ghaemiyeh.com
التقية في فقه أهل البيت جلد 2
تقريراً لبحث
سماحة آية الله
الحاج الشيخ مسلم الداوري
(دام ظلّه)
الجزء الثاني
محمّد علي المعلّم
محرر رقمي:محمد المنصوري
التقية في فقه أهل البيت جلد 2
تقريراً لبحث
سماحة آية الله
الحاج الشيخ مسلم الداوري
(دام ظلّه)
الجزء الثاني
محمّد علي المعلّم
التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام ج2
تقريراً لبحث: سماحة آية الله الشيخ مسلم الداوري (دام ظله)
المؤلف : محمد علي صالح المعلم
الاخراج
الفني:
الناشر:
المطبعة:
الطبعة:
عدد
المطبوع:
الشابك
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ
عکس
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
وبعد ...
فهذا الكتاب - عزيزي القارىء - يضمّ بين دفتيه دراسة وافية لجانب من جوانب موضوع الجهاد، والجهاد باب من أبواب الجنّة اختص به الأولياء من دون سائر الناس، ولذا كان موضع عناية الكتاب الكريم والسنة المطهرة كما أنه أحد الأمور المهمة التي اتخذها أعداء الدين مادّة للنيل من شرف الإسلام وقدسيته، ومنفذاً للطعن عليه في محاولات هزيلة لتشويه صورته المشرقة، فإنّهم ادّعوا أنّ الإسلام إنما قام على الإكراه وسفك الدماء والقهر والغلبة.
وهذا الكتاب وإن لم يكن موضوعاً للدفاع أو تزييف هذه الفرية - وإنما يتناول بالبحث والدراسة جانباً من موضوع الجهاد وهو الجانب الفقهي المرتبط بمسألة التقية في فقه أهل البيت (علیهم السلام)، ويشكّل الحلقة الثانية من هذه السلسلة- إلاّ أنه يسلط الأضواء على هذه الدعوى المزعومة فيأتي عليها من الأساس.
وقد استغرق البحث حول هذا الموضوع كثيراً من صفحات هذا الكتاب نظراً لكثرة أبحاثه وفروعه ومسائله.
ولمّا كان أكثر مسائل هذا الموضوع - في زماننا - تتوقف على نظر الفقيه الجامع للشرائط اقتضت المناسبة البحث حول ولاية الفقيه والشرائط المعتبرة في
منصب الولاية في زمان الغيبة الكبرى تتميماً للموضوع واستيعاباً لأهم مسائله .
ثم إنّ هذا الكتاب هو حصيلة المحاضرات التي كان يتفضّل بها سماحة العلامة الأستاذ آية الله الحاج الشيخ مسلم الداوري حفظه الله في مجلس بحثه اليومي بالحوزة العلمية في عشّ آل محمد (علیهم السلام) وحرمهم قم المقدسة.
ويبقى من هذه السلسلة الحلقة الأخيرة وبها يتمّ نظام هذه الأبحاث وتتناول موضوع التقية في بقية أبواب الفقه، ونرجو أن نوفّق لإخراجها قريباً.
ونسأل الله تعالى أن يمدّنا بالعون والتسديد، وأن يجعله عملاً مرضياًعنده تعالى خالصاً لوجهه الكريم في ظلّ رعاية مولانا إمام زماننا - أرواحنا فداه - وبركاته .
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
محمد علي المعلم
عش آل محمد (علیهم السلام) - قم المقدسة
14 / 1 / 1419 ه-
الجهاد عزّ الإسلام ورابع
أركان الإيمان
المجاهدون عشاق الحق الأبرار
لماذا جهاد النفس دائم لا ينقطع؟
الاجتهاد جهاد بالقلم والبيان وإحياء للكتاب والسنة ومنهج أهل البيت (علیهم السلام)
تعريف وتقسيم
المنهجية الفنية للكتاب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
الجهاد عزّ الإسلام(1)وقوامه، وذروة الدين وسنامه(2)، باب فتحه الله لخاصّة أوليائه(3)، وطريق سلكه المخلصون من أصفيائه، به ظهرت(4)الشريعة وارتفع لواؤها، وبه ثبتت الحقيقة وسما بناؤها، هو رابع أركان الإيمان(5)، وهو باب من أبواب الجنان(6)، لباس التقوى، والجنة الوثقى(7)، وسياحة الأمة ومجد أبنائها(8)، والعزّ حيث سنابك خيلها ومراكز رماحها(9)، وهو الصفقة الرابحة بين الحق والخلق «إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (10).
1) من خطبة الصديقة الزهراء (علیها السلام) - بحار الأنوار 29 : 223
2) مستدرك الوسائل ج 11 باب 1 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه الحديث 26
3) وسائل الشيعة ج 11 باب 1 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه الحديث 13
4) نفس المصدر الحديث 8
5) نفس المصدر باب 4 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه الحديث 11
6) نفس المصدر باب 1 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه الحديث 13
7) نفس المصدر الحديث 13
8) نفس المصدر الحديث 22 و 16
9) نفس المصدر الحديث 2
10) سورة التوبة، الآية: 111
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»(1)وهو السبيل للعزة وحياة الكرامة في الدنيا وللنعيم الأبدي في الآخرة «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَالْمُحْسِنِينَ»(2)«وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ» (3).
وقد فضّل الله المجاهدين فجعلهم خاصة الأولياء، ووصف موتهم بأنه أفضل الموت(4)، وأعد لهم النعيم الدائم في رفقة الأنبياء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، فإنهم الأبرار الذين ليس فوق برّهم برّ(5)، ولا فوق عطائهم عطاء حيث جادوا بأنفسهم في سبيل الله.
والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
إنّ المجاهد في سبيل الحقّ لفي ضمان الله ورعايته، وهو مغفور الذنب مستجاب الدعاء(6)، حتى إذا سقط شهيداً في ميدان العزّة والشرف كانت أول قطرة من دمه بعين الله(7)، فتستقبله الملائكة، وتتلقاه الحور، ويكسى من حلل الجنة، ويرى مقامه بين الأنبياء والصالحين، ويفوز بالنظر إلى وجه الله وإنها لراحة لكلّ نبيّ وشهيد(8).
وإنّ من يقف على النصوص الواردة في شأن الجهاد وفضل المجاهدين
ليخال أنّ شيئاً لم يبلغ مكانة الجهاد عظمة وشأناً(1)، وأنّ أحداً لم يبلغ درجة المجاهد فضلاً ومقاماً(2)، ذلكم لأنّه دفاع عن الدين وحمايته وإعلاء لكلمة الله ونصرته، ولأنّ المجاهدين هم الصفوة الذين عشقوا الحقّ فحنّت إلى لقائه أرواحهم، فأرخصوها وفازوا وذلك هو الفوز العظيم.
وتتعدّد صور الجهاد وأشكاله في نظر الإسلام ويجمعها السعي الحثيث لإحقاق الحق والبلوغ إلى أفضل درجات الكمال الممكن للإنسان. فمنه - وقد ألمحنا إليه - الجهاد ضدّ العدو الخارجي بالقوّة والسلاح ممنحادّ الله ورسوله من الكفار والبغاة والمفسدين الذين يشكّلون حجر العثرة في طريق إجراء أحكام الله وتعاليمه.
ومنه الجهاد ضدّ العدو الداخلي وهو النفس فإنها أعدى الأعداء، ويتمثّل في كبح جماح النفس وبعثها على ملازمة الطاعات ومجانبة المعاصي، وكسر قواها البهيمية وترويض نزعاتها السبعية بالتعاليم الإلهية والآداب الشرعية، ومحاسبتها على ما قدّمت وأخّرت وحملها على الاستقامة لتحقيق السعادة والفلاح(3)«قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا»(4).
وقد عبّرت النصوص عن الأول بالجهاد الأصغر(5)وعن الثاني بالجهاد الأكبر(6)، ولعلّ ذلك لأنّ النفس تحتاج إلى مراقبة دقيقة دائمة وإنّ الغفلة عنها
تودي بصاحبها إلى الهلاك.
ومنه الجهاد في طلب العلم وتحصيل المعرفة فقد جاء في الآثار أنّ تعلّمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد(1)، وورد أيضاً: أنّه أعظم أجراً من الصائم الغازي (المجاهد) في سبيل الله(2).
وذلك لأنّه السلاح الماضي ضدّ الباطل والفساد، فبه تُصان الحقائق وبه تكشف الغوامض، وبه يميّز بين الهدى والضلال، وبه أصبح الإنسان إنساناً.
وإذا كانت جميع العلوم والمعارف على اختلاف موضوعاتها تخدم الإنسان في جميع شؤونه، المادي منها والمعنويّ فإنّ أهمها وأشرفها وأولاها العلم بأحكام الله وتحصيل الاجتهاد فيها، فبه يطاع الله ويعبد، وبه يعرف الله ويوحّد، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام(3).
وقد اشتقّ الاجتهاد من الجهد - كما سيأتي - وهو يدلّ بمادّته وهيئته على صدور الفعل عن مشقة وكلفة وعناء، وهو معنى ينسجم ومعنى الجهاد في الموضوع والغاية، وذلك لأنّ الاجتهاد يعني القدرة العلمية الخاصة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية، وأي جهادهو أبلغ أثراً وأعظم نفعاً وأجلّ خطراً من معرفة أحكام الله التي جعلها لعباده لينالوا بها سعادة النشأتين بعلم راسخ وقول عن دليل، وهل الفقه إلاّ فهم الحياة فهماً صحيحاً كما أراده الله تعالى ورسوله والأولياء، وهل الفقاهة إلاّ معرفة الطريق إلى الله تعالى والوصول إليه.
ثم أليس الاجتهاد جهاداً في سبيل الحق بالقلم والبيان ضدّ الباطل والشيطان؟ أليس في الاجتهاد حفظ للدين وإبقاء للشريعة حيّة غضّة تواكب
مسيرة الإنسان في حياته فتنظّمها معاشاً ومعاداً وتلبّي حاجاته وتضع الحلول لمشاكله وقضاياه، ولا تُلجئه لأن يلتمس حاجته من المحتاج، ويطلب الحلّ ممن يبحث عن الحلّ؟
أليس الاجتهاد جهاداً في إحياء كتاب الله وسنّة نبيّه (صلی الله علیه و آله و سلم) ومذهب أهل البيت (علیهم السلام)؟ أليس الاجتهاد درعاً واقية وسدّاً منيعاً ضدّ الزيغ والأباطيل والضلالات؟
ولكن بلوغ هذه المرتبة لا تنال إلاّ بالكدّ والجدّ واستفراغ الوسع والطاقة وقبل ذلك وبعده التوفيق الإلهي، ولا ينالها إلاّ ذو حظّ عظيم.
ثمّ إنّ صور الجهاد وأشكاله وإن تعدّدت إلاّ أنّ النصوص الشرعية جعلتها في قسمين: أصغر وأكبر، وتندرج في الجهاد الأكبر جميع صور الجهاد المختلفة.
الجَهد والجُهد: الطاقة، تقول: اجهد جهدك، وقيل: الجَهد: المشقّة، والجُهد: الطاقة. وجَهد الرجل في كذا: أي جدّ فيه وبالغ، والجَهاد بالفتح: الأرض المستوية، وقيل: الأرض الغليظة، وتوصف به، فيقال: أرض جهاد. وقيل: الأرض الصلبة التي لا نبت فيها، والجهاد بالكسر: مصدر جاهد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أو اللسان، أو ما أطاق من شيء.
ومنه الاجتهاد وهو بذل الوسع في تحصيل أمر مستلزم للكلفة والمشقّة، وفي الاصطلاح: استفراغ الوسع في تحصل الحجّة على الحكم أو تعيين الوظيفة عند عدم الوصول إليها.
والجهاد في العرف: حمل النفس بما في الوسع والطاقة على بلوغ الأهداف العالية والكمالات اللائقة في العلم والعمل.
وهو في الاصطلاح: بذل النفس والمال في إعلاء كلمة الإسلام وإقامةشعائر الإيمان(1).
والمقصود بالبحث في هذا الكتاب هو القسم الأول المعروف في الاصطلاح وهو العلاج المؤقّت ضمن ضوابط وحدود شرعية دون جهاد النفس والاجتهاد فإنّهما مطلقان ومطلوبان في كل زمان ومكان، ولم يقيّدا إلاّ بالضوابط العامة.
ونستمدّ منه تعالى - بجاه الصفوة من أوليائه محمد وآله صلوات الله عليهم أجمعين - التوفيق والعون لدراسة هذا الموضوع وبيان أقسامه وشرائطها وما يرتبط منها بما نحن بصدده بالمقدار الممكن.
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
وقبل الخوض في مسائل هذا الفصل وأحكامه لابدّ من تعيين مواضع البحث التي يتناولها هذا الكتاب فنقول:
إنّ موضوع التقية في الجهاد يشتمل على دراسة أمور ثلاثة:
الأول: في أقسام الجهاد وهي ثمانية:
1 - الجهاد ضدّ الكفار والمشركين من أهل الكتاب وغيرهم للدعوة إلى الإسلام وهو المعبّر عنه بالجهاد الابتدائي.
2 - الجهاد من أجل الدفاع عن بيضة الإسلام عند وقوع خطر يهدّد بقاء الدين.
1) لسان العرب 3 : 134 - 135 ، والصحاح 2 : 460 - 461 ، وأقرب الموارد 1 : 145 ، ومجمع البحرين 3 : 30 - 31
3 - الجهاد على نحو المرابطة في الثغور وأطراف البلاد الإسلامية.
4 - جهاد أهل البغي، وهم الخارجون على الإمام (علیه السلام) .
5 - جهاد الفئة الباغية على فئة أخرى من المسلمين.
6 - جهاد ساب النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أو أحد المعصومين (علیهم السلام) .
7 - الجهاد دفاعاً عن النفس والمال والعرض، أو عن الغير من المسلمين.
8 - الجهاد من أجل إقامة الدولة.الثاني: في الولاية من قبل السلطان الجائر، وهي على أنحاء ثلاثة:
أ - في السياسة والنظام وشؤون الحكم والإدارة.
ب - في جباية الأموال والصدقات.
ج - في الفتوى والقضاء.
الثالث: التعامل مع سلاطين الجور، وهي في:
أ - أخذ المال والجوائز منهم.
ب - في التعامل معهم بيعاً وشراء.
ج - إعطاؤهم الأموال كالزكاة والخمس والضرائب المالية الأخرى.
على أن تذكر مسائل التقية وأحكامها في مواضعها المناسبة.
وحيث إنّ كثيراً من الفروع والمسائل تتوقّف معرفة الحكم فيها على نظر الفقيه الجامع للشرائط ناسب أن نتناول بالبحث موضوع ولاية الفقيه والشرائط المعتبرة فيه.
وعلى هذا فيقع هذا الفصل في أربعة مباحث:
أقسام الجهاد
· أقسام الجهاد ثمانية
· هل الجهاد الابتدائي مشروط بالإجازة
· كيفية حروب الإسلام
· تفنيد الفرية القائلة بأنّ الإسلام دين السيف وإثبات أن حروب النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) كلها دفاعية
· أدب الإسلام مع أعدائه
· لماذا شارك خيار الصحابة في حروب الخلفاء
· المرابطة - والتحقيق في معنى التعرّب بعد الهجرة
· حرمة البقاء في بلاد الكفر ووجوب الهجرة على المشهور وبيان أنّ الهجرة على أقسام
· هل البغي هو الخروج على الإمام المعصوم (علیه السلام) فقط؟
· جواز قتل سابّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) هل هو مشروط بالإجازة
· وجوب الدفاع عن النفس والغير - صوره وكيفيته
· مشروعية الدفاع عن الأهل والمال
· أحكام التقية في جميع ذلك
ذكرنا أنّ أقسام الجهاد ثمانية، ولكل منها شروط وأحكام، وفيما يلي نتعرّض بالبحث لجميع هذه الأقسام وبيان أهم الشرائط المعتبرة وأحكام التقية في كل منها.
ولا إشكال في أنّه واجب كفائي بلا خلاف بين المسلمين، ونسب إلى سعيد بن المسيب القول بالوجوب العيني(1). وحكمه ثابت من الكتاب والسنة.
أما من الكتاب فتدلّ عليه عدّة آيات وردت في الأمر بالقتال:
منها: قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ »(2)وقوله تعالى: «فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» (3)وقوله تعالى: «وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً »(4)وقوله تعالى: «فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ»(5)وقوله تعالى: «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلهِ»(6)وقوله تعالى: «كتبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ
لَكُمْ» (1)وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على وجوب جهاد المشركين.
وأمّا من السنّة فإنّ الروايات الواردة كثيرة جداً:
منها: صحيحة سليمان بن خالد، عن أبي جعفر(علیه السلام)، قال: ألا أخبرك بالإسلام، أصله وفرعه وذروة سنامه؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال: أما أصله فالصلاة، وفرعه الزكاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: إن شئت أخبرتك بأبواب الخير، قلت: نعم، قال: الصوم جنّة. الحديث(2).
ومنها: موثقة عمر بن أبان عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): الخير كله في السيف وتحت ظل السيف، ولا يقيم الناس إلاّ السيف،والسيوف مقاليد الجنة والنار(3).
ومنها: معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): للجنة باب يقال له: باب المجاهدين يمضون إليه، فإذا هو مفتوح وهم متقلّدون بسيوفهم، والجمع في الموقف، والملائكة ترحّب بهم، قال: فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلاًّ وفقراً في معيشته ومحقاً في دينه، إنّ الله أغنى (أعز) أمتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها(4).
وغيرها من الروايات الدالة على أهمية الجهاد، والقدر المتيقن من ذلك هو جهاد المشركين.
وأما ما يدلّ على جهاد أهل الكتاب فمن الآيات قوله تعالى: «قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ» (5).
والفرق بين المشركين وأهل الكتاب في القتال: أنّ الجزية لا تؤخذ إلاّ من أهل الكتاب، وأما المشركون فليس لهم إلاّ القتل أو قبول الإسلام.
وأما الروايات فهي كثيرة في هذا المعنى، وهي تدل على وجوب قتال أهل الكتاب.
والحاصل: أنّ أصل الحكم لا إشكال فيه، وأنّ جهاد الكفّار سواء كانوا أهل الكتاب أو غيرهم للدعوة إلى الإسلام واجب كفائي مع تحقق شرائطه من البلوغ والحرية والقدرة وغير ذلك.
وإنما الكلام في هذا المورد من الجهاد هو أنّ الجهاد هل هو مشروط بإذن الإمام المعصوم (علیه السلام) أم لا؟
نسب إلى المشهور من الأصحاب الاشتراط مطلقاً(1)، وذهب جماعة ومنهم السيد الأستاذ(قدس سره) إلى التفصيل بين زمان الحضور فيشترط الإذن، وبين زمان الغيبة فلا يشترط(2).
والذي يظهر من الجواهر أنه مشروط بوجود الإمام (علیه السلام) ومن نصّبه للجهاد واستدل عليه بدليلين:الأول: الإجماع، قال: لا خلاف بيننا بل الإجماع بقسميه عليه(3).
الثاني: الروايات الواردة في المقام وهي عدة روايات:
منها: رواية بشير الدهّان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له: إني رأيت في المنام أني قلت لك: إنّ القتال مع غير الإمام المفروض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، فقلت: هو كذلك، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): هو كذلك هو كذلك(4).
ومنها: صحيحة عبد الله بن المغيرة قال: قال محمد بن عبد الله للرضا (علیه السلام) وأنا أسمع: حدّثني أبي عن أهل بيته عن آبائه أنه قال له بعضهم: إن في بلادنا موقع رباط يقال له: قزوين، وعدوّاً يقال له: الديلم فهل من جهاد أو هل من رباط؟ فقال: عليكم بهذا البيت فحجّوه، فأعاد عليه الحديث فقال: عليكم بهذا البيت فحجّوه، أما يرضى أحدكم أن يكون في بيته ينفق على عياله من طوله ينتظر أمرنا، فإن أدركه كان كمن شهد مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بدراً، فإن مات ينتظر أمرنا كان كمن كان مع قائمنا صلوات الله عليه هكذا في فسطاطه، وجمع بين السبّابتين، ولا أقول: هكذا، وجمع بين السبّابة والوسطى، فإنّ هذه أطول من هذه، فقال أبو الحسن (علیه السلام): صدق(1).
ومنها: موثقة سماعة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لقي عباد البصري علي بن الحسين (علیه السلام) في طريق مكة، فقال له: يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحج ولينه إنّ الله عزوجل يقول: «إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ»(2)الآية. فقال علي بن الحسين(علیه السلام): أتم الآية فقال: «التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ» الآية فقال علي بن الحسين(علیه السلام): إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحجّ(3).
ومنها: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين(علیه السلام): لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم، ولا ينفذ في الفيء أمر الله عزوجل، فإنّه إن مات في ذلك المكان كانمعيناً لعدوّنا في حبس حقنا والإشاطة بدمائنا، وميتته ميتة جاهلية(4).
ومنها: رواية ابن شعبة في تحف العقول عن الرضا (علیه السلام)، في كتابه إلى المأمون قال: والجهاد واجب مع إمام عادل، ومن قاتل دون ماله ورحله ونفسه فهو شهيد، ولا يحلّ قتل أحد من الكفّار في دار التقية إلاّ قاتل أو باغ، وذلك إذا لم تحذر على نفسك، ولا أكل أموال الناس من المخالفين وغيرهم، والتقية في دار التقية واجبة ولا حنث على من حلف تقية يدفع بها ظلماً عن نفسه(1).
ومنها: رواية محمد بن عبد الله السمندري قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إني أكون بالباب يعني باب الأبواب فينادون السلاح، فأخرج معهم، قال: فقال لي: أرأيتك إن خرجت فأسرت رجلاً فأعطيته الأمان وجعلت له من العقد ما جعله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) للمشركين أكان يفون لك به؟ قال: قلت: لا والله جعلت فداك ما كانوا يفون لي به قال: فلا تخرج قال: ثمّ قال لي: أما إنّ هناك السيف(2).
ومنها: رواية الحسن بن العباس بن الجريش عن أبي جعفر الثاني (علیه السلام) في حديث طويل في شأن «إنّا أنزلناه» قال: ولا أعلم في هذا الزمان جهاداً إلاّ الحجّ والعمرة والجوار(3).
ومنها: معتبرة عبد الملك بن عمرو قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا عبد الملك مالي لا أراك تخرج إلى هذه المواضع التي يخرج إليها أهل بلادك؟ قال: قلت: وأين؟ قال: جدّة، وعبادان والمصيصة، وقزوين، فقلت: انتظاراً لأمركم والاقتداء بكم، فقال: إي والله لو كان خيراً ما سبقونا إليه، قال: قلت له: فإن الزيدية يقولون: ليس بيننا وبين جعفر خلاف إلاّ أنه لا يرى الجهاد، فقال: أنا لا أراه !! بلى والله إني لا أراه ولكنّي أكره أن أدع علمي إلى (على) جهلهم(4).
إلى غير ذلك من النصوص التي مقتضاها عدم مشروعية الجهاد إلاّ مع الإمام المعصوم.
وفي مقابل هذا القول ذكر السيد الأستاذ (قدس سره) - كما أشرنا - أنّ الجهاد في هذاالقسم ليس مشروطاً بوجود المعصوم إلاّ في زمان حضوره، وناقش في هذين الدليلين.
أما الإجماع فقال: إنه في نفسه محلّ إشكال، فإنّ جملة من الأصحاب لم يتعرّضوا لهذه المسألة، فكيف يمكن دعوى الإجماع؟ وعلى فرض تحقّقه لا يكون كاشفاً عن قول المعصوم لاحتمال أن يكون مدركهم فيه الروايات الواردة، وقد نسب المناقشة إلى المحقق السبزواري في الكفاية(1)فلا يمكن الاعتماد على هذا الدليل.
وأما الدليل الثاني: وهو الروايات فذكر أنّ عمدتها روايتان: رواية بشير ورواية عبد الله بن المغيرة.
أما رواية بشير فقد ناقش فيها سنداً ودلالة، فمن حيث السند لم يعلم من هو بشير، لأنه ورد في الرواية مجرّداً، نعم لو كان هو بشير الدهان فهو ثقة، وقد ورد في رواية أخرى وفي سندها بشير الدهان غير أنّها مرسلة فالرواية من هذه الناحية غير معتبرة، ولا يمكن الاعتماد عليها.
ولقائل أن يقول: إنّ بشيراً في هذه الطبقة وإن كان متعدّداً كما ذكره السيد (قدس سره) ولكن بقرينة الراوي عن بشير وهو سويد القلا الذي لا يروي إلاّ عن بشير الدهان وليس له روايات عن غيره نتيقّن بأنّ المراد من بشير في هذه الرواية هو بشير الدهان لرواية سويد القلا عنه فيكون سند الرواية تامّاً، غير أنّ الرواية وإن كان راويها بشير الدهان إلاّ أنّ توثيق السيد له إنّما هو اعتماداً على وقوعه في أسناد كامل الزيارات، وحيث إنه قد عدل عن هذا المبنى وجعل شهادة ابن قولويه
1) منهاج الصالحين 1 : 364 الطبعة الثانية والعشرون 1410 ه-
مختصّة بمشايخه، وبشير الدهان ليس من مشايخ ابن قولويه، فالرواية على مبناه غير معتبرة السند لعدم توثيق بشير الدهان، وأما بناء على ما حققناه في مباحثنا الرجالية من أنّ رواية المشايخ الثقات أو أحدهم عن شخص علامة على وثاقة المرويّ عنه(1)، وقد روى ابن أبي عمير عن بشير الدهان فيمكن الحكم بوثاقته والاعتماد على رواياته.
والحاصل: أنّ الرواية من جهة السند معتبرة.
وأمّا من حيث الدلالة فقد ناقش فيها: بأنّ المراد من الرواية بحسب المناسبة بين الحكم والموضوع هو حرمة المحاربة بحكم الجائر في زمان الحضور، فقد كان أمر الحرب والقتال بحكم الجائر، والروايةناظرة إلى ذلك الزمان، وأنّه لابدّ أن يكون تحت نظر المعصوم (علیه السلام)، وليست ناظرة إلى جميع الأحوال والأزمان، وقد أيّد ذلك بأنّه يجوز أخذ الجزية من أهل الكتاب في زمان الغيبة فالقتال كذلك نظراً للملازمة بينهما(2).
والحاصل: أنّ الرواية تشير إلى ظرف خاص وهو زمان الإمام (علیه السلام) عندما يأمر الحاكم الجائر بالحرب، وليست هي مطلقة لجميع الأزمان، وبناء على هذا فالدليل أخصّ من المدّعى ولا يمكن الاعتماد على هذه الرواية.
وأما مناقشته (قدس سره) لرواية عبد الله بن المغيرة فحاصلها: أنّ هذه الرواية تشتمل على خصوصية في المقام، وإنما لم يجوّز الإمام (علیه السلام) لهذه الخصوصية لا أنّه غير جائز مطلقاً، والشاهد على ذلك تعميم الحكم للمرابطة مع أنّه لا يشترط فيها إذن المعصوم (علیه السلام)، فهذا يدلّ على أنّه مؤقت بوقت خاص لخصوصيّة في المقام لا مطلقاً.
هذا ويمكن تأييد ما ادعاه (قدس سره) بروايات يستفاد منها عدم الحاجة إلى الإذن في الجهاد للدعوة إلى الإسلام:
ومنها: معتبرة حفص بن غياث عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: سأل رجل أبي (علیه السلام) عن حروب أمير المؤمنين (علیه السلام)، وكان السائل من محبّينا، فقال له أبو جعفر (علیه السلام): بعث الله محمداً(صلی الله علیه و آله و سلم) بخمسة أسياف: ثلاثة منها شاهرة فلا تغمد حتى تضع الحرب أوزارها، ولن تضع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها أمن الناس كلّهم في ذلك اليوم فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، وسيف منها مكفوف (ملفوف)، وسيف منها مغمود( ط) سلّه إلى غيرنا، وحكمه إلينا، فأمّا السيوف الثلاثة المشهورة «الشاهرة» فسيف على مشركي العرب، قال الله عزّوجلّ: «اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصد فإن تابوا (يعني آمنوا) وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين»(1)فهؤلاء لا يقبل منهم إلاّ القتل أو الدخول في الإسلام، وأموالهم «ومالهم فيء» وذراريهم سبي على ما سنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فإنّه سبى وعفا وقبل الفداء، والسيفالثاني على أهل الذمّة قال الله تعالى: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً»(2)نزلت هذه الآية في أهل الذمة، ثم نسخها قوله عزّوجلّ: «قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ»(3)فمن كان منهم في دار الإسلام فلن يقبل منهم إلاّ الجزية أو القتل، ومالهم فيء وذراريهم سبي، وإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم، وحرمت أموالهم، وحلّت لنا مناكحتهم، ولم يقبل منهم
إلاّ الدخول في دار الإسلام أو الجزية أو القتل، والسيف الثالث سيف على مشركي العجم يعني: الترك والديلم والخزر قال الله عزّوجلّ في أول السورة التي يذكر فيها الذين كفروا فقصّ قصّتهم ثم قال: «فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا»(1)فأمّا قوله (فإمّا منّا بعد) يعني: بعد السبي منهم (وإما فداء) يعني: المفادات بينهم وبين أهل الإسلام، فهؤلاء لن يقبل منهم إلاّ القتل أو الدخول في الإسلام ولا تحلّ مناكحتهم ماداموا في دار الحرب، وأمّا السيف المكفوف فسيف على أهل البغي والتأويل قال الله عزوجل: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ»(2)فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إنّ منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل فسئل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من هو؟ فقال: خاصف النعل، يعني: أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال عمار بن ياسر: قاتلت بهذه الراية مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ثلاثاً وهذه الرابعة، والله لو ضربونا حتى يبلغونا المسعفات من هجر لعلمنا أنا على الحق وأنّهم على الباطل، وكانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين (علیه السلام) ما كان من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في أهل مكة يوم فتح مكة، فإنّه لم يسب لهم ذرية، وقال: من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه «أو دخل دار أبي سفيان» فهو آمن، وكذلك قال أمير المؤمنين (علیه السلام) يوم البصرة نادى: لا تسبوا لهم ذرية، ولا تجهزوا (لا تتموا) على جريح، ولا تتبعوا مدبراً، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن، وأما السيف المغمود فالسيف الذي يقوم «يقام» به القصاص، قال الله عزوجل: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِوَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»(3)فسلّه إلى أولياء المقتول، وحكمه إلينا، فهذه السيوف
التي بعث الله بها (إلى نبيّه) محمداً (صلی الله علیه و آله و سلم) فمن جحدها أو جحد واحداً منها أو شيئاً من سيرها أو أحكامها فقد كفر بما أنزل الله على محمد(صلی الله علیه و آله و سلم) (1).
والمستفاد من هذه الرواية: أنّ السيوف الثلاثة الأولى شاهرة إلى أن تطلع الشمس من المغرب، إمّا بقيام الحجة (عج الله تعالی فرجه الشریف) كما تشير إليه بعض الروايات التي تتضمن ذكر علامات القائم المهدي (عج الله تعالی فرجه الشریف)، وإما بنهاية الدنيا ووقوع القيامة الكبرى، وعلى كل تقدير فليس في الرواية اشتراط إذن المعصوم (علیه السلام) في إشهار هذه السيوف ولا حاجة إلى الإذن .
ومنها: رواية أبي عمرو الزهري «الزبيري» عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له أخبرني عن الدعاء إلى الله، والجهاد في سبيله، أهو لقوم لا يحلّ إلاّ لهم، ولا يقوم به إلاّ من كان منهم؟ أم هو مباح لكلّ من وحّد الله عزّوجلّ وآمن برسوله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومن كان كذا فله أن يدعو إلى الله عزّوجلّ وإلى طاعته، وأن يجاهد في سبيل الله؟ فقال: ذلك لقوم لا يحلّ إلاّ لهم ولا يقوم لك به إلاّ من كان منهم، فقلت: من أولئك؟ فقال: من قام بشرائط الله عزّوجلّ في القتال والجهاد على المجاهدين فهو المأذون له في الدعاء إلى الله عزوجل، ومن لم يكن قائماً بشرائط الله عزوجل في الجهاد على المجاهدين فليس بمأذون له في الجهاد والدعاء إلى الله حتى يحكم في نفسه بما أخذ الله عليه من شرائط الجهاد، قلت: بيّن لي يرحمك الله فقال: إنّ الله عزوجل أخبر في كتابه الدعاء إليه ووصف الدعاة إليه، فجعل ذلك لهم درجات يعرف بعضها بعضاً، ويستدل ببعضها على بعض(2)- إلىأن قال (علیه السلام): -
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 5 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه الحديث 2
2) فأخبر أنّه تبارك وتعالى أول من دعا إلى نفسه ودعا إلى طاعته واتباع أمره، فبدأ بنفسه فقال: «وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ » ثم ثنّى برسوله فقال: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » يعني القرآن ولم يكن داعياً إلى الله عزوجل من خالف أمر الله ويدعو إليه بغير ما أمر في كتابه «والدين الذي» الذي أمر أن لا يدعى إلاّ به، وقال في نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) : «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ » يقول: تدعو ثم ثلّث بالدعاء إليه بكتابه أيضاً، فقال تبارك وتعالى: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ » أي يدعو «ويبشر المؤمنين» ، ثم ذكر من أذن له في الدعاء إليه بعده وبعد رسوله في كتابه فقال: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ» ثم أخبر عن هذه الأمة وممّن هي، وأنها من ذرية إبراهيم وذرية إسماعيل من أهل المسجد الذين أخبر عنهم في كتابه أنّه أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً الذين وصفناهم قبل هذه في صفة أمّة إبراهيم «محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) الذين عناهم الله تبارك وتعالى في قوله: «أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي » يعني أول من اتبعه «أول التبعة» على الإيمان به، والتصديق له بما جاء به من عند الله عزوجل من الأمة التي بعث فيها ومنها وإليها قبل الخلق من لم يشرك بالله قط، ولم يلبس إيمانه بظلم وهو الشرك، ثم ذكر اتباع نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) واتباع هذه الأمة التي وصفها في كتابه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلها داعية إليه وأذن له في الدعاء إليه فقال: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ» ثم وصف اتباع نبيّه (صلی الله علیه و آله و سلم) من المؤمنين فقال عزوجل: «محَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً» الآية وقال: «يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ» يعني أولئك المؤمنين وقال: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» ثم حلاّهم ووصفهم كيلا يطمع في اللحاق بهم إلاّ من كان منهم فقال فيما حلاهم به ووصفهم: «الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ » إلى قوله: «أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ » وقال في صفتهم وحليتهم أيضاً: «الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ» وذكر الآيتين، ثم أخبر أنه اشترى من هؤلاء المؤمنين ومن كان على مثل صفتهم أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ثم ذكر وفاءهم له بعهده ومبايعته فقال: «وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» فلما نزلت هذه الآية «إنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ» قام رجل إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: أرأيتك يا نبي الله الرجل يأخذ سيفه فيقاتل حتى يقتل إلاّ أنّه يقترف من هذه المحارم أشهيد هو؟ فأنزل الله عزوجل على رسوله «التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ »وذكر الآية فبشّر الله المجاهدين من المؤمنين الذين هذه صفتهم وحليتهم بالشهادة والجنّة، وقال: التائبون من الذنوب، العابدون الذين لا يعبدون إلاّ الله ولا يشركون به شيئاً، الحامدون الذين يحمدون الله على كل حال في الشدّة والرخاء، السائحون وهم الصائمون، الراكعون الساجدون وهم الذين يواظبون على الصلوات الخمس والحافظون لها والمحافظون عليها في ركوعها وسجودها وفي الخشوع فيها وفي أوقاتها، الآمرون بالمعروف بعد ذلك والعاملون به و الناهون عن المنكر والمنتهون عنه، قال: فبشّر من قتل وهو قائم بهذه الشروط بالشهادة والجنّة، ثم أخبر تبارك وتعالى أنه لم يأمر بالقتال إلاّ أصحاب هذه الشروط، فقال عزوجل: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ» وذلك أنّ جميع ما بين السماء والأرض لله عزوجل ولرسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) ولأتباعهم من المؤمنين من أهل هذه الصفة؟ فما كان من الدنيا في أيدي المشركين والكفار والظلمة والفجار من أهل الخلاف لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والمولي عن طاعتهما مما كان في أيديهم ظلموا فيه المؤمنين من أهل هذه الصفات وغلبوهم على ما أفاء الله على رسوله فهو حقهم أفاء الله عليهم ورده إليهم، وإنما كانا معنى الفيء كل ما صار إلى المشركين ثم رجع مما كان غلب عليه أو فيه فما رجع إلى مكانه من قول أو فعل فقد فاء مثل قول الله عزوجل: «لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » أي رجعوا ثم قال: «وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» وقال: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ » أي ترجع «فَإِنْ فَاءَتْ »أي رجعت «فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا» بالعدل «وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» يعني بقوله تفيء ترجع فذلك «فدلّ» الدليل على أنّ الفيء كل راجع إلى مكان قد كان عليه أو فيه، ويقال للشمس إذا زالت قد فاءت الشمس حين يفيء الفيء عند رجوع الشمس إلى زوالها، وكذلك ما أفاء الله على المؤمنين من الكفار فإنّما هي حقوق المؤمنين رجعت إليهم بعد ظلم الكفار إياهم فذلك قوله: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا» ما كان المؤمنون أحق به منهم، وإنما أذن للمؤمنين الذين قاموا بشرائط الإيمان التي وصفناها وذلك أنّه لا يكون مأذوناً له في القتال حتى يكون مظلوماً، ولا يكون مظلوماً حتى يكون مؤمناً، ولا يكون مؤمناً حتى يكون قائماً بشرائط الإيمان التي اشترط الله عزوجل على المؤمنين والمجاهدين، فإذا تكاملت فيه شرائط الله عزوجل كان مؤمناً، وإذا كان مؤمناً كان مظلوماً، وإذا كان مظلوماً كان مأذوناً له في الجهاد لقول الله عزوجل: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» وإن لم يكن مستكملاً لشرائط الإيمان فهو ظالم ممن يبغي (سعى) ويجب جهاده حتى يتوب، وليس مثله مأذوناً له في الجهاد والدعاء إلى الله عزوجل لأنّه ليس من المؤمنين المظلومين الذين أذن لهم في القرآن في القتال، فلما نزلت هذه الآية: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا» في المهاجرين الذين أخرجهم أهل مكة من ديارهم وأموالهم أحلّ لهم جهادهم بظلمهم إياهم وأذن لهم في القتال، فقلت: فهذه نزلت في المهاجرين بظلم مشركي أهل مكة لهم في مالهم في قتالهم كسرى وقيصر ومن دونهم من مشركي قبائل العرب؟ فقال: لو كان إنما أذن في قتال من ظلمهم من أهل مكة فقط، لم يكن لهم إلى قتال جموع كسرى وقيصر وغير أهل مكة من قبائل العرب سبيل، لأنّ الذين ظلموهم غيرهم، وإنما أذن لهم في قتال من ظلمهم من أهل مكة لإخراجهم إياهم من ديارهم وأموالهم بغير حق، ولو كانت الآية إنما عنت المهاجرين الذين ظلمهم أهل مكة كانت الآية مرتفعة الغرض عمن بعدهم إذا لم يبق من الظالمين والمظلومين أحد، وكان فرضها مرفوعاً عن الناس بعدهم إذا لم يبق من الظالمين والمظلومين أحد، وليس كما ظننت ولا كما ذكرت لكن المهاجرين ظلموا من جهتين: ظلمهم أهل مكة بإخراجهم من ديارهم وأموالهم فقاتلوهم بإذن الله لهم في ذلك، وظلمهم كسرى وقيصر ومن كان دونهم من قبائل العرب والعجم بما كان في أيديهم مما كان المؤمنون أحقّ به منهم فقد قاتلوهم بإذن الله عزوجل لهم في ذلك وبحجّة هذه الآية يقاتل مؤمنو كل زمان، وإنما أذن الله عزوجل للمؤمنين الذين تابوا بما وصف الله عزوجل من الشرائط التي شرطها الله عزوجل على المؤمنين في الإيمان والجهاد، ومن كان قائماً بتلك الشرائط فهو مؤمن وهو مظلوم ومأذون له في الجهاد بذلك المعنى، ومن كان على خلاف ذلك فهو ظالم وليس من المظلومين وليس بمأذون له في القتال ولا بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف لأنه ليس من أهل ذلك ولا مأذون له في الدعاء إلى الله عزوجل لأنه ليس يجاهد (بمجاهد) مثله وأمر بدعائه إلى الله، ولا يكون مجاهداً من قد أمر المؤمنون بجهاده وخطر الجهاد عليه ومنعه منه، ولا يكون داعياً إلى الله عزوجل من أمر بدعائه مثله إلى التوبة والحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يأمر بالمعروف من قد أمر أن يؤمر به ولا ينهى عن المنكر من قد أمر أن ينهى عنه، فمن كانت قد تمت فيه شرائط الله عزوجل التي وصف بها أهلها من أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو مظلوم فهو مأذون له في الجهاد كما أذن لهم في الجهاد، لأنّ حكم الله عزوجل في الأولين والآخرين وفرائضه عليهم سواء، إلاّ من علّة أو حادث يكون، والأولون والآخرون أيضاً في منع الحوادث شركاء، والفرائض عليهم واحدة، يسأل الآخرون من أداء الفرائض عما يسأل عنه الأولون، ويحاسبون عما به يحاسبون، ومن لم يكن على صفة من أذن الله له في الجهاد من المؤمنين فليس من أهل الجهاد، وليس بمأذون له فيه حتى يفيء بما شرط الله عزوجل
فإذا تكاملت فيه شرائط الله عزوجل على المؤمنين والمجاهدين فهو من المأذونين
لهم في الجهاد، فليتّق الله عزوجل عبد ولا يغتر بالأماني التي نهى الله عزوجل عنها من هذه الأحاديث الكاذبة على الله، التي يكذّبها القرآن ويتبرأ منها ومن حملتها ورواتها، ولا يقدم على الله عزوجل بشبهة لا يعذر بها، فإنّه ليس وراء التعرض «المعترض» للقتل في سبيل الله منزلة يؤتى الله من قبلها، وهي غاية الأعمال في عظم قدرها، فليحكم امرؤ لنفسه وليرها كتاب الله عزوجل ويعرضها عليه، فإنه لا أحد أعلم بالمرء من نفسه، فإن وجدها قائمة بما شرط الله عليه في الجهاد فليقدم على الجهاد، وإن علم تقصيراً فليصلحها وليقمها على ما فرض الله تعالى عليها من الجهاد، ثم ليقدم بها وهي طاهرة مطهّرة من كل دنس يحول بينها وبين جهادها، ولسنا نقول لمن أراد الجهاد وهو على خلاف ما وصفنا من شرائط الله عزوجل على المؤمنين والمجاهدين: لا تجاهدوا ولكن نقول: قد علمناكم ما شرط الله عزوجل على أهل الجهاد الذين بايعهم واشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنان، فليصلح امرؤ ما علم من نفسه من تقصير عن ذلك وليعرضها على شرائط الله عزوجل، فإن رأى أنه قد وفى بها وتكاملت فيه فإنّه ممّن أذن الله عزوجل له في الجهاد، وإن أبى إلاّ أن يكون مجاهداً على ما فيه من الإصرار على المعاصي والمحارم والإقدام على الجهاد بالتخبيط والعمى والقدوم على الله عزوجل بالجهل والروايات الكاذبة، فلقد لعمري جاء الأثر فيمن فعل هذا الفعل أنّ الله تعالى ينصر هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم، فليتق الله عزوجل امرؤ، وليحذر أن يكون منهم، فقد بيّن لكم ولا عذر لكم بعد البيان في الجهل، ولا قوة إلاّ بالله وحسبنا الله عليه توكلنا وإليه المصير(1).
وهذه الرواية قد تعرّضت إلى شرائط المجاهدين وليس منها اشتراط إذن المعصوم (علیه السلام) بل فيها التصريح أنها جارية في كل زمان ولا حاجة في الجهاد للدعوة
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 9 من أبواب جهاد العدو الحديث 1
للدين إلى إذن الإمام(علیه السلام).
وأما الرواية من جهة السند فهي معتبرة وإن اختلفت النسخ في الراوي هل هو الزهري أو الزبيري، والصحيح أنه الزبيدي كما استظهر ذلك السيد الأستاذ(قدس سره) في المعجم(1)وهو واقع في أسناد تفسير القمي(2)فيكون ممّن يعتمد على روايته.
وهكذا اختلفت النسخ في القاسم هل هو ابن يزيد أو ابن بريد، والصحيح أنه القاسم بن بريد وقد وثّقه النجاشي(3).
والحاصل: أنّ الرواية تامة سنداً ودلالة.
ومنها: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين(علیه السلام): لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم، ولا ينفذ في الفيء أمر الله عزوجل، فإنه إن مات في ذلك المكان كان معيناً لعدوّنا في حبس حقنا والإشاطة بدمائنا، وميتته ميتة جاهلية(4).
والمستفاد من هذه الرواية أنّ المناط هو المأمون على الحكم والمنفذ لأمر الله بلا فرق بين أن يكون إماماً معصوماً أو غيره، وبناء على هذا فلا يشترط إذن الإمام(علیه السلام) في الجهاد للدعوة إلى الإسلام ودلالتها تامة، كما أن سند الرواية تام فقد رواها الصدوق في العلل(5)وفي الخصال(6)في حديث الأربعمائة بسند معتبر.
ومنها: رواية أبي عرة السلمي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سأله رجل فقال: إنّي كنت أكثر الغزو، أبعد في طلب الأجر وأطيل في الغيبة، فحجر ذلك عليّ فقالوا:
1) معجم رجال الحديث 22 : 281 الطبعة الخامسة
2) تفسير القمي 1 : 61 الطبعة الأولى المحققة
3) رجال النجاشي 2 : 180 الطبعة الأولى المحققة
4) وسائل الشيعة ج 11 باب 12 من أبواب جهاد العدو الحديث 8
5) علل الشرائع ج 2 باب النوادر الحديث 13 ص 464 الطبعة الثانية
6) الخصال ج 2 حديث الأربعمائة ص 625 مطبعة الحيدري
لا غزو إلاّ مع إمام عادل، فما ترى أصلحك الله؟ فقال أبو عبد الله (علیه السلام): إن شئت أن أجمل لك أجملت وإن شئت ألخّص لك لخّصت، فقال: بل أجمل، فقال: إنّ الله يحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة قال: فكأنه اشتهى أن يلخّص له، قال: فلخّص لي أصلحك الله فقال: هات فقال الرجل: غزوت فواقعت المشركين فينبغي قتالهم قبل أن أدعوهم؟ فقال: إن كانوا غزوا وقوتلوا وقاتلوا فإنّك تجترى (تجزى تجتزى) بذلك: وإن كانوا قوماً لم يغزوا ولم يقاتلوا فلا يسعك قتالهم حتى تدعوهم، فقال الرجل: فدعوتهم فأجابني مجيب وأقرّ بالإسلام في قلبه، وكان في الإسلام فجير عليه في الحكم، وانتهكت حرمته وأخذ ماله، واعتدي عليه فكيف بالمخرجوأنا دعوته؟ فقال: إنّكما مأجوران على ما كان من ذلك، وهو معك يحوطك (يحفظك) من وراء حرمتك، ويمنع قبلتك، ويدفع عن كتابك، ويحقن دمك خير من أن يكون عليك يهدم قبلتك، وينتهك حرمتك، ويسفك دمك، ويحرق كتابك(1).
ومحل الشاهد من هذه الرواية قوله: «وإن كانوا قوماً لم يغزوا ولم يقاتلوا فلا يسعك قتالهم حتى تدعوهم» فإنه مطلق ولم يقيد بإذن الإمام، فالرواية من حيث الدلالة تامة، وأما من حيث السند فقد اختلفت النسخ في الراوي عن الإمام (علیه السلام) هل هو أبو عرّة كما في الوسائل(2)، أو أبو عمرة السلمي كما في الكافي(3)والتهذيب(4)؟ والصحيح هو ما في الكافي والتهذيب وهو مجهول الحال فالرواية ضعيفة من هذه الناحية وتجعل مؤيدة لما سبق .
والتحقيق في المقام يقتضي التكلم في جهات ثلاث:
فنقول: قد تقدم أنّ السيد الأستاذ (قدس سره) ناقش في دعوى الإجماع، وإنّ جملة من الفقهاء لم يتعرضوا لهذه المسألة، مضافاً إلى احتمال أن يكون المدرك في ذلك على فرض تحققه هو الروايات، فيكون البحث في دلالة الروايات الواردة في المقام.
ولكنّنا بعد الفحص والتتبع لكلمات عدة من فقهاء الطائفة وجدناهم يصرحون باشتراط إذن المعصوم (علیه السلام) في الجهاد للدعوة إلى الإسلام وإليك أقوالهم قال الشيخ في النهاية: ومن وجب عليه الجهاد إنما يجب عليه عند شروط، وهي أن يكون الإمام العادل الذي لا يجوز لهم القتال إلاّ بأمره ولا يسوغ لهم الجهاد من دونه ظاهراً، أو يكون من نصبه الإمام للقيام بأمر المسلمين حاضراً ... ومتى لم يكن الإمام ظاهراً ولا من نصبه الإمام حاضراً لم يجز مجاهدة العدو، والجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم وإن أصاب لم يوجر عليه وإن أصيب كان مأثوماً(1).وقال في المبسوط: وإذا اجتمعت الشروط التي ذكرناها فيمن يجب عليه الجهاد فلا يجب عليه أن يجاهد إلاّ بأن يكون هناك إمام عادل، أو من نصبه الإمام للجهاد، ثم يدعوهم إلى الجهاد فيجب حينئذ ... ومتى لم يكن الإمام ولا من نصبه الإمام سقط الوجوب بل لا يحسن فعله أصلاً ... والجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام أصلاً خطأ قبيح يستحق فاعله به الذم والعقاب، إن أصيب لم يوجر وإن أصاب كان مأثوماً ... إلى أن قال: والمرابطة فيها فضل كثير وثواب جزيل إذا كان هناك إمام عادل(2).
وقال الصدوق في الهداية: الجهاد في سبيل الله فريضة واجبة من الله عزّوجلّ على خلقه بالنفس والمال مع إمام عادل(1).
وقال السيد ابن زهرة في الغنية: أمّا شرايط وجوبه فالحرية، والذكورة، والبلوغ، وكمال العقل، والاستطاعة له بالصحة والقدرة عليه وعلى ما يفتقر إليه فيه من ظهر ونفقة، وأمر الإمام العادل به، أو من ينصبه إمام أو ما يقوم مقام ذلك من حصول خوف على الإسلام، أو على الأنفس والأموال، ومتى اختلّ شرط من هذه الشروط سقط فرض الجهاد بلا خلاف أعلمه(2).
وقال في المراسم: وأما الجهاد فإلى السلطان أو من يأمره السلطان ... إلاّ أن يغشى المؤمنين العدو فليدفعوا عن نفوسهم وأموالهم وأهليهم(3).
والظاهر من السلطان هو الإمام العادل .
وقال في الوسيلة: وإنما يجب بثلاثة شروط أحدها: حضور إمام عدل أو من نصبه الإمام للجهاد ... إلى أن قال: ولا يجوز الجهاد بغير الإمام ولا مع أئمة الجور(4).
وقال في إشارة السبق: وشرائط وجوبه الحرية، والذكورة، والبلوغ وكمال العقل، والقدرة عليه بالصحّة والآفات المانعة منه، والاستطاعة بالخلوّ من العجز عنه والتمكن منه ... مع أمر إمام الأصل به أو من نصبه وجرى مجراه، أو ما حكمه حكم ذلك من حصول الخوف الطاري على كلمة الإسلام أو المفضي إلى اجتياح الأنفس والأموال، فبتكاملهايجب وبارتفاعها أو الإخلال بشرط منها يسقط(5).
1) كتاب الهداية - المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية ص 48 الطبع القديم
2) كتاب الغنية - المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية : 583
3) المراسم - المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 661 الطبع القديم
4) كتاب الوسيلة - المطبوع ضمن الجوامع الفقهية: 695
5) إشارة السبق - المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 89 الطبع القديم
وقال في التذكرة: الجهاد قسمان أحدهما: أن يكون للدعاء إلى الإسلام ولا يجوز إلاّ بإذن الإمام العادل أو من نصبه لذلك عند علمائنا أجمع، لأنّه أعرف بشرائط الدعاء وما يدعوهم إليه من التكاليف دون غيره ... وقال أحمد يجب مع كل إمام بر وفاجر لرواية أبي هريرة(1)...
وقال في المختلف: إنه لو نذر أن يصرف شيئاً من ماله إلى المرابطين فإن كان الإمام ظاهراً وجب الوفاء به إجماعاً، وإن كان مستتراً قال الشيخ في النهاية والمبسوط يصرف في وجوه البر ... وتابعه ابن البراج، وقال ابن إدريس: يجب الوفاء به مطلقاً(2).
ونظير هذا الحكم ذكره عن الشيخ وابن إدريس في من آجر نفسه للمرابطة في حال انقباض يد الإمام(3).
والعلامة وإن لم يذكر أصل المسألة في المختلف إلاّ أنه يعلم من ذلك أنّ أصل المسألة مفروغ عنه عنده.
وقال الشيخ الجليل هبة الدين الراوندي في فقه القرآن: ومن شرط وجوبه (أي الجهاد) ظهور الإمام العادل، إذ لا يسوغ الجهاد إلاّ بإذنه، يدلّ عليه قوله: «وَلا تَعْتَدُوا » أي ]بقتال من لم تؤمروا بقتاله ولا تعتدوا[ بالقتال(4).
وقال في الرياض: وإنّما يجب ... مع الإمام العادل وهو المعصوم أو من نصبه لذلك أي النائب الخاص وهو المنصوب للجهاد أو لما هو أعم، وأمّا العام كالفقيه فلا يجوز له ولا معه حال الغيبة بلا خلاف أعلمه، كما في ظاهر المنتهى وصريح الغنية إلاّ من أحمد، وظاهرهما الإجماع، والنصوص به من طرقنا مستفيضة بل
متواترة(1).
وقد ذكر هذا الشرط كل من الشهيدين في اللمعة(2)والمسالك(3)وابنإدريس في السرائر(4)فإنه (ابن إدريس) نقل عين كلام الشيخ وإنّما خالفه في المرابطة.
والذي يظهر من كلمات العلماء أنّ هذه المسألة لا خلاف فيها بينهم، وكأنّها مسلمة عندهم، ولم نظفر بقول لأحد من العلماء في الجواز بدون إذن المعصوم(علیه السلام).
فما ادعاه صاحب الجواهر من الإجماع غير بعيد، وعليه فلم يظهر لنا وجه المناقشة في أصل الدعوى.
نعم يبقى الإشكال في إمكان أن يكون إجماعهم مدركياً من جهة الروايات وسيأتي الكلام عنها في الجهة الثالثة.
وأما ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) من أنّ عدة من العلماء لم يتعرضوا للمسألة فيقال في جوابه :
أولاً: إنّ هذا مجرّد دعوى فلعلهم بحثوها ولم تصل إلينا.
وثانياً: على فرض أنهم لم يبحثوها ولكن لعلّه لمانع التقية، ولا سيما أنّ المسألة في غاية الحساسية لأنها تتضمن تفسيق حكام أزمنتهم وعدم حكمهم بما أنزل الله ونحو ذلك مما يخشى من التصريح به.
لقد وردت عدة من الآيات الشريفة تحث على الجهاد وترغّب فيه، وقد ناقش السيد الأستاذ(قدس سره) فيها بما حاصله: إنّ اهتمام القرآن الكريم بشأن الجهاد وأنه من أركان الدين وعدم توقيته بوقت معين لا ينسجم مع حضور الإمام (علیه السلام) أو نائبه الخاص.
والجواب: أنه لا إشكال ولا نقاش لنا في اهتمام القرآن الكريم بنصوصه الكثيرة، وقد تتبعنا الآيات الشريفة الواردة في الجهاد فوجدناها بلغت أكثر من ستين آية تحضّ على الجهاد وترغّب فيه، كما لا نقاش لنا في أنه من أركان الدين، وهكذا بالنسبة إلى عدم تحديده بوقت معيّن وإنما الكلام والإشكال في ما ذكره أخيراً من عدم انسجام ذلك مع حضور الإمام (علیه السلام)، ولا سيما أنّ زمان الأئمة (علیهم السلام) قليل لا يتناسب مع هذه الكثرة من الآيات والاهتمام الشديد بأمر الجهاد.ونقول: إنّ هذا صحيح لو كان الجهاد منحصراً في الابتدائي، وهذه الآيات الكثيرة واردة فيه بخصوصه، فإنّ اشتراط ذلك بإذن الإمام (علیه السلام) يتنافى مع اهتمام القرآن بأمر الجهاد، أما إذا كان للجهاد أفراد كثيرة منها: الجهاد لردع المشركين والكفار عن التعدي على المسلمين، ومنها الجهاد للدفاع عن حريم الإسلام وعن المسلمين أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، فهذه لا يشترط فيها إذن الإمام بلا إشكال. وحينئذ لا يلزم من ذلك ما ذكره من عدم الانسجام.
والجهاد المشروط بالإذن هو الجهاد الابتدائي، نعم لو كان جميع أفراد الجهاد مشروطة بإذن الإمام (علیه السلام) لكان لعدم الانسجام وجه.
وأما الآيات الكثيرة الواردة في الحث على الجهاد فهي واردة في غير الابتدائي ويدل عليه:
أوّلاً: إنّ أكثر الحروب التي خاضها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) - إن لم يكن كلها - إنما كانت لجهة الردع والدفاع عن الإسلام والمسلمين.
وثانياً: إنّ الذي يظهر من شأن نزول سورة براءة هو: أنّ هذه السورة لما نزلت على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أعطاها لأبي بكر ليبلّغها إلى المشركين، حتى إذا سار أبو بكر نحو مكة وإذا بالوحي يهبط على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ويأمره عن الله تعالى أن لا يبلغ السورة إلاّ هو بنفسه أو رجل منه، فما كان من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلاّ أن بعث أمير المؤمنين علياً (علیه السلام)
وأمره أن يدرك أبا بكر ويأخذ السورة منه ويتولّى أمر تبليغها إلى المشركين، وقد أورد هذه الحادثة أكثر المفسرين وأهل النقل وأرباب السير والتاريخ(1).
وهذه السورة كما ورد في صحيح الأخبار(2)وعن بعض المفسرين(3)هي آخر سورة نزلت على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وكان نزولها في السنة التاسعة من الهجرة(4)وتتضمن فيما تتضمن أحكاماً أربعة:
الأول: البراءة من المشركين بمعنى انقطاع العصمة والصلة بين الكفار والمشركين وبين المسلمين، ولابد إما أن يسلموا أو يعطوا الجزيةعن يد وهم صاغرون إن كانوا أهل الكتاب، وإما أن يسلموا أو يُقاتلوا إن كانوا مشركين.
الثاني: أن لا يدخل البيت الحرام مشرك بعد هذا لكونهم نجس.
الثالث: أن لا يطوف بالبيت عريان ولا عريانة.
الرابع: أنه إذا استجار أحد من المشركين لاستماع القرآن وكلمة التوحيد يجار حتى يسمع كلام الله ثم يبلغ مأمنه.
وهذه الأحكام هي مضمون الآيات التي بلغها أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى المشركين، فالذي يظهر من ذلك أنه إلى حين نزول السورة لم تكن القطيعة بين المسلمين وبين الكفار بلغت إلى حد البراءة بحيث يكون قتالهم ابتدائياً، وقبل نزول السورة لم تكن حرباً ابتدائية من قبل المسلمين وإنما كانت دفاعية، فعلى فرض وقوع الحرب الابتدائية فهو بعد السنة التاسعة للهجرة.
وثالثاً: أن هذا المعنى قد صرحت به الروايات الواردة في شأن هذه الحادثة فقد ورد في صحيحة أبي الصباح الكناني - كما في تفسير علي بن إبراهيم القمي في تفسير قوله تعالى: «بَرَاءَةٌ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ »(1)- عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: نزلت هذه الآية بعدما رجع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة، قال: وكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لما فتح مكة لم يمنع المشركين الحجّ في تلك السنة، وكان سنّة في العرب في الحج أنه من دخل مكة وطاف بالبيت في ثيابه لم يحل له إمساكها، وكانوا يتصدقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف، وكان من وافى مكة يستعير ثوباً ويطوف فيه ثم يرده، ومن لم يجد عارية اكترى ثياباً، ومن لم يجد عارية ولا كراءاً ولم يكن له إلاّ ثوب واحد طاف بالبيت عرياناً، فجاءت امرأة من العرب وسيمة جميلة فطلبت ثوباً عارية أو كراءاً فلم تجده فقالوا لها: إن طفت في ثيابك احتجت أن تتصدقي بها، فقالت: وكيف أتصدق بها وليس لي غيرها؟ فطافت بالبيت عريانة وأشرف عليها الناس فوضعت إحدى يديها على قبلها والأخرى على دبرها ...
وكانت سيرة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قبل نزول سورة البراءة أن لا يقاتل إلاّ من قاتله، ولا يحارب إلاّ من حاربه وأراده، وقد كان نزل عليه في ذلك من الله عزوجل: «فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُلَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً»(2)فكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يقاتل أحداً قد تنحى عنه واعتزله حتى نزلت عليه سورة البراءة، وأمره الله بقتل المشركين من اعتزله ومن لم يعتزله إلاّ الذين قد كان عاهدهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم فتح مكة إلى مدة، منهم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، فقال الله عزوجل: «بَرَاءَةٌ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ
مِنْ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ »ثم يقتلون حيث ما وجدوا، فهذه أشهر السياحة عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرة من شهر ربيع الآخر.
فلما نزلت الآيات من أول براءة دفعها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى أبي بكر، وأمره أن يخرج إلى مكة ويقرأها على الناس بمنى يوم النحر، فلما خرج أبو بكر نزل جبرئيل على رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال: يا محمد لا يؤدي عنك إلاّ رجل منك، فبعث رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أمير المؤمنين(علیه السلام) في طلبه فلحقه بالروحا فأخذ منه الآيات، فرجع أبو بكر إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: يا رسول الله نزل الله فيّ شيء؟ قال: لا إن الله أمرني أن لا يؤدي عني إلاّ أنا أو رجل مني(1).
ومحل الشاهد من هذه الرواية قوله (علیه السلام): «وكانت سيرة رسول الله قبل نزول سورة البراءة أن لا يقاتل إلاّ من قاتله ...» الخ.
مضافاً إلى أنه إذا كان نزول السورة في السنة التاسعة وكانت آخر السور نزولاً على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كما تقدم ولم يبق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعد نزول السورة إلاّ عاماً يزيد قليلاً فإنّ وفاته - كانت على أشهر القولين في الثامن والعشرين من شهر صفر من العام الحادي عشر، فما نزل من الآيات بعد سورة البراءة قليل جداً سواء كانت في الجهاد أو في غيره.
والمتحصل من مجموع ما تقدم أمور:
الأول: أنّ الآيات الكثيرة الواردة في الحثّ على القتال والجهاد قبل نزول سورة براءة واردة في الجهاد الدفاعي لا الابتدائي، نعم ما ورد بعد ذلك فيلاحظ إن كانت مطلقة فمقتضاها أن تكون في الجهاد الابتدائي وإلاّ فهي للدفاع، وعلى فرض ذلك فهي قليلة جداً فالآيات الكثيرة لم تكن في مورد الجهاد الابتدائي.
1) تفسير علي بن إبراهيم القمي 1 : 308 وما بعدها الطبعة الأولى المحققة
الثاني: أن ما نفثت به سموم بعض الأقلام المنحرفة من أن الإسلام دينالسيف والقتل وسفك الدماء دعوى فارغة عن الواقع وليس لها أساس أصلاً. وإنما يراد بها الكيد للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وللإسلام، وذلك لأنّ الحروب التي وقعت إلى سنة تسع كانت للدفاع عن الإسلام والمسلمين والدفاع عن المبدأ والمعتقد حق طبيعي مشروع تقرّه الفطرة الإنسانية السليمة والقوانين والأعراف.
مضافاً إلى أنّ الحرب الابتدائية مقيدة بشروط ومنها: الدعاء والمجادلة بالتي هي أحسن، فما يقال من أنّ الإسلام دين السيف والدماء ما هو إلاّ مجرد اتهام والإسلام منه بريء وحقائق الإسلام وأحكامه في هذا المجال تنكره أشد الإنكار، وقد فات بعض الأعلام الالتفات إلى حقيقة أنّ الجهاد الابتدائي متأخر زماناً من حيث التشريع فحاول التوجيه والتماس المحامل المصححة، وبعد بيان هذه الحقيقة لا حاجة إلى تلك التوجيهات والمبرّرات.
هذا كله بالنسبة إلى الحروب التي خاضها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في فترة تبليغ الرسالة ولا كلام لنا في ما جرى بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من حروب، إلاّ ما كان من أمير المؤمنين (علیه السلام) في حروبه الثلاث وهي حرب الجمل وصفين والنهروان وهي ليست داخلة في هذا الباب وإنما هي داخلة في حرب البغاة والخارجين على الإمام (علیه السلام)، وذلك مما أنبأ به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) علياً (علیه السلام) حيث روى أبو أيوب الأنصاري قال: أمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) علي بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين(1)ولعل الكلام حولها يأتي في محله.
الثالث: قد ظهر مما تقدم أنّ هذا الحكم لا يبلّغه إلاّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بنفسه أو رجل منه، وذلك لحساسية الأمر وخطورته وإذا كان الإبلاغ مخصوص بالمعصوم ففي مقام التطبيق والإجراء في الجهاد الابتدائي من باب أولى.
1) المستدرك على الصحيحين في الحديث ج 3 كتاب معرفة الصحابة ص 139 دار الفكر بيروت 1398 ه- - 1978 م
والنتيجة: أن ما ذكره سيدنا الأستاذ (قدس سره) من عدم الانسجام بين كثرة الآيات وبين توقيتها بحضور المعصوم وإذنه لا يرجع إلى معنى محصل.
قد تقدمت جملة من الروايات استدل بها صاحب الجواهر(1)على اشتراط الإذن في الجهاد الابتدائي وسيأتي ذكر بقيتها، وذكرنا أنّ السيدالأستاذ (قدس سره) قد ذكر أنّ عمدة الروايات اثنتان: الأولى: رواية بشير، والثانية رواية عبد الله بن المغيرة، وقد ناقش في الأولى من جهتي السند والدلالة، وفي الثانية من جهة الدلالة فقط لكونها معتبرة من جهة السند. وأوردنا عدة روايات أخرى تؤيد مدعاه (قدس سره) .
والظاهر أن جميع المناقشات غير واردة.
أما رواية بشير فقد ناقش فيها من حيث السند بأنّ بشيراً لم يعلم من هو، وقد قلنا إنه يمكن الاعتماد عليها، وقد تقدم أنّ الراوي عن الإمام (علیه السلام) هو بشير الدهان بقرينة الراوي عنه، وعليه فلا إشكال في سند الرواية.
وأما الرواية من حيث الدلالة فقد ناقش فيها بأنّ مناسبة الحكم للموضوع تقتضي حرمة القتال بحكم الجائر في زمان الحضور لا مطلقاً مؤيداً ذلك بجواز أخذ الجزية من أهل الكتاب في زمان الغيبة الملازم لجواز القتال.
ونقول: إنّ دلالة الرواية تنيط جواز القتال بإذن الإمام (علیه السلام)، وذلك لأنّ المذكور في الرواية أنّ القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام، ولهذا المفهوم فردان أحدهما: الجائر. والآخر: غير الجائر وغير المفترض الطاعة، والإمام (علیه السلام) حكم بحرمة القتال بهذا العنوان الشامل لذينك الفردين، نعم لو كان التعبير هكذا: القتال مع الإمام غير المفترض طاعته حرام، لكان مفاده ما ذكره السيد(قدس سره)،
1) جواهر الكلام 21 : 11 - 13 الطبعة السابعة
وتختص الحرمة حينئذ بالقتال مع الجائر فقط فإنّ بين التعبيرين فرقاً بيناً، والتعبير الأول له فردان وهو الوارد في الرواية، والثاني له فرد واحد، وتخصيص التعبير الوارد في الرواية بفرد واحد مما لا وجه له .
والحاصل: أنّ مقتضى الرواية هو اشتراط إذن المعصوم، وأنّ الجواز منحصر في كونه مع المعصوم، لا أنّ الجواز شامل للقتال مع غير المعصوم إذا لم يكن جائراً، وذلك لما ذكرنا من أنّ مفاد الرواية يقتضي المنع عن القتال مع فردين لا فرد واحد، فالرواية من هذه الجهة واضحة الدلالة.
وأمّا من جهة التأييد فليس الأمر كما ذكره (قدس سره) وذلك:
أولاً: لا ملازمة بين القتال وأخذ الجزية، فقد يكون قتالٌ ولا جزية، وهكذا العكس، كما في العبد المملوك فإنه لا يقتل ولكن يؤخذ منه الجزية، وقد صرح السيد (قدس سره) بذلك في ما ذكره من مسائل الجهاد، نعم في أكثر الموارد الأمر كما ذكره فقد ورد في الطفل والمجنون والمقعد فهؤلاء لا يقتلون ولا تؤخذ منهم الجزية، أما أنه على نحو الملازمة بين الحكمينفلا.
وثانياً: إنّ القول بجواز أخذ الجزية في زمان الغيبة بعنوان أنه أمر مسلم مفروغ عنه غير تام، بل هو محل تأمّل إذ ورد في بعض الروايات أنّ تقدير الجزية للإمام (علیه السلام)، ومن ذلك صحيحة زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما حدّ الجزية على أهل الكتاب؟ وهل عليهم في ذلك شيء موظف لا ينبغي أن يجوز إلى غيره؟ فقال: ذلك إلى الإمام يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء على قدر ماله، وما يطيق، إنما هم قوم فدوا أنفسهم أن يستعبدوا أو يقتلوا فالجزية تؤخذ منهم على قدر ما يطيقون له أن يأخذهم به حتى يسلموا، فإنّ الله قال: «حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ»(1)وكيف يكون صاغراً وهو لا يكترث لما يؤخذ منه حتى لا يجد
1) سورة التوبة، الآية: 29
ذلاًّ «ألماً» لما أخذ منه فيألم لذلك فيسلم(1).
والمستفاد من الرواية: أنّ أمر الجزية وأخذها وتقديرها للإمام (علیه السلام)، فإطلاق الجواز في زمان الغيبة محلّ تأمل بل إشكال، نعم أخذ المال من الكفار بعنوان آخر لا إشكال فيه، لكن لا بعنوان الجزية.
والحاصل: أنّ ما أورده السيد (قدس سره) على الرواية وما أيد به مدعاه في غير محلّه.
وأما معتبرة عبد الله بن المغيرة فقد ناقش السيد (قدس سره) - كما تقدم - بأنّ الرواية تشتمل على خصوصية في المقام لأجلها لم يجوّز الإمام القتال معهم، لا أنه غير جائز مطلقاً إلاّ بإذنه(علیه السلام)، وشاهده تشريك المرابطة في الحكم مع أنّها غير مشروطة بالإذن.
والظاهر أنّ المناقشة غير تامة، والدلالة واضحة، وذلك:
أولاً: كيف يمكن المناقشة بأنّ المقام يشتمل على خصوصية في ذلك الوقت والحال أنّ الرواية لم تشر إلى وقت بخصوصه وأنّ المتحدّث ينقل حكاية عن أبيه عن آبائه ؟! ومنه يعلم أنّ السؤال متقدم في زمان سابق، وكأنّ السؤال عن أمر كلّي لا قضية شخصية جزئية.
وثانياً: إنّ الجواب بقوله: «عليكم بهذا البيت فحجّوه» لا يختص بزمان دون آخر، بل هو أمر دائمي مستمر إلى زمان خروج الحجة (عج الله تعالی فرجه الشریف).
وثالثاً: إنّ تصديق الإمام (علیه السلام) لهذا الجواب وإمضائه له يتضمنالإشارة إلى أنّ هذا الحكم جار في زمانه (علیه السلام) أيضاً مع أنّ زمان الرضا (علیه السلام) ليس فيه عدو في قزوين ولا في الديلم وإنما كان ذلك في أزمنة سابقة.
والمستفاد من كل ذلك: أنّ الحكم مستمر دائمي إلى حين حصول الإذن فما
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 68 من أبواب جهاد العدو الحديث 1
ذكره (قدس سره) من أنه كان موقتاً لخصوصية في المقام خلاف ظاهر الرواية.
وأما ما ذكره شاهداً على مدعاه من أمر الرباط وأنه غير مشروط بإذن الإمام فغير مسلم، وذلك لما تقدم في أقوال العلماء من أنّ الشيخ اشترط في المرابطة أن يكون هناك إمام عادل، وخالفه ابن إدريس في ذلك فليست المرابطة جائزة مطلقاً بل هي محل خلاف بين الفقهاء، واقتران الرباط مع الجهاد في الرواية ليس دليلاً على عدم الاشتراط، فما ذكره السيد (قدس سره) من الإيراد على الرواية غير تام .
والمستفاد من كلتا الروايتين اشتراط إذن المعصوم (علیه السلام) في الجهاد الابتدائي، وأمّا بقية الروايات فقد ذكرنا أربع روايات مؤيدة لما اختاره وهي رواية حفص بن غياث، ورواية الزهري (الزبيري)، ورواية أبي عمرة السلمي، ورواية أبي بصير.
أما الرواية الأولى فقد ذكرنا فيما تقدم أنّها تدل على أنّ ثلاثة من السيوف شاهرة وهذه الثلاثة: الأول منها على مشركي العرب، والثاني على أهل الذمة، والثالث على مشركي العجم، وهي مستمرة إلى أن تطلع الشمس من مغربها فبحسب الإطلاق يمكن استفادة عدم الحاجة إلى الإذن إذ لم يشر في الرواية إلى اشتراطه.
ولكن هذه الرواية وإن كانت معتبرة سنداً إلاّ أنه من حيث الدلالة محلّ تأمّل، إذ من المحتمل أن يكون الإمام (علیه السلام) في مقام بيان أصل الوجوب وأنّه باق إلى زمان طلوع الشمس من مغربها المكنى به عن ظهور الحجة (عج الله تعالی فرجه الشریف) أو قيام القيامة الكبرى، أما أنه في مقام بيان جميع الشرائط فليس الأمر كذلك، ولذا لم يتعرض لسائر الشرائط الأخرى من كون المجاهد حراً بالغاً قادراً ونحو ذلك.
فالظاهر من الرواية أنّها واردة في مقام بيان أصل الوجوب وأنّ أحد أحكام الدين محاربة الكفار، وبناء على ذلك لا يمكن التمسك بهذه الرواية في عدم الحاجة إلى الإذن، مضافاً إلى أنّ قوله (علیه السلام): وكان السائل من محبينا فيه إشعار
بأنّه من الشيعة وأهل الولاء، وإنما هو محب لهم (علیهم السلام)، ولذا لم يبيّن له الإمام (علیه السلام) جميع الشرائط واقتصر على بيان أصل التشريع، وعليه فلا يمكن الاستناد إلى هذه الرواية.
وأما الرواية الثانية وهي رواية الزهري (الزبيري) - والصحيح هوالزبيدي كما ذكرنا - فهي وإن اشتملت على السؤال عن شرائط المجاهد لا عن أصل الوجوب، ويمكن استفادة ذلك من عدّة فقرات من الرواية منها: قوله: أخبرني عن الدعاء إلى الله والجهاد في سبيله أهو لقوم لا يحلّ إلاّ لهم ولا يقوم به إلاّ من كان منهم؟ أم هو مباح لكلّ من وحّد الله عزوجل وآمن برسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) ... ؟ وقد أجابه الإمام(علیه السلام) بذكر الشرائط ولم يذكر منها حضور المعصوم(علیه السلام)، ومنها قوله(علیه السلام): لو كان إنما أذن في قتال من ظلمهم من أهل مكة فقط لم يكن لهم إلاّ قتال جموع كسرى وقيصر وغير أهل مكة من قبائل العرب سبيل ... إلى أن قال: وليس كما ظننت ولا كما ذكرت.
ومنها: قوله (علیه السلام): وبحجة هذه الآية يقاتل مؤمنو كل زمان.
ومنها: قوله (علیه السلام): ومن كان قائماً بتلك الشرائط فهو مؤمن وهو مظلوم ومأذون له في الجهاد بذلك المعنى.
مضافاً إلى أنّ الإمام (علیه السلام) قد قسّم الدعاء إلى الله على أربعة أقسام، وجعل القسم الرابع هو اتباع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من المؤمنين وهم المأذون لهم في الدعاء إلى الله والجهاد في سبيله، ولا يختصّ ذلك بزمان دون زمان، فإنّ حكم الله في الأولين والآخرين سواء، فظاهر هذه الفقرات عدم اشتراط الإذن ولم يشر الإمام (علیه السلام) إليه ولو في فقرة واحدة من تلك الفقرات.
هذا ولكن الرواية قابلة للمناقشة سنداً ودلالة.
أما من جهة السند ففيها بكر بن صالح وهو وإن كان وارداً في أسناد تفسير
علي بن إبراهيم القمي في كلا القسمين(1)كما أنه واقع في المستثنى منه من كتاب نوادر الحكمة(2)إلاّ أنه قد ورد فيه التضعيف من النجاشي(3)فيكون مورداً للتعارض ويعامل معاملة المجهول، فالرواية من حيث السند غير معتبرة.
وأمّا من جهة الدلالة ففيها:
أولاً: إنّ الظاهر من الرواية أنّها في مقام بيان شرائط كمال المجاهد في سبيل الله إذ لا يشترط في المجاهدين ما ذكره الإمام من الأوصاف، وما استشهد به من الآية الشريفة في ذكر أحوالهم بل يكتفى بما هو أدنى من تلك الأوصاف.مضافاً إلى أنّ الرواية لم تذكر سائر الشرائط من الرجولة والبلوغ والحرية والإذن ونحو ذلك، وإنّما ذكرت الرواية الشرائط الأخلاقية التي ينبغي أن يكون عليها المجاهد.
وثانياً: إنه (علیه السلام) قسّم الداعين إلى الله عزوجل إلى أربعة أقسام وهم: الله عزوجل، ونبيه(صلی الله علیه و آله و سلم) والقرآن الكريم، وعترة نبيه الذين أذهب الله عنهم الرجس، ثم ذكر أتباع النبي والأئمة (علیهم السلام) الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجاهدون في سبيل الله وذكر أوصافهم وشرائطهم ولم يتبيّن أنهم من الداعين على نحو الاستقلال وفي عرض الأربعة المذكورة، وبناء على هذا فليست الرواية صريحة في دلالتها، وعليه فلا يمكن الاعتماد عليها في المقام.
وأمّا الرواية الثالثة وهي رواية أبي عرة (عمرة) السلمي فظاهرها السؤال عن الإذن في القتال، فإنّ السائل كان يكثر من الغزو إلى أن حجر عليه وقالوا له: لا غزو إلاّ مع إمام عادل، وليس في جواب الإمام (علیه السلام) ما يشير إلى اشتراط الإذن فيمكن التمسك بدلالة ظاهر الرواية على عدم الحاجة إلى الإذن.
ولكن الرواية غير تامة سنداً ودلالة.
أما من حيث السند فقد تقدم أنّ أبا عمرة لم يرد فيه توثيق فالرواية ضعيفة به.
وأما من حيث الدلالة ففيها أنّ السائل وإن كان سؤاله عن اشتراط الإذن حيث حجر عليه، وقيل له: لا غزو إلاّ مع إمام عادل إلاّ أن جواب الإمام اختلف باختلاف رغبة السائل في الإجمال أولاً ثم عدوله إلى الرغبة في التلخيص ثانياً، بل إنّ السائل عدل عن سؤاله الأول إلى سؤال آخر وهو قوله: غزوت فواقعت المشركين ... الخ والإمام (علیه السلام) أجاب عن السؤال الثاني وانتقل الكلام إلى موضوع آخر وهو جواز القتال قبل الدعوة وعدمه، فليس في الرواية دلالة على عدم اشتراط إذن الإمام (علیه السلام) بل إنّ كلام السائل فيه إشعار باشتراط الإذن، وذلك لأنّهم حجروا عليه وقالوا: لا غزو إلاّ مع إمام عادل، فكأنّ المرتكز في الأذهان اشتراط الإذن، ويظهر أنّ الذي حجر عليه جماعة ولهذا عبر عنهم بقوله قالوا مضافاً إلى أنه قد يستشعر من الرواية أنّ السائل من العامة وإلاّ ما معنى أن يكثر من الغزو طلباً للأجر؟ اللهم إلاّ أن يكون إمامياً قاصراً.
والحاصل: أنّ الرواية لا يمكن الاعتماد عليها من كلتا الجهتين.
وأما الرواية الرابعة وهي معتبرة أبي بصير فقد ذكر فيها أنّ المناطفي الخروج للجهاد أن يكون مع المأمون على الحكم والمنفذ في الفيء أمر الله، بلا فرق بين أن يكون معصوماً أو غير معصوم وليس في الرواية اشتراط الإذن.
ولكن يمكن القول إنّ الرواية وإن كانت معتبرة السند إلاّ أنها من جهة الدلالة قابلة للنقاش وذلك:
أولاً: إنّ الوارد في الرواية لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم ولا ينفذ في الفيء أمر الله عزوجل، والمستفاد من هذه العبارة النهي عن الخروج لما يترتب على ذلك من المفاسد التي ذكرها الإمام (علیه السلام) كما أنّ المراد ممّن لا يؤمن على الحكم ولا ينفذ في الفيء أمر الله هو الحاكم الجائر؛
فإنّه المصداق لهذا المعنى أي أن له الحكم إلاّ أنه ليس مأموناً عليه وله إنفاذه إلاّ أنه ليس على طبق أمر الله، ويقابله السلطان العادل الذي هو مأمون على الحكم والمنفذ في الفيء أمر الله عزوجل وينحصر مصداقه في الإمام المعصوم (علیه السلام)، فتكون الرواية ظاهرة في اشتراط الخروج مع الإمام العادل.
ثانياً: سلمنا أنّ قوله: من لا يؤمن على الحكم مطلق، وهذا الإطلاق شامل للإمام ولغير الإمام إذا كان عادلاً، ولكن لا تعارض بين هذه الرواية وبين الروايات المتقدمة أو الآتية الدالة على اشتراط الإذن، ومقتضى الجمع هو حمل المطلق على المقيد فيكون المراد من هذه الرواية بعد تقييدها عين ما يراد من تلك الروايات، وهو أنّ القتال لا يكون إلاّ مع إذن الإمام المعصوم(علیه السلام).
هذا ما يتعلق بالروايات الأربع التي ذكرناها كتأييد لما اختاره السيد الأستاذ (قدس سره) وتبين أنها قابلة للنقاش، وبذلك يتم الكلام حول ما استدل به على عدم اشتراط الإذن في الجهاد الابتدائي، وحينئذ إذا لم يكن ثمة دليل على الاشتراط وجب الأخذ بالإطلاقات من الآيات والروايات، وأما مع وجود الدليل على الاشتراط فلا تصل النوبة إلى الأخذ بالإطلاقات، ووجب الأخذ بدليل الاشتراط، وملخص ما تقدم أنّه يمكن الاستدلال على اعتبار إذن المعصوم في الجهاد، ويدل على ذلك عدة من الروايات منها: رواية بشير ومنها رواية عبد الله بن المغيرة، وقد تقدم الكلام حولهما وأنّ دلالتهما على الاشتراط تامة، كما أنّهما معتبرتان من جهة السند.
ومنها: رواية عبد الملك بن عمر، وقد تقدم نقل الرواية، وهي من حيث السند معتبرة فإنه وإن كان في سندها الحكم بين مسكين وهو ممّن لم يرد فيه توثيق، إلاّ أنه يمكن الحكم بوثاقته لوقوعه في المستثنى منهمن كتاب نوادر الحكمة(1)،
1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 139 الطبعة الأولى
ورواية المشايخ الثقات(1)عنه، وبناء على ذلك فالرواية تامة السند.
وأما من جهة الدلالة فهي تامة أيضاً، وذلك بمفاد قوله (علیه السلام): «بلى والله إني لأراه ولكني أكره أن أدع علمي إلى (على) جهلهم»، فالإمام (علیه السلام) يرى وجوب الجهاد إلاّ أنه مع ذلك يقرّ عبد الملك بن عمرو على فعله ويصوبه، والحال أنّ عبد الملك بن عمرو إنما ترك الخروج للجهاد انتظاراً لأمر الإمام (علیه السلام) واقتداء به.
والحاصل: أنّ المقتضي موجود والمانع موجود أيضاً، فإنّ الإمام مع أنه يرى وجوب الجهاد إلاّ أنه لا يرى مشروعية ما يفعله هؤلاء، ومن ذلك يعلم اشتراط الجهاد - سواء كان قتالاً أو رباطاً - بإذن الإمام (علیه السلام) والرواية - صدراً وذيلاً - دالة على ذلك.
ومنها: رواية فضيل بن عياض، وحفص بن غياث قال: - واللفظ للأول - سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الجهاد أسنّة هو أم فريضة؟ فقال: الجهاد على أربعة أوجه فجهادان فرض، وجهاد سنّة لا تقام إلاّ مع الفرض، وجهاد سنة، فأمّا أحد الفرضين فمجاهدة الرجل نفسه عن معاصي الله عزوجل، وهو من أعظم الجهاد، ومجاهدة الذين يلونكم من الكفار فرض. وأما الجهاد الذي هو سنّة لا يقام إلاّ مع فرض فإنّ مجاهدة العدو فرض على جميع الأمة ولو تركوا الجهاد لأتاهم العذاب، وهذا هو من عذاب الأمة، وهو سنّة على الإمام وحده أن يأتي العدو مع الأمة فيجاهدهم، وأما الجهاد الذي هو سنّة فكل سنّة أقامها الرجل وجاهد في إقامتها وبلوغها وإحيائها فالعمل والسعي فيها من أفضل الأعمال لأنّها إحياء سنة، وقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء(2).
وهذه الرواية من جهة السند معتبرة، وأمّا من جهة الدلالة فالمستفاد منها توقف المشروعية على الإذن.
وبيان ذلك: أنّ الإمام (علیه السلام) قسم الجهاد إلى أربعة أقسام اثنين منها فرض والثالث سنة لا يقام إلاّ مع الفرض والرابع سنة، أما الأول فهو جهاد النفس وهو المعبر عنه في بعض الروايات بالجهاد الأكبر، وأما الثانيفهو مجاهدة الذين يلونكم من الكفار وهو الجهاد الدفاعي عند مداهمة العدوّ، وأما الرابع فهو الجهاد لإحياء السنن والمداومة عليها وإشاعتها بين الناس المتمثل في أعمال البر والإحسان والصدقات الجارية ونحو ذلك.
وأما الثالث - وهو محل الشاهد - فهو جهاد العدو وهو فرض على الأمة سنة على الإمام وحده وقوله: «وجهاد سنّة لا تقام إلاّ مع الفرض» إشارة إلى الاقتران بين الأمة والإمام، غاية الأمر أنّ حضور الإمام إلى ميدان القتال ومحاربته للعدو بنفسه ليس واجباً عليه وإنما هو مستحب، فالمستفاد أنّ هذا القسم من الجهاد مفروض على الأمة مع وجود الإمام (علیه السلام) وإذا وجد الإمام (علیه السلام) فله الحكم بالجهاد وعدمه، ومعنى ذلك هو توقف هذا القسم من الجهاد على إذن الإمام (علیه السلام) .
وهناك روايات أخرى مؤيدة لما تقدم:
منها: رواية الأعمش عن جعفر بن محمد (علیه السلام) في حديث شرائع الدين قال: والجهاد واجب مع إمام عادل ومن قتل دون ماله فهو شهيد(1).
والمستفاد من الرواية انحصار الجهاد مع الإمام العادل فلا إشكال في دلالة الرواية، وإنما الإشكال في سندها فإنه يشتمل على عدة من المجاهيل فتكون مؤيدة.
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن جعفر بن محمد بن قولويه في مزاره بسنده عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن جده قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): أيّما
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 12 من أبواب جهاد العدو الحديث 9
أفضل الحج أو الصدقة؟ فقال: هذه مسألة فيها مسألتان، قال: كم المال يكون ما يحمل صاحبه إلى الحج؟ قال: قلت: لا، قال: إذا كان ما لا يحمل إلى الحج فالصدقة لا تعدل الحج، الحج أفضل، وإن كانت لا تكون إلاّ القليل فالصدقة قلت: فالجهاد؟ قال: الجهاد أفضل الأشياء بعد الفرائض في وقت الجهاد، ولا جهاد إلاّ مع الإمام(1). الحديث .
ومحل الشاهد قوله: «ولا جهاد إلاّ مع الإمام» والمنصرف إليه هو الإمام المعصوم بقرينة سائر الروايات، فلا إشكال في الدلالة، وإنما الإشكال في السند فإنّ فيه عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن جدّه، أمّاعبد الله فقد ضعّفه النجاشي وابن الغضائري(2)وقال عنه النجاشي: ضعيف غال ليس بشيء(3)، إلاّ أنه ورد في أسناد كتاب نوادر الحكمة(4)وروى عنه المشايخ الثقات(5)فيقع مورداً للتعارض ويعامل معاملة المجهول، نعم قد يقال: إنّ تضعيف النجاشي من جهة المذهب ونسبته إلى الغلوّ فيمكن الجمع بذلك ويكون ثقة في روايته ضعيفاً في مذهبه، وروايته حينئذ معتبرة، ومع ذلك لا يرتفع الإشكال عن السند لاشتماله على جده (أي جدّ عبد الله بن عبد الرحمن) ولم يعرف من هو ولم نقف على ترجمة له فتبقى الرواية محكومة بالضعف وإن كانت من جهة الدلالة تامة.
ومنها: رواية تحف العقول عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: والجهاد واجب مع إمام عادل، ومن قاتل فقتل دون ماله ورحله ونفسه فهو شهيد، ولا يحلّ قتل أحد من الكفار في دار التقية إلاّ قاتل أو باغ، وذلك إذا لم تحذر على
نفسك، ولا أكل أموال الناس من المخالفين وغيرهم، والتقية في دار التقية واجبة، ولا حنث على من حلف تقية يدفع بها ظلماً عن نفسه(1).
وموضع الشاهد من هذه الرواية هو الفقرة الأولى وهي بمضمون الرواية المتقدمة، إلاّ أنها من حيث السند محل كلام ولنا حول كتاب تحف العقول تحقيق ذكرناه في مباحثنا الرجالية(2)فراجع.
ومنها: ما أورده صاحب المستدرك عن كتاب كشف اليقين نقلاً عن تفسير محمد بن العباس الماهيار، قال: حدثنا محمد بن همام بن سهيل عن محمد بن إسماعيل العلوي قال: حدثنا عيسى بن داود النجار عن أبي الحسن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده (علیهم السلام) في خبر شريف في المعراج - إلى أن قال: - «قال تعالى: فهل تعلم يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قلت: ربي أعلم وأحكم وأنت علاّم الغيوب، قال: اختصموا في الدرجات والحسنات، فهل تدري بالدرجات والحسنات؟ قلت: أنت أعلم يا سيدي وأحكم، قال: اسباغ الوضوء في المكروهات والمشي على الأقدام إلىالجهاد معك ومع الأئمة من ولدك، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإفشاء السلام وإطعام الطعام، والتهجّد بالليل والناس نيام(3)الخبر.
وموضع الشاهد قوله: «والمشي على الأقدام إلى الجهاد معك ومع الأئمة من ولدك» وعدّ ذلك من الحسنات فيكون مع غير المعصوم أو إذنه ليس من الحسنات في شيء، هذا وقد ورد بدل لفظة الجهاد والجمعات - كما في حاشية المستدرك من الطبعة المحققة نقلاً عن المصدر - فتكون العبارة هكذا: والمشي على الأقدام إلى الجمعات معك ومع الأئمة من ولدك، ولعلّ لفظة الجمعات بمقتضى
التناسب والسياق هي الأليق بالرواية والله العالم، وعلى كل حال فالرواية ضعيفة السند لاشتمالها على من لم يرد فيه توثيق.
ومنها: ما نقله صاحب المستدرك عن كتاب بشارة المصطفى بسنده إلى كميل، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنه قال: يا كميل لا غزو إلاّ مع إمام عادل، ولا نقل إلاّ مع إمام فاضل يا كميل: أرأيت إن لم يظهر نبي وكان في الأرض مؤمن تقي ما كان في دعائه إلى الله مخطئاً أو مصيباً؟ بلى والله مخطئاً حتى ينصبه الله عزوجل لذلك ويؤهله» (1)الخبر.
والرواية من حيث الدلالة لا إشكال فيها، وإنما الإشكال في سندها فإنّه يشتمل على عدة من المجاهيل .
هذا ويمكن التأييد بعدة روايات معتبرة أخرى:
منها: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كلّ راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عزوجل(2).
وهذه الرواية وإن قيل: إنها واردة في الخروج على أئمة الجور، ولكن بمقتضى العموم في قوله كلّ راية تشمل كل قيام إلاّ ما خصّص بالدليل كالراية التي ترفع للدفاع عن بيضة الإسلام فإنّها خارجة عن العموم، ولم ينهض دليل معتبر لإخراج ما نحن فيه عن العموم، ومع الشك فهو داخل تحت العموم أيضاً.
والحاصل: أنّ الرواية صالحة للاستدلال بها على المدّعى ولكن لاحتمال أنها واردة في الخروج على السلطان الجائر جعلناها مؤيدة، وهناك روايات أخرى كثيرة يمكن استفادة هذا المعنى منها وفي ما ذكرناهكفاية.
والنتيجة: أنّ المستفاد من الروايات بضميمة ما تقدم من دعوى الإجماع
اشتراط الجهاد الابتدائي بإذن الإمام (علیه السلام) كما ذهب إليه صاحب الجواهر(1)وهو المذهب المشهور.
ربما يقال: إذا كان الجهاد الابتدائي مشروطاً بإذن المعصوم (علیه السلام) فلماذا شارك بعض الصحابة من المهاجرين والأنصار في الحروب التي وقعت في زمان الخلفاء الثلاثة ضد الفرس والروم؟ وكيف قبل بعضهم كسلمان وعمّار الإمارة لبعض الخلفاء على بعض البلدان؟ ولو كان الأمر كما قرّر من اشتراط الإذن لما شارك هؤلاء في ذلك مع أنّ الأحكام لم تكن خافية آنذاك!
والجواب: أوّلاً: أنّ التتبع والتأمل في تاريخ الحروب الواقعة بين المسلمين وبين الفرس والروم يفيد أنّ لهذه الحروب مناشىء فليست هذه الحروب في بدايتها جهاداً ابتدائياً وإن انجرّت إليه.
وثانياً: لم ينقل في التاريخ مشاركة أمير المؤمنين (علیه السلام) بنفسه في هذه الحروب، وأمّا مشاركة كبار الصحابة وعيونهم أمثال سلمان والمقداد وأبي ذر وعمّار وأمثالهم في هذه الحروب فعلى فرض تحققها من بعضهم فليست إلاّ عن إذن الإمام (علیه السلام)، فما كان هؤلاء ليتصرفون إلاّ بأمره (علیه السلام) .
وثالثاً: احتمال أن تكون هذه الحروب كانت تحت نظر الإمام (علیه السلام) وبعد مشاورته، وقد ورد أنّ عمر شاور أمير المؤمنين (علیه السلام) وقد بشّره الإمام بالفتح، في كثير من الأمور حتى في تعيين مقدار الجزية، وقد عيّنها الإمام بنفسه ويؤيد ذلك ما رواه الصدوق في الخصال بإسناده عن محمد بن الحنفية وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر (علیه السلام)، في حديث السبعة قال: أتى رأس اليهود، عليّ بن أبي طالب عند
1) جواهر الكلام 21 : 11 الطبعة السابعة
منصرفه عن وقعة النهروان وهو جالس في مسجد الكوفة فقال: يا أمير المؤمنين إنّي أريد أن أسألك عن أشياء ... إلى أن قال (أمير المؤمنين): وأما الرابعة يا أخا اليهود فإنّ القائم بالأمر بعد صاحبه كان يشاورني في موارد الأمور فيصدرها عنأمري ويناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي ...(1)) فقد يقال: إنّ هذه الحروب كانت بإذن الإمام المعصوم، وهكذا بالنسبة إلى قبول الولاية على بعض البلدان .
ورابعاً: على فرض الإغماض عن جميع ذلك وإنّ الحروب لم تكن بإذنه (علیه السلام) إلاّ أنه بعد نشوب الحرب ووصول الأمر إلى مرحلة الخطر بحيث يهدّد الإسلام ففي هذه الحالة يتبدّل الموقف إلى الجهاد الدفاعي عن بيضة الإسلام، وحينئذ لا حاجة إلى الإذن وقد ذكر التاريخ أنّ الروم أرادوا الإغارة على بلاد الإسلام(2)فعلى فرض أنّه غير مشروع ابتداء إلاّ أنه واجب استدامة على جميع المسلمين لدفع الخطر عن الإسلام.
وبناء على هذا فلا يمكن الاستدلال بما وقع من حروب في زمان الخلفاء الثلاثة على مشروعية الجهاد الابتدائي من دون إذن المعصوم (علیه السلام) .
ثم إنّ كشف النقاب عن هذه الحقائق يحتاج إلى دراسة موسّعة وليس هذا المقام موضعها.
الأولى: هل يكفي إذن الفقيه الجامع للشرائط في شرعية الجهاد الابتدائي بدلاً عن الإمام(علیه السلام) أو نائبه الخاص أو لا؟
الذي يظهر من جماعة أنه لا يكفي وقد تقدمت كلمات عدة من الفقهاء،
وذهب صاحب الجواهر(1)إلى أنه لا يبعد الاكتفاء بإذن الفقيه والأمر يبتني على مسألة ثبوت الولاية للفقيه وحدودها فإذا ثبتت بحيث تشمل هذا المورد فهو وإلاّ فلا، وسيأتي البحث عن ذلك مفصّلاً في آخر الكتاب.
الثانية: إذا كان الجهاد مورداً للتقية بحيث خيف على النفس أو العرض أو المال، فهل يجب الجهاد والحضور والاشتراك أو لا؟ وجهان :
الأول: الوجوب وذلك لشمول الأدلة العامة الواردة في التقية لهذا المورد، إذ بمقتضى إطلاقها وأنّ التقية لكل ضرورة، وهذا المورد منها فهي شاملة له، مضافاً إلى ما ورد في المرابطة - كما سيأتي - من أنّها إذاكانت لتقيّة فهي جائزة، بل قد تجب وإذا انجرّت إلى القتال وجبت المقاتلة دفاعاً عن بيضة الإسلام أو عن النفس، فإذا كانت المرابطة جائزة وإن انجرّت إلى القتال فكذلك الجهاد الابتدائي عن تقية واجب وإن انجرّ إلى القتال جوازاً أو وجوباً دفاعاً عن بيضة الإسلام أو النفس، فما يقال في المرابطة عن تقيّة يقال في الجهاد الابتدائي عن تقية حرفاً بحرف .
الثاني: عدم الجواز وذلك لأنّ الأدلة العامة مقيّدة بما لم تبلغ الدم فإذا بلغت الدم فلا تقية، وهذا هو مفاد صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية(2).
وهذه الصحيحه مقيدة لتلك الأدلة العامة ومقتضى حمل المطلق على المقيد أنّ الأدلّة العامة جارية في ما عدا هذا المورد.
وأمّا قياس الجهاد الابتدائي على المرابطة فهو في غير محلّه، وذلك لأنّ المرابطة إنّما شرعت للمحافظة على الثغور وأطراف البلاد الإسلامية، وليست
للمقاتلة، نعم قد تنجرّ إلى القتال ولكنه حينئذ يصبح قتالاً دفاعياً وهو واجب ولا حاجة فيه إلى الإذن، بخلاف القتال الابتدائي فإن القتال فيه مقصود بالذات، وأمّا القتال في المرابطة فهو عارض تبعي والفرق بينهما واضح فالحكم بالمساواة بينهما مشكل، نعم إذا تمكّن في الجهاد الابتدائي من الحضور من دون مقاتلة تعيّن ذلك إذ لا دم فيه، ومن جانب آخر حقن بحضوره دمه ودفع عن نفسه الخوف بالخروج، وأما مع عدم الإمكان إلاّ بالمقاتلة فالأمر مشكل .
الثالثة: تقدم أنّ الجهاد الابتدائي مشروط بإذن الإمام (علیه السلام) أو من نصبه، لكن في استدامته قد ينقلب إلى الوجوب من دون حاجة إلى الإذن، وذلك فيما إذا خيف على بيضة الإسلام أو بلاد المسلمين أو إضعاف شوكتهم فحينئذ يجب على جميع المسلمين وإن كان في بدايته ليس مشروعاً.
الرابعة: إنّ الخوف مسوغ للجهاد بمعنى أنه إذا خاف المسلمون على أنفسهم أو أعراضهم أو أموالهم، أو خافوا من سيطرة العدو على أراضيهم واستيلائه عليها وجب الجهاد حتى يرتفع الخوف عنهم ويطمئنوا على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، ولا حاجة حينئذ إلى الإذن وذلك لاندراج هذا الجهاد تحت الدفاع عن بيضة الإسلام.
وبهذا يتم الكلام عن القسم الأول من أقسام الجهاد.
وقد علم حكمه من مطاوي البحث المتقدم.
وهي حفظ ثغور بلاد الإسلام وحراستها عن هجوم العدو.
ولا إشكال في أنّ المرابطة أمر مرغوب فيه ومندوب إليه في نفسه، وله أجر عظيم، ومع ذلك هو من الواجبات الكفائية لأنّه دفاع عن الإسلام والمسلمين وصد للعدو عن الهجوم على بلادهم.
وإنّما وقع الكلام في أنّ وجوب المرابطة هل هو مشروط بإذن الإمام (علیه السلام) أو لا؟ وهنا اختلفت كلمات الأعلام فذهب جماعة - ولعله المشهور - إلى عدم الحاجة إلى إذن المعصوم(علیه السلام) بل ادّعى بعضهم عدم الخلاف فيه، واختاره العلامة في التذكرة(1)وابن إدريس في السرائر(2)وغيرهما .
وذهب الشيخ وغيره إلى احتياج المرابطة إلى الإذن من المعصوم (علیه السلام) (3)وقد تقدمت كلمات بعضهم في القسم الأول .
ومنشأ الاختلاف بين الفقهاء اختلاف الأخبار الواردة في المقام.
ولتحقيق المقام لابدّ من البحث حول مداليل الروايات الواردة فنقول:
إنّ الروايات الواردة في المرابطة على طوائف ثلاث:
الأولى: ما تدلّ على مشروعية المرابطة على نحو الإطلاق وهو الموافق لمقتضى الأصل لأنها تندرج تحت الدفاع وهو لا يحتاج إلى الإذن ومن ذلك:
صحيحة محمد بن مسلم، وزرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیه السلام) قال:
الرباط ثلاثة أيام، وأكثره أربعون يوماً، فإذا كان ذلك فهو جهاد(1).
وهذه الرواية وإن وردت في بيان فضل المرابطة وأنّها إذا بلغت أربعين يوماً أصبحت جهاداً إلاّ أنها مطلقة إذ لم يرد فيها احتياج المرابطة إلى إذن المعصوم، وفي معنى هذه الرواية وردت عدة روايات ذكرهاالمحدث النوري في المستدرك(2)إلاّ أنّ في أسنادها ضعفاً وإن كانت من حيث الدلالة تامة.
الطائفة الثانية: ما تدل على اشتراط المرابطة بإذن المعصوم (علیه السلام):
ومنها: معتبرة عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): جعلت فداك ما تقول في هؤلاء الذين يقتلون في هذه الثغور؟ قال: فقال: الويل يتعجلون قتلة في الدنيا وقتلة في الآخرة، والله ما الشهيد إلاّ شيعتنا ولو ماتوا على فرشهم(3).
والرواية تتضمن السؤال عمن يقتل في الثغور فإن كان المراد من الثغور المرابطة فهو داخل في ما نحن فيه، وإن كان المراد هو الجهاد فقد تقدم الكلام فيه وعلى كلا التقديرين فالمستفاد من الرواية النهي المطلق لأنّه بغير إذن الإمام (علیه السلام)، ودلالتها على ذلك تامة وأما من جهة السند ففيها علي بن معبد وواصل وهما وإن لم يرد فيهما توثيق إلاّ أنهما واقعان في أسناد كتاب نوادر الحكمة(4)فيمكن الحكم بوثاقتهما ويكون سند الرواية معتبراً.
ومنها: صحيحة عبد الله بن المغيرة قال: قال محمد بن عبد الله للرضا (علیه السلام) وأنا أسمع: حدثني أبي عن أهل بيته عن آبائه أنه قال له بعضهم: إنّ في بلادنا
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 6 من أبواب جهاد العدو الحديث 1
2) مستدرك الوسائل ج 11 باب 6 من أبواب جهاد العدو الاحاديث 1 - 8
3) وسائل الشيعة ج 11 باب 6 من أبواب جهاد العدو الحديث 4
4) رواها الشيخ في التهذيب عن محمد بن أحمد بن يحيى - وهو صاحب نوادر الحكمة - عن إبراهيم بن هاشم، عن علي بن معبد، عن واصل، عن عبد الله بن سنان وقد التزم الشيخ في التهذيب بالبدءة باسم صاحب الكتاب لاحظ تهذيب الأحكام ج 3 باب 22 الحديث 3 ص 125 ولاحظ المشيخة ، تهذيب الأحكام 10 : 4
موضع رباط يقال له: قزوين وعدوّاً يقال له: الديلم فهل من جهاد أو هل من رباط؟ فقال: عليكم بهذا البيت فحجّوه، فأعاد عليه الحديث فقال: عليكم بهذا البيت فحجّوه أما يرضى أحدكم أن يكون في بيته ينفق على عياله من طوله ينتظر أمرنا، فإن أدركه كان كمن شهد مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بدراً، فإن مات ينتظر أمرنا كان كمن كان مع قائمنا صلوات الله عليه هكذا في فسطاطه، وجمع بين السبابتين، ولا أقول: هكذا وجمع بين السبابة والوسطى، فإنّ هذه أطول من هذه، فقال أبو الحسن (علیه السلام): صدق(1).
وهذه الرواية وإن نقلناها في ما تقدم إلاّ أن موضع الشاهد هنا هو الرباط وفي ما تقدم هو الجهاد، ودلالة الرواية تامة فإنّ الإمام (علیه السلام) صدّقالمتحدث بما حدّث به، والمستفاد من ذلك اشتراط المرابطة بالإذن.
ومنها: معتبرة عبد الملك بن عمرو قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا عبد الملك مالي لا أراك تخرج إلى هذه المواضع التي يخرج إليها أهل بلادك؟ قال: قلت: وأين؟ قال: جدّة وعبادان والمصيصة وقزوين، فقلت: انتظاراً لأمركم والاقتداء بكم ...(2)الخ.
وهذه الرواية تقدمت أيضاً وموضع الشاهد منها في المقام قوله: قزوين فإنه موضع رباط بقرينة سائر الروايات كالرواية السابقة والآتية.
والمستفاد من هذه الرواية: أنّ الإمام (علیه السلام) أقرّ عبد الملك بن عمرو على عدم خروجه للمرابطة، وفي ذلك دلالة على عدم مشروعية المرابطة بدون إذن المعصوم.
الطائفة الثالثة: ما تدلّ على التفصيل في المقام ومن ذلك:
صحيحة يونس قال: سأل أبا الحسن (علیه السلام) رجل وأنا حاضر، فقلت له:
جعلت فداك إنّ رجلاً من مواليك بلغه أنّ رجلاً يعطي سيفاً وقوساً في سبيل الله فأتاه فأخذهما منه وهو جاهل بوجه السبيل، ثم لقيه أصحابه فأخبروه أنّ السبيل مع هؤلاء لا يجوز وأمروه بردهما، قال: فليفعل، قال: قد طلب الرجل فلم يجده وقيل له: قد قضى الرجل، قال: فليرابط ولا يقاتل، قال: مثل قزوين وعسقلان والديلم وما أشبه هذه الثغور؟ فقال: نعم، قال: فإن جاء العدو إلى الموضع الذي هو فيه مرابط كيف يصنع؟ قال: يقاتل عن بيضة الإسلام، قال: يجاهد؟ قال: لا، إلاّ أن يخاف على دار المسلمين، أرأيتك لو أنّ الروم دخلوا على المسلمين لم ينبغ لهم أن يمنعوهم؟! قال: يرابط ولا يقاتل، وإن خاف على بيضة الإسلام والمسلمين قاتل فيكون قتاله لنفسه ليس للسلطان لأنّ في دروس الإسلام دروس ذكر محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) (1).
وقريب من هذه الرواية من حيث المضمون ما رواه محمد بن عيسى عن الرضا (علیه السلام) أنّ يونس سأله وهو حاضر عن رجل من هؤلاء مات وأوصى أن يدفع من ماله فرس وألف درهم وسيف لمن يرابط عنه ويقاتل في بعض هذه الثغور، فعمد الوصي فدفع ذلك كلّه إلى رجل من أصحابنا فأخذه منه وهو لا يعلم، ثم علم أنّه لم يأن لذلك وقت بعد، فما تقول يحلّ له أن يرابط عن الرجل في بعض هذه الثغور أم لا؟ فقال: يردّإلى الوصي ما أخذ منه ولا يرابط فإنّه لم يأن لذلك وقت بعد. فقال: يرده عليه؟ فقال يونس: فإنّه لا يعرف الوصي قال: يسأل عنه فقال له يونس بن عبد الرحمن: فقد سأل عنه فلم يقع عليه كيف يصنع؟ فقال: إن كان هكذا فليرابط ولا يقاتل، قال: فإنّه مرابط فجاءه العدو حتى كاد أن يدخل عليه كيف يصنع يقاتل أم لا؟ فقال له الرضا (علیه السلام): إذا كان ذلك كذلك فلا يقاتل عن هؤلاء ولكن يقاتل عن بيضة الإسلام، فإنّ في ذهاب بيضة الإسلام دروس
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 6 من أبواب جهاد العدو الحديث 2
ذكر محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال له يونس: يا سيدي فإنّ عمك زيداً قد خرج بالبصرة وهو يطلبني ولا آمنه على نفسي فما ترى لي أخرج إلى البصرة أو أخرج إلى الكوفة؟ فقال: بل أخرج إلى الكوفة فإذا مرّ فصر إلى البصرة(1).
وبهذه الطائفة يمكن الجمع بين الطائفتين السابقتين. وبيان ذلك: أنّ الإمام(علیه السلام) وإن حكم برد المال إلى صاحبه ولم يجوّز المرابطة حيث قال في الرواية الأولى: فليفعل أي ليرد السيف والقوس إلى صاحبهما، وقال في الرواية الثانية: يردّ إلى الوصي ما أخذ منه ولا يرابط فإنّه لم يأن لذلك وقت بعد، إلاّ أنّه بعد التأمل في كلتا الروايتين يعلم أنّ السؤال عن المرابطة المقرونة بالقتال بدليل قوله: يعطي سيفاً وقوساً في سبيل الله بل صرّح به في الرواية الثانية حيث قال: وأوصى أن يدفع من ماله فرس وألف درهم وسيف لمن يرابط عنه ويقاتل في بعض هذه الثغور.
وهذا هو الذي حكم الإمام (علیه السلام) بعدم جوازه لأنه لم يأن لذلك وقت بعد، ولابد حينئذ من رد المال إلى صاحبه وحيث تعذر الظفر بصاحبه أو الوصي حكم الإمام بالمرابطة دون القتال إذ هو أقرب الوجوه لإنفاذ وصية الموصي .
ومن ذلك يعلم أنّ المرابطة على نحوين:
الأول: ما تكون مقرونة بالقتال وهي المتعارفة عندهم، وهذه هي التي نهى عنها الإمام(علیه السلام) إذ لم يأن وقتها بعد.
الثاني: ما تكون مجردة عن القتال وهذه قد أجازها الإمام (علیه السلام) .
نعم، إذا انجرّت المرابطة إلى القتال وخيف على بيضة الإسلام ومداهمة العدو بلاد المسلمين فحينئذ يجب القتال، ولكن لا عن هؤلاء بل دفاعاً عن الإسلام وهذا أمر آخر غير ما نحن فيه وقد تقدم الكلام حوله.
والمستفاد من الروايتين: أنّ المرابطة في نفسها مشروعة، وأمّا مع القتال كما هي المتعارفة عندهم فليست بجائزة، وأمّا حمل كلام الإمام (علیه السلام) على الإذن في
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 7 من أبواب جهاد العدو الحديث 2
خصوص هذا الشخص فهو بعيد فإنّ الإمام (علیه السلام) ليس في مقام الإنشاء بل في مقام بيان الحكم، وقد فرّق (علیه السلام) بين الرباط مع القتال وبين الرباط بدونه فأجاز في الثاني دون الأول.
ولم نقف على من فصّل هذا التفصيل في كلمات الفقهاء.
ويؤيده: ما ورد في الصحيفة السجادية(1)من دعاء الإمام زين العابدين (علیه السلام) لأهل الثغور وقد طلب لهم التأييد والحماية، وسأل الله تعالى لهم النصر وفي الدعاء ما يشعر بأنه يقصد ثغور البلاد الإسلامية في زمانه (علیه السلام) .
والحاصل: أنّ المرابطة في نفسها جائزة بل مندوبة ولا تحتاج إلى إذن المعصوم(علیه السلام).
الأولى: تقدم أنّ الرباط المتعارف عند العامة وهو المقرون بالمقاتلة غير جائز، فإذا وقع ذلك مورداً للتقية فهل يجب الحضور أو لا؟
فيه تفصيل وذلك: إذا أمكن الحضور لمجرد الرباط فقط وجب الحضور لأنّه مشروع في نفسه، والأدلّة العامة على التقية تشمله ولا إشكال في الوجوب، وأما إذا لم يمكنه ذلك فإمّا أن يعلم بوقوع القتال وإمّا أن لا يعلم، فإن لم يعلم بوقوع القتال فحضوره لا إشكال فيه، وعلى فرض حصول القتال في هذه الصورة يكون القتال دفاعياً كما تقدم، وأمّا إذا علم بوقوع القتال فالأمر في هذه الصورة مشكل، والكلام فيها هو عين الكلام المتقدم في الوجه الثاني من المسألة الثانية في البحث حول الجهاد الابتدائي.
1) الصحيفة السجادية ص 166 الطبعة الثانية منشورات دار الأضواء، بيروت 1408 ه- - 1987م
الثانية: إذا أخذ مالاً للمرابطة بالوصية أو بالإجارة فتارة يكون المعطي قاصداً للرباط المشروع ولا إشكال في صحة المعاملة سواء كانت لازمة أو جائزة، وأخرى يكون قاصداً للرباط غير المشروع فالمعاملة حينئذ باطلة، ولابد من ردّ المال إلى صاحبه. فإن وجد صاحبهفهو وإن لم يوجد - كما في الرواية المتقدمة - فيصرف المال في أقرب الوجوه، وهو الرباط المشروع بمقتضى نص الروايتين السابقتين.
الثالثة: إذا نذر أن يرابط بنفسه فهل يجب الوفاء أم لا؟ قولان: ذهب جماعة إلى وجوب الوفاء كما في الجواهر(1)وصرّح به غير واحد بل ادّعى عدم الخلاف المعتد به فيه، وفي السرائر(2)ما يشعر بدعوى الإجماع عليه.
وذهب آخرون إلى عدم الوجوب بل عدم الجواز ولا ينعقد النذر كما عليه الشيخ(3).
والظاهر ممّا تقدم من الجمع بين الروايات هو التفصيل فإنّه إن كان المراد هو المرابطة المشروعة وجب الوفاء، وأمّا إذا كان المراد هو المرابطة المتعارفة عند العامة فلا ينعقد النذر، وبهذا يمكن الجمع بين القولين، نعم إذا علم المخالفون بنذره وخاف الشنعة احتمل الحضور كما سيأتي.
الرابعة: إذا نذر مالاً ليصرف في المرابطة فهل يجب الوفاء به أم لا؟
اختلفت كلمات الفقهاء فذهب الأكثر إلى وجوب الوفاء بل في التذكرة: لو نذر أن يصرف شيئاً من ماله إلى المرابطين وجب الوفاء به إجماعاً سواء كان الإمام ظاهراً أو مستتراً(4).
وذهب جماعة منهم الشيخ إلى حرمة صرفه فيهم ولابدّ من صرفه في وجوه البرّ إلاّ مع التقية وخوف الشنعة(1)، واستدل على ذلك بصحيحة علي بن مهزيار قال: كتب رجل من بني هاشم إلى أبي جعفر الثاني (علیه السلام): إنّي كنت نذرت نذراً منذ سنين أن أخرج إلى ساحل من سواحل البحر إلى ناحيتنا مما يرابط فيه المتطوعة نحو مرابطتهم بجدّة وغيرها من سواحل البحر أفترى جعلت فداك أنه يلزمني
الوفاء به أو لا يلزمني أو أفتدي الخروج إلى ذلك بشيء من أبواب البر لأصير إليه إن شاء الله؟ فكتب إليه بخطه وقرأته: إن كان سمع منك نذرك أحد من المخالفين فالوفاء به إن كنت تخاف شنعته وإلاّ فاصرف ما نويت من ذلك في أبواب البر وفقنا اللهوإيّاك لما يحبّ ويرضى(2)، وفي رواية الوافي «فاصرف ما نويت من نفقة ذلك في أبواب البر» (3).
وظاهر الرواية يدل على أنه إذا نذر شيئاً للمرابطين فلا يجب الوفاء به، وإنّما يصرف ما نذره في وجوه البرّ إلاّ في صورة سماع أحد من المخالفين وخوف الشنعة منه، غير أنّ هذه الرواية وإن ذكروها في نذر المال، بل في الجواهر(4)لم يحتمل غيره، وجعلوها دليلاً للشيخ(5)إلاّ أن الأكثر أعرض عنها وحملها بعضهم على الاستحباب.
وقد يقال: إنّ في الرواية احتمالاً آخر غير ما ذكروه، وهو أنّ المفهوم من قوله: إنّي نذرت نذراً من سنين أن أخرج إلى ساحل من سواحل البحر، أنّ المقصود هو أن يخرج بنفسه لا أن يخرج شيئاً من ماله وحكمه الأوّلي هو عدم
الوجوب ووظيفته حينئذ أن يفتدي خروجه بشيء من ماله في أبواب البرّ، وإذا سمع به أحد المخالفين وخاف الشنعة وجب عليه الخروج.
ولكن قد يورد عليه بأنّ هذا مخالف لمقتضى القاعدة لأنّه إن كان الخروج واجباً وجب الخروج بنفسه وإلاّ فلا معنى للافتداء.
ويوجّه ذلك: بأنّه نذر نذراً مشروعاً ولكنه يعلم بأنّه لا يتحقق منه إلاّ مع القتال وحينئذ يلزمه الافتداء وهذا هو الموافق لمقتضى القاعدة.
وأمّا الاحتمال الآخر وهو أنّ المقصود هو إخراج شيء من ماله لا خروجه بنفسه فالسؤال هو عن مصرف المال هل هو المرابطة أو وجوه البرّ؟ والنذر صحيح إلاّ أنه لا يمكن تحقيقه فيتخلص بهذا الوجه.
ويمكن تأييد هذا الاحتمال بأمرين:
الأول: قوله: نحو مرابطتهم بجدّة وغيرها فإنّه لو لم يكن المقصود هو المال لكان قوله ذلك لغواً لا حاجة له وكان عليه أن يقول أخرج إلى أحد هذه المرابط مثلاً.
الثاني: أنّ جواب الإمام (علیه السلام) وقوله: «إن كان سمع منك نذرك ... وإلاّ فاصرف ما نويت من ذلك في أبواب البر ...» ظاهر في أنّ السؤال عن المال وكيفية مصرفه فيكون المنذور به هو المال، ولعلّ جعلهم الروايةفي نذر المال من جهة ظهور ذيلها في ذلك.
ثم إنّا وإن ذكرنا احتمالاً آخر وهو وارد في المقام إلاّ أنه لا يبعد ظهور الرواية في نذر المال وهو المعنى الثاني.
وهذه الرواية كما ذكرنا يمكن تطبيقها على القاعدة ويتصور في المال المنذور عدة صور، فتارة يكون قصد الناذر أن يصرف المال في المرابطة المشروعة، وأخرى في المرابطة المتعارفة عندهم، وفي الصورة الثانية لا يصح إلاّ مع التقية، وفي الصورة الأولى يكون نذره شرعياً ولابد من صرفه فيها.
وأما في حالة فقدان من يقوم بالمرابطة الشرعية فلابد حينئذ من صرف المال في وجوه البر.
هذا إذا لم يسمع أحد من المخالفين ممن تخاف شنعته، وأما مع ذلك فيجب إرسال المال للمرابطين - عملاً بمقتضى التقية - ويكون ذلك وفاء منه بنذره نظير ما تقدم في الزكاة من أنّه إذا أخذها السلطان كانت مجزية ويسقط الوجوب.
والحاصل: أنّ الرواية ليست مخالفة لمقتضى القاعدة ولا إشكال في الالتزام بها.
الخامسة: المشهور وجوب الهجرة عن بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام والإيمان إذا لم يمكن الإتيان بالوظيفة الدينية كما في المنهاج(1)، أو إذا لم يمكن إظهار شعائر الإسلام كالأذان والصوم والصلاة ونحوها كما في الشرائع(2)، وادعي عليه عدم الخلاف كما في الجواهر(3).
واستدل على ذلك بالكتاب والسنة، أمّا الكتاب فيدلّ عليه غير واحدة من الآيات الشريفة منها قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً»(4).ومنها: قوله تعالى: «يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ»(5).
ومنها: قوله تعالى: «وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ
ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً»(1)والمهاجر كما ينطبق على المجاهد في سبيل الله لطلب علم أو رزق أو قتال عدو كما نطقت بذلك بعض الروايات، كذلك ينطبق على من ترك بلاد الكفر حفاظاً على دينه.
ومنها: قوله تعالى: «وَالَّذِينَ
هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»(2)وغيرها من الآيات.
وأما السنة فقد استدل بعدة روايات :
منها: معتبرة منصور بن حازم عن أبي عبد الله الصادق عن أبيه عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ولا تعرّب بعد الهجرة ولا هجرة بعد الفتح(3).
والتعرّب كما في مجمع البحرين(4)هو الالتحاق ببلاد الكفر والإقامة بها بعد المهاجرة عنها إلى بلاد الإسلام، وقيل: هو التخلّق بأخلاق العرب والإقامة بالبادية، والأول هو الموافق لما ورد في كثير من الروايات الواردة في تعداد الكبائر وإنّ منها التعرّب بعد الهجرة، وسيأتي أنّ له معنى آخر يستفاد من الروايات.
والمستفاد من الرواية: عدم جواز الالتحاق ببلاد الكفر والهجرة عن بلاد الإسلام.
ومنها: معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: بعث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) جيشاً إلى خثعم فلما غشيهم استعصموا بالسجود فقتل بعضهم، فبلغ ذلك النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: اعطوا الورثة نصف العقل بصلاتهم وقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): ألا إنّي بريء
من كل مسلم ترك مع مشرك في دار الحرب(1).
وفي نسخة جامع أحاديث الشيعة «ألا إنّي بريء من كل مسلم نزل مع مشرك في دار الحرب» (2)وهي الأظهر ولعل في نسخة الوسائل تصحيفاً.
وموضع الشاهد قوله -: ألا إني بريء ... الخ فإنّه يدل على عدم جواز البقاء في دار الشرك.
ومنها: معتبرة حذيفة بن منصور قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: المتعرّب بعد الهجرة التارك لهذا الأمر بعد معرفته(3).
ويحتمل أنّ المراد من الرواية هو أمر الولاية والإمامة بقرينة الإشارة وهو قوله (علیه السلام): «لهذا الأمر» فتكون الرواية حينئذ أخص من المدعى.
ومنها: رواية محمد بن سنان أنّ أبا الحسن الرضا (علیه السلام) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: وحرم الله التعرّب بعد الهجرة للرجوع عن الدين وترك الموازرة للأنبياء والحجج (علیهم السلام)، وما في ذلك من الفساد وإبطال حق كل ذي حق لعلّة سكنى البدو، ولذلك لو عرف الرجل الدين كاملاً لم يجز له مساكنة أهل الجهل والخوف عليه لأنّه لا يؤمن أن يقع منه ترك العلم والدخول مع أهل الجهل والتمادي في ذلك(4).
وفي نسخة جامع أحاديث الشيعة «لا لعلة سكنى البدو» (5).
ودلالة الرواية واضحة كما أنّ سندها تام، فإنّ محمد بن سنان وإن وقع الخلاف في وثاقته إلاّ أنّا ذكرنا غير مرة إمكان الاعتماد على روايته وقد حققنا
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 36 من أبواب جهاد العدو الحديث 4
2) جامع أحاديث الشيعة ج 13 باب حكم النزول في دار الحرب والسكنى في دار الشرك الحديث1
3) وسائل الشيعة ج 11 باب 36 من أبواب جهاد العدو الحديث 3
4) نفس المصدر الحديث 2
5) جامع أحاديث الشيعة ج 13 باب حرمة الفرار من الزحف ووجوب الاستقامة والاصطبار الحديث1
ذلك في محله(1)، مضافاً إلى أنّ مسائل محمد بن سنان من الكتب المعروفة المشهورة بشهادة النجاشي(2)ولا تحتاج إلى الطريق، وعليه فلا إشكال في الرواية سنداً ودلالة.
ومنها: رواية جميل بن دراج عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (علیه السلام) أنهقال: في اليهودي والنصراني والمجوسي إذا اسلمت امرأته ولم يسلم، قال: هما على نكاحهما ولا يفرّق بينهما ولا يترك أن يخرج بها من دار الإسلام إلى الهجرة(3).
ومحل الشاهد قوله: «ولا يترك أن يخرج بها من دار الإسلام إلى الهجرة» وهو يدل بظاهره على عدم الجواز. وأمّا التفريق بينهما وعدمه فهو محل خلاف بين الفقهاء، فقيل: يفرق بينهما وقيل: لا يفرق وقيل: لا يفرق على نحو البينونة وتحقيق المسألة موكول إلى محلّه.
وأما الرواية من حيث السند فهي ضعيفة بالإرسال.
ومثلها رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ أهل الكتاب وجميع من له ذمّة إذا أسلم أحد الزوجين فهما على نكاحهما، وليس له أن يخرجها من دار الإسلام إلى غيرها، ولا يبيت معها ولكنه يأتيها بالنهار، وأمّا المشركون مثل مشركي العرب وغيرهم فهم على نكاحهم إلى انقضاء العدة فإن أسلمت المرأة ثم أسلم الرجل قبل انقضاء عدتها فهي امرأته وإن لم يسلم إلاّ بعد انقضاء العدة فقد بانت منه ولا سبيل له عليها(4). الحديث.
وموضع الشاهد من هذه الرواية قوله: «وليس له أن يخرجها من دار الإسلام إلى غيرها» وهذا هو مفاد الرواية السابقة كما أنّ الإشكال من حيث
السند هو عين الإشكال فإنّ سند الرواية فيه إرسال فتكونان مؤيدتين.
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لا يتزوج الأعرابي بالمهاجرة فيخرجها من دار الهجرة إلى الأعراب(1).
وصحيحة حماد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا يصلح للأعرابي أن ينكح المهاجرة فيخرج بها من أرض الهجرة فيتعرّب بها إلاّ أن يكون قد عرف السنة والحجة، فإن أقام بها في أرض الهجرة فهو مهاجر(2).
والمستفاد من هاتين الروايتين أنّ التعرّب وهو الانتقال من دار الإسلام إلى دار الشرك ليس فيه خصوصية فإنّ المناط هو عدم معرفة الأحكام ومعرفة الحجة، فالمكان الذي لا يعرف فيه ذلك لا تجوز الهجرةإليه، وهذا هو المعنى الآخر للتعرب والذي قلنا إنه يستفاد من الروايات، ويدل على هذا المعنى أيضاً ما تقدم من رواية محمد بن سنان فقد ورد فيها: وحرّم الله التعرّب بعد الهجرة للرجوع عن الدين وترك الموازرة للأنبياء والحجج (علیهم السلام) إلى قوله: لأنّه لا يؤمن أن يقع منه ترك العلم والدخول مع أهل الجهل والتمادي في ذلك.
ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كان إذا بعث أميراً له على سرية أمره بتقوى الله عزوجل في خاصّة نفسه، ثم في أصحابه عامة، ثم يقول: اغز بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليداً ولا مبتّلاً في شاهق، ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعاً لأنّكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه، ولا تعقروا من البهائم، يؤكل لحمه إلاّ ما لابد لكم من أكله، وإذا لقيتم عدواً للمسلمين فادعوهم إلى إحدى ثلاث فإن هم أجابوكم إليها فاقبلوا
منهم وكفوا عنهم: ادعوهم إلى الإسلام فإن دخلوا فيه فاقبلوا منهم وكفّوا عنهم وادعوهم إلى الهجرة بعد الإسلام فإن فعلوا فاقبلوا منهم وكفّوا عنهم، وإن أبوا أن يهاجروا واختاروا ديارهم وأبوا أن يدخلوا في دار الهجرة كانوا بمنزلة أعراب المؤمنين يجري عليهم ما يجري على أعراب المؤمنين، ولا يجري لهم في الفيء ولا في القسمة شيئاً إلاّ أن يهاجروا (يجاهدوا) في سبيل الله، فإن أبوا هاتين فادعوهم إلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أعطوا الجزية فاقبل منهم وكفّ عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عزوجل وجاهدهم في الله حق جهاده، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن ينزلوا على حكم الله عزوجل فلا تنزل بهم (لهم) ولكن أنزلهم على حكمكم ثم اقض فيهم بعد ما شئتم، فإنّكم إن أنزلتموهم على حكم الله لم تدروا تصيبوا حكم الله فيهم أم لا، وإذا حاصرتم أهل حصن فإن آذنوك على أن تنزلهم على ذمة الله وذمة رسوله فلا تنزلهم، ولكن أنزلهم على ذممكم وذمم آبائكم وإخوانكم، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم وإخوانكم كان أيسر عليكم يوم القيامة من أن تخفروا ذمّة الله وذمّة رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) (1).
وموضع الشاهد من هذه الرواية قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): وادعوهم إلى الهجرة بعد الإسلام ... وإن أبو أن يهاجروا واختاروا ديارهم وأبوا أن يدخلوا في دارالهجرة كانوا بمنزلة أعراب المؤمنين.
وفي هذا دلالة على أنّ المناط في التعرب هو عدم معرفة السنّة والحجّة كما تقدم في الرواية السابقة فلا خصوصية للانتقال من بلد إلى آخر، وطلب الهجرة من هؤلاء إنّما هو لأجل التعلم والمعرفة، وإلاّ فهو بمنزلة أعراب المؤمنين.
وقد أوردنا الرواية بطولها لما تضمنته من الآداب الإسلامية في الحرب وقتال العدو وبيان بعض السنن في الدعوة إلى الإسلام، وفي ذلك ردّ على من يتهم
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 15 من أبواب جهاد العدو الحديث 3
الإسلام زوراً وبهتاناً أنه دين السيف وسفك الدماء، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
والحاصل: أنّه لا يجوز الانتقال إلى مكان بحيث لا يتمكن من معرفة الأحكام سواء كانت بلاد شرك أو غيرها، نعم بلاد الشرك أولى وإلاّ فكل بلد لا يعرف فيه الإيمان ولا يمكن معرفة الأحكام لا تجوز الهجرة إليها فإنّ ذلك من الكبائر، وهذا هو معنى التعرّب بعد الهجرة.
وهذه مسألة ابتلائية مهمة ولا سيما في زماننا حيث سهولة الانتقال من بلد إلى آخر والتوطن بها، ولذا ينبغي التحقيق حولها لمعرفة الوظيفة الدينية فيها حيث لم يتعرض لها كثير من الفقهاء بشكل مفصّل، وإنما ذكروها على نحو الإجمال ونظراً لأهميتها فلابد من تفصيل القول فيها، وتحقيقاً للمقام وما يستفاد من الروايات نقول:
إنّ الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام على أنحاء، وقد قسمها صاحب الجواهر(1)تبعاً للمنتهى(2)إلى ثلاثة أقسام واجبة ومستحبة ومباحة.
أمّا الهجرة الواجبة فهي فيما إذا أسلم الإنسان في بلاد الشرك ولم يتمكن من الإتيان بوظيفته الدينية أو إظهار شعائر الإسلام من الأذان والصلاة والصوم ونحو ذلك.
وأمّا الهجرة المستحبة فهي فيما إذا كان المسلم يتمكن من الإتيان بوظيفته الدينية وإظهار شعائر الإسلام في بلاد الشرك كما إذا كان له قوة توفر له الأمن والحماية، بحيث يتمكن من أداء وظيفته، ومع ذلك يستحب له الهجرة لأنّ في البقاء معهم تكثيراً لسوادهم وموجباً لمعاشرتهم والاختلاط بهم، وذلك وإن كان لا إشكال فيه إلاّ أنّ الأولى تركه لما فيهمن احتمال تقوية جانبهم.
وأمّا الهجرة المباحة فهي فيما إذا كان المسلم لا يتمكن من الهجرة لسبب من الأسباب كالمرض ونحوه.
هذا وقد ألحق بذلك كما عن الشهيد(1)بلاد المخالفين بل بلاد الظلمة، فلا تجوز الهجرة إليها والإقامة بها، ولكن المستفاد من الروايات أنّ الأقسام أكثر ممّا ذكر ويتبين ذلك من خلال الفروع التالية:
الأول: لا يجوز التعرب بعد الهجرة بمعنى الانتقال إلى مكان لا تعرف فيه السنة والحجّة، ولا فرق بين بلاد الشرك وغيرها، وذلك هو مفاد بعض الروايات المتقدمة.
الثاني: مقتضى الأدلة الخاصة المتقدمة كقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «ألا إني بريء من كل مسلم نزل مع مشرك في دار الحرب»(2)عدم جواز الهجرة إلى بلاد الكفر وتحرم السكنى فيها، مضافاً إلى أنّ ذلك هو مقتضى الأولوية.
الثالث: شرط الحرمة في الموردين المتقدمين هو عدم التمكن من الإتيان بالوظيفة الدينية كما أفاده السيد الأستاذ في المنهاج(3)، لا كما أفاده صاحب الجواهر(4)من عدم إمكان إظهار شعائر الإسلام من الأذان والصوم والصلاة ونحو ذلك، ولا كما هو مدلول معتبرة محمد بن سنان(5)من الخوف في الوقوع في ذلك.
وذلك: أمّا ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) فهو الظاهر من الأدلة، فإنّ قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ...»(6)يفيد أنّ ظلمهم
لأنفسهم إنما هو لعدم إتيانهم بوظيفتهم الدينية ووقوعهم في المعصية، إذ أنّ أظهر مصاديق ظلم النفس هو ترك الواجبات الشرعية وارتكاب المحرمات، وأمّا ما زاد على ذلك من إعلان الشعائر وإظهارها أو من الخوف من الوقوع في ذلك فيحتاج إلى دليل صريح، مضافاً إلى أنّ القدر المتيقن هو عدم القدرة على الإتيان بالوظيفة، وما زاد مشكوك فيه فيكون مجرى البراءة، وبناء على ذلك فالمناط هو عدم التمكن من الإتيانبالوظيفة وأما إذا أمكنه ذلك فالبقاء جائز.
