علیه السلام أن يتفضّل عليه ، ويوضّح له النقاط التالية :
1 - تحديد المنهج والسياسة التي يسير عليها أيّام ولايته .
2 - معرفة من يعطيهم حقوقه الماليّة ، كالزكاة وغيرها، وذلك بإيضاح الصفات التي ينبغي أن تتوفّر فيهم .
3- إرشاده إلى من يتّخذه حاشية ومستشارين له .
جواب الإمام علیه السلام
أمّا جواب الإمام علیه السلام فإنّه من أهمّ الوثائق السياسيّة في الإسلام، فقد أوضح المناهج الإسلاميّة في عالم السياسة والحكم ، تلك المناهج المشرقة التي رفعت أعلام الحريّة والمساواة والتقدّم بين الناس ، وقد أرشده الإمام علیه السلام إلى أهمّ الوسائل التي تشيع العدل والحقّ بين الناس ، والتي تنجيه من عذاب الله ، انظروا وتأمّلوا في جواب الإمام علیه السلام، وقد جاء فيه بعد البسملة :
«أحاطَكَ اللهُ بِصُنْعِهِ ، وَلَعَفَ بِكَ بِمَنْهِ ، وَ كَلَاكَ بِرِعَايَتِهِ ، فَإِنَّهُ وَلِيُّ ذلِك.
أَمَّا بَعْدُ : فَقَدْ جاءَني رَسولُكَ بِكِتابِكَ ، فَقَرَأْتُهُ ، وَفَهِمْتُ جَمِيعَ مَا ذَكَرْتَهُ وَسَأَلْتَ عَنْهُ ، وَذَكَرْتَ أَنَّكَ بُليتَ بِوِلايَةِ الْأَهْوازِ فَسَرَّني ذلِكَ وَسَاءَني ، وَسَأَخْبِرُكَ بِمَا سَاءَ نِي مِنْ ذلِكَ وَما سَرَّنى إِنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى .
فَأَمَا سُرورى بولايَتِكَ ، فَقُلْتُ : عَسَى اللهُ أَنْ يُغيث بك مَلْهوفاً خائِفاً مِنْ أَوْلياء آلِ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله وسلم ، وَيُعِزُّ بك ذليلَهُمْ ، وَيَكْسو بك عاربَهُمْ ، وَيُقَوَى بِكَ ضَعِيفَهُمْ ، وَيُطْفِئُ بِكَ نارَ الْمُخالِفينَ عَنْهُمْ . وَأَمَا الَّذي ساءَني مِنْ ذلِكَ ، فَإِنَّ أَدْنى ما أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تَغْتَر بِوَليٌّ لَنا فَلَا تَشُمَّ حَظِيرَةَ الْقُدْسِ ، فَإِنِّي مُلَخَّصٌ لَكَ جَمِيعَ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ إِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ بهِ وَلَمْ تُجاوِزْهُ ، رَجَوْتُ أَنْ تَسْلَمَ إِنْ شاءَ الله تَعالى .
أَخْبَرَني - يا عَبْدَ اللَّهِ أَبِي ، عَنْ آبائِهِ ، عَنْ عَلِيٍّ علیه السلام ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ :
السلام مَنِ اسْتَشارَهُ أَخوهُ الْمُؤْمِنُ فَلَمْ يَمْحَضُهُ(1)النَّصِيحَةَ سَلَبَهُ اللَّهُ لُبَّهُ(2)عَنْهُ .
وَاعْلَمْ أَنِّي سَاشِيرُ عَلَيْكَ بِرَأْيِي إِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ بِهِ تَخَلَّصْتَ مِمَّا أَنْتَ تَخَافُهُ ، وَاعْلَمْ أَنَّ خَلَاصَكَ وَنَجَانَكَ في حَفْنِ الدِّماءِ ، وَكَفِّ الْأَذِى عَنْ أَوْلِياءِ اللَّهِ ، وَالرَّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ ، وَالتَّأَنِّي ، وَحُسْنِ الْمُعاشَرَةِ ، مَعَ لين في غَيْرِ ضَعْفٍ وَشِدَّةٍ في غَيْرِ عُنْفٍ ، وَمُداراةِ صاحِبك(1)وَمَنْ يَردُ عَلَيْكَ مِنْ رُسُلِهِ ، وَأَرْفِقْ بِرَعِيَّتِكَ بأَنْ توقِفَهُمْ عَلى ما وافَقَ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ إِنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى .
وَإِيَّاكَ وَالسُّعاةَ ، وَأَهْلَ النَّمَائِمِ، فَلَا يَلْزَقَنَّ بِكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَلَا يَرَاكَ اللَّهُ يَوْماً وَلَيْلَةٌ وَأَنْتَ تَقْبَلُ مِنْهُمْ صَرْفاً(2)وَلَا عَدْلاً (3)، فَيَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْكَ
وَاحْذَرْ مَكْرَ خوزِيّ(4)
فالحديث لا يعمّ سكان الأهواز ، جاء ذلك في التعليقة على المكاسب لسماحة الحجّة السيّد محمّد كلانتر - المكاسب : 4 : 367 .
الْأَهْوازِ، فَإِنَّ أَبي أَخْبَرَنِي عَنْ آبَائِهِ ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لا ، قالَ : إِنَّ الْإِيمَانَ لَا يَثْبُتُ في قَلْبِ يَهُودِيٌّ وَلَا خوزيٌّ أَبَداً .وَأَمَا مَنْ تَأْنُسُ بِهِ ، وَتَسْتَريحُ إِلَيْهِ ، وَ تَلْجِيُّ أُمورَكَ إِلَيْهِ فَذلِكَ الرَّجُلُ الْمُمْتَحَنُ ، الْمُسْتَبْصِرُ، الأمينُ الْمَوافِقُ لَكَ عَلى دينك ، وَمَيَّزُ أَعْوَانَكَ ، وَجَرِّبِ الفَرِيقَيْنِ(5)، فَإِنْ رَأَيْتَ هُناكَ رُشْداً فَشَأَنَّكَ وَإِيَّاهُ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُعْطى دِرْهَمَا أَوْ تَخْلَعَ تَوْبَاً أَوْ تَحْمِلَ دَابَّةٌ في غَيْرِ ذاتِ اللَّهِ لِشَاعِرٍ أَوْ مُضْحِكَ أَوْ مُمْتَزِحٍ ، إِلَّا أَعْطَيْتَ مِثْلَهُ في ذاتِ اللهِ .
وَلِتَكُنْ جَوائِزُكَ وَعَطاياكَ وَخِلَعُكَ لِلْقَوَادِ وَالرُّسل(1)وَأَصْحابَ الرَّسَائِلِ وَأَصْحاب الشَّرْطِ وَالْأَخْمَاسِ(2)بِهَا ، وَالْهَدِيَّةِ الَّتِي تُهْدِيها إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِلى رَسولِ اللهِ صلی الله علیه و آله وسلم مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكَ .
يا عَبْدَ اللَّهِ ، اجْهَدْ أَنْ لَا تَكْتِزَ ذَهَبَاً وَلَا فِضَّةٌ فَتَكونَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ ( وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )(3).
وَلَا تَسْتَصْغِرَنَّ مِنْ حُلْوِ وَلَا مِنْ فَضْلِ طَعَامٍ تَصْرِفُهُ فِي بُطُونٍ حَالِيَةٍ تُسَكَّنُ بِهَا غَضَبَ الرَّبِّ تَبارَكَ وَتَعالى .
وَاعْلَمْ أَنِّي سَمِعْتُ أَبي يُحَدِّثُ عَنْ آبائِهِ ، عَنْ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ لا أَنَّهُ سَمِعَ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يَقولُ لأَصْحَابِهِ يَوْماً : مَا آمَنَ بِاللَّ علیه السلامهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مَنْ باتَ شَبْعَاناً وَجَارُهُ جَائِعٌ
فَقُلْنا : هَلَكْنا يا رسول الله .
فَقالَ : مِنْ فَضْلِ طَعَامِكُمْ وَمِنْ فَضْلِ ثَمَرِكُمْ وَرِزْقِكُمْ وَخَلِقِكُمْ(4)وَخِرَقِكُمْ(5)تُطْفِنونَ بها غَضَبَ الرَّبِّ .
وَسَأَنَبتُكَ بهَوانِ الدُّنْيا وَهَوانِ شَرَفِها عَلى مَنْ مَضى مِنَ السَّلَفِ وَالتّابعينَ ،
فَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ علیهما السلام ، قَالَ : لَمَا تَجَهَّزَ الْحُسَيْنُ علیه السلام إِلَى الْكُوفَةِ أَتَاهُ ابْنُ عَبّاسٍ فَنَاشَدَهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ أَنْ يَكونَ هُوَ الْمَقْتُولُ بِالطَّفِّ ، فَقَالَ : أَنَا أَعْلَمْ بِمَصْرَعي مِنْكَ ، وَما وَكدي(1)مِنَ الدُّنْيا إِلَّا فِراقُها ، أَلَا أُخْبِرُكَ - يابْنَ عَبَاسِ بِحَدِيثِ أميرِ الْمُؤمنين علیه السلام ، قالَ : إِنّي كُنْتُ بِفَدَكِ في بَعْضِ حيطانها ، وَقَدْ صارَتْ لِفَاطِمَةَ علیها السلام ، فَإِذا أَنَا بِامْرَأَةٍ قَدْ فَحَمَتْ عَلَيَّ وَفِي يَدِي مِسْحَاةٌ وَأَنَا أَعْمَلُ بِهَا ، فَلَمّا نَظَرْتُ إِلَيْهَا طَارَ قَلْبي مِمَّا يُداخِلني مِنْ جَمالِها ، فَشَبَّهْتُها بِبَثَيْنَةَ الْجُحَمِيَّ بِنْتَ عَامِرٍ ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِساءِ قُرَيْشٍ ، فَقَالَتْ : يابْنَ أَبي طَالِبٍ ، هَلْ لَكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِي فَاغْنيكَ عَنْ هَذِهِ الْمِسْحَاةِ ، وَأَدُلُّكَ عَلَى خَزائِنِ الْأَرْضِ ، فَيَكونَ الْمُلْكُ لَكَ ما بَقيْتَ وَلِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ .
فَقالَ لَها عَلَىُّ علیه السلام : مَنْ أنتِ حَتَّى أَخْطِبَكِ مِنْ أَهْلِكِ ؟
فَقالَتْ : أَنَا الدُّنْيا .
قالَ لَها : ارْجِعِي ، وَاطْلُبي زَوْجاً غَيْرِي ، فَأَقْبَلْتُ على مِسْحاتي .
فَخَرَج علیه السلام مِنَ الدُّنْيا وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ تَبِعَةٌ لأَحَدٍ حَتَّى لَقِيَ الله تَعَالى مَحْمُوداً غَيْرَ لا مَلومٍ وَلَا مَذْمُومٍ ، ثُمَّ اقْتَدَتْ بِهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ بِمَا قَدْ بَلَغَكُمْ ، لَمْ يَتَلَطَّحُوا بِشَيْءٍ مِنْ بَوائِقِهَا ، وَقَدْ وَجَهْتُ إِلَيْكَ بِمَكارِمِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَعَنِ الصَّادِقِ الْمُصَدِّقِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ بِمَا نَصَحْتُ لَكَ فِي كِتابي هذا ، ثُمَّ كَانَتْ عَلَيْكَ مِنَ الذُّنوبِ وَالْخَطَايَا كَمِثْلِ أَوْزانِ الْجِبَالِ وَأَمْواجِ الْبِحارِ رَجَوْتُ اللهَ أَنْ يَتَجاوَزَ عَنْكَ جَلَّ وَعَزَّ بِقُدْرَتِهِ .
يا عَبْدَ اللَّهِ ، إِيَّاكَ أَنْ تُحْيِفَ مُؤْمِناً ، فَإِنَّ أَبي مُحَمَّدَ بْنَ عَلَيَّ علیه السلام حَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ ،
1) وكدي : أي قصدي .
عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب علیه السلام أَنَّهُ كَانَ يقولُ : مَنْ نَظَرَ إِلَى مُؤْمِنٍ نَظْرَةٌ لِيُخِيفَهُ بِها أَخَافَهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ، وَحَشَرَهُ في صورَةِ الذُّرُ(1)لَحْمُهُ وَجَسَدُهُ حَتَّىٰ يَورِدَهُ مَوْرِدَهُ .
وَحَدَّثَنِي أَبي عَنْ آبائِهِ ، عَنْ عَليَّ علیه السلام ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : مَنْ أَغَاثَ لَهْفَانَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَغاثَهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ، وَآمَنَهُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ ، وَآمَنَهُ مِنْ سَوءِ الْمُنْقَلَبِ .
وَمَنْ قَضى لأخيهِ الْمُؤْمِن حَاجَةٌ قَضَى اللهُ لَهُ حَوائِجَ كَثيرَةً أَحَدَها الْجَنَّةِ .
وَمَنْ كَسَىٰ أَخاهُ الْمُؤْمِنَ جُبَّةٌ مِنْ عُرْيِ كَسَاهُ اللهُ مِنْ سُنْدُسِ(2)الْجَنَّةِ وَإِسْتَبْرَقِها(3)وَلَمْ يَزَلْ يَخوضُ في رِضْوانِ اللهِ ما دامَ عَلَى الْمَكْسُو مِنْها سِلْك .
وَمَنْ أَطْعَمَ أَخاهُ مِنْ جَوعِ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ طَيِّبَاتِ الْجَنَّةِ .
وَمَنْ أَخْدَمَ أَخاهُ أَخْدَمَهُ اللهُ مِنَ الْوِلْدَانِ الْمُخَلَّدينَ ، وَأَسْكَنَهُ مَعَ أَوْلِيَائِهِ الطَّاهِرِينَ .
وَمَنْ حَمَلَ أَخَاهُ عَلَى رَاحِلَةِ حَمَلَهُ اللهُ عَلى ناقَةِ مِنْ نوقِ الْجَنَّةِ ، وَباهى بهِ الْمَلائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ يَوْمَ الْقِيامَةِ .
وَمَنْ زَوَّجَ أَخاهُ الْمُؤْمِنُ امْرَأَةٌ يَأْنَسُ بِهَا ، وَتَشُدُّ عَضُدَهُ ، وَيَسْتَريحُ إِلَيْها زَوَّجَهُ اللهُ مِنَ الحور العين ، وَانسَهُ بِمَنْ أَحَبَّهُ مِنَ الصَّدِّيقينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ علیهم السلام وَإِخْوَانِهِ ، وَانسَهُ بِهِمْ .
وَمَنْ أَعانَ أَخاهُ الْمُؤْمِنَ عَلَى سُلْطَانٍ جَائِرِ أَعانَهُ اللهُ عَلَى إِجَازَةِ الصِّراطِ عِنْدَ زَلَّةِ الأقدام
وَمَنْ زَارَ أَخَاهُ فِي مَنْزِلِهِ لَا لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِ ، كُتِبَ مِنْ زُوَارِ اللَّهِ ، وَكَانَ حَقيقاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ .
يا عَبْدَ اللَّهِ ، وَحَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ آبَائِهِ ، عَنْ عَليَّ علیه السلام أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ
السلام لأَصْحَابِهِ يَوْماً : مَعاشِرَ النَّاسِ ، إِنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ آمَنَ بِلِسانِهِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ ، فَلَا تَتَبَّعوا عَثَراتِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَشْرَةَ مُؤْمِنٍ ، تَتَبَّعَ اللهُ عَثَراتِهِ يَوْمَ القيامَةِ ، وَفَضَحَهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ.
وَحَدَّثَنِي أَبي عَنْ آبائِهِ ، عَنْ عَلِيٍّ علیه السلام أَنَّهُ قالَ : أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يُصَدِّقُ في مَقَالَتِهِ ، وَلَا يَنْتَصِفُ مِنْ عَدُوِّهِ ، عَلَى أَنْ لَا يَشْفِي غَيْظَهُ إِلَّا بِفَضيحَةِ نَفْسِهِ ، لأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُلْجَم(1)وَذلِكَ لِعَايَةٍ قَصيرَةٍ ، وَراحَةٍ طَوِيلَةٍ ، وَأَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَشْيَاءَ أَيْسَرها عَلَيْهِ مُؤْمِنٌ مِثْلُهُ يَقولُ بمَقالَتِهِ : يَعيبُهُ وَيَحْسِدُهُ ، وَالشَّيْطَانُ يُغْوِيهِ وَيَمْقُتُهُ ، وَالسُّلْطانُ يَقْفو أَثَرَهُ ، وَكافِرٌ بِالَّذي هُوَ مُؤْمِنٌ بِهِ ، يَرى سَفْكَ دَمِهِ دِيناً ، وَإِبَاحَةَ حَرِيمِهِ غُنْماً فَما بَقاءُ الْمُؤْمِن بَعْدَ هذا ؟
يا عَبْدَ اللَّهِ ، وَحَدَّثَنِي أَبي عَنْ آبائِهِ علیهم السلام ، عَنْ عَلَيَّ علیه السلام ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قالَ : نَزَلَ جَبْرِيلُ فَقالَ : يا مُحَمَّدُ ، إِنَّ اللهَ يَقْرَؤُكَ السَّلامَ وَيَقولُ : اشْتَقَقْتُ لِلْمُؤْمِنِ اسْماً مِنْ أَسْمَائي ، سَمَّيْتُهُ مُؤْمِناً ، فَالْمُؤْمِنُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ، وَمَنِ اسْتَهَانَ بِمُؤْمِنٍ فَقَدِ اسْتَقْبَلَني بالْمُحارَبَةِ
يا عَبْدَ اللَّهِ ، وَحَدَّثَني أبي عَنْ آبائِهِ علیهم السلام ، عَنْ عَليَّ علیه السلام ، عَنِ النَّبِيِّ صلی الله علیه و آله وسلم أَنَّهُ قالَ يَوْماً: « يا عَليُّ ، لَا تُناظِرْ رَجُلاً حَتَّى تَنْظُرَ فِي سَرِيرَتِهِ ، فَإِنْ كانَتْ حَسَنَةٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ
1) الملجم : كفّ اللسان عن الإساءة إلى الغير .
لَمْ يَكُنْ لِيَخْذُلَ وَلِيَّهُ ، وَإِنْ كانَتْ سَريرَتُهُ رَديثَةٌ ، فَقَدْ تَكْفِيهِ مَسَاوِتُهُ ، فَلَوْ جَهِدْتَ أَنْ تَعْمَلَ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عَمِلَ بِهِ مِنْ مَعاصي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ما قَدَرْتَ عَلَيْهِ.
يا عَبْدَ اللَّهِ ، وَحَدَّثَني أبي ، عَنْ آبائِهِ ، عَنْ عَليٍّ علیه السلام ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، أَنَّهُ قالَ : أَدْنَى الْكُفْرِ أَنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ عَنْ أَخِيهِ الْكَلِمَةَ فَيَحْفَظُها عَلَيْهِ ، يُريدُ أَنْ يَفْضَحَهُ بِها أولئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ .
