ghaemiyeh.com
مَوْسُوعةُ
سيرة اهل البَیْت علیهم السلام
الجُزْءُ السَابِعَ عَشَر
الإمام مُحَمَّد البَاقِر علیه السلام
تَأليفُ
باقِرْ شَریف القَرَشيْ
تَحْقِيقُ
مَهْدَى بَاقِرِ القَرَشيْ
موسسة الإمام الحسن
لإحیاء تراث أهل البيت علیهم اللام
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
مَوْسُوعةُ
سيرة اهل البَیْت علیهم السلام
الإمام مُحَمَّد البَاقِر علیه السلام
مَوْسُوعةُ
سيرة اهل البَیْت علیهم السلام
الجُزْءُ السَّابِعَ عَشَرْ
الإمام مُحَمَّد البَاقِر علیه السلام
تَأليفُ
باقِرْ شَریف القَرَشيْ
تَحْقِيقُ
مَهْدَى بَاقِرِ القَرَشيْ
موسسة الإمام الحسن
لإحیاء تراث أهل البيت علیهم اللام
مَوْسُوعةُ سيرة اهل البَیْت علیهم السلام
تَأليفُ: باقِرْ شَریف القَرَشيْ
تَحْقِيقُ: مَهْدَى بَاقِرِ القَرَشيْ
الناشر: ... دار المعروف - مؤسّسة الإمام الحسن علیه السلام
المطبعة: ... ستار
الطبعة الثانية: ... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ: .... 1000 نسخة
حقوق الطبع و النشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة: 1 - 42 - 8275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 17 ): 9 - 59 - 8275 - 964 - 978
عنوان الناشر: النجف الأشرف - شارع الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
محرر الرقمي: محمد رضا پیش بین
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الأهراء
إليك يا مفجّر العلم و النور في الأرض
إليك يا رسول الإنسانيّة
إليك يا خاتم النبيّين
الرَّسُولُ الأَعْظَمُ صلّی الله علیه و آله و سلّم
أرفع إلى مقامك العظيم هذا البحث المتواضع عن سيرة حفيدك
الإمامُ البَاقِر علیه السلام
الذى سمّيته باسمك، و لقّبته بباقر العلم .. فكان المجدّد لدينك، و المحيى لسنّتك، فليس أحد أوْلى بهذا الإهداء منك، فتقبّل هذه البضاعة المزجاة، و تلطّف علَيَّ برضاك، ليكون ذخراً لي يوم ألقاك.
المؤلّف
1- الإمام محمّد الباقر علیه السلام من أفذاذ العترة الطاهرة، و من أعلام أئمّة أهل البيت علیهم السلام، و من أبرز رجال الفكر و العلم في الإسلام، فقد قام - فيما أجمع عليه المؤرّخون - بدور إيجابي و فعّال في تكوين الثقافة الإسلاميّة، و تأسيس الحركة العلميّة في الإسلام، فقد تفرّغ لبسط العلم و إشاعته بين المسلمين في وقت كان الجمود الفكري قد ضرب نطاقه على جميع أنحاء العالم الإسلامي، و لم تعد هناك أيّة نهضة فكريّة أو علميّة، فقد منيت الأمّة بثورات متلاحقة، و انتفاضات شعبيّة، كان مبعثها تارة التخلّص من جور الحكم الأموي و اضطهاده، و أُخرى الطمع بالحكم، و اُهملت من جرّاء ذلك الحياة العلميّة إهمالاً تامّاً، فلم يعد لها أي ظلّ على مسرح الحياة.
و قد ابتعد الإمام الباقر علیه السلام عن تلك التيّارات السياسيّة ابتعاداً مطلقاً، فلم يشترك بأي عمل سياسي يتصادم مع الحكم القائم آنذاك، و اتّجه صوب العلم فرفع مناره، و أسّس قواعده، و أرسى اُصوله، فكان الرائد و المعلّم و القائد لهذه الاُمّة في مسيرتها الثقافيّة، و قد سار بها خطوات واسعة في ميادين البحوث العلميّة ممّا يعتبر عاملاً جوهريّاً في ازدهار الحياة الإسلاميّة و تكوين حضارتها المشرقة في الأجيال التي جاءت بعده.
