ghaemiyeh.com
سرشناسه : مجلسی ، محمد باقربن محمدتقی ، 1037 - 1111ق.
عنوان قراردادی : بحار الانوار . برگزیده
عنوان و نام پدیدآور : مناهل الابرار فی تلخیص بحار الانوار/ التحقیق حسین درگاهی .
مشخصات نشر : قم : عالمه ، 1422ق . = 1380.
مشخصات ظاهری : 14ج.
یادداشت : عربی .
یادداشت : چاپ قبلی : الهدی ، 1378.
یادداشت : ج. 3 - 6 ، 8 و 9 (چاپ اول: 1422ق. = 1380).
موضوع : احادیث شیعه -- قرن 14
شناسه افزوده : درگاهی ، حسین ، 1331 -
رده بندی کنگره : BP135/م 3ب 3014 1380
رده بندی دیویی : 297/212
شماره کتابشناسی ملی : م 80-5243
این اثر با حمایت معاونت امور فرهنگی وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی به چاپ رسیده است
تم نشر هذا العمل بدعم من وكالة الشؤون الثقافية بوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
بسم الله الرحمن الرحیم
مناهل الأبرار
فی تلخیص بحار الانوار
التحقيق حسین درگاهی
الجزء الرابع
مجلسی، محمد باقر بن محمد تقی، 1037 - 1111 ق.
[بحارالانوار برگزیده]
مناهل الابرار فى تلخيص بحار الانوار التحقيق حسین درگاهی - قم عالمه 1422ق. = 1380
14ج.
-.(دوره) 420000 ریال . :ISBN 964-6798-35-7
شابک جلد چهارم X-39-6798-964 (ج. 1)X ISBN 964-6798-39
فهرستنویسی بر اساس اطلاعات فیپا:
عربی .
3014 ب 3 م / 136 1380 BP
297/212
کتابخانه ملی ایران 5243 - 80م
محل نگهداری:
مناهل الابرار
في تلخيص بحار الانوار
الجزء الرابع
التحقیق: حسین درگاهی
الناشر: عالمه
الطبعة الاولى: جمادی الاولی 1422 ه-
المشرف على الشؤون الفنّيّة: حمیدرضا آژیر
تنضيد الحروف: محمد علي علاقه مند - علي مير عباسي تصحيح الأخطاء المطبعية: علي رضا الغفراني - جعفر البيّاتي
العدد: 3000 نسخة
كافة الحقوق محفوظة للناشر
قم - ص. ب. 4161-37185 هاتف 7745070
قم - ص.پ. 4161 - 37185 تلفن 7745070
این اثر با حمایت معاونت امور فرهنگی وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی به چاپ رسیده است
بسم الله الرحمن الرحیم
1 - كا: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن محمّد بن الحسين ، عن محمد بن الفضيل ، عن عبدالرحمن بن يزيد عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : مات داودالنبی علیه السّلام يوم السبت مفجوءاً، فأظلّته الطير بأجنحتها، ومات موسى كليم الله في التيه فصاح صائح من السماء مات موسى وأي نفس لا تموت؟(1).
ین: محمّد بن الحسين مثله.
2 - ل: ابن إدريس، عن أبيه، عن الأشعريّ عن أبي عبدالله الرازيّ، عن ابن أبي عثمان، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن الأول علیه السّلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم :إِنَّ الله اختار من الأنبياء أربعة للسيف: إبراهيم، وداود، وموسى، وأنا: الخبر. (2)
3 - ن، ع: سأل الشامي أمير المؤمنين علیه السّلام عمّن خلق الله من الأنبياء مختوناً، فقال: خلق الله عزّوجل آدم مختوناً، وولد شيث مختوناً، وإدريس، ونوح، وسام بن نوح وإبراهيم، وداود، وسليمان، ولوط، وإسماعيل، وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم. (1)
4 - ل: ابن الوليد عن الصفّار، عن البرقيّ، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عمّن ذكره، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: إن الله تبارك وتعالى لم يبعث أنبياء ملوكاً في الأرض إلا أربعة بعد نوح: ذوالقرنين وإسمه عيّاش، و داود وسليمان، ويوسف علیه السّلام فأما عيّاش فملك ما بين المشرق والمغرب، وأما داود فملك ما بين الشامات إلى بلاد إصطخر وكذلك ملك سليمان، وأمّا يوسف فملك مصر و براريّها لم يجاوزها إلى غيرها. (2)
5 - فس: «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ » إلى قوله: «المؤمنين» قال: إِنَّ الله عزّوجل أعطى داود وسليمان مالم يعط أحداً من أنبياء الله من الآيات: علّمها منطق الطير، وألان لهما الحديد
والصفر من غير نار، وجعلت الجبال يسبّحن مع داود، وأنزل عليه الزبور، فيه توحيد وتمجيد ودعاء وأخبار رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما والأئمة علیهم السّلام وأخبار الرجعة وذكر القائم علیه السّلام لقوله: «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ»(3).
6 - فس: «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ»أي سبّحى الله «وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ» قال: كان داود إذا مرّفي البراريّ يقرأ الزبور تسبّح الجبال والطير معه والوحوش، وألان الله له الحديد مثل الشمع حتّى كان يتَّخذ منه ما أحب.
وقال الصادق علیه السّلام : اطلبوا الحوائج يوم الثلثاء فإنّه اليوم الذي ألان الله فيه الحديد لداود علیه السّلام . وقوله:«أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ »قال: الدروع «وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ»قال: المسامير التي
في الحلقة «وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِیرٌ» (1)
أقول: يمكن أن يكون تسبيح الجبال كناية عن تسبيح الملائكة الساكنين بها، أو بأن خلق الله الصوت فيها، أو على القول بأنّ للجمادات شعوراً فلا حاجة إلى كثير تكلّف وأمّا الطيور فلا دليل على عدم تمييزها وقابليّتها للتسبيح، مع أنّ كثيراً من الأخبار دلّت على أنّ لها تسبيحاً، وما سيأتي من قصّة النمل يؤيّده.
ثمّ قال رحمه الله: وقيل: معناه سيري معه فكانت الجبال والطير تسير معه : أينما سار. والتأويب: السير بالنهار ؛ وقيل : معناه: ارجعي إلى مراد داود فيما يريده من حفر بئر، واستنباط عين، واستخراج معدن «أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ » أي قلنا له: اعمل من الحديد دروعاً تامات «وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ» أي عدّل في نسج الدروع، ومنه قيل لصانعها سرّاد وزرّاد، والمعنى: لا تجعل المسامير دقاقاً فتنفلق، ولا غلاظاً فتكسر الحلق؛ وقيل: السرد المسامير التي في حلق الدروع.
7 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطي عن الرضاء علیه السّلام في قوله تعالى لداود: «وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ» قال: هي الدرع، والسرد: تقدير الحلقة بعد الحلقة. (2)
8- ص بالإسناد إلى الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن يزيد عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عثمان، عن أبي عبد الله علیه السّلام في قوله تعالى: «وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ» قال: ذا القوة . (3)
9 - فس: «إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18)» يعني إذا طلعت الشمس. (4)
10 - ص: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمّد البرقي، عن إسماعيل بن إبراهيم عن أبي بكر، عن زرارة، عن أبي عبدالله علیه السّلام قال : إنّ داود علیه السّلام كان يدعو أن يلهمه الله القضاء بين الناس بما هو عنده تعالى الحقّ، فأوحى إليه: يا داود إنّ الناس لا يحتملون ذلك، وإنّي سأفعل، وارتفع إليه رجلان فاستعداه أحدهما على الآخر فأمر المستعدى عليه أن يقوم إلى المستعدي فيضرب عنقه ففعل، فاستعظمت بنو إسرائيل ذلك وقالت: رجل جاء يتظلّم من رجل فأمر الظالم أن يضرب عنقه ! فقال: ربّ أنقذني من هذه الورطة، قال: فأوحى الله تعالى إليه: يا داود سألتني أن ألهمك القضاء بين عبادي بما هو عندي الحقّ، وإنَّ هذا المستعدي قتل أبا هذا المستعدى عليه، فأمرت فضربت عنقه قوداً بأبيه وهو مدفون في حائط كذا وكذا تحت شجرة كذا، فأته فناده باسمه فإنّه سيجيبك فسله، قال: فخرج داود علیه السّلام وقد فرح فرحاً شديداً لم يفرح مثله فقال لنبي إسرائيل: قد فرّج الله، فشى ومشوا معه فانتهى إلى الشجرة فنادى يا فلان فقال: لبيك يا نبيّ الله، قال: من قتلك؟ قال: فلان، فقال بنو إسرائيل: لسمعناه يقول: يا نبيّ الله، فنحن نقول كما قال، فأوحى الله تعالى إليه : ياداود إنّ العباد لا يطيقون الحكم بما هو عندي الحكم، فسل المدّعي البيّنة، وأضف المدّعى عليه إلى اسمي. (1)
11 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى ابن أورمة، عن فضالة، عن داود ابن فرقد، عن إسماعيل بن جعفر قال اختصم رجلان إلى داود النبي في بقرة، فجاء هذا ببينة وجاء هذا ببينه على أنها له فدخل داود المحراب فقال: يارب قد أعياني أن أحكم بين هذين، فكن أنت الذي تحكم، فأوحى الله تعالى اخرج فخذ البقرة من الذي هي في يده وادفعها إلى آخر واضرب عنقه، قال: فضجّت بنو اسرائيل وقالوا: جاء هذا ببينة وجاء هذا ببينة مثل بيّنة هذا وكان أحقهم بإعطائها الذي هي في يده، فأخذها منه وضرب عنقه وأعطاها للآخر
1) قصص الأنبياء مخطوط.
فدخل داود المحراب فقال: يارب قد ضجّت بنو إسرائيل بما حكمت فأوحى الله تعالى إليه: إنّ الذي كانت البقرة في يده لقي أبا الآخر فقتله وأخذ البقرة منه، فإذا جاءك مثل هذا فاحكم بينهم بما ترى، ولا تسألني أن أحكم بينهم حتّى الحساب .(1)
كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة مثله. (2)
12 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي ابن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان على عهد داود علیه السّلام سلسلة يتحاكم الناس إليها، وإنّ رجلاً أودع رجلاً جوهراً فجحده إياه فدعاه إلى سلسلة فذهب إليها، وقد أدخل الجوهر في قناة فلما أراد أن يتناول السلسلة قال له: أمسك هذه القناة حتّى آخذ السلسلة، فأمسكها ودنا الرجل من السلسلة فتناولها وأخذها وصارت في يده، فأوحى الله تعالى إلى داود علیه السّلام : أن احكم بينهم بالبيّنات وأضفهم إلى اسمي يحلفون به، ورفعت السلسلة. (3)
13 - ك: أبي، عن أحمد بن إدريس، ومحمد العطّار، عن الأشعري، عن محمد بن يوسف التميمي، عن الصادق، عن أبيه، عن جده علیه السّلام عن النبي الله قال : عاش داود مائة سنة، منها أربعون سنة ملكه . (4)
14 - كا: أبو علي الأشعريّ، عن عيسى بن أيّوب، عن عليّ بن مهزيار، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: لمّا عرض على آدم ولده نظر إلى داود فأعجبه فزاده خمسين سنة من عمره، قال: ونزل عليه جبرئيل وميكائيل فكتب عليه ملك الموت صكّاً بالخمسين سنة، فلمّا حضرته الوفاة نزل عليه ملك الموت، فقال آدم قديقي من عمري خمسون سنة، فقال: فأين الخمسون التي جعلتها لابنك داود؟ قال: فإما أن يكون نسيها أوأنكرها، فنزل عليه
جبرئيل وميكائيل وشهدا عليه فقبضه ملك الموت فقال أبو عبد الله علیه السّلام : وكان أوّل صك كتب في الدنيا. (1)
15-كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن أبان بن عثمان، عمّن أخبره، عن أبي عبدالله علیه السّلام قال في كتاب علىّ علیه السّلام : إن نبياً من الأنبياء شكا إلى ربّه القضاء، فقال: كيف أقضي بما لم ترعيني ولم تسمع أُذني؟ فقال: اقض بينهم بالبيّنات وأضفهم إلى اسمي يحلفون به. وقال: إنَّ داود علیه السّلام قال: يارب أرني الحق كما عندك حتى أقضي به، فقال: إنك لا تطيق ذلك، فألح على ربه حتى فعل، فجاءه رجل يستعدي على رجل، فقال: إنَّ هذا أخذ مالي، فأوحى الله عزّوجل إلى داود: إنّ هذا المستعدي قتل أبا هذا و أخذ ماله فأمر داود بالمستعدي فقتل فأخذ ماله فدفعه إلى المستعدى عليه، قال: فعجب الناس وتحدثوا حتى بلغ داود علیه السّلام ودخل عليه من ذلك ماكره، فدعا ربّه أن يرفع ذلك ففعل، ثمَّ أوحى الله عزَّ وجلَّ إليه أن احكم بينهم بالبيّنات، وأضفهم إلى اسمي يحلفون به. (2)
16 - يه : قال أبو جعفر علیه السّلام : دخل علىّ علیه السّلام المسجد فاستقبله شابّ وهو يبكي وحوله قوم يسكتونه، فقال علي علیه السّلام : ما أبكاك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إنَّ شريحاً قضى عليّ بقضيّة ما أدري ماهي إنّ هؤلاء النفر خرجوا بأبي معهم في سفرهم فرجعوا ولم يرجع أبي، فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله فقالوا ما ترك مالاً، فقدّمتهم إلى شريح فاستحلفهم، وقد علمت يا أمير المؤمنين أنّ أبي خرج ومعه مال كثير، فقال لهم أمير المؤمنين علیه السّلام : ارجعوا، فردّهم جميعاً والفتى معهم إلى شريح، فقال له: ياشريح كيف قضيت بين هؤلاء؟ قال: يا أمير المؤمنين ادّعى هذا الفتى على هؤلاء النفر أنهم خرجوا في سفر وأبوه معهم فرجعوا ولم يرجع أبوه، فسألتهم عنه فقالوا مات، وسألتهم عن ماله فقالوا:
ما خلّف شيئاً، فقلت للفتى هل لك بيّنة على ما تدعي؟ قال: لا، فاستحلفتهم، فقال علیه السّلام لشريح: يا شريح هيهات !هكذا تحكم في مثل هذا؟ فقال: كيف هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال علىّ علیه السّلام : يا شريح والله لأحكمنّ فيه بحكم ما حكم به خلقٌ قبلي إلّا داود النبي علیه السّلام يا قنبر ادع لي شرطة الخميس، فدعاهم، فوكّل بهم بكل واحد منهم رجلاً من الشرطة، ثمّ نظر أمير المؤمنين علیه السّلام إلى وجوههم فقال: ماذا تقولون؟ أتقولون إني لا أعلم ما صنعتم بأب هذا الفتى ؟ إني إذاً لجاهل، ثم قال: فرقوهم وغطوا رؤوسهم، فرّق بينهم وأقيم كلّ واحد منهم إلى أسطوانة من أساطين المسجد ورؤوسهم مغطاة بثيابهم، ثم دعا بعبيد الله بن أبي رافع كاتبه، فقال: هات صحيفة ودواتاً، وجلس عليّ علیه السّلام في مجلس القضاء واجتمع الناس إليه، فقال: إذا أنا كبرت فكبّروا، ثم قال للناس افرجوا، ثم دعا بواحد منهم فأجلسه بين يديه فكشف عن وجهه، ثمّ قال لعبيد الله: اكتب إقراره وما يقول، ثم أقبل عليه بالسؤال، ثم قال له في أي يوم خرجتم من منازلكم وأبو هذا الفتى معكم ؟ فقال الرجل: في يوم كذا وكذا، فقال: وفي أي شهر ؟ قال: في شهر كذا وكذا، قال: وإلى أين بلغتم من سفركم حين مات أبو هذا الفتى؟ قال: إلى موضع كذا وكذا، قال: وفي أيّ منزل مات؟ قال: في منزل فلان ابن فلان، قال: وما كان من مرضه؟ قال: كذا وكذا قال كم يوماً مرض؟ قال: كذا وكذا يوماً، قال: فمن كان يمرّضه؟ وفي أي يوم مات؟ ومن غسله؟ وأين غسله؟ ومن كفنه؟ وبما كفنتموه؟ ومن صلى عليه؟ ومن نزل قبره؟ فلمّا سأله عن جميع ما يريد كبّر علىّ علیه السّلام وكبّر الناس معه، فارتاب أولئك الباقون ولم يشكّوا أنّ صاحبهم قد أقرّ عليهم وعلى نفسه، فأمر أن يغطّى رأسه وأن ينطلقوا به إلى الحبس، ثمّ دعا بآخر فأجلسه بين يديه وكشف عن وجهه ثمّ قال كلّا، زعمت أنّي لا أعلم ما صنعتم؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما أنا إلّا واحد من القوم ، ولقد كنت كارها لقتله، فأقرّ، ثم دعا بواحد بعد واحد وكلّهم يقرّ بالقتل وأخذ المال، ثمّ ردّ الذي كان أمر به إلى السجن فأقرّ أيضاً فألزمهم المال والدم.
وقال شريح يا أمير المؤمنين وكيف كان حكم داود علیه السّلام ؟ فقال : إنّ داود النبيّ علیه السّلام مرّ بغلمة يلعبون وينادون بعضهم مات الدين، فدعا منهم غلاماً فقال له: يا غلام ما اسمك؟ فقال: اسمي مات الدين، فقال له داود من سمّاك بهذا الاسم؟ قال: أمّي، فانطلق إلى أمه، فقال: يا امرأة ما اسم ابنك هذا؟ قالت مات الدين فقال لها: ومن سماه بهذا الاسم؟ قالت: أبوه، قال: وكيف كان ذلك؟ قالت: إنّ أباه خرج في سفر له ومعه قوم وهذا الصبيّ حمل في بطني، فانصرف القوم ولم ينصرف زوجي فسألتهم عنه، فقالوا: مات، قلت: أين ماترك؟ :قالوا: لم يخلّف مالاً، فقلت: أوصّاكم بوصيّة ؟ فقالوا: نعم، زعم أنك حبلى، فما ولدت من ولد ذكر أو أنثى فسمّيه مات الدين، فسمّيته، فقال: أتعرفين القوم الذين كانوا خرجوا مع زوجك؟ قالت: نعم، قال: فأحياء هم أم أموات؟ قالت: بل أحياء، قال: فانطلقي بنا إليهم، ثم مضى معها فاستخرجهم من منازلهم فحكم بينهم بهذا الحكم فثبت عليهم المال والدم، ثمّ قال للمرأة: سمّي ابنك عاش الدين. (1)
يب: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر علیه السّلام مثله . (2)
17 - يه: التفليسي، عن السمندي، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: أوحى الله تعالى إلى داود علیه السّلام : إنك نعم العبد لولا أنّك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئاً، قال: فبكى داود علیه السّلام فأوحى الله تعالى إلى الحديد أن لن لعبدي ،داود، فألان الله تعالى له الحديد، فكان يعمل كلّ يوم درعاً فيبيعها بألف درهم، فعمل علیه السّلام ثلاث مائة وستّين درعاً فباعها بثلاث مائة وستين ألفاً، واستغنى عن بيت المال.(3)
18 -كا: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه وعليّ بن محمد جميعاً، عن القاسم بن محمد، عن
سليمان ابن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : من تعذرت عليه الحوائج فليلتمس طلبها يوم الثلثاء، فإنّه اليوم الذي ألان الله فيه الحديد لداود علیه السّلام . (1)
19 - نهج: وإن شئت ثلّثت بداود علیه السّلام صاحب المزامير، وقارىء أهل الجنّة، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده، ويقول لجلسائه أيّكم يكفيني بيعها؟ ويأكل قرص الشعير من ثمنها . (2)
أقول: لعلّ هذا كان كان قبل أن ألان الله له الحديد .
20 - كا: عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان رسول الله الا الله أول ما بعث كان يصوم حتى يقال ما يفطر ويفطر حتى يقال ما يصوم، ثم ترك ذلك وصام يوماً وأفطر يوماً، وهو صوم داود علیه السّلام الخبر. (3)
الحسين بن محمّد، عن المعلّى، عن الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عنه علیه السّلام مثله (4)
1 - ن: الهمدانيّ والمكتّب والورّاق جميعاً، عن عليّ بن إبراهيم، عن القاسم بن محمّد البرمكي، عن أبي الصلت الهرويّ قال: سأل الرضاء علیه السّلام عليّ بن محمد بن الجهم فقال: ما يقول من قبلكم في داود علیه السّلام ؟ فقال : يقولون: إنّ داود علیه السّلام كان في محرابه يصلّي إذ تصوّر له إيليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور فقطع داود صلاته وقام ليأخذ الطير، فخرج الطير إلى الدار، فخرج في أثره، فطار الطير إلى السطح فصعد في طلبه فسقط الطير في دار اوریابن حنّان، فاطّلع داود علیه السّلام لها في أثر الطير فإذا بامرأة اوريا تغتسل، فلمّا نظر إليها هواها، وكان قد أخرج اوريا في بعض غزواته، فكتب إلى صاحبه أن قدم اوريا أمام الحرب، فقدّم فظفر اوريا بالمشركين، فصعب ذلك على داود، فكتب إليه ثانية أن قدمه أمام التابوت فقدّم فقتل اوريا رحمه الله وتزوّج داود بامرأته قال: فضرب علیه السّلام بيده على جبهته وقال: « إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» لقد نسبتم نبيّاً من أنبياء الله علیهم السّلام إلى التهاون بصلاته حين خرج في أثر الطير، ثمّ بالفاحشة، ثمّ بالقتل، فقال يا ابن رسول الله: فما كانت خطيئته؟ فقال علیه السّلام : ويحك إن داود علیه السّلام إنما ظن أن ما خلق الله عزّوجلّ خلقاً هو أعلم منه، فبعث الله
عزّوجلّ إليه الملكين فتسوّرا المحراب فقالا: خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط* إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكلفنيها وعزّني في الخطاب» فعجّل داود علیه السّلام على المدّعى عليه فقال: « لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ» ولم يسأل المدّعي البينة على ذلك، ولم يقبل على المدعى عليه فيقول له: ما تقول؟ فكان هذا خطيئة حكم لاما ذهبتم إليه، ألا تسمع الله عزّوجل يقول:«يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ» إلى آخر الآية؟ فقال: يا ابن رسول الله فما قصّته مع اوريا؟ قال الرضاء علیه السّلام : إن المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبداً، وأوّل من أباح الله عزّ وجل أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود علیه السّلام فتزّوج بامرأة اوريا لمّا قتل وانقضت عدّتها منه، فذلك الذي شقّ على
اوریا. (1)
2 - ك، لي: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الصادق جعفر بن محمد علیه السّلام قال : إنّ داود علیه السّلام خرج ذات يوم يقرأ الزبور، وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر ولا سبع إلّا جاوبه، فمازال يمرّ حتى انتهى إلى جبل فإذا على ذلك الجبل نبيّ عابد يقال له حزقيل، فلمّا سمع دويّ الجبال وأصوات السباع والطير علم أنّه داود علیه السّلام ، فقال داود أتأذن لي فأصعد إليك؟ قال: لا، فبكى داود علیه السّلام فأوحى الله جلّ جلاله إليه: يا حزقيل لا تعيّر داود وسلني العافية، فقام حزقيل فأخذ داو فرفعه إليه، فقال داود یا حزقیل هل هممت بخطيئة قطُّ ؟ قال: لا، قال: فهل دخلك العجب ممّا أنت فيه من عبادة الله عزّوجل؟ قال: لا، قال: فهل ركنت إلى الدنيا فأحببت أن تأخذ من شهوتها ولذَّتها؟ قال: بلى ربّما عرض بقلبي، قال: فماذا تصنع إذا كان ذلك؟ قال: أدخل هذا الشعب فأعتبر بما فيه، قال: فدخل داود النبي علیه السّلام الشعب فإذا سرير من حديد
1) عيون الاخبار: 107-108.
عليه جمجمة بالية، وعظام فانية، وإذا لوح من حديد فيه كتابة فقرأها داود علیه السّلام فإذا هي: أنا أروى سلم ملكت ألف سنة، وبنيت ألف مدينة، وافتضضت ألف بكر، فكان آخر أمري أن صار التراب فراشي، والحجارة وسادتي، والديدان والحيّات جيراني، فمن رآني فلا يغترّ بالدنيا . (1)
3 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن علي بن أحمد، عن محمد بن أبي عبدالله الكوفي، عن موسى النخعي، عن الحسين بن أبي سعيد؛ عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله علیه السّلام ما تقول فيما يقول الناس في داود وامرأة اوريا؟ فقال: ذلك شيء تقوله العامًَّة. (2)
4 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن حماد ابن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن الشحام ، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : لو أخذت أحداً يزعم أنّ داود علیه السّلام وضع يده عليها لحددته حدّين: حدا للنُّبوة، وحدا لما رماه به.
أقول: روت العامّة مثله عن أمير المؤمنين علیه السّلام (3)
1 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد ، عن ابن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: نزل الزبور في ليلة ثمان عشرة
مضت من شهر رمضان. (1)
وبإسناده عن داود بن حفص عنه علیه السّلام عن النبي صلی الله علیه و آله و سلّم مثله . 2 - اصول الكافى 628/2-629.
2 - اصول الكافى 628/2-629. (2)
2 - ع: بإسناده عن يزيد بن سلام أنه سأل النبي صلی الله علیه و آله و سلّم لمَ سمّي الفرقان فرقاناً؟ فقال: لأنَّه متفرّق الآيات والسور، أُنزلت في غير الألواح وغير الصحف والتوراة والإنجيل والزبور أنزلت كلّها جملة في الألواح والورق. الحديث . (3)
3 - لي: ابن المغيرة، عن جده عن جده، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه علیه السّلام قال: قال النبي صلی الله علیه و آله و سلّم : أوحى الله عزّ وجل إلى داود علیه السّلام : ياداود كما لا تضيق الشمس على من جلس فيها كذلك لا تضيق رحمتي على من دخل فيها، وكما لا تضر الطيرة من لا يتطير منها كذلك لا ينجو من الفتنة المتطيرون، وكما أن أقرب الناس مني يوم القيامة
المتواضعون كذلك أبعد الناس مني يوم القيامة المتكبرون. (1)
4 - لي: أبي، عن سعد، عن النهديّ، عن ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله الصادق جعفر بن محمدعلیه السّلام قال : أوحى الله عزّوجل إلى داود علیه السّلام إنّ العبد من عبادي ليأتيني بالحسنة فأُبيحه جنّتي، قال: فقال داود علیه السّلام : يارب وما تلك الحسنة؟ قال: يدخل على عبدي المؤمن سروراً ولو بتمرة، قال: فقال داود علیه السّلام : حقّ لمن عرفك أن لا يقطع رجاءه منك. (2)
ص: بإسناده إلى الصدوق مثله. (3)
5 - ب: هارون عن ابن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه علیه السّلام إنّ داود قال لسليمان: يا بنيّ إياك وكثرة الضحك، فإنّ كثرة الضحك تترك العبد حقيراً يوم القيامة، يا بنيّ عليك بطول الصمت إلَّا من خير فإنّ الندامة على طول الصمت مرّة واحدة خير من الندامة على كثرة الكلام مرّات يابنيَّ لو أنّ الكلام كان من فضّة كان ينبغي للصمت أن يكون من ذهب. (4)
6 - ما: المفيد، عن الحسن بن حمزة العلويّ، عن محمّد الحميري، عن أبيه، عن هارون، عن ابن زياد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه علیه السّلام قال: في حكمة آل داود يا ابن آدم كيف تتكلم بالهدى وأنت لا تفيق عن الردى؟ يا ابن آدم أصبح قلبك قاسياً، ولعظمة الله ناسياً، فلو كنت بالله عالماً وبعظمته عارفاً لم تزل منه خائفاً ولموعده راجياً، ويحك كيف لا تذكر لحدك وانفرادك فيه وحدك ؟(5)
7- ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطّار، عن ابن أبان عن ابن
أُورمة؛ وعن علي بن أحمد، عن محمد بن هارون، عن عبيدالله بن موسى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن محصن، عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إن الله تعالى أوحى إلى داود علیه السّلام إنّ العباد تحابّوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وأظهروا العمل للدنيا، وأبطنوا الغشّ والدغل. (1)
8- ص: بهذا الإسناد عن ابن أورمة، عن الحسن بن علىّ رفعه قال: أوحى الله تعالى إلى داود علیه السّلام : اذكرني في أيّام سرّائك حتى أستجيب لك في أيّام ضرّائك. (2)
9 - ص: بالإسناد إلى الصدوق ، عن أبيه ، عن سعد ، عن ابن عيسى عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: أوحى الله تعالى إلى داود علیه السّلام : إنّ خلادة بنت أوس بشّرها بالجنّة، وأعلمها أنّها قرينتك في الجنّة، فانطلق إليها فقرع الباب عليها فخرجت وقالت هل نزل فيّ شيء؟ قال: نعم، قالت: وما هو ؟ قال : إن الله تعالى أوحى إليَّ وأخبرني أنّك قرينتي في الجنّة وأن أبشِّرك بالجنّة، قالت: أو يكون اسم وافق اسمي؟ قال: إنّك لأنت هي قالت: يانبيّ الله ما أكذِّبك، ولا والله ما أعرف من نفسي ما وصفتني به، قال داود علیه السّلام : أخبريني عن ضميرك وسريرتك ماهو؟ قالت: أما هذا فسأخبرك به، أخبرك أنّه لم يصبني وجع قط نزل بي كائناً ماكان، وما نزل ضربي حاجة وجوع كائناً ما كان إلا صبرت عليه ولم أسأل الله كشفه عنّي حتّى يحوِّله الله عنّي إلى العافية والسعة ولم أطلب بها بدلاً، وشكرت الله عليها وحمدته، فقال داود علیه السّلام : فهذا بلغت ما بلغت، ثم قال أبو عبد الله علیه السّلام : وهذا دين الله الّذي ارتضاه للصالحين. (3)
10 - كا: أبو علي الأشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن عثمان بن عيسى، عن سعيد بن يسار، عن منصور بن يونس، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : في حكمة آل داود علیه السّلام :
على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه.(1)
11 - كا: عليّ بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: قال الله عزّوجل لداود علیه السّلام : يا داود بشّر المذنبين، وأنذر الصدّيقين قال: كيف أبشّر المذنبين و أُنذر الصدّيقين؟ قال: يا داود بشّر المذنبين أنّي أقبل التوبة وأعفو عن الذنب، وأنذر الصدّيقين أن لا يعجبوا بأعمالهم فإنّه ليس عبد أنصبه للحساب إلّا هلك. (2)
1 - فس: «واسئلهم عن القرية الّتي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم «فإنّها قرية كانت لبني إسرائيل قريبة من البحر، وكان الماء يجري عليها في المدّ والجزر، فيدخل أنهارهم وزروعهم ويخرج السمك من البحر حتّى يبلغ آخر زروعهم، وقد كان الله حرّم عليهم الصيد يوم السبت فكانوا يضعوون الشباك في الأنهار ليلة الأحد، ويصيدون بها السمك، وكان السمك يخرج يوم السبت ويوم الأحد لا يخرج وهو قوله: «إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم» فنهاهم علماؤهم عن ذلك فلم ينتهوا فمسخوا قردةً وخنازير، وكان العلّة في تحريم الصيد عليهم يوم السبت أنّ عيد جميع المسلمين وغيرهم كان يوم الجمعة، فخالف اليهود وقالوا عيدنا السبت فحرّم الله عليهم الصيد يوم السبت ومسخوا قردة وخنازير.
حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: وجدنا في كتاب عليّ علیه السّلام أنَّ قوماً من أهل أبّلة من قوم نمود، وأنّ الحيتان كانت سبقت إليهم يوم السبت ليختبر الله طاعتهم في ذلك، فشرعت إليهم يوم سبتهم في ناديهم وقدّام أبوابهم في أنهارهم وسواقيهم، فبادروا إليها فأخذوا يصطادونها ولبثوا في
ذلك ماشاء الله، لا ينهاهم عنها الأحبار ولا يمنعهم العلماء من صيدها، ثمّ إنّ الشيطان أوحى إلى طائفة منهم أنّما نهيتم عن أكلها يوم السبت ولم تنهوا عن صيدها، فاصطادوا يوم السبت وكلوها فيما سوى ذلك من الأيّام، فقالت طائفة منهم الآن نصطادها، فعتت وانحازت طائفة أخرى منهم ذات اليمين فقالوا: ننهاهم عن عقوبة الله أن تتعرّضوا بخلاف أمره، واعتزلت طائفة منهم ذات اليسار فتنكّبت فلم تعظهم فقالت للطائفة الّتي وعظتهم: «لَم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذّبهم عذاباً شديداً» فقالت الطائفة الّتي وعظتهم: «معذرة إلى ربّكم ولعلّهم يتّقون» قال: فقال الله عزّوجلّ: «فلمّا نسوا ما ذكّروابه» يعني لمّا تركوا ما وعظوا به ومضوا على الخطيئة، فقالت الطائفة الّتي وعظتهم: لا والله لانجا معكم ولا نبايتكم اللّيلة في مدينتكم هذه الّتي عصيتم الله فيها مخافة أن ينزل بكم البلاء فيعمّنا معكم، قال: فخرجوا عنهم من المدينة مخافة أن يصيبهم البلاء فنزلوا قريباً من المدينة فباتوا تحت السماء، فلمّا أصبح أولياء الله المطيعون لأمر الله غدوًّا لينظروا ما حال أهل المعصية فأتوا باب المدينة فإذا هو مصمت فدقّوه فلم يجابوا ولم يسمعوا منها حسّ أحد، فوضعوا سلّماً على سور المدينة ثمَّ أصعدوا رجلاً منهم فأشرف على المدينة فنظر فإذا هو بالقوم قردة يتعاون، فقال الرجل لأصحابه : ياقوم أرى والله عجباً، قالوا: وما ترى؟ قال: أرى القوم قد صاروا قردة يتعاوون، لها أذناب، فكسروا الباب، قال: فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولم تعرف الإنس أنسابها من القردة، فقال القوم للقردة: ألم ننهكم؟ فقال عليّ علیه السّلام : والله الّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّي لأعرف أنسابها من هذه الأمّة لا ينكرون ولا يغيّرون بل تركوا ما أُمروا به فتفرّقوا، وقد قال الله تعالى: «فبعداً للقوم الظالمين» فقال الله: «أنجينا الّذين ينهون عن السوء وأخذنا الّذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون»(1).
أقول: قال السيّد ابن طاوس: رأيت في تفسير أبي العبّاس بن عقدة أنّه روى عن
1) تفسير القمى: 226-228
عليّ بن الحسن، عن عمرو بن عثمان، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر علیه السّلام مثله. (1)
ثمّ قال: إنّي وجدت في نسخة حديث غير هذا أنّهم كانوا ثلاث فرق: فرقة باشرت المنكر وفرقة أنكرت عليهم وفرقة داهنت أهل المعاصي فلم تنكر ولم تباشر المعصية، فنجّي الله الّذين أنكروا، وجعل الفرقة المداهنة ذرّاً، ومسخ الفرقة المباشرة للمنكر قردة. ثمّ قال: ولعلّ مسخ المداهنة ذرّاً لتصغيرهم عظمة الله وتهوينهم بحرمة الله فصغرهم الله (2).
ص: بالإسناد، عن الصدوق، عن ابن المتوكّل، عن الحميريّ، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة مثله مع اختصار(3).
شي: عن أبي عبيدة مثله(4).
2 - كا: العدَّة، عن سهل، عن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن المغيرة عن طلحة ابن زيد عن أبي عبد الله علیه السّلام في قوله تعالى: «فلمّا نسوا ماذكّروا به أنجينا الّذين ينهون عن السوء» فقال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا فنجوا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا ذرّاً، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا.(5)
3 - ص: بهذا الإسناد، عن أبي عبيدة، عن أبي عبدالله علیه السّلام في قوله تعالى: «لعن الّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود و عیسی ابن مریم» فقال: الخنازير على لسان داود علیه السّلام والقردة على لسان عيسى علیه السّلام وقال: إنّ اليهود أُمروا بالإمساك يوم الجمعة فتركوا وأمسكوا يوم السبت فحرّم عليهم الصيد يوم السبت، فعمد رجال من سفهاء القرية فأخذوا من الحيتان ليلة السبت و باعوا ولم ينزل بهم عقوبة فاستبشروا وفعلوا ذلك سنين،
فوعظهم طوائف فلم يسمعوا وقالوا: «لمَ تعظون قوماً الله مهلكهم فأصبحوا قردةً خاسئين»(1).
4 - شي: عن عبد الصمد بن برار قال: سمعت أبا الحسن علیه السّلام
يقول: كانت القردة هم اليهود الّذين اعتدوا في السبت فمسخهم الله قروداً(2).
5 - شي: عن هارون بن عبدالعزيز رفعه إلى أحدهم علیهم السّلام
قال: جاء قوم إلى أمير المؤمنين علیه السّلام بالكوفة وقالوا له : يا أمير المؤمنين إنّ هذه الجراريّ تباع في أسواقنا، قال: فتبسّم أمير المؤمنين علیه السّلام ضاحكاً، ثمَّ قال: قوموا لأُريكم عجباً، ولا تقولوا في وصيّكم إلّا خيراً، فقاموا معه فأتوا شاطىء الفرات فتفل فيه تفلة وتكلّم بكلمات فإذا بجريئة رافعة رأسها ، فاتحة فهاها فقال له أمير المؤمنين علیه السّلام : من أنت؟ الويل لك ولقومك، فقال: نحن من أهل القرية الّتي كانت حاضرة البحر إذ يقول الله في كتابه: إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعاً» الآية، فعرض الله علينا ولا يتك فقعدنا عنها فمسخنا الله، فبعضنا في البرّ و بعضنا في البحر، فأمّا الّذين في البحر فنحن الجراجري،ّ و أمّا الّذين في البرّ فالضبّ و اليربوع. قال: ثمَّ التفت أمير المؤمنين إلينا فقال: أسمعتم مقالتها؟ قلنا اللَّهمّ نعم، قال: والّذي بعث محمّداً بالنبوّة لتحيض كما تحيض نساؤكم(3).
1 - ك: القطّان، عن السكّريّ، عن الجوهريّ، عن ابن عمّارة، عن أبيه، عن الصادق علیه السّلام قال: إنّ داود علیه السّلام أراد أن يستخلف سليمان علیه السّلام لأن الله عزَّ وجلَّ أوحى إليه يأمره بذلك، فلمّا أخبر بني إسرائيل ضجّوا من ذلك، وقالوا: يستخلف علينا حدثاً وفينا من هو أكبر منه؟ فدعا أسباط بني إسرائيل فقال لهم: قد بلغتني مقالتكم فأروني عصيّكم، فأيّ عصا أثمرت فصاحبها وليّ الأمر بعدي، فقالوا: رضينا، وقال: ليكتب كلّ واحد منكم اسمه على عصاه، فكتبوا ثمّ جاء سليمان بعصاه فكتب عليها اسمه ثمّ أُدخلت بيتاً وأغلق الباب و حرسه رؤوس أسباط بني إسرائيل، فلمّا أصبح صلّى بهم الغداة ثمّ أقبل ففتح الباب فأخرج عصيّهم وقد أورقت عصا سليمان وقد أثمرت، فسلّموا ذلك لداود فاختبره بحضرة بني إسرائيل فقال له: يا بنيَّ أيّ شيء أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس، وعفو الناس بعضهم عن بعض، قال: يا بنيَّ فأيّ شيء أحلى؟ قال: المحبّة وهي روح الله في عباده، فافترّ داود ضاحكاً، فسار به في بني إسرائيل فقال: هذا خليفتي فيكم من بعدي، ثمّ أخفى سليمان بعد ذلك أمره وتزوّج بامرأة واستتر من شيعته ماشاء الله أن يستتر، ثمّ إنّ امرأته قالت له ذات يوم: بأبي
أنت وأمّي ما أكمل خصالك وأطيب ريحك ولا أعلم لك خصلة أكرهها إلّا أنّك في مؤونة أبي، فلو دخلت السوق فتعرّضت لرزق الله رجوت أن لا يخيبك، فقال لها سليمان: إنّي والله ما عملت عملاً قطّ ولا أُحسنه فدخل السوق فجال يومه ذلك ثمّ رجع فلم يصب شيئاً، فقال لها: ما أصبت شيئاً، قالت: لا عليك ان لم يكن اليوم كان غداً، فلمّا كان من الغد خرج إلى السوق فجال فيه فلم يقدر على شيء ورجع فأخبرها، فقالت: يكون غداً إن شاء الله فلمّا كان في اليوم الثالث مضى حتّى انتهى إلى ساحل البحر فإذا هو بصيّاد فقال له: هل لك أن اُعينك وتعطينا شيئاً؟ قال: نعم، فأعانه فلمّا فرغ أعطاه الصيّاد سمكتين فأخذهما وحمد الله عزّ وجل، ثمّ إنّه شق بطن إحداهما فإذا هو بخاتم في بطنها، فأخذه فصيّره في ثوبه وحمد الله، وأصلح السمكتين وجاء بهما إلى منزله، وفرحت امرأته بذلك، وقالت له: إنّي أريد أن تدعو أبويّ حتّى يعلما أنّك قد كسبت، فدعاهما فأكلا معه، فلمّا فرغوا قال لهم: هل تعرفوني؟ قالوا: لا والله إلّا أنّا لم نر خيراً منك فأخرج خاتمه فلبسه فخرَّ عليه الطير والريح وغشيه الملك، وحمل الجارية وأبويها إلى بلاد إصطخر، واجتمعت إليه الشيعة واستبشروا به، ففرج الله عنهم ممّا كانوا فيه من حيرة غيبته، فلمّا حضرته الوفاة أوصى إلى آصف بن برخيا بإذن الله تعالى ذكره، فلم يزل بينهم يختلف إليه الشيعة ويأخذون عنه معالم دينهم، ثم غيّب الله عزّوجلّ آصف غيبة طال أمدها، ثمّ ظهر لهم فبقي بين قومه ماشاء الله، ثمّ إنه ودّعهم فقالوا له: أين الملتقی؟ قال: على الصراط ، وغاب عنهم ماشاء الله، واشتدّت البلوى على بني إسرائيل بغيبته وتسلّط عليهم بخت نصّر(1).
أقول: تمام الخبر في باب قصة طالوت.
ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن محمّد العطّار، عن ابن أبان، عن ابن اُورمة، عن محمّد بن إسماعيل، عن حنان بن سدير، عن أبي الخطّاب، عن العبد الصالح مثله إلى قوله:
1) كمال الدين: 91 ، 93-94
فافترّ داود ضاحكاً.
2 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام ابن سالم عن الثماليّ، عن أبي جعفر علیه السّلام قال كان ملك سليمان ما بين الشامات إلى بلاد إصطخر.(1)
3 - نهج : قال أمير المؤمنين علیه السّلام : ولو أنّ أحداً يجد إلى البقاء سلّماً أو لدفع الموت سبيلاً لكان ذلك سليمان بن داود علیه السّلام الّذي سخّر له ملك الجنّ والإنس مع النبوّة، وعظيم الزلفة، فلمّا استوفى طعمته واستكمل مدّته رمته قسيّ الفناء بنبال الموت، وأصبحت الديار منه خالية، والمساكين معطّلة، ورثها قوم آخرون.(2)
4 - سن: عليّ بن الحكم، عن أبان عن أبي العبّاس، عن أبي عبد الله علیه السّلام في قوله: «يعلمون له ما يشاء من محاريب وتماثيل» فقال: «والله ماهي تماثيل الرجال و والنساء ولكنَّ الشجر وشبهه.(3)
كا: عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد عن أحمد بن محمّد بن محمّد بن أبي نصر، عن داود بن الحصين عن الفضل بن العبّاس مثله .(4)
5 - سر: من كتاب أبان بن تغلب عن ابن أسباط وابن أبي نجران والوشّاء جميعاً، عن محمّد بن حمران، عن أبي عبد الله علیه السّلام أو عن زرارة عنه علیه السّلام قال: آخر نبيّ يدخل الجنّة سليمان بن داود علیه السّلام وذلك لما اُعطى في الدّنيا.(5)
6 - يه: بإسناده الصحيح عن زرارة ، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: إنّ سليمان علیه السّلام قد حجّ البيت في الجنّ والإنس والطير والرياح، وكسا البيت القباطيّ.(6)
7 - كا: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن أبي الحسن الأسدي، عن أبي بصير، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: خرج أمير المؤمنين علیه السّلام ذات ليلة بعد عتمة وهو يقول: همهمة همهمة، وليلة مظلمة، خرج عليكم الإمام عليه قميص آدم، وفي يده خاتم سليمان، وعصا موسى.(1)
8- نبه : روي أنّ سليمان بن داود علیه السّلام مرّ في موكبه والطير تظلّه والجنّ والإنس عن يمينه وعن شماله بعابد من عبّاد بني إسرائيل، فقال: والله يا ابن داود لقد آتاك الله ملكاً عظيماً، فسمعه سليمان فقال: لتسبيحة في صحيفة مؤمن خير ممّا أعطي ابن داود، إنَّ ما أعطي ابن داود يذهب وإنّ التسبيحة تبقي.(2)
9 - وكان سليمان علیه السّلام إذا أصبح تصفّح وجوه الأغنياء والأشراف حتّى يجيء إلى المساكين ويقعد معهم ويقول: مسكين مع المساكين.(3)
10 - ارشاد القلوب: كان سليمان علیه السّلام مع ما هو فيه من الملك يلبس الشعر، وإذا جنّه اللّيل شدّ يديه إلى عنقه، فلا يزال قائماً حتّى يصبح باكياً، وكان قوته من سفائف الخوص يعملها بيده، وإنّما سأل الملك ليقهر ملوك الكفر.(4)
وروى الثعلبيّ في تفسيره بإسناده عن وهب بن منبّه، عن كعب قال: إنّ سليمان علیه السّلام كان إذا ركب حمل أهله وسائر حشمه وخدمه وكتّابه في مدينة من قوارير، لها ألف سقف، وتلك السقوف بعضها فوق بعض على قدر درجاتهم، وقد اتّخذ مطابخ ومخابز يحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام يسع كلّ قدر عشرة جزاير ، وقد اتّخذ ميادين للدوابّ أمامه، فيطبخ الطبّاخون، ويخبز الخبّازون، وتجري الدوابّ بين يديه بين السماء والأرض، والريح تهوي بهم، فسار من إصطخر إلى اليمن، فسلك المدينة مدينة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم فقال سليمان: هذا
دار هجرة نبيّ في آخر الزمان طوبی لمن آمن به و طوبی لمن اتّبعه، وطوبى لمن اقتدى به، ورأى حول البيت أصناماً تعبد من دون الله فلمّا جاوز سليمان البيت بكى البيت، فأوحى الله تعالى إلى البيت: ما يبكيك؟ قال: ياربّ أبكاني هذا نبيّ من أنبيائك وقوم من أوليائك مرّوا عليّ فلم يهبطوا فيّ، ولم يصلّوا عندي، ولم يذكروك بحضرتي، والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله تعالى إليه: أن لا تبك فإنّي سوف أملاك وجوهاً سجّداً، واُنزل فيك قرآناً جديداً، وأبعث منك نبيّاً في آخر الزمان أحبّ أنبياني إليّ، وأجعل فيك عمّاراً من خلق يعبدونني وأفرض على عبادي فريضة يدفّون إليك دفيف النسور إلى وكورها، ويحنّون إليك حنين الناقة إلى ولدها، والحمامة إلى بيضتها، واُطهّرك من الأوثان و عبدة الشيطان قال: وروي أنّ سليمان لمّا ملك بعد أبيه أمر باتّخاذ كرسيّ ليجلس عليه للقضاء و أمر بأن يعمل بديعاً مهولاً بحيث أن لورآه مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيّب، قال: فعمل له كرسيّ من أنياب الفيلة وفصّصوه بالياقوت واللّؤلؤ والزبرجد وأنوع الجواهر وحفّفوه بأربع نخلات من ذهب، شماريخها الياقوت الأحمر والزمرُّد الأخضر، على رأس نخلتين منها طاووسان من ذهب وعلى رأس الآخرين نسران من ذهب بعضها مقابلاً لبعض وجعلوا من جنبتي الكرسيّ أسدين من الذهب على رأس كلّ واحد منها عمود من الزمرّد الأخضر، وقد عقدوا على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر واتّخذوا عناقيدها من الياقوت الأحمر بحيث يظلّ عريش الكروم النخل والكرسيّ، قال: وكان سليمان علیه السّلام إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى فيستدير الكرسيّ كلّه بما فيه دوران الرحى المسرعة، وتنشر تلك النسور والطواويس أجنحتها، وتبسط الأسدان أيديهما فتضربان الأرض بأدنابهما، فكذلك كلّ درجة يصعدها سليمان علیه السّلام ، فإذا استوى بأعلاه أخذ النسران اللّذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأس سليمان علیه السّلام، ثمّ يستدير الكرسيّ بما فيه و يدور معه النسران والطاووسان والأسدان قائلات برؤوسها إلى سليمان ينضحن عليه من
أجوافها المسك والعنبر، ثمّ تناولت حمامة من ذهب قائمة على عمود من جوهر من أعمدة الكرسيّ التوراة فيفتحها سليمان علیه السّلام ويقرؤها على الناس، ويدعوهم إلى فصل القضاء، ويجلس عظماء بني إسرائيل على كراسيّ من الذهب المفصّصة بالجوهر وهي ألف كرسيّ عن يمينه، وتجيء، عظماء الجنّ وتجلس على كراسيّ الفضّة عن يساره هي ألف كرسيّ حافّين جميعاً به، ثمّ يحفّ بهم الطير فتظلّهم، وتتقدّم إليه الناس للقضاء، فإذا دعا بالبيّنات والشهود لإقامة الشهادات دار الكرسيّ بما فيه مع جميع ماحوله دوران الرحى المسرعة ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما، وينشر النسران والطاووسان أجنحتها فيفزع منه الشهود و يدخلهم من ذلك رعب ولا يشهدون إلّا بالحقّ.(1)
1) تفسير الثعلى (الكشف و البيان) مخطوط.
1 - مع ع: أحمد بن يحيى المكتّب، عن أحمد بن محمّد الورّاق، عن عليّ بن هارون الحميريّ، عن عليّ بن محمّد بن سليمان النوفليّ، عن أبيه، عن عليّ بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر علیه السّلام : أيجوز أن يكون نبيّ الله عزّوجل بخيلاً؟ فقال: لا، فقلت له: فقول سليمان: «ربّ اغفرلي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي» ما وجهه ومعناه؟ فقال: الملك ملكان: ملك مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس، وملك مأخوذ من قبل الله تعالى ذكره كملك آل إبراهيم وملك طالوت وملك ذي القرنين، فقال سليمان علیه السّلام : « هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي» أن يقول: إنّه مأخود بالغلبة والجور وإجبار الناس، فسخّر الله عزّ وجلّ له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب، وجعل غدوّها شهراً ورواحها شهراً، وسخّر الله عزّوجلّ له الشياطين كلّ بنّاء وغوّاص وعلّم منطق الطير، ومكّن في الأرض، فعلم الناس في وقته وبعده أنّ ملكه لا يشبه ملك الملوك المختارين من قبل الناس والمالكين بالغلبة والجور. قال: فقلت له: فقول رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : رحم الله أخي سليمان بن داود ما كان أبخله؟ فقال : لقوله علیه السّلام وجهان: أحدهما ما كان أبخله بعرضه وسوء القول فيه
والوجه الآخر: يقول ماكان أبخله إن كان أراد ما يذهب إليه الجهّال. ثمّ قال علیه السّلام : قدو الله أُوتينا ما اُوتي سليمان ومالم يؤت سليمان ومالم يؤت أحد من الأنبياء، قال الله عزّوجلّ في قصّة سليمان: «هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب» وقال عزّوجلّ في قصّة محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم : «ما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا».(1)
2 - ب: محمّد بن عبدالحميد، عن أبي جميلة عن أبي عبد الله علیه السّلام في قول سليمان: «هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنّك أنت الوهّاب» قلت: فاُعطي الّذي دعابه؟ قال: نعم، ولم يعط بعده إنسان ما اُعطي نبي الله علیه السّلام من غلبة الشيطان فخنقه إلى اُسطوانة حتّى أصاب بلسانه يد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فقال رسول الله: لولا ما دعا به سليمان لأريتكموه. (2)
اقول: بعد ثبوت عصمة الأنبياء وجلالتهم لابدّ من حمل ماصدر عنهم على محمل صحيح مجملاً وإن لم يتعيّن في نظرنا، وما ذكر من الوجوه محتملة وإن كان بعضها لا يخلو من بعد، وما ذكره الطبرسيّ أولاً أظهر الوجوه، ويمكن أن يقال: المنع عن غيره لم يكن على وجه الضنّة بل على وجه الشفقة، لأنّ ملك الدنيا في نظرهم خسيس دنيّ لا يليق بالمقرّبين قربه، ولمّا رأى صلاح زمانه في ذلك سأله اضطراراً ومنعه عن غيره إشفاقاً عليهم أو يقال: إنّ كلامه مخصوص بمن عدا الأنبياء والأوصياء و هو قريب من الثاني، ويحتمل وجوهاً اُخر تر كناها مخافة الإطناب.
1 - فس: «وحشر لسليمان جنوده من الجنّ والإنس والطير» قعد على كرسيّه وحملته الريح على وادي النمل، وهو واد ينبت الذهب والفضّة ، وقد وكّل الله به النمل وهو قول الصادق علیه السّلام : إنَّ الله وادياً ينبت الذهب والفضّة، قدحماه الله بأضعف خلقه وهو النمل، لو رامته البخاتيّ ما قدرت عليه. فلمّا انتهى سليمان إلى وادي النمل فقالت نملة: «يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسّم ضاحكاً من قولها وقال ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك الّتي أنعمت عليّ وعلى والديّ» إلى قوله: «في عبادك الصالحين».
وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر علیه السّلام في قوله: «فهم يوزعون» قال: يحبس أوّلهم على آخرهم. (1)
2 - ن، ع: عبد الله بن محمّد بن عبد الوهّاب القرشيّ، عن منصور بن عبدالله الإصفهانيّ، عن عليّ بن مهرويه القزوينيّ، عن داود بن سليمان الغازيّ قال: سمعت عليّ بن
1) تفسير القمى: 476-478
موسى الرضا علیه السّلام يقول عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمّد علیه السّلام في قوله عزّ وجلّ: «فتبسّم ضاحكاً من قولها» قال لمّا قالت النملة «يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده» حملت الريح صوت النملة إلى سليمان وهو مارّ في الهواء والريح قد حملته فوقف وقال: عليّ بالنملة، فلمّا اُتي بها قال سليمان: يا أيّتها النملة أما علمت أنّي نبيّ الله وأنّي لا أظلم أحداً؟ قالت النملة: بلى، قال سليمان فلمَ حذّر تنيهم ظلمي وقلت: «يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم»؟ قالت النملة : خشيت أن ينظروا إلى زينتك فيفتتنوا بها فيبعدوا عن الله تعالى ذكره.
ثمّ قالت النملة: أنت أكبرأم أبوك داود ؟ قال سليمان علیه السّلام : بل أبي داود، قالت النملة: فلم زيد في حروف اسمك حرف على حروف اسم أبيك داود؟ قال سليمان: مالي بهذا علم، قالت النملة : لأنّ أباك داود داوى جرحه بودّ فسمّى داود، وأنت يا سليمان أرجو أن تلحق بأبيك.
ثمّ قالت النملة: هل تدري لمَ سخّرت لك الريح من بين سائر المملكة؟ قال سليمان: مالي بهذا علم، قالت النملة: يعني عزّوجلّ بذلك: لو سخّرت لك جميع المملكة كما سخّرت لك هذه الريح لكان زوالها من يدك كزوال الريح، فحينئذ تبسّم ضاحكاً من قولها.(1)
أقول: التعليل الّذي ذكرته النملة يحتمل وجوهاً من التأويل.
الأوّل: وهو الّذي ارتضيته أنّ المعنى أنّ أباك لمّا ارتكب ترك الأولى وصار قلبه مجروحاً بذلك فداواه بودّ الله تعالى ومحبّته فلذا سمّي داود اشتقاقاً من الدواء بالودّ وأنت لمّا لم ترتكب بعد وأنت سليم منه سمّيت سليمان، فخصوص العلّتين للتسميتين صارتا علة لزيادة اسمك على اسم أبيك.
ثمّ لمّا كان كلامها موهماً لكونه من جهة السلامة أفضل من أبيه استدركت ذلك بأنّ ما صدر عنه لم يصر سبباً لنقصه، بل صار سبباً لكمال محبّته وتمام مودّته، وأرجو أن تلحق
1) عيون الاخبار: 233؛ علل الشرائع: 35-36
أنت أيضاً بأبيك في ذلك ليكمل محبّتك.
الثاني: أنّ المعنى أنَّ أصل الاسم كان داوى جرحه بودّ وهو أكثر من اسمك، وإنّما صار بكثرة الاستعمال داود، ثمّ دعا له ورجّاه بقوله: أرجو أن تلحق بأبيك، أي في الكمال والفضل.
الثالث: ماذكره بعض المعاصرين وهو أنّ المراد أنّ هذا الاسم مشتمل على سليم، أو مأخوذ منه، والسليم قد يستعمل في الجريح كاللّديغ تفاّلاً بصحّته وسلامته، أو أنت سليم من المداواة الّتي حصلت لأبيك فلهذا سمّيت سليمان، فالحرف الزائد للدلالة على وجود الجرح، وكما أنّ الجرح زائد في البدن أو النفس عن أصل الخلقة كان في الاسم حرف زائد للدلالة على ذلك، وفيه معنى لطيف وهو أنّ هذه الزيادة في الاسم الدالّة على الزيادة في المسمّى ليست ممّا يزيد به الاسم والمسمّى كمالاً، بل قد تكون الزيادة لغير ذلك.
الرابع: ما يفهم ممّا عنون الصدوق الباب الّذي أورد الخبر فيه به، حيث قال: «باب العلّة الّتي من أجلها زيد في حروف اسم سليمان حرف من حروف اسم أبيه داود» فلعلّه رحمه الله حمل الخبر على أنّ المعنى أنّك لمّا كنت سليماً أريد أن يشتقّ لك اسم يشتمل على السلامة، ولمّا كان أبوك داود داوى جرحه بالودّ وصار كاملاً بذلك أراد الله تعالى أن يكون في اسمك حرف من حروف اسمه لتلحق به في الكمال، فزيد فيه الألف وما يلزمه لتمام التركيب و صحّه من النون فصار سليمان، وإلّا لكان السليم كافياً للدلالة على السلامة. فلذا زيد حروف اسمك على حروف اسم أبيك، ولو كان في الخبر من حروف اسم أبيك» كما رأينا في بعض النسخ كان ألصق بهذا المعنى. وقوله: (أرجو أن تلحق بأبيك) أي لتلك الزيادة فيدلّ ضمناً وكناية على أنّه إنما زيد لذلك، ولا يخفى بعده.
3 - يه: بإسناده إلى حفص بن غياث، عن أبي عبد الله علیه السّلام : أنّه قال: إنّ سليمان ابن داود علیه السّلام خرج ذات يوم مع أصحابه ليستسقي، فوجد نملة قد رفعت قائمة من قوائمها إلى
السماء وهي تقول: اللّهمّ إنّا خلق من خلقك لاغنى بنا عن رزقك، فلاتهلكنا بذنوب بني آدم فقال سليمان علیه السّلام لأصحابه : ارجعوا لقد سقيتم بغيركم.(1)
أقول: روى البرسيّ في مشارق الأنوار أنّ سليمان علیه السّلام كان سماطه كلّ يوم سبعة أكرار، فخرجت دابّة من دوابّ البحر يوماً وقالت: يا سليمان أضفني اليوم، فأمر أن يجمع لها مقدار سماطه شهراً، فلمّا اجتمع ذلك على ساحل البحر وصار كالجبل العظيم أخرجت الحوت رأسها وابتلعته، وقالت: يا سليمان أين تمام قوتي اليوم ؟ هذا بعض قوتي فعجب سليمان علیه السّلام فقال لها: هل في البحر دابّة مثلك؟ فقالت ألف أُمّة، فقال سليمان: سبحان الله الملك العظيم.
وروى غيره أنّ سليمان علیه السّلام رأى عصفوراً يقول لعصفورة: لم تمنعين نفسك منّي؟ ولوشنت أخذت قبّة سليمان بمنقاري فألقيتها في البحر، فتبسّم سليمان علیه السّلام من كلامه ثمّ دعاهما وقال للعصفور: أتطيق أن تفعل ذلك؟ فقال: لا يارسول الله، ولكنّ المرء قد يزيّن نفسه ويعظّمها عند زوجته، والمحبّ لايلام على ما يقول، فقال سليمان علیه السّلام للعصفورة: لم تمنعينه من نفسك وهو يحبّك؟ فقالت: يا نبيّ الله إنّه ليس محبّاً ولكنّه مدّع، لأنّه يحبّ معي غيري فأثّر كلام العصفورة في قلب سليمان، وبكى بكاءً شديداً واحتجب عن الناس أربعين يوماً يدعو الله أن يفرغ قلبه لمحبّته وأن لا يخالطها بمحبّة غيره.
وروي أنّه علیه السّلام سمع يوماً عصفوراً يقول لزوجته: ادني منّى حتّى اُجامعك لعلّ الله يرزقنا ولداً يذكر الله تعالى فإنا كبرنا، فتعجب سليمان من كلامه وقال: هذه النيّة خير من مملكتي.
وقال البيضاويّ : حكي أنّه مرّ ببلبل يتصوّت ويترقّص، فقال: يقول: إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء، وصاحت فاختة فقال: إنّها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا.(2)
وقال الزمخشريّ: روي أنّ قتادة دخل الكوفة والتفّ عليه الناس، فقال: سلوا عمّا شئتم، وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم انثى؟ فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت اُنثى بدليل قوله تعالى: «قالت نملة» وذلك أنّ النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والاُنثى فيميّز بينهما بعلامة نحو قولهم: حمامة ذكر، وحمامة اُنثى. انتهى. (1)
وقال ابن الحاجب في بعض تصانيفه: إنّ تأنيث مثل الشاة والنملة والحمامة من الحيوانات تأنيث لفظيّ، ولذلك كان قول من زعم أنّ النملة في قوله تعالى: «قالت نملة» اُنثى لورود تاء التأنيث في «قالت» وهماً، لجواز أن يكون مذكّراً في الحقيقة، و ورود تاء التأنيث كورودها في فعل المؤنّث اللّفظي، ولذا قيل: إفحام قتادة خير من جواب أبي حنيفة.
أقول: هذا هو الحقّ وقد ارتضاه الرضيّ رضي الله عنه وغيره، والحمد لله الّذي فضح من أراد أن يدّعي رتبة أمير المؤمنين علیه السّلام بهذه البضاعة من العلم، وهذا الناصبيّ الآخر الّذي أراد أعوانه إثبات علوّ شأنه بأنّه تكلّم في بدء شبابه بمثل ذلك.
وقال الثعلبيّ في تفسيره: قال مقاتل: كان سليمان علیه السّلام جالساً إذمرً به طائر يطوف، فقال لجلسائه: هل تدرون ما يقول هذا الطائر الّذي مرّبنا؟ قالوا: أنت أعلم، فقال سليمان: إنّه قال لي: السلام عليك أيّها الملك المتسلّط على بني إسرائيل، أعطاك الله سبحانه وتعالى الكرامة، وأظهرك على عدوّك، إنّي منطلق إلى فروخي، ثمّ أمرّ بك الثانية، وإنّه سيرجع إلينا الثانية فانظروا إلى رجوعه، قال: فنظر القوم طويلاً إذمرّ بهم فقال: السلام عليك أيّها الملك إن شئت أن تأذن لي كما أكتسب على فروخي حتّى يشبّوا ثمّ آتيك فافعل بي ماشئت، فأخبرهم سليمان بما قال وأذن له.
وعن كعب قال: صاح ورشان عند سليمان، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا، قال: فإنّها
1) الكشاف 280/3
تقول: لدوا للموت وابنوا للخراب وصاحت فاختة فقال: تقول ليت الخلق لم يخلقوا. وصاح طاووس عنده فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنّه يقول: كما تدين تدان. وصاح هدهد عنده فقال: إنّه يقول: من لا يرحم لا يرحم. وصاح صرد عنده فقال: تقول: استغفروا الله يا مذنبين وصاح طوطيّ فقال : يقول : كلّ حيّ ميّت وكلُّ جديد بال. وصاح خطّاف فقال: يقول: قدّموا خيراً تجدوه. وهدرت حمامة فقال: تقول: سبحان ربّي الأعلى ملء سماواته وأُرضه. وصاح قمريٌّ فقال: يقول: سبحان ربّي الأعلى. قال: والغراب يدعو على العشّار. والحدأ يقول: كلّ شيء هالك إلّا وجهه. والقطا يقول: من سكت سلم. والببغاء و هو طائر أخضر - يقول: ويل لمن الدنيا همّه. والضفدع يقول: سبحان ربّي القدّوس والباز :يقول سبحان ربّي وبحمده والضفدعة تقول: سبحان المذكور بكلّ مكان.
وروي عن مكحول أنّه صاح درّاج عند سليمان بن داود علیه السّلام فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا؛ قال: فإنّه يقول: الرّحمن على العرش استوى.(1)
1) الكشف و البيان مخطوط.
«فطفق مسحاً بالسوق والاعناق وقوله عزّ وجلّ: «وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب»
1 - فس: قال علي بن إبراهيم في قوله: «ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنّه أوّاب» إلى قوله حتى توارت «بالحجاب» وذلك أن سليمان الله كان يحبّ الخيل ويستعرضها فعرضت عليه يوماً إلى أن غابت الشمس، وفاتته صلاة العصر، فاغتم من ذلك غمّاً شديداً، فدعا الله عزّوجلّ أن يردّ عليه الشمس حتى يصلّي العصر، فردّ الله سبحانه عليه الشمس إلى وقت صلاة العصر حتى صلاها، ثم دعا بالخيل فأقبل يضرب أعناقها وسوقها بالسيف حتى قتلها كلّها، وهو قوله عزّ اسمه: «ردّوها عليّ فطفق مسحاً بالسوق والأعناق ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب» إلى قوله: «إنك أنت الوهاب» وهو أنَّ سليمان لما تزوّج باليمانية ولد منها ابن وكان يحبّه، فنزل ملك الموت على سليمان وكان كثيراً ما ينزل عليه، فنظر إلى ابنه نظراً حديداً، ففزع سليمان من ذلك، فقال لأمه: إن ملك الموت نظر إلى ابني نظرة أظنّه قد أمر بقبض روحه، فقال للجن والشياطين: هل لكم حيلة في أن تفرّوه من الموت؟ فقال واحد منهم: أنا أضعه تحت عين الشمس في المشرق، فقال سليمان: إن ملك الموت يخرج ما بين المشرق والمغرب، فقال واحد منهم أنا أضعه في
الأرضين السابعة، فقال: إنّ ملك الموت يبلغ ذلك، فقال آخر: أنا أضعه في السحاب والهواء، فرفعه و وضعه في السحاب فجاء ملك الموت فقبض روحه في السحاب، فوقع ميتاً على كرسي سليمان، فعلم أنّه قد أخطأ، فحكى الله ذلك في قوله: «وألقينا على كرسيه جسداً ثمّ أناب» فقال: «ربّ اغفرلي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب * فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والرخاء اللينة والشياطين كل بناء وغوّاص» أي في البحر «وآخرين مقرنين في الأصفاد» يعني مقيدين قد شدّ بعضهم إلى بعض، وهم الذين عصوا سليمان علیه السّلام حين سلبه الله عزّوجلّ ملكه.
وقال الصادق علیه السّلام : جعل الله عزّوجل ملك سليمان علیه السّلام في خاتمه، فكان إذا لبسه حضرته الجنّ والإنس والشياطين وجميع الطير والوحش وأطاعوه فيقعد على كرسيّه ويبعث الله عزّوجلّ ريحاً تحمل الكرسي بجميع ما عليه من الشياطين والطير والإنس والدواب والخيل فتمرّ بها في الهواء إلى موضع يريده سليمان علیه السّلام ، وكان يصلي الغداة بالشام، والظهر بفارس، وكان يأمر الشياطين أن يحملوا الحجارة من فارس يبيعونها بالشام، فلما مسح أعناق الخيل وسوقها بالسيف سلبه الله ملكه، وكان إذا دخل الخلاء دفع خاتمه إلى بعض من يخدمه فجاء شيطان فخدع خادمه وأخذ من يده الخاتم ولبسه، فخرت عليه الشياطين والجن والانس والطير والوحوش، وخرج سليمان علیه السّلام في طلب الخاتم فلم يجده، فهرب ومرّ على ساحل البحر وأنكرت بنو إسرائيل الشيطان الذي تصوّر في صورة سليمان، وصاروا إلى أمه فقالوا لها: أتنكرين من سليمان شيئاً ؟ فقالت: كان أبر الناس بي وهو اليوم يعصيني، وصاروا إلى جواريه ونسائه وقالوا: أتنكرن من سليمان شيئاً؟ قلن: لم يكن يأتينا في الحيض وهو يأتينا في الحيض، فلما خاف الشيطان أن يفطنوا به ألق الخاتم في البحر، فبعث الله سمكة فالتقمته وهرب الشيطان فبقوا بنو إسرائيل يطلبون سلميان علیه السّلام أربعين يوماً، وكان سليمان علیه السّلام يمر على ساحل البحر تائباً إلى الله ممّا كان منه، فلمّا كان بعد
أربعين يوماً مرّ بصيّاد يصيد السمك فقال له: أُعينك على أن تعطيني من السمك شيئاً؟ قال: نعم، فأعانه سليمان علیه السّلام ، فلمّا اصطاد دفع إلى سليمان علیه السّلام السمكة فأخذها فشقّ بطنها وذهب يغسلها فوجد الخاتم في بطنها فلبسه، وحوت عليه الشياطين والجنّ والإنس والطير والوحوش و رجع إلى ماكان، وطلب ذلك الشيطان وجنوده الذين كانوا معه فقيّدهم وحبس بعضهم في جوف الماء وبعضهم في جوف الصخر بأسامي الله، فهم محبوسون معذبون إلى يوم القيامة.
قال: ولمّا رجع سليمان إلى ملكه قال لآصف بن برخيا – وكان آصف كاتب سليمان وهو الّذي كان عنده علم من الكتاب - : قد عذرت الناس بجهالتهم فكيف أعذرك؟ فقال: لا تعذرني فلقد عرفت الحوت الذي أخذ خاتمك وأباه وأمه وعمه وخاله، ولقد قال لي: اكتب لي فقلت له: إنّ قلمي لا يجري بالجور، فقال: اجلس ولا تكتب، فكنت أجلس ولا أكتب شيئاً، ولكن أخبرني عنك يا سليمان صرت تحبّ الهدهد وهو أخس الطير منتناً وأخبثه ريحاً، قال: إنّه يبصر الماء من وراء الصفا الأصم: فقال: وكيف يبصر الماء من وراء الصفا و إنما يوارى عنه الفخّ بكفّ من تراب حتى يأخذ بعقبه؟ فقال سليمان: قف ياوقاف إنّه إذا جاء القدر حال دون البصر . (1)
أقول: ما ذكره علي بن إبراهيم في تأويل تلك الآيات كلّها موافقة لروايات المخالفين، وإنما أوّلها علماؤنا على وجوه أخر: قال الصدوق رحمه الله في الفقيه: قال زرارة والفضيل: قلنا لأبي جعفر علیه السّلام : أرأيت قول الله عزّوجلّ: «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً»؟ قال: يعني كتاباً مفروضاً، وليس يعني وقت فوتها إن جاز ذلك الوقت ثم صلّاها لم تكن صلاة مؤدّاة، ولو كان ذلك كذلك هلك سليمان بن داود علیه السّلام حين صلّاها بغير وقتها، ولكنّه متى ذكرها صلاها.
1) - تفسير القمى: 565-568
ثم قال رحمه الله : إنّ الجهّال من أهل الخلاف يزعمون أنّ سليمان علیه السّلام اشتغل ذات يوم بعرض الخيل حتّى تورات الشمس بالحجاب، ثم أمر بردّ الخيل و أمر بضرب سوقها وأعناقها، وقال: إنّها شغلتني عن ذكر ربّي، وليس كما يقولون، جلّ نبيّ الله سليمان علیه السّلام عن مثل هذا الفعل، لأنّه لم يكن للخيل ذنب فيضرب سوقها وأعناقها لأنّها لم تعرض نفسها عليه ولم تشغله، وإنّما عرضت عليه وهي بهائم غير مكلفة.
والصحيح في ذلك ماروي عن الصادق علیه السّلام أنّه قال: إنّ سليمان بن داود علیه السّلام عرض عليه ذات يوم بالعشيّ الخيل ، فاشتغل بالنظر إليها حتى تورات الشمس بالحجاب فقال للملائكة: ردّوا الشمس عليّ حتّى أُصلّي صلاتي في وقتها، فردّوها فقام فطفق مسح ساقيه وعنقه، وأمر أصحابه الّذين فاتتهم الصلاة معه بمثل ذلك، وكان ذلك وضوؤهم للصلاة، ثمّ قام فصلى فلما فرغ غابت الشمس وطلعت النجوم، وذلك قول الله عزّوجل «وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ» إلى قوله: « فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ» وقد أخرجت هذا الحديث مسنداً في كتاب الفوائد انتهى.
وقال الطبرسيّ رحمه الله: «الصافنات»: الخيل الواقفة على ثلاث قوائم الواضعة أطراف السنبك الرابع على الأرض «الجياد»: السريعة المشي، الواسعة الخطو، قال مقاتل: إنه ورث من أبيه ألف فرس، وكان أبوه قد أصاب ذلك من العمالقة؛ وقال الكلبي غزا سليمان دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس؛ وقال الحسن: كانت خيلاً خرجت من البحر لها أجنحة، وقال: المراد بالخير الخيل هنا، فإنّ العرب تسمي الخيل الخير؛ وقيل : معناه حبّ المال، وكان سليمان علیه السّلام قد صلّى الصلاة الأُولى وقعد على كرسيّه والخيل تعرض عليه حتّى غابت
الشمس.
وفي روايات أصحابنا أنّه فاته أوّل الوقت وقال الجبّاني: لم يفته الفرض، وإنَّما فاته نفل
كان يفعله آخر النهار لاشتغاله بالخيل؛ وقيل: إنّ ذكر ربي كناية عن كتاب التوراة انتهى (1).
ولنذكر بعض ما ذكر من وجوه التأويل في تلك الآيات: قال السيد المرتضى قدس الله :روحه ظاهر الآية لا يدلّ على إضافة قبيح إلى النبي، والرواية إذا كانت مخالفة لما تقتضيه الأدلّة لا يلتفت إليها لو كانت قوية ظاهرة، فكيف إذا كانت ضعيفة واهية؟ والذي يدلّ على ما ذكرناه على سبيل الجملة أنّ الله تعالى ابتدأ الآية بمدحه والثناء عليه، فقال: «نعم العبد إنّه أوّاب» وليس يجوز أن يثني عليه بهذا الثناء ثم يتبعه من غير فصل بإضافة القبيح إليه، وأنه تلهى بعرض الخيل عن فعل المفروض عليه من الصلاة، والذي يقتضيه الظاهر أنّ حبّه للخيل وشغفه بها كان عن إذن ربه وأمره و بتذكيره إيَّاه، لأنّ الله تعالى قد أمرنا بارتباط الخيل وإعدادها لمحاربة الأعداء، فلا ينكر أن يكون سليمان علیه السّلام مأموراً بمثل ذلك انتهى.
ثم اعلم أنّهم اختلفوا في مرجع الضمير في قوله: « تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ » وقوله: «رُدّوها عليَّ» إذ يجوز بحسب ظاهر اللّفظ إرجاع الضميرين إلى الشمس وإن لم يجر لها ذكر بقرينة المقام ولذكر ماله تعلّق بها وهو العشيّ وإلى الخيل والأوّل إلى الشمس والثاني إلى الخيل وبالعكس فقيل: بإرجاعهاجميعاً إلى الشمس كما مرّ فيماوراه الصدوق، وروى الطبرسيّ رحمه الله عن ابن عبّاس أنّه قال: سألت عليَّا علیه السّلام عن هذه الآية، فقال: مابلغك فيها يا ابن عبّاس؟ فقلت: سمعت كعباً يقول: اشتغل سليمان بعرض الأفراس حتى فاتته الصلاة، فقال: ردّوها عليّ يعني الأفراس، وكانت أربعة عشر فأمر بضرب سوقها و أعناقها بالسيف فقتلها، فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوماً لأنه ظلم الخيل بقتلها. فقال عليٌّ علیه السّلام : كذب كعب، لكن اشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم لأنَّه أراد جهاد العدوّ حتّى تَوَارَتْ الشمس بالحجاب، فقال بأمر الله تعالى للملائكة الموكلين بالشمس: ردّوها علىَّ، فردّت فصلّى العصر في وقتها، وإنّ أنبياء الله لا يظلمون ولا يأمرون بالظلم لأنهم معصومون
1) - مجمع البيان 474/8-475
مطهّرون . (1)
:وقيل: بإرجاعهما معاً إلى الخيل وفيه وجهان: الأوّل أنه أمر بإجراء الخيل حتى غابت عن بصره فأمر بردّها فمسح سوقها وأعناقها صيانة لها وإكراماً لما رأى من حسنها، فمن عادة من عرضت عليه الخيل أن يمر يده على أعرافها و أعناقها وقوائمها، ويمكن أن يكون الغرض من ذلك المسح بيان أنَّ إكرامها وحفظها مما يرغب فيه، لكونها من أعظم الأعوان على دفع العدو، أو أنّه أراد أن يظهر أنّ في ضبط السياسة والملك يتصنّع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه، أو أنه كان أعلم بأحوال الخيل و أمراضها وعيوبها فكان يمسحها سوقها و أعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدلّ على المرض.
الثاني: أن يكون المسح ههنا هو الغسل فإنّ العرب تسمّى الغسل مسحاً، فكأنّه لمّا رأى حسنها أراد صيانتها وإكرامها فغسل قوائمها وأعناقها.
:وقيل: بإرجاع الأوّل إلى الشمس والثاني إلى الخيل وهذا يحتمل وجوهاً:
الأول: ما ذكره السيد (2)رضي الله عنه أن المراد أنّه عرقبها ومسح سوقها وأعناقها بالسيف من حيث شغلته عن النافلة. ولم يكن ذلك على سبيل العقوبة لها، لكن حتى لا يتشاغل في المستقبل بها عن الطاعات، لأن للإنسان أن يذبح فرسه لأكل لحمه، فكيف إذا انضاف إلى ذلك وجه آخر لحسنه.
وقد قيل: إنه يجوز أن يكون لما كانت الخيل أعزّ ماله أراد أن يكفّر عن تفريطه في النافلة بذبحها والتصدق بلحمها على المساكين. قالوا: فلما رأى حسن الخيل وراقته وأعجبته أراد أن يتقرب إلى الله بالمعجب له الرائق في عينه، ويشهد بصحّة هذا المذهب قوله تعالى:«لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ »
الثاني: أنه مسح سوقها وأعناقها وجعلها مسبَّلة في سبيل الله.
الثالث: أن يكون قوله: «حتى تورات بالحجاب» بياناً لغاية عرض الخيل واستعادته بها، من غير أن يكون فات عنه بسببها شيء، وإنما أمر بردّها إكراماً لها كما مرّ، وعلى هذا فقوله: أحببت حبّ الخير عن ذكر ربي يحتمل وجهين ذكرهما الرازي في تفسيره.
الأول: أن يضمن أحببت معنى فعل يتعدى بعن، كأنه قيل: أبنت حب الخير عن ذكر ربي وهو التوراة، لأن ارتباط الخيل كما أنّه في القرآن ممدوح فكذلك في التوراة ممدوح.
الثاني: أنّ الإنسان قد يحبّ شيئاً ولكنه لا يحبّ أن يحبّه، كالمريض الذي يشتهي ما يضرّه في مرضه، وأمّا من أحبّ شيئاً وأحبّ أن يحبّه كان ذلك غاية المحبّة فقوله: «أحببت حب الخير» أي أحببت حبِّى لهذه الخيل، ثمّ قال: «عن ذكر ربي» بمعنى أن هذه المحبة الشديدة إنّما حصلت عن ذكر الله وأمره لا عن الشهوة والهوى، وأمّا الاحتمال الرابع فلم يقل به أحد وإن أمكن توجيهه ببعض الوجوه السابقة، فإذا أحطت خبراً بما حكيته لك علمت أنه يمكن تأويلها بوجوه كثيرة لا يتضمَّن شيء منها إثبات ذنب له علیه السّلام .
وأما قوله تعالى: «وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ»فاختلف العلماء في فتنته وزلّته والجسد الذي اُلقِی على كرسيّه على أقوال:
الأوّل: ما ذكره الرازيّ عن بعض رواة المخالفين أنّ سليمان بلغه خبر مدينة في البحر، فخرج إليها بجنوده تحمله الريح فأخذها وقتل ملكها وأخذ بنتاً له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهاً، فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبّها وكانت تبكي على أبيها فأمر سليمان الشيطان فمثًَّل لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تذهب إلى تلك الصورة بكرة وعشيّاً مع جواريها يسجدن له ، فأخبر آصف سليمان بذلك ، فكسر الصورة وعاقب المرأة، ثم خرج وحده إلى بلاده وفرش الرماد وجلس عليه تائباً إلى الله تعالى، وكانت له أمّ ولد يقال لها أمينة، إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، فوضعه عندها يوماً
وأتاها الشيطان صاحب البحر على صورة سليمان وقال: يا أمينة خاتمي، فتختم به وجلس على كرسي سليمان، فأتاه الطير والجن والإنس وتغيّرت هيئة سليمان، فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته فطردته، فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت ويتكفّف وإذا قال: أنا سلمان حثوا عليه التراب وسبّوه، ثم أخذ يخدم الصيادين ينقل لهم السمك فيعطونه كلّ يوم سمكتين، فمكث على هذه الحالة أربعين يوماً عدد ما عبدالوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف نساء سلميان فقلن: ما يدع امرأة منّا في دمها، ولا يغتسل من جنابة، وقيل: كان نفذ حكمه في كلّ شيء إلّا فيهنّ، ثمّ طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة و وقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختَّم به ووقع ساجداً لله ورجع إلى ملكه وأخذ ذلك الشيطان فحبسها في صخرة و ألقاها في البحر، فهؤلاء قالوا: قوله: « وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا» هوجلوس ذلك الشيطان على كرسيه عقوبة له، ثمّ قال: واعلم أنّ أهل التحقيق استبعدوا هذا الكلام من وجوه:
الأوّل: أنّ الشيطان لوقدر على أن يتشبّه بالصورة والخلقة بالأنبياء فحينئذ لا يبقی اعتماد على شيء قطعاً، فلعلّ هؤلاء الذين رأوهم الناس في صورة محمّد و موسى وعیسی علیه السّلام ما كانوا أولئك، بل كانوا شياطين تشبّهوا بهم في الصورة، ومعلوم أن ذلك يبطل الدين بالكلّيّة.
الثاني: أنّ الشيطان لوقدر على أن يعامل نبيّ الله تعالى بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد، وحينئذ وجب أن يقتلهم ويمزق تصانيفهم و يخرّب ديارهم.
الثالث : كيف يليق بحكمة الله وإحسانه أن يسلّط الشيطان على أزواج سليمان، ولاشكَّ أنه قبيح.
الرابع: لو قلنا: إنّ سليمان علیه السّلام أذن لتلك المرأة في عبادة تلك الصورة فهذا كفرمنه، وإن لم يأذن فيه فالذنب على تلك المرأة، فكيف يؤاخذ الله سليمان علیه السّلام بفعل لم يصدر عنه ؟!(1).
وقال السيّد قدّس الله روحه أمّا ما رواه القصّاص الجهّال في هذا الباب فليس مما يذهب على عاقل بطلانه، و أنّ مثله لا يجوز على الأنبياء علیهم السّلام ، و أنّ النُّبوَّة لا تكون في خاتم يسلبها الجنَّي، وأنّ الله تعالى لا يمكِّن الجنّي من التمثّل بصورة النبيّ ولا غير ذلك ممّا افتروا به على النبي. (2)
أقول: ثم ذكر رحمه الله وجوهاً ذكر الطبرسي رحمة الله عليه مختصراً منها مع غيرها، منها: أن سليمان علیه السّلام قال يوماً في مجلسه لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة تلد كلّ منهنّ غلاماً يضرب بالسيف في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهنَّ فلم تحمل منهنّ إلّا امرأة واحدة جاءت بشقّ ولد، رواه أبو هريرة عن النبي صلی الله علیه و آله و سلّم قال: ثمّ قال: فوالّذي نفس محمّد بيده لو قال: «إن شاء الله» لجاهدوا في سبيل الله فرساناً، فالجسد الذي اُلقي على كرسيّه كان هذا، ثمّ أناب إلى الله تعالى وفرغ إلى الصلاة والدعاء على وجه الانقطاع إليه سبحانه، وهذا لا يقتضي أنه وقع منه معصية صغيرة ولا كبيرة، لأنه علیه السّلام و إن لم يستثن ذكره لفظاً فلا بد من أن يكون استثناء ضميراً واعتقاداً. إذ لو كان قاطعاً للقول بذلك لكان مطلقاً لما لا يأمن أن يكون كذباً إلّا أنّه لما لم يذكر لفظة الاستثناء عوتب على ذلك من حيث ترك ماهو مندوب إليه.
و منها ما روي أن الجن والشياطين لمّا ولد لسليمان علیه السّلام ابن قال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لتلقينَّ منه مالقينا من أبيه من البلاء، فأشفق علیه السّلام منهم عليه، فاسترضعه في المزن وهو السحاب، فلم يشعر إلّا وقد وضع على كرسيّه بيتاً تنبيهاً على أنّ الحذر لا ينفع عن القدر، وإنَّما عوتب علیه السّلام على خوفه من الشياطين، عن الشعبيّ و هو المروي عن أبي
عبدالله علیه السّلام .
ومنها أنه ولد له ميّت جسد بلا روح فأُلقي على سريره، عن الجبّاني.
ومنها أنّ الجسد المذكور هو جسد سليمان لمرض امتحنه الله تعالى به وتقديرالكلام: وألقيناه على كرسيّه جسداً لشدَّة المرض، فيكون جسداً منصوباً على الحال، والعرب يقول في الإنسان إذا كان ضعيفاً: هو جسد بلا روح و لحم على وضم «ثم أناب» أي رجع إلى حال الصحّة، عن أبي مسلم. وأمّا ماذكر عن ابن عبّاس أنه اُلقي شيطان اسمه صخر على كرسيّه وكان مارداً عظيماً لا يقوى عليه جميع الشياطين، وكان نبيّ الله سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه، فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من نسائه، وأقام أربعين يوماً في ملكه وسليمان هارب، وعن مجاهد أنَّ شيطاناً اسمه آصف قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك بذلك، فلمّا أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ملكه،
وقعد الشيطان على كرسيه ومنعه الله تعالى نساء سليمان فلم يقربهنّ، وكان سليمان يستطعم فلا يطعم حتى أعطته امرأته يوماً حوتاً فشق بطنه فوجد خاتمه فيه فردّ الله ملكه، وعن السدّيّ أن اسم ذلك الشيطان خيفيق، وما ذكر أنّ السبب في ذلك أنَّ الله سبحانه أمره أن لا يتزوّج في غير بني إسرائيل فتزوّج من غيرهم، وقيل: بل السبب فيه أنّه وطىء امرأة في حال الحيض فسال منها الدم فوضع خاتمه و دخل الحمّام فجاء الشيطان و أخذه، وقيل: تزوّج امرأة مشركة ولم يستطع أن يكرهها على الإسلام فعبدت الصنم في داره أربعين يوماً فابتلاه الله بحديث الشيطان والخاتم أربعين يوماً، وقيل: احتجب ثلاثة أيام ولم ينظر في أمر النّاس فابتلى بذلك فإنّ جميع ذلك ممّا لا يعوّل عليه، لأنّ النبوة لا تكون في الخاتم ولا يجوز أن يسلبها الله النبيّ ولا أن يمكّن الشيطان من التمثّل بصورة النبيّ و القعود على سريره والحكم بين عباده وبالله التوفيق. (1)
1) مجمع البيان 47508-476.
1 - فس: كان سليمان علیه السّلام إذا قعد على كرسيّه جاءت جميع الطير الّتي سخّرها الله لسلیمان فتظلّ الكرسيّ والبساط بجميع من عليه من الشمس، فغاب عنه الهدهد من بين الطير فوقعت الشمس من موضعه في حجر سليمان، فرفع رأسه وقال كما حكى الله: «مَا لِي لَا أَرَى الهُدهُد» إلى قوله: «بِسُلطَانٍ مُبين» أي بحجّة قويّة، فلم يمكث إلّا قليلاً إذ جاء الهدهد فقال له سليمان: أين كنت ؟ قال: «أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ» أي بخبر صحيح «إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» و هذا ممّا لفظه عامّ و معناه خاصّ، لأنها لم تؤت أشياء كثيرة منها الذكر واللّحية، ثم قال: وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله إلى قوله: «فَهُم لَا يهتَدُونَ» ثم قال الهدهد: «أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ» أي «المطر» وفي «الأرض» النبات ثم قال سليمان: «سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين» إلى قوله: «ماذا يرجعون» فقال الهدهد: إنها في عرش عظيم أي سرير، فقال سليمان: ألق الكتاب على قبّتها، فجاء الهدهد فألق الكتاب في حجرها فارتاعت من ذلك و جمعت جنودها وقالت لهم كما حكى الله: ً« يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ»أي مختوم «إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»*«أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي
مُسْلِمِينَ» أي لا تتكبّروا عليّ ثم قالت: « يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ» قالوا لها كما حكى الله: «قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ * وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ » فقالت لهم: «قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً» فقال الله عزّوجلّ: «وكَذلِكَ يَفعَلُونَ» ثم قالت: إن كان هذا نبياً من عند الله كما يدعي فلا طاقة لنابه، فإنّ الله لا يغلب، ولكن سأبعث إليه بهديّة فإن كان ملكاً يميل إلى الدنيا قبلها و علمت أنه لا يقدر علينا، فبعثت إليه حقاً فيه جوهرة عظيمة، وقالت للرسول: قل له: يثقب هذه الجوهرة بلاحديد ولانار، فأتاه الرسول بذلك فأمر سليمان علیه السّلام بعض جنوده من الديدان فأخذ خيطاً في فمه ثمَّ ثقبها وأخرج الخيط من الجانب الآخر وقال سليمان لرسولها: «مَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ»* «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا» أي لاطاقة «ولنُخرِجَنّهم منها أذلَّةٌ وهُم صَاغِرُونَ» فرجع إليها الرسول فأخبرها بذلك وبقوّة سليمان فعلمت أنه لا محيص لها، فارتحلت وخرجت نحو سليمان، فلمّا أخبر الله سليمان بإقبالها نحوه قال للجنّ والشياطين: «أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ»* قال عفريت»من عفاريت الجنّ : « أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ» قال سليمان: أُريد أسرع من ذلك، فقال آصف ابن برخيا: «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» فدعا الله باسمه الأعظم فخرج السرير من تحت كرسيّ سليمان بن داود علیه السّلام فقال سليمان: «نكّرُوا لَهَا عَرشُها» أي غيّروه « نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ» * «فلمّا جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو» و كان سليمان قد أمرأن يتّخذ لها بيت من قوارير ووضعه على الماء، ثم قيل لها: «اُدخُلي الصَّرحَ» فظنَّت أنَّه ماء فرفعت ثوبها وأبدت ساقيها فإذا عليها شعر كثير، فقيل لها: « إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» فتزوّجها سليمان و هي بلقيس بنت الشرح الجبيريّة، وقال سليمان للشياطين اتّخذوا لها شيئاً يذهب هذا الشعر عنها، فعملوا الحمّامات
وطبخا النورة فالحمامات والنورة ممّا اتّخذته الشياطين لبلقيس، وكذا الأرحية الّتي تدورُعلى الماء.
وقال الصادق علیه السّلام : أعطي سليمان بن داود علیه السّلام مع علمه معرفة المنطق بكل لسان ومعرفة اللغات ومنطق الطير والبهائم والسباع، فكان إذا شاهد الحروب تكلّم بالفارسية وإذا قعد لعماله وجنوده وأهل مملكته تكلّم بالروميّة، فإذا خلا مع نسائه تكلّم بالسريانية والنبطيّة، وإذا قام في محرابه لمناجاة ربّه تكلّم بالعربية ، وإذا جلس للوقود والخصماء تكلّم بالعبرانية قوله: «لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا»يقول: لأنتفنّ ريشه، قوله: «أَن لَا تَعلُوا عَلَيَّ» يقول: لا تعظّموا علىّ قوله: «لاقيل لهم بها يقول: لا طاقة لهم بها، وقول سليمان: «لِيبلُوَنِي أَشكُرُ» الذي أتاني من الملك «أم أكفُرَ» إذا رأيت من هو دوني أفضل منّي علماً، فعزم الله له على الشكر .(1)
2 - كا: علي بن محمد بن بندار عن السيّاري رفعه قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: من أراد الإطلاء بالنورة فأخذ من النورة بإصبعه فشمه وجعله على طرف أنفه وقال: «صلى الله على سليمان بن داود كما أمرنا بالنورة» لم تحرقه الثورة (2).
1 - ل: ابن الوليد عن الصفار ، عن القاشانيّ، عن الإصبهانيّ، عن المنقريّ، عن سفيان بن نجيح ، عن أبي جعفر علیه السّلام قال : قال سليمان بن داود علیه السّلام : أُوتينا ما أُوتي الناس ومالم يؤتوا، وعلمنا ما علم الناس ومالم يعلموا، فلم نجد شيئاً أفضل من خشية الله في المغيب والمشهد، والقصد في الغنى والفقر، وكلمة الحق في الرضى والغضب، والتضرع إلى الله عزّوجل على كلّ حال . (1)
2 - فس: «وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ» فإنّه حدّثني أبي، عن عبد الله بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان في بني إسرائيل رجل كان له كرم ونفشت فيه غنم لرجل آخر بالليل وقضمته وأفسدته، فجاء صاحب الكرم إلى داود فاستعدى على صاحب الغنم فقال داود علیه السّلام : اذهبا إلى سليمان ليحكم بينكما، فذهبا إليه، فقال سليمان: إن كانت الغنم أكلت الأصل والفرع فعلى صاحب الغنم أن يدفع إلى صاحب الكرم الغنم و ما في بطنها، و إن
1) - الخصال 114/1-115.
كانت ذهبت بالفرع ولم تذهب بالأصل فإنّه يدفع ولدها إلى صاحب الكرم، وكان هذا حكم داود، وإنما أراد أن يعرف بني إسرائيل أن سليمان علیه السّلام وصيّه بعده، ولم يختلفا في الحكم، ولو اختلف حكمها لقال: «وكنّا لحكمها شاهدين». (1)
3 - يه: بسنده الصحيح عن الوشّاء، عن أحمد بن عمر الحلبي قال: سألت أبا الحسن علیه السّلام عن قول الله تعالى: «وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث» قال: كان حكم داود علیه السّلام رقاب الغنم، والّذي فهم الله عزّوجلّ سليمان أن يحكم لصاحب الحرث باللّبن والصوف ذلك العام كلُّه (2)
4 - يه: عن جابر بن عبدالله الأنصاريّ قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، قالت أم سليمان بن داود لسليمان علیه السّلام : يا بني إياك وكثرة النوم بالليل فإنّ كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيراً يوم القيامة.
5 - نبه: قال سليمان بن داود علیه السّلام لابنه : يا بنيّ إيّاك والمراء فإنّه ليست فيه منفعة، وهو يهيّج بين الإخوان العداوة. (3)
1 - ع، ن: الهمدانيّ عن عليّ، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضاء علیه السّلام ، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد علیه السّلام قال : إنّ سليمان بن داود علیه السّلام قال ذات يوم لأصحابه: إنَّ الله تبارك وتعالى قد وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، سخّر لي الريح والإنس والجنّ والطير والوحوش، وعلّمني منطق الطير، وأتاني من كلّ شيء، ومع جميع ما أوتيت من الملك ماتمّ لي سرور يوم إلى اللّيل، وقد أحببت أن أدخل قصرى في غد فأصعد أعلاه وأنظر إلى ممالكي فلا تأذنوا لأحد علي لئلا يرد عليّ ما ينغّص على يومي قالوا: نعم، فلما كان من الغد أخذ عصاه بيده وصعد إلى أعلى موضع من قصره، و وقف متكئاً على عصاه ينظر إلى ممالكه مسروراً بما أُوتي فرحاً بما أُعطي إذ نظر إلى شابّ حسن الوجه واللّباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره فلمّا بصر به سليمان علیه السّلام قال له: من أدخلك إلى هذا القصر وقد أردت أن أخلو فيه اليوم؟ فبإذن من دخلت؟ فقال الشاب: أدخلني هذا القصر ربه و بإذنه دخلت فقال: ربِّه أحق به مني، فمن أنت؟ قال: أنا ملك الموت، قال: وفيما جئت؟ قال: جئت لأقبض روحك، قال: امض لما أمرت به فهذا يوم سروري وأبي الله عز وجل أن
يكون لي سرور دون لقائه، فقبض ملك الموت روحه و هو متكىء على عصاه، فبقي سلیمان علیه السّلام متّكئاً على عصاه وهو ميّت ماشاء الله والناس ينظرون إليه وهم يقدّرون أنه حيّ فافتتنوا فيه واختلفوا فمنهم من قال: إنّ سليمان علیه السّلام قدبقی متّكناً على عصاه هذه الأيام الكثيرة ولم يتعب ولم ينم ولم يأكل ولم يشرب إنّه لربّنا الذي يجب علينا أن نعبده؛ وقال قوم: إن سليمان علیه السّلام ساحر و إنّه يرينا أنّه واقف متّكى على عصاه، يسحر أعيننا وليس كذلك، فقال المؤمنون: إنّ سلیمان هو عبد الله ونبيّه يدبّر الله أمره بما شاء؛ فلما اختلفوا بعث الله عزّ وجل الأرضة فدبّت في عصاء، فلمّا أكلت جوفها انكسرت العصا وخرّ سليمان علیه السّلام من قصره على وجهه، فشكرت الجنُّ للأرضة صنيعها، فلأجل ذلك لا توجد الأرضة في مكان إلا وعندها ماء وطين، وذلك قول الله عزّوجلَّ: «فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ»يعني عصاه ً« فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ» ثم قال الصادق علیه السّلام : والله مانزلت هذه الآية هكذا، وإنما نزلت: « فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ»(1)
2 - ع: المظفّر العلوي، عن ابن العيّاشيّ، عن أبيه، عن محمد بن نصير، عن أحمد بن محمد، عن ابن معروف، عن علي بن مهزيار، عن البزنطي وفضالة، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: إن الجنّ شكروا الأرضة ما صنعت بعصا سليمان علیه السّلام ، فما تكاد تراها في مكان إلّا وعندها ماء وطين .(2)
3 - ك: أبي، عن أحمد بن إدريس، ومحمد بن يحيى، عن الأشعري، عن محمد بن
يوسف التميمي، عن الصادق، عن آبائه الا الله قال: قال رسول الله علي الله عاش سليمان بن داود سبعمائة سنة واثني عشر سنة. (3)
4 - سن: عن عبد الله بن المغيرة، عن عمرو بن شمر قال: سمعت أبا عبد الله علیه السّلام يقول: إنّي لألعق أصابعي من المأدم حتّى أخاف أن يرى خادمي أنّ ذلك من جشع، و ليس ذلك كذلك، إنّ قوماً أُفرغت عليهم النعمة و هم أهل الثرثار فعمدوا إلى مُخ الحنطة فجعلوه خبزاً هجاء فجعلوا ينجون به صبيانهم حتى اجتمع من ذلك جبل، قال: فمرّ رجل صالح على امرأة و هي تفعل ذلك بصبيِ لها، فقال: ويحكم اتقوا الله لا تغيّروا ما بكم من نعمة، فقالت: كانّك تخوّفنا بالجوع؟ أما مادام ثرثارنا يجري فإنّا لا نخاف الجوع، قال: فأسف الله عزّ وجلّ و ضعف لهم الثرثار و حبس عنهم قطر السماء و نبت الأرض، قال: فاحتاجوا إلى ما في أيديهم فأكلوه، ثم احتاجوا إلى ذلك الجبل، فإن كان ليقسّم بينهم بالميزان. (1)
أقول: قد أوردنا أخباراً كثيرة في ذلك في باب آداب الاستنجاء.
1) محاسن البرقى 586 .
1 - ع، ن: الهمدانيّ، عن عليّ، عن أبيه، عن الهرويّ، عن الرضا، عن آبائه عن الحسين بن علي علیه السّلام قال: أتى عليّ بن أبي طالب علیه السّلام قبل مقتله بثلاثة أيّام رجل من أشراف تميم يقال له عمرو، فقال: يا أميرالمؤمنين أخبرني عن أصحاب الرس في أي عصر كانوا؟ وأين كانت منازلهم؟ ومن كان ملكهم؟ وهل بعث الله عزّ وجل إليهم رسولاً أم لا؟ وبماذا أهلكوا؟ فإنّي أجد في كتاب الله ذكرهم ولا أجد خبرهم. فقال له علي علیه السّلام : لقد سألت عن حديث ما سألني عنه أحد قبلك ولا يحدثك به أحد بعدي إلا عني، وما في كتاب الله عزّوجلّ آية إلا وأنا أعرف تفسيرها، وفي أي مكان نزلت من سهل أو جبل، وفي أي وقت نزلت من ليل أو نهار، وإنّ ههنا لعلماً جماً - وأشار إلى صدره – ولكن طلابه يسير، وعن قليل يندمون لو فقدوني، قال: كان من قصتهم يا أخاتميم أنهم كانوا قوماً يعبدون شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها روشاب كانت أُنبطت لنوح علیه السّلام بعد الطوفان، وإنما سمّوا أصحاب الرسّ لأنهم رسّوا نبيّهم في الأرض، وذلك بعد سليمان بن داود علیه السّلام ، وكانت لهم اثنتا عشر قرية على شاطيء نهر يقال له الرسّ من بلاد المشرق، وبهم سمّي ذلك النهر، ولم يكن يومئذ في الأرض نهر أغزر منه
ولا أعذب منه، و لاقرى أكثر ولا أعمر منها تسمّى إحداهنَّ أبان، والثانية آذر، والثالثة دي، والرابعة بهمن، والخامسة إسفندار، والسادسة فروردين، والسابعة أرديبهشت، والثامنة ، خرداد والتاسعة ،مرداد والعاشرة تير والحادي عشرة مهر، والثاني عشرة شهريورد، وكانت أعظم مدائنهم إسفندار و هي التي ينزلها ملكهم، وكان يسمّى تركوذ بن غابوربن یارش بن سازن بن نمرود بن كنعان فرعون إبراهيم، وبها العين والصنوبرة وقد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة ، وأجروا إليها نهراً من العين التي عند الصنوبرة، فنبتت الحبة وصارت شجرة عظيمة، وحرموا ماء العين والأنهار فلا يشربون منها ولا أنعامهم، و من فعل ذلك قتلوه ويقولون: هو حياة آلهتنا، فال ينبغي لأحد أن ينقص من حياتها، ويشربون هم و أنعامهم من نهر الرس الذي عليه قراهم، وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيداً يجتمع إليه أهلها فيضربون على الشجرة التي بها كلة من حرير فيها من أنواع الصور، ثم يأتون بشاء وبقر فيذبحونها قرباناً للشجرة، ويشعلون فيها النيران بالحطب، فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتارها في الهواء و حال بينهم وبين النظر إلى السماء خرّوا للشجرة سجداً يبكون ويتضرّعون إليها أن ترضى عنهم، فكان الشيطان يجىء فيحرّك أغصانها و يصيح من ساقها صياح الصبي: أني قد رضيت عنكم عبادي فطيّبوا نفساً، وقرّوا عيناً، فيرفعون رؤوسهم عند ذلك، ويشربون الخمر، و يضربون بالمعازف، ويأخذون الدستبند، فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم ثم ينصرفون، وإنما سمت العجم شهورها بأبان ماه و آذر ماه و غيرهما اشتقاقاً من أسماء تلك القرى لقول أهلها بعضهم لبعض هذا عيد شهر كذا وعيد شهر كذا، حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى اجتمع إليها صغيرهم وكبيرهم، فضربوا عند الصنوبرة و العين سرادقاً من ديباج عليه من أنواع الصور، وجعلوا له اثني عشر باباً كل باب لأهل قرية منهم، ويسجدون للصنوبرة خارجاً من السرادق، و يقربون لها الذبائح أضعاف ما قرّبوا للشجرة التي في قراهم فيجيء
إبليس عند ذلك فيحرّك الصنوبرة تحريكاً شديداً، ويتكلّم من جوفها كلاماً جهورياً، و يعدهم ويمنّيهم بأكثر ممّا وعدتهم و منّتهم الشياطين كلّها، فيرفعون رؤوسهم من السجود، وبهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون ولا يتكلمون من الشرب والعزف، فيكونون على ذلك اثني عشر يوماً ولياليها بعدد أعيادهم سائر السنة، ثم ينصرفون، فلما طال كفرهم بالله عزّوجلّ وعبادتهم غيره بعث الله عزوجل إليهم نبياً من بني إسرائيل من ولد يهودا بن يعقوب، فلبث فيهم زماناً طويلاً يدعوهم إلى عبادة الله عزّوجل ومعرفة ربوبيته فلا يتبعونه، فلا رأى شدّة تماديهم في الغيّ والضلال و تركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد و النجاح و حضر عيد قريتهم العظمى قال: يا ربّ إنّ عبادك أبوا إلا تكذيبي والكفر بك، وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضر ، فأيبس شجرهم أجمع، وأرهم قدرتك وسلطانك، فأصبح القوم وقد يبس شجرهم كلّها فها لهم ذلك وقطع بهم، وصاروا فرقتين: فرقة قالت: سحر آلهتكم هذا الرجل الذي زعم أنّه رسول ربّ السماء والأرض إليكم ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه، وفرقة قالت: لابل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويقع فيها و يدعوكم إلى عبادة غيرها فحجبت حسنها وبهاءها لكي تغضبوا لها فتنتصروا منه، فأجمع رأيهم على قتله، فاتخذوا أنابيب طوالاً من رصاص واسعة الأفواه، ثمّ أرسلوها في قرار العين إلى أعلى الماء، واحدة فوق الأخرى مثل البرابخ ونزحوا ما فيها من الماء، ثمّ حفروا في قرارها بئراً ضيّقة المدخل عميقة، وأرسلوا فيها نبيهم، وألقموا فاها صخرة عظيمة، ثمّ أخرجوا الأنابيب من الماء وقالوا: نرجو الآن أن ترضى عنّا آلهتنا إذا رأت أنا قد قتلنا من كان يقع فيها، ويصدّنا عن عبادتها، ودفناه تحت كبيرها يتشفّى منه، فيعود لنا نورها ونضرتها كما كان، فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيّهم، وهو يقول: «سيدي قدترى ضيق مكاني وشدّة كربي فارحم ضعف ركني وقلة حيلتي، وعجّل بقبض روحي ولا تؤخّر إجابة دعوتي» حتّى مات؛ فقال الله جل جلاله لجبرئيل: يا جبرئيل أيظن
عبادي هؤلاء الذين غرهم حلمي وأمنوا مكري و عبدوا غيري و قتلوا رسولي أن يقوموا لغضبي أو يخرجوا من سلطاني؟ كيف و أنا المنتقم ممن عصاني، ولم يخش عقابي، وإني حلفت بعزّتي لأجعلنّهم عبرة ونكالاً للعالمين، فلم يرعهم و هم في عيدهم ذلك إلا بريح عاصف شديدة الحمرة فتحيّروا فيها و ذعر وا منها وتضام بعضهم إلى بعض، ثم صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقد، وأظلّتهم سحابة سوداء فألقت عليهم كالقبة جمراً يلتهب فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في النار، فنعوذ بالله تعالى ذكره من غضبه ونزول نقمته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . (1)
2 - مع : معنى أصحاب الرس أنهم نسبوا إلى نهر يقال له الرسّ من بلاد المشرق، وقد قيل: إنّ الرسّ هو البئر، وإنَّ أصحابه رسُّوا نبيَّهم بعد سليمان بن داود علیه السّلام وكانوا قوماً يعبدون شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت، كان غرسها يافث بن نوح، فأنبتت لنوح بعد الطوفان، وكان نساؤهم يشتغلن بالنساء عن الرجال، فعذبهم الله عزّوجل بريح عاصف شديدة ،الحمرة وجعل الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقد وأظلّتهم سحابة سوداء مظلمة فانكفّت عليهم كالقبّة جمرة تلتهب فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في النار.(2)
3- ص: بالإسناد إلى الصدوق ، عن أبيه ، وماجيلويه،عن محمّدبن أبي القاسم، عن محمّدبن علي، عن علي بن العبّاس عن جعفربن محمّد البلخي، عن الحسن بن راشدعن يعقوب بن إبراهيم قال: سأل رجل أباالحسن موسى علیه السّلام عن أصحاب الرسّ الذين ذكرهم الله من هم وممّن هم وأيّ قوم كانوا؟ فقال: كانا رسيّن أما أحدهما فليس الذي ذكره الله في كتابه، كان أهله أهل بدو و أصحاب شاة و غنم، فبعث الله تعالى اليهم صالح النبي علیه السّلام رسولاً فقتلوه، وبعث إليهم رسولاً آخر فقتلوه، ثمّ بعث إليهم رسولاً آخر و عضده بوليّ
فقتلوا الرسول، وجاهد الولي حتى أفحمهم، وكانوا يقولون: إلهنا في البحر وكانوا على شفيره، وكان لهم عيد في السنة، يخرج حوت عظيم من البحر في تلك اليوم فيسجدون له، فقال وليّ صالح لهم: لا أريد أن تجعلوني ربّاً، ولكن هل تجيبوني إلى مادعوتكم إن أطاعني ذلك الحوت؟ فقالوا: نعم، وأعطوه عهوداً ومواثيق، فخرج حوت راكب على أربعة أحوات، فلما نظروا إليه خروا سجداً، فخرج ولي صالح النبي إليه وقال له: ايتني طوعاً أو كرهاً بسم الله الكريم، فنزل عن أحواته، فقال الولي: ايتنى عليهن لئلا يكون من القوم في أمري شكّ، فأتى الحوت إلى البرّ يجرها وتجره إلى عند ولي صالح، فكذبوه بعد ذلك، فأرسل الله إليهم ريحاً فقذفتهم في اليم - أي البحر – ومواشيهم، فأتى الوحي إلى ولي صالح بموضع ذلك البئر وفيها الذهب والفضة، فانطلق فأخذه ففضّه على أصحابه بالسوية على الصغير والكبير.
وأمّا الّذين ذكرهم الله في كتابه فهم قوم كان لهم نهر يدعى الرسّ، وكان فيهم أنبياء كثيرة، فسأله رجل: وأين الرسُّ؟ فقال: هو نهر بمنقطع آذربيجان، وهو بين حدّ ارمينية و آذربيجان، وكانوا يعبدون الصلبان، فبعث الله إليهم ثلاثين نبيّاً في مشهد واحد فقتلوهم جميعاً، فبعث الله إليهم نبيّاً وبعث معه وليّاً فجاهدهم، وبعث الله ميكائيل في أوان وقوع الحبّ والزرع ، فأنضب ماءهم فلم يدع عيناً ولا نهراً ولا ماءً لهم إلا أيبسه وأمر ملك الموت فأمات مواشيهم، وأمر الله الأرض فابتلعت ما كان لهم من تبرأو فضّة أو آنية فهو لقائمنا علیه السّلام إذا قام، فماتوا كلّهم جوعاً وعطشاً، فلم يبق منهم باقية، وبقي منهم قوم مخلصون فدعوا الله أن ينجيهم بزرع وماشية وماء، ويجعله قليلاً لئلا يطفوا، فأجابهم الله إلى ذلك لما علم من صدق نياتهم، ثم عاد القوم إلى منازلهم فوجدوها قد صارت أعلاها أسفلها، وأطلق الله لهم نهرهم، وزادهم فيه على ما سألوا، فقاموا على الظاهر والباطن في طاعة الله حتى مضى أُولئك القوم و حدث بعد ذلك نسل أطاعوا الله في الظاهر و نافقوه في الباطن، وعصوا بأشياء
شتّى فبعث الله من أسرع فيهم القتل، فبقيت شرزمة منهم فسلّط الله عليهم الطاعون فلم يبق منهم أحداً، وبقي نهرهم و منازلهم مائتي عام لا يسكنها أحد، ثم أتى الله تعالى بقوم بعد ذلك فنزلوها وكانوا صالحين، ثم أحدث قوم منهم فاحشة واشتغل الرجال والنساء بالنساء فسلّط الله عليهم صاعقة فلم يبق منهم باقية. (1)
4 - ثو: أبي، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: دخلت عليه نسوة فسألته امرأة عن السحق، فقال: حدّها حدّ الزاني فقالت امرأة: ماذكر الله عزّوجلّ ذلك في القرآن؟ قال: بلى، وأين هو ؟ قال: هو أصحاب الرسّ. (2)
5- كا: أبو عليّ الأشعري ، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عبيس بن هشام، عن حسين بن أحمد المنفريّ، عن هشام الصيدلانيّ عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: سأله رجل عن هذه الآية: «كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس» فقال بيده هكذا، فمسح إحداهما بالأخرى، فقال: هنّ اللواتي باللواتي، يعني النساء بالنساء. (3)
قال الثعلبي في العرائس: قال الله عزّوجل: وعاداً وثمود وأصحاب الرس و قال «كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس».
اختلف أهل التفسير وأصحاب الأقاصيص فيهم، فقال سعيد بن جبير والكلبي والخليل بن أحمد - دخل كلام بعضهم في بعض، وكلّ أخبر بطائفة من حديث : أصحاب الرس بقيّة نمود قوم صالح علیه السّلام وهم أصحاب البئر التي ذكرها الله تعالى في قوله: «وبتر معطلة وقصر مشيد» وكانوا بفليح اليمامة نزولاً على تلك البئر وكلّ ركيّة لم تطو بالحجارة والآجر فهو رسّ، وكان لهم نبىّ يقال له حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبل يقال له
فتح ، مصعداً في السماء ميلاً، وكانت العنقاء ينتابه وهي كأعظم ما يكون من الطير، وفيها من كل لون، وسموها العنقاء لطول عنقها، وكانت تكون في ذلك الجبل تنقض على الطير تأكلها،
فجاعت ذات يوم فأعوزها الطير فانقضت على صبي فذهبت به، ثم إنها انقضت على جارية حين ترعرعت فأخذتها فضمتها إلى جناحين لها صغيرين سوى الجناحين الكبيرين، فشكوا إلى نبيهم، فقال: اللهم خذها واقطع نسلها وسلّط عليها آية تذهب بها، فأصابتها صاعقة فاحترقت فلم يرلها أثر فضربتها العرب مثلاً في أشعارها وحكمها وأمثالها ثم إن أصحاب الرس قتلوا نبيّهم فأهلكهم الله تعالى.
وقال بعض العلماء: بلغني أنه كان رسان: أما أحدهما فكان أهله أهل بدو و أصحاب غنم و مواش فبعث الله إليهم نبياً فقتلوه، ثم بعث إليهم رسولاً آخر و عضده بولي فقتلوا الرسول، وجاهدهم الولي حتى أفحمهم، وكانوا يقولون: إلهنا في البحر، وكانوا على شفيره، وكان يخرج إليهم من البحر شيطان في كلّ شهر خرجة فيذبحون عنده ويتخذونه عيداً، فقال لهم الولي: أرأيتم إن خرج إلهكم الذين تدعونه و تعبدونه إلي وأطاعني أتجيبونني إلى مادعوتكم إليه ؟ فقالوا: بلى، وأعطوه على ذلك العهود والمواثيق، فانتظر حتى خرج ذلك الشيطان على صورة حوت راكباً أربعة أحوات، وله عنق مستعلية، وعلى رأسه مثل التاج، فلما نظروا إليه خروا له سجداً، وخرج الولي إليه، فقال: ايتني طوعاً أو كرهاً، بسم الله الكريم، فنزل عند ذلك عن أحواته ، فقال له الولي ايتني عليهن لئلا يكون من القوم في أمري شك، فأتى الحوت وأتين به حتى أفضين به إلى البر يجرونه، فكذبوه بعد ما رأوا ذلك، ونقضوا العهد، فأرسل الله تعالى عليهم ريحاً فقذفتهم في البحر ومواشيهم جميعاً وما كانوا يملكون من ذهب وفضة، فأتى الولي الصالح إلى البحر حتى أخذ التبر والفضة والأواني فقسمها على أصحابه بالسوية على الصغير منهم والكبير، وانقطع هذا النسل.
وأمّا الآخر فهم قوم كان لهم نهر يدعى الرسّ ينسبون إليه، وكان فيهم أنبياء كثيرة ، قلّ
يوم يقوم نبيّ إلّا قتل، وذلك النهر بمنقطع آذربيجان بينها و بين ارمينية فإذا قطعته مدبراً دخلت في حدّ ارمينية، وإذا قطعته مقبلاً دخلت في حدّ آذربيجان، يعبدون النيران، وهم كانوا يعبدون الجواري العذارى، فإذا تمت لإحداهنَّ ثلاثين سنة قتلوها واستبدلوا غيرها، وكان عرض نهرهم ثلاثة فراسخ، وكان يرتفع في كلّ يوم وليلة حتى يبلغ أنصاف الجبال التي حوله، وكان لا ينصبّ في برّ ولا بحر، إذا خرج من حدّهم يقف ويدور، ثم يرجع إليهم، فبعث الله تعالى إليهم ثلاثين نبيّاً في شهر واحد فقتلوهم جميعاً، فبعث الله عزّ وجلّ إليهم نبيّاً وأيّده بنصره وبعث معه وليّاً فجاهدهم في الله حق جهاده، فبعث الله تعالى إليه ميكائيل حين نابذوه وكان ذلك في أوان وقوع الحب في الزرع، وكان إذذاك أحوج ما كانوا من الماء، ففجر نهرهم في البحر فانصب ما في أسفله، وأتى عيونه من فوق فسدها، وبعث إليه خمسمائة ألف من الملائكة أعواناً له ففرّقوا ما بقي في وسط النهر، ثم أمر الله تعالى جبرائيل فنزل فلم يدع في أرضهم عيناً ولا نهراً إلا أيبسه بإذن الله عزّوجلّ، وأمر ملك الموت فانطلق إلى المواشي فأماتهم ربضة واحدة، وأمر الرياح الأربع الجنوب، والشمال، والدبور، والصباء، فضمّت ماكان لهم من متاع، وألقى الله عزّوجلّ عليهم السبات، ثم حقت الرياح الأربع المتاع أجمع فهبته في رؤوس الجبال وبطون الأودية، فأما ما كان من حلي أو تبر أو آنية فإنّ الله تعالى أمر الأرض فابتلعته فأصبحوا ولاشاة عندهم ولا بقرة، ولامال يعودون إليه، ولاماء يشربونه ولاطعام يأكلونه، فآمن بالله تعالى عند ذلك قليل منهم، وهداهم إلى غار في جبل له طريق إلى خلفه فنجوا، وكانوا أحداً وعشرين رجلاً وأربع نسوة وصبيين، وكان عدة الباقين من الرجال والنساء والذراري ستمائة ألف فماتوا عطشاً وجوعاً، ولم يبق منهم باقية، ثم عاد القوم إلى منازلهم فوجدوها قدصار أعلاها أسفلها، فدعا القوم عند ذلك مخلصين أن يجيئهم بزرع و ماة وماشية ويجعله قليلاً لئلا يطغوا، فأجابهم الله تعالى إلى ذلك لما علم من صدق نيّاتهم وعلم منهم الصدق، وألوا أن لا يبعث رسولاً ممّن قاربهم إلّا أعانوه
وعضدوه، وعلم الله تعالى منهم الصدق فأطلق الله لهم نهرهم وزادهم على ما سألوا ، فأقام أولئك في طاعة الله ظاهراً وباطناً حتى مضوا وانقرضوا وحدث بعدهم من نسلهم قوم أطاعوا الله في الظاهر ونافقوه في الباطن، فأملى الله تعالى لهم، وكان عليهم قادراً، ثم كثرت معاصيهم وخالفوا أولياء الله تعالى فبعث الله عزّ وجلّ عدوّهم ممن فارقهم وخالفهم فأسرع فيهم القتل، وبقيت منهم شرذمة فسلّط الله عليهم الطاهون فلم يبق منهم أحداً، وبقي نهرهم و منازلهم مائتي عام لا يسكنها أحد، ثم أتى الله بقرن بعد ذلك فنزلوها وكانوا صالحين سنين، ثم أحدثوا فاحشة جعل الرجل يدعو بنته و أخته وزوجته فينيلها جاره وأخاه وصديقه يلتمس بذلك البر والصلة، ثم ارتفعوا من ذلك إلى نوع آخر: ترك الرجال النساء حتى شبقن واستغنوا بالرجال، فجات النساء شيطانهنّ في صورة امرأة وهي الدلهات بنت إبليس وهي أخت الشيطان كانتا في بيضة واحدة فشبهت إلى النساء ركوب بعضهنّ بعضاً وعلمتهنّ كيف يصنعن، فأصل ركوب النساء بعضهنَّ بعضاً من الدلهات، فسلّط الله على ذلك القرن صاعقة في أوّل الليل، وخسفاً في آخر الليل وصيحة مع الشمس، فلم يبق منهم باقية، و بادت مساكنهم ولا أحسب منازلهم اليوم تسكن. انتهى. (1)
أقول: إنّما أوردنا تلك الرواية بطولها لكونها كالشرح لروايتي يعقوب وهشام بل لا يبعد أن يكون من قوله: (قال بعض العلماء) إلى آخره رواية يعقوب بعينها، إذ كثيراً ما ينقل الثعلبي روايات الشيعة في كتابه ،هكذا، والرواندي رحمه الله دأبه الاختصار في الأخبار، فكثيراً ما وجدناه ترك من خبر رواه عن الصدوق رحمه الله أكثر من ثلاثة أرباعه، وإنما أوردنا قصة أصحاب الرس في هذا الموضع لماورد في الخبر أنهم كانوا بعد سليمان علیه السّلام ومنهم من ذكرها قبل قصص إبراهيم علیه السّلام بناء على أنهم من بقية قوم ثمود والصدوق أوردهم بعد قصص إبراهيم و قبل يعقوب علیه السّلام ، وقد ذكرهم الله في سورة الفرقان بعد ثمود
1) العرائس: 86-87
وفي سورة ق قبلهم.
وقال الطبرسيّ رحمه الله في قوله تعالى: «وأصحاب الرس» هو بئر رسوا فيها نبيهم أي ألقوه فيها، عن عكرمة؛ وقيل: إنهم كانوا أصحاب مواش ولهم بئر يقعدون عليها، وكانوا يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم شعيباً فكذبوه فانهار البئر وانخسف بهم الأرض فهلكوا، عن وهب؛ وقيل: الرس: قرية باليمامة يقال لها فلح، قتلوا نبيهم فأهلكهم الله، عن قتادة؛ وقيل: كان لهم نبي يسمّى حنظلة فقتلوه فأهلكوا، عن سعيد بن جبير والكلبي؛ وقيل: هم أصحاب الرس والرس: بئر بأنطاكية، قتلوا فيها حبيباً النجار فنسبوا إليها، عن كعب ومقاتل؛ وقيل: أصحاب الرس كان نساؤهم سحاقات، عن أبي عبدالله علیه السّلام . (1)
وقال رحمه الله في قوله تعالى: «وبئر معطلة»: قال الضحاك: هذه البئر كانت بحضر موت في بلدة يقال لها حاضوراء، نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح ومعهم صالح، فلا حضروا مات صالح، فسمّي المكان ،حضرموت ثم إنهم كثروا فكفروا وعبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نبياً يقال له حنظلة فقتلوه في السوق فأهلكهم الله فماتوا عن آخرهم وعطّلت بئرهم، وخرب قصر ملكهم (2)
1 - ج، ن، يد: عن الحسن بن محمد النوفلي، عن الرضا علیه السّلام فيما احتج على أرباب الملل قال علیه السّلام للجائليق: يا نصرانيّ كيف علمك بكتاب شعيا؟ قال: أعرفه حرفاً حرفاً، فقال له ولرأس الجالوت: أتعرفان هذا من كلامه يا قوم إني رأيت صورة راكب الحمار لابساً جلابيب النور، ورأيت راكب البعير ضوؤه مثل ضوء القمر»؟ فقالا: قد قال ذلك شعيا. ثم قال علیه السّلام : وقال شعيا النبيّ فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة: «رأيت راكبين أضاء لهما الأرض أحدهما على حمار والآخر على جمل» فمن راكب الحمار؟ ومن راكب الجمل ؟ قال رأس الجالوت لا أعرفها، فخبّرني بهما، قال: أمّا راكب الحمار فعيسى وأمّا راكب الجمل فمحمد صلی الله علیه و آله و سلّم ، أتنكر هذا من التّوراة؟ قال: لا ما أُنكره .
ثم قال الرضا علیه السّلام : هل تعرف حيقوق النبي علیه السّلام ؟ قال: نعم إني به لعارف، قال: فإنّه قال و كتابكم ينطق به «جاء الله بالبيان من جبل فاران وامتلأت السماوات من تسبيح أحمد و أمته، يحمل خيله فى البحر كما يحمل في البر، يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس» يعني بالكتاب القرآن أتعرف هذا وتؤمن به؟ قال رأس الجالوت قد قال ذلك
حيقوق النبيّ ولا تنكر قوله (1).
1) عيون الاخبار: 91-93؛ احتجاج الطبرسي: 229 - 230-231؛ توحيد الصدوق 437-441 - 442؛ والحديث طويل تقديم بتمامه في كتاب الاحتجاجات راجع .299/10 -318
1 - ن: ماجيلويه، عن عليّ، عن أبيه، عن الريّان بن شبيب قال: دخلت على الرضاء علیه السّلام في أول يوم من المحرّم، فقال: يا ابن شبيب أصائم أنت ؟ فقلت: لا، فقال: إنّ هذا اليوم هو اليوم الّذي دعا فيه زكريّا علیه السّلام ربّه فقال: « رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ » فاستجاب الله له وأمر الملائكة فنادت ذكريّا وهو قائم يصلّي في المحراب «إنّ الله يبشِّرك بِيَحيَى» فمن صام هذا اليوم ثمّ دعا الله عزّ وجلّ استجاب الله له كما استجاب لزكريا علیه السّلام .(1)
2 - لي: القطّان، عن محمد بن سعيد بن أبي شحمة ، عن عبد الله بن سعيد بن هاشم القنانيّ، عن أحمد بن صالح ، عن حسّان بن عبد الله الواسطي ، عن عبدالله بن لهيعة ، عن أبي قبيل: عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان من زهد يحيى بن زكريا علیه السّلام أنه أتى بيت المقدس فنظر إلى المجتهدين من الأحبار والرهبان عليهم مدارع الشعر، و برانس الصوف، وإذاهم قد خرقوا تراقيهم وسلكوا فيها السلاسل و شدوها إلى سواري المسجد، فلما نظر إلى ذلك أتى أمه فقال: يا أماه انسجى لي مدرعة من شعر و برنساً من صوف حتّى
1) عيون الاخبار: 165-166
آتي بيت المقدس فأعبد الله مع الأحبار والرهبان فقالت له أُمّة، حتّى يأتي نبي الله وأوامره في ذلك، فلمّا دخل زكريا علیه السّلام أخبرته بمقالة يحيى، فقال له زكريّا : يابني ما يدعوك إلى هذا وإنّما أنت صبيّ صغير ؟ فقال له: يا أبه أما رأيت من هو أصغر سنّاً مني قد ذاق الموت؟ قال: بلى، ثمّ قال لأمِّه: انسجي له مدرعة من شعر، وبرنساً من صوف، ففعلت فتدرع المدرعة على بدنه، ووضع البرنس على رأسه، ثم أتى بيت المقدس فأقبل يعبد الله عز وجل مع الأحبار حتى أكلت مدرعة الشعر لحمه، فنظر ذات يوم إلى ما قد نحل من جسمه فبكي، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا يحيى أتبكي مما قد حل من جسمك؟ وعزتي وجلالي لواطّلعت إلى النّار اطّلاعة لتدرّعت مدرعة الحديد فضلاً عن المنسوج، فبكى حتّى أكلت الدموع لحم خدّيه، و بدا للنّاظرين أضراسه فبلغ ذلك أُمَّه فدخلت عليه وأقبل زكريا علیه السّلام واجتمع الأحبار والرهبان فأخبروه بذهاب لحم خدّيه، فقال: ما شعرت بذلك، فقال زكريا علیه السّلام : يا بنيّ ما يدعوك إلى هذا؟ إنّما سألت ربي أن يهبك لي لتقرّ بك عيني، قال: أنت أمرتني بذلك يا أبه قال ومتی ذلك يا بنيَّ؟ قال: ألست القائل: إنّ بين الجنَّة والنار لعقبة لا يجوزها إلّا البكّاؤون من خشية الله؟ قال: بلى، فجدّوا جند و شأنك غير شأني، فقام يحيى فنفض مدرعته فأخذته أُمه، فقالت: أتأذن لي يا بني أن أتخذ لك قطعتي لبود تواريان أضراسك وتنشفان دموعك؟ فقال لها: شأنك، فاتخذت له قطعتي لبود تواريان أضراسه و تنشفان دموعه حتى ابتلّتا من دموع عينيه فحسر عن ذراعيه، ثمّ أخذهما فعصرهما فتحدّر الدموع من بين أصابعه، فنظر فنظر زكريا علیه السّلام إلى ابنه وإلى دموع عينيه فرفع رأسه إلى السّماء فقال: اللّهم إنّ هذا ابني وهذه دموع عينيه وأنت أرحم الراحمين.