وأمّا ما أفاده صاحب الجواهر (قدس سره) من أنّ المناط هو عدم التمكن من إعلان شعائر الإسلام من الأذان والصلاة والصوم بدعوى أنّ الإتيان بالوظيفة مطلقاً لا يسوغ البقاء في دار الكفر، والتقية إنما شرعت مع المخالفين لا مع الكفار.
ففيه أولاً: إنّ هذا خلاف ظاهر الأدلة.
وثانياً: إنه تكليف زائد مشكوك فيه فينفى بالأصل.
وثالثاً: إن أدلة التقية عامة ولا فرق فيها بين المخالفين وغيرهم.
وأما ما دلت عليه معتبرة محمد بن سنان بدعوى أنها تدلّ على أنّ مجرد الخوف يكفي في حرمة البقاء في بلاد الشرك.
ففيه: أنّ ذلك غير تام إذ لعلّ المراد هو بيان الحكمة لا الملاك.
والحاصل: أنّ القدر المتيقن هو ما ذكرنا، وما زاد عليه لا دخل له سواء كان عدم الإظهار للشعائر أو للخوف، وإن كان الأحوط ترك البقاء في كلتا الحالتين.
الرابع: يستثنى من الحكم بالحرمة ما استثنته الآية الكريمة وهم المستضعفون من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، ويلحق بهم من اضطر إلى البقاء كالمرضى والمقعدين ونحوهم، فلا يحرم عليهم البقاء.
الخامس: إذا كانت الهجرة لبلاد الكفر لغرض الدعوة إلى الإيمان وكان ذلك
ممكناً في حق المهاجر فلا يكون مشمولاً للحكم بالحرمة، ويدل على ذلك ما رواه حمّاد السمندي (السمندري) قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد (علیه السلام): إني أدخل بلاد الشرك، وإنّ من عندنا يقولون: إن مت ثم حشرت معهم، قال: فقال لي: يا حمّاد إذا كنت ثم تذكر أمرنا وتدعو إليه؟ قال: قلت: نعم، قال: فإذا كنت في هذه المدن مدن الإسلام تذكر أمرنا وتدعو إليه؟ قال: قلت: لا، فقال لي: إنّك إن تمت ثم تحشر أمة وحدك ويسعى نورك بين يديك(1).
ويستفاد من هذه الرواية أنّ البقاء في دار الكفر قد يكون أصلح من البقاء في دار الإسلام، وإذا كان البقاء لغرض الدعوة إلى الإيمان فلا إشكال فيه بل قد يكون مستحباً.وأما سند الرواية فهو وإن كان فيه شخصان لم يرد فيهما توثيق، وهما شريف بن سابق وحماد السمندي (السمندري) فهي ضعيفة من هذه الجهة إلاّ أنها في دلالتها موافقة لمقتضى القاعدة فإنّ الغرض من الهجرة ليس هو للسكنى في نفسها والإقامة لمجرّدها بل للدعوة إلى الدين، فيكون المورد مشمولاً لآية النفر(2)ونحوها.
السادس: إنّ هذا الحكم باق ومستمر لا ينقطع وليس مختصاً بزمان دون زمان، بل ورد في بعض الروايات: إنّ بقاءه إلى زمان ظهور الحجة (عج الله تعالی فرجه الشریف).
فما ورد من قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث: «ولا تعرّب بعد الهجرة ولا هجرة بعد الفتح» (3)فهو مضافاً إلى أنه معارض بالخبر الآخر: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (4)محمول على ظرفه أي
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 36 من أبواب جهاد العدو الحديث 6
2) وهي قوله تعالى: «وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» سورة التوبة، الآية: 122
3) وسائل الشيعة ج 11 باب 36 من أبواب جهاد العدو الحديث 7
4) كنز العمال ج 16 كتاب الهجرتين من قسم الأقوال الحديث 46249 ص 654 الطبعة الخامسة 1405 ه- - 1985 م
أنّ إطلاق لفظ المهاجر يختص بمن هاجر من مكة إلى المدينة قبل الفتح، ولذا صار لفظ المهاجرين علماً على كل من هاجر في تلك الفترة من مكة إلى المدينة، ولا يشمل مطلق المهاجر، فالقول بانقطاع الهجرة كما عن العامة في غير محله.
السابع: من اضطر إلى البقاء تقية في بلاد الكفر وجب عليه البقاء وذلك لشمول أدلّة التقية لهذا المورد، وهذا ممّا لا إشكال فيه.
والمتحصل من ذلك: أنّ أقسام الهجرة خمسة، وبعبارة أخرى أنّ: الباقين في دار الكفر أو البلاد التي لا تعرف فيها السنة والحجة على خمسة أصناف وهي الثلاثة التي ذكرها صاحب الجواهر بإضافة صنفين آخرين وهما البقاء للدعوة إلى الإيمان والبقاء للتقية، وفي كلام صاحب الجواهر ما يشعر بأول هذين الصنفين فإنه قال في ذيل القسم الثاني - وهو استحباب الهجرة-: «إلاّ أن يكون في بقائه مصلحة للدين»(1)وهو شامل لمن كان غرضه من الهجرة الدعوة إلى الإيمان.
وهو محل وفاق عند الخاصة والعامة وقد ادّعي الإجماع عليه بكلا قسميه(2)، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص، كما في الجواهر(3)ودل عليه أيضاً الكتاب والسنة المستفيضة كما سيأتي.
والبغي لغة: الفساد وأصل البغي الحسد ثم سمي الظالم بغياً لأن الحاسد ظالم(4)، والبغي أيضاً: مجاوزة الحد والمقدار، والتعدي والاستطالة وطلب الشيء(5)، وأمّا
في اصطلاح المتشرّعة فهو: الخروج عن طاعة الإمام العادل المعصوم المفترض الطاعة(1).
واستدلّ عليه من الكتاب العزيز بقوله تعالى: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»(2).
وقد قيل - كما في الجواهر(3)- : إنّ المستفاد من الآية الشريفة خمسة أمور:
الأول: أنّ الباغي مؤمن ولا يخرج ببغيه عن الإيمان، وهذا المعنى لا يوافق ما عليه الخاصة فإنّ الباغي كافر، وعليه فلابدّ أن يكون إطلاق الإيمان عليه إما على نحو المجاز وإما على حسب معتقد العامة.
الثاني: وجوب قتالهم لصريح قوله تعالى: «فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي» وهذا المعنى موافق لأصول المذهب عند الخاصة.
الثالث: أن القتال مغيّا بالفيء أي الرجوع إلى أمر الله لصريح قوله تعالى: «حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ »وهذا أيضاً موافق لأصول مذهب الخاصة، فلا يجوز قتالهم بعد فيئهم إلى أمر الله.
الرابع: عدم إرجاع شيء إليهم مما يغنم من أموالهم أو يسبى ويسترق من أنفسهم لإطلاق الآية الشريفة، وعدم ذكر شيء من ذلك فيها، وهذا لا يوافق ما عليه الخاصة، ولما فعله أمير المؤمنين (علیه السلام) مع أهل الجمل.
الخامس: أنّ هذا الحكم جار في كل من منع حقاً طولب به ولم يفعل، ولا يختصّ هذا بالخارج على الإمام (علیه السلام)، وهذا أيضاً لا يوافق ما عليه الخاصة، فإنّ
أحكام البغي تختص بالخارج على الإمام (علیه السلام) وتعدية الحكم إلى غيره تحتاج إلى دليل آخر.
والتحقيق: أنّ الظاهر من الآية الشريفة هو الإطلاق فإن ثبت المقيد لها من الروايات بالباغي على الإمام (علیه السلام) فما أفاده صاحب الجواهر تام، وأما إذا لم يثبت المقيد فالآية على إطلاقها وهي شاملة للخارج على الإمام (علیه السلام) وغيره، نعم هو أظهر مصاديق البغي فإن الخروج على الإمام (علیه السلام) بغي بلا إشكال، وأما الخروج على غيره فلا يعلم أنه بغي أو لا، ولابدّ من إحراز الباغي منهما، ومع إحرازه يكون مشمولاً للآية ويجب قتال الباغي - بعد عدم إمكان الصلح - مطلقاً أي سواء كان النزاع في الأمور الشخصية أو العامة أو الدينية.
والحاصل: أنّ للآية مصداقين أحدهما أظهر من الآخر إلاّ أن يثبت المقيد:
والأول: هو الخارج على الإمام (علیه السلام)، ولا إشكال في وجوب قتاله كما تقدم، ويدل عليه كثير من الروايات منها: معتبرة حفص بن غياث المتقدمة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سأل رجل أبي (علیه السلام) عن حرب أمير المؤمنين (علیه السلام)، وكان السائل من محبينا، فقال له أبو جعفر (علیه السلام): بعث الله محمداً (صلی الله علیه و آله و سلم) بخمسة أسياف ... وأما السيف المكفوف فسيف على أهل البغي والتأويل قال الله عزوجل: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ»(1)فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): إنّ منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل، فسئل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من هو؟ فقال: خاصف النعل يعني أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال عمار بن ياسر: قاتلت بهذه الراية مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ثلاثاً وهذه الرابعة، والله لو ضربونا حتى يبلغونا المسعفات من هجر لعلمنا أنّا على الحق وأنّهم على الباطل، وكانت السيرة فيهم من أمير
1) سورة الحجرات، الآية: 9
المؤمنين (علیه السلام) ما كان من رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في أهل مكة يوم فتح مكة، فإنه لم يسب لهم ذرية وقال: من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه أو دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وكذلك قال أمير المؤمنين(علیه السلام) يوم البصرة نادى: لا تسبوا لهم ذرية، ولا تجهزوا «لا تتموا» على جريح، ولا تتبعوا مدبراً، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن ...(1).
وهذه الرواية مضافاً إلى اعتبار سندها - كما تقدم - ووضوح دلالتها اشتملت على ذكر بعض أحكام البغاة.
ومنها: موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (علیهم السلام) قال: لما فرغ أمير المؤمنين (علیه السلام) من أهل النهروان فقال: لا يقاتلهم بعدي إلاّ من هم أولى بالحق منه (من هو أولى بالحق منهم خ ل) (2).
ومنها: ما رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه، يعني معاوية وأصحابه(3).
وغيرها من الروايات كما يستفاد ذلك مما يأتي عند ذكر المصداق الثاني.
والحاصل: أنّ الحكم بقتال البغاة لخروجهم على الإمام (علیه السلام) مما لا إشكال فيه، ثم إن ما يتعلق بأهل البغي من حيث كيفية القتال ابتداء وانتهاء وما يرتبط بهم من المسائل مذكور في محله وليس المقام موضعاً لذكره.
وأما الثاني: وهو ما إذا لم يكن أحد الطرفين الإمام المعصوم (علیه السلام) فلم نظفر في حدود تتبّعنا لكلمات الفقهاء على أثر من ذلك إلاّ ما صرّح به العلامة في التذكرة حيث قال: الأصل في ذلك قول الله تعالى: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ
اقْتَتَلُوا...» قيل: وردت في طائفتين من الأنصار وقع بينهم، فلما نزلت قرأها عليهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فأقلعوا، وليس فيها تعرّض للخروج والبغي على الإمام، ولكن إذا أمرنا بقتال طائفة بغت على طائفة أخرى فلئن نقاتل الذين بغوا على الإمام إلى أن يفيئوا إلى أمر الله أولى(1).
وما نصّ عليه السيد الأستاذ (قدس سره) في المنهاج(2)قال: البغاة هم طائفتان أحدهما ... الباغية على الإمام (علیه السلام) ... والأخرى: الطائفة الباغية علىالطائفة الأخرى من المسلمين، فإنه يجب على سائر المسلمين أن يقوموا بالإصلاح بينهما، فإن ظلّت الباغية على بغيها قاتلوهم حتى تفيء إلى أمر الله، قال الله تعالى: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا...» .
هذا ويمكن مضافاً إلى ذلك استفادة الشمول من الروايات الواردة في المقام:
ومنها: موثقة حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الطائفتين من المؤمنين إحداهما: باغية والأخرى: عادلة فهزمت الباغية العادلة، قال: ليس لأهل العدل أن يتبعوا مدبراً، ولا يقتلوا أسيراً، ولا يجهزوا على جريح، وهذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد ولم يكن فئة يرجعون إليها، فإذا كانت لهم فئة يرجعون إليها فإنّ أسيرهم يقتل، ومدبرهم يتبع، وجريحهم يجاز عليه(3).
وهذه الرواية واضحة الدلالة كما أنّها معتبرة السند، فإنّ القاسم بن محمد الواقع في سندها وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد تفسير القمي(4)وبناء عليه - كما قرر في محله - فلا إشكال في السند.
ومنها: موثقته الثانية المتقدمة وهي رواية الأسياف الخمسة فقد يقال:
بأنها تدلّ على عدم الانحصار، وإنما ذكر الإمام علي (علیه السلام) وأنه المقاتل على التأويل من باب التطبيق وكونه أظهر المصاديق لا الانحصار.
وأوضح دلالة منها موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه قال: ذكرت الحرورية عند علي(علیه السلام) فقال: إن خرجوا على إمام عادل أو جماعة فقاتلوهم، وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم فإنّ لهم في ذلك عقالاً(1).
وهذه الرواية صريحة في ذكر كلا المصداقين معاً.
ويؤيد ذلك: رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه قال: قال علي (علیه السلام): القتال قتالان، قتال أهل الشرك لا ينفر عنهم حتى يسلموا أو يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقتال لأهل الزيغ لا ينفر عنهم حتى يفيئوا إلى أمر الله أو يقتلوا(2).
وروايته الأخرى عن جعفر بن محمد عن أبيه (علیهم السلام) قال: القتل قتلان قتلكفارة وقتل درجة، والقتال قتالان، قتال الفئة الكافرة حتى يسلموا، وقتال الفئة الباغية حتى يفيئوا(3).
وكلتا الروايتين مطلقتان فهما شاملتان لما نحن فيه.
والحاصل: أنّه يمكن التمسك بما يستفاد من الروايات على شمول الحكم لكلا المصداقين، وأنّ البغي لا ينحصر بالخروج على الإمام (علیه السلام) وإن كان ينصرف إلى الخارج عليه (علیه السلام)، ولكنّا لما لم نجد من استظهر ذلك من الفقهاء عدا من ذكرنا، فلابدّ من زيادة التتبع والبحث في المسألة.
وقد علم حكمه من مطاوي البحث السابق.
ويقع الكلام فيه في أربعة مواضع:
الموضع الأول: في من سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وفيه جهات:
الأولى: في أصل الحكم.
والمشهور عند الخاصة والعامة أنه يجب قتله.
قال الشيخ في الخلاف: مسألة: من سب الإمام العادل وجب قتله، وقال الشافعي يجب تعزيره، وبه قال جميع الفقهاء.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من سبّ علياً فقد سبّني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله (وسبّ نبيه) فقد كفر ويجب قتله(1). والاستدلال بذلك على ما نحن فيه بطريق الأولوية القطعية فإذا كان سبّ علي (علیه السلام) موجباً للقتل فوجوب القتل بسبّ النبي من باب أولى.
وأما العامة فقد اختلفت أقوالهم في ذلك، قال في نيل الأوطار: نقل عن ابن المنذر الاتفاق على أنّ من سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) صريحاً وجب قتله، ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أنّ من سب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل لأنّ حد قذفه القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وخالفه القفال فقال: كفر بالسبّ فقط فسقط القتل
1) الخلاف ج 5 كتاب الباغي المسألة الخامسة ص 340
بالإسلام، وقال الصيدلاني: يزول القتل ويجب حدّ القذف، قال الخطابي: لا أعلم خلافاً في وجوب قتله إذا كان مسلماً، وقال ابن بطّال: اختلف العلماء في من سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأمّا أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك: يقتل من سبّه - منهم إلاّ أن يسلم، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة، ونقل ابن المنذر عن ليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهود ونحوه، وروى عن الأوزاعي ومالك في المسلم أنّها ردّة تستتاب منها، وعن الكوفيين إن كان ذمياً عزّر وإن كان مسلماً فهي ردّة(1)... الخ.
وحاصل كلامهم أنّ المشهور عندهم هو الحكم بالقتل.
ويقع الكلام فيه في أربعة مواضع:
الموضع الأول: في من سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وفيه جهات:
الأولى: في أصل الحكم.
والمشهور عند الخاصة والعامة أنه يجب قتله.
قال الشيخ في الخلاف: مسألة: من سب الإمام العادل وجب قتله، وقال الشافعي يجب تعزيره، وبه قال جميع الفقهاء.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من سبّ علياً فقد سبّني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله (وسبّ نبيه) فقد كفر ويجب قتله(2). والاستدلال بذلك على ما نحن فيه بطريق الأولوية القطعية فإذا كان سبّ علي (علیه السلام) موجباً للقتل فوجوب القتل بسبّ النبي من باب أولى.
وأما العامة فقد اختلفت أقوالهم في ذلك، قال في نيل الأوطار: نقل عن ابن المنذر الاتفاق على أنّ من سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) صريحاً وجب قتله، ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أنّ من سب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل لأنّ حد قذفه القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وخالفه القفال فقال: كفر بالسبّ فقط فسقط القتل بالإسلام، وقال الصيدلاني: يزول القتل ويجب حدّ القذف، قال الخطابي: لا أعلم خلافاً في وجوب قتله إذا كان مسلماً، وقال ابن بطّال: اختلف العلماء في من سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأمّا أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك: يقتل من سبّه - منهم إلاّ أن يسلم، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة، ونقل ابن المنذر عن ليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهود ونحوه، وروى عن الأوزاعي ومالك في المسلم أنّها ردّة تستتاب منها، وعن الكوفيين إن كان ذمياً عزّر وإن كان مسلماً فهي ردّة(3)... الخ.
وحاصل كلامهم أنّ المشهور عندهم هو الحكم بالقتل.ويستدل عليه بوجهين:
الأول: الإجماع وادعاه في الجواهر بقسميه عليه ونسبه إلى ظاهر المنتهى ومحكي التذكرة وصريح جماعة(4).
الثاني: الروايات الخاصة الواردة في المقام:
ومنها: رواية علي بن جعفر قال: أخبرني أخي موسى (علیه السلام) قال: كنت واقفاً على رأس أبي حين أتاه رسول زياد بن عبيد الله الحارثي عامل المدينة، فقال: يقول لك الأمير انهض إليّ، فاعتل بعلّة فعاد إليه الرسول، فقال: قد أمرت أن يفتح لك باب المقصورة فهو أقرب لخطوك، قال: فنهض أبي واعتمد علي ودخل على الوالي، وقد جمع فقهاء أهل المدينة كلهم وبين يديه كتاب فيه شهادة على رجل من أهل وادي القرى قد ذكر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فنال منه، فقال له الوالي: يا أبا عبد الله أنظر في الكتاب قال: حتى أنظر ما قالوا، فالتفت إليهم فقال: ما قلتم؟ قالوا: قلنا يؤدب ويضرب ويعزّر ]يهذّب[ ويحبس، قال: فقال لهم: أرأيتم لو ذكر رجلاً من
أصحاب النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ما كان الحكم فيه؟ قالوا: مثل هذا، قال: فليس بين النبي وبين رجل من أصحابه فرق؟! فقال الوالي: دع هؤلاء يا أبا عبد الله لو أردنا هؤلاء لم نرسل إليك، فقال أبو عبد الله(علیه السلام): أخبرني أبي أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: الناس فيّ أسوة سواء، من سمع أحداً يذكرني فالواجب عليه أن يقتل من شتمني ولا يرفع إلى السلطان، والواجب على السلطان إذا رفع إليه أن يقتل من نال منّي، فقال زياد بن عبيد الله: أخرجوا الرجل فاقتلوه بحكم أبي عبد الله(علیه السلام)(1).
وهذه الرواية واضحة الدلالة والمستفاد منها: أنّ من شتم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يجب قتله بلا حاجة إلى رفع أمره إلى الحاكم إلاّ أنها من حيث السند محل كلام، فإنّ فيه سهل بن زياد وهو ضعيف فلا يعتمد عليها من هذه الجهة، غير أنّه يمكن تصحيحها وذلك لأنّ الشيخ قال في علي بن أسباط الذي يروي عنه سهل: له أصل وروايات(2)، وذكر طريقين إلى أصله ورواياته وأحد الطريقين معتبر، وبناء على هذا فتكون هذه الرواية داخلة في مرويات الشيخ بطريق معتبر، وتصبح تامة الدلالة والسند، ويصحّ الاستدلال بها على المدّعى.
ثمّ إنّ مضمون هذه الرواية هو نفس مضمون رواية الحسن بن علي الوشاء قال: سمعت أبا الحسن (علیه السلام) يقول: شتم رجل على عهد جعفر بن محمد (علیه السلام) رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فأتي به عامل المدينة، فجمع الناس فدخل عليه أبو عبد الله (علیه السلام) وهو قريب العهد بالعلّة وعليه رداء له مورّد فأجلسه في صدر المجلس واستأذنه في الاتكاء، وقال لهم: ما ترون؟ فقال له عبد الله بن الحسن، والحسن بن زيد وغيرهما: نرى أن تقطع لسانه فالتفت العامل إلى ربيعة الرأي وأصحابه فقال: ما ترون؟ قال: يؤدّب فقال أبو عبد الله (علیه السلام): سبحان الله!! فليس بين رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)
وبين أصحابه فرق؟!(1)
إلاّ أنّ رواية علي بن جعفر اشتملت على زيادات صدراً وذيلاً لم ترد في رواية الوشاء، كما أنّ في رواية الوشاء بعض ما لم يرد في رواية علي بن جعفر.
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ رجلاً من هذيل كان يسبّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فبلغ ذلك النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: من لهذا؟ فقام رجلان من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله فانطلقا حتى أتيا عربة فسألا عنه، فإذا هو يتلقى غنمه، فقال: من أنتما وما اسمكما؟ فقالا له: أنت فلان بن فلان؟ قال: نعم فنزلا فضربا عنقه، قال محمد بن مسلم: فقلت لأبي جعفر(علیه السلام): أرأيت لو أنّ رجلاً الآن سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أيقتل؟ قال: إن لم تخف على نفسك فاقتله(2).
وهذه الرواية وإن كانت معتبرة السند إلاّ أنها من جهة الدلالة على الوجوب قابلة للمناقشة وذلك لأنّ قوله (علیه السلام): فاقتله، جاء بعد السؤال أيقتل؟ وفي هذا وهن في الدلالة على الوجوب، ويكون نظير الأمر بعد الحظر، نعم لو كان قوله فاقتله ابتداء من دون سبق بالسؤال لكان ظاهراً في الوجوب، ويحتمل أنّ قول الإمام (علیه السلام): فاقتله إذن للسائل بخصوصه، وبناء على أحد هذين الاحتمالين تكون دلالة الرواية على الوجوب ضعيفة.
ومنها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه سئل عمّن شتم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؟ فقال (علیه السلام): يقتله الأدنى فالأدنى قبل أن يرفع إلى الإمام(3).
وظاهر الجملة الخبرية أنها في مقام الإنشاء، والمستفاد هو وجوب القتل.وغيرها من الروايات، فلا إشكال في ثبوت أصل الحكم عند كافّة الفقهاء حتى أنّ صاحب الجواهر (قدس سره) نقل رواية عن العامة وهي أنّه (صلی الله علیه و آله و سلم) لما فتح مكة عهد
إلى المسلمين أن لا يقتلوا بمكة إلاّ من قاتلهم سوى نفر كانوا يؤذونه ... فقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة(1).
ثم إنه ظهر مما تقدم، الحكم بالنسبة إلى من سبّ الله تعالى وذلك للأولوية القطعية فإنّ قدسية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) متفرعة عن قدسية الله تعالى وعظمته، ويمكن الاستدلال على الحكم أيضاً بما سيأتي من الروايات في حكم من أهان الكعبة.
وجميع الأحكام الجارية في ساب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) تجري في من سب الله تعالى وتقدّس.
الجهة الثانية: هل يسقط الوجوب عند التقية أو الخوف على النفس أو لا؟ والظاهر من الأدلة هو السقوط، بل عدم الجواز، وذلك:
أولاً: بالإضافة إلى دعوى عدم الخلاف في هذا الحكم، أنّ مقتضى الأدلة العامة التي تدلّ على أنّ التقية في كل شيء وأدلّة نفي الضرر تشمل المقام.
وثانياً: لما ورد في خصوص المورد من صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة حيث قيّد الحكم بعدم الخوف على النفس، ومع القول بعدم الفصل بين الخوف على النفس وغيره يتمّ المدعى.
وثالثاً: تقدم في أوائل الجزء الأول من هذا الكتاب الاستشهاد بقضية عمار بن ياسر، وأنّ قريشاً كانت لا تدع إيذاءه حتى ينال من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يأمره أن يعود إذا عادوا وفيه نزل قوله تعالى: «إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ»(2)وهي شاهد على ما نحن فيه أيضاً.
الجهة الثالثة: هل يحتاج تنفيذ الحكم إلى إذن الإمام أو الحاكم أو لا؟
والظاهر هو عدم الاحتياج، فإنّ بعض الروايات وإن كانت مطلقة إلاّ أن
بعضها الآخر نصّ على عدم الاحتياج إلى الإذن كما في صحيحة هشام بن سالم ومعتبرة علي بن جعفر المتقدمتين، مضافاً إلى أنّ المذكور في كلمات الفقهاء هو التصريح بعدم الحاجة.
والحاصل: أنّ هذا الحكم ممّا لا إشكال فيه.
الجهة الرابعة: لا فرق في ثبوت الحكم بين المسلم والكافر فمن صدرعنه السب - أيّاً كان - وجب قتله ويدلّ عليه:
أولاً: عموم معقد الإجماع، وثانياً: ما ورد من الروايات الدالة على شمول الحكم بلا فرق بين المسلم والكافر، وقد تقدم ذكرها.
هذا إذا كان السب في حالة القصد والاختيار، أما إذا صدر في حالة الغضب أو الغفلة، وبعبارة أخرى: لم يكن السب عن عمد وقصد فهل يكون حكمه حكم القصد والاختيار؟
الظاهر أنّ مقتضى الروايات عدم جريان الحكم كما في موثقة علي بن عطية عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كنت عنده وسأله رجل عن رجل يجيء منه الشيء على جهة غضب يؤاخذه الله به؟ فقال: الله أكرم من أن يستغلق عبده(1). وفي نسخة يستقلق عبده.
وقوله: يستغلق عبده أي يكلفه ويجبره فيما لم يكن له فيه اختيار.
وفي القاموس: استغلقني في بيعته لم يجعل لي خياراً في ردّه(2).
وهذه الرواية واضحة الدلالة، وإنما ذكر الغضب من باب المثال وإلاّ فلا خصوصية له، وحينئذ فليس حكمه حكم العمد. كما أنّ الرواية من حيث السند معتبرة، فإن علي بن عطية وثقه النجاشي(3)في ترجمة أخيه الحسن، مضافاً إلى
رواية ابن أبي عمير عنه كما في نفس هذه الرواية.
وأما لو كان في مقام نفي الفضل عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فهل الحكم بالقتل يشمله أو لا؟
صريح بعض الروايات أنّ الحكم هو القتل كما في رواية مطر بن أرقم قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ عبد العزيز بن عمر الولي ]الوالبي[ بعث إليّ فأتيته وبين يديه رجلان قد تناول أحدهما صاحبه فمرس وجهه، فقال: ما تقول يا أبا عبد الله في هذين الرجلين؟ قلت: وما قالا؟ قال: قال أحدهما: ليس لرسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فضل على أحد من بني أمية في الحسب، وقال الآخر: له الفضل على الناس كلّهم في كلّ خير وغضب الذي نصر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فصنع بوجهه ما ترى فهل عليه شيء؟ فقلت له: إنّي أظنك قد سألت من حولك فأخبروك، فقال: أقسمت عليك لمّا قلت، فقلت له: كان ينبغي لمن زعم أن أحداً مثل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الفضل أن يقتل ولا يستحيي، قال: فقال: أوما الحسب بواحد؟ فقلت: إنّ الحسب ليس النسب، ألا ترى لو نزلتبرجل من بعض هذه الأجناس فقراك فقلت: إنّ هذا لحسيب فقال: أوما النسب بواحد؟ قلت: إذا اجتمعا إلى آدم فإن النسب واحد، إنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يخلطه شرك ولا بغي فأمر به فقتل(1).
وهذه الرواية دالة على أنّ من نفى الفضل عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، أو ساواه بغيره فحكمه أن يقتل، إلاّ أن سند الرواية فيه مطر بن أرقم ولم يرد فيه توثيق، مضافاً إلى أنّ أحداً من الأصحاب لم يعمل بمضمون هذه الرواية كما ذكر ذلك صاحب الجواهر (قدس سره) (2)، وإن احتمل (قدس سره) أن القتل إما لأنه من إنكار الضروري، أو أنّ ذلك نوع نيل منه (صلی الله علیه و آله و سلم) .
الجهة الخامسة: هل يستتاب السابّ أو لا؟ وعلى فرض الاستتابة فهل
تقبل توبته أو لا؟
المذكور في الروايات هو الحكم بالقتل من دون تفصيل، ولو كان الحد يسقط بالتوبة أو الاستتابة لذكر في الروايات، والحال أنه لم يرد ذلك في شيء من الروايات، فالظاهر أنّ السابّ يقتل مطلقاً كما هو مقتضى الروايات الواردة في المقام.
وهذه الجهة لم ترد في كلمات الفقهاء، نعم ورد التفريق بين من قذف النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)، وبين من قذف أمّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، قال الشهيد في اللمعة: وقاذف أم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مرتدّ، ولو تاب لم تقبل توبته إذا كان ارتداده عن فطرة. وقال الشهيد الثاني معقّباً: وهذا بخلاف سابّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فإنّ ظاهر النص والفتوى وجوب قتله وإن تاب، ومن ثم قيّده هنا خاصّة(1)، ولم يفرق المحقق الكركي بينهما حيث قال: ولو قذف النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) فهو مرتد ووجب قتله ولا تقبل توبته إذا كان مولوداً على الفطرة وكذا لو قذف أم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (2).
وأمّا العامة فقد اختلفت كلماتهم في ذلك كما تقدم.
الجهة السادسة: إذا أحرزت الأولوية القطعية في مورد ترتبت جميع الأحكام كما مر بالنسبة إلى من سبّ الله تعالى، وأما مع عدم الإحراز كما في من سبّ القرآن الكريم مثلاً فهل الأحكام تجري أو لا؟
لم نقف على رواية في المقام تدلّ على حكم معين إلاّ أن يكون محكوماً بالارتداد، وتترتب عليه أحكامه، قال في الجواهر: وبكل فعل دالصريحاً على الاستهزاء بالدين والاستهانة به ورفع اليد عنه كإلقاء المصحف في القاذورات وتمزيقه واستهدافه ووطئه وتلويث الكعبة أو أحد الضرائح المقدّسة بالقاذورات
أو السجود للصنم وعبادة الشمس وإن لم يقل بربوبيّتها(1).
الجهة السابعة: من ادّعى النبوة وجب قتله بلا خلاف، كما في الجواهر(2)ويدل عليه عدة روايات:
منها: موثقة ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّ بزيعاً يزعم أنه نبي!! فقال: إن سمعته يقول ذلك فاقتله، قال: فجلست إلى جنبه غير مرة فلم يمكنّي ذلك(3).
ومنها: معتبرة أبي بصير يحيى بن القاسم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال في حديث: قال النبي(صلی الله علیه و آله و سلم): أيها الناس، إنه لا نبي بعدي ولا سنّة بعد سنّتي، فمن ادّعى ذلك فدعواه وبدعته في النار فاقتلوه، ومن تبعه فإنه في النار، أيها الناس، أحيوا القصاص، وأحيوا الحقّ لصاحب الحقّ، ولا تفرقوا وأسلموا وسلّموا تسلموا «كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ »(4).
ومنها: معتبرة ابن فضال عن الرضا (علیه السلام) في حديث قال: وشريعة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) لا تنسخ إلى يوم القيامة، فمن ادّعى نبوة أو أتى بعده بكتاب فدمه مباح لكل من سمع منه(5).
وغيرها من الروايات الدالة على وجوب قتل من ادّعى النبوة، فلا إشكال في ثبوت هذا الحكم.
الجهة الثامنة: من أظهر شكّه في صدق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وكان على ظاهر الإسلام وجب قتله بلا خلاف، كما في الجواهر(6)، ويمكن أن يستدل عليه بعدة روايات منها:
صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من شك في الله وفي رسوله فهو كافر(1).وهذه الرواية وإن كانت صحيحة السند إلاّ أنّ دلالتها على وجوب القتل ليست صريحة، فإنّ إقامة الحد ليست بيد كلّ أحد.
ومنها: رواية الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): لو أنّ رجلاً أتى النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) فقال والله ما أدري أنبي أنت أم لا، كان يقبل منه؟ قال: لا، ولكن كان يقتله إنه لو قبل ذلك ما أسلم منافق أبداً(2).
وهذه الرواية وإن كانت أصرح في الدلالة من الأولى حيث دلّت على أنّ الشاك مهدور الدم إلاّ أن الإشكال في سندها فإنّ فيه عبد الرحمن الابزاري ولم يرد فيه توثيق، وبناء عليه فلا يمكن الاستدلال بها من هذه الجهة، ولا يبقى إلاّ الإجماع فإن تمّ فهو وإلاّ فلا دليل على الوجوب.
الموضع الثاني: في من سب أمير المؤمنين (علیه السلام) أو أحد الأئمة (علیهم السلام) وفيه ثلاث جهات:
الأولى: في أصل الحكم: وقد ادعي الإجماع بقسميه على وجوب قتل من سبّ علياً (علیه السلام) أو أحد الأئمة (علیهم السلام) كما في الجواهر(3).
وتقدم أنّ الشيخ في الخلاف(4)قال بالوجوب مدعياً إجماع الفرقة وأخبارهم عليه، إلاّ أن المستفاد من الروايات هو الجواز لا الوجوب ومن ذلك:
صحيحة هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما تقول في رجل سبّابة لعلي (علیه السلام) ؟ قال: فقال لي: حلال الدم والله، لولا أن تعمّ به بريئاً، قال: قلت: فما
تقول في رجل موذ لنا؟ قال: في ماذا؟ قلت: فيك يذكرك قال: فقال لي: له في علي(علیه السلام) نصيب؟ قلت: إنه ليقول ذلك ويظهره، قال: لا تعرض له(1).
وفي قوله (علیه السلام) له في علي نصيب يحتمل وجوهاً ثلاثة:
الأول: أنّ المراد هو الولاية بمعنى أنه يقول بإمامة علي (علیه السلام) وهو الظاهر بقرينة قوله إنه ليقول ذاك ويظهره.
الثاني: أنّ المراد هو الإنكار أن يكون له ولاية لأمير المؤمنين (علیه السلام) .
الثالث: المراد هو النصب وفي الكلمة تصحيف بزيادة الياء.والظاهر هو الأول كما ذكرنا، وأمّا الآخران فبعيدان وأبعدهما الثالث.
ثم إنّ هذه الرواية مضافاً إلى اعتبار سندها تدل على جواز القتل لا وجوبه.
ومنها: ما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن عبد الله بن سليمان العامري قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أيّ شيء تقول في رجل سمعته يشتم علياً (علیه السلام) ويبرأ منه؟ قال: فقال لي: والله هو حلال الدم وما ألف منهم برجل منكم، دعه(2).
وفي نسخة الكافي: دعه لا تعرض له إلاّ أن تأمن على نفسك(3).
وهذه الرواية لا دلالة فيها على الوجوب، وإنما تدلّ على الجواز، وأن الشاتم لأمير المؤمنين (علیه السلام) والمتبرىء منه حلال الدم، وفي قوله: دعه إشارة إلى أنّ قتله قد يجر إلى قتل بعض الشيعة، وأنّ ألفاً منهم لا يساوي رجلاً واحداً من الشيعة.
هذا مضافاً إلى أنّ في سند الرواية ضعفاً إذ فيه ربيع بن محمد، وفي بعض النسخ ربعي وهو وإن ورد ذكره في تفسير علي بن إبراهيم القمي إلاّ أنه واقع في
القسم الثاني(1)، فلا يشمله التوثيق كما حققناه في محله، وكذلك عبد الله بن سليمان فإنه لم يرد فيه توثيق، فالرواية غير تامة سنداً ودلالة.
ومنها: رواية عبيد بن زرارة عن أبيه عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: من قعد في مجلس يسبّ فيه إمام من الأئمة يقدر على الانتصاف فلم يفعل، ألبسه الله عزّوجلّ الذلّ في الدنيا، وعذّبه في الآخرة، وسلبه صالح ما منّ به عليه من معرفتنا(2).
وقد يقال: إنّ هذه الرواية تدلّ على الوجوب بدعوى: أنّ معنى الانتصاف هو الانتقام، فمن لم ينتقم فعليه الوزر، وألبسه الله الذلّ في الدنيا، وعذّبه في الآخرة، وسلبه الإيمان، وهذا دليل على الوجوب.
ولكن يمكن المناقشة في سند الرواية ودلالتها.
أما في السند ففيه علي بن محمد بن سعيد، أو سعد، وفي المرآة(3)ابنأبي سعيد وهو لم يوثق، ومثله في عدم التوثيق محمد بن سالم أبو سلمة.
وأما في الدلالة فقوله: يقدر على الانتصاف وإن كان يحتمل أنّه بمعنى الانتقام إلاّ أنه يحتمل أيضاً أنه بمعنى إقامة الحجة والمقارعة بالدليل وإبطال مدعى الخصم، وحيث لا ترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر فلا يمكن الاستدلال بالرواية على وجوب القتل بخصوصه.
ومنها: معتبرة داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: حلال الدم، ولكنّي أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطاً أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد عليك فافعل، قلت: فما ترى في ماله؟ قال:
توّه ما قدرت عليه(1).
وهذه الرواية وإن كانت معتبرة من جهة السند إلاّ أنها من جهة الدلالة نظير ما تقدم من أنّ الأمر جاء عقيب السؤال، فيكون من قبيل الأمر بعد توهم الحظر، نعم لو كان الأمر بالقتل ابتداء من الإمام (علیه السلام) لكانت الدلالة تامة، إلاّ أنه لما كان بعد السؤال، فليس له ظهور في الوجوب بل في الجواز.
ومنها: رواية علي بن حديد، قال: سمعت من سأل أبا الحسن الأول (علیه السلام) فقال: إني سمعت محمد بن بشير يقول: إنك لست موسى بن جعفر الذي أنت إمامنا، وحجّتنا فيما بيننا وبين الله، قال: فقال: لعنه الله ثلاثاً - أذاقه الله حرّ الحديد قتله الله أخبث ما يكون من قتلة، فقلت له: إذا سمعت ذلك منه أوليس لي دمه مباح كما أبيح دم السبّاب لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والإمام؟ قال: نعم حل والله، حلّ والله دمه، وأباحه لك ولمن سمع ذلك منه، قلت: أوليس ذلك بسابّ لك؟ قال: هذا سبّاب الله، وسبّاب لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وسبّاب لآبائي، وسبّابي وأيّ سب ليس يقصر عن هذا ولا يفوقه هذا القول؟ فقلت: أرأيت إذا أنا لم أخف أن أغمر بذلك بريئاً ثم لم أفعل ولم أقتله ما علي من الوزر؟ فقال: يكون عليك وزره أضعافاً مضاعفة من غير أن ينقص من وزره شيء، أما علمت أنّ أفضل الشهداء درجة يوم القيامة من نصر الله ورسوله بظهر الغيب وردّ عن الله وعن رسوله(صلی الله علیه و آله و سلم)(2).
وهذه الرواية يمكن الاستدلال بها على وجوب قتل الساب. إلاّ أن للمناقشة في السند والدلالة مجالاً :
أما من جهة السند فإن فيه محمد بن عبد الله المسمعي، ولم يرد فيهتوثيق فالرواية ضعيفة من هذه الجهة.
وأمّا من جهة الدلالة فلأنّ فيها نوعاً خاصاً من السبّ والقذف واتهام الإمام(علیه السلام) بالكذب - والعياذ بالله (صلی الله علیه و آله و سلم) لأنّ ذلك يرجع إلى إنكار وجود الإمام (علیه السلام) وينجرّ إلى تكذيب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وتكذيب الله تعالى فإذا قلنا بدلالة الرواية على وجوب القتل فلأنّ الأمر يرجع إلى ما هو أبعد من السب المتعارف الذي ينال شخص الإمام (علیه السلام) .
ومنها: ما استدل به الشيخ في الخلاف كما تقدّم من قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): من سبّ علياً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله ومن سبّ الله (وسبّ نبيّه خ) فقد كفر ويجب قتله(1).
ودلالتها على الوجوب تامة إلاّ أنّ الإشكال في سند الرواية فإنّا لم نقف على سند لها في كتبنا الروائية(2)ولعل الشيخ نقلها عن العامة(3).
والحاصل: أنّه لا دليل من الروايات على الوجوب، وغاية ما يستفاد منها هو الجواز، نعم يمكن الاستدلال على الوجوب بما تقدم من دعوى الإجماع وبفحوى ما دل من الروايات على وجوب قتل من أحدث في الكعبة حيث ورد في صحيحة أبي الصباح الكناني قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أيّما أفضل الإيمان أو الإسلام؟ إلى أن قال: فقال: الإيمان، قال: قلت: فأوجدني ذلك قال: ما تقول: في من أحدث في المسجد الحرام متعمداً؟ قال: قلت: يضرب ضرباً شديداً، قال: أصبت، فما تقول في من أحدث في الكعبة متعمداً؟ قلت: يقتل، قال: أصبت، ألا
1) الخلاف ج 5 كتاب الباغي المسألة الخامسة ص 340
2) رواها الصدوق في الأمالي - المجلس الحادي والعشرون - الحديث 2 ص 157 عن أحمد بن الحسن القطان عن العباس بن الفضل المقري عن أبي الحسن علي بن الفرات الاصبهاني عن أحمد بن محمد البصري عن جندل بن والق عن علي بن حماد عن سعيد عن ابن عباس
3) مسند أحمد ج 7 الحديث 26208 ص 455 - 456 ، وكنز العمال ج 11 الحديث 32903 ص602
ترى أنّ الكعبة أفضل من المسجد(1).
وفي موثقة سماعة قال: سألته وذكر حديثاً يقول فيه: ولو أنّ رجلاً دخل الكعبة فبال فيها معانداً أخرج من الكعبة ومن الحرم وضربت عنقه(2).وفي معتبرة عبد الرحيم القصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث الإسلام والإيمان قال: وكان بمنزلة من دخل الحرم ثم دخل الكعبة وأحدث في الكعبة حدثاً فأخرج عن الكعبة وعن الحرم فضربت عنقه وصار إلى النار(3).
وغيرها من الروايات الدالة على وجوب قتل من أحدث في الكعبة، فبمقتضى الأولوية القطعية يحكم بوجوب قتل من سبّ الإمام (علیه السلام) فإنّه أفضل من الكعبة.
والحاصل: أن القول بوجوب القتل يتوقف على تمامية أحد هذين الوجهين الإجماع والأولوية، وأما الروايات فالمستفاد منها هو الجواز.
وقد يتوهم: أنه لا معنى للجواز وإنما الحكم دائر بين الوجوب وعدمه.
ويدفع: بأن تصور الواسطة ممكن جداً وله في الأحكام أمثلة كثيرة:
منها: أنّ ولي الدم يجوز له أن يقتص، ويجوز له أن يعفو بلا عوض أو يأخذ الدية ولا يجب الاقتصاص.
ومنها: أن من رأى مع زوجته أجنبياً على فراشه جاز له قتله ولا يجب.
ومنها: أنّ من له على غيره حقّ أو دين جاز له أن يسقطه ولا يجب.
وغيرها من الموارد فلا إشكال في تصور الحكم بالجواز بل في ثبوته في الأحكام الشرعية.
الجهة الثانية: هل أنّ جواز القتل مشروط بالإجازة أو لا؟
والذي يظهر من بعض الروايات المتقدمة عدم الحاجة إلى الإجازة، كما في معتبرة داود بن فرقد، ويؤيدها رواية علي بن حديد، ويظهر من بعضها عدم الجواز إلاّ مع الإجازة كما في رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: ولا يجوز قتل أحد من النصّاب والكفار في دار التقية إلاّ قاتل أو ساع في فساد وذلك إذا لم تخف على نفسك وأصحابك(1).
وهذه الرواية قد رواها الصدوق في العيون(2)إلاّ أن في طريق الصدوق إلى الفضل بن شاذان كلاماً قد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم وسيأتيأيضاً.
وفي بعض الروايات التفصيل بين سبّ علي (علیه السلام) فلا يحتاج إلى الإجازة، وبين سبّ غيره من الأئمة (علیهم السلام) فيحتاج إليها، وبها يجمع بين الروايات المتقدمة، ففي صحيحة هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما تقول في رجل سبّابة لعلي(علیه السلام) ؟ قال: فقال لي: حلال الدم والله، لولا أن تعمّ به بريئاً، قال: قلت: فما تقول في رجل موذ لنا؟ قال: فيماذا؟ قلت: فيك يذكرك، قال: فقال لي: له في علي نصيب؟ قلت: إنه ليقول ذاك ويظهره، قال: لا تعرض له(3).
شاهد جمع على التفصيل بين ما دل على لزوم الإجازة مطلقاً حتى بالنسبة إلى من سبّ علياً (علیه السلام) وبين ما دل على عدم لزوم الإجازة مطلقاً حتى بالنسبة إلى من سبّ سائر الأئمة (علیهم السلام)، نعم ورد في بعض الروايات لزوم الإجازة في قتل من سبّ أمير المؤمنين (علیه السلام) كرواية أبي الصباح قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّ لنا جاراً فنذكر علياً (علیه السلام) وفضله، فيقع فيه أفتأذن لي فيه؟ فقال: أو كنت فاعلاً؟ فقلت: إي والله لو أذنت لي فيه لأرصدنّه فإذا صار فيها اقتحمت عليه بسيفي
فخبطته حتى أقتله، فقال: يا أبا الصباح هذا القتل، وقد نهى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عن القتل، يا أبا الصباح إنّ الإسلام قيد القتل، ولكن دعه فستكفى بغيرك الحديث(1).
والمستفاد من هذه الرواية أنّه لا إشكال في الجواز إلاّ أنه يحتاج إلى الإذن.
وأصرح من ذلك ما نقله صاحب الوسائل عن رجال الكشي بسنده عن عمار السجستاني عن أبي عبد الله (علیه السلام): إنّ عبد الله بن النجاشي قال له وعمار حاضر: إني قتلت ثلاثة عشر رجلاً من الخوارج كلهم سمعته يبرأ من علي بن أبي طالب (علیه السلام)، فسألت عبد الله بن الحسن فلم يكن عنده جواب، وعظم عليه، وقال: أنت مأخوذ في الدنيا والآخرة، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): وكيف قتلتهم يا أبا بحير؟ فقال: منهم من كنت أصعد سطحه بسلم حتى أقتله، ومنهم من دعوته بالليل على بابه فإذا خرج قتلته، منهم من كنت أصحبه في الطريق فإذا خلا لي قتلته، وقد استتر ذلك عليّ فقال أبو عبد الله (علیه السلام): لو كنت قتلتهم بأمر الإمام لم يكن عليك شيء في قتلهم، ولكنّك سبقت الإمام فعليك ثلاثة عشر شاة تذبحها بمنى وتتصدق بلحمها لسبقكالإمام وليس عليك غير ذلك(2).
هذا ما أورده صاحب الوسائل من الرواية، وأما ما رواه الكشي في رجاله فهو حدثني محمد بن الحسن قال: حدثني الحسن بن خرزاد عن موسى بن القاسم البجلي عن إبراهيم بن أبي البلاد عن عمار السجستاني قال: زاملت أبا بحير عبد الله بن النجاشي من سجستان إلى مكة، وكان يرى رأي الزيدية فلما صرنا إلى المدينة مضيت أنا إلى أبي عبد الله (علیه السلام) ومضى هو إلى عبد الله بن الحسن، فلما انصرف رأيته منكسراً يتقلّب على فراشه ويتأوّه قلت: ما لك أبا بحير؟ فقال: استأذن لي على صاحبك إن شاء الله، فلما أصبحنا دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام)
فقلت: هذا عبد الله بن النجاشي سألني أن أستأذن له عليك وهو يرى رأي الزيدية، فقال: إئذن له فلما دخل عليه قرّبه أبو عبد الله (علیه السلام)، فقال له أبو بحير: جعلت فداك إنّي لم أزل مقرّاً بفضلكم أرى الحق فيكم لا في غيركم، وإنّي قتلت ثلاثة عشر رجلاً من الخوارج كلهم سمعتهم يتبرأ من علي بن أبي طالب (علیه السلام)، فقال له أبو عبد الله (علیه السلام): سألت عن هذه المسألة أحداً غيري ؟ فقال: نعم، سألت عنها عبد الله بن الحسن فلم يكن عنده فيها جواب وعظم عليه، وقال لي: أنت مأخوذ في الدنيا والآخرة، فقلت: أصلحك الله فعلى ماذا عادينا الناس في عليّ (علیه السلام) ؟ فقال له أبو عبد الله(علیه السلام): وكيف قتلتهم يا أبا بحير؟ فقال: منهم من كنت أصعد سطحه بسلم حتى أقتله، ومنهم من دعوته بالليل على بابه فإذا خرج عليّ قتلته، ومنهم من كنت أصحبه في الطريق فإذا خلا لي قتلته، وقد استتر ذلك كله علي فقال له أبو عبد الله (علیه السلام): يا أبا بحير لو كنت قتلتهم بأمر الإمام لم يكن عليك شيء ولكنك سبقت الإمام فعليك ثلاث عشرة شاة تذبحها بمنى وتتصدق بلحمها لسبقك الإمام وليس عليك غير ذلك .
ثم قال أبو عبد الله (علیه السلام): يا أبا بحير أخبرني حين أصابك الميزاب وعليك الصدرة من فراء فدخلت النهر فخرجت وتبعك الصبيان يعيطون بك أي شيء صيرك على هذا؟ قال عمار: فالتفت إليّ أبو بحير وقال لي: أي شيء كان هذا من الحديث حتى تحدثه أبا عبد الله (علیه السلام) ؟ فقلت: لا والله ما ذكرت له ولا لغيره، وهذا هو يسمع كلامي، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): لم يخبرني بشيء يا أبا بحير، فلما خرجنا من عنده قال لي أبو بحير: يا عمار أشهد أنّ هذا عالم آل محمد، وأنّ الذي كنت عليه باطل، وأنّ هذاصاحب الأمر(1).
وإنما أوردنا الرواية بطولها لاشتمالها على بعض المضامين العالية.
1) رجال الكشي 2 : 632 منشورات مؤسسة آل البيت (علیهم السلام)
وهذه الرواية صريحة الدلالة، فإنّ قتل هؤلاء وإن كان لا يوجب القود ولا شيء على القاتل سوى أن يذبح ثلاثة عشرة شاة يتصدق بلحمها بمنى إلاّ أنه لا إشكال في دلالتها على الاحتياج إلى الإذن.
ولكن كلتا الروايتين لا يمكن الاستدلال بهما.
أما الرواية الأولى فهي من جهة السند مرسلة، ومن جهة الدلالة ليست بواضحة، لأنه كما يحتمل توقف القتل على الإذن كذلك يحتمل المنع عنه، وهذا مخالف لما تقدم من الروايات.
وأما الرواية الثانية فهي وإن كانت من جهة الدلالة تامة إلاّ أنها من جهة السند غير نقية، وذلك لأنّ موسى بن القاسم وإبراهيم بن أبي البلاد ثقتان، وقد نصّ النجاشي على ذلك(1)، وأما الحسن بن خرزاد فهو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في كتاب نوادر الحكمة(2)ولم يستثنه ابن الوليد فلا بأس في الاعتماد على روايته.
وأما محمد بن الحسن فهو مشترك بين ثلاثة أشخاص يروي عنهم الكشي.
الأول محمد بن الحسن البراني (البراثي)، والثاني محمد بن الحسن البرناني، والثالث محمد بن الحسن بن بندار، ويحتمل أن يكون الأولان متحدين والتعدد نشأ من التصحيف.
أما الأول فقد ذكره الشيخ في الرجال في باب من لم يرو عنهم (علیهم السلام) (3).
وأما الثالث فقد استظهر الوحيد البهبهاني أنه محمد بن الحسن الأشعري القمي(4).
فإن كان هو الثالث فهو ثقة، وإن كان الأول والثاني وقلنا بالاتحاد فلم يرد فيه توثيق، وإن قلنا بالتعدد فكذلك، إلاّ أن الكشي لا يروي عن الاشعري بلا واسطة، وإنما يروي عن كتابه لأنه من أصحاب الرضا (علیه السلام) والجواد (علیه السلام) فهو في طبقة أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، فروايةالكشي عنه بلا واسطة ممتنعة بحسب العادة، وحينئذ يتعين أن يكون المراد أحد الأولين، وحيث لم يرد فيهما توثيق بناء على تعددهما فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية. وأما عمار - فهو أيضاً لم يرد فيه توثيق.
والحاصل: أنّ الروايتين غير قابلتين لأن يستدل بهما في المقام لعدم اعتبار السند فيهما، وعدم وضوح الدلالة في الأولى.
الجهة الثالثة: هل يجوز إجراء الحكم عند التقية أو الخوف أو لا؟
الظاهر هو عدم الجواز كما تقدم بالنسبة إلى سابّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وذلك:
أولاً: للأدلّة العامة الشاملة للمقام.
وثانياً: للروايات الخاصة فإنّ أكثرها دال على عدم الجواز، بل الفحوى القطعية المستفادة مما تقدم في سبّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد قلنا هناك: إنّ الخوف مسقط للوجوب، بل موجب لعدم الجواز فما نحن فيه كذلك.
الموضع الثالث: في من سبّ الصديقة فاطمة الزهراء (علیها السلام) :
والكلام تارة في القذف وأخرى في السب.
أما القذف فالحكم فيه واضح لأنه ارتكاب لما يخالف الضرورة من الدين ولإجماع المسلمين، ولدلالة آية التطهير.
وأمّا السب فالأقوى أنّ حكمه حكم من سبّ الأئمة (علیهم السلام) للعلم بأنّ احترامها وقدسيتها كاحترامهم وقدسيتهم (علیهم السلام)، فما يجري هناك من أحكام يجري هنا أيضاً.
وأما بالنسبة إلى أمّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وسائر أمهات الأئمة (علیهم السلام) وبناتهم وأولادهم فلم يحرز فيه ذلك، إلاّ أن يكون قذفاً أو سبّاً راجعاً إلى نفس النبي أو الأئمة (علیهم السلام) وحينئذ تترتب نفس الأحكام المتقدمة.
والكلام من جهة الحاجة إلى الإذن، ومن جهة التقية هو الكلام في الموضع السابق.
الموضع الرابع: في من سبّ الأنبياء أو أحدهم (علیهم السلام) :
وقد يقوى إلحاقهم بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) لأنّ كمالهم وتعظيمهم والإيمان بهم معلوم من دين الإسلام بالضرورة، بل قد يقال: إنّه من أركان الإيمان كما يستفاد من قوله تعالى: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِوَالنَّبِيِّينَ ...» (1)وقوله تعالى «وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ...(2)، وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ ... أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقّاً ... وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً»(3)، وقوله تعالى: «لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ»(4)، فسبّهم ارتداد عن الدين كما في المسالك(5)وغيره بل في الغنية دعوى إجماع الطائفة(6)عليه.
وأما ما رواه الطبرسي بإسناده في صحيفة الرضا (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) عن
رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) قال: من سب نبياً قتل ومن سبّ صاحب نبي جلد(1).
فهو وإن كان واضح الدلالة إلاّ أن الإشكال من جهة السند.
وفي مقابلها روى الشيخ في المبسوط عن علي (علیه السلام) أنه قال: لا أوتي برجل يذكر أن داود صادف المرأة إلاّ جلدته مائة وستين فإن جلد الناس ثمانون وجلد الأنبياء مائة وستون(2).
إلاّ أن هذه الرواية ضعيفة السند بالإرسال فلا يمكن الاعتماد عليها.
فيبقى الحكم معتمداً فيه على ما تقدم من الإلحاق بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) .
ثم إنّ الكلام في هذا الموضع من جهة الاحتياج إلى الإذن في إجراء الحكم، ومن جهة الخوف والتقية هو الكلام في المواضع المتقدمة.
وقد ورد أنّ حكمه حكم الجهاد، ويقع الكلام فيه في مسائل:
وفيها جهات:
الأولى: في أصل الحكم:
والظاهر كما في القواعد(3)وكشف اللثام(4)والمسالك(5)وغيرها هو الوجوب، ويدل عليه:
أولاً: الأصل المستفاد من الآيات الشريفة:
ومنها: قوله تعالى: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»(6).
وثانياً: دعوى الإجماع بقسميه عليه كما في الجواهر(1).
وثالثاً: الروايات الواردة في المقام:
ومنها: معتبرة ضريس عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: من حمل السلاح بالليل فهو محارب، إلّا أن يكون رجلاً ليس من أهل الريبة(2).
وهذه الرواية تدلّ بإطلاقها على أنّ من حمل السلاح ليلاً فهو محارب، وبناء على لزوم دفع المحارب تجب مقاومته، بلا فرق بين كونه قصد شخصاً معيناً أو أحداً من سائر المؤمنين.
ومنها: رواية أنس أو هيثم بن البرا (فزارة أبي هيثم بن برا) قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): اللص يدخل علي في بيتي يريد نفسي ومالي؟ قال: اقتله (أقتل خ ل) فأشهد الله ومن سمع أنّ دمه في عنقي(3).
وربما يشكل في دلالة الرواية على الوجوب لورودها في مقام توهم الحظر بقرينة قوله:... أن دمه في عنقي نعم لا إشكال في دلالتها على الجواز، على أنّ في سند الرواية ضعفاً، فلا تصلح لأن تكون دليلاً في المقام .
ومنها: ما يستفاد من عدة روايات - وبعضها صحيح السند - أنّ حكم من أراد الأهل والمال هو وجوب القتل - كما سيأتي - وبالأولوية القطعية تدلّ على وجوب قتل من أراد النفس.
ومنها: ما أورده في المستدرك عن الجعفريات بسنده عن جعفر بن محمد عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن علي (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من شهر سيفه فدمه هدر(4).
إلاّ أنها ضعيفة السند والدلالة فتكون مؤيدة وغيرها من الروايات.
ثم إنه بمقتضى إطلاق أدلّة وجوب حفظ النفس وعدم جواز تعريضها للتهلكة، يجب الدفاع بمقدار ما يتمكّن وإن لم يرجُ السلامة، ولا يسوغ تسليم النفس للمعتدي والاستسلام إليه، نعم إذا ظن السلامة بالكف أو الهرب وجب عليه ذلك مقدمة للحفظ والنجاة.
الجهة الثانية: في كيفية الدفاع :
وهي تارة في دفع المعتدي ابتداء، وأخرى في دفعه بعد اعتدائه وهجومه.
أما الأولى فظاهر الأصحاب بغير خلاف - كما في الجواهر(1)- مراعاة الترتيب في دفعه، قال المحقق في الشرائع: يجب اعتماد الأسهل فلو اندفع الخصم بالصياح اقتصر عليه إن كان في موضع يلحقه المنجد، وإن لم يندفع عول على اليد، فإن لم تغن فبالعصا، فإن لم تكف فبالسلاح(2).
وبناء على ذلك فلا يسوغ اعتماد الأشد أولاً في الدفاع.
وأما الثانية فكذلك وقد ادعي عدم الخلاف فيه، وبناء عليه فلو اندفع الخصم بجرح واحد أو بضربة واحدة بحيث يتعطّل عن الحركة فلابدّ من الاقتصار على ذلك، ولا يجوز له أن يزيد على ذلك بأن يجرحه ثانية فضلاً عن أن يقتله، وحينئذ لو زاد في ضربه أو جرحه على ما يندفع به فعليه الضمان، ولو ضربه مقبلاً فقطع يده فلا ضمان على الضارب، ولكن لو ولّى معرضاً عما كان عليه فضربه أخرى فالثانية مضمونة لأنّها تعدّ عليه، وهكذا بالنسبة إلى غيرها.
ولكن المستفاد من إطلاق الروايات الدالة على جواز الدفاع أنّ للدافع
حقاً في أن يقتل المعتدي وأنّ القتل حدّه، وله أن يقدم عليه من دون مراعاة للترتيب ولو أدى ذلك إلى قتله بلا فرق بين ما كان ابتدائياً أو غيره .
ولو لم يكن القول به خلاف المشهور لكان الوجه هو ما ذكرناه، ولكنمع ذهاب الأصحاب بل دعوى عدم الخلاف منهم فمقتضى الاحتياط هو مراعاة الترتيب في الابتداء وأولى منه في ما بعد ذلك .
الجهة الثالثة: إن الحكم بوجوب دفع المعتدي لا يختصّ بالنفس بل يجب دفعه أيضاً عن غيره من سائر المؤمنين، وإليه ذهب العلامة في التحرير(1)وكاشف اللثام(2)وغيرهما وذلك للأصل، ولعموم الإعانة على البر وللنصوص الخاصة الواردة في المقام، ومنها: معتبرة السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من سمع رجلاً ينادي: يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم(3).
ويؤيدها رواية الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): يضحك الله إلى رجل في كتيبة يعرض لهم سبع أو لص فحماهم أن (حتى) يجوزوا(4).
وغير ذلك من الروايات .
والحاصل: أنّه لا إشكال في شمول الحكم للنفس وللغير .
الجهة الرابعة: ورد في بعض الروايات إطلاق الشهيد على من قتل دفاعاً عن نفسه أو عن غيره من المؤمنين، كما في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من قتل دون مظلمته فهو شهيد(5).
وفي صحيحة أبي مريم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من قتل دون مظلمته فهو شهيد، ثم قال: يا أبا مريم هل تدري ما دون مظلمته؟ قلت: جعلت فداك الرجل يقتل دون أهله وماله وأشباه ذلك، فقال: يا أبا مريم إنّ من الفقه عرفان الحق(1).
وغير ذلك من الروايات، وليس المراد هو ترتيب أحكام الشهيد المقتول بين يدي المعصوم في المعركة، بل هو محمول على الشهيد في الأجر والثواب، وقد ورد نظير ذلك في المؤمن يموت ليلة الجمعة أو يومها(2)ومن مات على حب آل محمد(صلی الله علیه و آله و سلم) (3)، والمرأة التي يأسرها العدوويعتدى عليها حتى تموت(4)ويشهد على ذلك صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يقاتل دون ماله، فقال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من قتل دون ماله فهو بمنزلة الشهيد، فقلت: أيقاتل أفضل أو لا (لم خ ل) يقاتل؟ فقال: إن لم يقاتل فلا بأس، أما أنا فلو كنت لم أقاتل وتركته(5).
وموضع الشاهد قوله: فهو بمنزلة الشهيد حيث لم يعتبره شهيداً حقيقة، ولذا فإنّ أحكام الشهيد لا تترتّب عليه كما هو واضح.
الجهة الخامسة: إذا اقتضى الدفاع عن الغير خوف تلف النفس لتقيّة أو غيرها فهل يجب أو لا؟ وفي المقام عدة صور:
الصورة الأولى: أن يعلم أو يظن بسلامتهما معاً - النفس والغير - ولا إشكال
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 45 من أبواب جهاد العدو الحديث 9
2) تهذيب الأحكام ج 3 باب العمل في ليلة الجمعة ويومها الحديث 2 الطبعة الثالثة
3) الكشاف 3 : 467 دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت - لبنان
4) وسائل الشيعة ج 2 باب 14 من أبواب غسل الميت الحديث 6
5) وسائل الشيعة ج 11 باب 46 من أبواب جهاد العدو الحديث 10
حينئذ في وجوب الدفاع .
الصورة الثانية: أن يعلم أو يظن بعدم سلامتهما ولكن لو لم يدافع يبقى هو سالماً ولا يبعد - في هذه الصورة - عدم الوجوب، بل عدم الجواز لأنّ الضررين وردا على شخص واحد، فلابدّ من تحمل أقلهما وهو تلف شخص واحد، وبعبارة أخرى: إن تلف الآخر - الغير - قطعي سواء أقدم هذا على الدفاع أو لا، فلا يكون الدفاع عنه موجباً لحفظه، وإنّما يتحقق به جلب الضرر على نفسه فقط، بل يكون من مصاديق إلقاء النفس في التهلكة ولا إشكال في عدم جوازه لأنّ ضرر الغير هنا لا محالة متحقق - حسب الفرض - فبدفاعه يوجب ضرراً آخر لا مقتضي له، وسيأتي ما ينفع في المقام.
الصورة الثالثة: أن يعلم بسلامة الغير ولكن يعلم أو يظن بتلف نفسه، وفي هذه الصورة هل يكون من التزاحم فيجب مراعاة الأهم إذا كان، أو يحكم بالتساقط والرجوع إلى الأصل، أو التخيير، أو القرعة، أو يحكم بعدم وجوب الإقدام على الدفاع عن الغير مطلقاً لأنّه:
أولاً: يدخل في كبرى عدم وجوب تحمّل ضرر الغير بتوجيهه إلى نفسه من جهة الحرج أو عدم القدرة.
وثانياً: بانصراف القاعدة - قاعدة نفي الضرر - إلى غير هذه الصورة لأنّها شرعت منّة، ولا منّة في تلف النفس لحفظ الغير، فتكون مختصة بغير هذه الصورة. فيها وجوه سيأتي تفصيلها.نعم إذا قام دليل خاص على أهمية الغير وتقديم حفظه على حفظ النفس كما إذا كان الغير نبياً أو إماماً فهذا أمر آخر.
وفي هذه الصور الثلاث يكون الضرران راجعين إلى النفس.
الصورة الرابعة: أن يكون ضرر الغير عرضياً، وضرر المدافع نفسياً، ولا
إشكال في عدم وجوب الدفاع.
الصورة الخامسة: أن يكون ضرر الغير مالياً، وضرر المدافع نفسياً، والحكم فيها حكم الصورة السابقة.
الصورة السادسة: أن يكون ضرر الغير نفسياً، وضرر المدافع عرضياً أو مالياً، وحكم هذه الصورة وإن كان بحسب القاعدة المتقدمة هو عدم وجوب التحمّل، ولكن الاحتياط اللازم هو التحمل ولا سيما إذا كان ضرر المدافع مالياً.
هذا ما وسعنا ذكره من هذه الجهة على نحو الاختصار، ولم نقف على من تعرّض لهذه الجهة - بهذا النحو - في كلمات الفقهاء وسيأتي بعض ما يتعلق بذلك.
والمراد بالأهل الزوجة والجارية والولد والأم، وفي رواية بنت العم والقرابة(1).
والكلام فيها يقع في جهات:
الأولى في أصل الحكم:
ولا إشكال في جواز قتال من يعتدي أو أراد الاعتداء على الأهل. ويدلّ عليه:
أولاً: دعوى الإجماع بقسميه عليه(2).
وثانياً: الفحوى القطعية مما دل على جواز القتال دفاعاً عن المال.
وثالثاً: النصوص الكثيرة الواردة في المقام ومنها:
معتبرة أبي مريم المتقدمة حيث أقرّه الإمام (علیه السلام) على كلامه وأمضاه(3).
ومنها: رواية أبي أيوب (الخزاز) قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: من
دخل على مؤمن داره محارباً له فدمه مباح في تلك الحال للمؤمن، وهي في عنقي(1).
وهذه الرواية من جهة الدلالة واضحة، وأما من جهة السند فهي وإن رواها الشيخ في المجالس والأخبار بسنده عن صفوان بن يحيى عن الحسين بن أبي عقدر ]غندر[ عن أبي أيوب وفي سند الشيخ قبل صفوان إشكال لاشتماله على من لم يرد فيه توثيق، إلاّ أنه يروي جميع روايات وكتب صفوان بن يحيى بطريق معتبر(2)فتكون هذه الرواية داخلة في مروياته، هذا من جانب ومن جانب آخر إنّ كل من وقع في السند بعد صفوان بن يحيى إما محكوم بالوثاقة كالحسين بن أبي عقدر ]غندر[ لرواية صفوان عنه وإما منصوص على وثاقته كأبي أيوب(3).
وبناء على هذا فتكون الرواية معتبرة، ويمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة أيضاً.
ومنها: موثقة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه أنّه قال: إذا دخل عليك رجل يريد أهلك ومالك فابدره بالضربة إن استطعت، فإنّ اللص محارب لله ولرسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) فما تبعك منه من شيء فهو عليّ(4).
وهذه الرواية ونظائرها - كما سيأتي - وإن ادعي دلالة ظاهرها على الوجوب لكن لما كانت واردة في مقام توهم الحظر فلا يمكن الجزم بدلالتها على الوجوب والقدر المتيقن منها هو الجواز.
والشاهد على ذلك اقتران الأهل بالمال في الرواية، وسيأتي أنه لا يجب الدفاع عن المال إلاّ أن يرجع إلى حفظ النفس كأن يترتب على أخذ ماله هلاكه فيجب حينئذ.
والحاصل: أنّ حكم الدفاع عن الأهل هو الجواز.
وأما القول بالوجوب فهو الظاهر من القواعد(1)والمسالك(2)وكشف اللثام(3)مقيّدا بالإمكان ورجاء السلامة، بخلاف المسألة المتقدمة فإنّالدفاع واجب حتى مع عدم ظنّ السلامة، ويمكن أن يستدل له بعدة روايات:
منها: موثقة غياث المتقدمة، وتقدم الجواب عنها.
ومنها: معتبرة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (علیه السلام) قال: كان علي بن أبي طالب(علیه السلام) يقول: من دخل عليه لص فليبدره بالضربة فما تبعه من إثم فأنا شريكه فيه(4).
والاستدلال بهذه الرواية إما لجهة إطلاقها الشامل للأهل، وإما للأولوية المستفادة بالقياس إلى المال، مضافاً إلى أنها اشتملت على الأمر الظاهر في الوجوب.
وفيه أنّ استفادة الوجوب منها مشكل وذلك لأنّها واردة في اللص فالقدر المتيقن منها هو إرادة المال، وسيأتي عدم وجوب الدفاع عن المال، مضافاً إلى احتمال ورود الرواية في مقام توهم الحظر بقرينة ذيل الرواية، فلا يمكن الجزم بدلالة الرواية على الوجوب.
ومنها: ما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن السكوني عن جعفر عن أبيه (علیه السلام) قال: إنّ الله ليمقت العبد يدخل عليه في بيته فلا يقاتل(5).
وفي رواية الكليني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله
عليه : إنّ الله ليمقت الرجل يدخل عليه اللصّ في بيته فلا يحارب(1).
وكلا السندين معتبر.
والاستدلال بهذه الرواية هو أنّ معنى المقت: أشد البغض عن أمر قبيح(2)والمستفاد من ذلك هو الوجوب، وبمضمونها عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: يبغض الله تبارك وتعالى رجلاً (إنّ الله عزوجل يبغض الرجل خ ل) يدخل عليه في بيته فلا يقاتل(3).
وكلتا الروايتين لا دلالة فيهما على الوجوب، إذ من المحتمل أن يكون المراد من المقت والبغض التنزيه، وقد ورد نظير ذلك في بعضالمكروهات أو ترك بعض المستحبات، مضافاً إلى أنّ الرواية الأخيرة ضعيفة السند.
والحاصل: أنّ استفادة الوجوب من هذه الروايات مشكل.
هذا كله مع الظن بالسلامة، وأما مع عدم الظن أو الظن بالعدم فعلى القول بعدم الوجوب - كما هو الأقوى - فلا كلام في عدم الجواز، وأما بناء على القول بالوجوب فهل يجوز القتال أو لا؟
الظاهر عدم الجواز فإنّ هذه الروايات وإن كانت مطلقة إلاّ أنّ ما دل على وجوب حفظ النفس مقدم على هذه الإطلاقات، إذ لا إشكال في أهمية حفظ النفس على حفظ العرض.
والشاهد على ذلك ما رواه الشيخ المفيد في الإرشاد قال: روى العامة والخاصة أنّ امرأة شهد عليها الشهود أنّهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطأها وليس ببعل لها فأمر عمر برجمها، وكانت ذات بعل فقالت: اللهم إنك تعلم أني برية فغضب عمر وقال: وتجرح الشهود أيضاً؟ فقال أمير المؤمنين(علیه السلام)
ردّوها واسألوها، فلعلّ لها عذراً فردّت وسئلت عن حالها؟ فقالت: كان لأهلي إبل فخرجت مع إبل أهلي وحملت معي ماء ولم يكن في ابلي لبن وخرج معي خليطنا وكان في إبل له فنفد مائي فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أمكّنه من نفسي فأبيت، فلمّا كادت نفسي أن تخرج أمكنته من نفسي كرهاً، فقال أمير المؤمنين (علیه السلام): الله أكبر «فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه» فلما سمع عمر ذلك خلّى سبيلها(1).
نعم يظهر من رواية البرقي عن الرضا (علیه السلام) عن الرجل يكون في السفر ومعه جارية له فيجيء قوم يريدون أخذ جاريته أيمنع جاريته من أن تؤخذ وإن خاف على نفسه القتل؟ قال: نعم، قلت: وكذلك إذا كانت معه امرأة؟ قال: نعم، قلت: وكذلك الأم والبنت وابنة العم والقرابة يمنعهن وإن خاف على نفسه القتل؟ قال: نعم، قلت: وكذلك المال يريدون أخذه في سفر فيمنعه وإن خاف القتل؟ قال: نعم(2).
جواز القتال وإن خاف على نفسه القتل، إلاّ أنّ الرواية ضعيفة بالإرسال فلا يعتمد عليها.
ثم إنّ ما ورد من إطلاق الروايات الكثيرة من أنّ من قتل دون أهلهوماله فهو شهيد، محمول على الرجاء وظن السلامة كما هو الغالب عرفاً في الإقدام على القتال دفاعاً عن الأهل والمال دون الأعم.
فما في الجواهر من أنّ وجوب حفظ العرض كوجوب حفظ النفس(3)ليس على إطلاقه، نعم هو ثابت فيما إذا لم يصل إلى حدّ القتل، وأمّا إذا بلغ إلى هذا الحدّ فهو أول الكلام، وأمّا ما أفاده من أهمية العرض من النفس عند ذوي النفوس الأبية فلابدّ من دفع الأقل ضرراً بالأعظم(4)، فهو مجرد استحسان لا يصلح عدّه
مدركاً للحكم.
الجهة الثانية: إنّ ثبوت الحكم وإجراءه بالنسبة إلى الأهل أولى من الولي بذلك فللمرأة والجارية والأم وغيرهن أن يدفعن عن أنفسهن بلا إشكال، ويدل على ذلك صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول في رجل أراد امرأة على نفسها حراماً فرمته بحجر فأصابت منه مقتلاً، قال: ليس عليها شيء فيما بينها وبين الله عزوجل، وإن قدمت إلى إمام عادل أهدر دمه(1).
الجهة الثالثة: في كيفية الدفاع:
وهي نفس الكيفية المتقدمة في الدفاع عن النفس، فإن قلنا برعاية الترتيب والأخذ بالأسهل فالأشد كما تقدم فلابدّ من مراعاته هنا أيضاً.
الجهة الرابعة: إذا تعرض إلى هتك العرض في مورد التقية فهل يجوز الدفاع أو لا؟ ويمكن استفادة الحكم مما تقدم في الجهة الثانية.
والكلام فيها من جهات:
الأولى: في أصل الحكم:
ولا إشكال في جواز الدفاع عن المال، ويدلّ عليه:
أولاً: الإجماع(2)كما ادعاه في الجواهر.
وثانياً: عدة من الروايات الخاصة الواردة في المقام:
منها: موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (علیه السلام) أنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنّ لصاً دخل على امرأتي فسرق حليّها (حليتها خل) فقال: أما إنه لو دخل على ابن صفية لما رضي بذلك حتى يعمه بالسيف(3).
والمستفاد من الرواية جواز الدفاع عن المال.
ومنها: صحيحة أبي مريم المتقدمة وموضع الشاهد منها قوله: يقتل دون أهله وماله وأشباه ذلك ...(1)الخ، وهذه الرواية كالسابقة في الدلالة.
ومنها: صحيحة الحسين بن أبي العلاء المتقدمة أيضاً، وموضع الشاهد قوله: من قتل دون ماله فهو بمنزلة الشهيد(2). وغيرها من الروايات.
ثم إنه لا فرق في ذلك بين ماله ومال غيره، ويدل عليه معتبرة السكوني المتقدمة عن جعفر عن أبيه عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من سمع رجلاً ينادي ياللمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم(3).
ومنها: رواية الأصبغ المتقدمة أيضاً قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): يضحك الله إلى رجل في كتيبة يعرض لهم سبع أو لص فحماهم أن يجوزوا(4).
ومنها: رواية فطر بن خليفة عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه قال: قال أمير المؤمنين(علیه السلام): قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من ردّ عن قوم من المسلمين عادية ماء أو نار وجبت له الجنة(5).
والحاصل: أنه لا إشكال في أصل الحكم ومشروعيته.
ولكن وقع الخلاف في جواز ذلك أو وجوبه وفي المقام قولان:
ذهب كاشف اللثام - كما في الجواهر(6)- إلى أنه: لو قدر على الدفع عن غيره فالأقوى كما في التحرير الوجوب مع أمن الضرر(7).
وذهب في القواعد إلى أنّ للإنسان أن يدافع عن ماله كما يدافع عن نفسه
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 46 من أبواب جهاد العدو الحديث 9
2) نفس المصدر الحديث 10
3) نفس المصدر باب 59 من أبواب جهاد العدو الحديث 1
4) نفس المصدر الحديث 3
5) وسائل الشيعة ج 11 باب 60 من أبواب جهاد العدو الحديث 1
6) جواهر الكلام 41 : 650 الطبعة السادسة
7) تحرير الأحكام 2 : 234 منشورات مؤسسة آل البيت (علیهم السلام)
وإن قلّ لكن لا يجب(1)، والظاهر أنّ المستفاد من الجمع بين الروايات هو القول الثاني، فإنّه قد ورد في بعض الروايات المتقدمة مما ظاهره الوجوبكقوله في معتبرة السكوني: إنّ الله ليمقت العبد يدخل عليه في بيته فلا يقاتل (ولا يحارب)(2).
وقوله في معتبرة الحسين بن علوان: من دخل عليه لص فليبدره بالضربة(3).
كما ورد في بعضها التصريح بعدم الوجوب كما في صحيحة الحسين بن أبي العلاء المتقدمة ففي ذيلها: فقلت: أيقاتل أفضل أو لا (لم خ ل) يقاتل؟ فقال: إن لم يقاتل فلا بأس، أما أنا فلو كنت لم أقاتل وتركته(4).
ومقتضى الجمع بين الروايات هو الجواز.
الجهة الثانية: هل يجوز الدفاع عن المال عند التقية وخوف تلف النفس أو لا؟
والظاهر عدم الجواز لتقديم أدلة الاضطرار والتقية ووجوب حفظ النفس، وعليه فما ورد من الروايات المطلقة الدالة على الدفاع عن المال وأن من قتل دون ماله فهو شهيد أو قتل دون مظلمته فهو شهيد، محمول على صورة رجاء السلامة وعدم التلف، كما هو الغالب عرفاً في إقدام الناس على الدفاع عن أموالهم كما ذكرنا في المسألة السابقة.
الجهة الثالثة: من اطلع على قوم في دارهم لينظر إلى عوراتهم فلهم زجره، ولو توقف ذلك على جرحه أو فقأ عينه جاز ولا دية عليهم.
ويدل على ذلك: أولاً: دعوى عدم الخلاف بل الإجماع حيث استدل الشيخ (قدس سره) بإجماع الفرقة كما في الخلاف(5)وادعاه في الجواهر قدس سره (6)بكلا قسميه.
وثانياً: النصوص الكثيرة الواردة في المقام:
منها: معتبرة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: اطلع رجل على النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) من الجريد، فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): لو أعلم أنّك تثبت لي لقمت إليك بالمشقص حتى أفقأ به عينيك، قال: فقلت له: وذاك لنا؟ فقال: ويحك أو ويلك أقول لك: إنّ رسول الله فعل وتقول: ذاك لنا(1)؟ومنها: صحيحته الأخرى بهذا المضمون قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: بينما رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في حجراته مع بعض أزواجه ومعه معاذل يقلبها، إذ بصر بعينين تطلعان، فقال: لو أعلم أنك تثبت لي لقمت حتى أبخسك، فقلت: نفعل نحن مثل هذا إن فعل مثله فقال: إن خفي لك فافعله(2).
وفي معنى ابخسك اختلاف، والظاهر كما في حاشية الوسائل أنه من البخس بمعنى النقصان وابخسك أي انقصك، وقال العلامة المجلسي (قدس سره): وقوله: «إن خفى لك» أي لم يطلع عليه أحد فيقتص منك(3).
وعلى أي حال فدلالة الروايتين واضحة كما أنّ سنديهما معتبران.
ومنها: صحيحة حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: بينما رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في بعض حجراته إذ اطّلع رجل في شق الباب وبيد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مدارة فقال: لو كنت قريباً منك لفقأت به عينك(4).
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام، وقال: من اطلع على مؤمن في منزله فعيناه مباحة للمؤمن في تلك الحال،
ومن دمر على مؤمن بغير إذنه فدمه مباح للمؤمن في تلك الحالة(1)الحديث.
وغيرها من الروايات، فلا إشكال في أصل الحكم ومشروعيته.
وقد ورد في بعض الروايات أنّه لو قتل فلا قود على القاتل كما في معتبرة العلاء بن الفضيل عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا اطلع رجل على قوم يشرف عليهم أو ينظر من خلل شيء لهم فرموه فأصابوه فقتلوه أو فقأوا عينيه فليس عليهم غرم وقال: إنّ رجلاً اطلع من خلل حجرة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فجاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بمشقص ليفقأ عينه فوجده قد انطلق فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): أي خبيث أما والله لو ثبت لي لفقأت عينك (2).
والرواية من جهة السند وإن كان فيها محمد بن سنان إلاّ أنّنا رجّحنا العمل بروايته، وقد حققنا ذلك في محلّه، كما أنها من جهة الدلالة واضحة.ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: أيّما رجل اطلع على قوم في دارهم لينظر إلى عوراتهم ففقؤا عينه أو جرحوه فلا دية عليهم وقال: من اعتدى فاعتدي عليه فلا قود له(3).
وأما بالنسبة إلى كيفية الدفاع وبقية الأحكام فكما تقدم في المسألتين السابقتين.
بقي الكلام في القسم الأخير وهو الجهاد من أجل إقامة الدولة وسيأتي الكلام حوله في المبحث الرابع ضمن البحث حول ولاية الفقيه بإذن الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين
العمل لسلاطين الجور جائز في حدود
كفّارة عمل السلطان
لماذا قبل الإمام الرضا (علیه السلام) ولاية العهد
هل يجوز الإضرار بالغير إذا اقتضته التقيّة؟
استقصاء جميع صور الإضرار بالغير نفساً وعرضاً ومالاً والتحقيق فيها
صور دوران الضرر بين النفس والغير وما هو المقدّم منها؟
خطر الإفتاء بغير علم
التحاكم إلى الظالمين وأثره التكويني والتشريعي
هل يجوز الاعتماد على حكم قاضي الجور كيف ومتى؟؟
ذكرنا أنّ الولاية من قبل السلطان الجائر على ثلاثة أنحاء:
الأول: في السياسة والنظام وشؤون الحكم والإدارة.
الثاني: في جباية الأموال والصدقات.
الثالث: في الفتوى والقضاء.
ويقع البحث فيها في مقامات أربعة:
ولا إشكال في حرمة إعانة سلاطين الجور في الجملة، وأنّها من الكبائر بالأدلة الأربعة، بل عدّ من الضروريات المستغنية عن ذكر ما يدل عليها، كما في الجواهر(1)، ويدلّ عليها من الكتاب قوله تعالى: «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ»(2)قال في مجمع البيان: أي ولا تميلوا إلى المشركين في شيء من دينكم عن ابن عباس، وقيل: لا تداهنوا الظلمة عن السدي وابن زيد، وقيل: إنّ الركون إلى الظالمين المنهي عنه هو الدخول معهم في ظلمهم وإظهار الرضا بفعلهم وإظهار موالاتهم ... وقريب منه ما روي عنهم (علیهم السلام) أنّ الركون المودة والنصيحة والطاعة(3).
وقال في الميزان: إنّ الآية بما لها من السياق المؤيد بإشعار المقام إنّما تنهى عن الركون إلى الذين ظلموا فيما هم فيه ظالمون، أي بناء المسلمين دينهم الحق أو حياتهم الدينية على شيء من ظلمهم ... (1).
وأما دلالة العقل فإن في ذلك دروساً للحق وإحياء للباطل وإظهاراً للظلم والجور والفساد وإبطالاً للكتب وقتلاً للأنبياء وهدماً للمساجد وإبعاداً لعباد الله عن استكمال نفوسهم بالكمالات الإنسانية والصفات الإلهية وسوقهم إلى حضيض الخصائص الحيوانية بل الشيطانية، وقد وردت هذه المضامين في تحف العقول(2)، ولا إشكال في دلالة ذلك علىالحرمة.
وأما دلالة الروايات عليها فهي جليّة، وقد وردت الروايات الكثيرة بل المتواترة الدالة على النهي وهي على طوائف:
الطائفة الأولى: ما ورد في أنّ من دخل في عملهم فهو في النار، وأنه ليس من الدين في شيء، كصحيحة ابن أبي يعفور قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) إذ دخل «فدخل خ ل» عليه رجل من أصحابنا، فقال له: جعلت فداك «أصلحك الله خ ل» إنّه ربما أصاب الرجل منّا الضيق أو الشدة فيدعى إلى البناء يبنيه، أو النهر يكريه، أو المسنّاة يصلحها، فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبد الله (علیه السلام): ما أحبّ أنّي عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء وإن لي بين لابتيها لا ولا مدة بقلم إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد(3).
وصحيحة أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن أعمالهم؟ فقال لي: يا أبا محمد لا، ولا مدة قلم، إنّ أحدهم - وفي التهذيب(4)أحدكم - لا يصيب من
دنياهم شيئاً إلاّ أصابوا من دينه مثله، أو حتى يصيبوا من دينه مثله(1).
وصحيحة الوليد بن صبيح قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فاستقبلني زرارة خارجاً من عنده، فقال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا وليد أما تعجب من زرارة؟ سألني عن أعمال هؤلاء أي شيء كان يريد؟ أيريد أن أقول له: لا، فيروي ذاك «ذلك خ ل» علي، ثم قال: يا وليد متى كانت الشيعة تسألهم عن أعمالهم؟ إنما كانت الشيعة تقول: يؤكل من طعامهم ويشرب من شرابهم ويستظل بظلهم؟ متى كانت الشيعة تسأل من هذا(2)؟
وموثقة مسعدة بن صدقة قال: سأل رجل أبا عبد الله (علیه السلام) عن قوم من الشيعة يدخلون في أعمال السلطان يعملون لهم، ويجبون لهم، ويوالونهم قال: ليس هم من الشيعة، ولكنّهم من أولئك، ثم قرأ أبو عبد الله (علیه السلام) هذه الآية: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ»(3)إلى قوله: «وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ» قال: الخنازير علىلسان داود، والقردة على لسان عيسى «كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» قال: كانوا يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمور، ويأتون النساء أيام حيضهن، ثم احتجّ الله على المؤمنين الموالين للكفار فقال: «تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ»(4)إلى قوله: «وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ» فنهى الله عزّ وجلّ أن يوالي المؤمن الكافر إلاّ عند التقية(5).
ورواية علي بن أبي حمزة قال: كان لي صديق من كتاب بني أمية فقال لي:
استأذن لي على أبي عبد الله (علیه السلام) فاستأذنت له «عليه» فأذن له، فلّما أن دخل سلّم وجلس ثم قال: جعلت فداك إني كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً وأغمضت في مطالبه، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): لولا أنّ بني أمية وجدوا لهم من يكتب، ويجبي لهم الفيء ويقاتل عنهم، ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقّنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم ما وجدوا شيئاً إلاّ ما وقع في أيديهم، قال: فقال الفتى: جعلت فداك فهل لي مخرج منه؟ قال: إن قلت لك تفعل؟ قال: أفعل، قال له: فاخرج من جميع ما كسبت «اكتسبت» في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدقت به، وأنا أضمن لك على الله عزوجل الجنّة، فأطرق الفتى طويلاً ثم قال له: لقد فعلت جعلت فداك، قال ابن أبي حمزة: فرجع الفتى معنا إلى الكوفة فما ترك شيئاً على وجه الأرض إلاّ خرج منه حتى ثيابه التي كانت على بدنه، قال: فقسمت له قسمة واشترينا له ثياباً وبعثنا إليه بنفقة، قال: فما أتى عليه إلاّ أشهر قلائل حتى مرض فكنّا نعوده قال: فدخلت يوماً وهو في السوق قال: ففتح عينيه ثم قال لي: يا علي وفى لي والله صاحبك، قال: ثم مات فتولينا أمره، فخرجت حتى دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام)، فلما نظر إليّ قال لي: يا علي وفينا والله لصاحبك، قال: فقلت: صدقت جعلت فداك، والله هكذا والله قال لي عند موته(1).
ورواية يحيى بن إبرهيم بن مهاجر قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): فلان يقرؤك السلام وفلان وفلان، فقال: وعليهم السلام، قلت: يسألونك الدعاء قال: ما لهم؟ قلت: حبسهم أبو جعفر، فقال: وما لهم وما له؟ فقلت: استعملهم فحبسهم، فقال: وما لهم وما له؟ ألم أنههم؟ ألم أنههم؟ ألم أنههم؟هم النار، هم النار، هم النار، ثم قال: اللهم اجدع عنهم سلطانهم، قال: فانصرفنا من مكة
1) وسائل الشيعة ج 12 باب 47 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1
فسألنا عنهم، فإذا هم قد أخرجوا بعد الكلام بثلاثة أيام(1).
وغيرها من الروايات الكثيرة، وسيأتي ما يدل على ذلك أيضاً، ودلالة هذه الطائفة على الحرمة واضحة.
الطائفة الثانية: ما دل على النهي عن حب بقائهم، كموثقة عياض والصحيح - فضيل بن عياض - عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: ومن أحبّ بقاء الظالمين فقد أحبّ أن يعصى الله(2).
وموثقة صفوان بن مهران الجمال قال: دخلت على أبي الحسن الأول (علیه السلام) فقال لي: يا صفوان كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً، قلت: جعلت فداك أيّ شيء؟ قال: إكراؤك جمالك من هذا الرجل يعني هارون، قال: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ولا للصيد ولا للهو، ولكنّي أكريته لهذا الطريق يعني طريق مكة، ولا أتولاه بنفسي ولكن أبعث معه غلماني، فقال لي: يا صفوان أيقع كراؤك عليهم؟ قلت: نعم جعلت فداك، قال: فقال لي: أتحبّ بقاءهم حتى يخرج كراؤك؟ قلت: نعم، قال: من أحبّ بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان ورد النار...(3)الخ.
ومرفوعة سهل بن زياد عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قول الله عزوجل: «ولا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ»(4)قال: هو الرجل يأتي السلطان فيحبّ بقاءه إلى أن يدخل يده إلى كيسه فيعطيه(5).
وغيرها من الروايات ودلالتها على الحرمة واضحة.
الطائفة الثالثة: ما دل على النهي عن تهنئتهم والنظر إليهم، كصحيحة محمد بن مسلم قال: كنا عند أبي جعفر (علیه السلام) على باب داره بالمدينة فنظر إلى الناس يمرّون أفواجاً فقال لبعض من عنده: حدث بالمدينة أمر؟ فقال: أصلحك الله «جعلت فداك خ ل» ولي بالمدينة وال فغدا الناس «إليه» يهنؤنه، فقال: إنّ الرجل ليغدى عليه بالأمر يهنّى به وإنّه لباب من أبواب النار(1).ورواية سليمان الجعفري قال: قلت لأبي الحسن الرضا (علیه السلام): ما تقول في أعمال السلطان؟ فقال: يا سليمان الدخول في أعمالهم والعون لهم والسعي في حوائجهم عديل الكفر، والنظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحق بها النار(2).
الطائفة الرابعة: ما دلّ على النهي عن تسويد الإسم في ديوانهم كرواية الشيخ في التهذيب بسنده عن ابن بنت الوليد بن صبيح الكاهلي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من سوّد اسمه في ديوان ولد سابع حشره الله يوم القيامة خنزيراً(3).
وهذه الرواية وإن ذكر فيها ولد سابع وهو مقلوب عباس، وبإلغاء الخصوصية يمكن الشمول إلى كل جائر.
ورواية الصدوق في عقاب الأعمال بسنده عن ابن بنت الوليد بن صبيح عن الكاهلي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من سوّد اسمه في ديوان الجبّارين من ولد فلان حشره الله يوم القيامة حيراناً(4).
والرواية وإن كانت من حيث المضمون كالرواية السابقة إلاّ أنّ الاختلاف من جهة السند فإن الكاهلي ورد في الرواية الأولى لقباً لوليد بن صبيح وفي الثانية لقباً لشخص آخر روى عنه الوليد وعلى كلّ تقدير فلم يرد توثيق لابن بنت
الوليد فهما من هذه الجهة ضعيفتان وإن كانتا من جهة الدلالة واضحتين.
الطائفة الخامسة: ما دل على النهي عن معاونتهم في كل شيء ولو في مدة قلم أو ربط كيس، كموثقة السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين أعوان الظلمة ومن لاق لهم دواة أو ربط كيساً أو مدّ لهم مدّة قلم فاحشروهم معهم(1).
وما رواه ورام بن أبي فراس في كتابه قال: وقال (علیه السلام): إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة؟ حتى من برى لهم قلماً ولاق لهم دواة، قال: فيجتمعون في تابوت من حديد ثم يرمى بهم في جهنم(2).وغيرها من الروايات وبعضها تقدم ذكره.
والحاصل: أنّ الحكم بالحرمة مما لا إشكال فيه، وقد دلّت الأدلة الأربعة عليه.
والمنسوب إلى المشهور أنّ الحرمة تختصّ بما إذا كان العمل عوناً لهم على الظلم، وأمّا ما لا يكون كذلك كالحياكة والخياطة، والبناء، ونحوها فليس بحرام.
وذهب صاحب الحدائق (قدس سره) إلى القول بالحرمة مطلقاً مدعياً صراحة الأخبار في دلالتها على المنع(3).
وفصّل الشيخ الأنصاري (قدس سره) وحاصل ما أفاده: أنّ العمل لهم على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون العمل عوناً لهم على الظلم.
الثاني: أن يعدّ العامل منهم ومنسوباً إليهم بحيث يقال عنه مثلاً إنّه خياط
السلطان أو معماره أو نحو ذلك، وحكم هذين القسمين هو الحرمة.
الثالث: أن يكون العمل مباحاً لأجرة أو تبرعاً من غير أن يعدّ العامل معيناً لهم، وحكم هذا القسم هو الجواز(1)، فإنّه وإن كانت الروايات من جهة إطلاقها شاملة بظاهرها لهذا القسم أيضاً، ومنها: ما تقدم من صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن أعمالهم فقال لي: يا أبا محمد لا ولا مدة قلم...(2)وصحيحة ابن أبي يعفور المتقدمة أيضاً وفيها ... ما أحب أني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء(3)... .
وموثقة السكوني المتقدمة أيضاً وفيها ... إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين أعوان الظلمة ومن لاق لهم دواة أو ربط لهم كيساً أو مدّ لهم مدّة قلم ...(4).
وموثقة يونس بن يعقوب قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): لا تعنهم علىبناء مسجد(5).
ورواية محمد بن عذافر عن أبيه قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): يا عذافر نبئت أنّك تعامل أبا أيوب والربيع فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة؟ قال: فوجم أبي، فقال له أبو عبد الله(علیه السلام) لما رأى ما أصابه(6): أي عذافر إنّما خوّفتك بما خوّفني الله عزوجل به، قال محمد: فقدم أبي فما زال مغموماً مكروباً حتى مات(7).
وغيرها من الروايات الشاملة بإطلاقها لهذا القسم، وقد نقل الشيخ الأنصاري(قدس سره) أنه (علیهم السلام)قيل لبعض: إنّي رجل أخيط للسلطان ثيابه فهل تراني بذلك
داخلاً في أعوان الظلمة؟ قال له: المعين من يبيعك الابر والخيوط، وأمّا أنت فمن الظلمة أنفسهم(1)، إلاّ أنّ التأمل في الروايات يفيد أن الحرمة مختصة بالقسمين الأولين دون الثالث، وما أفاده الشيخ (قدس سره) موافق لما ذكره صاحب الجواهر في الجملة حيث أفاد بما حاصله: أنّ العمل إذا كان من باب الإعانة لهم عن ميل لظلمهم وبقصد السعي في إعلاء شأنهم وحصول الاقتداء على رعيّتهم والشوكة في دولتهم وتكثير سوادهم وتقوية سلطانهم فإنه لا ريب في حرمته إذ هو كالإعانة بل هو منها في الحقيقة، وأما ما عدا ذلك من خياطة ثوب، أو بناء جدار، ونحو ذلك مما هو مباح في نفسه، ولم يكن من قصد الفاعل ما سمعت فالظاهر جوازه، وإن كان هو لا يخلو من كراهة، فإن القرب إليهم مظنة الهلاك.
وذلك لأنّ السيرة القطعية على الجواز وهو مقتضى سهولة الملّة وسماحتها وإرادة اليسر، ضرورة عدم سوق مخصوص للشيعة، وعدم تمكّنهم من الامتناع عنهم، بل مقتضى الجمع بين الروايات المطلقة المانعة وبين ما دلّ على مجاملتهم وحسن العشرة معهم ذلك(2).
ولا يخفى أنّ ما ذكره من السيرة والسهولة في الدين وإن سلّما إلاّ أن في ما ذكره من الجمع بين الروايات المانعة والروايات المجوزة مجالاً للتأمل، وذلك لأنّه على فرض وجود الإطلاق في روايات المنع فهي مقدمة على روايات الجواز لأنّ موضوعها خاص بالسلطان، وأما روايات الجواز فموردها غير السلطان، بل الأعم منه ومن المخالفين فلاتعارض بينهما، ولو سلّمنا إطلاق روايات الجواز أيضاً فالنسبة بينها وبين روايات المنع العموم من وجه فيتساقطان في مورد الاتحاد، وقريب مما تقدم، ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) (3).
وهو الأقوى لأنّ الروايات المتقدمة الدالة على المنع مطلقاً قابلة للمناقشة إما دلالة وإما سنداً وحيث إنّ الشيخ (قدس سره) (1)قد ذكر المناقشة في كل منها فلا نرى حاجة لذكرها.
فالظاهر من الروايات أنّ الحرمة إنما كانت من جهة الإعانة لهم في ظلمهم، أو حب بقائهم، أو تقوية شوكتهم، أو نحو ذلك ممّا ينجرّ إلى عدّ الشخص منهم ويكون منسوباً إليهم لا مطلقاً، وعلى فرض الشك فالمرجع هو الأصل وهو البراءة في المقام، مضافاً إلى ما ذكر من أنّ السيرة القطعية قائمة على خلاف الحرمة لأنّها توجب العسر والحرج.
نعم ورد في المستدرك نقلاً عن عوالي اللئالي: أنه دخل على الصادق (علیه السلام) رجل، فمت له بالإيمان أنّه من أوليائه، فولّى عنه وجهه، فدار الرجل إليه وعاود اليمين، فولّى عنه، فأعاد اليمين ثالثة، فقال (علیه السلام) له: يا هذا من أين معاشك؟ فقال: إني اخدم السلطان، وإني والله لك محب، فقال (علیه السلام): روى أبي عن أبيه، عن جده، عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من السماء من قبل الله عزوجل: أين الظلمة؟ أين أعوان الظلمة، أين من برى لهم قلماً؟ أين من لاق لهم دواة؟ أين من جلس معهم ساعة؟ فيؤتى بهم جميعاً، فيؤمر بهم أن يضرب عليهم بسور من نار، فهم فيه حتى يفرغ الناس من الحساب، ثم يؤمر بهم إلى النار(2).
ومحل الشاهد قوله: أين من جلس معهم ساعة، فإذا كان الجلوس معهم له هذه النتيجة فكيف بالعمل لهم؟ ولو كان في مباح ولم يعد العامل منهم.
ولكن هذه الرواية وإن كانت واضحة من جهة الدلالة إلاّ أنها من جهة
السند ضعيفة، ولا يمكن الاعتماد عليها ولم نقف على غيرها، وعليه فما ذكرناه من الحكم هو المحكّم في المقام.
والظاهر هو عدم الفرق في شمول الحكم للظالم مطلقاً أي سواء كان من أهل الخلاف أو أهل الحق، فإنّ الروايات وإن كان كثير منها يختص بسلاطين الجور من أهل الخلاف إلاّ أنّ بعضها مطلق، وقد تقدم بعضها، بل إنّ بعض ما ورد في أهل الخلاف من جهة كونهم أظهر مصاديق الظلمة.
نعم إذا كان الظالم من أهل الحق فقد يرغب في بقائه من أجل غرض سائغ، كما إذا كان في بقائه قوة لأهل الحق، ومنعة لهم، وقد أشار إلى ذلك صاحب الجواهر(1)إلاّ أنّ هذا أمر آخر خارج عما نحن فيه.
لا إشكال في جواز العمل للسلطان الجائر والسعي له إذا اقتضت التقية والخوف ذلك، بلا فرق بين ما إذا كان العمل مباحاً أو غير مباح على تفصيل في الثاني وسيأتي، وذلك:
أولاً: للأدلّة العامة المتقدمة من أنّ التقية في كل شيء.
وثانياً: لما ورد من الروايات في خصوص المقام:
ومنها: ما رواه في المستدرك نقلاً عن الكشي في رجاله: عن نصر بن الصباح عن إسحاق بن محمد البصري، عن جعفر بن محمد بن الفضيل عن محمد بن علي الهمداني عن درست بن أبي منصور، قال: كنت عند أبي الحسن موسى (علیه السلام) وعنده
1) جواهر الكلام 22 : 54 الطبعة السابعة
الكميت بن زيد فقال للكميت: أنت الذي تقول:
فالآن صرت إلى أميّة والأمور إلى مصائر
قال: قد قلت ذلك، فوالله ما رجعت عن إيماني، وإنّي لكم لموال، ولعدوّكم لقال، ولكني قلته على التقية، قال: أما لئن قلت ذلك، إنّ التقية تجوز في شرب الخمر(1).
والرواية من جهة دلالتها واضحة، إلاّ أنها من جهة السند محل إشكال، فإنّ نصر بن الصباح وإن كان الكشي يروي عنه كثيراً إلاّ أنه لم يرد فيهتوثيق.
وأمّا إسحاق بن محمد البصري فلم يرد فيه توثيق أيضاً، بل رمي بالغلو.
وأما جعفر بن محمد بن الفضيل فلم يرد فيه توثيق، وأما محمد بن علي الهمداني فقد استثناه ابن الوليد من كتاب نوادر الحكمة(2)وذلك علامة الضعف كما تقرر في محله وقد نص الشيخ على ضعفه(3)، نعم قد ورد في ترجمته أنه كان وكيلاً للناحية المقدسة(4)، وذلك علامة الوثاقة كما تقرر في محله(5)أيضاً.
ويمكن الجمع: بما ذكره ابن الغضائري من أنّ حديثه يعرف وينكر وأنّه يعتمد المراسيل ويروي عن الضعفاء(6)فلعلّ تضعيف الشيخ واستثناء ابن الوليد كان لهذه الجهة.
والحاصل: أن الرواية ضعيفة السند فلا بأس بكونها مؤيدة للأدلّة العامة.
1) مستدرك الوسائل ج 13 باب 36 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1
2) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 130 الطبعة الأولى
3) رجال الشيخ: 493 الطبعة الأولى
4) رجال النجاشي 2 : 236 الطبعة الأولى المحققة
5) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 483 الطبعة الأولى
6) معجم رجال الحديث 17 : 319 الطبعة الخامسة
والظاهر عدم الإشكال في حرمتها في نفسها عند الأصحاب.
ويدلّ على ذلك العقل والنقل كما تقدم، فإنّ الدخول معهم وقبول الولاية منهم من أظهر مصاديق الإعانة على الظلم.
ويدلّ عليهما بالخصوص عدّة روايات منها: صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): ... إنّ الرجل ليغدى عليه بالأمر يهنّى به، وإنه لباب من أبواب النار(1).
ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة المتقدمة أيضاً، ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): ليس هم من الشيعة ولكنهم من أولئك ثم قرأ ... الحديث(2).
ومنها: رواية يحيى بن إبراهيم بن مهاجر المتقدمة ومحل الشاهد قوله:ألم أنههم؟ ألم أنههم؟ ألم أنههم؟ هم النار، هم النار، هم النار(3).
وهذه الروايات الثلاث صريحة الدلالة في النهي عن الدخول في أعمالهم والرواية الثالثة ضعيفة السند فتكون مؤيدة.
ومنها: صحيحة داود بن زربي قال: أخبرني مولى لعلي بن الحسين (علیه السلام) قال: كنت بالكوفة فقدم أبو عبد الله (علیه السلام) الحيرة فأتيته، فقلت: جعلت فداك لو كلّمت داود بن علي أو بعض هؤلاء فأدخل في بعض هذه الولايات، فقال: ما كنت لأفعل «إلى أن قال» جعلت فداك ظننت أنك إنّما كرهت ذلك مخافة أن أجور أو أظلم، وإنّ كل امرأة لي طالق، وكل مملوك لي حر، وعليّ وعليّ إن ظلمت أحداً أو جرت عليه «على أحد خ ل» وإن لم أعدل، قال: كيف قلت؟
فأعدت عليه الأيمان فرفع رأسه إلى السماء فقال: تناول السماء أيسر عليك من ذلك(1).
وهذه الرواية واضحة الدلالة، فإن الدخول في ولايتهم لا ينفكّ عن الظلم عادة.
ومنها: رواية حميد قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّي وليت عملاً فهل لي من مخرج؟ فقال: ما أكثر من طلب المخرج من ذلك فعسر عليه، قلت: فما ترى؟ قال: أرى أن تتقي الله عزوجل ولا تعمد «تعود خ ل» (2).
والرواية من حيث الدلالة تامة إلاّ أنها من حيث السند ليست كذلك، فإنّ حميد لم يرد فيه توثيق فتكون مؤيدة لما سبق.
والحاصل: أنّه لا إشكال في حرمة الدخول في أعمالهم وقبول الولاية منهم.
هذا وقد استثني من الحرمة عدة مواضع:
الأول: ما إذا كان العمل مباحاً في نفسه، وقد ادعي أنّ قبول الولاية فيه جائز، ولكن على كراهة، وذلك لأنّ الولاية على ثلاثة أقسام:أحدها: أن تكون في عمل محرم كبيع الحرام لهم، أو أخذ العشور والضرائب من الناس، وسيأتي الكلام عنه، أو ما فيه تقوية لملكهم وسلطانهم كإيذاء الناس بالتجسّس عليهم ونحو ذلك، ولا إشكال في حرمة ذلك وهو القدر المتيقن من الأدلة المتقدمة.
ثانيهما: ما إذا كان العمل ممزوجاً فبعضه مباح وبعضه حرام، ولا إشكال
في حرمة ما كان منه حراماً، وأما بالنسبة إلى ما كان منه مباحاً ففيه وجهان:
الوجه الأول: الحلّية لأنه عمل مستقل في مباح فله حكمه، والحرام لا يحرّم الحلال.
الوجه الثاني: الحرمة لأنّ المجموع عمل واحد، وكون بعض العمل مباحاً لا يجعله جائزاً لأنّ مجرد تسويد الاسم في ديوان الجائرين كاف في الحرمة وإن كان بعض العمل مباحاً، إلاّ إذا كان مأذوناً في العمل من قبل الإمام (علیه السلام) وكان العمل كله مباحاً لا ممزوجاً بالحرام فحينئذ يمكن القول بالجواز.
والحاصل: أنّ هذا القسم داخل في عمومات النهي وإطلاقاته، ولعل الحكم في هذا القسم ليس مورداً للخلاف المعتد به.
ثالثها: ما إذا كان العمل مباحاً في نفسه، وهو محل الكلام فقد يقال: بعدم الحرمة وأنه مستثنى من الحكم بالحرمة فيكون جائزاً على كراهة، وذلك لوجوه:
الأول: ما ذكره في الجواهر من أنّه مقتضى الجمع بين الروايات الناهية والروايات الدالة بإطلاقها على جواز أخذ المال وقبوله منهم، فيكون الدخول في ولايتهم جائزاً لأنه حينئذ مأذون من قبل الإمام (علیه السلام) رأفة بالمؤمنين إلاّ أن ذلك مشروط باعتقاد الداخل أنّ السلطان غاصب، وإن دخوله في ولايته ليس ركوناً منه إليه(1).
ويدل على ذلك عدة من الروايات كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال لي أبو الحسن موسى (علیه السلام): ما لك لا تدخل مع علي في شراء الطعام إنّي أظنّك ضيقاً، قال: قلت: نعم، فإن شئت وسعت علي، قال: اشتره(2).
فهذه الرواية تتضمن الإجازة والإذن من الإمام (علیه السلام)، وذلك دليل على
مشروعية العمل وكصحيحة زرارة قال: اشترى ضريس بن عبد الملك وأخوه من هبيرة أرزاً بثلاثمائة ألف قال: فقلت له: ويلك أو ويحك انظر إلى خمس هذا المال فابعث به إليه واحتبس الباقي فأبى عليّ قال: فأدّى المال وقدم هؤلاء فذهب أمر بني أمية، قال: فقلت ذلك لأبي عبد الله (علیه السلام)، فقال مبادراً للجواب: هو له، هو له، فقلت له: إنه قد أدّاها فعضّ على إصبعه(1).
وهذه الرواية تدلّ على الإمضاء والجواز. وغيرها من الروايات.
ولكن لا يمكن الاستدلال بهذه الروايات لقصورها عن إفادة المدعى، فإنّ أقصى ما تدل عليه هو جواز المعاملة معهم من دون الدخول في ولايتهم، فليس فيها دلالة على جواز الدخول، وتنقيح المناط يحتاج إلى مؤنة.
الثاني: ما دلّ على أنّ الإجازة من الإمام (علیه السلام) إنما تكون في العمل المباح إما بدلالة المفهوم، أو بدلالة المنطوق كصحيحة داود بن زربي المتقدمة، ومحلّ الشاهد قوله (علیه السلام): «ما كنت لأفعل ... تناول السماء أيسر عليك من ذلك»(2)الدالة بمفهومها على الجواز فإنّ قوله(علیه السلام): «ما كنت لأفعل» إنما كان من جهة عدم القدرة على أن لا يجور فإذا قدر على ذلك جاز.
ورواية أبي حمزة عن أبي جعفر (علیه السلام): قال: سمعته يقول: من أحللنا له شيء من أعمال الظالمين فهو له حلال، وما حرمناه من ذلك فهو له حرام»(3)الدالة بمنطوقها على الجواز.
ولكن كلتا الروايتين لا يمكن الاستدلال بهما على المدعى، أما صحيحة داود بن زربي فهي وإن كانت معتبرة سنداً إلاّ أنها من جهة الدلالة غير تامة، لأنّ مفادها عدم تيسر ذلك في الخارج وفي قوله (علیه السلام): «تناول السماء أيسر عليك من
ذلك» بيان لعدم الانفكاك عن الظلم والاستحالة العادية وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم.
وأما رواية أبي حمزة فهي أخصّ من المدعى لأنّها تدل على لزوم الحاجة إلى الإذن والإجازة من قبل المعصوم (علیه السلام)، مضافاً إلى ضعف سند الرواية بالإرسال.
الثالث: ما دل على أنّ من يقوم بالوظيفة الدينية ويؤدّي الحقوق يجوزله الدخول في الولاية، كرواية الحسن بن الحسين الأنباري عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) قال: كتبت إليه أربع عشرة سنة أستأذنه في عمل السلطان، فلما كان في آخر كتاب كتبته إليه أذكر أنّي أخاف على خيط عنقي، وإنّ السلطان يقول لي: إنّك رافضي، ولسنا نشكّ إنّك تركت العمل للسلطان للرفض، فكتب إلي أبو الحسن(علیه السلام): فهمت كتابك «كتبك خ ل» وما ذكرت من الخوف على نفسك، فإن كنت تعلم أنّك إذا وليت عملت في عملك بما أمر به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم تصيّر أعوانك وكتّابك أهل ملّتك، وإذا صار إليك شيء واسيت به فقراء المؤمنين حتى تكون واحداً منهم كان ذا بذا وإلاّ فلا(1).
ورواية زياد بن أبي سلمة، قال: دخلت على أبي الحسن موسى (علیه السلام) فقال لي: يا زياد إنّك لتعمل عمل السلطان؟ قال: قلت: أجل، قال لي: ولم؟ قلت: أنا رجل لي مروّة وعليّ عيال، وليس وراء ظهري شيء، فقال لي: يا زياد لئن أسقط من حالق فأتقطع قطعة قطعة أحبّ إليّ من أن أتولّى لأحد منهم عملاً أو أطأ بساط رجل منهم إلاّ لماذا؟ قلت: لا أدري جعلت فداك قال: إلاّ لتفريج كربة عن مؤمن، أو فكّ أسره، أو قضاء دينه، يا زياد إنّ أهون ما يصنع الله عزوجل بمن تولّى لهم عملاً أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ «الله» من
1) وسائل الشيعة ج 12 باب 48 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1
حساب الخلائق «الخلق» يا زياد فإن ولّيت شيئاً من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك فواحدة بواحدة والله من وراء ذلك، يا زياد أيّما رجل منكم تولّى لأحد منهم عملاً ثم ساوى بينكم وبينه فقولوا له: أنت منتحل كذاب، يا زياد إذا ذكرت مقدرتك على الناس فاذكر مقدرة الله عليك غداً، ونفاد ما أتيت إليهم عنهم وبقاء ما أتيت «أبقيت . يب» إليهم عليك(1).
ولا بأس بهما من جهة الدلالة وإن ورد في الأولى الاستئذان للدخول في أعمالهم ولكن المستفاد من قوله (علیه السلام): «فإن كنت تعلم أنّك إذا وليت عملت في عملك بما أمر به رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ثم تصيّر أعوانك وكتّابك أهل ملّتك ...، هو الجواز مطلقاً حينئذ فيجوز الدخول في العمل إذا كان لهذا الغرض، ولكن مع ذلك لا يمكن الاستدلال بكلتا الروايتين لضعف سندهما معاً فإنّ الأنباري، وزياد بن أبي سلمة لم يرد فيهما توثيق.
نعم هنا رواية أخرى يمكن أن يستدل بها على الجواز وهي موثقة زيدالشحام قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (علیه السلام) يقول: من تولّى أمراً من أمور الناس فعدل وفتح بابه، ورفع ستره، ونظر في أمور الناس، كان حقّاً على الله عزوجل أن يؤمّن روعته يوم القيامة، ويدخله الجنّة(2).
والظاهر من هذه الرواية أنّ الولاية من قبل الجائر لانصراف ذلك إلى زمانه(علیه السلام).
كما يمكن الاستدلال على ذلك أيضاً بصحيحة الحلبي، قال: سئل أبو عبد الله(علیه السلام) عن رجل مسلم وهو في ديوان هؤلاء، وهو يحبّ آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ويخرج مع هؤلاء في بعثهم فيقتل تحت رايتهم، قال: يبعثه الله على نيته، قال: وسألته عن
رجل مسكين خدمهم رجاء أن يصيب معهم شيئاً فيعينه الله به فمات في بعثهم قال: هو بمنزلة الأجير إنّه إنّما يعطي الله العباد على نيّاتهم(1).
وظاهر الرواية الدلالة على جواز الدخول في أعمالهم.
ويؤيد ذلك: ما رواه الصدوق بسنده عن الصادق (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) في حديث المناهي قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من تولّى عرافة قوم أُتي به يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه، فإن قام فيهم بأمر الله عزوجل أطلقه الله، وإن كان ظالماً هوى به في نار جهنم وبئس المصير(2).
وهي من حيث الدلالة لا بأس بها إلاّ أنّ في سندها عدة مجاهيل، وقريب منها ما رواه الصدوق أيضاً بسنده عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث قال: من أكرم أخاه فإنّما يكرم الله عزوجل، فما ظنكم بمن يكرم الله عزوجل أن يفعل به، ومن تولّى عرافة قوم «ولم يحسن فيهم خ» حبس على شفير جهنم بكلّ يوم ألف سنة وحشر ويده مغلولة إلى عنقه، فإن كان قام فيهم بأمر الله أطلقها الله، وإن كان ظالماً هوى به في نار جهنّم سبعين خريفاً(3).
وهي أيضاً من جهة السند ضعيفة.
وبناءً على تمامية دلالة الروايتين المتقدمتين فإذا كان العمل مباحاً في نفسه وكان العامل عادلاً فلا إشكال في الجواز، ويؤيد هاتين الروايتين - غير ما ذكرنا - عدة روايات أخرى منها: ما رواه في المستدرك نقلاً عنكتاب الروضة للشيخ المفيد بسنده عن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي قال: كتبت إلى أبي الحسن (علیه السلام) أستأذنه في أعمال السلطان، فقال: لا بأس به ما لم يغيّر حكماً، ولم يبطل حدّاً وكفّارته قضاء حوائج إخوانكم(4).
والرواية واضحة الدلالة، وذكر الكفّارة إنّما هو لرفع الحزازة فإنّ العمل مع السلطان وإن كان جائزاً إلاّ أنه لا يخلو عن كراهة كما تقدم.
هذا ولكن الرواية من جهة السند غير تامة، فإنّ الطريق إلى كتاب الروضة وطريق المفيد إلى الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي غير معلومين، ولذا جعلنا الرواية مويدة.
ومنها: ما رواه في المستدرك أيضاً نقلاً عن كتاب المجموع الرائق للسيد هبة الله نقلاً عن كتاب الأربعين لأبي الفضل محمد بن سعيد بسنده عن صفوان بن مهران قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) إذ دخل عليه رجل من الشيعة، فشكا إليه الحاجة، فقال له: ما يمنعك من التعرّض للسلطان فتدخل في بعض أعماله؟ فقال: إنّكم حرمتموه علينا، فقال: خبّرني عن السلطان لنا أو لهم؟ قال: بل لكم، قال: أهم الداخلون علينا أم نحن الداخلون عليهم؟ قال: بل هم الداخلون عليكم، قال: فإنّما هم قوم اضطرّوكم فدخلتم في بعض حقّكم، فقال: إنّ لهم سيرة وأحكاماً قال (علیه السلام): أليس قد أجرى لهم الناس على ذلك؟ قال: بلى قال: أجروهم عليهم في ديوانهم وإيّاكم وظلم مؤمن(1).
وهذه الرواية وإن كانت واردة في مقام الحاجة إلى الدخول في عمل السلطان إلاّ أنّها تدل أيضاً على عدم البأس في الدخول في أعمالهم وإجراء أحكامهم بمقتضى قاعدة الإلزام، ولا إشكال في ذلك، نعم يستثنى من ذلك المؤمن فلا يجوز ظلمه لقوله: وإيّاكم وظلم المؤمن.
ولكن الرواية من حيث السند غير تامة فإنّ طريق محمد بن سعيد إلى صفوان بن مهران غير معلوم فتكون الرواية مؤيدة.
ومنها: ما رواه نقلاً عن رجال الكشي بسنده إلى أبي حمزة قال: قال:
1) مستدرك الوسائل ج 13 باب 39 من أبواب ما يكتسب به الحديث 25
سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: من أحللنا له شيئاً ]أصابه[ من أعمال الظالمين فهو له حلال، لأنّ الأئمّة منّا مفوّض إليهم، فما أحلّوا فهو حلال، وما حرّموا فهو حرام(1).وقد رواها الشيخ المفيد في الاختصاص(2)عن محمد بن خالد الطيالسي عن سيف بن عميرة، وهي من جهة الدلالة واضحة، فإنّ قوله: «من أحللنا له شيئاً من أعمال الظالمين» صريح في جواز العمل عند السلطان، نعم بناء على النسخة الأخرى يحتمل أنّ المراد هو المال الذي أصابه من الظالمين لا نفس العمل.
وعلى كل تقدير فهي مؤيدة لما تقدم وذلك لضعف كلا السندين بالإرسال وقد رواها الصفّار في بصائر الدرجات(3)والمحدّث العاملي في الوسائل(4)نقلاً عن التهذيب مع اختلاف في النقل، وفي كلا السندين إرسال أيضاً، مضافاً إلى الشكّ والخلاف في نسبة كتاب الاختصاص للشيخ المفيد(5).
والحاصل: أنّ مقتضى دلالة موثقة زيد الشحام وصحيحة الحلبي والروايات المؤيدة لها أنّ هذه الصورة من الولاية جائزة، وهي مستثناة من عموم النهي ولكن الجواز منوط بما إذا لم تستلزم الولاية تقوية الظالمين وبقاء شوكتهم واستمرار ظلمهم بحيث يعدّ العامل معيناً لهم، ومع ذلك كله لا يخلو الأمر في نفسه عن حزازة وكراهة كما هو ظاهر من بقية الروايات المتقدمة.
الثاني: ما إذا كان الداعي للعمل هو الضيق في المعيشة، ويدلّ على جواز الدخول في عملهم عدة روايات.
1) مستدرك الوسائل ج 13 باب 39 من أبواب ما يكتسب به الحديث 26
2) الاختصاص: 325 منشورات مكتبة بصيرتي
3) بصائر الدرجات ج 8 باب 5 في أن ما فوض إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقد فوض إلى الأئمّة (علیهم السلام) الحديث 3 ص 404
4) وسائل الشيعة ج 12 باب 46 من أبواب ما يكتسب به الحديث 15
5) معجم رجال الحديث 8 : 130 الطبعة الخامسة
منها: صحيحة محمد بن عيسى العبيدي قال: كتب أبو عمرو الحذاء إلى أبي الحسن (علیه السلام) وقرأت الكتاب والجواب بخطه يعلمه أنّه كان يختلف إلى بعض قضاة هؤلاء، وأنّه صيّر إليه وقوفاً ومواريث بعض ولد العباس أحياء وأمواتاً، وأجرى عليه الأرزاق، وأنه كان يؤدي الأمانة إليهم، ثم إنّه بعد، عاهد الله أن لا يدخل لهم في عمل وعليه مؤنة وقد تلف أكثر ما كان في يده، وأخاف أن ينكشف عنه ما لا يحبّ أن ينكشف من الحال فإنّه منتظر أمرك في ذلك فما تأمر به؟ فكتب (علیه السلام) إليه: لا عليك وإن دخلت معهم، الله يعلم ونحن ما أنت عليه(1).وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): لا عليك ... فإنه ظاهر في الإباحة والجواز.
ومنها: موثقة عمار عن أبي عبد الله (علیه السلام) سئل عن أعمال السلطان يخرج فيه الرجل قال: لا، إلاّ أن لا يقدر على شيء يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت(2).
ودلالة هذه الرواية واضحة فإنه (علیه السلام) استثنى حالة كون الداخل في أعمال السلطان ذا حاجة بحيث لا يقدر على حيلة، والمراد من عدم القدرة هو أن يكون في ضيق من معيشته بمعناه العرفي لا أنّه مضطر إليه كالاضطرار إلى أكل الميتة ونحو ذلك ممّا فيه الإشراف على الهلاك.
فما ورد في رواية تحف العقول من قوله: «... فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم والكسب معهم إلاّ بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم والميتة ...(3)فلعل المراد هو التشديد على ذلك، ومن أجله عبّر بقوله: نظير الضرورة إلى الدم والميتة.
وأما ما ورد من التشديد في النهي عن الدخول في أعمالهم مطلقاً كرواية زياد بن أبي سلمة المتقدمة وغيرها، فهو محمول على صورة عدم الحاجة، وبذلك يجمع بين الروايات.
الثالث: ما إذا كان العمل معهم من أجل التفريج عن المؤمنين وإصلاح أمورهم وقضاء حوائجهم. ويدل على ذلك عدة روايات:
منها: صحيحة علي بن يقطين قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام): إن لله تبارك وتعالى مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه(1).
وهذه الرواية واضحة الدلالة في جواز العمل إذا كان لهذا الغرض.
ومنها: رواية عبد الله بن سليمان النوفلي المتضمنة لكتاب عبد الله النجاشي والي الأهواز إلى الإمام الصادق (علیه السلام) وجواب الإمام له وهي طويلة وموضع الشاهد منها قوله: ... فأما سروري بولايتك، فقلت: عسى أن يغيث الله بك ملهوفاً خائفاً من آل محمد (علیهم السلام) ويعزّ بك ذليلهم ويكسو بك عاريهم، ويقوي بك ضعيفهم، ويطفىء بك نار المخالفين عنهم...(2).
وفي هذه الرواية دلالة على الجواز لأنّ في ذلك سرور الإمام (علیه السلام) فلاإشكال من جهة الدلالة، وإنما الإشكال من جهة السند فقد رواها الشهيد الثاني(3)بإسناده الصحيح المتصل إلى عبد الله بن سليمان النوفلي، ولم يرد للنوفلي في الكتب الأربعة إلاّ هذه الرواية، كما أنه لم يرد في حقه مدح أو قدح، وقد جعله السيد الأستاذ (قدس سره) في المعجم تحت عنوان مستقل(4).
والظاهر أنّ النوفلي هو عبد الله بن سليمان النخعي الذي ورد فيه أنّه من أصحاب الصادق (علیه السلام) كما نصّ على ذلك الشيخ(1)والبرقي(2)في كتابيهما فإن النوفل من النخع كما يظهر من ترجمة الحسين بن يزيد النوفلي(3)، ولكن مع ذلك لم يرد فيه توثيق فتبقى الرواية غير معتبرة من جهة السند فتكون مؤيدة.
ومنها: ما نقله النجاشي عن الكشي: وحكى بعض أصحابنا عن ابن الوليد (قال) : وفي رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع قال أبو الحسن الرضا (علیه السلام): إنّ لله تعالى بأبواب الظالمين من نوّر الله له البرهان، ومكّن له في البلاد، ليدفع بهم عن أوليائه ويصلح الله بهم أمور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمن من الضرّ، وإليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، وبهم يؤمن الله روعة المؤمن في دار الظلمة، أولئك المؤمنون حقّاً أولئك أمناء الله في أرضه، أولئك نور في رعيتهم يوم القيامة، ويزهر نورهم لأهل السماوات كما تزهم الكواكب الدرية لأهل الأرض، أولئك من نورهم يوم القيامة تضيء منهم القيامة، خلقوا والله للجنة وخلقت الجنة لهم فهنيئاً لهم، ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله (قال) : قلت: بماذا جعلني الله فداك؟ (قال) (علیه السلام): يكون معهم فيسرنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا فكن منهم يا محمد(4).
وهذه الرواية واضحة الدلالة، وما يقال: إنّ هذه الرواية لم يرد فيها بيان كيفية الدخول ولعلّه لأحد المسوغات الأخرى فبعيد، لأنّ مضمون الرواية في الترغيب للدخول في أعمالهم ولا سيما بقوله: «يكون معهم... فكن منهم يا محمد» فلا إشكال في دلالة الرواية، وإنّما الإشكال من جهة السند فإن طريق ابن الوليد
إلى روايات محمد بن إسماعيل وكتبه غير معلوم، نعم طريقه إلى كتاب الحج معتبر، مضافاً إلى أن في سند الكشي إرسالاً، فالرواية من جهة السند محل إشكال فتكون مؤيدة.
وروى النجاشي بسند معتبر عن الحسين بن خالد قال: كنا عند الرضا (علیه السلام) ونحن جماعة، فذكر محمد بن إسماعيل بن بزيع قال (علیه السلام): وددت أنّ فيكم مثله(1).
وقد ورد في أحوال محمد بن إسماعيل أنّه كان من صالحي هذه الطائفة وثقاتهم كثير العمل، ثقة ثقة عين وكان في عداد الوزراء(2).
وقريب من ذلك ما ورد في حق علي بن يقطين فقد روى محمد بن عيسى عن علي بن يقطين أو عن زيد عن علي بن يقطين أنه كتب إلى أبي الحسن موسى (علیه السلام): إنّ قلبي يضيق ممّا أنا عليه من عمل السلطان - وكان وزيراً لهارون - فإن أذنت جعلني الله فداك هربت منه، فرجع الجواب: لا آذن لك بالخروج من عملهم واتق الله أو كما قال(3).
والرواية من جهة الدلالة واضحة إلاّ أنها من جهة السند محل كلام، فإن زيد الوارد في السند لم يعرف من هو، ولم يرد في الكتب الأربعة رواية زيد عن علي بن يقطين، نعم ورد في رجال الكشي رواية زياد القندي عن علي بن يقطين(4)ولا يبعد أن في الرواية تصحيف زياد بزيد، فإن كان هو زياد القندي فهو ثقة(5)، وتكون الرواية معتبرة، فإنّ للشيخ طريقاً معتبراً(6)إلى جميع روايات وكتب عبد الله بن جعفر الحميري ومنها قرب الإسناد المشتمل على هذه الرواية، كما أنّ له طرقاً معتبرة إلى كتب ومسائل علي بن يقطين(7)، وبناء على هذا فلا
إشكال في سند الرواية.
وقد ورد في أحوال علي بن يقطين: رضي الله عنه جليل القدر لهمنزلة عظيمة عند أبي الحسن موسى (علیه السلام) عظيم المكان في الطائفة(1)، وروى الكشي في مدحه روايات كثيرة وفي بعضها: أنّ الإمام أبا الحسن (علیه السلام) ضمن له الجنة، وأن لا تمسّه النار، وأنّه لا يظله سقف سجن(2)، وروى الكشي أيضاً - فيما يتعلق بالمقام - عن محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: زعم الحسن بن علي أنه أحصى لعلي بن يقطين بعض السنين ثلاثمائة ملبّ له، أو مائة وخمسين ملبّياً ولم يكن يفوته من يحج عنه، وكان يعطي بعضهم عشرون ألف وبعضهم عشرة آلاف في كل سنة للحج، مثل الكاهلي وعبد الرحمن بن الحجاج وغيرهما، ويعطي أدناهم ألف درهم، وسمعت من يحكي في أدناهم خمسمائة درهم وكان أمره بالدخول في أعمالهم ...(3)الخ.
وموضع الشاهد قوله: «وكان أمره بالدخول في أعمالهم» فإنّه صريح الدلالة على جواز الدخول بل وجوبه، كما أن سند الرواية قابل للاعتبار فإنّ علي بن محمد وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه في حكم الموثق لكونه ممن يعتمد عليه(4).
هذا، ولكن الذي يظهر من مجموع الروايات الواردة في المقام، الاختلاف من جهة أن بعضها يدل على الكراهة كصحيحة عبيد بن زرارة أنه قال: بعث أبو عبد الله (علیه السلام) رجلاً إلى زياد بن عبيد الله فقال: وأد «داو خ ل» نقص عملك «وإذا نقص عملك فداوه(5)خ ل» .
فإنّ ظاهر الرواية أنّ في نفس العمل نقصاً يحتاج إلى رفع، وذلك يدلّ على الكراهة، ومرسلة الصدوق قال: وقال الصادق (علیه السلام): كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان(1).
وظاهر الرواية أنّ في العمل حزازة تحتاج إلى رفع بواسطة الكفارة.
وكذا ما رواه في المستدرك نقلاً عن كتاب المجموع الرائق عن كتاب الأربعين لأبي الفضل محمد بن سعيد بسنده عن صفوان بن مهران الجمال قال: دخل زياد بن مروان العبدي على مولاي موسى بن جعفر (علیه السلام) فقال لزياد: أتقلّد لهم عملاً؟ فقال: بلى يا مولاي، فقال: ولم ذاك؟ قال:فقلت: يا مولاي إني رجل لي مروءة ]و[ عليّ عيلة وليس لي مال، فقال (علیه السلام): يا زياد والله لئن أقع من السماء إلى الأرض فانقطع قطعاً ويفصلني الطير بمناقيرها مفصلاً مفصلاً، لأحبّ إليّ من أن أتقلّدهم عملاً فقلت: إلاّ لماذا؟ فقال: إلاّ لإعزاز مؤمن أو فكّ أسره، إنّ الله وعد من يتقلّد لهم عملاً أن يضرب عليه سرادقاً من نار، حتى يفرغ الله من حساب الخلائق فامض واعزز من إخوانك واحداً، والله من وراء ذلك يفعل ما يشاء(2).
وهذه الرواية قريبة المضمون من رواية زياد بن أبي سلمة المتقدمة(3)وظاهرها الدلالة على الكراهة في العمل، وغيرها من الروايات.
وبعض الروايات تدل على استحباب الدخول في أعمال السلطان كما تقدم في صحيحة علي بن يقطين، ورواية محمد بن إسماعيل بن بزيع وغيرهما.
ويمكن الجمع بين الروايات بأن يقال: إنّ الدخول في أعمال السلطان على ثلاثة أقسام، فتارة يكون الدخول في العمل بقصد التفريج عن المؤمنين والقيام
بمصالحهم وقضاء حوائجهم، وحكم هذا القسم هو الاستحباب وهو الظاهر من روايات الترغيب في العمل كما تقدم، وتارة يكون الدخول بقصد المعيشة والتوسعة على النفس، وحكم هذا القسم هو الجواز على كراهة فإن أحسن إلى إخوانه المؤمنين وسعى في حوائجهم كان ذلك كفارة له، ويدل عليه ما تقدم من بعض الروايات التي ورد فيها اشتراط الإحسان إلى المؤمنين والتفريج عنهم ويكون واحدة بواحدة.
وتارة أخرى يكون الدخول للضرورة والحاجة للأكل والشرب، وحكم هذا القسم هو الإباحة والجواز بلا كراهة، ويدلّ عليه بعض ما تقدم من الروايات.
هذا كله مع قطع النظر عن أسانيد الروايات، وقد ذكر الشيخ الأنصاري(قدس سره)(1)، بعض هذه الوجوه، واستحسنه في الرياض(2)، وحملها صاحب الجواهر (قدس سره) (3)على وجه آخر من الجمع، وهو أنّ روايات المنع تحمل على قبول الولاية في المحرمات أو الممزوجة بين الحلال والحرام، وأمّا روايات الجواز فهي محمولة على الولاية في المباحاتعلى كراهة لمجرّد الإعانة، وأمّا روايات الترغيب فهي محمولة على الدخول في الولاية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظ نفوس المؤمنين وأموالهم وأعراضهم وإدخال السرور عليهم، واستشهد (قدس سره) على ذلك بما رواه ابن إدريس في المستطرفات نقلاً عن كتاب مسائل الرجال من قوله (علیه السلام): ... من فعل ذلك فليس مدخله في العمل حراماً بل أجراً وثواباً(4).