يا عَبْدَ اللَّهِ ، وَحَدَّثَني أبي ، عَنْ آبائِهِ ، عَنْ عَليَّ علیه السلام، أَنَّهُ قالَ : مَنْ قالَ فِي مُؤْمِنٍ ، ما رَأَتْ عَيْناهُ ، وَسَمِعَتْ أَذْنَاهُ ما يُشينُهُ ، وَيَهْدِمْ مُروءَتِهِ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )(1).
يا عَبْدَ اللَّهِ ، وَحَدَّثَني أبي ، عَنْ آبائِهِ ، عَنْ عَليَّ علیه السلام، أَنَّهُ قَالَ : مَنْ رَوَى عَنْ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ روايَةٌ يريدُ بِها هَدْمَ مُروءَتِهِ وَتَلْبَهُ ، أَرْبَقَهُ اللهُ بِخَطِيئَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّىٰ يَأْتِي بِمَخْرَجَ مِمَّا قَالَ .
وَمَنْ أَدْخَلَ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ سُروراً ، فَقَدْ أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ صلی الله علیه و آله وسلم سُروراً .
وَمَنْ أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ سُروراً فَقَدْ أَدْخَلَ عَلَى رَسولِ اللهِ صلی الله علیه و آله وسلمسُروراً .
وَمَنْ أَدْخَلَ عَلَى رَسولِ اللهِ صلی الله علیه و آله وسلم سُروراً فَقَدْ سَرَّ اللهَ ، وَمَنْ سَرَّ اللَّهَ فَحَقِيقٌ عَلَى اللَّهِ أَنْ
يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ .
ثُمَّ إِنِّي أَوْصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَإِيتَارِ طَاعَتِهِ ، وَالْإِعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ ، فَإِنَّهُ مَنِ اعْتَصَمَ بِحَبْلِ اللهِ فَقَدْ هُدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .
فَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُؤْثِرَ أَحَداً عَلَى رِضاهُ وَهَواهُ ، فَإِنَّهُ وَصِيَّةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلى خَلْقِهِ ،
1) النور 24: 19.
لا يَقْبَلُ مِنْهُمْ غَيْرَها ، وَلَا يَعْلَمُ سِواها ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلْقَ لَمْ يُوكَلُوا بِشَيْءٍ أَعْظَمَ مِنْ تَقْوَى اللهِ ، فَإِنَّهُ وَصيَّتُنا أَهْلَ الْبَيْتِ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَنالَ مِنَ الدُّنْيا شَيْئاً تُسْأَلُ عَنْهُ غَداً ، فَافْعَلْ» .
ولمّا وصلت هذه الوثيقة التي هي نور وهدى إلى النجاشي تأمّل فيها ، ونظر بإمعان في بنودها التي حكت جوهر الإسلام وواقعه المشرق ، راح يقول : «صدق والله الذي لا إله إلا هو مولاي فما عمل أحد بما في هذا الكتاب إلّا نجا» (1).
وحكت هذه الوثيقة خلاصة العدل السياسي في الإسلام الذي يحقّق آمال البشريّه وطموحها ، وينعم في ظلاله البؤساء والمحرومين ، فقد حدّدت قبل كلّ شيء تصرفات الحكّام والمسؤولين ، فليس لهم أن يتصرّفوا في أمور الرعيّة حسب رغباتهم وأهوائهم ، وإنما عليهم مصلحة الأمّة فوق جميع الاعتبارات ، كما طالبتهم بتحقيق العدل بجميع رحابه ومفاهيمه بين الناس ، وعلينا أن نلقي نظرة خاطفة على بعض النقاط المهمّة في هذه الوثيقة التي يجب أن تكون دستوراً ومنهجاً للحكّام والمسؤولين .
النقاط المهمّة:
أمّا النقاط المهمّة في هذه الرسالة فخلاصتها ما يلي :
1 - إلزام المسؤولين بحقن الدماء والاحتياط فيها كأشدّ ما يكون الاحتياط فقد جعل الإسلام سفكها بغير حقّ من أعظم الكبائر والمفاسد في الأرض .
2 - كفّ الأذى عن النّاس ، وعدم التعرّض لأي أحد بسوء أو مكروه من أي جهة كان ، والواجب إشاعة الأمن والاستقرار في البلاد.
1) وسائل الشيعة : 2: 151 - 156 .
3 - الرفق بالرعيّة واللطف بها ، والذي من مظاهره أن لا يكون الحاكم فظّاً غليظاً ، تنفر من سياسته وتصرّفاته النفوس ، فإنّ ذلك ممّا يوجب بُعد المواطنين عنه ، وعزل الحكومة عن الشعب .
4 - التأنّي بالشؤون السياسيّة والتروّي فيها ، فإنّ التهوّر واللامبالاة ممّا يوجب الوقوع في الخطأ، ويعرّض البلاد لكثير من الأزمات والأخطار.
5 - معاشرة الناس ، والتعامل معهم بالحسنى ، وذلك في لين لا ضعف فيه وشدّة من غير عنف ، وهذا هو منطق الاستقامة ، والعدل الذي تسعد به الشعوب .
6 - إيقاف الرعيّة بواسطة الإعلام على الطرق التي تؤدّي إلى تنميتها الفكريّة والاجتماعيّة .
7 - رفض سعاة السوء ، وعدم السماح لهم بالاتّصال بمراكز الدولة وأجهزتها ، فإنّهم من عناصر السوء والبغي في الأرض وأدوات التخريب في كلّ زمان ومكان .
8 - الاتّصال بأهل الدين، وذوي المروءات ، فإنّهم دعاة الخير ، واللازم على المسؤوليّن أن يجعلوا بطانتهم من هذا الصنف المهذّب من الناس .
9 - عدم إعطاء الممزحين والمضحكين من أموال الدولة ، فإنّ ذلك ممّا یوجب إشاعة البطالة والصور الهزيلة بين الناس .
10 - الإنفاق على وسائل الخير ، كالصدقة والحجّ وغيرهما ، من أموال الولاة خاصّة ، فإنّ ذلك ممّا يوجب ثقة الناس بهم .
11 - حرمة كنز الأموال ؛ لأنّه ممّا يوجب تعطيل الأيدي العاملة وإشاعة البؤس والحرمان بين الناس.
هذه بعض البنود السياسيّة في هذه الوثيقة المشرقة ، وهناك جوانب إنسانيّة بالغة الأهمّية قد حفلت بها هذه الوثيقة ، وهي :
أوّلاً : أن لا يخيف الوالي أي أحد من المؤمنين، فإنّ ذلك محرّم في الإسلام ،
فقد حرّم النظر إلى المؤمن بنظرة الغضب والانتقام، وهذا هو منتهى العدل في الإسلام.
ثانياً : إغاثة الملهوفين، ورفع ما ألمّ بهم من كوارث الزمن ، وخطوب الأيّام ، فإنّ ذلك من أعظم الطاعات والعبادات .
ثالثاً : السعي في قضاء حوائج المسلمين.
رابعاً : إطعام الجائعين ، وإسعاف المحتاجين في سبيل الله
خامساً : التزاور والتألف بين المسلمين .
سادساً : عدم تتّبع عثرات المسلمين، وعدم إشاعة ما صدر منهم من عمل غير مشروع .
هذه بعض الوصايا والنصائح التي أدلى بها الإمام في وصيته للنجاشي ، وهي
ما توجب ازدهار الحياة وإشاعة المحبة والألفة بين المسلمين ، وتطوير حياتهم .
ووفد رجل على الإمام علیه السلام وطلب منه أن يزوّده برسالة إلى النجاشي ليخفّف أو يرفع عنه ما عليه من الخراج ، فكتب الإمام علیه السلام بعد البسملة هذه الرسالة الموجزة :
سُرَّ أَخَاكَ يَسُرُّكَ اللهُ
وحمل الرجل هذه الرسالة إلى النجاشي ، فلمّا تسلّمها قبّلها ووضعها على عينيه ، وقال له : « ما حاجتك ؟ »
خراج علَيَّ في ديوانك.
كم هو ؟
عشرة آلاف درهم .
فدعا كاتبه ، وأمره بأدائها عنه ، وأخرج اسمه من ديوان الديون ، والتفت إليه قائلاً له بلطف : سررتك ؟
وأسرع الإمام قائلاً والسرور بادٍ على سحنات وجهه : « إِي وَاللهِ ، لَقَدْ سَرَّ اللَّهَ وَرَسولَهُ»(1).
1) أصول الكافي : 2 : 190.
روی عبدالحميد الطائي ، قال :« كتب معي الإمام الصادق علیه السلام إلى عبد الله بن معاوية ، وكان بفارس ما يلي : مَن اتَّقَى اللهَ وَقاهُ ، وَمَنْ شَكَرَهُ زادَهُ ، وَمَنْ أَقْرَضَهُ جزاه»(1).
وحفلت هذه الرسالة بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، فليس هناك صفة أسمى ولا أرفع من تقوى الله تعالى ، ومن شكره وإقراضه لإنقاذ الفقراء من عباده .
1) المحاسن : 3.
زوّد الإمام الصادق علیه السلام أصحابه بوصايا قيّمة حوت خلاصة التجارب ، وجواهر الحكمة ، وهي - من دون شكّ - تضمن لمن سار على نهجها حياة كريمة حافلة بجميع مقوّمات الارتقاء والنهوض ، وفيما يلي بعض وصاياه :
وأوصى الإمام علیه السلام المسلمين بهذه الوصيّة القيّمة . قال علیه السلام :
« أَفْضَلُ الْوَصايا وَأَلْزَمُها أَنْ لَا تَنْسى رَبَّكَ ، وَأَنْ تَذْكُرَهُ دائِماً ، وَلَا تَعْصِيَهُ ، وَتَعْبُدَهُ قائِماً وَقاعِداً ، وَلَا تَغْتَر بِنِعْمَتِهِ ، وَاشْكُرْهُ أَبَداً ، وَلَا تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ أَسْتارِ رَحْمَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَجَلالِهِ فَتَضِلَّ ، وَتَقَعَ فِي مَيْدانِ الْهَلاكِ ، وَإِنْ مَسَّكَ الْبَلاءُ وَالضَّرَاءُ وَأَحْرَقَتْكَ في نيرانُ الْمِحَنِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ بَلايَاهُ مَحْشَوَّةٌ بِكَرامَاتِهِ الْأَبَدِيَّةِ ، وَمِحَنَهُ مَورِثَةٌ رِضاهُ وَقُرْبَهُ وَلَوْ بَعْدَ حينٍ»(1).
وحفلت هذه الوصيّة بالحثّ على تقوى الله تعالى ، ولزوم إطاعته ، والابتعاد عن معاصيه ، وعدم الغرور بما يضفيه الله على عباده من وافر النعم ، إلى غير ذلك من النصائح القيّمة التي توجب رفع مستوى الإنسان .
1) مصباح الشريعة : 162 .
وأدلى الإمام الصادق علیه السلام بعدّة وصايا قيّمة إلى شيعته دعاهم فيها إلى المثل العليا، وتهذيب سلوكهم ليكونوا سادة الناس في سموّ آدابهم ، ومعالي أخلاقهم ، ومن بين وصاياه لهم ما يلي :
1 - وخاطب الإمام علیه السلام شيعته وأصحابه قائلاً :
«إِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذا وَرعَ في دينِهِ ، وَصِدْقِ الْحَديثِ ، وَأَدَى الأَمانَةَ ، وَحَسُنَ خُلُقَهُ مَعَ النَّاسِ ، قبل هذا جَعْفَرِيٌّ ، وَيَسُرُّني ذلِكَ ، وَيَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرُورَ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذلِكَ دَخَلَ عَلَيَّ بَلاؤُهُ وَعارُهُ ، وَقِيلَ : هذا أَدَبُ جَعْفَرٍ»(1).
لقد دعاهم إلى الورع في الدين، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وحسن الخُلق مع الناس، و هذه هي أصول الفضائل التي يسمو بها الإنسان .
الناس ، وهذه هي .
2 - وطلب الإمام من شيعته أن يتحلّوا بالمثل الكريمة ، والصفات الرفيعة ، فقد قال لهم :
« اتَّقوا اللهَ ، وَكونوا إِخْوَةٌ بَرَرَةً، مُتَحابَينَ في اللهِ ، مُتَواصِلينَ ، مُتَواضِعينَ ، مُتَراحِمِينَ ، تَزاوَروا ، وَتَلافُوا وَتَذاكروا وَأَحْيوا أَمْرَنا»(2).
إنّ هذه الآداب العلويّة أحقّ بالبقاء ، وأجدر بالخلود من كلّ كائن حىّ لأنّها تسمو بالإنسان إلى آفاق مشرقة من الفضائل والآداب، وتحقّق للمجتمع أهمّ ما يصبو إليه .
3 - ومن وصاياه القيّمة لشيعته وأصحابه ، هذه الوصيّة :
« أَما وَاللهِ ما أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكُمْ .
إِنَّ النّاسَ قَدْ سَلكوا سُبُلاً شَتَّى ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ بِرَأيهِ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اتَّبَعَ الرَّوايَةَ ، وَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمْ بِأَمْرِ لَهُ أَضْلَّ ، فَعَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ وَالْإِجْتِهادِ ، اشْهَدوا الْجَنائِزَ، وَعودوا الْمَرْضَى ، وَاحْضَرُوا مَعَ الْقَوْمِ في مَسَاجِدِهِمْ لِلصَّلاةِ ، أَما يَسْتَحْيِي الرَّجُلُ أَنْ يُعارِفَ جارَهُ حَقَّهُ ، وَلَا يَعْرِفُ حَقٌّ جَارِهِ » (1).
ومعنى هذا الحديث أنّ أتباع أهل البيت علیهم السلام وشيعتهم أحبّ الناس إلى الإمام علیه السلام، وألصقهم به ؛ لأنّهم لم يسلكوا ما سلكه غيرهم ، من الأخذ بالرأي واتّباع الهوى ، وإنّما تمسّكوا بواقع الإسلام وجوهره ، فأخذوا معالم دينهم من أئمّة أهل البيت علیهم السلام الذين هم معادن الإسلام وحماته ، وسفن النجاة ، وأمن العباد ، وعدلاء الهلام الذكر الحكيم ، وبعد ذلك أوصاهم الإمام علیه السلام بمكارم الأخلاق ، ومحاسن الصفات ، كالورع والاجتهاد في الدين، ومشايعة الجنائز، وعيادة المرضى ، وغير ذلك من الروابط الاجتماعيّة .
4- وأوصى الإمام علیه السلام شيعته وأصحابه بهذه الوصيّة ، قال علیه السلام :
« اتَّقوا اللهَ ، وَأَحْسِنوا الرُّكوعَ وَالسُّجودَ ، وَكونوا أَطْوَعَ عِبَادِ اللهِ ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَنالوا وَلا يَتَنا إِلَّا بِالْوَرَع ، وَلَنْ تَنالوا ما عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِالْعَمَلِ ، وَإِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلاً وَخالَفَهُ إِلى غَيْرِهِ» (2).
لقد أوصاهم بتقوى الله وطاعته ، وأن يحسنوا الركوع والسجود في صلاتهم ،
كما أوصاهم بالورع عن محارم الله تعالى ، وبالعمل فيما فرضه عليهم .
5- وأوصى الإمام علیه السلام الشباب ال الشيعة بهذه الوصيّة القيّمة التي ترفع شأنهم ، قال علیه السلام:
«لَسْتُ أحِبُّ أَنْ أَرَى الشَّابَّ مِنْكُمْ إِلَّا غادياً في حالَيْنِ : إما عالماً ، أَوْ مُتَعَلَّماً ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَرَّطَ ، وَإِنْ فَرَّطَ ضَيَّعْ ، وَإِنْ ضَيَّعَ أَثِمَ»(1).
إنّ الأمّة إنّما تحتل مركزاً مرموقاً ، وتمتاز على غيرها من أمم العالم وشعوب الأرض إذا تسلّحت بالعلم ، وقد أراد الإمام علیه السلام من شباب الشيعة أن يشيع بينهم العلم ليكونوا قادة المجتمع وهداته .
6 - ومن وصاياه الرفيعة لأصحابه وشيعته أنّه قال لهم :
«لَا تَطْعنوا في عُيوبِ مَنْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ بِمَوَدَّتِهِ ، وَلَا تَقِفُوهُ عَلَى سَيِّئَةٍ يَخْضَعُ لَها ، فَإِنَّها لَيْسَتْ مِنْ أَخْلاقِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا مِنْ أَخْلاقِ أَوْلِيائِهِ »(2).
لقد أوصاهم بالتماسك والترابط ، وأن لا تحدث بينهم أيّة ثغرة تؤدّي إلى انقسامهم ، وتشتّت شملهم ، وانهيار وحدتهم .
7- ومن وصاياه علیه السلام القيمة لشيعته هذه الوصيّة :
«رَحِمَ اللهُ عَبْداً حَبَّبَنَا إِلَى النَّاسِ ، وَلَمْ يُبَغْضُنا إِلَيْهِمْ ، أَما وَاللَّهِ لَوْ يَرَوْنَ مَحاسِنَ كَلامِنَا لَكَانوا بِهِ أَعَزَّ وَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ ، وَلَكِنَّ أَحَدَهُمْ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيَميطُ إِلَيْها عَشْراً»(3).
لقد دعا الإمام علیه السلام شيعته أن يكونوا زيناً لهم ، ودعاة محبّة وخير لهم ، وذلك بتطبيق مبادئهم المشرقة على سلوكهم ، وأعلن الإمام أنّ القوى المنحرفة عنهم لو التقوا بهم ، ونظروا إلى هديهم ، وسمعوا كلامهم لغيّروا أفكارهم المعادية لهم .
وأعلن الإمام علیه السلام نقمته البالغة على الذين يزيدون في أحاديثه ممّا يشوّهها ، ويغيّر محتواها .
8 - ومن وصاياه الحكميّة هذه الوصيّة الثمينة التي أتحف بها بعض أصحابه وشيعته ، قال علیه السلام:
« استَمِعوا مِنِّي كَلاماً هُوَ خَيْرٌ مِنَ الدّراهِمِ الْمَدْقوقَةِ ، لَا تَتَكَلَّمَنَّ بِما لَا يُعْنيكَ ، وَدَعْ عَنْكَ كثيراً مِنَ الْكَلامِ فيما يُعْنيكَ حَتَّى تَجِدَ لَهُ مَوْضِعاً ، فَرُبَّ مُتَكَلَّم بِحَقِّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَعَنَتَ ، وَلَا تُمَارِيَنَّ سَفِيها وَلَا حَليماً ، فَإِنَّ الْحَلِيمَ يَغْلِبُكَ ، وَالسَّفيه يُرْدِيكَ ، وَاذْكُرْ أَحَاكَ إِذا تَغَيَّبَ عَنْكَ بِأَحْسَنِ مِمَّا تُحِبُّ أَنْ يَذْكُرَكَ بِهِ إِذا تَغَيَّبْتَ عَنْهُ ، وَاعْلَمْ أَنَّ هذا هُوَ الْعَمَلُ ، وَاعْمَلْ عَمَلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَجْزِي بِالْإِحْسَانِ ، مَأَخُوذُ بِالْإِجْرامِ» (1).