وكان زكريا علیه السّلام إذا أراد أن يعظ بني إسرائيل يلتفت يميناً وشمالاً فإن رأى يحيى علیه السّلام لم يذكر جنّة ولا ناراً، فجلس ذات يوم يعظ بني إسرائيل وأقبل يحيى قد لفّ رأسه بعباءة فجلس في غمار الناس والتفت زكريا علیه السّلام يميناً وشمالاً فلم يريحيي فأنشأ يقول : حدّثني
حبيبي جبرئيل علیه السّلام عن الله تبارك وتعالى أنّ في جهنّم جبلاً يقال له السكران، في أصل ذلك الجبل واد يقال له الغضبان لغضب الرحمن تبارك وتعالى في ذلك الوادي جبّ قامته مائة عام في ذلك الجبّ توابيت من نار في تلك التوابيت صناديق من نار، وثياب من نار وسلاسل من نار، وأغلال من نار، فرفع يحيى علیه السّلام رأسه فقال: واغفلتاه من السكران، ثم أقبل هائماً على وجهه، فقام زكريا علیه السّلام من مجلسه فدخل على أم يحيى فقال لها: يا أُمَّ يحيى قومي فاطلبي يحيى فإنّي قد تخوّفت أن لاتراه إلا وقد ذاق الموت، فقامت فخرجت في طلبه حتى مرت بفتيان من بني إسرائيل فقالوا لها : يا أُمَّ يحيى أين تريدين؟ قالت: أُريد أن أطلب ولدي يحيي ذكرت النار بين يديه فهام على وجهه ، فمضت أم يحيى والفتية معها حتى مرّت براعي غنم فقالت له: يا راعي هل رأيت شاباً من صفته كذا و كذا؟ فقال لها: لعلّك تطلبين يحيى بن زكريا ؟ قالت: نعم ذاك ولديّ، ذكرت النار بين يديه فهام على وجهه، قال: إنّي تركته الساعة على عقبة ثنية كذا وكذا، ناقعاً قدميه فى الماء، رافعاً بصره إلى السماء يقول: وعزتك مولاي لاذقت بارد الشراب حتى أنظر إلى منزلتي منك فأقبلت أُمّه فلما رأته أمّ يحيى دنت منه فأخذت برأسه فوضعته بين ثدييها وهي تناشده بالله أن ينطلق معها إلى المنزل فانطلق معها حتى أتى المنزل فقالت لها أمّ يحيى هل لك أن تخلع مدرعة الشعر و تلبس مدرعة الصوف فإنّه ألين؟ ففعل، وطبخ له عدس فأكل واستوفى فنام فذهب به النوم فلم يقم لصلاته، فنودي في منامه: يا يحيى بن زكريا أردت داراً خيراً من داري و جواراً خيراً من جواري؟ فاستيقظ فقام فقال: يارب أقلني عثرتي، إلهي فوعزتك لا أستظلّ بظل سوى بيت المقدس، وقال لأَمّه : ناوليني مدرعة الشعر فقد علمت أنكما ستورداني المهالك، فتقدمت أمه فدفعت إليه المدرعة و تعلّقت به، فقال لها زكريا : يا أُمّ يحيى دعيه فإنّ ولدي قد كشف له عن قناع قلبه ولن ينتفع بالعيش ، فقام يحي علیه السّلام فلبس مدرعته ووضع البرنس على رأسه، ثم أتى بيت المقدس فجعل يعبد الله عزّوجل مع الأحبار حتى كان من
أمره ما كان.(1)
3 - من حطّ الشهيد قدس سرُّه نقلاً من كتاب زهد الصادق عنه علیه السّلام قال: بكي يحيى بن زكريا علیهما السّلام حتّى ذهب لحم خدّيه من الدموع، فوضع على العظم لبوداً يجري عليها الدموع فقال له أبوه يابني إني سألت الله تعالى أن يهبك لي لتقرّ عيني بك، فقال: يا أبه إنّ على نيران ربنا معاثر لا يجوزها إلا البكاؤون من خشية الله عزّوجل، وأتخوّف أن آتيها فأزل منها، فبكى زكريا علیه السّلام حتى غشي عليه من البكاء.
4 - ب: عنهما، عن حنان عن الصّادق علیه السّلام قال زوروا الحسين علیه السّلام ولا تجفوه فإنّه سيّد شباب الشهداء، وسيّد شباب أهل الجنّة، وشبيه يحيى بن زكريّاعلیه السّلام ،وعليهما بكت السماء والأرض. (2)
5- ن، ل: ابن الوليد، عن سعد عن أحمد بن حمزة الأشعري، عن ياسر الخادم قال: سمعت الرضاء علیه السّلام يقول: إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن يوم يلد فيخرج من بطن أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها، ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا. وقد سلّم الله على يحيى في هذه الثلاثة المواطن وآمن روعته فقال: «وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا» وقد سلّم عيسى بن مريم علیه السّلام علی نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال: «وَالسَلَامُ عَلَيّ يَوْمَ وُلِدت وَيَوْمَ اَمُوتُ وَيَوْمَ اُبْعَثُ حَيًّا». (3)
6 - ج: سأل سعد بن عبد الله القائم علیه السّلام عن تأويل «كهيعص» قال : هذه الحروف من أنباء الغيب أطلع الله عليها عبده زكريّا ، ثم قصّها على محمد صلی الله علیه و آله و سلّم ، وذلك أن زكريا سأل ربه أن يعلّمه أسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرئيل علیه السّلام فعلمه إياها فكان زكريا علیه السّلام إذا ذكر محمد صلی الله علیه و آله و سلّم وعلياً وفاطمة والحسن علیهم السّلام سرّي عنه همّه وانجلى كربه
واذا ذكر اسم الحسين علیه السّلام خنقته العبرة ووقعت عليه البهرة، فقال علیه السّلام ذات يوم إلهي مابالي إذا ذكرت أربعة منهم تسليت بأسمائهم من همومي وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني و تثور زفرتي؟ فأنبأه الله تبارك وتعالى عن قصته فقال: «كهيعص» فالکاف اسم کربلا، والهاء هلاك العترة، والياء يزيد وهو ظالم الحسين علیه السّلام ، والعين عطشه، والصاد صبره، فلمّا سمع ذلك زكريا علیه السّلام لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام ومنع فيهنّ النّاس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب وكان يرثيه: إلهي أتفجع خير جميع خلقك بولده؟ إلهي أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه؟ إلهي أتلبس عليّاً وفاطمة ثياب هذه المصيبة ؟ إلهي أتحلّ كربة هذه المصيبة بساحتهما؟
ثمّ كان يقول: إلهي ارزقني ولداً تقرُّ به عيني على الكبر فإذا رزقتينه فافتنّي بحبّه، ثمَّ افجعني به كما تفجع محمّداً حبيبك بولده. فرزقه الله يحيي وفجعه به، وكان حمل يحيى علیه السّلام ستَّة أشهر، وحمل الحسين علیه السّلام كذلك الخبر. (1)
7 - ك : القطّان، عن السكّريّ، عن الجوهري، عن ابن عمّارة، عن أبيه، عن الصادق علیه السّلام قال: أُفضى الأمر بعد دانيال علیه السّلام إلى عزير علیه السّلام ، وكانوا يجتمعون إليه ويأنسون به ويأخذون عنه معالم دينهم، فغيّب الله عنهم شخصه مائة عام ثم بعثه، وغابت الحجج بعده واشتدّت البلوى على بني إسرائيل حتى ولد يحيى بن زكريا علیه السّلام وترعرع فظهر و له سبع سنين، فقام في الناس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، وذكرهم بأيام الله، وأخبرهم أن محن الصالحين إنما كانت كذنوب بنى إسرائيل، وأن العاقبة للمتقين، ووعدهم
الفرج بقيام المسيح علیه السّلام به نيّف وعشرين سنة من هذا القول. (2)
أقول: تمامه فى باب قصّة طالوت .
8- ص: الصدوق، عن أبيه، عن عليّ، عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن أبان عن أبي
حمزة، عن أبي جعفر علیه السّلام قال : لمّا ولد يحيى علیه السّلام رفع إلى السماء فغذّي بأنهار الجنّة حتى فطم، ثم نزل إلى أبيه وكان البيت يضيء بنوره. (1)
9 - ص: أبي، عن عليّ، عن أبيه، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إن زكريا علیه السّلام كان خائفاً فهرب فالتجأ إلى شجرة فانفرجت له وقالت يا زكريا ادخل في فجاء حتى دخل فيها، فطلبوه فلم يجدوه، فأتاهم إيليس وكان رآه فدلّهم عليه فقال لهم: هو في هذه الشجرة فاقطعوها، وقد كانوا يعبدون تلك الشجرة ، فقالوا: لانقطعها فلم يزل بهم حتى شقّوها وشقّوا زكريا علیه السّلام .(2)
10 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن محمد بن أبي القاسم، عن الكوفي عن أبي عبدالله الخيّاط، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله علیه السّلام : إن الله عزّوجلَّ إذا أراد أن ينتصر لأوليائه انتصر لهم بشرار خلقه، وإذا أراد أن ينتصر لنفسه انتصر بأوليائه، ولقد انتصر ليحيى بن زكريا علیه السّلام ببخت نصر . (3)
11 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمّد بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله علیه السّلام في قوله تعالى: «فما بكت عليهم السماء والأرض» قال: لم تبك السماء على أحد قبل قتل يحيى بن زكريا علیه السّلام وبعده حتّى قتل الحسين علیه السّلام فبكت عليه. (4)
12 - مل: محمّد بن جعفر عن محمّد بن الحسين عن صفوان عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان الذي قتل الحسين بن عليّ علیه السّلام ولد زنا، والّذي قتل يحيى ابن زكريا علیه السّلام ولد زنا. (5)
13 - شي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إنّ زكريا لما دعا ربه أن يهب له فنادته الملائكة بما نادته به فأحبّ أن يعلم أنّ ذلك الصوت من الله أوحي إليه أن آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثة أيام، قال: لما أمسك لسانه ولم يتكلّم علم أنّه لا يقدر على ذلك إلا الله، وذلك قول الله: «رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا». (1).
14 - ل ، ع ، ن: في أسئلة الشاميّ عن أمير المؤمنين علیه السّلام قال: ويوم الأربعاء، قتل يحيى بن زكرياعلیه السّلام . (2)
15 - شي: عن حماد، عمّن حدثه، عن أحدهماعلیهما السّلام قال : لمّا سأل ربّه أن يهب له ذكراً فوهب الله له يحيى فدخله من ذلك فقال: «قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا» فكان يؤمي برأسه وهو الرمز. (3)
16 - شي: عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر علیه السّلام وسيّداً وحصوراً» الحصور الذي لا بأتي النساء «ونبياً مِنَ الصالحين». (4)
17 - شي: عن حسين بن أحمد، عن أبيه، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: سمعته يقول: إنّ طاعة الله خدمته في الأرض، فليس شيء من خدمته تعدل الصلاة، فمن ثم نادت الملائكة
زكريّا وهو قائم يصلي في المحراب. (5)
18 - م: قال الله تعالى في قصة يحيى: «يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا» قال: لم يخلق أحداً قبله اسمه يحيى فحكى الله قصّته إلى قوله: «يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» قال و من ذلك الحكم أنّه كان صبيّاً فقال له
الصبيان هلمّ نلعب فقال: أوّه والله ماللعب خلقنا، وإنّما خلقنا للجدّ لأمر عظيم، ثم قال: «وحناناً من لدنا» يعني تحنّناً ورحمةً على والديه وسائر عبادنا «وزكوة» يعني طهارة لمن آمن به وصدّقه «وكان تقيّاً» يتقي الشرور والمعاصى «وبراً بوالديه» محسناً إليها، مطيعاً لها «ولم يكن جبّاراً عصيّاً» يقتل على الغضب و يضرب على الغضب، لكنّه ما من عبدالله عزَّ وجلَّ إلا وقد أخطأ أوهم بخطيئة ما خلا يحيى بن زكريا علیه السّلام ، فإنّه لم يذنب ولم يهمّ بذنب، ثم قال الله عزّوجلّ: «وسلام عليه يوم ولد و يوم يموت ويوم يبعث حياً».
وقال أيضاً في قصة يحيى: «هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ» يعني لمّا رأى زكريا علیه السّلام عند مريم فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء وقال لها: « يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب وأيقن زكريا أنّه من عند الله إذ كان لا يدخل عليها أحد غيره قال عنده ذلك في نفسه: إنّ الّذي يقدر أن يأتي مريم بفاكهة الشتاء في الصيف و فاكهة الصيف في الشتاء لقادر أن يهب لي ولداً وإن كنت شيخاً وكانت امرأتي عاقراً، فهنالك دعا زكريا ربّه فقال: رب هب لي من لدنك ذرّيّة طيّبة إنك سميع الدعاء» قال الله عزّوجلّ: «فنادته الملائكة» يعني نادت زكريا « وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ» قال: مصدّقاً بعيسى، يصدّق يحيى بعيسى «وسيّداً» يعني رئيساً في طاعة الله على أهل طاعته «وحصوراً» وهو الذي لا يأتي النساء «ونبياً من الصالحين» قال: وكان أوّل تصديق يحيى بعيسى أن زكريا كان لا يصعد إلى مريم في تلك الصومعة غيره يصعد إليها بسلّم، فإذا نزل أقفل عليها ثم فتح لها من فوق الباب كوّة صغيرة يدخل عليها منها الريح، فلما وجد مريم وقد حبلت ساءه ذلك وقال في نفسه: ما كان يصعد إلى هذه أحد غيري وقد حبلت، والآن أفتضح في بني إسرائيل لا يشكون أني أحبلتها، فجاء إلى امرأته فقال لها ذلك، فقالت: يا زكريا لا تخف فإن الله لن يصنع بك إلا خيراً، وايتني بمريم أنظر إليها وأسألها عن حالها،
فجاء بها زكريا علیه السّلام إلى امرأته، فكفى الله مريم مؤونة الجواب عن السؤال، فلما دخلت إلى أختها - هي الكبرى، ومريم الصغرى - لم تقم إليها امرأة زكريا، فأذن الله ليحيى وهو في بطن أمه فنخس فى بطنها وأزعجها ونادى أمه تدخل إليك سيدة نساء العالمين مشتملة على سيّد رجال العالمين فلا تقومين إليها ؟ فانزعجت وقامت إليها، وسجد يحيى وهو في بطن أمه لعيسى بن مريم، فذلك أوّل تصديقه، فكذلك قول رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في الحسن والحسين علیهما السّلام : إنما سيدا شباب أهل الجنة إلا ما كان من ابني الخالة يحيى وعيسى. (1)
19 -كا: عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن علي بن الحكم، عن ربيع بن محمد، عن عبدالله بن سليم العامري، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إن عيسى بن مريم علیه السّلام جاء إلى قبر يحيى بن زكريا علیه السّلام وكان سأل ربّه أن يحييه له، فدعاه فأجابه وخرج إليه من القبر فقال له: ما تريد مني؟ فقال له: أريد أن تؤنسني كما كنت في الدنيا، فقال له: يا عيسى ماسكنت عني حرارة الموت وأنت تريد أن تعيدني إلى الدنيا وتعود إلى حرارة الموت! فتزكه فعاد إلى قبره. (2)
20- كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم، عن إبراهيم بن مهزم، عن أبي الحسن الأول علیه السّلام قال : كان يحيى بن زكريا علیه السّلام يبكي ولا يضحك، وكان عيسى بن مريم علیه السّلام يضحك ويبكي، وكان الذي يصنع عيسى علیه السّلام أفضل من الذي كان يصنع يحيى علیه السّلام . (3)
1 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكنديّ، عن أحمد بن الحسن الميثميّ، عن أبان بن عثمان، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: سمعت أبا عبد الله علیه السّلام يقول: تؤتى المرأة الحسناء يوم القيامة القيامة الّتي قد افتتنت في حسنها فتقول: يارب حسنت خلقي حتى لقيت
مالقيت، فيجاء بمريم علیها السّلام : فيقال : أنت أحسن أم هذه؟ قد حسّناها فلم تفتتن . (1)
أقول: قد مرّ تمامه في باب قصص أيوب علیه السّلام .
2-كا محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن عبدالرحمن بن سالم، عن مفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله علیه السّلام من غسّل فاطمة علیها السّلام ؟ قال: ذاك أمير المؤمنين علیه السّلام ، كأنّما استفظعت ذلك من قوله، فقال لي: كأنّك ضقت ممّا أخبرتك؟ فقلت: قدكان جعلت فداك، فقال: لا تضيقنّ فإنّها صديقة لم يكن يغسّلها إلّا صدّيق، أما
1) روضة الكافى: 228
علمت أن مريم علیها السّلام لم يغسلها إلا عيسى علیه السّلام (1)
3 - ل : الفاميّ وابن مسرور معاً، عن ابن بطّة عن الصفّار، عن ابن معروف، عن حمّاد، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: أوّل من سوهم عليه مريم بنت عمران، وهو قول الله: « وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ » والسهام ستة. الخبر (2)
يه: أبي، عن سعد، عن ابن هاشم و ابن يزيد عن حماد بن عيسى عمّن أخبره عن حريز عنه علیه السّلام مثله . (3)
4 - فس: «إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» فإنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى عمران إني واهب لك ذكراً يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فبشّر عمران زوجته بذلك فحملت فقالت: «رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا» للمحراب، وكانوا إذا نذروا نذراً محرّراً جعلوا ولدهم للمحراب « وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ »فوهب الله لمريم علیها السّلام عيسى ، قال : وحدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إن قلنا لكم في الرجل منا قولاً فلم يكن فيه وكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك، إنّ الله أوحى إلى عمران إني واهب لك ذكراً مباركاً يبرىء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذني، وجاعله رسولاً إلى بني إسرائيل فحدث امرأته حنّة بذلك وهي أُمُّ مريم فلما حملت بها كان حملها عند نفسها غلاماً فلمّا وضعتها أنثى قالت ربِّ إنّي وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى لأن البنت لا تكون رسولاً.
يقول الله: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ » فلما وهب الله لمريم عيسى علیه السّلام كان هو الذي بشّر الله به عمران و وعده إيّاه، فإذا قلنا لكم في الرجل منّا شيئاً وكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك، فلما بلغت مريم صارت في المحراب وأرخت على نفسها ستراً وكان لا يراها أحد، وكان يدخل عليها زكريا المحراب فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فكان يقول لها: « أنى لك هذا فتقول: «هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ»
«وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ»قال: اصطفاها مرتين أمّا الأولى فاصطفاها أي اختارها، وأما الثانية فإنها حملت من غير فحل فاصطفاها بذلك على نساء العالمين، قوله: يا مريم اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الراكعين و إنما هو واركعي واسجدي ثم قال الله لنبيه: «ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ» يا محمّد وماكنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون قال لما ولدت اختصموا آل عمران فيها وكلّهم قالوا نحن نكفلها فخرجوا وضربوا بالسهام بينهم، فخرج سهم زكريا علیه السّلام فكفلها زكريّا علیه السّلام، قوله: «وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ »أي ذووجه وجاه. (1)
5 - ل- سليمان بن أحمد بن أيوب اللحمي، عن علي بن عبدالعزيز، عن حجاج بن المنهال عن داود بن أبي الفرات عن علباء، عن عكرمة عن ابن عباس قال خطّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أربع ، خطوط ، ثم قال: خير نساء الجنة مريم بنت عمان، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون (2)
6 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر علیه السّلام، عن عمران أكان نبياً؟
فقال: نعم كان نبياً مرسلاً إلى قومه، وكانت حنّة امرأة عمران وحنانة امرأة زكريا أختين، فولد لعمران من حنّة مريم وولد لزكريا من حنانة يحيى علیه السّلام وولدت مريم عيسى علیه السّلام وكان عيسى علیه السّلام ابن بنت خالته وكان يحيى علیه السّلام ابن خالة مريم، وخالة الأم بمنزلة الخالة . (1)
7- ص: بهذا الإسناد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إن الله تعالى جل جلاله أوحى إلى عمران إني واهب لك ذكراً مباركاً يبرىء الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وإني جاعله رسولاً إلى بني إسرائيل، قال: فحدث عمران امرأته حنة بذلك وهي أم مريم، فلما حملت كان حملها عند نفسها غلاماً، فقالت: «ربّ إنّي نذرت لك ما في بطني محرّراً» فوضعت أنثى فقالت: «وليس الذكر كالأنثى إن البنت لا تكون رسولاً، فلما أن وهب الله لمريم عيسى بعد ذلك كان هو الذي بشّر الله به عمران. (2)
کا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد؛ وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعاً، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي بصير مثله.
8 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد رفعه قال: قال الصادق علیه السّلام في قوله تعالى: «ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها قال: أحصنت فرجها قبل أن تلد عيسى خمسمائة عام، قال: فأوّل من سوهم عليه مريم ابنة عمران، نذرت أمها ما في بطنها محرّراً للكنيسة، فوضعتها أنثى فشبّت فكانت تخدم العباد تناولهم حتى بلغت، وأمر زكريا علیه السّلام أن يتخذ لها حجاباً دون العباد فكان زكريا علیه السّلام يدخل عليها فيرى عندها ثمرة الشتاء في الصيف، وثمرة الصيف في الشتاء، قال: «يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله تعالى وقال: عاشت مریم بعد عمران خمسمائة سنة . (3)
9 - شي: أبو خالد القماط، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: إن امرأة
عمران لما نذرت ما في بطنها محرّراً قال: والمحرر للمسجد إذا وضعته دخل المسجد فلم يخرج من المسجد أبداً، فلما ولدت مريم قالت: « إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» فساهم عليها النبيّون فأصاب القرعة زكريّا وهو زوج أختها، وكفّلها وأدخلها المسجد، فلا بلغت ما تبلغ النساء من الطمث وكانت أجمل النساء وكانت تصلي فتضيء المحراب لنورها، فدخل عليها زكريا فإذا عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، فقال: «أنى لك هذا قالت هو من عند الله فهنالك دعا زكريّا ربّه قال: إنّي خفت الموالي من ورائي إلى ما ذكر الله من قصّة زكريا ويحيى . (1)
1) - تفسير العياشي مخطوط و أخرجه البحراني أيضاً في البرهان 282/1
1 - كا: محمّد بن يحيى عن محمّد بن إسماعيل، عن محمد بن عمر والزيات، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : لم يولد لستّة أشهر إلّا عيسى بن مريم، والحسين ابن على عليه السلام .(1)
2 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السّلام في حديث طويل في صفة المعراج وساق الحديث إلى أن قام: ثمّ قال لي جبرئيل: انزل فصل، فنزلت وصليت، فقال لي: تدري أين صليت؟ فقلت: لا، فقال: صليت بطور سيناء حيث كلّم الله تكليماً، ثم ركبت فمضينا ماشاء الله، ثم قال لي: انزل فصل، فنزلت وصلّيت، فقال لي: أتدري أين صلّيت؟ فقلت: لا، فقال: صلّيت في بيت لحم و بيت لحم بناحية بيت المقدس حيث ولد عيسى بن مريم علیه السّلام الخبر. (2)
3 - يه: ابن الوليد عن الصفّار، عن ابن عيسى وابن هاشم عن الوشّاء عن الرضا علیه السّلام قال: ليلة خمس وعشرين من ذي القعدة ولد فيها إبراهيم علیه السّلام و ولد فيها
عيسى بن مريم علیه السّلام، الخبر(1)
4 - لي: أبي، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن علقمة، عن الصادق علیه السّلام أنّه قال في حديث طويل: ألم ينسبوا مريم
بنت عمران إلى أنها حملت بعيسى من رجل نجّار اسمه يوسف؟! الخبر(2)
5 - وبإسناده عن علي علیه السّلام قال: دعاني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال : يا عليّ إنّ فيك شبهاً من عيسى بن مريم علیه السّلام : أحبّته النصارى حتّى أنزلوه بمنزلة ليس بها و أبغضته اليهود حتّى سيتوا أمّه .
1 - يه: قال الصادق علیه السّلام : قيل لعيسى بن مريم مالك لا تتزوّج؟ فقال: وما أصنع بالتزويج؟ قالوا: يولد لك، قال: وما أصنع بالأولاد؟ إن عاشوا فتنوا، وإن ماتوا حزنوا.(1).
2 - نهج: قال أمير المؤمنين علیه السّلام في بعض خطبه : وإن شئت قلت في عيسى بن مريم علیه السّلام ، فلقد كان يتوسّد الحجر، ويلبس الخشن، وكان إدامه الجوع ، وسراجه باللّيل القمر، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها ، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم، ولم تكن له زوجة تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته، ولا طمع يذلّه، دابّته رجلاه، وخادمه يداه. (2)
3- محص: عن سدير قال: قلت لأبي جعفر علیه السّلام : هل يبتلي الله المؤمن؟ فقال: وهل يبتلي إلا المؤمن ؟ حتى إنّ صاحب يس قال: «يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ» كان مكنّعاً، قلت: وما المكنّع؟ قال: كان به جذام . (3)
4 - لي: علي بن عيسى، عن علي بن محمّد ماجيلويه عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن أحمد بن النصر الطحان، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبدالله الصادق جعفر ابن محمد علیه السّلام إن عيسى روح الله مرَّ بقوم مجلبين، فقال: ما لهؤلاء؟ قيل: يا روح الله إنّ فلانة بنت فلان تهدى إلى فلان ابن فلان في ليلتها هذه، قال يجلبون اليوم ويبكون غداً، فقال قائل منهم ولم يا رسول الله؟ قال: لأنّ صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه، فقال القائلون بمقالته، صدق الله وصدق رسوله وقال أهل النفاق ما أقرب غداً، فلما أصبحوا جاؤوا فوجدوها على حالها لم يحدث بها شيء فقالوا: يا روح الله إنّ الّتي أخبرتنا أمس أنّها ميّتة لم تمت فقال عيسى علیه السّلام : يفعل الله ما يشاء، فاذهبوا بنا إليها، فذهبوا يتسابقون حتى قرعوا الباب فخرج زوجها، فقال له عيسى علیه السّلام : استأذن لي على صاحبتك، قال: فدخل عليها فأخبرها أنّ روح الله وكلمته بالباب مع عدّة، قال: فتخدّرت فدخل عليها فقال لها: ما صنعت ليلتك هذه ؟ قالت: لم أصنع شيئاً إلا وقد كنت أصنعه فيما مضى، إنه كان يعترينا سائل في كل ليلة جمعة فننيله ما يقوته إلى مثلها، وإنّه جاءني في ليلتي هذه وأنا مشغولة بأمري وأهلي في مشاغيل فهتف فلم يجبه أحد، ثم هتف فلم يجب حتى هتف مراراً، فلمّا سمعت مقالته قمت متنكّرة حتّى أنلته كما كنّا ننيله فقال لها: تنحّى عن مجلسك، فإذا تحت ثيابها أفعيّ مثل جذعة عاضّ على ذنبه، فقال علیه السّلام : بما صنعت صرف عنك هذا. (1)
5 -ير: أحمد بن محمّد، عن البرقيّ، عن رجل من الكوفيّين، عن محمد بن عمر، عن عبدالله بن الوليد قال: قال أبو عبد الله علیه السّلام : ما يقول أصحابك في أمير المؤمنين وعيسى وموسى علیه السّلام أيّهم أعلم؟ قال: قلت: ما يقدّمون على أولي العزم أحداً، قال: أما إنك لو خاصمتهم بكتاب الله لحججتهم، قال: قلت: وأين هذا في كتاب الله؟ قال: إنّ الله قال في موسى: «وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً» ولم يقل: كلّ شيء، وقال في عيسى
1) أمالي الصدوق / 299 - 300.
«ولاُبيّن لكم بعض الّذي تختلفون فيه ولم يقل: كلّ شيء، وقال في صاحبكم: «كفى بالله شهيداً بيني وبينكم و من عنده علم الكتاب». (1)
6 - ن، ل: ابن الوليد، عن سعد عن أحمد بن حمزة الأشعري، عن ياسر الخادم قال: سمعت الرضاء علیه السّلام يقول إنّ أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن يوم يلد فيخرج من بطن أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها، ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا، وقد سلّم الله على يحيى علیه السّلام في هذه الثلاثة المواطن وآمن روعته فقال: «وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا»وقد سلّم عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال: «وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا».(2)
7 - ن: بإسناده عن الرضاء علیه السّلام قال : كان نقش خاتم عيسى علیه السّلام حرفين اشتقَّها من الإنجيل: طوبى لعبد ذكر الله من أجله، وويل لعبد نسى الله من أجله. (3)
8- ك: الطالقانيّ، عن ابن عقدة، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن محمد بن الفضيل، عن الثمالي، عن الباقر علیه السّلام قال : إنّ الله أرسل عيسى إلى بني إسرائيل خاصّة،
وكانت نبوّته ببيت المقدس، وكان من بعده من الحواريين اثني عشر الخبر.(4)
9 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن محبوب، عن داود الرقيّ قال: سمعت أبا عبد الله علیه السّلام يقول: اتقوا الله ولا يحسد بعضكم بعضاً، إنَّ عيسى ابن مريم علیه السّلام كان من شرائعه السيح في البلاد، فخرج في بعض سيحه و معه رجل من أصحابه قصير و كان كثير اللّزوم لعيسى بن مريم علیه السّلام فلمّا انتهى عيسى إلى البحر قال «بسم الله» بصحّة يقين منه ، فمشى على ظهر الماء، فقال الرجل القصير حين نظر إلى عيسى علیه السّلام جازه: «بسم الله» بصحّة يقين منه، فمشى على الماء فلحق بعيسى علیه السّلام فدخله العجب بنفسه، فقال: هذا
عيسى روح الله يمشي على الماء، وأنا أمشي على الماء فما فضله عليَّ ؟ قال: فرمس في الماء فاستغاث بعيسى علیه السّلام فتناوله من الماء فأخرجه، ثمّ قال له: ما قلت يا قصير؟ قال: قلت: هذا روح الله يمشي على الماء، وأنا أمشي فدخلني من ذلك عجب، فقال له عيسى علیه السّلام : لقد وضعت نفسك في غير الموضع الّذي وضعك الله فيه فمقّتك الله على ماقلت فتب إلى الله عزّوجلّ ممّا قلت، قال: فتاب الرجل وعاد إلى مرتبته التي وضعه الله فيها، فاتقوا الله ولا يحسدن بعضكم بعضاً. (1)
10 - كا: الحسين بن محمد، عن الخيراني، عن أبيه قال: كنت واقفاً بين يدي أبي الحسن علیه السّلام بخراسان، فقال له :قائل: يا سيّدي إن كان كون فإلى من؟ قال: إلي أبي جعفر ابنى، فكأنّ القائل استصغر سنّ أبي جعفر علیه السّلام ، فقال أبو الحسن علیه السّلام : إن الله تبارك و تعالى بعث عیسی بن مریم علیه السّلام رسولاً نبياً صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السنّ الّذي فيه أبو جعفر. (2)
1 - ع ، ن: الطالقانيّ، عن أحمد الهمدانيّ، عن علي بن الحسن بن فضّال، عن أبيه قال: قلت للرضاعلیه السّلام : لم سمّي الحواريّون الحوارييّن؟ قال: أمّا عند الناس فإنّهم سمّوا حواريّين لأنّهم كانوا قصّارين يخلّصون الثياب من الوسخ بالغسل، وهو اسم مشتقّ من الخبز الحوّارى، وأمّا عندنا فسمّي الحواريّون حواريّين لأنهم كانوا مخلصين في أنفسهم ومخلصين ليغرهم من أوساخ الذنوب بالوعظ والتذكير ، قال: فقلت له: فلم سمّي النصارى نصارى؟ قال: لأنّهم من قرية اسمها ناصرة من بلاد الشام نزلتها مريم وعيسي علیه السّلام بعد رجوعها من مصر. (1)
مع: مرسلاً مثله. (2)
2 - ل: عبد الله بن محمد بن عبدالوهاب عن أحمد بن الفضل بن المغيرة، عن منصور ابن عبد الله بن إبراهيم الإصبهانيّ، عن علي بن عبد الله، عن محمّد بن هارون بن حميد، عن
محمّد ابن المغيرة الشهرزوري، عن يحيى بن الحسين المدائني، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : ثلاثة لم يكفروا بالوحي طرفة عين: مؤمن آل يس، وعلي بن أبي طالب وآسية امرأة فرعون. (1)
أقول: روى الثعلبيّ في تفسيره عن أبي بكر عبدالرحمن بن عبدالله بن علي، عن عبدالله بن فارس بن محمد العمري، عن إبراهيم بن الفضل بن مالك، عن الحسين بن عبدالرحمن ابن محمد بن عبدالرحمن أبي ليلى، عن عمرو بن جميع، عن محمد بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم سبّاق الأُمم ثلاث لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون، فهم الصدّيقون، حبيب النجّار مؤمن آل يس وحزبيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم. (2)
3 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد؛ وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعاً؛ عن ابن محبوب، عن أبي يحيى كوكب الدم، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إنّ حواريّ عيسى علیه السّلام كانوا شيعته، وإنّ شيعتنا حواريّونا، وما كان حواريّ عيسى علیه السّلام بأطوع له من حواريّنا لنا، وإنما قال عيسى علیه السّلام للحواريّين: « مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ» فلا والله ما نصروه من اليهود ولا قاتلوهم دونه وشيعتنا والله لم يزالوا منذ قبض الله عزّ ذكره رسوله صلی الله علیه و آله و سلّم ينصرونا ويقاتلون دوننا، ويحرقون و يعذبون ويشرّدون في ،البلدان، جزاهم الله عنا خيراً. (3)
1 - لي: ابن البرقي، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن علي القرشي، عن محمد بن سنان، عن عبدالله بن طلحة وإسماعيل بن جابر و عمّار بن ،مروان، عن الصادق جعفر ابن محمد الا أن عيسى بن مريم علیه السّلام توجه في بعض حوائجه ومعه ثلاثة نفر من أصحابه فمرّ علي بلبنات ثلاث من ذهب على ظهر الطريق، فقال عيسى علیه السّلام لأصحابه: إنّ هذا يقتل الناس، ثم مضى، فقال أحدهم: إنّ لي حاجة، قال: فانصرف، ثم قال الآخر: إنّ لي حاجة فانصرف، ثم قال الآخر: لي حاجة فانصرف، فوافوا عند الذهب ثلاثتهم، فقال اثنان لواحد اشتر لنا طعاماً، فذهب يشتري لها طعاماً فجعل فيه سماً ليقتلهما كيلا يشارك ، في الذهب، وقال الاثنان إذا جاء قتلناه كي لا يشاركنا، فلما جاء قاما إليه فقتلاه، ثم تغذيا فماتا، فرجع إليهم عیسی علیه السّلام وهم موتى حوله، فأحياهم بإذن الله تعالى ذكره، ثمّ قال: ألم أقل لكم: إنّ هذا يقتل الناس ؟! (1)
2 - لی ابن مسرور، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط عن عمه، عن الصادق علیه السّلام ه قال : قال عيسى بن مريم علیه السّلام لبعض أصحابه: مالا تحبّ
1) امالي الصدوق / 109
أن يفعل بك فلا تفعله بأحد، وإن لطم أحد خدّك الأيمن فأعط الأيسر. (1)
3 - لي: ابن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن عبدالجبار، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن سيف بن عميرة، عن منصور بن حازم، عن أبي عبدالله الصادق علیه السّلام قال: كان عيسى ابن مريم علیه السّلام يقول لأصحابه : يا بني آدم اهربوا من الدنيا إلى الله، وأخرجوا قلوبكم عنها، فإنّكم لا تصلحون لها ولا تصلح لكم، ولا تبقون فيها ولاتبق لكم، هي الخدّاعة الفجّاعة، المغرور من اغترّ بها المغبون من اطمأنّ إليها، الهالك من أحبّسها و أرادها ، فتوبوا إلى بارئكم، واتّقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً، أين آباؤكم ؟ أين أمّهاتكم؟ أين إخوتكم ؟ أين أخواتكم؟ أين أولادكم؟ دعوا فأجابوا، واستودعوا الثرى، وجاوروا الموتى، وصاروا في الهلكي، و خرجوا عن الدنيا، وفارقوا الأحبّة، واحتاجوا إلى ماقدّموا و استغنوا عمّا خلّفوا فكم توعظون و کم تزجرون وأنتم لاهون ساهون، مثلكم في الدنيا مثل البهائم همّتكم بطونكم وفروجكم، أما تستحيون ممّن خلقكم وقد أوعد من عصاه النار، ولستم ممّن يقوي على النار؟ ووعد من أطاعه الجنّة ومجاورته في الفردوس الأعلى، فتنافسوا فيه، وكونوا من أهله، وأنصفوا من أنفسكم وتعطفوا على ضعفائكم وأهل الحاجة منكم وتوبوا إلى الله توبة نصوحاً، وكونوا عبيداً أبراراً، ولا تكونوا ملوكاً ،جبابرة، ولا من العناة الفراعنة المتردين على من قهرهم بالموت، جبار الجبابرة ربّ السماوات ورب الأرضين، وإله الأولين والآخرين مالك يوم الدين، شديد العقاب أليم العذاب، لا ينجو منه ظالم، ولا يفوته شيء، ولا يعزب عنه شيء، ولا يتوارى منه شيء، أحصى كلّ شيء علمه وأنزله منزلته فى جنّة أونار.
ابن آدم الضعيف! أين تهرب ممّن يطلبك في سواد ليلك وبياض نهارك وفي كلّ حال من حالاتك؟ قد أبلغ من وعظ، وأفلح من اتّغظ . (2)
4- كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط عنهم علیهم السّلام لى : ابن المتوكل عن الحميري، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله الصادق جعفر بن محمد علیه السّلام قال : كان فيها وعظ الله تبارك وتعالى به عيسى بن مريم علیه السّلام أن قال له: يا عيسى أنا ربّك وربّ آبائك، اسمي واحد، وأنا الأحد
المتفرّد بخلق كلّ شيء، وكلّ شيء من صنعي، وكلّ خلق إلىّ راجعون.
يا عيسى أنت المسيح بأمري وأنت تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني، وأنت تحيي الموتى بكلامي، فكن إلي راغباً، ومني راهباً، فإنك لن تجد مني ملجأ إلّا إليّ يا عيسى أوصيك وصيّة المتحنّن، عليك بالرحمة حين حقّت لك منّي الولاية بتحرّيك منّي المسرّة، فبوركت كبيراً و بوركت صغيراً حيثما كنت أشهد أنّك عبدي ابن أمتي. يا عيسى أنزلني من نفسك كهمّك، واجعل ذكري لمعادك، وتقرّب إليّ بالنوافل، وتوكّل عليّ أكفك، ولا تولّ غيري فأخذ لك.
یا عیسی اصبر على البلاء وارض بالقضاء، وكن كمسرّتي فيك، فإنّ مسرّتي أن أطاع فلا أعصى يا عيسى أحي ذكري بلسانك، وليكن ودّي في قبلك. يا عيسى تيقّظ في ساعات الغفلة، واحكم لي بلطيف الحكمة. يا عيسى كن راغباً راهباً ، و أمت قلبك بالخشية. يا عيسى راع اللّيل لتحرّي مسرّتي، واظماً نهارك ليوم حاجتك عندي. ياعيسى نافس في الخير جهدك لتعرف بالخير حيثما توجّهت يا عيسى احكم في عبادي بنصحي، وقم فيهم ،بعدلي، فقد أنزلت عليك شفاء لما في الصدور من مرض الشيطان [كا: يا عيسى لاتكن جليساً لكلّ مفتون ] كا، لي: يا عيسى حقاً أقول ما آمنت بي خليقة إلا خشعت لي، وما خشعت لي إلّا رجت ثوابي، فأُشهدك أنّها آمنة من عقابي مالم تغيّر أو تبدّل سنّتي يا عيسى ابن البكر البتول ابك على نفسك بكاء من قدودّع الأهل وقلى الدنيا، وتركها لأهلها وصارت رغبته فيما عند الله.
يا عيسى كن مع ذلك تلين الكلام وتفشي السلام، يقظان إذا نامت عيون الأبرار حذاراً للمعاد والزلازل الشداد، وأهوال يوم القيامة حيث لا ينفع أهل ولا ولد ولا مال. يا عيسى اكحل عينيك بميل الحزن إذا ضحك البطالون. يا عيسى كن خاشعاً صابراً فطوبى لك إن نالك ما وعد الصابرون. يا عيسى رح من الدنيا يوماً فيوماً، وذق ماقد ذهب طعمه، فحقاً أقول ما أنت إلا بساعتك ويومك، فرح من الدنيا بالبلغة يوماً فيوماً، وليكفك الخشن الجشب، فقد رأيت إلى ما تصير ، ومكتوب ما أخذت وكيف أتلفت يا عيسى إنّك مسؤول فارحم الضعيف كرحمتي إيّاك، ولا تقهر اليتيم.
يا عيسى ابك على نفسك في الصلاة، وانقل قدميك إلى مواضع الصلوات، وأسمعني لذاذة نطقك بذكري، فإنّ صنيعي إليك حسن يا عيسى كم من أمة قد أهلكتها بسالف ذنب قد عصمتك منه. يا عيسى ارفق بالضعيف، وارفع طرفك الكليل إلى السماء، وادعني فإنّي منك قريب، ولا تدعني إلا متضرّعاً إليّ وهمّك همّ واحد، فإنّك متى تدعني كذلك أُجبك. يا عيسى إنّي لم أرض بالدنيا ثواباً لمن كان قبلك ولا عقاباً لمن انتقمت منه. يا عيسى إنك تفنى وأنا أبق، ومنّي رزقك، وعندي ميقات أجلك، و إليّ إيابك، وعليَّ حسابك، فاسألني ولا تسأل غيري فيحسن منك الدُّعاء ومنّي الإجابة.
يا عيسى ما أكثر البشر و أقلّ عدد من صبر ! الأشجار كثيرة وطيّبها قليل، فلا يغرّنّك حسن شجرة حتّى تذوق ثمرتها يا عيسى لا يغرنك المتمرد عليّ بالعصيان، يأكل رزقي ويعبد غيري، ثم يدعوني عند الكرب فأُجيبه، ثم يرجع إلى ما كان أفعلىّ يتمرد أم لسخطى يتعرّض؟ في حلفت لأخذنّه أخذة ليس له منها منجى، ولادوني ملتجاً، أين يهرب؟ من سمائي وأرضي؟ يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل لا تدعوني والسحت تحت أحضانكم، و الأصنام في بيوتكم، فإنّي وأيت أن أُجيب من دعانى، وأن أجعل إجابتي إيّاهم لعناً عليهم حتّى يتفرّقوا، يا عيسى كم أُجمل النظر وأُحسن الطلب والقوم في غفلة لا يرجعون، تخرج
الكلمة من أفواههم لا تعيها قلوبهم يتعرّضون لمقتي، ويتحبّبون بي إلى المؤمنين.
يا عيسى ليكن لسانك في السّر والعلانية واحداً، وكذلك فليكن قلبك وبصرك، واطو قلبك ولسانك عن المحارم، وغضّ طرفك عما لاخير فيه، فكم ناظر نظرة زرعت في قلبه شهوة و وردت به موارد الهلكة!
يا عيسى كن رحيماً مترحّماً، وكن للعباد كما تشاء أن يكون العباد لك، وأكثر ذكر الموت ومفارقة الأهلين، ولاتله فإنّ اللّهو يفسد صاحبه، ولا تغفل فإنّ الغافل منّي بعيد واذكرني بالصالحات حتى أذكرك.
يا عيسى تب إليّ بعد الذنب ، وذكّر بي الأوّابين، و آمن بي، وتقرّب إلىّ المؤمنين ومرهم يدعوني معك، وإيّاك ودعوة المظلوم فإنّي وأيت على نفسي أن أفتح لها باباً من السماء، و أن أُجيبه ولو بعد حين. يا عيسى اعلم أنّ صاحب السوء يغوي، وأنّ قرين السوء يردي، فاعلم من تقارن واختر لنفسك إخواناً من المؤمنين. يا عيسى تب إليّ فإنّه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره و أنا أرحم الراحين. يا عيسى اعمل لنفسك في مهلة من أجلك قبل أن لا يعمل لها غيرك، واعبدني ليوم كألف سنة ممّا تعدّون فإنّي أُجزي بالحسنة أضعافها، وإنّ السيِّئة توبق صاحبها، وتنافس في العمل الصالح، فكم من مجلس قد نهض أهله وهم مجارون من النار.
يا عيسى ازهد في الفاني المنقطع، وطى رسوم منازل من كان قبلك فادعهم وناجهم هل تحسّ منهم من أحد، فخذ موعظتك منهم، واعلم أنّك ستلحقهم في اللّاحقين.
يا عيسى قل لمن تمرّد بالعصيان وعمل بالإدهان يستوقع عقوبتي، وينتظر إهلاكي إيّاه سيصطلم مع المالكين ، طوبى لك يا ابن مريم ثمّ طوبى لك إن أخذت بأدب إلهك الّذي يتحنّن عليك ترحُّماً، وبدأك بالنعم منه تكرّماً، وكان لك في الشّدائد لا تعصه يا عيسى فإنّه لا يحلّ لك عصيانه، قد عهدت إليك كما عهدت إلى من كان قبلك وأنا على ذلك من الشاهدين.
يا عيسى ما أكرمت خليقة بمثل ديني ولا أنعمت عليها بمثل رحمتي. يا عيسى اغسل بالماء منك ماظهر، وداو بالحسنات منك مابطن، فإنّك إليّ راجع [كا: يا عيسى أعطيتك ما أنعمت به عليك فيضاً من غير تكدير و طلبت منك قرضاً لنفسك فبخلت به عليها لتكون من الهالكين. يا عيسى تزيّن بالدين، وحبّ المساكين، وامش على الأرض هوناً، وصلّ على البقاع فكلّها طاهر. ]
كا لي: يا عيسى شمّر فكلّ ما هو آت ،قریب واقرأ كتابي و أنت طاهر، وأسمعنى منك صوتاً حزيناً [كا: يا عيسى لاخير في لذاذة لا تدوم، وعيش من صاحبه يزول، يا ابن مريم لو رأت عينك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك شوقاً إليه، فليس كدار الآخرة دار، تجاور فيها الطيّبون، ويدخل عليهم فيها الملائكة المقرّبون، وهم ممّا يأتي يوم القيامة من أهوالها ،آمنون، دار لا يتغيّر فيها النعيم، ولا يزول عن أهلها، يا ابن مريم نافس فيها مع التنافسين، فإنّها أمنيّة المتمنّين حسنة المنظر، طوبى لك يا ابن مريم إن كنت لها من العاملين، مع آبائك آدم و إبراهيم في جنّات ونعيم لا تبغي لها بدلاً ولا تحويلاً، كذلك أفعل بالمتّقين. يا عيسى اهرب إلي مع من يهرب من نار ذات لهب، ونار ذات أغلال وأنكال، لا يدخلها روح، ولا يخرج منها غمٌّ أبداً، قطع كقطع الليل المظلم، من ينج منها يفز، ولن ينجو منها من كان من الهالكين، هي دار الجبّارين والعتاة الظالمين، وكلّ فظّ غليظ، وكلّ مختال فخور. یاعیسی بئست الدار لمن ركن إليها وبئس القرار دار الظالمين، إنّي أُحذّرك نفسك فكن بي خبيراً.
يا عيسى كن حيثما كنت مراقباً لي واشهد عليّ أنّي خلقتك وأنت عبدي، وأنّي صوّرتك وإلى الأرض أهبطتك. يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد، ولا قلبان في صدر واحد، وكذلك الأذهان. يا عيسى لا تستيقظنّ عاصياً ولا تستنبهنّ لاهياً، و افطم نفسك عن الشهوات الموبقات، وكلّ شهوة تباعدك منّي فاهجرها، واعلم أنّك منّي بمكان الرسول
الأمين، فكن مني على حذر، واعلم أن دنياك مؤديتك إلي وأني أخذك بعلمي وكن ذليل النفس عند ذكري، خاشع القلب حين تذكرني يقظاناً عند نوم الغافلين. يا عيسى هذه نصيحتي إياك وموعظتي لك، فخذها مني فإني ربّ العالمين. يا عيسى إذا صبر عبدي في جنبي كان ثواب عمله علي، وكنت عنده حين يدعوني، وكفى بي منتقماً ممن عصاني، أين يهرب مني الظالمون؟ يا عيسى أطب الكلام، وكن حيثما كنت عالماً متعلماً. يا عيسى أفض بالحسنات إلى حتى يكون لك ذكرها عندي، وتمسّك بوصيّتي فإنّ فيها شفاء للقلوب ]
[لي: قال: وكان فيما وعظ الله عزّوجلّ به عيسى بن مريم علیه السّلام أيضاً أن قال له ]
كا لي: يا عيسى لا تأمن إذا مكرت مكري، ولا تنس عند خلوتك بالذنب ذكري. [كا: يا عيسى حاسب نفسك بالرجوع إلي حتى تتنجز ثواب ما عمله العاملون، أولئك يؤتون أجرهم وأنا خير المؤتين يا عيسى كنت خلقاً بكلامي، ولدتك مريم بأمري المرسل إلها روحي جبرئيل الأمين من ملائكتي، حتى قمت على الأرض حياً تمشي كلّ ذلك في سابق علمي. يا عيسى زكريا بمنزلة أبيك وكفيل أمّك، إذ يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقاً، ونظيرك يحيى من خلقي وهبته لأمه بعد الكبر من غير قوّة بها، أردت بذلك أن يظهر لها سلطاني، وتظهر فيك قدرتي، أحبّكم إليّ أطوعكم لي وأشدّكم خوفاً منّى.]
كا، لي: يا عيسى تيقّظ ولا تيأس من روحي وسبّحني مع من يسبّحني، وبطيب الكلام فقدّسني [كا: يا عيسى كيف يكفر العباد بي ونواصيهم في قبضتي وتقلبهم في أرضي؟ يجهلون نعمتي ويتولّون عدوّي وكذلك يهلك الكافرون. ]
كا، لي: يا عيسى إنّ الدنيا سجن منتن الريح وحش وفيها ماقدترى ممّا قدألحّ عليه الجبّارون، وإيّاك والدنيا فكلّ نعيمها يزول ومانعيمها إلّا قليل. [كا: يا عيسى ابغني عند وسادك تجدني، وادعني وأنت لي محبّ فإني أسمع السامعين، أستجيب للداعين إذا دعوني. يا عيسى خفني وخوّف بي عبادي لعلّ المذنبين أن يمسكوا عمّاهم عاملون به، فلا يهلكوا إلّا
وهم يعلمون يا عيسى ارهبني رهبتك من السبع والموت الذي أنت لاقيه، فكلّ هذا أنا خلقته فإيّاي فارهبون ]
كا، لي: يا عيسى إنّ الملك لي وبيدي وأنا الملك فإن تطعني أدخلتك جنّي في جوار الصالحين [كا: يا عيسى إني إن غضبت عليك لم ينفعك رضى من رضي عنك، وإن رضيت عنك لم يضرك غضب المغضبين. ياعيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي، واذكرني في ملئك أذكرك في ملأ الآدميّين.
كا لي: يا عيسى ادعني دعاء الغريق الّذي ليس له مغيث، يا عيسى لا تحلف باسمي كاذباً فيهتزّ عرشي غضباً. يا عيسى الدنيا قصيرة العمر ، طويلة الأمل، وعندي دار خير ممّا يجمعون. يا عيسى: قل لظلمة بني إسرائيل: كيف أنتم صانعون إذا أخرجت لكم كتاباً ينطق بالحقّ فتنكشف سرائر قد كتمتموها. [كا: وأعمال كنتم بها عاملين.]
كا لي: يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم أبي تغترون أم عليّ تجترئون؟ تتطيّبون بالطيب لأهل الدنيا و أجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة، كأنّكم أقوام ميّتون. يا عيسى قل لهم قلّموا أظفاركم من كسب الحرام، وأصمّوا أسماعكم عن ذكر الخناء، واقبلوا عليّ بقلوبكم، فإنّي لست أُريد صوركم. يا عيسى افرح بالحسنة فإنّها لي ،رضى وابك على السيّئة فإنّها لي سخط، وما لا تحبّ أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك، وإن لطم خدّك الأيمن فأعط الأيسر، وتقرّب إليّ بالمودّة جهدك، وأعرض عن الجاهلين [كا ياعيسى ذل لأهل الحسنة وشاركهم فيها، وكن عليهم شهيداً، وقل لظلمة بنى إسرائيل: يا أخدان السوءوالجلساء عليه إه لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير.]
كا، لي: يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل: الحكمة تبكي فرقاً مني وأنتم بالضحك تهجرون أتتكم براءتي أم لديكم أمان من عذابي أم تتعرّضون العقوبتي؟ في حلفت لأتركنّكم مثلاً للغابرين.
ثمّ إنّي أوصيك يا ابن مريم البكر البتول بسيد المرسلين و حبيبي منهم أحمد صاحب الجمل الأحمر، والوجه الأمر، المشرق بالنور، الطاهر القلب الشديد البأس الحيّي المتكرّم فإنّه رحمة للعالمين، وسيد ولد آدم عندي، يوم يلقاني أكرم السابقين عليّ، وأقرب المرسلين منّي، العربيّ الأُمّي الديّان بديني الصابر في ذاتي المجاهد للمشركين ببدنه عن ديني. ياعيسى آمرك أن تخبر به بني إسرائيل وتأمرهم أن يصدّقوا به ويؤمنوا به ويتبعوه وينصروه. قال عيسى: إلهي من هو؟ قال: يا عيسى ارضه فلك الرضى؛ قال: اللهم رضيت فمن هو ؟ قال: محمّد رسول الله إلى الناس كافّة أقربهم منّي منزلة، وأوجبهم عندي شفاعة، طوباه من نبيّ، وطوباه لأُمّته إن هم لقوني على سبيله، يحمده أهل الأرض ويستغفر له أهل السماء، أمين ميمون مطيّب، خير الماضين والباقين عندي، يكون في آخر الزمان، إذا خرج أرخت السماء عزاليها، وأخرجت الأرض زهرتها. [كا حتّى يروا البركة] كا، لي: وأُبارك فيما وضع يده عليه، كثيرالأزواج، قليل الأولاد، يسكن بكّة موضع أساس إبراهيم.
يا عيسى دينه الحنفيّة وقبلته مكّيّة، وهو من حزبي وأنا معه، فطوباه طوباه له الكوثر، والمقام الأكبر، من جنّات عدن يعيش أكرم معاش، ويقبض شهيداً، له حوض أبعد من مكّة إلى مطلع الشمس من رحيق مختوم فيه آنية مثل نجوم السماء كا: وأكواب مثل مدر الأرض] [لي: ماؤه ] كالي: عذب فيه من كلّ شراب، وطعم كلّ ثمار في الجنّة، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، أبعثه على فترة بينك وبينه يوافق سرّه علانيته، وقوله فعله، لا يأمر الناس إلّا بما يبدأهم به دينه الجهاد في عسر ويسر، تنقادله البلاد، ويخضع له صاحب الروم على دينه و دين أبيه إبراهيم ويسمّي عند الطعام، ويفشي السلام، ويصلّي والناس نيام له كلّ يوم خمس صلوت متواليات [كا ينادي إلى الصلاة كنداء الجيش بالشعار و] كا، لي: يفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم، ويصفّ قديمه في الصلاة كما تصفّ الملائكة أقدامها، ويخشع لي قلبه [كا: ورأسه] کالي النور في صدره والحقّ في لسانه، وهو
مع الحقِّ حيثما كان [كا: أصله يتيم ضالّ برهة من زمانه عمّا يراد به .]
كا، لي: تنام عيناه ولا ينام قلبه، له الشفاعة، وعلى أمته تقوم الساعة، ويدي فوق أيديهم إذا بايعوه، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أو فى [كا: بما عاهد عليه ] كا، لي: وفيت له بالجنّة، فمر ظلمة بني إسرائيل لا يدرسوا كتبه، ولا يحرّفوا سنّته، وأن يقرؤوه السلام، فإنّ له في المقام شأناً من الشأن يا عيسى كلّ ما يقرّبك منّي فقد دللتك عليه، وكلّ ما يباعدك منّي قد نهيتك عنه، فارتد لنفسك.
يا عيسى إن الدنيا حلوة، وإنّما استعملتك فيها لتطيعني، فجانب منها ما حذّرتك، وخذ منها ما أعطيتك عفواً [كا: يا عيسى ] كا، لي: انظر في عملك نظر العبد المذنب الخاطىء، ولا تنظر في عمل غيرك نظر الربّ وكن فيها زاهداً، ولا ترغب فيها فتطعب. يا عيسى اعقل وتفكّر وانظر في نواحي الأرض كيف كان عاقبة الظالمين. يا عيسى كلّ وصيّتي نصيحة لك، وكلّ قولي [كا: لك] كا، لي: حقّ وأنا الحقّ المبين، وحقّاً أقول: لئن أنت عصيتني بعد أن أنبأتك مالك من دوني وليٌّ ولا نصير. يا عيسى ذلّل قلبك بالخشية، وانظر إلى من هو أسفل منك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، واعلم أن رأس كلّ خطيئة وذنب حبّ الدنيا فلا تحبّها فإنّي لا أحبّها.
يا عيسى أطب بي قلبك، وأكثر ذكري في الخلوات، واعلم أنّ سروري أن تبصبص إليّ وكن في ذلك حيّاً ولا تكن ميّتاً.
يا عيسى لا تشرك بي شيئاً، وكن منّي على حذر، ولا تغترّ بالصّحة ولا تغبّط نفسك فإنّ الدنيا كفيء زائل، وما أقبل منها كما أدبر، فنافس في الصالحات جهدك، وكن مع الحقّ حيثما كان، وإن قطّعت وأُحرقت بالنار فلا تكفر بي بعد المعرفة، ولا تكن مع الجاهلين [كا: فإنّ الشيء يكون مع الشيء ] كا، لي: يا عيسى صبّ [كا: إلىَّ] كا، لي: الدموع من عينيك، واخشع لي بقلبك، يا عيسى استغفرني في حالات الشدّة فإنّي أُغيث المكروبين، وأجيب
المضطرين، وأنا أرحم الراحمين . (1)
5- لي: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن المغيرة، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبدالله الصادق جعفر بن محمد علیه السّلام قال : مرّ عيسى بن مريم علیه السّلام على قوم يبكون فقال: على
ما يبكي هؤلاء؟ فقيل : يبكون على ذنوبهم، قال: فليدعوها يغفر لهم.(2)
6 - لي: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن الحسن بن علي الخزّاز :قال: سمعت أبا الحسن الرضا علیه السّلام يقول: قال عيسى بن مريم علیه السّلام للحوارييّن: يا بني إسرائيل لا تأسوا على ما فاتكم من دنياكم إذا سلم دينكم، كما لا يأسي أهل الدنيا على ما فاتهم من دينهم إذا سلمت دنياهم.(3)
ين: الحسن بن عليّ مثله . (4)
7 - لي: أبي، عن سعد، عن ابن هاشم عن الدهقان، عن درست، عن عبدالله ابن سنان، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : كان المسيح علیه السّلام يقول : من كثر همه سقم بدنه، ومن ساء خلقه عذّب نفسه، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر كذبه ذهب بهاؤه، ومن لاحى الرجال ذهبت مروءته. (5)
8- ل: أبي، عن سعد عن الإصبهانيّ، عن المنقريّ، عن سفيان بن عيينية، عن الزهري، عن علي بن الحسين علیه السّلام قال : قال المسيح علیه السّلام للحوارييّن: إنّما الدنيا قنطرة فا عبروها ولا تعمروها . (6)
9 - ما: المفيد، عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن أبي الخطاب عن ابن أسباط، عن البطائني، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: أوحى الله إلى عيسى بن
مريم علیه السّلام : يا عيسى هب لي من عينيك الدموع، ومن قلبك الخشوع، واكحل عينيك بميل الحزن إذا ضحك البطالون، وقم على قبور الأموات فنادهم بالصوت الرفيع لعلك تأخذ موعظتك منهم، وقل: إنّي لاحق في اللّاحقين. (1)
10 - ما : المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن القاساني، عن الإصبهاني، عن المنقريّ، عن حفص قال: سمعت أبا عبد الله علیه السّلام يقول: قال عيسى بن مريم علیه السّلام لأصحابه : تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة ولا ترزقون فيها إلّا بالعمل، ويلكم علماء السوء الأُجرة تأخذون والعمل لا تصنعون يوشك ربِّ العمل أن يطلب عمله، وتوشكوا أن تخرجوا من الدنيا إلى ظلمة القبر، كيف يكون من أهل العلم من مصيره إلى آخرته وهو مقبل على دنيا؟ وما يضرّه أشهى إليه ممّا ينفعه . (2)
11 - ع: بإسناد العمريّ، عن آبائه عن علي علیه السّلام أن النبي صلی الله علیه و آله و سلّم قال : مرَّ أخي عيسى علیه السّلام بمدينة وفيها رجل وامرأة يتصايحان فقال: ما شأنكما؟ قال: يانبي الله هذه امرأتي وليس بها بأس، صالحة، ولكنّي أحبّ فراقها، قال: فأخبرني على كل حال ما شأنها؟ قال: هي خلقة الوجه من غير كبر، قال لها : يا امرأة أتحبّين أن يعود ماء وجهك طريّاً؟ قالت: نعم، قال لها: إذا أكلت فإيّاك أن تشبعي لأنّ الطعام إذا تكاثر على الصدر فزاد في القدر ذهب ماء الوجه، ففعلت ذلك فعاد وجهها طريّاً. (3)
12 - وقال صلی الله علیه و آله و سلّم : مرّ أخي عيسى علیه السّلام بمدينة وإذا وجوههم صفر، وعيونهم زرق، فصاحوا إليه وشكوا ما بهم من العلل، فقال: دواؤه معكم أنتم إذا أكلتم اللحم طبختموه غير مغسول، وليس يخرج شيء من الدنيا إلا بجناية، فغسلوا بعد ذلك لحومهم فذهبت أمراضهم.
13 - مع أبي، عن محمد العطّار، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن سهل الأزدي العابد قال: سمعت أبا فروة الأنصاري - وكان من السائحين - يقول: قال عيسى بن مريم علیه السّلام يا معشر الحوارييّن بحقّ أقول لكم: إنّ الناس يقولون: إنّ البناء بأساسه، وأنا لا أقول لكم كذلك، قالوا: فماذا تقول يا روح الله؟ قال: بحقّ أقول لكم: إنّ آخر حجر يضعه العامل هو الأساس. قال أبو فروة: إنّما أراد خاتمة الأمر. (1)
14 - ما: جماعة، عن أبي المفضّل بإسناد عن شقيق البلخي، عمّن أخبره من أهل العلم قال: قيل لعيسى بن مريم علیه السّلام : كيف أصبحت يا روح الله قال: أصبحت و ربي تبارك و تعالى من فوقي، والنار أمامي، والموت في طلبي، لا أملك ما أرجو، ولا أطيق دفع ما أكره، فأي فقير أفقر مني ؟! الخبر. (2)
15 - ختص: الصدوق، عن ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن البزنطي، عن عبدالكريم ابن عمرو، عن أبي الربيع الشامي، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إن عيسى بن مريم علیه السّلام قال : داويت المرضى فشفيتهم بإذن الله ، وأبرأت الأكمه والأبرص بإذن الله وعالجت الموتى فأحييتهم بإذن الله، وعالجت الأحمق فلم أقدر على إصلاحه، فقيل: يا روح الله وما الأحمق ؟ قال: المعجب برأيه ونفسه الذي يرى الفضل كلّه له لا عليه، ويوجب الحقّ كلّه لنفسه ولا يوجب عليها حقّاً، فذلك الأحمق الذي لاحيلة في مداواته. (3)
16 - وروي أنه علیه السّلام مرّ مع الحوارييّن على جيفة، فقال الحواريّون: ما أنتن ريح هذا الكلب! فقال عيسى علیه السّلام : ما أشدّ بياض أسنانه !. (4)
17 - وقيل: بينما عيسى بن مريم علیه السّلام جالس و شيخ يعمل بمسحاة ويثير الأرض، فقال عيسى علیه السّلام : اللّهمّ انزع منه الأمل، فوضع الشيخ المسحاة واضطجع فلبث ساعة، فقال
عيسى: اللّهمّ اردد إليه الأمل ، فقام فجعل يعمل، فسأله عيسى عن ذلك فقال: بينما أنا أعمل عيسى إذ قالت لي نفسي: إلى متى تعمل وأنت شيخ كبير ؟ فألقيت المسحاة واضطجعت، ثم قالت لي نفسي: والله لا بدّلك من عيش ما بقيت، فقمت إلى مسحاتي. (1)
18 - كا: عليّ، عن أبيه، وعليّ بن محمّد جميعاً، عن الإصفهاني، عن المنقري، عن حفص، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : قال عيسى علیه السّلام : اشتدّت مؤونة الدنيا و مؤونة الآخرة، أما مؤونة الدنيا فإنّك لا تمدّ يدك إلى شيء منها إلّا وجدت فاجراً قد سبقك إليها، وأمّا مؤونة الآخرة فإنّك لا تجد أعواناً يعينونك عليها. (2)
1 - لي: بإسناده عن حبيب بن عمرو قال: لمّا توفّي أمير المؤمنين علیه السّلام قام الحسن علیه السّلام خطيباً فقال: أيّها النّاس في هذه اللّيلة رفع عيسى بن مريم الخبر ! (1)
2 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر علیه السّلام قال : إن عيسى علیه السّلام وعد أصحابه ليلة رفعه الله إليه فاجتمعوا إليه عند المساء وهم اثناعشر رجلاً فأدخلهم بيتاً، ثم خرج عليهم من عين في زاوية البيت وهو ينفض رأسه من الماء، فقال: إنّ الله أوحى إلى أنه رافعي إليه الساعة ومطهّري من اليهود فأيّكم يلق عليه شبحي فيقتل ويصلب ويكون معي في درجتي؟ فقال شابّ منهم: أنا يا روح الله، :قال: فأنت هوذا، فقال لهم عيسى: أما إنّ منكم لمن يكفر بي قبل أن يصبح اثنتي عشرة كفرة، فقال له رجل منهم: أنا هو يا نبيّ الله ؟ فقال له عيسى: أتحسّ بذلك في نفسك فلتكن هو، ثمّ قال لهم عيسى علیه السّلام : أما إنّكم ستفترقون بعدي على ثلاث فرق: فرقتين متفريتين على الله في النار، وفرقة تتّبع شمعون صادقة على الله فى الجنّة ثم رفع الله عيسى إليه من زاوية البيت وهم ينظرون إليه.
1) امالي الصدوق 192
ثم قال أبو جعفر علیه السّلام : إن اليهود جاءت في طلب عيسى من ليلتهم فأخذوا الرجل الذي قال له عيسى علیه السّلام : إن منكم لمن يكفربي قبل أن يصبح اثنتي عشرة كفرة، و أخذوا الشاب الذي التي عليه شبح عيسى فقتل وصلب، وكفر الذي قال له عيسى: تكفر قبل أن تصبح اثنتي عشرة كفرة. (1)
وبإسناده عن أبي بصير ، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء - وساق الحديث إلى أن قال - : وأمّا من عيسى فيقال: إنّه مات ولم يمت. (2)أقول: سيأتي الأخبار الكثيرة في ذلك في كتاب الغيبة، وقد مرّ في باب جوامع أحوالهم علیهم السّلام عن الرضا علیه السّلام أنّ عيسى لمّا أراد اليهود قتله دعا الله بحفّنا فنجاه من القتل ورفعه إليه.
1 - :ج: سأل نافع مولى ابن عمر أبا جعفر علیه السّلام : كم بين عيسى علیه السّلام ومحمد صلی الله علیه و آله و سلّم من سنة ؟ قال علیه السّلام : أجيبك بقولك أم بقولي؟ قال: أجبني بالقولين، قال: أمّا بقولي فخمسمائة سنة، وأمّا قولك فستَّمِائة سنة . (1)
فس: أبي عن ابن محبوب، عن الثماليّ، عن أبي الربيع مثله. (2)
2 - ل : أحمد بن محمد بن الهيثم، عن ابن زكريّا، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن الصادق، عن آبائه علیهم السّلام قال : قال النبي صلی الله علیه و آله و سلّم ، إن امة عيسى افترقت بعده على اثنتين وسبعين فرقة فرقة منها ناجية، وإحدى وسبعون في النار الخبر. (3)
3 -ك: ابن الوليد عن الصفّار وسعد معاً، عن أيّوب بن نوح، عن ابن المغيرة، عن سعبدن أبي خلف، عن معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد الله علیه السّلام : بقي الناس بعد عيسى ابن مريم علیه السّلام خمسين سنة ومائتي سنة بلاحجّة ظاهرة. (4)
4 - ك: أبي، عن محمد العطّار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن سعد بن أبي خلف، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان بين عيسى علیه السّلام وبين محمد صلی الله علیه و آله و سلّم خمسمائة عام، منها مائتان وخمسون عاماً ليس فيها نبي ولا عالم ظاهر، قلت: فما كانوا؟ قال: كانوا مستمسكين بدين عيسى قلت: فما كانوا؟ قال: مؤمنين. ثم قال علیه السّلام : ولا تكون الأرض إلّا وفيها عالم (1)
5 - ل ماجيلويه عن عمّه، عن أحمد بن هلال عن الفضل بن دكين، عن معمر ابن ،راشد عن النبي صلی الله علیه و آله و سلّم قال: من ذرّيّتي المهديّ إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته فقدمه وصلى خلفه (2)
1 - فس: أبي، عن النضر، عن يحيى الحلبي ، عن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : لمّا عملت بنو إسرائيل بالمعاصي وعتوا عن أمر ربّهم أراد الله أن يسلّط عليهم من يذلّهم ويقتلهم، فأوحى الله إلى أرميا يا أرميا ما بلد انتخبته من بين البلدان وغرست فيه من كرائم الشجر فأخلف فأنبت خرنوباً؟ فأخبر أرميا أحبار بني إسرائيل فقالوا له راجع ربِّك ليخبرنا ما معنى هذا المثل، فصام أرميا سبعاً فأوحى الله إليه: يا أرميا أما البلد فبيت المقدس، وأما ما أنبتُ فيه فبنو إسرائيل الذين أسكنتهم فيها، فعملوا بالمعاصي، وغيروا ديني، وبدلوا نعمتي كفراً، في حلفت لامتحننّهم بفتنة يظلُّ الحكيم فيها حيران، ولأُسلّطنَّ عليهم شرّ عبادي ولادة وشرّهم طعاماً، فليتسلّطنَّ عليهم بالجبريّة فيقتل مقاتليهم، ويسبي حريمهم. ويخرب بيتهم الذي يعتزّون به، ويلقي حجرهم الذي يفتخرون به على الناس في المزابل مائة سنة، فأخبر أرميا أحبار بني إسرائيل فقالوا له: راجع ربِّك فقل له: ماذنب الفقراء والمساكين والضعفاء؟ فصام أرميا سبعاً ثم أكل أُكلة فلم يوح إليه شيء، ثمّ صام سبعاً وأكل أُكلة ولم يوح إليه شيء، ثمّ صام سبعاً فأوحى الله إليه: يا أرميا لتكفّنّ عن هذا أولأردّنَّ وجهك إلى قفاك، قال: ثمّ أوحى الله إليه : قل لهم لأنَّكم رأيتم
المنكر فلم تنكروه، فقال أرميا ربّ أعلمني من هو حتى آتيه وآخذ لنفسي وأهل بيتي منه أماناً، قال: ايت موضع كذا وكذا، فانظر إلى غلام أشدّهم زمانة، وأخبثهم ولادة، وأضعفهم جسماً، وأشرهم غذاءً فهو ذاك، فأتى أرميا ذلك البلد فإذا هو بغلام في خان زمن ملقى على مزبلة وسط الخان، وإذا له أُمُّ تربي بالكسر، وتفت الكسر في القصعة، وتحلب عليه خنزيرة لها، ثم تدنيه من ذلك الغلام فيأكله، فقال أرميا: إن كان في الدنيا الذي وصفه الله فهو هذا، فدنا منه فقال له: ما اسمك؟ فقال: بخت نصر، فعرف أنه هو فعالجه حتى برىء، ثم قال له: أتعرفني قال: لا، أنت رجل صالح، قال: أنا أرميا نبي بني إسرائيل، أخبرني الله أنّه سيسلطك
على بني إسرائيل فتقتل رجالهم، وتفعل بهم كذا وكذا قال: فتاه في نفسه في ذلك الوقت.
ثمّ قال أرميا : اكتب لي كتاباً بأمان منك فكتب له كتاباً، وكان يخرج في الجبل ويحتطب ويدخله المدينة ويبيعه، فدعا إلى حرب بني إسرائيل وكان مسكنهم في بيت المقدس، وأقبل بخت نصر فيمن أجابه نحو بيت المقدس، وقد اجتمع إليه بشر كثير، فلمّا بلغ أرميا إقباله نحو بيت المقدس استقبله على حمار له و معه الأمان الذي كتبه له بخت نصر، فلم يصل إليه أرميا من كثرة جنوده وأصحابه، فصيّر الأمان على قصبة أو خشبة ورفعها، فقال: من أنت؟ فقال: أنا أرميا النبي الذي بشّرتك بأنّك سيسلّطك الله على بني إسرائيل وهذا أمانك لي، قال: أمّا أنت فقد آمنتك، وأمّا أهل بيتك فإنّي أرمي من ههنا إلى بيت المقدس فإن وصلت رميتي إلى بيت المقدس فلا أمان لهم عندي، وإن لم تصل فهم آمنون، وانتزع قوسه ورمى نحو بيت المقدس فحملت الريح النسّابة حتى علقتها في بيت المقدس، فقال: لا أمان لهم عندي، فلما وافى نظر إلى جبل من تراب وسط المدينة وإذا دم يغلي وسطه، كلّما التي عليه التراب خرج و هو يغلي، فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا نبي كان الله فقتله ملوك بني إسرائيل و دمه يغلي، وكلّها ألقينا عليه التراب خرج يغلي فقال بخت نصر: لأقتلنّ بني إسرائيل أبداً حتى يسكن هذا الدم، وكان ذلك الدم دم يحيى بن زكريّا علیه السّلام ، وكان في زمانه ملك جبّار
يزني بنساء بني إسرائيل، وكان يمرّ بيحيى بن زكريا علیه السّلام فقال له يحيى: اتّق الله أيّها الملك لا يحلُّ لك هذا، فقالت له مرأة من اللواتي كان يزني بهنّ حين سكر: أيّها الملك اقتل يحيى، فأمر أن يؤتى برأسه فأتوا برأس يحيى علیه السّلام في الطست وكان الرأس يكلّمه ويقول له: يا هذا اتَّق الله لايحلُّ لك هذا، ثم على الدم في الطست حتى فاض إلى الأرض فخرج يغلي ولا يسكن، وكان بين قتل يحيى وخروج بخت نصر مائة سنة، ولم يزل بخت نصر يقتلهم، وكان يدخل قربة قرية فيقتل الرجال والنساء والصبيان وكلّ حيوان والدم يغلي حتى أفنى من ثم، فقال: بقي أحد في هذه البلاد؟ قالوا: عجوز في موضع كذا وكذا، فبعث إليها فضرب عنقها على الدم فسكن، وكانت آخر من بقي.
ثمّ أتى بابل فبنى بها مدينة وأقام وحفر بئراً فألق فيها دانيال وألق معه اللّبوة، فجعلت اللّبوة تأكل طين البئر ويشرب دانيال لبنها، فلبث بذلك زماناً، فأوحى الله إلى النبي الذي كان بيت المقدس أن اذهب بهذا الطعام والشراب إلى دانيال واقرأه مني السلام، قال: وأين دانيال يارب؟ فقال: في بئر بابل في موضع كذا و كذا قال: فأتاه فأطلع في البئر فقال: يا ،دانیال، قال: لبّيك صوت غريب قال: إنّ ربّك يقرؤك السلام وقد بعث إليك بالطعام والشراب، فدلاه إليه، قال: فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسي من ذكره، الحمد لله الذي لا يخيب من دعاه، الحمد لله الذي من توكل عليه كفاه الحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره، الحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحساناً، الحمد لله الذي يجزي بالصّبر نجاة ، الحمد لله الذي يكشف ضرنا عند كربتنا والحمد لله الذي هو ثقتنا حين ينقطع الحيل منّا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين ساء ظنّنا بأعمالنا.
:قال: فاُري بخت نصر في نومه كأنَّ رأسه من حديد، ورجليه من نحاس، وصدره من ذهب، قال: فدعا المنجِّمين فقال لهم ما رأيت؟ فقالوا: ماندري ولكن قصّ علينا ما رأيت في المنام، فقال: و أنا أُجري عليكم الأرزاق منذ كذا وكذا ولا تدرون ما رأيت في المنام؟
فأمر بهم فقتلوا قال فقال له بعض من كان عنده: إن كان عند أحد شيء فعند صاحب الجب، فإن اللّبوة لم تتعرَّض له ، وهي تأكل الطين وترضعه فبعث إلى دانيال فقال: ما رأيت في المنام؟ فقال: رأيت كأن رأسك من حديد، ورجليك من نحاس، وصدرك من ذهب قال: هكذا رأيت فماذاك ؟ قال قد ذهب ملكك وأنت مقتول إلى ثلاثة أيّام يقتلك رجل من ولد فارس، قال: فقال له: إنّ عليّ لسبع مدائن على باب كلّ مدينة حرس، وما رضيت بذلك حتى وضعت بطة من نحاس على باب كلّ مدينة لا يدخل غريب إلّا صاحت عليه حتى يؤخذ، قال: فقال له: إنّ الأمر كما قلت لك، قال: فبثّ الخيل وقال: لا تلقون أحداً من الخلق إلا قتلتموه كائناً من كان، وكان دانيال جالساً عنده، وقال: لا تفارقني هذه الثلاثة الأيام، فإن مضت قتلتك، فلما كان في اليوم الثالث ممسياً أخذه الغم فخرج فتلقاه غلام كان اتخذه ابناً له من أهل فارس وهو لا يعلم أنه من أهل فارس فدفع إليه سيفه وقال له: يا غلام لا تلق أحداً من الخلق إلا وقتلته وإن لقيتني أنا فاقتلني، فأخذ الغلام سيفه فضرب به بخت نصر ضربة فقتله.
فخرج أرميا على حماره ومعه تين قد تزوّده وشيء من عصير، فنظر إلى سباع البرّ و سباع البحر وسباع الجوّ تأكل تلك الجيف ففكر في نفسه ساعة ثم قال: «أنى يحيى هذه الله بعد موتها وقد أكلتهم السباع؟ قأماته الله مكانه وهو قول الله تبارك وتعالى: «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ» أي أحياه، فلما رحم الله بنى إسرائيل وأهلك بخت نصر ردّ بني إسرائيل إلى الدنيا وكان عزير لمّا سلّط الله بخت نصر على بني إسرائيل هرب ودخل في عين وغاب فيها وبقي أرميا ميّتاً مائة سنة، ثمّ أحياه الله فأوّل ما أحيا منه عينيه في مثل غرقىء البيض، فنظر فأوحى الله تعالى إليه: «كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا» ثم نظر إلى الشمس وقد ارتفعت فقال: «أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » فقال الله تبارك وتعالى: «بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ» أي لم
يتغيّر «وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا » فجعل ينظر إلى العظام البالية المنفطرة تجتمع إليه، و إلى اللحم الذي قد أكلته السباع يتألّف إلى العظام من ههنا وههنا ويلتزق بها حتى قام وقام حماره فقال: «أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ». (1)
2 - ج: هشام بن الحكم في خبر الزنديق قال الصادق علیه السّلام : أمات الله أرميا النبيّ الذي نظر إلى خراب بيت المقدس وما حوله حين غزاهم بخت نصر وقال: أني يحيى هذه الله بعد موتها ؟ فأماته الله مائة عام ثم أحياه، ونظر إلى أعضائه كيف تلتئم، وكيف تلبس اللحم وإلى مفاصله وعروقه كيف توصل، فلمّا استوى قاعداً قال: «أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ». (2)
3 - ما: الفحّام، عن محمد بن عيسى بن هارون، عن إبراهيم بن عبدالصمد، عن أبيه عن جدّه قال: قال سيّدنا الصادق علیه السّلام من اهتمّ لرزقه كتب عليه خطيئة، إنّ دانيال كان في زمن ملك جبار عات أخذه فطرحه في حبّ، وطرح معه السباع فلم تدنو منه ولم يخرجه، فأوحى الله إلى نبي من أنبيائه أن انت دانيال بطعام، قال: يارب وأين دانيال؟ قال: تخرج من القرية فيستقبلك ضبع فاتّبعه فإنّه يدلّك إليه، فأتت به الضبع إلى ذلك الجب، فإذا فيه دانيال، فأدلى إلى الطعام، فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من دعاه، الحمد لله الذي من توكل عليه كفاه الحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره، الحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحساناً، وبالصبر نجاة .
ثم قال الصادق علیه السّلام : إنّ الله أبى إلّا أن يجعل أرزاق المتقين من حيث لا يحتسبون وأن لا يقبل لأوليائه شهادة في دولة الظالمين. (3)
ص الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن القاساني، عن الإصبهانيّ عن المنقريّ، عن حفص، عن أبي عبدالله علیه السّلام مثله . (1)
4 - ص: الصدوق، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن جابر الجعفي، عن الباقر صلوات الله عليه قال: سألته عن تعبير الرؤياء عن دانيال علیه السّلام أهو صحيح؟ قال: نعم، كان يوحى إليه وكان نبياً، وكان ممن علّمه الله تأويل الأحاديث، وكان صديقاً حكيماً، وكان والله يدين بمحبتنا أهل البيت؟ قال جابر بمحبتكم أهل البيت؟ قال: إي والله وما من نبي ولا ملك إلا وكان يدين بمحبّتنا. (2)
5 -ص: الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطّار، عن الأشعري، عن السيّاري، عن إسحاق بن إبراهيم، عن الرضا علیه السّلام قال: إنّ الملك قال لدانيال: أشتهي أن يكون لي ابن مثلك، فقال: ما محلّي من قلبك؟ قال: أجلّ محلّ وأعظمه، قال دانيال: فإذا جامعت فاجعل همتك فيّ، قال: ففعل الملك ذلك فولد له ابن أشبه خلق الله بدانيال . (3)
6 - ك: أبي وابن الوليد معاً عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن الحسن بن سعيد، عن محمّد بن إسماعيل القرشي، عمّن حدثه، عن إسماعيل بن أبي رافع، عن أبيه، عن النبي صلی الله علیه و آله و سلّم قال : ملك بخت نصر مائة سنة وسبعاً وثمانين سنة، وقتل اليهود سبعين ألف مقاتل على دم يحيى بن زكرياعلیه السّلام وخرب بيت المقدس، وتفرّقت من اليهود في البلدان، وفي سبع وأربعين سنة من ملكه بعث الله العزير نبياً إلى أهل القرى التي أمات الله أهلها ثم بعثهم له، وكان من قرى شتى فهربوا فرقاً من الموت، فنزلوا في جوار عزير وكانوا مؤمنين، وكان عزير يختلف إليهم ويسمع كلامهم وإيمانهم وأحبّهم على ذلك وآخاهم عليه فغاب عنهم يوماً واحداً، ثم أتاهم فوجدهم موتى صرعى فحزن عليهم وقال: «أنى
يحيي هذه الله بعد موتها تعجباً منه حيث أصابهم وقد ماتوا أجمعين في يوم واحد، فأماته الله عند ذلك مائة عام وهي مائة سنة، ثم بعثه الله وإياهم وكانوا مائة ألف مقاتل، ثم قتلهم الله أجمعين لم يفلت منهم واحد على يدي بخت نصر، ثم ملك مهرويه بن بخت نصر ست عشرة سنة وعشرين يوماً، فأخذ عند ذلك دانيال علیه السّلام وخدله خدا في الأرض وطرح فيه لا دانيال وأصحابه وشيعته من المؤمنين، وألقى عليهم النيران، فلما رأى أنّ النار لا تقربهم ولا تحرقهم استودعهم الجب و فيه الأسد والسباع وعذبهم بكل نوع من العذاب حتى خلصهم الله منه، وهم الذين ذكرهم الله في كتابه فقال: «قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ *النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ » فلما أراد الله أن يقبض دانيال علیه السّلام أمره أن يستودع نور الله وحكمته مكيخا بن دانیال ففعل . (1)
كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : قال على علیه السّلام : إنّ دانيال علیه السّلام كان يتيماً لا أمّ له ولا أب، وإنّ امرأة من بني إسرائيل عجوزاً كبيرة ضمّته فربّته، وإنّ ملكاً من ملوك بني إسرائيل كان له قاضيان، وكان لها صديق، وكان رجلاً صالحاً، وكان له امرأة بهيّة جميلة، وكان يأتي الملك فيحدّثه، واحتاج الملك إلى رجل يبعثه في بعض أُموره فقال للقاضيين: اختار رجلاً أرسله في بعض أموري، فقالا: فلان، فوجّهه الملك، فقال الرجل للقاضيين: أُوصيكما بامرأتي خيراً، فقالا: فلان، فوجّهه الملك، فقال الرجل للقاضيين: أوصيكما بامرأتي خيراً، فقالا: نعم، فخرج الرجل، فكان القاضيان يأتيان باب الصديق فعشقا امرأته فراوداها عن نفسها فأبت، فقالا لها: والله لئن لم تفعل لنشهدنّ عليك عند الملك بالزنا ثم لنرجمّك، فقالت: افعلا ما أحببتها، فأتيا الملك فأخبراه وشهدا عنده أنها بغت، فدخل الملك من ذلك أمر عظيم واشتدّ بها غمّه وكان بها معجباً فقال لها: إنّ قولكما مقبول ولكن ارجموها بعد ثلاثة أيّام، ونادى في البلد
1) كمال الدين: 130-131
الّذي هو فيه: احضروا قتل فلانة العابدة فإنّها قد بغت، فإنّ القاضيين قد شهدا عليها بذلك، فأكثر الناس في ذلك، وقال الملك لوزيره: ما عندك في هذا من حيلة؟ فقال: ما عندي في ذلك من شيء.
فخرج الوزير يوم الثالث وهو آخر أيامها فإذا هو بغلمان عراة يلعبون وفيهم دانيال لا يعرفه، فقال دانيال يا معشر الصبيان تعالوا حتى أكون أنا الملك و تكون أنت يافلان العابدة، ويكون فلان وفلان القاضيين شاهدين عليها، ثمّ جمع تراباً وجعل سيفاً من قصب، وقال للصبيان: خذوا بيدهذا فنحوه إلى مكان كذا وكذا، وخذوا بيدهذا فنحوه إلى مكان كذا وكذا، ثم دعا بأحدهما وقال له: قل حقّاً فإنّك إن لم تقل حقّاً قتلتك، والوزير قائم ينظر ويسمع فقال: إنّها بغت فقال: متى؟ فقال: يوم كذا وكذا قال: مع من؟ قال: مع فلان ابن فلان قال: وأين؟ قال: موضع كذا وكذا، قال: ردّوه إلى مكانه وهاتوا الآخر، فردوه إلى مكانه وجاؤوا بالآخر، فقال له : بما تشهد؟ فقال: أشهد أنها بغت، قال: متى؟ قال: يوم كذا وكذا، قال: مع من؟ قال: مع فلا ابن فلان قال: وأين؟ قال: موضع كذا وكذا، فخالف أحدهما صاحبه، فقال دانيال: الله أكبر شهدا بزور، يا فلان ناد في الناس أنّهما شهدا على فلانة بزور فاحضروا قتلها.
فذهب الوزير إلى الملك مبادراً فأخبره الخبر، فبعث الملك إلى القاضيين فاختلفا كما اختلف الغلامان، فنادى الملك في الناس وأمر بقتلها. (1)
1) فروع الكافى 363/2 - 364.
1 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل قال: قال لي أبو عبد الله علیه السّلام : ما ردّ الله العذاب إلّا عن قوم يونس، وكان يونس يدعوهم إلى الإسلام فيأبون ذلك، فهم أن يدعو عليهم وكان فيهم رجلان عابد و عالم و كان اسم أحدهما مليخا، و الآخر اسمه روبيل، فكان العابد يشير على يونس بالدعاء عليهم، وكان العالم ينهاه ويقول: لا تدع عليهم فإنّ الله يستجيب لك، ولا يحبّ هلاك عباده، فقبل قول قول العابد و لم يقبل من العالم فدعا عليهم، فأوحى الله إليه: يأتيهم العذاب في سنة كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، في يوم كذا و كذا، فلما قرب الوقت خرج يونس من بينهم مع العابد، و بقي العالم فيها، فلما كان في ذلك اليوم نزل العذاب، فقال العالم لهم يا قوم افزعوا إلى الله فلعله يرحمكم و يردّ العذاب عنكم فقالوا: كيف نصنع؟ قال: اجتمعوا و اخرجوا إلى المفازة وفرّقوا بين النساء والأولاد، وبين الايل و أولادها، و بين البقر و أولادها، وبين الغنم و أولادها، ثمَّ ابكوا و ادعوا، فذهبوا و فعلوا ذلك وضجّوا و بكوا فرحمهم الله و صرف عنهم العذاب و فرّق العذاب على الجبال و قد كان نزل و قرب منهم، فأقبل يونس ينظر كيف أهلكهم الله فرأى الزارعون يزرعون في ، أرضهم قال لهم ما فعل قوم يونس ؟ فقالوا له - و لم يعرفوه- : إنّ يونس دعا عليهم
فاستجاب الله له و نزل العذاب عليهم فاجتمعوا و بكوا فدعوا فرحمهم الله و صرف ذلك عنهم و فرّق العذاب على الجبال، فهم إذاً يطلبون يونس ليؤمنوا به، فغضب يونس و مرّ على وجهه مغاضباً به كما حكى الله ، حتى انتهى إلى ساحل البحر فإذا سفينة قد شحنت و أرادوا أن يدفعوها فسألهم يونس أن يحملوه فحملوه ، فلما توسطوا البحر بعث الله حوتاً عظيماً فحبس عليهم السفينة من قدامها ، فنظر إليه يونس ففزع منه وصار إلى مؤخّر السفينة فدار إليه الحوت و فتح فاه فحرج أهل السفينة فقالوا: فينا اص فتساهموا فخرج سهم يونس، و هو قول الله عزّ وجلّ: «فساهم فكان من المدحضين» فأخرجوه فألقوه في البحر فالتقمه الحوت ومربه في الماء.
و قد سأل بعض اليهود أمير المؤمنين علیه السّلام عن سجن طاف أقطار الأرض بصاحبه؛ فقال: يا يهودي أمّا السجن الذي طاف أقطار الأرض بصاحبه فإنه الحوت الذي حبس يونس في بطنه، فدخل في بحر القلزم، ثم خرج إلى بحر مصر، ثم دخل إلى بحر طبرستان، ثمَّ خرج في دجلة الغوراء، قال: ثمّ مرّت به تحت الأرض حتى لحقت بقارون، و كان قارون هلك في أيام موسى علیه السّلام و وكل الله به ملكاً يدخل في الأرض كل يوم قامة رجل، وكان يونس في بطن الحوت يسبّح الله و يستغفره، فسمع قارون صوته فقال للملك الموكل به: أنظرني فإنّي أسمع كلام ،آدمي، فأوحى الله إلى الملك الموكل به أنظره، فأنظره، ثمَّ قال قارون من أنت؟ قال يونس: أنا المذنب الخاطيء يونس بن متى قال: فما فعل الشديد الغضب الله موسى بن عمران؟ قال: هيهات هلك، قال: فما فعل الرؤوف الرحيم على قومه هارون بن عمران؟ قال: هلك، قال: فما فعلت كلثم بنت عمران التي كانت سميت لي؟ قال: هيهات ما بقي من آل عمران أحد، فقال قارون وا أسفاه على آل عمران، فشكر الله له ذلك، فأمر الله الملك الموكل به أن يرفع عنه العذاب أيّام الدنيا فرفع عنه، فلما رأى يونس ذلك نادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجاب الله له و أمر الحوت فلفظه على
ساحل البحر و قد ذهب جلده و لحمه، و أنبت الله عليه شجرة من يقطين و هي الدبّاء، فأظلّته من الشمس فسكن، ثم أمر الله الشجرة فتنحت عنه و وقعت الشمس عليه، فجزع فأوحى الله إليه: يا يونس لم ترحم مائة ألف أو يزيدون و أنت تجزع من ألم ساعة؟ فقال: يا ربّ عفوك عفوك ، فرد الله بدنه و رجع إلى قومه و آمنوا به، و هو قوله: «فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ» فقالوا: فمكث يونس في بطن الحوت تسع ساعات ثمّ قال الله لنبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ»يعني لوشاء الله أن يجبر الناس كلّهم على الإيمان لفعل.
و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر علیه السّلام قال لبث يونس في بطن الحوت ثلاثة أيّام و نادى في الظلمات ظلمة بطن الحوت، وظلمة اللّيل، وظلمة البحر: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجاب له ربّه فأخرجه الحوت إلى الساحل، ثم قذفه فألقاه بالساحل، و أنبت الله عليه شجرة من يقطين و هو القرع، فكان يمصّه و يستظلّ به بورقه، وكان تساقط شعره ورقّ جلده، وكان يونس علیه السّلام يسبّح و يذكر الله اللّيل والنهار، فلمّا أن قوي و اشتدَّ بعث الله دودة فأكلت أسفل الفرغ فذبلت القرعة ثمّ يبست، فشقّ ذلك على يونس فظلّ حزيناً فأوحى الله إليه: مالك حزيناً يا يونس؟ قال: يا ربّ هذا الشجرة الّتي تنفعني سلّطت عليها دودة فيبست قال: يا يونس أحزنت لشجرة لم تزرعها و لم تسقها ولم تعن بها إن يبست حين استغنيت عنها، ولم تحزن لأهل نينوى أكثر من مائة ألف ؟ أردت أن ينزل عليهم العذاب؟ إنّ أهل نينوى قد آمنوا واتّقوا فارجع إليهم، فانطلق يونس علیه السّلام إلى قومه فلمّا دنا من نينوى استحيى أن يدخل فقال لراع لقيه: انت أهل نينوى فقل لهم: إنّ هذا يونس قد جاء، قال الراعي: أتكذب؟ أما تستحيي ويونس قد غرق في البحر و ذهب؟ قال له يونس: اللّهمّ إنّ هذه الشاة تشهد لك أنّي يونس، فلمّا أتى الراعي قومه وأخبرهم
أخذوه و هموا بضربه، فقال: إنّ لي بيّنة بما أقول، قالوا: من يشهد قال: هذه الشاة تشهد، فشهدت بأنّه صادق، و أنّ يونس قدردّه الله إليهم فخرجوا يطلبونه فوجدوه فجاؤوا به و آمنوا و حسن إيمانهم فمتّعهم الله إلى حين و هو الموت، و أجارهم من ذلك العذاب. (1)
1 و قال علي بن إبراهيم في قوله: «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا » قال: هو يونس، و معنى ذالنون أي ذا الحوت، قوله: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قال: أنزله على أشدّ الأمرين فظنّ به أشدّ الظنّ، وقال: إنّ جبرئيل استثنى في هلاك قوم يونس ولم يسمعه يونس، قلت: ما كان حال يونس لما ظنّ أنّ الله لن يقدر عليه؟ قال: كان من أمر شديد، قلت: و ما كان سببه حتى ظنّ أنّ الله لن يقدر عليه؟ قال: وكله إلى نفسه طرفة عين. قال: وحدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: سمعت أم سلمة النبي صلی الله علیه و آله و سلّم يقول في دعائه: «اللهم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً، فسألته في ذلك، فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : يا أم سلمة و ما يؤمني، وإنّما وكل الله يونس بن متى إلى نفسه طرفة عين فكان منه ما كان.
و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر علیه السّلام في قوله: «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا »يقول: من أعمال قومه «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» يقول: ظنّ أن لن يعاقب بما صنع. (2)
2 - ن : في خبر ابن الجهم أنّه سأل المأمون الرضا علیه السّلام عن قول الله عزّ وجلّ: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» فقال الرضاء علیه السّلام : ذلك يونس بن متى علیه السّلام ذهب مغاضباً لقومه «فظنّ» بمعنى استيقن «أن لَن نَقدِرَ عَلَيهِ» أي لن نضيّق عليه رزقه، و منه قول الله عزّ وجلّ : «وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ»أي ضيّق عليه فقتر« فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ» ظلمة الليل، وظلمة البحر، وبطن الحوت «أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» بتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني لها في بطن الحوت فاستجاب الله له، وقال
عزّ و جلّ: «فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ*«لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ». (1)
3- شي: عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: سمعته يقول: وجدنا في بعض كتب أمير المؤمنين علیه السّلام قال: حدثني رسول الله عل الله أن جبرئيل علیه السّلام حدثه أن یونس بن متى علیه السّلام بعثه الله إلى قومه و هو ابن ثلاثين سنة، وكان رجلاً يعتريه الحدة، وكان قليل الصبر على قومه والمداراة لهم عاجزاً عما حمل من ثقل حمل أوقار النبوّة وأعلامها، و أنّه يفسخ تحتها كما يفسخ الجذع تحت حمله و أن أقام فيهم يدعوهم إلى الإيمان بالله و التصديق به و اتباعه ثلاثاً وثلاثين سنة، فلم يؤمن به ولم يتبعه من قومه إلا رجلان: اسم أحدهما روبيل و اسم الآخر تنوخا، وكان روبيل من أهل بيت العلم و النبوة والحكمة، و كان قديم الصحبة ليونس بن متى من قبل أن يبعثه الله بالنبوة، وكان تنوخا رجلاً مستضعفاً عابداً زاهداً منهمكا في العبادة و ليس له علم ولا حكم، وكان روبيل صاحب غنم يرعاها و يتقوّت منها، وكان تنوخا رجلاً حطّاباً يحتطب على رأسه و يأكل من كسبه، وكان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا لعلم روبیل و حكمته و قدیم صحبته، فلما رأى يونس علیه السّلام أنّ قومه لا يجيبونه ولا يؤمنون به ضجر و عرف من نفسه قلّة الصبر فشكا ذلك إلى ربّه، كان فيما شكا أن قال يا ربّ إنك بعثتني إلى قومي ولي ثلاثون سنة، فلبثت فيهم أدعوهم إلى الإيمان بك ، و التصديق برسالاتي ، و أخوِّفهم عذابك و نقمتك ثلاثاً وثلاثين سنة فكذّبوني ولم يؤمنوا بي، وجحدوا نبوّتي و استخفّوا برسالاتي، و قد تواعدوني و خفت أن يقتلوني، فأنزل عليهم عذابك فإنّهم قوم لا يؤمنون.
قال: فأوحى الله إلى يونس أنّ فيهم الحمل والجنين و الطفل و الشيخ الكبير و المرأة الضعيفة و المستضعف المهين و أنا الحكم العدل، سبقت رحمتي غضبي، لا أُعذّب الصغار بذنوب الكبار من قومك، و هم يا يونس عبادي و خلقي و بريّتي في بلادي و في عيلتي أُحبّ
1) عيون الاخبار /112.
أن أتأ ناهم وأرفق بهم و أنتظر توبتهم ، و إنما بعثتك إلى قومك لتكون حيطاً عليهم، تعطف عليهم بالرحم الماسة منهم، وتأناهم برأفة النبوة، وتصبر معهم بأحلام الرسالة، تكون لهم كهيئة الطبيب المداوي العالم بمداواة الداء، فخرقت بهم، و لم تستعمل قلوبهم بالرفق، ولم تسهم بسياسة المرسلين، ثمَّ سألتني عن سوء نظرك العذاب لهم عند قلة الصبر منك، و عبدي نوح كان أصبر منك على قومه، و أحسن صحبة وأشدّ تأنّياً في الصبر عندي، وأبلغ في العذر، فغضبت له حين غضبت لي و أجبته حين دعاني.
فقال يونس: يا ربّ إنّما غضبت عليهم فيك، وإنما دعوت عليهم حين عصوك فوعزّتك لا أتعطف عليهم برأفة أبداً، و لا أنظر إليهم بنصيحة شفيق بعد كفرهم و تكذيبهم إياي وجحدهم ،بنبوّتي، فأنزل عليهم عذابك فإنّهم لا يؤمنون أبداً، فقال الله : يا يونس إنّهم مائة ألف أو يزيدون من خلقي، يعمرون بلادي ، و يلدون عبادي، و محبّتي أن أتأناهم للذي سبق من علمي فيهم و فيك، و تقديري و تدبيري غير علمك و تقديرك، و أنت المرسل و أنا الربّ الحكيم، و علمي فيهم يا يونس باطن في الغيب عندي لا تعلم ما منتهاه، و علمك فيهم ظاهر لاباطن له، يا يونس قد أجبتك إلى ما سألت من إنزال العذاب عليهم و ما ذلك يا يونس بأوفر لحظك عندي، و لا أجمل لشأنك، وسيأتيهم عذاب في شوّال يوم الأربعاء وسط الشهر بعد طلوع الشمس، فأعلمهم ذلك.
قال: فسّر بذلك يونس ولم يسوه و لم يدر ما عاقبته فانطلق يونس إلى تنوخا العابد فأخبره بما أوحى الله إليه من نزول العذاب على قومه في ذلك اليوم، و قال له: انطلق حتّى أُعلمهم بما أوحى الله إليّ من نزول العذاب، فقال تنوخا: فدعهم في غمرتهم و معصيتهم حتّى يعذّبهم الله، فقال له يونس: بل نلقي روبيل فنشاوره فإنه رجل عالم حكيم من أهل بيت النبوّة ، فانطلقا إلى روبيل فأخبره يونس علیه السّلام بما أوحى الله إليه من نزول العذاب على قومه في شوّال يوم الأربعاء في وسط الشهر بعد طلوع الشمس، فقال له: ما ترى انطلق بنا حتّى
أعلمهم ذلك، فقال له روبيل: ارجع إلى ربّك رجعة نبيّ حكيم و رسول كريم، وسله أن يصرف عنهم العذاب فإنّه غنيٌّ عن عذابهم، و هو يحب الرفق بعباده و ما ذلك بأضرَّ لك عنده ، ولا أسوأ لمنزلتك لديه، و لعل قومك بعد ما سمعت و رأيت من كفرهم و جحودهم يؤمنون يوماً فصابرهم و تأنّهم، فقال له تنوخا ويحك يا روبيل ما أشرت على يونس و أمرته بعد كفرهم بالله،وجحدهم لنبيّه، وتكذيبهم إياه وإخراجهم إياه من مساكنه، و ما همّوا به من رجمه ؟ فقال روبيل لتنوخا: اسكت فإنّك رجل عابد لا علم لك.
ثمّ أقبل على يونس فقال أرأيت يا يونس إذا أنزل الله العذاب على قومك أنزله فيهلكهم جميعاً أو يهلك بعضاً و يبقى بعض؟ فقال له يونس: بل يهلكهم جميعاً، وكذلك سألته، ما دخلتني لهم رحمة تعطّف فأُراجع الله فيهم و أسأله أن يصرف عنهم ، فقال له روبيل: أتدري يا يونس لعلّ الله إذا أنزل عليهم العذاب فأحسّوا به أن يتوبوا إليه و يستغفروا فيرحمهم فإنّه أرحم الراحمين، و يكشف عنهم العذاب من بعد ما أخبرتهم عن الله أنّه ينزل عليهم العذاب يوم الأربعاء فتكون بذلك عندهم كذّاباً، فقال له تنوخا ويحك يا روبيل لقد قلت عظيماً، يخبرك النبي المرسل أنّ الله أوحى إليه أنّ العذاب ينزل عليهم فتردّ قول الله و تشكّ فيه و في قول رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم اذهب فقد حبط عملك، فقال روبيل لتنوخا: لقد فشل رأيك.
ثمَّ أقبل على يونس فقال: إذا نزل الوحي و الأمر من الله فيهم على ما أُنزل عليك فيهم من إنزال العذاب عليهم و قوله الحقّ أرأيت إذا كان ذلك فهلك قومك كلّهم و خربت قريتهم أليس يمحو الله اسمك من النبوة، وتبطل رسالتك، وتكون كبعض ضعفاء الناس و يهلك على يديك مائة ألف من الناس؟ فأبي يونس أن يقبل وصيّته فانطلق و معه تنوخا من القرية وتنحيا عنهم غير بعيد، و رجع يونس إلى قومه فأخبرهم أن الله أوحى إليه أنّه ينزّل العذاب عليكم يوم الأربعاء في شوّال في وسط الشهر بعد طلوع الشمس، فردُّوا عليه قوله
فكذّبوه وأخرجوه من قريتهم إخراجاً عنيفاً، فخرج يونس علیه السّلام و معه تنوخا من القرية و تنحَّيا عنهم غير بعيد، و أقاما ينتظران العذاب و أقام روبيل مع قومه في قريتهم حتّى إذا دخل عليهم شوّال صرخ روبيل بأعلى صوته في رأس الجبل إلى القوم: أنا روبيل، شفيق عليكم، رحيم، بكم هذا شوّال قد دخل عليكم، وقد أخبركم يونس نبيكم و رسول ربِّكم أنّ الله أوحى إليه أنّ العذاب ينزل عليكم في شوّال في وسط الشهر يوم الأربعاء بعد طلوع الشمس، و لن يخلف الله وعده رسله، فانظروا ما أنتم صانعون، فأفزعهم كلامه و وقع في قلوبهم تحقيق نزول العذاب فأجفلوا نحو روبيل وقالوا له: ما ذا أنت تشير به علينا يا روبيل ؟ فإنّك رجل عالم حكيم، لم نزل نعرفك بالرقة علينا و الرحمة لنا، وقد بلغنا ما أشرت به على يونس فينا فمرنا بأمرك، و أشر علينا برأيك، فقال لهم روبيل: فإني أرى لكم و أُشير عليكم أن تنظروا وتعمدوا إذا طلع الفجر يوم الأربعاء في وسط الشهر أن تعدلوا الأطفال عن الأمهات في أسفل الجبل في طريق الأودية، وتفقوا النساء في سفح الجبل، و يكون هذا كله قبل طلوع الشمس، فإذا رأيتم ريحاً صفراء أقبلت من المشرق فعجوا الكبير منكم و الصغير بالصراخ و البكاء و التضرع إلى الله و التوبة إليه والاستغفار له وارفعوا رؤوسكم إلى السماء وقولوا: ربنا ظلمنا وكذبنا نبيّك، وتبنا إليك من ذنوبنا و إن لا تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين المعذّبين، فاقبل توبتنا وارحمنا يا أرحم الراحمين ثم لا تملوا من البكاء و الصراخ والتضرّع إلى الله و التوبة إليه حتّى تتوارى الشمس بالحجاب، أو يكشف الله عنكم العذاب قبل ذلك، فأجمع رأي القوم جميعاً على أن يفعلوا ما أشار به عليهم روبيل.
فلمّا كان يوم الأربعاء الذي توقَّعوا العذاب تنحّي روبيل من القرية حيث يسمع صراخهم و يرى العذاب إذا نزل، فلمّا طلع الفجر يوم الأربعاء فعل قوم يونس ما أمرهم روبیل به فلمّا بزغت الشمس أقبلت ريح صفراء مظلمة مسرعة، لها صرير و حفيف و هدير فلما رأوها عجّوا جميعاً بالصراخ والبكاء و التضرّع إلى الله، و تابوا إليه و استغفروه،
و صرخت الأطفال بأصواتها تطلب أمهاتها، و عجّت سخال البهائم تطلب اللبن، و عجت الأنعام تطلب الرعي، فلم يزالوا بذلك و يونس و تنوخا يسمعان صيحتهم و صراخهم و يدعو ان الله عليهم بتغليظ العذاب عليهم و روبيل في موضعه يسمع صراخهم و عجيجهم و يرى ما نزل و هو يدعو الله بكشف العذاب عنهم، فلما أن زالت الشمس و فتحت أبواب السماء و سكن غضب الربّ تعالى رحمهم الرحمن فاستجاب دعاءهم و قبل توبتهم و أقالهم عثرتهم، و أوحى إلى إسرافيل أن اهبط إلى قوم يونس فإنّهم قد عجوا إلي بالبكاء و التضرع، و تابوا إلي و استغفروا لي فرحمتهم و تبت عليهم و أنا الله التواب الرحيم أسرع إلى قبول توبة عبدي التائب من الذنوب، وقد كان عبدي يونس و رسولي سألني نزول العذاب على قومه و أنزلته عليهم و أنا الله أحقُّ من وفى بعهده، و قد أنزلته عليهم، و لم يكن وقد اشترط يونس حين سألني أن أُنزل عليهم العذاب أن أهلكهم، فاهبط إليهم فاصرف عنهم ما قد نزل بهم من عذابي.
فقال إسرافيل: يا ربّ إنّ عذابك قد بلغ أكتافهم وكاد أن يهلكهم و ما أراه إلا وقد نزل بساحتهم، فكيف أنزل أصرفه ؟ فقال الله: كلّا إني قد أمرت ملائكتي أن يصرفوه ولا ينزلوه عليهم حتى يأتيهم أمري فيهم وعزيمتي ، فاهبط يا إسرافيل عليهم و اصرفه عنهم، و اصرف به إلى الجبال بناحية مفاوض العيون، ومجاري السيول في الجبال العادية المستطيلة على الجبال فأذلّها به ولينها حتى تصير ملينة حديداً جامداً فهبط إسرافيل عليهم فنشرأجنحته فاستاق بها ذلك العذاب حتى ضرب بها تلك الجبال التي أوحى الله إليه أن يصرفه إليها. قال أبو جعفر علیه السّلام : و هي الجبال التي بناحية الموصل اليوم فصارت حديداً إلى يوم القيامة.
فلمّا رأى قوم يونس أنّ العذاب قد صرف عنهم هبطواإلى منازلهم عن رؤوس الجبال وضموا إليهم نساءهم وأولادهم وأموالهم، و حمدوا الله على ما صرف عنهم، و أصبح
يونس و تنوخا يوم الخميس في موضعهما الذي كانا فيه لا يشكّان أن العذاب قد نزل بهم و أهلكهم جميعاً لمّا خفيت أصواتهم عندهما فأقبلا ناحية القرية يوم الخميس مع طلوع الشمس ينظران إلى ما صار إليه القوم، فلما دنوا من القوم و استقبلتهم الحطابون و الحماة و الرعاة بأغنامهم و نظروا إلى أهل القرية مطمئنين قال يونس لتنوخا: يا تنوخا كذبني الوحي، و كذبت وعدي لقومي، و لاعزّة لي ولا يرون لي وجهاً أبداً بعد ما كذبني الوحي، فانطلق يونس هارباً على وجهه مغاضباً لربة ناحية البحر مستنكراً فراراً من أن يراه أحد من قومه فيقول له: يا كذاب ، فلذلك قال الله: «وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه الآية، ورجع تنوخا إلى القرية فلق روبيل فقال له: يا تنوخا أي الرأيين كان أصوب و أحق أن يتبع ؟ رأيي أو رأيك؟ فقال له تنوخا بل رأيك كان أصوب ، و لقد كنت أشرت برأي الحكماء العلماء، فقال له :توخا أما إني لم أزل أرى أنّي أفضل منك لزهدي و فضل عبادتي حتى استبان فضلك لفضل علمك و ما أعطاك الله ربّك من الحكمة مع التقوى أفضل من الزهد و العبادة بلا علم، فاصطحبا فلم يزالامقيمين مع قومها، و مضى يونس على بهه مغاضباً لربّه فكان من قصته ما أخبر الله به في كتابه إلى قوله: «فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ»
قال أبو عبيدة : قلت لأبي جعفر علیه السّلام : كم كان غاب يونس عن قومه حتّى رجع إليهم بالنبوّة والرسالة فآمنوا به وصدّقوه؟ قال: أربعة أسابيع سبعاً منها في ذهابه إلى البحر، و سبعاً منها في رجوعه إلى قومه، فقلت له: و ما هذه الأسابيع شهورٌ أو أيّامٌ أو ساعاتٌ ؟ فقال: يا عبيدة إنّ العذاب أتاهم يوم الأربعاء في النصف من شوّال، و صرف عنهم من ذلك، فانطلق يونس مغاضباً فمضى يوم الخميس سبعة أيام في مسيره إلى البحر، و يومهم سبعة أيّام في بطن الحوت و سبعة أيام تحت الشجرة بالعراء، و سبعة أيّام في رجوعه إلى قومه ، فكان ذهابه و رجوعه مسيرة ثمان وعشرين يوماً، ثم أتاهم فآمنوا به وصدّقوه و
اتبعوه، فلذلك قال الله : «فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ».(1)
ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ابن المتوكل عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة عنه علیه السّلام مثله مع اختصار (2)
4 - نبه عليّ بن الحكم، عمّن رفعه إلى أبي عبد الله علیه السّلام قال : إنّ داود النبي علیه السّلام قال: يا ربّ أخبرني بقريني في الجنّة ونظيري في منازلي، فأوحى الله تبارك و تعالى إليه، إنّ ذلك متى أبا يونس، قال: فاستأذن الله في زيارته فأذن له، فخرج هو و سليمان ابنه علیهما السّلام حتى أتيا موضعه، فإذا هما ببيت من سعف، فقيل لهما: هو في السوق، فسألا عنه فقيل لهما: اطلباه في الحطّابين، فسألا عنه فقال لها جماعة من الناس نحن ننتظره الآن يجيء، فجلسا ينتظرانه إذا أقبل و على رأسه وقر من حطب، فقام إليه الناس فألقى عنه الحطب و حمد الله و قال: من يشتري طيّباً بطيب؟ فساومه واحد و زاده آخر حتی باعه من بعضهم، قال: فلسها عليه، فقال: انطلقا بنا إلى المنزل، واشترى طعاماً بما كان معه ثم طحنه و عجنه في نقير له، ثم أجج ناراً و أوقدها، ثم جعل العجين في تلك النار وجلس معهما يتحدث، ثم قام و قد نضجت خبيزته، فوضعها في النقير و فلقها و ذرّ عليها ملحاً و وضع إلى جنبه مطهرة ملأ ماء، و جلس على ركبتيه و أخذ لقمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله، فلما از دردها قال: الحمد لله ، ثم فعل ذلك بأخرى و أخرى، ثم أخذ الماء فشرب منه فذكر اسم الله، فلما وضعه قال: الحمد لله، يا ربّ من ذا الذي أنعمت عليه وأوليته مثل ما أوليتني؟ قد صححت بصري و سمعي و بدني و قويتني حتى ذهبت إلى الشجر لم أغرسه و لم أهتم لحفظه جعلته لي رزقاً، و سقت إلي من اشتراه مني فاشتريت بثمنه طعاماً لم أزرعه، و سخّرت لي النار فأنضجته، و
جعلتني أكله بشهوة أقوى به على طاعتك فلك الحمد، قال: ثمّ بكى؛ قال داود: با بنيّ قم فانصرف بنا فإنِّي لم أر عبداً قطُّ أشكر الله من هذا. (1)
1) تنبيه الخواطر 18/1-19.
1 - ص: ابن بابويه، عن محمّد بن يوسف بن عليّ، عن الحسن بن عليّ بن نضر الطرسوسيّ، عن أبي الحسن بن قرعة القاضي بالبصرة، عن زياد بن عبدالله البكّائيّ، عن محمّد بن إسحاق عن إسحاق بن يسار، عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: لمّا كان في عهد خلافة عمر أتاه قوم أحبار اليهود فسألوه عن أقفال السماوات ما هي؟ و عن مفاتيح السماوات ما هي؟ و عن قبر سار بصاحبه ما هو ؟ و عمّن أنذر قومه ليس من الجنّ و لا من الإنس، و عن خمسة أشياء مشت على وجه الأرض لن يخلقوا في الأرحام، و ما يقول الدرّاج في صياحه، و ما يقول الديك و الفرس والحمار والضفدع و القنبر، فنكس عمر رأسه وقال: يا أبا الحسن ما أرى جوابهم إلّا عندك فقال لهم علىّ علیه السّلام : إنّ لي عليكم شريطة إذا أنا أخبرتكم بما في التوراة دخلتم في ديننا؟ قالوا: نعم.
فقال علیه السّلام : أمّا أقفال السماوات هو الشرك بالله، فإن العبد و الأمة إذا كانا مشركين ما يرفع لهما إلى الله سبحانه عمل، فقالوا: ما مفاتيحها ؟ فقال عليٌّ علیه السّلام : شهادة أن لا إله إلّا الله و أنّ محمّداً عبده ورسوله فقالوا: أخبرنا عن قبر سار بصاحبه، قال: ذاك الحوت حين ابتلع
يونس علیه السّلام فدار به في البحار السبعة. فقالوا: أخبرنا عمّن أنذر قومه لا من الجنّ و لامن الإنس، قال: تلك نملة سليمان إذ قالت: «يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان و جنوده».
قالوا: فأخبرنا عن خمسة أشياء مشت على الأرض ما خلقوا في الأرحام، قال: ذاك آدم و حوّاء و ناقة صالح و كبش إبراهيم وعصا موسى قالوا: فأخبرنا ما تقول هذه الحيوانات؟ قال: الدرّاج يقول: الرحمن على العرش استوى، والديك يقول: اذكروا الله يا غافلين، والفرس يقول إذا مشى المؤمنون إلى الكافرين: اللّهمّ انصر عبادك المؤمنين على عبادك الكافرين، والحمار يلعن العشّار و ينهق في عين الشيطان، والضفدع يقول: سبحان ربّي المعبود المسبّح في لجج البحار، والقنبر يقول: اللّهمّ العن مبغضي محمّد و آل محمّد.
قال: وكانت الأحبار ثلاثة فوثب اثنان وقالا: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له و أنّ محمّداً عبده و رسوله. قال: فوقف الحبر الآخر وقال: يا عليّ لقد وقع في قلبي ما وقع في قلوب أصحابي و لكن بقيت خصلة أسألك عنها، فقال عليّ علیه السّلام : سل، قال: أخبرني عن قوم كانوا في أوّل الزمان فماتوا ثلاث مائة و تسع سنين ثمّ أحياهم الله ما كان قصّتهم؟ فابتدأ علىّ علیه السّلام و أراد أن يقرأ سورة الكهف. فقال الحبر: ما أثر ما سمعنا قرآنكم، فإن كنت عالماً بهم أخبرنا بقصّة هؤلاء وبأسمائهم و عددهم و اسم كلبهم و اسم كهفهم و اسم ملكهم و اسم مدينتهم.
فقال علىٌّ علیه السّلام : لا حول ولاقوّة إلّا بالله العلىّ العظيم، يا أخا اليهود حدّثني محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أنّه كان بأرض الروم مدينة يقال لها اُقسوس وكان لها ملك صاح فمات ملكهم فاختلفت كلمتهم فسمع بهم ملك من ملوك فارس يقال له دقيانوس فأقبل في مائة ألف حتّى دخل مدينة اُقسوس فاتّخذها دار مملكته، واتّخذ فيها قصراً طوله فرسخ في عرض فرسخ و اتّخذ في ذلك القصر مجلساً طوله ألف ذراع في عرض مثل ذلك من الرخام الممرّد، و اتّخذ في ذلك
المجلس أربعة آلاف أسطوانة من ذهب و اتّخذ ألف قنديل من ذهب لها سلاسل من اللّجين تسرج بأطيب الأدهان، واتّخذ في شرقيّ المجلس ثمانين كوَّة، ولغربيّه كذلك، وكانت الشمس إذا طلعت طلعت في المجلس كيفما دارت و اتّخذ فيه سريراً من ذهب طوله ثمانون ذراعاً في عرض أربعين ذراعاً، له قوائم من فضّة مرصّعة بالجواهر، و علاه بالنمارق، و اتّخذ من يمين السرير ثمانين كرسيًّا من الذهب مرصّعة بالزبرجد الأخضر فأجلس عليها بطارقته ، واتّخذ من يسار السرير ثمانين كرسيّاً من الفضّة مرصّعة بالياقوت الأحمر فأجلس عليها هرا قلته ثمَّ علا السرير فوضع التاج على رأسه.
فوتب اليهوديّ فقال: ممّ كان تاجه؟ قال: من الذهب المشبّك، له سبعة أركان على كلّ ركن لؤلؤة بيضاء تضيء كضوء المصباح في اللّيلة الظلماء، و اتّخذ خمسين غلاماً من أولاد الهراقلة فقر طقهم بقراطق الديباج الأحمر، و سرولهم بسراويلات الحرير الأخضر، و توجّهم و دملجهم و خلخلهم، و أعطاهم أعمدة من الذهب، و وقّفهم على رأسه، و اتّخذ ستّة غلمة وزراءه، فأقام ثلاثة عين يمينه، و ثلاثة عن يساره، فقال اليهوديّ: ما كان أسماء الثلاثة و الثلاثة ؟ فقال عليٌّ علیه السّلام : الّذين عن يمينه أسماؤهم تملیخا و مکسلمینا و میشیلینا و أمّا الّذين عن يساره فأسماؤهم مرنوس و دیرنوس و شاذريوس، وكان يستشيرهم في جميع اُموره، و كان يجلس في كلّ يوم في صحن داره و البطارقة عن يمينه و الهراقلة عن يساره، ويدخل ثلاثة غلمة في يد أحدهم جام من ذهب مملوءٌ من المسك المسحوق، و في يد الآخر جام من فضّة مملوءٌ من ماء الورد، و في يد الآخر طائر أبيض له منقار أحمر، فإذا نظر الملك إلى ذلك الطائر صفر به فيطير الطائر حتّى يقع في جام ماء الورد فيتمرّغ فيه، ثمَّ يقع على جام المسك فيحمل ما في الجام بريشه و جناحه، ثمَّ يصفر به الثانية فيطير الطائر على تاج الملك فينفذ ما في ريشه و جناحه على رأس الملك.
فلمّا نظر الملك إلى ذلك عنا و تجبّر فادّعى الربوبيّة من دون الله، ودعا إلى ذلك وجوه
قومه، فكلّ من أطاعه على ذلك أعطاه و حباه وكساه، وكلّ من لم يبايعه قتله فاستجابوا له رأساً، و اتّخذ لهم عيداً في كلّ سنة مرّة، فبيناهم ذات يوم في عيد و البطارقة عن يمينه و الهراقلة عن يساره إذ أتاه بطريق فأخبره أنّ عساكر الفرس قد غشيه فاغتمّ لذلك حتّى سقط التاج عن رأسه فنظر إليه أحد الثلاثة الّذين كانوا عن يمينه يقال له تمليخا - و كان غلاماً - فقال في نفسه: لو كان دقيانوس إلها كما يزعم إذاً ما كان يغتمٌّ ولا يفزع، وما كان يبول ولا يتغوّط، و ما كان ينام، وليس هذه من فعل الإله ، قال : وكان الفتية السنّة كلَّ يوم عند أحدهم وكانوا ذلك اليوم عند تمليخا، فاتّخذ لهم من طيّب الطعام، ثمّ قال لهم: يا إخوتاه قد وقع في قلبي شيء منعني الطعام والشراب و المنام، قالوا: وما ذاك يا تمليخا؟ قال: أطلت فكري في هذه السماء فقلت: من رفع سقفها محفوظة بلا عمد و لاعلاقة من فوقها؟ و من أجرى فيها شمساً و قمراً آيتان مبصرتان؟ و من زيّنها بالنجوم؟ ثمّ أطلت الفكر في الأرض فقلت: من سطحها على ظهر اليمّ الزاخر؟ و من حبسها بالجبال أن تميد على كلّ شيء؟ و أطلت فكري في نفسى من أخرجني جنيناً من بطن أمّي؟ و من غذاني؟ و من ربّاني؟ إنّ لها صانعاً و مدبّراً غير دقيوس الملك، و ما هو إلّا ملك الملوك، و جبّار السماوات ، فانكبّت الفتية على رجليه يقبّلونها، وقالوا بك هدانا الله من الضلالة إلى الهدى، فأشر علينا، قال: فوثب تمليخا فباع تمراً من حائط له بثلاثة الآف درهم و صرّها في ردنه و ركبوا خيولهم و خرجوا من المدينة، فلمّا ساروا ثلاثة أميال قال لهم تمليخا: يا إخوتاه جاءت مسكنة الآخرة و ذهب ملك الدنيا، انزلوا عن خيولكم و امشوا على أرجلكم، لعلّ الله أن يجعل لكم من أمركم فرجاً ومخرجاً ، فنزلوا عن خيولهم ومشوا على أرجلهم سبعة فراسخ في ذلك اليوم فجعلت أرجلهم تقطر دماً.
قال: فاستقبلهم راع فقالوا: يا أيّها الراعي هل من شربة لبن أو ماء؟ فقال الراعي: عندي ما تحبّون و لكن أرى وجوهكم وجوه الملوك، و ما أظنّكم إلّا هراباً من دقيوس
الملك، قالوا: يا أيّها الراعي لا يحلّ لنا الكذب، أفينجيّنا منك الصدق؟ فأخبروه بقصّتهم فانكبّ الراعي على أرجلهم يقبّلها، ويقول: يا قوم لقد وقع في قلبي ما وقع في قلوبكم، و لكن امهلوني حتّى أردّ الأغنام على أربابها و ألحق بكم، فتوقّفوا له فرد الأغنام وأقبل يسعى يتّبعه الكلب له.
قال: فوثب اليهوديّ فقال: يا عليّ ما كان اسم الكلب؟ و ما لونه ؟ فقال عليٌّ علیه السّلام : لا حول ولاقوّة إلّا بالله العليّ العظيم، أمّا لون الكلب فكان أبلقا بسواد، و أمّا اسم الكلب فقطمير، فلمّا نظر الفتية إلى الكلب قال بعضهم: إنّا نخاف أن يفضحنا بنباحه، فألحّوا عليه بالحجارة، فانطق الله تعالى جلّ ذكره الكلب: ذروني حتّى أحرسكم من عدوّكم فم يزل الراعي يسير بهم حتّى علاهم جبلاً فانحطّ بهم على كهف يقال له الوصيد، فإذا بفناء الكهف عيون و أشجار مثمرة، فأكلوا من الثمر و شربوا من الماء و جهنّم اللّيل فأووا إلى الكهف و ربض الكلب على باب الكهف و مدّ يديه عليه، فأوحى الله تعالى عزّ و علا إلى ملك الموت بقبض أرواحهم، و وكّل الله بكلّ رجل ملكين يقلّبانه من ذات اليمين إلى ذات الشمال، و من ذات الشمال إلى اليمين، فأوحى الله تعالى عزّو علا إلى خزّان الشمس فكانت تزاور عن كهفهم ذات اليمين و تقرضهم ذات الشمال، فلمّا رجع دقيوس من عيده سأل عن الفتية فأخبر أنّهم خرجوا هراباً فركب في ثمانين ألف حصان، فلم يزل يقفو أثرهم حتّى علا فانحطّ إلى كهفهم فلمّا نظر إليهم إذاهم نيام، فقال الملك: لو أردت أن اُعاقبهم بشيء لما عاقبتهم بأكثر ممّا عاقبوا به أنفسهم، و لكن ايتوني بالبنّائين فسدّ باب الكهف بالكلس و الحجارة، و قال لأصحابه: قولوا لهم: يقولوا لإلههم الّذي في السماء لينجيهم و أن يخرجهم من هذا الموضع.
قال عليّ علیه السّلام : يا أخا اليهود فمكثوا ثلاث مائة سنة و تسع سنين، فلمّا أراد الله أن يحييهم أمر إسرافيل الملك أن ينفخ الروح، فنفخ فقاموا من رقدتهم، فلمّا أن بزغت الشمس
قال بعضهم: قد غفلنا في هذه اللّيلة عن عبادة إله السماء، فقاموا فإذا العين قد غارت، و إذا الأشجار قد يبست فقال بعضهم، إنّ اُمورنا لعجب، مثل تلك العين الغزيرة قد غارت و الأشجار قد يبست في ليلة واحدة و مسهم الجوع فقالوا: ابعثوا بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيّها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه و ليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً؛ قال تمليخا: لا يذهب في حوائجكم غيري و لكن ادفع أيّها الراعي ثيابك إليّ، قال: فدفع الراعي ثيابه و مضى يؤمّ المدينة، فجعل يرى مواضع لا يعرفها، وطريقاً هو ينكرها حتّى أتى باب المدينة و إذا عليه علم أخضر مكتوب عليه : لا إله إلّا الله عيسى رسول الله، قال: فجعل ينظر إلى العلم و جعل يمسح عينيه و يقول: أراني نائماً، ثمَّ دخل المدينة حتّى أتى السوق فأتى رجلاً خبازاً فقال: أيّها الخبّاز ما اسم مدينتكم هذه؟ قال: اُقسوس قال: و ما اسم ملككم؟ قال: عبدالرحمن قال: ادفع إليّ بهذه الورق طعاماً، فجعل الخبّاز يتعجّب من ثقل الدراهم و من كبرها قال فوتب اليهوديّ وقال : يا عليّ و ما كان وزن كلّ درهم منها؟ قال: وزن كلّ درهم عشرة دراهم و ثلثي درهم فقال الخبّاز: يا هذا أنت أصبت كنزاً؟ فقال تمليخا: ما هذا إلّا ثمن تمربعتها منذ ثلاث، و خرجت من هذه المدينة و تركت الناس يعبدون دقيوس الملك، قال: فأخذ الخبّاز بيد تمليخا و أدخله على الملك فقال : ما شأن هذا الفتى؟ قال الخبّاز: هذا رجل أصاب كنزاً، فقال الملك : يا فتى لا تخف فإنّ نبيّنا عيسى علیه السّلام أمرنا أن لا نأخذ من الكنز إلّا خمسها، فأعطني خمسها وامض سالماً.