وهناك وجه ثالث في الجمع ذكره المحقق (قدس سره) وهو حمل نصوص المنع على عدم الأمن من اعتماد المحرّم، والجواز على الأمن، والاستحباب على الأمر
بالمعروف(1).
الرابع: ما إذا كان الدخول في العمل لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتصوير هذا الأمر على أنحاء: فتارة يكون الشخص منبعثاً عن أمر الوالي العادل كالإمام المعصوم (علیه السلام)، ولا إشكال في وجوب الإطاعة والامتثال سواء كان الأمر بالمعروف منحصراً بهذا الشخص أو لا، وذلك لأنّ طاعته واجبة، ومثله ما إذا كان الآمر نائباً خاصاً عن المعصوم(علیه السلام)، أو كان نائباً عاماً على إشكال في الأخير، وتارة يكون منبعثاً من نفسه لا بأمر آمر، وحينئذ يلاحظ إن كان الأمر بالمعروف منحصراً فيه فيجب، وذلك لأنّ الأمر بالمعروف من الواجبات المطلقة وليس مشروطاً بالقدرة الشرعية كما في الحج - مثلاً - المشروط بالاستطاعة ولا يجب تحصيلها حينئذ، بل يجب - في ما نحن فيه - تحصيل القدرة شرعاً كانت أو عقلاً على الاختلاف في وجوب تحصيل المقدمة - كما هو مقرر في محله - ويجب قبول الولاية، كما أنّه لا يجوز له تفويت القدرة على فرض تحققها.
وإن كان غير منحصر به فحكمه حكم سائر الواجبات الكفائية.
هذا إذا كان السلطان عادلاً، وأمّا إذا كان جائراً وكان القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير منحصر به (الشخص) فلا يجب عليه تحصيل القدرة بل لا يجب قبول الولاية. وأما إذا كان ذلك منحصراً فيه فهل يجب عليه قبول الولاية كما نسبه صاحب الجواهر(2)إلى السرائر،وقوّاه الشيخ الأنصاري(3)والسيد الأستاذ(4)قدست أسرارهم؟ أو أنه يجوز بل يستحب كما
نسب إلى معظم الأصحاب ومنهم المحقق(1)وصاحب الجواهر(2)؟ قولان:
وناقش في الاستحباب صاحب المسالك(3)وذكر أنّ القاعدة تقتضي الحكم بالوجوب لما تقدم من أنّ مقدمة الواجب واجبة، وإذا لم يكن الواجب مشروطاً بالقدرة الشرعية فكيف يقال بالاستحباب حينئذٍ؟
ثمّ وجّه كلامهم بأن قولهم بعدم الوجوب لكونه (الشخص) كالنائب عن الجائر، ومع ورود النهي عن الدخول معهم يقع التعارض بين أدلة الأمر بالمعروف وأدلة النهي عن الدخول في مورد الاجتماع، والحكم حينئذ هو التخيير، وقوّى صاحب الجواهر(4)هذا التوجيه وقال باستفادة الاستحباب من دلالة بعض الروايات كما يظهر من رواية محمد بن إسماعيل المتقدمة الدالة على الترغيب في التصدي وقبول الولاية إذا كانت لهذا الغرض.
وأشكل عليه السيد الأستاذ (قدس سره) (5)تبعاً للشيخ(6)، بأنّ المقام ليس من التعارض في شيء، لأنّ مورده التنافي في الجعل، ولا تنافي بين الحكمين في المقام، بل هو من التزاحم فيقدم الأهم، ومع عدمه فالحكم هو التخيير، على ما تقتضيه القاعدة.
وأمّا ما تقتضيه الروايات فبعد تخصيص حرمة الولاية بما إذا كانت لإصلاح أمور المسلمين والتفريج عن المؤمنين ورعاية مصالحهم وإدخال السرور عليهم الشاملة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قطعاً فحينئذ يتعيّن الوجوب، إذ
بعد التخصيص لا نهي عن المقدمة، فإذا كانت المقدمة (كقبول الولاية) مباحة في نفسها حكم بوجوبها إذا كانت مقدمة للواجب، والحكم بوجوب المقدمة إنما هو عرضي طارىء ناشىء عن وجوب ذي المقدمة، وتكون على غرار النذر في امر مباح فإنه يصبحواجباً بالعرض، ولذلك حمل الشيخ الأنصاري (قدس سره) كلام الأصحاب القائلين بالاستحباب على الاستحباب العيني حتى لا ينافي القول بالوجوب الكفائي للمقدمة.
ويمكن أن يؤيد هذا القول بما ورد في رواية ابن يقطين المتقدمة حيث إنّ الإمام (علیه السلام) نهاه عن الخروج عن ولايتهم، والنهي بمنزلة أن يكون البقاء واجباً، وهذا ينافي القول بالاستحباب أو التخيير.
اللهم إلاّ أن يقال: بأنّ أمره (علیه السلام) بالبقاء ونهيه عن الخروج إنما هو لحفظ نفوس الشيعة، ولا يستفاد منه أنّه لمطلق الإصلاح الشامل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والحاصل: أنّ القول بالوجوب لا يخلو عن قوة خصوصاً على القول بأنّ قبول الولاية فيما لا يحرم جائز كما تقدم في المقام الأول.
الخامس: ما إذا كان الدخول في العمل لجهة التقية أو الإكراه سواء كان عن خوف على النفس، أو على من يتعلق به، أو على أحد من المؤمنين، وسواء كانت التقية أو الإكراه من قبل المخالف أو غيره ولا إشكال في الجواز بل هو مورد لتسالم الفقهاء عليه. ويدل على ذلك:
أولاً: من الكتاب عموم قوله تعالى: «لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ...»(1)وهي نص في دلالتها وشمولها لمحل الكلام.
1) سورة آل عمران، الآية: 28
وثانياً: الإجماع بقسميه كما في الجواهر(1).
وثالثاً: الأخبار العامة المتقدمة كحديث الرفع وعمومات أدلة التقية.
ورابعاً: الروايات الخاصة الواردة في المقام وهي كثيرة:
منها: ما رواه الصدوق بسنده عن أبي الصلت الهروي، قال: إنّ المأمون قال للرضا(علیه السلام): يابن رسول الله قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحقّ بالخلافة منّي، فقال الرضا (علیه السلام) بالعبودية لله عزّوجلّ أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شرّ الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله عزوجل، فقال له المأمون: فإنّي رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك، فقال له الرضا (علیه السلام): إن كانت هذه الخلافة لكوجعلها الله لك فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسك الله، وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك، فقال له المأمون: يابن رسول الله لابدّ لك من قبول هذا الأمر، فقال: لست أفعل ذلك طائعاً أبداً، فما زال يجهد به أياماً حتى يئس من قبوله، فقال له: إن لم تقبل الخلافة ولم تحب مبايعتي لك فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي، فقال الرضا (علیه السلام): والله لقد حدثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين (علیه السلام) عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أنّي أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسم مظلوماً، تبكي عليّ ملائكة السماء والأرض، وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد، فبكى المأمون وقال له: يابن رسول الله ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حي؟ فقال الرضا (علیه السلام): أما إني لو أشاء أن أقول لك الذي يقتلني لقلت، فقال المأمون: يابن رسول الله إنّما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك ليقول الناس إنّك زاهد في الدنيا، فقال له الرضا (علیه السلام): والله ما كذبت منذ خلقني الله عزوجل، وما زهدت في الدنيا للدنيا،
1) جواهر الكلام 22 : 165 الطبعة السابعة
وإنّي لأعلم ما تريد، فقال المأمون: وما أريد؟ قال: الأمان على الصدق قال: لك الأمان قال: تريد أن يقول الناس: إنّ علي بن موسى الرضا لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه، أما ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة؟ قال: فغضب المأمون، ثم قال: إنّك تتلقاني أبداً بما أكرهه، وقد أمنت سطوتي، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلاّ أجبرتك على ذلك، فإن فعلت وإلاّ ضربت عنقك، فقال الرضا(علیه السلام): قد نهاني الله أن ألقى بيدي إلى التهلكة، فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك، وإنّما أقبل ذلك على أن لا أولّي أحداً ولا أعزل أحداً ولا أنقض رسماً ولا سنة، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً، فرضي بذلك منه وجعله وليّ عهده على كراهية منه (علیه السلام) لذلك(1).
والرواية صريحة الدلالة، ومواضع الشاهد صدر الرواية وذيلها.
كما أنها معتبرة السند فإنّ الحسين بن إبراهيم بن تاتانه - الواقع في سندها - وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه من مشايخ الصدوق(2)وقد ترضى عنه، وبناء على أن الترضي علامة على الوثاقة كما هو المختار فتكون الرواية معتبرة السند.
وبمضمون هذه الرواية عدة روايات أخرى:منها: رواية الحسن بن موسى قال: روى أصحابنا عن الرضا (علیه السلام) أنه قال له رجل: أصلحك الله كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون؟ فكأنه أنكر ذلك عليه، فقال له أبو الحسن الرضا (علیه السلام): يا هذا أيّما أفضل النبي أو الوصي؟ فقال: لا بل النبي فقال: أيّهما أفضل مسلم أو مشرك؟ فقال: لا بل مسلم، قال: فإنّ العزيز عزيز مصر كان مشركاً وكان يوسف (علیه السلام) نبياً، وإن المأمون مسلم وأنا وصيّ، ويوسف سأل العزيز أن يولّيه حين قال: «اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ»(3)وأنا أجبرت على
ذلك(1)الحديث .
ومنها: صحيحة الريّان بن الصلت قال: دخلت على علي بن موسى الرضا(علیه السلام) فقلت له: يابن رسول الله إنّ الناس يقولون: إنك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا، فقال (علیه السلام): قد علم الله كراهتي لذلك فلما خيّرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل، ويحهم أما علموا أنّ يوسف (علیه السلام) كان نبياً رسولاً فلما دفعته الضرورة إلى تولّي خزائن العزيز قال له: «اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ » ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك على أنّي ما دخلت في هذا الأمر إلاّ دخول خارج منه، فإلى الله المشتكى وهو المستعان(2).
ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة المتقدمة قال: سأل رجل أبا عبد الله (علیه السلام) عن قوم يدخلون في أعمال السلطان يعملون لهم ويحبّون لهم ويوالونهم قال: ليس هم من الشيعة، ولكنهم من أولئك، ثم قرأ أبو عبد الله (علیه السلام) هذه الآية: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ »إلى قوله: «وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ»(3)قال: الخنازير على لسان داود والقردة على لسان عيسى «كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» قال: كانوا يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمور ويأتون النساء أيام حيضهن ثم احتجّ الله على المؤمنين الموالين للكفّار فقال: «تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ» إلى قوله: «وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ» فنهى الله عزوجل أن يواليالمؤمن الكافر إلاّ عند التقية(4).
ومحل الشاهد هو الجملة الأخيرة فإنّ الإمام (علیه السلام) استثنى حالة التقية من عموم النهي.
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن مستطرفات السرائر نقلاً عن كتاب مسائل الرجال عن أبي الحسن علي بن محمد (علیه السلام)، إنّ محمد بن علي بن عيسى كتب إليه يسأله عن العمل لبني العباس وأخذ ما يتمكن من أموالهم هل فيه رخصة؟ فقال: ما كان المدخل فيه بالجبر والقهر فالله قابل العذر وما خلا ذلك فمكروه ...(1)الخ.
وهي واضحة الدلالة على المراد، فإنّ المكره على قبول العمل معذور فيه.
وغيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى، فلا إشكال في المقام.
ثم إنّ المعتبر في التقية - فيما نحن فيه - هو عدم إمكان التفصّي والمندوحة إذ هو القدر المتقين في هذا المورد، وأما المعتبر في الإكراه فهو أن لا يكون مما يتحمل عادة، وإلاّ فلا يصدق عليه عنوان الإكراه كما إذا كان في عدم القبول تهديد بأخذ مال يسير، أو نحو ذلك مما لا يصدق عليه الإكراه عرفاً، فاشتراط كون المال خطيراً - في قبول الولاية - في غير محلّه، والميزان هو ما ذكرناه إذ بدونه لا يتحقق موضوع الإكراه.
ونظراً لأهمية هذا الأمر واختلاف الحالات فيه، وفي بعضها لا مجال للتقية فيه، لابد من بيان صور المسألة ومن ثم ذكر أحكامها فنقول: إنّ التقية أو الإكراه إما أن يكونا من جهة الضرر على النفس بالقتل أو الجرح، وإما أن يكونا من جهة الضرر على العرض، وإما أن يكونا من جهة الضرر على المال، وعلى التقادير الثلاثة فتارة يكون الضرر راجعاً إلى الشخص وأخرى يكون إلى الغير، ثم إنّ قبول الولاية والدخول في العمل تارة لا يستتبع ارتكاب الحرام، وهذا القسم
1) وسائل الشيعة ج 12 باب 45 من أبواب ما يكتسب به الحديث 9
خارج عن محل الكلام وقد تقدم حكمه، وتارة يستتبع ذلك كما إذا كان العمل في نفسه حراماً أو لازمه ارتكاب الحرام، والحرام تارة يكون من حقوق الله تعالى وأخرى منحقوق الناس، ثم الاضرار بالغير تارة يكون في النفس قتلاً أو جرحاً وأخرى في المال وثالثة في العرض، والغير تارة يكون شخصاً معيناً مع تعين الضرر أو مع تردده بين ضررين، وأخرى مخيراً بين شخصين، وثالثة مخيراً بين نفسه وغيره فها هنا صور كثيرة، وبإضافة صور الضرر في غير الإكراه قد يبلغ مجموعها إلى سبع وثلاثين صورة ويتبيّن حكم كل منها فيما يلي:
الصورة الأولى: أن تستتبع التقية ارتكاب الحرام الإلهي وهذا هو القدر المتيقن من النصوص الدالة على جواز التقية بالمعنى الأعم من الآيات والروايات العامة والخاصة ومعقد الإجماع، وحينئذ فالإتيان بالحرام مشروع في حقه ولا يجب عليه تحمّل الضرر، سواء كان في النفس أو في العرض أو في المال، بل إذا كان الخوف على النفس أو العرض حرم عليه ترك ارتكاب الحرام ولم يجز له تحمل الضرر، نعم إذا كان خوفه على ماله جاز له أن يخالف لأن الناس مسلطون على أموالهم.
ويبقى في المقام جهتان:
الجهة الأولى: ما إذا كان الحرام من العزائم التي توجب هتك الدين أو المذهب أو يترتب عليها تزلزل عقيدة المؤمنين كمحو الكعبة أو قبر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أو أحد الأئمة (علیهم السلام) أو الإفتاء بما يؤدي إلى ذلك، وحينئذ فالقول بجواز التقية في هذه الموارد مشكل جداً، ولا يبعد تقدّمها لأهميتها على النفس خصوصاً بملاحظة أن تشريع التقية لحفظ الحقّ وبقاء الدين فلا تجوز التقية فيها، كما ورد في موثقة مسعدة بن صدقة المتقدمة حيث ورد فيها ... فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز(1)؛
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 25 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما الحديث 6
ولذلك جعلناه - فيما تقدم - أحد المحامل لإقدام بعض أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام) كميثم التمار ورشيد الهجري وحجر وأصحابه - رضوان الله عليهم - على الشهادة والرضا بالقتل في مقابل البراءة من أمير المؤمنين (علیه السلام) .
الجهة الثانية: ما إذا كانت التقية لحفظ نفس المؤمن فهل يجوز ارتكاب الحرام حينئذ أو لا؟
لا يبعد ذلك لأهمية المؤمن كما هو المستفاد من الأدلة كرواية الاحتجاج حيث ورد فيها:... وإيّاك ثم إيّاك أن تترك التقية التي أمرتك بهافإنّك شائط بدمك ودماء إخوانك معرض لنعمتك ونعمتهم للزوال، مذل لهم في ايدي أعداء دين الله، وقد أمرك الله بإعزازهم فإنّك إن خالفت وصيّتي كان ضررك على إخوانك ونفسك أشد من ضرر الناصب لنا الكافر بنا(1).
فالإقدام على الحرام جائز إذا كان مقدمة يتوقف عليها حفظ نفس المؤمن.
وأما في حفظ عرضه أو ماله فجواز ارتكاب الحرام لذلك محلّ إشكال إذ لا يستفاد الجواز من الروايات وستأتي زيادة توضيح لذلك في ضمن الصور والمسائل والفروع الآتية.
الصورة الثانية: ما إذا كان قبول الولاية والدخول في العمل يستتبع ارتكاب الحرام في حقوق الناس.
وهذه الصورة هي من أهم ما في المقام ويترتب عليها كثير من الفروع ولابد - أولاً - من تقريرقاعدة كلية تنفع في ما نحن بصدده، ومن ثمّ التعرض لفروعها - في ضمن المسائل الآتية مع بيان أحكامها، فنقول:
قد وقع الخلاف في أن التقية أو الإكراه كما تباح بهما نفس الولاية المحرمة فهل يباح ما يستلزمها من المحرمات مطلقاً سواء كان من حقوق الله تعالى أو من
1) وسائل الشيعة ج 29 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما الحديث 11
حقوق الناس والإضرار بهم من نهب الأموال وهتك الأعراض وغيرها من العزائم، ولو كان الضرر المتوعد عليه أقل بمراتب من الضرر المكره عليه كما إذا خاف على عرضه من كلمة نابية لا تليق به، أو ذهاب مال يسير منه، فهل يباح بذلك أعراض الناس وأموالهم وإن بلغت ما بلغت حرمة وخطورة أم لا؟ أي أنّ المباح هو خصوص المحرمات الإلهية، وأما الإضرار بالغير فلا يكون مباحاً مطلقاً، أو لابد من مراعاة الأهم فيقدم الأشد ضرراً سواء كان على النفس أو على الغير؟ أو التفصيل بين ما إذا كان الضرر المتوعد عليه مباحاً كما إذا كان ضرراً مالياً فلا يجوز دفعه بالإضرار بالغير وبين ما إذا كان الضرر المتوعد عليه محرّماً فيجوز دفعه بالإضرار بالغير؟
ذهب شيخنا الأنصاري (قدس سره) إلى الأول(1)وهو مذهب جماعة، ومنهم صاحب الجواهر (قدس سره) (2)ولعلّه المشهور ولم نر في كلمات الفقهاء من اختارالقول الثاني غير المحقق الإيرواني (قدس سره) (3)، ونسب الثالث إلى بعضهم ومنهم أستاذ صاحب الجواهر(4)وذهب السيد الأستاذ (قدس سره) إلى القول الرابع(5).
وقد استدل للقول الأول بأمور:
الأول: بعموم دليل نفي الإكراه والتقية، فإنّه يشمل جميع المحرمات بلا فرق بين المحرمات الإلهية وغيرها و «التقية في كل شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه الله» .
الثاني: بعموم أدلة نفي الحرج، فإنّ ترك ما أكره عليه إلزام له بتحمل الضرر وهو حرج عليه بلا إشكال وأدلّة نفي الحرج تشمله.
الثالث: بقوله (علیه السلام): «إنما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية» (1)وهي تدل على أنّ حدّ التقية بلوغ الدم فما كان قبل ذلك فالتقية فيه جائزة مطلقاً وإن كان إضراراً بالغير.
الرابع: بما ورد من الروايات المتعددة الآمرة بإظهار الكفر وسب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) والتبري منهم (علیهم السلام) عند الإكراه أو التقية، ولا شك أنها أعظم الأعراض حرمة فإذا جاز النيل من عرض النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) - مثلاً - تقية أو إكراهاً فبالأولوية يجوز ذلك في أعراض سائر الناس.
وأما القول الثاني فقد استدل له أيضاً بأمور:
الأول: إنّ أدلة الإكراه والتقية إنما سيقت لنفي الضرر فكيف يجوز دفعه بالإضرار بالغير، وهل هو إلاّ دفع الضرر بالضرر؟! ولسان الأدلة قاصر عن الشمول لمثل هذا المورد.
الثاني: إنها إنما شرعت للامتنان على الأمة فالترخيص في الإضرار بالغير لدفع الضرر عن النفس مناف للامتنان فأي منة في دفع ضرر شخص بالإضرار بشخص آخر. وقد جعل الشيخ (قدس سره) (2)هذا الوجه عبارة أخرى عن الأول.
الثالث: إنّ الإضطرار والإكراه وردا في سياق واحد وحكمهما واحد، فكما لا يجوز دفع الاضطرار بالإضرار بالغير عرضاً كان أو مالاً حيثلا يجوز هتك أعراض الناس ونهب أموالهم إذا توقف حفظ عرضه أو ماله على ذلك، مثلاً إذا توقف حفظ فرسه عن السبع بتعريض فرس الغير إليه، فلا يجوز فكذلك الحال بالنسبة إلى الإكراه.
الرابع: بقوله (علیه السلام): «إنما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فلا تقية» .
والمراد أنّ للتقية حدّاً وهو بلوغ الدم فإذا بلغت ذلك الحدّ فلا تقية، وهكذا بالنسبة إلى العرض أو المال، فإنّ لكل منهما حدّاً وهو البلوغ إلى هتك العرض ونهب المال فإذا بلغت التقية إلى هتك العرض أو نهب المال فلا تقية، فالمستفاد من الرواية أمر كلي وهو أنّ التقية إنّما شرعت لحفظ الحدود من الدم والعرض والمال فإذا بلغت تلك الحدود فلا تقية.
وقد أجاب الشيخ (قدس سره) عن أدلة القول الثاني بأنّ التقية وإن شرعت لدفع الضرر - وهذا لا نزاع فيه - ولكن بمعنى دفع توجّه الضرر وحدود مقتضيه، لا بمعنى دفع الضرر المتوجه بعد حصول مقتضيه، فإذا توجّه الضرر إلى شخص بمعنى حصول المقتضي فلا يجب دفعه بالإضرار بنفسه أو بغيره بل لا يجوز في الجملة، فمثلاً لو أجبر المكلف على دفع مقدار من ماله وفرض أنّ نهب مال الغير يحفظ ماله فلا يجوز نهب مال الغير لرفع الضرر عن نفسه، وكذا لو أكره على نهب مال الغير فلا يجب تحمّل الضرر على نفسه بترك النهب لدفع الضرر المتوجّه إلى الغير(1).
ففي محل الكلام حيث إنّ الضرر متوجه ابتداء إلى الغير فلا يجب صرفه عن الغير بتحمله بنفسه، نعم لو تحمّل الضرر بنفسه ولم يوقع الضرر بالغير فهو وإن صرف الضرر عن الغير ووجهه إلى نفسه عرفاً إلاّ أن الشارع لم يوجب عليه ذلك، والامتنان بهذا المعنى على بعض الأمّة لا قبح فيه كما لو أراد ثالث الإضرار بالغير لم يجب على شخص آخر أن يتحمّل الضرر ويصرفه إلى نفسه، وعلى حدّ تعبير صاحب الجواهر أنه: ليس هذا الشخص إلاّ كالأجنبي الذي يستطيع رفع الظلم عن مؤمن بما يضرّ بحاله من مال أو نفس أو عرض، ولا يجب عليه تحمّل الضرر في رفع الإكراه مقدمة لتجنب ظلم الغير ضرورة معلومية سقوط وجوب
1) المكاسب: 58 الطبع القديم
المقدمة بالعسر والحرج والمشقة والضرر في سائر التكاليفالشرعية المطلقة فيسقط حينئذ وجوب ذيها فلا يجب عليه حينئذ نقل نفسه من موضوع الإكراه إلى موضوع الاختيار بما يضر بحاله ضرراً لا يتحمّل خصوصاً وقد صار بالإكراه كالآلة للمكره(1).
ومن ذلك يظهر الجواب عن الوجه الثالث فإنه فرق بين الاضطرار والإكراه إذ الاضطرار متوجه إلى نفسه أولاً فصرفه عن نفسه إلى الإضرار بغيره غير جائز، ولذلك تختص أدلة الاضطرار بالمحرمات فقط، نعم إذا خاف على نفسه جاز له التصرف في مال الغير وأكله بمقدار ما ترتفع به الضرورة، هذا مضافاً إلى أنّ أدلة الحرج هي الفارق بين المقامين إذ لا حرج في عدم ترخيص الشارع في دفع الضرر عن نفسه بالإضرار بغيره بخلاف المقام فإنه لو ألزم الشارع الإضرار بالنفس لدفع الضرر المتوجّه إلى الغير لكان فيه حرج قطعاً.
وأما الوجه الرابع فيمكن الجواب عنه بأن يقال: إنّ الرواية وإن كانت تدلّ على أن التقية إذا بلغت الدم ارتفع موضوعها وحينئذ فلا تقية، إلاّ أن التعدي عن الدم إلى العرض والمال لا يكون إلاّ بتنقيح المناط، وإحراز المناط في المقام مشكل، إذ لعلّ ارتفاع التقية هنا لخصوصية المورد لا مطلقاً بحيث تشمل العرض والمال، فلا دليل على وجوب هتك العرض وضياع المال لحفظ عرض الغير وماله.
هذا مضافاً إلى أنّ الحدود قد تختلف من حيث المرتبة ففي أحد الشخصين قد يكون عرضه وفي الآخر ماله وكذلك العكس، فدعوى أن المستفاد من الرواية أمر كلي وأنها لحفظ الحدود غير تامة، بل يمكن القول: إن المستفاد من الروايات هو جواز ارتكاب كلّ حرام ما لم يصل إلى الدم، وأن ما دون الدم تجوز فيه التقية وإن كان عرضاً أو مالاً، وذلك لأنّ الوارد بهذا المضمون ثلاث روايات:
1) جواهر الكلام 22 : 167 الطبعة السابعة
الأولى: صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية(1).
الثانية: موثقة أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لم تبق الأرض إلاّ وفيها منا عالم يعرف الحق من الباطل، وقال: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية، وايم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل إنما نتقي ولكانت التقية أحب إليكم من آبائكموأمهاتكم، ولو قد قام القائم ما احتاج إلى مساءلتكم عن ذلك ولأقام في كثير منكم من أهل النفاق حدّ الله(2).
الثالثة: مرسلة الصدوق في الهداية عن الصادق (علیه السلام) أنه قال: لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً، والتقية في كل شيء حتى يبلغ الدم فإذا بلغ الدم فلا تقية(3).
وصريح الروايات الثلاث أن الحدّ هو الدم كما أن الظاهر من الموثقة أنّ من لوازم النصرة ضياع الأموال وغيرها كالأعراض ما لم تصل إلى الدم، فالمستفاد هو شمول التقية لما عدا الدم، ولاسيما بدلالة الرواية الثالثة من أن التقية في كل شيء، وقد ورد هذا التعبير في روايات أخرى كما تقدم.
هذا ولكن مع ذلك جميع هذه الأجوبة قابلة للمناقشة:
أما الأول والثاني فيمكن المناقشة فيهما بما ذكره المحقق الإيرواني (قدس سره) (4)من أن الضرر لم يكن متعلقاً بالغير فقط بل بالجامع بينه وبين الغير، فإنّه لا يفرق بين قوله: خذ من فلان مائة دينار، فإن لم تأخذ فأت بها من مالك، وقوله: أنت مخير إما أن تأتي بمائة دينار من مال فلان أو من مالك والواقع واحد ولا عبرة
باختلاف اللفظ، فإنّ للمكره - بالكسر - إرادتين طوليتين إحداهما متعلقة بأخذ المال من الغير، والثانية أخذه من المكره - بالفتح - في صورة عدم أخذه من الغير، وحكم الشارع حينئذ بتحمله من دون الإضرار بالغير ليس حرجياً، ومنه يظهر الجواب عن الوجه الثالث.
هذا ولكن الظاهر صحة قول الشيخ وذلك: لأنه إذا صدق عنوان المكره - بالفتح - جاز له ارتكاب المحرمات لذلك - كما اعترف به المحقق الإيرواني(1)- فدليل الإكراه حينئذ يقدّم على الأدلة الأولية، ولاشكّ أن حرمة الإضرار بالغير من الأحكام الأولية فلا وجه للقول بالتفصيل بين تحمل الضرر وارتكاب الإضرار بالغير، أو ملاحظة النسبة بين الضرر المتوعد عليه وبين الإضرار بالغير، أو التفصيل بين كون الضررالمتوعد عليه محرماً وكونه مباحاً - كما هو رأي السيد الأستاذ (قدس سره) (2).
نعم الإشكال في عموم هذه الأدلة وأنها في نفسها هل تكون عامة بحيث تشمل جميع المحرمات أو تختص بالمحرمات الإلهية؟
وهذا إشكال آخر مغفول عنه في كلامه وكلام سيدنا الأستاذ (قدس سره) .
ومما يؤيد ما ذكرنا من صدق عنوان المكره - بالفتح - على هذا الشخص وأنه يسوغ له ارتكاب جميع المحرمات، فهم الأصحاب ذلك حيث أفتوا بجواز ما تلزمه الولاية من المحرمات من قبل الجائر إلاّ القتل. واستثناء القتل وعدم تعرّضهم لشيء آخر ظاهر في جواز التقية في جميع الموارد غير القتل، بل يظهر - أيضاً - من اختلافهم في إلحاق الجرح بالقتل وعدمه، حيث حكي عن شيخ الطائفة (قدس سره) (3)ذلك لإطلاق الدم عليه، وخالف جماعة في ذلك وقالوا: بأنّ المراد
من الدم هو القتل ولا يشمل الجرح وذهبوا إلى جواز ارتكاب جميع المحرمات وإن استدعى جرح الغير، نعم احتاط في مفتاح الكرامة(1)في الجرح وقال إذا كان الضرر المتوعد عليه مالاً فالاحتياط يقتضي تقديم الجرح.
والحاصل: أنّ الظاهر من إطلاق كلماتهم تسالمهم على جواز الإضرار بالغير عدا القتل سواء كان الضرر المتوعّد عليه محرّماً في نفسه أو مباحاً.
الأولى: إذا اقتضت التقية القتل، بمعنى أن الجائر أمر شخصاً بقتل شخص مؤمن، وتوعده بالقتل إن لم يفعل، فهل يجوز للمأمور الامتثال أم لا؟
المشهور هو عدم الجواز، وقد ادعي الإجماع عليه، كما في السرائر(2)والرياض(3)والمستند(4)وكشف اللثام(5)ومكاسب الشيخ(6)بل فيالجواهر دعوى الإجماع بقسميه(7).
وذهب السيد الأستاذ (قدس سره) إلى الجواز ولكن على نحو التخيير(8)وسيأتي بيانه ولم نقف - في حدود ما بحثنا - على قائل آخر يفتي بذلك إلاّ ما نسب إلى ابن الجنيد) من أنه إذا كان المأمور عبداً أو جاهلاً أو مكرهاً، حيث حكم بالقود على الآمر، والحبس على القاتل حتى الموت بعد التعزير والتكفير(9).
1) مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة 4 :116 منشورات مؤسسة آل البيت (علیهم السلام)
2) كتاب السرائر 2 : 25 مؤسسة النشر الإسلامي
3) رياض المسائل 2 : 501 الطبع القديم
4) مستند الشيعة 2 : 351 الطبع القديم
5) كشف اللثام 2 : 263 الطبع القديم
6) المكاسب المحرمة: 59 الطبع القديم
7) جواهر الكلام 22 : 169 الطبعة السابعة
8) مباني تكملة المنهاج 2 : 13 المطبعة العلمية قم 1396 ه-
9) كشف اللثام 2 : 264 الطبع القديم، ورياض المسائل 2 : 502 الطبع القديم
وقد استدل للمشهور بوجهين:
الأول: دعوى الإجماع كما تقدم.
الثاني: الروايات الخاصة الواردة في المقام:
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنما جعل التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية(1).
ومنها: موثقة أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لم تبق الأرض إلاّ وفيها منّا عالم يعرف الحق من الباطل، وقال: إنّما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية(2)... وغيرهما من الروايات.
والمستفاد منها: الدلالة على عدم جواز ارتكاب القتل حال التقية، لأنّ غاية التقية حقن الدم فإذا وصلت إلى الدم فلا تقية، وبعبارة أخرى: إنّ قوله (علیه السلام): فلا تقية، يحتمل أمرين:
الأول: أن تكون لا ناهية بمعنى أنّ التقية حرام نظير قوله تعالى: «فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ»(3)فالجملة إنشاء في صورة الإخبار، والدلالة على الحرمة حينئذ واضحة.
الثاني: أن تكون نافية بمعنى أنه لا مورد للتقية ولا حكم لها، فهي من قبيل نفي الحكم بنفي موضوعه، وحيث لا حكم في المقام فالمرجع هو الأدلة الأولية ومفادها إطلاق حرمة قتل المؤمن لتقية أو غيرها.
وببيان أوضح إنّ الروايات تدلّ على أن التقية إنما جعلت لحفظ الدمفإذا بلغ الدم فليس تقية إلاّ أن في المراد بالدم في الرواية احتمالات:
الأول: إنّ قوله: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم مطلق، أي سواء كان دم
نفس المأمور أو دم غيره، كما أنّ قوله: فإذا بلغ الدم، كذلك.
الثاني: أن يكون قوله: إنما جعل الدم أي دم نفسه لا مطلق الدم، وأنّ قوله: فإذا بلغ الدم، مقيد بدم الغير.
الثالث: أن يكون قوله: إنما جعلت التقية ليحقن الدم مطلق، أي دم نفسه أو غيره، وقوله: فإذا بلغ الدم أي دم غيره.
الرابع: عكس الثالث.
وهناك احتمالات أخرى مجموعها تسعة تشترك مع ما تقدم في الحكم.
وأظهر هذه الاحتمالات الثاني والثالث، وهما ما كان الصدر مقيداً بنفسه والذيل مقيداً بغيره، وما كان الصدر مطلقاً والذيل مقيداً بالغير، والجامع بين هذين الاحتمالين أن يكون الذيل مقيداً بالغير سواء كان الصدر مقيداً بنفسه أو مطلقاً، وأما بقية الاحتمالات فهي خلاف الظاهر، وإنما قلنا بأنهما الأظهر لوجهين:
الأول: إنه لا معنى للجعل بعد الوصول إلى الدم إذ لا موضع للتقية، فيكون الجعل لها عبثاً ولغواً، وذلك فيما إذا كان الذيل مطلقاً فإن هذا الاحتمال بعيد في نفسه للزوم اللغوية.
الثاني: إنّ المستفاد من نفس الرواية أنّ المراد هو حقن دم الغير فإن صحيحة محمد بن مسلم وإن جاء ذيلها مطلقاً غير مقيد بشيء إلاّ أن ذيل موثقة أبي حمزة جاء مقيداً بالتقية في قوله: فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية، يعني أن تكون التقية سبباً لإراقة دم الغير فحينئذ لا تقية، فتكون هذه الموثقة بياناً لتلك الصحيحة، ويكون المعنى إذا أوجبت التقية سفك دم الغير فلا جعل للتقية حينئذ ولا حكم، ولذا قلنا إن هذين الاحتمالين هما أظهر الاحتمالات وأما بقيتها فهي خلاف الظاهر كما ذكرنا، وبناء على هذا يكون دليل وجوب حفظ النفس لا إطلاق له في هذه الصورة ولا حكم مجعول، وحينئذ فإطلاقات حرمة قتل الغير
محكّمة، ولا تصل النوبة إلى التزاحم كما سيأتي قريباً.
وأما ما ذهب إليه السيد الأستاذ (قدس سره) فقد يستدل له بأن الإجماعات المدعاة في المسألة مدركية وليست كاشفة عن قول المعصوم فلا يمكن الاستناد إليها، وأمّا الروايات فالمستفاد منها وإن كان هو المعنى الثاني أي نفي الحكم بنفي موضوعه إلاّ أنه لا يمكن الرجوع إلى الإطلاقات الدالة على حرمة قتل الغير بمجرّدها، وذلك لدوران الأمر بين ارتكاب محرم وهوقتل النفس المحترمة، وبين ترك واجب وهو حفظ نفسه وعدم تعريضها للهلاك، فتدخل المسألة في باب التزاحم، وحيث لا ترجيح في البين فالحكم هو التخيير(1).
والذي يمكن استظهاره في المقام هو قوة ما ذهب إليه المشهور من أنّه لا يجوز قتل الغير مطلقاً، وذلك مضافاً إلى دعوى الإجماع، أنّ الحرمة يمكن استفادتها من نفس الروايات بغض النظر عن كون لا ناهية أو نافية، حيث إنّ لسان الروايات دال على أن جعل التقية وتشريعها إنما ليحقن بها الدم، فإذا لم يحقن بها فلا مشروعية لها حينئذ، فالأساس في تشريع التقية هو حفظ الدماء والتشريع إنما هو لهذه الحالة فإذا لم تكن التقية موجبة لحقن دم الغير فلا تقية وليست مجعولة وحينئذ فإطلاقات الحرمة محكّمة، وأما وجوب حفظ النفس فلا إطلاق لدليله حتى يقع التزاحم في المقام، وذلك لأنّ أدلة وجوب حفظ النفس وإن كانت مطلقة في نفسها ولكنها مقيدة بهذه الروايات، بمعنى أن مورد الروايات هو صورة عدم إراقة دم الغير، وأما في صورة إراقة دمه فلا تقية، وبعبارة أخرى: إن روايات التقية تدل على وجوب حفظ النفس ولكن إلى حدّ لا يبلغ الدم وإلاّ فلا تقية.
هذا وقد يقال في وجه جواز قتل الغير: إنّ الأمر يدور بين المباشرة
1) مباني تكملة المنهاج 2 : 13 المطبعة العلمية قم 1396 ه-
والتسبيب بمعنى: أنّ ترك التقية وعدمها سبب في إلقاء النفس في التهلكة وهو حرام، فإنّ الجائر يقتله لعدم امتثاله كما أنه إذا امتثل أمر الجائر وقتل الغير فقد ارتكب حراماً، والفرق بينهما أن الأول تسبيبيّ والثاني مباشري، والتسبيب هنا ليس عادياً ولا عقلياً لأنّه متعلق بإرادة الغير وهو الجائر فلا يصلح لأن يزاحم حرمة قتل النفس مباشرة.
وفيه: أنّ الواجب هو حفظ النفس بناءً على وجوبه استقلالاً، والتزاحم إنّما يقع بينه وبين حرمة قتل الغير، وكلاهما مباشري لا أنه يقع بين محرّمين أي حرمة إلقاء النفس في التهلكة، وحرمة إتلاف الغير.
هذا كلّه فيما إذا كان الحكم منوطاً بالتقية والإكراه، وأمّا إذا كان في غير هذا المورد كدوران الأمر بين حفظ النفس وبين قتل الغير من غير إكراه ولا تقية كما إذا كان في مخمصة مثلاً وعدم وجود طعام يكفي لكلا الشخصين، أو لجهات أخرى فهنا يقع التعارض بين إطلاق وجوب حفظ النفس وإطلاق حرمة قتل الغير، ونتيجته التزاحم فيقدم الأهم وإلاّفالتخيير، نعم يظهر من بعض الآيات والروايات الثناء على الإيثار ومدح المؤثرين على أنفسهم كما ذكر في قوله: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ»(1)كما ورد أنّ سبعة عطشوا في يوم أحد، فجيء بماء يكفي لأحدهم، فقال واحد منهم: ناول فلاناً، حتى طيف على سبعتهم وماتوا ولم يشرب أحد منهم، فأثنى الله سبحانه عليهم(2).
المسألة الثانية: هل الحكم يختص بالمؤمن أو يشمل المخالف أيضاً؟
فيه احتمالان، الأول: اختصاصه بالمؤمن، والثاني: شموله للمخالف ولا يبعد الأول لكونه هو المشهور، ولأنّ التقية - كما يظهر من بعض الروايات - من
مختصات المؤمن كما في موثقة عبد الله بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له(1).
ومنها: رواية محمد بن مروان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كان أبي (علیه السلام) يقول: وأي شيء أقرّ لعيني من التقية إنّ التقية جنّة المؤمن(2).
وأما المخالف فهو غير مشمول لها، مضافاً إلى ما يظهر من الروايات الأخرى من أن المخالف لا حرمة له إلاّ بالعرض، وبناء على ذلك فأحكام التقية تختص بالمؤمن دون المخالف.
المسألة الثالثة: إذا توقّف حفظ نفس الغير أو ماله أو عرضه على قبول الولاية أو ارتكاب الحرام فهل يجوز ذلك أم لا؟
أما بالنسبة إلى قبول الولاية فقد تقدم - مفصلاً - أنها من المستثنيات ولا بأس بقبولها لذلك، وأما بالنسبة إلى ارتكاب الحرام ففيه تفصيل بين حفظ نفس الغير وبين حفظ ماله أو عرضه.
فإذا كان حفظ نفس الغير متوقفاً على ارتكاب الحرام فالظاهر هو الوجوب، ولا خلاف في ذلك فإنّ المستفاد من مذاق الشارع أن نفس المؤمن عزيزة لا يوازيها شيء، فمقتضى القاعدة أنّ حفظ نفس المؤمن واجب وإن اقتضى ذلك ارتكاب الحرام.
ويؤيده: رواية الاحتجاج عن أمير المؤمنين (علیه السلام) في احتجاجه على بعض اليونان قال: وآمرك أن تصون دينك، وعلمنا الذي أودعناك، فلاتبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، ولا تفش سرّنا إلى من يشنّع علينا، وآمرك أن تستعمل التقية في دينك، فإنّ الله يقول: «لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً »وقد أذنت لكم في تفضيل اعداءنا إن ألجأك الخوف إليه، وفي إظهار البراءة إن حملك الوجل عليه وفي ترك الصلوات المكتوبات إن خشيت على حشاشة نفسك الآفات والعاهات، فإنّ تفضيلك أعدائنا عند خوفك لا ينفعهم ولا يضرّنا، وإنّ إظهارك براءتك منّا عند تقيتك لا يقدح فينا ولا ينقصنا، ولئن تبرأ منّا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها، ومالها الذي بها قيامها، وجاهها الذي به تمسكها، وتصون من عرف بذلك أولياءنا وإخواننا، فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك، وتنقطع به عن عمل في الدين، وصلاح إخوانك المؤمنين وإياك ثم إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها، فإنّك شائط بدمك ودماء إخوانك معرّض لنعمتك ونعمتهم للزوال، مذل لهم في أيدي أعداء دين الله، وقد أمرك الله بإعزازهم، فإنّك إن خالفت وصيّتي كان ضررك على إخوانك ونفسك أشدّ من ضرر الناصب لنا الكافر بنا(1).
ومحل الشاهد قوله: «وتصون من عرف بذلك أولياءنا وإخواننا» وقوله: «فإنّك شائط بدمك ودماء إخوانك» فإنّ هاتين الجملتين تدلاّن على وجوب حفظ نفس المؤمن وإن اقتضى ذلك إظهار البراءة وترك الصلاة وتفضيل الأعداء، مضافاً إلى التشديد على ملازمة التقية عند الخوف وأنّ ضرر المخالفة أشد من ضرر الناصب، فدلالة الرواية لا بأس بها إلاّ أنها من جهة السند غير تامة للإرسال.
والعمدة في المقام هي القاعدة المذكورة وهي تقتضي وجوب ارتكاب الحرام مطلقاً فيما لو توقف إنقاذ المؤمن من الخطر عليه.
هذا بالنسبة إلى حفظ نفس الغير، وأما بالنسبة إلى حفظ مال الغير أو
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر والنهي الحديث 11
عرضه أو جاهه فقد يقال بجواز ارتكاب الحرام إذا توقف الحفظ عليه ويتمسك على ذلك بوجهين:
الأول: الإطلاقات الواردة في التقية كقوله (علیه السلام): «... إنّ التقية جنة المؤمن» (1)وأن «التقية في كلّ ضرورة» (2)، وغير ذلك، وهي شاملةللعرض والمال، فتكون حاكمة على أدلة المحرمات.
الثاني: أنّ رواية الاحتجاج المتقدمة دالّة على ذلك فقوله: «وتصون من عرف بذلك أولياءنا وإخواننا» مطلق شامل للنفس والمال والعرض كما أنّ قوله: «وإيّاك ثم إيّاك أن تترك التقية التي أمرتك بها فإنّك شائط بدمك ودماء إخوانك معرض لنعمتك ونعمتهم للزوال، مذل لهم في أيدي أعداء دين الله، وقد أمرك الله بإعزازهم» صريح في الدلالة على ذلك، وعليه فيجوز ارتكاب الحرام وإن كان لحفظ مال الغير أو عرضه.
هذا ولكن كلا الوجهين قابلان للمناقشة:
أما الوجه الأول فالروايات وإن كانت مطلقة إلاّ أن إطلاقاتها منصرفة إلى نفس الإنسان لا إلى غيره، بمعنى أنّ الإنسان إذا خاف على نفسه أو ماله أو عرضه ساغ له ارتكاب الحرام إذا توقف حفظها على ذلك، وأما إذا كان ذلك لشخص آخر فلا، ويكفي في المقام عدم إحراز الإطلاق.
وأما الوجه الثاني فالدلالة وإن كانت تامة ولا بأس بها إلاّ أن الرواية من جهة السند ضعيفة بالإرسال كما تقدم، فلا يمكن الاعتماد عليها، وبناء على عدم تمامية كلا الوجهين فيقتصر على ما تقتضيه القاعدة، وهو حفظ نفس الغير فقط دون ماله أو عرضه، فإذا توقف حفظهما على الإتيان بالحرام فلا يجوز، نعم ورد
في بعض الروايات جواز ارتكاب الكذب لحفظ مال الغير وعرضه إلاّ أنه مورد خاص والقاعدة تقتضي ما ذكرناه.
المسألة الرابعة: هل أن الإضرار بالغير عن تقية يستتبع الضمان أم لا؟
فيه وجوه بل أقوال:
الأول: الحكم بلزوم الضمان مطلقاً وإليه ذهب السيد الأستاذ R .
الثاني: الحكم بعدم الضمان مطلقاً، وإليه ذهب في عمدة المطالب.
الثالث: التفصيل بين الانحصار وعدمه، فإن انحصر الإضرار بالغير بالمكره - بالفتح - وجب الضمان، وإن لم ينحصر به بل الإضرار واقع لا محالة ولو من شخص آخر فلا يجب، وإليه ذهب في منتقى الأصول.
أما القول الأول فيمكن الاستدلال له بأنّ الضمان هو مقتضى القاعدة، فإن رفع الضمان لا يخلو إمّا أن يكون بحديث الرفع الشامل للاستكراه، فيرفع الحكم سواء كان تكليفياً أو وضعياً وهو حاكم على الأدلة الأولية ومنها قاعدة الإتلاف، وإما أن يكون رفع الضمان بمقتضى قاعدة لا ضرر حيث إنّ الحكم بالضمان ضرر على المتلف.
وكلا الأمرين غير تامين:أما الأول فلأنّ حديث الرفع وارد في مقام الامتنان على العباد فرفع الضمان وإن كان امتناناً على المكره - بالفتح - إلاّ أنه ليس امتناناً على المالك، ولا معنى لاختصاص الامتنان ببعض دون بعض، وعليه فحديث الرفع غير شامل للمقام نظير الاضطرار إلى إتلاف مال الغير فإنه لابد من الضمان ولا يقال إنه مرفوع بحديث الرفع.
وأما الثاني فلأنّ قاعدة لا ضرر وإن كانت واردة في مقام الامتنان أيضاً إلاّ أن صدرها يعارض ذيلها في هذا المورد، ومع تساقطهما يرجع إلى القاعدة وهي تقتضي الضمان.
والحاصل: إن ما يرجع إلى حقوق الناس مما يترتب عليه الضمان فضمانه لا
يسقط، نعم ما يرجع إلى حقوق الله أو حقوق الناس ممّا لا يترتب عليه الضمان وإن كان موجباً للعقوبة - مثلاً - إلاّ أنّه فهو مرفوع(1).
وأما القول الثاني: فقد استدل له بوجهين:
الأول: بعموم حديث الرفع - كما في عمدة المطالب - الشامل للأحكام التكليفية والوضعية إلاّ ما كان مجعولاً على نفس الموضوعات، كالحكم في الخطأ والنسيان والإكراه والاضطرار فلا يكون مرفوعاً، وهو حاكم على جميع الأحكام الأولية ومنها قاعدة من أتلف، ولا يعتبر كونه امتناناً على الجميع بل المستفاد من الحديث هو اختصاص الامتنان بالفرد المكره - بالفتح - وإن كان خلاف الامتنان بالنسبة إلى الآخرين، هذا في حال التقية، وأما إذا كان المدرك وجوب الإتلاف لأجل حفظ ما هو الأهم كما إذا دار الأمر بين الإضرار بأحد شخصين أحدهما في نفسه أو عرضه والآخر في ماله فحينئذ يجب الإضرار بالثاني دون الأول، ووجوب الإضرار بمال الغير أو جوازه لا ينافي الضمان بمعنى أنه لا تنافي بين رفع الحرمة التكليفية وبقاء الحكم الوضعي، أي يجوز التصرف بل يجب لكن مع الضمان، إذ لا معارض لقاعدة الضمان حينئذ(2).
الثاني: ما عن المحقق النائيني - في مسألة أخذ المال من السلطان الجائر أو كل ظالم مع العلم بكونه غصباً - وقد أفاد بما حاصله: أنه إذا أخذ مال الغير عن إكراه أو تقية فلا يوجب الضمان لأنّ يده كالعدموتشمله الأدلة الأولية، وإن كان يظهر من جملة من الأعلام كالشيخ وتبعه الطباطبائي في حاشيته أنه لا ضمان مع قصد الرد وأمّا مع عدمه ففيه الضمان لأنه لم يضطر إلى ذلك بل اضطر إلى الأخذ فقط(3)،
بل يمكن استفادة الحكم من كلام الشيخ (قدس سره) وغيره من الأعلام، حيث إنّهم قيدوا الضمان بصورة التملك وعدم قصد الردّ لا مطلقاً، هذا كله بناء على التعدي عن حكمهم بعدم الضمان بالأخذ وشموله للإتلاف أيضاً، وإلاّ فلا يكون وجهاً لعدم الضمان.
وأما القول الثالث فقد استدل له بأنه قد يقال بارتفاع الضمان عن المكره - بالفتح - لأنّ تشريع الضمان مستلزم لارتداعه عن الإتلاف، والارتداع هنا ضرري لأنه مخالفة للجائر المتوعّد، وهو مدفوع بأن رفع الضمان أيضاً يستلزم الضرر على الغير، وحينئذ لا تجري قاعدة نفي الضرر، فيتعين الالتزام بالضمان أخذاً بعموم دليله، هذا في صورة الانحصار، وأما في صورة عدم الانحصار بالمكره - بالفتح - فإن الضرر واقع على كل حال منه أو من غيره ممن لا يكون بصدد التعويض كنفس الوالي فلا يكون تركه مستلزماً لرفع الضرر عن المالك، فقد يقوم بالهدم - هدم دار الغير - من لا دين له ولا يهتم بدليل الضمان، وحينئذ لا يكون جعل الضمان مستلزماً لعدم الضرر على المالك، وإلزام المكره - بالفتح - بالضمان ضرري عليه فتكون قاعدة الضرر مختصة به فقط فيرتفع الضمان(1).
هذا والظاهر هو رجحان القول الأول، وهو الحكم بالضمان مطلقاً - ولكن من باب الاحتياط - تمسكاً بالأدلة الأولية من قاعدة الإتلاف، أو قاعدة اليد، أو قاعدة احترام مال المسلم، وأنّ حديث الرفع لا يشمل مثل هذا المورد، لأنّ التمسك به للحكم بعدم الضمان خلاف الامتنان على المالك مع أنه وارد في مقام الامتنان على الأمة، وهكذا الحال بالنسبة إلى قاعدة الضرر فإنها غير شاملة للمقام للحكم بالتساقط كما تقدم، مضافاً إلى أنّ الضمان في نفسه حكم ضرري كالجهاد والخمس والزكاة، فدليل لا ضرر قاصر عن الشمول لهذه الموارد.
1) منتقى الأصول 5 : 461 الطبعة الأولى
وأما الوجه الثاني المتقدم فيمكن التفريق فيه بين الإتلاف والإضرار بالغير، وبين مجرد الأخذ فيقال بأن الثاني لا يوجب الضمان بل الأخذبقصد الردّ إلى مالكه يصيّره أمانة شرعية فلا يستلزم الضمان، وهذا بخلاف الإتلاف والإضرار بالغير فإنه يوجب الضمان ابتداءً على المتلف وإن كان استقراره على المكره - بالكسر - وبذلك يظهر ما في القول الثالث.
هذا مع أنّ للمناقشة في هذه الأدلة مجالاً، أما في قاعدة الإتلاف فلأنّها قاعدة متصيدة من الموارد الجزئية، أو أنها مستفادة من السيرة كذلك، ولم ترد في الروايات بهذا اللفظ، وعلى كلا التقديرين فهي دليل لبّي لا إطلاق له حتى يتمسك به في المقام، وأما قاعدة اليد فهي - مع الغض عن سندها - ظاهرة في اليد العدوانية ويد المكره - بالفتح - ليست كذلك بل قد تكون واجبة كما إذا كان في الخوف على النفس أو العرض، وأما في قاعدة احترام مال المسلم وأنّ ماله كدمه ولا يحل مال امرىء مسلم إلاّ عن طيب نفسه، فلاحتمال اختصاص الحكم بالحرمة التكليفية دون الوضعية فلا تشمل الضمان، وعلى فرض الشمول فالقدر المتيقن منها هو ما إذا كانت يده حراماً تكليفاً فتحرم وضعاً، وأما إذا لم تكن كذلك - كما نحن فيه - فدلالتها على الحكم بالضمان ليست بواضحة.
وبناء على عدم تمامية الأدلة الأولية فالمرجع هو البراءة عن الضمان والمسألة بحاجة إلى التأمل ولعلّ في ما يأتي بعض ما ينفع في المقام.
الصورة الثالثة: إذا كان الأمر دائراً بين ضررين على شخص واحد.
ولهذه الصورة ثلاثة أقسام: لأنه تارة يكون بين ضررين مباحين - أي يسوغ - للمكره - بالفتح ارتكابهما تقية - كما إذا كان الضرران ماليين، وحينئذ يتخيّر المكره - بالفتح - في ارتكاب أحدهما إذا كانا متساويين وإلاّ وجب اختيار أخفهما ضرراً على الغير، لأنّ موضوع الإكراه هو الحق المشترك، وأمّا الزائد فلا
إكراه فيه، ولو ارتكبه كان تعدّياً محرماً وهو يوجب الضمان، وتارة يكون أحدهما حراماً دون الآخر كما إذا كان أحدهما في المال والآخر في العرض، ولا ينبغي الإشكال بلزوم ارتكاب الضرر المالي دون الضرر العرضي، وتارة يكون الضرران محرّمين فإن كان أحدهما أشدّ حرمة من الآخر كما إذا دار الأمر بين سبّ مؤمن أو ضربه، وبين هتك حرمة أهله فلابدّ من اختيار الأخف منهما وإلاّ فالتخيير.
الصورة الرابعة: ما إذا كان الأمر دائراً بين الإضرار بشخصين كما إذا أكره على إيقاع الضرر بزيد أو بعمرو ويأتي فيها ما تقدم من الأنحاء الثلاثة في الصورة السابقة، ولا كلام في عدم جواز ارتكاب الحرام مع إمكان ارتكاب المباح، وإنّما الكلام فيما إذا كان كلا الضررين مباحين،كما إذا كان الضرر مالياً بالنسبة إلى كلا الشخصين فهل يجب ارتكاب أقلّ الضررين وأخفهما أو لا؟ فيه وجوه:
الأول: لزوم ذلك، ومع التساوي فالمرجع هو العمومات والأصول، ومع عدمهما فالمرجع هو القرعة وإليه ذهب شيخنا الأنصاري(قدس سره) وتبعه المحقق النائيني(قدس سره) والسيد الأستاذ(قدس سره) .
الثاني: أنه من الأمر المشكل فالمرجع هو القرعة ابتداء.
الثالث: التخيير.
استدل للقول الأول بوجوه:
أحدها: ما عن الشيخ الأنصاري (قدس سره) بأنّ مقتصى نفي الضرر عن العباد في مقام الامتنان، عدم الرضا بحكم يكون ضرره أكثر من ضرر الحكم الآخر، لأن العباد كلهم متساوون في نظر الشارع، بل بمنزلة عبد واحد فإلقاء الشارع أحد الشخصين في الضرر بتشريع الحكم الضرري فيما نحن فيه نظير لزوم الإضرار بأحد الشخصين لمصلحته، فكما يؤخذ فيه بالأقل كذلك فيما نحن فيه، ومع
التساوي فالرجوع إلى العمومات الأخر ومع عدمها فالقرعة، لكن مقتضى هذا ملاحظة الضررين في الشخصين المختلفين باختلاف الخصوصيات الموجودة في كل منهما من حيث المقدار ومن حيث الشخص، فقد يدور الأمر بين ضرر درهم وضرر دينار مع كون ضرر الدرهم أعظم بالنسبة إلى صاحبه من ضرر الدينار بالنسبة إلى صاحبه، وقد يعكس حال الشخصين في وقت آخر(1).
وهذا الوجه قابل للمناقشة وذلك: لأنّ مجرد عدم شمول حديث لا ضرر لكل من الشخصين للتعارض لا يوجب هذا الحكم، وهو الأخذ بالأقل وتنزيل المقام منزلة الضررين لشخص واحد وإعمال قواعد التزاحم، فما أفاده ! لا ينهض بما حكم به فإنه بهذا المقدار ناقص كما هو واضح.
ثانيها: ما يظهر من المحقق النائيني(2)والسيد الأستاذ(3)(قدس سره) وحاصله: أنه بعد عدم شمول قاعدة لا ضرر لمثل المورد فلابدّ من الأخذ بأخف الضررين، ومع عدم المرجح يحكم بالتخيير، إذ المورد من موارد تزاحم الحقين لا من موارد التعارض كي يحكم بالتساقط والرجوع إلى سائرالقواعد، وهذا نظير إنقاذ أحد الغريقين حيث إنّ المكلف لا يتمكن من إنقاذهما معاً فلابدّ من اختيار الأهم منهما وإلاّ فالحكم هو التخيير.
وهذا الوجه يمكن أن يناقش فيه بأن المقام ليس من موارد تزاحم الحقين في مقام الامتثال، بل هو من موارد رفع أحد الحقين، كما أنه ليس في المقام حكمان بل حكم واحد، فإنّ وجوب حفظ مال الشخصين غير ثابت على المكره - بالفتح - نعم يحرم التسلّط على مالهما وقد أسقط أحدهما عنه، فيجوز له إتلاف أحد المالين، والمفروض أنه قادر على الامتثال فتأمّل.
ثالثها: أنّ جواز ارتكاب الأقل هو القدر المتيقن من دليل الإكراه، إما من جهة دوران الأمر بين التعيين والتخيير فإنّ الأقل جائز على كل حال أي سواء كان له عدل آخر فيتخير بينهما أو لم يكن فيتعين ارتكابه، وإما من جهة دوران الأمر بين الأقل والأكثر فإنّ الأقل قدر متيقن بدليل الإكراه وأمّا الأكثر فمشكوك فيه، وحينئذ يتعين ارتكاب أقل الضررين.
وهذا الوجه قابل للمناقشة أيضاً في كلا وجهيه.
أما بالنسبة إلى دوران الأمر بين التعيين والتخيير فلا يجري في المقام، وذلك لأنّ الدوران - كما ذكر في محلّه - على ثلاثة أنحاء فتارة يكون في الحجية كدوران الأمر بين حجية فتوى الأعلم أو الأعم ولا إشكال - في هذا القسم - في الحكم بالتعيين لأنّ الشك في الحجية يساوق عدمها، وتارة يكون في مقام الامتثال كما إذا دار الأمر بين إنقاذ أحد الغريقين واحتمل أهمية أحدهما فلابدّ حينئذ من الأخذ بالطرف المحتمل الأهمية ضرورة أنّ الإتيان به يوجب القطع بالامتثال والأمن من العقاب لأنّ إنقاذه هو الوظيفة إما تعينياً أو تخييراً بخلاف العدل الآخر فإنه لا يوجب القطع بالامتثال واليقين بالبراءة، وتارة يكون الدوران في مقام الجعل عند الشك في كيفيته وأنه هل تعلّق بفرد خاص، أو بالجامع الذي يمكن تحققه في فرد ما بلا خصوصية، كما إذا شك في أنّ كفارة الإفطار العمدي في شهر رمضان هل تعلق بصيام شهرين متتابعين بخصوصه، أو أنه تعلّق بالجامع بين الصيام والإطعام، ومرجعه إلى الشك في إطلاق التكليف وتقييده، والأصل عدم التقييد لأنه كلفة زائدة مدفوعة بأصالة البراءة، وما نحن فيه من هذا القبيل فإنّ المجعول هنا حكم واحد وهو جواز الإضرار بمال الغير ولكن لا ندري هل قيّد بالأقل أو لا؟ والمرجع حينئذ هو البراءة لأنّ التعيين أمر زائد مشكوك فيه فيدفع بأصالة البراءة.
وليس المقام من باب جعل حكمين ليقع التزاحم بينهما في الامتثال كما تقدم.وأما بالنسبة إلى دوران الأمر بين الأقل والأكثر فالمناقشة واضحة، وذلك لأنّهما من المتباينين فإنّ موضوع أحدهما غير موضوع الآخر، وتنزيلهما منزلة موضوع واحد والقول بأن جميع العباد بمنزلة عبد واحد - كما تقدم عن الشيخ - إنما هو مجرّد استحسان لم يقم عليه دليل.
فظهر أنّ ما ذكر من الوجوه دليلاً على اللزوم غير تام.
وأما القول الثاني فقد استدل له بما ورد من الروايات الدالة على أنّ القرعة لكل أمر مشكل أو مجهول، ومن ذلك معتبرة محمد بن حكيم قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن شيء؟ فقال لي: كل مجهول ففيه القرعة، قلت له: إنّ القرعة تخطىء وتصيب! قال: كلّما حكم الله به فليس بمخطىء(1).
ومحل الشاهد قوله: «كل مجهول ففيه القرعة» ودلالتها واضحة كما أنّ الرواية من حيث السند معتبرة، فإنّ طريق الصدوق إلى محمد بن حكيم صحيح(2).
وأما نفس محمد بن حكيم فهو وإن لم يرد فيه توثيق صريح إلاّ أنه يمكن الحكم بوثاقته كما قررناه في محلّه من أنّ من علامات التوثيق رواية أحد المشايخ الثلاثة عن الشخص أو وقوعه في أسناد نوادر الحكمة ما لم يستثن(3)وقد روى ابن أبي عمير عن محمد بن حكيم(4)كما أنّه ورد في أسناد كتاب نوادر الحكمة ولم يستثنه ابن الوليد(5)مضافاً إلى ما أورده الكشي(6)من الروايات في مدحه، وما
1) وسائل الشيعة 18 باب 13 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى الحديث 11
2) مشيخة الفقيه ص 92 دار التعارف للمطبوعات
3) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 133 الطبعة الأولى
4) معجم رجال الحديث 17 : 38 الطبعة الخامسة
5) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 144 الطبعة الأولى
6) رجال الكشي 2 : 746 مؤسسة آل البيت (علیهم السلام)
ورد في بعض النسخ من أنه محمد بن حكم فهو تصحيف.
وهناك كثير من الروايات الواردة في هذا المعنى حتى أنه ادعي فيها التواتر.
ولكن الظاهر من هذه القاعدة أنها مختصة بالشبهات الموضوعية ولا تشمل غيرها، مضافاً إلى احتمال أن يكون موردها المجهول الواقعي الذي لا تجري فيه قاعدة من القواعد الظاهرية كما استظهره السيد الأستاذ(قدس سره) (1)، وعليه فالتمسك بالقرعة في المقام فيه ما لا يخفى، فمقتضى القاعدة هو الحكم بالتخيير.
لكنّ الظاهر هو رجحان القول الأول وهو الأخذ بالأقل مطلقاً سواء كان في الأعراض أو في الأموال، أمّا بالنسبة إلى الأعراض فحيث إن عرض المؤمن واجب الحفظ ففي المقام تكليفان ولا يتمكن المكلف من امتثالهما معاً فيرتفع أحدهما بدليل الإكراه فلابدّ من ارتكاب الأقل كما تقدم، وعلى فرض التساوي - حيث إنّ اختيار أحدهما وتطبيق الجامع عليه لا إكراه فيه بل الإكراه إنما تعلّق بالجامع بينهما - فالاحتياط يقتضي تعيينه بالقرعة.
وأما بالنسبة إلى الأموال فالظاهر أيضاً أنه لابدّ من الاقتصار على الأقل - كماً وكيفاً - من جهة تكليف نفس المكره - بالفتح - حيث إنّ إكراهه بالنسبة إلى الأخفّ أو الأقل قطعي، وأما بالنسبة إلى الأشد أو الأكثر فمورد للشك، ولا يصدق الإكراه فيه.
وبعبارة أخرى: إنّ الضررين وإن كانا مختلفين من جهة الموضوع إلاّ أنّهما ليسا كذلك من جهة المتعلق وهو المال، فلابدّ من الاقتصار على المقدار الذي يندفع به الإكراه وهو الأقل إذ الضرورات تقدر بقدرها، ولاسيما بناء على أنّ الحرمة تنحل بانحلال المتعلّق كما أنها تنحل بانحلال الموضوع أيضاً.
والحاصل: أنّ الإضرار بمال أي منهما حرام، إلاّ أنّ دليل الإكراه رفع
1) مصباح الأصول 3 : 343 مطبعة النجف 1377 ه-
الأقل منهما، ومع التساوي فالحكم فيه ما تقدم في الأعراض.
هذا إذا لم يكن أحدهما راضياً بإيقاع الضرر بماله وإلاّ فيتعين دون الآخر.
إذا توقف عدم الإضرار بشخص على الإضرار بشخص آخر في مورد الإكراه أو الاضطرار ففيه تفصيل: لأنّ الضرر تارة يكون نفسياً والظاهر جوازه بل وجوبه لأهميّة حفظ نفس المؤمن فإنه لا يوازيه شيء، وتارة يكون الضرر مالياً أو عرضياً فهل يجوز دفعه بالإضرار بالآخر إن كان أقل أو لا يجوز مطلقاً؟ والظاهر أن دفع الضرر المتوجّه إلى شخص آخر يحتاج إلى دليل، ولا دليل في المقام، ومقتضى القاعدةهو عدم الجواز مطلقاً.
هذا كله فيما إذا كان الضرر من جهة الإكراه وأما إذا لم يكن كذلك كما إذا أدخلت الدابة رأسها في قدر شخص آخر ولم يمكن التخليص إلاّ بكسر القدر أو ذبح الدابة فهاهنا أربع صور: الأولى: أن يكون بفعل أحد المالكين. الثانية: أن يكون بفعلهما معاً.
الثالثة: أن يكون بفعل شخص أجنبي. الرابعة: أن لا يكون مستنداً إلى فعل شخص.
وبيان حكم كل صورة منها موكول إلى محله، فهي خارجة عن محل الكلام والداعي لذكرها هنا هو استيعاب الأقسام والصور.
الصورة الخامسة: ما إذا كان الضرر دائراً بين نفسه وبين شخص آخر، ولهذه الصورة ثلاثة أقسام أيضاً، فتارة يكون الضرر بحسب الاقتضاء والطبع متوجّهاً إلى الغير كما إذا أكرهه الجائر على أخذ مال من الغير وإلاّ أخذه من نفسه،
وتارة يكون الضرر متوجهاً إلى نفسه إلاّ أنه يتمكن من توجيهه إلى الغير كما إذا اتّهم بأنه شيعي وخاف من وقوع الضرر على نفسه فاتّهم شخصاً آخر بذلك لدفع الضرر عن نفسه، وتارة يكون الضرران في عرض واحد كما إذا أكره على دفع مقدار من المال إمّا من ماله أو من مال الغير.
أما الأول: وهو أن يكون الضرر متوجهاً إلى الغير بحسب الطبع فهل يجوز الإضرار به مطلقاً وإن كان الضرر لو وقع على المكره - بالفتح - أقل؟ أو يجب تحمل الضرر عن الغير ولا يجوز الإضرار بالغير مطلقاً؟ أو يفصل بين المباح والحرام؟ فيه وجوه، بل أقوال وقد تقدمت، والمشهور هو القول الأول كما عن الشيخ الأنصاري والمحقق النائيني، وهو جواز الإضرار مطلقاً، وذكرنا أنّ السيد الأستاذ ذهب إلى القول بالتفصيل، وقلنا إنّ الأقوى هو قول المشهور فلا يجب على المكره - بالفتح - أن يتحمل الضرر مطلقاً إلاّ إذا كان ضرر الغير نفسياً فيجب.
وأما الثاني وهو ما إذا كان الضرر متوجهاً إلى المكره - بالفتح - إلاّ أنه يتمكن من توجيهه إلى غيره ليدفع الضرر عن نفسه، وقد تقدم مثاله في الإكراه، أما في غير الإكراه فكما إذا وقع السيل على داره ويمكنه توجيه الماء إلى دار جاره، فهل يجوز صرف الضرر عن النفس بإيقاعه بالغير؟
فيه قولان:الأول: عدم الجواز وهو مذهب المشهور.
الثاني: الجواز - كما هو محتمل صاحب الكفاية - مقيداً بكون الضرر الواقع على الغير أقل.
وصرح في منتقى الأصول بالجواز مع الحكم بالضمان، ومثله في عمدة المطالب.
أما القول الأول فقد استدل له بأنّ مقتضى الأدلة الأولية حرمة الإضرار
بالغير وليس في المقام دليل حاكم عليه، لأنّ الدليل الحاكم لا يخلو إما أن يكون دليل الإكراه، وإما أن يكون دليل لا ضرر وكلاهما لا يجريان في المقام.
أما عدم جريان دليل الإكراه فلأنّ متعلق الإكراه مال نفسه لا مال الغير فلا يشمل ما نحن فيه، مضافاً إلى أنه وارد في مقام الامتنان على الأمة لا على نفس المكره - بالفتح - فقط.
وأما عدم جريان دليل لا ضرر فلأنّ جريانه بالنسبة إلى نفسه معارض بجريانه في حق الغير، ومقتضى ذلك التساقط مع أنه امتناني.
والحاصل: أنه لا دليل على جواز الإضرار بالغير وإن كان ضرره أقل من ضرر نفسه كما هو مقتضى القاعدة.
وأما القول الثاني فقد استدل له بوجوه ثلاثة:
الأول: ما ذكره صاحب الكفاية - حيث احتمل الجواز - فقال: نعم لو كان الضرر متوجهاً إليه ليس له دفعه عن نفسه بإيراده على الآخر، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ نفي الضرر وإن كان للمنّة إلاّ أنه بلحاظ نوع الأمة، واختيار الأقل بلحاظ النوع منّة، فتأمل(1).
الثاني: ما ذكر في منتقى الأصول تصريحاً بالجواز - حيث قال: والذي نراه إنّ المورد ليس من موارد التعارض (أي بين الضررين لتشمله قاعدة لا ضرر)، فإنّ مورد التعارض ما إذا كان لدينا حكمان متنافيان يترتب على كل منهما الضرر بحيث لا يمكن تطبيق القاعدة بالنسبة إليهما كمورد إدخال الدابة رأسها في القدر ... بل ليس هنا إلا حكم واحد وهو حرمة توجيه السيل إلى دار الغير من جهة أنه إتلاف لماله وإضرار به.
والذي نلتزم به في هذا المورد بمقتضى الصناعة هو جواز توجيه السيل إلى
1) كفاية الأصول: 435 منشورات جامعة المدرسين
دار الغير مع ثبوت الضمان عليه، بيان ذلك: إنّ حرمة الإتلاف أو إضرار الغير ضررية على الشخص، فترتفع بالقاعدة فيثبت هاهنا جواز توجيه السيل، نعم قد يقال: إنّ حرمة الإتلاف وإن كانت ضررية، إلاّ أن رفع الحرمة يستلزم الضرر على الغير بإتلاف ماله ...
ولكن نقول: إنّ المفروض أنّ ضرر الغير المترتب على رفع الحرمة متدارك بالضمان، والتدارك يرفع صدق الضرر ...(1).
الثالث: ما في عمدة المطالب حيث قال: (إنه) بعد فرض عدم إمكان الأخذ بقاعدة لا ضرر هل يمكن الأخذ بقاعدة رفع الاضطرار إذا صدق أنه مضطر إليه؟ ربما يقال - كما في كلام الشيخ (قدس سره) - : إنه خلاف الامتنان على جنس الأمة، والجواب عن هذه الشبهة قد ظهر مما ذكرنا آنفاً، فمقتضى إطلاق الحديث أنه لا مانع عن الأخذ بها، ولو فرض أنّ الغير أيضاً مضطر إلى الإضرار إلى من فرض اضطراره نلتزم بشمول القاعدة إياه أيضاً، ولا يتوجه إشكال، فإنّ دليل رفع الاضطرار يشمل كليهما، فكل من الطرفين له أن يتصرف في مال الآخر لأجل الاضطرار وتشملهما القاعدة، فمقتضى الصناعة هو الجواز بمقتضى قاعدة نفي الاضطرار إلاّ أن يقوم إجماع تعبدي على عدم الجواز(2).
والظاهر هو ما عليه المشهور من عدم جواز الاضرار بالغير، وحرمة إتلاف ماله، وذلك لعدم شمول ما استدل به على الجواز للمقام.
أما عدم شمول دليل الإكراه فكما تقدم من أنّ الإضرار بالغير ليس مورد الإكراه، بل مورده هو مال نفس المكره - بالفتح - مضافاً إلى أنه حكم امتناني على جميع الأمة.
وأما عدم شمول قاعدة الضرر فمضافاً إلى أنها حكم امتناني، أن نفي الضرر عن نفسه معارض بنفي الضرر عن الغير فلا تجري فيما نحن فيه.
وأما عدم شمول قاعدة الاضطرار فلأنّه أولاً: إن معنى الاضطرار هو الضرورة الشديدة التي لا محيص عنها إلاّ بارتكاب الحرام كما ورد في الآيات الشريفة كقوله تعالى: «فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ»(1)وقوله: «فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَغَفُورٌ رَحِيمٌ»(2).
وثانياً: إن ما نحن فيه هو ما إذا لم يكن مضطراً للإضرار بالغير بمعنى أنّ متعلق الإضرار هو مال نفسه لا مال غيره وإن أمكنه صرف الضرر عن نفسه وإيقاعه بغيره، ومجرد الإمكان لا يسوّغ إيقاع الضرر بالغير، نظير من اضطرّ إلى علاج نفسه أو ولده لبيع داره فإن بيع الدار وإن كان طريقاً منحصراً للعلاج لكنه يقع منه بالاختيار، نعم إذا كان هناك خوف على تلف النفس فهذا أمر آخر، وهو خارج عن محل الكلام.
وبعبارة أخرى: إنّ المكره - بالفتح - مضطر إلى إعطاء ماله لا مال الغير، ويريد بإعطاء مال الغير دفع الاضطرار عن نفسه، فلا يكون مضطراً إلى الإعطاء من مال الغير ليشمله دليل الاضطرار.
وما ذكر من القول بأنّ الإعطاء من مال الغير مع الضمان لا يصدق عليه الضرار حتى يقع التعارض فيبقى ضرر نفسه وحرمة التصرف في مال الغير مرفوعة بقاعدة لا ضرر - كما في منتقى الأصول - لا يمكن المساعدة عليه بوجه وذلك: أولاً كيف لا يصدق عنوان الضرر مع التدارك خصوصاً إذا كان الضمان بالقيمة فإن فوات العين وصفاتها ضرر بلا إشكال.
وثانياً: إنّ لازم ذلك جواز التصرف في أموال الناس مهما بلغت مع الضمان إذا كانت حرمة التصرف تستوجب الضرر ولو كان الضرر يسيراً سواء كان بإكراه الغير أو عدمه، وهذا مما يستلزم الفقه الجديد وإن ورد في كلمات بعض وهو كما ترى.
وثالثاً: إنّ هذا ينافي ما اختاره - في مسألة ذكرها بعد ذلك - من أنه لو أكره على أمر ضرري متوجه إليه كإعطاء عشرة دنانير وتوعد على ترك الإعطاء بالضرب، وكان يتمكن من دفع الضرر عن نفسه بأخذ عشرة دنانير من الغير بقوله: فلا وجه للالتزام بجواز نهب مال الغير لدفع الضرر عن نفسه بإضرار الغير وهو واضح(1).
مع أن المسألتين من واد واحد، ولذا جعلهما السيد الأستاذ (قدس سره) في المصباح صورة واحدة(2)، وذلك لعدم الفرق بين الضرر المتوجه إلى الشخص أن يكون منشؤه المكره - بالكسر - أو غيره فإذا أمكن دفعهبالإضرار بالغير فالحكم فيهما سواء.
وأما الثالث وهو ما إذا كان الضرران في عرض واحد فإن كان أحدهما نفسياً فلا إشكال في تقديمه على الآخر مطلقاً، وهكذا إذا كان أحدهما عرضياً والآخر مالياً، وأما إذا كانا ماليين ففيه وجوه بل أقوال:
الأول: عدم جواز الإضرار بالغير بل يجب على المكره - بالفتح - أن يتحمل الضرر بنفسه، وهو الظاهر من كلام صاحب الجواهر (قدس سره) وغيره واختاره السيد الأستاذ (قدس سره) .
الثاني: الجواز وهو الظاهر من كلام الشيخ في مسألة ما إذا كان تصرفه في
ملكه موجباً لتضرر جاره وإن لم يتصرف وقع الضرر عليه نفسه، فإنه حكم بجواز التصرف وإن استلزم ضرر الجار(1)، كما أنه أظهر الوجهين من كلام صاحب الكفاية(2)، وكل من قال بجواز الإضرار بالغير في النحو الثاني المتقدم فهو قائل بالجواز في المقام بمقتضى الأولوية.
الثالث: القول بمراعاة الأهم - إن كان - فيقدم على الآخر، وعلى فرض التساوي فالحكم هو التخيير أو الرجوع إلى الأصول لدخوله في باب التزاحم، واحتمله صاحب الكفاية(3)وإن كان قد اختار غيره .
الرابع: القول بالأخذ بالأقل - إن كان - وعلى فرض التساوي يؤخذ بأحدهما تخييراً وتوزع الخسارة عليهما بالنسبة بمقتضى قاعدة العدل والإنصاف وهو ظاهر المحقق المشكيني(4).
أما القول الأول فقد استدل له بوجهين:
أحدهما: ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) من أنه إذا توجه الضرر ابتداء إلى الغير ثم إلى المكره - بالفتح - على تقدير المخالفة وكان الضرر المتوعد عليه أمراً مباحاً في نفسه كما لو أكرهه الجائر على نهب مال الغير وإلاّ نهب ماله بأنه: لا يجوز للمكره - بالفتح - نهب مال الغير ويجب عليه تركه إذ أنّ دفع مال نفسه إلى الجائر جائز، فلا يجوز ارتكاب الحرام لأجل ترك المباح، مضافاً إلى أنّ أدلة الإكراه والحرج والتقية كلهاامتنانية لا تشمل المقام(5).
ثانيهما: ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) من أنه لم يلجئه (الجائر) إلى ظلم غيره ليكون مكرهاً - بالفتح - بذلك ... بل إنما يتحقق الإكراه في ذلك ونحوه بأمره
بظلم الشخص المخصوص وإلجائه إلى ذلك(1).
توضيحه - كما عن بعض السادة الأجلاء - : إنّ الإكراه إنما تعلق بالجامع وهو أحد المالين، والجامع غير موجود في الخارج، وأحدهما المعين لا دليل عليه، فتصل النوبة - حينئذ - إلى التمسك بمتمّم التطبيق وهو حكم العقل في هذه الحالة بصحة انطباق الجامع على كل واحد من الفردين، فإذا حكم العقل بالتخيير في الانطباق وتعيين مصداق الجامع فحينئذ لا يصدق الإكراه على الحرام أو على مال الغير لأنّ أحد فردي الانطباق هو مال المكره - بالفتح - ومع التمكن من انطباق الجامع على ماله وهو ليس بحرام فيتعين عليه التصرف في ماله دون مال الغير.
وبعبارة أخرى: لا يتحقق الإكراه على مال الغير أو على الحرام إذ مع صحة الانطباق على ماله وكونه مباحاً فلا يتحقق الإكراه على مال الغير(2).
وأما القول الثاني فقد استدل له بوجوه ذكرها الشيخ (قدس سره) وهي:
الأول: أنّ دليل نفي الإكراه يعم جميع المحرمات حتى الإضرار بالغير ما لم يصل إلى الدم.
الثاني: أنّ تحمل الضرر حرج عظيم على المكره - بالفتح - وهو مرفوع في الشريعة المقدسة.
الثالث: ما دل على أنّ التقية إنما جعلت ليحقن بها الدم، فإذا بلغت الدم فلا تقية، والمستفاد من ذلك جواز الإضرار بالغير في كل ما عدا الدم بالغاً ما بلغ(3).
مضافاً إلى أنّ مقتضى قول القائلين بجواز الإضرار بالغير في النحو المتقدم، القول بجواز الإضرار بالغير فيما نحن فيه بطريق أولى، وبنفس الأدلة التي ذكرت هناك.
وأما القول الثالث فقد استدل له بأن الضرر المتوجه إليهما كالضررينالمتوجهين إلى شخص واحد، ولا يمكن نفيهما معاً بقاعدة نفي الضرر للتزاحم، فلابدّ من إعمال قاعدة التزاحم في المقام ولا سيما على مبنى كون القاعدة امتنانية على جميع الأمة.
أما القول الرابع فقد استدل له:
أولاً: بمقتضى قاعدة العدل والإنصاف وهي قاعدة عقلائية مؤيدة بالآيات والروايات.
وثانياً: أنهم حكموا بتوزيع الخسارة الواردة على المالين بالنسبة، كما لو كان لأحدهما درهم ولآخر درهمان فتلف أحد الدراهم من عند الودعي، أن لصاحب الاثنين واحداً ونصفاً وللآخر نصفاً(1)وهو مضمون رواية السكوني عن الصادق عن أبيه (علیه السلام) في رجل استودع رجلاً دينارين فاستودعه آخر ديناراً فضاع دينار منها قال: يعطى صاحب الدينارين ديناراً ويقسم الآخر بينهما نصفين(2).
ولكن الأظهر من هذه الأقوال هو الثاني، لما ذكر في أدلته من أن دليل نفي الإكراه يعمّ جميع المحرمات حتى الإضرار بالغير ما لم يصل إلى الدم، وهذا هو المستفاد من أدلة التقية وغيرها، مضافاً إلى صدق عنوان المكره - بالفتح - على المكلف لانطباق الجامع عليه، وصدق عنوان الإكراه على غيره لا يخرجه عن الإكراه، وعليه فإذا كان مكرهاً - بالفتح - جاز له العمل بمقتضى أمر المكره - بالكسر - والتحفظ على ماله مهما كان، وهذا نظير ما لو توجّه بلاء كسيل - مثلاً - ودار بين أن يقع على داره أو دار جاره فلا يجب توجيهه إلى داره لئلاّ يتوجه إلى دار جاره، بل الحكم من جهة صدق الإكراه عليه أولى من هناك، ومن ذلك تظهر
المناقشة في القول الأول بكلا وجهيه إذ بعد تسويغ الإضرار بالغير عند الإكراه لا يبقى مجال للتمسك بوجوب تحمّل الضرر على نفسه للقول بأنّه أمر مباح أو القول بأنّ الإكراه تعلّق بالجامع وإن الإضرار بالغير ليس مكرهاً عليه، فإنّ من الواضح هنا أنّ الإكراه يصدق على هذا الشخص فإن غرضه أن يقي ماله عن وقوع الإضرار به ومع صدق الإكراه عليه - سواء كان الضرران في عرض واحد أو أنّ ضرر نفسه في طول ضرر الغير - فحينئذ يجوز له الإضرار بالغير بالغاً ما بلغ وإن كان أكثر من ضرر نفسه ما لم يبلغ الدم. كما لا يبقى مجال للتمسك بالقول الثالثلأنه في مورد ثبوت التزاحم ولا تزاحم في المقام.
وأما قاعدة العدل والإنصاف فيمكن المناقشة فيها بوجهين:
الأول: ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره): من أنا لو التزمنا بالقاعدة فإنّما تتجه في موارد لم يكن المكلف ضامناً كما في الودعي ونحوه من موارد الأمانات الشرعية فليفرض أن جواز التنصيف مقدمة للعلم بإيصال النصف الآخر إلى صاحبه(1). وتقديم الموافقة القطعية على الموافقة الاحتمالية في تمام المال، وليس المقام كذلك لأنه ليس هنا مال مردد بين شخصين ليقسم بالنسبة مقدمة لإيصاله إلى مالكه ولو في الجملة بل هنا خسارة واقعة على أحد المالين معيناً فهل يجبر بعضها بمال الآخر؟
وثانياً - ما عنه أيضاً - : أنّ القاعدة في نفسها غير تامة إذ لم يثبت بناء ولا سيرة من العقلاء على ذلك حتى تكون ممضاة لدى الشارع، اللهم إلاّ إذا تصالحا وتراضيا على التقسيم على وجه التنصيف (أو بالنسبة) فإنه أمر آخر، وإلاّ فجريان السيرة على ذلك بالتعبد من العقلاء أو الشارع استناداً إلى ما يسمى بقاعدة العدل والإنصاف لا أساس له - وإن كان التعبير حسناً مستحسناً - إذ لم يقم أي دليل على جواز إيصال مقدار من المال إلى غير مالكه مقدمة للعمل
1) مستند العروة الوثقى - كتاب الخمس ص 147 المطبعة العلمية - قم 1364 ه- ش
بوصول المقدار الآخر إلى المالك(1).
هذا مضافاً إلى أنّ التمسك بالرواية والتعدّي عنها مشكل خصوصاً أنه لم يلحظ فيها توزيع الخسارة بالنسبة بل لوحظ التنصيف بين صاحب الدينار وصاحب الدينارين، وهذا أمر تعبدي غير قاعدة العدل والإنصاف.
وما قيل: من إثبات القاعدة بالآيات كآية الأمر بالعدل والإحسان(2)ونحوها فهو مشكل جداً إذ لم يحرز أن هذه الآيات واردة في مقام إثبات هذه القاعدة، فالأظهر هو القول الثاني أي جواز الإضرار بالغير وعدم وجوب تحمل الضرر على نفسه وإن كان جائزاً.
الأول: إذا قال الجائر: أعطني مائة دينار من مالك وإلاّ فأت بها من مال عمرو، فهذا داخل في الضرر المتوجه إلى نفسه ابتداء، ويجب عليه تحمله ولا يجوز صرفه إلى الغير والإضرار به.
وأما إذا قال: ائتني بمائة دينار من مال عمرو وإلاّ فمن مالك، فهذا من الضرر المتوجه إلى الغير ابتداء ولا يجب عليه تحمله كما تقدم.
الثاني: إذا توجه الضرر إلى أهل بلد بواسطة رئيسهم فلا يجب دفع الضرر عنهم بتحمله على نفسه لأنه داخل في الضرر المتوجه إلى الغير ابتداء، نعم إذا كان الضرر نفسياً أو عرضياً وتمكن من دفعه عنهم وجب عليه.
1) مستند العروة الوثقى - كتاب الخمس ص 147 المطبعة العلمية قم 1364 ه- ش
2) وهي قوله تعالى: «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى...» سورة النحل، الآية: 90، وقوله تعالى: «وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ...» سورة النساء، الآية: 58 ، وقوله تعالى: «اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ...» سورة المائدة، الآية: 8 ، وغيرها من الآيات
الثالث: إذا قال له الجائر: ارتكب الحرام الفلاني وإلاّ ألجأت فلاناً إلى ارتكابه فلا يجوز له ارتكابه، إذ لا يصدق عليه عنوان الإكراه إلاّ إذا كان منع الآخر عن المعصية واجباً عليه، والمقام ليس كذلك، نعم إذا كان حفظه واجباً عليه كما إذا كان الضرر نفسياً أو عرضياً فحينئذ يصدق عليه عنوان الإكراه فيجب عليه تحمله في الأول ويقع التزاحم في الثاني.
الرابع: إذا أكره الجائر شخصاً من أهل بلد على إعطاء مقدار من المال فليس له توجيه الضرر إلى بعض أفراد البلد أو توزيع الضرر عليهم.
الخامس: إذا أكره الجائر شخصاً على إعطاء مقدار من المال من نفسه أو من مال أحد شخصين مخيّراً بينهما فهو على نحوين:
الأول: دوران الضرر بينه وبين غيره وقد تقدم الكلام فيه، وقلنا بجواز الإضرار بالغير وعدم وجوب تحمل الضرر على نفسه.
الثاني: دوران الضرر بين شخصين وقد تقدم الكلام فيه أيضاً، وقلنا بدخوله في باب التزاحم ولزوم مراعاة الأهم ومع عدمه فالتعيين بالقرعة.
السادس: إذا دار الضرر بينه وبين غيره من غير جهة الإكراه كما إذا لزم من تصرّفه في ملكه تضرّر جاره فهو على خمسة أنحاء:
الأول: أن يكون التصرف بداعي دفع الضرر عن نفسه.
الثاني: أن يكون بداعي جلب المنفعة.
الثالث: أن يكون بداعي التحرّز عن الوقوع في الضرر.
الرابع: أن يكون قاصداً لإضرار الجار من دون دفع مضرة أو جلب منفعة.
الخامس: أن يكون فعله عبثاً من دون قصد الإضرار.
وبيان حكم كل منها موكول إلى محلّه وإنّما ذكرناها من أجل استيعاب جميع الأقسام.
الصورة السادسة: ما إذا أكره الجائر أحد الشخصين على فعل الحرام.
الصورة السابعة: ما إذا أكره الجائر أحد الأشخاص كأهل بلد على فعل الحرام.
الصورة الثامنة: ما إذا أكره الجائر أحد الشخصين على أحد الفعلين المحرمين.
وفي هذه الصور يقع الكلام في أنه: هل يعتبر في صدق الإكراه وجواز فعل الحرام علم المكلف بعدم صدور الفعل من الآخر أو احتماله ذلك؟ أم لا يعتبر؟
بيانه: إذا علم أو احتمل أن الآخر يقدم على الفعل إما لعدم اطّلاعه على صاحبه المكره - بالفتح - أو يعلم بإرادته الفعل وبرغبته في فعله بلا إكراه، فلو بادر هذا إلى العمل خرج عن كونه مكرهاً - بالفتح - إذ لا يكون قصده حينئذ رفع ضرر المكره - بالفتح - بل إنّ مبادرته إلى الفعل تكون من باب التقرب إلى الظالم، وذلك لأنّ الفعل الإكراهي ما كان تمام العلة فيه هو صدور الفعل عن إكراه المكره - بالكسر - ومع ضميمة التقرب إلى الظالم لا يصدق عليه الإكراه، أو لا يكفي ذلك بمعنى أنه لو علم أنّ الآخر يقدم على الفعل - والحال هذه - جاز للعالم أن يقدم عليه لدفع الإكراه عن نفسه أو عن صاحبه، وذلك لأن مجرّد العلم بأنّ الآخر يفعله لا يدخله في عنوان المختار إذا كان فعله لدفع ضرر المكره - بالكسر - .
فيه احتمالان بل قولان، ولا يبعد التفصيل في المقام بين ما إذا كان الغير يقدم على الفعل للرغبة فيه فلا يتحقق عنوان الإكراه، لأنّ الإكراه توجّه إلى الجامع بين الشخصين أو الأشخاص، وحيث إنّ أحد الفردين أو الأفراد ليس بمكره - بالفتح - لإتيانه الفعل برغبته فهو نظير ما إذا كان العمل بالنسبة إلى أحدهما مباحاً وبمقتضى متمّم الجعل التطبيقي فإن الجامع ينطبق عليه، وحينئذ لا يصدق عنوان الإكراه على الآخر أو الآخرين، وبين ما إذا كان إقدامه على الفعل لجهة الإكراه ودفع ضرر المكره - بالكسر - فلا يخرج فعل الآخر عن
الإكراه ونتيجة ذلك: أن الجامع كما ينطبق على فعل الآخر كذلك ينطبق على فعل المكلف نفسه على حد سواء، فلا يخرج عن كونه إكراهاً فيجوز له الإقدام على الفعللدفع الضرر وإن كان يعلم بأنه مع عدم إتيانه به يقدم الآخر عليه.
هذا ما تقتضيه القاعدة ولكن مقتضى الاحتياط عدم الإقدام حتى يعلم بعدم إتيان الآخر به خصوصاً إذا كان المحرم هو الإضرار بالغير، وهكذا الأمر بالنسبة إلى احتمال ذلك، فمع علمه أو احتماله بأن غيره يتصدى لذلك وإن كان من جهة الخوف والإكراه فالمبادرة حينئذ خلاف الاحتياط، وما ذكرناه يأتي في هذه الصور الثلاث.
هذا تمام الكلام في هذا المقام وقد استوفينا فيه بيان أقسام الضرر والإكراه وحكم كل منها، ولم نقف على هذا النحو من التفصيل في كلمات الأصحاب.
وهي عبارة عن الولاية والتصدّي لجمع الأموال من الصدقات والخراج والمقاسمة والأخماس ونحوها كالزكوات والمكوس والعشور (الضرائب المالية) مما لا يستحقه السلطان الجائر.
ولا إشكال في عدم الجواز، وذلك لما تقدم من حرمة العمل لسلاطين الجور والدخول معهم، إلاّ ما استثني وهذا ليس منها، مضافاً إلى أنّ في نفس هذا العمل إضراراً بالناس في أموالهم، أما المعطي فبأخذ المال منه بغير حق وأما المستحق فبمنعه عن حقه، وفي إعطاء المال للجائر إعطاء لغير المستحق، فالحكم في هذه المسألة ينحلّ إلى حكمين: حرمة نفس العمل وحرمة الإضرار بالمالك والمستحق.
نعم إذا اقتضت التقية ذلك أو كان التصدي لغرض الإصلاح أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا بأس كما تقدم بيان ذلك مفصلاً.
ومما يدل على حرمة التصدي وأنّ فيه إضراراً بالناس ما ورد في عدة من
الروايات منها: ما رواه الصدوق بسنده عن حماد بن عمر وأنس بن محمد عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه (علیهم السلام) (في وصية النبي 6 لعلي (علیه السلام) ) قال: يا علي خلق الله عزوجل الجنة لبنتين: لبنة من ذهب، ولبنة من فضة «إلى أن قال:» فقال الله جل جلاله: وعزتي وجلالي لا يدخلها مدمن خمر، ولا نمّام، ولا ديّوث، ولا شرطي، ولا مخنّث، ولا نبّاش، ولاعشّار، ولا قاطع رحم، ولا قدري ...(1).
ومحل الشاهد قوله: ولا عشار، وهو آخذ
العشر من أموال الناس بأمر الظالم(2).
ومنها: ما رواه الصدوق أيضاً بسنده عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس عن رسول الله6 في آخر خطبة خطبها قال: ... ومن منع طالباً حاجته وهو يقدر على قضائها فعليه مثل خطيئة عشّار، فقام إليه مالك بن عوف فقال: وما يبلغ من خطيئة عشّار يا رسول الله؟ فقال: على العشّار في كل يوم وليلة لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً(3).
ومنها: صحيحة أبي أسامة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): جعلت فداك إنّ هؤلاء المصدّقين يأتونا ويأخذون منّا الصدقة فنعطيهم إيّاها أتجزي عنّا؟ فقال: لا، إنما هؤلاء قوم غصبوكم، أو قال: ظلموكم، وإنّما الصدقة لأهلها(4).
وفي الرواية دلالة على أنّ هذا الفعل غصب أو ظلم على العباد وهو محرم.
ومنها: صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الزكاة قال: ما أخذوا (أخذ) منكم بنو أمية فاحتسبوا ولا تعطوهم شيئاً ما استطعتم، فإن المال لا يبقى على هذا أن يزكيه مرتين(5).
1) وسائل الشيعة 11 باب 49 من أبواب جهاد النفس، الحديث 14
2) مجمع البحرين 3 : 404 الطبعة الأولى المحققة
3) وسائل الشيعة 11 باب 39 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث 7
4) وسائل الشيعة 6 باب 20 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 6
5) وسائل الشيعة 6 باب 20 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3
ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): «ولا تعطوهم شيئاً ما استطعتم» فإنه يدل على أن الآخذ غير مستحق، وأما أن المال المأخوذ هل يمكن احتسابه عن الزكاة الواجبة كما هو مفاد هذه الرواية، أو لا يمكن احتسابه ولا يجزي كما هو مفاد الرواية السابقة؟ فقد تقدم تفصيل ذلك في مبحث التقية في الزكاة من الجزء الأول، وقلنا بالإجزاء في بعض الحالات دون بعض جمعاً بين الروايات.
هذا ولكنّ الروايتين الأوليين وإن كانتا دالتين على مبغوضية الفعل إلاّ أنّهما ضعيفتان من جهة السند فإنّ طريقا الصدوق إليهما يشتمل على عدةمجاهيل فهما غير معتبرتين، ولم نقف - في حدود ما تتبعناه - على روايات أخرى، والعمدة في المقام هما الصحيحتان الأخيرتان.
والحاصل: أنّ التصدّي لجباية الأموال لسلطان الجور والولاية من قبله لهذا الغرض حرام لما ذكرناه ولدلالة الروايتين المتقدمتين.
والكلام فيه من جهتين:
الأولى: في الفتوى.
الثانية: في القضاء.
أما الجهة الأولى فإنّ الفتوى وإن كانت في حال الاختيار غير جائزة إلاّ بشرائطها لأنّها - مع عدم الشرائط المعتبرة - افتراء على الله والرسول، وقد تظافرت الروايات الناهية عن الإفتاء بغير علم والآمرة بالاحتياط مما هو مذكور في محله، إلاّ أنه في حالة التقية يجوز الإفتاء بالخلاف، والقدر المتيقن من ذلك هو موافقة العامة.
ويمكن الاستدلال على الجواز بأمور:
الأول: الأدلة العامة الواردة في أنّ التقية في كل ضرورة، وقد تقدم ذكرها
في الجزء الأول.
الثاني: السيرة العملية للأئمة (علیهم السلام) وهذا من الواضحات، فإنّهم (علیهم السلام) كانوا يفتون شيعتهم - في بعض الأحوال - بما يوافق العامة، وعلى ذلك عدة روايات:
منها: موثقة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: ما سمعته منّي يشبه قول الناس فيه التقية، وما سمعت منّي لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه(1).
ومنها: معتبرة علي بن يقطين(2)المتقدمة في مبحث التقية في الوضوء، فإنّ الإمام (علیه السلام) أمر علي بن يقطين أن يتوضأ كما يتوضأ العامة في حالة التقية.
وغيرها من الروايات الدالة على أنّ سيرة الأئمة (علیهم السلام) كانت على ذلكحال التقية.
الثالث: أنّ الأئمة (علیهم السلام) كانوا يأمرون شيعتهم بذلك ويدلّ عليه ما ورد في معتبرة أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّي أقعد في المسجد فيجيء الناس فيسألوني فإن لم أجبهم لم يقبلوا منّي، وأكره أن أجيبهم بقولكم وما جاء عنكم، فقال لي: أنظر ما علمت أنه من قولهم فأخبرهم بذلك(3).
وهذه الرواية واضحة الدلالة على جواز الإفتاء بما يوافق العامة وإن كان على خلاف الحق كما أنها معتبرة من حيث السند.
وما ورد في معتبرة معاذ بن مسلم النحوي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: بلغني أنك تقصد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم، وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، إنّي أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجيء الرجل أعرفه بمودّتكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول جاء عن فلان كذا وجاء
عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك، قال: فقال لي: اصنع كذا، فإنّي كذا أصنع(1).
والرواية صريحة الدلالة في الجواز بل هو فعل الإمام (علیه السلام) إلاّ أنها اشتملت على التفصيل بين من يعرف بالمودّة وعدمها فيفتي بحسب مذهبه، وبين من لا يعرف مذهبه فيفتي بجميع الأقوال ويجعل قول الحقّ من بينها.
وأما الرواية من جهة السند فهي معتبرة فإن معاذ بن مسلم ممّن وثّقه النجاشي(2).
وأما ابنه حسين أو حسن فهو وإن لم يوثق إلاّ أنه يمكن استظهار وثاقته بناء على ما قررناه في محله(3)من أنّ رواية أحد المشايخ الثقات علامة على التوثيق وقد روى ابن أبي عمير عن ابن معاذ في نفس هذه الرواية، فالأظهر من هذه الرواية أنها معتبرة من حيث السند واضحة من حيث الدلالة.
والحاصل: هو جواز الإفتاء على خلاف الحق حال التقية، إلاّ أن القدرالمتيقن هو الاقتصار على ما يوافق العامة، ويظهر من بعض الروايات أنّ الإفتاء على مذهب العامة جائز وإن كانت التقية مداراتية لا خوفية.
وأما ما ورد في مقابل ذلك كما في رواية علي بن السندي عن أبيه قال: سألت أبا الحسن(علیه السلام) عن الرجل يأتيه من يسأله عن المسألة فيتخوّف إن هو أفتى فيها أن يشنّع عليه، فيسكت عنه؟ أو يفتيه بالحق؟ أو يفتيه بما لا يتخوّف على نفسه؟ قال: السكوت عنه أعظم أجراً وأفضل(4)
والمستفاد وجوب السكوت وعدم الإفتاء بما يوافق العامة.
ففيه: أنّ الرواية قاصرة سنداً ودلالة .
أما قصور السند فإن فيه السندي وهو مشترك بين عدة أشخاص لم يرد في بعضهم توثيق، نعم جاء في تفسير القمي(1)بعنوان السندي ولكن لما كان مردداً بين أكثر من شخص فلم يتعين أنه المراد، وأما علي بن السندي فهو وإن لم يرد فيه تصريح بوثاقته إلاّ أنه واقع في المستثنى منه من كتاب نوادر الحكمة(2)وقد ذكرنا غير مرة أنّ وقوع الراوي في أسناد نوادر الحكمة علامة على وثاقته، إلاّ أن الرواية تبقى ضعيفة السند من جهة السندي فلا يمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة.
وأما قصور الدلالة فلأنّ قوله: «السكوت عنه أعظم أجراً وأفضل» لا دلالة فيه على تعيّن السكوت، وغاية ما يدل عليه أرجحية السكوت ولا يعني ذلك وجوبه.
والنتيجة: أنّ الرواية ضعيفة السند، وقاصرة الدلالة فلا تعارض الأدلّة المتقدمة الدالة على الجواز.
وأما الجهة الثانية وهي قبول الولاية في القضاء فالكلام فيها من ناحيتين:
الأولى: من ناحية تولّي العمل والتصدّي له.
والثانية: من ناحية رجوع الناس إلى المتصدّي والتحاكم إليه.
أما بالنسبة إلى الناحية الأولى فإنّ تولّي منصب القضاء من قبل السلطان الجائر لا يخلو إما أن يكون المتصدّي أهلاً للقضاء ومتمكّناً من الحكم بالحق، وإمّا أن لا يكون أهلاً لذلك، وإمّا أن يكون أهلاً غير متمكن.
فإن كان أهلاً للقضاء ومتمكناً من الحكم بالحق فيجري فيه ما تقدم من التفصيل حول قبول الولاية من قبل الجائر، وبناء على جواز الولاية في الأمر المباح ولا يعد ذلك تقوية للجائر فحينئذ يجوز التصدي للقضاء، بل لا يبعد القول برجحان ذلك في المقام كما إذا كان الحكم بالحق متوقفاً على قبوله وتصدّيه لذلك، ولكن مع نية الولاية عمّن له الولاية وهو الإمام المعصوم (علیه السلام)، وإن كان غير أهل لذلك أو غير متمكن فهل يجوز التصدّي للقضاء حال التقية أم لا؟ وهذا هو محل الكلام.
والوارد في الروايات النهي المشدّد عن التصدّي للقضاء والحكم بغير الحقّ، وأنه بمنزلة الكفر بالله عزّوجلّ، كما في صحيحة أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله عزوجل فهو كافر بالله العظيم(1).
وفي صحيحته الأخرى قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): من حكم في درهمين فأخطأ كفر(2).
وفي صحيحته الثالثة قال: وقال (علیه السلام): الحكم حكمان: حكم الله وحكم أهل الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم أهل الجاهلية، ومن حكم بدرهمين بغير ما أنزل الله عزوجل فقد كفر بالله تعالى(3).
وغيرها من الروايات الدالة على خطورة هذا الأمر، وفي بعضها: أنّ من قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار(4)، مما يدل على أنّ من لا أهلية له أو لا يتمكن من الحكم بالحق لا يسوغ له التصدّي للقضاء بين الناس.
ثمّ إنّ المراد من الخطأ الوارد في صحيحتي أبي بصير هو الحكم بغير ما أنزل الله كما تدلّ عليه صحيحته الثالثة.
ولكن مع ذلك إذا اقتضت التقية أن يتصدّى للقضاء وأن يحكم بغير الحق جاز له ذلك.
ويدل عليه:
أولاً: الأدلة العامة المتقدمة، وأنّ التقية في كل ضرورة، وهي تشمل هذا المورد بلا إشكال.وثانياً: الروايات الخاصة الواردة في المقام:
ومنها: ما رواه الشيخ بإسناده عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن عمرو بن أبي المقدام عن عطاء بن السائب عن علي بن الحسين (علیه السلام) قال: إذا كنتم في أئمة جور فاقضوا في أحكامهم ولا تشهّروا انفسكم فتقتلوا، وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيراً لكم(1).
ورواها الصدوق في الفقيه(2)كذلك بسند معتبر إلى عطاء، ولكنه رواها في العلل عن أبيه عن سعد عن عمرو بن أبي المقدام عن علي بن الحسين(3)من دون ذكر عطاب بن السائب، كما أنها تختلف متناً فقد جاء فيها: «فامضوا في أحكامهم» «وإن تعاملتم بأحكامهم ...» وقد أورد الشيخ كلتا الروايتين في التهذيب(4).
وبناء على رواية الفقيه تكون الرواية ظاهرة في الجواز، وأما بناء على رواية العلل والوافي(5)والتهذيب الوارد فيها: «فامضوا في أحكامهم» فالرواية
1) وسائل الشيعة 18 باب 11 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1
2) من لا يحضره الفقيه ج 3 باب 1 من أبواب القضايا والأحكام، الحديث 2
3) علل الشرايع ج 2 باب العلة التي من أجلها يجب الأخذ بخلاف ما تقوله العامة، الحديث 3 ص531 الطبعة الثانية
4) تهذيب الأحكام ج 6 باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين الحديثان 28 ، 32
5) الوافي ج 2 كتاب القضاء والشهادات باب من يجوز التحاكم إليه ومن لا يجوز، ص 135 الطبع القديم
أجنبية عن المقام، إذ المراد حينئذ هو إمضاء أحكامهم وقبولها في حال التقية، وليس المراد هو القضاء بأحكامهم.
ويؤيد ذلك: أنّ الفعل في كلتا الروايتين عدّي بفي لا بالباء ولو كان المراد هو القضاء لعدّي بالباء، وهذه الرواية هي التي اعتمدها صاحب الجواهر(1)فإنه لم يذكر الرواية الأخرى، مضافاً إلى الإشكال فيها من جهة السند فإن عطاء بن السائب لم يرد فيه توثيق، نعم استظهر السيد الأستاذ (قدس سره) في المعجم أنه كان من العامة سابقاً ثم استبصر(2)وقال عنه علماء العامة: أنه ثقة في حديثه القديم ولكنه تغيّر(3)، ولعله لتشيعه، وأما بناء على سند العلل فالطريق صحيح لعدم اشتماله على عطاء بن السائب،إلاّ أن الكلام حينئذ في الدلالة والظاهر سقوطه من سند العلل وكلتا الروايتين رواية واحدة، فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية للاختلاف في سندها ومتنها.
ومنها: صحيحة علي بن مهزيار عن علي بن محمد (علیه السلام) قال: سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم؟ فكتب (علیه السلام): يجوز لكم ذلك إن شاء الله إذا كان مذهبكم فيه التقية منهم والمداراة لهم(4).
والرواية وإن كانت تامة من حيث السند إلاّ أنها من حيث الدلالة غير تامة، وذلك لأن قوله: «هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم؟» يحتمل ثلاثة معان:
الأول: أن المراد هو أنّ ما يحكم به المخالفون لنا وكان الحكم فيه على غير الحق فهل نأخذ به ونرتب الآثار عليه؟ وإليه ذهب صاحب الوافي(5).
الثاني: أنّ المراد هو هل نقضي بأحكامهم وإن كانت على خلاف الحق إذا اقتضت التقية ذلك؟
الثالث: إنّ المراد هو هل يجوز الرجوع إليهم والتحاكم عندهم كما أنهم يرجعون إلينا في أحكامهم؟ وقد احتمله بعضهم وسيأتي الإشارة إليه في الناحية الثانية.
والأظهر هو الاحتمال الأول وأن المراد هو الأخذ بما حكموا به لنا وإن كنّا نعلم أنه على خلاف الحق، وأنّ المسوّغ لذلك هو التقية.
وبناء على هذا فالرواية أجنبية عما نحن فيه، ومع التنزل فلا وضوح في دلالتها.
ومما يلفت النظر أنّ صاحب الجواهر(1)وغيره كصاحب العروة(2)عبّروا عن هذه الرواية بخبر علي بن محمد والحال أنه هو المروي عنه لا الراوي، والراوي هو علي بن مهزيار والسند إليه صحيح وبحسب ظاهر السند أن علي بن محمد هو الإمام من حيث الطبقة فإنه لا يوجد من اسمه علي بن محمد يروي عنه علي بن مهزيار إلاّ الإمام الهادي (علیه السلام) ممايؤكد القول بأن المروي عنه هو الإمام، هذا وقد عثرنا على نفس الرواية وردت بطريق آخر معتبر، وقد أوردها صاحب الوسائل في باب الفرائض والمواريث نقلاً عن التهذيب، وهي ما رواه الشيخ بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال عن أيوب بن نوح قال: كتبت إلى أبي الحسن(علیه السلام) أسأله هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منا في أحكامهم أم لا؟ فكتب (علیه السلام): يجوز لكم ذلك إذا كان مذهبكم فيه التقية منهم والمداراة(3).
وهي عين رواية علي بن مهزيار إلاّ في قوله: أم لا، فإنه ورد في الثانية دون الأولى، وقوله: إن شاء الله، فإنه ورد في الأولى دون الثانية، كما ورد في الرواية الأولى «لهم» عقيب كلمة «المداراة» دون الرواية الثانية.
ويظهر من ذلك أمور ثلاثة:
الأول: أنّ الشيخ نقل الرواية في موضعين من التهذيب بطريقين مختلفين أحدهما في كتاب القضاء(1)عن طريق علي بن مهزيار، وثانيهما في كتاب الميراث(2)عن طريق أيوب بن نوح، وثاني الطريقين معتبر.
الثاني: أنّ المراد من علي بن محمد - في رواية علي بن مهزيار - هو الإمام (علیه السلام) بقرينة الرواية الثانية فإن أبا الحسن (علیه السلام) هو الإمام الهادي (علیه السلام) وأيوب بن نوح من أصحابه(علیه السلام)(3)، وعليه فتعبير صاحب الجواهر وصاحب العروة وغيرهما مما لا وجه له، والصحيح أنّ رواية علي بن مهزيار عن الإمام (علیه السلام) وهي صحيحة السند.
الثالث: أن المتعين من الاحتمالات هو الاحتمال الأول - كما ذكرنا بقرينة سائر الروايات وهو أنّ المراد الأخذ بما حكم به المخالفون لنا - في حال التقية وإن كان على خلاف الحق من باب إلزام الخصم بما ألزم به نفسه كالعول والتعصيب ونحو ذلك، ويشهد على ذلك: أنّه قد ورد هذا المضمون في عدة روايات منها: ما ورد في الصحيح عن عبد الله بن محرز قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمه، فقال: المال كله لابنته وليس للأخت من الأب والأم شيء، فقلت: فإنا قداحتجنا إلى هذا والميت رجل من هؤلاء الناس وأخته مؤمنة عارفة، قال: فخذ لها النصف، خذوا منهم كما يأخذون منكم في سننهم وقضاياهم، قال ابن أذينة: فذكرت ذلك لزرارة فقال: إنّ على ما جاء به ابن
محرز لنورا(1).
ورواها الشيخ بإسناده عن عبد الله بن محرز وزاد: خذهم بحقك في أحكامهم وسننهم كما يأخذون منكم فيه(2).
وهناك روايات أخرى وردت بهذا المضمون وسيأتي بعض ما يتعلق بذلك.
والحاصل: أنّ المتيقن هو ما ذكرنا، وأن صحيحة علي بن مهزيار من الأدلة على قاعدة الإلزام وإن لم يذكروها في هذا الموضع وهي أجنبية عما نحن فيه فما فعله في الجامع(3)من ذكر الرواية في باب الميراث دون القضاء هو الأنسب والله العالم.
والعمدة في المقام هي الأدلة العامة.
هذا كله ما لم يصل الحكم إلى الدم وإلاّ فلا تقية.
ثم إنّ مما ينبغي التنبيه عليه في القضاء على خلاف الحق للتقية هو مراعاة الأقرب للحق فالأقرب من الأحكام، فإنه القدر المتيقن من الأدلة، مضافاً إلى مراعاة الأخف فالأخف وهو ما يقتضيه الجمع بين الروايات.
وأما الناحية الثانية وهي في حكم الترافع إلى قضاة الجور والتحاكم إليهم، فالكلام فيها يقع في ثلاث مسائل:
الأولى: هل يجوز الترافع إليهم حال الاختيار؟
والمعروف عدم الجواز، بل هو من المحرمات المشدّدة، بل عده بعضهم من
الكبائر(1)، وفي الجواهر: تواترت النصوص في النهي عن المرافعة إلى قضاتهم، بل هو من ضرورات مذهبنا(2).ويدل على ذلك الأدلة الثلاثة بل الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل، بناء على أنّ الترافع إليهم من الإعانة على الإثم.
فمن الكتاب قوله تعالى: «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا»(3)الآية، وقوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ...»(4)، بناء على أن المراد من الطاغوت هو كل ظالم وجائر والذي يحكم بخلاف الحق، ومصداقه بعد زمان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قضاة الجور، نعم مصداقه في زمانه (صلی الله علیه و آله و سلم) شيء آخر كما ورد في الروايات الآتية.
وأما ما يدل على ذلك من السنة فعدة روايات:
منها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: في رجل كان بينه وبين أخ مماراة في حق، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الذين قال الله عزوجل: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» الآية(5).
ومنها: صحيحته الأخرى قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): قول الله عزوجل في كتابه : «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ » فقال: يا
أبا بصير إنّ الله عزوجل قد علم أنّ في الأمة حكّاماً يجورون، أما أنه لم يعن حكام أهل العدل، ولكنه عنى حكام أهل الجور، يا أبا محمد إنه لو كان لك على رجل حق فدعوته إلى حكام أهل العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له، لكان ممن حاكم إلى الطاغوت، وهو قول الله عزوجل: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ»(1).
ومنها: مقبولة عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحلّ ذلك؟ فقال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى طاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً، لأنه أخذهبحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» الحديث(2).
والرواية وإن نوقش في سندها من جهة عمر بن حنظلة إلاّ أننا قد حققنا في محله وثاقته، وقد عقدنا لذلك بحثاً مستقلاً في مباحثنا الرجالية(3).
وهناك روايات أخرى وردت في هذا المعنى، وبناء على ذلك فلا إشكال في حرمة الترافع إلى قضاة الجور.
المسألة الثانية: إذا ترافع الخصمان عند قضاة الجور أو من ليس له أهلية للحكم، فهل يجوز الأخذ بحكمهم أو لا؟
فيه وجوه، بل أقوال:
الأول: عدم الجواز مطلقاً سواء كان الحكم في العين أو في الدين، وسواء
علم بأنه حقه أو لا، وإليه ذهب المحقق السبزواري(1).
الثاني: الجواز مطلقاً، والمنع الوارد في الروايات راجع إلى أصل الترافع، وإليه ذهب بعض مشايخ المحقق الاشتياني(2).
الثالث: الجواز في العين دون الدين إذا علم أنه حقه.
الرابع: الفرق بين حكم قضاة الجور وبين حكم من ليس له أهلية، فلا يجوز في الأول دون الثاني إذا علم بحقه، وهو الظاهر من صاحب العروة حيث قال: وأما المأخوذ بالترافع إلى غيرهم ممّن ليس من أهل الحكم أو بالاستعانة من ظالم في استنقاذ حقه مع عدم توثقه على ذلك وإمكان الأخذ بالحكم الشرعي فإنه وإن فعل حراماً إلاّ أن حرمة ما يأخذه من حقه عيناً أو ديناً غير معلومة، فيعاقب على فعله لا على التصرف في المأخوذ، والخبر مختص بقضاة الجور، بل بالمنصوبين منهم للقضاء، وشموله لغيرهم غير معلوم(3).
ومنشأ الاختلاف في هذه الأقوال يرجع إلى تحديد ما يستفاد من الروايات الواردة في المقام، فلابدّ من ملاحظتها لمعرفة ما يمكن أن يستفاد منها.فيقع الكلام في جهتين:
الأولى: في مقتضى الأصل والقاعدة فنقول: إنّ النزاع تارة يكون في العين وأخرى في الدين، وعلى كلا التقديرين فتارة يعلم ثبوت حقّه بالعلم الوجداني أو الشرعي كالبينة واليد ونحوهما، وأخرى لا يعلم بذلك.
ثم إنّ القاضي تارة يكون من قضاة الجور، وأخرى يكون من غيرهم ممّن ليس له أهلية للقضاء
فإن كان المتنازع عليه عيناً ويعلم بثبوته له وجداناً أو شرعاً فحكم الجائر أو من ليس له أهلية غير نافذ، ولا يغيّره عن الواقع سواء حكم له أو عليه، فلو حكم عليه جاز له أخذ ماله وملكه مخالفاً لحكم الحاكم، اللهم إلاّ أن يكون الحاكم ممّن ليس له أهلية للقضاء لعدم الاجتهاد دون سائرالشرائط وكان الحاكم قاضي التحكيم وقد رضي المتخاصمان به فعلى القول بعدم اشتراط الاجتهاد يكون حكمه نافذاً وإن كان المشهور على خلاف ذلك.
وأمّا إذا كان لا يعلم بثبوت العين له وجداناً أو شرعاً فحكمهما وإن لم يكن نافذاً ولكنه لا يجوز له أخذ العين المتنازع عليها لعدم ثبوتها له بطريق شرعي ويبقى النزاع على حاله.
وإن كان المتنازع عليه ديناً يعلم بثبوت حقه وجداناً أو شرعاً وحكم له به جاز له أخذه إذا كان الخصم راضياً بالحكم، سواء كان الحاكم من العامة أو من الخاصة إذ أنّ تشخيص الدين وتعينه بنظره (الخصم)، والمفروض رضاه بذلك فيتعين الحق بما يدفع، وأما إذا حكم عليه فهل يجوز أخذ حقه مقاصّة أو لا؟ فيه تفصيل وذلك: لأنه إن كان الخصم قد امتنع عن الترافع إلى قاضي الحق مع التمكن منه أو امتنع عن أداء الحق مطلقاً جازت المقاصة لامتناعه عن التعيين، وإن لم يمتنع عن ذلك فلا يجوز التقاصّ لعدم تماميّة شرائطه.
هذا فيما إذا علم بثبوت الحق، وأما في صورة عدم ثبوت الحق له وجداناً أو شرعاً فالحكم وإن لم يكن نافذاً إلاّ أنه لا يجوز له أخذ الحق أصلاً سواء حكم له أو عليه، لعدم ثبوت الحق بحكمه، ويبقى النزاع على حاله، هذا هو مقتضى الأصل والقاعدة في المقام.
الجهة الثانية: فيما يستفاد من الروايات الواردة في المقام، فمنها ما يدل على عدم جواز أخذ الحق مطلقاً كما في مقبولة عمر بن حنظلة المتقدمة فقد ورد
فيها: ... فقال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى طاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقه ثابتاً، لأنه أخذهبحكم الطاغوت ...(1).
وهي تدل على عدم جواز الأخذ بحكمهم مطلقاً أي سواء كان في حق أو باطل، وسواء كان في العين أو الدين، وجواب الإمام (علیه السلام) وإن كان في الحق وثبوته وهو منصرف إلى الدين إلاّ أن السؤال في صدر الرواية كان عن الدين أو الميراث فبملاحظة صدر الرواية والعموم في قوله: «في حق أو باطل» يكون المراد من الحق هو الأعم من الدين والعين، وإلاّ فلو كان المراد بالحق هو الدين فقط لما كان الجواب مطابقاً للسؤال، فمقتضى ظاهر الرواية عدم جواز أخذ الحق بحكمهم مطلقاً، سواء كان ديناً أو عيناً، وسواء علم بأنّ الحق له أو لم يعلم فضلاً عن العلم بالعدم.
وكما في صحيحة أبي ولاّد الحناط قال: اكتريت بغلاً إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا، وخرجت في طلب غريم لي، فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبّرت أن صاحبي توجه إلى النيل، فتوجهت نحو النيل، فلما أتيت النيل خبّرت أن صاحبي توجه إلى بغداد، فاتبعته وظفرت به، وفرغت مما بيني وبينه ورجعنا إلى الكوفة، وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً، فأخبرت صاحب البغل بعذري وأردت أن أتحلّل منه مما صنعت وأرضه، فبذلت له خمسة عشر درهماً فأبى أن يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقصة، وأخبره الرجل، فقال لي: ما صنعت بالبغل؟ فقلت: قد دفعته إليه سليماً، قال: نعم، بعد خمسة عشر يوماً، فقال: ما أرى لك حقاً، لأنه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة فخالف وركبه
1) وسائل الشيعة ج 18 باب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4
إلى النيل، وإلى بغداد فضمن قيمة البغل، وسقط الكراء، فلما رد البغل سليماً وقبضته لم يلزمه الكراء، قال: فخرجنا من عنده وجعل صاحب البغل يسترجع فرحمته مما أفتى به أبو حنيفة، فأعطيته شيئاً وتحللت منه، وحججت تلك السنة فأخبرت أبا عبد الله (علیه السلام) بما أفتى به أبو حنيفة فقال: في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الأرض بركتها، قال: فقلت لأبي عبد الله (علیه السلام): فما ترى أنت؟ فقال: أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء بغل راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة توفيه إياه، قال: فقلت: جعلت فداك قد علفته بدراهم فلي عليه علفه؟ فقال: لا، لأنك غاصب، قال: فقلت له: أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟ قال: نعم قيمة بغل يوم خالفته، قلت: وإن أصاب البغل كسر أو دبر أوغمز، فقال: عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم تردّه عليه، فقلت: من يعرف؟ قال: أنت وهو، إما أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا فيلزمك، فقلت: إني كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحلّلني، فقال: إنما رضي بها وحلّلك حين قضى عليه ابو حنيفة بالجور والظلم، ولكن ارجع إليه فأخبره بما أفتيتك به فإن جعلك في حلّ بعد معرفته فلا شيء عليك بعد ذلك. الحديث(1).
وهذه الرواية تدل على أن حكم قاضي الجور غير نافذ، لأنه خلاف الواقع وإن لم يعلم الخصم بثبوت الحق له، نعم لا دلالة فيها على حرمة الأخذ إذا كان الحق ثابتاً.
1) وسائل الشيعة ج 13 باب 17 من أبواب أحكام الأجارة، الحديث 1
هذا بناء على أنّ أبا حنيفة قد قضى بينهما - كما ورد في تعبير الإمام (علیه السلام) - وأمّا إذا كان في مقام الافتاء، إذ قد يعبر عن الإفتاء بالقضاء وكما ورد في تعبير الراوي، فالرواية أجنبية عما نحن فيه، فالعمدة هي معتبرة عمر بن حنظلة.
ومنها: ما يدل على التفصيل بين كون الخصم يعلم أنه مبطل في دعواه، وبين عدم علمه بذلك، كما في موثقة ابن فضال قال: قرأت في كتاب أبي الأسد إلى أبي الحسن الثاني (علیه السلام) وقرأته بخطه سأله: ما تفسير قوله تعالى: «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ»(1)؟ فكتب بخطه: الحكام القضاة، ثم كتب تحته: هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي، فهو غير معذور في أخذه ذلك الذي قد حكم له إذا كان قد علم أنه ظالم(2).
ولا إشكال في اعتبار سند هذه الرواية فإنها موثقة كما ذكرنا، فما في الجواهر(3)من التعبير عن هذه الموثقة بخبر ابن فضال في غير محله، ولعلّ إشكاله فيها من جهة استثناء ابن الوليد لمحمد بن عيسى من كتاب نوادر الحكمة، ولم يكن استثناؤه لعدم وثاقته، بل لشيء في روايته لم يظهر لنا وجهه، ولعلّ الوجه في ذلك نسبته إلى الغلوّ وأنه كان يذهبمذهب الغلاة(4)، فيكون التضعيف من جهة مذهبه وذلك غير قادح في وثاقته فان ظاهر الاصحاب على حلالته ووثاقته العباس بن نوح: وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه، وتبعه أبو جعفر بن بابويه رحمه الله على ذلك، إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد، فلا أدري ما رابه فيه، لأنه كان على ظاهر العدالة والثقة(5).
وقال عنه النجاشي: جليل في أصحابنا، ثقة، عين كثير الرواية حسن التصانيف ... ذكر أبو جعفر بن بابويه عن ابن الوليد أنه قال: ما تفرّد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه، ورأيت أصحابنا ينكرون هذا القول ويقولون: من مثل أبي جعفر محمد بن عيسى(1).
والحاصل: أنه لا إشكال في وثاقة محمد بن عيسى وأن جهالة الوجه في استثناء ابن الوليد له لا تقدح بعدالته، فسند الرواية لا إشكال في اعتباره وأما من جهة الدلالة فهذه الرواية تدلّ على عدم جواز الأخذ بحكم القاضي إذا علم الخصم أنه ظالم ومبطل في دعواه، ومفهومه أنه إذا لم يعلم، أو علم أن الحق له جاز له الأخذ، فيقع التعارض بين مفهوم هذه الرواية وبين منطوق مقبولة عمر بن حنظلة الدالة على عدم جواز الأخذ مطلقاً، وإن علم أن له حقاً، ومقتضى الجمع بين الروايتين يتحقق بأحد وجوه:
الأول: أن يقال: إنّ الموثقة تختصّ بحاكم الحق، والمقبولة تختص بحاكم الجور، وحينئذ يرتفع التنافي بين الروايتين.
الثاني: أن يقال: إنّ الموثقة واردة في مقام التقية، فإذا علم الخصم بأنه ظالم فلا يجوز له الأخذ، وأما إذا لم يعلم أو علم بأنّ الحق له جاز له الأخذ وإن كان القاضي من قضاة الجور، وذلك لأنّ تخصيص عدم الجواز في صورة العلم بأنه ظالم وليس له حق في المتنازع عليه، وهذا مما يقوله العامة، وأما بالنسبة إلى المفهوم وهو جواز الأخذ في صورتي العلم بثبوت الحق أو عدم العلم بثبوته فمحمول على التقية، وتبقى المقبولة حينئذ على إطلاقها سليمة عن المعارض.
الثالث: أن يقال: إنّ المراد من القضاة في الموثقة إما قضاة الجور أو الأعم إلاّ أنها ظاهرة في المفهوم أي فيما إذا لم يعلم بثبوت حقه، وهي نص فيما إذا علم
1) رجال النجاشي 2 : 218 الطبعة الأولى المحققة
بثبوت حقّه، والمقبولة نصّ في عدم جواز الأخذ إذا لم يعلم بثبوت حقه، وظاهرة في عدم الجواز فيما إذا علم بثبوت حقه فإنّ قوله في المقبولة: وإن كان حقه ثابتاً يعني به في الواقع لا في علم الخصم، وإذا كان كل منهما نص في شيء وظاهر في الآخر فيرفع اليد عن ظاهر كل منهما بنص الآخر.
والنتيجة: هي أنه لا يجوز الأخذ بحكمهم فيما إذا لم يعلم بثبوت حقّه وإن كان حقه في الواقع ثابتاً، ويجوز الأخذ فيما إذا علم بثبوت حقه، بلا فرق بين العين أو الدين.
والأظهر من هذه الوجوه هو الثالث وذلك لأنّ حمل الرواية على التقية - كما في الوجه الثاني - مما لا دليل عليه فلا يمكن المصير إليه.
وأما حمل القضاة على قضاة العدل - كما في الوجه الأول - فهو بعيد لمخالفته للقرينة الداخلية وهي انصراف القضاة في زمان الإمام (علیه السلام) إلى قضاة الجور، وللقرينة الخارجية وهي ما دلّ من الروايات على أنّ المراد بالحكام هم قضاة الجور، كما في صحيحة أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): قول الله عزوجل في كتابه: «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ »، فقال: يا أبا بصير إن الله عزوجل قد علم أنّ في الأمة حكّاماً يجورون، أما أنه لم يعن حكام أهل العدل، ولكنه عنى حكام أهل الجور، يا أبا محمد إنه لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى حكّام أهل العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له لكان ممن حاكم إلى الطاغوت، وهو قول الله عزوجل: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ »(1).
والمستفاد من هذه الرواية أنّ المراد من الحكّام هم أهل الجور، فحمل
1) وسائل الشيعة ج 18 باب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3
الموثقة على إرادة حكام العدل في غير محله، نعم قد يقال: إنّ المراد هو الأعم، وعلى كلا التقديرين يقع التعارض بينها وبين المقبولة، ومادة الاجتماع هي صورة العلم بثبوت الحق وعدم العلم بثبوته فيجمع بينهما بما ذكرناه في الوجه الثالث.
ومقتضاه أن يقال: إنّه إذا علم بثبوت حقه له - سواء كان عيناً أو ديناً - جاز له أخذه بحكم قاضي الجور، وأما في صورة الشك أو عدم العلم فلا يجوز الأخذ بحكمه سواء كان عيناً أو ديناً، كما ذكرناه في النتيجةالمتقدمة.
ولا يتوهم الإطلاق في إحدى الروايتين والتقييد في الأخرى، ليحمل المطلق منهما على المقيد بل كلتا الروايتين مطلقتان.
ثم إنّ هذا الوجه من الجمع موافق للأصل المتقدم وليست الرواية مخالفة له.
وعلى فرض التنزل وعدم إمكان الجمع بذلك فيمكن القول بأنه في صورة العلم بثبوت الحق له يجوز له الأخذ، وذلك لأنّ التعليل الوارد في المقبولة لعدم جواز الأخذ مختص بما إذا أخذه بحكم قاضي الجور وهو قوله (علیه السلام): «لأنه أخذه بحكم الطاغوت» وفي ما نحن فيه أخذه بعلمه لا بحكم الطاغوت.
وعلى كل حال فالأقوى جواز الأخذ في صورة العلم وعدم الجواز في صورة عدمه، هذا فيما إذا كان الحاكم هو قاضي الجور، وأما إذا كان الحاكم لا أهلية له للحكم لفقدانه سائر الشرائط - غير الاجتهاد - فالأمر فيه كذلك، بمعنى جواز الأخذ في صورة العلم وعدم الجواز في صورة عدم العلم.
وأما إذا كان عدم الأهلية لفقدان الاجتهاد فهو محل خلاف كما تقدم.
المسألة الثالثة: ما إذا لم يكن الترافع إليهم بالاختيار وهو على نحوين:
فتارة يكون الترافع لجهة التقية والخوف، وأخرى يكون لجهة توقّف أخذ الحق على الرجوع إليهم، إما لامتناع الخصم من الترافع إلى أهل العدل، أو لعدم وجود القاضي من أهل الحقّ.
أما النحو الأول فلا ينبغي الإشكال في الجواز وأخذ الحق بحكمهم لما تقدم من الأدلة العامة الدالة على أنّ التقية في كل شيء، ويؤيد ذلك رواية عطاء بن السائب(1)المتقدمة بناء على أنّ الوارد فيها: «فامضوا في أحكامهم» كما هو الأظهر، نعم الإشكال فيها من جهة السند وقد تقدم الكلام فيها.
وأما النحو الثاني - بكلا شقيه - فهو محلّ خلاف بين الأعلام، فقد ذهب صاحب الجواهر(2)وصاحب العروة(3)إلى عدم الإشكال في الجواز، ولعله المشهور بين الأصحاب لانصراف أدلة المنع عن هذه الصورة.وأشكل المحقق السبزواري في ذلك: بأنّ حكم الجائر بينهما فعل محرم والترافع إليه يقتضي ذلك، فيكون إعانة على الإثم وهو منهي عنها(4).
وردّه في الجواهر(5)بالمنع من كونه إعانة على الإثم، وبمنع الحرمة لظهور النصوص الواردة في اختصاص الإثم بالممتنع عن الترافع إلى قاضي الحق، وغير الممتنع لا يكون آثماً وخصوصاً إذا كان الخصم منهم، فلا ينبغي التوقف في جواز أخذ الحق منه بحكم قضاتهم، بل لعلّه المراد من خبر علي بن محمد.
والظاهر أنّ ما ذكره (قدس سره) هو الصحيح، فإنّ الروايات الواردة في المنع كلّها في مقام ما إذا كان الخصمان من أهل الحق، وأمّا إذا كان أحد الخصمين من أهل الباطل فهو غير مشمول لهذه الروايات، نعم إذا كان الخصمان من أهل الحقّ وامتنع أحدهما عن الترافع إلى قاضي العدل فالإثم على الممتنع كما ذكره صاحب
الجواهر(1)وقد يتوهم أنّ صحيحة أبي بصير(2)المتقدمة - والوارد فيها: « ... لو كان لك على رجل حق ...» - مطلقة فتشمل ما إذا كان الخصم من غير أهل الحق.
ويدفع: بأنّ قوله (علیه السلام) عقيب ذلك: «فدعوته إلى حكام أهل العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى أهل الجور ليقضوا له ...» قرينة على أن الخصم من أهل الحق، ولو كان الخصم من غير أهل الحق لما كان لكلامه (علیه السلام) معنى فإنّ الخصم من غير أهل الحقّ يرى مشروعية الرجوع إلى قضاتهم وإن كان مخطئاً في ذلك.
فالرواية واردة في المتخاصمين من أهل الحق إلاّ أنّ أحدهما أبى إلاّ الترافع إلى أهل الجور، وهكذا جميع الروايات في المقام.
ثم إنّ مقتضى قاعدة نفي الضرر والحرج هو جواز الرجوع إليهم في هذه الصورة لتوقف أخذ الحقّ على ذلك.
هذا إذا كان الحق معلوماً ثابتاً بالوجدان أو بالبينة الشرعية، وأما في غير ذلك فلا وجه لجواز الرجوع إليهم والأخذ بحكمهم.
وأما رواية علي بن محمد فقد تقدم الكلام فيها سنداً ودلالة وهي أجنبية عن المقام.