وحكت هذه الوصيّة جواهر الحكم والآداب، فقد عنت بصورة موضوعيّة في سلوك الإنسان المسلم مع غيره ، ووضعت له المنهاج السليم الذي يضمن له الاستقرار النفسي ، ويقيه من التخاصم والمشاكل .
9 - ومن وصاياه الرفيعة التي زوّد بها بعض شيعته هذه الوصية ، قال علیه السلام:
« لَا يَغُرَّنَّكَ النّاسَ مِنْ نَفْسِكَ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ يَصِلُ إِلَيْكَ دونَهُمْ ، وَلَا تَقْطَع النَّهارَ بِكَذا وَكَذَا ، فَإِنَّ مَعَكَ مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْكَ ، وَلَا تَسْتَقِلْ قَليلَ عَمَلٍ صَالِحٍ فَإِنَّكَ تَرَاهُ غَداً بِحَيْثُ يَسُرُّكَ ، وَلَا تَسْتَقِل قَليلَ الشَّرِّ فَإِنَّكَ تَراهُ غَداً بِحَيْثُ يَسوؤُكَ ، وَأُحْسِنُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ شَيْئاً
1) الاختصاص : 225 .
أَشَدَّ طَلَبَاً ، وَلَا أَسْرَعَ دَرَكاً مِنْ حَسَنَةٍ لِذَنْبٍ قَديم ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ )(1)»(2).
ودعت هذه الوصيّة إلى محافظة الإنسان المسلم على أوقاته ، وأن لا يشغلها إلّا بما يستفيد منه في أمر آخرته ، كما دعت إلى التزوّد من الأعمال الصالحة ، والتجنّب عن الأعمال التي حرّمها الله ، فإنّ الإنسان مسؤول عنها يوم حشره ونشره .
10 - وتشرّف أبو أسامة زيد الشحّام بمقابلة الإمام علیه السلام ، وزوّده بهذه الوصيّة ليحملها إلى شيعته ، قال علیه السلام :
« إِقْرَأْ عَلى مَنْ تَرى أَنَّهُ يُطيعُني مِنْهُمْ ، وَيَأْخُذُ بِقَوْلي السَّلامَ ، وَأَوْصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالْوَرَعِ فِي دِينِكُمْ ، وَالْإِجْتِهَادِ لِلَّهِ ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَداءِ الْأَمَانَةِ ، وَطُولِ السجودِ ، وَحُسْنِ الْجِوارِ ، فَبِهذا جاءَ مُحَمَّدٌ صلی الله علیه و آله وسلم. أدوا الأمانَةَ إِلى مَنِ انْتَمَنَكُمْ عَلَيْها بَرَاً أَوْ فاجِراً ، فَإِنَّ رَسولَ اللهِ صلی الله علیه و آله وسلمكَانَ يَأْمُرُ بِأَداءِ الْخَيْطِ وَالْمِخْيَطِ . صِلوا عَشائِرَكُمْ ، وَاشْهَدوا جَنائِزَهُمْ ، وَعودوا مَرْضاهُمْ ، وَأَدَوا حقوقَهُمْ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذا وَرعَ في دينِهِ ، وَصَدَقَ الْحَديثَ ، وَأَدّى الأمانَةَ ، وَحَسَّنَ خُلْقَهُ مَعَ النَّاسِ قيل : هذا جَعْفَريُّ ، فَيَسُرَّني ذلِكَ ، وَيَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرورَ ، وقيل : هذا أَدَبُ جَعْفَرٍ ، وَإِذا كَانَ عَلَىٰ غَيْرِ ذلِكَ دَخَلَ عَلَيَّ بَلاؤُهُ وَعَارُهُ ، وَقِيلَ : هذا أَدَبُ جَعْفَرٍ ، فَوَاللَّهِ لَحَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَكونُ فِي الْقَبِيلَةِ مِنْ شيعَةِ عَلَيَّ علیه السلام فَيكُونَ زَيْنَها ، آداهُمْ لِلْأَمَانَةِ ، وَأَقْضَاهُمْ لِلْحُقوقِ ، وَأَصْدَقُهُمْ لِلْحَديثِ إِلَيْهِ وَصاياهُمْ وَوَدائِعُهُمْ تُسْأَلُ العَشيرَةُ عَنْهُ فَتَقولُ : مَنْ مِثْلُ فُلانٍ ؟ ! إِنَّهُ لأدانا لِلْأَمانَةِ ، وَأَصْدَقَنَا لِلْحَديثِ»(3).
لقد أوصاهم بكلّ ما يسمو به الإنسان من المثل العليا ، والقيم الكريمة التي يكونوا بها من مفاخر المجتمع ، ومن حسنات جيلهم ، والتي تسجّل الفخر والاعتزاز للإمام الصادق علیه السلام لانتسابهم إليه وكونهم من شيعته ، كما حذّرهم من الصفات الذميمة ، والخصال الكريهة التي تهبط بهم إلى مستوى سحيق .
11 - روى أبو الربيع الشامي ، قال : « دخلت على أبي عبدالله علیه السلام والبيت غاصّ بأهله ، فيه الخراساني والشامي ، ومن أهل الآفاق، فلم أجد موضعاً أقعد فيه ، فجلس أبو عبد الله علیه السلام وكان متّكئاً .
ثمّ قال : « يا شيعَةَ آلِ مُحَمَّدٍ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنًا مَنْ لَمْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ غَضَبِهِ ، وَمَنْ لَمْ يُحْسِنُ صُحْبَةَ مَنْ صَحِبَهُ ، وَمُخالَقَةَ(1)مَنْ خَالَقَهُ ، وَمُرافَقَةً مَنْ رافَقَهُ ، وَمُجاوَرَةَ مَنْ جاوَرَهُ ، وَمُمَالَحَةَ مَنْ مالَحَهُ .
يا شيعَةَ آلِ مُحَمَّدٍ اتَّقوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله» (2).
وأوصى الإمام علیه السلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات التي يشرف بها الإنسان ليكونوا قدوة حسنة لأمم العالم ، وشعوب الأرض .
وزوّد الإمام الصادق علیه السلام ولده الإمام الكاظم علیه السلام بهذه الوصيه القيمة الحافلة بجوهر الحكم والآداب ، وكان منها ما يلي : « يا بُنَيَّ ، إِقْبَلْ وَصِيَّتِي ، وَاحْفَظْ مَقالَتي ، فَإِنَّكَ إِنْ حَفِظْتَها تعيش سعيداً ، وَتَموتُ حَميداً .
يا بُنَيَّ ، مَنْ رَضِيَ بِمَا قُسِمَ لَهُ اسْتَغْنى ، وَمَنْ مَدَّ عَيْنَهُ إِلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ مَاتَ فَقيراً ،
وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِمَا قَسَمَهُ اللهُ لَهُ اتَّهَمَ اللهَ فِي قَضائِهِ ، وَمَنِ اسْتَصْغَرَ زَلَّةَ نَفْسِهِ اسْتَعْظَمَ زَلَةَ غَيْرِهِ.
يا بُنَيَّ ، مَنْ كَشَفَ حِجَابَ غَيْرِهِ انْكَشَفَتْ عَوراتُ بَيْتِهِ ، وَمَنْ سَل سَيْفَ الْبَغْى قُتِلَ بِهِ ، وَمَنِ احْتَفَرَ لأخيهِ بِتْراً سَقَطَ فيها ، وَمَنْ داخَلَ السُّفهاءِ حُقِّرَ ، وَمَنْ خَالَطَ العُلَماء وُفِّرَ ، وَمَنْ دَخَلَ مَداخِلَ السّوءِ اتُّهِمْ .
يا بُنَيَّ ، إِيَّاكَ أَنْ تُزْرِي بِالرِّجالِ فَيُزْرِى بِكَ ، وَإِيَّاكَ وَالدُّخول فيما لَا يُعْنيكَ فَتَذِلَّ لذلك .
يا بُنَيَّ ، قُلِ الْحَقِّ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ تُسْتَشْأَنُ مِنْ بَيْنِ أَقْرانِكَ
يا بُنَيَّ ، كُنْ لِكِتابِ الله تالياً ، وَلِلسَّلامِ فاشياً ، وَبِالْمَعْرُوفِ آمِراً ، وَعَنِ الْمُنْكَرِ ناهياً ، وَلِمَنْ قَطَعَك واصلاً ، وَلِمَنْ سَكَتَ عَنْكَ مُبْتَدِنَا ، وَلِمَنْ سَأَلَكَ مُعْطِياً ، وَإِيَّاكَ وَالنَّمِيمَةَ ، فَإِنَّها تَزْرَعُ الشَّحْناءَ في قُلوبِ الرَّجالِ ، وَإِيَّاكَ وَالتَّعَرُّضِ لِعيوبِ النَّاسِ ، فَمَنْزِلَةُ الْمُتَعَرِّضِ لِعُيوبِ النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْهَدَفِ .
يا بُنَيَّ ، إِذا طَلَبْتَ الجودَ فَعَلَيْكَ بِمَعادِنِهِ ، فَإِنَّ لِلْجودِ مَعادِنَ، وَلِلْمَعادِنِ أصولاً، وَلِلأصولِ فُروعاً ، وَلِلْفُروع ثَمَراً ، وَلَا يَطِيبُ ثَمَرٌ إِلَّا بِأصولٍ ، وَلَا أَصْلَ ثابِتِ إِلَّا بِمَعْدَنٍ
يا بُنَيَّ ، إِنْ زُرْتَ فَزُرِ الْأَخْبارَ ، وَلَا تَزْرِ الْفُجَارَ ، فَإِنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ صَخْرَةٍ لَا يَفْجُرُ ماؤُها ، وَشَجَرَةٍ لَا يَخْضَرُّ وَرَقُهَا ، وَأَرْضِ لَا يَظْهَرُ عُشْبُها».
وسار الإمام الكاظم علیه السلام على ضوء هذه الوصيّة ، وطبّق جميع بنودها إلى أن توفّي(1).
1) حلية الأولياء : 3: 195 و 196 . جمهرة الأولياء : 2 : 76 .
وحكت هذه الوصيّة قواعد التربية الإسلاميّة المشرقة التي تسمو بالإنسان إلى مستوى رفيع من الآداب والفضائل .
لقد كانت هذه الوصيّة نفحة من نفحات الإمامة ، فقد وضعت المنهاج السليم لما يسعد به الإنسان في هذه الحياة ، ولا يصاب بنكد ولا بقلق واضطراب نفسي ، فإنّ أغلب هذه المواد التي حذّر منها الإمام علیه السلام نسب المشاكل والمتاعب للإنسان .
1 - من وصاياه القيّمة لأصحابه هذه الوصيّة ، قال علیه السلام:
«وَإِيَّاكُمْ وَالتَّجَبُّرَ عَلَى اللهِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ عَبْداً لَمْ يُبْتَلَ بِالتَّجَبُّرِ عَلَى اللَّهِ إِلَّا تَجَبَّرَ عَلَى دين الله ، فَاسْتَقيموا لِلهِ ، وَلَا تَرْتَدُوا عَلى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبوا خاسرينَ ، أَجارَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ التَّجَبُرِ عَلَى الله»(1).
إنّ التجبّر على الله مروق من الدين، وتمرّد على الله خالق الكون وواهب الحياة ، وأنّ من يبتلى بهذا الداء فلا فكر ولا رأى له .
2 - ومن وصاياه علیه السلام الرفيعة هذه الوصيّة ، وقد أتحف بها أصحابه ، وفيما يلي بعض بنودها :
«إيَّاكُمْ أَنْ يَبْغِى بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ ، فَإِنَّها لَيْسَتْ مِنْ خِصَالِ الصَّالِحِينَ ، فَإِنَّهُ مَنْ بغِى صَيَّرَ اللهُ بَغْيَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَصارَتْ نُصْرَةُ اللهِ لِمَنْ بَغِيَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ نَصَرَهُ اللَّهُ غَلَبَ ، وَأَصابَ الظُّفَرَ مِنَ اللهِ» (2).
إنّ البغي يفرق ويفصم عرى الوحدة ، ويورث الكراهية والبغضاء ، ويلقي الناس في شرّ عظيم ، وقد حذّر الإمام علیه السلام منه ، واعتبره من المواد التخريبيّة في الهيئة الاجتماعيّة التي يحرص الإمام على وحدتها وأصالتها .
3- وزوّد الإمام علیه السلام جمهرة من أصحابه بهذه الوصيّة القيّمة . قال علیه السلام :
«تَزاوروا ، فَإِنَّ فِي زِيارَتِكُمْ إِحْياءٌ لِقُلوبِكُمْ ، وَذِكْراً لأحاديثنا ، وَأَحاديثنا تَعْطِفُ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ، فَإِنْ أَخَذْتُمْ بِها رَشَدْتُمْ وَنَجَوْتُمْ ، وَإِنْ تَرَكْتُموها ضَلَلْتُمْ وَهَلَكْتُمْ ، فَخُذوا بها ، وَأَنا بنجاتِكُمْ زَعيم»(1).
لقد أوصى الإمام علیه السلام شيعته بالتزاور والتآلف لربط بعضهم مع بعض ، ليكونوا يداً واحدة، وبالإضافة لذلك فإنّ التزاور إحياءٌ لمبادئ أهل البيت علیهم السلام ، وإشاعة التعاليمهم الهادفة إلى خير الناس .
وأوصى الإمام علیه السلام تلميذه الفقيه العالم أبا بصير الأسدي الكوفي بهذه الوصيّة القيّمة ، قال علیه السلام :
«يا أبا مُحَمَّدٍ ، لَا تُفَتِّشِ النَّاسَ عَنْ أَدْيَانِهِمْ فَتَبْقَى بِلَا صَديقٍ »(2).
ووضع الإمام علیه السلام المنهج الكامل للصداقة ، فقد نهى عن التفتيش عن دين الصديق ، وأفكاره المذهبيّة لأنّ ذلك يؤدّي إلى النزاع والصراع ممّا يفقد الصداقة ، ويبقى الإنسان بلا صديق .
ووفد بسطام بن سابور وهو من أهل الجبل على الإمام الصادق علیه السلام ، فقال له :
يا أَخا أَهْلِ الْجَبَلِ ، ما شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ ، وَمَا عِنْدَ اللَّهُ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ عِنْةِ بَطْنٍ ، أَوْ فَرَجِ ، وَأَنَّ الدُّعاءَ لَيَرُدَّ الْقَضَاءَ وَقَدْ أَبْرِمَ إِبْرَاماً».
وفرح بسطام بهذه الوصيّة ، والتقى بمصادف ، فقال له : لقد سمعت من أبي عبد الله علیه السلام اليوم شيئاً لو رحل فيه إلى الشام لكان يسيراً» (1).
لقد أوصاه الإمام علیه السلام بأثمن وأغلى ما في هذه الحياة ، وأوصاه بعفّة البطن والفرج عمّا حرّم الله تعالى ، وهي من موجبات المغفرة والفوز بالفردوس الأعلى .
وزوّد الإمام الصادق علیه السلام تلميذه جابر بن حيّان العالم الكيمياوي بهذه الوصيّة القيّمة ، قال علیه السلام :
«يا جابِرُ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ مَالَ اللَّهِ إِلَّا فِي اللَّهِ .
یا جابِرُ ، أَتُفَضِّلُ الظُّلْمَةَ عَلَى النُّورِ ؟ أَتَجْعَلُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ سَواءٌ ؟ أَتُساوِي أَصْحَابَ النَّارِ بِأَصْحَابِ الْجَنَّةِ ؟
اعْلَمْ أَنَّ هاهنا - وأَشار إلى صدره الشريف - عِلْماً لَوْ أَظْهَرْتُهُ لَتَزَوَّدْتَ مِنْهُ إِلَى آخِرَتِكَ ، وَعَمِلْتَ مَعَ إِخْوانِكَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذينَ بِهِمْ نَجاتُكَ وَصَفْوَتُك .
يا جابِرُ، إِيَّاكَ أَنْ تُفَضَّلَ عَلَى أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ أَحَداً فَتَكونَ مِنَ الضَّالِّينَ»(2).
وألمح الإمام علیه السلام في المقطع الأوّل من حديثه إلى بند من بنود الاقتصاد الإسلامي ، وهو ، وهو أنّ مال الله يجب على المؤمن أن ينفقه فيما يرضي الله تعالى كتشييد المدارس والمستشفيات وغير ذلك ممّا ينتفع به قطاعات الشعب وكالإنفاق على البؤساء والمحرومين ، ولا يجوز بأي حال أن ينفق على ما لا يرضي الله تعالى، كالإنفاق على الشهوات وما يفسد الناس.
وأوصى الإمام علیه السلام الحسن بن راشد بهذه الوصيّة القيّمة . قال علیه السلام له :
«يا حَسَنُ ، إِذا نَزَلَتْ بِكَ نازِلَةٌ ، فَلَا تَشْكِها إِلى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْخِلافِ ، وَلَكِنِ اذْكُرْها لِبَعْضِ إِخْوانِكَ ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْدِمَ خِصْلَةٌ مِنْ أَرْبَع خصال: إِمَا كِفايَةٌ ، وَإِما مَعونَةٌ بِجاءِ ، أَوْ دَعْوَةً تُسْتَجَابُ ، وَإِمَا مَشورَةً بِرَأْيِ »(1).
لقد أوصاه بالرجوع إلى إخوانه فيما إذا نزلت به كارثة من كوارث الأيّام ، ونهاه من الرجوع إلى الذين لا يشاركونه في عقيدته ، فإنّهم لا يمنحونه الودّ ولا النصيحة .
وصيّته لحفص بن غیاث (2)
1 - أوصى الإمام علیه السلام تلميذه حفص بن غياث بهذه الوصيّة القيّمة ، وقد جاء فيها :
« إِنْ قَدَرْتُمْ أَنْ لَا تُعْرَفوا فَافْعَلُوا ، وَما عَلَيْكَ أَنْ لَا يُثْن النَّاسُ عَلَيْكَ ، وَما عَلَيْكَ أَنْ تَكونَ مَذْموماً عِنْدَ النَّاسِ إِذا كُنْتَ عِنْدَ اللَّهِ مَحْمُوداً .
إلى أَن قال : إِنْ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِكَ فَافْعَلْ ، فَإِنَّ عَلَيْكَ فِي خُروجِكَ أَنْ لا تَغْتابَ ، وَلَا تَكْذِبَ ، وَلَا تَحْسِدَ ، وَلَا تُرائِيَ ، وَلَا تَتَصَنَّعَ ، وَلَا تُداهِنَ..».
ثمّ قال : «نَعَمْ صَوْمَعَةُ الْمُسْلِم بَيْتُهُ ، يَكْفُ فِيهِ بَصَرَهُ ، وَلِسَانَهُ ، وَنَفْسَهُ ، وَفَرْجَهُ»(1).
وحفلت هذه الوصيّة بالنصائح القيّمة التي تضمن للإنسان المسلم سلامته في دينه ، وتجنّبه من الوقوع فيما حرّم الله تعالى من الموبقات والآثام.