فقال :تمليخا انظر أيّها الملك في أمري ما أصبت كنزاً، أنا رجل من أهل هذه المدينة، فقال الملك : أنت من أهلها؟ قال: نعم، قال: فهل تعرف بها أحداً؟ قال: نعم، قال: ما اسمك؟ قال: اسمي تمليخا، قال: و ما هذه الأسماء أسماء أهل زماننا، فقال الملك: فهل لك في هذه المدينة دار؟ قال: نعم اركب أيّها الملك معي، قال: فركب الملك و الناس معه فأتى بهم أرفع دار في المدينة، قال تمليخا هذه الدار لي، فقرع الباب فخرج إليهم شيخ وقد وقع حاجباه
على عينيه من الكبر، فقال: ما شأنكم؟ فقال الملك: أتانا هذه الغلام بالعجائب، يزعم أنّ هذه الدار داره، فقال له الشيخ: من أنت؟ قال: أنا تمليخا ابن قسطيكين، قال: فانكبّ الشيخ على رجليه يقبّلها ويقول: هو جدّي و ربّ الكعبة؛ فقال: أيّها الملك هؤلاء الستّة الّذين خرجوا هراباً من دقيوس الملك.
قال: فنزل الملك عن فرسه و حمله على عاتقه و جعل الناس يقبّلون يديه و رجليه فقال: يا تمليخا ما فعل أصحابك؟ فأخبر أنّهم في الكهف، وكان يومئذ بالمدينة ملك مسلم و ملك يهوديّ فركبوا في أصحابهم فلمّا صاروا قريباً من الكهف قال لهم تمليخا : إنّي أخاف أن تسمع أصحابي أصوات حوافر الخيول فيظنّون أنّ دقيوس الملك قد جاء في طلبهم، و لكن املهوني حتّى أتقدّم فأخبرهم، فوقف الناس فأقبل تمليخا حتّى دخل الكهف فلمّا نظروا إليه اعتنقوه وقالوا: الحمد لله الّذي نجّاك من دقيوس، قال تمليخا: دعوني عنكم و عن دقيوسكم، قال: كم لبثتم؟ قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم! قال تمليخا: بل لبثتم ثلاث مائة و تسع سنين، و قد مات دقیوس و انقرض قرن بعد قرن و بعث الله نبيًّا يقال له المسيح عيسى بن مريم علیه السّلام و رفعه الله إليه، و قد أقبل إلينا الملك والناس معه قالوا: يا تمليخا أتريد أن تجعلنا فتنة للعالمين؟ قال تمليخا: فما تريدون؟ قالوا: ادع الله جلّ ذكره و ندعوه معك حتّى يقبض أرواحنا فرفعوا أيديهم، فأمر الله تعالى بقبض أرواحههم و طمس الله باب الكهف على الناس، فأقبل الملكان يطوفان على باب الكهف سبعة أيّام لا يجدان للكهف باباً، فقال الملك المسلم: ماتوا على ديننا أبني على باب الكهف مسجداً، وقال اليهوديّ : لابل ماتوا على ديني ابني على باب الكهف كنيسة، فاقتتلا فغلب المسلم و بنى مسجداً عليه. يا يهوديّ أيوافق هذا ما في توراتكم؟ قال: ما زدت حرفاً ولا نقصت، و أنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأن محمّداً عبده و رسوله.(1)
1) قصص الانبياء مخطوط
2 - شي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إن أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان و أظهروا الكفر ، فأجرهم الله مرّتين (1).
3 - شي: عن سليمان بن جعفر الهذلي قال: قال لي جعفر بن محمّد علیه السّلام : يا سليمان من الفتى؟ قال: قلت: جعلت فداك الفتى عندنا الشابّ، قال لي : أما علمت أنّ أصحاب الكهف كانوا كلهم كهولاً فسماهم الله فتية بإيمانهم؟ يا سليمان من آمن بالله و اتق فهو الفتى(2).
1 - فس: «واليوم الموعود» أي يوم القيامة «و شاهد و مشهود» قال: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم القيامة «قتل أصحاب الأخدود» قال: كان سببهم أنّ الّذي هيّج الحبشة على غزوة اليمن ذانواس و هو آخر من ملك من حمير تهوّد و اجتمعت معه حمير على اليهوديّة، وسمّى نفسه يوسف (أقام على ذلك حيناً من الدهر، ثمَّ أخبر أنّ بنجران بقايا قوم على دين النصرانيّة، وكانوا على دين عيسى علیه السّلام و على حكم الإنجيل، ورأس ذلك الدين عبدالله بن بريا من، حمله أهل دينه على أن يسير إليهم و يحملهم على اليهوديّة و يدخلهم فيها فسار حتّى قدم نجران فجمع من كان بها على دين النصرانيّة ثمَّ عرض عليهم دين اليهوديّة و الدخول فيها فأبوا عليه فجادلهم و عرض عليهم و حرّص الحرص كلّه فأبوا عليه و امتنعوا من اليهوديّة و الدخول فيها، واختاروا القتل، فخدَّ لهم خدوداً و جمع فيها الحطب و أشعل فيه النار، فمنهم من أحرق بالنار ، و منهم من قتل بالسيف و مثّل بهم كلّ مثلة، فبلغ عدد من قتل و أحرق بالنار عشرين ألفاً، وأفلت رجل منهم يدعى دوس على فرس له و ركضه و اتّبعوه حتّى أعجزهم في الرمل و رجع ذونواس إلى ضيعة في جنوده، فقال الله: «قتل أصحاب الأخدود» إلى قوله: «العزيز الحميد» قوله: «إنّ الّذين فتنوا المؤمنين
والمؤمنات» أي أحرقوهم «ثمَّ لم يتوبوا فلهم عذاب جهنّم و لهم عذاب الحريق»(1).
2 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ماجيلويه عن عمّه، عن الكوفيّ، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: إنّ أسقفّ نجران دخل على أمير المؤمنين علیه السّلام فجرى ذكر أصحاب الأخدود، فقال علیه السّلام : بعث الله تعالى نبيّاً حبشيّاً إلى قومه و هم حبشيّة فدعاهم إلى الله تعالى، فكذّبوه و حاربوه و ظفروا به وخدّوا الخدود و جعلوا فيها الحطب و النار، فلمّا كان حرّاً كان حرّاً قالوا لمن كان على دين ذلك النبيّ: اعتزلوا و إلّا طرحناكم فيها، فاعتزل قوم كثير، وقذف فيها خلق كثير حتّى وقعت امرأة و معها ابن لها من شهرين، فقيل لها: إمّا أن ترجعي و إمّا أن تقذفي في النار، فهمّت تطرح نفسها فلمّا رأت ابنها رحمته، فانطق الله تعالى الصبيّ وقال: يا أمّاه ألقي نفسك و إيَّاى في النار، فإنّ هذا في الله قليل.
و تلا عند الصادق علیه السّلام رجل: «قتل أصحاب الأخدود» فقال: قتل أصحاب الأخدود و سئل أمير المؤمنين علیه السّلام عن المجوس أيّ أحكام تجري فيهم؟ قال: هم أهل الكتاب : كان لهم كتاب و كان لهم ملك سكر يوماً فوقع على أخته و أمّه ، فلمّا أفاق ندم و شق ذلك عليه، فقال للناس: هذا حلال، فامتنعوا عليه فجعل يقتلهم و حفر لهم الأخدود و يلقيهم فيها.
1) تفسير القمى / 719
1 - ص: الصدوق عن جعفر بن محمّد بن شاذان، عن أبيه، عن الفضل، عن محمّد بن زياد، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: بعث الله جرجيس علیه السّلام إلى ملك بالشام يقال له: داذانة يعبد صنماً، فقال له: أيّها الملك اقبل نصيحتي، لا ينبغي للخلق أن يعبدوا غير الله تعالى، ولا يرغبوا إلّا إليه، فقال له الملك: من أيّ أرض أنت؟ قال: من الروم قاطنين بفلسطين، فأمر بحبسه ثمّ مشط جسده بأمشاط من حديد حتّى تساقط لحمه و نضح جسده بالخلّ و دلكه بالمسوح الخشنة، ثمَّ أمر بمكاوي من حديد تحمى فيكوى بها جسده، و لمّا لم يقتل أمر بأوتاد من حديد فضربوها في فخذيه و ركبتيه و تحت قدميه، فلمّا رأى أنّ ذلك لم يقتله أمر بأوتاد طوال من حديد فوقذت في رأسه فسال منها دماغه، و أمر بالرصاص فأذيب وصبّ على أثر ذلك، ثمّ أمر بسارية من حجارة كانت في السجن لم ينقلها إلّا ثمانية عشر رجلاً فوضعت على بطنه، فلمّا أظلم اللّيل و تفرّق عنه الناس رأه أهل السجن و قد جاءه ملك فقال له: يا جرجيس إنّ الله تعالى جلّت عظمته يقول: اصبر وابشر ولا تخف إنّ الله معك يخلّصك، وإنّهم يقتلونك أربع مرّات في كلّ ذلك أرفع عنك الألم والأذى.
فلمّا أصبح الملك دعاء فجلده بالسياط على الظهر والبطن، ثمَّ ردّه إلى السجن، ثمّ كتب إلى أهل مملكته أن يبعثوا إليه بكلّ ،ساحر، فبعثوا بساحر استعمل كلّ ما قدر عليه من السحر فلم يعمل فيه، ثمَّ عمل إلى سمّ فسقاه فقال جرجيس: «بسم الله الّذي يضلّ عند صدقه كذب الفجرة وسحر السحرة» فلم يضرّه، فقال الساحر: لو أنّي سقيت بهذا أهل الأرض لنزعت قواهم و شوّهت خلقهم و عميت أبصارهم، فأنت يا جرجيس النور المضيء، و السراج المنير و الحقّ اليقين، أشهد أنّ إلهك حقّ و مادونه باطل آمنت به وصدّقت رسله، و إليه أتوب بما فعلت فقتله الملك. ثمَّ أعاد جرجيس علیه السّلام إلى السجن و عذّبه بألوان العذاب، ثمَّ قطعه أقطاعاً، وألقاها في جبّ، ثمّ خلا الملك الملعون وأصحابه على طعام له و شراب فأمر الله تعالى جلّ و علا أعصاراً أنشأت سحابة سوداء وجاءت بالصواعق و رجفت الأرض و تزلزلت الجبال حتّى أشفقوا أن يكون هلاكهم، وأمر الله ميكائيل فقام على رأس الجبّ و قال: قم يا جرجيس بقوَّة الله الّذي خلقك فسوّاك، فقام جرجيس حيّاً سويّاً و أخرجه من الجبّ، وقال اصبر و ابشر، فانطلق جرجيس حتّى قام بين يدي الملك وقال: بعثني الله ليحتجَّ بي عليكم، فقام صاحب الشرطة وقال: آمنت بالهك الّذي بعثك بعد موتك و شهدت أنّه الحقّ، و جميع الآلهة دونه باطل، واتّبعه أربعة آلاف آمنوا و صدّقوا جرجيس علیه السّلام فقتلهم الّملك جميعاً بالسيف، ثمّ أمر بلوح من نحاس أوقد عليه النار حتّى احمرّ فبسط عليه جرجيس، و أمر بالرصاص فأذيب وصبّ في فيه، ثمّ ضرب الأوتاد في عينيه ورأسه، ثمّ ينزع ويفرغ بالرصاص مكانه، فلمّا رأى أنّ ذلك لم يقتله فأوقد عليه النار حتّى مات و أمر برماده فذرّ في الرياح، فأمر الله تعالى رياح الأرضين في اللّيلة فجمعت رماده في مكان فأمر ميكائيل فنادى جرجيس فقام حيّاً سويّاً بإذن الله ، فانطلق جرجيس إلى الملك و هو في أصحابه، فقام رجل وقام: إنّ تحتنا أربعة عشر منبراً و مائدة بين أيدينا و هى من عيدان شتّى، منها ما يثمر و منها ما لا يثمر، فسل
ربِّك أن يلبس كلّ شجرة منها لحاها، و ينبت فيها ورقها و ثمرها، فإن ذلك فإنّي أصدّقك، فوضع جرجيس ركبتيه على الأرض و دعا ربّه تعالى عظم شأنه فما برح مكانه حتّى أثمر كلّ عود فيها ثمرة، فأمر به الملك فهدّ بين الخشبتين و وضع المنشار على رأسه فنشر حتّى سقط المنشار من تحت رجليه ثمّ أمر بقدر عظيمة فألقي فيها زفت و کبریت و رصاص و التي فيها جسد جرجيس فطبخ حتّى اختلط ذلك كلّه جميعاً، فأظلمت الأرض لذلك، و بعث الله إسرافيل فصاح صيحة خرّ منها الناس لوجوههم، ثمّ قلّب إسرافيل القدر فقال: قم يا جرجيس بإذن الله ، فقام حيّاً سويّاً بقدرة الله و انطلق جرجيس إلى الملك، و لمّا رأى الناس عجبوا منه فجاءته امرأة وقالت: أيّها العبد الصالح كان لناثور نعيش به فمات، فقال لها جرجيس: خذي عصاي هذه فضعيها على ثورك وقولي: إنّ جرجيس يقول: قم بإذن الله، ففعلت فقام حيّاً فآمنت بالله، فقال الملك: إن تركت هذا الساحر أهلك قومي فاجتمعوا كلّهم أن يقتلوه، فأمر به أن يخرج و يقتل بالسيف، فقال: جرجيس علیه السّلام لمّا أخرج: لا تعجلوا علىَّ، فقال: اللّهمّ إن أهلكت أنت عبدة الأوثان أسألك أن تجعل اسمي و ذكري صبراً لمن يتقرَّب إليك عند كلّ هول و بلاء، ثمّ ضربوا عنقه فمات، ثمَّ أسرعوا إلى القرية فهلكوا كلّهم.(1)
أقول: هذه القصّة مذكورة في التواريخ أطول من ذلك تركنا إيرادها لعدم الاعتماد على سندها(2).
1- كا: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و أحمد بن محمّد الكوفيّ، عن عليّ بن عمرو بن أعين جميعاً، عن محسن بن أحمد بن معاذ عن أبان بن عثمان، عن بشير النبّال، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: نبينا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم جالس إذ جاءته امرأة فرحّب بها و أخذ بيدها و أقعدها، ثمَّ قال: ابنة نبيّ ضيّعه قومه خالد بن سنان، دعاهم فأبوا أن يؤمنوا وكانت نار يقال لها نار الحدثان، تأتيهم كلّ سنة فتأكل بعضهم، وكانت تخرج في وقت معلوم، فقال لهم: إن رددتها عنكم تؤمنون؟ قالوا: نعم، قال: فجاءت فاستقبلها بثوبه فردّها ثمَّ تبعها حتّى دخلت كهفها و دخل معها، وجلسوا على باب الكهف و هم يرون أن لا يخرج أبداً، فخرج و هو يقول: هذا هذا، و كلّ هذا من ذا زعمت بنو عبس أنّي لا أخرج وجبيني يندى، ثمَّ قال: تؤمنون بي؟ قالوا: لا، قال: فإنّي ميّت يوم كذا وكذا، فإذا أنا متّ فادفنوني فإنّه سيجيء عانة من حمر يقدمها عيرٌ أبتر حتّى يقف على قبري فانبشوني و سلوني عمّا شئتم، فلمّا مات دفنوه، وكان ذلك اليوم إذ جاءت العانة اجتمعوا وجاؤوا يريدون نبشه فقالو: ما آمنتم به في حياته، فكيف تؤمنون به بعد وف نه؟! و لئن نبشتموه ليكو ننّ سبّة عليكم، فاتركوه فتركوه.(1)
1) روضة الكافي: 343/342.
1 - :ع: بإسناد العلويّ عن أمير المؤمنين علیه السّلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّ نبيّاً من أنبياء الله بعثه الله عزّوجلّ إلى قومه فبقی فيهم أربعين سنة فلم يؤمنوا به، فكان لهم عيد في كنيسة فأتبعهم ذلك النبيّ فقال لهم: آمنوا بالله ، قالوا له: إن كنت نبيّاً فادع لنا الله أن يجيئنا بطعام على لون ثيابنا، وكانت ثيابهم صفراء، فجاء بخشبة يابسة فدعا الله عزّ وجلّ عليها فاخضرّت و أينعت و جاءت بالمشمش حملاً، فأكلوا، فكلّ من أكل و نوى أن يسلم على يد ذلك النبيّ خرج ما في جوف النوى من فيه حلواً، و من نوى أنّه لا يسلم خرج ما في جوف النوى من فيه مرّاً. (1)
2 - ن: تميم القرشيّ، عن أبيه، عن الأنصاريّ، عن الهرويّ قال: سمعت عليّ ابن موسى الرضا علیه السّلام يقول: أوحى الله عزّ و جلّ إلى نبيّ من أنبيائه: إذا أصبحت فأول شيء يستقبلك فكله و الثاني فاكتمه و الثالث فاقبله و الرابع فلا تؤيسه والخامس فاهرب منه. قال: فلمّا أصبح مضى فاستقبله جبل أسود عظيم فوقف وقال: أمرني ربّي أن آكل هذا
1) علل الشرائع .191
و بقي متحيّراً، ثمّ رجع إلى نفسه فقال: ابنّ ربّي جلّ جلاله لا يأمرني إلّا بما أطيق، فمشى إليه ليأكله، فكلّما دنا منه صغر حتّى انتهى إليه فوجده لقمة فأكلها فوجدها أطيب شيء أكله، ثمَّ مضى فوجد طستاً من ذهب فقال: أمرني ربّي أن أكتم هذا، فحفر له و جعله فيه، وألقى عليه التراب، ثمَّ مضى فالتفت فإذا الطست قد ظهر فقال: قد فعلت ما أمرني ربّي عزّ و جلّ فمضى، فإذا هو بطير و خلفه بازي فطاف الطير حوله فقال: أمرني ربّي أن أقبل هذا، ففتح كمّه فدخل الطير فيه، فقال له البازي أخذت صيدي و أنا خلفه منذ أيّام، فقال: إنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن لا أؤيس هذا فقطع من فخذه قطعة فألقاها إليه ثمَّ مضى، فلمّا مضى إذا هو بلحم ميتة منتن مدوّد فقال: أمرني ربّي عزوجل أن أهرب من هذا، فهرب منه و رجع.
و رأى في المنام كأنّه قد قيل له: إنّك قد فعلت ما اُمرت به، فهل تدري ماذا كان؟ قال: لا، قال له: أمّا الجبل فهو الغضب، إنّ العبد إذا غضب لم ير نفسه و جهل قدره من عظم الغضب، فإذا حفظ نفسه و عرف قدره و سكّن غضبه كانت عاقبته كاللّقمة الطيّبة التي أكلتها، و أمّا الطست فهو العمل الصالح إذا كتمه العبد و أخفاه أبى الله عزّ و جلّ إلّا أن يظهره ليزيّنه به مع ما يدَّخر له من ثواب الآخرة، و أمّا الطير فهو الرجل الّذي يأتيك بنصيحة فاقبله و اقبل نصيحته، و أمّا البازي فهو الرجل الّذي يأتيك في حاجة فلا تؤيسه، و أمّا اللّحم المنتن فهى الغيبة قاهرب منها(1).
3 - ص : الصدوق، عن ابن موسى، عن محمّد بن هارون عن عبيد الله بن موسى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن محصن، عن يونس بن ظبيان قال: قال الصادق علیه السلام : إنّ الله تعالى أوحى إلى نبيّ من أنبياء بني إسرائيل: إن أحببت أن تلقاني غداً في حظيرة القدس فكن في الدنيا وحيداً غريباً مهموماً محزوناً مستوحشاً من الناس بمنزلة الطير الواحد فإذا كان اللّيل آوى وحده استوحش من الطيور و استأنس بربّه(2).
4 كا: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن محمّد بن عيسى، عن الدهقان عن درست، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : شكا نبيّ من الأنبياء إلى الله عزّ و جلّ الضعف، فقيل له: اطبخ اللّحم باللّبن فإنّهما يشدّان الجسم(1).
5 - كا بالإسناد المقدّم عن ابن سنان عنه علیه السّلام قال: إنّ نبيّاً من الأنبياء شكا إلى الله الضعف وقلة الجماع فأمره بأكل الهريسة(2).
6 - كا: بهذا الإسناد عنه علیه السّلام قال : شكا نبيّ من الأنبياء إلى الله عزّ و جلّ قلّة النسل فقال: كلّ اللّحم بالبيض(3).
7 - كا: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد عن بكر بن صالح رفعه إلى أبي عبد الله علیه السّلام أنّه قال: شكا نبىّ من الأنبياء إلى الله عزّوجلّ الغمّ، فأمره عزّ و جلّ بأكل العنب(4).
8 - کا: محمّد بن عبدالله بن جعفر، عن أبيه، عن عليّ بن سليمان بن رشيد، عن مروك بن عبيد، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : ما بعث الله عزّ و جلّ نبيّاً إلّا و معه رائحة السفرجل(5).
9 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، عن أبي أسامة ، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: العطر من سنن المرسلين(6).
10 - ل : الأربعمائة قال أمير المؤمنين علیه السّلام : الطيب في الشارب من أخلاق النبيّين(7).
11 - كا: عليّ، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: ثلاث أعطيهنّ الأنبياء علیهم السّلام : العطر، و الأزواج، والسواك(8).
12 -كا: علىّ، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن مهديّ، عن أبي الحسن موسى علیه السّلام : ما بعث الله نبيّاً ولا وصيّاً إلّا سخيّاً(1).
13 - کا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن بعض أصحابنا قال: سئل أبو عبد الله علیه السّلام عن المجوس أكان لهم نبيّ؟ فقال: نعم، أما بلغك كتاب رسول الله إلى أهل مكّة: أن أسلموا وإلّا نابذتكم بحرب، فكتبوا إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أن خذ منّا الجزية ودعنا على عبادة الأوثان، فكتب إليهم النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم إنّي لست آخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب، فكتبوا إليه يريدون بذلك تكذيبه: زعمت أنّك لا تأخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب، ثمّ أخذت الجزية من مجوس هجر، فكتب إليهم النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّ المجوس كان لهم نبيّ فقتلوه، و كتاب أحرقوه، أتاهم نبيّهم بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور(2).
14 - كا: عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إنّ قوماً فيما مضى قالوا لنبيّ لهم ادع لنا ربّك يرفع عنّا الموت، فدعا لهم فرفع الله عنهم الموت فكثروا حتّى ضاقت عليهم المنازل وكثر النسل و يصبح الرجل يطعم أباه و جدّه و أمّه وجدّ جدّه، و يوضّئهم و يتعاهدهم ، فشغلوا عن طلب المعاش، فقالوا: سل لنا ربّك أن يردّنا إلى حالنا الّتي كنّا عليها، فسأل نبيّهم ربّه فردّهم إلى حالهم(3).
15 كا: العدّة، عن سهل، عن محمّد بن الوليد عن شباب الصيرفيّ، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: دفن ما بين الركن اليمانيّ و الحجر الأسود سبعون نبيًّا أماتهم الله جوعاً و ضرّاً(4).
1 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشّاء، عن أبي جميلة، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: كان في بني إسرائيل عابد يقال له جريح، وكان يتعبّد في صومعة فجاءته أمّه وهو يصلّي فدعته فلم يجبها، فانصرفت، ثمّ أتته ودعته فلم يلتفت إليها فانصرفت، ثمّ أتته ودعته فلم يجبها ولم يكلّمها فانصرفت وهي تقول: أسأل إله بني إسرائيل أن يخذلك، فلمّا كان من الغد جاءت فاجرة وقعدت عند صومعته قد أخذها الطلق فادّعت أنّ الولد من جريح، ففشا في بني إسرائيل أنّ من كان يلوم الناس على الزنا قدزنى، وأمر الملك بصلبه، فأقبلت أمّه إليه تلطم وجهها، فقال لها: اسكتي إنّما هذا لدعوتك، فقال الناس لمّا سمعوا ذلك منه وكيف لنا بذلك؟ قال: هاتوا الصبيّ، فجاؤوا به فأخذه فقال: من أبوك؟ فقال: فلان الراعي لبني فلان، فأكذب الله الّذين قالوا ماقالوا في جريح، فحلف جريح ألا يفارق أمّه يخدمها(1).
2 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن أبي الخطّاب عن الحكم بن مسكين، عن النعمان بن يحيى الأزرق، عن أبي حمزة الثماليّ، عن أبي
1) قصص الانبياء مخطوط.
جعفر علیه السّلام قال: إنّ ملكاً من بني إسرائيل قال لأبنينّ مدينة لا يعيبها أحد، فلمّا فرغ من بنائها اجتمع رأيهم على أنّهم لم يروا مثلها قطّ، فقال له رجل: لو أمنتني على نفسي أخبرتك بعيبها، فقال: لك الأمان، فقال لها عيبان: أحدهما أنّك تهلك عنها، والثاني أنّها تخرب من بعدك، فقال الملك: وأيّ عيب أعيب من هذا؟ ثمّ قال: فما نصنع؟ قال: تبني ما يبق ولا يفنى وتكون شابّاً لا تهرم أبداً فقال الملك لابنته ذلك، فقالت: ما صدقك أحد غيره من أهل مملكتك(1).
3 - ص : بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير، عن عبد الملك بن أعين، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: كان في بني إسرائيل رجل وكان له بنتان فزوّجهما من رجلين: واحد زرّاع، وآخر يعمل الفخّار، ثمّ إنّه زارهما فبدأ بامرأة الزّارع فقال لها: كيف حالك؟ قالت: قد زرع زوجي زرعاً كثيراً، فإن جاء الله بالسماء فنحن أحسن بني إسرائيل حالاً، ثمّ ذهب إلى الأخرى فسألها عن حالها، فقالت: قد عمل زوجي فخّاراً كثيراً، فإن أمسك الله السماء عنّا فنحن أحسن بني إسرائيل حالاً، فانصرف وهو يقول: اللّهمّ أنت لهما(2).
4 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشّاء، عن الحسن بن الجهم، عن رجل، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان في بني إسرائيل رجل يكثر أن يقول: «الحمد لله ربّ العالمين والعاقبة للمتّقين» فغاظ إيليس ذلك فبعث إليه شيطاناً فقال: قل: العاقبة للأغنياء، فجاءه فقال ذلك، فتحاكما إلى أوّل من يطلع عليهما على قطع يد الّذي يحكم عليه، فلقيا شخصاً فأخبراه بحالهما، فقال: العاقبة للأغنياء، فرجع وهو يحمد الله ويقول: «العاقبة للمتّقين» فقال له: تعود أيضاً؟ فقال: نعم على يدي الأخرى، فخرجا فطلع الآخر فحكم عليه أيضاً، فقطعت يده الأخرى، وعاد أيضاً يحمد الله ويقول: «العاقبة
للمتقين» فقال له: تحاكمني على ضرب العنق؟ فقال: نعم، فخرجنا فرأيا مثالاً فوقفا عليه. فقال: إنّي كنت حاكمت هذا وقصّا عليه قصّتهما قال: فمسح يديه فعادتا، ثمّ ضرب عنق ذلك الخبيث، وقال: هكذا العاقبة للمتّقين (1).
5 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ابن المتوكّل عن الحميريّ، عن أحمد بن محمّد، عن الثماليّ، عن أبي جعفر علیه السّلام قال : كان قاض في بني إسرائيل وكان يقضي بالحقّ فيهم، فلمّا حضرته الوفاة قال لامرأته: اذا متّ فاغسليني وكفّنيني وغطّي وجهي، وضعيني على سريري، فإنّك لاترينَّ سوءاً إن شاء الله تعالى، فلمّا مات فعلت ما كان أمرها به ثمّ مكثت بعد ذلك حيناً ثمّ إنّها كشفت عن وجهه فإذا دودة تقرض من منخره، ففزعت من ذلك، فلمّا كان باللّيل أتاها في منامها - يعني رأته في النوم - فقال لها: فزعت ممّا رأيت؟ قالت: أجل. قال: والله ماهو إلّا في أخيك، وذلك أنّه أتاني ومعه خصم له، فلمّا جلسا قلت: اللّهمّ اجعل الحقّ له، فلمّا اختصما كان الحقّ له ففرحت فأصابني ما رأيت لموضع هواي مع موافقة الحقّ له(2).
6 - ص: بهذا الإسناد عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: خرجت امرأة بغيّ على شباب من بني إسرائيل فأفتنتهم، فقال بعضهم: لوكان العابد فلاناً رآها أفتنته، وسمعت مقالتهم فقالت: والله لا أنصرف إلى منزلي حتّى أفتنه فمضت نحوه في اللّيل فدقّت عليه، فقال: آوي عندك فأبي عليها، فقالت: إنّ بعض شباب بني إسرائيل راودوني عن نفسي، فإن أدخلتني وإلّا لحقوني وفضحوني، فلمّا سمع مقالتها فتح لها، فلمّا دخلت عليه رمت بثيابها، فلمّا رأى جمالها وهيئتها وقعت في نفسه، فضرب يده عليها، ثمّ رجعت إليه نفسه، وقد كان يوقد تحت قدر له، فأقبل حتّى وضع يده على النار، فقالت: أيّ
شيء تصنع؟ فقال أحرقها لأنّها عملت العمل، فخرجت حتّى أتت جماعة بني إسرائيل، فقالت: الحقوا فلاناً فقد وضع يده على النار، فأقبلوا فلحقوه وقد احترقت يده(1).
7 - ص: عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله علیه السلام إنّ عابداً كان في بني إسرائيل فأضاف امرأة من بني إسرائيل فهمّ بها فأقبل كلّما همّ بها قرَّب إصبعاً من أصابعه إلى النار، فلم يزل ذلك دأبه حتّى أصبح قال لها: اخرجي لبئس الضيف كنت لي(2).
8 - كا: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن يزيد الكناسيّ، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: إنّ فتية من أولاد ملوك بني إسرائيل كانوا متعبّدين وكانت العبادة في أولاد ملوك بني إسرائيل، وإنّهم خرجوا يسيرون في البلاد ليعتبروا، فمرّوا بقبر على ظهر طريق قد سفى عليه السافي، ليس يتبيّن منه إلّا رسمه، فقالوا: لو دعونا الله الساعة فينشر لنا صاحب هذا القبر فساء لناه كيف وجد طعم الموت، فدعوا الله وكان دعاؤهم الّذي دعوا الله به: «أنت إلهنا يا ربّنا ليس لنا إله غيرك، والبديع الدائم غير الغافل، الحيّ الّذي لا يموت، لك في كلّ يوم شأن، تعلم كلّ شيء بغير تعليم انشر لنا هذا الميّت بقدرتك» قال: فخرج من ذلك القبر رجل أبيض الرأس واللّحية ينفض رأسه من التراب فزعاً شاخصاً بصره إلى السماء، فقال لهم: ما يوقفكم على قبري؟ فقالوا: دعوناك لنسألك كيف وجدت طعم الموت؟ فقال لهم: لقد سكنت في قبري تسعة وتسعين سنة ماذهب عنّي ألم الموت وكريه، ولا خرج مرارة طعم الموت من حلقی، فقالوا له: متّ من يوم متّ وأنت على ماترى أبيض الرأس واللّحية؟ قال: لا، ولكن لمّا سمعت الصيحة: اخرج اجتمعت تربة عظامي إلى روحي فبقيت فيه، فخرجت فزعاً شاخصاً بصري مهطعاً إلى صوت الداعي، فابيض لذلك رأسي ولحيتي(3).
9 - كا: عليّ بن محمّد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد، عن غير واحد، عن عليّ بن أسباط، عن الحسن بن الجهم قال : قال أبو الحسن علیه السّلام : قال أبو جعفر علیه السّلام : إنّ رجلاً من بني إسرائيل كان له ابن وكان له محبّاً فأتي في منامه فقيل له: إنّ ابنك ليلة يدخل بأهله يموت قال: فلمّا كان تلك اللّيلة وبنى عليه أبوه توقّع أبوه ذلك فأصبح ابنه سليماً، فأتاه أبوه فقال: يا بنيّ هل عملت البارحة شيئاً من الخير؟ قال: لا إلّا أنّ سائلاً أتى الباب وقد كانوا ادّخروا لي طعاماً فأعطيته السائل، فقال: بهذا دفع عنك(1).
10 - ما الحسين بن إبراهيم القزوينيّ، عن محمّد بن وهبان، عن عليّ بن حبيش عن عبّاس بن محمّد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن الحسين بن أبي غندر عن أبيه، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان رجل شيخ ناسك يعبد الله في بني إسرائيل، فبينا هو يصلّي وهو في عبادته إذ بصر بغلامين صبّيين قد أخذا ديكاً وهما ينتفان ريشه، فأقبل على ماهو فيه من العبادة ولم ينههما عن ذلك، فأوحى الله إلى الأرض : أن سيخي بعبدي، فساخت به الأرض فهو يهوي أبد الآبدين، و دهر الداهرين(2).
11 - كا: عليّ بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن أبي سعيد المكاري، عن أبي حمزة الثماليّ، عن عليّ بن الحسين علیهما السّلام قال: إنّ رجلاً ركب البحر بأهله فكسر بهم فلم ينج ممّن كان في السفينة إلّا امرأة الرجل فإنّها نجت على لوح من ألواح السفينة حتّى ألجأت إلى جزيرة من جزائر البحر، وكان في تلك الجزيرة رجل يقطع الطريق و لم يدع الله حرمة إلّا انتهكها، فلم يعلم إلّا و المرأة قائمة على رأسه، فرفع رأسه إليها فقال: إنسيّة أم جنّيّة؟ فقال: إنسيّة، فلم يكلّمها كلمة حتّى جلس منها مجلس الرجل من أهله، فلمّا أن همّ بها اضطربت، فقال لها: مالك تضطربين؟ فقالت: أفرق من هذا - و أومأت بيدها إلى السماء - قال: فصنعت من هذا شيئاً؟ قالت: لا وعزّته
قال: فأنت تفرقين منه هذا الفرق ولم تصنعي من هذا شيئاً و إنّما استكرهتك استكراهاً فأنا و الله أولى بهذا الفرق و الخوف و أحقّ منك، قال: فقام و لم يحدّث شيئاً، ورجع إلى أهله و ليس له همّة إلّا التوبة و المراجعة، فبينما هو يمشي إذ صادفه راهب يمشي في الطريق، فحميت عليها الشمس، فقال الراهب للشابّ : ادع الله يظلّنا بغمامة فقد حميت علينا الشمس، فقال الشابّ : ما أعلم أنّ لي عند ربّي حسنة فأتجاسر على أن أسأله شيئاً، قال: فأدعو أنا وتؤمّن أنت قال: نعم، فأقبل الراهب يدعو و الشابّ يؤمّن، فما كان بأسرع من أن أظلّتهما غمامة فمشيا تحتها مليّاً من النهار ، ثمَّ انفرجت الجادّة جادّتين فأخذ الشابّ في واحدة، و أخذ الراهب في واحدة فإذا السحاب مع الشابّ فقال الراهب: أنت خير منّي لك استجيب و لم يستجب لي، فخبّرني ما قصّتك، فأخبره بخبر المرأة، فقال: غفر لك ما مضى حيث دخلك الخوف، فانظر كيف تكون فيما تستقبل (1).
12 - كا: محمّد بن يحيى، عن ابن عيسى عن البزنطيّ، عن الرضا علیه السّلام قال: إنّ الرجل كان إذا تعبّد في بني إسرائيل لم يعدَّ عابداً حتّى يصمت قبل ذلك عشر سنين(2).
13 - كا: العدّة، عن البرقيّ، عن أبيه، عن أبي عمّارة قال: روينا أنّ عابد بني إسرائيل كان إذا بلغ الغاية في العبادة صار مشاءً في حوائج الناس عانياً بما يصلحهم(3).
14 - دعوات الراونديّ: روي أنّ عابداً في بنى إسرائيل سأل الله تبارك و تعالى فقال: يا ربّ ما حالي عندك؟ أخير فأزداد في خيري، أو شرّ فأستعتب قبل الموت؟ قال: فأتاه آت فقل له: ليس لك عند الله خير قال: يا ربّ و أين عملي؟ قال: كنت إذا عملت خيراً أخبرت اس به، فليس لك منه إلّا الّذي رضيت به لنفسك، قال: فشقّ ذلك عليه و أحزنه، قال الله إليه الرسول فقال: يقول الله تبارك و تعالى: فمن الآن فاشتر منّي
نفسك فيما تستقبل بصدقة تخرجها عن كلّ عرق كلّ يوم صدقة، قال: يا ربّ أو يطيق هذا أحد؟ فقال تعالى: لست أكلّفك إلّا ما تطيق، قال: فماذا يا ربّ؟ فقال: «سبحان الله والحمد لله و لا إله إلّا الله والله اكبر ولا حول ولاقوَّة إلّا بالله» تقول هذا كلّ يوم ثلاث مائة وستّن مرّة ، يكون كلّ كلمة صدقة عن كلّ عرق من عروقك، قال: فلمّا رأى بشارة ذلك قال: يا ربّ زدني ، قال : إن زدت زدتك(1).
1) دعوات الراوندی مخطوط.
1 - ع ، ن: سأل الشاميّ أمير المؤمنين علیه السّلام لم سمّي تبّع تبّعاً؟ فقال: لأنّه كان غلاماً كاتباً، وكان يكتب لملك كان قبله، فكان إذا كتب كتب: بسم الله الّذي خلق ضحّاً وريحاً، فقال الملك: اكتب و ابدأ باسم ملك الرعد، فقال: لا أبداً إلّا باسم إلهي، ثمَّ أعطف على حاجتك، فشكر الله عزّوجلّ له ذلك فأعطاه ملك ذلك الملك فتابعه الناس على ذلك فسمّي تبّعاً(1).
1) علل الشرائع /199؛ عيون الاخبار 136.
1 - كنز: محمّد بن العبّاس، عن الحسين بن هارون، على عليّ بن مهزيار، عن أخيه عن ابن أسباط ، عن عبد الرحمن بن حمّاد، عن أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر علیه السّلام عن قوله عزّ وجلّ: «وتقلّبك في الساجدين» قال: يرى تقلّبه في أصلاب النبييّن من نبيّ إلى نبيّ حتّى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم علیه السلام(1).
2 - ير: بعض أصحابنا، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن معمّر عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله علیه السّلام عن قول الله تبارك وتعالى: «هذا نذير من النذر الأولى» قال: يعني به محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم حيث دعاهم إلى الإقرار بالله في الذرّ الأوّل(2).
3 - ل، مع: الحكام أحمد بن محمّد بن عبدالرحمن المروزيّ، عن محمّد بن إبراهيم الجرجانيّ عن عبد الصمد بن يحيى الواسطيّ، عن الحسن بن عليّ المدنيّ، عن عبدالله بن
المبارك، عن سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمّد الصادق عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه، عن علىّ بن أبي طالب علیهم السّلام أنّه قال: إنّ الله تبارك و تعالى خلق نور محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم قبل أن خلق السماوات والأرض والعرش والكرسىّ واللّوح والقلم والجنّة والنار و قبل أن خلق آدم و نوحاً و إبراهيم وإسماعيل وإسحاق و یعقوب و موسی و عیسی و داود و سلیمان علیهم السّلام و كلّ من قال الله عزّ وجلّ في قوله: «و وهبنا له إسحاق ويعقوب» إلى قوله «و هديناه إلى صراط مستقيم» و قبل أن خلق الأنبياء كلّهم بأربع مائة ألف و سنة و أربع و عشرين ألف سنة، و خلق عزّ و جلّ معه اثنيّ عشر حجاباً: حجاب القدرة، و حجاب العظمة، و حجاب المنّة، وحجاب الرحمة، و حجاب السعادة و حجاب الكرامة، وحجاب المنزلة، و حجاب الهداية، و حجاب النبوّة، و حجاب الرفعة، و حجاب الهيبة و حجاب الشفاعة، ثمّ حبس نور محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم في حجاب القدرة اثني عشر ألف سنة، و هو يقول: «سبحان ربّي الأعلى» و في حجاب العظمة إحدي عشر ألف سنة، و هو يقول: «سبحان عالم السرّ» و في حجاب المنّة عشرة آلاف سنة، و هو يقول: «سبحان من هو قائم لا يلهو» و في حجاب الرحمة تسعة آلاف سنة، و هو يقول: «سبحان الرفيع الأعليّ و في حجاب السعادة ثمانية آلاف سنة و هو يقول: «سبحان من هو دائم لا يسهو» و في حجاب الكرامة سبعة آلاف سنة، و هو يقول: «سبحان من هو غنيُّ لا يفتقرّ» و في حجاب المنزلة ستّة آلاف سنة، و هو يقول: «سبحان العليم الكريم» و في حجاب الهداية خمسة آلاف سنة، و هو يقول: «سبحان ذي العرش العظيم» و في حجاب النبوّة أربعة آلاف سنة و هو يقول: «سبحان ربّ العزّة عمّا يصفون» و في حجاب الرفعة ثلاثة آلاف سنة، و هو يقول: «سبحان ذي الملك والملكوت» و في حجاب الهيبه ألفي سنة، و هو يقول: «سبحان الله و بحمده» و في حجاب الشفاعة ألف سنة. و هو يقول: «سبحان ربيّ العظم و بحمده» ثمّ أظهر اسمه على اللوح فكان على اللّوح منوّراً أربعة آلاف سنة، ثمّ أظهره على العرش فكان على ساق العرش مثبتاً سبعة آلاف سنة، إلى
أن وضعه الله عزّ وجلّ في صلب آدم علیه السّلام ، ثمّ نقله من صلب آدم علیه السّلام إلى صلب نوح علیه السّلام، ثمّ من صلب إلى صلب حتّى أخرجه الله عزّ وجلّ من صلب عبدالله بن عبد المطلّب، فأكرمه بستّ كرامات: البسه قميص الرضا و ردّاه برداء الهيبة، و توّجه بتاج الهداية، و ألبسه سراويل المعرفة، وجعل تكّته تكّة المحبّة، يشدّ بها سراويله، و جعل نعله نعل الخوف، و ناوله عصا المنزلة، ثمّ قال: يا محمّد اذهب إلى الناس فقل لهم: قولوا: لا إله إلّا الله محمّد رسول الله، وكان أصل ذلك القميص من ستّة أشياء: قامته من الياقوت، وكمّاه من اللّؤلؤ، و دخريصه من البلّور الأصفر، وإيطاء من الزبرجد، و جربّانه من المرجان الأحمر، وجيبه من نور الربّ جلّ جلاله، فقبل الله عزّ وجلّ توبة آدم علیه السّلام بذلك القميص، و ردّ خاتم سليمان علیه السّلام به وردّ يوسف علیه السّلام إلى يعقوب علیه السّلام به، و نجّى يونس علیه السّلام من بطن الحوت به، وكذلك سائر الأنبياء علیهم السّلام أنجاهم من المحن به، ولم يكن ذلك القميص إلّا قميص محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم(1).
4 - فر: جعفر بن محمّد بن بشرويه القطّان، بإسناده عن الأوزاعيّ، عن صعصعة بن صوحان و الأحنف بن قيس، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: خلقني الله نوراً تحت العرش قبل أن يخلق آدم علیه السّلام باثني عشر ألف سنة، فلمّا أن خلق الله آدم علیه السّلام ألقی النور في صلب آدم علیه السّلام فأقبل ينتقل ذلك النور من صلب إلى صلب حتّى افترقنا في صلب
عبدالله بن عبدالمطلّب و أبي طالب، فخلقني ربيّ من ذلك النور لكنّه لا نبيّ بعدي(2).
5 - ع: إبراهيم بن هارون، عن محمّد بن أحمد بن أبي الثلح، عن عيسى بن مهران، عن منذر الشراك، عن إسماعيل بن عليّة، عن أسلم بن ميسرة العجليّ، عن أنس بن مالك، عن معاذ بن جبل أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال : إنّ الله خلقني و عليّاً و فاطمة والحسن والحسين من
قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام قلت: فأين كنتم يا رسول الله؟ قال: قدّام العرش، نسبّح الله و نحمده و نقدّسه و نمجّد، قلت: على أيّ مثال؟ قال: أشباح نور، حتّى إذا أراد الله عزّوجلّ أن يخلق صورنا صيّرنا عمود نور، ثمّ قذفنا في صلب آدم، ثمّ أخرجنا إلى أصلاب الآباء وأرحام الأمّهات، ولا يصيبنا نجس الشرك، ولا سفاح الكفر، يسعد بنا قوم و يشقى بنا آخرون، فلمّا صيّرنا إلى صلب عبد المطّلب أخرج ذلك النور فشقّه نصفين، فجعل نصفه في عبدالله و نصفه في أبي طالب، ثمّ أخرج الّذي لي إلى آمنة، و النصف إلى فاطمة بنت أسد، فأخرجتني آمنة و أخرجت فاطمة عليّاً، ثمّ أعاد عزّ و جلّ العمود إلىّ فخرجت منيّ فاطمة، ثمَّ أعاد عزّ وجلّ العمود إلىّ عليّ فخرج منه الحسن و الحسين – يعني من النصفين جمعياً - فما كان من نور عليّ فصار في ولد الحسن، و ما كان من نوري صار في ولد الحسين، فهو ينتقل في الأئمة من ولده إلى يوم القيامة(1).
6 - كنز: من كتاب الواحدة عن أبي محمّد الحسن بن عبدالله الكوفيّ، عن جعفر ابن محمّد البجليّ، عن أحمد بن حميد، عن الثماليّ، عن الثماليّ، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: قال أمير المؤمنين علیه السّلام : إنّ الله تبارك و تعالى أحدٌ واحدٌ تفرّد في وحدانيّته، ثمّ تكلّم بكلمة فصارت نوراً، ثمّ خلق من ذلك النور محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم و خلقني و ذرّيّتي، ثمّ تكلّم بكلمة فصارت روحاً، فأسكنه الله في ذلك النور، و أسكنه في أبداننا، فنحن روح الله وكلماته، و بنا احتجب عن خلقه، فمازلنا في ظلّة خضراء حيث لا شمس و لاقر ولا ليل و لا نهار و لا عين تطرف، نعبده و نقدّسه و نسبّحه أن يخلق الخلق الخبر(2).
7 - مع القطّان، عن الطالقانيّ، عن الحسن بن عرفة، عن وكيع عن محمّد بن إسرائيل، عن أبي صالح، عن أبي ذرّ رحمة الله عليه قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و هو يقول: خلقت أنا و عليّ بن أبي طالب من نور واحد، نسبّح الله يمنة العرش قبل أن خلق آدم بألفي
عام، فلمّا أن خلق الله آدم علیه السّلام جعل ذلك النور في صلبه، و لقد سكن الجنّة ونحن في صلبه، و لقد همّ بالخطيئة و نحن في صلبه ، و لقد ركب نوح علیه السّلام السفينة و نحن في صلبه، و لقد قذف إبراهيم علیه السّلام في النار و نحن في صلبه، فلم يزل ينقلنا الله عزّ و جلّ من أصلاب طاهرة إلى أرحام طاهرة حتّى انتهى بنا إلى عبد المطّلب، فقسّمنا بنصفين، فجعلني في صلب عبدالله، و جعل عليّاً في صلب أبي طالب، و جعل في النبوّة و البركة، و جعل في عليّ الفصاحة و الفروسيّة، وشقّ لنا اسمين من أسمائه، فذو العرش محمود و أنا محمّد، والله الأعلى و هذا عليّ.
8 - مع: بإسناده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لعليّ بن أبي طالب علیه السّلام : لمّا خلق الله عزّ ذكره آدم نفخ فيه من روحه و أسجد له ملائكته وأسكنه جنّته و زوّجه حوّاء أمته فرفع طرفه نحو العرش فإذا هو بخمسة سطور مکتوبات، قال :آدم يا ربّ من هؤلاء؟ قال الله عزّ و جلّ له: هؤلاء الّذين إذا تشفّع بهم إلىّ خلقي شفّعتهم فقال آدم: يا ربّ بقدرهم عندك ما اسمهم؟ قال: أمّا الأوّل فأنا المحمود و هو محمّد، والثاني فأنا العالي الأعلى و هذا عليّ، و الثالث فأنا الفاطر و هذه فاطمة و الرابع فأنا المحسن و هذا حسن، و الخامس فأنا ذو الإحسان و هذا حسين، كلُّ يحمد الله عزّ و جلّ(1).
أقول: سيأتي في ذلك أخبار كثيرة في كتاب الإمامة.
9 - فس: أبي، عن النضر، عن يحيى الحلبيّ عن ابن سنان قال: قال أبو عبد الله علیه السّلام : أوّل من سبق من الرسل إلى «بلی» رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، و ذلك أنّه كان أقرب الخلق إلى الله تبارك و تعالى الخبر(2).
10 - ع: الصائغ، عن أحمد الهمدانيّ، عن جعفر بن عبيد الله، عن ابن محبوب عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إنّ بعض قريش قال الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بأيّ شيء
سبقت الأنبياء و فضّلت عليهم و أنت بعثت آخرهم و خاتمهم؟ قال: إنّي كنت أوّل من أقرّ بربيّ جلّ جلاله، و أوّل من أجاب، حيث أخذ الله ميثاق النبييّن، و أشهدهم على أنفسهم: ألست بربّكم؟ قالوا: بلى، فكنت أوّل نبيّ قال «بلى» فسبقتهم إلى الإقرار بالله عزّ و جلّ(1).
یر: ابن محبوب عن صالح مثله(2).
شي : عن صالح مثله(3).
11 - ك: العطّار، عن أبيه، عن الأشعريّ، عن ابن أبي الخطّاب، عن أبي سعيد الغضنفريّ، عن عمرو بن ثابت، عن أبي حمزة قال: سمعت عليّ بن الحسين علیهما السّلام يقول: إنّ الله عزّ و جلّ خلق محمّداً و عليّاً و الأئمّة الأحد عشر من نور عظمته أرواحاً في ضياء نوره، يعبدونه قبل خلق الخلق، يسبّحون الله عزّ وجلّ ويقدّسونه و هم الأئمّة الهادية من آل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين(4).
12 -كا: عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عليّ بن إبراهيم، عن عليّ ابن حمّاد، عن المفضّل قال: قلت لأبي عبد الله علیه السّلام : كيف كنتم حيث كنتم في الأظلّة؟ فقال: يا مفضّل كنّا عند ربنّا ليس عنده أحد غيرنا في ظلّة خضراء، نسبّحه و نقدّسه و نهلّله و نمجّده، و ما من ملك مقرّب ولا ذي روح غيرنا حتّى بداله في خلق الأشياء، فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة و غير هم، ثمّ أنهى علم ذلك إلينا(5).
13 - مع لي: ابن الوليد، عن الصفّار، عن عليّ بن حسّان، عن عبدالرحمن ابن كثير الهاشميّ قال: سمعت أبا عبدالله الصادق علیه السّلام يقول: نزل جبرئيل على النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال: يا محمّد إنّ الله جلّ جلاله يقرئُك السلام ويقول: إنّي قد حرّمت النار على صلب أنزلك، وبطن
حملك، و حجر كفلك، فقال: يا جبريل بيّن لي ذلك، فقال: أمّا الصلب الّذي أنزلت فعبد الله بن عبدالمطلّب، و أمّا البطن الّذي حملك فآمنة بنت وهب، و أمّا الحجر الّذي كفلك فأبو طالب بن عبدالمطلّب و فاطمة بنت أسد(1).
14 - ع، مع: محمّد بن عمرو بن عليّ البصريّ، عن عبد السلام بن محمّد بن هارون الهاشميّ، عن محمّد بن محمّد بن عقبة الشيبانيّ، عن الخضر بن أبان، عن أبي هدية إبراهيم ابن هدية، عن أنس بن مالك قال: أتى أبوذرّ يوماً إلى مسجد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال: ما رأيت كما رأيت البارحة، قالوا: و ما رأيت البارحة؟ قال: رأيت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ببابه، فخرج ليلاً فأخذ بيد عليّ بن أبي طالب علیه السّلام ، و خرجا إلى البقيع فمازلت أقفو أثرهما إلى أن أتيا مقابر مكّة فعدل إلى قبر أبيه فصلّى عنده ركعتين، فإذاً بالقبر قد انشقّ إذا بعبد الله جالس وهو :يقول: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّداً عبده و رسوله، فقال له: من وليّك يا أبه؟ فقال: و ما الوليّ يا بنيّ؟ قال: هو هذا عليّ، قال: وإنّ عليّاً ولیّي، قال: فارجع إلى روضتك، ثمّ عدل إلى قبر أمّة فصنع كما صنع عند قبر أبيه فإذا بالقبر قد انشقّ فإذا هي تقول: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك نبيّ الله و رسوله، فقال لها من وليّك يا أمّاه؟ فقالت: و من الوليّ يا بنيّ؟ فقال: هو هذا عليّ بن أبي طالب، فقالت: إنّ عليّاً ولیّي، فقال: ارجعي إلى حفرتك و روضتك، فكذّبوه، ولبّبوه، و قالوا: يا رسول الله كذب عليك اليوم، فقال: و ما كان من ذلك؟ قالوا: إنّ جندب حكى عنك كيت وكيت، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ.
قال عبدالسلام بن محمّد: فعرضت هذا الخبر على الهجيميّ محمّد بن عبد الأعلى فقال: أما عملت أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم قال : أتاني جبرئيل علیه السّلام فقال: إن الله عزّوجلّ حرّم النار على ظهر أنزلك و بطن حملك، وثدي أرضعك و حجر كفلك(2).
15 - ل: الفاميّ وابن مسرور معاً، عن ابن بطّة عن الصفّار، عن ابن معروف، حماد، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: أوّل من سوهم عليه مريم بنت عمران، وهو قول الله، «وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ » و السهام ستّة، ثم استهموا في يونس علیه السّلام لمّا ركب مع القوم، فوقفت السفينة في اللّجّة، فاستهموا فوقع السهم على يونس علیه السّلام ثلاث مرّات، قال: فمضى يونس علیه السّلام إلى صدر السفينة فإذا الحوت فاتح فاه فرمى بنفسه، ثمّ كان عبدالمطلّب ولد له تسعة فنذر في العاشر إن يرزقه الله غلاماً أن يذبحه، قال: فلمّا ولد عبد الله لم يكن يقدر أن يذبحه و رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في صلبه، فجاء بعشر من الإبل وساهم عليها و على عبدالله فخرجت السهام على عبدالله ، فزاد عشراً، فلم يزل السهام تخرج على عبدالله و يزيد عشراً. فلمّا بلغت مأة خرجت السهام على الإبل ، فقال عبدالمطلّب : ما أنصفت ربّي، فأعاد السهام ثلاثاً فخرجت على الإبل فقال: الآن علمت إنّ ربّي قد رضي، فنحرها.(1)
16 - ن: القطان، عن الأسدي، عن عليّ بن الحسن بن فضّال، عن أبيه قال : سألت أبا الحسن الرضا علیه السّلام عن معنى قول النبي صلی الله علیه و آله و سلّم أنا ابن الذبيحين قال: يعني إسماعيل بن اهيم الخليل علیه السّلام، و عبدالله بن عبدالمطلب، أمّا إسماعيل فهو الغلام الحليم الذي بشّر الله تعالى به ابراهیم علیه السّلام« فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ » و هو لمّا عمل مثل عمله «قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى * قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ» ولم يقل له: يا أبت افعل ما رأيت «سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ» فلمّا عزم على ذبحه فداه الله تعالى بذبح عظيم بكبش أملح: يأكل في سواد، و يشرب في سواد، وينظر في سواد، و يمشي في سواد و يبول ويبعر في سواد، و كان يرتع قبل ذلك في رياض الجنة أربعين عاما، و ما خرج من رحم أُنثى
1) الخصال 75/1
و إنما قال الله عزّ وجلّ له كن فكان ليفدي به إسماعيل، فكلّ ما يذبح بمنى فهو فدية لإسماعيل إلى يوم القيامة، فهذا أحد الذبيحين، وأما الآخر فإنّ عبد المطلّب كان تعلّق بحلقة باب الكعبة و دعا الله عزّ وجل أن يرزقه عشرة بنين، ونذر الله عزّ و جلّ أن يذبح واحداً منهم متى أجاب الله دعوته، فلمّا بلغوا عشرة قال: قد وفى الله تعالى لي فلافينّ الله عزّ وجلّ فأدخل ولده الكعبة، و أسهم بينهم، فخرج سهم عبد الله أبي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وكان أحبّ ولده إليه، ثمّ أجالها ثانية فخرج سهم عبد الله، ثمّ أجالها ثالثة، فخرج سهم عبدالله فأخذه و حبسه و عزم على ذبحه فاجتمعت قريش و منعته من ذلك، و اجتمع نساء عبدالمطلب يبكين و يصحن، فقالت له ابنته عاتكة: يا أبتاه أُعذر فيما بينك و بين الله عزّ و جلّ في قتل ابنك، قال: وكيف أُعذر يا بنيّة فإنّك مباركة؟ قالت اعمد على تلك السوائم التي لك في الحرم فاضرب بالقداح على ابنك و على الإبل واعط ربّك حتى يرضى، فبعث عبد المطلّب إلى إيله فأحضرها و عزل منها عشراً، وضرب بالسهام فخرج سهم عبدالله، فمازال يزيد عشراً عشراً حتى بلغت مأة، فضرب فخرج السهم على الإبل، فكبّرت قريش تكبيرة ارتجّت لها جبال تهامة، فقال عبد المطلّب: لا حتّى أضرب بالقداح ثلاث مرّات، فضرب ثلاثاً كلّ ذلك يخرج السهم على الإبل، فلمّا كان في الثالثة اجتذبه الزبير و أبوطالب و إخواتها من تحت رجليه فحملوه و قد انسلخت جلدة خدّه الذي كان على الأرض و أقبلوا يرفعونه، و يقبلونه و يمسحون عنه التراب و أمر عبد المطلّب أن تنحر الإبل بالحزورة، ولا يمنع أحد منها، وكانت مأة، فكانت لعبدالمطلّب خمس من السنن أجراها الله عزّ و جلّ في الإسلام، حرّم نساء الآباء على الأبناء، و سنّ الدية في القتل مأة من الإبل، وكان يطوف بالبيت سبعة أشواط، و وجد كنز فأخرج منه الخمس و سمّي زمزم حين حفرها سقاية الحاجّ، و لو لا أنّ عبد المطلّب كان حجّة و أنّ عزمه على ذبح ابنه عبدالله شبيه بعزم إبراهيم علیه السّلام على ذبح ابنه إسماعيل لما افتخر النبي صلی الله علیه و آله و سلّم بالانتساب إليها لأجل أنّهما
الذبيحان في قوله صلی الله علیه و آله و سلّم : أنا ابن الذبيحين، والعلّة الّتي من أجلها دفع الله عزّ و جلّ الذبح عن إسماعيل هي العلة التي من أجلها دفع الذبح عن عبد الله، و هي كون النبيّ و الأئمّة صلوات الله عليهم في صلبيهما، فببركة النّبي و الأئمة صلوات الله عليهم دفع الله الذبح عنهما، فلم تجر السنّة في الناس بقتل أولادهم، و لو لا ذلك لوجب على الناس كلّ أضحى التقرب إلى الله تعالى ذكره بقتل أولادهم، كلّ ما يتقرّب الناس به إلى الله عزّ و جلّ من أُضحية فهو فداء لإسماعيل إلى يوم القيامة. (1)
17 - كنز الكراجكيّ: عن الحسين بن عبيد الله الواسطي، عن التلعكبريّ، عن محمد بن همام و أحمد بن هوذة جميعاً، عن الحسن بن محمد بن جمهور، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن عبدالرحمن بن الحجاج، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبدالله، عن آبائه علیه السّلام قال: لمّا ظهرت الحبشة باليمن وجّه يكسوم ملك الحبشة بقائدين من قوّاده، يقال لأحدهما: أبرهة، والآخر أرباط في عشرة من الفيلة، كلّ فيل في عشرة آلاف لهدم بيت الله الحرام، فلمّا صاروا ببعض الطريق وقع بأسهم بينهم، واختلفوا فقتل أبرهة أرباط و استولى على الجيش، فلمّا قارب مكّة طرد أصحابه عيراً لعبد المطلّب بن هاشم، فصار عبدالمطلب إلى أبرهة، وكان ترجمان أبرهة والمستولى عليه ابن داية لعبد المطلّب، فقال الترجمان لأبرهة: هذا سيّد العرب و ديّانها فأجلّه وأعظمه، ثمّ قال لكاتبة سله ما حاجته؟ فسأله فقال: إنّ أصحاب الملك طردوا لي نعماً، فأمر بردّها، ثم أقبل على الترجمان فقال: قل له: عجباً لقوم سوّدوك و رءَ سوك عليهم حيث تسألني في عير لك وقد جئت لأهدم شرفك و مجدك، و لو سألتني الرجوع عنه لفعلك، فقال: أيّها الملك إنّ هذه العير لي و أنا ربّها، فسألتك إطلاقها، إنّ لهذه البنية ربّاً يدفع عنها، قال: فإنّي عاد لهدمها حتى أنظر ماذا يفعل، فلمّا انصرف عبدالمطلب رحل أبرهة بجيشه فإذاً هاتف يهتف في السحر الأكبر: يا أهل مكّة أتاكم أهل
1) عيون الاخبار: 117 - 118
عكّة بجحفل جرّار يملأ الأندار ملأ الجفار، فعليهم لعنة الجبّار ، فأنشأ عبد المطلّب يقول شعر.
أيها الداعي لقد أسمعتني *** كلّ ما قلت و ما بي من صمم
إنّ للبيت لربّاً مانعاً *** من يرده بأثام يصطلم
رامه تبّع في أجناده *** حمير و الحي من آل إرم
هلکت بالبغي فيهم جرهم***بعد طسم و حدیس و جشم
وكذاك الأمر فيمن كاده ***ليس أمر الله بالأمر الأمم
نحن آل الله فيما قدخلا ***لم يزل ذاك على عهد إبراهم
نعرف الله و فينا شيمة *** صلة الرحم و نوفي بالذمم
لم يزل الله فينا حجّة *** يدفع الله بها عنها النّقم
ولنا في كل دور كرّة *** نعرف الدين وطورا في العجم
فإذا ما بلغ الدور إلى *** منتهى الوقت أتى الطين فدم
بكتاب فصلت آياته *** فيه تبيان أحاديث الأّمم
فلمّا أصبح عبد المطلّب جمع بنيه و أرسل الحارث ابنه الأكبر إلى أعلى أبي قبيس فقال: انظر يا بني ماذا يأتيك من قبل البحر فرجع فلم ير شيئاً، فأرسل واحداً بعد آخر من ولده فلم يأته أحد منهم عن البحر بخبر، فدعا عبد الله وإنّه لغلام حين أيفع، و عليه ذؤابة تضرب إلى عجزه، فقال: اذهب فداك أبي وأمي، فاعل أبا قبيس فانظر ماذا ترى يجيء من البحر، فنزل مسرعاً فقال: يا سيّد النّادي رأيت سحاباً من قبل البحر مقبلاً، يستفل تارة، و يرتفع أخرى، إن قلت غياً قلته، وإن قلت جهاماً خلته يرتفع تارة، و ينحدر أخرى، فنادى عبدالمطلب یا معشر قریش ادخلوا منازلكم، فقد أتاكم الله بالنصر من عنده، فأقبلت الطير الأبابيل في منقار كلّ طائر حجر، و في رجليه حجران، فكان الطائر الواحد يقتل ثلاثة من أصحاب أبرهة، كان يلقي الحجر في قمة رأس الرجل فيخرج من دبره، و قد قصّ الله تبارك و
تعالى نبأهم في كتابه فقال سبحانه: «ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل السورة السجيل: الصلب من الحجارة و العصف ورق الزرع و مأكول يعني كأنه قد أخذ ما فيه من الحبّ فأكل و بقي لا حبّ فيه وقيل: إنّ الحجارة كانت إذا وقعت على رؤوسهم و خرجت من أدبارهم بقيت أجوافهم فارغة خالية حتى يكون الجسم كقشر الحنظلة. (1)
18 - ع: ابن المتوكّل، عن السعد آباديّ، عن البرقي، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي مريم، عن أبي جعفر علیه السّلام في قوله: «و أرسل عليهم طيراً أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل فقال هؤلاء أهل مدينة كانت على ساحل البحر إلى المشرق فيما بين اليمامة والبحرين ، يخيفون السبيل و يأتون المنكر، فأرسل عليهم طيراً جاءتهم من قبل البحر رؤوسها كأمثال رؤوس الساع، وأبصارها كأبصار الساع، مع كل طير ثلاثة أحجار: حجران في مخاليبه، وحجر في منقاره، فجعلت ترميهم بها حتى جدرت أجسادهم، فقتلهم الله عزّ و جلّ بها، و ما كانوا قبل ذلك رء وا شيئاً من ذلك الطير و لا شيئاً من الجدري، و من أفلت منهم انطلقوا حتى بلغوا حضرموت وادي باليمن أرسل الله عزّ و جلّ عليهم سيلاً فغرقهم و لارءوا في ذلك الوادي ماءً قبل ذلك، فلذلك سمي حضرموت حين ماتوا فيه . (2)
19 - ك: ابن موسى، عن ابن زكريّا القطّان، عن محمّد بن إسماعيل، عن عبدالله ابن محمّد ، عن أبيه ، عن الهيثم بن عمرو المغربيّ، عن إبراهيم بن عقيل الهذليّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال كان يوضع لعبد المطلّب فراش في ظلّ الكعبة لا يجلس عليه أحد إلا هو، إجلالاً له، وكان بنوه يجلسون حوله حتّى يخرج عبد المطلّب، فكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يخرج و هو غلام صبيّ فيجيء حتّى يجلس على الفراش، فيعظم ذلك أعمامه و يأخذونه ليؤخّروه فيقول لهم عبد المطلّب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني فوالله إنّ له لشأناً عظيماً، إنّي أرى أنّه سيأتي عليكم يوم وهو سيّدكم إنّي أرى غرّته غرّة تسود الناس، ثمّ يحمله فيجلسه معه و
يمسح ظهره و يقبله ويقول: ما رأيت قبلة أطيب منه، و لا أطهر قطّ، و لا جسداً ألين منه و لا أطيب، ثمّ يلتفت إلى أبي طالب وذالك أنّ عبدالله و أبا طالب لأمّ واحدة – فيقول: يا أبا طالب إنّ لهذا الغلام لشأناً عظياً فاحفظه و استمسك به، فإنّه فرد وحيد، وكن له كالأُمّ لا يصل إليه شيء يكرهه، ثمّ يحمله على عنقه فيطوف به أُسبُوعاً، وكان عبدالمطلّب قد علم أنّه يكره اللّات والعزّيّ فلا يدخله عليهما، فلمّا تمّت له ستّ سنين ماتت أُمّه آمنة بالأبواء بين المكّة والمدينة، وكانت قدمت به على أخواله من بني عديّ، فبقي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يتيماً لا أب له و لا أُمّ، فازداد عبدالمطلّب له رقَّةً و حفظاً، وكانت هذه حاله حتى أدرك عبدالمطلّب الوفاة فبعث إلى أبي طالب و محمّد على صدره و هو في غمرات الموت و هو يبكي، و يلتفت إلى أبي طالب و يقول: يا أبا طالب انظر أن تكون حافظاً الوحيد الذي لم يشمّ رائحة أبيه، و لم يذق شفقة أُمّه، انظر يا أبا طالب أن يكون من جسدك بمنزلة كبدك، فإنّي قد تركت بنيّ كلّهم و أوصيتك به لأنك من أمّ أبيه، يا أبا طالب إن أدركت أيامه تعلم أني كنت من أبصر الناس به، و أنظر الناس و أعلم، فإن استطعت أن تتبعه فافعل وانصره بلسانه و يدك و مالك، فإنّه و الله سيسود كم و يملك مالم يملك أحد من بني آبائي يا أبا طالب ما أعلم أحداً من آبائك مات عنه أبوه على حال أبيه، ولا أُمّه على حال أُمّه، فاحفظه لوحدته، هل قبلت وصيّتي؟ قال: نعم قد قبلت و الله عليّ بذلك ،شاهد، فقال عبدالمطلّب : فمد يدك إلى فمد يده فضرب بيده إلى يده، ثم قال عبدالمطلّب الآن خفّف على الموت، ثم لم يزل يقبله ويقول: أشهد أنّي لم أقبل أحداً من ولدي أطيب ريحاً منك، و لا أحسن وجهاً منك، و يتمنى أن يكون قد بقي حتّى يدرك زمانه فمات عبدالمطلّب و هو ابن ثمان سنين، فضمه أبو طالب إلى نفسه لا يفارقه ساعة من ليل ولا نهار، وكان ينام معه حتّى بلغ لا يأمن عليه أحداً. (1)
20 - ك أحمد بن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن يعقوب الأصمّ، عن أحمد بن
1) كمال الدين: 102-103
عبدالجبّار العطارديّ، عن يونس بن بكير، عن محمّد بن إسحاق بن بشّار الهذليّ، عن العبّاس بن عبدالله بن سعيد عن بعض أهله قال: كان يوضع لعبد المطّلب جدّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فراش في ظلّ الكعبة ، وكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له، وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يأتي حتّى يجلس عليه، فيذهب أعمامه ليؤخّروه يقول جدّه عبدالمطلّب : دعوا ابني، فيمسح على ظهره ويقول: إنّ لابني هذا لشأناً، فتوفّي عبدالمطلّب و النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ابن ثمان سنين بعد الفيل بثمان سنين. (1)
21 - ك: أحمد بن محمّد الصائغ، عن محمد بن أيّوب، عن صالح بن أسباط، عن إسماعيل بن محمّد، و علي بن عبدالله، عن الربيع بن محمد السلميّ عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباته قال: سمعت أمير المؤمنين علیه السّلام يقول : والله ما عبد أبي و لا جدّي عبد المطلّب ولا هاشم و لا عبد مناف صنماً قطّ، قيل : فما كانوا يعبدون؟ قال: كانوا يصلّون إلى البيت على دين إبراهيم علیه السّلام متمسكين به. (2)
22 - يج: من معجزات النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أنّ أبرهة بن يكسوم قاد الفيلة إلى بيت الله الحرام ليهدمه قبل مبعثه ، فقال عبد المطلّب لأبرهة وقد حضره بعد أن عظم شأنه لسؤاله بعيره: إنّ لهذا البيت ربّاً يمنعه، ثمّ رجع إلى أهل مكّة فدعا عبد المطلّب على أبي قبيس و أهل مكّة قد صعدوا وتركوا مكّة، ثمّ قال لأبي طالب: اخرج و انظر ماذاترى في السماء، فرجع قال: طيوراً لم تكن في ولايتنا، وقد أخبره سيف بن ذي يزن و غیره به فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل و دفعهم عن مكّة و أهلها. (3)
23 - قب: لمّا قصد أبرهة بن الصباح لهدم الكعبة أتاه عبدالمطلب ليستردّ منه إيله،
فقال: تُعلمني في مأة بعير و تترك دينك و دين آبائك و قد جئت لهدمه؟ فقال عبد المطلّب: أنا ربّ الإبل، و إنّ للبيت رباً سيمنعه منك، فردّ إليه إيله، فانصرف إلى قريش فأخبرهم
الخبر، وأخذ بحلقة الباب قائلاً:
يا ربّ لا أرجو لهم سواكا ***يا ربّ فامنع منم حماك
إن عدوّ البيت من عاداكا ***امنعهم أن يخربوا قراكا
وله أيضاً :
لا همّ إنّ المرء يمنع رحله فامنع رحالك*** لا يغلبنّ صليبهم و محالهم عدواً محالك
فانجلى نوره على الكعبة فقال لقومه: انصرفوا فوالله ما انجلى من جبيني هذا النور إلا ظفرت و الآن قد انجلى عنه، و سجد الفيل له فقال للفيل يا محمود، فحرّك الفيل رأسه فقال له: تدري لم جاءوا بك؟ فقال الفيل برأسه: لا، فقال: جاءوا بك لتهدم بيت ربّك، أفتراك فاعل ذلك ؟ فقال الفيل برأسه: لا (1)
24 - فض: قال الواقديّ: كان في زمان عبدالمطلّب رجل يقال له: سيف بن ذي يزن، و كان من ملوك ،اليمن، و قد أنفذ ابنه إلى مكّة والياً من قبله و تقدّم إليه باستعمال العدل و الإنصاف ففعل ما أمره به أبوه، ثمّ إنّ عبدالمطلّب دعا برؤساء قريش مثل عتبة ابن ربيعة، و مثل الوليد بن المغيرة، و عقبة بن أبي معيط، و أُميّة بن خلف، و رؤساء بني هاشم، فاجتمعوا في دار النّدوة، فلمّا قعدوا و أخذوا مراتبهم فتكلّم عبدالمطلّب وقال: اعلموا أنّي قد دبّرت تدبيراً، فقال المشايخ، و ما دبّرت يا رئيس قريش و كبير بني هاشم؟ فقال: يا قوم إنّكم تحتاجون أن تخرجوا معي نحو سيف بن ذي يزن لتهنيته في ولايته و هلاك عدوّه ليكون أرفق بنا ، و أميل إلينا، فقالوا له بأجمعهم: نعم ما رأيت ونعم ما دبّرت، قال: فخرج
1) مناقب آل أبي طالب 18/1 و 19.
عبدالمطلّب و معه سبعة و عشرون رجلاً على نوق جياد نحو اليمن، فلمّا وصلو إلى سيف بن ذي يزن بعد أيام سألوا عن الوصول إليه، قالوا لهم: إنّ الملك في القصر الورديّ، وكان من عاداته في أوان الورد أن يدخل قصر غمدان، و لا يخرج إلّا بعد نيّف و أربعين يوماً، ولا يصل ذو حاجة و لا زائر، و أنتم قصدتم الملك في أيّام الورد، فذهب عبدالمطلب إلى باب بستانه و كان لقصر غمدان في وسط البستان أبواب و كان لهذا البستان باب يفتح إلى البريّة، وقد وكّل بذلك البستان بوّاباً واحداً، فقال عبدالمطلّب لأصحابه: لعلّنا يتهيّىء لنا الدخول بحيلة، ولا يتهيّىء إلّا هي فقال القوم: صدقت، قال الواقديّ: ثمّ إنّ عبدالمطلّب نزل و أخذ نحو الباب، فنظر إلى البواب وسلّم عليه، فقال له: يا بوّاب دعني أن أدخل هذا البستان، فقال البوّاب: و اعجبا منك! ما أقلّ فهمك، و أضعف رأيك؟ أمصروع أنت ؟ فقال له عبدالمطلّب : ما رأيت من جنوني؟ فقال له البوّاب: ما علمت أنّ سيف بن ذي يزن في القصر مع جواريه و خدمه قاعداً فإن بصربك في بستانه أمر بقتلك، و إن سفك دمك عنده أهون من شربة ماء، فقال له عبدالمطلّب : دعني أدخل و يكون من الملك إلى ما يكون، فقال له البواب : يا مغلوب العقل إنّ الملك في القصر وعيناه للباب و البوّاب، إنّه قدر ما يرمق أن يأمر بقتلك ، فقال عقيل بن أبي وقاص با أبا الحارث أما علمت أن المصابيح لا تضيء إلّا بالدهن؟ فقال عبدالمطلّب : صدقت، قال الواقدي: ثم إن عبدالمطلّب دعا بكيس من أديم فيه ألف دينار، وقال - بعد أن صبّ الكيس بين يدي البوّاب - يا هذا إن تركتني أدخل البستان جعلت هذا بريّ إليك، فاقبل صلتي، وخلّ سبيلي، فلمّا نظر البوّاب إلى الدرهم خرّ مبهوتاً وقال له البوّاب: ياشيخ إن دخلت و نظر إليك و سألك عن كيفيّة دخولك ما أنت قائل ؟ قال عبدالمطلّب : أقول له : كان البوّاب نائماً و شرط عليه عبدالمطلّب أن لايكذّبه إن دعاه الملك للمسألة فيقول: غفوت و ليس لي بدخوله علم، قال: نعم، فقال عبدالمطلّب : إن كذّبتني في هذا صدقت الملك عن الصلة الّتي وصلتك بها، فقال له البواب: ادخل يا شيخ،
فدخل عبدالمطلّب البستان، وكان قصر غمدان في وسط الميدان و البستان كأنّه جنّة من الجنان، قد حفٌ بالورد والياسمين و أنواع الرياحين والفواكه، وفيه أنهار جارية وسطه، و إذا سيف بن ذي يزن قد اتّكاً على عمود المنظرة من قصره، فلمّا نظر إلى عبدالمطلّب غضب و قال لغلمانه: من ذا الذي دخل علىَّ بغير إذني؟ ايتوني به سريعاً، فسعى إليه الغلمان والخدم فاختطفوه من البستان، فلمّا دخل عبدالمطلّب عليه رأى قصراً مبنياً على حجر، مطلّى بطلاء الوردي، منقّشاً بنقش اللازورديّ و ورد على أمثال الورد، و رأى عن يمين شماله و بين يديه من الجواري ما لا عدد لهنّ، ورأى بقرب الملك عموداً من عقيق أحمر، وله رأس من ياقوت أزرق، مجوّف محشّى بالمسك، ورأى عن يساره توراً من ذهب أحمر، و على فخذه سيف نقمته مكتوب عليه بماء الذهب. شعر :
رب ليث مدجّج كان يحمي ***ألف قرن منغمد الأغمادي
و خميس ملفّف بخميس *** بدّد الدهر جمعهم في البلاد
قال الواقديّ: فوقف عبد المطلب بين يديه و لم يتكلّم له الملك و لاعبدالمطلّب حتّى كرع الملك في التّور الّذي بين يديه، فلمّا فرغ من شربه نظر إليه و كان سيف قد شاهد عبدالمطلّب قبل هذا، و لكنّه انكره حتّى استنطقه، فقال له الملك: من الرجل؟ فقال أنا عبدالمطلّب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، حتّى بلغ آدم علیه السّلام ، فقال له الملك: أنت ابن أختي؟ فقال: نعم أيّها الملك أنا ابن أختك، و ذلك أنّ سيف بن ذي يزن كان من آل قحطان و آل قحطان من الأخ، و آل إسماعيل من الأخت، فعلم سيف بن ذي يزن أن عبدالمطلّبّ ابن أخته، فقال سيف: أهلاً و سهلاً وناقةً و رحلاً، ومدّ الملك يده إلى عبدالمطلّب ، وكذلك عبدالمطلّب إلى نحو الملك، فأمره الملك بالقعود وكنّاه بأبي الحارث، أنتم معاشر أهل الشار، رجال اللّيل و النهار، و غيوث الجدب و الغلاء، و ليوث الحرب بضرب الطلا، ثمّ قال: يا أبا الحارث فيم جئت؟
فقال له عبدالمطلّب : نحن جيران بيت الله الحرام و سدنة البيت، و قد جئت إليك و أصحابي بالباب لنهنّئك بولايتك و ما فوّضه الله تعالى من النصر لك و أجراه على يديك من هلاك عدوّك، فالحمد لله الّذي نصرك، و أقرّ عينيك، و أفلج حجّتك، وأقرّ عيوننا بخذلان عدوّك، فأطال الله تعالى في سوابغ نعمه مدتك، و هنّاك بما منحك، ووصلها بالكرامة الأبديّة، فلا خيّب دعائي فيك أيّها الملك، ففرح سيف بدعائه و استقرّ له بالمحبّة بما سمع من تهنيته، ثمّ أمره أن يصير هو و من معه بالباب من أصحابه إلى دار الضّيافة إلى أن يؤمر بإحضارهم بعد هذا اليوم إلى مجلسه، فمضى و حجّابه و خدمه بين يديه إلى حيث أمرهم، وخرج عبدالمطلّب و استوى على جمله و أتبعه أصحابه و بين يديه غلمان الملك و حوله حتّى أنزلوه و أصحابه الدار، و بالغوا بالتوصية به و بأصحابه، فأمر الملك أن يجري عليهم في كلّ يوم ألف درهم بيض، فبقي عبدالمطلّب في دار الضيافة سرّيراً حتّى تصرّمت أيام الورد، فلما كان في اليوم الذي أراد فيه مجلسه للتسليم عليه و النظر في أمره ذكر عبدالمطلّب في شطر من ليلته فأمر بإحضاره وحده، فدخل عليه الرسول فأمره و أعلمه بمراد الملك منه ، فقام معه إليه، فإذا الملك في مجلسه وحده فقال لخدمه تباعدوا عنّا، فلم يبق في المجلس غير الملك و عبدالمطلّب ، وثالثهم ربّ العزّة تبارك وتعالى، فقال له الملك: يا أبا الحارث، إنّ من آرائي أن أفوّض إليك علماً كنت كتمته عن غيرك و أُريد أن أضعه عندك، فإنك موضع ذلك، و أريد أن تطويه و تكتمه إلى أن يظهره الله تعالى، فقال عبدالمطلّب : السمع والطاعة للملك، و كذا الظن بك، فقال الملك: اعلم يا أبا الحارث إنّ بأرضكم غلاماً حسن الوجه و البدن، جميل القدو القامة بين كتفيه شامة المبعوث من تهامة أنبت الله تعالى على رأسه شجرة النبوّة، وظلّلته الغمامة صاحب الشفاعة يوم القيامة ، مكتوب بخاتم النبوة على كتفيه سطران: لا إله إلا الله، والثاني محمّد رسول الله، والله تعالى أمات أُمّه وأباه، و تكون تربيته على جدّه و عمّه، و إني وجدت في كتب بني إسرائيل صفته أبين و أشرح من القمر بين
الكواكب، و إني أراك جدّه، فقال عبد المطلب: أنا جدّه أيها الملك، فقال الملك: مرحباً بك و سهلاً يا أبا الحارث، ثم قال له الملك: أشهدك على نفسي يا أبا الحارث إني مؤمن به و بما يأتي به من عند ربّه، ثمّ تأوّه سيف ثلاث مرّات بأن يراه فكان ينصره و ينظره، يتعجب منه الطير في الهواء، ثمّ قال: يا أبا الحارث عليك بكتمان ما ألقيت عليك، و لا تظهره إلى أن يظهره الله تعالى، فقال عبد المطلب : السمع والطاعة للملك، و نظرعبدالمطلّب في لحية سيف بن ذي يزن سواداً و بياضاً، و خرج من عنده وقد وعده في الحباء في غد ليرحلوا إلى أرض الحرم إن شاء الله تعالى، فلما رجع إلى أصحابه وجدهم وجلين شاحبين و قد أكثروا الفكر فيه حين دعاه الملك في مثل ساعته التي دعاه فيها، فقالوا له، ما كان يريد الملك منك؟ قال عبدالمطلّب : يسألني عن رسوم مكة و آثارها، ولم يخبر عبدالمطلّب أحداً بما كان بينه و بين الملك، وغدا عليهم رسول الملك من غد يحضرهم مجلسه فتطيّبوا و تزينوا و دخلوا القصر و عبدالمطلب يقدمهم، فدخلوا عليه فنظر عبدالمطلّب فإذا برأسه ولحيته حالكا فقال له عبدالمطلّب : إنّي تركتك أبيض اللحية فما هذا؟ فقال له الملك: إنّي أستعمل الخضاب، فقال أصحاب عبد المطلب: إن رأى الملك أن يرانا أهلاً لذلك الخضاب فليفعل، قال فأمر الملك أن يؤخذ بهم إلى الحمام، وكان القوم بيض الرؤوس و اللحاء، فخضبوا هناك فخرجوا و لشعورهم بريق كأسود ما يكون من العشر، ويقال: إن سيفاً أوّل من خضب رأسه و لحيته.
قال الواقدي: ثمّ إنّ الملك أمر لكلّ واحد منهم ببدرة بيض، فحمل كلّ واحد منهم على دابّة و بغل و أمر لكلّ واحد منهم بجارية و غلام و بتخت ثياب فاخرة و لعبدالمطلّب بضعفي ما وهب لهم ، ثمّ دعا الملك بفرسه العقاب و بغلته الشهباء و ناقته العضباء و قال يا أبا الحارث: إنّ الّذي أُسلّمه إليك أمانة في عنقك تحفظها إلى أن تسلّمها إلى محمد صلی الله علیه و آله و سلّم إذا بلغ مبلغ الرجال فقال له: اعلم أنّي ما طلبت على ظهر هذه الفرس شيئاً إلّا وجدته، و ما قصدني عدوّ أنا راكب عليها إلّا نجّاني الله تعالى منه، وأمّا البغلة فإنّي كنت أقطع بها الدكداك
و الجبال لحسن سيرها، و لا أنزل عنها ليلي ونهاري، فامره أن يتحفّظ و يجعلها لي تذكرة ، وبلّغه عنّي التحيّة الكثيرة، فقال عبد المطلّب: السمع والطاعة لأمر الملك، ثمّ ودّعوه وخرجوا نحو الحرم حتّى دخلوا مكّة، فوقعت الصيحة في البلد بقدومهم، فخرج الناس يستقبلونهم، وخرج أولاد عبد المطلّب وقد النبيّ على صخرة و قد ألقی كمّه على وجهه لئلّا تناله الشمس حتّى تقارب عبد المطلّب ، فنظر أولاده إليه وقالوا: يا أبانا خرجت إلى اليمن شيخاً و رجعت شابّاً، قال: نعم أيّها الفتيان سأُخبركم بما ذكرتم، ثمّ قال لهم: أين سيّدي محمد؟ قالوا: إنّه قعد في بعض الطريق ينتظركم، ثمّ إنّ عبد المطلّب سار نحوه حتّى وصل إليه مع أصحابه، فنزل عن مركوبه و عانقه و قبّل ما بين عينيه، وقال له: إنّ هذا الفرس و البغلة و الناقة أهداها إليك سيف بن ذي يزن و يقرءُ عليك التحيّة الطيبة، ثم أمر أن يحمل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم على الفرس، فلمّا استويّ النبي ،صلی الله علیه و آله و سلّم على ظهر الفرس انتشط و صهل ، صهيلاً شديداً فرحاً برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، و نسب هذا الفرس إنّه عقاب بن ينزوب بن قابل بن بطّال بن زاد الراكب بن الكفاح بن الجنح بن موج بن ميمون بن ريح، أمر الله تعالى قال: كن،
فكان بأمره.
قال الواقديّ : و أخذ ابو طالب بلجام فرسه و حفّ برسول صلی الله علیه و آله و سلّم أعمامه ، فقال صلی الله علیه و آله و سلّم
خلّوا عنّي فإنّ ربي يحفظني و يكلأني فخلّوا عنه، فدخل النبي صلی الله علیه و آله و سلّم إلى مكّة على حالته، فشاع خبره في قريش و بني هاشم، فتعجّب من أمره الخلق، و بقي النبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم فرحاً مسروراً عند عبد المطلّب.
قال الواقديّ: ودبّ النبي صلی الله علیه و آله و سلّم و درج و أتى عليه ثمان سنين وثمانية أشهر و ثمانية أيّام فعندها اعتلّ عبد المطلّب علّة شديدة فأمر أن يحمل سريره إلى عند البيت الحرام، و ينصب هناك عند أستار الكعبة، وكان لعبد المطلّب سرير من خيزران أسود ورثه من جده عبد مناف، وكان السرير له شبكات من عاج و آبنوس و صندل و عود أحسن ما يكون
إحكاماً و هيئة، وأمر عبد المطلب أن يزيّن السرير بألوان الفرش و الديباج الرقاق و أمر أن ينصب فق سريره فسطاط من ديباج أحمر، ففعل ذلك، و حمل عبد المطلب إلى بيت الله الحرام و نام على ذلك السرير المزيّن، وقعد حوله أولاده، وكان له من البنين عشرة أنفس، فمات منهم عبد الله، وبقى بعده تسعة أنفس شجعان يعدّ كلّ واحد منهم بألف وقعدوا حوله و حقوا بعبدالمطلّب يبكون و دموعهم تتقاطر كالمطر، و قعد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و اجتمعت عند عبدالمطلّب بطون العرب وكبار قريش مصطفّون ما منهم أحد إلا وعيناه تهملان بالدموع فعند ذلك ظهر أبو لهب لعنه الله و أخزاه و أخذ برأس رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لينحّية عن عبد المطلّب فصاح عبد المطلّب و انتهره، وقال له: مه يا عبد العزّى أنت من عداوتك لا تنفكّ من إظهارك ببغضك لولدي محمد، اقعد مكانك و أمسك عنه، و قام أبو لهب و قعد عند رجل عبدالمطلّب خجلاً مخذولاً، لأنّ أبا لهب كان من الفراعنة المبغضين لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ثمّ مال عبدالمطلّب إلى جنبه و أقبل بوجهه على أبي طالب لأنّه لم يكن في أولاد عبدالمطلّب أرفق منه برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و لا أميل منه، ثمّ أنشأ يقول – شعر :
أوصيك يا عبد مناف بعدي*** بموحد بعد أبيه فردى
فارقه و هو ضجيع المهدي*** فكنت كالأم له في الوجدي
قد كنت ألصقه الحشى و الكبدي*** حتى إذا خفت فراق الوحدي
أوصيك أرجى أهلنا بالرفدي*** يابن الذي غيّبته في اللّحدي
بالكره منّي ثمّ لا بالعمدي ***و خيرة الله يشاء في العبدي
ثم قال عبد المطلّب: يا أبا طالب إنّنى أُلقى إليك بعدُ وصيّتي، قال أبو طالب: ما هي؟ قال: يا بني أُوصيك بعدي بقرّة عيني محمد صلی الله علیه و آله و سلّم و أنت تعلم محلّه منّي، و مقامه لديّ، فأكرمه بأجلّ الكرامة، ويكون عندك ليله ونهاره و مادمت في الدنيا الله ثم الله في حبيبه، ثم قال لأولاده: اكرموا و جلّلوا محمداً صلی الله علیه و آله و سلّم ، كونوا عند إعزازه وإكرامه، فسترون منه أمراً عظيماً
عليّاً، وسترون آخر أمره ما أنا أصفه لكم عند بلوغه، فقالوا بأجمعهم: السمع والطاعة يا أبانا نفديه بأنفسنا و أموالنا و نحن له فدية قال أبو طالب: قد أوصيتنا بمن هو أفضل منّي و من إخواني، قال: نعم، ولم يكن في أعمام النبي صلی الله علیه و آله و سلّم أرفق من أبي طالب قديماً وحديثاً في أمر محمد صلی الله علیه و آله و سلّم ثم قال: إنّ نفسي و مالى دونه فداء أُنازع معاديه و أنصر مواليه، فلا يهّمنّك أمره .
قال الواقديّ: ثمّ إنّ عبدالمطلّب غمض عينيه و فتحها و نظر قريشاً وقال: ياقوم أليس حقي عليكم واجباً؟ فقالوا بأجمعهم: نعم حقك على الكبير و الصغير واجب، فنعم القائد و نعم السائق فينا كنت، فجزاك الله تعالى عنّا خيراً، ويهوّن عليك سكرات الموت، و غفر لك ما سلف من ذنوبك، فقال عبدالمطلّب: أُوصيكم بولدي محمّد بن عبد الله صلی الله علیه و آله و سلّم فأحلّوه محل الكرامة فيكم و بروّه و لا تجفوه، ولا تستقبلوه بما يكره، فقالوا بأجمعهم: قد سمعنا منك و أطعناك فيه، ثمّ قال لهم عبد المطلّب: إنّ الرئيس عليكم من بعدي الوليد بن المغيرة أبو عبدالشمس بن أبي العاص بن نقيّة بن عبد شمس بن عبد مناف، فضحت الخلق بأجمعهم و :قالوا قبلنا أمرك، فنعم ما رأيته رأياً، ونعم ما خلّفته فينا بعدك، و صارت قريش و بنو هاشم تحت ركاب الوليد بن المغيرة، فعند ذلك تغيّر وجه عبدالمطلّب و اخضرّت أظافير يديه و رجليه، و وقع على وجنتيه غبار الموت يكثر التقلّب من جنب إلى جنب، و مرّة يقبض رجلاً و يبسط أُخري، و الخلائق من قريش و بني هاشم حاضرون، و قد صارت مكّة في ضجّة واحدة، وأراد النبي صلی الله علیه و آله و سلّم أن يقوم من عنده ففتح عبدالمطلب عينيه و قال: يا محمّد تريد أن تقوم؟ قال: نعم، فقال عبد المطلّب: يا ولدي فإنّي و حقّ ربِّ السماء لفي راحة مادمت عندي، قال: فقعد النبي صلی الله علیه و آله و سلّم فما كان إلّا عن قليل حتى قضى نحبه.
قال الواقديّ: ثم قاموا في تغسيله فغسّلوه وكفّنوه و حنّطوه، وجعلوه في أعواد المنايا و حملوه إلى ذيل الصفا و ما بقي في مكّة شيخ ولا شابّ ولا حرّ ولا عبد من الرجال و النساء
إلّا وقد ذهبوا إلى جنازته و عظّموها و دفنوه، فرجع الخلق من جنازته باكين عليه لفقده من مكّة، فقالت عاتكة بنت عبدالمطلّب ترثي أباها و تقول:
ألا يا عين ويحك فاسعديني *** بدمع واكف هطل غزير
على رجل أجلّ الناس أصلا ***و فرعاً في المعالي و الظهور
طويل الباع أروع شيظميًا***أغّر كغرّة القمر المنير
و قالت صفيّة ترثي أباها:
أعينيّ جودا بالدموع السواكب*** على خير شخص من لويّ بن غالب
أعينيّ جودا عبرة بعد عبرة *** على الأسد الضرغام محض الضرائب
و قالت برّة بنت عبدالمطلب تبكي أباها و ترثيه:
أعيني جودا بالدموع الهواطل*** على النحرمنّي مثل فيض الجداول
ولا تسأما أن تبكيا كلّ ليلة ويوم على مولى كريم الشمائل أباالحارث الفيّاض ذوالباع والندى رئيس قريش كلها في القبائل
فأسقى مليك الناس موضع قبره ***بنوء الثريّا ديمة بعد وابل
و قالت: أروى بنت عبدالمطلّب ترثي أباها:
ألا ياعين و يحك فاسعديني *** بویل و اكف من بعد ویل
بدمع من دموعك ذو غروب*** فقد فارقت ذاکرم و نبل طويل الباع ذي المعالي*** أبوك الخير وارث كلّ فضل
و قالت آمنة بنت عبدالمطلّب تبكي و ترثيه:
بكت عيني و حقّ لها البكاء ***على سمح السجيّة و الحياء على سمح الخليفة أبطحي ***كريم الخيم ينميه العلاء
أقب الكشح أروع ذيّ أصول*** له المجد المقدم و الثناء
وكان هو الفتى كرماً وجوداً ***و بأساً حين يشتبك القناء (1)
25 - كا: محمّد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: يحشر عبدالمطلّب يوم القيامة أُمة وحده عليه سيماء الأنبياء وهيبة الملوك . (2)
26 - كا: عليّ بن أبيه، عن الاصمّ عن الهيثم بن واقد، عن مقرن، عن أبي عبد الله الا قال: إن عبد المطلب أوّل من قال: بالبداء يبعث يوم القيامة أمة وحده، عليه بهاء الملوك، و سيماء الأنبياء. (3)
27 - كا: العدة، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن ابن تغلب قال: قال أبو عبد الله علیه السّلام : لما أن وجّه صاحب الحبشة بالخيل ومعهم الفيل ليهدم البيت مرّوا بابل لعبدالمطلّب فساقوها، فبلغ ذلك عبدالمطلّب فأتى صاحب الحبشة فدخل الآذن فقال: هذا عبدالمطلّب بن هاشم، قال: و ما يشاء؟ قال الترجمان جاء في إيل له ساقوها يسألك ردّها، فقال ملك الحبشة لأصحابه هذا رئيس قوم و زعيمهم، جئت إلى بيته الذي يعبده لأهدمه وهو يسألني إطلاق ايله، أما لو سألني الإمساك عن هدمه لفعلت، ردوا عليه إبله، فقال عبدالمطلّب لترجمانه: ما قال الملك ؟ فأخبره، فقال عبدالمطلّب : أنا ربّ الإبل، ولهذا البيت ربّ ،يمنعه فردّت عليه إيله و انصرف عبدالمطلّب نحو منزله فمرّ بالفيل في منصرفه فقال للفيل: يا محمود، فحرّك الفيل رأسه فقال له: أتدري لم جاءوا بك؟ فقال الفيل برأسه: لا، فقال عبدالمطلّب : جاءوا بك لتهدم بيت ،ربّك، أفتراك فاعل ذلك ؟ فقال برأسه لا، فانصرف عبدالمطلّب إلى منزله، فلما أصبحوا غدوا به لدخول الحرم فأبى و امتنع عليهم، فقال عبدالمطلّب لبعض مواليه عند ذلك: اعل الجبل فانظر ترى شيئاً، فقال: أرى سواداً من
قبل البحر، فقال له: يصيبه بصرك أجمع ؟ فقال له: لا ، و لأوشك أن يصيب، فلما أن قرب قال: هو طير كثير و لا أعرفه يحمل كلّ طير في منقاره حصاة مثل حصاة الخذف أودون حصاة الخذف، فقال عبد المطلب وربّ عبد المطلب ما يريد إلا القوم، حتى لما صاروا فوق رؤوسهم أجمع ألقت الحصاة فوقعت كل حصاة على هامة رجل فخرجت من دبره فقتلته، فما انفلت منهم إلا رجل واحد يخبر الناس، فأما أن أخبرهم ألقت عليه حصاة فقتلته .(1)
28-كا علي، عن أبيه، عن ابن أبي نصر، عن رفاعة، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان عبد المطلب يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لأحد غيره، وكان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنامنه، فجاء رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و هو طفل يدرج حتى جلس على فخذيه، فأهوى بعضهم إليه لينحيه عنه، فقال له عبد المطلب : دع ابني فإنّ الملك قد أتاه. (2)
29 - کا : محمّد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي مريم، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: «وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ*تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ» قال: كان طير سافٌ جاءهم من قبل البحر رؤوسها كأمثال رؤوس السباع، و أظفارها كأظفار السباع من الطير مع كل طائر ثلاثة أحجار: في رجليه حجران، و في منقاره ،حجر، فجعلت ترميهم بها حتى جدرت أجسادهم فقتلهم بها، و ما كان قبل ذلك رؤي شيء من الجدري، و لارءوا ذلك من الطير قبل ذلك اليوم و لا بعده، قال: و من أفلت منهم يومئذ انطلق حتى إذا بلغوا حضر موت و هو واد دون اليمن أرسل الله عليهم سيلاً فغرقهم أجمعين، قال: و ما رؤي في ذلك الوادي ماء قبل ذلك اليوم بخمسة عشر سنة، قال: فلذلك سمّي حضرموت حين ماتوا فيه.
البشائر بمولده و نبوّته من الانبياء و الاوصياء صلوات الله عليه و عليهم وغيرهم من الكهنة وسائر الخلق و ذكر بعض المؤمنين في الفترة
1 - نجم: في كتاب دلائل النبوّة جمع أبي القاسم الحسين بن محمّد السكوني، عن محمّد بن علي بن الحسين، عن الحسن، عن عبدالله بن غانم، عن هناد، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن صالح بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن أسعد، عن ابن مسيب، عن حسان ابن ثابت قال: إني والله لغلام يفعاء ابن سبع أو ثمان سنين أعقل كلّ ما سمعت إذ سمعت يهودياً و هو على أكمة يثرب يصر: يا معشر اليهود، فلما اجتمعوا قالوا: ويلك مالك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث به اللّيلة. (1)
2 - ل: ماجيلويه، عن عمّه، عن البرقي، عن علي بن الحسين الرقّي، عن عبدالله بن جبلة، عن الحسن بن عبدالله عن آبائه عن جدّه الحسن بن علي بن أبي طالب علیه السّلام في حديث طويل قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فسأله أعلمهم عن أشياء فأجابه علیه السّلام فأسلم و أخرج رقّاً أبيض ، فيه جميع ما قال النبي صلی الله علیه و آله و سلّم ، و قال: يا رسول الله و الذي يعثك بالحقّ نبيّاً ما استبسختها إلّا من الألواح الّتي كتب الله عزّ و جلّ لموسى بن
1) فرج المهموم: 29.
عمران علیه السّلام ، و لقد قرأت في التوراة فضلك حتى شككت فيه يا محمد، و لقد كنت أمحو اسمك منذ اربعين سنة من التوراة وكلّما محوته وجدته مثبتاً فيها، و لقد قرأت في التوراة أن هذه المسائل لا يخرجها غيرك، وإنّ في الساعة التي تردّ عليك فيها هذه المسائل يكون جبرئيل عن يمينك، و ميكائيل عن يسارك، و وصيّك بين يديك، فقال رسول الله الله صدقت، هذا جبرئيل عن يمنى، و ميكائيل عن يساري ، و وصبي علي بن أبي طالب بين يدى، فأمن اليهودي و حسن إسلامه. (1)
3 - ك: أبي، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبدالحميد عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إن تبع قال للأوس والخروج، كونوا هاهنا حتى يخرج هذا النبي، فأما أنا فلو أدركته لخدمته و خرجت معه . (2)
4 - ك: أحمد بن محمد بن الحسين البزاز، عن محمد بن يعقوب الأصم، عن أحمد بن عبدالجبار، عن يونس بن بكر عن زكريا بن يحيى، عن عكرمة قال: سمعت ابن عبّاس يقول: لا يشتبهنّ عليكم أمر تبع فإنه كان مسلماً. (3)
5 - ك أبي، عن سعد عن ابن عيسى عن ابن محبوب عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: بينا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ذات يوم بفناء الكعبة يوم افتتح مكّة إذ أقبل إليه وفد فسلّموا عليه، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من القوم؟ قالوا: وفد من بكر بن وائل، :قال: فهل عندكم علم من خبر قس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فما فعل؟ قالوا: مات، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : الحمد لله ربّ الموت ، و ربّ الحياء، كل نفس ذائقة
: الموت، كأنّي أنظر إلى قسّ بن ساعدة الأياديّ و هو بسوق عكاظ على جمل له أحمر، و و يخطب الناس ويقول: اجتمعوا أيها الناس فإذا اجتمعتم فأنصتوا، فإذا أنصتّم فاستمعوا
فإذا اسمعتم فعوا، فإذا وعيتم فاحفظوا، فإذا حفظتم فاصدقوا ألا إنّ من عاش مات ، و من مات فات ، و من فات فليس بآتٍ إنّ في السماء خبراً، و في الأرض عبراً، سقف مرفوع، و مهاد ،موضوع و نجوم تمور وليل يدور، وبحار ماء لا تغور، يحلف قس ما هذا بلعب، وإن من وراء هذا العجباً، مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا؟ يحلف قسّ يميناً غير كاذبة إن الله ديناً هو خير من الدين الذي أنتم عليه، ثم قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : رحم الله قسّاً يحشر يوم القيامة أمّة واحدة، ثمّ قال: هل فيكم أحد يحسن من شعره شيئاً؟ فقال بعضهم: سمعته يقول:
في الأولين الذاهبين من القرون لنا بصائر *** لما رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها يمضي الأكبار والأصاغر *** لا يرجع الماضي إليّ و لا من الباقين غابر
أيقنت أنّي لا محالة حيث صار القوم صائر
و بلغ من حكمة قس بن ساعدة و معرفته أن النبي صلی الله علیه و آله و سلّم كان يسأل من يقدم عليه من إياد عن حكمته و يصغى إليها. (1)
6 - ك: ما جيلويه، عن عمّه، عن الكوفي، عن علي بن حكيم، عن عمرو بن بكار العبسي، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس؛ و عن محمد بن علي بن حاتم البرمكي، عن محمد بن أحمد بن أزهر ، عن محمد بن إسحاق البصري، عن علي بن حرب، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عمرو بن بكير، عن أحمد بن القاسم، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة و ذلك بعد مولد النبی صلی الله علیه و آله و سلّم بسنتين أتاه وفد العرب و أشرافها وشعراءها لتهنئه و تمدحه، و تذكر ما كان من
1) کمال الدین 99-100
بلائه و طلبه بثار قومه، فأتاه وفد من قريش و معهم عبد المطلب بن هشام و أمية بن عبد شمس، و عبدالله بن جذعان و أسد بن خويلد بن عبدالعزّى، و وهب بن عبد مناف في أُناس من وجوه قريش، فقدموا عليه صنعاء فاستأذنوا، فإذا هو في رأس قصر يقال له: غمدان، و هو الذي يقول فيه أُميّة بن أبي الصلت:
اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً *** في رأس غمدان داراً منك محلالا (1)
فدخل عليه الآن فأخبره بمكانهم فأذن لهم، فلما دخلوا عليه دنا عبد المطلب منه فاستأذنه في الكلام، فقال له: إن كنت ممن يتكلّم بين يدي الملوك فقد أذنا لك، قال: فقال عبد المطلب: إنّ الله أحلّك أيها الملك محلّا رفيعاً صعباً منيعاً شامخاً باذخاً، وأنبتك منبتاً طابت ارومته، و عذبت جرثومته، و ثبت أصله و بسق فرعه في أكرم موطن، و أطيب معدن، فأنت أبيت اللعن ملك العرب، و ربيعها الذي تخصب به، و أنت أيها الملك رأس العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، و معقلها الذي يلجأ إليه العباد سلفك خير سلف، و أنت لنا منهم خير خلف فلن يخمل من أنت سلفه، و لن يهلك من أنت خلفه، نحن أيّها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وقد التهنئة، لا وفد المرزئة، قال: و أيهم أنت أيها المتكلّم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم، قال ابن أختنا؟ قال: نعم، قال: ادن فأدناه، ثم أقبل على القوم و عليه فقال: مرحباً و أهلاً، وناقةٌ و رحلاً، و مستناخاً سهلاً و ملكاً و ربحلا، يعطى عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم، و عرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، وأنتم أهل الليل، وأهل النهار، و لكم الكرامة ما أقتم، و الحباء إذا طعنتم قال: ثم انهضوا إلى دار الضيافة و الوفود فأقاموا شهراً لا يصلون إليه، ولا يأذن لهم بالإنصراف، ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب
1) القصيدة طويلة أوردها ابن هشام في السيرة 69/1-70 والمسعودى بعضها في مروج الذهب 84/2-85
فأدني مجلسه و أخلاه، ثمّ قال: أيا عبدالمطلّب إنّي مفوّض إليك من سرّ علمي أمراً لو كان غيرك لم أبح له به، و لكني رأيتك معدنه فأُطلعك عليه طلعة فليكن عندك مطويّاً حتى يأذن الله فيه، فإنّ الله بالغ أمره إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذى اخترناه لأنفسنا و أخبرناه دون غيرنا خبراً عظيماً، و خطراً جسيماً، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة، للناس عامة، ولرهطك كافة، و لك خاصة، فقال عبد المطلب مثلك أيّها الملك من سرّ و بر، فما هو فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر؟ فقال: إذا ولد بتهامة، غلام بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، و لكم به الزعامة إلى يوم القيامة ، فقال له عبد المطلب: أبيت اللعن لقد أبت بخير ما آب بمثله وافد و لولا هيبة الملك و إجلاله و إعظامه لسألته من أسراره ما ازداد به سروراً، فقال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه، أوقد ولد فيه اسمه محمّد يموت أبوه وأمه، و يكفله جده و عمّه، وقد ولداه سراراً و الله باعثه جهاراً، وجاعل له منا أنصاراً، يعزبهم أوليائه، و يذلّ بهم أعدائه، يضرب بهم الناس عن عرض و يستفتح بهم كرائم الأرض، يكسرالأوثان، و يخمد النيران و يعبد الرحمن و يزجر الشيطان، قوله فصل و حكمه عدل، يأمر بالمعروف و يفعله، وينهى عن المنكر و يبطله، فقال عبدالمطلب: أيها الملك عزّ جدك، و علا كعبك، و دام ملكك، وطال عمرك، فهل الملك ساري بإفصاح فقد أوضح لي بعض الإيضاح؟ فقال ابن ذي يزن و البيت ذي الحجب و العلامات على البيت إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب، قال: فخر عبدالمطلب ساجداً، فقال له: ارفع رأسك ثلج صدرك، و علا أمرك ، فهل أحسست شيئاً مما ذكرته لك، فقال: كان لي ابن و كنت به معجباً، و علیه رفیقا، فزوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب فجاءت بغلام فسمّيته محمّداً، مات أبوه وأُمّه و كفلته أنا و عمّه، فقال ابن ذي يزن: إنّ الّذي قلت لك كما قلت فاحتفظ بابنك، و احذر عليه اليهود، فإنّهم له أعداء، و لن يجعل الله لهم عليه سبيلا، و اطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك فإنّي لست آمن أن تدخلهم النفاسة أن تكون له الرئاسة فيطلبون له
الغوائل، و ينصبون له الحبائل، و هم فاعلون أو أبنائهم، و لو لا علمي بأن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي و رجلي حتى صرت بيثرب دار ملكه نصرةً له، لكني أجد في الكتاب الناطق و العلم السابق أن يثرب دار ملكه و بها استحكام أمره، و أهل نصرته، و موضع قبره، و لو لا أنّي أخاف فيه العاهات و أحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثه سنّة أمره في هذا الوقت، ولأوطأت أسنان العرب عقبه، و لكني صارف إليك عن تقصير مني بمن معك، قال: ثم أمر لكل رجل من القوم بعشرة أعبد، وعشر إماء، وحلّتين من البرود و مأة من الإبل، وخمسة أرطال ،ذهب و عشرة أرطال فضة، وكرش مملوّة عنبراً، و أمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا حال الحول فأتني، فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول، قال: وكان عبد المطلب كثيراً ما يقول: يا معشر قريش لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر فإنّه إلى نفاد، ولكن يغبطني بما يبقى لي و لعقبي من بعدي ذكره و فخره و شرفه فإذا قيل: متى ذلك؟ قال: ستعلمن نبأ ما أقول و لو بعد حين، و في ذلك يقول أُمية بن عبد شمس يذكر مسيرهم إلى ابن ذي يزن:
جلبنا الضح تحمله المطايا *** على أكوار أجمال و نوق
مغلغلة مرافقها تعالى *** إلى صنعاء من فجّ عميق
تؤم بنا ابن ذي يزن و تهدى *** ذوات بطونها أمّ الطريق
و تزجي من مخائله بروقا ***مواصلة الوميض إلى بروق
فلمّا وافقت صنعاء صارت ***بدار الملك والحسب العريق
إلى ملك يدرّ لنا العطايا *** بحسن بشاشة الوجه الطليق (1)
7 - ك: القطّان و ابن موسى و محمّد بن أحمد الشيباني جميعاً، عن ابن زكريا القطان، عن محمد بن إسماعيل، عن عبدالله بن محمّد، عن أبيه، عن الهيثم، عن محمد بن السائب، عن
1) كمال الدين: 105 - 107
أبي صالح، عن ابن عبّاس، عن أبيه العبّاس بن عبدالمطلّب، عن أبي طالب قال: خرجت إلى الشام تاجراً سنة ثمان من مولد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، وكان في أشدّ ما يكون من الحر فلا أجمعت على السير قال لي رجال قومي ما تريد أن تفعل بمحمد؟ و على من تخلّفة؟ فقلت: لا أريد أن أخلّفه على أحد، يكون معي فقيل: صغير في حرّ مثل هذا تخرجه معك؟ فقلت: و الله لا يفارقني حيث توجهت أبداً، وإني لأوطىء له الرحل، فذهب فحشوت له حشية زك-ت-اً ركباناً كثيراً، فكان و الله البعير الذي عليه محمّد أمامي لا يفارقني وكان يسبق الرّكب كلّهم، و كان إذا اشتد الحرّجاءت سحابة بيضاء مثل قطعة ثلج فتسلّم عليه و تفت على رأسه و لا تفارقه، وكانت ربما أمطرت علينا السحابة بأنواع الفواكه و هي تسير معنا، وضاق الماء بنا في طريقنا حتى كنّا لا نصيب قربة إلا بدينارين، وكنا حيث ما نزلنا تمتلي الحياض، و يكثر الماء وتخضر الأرض، فكنّا في كلّ خصب وطيب من الخير، وكان فينا قوم قد وقفت جمالهم فمشى إليها رسول الله و مسح عليها فسارت فلما قربنا من بصرى إذا نحن بصومعة قد أقبلت تمشي كما تمشي الدابة السريعة حتى إذا قربت منا وقفت، فإذا فيها راهب وكانت السحابة لا تفارق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ساعةً واحدةً، وكان الراهب لا يكلّم النّاس. و لا يدري ما الرّكب، و ما فيه من التجار، فلمّا نظر إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلّم عرفه، فسمعته يقول: إن كان أحد فأنت أنت، قال: فنزلنا تحت شجرة عظيمة قريبة من الراهب قليلة الأغصان ليس لها حمل و كان الركب ينزل تحتها، فلما نزلها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم اهتزت الشجرة، و ألقت أغصانها على رسول الله، وحملت من ثلاثة أنواع من الفاكهة فاكهتان للصيف و فاكهة للشتاء، فتعجب جميع من معنا من ذلك، فلما رأى بحيراء الراهب ذهب فاتخذ طعاماً لرسول الله بقدر ما يكفيه، ثم جاء وقال: من يتولى أمر هذا الغلام؟ فقلت أنا، فقال، أي شيء تكون منه؟ فقلت: أنا عمّه، فقال: ياهذا إن له أعماماً، فأي الأعمام أنت؟ فقلت: أنا أخو أبيه من أمّ واحدة، فقال: أشهد أنه هو وإلا فلست بحيراء، ثمّ قال: يا هذا أتأذن لي أن أقرب هذا
الطعام منه ليأكله، فقلت له: قربه إليه، فالتفت إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلّم فقلت له: يا بني رجل أحب أن ا الله يكرمك فكل، فقال: هو لي دون أصحابي؟ فقال بحيراء: نعم هو لك خاصة، فقال النبي صلی الله علیه و آله و سلّم فإنّي لا آكل دون هؤلاء، فقال بحيراء: إنّه لم يكن عندي أكثر من هذا، فقال: أفتأذن يا بحيراء أن يأكلوا معي؟ فقال: نعم، فقال: بسم الله، فأكل و أكلنا معه، فوالله لقد كنا مأة و سبعين رجلاً، وأكل كلّ واحد منّا حتّى شبع و تجشّاً، وبحيراء قائم على رأس رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يذب عنه، و يتعجب من كثرة الرجال وقلّة الطعام و في كلّ ساعة يقبّل رأسه و يا فوخه، و يقول: هو هو و ربّ المسيح و الناس لا يفقهون، فقال رجل من الركب إنّ لك لشأناً، وقد كنا نمر بك قبل اليوم فلا تفعل بنا هذا البر، فقال بحيراء والله إن لي لشأناً و شأناً، وإنّي لأرى مالا ترون، و أعلم مالا تعلمون، وإن تحت هذه الشجرة لغلاماً لو كنتم تعلمون منه ما أعلم الحملتموه على أعناقكم حتّى تردّوه إلى وطنه، والله ما أكرمتكم إلا له، ولقد رأيت وقد أقبل نور من أمامه ما بين السماء والأرض، و لقد رأيت رجالاً في أيديهم مراوح الياقوت و الزبرجد يروّحونه، و آخرين ينثرون عليه أنواع الفواكه، ثم هذه السحابة لا تفارقه، و صومعتي مشت إليه كما تمشي الدابة على رجلها، ثمّ هذه الشجرة لم تزل يابسة قليلة الأغصان وقد كثرت أغصانها و اهتزت وحملت ثلاثة أنواع من الفواكه: فاكهة للشتاء، ثم هذه الحياض التي غارت و ذهب مائها أيام تمرج بني إسرائيل بعد الحواريين حين وردوا عليهم، فوجدنا في كتاب شمعون الصفا أنه دعا عليهم فغارت و ذهب ماءها، ثم قال: متى ما رأيتم قد ظهر في هذه الحياض الماء فاعلموا أنه لأجل نبي يخرج في أرض تهامة، مهاجره إلى المدينة اسمه في قومه الأمين، و في السماء أحمد، و هو من عترة إسماعيل بن إبراهيم الصلبه، فو الله إنّه لهو، ثم قال بحيراء: يا غلام أسألك عن ثلاث خصال بحق اللات والعزى إلا ما أخبر تنيها، فغضب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عند ذكر اللات والعزى، وقال: لا تسألني بهما، فو أخبرتنيها، رسول الله ما أبغضت شيئاً كبغضهما، إنهما صنمان من حجارة لقومي، فقال بحيراء: هذه واحدة، ثم
قال: فبالله إلا ما أخبرتني، فقال: سل عما بدالك فإنّك قد سألتني بإلهي و إلهك الذي ليس كمثله شيء، فقال: أسالك عن نومك و يقظتك، فأخبره عن نومه و يقظته و أموره و جميع شأنه، فوافق ذلك ماعند بحيراء، فأكبّ عليه بحيراء يقبل رجليه و يقول: با بني ما أطيب ريحك ؟ يا أكثر النبيين أتباعاً، يا من بهاء نور الدنيا من نوره يا من بذكره تعمر المساجد، كأنّني بك قد قدت الأجناد و الخيل الجياد و تبعك العرب و العجم طوعاً وكرها، وكأنني باللات والعزّي و قد كسرتهما، وقد صار البيت العتيق لا يملكه غيرك، تضع مفاتيحه حيث تريد، كم من بطل من قريش والعرب تصرعه ؟! معك مفاتيح الجنان و النيران، معك الذبح الأكبر وهلاك الأصنام، أنت الذى لا تقوم الساعة حتى تدخل الملوك كلّها في دينك صاغرة قمئة، فلم يزل يقبل يديه مرّة و رجليه مرّة ويقول: لئن أدركت زمانك لأضر بنّ بين يديك بالسيف ضرب الزند بالزند ، أنت سيد ولد آدم و سيّد المرسلين، و إمام المتقين، و خاتم النبيين، والله لقد ضحكت الأرض يوم ولدت فهي ضاحكة إلى يوم القيامة فرحاً بك، والله لقد بكت البيع و الأصنام ، و الشياطين فهي باكية إلى يوم القيامة، أنت بدعوة إبراهيم، و بشارة عيسى، أنت المقدّس المطهر من أنجاس الجاهلية، ثم التفت إلى أبي طالب فقال: ما يكون هذا الغلام منك فإني أراك لا تفارقه ؟ فقال أبو طالب: هو بني، فقال: ما هو ابنك و ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون والده الذي ولده حياً و لا أمة، فقال: إنَّه ابن أخى وقدمات أبوه و أمّه حاملة به، و ماتت أمه و هو ابن ست سنين، فقال صدقت هكذا هو، و لكني أرى لك أن ترده إلى بلده عن هذا الوجه، فإنّه ما بقي على ظهر الأرض يهودي و لا نصراني ولا صاحب كتاب إلا وقد علم بولادة هذا الغلام و لئن رأوه و عرفوا منه ما قد عرفت أنا منه ليبغنّه شرّاً، و أكثر ذلك من اليهود، فقال أبو طالب : ولم ذلك؟ قال: لأنه كائن لابن أخيك الرسالة و النبوة، ويأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتى موسی و عیسی، فقال أبو طالب كلّا إن شاء الله لم يكن الله ليضيعه، ثم خرجنا به إلى الشام فلما قربنا من الشام رأيت والله
قصور الشامات كلّها قد اهتزّت و علامنها نور أعظم من نور الشمس، فلمّا توسّطت الشام ما قدرنا أن نجوز سوق الشام من كثرة ما ازدحم الناس ينظرون إلى وجه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و ذهب الخبر إلى جميع الشامات حتّى مابقى فيها حبر و لا راهب إلّا اجتمع عليه، فجاء حبر عظيم كان اسمه نسطور فجلس مقابله ينظر إليه ولا يكلّمه بشيء حتّى فعل ذلك ثلاثة أيام متوالية، فلمّا كانت الليلة الثالثة لم يصبر حتّى قام إليه فدار خلفه كأنّه يلتمس منه شيئاً، فقلت: يا راهب كأنّك تريد منه شيئاً؟ قال: أجل إنّي أريد منه شيئاً، ما اسمه؟ قلت: محمد بن عبد الله، فتغيّر و الله لونه ثمّ قال : فترى أن تأمره أن يكشف لي عن ظهره لأنظر إليه؟ عن ظهره فلما رأى الخاتم أكبّ عليه يقبّله و يبكي، ثم قال: يا هذا اسرع بردّ هذا الغلام إلى موضعه الذي ولدفيه، فإنّك لو تدري كم عدوّله في أرضنالم تكن بالذي تقدّمه معك، فلم يزل يتعاهده في كلّ يوم و يحمل إليه الطعام، فلمّا خرجنا منها أتاه بقميص من عنده، فقال له: ترى أن تلبس هذا القميص لتذكرني به؟ فلم يقبله، و رأيته كارها لذلك، فأخذت أنا القميص مخافة أن يغتمّ، وقلت: أنا اُلبسه و عجّلت به حتّى رددته إلى مكّة، فوالله ما بقى بمكّة يومئذ امرأة ولا كهل ولا شابّ ولا صغير ولا كبير إلّا استقبله شوقاً إليه ما خلا أبو جهل لعنه الله ، فإنّه كان فاتكاً ما جناً قد ثمل من السكر . (1)
8 - ك: أبيّ، عن علىّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان يرفعه قال: لمّا بلغ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أراد أبو طالب يخرج إلى الشام في عير قريش، فجاء رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و تشبّث بالزمام وقال: ياعمّ عليّ من تخلفني ؟ لا على أُمّ ولا على أب، وقد كانت أُمّه توفّيت فرق له أبو طالب ورحمه وأخرجه معه، وكانوا إذا ساروا تسير على رأس رسول الله الغمامة تظلّه من الشمس، فمرّوا في طريقهم برجل يقال له: بحيراء، فلمّا رأى الغمامة تسير معهم نزل من صومعته، فأخذ لقريش طعاماً وبعث إليهم يسألهم أن يأتوه فأتوه، وخلّفوارسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
1) كمال الدين: 107-110
في الرحل، فنظر بحيراء إلى الغمامة قائمة، فقال لهم: هل بقي منكم أحد لم يأتني؟ فقالوا: ما بقي منا إلا غلام حدث خلّفناه في الرحل، فقال: لا ينبغي أن يتخلّف عن طعامي أحد منكم فبعثوا إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فلمّا أقبل أقبلت الغامة، فلمّا نظر إليه بحيراء قال: من هذا الغلام؟ قالوا: ابن هذا، و أشاروا إلى أبي طالب، فقال له بحيراء: هذا ابنك؟ فقال أبو طالب: هذا ابن أخي، قال: ما فعل أبوه؟ قال: توفّي و هو حمل، فقال بحيراء لأبي طالب: ردّ هذا الغلام في بلاده، فإنّه إن علمت من اليهود ما أعلم منه قتلوه، فإنّ لهذا شأناً من الشأن، هذا نبيّ هذه الأُمّة، هذا نبيّ السيف. (1)
9 - ك القطّان و ابن موسى و السناني جميعاً، عن ابن زكريّا القطّان، عن محمد بن إسماعيل، عن عبدالله بن محمّد، عن أبيه، وقيس بن سعد الدئلي، عن عبدالله بن بحير الفقعسيّ، عن بكر بن عبدالله الأشجعي، عن آبائه قالوا: خرج سنة خرج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى الشام عبد مناة بن كنانة، و نوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن نعمان بن عدىّ تجاراً إلى الشام، فلقاهما أبو المويهب الرّاهب فقال لهما : من أنتما؟ قالا: نحن تجار من أهل الحرم من قريش، فقال لهما : من أىّ قريش؟ فاخبراه فقال لها: هل قدم معكما من قريش غيركما؟ :قالا : نعم شابً مع بني هاشم اسمه محمّد، فقال لهما: أبو المويهب إيَّاه و الله أردت فقالا : والله ما في قريش أحمل منه ذكراً، إنما يسمّونه بيتيم قريش، و هو أجير لامرأة منّا يقال لها: خديجة، فما حاجتك إليه؟ فأخذ يحرّك رأسه ويقول: هو هو، فقال لهما، تدلّاني عليه، فقالا: تركناه في سوق بصرى، فبيناهم في الكلام إذ طلع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، فقال : هو فقال: هو هذا، فخلابه ساعة يناجيه و يكلّمه، ثم أخذ يقبل بين عينيه و أخرج شيئاً من كمه لاندرى ماهو و رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يأبى أن يقبله، فلمّا فارقه قال لنا تسمعان منّي ؟ هذا و الله نبيّ آخر الزمان و الله سيخرج إلى قريب يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله فاذا رأيتم ذلك فأتبعوه، ثمّ
1) کمال الدین: 110 .
قال: هل ولد لعمّه أبي طالب ولد يقال له: عليّ؟ فقلنا: لا، فقال: إمّا أن يكون قد ولد ، أو يولد في سنته، هو أوّل من يؤمن به نعرفه و إنّا لنجد صفته عندنا بالوصيّة كما نجد صفة محمّد بالنَّبوّة، وإنه سيد العرب وربّانيها و ذو قرنيها، يعطي السّيف حقّه، اسمه في الملأ الأعلى عليّ، و هو أعلى الخلائق يوم القيامة بعد الأنبياء ذكراً، وتسميّه الملائكة البطل الأزهر المفلح لا يتوجّه إلى وجه إلّا أفلح و ظفر، والله هو أعرف بين أصحابه في السّماء من الشمس الطالعة. (1)
10 - كا: عليّ، عن أبيه، عن صفوان بن يحي، عن إسحاق به عمار قال: سألت أبا عبد الله الله عن قول الله تبارك و تعالى: «وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ» قال: كان قوم فيما بين محمد صلی الله علیه و آله و سلّم و عيسى علیه السّلام و كانوا يتوعدون أهل الأصنام بالنبي صلی الله علیه و آله و سلّم، و يقولون: ليخرجنّ نبيّ فليكسرنّ أصنامكم، و ليفعلنّ بكم و ليفعلن، فلمّا خرج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كفروا به. (2)
1 - د: في كتاب أسماء حجج الله : ولد صلی الله علیه و آله و سلّم سابع عشرة ليلة من شهر ربيع الأول في عام الفيل، في كتاب الدّر الصحيح أنّه ولد صلی الله علیه و آله و سلّم عند طلوع الفجر من يوم الجمعة السابع عشر من ربيع الأوّل بعد خمس و خمسين يوماً من هلاك أصحاب الفيل، وقال العّامة: يوم الاثنين الثامن أو العاشر من ربيع الأوّل لسبع بقين من ملك أنوشيروان، ويقال: في ملك هرمز بن أنوشيروان، و ذكر الطبريّ أنّ مولده صلی الله علیه و آله و سلّم كان لاثنتي و أربعين سنة من ملك أنوشيروان و هو الصحيح، لقوله صلی الله علیه و آله و سلّم : «ولدت في زمن الملك العادل أنوشيروان» و وافق شهر الروم العشرين من سباط .