و كان من أهمّ ما عنى به الإمام أبو جعفر علیه السلام نشر الفقه الإسلامي الذي يحمل روح الإسلام و جوهره و تفاعله مع الحياة، فسهر على إحيائه، فأقام مدرسته الكبرى التي زخرت بكبار الفقهاء، كأبان بن تغلب و محمّد بن مسلم و بريد و أبي بصير الأسدي
و الفضيل بن يسار و معروف بن خربوذ و زرارة بن أعين، و هؤلاء الأعلام ممّن أجمعت العصابة على تصديقهم و الإقرار لهم بالفقه، و إليهم يرجع الفضل في تدوين أحاديث أهل البيت علیهم السلام، و لولاهم لضاعت تلك الثروة الفكريّة الهائلة التي يعتزّ بها العالم الإسلامي، و هي إحدى المدارك الأساسيّة لفقهاء الشيعة في استنباطهم للأحكام الشرعيّة.
و الشيء الذي يدعو إلى الاعتزاز بسيرة الإمام هو أنّه قد تبنّى هؤلاء الفقهاء، فأشاد بهم، و عزّز مركزهم، و أرجع الأُمّة إلى فتواهم.
يقول علیه السلام لأبان بن تغلب: «اجْلِسُ في مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَ أَفْتِ النَّاسَ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يُرى في شيعَتي مِثْلَكَ» (1).
و قد قام بتسديد نفقاتهم و ما يحتاجون إليه في حياتهم المعاشيّة ليتفرّغوا إلى تحصيل العلم و ضبط قواعده و تدوينه، و عهد من بعده إلى ولده الإمام الصادق علیه السلام القيام برعايتهم و الإنفاق عليهم حتّى لا تشغلهم الحياة الاقتصاديّة عن القيام بأداء مهمّاتهم ..
و قد قاموا بدور بنّاء في تدوين الحديث الذي سمعوه منه، كما أخذوا يلقون على البعثات الدينيّة ما رووه عنه، و قد روى عنه تلميذه جابر بن يزيد الجعفي سبعين ألف حدیث (2).
كما روى عنه أبان بن تغلب مجموعة كبيرة من الأحاديث، و قد حفلت الموسوعات الفقهيّة بحشد كبير من رواياتهم عنه، فجميع أبواب الفقه من العبادات و سائر العقود و الإيقاعات مدعمة بالروايات عنه، فكان المؤسّس و الناشر لفقه أهل البيت الذي يحتلّ الصدارة في الفقه الإسلامي.
2- و لم يقتصر الإمام في محاضراته و بحوثه على الفقه الإسلامي، و إنّما خاض جميع ألوان العلوم من الفلسفة و علم الكلام و الطبّ، أمّا تفسير القرآن الكريم، فقد استوعب اهتمامه، فقد خصّص وقتاً له، و قد دوّن أكثر المفسّرين ما يذهب إليه و ما يرويه عن آبائه في تفسير الآيات الكريمة، و قد ألّف كتاباً في التفسير رواه عنه زياد بن المنذر الزعيم الروحي للفرقة الجاروديّة (1).
و يعرض هذا الكتاب إلى بيان ذلك، و تقديم نماذج من تفسيره لبعض الآيات، و ممّا تجدر الإشارة إليه أنّ الإمام علیه السلام قد تحدّث عن أحوال الأنبياء و ما لا قوه من الاضطهاد من فراعنة زمانهم ، كما عرض لبعض حكمهم و آدابهم، و عنه أخذ أكثر الباحثين في أحوال الأنبياء.
و تحدّث علیه السلام بصورة موضوعيّة و شاملة عن السيرة النبويّة، و شرح أحوال الرسول الأعظم صلّی الله علیه و آله و سلّم و مغازيه و حروبه.
و قد رواها عنه ابن هشام و الواقدي و الحلبي و غيرهم من المدوّنين للسيرة النبويّة، كما روى علیه السلام عن النبىّ صلّی الله علیه و آله و سلّم بسنده عن آبائه مجموعة كبيرة من الأحاديث تتعلّق بآداب السلوك و حسن الأخلاق، و ما ينبغي أن يتّصف به المسلم من الصفات الرفيعة التي تجعله قدوة لغيره .. و روى بصورة شاملة الأحداث التأريخيّة التي جرت في العصر الإسلامي الأوّل، و قد نقلها عنه الطبري في تاريخه، و البلاذري في أنسابه.