2- ومن وصايا الإمام علیه السلام القيّمة هذه الوصيّة ، وقد وجهها لحفص بن غياث ، وهذا نصّها: «يا حَفْصُ ، إِنَّ مَنْ صَبَرَ صَبَرَ قَليلاً ، وَإِنَّ مَنْ جَزَعَ جَزَعَ قَليلاً .. عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ في جميع أمورِكَ ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ وَالرِّفْقِ ، فَقالَ: ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً )(2)، ( وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولى النَّعْمَةِ )(3).
وَقالَ : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )(4)، ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيم )(5)، فَصَبَرَ حَتَّى نالوهُ بِالْعَظائِم ، وَرَمَوْهُ بِها ، فَضاقَ صَدْرُهُ ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ : ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ )(6).
ثُمَّ كَذَّبُوهُ وَرَمَوْهُ فَحَزَنَ لِذلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ
فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ )(1)، ( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذَّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا )(2)، فَأَلْزَمَ النَّبِيُّ صلی الله علیه و آله وسلم الصَّبْرَ فَتَعَدّوا ، فَذَكَرُوا اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَكَذَّبُوهُ ، فَقالَ : قَدْ صَبَرْتُ فِي نَفْسي وَأَهْلي وَعِرضي ، وَلَا صَبْرَ لي عَلى ذِكْرِ إِلهي ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ )(3)، ثُمَّ بُشِّرَ فِي عِتْرَتِهِ بِالْأَئِمَّةِ علیهم السلام وَوُصِفُوا بِالصَّبْرِ فَقالَ جَلَّ ثَناؤُهُ : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )(4).
فَعِنْدَ ذلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلی الله علیه و آله وسلم : الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ ، فَشَكَرَ اللَّهُ ذلِكَ لَهُ ل : فَأَنْزَلَ اللهُ: ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) (5)، فَقالَ : إِنَّهُ بُشْرَىٰ وَانْتِقَامٌ ، فَأَبَاحَ اللَّهُ لَهُ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) (6).
فَقَتَلَهُمُ اللهُ عَلى يَدَيْ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَحِبَائِهِ ، وَجَعَلَ لَهُ ثَوابَ صَبْرِهِ مَعَ مَا ادَّخَرَ لَهُ في الْآخِرَةِ ، فَمَنْ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيا حَتَّىٰ يَقُرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ فِي أَعْدَائِهِ مَعَ ما يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ »(7).
وحكى هذا الحديث ما ألمّ بالرسول الله صلی الله علیه و آله وسلم من عظيم المحن والخطوب ، حينما بشّر برسالته الخلّاقة الداعية إلى تحرير إرادة الإنسان وضميره وفكره من خرافات الوثنيّة وعادات الجاهليّة ، فقابلته العصابات المجرمة بصنوف مروّعة من الأذى ، فصبر على ذلك كأعظم ما يكون الصبر ، ولم ينقطع عن أداء رسالته حتّى نصره الله النصر المبين ، وفتح له الدنيا لتستقبل مبادئه ، وتؤمن بأفكاره ، وكان ذلك من ثمرات الصبر، ومن نتائجه المباشرة .
وأوصى الإمام الصادق علیه السلام تلميذه حماد بهذه الوصيّة القيّمة ، قال علیه السلام له :
«كُن - يا حماد - طالباً لِلْعِلْمِ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَقَرَّ عَيْنُكَ ، وَتَنالَ خَيْرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، فَاقْطَع الطَّمَعَ مِمّا في أَيْدي النّاسِ ، وَعِدَّ نَفْسَكَ فِي الْمَوْتَى ، وَلَا تُحَدِّتْ نَفْسَكَ أَنَّكَ فَوْقَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ، وَاخْزِنْ لِسانَكَ كَمَا تَخْرْنُ مالك» (1).
وحفلت هذه الوصيّة القيّمة بما يلي من النصائح الرفيعة :
1 - الحثّ على طلب العلم ، وأن يشغل نفسه به في جميع أوقاته ، ولا يخلد إلى السكون والراحة .
2 - التحذير من الطمع ممّا في أيدي النّاس ، فإنّه يسلبه حريّته وإرادته ، ويجعله عبداً لغيره .
3- عدم الاستعلاء على أي أحد من الناس ، فإنّ الكبرياء والتكبّر من الآفات النفسيّة التى تورد الإنسان موارد الهلكة .
4 - قفل اللسان وخزنه ، فإنّه أسلم للإنسان ، وأضمن لحياته من الوقوع في
1) الاثني عشريّة : 70 .
الأحداث والمشاكل .
وأوصى الإمام علیه السلام تلميذه حمران بن أعين بهذه الوصيّة القيّمة ، قال علیه السلام : « يا حُمْرانُ ، انْظُرْ إِلى مَنْ هُوَ دونَكَ فِي الْمَقْدِرَةِ ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَىٰ مَنْ هُوَ فَوْقَكَ ، فَإِنَّ ذلِكَ أَقْنَعُ لَكَ بِما قَسَمَ اللَّهُ لَكَ ، وَأَحْرَى أَنْ تَسْتَوْجِبَ الزِّيَادَةَ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَمَلَ الدَائِمَ الْقَليلَ عَلَى الْيَقِينِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ عَلَى غَيْرِ يَقين ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا وَرَعَ أَنْفَعُ مِنْ تَجَنَّبِ مَحارِمِ اللَّهِ ، وَالْكَفَّ عَنْ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ وَاغْتِيابِهِمْ ، وَلَا عَيْشَ أَهْنَأُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ ، وَلَا مَالَ أَنْفَعُ مِنَ الْقَناعَةِ بِالْيَسير الْمُجْزِيُّ ، وَلَا جَهْلَ أَضَرَّ مِنَ الْعُجْبِ»(1).
وحفلت هذه الوصية بأثمن وأغلى النصائح التي تضمن للإنسان سعادته ، وتكامل شخصيّته ، فقد أوصاه بالقناعة التي هي كنز لا يفنى ، وأوصاه بالورع عن محارم الله الذي هو أساس التقوى ، وأوصاه بالكفّ عن أذى المؤمنين وغيرهم ، فإنّ عدم ذلك يعود بالأضرار البالغة عليه ، كما أوصاه بحسن الأخلاق الذي يتميّز به الإنسان ويسمو على غيره .
حقّاً لقد كانت هذه الوصيّة من ذخائر وصايا أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، فهي تهدف إلى تهذيب الإنسان واستقامته وحسن سلوكه .
وتشرف سفيان الثوري غير مرّة بمقابلة الإمام الصادق علیه السلام، وكان يطلب منه
1) تحف العقول : 360 .
المزيد من نصائحه ووصاياه ، وقد زوّده الإمام بكوكبة من الوصايا ، كان منها ما يلي :
1 - التقى سفيان الثوري بالإمام الصادق علیه السلام وطلب من الإمام أن يتفضّل عليه بوصية ، فقال علیه السلام : ما كَثْرَةُ الْحَدِيثِ لَكَ بِخَيْرٍ يا سُفْيانَ ، إِذا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكَ بِنِعْمَةٍ فَأَحْبَبْتَ بَقاءَها وَدَوامَها فَأَكْثِرْ مِنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزيزِ: ( لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ )(1).
وَإِذا اسْتَبْطَأْتَ الرِّزْقَ فَأَكْثِرُ مِنَ الْإِسْتِغْفَارِ ، فَإِنَّ اللهَ تَعالى قال في كتابِهِ الْعَزِيزِ : (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَاراً )(2).
يا سُفْيَانُ ، إِذا أَحْزَنَكَ أَمْرٌ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَكْثِرْ مِنْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، فإِنَّها مِفْتَاحُ الْفَرَج ، وَكَنْرٌ مِنْ كُنوزِ الْجَنَّةِ» .
وبهر سفيان وراح يقول : ثلاث ، وأيّ ثلاث.
والتفت إليه الإمام علیه السلام وقال : عَقَلَها وَاللهِ أبو عَبْدِ اللَّهِ ، وَلَيَنْفَعَهُ الله بها »(3).
ومثّلت هذه الوصية حقيقة الانقطاع إلى الله ، والاعتصام به ، فهو تعالى مصدر كلّ خير ، فإذا التجأ إليه الإنسان فإنّه تعالى يكشف ما ألمّ به ويفرّج عنه .
2 - قال الإمام الصادق علیه السلام السفيان الثوري : « يا سُفْيَانُ، خِصْلَتانِ مَنْ لَزِمَهُما دَخَلَ الْجَنَّةَ.
وسارع سفيان قائلاً: وما هما يابن رسول الله ؟
ومعنى الخصلة الأولى من هذا الحديث : أنّ الله تعالى فرض على العباد كثيراً من الواجبات لا تميل إليها النفوس لأنّ فيها كلفة ومشقّة كالجهاد في سبيل الله ، وكالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومثل الضرائب الماليّة كالخمس والزكاة ، فإذا أرغم العبد نفسه على ذلك ، فقد استوجب مغفرة الله .
وأمّا معنى الخصلة الثانية : أنّ الإنسان إذا ترك رغائبه النفسيّة من الشهوات واللذات التي حرّمها الله ، فقد ظفر برضوان الله والفوز بالجنّة .
3 - التقى سفيان بالإمام الصادق علیه السلام فقال له : يابن رسول الله ، أوصني .
فقال علیه السلام : يا سُفْيَانُ ، لَا مُروءَةَ لِكَذوب ، وَلَا أَخَ لِمَلولٍ ، وَلَا راحَةَ لِحَسودٍ ، وَلَا سُؤْدَدَ لِسَيِّءِ الْخُلُقِ .
وطلب سفيان المزيد من هذه الدرر التي أدلى بها الإمام قائلاً: يابن رسول الله زدني.
فقال علیه السلام : اتَّقِ اللهَ تَكُنْ مُؤْمِناً ، وَأَرْضَ بِما قَسَمَ اللهُ تَكُنْ غَنِيّاً ، وَأَحْسِنْ مُجاوَرَةَ مَنْ جاوَرَكَ تَكُنْ مُسَلَّحاً ، وَلَا تَضْحَبِ الْفاجِرَ يُعَلِّمُكَ مِنْ فُجورِهِ ، وَشَاوِرْ فِي أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ .
وراح سفيان يتضرّع للإمام طالباً منه المزيد من هذه الجواهر ، فقال علیه السلام : يا سُفْيانُ ، مَنْ أَرادَ عِزّاً بِلا عَشيرَةٍ ، وَغِنى بلا مالٍ ، وَهَيْبَةٌ بِلا سُلْطَانٍ فَلْيَنْتَقِلْ مِنْ
1) الاثني عشريّة في المواعظ العددية : 32 .
ذلُّ مَعْصِيَةِ اللهِ إِلى عِزّ طَاعَتِهِ»(1).
حقّاً أن هذه القيم تحفظ الإنسان من السلوك في المنعطفات ، وتضمن له حياة سعيدة حافلة بالشرف والعزة والكرامة. هذه بعض الوصايا التي زوّد بها الإمام علیه السلام سفيان الثوري .
ووقعت مشادّة بین سماعة وجمّاله ، وبلغ ذلك الإمام الصادق علیه السلام وتشرّف سماعة بمقابلة الإمام ، فقال علیه السلام: « يا سُماعَةُ ، ما هَذَا الَّذي كانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ جَمَالِكَ ؟ إِيَّاكَ أَنْ تَكونَ فَحَاشاً أَوْ سَخَابا(2)أَوْ لَعَاناً .
فقال سماعة بصوت خافت : والله لقد كان ذلك ، إنّه ظلمني .
وراح الإمام علیه السلام يوصيه بمكارم الأخلاق قائلاً: إنْ كانَ ظَلَمَكَ لَقَدْ أَرْبَيْتَ عَلَيْهِ ، إِنَّ هذا لَيْسَ مِنْ فِعَالي ، وَلَا آمُرُ بِهِ شِيعَتِي ، اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ ، وَلَا تَعُدْ .
وبادر سماعة فاستغفر الله ، وأعلن الندم والتوبة»(3).
لقد أراد الإمام علیه السلام من شيعته أن يتحلوا بالصفات الكريمة ، والمثل العليا، ويجتنبوا كلّ ما يشين بالمرء من الصفات الذميمة .
ومن وصاياه علیه السلام القيّمة هذه الوصيّة التي أتحف بها عبد الرحمن بن الحجّاج ،
قال علیه السلام له : «إِيَّاكَ وَخِصْلَتَيْنِ مُهْلِكَتَيْنِ : أَنْ تَفْتِي النَّاسَ بِرَأْيكَ ، وَأَنْ تَقول ما لا تَعْلَمُ»(1).
ولا شكّ أنّ هاتين الخصلتين اللتين حذّر منهما الإمام علیه السلام من موجبات الهلكة ومن المرديات في النار .
وطلب المومن الفذّ عبدالله بن جندب من سليل النبوّة الإمام الصادق علیه السلام أن يتفضّل عليه بوصيّة تذكّره الله والدار الآخرة ، وتبعده عن شرور الدنيا ، فأجابه علیه السلام إلى ذلك ، وعهد إليه بهذه الوصيّة القيّمة التي هي من غرر وصايا أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، وهذا نصّها :
يا عَبْدَ اللَّهِ ، لَقَدْ نَصَبَ إِبْلِيسُ حَبائِلَهُ في دارِ الْغُرُورِ ، فَما يَقْصِدُ فيها إِلَّا أَوْلِياءَنا ، وَلَقَدْ جَلَّتِ الْآخِرَةُ فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّىٰ مَا يُرِيدُونَ بِهَا بَدَلاً .
ثمّ قال : آهٍ آهٍ عَلَى قُلُوبِ حُشِبَتْ نوراً ، وَإِنَّما كانَتِ الدُّنْيا عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الشُّجاع الْأَرْقَمِ(2)، وَالْعَدوّ الْأَعْجَمِ ، أَيْسُوا بِاللَّهِ ، وَاسْتَوْحَسُوا مِمَّا بِهِ اسْتَأْنَسَ الْمُتْرَفُونَ ، أَوْلَئِكَ أَوْلِيائي حقاً ، وَبِهِمْ تُكْشَفُ كُلَّ فِتْنَةٍ ، وَتُرْفَعُ كُلُّ يَلِيَّةٍ .
يابْنَ جُنْدَبٍ ، حَقٌّ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ يَعْرِفُنا أَنْ يَعْرِضَ عَمَلَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَلى نَفْسِهِ ، فَيَكونَ مُحاسِباً نَفْسِهِ ، فَإِنْ رَأَى حَسَنَةٌ اسْتَزادَ مِنْهَا ، وَإِنْ رَأَى سَيِّئَةٌ اسْتَغْفَرَ مِنْهَا ، لِئَلَّا يَخْرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
طُوبَى لِعَبْدِ لَمْ يَغْبِطِ الْخاطِئِينَ عَلى ما أوتوا مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيا وَزَهْرَتِها . طُوبَى لِعَبْدِ طَلَبَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَها ، طُوبَى لِمَنْ لَمْ تُلْهِهِ الْأَمَانِيُّ الْكَاذِبَةِ .
ثم قال : رَحِمَ اللهُ قَوْماً كانوا سِراجاً وَمَناراً ، كانوا دُعاةً إِلَيْنَا بِأَعْمَالِهِمْ وَمَجْهُودِ طاقَتِهِمْ ، لَيْسَ كَمَنْ يُذيعُ أَسْرَارَنا .
يابْنَ جُنْدَبٍ ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنونَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللَّهَ ، وَيُشْفِقُونَ أَنْ يُسْلَبُوا مَا أُعْطُوا مِنَ الْهُدى ، فَإِذا ذَكَرُوا اللهَ وَنَعْماءَهُ وَجِلوا وَأَشْفَقُوا ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً مِمَّا أَظْهَرَهُ مِنْ نَفاذِ قُدْرَتِهِ ، وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ .
يابْنَ جُنْدَبٍ ، قَديماً عَمِرَ الْجَهْلُ ، وَقَوَى أَساسُهُ ، وَذَلِكَ لا تُخَاذِهُمْ دِينَ اللَّهِ لَعِباً حَتَّى لَقَدْ كانَ الْمُتَقَرِّبُ مِنْهُمْ إِلَى اللهِ بِعِلْمِهِ يريدُ سِواهُ ، أَوْلئِكَ هُمُ الظَّالِمونَ .
يابْنَ جُنْدَبٍ ، لَوْ أَنَّ شيعتنا اسْتَقاموا لصافَحَتْهُمُ الْمَلائِكَةُ ، وَلَأظَلَّهُمْ الْغَمامَ ، وَلَأشْرَقوا نَهاراً ، وَلَأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ ، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ، وَلَما سَأَلُوا اللَّهَ شَيْئاً إلَّا أَعْطَاهُمْ .
يابْنَ جُنْدَبٍ ، لَا تَقُلْ فِي الْمُذْنِبِينَ مِنْ أَهْلِ دَعْوَتِكُمْ إِلَّا خَيْراً ، وَاسْتَكينوا إِلَى اللَّهِ فِي تَوْفِيقِهِمْ ، وَسَلُوا التَّوْبَةَ لَهُمْ ، فَكُلُّ مَنْ فَصَدَنا ووالانا ، وَلَمْ يُوالِ عَدُوّنا ، وَقالَ ما يَعْلَمُ وَسَكَتَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ.
يا بْنَ جُنْدَبٍ ، يَهْلِكُ الْمُتَّكِلُ عَلَى عَمَلِهِ ، وَلَا يَنْجو الْمُجْتَرِئُ عَلَى الذُّنوبِ ، الْوائِقُ بِرَحْمَةِ اللهِ.
فقال ابن جندب للإمام علیه السلام : فمن ينجو ؟
فقال علیه السلام : الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ الرَّجاءِ وَالْخَوْفِ ، كَأَنَّ قُلوبَهُمْ فِي مِخْلَبِ طَائِرٍ شَوْقاً
إِلَى الثَّوابِ وَخَوْفاً مِنَ الْعَذَابِ .
يابْنَ جُنْدَبٍ ، مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ اللهُ الْحُورَ الْعَينِ ، وَيُتَوَّجَهُ بِالنُّورِ فَلْيُدْخِلْ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ السُّرورَ .
يابْنَ جُنْدَبٍ ، أَقِلَّ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ ، وَالْكَلامَ بِالنَّهارِ ، فَمَا فِي الْجَسَدِ شَيْءٌ أَقَلُّ شَكْراً مِنَ الْعَينِ وَاللّسانِ ، فَإِنَّ اُمَّ سُلَيْمَانَ قالَتْ لِسُلَيْمَانَ علیه السلام : يا بُنَيَّ ، إِيَّاكَ وَالنَّوْمَ فَإِنَّهُ يُفْقِرُكَ يَوْمَ يَحْتاجُ النَّاسِ إِلَى أَعْمَالِهِمْ .
يابْنَ جُنْدَب ، إِنَّ لِلشَّيْطانِ مَصائِدَ يَصْطادُ بها ، فَتَحاموا شباكَهُ وَمَصائِدَهُ .