في كتاب مواليد الائمة السلام : ولد النبي صلی الله علیه و آله و سلّم لثلاث عشرة بقيت من شهر ربيع الأول في عام الفيل يوم الجمعة مع الزوال، وروي عند طلوع الفجر قبل المبعث بأربعين سنة، و حملت به أمه في أيام التشريق عند الجمرة الوسطى وكانت في منزل عبد الله بن عبد المطلّب، و ولدته في شعب أبي طالب في دار محمّد بن يوسف في الزواية القصوى، وقيل: ولد يوم
الاثنين آخر النهار ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان و تسعمأة للإسكندر في شعب أبي طالب في ملك أنوشيروان. (1)
2 - قل: إن الذين أدركناهم من العلماء كان عملهم على أنّ ولادته المقدّسة صلی الله علیه و آله و سلّم كان يوم الجمعة السابع عشر من ربيع الأول في عام الفيل عند طلوع فجره. (2)
3 - ك ، لى: الدقّاق، عن ابن ذكريّا القطّان، عن البرمكي، عن عبدالله بن محمد، عن أبيه، عن خالد بن إلياس، عن أبي بكر بن عبدالله بن أبي جهم، عن أبيه، عن جدّه قال: سمعت أبا طالب حدّث عن عبد المطلّب قال: بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤياً هالتني فأتيت كاهنة قريش و عليّ مطرف خزّ و جمّتي تضرب منكبي، فلما نظرت إليّ عرفت في وجهي التغيّر فاستوت و أنا يومئذ سيّد قومي، فقالت: ما شأن سيّد العرب متغيّر اللون؟ هل رابه من حدثان الدهر ريب؟ فقلت لها : بلى إنّي رأيت اللّيلة و أنا نائم في الحجر، كأن شجرة قد نبتت على ظهري قد نال رأسها السماء، وضربت بأغصانها الشرق والغرب، و رأيت نوراً يزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا، ورأيت العرب و العجم ساجدة لها، و هي كلّ يوم تزداد عظماً ونوراً، ورأيت رهطاً من قريش يرويدون قطعها، فإذادنوا منها أخذهم شاب من أحسن الناس وجهاً، وأنظفهم ثياباً، فيأخذهم و يكسر ظهورهم و يقلع أعينهم، فرفعت يدي لأتناول غصناً، فصاح بي الشابّ وقال: مهلاً ليس لك منها نصيب، فقلت: لمن النصيب و الشجرة منّي ؟ فقال : النصيب لهؤلاء الذين قد تعلّقوا بها وسيعود إليها، فانتبهت مذعوراً فزعاً متغيّر اللّون، فرأيت لون الكاهنة قد تغيّر، ثم قالت: لئن صدقت ليخرجنّ من صلبك ولد يملك الشرق والغرب، و ينبَّاً في الناس، فتسرّي عنّي غمّي، فانظر أبا طالب لعلّك تكون أنت، وكان أبوطالب يحدّث بهذا الحديث والنبي صلی الله علیه و آله و سلّم قد خرج، و
يقول: كانت الشجرة و الله أبا القاسم الأمين. (1)
أقول: لعلّ ذكر هذا إما لبيان شرافته بأن يكون إرسال الجمة من خواص الشرفاء أو اضطرابه و ارتعاده، و الريب نازلة الدهر ورا به أمر رأى منه ما يكره، قوله: وسيعود إليها، يحتمل أن يكون المراد بالذين تعلّقوا بها الذين يريدون ،قلعها، و يكون قوله: و ستعود بالتاء، أي ستعود تلك الجماعة بعد منازعتهم ومحاربتهم إلى هذه الشجرة، و يؤمنون بها، فيكون لهم النصيب منها، أو بالياء فيكون المستتر راجعاً إلى الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم، و البارز في منها إلى الجماعة، أي سيعود النبي صلی الله علیه و آله و سلّم إليهم بعد إخراجهم له فيؤمنون به، فيكون إشارة إلى فتح مكّة، أو يكون المستتر راجعاً إلى الشابّ و البارز إلى الشجرة، أى سيرجع هذا الشاب إلى الشجرة في اليقظة، كما تعلّق بها في النوم، و على هذا يحتمل أن يكون المراد بالذين تعلّقوا بها أبا طالب و أضرابه ممّن لم يذكروا قبل و يحتمل أن يكون المستتر راجعاً إلى النصيب، و البارز إلي الشجرة، إلي يكون له صلی الله علیه و آله و سلّم ثواب ،إسلامهم ، و يحتمل أن يكون ستعود بصيغة الخطاب، أي ستعود يا عبد المطلّب إليه صلی الله علیه و آله و سلّم عند ولادته، لكن لا تبلغ و لا تدرك وقت نبوّته، قوله: لعلّك تكون أنت، أي ذلك الشابّ و يحتمل أن يكون الشابّ أمير المؤمنين علیه السّلام .
4 - ك ، لى: القطّان، عن ابن زكريا القطّان عن محمّد بن إسماعيل ، عن عبدالله بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن مسلم، مولى لبني مخزوم، عن سعيد بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن عبّاس قال: سمعت أبي العبّاس يحدّث قال: ولد لأبي عبدالمطلّب عبدالله، فرأينا في وجهه نوراً يزهر كنور الشمس، فقال أبي: إنّ لهذا الغلام شأناً عظيماً، قال: فرأيت في منامي أنّه خرج من منخره طائر أبيض، فطار فبلغ المشرق والمغرب، ثمّ رجع راجعاً حتى سقط على بيت الكعبة فسجدت له قريش كلّها، فبينما الناس يتأمّلونه إذ صار نوراً بين السماء والأرض، و امتدّ
1) كمال الدين / 103: الامالى / 158
حتى بلغ المشرق و المغرب، فلما انتهبت سألت كاهنة بني مخزوم فقالت: يا عباس لنن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبه ولد يصير أهل المشرق و المغرب تبعاً له، قال أبي: فهمني أمر عبد الله إلى أن تزوّج بآمنة، وكانت من أجمل نساء قريش و أتمها خلقاً، فلمّا مات عبدالله و ولدت آمنة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أتيته فرأيت النور بين عينيه يزهر، فحملته و تفرّست في وجهه فوجدت منه ريح المسك، وصرت كأنّي قطعة مسك من شدة ريحي، فحدّثتنى آمنة وقالت لي: إنّه لما أخذني الطلق واشتدّبي الأمر سمعت جلبةً وكلاملاً لا يشبه كلام الآدميّين، ورأيت علماً من سندس على قضيب من ياقوت قد ضرب بين السماء و الأرض، ورأيت نوراً يسطع من رأسه حتّى بلغ السّماء، و رأيت قصور الشامات كأنّها شعلة نار نوراً، ورأيت حولي من القطاة أمراً عظيماً قد نشرت أجنحتها حولي، ورأيت شعيرة الأسدية قد مرّت و هي تقول: آمنة ما لقيت الكهّان و الأصنام من ولدك ؟ و رأيت رجلاً شابّا من أتمّ الناس طولاً، وأشدّهم بياضاً، و أحسنهم ثياباً ما ظننته إلّا عبدالمطلّب قد دنا منّي فأخذ المولود فتفل في فيه، و معه طست من ذهب مضروب بالزمرّد، و مشط من ذهب، فشقّ بطنه شقّاً، ثمّ أخرج قلبه فشقّه فأخرج منه نكته سوداء فرمى بها، ثم أخرج صرّة من حريرة خضراء ففتحها، فإذاً فيها كالذريرة البيضاء فحشاه، ثمّ ردّه إلى ما كان، و مسح على بطنه و اسنتطقه فنطق، فلم أفهم ما قال إلّا أنّه قال: في أمان الله و حفظه وكلائته، قد حشوت قلبك إيماناً و علماً وحلماً و يقيناً و عقلاً و شجاعةً، أنت خير البشر، طوبى لمن اتّبعك، وويل لمن تخلّف عنك، ثم أخرج صرّة أُخرى من حريرة بيضاء ففتحها فإذاً فيها خاتم فضرب على كتفيه، ثم قال: أمرني ربي أن أنفخ فيك من روح القدس، فنفخ فيه، و ألبسه قميصاً، وقال: هذا أمانك من آفات الدنيا، فهذا ما رأيت يا عبّاس بعيني، قال العبّاس: و أنا يومئذ أقرءُ فكشفت عن ثوبه فإذاً خاتم النبوّة بين كتفيه، فلم أزل أكتم شأنه و أنسيت
الحديث فلم أذكره إلى يوم إسلامي حتى ذكرني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم . (1)
5 - لي: ابن البرقيّ، عن أبيه، عن جده، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبدالله الصادق علیه السّلام قال: كان إبليس لعنه الله يخترق السماوات السبع، فلمّا ولد عيسى علیه السّلام حجب عن ثلاث سماوات، وكان يخترق أربع سماوات، فلمّا ولد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم حجب عن السبع كلّها، و رميت الشياطين بالنجوم، و قالت قريش هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتب يذكرونه، و قال عمرو بن أمية و كان من أزجر أهل الجاهلية: انظروا هذه النجوم التي يهتدى بها ، و يعرف بها أزمان الشتاء والصيف، فإن كان رمي بها فهو هلاك كلّ شيء، و إن كانت ثبتت و رمي بغيرها فهو أمر حدث، وأصبحت الأصنام كلّها صبيحة ولد النبي صلی الله علیه و آله و سلّم ليس منها صنم إلّا و هو منكبّ على وجهه، و ارتجس في تلك اللّيلة أيوان كسرى، و سقطت منه أربعة عشر شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي السماوة، و خمدت نيران فارس و لم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى المؤبذان في تلك الليلة في المنام إيلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً، قد قطعت دجلة، و انسربت في بلادهم، و انقصم طاق الملك كسرى من وسطه و انخرقت عليه دجلة العوراء، وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطارحتى بلغ المشرق، و لم يبق سرير الملك من ملوك الدنيا إلّا أصبع منكوساً، والملك مخرساً لا يتكلّم يومه ذلك، و انتزع علم الكهنة، وبطل سحر السحرة، و لم تبق كاهنة في العرب إلا حجبت عن صاحبها و عظمت قريش في العرب، وسمّوا آل الله عزّ و جلّ.
قال أبو عبد الله الصادق علیه السّلام : إنما سمّوا آل الله لأنّهم في بيت الله الحرام، و قالت آمنة: إنّ ابنى و الله سقط فاتّقی الأرض بيده، ثم رفع رأسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج مني نور أضاء له كلّ شيء، و سمعت في الضّوء قائلاً يقول: إنّك قد ولدت سيّد الناس فسميّه محمداً و
1) كمال الدين 104 و 105؛ الامانی: 158 و 159
أتي به عبدالمطلب لينظر إليه وقد بلغه ما قالت أمُّه، فأخذه فوضعه في حجره ثم قال: الحمد لله الذي أعطاني، هذا الغلام الطيّب الأردان قدساد في المهد على الغلمان.
ثم عوّذه بأركان الكعبة، وقال فيه أشعاراً قال: وصاح إبليس لعنه الله في أبا لسته فاجتمعوا إليه فقالوا: ما الّذي أفزعك يا سيدنا ؟ فقال لهم: ويلكم لقد أنكرت السماء و الأرض منذ الليلة، لقد حدث في الأرض حدث عظيم ما حدث مثله منذ رفع عيسى بن مريم علیه السّلام فأخرجوا و انظروا ما هذا الحدث الذي قد حدث، فافترقوا ثم اجتمعوا إليه فقالوا: ما وجدنا شيئاً، فقال إبليس لعنه الله : أنا لهذا الأمر، ثم انغمس في الدنيا فجالها حتى
انتهى إلى الحرم فوجد الحرم محفوظا بالملائكة، فذهب ليدخل فصاحوا به، فرجع ثم صار مثل الصر و هو العصفور فدخل من قبل حرى، فقال له جبرئيل وراك لعنك الله، فقال له: حرف أسألك عنه يا جبرئيل، ما هذا الحدث الذي حدث منذ الليلة في الأرض؟ فقال له: ولد محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم ، فقال له: هل لي فيه نصيب؟ قال: لا، قال: ففي أُمّته؟ قال: نعم، قال: رضیت . (1)
6 - مع الدقاق، عن الكليني، عن الحسن بن محمد، عن محمد بن يحيى الفارسي عن أبي حنيفة محمّد بن يحيى، عن الوليد بن أبان، عن محمد بن عبد الله بن مسكان، عن أبيه قال: قال أبو عبد الله علیه السّلام : إن فاطمة بنت أسد رحمها الله جاءت إلى أبي طالب رحمه الله تبشّره بمولد النبي صلی الله علیه و آله و سلّم فقال لها أبو طالب: اصبري لي سبتاً آتيك بمثله إلا النبوة، وقال: السبت: ثلاثون سنة، وكان بين رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و أمير المؤمنين علیه السّلام ثلاثون سنة. (2)
7 - ك: أحمد بن محمد بن رزمة، عن الحسن بن علي بن نصر، عن علي بن حرب الموصلي، عن يعلى بن عمران عن ولد جرير بن عبدالله عن مخزوم بن هاني، عن أبيه و أتت له مأة و خمسون سنة، قال: لما كانت ليلة ولد فيها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ارتجس إيوان
،کسرى و سقطت منه أربعة عشر شرفة، وغاضت بحيرة ساوة و خمدت نار فارس و لم تخمد قبل ذلك ألف سنة، و رأى المؤبذان إيلا صعاباً تقود خيلا عراباً قد قطعت دجلة. و انتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى هاله ما رأى فتصير عليها تشجّعاً، ثم رأى أن لا يسر ذلك عن وزرائه فلبس تاجه و جلس على سريره و جمعهم فأخبرهم بما رأى، فبيناهم كذالك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النار فازداد غماً إلى غمّه، فقال المؤبذان: و أنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة، ثمّ قص عليه رؤياه في الايل و الخيل، فقال: أي شيء يكون هذا يا مؤبذان؟ وكان علمهم في أنفسهم، فقال: حادث يكون في ناحية المغرب، فكتب عند ذلك: من كسرى الملك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد فتوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيّان بن تغلبة الغساني فلما قدم عليه قال: عندك علم ما أريد أن أسألك عنه؟ قال: ليسئلني الملك و يخبرني، فإن كان عندي علم منه و إلا أخبرته من يعلمه، فأخبره بما رأى فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن بمشارف الشارم يقال له : سطيح قال: فأته فاسئله و أخبرني بما يردّ عليك، فخرج عبدالمسيح حتى ورد على سطيح و قد أشرف على الموت فسلّم عليه و حيّاه، فلم يردّ عليه سطيح جواباً فأنشأ عبد المسيح يقول:
أصمّ أم يسمع غطريف اليمن*** أم فاز فازلم به شأو العنن
يا فاصل الخطّة أعيت من و من*** و كاشف الكربة في الوجه الغضن
أتاك شيخ الحيّ من آل سنن*** وأمّه من آل ذئب بن حجن
أزرق ضخم الناب صرّار الأذن*** أبيض فضفاض الرداء و البدن
رسول قيل العجم كسرى للوسن*** لا يرهب الرعد و لا ريب الزمن
تجوب في الأرض علنداة شجن*** ترفعني طوراً و تهوي بي دجن
حتى أتى عاري الجاجي، و القطن*** تلفه في الريح بوغاء الدّمن
فلما سمع سطيح شعره فتح عينيه فقال: عبد المسيح على جميل يسيح، إلى سطيح، وقد أو في على الضريح، بعثك ملك بنى ساسان، لارتجاس الإيوان و خمود النيران، و رؤيا المؤبذان، رأى إيلا صعاباً، تقود خيلا عراباً، قد قطعت دجلة، و انتشرت في بلادها، وغاض بحيرة ساوة، فقل يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، و بعث صاحب الهراوة، و فاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة ، فليس الشام لسطيح شاماً، يملك منهم ملوك و ملكات، على عدد الشرفات وكلّ ما هو آت آپ ثم قضى سطیح مكانه فنهض عبد المسيح إلى رحله و هو يقول:
شمّرفإنّك ماضي العزم شميّر*** لا يفزعنّك تفريق و تغيير
إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم*** فإنّ ذا الدهر أطوار دهارير
وربّما كان قد أصخو بمنزلة ***تهاب صولهم الاسد المهاصير
فيهم أخو الصرح بهرام و إخوته*** والهرمزان و سابور و سابور
و الناس أولاد علّات فمن علموا*** أن قد أقلّ فمحقور و مهجور
وهم بنو الأُمَّ إن رأو نشباً *** فذلك بالغيب محفوظ و منصور
و الخیر و الشرّ مقرونان في قرن*** و الخير متّبعٌ و الشرُ محذور
قال: فلمّا قدم على كسرى أخبره بما قال سطيح، فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكاً قد كانت أمور قال: فملك منهم عشرة في أربع سنين، و ملك الباقون إلى أمارة عثمان، وكان سطيح ولد في سيل العرم فعاش إلى ملك ذي نواس و ذلك أكثر من ثلاثين قرناً، وكان مسكنه بالبحرين، فتزعم عبد القيس أنه منهم، وتزعم الأزد أنّه منهم، وأكثر المحدثين قالوا: إنه من الأزد، و لا يدرى تمن هو غير أن عقبه يقولون: نحن من الأزد. (1)
8 - قب: المفضّل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله علیه السّلام
يقول : لما ولد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
1) کمال الدین: 112-113
فتح لآمنة بياض فارس، و قصور الشام، فجائت فاطمة بنت أسد إلى أبي طالب ضاحكة مستبشرة فأعلمته ما قالته ،آمنه فقال لها أبو طالب و تتعجبين من هذا؟ إنّك تحبلين و تلدین بوصیه و وزیره .(1)
9 - قب: من إيانة ابن بطة قال: ولد النبي صلی الله علیه و آله و سلّم مختوناً مسروراً، فحكي ذلك عندجده عبد المطلب، فقال: ليكوننّ لا بني هذا شأن. (2)
10- كا: علي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن أحمد بن الحسين عن أبي العباس، عن جعفر بن إسماعيل، عن إدريس، عن أبي السائب، عن أبي عبدالله، عن أبيه علیه السّلام قال: عقّ أبو طالب عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يوم السابع و دعا آل أبي طالب فقالوا: ما الله هذه عقيقة أحمد، قالوا: لأيّ شيء سميته أحمد؟ قال: سميته أحمد المحمدة أهل السماء والأرض. (3)
11 - كا: عليّ عن أبيه، عن البزنطيّ، عن أبان عن أبي بصير، عن أبي جعفر علیه السّلام :قال : لمّا ولد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم جاء رجل من أهل الكتاب إلى ملأمن قريش، فيهم هشام ابن المغيرة و الوليد بن المغيرة و العاص بن هشام، وابو وجزة بن أبي عمرو بن أمية و عتبة ابن ربيعة، فقال أولد فيكم مولود الليلة ؟ فقالوا: لا، قال: فولد إذاً بفلسطين غلام اسمه أحمد، به شامة كلون الخزّ الأدكن، ويكون هلاك أهل الكتاب و اليهود على يديه، قد أخطأكم و الله یا معشر قريش، فتفرقوا وسألوا فأخبروا أنه ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، فطلبوا الرجل فلقوه، فقالوا إنّه قد ولد فينا و الله غلام قال: قبل أن أقول لكم أو بعد ما قلت لكم؟ :قالوا قبل أن تقول لنا، قال: فانطلقوا بنا إليه حتى ننظر إليه، فانطلقوا حتى أتوا أمه فقالوا: اخرجي ابنك حتى ننظر إليه، فقالت: إن ابني والله لقد سقط و ما سقط كما يسقط الصبيان،
لقد اتقى الأرض بيديه، و رفع رأسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج منه نور حتى نظرت إلى قصور بصرى و سمعت هاتفاً في الجو يقول : لقد ولدتيه سيّد الأمة، فإذا وضعتيه فقولى أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد و سمّيه محمداً، قال الرجل:فأخرجته فنظر إليه ثم قلّبه و نظر إلى الشامة بين كتفيه فخرمغشيّاً عليه، فأخذوا الغلام فأدخلوه إلى أمه وقالوا: بارك الله لك فيه، فلمّا خرجوا أفاق، فقالوا له: مالك ويلك؟ قال: ذهبت نبوّة بني إسرائيل إلى يوم القيامة، هذا و الله من يبيرهم، ففرحت قريش بذلك، فلما رآهم قد فرحوا قال: فرحتم، أما و الله ليسطونّ بكم سطوة يتحدّث بها أهل المشرق والمغرب، وكان أبوسفيان يقول: يسطو بمصره. (1)
12 - کا: حمید بن زیاد ، عن محمّد بن أيّوب ، عن محمّد بن زياد، عن أسباط بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : كان حيث طلقة آمنة بنت وهب وأخذها المخاض بالنبي صلی الله علیه و آله و سلّم حضرتها فاطمة بنت أسد امرأة أبي طالب، فلم تزل معها حتى وضعت، فقالت إحداهما للأخرى: هل ترين ما أرى؟ فقالت: و ماترین؟ قالت هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق و المغرب، فبينما هما كذلك إذ دخل عليها أبو طالب فقال لهما: ما لكما؟ من اي شيء تعجبان؟ فاخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت. فقال لها أبو طالب: ألا أبشرك؟ فقالت: بلى، فقال: أما إنّك ستلدين غلاماً يكون وصيّ هذا المولود. (2)
1 - يج: روي أنّه لمّا ولد النبي صلی الله علیه و آله و سلّم قدمت حليمة بنت أبي ذؤيب في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء بمكّة، قالت: فخرجت معهنّ على أتان و معي زوجي، و معنا شارف لنا ما بيّض بقطرة من لبن، و معنا ولد ما نجد في ثديي ما تعلله به و ما نام ليلتا جوعاً، فلمّا قدمنا مكّة لم تبق منّا امرأة إلّا عرض عليها محمد فكرهناه فقلنا: يتيم، وإنّما يكرم الظئر الوالد، فكلّ صواحبي أخذن رضيعاً، و لم آخذ شيئاً، فلمّا لم أجد غيره رجعت إليه فاخذته فأتيت به الرحل فامسيت و أقبل ثدياي باللّبن حتّى أرويته و أرويت ولدي أيضاً، وقام زوجي إلى شارفنا تلك يلمسها بيده، فإذا هي حافل فحلبها و أرواني من لبنها، وروى الغلمان، فقال: يا حليمة لقد أصبنا نسمة مباركة، فبتنا بخير و رجعنا، فركبت أتاني، ثمّ حملت محمّداً معي، فو الذي نفس حليمة بيده لقد طفت بالركب حتى أنّ النسوة يقلن: يا حليمة امسكي علينا أهذه أتانك التي خرجت عليها ؟ قلت: نعم، ما شأنها؟ قلن: حملت غلاماً مباركاً، و يزيدنا الله كل يوم وليلة خيراً، و البلاد قحط، و الرعاة يسرحون، ثمّ يريحون، فتروح أغنام بني سعد جياعاً، و تروح غنمي شباعاً بطاناً حفلاء فتحلب و
تشرب. (1)
2 - قب: عن ابن عباس قال: قال أبو طالب لأخيه: يا عبّاس أُخبرك عن محمّد أني ضممته فلم أُفارقه ساعة من ليل أو نهار، فلم أنتمن أحداً حتى نوَّمته في فراشي، فأمرته أن يخلع ثيابه و ينام معي فرأيت في وجهه الكراهية، فقال: يا عمّاه اصرف بوجهك عني حتى أخلع ثيابي و أدخل فراشي، فقلت له: ولم ذاك؟ فقال: لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى جسدي، فتعجبت من قوله و صرفت بصري عنه حتى دخل فراشه، فإذا دخلت أنا الفراش إذا بيني و بينه ثوب، و الله ما أدخلته في فراشي، فأمسه فإذا هو ألين ثوب، ثمّ شممته كأنه غمس في مسك، و كنت إذا أصبحت فقدت الثوب، فكان هذا دأبي و دأبه، وكنت كثيراً ما أفتقده في فراشي، فإذا قمت لأطلبه بادرني من فراشي، ما أناذا يا عمّ فارجع إلى مكانك.
وكان النبي صلی الله علیه و آله و سلّم يأتي زمزم فيشرب منها شربة، فريما عرض عليه أبوطالب الغداء فيقول: لا أريده أنا شعبان.
و كان أبو طالب إذا أراد أن يعشّى أولاده أو يغدّيهم يقول: كما أنتم حتى يحضر ابني فيأتي رسول الله فيأكل معهم فيبقی الطعام. 3 - قب: القاضي المعتمد في تفسيره أبو طالب : لقد كنت كثيراً ما أسمع منه إذا ذهب من الليل كلاماً : يعجبني، وكنا لا نسمّي على الطعام ولا على الشراب حتى سمعته يقول: بسم الله الأحد، ثم يأكل، فإذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله كثيراً، فتعجبت منه، وكنت ربما أتيت غفلةً فأرى من لدن رأسه نوراً محدوداً قد بلغ السماء، ثم لم أرمنه كذبة قط، ولا جاهليّة قط، و لا رأيته يضحك في موضع الضحك، ولا وقف مع صبيان في لعب، ولا التفت إليهم، وكان الوحدة أحبّ إليه والتواضع.
وكان النبي ابن سبع سنين فقالت اليهود: وجدنا في كتبنا أن محمداً يجنّبه ربِّه من الحرام
1) ذكره مفصلاً أيضاً ابن هشام في السيرة 173/1-175.
و الشبهات فجرّبوه، فقدّموا إلى أبي طالب دجاجة مسمنة، فكانت قريش يأكلون منها، و الرسول تعدل يده عنها، فقالوا: مالك؟ قال: أراها حراماً يصونني ربي عنها، فقالوا: هي حلال فنلقمك، قال: فافعلوا إن قدرتم، فكانت أيديهم يعدل بها الى الجهات، فجاؤه بدجاجة أخرى قد أخذوها لجار لهم غائب على أن يؤدوا ثمنها إذا جاء، فتناول منها لقمة فسقطت من يده فقال علیه السّلام : وما أراها إلّا من شبهة يصونني ربّي عنها، فقالوا: ناقمك منها، فكلّما تناولوا منها ثقلت في أيديهم، فقالوا: لهذا شأن عظيم.
و لمّا ظهر أمره صلی الله علیه و آله و سلّم عاداه أبو جهل ، وجمع صبيان بني مخزوم و قال: أنا أميركم، وانعقد صبيان بني هاشم و بني عبد المطلّب على النبيّ وقالوا: أنت الأمير، قالت أُمّ عليّ علیه السّلام : وكان في صحن داري شجرة قد يبست و خاست، و لها زمان يابسة، فأتى النبي صلی الله علیه و آله و سلّم يوماً إلى الشجرة فمسّها بكفّه فصارت من وقتها و ساعتها خضراء، و حملت الرطب، فكنت في كلّ يوم أجمع له الرطب في دوخلّة، فإذا كانت وقت ضاحي النهار يدخل يقول: يا أمّاه أعطيني ديوان العسكر، وكان يأخذ الدوخلّة ثم يخرج و يقسم الرطب على صبيان بني هاشم، فلمّا كان بعض الأيام دخل و قال: يا أُمّاه أعطيني ديوان العسكر، فقلت: يا ولدي اعلم أنّ النخلة ما اعطتنا اليوم شيئاً، قالت: فوحقّ نور وجههه لقد رأيته و قد تقدّم نحو النخلة تكلّم بكلمات و إذا بالنخلة قد أنحنت حتّى صار رأسها عنده، فأخذ من الرطب ما أراد، ثمّ عادت النخلة إلى ما كانت فمن ذلك اليوم قلت: اللهم رب السماء ارزقني ولداً ذكراً يكون أخاً لمحمّد، ففي تلك الليلة واقعني أبو طالب فحملت بعلي بن أبي طالب فرزقته، فما كان يقرب صنماً و لا يسجد لوثن، كلّ ذلك ببركة محمد صلی الله علیه و آله و سلّم (1)
4 - قب: كتاب العروس و تاريخ الطبري، إنّه أرضعته ثوبية مولاة أبي لهب بلبن ابنها مسورح أيّاماً، و توفّيت مسلمةً سنة سبع من الهجرة ، و مات ابنها قبلها، ثمّ أرضعته حليمة
1) مناقب آل أبي طالب 26/1-27
السعديّة فلبث فيهم خمس سنين وكانت أرضعت قبله حمزة و بعده أبا سلمة المخزومي، و خرج مع أبي طالب في تجارته و هو ابن تسع سنين، ويقال: ابن اثنتي عشرة سنة، و خرج إلى الشام في تجارة لخديجة وله خمس و عشرون سنة. (1)
5 - كا: محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا عبد الله علیه السّلام يقول: لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها ولا على أُختها من الرضاعة، وقال: إن عليا علیه السّلام ذكر لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ابنة حمزة، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : أما علمت أنّها ابنة اخي من الرضاعة، وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و عمّه حمزة علیه السّلام قد رضعا من امرأة. (2)
6 - د: عن أبي جعفر محمد الباقر علیه السّلام قال : لمّا أتى على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم اثنان و عشرون شهراً من يوم ولادته رمدت عيناه، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اذهب بابن أخيك إلى عرّاف الجحفة وكان بها راهب طبيب في صومعته ، فحمله غلام له في سفط هندي حتى أتى به الراهب، فوضعه تحت الصومعة، ثمّ ناداه أبو طالب يا راهب ، فأشرف عليه فنظر حول الصومعة إلى نور ساطع، وسمع حفيف أجنحة الملائكة، فقال له: من أنت؟ قال: أبو طالب بن عبدالمطلب، جئتك بابن أخى لتداوي عينه، فقال: و أين هو ؟ قال: في السفط قد غطيته من الشمس، قال: اكشف عنه، فكشف عنه، فإذا هو بنور ساطع في وجهه قد أذعر الراهب، فقال له: غطّه فغطّاه، ثمَّ أدخل الراهب رأسه في صومعته فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله ، و أنك رسول الله حقاً حقا، وأنّك الّذي بشّربه في التوراة والإنجيل على لسان موسى و عیسی علیهما السّلام ، فأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسوله، ثم أخرج رأسه وقال: يا بني انطلق به فليس عليه بأس، فقال له أبو طالب : ويلك يا راهب لقد سمعت منك قولاً عظيماً، فقال: يا بني شأن ابن أخيك أعظم مما سمعت منّي، و أنت معينه على ذلك و مانعه ممّن يريد قتله من
قريش، قال: فأتى أبو طالب عبدالمطلّب فأخبره بذلك، فقال له عبدالمطلّب : اسكت يا بني هي لا يسمع هذا الكلام منك أحد، فو الله ما يموت محمّد حتى يسود العرب و العجم. (1)
7 - و أورد الحافظ أبو القاسم الإصبهاني في دلائل النبوة مسنداً عن العباس بن عبدالمطلب قال: قلت: يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوّتك، رأيتك في المهد تناغي القمر، و تشير إليه بإصبعك، فحيث أشرت إليه مال، قال: إني كنت أحدثه و يحدّثني و يلهيني عن البكاء، وأسمع وجبته يسجد تحت الكرسي. قوله: وجبته أي سقطته.
8- وروی حدیث حليمة برواية أخرى عن ابن عبّاس أوردتها أيضاً لفوائد فيها، و أنّه روي أنّه كان من سببها أنّ الله أجدب البلاد و الزمان، فدخل ذلك على عامة الناس، وكانت حليمة تحدث عن زمانها و تقول: كان الناس في زمان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في جهد شديد، و ما كنّا أهل بيت مجدبين، وكنت امرأة طوّافة، أطوف البراري و الجبال، ألتمس الحشيش و النبات، فكنت لا أمر على شيء من النبات إلّا قلت الحمد لله الذي أنزل بي هذا الجهد و البلاء، و لما ولد النبي صلی الله علیه و آله و سلّم خرجت إلى ناحية مكّة و لم أكن دقت شيئاً منذ ثلاثة أيام، وكنت ألتوي كما تلتوي الحيّة، وكنت ولدت ليلتي تلك غلاماً فلم أدر أجهدُ الولادة أشكو أم جهد نفسي، فلمّا بتّ ليلتي تلك أتاني رجل في منامي فحملني حتى قذفني في ماء أشد بياضاً من اللبن، وقال: يا حليمة أكثري من شرب هذا الماء ليكثر لبنك، فقد أتاك العزّ و غناء الدهر، تعرفينني؟ قلت: لا، قال: أنا الحمد الله الذي كنت تحمد ينه في سرائك و ضرائك، فانطلقي إلى بطحاء مكة، فإنّ لك فيها رزقاً واسعاً، واكتمي شأنك و لا تخبرني أحداً، ثمّ ضرب بيده على صدري، فقال: أدر الله لك اللبن، و أكثر لك الرزق، فانتبهت و أنا أجمل نساء بني سعد، لا أطيق أن أسبق ثديي، كأنَّهما الجرّ العظيم، يتسيّب منهما لبن، و أرى الناس حولي من نساء بني سعد و رجالهم في جهد من العيش إنما كنّا نرى البطون لازقة
1) العدد، مخطوط.
بالظهور، والألوان شاحبة متغيرة، لانرى في الجبال الراسيات شيئاً، ولا في الأرض شجراً، و إنما كنا نسمع من كل جانب أنيناً كأنين المرضى، وكادت العرب أن تهلك هزالاً و جوعاً، فلما أصبحت حليمة و إنها لفي جهد من العيش و تغيّر من الحال، و قد أصبحت اليوم تشبه بنات الملوك، قلن: إنّ لها شأناً عظيماً، ثم احدقن بي يسألنني عن قصتي، فكنت لاأحير جواباً، فكتمت شأني لأنّي بذلك كنت أمرت، و لم تبق امرأة في بني سعد ذات زوج إلا وضعت غلاماً ورأيت الرؤوس المشتعلة بالشيب قد عادت سوداً لبركة مولد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتاً ينادي ألا إنّ قريشاً وضعت العام كلّ بطونها، وإن الله قد حرّم على نساء العام أن يلدن البنات من أجل مولد في قريش، و شمس النهار، و قمر اللّيل، فطوبى لثدي أرضعته، ألا فبادرن إليه يا نساء بني سعد، قالت: فنزلنا في جبل و عزمنا على الخروج إلى مكّة، فخرج نساء بني سعد على جهد منهنّ و مخمصة، و خرجت أنا مع بنيّ لي على أتان لي معناق تسمع لها في جوفها خضخضة، قد بدأ عظامها من سوء حالها، وكانت تخفضني طوراً، و ترفعني آخر ، و معي زوجي، فكنت في طريق أسمع العجائب من كلّ ناحية، لا أمر بشيء إلا استطال إلى فرحاً، و قال لي: طوبى لثديك يا حليمة، انطلقي فإنّك ستأتين بالنور الساطع، و الهلال البدري، فاكتمي شأنك وكوني من وراء القوم، فقد نزلت بشاراتك، قالت: فكنت أقول لصاحبي تسمع ما أسمع ؟ فيقول: لا، مالي أراك كالخائفة الوجلة تلتفتين يمنة ويسرة مرّي أمامك، فقد تقدّم نساء بني سعد، و إني أخاف أن يسبقني إلى كل مولود بمكة، قالت: فجعلنا نجد في المسير والأنان، كأنها تنزع حوافرها من الظهر نزعاً، فبينا أنا في مسيري إذا أنا برجل في بياض الثلج، و طول النخلة الباسقة، ينادي من الجبل يا حليمة مري أمامك، فقد أمرني الله عزّ و جلّ أن أدفع عنك كلّ شيطان رجيم، قالت: حتى إذا صرنا على فرسخين من مكة بتناليلتنا تلك، فرأيت في منامي كان على رأسي شجرة خضراء قد ألقت بأغصانها حولي، و رأيت في فروعها شجرة
كالنخلة، قد حملت من أنواع الرطب، وكان جميع من خرج معي من نساء بني سعد حولي، فقلن : يا حليمة أنت الملكة علينا، فبينا أنا كذلك إذ سقطت من تلك الشجرة في حجري تمرة فتناولتها و وضعتها في فمي، فوجدت لها حلاوة كحلاوة العسل، فلم أزل أجد طعم ذلك في فمي حتي فارقني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، فلمّا أصبحت كتمت شأني، قلت: إن قضى الله لي أمراً فسوف يكون، ثم ارتحلنا حتى نزلنا مكة يوم الاثنين و قد سبقني نساء بني سعد، وكان الصبي الذي معي، قد ولدته لا يبكي ولا يتحرك ولا يطلب لبناً، فكنت أقول لصاحبي هذا الصبي ميّت لا محالة، فكنت إذا قلت ذلك يلتفت إليّ الصبي فيفتح عينية و يضحك في وجهي، و أنا متعجبة من ذلك، فلما توسطنا مكة قلت لصاحبي سل من أعظم الناس قدراً بمكة، فسأل عن ذلك فقيل له: عبد المطلب بن هاشم فقلت له: سل من أعظم قريش تمن ولد له في عامه هذا، فقيل لي آل مخزوم قالت: فأجلست صاحبي في الرحل و انطلقت إلى بني مخزوم، فإذا أنا بجميع نساء بني سعد قد سبقنني إلى كل مولود بمكة، فبقيت لا أدري ما أقول، و ندمت على دخولي مكة، فبينا أنا كذلك إذا بعبد المطلب، و جمته تضرب منكبه، ينادي بنفسه بأعلى صوته: هل بقي من الرضاع أحد؟ فإنّ عندي بنيا لي يتيماً و ما عند اليتيم من الخير إنّما يلتمس كرامة الآباء، قالت: فوقفت لعبد المطلب و هو يومئذ كالنخلة طولا، فقلت: أنعم صباحاً أيّها الملك المنادي، عندك رضيع ارضعه؟ فقال هلمي، فدنوت منه، فقال لي: لي من أين أنت؟ فقلت امرأة من بني سعد، فقال لي: إيه إيه كرم و زجر، ثم قال لي: ما اسمك ؟ فقلت: حليمة، فضحك وقال: بخّ بخّ خلّتان حسنتان: سعد و حلم، هاتان خلّتان
فيها غنى الدهر، ويحك يا حليمة عندي بنيّ لي يتيم اسمه محمد، وقد عرضته على جميع نساء فأبين أن يقبلنه، و أنا أرجو أن تسعدي به، قالت: فقلت له: إنّي منطلقة إلى صاحبي بني سعد و مشاورته في ذلك، قال لي: إنّك لترضعين غير كارهة، قالت: قلت بالله لأرجعنّ إليك قالت: فرجعت إلى صاحبي فلمّا أخبرته الخبر كأنّ الله قد قذف في قلبه فرحاً، ثم قال لي: يا
حليمة بادري إليه لا يسبقك إليه أحد قالت: وكان معي ابن أخت لي يتيم، قال: هيهات إني أراكم لا تصيبون في سفركم هذا خيراً، هؤلاء نساء بني سعد يرجعن بالرضاع و الشرف، و ترجعون أنتم باليتيم، قالت: فأردت والله لأرجع إليه، فكأن الله قذف في قلبي إن فارقك محمد لا تفلحين و أخذتني الحمية وقلت: هؤلاء نساء بني سعد يرجعن بالرضاع و الشرف و أرجع أنا بلا رضاع؟ والله لأخذنه و إن كان يتيماً، فلعل الله أن يجعل فيه خيراً، قالت: فرجعت إلى عبدالمطلب، فقلت له: أيها الملك الكريم هلم الصبي، قال: هل نشطت لأخذه؟ قالت: قلت: نعم، فخر عبد المطلب ساجداً ، و رفع رأسه إلى السماء و هو يقول: اللّهمّ رب المروة و الحطيم، اسعدها بمحمد ثم مر بين يدي يجرّ حلّته فرحاً حتى دخل بي على آمنة اُمّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، فإذا أنا بامرأة ما رأيت في الآدميين أجمل وجهاً منها، هلالية بدرية، فلما رسول نظرت إلى ضحكت في وجهي و قالت ادخلي يا حليمة، فدخلت الدار فأخذت بيدي، فأدخلتني بيتاً كان فيه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، فإذا أنابه و وجهه كالشمس إذا طلعت في يوم ديجانها، فلمّا رأيته على هذه الصفة استدرّ كلّ عرق في جسدي بالضربان، فناولتني النبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم فلمّا أن وضعته في حجري فتح عينيه لينظر إلىّ فسطع منهما نور كنور البرق إذا خرج من خلال السحاب، فأنقمته ثديي الأيمن فشرب منه ساعة، ثم حولته إلى الأيسر فلم يقبله، و جعل يميل إلى اليمني - فكان ابن عبّاس يقول: ألهم العدل في رضاعه، علم أن له شريكاً فناصفه عدلا - وكانت الثدي اليمني تدرّ لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، و الثدي اليسرى تدرّ لابني، وكان ابني لا يشرب حتى ينظر إلى محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم قد شرب، وكنت كثيراً ما أسبق إلى مسح شفتيه، فكنت أسبق إلى ذلك فنام في حجري، فجعلت أنظر إلى وجهه، فرأيت عينيه مفتوحتين، و هو كالنائم، فلم أتمالك فرحاً، وأخذتني العجلة بالرجوع إلى صاحبي، فلما أن نظر إليه صاحبي لم يتمالك أن قام و سجد، و قال يا حليمة ما رأيت في الآدميين أجمل وجهاً من هذا، قالت: فلما كان في الليل وطاب النوم و هدأت الأصوات انتبهت فإذا به و قد خرج
منه نور متلأليء، و إذا أنا برجل قائم عند رأسه عليه ثوب أخضر، فأنبهت صاحبي و قلت: ويحك ألا ترى إلى هذا المولود؟ قالت: فرفع رأسه فلما نظر إليه قال لي يا حليمة اكتمي شأنه، فقد أخذت شجرة كريمة لا يذهب رسمها أبداً، قالت: فأقمنا بمكة سبعة أيام بلياليهن ما من رم إلا و أنا أدخل على آمنة، فلما عزمنا على الخروج دعتني آمنة فقالت: لا تخرجي من بطحاء مكة حتى تعلميني، فإنّ لي فيك وصايا أوصيك بها، قالت: فبتنا كان في بعض الليل انتبهت لأقضي حاجة، فإذا برجل عليه ثياب خضر قاعد عند رأسه يقبل بين عينيه، فأنبهت صاحبي رويداً فقلت: انظر إلى العجب العجيب، قال: اسكتي واكتمي شأنك، فمنذ ولد هذا الغلام قد أصبحت أحبار الدنيا على أقدامها قياماً، لا يهنؤها عيش النهار، ولا نوم الليل، و ما رجع أحد من البلاد أغنى منا، فلما أصبحنا من الغد و عزمنا على الخروج ركبت أتاني و حملت بين يدي محمدا صلی الله علیه و آله و سلّم و خرجت معي آمنة تشيّعني، فجعلت الأتان تضرب بيدها و رجلها الأرض وترفع رأسها إلى السّماء فرحة مستبشرة، ثمّ تحوّلت بي نحو الكعبة، فسجدت ثلاث سجدات حتى استوينا مع الركب سبقت الأتان كلّ دوابّهم، فقالت نساء بني سعد: يا بنت أبي ذؤيب أليس هذا أتانك التي كانت تخفضك طوراً و ترفعك آخر؟ فقلت: نعم، فقلن: بالله إنّ لها لشأناً عظيماً، فكنت أسمع الأتان تقول: إي والله إنّ لي لشأناً، ثمّ شأناً، أحياني الله عزّ و جلّ بعد موتي، وردّ عليّ سمني بعد هزالي، ويحكنّ يا نساء بني سعد إنّكنّ لفي غفلة، أتدرين من حملت؟ حملت سيّد العرب محمداً رسول الله ربّ العالمين، هذا ربيع الدّنيا و زهرة الآخرة، و أنا أنادي من كل جانب استغنيت يا حليمة آخر دهرك، فأنت سيّدة نساء بني سعد قالت فمررت براع يرعى غنماً له، فلمّا نظرت الغنم إلىّ جعلن يستقبلن و تعدو إليّ كما تعدو سخالها، فسمعت من بينها قائلا :يقول: أقرّ الله عينك يا حليمة، أتدرين ما حملت؟ هذا محمّد رسول ربّ العالمين، إلى كلّ ولد آدم من الأوّلين و الآخرين، قالت: فشيّعتني أُمّه ساعة و أوصتني فيه بوصاياً، و رجعت كالباكية، قالت و
ليس كلّ الذي رأيت في طريقي أحسن وصفه، إلا أني لم أنزل منزلا إلّا أنبت الله عزّ وجل فيه عشباً، وخيراً كثيراً، وأشجار قد حملت من أنواع النمر، حتى أتيت به منزل بني سعد، و ما نعلم والله أنّ أرضاً كانت أجدب منها ولا أقل خيراً، و كانت لنا غنيات دبرات مهزولات، فلما صار رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في منزلي صارت غنمي تروح شباعاً حافلة، تحمل و تضع و تدرّ و تحلب، و لا تدرّ في بني سعد لأحد من الناس غيري، فجمعت بنوسعد رعاتها و قالوا لهم ما بال أغنام حليمة بنت أبي ذؤيب تحمل و تضع و تدرّ و تحلب، و أغنامنا لا تحمل و لا تضع و لا تأتي بخير؟ اسرحوا حيث تسرع رعاة بنت أبي ذؤيب حتى تروح غنمكم شباعاً حافلة، قالت: فلم نزل نتعرّف من الله الزيادة و البركة و الفضل والخير ببركة النبي صلی الله علیه و آله و سلّم حتى كنا نتفضّل على قومنا وصاروا يعيشون في أكنافنا، فكنت أرى من يومه ،عجباً، ما رأيت له بولا قطّ، ولا غسلت له وضوءاً قط، طهارة و نظافة، و ذلك أني كنت أسبق إلى ذلك، وكان له في كلّ يوم وقت واحد يتوضأ فيه ولا يعود إلى وقته من الغد، ولم يكن شيء أبغض إليه من أن يرى جسده مكشوفاً فكنت إذا كشفت عن جسده يصيح حتى أستر عليه، فانتبهت ليلة من الليالي فسمعته يتكلم بكلام لم أسمع كلاماً قط أحسن منه، يقول: «لا إله إلا الله قدوساً قدوساً، وقد نامت العيون و الرحمن لا تأخذه سنة ولا نوم» و هو عند أوّل ما تكلّم، فكنت أتعجب من ذلك، وكان يشب شباباً لا يشبه الغلمان، و لم يبك قط، ولم يسيء خلقه، ولم يتناول بيساره، وكان يتناول بيمينه، فلما بلغ المنطق لم يمس شيئاً إلا قال: «بسم الله فكنت معه في كلّ دعة و عيش و سرور، وكنت قد اجتنبت الزوج لا أغتسل منه هيبةً لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، حتى تمّت له سنتان كاملتان، و قد ثمرّ الله لنا الأموال، و أكثر لنا من الخير فكانت تحمل لنا الأنام و تنبت لنا الأرض وقد ألقى الله محبّته على كلّ من رآه، فبينا هو قاعد في حجري إذا مرّت به غنيماتي فأقبلت شاة من الغنم حتّى سجدت له، و قبّلت رأسه، فرجعت إلى صويحباتها، وكان ينزل عليه في كلّ يوم نور كنور الشمس فيغشاه
ثم ينجلي عنه، وكان أخواه من الرضاعة يخرجان فيمران بالغلمان فيلعبان معهم، وإذا رآهم محمد صلی الله علیه و آله و سلّم احتنبهم وأخذ بيد أخويه ثم قال لهما : إنا لم نخلق لهذا، فلمّا تمّ له ثلاث سنين قال لي يوماً، يا أماه مالي لا أرى أخوي بالنهار؟ قلت له: يا بني إنَّهما يرعيان غنيمات، قال: فما لي لا أُخرج معها؟ قلت له: تحبّ ذلك؟ قال: نعم، فلمّا أصبح دهنته و كحلته و علّقت في عنقه خيطاً فيه جزع يمانيّة، فنزعها ثمّ قال لي: مهلاً يا أمّاه فإنّ معي من يحفظني، قالت: ثمّ دعوت با بني فقلت لها: أُوصيكما بمحمد خيراً، لا تفارقاه، و ليكن نصب أعينكما، قالت: فخرج مع أخويه في الغنم، فبيناهم يترامون بالجلة يعني البعر إذ هبط جبرائیل و میکائیل و معهما طست من ذهب فيه ماء و ثلج فاستخرجاه من الغنم والصبية فأصجعاه و شقا بطنه، و شرحا صدره، فاستخرجا منه نكتة سوداء و غسلاه بذلك الماء و الثلج، وحشيا بطنه نوراً، و مسحا عليه فعاد كما كان، قالت: فلما رأى أخواه ذلك أقبل أحدهما اسمه ضمرة يعدو و قد علاه النفس و هو يقول: يا أُمه أدركي أخي محمّداً و ما أراك تدركينه، قالت: فقلت: و ما ذاك؟ قال: أتاه رجلان عليهما ثياب خضر فاستخرجاه من بيننا و بين الغنم فأضجعاه و شقا بطنه، و هما يتوطئانه، قالت: فخرجت أنا و أبوه و نسوة من الحىّ فإذا أنابه قائماً ينظر إلى السماء، كأنّ الشمس تطلع من وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه، و والله لكأنّما غمس في المسك غمسة، وقال له أبوه: يا بني مالك؟ قال: خير يا أبه، أتاني رجلان انقضّا علىّ من السّماء كما ينقض الطير فأضجعاني و شقّا بطني وحشياه بشيء كان معهما، ما رأيت ألين منه، و لا أطيب ريحاً و مسحاً على بطني، فعدت كما كنت، ثمّ وزناني بعشرة من أُمَّتي فرجحتهم، فقال أحدهما: فلو وزنته بأُمَّته كلّها لرجح، وطارا كذلك حتى دخلا السّماء، قالت: فعلمناه إلى خيم لنا، فقال الناس: اذهبوا به إلى كاهن حتى ينظر إليه ويداويه، فقال محمد: ما بي شيء ممّا تذكرون ، و إنّي أرى نفسي سليمة، و فؤادي صحيحاً بحمد الله، فقال الناس أصابه لمم أو طائف من الجن.
قالت: فغلبوني على رأيي حتى انطلقت به إلى كاهن فقصصت قصته، قال: دعيني أن أسمع من الغلام؟ فإنّ الغلام أبصر بأمره منكم تكلّم ياغلام، قالت حليمة فقصّ ابني محمد صلی الله علیه و آله و سلّم قصّته من أوّلها إلى آخرها، فوثب الكاهن قائماً على قدميه وضمّه إلى صدره و نادى بأعلى صوته: يا آل العرب يا آل العرب من شرّ قد اقترب، اقتلوا هذا الغلام و اقتلوني معه، فإنّكم إن تركتموه وأدرك مدرك الرجال ليسفهنّ أحلامكم، وليبدلنّ أديانكم، وليدعونكم إلى ربّ لا تعرفونه و دین تنكرونه، قالت: فلمّا سمعت مقالته انتزعته من يده و قلت: أنت أعته و أجنّ من ابني و لو علمت أنّ هذا يكون منك ما أتيتك به، اطلب لنفسك من يقتلك فإنا لا نقتل محمّداً، فاحتملته و اتيت به منزلي، فما بقي يومئذ في بني سعد بيت إلا و وجد منه ريح المسك.
و كان ينقضّ عليه كلّ يوم طيران أبيضان يغيبان في ثيابه و لا يظهران، فلمّا رأى أبوه ذلك قال لي: يا حليمة إنّا لا نأمن على هذا الغلام و قد خشيت عليه من تبّاع الكهنة فالحقيه بأهله قبل أن يصيبه عندنا شيء، قالت: فلمّا عزمت على ذلك سمعت صوتاً في جوف الليل ينادي: ذهب ربيع الخير و أمان بني سعد، هنيئاً لبطحاء مكة إذا كان مثلك فيها يا محمد ، فالآن قد أمنت أن تخرب، أو يصيبها بؤس بدخولك إليها يا خير البشر، قالت: فلمّا أصبحت ركبت أتاني و وضعت النبي صلی الله علیه و آله و سلّم بين يدي، فلم أكن أقدر أفارقه ممّا كنت أنادي يمنةً و يسرةً حتّى انتهيت به إلى الباب الأعظم من أبواب مكة و عليه جماعة مجتمعون، فنزلت لأقضي حاجةً وأنزلت النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم له فغشيتني كالسّحابة البيضاء وسمعت وجبة شديدة، ففزعت، و جعلت ألتفت يمنةً ويسرةً و نظرت فلم أر النبي صلی الله علیه و آله و سلّم ، فصحت: يا معشر قريش الغلام الغلام قالوا: ومن الغلام قلت محمّد بن آمنة، قالوا: و من أين كان معك محمّد لعلك تحلمين أو منك هذيان؟ قلت: لا و الله ما حلمت و إنّي لفي يقين من أمري، فجعلت أبكي و أنادي وا محمداه، فبينا أنا كذلك إذا أنا بشيخ كبير فقال لي: أيّتها السعديّة إنّ لك
لقصّة عجيبة قالت قلت: إي والله لقصّتي عجيبة محمّد بن آمنة أرضعته ثلاثة أحوال لا اُفارقه ليله و نهاره فنعشني الله به، و أنضر وجهي، و منّ عليُ، و أفضل ببركته حتّى إذا ظننت أنّي قد بلغت به الغاية أديت إلى أمه الأمانة لأخرج من عهدي و أمانتي، فاختلس منى اختلاساً قبل أن يمس قدمه الأرض، و إني أحلف بإله إبراهيم لكن لم أجده لأرمين بنفسي من حالق الجبل قالت وقال لي :الشيخ لا تبكي أيّتها السعديّة ادخلي على هبل فتضرّعي إليه فلعلّه يردّه عليك فإنّه القوي على ذلك العالم بأمره، قالت: فقلت له: أيّها الشيخ كأنّك لم تشهد ولادة محمد ليلة ولد ما نزل باللّات والعزّى؟ فقال لي أيتها السعدية إني أراك جزعة، فأنا أدخل على هبل و أذكر أمرك له، فقد قطعت أكبادنا ببكائك، ما لأحد من الناس على هذا صبر، قالت: فقعدت مكاني متحيّرة، ودخل الشيخ على هبل و عيناه تذرفان بالدموع فسجد له طويلاً، وطاف به أسبوعاً، ثم نادى: يا عظيم المنّ، ياقوياً في الأمور، إنّ منّتك على قريش لكثيره، و هذه السعدية رضعيه محمد تبكي، قد قطع بكائها الأنياط، أبرز العذارى، فإن رأيت أن تردّه عليها إن شئت قالت: فارتج و الله الصنم، و تنكس و مشى على رأسه و سمعت منه صوتاً يقول: أيها الشيخ أنت في غرور، مالي لو لمحمّد، وإنما يكون هلاكنا على يديه، وإنّ ربّ محمد لم يكن ليضيعه و يحفظه، أبلغ عبدة الأوثان أنّ معه الذبح الأكبر، و لركبتيه اصطكاكاً يقول لي: يا حليمة ما رأيت من هبل مثل هذا، فاطلبي ابنك، إني أرى لهذا الغلام شأناً عظيماً، قالت: فقلت لنفسي كم تكتم من أمره عبدالمطلب، أبلغه الخبر قبل أن يأتيه من غيري قالت: فدخلت على عبدالمطلب، فلمّا نظر إليّ قال لي: يا حليمة مالي أراك جزعة باكية، و لا أرى معك محمّداً؟ قالت: قلت: يا أبا الحارث جئت بمحمّد أسرّ ماكان، فلمّا صرت على الباب الأعظم من أبواب مكّة نزلت لأقضي حاجةً فاختلس منّى اختلاساً قبل أن يمسّ قدمه الأرض، فقال لي اقعدي يا حليمة، :قالت ثم علا الصفا فنادی یا آل غالب يعني يا آل ،قریش، فاجتمع إليه الرجال فقالوا له:
قل يا أبا الحارث فقد أجبناك ، فقال لهم: إن ابني محمّداً قد فقد، قالوا له: فاركب يا أبا الحارث حتى نركب معك، قالت: فدعا عبد المطلب براحلته فركبها، و ركب الناس معه، مه، فأخذ أعلى مكة وانحدر على أسفلها، فلما أن لم يرشيئاً ترك الناس و اتزر بثوب، وارتدى بآخر، وأقبل إلى البيت الحرام فطاف به أسبوعاً و أنشأ يقول: (شعر)
يا ربّ ردّ راكبي محمّداً *** ردّ إليّ و اتّخذ عندي يداً
أنت الذي جعلته لى عضداً *** يا ربّ إن محمداً لم يوجدا
فجمع قومي كلّهم تبدّداً
قال فسمعنا منادياً ينادي من جوّ الهواء معاشر الناس، لا تضجوا، فإنّ لمحمّد ربّاً لا يضيّعه ولا يخذله، قال عبد المطلب: يا أيها الهاتف من لنا به؟ و أين هو ؟ قال: بوادي تهامة فأقبل عبد المطلب راكباً متسلّحاً، فلما صار في بعض الطريق تلقاه ورقة بن نوفل فصارا جميعاً يسيران، فبينما هم كذالك إذا النبي صلی الله علیه و آله و سلّم تحت شجرة و قال بعضهم: بينا أبو مسعود الثقفي و عمرو بن نوفل يدوران على رواحلها إذا هما برسول الله قائماً عند شجرة الطلحة و هي الموز يتناول من ورقها، فقال أبو مسعود لعمرو: شأنك بالغلام، فأقبل إليه عمرو و هو لا يعرفه، فقال له: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا محمّد بن عبدالله بن عبدالمطلّب ابن هاشم فاحتمله بين يديه على الراحلة حتى أتى به عبدالمطلّب.
قال إسحاق: فحدثني سلمة، عن محمّد، عن يزيد عن ابن عبّاس أنّه قال: لمّا أن ردّ الله محمّداً على عبدالمطلّب تصدّق ذلك اليوم على فقراء قريش بألف نافة كومآه، و خمسين رطلا من ذهب، ثم جهّز حليمة بأفضل الجهاز. (1)
9- كنز الكراجكي: روي عن حليمة السعدية قالت: لمّا تمّت للنبي صلی الله علیه و آله و سلّم سنة تكلّم بكلام لم أسمع أحسن منه، سمعته يقول: «قدوس قدوس، نامت العيون و الرّحمن لا
1) المنتف في مولود المصطف: الباب الثانى من القسم الثانى.
تأخده سنة ولا نوم» و لقد ناولتني امرأة كفّ تمر من صدقة فناولته منه و هو ابن ثلاث سنين فردّه عليّ، وقال: يا أمّة لا تأكلي الصدقة، فقد عظمت نعمتك، وكثر خيرك فإنّي لا أكل الصدقة، قالت: فو الله ما قبلتها بعد ذلك . (1)
10 - ثم قال الكاذروني: روي أن شق صدره صلی الله علیه و آله و سلّم كان في سنة ثلاث من مولده و قيل: في سنة أربع على ما روي عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، عن أصحابه قال: مكث صلی الله علیه و آله و سلّم عندهم سنتين حتّى فطم، وكان ابن أربع سنين فقدموا به على اُمّه زائرين لها به، و أخبرتها حليمة خبره و ما رأوا من بركته فقالت آمنة ارجعي بابني فإنّي أخاف عليه و باء مكّة، فوالله ليكوننّ له شأن، فرجعت به و لمّا بلغ أربع سنين أتاه الملكان فشقّا بطنه، ثمّ نزلت به إلى آمنة و أخبرتها خبره ثمّ رجعت به أيضاً، وكان عندها سنة و نحوها لا تدعه يذهب مكاناً بعيداً، ثمّ رأت غمامة تظلّه إذا وقف وقفت، و إذا سار سارت، فأفزعها ذلك أيضاً من أمره فقدمت به إلى أمّه لتردّه و هو ابن خمس سنين، فأضلّته في الناس فالتمسته فلم تجده، و ذكر نحو ما تقدّم.
و روي أنّ عبد المطلّب بعثه الله صلی الله علیه و آله و سلّم في حاجة وضاع، و في الأخبار أنّ حليمة قدمت على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بمكّة و قد تزوّج بخديجة فشكت إليه جدب البلاد و هلاك الماشية فكلّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم خديجة، فأعطتها أربعين شاةً و بعيراً، وانصرفت إلى أهلها، ثم قدمت عليه صلی الله علیه و آله و سلّم بعد الإسلام فأسلمت هي وزوجها. وروي في الحديث: استأذنت امرأة على النبي صلی الله علیه و آله و سلّم كانت أرضعته، فلما دخلت عليه قال: أمّي أُمّي، وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه.
و روي عن أبي حازم قال: قدم كاهن مكّة و رسول الله ابن خمس سنین، و قد قدمت به ظئره إلى عبدالمطلّب ، وكانت تأتيه هب في كلّ عام، فنظر إليه الكاهن مع عبدالمطلّب
1) كنز الفوائد /72
فقال: يا معشر قريش اقتلوا هذا الصبي فإنّه يفرّقكم ويقتلكم، فهرب به عبدالمطلّب فلم يزل قريش تخشى من أمره ما كان الكاهن حذّرهم من أمره.
و في سنة ست من مولده صلی الله علیه و آله و سلّم ماتت أمّه كما مرّ ذكره.
و لنذكر ما حدث في سنة سبع من مولده صلی الله علیه و آله و سلّم : روي عن نافع بن حسين قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يكون مع أُمّه آمنة فلمّا توفّيت قبضه إليه جدّه عبدالمطلّب ، وضمّه ورقّ عليه رقةٌ لم يرقّها على ولده، وكان يقرّبه منه و يدنيه و يدخل عليه إذا خلا و إذا نام، وكان يجلس على فراشه، فيقول عبدالمطلّب إذا رأى ذلك يدعو ابني فإنّه يؤنس ملكا، وقال قوم: من بني مدلج لعبدالمطلّب احتفظ به فإنّا لم نرقد ما أشبه بالقدم التي في المقام منه، فقال عبدالمطلّب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء، فكان أبوطالب يحتفظه، وقال عبدالمطلّب لأمّ أيمن و كانت تحضن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يا بركة لا تغفلي عن ابني، فإنّ أهل الكتاب يزعمون أنّ ابني نبيّ هذه الأُمّة، وكان عبدالمطلّب لا يأكل طعاماً إلا قال: عليّ يا بني فيؤتى به إليه فلمّا حضرت عبدالمطلّب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و حياطته.
و ممّا وقع في تلك السنة ما روي أنّه أصاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم رمد شديد فعولج بمكّة فلم يغن عنه، فقيل لعبد المطلّب: إنّ في ناحية عكاظ راهباً يعالج الأعين، فركب إليه فنادا و ديره مغلق فلم يجب، فتزلزل به دیره حتّى خاف أن يسقط عليه، فخرج مبادراً فقال: يا عبدالمطلب إنّ هذا الغلام نبيّ هذه الأُمّة، و لو لم أخرج إليك لخرّعلىّ ديري فارجع به واحفظه لا يغتاله بعض أهل الكتاب، ثمّ عالجه و أعطاه ما يعالج به، و ألقى الله له المحبّة في قلوب قومه وكلّ من يراه.
و من ذلك خروج عبدالمطلّب برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يستسقون كما روي بإسناد ذكره عن رقيقة بنت صيفي بن هاشم قالت تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع، و أرمّت العظم - و يروى و أرقّت و أدقّت - فبينا أنا راقدة اللّهم أو مهومة و معي صنوي فإذا أنا بهاتف
صيّت يصرخ بصوت صحل يقول: يا معشر قريش إنّ هذا النبيّ المبعوث منكم هذا إيّان نجومه، فحي هلا بالحيا و الخصب، ألا فانظروا رجلاً منكم طوالاً عظاماً، أبيض بضاً، أشمّ العرنين، سهل الخدين، له فخر، يكظم عليه و يروى رجلا وسيطاً عظاماً جساماً أوطف الأهداب، ألا فليخلص هو و ولده وليدلف إليه من كلّ بطن رجل، ألا فليشنوا من الماء، و ليمسوا من الطيب، وليطوفوا بالبيت سبعاً، ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته ألا فليستسق الرجل و ليؤمن القوم، ألا فغتتم إذا ما شئتم و عشتم قالت: فأصبحت مذعورة قد قفّ جلدي، و دله عقلي و اقتصصت رؤياي فو الحرمة والحرم إن بقي أبطحيّ إلّا قال: هذا شيبة الحمد، و تتامت عنده ،قريش و انقضّ إليه من كلّ بطن رجل فشنّوا و مسّوا و استلموا و طوفوا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطفق القوم يدفون حوله ما إن يدرك سعيهم مهله حتّى قرّوا بذروة الجبل، واستكفّوا جنابيه فقام عبد المطلب فاعتضد ابن ابنه محمّداً فرفعه على عاتقه و هو يومئذ غلام قد أيفع أو كرب، ثم قال: «اللهم سادّ الخلّة، وكاشف الكربة، أنت عالم غير معلّم، مسئول غير مبخل، و هذه عبداؤك، وإماؤك بعذرات حرمك يشكون إليك سنتهم التي أذهبت الخفّ و الظلف، فاسمعنّ اللّهم، وأمطرنّ علينا غيثاً مريعاً مغدقاً» فما راموا البيت حتى انفجرت السماء بماءها، وكظّ الوادي بتجيجه، فسمعت شيخان العرب و جلّها: عبدالله بن جدعان و حرب بن أُميّة وشهاب بن المغيرة يقولون لعبدالمطلّب: هنيئاً لك أبا البطحاء و في ذلك قالت رقيقة: (شعر):
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا*** فقد فقدنا الحيا و اجلوّ ذالمطر فجاد بالماء جونيّ له سبل ***سحاً فعاشت به الأنعام و الشجر منّاً من الله بالميمون طائره و خير من بشّرت يوماً به مضر مبارك الإسم يستسقى الغمام به ما في الأنام له عدلً ولا خطر قوله: أقحلت من قحل قحولا: إذا يبس. راقدة أي نائمة. ومهوّمة يقال: هوم أي هزّ
رأسه من النعاس. صيت فيعل من صات يصوت كالميّت من مات. و الصحل: الذي في صوته ما يذهب بحدته من بحة و هو مستلذّ في السمع إيَّان نجومه: وقت ظهوره، و هو فعلان من آب الشيء: إذا تهيّاً. وحيّ هلا أي ابدأ به و اعجل بذكره و الحيا بفتح الحاء مقصوراً: المطر لأنّه حياة الارض و طوال مبالغة في طويل، وكذا عظام و جسام، و فعّال مبالغة في فعيل و فعّال أبلغ منه نحو كرام وكرّام، والكظم الإمساك و ترك الإبداء أي إنه من ذوي الحسب والفخر و هو لا يبدي ذلك. و البضّ بالباء الموحّدة المفتوحة، و الضّاد المعجمة من البضاضة و هو رقة اللون وصفاء البشرة و العرنين بالكسر: الأنف، وقيل: رأسه و الوسيط أفضل القوم من الوسط .أوطف الأهداب: طويلها. فليخلص أي فليتميّز هو و ولده من الناس من قوله تعالى: «خلصوا نجيّا». وليدلف إليه و ليقبل إليه من الدليف و هو المشي الرويد و التقدّم في رفق و شنّ الماء صبّه على رأسه، وقيل: الشن: صب الماء متفرّقاً قوله لداته على وجهين: أن يكون جمع لدة مصدر ولد نحو عدة وزنة ، يعني أن مولده و مواليد من مضى من آبائه كلّها موصوف بالطهر والذكاء، و أن يراد أترابه، و ذكر الأتراب أّسلوب من أساليهم في تثبيت الصفة وتمكينها لأنّه إذا جعل من جماعة و أقران ذوي طهارة فذاك أثبت لطهارته و أدلّ على قدسه غثتم مطرتم بكسر الغين، أو بضمه. قف: تقبض و اقشعر. و القفّة: الرعدة دله: دهش و تحيّر شيبة الحمد: اسم لعبدالمطلّب عامر، و إنما قيل له: شيبة لشيبة كانت في رأسه حين ولد وقد مرّ سبب تسميته بعبد المطلب. تتامت التتام التوافر. يدفّون الدفيف: المرّ السريع و المهل بالاسكان: التوءده. استكفّوا: أحدقوا من الكفّة و هى ما استدار ككفّة الميزان جنابيه أي جنابيه. أيفع: ارتفع. كرب: قرب من الإيفاع و منه الكر وبيون : المقربون من الملائكة والعبداء و العبدى بالمدّ والقصر العبيد. و العذرة: الفناء و كظيظ الوادي امتلاؤه و التجيج الماء المتجوج، أي المصبوب. و الشيخان جمع شيخ كالضيفان في ضيف. وقيل له: أبو البطحاء لأنّ أهلها عاشوا به و
انتمشوا كما يقال للطَّعام أبو الأضياف و اجلوّذ أي كثر و امتدّ.جونيّ: سحاب أسود، و سيل: جار سحا أي منصّبا والعدل: المثل، وكذلك الخطر.
ثم قال: و من ذلك خروج عبدالمطلب لتهنئة سيف بن ذي يزن كما حدثنا إسماعيل بن المظفّر بإسناده عن عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن قال: لما ظفر جدي سيف على الحبشة و ذلك بعد مولد النبي صلی الله علیه و آله و سلّم بسنتين أتت وفود العرب وأشرافها و شعراؤها لتهنئته، و تذكر ما كان من بلائه و طلبه ثبار قومه.
أقول: و ساق الحديث مثل ما تقدّم برواية الصدوق في باب البشائر.
ثم قال: هذا الحديث دال على أن الوفادة إلى ابن ذي يزن كان في سنة ثلاث من مولد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم هو الأصح أنّها كانت سنة سبع، لأنه يقول عبدالمطلّب: توفّي أبوه وأمُّه و كفلته أنا و عمّه، وأمّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لم تمت حتّى بلغ ستّ سنين.
ثم قال: و أما ما كان سنة ثمان من مولده صلی الله علیه و آله و سلّم فمن ذلك موت عبدالمطلب رضي الله عنه، وكان يوصي برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عمّه أبا طالب، و ذلك أنّ أبا طالب و عبدالله أبا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كانا لأمّ، وكان الزبير من أمّهما أيضاً، لكن كانت كفالة أبي طالب له بسبب، فيه ثلاثة أقوال: أحدها وصيّة عبدالمطلّب لأبي طالب و الثاني: أنّهما اقترعا فخرجت الفرعة لأبي طالب. و الثالث: أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم اختاره ، و مات عبدالمطلب و هو يومئذ ابن ثنتين وثمانين سنة ويقال ابن مائة وعشرين سنة.
و من ذلك كفالة أبي طالب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، قالوا: لمّا توفّي عبدالمطلّب قبض أبو طالب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إليه، فكان يكون معه، وكان أبو طالب لا مال له وكان يحبّه حباً شديداً لا يحبّ ولده كذلك، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، و يخرج فيخرج معه، وقد كان يخصّه بالطعام، و إذا أكل عيال أبي طالب جميعاً أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم شبعواء فكان إذا أراد أن يغدّيهم قال: كما أنتم حتّى يحضر ابني، فيأتي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فيأكل معهم،
و كانوا يفضلون من طعامهم، وإذا لم يكن معهم لم يشبعوا، فيقول أبو طالب: إنّك لمبارك، و كان الصبيان يصبحون رمصاً شعثاً، ويصبح رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم دهينا كحيلا، وكان أبو طالب يلقى له وسادة يقعد عليها، فجاء النبي صلی الله علیه و آله و سلّم فقعد عليها ، فقال أبو طالب و آله ربيعة إنّ ابن أخي ليحسّ بنعيم.
وروي عن عمرو بن سعيد أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز و معي ابن أخي يعني النبی صلی الله علیه و آله و سلّم ، فأدركني العطش فشكوت إليه، فقلت: يا بن أخي قد عطشت، و ما قلت له و أنا أرى أنّ عنده شيئاً إلا الجزع، قال: فننى وركه ثم برك، فقال: ياعم أعطشت؟ قال: قلت: نعم، فأهوى بعقبيه إلى الأرض فإذاً بالماء، فقال: اشرب يا عم، فشربت.
و من ذلك هلاك حاتم الذي يضرب به المثل في الجود والكرم.
و من ذلك موت كسرى أنوشيروان و ولاية ابنه هرمز .
وممّا كان في سنة تسع من مولده صلی الله علیه و آله و سلّم ما روي في بعض الروايات أنّ أبا طالب خرج برسول الله عليه والله إلى بصرى و هو ابن تسع سنين.
و ممّا كان سنة عشر من مولده صلی الله علیه و آله و سلّم الفجار الأول، و هو قتال وقع بعكاظ، وكانت الحرب فيه ثلاثة أيام.
و ممّا كان سنة إحدى عشرة من مولده صلی الله علیه و آله و سلّم ما روي عن أبي بن كعب قال: إن أبا هريرة سأل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ما أوّل ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى جالساً و قال: لقد سألت يا أبا هريرة إنّي لفي صحراء ابن عشر سنين و أشهر، و إذا بكلام فوق رأسي، و إذا رجل يقول لرجل: أهو هو ؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قطّ، و أرواح لم أجدها من خلق قطّ، وثياب لم أرها على خلق قطّ، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كلّ واحد منها بعضدي لا أجد لأخذهما مساً، فقال أحدهما لصاحبه اضجعه، فأضجعاني بلا قصر و لا هصر، فقال أحدهما لصاحبه افلق صدره، ففلق أحدهما صدري بلادم و لا وجع، فقال له :
اخرج الغل و الحسد، فأخرج شيئاً كرصة العلقة، ثمّ نبذها فطرحها، ثم قال له: ادخل الرأفة و الرحمة، فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضّة، ثمّ هز أبهام رجلي فقال: اعدوا بنبيكم، فرجعت بهما أعدوا بهما رأفة على الصغر و رحمة للكبير.
و أما ما كان سنة اثنتي عشرة من مولده صلی الله علیه و آله و سلّم إلى ثلاث عشرة منه فخروجه صلی الله علیه و آله و سلّم مع أبى طالب إلى الشام، روي أنّه لمّا أتت لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم اثنتي عشرة سنة و شهران و عشرة أيام ارتحل به أبو طالب للخروج إلى الشام، و ذلك أنّه لما تهيّأ للخروج أضبّ به رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، فرّق له أبو طالب، وفي رواية: لمّا تهيّأ أبوطالب للرّحيل و أجمع على السير هبّ له رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فأخذ بزمام ناقته وقال: ياعم إلى من تكلني؟ لا أب لي و لا أمّ فرقّ فقال: والله لأخرجنّ به معي، ولا يفارقني و لا أفارقه أبداً، فخرج به معه، فلمّا نزل الركب بصرى من أرض الشام و بها راهب يقال له: بحيرا في صومعة له وكان ذا علم في النصرانية، و لم يزل في تلك الصومعة راهب يصير إليه علمهم من كتاب فيما يزعمون يتوارثون كابراً عن كابر .
يقال: أضبّ على ما في نفسه إذا أخرجه و أضبّ تكلّم، ويقال: جاء فلان يضبّ لسانه أي اشتدّ حرصه.
و روي عن داود بن الحصين قال: لما خرج أبو طالب إلى الشام و خرج معه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في المرّة الأولى و هو ابن اثنتى عشرة سنة، فلما نزل الركب بصرى الشام بها راهب يقال له بحيرا في صومعة ،له و كان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يدرسونه، فلمّا نزلوا ببحيرا وكان كثيراً ما يمرّون به لا يكلّمهم حتى إذا كان ذلك العام ونزلوا منزلاً قريباً من صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلّما مروا، فصنع لهم طعاماً ثم دعاهم، وإنّما حمله على دعاءهم أنّه رأى حين طلعوا غمامة تظل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة، ثم إلى تلك الغمامة أظلّت تلك
الشجرة، و أخضلت أغصان الشجرة على النبي صلی الله علیه و آله و سلّم حين استظلّ تحتها، فلمّا رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته و أمر بذلك الطعام فأُتي به، فأرسل إليهم فقال: إنّي قد صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش، و أنا أُحبّ أن تحضروه كلّكم ولا تخلّفون منكم صغيراً و لا كبيراً، حُرّاً و لا عبداً، فإنّ هذا شيء تكرموني به فقال له رجل: إنّ لك لشأناً يا بحيرا، ما كنت تصنع بنا هذا، فما شأنك اليوم؟ قال: فإنّي أحببت أن أكرمكم ولكم حقّ، فاجتمعوا إليه و تخلّف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من بين القوم لحداثة سنّة، ليس في القوم أصغر منه في رحالهم تحت الشجرة، فلمّا نظر بحيرا إلى القوم فلم يرالصفة الّتي يعرفها و يجدها عنده، و جعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم، ويراها متخلّفة على رأس رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، قال :بحيرا: يا معشر قريش لا يتخلفنّ أحد منكم عن طعامى، قالوا: ما تخلّف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنّاً في رحالهم، فقال: ادعوه فليحضر طعامي، فما أقبح أن تحضروا و يتخلّف رجل واحد، مع أنّي أراه من أنفسكم فقال القوم: هو و الله أوسطنا نسباً، و هو ابن أخي هذا الرجل، يعنون أبا طالب، و هو من ولد عبدالمطلّب، فقام الحارث بن عبدالمطلب بن عبد مناف و قال: والله كان بناللوم أن يتخلّف ابن عبد المطلب من بيننا، ثم قال إليه فاحتضنه و أقبل به حتى أجلسه على الطعام و الغمامة تسير على رأسه، و جعل بحيرا يلحظه لحظاً شديداً، و ينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده من صفته، فلمّا تفرقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال: يا غلام أسألك بحقّ اللّات والعزّى إلّا أخبرتني عمّا أسألك، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : لا تسألني اللّات والعزّى، فو الله ما أبغضت شيئاً بغضهما، قال: بالله إلّا ماأخبرتني عمّا أسألك عنه ، قال سلني عمّا بدالك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله حتّى نومه فجعل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يخبره فيوافق ذلك ما عنده، ثمّ جعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوّة بين كتفيه على موضع الصفة الّتي عنه، فقبّل موضع الخاتم، و قالت قريش إنّ لمحمد صلی الله علیه و آله و سلّم عند هذا الراهب لقدراً، و جعل أبو طالب لمّا يرى من الراهب يخاف على ابن أخيه، قال الراهب لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال أبو طالب: ابني قال: ماهو
ابنك، و ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيّاً، قال: فابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: هلك و أُمّه حبلى به قال: فما فعلت اُمّه؟ قال: توفّيت قريباً، قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده، و احذر عليه اليهود، فو الله لئن رأوه و عرفوا منه ما أعرف ليبلعنّه غثَّاً، فإنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا، و ما روينا عن آبائنا، واعلم أنّي قد أدّيت إليك النصحية، فلمّا فرغوا من تجارتهم خرج به سریعاً، وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و عرفوا صفته فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا إلى بحيرا فذاكروه أمره، فنهاهم أشدّ النهي، وقال لهم: أتجدون صفته؟ قالوا: نعم، قال: فما لكم إليه سبيلٌ، فصدّقوه و تركوه، و رجع به أبو طالب، فما خرج به سفراً بعد ذلك خوفاً عليه.
وكان في سنة أربع عشرة من مولده صلی الله علیه و آله و سلّم الفجار الآخر بين هوازن و قريش، و حضره رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم .
و في سنة سبع عشرة و ثبت العظماء و الأشراف بالمدائن فخلعوا هرمز، و سملوا عينيه و ترکوه.
و في سنة تسع عشرة قتلوا هرمز بعد خلعه و فيها ولّى ابنه برويز و كان يسمّى كسرى .
و في سنة ثلاث وعشرين كان هدم الكعبة و بنيانها في قول بعض العلماء.
و في سنة خمس وعشرين كان تزويج خديجة رضي الله عنها كما سيأتي شرحه.
و في سنة خمس وثلاثين من مولده صلی الله علیه و آله و سلّم هدمت قريش الكعبة على الأصحّ. قال ابن إسحاق: كانت الكعبة رضمة فوق القامة فأرادت قریش رفعها و تسقيفها، و كان نفر من
قریش و غيرهم قد سرقوا كنز الكعبة، وكان يكون في بئر في جوف الكعبة فهدموها لذلك و ذلك في سنة خمس وثلاثين من مولده صلی الله علیه و آله و سلّم ، وقيل في سبب هدمها: إنّه كان الجرف يطلّ على مكة، وكان السيل يدخل من أعلاها حتّى يدخل البيت فانصدع، فخافوا أن ينهدم و سرق منه حلية و غزال من ذهب كان عليه درٌّ و جوهرٌ، و لذلك هدم البيت، ثمّ إنّ سفينة
أقبلت في البحر من الرّوم و رأسهم باقوم وكان بانياً، فتحطّمت السفينة بنواحي جدَّه، فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا خشبها، وكلّموا الروميّ با قوم فقدم معهم و قالوا: لو بنينا بيت ربّنا فامروا بالحجارة فجمعت : فبينا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ينقل معهم و هو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة و كانوا يضعون أُزرهم على عواتقهم و يحملون الحجارة، ففعل ذلك رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فلبط به و نودي: عورتك، وكان ذلك أوّل ما نودي، فقال له أبو طالب با بن اخي اجعل إزارك على رأسك، قال: ما أصابني ما أصابني إلّا في التعرّي، فما رئيت لرسول الله عروة.
و في البخاريّ عن جابر بن عبدالله قال: لمّا بنيت الكعبة ذهب النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و عبّاس ينقلان الحجارة، فقال العبّاس للنبيّ : إجعل إزارك على رقبتك من الحجارة، فخرَّ إلى الأرض و طمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق فقال: إزاري إزاري، فشدّ عليه إزاره، ثم إنّهم أخذوا في بنائها، و ميّزوا البيت و اقترعوا عليه فوقع لعبد مناف و زهرة ما بين الركن الأسود إلى ركن الحجر وجه البيت و وقع لبني أسد بن عبدالعزّى و بني عبدالدّار ما بين الحجر إلى ركن الحجر الآخر، و وقع لتيم ما بين ركن الحجر إلى الركن اليماني، و وقع لسهم و جمع و عدي و عامر بن لؤي ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود، فبنوا، فلما انتهوا إلى حيث موضع الركن من البيت قالت كلّ قبيلة : نحن أحقّ بوضعه، فاختلفوا حتّى خافوا القتال، ثم جعلوا بينهم أوّل من دخل من باب بني شيبة، فلمّا رأوه قالوا: هذا الأمين قد رضينا بما قضى بيننا، ثم أخبروه الخبر، فوضع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ردائه وبسطه في الأرض ثم وضع الركن فيه، ثم قال: ليأت من كلّ ربع من أرباع قريش رجل، وكان في ربع عبد مناف عتبة بن ربيعة، وكان في الربع الثاني أبو زمعة، وكان في الربع الثالث أبو حذيفة ابن المغيرة، وكان في الربع الرابع قيس بن عديّ، ثم قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: ليأخذ كلّ رجل منكم بزواية من زوايا الثوب، ثمّ ارفعوه جميعاً ،فرفعوه، ثمّ وضعه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بيده في موضعه ذلك، فذهب رجلٌ من أهل نجد ليناول النبي صلی الله علیه و آله و سلّم حجرا يسدّ به الركن، فقال العبّاس بن
عبدالمطلّب: لا ونحّاه، و ناول العباس رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم حجراً فسدّ به الركن، فغضب النجديّ حين نحيّ، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّه ليس يبني معنا في البيت إلّا منّا، ثمّ بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب، و سقّفوا البيت وبنوه على ستّة أعمدة، و أخرجوا الحجر من البيت.
و في هذه السنة وُلدت فاطمة علیه السّلام بنت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، و فيها مات زيد بن عمرو بن نفيل.
و روي عن عامر بن ربيعة قال: كان زيد بن عمرو بن نفيل يطلب الدين و كره النصرانية و اليهودية و عبادة الأوثان والحجارة، وأظهر خلاف قومه، واعتزل آلهتهم، و ما كان يعبد آباؤهم، و لا يأكل ذبائحهم، فقال لي: يا عامر إنّي خالفت قومي، و اتّبعت ملّة إبراهيم علیه السّلام و ما كان يعبده و إسماعيل علیه السّلام من بعده، فقال: وكانوا يصلّون إلى هذه القبلة و أنا أنتظر نبيّاً من ولد إسماعيل علیه السّلام يبعث لا أراني أدركه، و أنا أؤمن به وأصدّقه، وأشهد أنّه نبيّ، فإن طالت بك مدّة فرأيته فاقرأه منّي السّلام، قال عامر: فلمّا نبّي ء، رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أسلمت و أخبرته بقول زيد و أقرأته منه السّلام فردّ عليه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم السّلام و ترحّم عليه، وقال: قد رأيته في الجنّة يسحب ذيولا رضي الله عنه.
و أما ما كان سنة ثمان وثلاثين من مولده علیه السّلام ففي هذه السنة رأى الضوء و النور، و كان يسمع الصوت و لا يدري ماهو.
و أمّا سنة أربعين من مولده صلی الله علیه و آله و سلّم ففي هذه السنة قتل كسرى برويز النعمان بن المنذر لغضب كان له عليه، قتله قبل المبعث بسبعة أشهر. (1)
أقول: إنما أوردت سياق هذه القصص مع عدم الوثوق عليها، لا شتمالها على تعيين أوقات ما أسلفناه في الأخبار المتفرّقة، وكونها موضحة لبعض ما أبهم فيها.
1) المنتق في مولود المصطفى الباب التاسع فيما كان من سنة خمس وثلاثين إلى سنة أربعين من مولده صلی الله علیه و آله و سلّم
1 - ما: المفيد، عن ابن قولويه عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن العبّاس بن عامر، عن أبان، عن بريد، عن الصادق علیه السّلام قال : لمّا توفّيت خديجة رضي الله عنها جعلت فاطمة علیه السّلام تلوذ برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و تدور حوله ، و تقول : أبه أين أمّي؟ قال: فنزل جبرئيل علیه السّلام فقال له: ربّك يأمرك أن تقرء فاطمة السّلام و تقول لها: إنّ أُمّك في بيت من قصب كعابه من ذهب، و عمده ياقوت أحمر بين آسية و مريم بنت عمران، فقالت فاطمة علیها السّلام : إنّ الله هو السّلام و منه السّلام و إليه السّلام .(1)
2 - ما أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن محمّد بن يحيى الجعفيّ، عن جابر ابن الحرّ ،النخعي، عن عبدالرحمن بن ميمون، عن أبيه قال: سمعت ابن عباس يقول: أوّل من آمن برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من الرجال علىّ علیه السّلام ، و من النساء خديجة علیها السّلام .(2)
3-ل : محمد بن عليّ بن إسماعيل، عن أبي القاسم بن منيع، عن شيبان بن فروخ، عن
داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة عن ابن عباس قال: خطّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أربع خطط في الأرض، وقال: أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : أفضل نساء الجنّة أربع: خديجة بنت خويلد، و فاطمة بنت محمد، و مريم بنت عمران و آسية بنت مزاحم امرأة فرعون .(1)
4 - ل : ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبي علي الواسطي، عن عبدالله ابن عصمة، عن يحيى بن عبدالله، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: دخل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم منزله، فاذا عائشة مقبلة على فاطمة تصايحها و هي تقول: والله يا بنت خديجة ما ترين إلّا أنّ لأمك علينا فضلا و أىّ فضل كان لها علينا؟؟ ما هي إلّا كبعضنا، فسمع مقالتها لفاطمة فلمّا رأت فاطمة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بكت، فقال: ما يبكيك يا بنت محمد؟ قالت : ذكرت أُمي فتنقصتها فبكيت، فغضب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ثم قال : مه يا حميراء، فإنّ الله تبارك و تعالى بارك في الودود الولود، و إن خديجة رحمها الله ولدت مني طاهراً و هو عبدالله و هو المطهر، وولدت مني القاسم وفاطمة و رقيّة و ام كلثوم و زينب ، و أنت ممّن أعقم الله رحمه فلم تلدي شيئاً . (2)
5 - ص: تزوّج النبي صلی الله علیه و آله و سلّم بخديجة و هو ابن خمس وعشرين سنة، و توفّيت خديجة بعد أبي طالب بثلاثة أيّام. 6- يج: روي عن جابر قال: كان سبب تزويج خديجة محمّداً أنّ أباطالب قال: يا محمد إنّي أريد أن أزوّجك و لا مال لى أُساعدك به، و إن خديجة قرابتنا، و تخرج كلّ سنة قريشاً في مالها مع غلمانها يتّجر لها و يأخذ وقر بعير ممّا أتى به فهل لك أن تخرج؟ قال: نعم فخرج أبو طالب إليها وقال لها : ذلك، ففرحت و قالت لغلامها ميسرة: أنت و هذا المال كلّه بحكم محمد صلی الله علیه و آله و سلّم ، فلمّا رجع ميسرة حدث أنّه ما مرّ بشجرة ولا مدرة إلا قالت: الّلام عليك
يا رسول الله، وقال: جاء بحيرا الراهب و خدمنا لما رأى الغمامة على رأسة تسير حيثما سار تظله بالنهار، وربحا في ذلك السفر ربحاً كثيراً، فلمّا انصرفا قال ميسرة: لو تقدّمت يا محمّد إلى مكّة و بشّرت خديجة بما قدر بحنا لكان أنفع لك، فتقدّم محمّد على راحلته، فكانت خديجة في ذلك اليوم جالسة على غرفة مع نسوة فطهر لها محمد راكباً، فنظرت خديجة إلى غمامة عالية على رأسه تسير بسيره، ورأت ملكين عن يمينه و عن شماله، في يد كل واحد سيف مسلول، يجيئان في الهواء معه، فقالت: إنّ لهذا الراكب لشأناً عظيماً ليته جاء إلى داري، فإذا هو محمد صلی الله علیه و آله و سلّم قاصد لدارها، فنزلت حافية إلى باب الدار، و كانت إذا أرادت التحوّل من مكان إلى مكان حوت الجواري السرير الذي كانت عليه، فلما دنت منه قالت: يا محمد اخرج و احضرني عمّك أبا طالب الساعة، وقد بعثت إلى عمها أن زوجني من محمّد إذا دخل عليك، فلما حضر أبو طالب قالت: اخرجا إلى عمّي ليزوّجني من محمّد فقد قلت له في ذلك، فدخلا على عمّها، وخطب أبو طالب الخطبة المعروفة و عقد النكاح، فلمّا قام محمد صلی الله علیه و آله و سلّم ليذهب مع أبي طالب قالت خديجة: إلى بيتك، فبيتي بيتك، و أنا جاريتك. (1)
7- :قب خرج النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم إلى الشام في تجارة لخديجة و له خمس و عشرون سنة، و تزوّج بها بعد أشهر، قال الكليني: تزوّج خديجة و هو ابن بضع و عشرين سنة و لبث بها أربعاً وعشرين سنة و أشهراً ، و بنيت الكعبة و رضيت قريش بحكمه فيها و هو ابن خمس و ثلاثين سنة. (2)
أقول: أوردنا تاريخ وفاتها في باب المبعث.
8-كا: بعض أصحابنا، عن علي بن الحسين، عن علي بن حسّان، عن عبدالرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: لما أراد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أن يتزوّج خديجة بنت خويلد أقبل أبو طالب في أهل بيته و معه نفر من قريش حتى دخل على ورقة بن نوفل عمّ خديجة، فابتدأ
أبو طالب بالكلام فقال : «الحمد لرّب هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم، وذرّية إسماعيل و أنزلنا حرماً آمناً، وجعلنا الحكّام على الناس، و بارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه، ثمّ إنّ ابن أخي هذا يعني رسول صلی الله علیه و آله و سلّم ممّن لا يوزن برجل من قريش إلّا رجح به، ولا يقاس به رجل إلّا عظم عنه، و لا عدل له في الخلق، و إن كان مقلّاً في المال، فإنّ المال رفد جار، وظلّ زائل، وله في خديجة رغبة، ولها فيه رغبة، وقد جئناك لنخطبها إليك برضاها و أمرها، والمهر عليّ في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله، و له و ربّ هذا البيت حظّ عظيم، و دين شائع، و رأي كامل» ثمّ سكت أبو طالب فتكلّم عمّها و تلجلج، و قصر عن جواب أبي طالب و أدركه القطع و البهر، وكان رجلاً من القسّيسين، فقالت خديجة مبتدئة: يا عمّاه إنّك و إن كنت أولى بنفسي مني في الشهود فلست أولى بي من نفسي، قد زوّجتك يا محمد نفسي، و المهر عليّ في مالي، فأمر عمّك فلينحر ناقة فليولم بها، وأدخل على أهلك، قال أبو طالب : اشهدوا عليها بقبولها محمّداً وضمانها المهر في مالها، فقال بعض قريش : يا عجباه المهر على النّساء للرّجال؟ فغضب أبو طالب غضباً شديداً وقام على قدميه، وكان ممّن يهابه الرجال و يكره غضبه، فقال : إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلى الأثمان وأعظم المهر و إذا كانوا أمثالكم لم يزوّجوا إلّا بالمهر الغالى، و نحر أبو طالب ناقةً و دخل رسول الله صلى الله عليه و آله بأهله، فقال رجل من قريش يقال له: عبدالله بن غنم:
هنيئاً مرئياً يا خديجة قد جرت*** لك الطير فيما كان منك بأسعد
تزوّجت خير البرية كلّها *** و من ذا الذي في الناس مثل محمد؟
و بشّر به البران عيسى بن مريم *** و موسی بن عمران فيا قرب موعد
أقرّت به الكتّاب قدماً بأنّه *** رسول من البطحاء هاد و مهتد (1)
1) الفروع 19/2 - 20.
1 - في: بإسناده عن سليم بن قيس الهلاليّ قال: لمّا أقبلنا من صفّين مع أمير المؤمنين علیه السّلام نزل قريباً من دير نصرانيّ، إذ خرج علينا شيخ من الدير جميل الوجه، حسن الهيئة و السمت معه كتاب حتى أتى أمير المؤمنين علیه السّلام فسلّم عليه ، ثم قال: إني من نسل حواري عيسى بن مريم و كان أفضل حواري عيسى بن مريم الإثنى عشر وأحبّهم إليه و آثرهم عنده، و إنّ عيسى أوصى إليه و دفع إليه كتبه و علمه و حكمته، فلم تزل أهل هذا البيت على دينه متمسكين عليه لم يكفروا ولم يرتدوا ولم يغيّروا، و تلك الكتب عندي إملاء عيسى بن مريم علیه السّلام ، و خطّ أبينا بيده فيها كلّ شيء يفعل الناس من بعده، و اسم ملك ملك، و إنّ الله يبعث رجلاً من العرب من ولد إبراهيم خليل الله علیه السّلام من أرض يقال لها : تهامة من قرية يقال لها مكّة - و ساق الحديث إلى أن قال -اسمه محمّد، و عبدالله،
ویس و الفتاح، والخاتم، والحاشر، والعاقب، و الماحي، و القائد و نبي الله، وصفي الله، و الله، و إنّه يذكر إذا ذكر، أكرم خلق الله على الله و أحبّهم إلى الله، لم يخلق الله ملكاً مقرباً و لا نبيّاً مرسلاً من آدم علیه السّلام فمن سواه خيراً عند الله ، و لا أحبّ إلى الله منه بقعده يوم القيامة على عرشه، و يشفّعه في كلّ من يشفع فيه باسمه جرى القلم في اللّوح المحفوظ، محمّد رسول الله الخبر (1)
2 - فس: أبي عن القاسم بن محمّد على عليّ، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله و أبي جعفر علیه السّلام قالا: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذا صلى قام على أصابع رجليه حتي تورّمت، فأنزل الله تعالى: «طه» و هي بلغة طيّ يا محمّد «مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى» (2)
3 - فس: قال الصادق علیه السّلام : «یس» اسم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، و الدليل عليه قوله:«إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ » قال: على الطريق الواضح «تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ» قال: القرآن: «لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ » إلى قوله: «عَلَى أكثَرِهِم» يعني نزل به العذاب «فهم لا يؤمنون». (3)تفسير القمى /548 (4)
4 - ن: عن الريّان بن الصلت عن الرضاء علیه السّلام في حديث طويل في الفرق بين العترة و الأمّة، وساق الحديث إلى أن قال علیه السّلام : أخبروني عن قول الله عزّ و جلّ: «يس و القرآن الحكيم» فمن عنى بقوله: «يس»؟ قالت العلماء: «يس» محمد صلی الله علیه و آله و سلّم لم يشك فيه أحد، قال أبو الحسن: فإنّ الله عزّ و جلّ أعطى محمّداً و آل محمد من ذلك فضلاً لا يبلغ أحد كنه وصفه إلّا من عقله، وذلك أنّ الله عزّ و جلّ كم يسلّم على أحد إلا على الأنبياء علیهم السّلام فقال تعالى: «سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ » و قال: «سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» و قال: «سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ» ولم يقل: سلام على آل نوح، ولم يقل: سلام على آل إبراهيم، و لا قال: سلام على
آل موسی و هارون، و قال: «سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ » يعني آل محمد، و ساق الحديث إلى أن :قال في قوله تعالى: « قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًارسولاً » فالذكر رسول الله و نحن أهله. (1)
أقول: سيأتي بتمامه في كتاب الإمامة.
5- كا: أحمد بن مهران و عليّ بن إبراهيم جميعاً عن محمد بن علي، عن الحسن ابن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم، عن أبي الحسن موسى علیه السّلام في حديث طويل سأله نصراني عن قوله تعالى: «حم و الكتاب المبين» إلى قوله: «منذرين» ما تفسيرها في الباطن؟ فقال: أما «حم» فهو محمّد، و هو في كتاب هود الذّي أُنزل عليه، و هو منقوص الحروف، و أمّا «الكتاب المبين» فهو أمير المؤمنين علىّ علیه السّلام الخبر. (2)
6 - كا: عليّ بن محمّد، عن علي بن العباس، عن علي بن حمران، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر علیه السّلام في قول الله عزّ وجلّ: «والنجم إذا هوى» قال: أقسم بقبض محمد إذا قبض. الخبر. (3)
7- كا: العدة، عن سهل، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبدالله علیه السّلام ، قال: سألته عن قول الله عزّ و جلّ: «والشمس و ضحيها» قال: «الشمس» رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أوضح الله عزّ و جلّ به للناس دينهم، قال: قلت: «والقمر إذا تليها» قال: ذاك أمير المؤمنين علیه السّلام تلا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و نفثه بالعلم نفثاً الخبر. (4)
8- مع : محمد بن عمرو البصري، عن عبد الله بن علي الكرخي، عن محمّد بن عبدالله عن أبيه، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: صلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم صلاة الفجر، فلما انفتل من صلاته أقبل علينا بوجهه الكريم على الله عزّ و جلّ، ثم قال معاشر الناس من افتقد الشمس فليتمسك بالقمر، و من افتقد القمر فليتمسك بالزهرة، و
من افتقد الزهرة فليتمسّك بالفرقدين، ثمّ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : أنا الشمس، و على علیه السّلام القمر، وفاطمة الزهرة و الحسن و الحسين الفرقدان (1)
9 - ع ، ل، مع محمّد بن عليّ بن الشاه، عن محمّد بن جعفر بن أحمد البغداديّ، عن ابیه عن أحمد بن السخت عن محمد بن الأسود الورّاق، عن أيّوب بن سليمان، عن أبي البختري، عن محمّد بن حميد، عن محمّد بن المنكدر ، عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: أنا أشبه الناس بأدم علیه السّلام ، و إبراهيم علیه السّلام أشبه الناس بي خلقه و خلقه و سماني الله من فوق عرشه عشرة أسماء وبيّن الله ،وصفي، وبشّرني على لسان كلّ رسول بعثه إلى قومه، و سمّاني و نشر في التوراة اسمي و بثّ ذكري في أهل التوراة والإنجيل، و علّمني كلامه و رفعني في سمائه، وشقّ لي اسمي من أسمائه، فسمانى محمّداً و هو محمود، و أخرجني في خير قرن من أُمتي، وجعل اسمي في التوراة أحيد ، فبالتوحيد حرّم أجساد أُمّتي على النار، وسمّاني في الإنجيل أحمد، فأنا محمود في أهل السماء، و جعل أمّتي الحامدين، و جعل اسمي في الزبور ،ماح، محا الله عزّ و جلّ بي من الأرض عبادة الأوثان، و جعل اسمي في القرآن محمّداً، فأنا محمود في جميع القيامة في فصل القضاء، لا يشفع أحد غيري، وسمانى في القيامة حاشراً، يحشر الناس على قدمي و سمّاني الموقف، أوقف الناس بين يدي الله جلّ جلاله، وسمّاني العاقب، أنا عقب النبيّين، ليس بعدي رسول، و جعلني رسول الرحمة، و رسول التوبة و رسول الملاحم و المقنّي، قفيّت النبيّين جماعة، و أنا القيّم الكامل الجامع، و منّ عليّ ربّي و قال لي: يا محمّد صلى الله عليك فقد أرسلت كلّ رسول إلى أّمّته بلسانها، و أرسلتك إلى كلّ أحمر و أسود من خلق، و نصرتك بالرعب الذى لم أنصر به أحداً، و أحللت لك الغنيمة و لم تحل لأحد قبلك، وأعطيتك ولأمّتك كنزاً من كنوز عرشي، فاتحة الكتاب، وخاتمة سورة البقرة، وجعلت لك ولأمتك الأرض كلها مسجداً، وترابها طهوراً،
1) معانى الاخبار / 39
و أعطيت لك و لأمّتك التكبير، و قرنت ذكرك بذكري حتى لا يذكرني أحدٌ من أمتك إلا ذكرك مع ذكري، فطوبى لك يا محمّد ولأمتك (1)
10 - لى، ع، مع: ماجيلويه، عن عمّه عن البرقي، عن علي بن الحسين الرقي، عن عبدالله بن جبلة، عن معاوية بن عمار، عن الحسن بن عبدالله، عن آبائه، عن جده الحسن بن علي بن أبي طالب علیه السّلام قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فسأله أعلمهم فيما سأله، فقال له: لأيّ شيء سمّيت محمداً و أحمد و أبا القاسم و بشيراً و نذيراً و داعياً؟ فقال النبيِّ صلی الله علیه و آله و سلّم : أما محمد فإني محمود في الأرض و أما أحمد فإنّي محمود في السماء، و أما أبو القاسم فإنّ الله عزّ و جلّ يقسّم يوم القيامة قسمة النار، فمن كفربي من الأولين والآخرين ففي النار، و يقسم قسمة الجنّة، فمن آمن بي وأقرّ بنبوّتي ففي الجنّة، و أما الداعي فإني أدعو الناس إلى دين ربي عزّ و جلّ، و أما النذير فإنّي أُنذر بالنار من عصاني، و أمّا البشير فإنّي أبشر بالجنّة من أطاعني. (2)
أقول: قدمرّ في باب نقوش الخواتيم في خبر الحسين بن خالد أنه كان نقش خاتم النبي صلی الله علیه و آله و سلّم : « لا إله إلا الله محمد رسول الله».
11 - ب: هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر ، عن أبيه علیه السّلام إنّ خاتم رسول الله صلى الله عليه و آله كان من فضّة، و نقشه «محمّد رسول الله» قال: وكان نقش خاتم على علیه السّلام «الله الملك» وكان نقش خاتم والدي رضي الله عنه «العزّة الله» (3).
12 - ل : ابن الوليد، عن محمد العطّار، عن الأشعريّ، عن أبي عبدالله الرازي، عن عليّ بن سليمان، عن عبدالله بن عبيد الله الهاشميّ، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن أبي
عبد الله علیه السّلام قال: كان لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم خاتمان: أحدهما مكتوب عليه: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» و الآخر: «صدق الله». (1)
13 - :ير: إبراهيم بن هاشم عن أعمش بن عيسى عن حمّاد الطيافي، عن الكلبي، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: قال لي: كم لمحمّد اسم في القرآن؟ قال: قلت: اسمان أو ثلاث، فقال: يا كلبيّ له عشرة أسماء «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ * وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ * و لما قام عبد الله كادوا يكونون عليه لبدا طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى و يس و القرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم * ون و القلم وما يسطرون له ما أنت بنعمة ربك بمجنون و يا أيها المزمل و يا أيها المدثر وإنا أنزلنا إليكم ذكراً رسولاً» فالذكر اسم من أسماء محمد صلی الله علیه و آله و سلّم و نحن أهل الذكر، فسل يا كلبي عما بدالك قال: فأنسيت والله القرآن كله فما حفظت منه حرفاً أسأله عنه. (2)
14 - قب: في أسمائه وألقابه صلی الله علیه و آله و سلّم : سماّه في القرآن بأربعماة اسم: العالم «وعلّمك ما لم تكن تعلم» الحاكم «فلا و ربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك» الخاتم «و خاتم النبييّن» العابد «واعبد ربّك» الساجد «وكن من الساجدين» الشاهد «إنّا أرسلناك شاهداً» المجاهد «يا أيّها النبيّ جاهد الكفّار» الطاهر «طه ما أنزلنا» الشاكر «شاكراً لأنعمه» الصّابر «واصبر و ما صبرك» الذاكر «واذكر اسم ربّك» القاضي «إذا قضى الله و رسوله» الراضي «لعلّك ترضى» الداعي «و داعياً إلى الله» الهادي و إنّّك لتهدي» القارىء «اقرأ باسم ربّك» التالي «يتلو عليهم» الناهي «و ما نهاكم عنه» الآمر «وأمر أهلك» الصادع «فاصدع بما تؤمر» الصادق «ص و القرآن» القانت «أمّن هو قانتٌ» الحافظ «يحفظونه من أمر الله» الغالب «و إن جندنا» العائل «و وجدك عائلا» الضالّ أي يهدي به الضال «و وجدك ضالّا» الكريم «إنّه لقول رسول كريم» الرحيم «رؤفٌ رحيمٌ» العظيم «و إنّك لعلى خُلقٍ» اليتيم «ألم يجدك» المستقيم
فاستقم كما أمرت المعصوم و الله يعصمك» البشير «إنا أرسلناك بالحق» النذير «بشيراً و نذيراً» العزيز «لقد جاءكم رسول» الشهيد وجئنا بك شهيداً» الحريص «حريص عليكم» القريب ق و «القرآن» الحبيب، و المحبّ، و المحبوب، في سبع مواضع «حم» النبي «يا أيها النبي» القوي «ذي قوّة» الوحي و كذلك أوحينا إليك» الأمي «النبي الأمي» الأمين «مطاعٌ ثمّ أمينٌ» المكين «عند ذي العرش المبين و قل إنّي أنا النذير» المذكّر فذكر إنما أنت» المبشر و مبشِّراً برسول» المنذر «إنما أنتُ منذر » المستغفر «و استغفر لذنبك» المسبح «فسبح بحمد ربك» المصلي «فصل لربّك» المصدّق «مصدقاً لما معكم» المبلغ «يا أيها الرسول بلغ» المحدّث و أما بنعمة ربك» المؤمن آمن الرسول» المتوكل و توكل على الحي» المزمل «يا أيها المزّمّل» «المدثر «يا أيها المدثر المتهجد و من الليل فتهجد المنادي سمعنا منادياً» المهتدي و هداه إلى صراط الحق قد جاءكم الحق» الصدق و الذي جاء بالصدق» الذكر «إنا أرسلناك إليكم ذكراً » البرهان قد جاءكم برهان» الفضل «قل بفضل الله» المرسل إنّك لمن المرسلين» المبعوث «هو الّذي بعث» المختار و ربّك يخلق» المعفو عنى الله عنك» المغفور «ليغفر لك «الله» المكفّي «إنا كفيناك» المرفوع و الرفيع «و رفعنا لك»
المؤيّد «هو الّذي أيدك» المنصور و ينصرك «الله» المطاع «مكين مطاع» الحسنى «و بالحسنى» الهدى و ما منع الناس» الرسول «يا أيها الرسول» الرؤف «بالمؤمنين رؤف» النعمة يعرفون نعمة الله الرحمة و ما أرسلناك إلا رحمةً» النور قد جاءكم من الله نور» الفجر «والفجر و ليال» المصباح «المصباح في زجاجة» السراج «و سراجاً منيراً» الضحى والضحى والليل» النجم والنجم إذا هوى الشمس «ثم جعلنا الشمس» البدر «طه» الظل «ألم تر إلى ربّك» البشر بشر مثلكم» الناس «أم يحسدون الناس» الإنسان «خلق الإنسان» الرجل على رجل منكم الصاحب ما ضل صاحبكم» العبد «أسرى بعبده» المجتبى و لكن الله يجتبي» المقتدي «فبهديهم اقتده المرتضى «إلّا من ارتضى» المصطفى
صدق
«الله يصطفي» أحمد «من بعدي اسمه» محمّد «محمّدٌ رسول الله»، کهیعص، يس، طه، حم، عسق كلّ حرف تدلّ على اسم له، مثل الكافي و الهادي، و العارف، والسخيّ، والطاهر، و غير ذلك.
وأسماؤه في الأخبار : العاقب، وهو الّذي يعقب الأنبياء، الماحي: الّذي يمحى به الكفر، و يقال: يمحى به سيِّئات من اتّبعه ويقال: الّذي لا يكون بعده أحد. الحاشر : الّذي يحشر الناس على قدميه المقفّي الّذي قفّى النبييّن جماعة المُوقف: يوقف الناس بين يدي الله. القنم و هو الكامل الجامع و منه الناشر، والناصح، والوفيّ والمطاع، والنجيّ، والمأمون، و الحنيف و الحبيب، والطيّب، والسيّد و المقترب، و الدافع، والشافع، والمشفّع، و الحامد، والمحمود، والموجّه و المتوكّل، و الغيث.
و في التوراة: مئيذ منيد، أي غفورٌ رحيمٌ، وقيل: مئيد منيذ أي محمّد، وقيل: مود مود، و في حكاية إنّ اسمه فيها مرقوفا، أي المحمود.
و في الزبور: قليطا، مثل أبي القاسم، فقالوا: بلقيطا، و قالوا: فاروق، و قالوا: محياثا.
و في الإنجيل: طاب طاب أي أحمد، ويقال: يعني طيّب طيّب.
و في كتاب شعيا: نور الأمم ركن المتواضعين، رسول التوبة، رسول البلا.
و في الصحف: بلقيطا، و في صحف شيث: طاليسا؛ و في صحف إدريس: بهيائيل، و في صحف إبراهيم: مود مود، و في السماء الدّنيا المجتبى و في الثانية المرتضى و في الثالثة المزكّى؛ و في الرابعة المصطفى؛ و في الخامسة المنتجب؛ و في السادسة المطهّر و المجتبى، و في السابعة المقرّب و الحبيب، و يسمّيه المقربون عبد الواحد؛ و السفرة الأوّل؛ والبررة الآخر؛ والكروبيّون الصادق، والروحانيون الطاهر، والأولياء القاسم، والرضوان الأكبر، و الجنّة عبدالملك، و الحور عبدالعطاء، و أهل الجنّة عبد الديّان؛ و مالك عبد المختار؛ و أهل الجحيم عبد النجاة؛ و الزبانيّة عبد الرحيم؛ و الححيم عبدالمنّان؛ و على ساق العرش رسول الله، و
على الكرسيّ نبيّ الله وعلى طوبى صفّي الله، و على لواء الحمد صفوة الله، و على باب الجنة خيرة الله، و على القمر قمر الأقمار، و على الشمس نور الأنوار، والشياطين عبدالهيبة، والجنّ عبد الحميد؛ و الموقف الداعي؛ و الميزان الصاحب؛ و الحساب الداعي؛ و المقام المحمود الخطيب؛ و الكوثر الساقي؛ و العرش المفضّل، و الكرسي عبدالكريم؛ و القلم عبد الحقّ؛ و
جبرئیل عبدالجبّار؛ و میکائل عبدالوهّاب؛ و إسرافيل عبد الفتّاح؛ و عزرائيل عبد التوّاب؛ و السحاب عبدالسلام، و الريح عبد الأعلى؛ و البرق عبد المنعم؛ و الرعد عبدالوكيل؛ و الأحجار عبد الجليل؛ و التراب عبد العزيز؛ والطيور عبد القادر؛ و السبع عبدالعطاء؛ و الجبل عبدالرفيع؛ و البحر عبدالمؤمن، و الحيتان عبدالمهيمن؛ و أهل الروم الحليم؛ و أهل المختار؛ و أهل مكّة الأمين؛ و أهل المدينة الميمون؛ و الزنج مهمت؛ و الترك صانجي، و العرب الأمّي؛ و العجم أحمد.
ألقابه: حبیب الله صفىّ الله، نعمة الله، عبد الله، خيرة الله، خلق الله، سيّد المرسلين، إمام المتّقين، خاتم النبييّن، رسول الحمّادين، رحمة العالمين، قائد الغرّ المحجّلين، خير البريّة، نبي الرحمة، صاحب الملحمة، محلّل الطيّبات، محرّم الخبائث، مفتاح الجنّة، دعوة إبراهيم، بشرى عيسى، خليفة الله في الأرض، زين القيامة و نورها و تاجها، صاحب اللّواء يوم القيامة، واضع الإصر و الأغلال، أفصح العرب، سيّد ولد آدم، ابن المعواتك، ابن الفواطم، ابن الذبيحين، ابن بطعليكّة، العبد المؤيّد، والرسول المسدّد. و النبيّ المهذّب، و الصفيّ المقرّب، و الحبيب المنتجب، و الأمين المنتخب، صاحب الحوض و الكوثر، والتاج و المغفر، والخطبة و المنبر، والركن والمشعر، والوجه الأنور، و الخد الأقمر، و الجبين الأزهر، و الدين الأظهر، و الحسب الأطهر، والنسب الأشهر، محمّدٌ خير البشر، المختار للرّسالة، الموضح للدّلالة، المصطفى للوحي و النبوّة، المرتضى للعلم والفتوّة و المعجزات و الأدلة، نورٌ في الحرمين، شمسُ بين القمرين، شفيع من في الدارين، نوره أشهر، و قلبه أطهر، و شرائعه أظهر، و برهانه
أزهر، و بيانه أبهر، و أمّته أكثر، صاحب الفضل و العطاء، و الجود و السخاء، و التذكرة والبكاء، والخشوع والدعاء، والإنابة والصفاء، والخوف و الرجاء، و النور والضياء، و الحوض و اللّواء، و القضيب و الرداء، و الناقة العضباء، و الغلة الشهباء، قائد الخلق يوم الجزاء، سراج الأصفياء، تاج الأولياء، إمام الأتقياء، خاتم الأنبياء، صاحب المنشور و الكتاب، و الفرقان والخطاب، والحقّ والصواب، و الدعوة و الجواب، وقائد الخلق يوم الحساب، صاحب القضيب العجيب، و الفناء الرحيب، و الرأي المصيب، المشفق على البعيد و القريب، محمّد الحبيب، صاحب القبلة اليمانيّة، و الملّة الحنيفية، والشريعة المرضيّة، والأمّة المهديّة، والعترة الحسنية و الحسينيّة، صاحب الدّين و الإسلام، و البيت الحرام، و الركن و المقام، والصلاة و الصيام، و الشريعة و الأحكام، والحلّ والحرام، صاب الحجّة والبرهان،
و الحكمة و الفرقان، و الحقّ و البيان، و الفضل والإحسان، والكرم والامتنان، و المحبة و العرفان، صاحب الخلق الجليّ، و النور المضيىء، و الكتاب البهيّ، و الدّين الرضيّ، الرسول النبيّ الأُمّي، صاحب الخلق العظيم، والدين القويم، و الصراط المستقيم، و الذكر الحكيم، و الركن والحطيم، صاحب الدين و الطاعة، و الفصاحة و البراعة، و الكرّ و الشجاعة، و التوكّل و القناعة و الحوض و الشفاعة، صاحب الدين الظاهر، و الحقّ الزاهر، و الزمان الباهر، و اللّسان الذاكر، و البدن الصابر، و القلب الشاكر، و الأصل الطاهر، والآباء الأخاير، والأمّهات الطواهر، صاحب الضياء والنور، و البركة والحبور، واليمن والسرور، و اللّسان الذكور، والبدن الصبور، و القلب الشكور ، و البيت المعمور.
كناه: أبو القاسم، وأبو الطاهر، وأبو الطيّب، وأبو المساكين، أبو الدرّتين، وأبو الريحانتين، و أبو السبطين.
و في التوراة أبو الأ رامل، وكنّاه جبرئيل بأبي إبراهيم لمّا ولد إبراهيم، و إنّما يكنّى بأبي القاسم بأوّل ولد يقال له: القاسم، ويقال: لأنّه يقسم الجنّة يوم القيامة.
صفاته: راكب الجمل، آكل الذراع، قابل الهديّة، محرّم الميتة، حامل الهراوة، خاتم النبوّة.
نسبه: العربيّ التهاميّ، الأبطحيّ اليثربيّ، المكّيّ المدنيّ، القرشيّ الهاشميّ المطلّبيّ، فهو من جهة الأب هاشميّ، و من جهة الأمّ زهريّ، و من الرضاع سعديّ، و من الميلاد مكّي، و من الإنشاء مدنيّ. (1)
15 - قب: أفراسه: الورد أهداه التميم الداريّ، و الطرب سمّي لحسن صهيله، ويقال: هو الطرف، واللّزاز و قد أهداه المقوقس، سمّى بذلك لأنّه كان ملزّزاً موثّقاً، و اللّحيف أهداه ربيعة بن أبي البرا، وسمّي بذلك لأنّه كان كالملتحف بعرفه، و الصحيح أنّه الورد الّذي أعطاء الداريّ، وسماّه النبيّ اللّحيف، و المرتجز و هو المشترى من الأعرابيّ الّذي شهد فيه خزيمة، و السكب وكان أوّل فرس ركبه، و أوّل ما غزا عليه في أحد، و كان ابتاعه من رجل من فزارة، ويقال اسمه: بريدة الملّاح، ومنها اليعسوب، و السبحة، و ذوالعقال، و الملاوح، و قيل: مراوح.
بغاله: أهدى إليه المقوقس دلدل و كانت شهباء فدفعها إلى علیّ علیه السّلام، ثمّ كانت للحسن علیه السّلام ثمّ للحسين علیه السّلام، ثمّ كبرت و عميت، و هي أوّل بغلة ركبت في الإسلام، وقال التاريخيّ: أهدى إليه فروة بن عمر و الجذاميّ بغلة يقال لها : فضّة.
حمره: أهدى له المقوقس يعفور مع دلدل، و أعطاه فروة الجذاميّ عفير مع فضّة.
ابله: العضباء وكانت لا تسبق و الجدعاء و القصواء، ويقال: القضواء، و هي ناقة اشتراها النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم من أبي بكر بأربع مأة درهم، و هاجر عليها، ثمّ نفقت عنده، و الصهباء، و منها البغوم، و الغيم، و النوق؛ و مروة، وكان له عشر لقاح يحلبها يسار كلّ ليلة قرينتين عظيمتين يفرّقهما على نسائه، منها: مهرة، أرسل بها سعد بن عبّادة و الشقراء و الريّا
1) مناقب آل أبي طالب 102/1-106، للطبعة الاولى في ايران.
ابتاعها بسوق النبط، والحباء و السمرا و العريس و السعديّة و البغوم و اليسيرة و بردة و كانت منائح رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم سبع اعنز يرعاهنّ ابن أمّ أيمن، و هي عجوة، و زمزم. وسقيا، و بركة، و ورسة، وأطلال، وأطواف، وكانت له مائة من الغنم، وكان محزنبق أحد بني النضير حبراً عالماً أسلم، وقاتل مع رسول الله، وأوصى بماله لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و هو سبع حوائط، و هي المبيت، و الصائفة، والحسنى، وبرقة، و العوّاف والكلا، و مشربة أمّ إبراهيم، وكان له صفايا ثلاثة: مال بني النصير، و خيبر، و فدك، فأعطى فدك و العوالي فاطمة علیها السّلام و روي أنه وقف عليها، وكان له من الغنيمة الخمس، وصفي يصطفيه من المغنم ما شاء قبل القسمة، و سهمه مع المسلمين كرجل منهم، وكانت له الأنفال، وكان ورث من أبيه أمّ أيمن فأعتقها، و ورث خمسة أجمال أوارك و قطعة غنم و سيفاً.
سیوفه: ذوالفقار، و المخدم، و الرسوب، ورثه من أبيه، و العضب، أعطاء سعدبن
عبّادة، وأصاب من بني قينقاع بتّاراً، و حتفا، وسيفاً قلعيّاً.
رماحه: أصاب ثلاثاً من بني قينقاع، وكان له ربح يقال له: المستوفي، وكان له عنزة يقال لها: المثنّى، أنفذها النجاشيّ، ويقال: إنّ النجاشيّ أعطى للزّبير عنزة، فلمّا جاء إلى
النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أعطاه إيّاها، فكان بلال يحملها بين يديه يوم العيد، و يخرج بها في أسفاره، فتركز بين يديه يصلّي إليها، ويقولون: هي الّتي تحمل المؤذّنون بين يدي الخلفاء.
دروعه: ذات الفضول أعطاها سعد بن عبّادة، و الفضّة، و درعان أصابها من بني قينقاع، و هما السعديّة، وذات الوشاح، ويقال: كانت عنده درع داود الّتي لبسها لمّا قتل جالوت .
قسيه: البيضاء، وكان من شوحط، و الصفراء من نبع، و الروحاه، أصاب هذه الثلاثة من بني قينقاع، والكرع و يقال: كرّار، وكان له ترس يقال له: الزلوق، و ترس فيه تمثال رأس كبش أذهبه الله، و كان له جعبة يقال لها: الكافورة، ودخل مكّة وعلى رأسه
مغفر يقال له: ذوالسبوغ و رآيته العقاب و لواؤه أبيض، وكان له قضيب يسمّى الممشوق، و محجن و مخصرة تسمّى العرجون، و منطقة من أديم مبشور ، فيها ثلاث حلق من فضّة و الإ بزيم، و الطرف من فضّة، وكان له قدح مضبّب بثلاث صبّات فضّة، و تورمن حجارة يقال له: المخضّب، و قدح من زجاج، و مغتسل من صفر، و قطيفة، وقصعة، و خاتم فضّة نقشه: «محمّدٌ رسول الله» و أهدى له النجاشيّ خفّين أسودين ساذجين، فلبسهما، و قالت عائشة، كان فراش النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم الّذي يرقد فيه من أدم حشوه ليف، وكانت ملحفته مصبوغة بورس أوزعفران، وكان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر، و يعتمّ بالسحاب. ودخل مكّة يوم الفتح و عليه عمامة سوداء، وكانت له ربعةٌ فيها مشط عاج و مكحلة و مقراض و مسواك، و يقال: ترك يوم مات عشرة أثواب: ثوب حبرة، وإزاراً عمّانيّاً، وثوبين صحارييّن، وقميصاً صحاريّاً، وقميصاً سحوليّاً، وجبّة يمنيّة، و خميصة، وكساءً أبيض، و قلانس صفاراً لاطئة ثلاثاً أو أربعاً، وإزاراً طوله ثلاثة أشبار، وتوفّي في إزار غليظ من هذه اليمانيّة، وكساء يدعى بالملتدة، وكان له سرير أعطاء أسعد بن زرارة، وكان منبره ثلاثة مراقي من الطرفاء إستعملت امرأة لغلام لها نجّار اسمه میمون، و كان مسجده بلامنارة، وكان بلال يؤذّن على الأرض، وكان شعار أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
يا منصور أمت، و قال لمزنية: ما شعاركم؟ قالوا: حرام، قال: شعاركم حلال، وكان شعار المهاجرين يوم أحد يا بني عبدالله، و الخزرج يا بني عبد الرحمن، والأوس يا بني عبدالله(1).
16 - كشف: من أسمائه صلی الله علیه و آله و سلّم أحمد، و قد نطق به القرآن أيضاً، و اشتقاقه من الحمد كأحمر و من الحمرة، ويجوز أن يكون نعتاً في الحمد، قال ابن عبّاس رضي الله عنه: اسمه فی التوراة أحمد الضحوك القتّال، يركب البعير، ويلبس الشملة، ويجتزي بالكسرة، سيفه على عاتقه.
1) مناقب آل أبي طالب 116/1-118
و من أسمائه الماحي، عن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: إنّ لي أسماء: أنا محمّد، و أنا أحمد، و أنا الماحي يمحى بي الكفر، وقيل: يمحى به سیّئات من اتّبعه، و يجوز أن يمحى به الكفر وسيّئات تابعيه، و أنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، و أنا العاقب و هو الّذي لا نبيّ بعده، وكلّ شيء خلف شيئاً فهو عاقب، و المقنّي و هو بمعنى العاقب لأنّه تبع الأنبياء يقال: فلان يقفو أثر فلان أي يتّبعه.
و من أسمائه صلی الله علیه و آله و سلّم: الشاهد، لأنّه يشهد في القيامة للأنبياء بالتبليغ و على الأمم أنّهم بلّغوا، قال الله تعالى: «فكيف إذا جئنا من كلّ أُمّة بشهيد و جنابك على هؤلاء شهيداً» أي شاهداً، و قال الله تعالى: «وكذلك جعلناكم أُمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيداً» و المبشّر من البشارة، لأنّه بشّر أهل الجنّة بالجنّة، و النذير لأهل النار بالخزي نعوذ بالله العظيم، و الداعي إلى الله لدعائه إلى الله و توحيده و تمجيده، و السراج المنير، فلإضاءة الدنيا به، و محوالكفر بأنوار رسالته، كما قال العباس عمّه رضي الله عنه، يمدحه:
و أنت لمّا ولدت أشرقت *** الأرض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء و في *** النور و سبل الرشاد نخترق
و من أسمائه: نبيّ الرحمة، قال الله عزّوجلّ: «و ما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين».
قال صلی الله علیه و آله و سلّم : «إنّما أنا رحمة مهداة» و الرحمة في كلام العرب العطف والرأفة و الإشفاق، وكان بالمؤمنين رحيماً كما وصفه الله تعالى و قال عمّه أبو طالب رحمه الله يمدحه:
و أبيض يستسقي الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل
و من أسمائه: نبيّ الملحمة، ورد في الحديث و الملحمة: الحرب، وسمّي بذلك لأنّه بعث بالذبح، روي أنّه سجد يوماً فأتى بعض الكفّار بسلى ناقة فألقاه على ظهره، والسلى بالقصر: الجلدة الرقيقة الّتي يكون فيها الولد من المواشي، فقال: يا معشر قريش أيّ جوار هذا؟ و
الّذي نفس محمّد بيده لقد جئتكم بالذبح، فقام إليه أبو جهل ولاذبه من بينهم، وقال: يا محمّد ما كنت جهولا، وسمّي نبيّ الملحمة بذلك.
و من أسمائه صلی الله علیه و آله و سلّم: الضحوك كما تقدّم أنّه ورد في التوراة، و إنّما سمّي بذلك لأنّه كان طيّب النفس، وقد ورد أنّه كانت فيه دعابة، وقال: إنّي لأمزح و لا أقول إلّا حقّاً، وقال لعجوز: الجنّة لا يدخلها العجز، فبكت فقال: إنّهنّ يعدن أبكاراً.
وروي عنه مثل هذا كثير، وكان يضحك حتّى يبدو ناجده، وقد ذكر الله سبحانه لنبيّه
لینه و رقّته، فقال: «فيها رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك» و كذلك كانت صفته صلی الله علیه و آله و سلّم على كثرة من ينتابه من جفات العرب، و أجلاف البادية، لا يراه أحد ذاضجر، و لا ذاجفاء، ولكن لطيفاً في المنطق، رفيقاً في المعاملات، ليّناً عند الجوار، كان وجهه إذا عبست الوجوه دارة القمر عند امتلاء نوره، صلّى الله عليه و آله الطاهرين.
و من أسمائه: القتّال، سيفه على عاتقه، سمّي بذلك الحرصه على الجهاد، و مسارعته إلى القراع، و دؤوبه في ذات الله، و عدم إحجامه، و لذلك قال عليّ علیه السّلام: كنّا إذا احمرّ البأس انّقيناه برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، لم يكن أحد أقرب إلى العدوّ منه، و ذلك مشهور من فعله يوم اُحد، إذ ذهب القوم في سمع الأرض و بصرها، و يوم حنين إذ ولّوا مدبرين، و غير ذلك من أيامه صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى أذلّ بإذن الله صنادیدهم، و قتل طواغيتهم و دوّحهم، و اصطلم جماهيرهم و كلّفه الله القتال بنفسه، فقال: «لا تكلّف إلّا نفسك» فسمّي صلی الله علیه و آله و سلّم القتّال.
و من أسمائه: المتوكّل، و هو الّذي يكل أموره إلى الله، فإذا أمره بشيء نهض غير هيوب ولا ضرع، و اشتقاقه من قولنا: رجل وكل أي ضعيف و كان صلی الله علیه و آله و سلّم إذا دهمه أمرٌ عظيمٌ، أو نزلت به ملمّة راجعاً إلى الله جلّ و عزّ غير متوكّلٍ على حول نفسه و قوّتها، صابراً على الضنك و الشدّة، غير مستريح إلى الدنيا و لذّاتها، لا يسحب إليها ذيلا، و هو القائل: «ما لي وللدّنيا إنّما مثلي و الدّنيا كراكب أدركه المقيل في أصل شجرة فقال في ظلّها ساعة ومضى».
و قال صلی الله علیه و آله و سلّم: «إذ أصبحت آمناً في سربك، معافى في بدنك، عندك قوت يومك فعلى الدّنيا العفاء» وقال لبعض نسائه: «ألم أنهك أن تحبسى شيئاً لغدٍ فإن الله يأتي برزق كلّ غد».
و من أسمائه صلی الله علیه و آله و سلّم: القثم، و له معنيان: أحدهما من القثم و هو الإعطاء لأنّه كان أجود بالخير من الريح الهابّة، يعطي فلا يبخل، ويمنح فلا يمنع، وقال الأعرابيّ الّذي سأله: إنّ محمّداً يعطي عطاء من لا يخاف الفقر.
و روي أنّه أعطى يوم هوازن من العطايا ما قوّم خمسمائة ألف ألف و غير ذلك ممّا لا يحصى، و الوجه الآخر أنّه من القثم و هو الجمع يقال للرّجل الجموع للخير: قثوم وقئم، كذا حدّث به الخليل، فإن كان هذا الإسم من هذا فلم تبق منقبةٌ رفيعة ولا خله جليلةٌ ولا فضيلة نبيلة إلّا وكان لها جامعاً، قال ابن فارس: و الأوّل أصحّ و أقرب.
و من أسمائه: الفاتح: لفتحه أبواب الإيمان المنسدّة، وإنارته الظلم المسودّة، قال الله تعالى في قصّة من قال: «ربّنا افتح بيننا و بين قومنا بالحقّ» أي احكم، فسمّي صلی الله علیه و آله و سلّم فاتحاً لأنّ الله سبحانه حكّمه في خلقه يحملهم على المحجّة البيضاء، ويجوز أن يكون من فتحه ما استغلق من العلم، وكذا روي عن علىّ علیه السّلام أنّه كان يقول في صفته: «الفاتح لما استغلق» و الوجهان متقاربان.
و من أسمائه صلی الله علیه و آله و سلّم: الأمين، و هو مأخوذ من الأمانة وأدائها، وصدق الوعد، وكانت العرب تسمّيه بذلك قبل مبعثه، لما شاهدوه من أمانته، وكلّ من أمِنتَ منه الخلف والكذب فهو أمينٌ، و لهذا وصف به جبرئيل علیه السّلام قال: «مطاعٌ ثمّ أمين».