و ناظر علیه السلام مع بعض علماء المسيحيّين و الأزارقة، و جادل الملحدين، و قاوم الغلاة، و قد خرج من مناظراته و هو ظافر قد اعترف الخصم بقدراته العلميّة و العجز عن مجاراته. و يعرض هذا الكتاب إلى ذكر ذلك.
لقد ترك الإمام علیه السلام ثروة فكريّة هائلة تعدّ من ذخائر الفكر الإسلامي، و من مناجم الثروات العلميّة في الأرض، و ليس من المستطاع تسجيل جميع ما أُثر عنه من العلوم
1) فهرست الطوسي: 131/ 303.
و المعارف، فإنّ ذلك يستدعي وضع عدّة مجلّدات، و إنّما أشرنا إلى بعضها و تركنا الباب مفتوحاً لمن يريد أن يبحث بصورة شاملة عن ثرواته العلميّة.
و على أي حال، فإنّ التاريخ لم يعرف إماماً كمحمّد الباقر علیه السلام، قد وقف حياته كلّها لنشر العلم و إذاعته بين الناس، فكان - فيما يقول الرواة - قد أقام في يثرب سادناً أميناً كالجبل - أو كالبحر - و هو يغذّى رجال الفكر و روّاد العلم بفقهه و علمه الذي يحمل عناصر التقدّم، و عناصر الحياة لا لهذه الأُمّة فحسب، و إنّما للناس جميعاً.
3- و كما كان الإمام الباقر علیه السلام من عمالقة الفكر و العلم في الإسلام، فقد كان من أبرز أئمّة المسلمين فيما أُوتي من عظيم الأخلاق و التجرّد من كلّ نزعة ماديّة أو أنانيّة، فكان في سلوكه يمثّل روح الإسلام و فكره و انطلاقه في هداية الناس و تهذيب أخلاقهم.
و يجمع المؤرّخون أنّه كان مشغولاً في أكثر أوقاته بذكر الله، و أنّه كان ينفق لياليه ساهراً في الصلاة لله و مناجاته، شأنه شأن آبائه الذين هم مصابيح الهداية و التقوى في الأرض، و قد تحرّج الإمام في حياته كأشدّ ما يكون التحرّج، فزهد في الدنيا، و ابتعد عن جميع زخارفها، و اتّجه بقلبه و عواطفه نحو الله، فآثر طاعته على كلّ شيء، و على كلّ ما يقرّبه إليه زلفى، فلم ينقاد لأيّة نزعة من نزعات الهوى، و إنّما تحرّر منها تحرّراً كاملاً، و لم يعد لها أي سلطان عليه.
لقد كانت سيرة الإمام تحاكي سيرة جدّه الرسول الأعظم صلّی الله علیه و آله و سلّم في جميع مكوّناتها و ذاتيّاتها، و لا يكاد يقرأها أحد إلّا و يذهب به الاعجاب كلّ مذهب، و يمضي به الاكبار إلى غير حدّ.
4- و امتحن الإمام الباقر علیه السلام و هو في غضارة الصبا امتحاناً شاقّاً و عسيراً، فقد شاهد رزايا كربلاء و ما جرى على العترة الطاهرة من صنوف القتل
و التنكيل، فقد جرت أمامه عمليّة القتل الجماعي بوحشيّة قاسية لعترة النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، و لم يتأثّم الجيش الأموي في قتل الأطفال الأبرياء و النساء و الشيوخ، و التمثيل الآثم بجثمان الإمام العظيم، و غير ذلك من الكوارث التي تذوب من هولها القلوب، و قد حمل أسيراً مع أُسارى أهل البيت إلى ابن مرجانة، فبالغ في إذلالهم و احتقارهم، و أظهر الشماتة و الحقد بقتله لعترة النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم و ذرّيّته، و حملهم إلى الطاغية الفاجر يزيد بن معاوية فقابلهم بمزيد من الاحتقار و التوهين.