فالتفت ابن جندب إلى الإمام علیه السلام فقال له : وما هي مصائده ؟
فقال علیه السلام : أَمَّا مَصائِدُهُ فَصَلَّ عَنْ بِرِّ الْإِخْوانِ ، وَأَمَّا شِبَاكُهُ فَنَوْمٌ عَن قَضاءِ الصَّلَواتِ الَّتي فَرَضَها اللهُ ، أَما إِنَّهُ ما يُعْبَدُ اللهُ بِمِثْلِ نَقْلِ الْأَقْدَامِ إِلَى بِرِّ الْإِخْوانِ وَزِيارَتِهِمْ . وَيْلٌ للساهينَ عَنِ الصَّلَواتِ النّائِمينَ في الخَلَواتِ ، الْمُسْتَهْزِئِينَ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ في الْفَتَراتِ(1)، أولئِكَ الَّذينَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فى الآخِرَةِ ، وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .
يا بْنَ جُنْدَبٍ ، مَنْ أَصْبَحَ مَهْمُوماً لِسِوى فِكاكَ رَقَبَتِهِ ، فَقَدْ هَوَّنَ عَلَيْهِ الْجَلِيلَ ، وَرَغِبَ مِنْ رَبِّهِ في الربح الحقيرِ ، وَمَنْ غَضَّ أَخاهُ وَحَقَّرَهُ وَناواهُ(2)جَعَلَ اللهُ النَّارَ مَأْواهُ ، وَمَنْ حَسَدَ مُؤْمِناً أَنْمَاثَ الْإِيمَانُ في قَلْبِهِ كَما يَنْمَاتُ الْمِلْحُ فِي الْماءِ .
يابْنَ جُنْدَبٍ ، الماشي في حاجَةِ أَخِيهِ كَالسّاعِيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَقاضِي
حاجَتِهِ كَالْمُتَشَحْطِ بِدَمِهِ في سَبِيلِ اللهِ يَوْمَ بَدْرٍ وَأحُدٍ ، وَما عَذَّبَ الله أمةٌ إِلَّا عِنْدَ اسْتِهَانَتِهِمْ بِحُقوقِ فُقَرَاءِ إِخْوَانِهِمْ .
يا بْنَ جُنْدَبٍ ، بَلِّغْ مَعاشِرَ شِعِيتِنا ، وَقُلْ لَهُمْ: لَا تَذْهَبَنَّ بِكُمُ الْمَذاهِبُ ، فَوَاللَّهِ لَا تُنالُ ولا يتنا إِلَّا بِالْوَرَعِ وَالْإِجْتِهادِ فِي الدُّنْيَا ، وَمُواساةِ الْإِخْوانِ فِي اللَّهِ ، وَلَيْسَ مِنْ شِيعَتِنا مَنْ يَظْلِمُ النّاسَ .
يابْنَ جُنْدَبٍ ، إِنَّما شِيعَتُنا يُعْرَفونَ بِخِصَالٍ شَتّى : بِالسَّحَاءِ ، وَالْبَذْلِ لِلْإِخْوانِ ، وَبِأَنْ يُصَلُّوا الْخَمْسِينَ لَيْلاً وَنَهَاراً . شِيعَتُنا لَا يَهِرُونَ هَريرَ الْكَلْبِ ، وَلَا يَطْمَعُونَ طَمَعَ الْغُراب ، وَلَا يُجاوِرونَ لَنا عَدُوّاً ، وَلَا يَسْأَلُونَ لَنا مُبْغِضاً وَلَوْ ماتوا جوعاً ، شَيعتنا لَا يَأْكُلُونَ الْجِرِّي(1)، وَلَا يَمْسَحُونَ عَلَى الخُفَّيْنِ ، وَيُحافِظُونَ عَلَى الزَّوالِ ، وَلَا يَشْرَبُونَ مُسْكراً .
ويهر ابن جندب من كلام الإمام ، وراح يقول له : جعلت فداك ، فأين أطلبهم ؟
فقال علیه السلام : عَلَى رُؤوسِ الْجِبالِ ، وَأَطْرافِ الْمُدَنِ ، وَإِذا دَخَلْتَ مَدِينَةٌ فَسَلْ عَمَّنْ لا يُجاوِرُهُمْ وَلَا يُجاوِرونَهُ ، فَذِلِكَ مُؤْمِنٌ ، كَما قالَ اللهُ: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِن اقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى )(2)، وَاللهِ لَقَدْ كانَ حَبيبَ النَّجار وَحْدَهُ .
وَ يا بْنَ جُنْدَبٍ ، كُلُّ الذُّنوبِ مَغْفُورَةٌ سِوى عُقوقِ أَهْلِ دَعْوَتِكَ ، وَكُلُّ الْبِرِّ مَقْبول إِلَّا ما كَانَ رِياءً .
يا بْنَ جُنْدَبٍ ، أَحْبِبْ في اللهِ ، وَاسْتَمْسِكَ بِالْعُروة الوثقى ، وَاعْتَصِمْ بِالْهُدَى يُقْبَلْ
عَمَلُكَ ، فَإِنَّ اللهَ يَقولُ: «إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدى»(1)، فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا الْإِيمَانُ ، وَلَا إِيمَانَ إِلَّا بِعَمَلٍ ، وَلَا عَمَلٍ إِلَّا بِيَقِينِ ، وَلَا يَقِينَ إِلَّا بِالْخُسْوعِ ، وَمِلا كُهَا كُلَّهَا الْهُدَى ، فَمَنْ اهْتَدى يُقْبَلُ عَمَلُهُ ، وَصَعِدَ إِلَى الْمَلَكُوتِ مُتَقَبَّلاً (وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )(2).
يابْنَ جُنْدَبٍ ، إِنْ أَحْبَبْتَ أنْ تُجاوِرَ الْجَليل في دارِهِ ، وَتَسْكُنَ الْفِرْدوسَ فِي جِوارِهِ ، فَلْتَهُنْ عَلَيْكَ الدُّنْيا ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ نُصْبَ عَيْنِكَ ، وَلَا تَدَّخِرْ شَيْئاً لِغَدٍ ، وَاعْلَمْ أَنَّ لَكَ ما قَدَّمْتَ ، وَعَلَيْكَ ما أَخَّرْتَ .
يا بْنَ جُنْدَبٍ ، مَنْ حَرَمَ نَفْسَهُ كَسْبَهُ فَإِنَّما يَجْمَعُ لِغَيْرِهِ ، وَمَنْ أَطاعَ هَوَاهُ فَقَدْ أَطَاعَ عَدُوَّهُ . مَنْ يَثِقُ بِاللَّهِ يَكْفِهِ ما أَهَمَّهُ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ ، وَيَحْفِظْ لَهُ ما غابَ عَنْهُ ، وَقَدْ عَجَزَ مَنْ لَمْ يُعِدَّ لِكُلِّ بَلاء صَبْراً وَلِكُلِّ نِعْمَةٍ شُكْراً ، وَلِكُلِّ عُسْرِ يُسْراً .
صَبِّرْ نَفْسَكَ عِنْدَ كُلِّ بَلِيَّةٍ في وَلَدٍ أَوْ مالٍ أَوْ رَزِيَّةٍ ، فَإِنَّما يَقْبِضُ عارِيَتَهُ ، وَيَأْخُذُ هِبَتَهُ ليَبْلو فيهِما صَبْرَكَ وَشُكْرَكَ ، وَارْجُ الله رجاءً لا يُجَرِّيكَ عَلى مَعْصِيَتِهِ ، وَخِفْهُ خَوْفاً لَا يُؤْيِسُكَ مِنْ رَحْمَتِهِ ، وَلَا تَغْتَرَّ بِقَوْلِ الْجاهِلِ ، وَلَا بِمَدْحِهِ فَتُكَبِّرَ وَتُجَبِّرَ وَتُعْجَبَ بِعَمَلِكِ ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الْعَمَلِ الْعِبادَةُ وَالتَّواضِعُ ، فَلَا تُضَيِّعْ مَالَكَ ، وَتُصْلِحَ مَالَ غَيْرِكَ ما خَلَّفْتَهُ وَراءَ ظَهْرِكَ ، وَاقْنَع بِما قَسَمَهُ اللهُ لَكَ ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَّا إِلَى مَا عِنْدَكَ ، وَلَا تَتَمَنَّ ما لَسْتَ تَنالُهُ ، فَإِنَّ مَنْ قَنِعَ شَبعَ ، وَمَنْ لَمْ يَفْنَعْ لَمْ يَشْبَعْ ، وَخُذْ حَظَكَ مِنْ آخِرَتِكَ ، وَلَا تَكُنْ بَطِراً فِي الْغِنى ، وَلَا جَزِعاً فِي الْفَقْرِ ، وَلَا تَكُنْ فَظَا غَلِيظًا يَكْرَهُ النَّاسَ قُرْبَكَ ،
وَلَا تَكُنْ واهِناً يُحَقِّرُكَ مَنْ عَرَفَكَ ، وَلَا تُشار(1)مَنْ فَوْقَكَ ، وَلَا تَسْخَرْ بِمَنْ هُوَ دُونَكَ ، وَلَا تُنازع الأَمْرَ أَهْلَهُ ، وَلَا تُطِعْ السُّفَهَاءَ ، وَلَا تَكُنْ مَهيناً تَحْتَ كُلِّ أَحَدٍ ، وَلَا تَتَّكِلَنَّ عَلَى كِفايَةَ أَحَدٍ ، وَقِفْ عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ حَتَّى تَعْرِفَ مَدْخَلَهُ مِنْ مَخْرَجِهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِيهِ فَتَنْدَمَ ، وَاجْعَلْ قَلْبَكَ قَريباً تُشارِكُهُ ، وَاجْعَلْ عَمَلَكَ والِداً تَتَّبِعُهُ ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ عَدوّاً تُجاهِدُهُ ، وَعارِيَةً تَرُدُّها ، فَإِنَّكَ قَدْ جُعِلْتَ طَبيبَ نَفْسِكَ وَعُرِّفْتَ آيَةَ الصَّحَّةِ ، وَبُيِّنَ لَكَ الدّاءُ ، وَدُلِلْتَ عَلَى الدّواءِ ، فانْظُرْ قِيامَكَ عَلى نَفْسِكَ ، وَإنْ كانَتْ لَكَ يَدٌ عِنْدَ إِنسَانٍ فَلَا تُفْسِدُها بِكَثرَةِ الْمَنِّ وَالذِّكْرِ لَهَا ، وَلكِنِ اتَّبِعها بِأَفْضَلِ مِنْهَا ، فَإِنَّ ذلِكَ أَجْمَلُ بِكَ في أَخْلاقِكِ ، وَأَوْجَبُ لِلثّوابِ في آخِرَتِكَ ، وَعَلَيْكَ بِالصَّمْتِ تُعَدّ حَليماً - جاهلاً كُنْتَ أَوْ عَالِماً - فَإِنَّ الصَّمْتَ زَيْنٌ لَكَ عِنْدَ الْعُلَماءِ ، وَسِتْرٌ لَكَ عِنْدَ الْجُهَالِ .
يا بْنَ جُنْدَبٍ ، إِنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ علیه السلام قالَ لأَصْحَابِهِ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِأَخِيهِ فَرَأَى ثَوْبَهُ قَدِ انْكَشَفَ عَنْ بَعْضٍ عَوْرَتِهِ أَكانَ كاشفاً عَنْهَا كُلَهَا أَمْ يَرُدُّ عَلَيْهَا مَا انْكَشَفَ منها ؟
قالوا : بَلْ نَرُدُّ عَلَيْها .
قالَ : كَلَا بَلْ تَكْشِفُونَ عَنْهَا كُلَّها ، فَعَرَفوا أَنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ لَهُمْ ، فَقِيلَ : يا رُوحَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ ذلِكَ ؟
فَقالَ : الرَّجُلُ مِنْكُمْ يَطَّلِعُ عَلَى الْعَوْرَةِ مِنْ أَخِيهِ فَلَا يَسْتُرها .
بِحَقِّ أَقولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لَا تُصيبونَ ما تُريدونَ إِلَّا بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ ، وَلَا تَنالُونَ ما تَأْمَلُونَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُونَ . إِيَّاكُم وَالنَّظْرَةِ فَإِنَّهَا تَزْرَعُ فِي الْقَلْبِ الشَّهْوَةَ ،
1) لا تشارّ : أي لا تخاصم ولا تنازع .
وَكَفَى بِها لِصاحِبِها فِتْنَةٌ طُوبَى لِمَنْ جُعِلَ بَصَرُهُ في قَلْبِهِ ، وَلَمْ يُجْعَلْ بَصَرُهُ فِي عَيْنِهِ. . لَا تَنْظروا في عيوب النّاسِ كَالْأَرْبابِ ، وَانْظُروا في عُيوبِكُم كَهَيْئَةِ الْعَبِيدِ . إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلانِ : مُبْتَلَى وَمُعافي ، فارْحَمَوا الْمُبْتَلَى ، وَاحْمَدوا اللهَ عَلَى الْعَافِيَةِ .
يا بْنَ جُنْدَبٍ ، صِلْ مَنْ قَطَعَكَ ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ ، وَأَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَساءَ إِلَيْكَ ، وَسَلَّمْ عَلى مَنْ سَبَّكَ ، وَأَنْصِفْ مَنْ خَاصَمَكَ ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ ، كَما أَنَّكَ تُحِبُّ أَن يُعفى عَنْكَ ، فَاعْتَبِرْ بِعَفْو اللهِ عَنْكَ ، أَلَا تَرى أَنَّ شَمْسَهُ أَشْرَقَتْ عَلَى الْأَبْرَارِ وَالْفُجَارِ ، وَأَنَّ مَطَرَهُ يَنْزِلُ عَلَى الصَّالِحِينَ وَالْخاطِئِينَ .
يا بْنَ جُنْدَبٍ ، لَا تَتَصَدَّقُ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لِيُزَكُوكَ ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذلِك فَقَدِ اسْتَوْفَيْتَ أَجْرَكَ ، وَلكِن إِذا أَعْطَيْتَ بِيَمِينِكَ فَلَا تُطلِعْ عَلَيْهَا شِمَالَكَ ، فَإِنَّ الَّذِي تَتَصَدَّقْ لَهُ سِرّاً يُجْزِيكَ عَلَانِيَةٌ عَلَى رُؤوسِ الْأَشْهَادِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي لَا يَصْرَك أَنْ لَا يُطْلِعَ النّاسَ عَلى صَدَقَتِكَ ، وَاخْفِضِ الصَّوْتَ إِنَّ رَبَّكَ الَّذى يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَما تُعْلِمُونَ ، قَدْ عَلِم ما تُريدونَ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ ، وَإِذا صُمْتَ فَلَا تَغْتَبْ أَحَداً ، وَلَا تَلْبِسوا صيامكم بِظُلْمٍ وَلَا تَكُنْ كَالَّذِي يَصومُ رِئَاءَ النَّاسِ ، مُغْبَرَّةٌ وُجُوهُهُمْ ، شَعِئَةٌ رُؤوسُهُمْ ، يَابِسَةٌ . أَفْواهُهُمْ لِكَيْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُمْ صَيامى .
يا بْنَ جُنْدَبِ ، الْخَيْرُ كُلَّهُ أَمامَكَ ، وَإِنَّ الشَّرَّ كُلَهُ أَما مَكَ ، وَلَنْ تَرَى الْخَيْرَ وَالشَّرَّ إِلَّا بَعْدَ الآخِرَة؛ لأنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ جَعَلَ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الْجَنَّةِ ، وَالشَّرَّكُلَهُ فِي النَّارِ؛ لأَنَّهُما الباقيانِ ، وَالْواجِبُ عَلَى مَنْ وَهَبَ اللَّهُ لَهُ الْهُدَى ، وَأَكْرَمَهُ بِالْإِيمَانِ ، وَأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ ، وَرَكَّبَ فِيهِ عَقْلاً يَتَعَرَّفُ بِهِ نِعَمَهُ ، وَآتَاهُ عِلْماً وَحُكْماً يُدَبِّرُ بِهِ أَمْرَ دينِهِ وَدُنْيَاهُ ، أَنْ يُوجِبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ أَنْ يَشْكُرَ اللهَ وَلَا يَكْفُرَهُ ، وَأَنْ يَذْكُرَ اللهَ وَلَا يَنْساهُ ، وَأَن يُطيعَ اللَّهَ وَلَا يَعْصيهِ ، لِلْقَديمِ الَّذِي تَفَرَّدَ لَهُ بِحُسْنِ النَّظَرِ ، وَلِلْحَديثِ الَّذي أَنْعَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ إِذْ أَنْشَأَهُ مَخْلُوقا ،
وَلِلْجَزِيلِ الَّذي وَعَدَهُ ، وَالْفَضْلِ الَّذِي لَمْ يُكَلِّفْهُ مِنْ طَاعَتِهِ فَوْقَ طَاقَتِهِ ، وَمَا يَعْجِزُ عَنِ القيامِ بِهِ ، وَضَمِنَ لَهُ الْعَوْنَ عَلَى تَيْسِيرِ ما حَمَلَهُ مِنْ ذلِكَ ، وَنَدَبَهُ إِلَى الْإِسْتِعَانَةِ عَلى قَليلٍ ما كَلَّفَهُ وَهُوَ مُعْرِضْ عَمَا أَمَرَهُ ، وَعاجِزٌ عَنْهُ ، قَدْ لَبِسَ ثَوْبَ الْإِسْتِهَانَةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ، مُتَقَلِّداً لِهَواهُ ، ماضياً في شَهَوَاتِهِ ، مُؤثِراً لِدُنْيَاهُ عَلَى آخِرَتِهِ ، وَهُوَ فِي ذلِكَ يَتَمَنَّىٰ جِنانَ الْفِرْدَوْسِ وَمَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَطْمَعَ أَنْ يَنْزِلَ بِعَمَلِ الْفُجَارِ مَنازِلَ الْأَبْرَارِ . أَمَا إِنَّهُ لَوْ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ، وَقامَتِ القيامَةُ ، وَجاءَتِ الطَّامَّةُ ، وَنَصَبَ الْجَبَّارُ الْمَوَازِينَ لِفَصْلِ الْقَضاءِ ، وَبَرَزَ الْخَلائِقُ لِيَوْمِ الْحِسابِ أَيْقَنْتَ عِنْدَ ذلِكَ لِمَنْ تَكونُ الرّفْعَةُ وَالْكَرامَةُ ، وَبِمَنْ تَحِلُّ الْحَسْرَةُ وَالنَّدامَةُ ، فَاعْمَلِ الْيَوْمَ فِي الدُّنْيا بِمَا تَرْجُو بِهِ الْفَوْزَ فِي الْآخِرَةِ .