و من أسمائه صلی الله علیه و آله و سلّم : الخاتم، قال الله تعالى: «و خاتم النبييّن» من قولك: ختمت الشيء أي تمّمته، و بلغت آخره، و هي خاتمة الشيء و ختامه، و منه ختم القرآن «و ختامه مسك» أي آخر ما يستطعمونه عند فراغهم من شربه ريح المسك، فسمّي به لأنّه آخر النبييّن بعثةً و إن كان في الفضل أوّلاً قال صلی الله علیه و آله و سلّم: «نحن الآخرون السّابقون يوم القيامة» يريد أنّهم أتوا
الكتاب من قبلنا، و أوتيناه من بعدهم، فأمّا المصطفى فقد شاركه فيه الأنبياء صلّى الله عليه و عليهم أجمعين، ومعنى الاصطفاء الاختيار، وكذلك الصفوة والخيرة، إلّا أنّ اسم المصطفى على الإطلاق ليس إلّا له صلی الله علیه و آله و سلّم، لأنّا نقول: آدم مصطفى، نوح مصطفى، إبراهيم مصطفى، فإذا قلنا: المصطفى تعيّن صلی الله علیه و آله و سلّم، وذلك من أرفع مناقبه و أعلى مراتبه.
و من أسمائه صلی الله علیه و آله و سلّم، الرسول النّبي الأمّي، و الرسول و النبيّ، قد شاركه فيهما الأنبياء علیهم السّلام والرسول من الرسالة والإرسال، والنبيّ يجوز أن يكون من الإنباء: الإخبار، و يحتمل أن يكون من نبأ: إذا ارتفع، سمّى بذلك لعلوّ مكانه، ولأنّه خيرة الله من خلفه، وأمّا الأمّي فقال قوم: إنّه منسوب إلى مكّة، وهي أمّ القرى، كما قال تعالى: «بعث في الأمّیّين رسولاً» و قال آخرون: أراد الّذي لا يكتب، قال ابن فارس: و هذا هو الوجه، لأنّه أدلّ على معجزه، و إنّ الله علّمه علم الأوّلين والآخرين، و من علم الكائنات ما لا يعلمه إلّا الله تعالى، و هو أمّي، و الدليل عليه قوله تعالى: «و ما كنت تتلو من قبله من كتاب و لا تخطّه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون» و روي عنه: «نحن أمّة أميّة لا نقرء و لا نكتب» و قد روي غير هذا.
و من أسمائه صلی الله علیه و آله و سلّم: يا أيّها المزّمّل، يا أيّها المدّثّر، ومعناهما واحد، يقال: زمّله في ثوبه أي لفّه، و تزمّل بثيابه أي تدثّر، و الكريم في قوله تعالى: «إنّه لقول رسول كريم» و سماّه نوراً في قوله تعالى: «و لقد جاءكم من الله نورٌ و كتابٌ مبين» و نعمة في قوله تعالى: «يعرفون نعمة الله ثمّ ينكرونها» و عبداً في قوله تعالي: «نزّل الفرقان على عبده» لا تدعني إلّا بيا عبده، فإنّه أشرف أسمائي، و رؤوفاً و رحيماً في قوله تعالى: «بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم» و سماّه عبدالله في قوله: «و إنّه لمّا قام عبد الله يدعوه» و سماّء طه و تیس و منذراً في قوله تعالى: «إنّما أنت منذر» و مذّكّراً في قوله تعالى: «إنّما أنت مذّكرّ» و نبيّ التوبة، وروى البيهقيّ في كتاب دلائل النبوة بإسناده عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله: «إنّ الله خلق الخلائق قسمين
فجعلني في خيرهما قسماً، وذلك قوله تعالى: «و أصحاب اليمين و أصحاب الشمال» فأنا من أصحاب اليمين، و أنا من خير أصحاب اليمين، ثمّ جعل القسمين أثلاثاً فجعلني في خيرها ثلثاً» وقد رواه ابن الأخضر الجنابذيّ، و ذكر في كتابه معالم العترة النبويّة، فذلك قوله: «و أصحاب الميمنة * و أصحاب المشئمة * و السابقون السابقون» فأنا من السابقين، و أنا خير السّابقين، ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلةً، و ذلك قوله تعالى: «جعلناكم شعوباً و قبائل» فأنا أتق وُلد آدم وأكرمهم على الله و لا فخر، ثمّ جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً، وذلك قوله عزّ وجلّ: «إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً» فأنا و أهل بيتي مطهّرون من الذنوب.
قال عمّه أبو طالب رضى الله عنه:
وشقّ له من اسمه كي يجلّه *** فذو العرش محمودٌ و هذا محمّدٌ
و قيل: إنّه لحسان من قصيدة أوّلها:
ألم تر أنّ الله أرسل عبده *** و برهانه والله أعلى و أمجدُ
و من صفاته صلی الله علیه و آله و سلّم الّتي وردت في الحديث : راكب الجمل، و محرّم الميتة، و خاتم النبوّة، و حامل الهراوة، و هي العصا الضخمة، و الجمع الهراوى، بفتح الواو مثال المطايا، ورسول الرحمة، وقيل: إنّ اسمه في التوراة مادماد، وصاحب الملحمة، وكنيته أبو الأرامل، واسمه في الإنجيل الفارقليط، وقال: «أنا الأوّل والآخر» أوّلٌ في النبوّة، و آخرٌ في البعثة، وكنيته أبو القاسم، وروى أنس أنّه لمّا ولد له إبراهيم من مارية القبطيّة أتاه جبرئيل علیه السّلام فقال: السّلام عليك أبا إبراهيم أو يا أبا إبراهيم علیه السّلام(1).
17- كا: عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان خاتم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من ورق. من(2)
18 - كا: العدّة، عن سهل، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد الله علیه السّلام إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم كان يتختم ّبيمينه(1).
19 - ثو: أبي، عن أحمد بن إدريس عن الأشعريّ، عن يوسف بن السخت، عن
الحسن بن سهل، عن ابن مهزیار قال: دخلت على أبي الحسن موسى علیه السّلام فرأيت في يده خاتماً فصّة فيروزج نقشه «الله الملك»، قال: فأدمت النظر إليه فقال : مالك تنظر فيه؟ هذا أهداه جبرئيل علیه السّلام الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
من الجنّة، فوهبه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لعلىّ علیه السلام(2).
20 - كا: عليّ، عن أبيه، عن النوفليّ، عن السكونيّ، عن أبي عبد الله علیه السّلام: قال : كان نعل سيف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وقائمته فضّة، وبين ذلك حلق من فضّة، و لبست درع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فكنت أسحبها وفيها ثلاث حلقات فضّة من بين يديها و ثنتان من خلفها(3).
21 - كا: الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن مثنّى، عن حاتم ابن إسماعيل، عن أبي عبد الله علیه السّلام إن حلية سيف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان فضّة كلّها، قائمه و قباعه(4).
22 - كا: العدّة، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان نقش خاتم النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم محمّد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم(5).
23 - كا: العدّة، عن سهل، عن ابن شمّون عن الأصّم، عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كانت برّة ناقة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من فضّة(6).
24 - كا عليّ، عن أبيه، عن بعض اصحابه، عن أبان عن رجل، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان في منزل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم زوج حمام أحمر(7).
25 - كا: محمّد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن أشيم، عن صفوان قال: سألت أبا
الحسن الرضا علیه السّلام عن ذي الفقار سيف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فقال : نزل به جبرئيل علیه السّلام من السماء، وكانت حلقته فضّة . (1)
26 - كا: حميد، عن عبيد الله الدهقان، عن الطاطريّ، عن محمّد بن زياد، عن أبان عن یحيى، عن أبي العلا قال : سمعت أبا عبد الله علیه السّلام يقول: درع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ذات الفضول لها حلقتان من ورق في مقدّمها، وحلقتان من ورق في مؤخّرها، وقال: لبسها علىّ علیه السّلام اليوم الجمل .(2)
27 - و بهذا الإسناد، عن أبان، عن أبي بصير قال: كانت ناقة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم القصواء، إذا نزل عنها علّق عليها زمامها، قال : فتخرج فتأتي المسلمين فيناولها الرجل الشيء، و يناولها هذا الشيء، فلا تلبث أن تشبع، قال فأدخلت رأسها في خباء سمرة بن جندب فتناول عنزة فضرب بها على رأسها فشجّها، فخرجت إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فشكته. (3)
28 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطيّ، عن أبان، عن الحسن الصيقل
:قال: سمعت أبا عبد الله علیه السّلام يقول: كان ممّا منّ الله عزّ وجل به على نبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم أنه كان أمّيّاً لا يكتب ويقرؤ الكتاب.(4)
29 - فس : أبي، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله علیه السّلام في قوله: «هو الّذي بعث في الأمّیّین رسولاً منهم» قال كانوا يكتبون، و لكن لم يكن معهم كتاب من عند الله، ولا بعث إليهم رسولاً فنسبهم إلى الأمّیيّن.(5)
30 - مع ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمّد البرقيّ، عن جعفر بن محمّد
الصوفيّ قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ الرضا علیه السّلام فقلت: يا ابن رسول الله لم سمّي النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم الأمّي؟ فقال: ما تقول الناس؟ قلت: يزعمون أنّه إنّما سمّي الأمّي لأنّه لم يحسن أن يكتب فقال علیه السّلام : كذبوا عليهم لعنة الله، أنّى ذلك والله يقول في محكم كتابه: «هو الّذي بعث في الأمّییّن رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم و يعلّمهم الكتاب والحكمة» فكيف كان يعلّمهم مالا يحسن؟ والله لقد كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقرأ و يكتب باثنين وسبعين، أو قال: بثلاثة وسبعين لساناً، وإنّما سمّى الأمّى لأنّه كان من أهل مكّة و مكّة من أمّهات القرى و ذلك قول الله عزّ وجلّ: «لتنذر أمّ القرى و من حولها».(1)
ختص ير ابن عیسى مثله.(2)
31 - ع: ابن الوليد، عن سعد، عن الخشّاب، عن عليّ بن حسّان و عليّ بن أسباط و
غيره رفعه عن أبي جعفر علیه السّلام قال : قلت: إن الناس يزعمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لم يكتب و لا يقرأ فقال: كذبوا لعنهم الله، أنّى يكون ذلك؟ وقد قال الله عزّ و جلّ: «هو الّذي بعث في الأمّييّن رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم و يعلّمهم الكتاب والحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين» فيكون يعلّمهم الكتاب والحكمة و ليس يحسن أن يقرأ أو يكتب؟ قال: قلت: فلم سمّي النبيّ الأمّيّ؟ قال: نسب إلى مكّة و ذلك قول الله عزّ وجلّ : «لتنذر أمّ القرى و من حولها فأمّ القرى مكّة، فقيل : أُمّيّ لذلك.(3)
ير: عبدالله بن محمّد، عن الخشّاب (4)
شي: عن ابن أسباط مثله.(5)
32 - ع: الطالقانيّ، عن أحمد بن إسحاق المادرانيّ، عن أبي قلابة عبدالملك ابن محمّد،
عن غانم بن الحسن السعديّ، عن مسلم بن خالد المكّيّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه علیهما السّلام قال: ما أنزل الله تبارك و تعالى كتاباً ولا وحياً إلّا بالعربيّة، فكان يقع في مسامع الأنبياء بألسنة قومهم، وكان يقع في مسامع نبيّنا صلی الله علیه و آله و سلّم بالعربيّة، فإذا كلّم به قومهم كلّمهم بالعربيّة، فيقع في مسامعهم بلسانهم، وكان أحد لا يخطاب رسول الله بأيّ لسان خاطبه إلّا وقع في مسامعه العربيّة، كلّ ذلك يترجم جبرئيل علیه السّلام له و عنه تشريفاً من الله عزّ و جلّ له صلی الله علیه و آله و سلّم(1).
33 - ير: الحسن بن عليّ، عن أحمد بن هلال، عن خلف بن حمّاد، عن عبدالرحمن ابن الحجّاج قال: قال أبو عبد الله علیه السّلام : إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم كان يقرأ و يكتب ويقرأ مالم يكتب.(2)
34 - قب: قوله: «النّبيّ الأمّيّ الّذي يجدونه» و قال علیه السّلام : نحن أمّة أمّيّة.
و قيل: أُمّي منسوبة إلى أُمّة يعني جماعة عامّة، و العامّة لا تعلم الكتابة، ويقال: سمّي
بذلك لأنّه من العرب، وتدعى العرب الأمّيون.
قوله: «هو الّذي بعث في الأمّيّن وقيل: لأنّه يقول يوم القيامة : أمّتي أمّتي، وقيل: لأنّه الأصل، و هو بمنزلة الأمّ الّتي يرجع الأولاد إليها، و منه أمّ القرى، وقيل: لأنّه لأمّته بمنزلة الوالدة الشفيقة بولدها، فإذا نودي في القيامة: «يوم يفرّ المرء من أخيه» تمسّك بأمّته، وقيل: منسوبة إلى أمّ وهي لا تعلم الكتابة، لأن الكتابة من أمارات الرجال، و قالوا: نسب إلى أمة. يعني الخلقة، قال الأعشى:
و إنّ معاوية الأكرمين *** حسان الوجوه طوال الأمم
قال المرتضى في قوله تعالى: «و ما كنت تتلو من قبله من كتاب» الآية، ظاهر الآية يقتضي نفي الكتابة و القراءة بما قبل النبوّة دون ما بعدها، و لأنّ التعليل في الآية يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوّة، لأنّهم إنّما يرتابون في نبوّته لو كان يحسنها قبل النبوّة، فأمّا
بعدها فلا تعلّق له بالريبة، فيجوز أن يكون تعلّمها من جبرئيل بعد النبوّة، و يجوز أن لم يتعلّم فلا يعلم، قال الشعبيّ وجماعة من أهل العلم: مامات رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى كتب وقرأ، وقد شهر في الصحاح و التواريخ قوله صلی الله علیه و آله و سلّم: ايتوني بدوات وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً(1).
1) مناقب آل أبي طالب 161/1
1 - ن: بالأسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه علیه السّلام قال: سئل عليّ بن الحسين علیه السّلام لِمَ أوتم النبي صلی الله علیه و آله و سلّم من أبويه؟ قال: لئلّا يجب عليه حقّ لمخلوق. (1)
2 - ع: عليّ بن حاتم القزويني فيما كتب إلىّ عن القاسم بن محمد عن حمدان بن الحسين بن الوليد، عن عبدالله بن حماد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبدالله علیه السّلام قال: قلت له: لأيّ علّة لم يبق لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ولد ؟ قال : لأن الله عزّ و جلّ خلق محمّداً صلى الله عليه و آله نبيّاً و عليّا علیه السّلام وصيّاً، فلو كان لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ولد من بعده كان أولى برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من أمير المؤمنين علیه السّلام فكانت لا تثبت وصيّة أمير المؤمنين علیه السّلام (2)
3 - مع ع: القطّان، عن ابن زكريّا القطّان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران عن عباية بن ربعي، عن ابن عبّاس قال:
سئل عن قول الله: «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى» قال: إنما سمى يتيماً لأنه لم يكن له نظير على وجه الأرض من الأولين والآخرين، فقال عزّ و جلّ ممتناً عليه نعمه «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا» أى وحيداً لا نظير لك؟ «فآوى» إليك الناس ، وعرفهم فضلك حتّى عرفوك« و وجدك ضالاً» يقول: منسوباً عند قومك إلى الضلالة فهداهم بمعرفتك «وَ وَجَدكَ عَائِلاً» يقول: فقيراً عند قومك يقولون: لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، ثم زادك من فضله، فجعل دعاءك مستجابا حتى لو دعوت على حجر أن يجعله الله لك ذهباً لنقل عينه إلى مرادك، و أتاك بالطعام حيث لا طعام، و أتاك بالماء حيث لا ماء، و أعانك بالملائكة حيث لا مغيث فأظفرك بهم على أعدائك. (1)
4 - ن : في خبر ابن الجهم عن الرضا علیه السّلام قال الله عزّ و جلّ لنبيه محمد صلی الله علیه و آله و سلّم : «ألم يجدك يتيماً فآوى» يقول: ألم يجدك وحيداً فآوى إليك الناس؟ «و وجدك ضالاً» يعني عند قومك «فهدى» أي هداهم إلى معرفتك و وجدك عائلا فأغنى» يقول: أغناك بأن جعل دعاءك مستجاباً. (2)
5 - صح عن الرضا، عن آبائه علیهم السّلام قال: سئل محمّد بن علي بن الحسين علیه السّلام لم أو تم النبي صلی الله علیه و آله و سلّم من أبويه؟ قال: لئلا يوجد عليه حق لمخلوق.(3)
6 - كنز : محمد بن العبّاس، عن أحمد بن محمّد النوفلي، عن أحمد بن محمد الكاتب عن عيسى بن مهران بإسناده إلى زيد بن عليّ علیه السّلام في قول الله تعالى: «ولسوف يعطيك ربّك فترضى قال: إن رضا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إدخال الله أهل بيته و شيعتهم الجنة. (4)
1 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن أحمد بن محمّد بن عبدالرحمن قراءة عن محمّد بن عيسى العبديّ قال: حدّثنا مولا عليّ بن موسى، عن عليّ بن موسى، عن أبيه موسى ابن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن علي علیه السلام أنّهم قالوا: يا علي صف لنا نبيّنا صلی الله علیه و آله و سلّم كأنّنا نراه، فإنّا مشتاقون إليه، فقال: كان نبي الله صلی الله علیه و آله و سلّم أبيض اللّون، مشرباً حمرة، أدعج العين، سبط الشعر، كثف اللّحية، ذاوفرة ، دقيق المسربة، كأنّما عنقه إبريق فضّة، يجري في تراقيه الذهب، له شعر من لبته إلى سرته كقضيب خيط إلى السرّة و ليس في بطنه و لا صدره شعر غيره شئن الكفين و القدمين، شئن الكعبين، إذا مشى كأنما يتقلّع من صخر، إذا قبل كأنّما ينحدر من صبب إذا التفت التفت جميعاً بأجمعه كله ليس بالقصير المتردّد، ولا بالطويل المتمقط وكان في الوجه تدوير، إذا كان في الناس غمرهم كأنما عرقه في وجهه اللؤلؤ، عرفه أطيب من ريح المسك، ليس بالعاجز و لا باللنيم، أكرم الناس عشرة، و ألينهم عريكةً، وأجودهم كفّاً، من خالطه بمعرفة أحبّه ، و من رآه بديهة ها به عزّه بين عينيه، يقول باغته: لم أرقبله و لا
بعده مثله، صلى الله علیه و آله و سلّم تسليما. (1)
2 - ن: الحسن بن عبدالله بن سعيد العسكري، عن عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز، عن إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين علیه السّلام بمدينة الرسول صلى الله على و آله، قال: حدّثني علي بن موسى بن جعفر بن محمد علیه السّلام عن موسى بن جعفر علیه السّلام عن جعفر بن محمد علیه السّلام عن أبيه، عن علي بن الحسين علیه السّلام قال: قال الحسن بن علي بن أبي طالب الا سألت خالي هند بن أبي هالة عن حلية رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و كان وصافاً للنبي صلی الله علیه و آله و سلّم ، فقال : كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فخماً مفخّماً، يتلألؤ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، و أقصر من المشذب عظيم الهامة رجل الشعر. إن الفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذا هو وفرةٌ، أزهر اللون، واسع الجبين، أرج الحواجب، سوابغ في غير ،قرن، بينمها له عرق يدرّه الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم كث اللحية، سهل الخدين ضليع الفم، أشنب مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادناً متماسكاً، سواء البطن و الصدر، بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس، أنور المتجرّد موصول ما بين اللبة والسرّة بشعر يجري كالخطّ، عاري الثديين و البطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين و المنكبين، و أعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شئن الكفّين والقدمين، سائل الأطراف، سبط القصب، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنها الماء، إذا زال زال قلعاً، يخطو تكفؤاً، و يمشي هوناً، ذريع المنشية، إذا مشى كأنما ينحط في صبب، وإذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يبدر من لقيه
بالسلام.
قال: قلت: فصف لي منطقه، فقال: كان صلی الله علیه و آله و سلّم مواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له
1) أمالي ابن الشيخ /217.
راحةٌ، ولا يتكلّم في غيرحاجة يفتتح الكلام و يختمه بأشداقه، يتكلم بجوامع الكلم فصلاً، لا فضول فيه و لا تقصير، دمثاً ليس بالجاني ولا بالمهين، تعظم عنده النعمة و إن دقت، لا يذمّ منها شيئاً غير أنه كان لا يذم ذواقاً و لا يمدحه و لا تغضبه الدنيا و ما كان لها، فإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد، و لم يقم لغضبه شيء حتى يتنصر له إذا أشار أشار بكفّه كلّها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها، يضرب براحته اليمنى باطن أبهامه اليسرى، و إذا غضب أعرض و أشاح، و إذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب الغمام .
قال الحسن: فكتمتها الحسين زماناً، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، و سأله عمّا سألته عنه، و وجدته قد سأل أباه عن مدخل النبي صلی الله علیه و آله و سلّم و مخرجه، و مجلسه و شكله، فلم يدع منه شيئاً، قال الحسين علیه السّلام : سألت أبي علیه السّلام عن مدخل رسول الله النبي صلی الله علیه و آله و سلّم ، فقال: كان دخوله لنفسه مأذوناً له في ذلك، فإذا أوى إلى منزله جزّاً دخوله ثلاثة أجزاء: جزء الله. و جزء لأهله، وجزء لنفسه، ثمّ جزاً جزءه بينه و بين الناس فيردد ذلك بالخاصة على العامة، و لا يدخر عنهم منه شيئاً، وكان من سيرته في جزء الأُمّة إيثار أهل الفضل بإذنه و قسمه على قدر فضلهم في الدين فمنهم ذو الحاجة، و منهم ذو الحاجتين، و منهم ذوالحوائج فيتشاغل بهم و يشغلهم فيا أصلحهم والأُمّة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي، و يقول: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب، و أبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ حاجته، فإنّه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يقدر على إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة» لا يذكر عنده إلا ذلك، و لا يقيد من أحد عثرة يدخلون روّاداً، و لا يفترقون إلا عن ذواق، و يخرجون أدلة. فسألته عن مخرج رسول الله النبي صلی الله علیه و آله و سلّم كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان النبي صلی الله علیه و آله و سلّم يخزن لسانه إلا عما يعنيه و يؤلّفهم و لا ينفرهم و يكرم كريم كلّ ،قوم و يوليه عليم، و يحذر الناس و يحترس مهم من غير أن يطوي عن أحد بشره و لا خلقه، و يتفقد أصحابه، ويسأل الناس
عمّا في النّاس، ويحسن الحسن ويقويه و يقبح القبيح و يوهنه، معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، ولا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم أفضلهم عنده أعمّهم نصيحةً للمسلمين، وأعظمهم عنده منزلةً أحسنهم مواساة و موازرة.
قال: وسألته عن مجلسه، فقال: كان صلی الله علیه و آله و سلّم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن و ينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس و يأمر بذلك، و يعطي كلّ جلسائه نصيبه، و لا يحسب أحد من جلسائه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرجع ألا بها أو بميسور من القول قد وسع الناس منه خلقه، وصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم و حياء وصدق و أمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، و لا تنثى فلتاته، متعادلين متواصلين فيه بالتقوى متواضعين يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، و يؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب.
فقلت: فكيف كانت سيرته في جلسائه ؟ فقال : كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب: ليس بفظّ و لاصخّاب و لا فحّاش و لا عيّاب ولا مدّاح، يتغافل عمّا لايشتهي، فلا يؤيس منه و لا يخيّب فيه مؤمّليه. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، و ما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث كان لا يذمّ أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عورته و لا عثراته، ولا يتكلّم إلا فيا رجا ثوابه، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير، و إذا سكت تكلّموا و لا يتنازعون عنده الحديث من تكلّم انصتوا له حتّى يفرغ، حديثهم عنده حديث أُوليهم، يضحك ممّا يضحكون منه، و يتعجّب ممّا يتعجّبون منه و يصبر للغريب على الجفوة في مسألته و منطقه حتّى أن كان أصحابه ليستجلبونهم، و يقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلّا من مكافيء، و لا يقطع على أحد
كلامه حتّى يجوز فيقطعه بنهي أوقيام.
قال: فسألته عن سكوت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فقال: كان سكوته على أربع على الحلم، و الحذر، و التقدير و التفكير، فأما التقدير فقي تسوية النظر والاستماع بين الناس، و أما تفكره ففيما يبقى و يفنى، و جمع له الحلم في الصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه، و جمع له الحذر في أربع أخذه الحسن ليقتدى به، و تركه القبيح لينتهي عنه، و اجتهاده الرأي في صلاح أُمَّته، و القيام فيها جمع لهم خير الدنيا والآخرة. (1)
مع: الطالقاني، عن القاسم بن بندار المعروف بأبي صالح الحذاء، عن إبراهيم بن نصر بن عبدالعزيز، عن مالك بن إسماعيل النهدي عن جميع بن عمير، عن عبدالرحمن العجلي قال: حدثني رجل بمكة، عن ابن أبي هالة التميمي، عن الحسن بن علي قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافاً عن حلية رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم .
و حدثنى الحسن بن عبدالله بن سعيد العسكريّ و ساق الإسناد الذي مضى في «ن» إلى قوله: عن حلية رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، ثم قال: وحدثني الحسن بن عبدالله بن سعيد، عن عبدالله بن أحمد بن عبدان، و جعفر بن محمّد البزاز البغدادي معاً، عن سفيان بن وكيع، عن جميع ابن عمير، عن رجل من بني تميم من ولد أبي هالة، عن أبيه، عن الحسن بن علي علیه السّلام قال: سألت خالي هند بن أبي هالة التميميّ، وكان وصّافا للنبي صلی الله علیه و آله و سلّم و أنا أشتهي أن يصف لي منه شيئاً لعلّي أتعلّق به، فقال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فخماً مفخّماً، و ساق الحديث إلى رسول قوله: مثل حبّ الغمام، ثمّ قال: إلى هاهنا رواه أبو القاسم بن منيع، عن إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد، و الباقي رواية عبدالرحمن إلى آخره، ثم قال: قال الحسن: فكتمتها الحسين، و ساق الحديث إلى آخره كما نقلناه من «ن» ثمّ قال: حدّثنا أبو علي أحمد بن يحيى المؤدّب قال: حدّثنا محمد بن الهيثم قال: حدّثنا عبد الله بن الصفر السكّريّ
1) عيون الاخبار: 176-178.
أبو العبّّاس، قال: حدثنا سفيان بن وكيع بن الجرّاح قال: حدّثني جميع بن عمير العجليّ إملاءً من كتابه قال: حدّثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة التميميّ، عن أبيه، عن الحسن بن علىّ بن أبى طالب علیه السّلام قال: سألت خالى هند بن أبى هالة التميميّ وكان وصّافاً للنبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و أنا أشتهي أن يصف لي منه شيئاً لعلّي أتعلّق به، فقال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فخماً مفخّماً، و ذكر الحديث بطوله .(1)
مکا: برواية الحسن و الحسين صلوات الله عليهما من كتاب محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقانيّ، عن ثقاته، عن الحسن بن عليّ علیه السّلام قال: سألت خالي هند بن أبي هالة التميميّ إلى آخر الخبر(2)
قال الصّدوق رحمه الله في «مع»: سألت أبا أحمد الحسن بن عبدالله بن سعيد العسكريّ عن تفسير هذا الخبر فقال: قوله : كان رسول الله فخماً مفخّماً معناه كان عظيماً معظماً في الصدور و العيون، و لم تكن خلقته في جسمه الضخامة وكثرة اللّحم، وقوله: يتلألؤ وجهه تلألأ القمر، معناه ينير و يشرق كإشراق القمر، و قوله: أطول من المربوع وأقصر من المشدّب. المشذّب عند العرب: الطويل الّذي ليس بكثير اللّحم، يقال: جذع مشذّب: إذا طرحت عنه قشوره و ما يجري مجراها، و يقال لقشور الجذع الّتي تقشر عنه: الشذب، قال الشاعر في صفة فرس :
أمّا إذا استقبلته فكأنّه *** في العين جذع من أوال مشذّب
و قوله: رجل الشعر، معناه في شعره تكسّر و تعقّف، ويقال: شعر رجل: إذا كان كذلك، فإذا كان الشعر لا تكسّر فيه قيل: شعر سبط و رسل:، وقوله إن انفرقت عقيقته العقيقة: الشعر المجتمع في الرأس، و عقيقة المولود: الشعر الّذي يكون على رأسه من الرحم، و يقال لشعر المولود المتجدّد بعد الشعر الأوّل الّذي حلق: عقيقة و يقال للذّبيحة الّتي تذبح عن
المولود: عقيقة، و في الحديق كلّ مولد مرتهن بعقيقته، و عقّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم عن نفسه بعد ما جائته النبوّة، وعق عن الحسن و الحسين علیهما السّلام الكبشين.
و قوله: أزهر اللّون، معناه نيّر اللّون، يقال: أصفر يزهر: إذا كان نيّراً، والسراج يزهر. معناه نير، وقوله: أزجّ الحواجب، معناه طويل امتداد الحاجبين بوفور الشعر فيها و جبينه إلى الصدغين قال الشاعر:
إن ابتساماً بالنقی الأفلج *** و نظراً في الحاجب المزجّج
مئنّة: من الفعال الأعوج
مئنّة: علامة، و في حديق النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: إنّ في طول صلاة الرجل و قصر خطبته مئنّة من فقهه.
و قوله: أزجّ الحواجب، و لم يقل: الحاجبين: فهو على لغة من يوقع الجمع على التثنية، و يحتجّ بقول الله جلّ ثناؤه: «و كنّا لحكمهم شاهدين»(1)يريد الحكم داود و سليمان علیهما السّلام، و قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : « الإثنان و ما فوقها جماعة» وقال بعض العلماء: يجوز أن يكون جمع، فقال أزجّ الحواجب على أنّ كلّ قطعةٍ من الحاجب اسمها حاجب، فأوقعت الحواجب على القطع المختلفة، كما يقال للمرأة حسنة الأجساد، وقد قال الأعشى:
و مثلك بيضاء ممكورة *** وصاك العبير بأجسادها
صاك معناه لصق.
و قوله: في غير قرن، معناه أنّ الحاجبين إذا كان بينهما انكشاف و ابيضاض يقال لهما: البلج والبلجة، يقال: حاجبه أبلج: إذا كان كذلك، وإذا اتّصل الشعر في وسط الحاجب فهو القرن.
و قوله: أقنى العرنين: القنا: أن يكون في عظم الأنف إحديداب في وسطه و العرنين:
1) الانبياء / 78
الأنف. وقوله كثّ اللّحية، معناه أنّ لحيته قصيرة كثيرة الشعر فيها، وقوله: ضليع الفمّ، معناه كبير الفمّ، و لم تزل العرب تمدح بكبر الفمّ و تهجو بصغره، قال الشاعر يهجو رجلا:
إن كان كدّي و إقدامي لفي جرذ *** بين العواسج أجني حوله المصع
معناه إن كان كدّي وإقدامي لرجل فيه مثل فم الجرذ في الصغر، والمصع: ثمر العوسج و قال بعض الشعراء.
لحا الله أفواه الدبا من قبيلة
فعيّرهم بصغر الأفواه، كما مدحوا الخطباء بسعة الأشداق، و إلى هذا المعنى يصرف قوله أيضاً: كان يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، لأنّ الشدق جميل مستحسن عندهم، يقال: خطيب أهرت الشدقين، و هريت الشدق، وسمّي عمرو بن سعيد الأشدق، و قال الخنساء ترتي أخاها:
و أحيى من مخبّأة حياءً *** و أجرى من أبي ليث هزبر
هریت الشدق يقال إذا *** ما عدا لم ينه عدوته بزجر
و قال ابن مقبل: هرت الشقاشق ظلّامون للجزر.
و قوله: الأشنب من صفة الفمّ، قالوا: إنّه الّذي لريقه عذوبة و برد، و قالوا أيضاً: إن الشنب في الفمّ: تحدّر ورقّة وحدّة في أطراف الإسنان، ولا يكاد يكون هذا إلّا مع الحداثة و الشباب، قال الشاعر:
يا بأبي أنت وفوك الأشنب *** كأنّما ذرّ عليه الزرنب
و قوله: دقيق المسربة، فالمسربة: الشعر المستدقّ الممتدّ من اللبّة إلى السرّة، قال الحارث بن وعلة الجوميّ:
ألآن لمّا ابيضّ مسربتي *** و عضضت من نابي على جذم
و قوله : كأنّ عنقه جيد دمية، فالدمية: الصورة، وجمعها دمى.
قال الشاعر:
أو دمية صوّر محرابها *** أو درّة سيقت إلى تاجر
والجيد: العنق. وقوله: بادن متماسك، معناه تامّ خلق الأعضاء ليس بمسترخي اللّحم و لا بكثيره. وقوله: سواء البطن والصدر، معناه أنّ بطنه ضامر، وصدره عريض، فمن هذه الجهة تساوي بطنه صدره و الكراديس: رؤوس العظام، و قوله: أنور المتجرّد، معناه نيّر الجسد الّذي تجرّد من الثياب، و قوله: طويل الزندين، في كلّ ذراع زندان و هما جانبا عظم الذراع، فرأس الزند الّذي يلي الأبهام يقال له: الكوع، ورأس الزند الّذي يلي الخنصر يقال له: الكرسوع، وقوله: رحب الراحة معناه واسع الراحة كبيرها، والعرب تمدح بكبر اليد، و
تهجو بصغرها، قال الشاعر:
فناطوا من الكذّاب كفّاً صغيرة *** و ليس عليهم قتله بكبير ناطوا معناه علقوا، وقالوا: رحب الراحة، أي كثير العطاء، كما قالوا: ضيق الباع في الذّم.
و قوله شئن الكفّين، معناه خشن الكفّين، و العرب تمدح الرجال بخشونة الكفّ، و النسآء بنعمة الكفّ، وقوله: سائل الأطراف، أي تامّها غير طويلة ولا قصيرة، وقوله: سبط القصب، معناه ممتدّ القصب، غير متعقّده، و القصب: العظام الجوف الّتي فيها مخّ، نحو الساقين و الذراعين، وقوله: خمصان الأخمصين، معناه أنّ أخمص رجله شديد الإرتفاع من الأرض، و الأخمص: ما يرتفع عن الأرض من وسط باطن الرجل و أسلفها، وإذا كان أسفل الرجل مستوياً ليس فيها أخمص فصاحبه أرحّ، يقال : رجل أرحّ: إذا لم يكن لرجله أخمص وقوله: مسيح القدمين، معناه ليس بكثير اللّحم فيمها و على ظاهرهما، فلذلك ينبو الماء عنهما. و قوله: زال قلعاً، معناه متثبّاً. يخطو تكفّؤاً، معناه خطاه كأنّه يتكبّر فيها أو يتبختر لقلّة
الاستعجال معها، ولا تبختر فيها ولا خيلاء. وقوله: يمشي هوناً، معناه السكينة والوقار، و قوله: ذريع المشية معناه واسع المشية من غير أن يظهر فيه استعجال و بدار، يقال: رجل
ذريع في مشيه، و امرأة ذراع: إذا كانت واسعة اليدين بالغزل.
و قوله: كأنما ينحط في صبب الصبب الانحدار، و قوله: دمثا، الدمث الليّن الخلق، فشبّه الدمث من الرمل و هو الليّن، قال قيس بن الخطيم :
بمشي كمشي الزهراء في دمث ***الرمل إلى السهل دونه الجرف
و المهين: الحقير، وقد رواه بعضهم المهيّن يعني لا يحتقر أصحابه و لا يذلّهم، تعظم عنده النعمة معناه من حسن خطابه أو معونته بما يقلّ من الشأن كان عنده عظيماً، وقوله: فإذا تعوطي الحقّ، معناه إذا تنوول غضب الله تبارك و تعالى قال الأعشى:
تعاطى الضجيع إذا سامها *** بعيد الرقاد و عند الوسن
معناه تناوله، وقوله: إذا غضب أعرض وأشاح، قالوا: في أشاح جدّ في الغضب و انكمش و قالوا جدّ و جزع و استعد لذلك ، قال الشاعر:
و إعطائي على العلّات مالي *** فضربي هامة البطل المشيح
و قوله: يسوق أصحابه، معناه يقدّمهم بين يديه تواضعاً و تكرمة لهم، و من رواه يفوق ، أراد يفضلهم ديناً وحلماً وكرماً. وقوله يفترّ عن مثل حبّ الغمام، معناه يكشف شفتيه عن ثغر أبيض يشبه حبّ الغمام، يقال: قد فروت الفرس: إذا كشفت عن أسنانه، و فررت الرجل عمّا في قلبه إذا كشفته عنه، وقوله لكلّ حال عنده عتاد والعتاد: العدّة، أنّه أعدّ للأُمور أشكالها و نظائرها، و من رواه ولا يقيد من أحد عثرة، بالدال أي من جنى عليه جناية اغتفرها وصفح عنها تصفّحاً و تكرّماً، إذا كان تعطيلها لا يضيّع من حقوق الله شيئاً، ولا يفسد متعبداً به ولا مفترضاً، و من رواه يقيل باللّام ذهب إلى
أنه صلی الله علیه و آله و سلّم لا يضيّع حقوق الناس الّتي يجب لبعضهم على بعض.
و قوله: ثم يردّ ذلك بالخاصّة على العامّة معناه أنه كان يعتمد في هذه الحال على أنّ الخاصّة يرفع إلى العامّة علومه و آدابه و فوائده و فيه قول :آخر فيردّ ذلك بالخاصّة على
العامّة أن يجعل المجلس للعامة بعد الخاصّة فتنوب الباء عن «من» و «على» عن «إلى» لقيام بعض الصفات مقام بعض و قوله: يدخلون روّاداً، الروّاد جمع رائد، و هو الذي يتقدّم القوم إلى المنزل يرتاد لهم الكلّاء، يعني أنّهم ينفعون بما يسمعون من النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم من ورائهم كما ينفع الرائد من خلفه، و قوله: ولا يفترقون إلّا عن ذواق معناه عن علوم يذوقون من حلاوتها ما يذاق من الطعام المشتهى و الأدلّة الّتي تدلّ الناس على أُمور دينهم، وقوله: و لا تؤبن فيه الحرم، أي لا تعاب أبنت الرجل فأنا آبن والمأبون: المعيب، ولأُبنة: العيب، قال أبو الدرداء: إن نؤبن بما ليس فينا فربا زكّينا بما ليس عندنا، ولعلّ ذا أن يكون بذلك، معناه إن نعيّب بما ليس فينا، قال الأعشى:
سلاجم كالنخل ألبستها *** قضيب سراء قليل الأُبن
و قوله و لا تنثى فلتاته معناه من غلط فيه غلطة لم يشنع و لم يتحدّث بها، يقال:
ولم نثوت الحديث أنثوه نثواً: إذا حدّثت به، وقوله : إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّ على رؤوسهم الطير، معناه أنّهم كانوا لإجلالهم نبيهم صلی الله علیه و آله و سلّم لا يتحرّكون، فكانت صفتهم صفه من علی رأسه طائر يريد أن يصيده، فهو يخاف إن تحرّك طيران الطائر و ذهابه، و فيه قول آخر: إنّهم كانوا يسكنون ولا يتحرّكون حتى يصيروا بذلك عند الطائر كالجدران و الأبنية الّتي لا يخاف الطير وقوعاً عليها، قال الشاعر:
إذا حلّت بيوتهم عكاظا ***حسبت على رؤوسهم الغرابا
معناه لسكونهم تسقط الغربان على رؤوسهم، و خصّ بالغراب لأنّه من أشدّ الطير حذراً، وقوله و لا يقبل الثناء إلّا من مكافىء، معناه من صحّ عنده إسلامه حسن موقع ثنائه عليه عنده، و من استشعر منه نفاقاً و ضعفاً في ديانته ألقى ثنائه عليه و لم يحفل به، و قوله: إذا جاءكم طالب الحاجة يطلبها ،فارفدوه معناه فأعينوه و اسعفوه على طلبته، يقال: رفدت الرجل رفداً بفتح الراء في المصدر، والرفد بكسر الراء الاسم يعني به الهبة و
العطيّة، تمّ الخبر بتفسيره و الحمد لله كثيراً . (1)
أقول: أي القنا الّذي كان فيه لم يكن فاحشاً مفرطاً، بل كان لا يعلم إلّا بعد التأمل، قوله : كثّ اللّحية، قالوا: الكثاثة في اللّحية أن تكون غير رقيقة ولا طويلة و فيها كثافة، يقال: رجل كثّ اللّحية بالفتح. قوله: سهل الخدّين، قال الجزريّ: أي سائل الخدّين، غير مرتفع
الوجنتين.
و قال الكازرونيّ: يجوز أن يريد به ليس في خديه نتوّ، لأنّ السهل ضدّ الحزن، وذكر بعضهم أنّه يريد أسيل الخدّين، لم يكثر لحمه و لم تغلظ جلدته.
قوله: ضليع الفمّ، قال الجزريّ، أي عظيمه، وقيل: واسعه، و العرب تحمد عظم الفمّ و تذمّ صغره انتهى .
و قيل: أراد بالفمّ الأسنان، فقد يكنّى بالفم عنها، أي كان تامّ الأسنان شديدها في تراصف، و لا يخفى بعده، و الجرذ : نوع من الفار، ويقال: لحاه الله، أي قبّحه و لعنه، و الدبي بتخفيف الباء: الجراد قبل أن يطير والشدق بالكسر : جانب الفمّ و الشدق بالتحريك: سعة الشدق والهريت: الواسع الشدقين قوله: و أحيى أي أكثر حياء، والمخبّأة: المرأة المستورة. و الريقال فيعال من أرقل: إذا أسرع، و الشقشقة بالكسر شيء كالرية يخرجها البعير من فيه إذا هاج، و إذا قالوا للخطيب: ذو شقشقة فإنّما يشبه بالفحل، ذكره الجوهريّ، وقال: ظلمت البعير: إذا نحرته من غير داء، قال ابن مقبل :
عاد الأذلّة في دار و كان بها*** هرت الشقاشق ظلّامون للجزر
و قال الزرنب: ضرب من النبات طيب الرائحة، ثمّ ذكر البيت، وقال الجزريّ: الشنب: البياض، والبريق: التحديد في الأسنان و قال: الفلج: فرجة ما بين الثنايا و الرباعيّات. و قال الجوهريّ: الجذم بالكسر: أصل الشيء وقد يفتح، وقال: و عضضت من نابي على
1) معانى الأخبار / 30-32.
جذم قوله جيد دمية، قال الجزريّ: الدمية الصورة المصوّرة، وجمعها دمى، لأنّها يتنوّق في صنعتها ويبالغ في تحسينها انتهى.
قوله: معتدل الخلق، أي كلّ شيء من بدنه يليق بما لديه في الحسن و التمام. قوله: بادناً، قال الجزريّ: البادن الضخم، فلمّا قال: بادناً، أردفه بقوله: متماسكاً، و هوالّذي يمسك بعض أعضائه بعضها فهو معتدل الخلق. وقال: سواء البطن و الصدر، أي هما متساويان لا ينبو أحدهما عن الآخر.
و قال الزمخشريّ: يعني أنّ بطنه غير مستفيض فهو مساو لصدره، و صدره عريض فهو مساو لبطنه. وقال الجزريّ: الكراديس هي رؤوس العظام، واحدها کردوس، و قيل هي ملتقى كلّ عظمين ضخمين كالركبتين و المرفقين و المنكبين، أراد أنّه ضخم الأعظاء، :قوله أنور المتجرّد قال :الجزريّ: أي ما جرّد عنه الثياب من جسده و كشف، يريد أنّه كان مشرق الجسد.
و قال الكازرونيّ: المتجرّد: الموضع الذي يستتر بالثياب فيتجرّد عنها في بعض الأحيان، يصفها بشدّة البياض، وقد ورد في حديث آخر أنّه كان أسمر، و في حديث آخر: أنّه كان أبيض مشرباً، و في هذا الحديث أنّه كان أزهر اللون، و وجه الجمع بينها أنّ السمرة كانت فيما يبرز للشّمس من بدنه و البياض فيما وراء الثياب، و قوله: أزهر يحمل على إشراق اللون، لا على البياض، وقيل: إنّ المشرب إذا أُشبع حكى سمراً، فإذاً ليس بينهما ،اختلاف و في حديث آخر: لم يكن بالأبيض الأمهق، و هو الّذي يشبه بياض الجصّ، و الأنور وضع موضع النيّر، كقوله تعالى: «و هو أهون عليه»(1)وكقولهم: الله اكبر، وقال: اللَّبّة بالفتح و تشديد الباء المنحر، و عاري الثديين، أي لم يكن عليهما شعر، وقيل: أراد لم يكن عليهما لحم، فإنّه قد جاء في صفته أشعر الذارعين و المنكبين و أعلى الصدرانتهى.
1) الروم / 27.
و لا يخفى بعد الأخير، و عدم الحاجة إليه لعدم التنافي.
قوله رحب الراحة، قال الكازرونيّ، يكنّون به عن السخاء والكرم، ويستدلّون بهذه الخلقة على الكرم.
قوله: فناطوا من الكذاب، قال الزمخشريّ: قاله الأخطل في صلب المختار بن أبي عبيد.
قوله شئن الكفّين و القدمين، قال الجزري: أي أنّهما يميلان إلى الغلظ و القصر، وقيل: هو الّذي في أنامله غلظ بلاقصر ، و يحمد ذلك في الرجال، لأنّه أشدّ لقبضهم، و يذمّ في النساء.
و قال الصاحب ابن عبّاد في المحيط: الشتون: اللّينة من الثياب الواحد شتن، وروي في الحديث في صفة النبي صلی الله علیه و آله و سلّم أنّه كان شتن الكفّ بالتاء، و من رواه بالثاء فقد صحّف انتهى و هو غريب.
قوله: سائل الأطراف، قال الزمخشريّ: أي لم تكن متعقّدة، وقال الجزريّ: أي ممتدّها، ورواه بعضهم بالنون، بمعناه كجبریل و جبرين قوله سبط القصب، قال الجزريّ السبط بسكون الباء وكسرها: الممتدّ الّذي ليس فيه تعقّد و لا نتوّ، و القصب يريد بها ساعديه و ساقيه، وقال: الأخمص من القدم: الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطي، و الخمصان المبالغ منه، أي أنّ ذلك الموضع من أسفل قدمه شديد التجافي عن الأرض، و سئل ابن الأعرابي عنه فقال: إذا كان خمص الأخمص بقدر لم يرتفع جداً و لم يستو أسفل القدم جدّاً فهو أحسن ما يكون، وإذا استوى وارتفع جداً فهو ذمّ، فيكون المعنى أنّ أخمصه معتدل الخمص بخلاف الأوّل.
و قال الجوهري: رجل أرحّ، أي لا أخمص لقدميه، كأرجل الزنج قوله: مسيح القدمين أي ملساوان لينتان ليس فيهما تكسّر ولا شقاق، فإذا أصابها الماء نبأ عنها ، أي يسيل ويمرّ سريعاًلملاستهما.
و قال الجزريّ: في صفته صلی الله علیه و آله و سلّم إذا مشى تقلّع أراد قوة مشيه، كأنّه يرفع رجليه من الأرض رفعاً قويّاً، لا كمن يمشي اختيالا و تقارب خطاه، فإنّ ذلك من مشي النساء و يوصفن به، و في حديث أبي هالة: إذا زال زال قلعاً، يروى بالفتح و الضمّ، فبالفتح هو مصدر بمعنى الفاعل، أي يزول قالعاً لرجله من الأرض أو هو بالضمّ إما مصدر أواسم و هو بمعنى الفتح وقال الهرويّ قرأت هذا الحرف في كتاب غريب الحديث لابن الأنباريّ قلعاً يفتح القاف و كسر اللام، وكذلك قرأته بخطّ الأزهريّ، و هو كما جاء في حديث آخر كأنّما ينحطّ من صبب، والانحدار من الصبب و التقلّع من الأرض قريب بعضه من بعض، أراد أنه يستعمل التثبّت ولا يبيّن منه في هذا الحال استعجال و مبادرة شديدة، و قال في صفة مشيه صلی الله علیه و آله و سلّم : كان إذا مشى تكفّا تكفّياً أي تمايل إلى قدّام، هكذا روي غير مهموز، و الأصل الهمز ، و بعضهم يرويه مهموزاً لأنّ مصدر تفعّل من الصحيح كتقدّم تقدّماً، و تكفّاً تكفّؤاً، و الهمزة حرف صحيح، فأمّا إذا اعتلّ انكسرت عين المستقبل منه، نحو تخفّی تخفّياً فإذا خفّفت الهمزة التحقت بالمعتلّ فصار تكفّياً بالكسر.
و قال الكازروني أي يتثبت في مشيته حتّى كأنّه يميد كما يميد الغصن إذا هبّت به الريح أو السفينة.
و قال الجزري: الهون الرفق واللّين و التثبّت وقال: ذريع المشي إي واسع الخطو.
و قال الكازروني: الذريع السريع، و ربما يظنّ هذا اللّفظ ضدّ الأوّل و لا تضادّ فيه لأنّ معناه أنّه كان صلی الله علیه و آله و سلّم مع تثبّته في المشى يتابع بين الخطوات و يسبق غيره، كما ورد في حديث آخر أنّه كان يمشي على هينة و أصحابه يسرعون في المشي فلا يدركونه، أو ما هذا معناه، و يجوز أن يريد به نفي التبختر في مشيه.
و قال القاضي في الشفاء: التقلّع رفع الرجل بقوّة و التكفّو: الميل إلى سنن المشي و قصده، و لهون: الرفق و الوقار، والذريع: الواسع الخطو، أي: أن مشيه كان يرفع فيه رجليه
بسرعة و يمدّ خطوه خلاف مشية المختال، ويقصد سمته، وكلّ ذلك برفق و تثبّت دون عجلة، كما قال: كأنّما ينحط من صبب.(1)
و قال الجزريّ: الصبب: ما انحدر من الأرض.
قوله و إذا التفت التفت جميعاً، قال الجزريّ : أراد أنّه لا يسارق النظر، وقيل أراد لا يلوي عنقه يمنة ويسرةً إذا نظر إلى الشيء، و إنّما يفعل ذلك الطائش الخفيف ، و لكن كان يقبل جميعاً و دبر جميعاً ، قوله: جلّ نظره الملاحظة ، قال الجزريّ: هي مفاعلة من اللّحظ، و هو النظر بشقّ العين الّذي يلي الصدغ ، و أمّا الّذي يلي الأنف فالموق والماق.
أقول: و في الفائق و غيره من كتبهم بعد ذلك : «يسوق أصحابه» و قالوا في تفسيره: أي يقدّمهم أمامه، و يمشي خلفهم تواضعاً، و لا يدع أحداً يمشي خلفه، قال بعضهم: و في حديث آخر أنّه كان يقول: «اتركوا خلف ظهري للملائكة» قوله: ليست له راحة أي فراغ من الفكر و العمل، قوله: بأشداقه، قال الجزريّ الأشداق: جوانب الفمّ، و إنما يكون ذلك لرحب شدقيه و العرب تمتدح بذلك انتهى.
و قيل: أي كان لا يتشدّق في الكلام بأن بفتح فاه كلّه، قوله: بجوامع الكلم، قال الجزريّ: أي أنّه كان كثير المعاني قليل الألفاظ، قوله: فصلاً، أي بيّناً ظاهراً يفصل بين الحقّ و الباطل، وقيل: أي الحكم الذي لا يعاب قائله قوله: دمناً، قال الجزريّ: أراد أنّه كان ليّن الخلق في سهولة، و أصله من الدمث، و هو الأرض السهلة الرخوة، و الرمل الّذي ليس بمتلبّد، قوله: ليس بالجافي، قال: أي ليس بالغليظ الخلقة و الطبع، أو ليس بالّذي يجفو أصحابه، و المهين يروى بضمّ الميم وفتحها، فالضمّ على الفاعل من أهان أي لا يهين من صحبه، و الفتح على المفعول من المهانة: الحقارة، و هو مهين، أي حقير؛ قوله: تعظم عنده النعمة، في الفائق يعظّم النعمة، وقال: أي لا يستصغر شيئاً أوتيه، وإن كان صغيراً، وقال:
1) شرح الشفاء 356/1-357
الذواق: اسم ما يذاق، أي لا يصف الطعام بطيب ولا ببشاعة، وقال الجزريّ الذواق: المأكول والمشروب فعال بمعنى مفعول من الذوق، ويقع على المصدر، والإسم.
قوله: فإذا تعوطي الحقّ، قال الجزريّ: أي أنّه كان من أحسن الناس خلقاً مع أصحابه ما لم ير حقاً يتعرّض له بإهمال أو إيطال أو إفساد، فإذا رأى ذلك تنمّر و تغيّر حتّى أنكره من عرفه، كلّ ذلك لنصرة الحقّ، والتعاطي التناول و الجرأة على الشيء من عطا الشيء، يعطوه: إذا أخذه و تناوله.
أقول: و في أكثر رواياتهم بعد قوله حتى ينتصر له : لا يغضب لنفسه و لا ينتصر لها.
قوله: يضرب راحته اليمنى في بعض رواياتهم بباطن راحته اليمنى. و قال الكازروني: اتصل بها تفسيره فيضرب بباطن راحته أي بشير بكفّه إلى حديثه .
وروى القاضي في الشفاء هكذا: و إذا تحدّث اتّصل بها فضرب بأبهامه اليمنى راحة اليسرى. (1)
قوله: و أشاح، قال الزمخشريّ: أي وجدّ في الإعراض و بالغ.
و قال الجزريّ: فيه إنه ذكر النار ثمّ أعرض وأشاح المشيح: الحذر، والجادّ في الأمر، و قيل: المقبل إليك المانع لما وراء ظهره، فيجوز أن يكون أشاح أحد هذه المعاني، أي حذر النار، كأنّه ينظر إليها ، أوجدّ على الإيصاء باتّقائها، أو أقبل إليك في خطابه، و منه في صفته: إذا غضب أعرض و أشاح، قوله: غضّ طرفه، أي كسره و أطرق ولم يفتح عينه، و إنّما كان يفعل ذلك ليكون أبعد من الأشر والمرح.
قوله: جُلّ ضحكه ، بالضّم أي معظمه قوله: و يفتر عن مثل حبّ الغمام، أي يتبسّم و يكثر حتى تبدو أسنانه من غير قهقهة و هو من فررت الدابّة أفرّها فرّّاً: إذا كشفت شفتها
1) شرح الشفاء 342/1.
لتعرف سنّها، و افترّ يفترّ افتعل منه، و أراد بحبّ الغمام البرد. قوله علیه السّلام و شكله، قال الجزريّ: أي عن مذهبه و قصده ، وقيل : عمّا يشاكل أفعاله و الشكل بالكسر الدلّ، و بالفتح: المثل،والمذهب.
و قال الكازرونيّ: الشكل بالفتح: النحو، و السيرة.
قوله بالخاصّة، قال الجزريّ وغيره: أراد أنّ العامّة كانت لا تصل إليه في هذا الوقت، فكانت الخاصّة تخبر العامّة بما سمعت منه، فكأنّه أوصل الفوائد إلى العامّة بالخاصّة، وقيل: إنّ الباء بمعنى (من) أي يجعل وقت العامّة بعد وقت الخاصّة وبدلاً منهم قوله: و قسمه معطوف على الإيثار، قوله: روّاداً، قال الجزريّ: أي طالبين العلم، ملتمسين الحكم من عنده، و يخرجون أدلّة: هداة للنّاس، والروّاد جمع رائد وهو الّذي يتقدّم القوم يبصر لهم الكلاء و مساقط الغيث.
أقول: ومنهم من قرأ أذلّة بالذال المعجمة ، أي يخرجون متّعظين بما وعظوا، متواضعين من قوله: «أذلّة على المؤمنين» (1)و هو تصحيف. قوله: إلّا عن ذواق، قال الجزريّ: ضرب الذواق مثلا لما ينالون عنده من الخير، أي لا يتفرّقون إلّا عن علم و أدب يتعلّمونه يقوم لأنفسهم مقام الطعام والشراب لأجسادهم.
و قال القاضي: و يشبه أن يكون على ظاهره (2)أي في الغالب و الأكثر، قوله: يحذر الناس بالتخفيف، فقوله: و يحترس منهم، عطف تفسير له، و منهم من قرأ على بناء التفعيل إيثاراً للتأسيس على التأكيد، أي كان يحذّر الناس بعضهم من بعض، و يأمر هم بالحزم، و يحذر هو أيضاً منهم، و الأوّل أظهر، قوله : لا يوطن الأماكن، أي لا يتّخذ لنفسه مجلساً يعرف به فلا يجلس إلّا فيه، وقد فسّره بما بعده، قوله: من جالسه في بعض رواياتهم بعد ذلك: أو قاومه أي قام معه، قوله: و لا تؤبن فيه الحرم، قال الجزريّ: أي لا يذكرن بقبيح،
كان يصان مجلسه عن رفث القول، يقال: أبنت الرجل ابنيه: إذا رميته بخلّة سوء، فهو مأبون، و هو مأخوذ من الأبن و هو العقد تكون في القسيّ يفسدها و تعاب بها، قوله: سلاجم جمع سلجم، و هي الطويل، و السراء بالفتح ممدواً، شجر يتّخذ منه القسيّ، و قال الجوهريّ: الأبنة بالضمّ: العقدة في العود، و منه قول الأعشى: قضيب سراء كثير الأبن، قوله: لا تنثى فلتاته، قال الجزريّ: أي لا تذاع، يقالج نئوت الحديث أنثوه نثواً، والنتاء في الكلام يطلق على القبيح و الحسن، يقال: ما أقبح نثاه و ما أحسنه و الفلتات جمع فلتة و هي الزلّة، أراد أنّه لم يكن لجلسه فلتات فتنثى.
أقول: الضمير في فلتاته راجع إلى المجلس.
قوله: متواصلين فيه بالتقوى، في بعض رواياتهم: يتواصون فيه بالتقوى، و في بعضها: يتعاطفون بالتقوى، و الفطّ: السيّء الخلق، و الصخب بالصاد و السين: الضجّة و اضطراب الأصوات للخصام، قوله: كأنّما على رؤوسهم الطير، قال الجزريّ: وصفهم بالسكون و الوقار، وأنّهم لم يكن فيهم طيش ولا خفّة، لأنّ الطير لا تكاد تقع إلّا على شيء ساكن، و قال الفيروز آباديّ: كأنّ على رؤوسهم الطير، أي ساكنون هيبة، و أصله أنّ الغراب يقع عل رأس البعير فيلقط منه القراد، فلا يتحرّك البعير لئلّا ينفر عنه الغراب، قوله: لا يتنازعون عنده الحديث، أي إذا تكلّم أحد منهم أمسكوا حتّى يفرغ ثمّ يتكلّم الآخر، فما بعده تفسيره، قوله: حديثهم عنده حديث حديث أولاهم، و في بعض النسخ: أوّلهم بالإفراد، و لعلّه تأكيد للسّابق، أي لا يتكلّم إلّا من سبق بالكلام، قوله: على الجفوة، أي غلظته و بعده من الآداب، قوله: ليستجلبونهم، أي يجيئون معهم بالغرباء إلى مجلسه من كثرة احتماله عنهم، وصبره على ما يكون منهم في سؤالهم إيّاه وغير ذلك، و الصّحابة كانوا لا يجترؤون على مثل ذلك، و قال الجزريّ: رفدته أرفده: إذا أعنته.
أقول: و في بعض رواياتهم: فأرشدوه، و الأظهر أنّه هنا فأوفدوه بالواو، قوله: إلّا من
مكافىء، قال الجزريّ: قال القتيبيّ: معناه إذا أنعم على رجل نعمة فكافاه بالثناء عليه قبل ثنائه، و إذا أثنى قبل أن ينعم عليه لم يقبله، وقال ابن الأنباريّ: هذا غلط، إذا كان أحد لا ينفكّ من إنعام النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، لأنّ الله بعثه رحمةً للنّاس كافّةً، فلا يخرج منها مكافىء و لا غير مكافىء، والثناء عليه فرض لا يتمّ الإسلام إلّا به، وإنّما المعنى أنّه لا يقبل الثناء عليه إلّا من رجل يعرف حقيقة إسلامه، ولا يدخل عنده في جملة المنافقين الّذين يقولون بألسنتهم: ما ليس في قلوبهم. وقال الأزهريّ: فيه قول ثالث إلّا من مكافىء، أي مقارب غير مجاوز حدّ مثله، ولا مقصّر عمّا رفعه الله إليه.
قوله حتّى يجوزه، أي يتجاوز عن ذلك الكلام و يتمّه و يريد إنشاء كلام آخر فيقطعه النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم بنهي أوقيام، و في بعض النسخ و رواياتهم: بانتهاء، فيحتمل أن يكون المعنى فيقطع السائل بانتهاء أو قيام، وليس في أكثر النسخ الضمير في «يجوزه» فيحتمل أن يكون بالراء المهملة، أي إلّا أن يجور و يتكلّم بباطل كفحش أو غيبة فيقطعه صلی الله علیه و آله و سلّم بنهي أو بقيام. ثمّ اعلم أنّ الصدوق رحمه الله ذكر في الشرح فقرتين لم يذكرهما في الرواية، إذ الشرح شرح رواية أخرى، فذكره و لم يبال بعدم موافقته لما ذكره من الرواية، إحداهما: قوله: يسوق أصحابه، وقد مرّت الإشارة إليها و إلى موضعها و الأخرى قوله: لكلّ حال عنده عتاد، قبل قوله : لا يقصر عن الحقّ، و قال الجزريّ في بيانه، أي ما يصلح لكلّ ما يقع من الأمور، و إنّما وصف الحسن علیه السّلام هنداً بأنّه خاله لأنّ أبا هالة كان زوج خديجة رضي الله عنها قبل النبي صلی الله علیه و آله و سلّم، فولدت له هنداً و هالة كما سيأتي في أحوال خديجة رضى الله عنها.
3 - ن : بإسناد التميميّ، عن الرّضا صلی الله علیه و آله و سلّم، عن آبائه، عن عليّ علیه السّلام قال: ما رأيت أحداً أبعد ما بين المنكبين من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم.(1)
4 - ص: لم يمض النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم في طريق فيتبعه أحد إلّا عرف أنّه سلكه من طيب
1) عيون أخبار الرضا /222.
عرقه، و لم يكن يمرّ بحجر و لا شجر إلّا سجد له(1).
5 - ير: الحسن بن عليّ بن النعمان، عن يحيى بن عمر، عن أبان الأحمر، عن زرارة، عن أبي جعفر علیه السّلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّا معاشر الأنبياء تنام عيوننا، و لا تنام قلوبنا، و نرى من خلفنا كما نرى من بين أيدينا(2).
6 - ير: محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن ميمون القدّاح، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: طلب أبوذرّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقيل له: إنّه في حائط كذا وكذا، فمضى يطلبه فدخل إلى الحائط و النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم نائم، فأخذ عسيباً يابساً و کره ليستبرئ، به نوم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، قال : ففتح النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم عينه وقال: أتخدعني عن نفسي يا أباذرّ؟ أما علمت أنّى أراكم في منامي كما أراكم في يقظتي(3).
7 - سن: معاوية بن الحكيم، عن ابن المغيرة عن إبراهيم بن معرّض عن أبي جعفر علیه السّلام قال: إنّ عمر دخل على حفصة فقال: كيف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فيها فيه الرجال؟
فقالت: ما هو إلّا رجل من الرجال، فأنف الله لنبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم فأنزل إليه صحفة فيها هريسة من سنبل الجنّة، فأكلها فزاد في بضعه بضع أربعين رجلا.(4)
8 - کا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي نصر، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله علیه السّلام: الفرق من السنّة؟ قال: لا، قلت : فهل فرق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ؟ قال: نعم، قلت: كيف فرق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وليس من السنّة؟ قال: من أصابه ما أصاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يفرق كما فرق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وإلّا فلا، قلت: كيف؟ قال : إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا صدّ عن البيت و قد كان ساق الهدي و أحرم أراه الله «الرؤيا بالحقّ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم و مقصّرين لا تخافون»
فعلم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أنّ الله سيفي له بما أراه، فمن ثمّ وفّر ذلك الشعر الّذي كان على رأسه حين أحرم انتظاراً لحلقه في الحرم حيث وعده الله عزّ و جلّ، فلمّا حلقه لم يعد في توفير الشعر، ولا كان ذلك من قبله صلی الله علیه و آله و سلّم.(1)
9 - ل لى: محمّد بن أحمد الأسديّ، عن عبدالله بن زيدان، و عليّ بن العبّاس البجليّين، عن أبي كريب، عن معاوية بن هشام، عن شيبان، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: قال رجل: يا رسول الله أسرع إليك الشيب، قال: شيّبتني هود و الواقعة و المرسلات و عم يتسائلون.(2)
10 - ما : ابن مخلّد، عن ابن السّماك عن يحيى بن أبي طالب، عن حمّاد بن سهيل، عن أبي نعيم، عن سفيان، عن ربيعة قال: سمعت أنساً يقول: كان في رأس رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الحيته عشرون طاقة بيضاء.(3)
11 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد الكنديّ، عن أحمد بن الحسن الميثميّ، عن أبان بن عثمان، عن نعمان الرازيّ، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: انهزم الناس يوم أحد عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فغضب غضباً شديداً، قال: وكان إذا غضب انحدر جبينه مثل اللّؤلؤ من العرق.(4)
1 - ل لى: أبي، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان الأحمر، عن الصادق جعفر بن محمّد علیه السّلام قال: جاء رجل إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و قد بلي ثوبه، فحمل إليه اثنى عشر درهماً، فقال: يا عليّ خذ هذه الدراهم فاشتر لي ثوباً ألبسه، قال عليّ علیه السّلام : فجئت إلى السوق فاشتريت له قميصاً باثني عشر درهماً، و جنت به إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فنظر إليه فقال: يا عليّ غير هذا أحبّ إليَّ، أترى صاحبه يقيلنا؟ فقلت: لا أدري، فقال: انظر، فجئت إلى صاحبه فقلت: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قد كره هذا يريد ثوباً دنوه فأقلنا فيه، فردّ علىّ الدراهم، و جئت به إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فمشى معي إلى السوق ليبتاع قيصاً، فنظر إلى جارية قاعدة على الطريق تبكي، فقال لها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : ما شأنك؟ قالت: يا رسول الله إنّ أهل بيتي أعطوني أربعة دراهم لأشتري لهم بها حاجة فضاعت فلا أجسر أن أرجع إليهم، فأعطاها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أربعة دراهم و قال: ارجعي إلى أهلك، ومضى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى السوق فاشترى قميصاً بأربعة دراهم، و لبسه و حمد الله، و خرج فرأى
رجلا عرياناً يقول: من كساني كساه الله من ثياب الجنّة، فخلع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قميصه الّذي اشتراه و كساه السائل، ثمّ رجع إلى السوق فاشترى بالأربعة الّتي بقيت قميصاً آخر، فلبسه و حمد الله و رجع إلى منزله، و إذا الجارية قاعدة على الطريق، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه و آله: ما لك لا تأتين أهلك؟ قالت: يا رسول الله إنيّ قد أبطأت عليهم و أخاف أن بضربوني، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : مرّي بين يدي و دلّيني على أهلك، فجاء رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى وقف على باب دارهم، ثمّ قال : السلام عليكم يا أهل الدار، فلم يجيبوه، فأعاد السلام فلم يجيبوه، فأعاد السلام فقالوا: عليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال لهم: ما لكم تركتم إجابتي في أوّل السلام و الثاني؟ قالوا: يا رسول الله سمعنا سلامك فأحببنا أن تستكثر منه ، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: إنّ هذه الجارية أبطأت عليكم فلا تؤاخذوها، فقالوا: يا رسول الله هي حرّة لممشاك ، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : الحمد الله، ما رأيت اثنى عشر درهماً أعظم بركة من هذه كسى الله بها عريانين، و أعتق بها نسمة(1).
2 - لى ابن الوليد عن الصفّار، عن عبدالله بن الصلت عن يونس، عن ابن حميد، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: خمس لا أدعهنّ حتّى الممات: الأكل على الحضيض مع العبيد، وركوبي الحمار مؤكفاً، و حلبي العنز بيدي، و لبس الصوف، والتسليم على الصبيان، لتكون سنّة من بعدي(2).
3- لي: العطّار، عن أبيه، عن ابن عيسى عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن العيص بن القاسم قال: قلت للصّادق جعفر بن محمّد علیه السّلام : حديث يروى عن أبيك علیه السّلام أنّه قال: ما شبع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من خبز برّقط، أهو صحيح؟ فقال: لا، ما أكل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم خبز برّقطّ، و لا شبع من خبز شعير قطّ(3).
4 - لي: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن محمّد بن يحيى الخزّاز، عن موسى بن إسماعيل، عن أبيه، عن موسى بن جعفر عن أبيه، عن آبائه علیهم السّلام عن أمير المؤمنين عليه
صلى السلام قال: إنّ يهوديّاً كان له على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، دنانير فتقاضاه فقال له: يا يهوديّ ما عندي ما أعطيك فقال: فإنّي لا أفارقك يا محمّد حتّى تقضيني، فقال: إذا أجلس معك، فجلس معه حتّى صلّى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة و الغداة، و كان أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يتهدّدونه و يتواعدونه، فنظر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إليهم فقال: ما الّذي تصنعون به؟ فقالوا يا رسول الله يهوديّ يحبسك ؟ فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : لم يبعثني ربّي عزّوجلّ بأن أظلم معاهداً و لا غيره، فلمّا علا النهار قال اليهوديّ: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمّداً عبده و رسوله و شطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت بك الّذي فعلت إلّا لأنظر إلى نعتك في التوراة، فإنّي قرأت نعتك في التوراة محمّد بن عبدالله مولده بمكّة و مهاجره بطيبة، و ليس بفظّ ولا غليظ و لا سخّاب و لا متزيّن بالفحش، ولا قول الخناء، و أنا أشهد أن لا إله إلّا الله و أنّك رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، و هذا مالي، فاحكم فيه بما أنزل الله، وكان اليهوديّ كثير المال، ثمّ قال علیه السّلام : كان فراش رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عباءة، وكانت مرفقته أدم حشوها ليف فتنّيت له ذات ليلة، فلمّا أصبح قال: لقد منعني الفراش اللّيلة الصلاة، فأمر علیه السّلام أن يجعل بطاق واحد(1).
5 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في بيت أمّ سلمة في ليلتها، ففقدته من الفراش، فدخلها في ذلك ما يدخل النسآء، فقامت تطلبه في جوانب البيت حتّى انتهت إليه و هو في جانب من البيت قائم رافع يديه يبكي و هو يقول: «اللّهمّ لا تنزع منّي صالح ما أعطيتني أبداً، اللّهمّ لا تشمت بي عدوّاً و لا حاسداً أبداً، اللّهمّ و لا تردّني في سوء استنقذتني منه أبداً، اللّهمّ ولا تكلني
1) الامالي /279
إلى نفسي طرفة عين أبداً» قال فانصرفت أمّ سلمة تبكي حتّى انصرف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لبكائها فقال لها: ما يبكيك يا أمّ سلمة ؟ فقالت بأبي أنت وأمّي يا رسول الله و لم لا أبكي و أنت بالمكان الّذى أنت به من الله قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر، تسأله أن لا يشمت بك عدوّاً أبداً، وأن لا يردّك في سوء استنقذك منه أبداً، و أن لا ينزع منك صالحاً أعطاك أبداً، و أن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين أبداً؟ فقال: يا أُم سلمة وما يؤمنني؟ وإنّما وكل الله يونس بن متى إلى نفسه طرفة عين وكان منه ماكان(1).
6 - ب : ابن طريف عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه علیهما السّلام قال: جاء إلى النبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم سائل يسأله، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : هل من أحد عنده سلف؟ فقام رجل من الأنصار من بني الجبلى فقال: عندي يا رسول الله، قال: فأعط هذا السائل أربعة أوساق تمر، قال: فأعطاه، قال: ثمّ جاء الأنصاريّ بعد إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلّم يتقاضاه فقال له: يكون إن شاء الله، ثمّ عاد إليه فقال : يكون إن شاء الله، ثمّ عاد إليه الثالثة فقال: يكون إن شاء الله، فقال: قد أكثرت يا رسول الله من قول: يكون إن شاء الله، قال: فضحك رسول الله، وقال: هل من رجل عنده سلف؟ قال: فقام رجل فقال له: عندي يا رسول الله، قال: وكم عندك؟ قال: ما شئت قال: فأعط هذا ثمانية أوسق من تمر، فقال الأنصاريّ، إنّما لى أربعة يا رسول الله، قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : و أربعة أيضاً (2).
7 - ب: ابن طریف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه علیه السّلام إنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله لم يورّث ديناراً و لا درهماً ولا عبداً و لا وليدةً ولا شاة ولا بعيراً، ولقد قبض صلی الله علیه و آله و سلّم و أن درعه مرهونة عند يهوديّ من يهود المدينة بعشرين صاعاً من شعير استلفها نفقة لأهله(3).
8 - ب أبو البختريّ، عن جعفر عن أبيه علیه السّلام أنّ المساكين كانوا يبيتون في المسجد على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فأفطر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم مع المساكين الّذين في المسجد ذات ليلة عند المنبر في برمة فأكل منها ثلاثون رجلا، ثمّ ردّت إلى أزواجه شبعهنّ(1).
9 - ن: بالأسانيد الثلاثة، عن الرضا عن آبائه علیهم السّلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: أتاني ملك فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرئك السلام، و يقول: إن شئت جعلت لك بطحاء مكّة ذهباً، قال: فرفع رأسه إلى السّماء وقال: يا ربّ أشبع يوماً فأحمدك، و أجوع يوماً فأسألك(2).
صح: عنه علیه السّلام مثله(3).
جا: عمر بن محمّد، عن ابن مهرويه عن داود بن سليمان، عنه علیه السّلام مثله(4).
10 - ن: بهذا الإسناد قال: إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم
كان يتختّم في يمينه (5).
11 - ن: و بهذا الإسناد قال: ما شبع النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم من خبز برّ ثلاثة أيّام حتّى مضى من السبيله (6).
12 - ما: حمويه بن عليّ، عن محمّد بن محمّد بن بكر الهزاليّ، عن الفضل بن الحباب، عن سلم، عن أبي هلال، عن بكر بن عبد الله أنّ عمر بن الخطّاب دخل على النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و هو موقوذ - أو قال: محموم - فقال له عمر: يا رسول الله ما أشدّ و عكك أو حماك ؟ فقال: ما منعني ذلك أن قرأت اللّيلة ثلاثين سورة فيهنّ السبع الطول، فقال عمر: يا رسول الله غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخر و أنت تجتهد هذا الاجتهاد؟ فقال: يا عمر أفلا أكون عبداً شكوراً؟(7)
13 - ير: محمّد بن الحسين، عن جعفر بن محمّد بن يونس، عن حمّاد بن عثمان، عن ابی عبد الله علیه السّلام قال: إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم كان في مكان ومعه رجل من أصحابه وأراد قضاء حاجة، فقام إلى الأشائين يعني النخلتين، فقال لهما اجتمعا، فاستتر بهما النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم
فقضى حاجته، ثمّ قام فجاء الرجل فلم يرشيئاً (1).
14 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن محمّد العطّار، عن الأشعريّ، عن سيف بن حاتم، عن رجل من ولد عمّار يقال له: أبو لؤلؤه سماء عن آبائه قال: قال عمّار رضی الله عنه: كنت أرعى غنيمة أهلي، وكان محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم يرعى أيضاً، فقلت: يا محمّد هل لك في فخ فإنّي تركتها صار الله روضة برق؟ قال: نعم، فجئتها من الغدو قد سبقني محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم و هو قائم يذود غنمه عن الروضة قال: إنّي كنت واعدتك فكرهت أن أرعى قبلك(2).
15 - قب: أمّا آدابه صلی الله علیه و آله و سلّم فقد جمعها بعض العلماء و التقطها من الأخبار: كان النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أحكم الناس و أحلمهم وأشجعهم و أعدهم و أعطفهم، لم تمسّ يده يد امرأة لا تحلّ، و أسخى الناس، لا يثبت عنده دينار و لا درهم، فان فضل و لم يجد من يعطيه و يجنّه اللّيل لم يأو إلى منزله حتّى يتبرّء منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ ممّا آتاه الله إلّا قوت عامه فقطّ من يسير ما يجد من التمر و الشعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله، و لا يسأل شيئاً إلّا أعطاه، ثمّ يعود إلى قوت عامه فيؤثر منه حتّى ربّما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء. وكان يجلس على الأرض، وينام عليها، ويأكل عليها، وكان يخصف النعل، و يرقع الثوب، و يفتح الباب، و يحلب الشاة، ويعقل البعير فيحلبها، ويطحن مع الخادم إذا أعيا، ويضع طهوره باللّيل بيده، و لا يتقدّمه مطرقٌ، ولا يجلس متّكناً، ويخدم في منهة أهله، و يقطع اللّحم، وإذا جلس على الطعام جلس محقّراً، وكان يلطع أصابعه، و لم يتجشّأ قطّ، ويجيب دعوة الحرّ والعبد و لو على ذراع أو كراع، و يقبل الهديّة و لو أنّها جرعة لبن و يأكلها،
ولا يأكل الصدقة، لا يثبت بصره في وجه أحد، يغضب لربّه و لا يغضب لنفسه، و كان يعصّب الحجر على بطنه من الجوع، يأكل ما حضر، ولا يردّ ما وجد، لا يلبس ثوبين، یلبس برداً حبرة ،يمنيّة وشملة جبّة صوف، والغليظ من القطن و الكتّان، و أكثر ثيابه البياض، ويلبس العمامة، ويلبس القميص من قبل ميامنه وكان له ثوب للجمعة خاصّة، و كان إذا لبس جديداً أعطى خلق ثيابه مسكيناً، وكان له عباء يفرش له حيث ما ينقل تثنى ثنيتين، يلبس خاتم فضّة في خنصره الإيمن يحبّ البطيخ، ويكره الريح الرديّة: ويستاك عند الوضوء، يردف خلفه عبده أو غيره يركب ما أمكنه من فرس أو بغلة أو حمار، ويركب الحمار بلاسرج و عليه العذار، و يمشي راجلا و حافياً بلارداء ولا عمامة ولا قلنسوة، و يشيّع الجنائز، و يعود المرضى في أقصى المدينة، يجالس الفقراء، و يؤاكل المساكين، ويناولهم بيده ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم و يتألّف أهل الشرف بالبرّ لهم، يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على غيرهم إلّا بما أمر الله، و لا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر إليه، و كان أكثر الناس تبسّماً ما لم ينزل عليه قرآن أولم تجر عظةٌ، و ربّما ضحك من غير قهقهة، لا يرتفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس، ماشتم أحداً بشتمة ولا لعن امرأة ولا خادماً بلعنة، ولا لاموا أحداً إلّا قال: دعوه، ولا يأتيه أحد حرّ أو عبدٌ أو أمة إلّا قام معه في حاجته، لافظّ ولا غليظ، و لاصخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيِّئة السيِّئة، ولكن يغفر ويصفح يبدأ من لقيه بالسلام و من رامه بحاجة صابره حتّى يكون هو المنصرف، ما أخذ أحديده فيرسل يده حتّى يرسلها، و إذ الق مسلماً بدأه بالمصافحة، وكان لا يقوم و لا يجلس إلّا على ذكر الله، وكان لا يجلس إليه أحد و هو يصلّي إلّا خفّف صلاته و أقبل عليه وقال: ألك حاجة؟ وكان أكثر جلوسه أن ينصب ساقيه جميعاً، يجلس حيث ينتهى به المجلس وكان أكثر ما يجلس مستقبل القبلة، وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ثوبه و يؤثر الداخل بالوسادة الّتي تحته، وكان في الرضا والغضب لا يقول:
إلّا حقّاً، وكان يأكل القنّاء بالرطب و الملح، وكان أحبّ الفواكه الرطبة إليه البطّيخ و العنب، وأكثر طعامه الماء و التمر، وكان يتمجّع اللّبن بالتمر ويسمّيهما الأطيبين، وكان أحبّ الطعام إليه اللّحم ويأكل الثريد باللّحم، وكان يحبّ القرع، وكان يأكل لحم الصيد و لا يصيده، وكان يأكل الخبز و السمن، وكان يحبّ من الشاة الذراع و الكتف، و من القدر الدبا، و من الصباغ الخلّ، و من التمر العجوة، و من البقول الهندبا و الباذروج و البقلة اللّينة(1). 16 - مكا: في تواضعه و حيائه عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يعود المريض، و يتبع الجنازة و يجيب دعوة المملوك، و يركب الحمار، و كان يوم خيبر و يوم قريظة والنضير على حمار مخطوم بحبل من ليف تحته أكاف من ليف.
و عن أنس بن مالك قال: لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول الله، و كانوا إذار أوه لم يقوموا إليه لما يعرفون من كراهيّته.
و عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض و يعتقل الشاة، و يجيب دعوة المملوك.
و عن أنس بن مالك قال: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مرّ على صبيان فسلّم عليهم و هو مغذّ عن أسماء بنت يزيد أن النبي صلی الله علیه و آله و سلّم مرّ بنسوة فسلّم عليهنّ.
و عن ابن مسعود قال: أتى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم رجل يكلّمه فأرعد، فقال: هوّن عليك، فلست ملك، إنّما أنا ابن امرأة كانت تأكل القدّ(2).
عن أبي ذرّ قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيّهم هو حتّى يسأل، فطلبنا إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أن يجعل مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكّاناً من طين، وكان يجلس عليه، و نجلس بجانبيه.
و سئلت عائشة ما كان النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يصنع إذا خلا ؟ قالت: يخيط ثوبه، و يخصف نعله، و
يصنع ما يصنع الرجل في أهله.
و عنها : أحبّ العمل إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الخياطة.
و عن أنس بن مالك قال: خدمت النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم تسع سنين فما أعلمه قال لي قطّ: هلّا فعلت كذا و كذا؟ ولا عاب علىّ شيئاً قطّ.
و عن أنس بن مالك قال: صحبت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عشر سنين، و شممت العطر كلّه فلم أشم نكهة أطيب من نكهته، وكان إذا لقيه واحد من أصحابه قام معه، فلم ينصرف حتّى يكون الرجل ينصرف عنه، و إذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده ناولها إيّاه، فلم ينزع عنه حتّى يكون الرجل هو الّذى ينزع عنه، و ما أخرج ركبتيه بين جليس له قطّ، و ما قعد إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم رجل قطّ فقام حتّى يقوم(1).
و عن أنس بن مالك قال: إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم
أدركه أعرابيّ فأخذ بردائه فجبذه جبذةً شديدةً حتّى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و قد أثرت به حاشية الرداء من شدّة جبذته، ثمّ قال له: يا محمّد مرلي من مال الله الّذى عندك، فالتفت إليه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فضحك و أمر له بعطاء.
عن أبي سعيد الخدري يقول: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم حبيباً لا يسأل شيئاً إلّا أعطاء.
و عنه قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه.
و عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
: لا يبلغني أحد منكم عن أصحابي شيئاً، فإنّي أحبّ أن أخرج إليكم و أنا سليم الصدر(2).
في جوده: عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السّلام قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أجود الناس كفّاً، وأكرمهم عشرةً، من خالطه فعرفه أحبّه.
من كتاب النبوة عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم قال: أنا أديب الله و عليّ أديبي، أمرني ربّي بالسخاء والبرّ، و نهاني عن البخل والجفاء، و ما شيء أبغض إلى الله عزّ و جلّ من البخل و سوء الخلق، و إنّه ليفسد العمل كما يفسد الطين العسل.
و برواية أخرى عن أمير المؤمنين علیه السّلام كان إذا وصف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال : كان أجود الناس كفّاً، و أجرهُ الناس صدراً، و أصدق الناس لهجةً، و أوفاهم ذمّةً، و ألينهم عريكةً، و أكرمهم عشرة، و من رآه بديهةً هابه و من خالطه فعرفه أحبّه، لم أر مثله قبله ولا بعده.
و عن ابن عمر قال: ما رأيت أحداً أجود ولا أنجد و لا أشجع و لا أوضاً من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم(1).
و عن جابر بن عبدالله قال: ماسئل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم شيء قطّ قال: لا.
و عن ابن عبّاس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان و لا يقاعدونه، فقال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهنّ، قال: نعم، قال: عندى أحسن العرب و أجمله أمّ حبيبة آزوّجكها، قال: نعم، قال: و معاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، قال مرني حتّى أقاتل الكفّار كما قاتلت المسلمين، قال: نعم، قال ابن زميل: و لو لا أنّه طلب ذلك من النبيّ صلّي الله عليه و آله ما أعطاه، لأنّه لم يكن يسأل شيئاً قطّ إلّا قال: نعم.
و عن عمر أنّ رجلا أتى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال: ما عندي شيء، و لكن ابتع عليّ، فإذا جاءنا شيء قضيناه، قال عمر: فقلت: يا رسول الله ما كلّفك الله ما لا تقدر عليه، قال: فكره النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: فقال الرجل: أنفق و لا تخف من ذى العرش إقلالاً، قال: فتبسّم النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و عرف السرور في وجهه (2).
في شجاعته : عن عليّ صلی الله علیه و آله و سلّم قال: لقد رأيتني يوم بدر و نحن نلوذ بالنبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم
و هو أقربنا إلى العدوّ، وكان من أشدّ الناس يومئذٍ بأساً.
و عنه علیه السّلام قال : كنا إذا احمرّ البأس و لقي القوم اتقينا برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه.
و عن أنس بن مالك قال: كان بالمدينة فزع فركب النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فرساً لأبي طلحة، فقال: ما رأينا من شيء و إن وجدناه البحراً.
و برواية اُخرى عن أنس قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أشجع الناس و أحسن الناس و أجود الناس، قال: فزع أهل المدينة ليلة فانطلق الناس قبل الصوت، قال: تلقّاهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و قد سبقهم و هو يقول: لن تراعوا، و هو على فرس لأبي طلحة و في عنقه السيف، قال: فجعل يقول للنّاس لم تراعوا وجدناه بحراً أو أنّه لبحر(1).
في علامة رضاه و غضبه: عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يعرف رضاه و غضبه في وجهه، كان إذا رضى فكأنّما تلاحك الجذرّ وجهه، و إذا غضب خسف لونه و اسوّد.
عن كعب بن مالك قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذا سرّه الأمر استنار وجهه كأنّه دارة القمر.
عن امير المؤمنين علىّ بن أبي طالب علیه السّلام قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذا رأى ما يحبّ قال: الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصالحات.
عن عبدالله بن مسعود، يقول: شهدت من المقداد مشهداً لإن أكون أنا صاحبه أحبّ إليّ ممّا في الأرض من شيء، قال: كان النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم إذا غضب احمرّ وجهه.
عن ابن عمر قال: كان النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يعرف رضاه و غضبه بوجهه، كان إذا رضي فكأنّما تلاحك الجدرُ وجهه، و إذا غضب خسف لونه و اسودّ.
قال أبو البدر: سمعت أبا الحكم اللّيني يقول: هي المرأة توضع في الشمس فيرى ضوءُها
1) مکارم الاخلاق /17
على الجدار يعني قوله: تلاحك الجدر.
فى الرفق بامته عن أنس قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيّام سأل عنه، فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره و إن كان مريضاً عاده.
عن جابر بن عبدالله قال: غزا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إحدى وعشرين غزوة بنفسه، شاهدت منها تسعة عشر، و غبت عن اثنتين، فبينا أنا معه في بعض غزواته إذ أعيانا ضحى تحتي باللّيل فبرك، وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
في آخرنا في آخريّات النّاس، فيزجي الضعيف و يردف و يدعو لهم، فانتهى إليّ و أنا أقول: يا لهف آميّاه، و مازال لنا ناضح سوء، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا جابر بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، قال: ما شأنك؟ قلت: أعيا ناضحي، فقال: أمعك عصا؟ فقلت: نعم، فضربه، ثمّ بعثه، ثمّ أناخه و وطیء على ذراعه، و قال: اركب فركبت فسايرته فجعل جملي يسبقه، فاستغفر لي تلك اللّيلة خمسة وعشرين مرّة، فقال لي: ما ترك عبد الله من الولد؟ يعني أباه، قلت: سبع نسوة، قال: أبوك عليه دين؟ قلت: نعم، قال: فإذا قدمت المدينة فقاطعهم، فإن أبوا فإذا حضر جذاذ نخلكم فأذني، وقال: هل تزوّجت؟ قلت: نعم، قال: بمن؟ قلت: بفلانة بنت فلان بأیّم كانت بالمدينة، قال: فهلّا فتاة تلاعبها و تلاعبك؟ قلت: يا رسول الله كنّ عندي نسوة خرق يعني اخواته، فكرهت أن آتيهنّ بامرأة خرقاء، فقلت: هذه أجمع لأمري، قال: أصبت و رشدت، فقال: بكم اشتريت جملك؟ فقلت: بخمس أواقٍ من ذهب، قال: قد أخذناه، فلمّا قدم المدينة أتيته بالجمل فقال: يا بلال أعطه خمس أواق من ذهب يستعين به في دين عبدالله، وزده ثلاثاً واردد عليه جمله، قال: هل قاطعت غرماء عبدالله ؟ قلت: لا رسول الله قال: أترك وفاء؟ قلت: لا، قال: لا عليك إذا حضر جذاذ نخلكم فأذني، فأذنته فجأه فدعا لنا فجذذنا و استوفى كلّ غريم ما كان يطلب تمراً وفاءً، ويق لنا ما كنا نجذّ و أكثر ، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : ارفعوا و لا تكيلوا فرفعناه و
أكلنا منه زماناً(1).
و عن ابن عبّاس قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
إذا حدّث الحديث أو سأل عن الأمر كرّره ثلاثا ليفهم ويفهم عنه.
و عن ابن عمر قال: قال رجل: يا رسول الله، فقال: لبّيك .
و روي عن زيد بن ثابت أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم
كنّا إذا جلسنا إليه إن أخذنا بحديث في ذكر الآخرة أخذ معنا، و إن أخذنا في الدنيا أخذ معنا و إن أخذنا في ذكر الطعام والشراب أخذ معنا، فكلّ هذا أحدّثكم عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم.
عن أبي الحميساء قال: بايعت النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم
قبل أن يبعث فواعدنيه مكاناً فنسيته یومی و الغد، فأتيته يوم الثالث ، فقال صلی الله علیه و آله و سلّم: يا فتى لقد شققت علىّ، أنا هاهنا منذ ثلاثة أيّام.
و عن جرير بن عبدالله أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم دخل بعض بيوته فامتلأ البيت، و دخل جرير فقعد خارج البيت، فأبصره النبي صلی الله علیه و آله و سلّم فأخذ ثوبه فلفّه فرمى به إليه، و قال: اجلس على هذا، فأخذ جرير فوضعه على وجهه فقبّله.
عن سلمان الفارسيّ قال: دخلت على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و هو متّكيء على وسادة فألقاها إلىّ، ثمّ قال: يا سلمان ما من مسلم دخل على أخيه المسلم فيلق له الوسادة إكراماً له إلّا غفر الله (2).
في بكائه صلی الله علیه و آله و سلّم : عن أنس بن مالك قال: رأيت إبراهيم بن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و هو يجود بنفسه فدمعت عيناه، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : تدمع العين، و يحزن القلب، و لا أقول: إلّا ما يرضى ربّنا و إنّابك يا إبراهيم لمحزونون(3).
عن خالد بن سلمة المخزوميّ قال: لمّا اُصيب زيد بن حارثة انطلق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى
منزله، فلمّا رأته ابنته جهشت فانتحب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، و قال له بعض أصحابه: ما هذا يا رسول الله؟ قال هذا شوق الحبيب إلى الحبيب.
في مشيه صلی الله علیه و آله و سلّم: عن علي بن أبي طالب علیه السّلام قال : كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذا مشى تكفّاً تكفّوا كأنّما يتقلّع من صبب، لم أرقبله ولا بعده مثله.
عن جابر قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذا اخرج مشى أصحابه أمامنه، وتركوا ظهره للملائكة.
عن ابن عبّاس قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذا مشى مشى مشياً يعرف أنه ليس بمشي عاجز ولا بكسلان.
عن أنس بن مالك قال: كنّا إذا أتينا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم جلسنا حلقة.
وروي أنّ رسول الله لا يدع أحداً يمشي معه إذا كان راكباً حتّى يحمله معه، فإن أبى قال: تقدّم أمامي، وأدركني في المكان الّذي تريد، و دعاه صلی الله علیه و آله و سلّم قوم من أهل المدينة إلى طعام صنعوه له و لأصحاب له خمسة، فأجاب دعوتهم، فلمّا كان في بعض الطريق أدركهم سادس فما شاهم، فلمّا دنوا من بيت القوم قال للرّجل السادس: إنّ القوم لم يدعوك، فاجلس حتى نذكر لهم مكانك و نستأذنهم بك(1).
في جمل من أحواله وأخلاقه : من كتاب النبوّة عن عليّ علیه السّلام قال: ما صافح رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أحداً قط فنزع يده من يده حتّى يكون هو الّذي ينزع يده، و ما فاوضه أحد قطّ في حاجة أو حديث فانصرف حتّى يكون الرجل ينصرف، و ما نازعه الحديث حتّى يكون هو الّذي يسكت و مارأي مقدّما رجله بين يدي جليس له قطّ، و لا عرض له قطّ أمران إلّا أخذ بأشدّ هما، و ما انتصر نفسه من مظلمة حتّى ينتهك محارم الله فيكون حينئذٍ غضبه الله تبارك و تعالى، و ما أكل متّكناً قطّ حتّى فارق الدنيا، و ما سئل شيئاً قطّ
1) مكارم الاخلاق 21-22
فقال: لا، و ما ردّ سائلا حاجة إلّا بها أو بميسور من القول، وكان أخفّ الناس صلاةً في تمام، و كان أقصر الناس خطبة وأقلّه هذراً، وكان يعرف بالريح الطيّب إذا أقبل، وكان إذا أكل مع القوم كان أوّل من يبدأ، و آخر من يرفع يده، وكان إذا أكل أكل ممّا يليه، فإذا كان الرطب و التمر جالت يده و إذا شرب شرب ثلاثة أنفاس وكان يمصّ الماء مصّاً، ولا يعبّه عبّاً، و كان يمينه لطعامه وشرابه و أخذه وإعطائه، كان لا يأخذه إلّا بيمينه، و لا يعطي إلّا بيمينه، و كان شماله لما سوى ذلك من بدنه، وكان يحبّ التيمّن في كلّ أموره: في لبسه و تنعّله و ترجّله، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا تكلّم تكلّم وتراً، وإذا استأذن استأذن ثلاثاً، وكان كلامه فصلا يتبيّنه كلّ من سمعه، وإذا تكلّم رأى كالنور يخرج من بين ثناياه، و إذا رأيته قلت: أفلج الثنيتين، و ليس بأفلج، و كان نظره اللّحظ بعينه، و كان لا يكلّم أحداً بشيء يكرهه، وكان إذا مشى ينحطّ من صبب، وكان يقول: إنّ خياركم أحسنكم أخلاقاً، وكان» يذمّ ذواقاً و لا يمدحه، و لا يتنازع أصحابه الحديث عنده، و كان المحدّث عنه يقول: لم أربعيني مثله قبله ولا بعده صلّى الله عليه و آله .
عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذا رُني في اللّيلة الظلماءُ رُني له نوركانّه شقّة قمر.
عنه علیه السّلام قال نزل جبرئيل علیه السّلام على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال : إن الله جلّ جلاله يقرئك
السلام و يقول لك: هذه بطحاء مكّة تكون لك رضراضه ذهباً، قال: فنظر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم الی السماء ثلاثاً ثمّ قال: لا يا ربّ، ولكن أشبع يوماً فأحمدك، وأجوع يوماً فأسألك .
و عنه علیه السّلام قال : كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يحلب عنز أهله.
و عنه علیه السّلام قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يحبّ الركوب على الحمار مؤكفاً، و الأكل على الحضيض مع العبيد و مناولة السائل بيديه.
و عن جابر بن عبد الله قال : في رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم خصال: لم يكن في طريق فيتبعه أحد إلّا
عرف أنّه قد سلكه من طيب عرفه، أو ريح عرقه، و لم يكن بمرّ بحجر ولا مدر إلّا سجدله.
و عن ثابت بن أنس بن مالك قال: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان أزهر اللون، كأنّ لونه اللّؤلؤ، و إذا مشى تكفّاً، و ما شممت رائحة مسك ولا عنر أطيب من رائحته، ولا مسست ديباجةً ولا حريراً ألين من كفّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان أخفّ النّاس صلاة في في تمام.
عن جرير بن عبدالله قال : لما بعث النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أتيته لاُبايعه، فقال لي: يا جرير لأيّ شيء جنت؟ قال: قلت: جئت لاُسلم على يديك يا رسول الله فألق لي كساء. ثمّ أقبل على أصحابه فقال : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.
و عن أبي عبدالله علیه السّلام قال : إن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وعد رجلا إلى الصخرة، فقال: أنالك هاهنا حتّى تأتي، فاشتدّت الشمس عليه، فقال له أصحابه: يا رسول الله لو أنّك تحوّلت إلى الظلّ، قال: وعدته إلى هاهنا ، و إن لم يجىء كان منه المحشر.
و عن عائشة قال: قلت: يا رسول الله لو أنّك إذا دخلت الخلاء فخرجت دخلت في أثرك فلم أرشيئاً خرج منك، غير أنّي أجد رائحة المسك، قال: يا عايشة إنّا معشر الأنبياء ينبت أجسادنا على أرواح أهل الجنّة، فما خرج منّا من شيء ابتلعته الأرض.
و عن ابن عبّاس قال: إن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
دخل عليه عمرو هو على حصير قد أثّر في جنبيه، فقال: يا نبيّ الله لو اتّخذت فراشاً، فقال: ما لي و للدّنيا، ما مثلي و مثل الدنيا إلّا کراکب سار في يومٍ صائف فاستظلّ تحت شجرةٍ ساعةً من نهارٍ ثُم راح و تركها.
و عن ابن عبّاس قال: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
توفّي و درعه مرهونة عند رجل من اليهود على ثلاثين صاعاً من شعير، أخذها رزقاً لعياله.
و عن أبي رافع قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول: إذا سميتم محمّداً فلا تقبّحوه، ولا تجبهوه و لا تضربوه، بورك لبيت فيه محمّد و مجلس فيه محمّد، و رفقة فيها محمّد(1)
1) مكارم الأخلاق: 22 -25.
و كان صلی الله علیه و آله و سلّم يؤتى بالصبيّ الصغير ليدعو له بالبركة أو يسمّيه، فيأخذه فيضعه في حجره تكرمةٌ لأهله، فربّما بال الصبيّ عليه، فيصيح بعض من رآه حين بال، فيقول صلّى الله عليه و آله: لا تزرموا بالصبيّ، فيدعه حتّى يقضي بوله، ثمّ يفرغ له من دعائه أو تسميته و يبلغ سرور أهله فيه، و لا يرون أنّه يتأذّى ببول صبيّهم، فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعد. و دخل رجل المسجد و هو جالس وحده فتزحزح له فقال الرجل: في المكان سعة يا رسول الله، فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّ حقّ المسلم على المسلم إذا رأه يريد الجلوس إليه أن يتزحزح له.
فقال وروي أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال : من أحبّ أن يمثل له الرجال فليتبوّء مقعده في النار.
و قال صلی الله علیه و آله و سلّم : لا تقوموا كما تقوم الأعاجم بعضهم لبعض.
وروي عن أبي عبد الله علیه السّلام من كتاب المحاسن قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : إذا دخل منزلا قعد في أدنى المجلس حين يدخل.
و عنه صلی الله علیه و آله و سلّم قال: كان رسول الله أكثر ما يجلس تجاه القبلة.
وروي عنه علیه السّلام أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال : إذا أتى أحدكم مجلساً فليجلس حيث ما انتهى مجلسه.
وروي أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال : إذا قام أحدكم من مجلسه منصرفاً فليسلّم، فليس الأولى بأولى من الأخرى.
وروي عنه علیه السّلام أنّه قال: إذا قام أحدكم من مجلسه ثمّ رجع فهو أولى بمكانه.
وروي عن النبيّ علیه السّلام أنّه قال: أعطوا المجالس حقّها، قيل: و ما حقّها؟ قال: غضّوا أبصاركم، وردّ والسلام، و ارشدوا الأعمى، و أمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر.
عن أبي أمامة قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
إذا جلس جلس القرفصاء.
من كتاب المحاسن : وكان النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يجلس ثلاثاً: يجلس القرفصاء و هي أن يقيم
ساقيه، و يستقبلها بيديه فيشدّ يده في ذراعه، وكان يجثو على ركبتيه، وكان يثنّي رجلاً واحدةً و يبسط عليها الأخرى، ولم ير متربّعاً قط، وكان يجثو على ركبتيه ولا يتّكي ء(1).
من كتاب مواليد الصادقين كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يأكل كلّ الأصناف من الطعام، وكان يأكل ما أحلّ الله له، مع أهله و خدمه إذا أكلوا، و مع من يدعوه من المسلمين على الأرض، و على ما أكلوا عليه، و ممّا أكلوا، إلّا أن ينزل به ضيف فيأكل مع ضيفه، وكان أحبّ الطعام إليه ما كان على ضفف، و لقد قال ذات يوم و عنده أصحابه: «اللّهمّ إنّا نسألك من فضلك و رحمتك اللّذين لا يملكها غيرك» فبينا هم كذلك إذا اُهدي إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم شاة مشويّة، فقال: خذوا هذا من فضل الله، و نحن ننتظر رحمته، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم إذا وضعت المائدة بين يديه قال: «بسم الله اللّهمّ اجعلها نعمةً مشكورةً تصل بها نعمة الجنّة» و كان كثيراً إذا جلس يأكل ما بين يديه، و يجمع ركبتيه و قدميه، كما يجلس المصلّي في اثنتين، إلّا أنّ الركبة فوق الركبة، و القدم على القدم، ويقول صلی الله علیه و آله و سلّم : أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد.
عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : ما أكل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم متّكناً منذ بعثه الله عزّ و جلّ نبياًّ حتّى قبضه الله إليه، متواضعاً لله عزّ وجلّ، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم
إذا وضع يده في الطعام قال: بسم الله بارك لنا فيما رزقتنا و عليك خلفه.
من مجموع أبي، عن الصادق، عن آبائه علیهم السّلام إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان إذا أفطر قال: اللّهمّ لك صمنا، و على رزقك أفطرنا ، فتقبّله منّا، ذهب الظماء، و ابتلّت العروق، و بقي الأجر.
1) مكارم الأخلاق / 25 - 26 .
و قال: وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذا أكل عند قوم قال: أفطر عندكم الصائمون، و أكل طعامكم الأبرار.
وقال: دعوة الصائم يستجاب عند إفطاره.
و قد جاءت الرواية أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم كان يفطر على التمر، و كان إذا وجد السكّر أفطر علیه(1).
عن الصادق علیه السّلام أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وكان يقول: إنّه ينقّي الكبدو المعدة، ويطيّب النكهة و الفم، و يقوّي الأضراس و الحدق، و يحدّد الناظر، و يغسل الذنوب غسلاً، و يسكّن العروق الهائجة و المرّة الغالبة، و يقطع البلغم، ويطفىء الحرارة عن المعدة، ويذهب بالصداع.
و كان صلی الله علیه و آله و سلّم لا يأكل الحارّ حتّى يبرد، و يقول: إنّ الله لم يطعمنا ناراً، إنّ الطعام الحارّ غير ذي بركة فأبردوه.
و كان صلی الله علیه و آله و سلّم إذا أكل سمّى ويأكل بثلاث أصابع و ممّا يليه، ولا يتناول من بين يدي غيره ويؤتى بالطعام فيشرع قبل القوم ثمّ يشرعون، وكان يأكل بأصابعه الثلاث الإيهام و الّتي يليها، و الوسطى، و ربما استعان بالرابعة، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يأكل بكنّه كلّها، و لم يأكل بإصبعين، ويقول: إنّ الأكل بإصبعين هو أكلة الشيطان.
و لقد جاءه بعض أصحابه يوماً بفالوذج فأكل منه، وقال: ممّ هذا يا أبا عبدالله؟ فقال: بأبي أنت و أمّي نجعل السمن والعسل في البرمة و نضعها على النار، ثمّ نغليه، ثمّ نأخذ نخّ الحنطة إذا طحنت فنلقيه على السمن والعسل، ثمّ نسوطه حتّى ينضج، فيأتي كما ترى فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : إن هذا الطعام طيّب. و لقد كان يأكل الشعير إذا كان غير منخول خبزاً أو عصيدة في حالة كلّ ذلك كان
1) مكارم الاخلاق 26-27
يأكل صلی الله علیه و آله و سلّم .
و من كتاب روضة الواعظين: قال العيص بن القاسم: قلت للصّادق علیه السّلام : حديث يروى عن أبيک علیه السّلام : أنّه قال: ما شبع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من خبز برّقطّ أهو صحيح؟ فقال: لا، ما أكل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم خبز برّقطّ، و لا شبع من خبز شعير قطّ.(1)
و قالت عائشة: ما شبع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من خبز الشعير يومين حتّى مات.
وروي أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لم يأكل على خوان قطّ حتّى مات و لا أكل خبزاً مرقّقاً حتّى مات.
و قالت عايشة: مازالت الدنيا علينا عسرة كدرة حتّى قبض رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فلمّا قبض صبّت الدنيا علينا صبّاً.
و من كتاب النبوّة عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: مازال طعام رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الشعير حتّى قبضه الله إليه. عن أنس قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يجيب دعوة المملوك، و يردفه خلفه، و يضع طعامه على الأرض، وكان يأكل القنّاء بالرطب، والقثّاء بالملح، وكان يأكل الفاكهة الرطبة وكان أحبّها إليه البطّيخ والعنب، وكان يأكل البطّيخ بالخبز، و ربما أكل بالسكّر، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم ربما أكل البطّيح بالرطب فيستعين باليدين جميعاً.
و لقد جلس يوماً يأكل رطباً فيأكل بيمينه، و أمسك النوى بيساره، و لم يلقه في الأرض، فمرّت به شاة قريبة من فأشار إليها بالنوى الّذي في كفّه فدنت إليه و جعلت تأكل من كفّه اليسرى، ويأكل هو بيمينه، و يلقي إليها النوى حتّى فرغ، و انصرفت الشاة حينئذٍ.
و كان صلی الله علیه و آله و سلّم إذا كان صائماً يفطر على الرطب في زمانه، وكان ربما أكل العنب حبّة حبةً
1) مكارم الاخلاق .28
و كان صلی الله علیه و آله و سلّم ربما أكله خرطاً حتّى ترى روال على لحيته كتحدّر اللّؤلؤ و الروال: الماء الّذي يخرج من تحت القشر(1).
و كان صلی الله علیه و آله و سلّم يأكل الحيس، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يأكل التمر و يشرب عليه الماء، وكان التمر و الماء أكثر طعامه، وكان يتمجّع اللّبن و التمر ويسمّيها الأطيبين، وكان يأكل العصيدة من الشعير بإهالة الشحم، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم يأكل الهريسة أكثر ما يأكل، و يتسحّر بها، وكان جبرئيل قد جاءه بها من الجنّة يتسحّربها، وكان يأكل في بيته ممّا يأكل الناس، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم يأكل اللّحم طبيخاً بالخبز، ويأكله مشويّاً بالخبز، وكان يأكل القديد وحده، وربما أكله بالخبز، وكان أحبّ الطعام إليه اللّحم، ويقول: هو يزيد في السمع والبصر، وكان يقولصلی الله علیه و آله و سلّم: اللّحم سيّد الطعام في الدنيا والآخرة، فلو سألت ربّي أن يطعمنيه كلّ يوم لفعل. وكان يأكل الثريد بالقرع و اللّحم، وكان يحبّ القرع و يقول: إنّها شجرة أخي يونس، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم يعجبه الدبا و يلتقطه من الصحفة، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يأكل الدجاج و لحم الوحش و لحم الطير الّذي يصاد، وكان لا يبتاعه ولا يصيده، ويحبّ أن يصادله و يؤتى به مصنوعاً فيأكله، أو غير مصنوع فيصنع له فيأكله، وكان إذا أكل اللّحم لم يطأطيء رأسه إليه، و يرفعه إلى فيه، ثمّ ينتهسه انتهاساً، وكان يأكل الخبز و السمن، و كان يحبّ من الشاة الذراع و الكتف و من الصباع الخلّ، و من البقول الهندبا، و البادروج، و بقلة الأنصار، ويقال: إنّها الكرنب، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث و لا العسل الّذي فيه المغافير، و المغافير: ما يبقى من الشجر في بطون النحل فيلقيه في العسل فيبقى له ريح في الفمّ، وماذمّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم طعاماً قطّ، كان إذا أعجبه أكله، وإذا كرهه تركه، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم ما عاف من شيء، فإنّه لا يحرّمه على غيره، ولا يبغضه إليه، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يلحس الصفحة ويقول: آخر الصحفة أعظم الطعام بركة، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم إذا فرغ من طعامه لعق أصابعه الثلاث الّتي أكل بها،
1) مكارم الاخلاق 29 30
فإن بقي فيما شيء عاوده فلعقها حتّى يتنظّف، و لا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعقها واحدة واحدة، و يقول: لا يدرى في أيّ الأصابع البركة، و کان صلی الله علیه و آله و سلّم يأكل البرد و يتفقّد ذلك أصحابه فيلتقطونه له فيأكله، ويقول: إنّه يذهب باُكلة الأسنان، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يغسل يديه من الطعام حتّى ينقّيهما، فلا يوجد لما أكل ريح، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم إذا أكل الخبز واللّحم خاصّة غسل يديه غسلا جيّداً، ثمّ مسح بفضل الماء الّذي في يده وجهه، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم لا يأكل وحده ما يمكنه، وقال: ألا أنبّئكم بشراركم، قالوا: بلى، قال: من أكل وحده، و ضرب عبده و منع رفده(1).
و كان صلی الله علیه و آله و سلّم إذا شرب بدأ فسمّى، و حسا حسوةً و حسوتين، ثمّ يقطع فيحمد الله، ثمّ يعود فيسمّي ثمّ يزيد في الثالثة، ثمّ يقطع فيحمد الله، وكان له في شربه ثلاث تسميات، و ثلاث تحميدات، و يمصّ الماء مصّاً، ولا يعبّه عبّاً، ويقول: إنّ الكباد من العبّ، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم لا يتنفّس في الإناء إذا شرب، فإن أراد أن يتنفّس أبعد الإناء عن فيه حتّى يتنفّس، وكان ربما شرب بنفس واحد حتّى يفرغ، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يشرب في أقداح القوارير الّتي يؤتى بها من الشام، و يشرب في الأقداح الّتي يتّخذ من الخشب، و في الجلود، و يشرب في الخزف، و يشرب بكفّيه، يصبّ الماء فيهما و يشرب، ويقول: ليس إناء أطيب من اليد، و يشرب من أفواه القرب و الأوادي، ولا يختتها اختناثاً، ويقول: إنّ اختنائها ينتنها، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يشرب قائماً، و ربما شرب راكباً، و ربما قام فشرب من القربة أو الجرّة الإداوة، و في كلّ إناء يجده، و في يديه، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يشرب الماء الّذي حلب عليه اللّبن، و يشرب السويق.
1) مکارم الاخلاق: 30-32
و كان صلی الله علیه و آله و سلّم أحبّ الأشربة إليه الحلو، و في رواية أحبّ الشراب إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الحلو البارد، وكان يشرب الماء على العسل، وكان يماث له الخبز فيشر به أيضاً، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يقول: سيّد الأشربة في الدنيا والآخرة الماء.
و قال أنس بن مالك كانت لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم شربة يفطر عليها، وشربة للسّحر، و ربما كانت واحدة و ربما كانت لبناً، و ربما كانت الشربة خبزاً يماث، فهيأتها له صلی الله علیه و آله و سلّم ذات ليلة فاحتبس النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فظننت أنّ بعض أصحابه دعاه، فشربتها حين احتبس، فجاء صلی الله علیه و آله و سلّم بعد العشاء بساعة فسألت بعض من كان معه بعض من كان معه هل كان النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أفطر في مكان أودعاه أحد؟ فقال: لا، فبتّ بليلة لا يعلمها إلّا الله من عمّ أن يطلبها منّي النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ولا يجدها فيبيت جائعاً، فأصبح صائماً و ما سألني عنها ولا ذكرها حتّى الساعة، و لقد قرّب إليه إناء فيه لبن و ابن عبّاس عن يمينه و خالد بن الوليد عن يساره فشرب، ثمّ قال لعبد الله ابن عبّاس: إنّ الشربة لك، أفتأذن أن أعطى خالد بن الوليد؟ يريد السّن، فقال ابن عبّاس: لا والله، لا أوثر بفضل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم احداً، فتناول ابن عبّاس القدح فشربه.
و لقد جاءه صلی الله علیه و آله و سلّم ابن خولى بإناء فيه عسل و لبن فأنى أن يشربه. فقال شربتان في شربة؟ و إناءان في إناء واحد ؟ فأبى أن يشربه، ثمّ قال: ما أحرّمه، و لكنّي أكره الفخر و الحساب بفضول الدنيا غداً، و أحبّ التواضع، فإنّ من تواضع لله رفعه الله(1).
و كان صلی الله علیه و آله و سلّم إذا غسل رأسه و لحيته غسلها بالسدر(2).
فی دهنه: و كان يحبّ الدهن ويكره الشعث، ويقول: إنّ الدهن يذهب بالبؤس كان يدهن بأصناف من الدهن، و كان إذا أدهن بدأ برأسه و لحيته، ويقول: إنّ الرأس قبل اللّحية، وكان يدهن بالبنفسج و يقول: هو أفضل الأدهان، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم إذا أدهن بدأ بحاجبيه، ثمّ بشاربيه، ثمّ يدخل في أنفه ويشمّه، ثمّ يدهن رأسه وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يدهن حاجبيه من الصداع، و يدهن شاربيه بدهن سوی دهن لحيته(1).
في تسريحه: وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يمتشط ويرجّل رأسه بالمدری و ترجّله نساؤه، و تتفقّد نساؤه تسريحه إذا سرّح رأسه و لحيته فيأخذن المشاطة، فيقال: إنّ الشعر الّذي في أيدي الناس من تلك المشاطات، فأمّا ما حلق في عمرته وحجّته فإنّ جبرئيل علیه السّلام كان ينزل فيأخذه فيعرج به إلى السماء و لربما سرح لحيته في اليوم مرّتين، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم يضع المشط تحت وسادته إذا امتشط به و يقول: إنّ المشط يذهب بالوباء، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم يسرّح تحت
لحيته أربعين مرّة، و من فوقها سبع مرّات، ويقول: إنّه يزيد في الذهن و يقطع البلغم.
و في رواية عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أنّه قال: من أمرّ المشط على رأسه و لحيته وصدره سبع مرّات لم يقاربه داء أبداً(2).
فى طيبه : وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يتطيّب بالمسك حتّى يرى و بيصه في مفرقه، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم
يتطيّب بذكور الطيب وهو المسك والعنبر، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم يتطيّب بالغالية تطيّبه بها نساؤه بأيديهنّ، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم يستجمر بالعود القماريّ، وكان يعرف في اللّيلة المظلمة قبل أن يرى بالطيب، فيقال: هذا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم.
عن الصادق علیه السّلام قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ينفق على الطيب أكثر ممّا ينفق على الطعام.
و قال الباقر علیه السّلام : كان في رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ثلاث خصال لم يكنّ في أحد غيره لم يكن له
فيءٌ، وكان لا يمرّ في طريق فيمرّ فيه بعد يومين أو ثلاثة إلّا عرف أنّه قد مرّ فيه لطيب عرفه. وكان لا يمرّ بحجر ولا بشجر إلّا سجد له، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم لا يعرض عليه طيب إلا تطيّب به، و يقول: هو طيّب ريحه خفيف محمله، وإن لم يتطيّب وضع إصبعه في ذلك الطيب ثمّ لعق منه وكان يقول: جعل لذّتي في النساء و الطيب، و جعل قرّة عيني في الصلاة والصوم(1).
في تكحله : وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يكتحل في عينه اليمنى ثلاثاً ، و في اليسرى ثنتين، وقال: من شاء اكتحل ثلاثاً وكلّ حين و من فعل دون ذلك أو فوقه فلا حرج، و ربما اكتحل و هو صائم، وكان له مكحلة يكتحل بها باللّيل ، و كان كحله الإثمد(2).
في نظره في المرآة: وكان صلی الله علیه و آله و سلّم ينظر في المرآة، ويرجّل جمّته و يمتشط، و ربما نظر في الماء وسوّى جمّته فيه، و لقد كان يتجمّل لأصحابه فضلاً على تجمّله لأهله، و قال ذلك لعايشة حين رأته ينظر في ركوة فيها ماء في حجرتها و يسوّي فيها جمّته، و هو يخرج إلى أصحابه، فقالت: بأبي أنت وأمّي تتمرّاً في الركوة و تسوّي جمّتك و أنت النبيّ و خير خلقه؟ فقال: إنّ الله تعالى يحبّ من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيّألهم و يتجمّل(3).
في اطلائه وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يصلي فيطليه من يطليه حتّى إذا بلغ ما تحت الإزار تولّاه بنفسه، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم لا يفراقه في أسفاره قارورة الدهن و المكحلة و المقراض و المرآة والمسواك والمشط.
و في رواية: تكون معه الخيوط و الإبرة و المخصف و السيور، فيخيط ثيابه، و يخصف نعله ، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم إذا استاك استاك عرضاً(4).
في لباسه وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يلبس الشملة يأتزربها، ويلبس النمرة يأتزر بها، فيحسن عليه النمرة لسوادها على بياض ما يبدو من ساقيه و قدميه، وقيل: لقد قبضه الله
عزّ و جلّ و أنّ له لنمرة تنسج في بني عبد الأشهل ليلبسها صلی الله علیه و آله و سلّم، و ربما كان صلی الله علیه و آله و سلّم
يصلّي بالناس و هو لابس الشملة، وقال أنس: ربما رأيته يصلّي بنا الظهر في شملة عاقداً طرفيها بين كتفيه(1).
في عمامته و قلنسوته: وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يلبس القلانس تحت العمائم، و يلبس القلانس بغير العمائم، والعمائم بغير القلانس، وكان يلبس البرطلة، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم يلبس من القلانس التيهيّة اليمينيّة، و من البيض المصريّة، ويلبس القلانس ذوات الآذان في الحرب، منها ما يكون من السيجان الخضر، وكان ربما نزع قلنسوته فجعلها سترة بين يديه يصلّي إليها، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم كثيراً ما يتعمّم العمائم الخزّ السود في أسفاره و غيرها، و يعتجر اعتجاراً و
ربما لم يكن له العمامة فيشدّ العصابة على رأسه أو على جبهته، وكان شدّ العصابة من فعاله كثيراً ما يرى عليه، وكانت له عمامة يعتمّ بها يقال لها: السحاب، فكساها عليّاً علیه السّلام، وكان
ربما طلع عليّ فيها، فيقول: أتاكم علىّ علیه السّلام في السحاب، يعني عمامته الّتي وهب له.
و قالت عايشة، و لقد لبس رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم جبّة صوف، وعمامة صوف ثمّ خرج فخطب الناس على المنبر، فما رأيت شيئاً ممّا خلق الله تعالى أحسن منه فيها(2).
في كيفية البسه و كان صلی الله علیه و آله و سلّم إذا لبس ثوباً جديداً قال: «الحمد لله الّذي كساني ما يواري عورتي، وأتجمّل به في الناس» و كان إذا نزعه نزع من مياسره، أوّلاً، وكان من فعله إذا لبس الثوب الجديد حمد الله، ثمّ يدعو مسكيناً فيعطيه خلقانه، ثمّ يقول: مامن مسلم يكسو مسلماً من سمل ثيابه لا يكسوه إلّا لله عزّ و جلّ إلّا كان في ضمان الله و حرزه و حيّزه ما واراه حيّاً وميّتاً ، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم إذا لبس ثيابه و استوى قائماً قبل أن يخرج قال: «اللّهمّ بك استترت، و إليك توجّهت، و بك اعتصمت، و عليك توكلّت، اللّهمّ أنت ثقتي، و أنت رجائي، اللّهمّ اكفني ما أهمّني و مالا أهتمّ به و ما أنت أعلم به منّي، عزّ جارك، وجلّ ثناؤك،
و لا إله غيرك، اللّهمّ زوّدني التقوى، و اغفر لي ذنبي، و وجّهني للخير حيث ما توجّهت ثمّ يندفع لحاجته» وكان له صلی الله علیه و آله و سلّم ثوبان للجمعة خاصّة سوى ثيابه في غير الجمعة، وكانت له خرقة و منديل يمسح به وجهه من الوضوء، وربّما لم يكن معه المنديل فيمسح وجهه بطرف الرداء الّذي يكون عليه(1).
في خاتمه: وكان صلی الله علیه و آله و سلّم لبس خاتماً من فضّة وكان فصه حبشيّ، فجعل الفصّ ممّا يلي بطن الكفّ، ولبس خاتماً من حديد ملويّاً عليه فضّة، أهداها له معاذ بن جبل، فيه «محمّدٌ رسول الله» و لبس رسول الله خاتمه في يده اليمنى، ثمّ نقله إلى شماله، وكان خاتمه الآخر الّذي قبض و هو في يده خاتم فضّة، فصّه فضّة ظاهراً: كما يلبس الناس خواتيمهم، و فيه «محمّد رسول الله»، و كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
يستنجي بيساره و هو فيها .
و يروى أنّه لم يزل كان في يمينه إلى أن قبض، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم ربما جعل خاتمه في إصبعه الوسطى في المفصل الثاني منها، و ربما لبسه كذلك في الإصبع الّتي تلي الإبهام، وكان ربما خرج على أصحابه و في خاتمه خيط مربوط ليستذكر به الشيء، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم يختم بخواتيمه على الكتب ويقول: الخاتم على الكتاب حرز من التهمة (2).
فى نعله: وكان صلى الله عليه و آله يلبس النعلين بقبالتين، وكانت مخصّرة معقّبةً حسنة التخصير ممّا يلي مقدّم العقب، مستوية ليست بملسّنة ، وكان منها ما يكون في موضع الشيء الخارج قليلا، وكان كثير ما يلبس السبتيّة الّتي ليس لها شعر، و كان إذا لبس بدأ باليمنى، و إذا خلع بدأ باليسرى، وكان يأمر بلبس النعلين جميعاً، وتركهما جميعاً، كراهة أن يلبس واحدةً دون أخرى، وكان يلبس من الخفاف من كلّ ضرب(3).
فى فراشه: الّذي قبض و هو عنده من أسمال وادي القرى، محشوّاً وبراً، وقيل: كان
طوله ذراعين أو نحوهما، و عرضه ذراع و شبر.
عن عليّ علیه السّلام : كان فراش رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عباءة ، وكانت مرفقته أدم حشوها ليف، فتنّيت ذات ليلة، فلمّا أصبح قال: لقد منعني اللّيلة الفراش الصلاة، فأمر علیه السّلام أن يجعل بطاق واحد.
و كان له فراش من أدم حشوه ، ليف، وكانت له صلی الله علیه و آله و سلّم عباءة تفرش له حيثما انتقل، و تثنّي ثنتين، و و كان صلی الله علیه و آله و سلّم كثيراً ما يتوسّد وسادة له من أدم حشوها ليف، و يجلس عليها، و كانت له قطيفة فدكّية يلبسها يتخشّع بها، وكانت له قطيفة مصريّة قصيرة الخمل، وكان له بساط من شعر يجلس عليه، و ربما صلّى عليه (1).
في نومه : و كان ينام على الحصير ليس نحته شيء غيره، و كان يستاك إذا أراد أن ينام و يأخذ مضجعه، و كان صلی الله علیه و آله و سلّم إذا أوى إلى فراشه اضطجع على شقّه الأيمن، و وضع يده اليمنى تحت خدهً الأيمن ثمّ يقول: اللّهمّ قني عذابك يوم تبعث عبادك(2).
في دعائه عند مضجعه: وكان له أصناف من الأقاويل يقولها إذا أخذ مضجعه: فمنها أنّه كان يقول: «اللّهمّ إنّي أعوذ بك بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ منك، اللّهمّ إنّي لا أستطيع أن أبلع في الثناء عليك ولو حرصت أنت كما أثنيت على نفسك و كان صلی الله علیه و آله و سلّم يقول عند منامه: بسم الله أموت و أحيا، و إلى الله المصير، اللّهمّ آمن روعتي، واستر عورتي، و أدّ عنّي أمانتي.
ما يقول عند نومه: كان صلّى الله عليه و آله يقرء آية الكرسيّ عند منامه، و يقول: أتاني جبرئيل فقال: يا محمّد إنّ عفريتاً من الجنّ يكيدك في منامك فعليك بآية الكرسيّ.
عن أبي جعفر علیه السّلام قال: ما استيقظ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من نوم قطّ إلّا خر الله عزّوجلّ ساجداً.
و روي أنّه صلی الله علیه و آله و سلّم لا ينام إلّا و السواك عند رأسه، فإذا نهض بدأ بالسواك، وقال صلی الله علیه و آله و سلّم
: لقد اُمرت بالسواك حتّى خشيت أن يكتب عليّ، وكان صلی الله علیه و آله و سلّم: ممّا يقول إذا استيقظ: «الحمد لله الّذي أحياني بعد موتي، إنّ ربّي لغفور شكور» و كان يقول صلی الله علیه و آله و سلّم : «اللّهمّ إنّي أسألك خير هذا اليوم و نوره و هداء و برکته و طهوره و معافاته، اللّهمّ إنّي أسألك خيره و خير ما فيه، وأعوذ بك من شرّه وشرّ ما بعده»(1).
فى سواكه: وكان صلى الله عليه و آله و سلّم يستاك كلّ ليلة ثلاث مرّات مرّة قبل نومه، و مرّة إذا قام من نومه إلى ورده، و مرّة قبل خروجه إلى صلاة الصبح، وكان يستاك بالأراك، أمره بذلك جبرئيل علیه السلام.
و عن الصادق علیه السلام قال: إنّي لأكره للرّجل أن يموت و قد بقيت خلّة من خلال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم لم يأت بها.
17 - كا: عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي الحسن الأنباريّ، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم يحمد الله في كلّ يوم ثلاث مأة وستّين مرّة، عدد عروق الجسد، يقول: الحمد لله ربّ العالمين كثيراً على كلّ حال(2).
18 - كا: العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله الله إن رسول الله الا الله كان لا يقوم من مجلس و إن خف حتى يستغفر الله عزّ و جلّ خمساً و عشرين مرة(3).
19 - كا: الحسين بن محمّد، عن المعلّى عن الوشّاء، عن أبان، عن ابن ميمون القدّاح عن أبي جعفر علیه السّلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم : إنّي لأعجب كيف لا أشيب إذا قرأت القرآن(4).
20 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، عن جميل بن درّاج، عن أبي
عبد الله علیه السّلام قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقسّم لحظاته بين أصحابه، فينظر إلى ذا و ينظر إلى ذا بالسويّة، قال: و لم يبسط رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم رجليه بين أصحابه قطّ، وإن كان ليصافحه الرجل فما يترك رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يده من يده حتّى يكون هو التارك، فلمّا فطنوا لذلك كان الرجل إذا صافحه قال بيده فنزعها من يده(1).
21 کا: حمید بن زیاد، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي جعفر علیه السّلام قال : كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عند عايشة ليلتها، فقالت: يا رسول الله لم تتعب نفسك و قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال : يا عايشة ألا أكون عبداً شكوراً؟ قال: وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقوم على أطراف أصابع رجليه، فأنزل الله سبحانه: طة ما أنزلنا عليك القرآن لتشق (2).
22 - كا: العدّة، عن البرقيّ، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن بحر السقّا قال: قال لي أبو عبد الله علیه السّلام : يا بحر حسن الخلق يسرّ، ثمّ قال: غلا أخبرك بحديث ما هو في يدي أحد من أهل المدينة؟ قلت: بلى، قال: بينما رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ذات يوم جالس في المسجد إذ جاءت جارية لبعض الأنصار و هو قائم، فأخذت بطرف ثوبه ، فقام لها النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فلم تقل: شيئاً، و لم يقل لها النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: شيئاً حتّى فعلت ذلك ثلاث مرّات، فقام لها النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم في الرابعة و هي خلفه، فأخذت هدبة من ثوبه ثمّ رجعت، فقال لها الناس: فعل الله بك و فعل حبست رسول الله ثلاث مرّات لا تقولين له شيئاً، ولا هو يقول لك: شيئاً، ما كانت حاجتك إليه؟ قالت: إنّ لنا مريضاً فأرسلني أهلي لأخذ هدبة من ثوبه ليستشفی بها، فلمّا أردت أخذها رآني فقاماً فاستحييت أن آخذها و هو يراني، و أكره أن استأمره في أخذها فأخذتها(3).
23- کا: حمید بن زياد، عن الخشّاب، عن ابن بقاح، عن عمر و بن جميع، عن أبي
عبد الله علیه السّلام قال: دخل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم على عايشة فرأى كسرة كاد أن يطأها فأخذها و أكلها، وقال: يا حميرى أكرمي جوار نعم الله عليك، فإنّها لم تنفر من قوم فكادت تعود إليهم(1).