والحمد لله ربّ العالمين
· لماذا هذا المبحث؟
· ما هي مصادر أموال السلطان الجائر؟
· كيف يردّ المال إلى صاحبه
· ظهور صاحب المال مع بقاء المال وعدمه
· ما هو حكم جوائز السلطان
· نظر الحاكم الشرعي في استنقاذ حقوق الناس من أموال السلطان الجائر وهل يسوغ للمستحق ذلك أم لا؟
· صور المسألة وأحكامها
· هل يسوغ لمستحق الخمس أو الزكاة المقاصّة ممن تعلقت ذمته بهما أو لا؟
· إذا مات الجائر وفي ذمته حقوق للناس فهل يجب على ورثته إخراجها من تركته أو لا؟
· الإشارة إلى مراتب ولاية الفقيه
· التفصيل في أحكام الخراج والمقاسمات
· توجيه كلمات الأعلام
· من هو السلطان الجائر؟
· هل يجوز الأخذ من السلطان مجاناً أو بعوض أم لا؟
· مناقشات المحقق الأردبيلي (قدس سره) في أدلة الجواز والجواب عنها
· هل يعتبر الاستحقاق في الجواز أو لا؟
ذكرنا فيما تقدم أنّ هذا المبحث يشمل ثلاثة موارد:
الثاني: في المعاملة معهم في الخراج والمقاسمات بيعاً وشراء.
الثالث: في إعطائهم الأموال كالزكاة والخمس ونحوهما.
وقد تقدم الكلام في المورد الثالث في مبحث التقية في الزكاة، والبحث في المقام حول الموردين الأولين.
أما المورد الأول: فلابدّ - قبل الخوض فيه - من بيان وجه إفراده بالبحث وتخصيصه بالجائر وأمواله دون غيره ممّن لا يتورع عن الحرام في الأموال كالغاصب والسارق والمرتشي وغيرهم.
والوجه في ذلك أحد أمرين: أولهما: أن يكون الوجه هو احتمال حرمة أموالهم حتى في الشبهات البدوية، بمعنى أنه وإن لم يعلم وجود الحرام في أموالهم على نحو الإجمال أو التفصيل إلاّ أنهم لما كانوا ظلمة وقد نهي عن الركون إليهم أو معاونتهم مضافاً إلى عدم تورعهم عن الحرام ومبالاتهم بأكل أموال الناس بالباطل فلا ينفكّون عادة عن الحرام، وحينئذ فهل يجوز قبول صلتهم وجوائزهم والتصرف فيها مع العوض أو بدونه؟
وهذا الوجه بعيد لعدم وروده في كلمات الأعلام أصلاً، نعم ورد في بعضها كما هو ظاهر الحدائق(1)ومحتمل الشيخ(2)من اعتبار خصوصية زائدة، وهي أنه
لابدّ من العلم بأنّ للظالم مالاً حلالاً لا عدم العلم، وأمّا الحكم بالكراهة فلا يختصّ بأموال السلطان الجائر، بل في مال كلّ من يحتمل في حقّه عدم التورع والمبالاة.
ثانيهما: أنّ الوجه في التعرض لخصوص أموال السلطان الجائر دون غيره هو عدم تنجّز قاعدة العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة في هذا المورد، ولا يجري حينئذ حكمها، ولا يجب الاجتناب عن أطراف الشبهة، وبعبارة أخرى: أنه مع العلم الإجمالي بوجود الحرام في أموال السلطان الجائر وكون الشبهة محصورة، قد يقال بجواز الأخذ والتصرف في أمواله ما لم يعلم الحرام بعينه منها، وذلك لما ورد في كلمات جماعة من الأعلام كما هو محتمل الشرائع(1)، حيث قيّد المنع وحرمة أخذ جوائز السلطان وعمّاله بما إذا علمت أنّها حرام بعينها، ومثله فيالمختصر النافع ونهاية الأحكام والدروس والكفاية ومعقد إجماع المصابيح كما في الجواهر(2).
وهو صريح المسالك حيث قال: إنّ التقييد بالعين إشارة إلى جواز أخذها وإن علم أنّ في ماله مظالم كما هو مقتضى حال الظالم، ولا يكون حكمه حكم المال المختلط بالحرام في وجوب اجتناب الجميع للنصّ على ذلك(3).
وقال ابن إدريس في السرائر: إذا كان يعلم أنّ فيها شيئاً مغصوباً إلاّ أنه غير متميز العين بل هو مخلوط في غيره من غلاته وأمواله فلا بأس بشرائه منها، وقبول صلته منها، لأنّها صارت بمنزلة المستهلكة(4).
وقد خالف في ذلك جماعة منهم صاحب الجواهر(1)والشيخ(2)وغيرهما فقالوا بعدم الفرق بين الجائر وغيره، وحملوا ما ورد من جواز الأخذ منهم على محامل لا توجب الفرق، وستأتي الإشارة إليها، والوجه الثاني هو الأرجح.
ثم إنّ أخذ المال من الجائر والتصرف فيه مع العوض أو بدونه يتصف بالأحكام الخمسة كغيره من الأمور، فقد يكون الأخذ مباحاً كما إذا علم أنه حلال ولم يوجب الميل إليهم ومحبّتهم، وقد يكون مستحباً كما إذا علم بحلّيته وأخذه للإنفاق أو لغرض إنقاذ مال الغير وإيصاله إليه إذا كان المال له، وقد يكون حراماً كما إذا علم بكونه حراماً تفصيلاً أو علم بصاحبه ولم يرض بأخذه، وقد يكون مكروهاً كما في الشبهة البدوية، وقد يكون واجباً كما إذا كان المكلف حاكماً شرعياً وعلم بصاحبه فيجب أخذه وإيصاله إليه، أو كان الأخذ للضرورة من تقية ونحوها.
ويظهر حكم كل من هذه الأقسام من خلال بيان الصور المحتملة في أموال الجائر وهي أربع، فإنه تارة لا يعلم بوجود الحرام في أمواله بحيث يصلح أن يكون ما يأخذه منها، وأخرى يعلم إجمالاً بوجود الحرام في أمواله وقابلاً للانطباق على المال المأخوذ، وثالثة يعلم تفصيلاً بوجود الحرام في المال المأخوذ على نحو متميز، ورابعة يعلم بوجود الحرام فيه إجمالاً.أما الصورة الأولى فقد ذهب جماعة من الأعلام إلى القول بجواز الأخذ من أموال الجائر والمعاملة عليها كغيره من سائر الناس.
واستدل الشيخ(3)على ذلك بأمور ثلاثة:
الأول: بالأصل. الثاني: بالإجماع.الثالث: بالروايات الخاصة الواردة في
المقام، وقد ادّعى صاحب الجواهر(1)الضرورة على ذلك، وقيام السيرة القطعية والعمل المستمر من العلماء وغيرهم في سائر الأعصار والأمصار، وجواز ذلك لا يحتاج إلى إثبات، ولولاه لم يمكن لمؤمن التعيش في أمثال هذه الأزمنة المستلزم للعسر والحرج المنفيين آية ورواية.
هذا، وقد ناقش السيد الأستاذ (قدس سره) (2)في الأصل بأنه: يلزم منه إما القول بالتسامح أو الحمل على الأخص، وذلك لأنّ الأصل إن كان المراد به قاعدة اليد المتصيدة من الروايات في الموارد المختلفة بأن يقال: إنّ يد الجائر معتبرة كيد غيره من سائر الناس فهو وإن كان صحيحاً ما لم يعلم بالخلاف إلاّ أن في التعبير عن القاعدة بالأصل تسامحاً.
وإن كان المراد أصالة الصحة في عمله، لزم الحمل على الأخص لأنّ الدليل لبّي وهو السيرة، والقدر المتيقن منها ما إذا شك في الصحة بالنسبة للعقود والإيقاعات مع إحراز أهلية المتعاقدين، وأما في غير هذه الموارد فلم تثبت السيرة على الصحة، ولا دليل على حمل فعل المسلم على الصحة.
وإن كان المراد به أصالة الإباحة فإنّها جارية في الأموال التي لم تكن مسبوقة بيد آخر كالمباحات الأصلية التي ملكها الجائر بالحيازة، وأما إذا كانت مسبوقة بيد آخر فلا تجري أصالة الإباحة لأنها محكومة بأصل آخر وهو أصالة عدم انتقال المال إلى الجائر فتحرم، إلاّ أن يثبت ذلك بقاعدة اليد أو أصالة الصحة كما تقدم، وحينئذ نحتاج إليهما أيضاً، وعلى كل تقدير فلا يتم الاستدلال بذلك.
وأما الإجماع فقد أشكل فيه بأنه: ليس من الإجماع الكاشف لاحتمال أن يكون المستند هو الأصل أو الروايات الخاصة.
فالعمدة هي الروايات الخاصة الواردة في المقام.
هذا، ولكن يمكن أن يقال: إنّ المراد بالأصل شيء آخر غير ما ذكره (قدس سره) وهو أن يكون المراد به أصالة الإباحة في خصوص أموال الجائر، أو كل من يغلب على أمواله جانب الحرام ولا ينفك عنه عادة، حيث يحتمل عدم اعتبار صحة عقودهم وتصرفاتهم لكونهم ظلمة غير متورعين عن الحرام، وحينئذ فالأصل يقتضي عدم الاعتبار بهذا الاحتمال بل التعامل معهم كالتعامل مع سائر الناس، وبناء على هذا المعنى فهذا الأصل مقدم على قاعدة اليد أو أصالة الصحة، لأنه يتحقق معه موضوعهما.
وأما الروايات فقد استدل بجملة منها على ذلك:
منها: صحيحة أبي ولاّد قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما ترى في رجل يلي أعمال السلطان ليس له مكسب إلاّ من أعمالهم، وأنا أمرّ به فأنزل عليه فيضيفني ويحسن إليّ، وربما أمر لي بالدرهم والكسوة، وقد ضاق صدري من ذلك؟ فقال لي: كل وخذ منه، فلك المهنّا «الحظ» وعليه الوزر(1).
ومحل الشاهد قوله: «كل وخذ منه» وهو صريح في الجواز.
ومنها: صحيحة أبي المغرا - وهو حميد بن المثنى - قال: سأل رجل أبا عبد الله(علیه السلام) وأنا عنده فقال: أصلحك الله أمرّ بالعامل فيجيزني بالدرهم آخذها؟ قال: نعم، قلت: وأحج بها؟ قال: نعم(2).
وروى الشيخ بإسناده عن ابن أبي عمير عن أبي المغرا عن محمد بن هشام أو غيره، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أمر بالعامل فيصلني بالصلة أقبلها؟ قال: نعم، قلت: وأحجّ منها؟ قال: نعم وحجّ منها(3).
وهاتان الروايتان متقاربتان في المتن فإن كانتا رواية واحدة فهي غير معتبرة للإرسال في سند الرواية الثانية، نعم لو كان الإرسال من ابن أبي عمير لكانت معتبرة، لما تقرر في محلّه من أنّ مراسيل ابن أبي عمير وأمثاله يمكن الاعتماد عليها، إلاّ أنّ الإرسال هنا من أبي المغرا، وأما سند الرواية الأولى فهو صحيح، وذلك لأنّ الشيخ يرويها بإسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن أبي المغرا(1)، كما أنّ الصدوق يرويهابسنده عن أبيه عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عثمان بن عيسى، عن أبي المغرا(2)، والأظهر أنّهما روايتان لا واحدة والأولى منهما صحيحة السند واضحة الدلالة، والثانية وإن كانت تامة الدلالة إلاّ أنّ في سندها إشكالاً، وأما أبو المغرا فهو حميد بن المثنى كما ذكرنا وهو ممّن وثقه الشيخ(3)والنجاشي(4)والصدوق(5)وروى عنه ابن أبي عمير وصفوان(6).
ومنها: معتبرة محمد بن مسلم وزرارة قالا: سمعناه يقول: جوائز العمال ليس بها بأس(7).
والرواية من حيث الدلالة تامّة، وأما من جهة السند ففيه كلام لاشتماله على علي بن السندي وهو ممن لم يوثق، نعم نقل الكشي عن نصر بن الصباح أنه قال: علي بن إسماعيل ثقة وهو علي بن السندي لقب إسماعيل بالسندي(8).
1) تهذيب الأحكام ج 6 باب المكاسب، الحديث 63
2) مشيخة الفقيه ص 66 - 67 دار التعارف للمطبوعات
3) الفهرست: 85 الطبعة الثانية
4) رجال النجاشي 1 : 322 الطبعة الأولى المحققة
5) مشيخة الفقيه: 67 دار التعارف للمطبوعات
6) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 426 الطبعة الأولى
7) وسائل الشيعة ج 12 باب 51 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5
8) رجال الكشي 2 : 860 منشورات مؤسسة آل البيت وقد اختلفت النسخ هل هو السندي أو السدي أو السري وأكثر الكتب الرجالية على أنه السندي
وقد ناقش السيد الأستاذ (قدس سره) في المعجم في اتحادهما أولاً وعلى فرض الاتحاد ناقش في توثيق نصر بن الصباح ثانياً(1).
هذا، ولكن لما كان علي بن السندي واقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة(2)ولم يستثنه ابن الوليد وقد رجحنا اعتبار من وقع في أسناد هذا الكتاب ولم يستثن فيمكن الحكم بوثاقته والاعتماد على روايته.
ومنها: معتبرة أحمد بن محمد بن عيسى في (نوادره) عن أبيه عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لا بأس بجوائز السلطان(3).
والرواية تامة سنداً ودلالة، وغيرها من الروايات والمستفاد منها أنّ أصل الحكم مما لا إشكال فيه.نعم لشيخنا الأنصاري (قدس سره) بحث في المقام حاصله: أنّه يظهر من بعض الروايات أنّ المعتبر في هذه الصورة العلم بوجود مال حلال في أموال الجائر، ولا يكتفى بعدم العلم(4)وهذا ما يظهر من رواية الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه كتب إلى صاحب الزمان (عج الله تعالی فرجه الشریف) يسأله عن الرجل من وكلاء الوقف مستحلّ لما في يده لا يرع عن أخذ ماله، ربما نزلت في قريته وهو فيها، أو أدخل منزله وقد حضر طعامه فيدعوني إليه، فإن لم آكل طعامه عاداني عليه، فهل يجوز لي أن آكل من طعامه وأتصدق بصدقة؟ وكم مقدار الصدقة؟ وإن أهدى هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر فيدعوني إلى أن أنال منها وأنا أعلم أنّ الوكيل لا يتورع عن أخذ ما في يده، فهل عليّ فيه شيء إن أنا نلت منها؟ الجواب:
إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه واقبل برّه، وإلاّ فلا(1).
ومحل الشاهد قوله: إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه واقبل برّه، وإلاّ فلا.
وبناء على ذلك تكون هذه الرواية مقيدة لإطلاقات الروايات المتقدمة، وأنّه لابد في جواز الأخذ من العلم بوجود المال الحلال في أموال الجائر أو عمّاله، ولكن ذكر الشيخ أنّ هذه الصورة قليلة التحقق(2).
وقد ناقش السيد الأستاذ (قدس سره) في الرواية سنداً ودلالة، أما من جهة السند فهي ضعيفة بالإرسال فلا يمكن الاعتماد عليها.
وأما من جهة الدلالة فبأنها أجنبية عن المقام لأنّ مورد الكلام هو الصورة الأولى، وهي عدم العلم بوجود المال الحرام في أموال الجائر، ومفاد الرواية هو العلم بوجود الحرام في أمواله، فهي راجعة إلى الصورة الثانية الآتية، ولعل ذكره هنا اشتباه من الناسخ حيث كتبها في غير موضعها(3).
هذا، ولكن يمكن دفع كلا الإشكالين أما من جهة السند فإنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى جميع روايات الحميري وكتبه ومسائله(4)، مضافاً إلىأن الشيخ روى هذه الرواية في كتابه الغيبة(5)بسند معتبر.
وأما من جهة الدلالة فيمكن أن يقال: إنّ نظر الشيخ (قدس سره) إلى جواب الإمام(علیه السلام) لا إلى مورد السؤال أي بإلغاء خصوصية المورد، وكأنّما الإمام (علیه السلام) في مقام ضرب قاعدة كلّية لا تختصّ بمورد السؤال، وفي كلام الشيخ إشارة إلى ذلك .
وبناء على هذا فإذا كان جواب الإمام (علیه السلام) على نحو كلّي فهي شاملة للمقام ويكون مؤدّى الرواية إذا علمت بأنه حلال فخذ وكل، واقبل، وإذا علمت بأنه حرام فلا، نعم، إذا لوحظ الجواب والسؤال معاً فالرواية من موارد العلم الإجمالي كما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) .
هذا، ولكن الالتزام بإلغاء خصوصية المورد لا يخلو من إشكال.
وأما الصورة الثانية وهي ما إذا علم المكلّف إجمالاً بوجود الحرام في أموال الجائر، فتارة يكون العلم الإجمالي غير منجز كما إذا كانت الشبهة غير محصورة أو كان بعض أطرافها خارجاً عن محل الابتلاء، وتارة يكون منجزاً كما إذا كانت الأطراف محصورة ومورداً للابتلاء.
أما الأول فقد حكموا فيه بعدم وجوب الاجتناب وهو ما تقتضيه القاعدة، نعم حكموا فيه بالكراهة، وذكروا طرقاً للتخلص منها، وستأتي الإشارة إليها.
وأما الثاني فهو محل الخلاف بين الأعلام، فذهب أستاذ صاحب الجواهر(1)والشيخ(2)وكثير من الفقهاء إلى وجوب الاجتناب، بلا فرق بينه وبين سائر الناس، ولا بين الأموال وغيرها، فإذا كان الشبهة محصورة وفي معرض الابتلاء كما إذا أراد أخذ شيء من مال الجائر مقاصّة، أو أذن له الجائر في أخذ شيء من أمواله على سبيل التخيير، أو علم المكلّف أن الجائر قد أجاز له الأخذ من المال المختلط بالحرام في اعتقاده، أو نحو ذلك من الموارد فمقتضى القاعدة هو الاحتياط ووجوب الاجتناب.
وذهب جماعة آخرون - تقدم ذكرهم - إلى أنّ القاعدة مخصصة بأموال الجائر فيجوز الأخذ والتصرف في أمواله ما لم يعلم بالحرام منها بعينه، وذهب
صاحب الجواهر (قدس سره) إلى القول بالاحتياط في الاجتناب وإن كان الأقوىعنده عدم وجوب الاجتناب(1)، ولابدّ من النظر فيما استدلوا به على التخصيص لنرى مقدار نهوض أدلّتهم على ذلك، وقد استدلوا بطوائف من الروايات :
الأولى - وهي العمدة - ما ورد في خصوص الجائر وعمّاله، وهي عدّة روايات:
منها: صحيحة أبي ولاّد المتقدمة، وموضع الشاهد منها قوله (علیه السلام): «كل وخذ منه فلك المهنّا وعليه الوزر» (2).
وقد ناقش الشيخ (قدس سره) في دلالتها بأنها لا تدل على المدّعى، وذلك لاحتمال أنّ المراد من الرواية أنّ ما يأخذه عمّال السلطان بإزاء عملهم له، مع أنّ العمل له من المكاسب المحرمة، هل يجوز الأخذ من ماله وحضور ضيافته والأكل من طعامه أم لا؟ فإنّه وإن كان في يده مال حرام إلاّ أن الذي يعطيه أو يجيز به شبهة بدوية لاحتمال كونه مالاً حلالاً كأن يكون مما اقترضه أو اشتراه في الذمة، فأجاب الإمام (علیه السلام) بجواز ذلك، وهذا ممّا تقتضيه القاعدة، وأمّا احتمال أن يكون المال المأخوذ من عين الحرام فهو بعيد واحتماله ساقط، فالرواية من جهة دلالتها على المدعى غير تامة(3).
ومنها: صحيحة أبي المغرا المتقدمة أيضاً، وموضع الشاهد منها قوله: آخذها؟ قال: نعم، قلت: وأحجّ بها؟ قال: نعم(4).
ومنها: رواية محمد بن هشام - أو غيره - قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) أمرّ بالعامل فيصلني بالصلة أقبلها؟ قال: نعم، قلت: وأحجّ منها؟ قال: نعم وحج
منها(1).
ومنها: معتبرة محمد بن مسلم وزرارة - المتقدمة أيضاً - قالا: سمعناه يقول: جوائز العمال ليس بها بأس(2).
وقد ناقش الشيخ (قدس سره) في هذه الروايات بما ناقش به في الرواية الأولى وخلاصة ما أفاده: أنه لابد من رفع اليد عن إطلاقات هذه الروايات وحملها إما على الشبهة البدوية، أو الشبهة غير المحصورة، أو ما إذاكان بعض الأطراف خارجة عن محل الابتلاء، أو ما إذا كان العلم الإجمالي غير منجز في حقه وإن كان مورداً للابتلاء، كما إذا كان الباقي تحت يد الجائر معلوم الحرمة تفصيلاً، لأنه إما أن يكون مال الغير ويحرم أخذه، وإما أن يكون مالاً للجائر ولم يؤذن له في أخذه، وحينئذ لا يبقى أثر للعلم الإجمالي(3).
والأخير من هذه الوجوه هو الأقوى، وذلك لأنّ كون المورد من الشبهة غير المحصورة بعيد جداً إذ لا تتحقق شبهة غير محصورة في أموال شخص واحد إلاّ نادراً، نعم بناء على دعوى صاحب الجواهر(4)يمكن تحقّقها في جميع من علم بوجود الحرام في أمواله كالسارق والعشّار والمرابي والمرتشي ومن لم يخرج الحقوق ونحوهم، إلاّ أنّ هذا خارج عن محل الكلام، ولابدّ من ملاحظة كل صنف على حياله، وإلاّ أمكن إرجاع كل شبهة محصورة إلى شبهة غير محصورة بإلغاء خصوصية الموضوع أو الصنف.
وأمّا كون بعض الأطراف خارجة عن محل الابتلاء فلا يجري في جميع أمواله، بل في ما يختص به كجاريته وأمّ ولده وملابسه ونحو ذلك، وهذا لا يوجب
انحلال العلم الإجمالي، مع أنّه لا دليل على اعتبار عدم الابتلاء في تنجيز العلم الإجمالي، بل المناط هو القدرة عقلاً أو شرعاً في التنجيز وهي متحققة في المقام، وأمّا كون الشبهة بدوية فينطبق على الوجه الأخير بالنسبة إلى المقدار المأخوذ من أموال الجائر إذ من المحتمل أن يكون المال المأخوذ من الجائر حلالاً ولا علم بأنّه حرام، وهذا كاف في جواز التصرف.
والحاصل: أنّ هذه الروايات الدالة على جواز التصرف في أموال الجائر لا إطلاق فيها وموردها ما يعطيه الجائر من المال، ومع هذا الحمل المطابق لمقتضى القاعدة لا يبقى مجال للقول بجواز التصرف في أموال الجائر مطلقاً.
ما دلّ على حلّية الأشياء ما لم تثبت حرمتها وهي عدّة روايات:
منها: رواية عبد الله بن سليمان قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن الجبنفقال لي: لقد سألتني عن طعام يعجبني ... فقال: سأخبرك عن الجبن وغيره، كلّ ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه(1).
والرواية بإطلاقها شاملة لما نحن فيه.
ومنها: روايته الأخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الجبن قال: كلّ شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميتة(2).
ومنها: مرسلة معاوية بن عمار عن رجل من أصحابنا قال: كنت عند أبي جعفر (علیه السلام) فسأله عن الجبن فقال أبو جعفر (علیه السلام): إنه لطعام يعجبني وسأخبرك عن الجبن وغيره، كلّ شيء فيه الحلال والحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه بعينه(3).
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه(1).
فهذه الروايات تدل بإطلاقها على جواز التصرف فيما أخذ من الظالم ما لم تعلم حرمته تفصيلاً.
إلاّ أنّ التمسك بهذه الروايات واضح الضعف، لأنّ العمل بإطلاقها يقتضي جواز ارتكاب جميع الشبهات المحصورة وغير المحصورة وإلغاء العلم الإجمالي من أصله، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به.
ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) في حاشيته على المكاسب(2)وهي ثلاث روايات في موارد مختلفة:
الأولى: في الربا، وهي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: أتى رجل أبي(علیه السلام) فقال: إنّي ورثت مالاً وقد علمت أنّ صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي، وقد عرف أنّ فيه ربا واستيقن ذلك، وليس يطيب لي حلالهلحال علمي فيه، وقد سألت فقهاء أهل العراق وأهل الحجاز فقالوا: لا يحلّ أكله، فقال أبو جعفر (علیه السلام): إن كنت تعلم بأنّ فيه مالاً معروفاً ربا وتعرف أهله فخذ رأس مالك وردّ ما سوى ذلك، وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً، فإنّ المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه، فإنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد وضع ما مضى من الربا وحرّم عليهم ما بقي، فمن جهل وسع له جهله حتى يعرفه، فإذا عرف تحريمه حرم عليه ووجب «وجبت خ ل» عليه فيه العقوبة إذا ركبه كما على من يأكل الربا(3).
فهذه الرواية تدلّ على جواز التصرف في الأموال المأخوذة من الجائر ولو
مع العلم باشتمالها على الحرام.
الثانية: - في المال الحلال المختلط بالحرام - وهي موثقة سماعة وقال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل أصاب مالاً من عمل بني أمية وهو يتصدق منه، ويصل منه قرابته، ويحجّ ليغفر له ما اكتسب، ويقول: إنّ الحسنات يذهبن السيئات، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): إنّ الخطيئة لا تكفّر الخطيئة، وإنّ الحسنة تحطّ الخطيئة، ثم قال: إن كان خلط الحرام حلالاً فاختلطا جميعاً فلم يعرف الحرام من الحلال فلا بأس(1).
الثالثة: - في شراء ما يأخذه العامل - وهي رواية محمد بن أبي حمزة عن رجل قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): اشتري الطعام فيجيئني من يتظلّم ويقول: ظلمني، فقال: اشتره(2).
إلاّ أنّ دلالة هذه الروايات على المدعى مشكل، أمّا صحيحة الحلبي فموردها خاص وهو الربا ولا يمكن التعدي منه إلى غيره، ولعلّ للشارع المقدس غرضاً في ذلك، وهو التسهيل على العباد في خصوص هذا المورد، ولاسيّما أنّ السائل في مقام الاستفتاء لمعرفة وظيفته الشرعية تجاه المال الذي ورثه، مضافاً إلى أنّ الرواية لم تشتمل على لفظ يستفاد منه الإطلاق، فإنّ قوله(علیه السلام): «وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً، فإنّ المال مالك» يريد به نفس المال الموروث لا مطلق المال.
وأما موثقة سماعة فصدرها مختص بأموال السلطان وهو ما كان يصيبه من عمل بني أمية، نعم يمكن استفادة الإطلاق من قوله (علیه السلام): «إن كان خلط الحرام حلالاً فاختلطا جميعاً فلم يعرف الحرام من الحلال فلابأس» وكأنّما الإمام (علیه السلام) يعطي قاعدة كلية في ذلك فقد يقال بدلالتها على المدعى.
ولكن الرواية وإن كانت مطلقة إلاّ أن الجمع بينها وبين الروايات الدالة على وجوب الخمس في المال المشتمل على مقدار من الحرام ولا يعرف صاحبه يقتضي تقييدها بها، وأنّه لابد من إخراج الخمس ليحلّ الباقي، وبناء على هذا فلابدّ من رفع اليد عن إطلاق الرواية كما هو مقتضى الجمع بين الروايات، وقد أشار إلى ذلك صاحب الوسائل في تعقيبه على الرواية(1).
وأما رواية محمد بن أبي حمزة فهي غير تامة أولاً: لضعف سندها فإنها مرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة، وثانياً: أنّ قوله: ظلمني، لا يستلزم العلم بالحرمة، وثالثاً: أنّ الرواية واردة في الخراج والمقاسمة ولها حكم خاص يأتي بيانه.
ما دلّ على جواز شراء المال الحرام من السلطان وهي عدة روايات:
منها: صحيحة أبي بصير قال: سألت أحدهما (علیه السلام) عن شراء الخيانة والسرقة، قال: لا، إلاّ أن يكون قد اختلط معه غيره، فأما السرقة بعينها فلا، إلاّ أن يكون من متاع السلطان فلا بأس بذلك(2).
وموضع الشاهد قوله: «إلاّ أن يكون من متاع السلطان فلا بأس بذلك» أي: وإن كان سرقة أو شبهة محصورة فيجوز شراؤها.
ومنها: موثقة سماعة قال: سألته عن شراء الخيانة والسرقة؟ فقال: «اذا عرفت أنّه كذلك فلا، إلاّ أن يكون شيئاً اشتريته من العامل»(3).
ومنها: معتبرة أحمد بن محمد بن عيسى في «نوادره» عن أبيه قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن شراء الخيانة والسرقة، قال: إذاعرفت ذلك فلا تشتره، إلاّ
من العمّال(1).
وهاتان الروايتان في دلالتهما كالرواية الأولى، والمستفاد منها أنه إذاكان في المال حلال وحرام جاز شراؤه وإن كان شبهة محصورة .
وهذه الروايات وإن كانت معتبرة الأسناد إلاّ أنّ دلالتها على المدعى غير تامة.
أما الرواية الأولى فلأنّ في قوله (علیه السلام): «إلاّ أن يكون من متاع السلطان» احتمالين:
الأول: أن يكون المراد من المتاع هو الأموال التي سرقها من الناس أو غصبها منهم أو نحو ذلك، وهذه الأموال يجوز شراؤها والتصرف فيها.
الثاني: أن يكون المراد من المتاع هو الأموال التي يأخذها من الناس بعنوان الخراج والمقاسمة والزكوات، وإنّما كانت هذه الأموال سرقة وخيانة لأنه لا يستحقها أو أنه إذا أخذها منهم أجحف بهم وأخذ أكثر ممّا ينبغي، وهذا الاحتمال هو الأرجح.
ويؤيده ما ورد في الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه كتب إلى صاحب الزمان (عج الله تعالی فرجه الشریف) أنّ بعض أصحابنا له (لبعض اخواننا ممّن نعرفه) ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب، للسلطان فيها حصّة، وأكرته ربما زرعوا وتنازعوا في حدودها، وتؤذيهم عمّال السلطان، وتتعرض في الكلّ من غلات ضيعة (ضيعته)، وليس لها قيمة لخرابها، وإنّما هي بائرة منذ عشرين سنة، وهو يتحرّج من شرائها لأنه يقال: إنّ هذه الحصة من هذه الضيعة كانت قبضت من الوقف قديماً للسلطان، فإن جاز شراؤها من السلطان كان ذلك صوناً «صواباً خ ل» وصلاحاً له وعمارة لضيعته، وأنه يزرع هذه الحصة من القرية البائرة بفضل (لفضل) ماء ضيعته العامرة وينحسم عن (عنه) طمع أولياء السلطان، وإن لم يجز
1) وسائل الشيعة ج 12 باب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6
ذلك عمل بما تأمره به إن شاء الله فأجابه: الضيعة لا يجوز ابتياعها إلاّ من مالكها أو بأمره أو رضى منه(1).
والمستفاد من هذه الرواية أنّ الأرض كانت وقفاً وقبضت للسلطان، ولم يجوّز الإمام (علیه السلام) ابتياعها إلاّ من صاحبها أو بأمره أو رضاه، وهذه الرواية وإن كانت من جهة السند غير تامة إلاّ أنّ دلالتها على تأييد الاحتمال الثاني واضحة .
ويؤيّد ذلك أيضاً: ما ورد في كثير من الروايات الواردة في جوازالشراء من العامل الظالم، كما ورد في صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل منّا يشتري من السلطان من إبل الصدقة وغنم الصدقة، وهو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم، قال: فقال: ما الإبل إلاّ مثل الحنطة والشعير وغير ذلك، لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه، قيل له: فما ترى في مصدّق يجيئنا فيأخذ منّا صدقات أغنامنا فنقول: بعناها فيبيعناها، فما تقول في شرائها منه؟ فقال: إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس، قيل له: فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظّنا، ويأخذ حظّه فيعزله بكيل فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل(2).
وغيرها من الروايات، ومع وجود هذين الاحتمالين لا يمكن الاستدلال بالرواية على أنّ جميع أموال السلطان حلالاً وإن كانت شبهة محصورة، هذا أولاً، وثانياً: إنه على فرض ثبوت الإطلاق والتعميم لجميع أموال السلطان، يختص السلطان بحكم خاص من دون سائر الناس، والتمسك بهذه الرواية في مقابل سائر الروايات والقواعد المخالفة مشكل، ولابدّ من ردّ علمها إلى أهلها.
وأما الروايتان الأخيرتان فيرد عليهما ما ورد على نفس الرواية السابقة، وأنّ المراد من هذه الأموال التي تؤخذ من الناس من قبل السلطان هي أموال الصدقات والخراج ولا تشمل جميع أموال السلطان، بل إنّ الاحتمال الثاني فيهما أظهر لورود كلمة العامل فيها، وهذه قرينة على أنّ الابتياع مما يكون عاملاً فيه لا مطلق الأموال، فالروايتان واردتان في أموال الخراج والصدقات ولا تشملان الأموال المغصوبة من الناس، فالاستدلال بهذه الطوائف على المدّعى لا يخفى ضعفه.
والحاصل: أنّ الاستدلال بهذه الطوائف من الروايات غير تام لقصور دلالتها على المدعى، ولعدم استفادة الإطلاق منها، وأقصى ما تفيده هو جواز التصرف في الأموال التي تخرج من يد السلطان وعمّاله على نحو الهبة والجائزة، أو ما كان فيه بيع وشراء كما هو مقتضى القاعدة، وأمّا ما عداه من التصرف في أموالهم على نحو مطلق أو على نحو المقاصّة فلا دليل على الإباحة ولا يسوغ التصرف فيها، والقاعدة تقتضي عدم الجواز.بقي في المقام روايتان ربما يتوهم منافاتهما لما تقدم من عدم الجواز:
الأولى: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال لي أبو الحسن موسى (علیه السلام): مالك لا تدخل مع علي في شراء الطعام، إنّي أظنّك ضيقاً، قال: قلت: نعم، فإن شئت وسّعت عليّ، قال: اشتره(1).
وموضع الشاهد قوله: «فإن شئت وسّعت عليّ» فإنه ينبىء عن أنّ المرتكز في الأذهان أنّ الأمر منوط بإجازة الإمام (علیه السلام)، وقد رخّص له الإمام في ذلك، فإذا كان الشراء على طبق القاعدة كما تقدم فما الحاجة إلى الإجازة؟
الثانية: رواية أبي حمزة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: من أحللنا له
1) وسائل الشيعة ج 12 باب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1
شيئاً أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال، وما حرّمناه من ذلك فهو له حرام(1).
والمستفاد من الرواية أنّ حلّية ما يصاب من أعمال السلطان مشروط بإجازة الإمام (علیه السلام) .
والحاصل: أنّ كلتا الروايتين منافيتان لمقتضى القاعدة الدالة على جواز التصرف في بعض ما يؤخذ من أموال الجائر وعمّاله.
ولكن يمكن الجواب عن هاتين الروايتين بما لا ينافي ما تقدم.
أما الرواية الأولى فهي وإن كانت تامة السند إلاّ أنّها واردة في شراء الطعام، وهو من الصدقات والزكوات أو من الخراج والمقاسمات مما لا يستحقّه السلطان فهي من معلوم الحرمة، وأمرها بيد الإمام (علیه السلام) وهذا خارج عن محل الكلام.
وأما الرواية الثانية فمضافاً إلى ضعف سندها بالإرسال، واختلاف متنها(2)كما ذكرنا ذلك في المورد الأول من الموارد المستثناة من حرمة الدخول في أعمال السلطان، إنّ المراد من قوله: «شيئاً أصابه» هو نفس العمل أو ما يكسبه بإزاء العمل للسلطان الجائر - كما تقدم - وأن إعانة الظالم وتقوية شوكته وأجرة العمل حرام، ولابدّ من إذن الإمام (علیه السلام) ليدخلفي الموارد المستثناة من حرمة العمل للظالمين، وهذا هو المراد من الرواية، وعليه فهي أجنبية عن المقام، فإنّ محل الكلام هو أموال السلطان وعمّاله التي تؤخذ منهم بعوض أو بدونه.
الصورة الثالثة: فيما إذا علم تفصيلاً بوجود مقدار من الحرام في المال المأخوذ وفيها مقامات أربعة:
1) وسائل الشيعة ج 12 باب 46 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 15
2) فقد جاء في البصائر بعد قوله: فهو حلال: لأنّ الأئمة منّا مفوض إليهم، فما أحلّوا فهو حلال، وما حرّموا فهو حرام. بصائر الدرجات ج 8 باب 5 في أن ما فوض إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقد فوض إلى الأئمة (علیهم السلام) الحديث 3 ص 404 ، ولاحظ مستدرك الوسائل ج 13 باب 39 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 26
الأول: في حكم الأخذ تكليفاً ووضعاً.
الثاني: في كيفية الرد إلى صاحبه.
الثالث: في حكم ما إذا لم يعلم بالمالك.
الرابع: في حكم ما إذا ظهر المالك.
أما المقام الأول: ففيه اثنا عشرة صورة لأنّ المكلف إما أن يعلم بالحرمة قبل أخذ المال، وإما أن يعلم بعد أخذه واستقراره في يده، وعلى كلا التقديرين فتارة يكون مع العلم برضا صاحبه، وأخرى مع العلم بعدم رضاه، وثالثة مع الشك، وعلى جميع التقادير فتارة يكون مضطراً إلى الأخذ لتقية أو إكراه، وأخرى يكون مختاراً في ذلك.
ويقع الكلام في هذه الصور في موضعين:
الأول: في حكم المضطر تكليفاً ووضعاً.
الثاني: في حكم المختار كذلك.
الموضع الأول: في ما إذا كان المكلّف مضطراً للأخذ للتقية أو الإكراه، أما حكمه التكليفي فلا إشكال في الجواز لما تقدّم من الأدلة العامة الدالة على أنّ التقية في كل ضرورة، أو في كل شيء ما لم تبلغ الدم، بل قد يجب في بعض الأحيان، سواء كان علمه بالحرمة قبل الأخذ أو بعده، وسواء علم برضا مالكه أو بعدم رضاه أو كان شاكّاً في ذلك.
ولكن لابدّ من الاقتصار على مقدار ما ترتفع به التقية أو الإكراه وهو الأخذ فقط، وأما التصرف زائداً على ذلك فهو غصب لا يجوز لحرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه، فإنّ حرمة ماله كحرمة دمه، ولابدّ من قصد الردّ إلى صاحبه لا قصد التملك، فإنه لم يكن مضطراً إلاّ إلى أخذه فقط، فإذا قصد التملك مع كون المال تحت يده عدّ ذلك تصرفاً وهو حرام، وأما إذا لم يقصد التملّك بل قصد الردّ فلا يعدّ ذلك تصرفاً منه بل هو إحسان وأمانة شرعية في يده، ومع العلم برضا صاحبه يكون أمانة مالكية أيضاً.
وأمّا حكمه الوضعي فإن علم برضا صاحبه وقصد الردّ فلا إشكال في عدم الضمان، لما تقدم من أنه أمانة شرعية ومالكية، وإن علم بعدم رضاهفلا وجه للضمان أيضاً لأنّ يده ليست بعدوانية بل يد أمانة شرعية وإحسان، وأولى بعدم الضمان ما إذا كان شاكّاً في رضا صاحبه، هذا مع قصد الردّ، وأما مع قصد التملك فإن كان أخذه بعد العلم بالحرمة فلا مناص عن القول بالضمان لأنّه يعدّ تصرفاً في مال الغير ويده عدوانية، فيترتب عليه أحكام الضمان، ولابدّ من ردّه إلى صاحبه ولا يجوز له التفريط فيه، ولا يردّه إلى الجائر، ولو فرط فيه بذلك استقرّ عليه الضمان، وإن كان أخذه قبل العلم بالحرمة مع قصد التملك فهل يجب الضمان في هذه الصورة أم لا؟ وهو محل الخلاف بين الأعلام والذي يظهر من الشيخ(1)وصاحب الجواهر(2)(قدس سره) قوة الحكم بالضمان بل هو المنسوب إلى المشهور(3)، وعن المسالك(4)والمصابيح(5)عدم الضمان، ثم لا فرق في الحكم بالضمان بين بقاء قصد التملك واستمراره أو تبدله إلى نية الرد، وإن كان يظهر من السيد الطباطبائي (قدس سره) في حاشيته على المكاسب(6)عدم الضمان في الأخير.
فها هنا مسألتان:
الأولى: هل الأخذ مع بقاء قصد التملك موجب للضمان أو لا؟
استدلّ الشيخ على لزوم الضمان بعموم قاعدة الضمان لأنّ أخذ المال وتملكه يوجب الضمان، سواء كان عالماً بالحرمة أو جاهلاً، فهو من موارد القاعدة.
واستشهد (قدس سره) على ذلك بالموارد التي حكم فيها بالضمان وإن كان الآخذ جاهلاً، ومنها: تعاقب الأيدي على مال الغير وإن كان بعضها عن جهل، ومنها: الهبة في ما إذا كان القابض المتهب جاهلاً بالغصب، ومنها: إيداع الغاصب مالاً عند شخص مع جهله بالغصب، ففي هذه الموارد حكم بالضمان فكذلك ما نحن فيه(1).
ويؤيد هذا الوجه بما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) بأنّ القبض بعنوان قبول الهبة وإثبات يد المدفوع إليه بدل يد الدافع، فليست هي حينئذ إلاّ يد الدافع الذي فرض كونه غاصباً، وإن كان المدفوع إليه جاهلاً وعزم علىإرجاعها على مالكها بمجرّد علمه بالغصب، لكن قد سبقت ذلك يد الضمان، فلا يجديه هذا العزم في رفعه، ولا في تحقيق كونها يد أمانة(2).
وأما عدم الضمان فقد استدلّ له بوجوه أقواها ما في المسالك(3)من أنّ وضع يده على المال لمّا كان بترخيص الشارع وإذنه لجهله بالحرمة ولا ضمان عليه حينئذ، فعند العلم بالحرمة يستصحب عدم الضمان.
ويرد عليه أنّ الترخيص هنا حكم ظاهري لا يوجب رفع الضمان، كالموارد التي استشهد بها الشيخ (قدس سره) فإنه مع فرض جواز الأخذ وترخيص الشارع له بذلك إلاّ أنّ الحكم بالضمان ثابت.
والحاصل: أنّ الضمان مستقرّ على الآخذ في حالتي العلم والجهل، ولا يختصّ بصورة العلم.
ومن ذلك يظهر الحكم في المسألة الثانية وهي ما إذا تبدّلت نيّة الآخذ إلى قصد الردّ، خلافاً للسيد الطباطبائي (قدس سره) في الحاشية من أنه مع تبدل نيّته إلى قصد الرد لا ضمان عليه، وذلك لأنه يوجب انقلاب اليد العدوانية إلى يد أمانة
وإحسان، وقاعدة ضمان اليد مخصّصة بأدلة الأمانة إذ لا ضمان فيها، فلا يبقى موضوع للاستصحاب لتبدّل الموضوع(1).
وما ذكره (قدس سره) غير تام، وذلك لأنّ تبدل اليد من العدوان إلى الإحسان لا يستلزم رفع الضمان الثابت قبل التبدل، فإنّ غاية ما تدلّ عليه أدلة الأمانة أنها لا تقتضي الضمان لا أنها ترفع الضمان المستقر، ولابدّ لرفعه من وجود أسبابه، ومنها إيصال المال إلى صاحبه أو إبراء المالك ذمة الآخذ أو غير ذلك، وعليه فلا يتوقف الحكم بثبوت الضمان على الاستدلال بالاستصحاب حتى يستشكل في جريانه بعدم إحراز الموضوع.
نعم إذا رضي المالك ببقاء المال في يد الآخذ حتى يردّه إليه فهذا الرضا بمنزلة القبض وموجب لسقوط الضمان، ويصبح المال وديعة جديدة في يده.
الموضع الثاني: ما إذا كان المكلف مختاراً في الأخذ فإن علم بالحرمة قبل الأخذ ففيه ثلاث صور:
الأولى: أن يعلم برضا صاحبه، ولا إشكال في جواز الأخذ كما لاإشكال في عدم الضمان.
الثانية: أن يعلم بعدم رضاه ولا إشكال في عدم الجواز ولزوم الضمان، ويظهر وجههما مما تقدم.
الثالثة: أن يشك في ذلك وحينئذ فهل يجوز له الأخذ مع عدم الضمان أم لا؟ فيه وجهان:
الأول: الجواز مع عدم الحكم بالضمان، وإليه ذهب السيد الأستاذ (قدس سره) واستدلّ عليه بأن الأخذ بنية الرد إلى صاحبه مصداق للعدل والإحسان، وما على المحسنين من سبيل، والسبيل كما يشمل الحكم التكليفي كذلك يشمل الحكم
1) حاشية المكاسب: 35 الطبع القديم
الوضعي، فلا يكون الأخذ حينئذ حراماً ولا موجباً للضمان.
وأما ما ورد من قاعدة ضمان اليد فإنّها وإن كانت عامة وتدلّ على الضمان مطلقاً أي سواء كان بالتعدي أو غيره إلاّ أنها مخصّصة بدليل الإحسان والأمانة، فلا ضمان في موارد الإحسان والأمانات(1).
الثاني: عدم الجواز وثبوت الضمان.
واستدلّ عليه بما دلّ على أن تصرّف الشخص في مال الغير مع عدم إحراز رضى صاحبه غير جائز، إذ لا يصدق عليه الإحسان ويترتّب عليه الضمان، كموثقة سماعة عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث): أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: من كانت عنده أمانته فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فإنه لا يحل دم امرىء مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفس منه(2).
ورواية أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي قال: كان فيما ورد على الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدّس الله روحه في جواب مسائلي إلى صاحب الدار (علیه السلام): ... فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه(3).
وقد ناقش (قدس سره) في كلتا الروايتين، أما في الأولى فبأنّ الحلية والحرمة فيهما حكمان لموضوع واحد، وهو المال والمراد به منافعه التي تعود إلى المتصرّف من الأكل والشرب والبيع والهبة ونحوها، فلا تشمل المنافع العائدة إلى الآخذ بل هو من المنافع العائدة إلى المالك، وليس للآخذ إلاّ العناء والكلفة.
وأمّا الرواية الثانية فمضافاً إلى ضعف السند بالإرسال، تدلّ على حرمة التصرّف بغير الإذن، ولا يصدق عنوان التصرّف على مجرّد الأخذ بنية الردّ إلى مالكه فإنّ التصرف عبارة عن التقلّب، وعلى فرض التسليم وصدقه عليه لغة
فإنّه منصرف عنه عرفاً، فيكون المال المأخوذ أمانة شرعية عند الآخذ، فتترتب عليه أحكامها الوضعية والتكليفية(1).
والحاصل: أنّ المقام خارج عن مفاد الروايتين موضوعاً وحكماً.
والظاهر أنّ ما ذكره (قدس سره) متين إلاّ حكمه على الرواية الثانية بالإرسال، فإنها وإن وردت مرسلة في كتاب الاحتجاج(2)إلاّ أن الصدوق رواها في «كمال الدين»(3)بسند معتبر عن أربعة من مشايخه مترضياً عنهم(4)عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي وهو ممّن نص النجاشي(5)على وثاقته، وذكر الشيخ في الرجال أنه كان أحد الأبواب(6)، وروى الشيخ بسند معتبر توقيعاً عن الحجة (عج الله تعالی فرجه الشریف) ينص على وثاقته(7)، فلا إشكال في سند الرواية، نعم الإشكال في دلالتها كما ذكر (قدس سره) .
ويؤيد ما قرّره (قدس سره): أولاً: بما ورد في موثقة السكوني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): عونك الضعيف من أفضل الصدقة(8).
وما ورد في صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): كل معروف صدقة(9).
ولا إشكال في أنّ أخذ المال من الجائر واستنقاذه لردّه إلى صاحبه يعدّ من العون والمعروف، وذلك ممّا يوجب خروج هذا المورد تخصّصاً عمّا ورد من حرمة
1) مصباح الفقاهة 2 : 243 الطبعة الأولى
2) الاحتجاج 2 : 479 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - مؤسسة أهل البيت (علیهم السلام) ، بيروت - لبنان
3) كمال الدين ج 2 الباب الخامس والأربعون، الحديث 49
4) نفس المصدر
5) رجال النجاشي 2 : 284 الطبعة الأولى المحققة
6) الرجال باب من لم يرو عنهم (علیهم السلام) ص 496 الطبعة الأولى
7) الغيبة: 415 الطبعة الأولى المحققة
8) وسائل الشيعة ج 11 باب 59 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2
9) نفس المصدر ج 11 باب 1 من أبواب فعل المعروف، الحديث 2
التصرّف في مال الغير بغير إذنه.
وثانياً: إنّ من المعلوم بالوجدان رضا جلّ الناس باستنقاذ أموالهم من الغاصبين وردّها إليهم، ولا تجد أحداً لا يرضى بذلك إلاّ نادراً، ويمكنعدّ هذا أمارة عقلائية على الرضا وطيب النفس، فالحكم بالجواز في هذه الصورة هو الأقوى.
ولكن هل يمكن - هنا - التمسك باستصحاب عدم الرضا وطيب النفس في التصرف بالمال فيحكم بعدم جواز التصرف، أو يقال - على فرض جريانه - إنه معارض بالأدلة المتقدمة ويكون المرجع هو أصالة الحلّ، أو أنّ الاستصحاب غير جار في المقام؟
ويمكن تقريب الاستصحاب بوجوه ثلاثة:
الأول: استصحاب عدم تحقّق السبب الثابت للحلّية.
الثاني: استصحاب عدم رضا المالك وطيب نفسه.
الثالث: استصحاب حرمة التصرّف في المال الثابتة قبل وضع الجائر يده عليه.
والظاهر عدم جريان الاستصحاب في المقام وجميع هذه الوجوه محلّ إشكال، أما عدم جريانه على التقريب الأول فلأنّ السبب - هنا - انتزاعي، والاعتبار بمنشئه وهو أحد أمرين: إما إذن المالك ورضاه، وإما إذن الشارع وترخيصه، فإن كان المنشأ هو الأول فهو متحد مع التقريب الثاني، وسيأتي ما فيه.
وإن كان المنشأ هو الثاني أي إذن الشارع ففيه: أن الحلية لا تحتاج إلى السبب حتى يجري استصحاب عدمه، بل الحرمة هي التي تحتاج إلى السبب لأنّ الأصل الجاري هو البراءة، إلاّ أن يدلّ دليل على الحرمة، فإنّ مقتضى تدريجية الأحكام هو البراءة عن الحكم في مورد الشك.
نعم لو كان في المقام عموم لفظي دال على حرمة التصرف في مال الغير مطلقاً، ومخصّص منفصل دال على الجواز إذا كان برضا صاحبه وطيب نفسه فلا مجال للاستصحاب بل يكون المقام من موارد التمسك بالعام.
وأمّا إذا كان المخصص متصلاً فالعموم لا ينعقد ولا مجال للتمسك به، وحينئذ يكون المقام من موارد استصحاب المخصص - إذا كان - وعلى فرض عدم جريانه فالأصل يقتضي البراءة، والمقام كذلك لأنّ الدليل وهو الروايتان المعتبرتان المتقدمتان - معتبرتي سماعة والأسدي - لم ينعقد لهما عموم، لكون المخصّص متصلاً في كلتا الروايتين، فمع الشك في مورد بأنه مصداق للحرمة أو لا، يكون مجرى للبراءة.
وما يقال: من أنّ إذن الشارع يمكن أن يكون من باب المخصص المنفصل ويحكم حينئذ بحرمة التصرف فهو ضعيف، لأنّ دليل ترخيصالشارع هو الأولوية المستفادة من أدلة إذن المالك ففي مثل المقام يكون حكمهما واحد.
وأمّا التقريب الثاني فقد يشكل عليه بأنه لا يثبت به عدم الرضا المضاف إلى المالك لأنّ المستصحب بسيط، والمعتبر هو رضا المالك وطيب نفسه على نحو الإضافة لا مجرّد الرضا وكونه مالكاً ليستصحبا معاً باستصحاب العدم الأزلي كما في المرأة القرشية.
ويمكن دفع هذا الإشكال أولاً: بأنّ نفس رضا المالك لم يكن ثابتاً لعدم وجوده، وبعد وجوده يُشك في تحقق صفة الرضا على نحو الإضافة لا مطلق الصفة فيستصحب عدمها أزلاً كما في المرأة القرشية.
ولكن ذكرنا في مباحثنا الأصولية أنّ لنا في جريان استصحاب العدم الأزلي تفصيلاً حاصله الفرق بين القضية السالبة المحمول إذا كان قيدها ابتدائياً ولم يكن مستفاداً من التخصيص، وهكذا السالبة المحصّلة إذا كانت من الضدّين
اللّذين لهما ثالث، فيجري فيهما الاستصحاب، وبين ما إذا كانت القضية سالبة المحمول وقيدها مستفاد من التخصيص أو كانت معدولة، أو كانت سالبة محصّلة ولكنّها من الضدين اللّذين لا ثالث لهما فلا يجري، وما نحن فيه إما من قبيل السالبة المحصّلة - كما إذا لم يكن المالك راضياً - وإما من قبيل القضية المعدولة - كما إذا كان التصرّف بغير رضاه - وعليه فلا يصحّ التمسّك باستصحاب العدم الأزلي في المقام.
وثانياً: على فرض التسليم بذلك إلاّ أنه يمكن استصحاب عدم رضا المالك على نحو العدم المحمولي.
وذلك بأن يقال: إنّ المالك لم يكن راضياً في التصرف في ماله قبل استيلاء الجائر عليه، وبعد وضع يده على المال يشك في رضاه فيستصحب عدم الرضا الثابت قبل ذلك.
إلاّ أنّ هذا محل إشكال، وذلك لإمكان القول بتعدد الموضوع فإنّ متعلّق اليقين قبل استيلاء الجائر على المال لم يكن متعنوناً بعنوان الرد لعدم الموضوع وبعد استيلاء الجائر عليه تعنون التصرف بنيّة الرد، وفرق بين العنوانين فإنّ التصرف في المال بعنوان الرد كان مشكوكاً في جوازه من الأول فلم يتحد الموضوع فلا يجري الاستصحاب.
وأما التقريب الثالث وهو استصحاب الحكم، فيرد عليه ما يرد على التقريب الثاني من أنّ الموضوع متعدد، وعلى تقدير الشك لا يصحّ التمسّك بالاستصحاب، فمقتضى ما تقدم أنّ حكم صورة الشك هو الجواز وعدمالضمان، كما يستفاد من إطلاق كلام الشيخ(1)أيضاً.
وأما إذا علم بالحرمة بعد الأخذ وكان أخذه للمال بنية التملّك سواء قصد
1) المكاسب: 69 الطبع القديم
الرد بعد ذلك أو لا، فحكمه حكم ما إذا أخذه قهراً مع عدم العلم بالحرمة قاصداً للتملّك، وما ذكر هناك يأتي هنا حرفاً بحرف، وقد تقدم أنّ مذهب صاحب الجواهر والشيخ بل المنسوب إلى المشهور هو الحكم بالضمان ومذهب المسالك والمصابيح هو عدم الضمان، وفصّل السيد الطباطبائي في حاشيته فحكم بعدم الضمان في صورة ما إذا انقلبت نيّة الآخذ إلى نيّة الرد لصاحبه، فجميع ما تقدم يأتي هنا بلا فرق بين العلم برضا المالك وعدمه.
نعم إذا لم يكن أخذه بعنوان التملك بل للعمل بما تقتضيه الوظيفة الشرعية كالفحص عن المالك ونحوه فإن علم برضا صاحبه أو شكّ فيه جاز له الأخذ مع عدم الضمان، وإن علم بعدم رضاه فالضمان ثابت وإن كان الحكم بالحرمة ساقطاً من جهة جهله.
وأما المقام الثاني وهو كيفية ردّ المال إلى صاحبه فتارة يكون المالك معلوماً وأخرى يكون مجهولاً، ومحلّ الكلام في هذا المقام هو ما إذا كان المالك معلوماً.
ولا خلاف كما لا إشكال في وجوب ردّ المال إلى مالكه فوراً في جميع الصور المتقدمة في المقام الأول، وذلك لأنّ المال في يد الآخر - على بعض هذه الصور - أمانة شرعية ومالكية، أو شرعية فقط، وعلى بعضها الآخر بحكم الغصب، وعلى كلا التقديرين يجب ردّه إلى مالكه.
أما على التقدير الأول فقد دلّ الكتاب والسنة على وجوب ردّ الأمانة إلى أهلها كقوله تعالى: «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا»(1)وكمعتبرة الحسين بن مصعب الهمداني قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: ثلاث لا عذر لأحد فيها أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبرّ
1) سورة النساء، الآية: 58
الوالدين برّين كانا أو فاجرين(1).
ومعتبرة عمار بن مروان قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام) في وصيته له: اعلم أنّ ضارب علي(علیه السلام) بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثمقبلت ذلك منه لأديت إليه الأمانة(2).
وغيرها من الروايات الكثيرة الدالّة على وجوب ردّ الأمانات إلى أهلها ولو كانوا أعداءً لله.
وأما على التقدير الثاني فيدلّ عليه مضافاً إلى حكم العقل بأنّ حبس مال الغير أو التصرف فيه بدون إذنه ظلم وعدوان، الروايات الدالة على الوجوب:
منها: صحيحة أبي عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من اقتطع مال مؤمن غصباً بغير حقّه لم يزل الله معرضاً عنه ماقتاً لأعماله التي يعملها من البر والخير لا يثبتها في حسناته حتى يردّ المال الذي أخذه إلى صاحبه(3).
والرواية صريحة الدلالة في وجوب ردّ المال المغصوب إلى صاحبه كما أنّها معتبرة من جهة السند.
ومنها: رواية علي بن أبي حمزة قال: كان لي صديق من كتّاب بني أمية فقال لي: استأذن لي على أبي عبد الله (علیه السلام) فاستأذنت له «عليه» فأذن له، فلمّا أن دخل سلم وجلس، ثم قال: جعلت فداك إنّي كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً، وأغمضت في مطالبه، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): لولا أنّ بني أمية وجدوا لهم من يكتب ويجبي لهم الفيء ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم ما وجدوا شيئاً إلاّ ما وقع في أيديهم، قال: فقال الفتى: جعلت فداك فهل لي مخرج منه؟ قال: إن قلت لك تفعل؟ قال:
أفعل، قال له: فاخرج من جميع ما كسبت «اكتسبت» في ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدّقت به، وأنا أضمن لك على الله عزوجل الجنّة ...(1).
والرواية طويلة وقد ذكرناها فيما تقدم ومحل الشاهد منها قوله: «فمن عرفت منهم رددت عليه ماله»، وهو واضح الدلالة في وجوب ردّ المال إلى صاحبه، وأمّا من جهة سند الرواية ففيه علي بن أبي حمزة، وهو البطائني وفيه بحث ذكرناه في محله(2).ومنها: موثقة حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعاً، واللص مسلم، هل يرد عليه؟ فقال: لا يردّه فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل، وإلاّ كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرفها حولاً، فإن أصاب صاحبها ردّها عليه وإلاّ تصدّق بها، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم، فإن اختار الأجر فله الأجر، وإن اختار الغرم غرم له وكان الأجر له(3).
وموضع الشاهد قوله: «فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل»، وقوله: «فإن أصاب صاحبها ردّها عليه» وهو دال على وجوب الرد إلى المالك.
ومنها: ما ورد في تحف العقول عن الحسين (علیه السلام) قال: ويروى عن علي (علیه السلام): اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه ... وذلك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم وقسمة الفيء والغنائم وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقّها.
وموضع الشاهد قوله: «مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم» وفيه دلالة على لزوم
ردّ المال إلى صاحبه فإنه من المظالم.
وأما سند الرواية فقد أشرنا فيما تقدم إلى أنّ لنا تحقيقاً حول روايات تحف العقول ذكرناه في محله.
وغيرها من الروايات الكثيرة الدالة على وجوب ردّ المغصوب إلى مالكه فلا إشكال في الحكم.
وإنّما الكلام في أنّه: هل يعتبر في الردّ الإقباض وحمل المال إلى المالك كما هو ظاهر الردّ؟ أو يكفي مجرّد رفع اليد عن المال والتخلية بين المال وصاحبه مع إعلام المالك بذلك؟
ظاهر الجواهر هو الأول حيث قال: حتى لو احتاج إلى أجرة بذلها(1)وذهب الشيخ إلى أنه وإن كان ظاهر الردّ هوالأول، ولكن مقتضى فهم غير واحد من الأصحاب هو الثاني كما ذكره في التذكرة والمسالك وجامع المقاصد وعليه فلا يجوز له حمل المال إلى المالك لأنه يعدّ تصرفاً لم يؤذن فيه إلاّ إذا كان النقل أحفظ(2)، وأيّده السيد الأستاذ (قدس سره) فيذلك بأن المرتكز في أذهان عامة أهل العرف هو التخلية بين المال وبين صاحبه، ولذلك لو طلب من الودعي حمل الوديعة إليه لذمّه العقلاء، خصوصاً إذا بعد موضع أحدهما عن الآخر، واحتاج النقل إلى المؤنة، بل ربما يستلزم الحمل الحرج والضرر(3).
ويمكن أن يُفصّل في المقام بين الوديعة وأمثالها كالأمانة، وبين غيرها كالغصب، وذلك بمقتضى فهم العرف ومناسبة الحكم والموضوع، بأن يقال: إنّ الردّ يتحقق بإيصال المال إلى المكان الذي أخذ منه بحيث يتمكن المالك من وضع يده عليه، وهذا يختلف باختلاف الموردين ففي الوديعة أو الأمانة حيث يقوم
صاحب المال بإيداعه عند المستأمَن فمحلّه هو مكانه، وردّه إلى المالك يتمّ إمّا بالتخلية ورفع اليد عن المال، وإما بإعطائه إياه، وهذا كاف في تحقيق الإيصال إلى صاحبه، ولا حاجة إلى حمله إليه.
وأما في الغصب - حيث إنّ الغاصب معتد - فمحل المغصوب هو المكان الذي أخذ منه، فلابدّ من إرجاعه إلى محله، فإذا غصب المال مثلاً في بلد فرده هو إرجاعه إلى نفس ذلك البلد، ولا يجب عليه حمله إلى بلد آخر وإن كان المالك قد انتقل إليه، إلاّ أن يكون التكليف بذلك من باب أخذ الغاصب بأشد الأحوال، ولولا ذلك لصدق الرد بإيصال المال إلى المحلّ الأول. وبناء على ذلك فردّ الوديعة والأمانة يتحقق بالتخلية ورفع اليد أو الإعطاء، وأمّا رد المغصوب فلا يتحقق إلاّ بالحمل والإيصال إلى المكان الذي غُصب منه.
وأما المقام الثالث وهو ما إذا كان المالك مجهولاً: فهل يجب على الآخذ الفحص عن المالك، أو يجوز له التصدق عنه؟ فيه قولان:
ظاهر الشيخ(1)هو الأول وإن احتمل الثاني(2)، واختاره السيد الأستاذ (قدس سره) (3)، وصريح الجواهر(4)هو الثاني وهو ظاهر المحقق(5).
والكلام فيه يقع في جهات:
الأولى: في بيان دليل الحكم.
وقد استدل للأول بوجهين:
أحدهما: بأنّ الردّ الواجب بمعنى التمكن وعدم حبس المال عن صاحبه يتوقف على الفحص وإعلام الغير، وإلاّ لا يتحقق الردّ،
فلابدّ من وجوب الفحص من باب المقدمة.
ولا يخفى أنّ المراد بالوجوب هنا إن كان هو الوجوب الشرعي فذلك يبتني على وجوب المقدمة شرعاً، وهو محل نزاع بين الأعلام، وإن كان المراد هو الوجوب العقلي فهو ثابت بلا إشكال، أما في الموارد التي هي بحكم الأمانة فوجوب الفحص من باب المقدمة للردّ، وأما في الموارد التي هي بحكم الغصب فوجوب الفحص إما مقدمة للردّ، وإما لحرمة استمرار بقاء المال عنده.
ثانيهما: بالروايات الدالة على وجوب الفحص عن المالك في موارد مختلفة:
منها: ما تقدم في معتبرة حفص بن غياث(1)، من إيداع اللص رجلاً دراهم أو متاعاً، وموضع الشاهد منها قوله: «فيعرّفها حولاً فإن أصاب صاحبها ردّها عليه» وهو يدل على وجوب الفحص عن المالك.
ومنها: ما دل على وجوب الفحص عن الأجير كما في صحيحة هشام بن سالم قال: سأل حفص الأعور أبا عبد الله (علیه السلام) وأنا عنده جالس، قال: إنّه كان لأبي أجير كان يقوم في رحاه، وله عندنا دراهم وليس له وارث، فقال أبو عبد الله(علیه السلام): تدفع إلى المساكين، ثم قال: رأيك فيها ثم أعاد عليه المسألة، فقال له مثل ذلك، فأعاد عليه المسألة ثالثة فقال أبو عبد الله (علیه السلام): تطلب وارثاً فإن وجدت وارثاً وإلاّ فهو كسبيل مالك، ثم قال: ما عسى أن يصنع بها، ثم قال: توصي بها فإن جاء طالبها وإلاّ فهي كسبيل مالك(2).
وموضع الشاهد قوله: «تطلب وارثاً» وظاهر الرواية أنّ الأجير ميّت ولابد من الفحص عن وارثه وإعطائه المال.
ومنها: ما ورد في وجوب تعريف اللقطة وهي عدة روايات(3)
وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن اللقطة قال: لا ترفعها، فإن ابتليت بها فعرفها سنة، فإن جاء طالبها وإلاّ فاجعلها في عرض مالك، يجري عليها ما يجري على مالك حتى يجيء لها طالب، فإن لم يجىء لها طالب فأوص بها في وصيتك. (وسائل الشيعة ج 17 باب2 من أبواب اللقطة، الحديث 10).
وصحيحته الأخرى عن أحدهما (علیه السلام) قال: سألته عن اللقطة قال: لا ترفعوها، فإن ابتليت فعرفها سنة، فإن جاء طالبها وإلاّ فاجعلها في عرض مالك، يجري عليها ما يجري على مالك إلى أن يجيء طالبها. (وسائل الشيعة ج 17 باب 2 من أبواب اللقطة، الحديث 2) وغيرها من الروايات
تشتمل1) وسائل الشيعة ج 17 باب 18 من أبواب اللقطة، الحديث 1
2) نفس المصدر ج 13 باب 22 من أبواب الدين والقرض، الحديث 3
3) كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: واللقطة يجدها الرجل ويأخذها قال: يعرفها سنة فإن جاء لها طالب وإلاّ فهي كسبيل ماله. (وسائل الشيعة ج 17 باب 2 من أبواب اللقطة، الحديث 1) .
على الصحاح ومنها ما دلّ على وجوب الفحص عن صاحب الحق، كصحيحة معاوية بن وهب، قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن رجل كان له على رجل حق ففقد ولا يدري أحي هو أم ميت، ولا يعرف له وارث ولا نسب ولا بلد، قال: اطلبه، قال: إنّ ذلك قد طال فاصدق به قال: اطلبه(1).
وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): «اطلبه» وهو دال على الوجوب.
ومنها: ما دلّ على وجوب الفحص عن صاحب المتاع الذي فارق متاعه وأخذه آخر، كصحيحة يونس بن عبد الرحمن قال: سئل أبو الحسن الرضا (علیه السلام) وأنا حاضر - إلى أن قال: - فقال: رفيق كان لنا بمكة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا، فلما صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا، فأيّ شيء نصنع به؟ قال: تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة، قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع، قال: إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه، قال له: على من جعلت فداك؟ قال: على أهل الولاية(2).
وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): «إذا كان كذا فبعه ...» وهو يدلّ على أنّ جواز
البيع والتصدق مشروط باليأس عن العثور على صاحبه.
هذه هي الروايات التي استدل بها على وجوب الفحص عن المالك إلاّ أن السيد الأستاذ(قدس سره) قد أشكل على الاستدلال بها في المقام.
أما الرواية الأولى فالإشكال عليها من جهتي السند والدلالة، فسندها ضعيف، كما أنّ دلالتها قاصرة عن شمول المقام لاختصاصها بقضية خاصّة وهي الوديعة، فلا وجه للتعدّي إلى غير موردها(1).
وأما سائر الروايات فالإشكال عليها من جهة الدلالة فرواية اللقطة مختصة بموردها ولا يعم غيرها، وبقية الروايات واردة فيما إذا كانالمالك معلوماً مع تعذّر الوصول إليه، ومورد البحث إنّما هو المالك المجهول من الأول، فلا وجه للتعدّي عن مورد الروايات إلى غيره، ودعوى وحدة الملاك بين مواردها وبين مجهول المالك - وهو عدم الوصول إلى المالك - دعوى جزافية إذ لا طريق لنا إلى كشف ذلك(2).
وما ذكره (قدس سره) بالنسبة إلى اللقطة فهو في محله لاحتمال أن يكون لها حكم خاص، ومعه لا يمكن التعدّي عن موردها إلى غيره. وكذلك بالنسبة إلى بقية الروايات فإن مواردها خاصة كما ذكره (قدس سره) .
وأمّا الإشكال على الرواية الأولى فللمناقشة فيه مجال، أما ما ذكره من ضعف(3)سند الرواية ففيه أنّ السند وإن كان يشتمل على علي بن محمد القاساني،
1) مصباح الفقاهة 2 : 250 الطبعة الأولى، دار الهادي - بيروت
2) مصباح الفقاهة 2 : 250 الطبعة الأولى، دار الهادي - بيروت
3) ذكر العلامة التوحيدي ) في تعليقته على مصباح الفقاهة بعد نقله الرواية أن ضعف السند بالقاسم بن محمد وحفص بن غياث وهو سهو من قلمه فإن حفص بن غياث ثقة عند السيد الخوئي (قدس سره) راجع ترجمته في معجم رجال الحديث ج 7 ص 158 ولعل مقصوده علي بن محمد القاساني الذي لم ير السيد (قدس سره) وثاقته
والقاسم بن محمد وهما وإن لم يرد فيهما توثيق إلاّ أنهما قد ورد ذكرهما في كتاب نوادر الحكمة ولم يستثنهما ابن الوليد، وبناء على ذلك فيمكن الحكم بوثاقتهما، نعم ربما يشكل بأنّ القاسم بن محمد مشترك - من حيث الطبقة - بين شخصين أحدهما الجوهري والآخر الأصفهاني فإنّهما يشتركان في الرواية عن سليمان بن داود المنقري والأمر وإن كان كذلك إلاّ أنه يمكن الحكم باعتبار هذا السند لوروده بعينه في تفسير القمي(1)في عدة موارد وقد تتبعناها فوجدنا أن رواية القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث في أكثر من خمسة مواطن من التفسير ومنها رواية الأسياف الخمسة المتقدمة، مضافاً إلى أنّه إن كان هو الجوهري فيمكن الحكم بوثاقته لرواية ابن أبي عمير وصفوان عنه(2).
وبناء على ذلك فيمكن الحكم بوثاقتهما والتعويل على روايتهما، فتكون الرواية من حيث السند معتبرة.
وأما من جهة الدلالة فيمكن المناقشة فيها بأن يقال: إنه قد يستفاد التعدي من مورد الرواية وهو الوديعة إلى محل الكلام، وذلك لأنّالمستفاد من تحليل الرواية، ثلاث نقاط: الأولى: أن المالك غير معلوم، الثانية: أنّ المودع وهو اللص غير مالك للمال، الثالثة: أن مورد الرواية هو الوديعة، والنقطتان الأوليان تنطبقان على ما نحن فيه، فإنّ المال المأخوذ مجهول المالك والجائر غير مالك للمال، ويبقى أن الإعطاء بعنوان الوديعة هل له دخل في الحكم أو لا؟ فإن السلطان الجائر إنما أعطى المال بعنوان التمليك، وفي الرواية أن اللص أعطى المال بعنوان الوديعة.
ولكن لما كان التمليك من قبل غير المالك غير صحيح يقيناً، فإذا قلنا يجب الفحص عن المالك في مورد الرواية لعدم ملكية اللص للمال ففي ما نحن فيه كذلك؛
لعدم ملكية السلطان للمال، فيجب الفحص عن المالك بطريق أولى لأنه لم يعط المال بعنوان الوديعة بل بعنوان التمليك وهو باطل، وعلى فرض عدم الأولوية فهما متساويان، وعليه فالإشكال في عدم امكان التعدي من مورد الرواية إلى غيره في غير محله، ويصح الاستدلال بالرواية على وجوب الفحص عن المالك.
وأما القول الثاني وهو جواز التصدق من دون فحص فقد استدل له بعدة روايات:
منها: رواية علي بن أبي حمزة(1)المتقدمة، وموضع الشاهد منها قوله: «فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدقت به» فإنه يدل على جواز التصدق من دون حاجة إلى
الفحص عن المالك.
ومنها: صحيحة أبي علي بن راشد، قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) قلت: جعلت فداك اشتريت أرضاً إلى جنب ضيعتي بألفي درهم، فلما وفيت المال خبّرت أن الأرض وقف، فقال: لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلّة في مالك، وادفعها إلى من وقفت عليه، قلت: لا أعرف لها ربّاً، قال: تصدّق بغلّتها(2).
والرواية واضحة الدلالة كما أنها صحيحة السند.
ومنها: معتبرة علي بن ميمون الصائغ، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عما يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به؟ قال: تصدّق به، فإمّا لك وإمّا لأهله قال: قلت: فإنّ فيه ذهباً وفضة وحديداً فبأي شيء أبيعه؟ قال: بعه بطعام،قلت: فإن كان لي قرابة محتاج أعطيه منه؟ قال: نعم(3).
ومنها: معتبرته الأخرى قال: سألته عن تراب الصواغين وإنّا نبيعه قال: أما تستطيع أن تستحلّه من صاحبه؟ قال: لا، إذا أخبرته اتّهمني، قال: بعه،
قلت: بأيّ شيء نبيعه؟ قال: بطعام، قلت: فأيّ شيء أصنع به؟ قال: تصدّق به، إمّا لك وإما لأهله (لأهلك خ ل) قلت: إن كان ذا قرابة محتاجاً أصله؟ قال: نعم(1).
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رجل ترك غلاماً له في كرم له يبيعه عنباً أو عصيراً، فانطلق الغلام فعصر خمراً ثم باعه، قال: لا يصلح ثمنه، ثم قال: إنّ رجلاً من ثقيف أهدى إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) راويتين من خمر، فأمر بهما رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فاهريقتا، وقال: إنّ الذي حرّم شربها حرّم ثمنها، ثم قال أبو عبد الله (علیه السلام): إنّ أفضل خصال هذه التي باعها الغلام أن يتصدّق بثمنها(2).
ومنها: رواية أبي أيوب قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): رجل أمر غلامه أن يبيع كرمه عصيراً، فباعه خمراً، ثم أتاه بثمنه، فقال: إن أحبّ الأشياء إليّ أن يتصدّق بثمنه(3).
والمستفاد من هذه الروايات عدم وجوب الفحص عن المالك، ويكفي التصدق بالمال المجهول المالك.
ولكن للمناقشة في دلالة الروايات على ذلك مجال وذلك:
أولاً: بأنه لا إطلاق في هذه الروايات حتى تشمل محل الكلام.
أما رواية علي بن أبي حمزة فمع الغضّ عن سندها إلاّ أن المستفاد من قوله: «فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدّقت به» هو عدم الظفر بصاحب المال واليأس من معرفته، مضافاً إلى أنّ هذه قضية شخصية لعلم الإمام(علیه السلام) بعدم بقاء الرجل على قيد الحياة، فإنه ما مضى عليه إلاّ أشهر قلائل حتى مرض ثم مات، وعليه فلا دلالة في الرواية على جواز التصدّق مطلقاً من دون فحص عن صاحب المال.
وأمّا صحيحة أبي علي بن راشد ففيها: أنّ قوله: «لا أعرف لها ربّاً» يحتمل منه عدم وجود ربّ لها، ولو كان موجوداً لأمكن معرفته بالإعلامونحوه، ويساعد على ذلك الفهم العرفي، فإنّ الظاهر من قوله: «لا أعرف لها ربّاً» عدم وجود الربّ لا أنه موجود مجهول ولا طريق - والحال هذه - إلاّ التصدّق، مضافاً إلى أنها قضية خاصة فلا إطلاق في الرواية لتشمل ما نحن فيه.
وأما معتبرة علي بن ميمون الصائغ ففيها أنه لا يعلم أن المال للغير إما لأنه لنفس الصائغ، وإما لإعراض صاحبه عنه لقلته وعدم الرغبة فيه، فيكون ملكاً للصائغ، وعلى فرض عدم الإعراض عنه إلاّ أنه لا يعلم أنه للغير، والشاهد على ذلك أنه جاء في روايته الثانية قوله: أما تستطيع أن تستحلّه من صاحبه قال: لا، إذا أخبرته اتهمني فقال: بعه ... الخ. وإنّما أمره الإمام بذلك من باب الاحتياط ولم يوجب عليه الاستحلال، ولو كان المال معلوماً أنه للغير لوجب الاستحلال منه وإن لزم منه التهمة، ضرورة اقتضاء براءة الذمة ذلك، فالرواية خارجة عن محلّ النزاع، مضافاً إلى أنّ الرواية الثانية قد يقال بخروجها عن المقام من جهة أخرى، وهي أنّ المالك معلوم لا مجهول بقرينة قوله: «أما تستطيع أن تستحلّه من صاحبه» وذلك يفيد أنّ صاحب المال معلوم إلاّ أن خوف التهمة منعه من استحلاله، وعلى كل تقدير فالروايتان خارجتان عن محل الكلام.
وأما إشكال السيد الأستاذ (قدس سره) على الرواية بضعف السند فهو في غير محلّه بناء على ما قررناه من أنّ رواية أحد المشايخ الثقات - الذين لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة - عن شخص علامة على الوثاقة، وأنّ وقوع الراوي في كتاب نوادر الحكمة ما لم يستثنه ابن الوليد علامة أخرى عليها، وقد روى صفوان عن علي بن ميمون الصائغ كما في سند الرواية الثانية(1)وورد في أسناد كتاب
1) وسائل الشيعة ج 12 باب 16 من أبواب أحكام الصرف، الحديث 2
نوادر الحكمة(1)ولم يستثنه ابن الوليد، وبناء على ذلك فلا إشكال في وثاقته والاعتماد على روايته إلاّ أنّ الإشكال من جهة الدلالة.
وأما صحيحة محمد بن مسلم ورواية أبي أيوب ففيهما أنه وإن كان ثمن البيع حرام وهو الخمر فالبائع لا يكون مالكاً للثمن إلاّ أنّ المشتري أعطى المال برضاه فيمكن القول بأنه أعرض عن المال في مقابل الخمر، وعلى فرض عدم الإعراض وفساد المعاملة وأنّ المال لم يخرج عن ملك المشتري إلاّ أن صاحب الخمر لا يعرف المشتري ولا يتمكنمن ردّ المال إليه، هذا بالإضافة إلى ما يترتب على الفحص عن المشتري من المفاسد كإشاعة المنكر والتشهير بالمشتري والبائع وغير ذلك، فمن أجل عدم الوقوع في هذه المحاذير يكون الفحص كالمتعذر، بل هو ممنوع شرعاً، ولذلك أمر الإمام (علیه السلام) بالتصدّق بالثمن، وعليه فهاتان الروايتان أيضاً خارجتان عن محلّ الكلام.
والحاصل: أنّ هذه الروايات لا تدلّ على جواز التصدّق بالمال المجهول المالك، إما لعدم إطلاقها وإما لخروجها موضوعاً عمّا نحن فيه، فدعوى الإطلاق غير مسموعة.
وثانياً: بما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) وحاصله: أنّه على فرض أنّ الروايات الواردة مطلقة، وأنها ظاهرة في وجوب التصدق بمجهول المالك على وجه الإطلاق أي حتى مع التمكن من الفحص، إلاّ أن بين هذه الروايات وبين إطلاق الآية تعارضاً، وذلك لأنّ الآية تدلّ على وجوب الفحص عن المالك مقدمة إلى الردّ سواء كانت أمانة مالكية كالوديعة والعارية ونحوهما، أم شرعية كاللقطة ومجهول المالك كالغصب والسرقة والمال المأخوذ من الجائر مع العلم بكونه مغصوباً ولكنّه مقيد بالتمكن العقلي من الأداء والفحص أي بحيث يتمكن من
1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 143 الطبعة الأولى
إيصال المال إلى صاحبه.
وأما الروايات فهي وإن دلّت بإطلاقها على وجوب التصدّق مطلقاً إلاّ أنّ موردها الأمانات الشرعية لا المالكية.
فتكون الآية أعمّ مورداً لشمولها الأمانات المالكية والشرعية وأخصّ من جهة وجوب الفحص، والروايات أعمّ من جهة الفحص لشمولها لحالتي التمكّن منه وعدمه وأخصّ من جهة اختصاصها بالأمانة الشرعية.
فيقع التعارض في مورد الاجتماع وهو ما إذا كانت الأمانة شرعية مع القدرة على الفحص، فإنّ مقتضى الآية وجوب الفحص، ومقتضى الروايات عدم وجوبه، وقد ذكر (قدس سره) أنّ مقتضى التحقيق في مبحث التعادل والترجيح من علم الأصول أنه إذا تعارض الخبر مع الكتاب معارضة العموم من وجه ترفع اليد عن الخبر ويؤخذ بعموم الكتاب أو بإطلاقه، وعليه فلابدّ من الأخذ بإطلاق الآية والحكم بوجوب الفحص مع التمكّن منه، ورفع اليد عن المطلقات الظاهرة في عدم الوجوب، وعلى فرض الإغماض والحكم بالتساقط يرجع إلى ما دلّ على حرمة التصرّف في مالالغير بدون إذنه(1)فلابدّ حينئذ من الفحص بمقتضى الآية ولا يجوز التصدّق.
ولكن يمكن المناقشة في ما أفاده بوجهين:
الأول: أنه (قدس سره) ذكر أنّ مورد الاجتماع والتعارض في الروايات هو الأمانات الشرعية، وهو غير تام، فإنّ أغلب الروايات ليست كذلك كرواية علي بن أبي حمزة فإنّ مفادها أنّ المال مغصوب، وذلك لقوله: «فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً وأغمضت في مطالبه» وحينئذ فليس هو من الأمانة الشرعية بل هو غصب ويلزمه حكمه من الضمان والردّ إلى صاحبه، ولذلك أمره الإمام (علیه السلام) برده.
1) مصباح الفقاهة 2 : 250 الطبعة الأولى، دار الهادي - بيروت
وهكذا صحيحة أبي علي بن راشد فإنه اشترى الأرض لظنّه أنها غير مملوكة لأحد فتبين أنها وقف، فتكون بحكم المغصوبة وهي مضمونة عليه فليست الأرض في يده أمانة شرعية.
ومثلهما صحيحة محمد بن مسلم ورواية أبي أيوب فإنّ المال المأخوذ ثمناً للخمر ليس ملكاً للبائع لفساد المعاملة - كما ذكرنا - وحكم المال حينئذ حكم الغصب ويده عليه يد ضمان لا يد أمانة.
نعم في رواية علي بن ميمون الصائغ تكون يده على المال يد أمانة مالكية، وعليه فالروايات ليست مختصة من حيث المورد بالأمانات الشرعية بل هي أعم.
إلاّ أنّنا قد ذكرنا أنّ السيد الأستاذ (قدس سره) يرى أنّ رواية علي بن ميمون الصائغ ضعيفة السند به فعلى مبناه لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية وهي خارجة عن محل الكلام.
وعلى أيّ حال فالقول بأنّ بينهما عموم من وجه على فرض الإطلاق في الروايات وأنّ مادة الاجتماع هي الأمانات الشرعية غير تام.
الثاني: إنّه بناء على كون مادة التعارض هي التمكن من الفحص في الأمانات الشرعية - كما ذكره (قدس سره) - فالحكم بتقديم الكتاب غير واضح، وذلك لأنّ الآية الشريفة لا تدل بظاهرها على وجوب الفحص وإنما تدل على وجوب ردّ الأمانة إلى أهلها، نعم يستفاد وجوب الفحص من حكم العقل من باب المقدمية، فيقع التعارض بين ظاهر إطلاق الروايات وبين حكم العقل، وحينئذ لا مناص عن الأخذ بمفاد الروايات إذ لا يلجأ إلى حكمالعقل إلاّ عند فقدان الدليل، ولكن من المحتمل أنّ المراد من مورد التعارض هو ردّ الأمانة لا وجوب الفحص.
والحاصل: أنّ الآية تدلّ على وجوب الردّ مطلقاً سواء كان المالك معلوماً أو لا، والروايات تدلّ على عدم وجوب الردّ إذا كان غير معلوم مع التمكن منه
وتحصيله، فيقع التعارض بينهما ومادة الاجتماع هي وجوب الردّ مع التمكن إذا كان المالك غير معلوم لا وجوب الفحص مع التمكن.
فإن كان هذا مراده (قدس سره) فالإشكال الثاني غير وارد عليه وإلاّ فهو وارد، ولعلّ مراد السيد (قدس سره) هو ما ذكرناه والاشتباه من قلم المقرر (قدس سره) حيث جعل مورد التعارض وجوب الفحص المستفاد من حكم العقل.
فالعمدة في الإشكال هو الوجه الأول، وهو أنّ الروايات لا إطلاق فيها فلا شمول لها لما نحن فيه.
الأولى: بناء على القول بوجوب الفحص فإذا ادّعى مدع بأنّ المال له، ولم يكن هناك مدع آخر فهل يجوز إعطاؤه المال؟ أو لابد من بيان الأوصاف كما في اللقطة؟ أو لابدّ من حصول الاطمئنان بأنه هو صاحب المال؟ فيه وجوه:
ولم يظهر من الشيخ (قدس سره) ترجيح لأحد هذه الوجوه، والظاهر كما ذكره السيد الأستاذ(قدس سره) (1)أنّ الأقوى هو الأخير.
أما الوجه الأول وهو جواز الإعطاء بمجرّد الادعاء فلا دليل عليه إلاّ ما ورد من قاعدة من ادّعى شيئاً ولم يعارضه أحد في دعواه يحكم بكون الشيء ملكاً له(2)، وبناء على هذه القاعدة يقال بجواز الإعطاء.
ومستند هذه القاعدة رواية منصور بن حازم عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: قلت: عشرة كانوا جلوساً وسطهم كيس فيه ألف درهم فسأل بعضهم بعضاً ألكم هذا الكيس؟ فقالوا كلهم: لا، وقال واحد منهم: هو لي، فلمن هو؟ قال: للذي ادّعاه(3).
والرواية وإن أوردها الكليني(1)مرسلة إلاّ أنّ الشيخ(2)رواها بسند معتبر فلا إشكال في سند الرواية: وإنما الإشكال في دلالتها من جهة أنّ المال ليس تحت يد أحد، بينما المال في ما نحن فيه تحت يد الآخذ فهذه الرواية خارجة عن محل الكلام، ولا يمكن الاستدلال بها على المدعى.
وورد نظير هذه الرواية في اللقطة وهي صحيحة البزنطي قال: سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن الرجل يصيد الطير الذي يسوى دراهم كثيرة، وهو مستوي الجناحين، وهو يعرف صاحبه أيحلّ له إمساكه؟ فقال: إذا عرف صاحبه ردّه عليه، وإن لم يعرفه وملك جناحه فهو له، وإن جاءك طالب لا تتّهمه ردّه عليه(3).
وموضع الشاهد منها قوله (علیه السلام): «وإن جاءك طالب لا تتّهمه ردّه عليه» فهو نظير ما ورد في الرواية المتقدمة، ولكن هذه الرواية لم يعمل بها في موردها فكيف فيما نحن فيه؟ وبناء على ذلك فلا يمكن الاستدلال بها ولا بالقاعدة على جواز إعطاء المال لمجرّد الادّعاء.
وأما الثاني وهو جواز إعطاء المال اعتماداً على الوصف فهو محلّ إشكال أيضاً، لأّنه لا دليل على ذلك حتى في اللقطة وجميع ما ورد من الروايات في ذلك حملت على حصول الاطمئنان وأما مع عدمه فلا يجوز الإعطاء، وعلى فرض الجواز في اللقطة إلاّ أنه هنا غير جائز لأنّ تنزيل ما ورد في رواية حفص بن غياث المتقدمة(4)منزلة اللقطة إنما هو في التعريف بالمال حولاً ووجوب الفحص عن مالكه، لا أنّ حكم المال حكم اللقطة من جميع الوجوه.
وبناء على ذلك فهذا الوجه أيضاً لا يمكن الاعتماد عليه.
فيبقى الوجه الثالث وهو اعتبار حصول الاطمئنان وهو المتعين لموافقته للقاعدة، فإنّ كون المال تحت يد الآخذ فلا يسوغ له إعطاؤه لأحد إلاّ مع الاطمئنان بأنه صاحبه وما لم يعطه إياه فهو ضامن، ولكن إذا أعطاه المال لاطمئنانه بأنه صاحبه، ثم تبيّن أنه ليس مالكاً للمال فحينئذ يلزمه الضمان ووجهه واضح.
المسألة الثانية: لا يجوز إرجاع المال إلى الجائر اختياراً فإن أرجعهإليه لزمه الضمان، وأما إذا أكرهه الجائر على ذلك فهل يحكم عليه بالضمان أم لا؟
وقد تقدم نظير هذه المسألة وذكرنا الاختلاف فيها، ومقتضى القاعدة أنه إذا أخذه بقصد التملك فيحكم بالضمان سواء علم بالغصبية قبل الأخذ أو بعده، وسواء كان مكرهاً على الأخذ أو مختاراً.
وأما إذا أخذه بقصد الردّ إلى مالكه وعلم برضاه فلا ضمان عليه لعدم حصول سببه كالتفريط مثلاً، وكذا إذا كان شاكّاً في رضا المالك على الأقوى.
الجهة الثانية: في مقدار الفحص، فهل يكفي فيه صرف تحقق الفحص في الخارج كصرف تحقق الطبيعة؟ أو أنّ الفحص منوط بالصدق العرفي؟ أو لابدّ من الفحص مقيّداً إلى سنة كما في اللقطة(1)، أو لابدّ من بلوغه حدّ اليأس وحصول القطع أو الاطمئنان بعدم الظفر بالمالك؟ فيه وجوه:
الأول: الاكتفاء بمسمّى الفحص من جهة أن الأمر بالفحص مطلق ويتحقق بصرف الوجود في الخارج فيصدق عليه عنوان الفحص بذلك.
وفيه: أنه إن كان المستند في وجوب الفحص هو الروايات فالمستفاد منها بمقتضى فهم العرف وارتكازهم عدم كفاية المسمّى، بل يحتاج صدقه إلى مضي
1) المكاسب: 70 الطبع القديم
زمان يشتغل فيه بطلب المالك والفحص عنه، مضافاً إلى ما ورد في بعض هذه الروايات من طلب التكرار كما في صحيحة معاوية بن وهب، فقد جاء فيها أنه قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن رجل كان له على رجل حقّ ففقد ولا يدري أحيّ هو أم ميّت ولا يعرف له وارث ولا نسب ولا بلد، قال: اطلبه قال: إنّ ذلك قد طال فأصدّق به؟ قال: اطلبه(1).
فالأمر بتكرار الطلب يدلّ على عدم كفاية المسمّى وصرف الوجوب الخارجي.
وإن كان المستند هو حكم العقل بوجوب الفحص مقدمة لردّ الأمانة إلى صاحبها كما هو
المستفاد من الآية الشريفة فلابدّ - حينئذ - من الفحص حتى يتحقّق اليأس من الظفر بالمالك، وما لم يبلغ حدّ اليأس فوجوب الفحص باق.الثاني: إنّ مقدار الفحص هو ما يصدق عليه ذلك عرفاً، لأنّه مقتضى حمل الخطابات الشرعية على المفاهيم العرفية، والمرتكز في فهم العرف أنه إذا كان هناك أمر بالفحص توقف امتثاله على مقدار من الاشتغال بالطلب بحيث يشهد العرف بذلك.
وفيه: أنه بعيد أيضاً إذ مع الإشكال في الروايات الدالة على وجوب الفحص لا يبقى إطلاق يمكن التمسك به على الفحص بمفهومه العرفي، فيبقى الأمر دائراً بين الوجهين الأخيرين، فإن قلنا بأنّ المستند في وجوب الفحص هو دلالة الآية الشريفة فمقتضاها هو الثاني أي الفحص إلى حدّ اليأس من الظفر بالمالك، وإن قلنا بأنّ المستند غير مختص بها بل تدل عليه معتبرة حفص بن غياث - كما قوّيناه - فمقتضاه هو الأول أي الفحص إلى سنة سواء حصل اليأس من الظفر بالمالك قبل السنة أو بعدها، نعم للشيخ(2)تفصيل في المقام وحاصله: أنّه بناء
على الأخذ برواية حفص فالأقوى هو التفصيل بين ما إذا كان الأخذ لمصلحة المالك أي بنية الرد إلى صاحبه وبين ما إذا كان الأخذ لمصلحة نفسه أي بنية التملّك، فإن كان على النحو الأول فالفحص إلى سنة، وإن كان على النحو الثاني فالفحص إلى حد اليأس وذلك هو مقتضى رواية حفص لأنّ الأخذ كما هو مفاد الرواية كان بعنوان الأمانة والإيداع، ومالك المال - حسب الفرض - مجهول ولذا أمر الإمام (علیه السلام) بالتعريف سنة، ولا خصوصية لمورد الرواية فمع إلغاء الخصوصية يجري حكمها في كل مال أخذ من الظالم أو الغاصب وإن لم يكن بعنوان الأمانة إذا كان الأخذ بقصد الرد إلى صاحبه، وبالتعدي من مورد الرواية إلى ما نحن فيه يكون الفحص إلى سنة، وفي ما عدا ذلك وهو ما إذا لم يكن الأخذ بعنوان الردّ بل لمصلحة نفسه فهو خارج عن مفاد الرواية ويكون داخلاً تحت القاعدة، ولابدّ حينئذ من الفحص إلى بلوغ حدّ اليأس، وهذا هو الأرجح وقد ذكرنا فيما تقدم أنّ الرواية يمكن تعديتها إلى غير موردها.
والمتحصل: هو التفصيل بين ما إذا أخذ المال بقصد الردّ إلى المالك فالفحص إلى سنة، سواء حصل اليأس في أثنائها أو لم يحصل، وبين ما إذا أخذه بقصد التملّك فالفحص إلى بلوغ حدّ اليأس.
فإذا مضت السنة ولم يظفر بالمالك ولم ييأس بل قطع أو اطمأنّ بالظفر به فالقول بعدم الفحص مشكل، والاحتياط يقتضي استمرار الفحص وإنكان مقتضى الرواية هو الاقتصار على السنة، لاحتمال أن يكون الغرض من التحديد بالسنة هو حصول اليأس، وأما إذا شكّ في الظفر بالمالك بعد مضي السنة فالحكم هو الاقتصار على السنة.
ثم إنّ هناك رواية مفادها الاكتفاء بتعريف اللقطة ثلاثة أيام وهي رواية أبان بن تغلب قال: أصبت يوماً ثلاثين ديناراً فسألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذلك،
فقال: أين أصبته؟ قال: قلت له: كنت منصرفاً إلى منزلي فأصبتها قال: فقال: صر إلى المكان الذي أصبت فيه فعرفه فإن جاء طالبه بعد ثلاثة أيام فأعطه إياه وإلاّ تصدّق به(1).
إلاّ أنّ هذه الرواية معارضة بالروايات الصحيحة المتعددة الدالة على أنّ التعريف باللقطة لابدّ وأن يكون إلى سنة، فهي نادرة شاذة ولا يمكن التمسّك بها، مضافاً إلى أنّ في سندها محمد بن موسى الهمداني وهو ممّن استثناه ابن الوليد من كتاب نوادر الحكمة(2)وكان يقول عنه: إنه كان يضع الحديث(3)، والرواية وإن كان يمكن تصحيح سندها من جهة أخرى إلاّ أنه غير نافع في المقام بعد عدم إمكان الأخذ بدلالتها.
الجهة الثالثة: في حكم المال بعد انتهاء أمد الفحص سواء كان حدّه اليأس من الظفر بالمالك أو بلوغ الفحص إلى سنة، فهل يحكم بتعيّن التصدّق به؟ أو بإبقائه وحفظه؟ أو بتملكه مع الضمان؟ أو بالتخيير بين هذه الأمور؟ أو بدفعه إلى الحاكم الشرعي لأنه ولي الغائب أو أنه للإمام (علیه السلام) ؟
فيه وجوه: نسب الأول - كما في مكاسب الشيخ(4)- إلى المشهور، واستدلّ عليه بأمور:
أحدها: بما أرسله في السرائر حيث قال: وروى أصحابنا أنّه يتصدّق به عنه، ويكون ضامناً إذا لم يرضوا بما فعل(5).
فإنّها وإن كانت مرسلة إلاّ أنها منجبرة بعمل المشهور.
ثانيهما: إنّ التصدّق إحسان إلى المالك، وهو أقرب طرق إيصال المال إلى صاحبه، ولا يبعد دعوى شهادة حال المالك للقطع برضاه بانتفاعه بماله في الآخرة على تقدير عدم انتفاعه به في الدنيا، مضافاً إلى أنّ إبقاءالمال في يد الآخذ والوصية به بعد موته في معرض التلف.
ثالثها: بما ورد في عدة من الروايات المتقدمة كرواية علي بن أبي حمزة، وأخبار اللقطة، ورواية علي بن ميمون الصائغ، وصحيحة ابن أبي راشد، وصحيحة يونس، وغيرها، فإنها وإن وردت في موارد خاصة إلاّ أنه يمكن الاستدلال بمجموعها على الحكم.
رابعها: بما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) من أنّ مقتضى إطلاق الروايات المتقدمة هو وجوب التصدق.
خامسها: بما ذكره (قدس سره) أيضاً من الأولوية المستفادة من الروايات التي تدلّ على وجوب التصدّق فيما إذا كان المالك معلوماً، فإذا كان مجهولاً من الأول فالحكم بوجوب التصدق حينئذ بطريق أولى(1).
وجميع هذه الوجوه قابلة للمناقشة:
أما الأول وهو مرسل السرائر فهو - وإن جعله الشيخ عمدة(2)ما استدلّ به في المقام - ضعيف بالإرسال، ودعوى الانجبار بعمل المشهور غير تامة صغرى وكبرى كما تقدم مفصلاً.
وأما الثاني فقد أشكل عليه الشيخ بأنه لا يمكن عدّه مؤيداً فضلاً عن الاستدلال به(3)، لأنّ الإحسان إلى المالك إنّما يتمّ فيما إذا كان التصرف في المال - بما ذكر - بإذنه أو إحراز رضاه بذلك.
وأمّا كونه أقرب الطرق للإيصال فغير مطّرد في جميع الموارد، لاحتمال أن يكون المال لذمي أو مخالف ولا يرضى بالتصدّق به على أهل الولاية.
وأما الثالث وهو الروايات فهي وإن لم يتعرض لها الشيخ (قدس سره) إلاّ أنّ الوجه فيها واضح، فإنّها واردة في موارد خاصة، والتعدّي منها إلى ما نحن فيه يحتاج إلى دليل وهو مفقود في المقام.
ويبقى الوجهان الأخيران اللذان ذكرهما السيد (قدس سره) والاستدلال بهما غريب منه (قدس سره)، أما الاستدلال بالإطلاقات فمضافاً إلى أنه لم يستدل برواية علي بن أبي حمزة لضعفها وهو مخالف لما تقدم منه في ردّ إطلاق الروايات واعتماده في الحكم على الآية الشريفة وحدها(1).
وأما ما ذكره (قدس سره) من الأولوية فإنه وإن لم يستفدها من هذه الروايات - بالنسبة إلى وجوب الفحص - لإمكان الفرق بين الموردين بأن يقال: إنّ وجوب الفحص في ما إذا كان المالك معلوماً من الأول فيختص بمورده ولا مجال لاستفادة الأولوية، وأما في ما نحن فيه حيث إنّ الحكم بالتصدّق بعد الفحص في ما إذا كان المالك من الأول معلوماً ففي ما إذا كان المالك مجهولاً فالحكم بالتصدق من باب أولى، والأولوية في محلها.
ولكن يمكن أن يقال: إنّ استفادة الحكم بوجوب التصدّق بالأولوية يتوقف على ما إذا لم يرد في جملة هذه الروايات ما يدلّ على جواز التملك، وحيث إنه قد ورد في غير واحدة من الروايات كما في أخبار اللقطة جواز التملك فلا يبقى حينئذ مجال للتعويل على الأولوية للحكم بوجوب التصدق.
وأما القول الثاني وهو الحكم بتملّك المال مع ضمانه فقد استدلّ له بوجهين:
الأول: بما ورد في صحيحة علي بن مهزيار من قوله (أبي جعفر (علیه السلام))
1) مصباح الفقاهة 2 : 250 الطبعة الأولى
: «... ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب ...»(1)وإليه ذهب المحقق الإيرواني وقال: إنّ هذه الصحيحة صريحة في جواز تملّك مجهول المالك بعد إخراج الخمس(2)كما استظهره المحقق الهمداني من نفس الرواية أيضاً(3).
وبناء على هذا فالمستفاد من الرواية أنّ الآخذ يجوز له تملّك المال بعد إخراج خمسه.
ولكن الرواية وإن كانت من حيث السند تامّة إلاّ أنها من جهة الدلالة ليست كذلك، وذلك لأنّ الرواية ليست في مقام بيان حكم المأخوذ وموضوعه فلا إطلاق لها، نعم لها دلالة على وجوب إخراج الخمس مما جاز تملّكه، وأما أنّها في مقام بيان خصوصية الموارد فلا، وعليه فلابدّ من استفادة الموضوع من أدلة أخرى لقصور دلالة هذه الرواية عن شمولها لما نحن فيه، وقد يقال: إنّ مورد الرواية هو ما دلّت عليه بعضالروايات من أنّ من اشترى حيواناً فوجد في بطنه مالاً ولم يدعه البايع فحينئذ يجوز للمشتري تملّكه بعد إخراج خمسه(4)ومثله ما إذا اشترى سمكة فوجد في جوفها مالاً فإنه يتملكه ويخرج خمسه من دون حاجة للرجوع إلى البائع(5)وسيأتي بيان ذلك، وكذا إذا وجد مالاً في خربة قد جلا عنها أهلها(6)، وورد هذا الحكم أيضاً في باب اللقطة كما جاء في كثير من الروايات(7)وبناء على ذلك فلا يمكن الاستدلال بالرواية على ما نحن فيه لقصور الدلالة كما ذكرنا.
1) وسائل الشيعة ج 6 باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5
2) مصباح الفقاهة 2 : 257 الطبعة الأولى - بيروت
3) مصباح الفقاهة 2 : 257 الطبعة الأولى - بيروت
4) وسائل الشيعة ج 17 باب 9 من أبواب اللقطة، الحديث 1 و 2
5) وسائل الشيعة ج 17 باب 10 من أبواب اللقطة، الأحاديث 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5
6) نفس المصدر باب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 1 ، 2
7) نفس المصدر باب 2 من أبواب اللقطة، الأحاديث 1 ، 3 ، 5 ، 6 ، 10 ، 11 ، وغيرها
الثاني: بما ورد في صحيحة هشام بن سالم قال: سأل خطّاب الأعور أبا إبراهيم (علیه السلام) وأنا جالس، فقال: إنه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالأجرة ففقدناه وبقي من أجره شيء ولا يعرف له وارث. قال: فاطلبوه، قال: قد طلبناه فلم نجده، قال: فقال: مساكين - وحرّك يده - قال: فأعاد عليه قال: اطلب واجهد، فإن قدرت عليه وإلاّ فهو كسبيل مالك حتى يجيء له طالب، فإن حدث بك حدث فأوص به إن جاء لها طالب أن يدفع إليه(1).
وورد نظير هذه الصحيحة عن هشام بن سالم أيضاً قال: سأل حفص الأعور أبا عبد الله(علیه السلام)، وأنا حاضر، فقال: كان لأبي أجير وكان له عنده شيء فهلك الأجير فلم يدع وارثاً ولا قرابة، وقد ضقت بذلك كيف أصنع؟ قال: رأيك المساكين رأيك المساكين، فقلت: إنّي ضقت بذلك ذرعاً قال: هو كسبيل مالك فإن جاء طالب أعطيته(2).
وموضع الشاهد في الرواية الأولى هو قوله (علیه السلام): «اطلب واجهد، فإن قدرت عليه وإلاّ فهو كسبيل مالك» وهو يدل على الأمر بالفحص ومع عدم الظفر بالمالك يكون كسبيل المال، ثم أمر (علیه السلام) بالوصية به، فالرواية بحسب الظاهر دليل على ما نحن فيه بعد إلغاء الخصوصية وهي كون المالك معلوماً ثم فقد، فإن أمكن إلغاؤها صح الاستدلال بها وإلاّ فلا.
وقد أشكل على دلالة الرواية بأمور:أولاً: قوله (علیه السلام): «مساكين» فلعلّ من المحتمل أن مراد الإمام (علیه السلام) هو التصدّق بالمال على المساكين.
وثانياً: أنّ قوله (علیه السلام): «وإلاّ فهو كسبيل مالك» مجمل ولعلّ المراد هو حفظ المال لا تملّكه.
وثالثاً: إنّ الرواية مضطربة، ويحتمل اتحادها مع الرواية الثانية، فإنّ كلتا الروايتين عن هشام وتدوران حول مسألة واحدة وقد اشتملت الأولى على الأمر بالفحص والوصية بالمال دون الثانية.
إلاّ أن هذه الإشكالات غير واردة.
أما قوله (علیه السلام): «مساكين» فيحتمل أن المراد به في الرواية الأولى هو الحكاية عن حال السائل وأنه في حيرة من أمره والإمام (علیه السلام) يبدي شفقته عليه بقرينة تحريكه يده (علیه السلام)، وأما احتمال أن المراد هو أمر الإمام (علیه السلام) بالتصدق بالمال على المساكين فلا يستفاد من الرواية.
وأما قوله (علیه السلام): «رأيك المساكين رأيك المساكين» في الرواية الثانية فيحتمل أنّ المراد هو أنّ الإمام (علیه السلام) كأنّما يستنطق السائل بمعنى هل ترى أنّ الحكم هو التصدّق بالمال على المساكين؟ ويحتمل أن المراد هو أنّ المال يعود للإمام (علیه السلام) بقرينة هلاك صاحبه ولا وارث له ولا قرابة، وقد ثبت أنّ الإمام (علیه السلام) وارث من لا وارث له، وإنما قال: رأيك المساكين وكررها للدلالة على عدم العلم بمآل المال بعد هلاك صاحبه، وكلام الإمام (علیه السلام) يتضمن التوبيخ على الجهل بهذا الحكم، إلاّ أنّ الإمام (علیه السلام) لما رأى ضيق السائل بالمال وتحيّره أذن له بتملّكه وجعله كسبيل الله.
وأما دعوى الإجمال في قوله (علیه السلام): «وإلاّ فهو كسبيل مالك» فغير تامة، إذ لا إجمال في العبارة بل هي صريحة في أن يصنع بالمال كما يصنع بماله من حفظه أو صرفه ونحوهما من سائر التصرفات، ويوضح هذا ما ورد في بعض روايات اللقطة كما سيأتي.
وأما الإشكال بأن الرواية مضطربة فهو وارد لو كانت كلتا الروايتين رواية واحدة، وأما مع التعدد فليست الرواية مضطربة.
والظاهر أنّهما روايتان والسائل في الرواية الأولى غير السائل في الثانية؛
فإنّ السائل في الأولى هو خطّاب بن عبد الله (عبيد الله) الهمداني الأعور(1)وفي الثانية هو حفص بن عيسى الأعور الكناسي(2)هذا أولاً.وثانياً: إنّ الأولى مروية عن أبي إبراهيم (علیه السلام) وهو الإمام الكاظم (علیه السلام) والثانية مروية عن أبي عبد الله (علیه السلام) وهو الصادق (علیه السلام) .
وأما كون موضوع الروايتين واحد وهو السؤال عن الأجير فمع أنه ليس بغريب في الروايات فإنه قد يسأل أحد الأئمة (علیهم السلام) عن أمر ويسأل إمام آخر عن نفس الأمر إلاّ أن الموضوع في هاتين الروايتين مختلف ففي الرواية الأولى فرض السائل أنّ الأجير مفقود ولم يعلم أنه مات ولذا أمر الإمام (علیه السلام) بالفحص عنه والوصية بالمال، وأما في الرواية الثانية فالسؤال عن أجير هلك ولذا لم يأمر الإمام بالفحص أو الوصية بالمال.
والحاصل: إنهما روايتان مستقلتان لا رواية واحدة، وأنّ الاستدلال بالأولى دون الثانية، ومع إلغاء الخصوصية لا بأس بالاستدلال بها على ما نحن فيه.
وهنا رواية صحيحة أخرى عن هشام بن سالم أيضاً وقد تقدم ذكرها وهي أنه قال: سأل حفص الأعور أبا عبد الله (علیه السلام) وأنا عنده جالس قال: كان لأبي أجير كان يقوم في رحاه وله عندنا دراهم وليس له وارث، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): تدفع إلى المساكين ثم قال: رأيك فيها، ثم أعاد عليه المسألة فقال له مثل ذلك، فأعاد عليه المسألة ثالثة، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): تطلب وارثاً فإن وجدت وارثاً وإلاّ فهو كسبيل مالك، قال: ما عسى أن يصنع بها، ثم قال: توصي بها فإن جاء طالبها وإلاّ فهي كسبيل مالك(3).
وموضع الشاهد منها قوله (علیه السلام): «تدفع إلى المساكين» والظاهر أنّ
الإمام (علیه السلام) في مقام الإخبار والحكاية عن حال السائل لا في مقام إنشاء الحكم، ولذا لم يقنع السائل بهذا الجواب وأراد رأي الإمام (علیه السلام) في المسألة فبيّن (علیه السلام) بعد ذلك الحكم وهو الفحص عن الوارث وإلاّ فهو كسبيل أمواله مع الوصية به، وبذلك يمكن تفسير ما ورد في الروايتين السابقتين وأنّ المقصود من قوله: «مساكين» وقوله: «رأيك المساكين» هو الإخبار عن حال السائل كما ذكرنا، وتكون هذه قرينة على المراد من كلتا الروايتين، ثم إنّ دلالة هذه الرواية على المدعى أتمّ ولا بأس بالاستدلال بها في المقام، وقد أورد صاحب الوسائل هذه الرواية في أبواب الدين والقرض ولم يذكرها في باب الميراث، وكان من المناسب أن تذكر في أبواب الميراث أيضاً لتعلّقموضوعها به.
هذا ويمكن الاستدلال بالروايات الواردة في اللقطة من أنّه إذا فحص ولم يظفر بالمالك فالمال كسبيل مال الملتقط وهي عدة روايات:
منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن اللقطة قال: لا ترفعها فإن ابتليت بها فعرفها سنة، فإن جاء طالبها وإلاّ فاجعلها في عرض مالك يجري عليها ما يجري على مالك حتى يجيء لها طالب، فإن لم يجىء لها طالب فأوص بها في وصيتك(1).
ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: واللقطة يجدها الرجل ويأخذها، قال: يعرّفها سنة فإن جاء لها طالب وإلاّ فهي كسبيل ماله(2).
وأصرح منهما صحيحة حنان قال: سأل رجل أبا عبد الله (علیه السلام) وأنا أسمع عن اللقطة فقال: تعرّفها سنة فإن وجدت صاحبها وإلاّ فأنت أحقّ بها، وقال: هي كسبيل مالك، وقال: خيّره إذا جاءك بعد سنة بين أجرها وبين أن تغرمها له
إذا كنت أكلتها(1).
وهذه الروايات يمكن الاستدلال بها لكن بعد إلغاء الخصوصية كما ذكرنا، وأما إذا قلنا بأنها مختصة بمواردها فلا يمكن الاستدلال بها، وأما مع إلغاء الخصوصية بأن يقال: إنّ اللقطة لا خصوصية لها لأنّ المالك مجهول أي: أنّ وجوده كان معلوماً ثم شكّ في وجوده وفي ما نحن فيه كذلك، بل يمكن القول: إنه إذا كان صاحب المال في اللقطة موجوداً أو يُطمأن بوجوده ومع ذلك يجوز تملّك المال بعد التعريف به سنة فجواز التملك في ما نحن فيه من كون المالك غير معلوم الوجود أصلاً بطريق أولى.
والحاصل: أنّه بناء على إلغاء الخصوية والقول بالأولوية يمكن الاستدلال بهذه الروايات على جواز التملك.
ومما يؤيد ذلك أنه قد يقال: إنّ انتهاء أمد الفحص وهو السنة أو اليأس من الظفر بالمالك أمارة على إعراض صاحب المال عن ماله بمعنى أنه لو رجع المال إليه بعد ذلك لكان كأنه ملك جديد، ومقتضى القاعدة أنه إذا أعرض المالك عن ماله جاز تملّكه لواجده، فما نحن فيه من هذا القبيل،إلاّ أن ذلك غير تام.
أولاً: إنه لا دليل على ثبوت الإعراض عن المال بذلك ولا سيما في الأموال الخطيرة.
وثانياً: إنّ القاعدة إنما تجري فيما لم يقم دليل على خلافها، وبناء على القول بأنّ الشارع أمر بالتصدّق فلا تصل النوبة إلى إجراء القاعدة، وفي ما ذكرناه من الأدلة على جواز التملك كفاية.
1) وسائل الشيعة ج 17 باب 2 من أبواب اللقطة، الحديث 5
وأما القول الثالث وهو إبقاء المال وحفظه لصاحبه فقد استدلّ عليه بوجهين:
الأول: إنه موافق لمقتضى القاعدة، وذلك لأنّ المال للغير ولم يحرز جواز التصرف فيه بتملّكه أو التصدق به، والقاعدة حينئذ تقتضي وجوب إمساكه وحفظه حتى يأتي صاحبه.
وأشكل عليه الشيخ بأنّ القاعدة إنّما تجري فيما إذا لم يقم دليل على خلافه وأدلّة التملّك والتصدّق على خلاف القاعدة، مضافاً إلى أنّ إمساك المال وحفظه نوع تصرّف فيه لابدّ له من الإذن ولم يحرز إذن الشارع في ذلك(1)، وأضاف صاحب الجواهر أنّ هذا القول اجتهاد في مقابل النصّ والفتوى(2).
الثاني: بما ورد في رواية الهيثم بن أبي روح صاحب الخان قال: كتبت إلى عبد صالح(علیه السلام): إني أتقبل الفنادق فينزل عندي الرجل فيموت فجأة ولا أعرفه ولا أعرف بلاده ولا ورثته فيبقى المال عندي كيف أصنع به؟ ولمن ذلك المال؟ قال: اتركه على حاله(3).
وأشكل على هذه الرواية بأنها ضعيفة سنداً ودلالة.
أما ضعف السند فلأنّ الهيثم بن أبي روح لم يرد فيه توثيق.
وأما ضعف الدلالة فلأنّ قوله: «اتركه على حاله» أمر بالإبقاء قبل الفحص لا بعده، والإمام (علیه السلام) لم يبيّن حكم ما بعد الفحص وبقرينة سائر الروايات يمكن حمل الرواية على ما قبل الفحص لا بعده.
والحاصل: أنّ ما استدل به على وجوب حفظ المال وإمساكه غير تام.
وأما القول الرابع وهو وجوب دفع المال إلى الحاكم فقد استدلّ لهبوجهين:
الأول: إنّ المال للإمام (علیه السلام)، فلابدّ من دفعه إلى نائبه، ويدلّ على ذلك رواية داود بن أبي يزيد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رجل إنّي قد أصبت مالاً وإنّي قد خفت فيه على نفسي ولو أصبت صاحبه دفعته إليه وتخلّصت منه، قال: فقال له أبو عبد الله (علیه السلام): والله أن لو أصبته كنت تدفعه إليه؟ قال: إي والله، قال: فأنا والله، ماله صاحب غيري، قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: فحلف، فقال: فاذهب فاقسمه في إخوانك ولك الأمن ممّا خفت منه، قال: فقسمته بين إخواني(1).
والمستفاد من هذه الرواية أنّ المال الذي لا يعلم صاحبه يعود إلى الإمام (علیه السلام) ولابدّ من دفعه إليه، وحيث إنّ الحاكم الشرعي نائب عنه فلابد من دفع المال إليه.
وقد أشكل على هذه الرواية بأنّها ضعيفة سنداً ودلالة.
أما ضعف السند فلأنّ الحجّال الواقع في سند الرواية لم يوثق.
وفيه: أنّ الحجال هو أبو محمد عبد الله بن محمد الأسدي الحجّال المزخرف، وقد وثقه الشيخ وعدّه في أصحاب الرضا (علیه السلام) (2)، وقال عنه النجاشي : ثقة ثقة(3)ولم ندر ما وجه تضعيفه إلاّ أن يكون المراد غيره ولم نقف على من يلقّب بالحجال إلاّ الحسن بن علي (أبو محمد الحجال) وهو ثقة أيضاً كما نصّ على ذلك النجاشي، بل إنّما سمّي هذا بالحجال لأنّه كان دائماً يعادل الحجّال الكوفي (عبد الله بن محمد) الذي يبيع الحجل فسمي باسمه(4).
وأمّا غيره من أفراد السند فلا إشكال في وثاقتهم، وبناء على هذا فلا إشكال في اعتبار الرواية من هذه الجهة.
وأما الدلالة فقد أشكل عليها بأمور:
أولاً: إنّ هذه الرواية معارضة بالروايات الدالة على وجوب الفحص.
وثانياً: بما ذكره الشيخ من أنّ ظاهر الرواية هو تعيين التصدّق(1).
وثالثاً: بما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) من أنّ الإشكال في أصل الدلالة، وذلكلأنّ الرواية واردة في قضية شخصية فلا تكون مستنداً لكبرى كلية، إذ من المحتمل أن يكون المال في تلك الواقعة مفقوداً من الإمام نفسه، كما يحتمل أن الإمام (علیه السلام) علم بموت المالك ولم يترك وارثاً غير الإمام (علیه السلام)، ويحتمل أيضاً أن يكون المال من صفو دار الحرب الذي هو خاص للإمام، ومع هذه الاحتمالات لا يبقى مجال للاستدلال بهذه الرواية(2)على ما نحن فيه لقصورها عن ذلك، وقد ذكر العلاّمة المجلسي بعض هذه الاحتمالات كما ذكر غيرها عند شرحه الرواية(3).
أما الإشكال الأول فهو قابل للدفع فإنّ قوله: «وإنّي خفت فيه على نفسي» يشعر بأنّ المال كان عنده مدة طويلة وفحص عن صاحبه حتى يئس من الظفر به، وعليه فالرواية لا تعارض الروايات الدالة على وجوب الفحص.
وأما الإشكال الثاني فقد حمل الشيخ الرواية على التخيير بين الصدقة والدفع إلى الحاكم جمعاً بين الدليلين(4).
وأما الإشكال الثالث فهو وارد، وبناء عليه فلا يمكن الاستدلال بها على المدعى، وقد استظهر المحقق النائيني أنّ الفقهاء لا يفتون على طبق هذه الرواية(5).
الثاني: أنّ الحاكم ولي الغائب فيجب دفع المال إليه.
وأشكل عليه السيد الأستاذ (قدس سره) بأنها دعوى غير تامة، لأنّ ولايته على الغائب إنما هي من جهة الحسبة، فلابدّ من الاقتصار فيها على المورد المتيقن وهو ما إذا لم يكن له ولي آخر غير الحاكم كما في الولاية على اليتيم مع عدم وجود الجد، وأمّا مع وجوده فلا تصل النوبة إلى ولاية غيره، وما نحن فيه من هذا القبيل، إذ مقتضى الروايات هو ثبوت الولاية على مجهول المالك لمن وضع يده عليه، فلا تصل النوبة إلى غيره.
وهكذا الحال بالنسبة إلى وجه آخر وهو أن يقال: بوجوب الدفع إلى الحاكم من جهة أنّ مصرف المال هو الفقراء والمساكين، والحاكم وليّهم.
وذلك لأنّ ولاية الحاكم متأخرة، بل لا مجال لها لثبوت الولاية للآخذ عليه، فلا تصل النوبة إلى الحاكم.وأمّا احتمال أنّ الحاكم أعرف بموارد المال ممّن وضع يده عليه.
ففيه: إن كان المراد أنّ الحاكم أعرف بمصرف مجهول المالك من حيث الشبهة الحكمية فهو مسلّم لأنّ ذلك وظيفة العالم، إلاّ أنّ ذلك لا يدلّ على وجوب دفعه إليه، بل الواجب على العامي أن يسأل العالم عن حكم الواقعة ويعمل على طبق ما أفتى به، وإن كان المراد كونه أعرف من حيث الشبهة الموضوعية فمع عدم اطراده إذ قد يكون الآخذ أعرف بالموارد من الحاكم، لا يجب دفعه إلى الحاكم بل لا تجب الاستجازة منه في إيصاله إلى موارده، نعم الأولى اختيار أحد الأمرين (الدفع إلى الحاكم أو استجازته) لوجود القائل بوجوبه، ولكن لابدّ وأن يكون الدفع إلى الحاكم بعنوان الوكالة في إيصاله إلى موارده، وإلاّ فمقتضى القاعدة لزوم الضمان على الآخذ وإن دفعه إلى الحاكم.
ثم إنه لا فرق بين الدين وبين العين خلافاً لمن فرّق بينهما بأنّ الدين لا
يتشخّص إلاّ بإذن المالك أو وليّه، وذلك لإطلاق الروايات الواردة في المقام ومقتضاه عدم الفرق بينهما(1).
أقول: ما أبعد ما بين ما ذكره السيد (قدس سره) وبين ما اختاره الشيخ(2)وصاحب الجواهر(3)والمحقق النائيني(4)من أنّه مخير بين الإمساك وبين الدفع إلى الحاكم حتى أنهم جعلوا الاحتياط في دفعه إلى الحاكم ليتخلّص الدافع بذلك من الضمان.
ويبتني هذا الفرق على الاختلاف في مقدار ولاية الحاكم فإن قلنا باتساعها اتّجه القول بالدفع إلى الحاكم وإلاّ فلا، وفي مقدار ولاية الحاكم سعة وضيقاً بحث طويل وسيأتي البحث عن ذلك مفصلاً بإذن الله تعالى.
ثم إنه بناء على عدم تمامية الوجهين الأخيرين يبقى الأمر دائراً بين الوجهين الأولين، وهما وجوب التصدق أو التملّك، وقد ذكرنا أدلّة كلا القولين.
وممّا يؤيد القول بالتصدّق بل يدلّ عليه ما تقدم من معتبرة حفص بن غياث(5)بعد إلغاء الخصوصية فتتكافأ أدلة القولين، ويمكن الجمع بينهمابأن يقال برفع اليد عن ظاهر كلّ منهما في التعيين ويحمل على التخيير جمعاً بينهما، ومقتضى ذلك تخيّر الآخذ بين التصدّق وبين التملّك بعد الفحص لمدة سنة أو حصول اليأس من الظفر بالمالك على التفصيل المتقدم عن الشيخ (قدس سره) (6)من كون الأخذ لمصلحة المالك أو لمصلحة الآخذ مع لزوم الضمان في كلّ من حالتي التصدّق أو التملك.
نعم الأحوط أخذ الإجازة من الحاكم خصوصاً مع احتمال كون الإمام هو
صاحب المال إما لموت المالك ولا وارث له غير الإمام، وإمّا لأنّ المال من مختصّات الإمام (علیه السلام) أو غير ذلك مما دلّت عليه رواية داود بن أبي يزيد حيث يشترط فيها إذن الإمام (علیه السلام) .
وأما رواية نصر بن حبيب صاحب الخان قال: كتبت إلى عبد صالح (علیه السلام): لقد وقعت عندي مائتا درهم وأربعة دراهم وأنا صاحب فندق، ومات صاحبها ولم أعرف له ورثة فرأيك في إعلامي حالها، وما أصنع بها فقد ضقت بها ذرعاً؟ فكتب: اعمل فيها واخرجها صدقة قليلاً قليلاً حتى يخرج(1).
والمستفاد منها العمل في المال والتصدّق بربحه تدريجاً حتى يستوفي مقدار المال، فهي مضافاً إلى ضعف سندها لم يعمل بها الأصحاب.
الأولى: إن مالك المال تارة يكون مجهولاً مطلقاً، وأخرى يكون معلوماً إلاّ أنه بين عدد غير محصور، وثالثة يكون معلوماً بين عدد محصور، ورابعة يكون شخصه معلوماً إلاّ أنه يتعذر الوصول إليه لمانع خارجي كما إذا كان مسجوناً أو في مكان بعيد لا يمكن الوصول إليه أو غير ذلك.
أما بالنسبة إلى الصورتين الأوليين فقد تقدم الكلام حولهما، بل إنّ الروايات المتقدمة واردة في بيان حكمهما، وقد صرّح في بعضها بحكم الشبهة إذا كانت غير محصورة كما في صحيحة يونس بن عبد الرحمن(2)المتقدمة.
وأما الصورة الثالثة فالقاعدة تقتضي الاستحلال من جميع أفراد الشبهةكما في سائر الموارد.
وأما الصورة الأخيرة فقد صرّح جماعة منهم المحقق(1)وغيره بأن حكمها حكم الصورة الأولى، وذلك لوحدة المناط وهو عدم إمكان الوصول إلى مالك المال.
ومن المعلوم أنّ هذا الحكم مقيد باليأس عن الوصول إليه وعدم وجود الوارث أو الولي.
المسألة الثانية: إنّ هذا الحكم وهو جواز التصرّف أو التملّك إنما يجري فيما إذا لم يحرز رضا المالك بنحو من أنحاء التصرّفات كالتصدّق أو الإمساك أو التملك، وأما بعد إحراز رضاه فلا إشكال في العمل بمقتضاه ولا ضمان حينئذ على المتصرّف وينبغي الاقتصار في التصرّف على مورد الرضا ولا يسوغ التصرّف فيه بوجه آخر، وبناء عليه فإذا تصرّف في المال بنحو آخر غير ما أحرز رضاه فيه كان من التصرّف في مال الغير بلا إذن.
المسألة الثالثة: إذا اختار الآخذ التصدّق فهل ينوي الصدقة عن المالك أو عن نفسه؟
لم يرد في الأخبار نصّ يشير إلى ذلك، ولعلّه لعدم الحاجة إلى هذا القيد، فإنّ المعتبر هو نية الصدقة فقط، وأمّا كون النية عن نفسه أو عن المالك فلم يؤخذ فيها ذلك، ولذا يكون الثواب مراعى وأنه لمن يتبين أنه صاحب المال، وعلى فرض اللزوم تكون النية عن
المالك لأنه صاحب المال في الظاهر، فإذا ظهر وقبل ذلك فهو، وإلاّ أصبح الثواب إلى المتصدّق إذ ينكشف أنه هو صاحب المال إلاّ أن عليه أن يغرمه للمالك كما يستفاد من الروايات.
المسألة الرابعة: إنّ الحكم المتقدم إنما يجري فيما إذا علم بوجود المالك، وأما إذا علم بعدم وجوده فتارة يعلم بعدم الوارث فالمال حينئذ للإمام (علیه السلام) فإنه وارث من لا وارث له، ومع عدم ظهوره يدفع إلى الحاكم فإنه نائب عنه. وتارة يشك في
1) شرائع الإسلام 2 : 13 الطبعة الأولى المحققة
وجود المالك من جهة الشك في وجود أمه وأبيه وحينئذ يلحق بالمجهول وهو مشمول لبعض الروايات المتقدمة.
وأما إذا علم بعدم وجود الأب والأمّ وشكّ في وجود غيرهما من الأقارب كالأخ والعم مثلاً فبأصالة عدم الوارث مع ضميمة موته وجداناً يتحقّق موضوع من مات ولا وارث له، ولابدّ حينئذ من دفع المال للإمام(علیه السلام) أو نائبه، نعم بناء على عدم جريان الاستصحاب - هنا - لعدم وحدة الموضوع فحكمه حكم الصورة السابقة ويلحق بالمجهول.
المسألة الخامسة: إذا اختار الآخذ التصدّق بالمال فلا إشكال في جواز التصدّق به على الفقراء من غير الهاشميين، وأما جواز التصدّق به على الفقراء الهاشميين أو دفعه للغني ففيه خلاف.
أما الثاني أي جواز دفعه إلى الغني فهو ضعيف، وقد حكي القول به عن صاحب الجواهر(1)تمسكاً بإطلاق الروايات المتقدمة وعدم تقييدها بالفقير.
وفيه : - كما ذكر الشيخ(2)- أنّ المتبادر من إطلاق الأمر بالتصدّق هو الفقير، ومع الإغماض عن ذلك فيكفي ما ورد في الآية الشريفة في تحديد موارد الصدقات فالمتعيّن في مصرف الصدقة هو الفقراء ولا يبقى مجال للتمسّك بإطلاق الروايات.
وأما الأول وهو جواز دفع المال إلى الفقراء الهاشميين فقد ذكر الشيخ (قدس سره) في ذلك قولين(3)أحدهما: الجواز لأنها صدقة مندوبة في نفسها عن المالك وإن وجبت على المعطي إلاّ أنه بمنزلة الوكيل أو الوصي، فالوجوب حينئذ عرضي نظير النذر بالتصدّق بمقدار من المال، ولا إشكال في جواز إعطائه للهاشمي ولا يعدّ من الصدقة الواجبة التي يحرم دفعها للهاشمي.
وثانيهما: عدم الجواز لأنه مال تعيّن صرفه بحكم الشارع لا بأمر المالك حتى تكون مستحبة.
فإن قلنا إن الصدقة الواجبة مطلقاً لا يجوز أعطاؤها للهاشمي وهي محرّمة عليه فالاحتياط في المقام يقتضي عدم الإعطاء، وإن قلنا بأنّ المحرم على الهاشمي هو الصدقة الواجبة أي زكاة الأموال والأبدان - لا ما نحن فيه - فيجوز بلا إشكال.
والأحوط إعطاء المال - هنا - للعالم الفقير غير الهاشمي وبه يتحقق الجمع بين الأدلة.
المقام الرابع: ما إذا ظهر المالك. فهل يحكم بالضمان مطلقا، وهوالظاهر من صاحب الجواهر(1)واستوجهه الشيخ(2)أو عدمه مطلقاً، كما هو الظاهر من المحقق النائيني(3)والسيد الأستاذ (قدس سره) (4)وغيرهما، أو التفصيل بين ما إذا كانت يد الآخذ عادية من الأول فحكمه الضمان، وبين عدمها وحكمه عدم الضمان، وقد جعله الشيخ الأوفق بالقواعد(5)فيه وجوه:
وقد استدل للوجه الأول - وهو الضمان - بأمور:
الأول: بعموم قاعدة من أتلف فإنها شاملة لما نحن فيه، والإتلاف هنا وإن كان بحكم الشارع إلاّ أنه ليس على إطلاقه، بل إذن الشارع بالتصدق مقيّد بالضمان كحكمه في التصدق باللقطة، أو في الاضطرار إلى إتلاف مال الغير في مخمصة ونحوها.
الثاني: بأنّ مقتضى قاعدة: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» شمولها لما نحن فيه.
الثالث: بالأدلة الخاصة الواردة في المقام كمرسلة السرائر(1)حيث قال: وروى أصحابنا أنه يتصدق به عنه ويكون ضامناً إذا لم يرضوا بما فعل، وقد مر ذكرها فيما تقدم، وكرواية حفص بن غياث(2)المتقدمة أيضاً وغيرهما من الروايات.
الرابع: بأنه مقتضى الأصل وهو الاستصحاب، وذلك لأنّه إذا كانت يد الآخذ يد ضمان من الأول كما إذا أخذه بعنوان التملّك فمع الشك بعد التصدّق يستصحب الضمان السابق الثابت عليه، وبناء على القول بعدم الفصل بين هذه الصورة وبين ما إذا كان الأخذ بعنوان الإيصال إلى صاحبه فحينئذ يحكم بالضمان مطلقاً تحكيماً للاستصحاب على البراءة.
هذا وقد أشكل على جميع هذه الأدلة:
أما الأول وهو قاعدة الإتلاف ففيه:
أولاً: أنّ هذه القاعدة لم ترد في آية أو رواية وإنما هي متصيدة من موارد شتى فيقتصر فيها على مواردها، وبناء على ذلك فلا يمكن التمسكبها في غير تلك الموارد.
وثانياً: أنّ القاعدة إنما تقتضي الضمان فيما إذا كان التصرف عائداً بالضرر على المالك لا فيما إذا كان التصرّف عائداً عليه بالنفع، نظير ما إذا توقف حفظ شخص على بذل ماله أو جزء منه فيجب البذل ولا ضمان حينئذ، وقد تقدّم أنّ التصدق عن المالك إحسان إليه بل هو أقرب طرق الإيصال، وعليه فالمقام غير مشمول للقاعدة.
وثالثاً: أنّ التصدّق بمجهول المالك لو كان موجباً للضمان ببدله لكان البدل أيضاً مجهول المالك ومشمولاً لما دلّ على وجوب التصدق به وهكذا فيلزم التسلسل، ومن الضروري أنّ ذلك مقطوع العدم(1).
ورابعاً: إنّ قاعدة الإتلاف إنما تكون شاملة للمورد فيما إذا كان الإتلاف علّة تامة، وأما إذا كان جزء العلة فلا تشمله القاعدة، وما نحن فيه من قبيل جزء العلة، وذلك لأنّ الضمان موقوف على رضا المالك، فلو فرضنا ظهور المالك ورضاه بما فعل الآخذ فلا ضمان عليه فمجرّد الإتلاف لا يوجب الضمان.
وأما الثاني فقد أورد عليه بأنّ قاعدة اليد غير جارية في المقام لأنّ يد الآخذ يد إحسان وما على المحسنين من سبيل.
وأمّا الثالث فما ذكر من الروايات إما ضعيف السند، وإمّا خاص بمورده ولا يتعدّى منه إلى غيره، وليس لدينا دليل خاص على الضمان مطلقاً.
وأما الرابع ففيه:
أولاً: إنّ الأصل إنّما يجري فيما إذا لم يكن في المقام دليل لفظي على خلافه، والإطلاقات الدالة على التصدق دالة على عدم الضمان أيضاً، فلا تصل النوبة إلى التمسّك بالأصل.
وثانياً: على فرض جريان الأصل إلاّ أنّه كما يجري بالنسبة إلى لزوم الضمان كذلك يجري بالنسبة إلى عدمه، بمعنى أنه إذا كانت يد الآخذ يد ضمان كما إذا أخذه بنيّة التملك والأصل يقتضي الضمان فكذلك إذا كانت يد الآخذ يد إحسان كما إذا أخذه بنيّة الرد والإيصال إلى صاحبه فالأصل يقتضي عدم الضمان، وبعبارة أخرى: أنه لا أولوية لإجراء الاستصحاب في أحد الطرفين دون الآخر، وبناء على القول بعدم الفصل بين الصورتين فحينئذ يقع التعارض بين الاستصحابين ولا
1) مصباح الفقاهة 2 : 265 الطبعة الأولى
وجه لترجيح أحدهما علىالآخر والمرجع حينئذ هو البراءة.
إلاّ أنّ جميع هذه الإشكالات قابلة للدفع.
أما بالنسبة إلى ما أورد على العمومات والأول منها أنّ القاعدة متصيدة ويقتصر فيها على مواردها فالجواب أنها وإن كان متصيدة إلاّ أنها مسلّمة على إطلاقها عند الفقهاء في جميع الموارد، مضافاً إلى أنه يمكن استفادتها مما ورد في موثقة أبي بصير عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه(1).