يا بْنَ جُنْدَبٍ ، قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ فِي بَعْضِ ما أَوْحَى : إِنَّما أَقْبَلُ الصَّلاةَ مِمَّنْ يَتَواضَعُ لِعَظَمَتِي ، وَيَكْفُ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ مِنْ أَجْلِي ، وَيَقْطَعُ نَهَارَهُ بِذِكْرِي ، وَلَا يَتَعَظَّمَ عَلَىٰ خَلْقي ، وَيُطْعِمُ الْجائِعَ ، وَيَكْسو العاري ، وَيَرْحَمُ الْمُصابَ ، وَيُؤْوِي الْغَريبَ ، فذلِكَ يُشْرِقُ نورُهُ مِثْلَ الشَّمْسِ ، أَجْعَلُ لَهُ في الظُّلْمَةِ نوراً ، وَفِي الْجَهَالَةِ حِلْماً ، أَعْلَاهُ بِعِزَّتِي ، وَأَسْتَحْفِظُهُ مَلائِكَتِي ، يَدْعُونِي فَالبَيهِ ، وَيَسْأَلُني فَأَعْطِيهِ ، فَمَثَلُ ذلِكَ الْعَبْدِ عِنْدِي كَمَثَلِ جنات الفردوس ، لَا يُسْبَقُ أَلْمارُها ، وَلَا تَتَغَيَّرُ عَنْ حالها .
يابْنَ جُنْدَبِ ، الْإِسْلامُ عُرْيانٌ فَلِباسُهُ الْحَياءُ ، وَزِينَتُهُ الْوَقارُ ، وَمُروءَتُهُ الْعَمَلُ الصّالِحُ ، وَعِمَادُهُ الْوَرَعُ ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ أَساس ، وَأَسَاسُ الْإِسْلَامِ حُبُّنا أَهْلَ الْبَيْتِ .
يا بْنَ جُنْدَبٍ ، إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سُوراً مِنْ نورٍ ، مَحْفُوفاً بِالزَّبَرْجَدِ وَالْحَرِيرِ ، مُنَجَّداً(1)بِالسُّنْدُسِ وَالدِّيباج ، يُضْرَبُ هذا السورُ بَيْنَ أَوْلِيَائِنَا وَبَيْنَ أَعْدَائِنَا ، فَإِذَا غَلَى الدَّماغ ، وَبَلَغَتِ القُلوبُ الْحَناجِرَ ، وَنُضِجَتِ الْأَكْبادُ مِنْ طُولِ الْمَوْقِفِ أُدْخِلَ فى هذا
1) منجداً : أي مزيّناً .
السُّورِ أَوْلِياءُ اللَّهِ ، فَكانوا في أَمْنِ اللَّهِ وَحِرْزِهِ ، لَهُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ ، وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ، وَأَعْداءُ اللهِ قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ ، وَقَطَعَهُمُ الْفَرَقُ ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلى ما أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ فَيَقولونَ: ( مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم مِنَ الْأَشْرَارِ )(1)، فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ أَوْلِياءُ اللَّهِ فَيَضْحَكُونَ مِنْهُمْ ، فَذلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ ) (2)، وَقَوْلُهُ: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ )(3)، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ أَعانَ مُؤْمِناً مِنْ أَوْلِيَائِنَا بِكَلِمَةٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِساب»(4).
وفى هذه الوصيّة دعوة إلى الفلاح والنجاح ، ودعوة لكلّ ما يسمو به الإنسان من المثل العليا، والتطوّر القائم على سمو الروح ، وتهذيب النفس . إنّ هذه الوصيّة نفحة من نفحات الإمامة التي أضاءت سماء الدنيا بما بثّته من المثل الكريمة الهادفة إلى إقامة مجتمع فاضل تسوده المحبّة والكرامة ، ونعمة المودّة والتعاون .
لقد حفلت هذه الوصيّة بجميع مقوّمات الارتقاء والنهوض ، ومن بين ما حفلت به ما يلي :
1 - التحذير من حبائل الشيطان الرجيم الذي نصب شبائكه لإغواء المؤمنين، وصدّهم عن السبيل القويم .
2 - دعوة الإنسان في أن يعرض في كلّ يوم على شاشة فكره أعماله التي اكتسبها ، فإن رأى حسنة استزاد منها ، وإن رأى سيّئة استغفر منها ، وفي ذلك دعوة
شاملة إلى الخير بجميع رحابه ومفاهيمه.
3 - التحريض على الخوف من الله تعالى ، وذلك بالابتعاد عمّا حرّمه والإتيان بما أمر به ، فإنّه سبيل النجاة ، والخلاص من عذابه وعقابه .
4 - ذمّ الجهل الذي هو السبب في هلاك الأمم والشعوب ، وأنّ دعاته وحزبه بعيدون كلّ البعد عن القيم الإنسانيّة ، التي أقامها الإسلام .
5 - دعوة الشيعة إلى الاستقامة في سلوكهم ، وتطبيق تعاليم أئمّة أهل البيت علیهم السلام على واقع حياتهم ، ولو فعلوا ذلك لكانوا أقرب الخلق إلى الله تعالى .
6 - إنّ سبل النجاة في الآخرة هو عدم الاتّكال على العمل الصالح وحده ، بل لا بدّ من ضمّ الرجاء لرحمة الله إليه ، فإنّه سبيل النجاة .
7 - الحثّ على البرّ بالإخوان وصلتهم ، فإنّه ممّا يوجب تماسك المجتمع ووحدته ، وتضامن أفراده، الأمر الذي يدعو إليه الإسلام .
8- النهي عن الرذائل ، كالغشّ والإساءة إلى الغير والحسد ، وغير ذلك من الصفات الذميمة التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق ما له من قرار .
9 - حثّ الشيعة على التحلّي بمكارم الأخلاق ، ومحاسن الصفات ، كالورع والاجتهاد في مرضاة الله ، ومواساة الإخوان، وغير ذلك من معالى الأمور.
10 - الحبّ في الله ، والتمسّك بالعروة الوثقى ، والاعتصام بالهدى ، والزهد في الدنيا ، فإنّ حبّها رأس كلّ خطيئة .
11 - النهي عن إطاعة الهوى الذي هو أساس كلّ ذنب وإثم ، ولزوم الثقة بالله والاعتماد عليه ، فإنّ بيده جميع مجريات الأحداث، ويكفي من اعتمد عليه واتّصل به جميع شؤونه في الدنيا والآخرة .
12 - ورسمت هذه الوصيّة آداب السلوك ، وما تزدهر به الشخصيّة من محاسن
الأعمال، وكريم الصفات، فقد أمرت بالصبر عند كلّ كارثة وبلية ، ونهت عن التكبّر والتجبّر والعجب ، وغير ذلك من مساوئ الصفات .
هذه بعض بنود هذه الوصيّة المشرقة الحافلة بمنهج كامل متميّز للحياة الإسلاميّة الكريمة .
ومن وصايا الإمام علیه السلام القيّمة وصيّة لعمّار بن مروان ، وهذا نصّها :
«أَوْصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ ، وَأَداءِ الأَمانَةِ ، وَصِدْقِ الْحَديثِ ، وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ لِمَنْ صَحِبْتَ ، وَلَا قُوَّةَ إلا بالله»(1).
وهذه الوصيّة على إيجازها قد حفلت بمعالي الأمور التي يوصي بها سليل النبوّة ومعدن الكرامة والحكمة .
ومن وصاياه علیه السلام الرفيعة هذه الوصيّة ، وقد أوصى بها عمّار بن موسى :
«يا عَمّارُ ، إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تَسْتَتِبَّ لَكَ النِّعْمَةُ ، وَتَكْمُلَ لَكَ الْمُروءَةُ ، وَتَصْلُحَ لَكَ الْمَعيشَةُ فَلَا تُشارِكِ الْعَبيدَ وَالسَّفَلَةَ فِي أَمْرِكَ ، فَإِنَّكَ إِنِ انْتَمَنْتَهُمْ خانوكَ ، وَإِنْ حَدَّثوكَ كَذَّبوكَ ، وَإِنْ نُكِبْتَ خَذَلوكَ ، وَإِنْ وَعَدوكَ أَخْلَفوك»(2).
وحفلت هذه الوصيّة بالتحذير عن معاملة العبيد والسفلة ، والاشتراك معهم بأي أمر من الأمور ، وذلك لانعدام الثقة منهم ، وعدم تحاشيهم من الغدر والكذب .
ووفد عمر بن سعيد بن هلال الثقفي على الإمام الصادق علیه السلام ، فقال له : إنّي لا ألقاك إلّا في السنين ، فأخبرني بشيء آخذ به . فقال علیه السلام له :
«أَوْصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَالْوَرَعِ وَالْإِجْتِهَادِ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ اجْتِهَادٌ لَا وَرَعَ فِيهِ»(1).
لقد أوصاه علیه السلام بما يقرّبه إلى الله زلفى ، فقد أوصاه بتقوى الله ، والورع عن محارمه ، والاجتهاد في طاعته ، وهذه الأمور من موجبات المغفرة والفوز بالجنّة .
وتشرّف عنبسة العابد بمقابلة الإمام الصادق علیه السلام ، وطلب منه أن يوصيه بما ينفعه ، فقال علیه السلام له :
« أَعِدَّ جَهازَكَ ، وَقَدَّمْ زادَكَ لِطُولِ سَفَرِكَ ، وَكُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ ، وَلَا تَأْمَنْ غَيْرَكَ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْكَ بِما يُصْلِحُكَ»(2).
لقد أوصاه الإمام علیه السلام بما ينفعه في أمر آخرته ، فقد أوصاه بالأعمال الصالحة التي هي ذخيرة المؤمن يوم يلقى الله تعالى .
ومن وصاياه علیه السلام القيّمة هذه الوصيّة التي أتحف بها عنوان البصري ، وكان قد قدم ليثرب لطلب العلم ، فاتصل بمالك بن أنس ، ثمّ اتّصل بالإمام علیه السلام فقال له الإمام : «إِذا أَرَدْتَ الْعِلْمَ فاطلب أولاً فى نَفْسِكَ حَقيقَةَ الْعُبودِيَّةِ ».
وبهر البصري من كلام الإمام وراح يقول : ما حقيقة العبوديّة ؟
فأرشده الإمام علیه السلام إلى حقيقتها قائلاً:
« ثَلَاثَةُ أَشْياء : أَنْ لَا يَرَى الْعَبْدَ لِنَفْسِهِ فيما خَوَّلَهُ اللهُ مِلْكاً ، لأَنَّ الْعَبِيدَ لَا يَكونُ لَهُمْ مِلْكَ ، بَلْ يَرَوْنَ الْمَالَ مالَ اللَّهِ يَضَعُونَهُ حَيْثُ أَمَرَهُمُ اللهُ ، وَلَا يُدَبِّرُ الْعَبْدَ لِنَفْسِهِ تَدْبيراً ، وَجُمْلَهُ اشْتِغالِهِ هي فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ ، وَإِذا لَمْ يَرَ الْعَبْدُ فيما خَوَّلَهُ اللهُ مِلْكاً هانَ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ فيما أَمَرَهُ اللهُ ، وَإِذا فَرَضَ تَدْبِيرَ نَفْسِهِ إِلى مُدَبِّرهِ هَانَتْ عَلَيْهِ مَصائِبُ الدُّنْيا ، وَإِذا اشْتَغَلَ بِما أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ ، لَا يَتَفَرَّغُ إِلَى الْمِرَاءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ ، فَإِذَا أَكْرَمَ اللهُ الْعَبْدَ بهذِهِ الثَّلَاثَ هانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا ، فَلَا يَطْلُبُها تَفاخُراً وَتَكاثُراً ، وَلَا يَطْلُبُ ما عِنْدَ النَّاسِ عِزّاً وَعُلُوّاً ، وَلَا يَدَعُ أَيَّامَهُ باطِلَةٌ ، فَهَذا أَوَّلُ دَرَجَةِ الْمُتَّقِينَ .
قالَ اللهُ تَعَالَى: ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(1)»(2).
وبعدما أرشده الإمام علیه السلام إلى حقيقة العبوديّة ، طلب منه أن يزوّده بوصيّته .
فقال علیه السلام له : « أَوْصِيكَ بِتِسْعَةِ أَشْيَاءٍ فَإِنَّها وَصِيَّتِي لِمُريدي الطَّرِيقِ إِلَى اللَّهِ ، وَاللَّهُ أَسْأَلُ أَنْ يُوَفِّقَكَ لاسْتِعْمالها : ثَلاثَةٌ مِنْها في رياضَةِ النَّفْسِ ، وَثَلاثَةٌ مِنْهَا فِي الْحِلْمِ، وَثَلاثَةٌ مِنْها فِي الْعِلْمِ ، فَاحْفَظْهَا وَإِيَّاكَ وَالنَّهَاونَ بِها .
أَمّا اللواتي فى الرِّياضَةِ ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ ما لَا تَشْتَهِيهِ ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْحُمْقَ وَالْبَلَهَ، وَلَا تَأْكُلْ إِلَّا عِنْدَ الْجَوعِ ، فَإِذا أَكَلْتَ فَكُلْ حَلالاً ، وَسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى ، وَاذْكُرْ حَدِيثَ
النَّبيّ صلى الله عليه وسلم : ما مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً أَشَدَّ شَرّاً مِنْ بَطْنِهِ ، فَإِنْ كانَ وَلَا بُدَّ فَتْلَتْ لِطَعامِهِ وَثُلُتْ النَّبِيِّ لِشَرابِهِ ، وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ .
وَأَما اللواتي في الْحِلْمِ فَمَنْ قالَ لَكَ إِنْ قُلْتَ واحِدَةً سَمِعْتُ عَشْراً ، فَقُلْ لَهُ : إِنْ قُلْتُ عَشْراً لَمْ تَسْمَعْ وَاحِدَةً ، وَمَنْ شَتَمَكَ فَقُلْ لَهُ : إِنْ كُنْتَ صادِقاً فيما تَقولُهُ: فَأَسْأَلُ الله أَنْ يَغْفِرَ لِي ، وَإِنْ كُنْتَ كاذباً فَأَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لَكَ ، وَمَنْ وَعَدَكَ بِالْخِيانَةِ فَعِدْهُ بِالنَّصيحَةِ وَالْوَفاءِ.
وَأَما اللواتي في الْعِلْمِ فَأَسْأَلِ الْعُلَماءَ ما جَهِلْتَ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ تَعَنُّتَا وَتَجْرِبَةٌ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَعْدِلَ بِذلِكَ شَيْئاً ، وَخُذْ بِالْإِحْتياط في جَميع أُمورِكَ ما تَجِدَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وَاهْرَبْ مِنَ الْفُتْيا فِرارَكَ مِنَ الْأَسَدِ ، وَلَا تَجْعَلْ رَقَبَتَكَ لِلنَّاسِ جِسْراً»(1).
وهذه الوصيّة من ذخائر التراث الإسلامي ، فقد حفلت بأهمّ الوصايا والنصائح في دنيا الطب والأخلاق والتربية ، والتي كان منها ما يلي :
أولاً : إنّ الإمام علیه السلام نظر بعمق وشمول إلى أهمّ العناصر الحسّاسة في بناء الصحّة العامّة ، فرأى أنّه الغذاء الذي هو من أهمّ المقوّمات لجسم الإنسان ، فأوصى بتنظيمه ، وكان من بين ما أوصى به :
1 - المنع من أكل ما لا تشتهيه النفس ، ولا تميل إليه ، وأنّه ينبغي أن يكون برغبة إليه .
2 - إنّ تناول الطعام ينبغي أن يكون عند الحاجة الماسّة إليه .
3- عدم الإسراف في الأكل ، ولا يملأ الإنسان بطنه من الطعام .
ومن المؤكّد انّ هذه الأمور الثلاثة تضمن للإنسان صحّته ، ولا يحتاج إلى عيادة
1) وسائل الشيعة : 1 : 18 .
الأطباء ومراجعة المستشفيات، فإنّ الأغلبية الساحقة من الأمراض الخطيرة ، كضغط الدم والسكر والسمنة وبعض أمراض القلب ، كلّها ناجمة من الإسراف في الأكل وعدم تنظيمه .
ثانياً : إنّ الإمام علیه السلام أوصى بالحلم ، وهو من أهمّ الركائز في دنيا الفضائل والأخلاق ، فمن اتّصف به فقد ظفر بجميع الصفات الخيّرة ، والنزعات الكريمة ، ومن المؤكّد أنّه يضمن للإنسان حياة كريمة بعيدة عن المشاكل والمصاعب .
ثالثاً : إنّه وضع منهجاً رفيعاً للتعليم ، فقد ألزم الطالب بالسؤال عمّا جهله لتنمية أفكاره ، كما ألزمه بأن يكون سؤاله طلباً للمعرفة، وإزاحة للجهل ، وليس له أن يسأل تعنّتاً وحبّاً للظهور ، الأمر الذي يتنافى مع واقع العلم .
ومن وصاياه علیه السلام المحمّد بن العلاء وإسحاق بن عمّار ، أنّه أوصاهما بخصلتين : بصدق الحديث ، وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر ، فإنّهما مفتاح الرزق(1).
لقد أوصى الإمام علیه السلام هذين العلمين من شيعته بكلّ ما يتميّز به الإنسان المسلم من الصفات الكريمة، والخصال الشريفة ، أوصاهما بالصدق ، وأداء الأمانة ، وهما مصدران لكلّ فضيلة وكمال .
ومن وصاياه علیه السلام العظيمة هذه الوصيّة ، وقد أتحف بها تلميذه العالم معاوية بن عمّار ، فقد قال له :
« وَطِّنْ نَفْسَكَ عَلَى حُسْنِ الصُّحْبَةِ لِمَنْ صَحِبْتَ ، وَحَسِّنْ خُلُقَكَ ، وَكُفَّ لِسانَكَ ،
1) الاثني عشريّة في المواعظ العدديّة : 32 .
وَاكْظِمْ غَيْظَكَ ، وَأَقِلْ لَغْوَكَ ، وَتَغْرِسُ عَفْوَكَ ، وَتَسْخو نَفْسُكَ»(1).
وحفلت هذه الوصيّة بكلّ ما يشرف به الإنسان من المثل العليا ، والصفات الكريمة التي يسمو بها هذا الكائن الحيّ من بني الإنسان .
1 - من وصايا الإمام علیه السلام هذه الوصيّة ، وقد أوصى بها مولاه المعلّى بن خنيس ، وقد ألزمه بالتقيّة . قال علیه السلام:
«يا مُعَلَى اكْتُمْ أَمْرَنَا وَلَا تُذِعْهُ ، فَإِنَّهُ مَنْ كَتَمَ أَمْرَنَا وَلَمْ يُذِعْهُ أَعَزَّهُ اللهُ في الدُّنْيا وَجَعَلَ لَهُ نوراً بَيْنَ عَيْنَيْهِ فِي الْآخِرَةِ يَقودُهُ إِلَى الْجَنَّةِ .
يا مُعَلَّى ، مَنْ أَذاعَ حَدِيثَنا وَأَمْرَنَا وَلَمْ يَكْتُمْهُما أَذَلَّهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا ، وَنَزَعَ النَّورَ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَجَعَلَ لَهُ ظُلْمَةٌ تَقودُهُ إِلَى النَّارِ .
يا مُعَلَّى ، إِنَّ التَّقِيَّةَ ديني ، ودين آبائي ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ .
يا مُعَلَّى ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُعْبَدَ في السِّرِّكَما يُحِبُّ أَنْ يُعْبَدَ فِي الْعَلانِيَةِ .
يا مُعَلَى ، إِنَّ الْمُذيع لأمْرِنَا كَالْجاحِدِ بِهِ »(2).