24 - كا: العدّة، عن سهل، عن إسماعيل بن مهران، عن أيمن بن محرز، عن أبي عبدالله علیه السّلام قال : ما صافح رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم رجلاً قطّ فنزع يده حتّى يكون هو الّذي ينزع يده منه(2).
25 - كا: عليّ بن محمّد بن عبدالله، عن البرقيّ، عن أبيه، عن إسماعيل بن مهران، عن أيمن بن محرز، عن زيد الشحّام، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : قال : ما منع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم سائلاً قطّ، إن كان عنده أعطى، وإلّا قال: يأتي الله به (3).
26 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبدالرحمن بن عثمان، عن رجل من أهل اليمامة كان مع أبي الحسن أيّام حبس ببغداد، قال: قال: أبو الحسن علیه السّلام: إنّ الله عزّوجلّ قال لنبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم : «و ثيابك فطهّر» و كانت ثيابه طاهرة، و إنّما أمره بالتشمير(4).
27- کا محمّد بن يحيى عن احمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن يحيى الحلبيّ، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : مات رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و عليه دين (5).
28 - كا: العدّة عن البرقيّ، عن ابن مهران، عن ابن عميرة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر علیه السّلام قال : كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة (6).
29 - كا: عليّ، عن أبيه، عن النوفليّ، عن السكونيّ، عن أبي عبدالله علیه السّلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: لو أهدي إلىّ كراع لقبلته(1).
30 - كا: العدّة، عن سهل، عن النهديّ، عن موسى بن عمر بن بزيع، عن الرضا علیه السلام قال: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان إذا أخذ في طريق رجع في غيره(2).
31 - ين: بعض أصحابنا، عن عليّ بن شجرة، عن عمّه بشير النبّال، عن أبي عبدالله عليه السّلام قال: قدم أعرابيّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال: يا رسول الله تسابقني بناقتك هذه، فسابقه فسبقه الأعرابيّ، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إنّكم رفعتموها فأحبّ الله أن يضعها، إنّ الجبال تطاولت لسفينة نوح علیه السّلام، وكان الجوديّ أشدّ تواضعاً فحب الله بها الجوديّ(3).
32-كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يعجبه الذراع (4).
33 - ما: جماعة، عن أبي المفضّل، عن جعفر بن محمّد بن جعفر العلويّ، عن أحمد ابن عبد المنعم الصيداويّ، عن حسين بن شدّاد الجعفيّ، عن أبيه شدّاد بن رشيد، عن عمرو بن عبدالله بن هند، عن أبي جعفر علیه السّلام قال : قال عليّ بن الحسين علیهما السّلام : إن جدّي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فلم يدع الاجتهاد له و تعبّد بأبي هو و أُمِّي حتّى انتفخ الساق، و ورم القدم، وقيل له: أتفعل هذا و قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، الخبر(5).
34 - كا: عليّ، عن أبيه، و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل جميعاً، عن ابن أبي عمير، و صفوان، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبدالله علیه السّلام قال: إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم مدّ يده إلى الحجر
فلسعته عقرب، فقال: لعنك الله لا برّاً تدعين و لا فاجراً.
35 - نوادر الراونديّ: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه علیهم السّلام قال : قال علىّ علیه السّلام : بينا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يتوضّأ إذ لا ذبه هرّ البيت، و عرف رسول الله صلّى الله عليه و آله أنّه عطشان، فأصغى إليه الإناء حتّى شرب منه الهرّ، وتوضّاً بفضله(1).
1) نوادر الراوندی 35
1 - لى ابن الوليد، عن ابن أبان عن الحسن بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن إسماعيل الجعني أنه سمع أبا جعفر يقول: قال رسول الله عل الله: أعطيت خمساً لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجداً و طهوراً، وأحلّ لي المغنم، و نصرت بالرعب، و أعطيت جوامع الكلام، و أعطيت الشفاعة(1).
2 - لى: الطالقانيّ، عن الجلوديّ، عن يحيى بن عبد الحميد الحمانيّ، عن الحسين بن الربيع، عن الأعمش، عن عباية بن ربعيّ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: إنّ الله عزّ و جلّ قسّم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسماً، و ذلك قوله عزّوجلّ في ذكر أصحاب اليمين و أصحاب الشمال، و أنا من أصحاب اليمين و أنا خير أصحاب اليمين، ثمّ جعل القسمين أثلاثاً فجعلني في خيرهما ثلثا، و ذلك قوله عزّ و جلّ: «فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * و أصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة * و السابقون السابقون»(2)و أنا
من السابقين، و أنا خير السابقين، ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، وذلك قوله عزّوجلّ: «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم»(1)! فأنا أتقى ولد آدم، و أكرمهم على الله جلّ ثناؤه و لا فخر، ثمّ جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً، و ذلك قوله عزّوجلّ: «إنّما يريد الله (2)ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا»(3).
3 - ما المفيد عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعيد بن عبدالله بن موسى، عن محمد بن عبدالرحمن العرزميّ، عن المعلّى بن هلال، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن عبدالله بن العبّاس قال سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول: أعطاني الله تعالى خمساً، و أعطى عليّاً علیه السّلام خسماً: أعطاني جوامع الكلم و أعطى عليّاً جوامع العلم، و جعلني نبياً، وجعله وصيّاً، و أعطاني الكوثر و أعطاء السلسبيل، و أعطاني الوحي، و أعطاء الإلهام، واُسري بي إليه، و فتح له أبواب السماء و الحجب حتّى نظر إليّ و نظرت إليه، قال: ثمّ بكى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقلت له: ما يبكيك فداك أبي و أمّي؟ فقال: يا ابن عبّاس إنّ أوّل ما كلّمني به أن قال: يا محمّد انظر تحتك، فنظرت إلى الحجب قد انخرقت، و إلي أبواب السماء قد فتحت، و نظرت إلى عليّ و هو رافع رأسه إليّ فكلّمني وكلّمته وكلّمني و ربّي عزّوجلّ فقلت: يا رسول الله بم كلّمك ربّك ؟ قال: قال لي: يا محمّد إنّي جعلت عليّاً وصيّك و وزيرك و خليفتك من بعدك، فأعلمه، فها هو يسمع كلامك فأعلمته، وأنا بين يدي ربّي عزّ و جلّ، فقال لي: قد قبلت و أطعت، فأمر الله الملائكة أن تسلّم عليه ففعلت، فردّ عليهم السلام و رأيت الملائكة يتباشرون به و ما مررت بملائكة من ملائكة السماء إلّا هنّوني و قالوا لي: يا محمّد و الّذي بعثك بالحقّ لقد دخل السرور على جميع الملائكة باستخلاف الله عزّوجلّ لك ابن عمّك، و
رأيت حملة العرش قد نكسوا رؤوسهم إلى الأرض، فقلت: يا جبرئيل لم نكس حملة العرش رؤوسهم؟ فقال: يا محمّد ما من ملك من الملائكة إلّا و قد نظر إلى وجه عليّ بن أبي طالب استبشاراً به ما خلا حملة العرش، فإنّهم استأذنوا الله عزّ و جلّ في هذه الساعة، فأذن لهم أن ينظروا إلى عليّ بن أبي طالب فنظروا إليه. فلمّا هبطت جعلت أخبره بذلك و هو يخبرني به، فعلمت أنّي لم أطأ موطئاً إلّا وقد كشف لعليّ عنه حتّى نظر إليه، قال ابن عباس: قلت: يا رسول الله اوصني، فقال: عليك بمودّة عليّ بن أبي طالب، والّذي بعثني بالحقّ نبيّاً، لا يقبل الله من عبد حسنة حتّى يسأله عن حبّ عليّ بن أبي طالب و هو تعالى أعلم، فإن جاءه بولايته قبل عمله على ما كان منه، وإن لم يأت بولايته لم يسأله عن شيء ثمّ أمر به إلى النار، يا ابن عبّاس و الّذي بعثني بالحقّ نبيّاً إنّ النار لأشدّ غضباً على مبغض عليّ منها على من زعم أنّ الله ولداً، يابن عبّاس لو أنّ الملائكة المقرّبين و الأنبياء المرسلين اجتمعوا على بغضه و لن يفعلوا لعذّ بهم الله بالنار، قلت: يا رسول الله وهل يبغضه أحد؟ قال: يابن عبّاس نعم يبغضه قوم يذكرون أنّهم من أُمّتي لم يجعل الله لهم في الاسلام نصيباً، يا ابن عبّاس إنّ من علامة بغضهم له تفضيلهم من هو دونه عليه، و الّذي بعثني بالحقّ ما بعث الله نبيّاً أكرم عليه منّي، ولا وصيّاً أكرم عليه من وصيّي عليّ، قال ابن عبّاس: فلم أزل له كما أمرني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و أوصاني بمودّته، وإنّه لأكبر عملي عندي، قال ابن عبّاس: ثمّ مضى من الزمان ما مضى، و حضرت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الوفاة حضرته فقلت: فداك أبي وأمّي يا رسول الله قد دنا أجلك فما تأمرني؟ فقال: يا ابن عبّاس خالف من خالف عليّاً و لا تكوننّ له ظهيراً و لا وليّاً، قلت: يا رسول الله فلم لا تأمر الناس بترك مخالفته؟ قال: فبكى عليه و آله السلام حتى أغمي على، ثمّ قال: يابن عبّاس سبق فيهم علم ربّي، والّذي بعثني بالحقّ نبيّاً لا يخرج أحد ممّن خالفه من الدنيا و أنكر حقّه حتّى يغيّر الله تعالى ما به من نعمة يابن عبّاس، إذا أردت أن تلق الله و هو عنك راض فاسلك طريقة عليّ بن أبي طالب و مل معه
حيث مال و ارض به إماماً، وعاد من عاداه و وال من والاه، يابن عبّاس احذر أن يدخلك شكّ فيه، فإنّ الشكّ في علىّ كفر بالله تعالى (1).
فض، يل: بالإسناد عن ابن مسعود و ابن عبّاس مثله (2)
4 - ل ابن بندار، عن محمّد بن جمهور الحماديّ، عن صالح بن محمّد البغداديّ عن سعيد بن سليمان و محمّد بن بكّار، وإسماعيل بن إبراهيم قالوا: حدّثنا الفرج بن فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أبي أمامة قال: قلت: يا رسول الله ما كان بدو أمرك؟ قال: دعوة أبي إبراهيم، و بشرى عيسى بن مريم، ورأت أمّي أنّه خرج منها شيء أضاءت منه قصور الشام(3).
5 - ما المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعد، عن عبدالله بن هارون، عن محمّد بن عبدالرحمن العرزميّ، عن المعلّى بن هلال، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول: أعطاني الله خمساً، و أعطى عليّاً خمساً: أعطاني جوامع الكلم، و أعطى عليّاً جوامع العلم، و جعلني نبيّاً، وجعل عليّاً وصيّاً، و أعطاني الكوثر، وأعطى عليّاً السلسبيل، وأعطاني الوحي و أعطى عليّاً الإلهام، و أسرى بي إليه، و فتحت له أبواب السماء حتّى رأى ما رأيت، ونظر إلى ما نظرت إليه، ثمّ قال: يا ابن عبّاس خالف من خالف عليّاً و لا تكوننّ له ظهيراً و لا وليّاً، فوالّذي بعثني بالحقّ ما يخالفه أحد إلّا غيّر الله ما به من نعمة، وشوّه خلقه قبل إدخاله النار، يا ابن عبّاس لا تشكّ في عليّ فإنّ الشك فيه كفر يخرج عن الإيمان، و يوجب الخلود في النار(4).
ال: أبي، عن سعد، عن عبدالله بن موسى بن هارون المفتي، عن محمّد بن عبدالرّحمن
العرزمي إلى ما نظرت إليه، ثم قال: والحديث طويل(1).
6 - ل: ابن إدريس، عن أبيه، عن الأشعريّ، عن أبي عبدالله الرازيّ، عن ابن أبي عثمان، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن الأوّل صلی الله علیه و آله و سلّم قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّ الله تبارك و تعالى اختار من الأنبياء أربعة للسّيف إبراهيم، و داود، و موسى، و أنا الخبر(2).
7 - ما: ابن بسران، عن إسماعيل بن محمّد الصفّار، عن الحسن بن عرفة، عن هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت البنانيّ، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : آتي يوم القيامة باب الجنّة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: أنا محمّد، فيقول: بك اُمرت أن لا أفتح لأحد قبلك(3).
8 - ما: أبو عمرو عبدالواحد بن عمرو عبدالواحد بن محمّد بن مهدي عن ابن عقدة، عن الحسن بن جعفر بن مدرار، عن عمّه طاهر، عن الحسن بن عمّار، عن عمرو بن مرّة، عن عبدالله بن الحارث، عن عليّ علیه السّلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة و لا فخر، و
أنا أوّل من تنشقّ الأرض عنه ولا فخر، و أنا أوّل شافع و أوّل مشفّع(4).
9 - ج: عن ابن عبّاس قال: خرج من المدينة أربعون رجلا من اليهود، قالو: انطلقوا بنا إلى الكاهن الكذّاب حتّى نوتّجه في وجهه و تكذّبه، فإنّه يقول: أنا رسول الله ربّ العالمين، فكيف يكون رسولاً و آدم خير منه، و نوع خير منه؟ و ذكروا الأنبياء علیهم السّلام، فقال النبیّ لعبد الله بن سلام: التوراة بيني و بينكم فرضيت اليهود بالتوراة، فقالت يهود: آدم خير منك لأنّ الله تعالى خلقه بيده و نفخ فيه من روحه، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم آدم النبيّ أبي، و قد اُعطيت أنا أفضل ممّا اُعطي آدم، فقالت اليهود: وما ذاك؟ قال: إنّ المنادي ينادي كلّ يوم خمس مرّات: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله، و لم يقل آدم رسول
الله و لواء الحمد بيدي يوم القيامة، وليس بيد آدم فقالت اليهود: صدقت يا محمّد و هو مكتوب في التوراة، قال هذه واحدة، وقالت اليهود: موسى خير منك، قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و لم؟ قالوا: لأنّ الله عزّوجلّ كلّمه بأربعة آلاف كلمة، ولم يكلّمك بشيء، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : لقد اُعطيت أنا أفضل من ذلك، قالوا و ما ذاك؟ قال: قوله عزّ وجلّ: «سبحان الّذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الّذي باركنا حوله»(1)و حملت على جناح جبرئيل علیه السّلام حتّى انتهيت إلى السماء السابعة فجاوزت سدرة المنتهى عندها جنّة المأوى، حتّى تعلّقت بساق العرش، فنوديت من ساق العرش: «إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكّبر الرؤوف الرحيم» و رأيته بقلبي، و ما رأيته بعيني، فهذا أفضل من ذلك، فقالت اليهود: صدقت يا محمّد و هو مكتوب في التوراة، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: هذا إثنان، قالوا: نوح خير منك، قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و لم ذلك؟ قالوا: لأنّه ركب في السفينة فجرت على الجوديّ، قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : لقد أعطيت أنا أفضل من ذلك، قالوا: و ما ذاك؟ قال: إنّ الله عزّوجلّ أعطاني نهراً في السماء بجراء من تحت العرش، و على ألف ألف قصر لبنة من ذهب، و لبنة من فضّة حشيشها الزعفران و رضراضها الدرّ و الياقوت، وأرضها المسك الأبيض، فذاك خير لي و لأمّتي، وذلك قوله تعالى: «إنّا أعطيناك الكوثر»(2)قالوا: صدقت يا محمّد، و هو مكتوب في التوراة، هذا خير من ذاك؟، قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ثلاثة، قالوا: إبراهيم خير منك، وقال: ولم ذاك؟ قالوا: لأنّ الله اتّخذه خليلاً، قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم إن كان إبراهيم خليله فأنا حبيبه محمّد، قالوا: و لم سمّيت محمّداً؟ قال: سمّاني الله محمّداً، وشقّ اسمي من اسمه، هو المحمود و أنا محمّد و أمّتي الحامدون، قالت اليهود: صدقت يا محمّد هذا خير من ذاك، قال صلی الله علیه و آله و سلّم، هذه أربعة، قالت اليهود: عيسى خير منك، قال صلی الله علیه و آله و سلّم: ولم ذاك؟ قالوا: لأنّ عيسى بن مريم علیه السّلام كان ذات يوم بعقبة بيت المقدّس فجاءته الشياطين
ليحملوه، فأمر الله عزّوجلّ جبرئيل أن اضرب بجناحك الأمين وجوه الشياطين و ألقاهم في النار، فضرب بأجنحته وجوههم و ألقاهم في النار، قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : أنا أعطيت أفضل من ذلك، قالوا: و ما هو؟ قال: أقبلت يوم بدر من قتال المشركين و أنا جائع شديد الجوع، فلمّا وردت المدينة استقبلتني امرأة يهوديّة وعلى رأسها جفنة، و في الجفنة جدي مشويّ، و في كمّها شيء من سكّر، فقالت: الحمد لله الّذي منحك السلامة، وأعطاك النصر و الظفر على الأعداء، وإنّي قد كنت نذرت الله نذراً إن أقبلت سالماً غائماً من غزاة بدر لأذبحنّ هذا الجدي ولأشويّنه ولأحملنّه إليك لتأكله، قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : فنزلت عن بغلتي الشهباء فضربت بيدي إلى الجدي لأكله فاستنطق الله الجدي، فاستوى على أربع قوائم، وقال: يا محمّد لا تأكلني فإنّي مسموم، قالوا: صدقت يا محمّد هذا خير من ذاك، قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم هذه خمسة قالوا : بقيت واحدة، ثمّ نقوم من عندك، قال: هاتوا قالوا: سليمان خير منك قال: ولم ذاك؟ قالوا: لأنّ الله عزّوجلّ سخّر له الشياطين والإنس والجنّ و الرياح و السباع، و فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: فقد سخّر الله لي البراق، و هو خير من الدنيا بحذافيرها، و هو دابّة من دوابّ الجنّة، وجهها مثل وجه آدميّ، و حوافرها مثل حوافر الخيل، و ذنبها مثل ذنب البقر، فوق الحمار و دون البغل سرجه من ياقوتة حمراء، و ركابه من درّة بيضاء، مزمومة بسبعين ألف زمام من ذهب عليه جناحان مكلّلان بالدرّ والياقوت والزبرجد، مكتوب بين عينيه لا إله إلّا الله وحده لا شريك له محمّد رسول الله قالت اليهود: صدقت يا محمّد و هو مكتوب في التوراة، هذا خير من ذاك يا محمّد، نشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك رسول الله، قال لهم رسول الله: لقد أقام نوح في قومه و دعاهم ألف سنة إلّا خمسين عاماً، ثمّ وصفهم الله فقلّلهم فقال: «و ما آمن معه إلّا قليل» و لقد تبعني في سنّي القليلة ما لم يتبع نوحاً في طول عمره و كبر سنّه، وإنّ في الجنّة عشرين و مأة ألف صفّ امّتى منها ثمانون صفّاً، وإنّ الله عزّوجلّ جعل كتابي المهيمن على كتبهم، الناسخ لها، و لقد جئت بتحليل ما حرّموا، و بتحريم بعض ما
حلّلوا من ذلك، إنّ موسى جاء بتحريم صيد الحيتان يوم السبت حتّى أنّ الله قال: لمن اعتدى منهم: «كونوا قردة خاسئين»(1)فكانوا و لقد جئت بتحليل صيدها حتّى صار صيدها حلالا، قال الله عزّوجلّ: «أحلّ لكم صيد البحر و طعامه متاعاً لكم»(2)و جئت بتحليل اشحوم كلّها وكنت لا تأكلونها، ثمّ إنّ الله عزّ و جلّ صلّى علىّ في كتابه قال الله: «إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ يا أيّها الّذين آمنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليماً»(3)ثمّ وصفنى الله تعالى بالرأفة و الرحمة، و ذكر في كتابه: «لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمُ»(4)، فأنزل الله عزّ و جلّ أن لا يكلّموني حتّى يتصدّقوا بصدقة، و ما كان ذلك لنبيّ قطّ، قال الله عزّ و جلّ: «يا أيّها الذّين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدّموا بين يدي نجويكم صدقة»(5)ثمّ وضعها عنهم بعد أن فرضها عليهم برحمته(6).
10 - سن: أبو إسحاق الثقفيّ، عن محمّد بن مروان، عن أبان بن عثمان، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إنّ الله تبارك و تعالى أعطى محمّداً شرائع نوح و ابراهیم و موسى و عيسى علیهم السّلام : التوحيد و الإخلاص و خلع الأنداد و الفطرة الحنيفية السمحة، لا رهبانيّة و لا سياحة، أحلّ فيها الطيّبات، وحرمّ فيها الخبيئات، ووضع عنهم إصرهم و الأغلال الّتي كانت عليهم، فعرف فضله بذلك، ثمّ افترض عليه فيها الصلاة والزكاة والصيام والحجّ و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، والحلال والحرام والمواريث و الحدود و الفرائض و الجهاد في سبيل الله و زاده الوضوء، وفضّله بفاتحة الكتاب، و بخواتيم سورة البقرة و المفصّل، وأحلّ له المغنم و الفيء، ونصره بالرعب، و جعل له الأرض مسجداً و طهوراً، و
أرسله كافّة إلى الأبيض والأسود، والجنّ والإنس، و أعطاه الجزية، و أسر المشركين و فداهم، ثمّ كلّف ما لم يكلّف أحد من الأنبياء، أنزل عليه سيفاً من السماء في غير عمد، و قيل له: «قاتل في سبيل الله لا تكلّف إلّا نفسك(1)».(2)
كا: عليّ، عن أبيه، عن البزنطيّ، والعدّة عن البرقيّ، عن إبراهيم بن محمّد الثقفيّ، عن محمّد بن مروان جميعاً، عن أبان بن عثمان مثله(3).
11 - ارشاد القلوب: بالإسناد يرفعه إلى الإمام موسی بن جعفر علیه السّلام قال: قال: حدّثني أبي جعفر، عن أبيه، قال: حدّثني أبي عليّ، قال: حدّثني أبي الحسين بن عليّ ابن أبي طالب علیه السّلام قال: بينما أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
جلوس في مسجده بعد وفاته علیه السّلام يتذاكرون فضل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذ دخل علينا حبر من أحبار يهود أهل الشام قد قرأ التوراة و الإنجيل و الزبور، وصف إبراهيم و الأنبياء، و عرف دلائلهم، فسلّم علينا و جلس، ثمّ لبث هنيئة، ثمّ قال: يا أُمّة محمد ما تركتم لنبيّ درجة و لا لمرسل فضيلة إلّا و قد تحملتموها لنبيّكم، فهل عندكم جواب إن أنا سألتكم؟ فقال له أمير المؤمنين علیه السّلام : سل يا أخا اليهود ما أحببت فإني أجيبك عن كلّ ما تسأل بعون الله تعالى و منّه، فو الله ما أعطى الله عزّ و جلّ نبيّاً و لا مرسلاً درجةً و لا فضيلةً إلّا وقد جمعها لمحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم و زاده على
الأنبياء و المرسلين أضعافاً مضاعفة، و لقد كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذا ذكر لنفسه فضيلة قال: «و لا فخر» و أنا أذكر لك اليوم من فضله من غير إزراء على أحد من الأنبياء ما يقرّ الله به أعين المؤمنين شكراً الله على ما أعطى محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم الآن، فاعلم يا أخا اليهود إنّه كان من فضله عند ربّه تبارك و تعالى و شرفه ما أوجب المغفرة والعفو لمن خفض الصوت عنده، فقال جلّ ثناؤه في كتابه: «إنّ الّذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله أولئك الّذين امتحن
الله قلوبهم للتّقوى لهم مغفرةً و أجرٌ عظيم» (1)ثمّ قرن طاعته بطاعة فقال: «و من يطع الرسول فقد أطاع الله» (2)ثمّ قربّه من قلوب المؤمنين و حبّبه إليهم، وكان يقول صلی الله علیه و آله و سلّم : «حبّی خالط دماء أمّتي فهم يؤثروني على الآباء وعلى الأمّهات و على أنفسهم» ولقد كان أقرب الناس و أرؤفهم، فقال تبارك و تعالى: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم» (3)و قال عزّ و جلّ: «النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجه أمّهاتهم» و الله لقد بلغ من فضله صلی الله علیه و آله و سلّم في الدنيا و من فضله صلی الله علیه و آله و سلّم في الآخرة ما تقصر عنه الصفات، و لكن أخبرك بما يحمله قلبك، و لا يدفعه عقلك و لا تنكره بعلم إن كان عندك، لقد بلغ من فضله صلی الله علیه و آله و سلّم أنّ أهل النار يهتفون و يصرخون بأصواتهم ندماً أن لا يكونوا أجابوه في الدنيا، فقال الله عزّوجلّ: «يوم تقلّب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا»(4)، و لقد ذكره الله تبارك و تعالى مع الرسل فبدأ به و هو آخرهم لكرامته صلی الله علیه و آله و سلّم، فقال جلّ ثناؤه: «و إذ أخذنا من النبييّن ميثاقهم و منك و من نوح» (5)و قال: «إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبييّن من بعده» (6)و النبيّون قبله، فبدأ به و هو آخرهم، و لقد فضّله الله على جميع الأنبياء و فضّل أمّته على جميع الأمم فقال عزّ و جلّ: «كنت خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر»(7)فقال اليهوديّ : إنّ آدم علیه السّلام أسجد الله عزّ و جلّ له ملائكته، فهل فضّل لمحمد صلی الله علیه و آله و سلّم مثل ذلك ؟ فقال علیه السّلام : قد كان ذلك، و لئن أسجد الله لآدم ملائكته فإنّ ذلك لما أودع الله عزّوجلّ صلبه من الأنوار و الشرف، إذ كان هو الوعاء، ولم يكن سجودهم عبادةً له. وإنما كان سجودهم طاعةً لأمر الله عزّ و جلّ و تكرمةٌ و تحيّةً، مثل السلام من الإنسان على الإنسان و اعترافاً لآدم علیه السّلام
بالفضيلة، وقد أعطى الله محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم أفضل من ذلك، و هو أنّ الله صلّى عليه، و أمر ملائكته أن يصلّوا عليه، وتعبّد جميع خلقه بالصلاة عليه إلى يوم القيامة، فقال جلّ ثناؤه: «إنّ الله وملائكته يصلون على النبيّ يا أيّها الّذين آمنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليماً» (1)فلا يصلّي عليه أحد في حياته ولا بعد وفاته إلّا صلّى الله عليه بذلك عشراً، و أعطاه من الحسنات عشراً، بكلّ صلاة صلّى عليه، و لا يصلّي عليه أحد بعد وفاته إلّا و هو يعلم بذلك و يردّ على المصلّى و المسلّم مثل ذلك، ثمّ إنّ الله عزّ و جلّ جعل دعاء أمّته فيما يسألون ربّهم جلّ ثناؤه موقوفاً عن الإجابة حتّى يصلّوا فيه عليه صلی الله علیه و آله و سلّم، فهذا أكبر و أعظم ممّا أعطى الله آدم عليه السلام، و لقد أنطق الله عزّ و جلّ صمّ الصخور و الشجر بالسلام و التحيّة له، و كنّا نمرّ معه صلی الله علیه و آله و سلّم فلا يمرّ بشعب و لا شجر إلّا قالت السلام عليك يا رسول الله، تحيّةً له، و إقراراً بنبوّته، و زاده الله عزّ و جلّ تكرمةٌ بأخذ ميثاقه قبل النبيّين و أخذ ميثاق النبيّين بالتسليم و الرضا و التصديق له، فقال جلّ ثناؤه: «و إذ أخذنا من النبيّين ميثاقهم و منك و من نوح و إبراهيم» (2)و قال عزّ وجلّ : «و إذ أخذ الله ميثاق النبيّين لما أتيتكم من كتاب و حكمة ثمّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به و لتنصرنّه قال أقررتم و أخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا و أنا معكم من الشاهدين» (3)و قال الله عزّ و جلّ: «النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم» (4)، و قال الله تعالى: «و رفعنا لك ذكرك» (5)فلا يرفع رافع صوته بكلمة الإخلاص: بشهادة أن لا إله إلّا الله حتّى يرفع صوته معها بأنّ محمّداً رسول الله في الأذان والإقامة و الصلاة و الأعياد والجمع و مواقيت الحجّ و في كلّ خطبة حتّى في خطب النكاح و في الأدعية، ثمّ ذكر اليهوديّ مناقب الأنبياء و أمير المؤمنين علیه السّلام يثبت
للنّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ما هو أعظم منها، تركنا ذكرها طلباً للاختصار حتّى وصل إلى أن قال اليهوديّ: فإنّ الله عزّ و جلّ ناجى موسى على جبل طور سيناء بثلاثمائة و ثلاثة عشر كلمة يقول له فيها: «يا موسى إنّي أنا الله» فهل فعل بمحمّد شيئاً من ذلك؟ قال عليّ علیه السّلام : لقد كان كذلك و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم ناجاه الله جلّ ثناؤه فوق سبع سماوات رفعه عليهنّ، فناجاه في موطنين: أحدهما عند سدرة المنتهى، وكان له هناك مقام محمود، ثمّ عرج به حتّى انتهى إلى ساق العرش، فقال عزّ وجلّ: «ثمّ دنى فتدلّى» (1)دنّى له رفرفاً أخضر أغشى عليه نور عظيم حتّى كان في دنوّه كقاب قوسين أو أدنى، و هو مقدار ما بين الحاجب إلى الحاجب، و ناجاه بما ذكره الله عزّ و جل في كتابه، قال تعالى: «لله ما في السموات وما في الأرض و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء» (2)وكانت هذه الآية قد عرضت على سائر الأمم من لدن آدم إلى أن بعث محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم فأبوا جميعاً أن يقبلوها من ثقلها، و قبلها محمّد، فلمّا رأى الله عزّ و جلّ منه و من أُمّته القبول خفّف عنه ثقلها، فقال الله عزّ و جل: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربّه» ثمّ إنّ الله عزّ وجلّ تكرّم على محمّد، وأشفق على امّته من تشديد الآية الّتي قبلها هو و أمّته فأجاب عن نفسه و أمّته فقال: «والمؤمنون كلّ امن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله» فقال الله عزّ و جلّ: لهم المغفرة والجنّة إذا فعلوا ذلك، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: سمعنا و أطعنا غفرانك ربّنا و إليك المصير» يعني المرجع في الآخرة، فأجابه قد فعلت بتائبي أمّتك قد أوجبت لهم المغفرة، ثمّ قال الله تعالى: أمّا إذا قبلتها أنت و أمتّك و قد كانت عرضت من قبل على الأنبياء و الاُمم فلم يقبلوها فحقّ عليّ أن أرفعها عن أمتّك، فقال الله تعالى: «لا يكلّف الله نفساً إلّا وسعها لها ما كسبت» من خير «و عليها ما اكتسبت» من شرّ، ثمّ ألهم الله عزّ و جلّ نبيّه أن قال: «ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا» فقال الله سبحانه: أعطيتك لكرامتك يا محمّد إنّ الأمم السالفة
كانوا إذا نسوا ما ذكّروا فتحت عليهم أبواب عذابي، و رفعت ذلك عن أمتّك، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: «ربّنا و لا تحمل علينا إصراً كما حملته على الّذين من قبلنا» يعني بالآصار الشدائد الّتي كانت على الأمم ممّن كان قبل محمّد فقال عزّ و جلّ: لقد رفعت عن أمّتك الآصار الّتي كانت على الاُمم السالفة، و ذلك أنّي جعلت على الاُمم أن لا أقبل فعلا إلّا في بقاع الأرض الّتي اخترتها لهم و إن بعدت، و قد جعلت الأرض لك ولأمّتك طيوراً و مسجداً، فهذه من الآصار وقد رفعتها عن أمّتك، وقد كانت الأمم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى البيت المقدّس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت على قربانه ناراً تأكله، و إن لم أقبل ذلك منه رجع به مثبوراً، وقد جعلت قربان أمّتك في بطون فقرائها و مساكينها، فمن قبلت ذلك منه أضاعف له الثواب أضعافاً مضاعفة، و إن لم أقبل ذلك منه رفعت عنه به عقوبات الدنيا، و قد رفعت ذلك عن أمتك و هي من الآصار التي كانت، وكانت الاُمم السالفة مفروضاً عليهم صلاتها في كبد اللّيل و أنصاف النهار، و هي من الشدائد الّتي كانت، و قد رفعتها عن أمّتك، وفرضت عليهم صلاتهم في أطراف اللّيل و النهار في أوقات نشاطهم، وكانت الاُمم السالفة مفروضاً علهيم خمسون صلاة في خمسين وقتاً، و هي من الآصار الّتي كانت عليهم، وقد رفعتها عن أمتّك، وكانت الاُمم السالفة حسنتهم بحسنة واحدة، وسيّئتهم بسيّئة واحدة ، و جعلت لأمتّك الحسنة بعشر أمثالها، والسيّئة بواحدة، و كان الأمم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة لم تكتب لهم، وإذاهمّ بالسيّئة كتبتها عليهم و إن لم يفعلها، وقد رفعت ذلك عن أمّتك، فإذاهمّ أحدهم بسيّئة و لم يعملها لم تكتب عليه، و إذاهمّ أحدهم بحسنة و لم يعملها كتبت له حسنة، وكانت الأمم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، و جعلت توبتهم من الذنب أن أحرّم عليهم بعد التوبة أحبّ الطعام إليهم، وكانت الأمم السالفة يتوب أحدهم من الذنب الواحد المائة سنة، و المأتي سنة، ثمّ لم أقبل توبته دون أن اُعاقبه في الدنيا بعقوبة، وقد رفعت ذلك عن أمّتك، و إنّ الرجل من
أمتّك ليذنب المائة سنة ثمّ يتوب ويندم طرفة عين فأغفر له ذلك كلّه وأقبل توبته، وكانت الأمم السالفة إذا صابهم إذا نجس قرضوه من أجسادهم، و قد جعلت الماء طهوراً لأمّتك من جميع الأنجاس، و الصعيد في الأوقات، و هذه الآصار الّتي كانت عليهم رفعتها عن أمتّك.
قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: اللّهمّ إذقد فعلت ذلك بي فزدني، فألهمه الله سبحانه أن قال: «ربّنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به» قال الله عزّ وجلّ: قد فعلت ذلك بأمتّك، و قد رفعت عنهم عظيم بلايا الأمم، و ذلك حكمي في جميع الأمم أن لا أكلّف نفساً فوق طاقتها، وقال: «واعف عنّا واغفرلنا وارحمنا أنت مولانا» قال: قال الله تعالى: قد فعلت ذلك بتائبي أمتّك، ثمّ قال: «فانصرنا على القوم الكافرين» (1)قال الله عزّ و جلّ: قد فعلت ذلك، و جعلت أمتك يا محمّد كالشامّة البيضاء في الثور الأسود، هم القادرون، و هم القاهرون، يستخدمون و لا يستخدمون لكرامتك، وحقّ عليّ أن أطهر دينك على الأديان حتّى لا يبقى في شرق الأرض و لا غربها دين إلّا دينك، ويؤدّون إلى أهل دينك الجزية وهم صاغرون، «و لقد رآه نزلة
أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنّة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * مازاغ البصر و ماطغى * لقدرأى من آيات ربّه الكبرى» فهذا أعظم يا أخا اليهود من مناجاته لموسى علیه السّلام على طور سيناء، ثمّ زاد الله لمحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أن مثّل النبييّن فصلّى بهم و هم خلفه يقتدون به، و لقد عاين تلك اللّيلة الجنّة و النار، و عرج به إلى سماء سماء، فسلّمت عليه الملائكة، فهذا أكثر من ذلك.
قال اليهوديّ: فإنّ الله عزّ و جلّ ألقى على موسى محبّة منه، فقال علیه السّلام : لقد كان كذلك، و محمد صلی الله علیه و آله و سلّم ألقى عليه محبّة منه، فسماه حبيباً، و ذلك أنّ الله تعالى جلّ ثناؤه أرى إبراهيم صورة محمّد و أمّته، فقال: يا ربّ ما رأيت من اُمم الأنبياء أنور و لا أزهر من هذه الأمّة، فمن
1) البقرة / 286284.
هذا؟ فنودي هذا محمّد حبيبي، لا حبيب لي من خلقي غيره، أجريت ذكره قبل أن أخلق سماني و أرضى وسمّيته نبيّاً وأبوك آدم يومئذٍ من الطين، ما أجريت فيه روحه، (و لقد ألقيت أنت معه في الذروة الأولى) و أقسم بحياته في كتابه، فقال جلّ ثناؤه: «لعمرك إنّهم لفي سكرتهم يعمهون»(1)أي وحياتك يا محمّد، وكفى بهذا رفعةً و شرفاً من الله عزّ و جلّ و رتبةً، قال اليهوديّ: فأخبرني عمّا فضّل الله به اُمتّه على سائر الاُمم، قال علیه السّلام: لقد فضل الله أمتّه صلی الله علیه و آله و سلّم على سائل الاُمم بأشياء كثيرة أنا أذكر لك منها قليلاً من كثير من ذلك قول الله عزّوجلّ: «كنت خير اُمّة اُخرجت للنّاس»(2)و من ذلك أنّه إذا كان يوم القامة و جمع الله الخلق في صعيد واحد سأل الله عزّوجلّ النبيّين هل بلّغتم؟ فيقولون: نعم، فيسأل الاُمم فيقولون: ما جاءنا من بشير و لا نذير، فيقول الله جلّ ثناؤه و هو أعلم بذلك للنّبييّن: من شهداؤكم اليوم؟ فيقولون: محمّد و أمتّه، فتشد لهم أمّة محمّد بالتبليغ، و تصدق شهادتهم، و شهادة محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم فيؤمنون عند ذلك، و ذلك قوله تعالى: «لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيداً»(3)يقول: يكون محمّد عليكم شهيداً أنّكم قد بلّغتم الرسالة، و منها أنّهم أوّل الناس حساباً، وأسرعهم دخولاً إلى الجنة قبل سائر الأمم كلّها.
و منها أيضاً أنّ الله عزّوجلّ فرض عليهم في اللّيل والنهار خمس صلوات في خمسة أوقات: اثنتان باللّيل وثلاث بالنهار ، ثمّ جعل هذه الخمس صلوات تعدل خمسين صلاة، و جعلها كفّارة خطاياهم، فقال عزّ و جلّ: «إنّ الحسنات يذهبن السيّئات»(4)يقول : صلاة الخمس تكفّر الذنوب ما اجتنبت الكبائر.
و منها أيضاً أنّ الله تعالى جعل لهم الحسنة الواحدة الّتي يهمّ بها العبد و لا يعملها حسنة واحدة يكتبهاله، فإن عملها كتبت له عشر حسنات و أمثالها إلى سبعمائة ضعف
فصاعداً.
و منها أنّ الله عزّ و جلّ يدخل الجنّة من أهل هذه الأمّة سبعين ألفاً بغير حساب، و وجوههم مثل القمر ليلة البدر، والّذين يلونهم على أحسن ما يكون الكوكب الدرّى فى أفق السماء، والّذين يلونهم على أشدّ كوكب في السماء إضاءة، و لا اختلاف بينهم و لا تباغض بينهم.
و منها أنّ القاتل منهم عمداً إن شاء أولياء المقتول أن يعفوا عنه فعلوا، و إن شاؤوا قبلوا الدية، و على أهل التوراة وهم أهل دينك يقتل القاتل و لا يعفى عنه، و لا تؤخذ منه دية، قال الله عزّ وجلّ: «ذلك تخفيفٌ من ربّكم و رحمة»(1).
و منها أنّ الله عزّوجلّ جعل فاتحة الكتاب نصفها لنفسه، و نصفها لعبده، قال الله تعالى: قسّمت بيني و بين عبدي هذه السورة، فإذا قال أحدهم: «الحمد لله» فقد حمدني، وإذا قال: «ربّ العالمين» فقد عرفني، وإذا قال: «الرحمن الرحيم» فقد مدحني و إذا قال: «مالك يوم الدين» فقد أثنى عليّ، وإذا قال: «إيّك نعبد وإيّاك نستعين»(2)فقد صدق عبدي في عبادتي بعد ما سألني، وبقيّة هذه السورة له.
و منها أنّ الله تعالى بعث جبرائيل علیه السّلام إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أن بشّر أمتّك بالزين و السناء و الرفعة والكرامة و النصر.
و منها أنّ الله سبحانه أباحهم صدقاتهم يأكلونها، ويجعلونها في بطون فقرائهم يأكلون منها و يطعمون، و كان صدقات من قبلهم من الأمم المؤمنين يحملونها إلى مكان قصيّ فيحرقونها بالنار.
و منها أنّ الله عزّوجلّ جعل الشفاعة لهم خاصّة دون الأمم، و الله تعالى يتجاوز عن ذنوبهم العظام لشفاعة نبيّهم صلی الله علیه و آله و سلّم :
و منها أن يقال يوم القيامة، ليتقدّم الحامدون، فتقدّم أُمّة محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم قبل الأمم، و هو مكتوب أُمّة محمد الحامدون، يحمدون الله عزّ و جلّ على كلّ منزلة، ويكبّرونه على كلّ نحد مناديهم في جوف السماء، له دوىّ كدويّ النحل. و منها أنّ الله لا يهلكهم بجوع، ولا يجمعهم على ضلالة، ولا يسلّط عليهم عدوّاً من غيرهم، ولا يساخ ببقيّتهم، و جعل لهم الطاعون شهادة.
و منها أنّ الله جعل لمن صلّى على نبيّه عشر حسنات و محا عنه عشر سيّئات، وردّ الله سبحانه عليه مثل صلاته على النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم.
و منها أنّه جعلهم أزواجاً ثلاثة أمماً، فمنهم ظالم لنفسه، و منهم مقتصد، و منهم سابق بالخيرات والسابق بالخيرات يدخل الجنّة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً، و الظالم لنفسه مغفور له إنشاء الله.
و منها أنّ الله عزّ و جلّ جعل توبتهم الندم والاستغفار والترك للإصرار، وكانت بنو إسرائل توبتهم قتل النفس.
و منها قول الله عزّ وجل لنبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم : أمّتك هذه مرحومة، عذابها في الدنيا الزلزلة و الفقر.
و منها أنّ الله عزّ و جلّ يكتب للمريض الكبير من الحسنات على حسب ما كان يعمل في شبابه وصحّته من أعمال الخير، يقول الله سبحانه للملائكة: استكتبوا لعبدي مثل حسناته قبل ذلك مادام في وثاقي.
و منها أنّ الله عزّوجلّ ألزم أمّة محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم كلمة التقوى، و جعل بدؤ الشفاعة لهم في الآخرة.
و منها أن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم رأى في السماء ليلة عرج به إليها ملائكة قياماً و ركوعاً منذ خلقوا، فقال: يا جبرئيل هذه هي العبادة، فقال جبرئيل: صدقت يا محمد، فاسأل ربّك أن
يعطي أمّتك القنوت و الركوع والسجود في صلاتهم، فأعطاهم الله تعالى ذلك، فأمّة محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم يقتدون بالملائكة الّذين في السماء، قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّ اليهود يحسدونكم على صلاتكم و رکوع و سجودكم(1).
12 - فر: محمّد بن أحمد ممنعناً عن أبي جعفر علیه السّلام قال: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السّلام : إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أوتي علم النبيّين، و علم الوصيّين، و علم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثمّ تلا هذه الآية يقول الله لنبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم : «هذا ذكر (2)من معي و ذكر من قبلي(3).
13 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله علیه السّلام إنّ بعض قريش قال لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: بأيّ شيء سبقت الأنبياء و أنت بعثت آخرهم و خاتمهم؟ قال: إنّي كنت أوّل من آمن بربّي، و أوّل من أجاب حيث أخذ الله ميثاق النبيّين «و أشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم»(4)، فكنت أنا أوّل نبيّ قال: بلى، فسبقتهم بالإقرار بالله عزّ و جلّ (5).
14 - كا: عدّةٌ من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: قلت لأبي عبد الله علیه السّلام : قول الله عزّ و جلّ: «فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل»(6)فقال: نوح و ابراهیم و موسی و عیسی علیهم السّلام و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم، قلت : كيف صاروا أولو العزم؟ قال: لأنّ نوحاً بعث بكتاب وشريعة، وكلّ من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح و شریعته و منهاجه حتّى جاء إبراهيم علیه السّلام با صحف و بعزيمة ترك كتاب نوح علیه السّلام لا كفراً به فكلّ نبيّ جاء بعد إبراهيم علیه السّلام أخذ بشريعة إبراهيم علیه السّلام ومنهاجه و بالصحف حتّى جاء موسى علیه السّلام بالتوراة وشريعته و منهاجه و بعزيمة ترك الصحف، فكلّ نبيّ جاء بعد
موسى علیه السّلام أخذ بالتوراة و شريعته و منهاجه حتّى جاء المسيح علیه السّلام بالإنجيل و بعزيمة ترك شريعة موسى علیه السّلام و منهاجه، فكلّ نبيّ جاء بعد المسيح علیه السّلام أخذ بشريعته و منهاجه حتّى جاء محمّد علیه السّلام فجاء بالقرآن و بشریعته و منهاجه فحلاله حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة.(1)
15 - ن: بالأسانيد الثلاثة عن الرضا عن آبائه علیهم السّلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّ موسى علیه السّلام سأل ربّه عزّ و جلّ فقال: يا ربّ اجعلنى من أمّة محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم فأوحى الله تعالى إليه يا موسى إنّك لا تصل إلى ذلك.(2)
صح: عنه عنه علیه السّلام مثله (3)
16 - ل: في وصيّة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم لعليّ علیه السّلام يا علىّ إنّ الله عزّوجلّ أشرف على الدنيا - فاختارني منها على رجال العالمين، ثمّ اطّلع الثانية فاختارك على رجال العالمين بعدي، ثمّ اطّلع الثالثة فاختار الأئمّة من ولدك على رجال العالمين بعدك، ثمّ اطّلع الرابعة فاختار فاطمة على نساء العالمين.(4)
17 - كا: العدّة، عن أحمد بن محمّد بن يحيى الخثعمي عن هشام، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله علیه السّلام يقول: سادة النبيّين و المرسلين خمسة، و هم أولوا العزم من الرسل، و عليهم دارت الرحی: نوح، وإبراهيم و موسی و عیسی، و محمّد صلّى الله عليهم و على جميع الأنبياء.(5)
18 - کا الحسين بن محمّد، عن المعلّى عن الوشّاء، عن عبدالله بن عجلان، عن أبي جعفر علیه السّلام في قول الله عزّ وجلّ: «فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»(6)قال:
رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الذكر، أنا و الأئمّة علیهم السّلام أهل الذكر، وقوله عزّ وجلّ: «و إنّه لذكرٌ لك و
لقومك وسوف تسألون» قال أبو جعفر علیه السّلام : نحن قومه، و نحن المسؤلون.(1)
19- كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن الخشّاب، عن عليّ بن حسّان، عن عبدالرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: قال: «الّذين آمنوا و اتّبعتهم ذرّيّتهم بإيمان بهم ذرّيّتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء» (2)قال: الّذين آمنوا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و أمير المؤمنين علیه السّلام، و ذرّيّته الأئمّة والأوصياء صلوات الله عليهم، ألحقنا بهم و لم ننقص ذرِّيَّتهم الحجّة الّتي جاء بها محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم في عليّ صلوات الله عليه، و حجّتهم واحدة، و طاعتهم واحدة.(3)
20 - ن: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن الهرويّ، عن الرضا علیه السّلام في خبر طويل: قال: إنّ آدم علیه السّلام، لمّا أكرمه الله تعالى بإسجاد ملائكته و بإدخال الجنّة قال في نفسه: هل خلق الله بشراً أفضل منّي؟ فعلم الله عزّ و جلّ ما وقع في نفسه، فناداه ارفع رأسك يا آدم فانظر إلى ساق عرشي، فرفع آدم علیه السّلام رأسه فنظر إلى ساق العرش، فوجد عليه مكتوباً: لا إله إلّا الله محمّد رسول الله، عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، و زوجته فاطمة سيّدة نساء العالمين و الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، فقال آدم علیه السلام يا ربّ من هؤلاء؟ فقال عزّ وجلّ: هؤلاء من ذريّتّك، و هم خير منك و من جميع خلقي ولولاهم ما خلقتك و لا خلقت الجنّة و النار، و لا السماء والأرض، فإيّاك أن تنظر إليهم بعين الحسد فاُخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد و تمنّى منزلتهم فتسلّط عليه الشيطان حتّى أكل من الشجرة الّتي نهى عنها، و تسلّط على حوّاء لنظرها إلى فاطمة علیها السّلام بعين الحسد حتّى أكلت من الشجرة كما أكل آدم، فأخرجها الله عزّ و جلّ عن
جنّته، وأهبطهما عن جواره إلى الأرض.(1)
اقول: سيأتي أخبار كثيرة في فضله صلی الله علیه و آله و سلّم في كتاب الإمامة، و أبواب فضائل أصحاب الكساء وفضائل أمير المؤمنين علیه السّلام.
21 - ن: فيما بيّن الرضا علیه السّلام عند المأمون من فضل العترة الطاهرة قال: الذكر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ، و نحن أهله، وذلك بيّن في كتاب الله حيث يقول: «الّذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكراً * رسولاً يتلو عليكم آيات الله مبيّنات»(2)فالذکر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و نحن أهله.(3)
22 - شف: من كتاب الإمامة عن هشام بن سالم عن الحارث بن المغيرة النضريّ قال: حول العرش كتاب جليل مسطور: إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا محمّد رسول الله عليّ أمير المؤمنين علیه السّلام.(4)
23 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن هاني بن محمّد، عن أبيه، عن محمّد بن أحمد بن بطّة، عن أبيه، عن محمّد بن عبدالوهّاب، عن أبي الحارث الفهريّ، عن عبدالله بن إسماعيل، عن عبدالرحمن بن أبي زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه، عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : لمّا أكل آدم من الشجرة رفع رأسه إلى السماء فقال: «أسألك بحقّ محمّد إلّا رحمتني» فأوحى الله إليه: و من محمّد؟ فقال: تبارك اسمك، لمّا خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب: «لا إله إلّا الله محمّد رسول الله» فعلمت أنّه ليس أحد أعظم عندك قدراً ممّن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى الله إليه يا آدم إنّه لآخر النبييّن من ذرّيّتك، فلو لا محمّد ما خلقتك (5).
24 كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحجّال، عن حمّاد، عن أبي عبد الله علیه السّلام
و ذكر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال: قال أمير المؤمنين علیه السّلام : ما برأ الله نسمة خيراً من محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم (1).
25 - كا: عليّ بن محمّد و غيره، عن سهل، عن محمّد بن الوليد شباب الصيرفيّ، عن مالك بن إسماعيل المهديّ، عن عبدالسلام بن حارث، عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان في رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
ثلاثة لم تكن في احد غيره: لم يكن له فيء، و كان لا يمرّ فى طريق فيمرّ فيه بعد يومين أو ثلاثة إلّا عرف أنّه قد مرّ فيه لطيب عرفه، وكان لا يمرّ بحجر ولا شجر إلّا سجدله .(2)
26 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن غالب، عن أبي عبد الله علیه السّلام في خطبة له خاصة يذكر فيها حال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم الأئمّة علیهم السّلام وصفاتهم: فلم يمنع ربّنا لحلمه و أناته وعطفه ما كان من عظيم جرمهم و قبيح أفعالهم أن انتجب لهم أحبّ أنبيائه إليه، وأكرمهم عليه، محمّد بن عبد الله صلی الله علیه و آله و سلّم في حومة العزّ مولد، و في دومة الكرم محتده، غير مشوب حسبه، و لا ممزوج نسبه، و لا مجهول عند أهل العلم صفته، بشّرت به الأنبياء في كتبها، ونطقت به العلماء بنعتها، و تأمّلته الحكماء بوصفها، مهذّب لايدانى، هاشميّ لا يوازى أبطحيّ لا يسامى، شيمته الحياء، وطبيعته السخاء، مجبول على أوقار النبوّة و أخلاقها، مطبوع على أوصاف الرسالة و أحلامها، إلى أن انتهت به أسباب مقادير الله إلى أوقاتها، وجرى بأمر الله القضاء فيه إلى نهاياتها، أدّاء محتوم قضاء الله إلى غاياتها، تبشّر به كلّ أمّة من بعدها، و يدفعه كلّ أب إلى أب من ظهر إلى ظهر، لم يخلطه في عنصره سفاح، ولم ينجّسه في ولادته نكاح من لدن آدم علیه السّلام إلى أبيه عبدالله في خير فرقة، و أكرم سبط، و أمنع رهط و أكلأ حمل، وأودع حجر، اصطفاه الله و ارتضاه و اجتباه، و آتاه من العلم مفاتيحه، و من الحم ،ينابيعه ابتعثه رحمة للعباد، و ربيعاً للبلاد، وأنزل الله إليه الكتاب، فيه البيان و التبيان: «قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلّهم يتّقون» قد بيّنه للنّاس و
نهجه بعلم قد فصّله و دین قد أوضحه و فرائض قد أوجبها ، و حدود حدّها للنّاس و بيّنها، و أمور قد كشفها لخلقه و أعلنها فيها دلالة إلى النجاة و معالم تدعو إلى هداه، فبلّغ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ما أرسل به، وصدع بما أمر ، وأدّى ما حمّل من أثقال النبوّة، وصبر لرّبه، و جاهد في سبيله، ونصح لأمّته، ودعاهم إلى النجاة، وحنّهم على الذكر، و دلّهم على سبيل الهدى بمناهج و دواع أسّس للعباد أساسها، و منار رفع لهم أعلامها، كيلا يضلّوا من بعده، و كان بهم رؤفاً رحيماً(1).
27 - ما : الحسين بن إبراهيم القزوينيّ، عن محمّد بن وهبان، عن عليّ بن جيش، عن العبّاس بن محمّد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن الحسين بن أبي غندر، عن المفضّل، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : ما بعث الله نبيّاً أكرم من محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم، و لا خلق الله قبله أحداً، ولا أنذر الله خلقه بأحد من خلقه قبل محمّد، فذلك قوله تعالى: «هذا نذيرٌ من النذر الأولى»(2)و قال: «إنّما أنت منذر و لكلّ قوم هاد»(3)فلم يكن قبله مطالع في الخلق، و لا يكون بعده إلى أن تقوم الساعة في كلّ قرن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها(4).
1 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن عليّ بن إسماعيل، عن صفوان بن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن أبي إسحاق النحويّ قال: دخلت على أبي عبد الله علیه السّلام فسمعته يقول: إنّ الله عزّ وجلّ أدب نبيّه على محبّته فقال: «إنّك لعلى خلق عظيم»(1)ثمّ فوّض إليه، فقال عزّ وجلّ: «و ما آتاكم الرسول فخذوه و مانهاكم عنه فانتهوا»(2)و قال عزّ وجلّ: «من يطع الرسول فقد أطاع الله» ثمّ قال: وإنّ نبيّ الله فوّض إلى علىّ علیه السّلام وأتمنه فسلّمتم وجحد الناس فوالله لنحبّكم أن تقولوا إذا قلنا، و تصمتوا إذا صمتنا، و نحن فيما بينكم وبين الله عزّ و جلّ، ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا.(3)
العدّة، عن أحمد، عن ابن أبي نجران، عن عاصم مثله.(4)
2 - كا : عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله علیه السّلام يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إنّ الله عزّ و جلّ أدب نبيّه
فأحسن أدبه، فلمّا أكمل له الأدب قال: «و إنّك لعلى خلق عظيم»(1)ثمّ فوّض إليه أمر الدين و الأمّة ليسوس عباده، فقال عزّ وجلّ: «ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم فانتهوا»(2)وإنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان مسدّداً موفقاً مؤيّداً بروح القدس لا يزّل و لا يخطىء في شيء ممّا یسوس به الخلق، فتأدّب بآداب الله، ثمّ إنّ الله عزّ و جلّ فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات، فأضاف رسول اللهصلی الله علیه و آله و سلّم إلى الركعتين ركعتين، و إلى المغرب ركعة، فصارت عديلة الفريضة، لا يجوز تركهنّ إلّا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر و الحضر، فأجاز الله له ذلك كلّه، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة، ثمّ سنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم النوافل أربعاً وثلاثين ركعةٌ مثلي الفريضة، فأجاز الله عزّوجلّ له ذلك، والفريضة والنافلة إحدى و خمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر، وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان، و سنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم صوم شعبان و ثلاثة أيّام في كلّ شهر مثلي الفريضة، فأجاز الله عزّوجلّ له ذلك، وحرّم الله عزّ و جلّ الخمر بعينها، و حرّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم المسكر من كلّ شراب، فأجاز الله له ذلك، و عاف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أشياء و كرهها لم ينه عنها نهي حرام، إنّما نهى عنها نهي عافة وكراهة، ثمّ رخّص فيها فصار الأخذ برخصه واجباً على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه و عزائمه، و لم يرخّص لهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فيما نهاهم عنه نهي حرام، و لا فيها أمر به أمر فرض لازم، فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام لم يرخّص فيه لأحد، و لم يرخّص رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لأحد تقصير الركعتين اللّتين ضمّهما إلى ما فرض الله عزّ و جلّ، بل ألزمهم ذلك إلزاماً واجباً لم يرخّص لأحد في شيء من ذلك إلّا للمسافر، وليس لأحد أن يرخّص مالم يرخّصه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فوافق أمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أمر الله عزّ وجلّ، ونهيه نهي الله عزّ وجلّ، و
وجب على العباد التسليم له كالتسليم الله تبارك و تعالى (1).
3 - كا: الحسين بن محمّد، عن المعلّى عن الوشّاء، عن حمّاد ، عن زرارة، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: وضع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم دية العين، ودية النفس، وحرّم النبيذ وكلّ مسكر، فقال له رجل: وضع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من غير أن يكون جاء فيه شيء؟ قال: نعم ليعلم من يطيع الرسول ممّن يعصيه(2).
4- كا: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين قال: وجدت في نوادر محمّدبن سنان، عن عبدالله بن سنان، قال أبو عبد الله علیه السّلام : لا والله ما فوّض الله إلى أحد من خلقه إلّا إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وإلى الأئمة علیهم السّلام ، قال عزّ وجلّ: «إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين الناس بما أراك الله» و هي جارية في الأوصيا لا(3).
5 - ن: ماجيلويه، عن عليّ، عن أبيه، عن ياسر الخادم قال: قلت للرّضاعه صلی الله علیه و آله و سلّم : ما تقول في التفويض؟ قال إنّ الله تبارك و تعالى فوض إلى نبيّه علیه السّلام أمر دينه، فقال: «ما آتاكم الرسول فخذوه و مانهاكم عنه فانتهوا» فأمّا الخلق و الرزق فلا، ثمّ قال علیه السّلام : إنّ الله عزّوجلّ خالق كلّ شيء، و هو يقول عزّ وجلّ: «الّذي خلقكم ثمّ رزقكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه و تعالى عمّا يشركون(4).
6 - ع: بإسناده عن الحكم بن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : لا يؤمن عبد حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه، ويكون عترتي أحبّ إليه من عترته، و يكون أهلي أحبّ إليه من أهله، ويكون ذاتى أحبّ إليه من ذاته(5).
1 - فس: قال عليّ بن إبراهيم في قوله تعالى، إنّما المؤمنون الّذين آمنوا بالله و رسوله» إلى قوله: «حتّى يستأذنوه» فإنّها نزلت في قوم كانوا إذا جمعهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لأمر من الاُمور في بعث يبعثه، أو حرب قد حضرت يتفرّقون بغير إذنه، فنهاهم الله عزّ و جلّ عن ذلك، وقوله: «فإذا استأذنوك لبعض شأنهم» قال نزلت في حنظلة بن أبي عامر، و ذلك أنّه تزوّج في اللّيلة الّتي كان في صبحها حرب اُحد فاستأذن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أن يقيم عند أهله. فأنزل الله هذه الآية فأقام عند أهله، ثمّ أصبح و هو جنب فحضر القتال فاستشهد، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن في صحاف فضّة بين السماء و الأرض، فكان يسمّى غسيل الملائكة، قوله: «لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً» قال: لا تدعوا رسول الله كما يدعو بعضكم بعضاً، ثمّ قال: «فليحذر الّذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنةً» يعنى بليّةٌ «أو يصيبهم عذاب أليمُ» قال: القتل، و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر علیه السّلام في قوله: «لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً»
يقول: لا تقولوا: يا محمّد، و لا يا أبا القاسم، و لكن قولوا يا نبيّ الله، و يا رسول الله، قال الله: «فليحذر الّذين يخالفون عن أمره» أي يعصون أمره(1).
2 - فس: قوله: «يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبيّ إلّا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه» فإنّه لما تزوّج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم. بزينب بنت جحش وكان يحبّها فأولم و دعا أصحابه، وكان أصحابه إذا أكلوا كانوا يحبّون أن يتحدّثوا عند رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: وكان يحبّ أن يخلو مع زينب، فأنزل الله: «يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبيّ إلّا أن يؤذن لكم» وذلك أنّهم كانوا يدخلون بلا إذن، فقال عزّ وجلّ: «إلّا أن يؤذن لكم» إلى قوله: «من وراء حجاب».
قوله : «و ما كان لكم أن تؤذا رسول الله» الآية، فإنّه كان سبب نزولها أنّه لمّا أنزل الله «النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجه أمّهاتكم» وحرّم الله نساء النبيّ على المسلمين غضب طلحة فقال: يحرّم محمّد علينا نسائه، و يتزوّج هو بنسائنا، لئن أمات الله محمّداً لتركضنّ بين خلاخيل نسائه، كما ركض بين خلاخيل نسائنا، فأنزل الله: «و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً» إلى قوله: «كان بكلّ شيء عليماً» ثمّ رخّص لقوم معروفين الدخول عليهنّ بغير إذن، فقال: «لا جناح عليهنّ» إلى قوله: «على كلّ شيء شهيداً» ثمّ ذكر ما فضّل الله نبيّه فقال: «إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ» إلى قوله: «تسليماً» قال علیه السّلام : صلوات الله عليه تزكية له وثناء عليه، وصلواة الملائكة مدحهم له، وصلاة الناس دعاؤهم له، و التصديق و الإقرار بفضله، و قوله: «و سلّموا تسليماً» یعنی سلّموا له بالولاية وبما جاء به، قوله: «إنّ الّذين يؤذون الله و رسوله» قال: نزلت فيمن غصب أمير المؤمنين علیه السّلام حقّه و أخذ حقّ فاطمة علیهما السلام و آذاها. و قد قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : من آذاها في حياتي كمن آذاها بعد موتي، و من آذاها بعد موتي كمن آذاها في حياتي، و من
1) تفسير القمى: 462.
آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى الله، و هو قوله الله تعالى: «إنّ الّذين يؤذون الله و رسوله» الآية (1).
3 - فس: يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا الآية نزلت في وفد تميم كانوا إذا قدموا على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
وقفوا على باب حجرته فنادوا: يا محمّد اخرج إلينا، و كانوا إذا خرج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم تقدّموه في المشي، وكانوا إذا كلّموه رفعوا أصواتهم فوق صوته و يقولون: يا محمّد يا محمّد، ما تقول في كذا و كذا ؟ كما يكلّمون بعضهم بعضاً، فأنزل الله «يا أيّها الّذين آمنوا إلى قوله: «إنّ الّذين ينادونك» بنو تميم.
4 - فس: قال علىّ بن إبراهيم في قوله: «ألم تر إلى الّذين نهوا عن النجوى ثمّ يعودون لمانهوا عنه» قال كان أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يأتونه فيسألونه أن يسأل الله لهم وكانوا يسألون مالا يحلّ لهم، فأنزل الله «و يتناجون بالإثم والعدوان و معصية الرسول» و قولهم له إذا أتوه: أنعم صباحاً، وأنعم مساءً، وهي تحيّة أهل الجاهليّة، فأنزل الله «وإذا جاؤك حيّوك بما لم يحيّك به الله فقال لهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : قد أبدلنا الله بخير من ذلك تحيّة أهل الجنّة السلام عليكم.
قوله: «فافسحوا يفسح الله لكم» قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذا دخل المسجد يقوم له الناس فنهاهم الله أن يقوموا له، فقال: «فافسحوا» أي وسّعواله في المجلس «و إذا قيل انشزوا فانشزوا» يعني إذا قال: قوموا فقوموا.
قوله: «يا أيّها الّذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدّموا بين يدي نجواكم صدقة» قال: إذا سألتم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم حاجة فتصدّقوا بين يدي حاجتكم ليكون أقضى لحوائجكم، فلم يفعل ذلك أحدٌ إلا أمير المؤمنين علیه السّلام، فإنّه تصدّق بدينار، و ناجی رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بعشر نجوات (2).
5 - فس: عبد الرحمن بن محمّد الحسنّى، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن مروان، عن عبيد بن خنيس، عن صباح، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: قال عليّ علیه السّلام : إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوى، إنّه كان لي دينار فبعته بعشرة دراهم، فجعلت أقدّم بين يدي كلّ نجوة أناجيها النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم درهماً، قال: فنسختها «ءأشفقتم أن تقدّموا بين يدي نجواكم صدقات» إلى قوله: «و الله خبير بما تعلمون»(1).
6 - كا: الحسين بن محمّد، عن المعلّى عن سليمان بن سماعة، عن عمّه عاصم الكوزيّ، عن أبي عبد الله علیه السّلام إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم قال : من ولد له أربعة أولاد لم يسمّ أحدهم باسمي فقد جفاني (2).
7 - کا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن أبي هارون مولى آل جعدة قال: كنت جليساً لأبي عبد الله علیه السّلام بالمدينة ففقدني أيّاماً، ثمّ إنّي جئت إليه فقال لي: أرك منذ أيّام يا باهارون، فقلت: ولدلي غلام، فقال: بارك الله لك فيه فما سمّيته؟ قلت: سمّيته محمّداً، فأقبل بخدّه نحو الأرض و هو يقول: محمّد محمّد محمّد، حتّى كاد يلصق خدّه بالأرض، ثمّ قال: بنفسي و بولدي و بأميّ وبأبويّ وبأهل الأرض كلّهم جميعاً الفداء لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، لا تسبّه و لا تضربه و لا تسيّىء إليه، واعلم أنّه ليس في الأرض دار فيها اسم محمّد إلّا و هي تقدّس كلّ يوم(3).
8 - كا أبو عليّ الأشعريّ، عن الحسن بن عليّ، عن عبيس بن هشام، عن ثابت، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: من ذكرت عنده فنسي أن يصلّي علي ّخطأ الله به طريق الجنّة(4).
9 - ن: بالإسناد إلى دارم عن الرضا علیه السّلام : قال سمعت أبي يحدث عن أبيه، عن جدّه علیه السّلام، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله في قبّة من أدم و قد رأيت بلالاً الحبشيّ و قد خرج من عنده و معه فضل وضوء رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فابتدره الناس، فمن أصاب منه شيئاً تمسّح به وجهه، و من لم يصب منه شيئاً أخذ من يدي صاحبه فمسح به وجهه، وكذلك فعل بفضل وضوء أمير المؤمنين علیه السّلام.(1)
1) عيون أخبار الرضا: 227
1 - فس: قوله: «إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ»(1)الآية فإنّه كان سبب نزولها أنّ قوماً من الأنصار من بني أبيرق اخوة ثلاثة كانوا منافقين بشير، و مبشّر، و بشر، فنقبوا على عمّ قتادة بن النعمان وكان قتادة بدريّاً، وأخرجوا طعاماً كان أعدّه لعياله، وسيفاً و درعا، فشكا قتادة ذلك إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال : يا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إنّ قوماً أنقبوا على عمّي و أخذ واطعاماً أعدّه لعياله، و درعا و سيفاً و هم أهل بيت سوء، وكان معهم في الرأي رجل مؤمن يقال له: لبيد بن سهل، فقال بنو أبيرق لقتادة: هذا عمل لبيد بن سهل، فبلغ ذلك لبيداً فأخذ سيفه و خرج عليهم فقال: يا بني أبيرق أتر مونني بالسرق و أنتم أولى به منّي؟ و أنتم المنافقون تهجون رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و تنسبونه إلى قريش، لتبيّننّ ذلك أو لأملأنّ سيفي منكم، فداروه فقالوا له: ارجع رحمك الله فإنّك بريء من ذلك، فمشى بنو أبيرق إلى رجل من رهطهم يقال له: أسيد بن عروة، وكان منطيقاً بليغاً، فشى إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال: يا رسول الله إنّ قتادة بن النعمان عمد إلى أهل بيت منّا أهل شرف و حسب ونسب فرماهم
1) النساء / 105
بالسرق، وأنّبهم بما ليس فيهم، فاغتمّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من ذلك وجاء إليه قتادة فأقبل عليه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال له: عمدت إلى أهل بيت شرف و حسب و نسب فرميتهم بالسرقة؟ فعاتبه عتاباً شديداً، فاغتمّ قتادة من ذلك ورجع إلى عمّه وقال: ليتني متّ و لم أكلّم
رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فقد كلّمني بما كرهته، فقال عمّه، الله المستعان، فأنزل الله في ذلك على نبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم : «إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ» إلى قوله: «و هو معهم إذ يبيّتون ما لا يرضى من القول» يعني الفعل، فوقع القول مقام الفعل، ثمّ قال: «ثمّ يرم به بريئا» لبیدین سهل. و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: إنّ أناسا من رهط بشير الأدنين قالوا: انطلقوا إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم نكلّمه في صاحبنا ونعذره فإنّ صاحبنا بريء، فلمّا أنزل الله «يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله و هو معهم» إلى قوله: «وكيلاً» (1)فاقبلت رهط بشير فقالوا: يا بشير استغفر الله و تب من الذنب، فقال: والّذي أحلف به ما سرقها إلّا لبيد فنزلت: «و من يكسب خطيئةً أو إثماً ثمّ يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً و إثماً مبيناً» (2)ثمّ إنّ بشيراً كفر و لحق بمكّة وأنزل الله في النفر الّذين أعذروا بشيرا و أتوا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ليعذروه «و لو لا فضل الله عليك و رحمته لهمّت طائفةٌ منهم أن يضلّوك و ما يضلون إلّا أنفسهم و ما يضرّونك من شيء و أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلّمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظياً»(3)فنزل في بشير و هو بمكّة: «و من يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى و يتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى و نصله جهنّم وساءت مصيراً»(4).
وفي تفسير النعمانيّ بإسناده الّذي يأتي في كتاب القرآن عن أمير المؤمنين علیه السّلام قال: إنّ قوما من الأنصار كانوا يعرفون ببني أبيرق و ساق الحديث نحواً ممّا رواه عليّ ابن إبراهيم
أوّلاً (1).
2 - ن: تميم القرشيّ، عن أبيه، عن حمدان بن سليمان، عن عليّ بن محمد بن الجهم قال: سأل المأمون الرضا علیه السّلام عن قول الله عزّ وجلّ: «ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر» قال الرضا علیه السّلام : لم يكن أحد عند مشركي أهل مكّة أعظم ذنباً من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
لأنّهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستّين صنما، فلمّا جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم و عظم، وقالوا: «أجعل الآلهية إلهاً واحداً إنّ هذا لشيء عجاب * و انطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إنّ هذا لشيء يراد * ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إنّ هذا إلّا اختلاق» (2)فلا فتح الله عزّ و جلّ على نبيه محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم مكّة قال له يا محمّد: «إنّا فتحنا لك» مكّة «فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر» عند مشركي أهل مكّة بدعاءك إلى توحيد الله عزّ وجلّ فيما تقدّم و ما تأخّر، لأنّ مشركي أهل مكّة أسلم بعضهم و خرج بعضهم عن مكّة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفوراً بظهوره عليهم، فقال المأمون: الله درّك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: «عفا الله عنك لم أذنت لهم» قال الرضا علیه السّلام : هذا ممّا نزل بإيّاك أعنى و اسمعى يا جارة، خاطب الله عزّ و جلّ بذلك نبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم و أراد به أمّته، و كذلك قوله عزّ وجلّ «لئن أشرك ليحبطنّ عملك و لتكوننّ من الخاسرين» و قوله عزّ وجلّ: «و لو لا أن تبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً» قال: صدقت يا ابن رسول الله الخبر(3).
1 - كا: عليّ بن محمد، عن عبدالله بن عليّ، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبدالله بن حمّاد، عن بريد عن أحدهما علیهما السّلام في قول الله عزّ وجلّ: «و ما يعلم تأويله إلّا الله و الراسخون في العلم»(1)فرسول الله أفضل الراسخون في العلم، قد علّمه الله عزّ و جلّ جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه، والّذين لا يعلمون تأويله إذ أقال العالم فيهم بعلم فأجابهم الله بقوله: «يقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا»(2)و القرآن خاصّ و عامّ و محکم و متشابه و ناسخ و منسوخ فالراسخون في العلم يعلمونه(3).
2 - كا: محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: تعرض الأعمال على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أعمال العباد كلّ صباح أبرارها و فجارها، فاحذروها، و هو قول الله عزّ و جلّ، «اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله»(1)وسكت(2).
3 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال، سمعته يقول: ما لكم تسوؤن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فقال له رجل: كيف نسؤوه؟ فقال: أما تعلمون أنّ أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك، فلانسوؤا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و سرّوه.
4- كا: محمّد عن أحمد، عن عليّ بن النعمان رفعه، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: قال أبو جعفر علیه السّلام يمصّون الثماد، و يدعون النهر العظيم، قيل له: و ما النهر العظيم؟ قال: رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و العلم الّذي أعطاه الله، إنّ الله عزّ وجلّ جمع لمحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم سنن النبيّين من آدم علیه السّلام وهلّم جرّاً إلى محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم، قيل له : و ما تلك السنن؟ قال: علم النبيّن بأسره، وإنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم صيّر ذلك كلّه عند أمير المؤمنين علیه السّلام(3).
یر: أحمد بن محمّد، عن عليّ بن النعمان مثله(4).
5 - كا: أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن شعيب الحدّاد، عن ضريس الكناسيّ، قال: كنت عند أبي عبد الله علیه السّلام و عنده أبو بصير قال أبو عبد الله علیه السّلام : إنّ داود علیه السّلام و وارث علم الأنبياء، و إنّ سليمان علیه السّلام ورث داود علیه السّلام، وإنّ محمدا صلی الله علیه و آله و سلّم ورث سليمان علیه السّلام و إنّا ورثنا محمد صلی الله علیه و آله و سلّم، وإنّ عندنا صحف إبراهيم، وألواح موسى فقال أبو بصير: إنّ هذا لهو العلم، فقال: يا با محمّد ليس هذا هو العلم، إنّما العلم ما
يحدث بالليل و النهار يوماً بيوم وساعة بساعة.(1)
ير: أيّوب بن نوح و محمّد بن عيسى عن صفوان مثله.(2)
6 - كا: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن النعمان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : قال لي: يا با محمّد إنّ الله عزّ و جلّ لم يعط الأنبياء شيئاً إلّا وقد أعطاه محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم، قال : وقد أعطى محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم جميع ما أعطى الأنبياء علیهم السّلام، و عندنا الصحف الّتي قال الله عزّ و جلّ: «صحف إبراهيم و موسی» (3)قلت: جعلت فداك هي الألواح؟ قال: نعم.(4)
7 - کا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر أو غيره، عن محمّد بن حمّاد، عن أخيه أحمد عن إبراهيم، عن أبيه ، عن أبي الحسن الأوّل علیه السّلام قال: قلت له: جعلت فداك أخبرني عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ورث النبيّين كلّهم؟ قال: نعم قلت من لدن آدم علیه السّلام حتّى انتهى إلى نفسه؟ قال: ما بعث الله نبيّاً إلّا و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أعلم منه، قالت: قلت: إنّ عيسى بن مريم علیه السّلام كان يحيي الموتى بإذن الله، قال: صدقت و سلیمان بن داود علیه السّلام كان يفهم منطق الطير، وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقدر على هذه المنازل قال: فقال: إنّ سليمان ابن داود علیه السّلام قال للهدهد حين فقده و شكّ في أمره فقال: «مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين» (5)حين فقده فغضب عليه فقال: «لأعذّبنّه عذاباً شديداً أو لأذبحنّه أو ليأتينيّ بسلطان مبين»(6)و إنّما غضب لأنّه كان يدلّه على الماء، فهذا و هو طائر قد أعطي مالم يعط سليمان، و قد كانت الريح و النمل و الجنّ والإنس والشياطين والمردة له طائعين ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء، وكان الطير يعرفه، و إن الله يقول في كتابه: «و لو أنّ قرآناً سيّرت به الجبال أو قطّعت به الأرض أو كلّم
به الموتى» و قد ورثنا نحن هذا القرآن الّذي فيه ما تسير به الجبال و تقطع به البلدان و تحیی به الموتى و نحن نعرف الماء تحت الهواء، وإنّ في كتاب الله لآيات ما يرادبها أمر إلّا أن يأذن الله به مع ما قد يأذن الله ممّا كتبه الماضون جعله الله لنا في أمّ الكتاب، إنّ الله يقول: «و ما من غائبة في السماء والأرض إلّا في كتاب مبين»(1)ثمّ قال: «ثم أورثنا الكتاب الّذين اصطفينا من عبادنا»(2)فنحن الّذين اصطفانا الله عزّ وجلّ، و أورثنا هذا الّذي فيه تبيان كلّ شيء»(3).
8 - ير: محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبدالله بن القاسم، عن صباح المزنيّ عن الحارث بن حصيرة، عن حبّة العرنيّ قال: سمعت أمير المؤمنين علیه السّلام يقول: إنّ يوشع بن نون علیه السّلام كان وصيّ موسى بن عمران علیه السّلام و كانت ألواح موسى من زمرّد أخضر، فلمّا غضب موسى علیه السّلام ألق الألواح من يده، فمنها ما تكسّر، ومنها مابق، ومنها ما ارتفع، فلمّا ذهب عن موسى علیه السّلام الغضب قال يوشع بن نون: أعندك تبيان ما في الألواح؟ قال: نعم، فلم يزل يتوارثونها رهطٌ من بعد رهطٍ حتّى وقعت في أيدي أربعة رهطٍ من اليمن، و بعث الله محمداً صلی الله علیه و آله و سلّم بتهامة وبلّغهم الخبر فقالوا: ما يقول هذا النبيّ؟ قيل ينهى عن الخمر و الزنا، ويأمر بمحاسن الأخلاق وكرم الجوار، فقالوا: هذا أولى بما في أيدينا منّا فاتّفقوا أن يأتوه في شهر كذا وكذا، فأوحى الله إلى جبرئيل انت النبيّ فأخبره، فأتاه فقال: إنّ فلاناً و فلاناً و فلاناً، و فلاناً (ظ) ورثوا ألواح موسى علیه السّلام و هم يأتونك في شهر كذا وكذا، في ليلة كذا وكذا، فسهر لهم تلك الليلة، فجاء الركب فدقّوا عليه الباب و هم يقولون: يا محمّد، قال: نعم يا فلان بن فلان، و یا فلان بن فلان، و یا فلان بن فلان، و یا فلان بن فلان، أين الكتاب الذي توارثتموه من يوشع بن نون وصيّ موسى بن عمران؟ قالوا نشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له و أنّك محمّداً رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، والله ما علم به أحد قطّ منذ وقع عندنا
قبلك، قال: فأخذه النبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم فإذا هو كتاب بالعبرانيّة دقيق فدفعه إليّ، و وضعته عند رأسي، فأصبحت بالغداة و هو كتاب بالعبربيّة جليل فيه علم ما خلق الله منذ قامت السماوات والأرض إلى أن تقوم الساعة، فعلمت ذلك(1).
9 - ع: المظفّر العلويّ، عن ابن العياشيّ، عن أبيه، عن محمّد بن نصير، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن محمّد بن إسماعيل، عن أبي إسماعيل السرّاج، عن بشر بن جعفر، عن مفضّل الجعفيّ، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: سمعته يقول: أتدري ماكان قميص يوسف علیه السّلام؟ قال: قلت: لا، قال: إنّ إبراهيم علیه السّلام لمّا أوقدت له النار أتاه جبرئيل علیه السّلام بثوب من ثياب الجنّة و البسه ،إيَّاه، فلم يضرّه معه ريح و لا برد و لا حرّ، فلمّا حضر إبراهيم علیه السّلام الموت جعله في تميمة و علّقه على إسحاق علیه السّلام، و علّقه إسحاق علیه السّلام على يعقوب علیه السّلام، فلمّا ولد ليعقوب علیه السّلام يوسف علّقه عليه، فكان في عضده حتّى كان من أمره ما كان، فلمّا أخرج يوسف علیه السّلام القميص من التميمة وجد يعقوب علیه السّلام ريحه و هو قوله تعالى «إنّي لأجد ريح يوسف لولا أنّ تفنّدون»(2)فهو ذلك القميص الّذي أنزل به من الجنّة، قلت: جعلت فداك فإلى من صار هذا القميص؟ قال: إلى أهله، وكلّ نبيّ ورث علماً أو غيره فقد انتهى إلى محمّد و آله(3).
ير: محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل مثله(4).
10 - ير: اليقطينيّ، عن محمّد بن عمر، عن عبدالله بن الوليد السماّن قال: قال لي أبو جعفر علیه السّلام: يا عبد الله ما تقول الشيعة في عليّ و موسى و عیسی علیه السّلام؟ قال: قلت: جعلت فداك و من أيّ الحالات تسألني؟ قال: أسألك عن العلم فأمّا الفضل فهم سواء، قال: قلت: جعلت فداك فما عسى أن أقول فيهم؟ فقال: هو والله أعلم منهما، ثم قال: يا عبدالله
أليس يقولون : إنّ لعليّ ما للرسول من العلم؟ قال: قلت: بلى، قال: فخاصمهم فيه، قال: إنّ الله تبارك و تعالى قال لموسى: «و كتبناله في الألواح من كلّ شيء» فأعلمنا أنّه لم يبيّن له الأمر كلّه، وقال الله تبارك و تعالى لمحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم «و جئنابك على هؤلاء» شهيداً *و نزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلّ شيء»(1).
11 - ير: أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن ابن مسكان قال: قال أبو عبد الله علیه السّلام : «كذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض و ليكون من الموقنين» قال: كشط لإبراهيم علیه السّلام السماوات السبع حتّى نظر إلى ما فوق العرش، و كشط له الأرض حتّى رأى ما في الهواء. و فعل بمحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم مثل ذلك، وإنّي لأرى صاحبكم والأئمّة من بعده قد فعل بهم مثل ذلك.
12 - ير: أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكنانيّ، عن أبي جعفر، عن آبائه علیهم السّلام قال: خرج علينا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و في يده اليمنى كتاب، و في يده اليسرى كتاب، فنشر الكتاب الّذي في يده اليمنى فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب لأهل الجنّة بأسمائهم وأسماء آبائهم، لا يزاد فيهم واحد، و لا ينقص منهم واحد، قال: ثمّ نشر الذي بيده اليسرى، فقرأ كتاب من الله الرحمن الرحيم، لأهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم و قبائلم، لا يزاد فيهم واحد، ولا ينقص منهم واحد(2).
13 - فس: أبي، عن حنّان، عن أبيه سدير، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مقامي بين أظهركم خير لكم، فإنّ الله يقول: «و ما كان الله ليعذّبهم و أنت فيهم» و مفارقتي إيّاكم خير لكم، فقالوا: يا رسول الله مقامك بين أظهرنا خير لنا فكيف تكون مفارقتك خيراً لنا؟ قال: إنّما مفارقتي إيَّاكم خير لكم فإنّ أعمالكم تعرض عليّ كلّ
خميس و اثنين فما كان من حسنة حمدت الله عليها، و ما كان من سيّئة استغفرت الله لكم(1).
14 - ير: محمّد بن عبد الحميد، عن المفضّل بن صالح، عن زيد الشحّام قال: سألته عن أعمال هذه الأمّة، قال: ما من صباح يمضي إلّا و هي تعرض على نبيّ الله أعمال هذه الأمّة(2).
15 - ير: أحمد بن محمّد، عن الأهوازيّ، عن القاسم بن محمّد، عن البطائنيّ، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : قلت له: إنّ أبا الخطاب كان يقوم: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم تعرض عليه أعمال امّته كلّ خميس فقال أبو عبد الله علیه السّلام: ليس هو هكذا، ولكن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم تعرض عليه أعمال هذه الأمّة كلّ صباح أبرارها و فجارها فاحذروا، و هو قول الله عزّ وجلّ: «اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين»(3).
16 - ير: محمّد بن عيسى، عن يونس، عن عليّ بن هاشم، عن محمّد بن عبيد الله ابن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : مثّل لي أمّتي في الطين، و علّمت الأسماء كما علّم آدم الأسماء كلّها، ورأيت أصحاب الرايات، فكلّما مررت بك يا عليّ و بشيعتك استغفرك لكم(4).
17 - شي: عن ابن مسكان، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر علیه السلام، قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّ أمّتي عرض عليّ في الميثاق، فكان أوّل من آمن بي عليّ، و هو أوّل من صدّقني حين بعثت. و هو الصدّيق الأكبر، والفاروق يفرق بين الحقّ و الباطل(5).
1 - ب: الحسن بن ظريف عن معمر عن الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر علیه السّلام قال: كنت عند أبي عبدالله ال لاهلها ذات يوم و أنا طفل خماسي إذ دخل عليه نفر من اليهود فقالوا أنت ابن محمد نبي هذه الأمة، والحجة على أهل الأرض؟ قال لهم: نعم، قالوا: إنا نجد في التوراة أنّ الله تبارك و تعالى آتى إبراهيم و ولده الكتاب والحكم و النبوة، وجعل لهم الملك و الإمامة، وهكذا وجدنا ذرّيّة الأنبياء لا تتعداهم النبوّة و الخلافة و الوصية، فما بالكم قد تعدّاكم ذلك، و ثبت في غيركم، ونلقاكم مستضعفين مقهورين، لا يرقب فيكم ذمّة نبيّكم؟ فدمعت عينا أبي عبد الله علیه السّلام، ثمّ قال : نعم لم تزل أنبياء الله مضطهدة مقهورة مقتولة بغير حقّ و الظلمة غالبة وقليل من عباد الله الشكور ، قالوا: فإنّ الأنبياء و أولادهم علموا من غير تعليم، وأوتوا العلم تلقيناً، وكذلك ينبغي لأئمتهم وخلفائهم و أوصيائهم، فهل أوتيتم ذلك؟ فقال أبو عبد الله علیه السّلام: ادنه يا موسى فدنوت فسح يده على صدري ثمّ قال: اللّهمّ أيّده بنصرك بحقّ محمّد و آله، ثمّ قال: سلوه عمّا بدالكم، قالوا: وكيف نسأل طفلاً لا يفقه؟ قلت سلوني تفقّهاً، ودعوا العنت.
قالوا: أخبرنا عن الآيات التسع الّتي أوتيها موسى بن عمران، قلت: العصا، و إخراجه يده من جيبه بيضاء، والجراد، والقمّل والضفادع و الدم و رفع الطور، و المنّ والسلوى آية واحدة، و فلق البحر، قالوا: صدقت فما أعطي نبيّكم من الآيات اللّاتي نفت الشكّ عن قلوب من أرسل إليه؟ قلت: آيات كثيرة أعدّها إن شاء الله، فاسمعوا وعوا وافقهوا، أمّا أوّل ذلك فإن أنتم تقرّون أنّ الجنّ كانوا يسترقون السمع قبل مبعثه فمنعت في أوان رسالته بالرجوم و انقضاض النجوم، وبطلان الكهنة و السحرة.
و من ذلك كلام الذئب يخبر بنبوّته، و اجتماع العدوّ والوليّ على صدق لهجته، وصدق أمانته، وعدم جهله أيّام طفوليّته، وحين أيفع، وفتى وكهلاً، لا يعرف له شكل، ولا يوازيه
مثل .
و من ذلك أنّ سيف بن ذي يزن حين ظفر بالحبشة وفد عليه قريش فيهم عبدالمطّلب، فسألهم عنه، و وصف لهم صفته فأقرّوا جميعاً بأنّ هذه الصفة في محمّد، فقال: هذا أوان مبعثه، و مستقرّه أرض يثرب و موته بها.
و من ذلك أنّ أبرهة بن يكسوم قاد الفيلة إلى بيت الله الحرام ليهدمه قبل مبعثه، فقال عبد المطّلب: إنّ لهذا البيت ربّاً يمنعه، ثمّ جمع أهل مكّة فدعا ، و هذا بعد ما أخبره سيف بن ذى يزن، فأرسل الله تبارك و تعالى عليهم طيراً أبابيل ودفعهم عن مكّة و أهلها.
و من ذلك أنّ أبا جهل عمرو بن هشام المخزوميّ أتاه و هو نائم خلف جدار، و معه حجر يريد أن يرميه به فالتصق بكفّه.
و من ذلك أن أعرابيّاً باع ذوداً له من أبي جهل فطله بحقّه فأتى قريشاً فقال: أعدوني على أبي الحكم فقد لوّى بحقّی فأشاروا إلى محمد صلی الله علیه و آله و سلّم و هو يصلّي في الكعبة، فقالوا: ائت هذا الرجل فاستعديه عليه، و هم يهزؤون بالأعرابيّ فأتاه فقال له، يا عبد الله أعدنيّ على عمرو بن هشام فقد منعني حقّی، قال: نعم، فانطلق معه فدقٌ على أبي جهل بابه، فخرج إليه
متغيّراً فقال له ما حاجتك؟ قال: أعط الأعرابيّ حقّه، قال: نعم، و جاء الأعرابيّ إلى قريش فقال: جزاكم الله خيراً، انطلق معي الرجل الّذي دللتموني عليه فأخذ حقّی، وجاء أبوجهل فقالوا: أعطيت الأعرابي حقّه؟ قال: نعم، قالوا: إنّما أردنا أن نغريك بمحمّد و نهزأ باِلأعرابيّ، فقال: ما هو إلادقّ بابي فخرجت إليه، فقال: أعط الأعرابيّ حقّه، و فوقه مثل الفحل فاتحاً فاه كأنّه يريدني، فقال: أعطه حقّه، فو قلت: لا، لابتلع رأسي، فأعطيته. و من ذلك أنّ قريشاً أرسلت النضر بن الحارث و علقمة بن أبي معيط بيثرب إلى اليهود، وقالوا لهما: إذا قدمتها عليهم فسائلوهم عنه، و هما قد سألوهم عنه فقالوا: صفوالنا صفته، فوصفوه و قالوا: من تبعه منكم؟ قالوا: سفلتنا، فصاح حبرٌ منهم فقال: هذا النبيّ الّذي نجد نعته في التوراة، ونجد قومه أشدّ الناس عداوةً له.
و من ذلك أنّ قريشاً أرسلت سراقة بن جعشم حتّى يخرج إلى المدينة في طلبه فلحق به، فقال صاحبه، هذا سراقة يا نبيّ الله، فقال: اللّهمّ اكفنيه، فساخت قوائم ظهره، فناداه یا محمّد خلّ عنّي بموفّق أعطيكه أن لا اُناصح غيرك، وكلّ من عاداك لا أصالح، فقال النبي صلی الله علیه و آله و سلّم: اللّهمّ إن كان صادق المقال فأطلق فرسه، فأطلق فوفى، و ما انثنى بعد.
و من ذلك أنّ عامر بن الطفيل و أزيد بن قيس أتيا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال عامر لأزيد: إذا أتيناه فأنا أشاغله عنك فاعله بالسيف، فلمّا دخلا عليه قال عامر: يا محمّد حال، قال: لا حتّى تقول: لا إله إلّا الله وإنّي رسول الله، و هو ينظر إلى أزيد، و أزيد لا يخبر شيئاً، فلمّا طال ذلك نهض و خرج، و قال لأزيد: ما كان أحد على وجه الأرض أخوف منك على نفسه فتكاً منك، ولعمري لا أخافك بعد اليوم، قال له أزيد: لا تعجل فإنّي ما هممت بما أمرتني به إلّا دخلت الرجال بيني و بينك حتّى ما أبصر غيرك فأضربك.
و من ذلك أنّ أزيد بن قيس و النضر بن الحارث اجتمعا على أن يسألاء عن الغيوب فدخلا عليه فأقبل النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم على أزيد فقال: يا أزيد أتذكر ما جئت له يوم كذا و معك
عامر بن الطفيل؟ و أخبر بما كان منهما، فقال أزيد: و الله ما حضرني و عامراً أحد و ما أخبرك بهذا إلّا ملك السماء، و أنا أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له و أنك رسول الله.
و من ذلك أنّ نفراً من اليهود أتوه فقالوا لأبي الحسن جدّي :استأذن لنا على ابن عمّك نسأله فدخل علىّ علیه السّلام فأعلمه، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: و ما يريدون منّي؟ فإنّي عبدٌ من عبيدالله، لا أعلم إلّا ما علّمني ربّي ثمّ قال: أذن لهم فدخلوا عليه، فقال: أتسألوني عمّا جئتم له أم أنبتكم؟ قالوا: نبّئنا، قال: جئتم تسألوني عن ذي القرنين، قالوا: نعم، قال: كان غلاماً من أهل الروم، ثمّ ملك و أتى مطلع الشمس و مغربها، ثمّ بنى السدّ فيها، قالوا: نشهد أنّ هذا كذا.
و من ذلك أنّ وابصة بن معبد الأسدّى أتاه فقال: لا أدع من البرّ والإثم شيئاً إلّا سألته عنه، فلمّا أتاه قال له بعض أصحابه: إليك يا وابصة عن رسول الله، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: دعه أدنه يا وابصة، فدنوت، فقال: أتسأل عمّا جئت له أو أخبرك؟ قال: أخبرني، قال: جئت تسأل عن البرّ والإثم، قال: نعم، فضرب بيده على صدره ثمّ قال: يا وابصة البرّ ما اطمأنّك به النفس، والبرّ ما اطمأنّ به الصدر، والإثم ما تردّد في الصدر و جال في القلب، وإن أفتاك الناس و أفتوك.
و من ذلك أنّه أتاه وفد عبد القيس فدخلوا عليه، فلمّا أدركوا حاجتهم عنده قال: ائتوني بتمر أهلكم ممّا معكم فأتاه كلّ رجل منهم بنوع منه، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: هذا يسمّى كذا وهذا يسمّى كذا، فقالوا: أنت أعلم بتمر أرضنا، فوصف لهم أرضهم، فقالوا أدخلتها؟ قال لا، و لكن فسح لي فنظرت إليها، فقام رجل منهم فقال: يا رسول الله هذا خالي و به خبل فأخذ بردائه، ثمّ قال: اخرج عدوّ الله ثلاثاً أرسله فبرأ، و أتوه بشاة هرمة فأخذ أحد أذنيها بين أصابعه فصار لها ميسما، ثمّ قال: خذوها فإنّ هذه السمة في آذان ما تلد إلى يوم القيامة، فهي توالد وتلك في آذانها معروفة غير مجهولة.
و من ذلك أنّه كان في سفر فمرّ على بعير قد أعيا وقام مبركاً على أصحابه فدعا بماء
فتمضمض منه في إناء و توضّأ وقال: افتح فاه فصبّ في فيه، فمرّ ذلك الماء على رأسه و حاركه، ثمّ قال: اللّهمّ احمل خلّاداً و عامراً و رفيقهما و هما صاحبا الجمل، فركبوه و أنّه ليتهرّ
بهم أمام الخيل.
و من ذلك أنّ ناقة لبعض أصحابه ضلّت في سفر كانت فيه، فقال صاحبها: لو كان نبياً يعلم أمر النافة، فبلغ ذلك النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال: الغيب لا يعلمه إلّا الله، انطلق يا فلان فإنّ ناقتك بموضع كذا وكذا، قد تعلّق زمامها بشجرة، فوجدها كما قال.
و من ذلك أنّه مرّ على بعير ساقط فتبصبص له، فقال إنّه ليشكو شرّ ولاية أهله له، و سأله أن يخرج عنه فسأل عن صاحبه، فأتاه فقال: بعه و اخرجه عنك، فأناخ البعير يرغو، ثمّ نهض وتبع النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، فقال : يسألني أن أتولّى أمره، فباعه من علىّ علیه السّلام فلم يزل عنده إلى أيّام صفّين. و من ذلك أنّه كان في مسجده إذ أقبل جمل نادّ حتّى وضع رأسه في حجره، ثمّ خرخر، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : يزعم هذا أنّ صاحبه يريد أن ينحره في وليمة على ابنه فجاء يستغيث، فقال رجل: يا رسول الله هذا لفلان وقد أراد به ذلك، فأرسل إليه وسأله أن لا ينحره ففعل.
و من ذلك أنّه دعا على مضر فقال: اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر، و اجعلها عليهم كسني يوسف، فأصابهم سنون، فأتاه رجل فقال: هو الله ما أتيتك حتّى لا يخطر لنا فحل ولا يتردّد منّا رائح، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : «اللّهمّ دعوتك فأجبتني، وسألتك فأعطيتني اللّهمّ فاسقنا غيثاً مغيثا مريئاً سريعاً طبقاً سجّالاً عاجلاً غير رائث، نافعاً غير ضارّ» فماقام حتّى ملأكلّ شيء، ودام عليهم ،جمعة، فأتوه فقالوا: يا رسول الله انقطعت سبلنا و أسواقنا، فقال النبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم: حوالينا و لا علينا، فانجابت السحابة عن المدينة وصار فيما حولها و أمطروا أشهراً.
و من ذلك أنّه توجّه إلى الشام قبل مبعثه مع نفر من قريش فلمّا كان بحيال بحير الراهب
نزلوا بفناء ديره و كان عالماً بالكتب وقد كان قرأ في التوراة مرور النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم به و عرف أوان ذلك فأمر فدعي إلى طعامه، فأقبل يطلب الصفة في القوم فلم يجدها، فقال: هل بقي في رحالكم أحد؛ فقالوا: غلام يتيم، فقام بحير الراهب فاطلع فإذا هو برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم نائم و قد أظلّته سحابة، فقال للقوم: ادعوا هذا اليتيم ففعلوا، وبحير مشرف عليه وهو يسيرو السحابة قد أظلّته، فأخبر القوم بشأنه وأنّه سيبعث فيهم رسولاً و ماكان يكون من حاله و أمره، فكان القوم بعد ذلك يهابونه و يجلونه، فلمّا قدموا أخبروا قريشاً بذلك، وكان معهم عبد خديجة بنت خويلد، فرغبت في تزويجه و هي سيّدة نساء قريش، و قد خطبها كلّ صندید و رئیس قدابتهم، فزوّجته نفسها بالّذي بلعنها من خبر يحير.
و من ذلك أنّه كان بمكة قبل الهجرة أيّام ألبت عليه قومه وعشائره، فأمر عليّاً أن يأمر خديجة أن تتّخذ له طعاماً ففعلت، ثمّ أمره أن يدعوله أقرباءه من بني عبدالمطّلب فدعا أربعين رجلاً، فقال: احضر لهم طعاماً يا عليّ، فأتاه بئريدة وطعام يأكله الثلاثة و الأربعة، فقدّمه إليهم، وقال كلوا و سمّوا، فسمّى و لم يسمّ القوم، فأكلوا و صدروا شبعي، فقال أبو جهل: جادما سحركم محمّد، يطعم من طعام ثلاثة رجال أربعين رجلاً، هذا و الله السحر الّذي لا بعده، فقال علىّ علیه السّلام : ثمّ أمرني بعد أيّام فاتّخذت له مثله ودعوتهم بأعيانهم فطعموا و صدروا.
و من ذلك أنّ عليّ بن أبي طالب علیه السّلام قال دخلت السوق فابتعت لحماً بدرهم، واذرة بدرهم و أتيت فاطمة علیها السّلام حتّى إذا فرغت من الخبز و الطبخ قالت: لو دعوت أبي، فأتيته و هو مضطجع و هو يقول: أعوذ بالله من الجوع ضجيعاً فقلت له: يا رسول الله إنّ عندنا طعاماً، فقام واتّكأ عليّ ومضينا نحو فاطمة علیها السّلام، فلمّا دخلنا قال: هلمّ طعامك يا فاطمة، فقدمت إليه البرمة و القرص فغطّى القرص و قال: «اللّهم بارك لنا في طعامنا» ثمّ قال: اغر في لعائشة: فغرفت، ثمّ قال: اغرفي لأمّ سلمة، فما زالت تغرف حتّى وجّهت إلى نسائه
التسع قرصة قرصة و مرقاً، ثمّ قال: اغرفي لابنيك و بعلك، ثمّ قال: اغرفي و كل وأهدي لجاراتك، ففعلت و بقي عندهم و بقي عندهم أياماً يأكلون.
و من ذلك أنّ امرأة عبدالله بن مسلم أنته بشاة مسمومة، و مع النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم بشربن البراء بن عازب، فتناول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم الذراع، و تناول بشر الكراع، فأمّا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فلاکها و لفظها، وقال: إنّها لتخبرني أنّها مسمومة و أمّا بشر فلاك المضغة و ابتلعها فمات، فأرسل إليها فأقرّت فقال: ما حملك على ما فعلت؟ قالت: قتلت زوجي و أشراف قومي، فقلت: إن كان ملكاً قتلته، وإن كان نبيّاً فسيطلعه الله تبارك و تعالى على ذلك.
و من ذلك أنّ جابرين عبدالله الأنصاري قال: رأيت الناس يوم الخندق يحفرون وهم خماص و رأيت النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يحفر و بطنه خميص، فأتيت أهلي فأخبرتها، فقالت: ما عندنا إلّا هذه الشاة و محرزَ من ذرة قال فاخبزي، و ذبح الشاة و طبخوا شقّها وشوُوا الباقي حتّى إذا أدرك أتى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال : يا رسول الله اتّخذت طعاماً فأتني أنت و من أحببت، فشبّك أصابعه في يده، ثمّ نادى ألا إنّ جابراً يدعوكم إلى طعامه، فأتى أهله مذعوراً خجلاً فقال لها: هي الفضحية قد جفل بها أجمعين، فقالت: أنت دعوتهم أم هو قال: هو، قالت: فهو أعلم بهم، فلمّا رأنا أمر بالأنطاع، فبسطت على الشوارع و أمره أن يجمع التوارى – يعني قصاعاً كانت من خشب – و الجفان، ثمّ قال: ما عندكم من الطعام؟ فأعلمته، فقال: غطّوا السدانة والبرمة و التنّور و اغرفوا، و أخرجوا الخبز واللحم و غطّوا، فما زالوا يغرفون و ينقلون و لا يرونه ينقص شيئاً حتّى شبع القوم و هم ثلاثة آلاف، ثمّ أكل جابر و أهله و أهدوا و بقي عندهم أتاماً.
و من ذلك أنّ سعد بن عبّادة الأنصاري أتاه عشيّة و هو صائم فدعاه إلى طعامه، و دعا معه علىّ بن أبي طالب علیه السّلام، فلمّا أكلوا قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: نبيّ و وصيّ أيا سعد أكل طعامك الأبرار، و أفطر عندك الصائمون، وصلّت عليكم الملائكة، فحمله سعد على حمار قطوف، و
ألق عليه قطيفة، فرجع الحمار وإنّه لهملاج ما يساير.
و من ذلك أنّه أقبل من الحديبيّة و في الطريق ماء يخرج من و شل بقدر ما يروي الراكب و الراكبين فقال: من سبقنا إلى الماء فلا يستقيّن منه، فلمّا انتهى إليه دعا بقدح فتمضمض فيه ثمّ صبّه في الماء، ففاض الماء فشربوا و ملأوا أداواهم ومياضيهم و توضّؤوا، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : لإن بقيتم و بقى منكم ليسقينّ بهذا الوادي يسقى ما بين يديه من كثرة مائه، فوجدوا ذلك كما قال.
و من ذلك إخباره عن الغيوب و ماكان و ما يكون فوجدوا ذلك موافقاً لما يقول.
و من ذلك أنّه أخبر صبيحة الليلة الّتي أُسري به بما رأي في سفره، فانكر ذلك بعض و صدّقه بعض، فأخبرهم بما رأى من المارّة والممتارة، وهيأتهم ومنازلهم و ما معهم من الأمتعة و أنّه رأى عيراً أمامها بعير أورق، وأنّه يطلع يوم كذا من العقبة مع طلوع الشمس، فعدّوا يطلبون تكذيبه للوقت الّذي وقّته لهم، فلمّا كانوا هناك طلعت الشمس، فقال بعضهم: كذب الساحر و بصر آخرون بالعير قد أقبلت يقدمها الأورق فقالوا: صدق، هذه، نعم قد أقبلت.
و من ذلك أنّه أقبل من تبوك فجهدوا عطشا و بادر الناس إليه يقولون: الماء الماء يا رسول الله، فقال لأبي هريرة هل معك من الماء شيء؟ قال: كقدر قدح في ميضاتي قال: هلمّ ميضاتك، فصبّ ما فيه في قدح و دعا و أوعاه وقال: ناد من أراد الماء. فأقبلوا يقولون: الماء يا رسول الله، فمازال يكسب و أبو هريرة يسق حتّى روي القوم أجمعون، و ملأواما معهم، ثمّ قال لأبي هريرة: اشرب فقال: بل آخركم شرباً، فشرب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و شرب.
و من ذلك أنّ أخت عبدالله بن رواحة الأنصارى مرّت به أيّام حفرهم الخندق فقال لها: أين تريدين؟ قالت: إلى عبد الله بهذه التمرات، فقال: هاتيهنّ فنثرت في كفّه، ثمّ دعا بالأنطاع و فرّقها عليها و غطّاها بالأزر، وقام و صلّى ففاض التمر على الأنطاع، ثمّ نادى
هلمّوا وكلوا، فأكلوا و شبعوا و حملوا معهم و دفع ما بقي إليها. و من ذلك أنّه كان في سفر فأجهدوا جوعاً، فقال: من كان معه زاد فليأتنا به فأتاه نفر منهم بمقدار صاع، فدعا بالأزر و الأنطاع ثمّ صبّ التمر عليها، ودعا ربّه فأكثر الله ذلك التمر حتّى كان أزوادهم إلى المدينة.
و من ذلك أنّه أقبل من بعض أسفاره فأتاه قوم فقالوا: يا رسول الله إنّ لنا بتراً إذا كان القيظ اجتمعنا عليها، وإذا كان الشتاء تفرّقنا على مياه حولنا، وقد صار من حولنا عدوّاً لنا فادع الله في بئرنا فتفل صلی الله علیه و آله و سلّم في بئرهم ففاضت المياه المغيّبة، وكانوا لا يقدرون أن ينظروا إلى قعرها بعد من كثرة مائها، فبلغ ذلك مسيلمة الكذّاب فحاول مثله من قليب قليل ماؤه فتفل الأنكد في القليب فغار ماؤه، و صار كالجبوب.
و من ذلك أنّ سرافة بن جعشم حين وجّهه قريش في طلبه ناوله نبلاً من كنانته و قال له: ستمرّ برعاتي فإذا وصلت إليهم فهذا علامتي، اطعم عندهم و اشرب، فلمّا انتهى إليهم أتوه بعنز حايل فمسح صلی الله علیه و آله و سلّم ضرعها فصارت حاملاً و درّت حتّى ملأوا الإناء و ارتووا.
من ذلك أنّه نزل بأمّ شريك فأتته بعكّة فيها سمن يسير، فأكل هو و أصحابه، ثمّ دعالها بالبركة فلم تزل العكّة تصبّ سمناً أيّام حياتها.
و من ذلك أنّ أم جميل امرأة أبي لهب أتته حين نزلت سورة تبّت و مع النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أبوبكر بن أبي قحافة، فقال يا رسول الله هذه أمّ جميل محفظةٌ، أي مغضبة تريدك، و معها حجر تريد أن ترميك به، فقال: إنّها لا تراني فقالت لأبي بكر: أين صاحبك؟ قال: حيث شاء الله، قالت لقد جئته و لوأراه لرميته فإنّه هجاني، و اللّات والعزّى إنّي لشاعرة فقال أبو بكر: يا رسول الله لم ترك؟ قال: لا ضرب الله بيني و بينها حجاباً.
و من ذلك كتابه المهيمن الباهر لعقول الناظرين، مع ما أعطي من الخلال الّتي إن ذكرناها لطالت .
فقالت اليهود: وكيف لنا بأن نعلم أنّ هذا كما وصفت؟ فقال لهم موسى علیه السّلام وكيف لنا بأن نعلم أنّ ما تذكرون من آيات موسى صلّى الله عليه على ما تصفون؟ قالوا: علمنا ذلك بنقل البررة الصادقين، قال لهم: فاعلموا صدق ما أتيناكم به بخبر طفل لقّنه الله من غير تلقين و لامعرفة عن الناقلين، فقالوا: نشهد أن لا إله إلّا الله و أنّ محمّداً رسول الله، وأنّكم الأئمّة والقادة والحجج من عند الله على خلقه فوتب أبو عبد الله علیه السّلام فقبّل بين عينيّ، ثمّ قال: أنت القائم من بعدي - فلهذا قالت الواقفة: إنّه حیّ، وإنّه القائم - ثمّ كساهم أبو عبد الله علیه السّلام و وهب لهم و انصرفوا مسلمين(1).
2 - :م بالإسناد إلى أبي محمّد العسكريّ علیه السّلام أنّه قال: قيل لأمير المؤمنين علیه السّلام: هل لحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم آية مثل آية موسى علیه السّلام في رفعه الجبل فوق رؤوس الممتنعين عن قبول ما أمروا به؟ فقال أمير المؤمنين علیه السّلام : إي والّذي بعثه بالحقّ نبيّاً ما من آية كانت لأحد من الأنبياء من لدن آدم علیه السّلام إلى أن انتهى إلى محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم إلّا وقد كان محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم مثلها أو أفضل منها، و لقد كان لمحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم نظير هذه الآية إلى آيات أخر ظهرت له، و ذلك أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا أظهر بمكّة دعوته، و أبان عن الله مراده رمته العرب عن قسيّ عداوتها بضروب إمكانهم، و لقد قصدته يوماً لأنّى كنت أوّل الناس إسلاماً، بعث يوم الإثنين وصلّيت معه يوم الثلثأة، و بقيت معه أصلّي سبع سنين حتّى دخل نفر في الإسلام، وأيّد الله تعالى دينه من بعد، فجاءه قوم من المشركين فقالوا له: يا محمّد تزعم أنّك رسول ربّ العالمين، ثمّ إنّك لا ترضى بذلك حتّى تزعم أنّك سيّدهم و أفضلهم، فإن كنت نبيّاً فأتنا بآية كما تذكره عن الأنبياء قبلك مثال نوح الّذي جاء بالغرق، ونجا في سفينته مع المؤمنين و إبراهيم الّذي ذكرت أنّ النار جعلت عليه برداً وسلاماً، وموسى الّذي زعمت أنّ الجبل رفع فوق رؤوس أصحابه حتّى انقادوا لما دعاهم إليه صاغرين داخرين و عيسى الّذي كان ينبّتهم بما يأكلون و ما
1) قرب الاسناد: 140/132
يدّخرون في بيوتهم، وصار هؤلاء المشركون فرقاً أربع، هذه تقول: أظهر لنا آية نوح، و هذه تقول: أظهر لنا آية موسى و هذه تقول: أظهر لنا آية ابراهيم وهذه تقول: أظهر لنا آية عيسى فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّما أنا نذير مبين آتيتكم بآية مبيّنة: هذا القرآن الّذي تعجزون أنتم و الأمم وسائر العرب عن معارضته، و هو بلغتكم فهو حجّة الله و حجّة نبيّه عليكم، و ما بعد ذلك فليس لي الاقتراح على ربّي، و ما على الرسول إلّا البلاغ المبين إلى المقرّين بحجّة صدقه، و آية حقّه، و ليس عليه أن يقترح بعد قيام الحجّة على ربه ما يقترحه عليه المقترحون الّذين لا يعلمون هل الصلاح أو الفساد فيما يقترحون؟ فجاء جبرئيل علیه السّلام فقال: يا محمّد إنّ العليّ الأعلى يقرأ عليك السلام، و يقول: إنّي سأظهر لهم هذه الآيات، وإنّهم يكفرون بها إلّا من أعصمه منهم، و لكنّي أريهم زيادة في الاعذار، و الإيضاح الحججك، فقل لهؤلاء المقترحين لآية نوح علیه السّلام : امضوا إلى جبل أبي قبيس فإذا بلغتم سفحه فسترون آية نوح علیه السّلام، فإذا غشيكم الهلاك فاعتصموا بهذا او بطفلين يكونان بين يديه، و قل للفريق الثاني المقترحين لآية إبراهيم علیه السّلام: امضوا إلى حيث تريدون من ظاهر مكّة فسترون آية إبراهيم علیه السّلام في النار، فإذا غشيكم البلاء فسترون في الهواء امرأة قد أرسلت طرف خمارها فتعلّقوا به لتنجيكم من الهلكة وتردّ عنكم النّار، و قل للفريق الثالث المقترحين لآية موسى علیه السّلام : امضوا إلى ظلّ الكعبة فأنتم سترون آية موسى علیه السّلام، و سينجيكم هناك عمّي حمزة، وقل للفريق الرابع و رئيسهم أبوجهل: و أنت يا أبا جهل فاثبت عندي ليتصل بك أخبار هؤلاء الفرق الثلاثة، فإنّ الآية التي اقترحتها أنت تكون بحضرتي، فقال أبو جهل للفرق الثلاثة: قوموا فتفرّقوا ليتبيّن لكم باطل قول محمّد، فذهب الفرقة الأولى إلى جبل أبي قبيس فلمّا صاروا إلى جانب الجبل نبع الماء من تحتهم، و نزل من السماء الماء من فوقهم من غير غمامة ولا سحاب وكثر حتّى بلغ أفواههم فالجمها و ألجأهم إلى صعود الجبل إذ لم يجدوا منجى سواه، فجعلوا يصعدون الجبل و الماء يعلو من تحتهم إلى
أن بلغوا ذروته، وارتفع الماء حتّى ألجمهم و على قلّة الجبل، و أيقنوا بالغرق إذ لم يكن لهم مفرّ، فرأوا عليّاً علیه السّلام واقفاً على متن الماء فوق قلّة الجبل، و عن يمينه طفل، و عن يساره طفل، فناداهم علىّ: خذوا بيدي أنجيكم أو بيد من شئتم من هذين الطفلين، فلم يجدوا بدّاً من ذلك، فبعضهم أخذ بيد عليّ، وبعضهم أخذ بيد أحد الطفلين، و بعضهم أخذ بيد الطفل الآخر، وجعلوا ينزلون بهم من الجبل و الماء ينزل و ينحطّ من بين أيديهم حتّى أوصلوهم إلى القرار، و الماء يدخل بعضه في الأرض، و يرتفع بعضه إلى السماء حتّى عادواكهيئتهم إلى قرار الأرض، فجاء علىّ علیه السّلام بهم إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و هم يبكون و يقولون: نشهد أنك سيّد المرسلين، و خير الخلق أجمعين، رأينا مثل طوفان نوح علیه السّلام، وخلّصنا هذا و طفلان كانا معه رسول لسنانراهما الآن، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، أما إنّهما سيكونان، هما الحسن و الحسين سيولدان لأخي هذا، هما سيّد اشباب أهل الجنّة و أبوهما خير منها، اعلموا أنّ الدنيا بحر عميق، قد غرق فيها خلق كثير، و أنّ سفينة نجاتها آل محمّد: عليّ وولداه اللذان رأيتموهما سيكونان و سائر أفاضل أهلي، فمن ركب هذه السفينة نجا و من تخلّف عنها غرق، ثمّ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : فكذلك الآخرة حميمها و نارها كالبحر، و هؤلاء سفن أُمّتى يعبرون بمحبّيهم وأوليائهم إلى الجنّة، ثمّ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : أما سمعت هذا يا باجهل؟ قال: بلى حتّى أنظر إلى الفرقة الثانية و الثانية.
فجاءت الفرقة الثانية يبكون و يقولون: نشهد أنّك رسول ربّ العالمين، وسيّد الخلق أجمعين، مضينا إلى صحراء ملساء و نحن نتذاكر بيننا قولك، فنظرنا السماء قد تشقّقت بجمر النيران تتناثر عنها، ورأينا الأرض قد تصدّعت و لهب النيران يخرج منها، فما زالت كذلك حتّى طبّقت الأرض وملأتها، ومسّنا من شدّة حرّها حتّى سمعنا الجلودنا نشيشاً من شدّة حرّها، و أيقنّا بالاشتواء و الاحتراق بتلك النيران فبينما نحن كذلك إذ رفع لنا في الهواء شخص امرأة قد أرخت خمارها فتدلّى طرفه البنا بحيث تناله أيدينا، و إذا مناد من السماء
ينادينا: إن أردتم النجاة فتمسّكوا ببعض أهداب هذا الخمار فتعلّق كلّ واحد منا بهدبة من أهداب ذلك الخمار فرفعنا في الهواء ونحن نشقّ جمر النيران و لهبها لا يمسّنا شررها، ولا يؤذينا حرّها، و لا نثقل على الهدبة الّتي تعلّقنا بها، ولا تنقطع الأهداب في أيدينا على دقّتها، فما زالت كذلك حتّى جازت بنا تلك النيران ثمّ وضع كلّ واحد منّا في صحن داره سالماً معافاً، ثمّ خرجنا فالتقينا فجئناك عالمين بأنّه لا محيص عن دينك، و لا معدل عنك و أنت أفضل من لجيء إليه، و اعتمد بعد الله إليه، صادق في أقوالك، حكيم في أفعالك، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لأبي جهل: هذه الفرقة الثانية قد أراهم الله آية إبراهيم علیه السّلام، قال أبو جهل: حتّى أنظر الفرقة الثالثة و أسمع مقالتها ، قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لهذه الفرقة الثانية لمّا آمنوا: يا عباد الله إنّ الله أغائكم بتلك المرأة أتدرون من هي؟ قالوا: لا، قال: تلك تكون ابنتي فاطمة، و هي سيّدة النساء، إنّ الله تعالى إذا بعث الخلائق من الأولين والآخرين نادى منادي ربّنا من تحت عرشه يا معشر الخلائق غضّوا أبصارهم لتجوز فاطمة بنت محمّد سيّدة نساء العالمين على الصراط، فتغضّ الخلائق كلّهم أبصارهم فتجوز فاطمة على الصراط، لا يبقى أحد في القيامة إلّا غض بصره عنها إلا محمّد و عليّ و الحسن و الحسين و الطاهرون من أولادهم فإنّهم محارمها ، فإذا دخلت الجنّة بقى مرطها ممدوداً على الصراط، طرف منه بیدها و هي في الجنّة وطرف في عرصات القيامة، فينادي منادي ربّنا يا أيها المحبّون لفاطمة تعلّقوا بأهداب مرط فاطمة سيّدة نساء العالمين فلا يبقى محبّ لفاطمة إلّا تعلّق بهدبة من أهداب مرطها ، حتّى يتعلّق بها أكثر من ألف فئام و ألف فئام، قالوا: و كم فئام واحد يا رسول الله؟ قال: ألف ألف وينجون بها من النار.
قال: ثمّ جاءت الفرقة الثالثة باكين يقولون نشهد يا محمّد أنّك رسول ربّ العالمين و سيّد الخلق أجمعين، و أنّ عليّاً أفضل الوصييّن و أنّ آلك أفضل آل النبييّن، وصحابتك خير صحابة المرسلين، و أنّ أمّتك خير الأمم أجمعين رأينا من آياتك مالا محيص لنا عنها، و من
معجزاتك مالا مذهب لنا سواها، قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: و ما الّذي رأيتم؟ قالوا: كنا قعوداً في ظلّ الكعبة تتذاكر أمرك و نهزاً بخبرك و أنك ذكرت أنّ لك مثل آية موسى علیه السّلام، فبينا نحن كذلك إذا ارتفعت الكعبة عن موضعها و صارت فوق رؤوسنا فركزنا في مواضعنا، و لم نقدر أن نريمها، فجاء عمّك حمزة وقال يزجّ رمحه هكذا تحتها فتناولها واحتبسها على عظمها فوقنا في الهواء، ثمّ قال لنا: اخرجوا، فخرجنا من تحتها، فقال: ابعدوا؛ فبعدنا عنها، ثمّ أخرج سنان الرمح من تحتها فنزلت إلى موضعها واستقرّت، فجئناك بذلك مسلمين.
فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لأبي جهل: هذه الفرقة الثالثة قد جاءتك وأخبرتك بما شاهدت، فقال أبو جهل: لا أدري أصدق هؤلاء أم كذبوا أم حقّق لهم، أمّ خيّل إليهم، فإن رأيت ما أنا أقترحه عليك من نحو آيات عيسى بن مريم علیه السّلام فقد لزمني الإيمان بك، وإلّا فليس يلزمني تصديق هؤلاء، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : يا أبا جهل فإن كان لا يلزمك تصديق هؤلاء على كثرتهم وشدّة تحصيلهم فكيف تصدّق بمآثر آبائك و أجدادك، و مساوي أسلاف أعدائك؟ وكيف تصدّق عن الصين و العراق و الشام إذا حدّثت عنها؟ هل المخبرون عن ذلك إلّا دون هؤلاء المخبرين لك عن هذه الآيات مع سائر من شاهدها منهم من الجمع الكثيف الّذين لا يجتمعون على باطل يتخرّصونه إلّا كان بإزائهم من يكذّبهم و يخبر بضدّ إخبارهم؟ ألا وكلّ فرقة من هؤلاء محجوجون بما شاهدوا، و أنت يا أباجهل محجوج بما سمعت ممّن شاهد، ثمّ أقبل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم على الفرقة الثالثة فقال لهم، هذا حمزة عمّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، بلّغه الله تعالى المنازل الرفيعة، و الدرجات العالية، وأكرمه بالفضائل لشدّة حبّه لمحمّد و لعليّ بن أبي طالب، أما إنّ حمزة عمّ محمّد لينحيّ جهنّم يوم القيامة عن محبّيه كما نحىّ عنكم اليوم الكعبة أن تقع عليكم، قيل: وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إنّه ليرى يوم القيامة إلى جانب الصراط عالم كثير من الناس لا يعرف عددهم إلّا الله تعالى هو كانوا محبّی حمزة وكثير منهم أصحاب الذنوب والآثام، فتحول حيطان بينهم و
بين سلوك الصراط و العبور إلى الجنّة، فيقولون: يا حمزة قدترى ما نحن فيه، فيقول حمزة لرسول الله و لعليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهما: قد تريان أولياني كيف يستغيثون بي؟ فيقول محمّد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لعليّ وليّ الله : يا عليّ أعن عمّك على إغاثة أوليائه، و استنقاذهم من النار فيأتي عليّ بن أبي طالب علیه السّلام بالريح الّذي كان يقاتل به حمزة أعداء الله تعالى في الدنيا، فيناوله إيَّاه، و يقول: يا عمّ رسول اللهصلی الله علیه و آله و سلّم و عمّ أخي رسول الله، ذُد الجحيم عن أوليائك برمحك هذا كما كنت تذود به عن أولياء الله في الدنيا أعداء الله، فيتناول حمزة الرمح بيده فيضع زجّة في حيطان النار الحائلة بين أوليائه و بين العبور إلى الجنّة على الصراط، ويدفعها دفعةً فينحيّها مسيرة خمسمأة عام، ثمّ يقول لأوليائه والمحبّين الّذين كانواله في الدنيا: اعبروا، فيعبرون على الصراط آمنين سالمين، قد انزاحت عنهم النيران، و بعدت عنهم الأهوال، و يردون الجنة غانمين ظافرين.
ثمّ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لأبي جهل: يا أبا جهل هذه الفرقة الثالثة، قد شاهدت آيات الله و معجزات رسول الله، و بقي الّذي لك، فأيّ آية تريد؟ قال أبو جهل: آية عيسى بن مريم علیه السّلام كما زعمت أنّه كان يخبرهم بما يأكلون و ما يدّخرون في بيوتهم، فأخبرني بما أكلت اليوم، و ما ادّخرته في بيتي و زدني على ذلك أن تحدّثني بما صنعته بعد أكلي لما أكلت، كما زعمت أن الله زادك في المرتبة فوق عيسى علیه السّلام، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: أمّا ما أكلت وما ادخرت فاُخبرك به و اُخبرك بما فعلته في خلال أكلك، و ما فعلته بعد أكلك، وهذا يوم يفضحك الله فيه لاقتراحك، فإن آمنت بالله لم تضرّك هذه الفضيحة، و إن أصررت على كفرك أضيف لك إلى فضيحة الدنيا و خزيها خزي الآخرة الّذي لا يبيدو لا ينفدو لا ينتاهي، قال: و ما هو ؟ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: و قعدت يا أبا جهل تتناول من دجاجة مسمنة استطبتها، فلمّا وضعت يدك عليها استأذن عليك أخوك أبو البختري ابن هشام، فأشفقت عليه أن يأكل منها و بخلت، فوضعتها تحت ذيلك، و أرخيت عليها ذيلك حتّى انصرف
عنك. فقال أبو جهل: كذبت يا محمّد، ما من هذا قليل ولا كثير، ولا أكلت من دجاجة، ولا ادّخرت منها شيئاً، فما الّذي فعلته بعداً كلي الذي زعمت، قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم كان عندك ثلاثماة دينار لك، و عشرة آلاف دينار ودائع الناس عندك المأة، والمأتان، والخمسمأة، و السبعماة، و الألف، ونحو ذلك إلى تمام عشرة آلاف مال كلّ واحد في صرّة و كنت قد عزمت على أن تختانهم، و قد كنت جحدتهم ومنعتهم، واليوم لمّا أكلت من هذه الدجاجة أكلت زورها و ادّخرت الباقي، ودفنت هذا المال أجمع مسروراً فرحاً باختيانك عبادالله، و واثقاً بأنّه قد حصل لك، و تدبير الله في ذلك خلاف تدبيرك، فقال أبو جهل: و هذا أيضاً يا محمّد؛ فما أصبت منه قليلاً ولا كثيراً، و ما دفنت شيئاً، وقد سرقت تلك العشرة آلاف الودائع الّتي كانت عندي، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : يا أبا جهل ما هذا من تلقائي فتكذّبني، وإنّما هذا جبرئيل الروح الأمين يخبرني به عن ربّ العالمين و علیه تصحیح شهادته و تحقیق مقالته، ثمّ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم هلمّ يا جبرئيل بالدجاجة الّتي أكل منها، فإذا الدجاجة بين يدي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أتعرفها يا أباجهل؟ فقال أبو جهل: ما أعرفها و ما أخبرت عن شيء، و مثل هذه الدجاجة المأكول بعضها في الدنيا كثير، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : يا أيّتها الدجاجة إنّ أبا جهل قد كذّب محمّداً على جبرئيل، وكذّب جبرئيل على ربّ العالمين، فاشهدي لمحمّد بالتصديق و على أبي جهل بالتكذيب فنطقت و قالت: أشهد يا محمّد أنّك رسول الله و سيّد الخلق أجمعين و أنّ أبا جهل هذا عدوّ الله المعاند الجاحد للحقّ الّذي يعلمه، أكل منّي هذا الجانب، و ادّخر الباقي، و قد أخبرته بذلك، و احضر تنيه فكذّب به، فعليه لعنة الله و لعنة اللاعنين فإنّه مع كفره بخيل، استأذن عليه أخوه فوضعني تحت ذيله إشفاقاً من أن يصيب منّي أخوه، و فأنت يا رسول الله أصدق الصادقين من الخلق أجمعين، و أبو جهل الكاذب المفترىء اللعين.
فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : أما كفاك ما شاهدت أمن لتكون آمناً من عذاب الله عزّ و جلّ.
قال أبو جهل: إنّي لأظنّ أنّ هذا تخييل و إيهام، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فهل تفرق بين مشاهدتك هذا و سماعك لكلامها، و بين مشاهدتك لنفسك و لسائر قريش و العرب و سماعك لكلامهم؟ قال أبو جهل: لا، قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : فما يدريك أنّ جميع ما تشاهد و تحسّ بحواسّك تخييل؟ قال أبو جهل: ما هو بتخييل، قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : و لا هذا بتخييل و إلّا كيف تصصّح أنّك ترى فى العالم شيئاً أوثق منه؟ قال: ثم وضع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يده على الموضع المأكول من الدجاجة فمسح يده عليها فعاد اللحم عليه أو فرما كان ثمّ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : يا با جهل أرأيت هذه الآية؟ قال: يا محمّد توهّمت شيئاً و لا أوقنه، قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : يا جبرئيل فأتنا بالأموال الّتي دفنها هذا المعاند للحقّ، لعلّه يؤمن، فإذا هو بالصرر بين يديه كلّها: ما كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قاله إلى تمام عشرة آلاف وثلاثماًة دينار، فأخذ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، و أبو جهل ينظر إليه - صرةٌ منها فقال: ائتوني بفلان بن فلان، فأتي به و هو صاحبها فقال: هاکها یا فلان ما قد اختانك فيه أبو جهل، فرّد عليه ماله، و دعا بآخر ثمّ بآخر حتّى ردّ العشرة آلاف كلّها على أربابها، وفضح عندهم أبو جهل، و بقيت الثلاثماًة الدينار بين يدي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فقال : الآن آمن لتأخذ الثلاثماة دينار، و يبارك الله لك فيها حتّى تصير أيسر قريش قال: لا آمن و لكن أخذها فهي مالي، فلمّا ذهب يأخذها صاح رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بالدجاجة: دونك أبا جهل، وكفيّه عن الدنانير، و خذيه فوثبت الدجاجة على أبي جهل فتناولته بمخالبها، و رفعته في الهواء، وطارت به إلى سطح بيته فوضعته عليه، و دفع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم تلك الدنانير إلى بعض فقراء المؤمنين، ثمّ نظر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى أصحابه فقال لهم: معاشر أصحاب محمّد هذه آية أظهرها ربّنا عزّ و جلّ لأبي جهل، فعاند، و هذا الطير الّذي حيي يصير من طيور الجنة الطيّارة عليكم فيها، فإنّ فيها طيوراً كالبخاتيّ، عليها من جميع أنواع المواشي، تطير بين سماء الجنّة وأرضها، فإذا تمنّى مؤمن محبّ للنبيّ وآله الأكل من شيء منها وقع ذلك بعينه بين يديه فتناثر ريشه و انسمط و انشوی و انطبخ،
فأكل من جانب منه قديداً، و من جانب منه مشويّاً بلانار، فإذا قضى شهوته و نهمته و قال: الحمد لله ربّ العالمين عادت كما كانت، فطارت في الهواء و فخرت على سائر طيور الجنّة، تقول: من مثلي و قد أكل منّي وليّ الله عن أمر الله(1).