وقد استدل الشيخ (قدس سره) في الخلاف(2)على ذلك بقوله تعالى: «فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»(3).
وأما الثاني منها ففيه: أن الظاهر من القاعدة أنّ الإتلاف بنفسه يوجب الضمان مطلقاً سواء كان الإتلاف لضرر المالك أو لنفعه، نظير ما إذا أعطى شخص طعام المالك للمالك فأكله بزعم أنه من مال المعطي فالفقهاء يحكمون بلزوم الضمان على المعطي، نعم إذا كان الإقدام على الإتلاف واجباً بحكم الشارع ولا يحتاج فيه إلى إذن المالك بل إذنه غير معتبر فحينئذ لا يكون الإتلاف موجباً للضمان، بل يمكن القول إنه خارج عن الإتلاف تخصّصاً وما نحن فيه ليس كذلك إذ التصدق ليس بواجب بل هو جائز كما ذكرنا.
وأما الثالث ففيه: أن الضمان لا يتحقق بمجرد التصدّق بل يتوقف على صدق الإتلاف أو انكشاف أنه إتلاف، وذلك بظهور المالك وعدم رضاه فلو ظهر المالك وكان راضياً بالتصدّق فلا يعدّ ذلك إتلافاً ولا يصدق عليه أنه أتلف مال المالك، بلا فرق بين كون الرضا جزء العلّة، أو كاشفاً عن العلّة، وحينئذ لا يحكم
بالضمان حتى يلزم التسلسل.
وأما الرابع فقد ظهر جوابه مما تقدم وذلك لإمكان القول بأن عدم الرضا كاشف عن تحقق العلّة التامة ووجودها في ظرفها لا أنه جزء للعلّة.
وأما بالنسبة إلى ما أورد على الأدلة الخاصة ففيه: أنّ الإشكال وإنكان وارداً على مرسلة السرائر(1)إلاّ أنه غير وارد على رواية حفص(2)وقد تقدم أنها معتبرة من حيث السند، وأما من حيث الدلالة فقد ذكرنا أنه إذا كانت يد الآخذ يد أمانة كما في مورد الرواية فمع إلغاء الخصوصية لا فرق بين الوديعة وغيرها، فإذا كانت يد الآخذ يد ضمان فيتعدّى منه إلى غيره بطريق أولى، لأنه إذا كانت اليد يد أمانة ومع ذلك يلزم الضمان فكيف إذا كانت يد ضمان.
وعلى فرض عدم الأولوية فحينئذ يمكن التمسك بالاستصحاب على لزوم الضمان، وأما بقية الروايات كرواية علي بن أبي حمزة(3)وصحيحة ابن أبي راشد(4)وصحيحة يونس(5)ومعتبرة علي بن ميمون الصايغ(6)وصحيحة داود بن أبي يزيد(7)وغيرها، فكلّها واردة في موارد خاصة ولا يمكن استفادة الإطلاق منها حتى تشمل محلّ الكلام، نعم رواية علي بن أبي حمزة وإن كانت منطبقة على محلّ الكلام إلاّ أنها ضعيفة السند، مضافاً إلى عدم صراحتها في عدم الضمان، وذلك لأنّ السائل أراد المخرج عن المظالم والإمام (علیه السلام) أمره بالتصدّق، فقد يقال:
1) كتاب السرائر: 203 الطبع القديم
2) وسائل الشيعة ج 17 باب 18 من أبواب اللقطة، الحديث 1
3) وسائل الشيعة ج 12 باب 47 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1
4) وسائل الشيعة ج 12 باب 17 من عقد البيع وشروطه، الحديث 1
5) نفس المصدر باب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 2
6) نفس المصدر باب 16 من أبواب الصرف، الحديث 1
7) نفس المصدر باب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 1
بأنّ التصدّق مع الضمان يخرجه عن المظلمة في حين أنّ المستفاد من الرواية أنّ التصدّق وحده كاف في الخروج عن المظالم.
وفيه: أنّ الضمان إنما يتحقق بعد ظهور المالك وعدم رضاه، وحينئذ فخروج السائل عن المظالم مما لا إشكال فيه، وعلى فرض الضمان فهو يتعلّق بماله ووارثه.
والحاصل: أنّ الرواية ليست صريحة في عدم الضمان، وفي المقام إطلاق فيقيّد بما تقدم.
وأمّا بالنسبة إلى ما أورد به على الأصل ففيه: أنّ التعارض إنّما يتحقّق في ما إذا قلنا بأنّ الضمان هو كون العين في عهدة الآخذ إلى حين ردّها أو بدلها، وأما إذا قلنا بأنّ الضمان هو اشتغال الذمة بالبدل فلا يجري استصحاب الضمان بل الأصل حينئذ هو البراءة، وعلى فرضتحقّق التعارض فإنما يلزم على القول بعدم جواز الفصل في الأحكام الظاهرية، وأما على القول بأنه مختصّ بالأحكام الواقعية فلا يتحقّق التعارض، وحينئذ يمكن التفكيك بين الصورتين ويقال: إنّ الضمان يتعلّق بما إذا كان الأخذ بنية التملّك فيجري فيه استصحاب الضمان، وأما إذا أخذ بنيّة الإحسان والردّ فيجري استصحاب عدم الضمان فلا تعارض في البين، بل جعل المحقق النائيني(1)قول الشيخ بحكومة استصحاب الضمان على أصالة البراءة من الغرائب لتعدّد موردها، فلا وجه لحكومة الاستصحاب في مورد على البراءة في مورد آخر.
والحاصل: أنه بناء على قاعدة الإتلاف وبمعتبرة حفص هو الحكم بالضمان مطلقاً.
1) المكاسب والبيع 1 : 79
الأولى: إذا ظهر المالك وكانت العين موجودة فهل يجوز له أو للمتصدّق الرجوع إلى الفقير واسترداد العين منه أو لا؟
والظاهر عدم الجواز وهو المتسالم عليه بينهم كما نقله الشيخ (قدس سره) من أنه لم يقل أحد بالرجوع(1)وذلك لوجهين:
الأول: إطلاق عدّة من الروايات الواردة في باب الصدقات(2)
وكموثقة طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه (علیه السلام) قال: من تصدّق بصدقة ثم ردّت عليه فلا يأكلها، لأنّه لا شريك لله عزوجل في شيء مما جعل له إنما هو بمنزلة العتاقة لا يصلح ردّها بعدما يعتق. وسائل الشيعة ج 13 باب 11 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث 3 .
وكمعتبرة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) ، في حديث قال: لا يرجع في الصدقة إذا ابتغي بها وجه الله عزوجل. وسائل الشيعة ج 13 باب 11 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث 7.
وكموثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل تصدّق بصدقة على حميم أيصلح له أن يرجع فيها؟ قال: لا، ولكن إن احتاج فليأخذ من حميمه من غير ما تصدّق به عليه. وسائل الشيعة ج 13 باب 11 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات الحديث 9 وغيرها من الروايات
، وهيتدلّ على عدم الرجوع في الصدقة سواء كان المتصدق هو المالك أو غيره إذا كان التصدق شرعياً.الثاني: على فرض عدم تمامية الإطلاق ودعوى كون هذه الروايات
1) المكاسب: 71 الطبع القديم
2) كموثقة موسى بن بكر عن الحكم قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) : إنّ والدي تصدّق عليّ بدار ثم بدا له أن يرجع فيها، وإنّ قضاتنا يقضون لي بها، فقال: نعم ما قضت به قضاتكم، وبئس ما صنع والدك، إنما الصدقة لله عزوجل، فما جعل لله عزوجل فلا رجعة له فيه، فإن أنت خاصمته فلا ترفع عليه صوتك، وإن رفع صوته فاخفض أنت صوتك، قال: قلت: فإنّه توفي قال: فأطب بها. وسائل الشيعة ج 13 باب 11 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث 1.
ظاهرة في اختصاصها بالمالك أو وكيله فيكفي ما ورد من الروايات في نفس المقام كمعتبرة حفص بن غياث(1)المتقدمة حيث ذكر في ذيلها: «فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم ...» الخ، ولم يحكم الإمام (علیه السلام) بالرجوع إلى عين المال إذا كان موجوداً، بل عليه أن يختار الغرم إن لم يرض بالتصدّق، وهكذا الحال بالنسبة إلى المتصدّق أيضاً فقد حكم (علیه السلام) عليه بالغرم والأجر له ولا يرجع إلى المال إذا كانت عينه موجودة.
هذا وقد ورد في باب اللقطة أنّه إذا ظهر المالك فالملتقط ضامن والأجر له إلاّ أن يرضى المالك بالتصدق ويكون الأجر له، كما في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال: وسألته عن الرجل يصيب اللقطة فيعرّفها سنة ثم يتصدّق بها فيأتي صاحبها ما حال الذي تصدّق بها؟ ولمن الأجر؟ هل عليه أن يردّ على صاحبها؟ أو قيمتها؟ قال: هو ضامن لها والأجر له إلاّ أن يرضى صاحبها فيدعها والأجر له(2).
الثانية: إذا مات المالك فهل لوارثه حقّ الخيار في الإمضاء أو الردّ أو لا؟ وجهان، ذكرهما الشيخ (قدس سره) وقوّى الأول وقال: لأنّ ذلك من قبيل الحقوق المتعلّقة بالأموال فيورث كغيره من الحقوق، ويحتمل العدم لفرض لزوم التصدق بالنسبة إلى العين فلا حقّ لأحد فيه والمتيقّن من الرجوع إلى القيمة هو المالك(3).
والبحث في هذه المسألة من جهتين:
الأولى: فيما إذا كان موت المالك قبل التصدّق.
والثانية: فيما إذا كان موته بعد التصدّق، فإن كان موته قبل التصدّق فالظاهر انتقال المال إلى الورثة ويعد من جملة التركة، ويكون الورثة مالكي المال وحينئذ يصبح المال مشمولاً للروايات الدالة على أنه إذا جاءصاحب المال خيّر بين الإمضاء والاسترجاع.
وإن كان موته بعد التصدّق فمقتضى القاعدة هو الانتقال إلى الوارث، وذلك لأن المال وإن لم يخرج عن ملك مالكه بأخذ السلطان الجائر له ولا بإعطائه أحداً ولا بقبض الآخذ سواء قصد التملّك أم لا، إلاّ أنه بعد التصدّق تخرج العين عن ملكه، نعم المالية باقية له ولذلك يكون المتصدّق ضامناً كما ورد في بعض الروايات كصحيحة علي بن جعفر المتقدمة، ووجه ضمان المتصدق بقاء المالية للمالك فيخيّر بين الإمضاء وأخذ البدل، وما ورد من التعبير في الروايات بالغرم هو عبارة أخرى عن الضمان لا أنّ الغرم حكم مستقل، وبناء على هذا فالمال ينتقل إلى الورثة كسائر الأموال والحقوق القابلة للانتقال.
ويمكن التأييد بما ورد في معتبرة حفص المتقدمة حيث جاء فيها: «فإن جاء طالبها» والطالب أعمّ من المالك والوارث، وهكذا الحال بالنسبة إلى ما ورد في أخبار اللقطة. هذا وإن نفى السيد الأستاذ (قدس سره) الحكم برجوع الوارث على المتصدق(1)ونفاه مطلقاً في عمدة المطالب(2)إلاّ أن الظاهر هو ما ذكرناه.
الثالثة: إذا مات المتصدّق وظهر المالك فهل يجوز له الرجوع إلى ورثته أو لا؟
وجهان: عدم الجواز، وهو المستفاد من قوله (علیه السلام): «خيّره بين الأجر والغرم» (3)الدال على أنّ الحكم مختص بالمتصدق ولا يتعدى إلى ورثته. والجواز، لكون المتصدق ضامناً للبدل وهو مراعى بعدم رضا المالك فيكون ديناً في تركته - كما استظهره الشيخ(4)- ومقتضاه جواز الرجوع إلى الورثة.
الرابعة: هل يتوجه الضمان من حين الأخذ، أو من حين التصدّق، أو من حين مطالبة المالك؟
وجوه كما ذكرها الشيخ(1)، وبيانها: أنّ دليل الضمان إن كان هو الاستصحاب توجه الضمان من حين الأخذ، وإن كان الدليل هو الإتلاف فالضمان من حين التصدّق، وإن كان الدليل هوالروايات الخاصّة مع استصحاب عدم الضمان قبل الردّ فالضمان من حين المطالبة.
والقاعدة تقتضي التفصيل بين ما إذا كانت يد الآخذ يد أمانة وبين ما إذا لم تكن كذلك، فإن كانت يد أمانة فالحكم بالضمان من حين التصدّق بناء على صحة التمسّك بقاعدة من أتلف، وما يستفاد من بعض الروايات الدالّة على الضمان ليس على خلاف القاعدة، فإنّ الحكم بالضمان إنّما يكون عند ظهور المالك ومطالبته، وأما حين توجه الضمان فمسكوت عنه.
وإن كانت يد الآخذ ليست يد أمانة فهو مشمول لقاعدة اليد ويتوجّه الضمان من حين الأخذ.
الخامسة: إذا وجد في جوف حيوان أو سمكة مالاً فهل يلحق بمجهول المالك أو لا؟
وقد فصّلت الروايات بين الحيوان والسمكة فإن كان الموجود من جوف حيوان فلابدّ من الرجوع إلى البائع وتعريفه إياه فإن لم يدّعه لنفسه ملكه المشتري، وإن كان الموجود من بطن سمكة فهو للمشتري من دون حاجة للرجوع إلى البائع، وقد وردت عدة روايات في كلا القسمين وقد أشرنا لبعضها فيما تقدم.
أما ما ورد في الحيوان فقد جاء في صحيحة عبد الله بن جعفر قال: كتبت إلى الرجل (علیه السلام) أسأله عن رجل اشترى جزوراً أو بقرة للأضاحي، فلما ذبحها وجد في جوفها صرّة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة لمن يكون ذلك؟ فوقّع (علیه السلام):
1) المكاسب: 71
«عرّفها البايع فإن لم يكن يعرفها فالشيء لك رزقك الله إيّاه» (1).
وفي صحيحته الأخرى قال: سألته (علیه السلام) في كتاب عن رجل اشترى جزوراً أو بقرة أو شاة أو غيرها للأضاحي أو غيرها، فلما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جواهر أو غير ذلك من المنافع لمن يكون ذلك؟ وكيف يعمل به، فوقّع (علیه السلام): عرّفها البايع فإن لم يعرفها فالشيء لك رزقك الله إيّاه(2).
وكلتا الروايتين بمضمون واحد ولا يبعد أنهما رواية واحدة، ودلالة كل منهما واضحة.وأما ما ورد في السمكة فقد نصّت عدة روايات على ذلك:
ومنها: ما رواه الزهري قال: كنت عند علي بن الحسين (علیه السلام) فجاءه رجل من أصحابه فقال له علي بن الحسين (علیه السلام): ما خبرك أيّها الرجل؟ فقال الرجل: خبري يابن رسول الله إنّي أصبحت وعليّ أربعمائة دينار، دين لا قضاء عندي لها، ولي عيال ثقال ليس لي ما أعود عليهم به، قال: فبكى علي بن الحسين (علیه السلام) بكاءً شديداً، فقلت: ما يبكيك يابن رسول الله؟ قال: فأية محنة ومصيبة أعظم من حرّ مؤمن من أن يرى بأخيه المؤمن خلّة فلا يمكنه سدّها، ويشاهده على فاقة فلا يطيق رفعها، قال: فتفرّقوا عن مجلسهم ذلك، فقال بعض المخالفين وهو يطعن على علي بن الحسين : عجباً لهؤلاء يدّعون مرّة أن السماء والأرض وكل شيء يطيعهم، وأنّ الله لا يردّهم عن شيء من طلباتهم، ثم يعترفون أخرى بالعجز عن إصلاح خواصّ إخوانهم!! فاتّصل ذلك بالرجل صاحب القصّة فجاء إلى علي بن الحسين (علیه السلام) فقال له: يابن رسول الله بلغني عن فلان كذا وكذا، وكان ذلك أغلظ عليّ من محنتي، فقال علي بن الحسين (علیه السلام): فقد (قد) أذن الله في فرجك، يا فلانة: احملي
سحوري وفطوري، فحملت قرصتين، فقال علي بن الحسين (علیه السلام) للرجل: خذهما فليس عندنا غيرهما، فإن الله يكشف عنك بهما، وينيلك خيراً واسعاً منهما، فأخذهما الرجل ودخل السوق لا يدري ما يصنع بهما، يتفكر في ثقل دينه وسوء حال عياله، ويوسوس إليه الشيطان أين مواقع هاتين من حاجتك؟! فمرّ بسمّاك قد بارت عليه سمكته قد أراحت، فقال له: سمكتك هذه بائرة عليك، وإحدى قرصتي هاتين بائرة عليّ فهل لك أن تعطيني سمكتك البائرة وتأخذ قرصتي هذه البائرة؟ فقال: نعم، فأعطاه السمكة وأخذ القرصة ثم مرّ برجل معه ملح قليل مزهود فيه، فقال له: هل لك أن تعطيني ملحك هذا المزهود فيه بقرصتي هذه المزهود فيها؟ قال: نعم، ففعل، فجاء الرجل بالسمكة والملح، فقال: أصلح هذا بهذا، فلمّا شقّ بطن السمكة وجد فيه لؤلؤتين فاخرتين فحمد الله عليهما، فبينما هو في سروره ذلك إذ قرع بابه فخرج ينظر من الباب، فإذا صاحب السمكة وصاحب الملح قد جاءا يقول كل واحد منهما له: يا عبد الله جهدنا أن نأكل نحن أو أحد عيالنا هذا القرص فلم تعمل فيه أسناننا، وما نظنّك إلاّ وقد تناهيت في سوء الحال، ومرنت على الشقاء، قد رددنا إليك هذا الخبز وطيّبنا لك ما أخذته منّا، فأخذ القرصتين منهما، فلما استقر بعد انصرافهما عنه، قرع بابه فإذا رسول علي بن الحسين (علیه السلام) فدخل فقال: إنه يقول لك: إنّ الله قد أتاك بالفرج فاردد إلينا طعامنا فإنه لا يأكله غيرنا، وباع الرجل اللؤلؤتين بمال عظيم قضى منه دينه وحسنت بعد ذلك حاله، فقال بعض المخالفين: ما أشدّ هذا التفاوت! بينا علي بن الحسين (علیه السلام)لا يقدر أن يسدّ منه فاقة إذ أغناه هذا الغناء العظيم، كيف يكون هذا؟! وكيف يعجز عن سدّ الفاقة من يقدر على هذا الغناء العظيم؟!
فقال علي بن الحسين (علیه السلام): هكذا قالت قريش للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم): كيف يمضي إلى بيت المقدس ويشاهد ما فيه من آثار الأنبياء من مكّة ويرجع إليها في ليلة واحدة
من لا يقدر أن يبلغ من مكة إلى المدينة إلاّ في اثني عشر يوماً؟! وذلك حين هاجر منها، ثم قال علي بن الحسين(علیه السلام): جهلوا والله أمر الله وأمر أوليائه معه، إنّ المراتب الرفيعة لا تنال إلاّ بالتسليم لله جلّ ثناؤه وترك الاقتراح عليه والرضا بما يدبّر بهم، إنّ أولياء الله صبروا على المحن والمكاره صبراً لم يساوهم فيه غيرهم فجازاهم الله عزوجل عن ذلك بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم لكنّهم مع ذلك لا يريدون منه إلاّ ما يريده لهم(1).
وإنما أوردنا الرواية بطولها لما اشتملت عليه من المضامين العالية ومن بيان مقام أولياء الله (علیهم السلام) وكرامتهم عند الله تعالى، وموضع الشاهد منها بيّن، وهناك روايات أخرى دلّت على هذا المعنى أيضاً.
والحاصل: هو الفرق بين ما وجد في جوف حيوان وبين ما وجد في جوف سمكة إلاّ أن الظاهر بحسب مناسبة الحكم والموضوع وبمقتضى الفهم العرفي أنّ المناط في الحكم بالتعريف وعدمه هو كون الحيوان أهلياً دون السمك ولو انعكس الأمر ألحق كل منهما بحكم الآخر، فإذا فرض أنّ الحيوان غير أهلي كالبقر الوحشي والظباء ونحوها فما يوجد في جوفه يكون حكمه حكم ما يوجد في جوف السمك من عدم الحاجة إلى التعريف كما أنّ السمك لو صار أهلياً - كما هو متعارف عند بعض الناس بالنسبة إلى بعض أنواعه حيث يُربّى في أحواض خاصة فالحكم حينئذ بأنّ ما يوجد في جوفه للمشتري مشكل، ولا يبعد أن يكون ملحقاً بالحيوان وهو مقتضى الاحتياط .
الصورة الرابعة: ما إذا علم إجمالاً باشتمال الجائزة على الحرام فتارة يكون الاشتباه موجباً لحصول الإشاعة كخلط السمن بالسمن، أو الحنطة بالحنطة، وأخرى لا يوجب ذلك كما إذا علم - مثلاً - أنّ أحد الفراشين مغصوب، واشتبه
1) جامع أحاديث الشيعة ج 18 باب 6 من أبواب اللقطة، الحديث 5 ص 501
أحدهما بالآخر.
أما الأول فهو على أربعة أقسام لأنّه قد يكون المالك والمقدار معلومين، وقد يكونان مجهولين، وقد يكون المقدار معلوماً والمالك مجهولاً، وقديكون بالعكس.
أما الأول وهو ما كان فيه المالك والمقدار معلومين فحكمه واضح.
وأما الثاني ففيه أقوال والمشهور بين الأصحاب هو القول بإخراج الخمس(1)وحلّية الباقي، وذهب بعضهم إلى القول بوجوب التصدّق به، كما ذهب آخرون إلى القول بالتخيير بين إخراج الخمس والتصدّق.
وأما الثالث فقد علم حكمه من الصورة الثالثة المتقدمة، وذهب جمع من الفقهاء إلى القول بوجوب إخراج الخمس في هذا القسم أيضاً كما في النهاية(2)والغنية(3)والوسيلة(4)والشرائع(5)والتبصرة(6)والحدائق(7).
وأما الرابع وهو ما إذا كان المالك معلوماً والمقدار مجهولاً فلابدّ من استرضاء المالك بصلح ونحوه، فإن لم يصالحه المالك قيل بإخراج خمسه، واختاره في التذكرة(8).
وأما الثاني وهو ما إذا كان الاشتباه لا يوجب الإشاعة فذهب الشيخ إلى التخيير بين تعيين المقدار بالقرعة وبين البيع والاشتراك في الثمن(9)، وحينئذ
1) الحدائق الناضرة 12 : 363 مطبعة النجف 1382
2) النهاية المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 296 الطبع القديم
3) الغنية المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية : 569 الطبع القديم
4) الوسيلة المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 682 الطبع القديم
5) شرائع الإسلام 1 : 181 الطبعة الأولى المحققة
6) تبصرة المتعلمين: 49 مجمع الذخائر الإسلامية
7) الحدائق الناضرة 12 : 365 مطبعة النجف 1382
8) تذكرة الفقهاء 1 : 584 الطبع القديم
9) المكاسب: 71 الطبع القديم
تتحقق الإشاعة وتأتي فيه أقسامها الأربعة المتقدمة، وظاهر السيد الاستاذ (قدس سره) أنّ الأقسام الأربعة تأتي حتى قبل البيع والاشتراك في الثمن، وأن ما ورد من وجوب إخراج الخمس في المال المختلط بالحرام لا يختص بصورة الإشاعة، بل يشمل بإطلاقه هذه الصورة أيضاً(1)، وتفصيل هذه الأقسام وبيان أحكامها موكولان إلى محلّهما من مباحث الخمس.
والكلام يفرض تارة بالنسبة إلى الحاكم الشرعي، وأخرى بالنسبة إلى المستحقّين للمال، وثالثة بالنسبة إلى ورثة السلطان الجائر.
أما بالنسبة إلى الأول فظاهر كلام الشيخ وجوب استنقاذ حقوق الناس من يده عليه، حتى أنه يجب عليه - الحاكم الشرعي - استنقاذ ما في ذمته - الظالم - من حقوق السادة والفقراء ولو بعنوان المقاصة(2). فإن علم بعين المال أخذه وإلاّ فمن سائر أمواله، وذهب السيد الطباطبائي (قدس سره) في العروة إلى الجواز حيث قال: يجوز للحاكم الشرعي من باب الولاية الشرعية الاقتصاص من مال من عنده ولو في ذمته الزكاة أو الخمس أو المظالم مع جحوده أو مماطلته إذا لم يمكن له إجباره على الأداء(3)، كما ذهب السيد الأستاذ (قدس سره) إلى الجواز أيضاً حيث قال: يجوز للحاكم الشرعي أن يقتص من أموال من يمتنع عن أداء الحقوق الشرعية من خمس أو زكاة(4).
والتحقيق أنّ هذا الأمر يبتني على القول بولاية الحاكم الشرعي ومقدار
سعتها، فبناء على ثبوت الولاية له مطلقاً أو ثبوتها له بمرتبتها الثانية (التي عليها إقامة النظام) فهي تشمل الحقوق الشرعية كالزكاة والخمس وغيرها كما تشمل حفظ مال الغائب واليتيم والصغير والكبير والفقراء والسادة وغيرهم، اتّجه القول بالوجوب من جهة وجوب مراعاة مصلحتهم والحفاظ على استقامة النظام.
وأمّا بناء على عدم الشمول وأنّ ولايته ليست بهذه السعة بل تنحصر بالأيتام والصّغار وبكل أمر لا يرضى الشارع بتركه وإهماله أو تعطيله حتى أنه مع عدم وجود الحاكم يجب على عدول المؤمنين القيام به كفاية (وهي المرتبة الثالثة من الولاية) فيجب أيضاً بالنسبة إلى القصّر والغيّب وهكذا بالنسبة إلى الحقوق المالية إذ لا يخلو بعض المستحقين من كونهم صغاراً.
وأما بناء على القول بعدم ولاية الحاكم حتى في هذا القسم فحينئذ يمكن القول بالتفصيل بين ما إذا كان المستحق كبيراً وبين ما إذا كان يتيماً أوصغيراً، فإن كان كبيراً فالظاهر من الأدلة توقف وجوب استنقاذ الحق على المطالبة والمرافعة وإلاّ فلا، نعم يجوز للحاكم ذلك من باب الإحسان، ويستفاد من بعض الروايات التفريق بين حقوق الله وحقوق الناس كما في رواية الحسين بن خالد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمعته يقول: الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ، ولا يحتاج إلى بيّنة مع نظره، لأنه أمين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق أن يزبره وينهاه ويمضي ويدعه، قلت: وكيف ذلك؟ قال: لأنّ الحق إذا كان لله فالواجب على الإمام إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس(1).
وفي سند الرواية محمد بن أحمد المحمودي وأبوه وهما لم يوثقا صريحاً، نعم وردت في حق الأب روايات مادحة، وقد عدّه السيد (قدس سره) في المعجم من
1) وسائل الشيعة ج 18 باب 32 من أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامة، الحديث 3
الحسان(1)وأما الابن فقد احتمل(2)أن يكون هو المحمودي الوارد في تفسير القمي(3)، وبناء على ذلك فيمكن القول بوثاقته، ومع الغضّ عن ذلك يمكننا تصحيح السند من جهة أخرى وهي أنّ للشيخ طريقاً صحيحاً إلى جميع روايات وكتب يونس(4)وهو ابن عبد الرحمن كما هو الظاهر بقرينة روايته عن الحسين بن خالد(5)وانصراف يونس - إذا ورد مجرداً - في هذه الطبقة إليه.
وأما الحسين بن خالد وإن كان مشتركاً بين شخصين هما الحسين بن أبي العلاء الخفّاف، والحسين بن خالد الصيرفي إلاّ أنّهما ممّا يعتمد على رواياتهما، أما الأول فمضافاً إلى رواية صفوان بن يحيى وابن أبي عمير عنه(6)وقع في تفسير القمي(7)، وأما الثاني فلرواية صفوان بن يحيى عنه(8)وقد ذكرنا غير مرة أنّ ذلك علامة على الوثاقة، والظاهر من حيث الطبقة أنه الأول لما جاء في ترجمة الصيرفي من أنه لم يُعد فيأصحاب الصادق (علیه السلام)، فضلاً عن روايته عنه(9)، وهذه الرواية عن الإمام الصادق (علیه السلام)، وعلى كل تقدير فيمكن اعتبار سند الرواية.
والحاصل: أنّ الظاهر من الرواية أنّ الحقوق إن كانت لله فعلى الحاكم إذا علم بها أن يقيم الحدود ويجري الأحكام ولا حاجة فيها إلى المرافعة والمطالبة،
1) معجم رجال الحديث 2 : 113 الطبعة الخامسة
2) نفس المصدر 24 : 160
3) تفسير القمي 2 : 283 الطبعة الأولى المحققة
4) الفهرست : 211 الطبعة الثانية
5) معجم رجال الحديث 6 : 247 الطبعة الخامسة
6) معجم رجال الحديث 6 : 201 الطبعة الخامسة
7) تفسير القمي 2 : 45 الطبعة الأولى المحققة
8) معجم رجال الحديث 6 : 251 الطبعة الخامسة
9) نفس المصدر: 250
وإن كانت للناس فهي بحاجة إلى ذلك وإن علم بها الحاكم.
نعم يجوز للحاكم الشرعي استنقاذها من باب الإحسان.
وأما إذا كان المستحق صغيراً أو يتيماً فبمقتضى خصوص ولاية الحاكم الشرعية عليهما - إذا لم يكن عليهما وليّ - ولزوم مراعاة مصلحتهما (وهي المرتبة الرابعة من الولاية) فالظاهر وجوب استنقاذ حقوقهما على الحاكم الشرعي من الظالم وحفظها لهما، وسيأتي قريباً البحث عن مراتب ولاية الفقيه - مفصلاً - إن شاء الله تعالى.
وأما بالنسبة إلى المستحقين: فلا إشكال في جواز أخذ أموالهم إذا كانت أعيانها موجودة من دون حاجة إلى المرافعة.
وأما إذا لم تكن العين موجودة ففيه صور: لأنّه تارة لا يكون الآخذ ممتنعاً عن الأداء ولا مماطلاً فيه، وأخرى يكون ممتنعاً أو مماطلاً لكن بوجه شرعي كما إذا لم يعلم الآخذ بثبوت مال للمستحق في ذمته، وثالثة يكون الامتناع أو المماطلة بغير وجه كما إذا كان عن ظلم وتعدٍ، وهذا الأخير على نحوين لأنّ المال الذي يراد استنقاذه تارة لا يكون تحت يد المستحقّ إلاّ أنه يتمكن من الوصول إليه، وأخرى يكون تحت يده كأن يكون المال وديعة عنده ويمكنه استيفاء حقّه منه.
أما الصورة الأولى: وهي ما إذا لم يكن الآخذ ممتنعاً ولا مماطلاً فلا يجوز التقاصّ منه، والتصرّف في مال الآخذ غير جائز كما أن تعيين المال ومقداره بيده.
وأما الصورة الثانية: فحكمها حكم الصورة الأولى من عدم الجواز، ولابدّ من الترافع إلى الحاكم الشرعي لأنها من موارد التنازع والاختلاف، ولا يجوز الاستقلال في أخذ الحقّ بل لابدّ من سلوك الطريق الشرعي لرفع الخلاف وهو الترافع عند الحاكم.
وأما الصورة الثالثة: وهي الامتناع عن غير وجه مع تمكن المستحقّ من
أخذ حقّه فهل يجوز له التقاصّ من دون إذن الحاكم الشرعي أو لابدّمن استئذانه مع الإمكان؟ أما مع عدم الإمكان فلا إشكال في الجواز.
وها هنا قولان: الأول هو الجواز ونسب إلى الأكثر(1)والثاني: عدم الجواز ولابدّ من الاستئذان، ونسب ذلك إلى المحقق في النافع(2)وتلميذه في كشفه(3)والفخر في إيضاحه(4).
واستدلّ للقول الأول بالكتاب والسنة - أما الكتاب فبقوله تعالى: «فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»(5)وقوله تعالى: «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ »(6)وقوله تعالى: «وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ»(7).
وأما من السنة فبعدة روايات:
منها: موثقة جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده أيأخذه وإن لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم(8).
وهذه الرواية واضحة الدلالة في جواز استيفاء الحق من دون حاجة إلى الإذن كما أنّها من جهة السند معتبرة؟؟؟، فإنه وإن عبّر صاحب الجواهر(9)عنها بالخبر إشعاراً بضعفها ولعلّه لاشتمال السند على علي بن حديد إلاّ أنّنا حقّقنا في محله اعتبار روايته(10)فلا إشكال في السند.
1) جواهر الكلام 40 : 388 الطبعة السادسة
2) نفس المصدر ص 390
3) نفس المصدر ص 390
4) نفس المصدر ص 390
5) سورة البقرة، الآية: 194 .
6) سورة النحل، الآية: 126 .
7) سورة البقرة، الآية: 194 .
8) وسائل الشيعة ج 12 باب 83 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 10
9) جواهر الكلام 40 : 389 الطبعة السادسة
10) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 544 الطبعة الأولى
ومنها: رواية داود بن رزين (بن زربي) قال: قلت لأبي الحسن موسى (علیه السلام) إنّي أخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها، والدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها، ثم يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ قال: خذ مثل ذلك ولا تزد عليه(1).
والرواية من حيث الدلالة تامة وأما من حيث السند فقد وردت عنداود بن رزين وفي بعض النسخ عن داود بن زربي وهو الصحيح وليس في الرجال داود بن رزين(2)وعلى فرض وجوده فهو ممن يعتمد على روايته لأنّ ابن أبي عمير روى عنه كما في سند هذه الرواية.
ومنها: صحيحة أبي بكر الحضرمي قال: قلت له: رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها، أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقي؟ قال: فقال: نعم، ولكن لهذا كلام، قلت: وما هو؟ قال: تقول: اللهم إنّي لا آخذه «لم أخذه، لن آخذه خ ل» ظلماً ولا خيانة وإنما أخذته مكان مالي الذي أخذ مني لم أزدد عليه شيئاً(3).
ومنها: صحيحته الأخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له: رجل كان له على رجل مال فجحده إياه وذهب به، ثم صار بعد ذلك للرجل الذي ذهب بماله مال قبله أيأخذه مكان ماله الذي ذهب به منه ذلك الرجل؟ قال: نعم ولكن لهذا كلام يقول: اللهم إني آخذ هذا المال مكان مالي الذي أخذه مني، وإني لم آخذ الذي أخذته خيانة ولا ظلماً(4).
ومنها: معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن
الرجل الجحود أيحلّ أن أجحده مثل ما جحد؟ قال: نعم ولا تزداد(1).
والرواية وإن كان في سندها عبد الله بن الحسن إلاّ أننا ذكرنا فيما تقدم - في الجزء الأول - طرقاً لتصحيح روايات علي بن جعفر الواردة في قرب الإسناد فلا إشكال في اعتبار الرواية.
واستدل للقول الثاني: بأنّ الأصل عدم جواز التصرف في مال الغير إلاّ بإذنه أو من هو بمنزلة صاحبه كما إذا كان وكيلاً أو حاكماً شرعياً في صورة امتناع صاحب المال فإنّ الحاكم حينئذ بمنزلة صاحب المال فلابد من استئذانه في ذلك مع التمكّن .
ولا يخفى ضعف هذا الوجه فإنه مع قيام الأدلة الصريحة من الآيات والروايات لا مجال للتعويل على الأصل .
وأما الصورة الرابعة: وهي كون المال عند المستحق وديعة فهل يجوز التقاصّ منه أو لا؟نسب إلى أكثر المتأخرين الجواز على كراهة(2)، ونسب إلى جماعة من القدماء عدم الجواز(3)بل عن الغنية الإجماع عليه(4)، وتفصيل ذلك موكول إلى بحث التقاصّ من كتاب القضاء.
مسألة: هل يجوز لآحاد الفقراء المستحقين للخمس أو الزكاة أو المظالم المقاصّة من مال من عليه الحقّ وهو جاحد أو لا؟
على إذن الحاكم، وذهب في المستند(1)إلى جوازه مطلقاً بعد الجحود أو المماطلة، لصدق كون حقّه عليه وإن كان المستحق أحد أفراد النوع وليس واحداً معيّناً، وذلك لصدق كونه صاحب الحق .
هذا، ولكنّ الحكم بالجواز مطلقاً مشكل، وذلك :
أولاً: لأنّ بعض هذه الحقوق كالزكاة والخمس مشروط بقصد القربة والروايات المتقدمة إنما وردت في استيفاء الحقوق التي لا تحتاج إلى قصد القربة كالمال المغصوب أو الدين ونحوهما فإلحاقها بها يحتاج إلى دليل وهو مفقود في المقام .
وثانياً: لعدم ورود عنوان من كان عليه حق بحيث يكون كلياً عامّاً شاملاً للخمس والزكاة، وإنّما الوارد في الروايات عناوين جزئية كغصب حق أو جحوده وأمثالهما، وعليه فلا يمكن تعميم الحكم لما نحن فيه .
والحاصل: أنّ كل واحد من الفقراء وإن كان مالكاً من جهة كونه فرداً للنوع إلاّ أنّ جواز المقاصّة من دون إذن الحاكم مما تصعب المساعدة عليه .
وأما الثالث: وهو ورثة السلطان الجائر بالنسبة إلى أمواله: فهل يحسب ما في ذمته من قيم المتلفات غصباً من جملة ديونه كما إذا كان في ذمته قرض أو ثمن مبيع أو صداق أو غيرها أو لا يحسب من الديون؟
وعلى الأول لابدّ من تقديمها على الإرث والوصية فتخرج من أصل التركة، وعلى الثاني تخرج من الثلث إذا أوصى بها، وإلاّ فتبقى في ذمتهإلى الأبد .
وفي المقام قولان ذكر الشيخ (قدس سره)(2): أنّ مقتضى القاعدة هو الأول ونقل الثاني عن بعض الأساطين ولعلّه كاشف الغطاء (قدس سره) وذكر له وجهين:
أحدهما: عدم المقتضي لجعلها من الديون، وذلك لأنّ الدين الوارد في الآية
الشريفة: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ»(1)منصرف إلى الديون المتعارفة كالقرض ونحوه، فلا تكون شاملة لمثل هذه الديون ويبقى عموم دليل الوصية على حاله.
وثانيهما: وجود المانع وهو أنّه على فرض الشمول لابدّ من تخصيصها بغير هذه الديون، وذلك لقيام السيرة المأخوذة يداً بيد من مبدأ الإسلام إلى يومنا هذا على ذلك فإنهم لا يعاملون هذه الأمور معاملة الديون بل يقسّمون أموال الميت وينفذون وصيّته من دون إخراجها من أصل التركة.
وقد أجاب (قدس سره) (2)عنهما:
أما عن الأول فبأن دعوى الانصراف غير تامة، وذلك لأنا لا نجد فرقاً عند العرف بين ما أتلفه هذا الظالم عدواناً وبين ما أتلفه نسياناً، ولا بين ما أتلفه هذا الظالم عدواناً وبين ما أتلفه شخص آخر من غير الظلمة، ولا بين ما أتلفه في حياته وبين ما أتلفه بعد مماته فكما تجري أحكام الدين عليه في حال حياته من جواز المقاصّة من ماله وعدم تعلّق الخمس والاستطاعة وغيرها من الأحكام فكذلك تجري بعد مماته، وإلاّ لزم تعطيل كثير من الأحكام.
وأما عن الثاني فبأنّ هذه السيرة ليست بحجة لأنها ناشئة عن قلّة المبالاة ولذا لا يفرّقون بين الظلمة وغيرهم ممن علموا باشتغال ذمته بحقوق الناس كحقّ السادة والفقراء، أو من جهة العلم بفساد أكثر معاملاته ولا في إنفاذ وصايا الظلمة وتوريث ورثتهم بين اشتغال ذممهم بعوض المتلفات وأرش الجنايات وبين اشتغالها بديونهم المستقرة عليهم من معاملاتهم وصدقاتهم الواجبة عليهم وكذلك بين ما علم المظلوم فيه تفصيلاً وبين ما لم يعلم فبمثل هذه السيرة لا يمكن رفع اليد عن القواعد المنصوصة. وما أفاده (قدس سره) في غاية المتانة.
وقد عرّف الخراج والمقاسمة بعدة تعاريف منها ما في المسالك(1)من أنّ المقاسمة هي: حصّة السلطان من حاصل الأرض يؤخذ عوضاً عن زراعتها، والخراج: مقدار من المال يضرب على الأرض والشجر.
وعرّفهما المحقق الأردبيلي(2)بأنهما: المقدار المعين بمنزلة الأجرة في الأرض الخراجية - أي المعمورة المفتوحة عنوة بإذن النبي أو الإمام على المشهور - أو المأخوذ بالصلح بأن تكون الأرض للمسلمين ولهم السكنى وهي لمصالح المسلمين والأمر فيها إليهم صلوات الله عليهم، والمقاسمة: الحصة المعينة من حاصل تلك الأرض مثل العشر، والخراج: المال المضروب عليها غالباً، فلا يضرّ إطلاق الخراج على المقاسمة كما ورد في بعض الروايات والعبارات.
وفي المستند(3)أنّ المراد بالمقاسمة: الحصّة المعينة من حاصل الأرض يؤخذ عوضاً عن زراعتها، وبالخراج: المال المضروب عليها أو على البحر حيث ما يراه الحاكم، وقد يطلق الثاني على الأول.
وفي جامع المقاصد(4)أنّ المقاسمة هي: مقدار معين يؤخذ من حاصل الأرض نسبته إليه بالجزئية كالنصف والثلث، والخراج: مقدار معين من المال يضرب على الأرض أو على البستان كأن يجعل على كل جريب كذا درهماً.
وغيرها من التعاريف.
والظاهر من العنوان أن الحكم شامل لكلّ ما يُرى أنّ للسلطان مشروعية المطالبة به كالزكوات والصدقات ونحوها كما هو شأن السلطان العادل وتكون
مصارفه مصالح المسلمين العامة.
ومقتضى القواعد الأولية حرمة أخذ السلطان لها ولو أخذها اشتغلت ذمته بها لأنّ لها أرباباً شرعيين وليس السلطان من أربابها، فإذا أخذها السلطان الجائر فالكلام يقع في جهتين:
الجهة الأولى: هل تبرأ ذمة المعطي أو لابدّ من إعطائها ثانياً لأربابهاالشرعيين أو إيصالها إلى محلها؟
أما ما قيل من وجوب إعطائها للسلطان وحرمة منعه عنها كما نسب إلى صاحب المسالك(1)والمحقق الثاني(2)وكاشف الغطاء(3)فمما لا وجه له إذ المفروض أن السلطان ظالم فدفع هذه الأموال إليه يدخل في باب إعانة الظالم، مضافاً إلى عدم كونه مأذوناً من قبل الإمام(علیه السلام)، وليس أهلاً ومحلاً لمصارف هذه الأموال، ويده حينئذ يد عدوان، فكيف يقال بحرمة منعه عنها اختياراً !!؟ ولعلّ مرادهم من حرمة المنع إنما هو في صورة الإكراه، أو فيما إذا لم يتمكن المكلّف من دفعها إلى الحاكم الشرعي من دون ضرر، أو عدم تمكّنه من صرفها بنفسه في مواردها، وحينئذ فللقول بوجوب دفعها إلى السلطان الجائر وحرمة منعه عنها وجه، لكونه - بحسب الظاهر - متصدياً لصرفها في مواردها، وقد تقدّم في بحث التقية في الزكاة أنّ الذي يظهر من الروايات هو عدم جواز الإعطاء اختياراً، وأما مع الإجبار فيجوز ذلك ويوجب إبراء الذمة، وأما غير الزكاة - مما نحن فيه - فيمكن إلحاقه بالزكاة في جواز الدفع وبراءة الذمة.
الجهة الثانية: إذا أخذها الجائر فهل يجوز شراؤها منه وتملّكها بعوض أو بغير عوض، أو لا يجوز ذلك؟
والمشهور هو الجواز(1)، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه كما عن جامع المقاصد حيث قال: والجائر وإن كان ظالماً بالتصرف فيه، إلاّ أن الإجماع من فقهاء الإمامية، والأخبار المتواترة عن أئمة الهدى دلّت على جواز أخذ أهل الحق لها عن قول الجائر(2).
وعن مصابيح العلامة الطباطبائي: أنّ عليه اجماع علمائنا(3)، وفي المسالك: أذن أئمتنا( في تناوله وأطبق عليه علماؤنا(4)، وفي الرياض: أن عليه الإجماع المستفيض(5)، وفي محكي التنقيح وتعليق الإرشاد الإجماععليه(6).
بل احتمل صاحب الجواهر أنّ المسألة من الضروريات التي لا يحتاج في إثباتها إلى الاستدلال(7).
ونسب الخلاف إلى المحقق الأردبيلي (قدس سره) (8)تبعاً للشيخ إبراهيم القطيفي (قدس سره) (9)حيث كتب رسالة مشهورة سمّاها بالسراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج في حلّ الخراج(10)، وذكر صاحب الجواهر (قدس سره) أنه رجع عن قوله وكتب رسالة أخرى في عكسها(11)، وعلى أيّ تقدير فقد استدل المشهور بأمور :
1) المكاسب: 72 الطبع القديم
2) جامع المقاصد 4 : 45 الطبعة الأولى المحققة
3) جواهر الكلام 22 : 180 الطبعة السابعة
4) مسالك الأفهام 1 : 168 الطبع القديم
5) رياض المسائل 1 : 508 الطبع القديم
6) جواهر الكلام 22 : 180 الطبع القديم
7) نفس المصدر ص 181
8) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 100 الطبعة الأولى المحققة
9) كلمات المحققين: 297 الطبع القديم
10) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 12 : 164 الطبعة الأولى
11) جواهر الكلام 22 : 182 الطبعة السابعة
منها: ما ذكره الشيخ (قدس سره) (1)من الإجماع المؤيد بالشهرة المحققة بين الشيخ الطوسي ومن تأخر عنه .
ومنها: ما ذكره (قدس سره) أيضاً من لزوم الحرج العظيم في الاجتناب عن هذه الأموال بل اختلال النظام .
ومنها: ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) (2)من دعوى السيرة القطعية من العوام والعلماء في سائر الأعصار والأمصار في الدولة الأموية والعباسية وما تأخر عنهما على ذلك، خصوصاً أن أغلب جوائز سلاطين الجور من هذه الأموال .
وهذه الوجوه قابلة للمناقشة والعمدة هي الروايات الواردة في المقام وهي على ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: ما دلّ على جواز قبول جوائزهم وهداياهم وقد تقدمت جملة منها، والمستفاد من إطلاقاتها بل من ظواهرها أنّ الأموال التي تعطى بعنوان الجائزة هي من قبيل الخراج والمقاسمة، فإذا جاز أخذها مجاناً فجواز الأخذ مع العوض من باب أولى .
واحتمال كونها من أموالهم الخاصة بعيد جدّاً خصوصاً مع ما ورد فيصحيحة أبي بكر الحضرمي قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) وعنده إسماعيل ابنه، فقال: ما منع ابن أبي السمال «السماك خ ل الشمال» أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس، ويعطيهم ما يعطي الناس؟ ثم قال لي: لم تركت عطاءك؟ قال: مخافة على ديني، قال: ما منع ابن أبي السمال «السماك الشمال خ ل» أن يبعث إليك بعطائك؟ أما علم أنّ لك في بيت المال نصيباً(3).
الطائفة الثانية: ما دل على جواز شراء المقاسمة وهي عدة روايات منها:
صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل منّا يشتري من السلطان من إبل الصدقة وغنم الصدقة وهو يعلم أنهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم، قال: فقال: ما الإبل إلاّ مثل الحنطة والشعير وغير ذلك، لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه، قيل له: فما ترى في مصدّق يجيئنا فيأخذ منّا صدقات أغنامنا فنقول: بعناها فيبيعناها فما تقول في شرائها منه؟ فقال: إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس، قيل له: فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظّنا، ويأخذ حظّه فيعزله بكيل فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل(1).
وهذه الرواية تدل على جواز شراء مال الصدقة والمقاسمة، واستفادة الجواز من ثلاثة مواضع من الرواية:
الأول: من قوله: «وهو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم» فأجاب(علیه السلام) بنفي البأس والظاهر من هذه الجملة أنّ أصل الشراء مفروغ عنه، وإنما سأله عن حكم الزيادة على الحقّ الواجب.
الثاني: من قوله (علیه السلام): «إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس» وهو يدلّ على أنّ أصل الشراء مفروض إلاّ أنّ الإشكال من جهة القبض والعزل فإن قبضها وعزلها فلا إشكال في الجواز، وإلاّ فالمعاملة غير تامة من جهة أنه قبل القبض والعزل لم يخرج المال عن ملك صاحبه، ولا معنى لشراء الشخص مال نفسه.
الثالث: قوله (علیه السلام): «إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأسبشرائه منه من غير كيل» وهو يدلّ على جواز شراء المقاسمة مع الكيل وحضور المشتري.
والحاصل: أن الرواية واضحة الدلالة في جواز شراء أموال المقاسمات كما أنّها من جهة السند صحيحة فإنّ أبا عبيدة الوارد في سند الرواية هو أبو عبيدة
1) وسائل الشيعة ج 12 باب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5
الحذاء وهو من الثقات(1).
هذا ولكن المحقق الأردبيلي(2)أشكل على هذه الرواية بأمور أهمها:
أنّ سندها غير تام وذلك لاحتمال أن يكون أبو عبيدة غير الحذاء المشهور.
وأنّ دلالتها غير واضحة، لعدم صراحتها في الجواز، وذلك لأنّ الفقرة الأولى إنّما تدلّ على الجواز فيما إذا لم يعلم الحرام بعينه كما إذا كان حلالاً أو مشتبهاً.
وأما جواز شراء الزكاة أو المقاسمة فالدلالة غير صريحة في ذلك، والعبارة وإن كانت ظاهرة في الجواز إلاّ أنه لا ينبغي الحمل عليه لمنافاته للعقل والنقل مضافاً إلى احتمال أنّ الإمام (علیه السلام) أجمل في الجواب لداعي التقية.
وأما الفقرة الثانية فهي وإن كانت ظاهرة في جواز الشراء إلاّ أنّ كون المصدّق من قبل الجائر الظالم غير معلوم، مضافاً إلى أنّ الشراء ليس حقيقياً بل صورياً إذ المبيع هو مال المشتري فيكون شراؤه استنقاذاً للمال لا شراء حقيقياً.
وأما الفقرة الثالثة فهي بيان لشروط الشراء وهو التعيين.
وجميع ما ذكره (قدس سره) قابل للمناقشة.
أما عن جهة سند الرواية فالمراد من أبي عبيدة هو الحذاء وذلك لأنّه لم يرد في الرجال عنوان أبي عبيدة إلاّ في خمسة أشخاص:
الأول: أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح وهو في عداد الصحابة وطبقته متقدمة.
الثاني: أبو عبيدة البزّاز ولم يرد في حقّه مدح أو قدح، وله رواية واحدة رواها عن حريز وروى عنه عبد الرحمن الأصم(3).الثالث: أبو عبيدة المدائني، ولم يرد فيه شيء أيضاً، وله رواية واحدة
رواها عنه عمرو بن سعيد المدائني(1).
الرابع: أبو عبيدة معمر بن المثنى وهو أيضاً لم يرد في حقّه شيء، وليس له رواية في الأحكام، نعم روى أول خطبة كتبها أمير المؤمنين (علیه السلام) بعد بيعة الناس له على الأمر(2).
الخامس: أبو عبيدة الحذاء وهو المعروف والمشهور وقد وثقه النجاشي(3)، ونقل توثيق سعد بن عبد الله الأشعري له(4)، وله روايات كثيرة، وروى عنه كثيرون ومنهم هشام بن سالم(5)في موارد عديدة(6)، وبناء على ذلك، فإذا ورد أبو عبيدة مجرّداً فهو ينطبق على الحذاء لكونه هو المشهور من بين المشتركات ولتمييزه من جهة الراوي عنه.
فالخدشة في سند الرواية في غير محلّها ولا إشكال في صحّة السند.
وأما عن الدلالة فيقال في جوابه: إنه لا إجمال في جواب الإمام (علیه السلام) بل هو صريح في جواز الشراء، ولا وجه للحمل على التقية ما دام الحمل على غيرها ممكناً، وما ذكره من مخالفة العقل والنقل غير ثابت، بل يمكن القول بموافقة الحكم للعقل والنقل حيث إن الحرمة موجبة للعسر والحرج، والحكمة تقتضي تسهيل الأمر على العباد والحكم بجواز الشراء والتصرف في مثل هذه الأموال.
وبقية ما أورده على الدلالة بيّن الدفع، فالإشكال من جهة الدلالة أيضاً في
1) معجم رجال الحديث 22 : 256 الطبعة الخامسة
2) معجم رجال الحديث 19 : 291 الطبعة الخامسة
3) رجال النجاشي 1 : 388 الطبعة الأولى المحققة
4) رجال النجاشي 1 : 389 الطبعة الأولى المحققة
5) معجم رجال الحديث 22 : 256 الطبعة الخامسة
6) لاحظ وسائل الشيعة ج 8 باب 126 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 2 ، وج 11 باب 23 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1 ، وباب 34 من أبواب جهاد النفس أيضاً، الحديث 10 ، وباب 78 من أبواب جهاد النفس أيضاً، الحديث 6 ، وغيرها من الموارد
غير محلّه ودلالة الرواية على الجواز تامّة.
ومنها: موثقة إسحاق بن عمار قال: سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم، قال: يشتري منه ما لم يعلم أنه ظلم فيه أحداً(1).
وهي واضحة الدلالة كما أنّها معتبرة السند فإنّها وإن كانت مضمرة إلاّ أن ذلك غير مضرّ باعتبار السند.ومنها: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألته عن الرجل أيشتري من العامل وهو يظلم؟ قال: يشتري منه(2).
وهي تدلّ على جواز الشراء بلا إشكال، والكلام في سندها هو ما ذكرناه في الرواية السابقة.
ومنها: صحيحة أبي بكر الحضرمي المتقدمة، ومحل الشاهد منها قوله (علیه السلام): أما علمت أنّ لك في بيت المال نصيباً(3).
إلاّ أنه قد أشكل عليها بأنّ دلالتها غير تامة، وذلك لأنّها إنما تدل على جواز الأخذ من الأموال التي له حق فيها لا من كل مال.
وفيه: أنّ الظاهر من الرواية أنّ لجميع المسلمين حقاً في بيت المال، ولا خصوصية لأبي بكر الحضرمي.
لا يقال: إنّ هذا الحق إنما هو من النذورات والأوقاف لا من مال الخراج والمقاسمة.
فإنه يقال: مضافاً إلى بعده في نفسه، أنه لا يفي بحاجة الجميع وأنه ليس لكل أحد، فالظاهر أنّ هذا الحق هو من أموال الخراج والمقاسمة التي يكون مرجعها إلى المسلمين.
ولكن مع ذلك مفاد هذه الرواية أخصّ من المدعى لأنها تدلّ على جواز أخذ مقدار الحقّ فقط، وأما ما زاد عليه فلا دلالة فيها على جوازه.
ومنها: رواية محمد بن أبي حمزة عن رجل قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أشتري الطعام فيجيئني من يتظلم ويقول: ظلمني فقال: اشتره(1).
ودلالة الرواية على الجواز واضحة غير أنها ضعيفة بالإرسال فتكون مؤيدة لما سبق، وهناك روايات أخرى وفي ما ذكرناه كفاية.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على جواز تقبّل الأرض وأهلها من قبل السلطان وهي عدة روايات:
منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال في القبالة أن تأتي الأرض الخربة فتقبلها من أهلها عشرين سنة، فإن كانت عامرة فيها علوج فلا يحلّ له قبالتها إلاّ أن يتقبّل أرضها فيستأجرها من أهلها، ولا يدخل العلوج في شيء من القبالة فإنّ ذلك لا يحلّ «إلى أن قال:» وقال:لا بأس أن يتقبّل الأرض وأهلها من السلطان(2)الحديث.
ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): «لا بأس أن يتقبّل الأرض وأهلها من السلطان» فإنه كالصريح في جواز الشراء من أموال المقاسمة.
ومنها: صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الرجل يتقبل بجزية رؤوس الرجال وبخراج النخل والآجام والطير وهو لا يدري لعله لا يكون من هذا شيء أبداً، أو يكون، أيشتريه وفي أيّ زمان يشتريه ويتقبّل منه؟ قال: إذا علمت أنّ من ذلك شيئاً واحداً أنه قد أدرك فاشتره وتقبّل به «منه» (3).
وهذه الرواية صريحة في جواز الشراء وتقبّل حاصل الأرض بل هي
أوضح دلالة من الرواية السابقة لأنّها واردة في تقبل الأرض الخراجية، وهذه واردة في تقبّل غلّة الأرض وشرائها.
ووجه الأوضحية أنه يحتمل أن تقبّل نفس الأرض إنما هو لئلاّ تبقى الأرض معطّلة فلا يكون الحكم بالجواز شاهداً صريحاً على ما نحن فيه، وأمّا هذه الرواية فقد ورد السؤال فيها عن تقبّل حاصلها وخراجها وشرائه فأجاب (علیه السلام) بالجواز مشروطاً بإدراك بعض حاصل الأرض، ومثلها رواية الفيض بن المختار(1)وغيرها من الروايات وقد أشار الشيخ (قدس سره) إلى بعضها(2).
والحاصل: أنّ هذه الطائفة تدلّ أيضاً على جواز شراء الخراج والمقاسمات كما تدلّ على جواز قبول الجوائز منهم ولا إشكال في ذلك.
الأولى: هل يجوز شراء الخراج والمقاسمات أو أخذها من السلطان الجائر قبل قبضها واستقرارها في يده أو يد عامله، أو لا يجوز الشراء أو الأخذ إلاّ بعد قبض السلطان أو عامله لها؟
ظاهر عبارات أكثر الفقهاء بل الكلّ أنّ الجواز مختصّ بما بعد القبض، والجمود عليها يقتضي عدم جواز الشراء قبل الأخذ فلا يصح شراء ما في الذمة ولا الحوالة عليه، ولكن صرّح جماعة بجواز ذلك كماعن المحقق الثاني(3)، وصاحب الرياض(4)، وقد ادّعى الأول تصريح الأصحاب بعدم الفرق، وادّعى الثاني عدم الخلاف.
والظاهر هو الجواز مطلقاً كما هو المستفاد من كلام الشيخ(1)وغيره، وذلك:
أولاً: لما تقدم من صحيحتي الحلبي(2)وإسماعيل(3)بن الفضل المتقدمتين حيث إنّ المستفاد منهما جواز التعامل على ما في ذمّة أهل الأرض قبل أن يقبض السلطان منهم شيئاً.
وثانياً: لما يظهر من حكم المشهور بجواز اشتراط خراج الأشجار على العامل في المساقاة وإن كان بحسب طبعه على مالك الأرض والأشجار، ويستفاد من ذلك جواز المعاملة عليه قبل القبض من قبل السلطان أو عامله.
وثالثاً: إنّ كلمات الأكثر الدالة على عدم الجواز قبل القبض إما أنها محمولة على الغالب، وإما على أنّ هذه المسألة وردت في كلامهم عقيب الكلام حول مسألة جوائز السلطان الجائر، وحيث إنهم ذكروا حرمة أخذ الجائزة من يد السلطان الجائر إذا علمت أنها حرام، استثنوا مسألة الخراج والمقاسمة من عدم الجواز، وبعبارة أخرى: إنّ نتيجة المسألتين معاً هي حرمة الجائزة المعلومة الحرمة إلاّ ما كان من قبيل الخراج والمقاسمات وإن كان السلطان غير مستحقّ لها وأنّ يده عليها يد عدوانية وليس لقبضه موضوعية حتى يعلّق الجواز عليه.
وقد يقال: إنّه يمكن استفادة ذلك من صحيحة أبي عبيدة الحذاء المتقدمة لقوله (علیه السلام): إن كان أخذها وعزلها فلا باس(4).
ولكن قد تقدم الوجه في اعتبار الأخذ والعزل في خصوص المقام وهو أنّه إنما اشترط ذلك لئلاّ يلزم شراء مال نفسه.
والحاصل: أنّه لا وجه للمنع عن الشراء قبل قبض السلطان، بل يجوز
مطلقاً.
الثانية: هل أنّ أمر الأراضي الخراجية بيد السلطان الجائر أو لا؟ لا إشكال في أنّها ملك لجميع المسلمين، ولابد من صرف أجرتها في مصالحهم العامة، أما في زمان الحضور فالتصرف فيها وتعيين خراجها بيد الإمام (علیه السلام)، وأما في زمان الغيبة فقد اختلفت كلمات الأصحاب في ذلك على أقوال متعددة نقلها السيد الطباطبائي(قدس سره) في حاشيته على المكاسب(1).
ومحلّ الكلام منها ما ذكره الشيخ (قدس سره) (2)أيضاً من أنه يظهر من جماعة كالمحقق الكركي الذي نقل عن كثير من معاصريه وخصوصاً عن شيخه الأعظم الشيخ علي بن هلال) وحاصل ما أفاده: أنّ الحكم بيد الجائر وأنه لا يجوز لمن عليه الخراج سرقته، ولا جحوده، ولا منعه، ولا شيء منه، لأنّ ذلك حقّ واجب عليه(3).
كما صرّح الشهيدان (قدس سره) بذلك أيضاً، ففي الدروس: يجوز شراء ما يأخذه الجائر باسم الخراج والزكاة والمقاسمة وإن لم يكن مستحقّاً له ... فلو أحاله بها وقبل الثلاثة أو وكله في قبضها أو باعها وهي في يد المالك أو في ذمّته جاز التناول ويحرم على المالك المنع ... ولا يحلّ تناولها بغير ذلك(4).
وفي المسالك: إنه لا يجوز لأحد جحدها ولا منعها ولا التصرّف فيها بغير إذنه، بل ادّعى بعضهم الاتفاق عليه(5).
وفي شرح القواعد: ويقوى حرمة سرقة الحصّة وخيانتها، والامتناع عن
تسليمها، وعن تسليم ثمنها بعد شرائها إلى الجائر وإن حرمت عليه، ودخل تسليمها في الإعانة على الإثم بالبداية أو الغاية، لنصّ الأصحاب على ذلك ودعوى الإجماع عليه(1).
ولكن ذلك محل نظر إذ لا يستفاد من الأدلة أنّ هذا منصب مشروع للسلطان الجائر كما أنّ فتاوى الأصحاب لا نصّ فيها ولا ظهور لها في ذلك.
أما الأول فغاية ما تفيده الروايات المتقدمة هو نفوذ تصرّفات السلطانالجائر بالنسبة إلى ما يأخذه بعنوان الخراج والزكاة والمقاسمات كما يستفاد منها براءة ذمة المكلف بالدفع إلى السلطان الجائر إذا لم يتمكن من دفعها إلى أهلها، وتدلّ أيضاً على جواز شرائها أو أخذها من السلطان، وهذه الأمور لا تلازم شرعية المنصب حتى يقال بحرمة منعها عنه إذا كان ذلك ممكناً.
ولعلّ الحكم بالجواز من جهة التسهيل على الشيعة لئلاّ يقعوا في العسر والحرج في أمور معاشهم ومعاملاتهم، وليس ذلك دليلاً على حرمة المنع، بل قد يظهر من بعض الروايات رجحان المنع عند الإمكان، وقد تقدّمت في مبحث التقية في الزكاة ومن ذلك ما يظهر من صحيحة زرارة قال: اشترى ضريس بن عبد الملك وأخوه من هبيرة أرزاً بثلاثمائة ألف، قال: فقلت له: ويلك أو يحك انظر إلى خمس هذا المال، فابعث به إليه، واحتبس الباقي فأبى عليّ، قال: فأدّى المال وقدم هؤلاء، فذهب أمر بني أمية قال: فقلت ذلك لأبي عبد الله (علیه السلام) فقال مبادراً للجواب: هو له، هو له، فقلت له: إنه قد أدّاها فعضّ على إصبعه(2).
والمستفاد منها: أنه لا يجب دفع المال إليهم مهما أمكن وإن كان عوضاً عما يشتريه منهم، وما يقال: من أنّ الأرز إذا كان من الأرض الخراجيّة وهو
للمسلمين فلا وجه لعدم أداء العوض أصلاً، مدفوع بأنّ ذلك إما من جهة أنه حقّه وإما أنّ الإمام (علیه السلام) قد أذن له بذلك.
ويمكن استظهار ذلك أيضاً من رواية علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن(علیه السلام): ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال: إن كنت فاعلاً فاتق أموال الشيعة، قال: فأخبرني عليٌّ أنه كان يجبيها من الشيعة علانية ويردّها عليهم في السرّ(1).
ولو كان الدفع واجباً لما كان معنى لإرجاعها، كما أنّ هذه الأموال مطلقة فهي شاملة للخراج والمقاسمة ولا وجه لاختصاصها بغيرها.
نعم سند الرواية غير تام فتكون مؤيدة لما تقدم.
والحاصل: أنه يمكن مضافاً إلى عدم الدليل، الاستظهار من الروايات عدم وجوب الدفع إلى السلطان الجائر بل يجوز المنع بلا إشكال.
وأما الثاني وهو فتاوى الأصحاب فيمكن أن يكون مرادهم من حرمة المنع أو السرقة أو الجحود هو عدم إعطاء الخراج والمقاسمة أصلاً حتىإلى الحاكم الشرعي أو صرفه في مصالح المسلمين حسبة، وهذا لا إشكال في عدم جوازه، والشاهد على ذلك التعليل الوارد في كلمات بعضهم بأنه حقّ واجب عليه كما في عبارة المحقق الكركي المتقدمة، فإنّ كونه حقّاً واجباً يقتضي حرمة منعه رأساً لا عن خصوص الجائر، مضافاً إلى ما ورد في كلام المحقق الكركي (قدس سره) أيضاً فإنّه بعد أن نقل القول بحلّية ما يأخذه الجائر من الخراج والمقاسمة، وأنّ النصوص قد وردت به وأجمع الأصحاب عليه بل المسلمون قاطبة، قال: فإن قلت: فهل يجوز أن يتولّى من له النيابة حال الغيبة ذلك أعني الفقيه الجامع للشرائط؟
قلنا: لا نعرف للأصحاب في ذلك تصريحاً لكن من جوّز للفقهاء حال الغيبة تولّي استيفاء الحدود وغير ذلك من توابع منصب الإمامة ينبغي له تجويز
1) وسائل الشيعة ج 13 باب 46 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8
ذلك بطريق أولى(1)
المحققة
.وظاهر كلامه أنه حتى مع وجود السلطان الجائر فله التصدّي لذلك، ولعل مراد مشايخه الذين نقل عنهم حرمة منع المالك أو جحوده أو سرقته هو ما ذكرناه آنفاً من المنع مطلقاً حتى عن النائب الشرعي للسلطان العادل، وهذا أمر مسلّم فتوى ونصّاً، فإنّ الخراج لا يسقط عن مستعمل الأرض الخراجية وإنّ مصرفه مصالح المسلمين العامّة.
وعلى ما ذكرنا تحمل كلمات الأصحاب المتقدمة.
فمقتضى القاعدة أنّ أمر الأراضي الخراجية وأموالها - في زمان الغيبة - بيد نائب الإمام (علیه السلام) الخاصّ أو العام مع التمكّن أو بإذنه، ومع عدم التمكّن فالتصرّف بيد المكلّف حسبة ومع عدم التمكن من ذلك فالأمر إلى السلطان الجائر أو إذنه ويكون تصرّفه - حينئذ نافذاً - من قبلهم (علیهم السلام) ولا حاجة إلى الإذن الخاص بعد ذلك من نوّابهم (علیهم السلام) .
الثالثة: إنّ الحكم المتقدم يختص بالسلطان المدّعي للرئاسة العامة وعمّاله ولا يشمل من تسلّط على قرية أو بلدة خروجاً على سلطان الوقت.
ويشترط أن يكون السلطان مبسوط اليد في سلطنته، وأما مع ضعفه وعدم استيلائه على الأراضي الخراجية لقصور يده عنها وعدم انقياد أهلها له ابتداء أو خروجهم عن طاعته وعصيانهم بعد ذلك فالظاهر عدم جريان الحكم لعدم عموم أو إطلاق في الروايات المتقدمة بحيث يشمل هذه الحالات، فإنّها إنّما وردت في شأن السلاطين الذين كانوا في أزمنة الأئمة (علیهم السلام)، فمقتضى الاقتصار على القدر المتيقن الخارج عن القواعد والأصول بهذه الروايات هو السلطان العام الذي يكون باسطاً يده على هذه الأراضي، وفي غيره لابدّ من الرجوع إلى الحاكم
1) رسائل المحقق الكركي المجموعة الأولى: 270 الطبعة الأولى
الشرعي كما تقدم.
الرابعة: إنّ المراد بالسلطان هو خصوص المخالف، وأما شمول الحكم للسلطان الموافق أو الكافر فهو محل كلام.
وحكم هذه المسألة كالمسألة السابقة أيضاً، فإنّ الروايات الواردة في المقام إنما صدرت في زمان تسلّط المخالفين وعالجت مشكلة التعامل معهم والتخلص من مكرهم حيث يدّعون الولاية العامة على المسلمين، وليس فيها عموم أو إطلاق يمكن التمسّك به بالنسبة إلى السلطان الجائر الموافق أو الكافر وتنقيح الحكم وتعديته إليهما أو التمسّك بلزوم العسر والحرج غير تام.
فمقتضى القاعدة هو تخصيص الحكم بالسلطان المخالف، وأما بالنسبة إلى غيره فجواز الأخذ منه مشروط بالاستئذان من الحاكم الشرعي، ومع عدمه فالأخذ والتصرف من باب الحسبة كما تقدّمت الإشارة إليه .
الخامسة: هل يعتبر في جواز الأخذ الاستحقاق أو لا؟
والكلام فيها تارة في صورة الأخذ بعوض، وأخرى في صورة الأخذ مجاناً.
أما الصورة الأولى وهي الأخذ في مقابل العوض كما إذا اشتراه من السلطان فالذي يظهر من إطلاق الروايات هو عدم اعتبار ذلك، بل يجوز مطلقاً كما في صحيحة زرارة(1)المتقدمة وغيرها(2).
وأما الصورة الثانية وهي الأخذ مجاناً فبمقتضى قوله (علیه السلام) في صحيحة أبي بكر الحضرمي المتقدمة أيضاً: «ما منع ابن أبي السمال «السماك الشمال خ ل» أن يبعث إليك بعطائك؟ أما علم أنّ لك في بيت المال نصيباً» (3)أنّ مقدار النصيب والعطاء لا إشكال في جواز أخذه، كما لا إشكال في جواز أخذ جوائز السلطان،
فإنها القدر المتيقّن من الروايات، وأما الزائد على ذلك فهو محلّ إشكال، نعم إذا أخذ الزائد بعنوان الاستنقاذ وإيصاله إلى الحاكم الشرعي مع الإمكان، ومع عدمه يوصله إلىالمستحقّ فلا إشكال في الجواز.
ثم إنّ الشيخ(1)(قدس سره) قد ذكر في المقام جملة من الفروع كثبوت كون الأرض خراجية وشرائطها وحدودها ومقدار الخراج عليها وغيرها مما هو خارج عمّا نحن فيه والتحقيق فيها موكول إلى البحث في أحكام الأرضين وأقسامها.
وبهذا يتم الكلام حول الولاية من قبل السلطان الجائر وما يتعلّق بها من المسائل والفروع، وبه تتمّ المباحث الثلاثة حول التقية في الجهاد.
والحمد لله رب العالمين
1) المكاسب: 77 الطبع القديم
· الإشارة إلى أهمية هذا البحث
· ما هي الولاية التكوينية وهل هي ثابتة للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام)
· الإمامة ضرورية والإلماح إلى بعض أدلتها
· لماذا لم يصرّح باسماء الأئمة (علیهم السلام) في القرآن؟
· مراتب ولاية الفقيه خمس
· استقصاء أدلة الثبوت وردّ المناقشات
· طوائف الروايات العشر التي استدل بها على ثبوت الولاية ونقدها
· التحقيق في سند التوقيع الشريف ودلالته
· استقصاء أدلة النافين وما يرد عليها
· الشروط التسعة المعتبرة في الفقيه المتصدي
· هل الأعلمية معتبرة في الفقيه أم لا؟
· إذا كانت الأعلمية معتبرة فكيف يمكن تعيين الفقيه الأعلم؟
· التحقيق في صلاحية المرأة للولاية
· نظرة حول مشروعية الانتخاب
· الإشارة إلى مهامّ الفقيه
وهي من المسائل المهمّة في الفقه، وتتوقف عليها جملة من الأحكام المتقدمة، وكنّا قد وعدنا - فيما سبق - بالتحقيق حولها، ونظراً لأهميتها فلابدّ من التعرّض لها والبحث حولها - بما يناسب المقام - تتميماً للمباحث السابقة واستيفاءً لجميع مسائلها فنقول:
الولاية بالفتح: مصدر ولي يلي، ويقال: استولى على الشيء: غلب عليه، وتمكّن منه(1)والاسم منه الولاية بالكسر.
وذكر في الصحاح أنّ الولاية بالكسر بمعنى السلطان، وبالفتح بمعنى النصرة، ونقل عن سيبويه أنه بالفتح مصدر وبالكسرة اسم مصدر مثل الإمارة والنقابة، قال: لأنه اسم لما تولّيته وقمت به، فإذا أرادوا المصدر فتحوا(2).
ومثله ما في تاج العروس(3)واللسان(4)، وهو الظاهر من المفردات(5)أيضاً، فإنه ذكر الولاية بالكسر وفسّرها بالنصرة، وبالفتح بمعنى تولّي الأمر.
هذا، ولكن ذكر صاحب المجمع أنّ الولاية - بالفتح - : النصرة، وبالكسر: الإمارة، قال: وفي النهاية هي بالفتح: المحبّة، وبالكسر: التولية والسلطان، ثم نقل رواية «بني الإسلام على خمس» ومنها الولاية، وقال: الولاية بالفتح محبة أهل البيت (علیهم السلام) واتّباعهم في الدين، وامتثال أوامرهم ونواهيهم، والتأسي بهم في الأعمال والأخلاق، وأما معرفة حقّهم واعتقاد الإمامة فيهم فذلك من أصول الدين لا من الفروع العملية(1).
وورد في كتب اللغة أنّ للولي معاني كثيرة جداً(2)، والمستفاد منها أنهاتشترك في معنى واحد هو التصرّف والتأثير في الغير كما هو الظاهر من موارد استعمال هذا اللفظ كوليّ اليتيم، والصغير، ووليّ النكاح، ووليّ الدم، ووليّ الأمر وغيرها، حتى ما كان منه بمعنى المحبّة فهو مشمول للمعنى العام المشترك.
ويؤيد ذلك: ما ورد في أقرب الموارد حيث اقتصر في تعريف الولي على هذا المعنى المشترك، قال: ولي الشيء وعليه ولاية وولاية ملك الأمر وقام به(3).
وبناء على هذا ففي جميع موارد استعمال هذا اللفظ هو بمعنى واحد، أي التصرف والنفوذ والتأثير في الغير بلا فرق في موارده من العلو والدنو كالمالك والمملوك، والخالق والمخلوق، والسلطان والرعية، فكما يقال: الله ولي المؤمنين كذلك يقال المؤمنون أولياء الله، وهكذا الأمر بالنسبة إلى ما يشتق من هذا اللفظ، كما في قوله تعالى: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ»(4)، وقوله تعالى: «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»(5)وغير ذلك.
والحاصل: أنّ جميع ما ذكر للولي من المعاني يعود إلى معنى واحد كما ذكرنا، وإنما تختلف في مصاديق التصرف والتأثير كلّ بحسبه، فهو بالنسبة إلى المالك بمعنى السلطنة والاستيلاء، وأما بالنسبة إلى المملوك فهو بمعنى نفوذ الأمر والطاعة وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر الموارد ومن ذلك يظهر أن ليس للولاية في الاصطلاح معنى غير معناها اللغوي.
ثم إنّ محلّ الكلام في هذه المسألة هو الوليّ بمعنى المتصرّف أي من له حقّ التصرّف في الغير، فهل أنّ هذا المعنى ثابت للفقيه الجامع للشرائط في زمان الغيبة أو لا؟
ويقع البحث في مقامات ثلاثة:
الأول: في ثبوت هذا المعنى للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) تكويناً وتشريعاً.
الثاني: في ثبوته للفقهاء تشريعاً.
الثالث: في شرائط الفقيه في زمان الغيبة، بناء على ثبوت الولاية له.
أما مرحلة الثبوت فلا محذور في إمكان ثبوت هذا المعنى لهم (علیهم السلام)، ولا مانع منه، لا عقلاً ولا نقلاً، وذلك لأنّ تصرّفهم في الممكنات تصرفاً تكوينياً لا يلزم منه المحال، نعم إن من الممتنع عقلاً تعدد الواجب بالذات إذ يلزم من تعدده عدمه - كما قرر في محله - ويرشد إليه قوله تعالى: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا»(1).
وأما التصرف في الكائنات والتعدد في المتصرف فلا يلزم منه محذور عقلي.
وغاية ما يقال: إنه يلزم من ذلك الشرك في الولاية على الكون وعدم اختصاصها بالحق تعالى وهو محال.
والجواب: أنّ المحذور إنما يلزم فيما إذا كانت ولايتهم وتصرّفهم في الكون في
1) سورة الأنبياء، الآية: 22 .
عرض ولاية الله وتصرّفه، وأما إذا كانت ولايتهم في طول ولاية الله تعالى بمعنى أنّ الله تعالى اختصّ بعض أوليائه ومنحهم قوة التأثير بحيث تكون الموجودات خاضعة لهم وجعلها تحت طاعتهم وتصرّفهم فلا محذور في ذلك ولا إشكال.
كيف وهذه الولاية ثابتة في الجملة للمخلوقات فيما بينها، فإنّ الله تعالى قد أودع في بعض الممكنات قوة التأثير في بعضها على نحو يتوقف وجود بعضها على بعض، فإنّ لشرب الماء - مثلاً - تأثيراً في الري ورفع العطش، ومثله الطعام في رفع الجوع، والنار في إحراق بعض الأشياء وهكذا غيرها من سائر الموجودات، وهذه قاعدة عقلية قررها الحكماء وحاصلها: أنّ جميع الممكنات تتألف من سلسلة طولية تبتني على العلية والمعلولية إلى أن تنتهي إلى مسبّب الأسباب وهو الحقّ عزوجل فهو الغني المطلق وما سواه مفتقر بالذات إليه.
وهذه العلّية والمعلولية السارية في الموجودات وإن لم يعبّر عنها بالولاية - بحسب الاصطلاح - إلاّ أنها لا تخرج عن قانون التأثير والتأثر والتصرف في الغير كما ذكرنا.
فإذا كان هذا المعنى ثابتاً للموجودات فأيّ محذور في ثبوته للأنبياء والأئمة (علیهم السلام)؟ وكما لا يجوز الاعتقاد بأنّ التأثير في سلسلة العلل في الممكناتعلى نحو الاستقلال كذلك الحال بالنسبة إلى الأنبياء والأئمة (علیهم السلام)، ومنتهى سببية الجميع إلى الله تعالى، فلا ندري أيّ فرق بين الموردين حتى يجعل من لا بصيرة له أنّ هذا شرك بالله تعالى دون ذاك.
والحاصل: أنّه لا إشكال في مرحلة الثبوت.
وأما مرحلة الإثبات فيمكن الاستدلال على ثبوتها بالأدلة الأربعة.
أما من الكتاب فبعدة آيات:
منها: قوله تعالى في شأن نبينا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم): «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً
مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى»(1).
بتقريب: أنّه - انطلق بشخصه من مكة إلى بيت المقدس في مدة قصيرة تصرّف فيها بنفسه في الكون، ومثله قضية المعراج إلى السماء كما صرحت بذلك الروايات.
لا يقال: إنّ ذلك لا دلالة فيه على التصرّف في الكون لأنه لم يكن له من الأمر شيء.
لأنّا نقول: يكفي في الدلالة على ذلك أنّ الكون بأسره كان خاضعاً له - مؤتمراً بأمره- في تلك الليلة.
ومنها: قوله تعالى في قصة إبراهيم: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً»(2).
ومنها: قوله تعالى في شأن موسى (علیه السلام): «فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ»(3).
ومنها: قوله تعالى في قصة عيسى (علیه السلام): «أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ...»(4).
ومنها: قوله تعالى في شأن داود وسليمان (علیه السلام): «وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْمِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا
وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ»(1).
ومنها: قوله تعالى في شأن آصف بن برخيا: «قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» (2).
وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك.
ولا إشكال في أفضلية نبينا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) على سائر الأنبياء (علیهم السلام) - كما قرر في محله - فإذا ثبت ذلك للأنبياء والأولياء فهو ثابت للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) بطريق أولى.
هذا ولكن قد يناقش ذلك بأمور:
الأول: أنّ ما ورد من الآيات إنما يدل على صدور ذلك في مقام الإعجاز وهو ثابت لهم (علیهم السلام) في ظروف خاصة تأييداً لدعوى النبوة، وليس ثبوته لهم على نحو الإطلاق.
الثاني: أنّ الأنبياء (علیهم السلام) جميعاً يعترفون بعجزهم وعدم تمكّنهم من ذلك، كما في قوله تعالى حكاية عن الأمة مع نبيها (صلی الله علیه و آله و سلم): «وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً »(3).
وهذه الآيات صريحة في اعتراف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعجزه عن الاستجابة إلى مقترحات المشركين.
وفي القرآن آيات أخرى دلّت على هذا المعنى أيضاً وردت على لسان
بعض الأنبياء (علیهم السلام).
الثالث: أنهم (علیهم السلام) في معيشتهم مثلهم كمثل سائر الناس، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وتعتريهم الحالات المختلفة من الأعراض والأمراض، وعليه فكيف يمكن القول إنّ بيدهم التصرف في الكون وإن الكائنات منقادة إليهم؟والجواب: أنّ ذلك لا ينافي ولايتهم التكوينية لما ذكرنا من أنّ ولايتهم (علیهم السلام) في طول ولاية الله تعالى، وأنهم عباد مكرمون لا يشاؤون ولا يصدرون إلاّ عن مشيئة الله وإرادته، وهذا مقتضى خلوصهم لله تعالى ومظهريتهم له عزوجل وأنهم بلغوا من الكمال مرتبة لا يفعلون شيئاً من عند أنفسهم ولا يتصرفون إلاّ بإذن الله وإرادته وإن كان الله تعالى قد منحهم القدرة على ذلك.
ومما يؤيد ذلك بل يدلّ عليه: ما رواه الزهري عن الإمام زين العابدين (علیه السلام) في رواية مفصّلة ذكرناها فيما تقدّم ونقتصر هنا على موضع الشاهد منها قال (الزهري) : كنت عند علي بن الحسين (علیه السلام) فجاءه رجل من أصحابه، فقال له علي بن الحسين (علیه السلام): ما خبرك أيّها الرجل؟ فقال: خبري يابن رسول الله أني أصبحت وعليّ أربعمائة دينار، دين لا قضاء عندي لها، ولي عيال ثقال ليس لي ما أعود عليهم به، قال: فبكى علي بن الحسين (علیه السلام) بكاء شديداً، فقلت: ما يبكيك يابن رسول الله؟ قال: فأيّة محنة ومصيبة أعظم على حر مؤمن من أن يرى بأخيه المؤمن خلّة فلا يمكنه سدّها ويشاهده على فاقة فلا يطيق رفعها، قال: فتفرقوا عن مجلسهم ذلك، فقال بعض المخالفين وهو يطعن على علي بن الحسين: عجباً لهؤلاء يدّعون مرة أنّ السماء والارض وكل شيء يطيعهم، وأنّ الله لا يردّهم عن شيء من طلباتهم، ثم يعترفون أخرى بالعجز عن إصلاح خواص إخوانهم!! فاتّصل ذلك بالرجل صاحب القصة فجاء إلى علي بن الحسين (علیه السلام) فقال له: يابن رسول الله بلغني عن فلان كذا وكذا، وكان ذلك أغلظ عليّ من
محنتي، فقال علي بن الحسين (علیه السلام): فقد (قد) أذن الله في فرجك، يا فلانة: احملي سحوري وفطوري، فحملت قرصتين، فقال علي بن الحسين (علیه السلام) للرجل: خذهما فليس عندنا غيرهما، فإنّ الله يكشف عنك بهما وينيلك خيراً واسعاً منهما، ثم مضى إلى السوق وابتاع بالقرصين سمكة وملحاً، ولمّا رجع إلى بيته وشقّ بطن السمكة وجد فيها لؤلؤتين وسرّ بذلك فإذا بصاحبي السمكة والملح قد جاءا إليه وأرجعا القرصين وطيّبا له ما أخذه منهما - إلى أن قال: فإذا رسول علي بن الحسين (علیه السلام) فدخل فقال: إنه يقول لك: إنّ الله قد أتاك بالفرج فاردد علينا طعامنا فإنّه لا يأكله غيرنا، وباع الرجل اللؤلؤتين بمال عظيم قضى منه دينه وحسنت بعد ذلك حاله، فقال بعض المخالفين: ما أشدّ هذا التفاوت! بينا علي بن الحسين (علیه السلام) لا يقدر أن يسدّ منه فاقة إذ أغناه هذا الغناء العظيم، كيف يكون هذا؟! وكيف يعجز عن سدّ الفاقة من يقدر على هذا الغناء العظيم؟! فقال علي بن الحسين (علیه السلام):هكذا قالت قريش للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم): كيف يمضي إلى بيت المقدس ويشاهد ما فيه من آثار الأنبياء من مكة ويرجع إليها في ليلة واحدة من لا يقدر أن يبلغ من مكة إلى المدينة إلاّ في اثني عشر يوماً؟! وذلك حين هاجر منها، ثم قال علي بن الحسين(علیه السلام): جهلوا والله أمر الله وأمر أوليائه معه إنّ المراتب الرفيعة لا تنال إلاّ بالتسليم لله جلّ ثناؤه وترك الاقتراح عليه والرضا بما يدبّر بهم، إنّ أولياء الله صبروا على المحن والمكاره صبراً لم يساوهم فيه غيرهم فجازاهم الله عزوجل عن ذلك بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم لكنهم مع ذلك لا يريدون منه إلاّ ما يريده لهم(1).
والرواية واضحة الدلالة كافية في رفع ما يتوهم من المنافاة بين ولايتهم (علیهم السلام) وبين ظاهر معيشتهم، على أنّ هناك روايات أخرى كثيرة تدلّ على
1) جامع أحاديث الشيعة ج 18 باب 6 من أبواب اللقطة، الحديث 5
هذا المعنى أيضاً وفي ما أوردناه كفاية.
وأما السنة فالروايات الدالة على ثبوت الولاية التكوينية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) بلغت حدّاً فوق الإحصاء، وهي مضافاً إلى تواترها جاءت على طوائف متعددة، ونكتفي بذكر بعض الروايات محيلين طالب المزيد على المجاميع الروائية التي تناولت هذا الموضوع.
روى المحدّث الحر العاملي ) بسنده عن موسى بن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (علیهم السلام) قال: سبّحت في يده (النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)) تسع حصيات تسمع نغماتها في جمودها ولا روح فيها، لتمام حجة نبوّته، ولقد كلّمه الموتى من بعد موتهم، واستغاثوه ممّا خافوا تبعته(1).
وعن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (علیه السلام): وإن قلَبَ الله العصى لموسى حيّة فمحمد دفع إلى عكاشة بن محصن يوم بدر لما انقطع سيفه قطعة حطب فتحول سيفاً في يده، ودعا الشجرة فأقبلت نحوه تخد الأرض(2).
قال: وإن كان داود سخّر له الجبال والطير يسبّحن له وسارت بأمره، فالجبل نطق لمحمد(صلی الله علیه و آله و سلم) إذ جاء اليهود وشهد له بالنبوة، ثم سألوا أن يسيّر الجبل من مكانه فسار الجبل وسبّح العصا في يد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وسخّر له الحيوانات(3).وروى المحدّث الحر أيضاً بسنده عن أبي هاشم الجعفري في حديث: إنّ رجلاً دخل على أبي محمد (علیه السلام) ومعه حصاة، فطبع له فيها بخاتمه قال: وسأله عن اسمه فقال: مهجع بن الصلت بن عقبة بن سمعان بن غانم بن أم غانم، وهي الأعرابية اليمانية صاحبة الحصاة التي طبع فيها أمير المؤمنين (علیه السلام) والسبط إلى وقت أبي الحسن(4).
وغيرها من الروايات الكثيرة(1)جداً الدالة على أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) أعطوا القدرة على التصرف في الكائنات هبة من الله تعالى لهم (علیهم السلام) .
وأما الإجماع فهو محقق من جميع الإمامية بل من جميع الأمة على ذلك، فإن أحداً من المسلمين لا يشك في صدور المعاجز والخوارق والتصرّف في الكائنات عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقد قام إجماع الإمامية على ثبوت ذلك للأئمة (علیهم السلام) على ما قرر في كتبهم الكلامية.
وأما العقل فيمكن الاستدلال به على ذلك من وجهين:
الأول: وحاصله: أنّه لا شك في أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هو أشرف
الممكنات، وأقربهم منزلة من الله تعالى.
وهكذا بالنسبة إلى أئمتنا (علیهم السلام)، فلا يدانيهم بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الفضل والشرف والمنزلة أحد، فإنّهم المعصومون المطهّرون وهم المثل الأعلى، والمظهر الأتم لكمال الله وجلاله وجماله.
ولاشكّ أيضاً في أنه كلما تقرّب العبد من الله تعالى وتكاملت نفسه وتخلّق بأخلاقه واتصف بصفاته تعالى صار موضعاً للفيوضات الإلهية وانفتحت له أبواب التأثير في الأشياء.
وقد ورد ما يدلّ على ذلك كما في الرواية القدسية: «يابن آدم أنا غنيّ لا أفتقر، أطعني فيما أمرتك أجعلك غنيّاً لا تفتقر، يابن آدم أنا حيّ لا أموت، أطعني فيما أمرتك أجعلك حياً لا تموت، يابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون، أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون»(2).
وهذا المعنى مما لا إشكال في ثبوته لخواصّ أوليائه فضلاً عن الأنبياء
والمرسلين ولا سيما خاتم الأنبياء والمرسلين وعترته المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.وبناء على ذلك فكيف لا يثبت ذلك للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) الذين هم صفوة الخلق المنتجبين.
وبعبارة أخرى: إذا كان هذا ثابتاً لعباد الله الصالحين فثبوته لسادتهم وهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) من باب أولى، وإذا كان لألفاظ أسماء الله تأثير في الكون فثبوته لمظاهر أسماء الله تعالى وصفاته ومجالي كماله وجماله وجلاله وهم الذوات المقدسة محمد وأهل بيته المعصومين بطريق أولى.
والحاصل: أنّ الولاية والقدرة على التصرّف في الكون ثابتة للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) بالضرورة.
الثاني: ما نراه بالعيان من قضاء الحوائج واستجابة الدعوات وكشف الملمّات وشفاء المرضى عند التوسل بهم إلى الله تعالى، وخصوصاً عند زيارتهم، وهذا أمر غير قابل للإنكار بل هو كالشمس في رابعة النهار، وقد ذكرها العامة في كتبهم فضلاً عن الخاصة، وكم رأينا من المضطرّين والآيسين ممن انسدت الأبواب في وجوههم، قد لاذوا بقبورهم وتوسلوا إلى الله بهم فقضيت حوائجهم ورفعت الشدائد عنهم، ولم يكن ذلك مختصّاً بشيعتهم، بل هو شامل لمن عداهم من غير المعتقدين بإمامتهم من المخالفين والكفّار فكان ذلك سبباً لهداية بعضهم فاهتدى إلى الحق على أثر ذلك.
والوجه عندنا واضح، وذلك لأنّهم عباد الله وأولياؤه المكرمون، ولا فرق بين حياتهم ومماتهم، وإذا كان الشهداء عند ربهم أحياء يرزقون فكيف بمن هم سادات الشهداء؟
ولقد كان هذا الباب - وهو باب الرحمة - مفتوحاً للجميع، وميسوراً لكل
أحد وهو معجزة خالدة، إلاّ أن الأعداء والمخالفين المبغضين خافوا على مقاماتهم الدنيوية فحاولوا سدّ هذا الباب وسعوا في محو هذه القبور والمشاهد المشرفة وإلقاء الشبهة بين المسلمين وأفتوا بحرمة التوسل بهم وأنه يستوجب الشرك بالله، واغترّ جماعة من البسطاء بذلك واستسلموا لتلك الشّبه مع عدم معرفتهم بحقيقة الأمر، فحرّموا على أنفسهم زيارة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بل اعتقدوا أنهم لا يضرّون ولا ينفعون وأنّهم كالجمادات أو أقلّ شأناً منها مع الغفلة أو التغافل عن أن موت الشهداء سبب إلى الكمال وارتفاع الدرجات والرجوع إلى الله تعالى والإشراف على الخلق والفوزبالنعيم الدائم «وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»(1).
وأما شيعة أهل البيت (علیهم السلام) فقد ثبتوا على الحق وهو منهاج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعترته الطاهرين (علیهم السلام)، ولا زالوا ولن يزالوا يأمّون مشاهدهم، ويتوسلون إلى الله في حوائجهم الدينية والدنيوية والأخروية، ويؤوبون بالخير والثواب والحمد لله على هدايته لدينه والتوفيق لما دعا إليه من سبيله، ونعوذ بالله من الجهالة والضلالة ونسأله تعالى أن يثبتنا على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
والحاصل: أنّ هذا المنصب من الولاية التكوينية ثابت في الجملة بلا إشكال، وأمّا مقدار هذا المنصب وسعته وحدوده فهو راجع إليهم ويظهر من الروايات الصادرة عنهم (علیهم السلام) ولسنا في مقام بيانه فليرجع إلى مظانّه.
ونكتفي بهذا القدر مما يتعلق بالولاية التكوينية.
1) سورة العنكبوت، الآية: 64 .
والبحث فيها يقع من جهتين:
الأولى: في بيان المراد من التشريعية وتحرير محل الكلام.
الثانية: في الأدلة على ثبوتها.
أما الجهة الأولى: فيمكن تفسير التشريعية بوجهين:
الأول: أن تكون وصفاً للولاية أي ولاية تشريعية بمعنى أنّها مجعولة من الله لهم (علیهم السلام) على جميع المكلفين، وهي بهذا المعنى اعتبارية باعتبار حكم الله تعالى «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» وحينئذ يجب طاعتهم والانقياد إليهم امتثالاً لأمر الله تعالى.
الثاني: أن تكون وصفاً للمتعلّق أي في الأحكام الشرعية فلهم حق التشريع، وبعبارة أخرى: أنه تعالى فوّض لهم جعل الأحكام بحسب ما يرونه من المصالح، وبناء عليه فلهم التحليل والتحريم والأمر والنهي لا أنهم مبلّغون عن الله وبين المعنيين فرق كبير كما لا يخفى.
ومحلّ الكلام هو المعنى الأول دون الثاني فإنه خارج عما نحن فيه، وإن كان يظهر من بعض الروايات ثبوت هذا المعنى لهم أيضاً.
وأما عن الجهة الثانية فنقول: إنّ هذا المنصب ثابت للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) بالأدلة الأربعة بلا خلاف، وإنما وقع الخلاف في مصاديق أولي الأمرفعند الإمامية هم الأئمة (علیهم السلام) من ذريته الذين عيّنهم من بعده، ونصّ عليهم بأسمائهم، وجعلهم أوصياءه وخلفاءه على الأمة.
وأنكر العامة ذلك وقالوا: إنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يعيّن أحداً من بعده، ولم ينصّ على إمامة شخص بعينه، والأمة هي التي تختار وليّ أمرها بنفسها من دون حاجة إلى النصّ والتعيين.
واستدل الإمامية على ذلك بل على عدم جواز إهمال النبي هذا الأمر بأدلة قاطعة واضحة من العقل والنقل والإجماع.
أما من العقل فمن وجهين: الأول عن طريق العقل المستقل. الثاني: عن طريق العقل غير المستقل.
أما الأول: فيقال في تقريره - على سبيل منع الخلو - : إنّ الحال لا يخلو إما أن يكون النبي قد عيّن الوصي من بعده، وإما أنه أهمل ذلك ولم يعيّن أحداً، وإما أنه أحال على الأمة لتختار وليّها بنفسها.
والشقان الأخيران باطلان فيتعيّن الأول.
أما بطلان الشق الثاني وهو أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أهمل أمر التعيين فواضح وذلك:
أولاً: إنه يلزم من ذلك نسبة التقصير للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تبليغ الرسالة وهو محال، كيف! وقد جاء التصريح بإكمال الدين في قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً»(1)ولاشك أن أمر الإمامة من الدين في الصميم فالاعتقاد بذلك تكذيب للقرآن وهو كفر بالله تعالى.
ثانياً: إنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بيّن جميع ما يحتاج إليه الإنسان حتى بالنسبة إلى أقل الأشياء شأناً كإرش الخدشة، وآداب التخلّي، ونحو ذلك فلا يعقل أن يُغفل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أمر الأمة من بعده وهو أمر خطير يتوقف عليه كيان الدين وبقاء الإسلام.
ثالثاً: إنه يلزم من ذلك تكذيب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إذ ثبت أنّه - لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمة إلاّ وبيّنه كما ورد في موثقة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: خطب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في حجة الوداع فقال: أيها الناس والله ما من شيء يقرّبكم
1) سورة المائدة، الآية: 3 .
من الجنة ويباعدكم من النار إلاّ وقد أمرتكم به، وما من شيءيقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه ...(1)وغيرها.
والحاصل: إنّ القول بأنّ النبي أهمل هذا الأمر مع أهميته وخطورته لا يمكن المصير إليه.
وأما بطلان الشق الثالث وهو أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أحال أمر التعيين على الأمة لتختار وليّها فمن وجوه:
الأول: إنّ الإحالة في هذا الأمر الخطير مع كثرة الأصحاب وقرب عهدهم بالكفر والاختلاف فيما بينهم، وعدم اتفاقهم على شخص جامع للشرائط، أمر غير جائز إذ الإمامة في الإسلام ليست مجرد السلطنة وحفظ الثغور، بل هي تتضمن مضافاً إلى ذلك حفظ الدين وردّ الشبه عنه، وبيان الأحكام، وتفسير الكتاب، والعلم بخصوصه وعمومه وناسخه ومنسوخه وغير ذلك.
وخلاصة القول: إنّ الإمامة لا تنحصر في إدارة الأمور المادية فالإحالة على الناس وهم الجاهلون بمصالح أنفسهم فضلاً عن مصالح غيرهم مما لا يمكن قبوله، فلابدّ من النصّ والتعيين من قبل الله تعالى على يد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لعلمه تعالى بخفايا الأمور (الله أعلم حيث يجعل رسالته).
والشاهد على ذلك ما ورد في رواية عبد العزيز بن مسلم عن الرضا (علیه السلام) وهي رواية طويلة وقد جاء فيها: « ... فكيف لهم باختيار الإمام؟! والإمام عالم لا يجهل، وراع لا ينكل، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة، هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأمة فيجوز لهم فيها اختيارهم، إنّ الإمامة أجلّ قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم...» (2).
والحاصل: أنّ الإحالة على الناس في تعيين الإمام أمر غير صحيح في نفسه.
الثاني: لو فرضنا صحّة هذه الدعوى لكان حقيقاً أن يقع في حال حياته - ليكون مطلعاً على صحّة الاختيار وصيانته عن الانحراف.
الثالث: عدم ورود أي نصّ في أمر الإحالة لا من الكتاب ولا من السنة بإجماع المسلمين قاطبة، وإقرارهم على ذلك ولو كان لظهر وبان،بخلاف الأول وهو التعيين فقد استفاضت الأدلة كتاباً وسنة وأذعن بها كل منصف.
فإن قيل: قد وردت النصوص التي يستفاد منها أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أحال الأمر على الأمة ومنها قوله تعالى: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ»(1)، وقوله تعالى: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ»(2)، وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (3)وأمثال ذلك.
فالجواب: أما اجتماع الأمة على الضلالة فهو غير متحقق قطعاً.
وأما قوله تعالى: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ» فهو لا يشمل منصب الولاية إذ لا مشاورة فيه، على أنّ المشاورة إنما تكون بعد تحقق الولاية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مضافاً إلى أنّ الغرض من المشاورة في الآية هو التأليف لقلوبهم وليست واجبة على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مع أنها لا ترتبط بالأحكام الشرعية وإنما مجال المشاورة هو الأمور العامة التي لا مساس لها بالتشريع، وهكذا بالنسبة إلى الآية الأخرى وذلك لأنه من غير المعقول أن يشاور النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الناس في شؤون الدين وأحكامه، فكيف بالولاية التي هي قوام الدين وأساس وجوده.
ثم إنّ المراد من قوله (بينهم) وكذا ضمير الجمع في قوله: (وشاورهم) لا يخلو إما أن يكون كلّهم أو أكثرهم أو أهل الحلّ والعقد أو أقلهم، والأول غير
متحقق في الخارج، والأخير غير صحيح إذ لا حجية له، وأما الأكثر فلم يتحقق لغيابهم عن اجتماع السقيفة بل لم يجتمع فيها إلاّ عدد قليل حتى قيل إنهم ستة نفر من المهاجرين منهم أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح وأما أهل الحلّ والعقد فلم يكن أحد منهم حاضراً يوم ذاك بل خالف جماعة كثيرة لما أبرم في السقيفة ومنهم سلمان والمقداد وعمار وأبو ذر والزبير وغيرهم، وقد نسب إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) قوله:
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم
فكيف بهذا والمشيرون غيّبُ
فغيرك أولى بالنبي وأقربُ(1)
الرابع: إن هذا خلاف المعلوم من سيرته (صلی الله علیه و آله و سلم) في مختلف شؤونه، فقدكان (صلی الله علیه و آله و سلم) يعيّن أمراء البلدان والغزوات، وإذا أراد سفراً أقام مقامه أميراً على المدينة، فهل يعقل أن يحيل النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) في سفره الطويل الأمر على الأمة؟!
الخامس: إنّ الإحالة على الناس في تعيين وليّ الأمر يناقض ما فعله الشيخان وبيانه أن نقول: أما خلافة عمر فبتعيين من أبي بكر، وأما خلافة أبي بكر فقد كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها على حدّ تعبير عمر بن الخطاب نفسه(2).
وأما ما فعله عمر من أمر الشورى فهو وإن جعلها في ستة نفر من بعده إلاّ أنه قيدها بأمور يعلم منها مصيرها إلى شخص معيّن.
فعلى فرض أنّ النبي أحال الأمر على الأمة يكون فعلهما مناقضاً لفعل النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) فإن كان فعلهما صحيحاً فلازمه بطلان الإحالة، وإن كانت الإحالة صحيحة ففعلهما باطل(3).
إن قلت: يمكن القول بجواز كلا الأمرين معاً: التعيين والانتخاب، مضافاً إلى أن أولي الأمر الوارد في الآية مطلق أي سواء كان بالتعيين أو بالإحالة فلا يرد الإشكال.
قلنا: إن ظاهر فعلهما عدم جواز الإحالة على الناس بل على التعيين فإنّ عبد الله بن عمر قال لأبيه عند موته: إنّي سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف، وأنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها لرأيت أن قد ضيع فرعاية الناس أشد(1).
كما أنّ عائشة قالت لعبد الله بن عمر: يا بني أبلغ عمر سلامي، وقل له: لا تدع أمّة محمد بلا راع(2).
والمستفاد من ذلك أنّ البناء والتصميم كان على التعيين لا على الإحالة على الناس.
وأما ما قيل من أنّ أولي الأمر في الآية الشريفة مطلق - كما ذهبإلى ذلك بعضهم - فهو في غير محلّه، وذلك لأنّ الإطلاق تارة يكون في الحكم وأخرى في الموضوع، والآية الشريفة ناظرة إلى الموضوع، والموضوع في زمان نزول الآية لا إطلاق فيه، بمعنى أنّ الموضوع كان مقيداً من الأول بالتعيين وأصبح من المرتكزات، فبعد ذلك لا يمكن التمسّك بالإطلاق بل لا مجال له، فإنّ التعيين مانع عن الإطلاق.
نعم لو كان الموضوع غير مقيد بالتعيين في زمان نزول الآية أمكن التمسك بالإطلاق، ولكن ليس الأمر كذلك.
والحاصل: أنّ الموضوع مشخص محدود في نظر المخاطبين وهو لا ينطبق إلاّ
على فرد معيّن، وإذا كان الأمر كذلك فلا يبقى مجال للقول بالإطلاق - مضافاً إلى أنّ مقتضى سياق الآية اشتراط العصمة في أولي الأمر وهي محصورة في أفراد معينين.
السادس: إنّ الإمامة عهد الله وهو لا ينال الظالمين كما صرّح القرآن بذلك، فعلى فرض التسليم بجميع ما تقدم إلاّ أن انتخابهما إمامين على الأمة ليس مشروعاً من أصله وذلك لأنهما ظالمان حيث قضيا أكثر عمرهما على الشرك، مضافاً إلى ظلمهما لبنت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) التي يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها(1)وقد ماتت صلوات الله عليها وهي غضبى(2)حتى أنها أوصت أن لا يصلّيا عليها(3). وأن تدفن ليلاً(4)وفي ذلك من الدلالة ما لا يخفى، وقد تضافرت بذلك النصوص واعترف به العامة وأجمعت عليه الخاصة.
وبناء على ذلك فلا يمكن لظالم أن يكون إماماً على الأمة وقد ورد في العديد من الآيات النهي عن إطاعة الظالمين:
منها: قوله تعالى: «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً»(5).
ومنها: قوله تعالى: «وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً»(6).ومنها: قوله تعالى: «وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ»(7).
وغيرها من الآيات.
السابع: على فرض الإغماض عن جميع ذلك إلاّ أنه يناقض ما ورد من النصوص الكثيرة من تعيين عدد الأئمة من بعده - وأنهم اثنا عشر، وقد حارت أفهام علماء العامة في تطبيق ما رووه أنفسهم من قوله -: «يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش»(1)على مصاديقه وهو لا ينطبق إلاّ على معتقد الشيعة الإمامية من أنهم ذرية رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الذين نصّ عليهم بل وسمّاهم بأسمائهم.
الثامن: أنه على فرض الإغماض عن ذلك أيضاً إلاّ أنه يلزم - من عدم قبول أمير المؤمنين والصديقة الزهراء والحسنين (علیهم السلام) وعدم اعترافهم بإمامة أبي بكر - امّا عصيانهم وحاشاهم فإنه مخالف للكتاب الكريم الشاهد على عصمتهم، وإما كونهم على الحق وعدم صحة إمامة أبي بكر، وذلك كاف في إثبات المطلوب.
ثم على فرض الإحالة فهو مناقض لما ثبت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في خصوص تعيين أمير المؤمنين علي (علیه السلام) وحاشا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يتناقض في أقواله.
وهناك مفاسد أخرى كثيرة تترتب على القول بالإحالة وفي ما ذكرنا كفاية.
والحاصل: أنّ القول بالإحالة على الناس في تعيين الولي من بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مجازفة وتخبط.
وبناء على ذلك فإمامة من لا نص عليه باطلة وليست بمشروعة.
وأما الوجه الثاني: وهو عن طريق العقل غير المستقل فهو أن يقال: إنّ المستفاد من الروايات الصحيحة المتضافرة أنّ الإسلام بني على خمس: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية(2)ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية(3).
بل ورد كما في صحيحة زرارة: أنّ الولاية أفضل لأنّها مفتاحهن والوالي
هو الدليل عليهن(1).
وورد في رواية الفضيل بن يسار: إنّ الله عزوجل يقول: من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظاً، أما لو أنّ رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحج دهره، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حق في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان(2).
وفي رواية عبد العظيم الحسني قال: دخلت على سيّدي علي بن محمد (علیه السلام) فقلت: إني أريد أن أعرض عليك ديني فقال: هات يا أبا القاسم، فقلت: إني أقول: إن الله واحد، إلى أن قال: وأقول: إن الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقال علي بن محمد (علیه السلام): يا أبا القاسم هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة(3).
وفي رواية ابن أبي نجران قال: سمعت أبا الحسن (علیه السلام) يقول: من عادى شيعتنا فقد عادانا، إلى أن قال: شيعتنا الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويحجّون البيت الحرام، ويصومون شهر رمضان ويوالون أهل البيت، ويبرؤون من أعدائنا، أولئك أهل الإيمان والتقى والأمانة، من ردّ عليهم فقد ردّ على الله، ومن طعن عليهم فقد طعن على الله(4)الحديث.
وغيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.
ثم نقول: من خلال التأمل في هذه الروايات والوقوف على مدى التركيز
والاهتمام بهذا الأمر بحيث جعل أمر الولاية هو المفتاح لباب العبادات والوالي هو الدليل عليهن، وأنّ عبادة المرء مهما بلغت كثرة لا قيمة لها ما لم تكن عن معرفة ولاية ولي الله وموالاته.
وإذا ضممنا إلى ذلك ما نراه بالعيان ويشهد به التاريخ أنّ كل دين أو قانون يراد له البقاء فلابدّ من إقامة راعٍ يحفظه عن التبديل والتغيير ويتولّى مهمة بيانه وإيصاله إلى الناس مصوناً عن الانحراف ولولا ذلك لتبدّل القانون وتغير، ووقع الاختلاف في تفسيره وبيانه وانهدم أساسه.ولمّا كان دين الإسلام خاتم الأديان فلا نبي بعد النبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ولا شريعة بعد شريعته، اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون لهذا الدين - بما يتضمّن من التعاليم والأحكام - رعاة وحماة، يردّون عنه الشبه ويصونونه عن التحريف، وهذا ما ابتنت عليه عقيدة الشيعة الإمامية من ضرورة الإمامة بعد النبي وأنها من قبل الله تعالى وبتعيين من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولا مجال للناس في الاختيار، وإلاّ لترتب على ذلك كثير من المفاسد.
ولذا نرى أنه لما رفضت الأمة ذلك، ولم تقبل ولاية أولياء الله الذين عينهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقعت في الحيرة والضياع، وساقها الانحراف إلى المعتقدات الفاسدة من القول بالتجسيم والتعطيل والتشبيه ونسبة الظلم إلى الله تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وإذا كان الأساس كذلك فما ظنّك بما يتفرّع عليه من الأحكام، وما ذلك إلاّ لإعراضهم عن الباب الذي أمروا بالدخول منه وبديهي أنّ النتائج تتبع أخسّ مقدماتها.
ومن الطبيعي جداً أن كل عمل عبادي وغيره منسوب لله جيء به عن غير الطريق الإلهي المرسوم يكون وبالاً على صاحبه، وهباء لا قيمة له، مهما كان هذا
العمل المأتي به كثيراً إذ لا أساس له من عقيدة صحيحة وامتثال للمأمور به وفقاً لما أمر الله تعالى به فكم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع والعطش وكم قائم ليس له من قيامه إلاّ التعب (علیهم السلام)وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً» (1).
والحاصل: أنّ الضرورة العقلية تقتضي وجود القائم مقام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لحفظ الدين وصيانته وإيصاله إلى الناس كما جاء به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهذه المهمة لا يتولاها إلاّ من اختاره الله تعالى أميناً على دينه ونصبه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ليكون خليفة من بعده، وهو لا يتم إلاّ على ما تعتقده الشيعة الإمامية.
وما ذكرناه من هذا الدليل هو المستفاد من الرواية الواردة عن الإمام الرضا (علیه السلام) في مقام بيان العلل في لزوم نصب الإمام (علیه السلام) وتعيينه حيث ذكر عللاً متعددة ومنها قوله (علیه السلام): إنه لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة، وذهب الدين، وغيّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبّهوا ذلك على المسلمين، لأنّا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين، مع اختلافهمواختلاف أهوائهم وتشتت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم قيّماً حافظاً لما جاء به الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لفسدوا على نحو ما بيّنا، وغيّرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان، وكان ذلك فساد الخلق أجمعين(2).
وأما الدليل من الكتاب فقد وردت آيات كثيرة:
ومنها: آية التبليغ وهي قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ»(3).
وقد روى الخاصّة والعامة أن هذه الآية الشريفة نزلت في يوم غدير خم عند منصرف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من حجة الوداع، وكان يوماً شديد الحرارة، وكان قد
اجتمع من المسلمين مائة ألف أو يزيدون، فأمرهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالنزول وبلّغهم رسالة ربه.
روى صاحب جامع الأخبار بسنده عن زرارة بن أعين الشيباني قال: سمعت الصادق(علیه السلام) قال: لما خرج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى مكة في حجة الوداع، فلما انصرف منها ... إلى أن قال: جاءه جبرئيل في الطريق فقال له: يا رسول الله إنّ الله تعالى يقرئك السلام وقرأ هذه الآية: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): يا جبرئيل إنّ الناس حديثوا عهد بالإسلام، فأخشى أن يضطربوا ولا يطيعوا، فعرج جبرئيل (علیه السلام) إلى مكانه، ونزل عليه في اليوم الثاني، وكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نازلاً بغدير فقال له: يا محمد «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ» فقال له: يا جبرئيل أخشى من أصحابي أن يخالفوني، فعرج جبرئيل ونزل عليه في اليوم الثالث وكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بموضع يقال له غدير خم، وقال له: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ» فلما سمع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هذه المقالة قال للناس: أنيخوا ناقتي فوالله ما أبرح من هذا المكان حتى أبلّغ رسالة ربي، وأمر أن ينصب له منبر من أقتاب الإبل وصعدها، وأخرج معه علياً (علیه السلام) وقام قائماً وخطب خطبة بليغة وعظ فيها وزجر، ثم قال في آخر كلامه: يا أيها الناس ألست أولى بكم منكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، ثم قال: قم يا علي، فقام علي (علیه السلام) فأخذ بيده فرفعها حتى رُئي بياض إبطيهما ثم قال: ألا من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذلمن خذله، ثم نزل من المنبر وجاء أصحابه إلى أمير المؤمنين وهنّوه بالولاية، وأوّل من قام له عمر بن الخطاب فقال له: يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ونزل جبرئيل (علیه السلام) بهذه الآية «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً»(1).
وقد روى هذه القضية المؤالف والمخالف حتى تجاوزت حد التواتر وذكر صاحب الغدير(2)أنّ مائة وعشرة من الصحابة وأربعة وثمانين تابعياً قد روى هذه القضية.
وفي كتاب إحقاق الحق(3)أنّ عدد الرواة لهذه القضية بلغ مائة وثلاثة وثلاثين صحابياً وذكر مائة وخمسة أشخاص بأسمائهم.
وفي كتاب عوالم العلوم: أنّ عدد الرواة من الصحابة بلغ مائتين وأربعة عشر شخصاً ووردت القضية في أكثر من أربعين كتاباً من كتب العامة(4).
وقال صاحب إحقاق الحق: ذكر الشيخ ابن كثير الشامي الشافعي عند ذكر أحوال محمد بن جرير الطبري الشافعي أنّي رأيت كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، وكتاباً جمع فيه طرق حديث الطير، ونقل عن أبي المعالي الجويني أنه كان يتعجب ويقول: شاهدت مجلداً ببغداد في يد صحّاف فيه روايات هذا الخبر مكتوباً عليه المجلدة الثامنة والعشرون من طرق من كنت مولاه فعلي مولاه، ويتلوه المجلدة التاسعة والعشرون، وأثبت الشيخ ابن الجوزي الشافعي في رسالته الموسومة بأسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب(علیه السلام) تواتر هذا الحديث من طرق كثيرة، ونسب منكره إلى الجهل والعصبية(5).
والحاصل: أنّ سند الرواية مما لا يشوبه ريب وأنّ التشكيك في صدوره يساوق التشكيك في البديهيات.
وأما من جهة الدلالة فمهما ذكر للفظة المولى من المعاني إلاّ أنّ الواقف على أساليب الكلام في الخطابات يرى أنّ المتكلم إذا أورد جملة صريحة وعطف عليها كلاماً يحتمل فيه إرادة المعنى المصرّح به المتقدمكما يحتمل غيره أيضاً، لم يجز حمل الكلام إلاّ على المعنى الأول المصرّح به.
فقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): ألست أولى بكم منكم أو ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وإقرارهم له بذلك، ثم قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) متبعاً لقوله الأول بلا فصل: من كنت مولاه فعلي مولاه، قرينة على أنّ المراد بالمولى هو ما أراده من قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) الأول أي الأولى بالأمر والمتصرف المطاع في كل ما يأمر، ولا ينكر ذلك إلاّ جاهل أو متجاهل.
على أنّ بعض ما ورد للفظ المولى غير مراد قطعاً كالمعتق والحليف والجار والصهر وابن العم، كما أنّ بعضها الآخر ممّا لا فائدة فيه قطعاً كالناصر والمحبّ، وهل خفيت محبة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لعلي (علیه السلام) ونصرة علي له على أحد حتى يقف هذا الموقف العظيم وتنزل عليه هذه الآية الشديدة الوقع على قلبه (صلی الله علیه و آله و سلم) .
ثم أيّ معنى لتهنئة عمر والأصحاب علياً (علیه السلام) ؟ ونزول آية الإكمال في ذلك اليوم؟ وأيّ عاقل يتوهم أنّ هذا الاهتمام العظيم من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في ذلك الوقت وهو في آخر عمره الشريف إنّما كان لمجرد إظهار محبّته لعلي (علیه السلام)، اللهم إلاّ أن يكون عن سخافة في الفهم واعوجاج في السليقة وانحراف عن جادة الحق، أعاذنا الله من ذلك.
ومنها: آية الولاية وهي قوله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» (1).
والمستفاد من «إنما» حصر الولاية في الله والرسول والمؤمنين، وقوله: «وهم راكعون» جملة حالية أي أن إيتاء الزكاة كان في حالة الركوع.
1) سورة المائدة، الآية: 56
وهذا مما انفرد به أمير المؤمنين (علیه السلام) وقد روى ذلك الخاصة والعامة بأسانيد متعددة عن أبي ذرّ قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بهاتين وإلاّ فصمّتا، ورأيته بهاتين وإلاّ فعميتا، يقول: علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، ومنصور من نصره، ومخذول من خذله، أما إني صلّيت مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوماً من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً، وكان علي (علیه السلام) راكعاً فأومأ بخنصره اليمنى إليه،وكان يتختم فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فلما فرغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنّ أخي موسى سألك فقال: ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري، فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصل إليكما، اللهم وأنا محمد نبيك وصفيّك اللهم فاشرح لي صدري ويسّر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به ظهري. قال أبو ذر: فوالله ما استتم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الكلمة حتى نزل عليه جبرئيل من عند الله فقال: يا محمد اقرأ قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا(1)الآية.
ودلالة الآية صريحة في المراد.
ومن العجيب أنّ الرازي في تفسيره قد أنكر دلالة إنّما على الحصر في هذا المقام(2)مع أنه أصرّ على دلالتها عليه في مواضع متعددة من تفسيره، منها ما ذكره في آية: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ...»، وفي آية: «إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ...»،
وفي آية: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ...»، بل استدلّ على ذلك بوجوه، فراجع(1).
ومنها: آية المباهلة وهي قوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ» (2).
وقد روى المفسرون والمؤرخون أنّ الآية نزلت في قضية المباهلة مع نصارى نجران، وقد خرج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) للمباهلة ومعه الحسن والحسين والصديقة الزهراء وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم ولم يخرج بأحد آخر بإجماع الأمة.
وإذا كان أمير المؤمنين علي (علیه السلام) هو نفس النبي وهو موجود بعد وفاته - فلا تصل النوبة إلى استخلاف غيره.
ومنها: آية التطهير وهي قوله تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْالرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (3).
ومنها: آية المودة وهي قوله تعالى: «قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» (4).
والمراد من أهل البيت وذوي القربى هم ذرية الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وعترته باتفاق المسلمين قاطبة.
وغير ذلك من الآيات الكثيرة وفيما ذكرناه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
وأما الدليل من السنة فقد بلغت الروايات فوق حدّ الإحصاء وهي على
طوائف كثيرة منها:
حديث الثقلين وهو قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): إني تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا كتاب الله سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يرادا عليّ الحوض.
ومنها: حديث المنزلة وهو قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي.
ومنها: حديث السفينة وهو قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجى، ومن تخلّف عنها غرق وهوى.
ومنها: قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): علي مع الحق والحقّ مع علي، يدور معه حيثما دار، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.
ومنها: قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): عليّ مع القرآن والقرآن مع علي.
ومنها: قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): الأئمة اثنا عشر كلّهم من قريش.
ومنها: حديث الدواة والكتف وحديث الإنذار يوم الدار وحديث إبلاغ سورة براءة.
وغيرها من الروايات، واستقصاء جميع ما ورد يخرجنا عن خطة البحث(1).
وأما دليل الإجماع فقد أجمعت الخاصة والعامة على إمامة أمير المؤمنين (علیه السلام) ولا خلاف في أصل ثبوت إمامته، وإنما وقع الخلاف في أنهأول الخلفاء كما تقول به الخاصّة، أو رابعهم كما يقول به غيرهم، وأما من عداه فقد وقع الخلاف في أصل إمامته بين المسلمين.
فلا إشكال في ثبوت الولاية لأمير المؤمنين من بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بتعيين
1) راجع كتاب إحقاق الحق وإزهاق الباطل للقاضي نور الله المرعشي للوقوف على الآيات وعلى تواتر هذه الروايات وغيرها في المصادر العامية
من الله ورسوله وهكذا الأئمة الأحد عشر من بعده.
فإن قلت: إذا كانت الإمامة بهذه المرتبة من الأهمية وحظيت بهذا الاهتمام من النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) فلماذا لم يُنصّ على أسماء الأئمة (علیهم السلام) في القرآن الكريم دفعاً للخلاف والاختلاف، وحسماً للنزاع؟ ولماذا اكتفى في أمر الإمامة بذكر الأوصاف الكلية الموهمة للانطباق على غير الأئمة المعصومين (علیهم السلام) ؟
قلت: لعلّ عدم ذكر الأسماء صراحة لأسباب: منها: أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أراد - وهو على فراش الموت - أن يصرّح باسم عليّ وأولاده (علیهم السلام) حين قال (صلی الله علیه و آله و سلم): آتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلّوا من بعده أبداً، فقال عمر: إنّ الرجل ليهجر وحسبنا كتاب الله ووقع اللغط والنزاع بينهم(1)، فبعد هذه الجرأة العظيمة على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وعلم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من ذلك بتصميم القوم وعزمهم على المخالفة وأنّ الكتابة لا فائدة منها وقد تنجرّ إلى ما هو أسوأ من ذلك، بل قد تصل الحال - والله العالم - إلى هتك حرمة الإسلام في نفس ذلك المجلس، ومن أجل ذلك انصرف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن الكتابة، ولعلّ عدم التصريح في الكتاب العزيز بأسماء الأئمة (علیهم السلام) إنما كان لهذه الجهة أيضاً، فليس من البعيد أن يقع التحريف بعد ذلك - في الكتاب كما وقع التحريف في السنة النبوية الشريفة.
ومنها: أنّ ذلك امتحان للعباد ليحيى من حيّ عن بيّنة ويهلك من هلك عن بيّنة.
ومنها: ما أجاب به الإمام الصادق (علیه السلام) أبا بصير حينما سأله عن ذلك، فقد
1) صحيح البخاري ج 7 - كتاب المرضى - ص 156 دار إحياء التراث العربي، وصحيح مسلم 3 : 1257 الحديث 1637 الطبعة الثانية 1398 ه- - 1978 م دار الفكر، ومسند أحمد 1 : 332 دار الفكر، وشرح نهج البلاغة 6 : 51 دار إحياء الكتب العربية، والملل والنحل 1 : 29 الطبعة الثانية، وطبقات ابن سعد 2 : 242 دار صادر بيروت - لبنان
روى الكليني بسنده الصحيح، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» فقال: نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين (علیه السلام) فقلت له:إنّ الناس يقولون: فما له لم يسمّ عليّاً وأهل بيته (علیهم السلام) في كتاب الله عزوجل؟ قال: فقال: قولوا لهم: إنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتى كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسمّ لهم من كل أربعين درهماً درهم، حتى كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزل الحج فلم يقل لهم: طوفوا اسبوعاً حتى كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت: «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» ونزلت في عليّ والحسن والحسين، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في علي: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، وقال (علیه السلام): أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإنّي سألت الله عزوجل أن لا يفرّق بينهما حتى يوردهما عليّ الحوض، فأعطاني ذلك، وقال: لا تعلّموهم فهم أعلم منكم، وقال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة، فلو سكت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فلم يبيّن من أهل بيته لادّعاها آل فلان وآل فلان، ولكنّ الله عزوجل أنزله في كتابه تصديقاً لنبيه (علیه السلام): «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» فكان علي والحسن والحسين وفاطمة (علیهم السلام)، فأدخلهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) تحت الكساء في بيت أم سلمة، ثم قال: اللهم إنّ لكل نبي أهلاً وثقلاً وهؤلاء أهل بيتي وثقلي، فقالت أم سلمة: ألست من أهلك؟ فقال: إنّك إلى خير، ولكن هؤلاء أهلي وثقلي فلمّا قبض رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان علي أولى الناس بالناس لكثرة ما بلّغ فيه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وإقامته للناس وأخذه بيده، فلما مضى علي لم يكن يستطيع علي ولم يكن ليفعل أن يدخل محمد بن علي، ولا العباس بن علي ولا واحداً من ولده، إذاً لقال الحسن والحسين: إنّ الله تبارك وتعالى أنزل فينا كما
أنزل فيك فأمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك، وبلّغ فينا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) كما بلّغ فيك، وأذهب عنّا الرجس كما أذهبه عنك، فلمّا مضى علي (علیه السلام) كان الحسن(علیه السلام) أولى بها لكبره، فلما توفّي لم يستطع أن يدخل ولده ولم يكن ليفعل ذلك، والله عزوجل يقول: «وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ» فيجعلها في ولده، إذاً لقال الحسين: أمر الله بطاعتي كما أمر بطاعتك وطاعة أبيك، وبلّغ فيّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كما بلّغ فيك وفي أبيك، وأذهب الله عنّي الرجس كما أذهب عنك وعن أبيك، فلما صارت إلى الحسين لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع أن يدّعي عليه كما كان هو يدّعي على أخيه وعلى أبيه، لو أرادا أن يصرفا الأمر عنه، ولم يكونا ليفعلا، ثم صارت حين أفضت إلى الحسين (علیه السلام) فجرى تأويل هذه الآية «وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ » ثم صارت من بعد الحسين لعلي بنالحسين، ثم صارت من بعد علي بن الحسين إلى محمد بن علي، وقال: الرجس هو الشكّ، والله لا نشك في ربّنا أبداً(1).
ومنها: ما أجاب به العلاّمة السيد شرف الدين (قدس سره) من أنّ الله تعالى علم أنّ القوم لا يرضون بعلي إماماً من بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فإنّ القلوب اضبّت على عداوته لأنّه وتر الأقربين والأبعدين في الله، وكان مقتضى حكمة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تبليغه عهد الإمامة إلى علي (علیه السلام) أن يكون على وجه يراعي فيه الحكمة ويتحرى به المطابقة لمقتضى تلك الأحوال، فلو صرّح باسمه (علیه السلام) في القرآن لكان في ذلك الخطر على الأمة والتغرير بالإمام وبالنبي وبالدين كلّه فروعه وأصوله(2).
ومنها: أنّ ذكر الأوصاف إذا كانت لا تنطبق في الخارج إلاّ على فرد معيّن،
فإنّ ذلك يغني عن التصريح باسمه، وقد اشتمل القرآن على آيات عديدة انحصر مصداقها في أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من ولده صلوات الله عليهم أجمعين.
ولعل هناك أسباباً أخرى لم نقف عليها.
والحمد لله على هدايته لدينه والتوفيق لما دعا إليه من سبيله.
وبهذا يتم الكلام عن الولاية التكوينية والتشريعية للنبي والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
في ثبوت الولاية التشريعية بالمعنى المتقدم، للفقيه الجامع للشرائط وعدمه.
والمتسالم عليه بين الفقهاء هو الثبوت في الجملة، ونسب إلى جماعة ثبوتها للفقيه على نحو الإطلاق، وذهب آخرون إلى عدم الثبوت.
وقبل الدخول في البحث لابدّ من ذكر مناصب الفقيه ومراتب ولايته وتحرير محلّ الكلام فنقول:
يمكن تقسيم مراتب ولاية الفقيه إلى خمسة أقسام:الأولى: أن تكون للفقيه الولاية العامة على جميع الناس في جميع شؤونهم الفردية والاجتماعية، كما هي بالنسبة للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام)، بمعنى أن يكون الفقيه أولى بالناس من أنفسهم.
الثانية: أن تكون له الولاية على جميع شؤون الناس الاجتماعية مع سلطته وأمارته عليهم.
الثالثة: أن تكون له الولاية عليهم في أمورهم الاجتماعية التي هي مورد اهتمام الشارع المقدس والتي علم منه أنه لا يرضى بتركها من دون السلطة عليهم.
الرابعة: أن تكون له الولاية في القضاء والحكم.
الخامسة: أن تكون له الولاية في الفتوى والأحكام الشرعية الفرعية.
والمقصود بالبحث من هذه المراتب في هذا المقام هي المرتبة الثالثة، وما عداها خارج عن محل الكلام.
وذلك لأنّ المرتبتين الأخيرتين ثابتتان بلا إشكال، وقد تسالم الفقهاء عليهما.
وأمّا الأوليان فهما وإن كانتا محل الخلاف بين الأعلام حتى أنّ شيخنا الأنصاري (قدس سره) قد قال عن المرتبة الأولى: إنّ دون إثباتها خرط القتاد، وإن كان القول بها مشهورياً(1)، ونقل السيد الأستاذ (قدس سره) أنه نسب إلى بعض معاصري صاحب الجواهر (قدس سره) أنه كان يقول بالولاية العامة للفقيه وكونه مستقلاً في التصرّف في أموال الناس وأنفسهم واجتمع معه في مجلس، وقال صاحب الجواهر: زوجتك طالق، فقال المعاصر: لو كنت متيقناً باجتهادك لاجتنبت عن زوجتي(2)- إلاّ أنهما غير داخلتين فيما نحن بصدده ولا ربط لهما به، وذلك لأنّنا قد ذكرنا في ما تقدم أنّ البحث عن ولاية الفقيه فيما يتعلق بحقه في التصرّف في أموال اللقطة والرجوع إليه في أموال الظالمين، وأخذ الزكوات والخمس والخراج، ونحو ذلك، وهذا المقدار لا يتطلب التعرض لأكثر من المرتبة الثالثة.
هذا، مضافاً إلى أنّ عدة من الأعلام قد وضعوا رسائل وكتباً تناولوا بالبحث فيها عن تينك المرتبتين فلا داعي للتعرّض إليهما.
على أنّ البناء في البحث في هذا الموضوع على الاختصار.وعليه فالبحث يقع في أنه إذا فرض التفكيك في مناصب الفقيه وولايته وتمكّن الفقيه من التصدي لهذه الأمور كما إذا كان تحت سلطان عادل أو كان تحت سلطان جائر ولكن مكّنه من التصرّف، فهل للفقيه أن يتصدّى أو لا؟
فنقول وبالله التوفيق: إنّ البحث تارة يقع في مقتضى الأصل العملي وأخرى في مقتضى الأصل اللفظي.
وقبل الشروع في ذلك لابدّ من الإشارة إلى تمييز المهام والوظائف التي ترجع إلى القاضي عن المهام والوظائف التي ترجع إلى الفقيه - موضع البحث - لئلاّ يقع الخلط بين مهام أحدهما بمهام الآخر.
أما مهام ووظائف القاضي فهي على نحو الإجمال كما يلي:
الأولى: الحكم في المرافعات والتسوية بين المتخاصمين والتحلّي بجميع آداب القضاء.
الثانية: استعلام حال الشهود وأمنائه والعمل على طبق اختباراته.
الثالثة: أخذ المال من الممتنع وإيصاله إلى مستحقه.
الرابعة: حفظ مال الغائب.
الخامسة: التصدّي أو نصب القيّم على الأيتام والمجانين والمحجور عليهم لسفه أو فلس، على وجه.
السادسة: التصدّي للأوقاف العامة بحفظها وتنميتها وقبض عوائدها وصرفها في مواردها، على وجه.
السابعة: التصدي لأموال اللقطة، على وجه.
الثامنة: إنفاذ الوصايا مع شروط الموصي إما مع عدم الوصي أو مع وجوده وإخلاله بالشروط، على وجه.
التاسعة: تزويج الأيامى بالأكفاء مع فقدان الأولياء وصلاحهن للنكاح، على وجه.
هذا، وليس ما ذكرناه من هذه الوظائف على سبيل الحصر، وسيتضح ذلك فيما سيأتي.
وأما المهام والوظائف التي ترجع إلى الفقيه فهي أيضاً كما يلي:
الأولى: رعاية بيت المال بأخذ الخراج والزكوات والأخماس وصرفها في مصالح المسلمين والإنفاق على المستحقين.
الثانية: قبض سهم الإمام (علیه السلام) بالنيابة والتصرّف فيه بصرفه في محلّه، وهذه الوظيفة وإن كان داخلة في الأولى إلاّ أننا أفردناها بالذكر لأهميتها.الثالثة: إقامة الحدود والتعزيرات.
الرابعة: حق العفو عن الجاني في بعض الحالات.
الخامسة: الحكم بالجهاد على قول، ووضع الجزية على الرؤوس بحسب ما يراه أو قسطاً منها على الرؤوس وقسطاً منها على الأراضي.
السادسة: نصب أئمة الجمعات والأعياد وتعيين القضاة.
السابعة: إعلان الفطر والأضحى والحكم بالصوم في شهر رمضان.
الثامنة: في الحكم بالهلال وتعيين الموقفين في الحج وإعلان الوقوف والرحيل في المشاعر.
التاسعة: إقامة فرائض الدين وشعائره وعدم تعطيلها كلزوم بعث الناس إلى أداء الحج إذا امتنعوا ونحو ذلك.
العاشرة: محاربة البدعة وإماتتها والدفاع عن الدين وحفظه وإقامة السنن وصيانة الشريعة عن التغيير والتبديل والانحراف.
وهذه هي وظائف الفقيه على نحو الإجمال لا الحصر وإنما ذكرناها تمييزاً لها عن مناصب القاضي، وسيأتي ذكر بعض آخر في خاتمة هذا المبحث بإذن الله تعالى.
وبعد هذا نقول: يقع الكلام أولاً فيما يقتضيه الأصل العملي. وثانياً فيما يقتضيه الأصل اللفظي.
أما الأصل العملي فهو في ثلاثة موارد.