و قد وعى الإمام الباقر علیه السلام تلك الأحداث المؤلمة، فملأت قلبه ألماً عاصفاً، و طبعت في نفسه اللوعة و الحزن، و ظلّت ملازمة له طول حياته، فلم يهنأ بعيش، و لم تطب له الحياة، و قد انطوت نفسه على حزن عميق و أسى مرير.
و من الكوارث التي دهمته و هو في غضون الصبا واقعة الحرّة التي انتهك فيها جيش يزيد حرمة مدينة الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم، فاستباح الأعراض و الأموال و أزهق النفوس، و لم تبق حرمة الله إلّا انتهكها، و لم ينج من أهوال تلك الكارثة الأليمة إلّا الإمام زين العابدين علیه السلام لوصيّة عهد بها يزيد إلى جلّاده المسرف الأثيم مسلم بن عقبة، و تركت هذه الصور الحزينة في نفس الإمام شعوراً انبعاثياً طافحاً بالأسى و الحزن.
5- و كان عصر الإمام من أدقّ العصور في الإسلام، فقد كانت الحياة فيه بشعة شديدة الظلام، و مرهقة أشدّ ما يكون الارهاق، فقد تفجّرت البلاد الإسلاميّة
ببركان من الثورات، كانت نتيجة لسوء السياسة الأمويّة التي لم تضع نصب أعينها مصلحة الشعوب الإسلاميّة، و إنّما راحت تتصرّف بوحي من رغباتها الخاصّة من دون أن تُولي أي اهتمام بمصالح الأُمّة، فقد وضعت عليها الضرائب الثقيلة، و شدّدت في أمر الخراج، و سلبت ثروات الأُمّة و أنفقتها على شهواتها و ملاذّها، و استبدّت أشرّ ما يكون الاستبداد في جميع شؤونها.
و لا بدّ لنا أن نذكر الحكومات التي عاصرها الإمام، و نعرض الأحداث السياسيّة
التي جرت في ذلك العصر، و يجب أن نلاحظها بدقّة و إمعان، فهى ممبا تمسّ الحياة الاجتماعيّة و الفكريّة في ذلك العصر الذي نشأ فيه الإمام علیه السلام.
و من الطبيعي أنّ الباحث إذا أهمل ذلك فإنّه من غير الممكن أن يتوصّل إلى دراسة الشخصيّة التي يبحث عنها أو يهتدي إلى فهمها حسب الدراسات الحديثة.
إنّ من الأمانة للعلم و الرغبة في الحقّ إظهار تلك الأحداث و التدليل على مصادرها، و مناقشة المصادر التي لم تخضع للحقّ، و إنّما كانت خاضعة للأهواء التي هي أبعد ما تكون عن الواقع، فإنّ الدراسة بهذا اللون - فيما نحسب - تعود على القرّاء بمزيد من الفائدة.
6- و لم تحظ المكتبة العربيّة بدراسة عن هذا الإمام العظيم الذي هو من عناصر الثقافة و التكوين الحضاري لهذه الأُمّة، فإنّه ليس من الوفاء في شيء أن نهمل حياة عظمائنا في حين أنّ الاُمم الحيّة قد عنت بتخليد عظمائها و الإشادة بهم، و إبراز مآثرهم إلى العالم للتدليل على مدى أصالتها و ما تملكه من القيم الكريمة.
يقول العقّاد: «إنّ الاُوربيّين قد وجدوا من علمائهم من يشيد بعظمائهم، و يستقصي نواحي مجدهم، بل قد دعتهم العصبيّة أحياناً أن يتزايدوا في نواحي هذه العظمة، و يعملوا الخيال في تبرير العيب و تكميل النقص تحميساً للنفس، و إثارة لطلب الكمال، أمّا نحن فقد كان بيننا و بين عظمائنا سدود و حواجز حالت بين شبابنا و الاستفادة منهم».
و من هو أحقّ بالإشادة من الإمام محمّد الباقر علیه السلام الذي هو من أبرز القادة الطليعيّين لهذه الاُمّة، و أحد عباقرة هذه الدنيا، و الذي كان من بعض مآثره و خدماته تحرير النقد العربي و الإسلامي من السيطرة الخارجيّة، و جعله مستقلّاً بنفسه غير مرتبط بالامبراطوريّة الرومانيّة بما سنذكره تفصيلاً في غضون هذا الكتاب.