ج: مثله مع اختصار في وسطه و في آخره(2).
3 - ج: روي عن موسى بن جعفر علیه السّلام، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علىّ علیه السّلام أنّ يهوديّاً من يهود الشام و أحبارهم كان قد قرأ التوراة والإنجيل و الزبور و صحف الأنبياء علیهم السّلام و عرف دلائلهم جاء إلى مجلس فيه أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و فيهم عليّ بن أبي طالب علیه السّلام و ابن عبّاس وأبو معبد الجهنيّ، فقال: يا أُمّة محمّد ما تركتم لنبيّ درجة و لا لمرسل فضيلة إلّا نخلتموها نبيّكم فهل تجيبوني عمّا أسألكم عنه، فكاع القوم عنه. فقال علىّ بن أبي طالب علیه السّلام : نعم، ما أعطى الله عزّ و جلّ نبياً درجة ولا مرسلاً فضيلةً إلّا وقد جمعها لمحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم و زاد محمداً صلی الله علیه و آله و سلّم
على الأنبياء أضعافاً مضاعفة.
فقال له اليهوديّ فهل أنت مجيبي؟ قال له: نعم، سأذكر لك اليوم من فضائل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ما يقرّ الله به أعين المؤمنين، و يكون فيه إزالة لشكّ الشاكين في فضائله. إنّه صلی الله علیه و آله و سلّم كان إذا ذكر لنفسه فضيلة قال: «و لا فخر» و أنا أذكر لك فضائله غير مزر بالأنبياء و لا متنقّص لهم، و لكن شكر الله عزّ وجلّ على ما أعطى محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم مثل ما أعطاهم، وما زاده الله و ما فضّله عليهم.
قال له اليهوديّ: إنّي أسألك فأعدّ له جواباً، قال له عليّ علیه السّلام هات، قال له الهيوديّ: هذا آدم علیه السّلام أسجد الله ملائكته، فهل فعل بمحمّد شيئاً من هذا ؟ فقال له علىّ علیه السّلام: لقد كان ذلك، ولئن أسجد الله لآدم ملائكته فإنّ سجودهم لم يكن سجود طاعة، إنّهم عبدوا آدم من
دون الله عزّ وجلّ و لكن اعترافاً لآدم بالفضيلة و رحمة من الله له، و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أعطي أفضل من هذا إنّ الله عزّ و جلّ صلّى في جبروته، و الملائكة، بأجمعها، وتعبّد المؤمنين بالصلاة عليه، فهذه زيادة له يا يهوديّ.
قال له اليهودي: فإنّ آدم علیه السّلام تاب الله من بعد خطيئته.
ها قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم نزل فيه ما هو أكبر من هذا من غير ذنب أتى، قال الله عزّ و جلّ: «ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر»(1)إنّ محمّداً غير مواف القيامة بوزر و لا مطلوب فيها بذنب .
قال له اليهوديّ : فإنّ هذا إدريس علیه السّلام رفعه الله عزّ وجلّ مكاناً عليّاً، وأطعمه من تحف الجنّة بعد وفاته.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم اُعطي ما هو أفضل من هذا، إنّ الله جلّ ثناؤه قال فيه: «و رفعنا لك ذكرك»(2)فكفى بهذا من الله رفعةً، و لئن اُطعم إدريس من تحف الجنّة بعد وفاته فإنّ محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم أطعم في الدنيا في حياته بينما يتضوّر جوعاً فأتاه جبرئيل علیه السّلام بجام من الجنّة فيه تحفة، فهلّل الجام، وهلّلت التحفة في يده وسبّحا وكبّرا و حمّدا، فناولها أهل بيته ففعل الجام مثل ذلك، فهم أن يناولها بعض أصحابه فتناولها جبرئيل علیه السّلام، فقال له كلها فإنّها تحفة من الجنّة أتحفك الله بها، وإنّها لا تصلح إلّا لنبيّ أو
وصيّ نيّ، فأكل صلی الله علیه و آله و سلّم وأكلنا معه. وإنّي لأجد حلاوتها ساعتي هذه.
قال له اليهوديّ: نهذا نوح علیه السّلام صبر في ذات الله عزّ وجلّ، وأعذر قومه إذ كذَّب.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم صبر في ذات الله وأعذر قومه إذ كذّب و
شرّد و حصب بالحصى و علاه أبو لهب بسلاشاة، فأوحى الله تبارك و تعالى إلى جابيل ملك الجبال أن شقّ الجبال، وانته إلى أمر محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم، فأتاه فقال له: إنّي قد أمرت لك
بالطاعة فإن أمرت أطبقت عليهم الجبال فأهلكتم بها، قال صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّما بعثت رحمة ربّ اهد أمّتي فإنّهم لا يعلمون، و يحك يا يهوديّ إنّ نوحاً لمّا شاهد غرق قومه رقّ عليهم رقّة القرابة و أظهر عليهم شفقة فقال: «ربّ إنّ ابني من أهلي»(1)فقال الله تبارك اسمه: «إنّه ليس من أهلك إنّه عمل غير صالح»(2)أراد جلّ ذكره أن يسلّيه بذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا اعلنت من قومه المعاندة شهر عليهم سيف النقمة، و لم تدركه فيهم رقّة القرابة، و لم ينظر إليهم بعين مقة.
قال له اليهوديّ: فإنّ نوحاً دعا ربّه فهطلت له السماء بماء منهمر.
قال له علیه السّلام: لقد كان كذلك، كانت دعوه دعوة غضب، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم هطلت له السماء بماء منهمر رحمة إنّه صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا هاجر إلى المدينة أتاه أهلها في يوم جمعة فقالوا له: يا رسول الله احتبس القطر، و اصفرّ العود، وتهافت الورق فرفع يده المباركة حتّى رُني بياض إبطيه، و ما ترى في السماء سحابة فما برح حتّى سقاهم الله، حتّى أنّ الشابّ المعجب بشبابه لتهمّه نفسه في الرجوع إلى منزله، فما يقدر من شدّة السيل، فدام أسبوعاً فأتوه في الجمعة الثانية فقالوا: یارسول الله لقد تهدّمت الجدر، و احتبس الركب و السفر فضحك صلی الله علیه و آله و سلّم وقال: «هذه سرعة ملالة ابن آدم» ثمّ قال: «اللّهمّ حوالينا و لا علينا، اللّهمّ في اصول الشيح، و مراتع البقع» فرُني حوالي المدينة المطر يقطر قطراً وما يقطع في المدينة قطرة لكرامته على الله عزّ و جلّ.
قال له اليهوديّ: فإنّ هذا هود قد انتصر الله له من أعدائه بالريح، فهل فعل بمحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم شيئاً من هذا؟ قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أعطي ما هو أفضل من هذا إنّ الله عزّ و جلّ ذكره انتصر له من أعدائه بالريح يوم الخندق إذ أرسل ريحاً تذرو الحصى، و جنوداً لم يروها فزاد الله تبارك و تعالى محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم على هود بثمانية آلاف ملك، وفضّله على هود بأنّ ريح عاد ريح سخط، و ربح محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم ريح رحمة قال الله تبارك و تعالى: «يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم اذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً و جنوداً لم
تروها»(1).
قال له اليهوديّ: فإنّ هذا صالحاً أخرج الله له نافة جعلها لقومه عبرة.
قال علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أعطي ما هو أفضل من ذلك، إنّ ناقة صالح لم تكلّم صالحاً، ولم تناطقه، ولم تشهد له بالنبوّة، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم بينها نحن معه في بعض غزواته إذا هو ببعير قددنا ثمّ رغا فأنطقه الله عزّ و جلّ فقال: يا رسول الله إنّ فلاناً استعملني حتّى كبرت و يريد نحري، فأنا أستعيذ بك منه، فأرسل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى صاحبه فاستوهبه منه فوهبه له و خلّاه، و لقد كنّامعه فإذا نحن بأعرابيّ معه ناقة له يسوقها، و قد استسلم للقطع لمازوّر عليه من الشهود فنطقت له الناقة فقالت: يا رسول الله إنّ فلاناً منّي بريء، و إن الشهود يشهدون عليه بالزور، و إنّ سارقي فلان اليهوديّ.
قال له اليهوديّ: فإنّ هذا إبراهيم قد تيقّظ بالاعتبار على معرفة الله تعالى، وأحاطت دلالته بعلم الإيمان به.
قال له علیه السّلام : لقد كان كذلك، و أعطى محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أفضل من ذلك، قد تيقّظ بالاعتبار على معرفة الله تعالى، وأحاطت دلالته بعلم الإيمان به، و تيقّظ إبراهيم علیه السّلام و هو ابن خمس عشرة سنة، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم كان ابن سبع سنين، قدم تجّارٌ من النصارى فنزلوا بتجارتهم بين الصفا والمروة، فنظر إليه بعضهم فعرفه بصفته و نعته و خیر مبعثه و آياته صلی الله علیه و آله و سلّم، فقالوا له: يا غلام ما اسمك؟ قال: محمّد، قالوا: ما اسم أبيك؟ قال : عبد الله قالوا: ما اسم هذه؟ و أشاروا بأيديهم إلى الأرض قال الأرض قالوا: فما اسم هذه؟ و أشاروا بأيديهم إلى السماء، قال: السماء، قالوا: فمن ربّهما؟ قال: الله ثمّ انتهرهم وقال: أتشكّكونني في الله عزّ وجلّ، ويحك يا يهوديّ لقد تيقّظ بالاعتبار على معرفة الله عزّ و جلّ مع كفر قومه، إذ هو بينهم يستقسمون بالأزلام، و يعبدون الأوثان، و هو يقول: لا إله إلّا الله.
1) الاحزاب /9
قال اليهودى: فإنّ إبراهيم علیه السّلام حجب عن نمرود بحجب ثلاثة.
فقال علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم حجب عمّن أراد قتله بحجب خمسة فثلاثة بثلاثة و اثنان فضل، قال الله عزّ وجلّ و هو يصف أمر محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم فقال: «و جعلنا من بين أيديهم سدّاً» فهذا الحجاب الأوّل «و من خلفهم سدّاً» فهذا الحجاب الثاني «فأغشيناهم فهم لا يبصرون(1)فهذا الحجاب الثالث، ثمّ قال: «و إذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الّذين لا يؤمنون بالآخرة مستوراً»(2)فهذا الحجاب الرابع، ثمّ قال: «فهي إلى الأدقان فهم مقمحون»(3)فهذه حجب خمسة.
قال اليهودي: فإنّ إبراهيم علیه السّلام قد بهت الّذي كفر ببرهان نبوّته.
قال له عليّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أتاه مكذّب بالبعث بعد الموت و هو أبي بن خلف الجمحيّ معه عظم نخر ففركه، ثمّ قال: يا محمّد «من يحيي العظام و هي رميم» فأنطلق الله محمّداً بمحكم آياته، و بهته ببرهان نبوّته فقال: «يحييها الّذي أنشأها أوّل مرّة و هو بكلّ خلق عليم» فانصرف مبهوتاً.
قال له اليهوديّ: فإنّ هذا إبراهيم جذّ أصنام قومه غضباً لله عزّ و جلّ.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم قد نكس عن الكعبة ثلاثمأة وستّين صنماً،
و نفاها من جزيرة العرب، و أذلّ من عبدها بالسيف.
قال له اليهوديّ: فإنّ هذا إبراهيم قد أضجع ولده وتلّه للجبين.
فقال له عليّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و لقد أعطي إبراهيم بعد الإضجاع الفداء، و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أصيب بأفجع منه فجيعة، إنّه وقف صلی الله علیه و آله و سلّم على عمّه حمزة أسد الله و أسد رسوله و ناصر دینه و قد فرّق بین روحه و جسده فلم يبيّن عليه حرقة، ولم يفض عليه عبرة، ولم
ينظر إلى موضعه من قلبه و قلوب أهل بيته ليرضي الله عزّ و جلّ بصبره، و يستسلم لأمره في جميع الفعال، وقال صلی الله علیه و آله و سلّم: «لو لا أن تحزن صفيّة لتركته حتّى يحشر من بطون السباع و حواصل الطير، و لو لا أن يكون سنّة بعدي لفعلت ذلك».
قال له اليهوديّ: فإنّ إبراهيم علیه السّلام قد أسلمه قومه إلى الحريق فصبر، فجعل الله عزّ و جلّ النار عليه برداً وسلاماً، فهل فعل بمحمد شيئاً من ذلك.
قال له علیه السّلام : لقد كان كذلك و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا نزل بخيبر سمّته الخيبريّة فصيّر الله السمّ في جوفه برداً وسلاماً إلى منتهى أجله، فالسمّ يحرق إذا استقرّ في الجوف، كما أن النار تحرق فهذا من قدرته لا تنكره.
قال له اليهوديّ: فإنّ هذا يعقوب علیه السّلام أعظم في الخير نصيبه، إذ جعل الأسباط من سلالة صلبه و مريم ابنة عمران من بناته.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أعظم في الخير نصيباً منه، إذ جعل فاطمة
سيّدة نساء العالمين من بناته، و الحسن و الحسين من حفدته.
قال له اليهوديّ : فإنّ يعقوب قد صبر على فراق ولده حتّى كاد يحرض من الحزن.
قال له علىّ علیه السّلام: لقد كان كذلك، وكان حزن يعقوب علیه السّلام حزناً بعده تلاق، و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم قبض ولده إبراهيم قرّة عينه في حياة منه، و خصّه بالاختيار ليعظّم له الادّخار فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : تحزن النفس و يجزع القلب و إنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون، و لا تقول ما بسخط الربّ» في كلّ ذلك يؤثر الرضا عن الله عزّ ذكره، والاستسلام له في جميع الفعال.
فقال له اليهوديّ: فإنّ هذا يوسف قاسي مرارة الفرقة، و حبس في السجن توقّياً للمعصية، فاُلقی في الجبّ وحيداً.
قال له علىّ علیه علیه السّلام : لقد كان كذلك، و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم قاسي مرارة الغربة، و فارق الأهل و الأولاد والمال مهاجراً من حرم الله تعالى و أمنه، فلمّا رأى الله عزّوجلّ كابته و استشعاره
الحزن أراه تبارك وتعالى اسمه رؤيا توازي رؤيا يوسف صلی الله علیه و آله و سلّم في تأويلها، و أبان للعالمين صدق تحقيقها، فقال: «لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحقّ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم و مقصّرين لا تخافون»(1)و لئن كان يوسف علیه السّلام حبس في السجن فلقد حبس رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم نفسه في الشعب ثلاث سنين، و قطع منه أقاربه و ذووا الرحم، و ألجأوه ألى أضيق المضيق، فلقد كادهم الله عزّ ذكره له كيداً مستبينا إذ بعث أضعف خلقه فأكل عهدهم الّذي كتبوه بينهم في قطيعة رحمه، و لئن كان يوسف علیه السّلام التقي في الجبّ فلقد محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم نفسه مخافة عدوّه في الغار حتّى قال لصاحبه: «لا تحزن إنّ الله معنا»(2)و مدحه الله بذلك في كتابه.
فقال له اليهوديّ: فهذا موسى بن عمران علیه السّلام آتاه الله التوراة الّتي فيها حكمه.
قال له علیه السّلام : لقد كان كذلك، و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أعطي ما هو أفضل منه، أعطي محمّدٌ صلی الله علیه و آله و سلّم سورة البقرة والمائدة بالإنجيل، وطواسين وطه و نصف المفصّل والحواميم بالتوارة وأعطي نصف المفصّل و التسابيح بالزبور؛ و أعطي سورة بني إسرائيل و براءة بصحف إبراهيم علیه السّلام و صحف موسى علیه السّلام و زاد الله عزّ ذكره محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم السبع الطوال، و فاتحة
الكتاب، و هي السبع المثاني و القرآن العظيم، و أعطي الكتاب والحكمة.
قال له اليهوديّ: فإنّ موسى علیه السّلام ناجاه الله عزّ و جلّ على طور سيناء.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك. و لقد أوحى الله عزّ و جلّ إلى محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم عند سدرة المنتهى فمقامه في السماء محمود ، و عند منتهى العرش مذكور.
قال له اليهوديّ: فلقد ألقى الله على موسى علیه السّلام محبّة منه.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و لقد ألقى الله محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم ما هو أفضل منه، لقد أعطى الله عزّ وجلّ عليه محبّة منه فمن هذا الّذى يشركه في هذا الاسم إذتمّ من الله عزّ وجلّ به
الشهادة، فلا تتمّ إلّا أن يقال: أشهد أن لا إله إلّا الله و أشهد أنّ محمّداً رسول الله، ينادى به على المناير، فلا يرفع صوت بذكر الله عزّ وجلّ إلّا رفع بذكر محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم معه.
قال له اليهوديّ : فلقد أوحى الله إلى أمّ موسى لفضل منزلة موسى علیه السّلام عند الله عزّ و جلّ.
قال له عليّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و لقد لطف الله جلّ ثناؤه لأم محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم بأن أوصل
إليها اسمه حتّى قالت:
أشهد و العالمون أنّ محمّداً رسول الله منتظرٌ
و شهد الملائكة على الأنبياء أنّهم أثبتوه في الأسفار و بلطف من الله عزّ و جلّ ساقه إليها. ووصل إليها اسمه لفضل منزلته عنده حتّى رأت في المنام أنّه قيل لها: إنّ ما في بطنك سيّد، فإذا ولدته فسميّه محمّداً، فاشتقّ الله له اسماً من أسمائه، فالله محمود، و هذا محمّد.
قال له اليهوديّ: فإنّ هذا موسى بن عمران علیه السّلام قد أرسله الله إلى فرعون و أراه الآية الكبرى.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و محمّد أرسله إلى فراعنة شتّى، مثل أبي جهل ابن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، و أبي البختريّ، والنضر بن الحارث، و أبّي بن خلف، ومنبّه و نبيه ابني الحجّاج و إلى الخمسة المستهزئين: الوليد بن المغيرة المخزوميّ، والعاص بن وائل السهميّ، و الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، و الأسود بن المطّلب، والحارث ابن الطلاطلة، فأراهم الآيات في الآفاق و في أنفسهم حتّى تبين لهم أنّه الحقّ.
قال له اليهوديّ: لقد انتقم الله لموسى علیه السّلام من فرعون.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و لقد انتقم الله جلّ اسمه لمحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم من الفراعنة، فأمّا
المستهزؤون فقد قال الله عزّ وجلّ: «إنا كفيناك المستهزئين» (1)فقتل الله خمستهم، كلّ واحد
1) الحجر / 95
منهم بغير قتلة صاحبه في يوم واحد، فأمّا الوليد بن المغيرة فمرّ بنبل لرجل من خزاعة قد راشه و وضعه في الطريق فأصابه شظيّة منه فانقطع أكحله حتّى أدماه فمات و هو يقول: قتلني ربّ محمّد.
و أمّا العاص بن وائل فإنّه خرج في حاجة له إلى موضع فتدهده تحته حجر فسقط فتقطّع قطعة قطعة فمات، وهو يقول: قتلني ربّ محمّد.
و أمّا الأسود بن عبد يغوث فإنّه خرج يستقبل ابنه زمعة فاستظلّ بشجرة فأتاه جبرئيل علیه السّلام فأخذ رأسه فنطح به الشجرة، فقال لغلامه امنع عنّي هذا، فقال: ما أرى أحداً يصنع بك شيئاً إلّا نفسك فقتله و هو يقول: قتلني ربّ محمّد.
و أمّا الأسود بن المطّلب فإنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم
دعا عليه أن يعمي الله بصره، و أن يشكله ولده، فلمّا كان في ذلك اليوم خرج حتّى صار إلى موضع فأتاه جبرئيل علیه السّلام بورقة خضراء فضرب بها وجهه فعمى و بقي حتّى أتكله الله ولده.
و أمّا الحارث بن الطلاطلة فإنّه خرج من بيته في السموم فتحوّل حبشيّاً فرجع إلى أهله فقال: أنا الحارث، فغضبوا عليه فقتلوه و هو يقول: قتلني ربّ محمّد.
وروي أنّ الأسود بن الحارث أكل حوتاً مالحاً فأصابه العطش، فلم يزل يشرب الماء حتّى انشقّ بطنه فمات، و هو يقول: قتلني ربّ محمّد، كلّ ذلك في ساعة واحدة، وذلك أنّهم كانوا بين يدي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فقالوا له : يا محمّد ننتظر بك إلى الظهر، فإن رجعت عن قولك وإلّا قتلناك، فدخل النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم منزله فأغلق عليه بابه مغتماً لقولهم، فأتاه جبرئيل عليه عن الله ساعته فقال له: يا محمّد السلام يقرأ عليك السلام، وهو يقول: «اصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين»(1)يعنى أظهر أمرك لأهل مكّة، وادعهم إلى الإيمان.
قال: يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين و ما أو عدوني؟ قال له: «إنّا كفيناك
1) الحجر / 94
المستهزئين»(1).
قال: يا جبرئيل كانوا الساعة بين يديّ قال: قد كفيتهم، فأنظر أمره عند ذلك، و أمّا بقيّتهم من الفراعنة فقتلوا يوم بدر بالسيف و هزم الله الجمع و ولّوا الدبر.
قال له اليهوديّ : فإنّ هذا موسى بن عمران علیه السّلام قد أعطي العصا، فكانت تتحوّل ثعباناً.
قال له علیه السّلام : لقد كان كذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أعطى ما هو أفضل من هذا إنّ رجلاً كان يطالب أبا جهل بن هشام بدين ثمن جزور قد اشتراه، فاشتغل عنه و جلس يشرب، فطلبه الرجل فلم يقدر عليه، فقال له بعض المستهزئين من تطلب؟ قال: عمرو بن هشام - یعنی أبا جهل - لي عليه دين قال فأدّلك على من يستخرج الحقوق؟ قال: نعم، فدلّه على النبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم، و كان أبوجهل يقول: ليت لمحمّد إلىّ حاجة فأسخربه و أردّه، فأتى الرجل النبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال له: يا محمّد بلغني أنّ بينك و بين عمرو بن هشام حسن، و أنا أستشفع بك إليه، فقام معه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فأتى بابه فقال له : قم يا أبا جهل فأدّ إلى الرجل حقّه، و إنّما كنّاه أبا جهل ذلك اليوم، فقام مسرعاً حتّى أدى إليه حقّه، فلمّا رجع إلى مجلسه قال له بعض أصحابه: فعلت ذلك فرقاً من محمّد، قال: ويحكم أعذرونى، إنّه لما أقبل رأيت عن يمينه رجالاً يأيديهم رجالاً بأيديهم حراب تتلألأ، و عن يساره ثعبانان تصطكّ أسنانهما، و تلمع النيران من أبصارهما، و لو امتنعت لم آمن أن يبعجوا بالحراب بطني، و يقضمني الثعبانان، هذا أكبر ممّا أعطي موسى علیه السّلام، ثعبان بثعبان موسى علیه السّلام، و زاد الله محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم ثعباناً و ثمانية أملاك معهم الحراب، و لقد كان النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يؤذي قريشاً بالدعاء، فقا يوماً فسفّه أحلامهم و عاب دينهم و شتم أصنامهم، و ظلّ آباءهم فاغتموا من ذلك غمّاً شديداً، فقال أبو جهل: والله للموت خير لنا من الحياة فليس فيكم معاشر قريش أحد يقتل
1) الحجر / 95
فيقتل به؟ فقالوا له: لا، قال: فأنا أقتله، فإن شاءت بنو عبد المطلّب قتلوني به، وإلّا تركوني، قالوا: إنّك إن فعلت ذلك اصطنعت إلى أهل الوادي معروفاً لا تزال به، قال: إنّه كثير السجود حول الكعبة، فإذا جاء و سجد أخذت حجراً فشدخته به فجاء رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فطاف بالبيت أسبوعاً ثمّ صلّى و أطال السجود، فأخذ أبو جهل حجراً فأتاه من قبل رأسه، فلمّا أن قرب منه أقبل فحل من قبل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فاغراً فاه نحوه، فلمّا أن رآه أبو جهل فزع منه. وارتعدت يده، و طرح الحجر فشدخ رجله، فرجع مدمّى متغيّر اللون يفيض عرقاً، فقال له أصحابه: ما رأينا كاليوم، قال: ويحكم أعذروني، فإنّه أقبل من عنده فحل فاغراً فاه فكاد يبلعني فرميت بالحجر فشدخت رجلي.
قال له اليهوديّ: فإنّ موسى علیه السّلام قد أعطى اليد البيضاء فهل فعل بمحمّد شيء من هذا؟ قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أعطي ما هو أفضل من هذا، إنّ نوراً كان يضيء عن يمينه حيثما جلس و عن يساره أينما جلس وكان يراه الناس كلّهم.
قال له اليهوديّ: فإنّ موسى علیه السّلام قد ضرب له في البحر طريق، فهل فعل بمحمّد شيء من هذا؟
فقال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أعطي ما هو أفضل من هذا، خرجنا معه إلى حنين فإذا نحن بواد يشخب فقدّرناه فإذا هو أربع عشرة قامة، فقالوا: يا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم العدوّ من وراءنا: والوادي أمامنا، كما قال أصحاب موسى: إنّا لمدكون، فنزل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ثمّ قال: «اللّهم إنّك جعلت لكلّ مرسل دلالة، فأرتي قدرتك» و ركب صلوت الله عليه و آله فعبرت الخيل لا تندى حوافرها، والإبل لا تندى أخفافها فرجعنا فكان فتحنا.
قال له اليهوديّ: فإنّ موسى علیه السّلام قد أعطى الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً.
قال له علىّ علیه السّلام: لقد كان كذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا نزل الحديبيّة وحاصره أهل مكّة قد
أعطي أفضل من ذلك، و ذلك أنّ أصحابه شكوا إليه الظماء و أصابهم ذلك حتّى التقت خواصر الخيل، فذكر وا له ذلك، فدعا بركوة يمانيّة، ثمّ نصب يده المباركة فيها فتفجّرت من بين أصابعه عيون الماء، فصدرنا و صدرت الخيل روّاه و ملأنا كلّ مزادة وسقاه، و لقد كنّا معه بالحديبيّة و إذا ثمّ قليب جافّة، فأخرج صلی الله علیه و آله و سلّم سهماً من كنانته فناوله البراء بن عازب فقال له: اذهب بهذا السهم إلى تلك إلى تلك القليب الجافّة فاغرسه فيها، ففعل ذلك فتفجّرت منه اثنتا عشرة عيناً من تحت السهم، و لقد كان يوم الميضأة عبرة وعلامة للمنكرين لنبوّته، كحجر لموسى علیه السّلام و حيث دعا بالميضأة فنصب يده فيها، ففاضت بالماء و ارتفع حتّى توضّاً منه ثمانية آلاف رجل؟ و شربوا حاجتهم، و سقوا دوابهم، وحملوا ما أرادوا.
قال له اليهوديّ : فإنّ موسى علیه السّلام قد أعطي المنّ والسلوى، فهل فعل بمحمّد نظير هذا؟ قال له علىّ علیه السّلام: لقد كان كذلك، و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أعطي ما هو أفضل من هذا، إنّ الله عزّ و جلّ أحلّ له الغنائم ولأمّته، و لم تحلّ لأحد قبله، فهذا أفضل من المنّ والسلوى، ثمّ زاده أن جعل النيّة له ولأُمّته عملاً صالحاً، و لم يجعل لأحد من الأمم ذلك قبله، فإذاهمّ أحدهم بحسنة و لم يعلمها كتبت له حسنة، و إن عملها كتبت له عشر.
قال له اليهوديّ، فإنّ موسى علیه السّلام قد ظلّل عليه الغمام.
قال له عليّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، وقد فعل ذلك لموسى علیه السّلام في التيه، و أعطي محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أفضل من هذا، إنّ الغمامة كانت تظلّله من يوم ولد إلى يوم قبض في حضره و أسفاره، فهذا أفضل ممّا أعطى موسى علیه السّلام.
قال له اليهوديّ: فهذا داود علیه السّلام قد ألان الله عزّ و جلّ له الحديد، فعمل منه الدروع.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و محمّد أعطي ما هو أفضل منه، إنّه ليّن الله عزّ وجلّ له الصمّ الصخور الصلاب، وجعلها غاراً، و لقد غارت الصخرة تحت يده بيت المقدس ليّنة
حتّى صارت كهيئة العجين قد رأينا ذلك و التمسناه تحت رايته.
قال له اليهوديّ: فإنّ هذا داود علیه السّلام بكى على خطيئته حتّى سارت الجبال معه لخوفه.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، ومحمّد أعطى ما هو أفضل من هذا، إنّه كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره و جوفه أزيزٌ كأزيز المرجل على الأثافيّ من شدّة البكاء وقد آمنه الله عزّ و جلّ من عقابه، فأراد أن يتخشّع لربّه ببكائه، و يكون إماماً لمن اقتدى به و لقد قام صلی الله علیه و آله و سلّم
عشر سنين على أطراف أصابعه حتّى تورّمت قدماه، و اصفرّ وجهه، يقوم الليل أجمع حتّى عوتب في ذلك فقال الله عزّ وجلّ: «طه * ما أنزلنا عليك القرآن * لتشق»(1)بل لتسعد به، و لقد كان يبكى حتّى يغشى عليه، فقيل له: يا رسول الله أليس الله عزّ و جلّ قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: بلى، أفلا أكون عبداً شكوراً، ولئن سارت الجبال و سبّحت معه لقد عمل محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم ما هو أفضل من هذا، إذ كنّا معه على جبل حراء إذ تحرّك الجبل فقال له: قرّ فليس عليك إلّا نبيّ وصدّيق شهيد، فقّر الجبل مجيباً لأمره، و منتهياً إلى طاعته، و لقد مررنا معه حراء إذ تحرّك الجبل فقال له: قرّ فليس عليك إلّا نبيّ وصدّيق ،شهيد، فقرّ الجبل مجيباً لأمره، و منتهياً إلى طاعته، و لقد مررنا معه بجبل و إذا الدموع تخرج من بعضه، فقال له: ما يبكيك يا جبل؟ فقال : يا رسول الله كان المسيح مرّبي و هو يخوف الناس بنار وقودها الناس و الحجارة، فأنا أخاف أن أكون من تلك الحجارة، قال له: لا تخف، تلك حجارة الكبريت، فقرّ الجبل و سكن و هدأ و أجاب لقوله.
قال له اليهوديّ : فإنّ هذا سليمان علیه السّلام أعطي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده.
فقال له علىّ عليه: لقد كان كذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أعطى ما هو أفضل من هذا، إنّه هبط إليه ملك لم يهبط إلى الأرض قبله و هو ميكائيل.
فقال له: يا محمّد عش ملكاً منعّماً، وهذه مفاتيح خزائن الأرض معك، و تسير معك
1) طه / 1 و 2 .
جبالها ذهباً و فضّة، لا ينقص لك فيا ادّخر لك في الآخرة شيء، فأوما إلى جبرئيل علیه السّلام - و كان خليله من الملائكة - فأشار إليه: أن تواضع، فقال: بل أعيش نبيّاً عبداً، أكل يوماً، ولا آكل يومين، وألحق بإخواني من الأنبياء من قبلي، فزاده الله تعالى الكوثر، وأعطاه الشفاعة، و ذلك أعظم من ملك الدنيا من أوّلها إلى آخرها سبعين مرّة و وعده المقام المحمود، فإذا كان يوم القيامة أقعده الله تعالى على العرش، فهذا أفضل ممّا أعطي سليمان بن داود علیه السّلام.
قال له اليهوديّ : فإنّ هذا سليمان علیه السّلام قد سخّرت له الرياح فسارت به في بلاده، غدوّها شهر و راحها شهر.
فقال له عليّ علیه السّلام : لقد كان كذلك ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أعطي ما هو أفضل من هذا، إنّه أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، و عرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام في أقلّ من ثلث ليلة حتّى انتهى إلى ساق العرش، فدنا بالعلم فتدلّى، فدلي له من الجنّة رفرف أخضر و غشى النور بصره، فرأى عظمة ربِّه عزّ وجلّ بفؤاده، و لم يرها بعينه، فكان قاب قوسين بينها و بينه أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، فكان فيما أوحى إليه الآية الّتي في سورة البقرة قوله: «الله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء و يعذّب من يشاء والله على كلّ شيء قدير» و كانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم علیه السّلام إلى أن بعث الله تبارك اسمه محمّداً، و عرضت على الاُمم فأبوا أن يقبلوا من ثقلها، وقبلها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
و عرضها على أمّته فقبلوها، فلمّا رأى الله تبارك و تعالى منهم القبول علم أنّهم لا يطيقونها فلمّا أن صار إلى ساق العرش كرّر عليه الكلام ليفهمه، فقال: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربِّه، فأجاب صلی الله علیه و آله و سلّم مجيباً عنه و عن أمّته فقال: «والمؤمنون كلّ آمن بالله و ملائكته وكتبه و رسله لا نفرّق بين أحد من رسله» فقال جلّ ذكره: لهم الجنّة، و المغفرة عليّ إن فعلوا ذلك. فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : أمّا إذ فعلت بنا ذلك ف«غفرانك ربّنا و إليك المصير» يعني المرجع في الآخرة
قال: فأجابه الله جلّ ثناؤه: و قد فعلت ذلك بك وبأمّتك، ثمّ قال عزّ وجلّ: أما إذ قبلت الآية بتشديدها وعظم مافيها وقد عرضتها على الأمم فأبوا أن يقبلوها وقبلتها أمّتك فحقّ
عليّ أن أرفعها عن أمّتك فقال: «لا يكلّف الله نفساً إلّا وسعها لها ما كسبت» من خير «و عليها ما اكتسبت» من شرّ، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا سمع ذلك: أمّا إذ فعلت ذلك بي و باُمّتی فزدني، قال: «ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا» قال الله عزّ و جلّ: لست أواخذ امّتكِ بالنسيان و الخطأ لكرامتك عليّ، وكانت الأمم السالفة إذا نسوا ما ذُكروا به فتحت عليهم أبواب العذاب، و قد رفعت ذلك عن أمّتك، وكانت الأمم السالفة إذا أخطأوا أخذوا بالخطأ و عوقبوا عليه، و قد رفعت ذلك عن أمّتك لكرامتك علىّ.
فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : اللّهم إذ أعطيتني ذلك فزدني، فقال الله تعالى له: سل، قال: «ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الّذين من قبلنا» يعني بالإصر الشدائد الّتي كانت على من كان قبلنا، فأجابه الله إلى ذلك، فقال تبارك اسمه: قدر فعت عن أمتّك الآصار التي كانت على الأمم السالفة، كنت لا أقبل صلاتهم إلّا في بقاع من الأرض معلومة اخترتها لهم و إن بعدت، و قد جعلت الأرض كلّها لأمّتك مسجداً و طهوراً ، فهذه من الآصار الّتي كانت على الأمم قبلك فرفعتها عن أمّتك، وكانت الأمم السالفة إذا أصابهم أذى من نجاسة قرضوها من أجسادهم، وقد جعلت الماء لأمّتك طهوراً، فهذه من الآصار الّتي كانت عليهم فرفعتها عن أمتّك، وكانت الأمم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى بيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت عليه ناراً فأكلته، فرجع مسروراً، و من لم أقبل ذلك منه رجع مثبوراً، و قد جعلت قربان أمّتك في بطون فقرائها و مساكينها، فمن قبلت ذلك منه أضعفت ذلك له أضعافاً مضاعفة، و من لم أقبل ذلك منه رفعت عنه عقوبات الدنيا، و قد رفعت ذلك عن أمّتك وهي من الآصار الّتي كانت على من كان قبلك، وكانت الأمم السالفة صلواتها مفروضة عليها في ظلم الليل و أنصاف النهار، و هي من الشدائد الّتي كانت عليهم، فرفعتها عن أمّتك، و
فرضت عليهم صلاتهم في أطراف الليل والنهار، في أوقات نشاطهم، وكانت الأمم السالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة في خمسين وقتاً، و هي من الآصار الّتي كانت عليهم، فرفعتها عن أمّتك، وجعلتها خمساً في خمسة أوقات، وهي إحدى و خمسون ركعة، و جعلت لهم أجر خمسين صلاة، وكانت الأمم السالفة حسنتهم بحسنة، و سيّئتهم بسيّئة، وهي من الآصار الّتي كانت عليهم، فرفعتها عن أمتّك و جعلت الحسنة بعشرة و السيّئة بواحدة، و كانت الأمم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة ثمّ لم يعملها لم تكتب له، وإن عملها كتبت له حسنة، و إنّ أمّتك إذاهمّ أحدهم بحسنة و لم يعملها كتبت له حسنة و إن عملها كتبت له عشراً، و هي من الآصار الّتي كانت عليهم فرفعتها عن أمّتك، وكانت الأمم السالفة إذا همّ أحدهم بسيّئة ثمّ لم يعملها لم تكتب عليه، و إن عملها كتبت عليه سيّئة ، و إنّ أُمّتك إذا همّ أحدهم بسيّئة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، و هذه من الآصار الّتي كانت عليهم، فرفعت ذلك عن أمّتك، وكانت الأمم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم من الذنوب أن حرّمت عليهم بعد التوبة أحبّ الطعام إليهم و قد رفعت ذلك عن أمّتك، و جعلت ذنوبهم فيما بيني و بينهم، و جعلت عليهم ستوراً كثيفة، و قبلت توبتهم بلا عقوبة، و لا أعاقبهم بأن أحرّم عليهم أحبّ الطعام إليهم، وكانت الأمم السالفة يتوب أحدهم من الذنب الواحد مأة سنة أو ثمانين سنة أو خمسين سنة ثمّ لا أقبل توبته دون أن أعاقبه في الدنيا بعقوبة، وهي من الآصار الّتي كانت عليهم، فرفعتها عن أمّتك و إنّ الرجل من أمّتك ليذنب عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو أربعين سنة أو مأة سنة ثمّ يتوب و يندم طرفة عين فأغفر له
ذلك كلّه.
فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : اللّهم إذ أعطيتني ذلك كلّه فزدني، قال: سل، قال: «ربّنا و لا تحمّلنا مالا طاقة لنا به» قال تبارك اسمه: قد فعلت ذلك بأمّتك، وقد رفعت عنهم عظم بلايا الأمم، و ذلك حكمي في جميع الأمم أن لا أكلّف خلقاً فوق طاقتهم، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: «و اعف عنّا و
اغفر لنا وارحمنا أنت «مولانا» قال الله عزّ وجلّ: قد فعلت ذلك بتائبي أمّتك، ثمّ قال علیه السّلام: «فانصرنا على القوم الكافرين»(1)قال الله عزّ اسمه: إنّ أمّتك في الأرض كالشامة البيضاء في الثور الأسود، هم القادرون، و هم القاهرون، يستخدمون ولا يستخدمون لكرامتك عليّ، و حقّ عليّ أن أظهر دينك على الأديان حتّى لا يبقي في شرق الأرض و غربها دين إلّا دينك. أو يؤدّون إلى أهل دينك الجزية.
قال له اليهوديّ: فإنّ هذا سليمان علیه السّلام سخّرت له الشياطين، يعملون له ما يشاء من محاريب و تماثيل.
قال له عليّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و لقد أعطي محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أفضل من هذا، إنّ الشياطين سخّرت السليمان علیه السّلام و هي مقيمة على كفرها، وقد سخّرت لنبوّة محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم الشياطين بالإيمان، فأقبل إليه الجنّ التسعة من أشرافهم من جنّ نصيبين واليمن من بني عمرو بن عامر من الأحجّة، منهم شضاه، مضاء، والهملكان، و المرزبان، و المازمان، و نضاه، و هاصب، و هاضب، وعمرو، و هم الذين يقول الله تبارك اسمه فيهم: «و إذ صرفنا إليك نفراً من الجنّ» و هم التسعة «يستمعون القرآن» (2)فأقبل إليه الجنّ و النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم بطن النخل، فاعتذروا بأنّهم ظنّوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً، و لقد أقبل إليه أحد و سبعون ألفاً منهم فيا يعوه على الصوم والصلاة والزكاة و الحجّ والجهاد و نصح المسلمين فاعتذروا بأنّهم قالوا على الله شططاً، و هذا أفضل ممّا أعطي سليمان علیه السّلام، سبحان من سخّرها لنبوّة محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم بعد أن كانت تتمرّد و تزعم أن الله ولداً، فلقد شمل مبعثه من الجنّ والإنس مالا يحصى.
قال له اليهوديّ: فهذا يحيى بن زكريّا علیه السّلام يقال: إنّه أوتي الحكم صبيّاً، والحلم و الفهم، و إنّه كان يبكي من غير ذنب، وكان يواصل الصوم.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أعطي ما هو أفضل من هذا، إنّ يحيى بن
زكريّا، كان في عصر لا أوثان فيه ولا جاهليّة، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أوتي الحكم و الفهم صبيّاً عبدة الأوثان، و حزب الشيطان، و لم يرغب لهم في صنم قطّ، و لم ينشط لأعيادهم و لم يرمنه كذب قطّ صلی الله علیه و آله و سلّم.
وكان أميناً صدوقاً حليماً، وكان يواصل صوم الأسبوع والأقلّ والأكثر فيقال له في ذلك فيقول: «إنّي لست كأحدكم إنّي أظلّ عند ربّي فيطعمني ويسقيني» وكان يبكي صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى يبتلّ مصلّاه، خشيةً من الله عزّ و جلّ من غير جرم.
قال له اليهوديّ: فإنّ هذا عيسى بن مريم علیه السّلام يزعمون أنّه تكلّم في المهد صبيّاً.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم سقط من بطن أمّة واضعاً يده اليسرى على الأرض، و رافعا يده اليمنى إلى السماء، يحرّك شفتيه بالتوحيد» و بدا من فيه نور رأى أهل مكّة منه قصور بصرى من الشام وما يليها و القصور الحمر من أرض اليمن وما يليها، و القصور البيض من إصطخر وما يليها، و لقد أضاءت الدنيا ليلة ولد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى فزعت الجنّ والإنس والشياطين، وقالوا: حدث في الأرض حدث، و لقد رئيت الملائكة ليلة ولد تصعد وتنزل و تسبّح و تقدّس، وتضطرب النجوم و تتساقط علامة لميلاده، و لقد همّ إبليس بالظعن في السماء لمّا رأى من الأعاجيب في تلك الليلة، وكان له مقعد في السماء الثالثة، والشياطين يسترقون السمع، فلمّا رأوا الأعاجيب أرادوا أن يسترقوا السمع فإذاهم قد حجبوا من السماوات كلّها، و رُموا بالشهب دلالةً لنبوّته صلی الله علیه و آله و سلّم.
قال له اليهوديّ: فإن عيسى يزعمون أنّه قد أبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله عزّ و جلّ.
فقال له علىّ علیه السلام : لقد كان كذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أبراً ذا العاهة من عاهته، فبينما هو جالس صلی الله علیه و آله و سلّم إذ سأل عن رجل من أصحابه، فقالوا: يا رسول الله إنّه قد صار من البلاء كهيئة الفرخ من شدة البلاء، فقال: قد كنت تدعو في صحتك دعاء؟ قال: نعم، كنت أقول: يا ربّ أيما عقوبة أنت معاقبي بها في الآخرة فعجلها
لي في الدنيا.
فقال له النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : ألّا قلت: «اللّهمّ آتنا في الدنيا حسنة، و في الاخرة حسنة وقنا عذاب النار» فقالها فكأنّما نشط من عقال، وقام صحيحاً و خرج معنا، و لقد أتاه رجل من جهينة أجذم يتقطّع من الجذام، فشكا إليه صلی الله علیه و آله و سلّم فأخذ قدحاً من ماء فتفل فيه، ثمّ قال: امسح به جسدك، ففعل فبرىء حتّى لم يوجد فيه شيء و لقد أتى العربيّ أبرص فتفل من فيه عليه فما قام من عنده إلّا صحيحاً، و لأن زعمت أنّ عيسى علیه السّلام أبراً ذوي العاهات من عاهاتهم فإنّ محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم بينما هو في بعض أصحابه إذا هو بامرئة فقالت: يا رسول الله إنّ ابني قد أشرف على حياض الموت كلّما أتيته بطعام و فع عليه التثاؤب، فقام النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وقمنا معه، فلمّا أتيناه قال له: جانب يا عدوّ الله وليّ الله فأنا رسول الله، فجانبه الشيطان فقام صحيحاً و هو معنا في عسكرنا ، و لكن زعمت أنّ عيسى علیه السّلام أبرأ العميان فإنّ محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم قد فعل ما هو أكثر من ذلك، إنّ قتادة بن ربعي كان رجلاً صبيحاً، فلمّا أن كان يوم أحد أصابته طعنة في عينه، فبدرت حدقته فأخذها بيده، ثمّ أتى بها النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال : يا رسول الله إن امرأتي الآن تبغضني، فأخذها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من يده، ثمّ وضعها مكانها، فلم تكن تعرف إلّا بفضل حسنها و فضل ضوئها على العين الأخرى.
و لقد جرح عبدالله ابن عتيك و بانت يده يوم ابن أبي الحقيق، فجاء إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ليلاً فسح عليه يده، فلم تكن تعرف من اليد الأخرى.
و لقد أصاب محمّد بن مسلمة يوم كعب بن الأشرف مثل ذلك في عينه و يده، فمسحه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
فلم نستبينا.
و لقد أصاب عبدالله بن أنيس مثل ذلك في عينه فمسحها فما عرفت من الأخرى، فهذه كلّها دلالة لنبوّته صلی الله علیه و آله و سلّم.
قال له اليهوديّ: فإنّ عيسى يزعمون أنّه قد أحيي الموتى بإذن الله.
قال له علي علیه السّلام : لقد كان ذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم سبّحت في يده تسع حصيات، تسمع نغماتها في جمودها و لا روح فيها، لتمام حجّة نبوّته، و لقد كلّمته الموتى من بعد موتهم، و استغاثوه ممّا خافوا من تبعته، و لقد صلّى بأصحابه ذات يوم فقال: ما ههنا من بني النجّار أحد و صاحبهم محتبس على باب الجنّة بثلاثة دراهم لفلان اليهوديّ، وكان شهيداً.
ولئن زعمت أنّ عيسى علیه السّلام كلّم الموتى فلقد كان لمحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم ما هو أعجب من هذا، إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا نزل بالطائف وحاصر أهلها بعثوا إليه بشاة مسلوخة مطليّة بسمّ، فنطق الذراع منها، فقالت: يا رسول الله لا تأكلني فإنّي مسمومة، فلو كلّمته البهيمة و هي حيّة لكانت من أعظم حجج الله عزّ و جلّ ذكره على المنكرين لنبوّته، فكيف وقد كلّمته من بعد ذبح وسلخ و شي و لقد كان صلی الله علیه و آله و سلّم يدعو بالشجرة فتجيبه، و تكلّمه البهيمة و تكلّمه السباع، و تشهد له بالنبوّة، وتحذرّهم عصيانه، فهذا أكثر ممّا أعطى عيسى علیه السّلام.
قال له اليهوديّ: إنّ عيسى يزعمون أنّه أنبأ قومه بما يأكلون و ما يدّخرون في بيوتهم.
قال له علىّ علیه السّلام لقد كان كذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم فعل ما هو أكثر من هذا، إنّ عيسى علیه السّلام أنباً قومه بما كان من وراء حائط، و محمّد أنبأ عو مؤتة و هو عنها غائب و وصف حربهم و من استشهد منهم و بينه و بينهم مسيرة شهر.
وكان يأتيه الرجل يريد أن يسأله عن شيء فيقولصلی الله علیه و آله و سلّم : تقول أو أقول؟ فيقول: بل قل یا رسول الله، فيقول: جئتنى في كذا و كذا حتّى يفرغ من حاجته.
و لقد كان صلی الله علیه و آله و سلّم يخبر أهل مكّة بأسرار هم بمكّة حتّى لا يترك من أسرارهم شيئاً منها ما كان بين صفوان بن أميّة و بين عمير بن وهب، إذ أتاه عمير فقال: جئت في فكاك ابنيّ، فقال له : كذبت، بل قلت لصفوان و قد اجتمعتم في الحطيم، وذكر تم قتلى بدر: و الله للموت خير لنا من البقاء مع ما صنع محمّدبنا، و هل حياة بعد أهل القليب؟ فقلت أنت لو لا عيالي و دين عليّ لأرحتك مع ما صنع محمّد بنا، و هل حياة بعد أهل القليب؟ فقلت أنت لو لاعيالي و
دين عليّ لأرحتك من محمّد، فقال صفوان: عليّ أن أقضي دينك، و أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهنّ ما يصيبهنّ من خيرٍ أو شرّ ، فقلت أنت فاكتمها عليّ، وجهزّني حتّى أذهب فأقتله، فجئت لتقتلني، فقال: صدقت يارسول الله، فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك رسول الله، و أشباه هذا ممّا لا يحصى.
قال له اليهوديّ: فإن عيسى يزعمون أنّه خلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله عزّ وجلّ.
فقال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، و محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم قد فعل ما هو شبيه بهذا إذ أخذ یوم حنين حجراً فسمعنا للحجر تسبيحاً وتقديساً، ثمّ قال للحجر: انقلق فانفلق ثلاث فلق، نسمع لكلّ فلقة منها تسبيحاً لا يسمع للأخرى.
و لقد بعث إلى شجرة يوم البطحاء فأجابته، و لكلّ غصن منها تسبيح و تهليل و تقديس ثمّ قال لها: انشقّي فانشقّت نصفين، ثمّ قال لها: الترقي، فالتزقت، ثمّ قال لها: اشهدي لي بالنبوّة، فشهدت، ثمّ قال لها : ارجعي إلى مكانك بالتسبيح و التهليل و التقديس ففعلت، و كان موضعها بجنب الجزّارين بمكّة.
قال له اليهوديّ: فإن عيسى علیه السّلام يزعمون أنّه كان سيّاحاً.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم، كانت سياحته في الجهاد، و استنفر في عشر سنين مالا يحصى من حاضر و بادٍ و أفنى فئاماً من العرب من منعوت بالسيف، لا يداري بالكلام، ولا ينام إلّا عن دم، ولا يسافر إلّا و هو متجهّز لقتال عدوّه.
و قال له اليهوديّ: فإن عيسى علیه السّلام يزعمون أنّه كان زاهداً.
قال له علىّ علیه السّلام : لقد كان كذلك، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلّم أزهد الأنبياء صلی الله علیه و آله و سلّم كان له ثلاث عشرة زوجة سوى من يطيف به من الإماء، ما رفعت له مائدة قطّ و عليها طعام، و ما أكل خبز برّقطّ، و لا شبع من خبز شعير ثلاث ليال متواليات قطّ، توفّي صلی الله علیه و آله و سلّم و درعه مرهونة عند
يهوديّ بأربعة دراهم، ما ترك صفراء ولا بيضاء، مع ما وطّىء له من البلاد، و مكّن له من غنائم العباد. و لقد كان يقسّم في اليوم الواحد ثلاث مأة ألف وأربعمأة ألف و يأتيه السائل بالعشيّ فيقول: والّذي بعث محمّداً بالحقّ ما أمسى في آل محمّد صاع من شعير و لا صاع من برّ، ولا درهم و لا دينار. و قال له اليهوديّ: فإنّي أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أشهد أنّه ما أعطى الله نبيّاً درجةً و لا مرسلاً فضيلة إلّا وقد جمعها لمحمّد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و زاد محمّداً على الأنبياء صلوات الله عليهم أضعاف درجات.
فقال ابن عبّاس لعلىّ بن أبي طالب علیه السّلام : أشهد يا أبا الحسن أنّك من الراسخين في العلم، فقال: ويحك ومالي لا أقول ما قلت في نفس من استعظمه الله عزّ و جلّ في عظمته جلّت فقال: «و إنّك (1)لعلى خلق عظيم»(2).
1 - ما: جماعة، عن أبي المفضّل عن نصر بن القاسم، و عمر و بن أبي حسان، عن إسحاق بن أبي إسرائيل ، عن ديلم بن غزوان العبديّ، و عليّ بن أبي سارّة الشيبانيّ، عن ثابت البنانيّ، عن أنس بن مالك، إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بعث رجلاً إلى فرعون من فراعنة العرب يدعوه إلى الله عزّ وجل، فقال لرسول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: أخبرني عن هذا النبيّ يدعوني إليه أمن فضّة هو أم من ذهب أم من حديد؟ فرجع إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فأخبره بقوله، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ارجع إليه فادعه، فقال: يا نبيّ الله إنّه أعتى من ذلك، قال: ارجع إليه فقال كقوله، فبينا هو يكلّم إذ رعدت سحابه رعدة فألقت على رأسه صاعقة ذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله جلّ ثناؤه: «و يرسل (1)الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله و هو شديد
1) الرعد / 13.
المحال»(1).
2 - يج: روي أن أهل المدينة مطروا مطراً عظياً فخافوا الغرق فشكوا إليه، فقال: اللّهمّ حوالينا و لا علينا، فانجابت السحاب عن المدينة على هيئة الإكليل لا تمطر في المدينة و تمطر حواليها، فعاين مؤمنهم وكافرهم أمراً لم يعاينوا مثله.
3 - قب: أجمع المفسّرون و المحدّثون سوى عطاء والحسين و البلخيّ في قوله: «اقتربت السّاعة و انشقّ القمر» أنّه اجتمع المشركون ليلة بدر إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، فقالوا : إن كنت صادقاً فشق لنا القمر ، فرقتين قال صلی الله علیه و آله و سلّم : إن فعلتُ تؤمنون؟ قالوا: نعم، فأشار إليه بإصبعه فانشقّ شقّتين رُئي حرى بين فلقيه.
و في رواية نصفاً على أبي قبيس و نصفاً على قيقعان، و في رواية نصف على الصفا، و نصف على المروة، فقال صلی الله علیه و آله و سلّم: اشهدوا اشهدوا فقال ناس: سحرنا محمّد، فقال رجل: إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلّهم، وكان ذلك قبل الهجرة، وبقي قدر ما بين العصر إلى الليل، و هم ينظرون إليه و يقولون: هذا سحر مستمرّ، فنزل: «و إن يروا آية يعرضوا» الآيات، وفي رواية أنّه قدم السفّار من كلّ وجه، فما من أحد قدم إلّا أخبرهم أنّهم رأوا مثل ما رأوا(2).
4 - يج: عن أسماء بنت عميس قالت: إنّ عليّاً بعثه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في حاجة في غزوة حنين و قد صلّى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم العصر و لم يصلّها عليّ، فلمّا رجع وضع رأسه في حجر علىّ علیه السّلام و قد أوحى الله إليه فجلّله بثوبه، فلم يزل كذلك حتّى كادت الشمس تغيب، ثمّ إنّه سُري عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال : أصلّيت يا عليّ؟ قال: لا، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم اللهمّ ردّ على عليّ الشمس، فرجعت حتّى بلغت نصف المسجد قالت أسماء: وذلك بالصهباء.
5 - يج: روت عائشة أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
بعث عليّاً يوماً في حاجة فانصرف عليّ إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و هو في حجرتي، فلمّا دخل عليّ من باب الحجرة استقبله رسول
الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى الفضاء بين الحجر فعانقه و أظلّتهما غمامة سترتهما عنّي، ثمّ زالت عنهما الغمامة، فرأيت في يد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عنقود عنب أبيض و هو يأكل و يطعم عليّاً، فقلت: يا رسول الله تأكل وتطعم عليّاً ولا تطعمني؟ قال: هذا من ثمار الجنّة لا يأكلها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ في الدنيا.
6 - كا: الحسين بن محمّد، عن المعلّى بن محمّد، عن بسطام بن مرّة الفارسيّ، قال: حدّثنا عبدالرحمن بن يزيد الفارسيّ، عن محمّد بن معروف، عن صالح بن رزين، عن أبي عبد الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال: قال أمير المؤمنين علیه السّلام: عليكم بالهريسة فإنّها تنشط للعبادة أربعين يوماً، و هي من المائدة الّتي أنزلت على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم(1).
أقول سيأتي في باب فضائل أصحاب الكساء و أبواب فضائل أمير المؤمنين علیه السّلام، و أبواب فضائل فاطمة علیها السّلام نزول المائدة بطرق عديدة، وإيرادها هنا موجب للتكرار.
1) فروع الكافى 170/2
1 - يج: روي عن فاطمة بنت أسد أنّه لما ظهرت أمارة وفاة عبد المطلّب قال لأولاده: من يكفّل محمّداً؟ قالوا: هو أكيس منّا فقل له يختار لنفسه، فقال عبدالمطلّب يا محمّد جدّك على جناح السفر إلى القيامة، أي عمومتك و عمّاتك تريد أن يكفّلك؟ فنظر في وجوههم ثمّ زحف إلى عند أبي طالب، فقال له عبد المطلّب: يا أبا طالب إنّي قد عرفت ديانتك و أمانتك فكن له كما كنتُ له، قالت: فلمّا توفّي أخذه أبو طالب وكنت أخدمه وكان يدعوني الأمّ، قالت: وكان في بستان دارنا نخلات، وكن أوّل إدراك الرطب وكان أربعون صبيّاً من أتراب محمّد، يدخلون علينا كلّ يوم في البستان، و يلتقطون ما يسقط فما رأيت قطّ محمّداً يأخذ رطبة من يد صبيّ سبق إليها، والآخرون يختلس بعضهم من بعض، وكنت كلّ يوم ألتقط لمحمّد حفنة فما فوقها، وكذلك جاريتي، فأتفق يوماً أن نسيت أن ألتقط له شيئاً و نسيت جاريتي، وكان محمّد نائماً، ودخل الصّبيان و أخذوا كلّ ما سقط من الرطب و انصرفوا، فنمت فوضعت الكمّ على وجهي حياءً من محمّد إذا انتبه، قالت: فانتبه محمّد و دخل البستان فلم ير رطبة على وجه الأرض، فانصرف فقالت له الجارية: إنا نسينا أن
نلتقط شيئاً، و الصبيان دخلوا و أكلوا جميع ما كان قد سقط، قالت: فانصرف محمّد إلى البستان و أشار إلى نخلة وقال: أيّتها الشجرة أنا جائع، قالت: فرأيت الشجرة قد وضعت أغصانها الّتي عليها الرطب حتّى أكل منها محمّد ما أراد ، ثمّ ارتفعت إلى موضعها، قالت فاطمة: فتعجّبت وكان أبو طالب قد خرج من الدار، وكلّ يوم إذا رجع و قرع الباب كنت أقول للجارية حتّى تفتح الباب، فقرع أبو طالب فعدوت حافية إليه و فتحت الباب و حكيت له ما رأيت فقال: هو إنّما يكون نبيّاً، و أنت تلدين له وزيراً بعد ثلاثين فولدت عليّاً كما قال(1).
2 - يج: روي عن عمّار بن ياسر أنّه كان مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في بعض أسفاره قال: فنزلنا يوماً في بعض الصحارى القليلة الشجر، فنظر إلى شجرتين صغرتين فقال لي: يا عمّار صر إلى الشجرتين فقل لهما: يأمركما رسول الله أن تلتقيا حتّى يقعد تحتكما، فأقبلت كلّ واحدة إلى الأخرى حتّى التقتا فصارتا كالشجرة الواحدة، ومضى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم خلفها فقضى حاجته، فلمّا أراد الخروج قال: لترجع كلّ واحدة إلى مكانها، فرجعتا كذلك.
3 - يج: روي أن نبيّ الله صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا بنى مسجده كان فيه جذع نخل إلى جانب المحراب يابس عتيق، إذا خطب يستند عليه، فلمّا اتّخذ له المنبر وصعد حنّ ذلك الجذع كحنين الناقة إلى فصيلها، فنزل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فاحتضنه فسكن من الحنين، ثمّ رجع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و يسمّى الحنّانة، إلى أن هدم بنو أميّة المسجد و جدّدوا بناءه فقلعوا الجذع.
4 - ير: أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد و عليّ بن الحكم جميعاً، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إنّ من الناس من يؤمن بالكلام و منهم من لا يؤمن إلّا بالنظر، إنّ رجلاً أتى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال له: أرني آية، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم نشجرتين، اجتمعا فاجتمعتا، ثمّ قال: تفرّقا، فافترقتا و رجع كلّ واحدة منهما إلى مكانهما،
1) الخرائج /186.
قال: فآمن الرجل(1).
ير: إبراهيم بن هاشم، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن حمّاد، عن خالد بن عبد الله عنه علیه السّلام مثله(2).
ير: أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن البزنطيّ، عن حمّاد مثله(3).
5 - ير محمّد بن الحسين، عن جعفر بن محمّد بن يونس، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم في مكان ومعه رجل من أصحابه و أراد قضاء حاجة فقال: انت الأشاتين، يعني النخلتين، فقل لهما: اجتمعا، فاستتر بهما النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقضى حاجته، ثمّ قام فجاء الرجل فلم ير شيئاً (4).
6 - لى أبي، عن سعد، عن البرقيّ، عن خلف بن حمّاد، عن أبي الحسن العبديّ، عن الأعمش عن عباية بن ربعيّ، عن عبد الله بن عبّاس، عن أبيه قال: قال أبو طالب لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يا ابن أخ، الله أرسلك؟ قال: نعم، قال، فأرني آية قال: ادع لي تلك الشجرة، فدعاها فأقبلت حتّى سجدت بين يديه ثمّ انصرفت، فقال أبو طالب أشهد أنّك صادق، يا عليّ صلّ جناح ابن عمّك(5).
7 - ما: ابن الصلت عن ابن عقدة، عن عليّ بن محمّد بن عليّ الحسيني، عن جعفر بن محمّد بن عيسى، عن عبيد الله بن عليّ، عن الرضا، عن آبائه علیهم السّلام عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم قال : إنّي لأعرف حجراً كان يسلّم علىّ بمكّة قبل أن أبعث إنّى لأعرفه الآن(6).
يج: مرسلاً مثله.
8 - كا العدّة عن البرقيّ، عن التفليسيّ، عن السمنديّ، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يمصّ النوى بفيه و يفرسه فيطلع من ساعته.
1 - ما: جماعة، عن أبي المفضّل عن أحمد بن عبدالله بن عمّار الثقفيّ الكتاب، عن عليّ بن محمّد النوفليّ، عن محمّد بن الحارث الدهنيّ، عن القاسم بن الفضل، عن عباد المنقري عن
الصادق عن آبائه، عن علىّ علیه السّلام قال : مرّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بظبية مربوطة بطنب فسطاط، فلمّا رأت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أطلق الله عزّ وجلّ لها من لسانها فكلّمته فقالت: يا رسول الله إنّي امّ خشفين عطشانين، و هذا ضرعي قد امتلأ لبناً، فخلّني حتّى أنطلق فاُرضعها ثمّ أعود فتربطني كما كنت، فقال لها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: كيف و أنت ربيطة قم وصيدهم؟ قالت: بلى يا رسول الله أنا أجى، فتربطني كما كنت أنت بيدك، فأخذ عليها موثقاً من الله لتعودنّ و خلّى سبيلها، فلم تلبث إلّا يسيراً حتّى رجعت قد فرغت ما في ضرعها، فربطها نبيّ الله كما كانت ثمّ سأل لمن هذا الصيد؟ قالوا: يا رسول الله هذه لبني فلان، فأتاهم النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و كان الَّذِي اقتنصها منهم منافقاً فرجع عن نفاقه و حسن إسلامه فكلّمه النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ليشتر بها من قال: بلى أخلّي سبيلها فداك أبي وأمّي يا نبيّ الله، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
: لو أن البهائم يعلمون من
الموت ما تعلمون أنتم ما أكلتم منها سميناً (1).
2 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن علي بن حسّان، عن عمّه عبدالرحمن، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ذات يوم قاعداً إذ مرّ به بعير فبرك بين يديه و رغا، فقال عمر: یا رسول الله أيسجد لك هذا الجمل؟ فإن سجد لك فنحن أحقّ أن نفعل، فقال: لابل اسجدوا الله إنّ هذا الجمل يشكو أربابه، و يزعم أنّهم انتجوه صغيراً و اعتملوه، فلمّا كبر وصار أعون كبيراً ضعيفاً أرادوا نحره، و لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ثمّ قال أبو عبدالله صلوات الله عليه: ثلاثة من البهائم أنطقها الله تعالى على عهد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : الجمل وكلامه الّذي سمعت و الذئب فجاء إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فشكا إليه الجوع، فدعا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أصحاب الغنم، فقال: افرضوا للذئب شيئاً، فشحّوا، فذهب ثمّ عاد إليه الثانية فشكا الجوع، فدعاهم فشحّوا، ثمّ جاء الثالثة فشكا الجوع فدعاهم فشحّوا فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم اختلس، و لو أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فرض للذئب شيئاً مازاد الذئب عليه شيئاً حتّى تقوم الساعة، و أمّا البقرة فإنّها أذنت بالنبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و دلّت عليه، وكانت في نخل لبني سالم من الأنصار، فقالت: يا آل ذريح عمل نجيح صائح يصيح بلسان عربيّ فصيح بأن لا إله إلّا الله ربّ العالمين، و محمّد رسول الله سيّد النبييّن، و عليّ وصيّه سيد الوصيّين (2).
ختص: الخشاب مثله(3).
قب يج: عن الصادق علیه السّلام إلى قوله: أن تسجد لزوجها(4).
3 - ختص ير: أحمد بن الحسن بن فضّال، عن أبيه و أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : إن ناضحاً كان لرجل من الناس فلمّا أسنّ قال بعض أصحابه: لو نحر تموه، فجاء البعير إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فجعل يرغو، فأرسل
رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى صاحبه، فلمّا جاء قال له النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّ هذا يزعم أنّه كان لكم شابّاً حتّى هرم، و أنّه قد نفعكم و أنّكم أردتم نحره، قال: فقال: صدق، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : لا تنحروه و دعوه قال: فتركوه(1).
4 - كا محمّد بن الحسن، و علىّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الوليد شباب الصيرفيّ، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله علیه السّلام و ذكر وصيّة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم وما أعطاء أمير المؤمنين إلى أن قال: و الحمار عفير فقال: اقبضها في حياتي، فذكر أمير المؤمنين علیه السّلام أنّ
أوّل شيء من الدوابر توفّي عفير، ساعة قبض رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قطع خطامه ثمّ مرّ يركض حتّى أتى بئر بني حطمة بقبا فرمى بنفسه فيها، فكانت قبره(2).
5 - وروي أنّ أمير المؤمنين علیه السّلام قال : إنّ ذلك الحمار كلّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال: بأبي أنت و أمّي إنّ أبي حدّثني عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه أنّه كان مع نوح في السفينة، فقام إليه فمسح على كفله، ثمّ قال: يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيّد النبييّن و خاتمهم، و الحمد لله الّذي جعلني ذلك الحمار(3).
6 - يج: روي أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم كان في أصحابه إذ جاءه أعرابيّ معه ضبّ قد صاده و جعله في كمّه، قال: من هذا؟ قالوا: هذا النبيّ، قال: واللّات والعزّى ما أحد أبغض إلىّ منك، و لو لا أن تسميّني قومي عجولاً لعجلك فقتلتك، فقال: ما حملك على ما قلت؟ آمن بالله، قال: لا آمنت أو يؤمن بك هذا الضبّ ،وطرحه، فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : يا ضبّ، فأجابه الضبّ بلسان عربيّ يسمعه القوم لبيّك وسعديك يازين من وافى القيامة قال: من تعبد؟ قال: الّذي في السماء عرشه، و في الأرض سلطانه، و في البحر سبيله، و في الجنّة رحمته، و في النار عقابه قال: فمن أنا يا ضبّ؟ قال: رسول ربّ العالمين و خاتم النبييّن، و قد أفلح من صدّقك، و خاب من كذّبك، قال الأعرابيّ: لا أتّبع أثراً بعد عين، لقد جئتك و ماعلى ظهر الأرض أحد
أبغض إلي منك، وإنّك الآن أحبّ إليّ من نفسي و والدي، أشهد أن لا اله إلّا الله، وأنك محمّد رسول الله، فرجع إلى قومه وكان من بني سليم، فأخبرهم بالقصّة فآمن ألف إنسان منهم(1).
7 - يج: روي أنّ امرأة عبد الله بن مشكم أتته بشاة مسمومة، و مع النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم بشر بن البراء بن عازب، فتناول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم الذراع، فتناول بشر الكراع، فأمّا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فلاكها و لفظها، وقال: إنّها لتخبرني أنّها مسمومة و أمّا بشر فلاك المضغة و ابتلعها فمات، فأرسل إليها فأقرّت، فقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: قتلت زوجي و أشراف قومي، فقلت: إن كان ملكاً قتلته، وإن كان نبيّاً فسيطلعه الله.
8 - يج: روي أنّ الوليد بن عبّادة بن الصامت قال: بينما جابر بن عبدالله يصلّي في المسجد إذ قام إليه أعرابيّ فقال: أخبرني هل تكلّم بهيمة على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
؟ قال: نعم دعا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم على عتبة بن أبي لهب، فقال: أكلك كلب الله، فخرج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يوماً في صحب له حتّى إذا نزلنا على مبقلة بمكّة خرج عتبة مستخفياً، فنزل في أقاصي أصحاب النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و الناس لا يعلمون، ليقتل محمّداً، فلمّا هجم الليل إذا أسد قبض على عتبة، ثمّ أخرجه خارج الركب، ثم زار زئيراً لم يبق أحدٌ من الركب إلا أنصف له: ثمّ نطق بلسان طلق و هو يقول: هذا عتبة بن أبي لهب خرج من مكّة مستخفياً، يزعم أنّه يقتل محمّداً، ثمّ مزّقه قطعاً قطعاً فلم يأكل منه.
ثمّ قال جابر: قد تتمّل قوم من آل ذريع وفتيات لهم ليلة فبيناهم في لهوهم و لعبهم إذ صعد عجل على رابية، و قال لهم بلسان ذلق: يا آل ذريع أمر نجيح، صائح يصيح، بلسان فصيح ببطن مكّة، يدعوهم إلى قول: لا إلا إلّا الله فأجيبوه، فترك القوم هوهم و لعبهم و أقبلوا إلى مكّة فدخلوا في الإسلام مع رسول الله.
ثمّ قال جابر: لقد تكلّم ذئب أتى غنماً ليصيب منها، فجعل الراعي يصدّه و يمنعه فلم
1) الخرائج / 184.
ينته، فقال: عجباً لهذا الذئب، فقال: يا هذا أعجب منّي، محمّد بن عبدالله القرشيّ يدعوكم ببطن مكّة إلى قول : لا إله إلّا الله يضمن لكم عليه الجنّة وتأبون عليه، فقال الراعي: يا لك من طامة، من يرعى الغنم حتّى آتيه فأؤمن به؟ قال الذئب: أنا أرعى الغنم فخرج و دخل مع رسول الله في الإسلام.
ثمّ قال :جابر و لقد تكلّم بعير كان لآل النجّار شرد عنهم و منعهم ظهره، فاحتالواله بكلّ حيلة فلم يجدوا إلى أخذه من سبيل، فأخبروا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فخرج إليه فلمّا بصر به البعير برك خاضعاً باكياً، فالتفت النبيّ إلى بني النجّار فقال: ألا إنّه يشكوكم أنّكم قلّلتم علفه أثقلتم ظهره، فقالوا: أنّه ذو منعة لا يتمكّن منه، فقال: انطلق مع أهلك، فانطلق ذليلاً.
ثمّ قال: جابر لقد تكلّم ظبية اصطادها قوم من الصحابة فشدوها إلى جانب رحلهم، فمرّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فنادته يا نبيّ الله، يا رسول الله، فقال: أيّتها النجداء ما شأنك؟ قالت: إنّي حافل ولي خشفان، فخلّني حتّى أرضعها و أعود فأطلقها ثمّ مضى، فلمّا رجع إذا الظبية قائمة، فجعل النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يوثقها، فحسّ أهل الرحل به فحدّثهم بحديثها، قالوا: و هي فأطلقها فتكلّمت بالشهادتين(1).
9 - قب، يج: روي عن أبي ذرّ قال: دخلت على النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يوماً فقال: ما فعلت غنيماتك؟ قلت: إنّ لها قصّة عجيبة، بينما أنا في صلاتي إذ عدا الذئب على غنمي، فقلت في نفسي، لا أقطع الصلاة، فأخذ حملاً فذهب به و أنا أحسّ به، إذ أقبل على الذئب أسد فاستنقذ الحمل و ردّه في القطيع، ثمّ ناداني يا أباذرّ أقبل على صلاتك، فإنّ الله قد وكّلني بغنمك، فلمّا فرغت قال لي الأسد: امض إلى محمّد فأخبره أنّ الله أكرم صاحبك الحافظ لشريعتك، و وكّل أسداً بغنمه، فعجب من حول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم(2).
1 - جا، ما: المفيد، عن عليّ بن بلال، عن النعمان بن أحمد، عن إبراهيم بن عرفة، عن أحمد بن رشيد بن خيثم، عن عمّه سعيد، عن مسلم الغلابيّ قال: جاء أعرابيّ إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلّم فقال: و الله يا رسول الله لقد أتيناك و ما لنا بعير ينطّ و لا غنم يغطّ، ثمّ أنشأ يقول:
أتيناك يا خير البريّة كلّها *** لترحمنا ممّا لقينا من الأزلِ
و ألق و العذراء يدمي لبانها *** و قد شغلت أمّ البنين عن الطفل
و ألقى بكفّيه الفتى استكانة *** من الجوع ضعفاً لا يمرّ ولا يحلي
ولا شيء ممّا يأكل الناس عندنا *** سوى الحنظل العامّي و العلهز الفسلِ
و ليس لنا إلّا إليك فرارنا *** و أين فرار الناس إلّا إلى الرسلِ
فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لأصحابه: إنّ هذا الأعرابيّ يشكو قلّة المطر و قحطاً شديداً ثمّ قام يجرّ رداءه حتّى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فكان فيما حمده به أن قال: «الحمد لله الّذي علا في السماء فكان عالياً، و في الأرض قريباً دانياً، أقرب إلينا من حبل الوريد، و رفع يديه
إلى السماء وقال: «اللّهمّ اسقنا غيناً مغيثاً مريئاً مريعاً غدقاً طبقاً، عاجلاً غير رائث، نافعاً غير ضارّ، تملأ به الضرع، و تنبت به الزرع، و تحيي به الأرض بعد موتها، فما ردّ يده إلى نحره حتّى أحدق السحاب بالمدينة كالإكليل و ألقت السماء بأرواقها وجاء أهل البطاح يصيحون: يا رسول الله الغرق الغرق، فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله: «اللّهمّ حوالينا و لا علينا» فانجاب السحاب عن السماء، فضحك رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و قال: لله درّ أبي طالب، لو كان حيّاً لقرّت عيناه من ينشدنا قوله؟ فقام عمر فقال: عسى أردت يا رسول الله:
و ما حملت من ناقة فوق ظهرها *** أبرّ و أوفى ذمّة من محمّد
فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : ليس هذا من قول أبي طالب هذا من قول حسّان بن ثابت، فقام عليّ بن أبي طالب علیه السّلام فقال: كأنّك أردت يا رسول الله.
و أبيض يستسق الغمام بوجهه *** ربيع اليتامى عصمة للأرامل
تلوذ به الهلّاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة و فواضل
كذبتم و بیت الله: «یبزی محمّد» *** ولمّا نماصع دونه و نقاتل
ونسلمه حتّى نصرّع حوله *** ونذهل عن أبنائنا و الحلائل فقال رسول الله : أجل، فقام رجل من بني كنانة فقال:
لك الحمد و الحمد ممّن شكر *** سقينا بوجه النبيّ المطر
دعا الله خالقه دعوة *** و أشخص منه إليه البصر
فلم يك إلّا كألف الرداء *** و أسرع حتّى أتانا الدرر
دفاق الغزائل جمّ البعاق *** أغات به الله عليا مضر
فکان کما قاله عمّه *** أبو طالب ذا رواء أغرّ
به الله يسقي صيوب الغمام *** فهذا العيان و ذاك الخبر
فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: يا كنانيّ بوّاك الله بكلّ بيت قلته بيتاً في الجنّة(1).
قب: مرسلاً مثله ثمّ قال: و السبب في ذلك أنّه كان قحط في زمن أبي طالب، فقالت قريش: اعتمدوا اللاّت والعزّى، وقال آخرون: اعتمدوا المناة الثالثة الأخرى فقال ورقة بن نوفل: أنّى تؤفكون وفيكم بقيّة إبراهيم، و سلالة إسماعيل أبوطالب؟ فاستسقوه، فخرج أبو طالب و حوله أغيلمة من بني عبد المطّلب، وسطهم غلام كأنّه شمس دجنة تجلّت عنها غمامة، فأسند ظهره إلى الكعبة ولاذ بإصبعه؟ و بصبصت الأغلمة حوله فأقبل السحاب في الحال فأنشأ أبو طالب اللاّميّة(2).
أقول: سيأتي شرح أبيات أبي طالب في باب أحواله علیه السّلام.
2 - جا، ما: المفيد، عن الجعابيّ، عن الحسن بن الهاد بن حمزة أبو عليّ من أصل كتابه، عن الحسن بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن محمّد بن سليمان الإصفهانيّ عن عبدالرحمن الإصفهانيّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليّ بن أبي طالب قال : دعاني النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و أنا أرمد العين، فتفل في عيني، وشدّ العمامة على رأسي، وقال: «اللهمّ أذهب عنه الحرّ و البرد» فما وجدت بعدها حرّاً و لابرداً(3).
3 - ما: المفيد عن الحسين بن محمّد التّمار، عن محمّد بن القاسم، عن موسى بن محمّد الخيّاط، عن إسحاق بن إبراهيم الخراسانيّ، عن شريك، عن عبدالله بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: أصابنا عطش في الحديبية، فجهشنا إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فبسط يديه بالدعاء فتألّق السحاب، و جاء الغيث فروينا منه.
قال أبو الطيّب: قال الأصمعيّ: الجهش أن يفزع الإنسان إلى الإنسان، قال أبو عبيدة: و
هو مع فزعه كأنّه يريد البكاء، و في لغة أخرى: أجهشت إجهاشاً فأنا مجهش، و منه قول لبيد:
قامت تشكّي إلىّ النفس مجهشة *** وقد حملتك سبعاً بعد سبعينا
فإن تزادي ثلاثاً تبلغي أملاً *** و في الثلاث وفاء للثمانينا(1)
4 - ير: أيّوب بن نوح، عن صفوان بي يحيى، عن حمّاد بن أبي طلحة، عن أبي عوف، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: دخلت عليه فالطفني، و قال إنّ رجلاً مكفوف البصر أتى النبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم قال : يا رسول الله ادع الله أن يردّ عليّ بصري، قال: فدعا الله فردّ عليه بصره، ثمّ أتاه آخر فقال: يا رسول الله ادع الله لي أن يردّ عليّ بصري، قال: فقال: الجنّة أحبّ إليك أويردّ عليك بصرك؟ قال: يا رسول الله و إنّ ثوابها الجنّة؟ فقال: الله أكرم من أن يبتلي عبده المؤمن بذهاب بصره ثمّ لا يثيبه الجنّة(2).
5 - عم يج: روي أنّ رجلاً من أصحابهصلی الله علیه و آله و سلّم أصيب بإحدى عينيه في بعض مغازيه فسالت حتّى وقعت على خدّه، فأتاه مستغيثاً به، فأخذها فردّها مكانها فكانت أحسن عينيه منظراً، و أحدّهما بصراً(3).
6 - يج: روي أنّه أتاه صلی الله علیه و آله و سلّم رجل من جهينة يتقطّع من الجذام، فشكى إليه، فأخذ قدحاً من الماء فتفل فيه، ثمّ قال: امسح به جسدك ففعل فبرىء حتّى لم يوجد منه شيء.
7 - يج: روي أنّ عبدالله بن بريدة قال: سمعت أبي يقول: إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم تنقل في رجل عمرو بن معاذ حين قطعت رجله فبرىء.
8 - يج: روي أنّ معاذ بن عفراء جاء إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يحمل يده وكانت قد قطعها أبو جهل، فبصق صلی الله علیه و آله و سلّم عليها و ألصقها فلصقت.
9 -كا: علىّ عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: لمّا استسقى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و سقي الناس حتّى قالوا: إنّه الغرق، و قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بیده و ردّها: «اللّهمّ حوالينا و لا علينا» قال: فتقرّق السحاب، فقالوا: يا رسول الله استسقيت لنا فلم نسق ثمّ استسقيت لنا فسقينا، قال: إنّي دعوت و ليس لي في ذلك نيّة، ثمّ دعوت ولي ذلك نيّة(1).
10- كا: عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السنديّ، عن جعفر بن بشير، عن رزيق أبي العبّاس، عن أبى عبد الله علیه السّلام قال : أتى قوم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقالوا: يا رسول الله إنّ بلادنا قد قحطت و توالت السنون علينا، فادع الله تبارك و تعالى يرسل السماء علينا، فأمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بالمنبر فاُخرج و اجتمع الناس فصعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و دعا، و أمر الناس أن يؤمنّوا، فلم يلبث أن هبط جبرئيل علیه السّلام فقال: يا محمّد أخبر الناس أنّ ربّك قد وعدهم أن يمطروا يوم كذا وكذا، وساعة كذا وكذا، فلم يزل الناس ينتظرون ذلك اليوم و تلك الساعة حتّى إذا كانت تلك الساعة أهاج الله عزّ و جلّ ريحاً فأثارت سحاباً، وجلّلت السماء و أرخت عزاليها، فجاء أولئك النفر بأعيانهم إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقالوا: يا رسول الله ادع الله لنا أن يكفّ السماء عنّا، فإنّا قد كدنا أن نغرق، فاجتمع الناس ودعا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و أمر الناس أن يؤمنّوا على دعائه، فقال له رجل من الناس: يا رسول الله أسمعنا فإنّ كلّ ما تقول ليس نسمع، فقال: قولوا: اللّهمّ حوالينا ولا علينا، اللّهمّ صبّها في بطون الأودية و في نبات الشجر، و حيث يرعى أهل الوبر ، اللّهمّ اجعلها رحمةً و لا تجعلها عذاباً(2).
ما: الحسين بن عبدالله بن إبراهيم، عن التلعكبريّ، عن محمّد بن همام بن سهل، عن الحميريّ، عن الطيالسيّ، عن رزيق بن الزبير الخلقانيّ عنه علیه السّلام مثله(3).
11 - قب، يج، عم: من معجزاته صلی الله علیه و آله و سلّم
أنّ أبا براء ملاعب الأسنّة كان به استسقاء فبعث إليه لبيد بن ربيعة، و أهدى له فرسين و نجائب، فقال صلی الله علیه و آله و سلّم: لا أقبل هديّة مشرك، قال لبيد: ما كنت أرى أنّ رجلاً من مضر يردّ هديّة أبى براء، فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : لو كنت قابلاً هديّة من مشرك لقبلتها قال: فإنّه يستشفيك من علّة أصابته في بطنه فأخذ حثوة من الأرض فتفل عليها ثمّ أعطاه، وقال: دُفها بماء ثمّ أسقه إيّاه، فأخذها متعجّباً يرى أنّه قد استهزىء به، فأتاه فشربها و اُطلق من مرضه كأنّما أنشط من عقال(1).
1) مناقب آل أبي طالب 101/1؛ إعلام الورى / 19، ط 1.
1 - ن: الدقّاق، عن الأسديّ، عن جرير بن حازم، عن أبي مسروق، عن الرضا علیه السّلام قال: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أتاه أبو لهب فتهدّده، فقال له رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إن خدشت من قبلك خدشة فأنا كذّاب، فكانت أوّل آية نزع بها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الخبر(1).
2 - قب: جابر بن عبد الله: إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم نزل تحت شجره فعلّق بها سيفه ثمّ نامه، فجاء أعرابيّ فأخذ السيف وقام على رأسه، فاستيقظ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، فقال : يا محمّد من يعصمك الآن منّي؟ قال: الله تعالى فرجف وسقط السيف من يده.
و في خبر آخر: أنّه بي جالساً زماناً و لم يعاقبه النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم.
الثماليّ : في تفسير قوله: «يا أيّها الناس اذكروا نعمة الله عليكم إذهمّ قوم إنّ القاصد إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم كان دعثور بن الحارث، فدفع جبرئيل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله وقام على رأسه، فقال: ما يمنعك منّي؟ فقال: لا أحد، و أنا أعهد أن لا أقاتلك أبداً، ولا أعين عليك عدوّاً، فأطلقه، فسئل بعد انصرافه عن حاله فقال: نظرت إلى رجل طويل أبيض دفع في صدري، فعرفت أنّه ملك، ويقال: إنّه أسلم و جعل يدعو قومه إلى الاسلام.
1) عيون أخبار الرضا /333
حذيفة و أبو هريرة: جاء أبو جهل إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و هو يصلّي ليطأ على رقبته، فجعل ينكص على عقبيه، فقيل له: مالك؟ قال: إنّ بيني خندقاً من نار مهولاً، و رأيت ملائكة ذوي أجنحة فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: لودنا منّى لاختطفته الملائكة عضواً عضواً، فنزل: «أفرأيت الّذى ينهي» الآيات .
ابن عبّاس: إنّ قريشاً اجتمعوا في الحجر فتعاقدوا باللاّت والعزّى و مناة لو رأينا محمّداً لقمنا مقام رجل واحد و لنقتلنّه، فدخلت فاطمة علیها السّلام على النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم باكيةً و حكت مقالهم، فقال: يا بنيّة احضري لي وضوءاً، فتوضّأ ثمّ خرج إلى المسجد، فلمّا رأوه قالوا: هاهوذا، و خفضت رؤوسهم و سقطت أذقانهم في صدورهم، فلم يصل إليه رجل منهم، فأخذ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم قبضة من التراب فحصبهم بها و قال شاهت الوجوه، فما أصاب رجلاً
منهم إلّا قتل يوم بدر.
محمّد بن إسحاق: لمّا خرج النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم مهاجراً تبعه سراقة بن جعشم مع خيله، فلمّا رآه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم دعا فكان قوائم فرسه ساخت حتّى تغيّب، فتضرّع إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى دعا وصار إلى وجه الأرض، فقصد كذلك ثلاثاً و النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يقول : يا أرض خذيه، وإذا تضرّع قال: دعيه فكفّ بعد الرابعة و أضمر أن لا يعود إلى ما يسوئه.
و في رواية: و أتبعه دخان حتّى استغاثه فانطلقت الفرس فعذله أبو جهل، فقال سراقة:
أبا حكم و اللاّت لو كنت شاهداً *** لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه
عجبت ولم تشكك بأنّ محمّداً *** نبيّ و برهان فمن ذا يكاتمه؟
عليك فكفّ الناس عنه فإنّني *** أرى أمره يوماً ست ستبدو معالمه
و كان صلی الله علیه و آله و سلّم مارّاً في بطحاء مكّة فرماه أبو جهل بحصاة فوقت الحصاة معلّقة سبعة أيّام ولياليها فقالوا: من يرفعها؟ قال: يرفعه الّذي رفع السماوات بغير عمد ترونها. عكرمة: لمّا غزا يوم حنين قصد إليه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عن يمينه، فوجد عبّاساً، فأتى عن يساره فوجد أبا سفيان بن الحارث، فأتى من خلفه فوقعت بينهما شواظ
من نار، فرجع القهقرى، فرجع النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم إليه و قال: «يا شيب يا شيب ادن منّي، اللّهمّ أذهب عنه الشيطان» قال: فنظرت إليه و لهو أحبّ إلىّ من سمعي وبصري فقال: ياشيب قاتل الكفّار، فلمّا انقضى القتال دخل عليه فقال: الّذي أراد الله بك خير ممّا أردته لنفسك، و حدّثه بجميع مازوى فى نفسه فأسلم.
ابن عبّاس في قوله: «و يرسل الصواعق»(1)قال: قال عامر بن الطفيل لأريدين قيس: قد شغلته عنك مراراً فألّا ضربته؟ يعني النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، فقال أريد: أردت ذلك مرّتين
فاعترض لي في أحدهما حائط من حديد، ثمّ رأيتك الثانية بيني وبينه، أفأقتلك؟
و في رواية الكلبيّ: أنّه لمّا اخترط من سيفه شبراً لم يقدر على سلّه، فقال النبيّ صلّى الله علیه و آله: اللّهمّ اكفنيهما بما شئت.
و في رواية: أنّ السيف لصق به، و في الروايات كلّها: أنّه لم يصل واحد منهما إلى منزله، أمّا عامر فغدّ في ديار بني سلول، فجعل يقول: أغدّة كغدّة البعير و موتاً في بيت السلوليّة؟ و أمّا أريد فارتفعت له سحابة فرمته بصاعقة فأحرقته، وكان أخا لبيد لأمّه، فقال يرثيه.
فجّعني الرعد و الصواعق باك *** فارس يوم الكريهة النجد
أخشى على أريد الحتوف و لا *** أرهب نوء السماك و الأسد
ابن عبّاس و أنس و عبدالله بن مغفل : إنّ ثمانين رجلاً من أهل مكّة هبطوا من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام الحديبيّة ليقتلوهم وفي رواية: كان النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم جالساً في ظلّ شجرة و بين يديه عليّ علیه السّلام يكتب الصلح وهم ثلاثون شابّاً، فدعا عليهم النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فأخذ الله بأبصارهم حتّى أخذناهم فخلّى سبيلهم فنزل: «و هو الّذي كفّ أيديهم عنكم»(2).
ابن جبير و ابن عبّاس و محمّد بن ثور في قوله: «فاصدع بما تؤمر» الآيات كان المستهزءون به جماعة مثل الوليد بن المغيرة المخزوميّ، و الأسود بن بعد يغوث الزهريّ، و
أبو زمعة الأسود بن المطّلب و العاص بن وائل السّهميّ، و الحارث بن قيس الهسميّ، و عقبة بن أبي معيط، و فيهلة بن عامر الفهريّ، و الأسود بن الحارث، و أبو أحيحة و سعيد بن العاص، و النضر بن الحارث العبدريّ، و الحكم بن العاص بن أميّة، و عتبة بن ربيعة، و طعيمة بن عديّ، و الحارث بن عامر بن نوفل، و أبو البختريّ العاص بن هاشم بن أسد، و أبو جهل، و أبو لهب وكلّهم قد أفناهم الله بأشدّ نكال، وكانوا قالوا له: يا محمّد ننتظر بك إلى الظهر فإن رجعت عن قولك وإلّا قتلناك، فدخل صلی الله علیه و آله و سلّم منزله و أغلق عليه بابه فأتاه جبرئيل ساعته فقال له: يا محمّد السلام يقرأ عليك السلام و هو يقول: اصدع بما تؤمر و أنا معك و قد أمرني ربّي بطاعتك، فلمّا أتيا البيت رمى الأسود بن المطّلب في وجهه بورقة خضراء فقال: «اللهمّ أعم بصره و أثكله ولده» فعمي و أثكله الله ولده.
وروي أنّه أشار إلى عينه فعمي وجعل يضرب رأسه على الجدار حتّى هلك، ثمّ مرّبه الأسود بن عبد يغوث فأوماً إلى بطنه فاستسق ماء و مات حبناً، ومرّ به الوليد فأوماً إلى جرح اندمل في بطن رجله نبل فتعلّقت به شوكة فنن فخدشت ساقه و لم يزل مريضاً حتّى مات، و نزل فيه: «ساُرهقه صعوداً»(1)وإنّه يكلّف أن يصعد جبلاً في النار من صخرة ملساء فإذا بلغ أعلاها لم يترك أن يتنفّس فيحذب إلى أسفلها، ثمّ يكلّف مثل ذلك، ومرّ به العاص فعابه فخرج من بيته فلفحته السموم: فلمّا انصرف إلى داره لم يعرفوه، فباعدوه فمات غمّاً.
وروي أنّهم غضبوا عليه فقتلوه.
وروي أنّه وطىء على شبرقة فدخلت في أخمص رجله، فقال: لدغت، فلم يزل يحكّها حتّى مات و مرّ به الحارث فأوماً إلى رأسه فتقيّاً قيحاً، ويقال: إنّه لدغته الحيّة و يقال: خرج إلى كدافتدهده عليه حجر فتقطّع، أو استقبل ابنه في سفر فضرب جبرئيل رأسه على شجرة، و هو يقول: يا بني أدركني، فيقول: لا أرى أحداً حتّى مات.
1) المدثر /17
و أمّا الأسود بن الحارث أكل حوتاً فأصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتّى انشقّت بطنه، وأمّا فيهلة بن عامر فخرج يريد الطائف ففقد ولم يوجد، و أمّا عيطلة فاستسقى فمات، و يقال :أتى بشوك فأصاب عينيه فسالت حدقته على وجهه، و أمّا أبو لهب فإنّه سأل أبا سفيان عن قصّة بدر فقال: إنّا لقيناهم فمنحناهم أكتافنا فجعلوا يقتلوننا و يأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما مكث الناس لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء و الأرض لا يقوم لها شيء، فقال أبو رافع لأمّ الفضل بنت العبّاس: تلك الملائكة، فجعل يضربني، فضربت أُمّ الفضل على رأسه بعمود الخيمة، فلقت رأسه شجّة منكرة فعاش سبع ليال، و قد رماه الله بالعدسة، و لقد تركه ابناء ثلاثاً لا يدفنانه، وكانت قريش تتّقي العدسة فدفنوه بأعلى مكّة على جدار وقذفوا عليه الحجارة حتّى واروه.
و نزل قوله تعالى: «لقد حقّ القول»(1)الآيات في أبي جهل، و ذلك أنّه كان حلف لتن رأى محمّداً يصلّي ليرضخنّ رأسه، فأتاه و هو يصلّي ومعه حجر ليدمغنّه، فلمّا رفعه أثبتت يده إلى عنقه و لزق الحجر بيده، فلمّا عاد إلى أصحابه و أخبرهم بما رأى سقط الحجر من يده، فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر فأتاه وهو يصلّي ليرميه بالحجر فأغشى الله بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتّى نادوه ما صنعت؟ فقال ما رأيته، و لقد سمعت صوته و حال بيني و بينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه، لو دنوت منه لأكلني.
ابن عبّاس في قوله: «وجعلنا من بين أيديهم سداً».
إنّ قريشاً اجتمعت فقالت: لئن دخل محمّد لنقومنّ إليه قيام رجل واحد، فدخل النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فجعل الله من بين أيديهم سدّاً قلم يبصروه فصلّى صلی الله علیه و آله و سلّم ثمّ أتاهم فجعل ينثر على رؤوسهم التراب و هم لا يرونه، فلمّا جلى عنهم رأوا التراب فقالوا: هذا ما سحركم ابن
1) يس /8
أبي كبشة.
و لما نزلت الأحزاب على المدينة عبّى أبوسفيان سبعة آلاف رام كوكبة واحدة ثمّ قال: ارموهم رشقاً واحداً، فوقع في أصحاب النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم سهام كثيرة، فشكوا ذلك إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فلوّح إلى السهام بكمّه، و دعا بدعوات فهبّت ريح عاصفة فردّت السهام إلى القوم، فكلّ من رمى سهماً عاد السهم إليه فوقع فيه، جرحه بقدرة الله و بركة رسوله و دخل النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم مع ميسرة إلى حصن من حصون اليهود ليشتروا خبزاً و أدماً، فقال يهوديّ: عندي مرادك، و مضى إلى منزله و قال لزوجته: اطلعي إلى عالي الدار، فإذا دخل هذا الرجل فارمي هذه الصخرة عليه، فأدارت المرأة الصخرة، فهبط جبرئيل فضرب الصخرة بجناحه، فخرقت الجدار و أنت تهتزّ كأنّها صاعقة، فأحاطت بحلق الملعون، و صارت في عنقه كدور الرحى، فوقع كأنّه المصروع، فلمّا أفاق جلس و هو يبكي، فقال له النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : ويلك ما حملك على هذا الفعال؟ فقال: يا محمّد لم يكن لي في المتاع حاجة، بل أردت قتلك و أنت معدن الكرم، و سيّد العرب و العجم، اعف عنّي فرحمه النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فانزاحت الصخرة عن عنقه.
جابر و ابن عبّاس: قال رجل من قريش لأقتلنّ محمّداً، فوثب به فرسه فاندقّت رقبته، و استغاث الناس إلى معمر بن يزيد وكان أشجع الناس و مطاعاً في بني كنانة، فقال لقريش: أنا أريحكم منه، فعندي عشرون ألف مدججّ، فلا أرى هذا الحيّ من بني هاشم يقدرون على حربي، فإن سألوني الدية أعطيتهم عشر ديات ففي مالي سعة، و كان يتقلّد بسيف طوله عشرة أشبار في عرض شبر، فأهوى إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم بسيفه و هو ساجد في الحجر، فلمّا قرب منه عثر بدرعه فوقع ثمّ قام وقد أدمي وجهه بالحجارة، و هو يعدو أشدّ العدو حتّى بلغ البطحاء فاجتمعوا إليه وغسلوا الدم عن وجهه وقالوا: ماذا أصابك فقال: المغرور و الله من غررتموه، قالوا: ما شأنك؟ قال: دعوني تعد إلىّ نفسي، مارأيت كاليوم، قالوا: ماذا أصابك؟ قال: لمّا دنوت منه وثب إليّ من عند رأسه شجاعان أقرعان ينفخان بالنيران.
وروي أنّ كلدة بن أسد ر مى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بمزراق و هو بين دار عقيل و عقال فعاد
المزراق إليه فوقع في صدره، فعاد فزعاً و انهزم و قيل له: مالك؟ قال: ويحكم أما ترون الفحل خلفي؟ ما نرى شيئاً، قال: ويحكم فإنّي أراه، فلم يزل يعدو حتّى بلغ الطائف.
الواقديّ : خرج النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم للحاجة في وسط النهار بعيداً، فبلغ إلى أسفل ثنيّة الحجون فأتبعه النضر بن الحارث يرجو أن يغتاله، فلمّا دنامنه عاد راجعاً، فلقيه أبوجهل فقال: من أين جئت؟ قال: كنت طمعت أن أغتال محمّداً، فلمّا قربت منه فإذا أساود تضرب بأنيابها على رأسه، فاتحة أفواهها، فقال أبوجهل: هذا بعض سحره.
و قصد إليه رجلٌ بفهر و هو ساجد، فلمّا رفع يده ليرمي به، يبست يده على الحجر.
ابن عبّاس : كان النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يقرأ في المسجد فيجهر بقراءته فتأذّى به ناس من قريش، فقاموا ليأخذوه، و إذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم. وإذاهم عمىٌ لا يبصرون، فجاءوا إلى النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقالوا: ننشدك الله و الرحم، فدعا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فذهب ذلك عنهم فنزلت «يس» إلى قوله: «فهم لا يبصرون». أبوذرّ : كان النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم في سجوده فرفع أبو لهب حجراً يلقيه عليه فثبتت يده في الهواء فتضرّع إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و عقد الأيمان لوعو في لا يؤذيه، فلمّا برئ، قال: لأنت ساحر حاذق، فنزل: «تبت يدا أبي لهب». و تكمّن نضر بن الحارث بن كلدة لقتل النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فلمّا سلّ سيفه رني خائفاً مستجيراً، فقيل: يا نضر هذا خير لك ممّا أردت يوم حنين ممّا حال الله بينك و بينه(1).
3 - قب: سار النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم إلى بنى شاجعة فجعل يعرض عليهم الإسلام فأبوا وخرجوا إليه في خمسة آلاف فارس، فتبعوا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فلمّا لحقوا به عاجلهم بدعوات فهبّت عليهم ريح فأهلكتهم عن آخرهم(2).
4 - قب: رمى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ابن قميّة بقذّافة فأصاب كعبه حتّى بدر السيف عن
يده في يوم أحد، وقال: خذها منّي و أنا ابن قميّة فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : أذلّك الله وأقماك، فأتى ابن قميّة تيس و هو نائم فوضع قرنه في مراقّه ثمّ دعسه – فجعل ينادي: و اذلّاه – حتّى أخرج قرنيه من ترقوته.
و كانت الكفّار في حرب الأحزاب عشرة آلاف رجل و بنو قريظة قائمون بنصرتهم والصحابة في أزل شديد، فرفع يديه وقال: يا منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، فجاءتهم ريح عاصف تقلع خيامهم فانهزموا بإذن الله و أيّدهم بجنود لم يروها. فتفرّق الحصى في وجوه المشركين، فلم يصب من ذلك أحداً إلّا قتل أو أسر وفيه نزل: «و ما (1)رميت إذ رميت و لكنّ الله رمى»(2).
و أخذ صلی الله علیه و آله و سلّم يوم بدر كفّاً من التراب و يقال: حصى و تراباً، و رمى به في وجوه القوم.
5 - قب: طعن صلی الله علیه و آله و سلّم أبياً في حُربّان الدرع بعنزة في يوم أحد، فاعتنق فرسه فانتهى إلى عسكره و هو يخور خوار الثور، فقال أبوسفيان: ويلك ما أجزعك؟ إنّما هو خدش ليس بشيء، فقال: طعنني ابن أبي كبشة، وكان يقول: أقتلك، فكان يخور الملعون حتّى صار إلى النار.
و كان بلال إذ قال: «أشهد أنّ محمّداً رسول الله» كان منافق يقول كلّ مرّة حرق الكاذب، يعنى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، فقام المنافق ليلة ليصلح السراج فوقعت النار في سبّابته، فلم يقدر على إطفائها حتّى أخذت كفّه، ثمّ مرفقه، ثمّ عضده حتّى احترق كلّه(3).
6 - طب: محمّد بن جعفر البرسيّ، عن محمّد بن يحيى الأرمنيّ، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إن جبرئيل علیه السّلام اتی النبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم و قال له: يا محمّد قال لبيّك يا جبرئيل، قال: إنّ فلان اليهوديّ سحرك، وجعل السحر في بئر بني فلان، فابعث إليه - يعني إلى البئر - أوثق الناس عندك و أعظمهم في
عينك، و هو عديل نفسك، حتّى يأتيك بالسحر، قال: فبعث النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم عليّ بن أبي طالب علیه السّلام قال: انطلق إلى بئر ذروان فإنّ فيها سحراً سحرني به لبيد بن أعصم اليهوديّ فأتني به، قال عليّ علیه السّلام : فانطلقت في حاجة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فهبطت فإذا ماء البئر قد صار كأنّه ماء الحناء من السحر، فطلبته مستعجلاً حتّى انتهيت إلى أسفل القليب فلم أظهر به، قال الّذين معي: ما فيه شيء فاصعد، فقلت: لا والله ما كذّبت و ما كذبت و ما يقيني به مثل يقينكم، يعني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ثمّ طلبت طلباً بلطف فاستخرجت حقّاً فأتيت
النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال: افتحه، ففتحته فإذا في الحقّ قطعة كرب النخل في جوفه وتر عليها أحد عشر عقدة، وكان جبرئيل علیه السّلام أنزل يومئذ المعوّذتين على النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: یا عليّ اقرأهما على الوتر، فجعل أمير المؤمنين علیه السّلام كلّما قرأ آية انحلّت عقدة حتّى فرغ منها، و كشف الله عزّ و جلّ عن نبيّه ما سحر به وعافاه.
و يروى أنّ جبرئيل وميكائيل علیهما السّلام أتيا إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فجلس أحدهما عن يمينه. و الآخر عن شماله، فقال جبرئيل لميكائيل: ما وجع الرجل؟ فقال ميكائيل: هو مطبوب، فقال جبرئيل علیه السّلام: و من طبّه؟ قال لبيد بن أعصم اليهوديّ، ثمّ ذكر الحديث إلى آخره(1).
أقول: المشهور بين الإماميّة عدم تأثير السحر في الأنبياء والأئمّة علیهم السّلام و أوّلوا بعض الأخبار الواردة في ذلك، و طرحوا بعضها، وقد أشار إليه الراونديّ رحمه الله فيما سبق.
و قال الطبرسيّ رحمه الله : روي أنّ لبيد بن أعصم اليهوديّ سحر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، ثمّ دسّ ذلك في بئر لبني زريق، فرض رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه و الآخر عند رجليه فأخبراه بذلك وأنّه في بئر ذروان، في جفّ طلعة تحت راعوفة - و الجفّ: قشر الطلع، والراعوفة حجر في أسفل البئر يقف عليه المائح - فانتبه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و بعث عليّاً و الزبير وعمّاراً فنزحوا ماء تلك البئر، ثمّ رفعوا الصخرة
1) طب الائمة / 118
و أخرجوا الجفّ فإذا فيه مشاطة رأس و أسنان من مشطة، وإذا فيه معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالابر، فنزلت المعوّذتان فجعل كلّما يقرأ آية انحلّت عقدة، ووجد رسول الله خفّة فقام كأنّما أنشط من عقال، و جعل جبرئيل يقول: «بسم الله أرقيك، من كلّ شيء يؤذيك من حاسد و عين و الله يشفيك».
ورووا ذلك عن عائشة و ابن عبّاس و هذا لا يجوز لأنّ من وصفه بأنّه مسحور فكأنّه قد خبل عقله، و قد أبي الله سبحانه ذلك في قوله: «و قال الظالمون إن تتّبعون إلّا رجلاً مسحوراً * انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلّوا»(1)و لكن يمكن أن يكون اليهوديّ أو بناته على ما روي اجتهدوا في ذلك فلم يقدروا عليه، وأطلع الله نبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم علي الله على ما فعلوه من التمويه حتّى استخرج ، وكان ذلك دلالة على صدقه، وكيف يجوز أن يكون المرض من فعلهم و لو قدروا على ذلك اقتلوه، وقتلوا كثيراً من المؤمنين مع شدّة عداوتهم لهم انتهى كلامه قدس سرّه.
ثمّ روى عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر علیه السّلام يقول: إن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم اشتكى شكوىً شديداً و وجع شديداً فأتاه جبرئیل و میکائیل علیها السلام فقعد جبرئيل عند رأسه، و ميكائيل عند رجليه، فعوّذه جبرئيل بـ «قل أعوذ بربّ الفلق» و عوّذه میکائيل، «قل أعوذ بربّ الناس».
و عن أبي خديجة عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: جاء جبرئيل علیه السّلام إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و هو شاك، فرقاه بالمعوّذتين و قل هو الله أحد، وقال: بسم الله أرقيك، و الله يشفيك من كلّ داء يؤذيك، خذها فلتهنيك(2).
7- عم : من معجزاته صلی الله علیه و آله و سلّم أنّه أخذ يوم بدر ملأكفّه من الحصياء فرمى بها وجوه المشركين و قال: «شاهت الوجوه» فجعل الله سبحانه لتلك الحصباء شأناً عظيماً لم يترك من
المشركين رجلاً إلّا ملأت عينيه، وجعل المسلمون والملائكة يقتلونهم و يأسرونهم و يجدون كلّ رجل منهم منكبّاً على وجهه لا يدري أين يتوجّه يعالج التراب: ينزعه من عينيه.
ومنها: ما روته أسماء بنت أبي بكر قالت: لمّا نزلت: «تبّت يدا أبي لهب» أقبلت العوراء أمّ جميل بنت حرب و لها ولولة و هي تقول:
مذتماً أبينا * ودينه قلينا * و أمره عصينا
والنبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم جالس في المسجد و معه أبوبكر، فلمّا رآها أبوبكر قال: يا رسول الله أنا أخاف أن تراك، قال رسول الله: إنّها لا ترانى وقرأ: «و إذا قرأت القرآن جعلنا بينك و بين الّذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً» (1)فوقفت على أبي بكر و لم تر رسول الله، فقالت: يا أبا بكر أخبرت أنّ صاحبك هجاني، فقال: لا وربّ البيت ما هجاك فولّت و هي تقول: قريش تعلم أنّي بنت سيّدها.
ومنها ما رواه الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس إنّ ناساً من بني مخزوم تواصوا بالنبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ليقتلوه، منهم أبو جهل والوليد بن المغيرة و نفر من بني مخزوم، فبينا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم قائم يصلّي إذا أرسلوا إليه الوليد ليقتله، فانطلق حتّى انتهى إلى المكان الّذي كان يصلّي فيه، فجعل يسمع قراءته و لايراه، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك، فأتاه من بعده أبوجهل و الوليد و نفر منهم فلمّا انتهوا إلى المكان الّذي يصلّي فيه سمعوا قراءته و ذهبوا إلى الصوت، فإذا الصوت من خلفهم فيذهبون إليه فيسمعونه أيضاً من خلفهم، فانصرفوا و لم يجدوا إليه سبيلاً، فذلك قوله سبحانه و جعلنا من بين أيديهم سدّاً و من خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يبصرون»(2).
1 - نجم: من كتاب الدلائل تصنيف عبد الله بن جعفر الحميريّ بإسناده عن الصادق علیه السّلام قال : طلب قوم من قريش إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم حاجة، فقال: إنّكم تمطرون غداً، فأصبحت كأنّها زجاجة و ارتفع النهار، قال: فأتاه رجل عظيم عند الناس، فقال: ماكان أغناك عمّا تكلّمت به أمس؟ ما رأيناك هكذا قطّ، فارتفعت سحابة من قبل الصورين. فاطّردت الأودية وجاءهم من المطر ما جاءوا إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقالوا: اطلب إلى الله أن يكنّها عنّا، فقال: «اللّهمّ حوالينا و لا علينا» فارتفع السحاب يميناً وشمالاً(1).
2 - ب: اليقطينيّ، عن ابن ميمون عن جعفر بن محمّد علیهما السّلام قال: أبي: كان النبّيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أخذ من العبّاس يوم بدر دنانير كانت معه، فقال: يا رسول الله ما عندي غيرها فقال: فأين الّذي استخبيته عند أمّ الفضل؟ فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، و أنّك رسول الله، ما كان معها أحد حين استخبيتها(2).
3 - ير: محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبدالله بن القاسم، عن صبّاح المزنيّ، عن الحارث بن حصيرة، عن حبّة العرنيّ قال: سمعت أمير المؤمنين علیه السّلام يقول إنّ يوشع بن نون علیه السّلام كان وصيّ موسى بن عمران علیه السّلام و كانت ألواح موسى علیه السّلام من زمرّد أخضر، فلمّا غضب موسى علیه السّلام ألقى الألواح من يده، فمنها ما تكسّر، ومنها ما بقي، ومنها ما ارتفع، فلمّا ذهب عن موسى علیه السّلام الغضب قال يوشع بن نون علیه السّلام : أعندك تبيانما في الألواح؟ قال: نعم، فلم يزل يتوارثها رهطُ من بعد رهط حتّى وقعت في أيدي أربعة رهط من اليمن، و بعث الله محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم بتهامة وبلّغهم الخبر، فقالوا: ما يقول هذا النبيّ؟ قيل: ينهى عن الخمر والزنا، و يأمر بمحاسن الأخلاق وكرم الجوار، فقالوا: هذا أولى بما في أيدينا منّا، فاتّفقوا أن يأتوه في شهر كذا وكذا، فأوحى الله إلى جبرئيل انت النبيّ فأخبره، فأتاه فقال: إنّ فلاناً و فلاناً و فلاناً و فلاناً ورثوا ألواح موسى علیه السّلام و هم يأتوك في شهر كذا وكذا، في ليلة كذا و كذا، فسهر لهم تلك اللّيلة، فجاء الركب فدقّوا عليه الباب و هم يقولون: يا محمّد، قال: نعم يا فلان بن فلان، و یا فلان بن فلان، و یا فلان بن فلان و یا فلان بن فلان، أين الكتاب الّذي توارثتموه من يوشع بن نون وصيّ موسى بن عمران؟ قالوا نشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّك محمّداً رسول الله والله ما علم به أحدٌ قطّ منذ وقع عندنا قبلك، قال: فأخذه
النبيِّ صلی الله علیه و آله و سلّم فإذا هو كتاب بالعبرانيّة دقيق، فدفع إليّ، و وضعته عند رأسي فأصبحت بالغداة و هو كتاب بالعربيّة جليل، فيه علم ما خلق الله منذ قامت السماوات والأرض إلى أن تقوم الساعة فعلمت ذلك(1).
4 - ص: الصدوق: عن عبد الله بن حامد، عن محمّد بن جعفر، عن عبدالله بن أحمد ابن ابراهيم، عن عمر بن حصين الباهليّ، عن عمر بن مسلم عن عبد الرحمن بن زياد عن مسلم بن يسار قال: قال أبو عقبة الأنصاريّ : كنت في خدمة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فجاء نفرٌ من
1) بصائر الدرجات 39
اليهود فقالوا لي: استأذن لنا على محمّد، فأخبرته فدخلوا عليه، فقالوا: أخبرنا عمّا جئنا نسألك عنه، قال: جئتموني تسألونني عن ذي القرنين، قالوا: نعم، فقال: كان غلاماً من أهل الروم، ناصحاً لله عزّ و جلّ فأحبّه الله و ملك الأرض، فسار حتّى أتى مغرب الشمس، ثمّ سار إلى مطلعها، ثمّ سار إلى خيل يأجوج و مأجوج فبنى فيها السدّ، قالوا: نشهد أنّ هذا شأنه وأنّه لفى التوراة(1).
5 - ص بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى ابن عبّاس قال: دخل أبوسفيان على النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يوماً فقال: يا رسول الله أريد أن أسألك عن شيء، فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : إن شئت أخبرتك قبل أن تسألني، قال: افعل، قال: أردت أن تسأل عن مبلغ عمري، فقال: نعم يا رسول الله، فقال: إنّي أعيش ثلاثاً وستّين سنة، فقال: أشهد أنّك صادق، فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : بلسانك دون قلبك، قال ابن عبّاس: و الله ما كان منافقاً، قال: و لقد كنّا في محفل فيه أبوسفيان و قد كفّ بصره و فينا علىّ علیه السّلام فأذن المؤذّن، فلمّا قال: أشهد أنّ محمّداً رسول الله قال أبوسفيان: ههنا من يحتشم؟ قال واحد من القوم: لا، فقال: الله درّ أخي بني هاشم، انظروا أين وضع اسمه؟ فقال عليّ علیه السّلام : أسخن الله عينك يا با سفيان، الله فعل ذلك بقوله عزّ من قائل: «و رفعنا لك ذكرك»(2)فقال أبو سفيان: أسخن الله عين من قال: ليس هيهنا من يحتشم(3).
6 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد عن البرقيّ، عن ابن محبوب، عن هشام ابن سالم، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: أتي النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم بأسارى فأمر بقتلهم ما خلا رجلاً من بينهم، فقال الرجل: كيف أطلقت عنّي من بينهم؟ فقال : أخبرني جبرئيل عن الله تعالى ذكره أنّ فيك خمس خصال يحبّه الله ورسوله: الغيرة الشديدة على حرمك و السخاء، و حسن الخلق، وصدق اللّسان والشجاعة، فأسلم الرجل و حسن إسلامه(4).
7 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه عليّ، عن الحسن بن سعيد، عن النضر، عن موسى بن بكر، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: ضلّت ناقة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في غزوة تبوك، فقال المنافقون: يحدّثنا عن الغيب و لا يعلم مكان ناقة! فأتاه جبرئيل علیه السّلام فأخبره بما قالوا، وقال: إنّ ناقتك في شعب كذا، متعلّق زمامها بشجرة كذا، فنادى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: الصلاة جامعة، قال: فاجتمع الناس فقال: أيّها الناس إنّ ناقتي بشعب كذا، فبادروا إليها حتّى أتوها(1).
8 - كا العدّة، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن محمّد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر علیه السّلام يقول وهو يحدث الناس بمكّة: صلّى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الفجر ثمّ جلس مع أصحابه حتّى طلعت الشمس، فجعل يقوم الرجل بعد الرجل حتّى لم يبق معه إلّا رجلان: أنصاريّ و ثقفيّ، فقال لها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، قد علمت أنّ لكما حاجة تريدان أن تسألا عنها، فإن شئتما أخبرتكما بحاجتكما قبل أن تسألاني و إن شئتما فاسألا عنها، قال: بل تخبرنا قبل أن نسألك عنها، فإنّ ذلك أجلى للعمى، و أبعد من الارتياب و أثيت للإيمان، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: أمّا أنت يا أخا ثقيف فإنّك جئت تسألني عن وضوئك وصلاتك ما لك في ذلك من الخير، أمّا وضوؤك فإنّك إذا وضعت يدك في إنائك ثمّ قلت: بسم الله تناثرت منها ما اكتسبت من الذنوب، فإذا غسلت وجهك تناثرت الذنوب الّتي اكتسبتها عيناك بنظرها وفوك، فإذا غسلت ذراعك تناثرت الذنوب عن يمينك و شمالك، فإذا مسحت رأسك 2 و قدميك تناثرت الذنوب الّتي مشيت إليها على قدميك، فهذا لك في وضوئك(2).
9 - قب: في حديث خزيم بن أوس : سمعت النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يقول هذه الحيرة البيضاء قد رفعت لي و هذه الشيماء بنت نفيلة الأزديّة على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فقلت: يا رسول الله إن نحن دخلنا الحيرة فوجدنا كما تصف فهي لي؟ قال: نعم هي لك، قال: فلما فتحوا
الحيرة تعلّق بها و شهدله محمد بن مسيلمة و محمّد بن بشير الأنصاريان بقول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فسلّمها إليه ،خالد فباعها من أخيها بألف دينار.
أبو هريرة: قال صلی الله علیه و آله و سلّم إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و الّذي نفسي بيده لينفقنّ كنوزهما في سبيل الله.
جبير بن عبد الله قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم تبنى مدينة بين دجلة و دجيل و الصراة و قطر بّل تجبى إليها خزائن الأرض.
و في رواية: تسكنها جبابرة الأرض الخبر.
أبو بكرة: قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّ ناساً من أمّتي ينزلون بغائط يسمّونه البصرة و عنده نهر يقال له: دجلة يكون لهم عليها جسر ويكثر أهلها، ويكون من أمصار المهاجرين الخبر.
فضالة بن أبي فاضلة الأنصاريّ و عثمان بن صهيب إنّه قال لعليّ علیه السّلام في خبر : أشقی الآخرين الّذي يضربك على هذه، وأشار إلى يافوخه.
أنس بن الحارث قال: سمعت النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم
يقول: إنّ ابني هذا يعني الحسين يقتل بأرض من العراق، فمن أدركه منكم فلينصره، قال: فقتل أنس مع الحسين علیه السّلام.
و فيه حديث القارورة التى أعطى أمّ سلمة.
و حديث الحسن بن عليّ علیهما السّلام إنّه سيصلح الله به فئتين.
و حدیث فاطمة الزهراء علیها السّلام وبكائها وصحكها عند وفاة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم.
و حديث كلاب الحوأب.
و حديث عمّار : تقتلك الفئة الباغية.
حذيفة قال: لو أحدّثكم بما سمعت من رسول الله لو جمتموني، قالوا: سبحان الله نحن نفعل؟ قال: لو أحدّثكم أنّ بعض أمهاتكم تأتيكم في كتيبة: كثير عددها، شديد بأسها، تقاتلكم صدّقتم؟ قالوا: سبحان الله و من يصدّق بهذا؟ قال: تأتيكم أمّكم الحميراء في كتيبة
يسوق بها أعلاجها من حيث تسوء وجوهكم.
ابن عبّاس: قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أيّتكنّ صاحبة الجمل الأديب، يقتل حولها قتلى كثيرة بعد أن كادت.
و قال صلی الله علیه و آله و سلّم: أطولكنّ يداً أسر عكنّ لحوقاً بي، فكانت سودة أطولهنّ يداً بالمعروف.
ابن عمر: عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: يكون في ثقيف كذّاب و مبير، فكان الكذّاب المختار و المبير الحجّاج.
و منه إخباره صلی الله علیه و آله و سلّم بأويس القرنيّ.
حكى العقبيّ أنّ أبا أيّوب الأنصاريّ رُني عند خليج قسطنطينيّة فسئل عن حاجته، قال: أمّا دنياكم فلا حاجة لي فيها ولكن إن متّ فقدّموني ما استطعتم في بلاد العدوّ، فإنّي سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول : يدفن عند سور القسطنطينيّة رجل صالح من أصحابي، وقد رجوت أن أكونه، ثمّ مات، فكانوا يجاهدون والسرير يحمل ويقدّم، فأرسل قيصر في ذلك، فقالوا: صاحب نبيّنا وقد سألنا أن ندفنه في بلادك و نحن منفذون وصيّته، قال: فإذا ولّيتم أخرجناه إلى الكلاب فقالوا: لونبش من قبره ما ترك بأرض العرب نصرانيّ إلّا قتل، ولا كنيسة إلّا هدمت فبني على قبره قبّة يسرج فيها إلى اليوم وقبره إلى الآن بزار في جنب سور القسطنطينيّة(1).
1) مناقب آل أبي طالب 121/1-122.
1 - ثو: أبي، عن على، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: - قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم سيأتي على أمّتي زمان تخبث فيه سرائرهم، و تحسن فيه علانيتهم، طعاماً في الدنيا، لا يريدن به ما عند الله عزّ و جلّ يكون أمرهم رياء لا يخالطه خوف، يعمّهم الله منه بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجاب لهم(1).
2 - ثو: بهذا الإسناد قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم سيأتي على أمّتى زمان يبق من القرآن إلّا رسمه، و لا من الإسلام إلّا اسمه يسمون به و هم أبعد الناس منه، مساجدهم
عامرة وهي خراب من الهدى فقهاء ذلك الزمان شرّ فقهاء تحت ظلّ السماء منهم خرجت الفتنة و إليهم تعود(2).
3 - كا: أبو علي الأشعري، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن العبّاس بن عامر، عن العرزميّ، عن أبي عبدالله علیه السّلام قال : قال رسول اللهصلی الله علیه و آله و سلّم : سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه إلّا بالقتل والتجبّر و لا الغنى إلّا بالغصب و البخل، و لا المحبّة إلّا باستخراج الدين
و اتبّاع الهوى، فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر و هو يقدر على الغنى، وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبّة، وصبر على الذلّ وهو يقدر على العزّ آتاه الله ثواب خمسين صدّيقاً ممّن صدّق بي(1).
أقول: قد مضت الأخبار من هذا الباب في باب أشراط الساعة، وستأتي في باب علامات قيام القائم علیه السّلام.
1) اصول الكافى 91/2
1 - ك: أبي و ابن الوليد معاً عن سعد و الحميريّ و محمّد العطّار و أحمد بن إدريس جميعاً عن ابن عيسى و ابن أبي الخطّاب وإبراهيم بن هاشم جميعاً، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن عبيد الله الحلبيّ، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : مكث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بمكة بعد ما جاءه الوحي عن الله تبارك و تعالى ثلاثة عشر سنة، منها ثلاث سنين مختفياً خائفاً لا يظهر حتّى أمره الله أن يصدع بما أمر به، فأظهر حينئذ الدعوة(1).
غط: سعد، مثله(2).
2 - فس: «فاصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين * إنّا كفيناك المستهزئين» فإنّها نزلت بمكّة بعد أن نبیّ، رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بثلاث سنين، و ذلك أنّ النبوّة نزلت على
رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يوم الإثنين، وأسلم عليّ علیه السّلام يوم الثلثاء، ثمّ أسلمت خديجة بنت خويلد زوجة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، ثمّ دخل أبو طالب إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و هو يصلّي و عليّ علیه السّلام بجنبه، وكان مع أبي طالب رضي الله عنه جعفر رضي الله عنه فقال له أبو طالب: صل جناح ابن عمّك، فوقف جعفر رضي الله عنه على يسار رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فبدر رسول الله من بينها، فكان يصلّي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و علىّ علیه السّلام و جعفر و زيد بن حارثة و خديجة، فلمّا أتى لذلك سنون أنزل الله عليه «اصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين * إنّا كفيناك المستهزئين» وكان المستهزؤون
برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، و الأسود بن المطّلب، و الأسود بن عبد يغوث، والحارث بن طلاطلة الخزاعيّ.
أقول: ثمّ ساق الحديث إلى آخر خبر هلاك المستهزئين على ما نقلنا عنه في أبواب المعجزات، ثمّ قال: فخرج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقام على الحجر فقال: يامعشر قريش يا معشر العرب أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلّا الله و أنّي رسول الله، و آمركم بخلع الأنداد والأصنام فأجيبوني تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم، وتكونون ملوكاً في الجنّة، فاستهزؤوا منه و قالوا: جنّ محمّد بن عبد الله، ولم يجسروا عليه لموضع أبي طالب، فاجتمعت قريش على أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إنّ ابن أخيك قد سفّه أحلامنا، وسبً آلهتنا، و أفسد شبّاننا، و فرّق جماعتنا، فإن كان يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالاً فيكون أكثر قريش مالاً، و نزوّجه أيّ امرأة شاء من قريش، فقال له أبو طالب: ما هذا يا ابن أخ؟ فقال: يا عمّ هذا دين الله الّذي ارتضاه لأنبيائه ورسله، بعثني الله رسولاً إلى الناس، فقال: يا ابن أخ إنّ قومك قد أتوني يسألوني أن أسألك أن تكفّ عنهم، فقال ياعمّ لا أستطيع أن أخاف أمر ربيّ، فكفّ عنه أبو طالب، ثمّ اجتمعوا إلى أبي طالب فقالوا: أنت سيّد من ساداتنا فادفع إلينا محمّداً لنقتله و تملك علينا، فقال أبو طالب قصيدته الطويلة يقول فيها:
ولما رأيت القوم لاودّ بينهم *** و قد قطعوا كلّ العرى و الوسائل
كذبتم و بيت الله يبزى محمّدٌ *** ولَما نطاعن دونه و نناضل
و نسلمه حتّى نصرع حوله *** و نذهل عن أبنائنا و الحلائل
فلمّا اجتمعت قريش على قتل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وكتبوا الصحيفة القاطعة، جمع أبو طالب بني هاشم و حلف لهم بالبيت و الركن والمقام والمشاعر في الكعبة لكن شاكت محمّداً شوكة لآتينّ عليهم يا بني هاشم، فأدخله الشعب وكان يحرسه بالليل و النهار قائماً بالسيف على رأسه أربع سنين ، فلمّا خرجوا من الشعب حضر أبا طالب الوفاة فدخل إليه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و هو يجود بنفسه فقال: ياعمّ ربيّت صغيراً، و كفلت يتيماً، فجزاك الله عنّي خيراً، أعطني كلمة أشفع لك بها عند ربيّ، فروي أنّه لم يخرج من الدنيا حتّى أعطى رسول الله الرضا(1).
3 - فس: «و عجبوا أن جاءهم منذر منهم قال نزلت بمكّة، لمّا أظهر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الدعوة بمكّة اجتمعت قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إنّ ابن أخيك قد سفّه أحلامنا، و سب آلهتنا و أفسد شبابنا، وفرّق جماعتنا، فإن كان الّذي يحمله على ذلك العدم جمعناله مالاً حتّى يكون أغنى رجل في قريش و علينا، فأخبر أبو طالب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بذلك فقال: لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري ما أردته، و لكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب، و يدين لهم بها العجم، ويكونون ملوكاً في الجنّة، فقال لهم أبوطالب: ذلك، فقالوا: نعم و عشر كلمات، فقال لهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم تشهدون أن لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله، فقالوا: ندع ثلاث مأة ستّين إلها و نعبد إلها واحداً؟! فأنزل الله سبحانه: «و عجبوا أن جاءهم منذر منهم و قال الكافرون هذا ساحر كذّاب - إلى قوله - إلّا اختلاق» (2)أي تخليط(3).