وذلك لأنّ الشك تارة يكون في المفهوم وهو على نحوين:
الأول: أن يكون فيما علم فيه استقلال الإمام (علیه السلام) بالتصرّف فيه ويشك في أنّ للفقيه ذلك أو لا؟
الثاني: أن يكون فيما علم فيه اشتراط إذن الإمام (علیه السلام) ويشكّ في أنه مشروط بإذن الفقيه أو لا؟
وأخرى يكون الشك في المصداق، بمعنى أنّ الأمر المشكوك فيه لا يعلم هل للإمام (علیه السلام) وحده حق التصرّف فيه وليس لأحد غيره حق في ذلك، أو أنه مشروط بإذنه، أو أنه لا حاجة فيه للإذن أصلاً ومع ذلك يشك في أن للفقيه ذلك أم لا؟
والنسبة بين الموردين الأولين عموم من وجه، فقد يجتمعان كما في مجهول المالك، والتصدق بالمال عن صاحبه، فإنّ للإمام (علیه السلام) أن يتصرّف على نحو الاستقلال كما أنّ لغيره أن يتصدّق عنه بإذن الإمام (علیه السلام)، وهكذا التصرّف في أموال القاصرين.ويفترق الأول عن الثاني في الحكم بالهلال، والتصدّي لجمع الزكاة والخراج.
ويفترق الثاني عن الأول في التقاص في الأموال فهو مشروط بالإذن وليس للإمام (علیه السلام) أو الفقيه الاستقلال بالتصرّف.
أما المورد الأول: وهو ما يتعلق بالموارد التي شك في أنّ للفقيه حق الاستقلال بالتصرف فيها نيابة عن المعصوم (علیه السلام)، فإن تمت أدلّة النيابة العامة فهو، وإلاّ فهي مجرى أصالة البراءة بمعنى أصالة عدم المشروعية فيما إذا شكّ في مشروعيّته للفقيه كإقامة الحدود والتعزيرات، وتزويج الصغيرة أو الصغير من دون رضى الأب
والجد، وولاية المعاملة على مال الغايب بالعقد عليه وفسخ العقد الخياري عنه، وغير ذلك.
وأما مع عدم الشك في المشروعية بمعنى أنّ مشروعية إيجادها في الخارج مفروغ عنها بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على الناس القيام بها كفاية كتجهيز الميت وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.
وبعبارة أخرى: عند دوران الأمر بين كونه واجباً عينياً أو كفائياً، فحينئذ تكون أدلة النيابة دالّة على الجواز إما على نحو العينية، وإما على نحو الكفاية، ولا إشكال في ثبوت أصل المشروعية.
وبناء على هذا فمقتضى الأصل عدم المشروعية في الصورة الأولى دون الثانية، وكلتا الصورتين وإن كانتا مجرى لأصالة البراءة لكنها في الأولى بمعنى عدم المشروعية وفي الثانية بمعنى المشروعية.
هذا ما ذكره الشيخ (قدس سره) (1)إلاّ أنّ المحقق الاصفهاني (قدس سره) ذكر أنّ الأصل الجاري في الصورة الثانية هو الاشتغال، حيث قال: نعم إن علم إجمالاً بوجوبه عليه إما عيناً أو كفاية وجب عليه بالخصوص للقطع بتوجه الخطاب نحوه مع الشك في سقوطه بفعل الغير، وإن قلنا بالبراءة في التعيين والتخيير، لإمكان دعوى العلم بالتكليف بالجامع والشك في لزوم الخصوصية هناك دون ما نحن فيه، إذ لا معنى لتوجه التكليف نحو الجامع من المكلّفين والشك في خصوصية الفقيه(2).
والظاهر أنّ الصحيح في هذه الصورة - الثانية - هو ما ذكره ! وذلك:
أما بالنسبة إلى الفقيه فإن كان هناك إطلاق في الأمر بالتصرّف فمقتضاه أن يكون عينيّاً لما حقق في محلّه من أنّ مقتضى إطلاق الأمر هو العينية التعيينيّة، وأما
الكفائية فهي بحاجة إلى مؤونة زائدة.
وإن لم يكن هناك إطلاق في الأمر فيختلف الأصل العملي باختلاف المباني المذكورة في الواجب الكفائي من أنّ التكليف يتعلق بكل فرد، أو بالجامع الانتزاعي، أو بالفرد المردد، أو غير ذلك مما فصّلناه في الأصول.
وبناء على ما قويناه تبعاً لصاحب الكفاية ! (1)من أنّ التكليف يتعلّق بكل فرد، غاية الأمر عدم العلم بسقوط التكليف عن الفقيه عند إتيان الغير به أو تصدّيه له، فيحكم بعدم السقوط بأصالة الاشتغال.
وأما بالنسبة إلى غير الفقيه فيقال: إنّ أصل توجّه التكليف إليه مع التمكن من الرجوع إلى الفقيه مشكوك فيه، والأصل عدم مشروعية التصرّف فلا يجوز له التصدّي.
والحاصل: أنّ للفقيه حقّ التصدّي والتصرّف إما من جهة الإطلاق وإما من جهة الاشتغال، وأما غير الفقيه فلا يسوغ له ذلك.
وأما المورد الثاني: وهو ما إذا كان الشك في كون إذن الفقيه شرطاً في جواز التصرف، فقد ذكر الشيخ ! (2)أنّ مجرى الأصل هو الاشتغال وعدم جواز تصرّف الغير بدون إذنه، فإنه وإن فرض عدم ثبوت الولاية العامة للفقيه بالدليل إلاّ أنه يمكن إثبات ذلك بالأصل.
ولكن الظاهر هو التفصيل في هذا المورد أيضاً كالمورد الأول كما يظهر من المحقّقين صاحب الكفاية(3)والاصفهاني(4)والسيد الأستاذ(5)قدست أسرارهم
وبيان ذلك:
إنّ التصرف تارة يكون في المعاملات، فالأصل يقتضي عدم نفوذ تصرّف الغير إلاّ بإذن الفقيه، لأنّ الأصل عند الشك في المعاملات هو الفساد، وتارة يكون التصرف في غير المعاملات وهو لا يخلو إما أن يكون متعلقاً بالأنفس والأموال وإما أن لا يكون كذلك.فإن كان متعلقاً بالأنفس والأموال كالحدود والتعزيرات، والتصرّف في أموال الإمام (علیه السلام)، والأوقاف وأمثال ذلك فلا يجوز التصرّف إلاّ بإذن الفقيه، وذلك لأنّ من الضرورات المسلّمة عدم جواز التصرّف في أموال الناس وأنفسهم وأعراضهم من دون إحراز مسوّغ شرعي، ومع عدم الإذن لم يحرز المسوّغ، فلا يكون التصرّف مشروعاً.
وإن كان غير متعلّق بالأنفس والأموال بل كان أمراً عبادياً وشبهه، فهو على قسمين:
الأول: أن يحرز أصل الوجوب ويشكّ في أنّ الإذن شرط في صحّته أو لا، والمسألة - حينئذ - من باب الأقل والأكثر الارتباطيين، والحكم فيها البراءة العقلية والنقلية أو أحدهما.
الثاني: أن لا يحرز أصل الوجوب وهو على ثلاثة أنحاء:
أحدها: أن يكون الشك في أصل الوجوب وهل هو مشروط بإذن الفقيه أو لا؟ كما في صلاة الجمعة، بناء على ما ذهب إليه بعضهم من أنّ وجوبها مشروط بإذن الفقيه، وحينئذ تجري أصالة العدم أي البراءة، بل لا يجب الاستئذان لعدم وجوب تحصيل شرط الواجب، وإنما الواجب هو إتيانه بعد تحقق موضوعه وشرائطه بأجمعها.
ثانيها: أن يكون الشك في أصل المشروعية وجواز العمل وتوقفه على إذن
الفقيه، والأصل حينئذ هو الإباحة.
ثالثها: أن يكون الشك في كلا الوجهين أي الشك في أصل الوجوب وفي جواز التصرّف معاً وتوقفهما على إذن الفقيه.
فإن كان في الأمور المالية فحكم الأول عدم الوجوب، وحكم الثاني عدم الجواز إلاّ مع إذن الفقيه.
وإن كان في غير الأموال كما هو المفروض ففي كلا الأمرين تجري الإباحة أي مشروعية التصرّف وإباحته.
فتبيّن أنّ القول بالاشتغال أو البراءة يختلف باختلاف الصور، فالقول بأصالة الاشتغال مطلقاً غير تام.
وأما المورد الثالث وهو ما إذا كانت الشبهة مصداقية فقد ذكر الشيخ ! أنّ المرجع فيها إلى إطلاقات أدلة تلك التصرفات - إن وجدت - على الجواز أو المنع، وإلاّ فإلى الأصول العملية(1).وتفصيل ذلك: إنّ صور الشبهة المصداقية ثلاث:
الأولى: أن يشك في الأمر بأنه هل هو من وظائف الفقيه أو القاضي أو لا؟
الثانية: أن يشك فيه بأنه هل هو من وظائف الفقيه أو لا؟
الثالثة: أن يشك فيه بأنه هل هو من وظائف القاضي أو لا؟
وكل من هذه الصور الثلاث إما أن تكون مع فرض ثبوت الولاية للفقيه، وإما أن تكون مع فرض عدم ثبوتها، وإما أن تكون مع فرض الشك في ثبوتها.
أما الصورة الأولى وهي تردد الأمر بين أن يكون من وظائف الفقيه أو القاضي فمع فرض ثبوت الولاية يجوز للفقيه التصدي دون القاضي، وذلك لأنّ للفقيه الصلاحية في التدخّل في شؤون القاضي بخلاف العكس.
1) المكاسب - كتاب البيع - ص 153 الطبع القديم
وإذا دار الأمر بين أن يكون للفقيه فقط أو الأعم منه فالقدر المتيقن هو تصدّي الفقيه، وأما تصدّي القاضي فمشكوك في جوازه فتجري في حقه أصالة العدم.
وأما مع فرض عدم ثبوت الولاية للفقيه فهو على نحوين لأنه تارة يكون المورد المشكوك فيه من الموارد غير المهمة، وأخرى يكون من الموارد المهمة فإن كان من قبيل الأول فلا يجوز التصرف لكل من الفقيه والقاضي.
وإن كان من قبيل الثاني أي من الموارد المهمة التي لا يرضى الشارع بتركها بحيث إذا تركت استوجب الإخلال بالنظام أو الهرج والمرج، كحفظ مال الغائبين والقاصرين ونحو ذلك فحكمه عكس الفرض الأول، بمعنى أنه يجب على القاضي التصدي له دون الفقيه لفرض عدم ثبوت ولايته.
وإذا دار الأمر بين تصدّي القاضي فقط والأعم منه فالقدر المتيقن هو تصدي القاضي، وأما تصدي الفقيه فحيث إنّ الفرض عدم ثبوت ولايته فلا يجب عليه بكلا نحويه، بمعنى أنه إن كان من الأمور غير المهمّة فليس لكل من الفقيه والقاضي حق التصرف، وإن كان من الأمور المهمة فللقاضي حقّ التصدّي والتصرّف دون الفقيه.
وأما الصورتان الثانية والثالثة فحكمهما واحد، بمعنى جريان أصالة الاشتغال في حق الفقيه على فرض ثبوت الولاية دون القاضي، والتفصيل على فرض عدم ثبوت الولاية بين الأمور المهمة فتجري أصالة الاشتغال في حق القاضي دون الفقيه، وبين الأمور غير المهمةفتجري أصالة العدم في حق كل منهما، وكذا مع فرض الشك في الولاية للفقيه فالحكم فيها هو حكم فرض عدم الثبوت.
هذا ما يقتضيه الأصل العملي بغض النظر عن ثبوت الولاية بالدليل
الاجتهادي، وقد تبيّن من خلال التفاصيل المتقدمة أي من الأصول جارٍ في المقام كما تبيّن موارد جريانها.
وأما ما يقتضيه الأصل اللفظي فقد ذكر كلّ من المثبتين والنافين أدلّة في المقام.
استدل المثبتون على ثبوت المرتبة الثالثة من الولاية للفقيه بالأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل.
وهو قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ»(1).
وتقريب
الاستدلال بالآية الشريفة من وجهين:
الأول: وهو يتوقف على بيان الوجه في تكرير الأمر بالطاعة أولاً، وعلى بيان معنى أولي الأمر ثانياً.
فنقول: أما بالنسبة إلى تكرار الأمر بالطاعة فقد ذكر بعضهم أنّ الوجه في ذلك هو إفادة التأكيد.
والظاهر أن هذا الوجه غير وجيه لإمكان القول بأن عدم التكرير هو المفيد للتأكيد لدخول إطاعة الرسول وأولي الأمر في وحدة الأمر بالطاعة والملازمة بين إطاعة الله وإطاعة الرسول وأولي الأمر وكأنهما هي، بخلاف تكرير الأمر بالإطاعة فلا يفيد ذلك لاحتمال المغايرة وانفكاك إحداهما عن الأخرى.
ولعلّ الحكمة في التكرير هي اختلاف متعلّق الإطاعة فهي بالنسبة إلى الله
1) سورة النساء، الآية 59 .
تعالى تتعلق بالأحكام والفرائض، وأما بالنسبة إلى الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) فهي تتعلق بالسنن وبكل ما يأمر به النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) من الأمور المهمة بما يراه هو (صلی الله علیه و آله و سلم) وإن كان لا يأمر ولا يتصرّف إلاّ بما فيه رضى الله تعالى.وبعبارة أخرى: إنّ الأمر بإطاعة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) متعلّق بما فوّض له فيه وكذا الحال بالنسبة إلى أولي الأمر، فإنّ أوامرهم وتصرفاتهم في الأمور المهمة واجبة الإطاعة كإطاعة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولذلك اكتفي في الآية بلفظة واحدة بالنسبة إليهما معاً .
ومن ذلك يظهر أنّ كل ما كان واجباً من الإطاعة كإطاعة الولد لوالده والزوجة لزوجها، والعبد لمولاه، ونحو ذلك فهو داخل في إطاعة الله تعالى، وأنّ المراد من إطاعة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وأولي الأمر هو إطاعتهم في كل ما يأمرون به ويتصرّفون فيه من الأمور المهمة التي يلزم من الإخلال بها الإخلال بالنظام وحصول الهرج والمرج.
وعلى ما ذكرنا حمل شيخنا الأنصاري ! الأمر الوارد في الآية حيث قال: فإنّ الظاهر من هذا العنوان عرفاً من يجب الرجوع إليه في الأمور العامة التي لم تحمل في الشرع على شخص خاص(1).
كما حمل ! الحوادث في رواية «وأما الحوادث الواقعة ...» على ذلك أيضاً قال: فإنّ المراد بالحوادث ظاهراً مطلق الأمور التي لابدّ من الرجوع فيها عرفاً أو عقلاً أو شرعاً إلى الرئيس(2).
وأما بالنسبة إلى معنى أولي الأمر فقد اختلف فيه على أربعة أقوال ذكر صاحب المجمع قولين وأضاف الرازي قولين آخرين.
أما صاحب المجمع فقد قال: للمفسّرين فيه قولان: أحدهما: أنهم الأمراء
(أمراء السرايا كما في رواية أخرى) عن أبي هريرة، وابن عباس في إحدى الروايتين، وميمون بن مهران، والسدي، واختاره الجبائي، والبلخي، والطبري.
والآخر: أنهم العلماء عن جابر بن عبد الله وابن عباس في الرواية الأخرى، والحسن، وعطاء، وجماعة، وقال بعضهم: لأنّهم الذين يُرجع إليهم في الأحكام، ويجب الرجوع إليهم عند التنازع دون الولاة(1).
وأما الرازي فقد ذكر في تفسيره القولين الآخرين قال: أحدهما: أنّ المراد من أولي الأمر الخلفاء الراشدون ... ورابعها: نقل عن الروافض أنّ المراد به الأئمة المعصومون(2). واختار أنّ المراد هو أهل الحلوالعقد من الأمة مع أنّه خلاف الإجماع ثم أرجعه إلى القول الثاني المتقدم(3)في كلام صاحب المجمع.
وإذا تبيّن هذان الأمران أمكن الاستدلال بالآية الشريفة بأن يقال: إنّ الفهم العرفي للظاهر من لفظ «أولي الأمر» مع غضّ النظر عن أية قرينة في البين هو أن معناه: أصحاب الأمر الذين تجب إطاعتهم فيما إذا كانت أوامرهم في طاعة الله، لا في معصيته وعليه فلا مناص عن شموله لأولي الأمر الذين لهم الولاية بالحق لا بالجور أي الذين أمرهم أمر بالحقّ.
وأما خصوص طائفة معيّنة من هذه الأقوال المذكورة فلا دلالة للآية على شيء منها، نعم للآية شمول للطوائف الأربع من باب التطبيق لا من باب الانحصار، وعليه فالمراد بصاحب الأمر هو كل من له حق الأمر وثبت له ذلك شرعاً، وأما مع عدم الثبوت فهو غير مشمول فلا يقال صاحب الدار - مثلاً - لمن لم يثبت شرعاً أنّ الدار له.
هذا، مضافاً إلى أنّه لا إشكال في وجوب إطاعة أمراء الأئمة وعمّالهم
ونوابهم، ووكلائهم، بمقدار ما رسم لهم من ولايتهم، مع أنّهم غير داخلين في هذه الأقوال.
والحاصل: أنّ الفقهاء داخلون في المراد من «أولي الأمر» إما على التنصيص والتعيين بناء على أنّ ولايتهم شرعية وصحيحة من جهة النص، أو من جهة رجوع الناس إليهم وانتخابهم لذلك، فإنّ الناس مسلّطون على أنفسهم وأموالهم ومن حق الناس أن ينقلوا هذه السلطنة للفقيه الجامع للشرائط، فيكون وليّاً عليهم.
ويؤيد ذلك: ما ورد في التفسير عن ابن عباس في قوله: «أولي الأمر منكم» يعني: أهل الفقه والدين، وأهل طاعة الله الذين يعلّمون الناس معاني دينهم ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، فأوجب طاعتهم على العباد(1).
وما ورد عن جابر بن عبد الله في قوله: «أولي الأمر» قال: أولي الفقه وأولي الخير(2).وما ورد عن مجاهد قال: هم الفقهاء والعلماء(3).
هذا، ولكن هذا التقريب قابل للمناقشة من وجوه:
الأول: أنه خلاف إجماع الإمامية، قال في المجمع بعد نقله لقولي العامة في تفسير «أولي الأمر» : وأما أصحابنا فإنهم رووا عن الباقر والصادق: أنّ أولي الأمر هم الأئمة من آل محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)، أوجب طاعتهم بالإطلاق كما أوجب طاعته وطاعة رسوله(4).
الثاني: أنّ المراد من أولي الأمر في الآية الشريفة هو المراد من أولي الأمر
في آية أخرى من نفس السورة وهي قوله تعالى: «وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً»(1).
ولم يرد في القرآن الكريم لفظ أولي الأمر إلاّ في هاتين الآيتين.
والظاهر أنّ المراد من أولي في الآية الثانية هم الذين يملكون القدرة على إخراج القول من مرحلة الإبهام إلى مرحلة التمييز والوضوح، وبيان صحته وسقمه وصدقه وكذبه، والوقوف على بطن المعنى، وكشف صلاحه من عدمه.
وهذه القدرة لا تتمثّل إلاّ في الأئمة المعصومين (علیهم السلام) ولا تنطبق إلاّ عليهم دون بقية الأقوال.
أما عدم انطباق هذا المعنى على أمراء السرايا فلأنّ شأنهم غير هذا الشأن وذلك لأنّ المراد من قوله تعالى: «وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ »هو الأقاويل والأباطيل التي يدسها الكفار ورسلهم لإيقاع الفتنة والنفاق بين المسلمين بحيث يوجب تزلزلهم واختلافهم، وكان الضعفاء والبسطاء من المسلمين يذيعون ذلك ويفشونه، الأمر الذي يكون سبباً لوصول الكفار إلى مقاصدهم وأهدافهم الدنيئة.
ولاشكّ أنّ فهم هذه الأمور ومعرفتها ليست من شأن أمراء السرايا، وإنما شأنهم التدبير الحربي والتنظيم العسكري، وما يتعلّق بشؤون الحرب والقتال.نعم قد ينطبق المعنى المذكور على بعض أمراء السرايا على نحو الإيجاب الجزئي إلاّ أنه لا يفيد في المقام لأنّ المراد هو أنّ جميع أولي الأمر لهم هذا الشأن.
والحاصل: أنّ معرفة ما يوجب الإخلال والزعزعة في الدين من فعل الكفار والمشركين ليس من شأن أمراء السرايا، وإنما هو من شأن العالمين بأسرار
1) سورة النساء، الآية: 83
الأمور وأبعادها وهم الأئمة المعصومين (علیهم السلام) .
وأما عدم انطباقه على الفقهاء فلأنّ المراد بهم رواة الأحاديث والعلماء وهؤلاء ليس لهم الخبرة الكافية في الاستنباط والعلم التام بأسرار الأمور، وأبعادها فإنّ إحاطتهم بالقضايا والأحكام إحاطة ظاهرية لا واقعية، ولذا قد يقضي نظرهم في تشخيص أمر بردّه أو قبوله أو إهماله إلى مفاسد كثيرة بحيث لا يمكن بعد ذلك إصلاحها، نظراً لقصور إحاطتهم، وأما المعذورية أو عدمها فهي شيء آخر لا ربط له بالمقام.
والحاصل: أنّ القول بأنّ المقصود من أولي الأمر هم الفقهاء والعلماء قاصر عن أن يكون هو المراد من الآية الشريفة.
وأما عدم انطباقه على الخلفاء فلأنّه:
أولاً: لو كان المراد به هم الخلفاء لكان هذا الأمر معلوماً في زمان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وشائعاً بين المسلمين آنذاك، وليس من ذلك عين ولا أثر.
وثانياً أنّه يلزم من ذلك انقطاع حكم الآية بانقطاع أعمارهم، وهو خلاف ظاهر الآية، إذ المستفاد منها أن هذا الحكم باق ببقاء الليل والنهار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فتعين أنّ المراد من الآية هم الأئمة المعصومون (علیهم السلام) الذين هم عدل الكتاب ولن يفترقا حتى يردا الحوض.
الثالث: إنّ في القول بانطباق الآية الشريفة على إحدى الطوائف الثلاث غير الأئمة (علیهم السلام) مخالفة لظاهر الآية من جهة أخرى وبيانها:
أنّ قوله تعالى: «أَطِيعُوا اللهَ» يشتمل على الأمر بالإطاعة على نحو الإطلاق.
كما أنّ الأمر في قوله تعالى: «وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ » كذلك، وحيث قرنت إطاعة الرسول وأولي الأمر بإطاعة الله بمعنى أنهما في عرض واحد
فلازم ذلك أن يكون الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وأولوا الأمر معصومين عن الخطأ، إذ لو كان الرسول غير معصوم والخطأ عليه جائز لما وجبت إطاعته في كل شيء لاحتمال أن يأمر بالمعصية وذلك يستوجب التناقض إذ لا يجب إطاعته في المعصية وهذا ينافي الأمر بإطاعته على نحوالإطلاق.
ومن ذلك يعلم أنّ الرسول لابدّ وأن يكون معصوماً وهذا بعينه يجري في أولي الأمر لاقتران إطاعتهم بإطاعة الرسول ولذا اكتفي في الأمر بالإطاعة بلفظ واحد، ونتيجة ذلك أنّ أولي الأمر لابدّ وأن يكونوا معصومين وإلاّ لزم التناقض.
والحاصل: أنّ وجوب الإطاعة مطلق أي في كل شيء وذلك يقتضي العصمة في القول والفعل، وهذا المعنى لا ينطبق إلاّ على الأئمة المعصومين (علیهم السلام) إذ لم تدّع العصمة لأحد من الطوائف الثلاث في حين قامت الأدلة على عصمة الأئمة المعصومين (علیهم السلام) .
الرابع: أنه قد ورد في تفسير أولي الأمر روايات كثيرة جداً وكلّها تنصّ على أنّ المراد هم الأئمة (علیهم السلام) على نحو الانحصار فيهم، لا من باب التطبيق.
ومن تلك الروايات موثقة بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن قول الله عزوجل : «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ»(1)، قال: إيّانا عنى، أن يؤدي الأول إلى الإمام الذي بعده، الكتب والعلم والسلاح، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الذي في أيديكم، ثم قال للناس: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، إيّانا عنى خاصة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا...(2).
وموثقة الحسين بن أبي العلا(3)قال: ذكرت لأبي عبد الله (علیه السلام) قولنا في
الأوصياء إنّ طاعتهم مفترضة؟ فقال: نعم، هم الذين قال الله عزوجل: «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» وهم الذين قال الله عزوجل: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ».
ومنها: صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (علیه السلام) في قول الله عزوجل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ »قال: الأئمة من ولد علي وفاطمة (علیهم السلام) إلى أن تقوم الساعة(1).ومنها: ما رواه الشيخ الصدوق ! بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: لما أنزل الله عزوجل على نبيه محمد (صلی الله علیه و آله و سلم): «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله، فمن أولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين ]من[ بعدي أوّلهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن والحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميّي وكنيّي حجة الله في أرضه، وبقيّته في عباده ابن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان، قال جابر: فقلت له: يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) إي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيؤن بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّلها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سرّ الله، ومخزون علمه فاكتمه إلاّ عن أهله ...(2).
ومنها: ما ورد في صحيحة أبي بصير الأخرى قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» فقال: نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين (علیهم السلام) فقلت له: إنّ الناس يقولون: فما له لم يسمّ علياً وأهل بيته (علیهم السلام) في كتاب الله عزوجل؟ قال: فقال: قولوا لهم: إنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتى كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزل الحج فلم يقل لهم: طوفوا اسبوعاً حتى كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت: «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ » ونزلت في علي والحسن والحسين، فقال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) في علي: من كنت مولاه فعلي مولاه، وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإنّي سألت الله عزوجل أن لا يفرّق بينهما حتى يوردهما عليّ الحوض فأعطاني ذلك ...(1).والرواية طويلة اقتصرنا منها على موضع الحاجة وقد ذكرناها بطولها فيما تقدم.
وغيرها من الروايات الكثيرة وقد أورد صاحب البرهان في تفسيره(2)أكثر من ثلاثين رواية كلّها تنصّ على أنّ المعني بأولي الأمر في الآية هم الأئمة المعصومون (علیهم السلام).
والحاصل: أنّه لا معنى للقول بأن أولي الأمر في الآية مطلق ولا سيّما بعد ورود النصوص الكثيرة في تعيينهم على نحو الانحصار وقد تقدم أنّ بعضهم ادّعى الإطلاق في الآية وأجبنا عن ذلك.
وأما ما ورد في الاستدلال من أنّ ولاية الفقهاء ثابتة إما من جهة النص أو بالانتخاب استناداً إلى أنّ الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم، وبناء عليه
تكون ولايتهم صحيحة وشرعية.
فجوابه: أولاً: إنّ دعوى ثبوت ذلك بالنصّ مصادرة على المطلوب.
وثانياً: إنه لم يقم دليل شرعي تام على شرعية الانتخاب وكل ما ذكر من الأدلة فهي إما وجوه عقلية ترجع إلى الاستحسانات والأقيسة الباطلة، وإما أدلة نقلية ضعيفة سنداً ودلالة ولا سيّما الاستناد إلى أنّ الناس مسلطون على أموالهم، أو أدلة البيعة وعدم جواز نكثها، أو أدلة النيابة في الأعمال.
مضافاً إلى أن غاية ما تثبته هذه الأدلة على فرض صحّة بعضها هو الجواز في أمر جزئي شخصي بالنسبة إلى شخص معين - كما في النيابة عن الأعمال العبادية مثلاً - ولا تتكفل بتسويغ التصرف في الأمور العامة، كالأوقاف وأموال القاصرين والغائبين وغيرها من الأمور المهمة على أنه سيأتي - مفصّلاً - البحث حول دعوى شرعية الانتخاب وبيان فسادها في المقام الثالث.
وبناء على ذلك فلا يمكن الاستدلال بهذه الأمور على مشروعية ولاية الفقيه فهذا الوجه من الاستدلال بالآية غير تام.
الوجه الثاني: أن يقال: إنّ مقتضى اهتمام الشارع بتنظيم شؤون الناس الفردية والاجتماعية في معاشهم ومعادهم، وإطلاق الخطاب في الآية الشريفة بإطاعة الله تعالى ورسوله وأولي الأمر، بقاء هذا الحكم وعدم انقطاعه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد ورد ذلك في الرواياتالواردة عنهم (علیهم السلام) كما تقدم. مضافاً إلى ما ذكرنا من تفسير الأمر الوارد في الآية الشريفة بأنه: ما كان مورداً لاهتمام الشارع مما لا يرضى بتركه وتعطيله، وإلاّ لزم اختلال النظام وحدوث الهرج والمرج.
وعليه فإن كان في زمان الحضور أمكن تحقيق ذلك وتحصيل غرض الشارع بإطاعتهم (علیهم السلام) والرجوع إليهم في مختلف القضايا والشؤون.
وأما في زمان الغيبة حيث لا ينال شرف لقاء المعصوم كلّ أحد فلابدّ من الالتزام بأحد أمرين:
الأول: أن يُلتزم بتعطيل هذه الأحكام ويترتب عليه الإهمال لأغراض الشارع، وهو موجب لاختلال النظام.
الثاني: أن يُلتزم بأن تناط مسؤولية إجراء الأحكام بأشخاص منصوبين من قبلهم (علیهم السلام) يقومون مقامهم بالمقدار الميسور لئلاّ يلزم الوقوع في المحذور من اختلال النظام والإهمال لأغراض الشارع، وإن لم يكن هؤلاء الأشخاص في قيامهم بهذه المسؤولية كالأئمة (علیهم السلام) من حيث المرتبة، وعلى الأئمة (علیهم السلام) - من باب اللطف - تأييد هؤلاء الأشخاص ومساندتهم وتسديدهم.
وإذا كان هناك من تتمثل فيه اللياقة للقيام بهذه المهمة فهم الفقهاء العدول دون من عداهم، وهو المطلوب.
هذا، وقد نوقش هذا الوجه بالالتزام بالأول من دون أن يلزم منه أي محذور وذلك لأنّ غياب الإمام المعصوم (علیه السلام) واستتاره إذا كان ناشئاً عن ظلم الأمة وخذلانها إياه، وأنّ كفّ يده الشريفة عن التصرّف في الأمور مستند إلى بسط أيدي الظالمين وجورهم فلا يُعدّ ذلك إهمالاً لغرض الشارع فإنّ ذلك نتيجة أعمال الناس أنفسهم، وأنهم حُرموا الخيرات والبركات بسوء أفعالهم، وأتُوا من قبل أنفسهم، وإذا كان ثمّة تقصير فهو راجع إلى من تسبّب في ذلك.
وقد اعتمد الأجلاء من الأصحاب على ذلك في الجواب عن الشبهة القائلة: أيّ فائدة ولطف في غيبة الإمام (علیه السلام) المساوية لفقده من جهة عدم تمكّنه من التصرّف في الأمور؟
فأجاب الشيخ المفيد ! في نكته بقوله: اللطف الواجب على الله تعالى في الإمام هو نصبه وتكليفه بالإمامة، والله تعالى قد فعل ذلك، فلم يكن مخلاًّ
بالواجب، وإنما الإخلال بالواجب من قبل الرعية، فإنّهم يجب عليهم أن يتابعوه ويمتثلوا أوامره ونواهيه ويمكّنوه من أنفسهم، فحيث لم يفعلوا كانوامخلّين بالواجب فهلاكهم من قبل أنفسهم(1).
وأجاب السيد المرتضى ! في كتاب جمل العلم والعمل بقوله: وغيبة ابن الحسن (علیه السلام) سببها الخوف على النفس المبيح للغيبة والاستتار، وما ضاع من حد أو تأخّر من حكم يبوء بإثمه من سبّب الغيبة وأحوج إليها(2).
وأجاب شيخ الطائفة ! في تلخيص الشافي: أنّ سبب غيبته إخافة الظالمين له ومنعهم يده عن التصرف فيما جعل إليه التدبير والتصرّف فيه ... إلى أن قال: وإذا خاف على نفسه وجبت غيبته ولزم استتاره، وقد استتر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) تارة في الشعب وأخرى في الغار، ولا وجه لذلك إلاّ الخوف من المضار الواصلة إليه(3).
وقال في كتاب الغيبة: لا علّة تمنع من ظهوره إلاّ خوفه على نفسه من القتل لأنّه لو كان غير ذلك لما ساغ الاستتار، وكان يتحمّل المشاقّ والأذى فإن منازل الأئمة وكذلك الأنبياء (علیهم السلام) إنما تعظم لتحمّلهم المشاقّ العظيمة في ذات الله تعالى(4).
وقال المحقق الطوسي !: وجوده لطف وتصرّفه لطف آخر وعدمه منّا(5).
ويظهر هذا المعنى أيضاً من كثير من الروايات منها: ما ورد في الكافي في موثقة زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ للغلام غيبة قبل أن يقوم، قال: قلت ولمَ؟ قال: يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - ثم قال: يا زرارة وهو المنتظر ...(6).
1) النكت الاعتقادية المطبوع ضمن المجلد العاشر من مصنفات الشيخ المفيد ص45 الطبعة الأولى
2) جمل العلم والعمل ص 44 الطبعة الأولى
3) تلخيص الشافي 4 : 215 الطبعة الثالثة
4) كتاب الغيبة الفصل الخامس ص 329 الطبعة الأولى المحققة
5) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد - المقصد الخامس - المسألة الأولى ص 285
6) أصول الكافي ج 1 باب في الغيبة، الحديث 5 ص 337
ومنها: روايته الأخرى قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ للقائم (عج الله تعالی فرجه الشریف) غيبة قبل أن يقوم، قلت: ولم؟ قال: إنّه يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه، يعني القتل(1).ورواهما صاحب الكافي في موضعين آخرين من نفس الباب(2).
وقريب منهما ما رواه النعماني في غيبته(3).
ومنها: ما رواه أبو حمزة في الصحيح عن أبي إسحاق السبيعي، عن بعض أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام) ممّن يوثق به، أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) تكلّم بهذا الكلام وحفظ عنه، وخطب به على منبر الكوفة: اللهم إنه لابدّ لك من حجج في أرضك، حجة بعد حجة على خلقك، يهدونهم إلى دينك ويعلمونهم علمك، كيلا يتفرّق أتباع أوليائك، ظاهر غير مطاع أو مكتتم يترقّب، إن غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم فلم يغب عنهم قديم مبثوث علمهم، وآدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة، فهم بها عاملون.
ويقول في هذه الخطبة في موضع آخر: فيمن هذا، ولهذا يأزر العلم إذا لم يوجد له حملة يحفظونه ويروونه كما سمعوه من العلماء ويصدقون عليهم فيه، اللهم فإنّي لأعلم أن العلم لا يأزر كلّه ولا ينقطع موادّه، وإنك لا تخلي أرضك من حجة لك على خلقك، ظاهر ليس بالمطاع، أو خائف مغمور كيلا تبطل حجّتك، ولا يضلّ أولياؤك بعد إذ هديتهم، بل أين هم؟ وكم هم؟ أولئك الأقلّون عدداً الأعظمون عند الله قدراً(4).
ورواها صاحب الكافي في موضعين من كتابه، وفي كل من الموضعين زيادة
ليست في الآخر(1).
ومنها: ما رواه صاحب الكافي بسنده عن محمد بن الفرج، قال: كتب إليّ أبو جعفر (علیه السلام) إذا غضب الله تبارك وتعالى على خلقه نحّانا عن جوارهم(2).
ومنها: ما أورده الشيخ في غيبته من رواية أبي خالد الكابلي ... قال: سألت أبا جعفر(علیه السلام) أن يسمّي القائم حتى أعرفه باسمه، فقال: يا أبا خالد سألتني عن أمر لو أنّ بني فاطمة عرفوه لحرصوا على أن يقطّعوه بضعة بضعة(3).
ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن داود بن كثير الرقي، قال: سألتأبا الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام)، عن صاحب هذا الأمر، قال: هو الطريد الوحيد الغريب الغائب عن أهله الموتور بأبيه (علیه السلام) (4).
وغيرها من الروايات الدالة على ذلك.
ولكن يمكن الإجابة عن ذلك بعد الاعتراف بصحة ما تقدم بأن يقال: ما هو الفرق بين زمان الغيبة وزمان الحضور؟ فإنهم في ذلك الزمان - وهو زمان حضورهم - مع أنهم كانوا مضطهدين مقهورين، وقد غصب منهم منصب الإمامة إلاّ أنهم لم يهملوا شيعتهم بل كانوا يرعون مصالحهم بالأمر والنهي والإرشاد، بل وينصبون لشيعتهم من يقوم بمصالحهم ويرعى شؤونهم ويأمرون شيعتهم بالرجوع إليهم والترافع عنده، وينهونهم عن الرجوع إلى الطواغيت وقضاتهم.
وقد ورد في الروايات أنّ الأئمة (علیهم السلام) نصبوا لشيعتهم أشخاصاً ابتداء منهم (علیهم السلام) أو إمضاء، وأوكلوا إليهم مهمّة التصرّف في الأمور العامة، كعبد الله بن النجاشي الذي كان والياً على الأهواز من قبل المنصور العباسي في زمان الإمام
الصادق (علیه السلام) وقد بعث الإمام (علیه السلام) برسالة إليه(1)، وكعلي بن يقطين الذين كان وزيراً لهارون الرشيد في زمان أبي الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام) (2)، وكمحمد بن إسماعيل بن بزيع الذي كان في عداد الوزراء في زمان أبي الحسن الرضا (علیه السلام) (3)وغيرهم ممن كانوا مواضع الثقة من قبل الأئمة (علیهم السلام) .
فإذا كان الأمر كذلك في زمان حضورهم (علیهم السلام) فما حال الشيعة في زمان الغيبة، وقد اشتدت بهم الحاجة وطال بهم الزمان وكثر عددهم وتفرّقوا في البلدان وأقطار الأرض وتتابعت عليهم المحن والفتن؟؟
وإذا كانت الإمامة لطفاً فهل يغض الأئمة (علیهم السلام) الطرف عن شيعتهم ويهملونهم وهم على تلك الحال؟ أليس هذا كاشفاً عن نصبهم للفقهاء للقيام بهذه المسؤولية بالمقدار الميسور كما ذكرنا أي ليس جميع المناصب بل في مناصب المرتبة الثالثة على ما تقدم بيانها.
والله سبحانه وتعالى هو الهادي والعالم بالصواب.
وقد استدلوا بعدة روايات وهي على طوائف:
الطائفة الأولى: ما دلّ على أنّ العلماء ورثة الأنبياء أو كالأنبياء أو أمناؤهم وهي عدة روايات منها:
ما رواه الكليني ! بسنده عن القدّاح، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة ... - إلى أن قال - : وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر(4).
وهذه الرواية وردت في الكافي بطرق أربعة اثنين ضعيفين، واثنين معتبرين أمّا الأولان فهما ما رواه ! عن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن القدّاح.
وما رواه عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن القداح.
وضعف كلا الطريقين بسهل بن زياد، فإنّه ممن لم تثبت وثاقته على ما قررناه في محلّه(1).
وأما الطريقان المعتبران فالأول منهما: هو ما رواه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن جعفر بن محمد الأشعري عن القداح.
فإنّ جعفر بن محمد الأشعري وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّ الظاهر أنه جعفر بن محمد بن عبيد وهو واقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة، وهو كاف في الحكم بوثاقته كما قررناه في محله(2).
وهكذا القداح وهو عبد الله بن ميمون القداح، فإنه واقع في أسناد نوادر الحكمة أيضاً(3)، وبناء على ذلك فلا إشكال في الاعتماد على رواياتهما.
والثاني: هو ما رواه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن القدّاح.
ورواه الشيخ الصدوق في أماليه بعين السند الأخير إلاّ أنه سقط منهحماد بن عيسى(4).
كما رواه في كتاب ثواب الأعمال(5)أيضاً.
ورواه الصفار في بصائر الدرجات أيضاً بسند معتبر(1).
ومنها: ما أرسله الصدوق في الفقيه قال: وقال أمير المؤمنين في وصيّته لابنه محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) - وهي وصية طويلة وموضع الشاهد منها قوله (علیه السلام) - : وتفقّه في الدين فإنّ الفقهاء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكنّهم ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر ... إلى أن قال: لأنّ الفقهاء هم الدعاة إلى الجنان والأدلاء على الله تبارك وتعالى(2).
وهي وإن كانت مرسلة إلاّ أنه يمكن اعتبارها بناء على ما حققناه في محله(3).
ومنها: موثقة السكوني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم(4).
ويؤيد ذلك عدة من الروايات الأخرى.
منها: رواية أبي البختري عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنّ العلماء ورثة الأنبياء. وذاك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً، وإنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فإنّ فينا أهل البيت في كلّ خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين(5).
ورواها في بصائر الدرجات مرفوعة إلى أبي عبد الله (علیه السلام) (6).
1) بصائر الدرجات الكبرى ج 1 باب ثواب العالم والمتعلم، الحديث 2 الطبعة الثانية
2) الفقيه ج 4 باب النوادر وهو آخر أبواب الكتاب، الحديث 10 ص 277
3) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 63 الطبعة الأولى
4) أصول الكافي ج 1 باب المستأكل بعلمه والمباهي به، الحديث 5 ص 46
5) نفس المصدر باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، الحديث 2 ص 22
6) بصائر الدرجات الكبرى ج 1 نادر من الباب وهو منه أنّ العلماء هم آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) الحديث 3 ص31
ونقلها صاحب الوسائل(1)عن الكافي.ومنها: ما ورد في العوالي، وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل(2).
ومنها: ما ورد في جامع الأخبار عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: أفتخر يوم القيامة بعلماء أمتي فأقول: علماء أمتي كسائر أنبياء قبلي(3).
ومنها: ما في نهج البلاغة: إنّ أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤا به(4).
وغيرها من الروايات، وهي بمجموعها تدلّ على أنّ الفقهاء بمنزلة الأنبياء وورثتهم وأمناؤهم فكلّ ما ثبت لهم (علیهم السلام) فهو ثابت لورّاثهم إلاّ ما أخرجه الدليل، وهو لا يشمل ما نحن فيه من التصرّف في الأمور المهمة، ولمّا كان ذلك ثابتاً للأنبياء (علیهم السلام) فهو ثابت للفقهاء أيضاً.
وقد أجيب عن هذه الطائفة بوجوه أهمها وجهان:
الأول: إنّ التنزيل أو التشبيه يقتضيان أن يكون المنزّل والمشبّه في منزلة المنزل عليه أو المشبه به في كل شيء إذا لم تكن هناك صفة ظاهرة عند العرف كالشجاعة في التشبيه بالأسد مثلاً، وإلاّ انصرف التشبيه إلى خصوص الصفة البارزة، كما إذا قيل زيد كالأسد أو أسد فإنّه ينصرف إلى أنّ وجه الشبه هو الشجاعة فقط دون سائر الأوصاف.
والمقام من هذا القبيل فإنّ من صفات الأنبياء البارزة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتطبيق أحكام الله تعالى، فإنهم الدعاة إلى الله والأدلاّء عليه، فإذا قيل العالم أو الفقيه كالنبي فإنه ينصرف إلى أنه مثله في هذه الصفة دون غيرها من سائر الصفات.
الثاني: على فرض التسليم بأنّ مقتضى التنزيل هو الإطلاق في جميع الصفات إلاّ أنه يتم فيما إذا لم يكن في اللفظ قرينة على التقييد.
والمقام ليس كذلك إذ ورد في صحيحة القداح، وموثقة السكوني، وغيرهما تقييد الوراثة بالعلم، ومعناه أن العلماء ورّاث الأنبياء في المعارف الحقّة والعلم بأحكام الدين، وأنه ليس همّ الأنبياء جمع الدينار والدرهم وإنّما همّهم العلم وذخيرتهم المعارف، والعلماء أيضاً كذلك.
وممّا يؤكّد هذا ما تقدم من الروايات الدالة على أنّ العلم هو الأمرالمشترك بين جميع الأنبياء، وحيث إنّ العلماء ورّاث الأنبياء فبطبيعة الحال يكون الميراث هو هذا الأمر المشترك، وإلاّ فالأنبياء يختلفون في المناصب فإنّ لبعض الأنبياء الولاية المطلقة، ولبعضهم منصب التبليغ دون سائر المناصب، وقد أشار القرآن الكريم إلى تفاوت مراتب الرسل والأنبياء (علیهم السلام) كما في قوله تعالى: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ»(1)، وقال تعالى: «وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ»(2)، وقال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً »(3).
ومن ذلك يظهر ما في دلالة بقية الروايات مع ضعف أسناد بعضها.
وأما ما قيل من أنّ المراد بالعلماء في هذه الروايات هم الأئمة (علیهم السلام) فالمناقشة به غير واردة لاشتمال بعض الروايات المتقدمة على ما يصرفها عن هذا المراد كما في صحيحة القداح وهو قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة ... فإنّ المراد به غير الأئمة (علیهم السلام) قطعاً.
نعم يمكن انطباق ذلك على الرواية الأخيرة فإنّ المراد بها الأئمة (علیهم السلام) .
ولكن من جهة أخرى، ذكر صاحب مجمع البيان الرواية هكذا: إنّ أولى
الناس بالأنبياء أعملهم بما جاؤا به ثم تلا هذه الآية أي قوله تعالى: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ»(1)وقال: إنّ وليّ محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإنّ عدوّ محمد من عصى الله وإن قربت قرابته(2).
والظاهر أنّ هذه النسخة هي الأصح للمناسبة بين قوله (علیه السلام): أعملهم، وبين استشهاده (علیه السلام) بالآية، ثم تعقيبه الكلام بما يناسب أمر الطاعة والإتباع وهو ينسجم مع العمل لا مع العلم، وعلى كلا التقديرين فلا يمكن الاستدلال بهذه الرواية مع قطع النظر عن سندها، لأنّه إن كانت الرواية قد وردت على النسخة الأولى أي أعلمهم بما جاؤا به، فهذا المعنى منحصر بالأئمة (علیهم السلام) ولا ينطبق على من عداهم، وإن كانت الرواية قد وردت على النسخة الثانية فهي مضافاً إلى ذلك، خارجة عن محلّ الكلاملأنّ نظرها إلى العمل والطاعة ولا ربط لها بالعلم.
الطائفة الثانية: ما دلّ على أنّ العلماء خصوص خلفاء نبينا (صلی الله علیه و آله و سلم) وهي عدة روايات منها:
ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلاً: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): اللهم ارحم خلفائي، قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنّتي(3).
ورواها أيضاً في المعاني بسنده عن علي ]بن أبي طالب[ (علیه السلام) قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): اللهم ارحم خلفائي، الله ارحم خلفائي، اللهم ارحم خلفائي، قيل له: يا رسول الله من خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي
وسنّتي(1).
ورواها أيضاً في الأمالي بسنده عن علي (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): اللهم ارحم خلفائي ثلاثاً، قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يبلّغون (يتبعون) حديثي وسنّتي ثم يعلّمونها أمّتي(2).
وبهذا التقييد يعين المراد بأنهم الفقهاء لأنّ شأن الراوي إنّما هو النقل وليس التعليم، ومضمون هذه الروايات الثلاث واحد ودلالاتها واضحة.
وأما أسنادها فقد رواها في الفقيه مرسلة إلاّ أنه تقدم أنه يمكن الاعتبار بمراسيل الصدوق في الفقيه.
وأما سندها في المعاني فقد رواها عن أبيه، عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن داود اليعقوبي، عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب (علیه السلام) (3).
والظاهر أنّ هذا السند معتبر فإن علي بن داود اليعقوبي وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد نوادر الحكمة بعنوان اليعقوبي(4)، وهوكاف في الحكم باعتبار روايته على ما قررناه في محلّه(5)، مضافاً إلى ما يظهر من طريق الشيخ إلى كتاب عيسى بن عبد الله أنّ راوي الكتاب هو النوفلي بلا واسطة علي بن داود اليعقوبي(6)فليس من البعيد أن يكون في سند المعاني تصحيف بإبدال الواو بعن
1) معاني الأخبار ج2 باب معنى قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «اللهم ارحم خلفائي» ثلاثاً، الحديث 1 ص356
2) الأمالي المجلس الرابع والثلاثون الحديث 4 ص 247 الطبعة الأولى المحققة
3) معاني الأخبار ج 2 باب معنى قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): اللهم ارحم خلفائي ثلاثاً، الحديث 1 ص 356
4) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 147 الطبعة الأولى
5) نفس المصدر ص 132
6) الفهرست : 142 الطبعة الثانية
وأنّ علي بن داود اليعقوبي راو آخر للكتاب لا أنّ النوفلي يروي عنه.
وأمّا عيسى بن عبد الله(1)وعبد الله بن محمد بن عمر(2)ومحمد بن عمر(3)فهم واقعون في أسناد نوادر الحكمة وذلك كاف في الحكم باعتبارهم والأخذ بروايتهم، وبناء على ذلك فالسند معتبر مضافاً إلى أنّ النجاشي ذكر أنّ كتاب عيسى بن عبد الله يرويه جماعة(4)، وشهرة الكتاب تغني عن الطريق.
وأما سندها في الأمالي فقد رواها عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، عن محمد بن علي، عن عيسى بن عبد الله العلوي العمري، عن أبيه، عن آبائه عن علي (علیه السلام) (5).
والظاهر أنّ المراد بمحمد بن علي هو الصيرفي المعروف بأبي سمينة(6)الراوي لكتاب عيسى بن عبد الله وهو ضعيف فهذا السند غير تام.
اللهم إلاّ أن يقال إنّ للشيخ طرقاً معتبرة إلى كتبه مما ليس فيها تخليط أو غلو أو تدليس أو ينفرد به ولا يعرف من غير طريقه(7)، وحيث إنّ هذه الرواية مما لم ينفرد محمد بن علي بروايتها فيمكن حينئذ اعتبار روايته من هذه الجهة، وبناء على ذلك فكل رواية وردت عن هذا الطريق فلا بأس في الاعتماد عليها، ولا إشكال في الأخذ بها نظراً إلى أنّ روايات هذا الطريق كلّها نقية عن الغلو والتخليط والتدليس.
هذا وقد رواها الصدوق أيضاً في العيون بسنده عن عبد الله بن أحمد بن
عامر بن سليمان، عن أبيه، عن علي بن موسى الرضا (علیه السلام)، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): اللهم ارحم خلفائي ثلاث مرات، قيل له: ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي وسنّتي فيعلّمونها الناس من بعدي(1).
كما رواها بسندين آخرين ينتهي الأول منهما إلى أحمد بن عبد الله الهروي الشيباني وينتهي الثاني إلى داود بن سليمان الفراء.
وهذه الطرق الثلاثة هي طرق صحيفة الرضا (علیه السلام) وقد ذكرنا في مباحثنا الرجالية أنّ هذه الطرق كلها ضعيفة(2).
ومنها: ما أورده في المستدرك(3)عن صحيفة الرضا (علیه السلام) وهي نفس رواية العيون.
ونقلها أيضاً عن العوالي وزاد في آخرها: أولئك رفقائي في الجنة(4).
ومنها: ما ورد في منية المريد: قال: وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): رحم الله خلفائي فقيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يحيون سنّتي ويعلّمونها عباد الله(5).
ومنها: ما في المستدرك عن السيد هبة الله في المجموع الرائق نقلاً عن الأربعين لأبي الفضل محمد بن سعيد القطب الراوندي عن أمير المؤمنين (علیه السلام) عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) قال: أدلّكم على الخلفاء من أمتي ومن أصحابي ومن الأنبياء قبلي، هم حملة القرآن والأحاديث عنّي وعنهم في الله، ولله عزوجل، ومن خرج يوماً في طلب العلم فله أجر سبعين نبياً(6).
1) عيون أخبار الرضا ج 2 باب 31 فيما جاء عن الرضا (علیه السلام) من الأخبار المجموعة الحديث 94
2) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 281
3) مستدرك الوسائل ج 18 باب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10
4) مستدرك الوسائل ج 17 باب 8 من أبواب صفات القاضي، ذيل الحديث 10
5) منية المريد في آداب المفيد والمستفيد: 101 الطبعة الأولى المحققة
6) مستدرك الوسائل ج 17 باب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 52
ومنها: ما نقله أيضاً عن القطب الراوندي في كتاب لبّ اللباب عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: رحمة الله على خلفائي، قالوا: وما خلفاؤك؟ قال: الذين يحيون سنّتي ويعلّمونها عباد الله، ومن يحضره الموت وهو يطلب العلمليحيي به الإسلام فبينه وبين الأنبياء درجة(1).
وغيرها من الروايات.
وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة أن يقال: إنّ مضمون هذه الروايات هو أنّ العلماء خلفاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وخليفة الشخص هو نائبه والقائم مقامه في جميع الأمور على نحو الإطلاق، إلاّ ما أخرجه الدليل.
ودلالة هذه الطائفة على ما نحن فيه أظهر من دلالة الطائفة الأولى لأنّ التشبيه فيها ينصرف إلى الصفات البارزة كما ذكرنا ولذا فإنّ الإشكال الأول لا يرد على هذه الطائفة نعم الإشكال الثاني وارد، وهو أنّ الخلافة لو كانت مطلقة لكانت الدلالة تامّة ولكنها ليست كذلك، فإنّ جميع هذه الروايات وردت مقيدة برواية الحديث والتعليم وإحياء السنة ونحو ذلك.
وبذلك يظهر أنّ دلالة الخلافة إنما هي في هذا المقدار من تبليغ الأحكام وتعليم الناس وإرشادهم لا أنّ خلافة العلماء للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من جميع الجهات.
والحاصل: أنّ دلالة هذه الطائفة غير تامة أيضاً.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على أنّ الفقهاء حجج من قبل الأئمة (علیهم السلام)، وهي عدة روايات:
منها: ما رواه الصدوق ! في كمال الدين عن محمد بن محمد بن عصام الكليني، عن محمد بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد
1) مستدرك الوسائل ج 17 باب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 48
بن عثمان العمري(رضي الله عنه) أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد ]ت في[ التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عج الله تعالی فرجه الشریف) : أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمّنا فاعلم أنه ليس بين الله عزوجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس منّي وسبيله سبيل ابن نوح.
أما سبيل عمّي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف.
أما الفقاع فشربه حرام، ولا بأس بالشلماب، وأما أموالكم فلا نقبلها إلاّ لتطهروا، فمن شاء فليصل، ومن شاء فليقطع، فما آتاني الله خير ممّا آتاكم.
وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله تعالى ذكره وكذب الوقّاتون.وأما قول من زعم أن الحسين (علیه السلام) لم يقتل فكفر وتكذيب وضلال.
وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم، وأما محمد بن عثمان رضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه كتابي.
وأما محمد بن علي بن مهزيار الأهوازي فسيصلح الله له قلبه، ويزيل عنه شكّه، وأما ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلاّ لما طاب وطهر، وثمن المغنية حرام، وأما محمد بن شاذان بن نعيم فهو رجل من شيعتنا أهل البيت، وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع فملعون وأصحابه ملعونون، فلا تجالس أهل مقالتهم، فإنّي بريء وآبائي (علیهم السلام) منهم براء.
وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحلّ منها شيئاً فأكله فإنما يأكل النيران، وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حلّ إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث.
وأما ندامة قوم قد شكّوا في دين الله عزوجل على ما وصلونا به فقد أقلنا
من استقال، ولا حاجة في صلة الشاكّين.
وأما علّة ما وقع من الغيبة فإنّ الله عزوجل يقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» إنه لم يكن لأحد من آبائي إلاّ وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي.
وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها عن الأبصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء.
فاغلقوا باب السؤال عمّا لا يعنيكم، ولا تتكلّفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإنّ ذلك فرجكم.
والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى(1).
وموضع الشاهد من هذه الرواية قوله (علیه السلام): وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله عليهم.
وإنما أوردناها بطولها لتضمنها المطالب العالية المهمة كما سنشير إلى ذلك.ورواها الشيخ في الغيبة عن جماعة، عن جعفر بن محمد بن قولويه، وأبي غالب الزراري، وغيرهما عن محمد بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب(2).
ورواها الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن يعقوب الكليني.
وطرق الرواية كلها تنتهي إلى الكليني، وهو يرويها عن إسحاق بن يعقوب، وأسانيدها إلى إسحاق بن يعقوب كلها معتبرة.
فإنّ في سند الصدوق محمد بن محمد بن عصام وهو شيخه وقد ترضّى عنه
وهو أمارة على وثاقته كما حقّقناه في محلّه(1). والكليني وحاله معلوم فإنه ثقة الإسلام.
كما أنّ طرق الشيخ إلى الرواية قد اشتمل على أجلاّء الأصحاب.
وإنما الكلام في إسحاق بن يعقوب، فإنه لم يذكر له توثيق، بل لم يتعرّض الرجاليون لحاله.
وقد استظهر صاحب القاموس(2)من قوله (علیه السلام) في آخر الرواية: «والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب الكليني، وعلى من اتّبع الهدى»، أنه أخ الكليني صاحب الكافي.
وفيه أنه غير تام وذلك:
أولاً: إنّ هذا مجرّد احتمال، وهو غير مفيد في المقام، بل هو بعيد، إذ لا قرينة، إلاّ الاتفاق في اسم الأب، ولا دليل في ذلك على الأخوة فإنّ الاشتراك في الأب كثير جداً، وأما النسبة إلى كلين على فرض وجودها فهي أيضاً لا تدل على ذلك، مضافاً إلى أنّه لم يذكر في ترجمة محمد بن يعقوب أنّ له أخاً اسمه إسحاق.
وثانياً: على فرض التسليم بأنه أخ لصاحب الكافي، لا دلالة فيه على الوثاقة.
وأما ما ورد في صدر الرواية من الدعاء له والسلام عليه في آخرها فلا يمكن الاعتماد عليه في وثاقته لأنّه هو الراوي لذلك في مدح نفسه.
وثالثاً: إنّ النسخ الموجودة في أيدينا المتضمنة لهذه الرواية خالية من لفظة الكليني، وإنما وردت في قاموس الرجال.والحاصل: أنّه لا دليل على وثاقة إسحاق بن يعقوب.
ولكن لا يبعد القول بصحة الرواية، والاطمئنان بصدورها عن الإمام
الحجّة (علیه السلام) وذلك لأنّ الراوي لها هو الكليني في زمان الغيبة الصغرى، وفي زمن سفراء الناحية المقدسة، ورواها عنه أجلاّء الأصحاب، كابن قولويه الذي هو من ثقات الأصحاب وأجلائهم في الحديث والفقه(1)، وأبي غالب الزراري الذي هو شيخ العصابة في زمنه ووجههم(2)، وغيرهما، فلو كانت هذه الرواية موضوعة ولم تصدر عن الناحية المقدسة لأنكرها هؤلاء الأجلاء، بل لصدر تكذيبها عن الناحية المقدسة كما صدر تكذيب غيرها مما هو أهون منها، إذ اشتملت على قريب من عشرين أمراً مهمّاً: من السؤال عن أحوال بعض الأشخاص، ومدح بعض، وذم بعض آخر، ومن السؤال عن الغيبة وفائدتها ومن السؤال عن بعض الأحكام، وما إلى ذلك من الأمور المهمة، مضافاً إلى أنها صدرت في زمان محمد بن عثمان العمري، وهو السفير الثاني، فالدواعي متوفرة على تكذيبها لو لم تكن عن الحجة، ولو لم يكن الكليني مطمئناً بصحة هذا التوقيع لأمكنه الرجوع إلى أحد السفراء، ولوجب عليهم تكذيب هذه النسبة كما هي عادتهم في ردّ الدعاوى الباطلة، ابتداء منهم أو بأمر من صاحب الأمر، كما في قضية الشلمغاني، وأحمد بن هلال، وبني فضّال وغيرهم.
وبناء على ذلك فممّا يطمأن إليه هو صحة الرواية واعتبارها وإن كان إسحاق بن يعقوب غير معروف، ولم ينصّ أحد على وثاقته، ويترتب على ذلك كثير من المسائل تقدم بعضها وسيأتي البحث عن بعضها الآخر في مواضعها من هذا الكتاب.
ومنها: مقبولة عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان، وإلى القضاة،
أيحلّ ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقّاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ»(1)، قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظرفي حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخفّ بحكم الله وعلينا ردّ، والراد علينا الراد على الله، وهو على حدّ الشرك بالله ...(2).
وقد رواها الكليني في كتاب الكافي(3)كما رواها الشيخ في التهذيب(4)بطريقين وتنتهي جميع هذه الطرق إلى محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة.
والطرق كلّها صحيحة إلى عمر بن حنظلة، وأما هو فقد وقع الخلاف في وثاقته، وقد عقدنا له بحثاً مستقلاً ذكرنا فيه جميع الوجوه التي يمكن الاستدلال بها على وثاقته وناقشنا في بعضها واعتمدنا منها على وجهين:
الأول: رواية صفوان بن يحيى عنه، وذلك كاف في الحكم باعتبار روايته.
الثاني: ما ورد في نعته بعدم الكذب، وهي معتبرة يزيد بن خليفة، قال: قلت لأبي عبد الله(علیه السلام): إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): إذاً لا يكذب علينا(5)الحديث.
وسند الرواية معتبر فإنّ يزيد بن خليفة وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّ
صفوان بن يحيى قد روى عنه في موارد متعددة وكونه واقفياً لا ينافي وثاقته(1).
وبناء على ذلك فلا إشكال في وثاقة عمر بن حنظلة، وعليه فسند الرواية معتبر وإن عبّر عنها بالمقبولة لتلقّي الأصحاب لها بالقبول.
ومنها: موثقة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام): إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا (قضائنا) فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه(2).
وقد وردت هذه الرواية بأربعة طرق، فقد رواها الصدوق في الفقيهبسند معتبر(3)، كما رواها الكليني بسند صحيح أيضاً(4)، وللشيخ طريق معتبر(5)وهو يشترك مع سند الكليني في الحسن بن علي وهو الوشاء.
وهناك رواية أخرى لأبي خديجة يرويها الشيخ بسنده عن الحسين بن سعيد، عن أبي خديجة قال: بعثني أبو عبد الله (علیه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطا أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر(6).
وسند هذه الرواية ضعيف بأبي الجهم فإنه مجهول، وما قيل من أنه مشترك بين شخصين هما بكير بن أعين، وثوير بن أبي فاخته، وكلاهما معتبران فإنّ بكيراً ثقة بلا إشكال فقد ترحم عليه الإمام الصادق (علیه السلام) (7)وقال عنه: إنّ الله أنزله
1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 551 الطبعة الأولى
2) الوسائل ج 18 باب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5
3) الفقيه ج 3 باب من يجوز التحاكم إليه ومن لا يجوز، الحديث 1 ص 2
4) فروع الكافي ج 7 باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور، الحديث 4 ، ص 412
5) التهذيب ج 6 باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، الحديث 8 ص 219
6) التهذيب ج 6 باب من الزيادات في القضايا والأحكام، الحديث 53 ص 303
7) رجال الكشي 1 : 419
بين رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما(1)وأما ثوير فهو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد تفسير القمي(2).
وذلك كاف للحكم بوثاقته وبناء على ذلك فيكون الطريق معتبراً.
ولكن ذكر السيد ! في المعجم أنّ أبا الجهم وإن كان كنية لشخصين معتبرين إلاّ أن المذكور في سند هذه الرواية لا ينطبق على أحدهما قطعاً بل هو شخص آخر غير معروف، وذلك لاختلاف الطبقة، فإنّ الحسين بن سعيد لا يمكن أن يروي عن بكير أو ثوير(3).
والأمر كما ذكره ! وبناء على ذلك فالرواية غير معتبرة السند.
وأما أبو خديجة فهو وإن وقع الخلاف في وثاقته إلاّ أننا حقّقنا المسألة في مباحثنا الرجالية وقلنا باعتبار روايته(4).
والحاصل: أنّ أسناد هذه الطائفة من الروايات معتبرة إلاّ رواية أبيخديجة الثانية.
كما أنّ المستفاد من هذه الروايات أنّ الفقهاء حجج من قبل الأئمة (علیهم السلام) .
وأما دلالة هذه الطائفة على ما نحن فيه فهي أنّ الرواية الأولى يمكن الاستدلال بها بوجهين:
الأول: بمفاد قوله (علیه السلام): وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا.
الثاني: بمفاد التعليل في قوله (علیه السلام): فإنّهم حجّتي عليكم.
أما الوجه الأول فقد استظهره شيخنا الأنصاري ! حيث قال: فإنّ المراد
بالحوادث ظاهراً مطلق الأمور التي لابدّ من الرجوع فيها عرفاً أو عقلاً أو شرعاً إلى الرئيس، مثل النظر في أموال القاصرين لغيبة أو موت أو صغر أو سفه، وأما تخصيصها بخصوص المسائل الشرعية فبعيد من وجوه:
منها: أنّ الظاهر وكول نفس الحادثة إليه ليباشر أمرها مباشرة أو استنابة لا الرجوع في حكمها إليه.
ومنها: التعليل بكونهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله، فإنه إنّما يناسب الأمور التي يكون المرجع فيها هو الرأي والنظر، فكان هذا منصب ولاة الإمام من قبل نفسه لا أنه واجب من قبل الله سبحانه على الفقيه بعد غيبة الإمام، وإلاّ كان المناسب أن يقول إنهم حجج الله عليكم، كما وصفهم في مقام آخر بأنّهم أمناء الله على الحلال والحرام.
ومنها: أنّ وجوب الرجوع في المسائل الشرعية إلى العلماء الذي هو من بديهيات الإسلام من السلف إلى الخلف ممّا لم يكن يخفى على مثل إسحاق بن يعقوب، حتى يكتبه في عداد مسائل أشكلت عليه، بخلاف الرجوع إلى المصالح العامة إلى رأي أحد ونظره، فإنه يحتمل أن يكون الإمام (علیه السلام) قد وكّله في غيبته إلى شخص أو أشخاص من ثقاته في ذلك الزمان.
والحاصل: أنّ الظاهر أنّ لفظ الحوادث ليس مختصاً بما اشتبه حكمه، ولا بالمنازعات(1).
وأما الوجه الثاني: فبمقتضى قوله (علیه السلام): فإنّهم حجّتي، إذ المستفاد منه التعميم على فرض عدم الإطلاق في الحوادث، ومعنى ذلك أن يكونالفقيه حجّة من قبل الإمام في كل ما يكون للإمام، لأنّ الحجة هو عبارة أخرى عن الخليفة القائم مقام الإمام وهو أخصّ من الوكيل.
1) المكاسب - كتاب البيع - ص 154 الطبع القديم
وبناء على ذلك فالمستفاد من الرواية هو الرجوع إلى الفقيه في كل ما يرجع فيه إلى الإمام تمسكاً بعموم التعليل.
وأما الاستدلال بالروايتين الأخريين فهو أن يقال: إنّ الروايتين وإن كان موردهما التخاصم والتنازع والقضاء إلاّ أنه يمكن التعدي منهما إلى جميع الأمور المهمّة التي يرجع فيها إلى الإمام (علیه السلام) بأحد وجهين:
الأول: بتنقيح المناط كما استظهره الشيخ ! حيث قال: الظاهر - أي نصب الحاكم - في كونه كسائر الحكّام المنصوبة في زمان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والصحابة في إلزام الناس بإرجاع الأمور المذكورة إليه والانتهاء فيها إلى نظره، بل المتبادر عرفاً من نصب السلطان حاكماً وجوب الرجوع في الأمور العامة المطلوبة للسلطان إليه(1).
والمستفاد من كلامه ! أنّ الإمام (علیه السلام) وإن نصب حاكماً للفصل بين الخصومات إلاّ أن هذا الظهور يفيد عدم الاختصاص بالرجوع إليه في القضاء، بل يتعدى منه إلى جميع الأمور العامة.
الثاني: أن يقال: إنّ المستفاد من هاتين الروايتين بضميمة ما ورد في صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: اتّقوا الحكومة، فإنّ الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين نبي ]كنبي[ ووصي نبي(2).
وما ورد في رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين لشريح: يا شريح قد جلست مجلساً ما جلسه إلاّ نبي أو وصي نبي أو شقي(3).
أنّ منصب القضاء هو منصب للإمام (علیه السلام)، فإذا أسند الإمام هذا المنصب إلى شخص وجعله قاضياً وحاكماً كان هذا الشخص قائماً مقام الإمام وتكون النتيجة
أنّ هذا المجلس لا يجلسه إلاّ نبي أو وصي نبي أو من استخلفه الوصي، فيثبت لهذا الحاكم كلّ ما ثبت للإمام (علیه السلام) من التصرّف في الأمور العامة.هذا، ولكن نوقش في جميع روايات هذه الطائفة.
أما التوقيع الشريف فقد ناقش في وجهه الأول كل من المحقق النائيني، والمحقق الاصفهاني، والسيّد الأستاذ قدس الله أسرارهم بمناقشات بعضها مشترك بينهم وبعضها مختصّ ببعضهم.
وحاصل مناقشة المحقق النائيني ! لهذا الوجه أنّ استفادة العموم من صدر الرواية وهو قوله (علیه السلام): «وأما الحوادث الواقعة» غير تام، وذلك لأنّ الجمع المحلّى باللام إنما يفيد العموم فيما إذا لم يكن هناك عهد في البين، ومع وجود العهد أو احتماله فالعموم غير مستفاد، بل ينصرف اللام إلى المعهود، وفي ما نحن فيه حيث لم يعلم السؤال بمعنى أن قوله (علیه السلام): «وأما الحوادث» جاء جواباً عن سؤال غير معلوم فلعلّ المراد من الحوادث هي الحوادث المعهودة بين الإمام (علیه السلام) والسائل.
وعلى فرض العموم وعدم العهد في البين إلاّ أنّ العموم إنما يؤخذ به إذا لم يكن هناك قدر متيقن، وما نحن فيه ليس كذلك، فإنّ المتيقّن منها (الحوادث) هي الفروع المتجددة والأمور الراجعة إلى الإفتاء لا الأعم.
وأما ما ذكر من الشواهد على أنّ المراد من الحوادث هي الأمور العامة فلا شاهد فيها.
أما الشاهد الأول وهو أنّ الإمام (علیه السلام) أرجع نفس الحوادث إلى رواة الأحاديث الذين هم الفقهاء فتكون ظاهرة في الأمور العامة لا أحكامها حتى تكون ظاهرة في الإفتاء والقضاء.
فجوابه: أنّ أدنى المناسبة بين نفس الحوادث وحكمها كاف للسؤال عن
حكمها، فيكون الفقيه هو المرجع في الأحكام لا في نفس الحوادث(1).
واختصّ المحقق الاصفهاني ! في الجواب عن هذا الشاهد بقوله: إنّ اللازم سكوت الخبر عن الرجوع إلى الرواة في المسائل الشرعية، لأنّه رجوع إليهم في حكم الوقائع لا في نفسها، مع أنّ الخبر من الأدلة التي يستدلّ بها على حجية الخبر، وحجيّة الفتوى، فلابدّ من الحمل على معنى جامع، فيسقط عن الشهادة بعد الخدشة في العموم(2).
كما اختصّ السيد الأستاذ ! في الجواب عنه بقوله: إنه لو كان المراد بالرواية هو ذلك (أي إرجاع نفس الحوادث) لقال (علیه السلام) فارجعوها إلى رواةحديثنا، ولم يقل فارجعوا فيها، ومن الظاهر أنّ الظاهر من الموجود في الرواية ليس إلاّ الرجوع إليهم في الحكم، فإنّ المناسب للرجوع إليه في الشيء ليس إلاّ الرجوع في حكمه، بل هذا هو المناسب للرجوع إلى الرواة، فإنهم لا يدرون إلاّ حكم الواقعة، وأما اعتبار إذنهم في التصرّف فلا(3).
وأما الشاهد الثاني وهو التعليل بكونهم حجة من قبله كما أنه (علیه السلام) حجة من قبل الله فما كان له (علیه السلام) من قبل الله وكان قابلاً للتفويض فهو للرواة، وبعبارة أخرى: إنّ هذا منصب ولاة الإمام من قبل نفسه لا أنه واجب من قبل الله سبحانه على الفقيه بعد غيبة الإمام، وإلاّ كان المناسب أن يقول: إنهم حجج الله عليكم.
فقد أجاب المحقق النائيني ! عنه بأن الحجة تناسب المبلّغية في الأحكام والرسالة على الإمام أيضاً، كما في قوله عزّ من قائل: «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ»(4).
وقوله: «تِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ»(5)ونحو ذلك، مما ورد بمعنى
البرهان الذي به يحتجّ على الطرف، وبهذا المعنى أيضاً ورد قوله (علیه السلام): إنّ الأرض لا تخلو من حجة(1)لأنّ به يتمّ الحجة ويهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة، ولذا وصفهم برواة الأحاديث الذين شأنهم التبليغ(2).
وأوضح المحقق الأصفهاني ! وجه المناسبة في إضافة الحجة إلى الله تعالى تارة، وإلى الإمام (علیه السلام) تارة أخرى بقوله: إنّ النبي والإمام (علیه السلام) يبلّغان عن الله تعالى فهما حجّتان لله تعالى على عباده على حكمه تعالى، والراوي - بما هو راوٍ - لا يخبر إلاّ عن الإمام (علیه السلام) فهو حجّة له (علیه السلام) على من سمعه من الراوي، فبهذه المناسبة أضاف حجّيته إلى الله تعالى، وحجّية الرواة إلى نفسه المقدسة مضافاً إلى أنّ مفاد الحجية صحّة الاحتجاج بالشخص أو بالشيء في مقام المؤاخذة على مخالفة ما قامت عليه الحجّة فيناسب قيام الدليل على حكم شرعي سواء كان الحجة إخبارالراوي أو رأي المجتهد ونظره.
وأما مطلق النظر كنظر الفقيه في بيع مال اليتيم فلا معنى لاتصافه بالحجية فإنّ البيع الواقع عن مصلحة بنظره صحيح نافذ، لا أنّه حجة له أو لغيره على أحد(3).
وأما الشاهد الثالث وهو أنّ إسحاق بن يعقوب أجلّ شأناً من أن يخفى عليه لزوم الرجوع في المسائل الشرعية إلى الفقهاء، بخلاف الرجوع إليهم في الأمور العامة فإنه يحتمل أن يكون الإمام (علیه السلام) قد جعله لشخص أو أشخاص معينة من ثقات ذلك الزمان فيريد معرفته فوقّع الإمام(علیه السلام) بأنّ جميع الرواة مراجع لهذه الأمور.
فقد أجاب عنه المحقق النائيني ! بما حاصله أولاً: إن كون إسحاق بن يعقوب من أجلاّء العلماء لا ينافي سؤاله عن أمر جليّ وقد وقع نظيره من أجلاّء أصحاب الأئمة (علیهم السلام) كزرارة ومحمد بن مسلم وغيرهما حيث سألوا الإمام (علیه السلام) عما لا يخفى على أحد كما أنّ أحمد بن إسحاق الذي كان وافد القميين ومن خواص أبي محمد (علیه السلام)(1)وقد رأى صاحب الزمان(علیه السلام)(2)وكان ممن ترد عليه التوقيعات(3)ومع ذلك كلّه فقد سأل أبا الحسن (علیه السلام) عن أمور من هذا القبيل حيث قال: سألته وقلت له: من أعامل، أو عمّن آخذ، وقول من أقبل؟ فقال له: العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع فإنّه الثقة المأمون(4).
بل إنّ نفس إسحاق بن يعقوب قد سأل عن أمور هي كالبديهيات، كحكم شرب الفقّاع، وعن قتل الحسين (علیه السلام) .
والحاصل: أنه لا منافاة بين جلالة القدر وبين السؤال عن أمور غير خفية.
وثانياً: أنّ سؤاله لا يكون ظاهراً في تكليف المسلمين في الغيبة الكبرى حتى يكون الجواب ظاهراً في عموم الوقائع، بل يسأل عن حالهم في الغيبة الصغرى، فإنّ العمري وهو محمد بن عثمان كان سفيراً من قبله(علیه السلام) وهو الواسطة في الاتصال بين الإمام (علیه السلام) وبين إسحاق بن يعقوب، فلعلّ السؤال عن المرجع في الفروع المتجددة في ذلك العصر لا عن المرجع في الأمور العامة(5).
واختصّ السيد الأستاذ ! في الجواب بقوله: إنّ الظاهر من الحوادث هي الفروع المتجددة التي أرجع الإمام فيها إلى الرواة، فإنّ بعض الفروع قد تكون متجددة ومستحدثة صرفة وهي من مهام المسائل التي لابدّ وأن يسأل عنها الإمام فليست هذه الأمور بديهية ليكون السؤال عنها لغواً كما هو واضح.
وبعبارة أخرى: إنّ السؤال الصادر من إسحاق بن يعقوب هو عن الفروع المستحدثة التي يشكّ في أنّ المرجع من هو في زمان الغيبة الكبرى، إذ المرجع في زمان الغيبة الصغرى هو الإمام (علیه السلام) بواسطة السفراء، وأما في زمان الغيبة الكبرى فلا، ولذا أرجع الإمام (علیه السلام) في ذلك الزمان إلى الفقهاء بالنيابة العامة، وإنهم وإن لم تصل إليهم في رواية إلاّ أنّهم يتمكّنون من الوصول إلى حكمها ولو عن طريق الأصول ككثير من الفروع المتجددة في زماننا كمسألة التلقيح الصناعي وأن الولد الناشىء فيه بمن يلحق وممّن يرث(1).
والفرق بين جوابي العلمين واضح، فإنّ المحقق النائيني ! حمل السؤال الصادر من إسحاق بن يعقوب على السؤال عن المرجع في الفروع المتجددة في زمان الغيبة الصغرى.
وأما السيد الأستاذ ! فقد حمله على السؤال عن المرجع في الفروع المتجددة في زمان الغيبة الكبرى والحكم في الحوادث المستقبلية.
هذا ما يتعلق بالتقريب الأول.
وأما الوجه الثاني وهو العموم المستفاد من التعليل، فيرد عليه من المناقشة ما ورد على الشاهد الثاني من التقريب الأول وحاصلها على ما أوضحه المحقق الإيرواني! بأنّ الحجية تكون في تبليغ أمر، فيختص مدلولها في المقام بتبليغ الأحكام الشرعية، ولا يشمل التصرّفات الشخصية في الأموال، والنفوس أو
1) مصباح الفقاهة 5 : 48
التصدّي للمصالح العامة من الحكومة، وفصل الخصومة، وإجراء الحدود، فإنّ كلّ ذلك أجنبي عن مفهوم الحجية التي هيمن الاحتجاج، فإنّ الله تعالى يحتجّ على العباد ببعث الأنبياء، والأنبياء بنصب الخلفاء، والخلفاء باستنابة الفقهاء في تبليغ الأوامر والنوهي، والتصرّفات ليس من محلّ الاحتجاج، فالتوقيع الشريف أجنبي عن ما هو المدّعى(1).
وبناء على ذلك فلا عموم في التعليل بالنسبة إلى غير الأحكام الشرعية حتى يتمسّك به.
وأما المقبولة ومعتبرة أبي خديجة فقد قلنا إنه يمكن الاستدلال بهما بأحد وجهين:
الأول: بتنقيح المناط، والثاني: بما يستفاد منهما ومن الروايات الواردة في منصب الحكومة.
هذا، وإن كان يظهر من المحقق الاصفهاني ! موافقة الشيخ في التمسّك بهما، إذ لم يتعرّض لهما إلاّ أنّ المحقق النائيني والسيد الأستاذ ! قد ناقشا فيهما بقصور دلالتهما على المدّعى.
أما عن رواية أبي خديجة فقد أشكل المحقق النائيني ! أولاً: بضعف السند فإنّ لأبي خديجة حالة اعوجاج عن طريق الحق وهي زمان مشايعته للخطابية، وحالتي استقامة وهما قبل الاعوجاج وبعده، ولم يعلم أنه رواهما في أي الحالات.
وثانياً: بأنها مختصة بالقضاء ولا تشمل مطلق الأمور العامة.
وأما عن المقبولة فلم يناقش في سندها، والذي يظهر منه في متن كلامه أنه سلّم بدلالتها على المدعى، حيث قال في قوله (علیه السلام): «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً »:
1) حاشية المكاسب : 156 الطبع القديم
فإنّ الحكومة ظاهرة في الولاية العامة، فإنّ الحاكم هو الذي يحكم بين الناس بالسيف والسوط، وليس ذلك شأن القاضي.
إلاّ أنه ناقش في ذلك في حاشية منه على كلامه حيث قال: ولا يخفى أنّ المقبولة أيضاً ليست ظاهرة في المدّعى، لإطلاق الحاكم على القاضي في غير واحد من الأخبار كما يظهر من الوسائل في كتاب القضاء(1)، وكفى في ذلك تفسير الآية المباركة «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ»(2)بما في المكاتبة، فإنّه (علیه السلام) كتب بخطّه «الحكّامالقضاة» (3)فالمتيقّن هو الرجوع إلى الفقيه في الفتوى وفصل الخصومة بتوابعها ومن جملتها التصدّي للأمور الحسبية(4).
وبناء على هذا فيختص مورد المقبولة بالقضاة أيضاً كرواية أبي خديجة.
والسيد الأستاذ ! وإن وافق الحاشية في أنّ الروايتين مختصتان بالقضاء(5)إلاّ أنه صرّح بضعف سند المقبولة(6)لعدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة، وناقش في جميع الوجوه التي استدل بها على وثاقته(7).
وأما عن رواية أبي خديجة فقال بأنها وإن كانت معتبرة سنداً(8)إلاّ أنها مختصة بقاضي التحكيم(9)لا القاضي المنصوب، فهي أجنبية عن محلّ الكلام، إذ لا
1) الوسائل ج 18 باب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3
2) سورة البقرة، الآية: 188 .
3) الوسائل ج 18 باب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9
4) منية الطالب في حاشية المكاسب 1 : 327 والظاهر أنّ الحاشية من المقرر وهو العلاّمة الخوانساري! لا من أستاذه المحقق النائيني ! وقد أشار الشيخ الأستاذ حفظه الله إلى ذلك فتدبر
5) مصباح الفقاهة 5 : 50
6) معجم رجال الحديث 14 : 31 - 33 الطبعة الخامسة
7) نفس المصدر ج 9 : 28
8) مصباح الفقاهة 5 : 50
9) مصباح الفقاهة 5 : 50
يعتبر فيه الاجتهاد هذا بالنسبة إلى الوجه الأول.
وأما الوجه الثاني - وهو استفادة الدلالة على منصب الحكومة من الروايتين بضميمة الروايات الأخرى - فلم يورد عليه أحد من الأعلام بشيء.
هذا ويمكن الجواب عن جميع هذه المناقشات:
أما ما أورد به على الوجه الأول من التوقيع باحتمال إرادة العهد من لفظ الحوادث الواقعة دون العموم فيقال في جوابه:
أولاً: إنّ هذا الاحتمال ضعيف في نفسه، وذلك لأنه لو كان هناك عهد بين السائل والإمام(علیه السلام) في مسائل معيّنة لكان مقتضى مناسبة الكلام ذكرها والتعرّض لها، ولا أقل من الإشارة إليها، والحال أنّه لا أثر منها في التوقيع أصلاً.
وثانياً: على فرض التسليم بالعهد إلاّ أنّ التعبير عنها في الجواب بصيغة أخرى وهو قوله(علیه السلام): «وأمّا الحوادث الواقعة ...» ربما يستفاد منه التعميم، وأن الرجوع إلى الرواة لا يختصّ بمورد دون آخر، بل كل ماينطبق عليه الحوادث الواقعة فلابدّ فيه من الرجوع إليهم، فلقوله (علیه السلام) ظهور في إعطاء ضابطة وقاعدة كلية، ولازم ذلك استفادة العموم.
وأما ما أورده المحققان النائيني والاصفهاني ! على الشاهد الأول فجوابه: أنّ ما ذكراه لا يوجب انصراف الحوادث عن العموم، واختصاصها بالأحكام المتجددة.
وأما ما أورده السيد الأستاذ على هذا الشاهد فيقال في جوابه: إنّ المراد من الحوادث الواقعة الأمور العامة، وهي على ثلاثة أنحاء:
الأول: الأمور المستقلة التي يرجع فيها إلى الإمام (علیه السلام) .
الثاني: الأحكام والفروع المتجددة.
الثالث: الأمور التي يشترط فيها إذن الفقيه.
وقوله (علیه السلام): «فارجعوا فيها» كما هو شامل للثاني كذلك هو شامل للثالث أيضاً، وليست كلمة فيها قرينة على أنّ المراد هو الأحكام والفروع المتجددة فحسب، أي خصوص الثاني، وإنما عبّر (علیه السلام) بكلمة «فيها» نظراً لكثرة مواردهما ولا سيّما الأمور المشروطة بالإذن.
نعم الأمور المستقلّة لابد من إرجاعها إلى الإمام (علیه السلام)، ولعلّ دخولها من باب الغلبة.
ويؤيد ذلك: أولاً: أنّ كل ما ورد في التوقيع من المسائل قد أجاب عنه الإمام (علیه السلام) إلاّ الحوادث الواقعة فإنه أجاب عنها بجواب كلّي، ولو كانت مسألة جزئية شخصية لتعرّض إليها كما تعرّض لنظائرها ممّا ورد في التوقيع.
وثانياً: لو كان المراد من الحوادث الواقعة خصوص الأحكام لكان على السائل أن يصرّح بها ليكون جواب الإمام (علیه السلام) مطابقاً للسؤال.
والحاصل: أنّ كلمة «فيها» لا تنحصر بالأمور المتجددة، بل تشمل ما يعتبر فيه الإذن أيضاً، وبناء على ذلك فهذا الإيراد غير وارد.
وأما ما أورد به على الشاهد الثاني من أنّ الحجية أجنبية عن المقام لأنّها من الاحتجاج فلا ينطبق على ما نحن فيه، لاختصاصها بالأحكام دون التصرّفات.
فجوابه: أنّ الحجّة وإن جاءت بمعنى الاحتجاج وما يكون به الظفر عند الخصومة، وبمعنى الغلبة، وما يتخذ حجة، قال الأزهري: إنما سمّيتحجة لأنها تحجّ أي تقصد، لأنّ القصد لها وإليها(1)، إلاّ أن الظاهر من الحجة في اصطلاح العرف والروايات أنه إذا أطلق على شخص بأنه حجة أومن حجج الله فالمقصود هو أنّ كل فعل صدر عنه كان حقاً وصحيحاً، وأنه لابد من إطاعته والاقتداء به،
1) لسان العرب 3 : 53 - 54 الطبعة الأولى دار إحياء التراث العربي
لا أنّه مبلّغ للأحكام فقط.
والشاهد على ذلك ما ورد في عدة روايات:
منها: رواية هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (علیه السلام) وهي طويلة وموضع الشاهد منها قوله(علیه السلام): لكيلا تخلو الأرض من حجة يكون معه علم، يدلّ على صدق مقالته وجواز عدالته(1).
قال العلاّمة المجلسي: قوله (علیه السلام): يكون معه عَلَم بفتحتين أي علامة ودليل وربما يقرأ بكسر الأول وسكون الثاني. قوله (علیه السلام): على جواز عدالته، أي جريان حكمه العدل(2).
ومنها: صحيحة منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إن الله أجلّ وأكرم من أن يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون بالله، قال: صدقت، قلت: إنّ من عرف أنّ له ربّاً فقد ينبغي له أن يعرف أنّ لذلك الرب رضا وسخطاً وأنه لا يعرف رضاه وسخطه إلاّ بوحي أو رسول، فمن لم يأته الوحي فقد ينبغي له أن يطلب الرسل، فإذا لقيهم عرف أنهم الحجة وأن لهم الطاعة المفترضة، وقلت للناس: تعلمون أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان هو الحجة من الله على خلقه؟ قالوا: بلى قلت: فحين مضى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من كان الحجة على خلقه؟ فقالوا: القرآن، فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجي والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أنّ القرآن لا يكون حجة إلاّ بقيّم، فما قال فيه من شيء كان حقاً، فقلت لهم: من قيّم القرآن؟ فقالوا: ابن مسعود قد كان يعلم، وعمر كان يعلم، وحذيفة يعلم، قلت: كلّه؟ قالوا: لا، فلم أجد أحداً يقال: إنّه يعرف ذلك كلّه إلاّ علياً (علیه السلام)، وإذا كان الشيء بين القوم، فقال هذا: لا أدري، وقال هذا: لا
أدري، وقال هذا: لا أدري، وقال هذا: أنا أدري، فأشهد أنّ علياً (علیه السلام) كان قيّم القرآن، وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأنّ ما قال في القرآن فهو حقّ، فقال:رحمك الله(1).
والرواية واضحة الدلالة وموضع الشاهد قوله: فإذا لقيهم عرف أنهم الحجة وأنّ لهم الطاعة المفترضة.
وقوله: فعرفت أنّ القرآن لا يكون حجة إلاّ بقيّم فما قال فيه من شيء كان حقّاً.
وقوله: وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
وهذه الأقوال وإن لم تكن من الإمام (علیه السلام) إلاّ أنّه أقرّها وأمضاها وترحّم على قائلها.
ومنها: صحيحة أبان قال: أخبرني الأحول: أنّ زيد بن علي بن الحسين (علیه السلام) بعث إليه وهو مستخف، قال: فأتيته فقال لي: يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منّا أتخرج معه؟ قال: فقلت له: إن كان أباك أو أخاك، خرجت معه، قال: فقال لي: فأنا أريد أن أخرج أجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي، قال: قلت له: لا ما أفعل جعلت فداك، قال: فقال لي: أترغب بنفسك عنّي؟ قال: قلت له: إنما هي نفس واحدة فإن كان لله في الأرض حجة فالمتخلف عنك ناج والخارج معك هالك، وإن لا تكن لله حجة في الأرض فالمتخلّف عنك والخارج معك سواء قال: فقال لي: يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي على الخوان فيلقمني البضعة السمينة ويبرّد لي اللقمة الحارة، حتى تبرد شفقة عليّ ولم يشفق عليّ من حرّ النار إذا أخبرك بالدين ولم يخبرني به؟ فقلت له: جعلت فداك من شفقته عليك من حرّ النار لم يخبرك، خاف عليك أن لا تقبله فتدخل النار، وأخبرني أنا فإن قبلت
1) أصول الكافي ج 1 باب الاضطرار إلى الحجة، الحديث 2 ، ص 168
نجوت، وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار، ثم قلت له: جعلت فداك أنتم أفضل أم الأنبياء؟ قال: بل الأنبياء قلت: يقول يعقوب ليوسف: يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك، فيكيدوا لك كيداً، لم يخبرهم حتى كانوا لا يكيدونه ولكن كتمهم ذلك، فكذا أبوك كتمك لأنه خاف عليك، قال: فقال: أما والله لئن قلت ذلك لقد حدثني صاحبك بالمدينة أنّي أقتل وأصلب بالكناسة، وأنّ عنده لصحيفة فيها قتلي وصلبي، فحججت فحدّثت أبا عبد الله (علیه السلام) بمقالة زيد وما قلت له، فقال لي: أخذته من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه ولم تترك لهمسلكاً يسلكه(1)وغيرها من الروايات.
وموضع الشاهد قوله: فإن كان في الأرض حجة فالمتخلّف عنك ناج والخارج معك هالك، وإن لا تكن لله حجة في الأرض فالمتخلّف عنك والخارج معك سواء.
وليس المقصود من الحجة هنا هو المبلّغ للأحكام بل هو المفترض الطاعة الذي يجب الاقتداء به فيكون نظير الخليفة فقوله (علیه السلام): فإنّهم حجّتي من قبيل قوله هم خلفائي، وحينئذ فيثبت للحجة والخليفة ما يثبت للإمام (علیه السلام) إلاّ ما أخرجه الدليل الخاص.
وأما ما أورد به على الشاهد الثالث ففيه أنّ ما ذكره السيد الأستاذ ! وإن كان صحيحاً في نفسه إلاّ أنه أجنبي عما نحن فيه لأنّ محل الكلام هو في حكم الرجوع فيها، والظاهر أنّ حكمها عند العرف حكم سائر المسائل ولابدّ من الرجوع فيها إلى الفقهاء سواء كانت واضحة أو صعبة، ولا تلازم بين كون المسألة صعبة ومهمة وبين كون وجوب الرجوع صعباً، كما أنّ المسائل غير المتجددة قد تكون صعبة ومهمة جداً ومع ذلك فوجوب الرجوع فيها إلى الفقيه بديهياً.
1) أصول الكافي ج 1 باب الاضطرار إلى الحجة، الحديث 5 ، ص 174
وأما ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أنّ التوقيع صادر في عصر السفير الثاني وكان المرجع في الأمور العامة إليه وإلى أمثاله من السفراء المعينين من قبل الناحية المقدسة لا إلى الفقهاء، وعليه فالتوقيع لا يدل إلاّ على الرجوع إلى الرواة في الأحكام لا في الأمور العامة لوجود المتصدّي لها، وهم وكلاء الناحية المقدسة، فهو وإن كان في بادي النظر وارداً على كلام الشيخ (قدس سره) إلاّ أنّ نفس الإشكال يرد على نفس المحقق النائيني (قدس سره) بالنسبة إلى الأحكام المتجددة، فما الحاجة إلى الرجوع إلى الرواة ما دام بالإمكان الرجوع إلى السفراء والوكلاء، إذ لا خصوصية للأمور العامّة دون الأحكام في الرجوع إليهم.
مضافاً إلى أنّنا قد أشرنا فيما تقدم إلى اختلاف العلمين ! في المراد من السؤال بين الغيبة الصغرى والكبرى.
ولكن ليس من البعيد أن يكون السؤال عاماً لكلتا الغيبتين.
وذلك أولاً: لقلّة النواب والسفراء في ذلك العصر.
وثانياً: للتمهيد والتوطئة وتهيئة النفوس لتلقّي الغيبة الكبرى.وعليه فلابدّ من إسناد الرجوع إلى الفقهاء والرواة في كلتا الفترتين.
هذا كله بالنسبة إلى التوقيع.
وأما بالنسبة إلى المقبولة ومعتبرة أبي خديجة فما أورده العلماء ! على استدلال الشيخ فهو في محلّه وذلك لاختصاص موردهما بالتخاصم والقضاء ورفع الخصومات، وأما التعدّي عن ذلك إلى سائر الأمور فيحتاج إلى دليل.
نعم إشكالهما على سندي الروايتين غير تام، لما تقدم من الكلام في اعتبار سندهما معاً كما بيّناه مفصلاً.
وأما ما ذكره الشيخ (قدس سره) من أنّ الظاهر أنّه كسائر الحكّام المنصوبين في زمان النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) والصحابة في إلزام الناس بإرجاع الأمور المذكورة إليه والانتهاء فيها
إلى نظره، بل المتبادر عرفاً من نصب السلطان حاكماً وجوب الرجوع في الأمور العامة المطلوبة للسلطان إليه(1)، فهذا مجرّد دعوى ولم يقم على ثبوتها أيّ دليل في أصله فضلاً عن فرعه.
مضافاً إلى أنّ ذيل المقبولة التي تدل على ترجيح مستند حكم الحكمين كالصريح في اختصاصها بالأحكام.
وأما الوجه الثاني من الاستدلال بالروايتين وهو أنّ المستفاد منهما بضميمة الروايات الأخرى الدالة على إناطة هذا المنصب بالفقيه - بما هو فقيه - باعتباره القائم مقام الإمام (علیه السلام) لأنّ منصب الحكومة خاص بالنبي أو بالوصي أو بمن ينصبانه فتثبت للفقيه الولاية في الأمور العامّة.
ففيه: أنّ هذا إنما يتم لو كانت العبارة وردت هكذا : - «فإنّ الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين كنبي أو وصي نبي» والحال أنّها غير ثابتة، وإنما وردت في نسخة الفقيه(2)فقط وأما الكافي والتهذيب فقد ورد فيهما(3): «لنبي أو وصيّ نبي» .
هذا، مضافاً إلى أظهريته من جهة المعنى مؤيداً برواية إسحاق بن عمّار عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام) لشريح: يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلاّ نبيّ أو وصي نبي أو شقي(4).
وبناء على هذا فلابد من التعيين من قبل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أو الوصي (علیه السلام) إما لشخص بعينه وإما لأشخاص على نحو كلّي بلا فرق بين زماني الحضور والغيبة.
وهذا لا يستلزم نصبه بحيث يكون مرجعاً في الأمور العامة، بل هو خاص بما نصب من أجله وحدّد إليه من وظيفته.
الأول: قد اضطربت كلمات الشيخ (قدس سره) في هذا المقام(1)حيث استدل أولاً بقوله (علیه السلام) في التوقيع: «فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله عليهم» وبقوله في المقبولة والمعتبرة: «فإنّي جعلته حاكماً أو قاضياً» على ثبوت الولاية العامة للأئمة (علیهم السلام)، ثم قال في مقام البحث حول ولاية الفقيه من القسم الأول وهي ولايته الاستقلالية بعد أن ذكر هذه الروايات الثلاث: الإنصاف بعد ملاحظة سياقها أو صدرها أو ذيلها يقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية لا كونهم كالنبي والأئمة صلوات الله عليهم في كونهم أولى الناس في أموالهم.
والمستفاد من كلامه أنّ شأن الفقهاء هو تبليغ الأحكام فحسب، ولكنه (قدس سره) عند البحث حول ولاية الفقيه من القسم الثاني وهي الولاية التي لا يستقل فيها وإنما المعتبر فيها إذنه، استدلّ أيضاً بالروايات الثلاث واستظهر من قوله (علیه السلام) في التوقيع: «فإنّهم حجّتي عليكم» أنها تدلّ على أنّ لهم الولاية في مطلق الأمور التي يرجع فيها القوم إلى رئيسهم.
والتنافي بين كلاميه (قدس سره) واضح، فراجع وتدبّر لعلّك تجد وجهاً لما ذكره (قدس سره) يرفع به التنافي والاضطراب.
الثاني: أنه (قدس سره) بعد أن استدل بالروايات الثلاث على ثبوت الولاية للفقيه بمعنى اعتبار إذنه في الأمور العامة التي يرجع القوم فيها إلى رئيسهم لا في خصوص المسائل الشرعية، واستشهد بما نقلناه فيما تقدم، وبعد أن ذكر النسبة
1) المكاسب - كتاب البيع - : 154 الطبع القديم
بينها وبين ما دل على أنّ كل معروف صدقة، وأنّ عون الضعيف من أفضل الصدقة، وهي نسبة العموم من وجه، وأنّ المقدم في مورد الاجتماع هو الأول (أي التوقيع) لحكومته عليها، وعلى فرض التساقط فمقتضى الأصل العملي عدم مشروعية هذه الأمور التي يحتمل فيها اعتبارنظر الفقيه ووقوعها عن رأي وليّ الأمر أو نائبه.
وحاصل ما أفاده ! ثبوت الولاية للفقيه في هذا القسم للدليل والأصل العملي ثم قال: هذا لكن المسألة لا تخلو عن إشكال، وإن كان الحكم به مشهورياً(1).
ولم نفهم لذلك وجهاً، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ الوجه في ذلك هو التفاته (قدس سره) إلى ما يرد على ما استدلّ به من الإشكالات والنقوض كما نقلناها عن الأعاظم والفحول من أهل التحقيق، وقد تقدم منّا ما يمكن التفصّي به عنها، ولكن مع ذلك كلّه هل تطمئن النفس وتعتمد على هذه الروايات في مقام الاستدلال على ما نحن فيه؟
والله سبحانه هو العالم والهادي إلى الصواب.
ثم إنّ لسيد الطائفة البروجردي (قدس سره) كلاماً ينتهي إلى المقبولة سيأتي في محلّه إن شاء الله عند الكلام حول الدليل العقلي.
الطائفة الرابعة: ما دلّ على إمضاء ولاية الفقهاء وهي عدة روايات:
منها: صحيحة زيد الشحام قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (علیه السلام) يقول: من تولّى أمراً من أمور الناس فعدل، وفتح بابه، ورفع ستره، ونظر في أمور الناس، كان حقّاً على الله عزوجل أن يؤمن روعته يوم القيامة، ويدخله الجنّة(2)
ومنها: معتبرة ابن أبي عمير عن جماعة من أصحابنا، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: ما قدّست أمة لم يؤخذ لضعيفها من قويّها غير متعتع(1)«متضع خ ل متصنع» .
ومنها: ما في نهج البلاغة وهو قوله (علیه السلام): فاعلم أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل، هُديَ وهَدَى، فأقام سنّة معلومة، وأمات بدعة مجهولة وإنّ السنن لنيّرة لها أعلام، وإنّ البدع لظاهرة ولها أعلام، وإنّ شرّ الناس عند الله إمام جائر ضُلَّ به، فأمات سنّة مأخوذة وأحيا بدعة متروكة(2).
ومنها: ما في نهج البلاغة أيضاً عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنه قال: فإني سمعت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يقول في غير موطن: لن تقدّس أمة لا يؤخذ للضعيففيها حقّه من القويّ غير متتعتع(3).
ومنها: ما رواه حفص بن عون رفعه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ساعة إمام عادل أفضل من عبادة سبعين سنة، وحدّ يقام في الأرض أفضل من مطر أربعين صباحاً(4).
ومنها: ما أورده صاحب المستدرك عن القطب الراوندي في لبّ اللباب عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: يوم واحد من سلطان عادل، خير من مطر أربعين يوماً وحدّ يقام في الأرض أزكى من عبادة ستين سنة(5).
وغيرها من الروايات الواردة بهذا المعنى.
ويمكن الاستدلال بهذه الروايات بأن يقال: إنهم: قد أمضوا ولاية من يتصدّى لأمور المسلمين إذا كان جامعاً للشرائط من العدالة ونحوها.
1) وسائل الشيعة ج 11 باب 1 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، الحديث 9
2) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة المرقم ص 57 الخطبة 164 الفقرة 5
3) نفس المصدر ص 100 الكتاب 53 الفقرة 111
4) وسائل الشيعة ج 18 باب 1 من أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامة، الحديث 5
5) مستدرك الوسائل ج 18 باب 1 من أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامة، الحديث 10
ولكن الاستدلال بها غير تام.
أولاً: إنّ هذه الروايات مخدوشة سنداً إلاّ الروايتين الأوليين فإن سنديهما معتبران: أما الأولى فلأنّ رجال سندها كلهم ثقات، وأما الثانية وإن كانت مرسلة إلاّ أنه بناء على ما حققناه في محلّه(1)، من أنّ مرسلات ابن أبي عمير معتبرة فلا إشكال من هذه الناحية.
وثانياً: إنّ هذه الروايات كلّها تشترك في قصور الدلالة، لأنّ الموضوع فيها أعمّ من المدّعى، إذ هو في الرواية الأولى: من تولّى أمراً من أمور المسلمين، وفي رواية نهج البلاغة الأولى: إمام عادل، ومثلها مرفوعة حفص، وفي رواية لبّ اللباب: سلطان عادل، وفي الروايتين الثانية والأخيرة لم يذكر فيهما الموضوع.
ومحلّ الكلام هو الفقيه المجتهد العادل.
وثالثاً: من المحتمل أن يكون المراد بهذه الروايات هو الإمام المعصوم فإن قلنا بذلك فهي خارجة عن محلّ الكلام، وإلاّ فهي أعم كما ذكرنا.
والحاصل: أنّ هذه الطائفة لا دلالة فيها على ما نحن فيه.
الطائفة الخامسة: ما دلّ على أنّ وظيفة الفقهاء هي التصدّي للأمور العامّة وأنّ مجاريها بأيديهم، وهي عدة روايات:
منها: ما ورد في تحف العقول عن سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (علیه السلام)، ويروى عن أمير المؤمنين (علیه السلام) في رواية طويلة جاء فيها ... وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون (تسعون) ذلك، بأنّ مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلاّ بتفرّقكم عن الحقّ، واختلافكم في السنّة (الألسنة) بعد البيّنة الواضحة ...(2).
ومنها: ما ورد في البحار عن كنز الكراجكي: وقال الصادق (علیه السلام): الملوك حكّام على الناس، والعلماء حكّام على الملوك(1).
ومنها: ما ورد في نهج البلاغة في الخطبة الشقشقية لأمير المؤمنين (علیه السلام): أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها(2).
وظاهر هذه الروايات يدلّ على أنّ شأن العلماء هو التصدّي لأمور الناس العامة، بل إنّ ذلك عهد مأخوذ عليهم وأنّ لهم الحاكمية في شؤون الناس.
وقد نوقشت روايات هذه الطائفة سنداً ودلالة.
أما رواية تحف العقول فهي من حيث السند مرسلة كما أن مؤلف الكتاب لم يذكر في الأصول الرجالية مع أنه كان معاصراً للشيخ الصدوق، وإنما ذكر في كتب المتأخرين، كصاحب الوسائل، والشيخ القطيفي(3)، والمحدّث القمي(4)وصاحب الرياض(5).
وأما من جهة الدلالة فقد ذكر كل من المحقّقين النائيني والاصفهاني والسيد الأستاذ قدس الله أسرارهم أنّ الظاهر من القرائن في صدر الرواية وذيلها أنّ المراد بالعلماء هم الأئمة (علیهم السلام) .
قال المحقق النائيني (قدس سره): فإنّ فيه قرائن تدلّ على أنّ المراد من العلماءفيه هم
الأئمة (علیهم السلام) فإنهم هم الأمناء على حلال الله وحرامه(1).
وقال المحقق الاصفهاني (قدس سره): وسياقها يدل على أنها في خصوص الأئمة، والظاهر أنّها كذلك، فإنّ المذكور فيها هم العلماء بالله لا العلماء بأحكام الله، ولعلّ المراد أنهم (علیهم السلام) بسبب وساطتهم للفيوضات التكوينية والتشريعية تكون مجاري الأمور كلها حقيقية بيدهم (علیهم السلام) لا جعلاً، فهي دليل الولاية الباطنية لهم كولايته تعالى، لا الولاية الظاهرية التي هي من المناصب المجعولة(2).
واضاف السيد الأستاذ (قدس سره) بأنه مع قبول شمول العلماء بالله للفقيه أيضاً فلا دلالة فيها على المدّعى، إذ المراد من ذلك كون جريان الأمر به لا يكون إلاّ في يد الفقيه بحيث لولاه لوقف الأمر فهو لا يكون إلاّ في توقف الأمر بدونها وهو الحلال والحرام(3).
وببيان آخر للمحقق الأيرواني (قدس سره) حيث قال: مجرى الأمر هو منبعه الذي ينبعث منه، تشبيهاً له بمنبع الماء، فلو كانت عبارة الحديث: العلماء هم مجاري الأمور، أو كانت العبارة: الأمور بيد العلماء، كان ظاهر ذلك أنّ العلماء بوجودهم مجاري للأمور، وذلك لا يكون إلاّ بأن تكون تصرّفاتهم الشخصية نافذة مؤثّرة، فلو باعوا مال زيد، أو أوقعوا النكاح على هذه، كان ذلك مؤثّراً وأما هذه العبارة فتدلّ على أنّ المجرى بيد العلماء، والمجرى الذي يمكن فرض كونه بيدهم هو الأحكام والقوانين الشرعية التي ينبغي أن يصدر المكلّفون في حركاتهم وسكناتهم عنها ولا يتخلّفوا عنها(4).
والمستفاد من كلماتهم أنّ الرواية قاصرة عن الدلالة على المدّعى.
هذا ولكن يمكن الجواب عن جميع تلك المناقشات:
أما من جهة السند فقد ذكرنا في محله(1)أنّ الكتاب بشهادة صاحب الوسائل يعدّ من الكتب المعتمدة، بل من الكتب المشهورة على ما نقله المحدّث القمي.
وبناء على ذلك فالرواية ليست بمرسلة، والمصنف هو الذي حذف السند للتخفيف والإيجاز.وأما المؤلّف فهو وإن لم يذكر في الأصول الرجالية إلاّ أنه لما كان من المشهورين فمن البعيد أن يكون مدح المتأخرين له وثناؤهم عليه بلا مستند، ومن القويّ أن يكون مدركهم في ذلك أقوال أو كتب المتقدمين، وهذا كاف في اعتباره والحكم بوثاقته بل الظاهر أنّه من الأجلاء.
نعم لما كانت عبارته حول روايات كتابه مجملة، وشهادته ليست بصريحة توقفنا في الحكم بصحة جميع روايات كتابه - ومنها هذه الرواية - وقلنا بأنّ الاحتياط فيها في محلّه(2).
وأما ما أورد على دلالة الرواية فما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أنّ المراد هم الأئمة (علیهم السلام) غير تام، وذلك لأنّ الذي يظهر - من الوقوف على تمام الرواية - أنّ المراد من العلماء هم العصابة حيث خاطبهم الإمام (علیه السلام) في أولها بقوله: «اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار ...» ثم خاطبهم (علیه السلام) بقوله: «ثم أنتم أيها العصابة عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وبالله في أنفس الناس مهابة، فيهابكم الشريف ويكرمكم الضعيف، ويؤثركم من لا فضل لكم عليه ولا يد لكم عنده، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت
من طلابها، وتمشون في الطريق بهيئة الملوك وكرامة الأكابر، أليس كل ذلك إنما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحق الله، وإن كنتم عن أكثر حقه تقصرون، فاستخففتم بحق الأئمة، فأما حق الضعفاء فضيّعتم، وأما حقكم بزعمكم فطلبتم» وقال: «لقد خشيت عليكم أيها المتمنّون على الله أن تحلّ بكم نقمة من نقماته» وقال: «وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون وذمة رسول الله مخفورة» .
وقال: «كل ذلك فما أمركم الله به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون» ثم قال: «وأنتم أعظم الناس مصيبة ...» إلى أن قال: «ولكنكم مكنتم الظلمة من منزلتكم، وأسلمتم أمور الله في أيديهم يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات».
ثم قال (علیه السلام): «فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا والقاضي فيما شجر بيننا» وختم كلامه بقوله: «اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنري المعالم من دينك، ويظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعملبفرائضك وسننك وأحكامك فإنّكم (إن لم) تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمة عليكم، وعملوا في إطفاء نور نبيّكم، وحسبنا الله وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير» (1).
فالمعني بهذه الخطابات ليس هم الأئمة قطعاً لأنها تتضمن اللوم والعتاب الشديدين للمخاطبين، ونسبة الاستخفاف بحق الأئمة إليهم، وغفلتهم عن الأوامر والنواهي وتمكين الظالمين، وتسليم أمور الله إليهم، وما إلى ذلك، فما ذكره الأعلام من أنّ المراد هم الأئمة لا يمكن المصير إليه.
ثم إنّ ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أنّ كون العلماء هم الأمناء على حلال الله وحرامه قرينة على أنّ المراد هم الأئمة (علیهم السلام) غير تام، وذلك لأنّ هذا التعبير ورد في كلام الإمام الصادق (علیه السلام) في وصف بعض أصحاب أبيه (علیه السلام) .
1) تحف العقول : 168 - 170 منشورات مكتبة بصيرتي
فقد روى الكشي بسند صحيح عن جميل بن دراج قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: بشّر المخبتين بالجنة، بريد بن معاوية العجلي، وأبو بصير ليث بن البختري المرادي، ومحمد بن مسلم، وزرارة، أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه، ولولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست(1).
وروى أيضاً بسند صحيح عن سليمان بن خالد الأقطع، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي (علیه السلام) إلاّ زرارة، وأبو بصير ليث المرادي، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفّاظ الدين وأمناء أبي(علیه السلام) على حلال الله وحرامه وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة(2).
فقد وصفهم (علیهم السلام) تارة بأمناء الله على حلاله وحرامه، وأخرى بأمناء أبي على حلال الله وحرامه.
والحاصل: أنّ هذا الوصف لا يختص بالأئمة (علیهم السلام) فلا يكون قرينة على المدّعى.
وأما ما ذكره المحقق الاصفهاني ! من أنّ الفقهاء علماء بأحكام اللهوأنّ العلماء بالله هم الأئمة (علیهم السلام) فهذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأنّ لازم قوله (علیه السلام) الأمناء على حلال الله وحرامه علمهم بالأحكام فلا حاجة تدعو إلى هذه القرينة للاستغناء عنها بقوله الأمناء.
ولذا لا يبعد أن يكون المراد بقوله العلماء بالله الإشارة إلى علمهم بالأصول الاعتقادية والمعارف الإلهية الحقّة، مضافاً إلى معرفتهم بالأحكام.
وأما ما ذكره ! من أنّهم واسطة في الفيوضات التكوينية والتشريعية فهو
معنى دقيق بعيد عن أذهان المخاطبين، ومخالف للفهم العرفي.
وأما ما ذكره السيد الأستاذ والمحقق الإيرواني ! فواضح الدفع وذلك:
أولاً: إنّ الرواية اشتملت على ذكر الأمور والأحكام معاً، وهما متغايران فلا معنى لحمل الأمور على الأحكام.
وثانياً: إنّ الإمام (علیه السلام) ليس في مقام بيان أنّ الإفتاء قد سلب عن المخاطبين بل في مقام بيان أنّ جميع الأمور من المصالح العامة والأحكام الشرعية التي كانت بأيديهم قد سلبت عنهم.
ويؤيد ذلك ما ورد في ذيل الرواية وهو قوله (علیه السلام): ولو صبرتم على الأذى وتحمّلتم المؤونة في ذات الله كانت أمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع، ولكنّكم مكّنتم الظلمة من منزلتكم، وأسلمتم أمور الله في أيديهم(1).
ولا شبهة في دلالته على شموله لجميع الأمور لا خصوص الأحكام.
هذا، ولكن لا يبعد أن يكون المراد بالعصابة التي تكون مجاري الأمور بأيديهم أحد أمرين:
الأول: أن يكون المراد هم العصابة وأنّ هذه المنزلة لهم من حيث إنهم علماء.
الثاني: أن تكون لهم هذه المنزلة من حيث إنّ الأئمة (علیهم السلام) فيهم بمعنى أن كونها بأيدي العلماء في طول كونها في أيدي الأئمة (علیهم السلام) ولولا ذلك لما كانت هذه المنزلة للعلماء ولا يعني ذلك أنّ الأئمة (علیهم السلام) معنيون في الخطابات الواردة في الرواية، بل المقصود هو أولوية الأئمة (علیهم السلام) بمجاري الأمور، وأنها لهم أولاً وبالذات وللعلماء ثانياً وبالعرض، ومع وجود هذا الاحتمال يضعف الاستدلال بهذه الرواية على
1) تحف العقول : 169 منشورات مكتبة بصيرتي
المدّعى.
وأما الرواية الثانية فهي مع ضعف سندها لا يمكن الاستدلال بها، وذلك لاحتمال أن يكون الإمام (علیه السلام) في مقام بيان فضيلة العلم والعلماء وأنّ للعلماء هيمنة على قلوب الناس وأنفسهم.
ويؤيد ذلك ما ورد في رواية الكراجكي المتقدمة وهو قوله (علیه السلام): «والملوك حكام على الناس» وهذه الجملة واردة في مقام بيان الواقع، فللعلماء نفوذ وسلطان على الملوك، لاحتياج الملوك للعلماء في الاستفادة من آرائهم ونظراتهم، وحيث إنّ للملوك سلطنة ظاهرية على الناس فتكون النتيجة أنّ للعلماء سلطنة على الناس بنحو أعلى وأشد من سلطنة الملوك عليهم، ويؤكد ذلك ما رواه الشيخ في أماليه بسنده عن داود بن سليمان الغازي عن الرضا عن آبائه عن الحسين (علیهم السلام) قال: الملوك حكّام على الناس، والعلم حاكم عليهم، وحسبك من العلم أن تخشى الله، وحسبك من الجهل أن تعجب بعلمك(1).
ويحتمل أيضاً أن يكون الإمام في مقام بيان وظيفة العلماء بأنّ لهم منصب الحكومة على الملوك وحكمهم نافذ عليهم.
وحيث إنّ الرواية تحتمل الأمرين وإن كانت في نفسها ظاهرة في الثاني لولا رواية الكراجكي، ومع ملاحظتها يقوى ظهورها في المعنى الأول.
وعلى كلا التقديرين فلا يصح الاستدلال بهذه الرواية.
وأما الرواية الأخيرة فهي وإن كان موردها خاص وهو رفع الظلم عن المظلوم، وأخذ حقّه من الظالم إلاّ أن الظاهر عدم اختصاصها بموردها لأنّ رفع الظلامة يتوقف على النفوذ والسلطة بحيث تكون للمتصدّي قدرة على ذلك، ولا يتمّ إلاّ بأن تكون الأمور بيده.
1) الأمالي - المجلس الثاني - الحديث 47 ، ص 56
ولكنّ الكلام في استفادة ذلك من كلامه (علیه السلام) فإنّ معنى لا يقارّوا على كظة ظالم، أي عدم إقرارهم لظلم الظالم ورضاهم بفعله، وهذا كما قد يتحقق بالقهر والغلبة كذلك قد يتحقق بالبيان وتبليغ الأحكام وعدم السكوت، وليس في الرواية تعيين للأول دون الثاني، وعليه فدلالة الرواية غير تامة.
والحاصل: أنّ روايات هذه الطائفة ضعيفة السند والدلالة.
الطائفة السادسة: ما دلّ على أنّ العلماء حصون الإسلام، وهي عدة روايات:منها: ما رواه الكليني بسنده الصحيح إلى علي بن أبي حمزة، قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام) يقول: إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء، لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها(1).
ومنها: ما رواه ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء(2).
ومنها: رواية علي بن أسباط، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): المؤمن العالم أعظم أجراً من الصائم القائم الغازي في سبيل الله، وإذا مات ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء إلى يوم القيامة(3).
ومنها: ما رواه الحارث الأعور، قال: سمعت أمير المؤمنين (علیه السلام) يقول: من حقّ العالم أن لا يُكثر عليه السؤال، ولا يُعنت في الجواب ... فإنّ العالم أعظم أجراً
من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها إلاّ خلف منه ...(1).
وأوردها ابن فهد الحلي في عدة الداعي(2)عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده (علیه السلام) مع اختلاف في بعض الألفاظ.
كما رواها البرقي في المحاسن(3)بسنده عن سليمان بن جعفر الجعفي عن رجل عن أبي عبد الله (علیه السلام) .
وأوردها الشهيد الثاني في منية المريد(4).
وجاء فيها: إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء(5).
وغيرها من الروايات.وتقريب الاستدلال بها هو: أنّ مقتضى تشبيه الفقهاء بالحصون كونهم حافظين للشريعة وأحكامها، قائمين على شؤونها، وإجرائها، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بأن تكون الأمور بأيديهم بحيث يكون قوام شؤون الناس بهم، وإلاّ لم يصدق عليهم أنهم حصون الإسلام، وهذا المعنى قد ورد في كلمات أمير المؤمنين (علیه السلام) كما في عهده لمالك الأشتر (رضي الله عنه) حيث قال (علیه السلام): «فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعزّ الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلاّ بهم» (6)فإذا كان الفقيه حصناً فمعناه أنّ قوام شؤون الناس به كما في قوام المدينة بالسور الحافظ لها.
ولكن قد نوقش في هذه الطائفة من جهتي السند والدلالة.
1) مصنفات الشيخ المفيد ج 11 كتاب الإرشاد ج 1 ص 230
2) عدة الداعي ونجاح الساعي: 71 مكتبة الوجداني - قم
3) المحاسن - كتاب مصابيح الظلم - باب حق العالم ، الحديث 185 ، ص 233
4) منية المريد فصل 3 فيما روي عن طريق الخاصة في فضل العلم : 113
5) نفس المصدر ص 113
6) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة المرقم الكتاب 53 الفقرة 44 ، ص 98
أما الرواية الأولى فهي من حيث السند ضعيفة، فإنّ في طريقها علي بن أبي حمزة وهو ضعيف، وقد وردت فيه روايات كثيرة في ذمّه ولعنه، وهو أساس القول بالوقف، وقد كذب على الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام) (1)مضافاً إلى أنّ في سندها ابن محبوب، والأصحاب يتهمونه في روايته عن ابن أبي حمزة(2)بناء على أنّ المراد به البطائني لا الثمالي.
وأما من حيث الدلالة فهي ضعيفة أيضاً وذلك:
أولاً: إنّ تشبيه الفقهاء بالحصون هو كونهم حفظة للأحكام بالاستنباط والتبليغ والتفسير ورد الشبه عنها، وفي التعبير بأنهم حصون الإسلام قرينة على ذلك، وإلاّ لعبّر عنهم بحصون المسلمين، فلا دلالة فيها على أنّ الأمور العامة لابدّ وأن تكون بأيديهم.
ومما يؤيد هذا المعنى: ما ورد في معتبرة إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: العلماء أمناء، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة، وفي رواية أخرى العلماء أمناء، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة(3).
وهذه الرواية وإن كان في سندها محمد بن سنان إلاّ أنه بناء على ما حققناه في محلّه(4)هو اعتبار روايته.
والشاهد في هذه الرواية أنّه (علیه السلام) وصف الأتقياء بأنهم حصون وليست الأمور العامة بيد الأتقياء، بل بيد الأوصياء الذين وصفهم بأنهم سادة.
وثانياً: إنّ هذه الرواية وردت بسند معتبر عن علي بن رئاب(5)عن أبي
الحسن(علیه السلام) وليس فيها لفظة الفقهاء.
هذا، ولكن يمكن القول بأنّ لفظة الفقهاء ساقطة من رواية ابن رئاب، وذلك بقرينة بقية الروايات المتقدمة، مضافاً إلى أنّ مقتضى الاعتبار هو ذلك أيضاً.
والمهمّ في المقام هو ضعف الرواية سنداً ودلالة فلا يمكن الاستدلال بها على المدّعى.
وأما الرواية الثانية فهي وإن كانت مرسلة إلاّ أنه بناء على ما تقرّر في محلّه(1)من أنّ مرسلات ابن أبي عمير كلها معتبرة فلا إشكال من هذه الناحية، إلاّ أنّ الإشكال في دلالتها، فإنها قاصرة عن إفادة المدّعى كالرواية الأولى، إذ كون الفقيه حصناً وفقده موجباً لانثلام هذا الحصن لا يستلزم كون الأمور العامة بيده، ولا دلالة في الرواية على ذلك، بل المناسب أن يكون مورد الروايتين هو الأحكام وأنّهم حافظون للشريعة بالاستنباط والتبليغ والتفسير ورد الشبه.
وأمّا بقية الروايات فهي غير تامة السند والدلالة.
والحاصل: أنّ هذه الطائفة من الروايات قاصرة عن إثبات المدّعى.
الطائفة السابعة: ما دلّ على أنّ من مات وليس عليه إمام حيّ ظاهر فميتته ميتة جاهلية، وهي عدة روايات:
منها: ما رواه الكليني ! بسنده الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر(علیه السلام) يقول: كل من دان الله عزوجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، وهو ضالّ متحيّر، والله شانىء لأعماله، ومثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها وقطيعها، فهجمت ذاهبة وجائية يومها، فلما جنّها الليل بصرت
1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 401
بقطيع غنم مع راعيها، فحنت إليها واغترّت بها فباتت معها في مربضها، فلما أن ساق الراعي قطيعه أنكرت راعيها وقطيعها، فهجمت متحيّرة تطلب راعيها وقطيعها، فبصرت بغنم مع راعيها فحنت إليها واغترّت بها، فصاح بها الراعي الحقي براعيك وقطيعك فأنت تائهة متحيّرة عن راعيك وقطيعك، فهجمت ذعرة متحيّرة تائهة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردّها، فبينا هي كذلك إذ اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها، وكذلك والله يا محمد من أصبح منهذه الأمة لا إمام له من الله عزوجل ظاهر عادل أصبح ضالاً تائهاً، وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق، واعلم يا محمد أنّ أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله، قد ضلّوا وأضلّوا، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون ممّا كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد(1).
ومنها: ما رواه الصفار في بصائر الدرجات بسنده الصحيح عن يعقوب السراج، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): تخلو الأرض من عالم منكم حيّ ظاهر تفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم؟ فقال: يا أبا يوسف لا، إن ذلك لبيّن في كتاب الله تعالى فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا» عدوّكم ممّن يخالفكم، ورابطوا إمامكم، واتّقوا الله فيما يأمركم وفرض عليكم(2).
ومنها: ما رواه الصفار أيضاً بسنده الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لا تبقى الأرض بغير إمام ظاهر(3).
ومنها: ما ورد في الاختصاص عن محمد بن علي الحلبي قال: قال أبو عبد الله(علیه السلام): من مات وليس عليه إمام حيّ ظاهر مات ميتة جاهلية(4).
ومنها: ما في الاختصاص أيضاً عن أبي الجارود قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: من مات وليس عليه إمام حي ظاهر مات ميتة جاهلية، قلت: إمام حي جعلت فداك؟ قال: إمام حيّ(1).
وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة هو: أنّ مقتضى مدلول الروايات أنّ أعمال المكلفين لابد وأن تكون صادرة عنهم بدلالة الإمام العادل الظاهر وإرشاده، لا الإمام الجائر، وإلاّ كانوا ضالّين متحيّرين، ويترتب على ذلك أنهم لو ماتوا وهم على تلك الحال - أي من دون إمام حي ظاهر - كانت ميتتهم ميتة جاهلية.
وحيث إنّ الإمام (علیه السلام) غائب فلابد أن تكون أعمال الناس وأمورهم العامة بدلالة وإرشاد شخص منصوب من قبله (علیه السلام) وإلاّ صدق عليهم أنّهم ضالّون تائهون متحيّرون، وبهذا يمكن الجمع بين هذه الروايات وبينالروايات الكثيرة الدالة على جواز غيبة الإمام (علیه السلام) كما حدثت وتحققت، بل يمكن أن يقال: إنّ ذلك هو مقتضى الإمامة، وأنّ ما ورد من الروايات الكثيرة الثابتة من طرق الخاصة(2)والعامة(3)أنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية هو أن يكون للناس إمام يهتدون به ويسترشدون بدلالته، وتكون أعمالهم تحت نظره، إما مباشرة أو بالواسطة سواء كان ظاهراً أو غائباً.
والحاصل: أنه يمكن الاستدلال بمفاد هذه الروايات على المدّعى.
ولكن قد نوقش في دلالة هذه الروايات.
أمّا الرواية الأولى فهي وإن كانت من جهة السند صحيحة إلاّ أنها من جهة الدلالة غير تامّة وذلك:
أولاً: لما ذكره العلاّمة المجلسي في المرآة حيث قال: إنّ المراد من قوله (علیه السلام): ظاهر، أي بيّن حجّيته بالبرهان وإن كان غائباً.
ونقل عن الفاضل التستري ) أنه قال: الظاهر أنه بالطاء المهملة وأيّد كلامه بما ورد في بعض الروايات: إنّ الله طهّرنا وعصمنا(1).
وما احتمله الفاضل التستري وإن كان بعيداً في نفسه إلاّ أنّ ما أورده العلامة المجلسي من الاحتمال كاف في بيان قصور الدلالة على المدّعى.
مضافاً إلى أنّ ظاهر الرواية أنها واردة في مقام وجوب الرجوع والدلالة في الأحكام بقرينة قوله في صدر الرواية: كل من دان الله عزوجل بعبادة ... الخ ولا إشكال في ثبوت هذا المقام للفقيه، وضرورة أخذ الأحكام منه في زمان الغيبة الكبرى، بل يمكن القول بوجوب تعيين الفقيه من قبل الإمام (علیه السلام) ليكون مرجعاً للناس في أخذ الأحكام في زمانه غيبته.
وأما بالنسبة إلى غير الأحكام كالأمور العامة فلا دلالة في الرواية عليها.
وبهذا الوجه يمكن المناقشة في جميع الروايات المطلقة كقوله: من مات ولم يعرف إمام زمانه ونحوها مما ورد خالياً من لفظ ظاهر.وثانياً: إنّ هذه الرواية وردت باختلاف يسير في المحاسن(2)بسنده عن محمد بن مسلم وليس فيها كلمة ظاهر بل ورد فيها « من أصبح في هذه الأمة ولا إمام له من الله عادل أصبح تائهاً متحيّراً» .
وأما الروايات الأخرى فهي وإن كان بعضها صحيح السند إلاّ أنه يرد
عليها جميعاً ما يرد على الرواية الأولى.
والحاصل: أنّ هذه الطائفة غير تامة في دلالتها على المدعى أيضاً.
الطائفة الثامنة: ما دلّ على توقف نظام حوزة الإسلام والمسلمين على وجود الإمام وهي عدة روايات:
منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة: فأيّ ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضلهن، لأنها مفتاحهنّ، والوالي هو الدليل عليهنّ ... (قال) ثم قال: ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضى الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته، إن الله يقول: «من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً» أما لو أن رجلاً قام ليله، وصام نهاره، وتصدّق بجميع ماله، وحجّ جميع دهره، ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته له عليه، ما كان له على الله حق في ثواب، ولا كان من أهل الإيمان، ثم قال: أولئك، المحسن منهم يدخله الله الجنة بفضل رحمته(1).
ومنها: ما رواه الكليني عن الرضا (علیه السلام) وهي رواية طويلة وموضع الشاهد منها قوله: ... إنّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين، إنّ الإمامة أسّ الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وتوفير الفيء، والصدقات، وإمضاء الحدود، والأحكام، ومنع الثغور والأطراف، الإمام يُحل حلال الله، ويحرّم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذبّ عن دين الله ...(2).
ومنها: ما رواه الشيخ المفيد ! في الأمالي بسنده عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): اسمعوا وأطيعوا لمن ولاّه الله الأمر، فإنه نظامالإسلام(1).
ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) وهي رواية العلل التي ذكر الفضل بن شاذان في آخرها أنه سمعها من الرضا (علیه السلام) مرة بعد مرة، وشيئاً بعد شيء، فجمعها وأطلق لعلي بن محمد بن قتيبة النيسابوري روايتها عنه عن الرضا (علیه السلام) وهي طويلة وموضع الشاهد منها قوله: ... فإن قال قائل: فلِمَ جعل أولي الأمر، وأمر بطاعتهم؟
قيل: لعلل كثيرة، منها: أنّ الخلق لمّا وقفوا على حدّ محدود وأمروا أن لا يتعدّوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلاّ بأن يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم، لأنه لو لم يكن ذلك لكان أحد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيّماً يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود والأحكام. ومنها: أنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس، ولما لابد لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لابد له منه، ولا قوام لهم إلاّ به، فيقاتلون به عدوهم، ويقيمون فيئهم ويقيم جمعهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم، ومنها: أنه لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة، وذهب الدين، وغيّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبّهوا ذلك على المسلمين، لأنا وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم قيّماً حافظاً لما جاء به الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لفسدوا على نحو ما بيّنا وغيّرت الشرائع والسنن
1) مصنفات الشيخ المفيد ج 13 - كتاب الأمالي - المجلس الثاني، الحديث 2 ، ص 14
والأحكام والإيمان وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين(1).
ومنها: ما ورد في نهج البلاغة قال (علیه السلام): فرض الله الإيمان تطهيراً من الشرك والصلاة تنزيهاً عن الكبر ... والأمانة نظاماً للأمة والطاعة تعظيماً للإمامة(2).
ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن زينب بنت علي (علیه السلام) قالت: قالت فاطمة (علیها السلام) في خطبتها: لله فيكم عهد قدّمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم ...ففرض الإيمان تطهيراً من الشرك، والصلاة تنزيهاً عن الكبر، ... والعدل تسكيناً للقلوب والطاعة نظاماً للملّة، والإمامة لمّاً من الفرقة، والجهاد عزّاً للإسلام، والصبر معونة على الاستيجاب، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة(3).
وغيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.
وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة هو: أنّ المستفاد من مجموع هذه الروايات أنّ شأن الامامة في الأحكام وغيرها من سائر الأمور شأن عظيم، بل هي أعظم شأناً من جميع الفرائض لكونها مفتاحاً لهن، وأنّ بقاء الملة والدين يتوقف عليها، وإهمالها موجب لاضمحلال الدين وتغيّر الأحكام والسنن، الأمر الذي يدل على ضرورة وجود المنصوبين من الفقهاء الجامعين للشرائط لتولي زمام الأمور من قبلهم (علیهم السلام) في زمان الغيبة لئلاّ يضلّ الناس عن طريق الهدى.
هذا، ولكنّا نقول: أما دلالة هذه الروايات على لزوم أصل الإمامة وضرورتها وأنه لابدّ من الرجوع في الأحكام وغيرها من سائر الأمور إلى الإمام (علیه السلام) فهو حقّ ولا إشكال فيه، كما يظهر ذلك أيضاً من غيرها من الروايات الكثيرة البالغة حدّ التواتر.
وأما دلالتها على المدعى فيقال: إنّ الرواية الأولى وإن كانت صحيحة السند إلاّ أنها إن دلّت فإنما تدل على وجوب نصب الفقيه بالنسبة إلى الأحكام لتكون أعمال المكلفين بدلالة الإمام(علیه السلام) أو من كان منصوباً من قبله (علیه السلام)، وهذا أيضاً مما لا إشكال فيه، فإنّ الفقيه الجامع للشرائط منصوب من قبلهم (علیهم السلام)، وفتواه حجة بلا كلام، وإنما الكلام في دلالتها على تصدّي الفقيه للأمور العامة ولا دلالة فيها على ذلك.
وأما سائر الروايات فهي - مع الغضّ عن أسنادها - مبنية على وجوه عقلية وترجع إلى الدليل العقلي وسيأتي الكلام عنه إن شاء الله تعالى.
الطائفة التاسعة: ما دلّ على فضل العلماء وهي عدة روايات:
منها: صحيحة عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله (علیه السلام)، عن أبيه، قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر(1).ومنها: موثقة مسعدة بن زياد عن جعفر (علیه السلام)، عن أبيه، أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: إنّ فضل العالم على العابد كفضل الشمس على الكواكب، وفضل العابد على غير العابد كفضل القمر على الكواكب(2).
ومنها: ما رواه في مجمع البيان عن جابر بن عبد الله أنه قال (صلی الله علیه و آله و سلم): فضل العالم على الشهيد درجة، وفضل الشهيد على العابد درجة، وفضل النبي على العالم درجة، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه، وفضل العالم على سائر الناس كفضلي على أدناهم(3).
ومنها: ما أورده الشهيد الثاني في منية المريد: قال مقاتل بن سليمان وجدت
في الإنجيل أنّ الله تعالى قال لعيسى (علیه السلام): عظّم العلماء واعرف فضلهم، فإني فضّلتهم على جميع خلقي إلاّ النبيين والمرسلين، كفضل الشمس على الكواكب، وكفضل الآخرة على الدنيا، وكفضلي على كلّ شيء(1).
ومنها: ما رواه في قرب الاسناد في موثقة مسعدة بن صدقة، قال: حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: ثلاثة يشفعون إلى الله يوم القيامة فيشفّعهم الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء(2).
ومنها: ما رواه الشيخ في أماليه بإسناده عن أبي الحسن علي بن علي - أخ دعبل بن علي - عن الرضا (علیه السلام) عن آبائه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أنه قال: فقيه واحد أشدّ على إبليس من ألف عابد(3).