إنّ الضغط الهائل الذي عانته الشيعة من الحكومات القائمة في تلك العصور ، هو الذي دعا الإمام علیه السلام أن يلزم شيعته بالتقيّة وكتمان أمرهم ، خوفاً عليهم .
2 - وأوصى الإمام علیه السلام المعلّى بن خنيس بوصيّة ثانية ، وهذا نصّها :
«يا مُعَلَّى ، تَحَبَّبْ إِلى إِخْوانِكَ بِصِلَتِهِمْ ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الْعَطَاءَ مَحَبَّةٌ ، وَالْمَنْعَ
مَبْغَضَةٌ ، فَأَنتُمْ وَاللَّهِ إِنْ تَسْأَلُونِي وَأُعْطِيكُمْ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ لَا تَسْأَلُونِي فَلَا أُعْطِيكُمْ فَتَبْغَضونى»(1).
لقد أوصاه الإمام علیه السلام بالبرّ والإحسان إلى إخوانه ، لأنّه ممّا يوجب شيوع المودّة والمحبّة بينهم ، كما أنّه من أهمّ الأسباب لتماسكهم وترابطهم .
وأوصى الإمام الصادق علیه السلام تلميذه المفضّل بن زيد بهذه الوصيّة .
قال علیه السلام : « أَنْهَاكَ عَنْ خِصْلَتَيْنِ فِيهِما هَلَكَ الرَّجالُ : أَنْ تَدينَ لِلَّهِ بِالْبَاطِلِ ، وَتَفْتِي لا النَّاسَ بِما لَا تَعْلَمُ»(2).
ومن أثمن الوصايا الوصيّة باجتناب هاتين الخصلتين التي بهما هلاك الإنسان في آخرته ، وفساد دينه .. ومثل هذه الوصيّة أوصى بها عبدالرحمن بن الحجّاج(3).
1 - أوصى الإمام علیه السلام تلميذه الفقيه العالم الجليل المفضّل بن عمر الجعفي بهذه الوصيّة القيّمة .
قال علیه السلام : « أوصيكَ بِسِتٌ خِصالٍ تُبَلِّغُهُنَّ شيعتي .
فقال له المفضّل : وما هنّ ؟
قال علیه السلام : أَداءُ الأَمانَةِ إِلى مَنِ انْتَمَنَكَ ، وَأَنْ تَرْضَىٰ لَأَخِيكَ مَا تَرْضَىٰ لِنَفْسِكَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلأمورٍ أَواخراً فَاحْذَرِ الْعَواقِبَ ، وَأَنَّ لِلأُمورِ بَغْتَاتٍ ، فَكُنْ عَلى حَذَرٍ ، وَإِيَّاكَ وَمُرْتَقى جَهْلِ سَهْلِ ، إِذا كانَ الْمُنْحَدَرُ وَعْراً ، وَلَا تَعِدَنْ أَحَاكَ وَعْداً لَيْسَ فِي يَدِك وَفاؤُهُ»(1).
وحفلت هذه الوصيّة بجميع القيم الإنسانيّة ومعاني الشرف والكرامة ، فقد أوصى بأداء الأمانة ، وأن يرضى لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه من الخير ، وأن يلاحظ بدقّة عواقب الأمور ، فلا يقدم على عمل شيء حتّى يعرف عواقبه ، كما أوصاه بأن لا يرتقي الإنسان جبلاً إذا كان المنحدر منه وعراً ، فإنّه يسبّب الهلاك له ، وختم وصيّته بالوفاء بالوعد ، وأنّه لا ينبغي للإنسان الشريف أن يعد شخصاً بما لا يتمكّن من وفائه ، فإنّ ذلك يوجب سقوطه وانهيار شخصيّته .
1 - أوصى الإمام علیه السلام المفضّل بن عمر بهذه الوصيّة القيّمة ، وعهد إليه أن يوضي بها شيعته :
«يا مُفَضَّلُ ، إِيَّاكَ وَالذُّنوبَ ، وَحَذَّرْها شيعَتَنا ، فَوَاللَّهِ مَا هِيَ إِلَى أَحَدٍ أَسْرَعُ مِنْهَا إلَيْكُمْ ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَتُصِيبَهُ الْمَعَرَّةُ(2)مِنَ السُّلْطَانِ ، وَما ذلِكَ إِلَّا بِذنوبِهِ ، وَأَنَّهُ لَيُصِيبَهُ السُّقَمُ ، وَما ذلِكَ إِلَّا بِذُنوبِهِ ، وَأَنَّهُ لَيُحْبَسُ عَنْهُ الرَّزْقَ ، وَمَا هُوَ إِلَّا بِذُنوبِهِ ، وَأَنَّهُ لَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَما ذَاكَ إِلَّا بِذنوبِهِ حَتَّى يَقُولَ مَنْ حَضَرَهُ لَقَدْ غُمَّ بِالْمَوْتِ ، فَلَمّا رأَى ما قَدْ دَخَلَني قَالَ : أَتَدْرِي لِمَ ذاكَ ؟
قُلْتَ : لَا .
قالَ : ذاكَ وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَا تُؤاخَذونَ بِها فِي الْآخِرَةِ ، وَعُجِّلَتْ لَكُمْ فِي الدُّنْيا»(1).
وحذّر الإمام علیه السلام في هذه الوصيّة من اقتراف الذنوب ، وعزا ما يصيب الإنسان من صنوف البلاء إلى ارتكاب المعاصي التي يعجّل الله عقوبتها على عبده في دار الدنيا قبل دار الآخرة .
وطلب المنصور الدوانيقي ، وهو من ألدّ أعداء الإمام علیه السلام، ومن أخبثهم أن يزوّده بحديث ينتفع به ، ويكون له زاجراً عن الموبقات .
فقال علیه السلام :« عَلَيْكَ بِالْحِلْمِ فَإِنَّهُ رُكْنُ الْعِلْمِ ، وَامْلِكُ نَفْسَكَ عِنْدَ أَسْبَابِ الْقُدْرَةِ ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْعَلْ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ كُنْتَ كَمَنْ شَفِيَ غَيْظاً ، وَتَداوى حِقْداً ، وَيُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ بِالصَّوْلَةِ .
وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ عاقَبْتَ مُسْتَحِقَا لَمْ تَكُنْ غايَةُ ما توصَفْ بِهِ إِلَّا الْعَدْلَ ، وَالْحالَ الَّتي توجِبُ الشُّكْرَ أَفْضَلُ مِنَ الْحالِ الَّتي توجِبُ الصَّبْرَ» (2).
لقد أوصاه بالإحسان إلى الرعيّة ، وعدم الاستجابة لدواعي الانتقام التي أُترعت بها نفس هذا الإنسان الفاقد لجميع صفات النبل والكرامة .. ولما سمع هذه الوصيّة طفق يقول : « وعظت فأحسنت ، وقلت فأوجزت » .
ومؤمن الطاق فذّ من أصحاب الإمام الصادق علیه السلام ، و علم من أعلام الفكر والفضل فى العصر العبّاسي ، وكان متكلّماً متمرّساً في البحوث الكلاميّة، خصوصاً فيما
يتعلّق بالإمامة ، ولم يتمكّن أحد من مجاراته ومناظرته فيها ، وقد أوصاه الإمام علیه السلام بالوصيّة التالية بالالتزام بالتقيّة، وعدم إذاعة وإشاعة أفكار أهل البيت علیهم السلام خوفاً علیه من السلطة العبّاسيّة ، التي تنكّرت كأشدّ ما يكون التنكّر لأهل البيت علیهم السلام وشيعتهم ، وفيما يلي نصّ الوصيّة .
قال أبو جعفر مؤمن الطاق : « قال لي الإمام الصادق علیه السلام :
إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ عَيَّرَ أَقْواماً فِي الْقُرْآنِ بِالْإِدَاعَةِ .
فقلت له : جعلت فداك ، أين قال ؟
قال : قَوْلُهُ: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ )(1).
ثمّ قال : الْمُذِيعُ عَلْيْنا سِرَّنَا كَالشَّاهِرِ بِسَيْفِهِ عَلَيْنَا ، رَحِمَ اللهُ عَبْداً سَمِعَ بِمَكْنونِ عِلْمِنا فَدَفَنَهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ بِشِرارِكُمْ مِنَ الْبَيْطارِ بِالدَّوابِّ ، شِرارُكُمُ الَّذِينَ لَا يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ إِلَّا هُجْراً ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا دُبْراً ، وَلَا يَحْفَظُونَ أَلْسِنَتَهُمْ .
اِعْلَمْ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلَى علیهما السلام لَمَا طَعِنَ ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، سَلَّمَ الْأَمْرَ لِمُعاوِيَةَ ، فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ الشَّيْعَةُ: عَلَيْكَ السّلام يا مُذِلُّ الْمَؤْمِنِينَ.
فقال علیه السلام : ما أَنا بمُذِلُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلكِنِّي مُعِ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنِّي لَمّا رَأَيْتُكُمْ لَيْسَ بِكُمْ عَلَيْهِمْ قُوَّةً سَلَّمْتُ الأمْرَ لأبقى أنا وَأَنْتُمْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، كَما عَابَ الْعالِمُ السَّفِينَةَ لِتَبْقى لأَصْحابها ، وَكَذلِكَ نَفْسِي وَأَنْتُمْ لَنَبْقَى بَيْنَهُمْ .
يا بْنَ النُّعْمَانِ ، إِنِّي لأحَدِّثُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ بِحَدِيثٍ ، فَيَتَحَدَّثُ بِهِ عَنِّي فَأَسْتَجِل بِذلِكَ لَعْنَتَهُ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُ ، فَإِنَّ أَبي كَانَ يَقولُ : وَأَيُّ شَيْءٍ أَفَرُّ لِلْعَيْنِ مِنَ التَّقِيَّةِ ، إِنَّ التَّقِيَّةَ جُنَّةُ الْمُؤْمِن ، وَلَوْلَا التَّقِيَّةُ ما عُبدَ اللهُ، وَقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ
1) النساء 4: 83 .
الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً )(1).
يابْنَ النُّعْمَانِ ، إِيَّاكَ وَالْمِراءَ فَإِنَّهُ يُحْبِطُ عَمَلَكَ . وَإِيَّاكَ وَالْجِدَالَ ، فَإِنَّهُ يُوْبِقُكَ وَإِيَّاكَ وَكَثرَةَ الْخُصوماتِ فَإِنَّها تُبَعدُكَ مِنَ اللهِ .
ثمّ قال : إِنَّ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ كانوا يَتَعَلَّمُونَ الصَّمْتَ ، وَأَنْتُم تَتَعَلَّمُونَ الكَلامَ ، كانَ أَحَدُهُمْ إِذا أَرادَ التَّعَبُدَ يَتَعَلَّمُ الصَّمْتَ قَبْلَ ذلِكَ بِعَشْرِ سِنِينَ ، فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهِ تَعَبَّدَ وَإِلّا قَالَ : ما أنا لِما أَرومُ بِأَهْلِ ، إِنَّما يَنْجو مَنْ أَطالَ الصَّمْتَ عَنِ الْفَحْشاءِ ، وَصَبَرَ فِي دَوْلَةِ الْباطِلِ عَلَى الأذى ، أولَئِكَ النجباءُ الأَصْفياءُ الأَوْلياءُ حَقّاً، وَهُمُ الْمُؤْمِنونَ . إِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ الْمُتَرَنِّسونَ الْمَشَاوُونَ بِالنَّمَائِمِ ، الْحَسَدَةُ لإِخْوانِهِمْ ، ، لَيْسوا مِنّي وَلَا أَنَا مِنْهُمْ ، إِنَّما أَوْلِيائي الَّذِينَ سَلَّموا لأَمْرِنا ، وَاتَّبَعُوا آثَارَنَا ، وَاقْتَدوا بنا في كُلِّ أُمورِنا .
ثمّ قال : وَاللَّهِ لَوْ قَدَّمَ أَحَدُكُمْ مِلءَ الْأَرْضِ ذَهَباً عَلَى اللهِ ثُمَّ حَسَدَ مُؤْمِناً لكانَ ذلِك الذهَبُ مِمّا يُكْوى به فى النَّارِ.
يابْنَ النُّعْمَانِ ، إِنَّ الْمُذيعَ لَيْسَ كَقَاتِلِنا بِسَيْفِهِ ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ وِزْراً ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ وِزْراً ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ وِزْراً .
يابْنَ النُّعْمَانِ ، إِنَّهُ مَنْ رَوى عَلَيْنا حَديثاً فَهُوَ مِمَّنْ فَتَلَنا عَمْداً وَلَمْ يَقْتُلْنا خَطَاً .
يا بْنَ النُّعْمَانِ ، إِذا كانَتْ دَوْلَةُ الظُّلْمِ فَامْشِ وَاسْتَقْبِلْ مَنْ تَتَّقِيهِ بِالتَّحِيَّةِ ، فَإِنَّ الْمُتَعَرِّضَ لِلدَّوْلَةِ قاتِلُ نَفْسِهِ وَمُوبِقُها ، إِنَّ اللهَ يَقولُ : ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )(2).
يابْنَ النُّعْمَانِ ، إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا يَزالُ الشَّيْطانُ يُدْخِلُ فِينَا مَنْ لَيْسَ مِنَا وَلَا مِنْ أَهْلِ ديننا ، فإِذا رَفَعَهُ وَنَظَرَ إِلَيْهِ الناسُ أَمَرَهُ الشَّيْطَانُ فَيُكَذَّبَ عَلَيْنا ، وَكُلَّما ذَهَبَ واحِدٌ جاءَ آخَرُ .
يا بْنَ النُّعْمَانِ ، مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَقالَ : لَا أَدْرِي فَقَدْ ناصَفَ الْعِلْمَ ، وَالْمُؤْمِنُ يَحْقِدُ ما دامَ في مَجْلِسِهِ ، فَإِذا قامَ ذَهَبَ عَنْهُ الْحِقْدَ .
يابْنَ النُّعْمَانِ ، إِنَّ الْعَالِمَ لا يَقْدِرُ أَنْ يُخْبِرَكَ بِكُلِّ ما يَعْلَمُ(1)لأنَّهُ سِرُّ اللَّهِ الَّذي أَسَرَّهُ
إِلى جَبْرَئِيلَ علیه السلام ، وَأَسَرَّهُ جَبْرَئِيلُ علیه السلام إِلى مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله وسلم ، وَأَسَرَّهُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم إِلَى عَلَيَّ علیه السلام ، وَأَسَرَّهُ عَلِيٌّ إِلَى الْحَسَنِ علیه السلام ، وَأَسَرَّهُ الْحَسَنُ علیه السلام إِلَى الْحُسَيْنِ علیه السلام، وَأَسَرَّهُ الْحُسَيْنُ علیه السلام إِلى عَلِيٌّ علیه السلام ، وَأَسَرَّهُ عَلَيَّ علیه السلام إِلى مُحَمَّدٍ علیه السلام ، وَأَسَرَّهُ مُحَمَّدٍ إِلى مَنْ أَسَرَّهُ(2)، فَلا تَعْجَلُوا فَوَاللَّهِ لَقَدْ قَرُبَ هَذَا الْأَمْرُ ثَلاثَ مَرَاتٍ ، فَأَذْعْتُمُوهُ فَأَخَّرَهُ اللهُ ، وَاللهِ ما لَكُمْ سِرّ إِلَّا وَعَدُوُّكُمْ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكُمْ .
يابْنَ النُّعْمانِ ، ابْنِ عَلى نَفْسِكَ فَقَدْ عَصَيْتَنِي ، لَا تُذِعْ سِرِّي ، فَإِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ كَذَبَ عَلَى أَبي وَأَذاعَ سِرَّهُ ، فَأَذاقَهُ اللهُ حَرَّ الْحَديدِ ، وَإِنَّ أَبَا الْخَطَابِ كَذَبَ عَلَيَّ وَأَذاعَ سِرَى ، فَأَذاقَهُ اللهُ حَرَّ الْحَدِيدِ ، وَمَنْ كَتَمَ أَمْرَنَنا زَيَّنَهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَأَعْطَاهُ حَظَهُ ، وَوَقاهُ حَرَّ الْحَديدِ ، وَضِيقَ الْمَحابِسِ .
إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَحَطُوا حَتَّى هَلَكَتِ الْمَواشِي وَالنَّسْلُ ، فَدَعَا اللهُ مُوسَى بْنُ عِمْرانَ علیه السلام ، فَقالَ : يا مُوسَى إِنَّهُمْ أَظْهَرُوا الزّنا والرّبا ، وَعَمَروا الكنائِسَ ، وَأَضاعوا
الزَّكَاةَ ، فَقالَ : إِلهِي تَحَذَّنْ بِرَحْمَتِكَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : أَنِّي مُرْسِلٌ قَطَّرَ السَّمَاءِ وَمُخْتَبِرُهُمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْماً ، فَأَذاعوا ذلِكَ وَأَفْشَوْهُ ، فَحُبِسَ عَنْهُمُ الْقِطْرُ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ ، وَأَنْتُمْ قَدْ قَرُبَ أَمْرُكُمْ فَأَذَعْتُموهُ في مَجالِسِكُمْ .
يا أَبا جَعْفَرٍ ، ما لَكُمْ وَلِلنَّاسِ ، كُفّوا عَنِ النَّاسِ ، وَلَا تَدْعُو أَحَداً إِلَى هَذَا الْأَمْرِ(1)فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اجْتَمَعُوا عَلى أَنْ يُضِلُّوا عَبْداً يُريدُ اللهُ هُداهُ ما اسْتَطَاعوا أَنْ يُضِلُّوهُ .
كُفُّوا عَنِ النَّاسِ ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ : أَخي وَعَمّي وَجَارِي ، فَإِنَّ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ إِذا أَرَادَ بِعَبْدِ خَيْراً طَيِّبَ رُوحَهُ فَلا يَسْمَعُ مَعْرُوفاً إِلَّا عَرَفَهُ ، وَلَا مُنْكَراً إِلَّا أَنْكَرَهُ ، ثُمَّ قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ كَلِمَةٌ يَجْمَعُ بِها أَمْرَهُ .
يابْنَ النُّعْمَانِ ، إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَصْفو لَكَ وُدُّ أَخيكَ فَلا تُمازِحَنَّهُ وَلا تُمَارِيَنَّهُ ، وَلا تُباهِيَنَّهُ(2)، وَلا تُشارَنَّهُ (3)، وَلا تَطَّلِعْ صَديقَكَ مِنْ سِرِّكَ إِلَّا عَلَى مَا لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ عَدُوكَ لَمْ يَضُرَّكَ ، فَإِنَّ الصَّديقَ قَدْ يَكونُ عَدوّكَ يَوْماً .
يابْنَ النُّعْمَانِ ، لا يَكُونُ الْعَبْدُ مُؤْمِناً حَتَّى يَكونَ فِيهِ ثَلَاثُ سُنَنٍ : سُنَّةٌ مِنَ اللَّهِ ، وَسُنَّةٌ مِنْ رَسولِهِ ، وَسُنَّةٌ مِنَ الْإِمَامِ .