4 - فس: أبي، عن الإصبهاني، عن المنقريّ، عن حفص قال: قال أبو عبد الله علیه السّلام
يا حفض إنّ من صبر صبر قليلاً، وإنّ من جزع جزع قليلاً، ثمّ قال: عليك بالصبر في جميع أمورك، فإنّ الله محمداً صلی الله علیه و آله و سلّم و أمره بالصبر و الرفق، فقال: «و اصبر (1)على ما يقولون و اهجرهم هجراً جميلاً» وقال: «ادفع بالّتي هي أحسن» السيّئة «فإذا الّذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليٌّ حميم» فصبر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى قابلوه بالعظام، و رموه بها، فضاق صدره فأنزل الله: «و لقد نعلم أنّك يضيق صدرك بما يقولون» ثمّ كذّبوه و رموه فحزن لذلك فأنزل الله: «قد نعلم إنّه ليحزنك الّذي يقولون فإنّهم لا يكذبّونك و لكنّ الظالمين بآيات الله يجحدون * و لقد كذّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذّبوا و أوذوا حتّى أتاهم نصرنا» (2)فألزم نفسه صلی الله علیه و آله و سلّم الصبر فقعدوا و ذكروا الله تبارك و تعالى و كذبّوه فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: لقد صبرت في نفسي و أهلي و عرضي و لاصبرلي على ذكرهم إلهي، فأنزل الله: «و لقد خلقنا السماوات والأرض و ما بينهما في ستّة أيّام و مامسّنا من لغوب * فاصبر على ما يقولون» (3)فصبر صلی الله علیه و آله و سلّم في جميع أحواله، ثمّ بشّر في الأئمّة من عترته و وصفوا بالصبر، فقال: «و
الله جعلناهم أئمّة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون» (4)فعند ذلك قال صلی الله علیه و آله و سلّم: الصبر من الإيمان كالرأس من البدن، فشكر الله له ذلك فأنزل الله عليه: «و تمّت كلمة ربّك الحصنى على بني إسرائيل بما صبروا و دمّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه و ما كانوا يعرشون» (5)فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: آية بشرى و انتقام، فأباح الله قتل المشركين حيث وجدوا فقتلهم على يدي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و أحبّائه، و عجّل له ثواب صبره مع ما ادّخر له في الآخرة(6).
كا: عليّ، عن أبيه، و عليّ بن محمّد القاسانيّ، عن الإصبهانيّ مثله(7).
5 - ص: ذكر عليّ بن إبراهيم و هو من أجلّ رواة اصحابنا أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا أتى له
سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأنّ آتياً أتاه فيقول: يا رسول الله، وكان بين الجبال يرعى غنماً فنظر إلى شخص يقول له: يا رسول الله، فقال له من أنت؟ قال: أنا جبرئيل، أرسلني الله إليك ليتّخذك رسولاً، وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يكتم ذلك فأنزل جبرئيل بماء من السماء فقال: يا محمّد فتوضأ، فعلّمه جبرئيل الوضوء على الوجه واليدين من المرفق و مسح الرأس والرجلين إلى الكعبين، وعلّمه الركوع والسجود، فدخل عليّ إلى رسول الله صلوت الله عليها و هو يصلّي - هذا لما تمّ له صلی الله علیه و آله و سلّم أربعون سنة - فلمّا نظر إليه يصلّي قال: يا أبا القاسم ما هذا؟ قال: هذه الصلاة الّتي أمرني الله بها، فدعاه إلى الإسلام فأسلم، وصلّى معه، و أسلمت خديجة، فكان لا يصلّي إلّا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، و علىّ علیه السّلام و خديجة عليها السّلام خلفه، فلمّا أتى لذلك أيّام دخل أبوطاب إلى منزل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و معه جعفر، فنظر إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و عليّ بجنبه يصلّيان، فقال الجعفر: يا جعفر صل جناح ابن عمّك، فوقف جعفر بن أبي طالب من الجانب الآخر، ثمّ خرج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى بعض أسواق العرب فرأى زيداً فاشتراه لخديجة و وجده غلاماً كيّساً، فلمّا تزوّجها و هبته له، فلمّا نتيء رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أسلم زيد أيضاً، فكان يصلي خلف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عليّ و جعفر و زيد و خديجة.(1)
6 - ص: قال عليّ بن ابراهيم: و لمّا أتى على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم زمان، عند ذلك أنزل الله عليه: «فاصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين»(2)فخرج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و قام على الحجر و قال يا معشر قريش يا معشر العرب أدعوكم إلى عبادة الله و خلع الأنداد و الأصنام، و أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلّا الله و أنّي رسول الله فأجيبوني تملكون بها العرب، و تدين لكم بها العجم، وتكونون ملوكاً، فاستهزؤوا منه وضحكوا و قالوا: جنّ محمّد بن عبدالله و آذوه بألسنتهم، وكان من يسمع من خبره ما سمع من أهل الكتب يسلمون، فلمّا رأت
قريش من يدخل في الإسلام جزعوا من ذلك ومشوا إلى أبي طالب و قالوا: كفّ عنّا ابن أخيك، فإنّه قد سفّه أحلامنا، وسبّ آلهتنا و أفسد ،شبابنا، و فرّق جماعتنا، و قالوا: يا محمّد إلى ما تدعوا؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلّا الله و خلع الأنداد كلّها، قالوا: ندع ثلاثمأة وستّين إلها» و نعبد إلهاً واحداً؟ وحكى الله تعالى عزّ و علاقولهم: «و عجبوا أن جاءهم منذرٌ منهم و قال الكافرون هذا ساحر كذّاب * أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنّ هذا لشيءٌ منذرٌ منهم و قال الكافرون هذا ساحر كذاب * أجعل الآلهة إلها واحداً إنّ هذا لشيءٌ عجابٌ»(1)إلى قوله: «بل لمّا يذوقوا عذاب» ثمّ قالوا لأبي طالب: إن كان ابن اخيك يحمله على هذا العدم جمعنا له مالاً فيكون أكثر قريش مالاً، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، ما لي حاجة في المال فأجيبوني تكونوا ملوكاً في الدنيا و ملوكاً في الآخرة، فتفرّقوا ثمّ جاءوا إلى أبي طالب فقالوا: أنت سيّد من ساداتنا، و ابن أخيك فرّق جماعتنا، فهلمّ ندفع إليك أبهي فتى من قريش و أجملهم و أشرفهم عمارة بن الوليد يكون لك ابناً، و تدفع إلينا محمّداً لنقتله، فقال أبو طالب: ما أنصفتموني، تسألوني أن أدفع إليكم ابني لتقتلوه و تدفعون إلىّ ابنكم لأربيّه لكم، فلمّا أيسوا منه كفّوا(2).
7 - ص: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لا يكفّ عن عيب آلهة المشركين و يقرأ عليهم القرآن، وكان الوليد بن المغيرة من حكّام العرب يتحاكمون إليه في الاُمور، وكان له عبيد عشرة عند كلّ عبد ألف دينار يتّجربها. و ملك القنطار، وكان عمّ أبي جهل، فقالوا له: يا عبد شمس ما هذا الّذي يقول محمّد؟ أسحر، أم كهانة، أم خطب؟ فقال: دعوني أسمع كلامه، فدنا من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وهو جالس في الحجر فقال: يا محمّد أنشدني شعرك، فقال: ما هو بشعر و لكنّه كلام الله الّذي بعث أنبياء و رسله به فقال: اُتل، فقرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم» فلمّا سمع الرحمن استهزأ منه وقال: تدعو إلى رجل اليمامة بسم الرحمن؟! قال: لا
ولكنّي أدعو إلى الله و هو الرحمن الرحيم، ثمّ افتتح حم السجدة، فلمّا بلغ إلى قوله: «فإنّ أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقةٌ مثل صاعقة عادٍ و ثمود»(1)و سمعه، اقشعرّ جلده و قامت کلّ شعرة في بدنه، وقام و مشى إلى بيته، ولم يرجع إلى قريش، فقالوا: صبأ أبو عبد شمس إلى دین محمّد، فاغتمّت قریش و غدا عليه أبو جهل فقال: فضحتنا يا عمّ قال: يا ابن أخ ما ذاك وإنّي على دين قومي، ولكنّي سمعت كلاما صعباً تقشعرّ منه الجلود، قال أفشعرٌ هو ؟ قال: ما هو بشعر قال: فخطبٌ؟ قال: لا إنّ الخطب كلامٌ متّصلُ و هذا كلامٌ منثور لا بشبه بعضه بعضاً، له طلاوة» قال: فكهانةٌ هو ؟ قال: لا. قال: فما هو؟ قال: دعني أفكّر فيه، فلمّا كان من الغد قالوا: يابعد شمس ما تقول؟ قال: قولوا: هو سحرٌ، فإنّه أخذ بقلوب الناس فأنزل الله تعالى فيه: «ذرني و من خلقت وحيداً * و جعلت له مالاً ممدوداً وبنين شهوداً» إلى قوله: «عليها تسعة عشر»(2).
و في حديث حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن عكرمة قال: جاء وليد بن المغيرة إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال : اقرء عليّ، قال: «إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلّكم تذكّرون» فقال: أعد، فأعاد، فقال: والله إنّ له الحلاوة والطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمعذق، و ما هذا بقول بشر(3).
قب: ذكر القصتين مختصراً مثله(4).
ص: كان قريش يجدّون في أذى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، و كان أشدّ الناس عليه عمّه أبو لهب، فكان صلی الله علیه و آله و سلّم ذات يوم جالساً في الحجر فبعثوا إلى سلى الشاة فألقوه على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فاغتمّ من ذلك، فجاء إلى أبي طالب فقال: ياعمّ كيف حسبي فيكم؟ قال: و ما ذاك يا ابن أخ؟ قال: إنّ قريشاً ألقوا علىّ السلى، فقال لحمزة: خذالسيف، وكانت قريش
جالسة في المسجد، فجاء أبو طالب و معه السيف و حمزة و معه السيف، فقال: أمرّ السلي على سبالهم، فمن أبي فاضرب عنقه، فما تحرّك أحد حتّى أمرّ السلى على سبالهم، ثمّ التفت إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و قال : يا ابن أخ هذا حسبك منّا وفينا(1).
9 - قب: ابن عبّاس دخل النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم الكعبة وافتتح الصلاة، فقال أبو جهل: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام ابن الزبعريّ و تناول فرثاً ودماً و ألقى ذلك عليه، فجاء أبو طالب و قد سلّ سيفه، فلمّا رأوه جعلوا ينهضون فقال: والله لئن قام أحد جللته بسيني، ثمّ قال: يا ابن أخى من الفاعل بك؟ قال: هذا عبد الله فأخذ أبوطالب فرثاً ودماً، و ألقى عليه.
و في روايات متواترة إنّه أمر عبيدة أن يلقوا السلى عن ظهره ويغسلوه، ثمّ أمرهم أن يأخذوه فيمرّوا على أسبلتهم بذلك وفي رواية البخاريّ: إنّ فاطمة علیها السّلام أماطته، ثمّ أوسعتهم شتا و هم يضحكون فلمّا سلّم النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم قال: «اللّهمّ عليك الملأ من قريش اللّهمّ عليك أبا جهل بن هشام و عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و عقبة بن أبي معيط وأميّة بن خلف» فوالله الّذي لا إله إلّا هو ما سمّى النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم يومنذ أحداً إلّا وقد رأيته يوم بدر و قد أخذ برجله يجرّ إلى القليب مقتولاً إلّا أميّة فإنّه كان منتفخاً في درعه فتزايل من جرّه فأقرّوه و ألقوا عليه الحجر.
محمّد بن إسحاق : وقف النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم على قليب بدر فقال: «بئس عشيرة الرجل كنتم لنبيّكم، كذّبتموني وصدّقني الناس و أخرجتموني و آواني الناس، و قاتلتموني و نصرني الناس، ثمّ قال: هل وجدتم ما وعد ربِّكم حقاً؟ فقد وجدت ما وعدني ربّي حقاً» ثم قال: إنّهم يسمعون ما أقول (2)أقول: تمامه في فضائل أبي الطالب علیه السلام.
10 - ك: أبي و ابن الوليد معاً، عن سعد، عن ابن أبي الخطّاب و محمّد بن عيسى معاً،
عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن محمّد بن مسلم قال: قال أبو جعفر علیه السّلام : ما أجاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أحد قبل عليّ بن أبي طالب وخديجة صلوات الله عليهما، و لقد مكث رسول اللهصلی الله علیه و آله و سلّم بمكّة ثلاث سنين مختفياً خائفاً يترقّب ويخاف قومه و الناس.
11 -كا: عليٌّ، عن أبيه، عن القاسم، عن جدّه الحسن، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: لا تدع صيام يوم سبع و عشرين من رجب فإنّه اليوم الّذي نزلت فيه النبوّة على محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم(1).
12 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن محمّد بن الحسن الجوهريّ، عن الأشعريّ، عن البزنطيّ، عن أبان بن عثمان، عن كثير النوا، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : في اليوم السابع و
العشرين من رجب نزلت النبوّة على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الخبر(2).
13 - أقول: ثمّ روى السيّد - رحمه الله - في كتاب المسطور من الكتاب المذكور عن محمّد الباهليّ، عن إبراهيم بن إسحاق النهاونديّ، عن عمّار بن حمّاد الأنصاريّ، عن عمروبن سمر، عن مبارك بن فضّال والعامّة عن الحسن، عن رجل من أصحاب النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم قال إنّ قوماً خاضوا في بعض أمر على علیه السّلام بعد الّذي كان من وقعة الجمل، قال الرجل الّذي سمع من الحسن الحديث: ويلكم ما تريدون من أوّل السابق بالإيمان بالله. الإقرار بما جاء من عند الله؟ لقد كنت عاشر عشرة من ولد عبد المطّلب إذ أتانا عليّ بن أبي طالب علیه السّلام فقال: أجيبوا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى غد في منزل أبي طالب، فتغامزنا، فلمّا ولّى قلنا: أترى محمّداً أن يشبعنا اليوم؟ و مامنا يومئذ من العشرة رجلا إلّا و هو يأكل الجذعة السمينة و يشرب الفرق من اللبن، فغدوا عليه في منزل أبي طالب و إذا نحن برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فحيّبيناه بتحيّة الجاهليّة، وحيّانا هو بتحيّة الإسلام، فأوّل ما أنكرنا منه ذلك، ثمّ أمر بحفنة من خبز ولحم فقدّمت إلينا، ووضع يده اليمنى على ذروتها وقال: بسم الله كلوا على اسم الله، فتغيّرنا لذلك
ثمّ تمسكنا لحاجتنا إلى الطعام، وذلك أنّنا جوّعنا أنفسنا للميعاد بالأمس فأكلنا حتّى انتهينا و الجفنة كماهي مدفقه، ثمّ دفع إلينا عسّاً من لبن، فكان عليّ يخدمنا فشربنا كلّنا حتّى روينا و العسّ على حاله، حتّى إذا فرغنا قال: يا بني المطّلب إنّي نذير لكم من الله جلّ و عزّ إِنِّي أتيتكم بما لم يأت به أحد من العرب، فإن تطيعوني ترشدوا و تفلحوا و تنجحوا، إنّ هذه مائدة أمرني الله بها فصنعتها لكم كما صنع عيسى من مريم علیه السّلام لقومه، فمن كفر بعد ذلك منكم فإنّ الله يعذّبه عذاباً لا يعذّبه أحداً من العالمين، واتّقوا الله واسمعوا ما أقول لكم، و اعلموا يا بني عبد المطلّب إنّ الله لم يبعث رسولاً إلّا جعل له أخاً و وزيراً و وصيّاً و وارثاً من أهله، وقد جعل لي وزيراً كما جعل للأنبياء قبلي، وإنّ الله قد أرسلني إلى الناس كافّة، و أنزل عليّ» و أنذر عشيرتك الأقربين» و رهطك المخلصين، وقد والله أنبأني به وسماً لي، و لكن أمرني أن أدعوكم وأنصح لكن و أعرض عليكم لئلّا يكون لكم الحجّة فيما بعد و أنتم عشيرتي و خالص رهطي، فأيّكم يسبق إليها على أن يؤاخيني في الله ويوازرني في الله جلّ وعزّ، و مع ذلك يكون لي يداً على جميع من خالفني فأتّخذه وصيّاً و وليّاً و وزيراً، يؤدّي عنّي، ويبلّغ رسالتي، ويقضي ديني من بعدي وعداتي مع أشياء اشترطها، فسكتوا فأعادها ثلاث مرّات كلّها ليسكتون ويثب فيها علىٌّ، فلمّا سمعها أبو لهب قال: تبّاً لك يا محمّد و لما جئتنا به، ألهذا دعوتنا؟ وهمّ أن يقوم مولّياً، فقال: أما والله لتقومنّ أو يكون في غيركم، وقال: يحرصّهم لئلّا يكون لأحد منهم فيما بعد حجّة، قال: فوتب عليّ علیه السّلام فقال: يا رسول الله أنالها، فقال رسول الله: يا أبا الحسن أنت لها قضي القضاء و جفّ القلم، يا عليّ اصطفاك الله بأوّلها وجعلك وليّ آخرها(1).
1) سعد السعود /106
1 - فس: قال عليّ بن إبراهيم في قوله: بل هو قرآن مجيدٌ * في لوح محفوظ» قال: اللّوح المحفوظ له طرفان: طرف على العرش و طرف على جبهة إسرافيل، فإذا تكلّم الربّ جلّ ذكره بالوحي ضرب اللّوح جبين إسرافيل، فنظر في اللّوح فيوحي بما في اللّوح إلى جبرئيل علیه السّلام(1).
2 - ما: الحسين بن إبراهيم القزوينيّ، عن محمّد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم بن عن الحسن بن عليّ الزعفرانيّ، عن البرقيّ، عن أبن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: قال بعض أصحابنا: أصلحك الله أكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول: قال جبرئيل، و هذا جبرئيل يأمرني، ثمّ يكون في حال أخرى يغمى عليه؟ قال: فقال أبو عبد الله علیه السّلام : إنّه إذا كان الوحي من الله إليه ليس بينهما جبرئيل أصابه ذلك لثقل الوحي من الله، و إذا كان بينها جبرئيل لم يصبه ذلك فقال: قال لي جبرئيل، و هذا جبرئيل(2).
3 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله علیه السّلام كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إذا أتاه الوحي من الله وبينهما جبرئيل علیه السّلام يقول: هو ذا جبرئيل، وقال لي جبرئيل، و إذا أتاه الوحى و ليس بينهما جبرئيل تصيبه تلك السبتة و يغشاه منه ما يغشاه لثقل الوحي عليه من الله عزّ و جلّ(1).
1) المحاسن: 338
1 - أقول: روى في تفسير النعمانيّ بإسناده الّذي سيأتي في كتاب القرآن عن الصادق علیه السّلام قال : قال أمير المؤمنين علیه السّلام: و أمّا الردّ على ما أنكر المعراج فقوله تعالى «و هو بالأفق الأعلى * ثمّ دنا فتدلّى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى» إى قوله: «عندها جنّة المأوى» فسدرة المنتهى في السماء السابعة، ثمّ قال سبحانه: «و اسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون»(1)و إنّما أمر تعالى رسوله أن يسأل الرسل في السماء، و مثله قوله: «فإن كنت في شكّ ممّا أنزلنا إليك فاسأل الّذين يقرؤون الكتاب من قبلك» يعني الأنبياء علیهم السّلام، هذا كلّه في ليلة المعراج.
و أمّا الردّ على من أنكر خلق الجنّة والنار فقال الله تعالى: «عند سدرة المنتهى * عندها جنّة المأوى» وقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: دخلت الجنّة فرأيت فيها قصراً من ياقوت أحمر يرى داخله من خارجه و خارجه من داخله من نوره فقلت: يا جبرئيل لمن هذا القصر؟ قال: لمن أطاب الكلام، و أدام الصيام، وأطعم الطعام، وتهجّد باللّيل و الناس نيام الخبر.
1) الزخرف / 45.
و قال له صلی الله علیه و آله و سلّم : لمّا أسري بي إلى السماء دخلت الجنّة فرأيت فيها قيعان، و رأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب و لبنة من فضّة، وربّما أمسكوا، فقلت لهم: ما بالكم قد أمسكتم؟ فقالوا حتّى تجيئنا النفقة، فقلت: و ما نفقتكم؟ قالوا: قول المؤمن: سبحان الله و الحمد لله ولا إله الله والله أكبر، فإذا قال: بنينا ، و إذا سكت أمسكنا.
و قال صلی الله علیه و آله و سلّم: لمّا أسرى بي إلى سبع سماواته أخذ جبرئيل بيدي و أدخلني الجنّة، و أجلسني على درنوك من درانيك الجنّة، و ناولني سفر جلة فانفلقت نصفين، و خرجت منها حوراء، فقامت بين يدي و قالت: السلام عليك يا محمّد، السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا رسول الله، فقلت: و عليك السلام، من أنت؟ قالت: أنا الراضية المرضيّة، خلقني الجبّار من ثلاثة أنواع: أعلاي من الكافور، و وسطي من العنبر، و أسفلي من المسك، عجنت بماء الحيوان، قال لي ربّي: كوني فكنت، و هذا و مثله دليل على خلق الجنّة، وكذا الكلام في النار(1).
أقول: ذكر علىّ بن إبراهيم مثله في مفتتح تفسيره عند تنويع آيات القرآن(2).
2 - ومنه بإسناده عن بكر بن عبدالله، عن سهل بن عبدالوهّاب، عن أبي معاوية عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه علیهم السّلام قال: قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ليلة اُسري بي إلى السماء فبلغت السماء الخامسة نظرت إلى صورة عليّ بن أبي طالب فقلت: حبيبي جبرئيل ما هذه الصورة؟ فقال جبرئيل: يا محمّد اشتهت الملائكة أن ينظروا إلى صورة عليّ فقالوا: ربّنا إنّ بني آدم في دنياهم يتمتّعون غدوة و عشيّة بالنظر إلى عليّ بن أبي طالب حبيب حبيبك محمّد، و خليفته و وصيّه و أمينه فمتّعنا بصورته قدر ما تمتّع أهل الدنيا به فصوّر له صورته من نور قدسه عزّ وجلّ، فعلىّ علیه السّلام بين أيديهم ليلاً ونهاراً يزورونه و ينظرون إليه
غدوة و عشيّة(1).
3 - قال: فأخبرني الأعمش عن جعفر بن محمّد، عن أبيه علیهم السّلام قال: فلمّا ضربه اللّعين ابن ملجم، على رأسه صارت تلك الضربة في صورته الّتي في السماء فالملائكة ينظرون إليه غدوة و عشيّة و يلعنون قاتله ابن ملجم، فلمّا قتل الحسين بن علىّ علیه السّلام هبطت الملائكة و حملته حتّى أوقفته مع صورة عليّ في السماء الخامسة فكلّما هبطت الملائكة من السماوات من علا و صعدت ملائكة السماء الدنيا فوقها إلى السماء الخامسة لزيارة صورة عليّ و النظر إليه و إلى الحسين بن عليّ مشحطاً بدمه لعنوا يزيد و ابن زياد ومن قاتلوا الحسين بن علىّ علیه السّلام إلى يوم القيامة.
قال الأعمش : قال لي جعفر بن محمّد الصادق علیه السّلام، هذا من مكنون العلم و مخزونه لا تخرجه إلّا إلى أهله(2).
4- كا: علىّ بن ابراهيم عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد، عن حمّاد بن عثمان عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : لمّا عرج برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم انتهى به جبرئيل علیه السّلام إلى مكان فخلّى عنه، فقال له: يا جبرئيل أتخلّيني على هذه الحال؟ فقال: امضه، فو الله لقد وطئت مكاناً ما وطئه بشر و ما مشى فيه بشر قبلك(3).
5 - كا عليٌّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة أو الفضيل، عن أبي جعفر علیه السّلام قال : لمّا أسري برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى السماء فبلغ البيت المعمور و حضرت الصلاة فأذّن جبرئيل و أقام، فتقدّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وصفّ الملائكة و النبيّون خلف محمد صلی الله علیه و آله و سلّم(4).
6 - كا: عليّ بن إبراهيم علیه السّلام عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن معاوية، عن أبي
عبد الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : لقد أسرى ربّي بي فأوحى إليّ من وراء الحجاب ما أوحى، وشافهني إلى أن قال لي: يا محمّد من أذلّ لي وليّاً فقد أرصد لي بالمحاربة و من حاربني حاربته، قلت: يا ربّ و من وليّك هذا؟ فقد علمت أنّ من حاربك حاربتُه، قال: ذاك من أخذت ميثاقة لك و لوصيّك ولذرّيّتكما بالولاية(1).
7 - يب: سهل بن زياد عن عمرو بن عثمان، عن محمّد بن عبدالله الخزّاز، عن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا أسرى الله به قال له جبرئيل علیه السّلام : أتدري أين أنت يا رسول الله؟ الساعة أنت مقابل مسجد الكوفان، قال: فاستأذن لي ربّي عزّ و جلّ حتّى آتيه فأصلّي فيه ركعتين، فستأذن الله عزّ و جلّ فأذن له(2).
8 - كا : علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : لمّا أسري برسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أصبح فقعد فحدّثهم بذلك. فقالوا له: صف لنا بيت المقدس، قال: فوصف لهم و إنّما دخله دليلاً فاشتبه عليه النعت، فأتاه جبرئيل
فقال: انظر ههنا، فنظر إلى البيت فوصفه و هو ينظر إليه، ثمّ نعت لهم ما كان من غير لهم فيما بينهم وبين الشام، ثمّ قال: هذه عير بني فلان تقدم مع طلوع الشمس يتقدّمها جمل أورق أو أحمر، قال: و بعثت قريش رجلاً على فرس ليردّها، قال و بلغ مع طلوع الشمس، قال قرظة بن عبد عمرو: يالهفا أن لا أكون لك جذعاً حين تزعم أنّك أتيت المقدس و رجعت من ليلتك(3).
9 - و عن الطالقانيّ، عن عليّ بن الحسن بن فضّال، عن أبيه، عن الرضاء علیه السّلام أنّه قال: من كذب بالمعراج فقد كذب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم(4).
10 - لي: أبي، عن الحميريّ، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن يونس، عن منصور
الصيقل، عن الصادق، عن آبائه علیهم السّلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا أسري بي إلى السماء
عهد إليّ ربّي في عليّ ثلاث كلمات، فقال: يا محمّد، فقلت: لبيّك ربّي، فقال: إنّ عليّاً إمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، و يعسوب المؤمنين(1).
11 - لي: ماجيلويه، عن محمّد العطّار، عن جعفر بن محمّد الكوفيّ، عن محمّد بن الحسين بن زيد ، عن عبد الله بن الفضل، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ليلة أسري بي إلى السماء كلّمني ربّي جل جلاله، فقال: يا محمّد، فقلت: لبّيك ربّي، فقال: إنّ عليّاً حجّتي بعدك على خلقي و إمام أهل طاعتي من أطاعه أطاعني، و من عصاه عصاني، فانصبه علماً لأمتّك يهتدون به بعدك؟.(2)
12 - ن: الورّاق، عن محمّد الأسديّ، عن سهل، عن عبد العظيم الحسنيّ، عن محمّد بن عليّ الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلی الله علیه و آله و سلّم قال: دخلت أنا و فاطمة على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فوجدته يبكي بكاء شديداً، فقلت: فداك أبي وأمّي يا رسول الله ما الّذي أبكاك؟ فقال، يا عليّ ليلة أسري بي إلى السماء رأيت نساء من أمّتي في عذاب شديد، فأنكرت شأنهنّ فبكيت لما رأيت من شدّة عذابهنّ، رأيت امرأة معلّقة بشعرها يغلي دماغ رأسها، و رأيت امرأة، معلّقة بلسانها و الحميم يصبّ في حلقها، و رأيت امرأة معلّقة بثدييها و رأيت امرأة تأكل لحم جسدها، و النار توقد من تحتها و رأيت امرأة قد شدّ رجلاها إلى يديها و قد سلّط عليها الحيّات و العقارب و رأيت امرأة صماء عمياء خرساء في تابوت من نار، يخرج دماغ رأسها من منخرها، و بدنها متقطّع من الجذام و البرص و رأيت امرأة معلّقة برجليها في تنّور من نار و رأيت امرأة تقطع لحم جسدها من مقدّمها و مؤخّرها بمقاريض من نار، و رأيت امرأة تحرق وجهها ويداها وهي تأكل أمعاءها، و رأيت امرأة رأسها رأس خنزير و بدنها بدن الحمار، و عليها ألف ألف لون من العذاب و رأيت امرأة على صورة الكلب و
النار تدخل في دبرها، و تخرج من فيها والملائكة يضربون رأسها و بدنها بمقامع من نار.
فقالت فاطمة : حبيبي و قرّة عينى؛ أخبرني ما كان عملهنّ وسيرتهنّ حتّى وضع الله عليهنّ هذا العذاب، فقال يا بنتي أمّا المعلّقة بشعرها فإنّها كانت لا تغطّي شعرها من الرجال، و أمّا المعلّقة بلسانها فإنّها كانت تؤذي زوجها، و أمّا المعلّقة بثدييها فإنّها كانت تمتنع من فراش زوجها، و أمّا المعلّقة برجليها فإنّها كانت تخرج من بيتها بغير إذن زوجها، و أمّا الّتي كانت تأكل لحم جسدها فإنّها كانت تزيّن بدنها للناس، و أمّا الّتي شدّ يداها إلى رجليها و سلّط عليها الحيّات و العقارب فإنّها كانت قذرة الوضوء، قذرة الثياب، وكانت لا تغتسل من الجنابة و الحيض و لا تتنظّف، وكانت تستهين بالصلاة، وأمّا العمياء الصماّء الخرساء فإنّها كانت تلد من الزنا فتعلّقه في عنق زوجها ، و أمّا الّتي كان يقرض لحمها بالمقاريض فإنّها كانت تعرض نفسها على الرجال و أمّا الّتي كان يحرق وجهها و بدنها وهي تأكل أمعاءها فإنّها كانت قوادة، و أمّا الّتي كان رأسها رأس خنزير و بدنها بدن الحمار فإنّها كانت نمّامة كذّابة، و أمّا الّتي كانت على صورة الكلب و النار تدخل في دبرها و تخرج
من فيها فإنّها كانت قينة نوّاحة حاسدة، ثمّ قال صلی الله علیه و آله و سلّم: ويل لامرأة أغضبت زوجها، وطوبي لامرأة رضي عنها زوجها(1).
13 - ن: بالأسانيد الثلاثة عن الرضا عن آبائه علیه السّلام قال : قال رسول صلی الله علیه و آله و سلّم لما أسري إلى السماء رأيت في السماء الثالثة رجلاً قاعداً، رجل له في المشرق و رجل في المغرب، و بيده لوح ينظر فيه و يحرّك رأسه، فقلت: يا جبرئيل من هذا؟ فقال: ملك الموت(2).
14 - يد: أبي، عن محمّد العطّار، عن ابن عيسى عن البزنطيّ، عن الرضا علیه السّلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: لمّا أسري بي إلى السماء بلغ مي جبرئيل مكاناً لم يطأه جبرئيل قطّ،
فكشف لي فأراني الله عزّ و جلّ من نور عظمته ما أحبّ(1).
15 - شي: عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم صلّی العشاء الآخرة، وصلّى الفجر في اللّيلة الّتى أسري به بمكّة(2).
16 - شي: عن زرارة و حمران بن أعين و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: حدّث أبو سعيد الخدريّ أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال : إنّ جبرئيل أتاني ليلة أسري بي فحين رجعت فقلت: يا جبرئيل هل لك من حاجة؟ فقال: حاجتي أن تقرأ على خديجة من الله و منّي السلام، وحدّثنا عند ذلك أنّها قالت حين لقيها نبيّ الله عليه و آله السّلام، فقال لها، الّذي قال جبرئيل: قالت إنّ الله هو السلام، و منه السلام و إليه السلام و على جبرئيل السلام(3).
17 - ما: جماعة عن أبي المفضّل، عن جعفر بن محمّد بن عبدالله الموسويّ، عن عبيدالله ابن أحمد بن نهيك، عن ابن أبي عمير، عن ابن رئاب، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله عن آبائه، عن عليّ علیهم السّلام قال : قال لي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: يا علىّ أنّه لمّا أسري بي إلى السماء تلقّتني الملائكة بالبشارات في كلّ سماء حتّى لقيني جبرئيل في محفل من الملائكة، فقال لو اجتمعت الملائكة بالبشارات في كلّ سماء حتّى لقيني جبرئيل في محفل من الملائكة، فقال لو اجتمعت اُمّتك على حبّ علىّ ما خلق الله عزّ و جلّ النار، يا عليّ إنّ الله تعالى أشهدك معي في سبعة مواطن حتّى آنست بك، أمّا أوّل ذلك فليلة أسري بي إلى السّماء قال لي جبرئيل علیه السّلام : أين أخوك يا محمّد؟ فقلت: خلافته و رائي، فقال: ادع الله إلى عزّ و جلّ فليأتك به، فدعوت الله عزّ و جلّ فإذا مثالك معي، و إذا الملائكة وقوف صفوفاً، فقلت يا جبرئيل من هؤلاء قال: هؤلا الّذين يباهي الله عزّ و جلّ بهم يوم القيامة، فدنوت فنطقت بما كان و بما يكون إلى يوم
القيامة.
و الثانية: حين أسري بي إلى ذي العرش عزّ و جلّ قال جبرئيل: أين أخوك يا محمّد؟ فقلت: خلّفته ورائي، فقال: ادع الله عزّ و جلّ فليأتك به، فدعوت الله عزّ و جلّ فإذا مثالك
معي؛ و كشط لي عن سبع سماوات حتّى رأيت سكّانها و عمّارها وموضع كلّ ملك منها.
والثالثة: حيث بعثت إلى الجنّ، فقال لي جبرئيل: أين أخوك؟ فقلت: خلَفته ورائي، فقال : ادع الله عزّ و جلّ فليأتك به فدعوت الله عزّ وجلّ: فإذا أنت معي فما قلت لهم شيئاً و لا ردّوا عليّ شيئاً إلّا سمعته و وعيته.
و الرابعة: خصّصنا بليلة القدر و أنت معي فيها وليست لأحد غيرنا.
و الخامسة: ناجيت الله عزّ و جلّ و مثالك معي، فسألت فيك فأجابني إليها إلّا النبوّة فإنّه قال: خصّصتها بك، وختمتها بك.
و السادسة: لمّا طفت بالبيت المعمور كان مثالك معي.
و السابعة: هلاك الأحزاب على يدي و أنت معي يا عليّ، إنّ الله أشرف إلى الدنيا، فاختارني على رجال العالمين، ثمّ اطّلع الثانية فاختارك على رجال العالمين، ثمّ اطّلع الثالثة فاختار فاطمة على نساء العالمين، ثم اطلع الرابعة فاختار الحسن و الحسين و الأئمّة من ولدها على رجال العالمين، يا عليّ إنّي رأيت اسمك مقروناً باسمي في أربعة مواطن فآنست بالنظر إليه: إنّي لمّا بلغت بيت المقدس في معارجي إلى السماء وجدت على صخرتها: «لا إلا إلّا الله، محمّد رسول الله أيّدته بوزيره، ونصرته به» فقلت یا جبرئيل و من وزيري؟ فقال عليّ بن أبي طالب علیه السّلام، فلمّا انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت مكتوباً «لا إلا إلّا الله أنا وحدي، ومحمّد صفوتي من خلقي أيدته بوزيره و نصرته به» فقلت: يا جبرئیل و من وزيري؟ فقال: علىّ بن أبي طالب علیه السّلام فلمّا جاوزت السدرة و انتيهت إلى عرش ربّ العالمين وجدت مكتوباً على قائمة من قوائم العرش: «لا إله إلّا الله أنا وحدي، محمّد حبيبي و
صفوتي من خلقي، أيّدته بوزيره و أخيه و نصرته به»
يا عليّ إنّ الله عزّ و جلّ أعطاني فيك سبع خصال: أنت أوّل من ينشقّ القبر عنه و أنت أوّل من يقف معي على الصراط فتقول للنار: خذي هذا فهولك، وذري هذا فليس هو لك، و أنت أوّل من يكسى إذا كسيت، و يجيء إذا جئت. و أنت أوّل من يقف معي عن يمين العرش، و أوّل من يقرع معي باب الجنّة، و أوّل من يسكن معي علّيیّن، و أوّل من يشرب معي من الرحيق المختوم الّذي ختامه مسك و في ذلك فليتنافس المتنافسون(1).
18 - ما: المفيد عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعد عن ابن عيسى، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن عليّ، عن عبدالله بن ابراهيم عن الحسين بن زيد، عن جعفر بن محمّد عن أبيه، عن جدّه علیهم السّلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : لمّا أسري بي إلى السماء و انتهيت إلى سدرة المنتهی نودیت: يا محمّد استوص بعليّ خيراً، فإنّه سيّد المسلمين و إمام المتّقين، وقائد الغر المحجّلين يوم القيامة(2).
19 - فس: أبي، عن حمّاد، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا أسري بي إلى السماء دخلت الجنّة فرأيت فيها قيعان يقق، ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب، و لبنة من فضّة، وربّما أمسكوا، فقلت لهم: ما بالكم ربّما بنيتم وربّما أمسكتم فقالوا: حتّى تجيئنا النفقة، فقلت: و ما نفقتكم؟ فقالوا: قول المؤمن في الدنيا: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا إله الله والله اكبر «فإذا قال بنينا، إذا أمسك أمسكنا(3).
1 - عم ص: اجتمعت قريش في دار الندوة وكتبوا صحيفة بينهم أن لا يؤاكلوا بني هاشم ولا يكلّموهم، ولا يبايعوهم، ولا يزوّجوهم، ولا يتزوجوا إليهم، ولا يحضروا معهم حتّى يدفعوا إليهم محمّداً فيقتلونه، وإنّهم يد واحدة على محمّد يقتلونه غلية أو صراحاً، فلمّا بلغ ذلك أبا طالب جمع بني هاشم و دخلوا الشعب و كانوا أربعين رجلاً فحلف لهم أبو طالب بالكعبة والحرم والركن والمقام إن شاكت محمّداً شوكة لأثبنّ عليكم يا
بني هاشم و حصن الشعب، وكان يحرسه بالليل والنهار، فإذا جاء الليل يقوم بالسيف عليه، و رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مضطجع، ثمّ يقيمه و يضجعه في موضع آخر فلا يزال الليل كلّه هكذا، و يوكّل ولده و ولد أخيه به يحرسونه بالنهار فأصابهم الجهد، وكان من دخل مكّة من العرب لا يجسر أن يبيع من بني هاشم شيئاً و من باع منهم شيئاً انتهبوا ماله و كان أبوجهل و العاص بن وائل السهميّ و النضر بن الحارث بن كلدة و عقبة بن أبي معيط
يخرجون إلى الطرقات الّتي تدخل مكّة، فمن رأوه معه ميرة نهوه أن يبيع من بني هاشم شيئاً، و يحذّرون إن باع شيئاً منهم أن ينهبوا ماله، وكانت خديجة رضي الله عنها لها مال كثير فأنقفته على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في الشعب، و لم يدخل في حلف الصحيفة مطعم بن عدّي بن نوفل ابن عبدالمطّلب بن عبد مناف، و قال: هذا ظلم و ختموا الصحيفة بأربعين خاتماً ختمها كلّ رجل من رؤساء قريش بخاتمه، وعلّقوها في الكعبة، و تابعهم على ذلك أبو لهب، و كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يخرج في كلّ موسم فيدور على قبائل العرب، فيقول لهم: تمنعون لي جانبي حتّى أتلو عليكم كتاب ربّكم، وثوابكم الجنّة على الله، و أبو لهب في أثره فيقول: لا تقبلوا منه، فإنّه ابن أخي و هو كذّاب ،ساحر، فلم يزل هذا حالهم، وبقوا في الشعب أربع سنين، لا يأمنون إلّا من موسم إلى موسم ولا يشترون ولا يبايعون إلّا في الموسم، وكان يقوم بمكّة موسمان في كلّ سنة: موسم العمرة في رجب، و موسم الحجّ في ذي الحجّة، فكان إذا اجتمعت المواسم تخرج بنوهاشم من الشعب فيشترون و يبيعون، ثمّ لا يجسر أحد منهم أن يخرج إلى الموسم الثاني، و أصابهم الجهد و جاعوا، و بعثت قريش إلى أبي طالب: ادفع إلينا محمّداً حتّى نقتله، و نملّكك علينا، فقال أبو طالب رضي الله عنه قصيدته اللاميّة يقول فيها:
و لمّا رأيت القوم لاودّ فيهم *** وقد قطعوا كلّ العرى و الوسائل
ألم تعلموا أنّ ابتنا لا مكذّب *** لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
و أبيض يستسقي الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يطوف به الهلّاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة و فواضل
كذبتم و بيت الله يبزى محمّد *** ولمّا نطاعن دونه و نقاتل
و نسلمه حتّى نصرّع دونه *** و نذهل عن أبنائنا و الحلائل لعمري لقد كلّفت وجداً بأحمد *** و أحببته حبّ الحبيب المواصل
وجدت بنفسي دونه و حميته *** و دارأت عنه بالذرى و الكواهل
فلازال في الدنيا جمالاً لأهلها *** و شيئاً لمن عادى و زين المحافل
حلياً رشيداً حازماً غير طائش *** يوالي إله الحقّ ليس بماحل
فأيّده ربّ العباد بنصره *** و أظهر ديناً حقّه غير باطل
فلمّا سمعوا هذه القصيدة آيسوا منه، وكان أبو العاص بن الربيع - و هو ختن رسول الله - يأتي بالعير بالليل عليها البرّ و التمر إلى باب الشعب، ثمّ يصيح بها فتدخل الشعب فيأكله بنوهاشم، و قد قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: «لقد صاهرنا أبو العاص فأحمدنا صهره، لقد كان يعمد إلى العير و نحن في الحصار فيرسلها في الشعب ليلاً» و لمّا أتى على رسول الله في الشعب أربع سنين بعث الله على صحيفتهم القاطعة دابّة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة و ظلم، و تركت «باسمك اللّهمّ» و نزل جبرئيل على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فأخبره بذلك، فأخبر رسول الله أبا طالب فقام أبو طالب و لبس ثيابه ثمّ مشى حتّى دخل المسجد على قريش و هم مجتمعون فيه، فلمّا أبصروه قالوا: قد ضجر أبو طالب، وجاء الآن ليسلّم ابن أخيه، فدنا منهم و سلّم عليهم فقاموا إليه وعظّموه وقالوا: قد علمنا يا أبا طالب أنّك أردت مواصلتنا، و الرجوع إلى جماعتنا، و أن تسلّم ابن أخيك إلينا قال: والله ماجئت لهذا، ولكنّ ابن أخي أخبرني و لم يكذبني أنّ الله أخبره أنّه بعث على صحيفتكم القاطعة دابّة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم و ظلم و جور، وترك اسم الله فابعثوا إلى صحيفتكم فإن كان حقّاً فاتّقوا الله و ارجعوا عمّا أنتم عليه من الظلم والجور و قطيعة الرحم و إن كان باطلاً دفعته إليكم، فإن شئتم قتلتموه، و إن شئتم استحييتموه، فبعثوا إلى الصحيفة و أنزلوها من الكعبة و عليها أربعون خاتماً، فلمّا أتوابها نظر كلّ رجل منهم إلى خاتمه ثمّ فكّوها فإذا ليس فيها حرف واحد إلّا «باسمك اللّهمّ» فقال لهم أبو طالب : يا قوم اتّقوا الله وكفّوا عمّا أنتم عليه، فتفرّق القوم ولم يتكلّم أحد، و رجع أبو طالب إلى الشعب(1).
1) اعلام الوری 32 - 34 قصص الانبياء مخطوط
2- عم: في كتاب دلائل النبوّة عن الزهريّ قال: كان رسول الله يعرض نفسه على قبائل العرب في كلّ موسم، ويكلّم كلّ شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلّا أن يؤووه و يمنعوه، و يقول: لا أكره أحداً منكم على شيء من رضي منكم بالّذي أدعوه إليه فذاك، و من كره لم أكرهه، إنّما أريد أن تحرزوني ممّا يرادبي من القتل حتّى أبلّغ رسالات ربّي و حتّى يقضي الله عزّوجلّ لي و لمن صحبني بما شاء الله، فلم يقبله أحد منهم، ولم يأت أحداً من تلك القبائل إلّا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أنّ رجلاً يصلحنا و قد أفسد قومه و لفظوه؟ فلمّا توفّي أبو طالب اشتدّ البلاء على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أشدّ ما كان، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه فوجد ثلاثة نفر منهم هم ساداة ثقيف يومئذوهم إخوة: عبد يا ليل بن عمرو، و حبيب ابن عمرو و مسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه و شكا إليهم البلاء و ما انتهك منه قومه، فقال أحدهم: أنا أسرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قطّ، وقال الآخر: أعجز على الله أن يرسل غيرك؟ وقال الآخر : والله لا أكلّمك بعد مجلسك هذا أبداً، و الله لئن كنت رسول الله لأنت أعظم شرفاً من أن أكلّمك و لئن كنت تكذب على الله لأنت شرّ من أن أكلّمك وتهزؤوا به، و أفشوا في قومهم الذي راجعوه به، فقعدوا له صفيّن على طريقه، فلمّا مرّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بين صفيّهم كان لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلّا رضخوهما بالحجارة، و قد كانوا أعدّوها حتّى أدموا رجليه فخلص منهم و رجلاه تسيلان الدماء، فعمد إلى حائط من حوائطهم واستظلّ في ظلّ حبلة، و هو مكروب موجع، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، فلمّا رآهما كره مكانها لما يعلم من عداوتهما الله ولرسوله و لمّا رأياه أرسلا إليه غلاماً لهما يدعى عداس و هو نصرانيّ من أهل نينوى معه عنب، فلمّا جاءه عداس قال له رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: من أيّ أرض أنت؟ قال: أنا من أهل نينوى، فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال له عداس: و ما يدريك من يونس بن متى؟ فقال له رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم- وكان لا يحقّر أحداً أن يبلّغه رسالة ربّه - : أنا رسول الله و الله تعالى
أخبرني خبر يونس بن متى، فلمّا أخبره بما أوحى الله إليه من شأن يونس بن متى خرّ عداس ساجد الله و جعل يقبّل قدميه و هما تسيلان الدماء، فلمّا بصر عتبة و شيبة ما يصنع غلامهما سكتا، فلمّا أتاهما قالا له: ما شأنك سجدت لحمّد، و قبّلت قدميه و لم نرك فعلته بأحد منّا؟ قال: هذا رجل صالح أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى یونس بن متی، فضحكا و قالا : لا يفتتنّك عن نصرانيّتك فإنّه رجل خدّاع، فرجع رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم إلى مكّة.
قال عليّ بن إبراهيم بن هاشم: و لمّا رجع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم من الطائف و أشرف على مكّة و هو معتمر كره أن يدخل مكّة و ليس له فيها مجير، فنظر إلى رجل من قريش قد كان أسلم سرّاً فقال له: انت الأخنس بن شريق فقل له: إنّ محمّداً يسألك أن تجيره حتّى يطوف و يسعى فإنّه معتمر، فأتاه و أدّى إليه ما قال رسول الله، فقال الأخنس: إنّي لست من قريش، و إنّما أنا حليف فيهم، و الحليف لا يجير على الصميم، و أخاف أن يخفروا جواري فيكون ذلك مسبّة، فرجع إلى رسول الله فأخبره، وكان رسول الله في شعب حراء مختفياً مع زيد فقال له: ائت سهيل ابن عمرو فاسأله أن يجيرني حتّى أطوف بالبيت و أسعى، فأتاه وأدّى إليه قوله فقال له: لا أفعل، فقال له رسول الله : اذهب إلى مطعم بن عديّ فاسأله أن يجيرني حتّى أطوف و أسعى، فجاء إليه و أخبره، فقال: أين محمّد؟ فكره أن يخبره بموضعه، فقال: هو قريب، فقال: ائته فقل له: إنّي قد أجرتك، فتعال وطف واسع ماشئت، فأقبل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و قال مطعم لولده و أختانه، وأخيه طعيمة بن عديّ: خذو اسلاحكم فإنّي قد أجرت محمّداً، وكونوا حول الكعبة حتّى يطوف و يسعى، وكانوا عشرة فأخذوا السلاح وأقبل رسول الله حتّى دخل المسجد، و رآه أبو جهل فقال: يا معشر قريش هذا محمّد وحده، و قدمات ناصره، فشأنكم به، فقال له: طعيمة بن عديّ: يا عمّ لا تتكلّم فإنّ أبا وهب قد أجار محمّداً، فوقف أبو جهل على مطعم بن عديّ فقال: أبا وهب أبجير أم صابيء؟ قال: بل بجير، قال: إذاً
لانخفر جوارك، فلمّا فرغ رسول الله صلّى الله عليه و آله من طوافه و سعيه جاء إلى مطعم فقال: أبا وهب قد أجرت و أحسنت، فردّ علىّ جواري قال: و ما عليك أن تقيم في جواري؟ قال: أكره أن أقيم في جوار مشرك أكثر من يوم، قال مطعم: يا معشر قريش إنّ محمّداً قد خرج من جواري.
قال عليّ بن إبراهيم: قدم أسعد بن زرارة و ذكوان بن عبد قيس في موسم من مواسم العرب و هما من الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حرب قد بقوافيها دهراً طويلاً و كانوا لا يضعون السلاح لا بالليل و لا بالنهار، وكان آخر حرب بينهم يوم بعاث، وكانت للأوس على الخزرج، فخرج أسعد بن زرارة و ذكوان إلى مكّة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس، وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة فنزل عليه فقال له: إنّه كان بيننا و بين قومنا حرب و قد جئناك نطلب الحلف عليهم فقال له عتبة: بعدت دارنا من داركم، ولنا شغل لانتفرّغ لشيء، قال: و ما شغلكم و أنتم في حرمكم و أمنكم؟ قال له عتبة: خرج فينا. رجل يدّعي أنّه رسول الله، سفّه أحلامنا وسبّ آلهتنا، و أفسد شبّاننا، و فرّق جماعتنا، فقال له :أسعد من هو منكم؟ قال ابن عبد الله بن عبد المطّلب من أوسطنا شرفاً، وأعظمنا بيتاً، و كان أسعد و ذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الّذين كانوا بينهم: النضير و قريظة و قينقاع أنّ هذا أوان نبيّ يخرج بمكّة يكون مهاجره بالمدينة لنقتلنّكم به يا مشعر العرب فلمّا سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمع من اليهود، قال: فأين هو؟ قال جالس في الحجر، وإنّهم لا يخرجون من شعبهم إلّا في الموسم، فلا تسمع منه ولا تكلّمه فإنّه ساحر يسحرك بكلامه، و كان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب فقال له أسعد: فكيف أصنع و أنا معتمر لا بدّ لي أن أطوف بالبيت؟ قال: ضع في أذنيك القطن، فدخل أسعد المسجد و قدحشا أذنيه بالقطن، فطاف بالبيت و رسول الله جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه، فلمّا كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل منّي؟ أيكون
مثل هذا الحديث بمكّة فلا أتعرفه حتّى أرجع إلى قومي فأخبرهم، ثمّ أخذ القطن من أذنيه ورمى به، و قال لرسول الله : أنعم صباحاً، فرفع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم رأسه إليه و قال: قد أبدلنا الله به ما هو أحسن من هذا تحيّة أهل الجنّة: السلام عليكم، فقال له أسعد: إنّ عهدك بهذا القريب، إلى ما تدعويا محمّد؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلّا الله و أنّي رسول الله، وأدعوكم إلى «أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم و إيّاهم و لا تقربوا الفواحش ماظهر منها وما بطن و لا تقتلوا النفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، ذلكم وصّاكم به لعلّكم تعقلون * ولا تقربوا مال اليتيم إلّا بالّتي هي أحسن حتّى يبلغ أشدّه و أوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلّف نفسا إلّا وسعها و إذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى و بعهد الله أوفوا ذلكم وصّاكم به لعلّكم تذكّرون»(1).
فلمّا سمع أسعد هذا قال له: أشهد أن لا إله إلّا الله و أنّك رسول الله، يا رسول الله بأبي أنت و امّي، أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين إخوتنا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصلها الله بك، و لا أجد أعزّ منك و معي رجل من قومي فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمّم الله لنا أمرنا فيك و الله يا رسول الله لقد كنّا نسمع من اليهود خبرك، و يبشّروننا بمخرجك، و يخبروننا بصفتك، و أرجو أن يكون دارنا دار هجرتك عندنا، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد لله الّذي ساقني إليك، والله ما جئت إلّا لنطلب الحلف على قومنا، و قد آتانا الله بأفضل ممّا أتيت له ثمّ أقبل ذكوان فقال له :أسعد: هذا رسول الله الّذي كانت اليهود يبشّرنا به، و تخبرنا بصفته، فهلمّ فأسلم، فأسلم ذكوان، ثمّ قالا: يا رسول الله ابعث معنا رجلاً يعلّمنا القرآن، ويدعو الناس إلى أمرك، فقال رسول الله لمصعب بن عمير، وكان فتى حدثاً مترفاً بين أبويه يكرمانه و يفضّلانه على أولادهم و لم يخرج من مكّة، فلمّا أسلم جفاء أبواه، و كان مع رسول الله في الشعب حتّى تغيّر و أصابه الجهد، وأمره رسول الله
1) الانعام: 151-152.
بالخروج مع أسعد، و قد كان تعلّم من القرآن كثيراً، فخرجا إلى المدينة و معهما مصعب بن عمير فقدموا على قومهم و أخبروهم بأمر رسول الله و خبره، فأجاب من كلّ بطن الرجل و الرجلان، و كان مصعب نازلاً على أسعد بن زرارة، وكان يخرج في كل يوم فيطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الاسلام فيجيبه الأحداث، و كان عبد الله بن أبي شريفاً في الخزرج، وقد كان الأوس والخزرج اجتمعت على أن يملكوه عليهم لشرفه و سخائه، و قد كانوا اتخذوا له إكليلاً احتاجوا في تمامه إلى واسطة كانوا يطلبونها، وذلك أنّه لم يدخل مع قومه الخزرج في حرب بعاث، ولم يعن على الأوس، وقال: هذا ظلم منكم للأوس و لا أعين على الظلم، فرضيت به الأوس والخزرج، فلما قدم أسعد كره عبدالله ماجاء به أسعد و ذكوان و فترأمره، فقال أسعد لمصعب: إنّ خالي سعد بن معاذ من رؤساء الأوس و هو رجل عاقل شريف مطاع في بني عمرو بن عوف، فإن دخل في هذا الأمر تمّ لنا أمرنا فهلمّ نأتي محلّتهم، فجاء مصعب مع أسعد إلى محلّة سعد بن معاذ فقعد على بئر من آبارهم، و اجتمع إليه قوم من أحداثهم، و هو يقرأ عليهم القرآن، فبلغ ذلك سعد ابن معاذ، فقال لأسيد بن حضير و كان من أشرافهم: بلغني أنّ أبا أمامة أسعد بن زرارة قدجاء إلى محلّتنا مع هذا القرشيّ يفسد شبّاننا، فائته و انهه عن ذلك فجاء أسيد بن حضير فنظر إليه أسعد فقال لمصعب : إنّ هذا رجل شريف فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمّ أمرنا، فاصدق الله فيه، فلمّا قرب أسيد منهم قال: يا أبا أمامة يقول لك خالك: لا تأتنا في نادينا، ولا تفسد شبّاننا، و احذر الأوس على نفسك، فقال مصعب أو تجلس فنعرض عليك أمراً، فان أحببته دخلت فيه، وإن كرهته نحيّنا عنك ما تكره، فجلس فقرأ عليه سورة من القرآن فقال: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟ قال: نغتسل و نلبس ثوبین طاهرین و نشهد الشهادتين، ونصلّي رکعتین فرمى بنفسه مع ثيابه في البئر، ثمّ خرج و عصر ثوبه ثمّ قال: اعرض عليّ، فعرض عليه شهادة «أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله» فقالها ثمّ صلّى ركعتين، ثمّ قال لأسعد:
يا أبا أمامة أنا أبعث إليك الآن خالك، و أحتال عليه في أن يجيئك، فرجع أسيد إلى سعد بن معاذ فلمّا نظر إليه سعد قال: أقسم أنّ اسيداً قدرجع إلينا بغير الوجه الّذي ذهب من عندنا، و آتاهم سعد بن معاذ فقرأ عليه مصعب «حم تنزيل من الرحمن الرحيم»(1)فلمّا سمعها قال مصعب: و الله لقدرأينا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلّم، فبعث إلى منزله و أتى بثوبين طاهرين، و اغتسل و شهد الشهادتين، وصلّى ركعتين، ثمّ قام وأخذ بيد مصعب وحوّله إليه، وقال: أظهر أمرك، ولاتهابنّ أحداً، ثمّ جاء فوقف في بني عمرو بن عوف وصاح: يا بني عمرو بن عوف لا يبقينّ رجل و لا امرأة ولابكر و لاذات بعل ولاشيخ و لاصبيّ إلّا أن خرج، فليس هذا يوم ستر و لاحجاب، فلمّا اجتمعوا قال: كيف حالي عندكم؟ قالوا: أنت سيّدنا، و المطاع فينا، و لا نردّ لك أمراً، فمرنا بماشئت، فقال: كلام رجالكم و نسائكم و صبيانكم عليّ حرام حتّى تشهدوا أن لا إله إلّا الله، و أنّ محمّداً رسول الله، فالحمد لله الّذي أكرمنا بذلك، و هو الّذي كانت اليهود تخبرنا به، فما بقي دار من دور بني عمروبن عوف في ذلك اليوم إلّا و فيها مسلم أو مسلمة، وحوّل مصعب بن عمير إليه، و قال له: أظهر أمرك، و ادع الناس علانية، وشاع الإسلام بالمدينة، وكثر، ودخل فيه من البطنين جميعاً أشرافهم، و ذلك لما كان عندهم من أخبار اليهود، و بلغ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أنّ الأوس والخزرج قد دخلوا في الإسلام، وكتب إليه مصعب بذلك، وكان كلّ من دخل في الإسلام من قريش ضربه قومه و عذبوه، فكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يأمرهم أن يخرجوا إلى المدينة فكانوا يتسلّلون رجلاً فرجلاً فيصيرون إلى المدينة، فينزلهم الأوس والخزرج عليهم ويواسونهم.
قال: فلمّا قدمت الأوس والخزرج مكّة جاء هم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال لهم: تمنعون لي جانبي حتّى أتلو عليكم كتاب ربّكم، و ثوابكم على الله الجنّة؟ قالوا: نعم يا رسول الله، فخذ لنفسك و لربّك ماشئت فقال: موعدكم العقبة في اللّيلة الوسطى من ليالي التشريق، فلمّا
1) فصلت / 1-2
حجّوا رجعوا إلى منى و كان فيهم ممّن قد أسلم بشر كثير، و كان أكثرهم مشركين على دينهم، و عبدالله بن ابيّ فيهم، فقال لهم رسول الله في اليوم الثاني من أيّام التشريق: فاحضروا دار عبد المطّلب على العقبة، ولا تنبهوا نائماً و ليتسلّل واحد فواحد، وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم نازلاً في دار عبد المطّلب و حمزة و عليّ و العبّاس معه، فجاءه سبعون رجلاً من الأوس والخزرج فدخلوا الدار فلمّا اجتمعوا قال لهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : تمنعون لي جانبي حتّى أتلو عليكم كتاب ربّي و ثوابكم على الله الجنّة؟ فقال أسعد بن زرارة و البراء بن معرور و عبدالله بن حزام: نعم يا رسول الله، فاشترط لنفسك و لربّك. فقال رسول الله: تمنعونني ممّا تمنعون أنفسكم وتمنعون أهلي ممّا تمنعون أهليكم و أولادكم؟ قالوا: فمالنا على ذلك؟ قال: الجنّة، تملكون بها العرب في الدنيا، وتدين لكم العجم، وتكونون ملوكاً، فقالوا: قد رضينا، فقام العبّاس بن نضلة وكان من الأوس فقال: يا معشر الأوس والخزرج تعلمون على ما تقدمون عليه؟ إنّما تقدمون على حرب الأحمر والأبيض، و على حرب ملوك الدنيا فإن علمتم أنّه إذا أصابتكم المصيبة في أنفسكم خذلتموه و تركتموه فلا تغرّوه: فإنّ رسول الله و إن كان قومه خالفوه فهو في عزّ و منعة. فقال له عبدالله بن حزام و أسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التيهان: مالك و للكلام؟ يا رسول الله بل دمنا بدمك، و أنفسنا بنفسك فاشترط لربّك و لنفسك ماشئت، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً يكفّلون عليكم بذلك، كما أخذ موسى علیه السّلام من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً، فقالوا: اختر من شئت فأشار جبرئيل إليهم، فقال: هذا نقيب، و هذا نقيب، و هذا نقيب حتّى اختار تسعة من الخزرج و هم أسعد بن زرارة و البراء بن معرور و عبدالله بن حزام أبو جابر بن عبدالله و رافع بن مالك، و سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو و عبدالله بن رواحة، و سعد بن الربيع، وعبّادة بن الصامت، و ثلاثة من الأوس و هم أبو الهيثم بن التيهان، وكان رجلاً من اليمن، حليفاً في بني عمرو بن عوف و اسید ابن حضیر، و سعد بن خيثمه، فلمّا اجتمعوا و
بايعوا رسول الله صاح بهم اپلیس: يا معشر قريش و العرب هذا محمّد و الصباة من الأوس و الخزرج على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم فأسمع أهل منى فهاجت قريش و أقبلوا بالسلاح و سمع رسول الله النداء فقال للأنصار : تفرّقوا فقالوا: يا رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : لم اومر بذلك و لم يأذن الله لي في محاربتهم، فقالوا: يا رسول الله فتخرج معنا، قال: أنتظر أمر الله، فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح، و خرج حمزة و معه السيف فوقف على العقبة هو و عليّ بن أبي طالب، فلمّا نظروا إلى حمزة قالوا: ما هذا الّذي اجتمعتم عليه ؟ قال: ما اجتمعنا و ماههنا أحد، والله لا يجوز أحد هذه العقبة إلّا ضربته بسيفي، فرجعوا و غدوا إلى عبد الله بن ابيّ وقالوا له: قد بلغنا أنّ قومك بايعوا محمّداً على حربنا، فحلف لهم عبد الله أنّهم لم يفعلوا و لا علم له بذلك، و إنّهم لم يطلعوه على أمرهم فصدّقوه، وتفرّقت الأنصار و رجع رسول الله إلى مكّة(1).
3 - كا: عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي نصر، عن إبراهيم بن محمّد الأشعريّ، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال : لمّا توفّي أبو طالب رضي الله عنه نزل جبرئيل على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال : يا محمّد اخرج من مكّة، فليس لك بها ناصر، و ثارت قريش بالنبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم، فخرج هارباً حتّى جاء إلى جبل بمكّة يقال له: الحجون فصار إليه(2).
4 - قب: روى الزهريّ في قوله تعالى: «و لقد مكّنّاهم» الآيات (3)قال: لمّا توفّي أبو طالب لم يجد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم ناصراً، و نثروا على رأسه التراب، قال: مانال منّي قريش شيئاً حتّى مات أبوطالب، وكان يستتر من الرمي بالحجر الّذي عند باب البيت من يسار من يدخل، و هو ذراع و شبر في ذراع إذا جاءه من دار أبي لهب و دار عديّ بن حمران و قالوا: لو كان محمّد نبياً لشغلته النبوّة عن النساء و لأمكنه جميع الآيات، ولأمكنه منع الموت عن
أقاربه، و لمّا مات أبو طالب وخديجة فنزل «و لقد أرسلنا رسلاً من قبلك»(1)الآية.
الزهريّ في قوله تعالى: «فإن تولّوا فقل حسبي الله» (2)الآية. لمّا توفّي أبوطالب واشتدّ عليه البلاء عمد إلى ثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه سادتها، فلم يقبلوه و تبعه سفهاؤهم بالأحجار، و دموارجليه، فخلص منهم واستظلّ في ظلّ حبلة منه وقال: اللّهمّ إنّي أشكو إليك من ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي وناصري و هواني على الناس يا أرحم الراحمين: ثمّ ذكر حدیث عداس كمامرّ في رواية الطبرسيّ.
ابن مسعود: لمّا دخل النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم الطائف رأى عتبة و شيبة جالسين على سرير فقالا: هو يقوم قبلنا، فلمّا قرب النبيّ منهما خرّ السرير ووقعا على الأرض فقالا: عجز سحرك عن أهل مكّة فأتيت الطائف(3).
5 - شي: عن محمد الحلبيّ، عن أبي عبد الله علیه السّلام قال: اكتتم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بمكّة سنين ليس يظهر و عليّ معه و خديجة، ثمّ أمره الله أن يصدع بما يؤمر، فظهر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فجعل يعرض نفسه على قبائل العرب، فإذا أتاهم قالوا: كذّاب امض عنّا(4).
6 - ص: إنّ أبا طالب رضي الله عنه توفّي في آخر السنة العاشرة من مبعث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، ثمّ توفّيت خديجة رضى الله عنها بعد أبي طالب بثلاثة أيّام، فسمّى رسول الله ذلك العام عام الحزن، فقال: ما زالت قريش قاعدة عنّي حتّى مات أبو طالب(5).
1 - أقول: قال في المنتقی: كانت الهجرة سنة أربع عشرة من المبعث، و هي سنة أربع و ثلاثين من ملك كسرى پرویز، سنة تسع لهرقل و أوّل هذه السنة المحرّم، وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مقيماً بمكّة لم يخرج منها، وقد كان جماعة خرجوا في ذي الحجّة، وقال محمّد بن كعب القرظيّ: اجتمع قريش على بابه و قالوا: إنّ محمّداً يزعم أنّكم إن با يعتموه كنتم ملوك العرب و العجم، ثمّ بعثتم بعد موتكم فجعل لكم جنان كجنان الأرض و إن لم تفعلوا كان لكم منه الذبح ثمّ بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون بها، فخرج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فأخذ حفنة من تراب ثمّ قال: نعم أنا أقول ذلك، فنثر التراب على رؤوسهم و هو يقرأ «يس»(1)إلى قوله: «و جعلنا من بين أيديهم سدّاً و من خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يبصرون»(2)فلم يبق منهم رجل وضع على رأسه التراب إلّا قتل يوم بدر، ثمّ انصرف إلى
حيث أراد فأتاهم آت لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ههنا؟ قالوا: محمّداً، قال: قد و الله خرج محمّد عليكم ثمّ ما ترك منكم رجلاً إلّا وقد وضع على رأسه التراب و انطلق لحاجته فوضع كلّ رجل منهم يده على رأسه فإذاً عليه التراب، ثمّ جعلوا يطّلعون فيرون عليّاً على الفراش متّشحاً ببرد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فيقولون: إنّ هذا المحمّد نائم عليه برده. فلم يبرحوا كذلك حتّى أصبحوا، فقام عليّ من الفراش فقالوا: والله لقد صدقنا الّذي كان حدّثنا به.
و روى الواقديّ عن أشياخه أنّ الّذين كانوا ينتظرون رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم تلك الليلة من المشركين أبو جهل و الحكم بن أبي العاص و عقبة بن أبي معيط و النضر ابن الحارث، و أميّة بن خلف، و ابن الغيطلة، وزمعة بن الأسود، وطعمة بن عديّ و أبو لهب، و أبّي بن خلف و نبيه و منبّه ابنا الحجّاج، فلمّا أصبحوا قام علىّ علیه السّلام من الفراش فسألوه عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال : لا علم لي به.
و روي أنّهم ضربوا عليّاً و حبسوه ساعة ثمّ تركوه.
و أورد الغزاليّ في كتاب إحياء العلوم أنّ ليلة بات عليّ بن أبي طالب علیه السّلام على فراش رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل أنّي أخيت بينكما وجعلت عمر أحد كما أطول من عمر الآخر، فأيّكما يؤثر صاحبه بحياته؟ فاختار كلّ منهما الحيّاة و أحبّاها، فأوحى الله تعالى إليهما : أفلا كنتها مثل عليّ بن أبي طالب علیه السّلام، آخيت بينه و بين محمّد، فبات على فراشه يفديه بنفسه، و يؤثره بالحياة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه، فكان جبرئيل عند رأسه و ميكائيل عند رجليه و جبرئيل علیه السّلام ينادي: بخّ بخّ، من مثلك يابن أبي طالب؟ يباهي الله بك الملائكة. فأنزل الله عزّوجلّ: «و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد»(1).
أقول: و ساق حديث الغار إلى أن قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم حين أتى الفار دعا
1) البقرة /207.
بشجرة فأتته فأمرها أن تكون على باب الغار، و بعث الله حمامتين فكانتا على فم الغار، و نسج العنكبوت على فم الغار، ثمّ أقبل فتيان قريش، و كان أبوجهل قد أمر منادياً ينادي بأعلى مكّة وأسفلها: من جاء بمحمّد أو دلّ عليه فله مائة بعير، أو جاء بابن أبي قحافة أودلّ عليه فله مائة بعير، فلمّا رأوا الحمامتين و نسج العنكبوت على فم الغار انصرفوا فدعا النبیّ صلی الله علیه و آله و سلّم للحمام، و فرض جزاء هنّ، وانحدرن في الحرم، و نهى عن قتل العنكبوت، و قال: هي جند من جنود الله.
و روي عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم كان لا يتطيّر، وكان يتفاّل، و كانت قريش جعلت مائة من الإبل فيمن يأخذ نبيّ الله صلی الله علیه و آله و سلّم
فيردّه عليهم حين توجّه إلى المدينة، فركب بريدة في سبعين راكباً من أهل بيته من بني سهم، فتلقّی نبيّ الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فقال نبي الله صلی الله علیه و آله و سلّم: من أنت؟ قال: أنا بريدة، فالتفت إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر برد أمرنا و صلح، ثمّ قال: و ممّن أنت؟ قال: من أسلم قال صلی الله علیه و آله و سلّم: سلمنا، قال: ممّن؟ قال: من بني سهم، قال: خرج سهمك، فقال بريدة للنبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: من أنت ؟ فقال : أنا محمّد بن عبدالله رسول الله، فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلّا الله، و أشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، فأسلم بريدة و أسلم من كان معه جميعاً فلمّا أصبح قال بريدة للنبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: لا تدخل المدينة إلّا و معك لواء، فحلّ عمامته ثمّ شدّها في رح، ثمّ مشى بين يديه فقال : يا نبيّ الله تنزل عليّ؟ فقال له النبيّ صلى الله عليه و آله: إنّ ناقتي هذه مأمورة، قال بريدة: الحمد لله أسلمت بنوسهم طائعين غير مكرهين.
2 - عم، ص، فس: «و إذيمكر بك الّذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك و يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين» فإنّها نزلت بمكّة قبل الهجرة، وكان سبب نزولها أنّه لمّا أظهر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الدعوة بمكّة قدمت عليه الأوس والخزرج، فقال لهم رسوال الله صلی الله علیه و آله و سلّم: تمنعونى و تكوني لي جاراً حتّى أتلو عليكم كتاب ربّي و ثوابكم على الله الجنّة؟ فقالوا: نعم، خذلربّك و لنفسك ماشئت، فقال لهم: موعدكم العقبة في اللّيلة الوسطى
من ليالي التشريق فحجوا ورجعوا إلى منى، و كان فيهم ممّن قدحجّ بشر كثير، فلمّا كان اليوم الثاني من أيّام التشريق قال لهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: إذا كان اللّيل فاحضروا دار عبد المطّلب على العقبة، ولا تنبّهوا نائماً، و لينسلّ واحد فواحد، فجاء سبعون رجلاً من الأوس والخزرج، فدخلوا الدار، فقال لهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: تمنعوني و تجيروني حتّى أتلو عليكم كتاب ربّي و ثوابكم على الله الجنّة؟ فقال أسعد بن زرارة و البراء بن معرور و عبدالله بن حزام: نعم يا رسول الله، اشترط لربّك و لنفسك ماشئت، فقال: أمّاما أشترط لربّي فأن تعبدوه و لا تشركوا به شيئاً، و أشترط لنفسي أن تمنعوني ممّا تمنعون أنفسكم و تمنعون أهلي ممّا تمنعون أهاليكم و أولادكم، فقالوا: فمالنا على ذلك؟ فقال: الجنّة في الآخرة وتملكون العرب و تدين لكم العجم في الدنيا وتكونون ملوكا في الجنّة فقالوا قدرضينا، فقال: أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً يكونون شهداء عليكم بذلك كما أخذ موسى علیه السّلام من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً، فأشار إليهم جبرئيل فقال: هذا نقيب، و هذا نقيب، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، فمن الخزرج أسعد ابن زرارة، و البراء بن معرور، و عبدالله بن حزام أبو جابر بن عبدالله و رافع بن مالك، وسعد بن عبادة، و المنذر بن عمر، و عبدالله بن رواحة، و سعد بن الربيع، و عبادة بن الصامت و من الأوس أبو الهيثم بن التيهان، و هو من اليمن، و اسید بن حضیر و سعد بن خيثمة، فلمّا اجتمعوا و بايعو الرسول الله صاح إبليس يا معشر قريش و العرب هذا محمّد و الصباة من أهل يثرب على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم، فأسمع أهل منى وهاجت ،قريش، فأقبلوا بالسلاح، و سمع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم النداء فقال للأنصار: تفرّقوا، فقالوا: يا رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : لم أؤمر بذلك و لم يأذن الله لي في محاربتهم، قالوا: فتخرج معنا؟ قال: أنتظر أمر الله، فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح و خرج حمزة و أمير المؤمنين علیه السّلام و معهما السيف فوقنا على العقبة، فلمّا نظرت قريش إليهما قالوا: ما هذا الّذي اجتمعتم له؟
فقال حمزة: ما اجتمعنا و ماههنا أحد، و الله لا يجوز هذه العقبة أحد إلّا ضربته بسيفي فرجعوا إلى مكّة وقالوا: لا نأمن أن يفسد أمرنا و يدخل واحد من مشايخ قريش في دين محمّد، فاجتمعوا في دار الندوة وكان لا يدخل دار الندوة إلّا من أتى عليه أربعون سنة فدخلوا أربعين رجلاً من مشايخ قريش، و جاء إيليس في صورة شيخ كبير فقال له البوّاب: من أنت؟ قال: أنا شيخ من أهل نجد لا يعدمكم منّي رأي صائب، إنّي حيث بلغني اجتماعكم فی أمر هذا الرجل فجئت لاشير عليكم فقال: ادخل، فدخل إبليس فلمّا أخذوا مجلسهم قال أبوجهل : يا معشر قريش إنّه لم يكن أحد من العرب أعزّ منّا، نحن أهل الله تفد إلينا العرب في السنة مرّتين و يكرموننا، ونحن في حرم الله لا يطمع فينا طامع، فلم نزل كذلك حتّى نشأ فينا محمّد بن عبد الله، فكنّا نسمّيه الأمين لصلاحه و سكونه و صدق لهجته حتّى إذا بلغ ما بلغ وأكرمناه ادّعى أنّه رسول الله و أنّ أخبار السّماء تأتيه، فسفّه أحلامنا وسبّ آلهتنا، و أفسد شبّاننا، و فرّق جماعتنا و زعم أنّه من مات من أسلافنا ففي النار، فلم يرد علينا شيء أعظم من هذا، وقد رأيت فيه رأيا قلوا و ما رأيت؟ قال رأيت أن ندسّ إليه رجلاً منّا ليقتله، فإن طلبت بنوهاشم بدمه أعطيناهم عشر ديات، فقال الخبيث: هذا رأي خبيث قالوا: وكيف ذاك؟ قال: لأنّ قاتل محمّد مقتول لا محالة. فمن هذا الّذي يبذل نفسه للقتل منكم، فإنّه إذا قتل محمّد تعصّب بنوهاشم وحلفاؤهم من خزاعة، و إنّ بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمّد على وجه الأرض، فيقع بينكم الحروب في حرمكم و تتفانوا، فقال آخر منهم: فعندي رأي آخر، قال: و ما هو؟ قال: تلقيه في بيت و نلقي إليه قوته حتّى يأيته ريب المنون، فيموت كمامات زهير و النابغة وامرؤ القيس، فقال إيليس: هذا أخبث من الآخر، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنّ بني هاشم لا ترضى بذلك، فإذا جاء موسم من مواسم العرب استغاثوا بهم و اجتمعوا عليكم فأخرجوه قال آخر منهم: لا ولكنّا نخرجه من بلادنا، و نتفرّغ نحن لعبادة آلهتنا فقال إيليس هذا أخبث من الرأيين المتقدّمين، قالوا: و
كيف؟ قال: لأنكم تعمدون إلى أصبح الناس وجهاً، وأنطق الناس لساناً، و أفصحهم لهجة، فتحملوه إلى بوادي العرب فيخدعهم و يسحرهم بلسانه، فلا يفجأكم إلا وقد ملأها عليكم خيلا و رجلاً فبقوا حائرين، ثم قالوا لإبليس: فما الرأي فيه يا شيخ؟ قال: ما فيه إلا رأي واحد قالوا و ماهي؟ قال: يجتمع من كلّ بطن من بطون قريش و قبائل العرب ما أمكن و يكون معهم من بني هاشم رجل، فيأخذون سكّينة أو حديدة أوسيفاً فيدخلون عليه فيضربونه كلّهم ضربة واحدة حتّى يتفرّق دمه في قريش كلّها، فلا يستطيع بنوهاشم أن يطلبوا بدمه، و قد شاركوه فيه فان سألوكم أن تعطوهم الدية فأعطوهم ثلاث ديات، فقالوا: نعم و عشر ديات، ثمّ قال: الرأي رأي الشيح النجديّ، فاجتمعوا فيه ودخل معهم في ذلك أبو لهب عمّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، و نزل جبرئيل على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و أخبره أنّ قريشاً قد اجتمعت في دار الندوة يدبّرون عليك و أنزل الله عليه في ذلك: «و إذ يمكر بك الّذين كفروا ليثبتوك أو يخرجوك و يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين» و اجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلاً
فيقتلوه وخرجوا إلى المسجد يصفرون و يصفقون ويطوفون بالبيت، فأنزل الله: «و ما كان صلاتهم عند البيت إلّا مكاءً وتصدية»(1)فالمكاء: التصفير، والتصدية: صفق اليدين و هذه الآية معطوفة على قوله: «و إذيمكر بك الّذين كفروا» و قد كتبت بعد آيات كثيرة، فلمّا أمسى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم جاءت قريش ليدخلوا عليه فقال أبو لهب: لا أدعكم أن تدخلوا عليه باللّيل، فإنّ في الدار صبياناً ونساءً، ولا نأمن أن تقع يد خاطئة، فنحرسه اللّيلة، فإذا أصبحنا دخلنا عليه، فناموا حول حجرة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، و أمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أن يفرش له ففرش له فقال لعليّ بن أبي طالب علیه السّلام : افدني بنفسك، قال: نعم يا رسول الله، قال: نم على فراشي، و التحف ببردتي، فنام على فراش رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و التحف ببردته و جاء جبرئيل فأخذ بيد رسول الله فأخرجه علی قریش و هم نیام و هو يقرأ عليهم:(2)و جعلنا
من بين أيديهم سدّاً و من خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يبصرون» و قال جبرئيل: خذ على طريق ثور، و هو جبل على طريق منی، له سنام كسنام الثور، فدخل الغار، وكان من أمره ما كان، فلمّا أصبحت قريش و ثبوا إلى الحجرة و قصدوا الفراش، فوثب عليّ علیه السّلام في وجوههم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا له: أين محمّد؟ قال: أجعلتموني عليه رقيباً؟ ألستم قلتم : نخرجه من بلادنا؟ فقد خرج عنكم، فأقبلوا على أبي لهب يضربونه، و يقولون: أنت تخدعنا منذ الليلة، فتفرّقوا في الجبال، وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له: أبوكرز يقفو الآثار فقالوا: يا أباكرز اليوم اليوم، فوقف بهم على باب حجرة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فقال: هذه قدم محمّد، والله لأنّها لأخت القدم الّتي في المقام، وكان أبوبكر استقبل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فردّه معه، فقال أبوكرز: و هذه قدم أبي قحافة أو ابنه، ثمّ قال: وههنا غير ابن أبي قحافة، فمازال بهم حتّى أوقفهم على باب الغار، ثمّ قال: ما جازوا هذا المكان، إمّا إن يكونوا صعدوا إلى السماء، أو دخلوا تحت الأرض، و بعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار، و جاء فارس من الملائكة حتّى وقف على باب الغار، ثمّ قال: ما في الغار أحد، فتفرّقوا في الشعاب و صرفهم الله عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ثمّ أذن لنبيّة في الهجرة(1).
3 - ما: جماعة، عن أبي المفضّل، عن أحمد بن سفيان بن العبّاس، عن أحمد بن عبيد بن ناصح، عن محمّد بن عمر بن واقد الأسلميّ، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن حصين، عن أبي غطفان، عن ابن عبّاس قال: اجتمع المشركون في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول الله، و أتى جبرئيل رسول الله فأخبره الخبر، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة، فلمّا أراد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم المبيت أمر عليهّاً علیه السّلام أن يبيت فى مضجعه تلك الليلة، فبات علىّ علیه السّلام، و تغشّى ببرد أخضر حضرميّ كان لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ينام فيه، و جعل السيف إلى
1) تفسير القمى: 249 - 253 و الالفاظ منه اعلام الورى 4039 ط 1 و 69-73 ط 2 و الفاظه يخالف المنقول، قصص الانبياء مخطوط.
جنبه فلمّا اجتمع اولئك النفر من قريش يطيفون و يرصدونه يريدون قتله، فخرج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و هم جلوس على الباب خمسة و عشرون رجلاً، فأخذ حفنة من البطحاء ثمّ جعل يذرّها على رؤوسهم و هو يقرأ «يس و القرآن الحكيم»(1)حتّى بلغ «فأغشيناهم فهم لا يبصرون»(2)فقال لهم قائل: ما تنتظرون؟ قالوا: محمّداً، قال: خبتم و خزيتم قد والله مرّبكم، فما منكم رجل إلّا وقد جعل على رأسه تراباً، قالوا: والله ما أبصرناه قال: فأنزل الله عزّ وجلّ: «و إذ يمكر بك الّذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك و يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين»(3).
4 - ما: جماعة، عن أبي المفضّل، عن محمّد بن الحسين بن حفص، عن محمّد ابن عبيد، عن أبي يحيى التيميّ، عن عبد الله بن جندب، عن أبي ثابت، عن أبيه، عن مجاهد قال: فخرت عائشة بأبيها و مكانه مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في الغار فقال عبدالله بن شدّاد بن الهاد: و أين أنت من عليّ بن أبي طالب حيث نام في مكانه و هو يرى أنّه يقتل؟ فسكتت و لم تحر جواباً(4).
أقول: سيأتي في باب أحوال إيليس، عن جابر الأنصاري، عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم أنّه قال: تمثّل إبليس لعنه الله في أربع صور - إلى أن قال: - تصوّر يوم اجتماع قريش في دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد، فأشار عليهم في النبي صلی الله علیه و آله و سلّم بما أشار، فأنزل الله تعالى: «و إذ يمكر بك الّذين كفروا» الآية.
5 - ما: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضّل قال: حدثنا أبو العبّاس أحمد بن عبيد الله بن - عمّار الثقفيّ سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن سليمان النوفليّ سنة خمسين ومائتين، قال: حدّثني الحسن بن حمزة أبو محمّد النوفليّ قال: حدّثني أبي و خالي
يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن العبّاس بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطّلب، عن يزيد بن سعيد الهاشميّ، قال: حدّثنيه أبو عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر رضي الله عنه بين القبر و الروضة، عن أبيه، و عبيد الله بن أبي رافع جميعاً، عن عمّار بن ياسر رضي الله عنه و أبي رافع مولى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم قال أبو عبيدة : وحدّثنيه سنان بن أبي سنان الدئليّ، وكان ممّن ولد على عهد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم، فأخبرني سنان بن أبي سنان أنّ هند بن أبي هند بن أبي هالة الاسيديّ، حدّثه عن أبيه هند بن أبي هالة ربيب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و أمّه خديجة رضي الله عنه زوج النبيّ و أخته لأمّه فاطمة صلوات الله عليها، قال أبو عبيدة: وكان هؤلاء الثلاثة هند بن أبي هالة، و أبو رافع، و عمّار بن ياسر جميعاً يحدّثون عن هجرة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السّلام إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بالمدينه و مبيته قبل ذلك على فراشه قال: و صدر هذالحديث عن هند بن أبي هالة، و اقتصاصه عن الثلاثة: هند، و عمّار و أبي رافع، و قد دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: كان الله عزّوجلّ ممّا يمنع نبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم بعمّه أبي طالب علیه السّلام فما يخلص إليه امرؤ بسوء من قومه مدّة حياته فلمّا مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بغيتها، وأصابته بعظيم من الأذى حتّى تركته لق، فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : الأسرع ما وجدنا فقدك يا عمّ، وصلتك رحم، وجزيت خيراً يا عمّ، ثمّ ماتت خديجة بعد أبي طالب بشهر، و اجتمع بذلك على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم حزنان حتّى عرف ذلك فيه، قال هند: ثمّ انطلق ذوو الطول و الشرف من قريش إلى دار الندوة ليرتأوا و يأتمروا في رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، و أسرّوا ذلك بينهم، إليه فقال بعضهم: نبني له علماً، و نترك فرجاً. نستودعه فيه فلا يخلص من الصباة فيه إليه أحد، ولانزال في رفق من العيش حتّى يتضيّفه ريب المنون، وصاحب هذه المشورة العاص بن وائل و أميّة و أبيّ ابنا خلف، فقال قائل: كلّا ما هذا لكم برأي، و لئن صنعتم ذلك ليتنمّرن له الحدب الحميم، و المولى الحليف، ثمّ ليأتينّ المواسم والأشهر الحرم بالأمن فلينتزعنّ من أنشوطتكم، قولوا قولكم.
فقال عتبة و شيبة و شركهما أبوسفيان، قالوا: فإنّانرى أن نرحّل بعيراً صعباً و نوثّق محمّداً عليه كتافاً، ثمّ نقطع البعير بأطراف الرماح، فيوشك أن يقطّعه بين الدكادك إرباً إرباً فقال صاحب رأيهم: إنّكم لم تصنعوا بقولكم هذا شيئاً، أرأيتم إن خلص به البعير سالماً إلى بعض الأفاريق فأخذ بقلوبهم بسحره و بیانه و طلاقة لسانه فصبأ القوم إليه، و استجابت القبائل له قبيلة فقبيلة فليسيرنّ حينئذ إليكم بالكتائب والمقانب، فلتهلكنّ كما هلكت أياد و من كان قبلكم.
قولوا قولكم، فقال له أبو جهل: لكن أرى لكم أن تعمدوا إلى قبائلكم العشرة فتنتدبوا من كلّ قبيلة منها رجلاً نجداً، ثمّ تسلّحوه حساماً عضباً، وتمهد الفتية حتّى إذا غسق الليل و غور بيّنوا بابن أبي كبشته بيا تاً فيذهب دمه في قبائل قريش جميعاً، فلا يستطيع بنوهاشم و بنو المطّلب مناهضة قبائل قريش في صاحبهم، فيرضون حينئذ بالعقل منهم، فقال صاحب رأيهم: أصبت بابا الحكم، ثمّ أقبل عليهم فقال: هذا الرأي، فلا تعدلنّ به رأياً، وأوكئوا في ذلك أفواهكم حتّى يستتبّ أمركم، فخرج القوم عزين، وسبقهم بالوحي بما كان من كيدهم جبرئيل عليه السلام فتلا هذه الآية على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
«و إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك و يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين» فلمّا أخبره جبرئيل
صلى بأمر الله في ذلك و وحيه و ما عزم له من الهجرة دعا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عليّ بن أبي طالب لوقته، فقال له: يا عليّ إنّ الروح هبط عليّ بهذه الآية آنفاً، يخبرني أنّ قريشاً اجتمعت على المكربي وقتلي و إنّه أوحى إليّ عن ربّي عزّوجلّ أن أهجر دار قومى و أن أنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي و أنّه أمرني أن أمرك بالمبيت على ضجاعي - أو قال: مضجعي - لتخفي بمبيتك عليه أثرى، فما أنت قائل و صانع ؟ فقال علىّ علیه السّلام: أو تسلمنّ بمبيتي هناك يا نبيّ الله؟ قال: نعم، فتبسّم علىّ علیه السّلام ضاحكاً، و أهوى إلى الأرض ساجداً، شكراً لما أنبأه به رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
من سلامته، فكان علىّ علیه السّلام أوّل من سجد الله شكراً، و أوّل من وضع وجهه
على الأرض بعد سجدته من هذه الأمّة بعد رسول الله اصلی الله علیه و آله و سلّم، فلمّا رفع رأسه قال له : امض لما أمرت، فداك سمعي وبصري و سويداء قلبي، و مرني بما شئت أكن فيه كمسرّتك واقع منه بحيث مرادك، و إن توفيقي إلّا بالله، وقال: و أن التي عليك شبه منّي، أو قال: شبهي، قال: إن يمنعني نعم، قال: فارقد على فراشي، واشتمل ببردي الحضرميّ، ثمّ إنّي اخبرك يا عليّ أنّ الله تعالى يمتحن أولياءه على قدر إيمانهم ومنازلهم من دينه، فأشدّ الناس بلّاء الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل، وقد امتحنك يا بن امّ و امتحنني فيك بمثل ما امتحن به خليله إبراهيم علیه السّلام الذبيح إسماعيل علیه السّلام، فصبراً صبراً، فإنّ رحمة الله قريب من المحسنين، ثمّ ضمّه النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم إلى صدره و بكى إليه وجداً به، و بكى علىّ علیه السّلام جشعاً لفراق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، و استتبع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أبا بكر بن أبي قحافة و هند بن أبي هالة، فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه إلى الغار، و لبث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بمكانه مع علىّ علیه السّلام يوصيه و يأمره في ذلك بالصبر حتّى صلى العشائين، ثمّ خرج صلی الله علیه و آله و سلّم في فحمة العشاء، والرصد من قريش قد أطافوا بداره ينتظرون أن ينتصف الليل و تنام الأعين، فخرج و هو يقر أهذه الآية: «و جعلنا من بين أيديهم سدّاً و من خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يبصرون»(1)و كان بيده قبضة من تراب فرمى بها في رؤوسهم، فما شعر القوم به حتّى تجاوزهم، ومضى حتّى أتى إلى هند و أبي بكر، فنهضامعه حتّى وصلوا إلى الغار، ثمّ رجع هند إلى مكّة بما أمره به رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم. و دخل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و أبو بكر إلى الغار، فلمّا خلق الليل وانقطع الأثر أقبل القوم على علىّ علیه السّلام قذفاً بالحجارة والحلم، فلا يشكّون أنّه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى إذا برق الفجر، و أشفقوا أن يفضعهم الصبح هجموا على عليّ علیه السّلام، وكانت دور مكّة يومئذ سوائب لا أبواب لها فلمّا بصربهم علىّ علیه السّلام قد انتضّوا السيوف و أقبلوا عليه بها يقدمهم خالد بن الوليد بن
المغيرة وثب به علىّ علیه السّلام فختله و همزيده، فجعل خالد يقمص قماص البكر، و إذا له رغاء
1) يس /9
فا بذعرّ الصبح و هم في عرج الدار من خلفه، و شدّ عليهم علىّ علیه السّلام بسيفه، يعني سيف خالد، فأجفلوا أمامه إجفال النعم إلى ظاهر الدار و تبصّروه، فإذا علىّ علیه السّلام، قالوا: وإنّك لعليّ؟ قال: أنا عليّ، فإنّنا لم نردك، فما فعل صاحبك؟ قال: لا علم لي به، وقد كان علم - يعني عليّاً - أنّ الله تعالى قد أنجى نبيّه صلی الله علیه و آله و سلّم بما كان أخبره من مضيّه إلى الغار و اختبائه فيه، فأذكت قريش عليه العيون، و ركبت في طلبه الصعب و الذلول، و أمهل عليّ علیه السّلام حتّى إذا اعتمّ من الليلة القابلة انطلق هو و هند بن أبي هالة حتّى: دخلا على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في الغار، فأمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم هنداً أن يبتاع له و لصاحبه بعيرين، فقال أبوبكر: قد كنت أعددت لي و لك يا نبيّ الله راحلتين نرتحلها إلى يثرب، فقال: إنّي لا آخذهما و لا أحدهما إلّا بالثمن، قال: فهي لك بذلك، فأمر صلی الله علیه و آله و سلّم
علياًّ علیه السّلام فأقبضه الثمن، ثمّ وصّاه بحفظ ذمّته و أداء أمانته، و كانت قريش تدعو محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم
في الجاهليّة الأمين، وكانت تستودعه و تستحفظه أموالها و أمتعتها، وكذلك من يقدم مكّة من العرب في الموسم، وجاءته النبوّة و الرسالة و الأمر كذلك، فأمر عليّاً علیه السّلام أن يقيم صارخاً يهتف بالأبطح غدوة و عشيّاً: من كان له قبل محمّد أمانة أو وديعة فليأت فلنودّ إليه أمانته، قال : فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : إنّهم لن يصلوا من الآن إليك يا عليّ بأمر تكرهه حتّى تقدم عليّ، فأدّ أمانتي على أعين الناس ظاهراً، ثمّ إنّي مستخلفك على فاطمة ابنتي و مستحفظه ربّي عليكما و مستخلف فيكما، فأمره أن يبتاع رواحل له و للفواطم و من أزمع للهجرة معه من بني هاشم.
قال أبو عبيدة: فقلت لعبيد الله يعني ابن أبي رافع: أو كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يجد ما ينفقه هكذا؟ فقال: إنّي سألت أبي عمّا سألتني، وكان يحدّث لي هذا الحديث فقال: و أين يذهب بك عن مال خديجة علیها السّلام؟ قال : إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال : ما نفعني مال قطّ ما نفعني مال خديجة، وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يفكّ في مالها الغارم و العاني، و يحمل الكلّ، و يعطي في النائبة، و يرفد فقراء أصحابه إذ كان بمكّة، ويحمل من أراد منهم الهجرة، وكانت قريش إذا
رحلت عيرها في الرحلتين يعني رحلة الشتاء والصيف كانت طائفة من العير لخديجة علیها السّلام وكانت أكثر قريش مالاً ، وكان صلى الله عليه و آله ينفق منه ماشاء في حياتها، ثمّ ورثها هو و ولدها، قال: و قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
لعليّ علیه السّلام و هو يوصيه: فإذا أبرمت ما أمرتك من أمر فكن على اهبة الهجرة إلى الله و رسوله و سر إليّ لقدوم كتابي عليك ولا تلبث و انطلق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لوجه يؤمّ المدينة، و كان مقامه في الغار ثلاثاً، و مبيت علىّ علیه السّلام على الفراش أوّل ليلة.
قال عبيد الله بن أبي رافع: و قد قال عليّ بن أبي طالب علیه السّلام يذكر مبيته على الفراش و مقام رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم في الغار:
وقيت بنفسي خير من وطىء الحصى *** و من طاف بالبيت العتيق و بالحجر
محمّد لمّا خاف أن يمكروا به *** فوقّاه ربيّ ذو الجلال من المكر
و بت أراعيهم متى ينشرونني *** و قد وطّنت نفسى على القتل والأسر
و بات رسول الله فى الغار آمناً *** هناك و في حفظ الإله و في ستر
أقام ثلاثاً ثمّ زمّت قلائص *** قلائص يفرين الحصى أينما تفري
و لمّا ورد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم المدينة نزل في بني عمرو بن عوف بقباء، فأراده أبوبكر على دخوله المدينة و ألاصه في ذلك، فقال: فما أنا بداخلها حتّى يقدم ابن أمّي و أخي و ابنتي، عليّاً وفاطمة علیهما السّلام.
قالا: قال أبو اليقظان: فحدّثنا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و نحن معه بقباء عمّا أرادت قريش من المكربه و مبيت علىّ علیه السّلام على فراشه، قال: أوحى الله عزّ وجلّ إلى جبرئيل و ميكائيل علیهما السّلام : أنّي قد آخيت بينكما و جعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه، فأيّكما بؤثر أخاه؟ وكلاهما كره الموت، فأوحى الله إليهما: عبداي ألا كنتها مثل ولیّی علىّ آخيت بينه و بين محمّد نبيّي، فآثره بالحياة على نفسه ؟ ثمّ ظلّ - أو قال: رقد على فراشه يقيه
بمهجته، اهبطا إلى الأرض جميعاً فاحفظاه من عدوّه، فهبط جبرئيل فجلس عند رأسه، و ميكائيل عند رجليه، وجعل جبرئيل يقول: بخّ بخّ من مثلك يا ابن أبي طالب؟ والله عزّوجل يباهي بك الملائكة، قال: فأنزل الله عزّوجل في علیّ علیه السّلام و ما كان من مبيته على فراش رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : «و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد».
قال: أبو عبيدة: قال أبي و ابن أبي رافع: ثمّ كتب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى عليّ ابن أبي طالب علیه السّلام كتاباً يأمره فيه بالمسير إليه، وقلّة التلوّم، وكان الرسول إليه أبا واقد الليثي، فلمّا أتاه كتاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم
تهيّأ للخروج و الهجرة، فآذن من كان معه من ضعفاء المؤمنين فأمرهم أن يتسلّلوا و يتخفّفوا - إذا ملأ الليل بطن كلّ وادٍ - إلى ذي طوى، و خرج علىّ علیه السّلام بفاطمة علیها السّلام بنت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و أمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم و فاطمة بنت الزبير بن عبدالمطّلب، و قد قيل: هي ضباعة، و تبعهم أيمن بن أمّ أيمن مولى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و أبو واقد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فجعل يسوق بالرواحل فأعنف فجعل يسوق بالرواحل فأعنف بهم، فقال عليّ علیه السّلام ارفق بالنسوة أبا واقد! إنّهن من الضعائف، قال: إنّي أخاف أن يدركنا الطّالب - أقول: الطلب - صلى فقال علىّ علیه السّلام : أربع عليك، فإن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال لي: يا عليّ إنّهم لن يصلوا من الآن إليك بأمر تكرهه، ثمّ جعل يعنى عليّاً علیه السّلام يسوق بهنّ سوقاً رفيقاً و هو يرتجز و يقول:
ليس إلّا الله فارفع ظنّكا *** يكفيك ربّ الناس ما أهمّكا
و سار فلمّا شارف ضجنان أدركه الطلب سبع فوارس من مستلئمين و ثامنهم مولى الحارث بن أُميّة يدعى جناحا، فأقبل علىّ علیه السّلام على أيمن وأبي واقد وقد تراءى القوم فقال لهما: أنيخا الإبل واعقلاها، وتقدّم حتى أنزل النسوة و دنا القوم فاستقبلهم عليّ علیه السّلام منتضيا سيفه، فأقبلوا عليه فقالوا: ظننت أنّك يا غدّار ناج بالنسوة، ارجع لا أبالك، قال: فإن لم أفعل ؟ قالوا: لترجعنّ راغماً، أو لنرجعنّ بأكبرك سعرا ، و أهون بك من هالك، و دنا
الفوارس من النسوة و المطايا ليثوروها فحال علىّ علیه السّلام بينهم و بينها، فأهوى له جناح بسيفه، فراغ علىّ علیه السّلام عن ضربته، وتختّله عليّ علیه السّلام فضربه على عاتقه، فأسرع السيف مضيّا فيه حتّى مسّ كاتبة فرسه، فكان علىّ علیه السّلام يشدّ على قدمه فشدّ على قدمه شدّ الفراس، أو الفرس على فرسه، فشدّ عليهم بسيفه و هو يقول:
خلّوا سبيل الجاهد المجاهد *** آليت لا أعبد غير الواحد
فتصدّع القوم عنه، فقالوا له اغن عنّا نفسك يا ابن أبي طالب، قال: فانّي منطلق إلى ابن عمّي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بيثرب، فمن سرّه أن اُفري لحمه واُهريق دمه فليتّبعني، أو فليدن منّي، ثمّ أقبل على صاحبيه: أيمن وأبي واقد فقال لهما: أطلقا مطاياكما، ثمّ سار ظاهراً قاهراً حتّى نزل ضجنان، فتلوّم بها قدر يومه وليلته، و لحق به نفر من المستضعفين من المؤمنين و فيهم أمّ أيمن مولاة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فصلّى ليلته تلك هو و الفواطم: أمّه فاطمة بنت أسد رضي الله عنها، و فاطمة علیها السّلام بنت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، و فاطمة بنت الزبير، يصلّون الله ليلتهم و يذكرونه قياماً و قعوداً و على جنوبهم، فلن يزالوا كذلك حتّى طلع الفجر، فصلّى علىّ علیه السّلام بهم صلاة الفجر، ثمّ سار لوجهه، فجعل و هم يصنعون ذلك منزلا بعد منزل يعبدون الله عزّوجل و يرغبون إليه كذلك حتّى قدم المدينة، و قد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم: «الّذين يذكرون الله قياماً وقعوداً و على جنوبهم ويتفكّرون في خلق السماوات و الأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلا» إلى قوله: فاستجاب لهم ربّهم أنّي لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى»(1)الذكر: علىّ علیه السّلام، والانثى فاطمة علیها السّلام، «بعضكم من بعض» يقول: عليّ من فاطمة أو قال: الفواطم و هنّ من عليّ «فالّذين هاجروا واخرجوا من ديارهم واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لا كفّرنّ عنهم سيّئاتهم ولأدخلنّهم جنّات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب» و تلا صلی الله علیه و آله و سلّم: «و من الناس من يشري
1) آل عمران /191-195.
نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد» قال: وقال له: يا علىّ أنت أوّل هذه الأمّة إيماناً بالله و رسوله، و أوّلهم هجرةً إلى الله و رسوله وآخرهم عهداً برسوله، لا يحبّك و الذي نفسي بيده إلّا مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان، ولا يبغضك إلّا منافق أو كافر(1).
6 - ص: أقام صلی الله علیه و آله و سلّم بعد البعثة بمكّة ثلاثة عشر سنة، ثمّ هاجر منها إلى المدينة بعد أن استتر في الغار ثلاثة أيّام و دخل المدينة يوم الاثنين الحادي عشر من شهر ربيع الأوّل، و يقي بها عشر سنين(2).
7 - يج: من معجزاته صلی الله علیه و آله و سلّم ما هو مشهور، و هو أنّه في توجّهه إلى المدينة أوى إلى غار بقرب مكّة يعتوره النزّال، و يأوى إليه الرعاء قلّما يخلو من جماعة نازلين يستريحون به قأقام صلی الله علیه و آله و سلّم به ثلاثاً لا يطوره بشر، وخرج القوم في أثره، فصدّهم الله عنه بأن بعث، عنكبوتاً فنسجت عليه فأيسهم من الطلب فيه، وانصرفوا و هو نصب أعينهم.
8 - :يج روي أنّ نفراً من قريش اجتمعوا و فيهم عتبة و شيبة و أبوجهل و أميّه بن أبي خلف، فقال أبوجهل: زعم محمّد أنّكم إن اتّبعتموني كنتم ملوكاً فخرج إليهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقام على رؤوسهم و قد ضرب الله على أبصارهم فقبض قبضة من تراب فذرّها على رؤوسهم، و قرأ: يس حتّى بلغ العشر منها، ثمّ قال: إنّ أبا جهل هذا يزعم أنّي أقول: إن خالفتموني فإنّ لي فيكم ريحاً، وصدق و أنا أقول ذلك، ثمّ انصرف فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم و لم يشعروا به ولا كانوا رأوه.
9 - يج: من معجزاته صلی الله علیه و آله و سلّم أنّه لمّا كانت اللّيلة الّتي خرج فيها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى الغار كانت قريش اختارت من كلّ بطن منهم رجلاً ليقتلوا محمّداً، فاختارت خمسة عشر رجلاً من خمسة عشر بطنا، كان فيهم أبو لهب من بطن بني هاشم ليتفرّق دمه في بطون قريش فلا يمكّن بني هاشم أن يأخذوا بطناً واحداً، فيرضون عند ذلك بالدية فيعطون عشر
ديات، فقال النبي صلی الله علیه و آله و سلّم لأصحابه : لا يخرج اللّيلة أحد من داره، فلمّا نام الرسول قصدوا جميعا إلى باب عبد المطّلب، فقال لهم أبو لهب: يا قوم إنّ في هذه الدار نساء بني هاشم و بناتهم، ولا نأمن أن تقع يد خاطئة إذا وقعت الصيحة عليهنّ فيبق ذلك علينا مسبة و عاراً إلى آخر الدهر في العرب، و لكن اقعدوا بنا جميعاً على الباب نحرس محمّداً في مرقده، فإذا طلع الفجر تواثبنا إلى الدار فضربناه ضربة رجل واحد و خرجنا، فإلى أن تجتمع الناس، و قد أضاء الصبح فيزول عنّا العار عند ذلك فقعدوا بالباب يحرسونه، قال عليّ علیه السّلام : فدعاني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فقال: إنّ قريشا دبّرت كيت وكيت في قتلي، فنم على فراشي حتّى أخرج أنا من مكّة، فقد أمرني الله بذلك، فقلت له: السمع والطاعة، فنمت على فراشه و فتح رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم الباب و خرج عليهم و هم جميعاً جلوس ينتظرون الفجر، و هو يقول: «و جعلنا من بين أيديهم سدّاً و من خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يبصرون» (1)و مضى و هم لا يرونه فرأى أبا بكر قد خرج في اللّيل يتجسّس من خبره، و قد كان وقف على تدبير قريش من جهتهم فأخرجه معه إلى الغار، فلمّا طلع الفجر تواثبوا إلى الدار و هم يظّنون أنّي محمّد صلّى الله عليه و آله وسلّم، فوثبت في وجوهم و صحت بهم، فقالوا: عليّ؟ قلت: نعم، قالوا: و أين محمّد؟ قلت: خرج من بلدكم، قالوا: إلى أين خرج؛ قلت: الله أعلم، فتركوني و خرجوا، فاستقبلهم أبوكرز الخزاعيّ وكان عالما بقصص الآثار، فقالوا: يا أباكرز اليوم نحبّ أن تساعدنا في قصص أثر محمّد، فقد خرج عن البلد، فوقف على باب الدار فنظر إلى أثر رجل محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم، فقال : هذه أثر قدم محمّد، و هي والله أخت القدم الّتي في المقام، و مضى به على أثره حتّى إذا صار إلى الموضع الّذى لقيه فيه أبو بكر، قال: هنا قد صار مع محمّد آخر، و هذه قدمه إمّا أن تكون قدم أبي قحافة أو قدم ابنه فمضى على ذلك إلى باب الغار، و بعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار، فقال: ماجاز محمّد هذا الموضع، ولا من معه، إمّا أن
1) يس /9
يكونه صعدا إلى السماء أو نزلا في الأرض، فإنّ باب هذا الغار كا تون عليه نسج العنكبوت و القبجة حاضنة على بيضها بباب الغار، فلم يدخلوا الغار، وتفرّقوا في الجبل يطلبونه.
و منها: أنّ أبا بكر اضطرب في الغار اضطراباً شديداً خوفاً من قريش فأراد الخروج إليهم، فقعد واحد من قريش مستقبل الغار يبول فقال أبو بكر: هذا قدر ،آنا قال كلّا لورآنا ما استقبلنا بعورته، وقال له النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم: «لا تخف إنّ الله معنا» لن يصلوا إلينا فلم يسكن اضطرابه، فلمّا رأى علي صلی الله علیه و آله و سلّم ذلك منه رفس ظهر الغار فانفتح منه باب إلى بحر و سفينة، فقال له: اسكن الآن، فإنّهم إن دخلوا من باب الغار خرجنا من هذا الباب و ركبنا السفينة، فسكن عند ذلك، فلم يزالوا إلى أن يمسوا في الطلب فيئسوا و انصرفوا، و وافى ابن الأريقط بأغنام يرعاها إلى باب الغار وقت الليل يريد مكّة بالغنم، فدعاه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وقال: أفيك مساعدة لنا؟ قال: إي والله فوالله ما جعل الله هذه القبجة على باب الغار حاضنة لبيضها، و لا نسخ العنكبوت عليه إلّا و أنت صادق، فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّداً رسول الله فقال: الحمد لله على هدايتك، فصر الآن إلى عليّ فعرّفه موضعنا، و مرّ بالغنم إلى أهلها إذ نا الناس، ومرّ إلى عبد أبي بكر، فصار ابن الأريقط إلى مكّة و فعل ما أمره رسول الله صلّى الله عليه و آله، فأتى علىّ علیه السّلام و عبد أبي بكر، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : أعدّلنا يا أبا الحسن زاداً و راحلة، و ابعثها إلينا، وأصلح ما نحتاج إليه، واحمل والدتك، و فاطمة وألحقنا بهما إلى يثرب، و قال أبوبكر لعبده مثله، فنعلا ذلك، فأردف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ابن الأريقط ، و أبو بكر عبده.
ومنها: أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا خرج و هؤلاء أصبحوا من تلك الليله الّتي خرجوا فيها على حيّ سراقة بن جعشم، فلمّا نظر سراقة إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم قال: أتّخذيداً عند قريش، و ركب فرسه و قصد محمّداً صلی الله علیه و آله و سلّم قالوا: قد لحق بنا هذا الشيطان، فقال: إنّ الله سيكفينا أمره،
فلمّا قرب قال صلی الله علیه و آله و سلّم : «اللّهمّ خذه» فارتطم فرسه في الأرض فصاح يا محمّد خلّص فرسي لا سعيت لك في مكروه أبداً، و علم أنّ ذلك بدعاء محمّد صلي الله عليه و آله، فقال: «اللّهم إن كان صادقاً فخلّصه» فوثب الفرس فقال: يا أبا القاسم ستمرّ برعائي و عبيدي فخذ سوطي، فكلّ من تمرّبه فخذ ماشئت فقد حكّمتك في مالي، فقال: لا حاجة لي في مالك، قال: فسلني حاجة قال ردّعنّا من يطلبنا من قريش، فانصرف سراقة فاستقبله جماعة من قريش في الطلب فقال لهم: انصرفوا عن هذا الطريق، فلم يمرّ فيه أحد، و أنا أكفيكم هذا الطريق، فعليكم بطريق اليمن والطائف.
و منها: أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم سار حتّى نزل بخيمة أمّ معبد فطلبوا عندها قرى فقالت: ما يحضرني شيء، فنظر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم إلى شاة في ناحية الخيمة قد تخلّفت من الغنم لضرّها، فقال: أتأذين في حلبها؟ قالت نعم ولاخير فيها، فمسح يده على ظهرها فصارت من أسمن ما يكون من الغنم، ثمّ مسح يده على ظهرها فأرخت ضرعاً عجيباً، و درّت لبناً كثيراً، فقال: يا أمّ معبدهاتي العسّ، فشربوا جميعاً حتّى رووا ، فلمّا رأت أمّ معبد ذلك قالت: يا حسن الوجه إنّ لي ولداً له سبع سنين و هو كقطعة لحم لا يتكلّم ولا يقوم فأتته به، فأخذ تمرة وقد بقيت في الوعاء و مضغها و جعلنا في فيه فنهض في الحال و مشى و تكلّم، وجعل نواها في الأرض فصارت في الحال نخلة وقد تهدّل الرطب منها، و كان كذلك صيفاً وشتاءً، و أشار من الجوانب فصار ما حولها مراعي و رحل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، و لمّا توفّي صلی الله علیه و آله و سلّم لم ترطب تلك النخلة. وكانت خضراء، فلمّا قتل علىّ صلی الله علیه و آله و سلّم لم تخضر بعد وكانت باقية، فلمّا قتل الحسين علیه السّلام سال منها الدم فيبست فلمّا انصرف أبو معبد و رأى ذلك فسأل عن سببه قالت: مرّبي رجل من قريش من حاله و قصّته كذا وكذا، قال: يا أمّ معبد إنّ هذا الرجل هو صاحب أهل المدينة الّذي هم ينتظرونه، و والله ما أشكّ الآن أنّه صادق في قوله: إنّي رسول الله، فليس هذا إلّا من فعل الله، ثمّ قصد إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فآمن هو و أهله.
10 - يج: روي أنّ ابن الكوّا قال لعليّ علیه السّلام : أين كنت حيث ذكر الله أبابكر فقال: «ثاني اثنين إذهما في الغار»؟(1)فقال علیه السّلام : ويلك يا ابن الكّواكنت على فراش رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم و قد طرح عليّ ريطته، فأقبل قريش مع كلّ رجل منهم هراوة فيها شوكها، فلم يبصروا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فأقبلوا عليّ يضربوني حتّى ينفط جسدي، و أوثقوني بالحديد، وجعلوني في بيت و استوثقوا الباب بقفل وجاؤوا بعجوز تحرس الباب، فسمعت صوتاً يقول: يا عليّ، فسكن الوجع فلن أجده و سمعت صوتاً آخر يقول: يا عليّ، فإذا الحديد الّذي عليّ قد تقطّع، ثم سمعت صوتاً: يا عليّ فإذا الباب فتح و خرجت و العجوز لا تعقل.
11 - كنز: روى أحمد بن حنبل، عن عمير بن ميمون قال: قوله عزّوجلّ «و من الناس من يشري نفسه ابتغاء» و ذلك حين نام علىّ علیه السّلام على فراش رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ألبسه ثوبه، و جعله مكانه، وكان المشركون يتوهمّون أنّه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم.
و روى الثعلبيّ في تفسيره قال: لمّا أراد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم الهجرة خلّف عليّاً علیه السّلام لقضاء ديونه، وردّ الودائع الّتي كانت عنده، و أمره ليلة خرج إلى الغار و قد أحاط المشركون بالدار، و قال له يا عليّ: اتّشح ببردي الحضرميّ، ثمّ نم على فراشي فإنّه لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء الله، ففعل ما أمره، فأوحى الله عزّوجلّ إلى جبرئيل وميكائيل: أنّي قد آخيت بينكما و جعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلّ منهما الحياة، فأوحى الله عزّ وجلّ إليها: ألا كنتها مثل عليّ بن أبي طالب؟ آخيت بينه و بين محمّد صلی الله علیه و آله و سلّم فبات على فراشه يفديه بنفسه، و يؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه، فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه، و میکائیل عند رجليه، و جبرئيل يقول: بخّ بخّ من مثلك يابن أبي طالب، يباهي الله بك ملائكته فأنزل الله عزّوجلّ على رسوله صلی الله علیه و آله و سلّم و هو
1) التوبة / 40
متوجّه إلى المدينة في شان عليّ بن أبي طالب علیه السّلام: «و من الناس من يشري نفسه» الآية.
و روى أخطب خوارزم حديثا يرفعه بإسناده إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّمه : نزل عليّ جبرئيل صبيحة يوم الغار، فقلت: حبيبي جبرئيل! أراك فرحاً، فقال: يا محمّد و كيف لا أكون كذلك وقد قرّت عيني بما أكرم الله به أخاك و وصيّك و إمام امّتك عليّ بن أبي طالب علیه السّلام، فقلت : بماذا أكرمه الله؟ قال: باهي بعبادته البارحة ملائكته، وقال ملائكتي! انظروا إلى حجّتي في أرضي بعد نبيّي و قد بذل نفسه و عفّرخدّه في التراب تواضعاً لعظمتى أشهدكم أنّه إمام خلق و مولى برّيتي(1).
12 - مصبا: في أوّل ليلة من شهر ربيع الأوّل هاجر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم من مكّة إلى المدينة سنة ثلاث عشرة من مبعثه، و فيها كان مبيت أمير المؤمنين علیه السّلام على فراشه و كانت ليلة أميرالمؤمنين الخميس، و في ليلة الرابع منه كان خروجه من الغار متوجّها إلى المدينة.
13 - فر: الحسين بن الحكم، عن يحيى بن عبد الحميد، عن أبي عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال في عليّ بن أبي طالب صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا انطلق النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم إلى الغار فأنامه النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم في مكانه و ألبسه برده، فجاء قريش يريدون أن يقتلوا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم فجعلوا يرمون عليّاً علیه السّلام و هم يرون أنّه النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم و قد ألبسه النبيّ صلی الله علیه و آله و سلّم
برده، فجعل يتضوّر، فنظروا فإذا هو علىّ علیه السّلام فقالوا: إنّك لنائم؟! ولو كان صاحبك ما تضوّر لقد استنكرنا ذلك منك(2).
14- كا: عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله علیه السّلام أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا خرج من الغار متوجّها إلى المدينة و قدكانت قريش جعلت لمن أخذه مائة من الإبل، فخرج سراقة بن مالك بن جعشم فيمن يطلب فلحق
بر سول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم: « اللّهمّ اكفني شرّ سراقة بماشئت» فساخت قواسم فرسه فثنّى رجله ثمّ اشتدّ، فقال: يا محمّد إنّي علمت أنّ الّذي أصاب قوائم فرسي إنّما هو من قبلك، فادع الله أن يطلق لي فرسي، فلعمري إن لم يصبكم خير منّي لم يصبكم منّي شرّ
فدعا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم فأطلق الله عزّوجلّ فرسه، فعاد في طلب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم حتّى فعل ذلك ثلاث مرّات، كلّ ذلك يدعو رسول الله فيأخذ الأرض قوائم فرسه، فلمّا أطلقه في الثالثة قال: يا محمّد هذه إبلي بين يديك فيها غلامي، و إن احتجت إلى ظهر أولين فخذ منه، و هذا سهم من كنانتي علامة، و أنا أرجع فأردّ عنك الطلب، فقال: لا حاجة لي فيما عندك(1).
15 - أقول: في تفسير النعمانيّ بسنده المذكور في كتاب القرآن عن الصادق علیه السّلام قال: قال أمير المؤمنين علیه السّلام: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لمّا هاجر إلى المدينة آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار جعل المواريث على الأخوّة في الدين لافي ميراث الأرحام، و ذلك قوله تعالى: «إنّ الّذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله أولئك بعضهم أولياء بعض» إلى قوله سبحانه: «و الّذين آمنوا و لم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتّى يهاجروا» فأخرج الأقارب من الميراث و أثبته لأهل الهجرة و أهل الدين خاصّة، ثمّ عطف بالقول فقال تعالى: «و الّذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض و فساد كبير»(2)فكان من مات من المسلمين يصير ميراثه وتركته لأخيه في الدين دون القرابة و الرحم الوشيجة فلمّا قوي الإسلام أنزل الله: «النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجه امّهاتهم و اولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين و المهاجرين إلّا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً كان ذلك في الكتاب مسطوراً» (3)فهذا معنى نسخ آية الميراث(4).
أبواب قصص داود علیه السّلام
باب 1 ■ عمره ووفاته وفضائله وما أعطاه الله ومنحه وعلل تسميته وكيفية حكمه وقضائه ... 5
باب 2 ■ قصة داود علیه السّلام و اوريا وما صدر عنه من ترك الاولى و ماجری بینه و بین حزقيل عليهما السّلام ...14
باب 3 ■ ما اوحى اليه علیه السّلام وصدر عنه من الحكم ... 17
باب 4 ■ قصة أصحاب السبت ... 21
ابواب قصص سليمان بن داود علیه السّلام
باب 5 ■ فضله ومكارم أخلاقه وجمل أحواله ... 25
باب 6 ■ معنى قول سليمان علیه السّلام : هب لى ملكاً لا ينبغى لاحد من بعدى. ... 31
باب 7 ■ قصة مروره علیه السّلام بوادى النمل وتكلمه معها و سائر ما وصل اليه من أصوات الحيوانات ... 33
باب 8 ■ تفسير قوله تعالى «فطفق مسحاً بالسوق والاعناق» وقوله عزّ وجلّ: «وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب» ... 39
باب 9 ■ قصته علیه السّلام مع بلقيس ... 49
باب 10 ■ ما اوحى اليه وصدر عنه من الحكم، وفيه قصة نفش الغنم ... 52
باب 11 ■ وفاته علیه السّلام وما كان بعده ... 54
باب 12 ■ قصة أصحاب الرس وحنظلة ... 57
باب 13 ■ قصة شعيا وحيقوق علیهما السّلام ... 67
باب 14 ■ قصص زكريا و يحيى علیهما السّلام ... 69
أبواب قصص عيسى و امه و أبويها
باب 15 ■ قصص مریم و ولادتها وبعض أحوالها صلوات الله عليها و أحوال أبيها عمران ... 78
باب 16 ■ ولادة عيسى علیه السلام ... 83
باب 17 ■ فضله ورفعة شأنه ومعجزاته وتبليغه ومدة عمره ونقش خاتمه و جمل أحواله ... 85
باب 18 ■ حواريه وأصحابه و أنهم لم سموا حواريين وأنه لم سمى النصارى نصارى ... 89
باب 19 ■ مواعظه وحكمه وما أوحى اليه صلوات الله على نبينا وآله وعليه ... 91
باب 20 ■ رفعه الى السماء ... 105
باب 21 ■ ما حدث بعد رفعه وزمان الفترة بعده و نزوله من السماء وقصص وصيه شمعون بن حمون الصفا ... 107
باب 22 ■ قصص أرميا و دانیال و عزیر و بخت نصر ... 109
باب 23 ■ قصص يونس وأبيه متى ... 117
باب 24 ■ قصّة أصحاب الكهف و الرقيم ... 129
باب 25 ■ قصة أصحاب الاخدود ... 137
باب 26 ■ قصة جرجيس علیه السلام ... 139
باب 27 ■ قصة خالد بن سنان العبسي علیه السّلام ... 142
باب 28 ■ ما ورد بلفظ نبيّ من الانبياء و بعض نوادر أحوالهم و أحوال اممهم و فيه ذكر نبيّ المجوس ... 143
باب 29 ■ نوادر اخبار بنی اسرائیل ... 147
باب 30 ■ بعض أحوال ملوك الارض ... 154
تاریخ نبیّنا صلی الله علیه و آله و سلّم
باب 1 ■ بدء خلقه و ماجرى له في الميثاق، و بدء نوره و ظهوره صلی الله علیه و آله و سلّم من لدن آدم علیه السّلام، و بیان
حال آبائه العظام و أجداده الكرام، لاسيما عبدالمطلب ووالديه عليهم الصلاة و السلام، و بعض احوال العرب في الجاهليّة، وقصة الفيل، وبعض النوادر ... 157
باب 2 ■ البشائر بمولده و نبوّته من الانبياء و الاوصياء صلوات الله عليه و عليهم و غيرهم من الكهنة وسائر الخلق و ذكر بعض المؤمنين في الفترة ... 182
باب 3 ■ تاريخ ولادته صلی الله علیه و آله و سلّم و ما يتعلق بها، و ما ظهر عندها من المعجزات و الكرامات و المنامات ... 194
باب 4 ■ منشاه و رضاعه و ما ظهر من اعجازه عند ذلك إلى نبوته صلی الله علیه و آله و سلّم ... 204
باب 5 ■ تزوجه صلّى الله عليه وآله بخديجة رضى الله عنها و فضائلها و بعض أحوالها ... 229
باب 6 ■ أسمائه صلّى الله عليه وآله و عللها و معنى كونه صلی الله علیه و آله و سلّم امياً و انه كان عالماً بكل لسان، و ذکر خواتیمه و نقوشها و أثوابه و سلاحه و دوابه و غيرها مما يتعلق به صلی الله علیه و آله و سلّم ... 233
باب 7 ■ آخر نادر في معنى كونه صلی الله علیه و آله و سلّم يتيماً و ضالا و عائلا، و معنی انشراح صدره و علة یتمه والعلة الّتي من أجلها لم يبق له صلی الله علیه و آله و سلّم ولد ذكر ... 256
باب 8 ■ أوصافه صلی الله علیه و آله و سلّم في خلقته و شمائله و خاتم النبوة ... 258
باب 9 ■ مكارم أخلاقه و سیره و سننه صلى الله علیه وآله و ما أدبه الله تعالى به... 280
باب 10 ■ فضائله و خصائصه صلّى الله علیه و آله و ما امتن الله به على عباده ...313
باب 11 ■ وجوب طاعته و حبه و التفویض الیه صلی الله علیه و آله و سلّم ... 326
باب 12 ■ آداب العشرة معه صلّى الله عليه وآله و تفخیمه و توقيره في حياته و بعد وفاته 9 ... 339
باب 13 ■ عصمته و تأويل بعض ما يوهم خلاف ذلك ... 344
باب 14 ■ علمه صلّى الله عليه وآله وما دفع اليه من الكتب و الوصايا و آثار الأنبياء عليهم السّلام و من دفعه إليه و عرض الأعمال عليه و عرض امته عليه، و أنه يقدر على معجزات الانبياء عليه و عليه السّلام ... 347
ابواب معجزاته صلى الله عليه و آله
باب 1 ■ جوامع معجزاته صلى الله عليه و آله و نوادرها ... 354
باب 2 ■ ما ظهر له صلى الله عليه و آله شاهداً على حقيقته من المعجزات السماوية و الغرايب العلوية من انشقاق القمر و رد الشمس و حبسها و اظلال الغمامة و ظهور الشهب و نزول الموائد و النعم من السماء و ما يشاكل ذلك زائداً على ما مضى في باب جوامع المعجزات ... 393
باب 3 ■ معجزاته صلّى الله عليه وآله فى اطاعة الارضيات من الجمادات و النباتات له و تكلمها معه ... 396
باب 4 ■ ما ظهر من اعجازه صلى الله عليه و آله في الحيوانات بأنواعها و أخبارها بحقيقته، و فيه كلام الشاة المسومة زائداً على ما مرّ في باب جوامع المعجزات ... 399
باب 5 ■ معجزاته في استجابة دعائه في احياء الموتى و التكلم معهم و شفاء المرضى و غيرها زائداً عما تقدم في باب الجوامع ... 404
باب 6 ■ معجزاته صلّى الله عليه و آله في كفاية شر الأعداء ... 410
باب 7 ■ معجزاته في أخباره صلّى الله عليه وآله بالمغيبات و فيه كثير مما يتعلق بباب اعجاز القرآن ... 421
باب 8 ■ آخر فيما أخبر بوقوعه بعده صلّى الله عليه و آله ... 427
ابواب أحواله صلّى الله عليه و آله من البعثة الى نزول المدينة
باب 1 ■ المبعث و اظهار الدعوة و ما لقى صلّى الله عليه و آله من القوم و ماجرى بينه و بينهم و جمل أحواله الى دخول الشعب، و فيه اسلام حمزة رضى الله عنه، و أحوال كثير من اصحابه و اهل زمانه ... 429
باب 2 ■ في كيفية صدور الوحى، و نزول جبرئیل علیه السّلام و علّة احتباس الوحي، و بیان أنه صلى الله عليه و آله هل كان قبل البعثة متعبداً بشريعه أم لا ... 439
باب 3 ■ اثبات المعراج و معناه و کیفیته و صفته و ما جرى فيه و وصف البراق ...441
باب 4 ■ دخوله الشعب و ماجرى بعده الى الهجرة و عرض نفسه على القبائل، وبيعة الانصار و موت أبي طالب و خديجة رضي الله عنهما ... 450
باب 5 ■ الهجرة و مبادیها و مبيت على عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه و آله، و ماجرى بعد ذلك الى دخول المدينة ... 462
ب : لقرب الاسناد
بشا : لبشارة المصطفى
تم : لفلاح السائل
ثو : لثواب الاعمال
ج : للاحتجاج
جا : لمجالس المفيد
جش : لفهرست النجاشي
جع : لجامع الاخبار
جم : لجمال الاسبوع
جنة : للجنة
حة : لفرحة الغرى
ختص : لكتاب الاختصاص
خص : لمنتخب البصائر
د : للعدد
سر : للسرائر
سن : للمحاسن
شا : للارشاد
شف : لكشف اليقين
شي : لتفسير العياشي
ص : لقصص الانبياء
صا : للاستبصار
صبا : المصباح الزائر
صح : الصحيفة الرضا (عليه السلام)
ضا : لفقه الرضا (عليه السلام)
ضوء : الضوء الشهاب
ضه : لروضة الواعظين
ط : للصراط المستقيم
طا : لامان الاخطار
طب : لطب الائمة
ع : لعلل الشرائع
عا : لدعائم الاسلام
عد : للعقائد
عدة : للعدة
عم : لاعلام الورى
عين : للعيون والمحاسن
غر : للغرر و الدرر
غط : لغيبة الشيخ
غو : لغوالي اللتالي
ف : لتحف العقول
فتح : لفتح الابواب
فر : لتفسير فرات بن إبراهيم
فس : لتفسير على بن إبراهيم
فض : لكتاب الروضة
ق : للكتاب العتيق الغروى
قب : لمناقب ابن شهر آشوب
قبس : لقبس المصباح
قضا : لقضاء الحقوق
قل : لاقبال الاعمال
قية : للدروع
ك : لاكمال الدين
کا : للکافی
کش : لرجال الكشي
كشف : لكشف الغمة
كف : لمصباح الكفعمي
کنز: لکنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معاً
ل : للخصال
لد : للبلد الامين
لى : لامالي الصدوق
م : لتفسير الامام العسكرى علیه السلام
ما : لامالي الطوسي
محص : للتمحيص
مد : للعمدة
مص : لمصباح الشريعة
مصبا : للمصباحين
مع: لمعانى الاخبار
مكا : لمكارم الاخلاق
مل : لكامل الزيارة
منها : للمنهاج
مهج : لمهج الدعوات
ن : لعيون اخبار الرضا (عليه السلام)
نبه : لتنبيه الخاطر
نجم : لكتاب النجوم
نص : للكفاية
نهج : لنهج البلاغة
ني : الغيبة النعماني
هد : للهداية
يب : للتهذيب
يج : للخرائج
يد : للتوحيد
ير : لبصائر الدرجات
يف : للطرائف
يل : للفضائل
ين : لكتابي الحسين بن سعید او لكتابه والنوادر
يه : لمن لا يحضره الفقيه