ومنها: ما ورد في التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري (علیه السلام): وقال الإمام(علیه السلام): وأشد من يتم هذا اليتيم، يتيم ]ينقطع[ عن إمامه، لا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلي به من شرائع دينه، ألا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا، وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلّمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى، حدثني بذلك أبي عن آبائه، عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وقال علي بن أبي طالب(علیه السلام): من كان من شيعتنا عالماً بشريعتنا، وأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه ]به[ جاء يوم القيامةوعلى رأسه تاج من نور يضيء لأهل جميع تلك العرصات ... ثم نقل الإمام (علیه السلام) هذا المضمون عن أمّه الصديقة الزهراء، وعن الحسن المجتبى(علیه السلام)، وعن آبائه (علیهم السلام) واحداً بعد واحد إلى أن قال: وقال علي بن محمد(علیه السلام): لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم ]قائمنا[ عليه الصلاة والسلام من العلماء
الداعين إليه، والدالّين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب لما بقي أحد إلاّ ارتدّ عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكّانها أولئك هم الأفضلون عند الله عزوجل(1).
وغيرها من الروايات الكثيرة الواردة بهذا المضمون.
وقد استدلّ بهذه الطائفة أيضاً على أنّه إذا كان للعلماء هذه المنزلة من الفضل والدرجة فذلك يقتضي أنهم أحقّ بهذا المنصب، بل إنّهم منصوبون من قبل الأئمة (علیهم السلام) للتصدّي للأمور العامة في زمان الغيبة الكبرى.
ونقول: أما دلالة هذه الروايات على فضل العلماء وتقدّمهم على غيرهم فهو حق ولا إشكال فيه.
وأما دلالتها على أنّهم منصوبون من قبلهم للتصرّف في الأمور العامة، أو أنّ ذلك يتوقف على إذنهم (علیهم السلام) فلا دلالة فيها على شيء منهما أصلاً.
نعم يمكن الاستدلال بهذه الروايات على أولوية العلماء في التصدّي للأمور العامة فيما إذا دار الأمر بينهم وبين غيرهم.
ثم إنّنا إنما ذكرنا هذه الطائفة من الروايات تبعاً لصاحب العوائد ! (2)حيث تعرّض إليها.
الطائفة العاشرة: ما صدر عن إمام العصر الحجة ابن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف في حقّ بعض خواصّ الشيعة.
منها: ما جاء في الاحتجاج قال: ورد من الناحية المقدّسة حرسها الله
ورعاها في أيام بقيت من صفر سنة عشر وأربعمائة، على الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد النعمان قدّس الله روحه ونوّر ضريحه، ذكر موصله أنه يحمله من ناحية متصلة بالحجاز، نسخته: للأخ السديد والوليالرشيد الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان أدام الله إعزازه من مستودع العهد المأخوذ على العباد:
بسم الله الرحمن الرحيم
أمّا بعد، سلام عليك أيها الولي المخلص في الدين، المخصوص فينا باليقين، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو، ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا ونبينا محمد وآله الطاهرين، ونعلمك أدام الله توفيقك لنصرة الحق، وأجزل مثوبتك على نطقك عنّا بالصدق، أنه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة، وتكليفك فيها بما تؤدّيه عنّا إلى موالينا قبلك أعزهم الله بطاعته، وكفاهم المهم برعايته لهم وحراسته.
فقف أمدّك الله بعونه على أعدائه المارقين عن دينه على ما نذكره، واعمل في تأديته إلى من تسكن إليه بما نرسمه إن شاء الله ... فليعمل كل امرىء منكم ما يقرب به من محبّتنا، وليتجنّب ما يدنيه من كراهيتنا وسخطنا، فإنّ أمرنا بغتة فجأة حين لا تنفعه توبة، ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة، والله يلهمكم الرشد ويلطف لكم بالتوفيق برحمته.
نسخة التوقيع باليد العليا على صاحبها السلام:
هذا كتابنا إليك أيها الأخ الولي، والمخلص في ودّنا الصفيّ، والناصر لنا الوفيّ، حرسك الله بعينه التي لا تنام، فاحتفظ به ولا تظهر على خطّنا الذي سطرناه بما له ضمّناه أحداً، وأدّ ما فيه إلى من تسكن إليه، وأوص جماعتهم بالعمل عليه إن شاء الله، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين(1).
1) الاحتجاج 2 : 600 - 603 الطبعة الأولى المحققة
ومنها: التوقيع الثاني من الناحية المقدّسة للشيخ المفيد أيضاً.
قال الطبرسي في الاحتجاج: ورد عليه كتاب آخر من قبله صلوات الله عليه يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة نسخته:
من عبد الله المرابط في سبيله إلى ملهم الحقّ ودليله.
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليك أيها الناصر للحق الداعي إليه بكلمة الصدق، فإنا نحمد الله إليك الذي لا إله إلاّ هو، إلهنا وإله آبائنا الأولين، ونسأله الصلاة على نبيناوسيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وبعد:
فقد كنّا نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه الله لك من أوليائه وحرسك من كيد أعدائه، وشفّعنا ذلك الآن من مستقرّ لنا ينصب في شمراخ من بهماء صرنا إليه آنفاً من غماليل ألجأنا إليه السباريت من الإيمان، ويوشك أن يكون هبوطنا منه إلى صحصح من غير بعد من الدهر ولا تطاول من الزمان، ويأتيك نبأ منّا بما يتجدّد لنا من حال، فتعرف بذلك ما تعتمده من الزلفة إلينا بالأعمال والله موفقك لذلك برحمته ...
ولو أنّ أشياعنا وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلاّ ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلواته على سيدنا البشير النذير محمد وآله الطاهرين وسلم، وكتب في غرة شوال من سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
نسخة التوقيع باليد العليا صلوات الله على صاحبها:
هذا كتابنا إليك أيها الوليّ الملهم للحق العلي بإملائنا وخطّ ثقتنا فأخفه عن
كلّ أحد وأطوه واجعل له نسخة تُطلع عليها من تسكن إلى أمانته من أوليائنا شملهم الله ببركتنا ودعائنا، إن شاء الله والحمد لله والصلاة على سيدنا محمد وآله الطاهرين(1).
قال صاحب المستدرك: الذي نقله في اللؤلؤة(2)وغيرها عن رسالة ابن بطريق الحلي: أنّ مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه وعلى آبائه وأهل بيته كتب إليه ثلاث كتب في كلّ سنة كتاباً، والذي نقله في الاحتجاج اثنان، فالثالث مفقود، والذي يظهر من تاريخ وفاة الشيخ أنّ وصول الكتاب الأخير كان قبل وفاته بثمانية أشهر تقريباً(3).
وقال أيضاً: إنّ المحقق النقّاد ابن بطريق الحلي ذكر في رسالته نهج العلوم كما في اللؤلؤة وغيرها: أنه ترويه كافّة الشيعة وتتلقّاه بالقبول(4).وقد نقل قطب الدين الراوندي في الخرائج شطراً من التوقيع الأول وذكره مرسلاً(5).
وإنما أوردنا هذين التوقيعين لأنه ورد في كلمات بعض الأعلام كصاحب الجواهر ! (6)حيث استشهد به على عموم ولاية الفقيه، كما سيأتي، لاشتماله على التبجيل والتعظيم للشيخ المفيد ! من قبل الناحية المقدسة.
ومنها: ما رواه شيخ المحدّثين الميرزا النوري ! في كتابيه النجم الثاقب، وجنة المأوى، عن الصالح الصفي التقي الحاج علي البغدادي الذي تشرّف بلقاء
إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وقد حدّثه بقصة لقائه به (علیه السلام) مشافهة وكان المحدّث النوري ! قد سمع هذه الحكاية من شخص آخر(1).
قال في النجم الثاقب: نقل الحاج المذكور - أيده الله (صلی الله علیه و آله و سلم) اجتمع في ذمتي ثمانون توماناً من مال الإمام (علیه السلام) فذهبت إلى النجف الأشرف، فأعطيت عشرين توماناً منه لجناب علم الهدى والتقى الشيخ مرتضى أعلى الله مقامه، وعشرين توماناً إلى جناب الشيخ محمد حسين المجتهد الكاظميني، وعشرين توماناً لجناب الشيخ محمد حسن الشروقي، وبقي في ذمّتي عشرون توماناً كان في قصدي أن أعطيها إلى جناب الشيخ محمد حسن الكاظميني آل ياسيني (ياسين) أيده الله عند رجوعي، فعندما رجعت إلى بغداد كنت راغباً في التعجيل بأداء ما بقي في ذمتي، فتشرّفت في يوم الخميس بزيارة الإمامين الهمامين الكاظمين (علیه السلام)، وبعد ذلك ذهبت إلى خدمة جناب الشيخ سلّمه الله وأعطيته مقداراً من العشرين توماناً، وواعدته بأني سوف أعطي الباقي بعد ما أبيع بعض الأشياء تدريجياً، وأن يجيزني أن أوصله إلى أهله، وعزمت على الرجوع إلى بغداد في عصر ذلك اليوم، وطلب جناب الشيخ منّي أن أتأخّر فاعتذرت بأنّ علي أن أوفي عمّال النسيج أجورهم، فإنه كان من المرسوم أن أسلّم أجرةالأسبوع عصر الخميس، فرجعت.
وبعد أن قطعت ثلث الطريق تقريباً رأيت سيّداً جليلاً قادماً من بغداد من أمامي، فعندما قرب منّي سلّم عليّ وأخذ بيدي مصافحاً ومعانقاً وقال: أهلاّ وسهلاً وضمّني إلى صدره وعانقني وقبّلني وقبّلته، وكانت على رأسه عمامة
1) هو السيد محمد بن السيد أحمد بن السيد حيدر الكاظمي، قال عن المحدث النوري: وهو من أجلاء تلامذة المحقق الأستاذ الأعظم الأنصاري طاب ثراه، وأحد أعيان أتقياء بلد الكاظمين(علیه السلام)، وملاذ القلوب والزوّار والمجاورين، راجع الحكاية الثامنة والخمسين من كتاب جنة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجة (علیه السلام) أو معجزته في الغيبة الكبرى المطبوع في آخر الجزء الثالث والخمسين من كتاب البحار
خضراء مضيئة مزهرة وفي خدّه المبارك خال أسود كبير فوقف وقال: حاج علي، على خير، على خير، أين تذهب؟ قلت: زرت الكاظمين (علیه السلام) وأرجع إلى بغداد، قال: هذه الليلة ليلة الجمعة فارجع، قلت: يا سيّدي لا أتمكن، فقال: في وسعك ذلك، فارجع حتى أشهد لك بأنك من موالي جدّي أمير المؤمنين (علیه السلام) ومن موالينا، ويشهد لك الشيخ كذلك، فقد قال تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ »(1).
وكان ذلك منه إشارة إلى مطلب كان في ذهني أن ألتمس من جناب الشيخ أن يكتب لي شهادة بأني من موالي أهل البيت (علیهم السلام) لأضعها في كفني، فقلت: أي شيء تعرفه وكيف تشهد لي؟ قال: من يوصل حقّه إليه كيف لا يعرف من أوصله؟ قلت: وأيّ حق؟ قال: ذلك الذي أوصلته إلي وكيلي، قلت: من هو وكيلك؟ قال: الشيخ محمد حسن، قلت: وكيلك؟ قال: وكيلي.
وكان قد قال لجناب الآقا السيد محمد: «وكان قد خطر في ذهني أنّ هذا السيد الجليل يدعوني باسمي مع أنّي لا أعرفه، فقلت في نفسي: لعله يعرفني وأنا نسيته، ثم قلت في نفسي أيضاً: إنّ هذا السيد يريد منّي شيئاً من حق السادة وأحببت أن أوصل إليه شيئاً من مال الإمام(علیه السلام) الذي عندي. فقلت: يا سيّدي بقي عندي شيء من حقّكم، فرجعت في أمره إلى جناب الشيخ محمد حسن لأؤدّي حقّكم يعني السادات بإذنه، فتبسّم في وجهي وقال: نعم، قد أوصلت بعضاً من حقّنا إلى وكلائنا في النجف الأشرف، فقلت: هل قبل ذلك الذي أدّيته؟ فقال: نعم.
خطر في ذهني أنّ هذا السيد يقول بالنسبة إلى العلماء الأعلام (وكلائنا) فاستعظمت ذلك، فقلت: العلماء وكلاء في قبض حقوق السادات وغفلت» انتهى(2).
ثم قال: ارجع زر جدّي، فرجعت وكانت يده اليمنى بيدي اليسرى، فعندما سرنا رأيت في جانبنا الأيمن نهراً ماؤه أبيض صافٍ جارٍ،وأشجار الليمون والنارنج والرمان والعنب وغيرها كلّها مثمرة في وقت واحد مع أنه لم يكن موسمها وقد تدلّت فوق رؤوسنا، قلت: ما هذا النهر وما هذه الأشجار؟ قال: إنها تكون مع كلّ من يزورنا ويزور جدّنا من موالينا.
فقلت: أريد أن أسألك ... - ثم سأله عدة مسائل وأجاب عنها إلاّ اثنتين ثم وصف دخولهما إلى الحرم الشريف وزيارتهما وصلاتهما وغيابه عنه وما شاهده من الدلائل على أنه الحجة (علیه السلام) وغفلته عن ذلك إلى أن قال: - فعندما صار الصباح ذهبت إلى جناب الشيخ محمد حسن ونقلت له كلما رأيت، فوضع يده على فمي ونهاني عن إظهار القصة وإفشاء هذا السرّ، وقال: وفّقك الله تعالى فأخفيت ذلك ولم أظهره لأحد إلى أن مضى شهر من هذه القضية فكنت يوماً في الحرم المطهر، فرأيت سيداً جليلاً قد اقترب منّي وسألني ماذا رأيت؟ وأشار إلى قصّة ذلك اليوم، قلت: لم أر شيئاً، فأعاد عليّ ذلك الكلام وأنكرت بشدّة، فاختفى عن نظري ولم أره بعد ذلك(1).
قال المحدّث النوري في وصف هذه القضية: ولو لم يكن في هذا الكتاب الشريف - النجم الثاقب - إلاّ هذه الحكاية المتقنة الصحيحة التي فيها فوائد كثيرة وقد حدثت في وقت قريب لكفت في شرفه ونفاسته(2).
وأما الاستدلال بهذه الطائفة فهو أن يقال: إنّ تعظيم مقام الشيخ المفيد !
ولكن يمكن المناقشة في ذلك:
أما التوقيعان فهما محلّ إشكال من حيث السند والدلالة.
أما من حيث السند فقد ناقش السيد الأستاذ ! في سندي التوقيعين بوجهين:
قال: هذه التوقيعات لا يمكننا الجزم بصدورها من الناحية المقدسة،فإنّ الشيخ المفيد ! قد تولّد بعد الغيبة الكبرى بسبع أو تسع سنين، وموصل التوقيع إلى الشيخ المفيد ! مجهول. هب أنّ الشيخ المفيد جزم بقرائن، أنّ التوقيع صدر من الناحية المقدسة، ولكن كيف يمكننا الجزم بصدوره من تلك الناحية؟ على أنّ رواية الاحتجاج لهذين التوقيعين مرسلة، والواسطة بين الطبرسي، والشيخ المفيد مجهول(1).
أقول: ما ذكره ! من وجهي المناقشة قابل للدفع.
أما عن الوجه الأول فيقال: إنّه بعد أن أثبتنا - في محلّه - أنّ الشيخ المفيد وغيره من الأعاظم إنما يعتبرون في حجّية الرواية وثاقة راويها، فمن الطبيعي أنهم لا يعتمدون على كل شخص وإن كان مجهولاً، وعليه فإذا اعتمد الشيخ المفيد ! على شخص فذلك يكشف أن المخبر أمين وثقة عنده، وأنّ خبره مفيد للعلم أو الاطمئنان بحيث لا يحتاج إلى ملاحظة الواسطة، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ الاطمئنان من مثله لا يوجب الاطمئنان عندنا وهو بعيد، فإنّه ! قد انتهت إليه رئاسة الإمامية ووصف بأنه دقيق الفطنة ومقدّم في الفقه، والكلام والرواية والثقة، والعلم(2).
وأما عن الوجه الثاني فيقال: إنّ الذي يظهر من الإجازات أنّ لصاحب الاحتجاج طريقاً إلى جميع كتب وروايات الشيخ المفيد !، فليس الطريق إليه مجهولاً.
نعم يمكن الخدشة في السند بوجه آخر - مع قطع النظر عن ملاحظة مضمون التوقيعين وما فيهما من القرائن - وهو: أنّ الطريق منحصر بصاحب الاحتجاج أي لم يروهما غيره، ولم يردا في كتاب للشيخ المفيد أو نقلاً عنه، وحينئذ فإن كانا متواترين فهو، وإلاّ فالاعتماد عليهما مشكل، ولكنّ دعوى التواتر غير تامة، وإن كان ربما يستفاد من كلام ابن بطريق الحلي ذلك، فإنه قال: ترويه كافة الشيعة وتتلقّاه بالقبول، ولكن يبعده عدم تعرّض الشيخ المفيد للتوقيعات في أي من كتبه، وكذا كل من كان في طبقته ومن بعده من تلاميذه كالنجاشي والشيخ مع أنهما قد تعرّضا لذكر أحواله ولو كانا شايعين لأشارا إليهما ونقلاهما، وليس من ذلك أثر.
وأما من حيث الدلالة فما ذكره صاحب الجواهر ! من دلالة التبجيل والتعظيم فهو غير واضح، إذ لا ملازمة ظاهراً بين هذه المدائح المذكورةكالأخ السديد، والولي الرشيد، والمخلص في الدين، المخصوص فينا باليقين، والملهم للحق وغيرها وبين الولاية العامة، فإن كان نظره ! إلى مثل هذه الكلمات فقد ورد نظيرها بل ما هو أبلغ منها كما تقدم من قولهم صلوات الله عليهم: هم خلفائي، وورثة الأنبياء، وحجتي عليكم، وأمناء الله على حلاله وحرامه، وغيرها من التعابير الدالة على علوّ المنزلة، ومع ذلك نوقش في دلالتها كما مرّ فكيف بهذه الألفاظ؟!
على أنّه قد ورد في شأن زرارة، ومحمد بن مسلم، وأبي بصير، وبريد بن معاوية، المدح العظيم، وقد ذكرنا بعضه فيما تقدم.
ومما ورد أيضاً عن أبي عبد الله (علیه السلام): أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة: محمد بن مسلم، وبريد بن معاوية، وليث بن البختري المرادي، وزرارة بن أعين، وفي رواية أخرى عنه(علیه السلام): هؤلاء القوّامون بالقسط، هؤلاء القوّامون بالصدق،
هؤلاء السابقون، أولئك المقربون، وعنه (علیه السلام) قال: بشر المخبتين بالجنة وعدّهم ثم قال: أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست(1).
ومع ذلك كله لا يقال بدلالتها على الولاية فتدبر.
وأما قضية المؤمن الصالح الحاج البغدادي فإنها من جهة السند معتبرة ولا إشكال فيها، فإنّ المحدّث النوري ! رواها بلا واسطة، كما رواها بواسطة واحدة، وقد نقلناها للسيد الأستاذ ! في مقام أنها تدل على عدم إباحة الخمس للشيعة وتقرير الإمام (علیه السلام) بأنّ حقّه متعلق بأموال المؤمنين بقوله (علیه السلام): «من يوصل حقّه إليه كيف لا يعرف من أوصله؟» وقوله(علیه السلام): «قد أوصلت بعضاً من حقّنا» فقبل ! ولم يستشكل فيها، إلاّ أنه يمكن المناقشة في دلالتها على ما نحن فيه، بأنها غير واضحة.
وذلك لأنّ الوكيل يختلف في معناه عن النائب، فإنّ لفظ النائب إذا ورد بلا قرينة انصرف إلى أنه قائم مقام المنوب عنه فيما له النيابة فيه، كالخليفة إلاّ أن تكون هناك قرينة على التخصيص.
وأما الوكيل فهو بعكس ذلك إذ المنصرف إليه من لفظ الوكيل هو الوكالة في أمر خاص، والظاهر من الوكيل أنه يطلق على من اعتمد عليه وفوّض إليه أمراً وغالباً ما يستعمل مع متعلّق الوكالة، فيقال: وكيل في البيع والشراء والنكاح أو وكيل في جميع الأمور.وبناء على هذا فلابد من تعيين المتعلّق وإلاّ كان اللفظ مجملاً ولا ينصرف إلى جميع الأمور فهو نظير اليد فإنّها قد تطلق على الكف أو عليه مع الذراع، أو عليهما مع العضد، وأما لفظ اليد وحده فهو مجمل لا ينصرف إلى جزء بخصوصه.
هذا تمام الكلام عن الروايات بجميع طوائفها.
1) رجال الكشي 1 : 398 - 399 ، وج 2 : 508 مؤسسة آل البيت
وقد ادّعي الإجماع من الخاصة والعامة على ثبوت الولاية للفقيه.
أما الخاصة فقد نسب إلى جماعة من الفقهاء صريحاً، منهم المحقق الكركي، والفاضل النراقي وقد جعله من المسلّمات عند الأصحاب، وصاحب مفتاح الكرامة، وصاحب العناوين وقد
ادّعاه محصّلاً ومنقولاً على حدّ الاستفاضة، وصاحب بلغة الفقيه، وظاهر صاحب الجواهر لأنّه ذهب إلى إمكان تحصيل الإجماع من الأصحاب عليه، بل لعلّه من المسلّمات أو الضروريات عندهم، وظاهر المحقق الهمداني، والمحقق الاشتياني، حيث نفى الخلاف فيه، والظاهر من المحقق الاصفهاني أنه من المسلّمات في الجملة، ونسبه الشيخ إلى المشهور وبيان ذلك:
أما المحقق الكركي ) فقد قال في رسالة صلاة الجمعة: اتفق أصحابنا رضوان الله عليهم على أن الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية نائب من قبل أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل ... والأصل فيه ما رواه الشيخ في التهذيب بإسناده إلى عمر بن حنظلة، عن مولانا الصادق جعفر بن محمد (علیه السلام) ... - وذكر الرواية ثم قال - : وفي معناه أحاديث كثيرة(1).
وقال في رسالة قاطعة اللجاج في مسألة تولّي الفقيه للخراج: ومن تأمّل في كثير من أحوال كبراء علمائنا السالفين، مثل السيد الشريف المرتضى علم الهدى، وأعلم المحقّقين من المتقدمين والمتأخرين نصير الحق والدين الطوسي، وبحر العلوم مفتي الفرق جمال الملة والدين الحسن بن مطهر، وغيرهم رضوان الله عليهم، نظر متأمل منصف لم يعترضه الشك في أنهم كانوا يسلكون هذا المنهج ويقيمون هذا السبيل وماكانوا ليودعوا بطون كتبهم إلاّ ما كانوا يعتقدون صحّته(2).
وأما الفاضل النراقي ! فقد قال في عوائده: أما الأول - وهو كل ما كان للنبي والإمام فيه الولاية كان للفقيه - فالدليل عليه بعد ظاهر الإجماع حيث نصّ به كثير من الأصحاب بحيث يظهر منهم كونه من المسلّمات - ما صرّحت به الأخبار ... .
وأما الثاني - وهو كل فعل متعلّق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم ولابدّ من الإتيان به... - فيدلّ عليه بعد الإجماع أيضاً أمران ...(1).
وأما صاحب مفتاح الكرامة ! فقد قال: ويدلّ عليه - نصب الفقيه من قبل الإمام(علیه السلام) - العقل والإجماع والأخبار ... .
وأما الإجماع فبعد تحققه كما اعترف به - العلامة - يصحّ لنا أن ندّعي أنه انعقد على أنه نائب عنه عجّل الله فرجه، واتفاق أصحابنا حجّة، وإلاّ لوجب الظهور ... أو نقول: بعد أن دلّ عليه العقل انعقد الإجماع عليه قطعاً، على أنا ولله الحمد عندنا من الأخبار ما يدل على ذلك صريحاً، وفي ذلك بلاغ وكفاية، منها ما رواه الصدوق في إكمال الدين وإتمام النعمة، عن محمد بن عصام، عن محمد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (علیه السلام) إلى أن قال: أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله(2).
فإنه وإن كان كلامه في القضاء إلاّ أنه ربما يظهر من كلامه النيابة العامة.
وأما صاحب الجواهر ) فقد قال - في كتاب الزكاة - في مسألة وجوب صرف الزكاة إلى الإمام (علیه السلام) لو طلبها: قلت: إطلاق أدلة حكومته خصوصاً
رواية النصب التي وردت عن صاحب الأمر (علیه السلام) روحي له الفداء يصيّره من أولي الأمر الذين أوجب الله علينا طاعتهم، نعم من المعلوم اختصاصه في كل ما له في الشرع مدخلية حكماً أو موضوعاً، ودعوى اختصاص ولايته بالأحكام الشرعية يدفعه معلوميّة تولّيه كثيراً من الأمور التي لاترجع للأحكام، كحفظه لمال الأطفال والمجانين والغائبين وغير ذلك مما هو محرّر في محلّه، ويمكن تحصيل الإجماع عليه من الفقهاء، فإنهم لا يزالون يذكرون ولايته في مقامات عديدة لا دليل عليها سوى الإطلاق الذي ذكرناه المويّد بمسيس الحاجة إلى ذلك أشدّ من مسيسها في الأحكام الشرعية(1).
وقال في مسألة صرف سهم الإمام (علیه السلام) من كتاب الخمس: لكنّ ظاهر الأصحاب عملاً وفتوى في سائر الأبواب عمومها - ولاية الحاكم - بل لعلّه من المسلّمات أو الضروريات عندهم(2).
وقال في مسألة إقامة الفقيه للحدود من كتاب الأمر بالمعروف: أو لظهور قوله (علیه السلام): «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً» في إرادة الولاية العامة نحو المنصوب الخاص كذلك إلى أهل الأطراف الذي لا إشكال في ظهور إرادة الولاية العامة في جميع أمور المنصوب عليهم فيه، بل في قوله (علیه السلام): «فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله» أشدّ ظهوراً في كونه حجة فيما أنا فيه حجة الله عليكم، ومنها إقامة الحدود ... بل يمكن دعوى المفروغية منه بين الأصحاب، فإنّ كتبهم مملوءة بالرجوع إلى الحاكم المراد به نائب الغيبة في سائر المواضع.
ثم نقل كلام المحقق الكركي في رسالة صلاة الجمعة ... ثم قال: وبغير ذلك ممّا يظهر بأدنى تأمّل في النصوص وملاحظتهم حال الشيعة وخصوصاً علماءهم في
زمن الغيبة وكفى بالتوقيع الذي جاء للمفيد من الناحية المقدسة، وما اشتمل عليه من التبجيل والتعظيم، بل لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأمور المتعلّقة بشيعتهم معطلة.
فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمراً، ولا تأمّل المراد من قولهم إنّي جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجة وخليفة، ونحو ذلك مما يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة إليهم، ولذا جزم فيما سمعته من المراسم بتفويضهم (علیهم السلام) لهم في ذلك ... وبالجملة فالمسألة من الواضحات التي لا تحتاج إلى أدلّة(1).
وأما صاحب العناوين (رحمه الله) فقد قال: الأدلة الدالة على ولاية الحاكمالشرعي أقسام أحدها: الإجماع المحصّل، وربما يتخيل أنّه أمر لبّي لا عموم فيه حتى يتمسك به في محل الخلاف، وهو كذلك لو أردنا بالإجماع، الإجماع القائم على الحكم الواقعي الغير القابل للخلاف والتخصيص، ولو أريد الإجماع على القاعدة بمعنى كون الإجماع على أنّ كل مقام لا دليل فيه على ولاية غير الحاكم فالحاكم وليّ له فلا مانع من التمسك به في مقام الشك، فيكون كالإجماع على أصالة الطهارة ونحوها، والفرق بين الإجماع على القاعدة، والإجماع على الحكم واضح لمن تتبع كلمة الأصحاب.
وثانيها: فنقول: الإجماع في كلامهم على كون الحاكم ولياً فيما لا دليل فيه على ولايته غيره، ونقل الإجماع في كلامهم على هذا المعنى لعلّه مستفيض في كلامهم(2).
وأما صاحب البلغة ! فقد قال في مقام استدلاله على عموم النيابة: فنقول: إنما يتوقف على إذن الإمام (علیه السلام) إن لم يكن لصرف تعظيمه وجلالته ومحض المكرمة له، بل كان من حيث رياسته الكبرى على كافة الأنام الموجب للرجوع إليه في كل ما يرجع إلى مصالحهم المتعلّقة بأمور معادهم أو معاشهم، ودفع المضار عنهم، وتوجه الفساد إليهم، مما يرجع المرؤوسون من كل ملة إلى رؤسائهم، إتقاناً للنظام المعلوم كونه مطلوباً مدى الليالي والأيام، فلابدّ من استخلاف من يقوم مقامه في ذلك حفظاً لما هو المقصود من النظام ... فتعيّن كون المنصوب هو الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة مع ظهور بعض الأدلة المتقدمة في ذلك، كقوله (علیه السلام): أما الحوادث الواقعة ...
هذا، مضافاً إلى غير ما يظهر من تتبع فتاوى الفقهاء في موارد عديدة - كما ستعرف - في اتفاقهم على وجوب الرجوع فيها إلى الفقيه مع أنه غير منصوص عليها بالخصوص وليس إلاّ لاستفادتهم عموم الولاية له بضرورة العقل والنقل، بل استدلوا عليه، بل حكاية الإجماع عليه فوق حدّ الاستفاضة، وهو واضح بحمد الله لا شكّ فيه ولا شبهة تعتريه(1).
وأما المحقق الهمداني ) فإنه بعد أن استشكل في استفادة الولاية العامة من أدلة النصب، وأنها لا تخلو عن خفاء، قال: ولكن الذي يظهر بالتدبّر في التوقيع المروي عن إمام العصر عجّل الله فرجه، الذي هو عمدة دليلالنصب إنما هو إقامة الفقيه المتمسّك برواياتهم مقامه بإرجاع عوام الشيعة إليه في كل ما يكون الإمام مرجعاً فيه كي لا يبقى شيعته متحيّرين في أزمنة الغيبة ... وكيف كان فلا ينبغي الإشكال في نيابة الفقيه الجامع لشرائط الفتوى عن الإمام (علیه السلام) حال الغيبة في مثل هذه الأمور كما يؤيده التتبع في كلمات الأصحاب حيث يظهر منها كونها
1) بلغة الفقيه 3 : 232 - 234
لديهم من الأمور المسلّمة في كل باب حتى أنه جعل غير واحد عمدة المستند لعموم نيابة الفقيه لمثل هذه الأشياء هو الإجماع(1).
وأما المحقق الأشتياني ! فقد قال في كتاب القضاء:
الخامس: لا إشكال في ثبوت سائر الولايات العامة الحسبية المختصة بالمجتهدين للمفضول كثبوتها للفاضل على القول باختصاص ولاية القضاء به، بل الظاهر أنه مما لا خلاف فيه، لعموم ما دلّ عليه من الأخبار سيّما التوقيع الشريف الدال على كونهم حجة من الحجة أرواحنا له الفداء على الخلق، وأنهم المرجع للحوادث الواقعة، وانتفاء ما يقتضي تخصيصه بطائفة منهم، وهو أمر ظاهر(2).
وأما المحقق الأصفهاني ! فإنه بعد أن استشكل في عموم الولاية وأن الأدلة قاصرة عن إفادتها قال: إلاّ أن ولاية الحاكم في كثير من تلك الموارد إجماعية وقد أرسلت في كلمات الأصحاب إرسال المسلّمات بحيث يستدلّ بها لا عليها(3).
وظاهر كلامه أنّ المراد من الحاكم هو الفقيه لا القاضي.
وأما الشيخ ! فإنه بعد أن أثبت القسم الثاني من ولاية الفقيه وهي الولاية المشروطة بإذنه، وبعد أن ذكر الروايات الدالة عليها قال: هذا ولكنّ المسألة لا تخلو عن إشكال وإن كان الحكم به مشهورياً ... كما اعترف به جمال المحققين في باب الخمس، بعد الاعتراف بأن المعروف بين الأصحاب كون الفقهاء نواب الإمام(4).
هذا ما تيسّر لنا من أقوال العلماء الذين وردت في كلماتهم دعوى الإجماع أو عدم الخلاف أو الشهرة على هذا الحكم.
وأمّا من صرّح به في الموارد الخاصة فكثير.هذا، ولكن الذي يظهر من التأمّل في كلمات الناقلين للإجماع أمور:
الأول: أن المستفاد منها أنّ هذه المسألة ليست معنونة في كلمات القدماء كثيراً نعم وردت في كلام الشيخ المفيد ! كما سيأتي، وإنما استفادوا الإجماع من الموارد التي يتوقف الحكم فيها على ثبوت الولاية، ومن خلال حكمهم بالثبوت استفادوا ذلك، كمسألة وجوب صلاة الجمعة أو استحبابها بإذن الفقيه، أو إعطائه الزكاة وجوباً أو استحباباً في صورة مطالبته، أو مطلقاً، وكذا الخمس، واللقطة، وحفظ مال اليتيم أو الغائب وإقامة الحدود وغيرها.
والظاهر أنّ الأمر كذلك، فإنّ المسألة ليست معنونة في كلماتهم بهذه الصورة، ولعل المحقق الكركي ! هو الذي عنونها وتبعه من جاء من بعده، ومع ذلك فإنّ استفادة هذا الحكم أي ثبوت الولاية وإن كانت ظاهرة من بعض هذه الموارد إلاّ أنها غير ظاهرة في بعضها الآخر، وذلك لأنّ هذه الموارد محصورة وهي تنقسم إلى قسمين:
أولهما: ما يكون الحكم فيها بوجوب الرجوع إلى الفقيه من باب الرجوع إلى الحاكم، وليس هذا القسم محلاً للكلام، فإنّ الحاكم منصوب من قبل الإمام (علیه السلام) بلا إشكال، وبناء على هذا فحكمهم بالرجوع في هذه الموارد للفقيه لا يثبت المدّعى.
وثانيهما: ما تكون من مختصات الفقيه دون الحاكم، كصلاة الجمعة وجمع الزكوات وأخذ الأخماس والخراج وغيرها، والقول بثبوت الحكم فيها على نحو الإطلاق لا يلازم القول بثبوت الولاية، لأنّ بينهما عموم من وجه، فإنه ربما يقال بالوجوب مع أنّ القائل لا يعتبر إذن الإمام(علیه السلام)، فكيف باعتبار إذن الفقيه كصلاة الجمعة، فإنّ صاحب الحدائق ! (1)يذهب إلى القول بوجوبها العيني في زمان
1) الحدائق الناضرة 9 : 446
الغيبة، ولا يعتبر اشتراط وجود الإمام (علیه السلام) ولا إذنه فكيف بالفقيه؟! أو يقال بوجوب دفع الزكاة إلى الفقيه لكونه مقتضى الاحتياط، أو لأنه أعرف بموارد استحقاقها، كما أنّ بعضهم ينفي وجوب الدفع إليه لا لعدم كون الفقيه نائباً عن الإمام (علیه السلام) بل لعدم اعتبار الدفع للإمام (علیه السلام) بل يجوز للمالك أن يدفعها إلى مستحقيها بنفسه كما نسبه صاحب الرياض لظاهر ابن زهرة والقاضي(1).
نعم إذا كان الحكم بوجوب الرجوع مع التصريح بنيابة الفقيه عنالإمام (علیه السلام) فهو يدل على المدعى، ولعل دعوى من يدّعي الإجماع مبتنية على مثل هذه الموارد.
الثاني: أنّ الظاهر من كلماتهم أنّ الأصل في الإجماع هو العقل والأخبار الواردة، خصوصاً التوقيع الشريف المروي عن إسحاق بن يعقوب كما جاء في كلام غير واحد منهم، وعليه فلا يكون هذا الإجماع إجماعاً كاشفاً بل لابدّ حينئذ من ملاحظة المستند لهذا الإجماع.
الثالث: أنه ربما حكي عن السيد ابن زهرة(2)، وعن ابن إدريس(3)، خلاف دعوى الإجماع، وهو صريح صاحب الحدائق(4)، والمحقق الإيرواني(5)، والسيد الأستاذ(6)، والشهيدي(7)، ومحتمل المحقق النائيني(8)، وغيرهم(9).
والإنصاف أنّ الإغماض عن دعوى الإجماع من مثل هؤلاء الأعلام ليس
1) رياض المسائل ج 1 كتاب الزكاة ص 286 الطبع القديم
2) جواهر الكلام 21 : 394 الطبعة السابعة
3) نفس المصدر ص 394
4) الحدائق الناضرة 9 : 446
5) حاشية المكاسب : 154 - 158 الطبع القديم
6) مصباح الفقاهة 5 : 52
7) هداية الطالب إلى أسرار المكاسب : 228 - 232 الطبع القديم
8) منية الطالب في حاشية المكاسب 1 : 327 ، الطبع القديم ج 2
9) جواهر الكلام 21 : 394 الطبعة السابعة
بالأمر اليسير، والمسألة تحتاج إلى دقة أكثر. والله العالم.
وأما العامة فقد ادّعوا الإجماع أيضاً على ولاية الفقيه كما صرّحت به كلماتهم في مواطن مختلفة من كتبهم الفقهية، وحيث لا غرض لنا يتعلّق بتحقيق دعواهم فلا نرى حاجة للبحث حول المسألة عندهم وبيان آرائهم فيها.
والاستدلال به تارة مستقلاً وأخرى غير مستقل أما الأول فمن وجهين:
الوجه الأول: ما ذكره سيد الطائفة البروجردي (قدس سره) - وقد أشرنا إليه فيما تقدم - قال: إنّ إثبات ولاية الفقيه وبيان الضابطة الكلية لما يكون من شؤون الفقيه ومن حدود ولايته يتوقف على تقديم أمور:
الأول: إنّ في الاجتماع أموراً لا تكون من وظائف الأفراد، ولا ترتبطبهم، بل تكون من الأمور العامة الاجتماعية التي يتوقف عليها حفظ نظام الاجتماع مثل القضاء وولاية الغيّب، والقصّر، وبيان مصرف اللقطة، والمجهول المالك، وحفظ الانتظامات الداخلية، وسدّ الثغور، والأمر بالجهاد، والدفاع عند هجوم الأعداء، ونحو ذلك مما يرتبط بسياسة المدن، فليست هذه الأمور مما يتصدّاها كل أحد بل تكون من وظائف قيّم المجتمع، ومن بيده أزمّة الأمور الاجتماعية، وعليه أعباء الرياسة والخلافة.
الثاني: لا يبقى شك لمن تتبع قوانين الإسلام وضوابطه في أنه دين سياسي اجتماعي، وليست أحكامه مقصورة على العباديات المحضة المشروعة لتكميل الأفراد وتأمين سعادة الآخرة، بل يكون أكثر أحكامه مربوطة بسياسة المدن، وتنظيم الاجتماع، وتأمين سعادة هذه النشأة، أو جامعة للحسنيين، ومرتبطة بالنشأتين، وذلك كأحكام المعاملات، والسياسات، من الحدود، والقصاص
والديات والأحكام القضائية المشروعة لفصل الخصومات، والأحكام الكثيرة الواردة لتأمين الماليات التي يتوقف عليها حفظ دولة الإسلام، كالأخماس، والزكوات، ونحوها، ولأجل ذلك اتّفق الخاصة والعامة على أنه يلزم في محيط الإسلام وجود سائس وزعيم يدبر أمور المسلمين، بل هو من ضروريات الإسلام، وإن اختلفوا في شرائطه وخصوصياته، وأنّ تعيينه من قبل رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) أو بالانتخاب العمومي.
الثالث: لا يخفى أنّ سياسة المدن وتأمين الجهات الاجتماعية في دين الإسلام لم تكن منحازة عن الجهات الروحانية، والشؤون المربوطة بتبليغ الأحكام وإرشاد المسلمين، بل كانت السياسة فيه من الصدر الأول مختلطة بالديانة ومن شؤونها، فكان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) بنفسه يدبر أمور المسلمين ويسوسهم، ويرجع إليه في فصل الخصومات وينصب الحكّام للولايات، ويطلب منهم الأخماس، والزكوات، ونحوها من الماليات، وهكذا كان سيرة الخلفاء بعده ...
وكانوا في بادي الأمر يعملون بوظائف السياسة في مراكز الإرشاد والهداية كالمساجد، فكان إمام المسجد بنفسه أميراً لهم، وبعد ذلك أيضاً كانوا يبنون المسجد الجامع قرب دار الإمارة، وكان الخلفاء والأمراء بأنفسهم يقيمون الجمعات والأعياد، بل ويدبّرون أمر الحج أيضاً، حيث إنّ العبادات الثلاث مع كونها عبادات قد احتوت على فوائد سياسية لا يوجد نظيرها في غيرها كما لا يخفى على من تدبّر، وهذا النحو من الخلط بين الجهات الروحية والفوائد السياسية من خصائص الإسلاموامتيازاته ...
وحينئذ فنقول: إنّه لما كان من معتقداتنا معاشر الشيعة الإمامية أنّ خلافة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وزعامة المسلمين من حقوق الأئمة الاثني عشر عليهم صلوات الله، وأنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يهمل أمر الخلافة، بل عيّن لها من بعده علياً (علیه السلام) ثم انتقلت
منه إلى أولاده عترة رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) وكان تقمّص الباقين، وتصدّيهم لها غصباً لحقوقهم، فلا محالة كان المرجع الحق لتلك الأمور الاجتماعية التي يبتلي بها جميع المسلمين هو الأئمة الإثنا عشر (علیهم السلام)، وكانت من وظائفهم الخاصة مع القدرة عليها فهذا أمر يعتقده جميع الشيعة الإمامية، ولا محالة كان مركوزاً في أذهان أصحاب الأئمة (علیهم السلام) أيضاً، فكان أمثال زرارة، ومحمد بن مسلم، من فقهاء أصحاب الأئمة (علیهم السلام) وملازميهم لا يرون المرجع لهذه الأمور والمتصدّي لها عن حقّ إلاّ الأئمة أو من نصبوهم لها، ولذلك كانوا يراجعون إليهم في ما يتّفق لهم مهما أمكن كما يعلم ذلك بمراجعة أحوالهم.
إذا عرفت هذه المقدمات فنقول: إنه لما كان هذه الأمور والحوائج الاجتماعية مما يبتلي بها الجميع مدة عمرهم غالباً، ولم يكن الشيعة في عصر الأئمة (علیهم السلام) متمكنين من الرجوع إليهم (علیهم السلام) في جميع الحالات - كما يشهد بذلك مضافاً إلى تفرّقهم في البلدان، عدم كون الأئمة (علیهم السلام) مبسوطي اليد بحيث يرجع إليهم في كل وقت لأي حاجة اتفقت - فلا محالة يحصل لنا القطع بأنّ أمثال زرارة، ومحمد بن مسلم وغيرهما من خواصّ الأئمة (علیهم السلام) سألوهم عمّن يرجع إليه في مثل تلك الأمور إذا لم يتمكنوا منهم (علیهم السلام)، ونقطع أيضاً بأنّ الأئمة (علیهم السلام) لم يهملوا هذه الأمور العامة البلوى التي لا يرضى الشارع بإهمالها، بل نصبوا لها من يرجع إليه شيعتهم إذا لم يتمكنوا منهم، ولا سيما مع علمهم (علیهم السلام) بعدم تمكن أغلب الشيعة من الرجوع إليهم، بل عدم تمكن الجميع في عصر غيبتهم، التي كانوا يخبرون عنها غالباً ويهيّئون شيعتهم لها، وهل لأحد أن يحتمل أنهم (علیهم السلام) نهوا شيعتهم عن الرجوع إلى الطواغيت وقضاة الجور، ومع ذلك أهملوا لهم هذه الأمور ولم يعيّنوا من يرجع إليه الشيعة في فصل الخصومات والتصرّف في أموال الغيّب والقصّر، والدفاع عن حوزة الإسلام، ونحو ذلك من الأمور المهمّة التي لا يرضى الشارع
بإهمالها؟
وكيف كان فنحن نقطع بأنّ أصحاب الأئمة (علیهم السلام) سألوهم عمّن يرجع إليه الشيعة في تلك الأمور مع عدم التمكّن منهم (علیهم السلام)، وأنّ الأئمة (علیهم السلام) أيضاً أجابوهم بذلك ونصبوا للشيعة مع عدم التمكن منهم (علیهم السلام) أشخاصاً يتمكنونمنهم إذا احتاجوا، غاية الأمر سقوط تلك الأسئلة والأجوبة من الجوامع التي بأيدينا ولم يصل إلينا إلاّ ما رواه عمر بن حنظلة وأبو خديجة.
وإذا ثبت بهذا البيان النصب من قبلهم (علیهم السلام) وأنهم لم يهملوا هذه الأمور المهمة التي لا يرضى الشارع بإهمالها - ولا سيما مع إحاطتهم بحوائج شيعتهم في عصر الغيبة - فلا محالة يتعيّن الفقيه لذلك، إذ لم يقل أحد بنصب غيره، فالأمر يدور بين عدم النصب وبين نصب الفقيه العادل، وإذا ثبت بطلان الأول بما ذكرناه صار نصب الفقيه مقطوعاً به، ويصير مقبولة عمر بن حنظلة أيضاً من شواهد ذلك(1).
ونقول: إن ما ذكره ! من المقدمات الثلاث تام ومتين ولا غبار عليه، وأما ما رتّبه من النتيجة على تلك المقدمات فيمكن إرجاعه إلى أربعة أمور:
الأول: أنّ أصحاب الأئمة (علیهم السلام) سألوا عن القيّم عليهم والمدبّر لأمورهم في زمان الحضور، وقد عيّن الأئمة (علیهم السلام) لشيعتهم أشخاصاً يرجعون إليهم، وإن لم يصل ذلك إلينا.
الثاني: أنّ الأئمة (علیهم السلام) قد عيّنوا أيضاً لشيعتهم من يرعى مصالحهم ولم يهملوهم في زمان الغيبة.
الثالث: أنا نعلم قطعاً بصدور الأسئلة من أصحاب الأئمة (علیهم السلام) حول هذا الأمر، كما نعلم قطعاً بأنّ الأئمة (علیهم السلام) قد أجابوا عنها إلاّ أنّ تلك الأسئلة والأجوبة قد سقطت من المجاميع الروائية الموجودة لدينا.
1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر : 73 - 79 الطبعة الثالثة
الرابع: أنّ الأجوبة الصادرة عن الأئمة (علیهم السلام) قد تضمّنت تعيين الفقيه الجامع للشرائط ونصبه للتصدي للأمور العامة، وذلك لأنّه القدر المتيقن.
وهذه الأمور الأربعة كلها محل تأمل.
أما الأول ففيه: أنّ الأئمة (علیهم السلام) وإن كانوا قد عيّنوا لهم وكلاء في زمان حضورهم كما هو الظاهر من بعض الروايات إلاّ أنه لا ملازمة بين ذلك وبين أن تكون الوكالة على نحو مطلق بحيث يكون الوكيل عن الإمام (علیه السلام) نائباً عاماً في كل الأمور، بل لم يعلم مقدار الوكالة وسعتها فكما يحتمل أن تكون عامة كذلك يحتمل أن تكون خاصة ببعض الأمور، وأنهم (علیهم السلام) هم المرجع في كل الأمور، ويحتمل أيضاً أن عدم التعيين كان لجهة التقية والتحفظ على أنفسهم وشيعتهم عن جور الجائرين ومع هذه الاحتمالاتكيف نقطع بصدور التعيين منهم (علیهم السلام)، ووقوع السؤال والجواب حول هذا الأمر؟؟
نعم صدر عنهم (علیهم السلام) في القضاء والإفتاء وشؤونهما، الترخيص والنصب على نحو العموم، وهذا مما لا إشكال فيه كما يظهر من رواية عمر بن حنظلة وغيرها ولكنه خارج عن محل الكلام.
وأما الثاني والثالث ففيهما ما في الأول وذلك لأنّ الأمر إن كان يرجع إلى القضاء والإفتاء وما يتعلق بهما فهو مما لا إشكال فيه، إلاّ أنه خارج عن محل كلامنا كما ذكرنا، وأما إذا كان الأمر يرجع إلى غيرهما من الموارد فليس بواضح، لاحتمال أنّ الأصحاب لم يسألوا عنه لعدم الابتلاء به لوجود الإمام (علیه السلام) بينهم، ويحتمل أيضاً أنّ الأصحاب سألوا عن ذلك وأجاب الأئمة (علیهم السلام) بمثل التوقيع المتقدّم المروي عن إسحاق بن يعقوب، وعليه فالجزم بسقوط الأسئلة والأجوبة من الجوامع الحديثية التي بأيدينا هو كما ترى.
وأما الرابع فهو وإن كان تاماً حيث إنّ إهمال الأمور المهمّة التي لا يرضى
الشارع بتركها لاستلزام ذلك الإخلال بالنظام، وحدوث الهرج والمرج غير جائز، وعند دوران أمر الولاية بين الفقيه وغيره، فالفقيه الجامع للشرائط هو القدر المتيقن في القيام بذلك - وقد استظهر ! ثبوت الولاية في هذه الأمور في ذيل كلامه المتقدم مع المناقشة فيه حيث قال: وبالجملة كون الفقيه العادل منصوباً من قبل الأئمة (علیهم السلام) لمثل تلك الأمور العامة المهمة التي يبتلي بها العامة مما لا إشكال فيه إجمالاً(1)، إلاّ أنّ الأمور المختصة بالإمام (علیه السلام) أو ما يشك في اعتبار مباشرته فيها لا تثبت بهذا الوجه(2).
الوجه الثاني: ما يظهر من جماعة من المتأخرين وحاصله: أنّ الأحكام المقدسة على قسمين:
الأول: الأحكام العبادية والشخصية. الثاني: الأمور الاجتماعية.
وحيث إنّ الإسلام قد كفل جميع ما يحتاج إليه الإنسان في معاشه ومعاده من بدوّ تكوّنه إلى آخر مراحل حياته من المصالح الفردية والاجتماعية، لذلك اهتمّ بكلا الجانبين، ولا يرضى بإهمال أيّ منهما.وحيث إنّ كثيراً من الأحكام الاجتماعية قد جعل لها قيّماً منفذاً بحيث يتوقف تحقّقها على ذلك، وهو ظاهر لمن تصفّح ولاحظ الأخبار الواردة في الأحكام وتتبع فتاوى الفقهاء الواردة في الكتب الفقهية من باب الصلاة، والصوم، والزكاة، والخمس، والحجّ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتجارة، والديون، والرهن، والوكالة، والوصايا، والنكاح، واللقطة، والشهادات، والحدود، والديات، إذ يرى أنّ كثيراً من هذه الأحكام قد علّقت على الإمام (علیه السلام) أو السلطان أو الحاكم وغيرها من التعابير.
وحينئذ فلابدّ من نصب قيّم على هذه الأمور ومنحه القدرة وتمكينه من التصرف وإلاّ لزم تعطيل هذا القسم الكبير من الأحكام، ولا يختلف زمان الحضور عن زمان الغيبة، فكما كان الإمام (علیه السلام) والمنصوبون من قبله قُيّماً على هذه الأحكام، فكذلك ينبغي وجود المنصوب من قبلهم (علیهم السلام) في زمان الغيبة، وإلاّ فلا مناص عن الالتزام بتعطيل هذه الأحكام وهذا مما لا يمكن الالتزام به.
ونقول: الظاهر أنّ هذا الوجه والوجه السابق كليهما من واد واحد، ولا فرق بينهما، غير أنّه هنا عبّر عن عدم تصدّي الفقيه بلزوم التعطيل في الأحكام وعبّر عنه في الوجه السابق بلزوم اختلال النظام وحدوث الهرج والمرج.
وما ذكرناه في الوجه الأول يأتي هنا بعينه.
وأما الثاني - وهو العقل غير المستقل - فمن وجهين أيضاً:
الوجه الأول: ما يحكم به العقل بضميمة ما ورد من الروايات الدالة على أن الإمامة والولاية من أركان الدين، وأن قبول أعمال العباد مرهون بالولاية.
وقد تقدم نظيره عند البحث حول وجوب وجود الإمام (علیه السلام)، وتقدم أيضاً ما يدل على ما نحن فيه، ومن ذلك ما ورد أنّ الإسلام بني على خمس، منها الولاية وأنه لم يناد بشيء مثلما نودي بها، وأنّ الناس أخذوا بالأربع وتركوا هذه يعني الولاية.
وقد ورد التعليل في بعض الروايات لأفضلية الولاية بأنها مفتاح العبادات وأنّ الوالي هو الدليل عليهن، وورد أنّ الولاية هي الخاتمة والحافظة لجميع الفرائض والسنن وأنه رُخّص في ما عداها ولم يُرخصفيها(1).
والمستفاد من مجموع ما ورد في هذا المعنى أنّ عظمة الولاية وشموخ مقامها وأهميتها إنما هو لأنها المناط في حفظ الأحكام وصيانتها عن التغيير والتحريف
1) لاحظ وسائل الشيعة ج 1 باب 1 من أبواب مقدمة العبادات
وهي الضمان لبقائها نقيّة سليمة عن أن تنالها يد العبث والتلاعب ولولا الولاية لكانت الشريعة بتعاليمها الإلهية عرضة للتبديل والتغيير ونتيجة ذلك الاضمحلال والزوال.
والشاهد على ذلك أمور:
الأول: ما نراه بالوجدان، ويشهد به التاريخ من أنّ كل دين أو قانون سماوياً كان أو أرضياً إذا أسّس ولم يجعل له قيّماً خبيراً، وراعياً يحفظه ويحوطه بعنايته، ويقوم بدور البيان والتفسير ويحلّ غوامضه للعاملين والمعتقدين به ويردّ شبه المناوئين والخصوم عنه لما بقي هذا الدين أو القانون سليماً عن التغير والتبدل، إذ لا تمضي فترة قليلة إلاّ وقد تسرّب إليه الخلل وبالتالي اضمحلاله وزواله.
وحيث إنّ دين الإسلام نظام إلهي أريد له الخلود والبقاء لتأمين سعادة البشر ولكي يبقى مصوناً عن كل خطر فلابدّ من وجود القيّم والدليل عليه والحافظ له ولتعاليمه وأحكامه.
الثاني: ما ورد في بعض الروايات - وقد تقدمت - من أنه لو أنّ رجلاً قام ليله، وصام نهاره، وتصدّق بجميع ماله، وحجّ دهره، ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه، وتكون جميع أعماله بدلالته، ما كان له على الله حقّ في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان في شيء، فإذا نظرنا في مثل هذه الروايات نظر متأمّل وجدنا أن المسألة ليست مجرّد تعبّد بل هو أمر واقعي، وذلك لأنّ من لم يعتقد بهذا الأمر - أي الولاية - ولم يهتد بنورها فهو ضال في أفعاله وأعماله ومعتقداته إذ أنّ ما يأتي به من عمل عبادي أي كان كطهارة أو صوم أو زكاة أو حج، وغيرها من أعماله العبادية لا يخلو عن تغيير، أو تبديل، أو زيادة، أو نقيصه، وما ذلك إلاّ لأنه ضلّ الطريق إليها، ولم يدخل من الباب الذي أمر بالدخول منه، وهكذا الحال بالنسبة إلى معاملاته وشؤونه الأخرى، فكيف يكون عمله - والحال هذه - صحيحاً أو
مورداً للقبول أو مستحقاً للثواب.
وقس على هذا الأمر معتقداته فإنه حيث ضلّ الطريق وصار تائهاً لا يهتدي بدليل يرشده إلى الحق، أصبح يعتقد بالباطل ظنّاً منه أنه الحقكالاعتقاد بالتجسيم أو بالجبر أو بالتفويض، وينسب للباري تعالى ما لا يليق بساحة قدسه وجلاله من الظلم، والعجز، والعبث، وغيرها من العقائد الباطلة، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
الثالث: ما ورد عن الإمام الرضا (علیه السلام) - وقد تقدم - في بيان لزوم نصب الإمام(علیه السلام) حيث قال: ... إنه لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة وذهب الدين، وغيّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبّهوا ذلك على المسلمين، لأنا وجدنا الخلق منقوصين محتاجين، غير كاملين، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتّت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم قيّماً حافظاً لما جاء به الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لفسدوا على نحو ما بيّنا وغيّرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين ...(1).
وبعد هذا كلّه يقال: إنّ زمان الغيبة لا يختلف عن زمان الحضور، فإنّ المناط في الحاجة إلى الولي والدليل متحقق في كلا الزمانين، بل قد تكون الحاجة في زمان الغيبة أشدّ، وذلك لاستتار الإمام (علیه السلام) عن الناس وحرمانهم من بركاته مباشرة، وعدم تمكّنهم من الوصول إليه، وعليه فلابدّ من وجود القيّم المنصوب من قبله(علیه السلام) لحفظ الدين وصيانته والدلالة عليه والتصدّي للأمور وإلاّ لزم التعطيل أو الاخلال وفساد الدين وضياع الأحكام، وفي ذلك فساد الخلق أجمعين.
1) عيون أخبار الرضا ج 1 باب 34 الحديث 1 ، ص 108 ، وعلل الشرائع ج 1 باب علل الشرائع وأصول الإسلام، الحديث 9 ، ص 296 الطبعة الأولى
وإذا كان ثمّة من يصلح لهذا الأمر فهو العالم الفقيه الخبير المتورّع البصير الجامع للشرائط فإنّه المقدّم على غيره.
ونقول: إنّ هذا الوجه في غاية المتانة والإحكام، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ وجود الإمام (علیه السلام) وإن كان مستتراً عن الأنظار غائباً عن الناس إلاّ أنه حافظ للدين بوجوده وراع للأحكام يصون الشريعة بنفسه وإن كان عن طريق غير عادي فإنّ أزمّة الأمور بيده (علیه السلام) .
أو يقال: إنّ غاية ما يثبته هذا الوجه هو لزوم النصب لحفظ الدين وأحكامه فحسب، وأما بالنسبة لجميع الأمور فلا، والمفروض أنّ نصب الفقيه لبيان الأحكام مما لا إشكال فيه فهو خارج عن محل الكلام.
وكلا القولين كما ترى.الوجه الثاني: ما ذكره السيّد الأستاذ ! عن بعض المعاصرين وهو أن يقال: إنّ ما هو مسلّم عند العامة من القول بالولاية العامة مذكور بحسب الكبرى في التوقيع الشريف(1)فإنّ المذكور فيه أنهما تحاكما إلى السلطان أو القاضي فهو بصراحته يدل على ذلك، فنحكم بثبوت تلك الكبرى للفقيه الجامع للشرائط في زمان الغيبة، إذ لا نحتمل أن يكون غيره وليّاً في عرضه، بل لو كان فهو وليّ لذلك(2).
وأشكل عليه ! بأنه لا يمكن المساعدة عليه، فإنه وإن ذكر السلطان والقاضي في الرواية، وذكر الإمام (علیه السلام) بأن من عرف حلالنا وحرامنا أني جعلته قاضياً في رواية أبي خديجة، وجعلته حاكماً في المقبولة، ولكن الذي أرجع الإمام إليه ليس إلاّ في المرافعة والمنازعة، كما قال في الصدر تنازعا في دين أو ميراث إلى السلطان أو القاضي، وأما أزيد من ذلك فلا، إذن: فالمسلم من الرواية هو ثبوت الولاية له في المنازعات والمرافعات ومنصب القضاوة، وثبت له منصب التقليد
وكونه مرجعاً في الأحكام بالأدلة الخارجية، وأما في غير هذين الموردين فلا(1).
أقول: هذا الإشكال منه ! إنما يرد على هذا الوجه لو كان القائل به في مقام الاستدلال بالرواية على المدّعى والاكتفاء بذلك، وأما إذا كان مراده أنّ الرواية تتكفل ببيان الكبرى فقط، وأما الصغرى فتستفاد من دليل آخر كما لعله ظاهر كلامه، وبعبارة أخرى: أنّ المذكور في الرواية هو عدم جواز الرجوع إلى السلطان والقاضي الجائرين كما هو المفروض في الرواية، والإمام (علیه السلام) بعد أن منع عن الرجوع إليهما لم يبيّن من هو المرجع في الأمور فالقدر المتيقّن في ذلك هو الفقيه وهذا لا يندفع بما ذكره ! .
هذا تمام الكلام في أدلة المثبتين.
وأما النافون فقد استدلوا بأمور:
الأول: بمقتضى الأصل. فإنّ مقتضى الأصل هو عدم سلطنة أحد علىأحد وحكومته عليه إلاّ من استثني وهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة المعصومون (علیهم السلام)، فكما أن الدليل يقتضي لزوم متابعة الأئمة (علیهم السلام) بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والاعتقاد بإمامتهم وولايتهم (علیهم السلام) كذلك يقتضي المنع عن هذا الاعتقاد بالنسبة إلى غيرهم إلاّ ما قام الدليل القطعي عليه.
ويشهد على ذلك العقل والنقل.
أما شهادة العقل فلوضوح قبح الاعتقاد بأمر باطل لا حقيقة له وإسناده إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه يدخل في الافتراء والبهتان على الله تعالى، والقول بغير العلم وفساد ذلك واضح.
وأما شهادة النقل فبعدة من الآيات والروايات.
1) مصباح الفقاهة 5 : 50
أما الآيات فمنها قوله تعالى: «إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ »(1).
ومنها: قوله تعالى: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ ...» (2).
وقد ورد في معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله؟ قال: أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم ما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراماً، وحرّموا عليهم حلالاً فعبدوهم من حيث لا يشعرون(3).
وورد هذا المضمون في عدة روايات نقلها صاحب البرهان عند تفسيره للآية(4).
ومنها: قوله تعالى: «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ» (5).
روى الكليني بسنده عن سورة بن كليب عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت: قول الله عزوجل: «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ» قال: من قال: إني إمام وليس بإمام، قال: قلت: وإن كان علوياً؟ قال: وإن كان علوياً، قلت: وإن كان من ولد علي بن أبي طالب(علیه السلام)؟ قال:وإن كان(6).
وفي سند الرواية أبو سلام ولم يرد فيه توثيق، ورواها(7)الكليني أيضاً بطريق آخر ينتهي إلى الحسين بن المختار كما رواها النعماني في الغيبة(8)، وفيها:
«... قلت: وإن كان فاطمياً علوياً؟ قال: وإن كان فاطمياً علوياً» .
وأما الروايات فهي كثيرة ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: من ادعى الإمامة وليس بإمام فقد افترى على الله وعلى رسوله وعلينا(1).
ومنها: ما رواه الكليني بطريقين عن ابن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله(علیه السلام) يقول: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم، من ادّعى امامة من الله ليست له، ومن جحد إماماً من الله، ومن زعم أنّ لهما في الإسلام نصيباً(2).
ورواها الصدوق في الخصال(3)بسند معتبر عن أبي مالك الجهني عن أبي عبد الله (علیه السلام) .
ومنها: ما رواه الصدوق أيضاً بسند معتبر عن الفضيل عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر(4).
ومنها: ما رواه أيضاً بسنده عن الوليد بن صبيح قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ هذا الأمر لا يدّعيه غير صاحبه إلاّ بتر الله عمره(5).
ومنها: ما رواه الكليني بسنده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من أشرك مع إمام - إمامته من عند الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من ليس إمامته من الله، كان مشركاً بالله(6). وغيرها من الروايات.
1) ثواب الأعمال، باب عقاب من ادعى الإمامةوليس بإمام، الحديث 3 ، ص 255
2) أصول الكافي ج 1 باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل ... الحديثان 4 و 12 ص 372 - 374
3) الخصال باب الثلاثة، الحديث 69 ، ص 106
4) ثواب الأعمال - باب عقاب من ادعى الإمامة وليس بإمام - الحديث 2 ، ص 254
5) نفس المصدر الحديث 4 ص 255
6) أصول الكافي ج 1 باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل ... الحديث 6 ، ص 373
وفيه أنّ هذا الوجه غير تام وذلك لأنّ القائلين بالولاية يتمسّكون في إثباتها بالأدلة الأربعة - كما تقدم - فليس القول بها قولاً بلا دليل، وعليه فلا يبقى مجال للتمسك بالأصل، مضافاً إلى أنّ المنصرف من لفظ الإمام في هذه الروايات هو إمام الأصل كما هو واضح ولا يشمل المنصوب من قبلهم (علیهم السلام) الذي هو محل الدعوى فهي أجنبية عن المقام.
هذا، ولعلّ مراد المستدلّ بالأصل بقوله: «إلاّ ما قام الدليل القطعي عليه» هو المعنى المقابل للدليل الظاهري، لعدم كفاية غير القطع في المقام وأنه لابد في ثبوت هذا الأمر من الدليل القاطع، وذلك:
أولاً: إنّ الولاية ذات مقام شامخ وليست من الأمور العادية، بل هي أهم الأمور لأنها مفتاح العبادات والوالي هو الدليل عليهن كما تقدم.
وثانياً: كونها مورداً للابتلاء العام وتتوقف شؤون الناس عليها.
وثالثاً: علم الأئمة (علیهم السلام) بوقوع الغيبة وانقطاع الصلة الظاهرية بينهم وبين شيعتهم، بحيث لا يتمكنون من الوصول إلى المعصوم (علیه السلام) .
فهذه الأمور تقتضي الإفصاح بأمر الولاية والتصريح بها ويكون الحكم بها نصاً صريحاً في غاية الوضوح، والحال أنّ الأمر ليس كذلك ولو كان لظهر وبان، وأما الاعتماد في إثبات هذا الحكم الخطير على الإشارات والاستظهارات المعارضة بمثلها أو ضدّها فلا يمكن المصير إليه.
وهذا الوجه - في بادي النظر - وإن كان وجيهاً إلاّ أن التأمل التام والإمعان الدقيق في خصوص المقام يقضي بغير ذلك، فإننا لا ننازع في أهمية الولاية وشموخ مقامها، وأنّ عليها مدار أحكام الشريعة، ولكن الدواعي في اتخاذ هذا النحو من البيان في خصوص هذا المورد متوفرة وملحّة نظراً إلى أنّ هذا الحكم يأتي في مواجهة سلطة الجور القائمة آنذاك والتي جرّدت سيوفها وفتحت أعينها،
وكانت في غاية اليقظة والحذر من أي تصرّف معاكس تراه خطراً يهدد سياستها، ولاشكّ في أنّ الحكم بالولاية يتضمّن الحكم ببطلان دعاوى الجائرين وأنهم ليس لهم من الأمر شيء، وإذا كان الأمر كذلك من الشدة والبلاء فكيف يتمكن الأئمة (علیهم السلام) من التصريح بالولاية ومن نصب القيّم، والمرجع في الأمور العامة بصورة واضحة تكون نصّاً صريحاً في المراد بحيث لا يترتب عليه أيّ خطر على الأئمة (علیهم السلام) أو شيعتهم.
لا يقال: إنّ منصبي القضاء والإفتاء من هذا القبيل، فكيف صُرّح بالنصب فيهما دون الولاية؟
لأنّا نقول: إنّ هذين المنصبين يختلفان عن منصب الولاية إذ لا يعدّانفي مقابل السلطة الجائرة بحيث يشكّلان خطراً عليها، وهما وإن كانا من فروع الزعامة إلاّ أنهما منحازان ومستقلاّن عن الولاية والوالي، ولذا كان الحكم فيهما واضحاً، بل يمكن القول إنّ الإمام (علیه السلام) لم يصرّح بالنصب حتى في هذين المنصبين، بل كان منه الإمضاء والتقرير وذلك لأنه (علیه السلام) أمضى في المقبولة وغيرها النصب وأقرّه، ولم يكن ابتداء منه (علیه السلام) حيث قال: «ينظران إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، وليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً» .
ولعلّ النكتة في عدم الجعل والنصب ابتداء منه (علیه السلام) هو ما ذكرناه من خطورة المسألة وتوفر دواعي الإخفاء لاتخاذ هذا النحو من البيان.
مضافاً إلى أنه (علیه السلام) لما حظر عن الرجوع إلى السلطان الجائر لم يصرّح بذكر البديل والمرجع في الأمور العامة.
ولعلّ الوجه في ذلك هو عدم الحاجة إلى النصب لكون الإمام موجوداً آنذاك، وكان الشيعة يتمكنون من الوصول إليه.
أو يقال: إنّ الأئمة (علیهم السلام) صرّحوا بالنصب وسمع الأصحاب بذلك عندهم (علیهم السلام) إلاّ أنه أسقط وأخفي لعدم جرأة الرواة على الإظهار.
والحاصل: أنّ الحكم في هذه المسألة ليس من قبيل الحكم في مسائل الطهارة، والصلاة، والصوم، ونحوها فالمطالبة بالدليل القطعي في غير محلّها.
الثاني: بمقتضى الدليل. وهو من الكتاب والسنة.
أما من الكتاب فبقوله تعالى: «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ»(1).
وتقريب الاستدلال بالآية هو: أنّ الظاهر - كما تقدم - من اقتران إطاعة أولي الأمر بإطاعة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) اعتبار العصمة فيهم كما هي معتبرة في الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) مضافاً إلى قيام إجماع الطائفة المحقة على اعتبارها، وبناء على هذا فالقول بثبوت الولاية للفقيه يوجب إما إلغاء هذا الشرط، وإما عدم تحقّق صغرى لذلك، لعدم وجود الفقيه المعصوم.
وفيه: أنّ أغلب القائلين بالولاية لا يقولون بثبوتها للفقيه على نحو ثبوتها للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأولي الأمر (علیه السلام)، بمعنى كونه أولى بالناس من أنفسهم،التي هي المرتبة الأولى كما تقدمت الإشارة إليها، بل يقولون بثبوتها إما على نحو المرتبة الثانية، وإما على نحو المرتبة الثالثة، ومن المعلوم عدم اشتراط العصمة في أي من هاتين المرتبتين، وإنما المعتبر هو أن يكون الفقيه جامعاً للشرائط فحسب.
وبعبارة أخرى: إذا كان المنصوب من قبل أولي الأمر وهم الأئمة (علیهم السلام) فلا يشترط فيه العصمة في زمان حضورهم (علیهم السلام)، وهكذا إذا كان جامعاً للشرائط فهو منصوب من قبلهم (علیهم السلام) فلا يشترط فيه العصمة في زمان غيبتهم أيضاً، بل يمكن جعل الآية دليلاً على الثبوت كما تقدم.
1) سورة النساء، الآية: 59 .
وأمّا من السنة فقد استدل بعدة طوائف من الروايات:
الطائفة الأولى: ما دلّ على الأمر بالسكوت وعدم الحركة إلى زمان قيام الحجّة(علیه السلام) .
وهي عدة روايات:
منها: موثقة سدير قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): يا سدير الزم بيتك، وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أنّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك(1).
وهذه الرواية واضحة الدلالة كما أنّها معتبرة السند، فإنّ سديراً وإن كان في وثاقته بحث إلاّ أنه يكفي في اعتبار وثاقته وقوعه في أسناد تفسير علي بن إبراهيم القمي(2)، مضافاً إلى أنّ ابن شهرآشوب قد عدّه في المناقب(3)من خواصّ أصحاب الصادق (علیه السلام) .
ومنها: معتبرة عمر بن حنظلة قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: خمس قبل قيام القائم: الصيحة، والسفياني، والخسف، وقتل النفس الزكية، واليماني، فقلت: جعلت فداك إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه؟ قال: لا . الحديث(4).
وهذه الرواية واضحة الدلالة كما أنّها معتبرة السند أيضاً، فإنّ عمر بن حنظلة وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه لا إشكال في الاعتماد على روايتهبناء على ما حققناه في محلّه(5).
ومنها: ما رواه الشيخ بسنده عن جابر عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: الزم الأرض ولا تحرّك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات أذكرها لك، وما أراك تدركها، اختلاف بني فلان، ومنادٍ ينادي من السماء، ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق. الحديث(1).
وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها غير تامة من حيث السند لضعف الطريق إليها فإنّ الشيخ يرويها عن الفضل بن شاذان وله إلى رواياته وكتبه طريقان(2)، وفي الأول علي بن محمد بن قتيبة، وهو لم يوثق، وفي الثاني أبو نصر قنبر بن علي بن شاذان عن أبيه ولم يرد فيهما توثيق، وعليه فالرواية مؤيّدة لما تقدم.
ومنها: مرفوعة ربعي عن علي بن الحسين (علیه السلام) قال: والله لا يخرج أحد منّا قبل خروج القائم إلاّ كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به(3).
وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنّ الإشكال في سندها.
وغيرها من الروايات الواردة بهذا المضمون.
ويمكن الجواب عن هذه الطائفة بأمور:
الأول: إنّ المنساق من هذه الروايات عدم جواز الانضواء تحت لواء من يدعو إلى جهاد الكفّار أو من يدعو إلى جهاد حكّام الجور ويتخذ ذلك ذريعة باسم الدين والإيمان إلى الوصول إلى حطام الدنيا من الرئاسة والغلبة.
وكذا الذين يدعون إلى الجهاد مع سلامة نيّتهم وحسن قصدهم إلاّ أنهم لا يتمكنون من ذلك لقلّة الأنصار مثلاً فيهلكون أنفسهم ومن معهم ويكونون بذلك
سبباً في تعريض من ينتسب إليهم من أهل نحلتهم إلى المحنة والبلاء والشدة، وأما غير هؤلاء من الذين اجتمعت فيهم الشرائط من القدرة وصلاح النية وحسن القصد فغير مقصودين ولا يشملهم النهي. وبعبارة أخرى: إنّ النهي الوارد إنما هو لعدم الوصول إلى النتيجة لا عن أصل الفعل، بل يمكن أن يجعل التعليل بعدم الوصول دليلاً علىمشروعية أصل القيام، وإلاّ فالأولى بل المتعيّن تعليل النهي به لا بما يترتب عليه، كما هو ظاهر الرواية الأخيرة فتدبّر.
والشاهد على ذلك عدة روايات أخرى.
منها: صحيحة عيص بن القاسم، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وانظروا لأنفسكم، فوالله إنّ الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها، والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرّب بها ثم كانت الأخرى باقية يعمل على ما قد استبان لها، ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة، فأنتم أحقّ أن تختاروا لأنفسكم إن أتاكم آت منّا فانظروا على أي شيء تخرجون، ولا تقولوا خرج زيد، فإنّ زيداً كان عالماً، وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه، وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه، فالخارج منا اليوم إلى أي شيء يدعوكم إلى الرضا من آل محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)؟ فنحن نشهدكم أنا لسنا نرضى به، وهو يعصينا اليوم، وليس معه أحد وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منّا إلاّ من اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله ما صاحبكم إلاّ من اجتمعوا عليه، إذا كان رجب فأقبلوا على اسم الله، وإن أحببتم أن تتأخروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في
أهاليكم فلعلّ ذلك يكون أقوى لكم، وكفاكم بالسفياني علامة(1).
وهذه الصحيحة واضحة الدلالة على ما ذكرنا من أنّ النهي خاص بظروف معيّنة لا مطلقاً.
ومنها: ما رواه سدير الصيرفي نفسه قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فقلت له: والله ما يسعك القعود، فقال: ولم يا سدير؟ قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك، والله لو كان لأمير المؤمنين (علیه السلام) مالك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيم ولا عدي، فقال: يا سدير، وكم عسى أن تكونوا؟ قلت: مائة ألف، قال: مائة ألف؟! قلت: نعم، ومائتي ألف، قال: مائتي ألف؟! قلت: نعم، ونصف الدنيا، قال: فسكت عنّي، ثم قال: يخفّ عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع، قلت: نعم فأمر بحمار وبغل أن يسرجا، فبادرت فركبت الحمار، فقال: يا سدير ترى أن تؤثرني بالحمار؟ قلت:البغل أزين وأنبل، قال: الحمار أرفق بي، فنزلت فركب الحمار وركبت البغل، فمضينا فحانت الصلاة، فقال: يا سدير انزل بنا نصلّي، ثم قال: هذه أرض سبخة لا يجوز الصلاة فيها، فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء ونظر إلى غلام يرعى جداءاً، فقال: والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود، ونزلنا وصلّينا فلمّا فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء فعددتها فإذا سبعة عشر(2).
والمستفاد من هذه الرواية أنّ المانع هو عدم القدرة لقلّة الأنصار.
ومنها: ما رواه النعماني بسنده عن أبي بصير - في حديث طويل - عن أبي جعفر محمد بن علي (علیه السلام) وقد جاء فيه: «... ثم قال (علیه السلام): خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز،
يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كلّ وجه، ويل لمن ناواهم، وليس في الرايات أهدى من راية اليماني، هي راية هدى لأنّه يدعو إلى صاحبكم، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس، وكل مسلم، وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإنّ رايته راية هدى، ولا يحلّ لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنّه يدعو إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم ...» (1).
والمستفاد من هذه الرواية أنّ الخروج واجب عند اجتماع الشرائط وتهيّىء الأسباب.
والحاصل: أنّ التشدّد في النهي عن الخروج والأمر بملازمة البيوت وعدم الحركة إنما هو لما ذكرنا من عدم سلامة النيّة وصدقها، أو عدم القدرة على النهوض، وليس النهي مطلقاً حتى عند توفر الأسباب والشرائط.
الثاني: أنّ محلّ الكلام هو أصل ثبوت الولاية للفقيه وعدمه، لا في جواز القيام وعدمه، بل إنّ القيام أو عدمه مما يتفرّع على ثبوت الولاية بحيث إنه لو ثنيت الوسادة للفقيه وأخذ بزمام الأمور سواء كانت بتخلّي السلطان عن سلطانه له، أو بتمكينه من تولّي الأمور قهراً على السلطان، فهل يجب عليه - الفقيه - حينئذ التحفّظ على ذلك والعمل على ما تقتضيه الولاية، أو لابدّ من رفع اليد والتخلّي عنها؟ وليس الكلام في جواز القياموعدمه.
الثالث: إنّ هذه الروايات لا تعارض ما نحن في مقام إثباته ولا تنافي بينهما، فإنّنا في مقام إثبات ولاية الفقيه بالمرتبة الثالثة وهي التصدي للأمور العامة المهمة التي لا يرضى الشارع بتركها، ويترتب على إهمالها الإخلال بالنظام وحدوث الهرج والمرج.
1) الغيبة الباب الرابع عشر ما جاء في العلامات التي تكون قبل قيام القائم (علیه السلام) ، الحديث 13 ، ص 255 - 256
الثانية: ما دلّ على النهي عن الدخول تحت كلّ راية ترفع قبل قيام الحجة (علیه السلام) وهي عدة روايات:
منها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كلّ راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عزوجل(1).
ومنها: ما رواه النعماني في كتاب الغيبة بسنده عن مالك بن أعين الجهني، قال: سمعت أبا جعفر الباقر (علیه السلام) يقول: كلّ راية ترفع قبل راية القائم(علیه السلام) صاحبها طاغوت(2).
وهذه الرواية وردت بعدة طرق كلّها ضعيفة، فإنّها تنتهي إلى مالك بن أعين الجهني، ولم يرد فيه توثيق، وما ورد في حقّه من الروايات المادحة لا يمكن الاعتماد عليها في الحكم بوثاقته، لأنّه هو الراوي لها، نعم قد يستفاد منها أنه شيعي إمامي حسن العقيدة أما أنه ثقة فلا(3).
ومنها: ما رواه الكليني في الروضة بسنده عن زكريا النقّاض، عن أبي جعفر(علیه السلام)، قال: سمعته يقول: الناس صاروا بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بمنزلة من اتّبع هارون (علیه السلام) ومن اتبع العجل، وإنّ أبا بكر دعا فأبى علي (علیه السلام) إلاّ القرآن، وإنّ عمر دعا فأبى علي (علیه السلام) إلاّ القرآن، وإنّ عثمان دعا فأبى علي (علیه السلام) إلاّ القرآن، وإنه ليس من أحد يدعو إلى أن يخرج الدجّال إلاّ سيجد من يبايعه ومن رفع راية ضلال (له) فصاحبها طاغوت(4).
وهذه الروايات واضحة الدلالة في عدم جواز الدخول تحت كلّ راية قبل راية القائم من آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) .
ولكن يمكن الجواب عنها بأمور:
أولاً: إنّ الظاهر من هذه الروايات هو الإخبار بأنّ الرايات التي ترفع قبل قيام الحجة (علیه السلام) كلها على غير هدى، ولا يستفاد منها النهي عن القيام إذا كانت الراية المرفوعة راية حق وهدى، بمعنى أن الإشكال في نفس القائم لا في القيام، وهذا نظير ما ورد عن أمير المؤمنين(علیه السلام) من قوله: «بشّر قاتل ابن صفية بالنار» (1)وابن صفية هو الزبير بن العوام وقاتله ابن جرموز(2). وليس في قوله (علیه السلام) ذلك دلالة على أنّ الزبير على الحق بل يدل على ضلال القاتل، وأنه من أهل النار ولذا قيل إنّ ابن جرموز قتل نفسه(3)، وقيل إنه خرج على أمير المؤمنين(علیه السلام) فقتل في معركة النهروان(4). وما نحن فيه من هذا القبيل.
وثانياً: إنّ المنساق والمنصرف من هذه الروايات أنّ من يرفع الراية بعنوان كونه إماماً ويدعو إلى نفسه سواء كان من حكّام الجور أو غيرهم فهو على ضلالة ولعلّ كلمة «فصاحبها» تشعر بذلك، وأما إذا كان رفع الراية بغير هذا العنوان فلا تدلّ على أنّ صاحبها طاغوت، ويشهد على ذلك أنّ بعض الرايات قد ترفع للدفاع أو للصلح أو غيرهما وصاحبها ليس بطاغوت قطعاً.
ويؤيّد هذا المعنى ما ورد في الرواية الثالثة من التقييد بأنّ الراية المرفوعة راية ضلالة لا كلّ راية.
وثالثاً: لو سلّمنا ببقاء الروايات على إطلاقها وعمومها، وقلنا بدلالتها على النهي عن رفع كلّ راية فلازم ذلك عدم جواز القيام بمصالح المؤمنين، ولم يكن القيام بذلك واجباً كفائياً حتى لغير الفقيه مع التمكّن، بل يجب تسليم الأمور
بيد الكفّار أو المخالفين وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به.
ورابعاً: إنّ محلّ الكلام - كما تقدّم - هو التصدّي للأمور العامة المهمّة بحسب وظائف المرتبة الثالثة، لا المرتبة الأولى أو الثانية.
والحاصل: أنّ هذه الطائفة من الروايات أجنبية عمّا نحن بصدده.
الثالثة: ما دلّ على أنّ وظيفة المؤمن انتظار الفرج وهي روايات كثيرة جدّاً:
منها: ما رواه الكليني في الكافي بسنده عن عمّار الساباطي عن أبيعبد الله (علیه السلام) - في حديث طويل - جاء فيه: ... أما والله يا عمار لا يموت منكم ميّت على الحال التي أنتم عليها إلاّ كان أفضل عند الله من كثير من شهداء بدر وأحد فابشروا(1).
والمراد من الحال التي هم عليها هو انتظار الفرج ودولة الحق كما صرّح به في موضع آخر من نفس الرواية.
ومنها: ما رواه في الكافي أيضاً عن أبي جعفر (علیه السلام) - في حديث جاء فيه: واعلموا أنّ المنتظر لهذا الأمر له مثل أجر الصائم القائم، ومن أدرك قائمنا فخرج معه فقتل عدوّنا كان له مثل أجر عشرين شهيداً، ومن قتل مع قائمنا كان له مثل أجر خمسة وعشرين شهيداً(2).
ومنها: ما رواه الصدوق ! بسنده عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على سيّدي علي بن الحسين زين العابدين (علیه السلام) فقلت له: يابن رسول الله أخبرني بالذين فرض الله عزوجل طاعتهم ومودتهم، وأوجب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ؟ فقال: يا كنكر إنّ أولي الأمر الذين جعلهم الله عزوجل أئمّة
للناس وأوجب عليهم طاعتهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) ثم الحسن، ثم الحسين ابنا علي بن أبي طالب، ثم انتهى الأمر إلينا ثم سكت ... - ثم ذكر (علیه السلام) الأئمّة واحداً واحداً وأخبر (علیه السلام) ببعض ما سيقع - إلى أن قال أبو خالد: يابن رسول الله ثمّ يكون ماذا؟ قال: ثم تمتدّ الغيبة بولي الله عزوجل الثاني عشر من أوصياء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة بعده، يا أبا خالد إنّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان، لأنّ الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بالسيف أولئك المخلصون حقاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله سراً وجهراً، وقال علي بن الحسين (علیه السلام): انتظار الفرج من أعظم الفرج(1).
وغيرها من الروايات.
ويمكن أن يجاب عن هذه الطائفة أيضاً بأنّ التصدّي للأمور العامة المهمّة إذا كان منافياً لظهور الحجّة(علیه السلام) أو انتظاره أو كان موجباً للاستغناء عن ظهوره(علیه السلام) فللاستدلال بها وجه.وأما مع القطع بعدم شيء من ذلك بل مع إلحاح الحاجة إلى ظهوره (علیه السلام) لكثرة الأعداء، وتبدّل الأحكام، وخفاء كثير منها، وانتشار الفساد في البر والبحر، ولما يترتّب على خروجه وقيامه من الخيرات والبركات، وتحقيق العدالة الإلهية في الأرض، فلا تنقطع الوظيفة بالانتظار والتهيء والدعاء لتعجيل فرجه الشريف (علیه السلام) .
هذا مضافاً إلى ما تقدم من أنّ محلّ الكلام - وهو ثبوت الولاية بالمرتبة الثالثة - لا ينافي هذه الروايات أصلاً.
1) كمال الدين وتمام النعمة ج 1 ، باب 31 ، الحديث 2 ، ص 319 - 320
ثمّ إنّ بعض النافين قد تمسّكوا بأدلة أخرى غير ما ذكرنا، وحيث إنّها غير ناهضة أعرضنا عن ذكرها.
هذا تمام الكلام في المقام الثاني، والحمد لله ربّ العالمين.
والمشهور بين الأصحاب أنها تسعة وهي: البلوغ، وكمال العقل، والذكورة، والإيمان، والعدالة، والفقاهة، وطهارة المولد، والقدرة وحسن التدبير، وأن لا يكون مقبلاً على الدنيا ولا من أهل البخل والحرص والطمع.
أما الأول والثاني فقد تسالم الفقهاء عليهما، بل لم يذكر فيهما خلاف، فلا ولاية لغير البالغ وإن كان مجتهداً جامعاً لبقية الشرائط، وكذلك المراهق، والمجنون وإن كان إدوارياً في حال جنونه.
ويستدلّ على ذلك بأمور:
الأول: الإجماع بقسميه معلوماً ومنقولاً كما في المفتاح(1)وفي الجواهر: بلا خلاف أجده(2)، وفي المسالك: هذه الشروط عندنا موضع وفاق(3)، وفي مجمع الفائدة والبرهان: دليلهما الإجماع(4)، وادّعاه في الرياض ونسبه إلى الغنية ونهج الحق وغيرهما(5).
الثاني: العقل وسيرة العقلاء الممضاة شرعاً.
وذلك لأنّ الشارع حيث رفع القلم عنهما وأنّهما لا ولاية لهما على أنفسهما،
وكونهما مسلوبي الأقوال والأفعال، مولّى عليهما، فكيف يمكن الاعتماد عليهما وتكون لهما الولاية على غيرهما؟
مضافاً إلى أنّ العقلاء لا يفوّضون الأمور المتعارفة العادية إلى صبي أو مجنون ولا يسندون إليهما شيئاً من ذلك فكيف بأمر الولاية؟
الثالث: النقل .
وهو تارة من الآيات وأخرى من الروايات.
أما من الآيات فبقوله تعالى: «وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ...» (1).
وقوله تعالى: «وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً...» (2).
ودلالة هاتين الآيتين واضحة.
وأما الروايات فهي كثيرة.
منها: معتبرة أبي خديجة عن أبي عبد الله (علیه السلام) - وقد جاء فيها: ... فانظروا إلى رجل منكم ...» (3).
وورد في روايته الأخرى عنه (علیه السلام): «...اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا...»(4).
والرجل ينصرف إلى البالغ العاقل دون الصبي أو المجنون.
والروايتان وإن كانتا واردتين في القضاء إلاّ أنّه بناء على أنّ القضاء من فروع الولاية وشؤونها وأنّ ما يعتبر فيه معتبر فيها فيصح الاستدلال بهما على ما نحن فيه.
ويؤيّد ذلك: ما ورد في نهج البلاغة حيث قال (علیه السلام): يأتي على الناس زمان لا يُقرب فيه إلاّ الماحل، ولا يُظرّف فيه إلاّ الفاجر، ولا يضعّف فيه إلاّ المنصف، يعدّون الصدقة فيه غرماً، وصلة الرحم منّاً، والعبادة استطالة على الناس، فعند ذلك يكون السلطان بمشورة النساء، وإمارةالصبيان، وتدبير الخصيان(1).
ومنها: معتبرة زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام): يقول: إنّ الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً، وإنّ الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه خليلاً، وإنّ الله اتخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلمّا جمع له الأشياء قال: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» قال: فمن عظمها في عين إبراهيم قال: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » قال: لا يكون السفيه إمام التقي(2).
وهذه الرواية وإن كان في صدر سندها إرسال إلاّ أنه بناء على ما حققناه في مباحثنا الرجالية(3)يمكن اعتبار سندها.
والشاهد هو الجملة الأخيرة وهي واضحة الدلالة.
وأما الشرط الثالث وهو الذكورة فهو أيضاً مما تسالم الفقهاء عليه بل ادّعي عليه الإجماع كما في المسالك(4)، والرياض(5)، وغيرها(6)وخالف في ذلك المقدّس الأردبيلي، حيث قال: وأما اشتراط الذكورة فذلك ظاهر فيما لم يجز للمرأة فيه أمر، وأما في غير ذلك فلا نعلم له دليلاً واضحاً، نعم ذلك هو المشهور، فلو كان إجماعاً فلا بحث، وإلاّ فالمنع بالكلّية محلّ بحث إذ لا محذور في حكمها بشهادة
النساء مع سماع شهادتهن بين المرأتين مثلاً بشيء مع اتصافها بشرائط
الحكم(1).
وذهب - من العامة - أبو حنيفة إلى جواز أن تكون قاضية فيما يجوز أن تكون شاهدة فيه وهو جميع الأحكام إلاّ الحدود والقصاص(2).
وقال ابن جرير - وهو من العامة أيضاً - يجوز أن تكون قاضية في كل ما يجوز أن يكون الرجل قاضياً فيه لأنّها تعدّ من أهل الاجتهاد(3).
ويستدلّ على اشتراط الذكورة بأمور:
الأول: بالإجماع المدّعى في المقام.الثاني: بالسيرة القطعية المتصلة بزمان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) إذ لم يؤثر عن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ولا عن أحد من خلفائه حتى خلفاء الجور أنه ولّى امرأة على بلد أو إمارة أو قضاء.
الثالث: بما دلّ من الآيات على أنّ المرأة لا ولاية لها على الأمور ذات الشأن كقوله تعالى: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ...» (4).
والمستفاد من هذه الآية أنّ النساء تحت قيمومة الرجال لجهتين:
الأولى: معنوية، وهي أفضليّة الرجال عليهن، وقد فسّرت جهة التفضيل - كما في المجمع - بالعلم والعقل وحسن الرأي والعزم(5).
وغير خفي أنّ هذه الأمور هي من أهم ما تتوقف عليه الولاية.
والثانية: مادية، وهي المهر والنفقة من قبل الرجال عليهنّ.
وبالجملة فحيث كنّ تحت قيمومة الرجال فلا معنى لأن تكون لهنّ الولاية على غيرهن.
وعلى فرض اختصاص القيمومة بالأزواج فقط - كما قال به بعضهم على ما سيأتي - فكذلك، أي يمكن استفادة عدم صلاحية النساء للولاية لأنّه إذا كانت المرأة في البيت وهو المجتمع الصغير ولا ولاية لها عليه فعدمها خارج البيت وهو المجتمع الكبير من باب أولى.
هذا ويمكن التمسك أيضاً بقوله تعالى: «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» (1).
وقد فسّرت الدرجة بالمنزلة من الوزن في الاجتماع والتأثير والكمال في شؤون الحياة(2).
ومقتضى التفضيل في الآية الأولى والدرجة في الآية الثانية للرجال على النساء هو عدم صلاحيتهن للولاية.
الرابع: بالروايات وهي على طوائف:
الأولى: ما دلّ على عدم صلاحية المرأة للولاية صريحاً.
منها: ما نقله صاحب الوسائل عن خصال الصدوق بسنده عن جابر بنيزيد الجعفي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (علیه السلام) يقول: ليس على النساء أذان، ولا إقامة، ولا جمعة، ولا جماعة، ولا عيادة المريض، ولا اتباع الجنائز، ولا إجهار بالتلبية، ولا الهرولة بين الصفا والمروة، ولا استلام الحجر الأسود، ولا دخول الكعبة، ولا الحلق، وإنّما يقصرن من شعورهن، ولا تولّى المرأة القضاء، ولا تلي الأمارة، ولا تستشار ...(3).
والرواية طويلة اشتملت على وظائف المرأة وما يجوز لها وما لا يجوز.
ومحلّ الشاهد من هذه الرواية قوله: «ولا تولّى المرأة القضاء ولا تلي الأمارة» وهي صريحة في دلالتها.
ومنها: ما في تحف العقول عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة(1).
وهذه الرواية مشهورة بين الخاصّة والعامّة، وقد وردت بألفاظ مختلفة، ففي نسخة أخرى من تحف العقول: لن يفلح قوم أسدوا أمرهم إلى امرأة(2).
وفي الخلاف: لا يفلح قوم وليتهم امرأة(3).
في البحار: لن يفلح قوم يدبر أمرهم امرأة(4).
وفي موضع آخر من البحار: لا يفلح قوم ملكت عليهم امرأة(5).
وأما في كتب العامة فقد وردت في صحيح البخاري: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة(6)، ومثله في سنن النسائي(7)، وسنن الترمذي(8)، والجامع الصغير(9).وفي موضع من كنز العمال: لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة(10).
وفي موضع آخر منه: لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة(11).
1) تحف العقول : 35 طبعة جامعة المدرسين
2) تحف العقول: 25 طبعة النجف
3) الخلاف 6 : 213 طبعة جامعة المدرسين
4) بحار الأنوار 32 : 213
5) نفس المصدر 43 : 342
6) صحيح البخاري 9 : 70
7) سنن النسائي - كتاب آداب القضاء - النهي عن استعمال النساء في الحكم 8 : 227
8) الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي - كتاب الفتن باب 75 ، الحديث 2262 ، ص 527
9) الجامع الصغير ج 2 ، الحديث 7393
10) كنز العمال ج 6 ، الحديث 14922
11) نفس المصدر، الحديث 14923
وفي موضع ثالث: لا يقدّس الله أمّة قادتهم امرأة(1).
وفي نهاية ابن الأثير: ما أفلح قوم قيّمهم امرأة(2).
ومفادها جميعاً واحد.
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بسنده عن يعقوب بن يزيد عن رجل، رفعه عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين: كلّ امرء تدبّره امرأة فهو ملعون(3).
وقال صاحب الوسائل: ورواه الصدوق مرسلاً(4).
وهذه الروايات صريحة الدلالة على عدم صلاحية المرأة لتولّي الأمر وتدبيره إلاّ أنها كلّها ضعيفة الأسناد.
أما الأولى ففيها عدة مجاهيل. وأما الثانية فهي مرسلة. وأما الثالثة فهي مرفوعة في طريق الكليني، ومرسلة في طريق الصدوق.
الطائفة الثانية: ما دلّ على أنّ المرأة ليس لها من الأمر شيء.
منها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني، بسنده عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال في رسالة أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى الحسن (علیه السلام): لا تملك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فإنّ ذلك أنعم لحالها، وأرخى لبالها، وأدوم لجمالها، فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ...(5).
ورواها الكليني أيضاً بطريق آخر ينتهي إلى عبد الرحمن بن كثير(6).
كما رواها السيد الرضي في نهج البلاغة مرسلة مع اختلاف يسير(1).ومنها: ما نقله صاحب الوسائل أيضاً عن الكليني بسنده عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين(علیه السلام) قال: كتب أمير المؤمنين (علیه السلام) بهذه الرسالة إلى ابنه محمد(2). وهي عين الرواية السابقة.
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن الصدوق بإسناده، إلى وصية أمير المؤمنين لولده محمد بن الحنفية(3)وهي على نحو الرواية المتقدمة.
ومنها: ما عن كنز الفوائد قال أمير المؤمنين (علیه السلام): ... ولا تملك المرأة من أمرها ما يجاوز نفسها، فإنّ ذلك أنعم لبالها وبالك، وإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ...(4).
وهذه الروايات وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة الأسناد ضعيفة فإنّ في طريقي الكليني إلى الرواية الأولى إرسالاً وفي الرواية الثانية علي بن عبدك، ولم يرد فيه توثيق.
وأما رواية الصدوق فهي مرسلة فإنه رواها عن أبيه عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عمن ذكره عن أبي عبد الله(5).
وأما رواية الكنز فهي مرسلة أيضاً.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على أنّ المرأة لا تتولّى القضاء ولا تستشار.
منها: ما تقدم في الطائفة الأولى وهي رواية الصدوق بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (علیه السلام) يقول: ليس على النساء
1) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة المرقم الكتاب 31 ، الفقرة 118
2) وسائل الشيعة ج 14 ، باب 87 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 2
3) وسائل الشيعة ج 14 ، باب 87 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 3
4) بحار الأنوار ج 100 ، باب أحوال الرجال والنساء، الحديث 56 ، ص 253
5) وسائل الشيعة ج 14 ، باب 123 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 1
أذان، ولا إقامة، ولا جمعة، ولا جماعة، ... ولا تولّى المرأة القضاء، ولا تلي الأمارة ولا تستشار ...(1).
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بسنده عن إسحاق بن عمار رفعه، قال: كان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) إذا أراد الحرب دعا نساءه فاستشارهن ثم خالفهن(2).
قال صاحب الوسائل: ورواه الصدوق مرسلاً(3).ومنها: ما نقله أيضاً عن الكليني، بسنده عن محمد بن خالد، رفعه إلى أبي جعفر (علیه السلام) قال: ذكر عنده النساء فقال: لا تشاوروهنّ في النجوى ولا تطيعوهنّ في ذي قرابة(4).
ومنها: ما نقله أيضاً عنه، بسنده إلى سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله(علیه السلام) يقول: إياكم ومشاورة النساء فإنّ فيهن الضعف والوهن والعجز(5).
ومنها: ما نقله عنه أيضاً بسنده عن عمرو بن عثمان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (علیه السلام)، في حديث، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): النساء لا يشاورن في النجوى ولا يطعن في ذوي القربى ...(6).
قال صاحب الوسائل: ورواه الصدوق بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (علیه السلام) نحوه(7).
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن الصدوق بإسناده عن حمّاد بن عمرو، وأنس بن محمد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه (علیهم السلام) في وصية النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)
1) وسائل الشيعة ج 14 ، باب 123 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 1
2) نفس المصدر باب 94 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 4
3) وسائل الشيعة ج 14 ، باب 94 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، ذيل الحديث 4
4) نفس المصدر باب 96 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 1
5) نفس المصدر الحديث 2
6) نفس المصدر الحديث 6
7) نفس المصدر ذيل الحديث 6
لعليّ (علیه السلام)، يا علي ليس على النساء جمعة، ولا جماعة، ولا أذان، ولا إقامة ... ولا تولّى القضاء ولا تستشار...(1).
ومنها: ما في نهج البلاغة في وصية أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى ابنه الحسن (علیه السلام): وإيّاك ومشاورة النساء فإنّ رأيهنّ إلى أفن، وعزمهنّ إلى وهن ...(2).
ومنها: ما رواه المفيد في الاختصاص بسنده عن ابن عباس عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) - من مسائل عبد الله بن سلام - ... قال: فأخبرني عن آدم، خلق من حواء، أو حواء خلقت من آدم؟ قال: بل خلقت حواء من آدم، ولو أنّ آدم خلق من حواء لكان الطلاق بيد النساء، ولم يكن بيد الرجال، قال: من كلّه أو من بعضه؟ قال: بل من بعضه، ولو خلقت من كلّه لجاز القضاء في النساء كما يجوز في الرجال...(3).ومنها: ما في المستدرك عن كتاب تحفة الأخوان عن أبي بصير عن الصادق(علیه السلام) في خبر طويل في خلقة آدم وحواء ودخولهما الجنة وخروجهما منها - إلى أن قال -: قال ابن عباس: فنوديت يا حواء: ومن الذي صرف عنك الخيرات التي كنت فيها، والزينة التي كنت عليها؟ قالت حواء: إلهي وسيدي ذلك خطيئتي، وقد خدعني إبليس بغروره، وأغواني وأقسم لي بحقّك وعزّتك أنه لمن الناصحين لي، وما ظننت أن عبداً يحلف بك كاذباً، قال: الآن أخرجي أبداً، فقد جعلتك ناقصة العقل، والدين والميراث، والشهادة، والذكر، ومعوجة الخلقة شاخصة البصر، وجعلتك أسيرة أيام حياتك، وأحرمنّك أفضل الأشياء: الجمعة والجماعة، والسلام والتحية، وقضيت عليك بالطمث وهو الدم، وجهة الحبل والطلق والولادة، فلا تلدين حتى تذوقين طعم الموت، فأنت أكثر حزناً، وأكسر قلباً، وأكثر دمعة، وجعلتك دائمة الأحزان، ولم أجعل منكنّ حاكماً، ولا أبعث
منكنّ نبياً. الخبر(1).
وهذه الروايات وإن كانت واضحة الدلالة على أنّ المرأة لا قابلية لها للقضاء والمشورة إلاّ أنها كلّها ضعيفة الأسناد.
أما الرواية الأولى فقد تقدم ما في سندها.
وأما الرواية الثانية فطريق الكليني مرفوع، وطريق الصدوق مرسل.
وأما الرواية الثالثة فهي مرفوعة. وأما الرواية الرابعة ففي سندها الجاموراني وهو محمد بن أحمد أبو عبد الله الرازي، وقد استثني من كتاب نوادر الحكمة(2)، والحسن بن علي بن أبي حمزة وهو مطعون عليه(3).
وأما الرواية الخامسة فطريق الكليني مرسل، وطريق الصدوق فيه عمرو بن شمر وهو وإن وقع في أسناد تفسير القمي(4)وذلك أمارة على الوثاقة إلاّ أنّ النجاشي قد ضعّفه(5)فيكون مورداً للتعارض، ويحكم بجهالة حاله.
وأما الرواية السادسة فقد رواها الصدوق بطريقين وفيهما عدة من المجاهيل(6)
وأما الثاني فهو عن محمد بن علي الشاه، عن أبي حامد، عن أبي يزيد، عن محمد بن أحمد بن صالح التميمي، عن أبيه، عن أنس بن محمد أبي مالك، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب (علیه السلام) ، عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)
.1) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة المرقم الكتاب 31 ، الفقرة 116
2) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 131
3) رجال النجاشي 1 : 132 الطبعة الأولى المحققة
4) تفسير القمي 1 : 368 الطبعة الأولى المحققة
5) رجال النجاشي 2 : 132 الطبعة الأولى المحققة
6) مشيخة الفقيه: 138 ، أما الأول فهو عن محمد بن علي الشاه، عن أبي حامد أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسين، عن أبي يزيد أحمد بن خالد الخالدي، عن محمد بن أحمد بن صالح التميمي، عن أبي أحمد بن صالح التميمي، عن محمد بن حاتم القطان، عن حمّاد بن عمرو، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب (علیه السلام) .
وأما الرواية السابعة فهي مرسلة كما تقدّمت الإشارة إليها في الطائفة الثانية.
وأما الرواية الثامنة فهي مرسلة أيضاً.
وأما الرواية التاسعة فكذلك، لأنّ الطريق إلى كتاب تحفة الأخوان غير معلوم، كما أنّ مؤلّفه وهو المولى سعيد المزيدي غير مذكور في الكتب الرجالية.
الطائفة الرابعة: ما دلّ على أنّ القضاء مختصّ بالرجال، وهي عدّة روايات:
منها: معتبرة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام): إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه(1).
ومنها: روايته الأخرى قال: بعثني أبو عبد الله (علیه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطا أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر(2).
ومنها: ما رواه الكليني(3)بإسناده عن أحمد عن أبيه رفعه، ورواهالصدوق(4)مرسلاً عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: القضاة أربعة: ثلاثة في النار وواحد
في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة(1).
ومنها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال في رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حقّ، فدعاه إلى رجل من أخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء: كان بمنزلة الذين قال الله عزوجل : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» الآية(2).
أما أسناد هذه الروايات فالأولى معتبرة وقد تقدّم أنّ لها أربعة طرق.
وأما الثانية فهي ضعيفة بأبي الجهم فإنه مجهول وقد تقدم الكلام فيه أيضاً.
وأما الثالثة فهي مرفوعة، وأما الرابعة فلها ثلاثة طرق وكلها معتبرة، فإن طريق الكليني(3)وإن كان فيه يزيد بن إسحاق ولم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة(4)وذلك كاف في اعتبار روايته، ورواها الصدوق بإسناده عن حريز(5)الراوي عن أبي بصير وطريقه صحيح. ورواها الشيخ(6)بطريق الكليني، كما أنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى جميع روايات حريز وكتبه(7)
ويكفي في المقام الروايتان الأولى والرابعة وما عداهما فمؤيّد.
1) وسائل الشيعة ج 18 باب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6
2) نفس المصدر باب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2 . والآية 60 من النساء
3) فروع الكافي ج 7 كتاب القضاء والأحكام - باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور الحديث 2 ، ص411
4) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 146
5) مشيخة الفقيه: 10
6) تهذيب الأحكام ج 6 باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، الحديث 11 ، ص 220
7) الفهرست: 88 الطبعة الثانية
وأما الاستدلال بهذه الطائفة فيمكن تقريبه بأن يقال: إن تقييد الرجوع إلى الرجل، وجعله قاضياً وعدم جواز ردّ حكمه كما في الروايتين الأوليين، وكذا التقييد في الأخيرتين به مما يفيد أنّ القضاء مختصّ به،وإلاّ فلو كان غير مختصّ به لكان ذكر الرجل بلا وجه، وأما احتمال أن يكون الإتيان به من باب الغلبة فموهون، بل الظاهر من الإتيان بلفظ الرجل أنّ له موضوعية في القضاء، وإلاّ فيمكنه (علیه السلام) أن يأتي بلفظ مشترك كما في مقبولة عمر بن حنظلة حيث قال (علیه السلام) ... ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا.
والحاصل: أنّ المستفاد من هذه الطائفة هو اختصاص القضاء بالرجل دون المرأة فكذلك الولاية.
الطائفة الخامسة: ما دل على أنّ المرأة ضعيفة العقل والنفس والقوى.
منها: ما رواه الكليني ! في حديث مالك بن أعين قال: حرّض أمير المؤمنين صلوات الله عليه الناس بصفّين، فقال: إنّ الله عزوجل دلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم وتشفي بكم على الخير، الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله، وجعل ثوابه مغفرة للذنب، ومساكن طيبة في جنات عدن ... - إلى أن قال (علیه السلام): - ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فإنّهنّ ضعاف القوى، والأنفس، والعقول، وقد كنّا نؤمر بالكفّ عنهنّ وهن مشركات ...(1).
والرواية طويلة وهي تشتمل على كثير من آداب الحرب والقتال.
وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): فإنّهنّ ضعاف القوى، والأنفس، والعقول.
1) فروع الكافي ج 5 باب ما كان يوصي أمير المؤمنين (علیه السلام) به عند القتال، الحديث 4 ، ص 39
ورواها الشريف الرضي ! في نهج البلاغة(1)باختلاف يسير.
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن الصدوق ! بإسناده عن سماعة، عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: اتقوا الله في الضعيفين يعني بذلك اليتيم والنساء(2).
ورواه الصدوق في الخصال بسنده عن سماعة أيضاً(3).
ومنها: ما نقله أيضاً عن الكليني بسنده عن سماعة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: اتقوا الله في الضعيفين يعني بذلك اليتيم والنساء وإنّما هنّ عورة(4).
ومنها: ما نقله أيضاً عن الصدوق بسنده عن عمار الساباطي، عن أبيعبد الله(علیه السلام) قال: أكثر أهل الجنة من المستضعفين، النساء علم الله ضعفهنّ فرحمهنّ(5).
ومنها: ما رواه الكليني في الكافي بسنده عن الرحمن بن الحجاج قال: بعث أبو الحسن موسى بوصية أمير المؤمنين (علیه السلام) وهي: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبد الله علي ابتغاء وجه الله ليولجني به الجنّة ... - إلى أن قال (علیه السلام): - الله الله في النساء وفيما ملكت أيمانكم فإنّ آخر ما تكلّم به نبيّكم (علیه السلام) أن قال: أوصيكم بالضعيفين النساء وما ملكت أيمانكم ...(6).
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بسنده عن سليمان بن جعفر الجعفري، عمّن ذكره عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ما رأيت من ضعيفات الدين وناقصات العقول أسلب لذي لبّ منكنّ(7).
1) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة المرقم الكتاب 14 الفقرتان 2 ، 3 ، ص 86
2) وسائل الشيعة ج 14 باب 86 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 3
3) الخصال باب الاثنين، الحديث 13 ، ص 37
4) وسائل الشيعة ج 14 باب 88 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 2
5) نفس المصدر باب 86 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 4
6) فروع الكافي ج 7 باب صدقات النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وفاطمة والأئمة (علیهم السلام) ووصاياهم، الحديث 7 ، ص49 - 52
7) وسائل الشيعة ج 14 باب 4 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 1
قال صاحب الوسائل: ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يعقوب، ورواه الصدوق!(1).
ومنها: ما نقله أيضاً عن الكليني بسنده عن السكوني، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إنما المرأة لعبة، من اتخذها فلا يضيّعها(2).
وهذه الرواية وإن لم يصرّح فيها بضعف المرأة إلاّ أن المستفاد من كونها لعبة هو ضعفها.
وأما أسناد هذه الروايات فأكثرها معتبر، وذلك لأنّ الروايتين الأولى والخامسة وإن كانتا مرسلتين إلاّ أن بقية الروايات معتبرة الأسناد، فإنّ طريقي الصدوق والكليني إلى سماعة معتبران.
وطريق الصدوق إلى عمار الساباطي صحيح، وأما عمار فهو وإن كان فطحياً(3)إلاّ أنه ثقة(4).
وطريق الكليني إلى عبد الرحمن بن الحجاج وإن كان فيه محمد بنإسماعيل وهو لم يوثق إلاّ أن معه محمد بن عبد الجبار وهو ثقة لوقوعه في أسناد تفسير القمي(5)، وكتاب نوادر الحكمة(6).
وأما طريقه إلى الرواية الأخيرة فهو وإن كان فيه النوفلي والسكوني وهما ممّن لم يرد فيهما توثيق إلاّ أنّهما واقعان في أسناد تفسير القمّي(7)، وكتاب نوادر
1) وسائل الشيعة ج 14 باب 4 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، ذيل الحديث 1
2) وسائل الشيعة ج 14 باب 86 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2
3) تهذيب الأحكام ج 7 باب بيع الواحد بالاثنين وأكثر منه يجوز منه وما لا يجوز، ذيل الحديث41، ص101
4) رجال النجاشي 2 : 137 - 138 الطبعة الأولى المحققة
5) تفسير القمي 2 : 259 الطبعة الأولى المحققة
6) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 144
7) تفسير القمي 1 : 177 الطبعة الأولى المحققة
الحكمة(1)، وذلك كاف في اعتبار روايتهما.
والحاصل: أنّ أكثر روايات هذه الطائفة معتبرة الأسناد.
الطائفة السادسة: ما دلّ على أنّ أمر المرأة لا يطاع:
منها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بسنده إلى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: ذكر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) النساء فقال: اعصوهنّ في المعروف قبل أن يأمرنكم بالمنكر، وتعوّذوا بالله من شرارهنّ، وكونوا من خيارهنّ على حذر(2).
ومنها: ما نقله أيضاً عن الصدوق بإسناده إلى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: وشكى رجل من أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام) نساءه، فقام (علیه السلام) خطيباً فقال: معاشر الناس لا تطيعوا النساء على حال، ولا تأمنوهنّ على مال، ولا تذروهن يدبّرن أمر العيال، فإنّهنّ إن تركن وما أردن أوردن المهالك ...(3).
ورواه الصدوق أيضاً في الأمالي(4)، والعلل(5)، بطريق آخر.
ومنها: ما نقله أيضاً عن الكليني بسنده عن السكوني، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): طاعة المرأة ندامة(6).
ومنها: ما نقله صاحب البحار عن كتاب الإمامة والتبصرة من الحيرة لأبي الحسن علي بن الحسين بن بابويه والد الصدوق بسنده عن ابن فضال عن الصادق
1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 147
2) وسائل الشيعة ج 14 باب 94 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 1
3) نفس المصدر، الحديث 7
4) الأمالي، المجلس السابع والثلاثون، الحديث 6 ، ص 274 - 275
5) علل الشرائع باب 288 العلة التي من أجلها نهي عن طاعة النساء، الحديث 1 ، ص 513
6) وسائل الشيعة ج 14 باب 95 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 2
عن أبيه، عن آبائه (علیهم السلام) عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: شاوروا النساءوخالفوهن فإنّ خلافهنّ بركة(1).
وأورده صاحب المستدرك(2)أيضاً عن البحار، وأسناد هذه الروايات كلّها معتبرة.
فإنّ طريقي الكليني والصدوق إلى عبد الله بن سنان صحيحان.
وأما طريق الصدوق في الأمالي، والعلل، فهو معتبر بناء على ما حققناه في محلّه(3)فإنه رواه عن علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي ) قال: حدثني أبي، عن جده أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير عن غير واحد، عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه، عن آبائه (4).
وأما طريق الكليني إلى السكوني فقد تقدم أنه معتبر.
وأما رواية ابن فضّال فهي معتبرة أيضاً فإنّ سندها وإن كان فيه محمد بن علي وهو مشترك، إلاّ أنّ للشيخ طريقاً معتبراً(5)لجميع روايات وكتب ابن فضال. وأما الطريق إلى كتاب الإمامة والتبصرة فهو معتبر أيضاً وللشيخ إليه طريق صحيح(6)، كما أنه مذكور في الإجازات(7).
ثم إنّ هناك عدة روايات أخرى مؤيّدة لما تقدم.
منها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بسنده عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عمّن ذكره عن الحسين بن المختار عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال
1) بحار الأنوار ج 103 ، باب جوامع أحكام النساء ونوادرها، الحديث 25 ، ص 262
2) مستدرك الوسائل ج 14 ، باب 76 من أبواب مقدمات النكاح ، الحديث 1 ، ص 264
3) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 401 - 424
4) الأمالي - المجلس السابع والثلاثون، الحديث 6 ، ص 274 - 275
5) الفهرست: 73 الطبعة الثانية
6) نفس المصدر ص 119
7) بحار الأنوار 107 : 70 ، وج 109 : 41 ، وج 110 : 119 وغيرها
أمير المؤمنين (علیه السلام) في كلام له: اتقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهنّ على حذر، وإن أمرنكم بالمعروف فخالفوهنّ كيلا يطمعن منكم في المنكر(1).
ومنها: ما نقله أيضاً عن الكليني بسنده عن المطلب بن زياد، رفعه عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: تعوّذوا بالله من طالحات نسائكم، وكونوا منخيارهنّ على حذر، ولا تطيعوهنّ في المعروف فيأمرنكم بالمنكر(2).
وروى الشريف الرضي نحوه في نهج البلاغة(3).
ومنها: ما نقله عنه أيضاً بسنده إلى عمرو بن عثمان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: استعينوا بالله من شرّ نسائكم، وكونوا من خيارهنّ على حذر، ولا تطيعوهنّ فيدعونكم إلى المنكر الحديث(4).
ومنها: ما نقله عنه أيضاً بسنده عن يعقوب بن يزيد، عن رجل رفعه عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام) في خلاف النساء البركة(5).
ومنها: ما في مكارم الاخلاق و قال عليه السلام في خلافهنّ البركه(6).
وغيرها من الروايات.
وهذه الروايات وإن كانت واضحة الدلالة كالروايات المتقدمة إلاّ أنها من جهة الأسناد ضعيفة فإنّها إما مرسلة أو مرفوعة ...
هذا ولكن قد تناقش هذه الطائفة بأنها لا إطلاق فيها، وأنّها مقيّدة من وجهين:
1) وسائل الشيعة ج 14 ، باب 94 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 2
2) وسائل الشيعة ج 14 ، باب 94 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 3
3) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة المرقم الخطبة رقم 80 ، الفقرة 3 ، ص 29
4) وسائل الشيعة ج 14 ، باب 94 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 5
5) نفس المصدر باب 96 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 3
6) مكارم الاخلاق - الفصل التاسع في هنات تتعلق بالنساء : 231 ، الطبعة السادسة
الأول: من جهة تقيّد الطاعة بأمور نصّ عليها في غير واحدة من الروايات، فقد ورد النهي في بعض الروايات عن إطاعة النساء في ذوي القربى كما تقدم، وورد في بعضها الآخر النهي عن إطاعتهن في بعض رغباتهن، كما في موثقة السكوني، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من أطاع امرأته أكبّه الله على وجهه في النار قيل: وما تلك الطاعة؟ قال: تطلب إليه الذهاب إلى الحمّامات، والعُرسات، والعيدات، والنايحات ]النياحات[، والثياب الرقاق(1).
ويؤيده ما في الدعائم: وعنه (علیه السلام) أنه قال: من أطاع امرأته في أربع خصال كبّه الله على وجهه في النار فقيل: وما تلك الطاعة يا أمير المؤمنين؟ فقال: تطلب أن تذهب العُرُسات، وإلى النياحات، وإلىالعيادات، وإلى الحمّامات(2).
الثاني: تقيّدها بالزوج واختصاصها به، ولا تشمل غيره، والمدّعى يتوقّف على إطلاق الطاعة في غير ما نُصّ عليه وعمومها لغير الزوج.
ويمكن
الجواب عن كلتا الجهتين بأن يقال: إنّ الظاهر من الروايات بالنسبة إلى الجهة الأولى أنّها غير مختصّة، وأما الجهة الثانية فهي وإن كانت مختصة إلاّ أنها لا تضرّ بالاستدلال وبيان ذلك:
إنّ التقييد - في الجهة الأولى - في بعض الروايات لا ينافي إطلاق سائر الروايات، ولا يقتضي تقييدها، فإنّ الروايات الناهية عن إطاعة النساء في ذوي القربى إنما هي من باب ذكر أجلى المصاديق لأهميّة المورد، ولا تدل على اختصاص النهي عن الإطاعة فيهم دون غيرهم.
وأما موثقة السكوني فإنّ المنساق منها هي الإطاعة الخاصة وهي محرّمة فإنّ الإذن لهنّ في الذهاب إلى هذه الأماكن المخصوصة كالحمّامات، والعيدات،
وغيرها ممّا ورد في الموثقة مما لا إشكال في حرمته، وإطاعتهنّ في هذه الأمور تستوجب غضب الله تعالى، وليس الموجب لغضب الله تعالى هو مطلق الطاعة، وعليه فما في الموثقة ليس تفسيراً لما ورد في تلك الروايات من الأمر بعصيانهنّ وترك إطاعتهنّ.
ويشهد على ذلك أمران:
الأول: ما ورد من النهي عن إطاعة النساء على حال كما في صحيحة ابن سنان الثانية.
الثاني: ما ورد من الروايات المتعددة الناهية عن إطاعتهن في ذوي القربى مع أنهم - أي ذوي القربى - لم يذكروا في الموثقة، مضافاً إلى ما ورد من الأمر بمخالفتهنّ عند المشاورة.
والحاصل: أنّ الالتزام بأنّ المراد من الإطاعة هو في خصوص الأمور الخمسة المذكورة في الموثقة مما لا وجه له.
وأما الاختصاص بالزوج - في الجهة الثانية - فهو الظاهر من أكثر روايات هذه الطائفة وذلك لأنّ مورد بعضها هو نهي الزوج عن إطاعة الزوجة كما في قوله (علیه السلام): «لا تطيعوهنّ في المعروف فيأمرنكم بالمنكر» فإنّ الأمر بالمنكر إنما يصدر - عادة - من النساء لأزواجهن لا لكلّ شخص، ومورد بعضها الآخر وإن لم يكن كذلك إلاّ أن المستفاد منالقرائن هو ذلك، كما في صحيحة ابن سنان الثانية إذ ورد فيها: «ولا تذروهنّ يدبّرن أمر العيال» والظاهر منها هو النساء بالنسبة إلى أزواجهنّ دون غيرهم.
نعم لا قرينة في موثقة السكوني ومعتبرة ابن فضّال ومرفوعة يعقوب بن يزيد على التقييد بالأزواج، وهي إما أن تكون محمولة على التقييد باعتبار وحدة الحكم، وإما أن تبقى على إطلاقها ويكون الحكم بالنسبة إلى الأزواج آكد.
ثمّ إنّ الروايات وإن كانت مقيّدة من هذه الجهة كما هو غير بعيد، ولكن مع ذلك لا يضرّ بالاستدلال بها على المدّعى - كما ذكرنا - وذلك لأنّا إذا تأمّلنا في هذه الروايات لا نرى لخصوصية الزوجية أثراً في النهي عن الإطاعة، بل نرى أنّ الروايات الواردة واردة في مقام بيان عدم كفاءة النساء وصلاحيتهن للإطاعة إما لضعفهنّ، أو لخلطهن بين المعروف والمنكر ولا موضوعية للزوجية في ذلك، ولذا لا يُطعن في مطلق المعروف وإن لم يكن راجعاً إلى الزوجين، وهكذا الحال بالنسبة إلى المشاورة في الحروب مثلاً وغيرها.
مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ الخصوصية الزوجية تتطلب أكثر تعلّقاً ونصحاً بالنسبة إلى زوجها من دون سائر الناس، فإذا لم تكن لها الصلاحية في حق زوجها فعدم صلاحيتها بالنسبة إلى غيره بطريق أولى.
الظاهر من المعروف في هذه الروايات هو الأمور الأخلاقية الواقعة موقع الاستحسان عند العرف الراجعة إلى شؤون الحياة الفردية والاجتماعية، ولكن لا مانع من شموله للواجبات والمستحبّات الشرعية أيضاً ويقال: بأنه وإن كانت الوظيفة هي الإتيان بها شرعاً من باب كونها معروفاً واجباً أو مستحباً إلاّ أنه إن أتى بها بعنوان إطاعة المرأة وامتثال أمرها فلا تخلو عن حزازة ونقص، وإن كان كل من الوجوب أو الاستحباب على مرتبته، ويكون المقام من قبيل الإتيان بالمستحبّات في الأماكن أو الأوقات المكروهة بمعنى أنها أقل ثواباً كما قال به المشهور، فتدبّر جيّداً.
الطائفة السابعة: ما دلّ على عدم جواز الائتمام بالمرأة في الصلاة.
أما إمامة المرأة للرجال فلا خلاف في عدم الجواز، بل ادّعي عليه الإجماع
نقلاً وتحصيلاً كما في الجواهر(1)، وبه قال جميع الفقهاء إلاّ أبا ثور فإنه قال يجوز ذلك كما في الخلاف(2).
واستدل على ذلك بوجوه من الأصل وهو عدم مشروعية الجماعة إلاّ بدليل، والإجماع، والسيرة القطعية المستمرة، وبالروايات، إذ مضافاً إلى استفادة ذلك مما ورد من السؤال عن جواز إمامة المرأة للنساء - كما سيأتي - أنه لو جازت إمامة المرأة للرجال فلا وجه للسؤال عن جواز إمامتها للنساء.
ومما يدل على ذلك من الروايات.
ما نقله صاحب المستدرك، عن ابن أبي جمهور في درر اللآلي، عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ الله(3).
وما نقله أيضاً عن الدعائم، عن جعفر بن محمد، أنه قال: لا تؤمّ المرأة الرجال(4).
ومن روايات العامة ما رواه البيهقي بسنده عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: ... ألا ولا تؤمنّ امرأة رجلاً(5).
وغيرها من الروايات.
وأما إمامة المرأة للنساء فهي محلّ خلاف بين الأعلام، والمشهور هو الكراهة، ونسب إلى جماعة منهم(6)السيد المرتضى، والكليني، والصدوق عدم الجواز.
ومرجع الخلاف بينهم إلى اختلاف الروايات الواردة في المقام، وهي على
1) جواهر الكلام 13 : 336 الطبعة السابعة
2) الخلاف ج 1 باب صلاة الجماعة ، مسألة 288 ، ص 548
3) مستدرك الوسائل ج 3 باب 5 من أبواب مكان المصلي، الحديث 1 ، ص 333
4) نفس المصدر ج 6 باب 18 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 ، ص 468
5) السنن الكبرى ج 3 باب لا يأتم رجل بامرأة
6) جواهر الكلام 13 : 338 الطبعة السابعة
صنفين:
الأول: ما دلّ على عدم الجواز.
ومنها: صحيحة هشام بن سالم أنه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن المرأة هل تؤمّ النساء؟ قال: تؤمّهنّ في النافلة، فأما في المكتوبة فلا، ولا تتقدّمهنّ ولكن تقوم وسطهنّ(1).والمراد بالنافلة هي النوافل التي تشرع فيها الجماعة كالاستسقاء، والعيدين في زمان الغيبة - كما هو رأي الأكثر - والصلاة المعادة.
ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت له: المرأة تؤمّ النساء؟ قال: لا، إلاّ على الميّت ...(2).
ومنها: معتبرة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: تؤمّ المرأة النساء في الصلاة، وتقوم وسطاً بينهنّ، ويقمن عن يمينها وشمالها تؤمّهنّ في النافلة، ولا تؤمّهنّ في المكتوبة(3).
وفي سند الرواية محمد بن عبد الحميد ولم يرد فيه توثيق، إلاّ أنه واقع في كتاب نوادر الحكمة(4)، وروى عنه المشايخ الثقات(5)، وذلك كاف في اعتبار روايته كما حقّقناه في محله(6).
ومنها: معتبرة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن المرأة تؤمّ النساء؟ فقال: إذا كنّ جميعاً أمّتهنّ في النافلة فأما المكتوبة فلا، ولا تتقدمهنّ،
ولكن تقف وسطاً منهنّ(1).
وفي سند الرواية ابن سنان والمراد فيها هو محمد بن سنان، وقد استظهرنا وثاقته فلا إشكال في سند الرواية.
الثاني: ما دلّ من الروايات على الجواز.
ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (علیه السلام) قال: سألته عن المرأة تؤمّ النساء، ما حدّ رفع صوتها بالقراءة والتكبير؟ فقال: قدر ما تسمع(2).
ومنها: موثقة سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن المرأة تؤمّ النساء؟ فقال: لا بأس به(3).
ومنها: ما نقله صاحب الوسائل، عن الصدوق، بسنده عن الحسن بن زياد الصيقل، قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) كيف تصلّي النساء على الجنائز(إلى أن قال:) ففي صلاة مكتوبة أيؤمّ بعضهنّ بعضاً؟ قال: نعم(4).
وهذه الرواية أصرح الروايات في الدلالة على الجواز.
وأما سندها فالأظهر أنها معتبرة، فإنّ طريق الصدوق إلى الحسن بن زياد صحيح(5)، وأما نفس الحسن بن زياد فهو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة(6)، وذلك كاف للحكم باعتبار روايته.
ومنها: ما رواه جابر عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إذا لم يحضر الرجل تقدّمت المرأة وسطهنّ، وقام النساء عن يمينها وشمالها وهي وسطهنّ (تكبّر) حتى تفرغ
من الصلاة(1).
وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها ضعيفة السند فتكون مؤيدة لما قبلها.
ومنها: مرسلة عبد الله بن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) في المرأة تؤمّ النساء؟ قال: نعم، تقوم وسطاً بينهنّ ولا تتقدمهنّ(2).
والرواية ضعيفة السند للإرسال في سندها.
هذا، ومقتضى الإطلاق في روايات هذا الصنف ينافي روايات الصنف الأول الدالة على عدم الجواز.
وقد ذكرت وجوه للجمع بين الروايات.
الأول: التفصيل بين المكتوبة فلا يجوز للنساء الائتمام بالمرأة وعليها تحمل روايات عدم الجواز، وبين النافلة فيجوز، وعليها تحمل روايات الجواز.
والشاهد على هذا الجمع بعض ما تقدم من الروايات كصحيحة هشام بن سالم.
الثاني: أن تحمل روايات الجواز على التقية، والأخذ بروايات المنع، ومقتضى هذين الوجهين عدم جواز ائتمام النساء بالمرأة في الفرائض.
الثالث: أن تحمل روايات المنع على الكراهة جمعاً بينها وبين ما دلّ على الجواز صريحاً، وهو مختار صاحب الجواهر(3)، والسيد الأستاذ(4)! بل هو مذهب المشهور(5).
الرابع: أن تكون كل من النافلة والمكتوبة صفة للجماعة لا للصلاة، والمراد بالجماعة النافلة أي المستحبة كالصلاة اليومية، لاستحباب الجماعة فيها، والمراد بالجماعة الواجبة كالجمعة والعيدين، فإنه لا يجوز إمامة المرأة فيها، وهو مختار صاحب الحدائق ! (1).
وبناء على هذا القول يجوز ائتمام النساء بالمرأة في الفرائض بلا كراهة.
ولكن هذا الجمع خلاف الظاهر فتبقى الوجوه الثلاثة الأولى.
والحاصل: أنّ ائتمام النساء بالمرأة إما أن يكون غير جائز كما في إمامتها للرجال، وإما أن لا يخلو عن حزازة تحريماً أو كراهة كما في إمامتها للنساء.
ثم إنّا إذا تأملنا جميع روايات هذه الطائفة لم نجد وجهاً للمنع عن إمامة المرأة في الصلاة للرجال أو النساء إلاّ عدم كفاءتها وصلاحيتها للإمامة، وذلك لأنّ الوجوه المتصورة للمنع - عدا هذا الوجه - أربعة وكلها غير وجيهة وهي:
الأول: أن المانع من إمامة المرأة في الصلاة هو أن صوتها عورة، وسماع الرجال له مرغوب عنه ومرجوح شرعاً.
وفيه: أولاً: أنّ هذا يختص بالرجال ولا يشمل النساء، فإنّ صوت المرأة للمرأة ليس بعورة.
وثانياً: إمكان معالجته باشتراط عدم رفع صوتها - في إمامتها للرجال - عند القراءة والأذكار، فإنّ الجهر بهما ليس بواجب على المرأة.
الثاني: أن يكون المانع هو لزوم محاذاة المرأة أو تقدمها على الرجال حال الصلاة وهما محظوران عليها.
وفيه: أولاً: أنّ كثيراً من الفقهاء ذهب إلى جواز ذلك.
وثانياً: إمكان معالجته بوضع ساتر بينها وبين من يأتمّ بها لو كانوارجالاً،
1) الحدائق الناضرة 11 : 189
وبذلك يرتفع المحذور لو كان.
الثالث: أنّ المانع هو أن تكون المرأة في معرض أنظار الرجال الأجانب، والشارع المقدس حريص على ستر المرأة وحفظها عن النظر المحرّم.
وفيه: أولاً: أنّ هذا مختصّ بالرجال دون النساء.
وثانياً: إمكان معالجته أيضاً بوضع الساتر بينها وبين المأمومين على فرض كونهم رجالاً لا نساء.
الرابع: أنّ المانع هو مجموع ما ذكر من الوجوه الثلاثة المتقدمة.
وفيه: أنّه ينبغي القول بالصحة وبعدم الحزازة في صورة إمامة المرأة مع عدم شيء من تلك الوجوه الثلاثة، مع أنّ ظاهر إطلاق النص والفتوى خلاف ذلك.
وحيث بطلت هذه الوجوه فلا يبقى إلاّ ما ذكرناه من أنّ وجه المنع هو عدم كفاءتها وصلاحيّتها للإمامة في الصلاة.
وإذا ثبت عدم كفاءة المرأة بهذا المقدار - وهو الصلاة - للإمامة والمتابعة فعدم كفاءتها وصلاحيتها للولاية العامة بطريق أولى.
هذا، ولكن في المقام إشكال وسيأتي بعد ذكر بقية الروايات إن شاء الله تعالى.
الطائفة الثامنة: ما دلّ على عدم ائتمان المرأة على الأموال، وعدم صلاحيّتها للوصاية.
ومنها: صحيحة ابن سنان المتقدمة في الطائفة الخامسة.
وموضع الشاهد منها في المقام قوله (علیه السلام): ... ولا تأمنوهنّ على مال ولا تذروهنّ يدبّرن أمر العيال ...(1).
ومنها: ما رواه الصدوق بسنده عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن
1) وسائل الشيعة ج 14 باب 94 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 7
أبيه، عن آبائه (علیهم السلام)، قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): المرأة لا يوصى إليها لأنّ الله عزوجل قال: «وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ»(1).
وسند الرواية معتبر(2).وقال صاحب الوسائل: ورواه الشيخ أيضاً بإسناده عن السكوني(3).
وطريق الشيخ(4)إليه معتبر أيضاً.
ومنها: ما رواه الصدوق أيضاً قال: وفي خبر آخر، سئل ابو جعفر (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ» قال: لا تؤتوها شارب الخمر، ولا النساء. ثم قال: وأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر(5).
هذا، ولكن ورد بإزاء هذه الروايات ما يدل على جواز الوصية للمرأة كما في موثقة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن رجل أوصى إلى امرأة، وشرّك في الوصية معها صبيّاً، فقال: يجوز ذلك، وتمضي المرأة الوصية، ولا تنتظر بلوغ الصبي، فإذا بلغ فليس له أن لا يرضى، إلاّ ما كان من تبديل أو تغيير فإنّ له أن يردّه إلى ما أوصى به الميّت(6).
وهي صريحة في الجواز، ومقتضى الجمع بينها هو أنّ الروايات المانعة إما أن تحمل على الكراهة، كما هو مذهب المشهور، بل ادّعي الإجماع على الجواز كما
1) من لا يحضره الفقيه ج 4 باب كراهية الوصية إلى المرأة، الحديث 1 ، ص 168 .
2) مشيخة الفقيه ص 57 - 58 ، فإن الصدوق يرويها عن أبيه ومحمد بن الحسن عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن الحسين بن زيد النوفلي، عن إسماعيل بن مسلم السكوني
3) وسائل الشيعة ج 13 باب 53 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 1
4) الفهرست : 36 - 37
5) من لا يحضره الفقيه ج 4 ، باب كراهية الوصية إلى المرأة، الحديث 2 ، ص 168
6) وسائل الشيعة ج 13 باب 50 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 2
في الخلاف(1)والاستبصار(2)، وإما أن تحمل على التقية لأنه مذهب كثير من العامة كما في الاستبصار(3).
وعلى كلا التقديرين لا يحمل النهي على الحرمة.
هل أنّ اعتبار الذكورة في تولّي القضاء والتصدّي للأمور العامة يخدش بشأن المرأة ويمسّ كرامتها أو لا؟والذي يبدو أنّ هذه المسألة أخذت بعداً جديداً ولا سيّما في عصرنا الحاضر بنظراته المتجددة. وهو امتداد للشعارات المنادية بإخراج المرأة من عزلتها، ولكن بأسلوب مبطّن، يهدف إلى تطويع القضايا الدينية لمقتضيات العصر ومتطلبات أبنائه وإضفاء صبغة شرعية عليه، مع الغفلة عن أنّ أحكام الشرع المقدّس صالحة لكلّ زمان ومكان، من دون داع للتمحّلات والتكلّفات والادّعاء بفهم الشريعة في هذه المسألة دون جميع الفقهاء.