فَأَمَا السُّنَّةُ مِنَ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ فَهُوَ أَنْ يَكونَ كَتوماً لِلْأَسْرارِ ، يَقولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً )(4).
وَأَما التي مِنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ أَنْ يُدارِيَ النَّاسَ وَيُعَامِلَهُمْ بِالْأَخْلاقِ الْحَنِيفِيَّةِ. وَأَمَّا الَّتي مِنَ الْإِمَامِ فالصَّبْرُ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَرَاءِ حَتَّىٰ يَأْتِيَهُ اللَّهُ بِالْفَرَجِ .
يا بْنَ النُّعْمَانِ ، لَيْسَتِ الْبَلاغَةُ بِحِدَّةِ اللّسانِ ، وَلا بِكَثْرَةِ الْهَدْيانِ ، وَلكِنَّهَا إِصابَةُ الْمَعْنى وَقَصْدُ الْحُجَّةِ .
يابْنَ النُّعْمَانِ ، مَنْ فَعَدَ إِلى سابٌ أَوْلِياءِ اللهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظاً فينا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِمْضَائِهِ كَانَ مَعَنا فِي السَّنامِ الأَعْلَى ، وَمَنِ اسْتَفْتَحَ نَهَارَهُ بِإِذاعَةِ سَرْنا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَرَّ الْحَدِيدِ وَضِيقَ الْمَحابِسِ .
يابْنَ النُّعْمَانِ ، لا تَطْلُبِ الْعِلْمَ لِثَلاثٍ : لِتُرائِي بِهِ ، وَلا لِتُبَاهِيَ بِهِ ، وَلا لِتُمَارِيَ ، وَلا تَدَعْهُ لِثَلاثٍ : رَغْبَةٍ فِي الْجَهْلِ ، وَزَهادَةٍ فِي الْعِلْمِ ، وَاسْتِحْياءِ مِنَ النَّاسِ ، وَالْعِلْمُ الْمَصونُ كالسِّراج الْمُطْبقِ عَلَيْهِ.
يا بْنَ النُّعْمانِ ، إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ إِذا أَرادَ بِعَبْدِ خَيْراً نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً بَيْضَاءَ فَجَالَ الْقَلْبُ يَطْلُبُ الْحَقَّ ، ثُمَّ هُو إِلىٰ أَمْرِكُمْ أَسْرَعُ مِنَ الطَّيْرِ إِلَى وَكْرِهِ .
يا بْنَ النُّعْمَانِ ، إِنَّ حُبَّنا - أَهْلَ البَيْتِ - يُنَزِّلُهُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ خَزائِنَ تَحْتَ الْعَرْشِ كَخَزائِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلا يُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ ، وَلا يُعْطِيهِ إِلَّا خَيْرَ الْخَلْقِ ، وَإِنَّ لَهُ غَمَامَةٌ كَغَمَامَةِ الْقَطْرِ ، فَإِذا أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ مَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ ، أَذِنَ لِتِلْكَ الْغَمَامَةِ فَتَهَطَّلَتْ كَما تَهَطَّلَتِ السَّحابُ فَتصيبُ الْجَنين في بطن أمه»(1).
وأعلن الإمام علیه السلام في هذه الرسالة عن منعه المطلق لمؤمن الطاق من أن يذيع مبادئ أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، ويشيع أحكامهم ومعارفهم الهادفة لتحرير إرادة
1) تحف العقول : 307 - 313 .
الإنسان ، وإعلاء كلمة الحقّ ، ونشر العدالة الاجتماعيّة بين الناس ، وكانت مبادؤهم تشكّل خطراً على تلك الحكومات القائمة في عصرهم ، والتي لا تتّفق تعرفتها الإداريّة والسياسيّة مع مبادئ الشريعة الإسلاميّة المقدّسة ، وقد سخّرت تلك الدول جميع أجهزتها ضدّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام وشيعتهم ، فملأت بهم السجون ، وسملت المالي منهم العيون ، ورفعت أعلامهم على المشانق ، وساقت الكثيرين منهم إلى ساحات الإعدام ، وقد خاف الإمام الصادق علیه السلام على مؤمن الطاق من أن تخطفه الأيدي الآئمّة من عملاء تلك الدول، ويخسر المسلمون بذلك علماً من أعلام الفكر وعبقريّاً من عباقرة الإسلام .
1 - أوصى سليل النبوّة الإمام علیه السلام بعض أصحابه بوصيّة قيّمة كان منها ما يلي :
«إِذا رَأَيْتَ السُّلْطَانَ يَحْتَكِرُ الطَّعامَ ، وَرَأَيْتَ أَمْوالَ ذَوِي الْقُرْبى تُقْسَمُ في الزّورِ ، وَيُتَقامَرُ بِها ، وَيُشْرَبُ بِها الْخُمورُ ، وَرَأَيْتَ الْخَمْرَ يُتداوى بها ، وتوصَفُ لِلْمَريض يُسْتَشْفى بها ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ قَدِ اسْتَووا في تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَتَرْكِ التَّدَينِ بِهِ ، وَرَأَيْتَ الْمَنابِرَ يُؤْمَرُ عَلَيْها بِالتَّقْوى وَلَا يَعْمَلُ الْقائِلُ بِما يَأْمُر ، وَرَأَيْتَ الصَّلَاةَ قَدِ اسْتُخِفْ بِأَوْقاتِها ، وَرَأَيْتَ الصَّدَقَةَ بِالشَّفاعَةِ لَا يُرَاد بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، وَتُعْطى لِطَلَبِ النَّاسِ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ هَمُّهُمْ بُطُونُهُمْ وَفُروجُهُمْ ، لَا يُبالونَ بِما أَكَلُوا وَمَا نَكَحوا ، وَرَأَيْتَ الدُّنْيا مُقْبِلَةٌ عَلَيْهِمْ ، وَرَأَيْتَ أَعْلَامَ الْحَقِّ قَدْ دَرَسَتْ ، فَكُنْ عَلَىٰ حَذَرٍ وَاطْلُبْ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ النَّجاةَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ فِي سَخَطِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنَّمَا يُمْهِلُ لَهُمْ لِأَمْرِ يُرادُ بِهِمْ ، فَكُنْ مُتَرَقِّباً ، وَاجْتَهِدْ لِيَراكَ اللهُ في خِلَافِ ما هُمْ عَلَيْهِ ، فَإِنْ نَزَلَ بِهِمْ الْعَذَابَ عَجَلتَ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ ، وَإِنْ أُخْرتَ ابْتُلوا ، وَكُنْتَ قَدْ خَرَجْتَ مِمّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى اللهِ
عَزَّ وَجَلَّ ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُضيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ، وَأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » (1).
وحذّرت هذه الوصيّة من مغبّة انتشار بعض المفاسد الاجتماعيّة التي حرّمها الله تعالى ، وما ينجم منها من صنوف البلاء والعذاب الذي يعمّ العباد ، فإنّ الله تعالى لا يترك العصاة من عباده من دون عقاب ، وإنّما يمهلهم لوقت ثمّ يأخذهم أخذ عزیز مقتدر.
2 - وتشرّف رجل من أصحاب الإمام بمقابلته ، وطلب منه علیه السلام أن يزوّده بوصيّة .
فقال علیه السلام :« لا يَفْقِدُكَ اللهُ حَيْثُ أَمَرَكَ ، وَلَا يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ».
فقال الرجل : زدني .
فقال علیه السلام : « لَا أَجِد »(2).
لا أكاد أعرف وصيّة أبلغ ، ولا أوجز ، ولا أسمى من هذه الوصيّة ، فقد حفلت بالأمر بكلّ ما يقرّب الإنسان إلى ربّه زلفى ، وليس للإنسان أن يتهاون في أداء واجب فرضه الله عليه ، كما أنّه ليس له أن يقترف أي معصية نهاه الله عنها .
3 - وأوصى الإمام علیه السلام بعض أصحابه بهذه الوصيّة القيّمة ، فقال علیه السلام:
«عَلَيْكُمْ بِالْوَرَع فَإِنَّهُ الدِّينُ الَّذِي نُلازِمُهُ ، وَنَدِينُ اللَّهَ تَعَالَى بِهِ ، وَنُرِيدُهُ مِمَّنْ يُوالينا وَلَا تَتَّبِعونَا بِالشَّفَاعَةِ»(3).
إنّ الورع عن محارم الله ، وكفّ النفس عن معاصيه هو من أهمّ وصايا الإمام علیه السلام،
فقد كان دوماً يوصى أصحابه بذلك ليكونوا قدوة في سلوكهم إلى المسلمين.
4- ومن وصاياه علیه السلام الرائعة هذه الوصيّة ، وقد أتحف بها كوكبة من أصحابه ، وقد جاء فيها : « إِيَّاكُمْ وَالْعَظَمَةَ وَالْكِبْرِ ، فَإِنَّ الْكِبْرَ رِداءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَمَنْ نَازَعَ اللَّهَ : « رداءَهُ فَصَمَهُ اللهُ ، وَأَذَلَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ»(1).
إنّ التكبّر والعظمة على خلق الله تعالى ناشئان من خبث النفس وسقوطها ، ومن فكّر وعرف أنّ نهايته إلى قبر مظلم ، وأنّه لا يدفن معه سوى عمله ، فلابدّ أن ينصاع إلى الواقع ، ويتخلّى عن هذه الصفة الذميمة .
وبهذا ينتهي بنا المطاف عن بعض رسائله ووصاياه علیه السلام وهي تمثّل التربية الروحيّة التي تنمّي الفكر ، وتهذّب النفس ، وتغرس فيها النزعات الخيّرة ، وتنزع عنها النزعات الشريرة .
اَلحَمدُلله رَبِّ العَالَمِين وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّد وَعَلَى آلّه الطَّاهِرينَ
1) وسائل الشيعة : 11 : 300.
الاهداء ... 7
تقديم ... 9
مَشرِقُ النُّور
19 - 40
الأسرة الكريمة ... 21
الأب ... 22
الأمّ ... 23
مشرق النور ... 23
تسميته علیه السلام ... 24
ألقابه علیه السلام ... 24
كنيته علیه السلام ... 26
أوصافه وملامحه علیه السلام ... 26
سنة الولادة ... 27
بيته علیه السلام ... 27
نبوغه وذكاؤه علیه السلام ... 28
معرفته علیه السلام بجميع اللغات ... 30
عمله علیه السلام في الجامع النبوي ... 32
مرض اُمّه علیه السلام ... 33
هيبته ووقاره علیه السلام ... 34
فِي ظِلَالُ جَدِهِ وَابَيْهِ علیه السلام
35 - 60
في ظلال جدّه علیه السلام ... 37
دعاؤه علیه السلام لولده ... 40
في ذمّة الخلود ... 43
إلى جنّة المأوى ... 44
تجهيز الإمام علیه السلام ... 45
في مقرّه الأخير ... 46
في ظلال أبيه علیه السلام ... 47
في جامعة أبيه علیه السلام ... 47
محبّة وثناء ... 48
وصاياه علیه السلام للإمام الصادق علیه السلام ... 48
برّ الإمام الصادق بأبيه علیهما السلام ... 49
مع أبيه علیه السلام في الشام ... 50
إغلاق الحوانيت بوجه الإمام علیه السلام ... 54
في ذمّة الخلود ... 55
نصّه علیه السلام على الإمام الصادق علیه السلام ... 55
وصاياه علیه السلام للإمام الصادق علیه السلام ... 56
وصيّته علیه السلام الأخيرة ... 57
إلى جنّة المأوى ... 58
تجهيزه علیه السلام ... 58
في مقرّه الأخير علیه السلام ... 58
تعازي المسلمين للإمام علیه السلام ... 59
عَنَاصِرُهُ النَّفْسِيَّةُ
61 - 82
الإمامة ... 63
1 - ضرورة الإمامة ... 64
2 - الأئمّة علیهم السلام خلفاء الله تعالى ... 64
3 - الأئمّة علیهم السلام شجرة النبوّة ...64
4 - الأئمّة علیهم السلام ولاة الله تعالى ...65
5 - طاعة الأئمّة علیهم السلام ومعرفتهم ... 65
6 - سموّ منزلتهم علیهم السلام ... 67
7 - علم الأئمّة علیهم السلام ... 70
8 - العصمة ... 72
كرمه وجوده علیه السلام ... 73
صدقاته علیه السلام في السرّ ... 75
تكريمه علیه السلام للضيوف ... 76
التواضع ... 76
سموّ أخلاقه علیه السلام ... 77
الصبر ... 78
إقباله علیه السلام على العبادة ... 79
صلاته علیه السلام ... 79
صومه علیه السلام ... 80
حجّه علیه السلام ... 81
إنطَباعَات عَن شَخصِيّتِة علیه السلام
83 - 140
1 - الإمام الباقر علیه السلام ... 85
2 - زيد بن عليّ علیه السلام ... 86
3 - يحيى بن زيد ... 87
4 - مالك بن أنس ... 87
5 - أبو حنيفة ... 88
6 - ابن أبي ليلى ... 90
7 - عمرو بن ثابت ... 91
8 - الدوانيقي ... 91
9 - ابن أبي العوجاء ... 92
10 - عبد الله بن المبارك ... 93
11 - السيّد الحميري ... 94
12 - العوني ... 97
13 - صالح الجعفري ... 98
14 - الحسن بن محمّد ... 98
15 - الإربلي ... 99
16 - مؤيّد الدين ... 100
17 - أبو حاتم الرازي ... 100
18 - ابن حِبّان ... 101
19 - الجاحظ ... 101
20 - محمّد بن طلحة طلحة ... 102
21 - الهيثمي ... 103
22 - الشهرستاني ... 103
23 - ابن الصبّاغ ... 104
24 - أبو نعيم ... 105
25 - محمّد بن حمزة ... 105
26 - اليافعي ... 105
27 - محمود الخالدي ... 106
28 - السيّد الهندي ... 107
29 - أحمد أمين ... 107
30 - بطرس البستاني ... 108
31 - محمّد فريد وجدي ... 108
32 - أحمد عطيّة الله ... 109
33 - الزركلي ... 109
34 - السيّد عبّاس المكّي ... 110
35 - عمر رضا كحّالة ... 110
36 - مصطفى غالب ... 111
37 - عارف تامر ... 112
38 - محمود بن وهيب ... 113
39 - الشبراوى ... 114
40 - الذهبي ... 114
41 - ابن أبي حاتم ... 114
42 - الخزرجي ... 115
43 - أحمد محمود صبحي ... 115
44 - السويدي ... 117
45 - القرماني ... 117
46 - ابن خلكان خلّكان ... 118
47 - الإربلي ... 118
48 - سيّد الأهل ... 119
49 - الشيخ أبو زهرة ... 119
50 - محمّد الخفاجي ... 120
51 - محمّدجواد فضل الله ... 122
52 - السلمي ... 123
53 - أسد حيدر ... 123
54 - الشيخ المفيد ... 124
55 - عمر بن شاهين ... 125
56 - فاروق عمر ... 125
57 - ابن واضح ... 126
58 - الصاحب بن عبّاد ... 126
59 - آدم هودجسون ... 127
60 - الديصاني ... 127
61 - رمضان لاوند ... 127
62 - حسن الأمين ... 128
63 - عبدالرحمن الحنفي ... 129
64 - محمّد الخضرى ... 129
65 - الزرقاني ... 129
66 - محمّد صادق ... 130
67 - ابن الجوزي ... 130
68 - الرفاعي ... 131
69 - جمال الدين ... 131
70 - عليّ القاري ... 131
71 - مصطفى الشكعة ... 132
72 - عبدالله اليماني ... 132
73 - الساجي ... 133
74 - أبو الفداء ... 133
النقاط المهمّة ... 133
حاقدون ... 136
1 - ابن سعد ... 136
2 - ابن عيّاش ... 136
3- يحيى بن سعيد القطّان ... 137
4 - البخاري ... 138
5 - عمران بن حطّان ... 139
6 - أبو العبّاس الأعمى ... 139
7 - جرير بن عثمان ... 140
8 - إسحاق بن سويد ... 140
9 - عبدالله بن سالم ... 140
اِحتِجَاجَاتُهُ وَ مُنَاظِرَاتُهُ علیه السلام
141 - 214
إبطاله علیه السلام لشبه الزنادقة ... 144
الجعد بن درهم ... 144
عبدالملك المصري ... 145
بعض الملحدين ... 148
الديصاني ... 148
ابن أبي العوجاء ... 150
زندیق ... 159
مع القدريّة ... 201
مناظراته علیه السلام ... 202
مع أبي حنيفة ... 202
مع ابن أبي ليلى ... 207
مع المعتزلة ... 208
مع النصارى ... 213
رَسَائِلُهُ وَوَصَايَاهُ علیه السلام
215 - 300
رسائله علیه السلام ... 217
1 - في التوحيد ... 217
2 - في الغنائم والخمس ... 219
3 - إلى أهل الآفاق ... 227
4 - إلى أهل الرأي ... 229
5 - إلى بعض شيعته علیه السلام ... 231
6 - إلى أصحابه علیه السلام ... 235
7 - إلى بعض أصحابه علیه السلام ... 236
8 - لبعض الناس ... 236
9 - رسالة شفهية إلى زرارة ... 237
10 - رسالة النجاشي للإمام علیه السلام ... 242
جواب الإمام ... 243
النقاط المهمّة في الرسالة ... 250
11 - رسالته علیه السلام للنجاشّي ... 252
12 - رسالته علیه السلام إلى عبد الله ... 254
وصاياه علیه السلام ... 255
وصيّة عامّة ... 255
وصاياه علیه السلام لشيعته ... 256
وصيّته الله لولده الكاظم علیه السلام ... 261
وصيّته علیه السلام لأصحابه ... 263
وصيته علیه السلام لأبي بصير ... 264
وصيّته علیه السلام البسطام ... 265
وصيّته علیه السلاما لجابر بن حّيان ... 265
وصيّته علیه السلام للحسن بن راشد ... 266
وصيّته علیه السلام لحفص بن غياث ... 266
وصيّته علیه السلام لحمّاد ... 269
وصيّته علیه السلام الحمران بن أعين ... 270
وصاياه علیه السلام لسفيان ... 270
وصيّته علیه السلام لسماعة ... 273
وصيّته علیه السلام لعبد الرحمن ... 273
وصيّته علیه السلام لعبد الله بن جندب ... 274
وصيّته علیه السلام لعمّار بن مروان ... 284
وصيّته علیه السلام لعمّار بن موسى ... 284
وصيّته علیه السلام لعمر بن سعيد ... 285
وصيّته علیه السلام العنبسة العابد ... 285
وصيّته علیه السلام لعنوان البصري ... 285
وصيّته علیه السلام لمحمّد وإسحاق ... 288
وصيّته علیه السلام لمعاوية بن عمّار ... 288
وصيّته علیه السلام للمعلّى بن خنيس ... 289
وصيّته علیه السلام للمفضّل بن زيد ... 290
وصيّته علیه السلام للمفضّل بن عمر ... 290
وصيّته علیه السلام للمنصور الدوانيقي ... 292
وصيّته علیه السلام لمؤمن الطاق ... 292
وصيّته علیه السلام لبعض أصحابه ... 298
محتويات الكتاب ... 301