وشاهدنا على ذلك أنه قد جعل بعضهم من قوله: «كلّ ما كان من بديهيّات الفقه فليس من بديهيات الشريعة» (4)منطلقاً للمناقشة في جميع الأدلة المتقدّمة
1) الخلاف ج 4 ، كتاب الوصايا، مسألة 38 ، ص 159
2) الاستبصار ج 4 ، باب 87 أنه يجوز أن يوصى إلى امرأة، ذيل الحديث 2 ، ص 140
3) نفس المصدر ذيل الحديث 2 ، ص 140 ، هذا ولكن الظاهر أن الحمل على التقية في غير محلّه، وذلك لأنّ الشيخ !، قد ذكر في الخلاف كتاب الوصايا في المسألة 380 أنّ القول بالجواز هو مذهب جميع الفقهاء إلاّ واحداً. قال: يجوز أن تكون المرأة وصيّاً، وبه قال جميع الفقهاء إلاّ عطاء، فإنه قال: لا يصح أن تكون المرأة وصياً. ومراده من الفقهاء هنا هم فقهاء العامة، فإذا كان مذهب العامة جواز الوصية إلى المرأة فكيف يمكن حمل الروايات المانعة على التقية، فلاحظ
4) مسائل حرجة في فقه المرأة - الكتاب الثاني - أهلية المرأة لتولّي السلطة، ص 5
من الكتاب، والسيرة، والإجماع، والسنّة.
أما الكتاب فقد ناقش في دلالة قوله تعالى: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ»(1)بذكر احتمالين: الأول: بأنّ القوامية في الآية ليست بمعنى الولاية على التصرف، بل هي بمعنى الكفالة والإصلاح والرعية(2).
الثاني: بأنها خاصة في الأسرة للأزواج على الزوجات(3).
واستظهر من الآية الاحتمال الثاني(4)، ولكنه قرّر على كلا الاحتمالين عدم صلاحية الآية لأن تكون دليلاً على عدم أهلية المرأة لتولّي رئاسة الدولة(5).
وأما السيرة فقد أنكرها، ونسب القائل بها تارة إلى الغفلة عن المناخ الفقهي الكلامي الذي كان يسيطر على التوجّه الفكري في قضية رئاسة الدولة، ثم ذكر أنّ وجه الغفلة هو أنّ قضية رئاسة الدولة كانت محكومة على مستوى رؤية عامة المسلمين بقضية أنّ الأئمة من قريش، والروايات التي قررت هذا المبدأ نصّت على اثني عشر رجلاً من قريش، وكانت محكومة على مستوى خطّ أئمة أهل البيت (علیهم السلام) بمبدأ النصّ وتحديد الخليفة بشخص الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) والأئمة المعصومين من ولده(6).
وتارة إلى الخطأ في تشخيص حقل العمل السياسي وطبيعته في ذلك العهد، ثم ذكر أنّ وجه الخطأ هو أنّ أشكال وأساليب العمل السياسي تختلف باختلاف شكل المجتمع ومؤسساته وطرق التعبير السياسي فيه(7)، ثم قال: إذا فحصنا
1) سورة النساء، الآية: 34 .
2) مسائل حرجة في فقه المرأة - الكتاب الثاني - أهلية المرأة لتولّي السلطة، ص 65
3) مسائل حرجة في فقه المرأة - الكتاب الثاني - أهلية المرأة لتولّي السلطة، ص 67
4) مسائل حرجة في فقه المرأة - الكتاب الثاني - أهلية المرأة لتولّي السلطة، 68
5) نفس المصدر ص 65 - 67
6) نفس المصدر ص 31 - 32
7) نفس المصدر ص 32
سيرة المجتمع الإسلامي في الصدر الأول آخذين بالاعتبار طبيعته ومكوناته ومجالات الاهتمام السياسي فيه وأساليب الاتصال والتعبير السياسي عن المواقف والاتجاهات فسنجد أنّ المرأة لم تكن غائبة عن حقل العمل السياسي بحسب أعراف وأساليب ذلك العصر(1)، ثم ذكر شواهد لشخصيات نسائية كان لها نشاط سياسي في ذلك العهد، مثل خديجة (علیها السلام)، وأم سلمة (رضي الله عنها)، وحفصة، وكثير من المسلمات في مكة في ظروف الاضطهاد، مثل الزهراء (علیها السلام) وعائشة ونساء أخر(2)، وبذلك أراد نقض السيرة المدعاة في المقام.
وأما الإجماع فقد ناقش فيه بأنّ حجيته إنما تتقوّم بكونه كاشفاً عن رأي النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) أو الإمام المعصوم، وحيث لم يُحرز أنّ هذه القضية التي ادّعي الإجماع عليها من القضايا التي كانت متداولة في عصر الأئمة المعصومين، أو علم أنها من المسائل المستحدثة التي فرّعها الفقهاء واستنبطوا حكمها بالنظر في الأدلة والأصول والاجتهاد فيها فالاتفاق على حكمها ليس حجة، لأنه لا يكشف عن رأي المعصوم (علیه السلام)، بل هي آراؤهم وفهمهم للأدلة، فالإجماع فيها من قبيل الإجماع في المسائل العقلية واللغوية(3).
وأما الروايات فقد ناقش فيها بأمور:
الأول: أنها ضعيفة الأسناد(4).
الثاني: أنّ بعض الروايات أجنبي عن محلّ البحث(5).
الثالث: أنّ بعضها وارد في قضايا خاصّة(1).الرابع: أنّ بعضها يختصّ بشؤون الحياة الزوجية ولا عمومية فيها بالنسبة إلى غيرها(2).
الخامس: أنّه على فرض التسليم بالدلالة إلاّ أنها لا تشمل تولّي الرئاسة ومؤسسات اليوم إذ الرئيس ليس مستقلاً برئاسته بل هو ملزم بالمشاورة والعمل بالقانون(3).
وذكر وجوهاً أخرى واضحة الضعف.
ولا نرى حاجة إلى الإجابة عنها(4)
أما بالنسبة إلى ما ذكره حول الآية الشريفة «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ» حيث استظهر منها أن المراد هو قوامية الرجال على النساء في الأسرة وباعتبار علاقة الزوجية فقط.
ففيه: أنّ الظاهر من الآية الشريفة هو أنّ القوامية بمعنى الولاية على التصرّف وأن الرجل ولي المرأة وأنها تحت سلطنته، وهذا ما تؤيده بل تدلّ عليه الأدلة الأخرى الدالة على أن المرأة تحت امرة الرجل ولا يسعها مخالفته، كما في عدم جواز خروجها إلاّ بإذنه - مثلاً - بل لا يجوز لها أن تأتي بالمستحبات إذا كانت تستلزم تفويت بعض حقوقه، وغيرها من الموارد.
فما ذكره من اختصاص ذلك بالأسرة لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه.
وأما ما استشهد به بما ورد في تفسير القمي من قوله: «يعني فرض الله تعالى أن ينفقوا على النساء» فهو مضافاً إلى أنه لا حجية فيه إذ ليس هو رواية يمكن الاستدلال بها، خلاف الظاهر من الآية، وذلك لأنّ الإنفاق منصوص عليه في نفس الآية، فلا معنى لتفسير القوامية بوجوب الإنفاق، على أنّ الإنفاق أحد مصاديق القوامية لا أنه كل معناها. وهكذا بالنسبة إلى ما نقله من سائر أقوال اللغويين والمفسّرين.
وأما إنكاره السيرة فهو عجيب وذلك:
أولاً: إنه لم يعهد في تاريخ الإسلام أن المرأة كان لها دور في تولّي السلطة.
وثانياً: إن ما ذكره من غفلة الفقهاء عن المناخ الفقهي، خلاف الإنصاف فإن الفقهاء على تمام الالتفات إلى جميع الأدلة وملابساتها، وملاحظة ما قيل بل وما يمكن أن يقال في كل قضيّة يتناولونها بالبحث والدراسة.
وثالثاً: إن ما ذكره من وجه الغفلة من أنّ مبدأ الإمامة منحصر بالنصّ على اثني عشر إماماً فهذا دليل عليه لا له، إذ لنا أن نتساءل أين كانت المرأة غائبة عن دائرة النصّ؟ ولماذا اختصّ بالرجال دون النساء؟ فهذه فاطمة الزهراء (علیها السلام) وهي سيدة النساء لِمَ لم تجعل إماماً على الناس؟ ولِمَ لا يكون لها نصيب في الولاية على أمر من الأمور، وهكذا بالنسبة إلى نساء بني هاشم وغيرهنّ من سائر النساء في تلك الحقبة من الزمان؟
ورابعاً: إنّ ما ذكره من الخطأ في تشخيص حقل العمل السياسي هو خطأ قد وقع فيه، فإنّ طبيعة المجتمع وأساليب الاتصال والتعبير السياسي لا ربط لها بما نحن فيه، فإنّ محل البحث هو تصدّي المرأة وأهليتها لتولي السلطة ولا شأن لنا بطبيعة المجتمع ومكوّناته.
وخامساً: إنّ ما ذكره من الشواهد للشخصيات النسائية لا شاهد فيها فإنّ خديجة (علیها السلام) لم يكن لها أيّ دور في تولّي السلطة آنذاك، وإنما كان دورها مؤازرة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حيث بذلت أموالها في سبيل الإسلام ودافعت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وليس هذا عملاً سياسياً يستفاد منه أهليّتها لتولي السلطة، وأما الدفاع فهو حق مشروع لكل أحد.
وأما الزهراء (علیها السلام) فإنها قد غصب حقها، وانتهكت حرمتها، وخرجت تطالب بحقها، وتعرض ظلامتها، وتقيم الحجّة على من اعتدى على مقامها، وأين هذا من العمل السياسي.
وأما عائشة فهي التي خرجت راكبة الجمل الأحمر - وكانت في خروجها ومسيرها متنكّبة سبيل الرشاد - تقود جيش الناكثين تحارب به نفس النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) ، وتجرّ المسلمين إلى حرب ضروس تُسفك فيها دماؤهم، وتُقطع فيها أرحامهم، ولا غرض لها من ذلك إلاّ إحداث الشغب على أمير المؤمنين (علیه السلام) وإشغاله عن إرساء قواعد العدل والدين وتصحيح المسار، وكان في خروج عائشة على الإمام (علیه السلام) تمهيد للطريق إلى إعلان العصيان والتمرّد من قبل الباغين والمارقين.
وهي التي خرجت - ثانية - وقد امتطت البغل لتمنع بني هاشم عن دفن جثمان الإمام الحسن الزكي (علیه السلام) في جوار جدّه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وقد هتك الأمويون جنازة الحسن (علیه السلام) حتى أنّ بعض المؤرخين قد ذكر أنّ القوم رشقوا الجثمان الطاهر بالسهام، وكانت عائشة تقودهم على بغلة شهباء، وكادت معركة البغل أن تقع لولا وصية الحسن (علیه السلام) أن لا يراق في أمره ملأ محجمة دماً.
ولا ندري فلعلّها لو امتدّ بها الأجل لخرجت - ثالثة - وهي تركب الفيل لتقود الجيش الذي حارب الحسين، ولتحقّق بذلك ما تنبأ به الشاعر حين قال يخاطبها:
تجمّلت تبغّلت وإن عشتي تفيّلت
فهل في ما قامت به عائشة حجة شرعية يمكن الاستناد إليها؟
على أنّ المستدل نفسه قد ذكر أنها اعترفت هي بخطئها في عملها وأعلنت ندامتها على حربها لأمير المؤمنين (علیه السلام) ، وإن كان ما ذكره على خلاف التحقيق.
وأما حفصة فلم نعرف لها من عمل إلاّ أنها تظاهرت مع اختها - عائشة - على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في قصة ذكرها المفسرون لسورة التحريم. وأرادت الخروج في حرب الجمل لتناصر عائشة في قتالها لأمير المؤمنين (علیه السلام) لولا أنها منعت من ذلك.
وأما أم سلمة (رضي الله عنها) فلم يكن لها من عمل إلاّ أنها بقيت في بيتها وأطاعت الله والرسول وقد حاولت عائشة أن تصحبها معها لحرب علي فرفضت.
وقس على هذا سائر النساء.
فأين كانت المرأة من تولّي السلطة والتصدّي للأمور.
وأما ما ذكره حول الإجماع فنقول في جوابه: إنّ اتفاق العلماء والفقهاء قاطبة منذ الصدر الأول إلى يومنا هذا أتراه كان بلا مستند، وعلى فرض أنه مدركي فالمدرك ثابت.
وأما ما ناقش به الروايات ففيه:
أولاً: إنّ الروايات بلغت من الكثرة حدّاً يمكن معه دعوى التواتر الإجمالي.
وثانياً: إنّ هناك روايات صحيحة الأسناد لم يذكرها المستدل.
وثالثاً: إنّ محل الكلام هو أهلية المرأة لتولّي السلطة وتصدّيها للأمور مطلقاً أي سواء كانت مستقلة في ولايتها أو معها غيرها، ودعوى أن كونها محكومة بالمشاورة والقانون - في حالة تولّيها - مردودة بأنّ الأدلة تمنع من ذلك جملة وتفصيلاً، على أن الاستقلالية غير متحقّقة حتى بالنسبة للرجال أيضاً فإنهم في سلطتهم وولايتهم يجرون على طبق القانون والمشاورة، وهذا أمر بيّن لا خفاء فيه على أحد لاحظ سيرة كل من تولّى أمراً من الأمور
فإنها بيّنة الخلل لمن مارس أواطّلععلى أساليب الاستدلالات الفقهية.
ولعلّ الدافع لطرح هذه المسألة وتبنّي الدعوة إلى أهلية المرأة والدفاع عنها بحرارة هو إما ملاحظة وضع المرأة اليوم، وتطلّعها وانخراطها في الساحة
الاجتماعية والسياسية، وإما توهّم أن المرأة تعيش الحرمان والظلم فلابدّ من السعي لحفظ حقها، ومراعاة كرامتها، مما جعل المستدل في موقف حرج دفعه لمعالجة ذلك بهذا النحو من الاستدلالات الواهية مستنداً إلى أصل مزيّف وهو قوله: «كلّ ما كان من بديهيات الفقه فليس من بديهيات الشريعة» الأمر الذي أدّى به إلى هذا الاشتباه متخيلاً أنه أصاب الحقيقة وفهمها دون سواه.
ولا يناسب المقام أن نتحدّث عن تكوين المرأة وطبيعتها ومقدار إمكانياتها وشؤونها النفسية، والعاطفية، ومدى استعدادها وقابليتها لتولي الأمور، وقد كتب في هذا المجال المحققون وذوي الاختصاص كتباً وبحوثاً وافية، وإنما قلنا لا يناسب المقام لأنّ دائرة بحثنا تنحصر في حدود الأدلة الشرعية والوقوف على مستندات الأحكام الواصلة إلينا، وقد تناولنا هذه المسألة بالبحث والتتبع في الأبحاث المتقدمة، ومنها يعلم وجود الخلل والضعف فيما ذكره هذا المستدل.
على أنه قد اعترف في بعض كلماته أنّ جعل سلطة الطلاق بيد الزوج هو أسلم الفروض وأبعدها من المفاسد، وأوفقها بمصلحة الزوجين والأسرة، وأنّ هذا الفرض هو الأليق بقدسية العلاقة الزوجية وخصوصيتها بكرامة الزوجين وأولادهما وسمعة الجميع في المجتمع(1)وذكر نظير هذا في مسألة اعتبار التعدد في شهادة النساء(2).
وفي ختام هذا الأمر نكتفي بتوجيه الأسئلة التالية:
الأول: هل يمكن التسليم بأنّ : «كلّ ما كان من بديهيات الفقه فليس من بديهيات الشريعة» بمعنى أن جميع الفقهاء من صدر الإسلام وإلى يومنا هذا كانوا
على الخطأ عمداً أو جهلاً، ولم يتبين ذلك إلاّ ممن لم يتميز بنبوغ نادر وإحاطة واسعة وخبرة أكثر من غيره بحيث يتنبه إلى ما لم يتنبه إليه أحد؟
الثاني: هل من المعقول أن تكون أحكام الدين وقضايا الشريعة على حسب مشتهيات الناس ورغباتهم؟ وهل أنّ معالجة المواقف تتطلب طرح ما يوافق هوى الناس؟
الثالث: هل كان الشارع المقدس جاهلاً بحقائق الأشياء وبمقادير قابليتها واستعدادها، وأنه لم يعط كلّ ذي حقّ حقه بالقسط والعدل، حفظاً للنظام ورعاية للأصلح، حتى نحتاج إلى الدفاع عن جانب والأخذ بجانب آخر وإثبات شيء ونفي آخر بتكلّفات وتوجيهات واهية، مع الغفلة عما يترتب على ذلك من المفاسد من اختلال النظام الاجتماعي، وتشتت الأحوال، والتورّط في الضلالات والمعاصي ومن هو المسؤول عن ذلك؟؟؟
أعاذنا الله سبحانه وتعالى من الزلل والخطل في القول والعمل بحق محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
ومما يؤيد المقام ويوضّح أنّ الشارع المقدّس المحيط بجميع المصالح والمفاسد قد راعى مكانة المرأة وصلاحيتها في حفظ نظام المجتمع الصغير وهو البيت الذي هو الأصل لنظام المجتمع الكبير، وأنه قد وضعها في موضعها اللائق بها من دون أن تخدش كرامتها أو يُحطّ من قدرها ما اورده صاحب تفسير الميزان نقلاً عن الدر المنثور(1): أخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية، أنها أتت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي إني وافدة النساء إليك، واعلم - نفسي لك الفداء - أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا إلاّ وهي على مثل رأيي، إنّ الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنّا بك وبإلهك الذي
1) الدر المنثور في التفسير بالمأثور 2 : 518
أرسلك، وإنّا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضّلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحجّ بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإنّ الرجل منكم إذا خرج حاجّاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم،وغزلنا لكم أثوابكم، وربّينا لكم أموالكم (أولادكم) فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى أصحابه بوجهه كلّه ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله ما ظننّا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إليها ثم قال لها: انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء: أنّ حسن تبعّل إحداكنّ لزوجها، وطلبها مرضاته، واتّباعها موافقته يعدل ذلك كلّه، فأدبرت المرأة وهي تهلّل وتكبّر استبشاراً(1).
والمستفاد من هذه الرواية أنّ وظيفة المرأة هو حسن التبعّل، وأنّ مكانها اللائق بها هو البيت، وأنّ لها من الأجر والثواب - إذا قامت بوظيفتها - ما يعدل ثواب الرجل في حضوره الجمعة والجماعة، وعيادة المريض وحضور الجنازة، والحجّ، والمرابطة، والجهاد، وهذا لا ينقص من شأن المرأة ولا يمس بكرامتها، وشأنها شأن الرجل في جميع الفضائل والمكارم، بل ربّ امرأة أفضل وأكرم - عند الله تعالى - من كثير من الرجال، واختصاص بعض الأحكام بأحدهما دون الآخر لا يوجب منقصة، فإنّ الصلاة - وهي عمود الدين ولا تسقط بحال - تسقط عن المرأة في بعض الأحوال، وهكذا عدم تولّيها القضاء والولاية، فلا وجه للاستيحاش أو توهّم النقص في ذلك، فإنّ الشارع المقدّس وهو الحكيم قد جعل كلاًّ من الرجل والمرأة في موضعه اللائق به وأسند إليه ما يناسبه من الأحكام وهو
1) الميزان في تفسير القرآن 4 : 350 ، الطبعة الخامسة
الهادي والعالم بالصواب.
هذا تمام الكلام حول اشتراط الذكورة، وإنما أطلنا الكلام فيه لاقتضاء المقام.
وأما الشرط الرابع - من شرائط الفقيه - وهو الإيمان بمعناه الأخصّ فهو مما لا إشكال في اعتباره، وهو ثابت بالأدلة الأربعة.
أما من الكتاب فبعدّة آيات:
منها: قوله تعالى: «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ»(1). ولا إشكال في أنّ غير المؤمن من أوضح مصاديق الظالم.
ومنها: قوله تعالى: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً»(2).ولا شكّ أن الولاية سبيل من أقوى السبل، والآية تنفي ولاية الكافرين على المؤمنين، وبناء على القول بأنّ المخالفين في حكم الكافرين فالآية تنفي ولاية المخالفين أيضاً.
وغيرهما من الآيات.
وأما من الروايات: فبما تقدم من الطوائف الكثيرة بناء على دلالتها على الولاية فإنّ اعتبار الإيمان فيها واضح.
وأما الإجماع: فقد ذكر صاحب مفتاح الكرامة(3)أنه ثابت معلوماً ومنقولاً، ونسبه إلى المسالك، والكفاية، والمفاتيح، ومثله صاحب الرياض(4).
وكلامهما وإن كان في القاضي فيكون بالنسبة إلى الوالي بطريق أولى.
وأما العقل فدلالته واضحة، وذلك لأنّ الولي هو القائم مقام المعصوم في
التصدّي لأمور الدين والدنيا وهو المؤتمن عليها، فمنصب الولاية بنفسه يقتضي الإيمان بمبادىء الإسلام والاعتقاد بأصول وتعاليم أهل البيت (علیهم السلام)، ولو كان معتقداً بخلافها لكان في ذلك نقض للغرض، ولا مجال حينئذ للاطمئنان به.
مضافاً إلى أنّه إذا كان غير المؤمن ليس أهلاً لإمامة الجماعة، ولا تولّي القضاء، ولا تقبل له شهادة، فعدم صلاحيته للولاية بطريق أولى.
والحاصل: أنّ هذا الشرط مما لا إشكال في اعتباره.
وأما الشرط الخامس وهو العدالة فممّا لا إشكال في اشتراطه.
وقد استدل عليه بالأدلة الأربعة:
أما من الكتاب فبعدة آيات:
منها: قوله تعالى: «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ...» (1).
ومنها: قوله تعالى: «وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ...» (2).
ومنها: قوله تعالى: «وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً...» (3).
ومنها: قوله تعالى: «وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَهَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً »(4).
وغيرها من الآيات.
ولا إشكال أنّ الفاسق أحد مصاديق هذه الآيات.
وأما من السنة فبعدة روايات.
منها: موثقة حنان عن أبيه عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): لا تصلح الإمامة إلاّ لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم
يملك به غضبه، وحسن الولاية على من يلي حتى يكون لهم كالوالد الرحيم(1).
وهذه الرواية وإن كان في سندها صالح بن السندي ولم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد نوادر الحكمة(2)، وذلك كاف في اعتبار وثاقته والأخذ بروايته.
ومنها: ما ورد في تحف العقول عن الصادق (علیه السلام) - في حديث - وأما وجه الحرام من الولاية فولاية الوالي الجائر، وولاية ولاته، الرئيس منهم واتباع الوالي فمن دونه من ولاة الولاة إلى أدناهم باباً من أبواب الولاية على من هو والٍ عليه، والعمل لهم والكسب معهم بجهة الولاية لهم حرام ومحرّم(3).
ودلالة هاتين الروايتين إنما تتم بناء على أن المراد من الولاية معناها الأعم وليست مختصّة بمن يدّعي الإمامة وإلاّ فهما أجنبيّتان عن المقام.
ومنها: ما يستفاد من أكثر روايات الطوائف المتقدمة الدالة على ثبوت الولاية للفقيه، كالتوقيع الشريف وغيره، فإنّ قوله (علیه السلام): « ... فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله ...» (4)يدل على أنّ الفاسق لا يمكن أن يكون حجة من قبل الإمام(علیه السلام).
وأما الإجماع فقد ادّعاه صاحب مفتاح الكرامة معلوماً ومنقولاً(5).وقال صاحب الجواهر: بلا خلاف أجده(6)، وفي المسالك: إنه موضع وفاق(7).
وأما العقل فمن وجهين:
1) أصول الكافي ج1، باب ما يجب من حق الإمام على الرعية، وحق الرعية على الإمام (علیه السلام)، الحديث 8 ، ص 407
2) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 141
3) تحف العقول: 332 الطبعة الثانية
4) كمال الدين وتمام النعمة ج2 ، باب 45 ذكر التوقيعات الواردة عن القائم (علیه السلام) ، الحديث4، ص483
5) مفتاح الكرامة 10 : 9
6) جواهر الكلام 40 : 12
7) مسالك الأفهام 2 : 351 ، الطبع القديم
الأول: أنّ الفاسق لا يطمأنّ إليه، فكيف يعتمد عليه في هذا الشأن وتجعل له الولاية على الأمور.
الثاني: أنّ العدالة معتبرة في إمام الجماعة والشاهد والقاضي، وذلك يقتضي بالأولوية القطعية اعتبارها في الوالي.
فالظاهر أنّ ثبوت هذا الشرط مما لا إشكال فيه.
وأما الشرط السادس وهو العلم فلا إشكال في اعتباره في الجملة، فإن الجاهل بالأحكام ليس أهلاً للولاية، وإنما الكلام في أنّه هل يعتبر الاجتهاد والفقاهة في العلم أو يكتفي بالتقليد؟ وعلى فرض اعتبار الاجتهاد فهل لابدّ أن يكون مطلقاً أو يكتفى بالتجزّي؟ ثم بناء على اعتبار الإطلاق في الاجتهاد فهل الأعلمية معتبرة أيضاً أو لا؟
فهاهنا جهات ثلاث لابد من البحث حولها بما يناسب المقام.
الجهة الأولى: في أنّ الولاية هل هي ثابتة لمن يستقل بأهلية الفتوى أو تشمل مطلق العالم وإن كان مستنداً إلى فتوى الغير.
والظاهر أنه لا خلاف ولا إشكال في اعتبار الاستقلال في الأهلية، وقد ادّعي الإجماع عليه بالنسبة إلى القاضي كما في المسالك والكفاية على ما في المفتاح(1)والجواهر(2)، فهو بالنسبة إلى الوالي بطريق أولى.
نعم قوّى صاحب الجواهر عدم اعتباره في القاضي(3)، غير أنّ الذي يظهر من كلماته ! في مواضع مختلفة حول ولاية الفقيه والحاكم الشرعي هو اعتبار الاجتهاد في الوالي(4). وسيأتي ما في دعوى الإجماع.
ويمكن الاستدلال على الاعتبار بأمور:
الأول: بالأصل.
وبيانه: أن الأصل الأولي يقضي بعدم ولاية أحد على أحد، وحيث إنّالولاية على الغير أو على الأمور العامة خلاف الأصل فلابدّ من رفع اليد عنه بمقدار الدليل والإذن الشرعي، والقدر المتيقّن منه هو المجتهد الجامع للشرائط، وأما من عداه فهو باق تحت مقتضى الأصل ويحكم بعدم ولايته.
الثاني: بالكتاب.
ومنه: قوله تعالى: «أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(1).
وتقريب الاستدلال: أنّ الآية الشريفة وأن كانت واردة في مقام الإنكار على المشركين - حيث احتجّ الباري تعالى عليهم بأنه هل أن من كان على الهدى أو مهتدياً بنفسه إلى الحق هو الأحقّ والأليق بالاتباع، أم أنّ الأحق والأليق بذلك من لم يكن كذلك؟ كمن ليس قابلاً للهداية أو كان مهتدياً بغيره.
ولاشكّ أنّ الفطرة السليمة تحكم بأنّ الأول هو المتعيّن - إلاّ أنّها بمقتضى إطلاقها شاملة لما نحن فيه أيضاً، إذ المجتهد مهتدياً بنفسه إلى معرفة الحكم والوظيفة بخلاف المقلد فإنه مهتد اليهما بغيره فيتعيّن اتباع المجتهد دون المقلّد، والأحقيّة في الآية منسلخة عن معناها بمعنى أنّ أفعل التفضيل الدال على المشاركة والزيادة غير ملحوظ في الآية وأنّ المراد هو تعيّن الاتباع كما في قوله تعالى: «وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ»(2)، وقوله تعالى: «فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»(3).
ومنه: قوله تعالى: «وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» (1).
وقد حكت الآية الشريفة بعض أحوال بني إسرائيل كما ورد في تفسيرها في صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (علیه السلام): إنّ بني إسرائيل بعد موسى (علیه السلام) عملوا المعاصي وغيّروا دين الله، وعتوا عن أمر ربّهم، وكان فيهم نبيّ يأمرهم وينهاهم فلم يطيعوه، وروي أنه أرميا النبيّ، فسلّط اللهعليهم جالوت، وهو من القبط فأذلّهم وقتل رجالهم وأخرجهم من ديارهم وأموالهم واستعبد نساءهم ففزعوا إلى نبيّهم، وقالوا سل الله أن يبعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، وكانت النبوة في بني إسرائيل في بيت، والملك والسلطان في بيت آخر، لم يجمع الله لهم الملك والنبوة في بيت واحد، فمن ذلك «قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً...» الخ، وقوله: «وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً » فغضبوا من ذلك «قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ » وكانت النبوّة في ولد لاوي، والملك في ولد يوسف، وكان طالوت من ولد بنيامين أخي يوسف لأمه لم يكن من بيت النبوة ولا من بيت المملكة، فقال لهم نبيّهم: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» وكان أعظمهم جسماً، وكان شجاعاً قويّاً، وكان أعلمهم، إلاّ أنه كان فقيراً فعابوه بالفقر فقالوا لم يؤت سعة من المال ...(2).
وموضع الشاهد قوله تعالى: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي
الْعِلْمِ...» فإنّه تعالى بيّن سبب اصطفائه عليهم وأنه زيادة البسطة في العلم والجسم، أي كان أعظمهم جسماً وكان شجاعاً قوياً وكان أعلمهم، كما في الرواية.
والمستفاد من ذلك أنّ مما يوجب الأهلية للولاية هو البسطة في العلم.
فإذا دار الأمر فيما نحن فيه بين المجتهد وغيره فالمتعيّن هو المجتهد.
الثالث: الروايات:
ومنها: ما تقدّم من الطوائف العشر التي استدل بها على ثبوت الولاية للفقيه، فإنّ جل تلك الروايات تدل على ذلك لصراحة بعضها في الدلالة كرواية تحف العقول حيث ورد فيها: «أنّ مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه...» (1).
وظهور بعضها الآخر فيها حيث جُعل الموضوع الفقهاء تارة، والعلماء أخرى ورواة الأحاديث الذين هم المرجع في الحوادث الواقعة والحجّة من قبل الإمام(علیه السلام) ثالثة، وهذه العناوين كلّها ظاهرة في أنّ المراد هو المجتهد، ولذا لا يقال لمن كان عارفاً بالمسائل عن طريق فتوى الغير إنّه فقيه أو من العلماء أو مرجع في الحوادث.ومنها: الروايات الواردة في خصوص هذا المورد.
منها: صحيحة عيص بن القاسم قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وانظروا لأنفسكم، فوالله إنّ الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها...(2).
والمستفاد منها أنّ المتصدّي للأمور ورعاية مصالح الأمة لابدّ وأن يكون
عالماً بمخارجها ومداخلها.
ومنها: ما ورد في عهد الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه) حينما ولاّه على مصر: ... ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلّة ... ثم أكثر تعاهد قضائه وأفسح له في البذل ما يزيح علّته، وتقلّ معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره ...(1).
ولا إشكال في السند فإنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى عهد الإمام (علیه السلام) لمالك (رضي الله عنه) فإنه يرويه عن ابن أبي جيد، عن محمد بن الحسن، عن الحميري، عن هارون بن مسلم، والحسن بن طريف جميعاً، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) (2).
والظاهر أنّ المراد بالعهد هو العهد المشهور المعروف الوارد في نهج البلاغة ولو كان هناك عهد آخر لأشير إليه.
وأما من جهة الدلالة فهي تامة أيضاً حيث إنّ الإمام (علیه السلام) أمر مالكاً بتعاهد قضاء القاضي، وذلك يقتضي أن يكون مالك - وهو الوالي - عالماً فقيهاً وإلاّ فلا معنى للتعاهد، اللهم إلاّ أن يناقش من جهة أخرى وهي أنّ كلامه (علیه السلام) لا يدلّ على عدم جواز تنصيب غير العالم الفقيه.
ويجاب أولاً: إذا كانت وظيفة الوالي هو تعاهد قضاء القاضي فلازمه أن يكون الوالي أعلم وأفقه.
وثانياً: إنّ المستفاد من كلامه (علیه السلام) حيث أمر باختيار الأفضل للحكم والقضاء بين الناس أنّ الأفضلية معتبرة في الوالي بطريق أولى.
ومنها: ما ورد في مجالس الشيخ ! بسنده عن الحسن بن علي (علیه السلام) في خطبته قال: وقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ما ولّت أمّة أمرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه إلاّ لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا(1).
وورد نظيرها في كتاب سليم بن قيس عن أمير المؤمنين (علیه السلام) - في كلام له (علیه السلام): -... فينبغي أن لا يكون الخليفة على الأمة إلاّ أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيّه ... وقال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): ما ولّت أمّة قطّ أمرها رجلاً وفيهم أعلم منه إلاّ لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا...(2).
ووردت في موضع آخر من كتاب سليم عن الحسن بن علي بن أبي طالب (علیه السلام) وفيها: «حتى يرجعوا إلى ملّة عبدة العجل ...» (3).
والظاهر أنّها من جهة الدلالة تامة، فإنّ العلم بالكتاب والسنة لا يختصّ بالإمام المعصوم(علیه السلام) وإن اختلفت مراتب العلم بهما بين المعصوم (علیه السلام) وغيره.
ولكن قد يقال: إنّ المستفاد من كلام الإمام (علیه السلام) أنّ المقصود هو الإمام المعصوم (علیه السلام) فإنّ كلامه (علیه السلام) في مقام الاحتجاج في أمر الإمامة والخلافة بعد النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) . مضافاً إلى أنّ العلم بالكتاب والسنة من مختصّات الإمام (علیه السلام) وأما من عداه فقد يكون علمه جهلاً مركباً.
ويمكن أن يجاب بأنّ كلامه (علیه السلام) وإن كان وارداً في مقام الاحتجاج إلاّ أنه حيث استشهد(علیه السلام) بقول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فذلك قرينة على إرادة الأعم، وأما العلم بالكتاب والسنة فإن كان المراد به العلم الواقعي فهو من مختصاتهم (علیهم السلام) وإن كان المراد به استفراغ الوسع بحسب الطاقة والاستعانة بسائر الأدلة فهو شامل لما نحن
فيه، والظاهر أنّ المراد هو الثاني، وعليه فالعلم بالكتاب والسنة بمعنى الإحاطة بمدارك الأحكام والقدرة على استنباطها معتبر في كلّ من يتصدّى للأمور العامة.
وأما من جهة السند فطريق الشيخ إلى الرواية وإن كان ضعيفاً فتكونمؤيدة، إلاّ أن طريقها في كتاب سليم معتبر، بناء على ما حققناه في مباحثنا الرجالية(1)فيمكن الاستدلال بها ولا يبعد أنها رواية واحدة وردت بعدّة طرق، ومنها: ما رواه المفيد في الاختصاص حيث قال: وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من تعلّم علماً ليماري به السفهاء، ويباهي به العلماء، ويصرف به الناس إلى نفسه يقول: أنا رئيسكم فليتبوء مقعده من النار، ثم قال: إنّ الرئاسة لا تصلح إلاّ لأهلها، فمن دعا إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منهم لم ينظر الله إليه يوم القيامة(2).
والرواية من جهة الدلالة واضحة، إلاّ أنها من جهة السند ضعيفة فتكون مؤيدة.
ومنها: ما رواه العرزمي عن أبيه رفع الحديث إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: من أمّ قوماً وفيهم من هو أعلم منه لم يزل أمرهم إلى السفال إلى يوم القيامة(3).
وهذه الرواية ضعيفة سنداً ودلالة.
أما من جهة السند فقد وردت بأربعة طرق(4)
وطريق الصدوق في عقاب الأعمال هو طريق البرقي فإن الطريقين يشتركان في محمد بن خالد والد صاحب المحاسن.
ورواها الشيخ في التهذيب بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن العباس بن عامر القصباني، وأيوب بن نوح، عن العباس، عن داود بن الحصين، عن سفيان الجريري (الحريزي) ، عن العرزمي، عن أبيه. تهذيب الأحكام ج 3 باب 3 أحكام الجماعة وأقل الجماعة وصفة الإمام ... الحديث 106 ، ص 56 . وهذا الطريق يشترك مع طريق الصدوق في العلل، في العباس بن عامر
.1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 278 - 280 الطبعة الأولى
2) مصنفات الشيخ المفيد ج 12 ، كتاب الاختصاص ص 251
3) وسائل الشيعة ج 5 باب 26 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1
4) فقد رواها الصدوق ! في كتاب عقاب الأعمال عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، عن القاسم بن محمد الجوهري، عن الحسين بن أبي العلاء، عن العرزمي، عن أبيه، وفيها: «من هو أعلم منه وأفقه لم يزل ...» ثواب الأعمال وعقاب الأعمال - باب من أمّ قوماً وفيهم من هو أعلم منه وأفقه الحديث 1 ، ص 246 . ورواها أيضاً في العلل عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أيوب بن نوح، عن العباس بن عامر، عن داود بن الحصين، عن سفيان الحريزي (الحريري) عن العرزمي عن أبيه. علل الشرائع باب 20 العلة التي من أجلها لا يصلّى خلف السفيه والفاسق، الحديث 4 ، ص 326 . ورواها البرقي في المحاسن عن أبيه، عن القاسم الجوهري، عن الحسين بن أبي العلاء، عن العرزمي، عن أبيه، وفيها: «وفيهم أعلم منه أو أفقه منه لم يزل ...» المحاسن - كتاب عقاب الأعمال - باب 18 عقاب من اتخذ إمام جور، الحديث 59 ، ص 93 .
وكلها ضعيفة، فإنهاتنتهي إلى العرزمي، عن أبيه، وهو يرفعه إلى النبي.
وأما ضعف الدلالة فلأنّ الظاهر من قوله: «من أمّ قوماً» أنّ ذلك مختص بالإمامة في صلاة الجماعة، لا الإمامة في الدين والتصدّي للأمور العامة.
ومنها: ما في تحف العقول عن الصادق (علیه السلام): من دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضالّ(1).
والظاهر أنّ المراد من قوله: «من دعا إلى نفسه» مطلق الرئاسة لا خصوص الإمامة فيمكن التمسك بها أيضاً.
ومن الواضح أنّ العامي المقلّد لا يسمّى عالماً، وعلى فرض صدق التسمية إلاّ أن المجتهد أعلم منه قطعاً، وعليه فالدلالة تامة، ولكن الكلام في السند فتكون مؤيّدة.
وهذه الروايات وإن كانت واردة في مقام الأعلمية والأفضلية إلاّ أنه لا مانع من الاستدلال بها على أصل الموضوع وهو العلم، على أنه سيأتي الكلام
1) تحف العقول : 375 الطبعة الثانية منشورات جماعة المدرسين
حول الأعلمية في الجهة الثالثة.
ثم إنّ هنا روايتين صحيحتين قد يستدل بهما على ما نحن فيه.
الأولى: صحيحة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي - في حديث طويل - ... وفيه قال أبو عبد الله (علیه السلام): فإنّ أبي حدثني - وكان خير أهل الأرض وأعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) - أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: من ضرب الناس بسيفه، ودعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضالّ متكلّف(1).
الثانية: صحيحة الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: من خرج يدعو الناس وفيهم من هو أعلم منه فهو ضالّ مبتدع، ومن ادّعى الإمامة وليس بإمام فهو كافر(2).
وهاتان الروايتان وإن كانتا صحيحتي السند، إلاّ أنهما أجنبيّتان عن محلّ الكلام، لأنّ موردهما الخروج بالسيف والقهر، وادّعاء الباطل، فالاستدلال بهما غير تام.
وقد ادّعي الإجماع على اعتبار الاجتهاد في الوالي، والمسألة وإن لم تكن معنونة في كلمات أكثر الأصحاب إلاّ أنه يمكن استفادة ذلك مما ورد عنهم في باب القضاء حيث ادّعي الإجماع على اعتبار الاجتهاد في القاضي على ما نقله في المفتاح والجواهر - كما ذكرنا - فيثبت فيما نحن فيه بطريق أولى.
وقد ذكرنا أنّ صاحب الجواهر ! قد ناقش في اعتباره بالنسبة إلى القضاء ونقل ما حكاه صاحب التنقيح عن المبسوط من أنّ في المسألة أقوالاً ثلاثة:
أولها: جواز كونه عامّياً، ويستفتي العلماء ويقضي بفتواهم ...(1).
ولكن لم يظهر منه عدم اعتباره بالنسبة إلى الولاية، بل الظاهر من عدّة مواضع من كلماته هو الاعتبار وقد نقلنا بعضها فيما تقدّم.
هذا، ولكن يمكن المناقشة في حجيّة الإجماع في المقام، وكذا في حجيته في القضاء لاحتمال أن يكون مستفاداً من الأدلة الأخرى وليس كاشفاً عن قول المعصوم (علیه السلام) .
والمناقشة وإن كانت واردة على بعض ما استدلّ به إلاّ أنّ الظاهر أنّ أصل المسألة وهو اعتبار الاجتهاد في الولاية الشرعية ثابت.
الجهة الثانية: هل المعتبر في الوالي هو الاجتهاد المطلق أو يكفي التجزّي؟
وتبتني هذه المسألة على القول بإمكان التجزّي في الاجتهاد بأن تتحقّق ملكة الاستنباط لشخص في بعض أبواب الفقه دون بعض، وإلاّ فهي خارجة عما نحن فيه.
والظاهر هو اعتبار الاجتهاد المطلق في الوالي سواء قلنا بحجّية فتوى المجتهد المتجزّي بالنسبة إلى نفسه أو لغيره، وكذلك نفوذ قضائه أو لم نقل بذلك.
ويمكن الاستدلال عليه بوجهين:
الأول: بالأصل.
وقد ذكرنا في ما تقدم أنّ الأصل الأولي يقضي بعدم ولاية أحد على أحد إلاّ ما علم من الشارع الإذن فيه، والقدر المتيقّن منه هو المجتهدالذي تحقّقت له الملكة الفعلية لاستنباط جميع الأحكام أو أكثرها، وأما إذا لم يستنبط أصلاً وإن كانت الملكة متحقّقة، أو من لم تتحقق له الملكة المطلقة ولا قدرة له على الاستنباط إلاّ في باب واحد أو مسألة أو مسألتين فلا يصدق عليه عنوان العالم أو الفقيه.
1) جواهر الكلام 40 : 19 الطبعة السادسة
وعلى فرض الصدق يكون من الشبهة المصداقية فلا يكون داخلاً تحت الأصل المذكور.
الثاني: بالأدلة اللفظية وذلك:
أولاً: إنّ الموضوع في أكثر الروايات الواردة في المقام هو الفقيه أو العالم، والظاهر أن المراد من إطلاقه هو المجتهد دون غيره، ومع فرض الشكّ فلابدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن وهو المجتهد المطلق.
وثانياً: إنّ المستفاد من الروايات الواردة في القضاء هو اعتبار كون القاضي مجتهداً، فاعتبار الاجتهاد في الوالي بطريق أولى.
وقد يناقش في ذلك كما في الجواهر(1)بأنّ المستفاد من بعض هذه الروايات كرواية أبي خديجة سالم بن مكرم نفوذ قضاء المجتهد المتجزّي أيضاً، وذلك لقوله(علیه السلام): «ولكن انظروا إلى رجل منكم يعرف شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه ...» (2).
حيث يستفاد من ذلك أنّ العلم ببعض أحكامهم وقضاياهم (علیهم السلام) كافٍ في الأهلية للقضاء، فيكون المراد هو الأعمّ من المجتهد المطلق فيشمل المتجزّي.
ولا يخفى أنه بالقياس إلى علوم الأئمة (علیهم السلام) وأحكامهم وقضاياهم التي لا حدود لها بحيث يمكن أن يقال إنّ المجتهد يعلم شيئاً من قضاياهم وأحكامهم (علیهم السلام)، وما ذكره صاحب الجواهر من أن العلم ببعض الأحكام والقضايا إن أراد به الاجتهاد فهو، وإلاّ فلا يصدق عرفاً على المقلّد الذي يعرف باباً أو مسألة أو مسألتين أنه يعرف شيئاً من قضاياهم وأحكامهم (علیهم السلام) .
والشاهد على ذلك ما ذكره السيد الأستاذ ! في مجلس البحث: أنه نقل أنّ
صاحب الجواهر ! لمّا حضرته الوفاة سُمِع من جهة خفيّة أنّ عنده شيئاً من علم جعفر بن محمد(علیه السلام) .
مع أنّه ! كان أستاذ الفقهاء في زمانه، وفي ذلك دلالة على أنّ المرادبلفظ (شيئاً) الوارد في الرواية هو القلّة الإضافية، فلا يصح التمسّك بها في المقام.
نعم ورد في بعض نسخ الرواية: «يعلم شيئاً من قضائنا» كما في الكافي(1)والفقيه(2)، ومن المعلوم أن أحكام القضاء محصورة وليست بكثيرة، وعليه فيصدق على المتجزّي أيضاً أنه يعلم شيئاً من قضائهم (علیهم السلام) .
ويمكن الجواب عن هذا أيضاً بوجوه:
الأول: أنه مع اختلاف النسخ وأن في بعضها: «قضايانا» كما في التهذيب(3)
الحديث 8 ، ص 219
فلم تحرز صحة هذه النسخة، فتكون الرواية مجملة من هذه الناحية، ولابدّ حينئذ من الأخذ بالقدر المتيقّن أو المبيّن في سائر الروايات.الثاني: أنه على فرض تمامية الدلالة تكون الرواية مطلقة قابلة للتقييد، فتقيّد بما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة الظاهرة في اعتبار الاجتهاد المطلق حيث قال(علیه السلام): «ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» (4).
الثالث: بما ذكره السيد الأستاذ ! من أنّ الرواية خارجة عن محل الكلام لأنها غير ناظرة إلى نصب القاضي ابتداءاً، فإن قوله (علیه السلام): «فإني قد جعلته قاضياً» متفرّع على قوله: «فاجعلوه بينكم قاضياً» فتكون الرواية واردة في القاضي المجعول من قبل المتخاصمين، ولا يعتبر فيه الاجتهاد(5).
1) فروع الكافي ج 7 باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور، الحديث 4 ، ص 412
2) من لا يحضره الفقيه ج 3 باب من يجوز التحاكم إليه ومن لا يجوز، الحديث 1 ، ص 2
3) تهذيب الأحكام ج 6 باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين،
4) وسائل الشيعة ج 18 باب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1
5) مباني تكملة المنهاج 1 : 8
وفي ما ذكره ! من عدم اعتبار الاجتهاد في قاضي التحكيم خلاف، وتحقيقه موكول إلى محلّه.
وبالجملة إنّ الاستدلال بهذه الرواية على الاكتفاء بالتجزّي وعدم اعتبار الاجتهاد المطلق غير تام، وعلى فرض التمامية فلا يلازم ذلك عدم اعتباره في الوالي على ما يستفاد من الأدلة المتقدّمة.
الجهة الثالثة: هل تعتبر الأعلمية في الوالي أو لا؟
وفي المسألة احتمالات:الأول: الاعتبار واستدل عليه بوجوه:
أحدها: بالأصل كما تقدم بيانه في اعتبار أصل الاجتهاد.
ثانيها: بما تقدّم من الروايات كصحيحة عيص بن القاسم، وعهد الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه)، ومعتبرة سليم بن قيس وغيرها المؤيّدة ببقية الروايات، فإنها تدلّ بأجمعها على اعتبار الأعلمية في الوالي.
ثالثها: إنه لو لم تعتبر الأعلمية في الوالي، وقلنا بجواز الولاية لمطلق المجتهد، وفرضنا وجود عدد كثير من الفقهاء في عصر واحد، وكانوا جامعين للشرائط فلا يخلو الحال: إما أن تكون الولاية لكل واحد منهم على نحو الاستقلال مع جواز إعمال كلّ منهم ولايته، وإما أن تكون الولاية لكل واحد منهم مع عدم جواز إعمال الولاية إلاّ لواحد منهم، وإما أن تكون الولاية لكل واحد بشرط الاتفاق فيما بينهم، وإما أن تكون الولاية لمجموعهم لا لكلّ واحد واحد منهم، وإما أن تكون الولاية لواحد منهم إلاّ أن تعيينه يتمّ عن طريق اختيار الأمة وانتخابها له من بينهم، وإما أن تكون الولاية لواحد منهم وهو الأعلم.
وجميع هذه المحتملات باطلة، ولا طريق إلى إثباتها ما عدا الأخير، فيتعيّن، فلا مناص عن القول باعتبار الأعلمية في الوالي.
أمّا بطلان الاحتمال الأول فلأنّ القول به يلزم منه حدوث الهرج والمرج ونقض الغرض، إذ الغاية من نصب الفقيه وولايته حفظ النظام ورفع الاختلال ومع هذا الاحتمال يوجب خلاف ذلك.
أما بيان اللازم فهو أنّ أنظار الفقهاء مختلفة، وباختلافها تختلف الكيفيّات في معالجة القضايا وإدارة الأمور التي يسوغ لهم التدخل فيها حتى بالنسبة إلى أموال القصّر والغيّب ونحوها، فكيف بغيرها من القضايا المهمّة، ولا إشكال أنّ ذلك مما يوجب الاختلال.
وأما بيان الملزوم فهو أنّ الولاية إنما جعلت وشرّعت لحفظ النظام وهي فرع عن ولاية الإمام (علیه السلام)، وكما لا يجوز نصب إمامين في زمان واحد بحيث يكون كل منهما متصرفاً في الأمور فكذلك بالنسبة إلى الفقهاء، وقد ورد في ذلك عدّة من الروايات: منها: ما ورد في رواية العلل عن الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) وقد جاء فيها ... فإن قال ]قائل قيل:[ : فلم لم يجوز أن يكون في الأرض إمامان في وقت واحد أو أكثر من ذلك؟
قيل: لعلل منها: إنّ الواحد لا يختلف فعله وتدبيره، والاثنين لا يتفقفعلهما وتدبيرهما، وذلك إنا لم نجد اثنين إلاّ مختلفي الهمم والإرادة، فإذا كانا اثنين ثم اختلفت هممهما وإرادتهما وكانا كلاهما مفترضي الطاعة لم يكن أحدهما أولى بالطاعة من صاحبه، فكأن يكون في ذلك اختلاف الخلق والتشاجر والفساد، ثم لا يكون أحد مطيعاً لأحدهما إلاّ وهو عاص للآخر فتعمّ المعصية أهل الأرض، ثم لا يكون لهم من ذلك السبيل إلى الطاعة والإيمان، ويكونون إنما أتوا في ذلك من قبل الصانع والذي وضع لهم باب الاختلاف ]وسبب[ التشاجر والفساد إذ
أمرهم باتّباع المختلفين ...(1).
وذكر (علیه السلام) علّتين أخريين لعدم جواز ذلك في الإمام (علیه السلام) - وهو المعصوم - فكيف بغيره؟
ومنها: صحيحة الحسين بن أبي العلاء، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) تكون الأرض ليس فيها إمام؟ قال: لا، قلت: يكون إمامان؟ قال: لا، إلاّ وأحدهما صامت(2).
وغيرهما من الروايات الواردة بهذا المضمون.
والحاصل: أنّ هذا الاحتمال باطل ولا يمكن المصير إليه.
وأمّا بطلان الاحتمال الثاني فلأنّه يلزم منه الإرجاع إلى شخص غير معيّن وهو مما لا يمكن الالتزام به، وعلى فرض التنزّل والقول بإمكان تعيينه بالقرعة، أو بالانتخاب من قبلهم، أو من قبل الناس، ففيه: مضافاً إلى عدم الدليل على ذلك، أنه يلزم لغوية جعل الولاية للآخرين، فهذا الاحتمال غير تام أيضاً.
وأما بطلان الاحتمالين الثالث والرابع فلأنّهما مضافاً إلى عدم القائل بهما مخالفان للسيرة قطعاً، ويوجبان الإعاقة والتعطيل لكثير من الأمور الراجعة إليهم، إذ قلّما يتحقق اتفاق النظر في أمر واحد فكيف بالأمور الكثيرة ولا سيّما الأمور التي لا تحتمل التأخير ولابدّ فيها من فورية اتخاذ القرار.
وأما بطلان الاحتمال الخامس وهو أن تكون الولاية لواحد ويتمّ تعيينه عن طريق الانتخاب والاختيار ففيه:
أولاً: عدم الدليل على ذلك، إذ لم يرد في أدلة ولاية الفقيه ما يشير إليه فضلاً عن الدلالة عليه، نعم ورد في قاضي التحكيم أنّ المتخاصمين يختاران
قاضياً يجعلانه بينهما، وبناء على شرعية ذلك وتمامية أدلته يقتصر عليه ولا يتعدّى إلى غيره.
وثانياً: إنه لا دليل على حجيّة الانتخاب في نفسه بمعنى أن يُعتمد عليه في تعيين الولاية في شخص وإسقاطها عن الباقين.
وحيث بلغ بنا الكلام إلى هذه النقطة فلا بأس بالإشارة إلى ما ذكره بعض الأعلام مستدلاًّ به على حجية الانتخاب، ثم الجواب عنه دفعاً للشبهة وإزاحة للالتباس فنقول: إنّ المستدل ذكر ستّة وعشرين أمراً زعم أنّها تدل على حجية الانتخاب، وأهم هذه الأمور خمسة:
الأول: السيرة العقلائية واستمرارها في جميع الأعصار والأمصار على الاستنابة والتوكيل في الأمور الشخصية، والاجتماعية، والنظامية، ومنها الولاية، وقد أمضاها الشارع المقدس.
الثاني: فحوى قاعدة السلطنة المستفادة من النبوي المشهور: «الناس مسلّطون على أموالهم»(1). ورواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ... إنّ لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حيّاً ...(2).
وغيرهما من الروايات، فإذا فرضنا أنّ الناس مسلّطون على أموالهم فبالنسبة إلى أنفسهم وشؤونهم بطريق أولى، فإنّ السلطنة على الذات قبل السلطنة على المال بحسب الرتبة، إذ أنّ المال محصول العمل وهو محصول الفكر والقوى، والإنسان بملكه لذاته وفكره وقواه تكويناً، يملك أمواله، وقد خلقه الله
سبحانه وتعالى مسلّطاً على ذاته حرّاً مختاراً، فليس لأحد أن يحدّد حرّيته أو يتصرّف في مقدّراته بدون إذنه، وحيث كان الإنسان مسلّطاً على نفسه فله أن ينتخب الفرد الأصلح ويولّيه على نفسه.
الثالث: إنّ الانتخاب يعتبر معاهدة ومعاقدة بين الوالي والأمة، ويدلّ على صحتهما ونفوذهما الآيات كقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(1)، والروايات كصحيحة ابن سنان، عن الصادق (علیه السلام): المسلمونعند شروطهم ...(2).
الرابع: ما دلّ من الآيات والروايات على الحثّ على الشورى في الأمر والولاية، كقوله تعالى: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ»(3)، وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها ...»(4)، وما رواه أبو الحسن الرضا (علیه السلام) عن آبائه عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: «من جاءكم يريد أن يفرّق الجماعة، ويغصب الأمة أمرها، ويتولّى من غير مشورة، فاقتلوه فإنّ الله عزّوجلّ قد أذن ذلك» (5).
الخامس: بما ورد في البيعة من الآيات والروايات.
أما الآيات فكقوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» (6)وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ»(7)وقوله
تعالى: «إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ...» (1).
وأما الروايات فهي كثيرة منها ما ورد في بيعة العقبتين(2)، ومنها ما ورد في بيعة الغدير(3)وما ورد في بيعة النساء للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (4)، ومبايعة الناس لأمير المؤمنين(علیه السلام) (5)ومبايعتهم للإمام الحسن (علیه السلام) (6)ومبايعة أهل الكوفة للإمام الحسين (علیه السلام) على يد مسلم بن عقيل(7)ومبايعة الناس للإمام الرضا (علیه السلام) بولاية العهد(8)، ومنها ما دلّ على مبايعة المؤمنين للإمامالحجّة (علیه السلام) (9)، وغيرها من الروايات وهي مشهورة معروفة.
والبيعة من المبايعة بين المتعاملين، والمصافقة بينهما هي إحدى طرق إنشاء المعاملة، بل أحكمها عند العرف، وبذلك تتحقق المقاولة والتراضي بين الطرفين، وفي مقام المبايعة يذكر الناس حوائجهم وشروطهم للرئيس وهو يضمن العمل والسعي لتحقيقها وإنجازها، وبعد التراضي ينشآن المبايعة بالمصافقة.
وهذا المعنى مطابق للاعتبار والفهم العرفي والمعنى اللغوي، وعليه فالبيعة في حدّ ذاتها نافذة، ولابدّ من الالتزام بمقتضاها، وقد أمضى الشارع ذلك كما ورد في الآيات والروايات.
ثم إنّ البيعة تارة تكون ابتدائية وأخرى تكون بعد النصب والتعيين، فإن
كانت ابتدائية فهي حجّة بنفسها، وإن كانت بعد النصب والتعيين فهي مؤكّدة للولاية المنصوبة، وكونها مؤكّدة يدلّ على أنّ لها أثراً وإلاّ فلا معنى للتأكيد، ولا سيّما مع الاهتمام بها في الموارد الكثيرة التي تقدمت الإشارة إليها.
وكما ورد الاهتمام بأمر البيعة والالتزام بها كذلك ورد الذمّ في نكثها ونقضها.
والحاصل: أنّ البيعة مما يمكن الاستدلال بها على حجّية الانتخاب والتعيين من قبل الأمة لمن يتولّى عليها(1).
هذه هي أهم الوجوه التي ذكرها في حجية الانتخاب وأما بقية الوجوه فهي ملفّقة من روايات العامة والخاصة، وقد حاول من خلالها أن يستنتج إثبات دعواه، وهي وجوه بعيدة لا يمكن المصير إليها، وكلّها ضعيفة سنداً ودلالة، ولذا لا نرى حاجة لذكرها والجواب عنها، وإنما نكتفي في الجواب عن الوجوه الخمسة التي هي أهمّ ما استدلّ به فنقول:
أما الأول ففيه: أنّ دعوى السيرة، مردودة بفعل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام)، فإنّ النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) كان يعيّن ولاته بنفسه، وقد نصّ على إمامة الأئمة (علیهم السلام) واحداً واحداً، وهكذا أمير المؤمنين (علیه السلام) من بعده، وكان كلّ إمام سابق ينصّ على الإمام اللاحق، بل في الواقع إنّ النصب والتعيين كانا من الله تعالى على أيديهم لا منهم (علیهم السلام) .
وقد ورد عدم حجّية انتخاب الناس بل الردع عنه في الآياتوالروايات الكثيرة.
أما الآيات فمنها قوله تعالى: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ»(2)وقوله تعالى: «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا
يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ»(1)وغيرهما.
وأما الروايات فهي كثيرة بل متواترة، وقد ذكرنا بعضها فيما تقدم وسيأتي ذكر بعض منها أيضاً.
وأما ما استشهد به(2)من كلام أمير المؤمنين (علیه السلام) المروي في كتاب سليم كقوله(علیه السلام): «والواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل ... أن لا يعملوا عملاً، ولا يحدثوا حدثاً، ولا يقدّموا يداً، ولا رجلاً، ولا يبدؤا بشيء، قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً، عالماً، ورعاً، عارفاً بالقضاء والسنة يجمع أمرهم ...» (3)فهذا إنما كان منه (علیه السلام) في مقام الجدال والاحتجاج على الناس بما اعتقدوا به، وإلزام لهم بما جروا عليه فكيف يستدل به على المدعى؟ مضافاً إلى أنه (علیه السلام) قد صرّح في نفس الرواية بأنّ ذلك لهم لو لم يكن هناك نصب وتعيين من قبل الله تعالى، وأما مع وجود التعيين فلا مجال لهم في الاختيار قال(علیه السلام): «هذا أول ما ينبغي أن يفعلوا أن يختاروا إماماً يجمع أمرهم إن كانت الخيرة لهم ويتابعوه ويطيعوه، وإن كانت الخيرة إلى الله عزوجل وإلى رسوله فإنّ الله قد كفاهم النظر في ذلك والاختيار ... - إلى أن قال (علیه السلام): - وإن كان الله عزوجل الذي يختار له الخيرة، فقد اختارني للأمة واستخلفني عليهم وأمرهم بطاعتي ونصرتي في كتابه المنزل وسنة نبيّه (صلی الله علیه و آله و سلم)، فذلك أقوى لحجّتي وأوجب لحقّي ...» (4).
ومن ذلك يظهر وجه الخلل فيما ذكره المستدل حيث استظهر وجوب اختيار الناس، وكونه منشأ للأثر، ولكنّه في رتبة متأخرة عن اختيار الله، فإذا لم
يكن منصوب كما في زمان الغيبة مثلاً فاختيار الناس هو الذي تنعقد به الإمامة(1).وذلك لأنّ الإمام (علیه السلام) حكم بأن ثبوت الحق للأمة في الاختيار مشروط بعدم النصب، وحيث إنّ النصب أمر حتمي ممتنع العدم كذلك يمتنع هذا الحق بالنسبة إليهم فإنّ المشروط بالممتنع ممتنع بالضرورة، وهذا نظير ما ورد في الآية الشريفة: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا»(2)وليس المقام نظير ما ورد في الصوم من قوله: «ذاك إلى الإمام إن صمت صمنا وإن أفطرت أفطرنا ...»(3)، نعم غاية ما تدل الرواية عليه هو ضرورة وجود الإمام (علیه السلام) وأنّ أصل الولاية لازمة على كل حال وهذا ثابت بالضرورة.
والحاصل: أنّ ما استشهد به لا شاهد له فيه بل هو شاهد عليه، وأنه إذا كان النصب متحققاً للوالي فلا مجال للانتخاب بل لا مشروعية فيه.
وأما الثاني ففيه: منع استفادة الأولوية من قاعدة السلطنة إن لم نقل إنّ التسالم على خلافه، وذلك لأنّ المال وإن كان من عمل الإنسان إلاّ أنه ليس بأهمّ من نفسه عند العرف والعقلاء حتى يمكن الاستدلال بالفحوى والأولوية، كيف! وهو مسلّط على إتلاف ماله، وبيعه، وهبته، فيا تُرى هل له إتلاف نفسه، أو جزء منها، أو بيعها، أو هبتها؟ هذا مضافاً إلى أنّ مسألة الولاية لا تختص بكونها على نفسه فقط بل هي سلطنة على الشؤون الاجتماعية والتدخل في أمور الغير من القصّر، والغيّب، والأيتام، والفروج، والدماء، فهل يحقّ لشخص أن يتسلّط على هذه الأمور بمجرّد تسلّطه على نفسه؟
وأما الثالث ففيه: أولاً: المنع من كون الانتخاب من مصاديق العقود، وذلك لأنّ الانتخاب في مرتبة سابقة على العقد وهو مقدمة له وليس عينه، فلا
يعدّ مجرّد الانتخاب عقداً حتى يشمله «أوفوا بالعقود» أو «المؤمنون عند شروطهم» .
وثانياً: على فرض التسليم لكن إنما يجب الوفاء بالشرط إذا كان في ضمن عقد لازم لا ابتداءً كما هو متسالم عليه عند الفقهاء، كيف! والوكالة مع عدم الإشكال في شرعيّتها لا تقتضي اللزوم، على أنا لو فرضنا أنّ الانتخاب عقد يقتضي اللزوم فإنما هو مختصّ بنفسه، ولا دليل على وجوبه في حقّ غيره.وأما الرابع ففيه: أنّ الشورى وإن كانت أمراً مرغوباً فيه، وقد ورد الحثّ عليها في الكتاب والسنة إلاّ أنه لا مجال لها في أمر الولاية، وإنما مجالها الأمور الأخرى والشؤون العادية التي لا مساس لها بتعيين الوالي على الناس المتصدّي للأمور العامة، ولذا لم يؤمر بها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تعيين أمير المؤمنين (علیه السلام) إماماً على الأمة، أو في تعيين سائر ولاته، مضافاً إلى أن الالتزام بالشورى وإن كان أمراً مرغوباً إلاّ أنه ليس بواجب كما هو متسالم عليه بين الفقهاء، كما أنّ المستفاد من قوله تعالى : «وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ...» (1)أنّ المشاورة إنما هي لتبيين الأمر لا للالتزام بنتائجها، ويؤيده ما ورد في نهج البلاغة أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) قال لعبد الله بن العباس وقد أشار عليه في شيء لم يوافق رأيه: لك أن تشير عليّ وأرى، فإن عصيتك فأطعني(2).
وقد تقدم في أوائل هذا البحث بعض ما يتعلق بالمقام.
وأما رواية تحف العقول فهي من جهة دلالتها على خلاف المدّعى أظهر، وذلك لأنه ذكر فيها أمر الولاية أولاً بقوله (علیه السلام): «إذا كان أمراؤكم خياركم»، ثم ذكر أمر الشورى ثانياً، ومنه يعلم أنّ المراد بقوله: «وأمركم شورى بينكم» غير الإمارة والولاية.
وأما رواية العيون فهي أيضاً لا تدل على المدعى، وذلك لأنّ قوله: «ويغصب الأمة أمرها» يدل على أنّ الولاية والتأمّر على الأمة بالغصب والقهر والغلبة، أو على خلاف نصب الله وتعيينه، وهذا خارج عن محل البحث، وليس فيه دلالة على أنّ الأمر للأمة فيغصبه منها، وقوله: «ويتولّى من غير مشورة» أي يتسلّط على الأمور ويتدخّل فيها بغير مشورة لا أنّ نفس الولاية بدونها.
وعلى فرض التسليم فالظاهر من الأمة هو جميعها لا أكثرها أو بعضها، فلا يتحقق ذلك إلاّ في الوالي العادل المنصوب من قبل الله تعالى لا بالانتخاب.
هذا مضافاً إلى أنّ الرواية ضعيفة من جهة السند، فلا يمكن الاستدلال بها.
وكيف يمكن الالتزام بما استظهره المستدلّ مع أنّه قد ورد عن الإمامالرضا(علیه السلام) وغيره من الأئمة (علیهم السلام) ما هو على خلاف هذه الرواية صريحاً، في نفس كتاب العيون وغيره، وقد استدلّ (علیه السلام) معلّلاً أنّ الإمامة لا تكون إلاّ من الله وليس للناس فيها اختيار، ومن ذلك ما رواه الكليني في الكافي عنه (الرضا) (علیه السلام) - في رواية طويلة جاء فيها - : ... إنّ الإمامة أجلّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلا مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم ...(1).
ومن ذلك أيضاً ما رواه الصدوق في كمال الدين بسنده عن سعد بن عبد الله القمي - في حديث طويل - عن القائم ... قال: قلت: فأخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم؟ قال: مصلح أو مفسد؟ قلت: مصلح، قال: فهل يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحدهم ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟ قلت: بلى، قال: فهي العلة أوردها لك ببرهان ينقاد له (يثق به) عقلك، أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل عليهم الكتب
1) أصول الكافي ج 1 باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته، الحديث 1 ، ص 199
وأيّدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الأمم وأهدى للاختيار منهم مثل موسى وعيسى(علیه السلام)، هل يجوز مع وفور عقلهما، وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن تقع خيرتهم على المنافق، وهما يظنّان أنه مؤمن؟ قلت: لا، فقال: هذا موسى كليم الله مع وفور عقله، وكمال علمه، ونزول الوحي عليه، اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلاً ممن لا يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم، فوقعت خيرته على المنافقين قال الله عزوجل: «وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا - إلى قوله - لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ» (1).
فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوة واقعاً على الأفسد دون الأصلح، وهو يظنّ أنه الأصلح دون الأفسد، علمنا أن لا اختيار إلاّ لمن يعلم ما تخفي الصدور، وتكنّ الضمائر، ويتصرّف عليه السرائر، وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أرادوا أهل الصلاح ...(2).
والمستفاد من هاتين الروايتين وغيرهما بطلان الانتخاب، وأنّ الناسلا محالة يقعون في الخطأ والاشتباه إذا أوكل الأمر إليهم، والروايتان وإن كان في سنديهما نظر إلاّ أنّ مضمونهما صريح الدلالة.
وأما الخامس ففيه أولاً: أنّ المبايعة وإن كانت أمراً مطلوباً شرعاً وعرفاً، وقد تحقّقت في مواطن عديدة كما ذكرها المستدلّ، وورد الذم على من نكثها، إلاّ أنه لم يعهد ورودها في الشرع على أنها للتأسيس، وإنما كانت في جميع الموارد مؤكّدة لما وجب قبل تحقّق المبايعة، فاستفادة الإيجاب من هذه الموارد في غير
محلّه.
ولو فرض أنّ شخصاً بايع شخصاً آخر غير الوالي المنصوب من قبل الله تعالى فلا يستفاد من نفس المبايعة وجوب الالتزام بها وحرمة نكثها.
وثانياً: على فرض التسليم وأنها واجبة إلاّ أن ذلك حكم تكليفي، وأما أنها حكم وضعي بمعنى جعل الولاية لشخص وإسقاطها عن الغير مما لا دليل عليه، ولا ملازمة بينهما، نعم يمكن أن يقال: إنّ الحكم التكليفي بالوجوب مؤكّد للحكم الوضعي لأصل الولاية إذا كانت مجعولة لشخص، وأنّ نكثها يوجب العقاب، كما يمكن أن يقال: إنها موجبة للرجحان في هذا الشخص دون غيره إلاّ أنها على كلا التقديرين مؤكّدة للولاية المجعولة لا مؤسّسة، وذلك لا يدلّ على أنها مسبّبة للولاية كما حاول المستدلّ أن يستفيد ذلك من التأكيد.
والحاصل: أنّ هذه الوجوه - وهي أهم ما استدلّ به - ليست أدلة مقنعة بل كلّها وجوه باطلة، ولا يمكن الاعتماد عليها، ولا دليل على أنّ انتخاب شخص لشخص للولاية عليه حجّة، فضلاً عن انتخاب جماعة خاصة لشخص للولاية على جميع الأمة.
ومما يؤكد بل يدلّ على عدم شرعية الانتخاب هو أن نسأل المستدلّ بأنه كيف تلتزم بشرعية الانتخاب وأنه حجّة في زمان الغيبة، ولا تلتزم بشرعيّته وحجّيته في زمان الحضور، وأنه لابدّ من النصب والتعيين فيه وأي فرق بين الزمانين؟
ومن ذلك يعلم بطلان هذه الدعوى من أساسها، والله الهادي إلى الصواب.
وإذا تبين بطلان هذه الاحتمالات فلابد إما أن يقال: بتعيّن الأعلم، وإما أن يقال: إنّ الولاية لكلّ واحد من الفقهاء لكن إذا سبق أحدهم إلى التصدّي فلا يجوز لبقية الفقهاء مخالفته أو مزاحمته لحجّية فعله على الجميع، ولكونه بمنزلة
الإمام (علیه السلام)، وإما أن يقال: إنّ حقّ المزاحمة والتقدم عند التشاجر والخلاف إنما هو للأعلم والأعدل والأورع منهم دون سواه.فهاهنا وجوه، أظهرها الأول.
وقد استدلّ له بوجهين:
أحدهما: أنّه مقتضى الأصل، إذ أنّ الأصل عدم ولاية أحد على أحد إلاّ ما خرج بالدليل، والقدر المتيقّن منه هو الأعلم.
ثانيهما: بما ورد من الروايات المتقدّمة الدالّة على تقديم المجتهد على غيره، كصحيحة عيص بن القاسم، وعهد الإمام (علیه السلام) لمالك الأشتر، ومعتبرة سليم، وغيرها من الروايات، المويّدة لها، فإنّها مضافاً إلى دلالتها على اعتبار الاجتهاد يستفاد منها اعتبار الأعلمية، فلابدّ أن يكون الوالي هو الأعلم من غيره.
ومقتضى الجمع بينها وبين ما دلّ على ثبوت الولاية للفقهاء على نحو الإطلاق هو تقييدها بهذه الروايات، والقول باعتبار الأعلمية في الوالي.
وأما الوجه الثاني - وهو عدم اعتبار الأعلمية - فقد استدلّ له بوجوه:
الأول: بما ورد في الروايات الكثيرة المطلقة الدالّة على ثبوت الولاية للفقيه، وحيث لم يرد دليل على نفي الولاية عنه إذا لم يكن هو الأعلم فلابدّ من الأخذ بإطلاقها والقول بعدم اعتبار الأعلمية.
الثاني: بمعاقد الإجماعات المنقولة في المقام، فإنّ ظاهرها كما ذكرنا في أدلة ثبوت الولاية هو الفقيه والحاكم الشرعي، ولم يكن فيها تقييد بالأعلمية.
الثالث: إنّ تشخيص الأعلمية من الأمور التي تصعب على العلماء فضلاً عن العوام، وتكليف العامّي بذلك يوجب وقوعه في العسر والحرج - لعدم أهليّته لتمييز الأفضل عن غيره - وهما منفيّان بالكتاب والسنة.
الرابع: إنه قد يتساوى شخصان أو أشخاص في العلم والفضيلة، والاعتماد
على أهل الخبرة قد لا يجدي، لأنّهم كثيراً ما يختلفون في تشخيص الأعلم، ونتيجة ذلك قد يتعدد الولاة في عصر واحد في مكان واحد، وفي ذلك اختلال للنظام كما ذكرنا فيما تقدم، وهذا كاشف عن بطلان القول بالأعلمية، ولا أقلّ من عدم جدواه.
هذا غاية ما يمكن أن يستدلّ به على عدم اعتبار الأعلمية إلاّ أن جميع هذه الوجوه ضعيفة ما عدا الوجه الأول وسيأتي الكلام حوله.
وأما الثاني فلعدم كشف الإجماع على فرض تحقّقه عن رأي الإمام (علیه السلام)، ومن المحتمل أن يكون مدركه الروايات الواردة في المقام.
وأما الثالث فلأنّ تشخيص الأعلم ليس من الأمور الصعبة، وذلك لإمكان الاتكال على الشياع المفيد للاطمئنان، أو الاعتماد على أقوال أهلالخبرة، كما في سائر الموضوعات، كالاجتهاد، والفتوى، ونحوهما.
وعلى فرض الصعوبة واختلاف الآراء وما يترتّب على ذلك من اختلال النظام، فبالإمكان معالجة ذلك بتشكيل لجنة تضمّ المجتهدين الجامعين لشرائط الفتوى، ويعيّنون الأعلم والأصلح من بينهم - كما وقع ذلك بعد وفاة الشيخ الأنصاري !، حيث اجتمع أعيان تلاميذه واتفقت كلمتهم على تعيين المجدد الشيرازي ! مرجعاً عاماً وزعيماً للشيعة، وهي قضيّة مشهورة(1)- ثم يعلن ذلك للناس لئلاّ يقعوا في الخطأ والاشتباه.
ولا يرد على هذا النحو من التعيين ما ورد من الإشكال على انتخاب الناس للوالي لأنّ مقامنا مقام تعيين الأعلم وليس انتخاباً مطلقاً، وعلى فرض أنه انتخاب فهو أقلّ محذوراً وأهون خطأ بلا إشكال.
ومن ذلك يظهر الجواب عن الوجه الرابع، فإنّ فرض التساوي في العلم
1) هدية الرازي إلى المجدّد الشيرازي: 38 - 39 نشر مكتبة الميقات - طهران
والورع والعدالة والصدق - كما في مقبولة عمر بن حنظلة - قليل التحقق، وعلى فرض تحقّقه فبالإمكان معالجته بأحد وجهين:
الأول: إنه إذا تصدّى أحد المتساويين فلا يحقّ للآخر مزاحمته لأنّ المتصدّي حينئذ بمنزلة الإمام (علیه السلام) .
الثاني: إنه يمكن دفعه بما ذكرنا من تشكيل لجنة تضمّ المجتهدين، ومن خلالها يُعيّن شخص للتصدّي ويلتزمون بعدم مخالفته.
ولا إشكال في ذلك، إذ هو من شؤون ولايتهم، فكما أنّ لكلّ منهم حقّ التوكيل لشخص يتصدّى للأمور كذلك الحال بالنسبة إلى أنفسهم حيث يعيّنون واحداً لذلك، ولا يلزم الإشكال الوارد على انتخاب الناس للوالي، بل يمكن القول بلزوم التعيين عليهم لجهة دفع اختلال النظام.
وأما الوجه الأول - وإنّما أخّرناه لأنه محل الكلام - فهل يمكن رفع اليد عن المطلقات وتحمل على المقيّدات أو لا؟
ومقتضى الصناعة وإن كان هو حمل المطلق على المقيّد في غير المقام، إلاّ أنّ خصوصية المقام تقتضي عدم الحمل وذلك:
أولاً: كثرة الروايات المطلقة، مع العلم بتعدد الفقهاء ووجودهم في زمان الأئمة (علیهم السلام)، وإرجاعهم (علیهم السلام) الناس إليهم، كما دلّت عليه نفس هذه الروايات، ولم يرد فيها ما يشير إلى أنّ المتعيّن هو الرجوع إلى الأعلم منهم دون غيره، ولو كان الرجوع الى الأعلم متعيّناً لوجب البيان، لتوفّرالدواعي ومسيس الحاجة.
وثانياً: إنّ حمل هذه المطلقات الكثيرة على خصوص الأعلم يكون من حمل المطلق على الفرد النادر، وفي جوازه خلاف، ولا يبعد عدم صحة الحمل للزوم الاستهجان كما في العام.
هذا مع إمكان المناقشة في نفس الروايات المقيّدة بقلّة المعتبر منها، وعدم
وضوح دلالتها، ومن ذلك كلّه يقوى القول بعدم اعتبار الأعلمية، وأنّ الولاية منصب لمطلق الفقيه الجامع للشرائط، فإذا تصدّى أحدهم فلا يجوز لغيره مزاحمته، أو لابدّ من تعيين واحد منهم على النحو المتقدم.
ولكن هذا بناء على أنّ المستند في إثبات الولاية هو الروايات المتقدمة بطوائفها العشر باستثناء مقبولة عمر بن حنظلة.
وأما بناء على أنّ المستند في ذلك هو المقبولة، كما اعتمد عليها بعض المحققين فلابدّ من القول بتقديم الأعلم عند الخلاف والتشاجر، لقوله (علیه السلام): ... الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما، وأصدقهما في الحديث، وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر(1).
فإذا اجتمعت هذه الصفات في شخص قدّم على غيره في هذه الحالة أي حالة الاختلاف، وإلاّ فلا يجب.
وأما إذا بنينا على عدم تمامية دلالة الروايات على إثبات الولاية مطلقاً وانحصر المستند في جواز تصدّي المجتهد في كونه القدر المتيقّن، وأصالة التعيين عند دوران الأمر بين خصوص المجتهد أو الأعم فمقتضى ذلك اعتبار الأعلمية في كل الأحوال لا في حال الاختلاف والتشاجر فحسب.
والحاصل: أنّ النتيجة تختلف باختلاف المباني.
والله هو الهادي إلى الصواب والعالم بحقائق الأمور.
وأما الشرط السابع: وهو طيب الولادة فلا إشكال في اعتباره.
واستدل عليه بأمور:
الأول: الإجماع كما في الجواهر حيث قال بعد ذكر الشرائط ومنها طهارة
1) وسائل الشيعة ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1
المولد بلا خلاف أجده في شيء منها(1)، وفي المسالك إنهاموضع وفاق(2)، وفي الرياض(3)وغيره دعوى الإجماع عليه. وفي المفتاح أنّ هذه الشروط معتبرة إجماعاً معلوماً ومنقولاً(4).
الثاني: فحوى ما دلّ على عدم جواز إمامة ولد الزنا في الصلاة، وعدم قبول شهادته وقضائه، فيدلّ ذلك على عدم ولايته بطريق أولى.
الثالث: الأخبار الكثيرة الدالة على دناءة ولد الزنا وخباثته الذاتية، مما تستلزم عدم صلاحيته للولاية العامة، ونصبه أميناً، وقائماً مقام الإمام (علیه السلام)، والتدخّل في شؤون الناس من الأيتام والقصّر والغيّب وغيرهم. ومن تلك الروايات ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لبن اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، أحبّ إليّ من ولد الزنا ...(5).
ومنها: ما ورد في الخصال عن الصادق (علیه السلام) ... أنه - ولد الزنا - يحنّ إلى الحرام الذي خلق منه(6).
ومنها: النبوي المرويّ بطريق الشيعة والسنة: ولد الزنا شرّ الثلاثة(7).
وغيرها من الروايات.
وما ذكرنا من أنّ ولد الزنا دنيء النفس خبيث الذات كما دلّت عليه الروايات لا يستلزم الكفر أو الجبر، بل هو محكوم بالإسلام، له ما للمسلمين
1) جواهر الكلام 40 : 12
2) مسالك الأفهام 2 : 351 الطبع القديم
3) رياض المسائل 2 : 385 الطبع القديم
4) مفتاح الكرامة 10 : 9
5) وسائل الشيعة ج 15 باب 75 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 2
6) الخصال باب الأربعة، الحديث 4 ، ص 217
7) عوالي اللآلي ج 3 باب الشهادات، الحديث 22 ، ص 533 ، ومسند الإمام أحمد ج 2 الحديث 8037 الطبعة الثانية، وكنز العمال ج 5 ، الحديث 13090 ، ص 332
وعليه ما عليهم، ولذا قد يكون من الصلحاء والأخيار، وهو مختار في أفعاله وتروكه كما هو الحال في سائر الناس، ويدلّ على ذلك مضافاً إلى الاعتبار ما رواه الكليني بسنده المعتبر عن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله(علیه السلام): إنّ ولد الزنا يستعمل، إن عمل خيراً جزي به، وإن عمل شرّاً جزي به(1).
والمسألة وإن كانت موضع خلاف(2)إلاّ أن تحقيقها خارج عما نحن فيه.وأما الشرط الثامن وهو حسن التدبير بمعنى أن تكون له القدرة على التصرّف في الأمور وإدارتها بنحو أكمل، فالظاهر أنه مما لا إشكال فيه.
ويتوقف هذا المعنى على أركان أربعة:
الأول: وفور العقل والفراسة، ومعرفة مداخل الأمور ومخارجها.
الثاني: الإرادة القويّة المستقلّة الناشئة عن الشجاعة في مواطن الإقدام والإحجام.
الثالث: العلم بأحوال زمانه وحوادثه.
الرابع: الاتّصاف بمكارم الأخلاق التي لابدّ منها في إدارة أمور الناس والتصرّف في شؤونهم كالحلم، والحكمة، وسعة الصدر، ونحوها.
قال الشيخ المفيد !: ومن لم يصلح للولاية على الناس لجهل بالأحكام، أو عجز عن القيام بما يسند إليه من أمور الناس، فلا يحلّ له التعرّض لذلك والتكلّف له، فإن تكلّفه فهو عاص غير مأذون له فيه من جهة صاحب الأمر الذي إليه الولايات(3).
وقال !: وإذا عدم السلطان العادل - فيما ذكرناه من هذه الأبواب - كان الفقهاء أهل الحقّ العدول من ذوي الرأي والعقل والفضل أن يتولّوا ما تولاّه
السلطان، فإن لم يتمكّنوا من ذلك فلا تبعة عليهم فيه(1).
هذا ويمكن أن يستدل لذلك بأمور:
الأول: بالكتاب ومنه قوله تعالى: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ» (2).
وليس المراد من زيادة البسطة في الجسم هو البدن من حيث الحجم، بل المراد هو مع لوازمه من القوة والشجاعة، كما أنّ المراد من زيادة البسطة في العلم هو الصفات المعنويّة اللازمة للملك وإدارة أموره.
ومنه قوله تعالى: «اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ»(3).
حيث علّل صلاحيّته للولاية على الأموال بالأمرين اللذين تحتاج إليهما وهما الأمانة، والعلم بحفظها وتنميتها.
والذي يظهر من الآيتين أنّ المعتبر في الولاية على أمر مّا، القدرةعليه، والمهارة وحسن التدبير في إدارته، ومراعاة كلّ أمر بحسبه.
فإذا كانت الولاية على الأمور العامة فهي تستوجب كلّ ذلك بلا إشكال.
الثاني: بالروايات وهي كثيرة:
منها: ما ورد في عهد الإمام (علیه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه) - كما تقدم - حيث قال(علیه السلام): ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلّة، ولا يحصر من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع(4).
والمستفاد من قوله (علیه السلام): «أفضل رعيتك» هو أن يكون جامعاً لما تقدّم من
الصفات، وكلامه (علیه السلام) وإن كان وارداً في القاضي وصفاته إلاّ أنه شامل لما نحن فيه كما تقدّم.
وقال (علیه السلام) في موضع آخر من العهد: فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً، وأفضلهم حلماً، ممّن يبطىء عن الغضب، ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء، وممّن لا يثيره العنف، ولا يقعد به الضعف(1).
وفي كتاب تحف العقول(2)بعد قوله : وأفضلهم حلماً: وأجمعهم علماً وسياسة، ممن يبطىء عند الغضب ... الخ.
وفي كتاب الدعائم: ولّ أمر جنودك أفضلهم في نفسك حلماً، وأجمعهم للعلم، وحسن السياسة، وصالح الأخلاق ممّن يبطىء عن الغضب، ويسرع إلى العذر، ويرأف بالضعيف، ولا يلحّ على القوي، ممّن لا يسرّه العنف، ولا يقعد به الضعف ...(3).
فإذا كانت هذه الشروط معتبرة في قائد الجند، فاعتبارها في الوالي بطريق أولى.
ومنها: معتبرة حنان عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): لا تصلح الإمامة إلاّ لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الولاية على من يلي، حتى يكون لهم كالوالد الرحيم.وفي رواية أخرى: حتى يكون للرعية كالأب الرحيم(4).
وسند هذه الرواية وإن كان فيه صالح بن السندي إلاّ أنه قد تقدم إمكان اعتبار روايته والحكم بوثاقته فلا إشكال فيها من هذه الناحية.
وأما من جهة الدلالة فإنّ الكليني ! قد أوردها في باب ما يجب من حق الإمام على
الرعية وحقّ الرعية على الإمام (علیه السلام) من كتاب الحجّة، فقد يقال باختصاصها بموردها وهو الإمام المعصوم (علیه السلام) ولا تشمل ما نحن فيه.
ولكن الظاهر عدم اختصاصها بل تشمل كل متصدّ للأمور العامةوإن لم يكن معصوماً، ويؤكّد ذلك أنها واردة على لسان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) .
وممّا يؤيّد ما تقدم ما رواه الشيخ ! في أماليه بسنده عن أبي ذر: أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: يا أبا ذر إنّي أحبّ لك ما أحب لنفسي، إني أراك ضعيفاً فلا تؤمّرن على اثنين، ولا تولّين مال يتيم(1).
وغيرها من الروايات.
الثالث: بالعقل.
وذلك لأنّه موافق لمقتضاه فإنّ العقلاء لا يولّون شخصاً على أمر إلاّ أن يروا فيه الكفاءة، والأهلية، والقدرة اللازمة للقيام بذلك الأمر وشؤونه، فكيف بالوالي على شؤون الناس، من أموالهم وأعراضهم، وأنفسهم.
والحاصل: أنّه لا إشكال في اعتبار هذا الشرط.
وأما الشرط التاسع - وهو أن لا يكون بخيلاً، ولا حريصاً على الدنيا، ولا من أهل المداهنة والمصانعة، ولا محبّاً للجاه - فقد وقع فيه الخلاف بين الأعلام، فذهب بعضهم كالسيد! في العروة إلى اعتباره زائداً على العدالة(2)، ونفاه آخرون كالسيد الأصفهاني! في الوسيلة(3)، والسيد الأستاذ ! في التنقيح(4)،
حيث اعتبراه تفسيراً للعدالة وليس شيئاً وراءها.
وقد يستدل له بعدة روايات:منها: ما ورد في عهد الإمام (علیه السلام) لمالك (رضي الله عنه) حيث قال (علیه السلام): ولا تدخلنّ في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزيّن لك الشره بالجور، فإنّ البخل والجبن، والحرص، غرائز شتى يجمعها سوء الظنّ بالله(1).
وقد تقدّم أنّ سند العهد معتبر، وأما دلالة هذه العبارة على المدّعى فهي تامة لأنّه إذا كان ذلك معتبراً في مستشار الوالي فاعتباره في نفس الوالي بطريق أولى.
ويؤيّده ما ورد في نهج البلاغة حيث قال (علیه السلام): وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج، والدماء، والمغانم، والأحكام، وإمامة المسلمين البخيل، فتكون أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلّهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذّ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطّل للسنّة فيهلك الأمة(2).
والظاهر من المرتشي في الحكم هو المداهن لأقربائه أو للناس بأخذ الرشوة.
ومنها: قوله (علیه السلام) في نهج البلاغة أيضاً: لا يقيم أمر الله سبحانه إلاّ من لا يصانع، ولا يضارع، ولا يتّبع المطامع(3).
ومنها: ما ورد في التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري (علیه السلام) حيث قال: ... فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه(4).
وغيرها من الروايات.
ولكن يمكن المناقشة في جميع هذه الروايات.
أما الأولى فسيأتي الكلام عنها.
وأما الثانية والثالثة فهما وإن كانتا من حيث الدلالة تامّتين إلاّ أنهما من حيث السند ضعيفتان فلا يمكن الاعتماد عليهما.
وأما الرابعة: فهي ضعيفة سنداً ودلالة، أما من جهة السند فقد ذكرنا في مباحثنا الرجالية(1)أنّ الطريق إلى التفسير غير ثابت، وعقدنا لذلكبحثاً مستقلاً تعرّضنا فيه لما قيل حول التفسير ونسبته للإمام (علیه السلام) وثبوت الطريق إليه.
وأما من جهة الدلالة فيمكن أن يقال: إنّ المراد بهذه الفقرات هو عدم العصيان، وارتكاب المحرمات، بقرينة المقابلة بين علماء الشيعة وعلماء اليهود، حيث قال (علیه السلام) قبل ذلك: إنّ عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، وبأكل الحرام، وبالرشاء، وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات(2).
وبناء على ذلك فالمستفاد من الرواية هو تفسير معنى العدالة وليس شيئاً زائداً عليها، فتكون خارجة عمّا نحن فيه.
والعمدة في المقام هي ما ورد في عهد الإمام (علیه السلام) لمالك (رضي الله عنه) وهو وإن كان معتبراً سنداً إلاّ أن دعوى تمامية الدلالة محلّ نظر، وذلك لأنّ الظاهر من كلامه(علیه السلام) هو اعتبار ذلك في مرتبة البروز والفعلية، بمعنى أن تكون هذه الأوصاف ظاهرة بحيث توجب الانحراف عن الحق والعدالة، وأما كون هذه الأوصاف كامنة في باطن النفس مع عدم ظهورها خصوصاً إذا كان في مقام تهذيب النفس وتصفيتها، فلا دلالة في كلامه (علیه السلام) على اعتبار انتفائها، ولعلّ هذا
كان مراد السيدين ! في الوسيلة والتنقيح.
نعم ورد في عدّة روايات التحذير عن حبّ الجاه وطلب الرياسة كما في صحيحة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أترى لا أعرف خياركم من شراركم؟ بلى والله، إنّ شراركم من أحبّ أن يوطأ عقبه ...(1).
وفي معتبرة معمّر بن خلاّد عن أبي الحسن (علیه السلام) أنه ذكر رجلاً فقال: إنّه يحبّ الرئاسة فقال: ما ذئبان ضاريان في غنم تفرّق رعاؤها بأضرّ من دين المسلم من الرياسة(2).
وفي رواية أبي حمزة الثمالي قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): إياك والرياسة الحديث(3).
وفي رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع وغيره، رفعوه قال: قال أبوعبد الله (علیه السلام): ملعون من ترأس، ملعون من همّ بها، ملعون من حدّث نفسه بها(4).
وغيرها من الروايات.
هذا، وقد يظهر من الشهيد الثاني في المنية اعتبار أمر آخر في المجتهد والمفتي، وهو وجود ملكة قدسية إلهية حيث قال: ولا يكفي ذلك كلّه إلاّ بهبة من الله تعالى إلهيّة وقوة قدسية توصله إلى هذه البغية وتبلّغه هذه الرتبة، وهي العمدة في فقه دين الله، ولا حيلة للعبد فيها، بل هي منحة إلهية ونفحة ربانية، يخصّ بها من يشاء من عباده، إلاّ أنّ للجدّ والمجاهدة والتوجّه إلى الله تعالى والانقطاع إليه أثراً بيّناً في أفاضتها من الجناب القدسي «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ»(5).
والظاهر أنه اعتمد في ذلك على ما ورد في مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق(علیه السلام) حيث قال (علیه السلام): لا يحلّ الفتيا لمن لا يصطفى من الله تعالى بصفاء سره، وإخلاص عمله، وعلانيته، وبرهان من ربّه في كل حال، لأنّ من أفتى فقد حكم، والحكم لا يصحّ إلاّ بإذن من الله عزوجل وبرهانه ومن حكم بالخير بلا معاينة فهو جاهل، مأخوذ بجهله ومأثوم بحكمه، كما دلّ الخبر: العلم نور يقذفه الله في من يشاء(1).
أو على ما ورد في رواية الكشّي بسنده عن أحمد بن حماد المروزي المحمودي، يرفعه، قال: قال الصادق (علیه السلام): اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنّا، فإنّا لا نعدّ الفقيه منهم فقيهاً حتى يكون محدّثاً، فقيل له: أيكون المؤمن محدّثاً؟ قال: يكون مفهّماً، والمفهّم المحدّث(2).
أو على غيرهما من الروايات فتدبّر.
ثم إنّه قد ذكرت شروط أخرى كالحرية، وسلامة الأعضاء والحواس، وكونه هاشمياً، وكونه مهاجراً غير مقيم في بلاد الكفر، وغيرها.
وحيث إنّها غير ثابتة، فلذا لم نتعرّض إليها.
هذا تمام الكلام عن شرائط الوالي، والحمد لله ربّ العالمين.
تتميماً للفائدة نذكر أهم الموارد التي يحقّ للفقيه التصدّي لها والتصرّف فيها بنفسه، أو يتوقف ذلك على إذنه، على ما ذكرها الفقهاء في كتبهم، وقد أشرنا إلى بعضها فيما تقدم، ووعدنا بذكر بعض آخر في هذا المقام وهي كما يلي:
1.ولايته في القضاء بين الناس.
2.ولايته على ميراث من لا وارث له.
3.ولايته في أداء دين الممتنع من ماله.
4.ولايته في قبض ما بقي من يد ابن السبيل بعد وصوله إلى وطنه.
5.ولايته في قبض مال الزكاة ابتداءً أو بعد الطلب.
6.ولايته في قبض خمس أرض الذمّي أو منفعتها.
7.ولايته في قبض الثمن إذا امتنع البائع.
8.ولايته في قبض حقّ كلّ ممتنع عن قبض حقّه.
9.ولايته في قبض دين المأيوس منه.
ولايته في بيع الرهن الآيل إلى الفساد.
ولايته في إجارة الرهن لو امتنع المتراهنان.
ولايته في تعيين عدل لقبض الرهن لو لم يرض المتراهنان.
ولايته في تعيين نقد ما يباع به الرهن فيما لو تعدّد النقد.
ولايته في الحجر على المفلّس.
ولايته في الحجر على السفيه على قول.
ولايته في قبض وديعة الغائب لو احتيج إلى القبض.
ولايته في إجبار الوصيّين على الاجتماع أو الاستبدال.
ولايته في ضمّ المعين إلى الوصيّ العاجز.
ولايته في عزل الوصي الخائن على القول بعدم انعزاله بنفسه.
ولايته في إقامة الوصي لمن لا وصيّ له أو مات وصيّه أو عزل.
ولايته في تزويج المجنون والسفيه البالغين.
ولايته في فرض مهر المفوّضة بضعها إليه.
ولايته في ضرب أجل العنّين، على وجه.
ولايته في بعث الحكمين من أهل الزوجين.
ولايته في إخبار الممتنع عن أداء النفقة.
ولايته في ضرب الأجل لمفقود الخبر وطلبه في الجهات، على وجه.
ولايته في طلاق زوجة المفقود.
ولايته في إجبار المظاهر على أحد الأمرين، على وجه.
ولايته في إجبار المولي على أحد الأمرين، على وجه.
ولايته في التسعير على المحتكر أو البيع عليه.
ولايته في قتل المرتدّ وقسمة أمواله وإنكاح نسائه.
ولايته في قتل فاعل الكبيرة بعد الرابعة.
توقّف إخراج الودعيّ الحقوق على إذنه.
توقّف حلف الغريم على إذنه.
توقّف قبض الوقف على الجهات العامّة على إذنه.
توقّف النظارة على الأوقاف العامّة على إذنه.
توقّف التقاص من أموال الغائب على إذنه.
توقف التقاصّ من مال الحاضر على إذنه، على قول.
توقّف بيع الوقف حيث يجوز، ولا وليّ له سواه على إذنه.
توقّف إنفاق الملتقط على اللقيط مع الحاجة على إذنه.
وهناك موارد أخرى كثيرة تربو على مائة مورد يقف عليها المتتبع لكلمات الفقهاء.
وبعد:
فهذا آخر ما أردناه في الجزء الثاني ويتلوه الجزء الثالث وأوّله التقية في المكاسب.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
· فهرس المصادر
· فهرس المحتويات
القرآن الكريم.
إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، للمحدث الأكبر الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي - المطبعة العلمية - قم.
الاحتجاج، لأبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، من علماء القرن السادس، تحقيق الشيخ إبراهيم البهادري، والشيخ محمد هادي به، الطبعة الأولى 1413 ه-، انتشارات أسوة التابعة لمنظمة الحج والأوقاف والشؤون الدينية.
الاحتجاج، لأبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، تعليق وملاحظة السيد محمد باقر الموسوي الخرسان، الطبعة الثانية 1403 ه- - 1983 م، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، لبنان.
إحقاق الحق وإزهاق الباطل، للقاضي السيد نور الله الحسيني المرعشي التستري، مع تعليقات السيد شهاب الدين النجفي، منشورات المكتبة الإسلامية - طهران.
الاختصاص، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ت 413 ه-، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، المطبوع ضمن سلسلة مصنفات الشيخ المفيد ج 12 الطبعة الأولى 1413 ه- .
الاختصاص، للشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، من منشورات مكتبة بصيرتي - قم.
اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تصحيح وتعليق المعلم الثالث ميرداماد الاسترابادي، تحقيق السيد مهدي الرجائي، مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث.
الإرشاد للشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (الشيخ المفيد) ت 413 ه-، تحقيق مؤسسة آل البيت ( لإحياء التراث، الطبعة الأولى 1413 ه- .
الإرشاد، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ت 413 ه-، تحقيق مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث، المطبوع ضمن سلسلة مصنفات1. الشيخ المفيد ج 11، الطبعة الأولى 1413 ه- .
إشارة السبق، للشيخ علاء الدين أبي الحسن علي بن أبي الفضل الحسن ابن أبي المجد الحلبي، مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان، الطبع القديم.
أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق تقريراً لبحث آية الله الشيخ مسلم الداوري، لمحمد علي المعلم، الطبعة الأولى 1416 ه-، مطبعة نمونة قم المقدسة - إيران.
الأصول من الكافي، لثقة الإسلام الكليني، نشر الشيخ محمد الاخوندي، مطبعة الحيدري - طهران.
الافصاح في الإمامة، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ت 413 ه-، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة، قم المطبوع ضمن سلسلة مصنفات الشيخ المفيد ج 8 الطبعة الثانية 1413 ه- .
أقرب الموارد في فصيح العربية والشوارد، لسعيد الخوري الشرتوني اللبناني، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - إيران 1403 ه- .
الأمالي لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق)، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة، الطبعة الأولى 1417 ه- .
الأمالي، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم العكبري البغدادي ت 413 ه-، تحقيق علي أكبر الغفاري وحسين الاستادولي، المطبوع ضمن سلسلة مصنفات الشيخ المفيد ج 13، الطبعة الثانية، مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.
الأمالي، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تقديم السيد محمد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الأهلية، بغداد 1384 ه- - 1964 م.
الأمالي، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة، الطبعة الأولى 1414 ه-.
أمالي الشيخ الطوسي، لشيخ الطائفة (الطوسي)، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، من منشورات المكتبة الأهلية، بغداد.
الإمامة والسياسة، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، الطبعة الثالثة 1401 ه- - 1981 م، مؤسسة الوفاء - بيروت.
الانتصار، للشريف المرتضى علم الهدى علي بن الحسين الموسوي ت 436 ه-، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي شوال 1415 ه-، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المشرفة.
الإيضاح، للشيخ الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري ت 260 ه-، تحقيق وإخراج وتقديم السيد جلال الدين الحسيني الارموي، انتشارات جامعة طهران 1363 ه- ش .
بحار الأنوار لشيخ الإسلام المولى محمد باقر المجلسي ت 1111 ه- دار الكتب الإسلامية، طهران.
بحار الأنوار الأجزاء 29، 30، 31 للعلامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي تحقيق الشيخ عبد الزهراء العلوي دار الرضا، بيروت - لبنان.
البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر، تقرير أبحاث السيد حسين الطباطبائي، للشيخ حسين علي المنتظري، الطبعة الثالثة 1416 ه- .
البرهان في تفسير القرآن، للسيد هاشم الحسيني البحراني 1107 ه- و 1109 ه-، الطبعة الثانية، مطبعة آفتاب، طهران - دار الكتب العلمية، قم - إيران.
بصائر الدرجات الكبرى، لأبي جعفر محمد بن الحسن بن فروخ (الصفار) ت 290 ه-، من أصحاب الإمام الحسن العسكري (علیه السلام)، تقديم وتعليق وتصحيح الميرزا محسن (كوچه باغي)، منشورات مؤسسة الأعلمي، طهران 1404 ه- .
بلغة الفقيه، للسيد محمد آل بحر العلوم ت 1326 ه-، شرح وتعليق السيد محمد تقي آل بحر العلوم، الطبعة الرابعة 1403 ه- - 1084 م، منشورات مكتبة الصادق - طهران.
تاج العروس من جواهر القاموس، لمحب الدين بن أبي الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي الحنفي، الطبعة الأولى 1306 ه-، منشورات دار مكتبة الحياة - بيروت، لبنان.
تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري)، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ت 310 ه-، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، دار سويدان - بيروت، لبنان.
تبصرة المتعلمين، للعلامة الحلي، تحقيق السيد أحمد الحسيني والشيخ هادي اليوسفي، مجمع الذخائر الإسلامية.
تحرير الأحكام، للعلامة الحلي آية الله الحسن بن يوسف بن علي بن1. المطهر ت 726 ه-، مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) الطبع القديم.
تحف العقول عن آل الرسول، للشيخ أبي محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني، الطبعة الخامسة، منشورات مكتبة بصيرتي 1394 ه- - قم.
تحف العقول عن آل الرسول، للشيخ أبي محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني، من أعلام القرن الرابع، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، الطبعة الثانية 1404 ه-، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة إيران.
تذكرة الفقهاء، لجمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر (العلامة الحلي) ت 726 ه-، منشورات المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، طهران، الطبع القديم.
التفسير الكبير، لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي ت 604 ه-، الطبعة الأولى 1411 ه- - 1990 م، دار الكتب - بيروت، لبنان.
تفسير القمي، لأبي الحسن علي بن إبراهيم القمي، تصحيح وتعليق السيد طيب الموسوي الجزائري، الطبعة الأولى 1411 ه- - 1991 م، دار السرور، بيروت - لبنان.
التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري (علیه السلام) ت 260 ه-، تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي (علیه السلام)، الطبعة الأولى 1409ه-.
التقية في فقه أهل البيت ج 1، تقرير بحث آية الله الشيخ مسلم الداوري، لمحمد علي المعلم، الطبعة الأولى 1418 ه-، مطبعة بهمن - قم المقدسة.
تلخيص الشافي، لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي، الطبعة الثانية 1394 ه- - 1974 م، دار الكتب الإسلامية، قم.
تهذيب الأحكام، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، الطبعة الثالثة 1390 ه-، نشر دار الكتب الإسلامية طهران.
التنقيح في شرح العروة الوثقى، تقرير بحث السيد أبي القاسم الخوئي، للميرزا علي التبريزي الغروي، من منشورات المطبعة العلمية 1407 ه- .
تنقيح المقال في علم الرجال، الشيخ عبد الله المامقاني ت 13511. ه-، المطبعة المرتضوية في النجف الأشرف 1352 ه- - الطبع القديم.
ثواب الأعمال، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ت 381 ه-، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، منشورات كتبي نجفي، مكتبة الصدوق - طهران.
جامع أحاديث الشيعة ألف تحت إشراف آية الله العظمى الحاج آقا حسن الطباطبائي البروجردي، منشورات مدينة العلم آية الله العظمى الخوئي، قم - إيران، المطبعة العلمية.
جامع الأخبار أو معارج اليقين في أصول الدين، للشيخ محمد بن محمد السبزواري، من أعلام القرن السابع الهجري، تحقيق علاء آل جعفر، الطبعة الأولى 1414 ه-، نشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث - قم.
الجامع الصحيح (سنن الترمذي) لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة ت 297 ه- تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر دار إحياء التراث العربي.
الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ت 911 ه-، الطبعة الأولى 1401 ه- - 1981 م، دار الفكر - بيروت.
جامع المقاصد في شرح القواعد، للمحقق الثاني الشيخ علي بن الحسين الكركي ت 940 ه-، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث - قم المشرفة، الطبعة الأولى 1408 ه-، مطبعة المهدية - قم.
جمل العلم والعمل، للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي، تحقيق السيد أحمد الحسيني، الطبعة الأولى 1387 ه-، النجف الأشرف.
جنة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجة (علیه السلام)، أو معجزته في الغيبة الكبرى، للميرزا حسين النوري، المطبوع ضمن خاتمة الجزء الثالث والخمسين من كتاب بحار الأنوار، منشورات المكتبة الإسلامية 1389 ه- .
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن النجفي ت 1266 ه- الطبعة السابعة نشر دار الكتب الإسلامية - طهران.
حاشية كتاب المكاسب للشيخ محمد حسين الاصفهاني ت 1361 ه-، تحقيق الشيخ عباس محمد آل سباع القطيفي، الطبعة الأولى1. 1418 ه- منشورات أنوار الهدى - قم.
حاشية المكاسب، للميرزا علي الايرواني الغروي، الطبعة الثانية 1379 ه- مطبعة رشدية طهران - الطبع القديم.
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، للشيخ يوسف البحراني ت 1186 ه-، نشر الشيخ علي الآخوندي، مطبعة النجف 1376 ه- - 1957م.
حلية الأولياء وطبقات الاصفياء، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني ت 430 ه-، الطبعة الرابعة 1405 ه- - 1985 م، دار الكتاب العربي.
الخرائج والجرائح، لقطب الدين الراوندي ت 573 ه- تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدي قم المقدسة، الطبعة الأولى 1409 ه- .
الخصال، لأبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 ه-، تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري، منشورات جامعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم المقدسة.
الخلاف، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تحقيق السيد علي الخرسان، والسيد جواد الشهرستاني، والشيخ مهدي طه نجف، اشراف الشيخ مجتبى العراقي، الطبعة الجديدة 1411 ه-، طبع ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.
دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للشيخ حسين علي المنتظري، الطبعة الأولى 1408 ه-، نشر المركز العالمي للدراسات الإسلامية - قم، إيران.
الدروس الشرعية في فقه الإمامية، لشمس الدين الشيخ محمد بن مكي العاملي (الشهيد الأول) ت 786 ه-، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى 1414 ه- .
الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للإمام عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، الطبعة الأولى 1403 ه- - 1983 م، دار الفكر، بيروت.
دعائم الإسلام، لأبي حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيّون التميمي المغربي ت 363 ه-، تحقيق آصف بن علي أصغر فيضي، دار المعارف 1383 ه- - 1963 م.
الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للشيخ آقا بزرك الطهراني، تنقيح وزيادة ع ؟؟؟ المنزوي، الطبعة الأولى 1380 ه- - 1962 م، مطبعة1. جامعة طهران.
رجال البرقي، لأبي جعفر أحمد بن أبي عبد الله البرقي، منشورات مطبعة جامعة طهران 1342 ه- . ش.
رجال الطوسي لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تحقيق وتعليق السيد محمد صادق آل بحر العلوم الطبعة الأولى 1381 ه- - 1961 م، منشورات المكتبة والمطبعة الحيدرية في النجف.
رجال النجاشي لأبي العباس أحمد بن علي النجاشي ت 450 ه-، تحقيق محمد جواد النائيني، الطبعة الأولى 1408 ه- - 1988 م دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، لبنان.
رسالة السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج، للشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي، المطبوعة في ضمن كتاب كلمات المحققين، منشورات مكتبة المفيد، قم، إيران 1402 ه-، الطبع القديم.
رسالة في قاعدة نفي الضرر، للشيخ مرتضى الأنصاري ت 1281 ه-، مطبوعة ضمن كتاب المكاسب - الطبع القديم 1375 ه- - الطبع القديم بخط طاهر خويش نويس.
رسائل المحقق الكركي، للشيخ علي بن الحسين الكركي (المحقق الثاني) ت 940 ه-، تحقيق الشيخ محمد الحسون، الطبعة الأولى 1409 ه-، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي مطبعة الخيام، قم.
رياض العلماء وحياض الفضلاء، للميرزا عبد الله أفندي الاصبهاني، مطبعة الخيام 1401 ه- .
رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، للسيد علي الطباطبائي، منشورات مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) للطباعة والنشر، مطبعة الشهيد - قم إيران، 1404 ه-، الطبع القديم.
الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، للشيخ الشهيد زين الدين الجبعي العاملي (الشهيد الثاني)، إشراف السيد محمد كلانتر، الطبعة الثانية 1395 ه- منشورات جامعة النجف الدينية.
الروضة من الكافي، لثقة الإسلام الكليني، تصحيح ومقابلة وتعليق علي أكبر غفاري، الطبعة الثانية 1389 ه- نشر دار الكتب الإسلامية.
السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ت 4581. ه-، دار المعرفة بيروت، لبنان.
سنن النسائي، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي ت 303 ه-، الطبعة الأولى 1348 ه- - 1930 م دار الفكر بيروت.
الشافي في الإمامة، للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي ت 436 ه-،
تحقيق وتعليق السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب، الطبعة الثانية 1410 ه-، نشر مؤسسة الصادق، طهران.
شرائع الإسلام، لأبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن (المحقق الحلي) ت 676 ه-، ت حقيق وإخراج وتعليق عبد الحسين محمد علي، الطبعة الأولى 1389 ه- - 1969 م، مطبعة الآداب في النجف الأشرف.
شرح نهج البلاغة، لعز الدين أبي حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن أبي الحديد المدائني ت 656 ه- تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية - القاهرة.
الصحاح - تاج اللغة وصحاح العربية، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الرابعة 1407 ه- - 1987 م، دار العلم للملايين بيروت، لبنان.
صحيح البخاري، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري ت 256 ه- الطبعة الخامسة 1406 ه- - 1986 م، عالم الكتب - بيروت لبنان.
الصحيفة السجادية الكاملة، تقديم السيد محمد باقر الصدر، الطبعة الثانية 1408 ه- - 1987 م، منشورات دار الأضواء بيروت - لبنان.
الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد بن منيع الزهري، دار صادر، بيروت، لبنان 1405 ه- - 1985 م .
عدة الداعي ونجاح الساعي، لأحمد بن فهد الحلي ت 841 ه-، تصحيح وتعليق أحمد الموحدي القمي، مكتبة الوجداني، قم.
العروة الوثقى، للسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، إشراف السيد محمد حسين الطباطبائي، مطبعة الحيدري، طهران 1378 ه- .
علل الشرائع، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 ه- الطبعة الثانية 1385 ه- - 1966 م، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف، - دار إحياء التراث العربي للنشر والتوزيع.
عمدة المطالب في التعليق على المكاسب، للسيد تقي الطباطبائي1. القمي، الطبعة الأولى 1413 ه-، مطبعة الخيام، انتشارات محلاتي، قم.
العناوين، للمير عبد الفتاح الحسيني المراغي ت 1250 ه-، الطبع القديم.
عوائد الأيام، للمولى أحمد النراقي، تحقيق مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، الطبعة الأولى 1417 ه- .
عوالم العلم والمعارف والأحوال، للشيخ عبد الله البحراني الاصفهاني، تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدي(علیه السلام)، قم المقدسة، الطبعة الأولى 1413ه- .
عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، للشيخ محمد بن علي بن إبراهيم الإحسائي (ابن أبي جمهور)، تحقيق الشيخ الحاج آقا مجتبى العراقي، الطبعة الأولى 1403 ه- - 1983 م، مطبعة سيد الشهداء، قم - إيران.
عيون أخبار الرضا، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 ه-، تصحيح وتذييل السيد مهدي الحسيني اللاجوردي، انتشارات جهان.
الغدير في الكتاب والسنة والأدب، للشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي، الطبعة الخامسة 1403 ه- - 1983 م نشر دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان.
الغنية، للسيد عزّ الدين حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان، طهران، الطبع القديم.
غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع، للسيد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي ت 585 ه-، تحقيق إبراهيم البهادري، الطبعة الأولى 1417 ه-، نشر مؤسسة الإمام الصادق (علیه السلام) .
الغيبة، للشيخ محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني، من أعلام القرن الرابع، تحقيق علي أكبر الغفاري، منشورات مكتبة الصدوق.
فرائد الأصول (الرسائل)، للشيخ مرتضى الأنصاري ت 1281 ه-، تحقيق عبد الله النوراني، الطبعة السادسة 1416 ه-، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة
المدرسين بقم المشرفة.
الفروع من الكافي، لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني ت 328 ه- أو 329 ه-، تصحيح ومقابلة وتعليق علي أكبر غفاري،1. الطبعة الثانية 1366 ه-، مطبعة الحيدري.
فقه القرآن، لقطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي ت 573 ه-، تحقيق السيد أحمد الحسيني، الطبعة الثانية 1405 ه-، نشر مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي.
فلسفة الميثاق والولاية، للسيد عبد الحسين شرف الدين، منشورات دار النعمان النجف الأشرف 1387 ه- .
الفهرست، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460ه-، تصحيح وتعليق السيد محمد صادق آل بحر العلوم، الطبعة الثانية 1380 ه- - 1960 م، منشورات المطبعة الحيدرية في النجف.
قاعدة لا ضرر ولا ضرار، محاضرات آية الله العظمى السيد علي السيستاني، الطبعة الأولى 1414 ه- - قم.
قاموس الرجال، للشيخ محمد تقي التستري، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، الطبعة الثانية 1410 ه- .
القاموس المحيط، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي ت 816 ه-، دار الفكر - بيروت 1403 ه- - 1983 م.
قرب الإسناد، للشيخ أبي العباس عبد الله الحميري، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث قم، الطبعة الأولى 1413 ه- .
قواعد الأحكام، للعلامة الحلي آية الله الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر، ت 726 ه-، منشورات الرضي، قم - إيران.
كتاب الدروس الشرعية في فقه الإمامية، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن مكي العاملي (الشهيد الأول) ت 786 ه-، تصحيح وتعليق السيد مهدي اللازوردي الحسيني.
كتاب السرائر، لأبي عبد الله محمد بن إدريس العجلي الحلّي، الطبعة الثانية 1390 ه-، انتشارات المعارف الإسلامية طهران - المطبعة العلمية - قم، الطبع القديم.
كتاب السرائر، لمحمد بن إدريس الحلي ت 598 ه-، تحقيق لجنة التحقيق في مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المشرفة، الطبعة الثانية 1410 ه- .
كتاب سليم بن قيس الهلالي ت حوالي 90 ه-، تحقيق الشيخ محمد باقر الأنصاري الزنجاني الخوئيني، الطبعة الأولى 1415 ه-، نشر الهادي قم، إيران.
كتاب الغيبة، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه-، تحقيق الشيخ عباد الله الطهراني، والشيخ علي أحمد ناصح، الطبعة الأولى المحققة 1411 ه-، نشر مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة، مطبعة بهمن.
كتاب الغيبة، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 ه- الطبعة الثانية 1408 ه-، منشورات مكتبة بصيرتي قم.
كتاب القضاء، للميرزا محمد حسن الاشتياني، الطبعة الثانية 1404 ه-، من منشورات دار الهجرة إيران - قم.
كتاب المراسم، للشيخ أبي يعلى سلار بن عبد العزيز الديلمي، مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان الطبع القديم.
كتاب الوافي، للمحدث محمد محسن (الفيض الكاشاني) ت 1091 ه- الطبعة الأولى 1406 ه-، منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (علیه السلام) بأصفهان.
كتاب الوافي، للمحدث محمد محسن بن الشاه مرتضى (الفيض الكاشاني) ت 1091 ه-، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم المقدسة - إيران 1404 ه- .
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ت 538 ه-، دار المعرفة، بيروت - لبنان.
كشف الريبة عن أحكام الغيبة، لزين الدين الجبعي العاملي الشامي (الشهيد الثاني) ت 965 ه-، تحقيق السيد علي الخراساني الكاظمي، الطبعة الثانية، 1408 ه- - 1978 م، دار الأضواء، بيروت - لبنان.
كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، للشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي ت 1162 ه-، إشراف وتصحيح وتعليق أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، الطبعة الرابعة 1405 ه- - 1985 م .
كشف اللثام، لبهاء الدين محمد بن الحسن بن محمد الاصفهاني المعروف بالفاضل الهندي ت 1135 ه- أو 1137 ه-، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم المقدسة، إيرن 1405 ه- .
كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، لجمال الدين أبي منصور1. الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر الحلي، من منشورات مكتبة المصطفوي - قم.
كفاية الأصول، للشيخ محمد كاظم الخراساني ت 1329، مع حواشي الميرزا ابي الحسن المشكيني بخط طاهر خوش نويس، انتشارات العلمية الإسلامية - الطبع القديم.
كفاية الأصول، للمحقق الشيخ محمد كاظم الخراساني (الآخوند) ت 1329 ه-، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، الطبعة الثالثة 1415 ه- .
كمال الدين وتمام النعمة، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 ه-، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة - إيران 1405 ه- .
كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، لعلاء الدين المتقي بن حسام الدين الهندي ت 975 ه- الطبعة الخامسة 1405 ه- - 1985 م مؤسسة الرسالة - بيروت.
لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الافريقي المصري، نشر أدب الحوزة قم - إيران 1405 ه- .
لؤلؤة البحرين، للشيخ يوسف بن أحمد البحراني ت 1186 ه-، تحقيق وتعليق السيد محمد صادق بحر العلوم، الطبعة الثانية، نشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) .
مباني تكملة المنهاج، للسيد أبي القاسم الموسوي الخوئي، مطبعة الآداب النجف الأشرف.
المبسوط في فقه الإمامية، لشيخ الطائفة الطوسي، تصحيح وتعليق السيد محمد تقي الكشفي، الطبعة الثانية 1387 ه-، نشر المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
مجمع البحرين، للشيخ فخر الدين الطريحي ت 1085 ه-، تحقيق السيد أحمد الحسيني، الطبعة المحققة الثانية 1395 ه-، منشورات المكتبة المرتضوية - طهران.
مجمع البيان في تفسير القرآن، للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، تصحيح وتعليق الشيخ أبي الحسن الشعراني، المطبعة الإسلامية بطهران 1373 ه- .
مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، للمولى أحمد1. المقدس الاردبيلي ت933ه-، تحقيق آقا مجتبى العراقي، والشيخ علي بناه الاشتهاردي، وآقا حسين اليزدي، الطبعة الأولى 1411 ه- طبع ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.
المحاسن، للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي، تصحيح وتعليق السيد جلال الدين الحسيني (المحدث)، الطبعة الثانية، دار الكتب الإسلامية، قم.
مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، للحسن بن يوسف بن مطهر (العلامة الحلي) ت 726 ه-، تحقيق مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، الطبعة الأولى 1417 ه-، نشر مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي - قم.
مختلف الشيعة، لأبي منصور الحسن بن يوسف المطهر الأسدي (العلاّمة الحلي) ت 726 ه-، تحقيق مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة الطبعة الأولى 1412 ه- .
مدينة المعاجز، للسيد هاشم الحسيني البحراني، الطبع القديم، من منشورات مكتبة المحمودي، طهران.
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، للعلامة شيخ الإسلام المولى محمد باقر المجلسي ت 1111 ه- إخراج ومقابلة وتصحيح السيد هاشم الرسولي، الطبعة الثانية 1394 ه- نشر دار الكتب الإسلامية طهران، مطبعة الحيدري.
مسائل حرجة في فقه المرأة - أهلية المرأة لتولي السلطة، للشيخ محمد مهدي شمس الدين، الكتاب الثاني - مؤسسة المنار.
مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام، للشهيد زين الدين بن علي العاملي الجبعي ت 965 أو 966 ه-، الطبع القديم.
المستدرك على الصحيحين في الحديث، للحاكم النيسابوري، دار الفكر بيروت 1389 ه- - 1978 م .
مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، لخاتمة المحدثين الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي ت 1320 ه-، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث - قم، الطبعة الأولى 1407 ه- .
مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل ج 3، للميرزا حسين النوري الطبرسي، الطبع القديم، من منشورات مؤسسة إسماعيليان والمكتبة الإسلامية - قم.
مستند الشيعة في أحكام الشريعة، للمولى أحمد بن المولى مهدي النراقي ت 1244 ه-، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم المقدسة، إيران 1405 ه- الطبع القديم.
مستند العروة الوثقى - كتاب الخمس، محاضرات السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي، للشيخ مرتضى البروجردي، المطبعة العلمية - قم 1364 ه- ش نشر لطفي.
مستند العروة - كتاب الصلاة - القسم الثاني، محاضرات زعيم الحوزة العلمية السيد أبي القاسم الخوئي، للشيخ مرتضى البروجردي، منشورات دار العلم 1412 ه- .
مسند الإمام أحمد بن حنبل، لأبي عبد الله الشيباني ت 241 ه-، الطبعة الثانية 1414 ه- - 1993 م مؤسسة التاريخ العربي - دار إحياء التراث العربي.
مسند الإمام أحمد بن حنبل، لأبي عبد الله الشيباني ت 241 ه-، مؤسسة التاريخ العربي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية 1414 ه- - 1993م.
مشيخة الفقيه،شرح وترجمة وتعليق محمد جعفر شمس الدين، دار التعارف للمطبوعات.
مصباح الأصول، تقرير بحث آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي، للسيد محمد سرور الواعظ الحسيني البهسودي، مطبعة النجف 1386 ه-، النجف الأشرف.
مصباح الشريعة، المنسوب للإمام جعفر الصادق (علیه السلام) ت 148 ه-، الطبعة الأولى 1400 ه-، منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان.
مصباح الفقاهة، تقرير أبحاث آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي للميرزا محمد علي التوحيدي، الطبعة الأولى 1412 ه- - 1992 م، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان.
مصباح الفقاهة ج 5، من تقرير بحث الأستاذ الأكبر آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي، للميرزا محمد علي التوحيدي التبريزي، مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر - قم.
مصباح الفقيه في الزكاة والخمس والصوم والرهن، للشيخ آقا رضا الهمداني الغروي، الطبع القديم.
المصباح المنير، للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي ت 770 ه-، الطبعة السابعة، المطبعة الأميرية بالقاهرة 1928 م .
معاني الأخبار، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ت 381 ه-، منشورات مكتبة المفيد - قم.
معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، للسيد أبي القاسم الموسوي الخوئي، الطبعة الخامسة 1413 ه- - 1992 م.
معجم مفردات ألفاظ القرآن، لأبي القاسم الحسين بن محمد بن الفضل (الراغب الاصفهاني)، تحقيق نديم مرعشلي، دار الكتاب العربي، مطبعة التقدم العربي 1392 ه- - 1972 م.
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة 1364 ه- .
المعجم الفهرس لألفاظ نهج البلاغة، فهرسة كاظم محمدي، ومحمد دشتي، مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 1406 ه- .
مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، للسيد محمد جواد الحسيني العاملي ت حدود 1226 ه-، مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) للطباعة والنشر.
المقنعة، لفخر الشيعة أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالشيخ المفيد ت 413 ه-، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الثانية 1410 ه- .
مكارم الأخلاق، لرضي الدين أبي نصر الحسن بن الفضل الطبرسي، من أعلام القرن السادس الهجري، تقديم وتعليق محمد الحسين الأعلمي، منشورات مؤسسة الأعلمي، الطبعة السادسة 1392 ه- - 1972 م.
المكاسب، للشيخ مرتضى الأنصاري ت 1281 ه-، الطبع القديم 1375 ه-، بخط طاهر خوش نويس.
المكاسب والبيع، تقرير أبحاث الميرزا محمد حسين الغروي النائيني، للعلامة الشيخ محمد تقي الآملي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 1413 ه- .
الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني، الطبعة الرابعة 1415 ه- - 1995 م، دار المعرفة، بيروت - لبنان.
المناقب، لأبي جعفر رشيد الدين محمد بن علي بن شهراشوب،1. منشورات المطبعة العلمية - قم.
مناقب آل أبي طالب، لأبي جعفر محمد بن علي بن شهراشوب السروي المازندراني ت 588 ه-، تحقيق وفهرسة الدكتور يوسف البقاعي، الطبعة الثانية 1412 ه- - 1992 م، دار الأضواء بيروت، لبنان.
منتقى الأصول، تقرير أبحاث آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الروحاني، للسيد عبد الصاحب الحكيم، الطبعة الأولى 1413 ه- مطبعة أمير، قم.
منتهى المطلب في تحقيق المذهب، للعلامة الحلي ت 726 ه- الطبع القديم.
منهاج الصالحين، فتاوى مرجع المسلمين زعيم الحوزة العلمية السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي، الطبعة الثامنة والعشرون 1410 ه- .
الميزان في تفسير القرآن، للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الطبعة الخامسة 1412 ه-، نشر مؤسسة إسماعيليان - قم.
منية الطالب في حاشية المكاسب، تقرير أبحاث الميرزا محمد حسين الغروي النائيني، للشيخ موسى النجفي الخونساري، الطبع القديم بخط محمد علي التبريزي الغروي.
من لا يحضره الفقيه، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 ه-، تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، الطبعة الخامسة 1390 ه-، نشر دار الكتب الإسلامية طهران.
منية المريد في أدب المفيد والمستفيد، للشيخ زين الدين بن علي العاملي (الشهيد الثاني) ت 965 ه-، تحقيق رضا المختاري الطبعة الأولى 1409 ه-، نشر مكتب الإعلام الإسلامي.
النجم الثاقب، لخاتمة المحدثين الشيخ الميرزا حسين الطبرسي النوري، تقديم وترجمة وتحقيق وتعليق السيد ياسين الموسوي، الطبعة الأولى 1415 ه- منشورات أنوار الهدى.
النكت الاعتقادية، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ت 413 ه-، تحقيق رضا المختاري، المطبوع ضمن سلسلة مصنفات الشيخ المفيد ج 10، الطبعة الأولى 1413 ه- .
النهاية، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت1. 460 ه-، المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات جهان، طهران - الطبع القديم.
النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي ت 460 ه-، الطبعة الأولى 1390 ه-، 1970 م - دار الكتاب العربي بيروت لبنان.
النهاية في غريب الحديث والأثر، لمحمد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري (ابن الأثير) ت 606 ه-، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناجي، الطبعة الرابعة، نشر مؤسسة إسماعيليان، قم.
نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، لقاضي قضاة القطر اليماني محمد بن علي بن محمد الشوكاني ت 1255 ه-، دار الجيل - بيروت لبنان 1973 م.
وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، للمحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي ت 1104 ه-، تصحيح وتحقيق وتذييل الشيخ عبد الرحيم الربّاني الشيرازي الطبعة الخامسة 1398 ه-، منشورات المكتبة الإسلامية طهران.
الوسيلة إلى نيل الفضيلة، للشيخ عماد الدين أبي جعفر محمد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي، المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان، طهران، الطبع القديم.
وسيلة النجاة، لآية الله العظمى السيد أبي الحسن الموسوي الاصفهاني، مع تعاليق آية الله العظمى السيد محمد رضا الموسوي الگلبايگاني، الطبعة الثانية 1397 ه- - 1977 م، دار التعارف للمطبوعات بيروت - لبنان.
الهداية، للصدوق، المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات طهران - الطبع القديم.
هداية الطالب إلى أسرار المكاسب، للميرزا فتاح الشهيدي التبريزي، الطبعة الثانية 1375 ه-، مطبعة الاطلاعات، تبريز - الطبع القديم.
هدية الرازي إلى الإمام المجدّد الشيرازي، للشيخ آقا بزرگ الطهراني، نشر مكتبة الميقات، طهران 1403 ه- .
الموضوع
كلمة الشيخ الاستاذ... 5
المقدمة... 7
الفصل التاسع : التقية في الجهاد... 9
المدخل... 11
صور الجهاد... 13
الجهاد في اللغة والعرف والاصطلاح... 15
مواضع البحث... 16
المبحث الأول - أقسام الجهاد... 19
القسم الاول : في الجهاد ضد الكفار والمشركين للدعوة الى الاسلام... 21
الجهة الاولى : في أقوال الفقهاء... 37
الجهة الثانية : في الآيات الواردة في الجهاد... 40
الجهة الثالثة : في الروايات ....46
تنبیه... 59
وها هنا مسائل... 60
الأولى : في كفاية إذن الفقيه الجامع للشرائط وعدمها... 60
الثانية : في وجوب الحضور والاشتراك في الجهاد تقية... 61
الثالثة : في استدامة الجهاد... 62
القسم الثاني : الجهاد من أجل الدفاع عن بيضة الاسلام... 63
القسم الثالث : المرابطة... 63
وها هنا مسائل... 68
الأولى : المرابطة للتقية... 68
الثانية : في أخذ المال للمرابطة... 69
الثالثة : في نذر المرابطة بالنفس... 69
الرابعة : في نذر المرابطة بالمال .... 69
الخامسة : في التعرب بعد الهجرة واقسام الهجرة لبلاد الكفر .... 72
القسم الرابع : جهاد أهل البغي... 82
القسم الخامس : جهاد الفئة الباغية على فئة أخرى من المسلمين... 88
القسم السادس : جهاد ساب النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) أو أحد الأئمة(علیهم السلام) أو الصديقة الزهراء(علیها السلام) أو الانبياء(علیهم السلام)... 88
الموضع الأول : في من سب النبي(صلی الله علیه و آله و سلم)... 97
الموضع الثاني : في من سب أمير المؤمنين أو احد الائمة(علیهم السلام) .... 107
الموضع الثالث : في من سب الصديقة الزهراء(علیها السلام)... 108
الموضع الرابع : في من سب الانبياء أو أحدهم(علیهم السلام)... 109
القسم السابع : الجهاد دفاعاً عن النفس والأهل والمال... 109
المسألة الأولى : في الدفاع عن النفس... 109
المسألة الثانية : في الدفاع عن الأهل... 115
المسألة الثالثة : في الدفاع عن المال... 120
المبحث الثاني : الولاية من قبل السلطان الجائر.... 125
المقام الاول : في معاونة سلاطين الجور.... 127
المقام الثاني : في حكم الدخول في اعمالهم وقبول الولاية منهم... 139
موارد الاستثناء... 140
ثم إن ها هنا مسائل... 170
الأولى : إذا اقتضت التقية القتل... 170
المسألة الثانية : هل يختص الحكم بالمؤمن أو يشمل المخالف ؟... 174
المسألة الثالثة : إذا توقف حفظ نفس الغير أو ماله أو عرضه على قبول الولاية أو ارتكاب الحرام... 175
المسألة الرابعة : هل أن الاضرار بالغير عن تقية يستتبع الضمان ؟... 178
فروع... 187
المقام الثالث : في جباية الأموال للسلطان الجائر.... 200
المقام الرابع: في تولي منصبي الفتوى والقضاء من قبل السلطان الجائر... 202
الجهة الاولى : في الفتوى... 202
الجهة الثانية : في قبول الولاية في القضاء ... 205
الناحية الأولى : تولي العمل والتصدي له... 205
الناحية الثانية : في حكم الترافع إلى قضاة الجور والتحاكم إليهم... 211
المسألة الأولى : هل يجوز الترافع إليهم حال الاختيار ؟... 211
المسألة الثانية : هل يجوز الاخذ بحكم القاضي الجائر أو من لا أهلية له ؟ ... 213
المسألة الثالثة : في الترافع إليهم مع عدم الاختيار.... 221
المبحث الثالث : في التعامل مع الحكام الظالمين... 225
المورد الأول : في أخذ المال والجوائز منهم مع العوض أو بدونه... 227
صور الأخذ وأحكام كل منها وما يتفرع عليها من المسائل... 229
تذييل: في تعامل سائر الناس - غير الآخذ - مع السلطان الجائر... 306
مسألة: هل يجوز لأحاد الفقراء المستحقين للخمس أو الزكاة أو المظالم المقاصة من مال من عليه الحق وهو جاحد؟... 312
المورد الثاني : في التعامل مع السلطان الجائر في الخراج والمقاسمات... 315
ثم إن ها هنا مسائل... 324
الأولى : هل يجوز شراء الخراج والمقاسمات أو أخذها من السلطان الجائر قبل قبضها واستقرارها في يده أو يد عامله؟... 324
الثانية : هل ان امر الاراضي الخراجية بيد السلطان أو لا؟.... 326
الثالثة : : من هو السلطان الجائر ؟ .... 329
الرابعة : هل المراد بالسلطان خصوص المخالف أو الاعم؟ .... 330
الخامسة : هل يعتبر في جواز الأخذ الاستحقاق؟ .... 330
المبحث الرابع : ولاية الفقيه .... 333
الولاية في اللغة والاصطلاح.... 335
المقام الاول في الولاية التكوينية للنبي(صلی الله علیه و آله و سلم) والائمة(علیهم السلام)... 337
شبهات وردود... 340
الولاية التشريعية وإمامة المسلمين... 347
لماذا لم ينص على أسماء الأئمة(علیهم السلام) في القرآن؟ .... 364
المقام الثاني في ثبوت الولاية للفقيه الجامع للشرائط وعدمه... 367
مراتب ولاية الفقيه ويبان موضع البحث.... 367
تمييز وظائف القاضي عن وظائف الفقيه... 369
أدلة القائلين بالولاية... 377
تنبیهان... 424
أدلة الثافين للولاية... 475
المقام الثالث : في شرائط الفقيه... 490
البلوغ وكمال العقل .... 490
الذكورة... 492
الدفاع عن المرأة... 519
الايمان... 528
العدالة... 529
العلم واعتبار الاجتهاد المطلق في الوالي وعدمه... 531
هل تعتبر الاعلمية في الوالي؟... 543
الانتخاب ومشروعيته... 546
طيب الولادة... 559
حسن التدبير... 561
التنزه عن البخل وحب الدنيا والجاه والمداهنة والمصانعة... 564
خاتمة في ذكر بعض مهام الفقيه... 568
فهرست المصادر... 573
فهرست المحتويات... 591