و قد عنى القدامى بالبحث عن سيرة الإمام أبي جعفر علیه السلام، فألّف الجلودي
عبدالعزيز بن يحيى (المتوفّى سنة 330ه-) كتاباً أسماه «أخبار أبي جعفر الباقر» (1)ذكر فيه أحواله و شؤونه، إلّا أنّا لم نعثر عليه في خزانة المخطوطات التي حفلت بها مكتباتنا العامّة. و لعلّه يوجد في خزائن المخطوطات الاُخرى في العالم أو أنّه قد ضاع في ضمن المخطوطات الكثيرة التي خسرها العالم العربي و الإسلامي.
7- و قد ساعدني التوفيق - و الحمد لله - فتشرّفت بالبحث عن سير سيرة هذا الإمام العظيم، و من الحقِّ أنّي لم أرَ صورة أروع و لا أنظر منه، فهو يمثّل جميع القيم الإنسانيّه التي يعتزّ بها كلّ إنسان.
و قد عكفت على مراجعة جملة كبيرة من المصادر المخطوطة و المطبوعة التي عرضت لترجمته، و تدوين بعض مآثره و حكمه، و أنا واثق كلّ الوثوق أنّ الباحث المتتبّع يجد أضعاف ما كتبته عن حياته ممّا قد خفي علَيَّ، و لا أزعم أنّي أحطت بترجمته أو دوّنت جميع ما اُثر عنه، و إنّما ألقيت أضواءً على شخصيّته، و تركت الباب مفتوحاً لغيري من البحّاث للكشف عن حياته. و ما توفيقي إلّا بيد الله يهبه لمن يشاء من عباده.
مَكتَبَةُ الإمام الحسن العَامَّةُ
النَّجَفُ الأَشْرَفُ
باقِرْ شَریف القَرَشي
1) الذريعة: 1: 315. الأعلام: 7: 153.
و استقبل أهل البيت علیهم السلام بمزيد من الفرح و السرور الوليد المبارك الذي ازدهرت به الحياة الفكريّة و العلميّة في الإسلام، و كان ابتهاجهم به أعظم ما يكون الابتهاج؛ لأنّه أوّل مولود التقت به عناصر السبطين و النيّرين: الحسن و الحسين علیهما السلام، و امتزجت به تلك الاُصول الكريمة التي أعزّ الله بها العرب و المسلمين، أمّا الأصلاب الكريمة و الأرحام المطهّرة التي تفرّع منها، فهي:
أمّا اُمّه فهي السيّدة الزكيّة الطاهرة فاطمة بنت الإمام الحسن سيّد شباب أهل الجنّة، و تكنّى اُمّ عبد الله (1).
و كانت من سيّدات نساء بني هاشم، و كان الإمام زين العابدين علیه السلام يسمّيها «الصِّدِّيقَة» (2).
و يقول فيها الإمام جعفر الصادق علیه السلام: «كانَتْ صِدِّيقَةً، لَمْ تُدْرِكْ فِي آلِ الْحَسَنِ مِثْلُها» (3).
و حسبها سموّاً أنّها بضعة من ريحانة رسول الله، و أنّها نشأت في بيوت أذن الله أن ترفع و يذكر فيها اسمه، و تربّى الإمام الباقر علیه السلام في حجرها الطاهر، فأفرغت عليه أشعة من روحها الزكيّة، و غذّته بمثلها الكريمة، حتّى صارت من خصائصه و ذاتيّاته.
و لم تتوفّر لنا أيّة معلومات عن المدّة التي عاشها مع أمّه، فقد أهملت المصادر التي بأيدينا ذلك، و لم تشر إليه بقليل و لا بكثير، كما لم تتوفّر لنا أيّة معلومات عن سائر شؤونها.
أمّا الأب فهو سيّد الساجدين و زين العابدين، و من ألمع سادات المسلمين فقهاً و علماً و تحرّجاً في الدين، و سنذكر عرضاً موجزاً لشؤونه في البحوث الآتية.
أشرقت الدنيا بمولد الإمام الزكيّ محمّد الباقر الذي بشّر به النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم قبل ولادته، و كان أهل البيت علیهم السلام ينتظرونه بفارغ الصبر؛ لأنّه من أئمّة المسلمين الذين نصّ عليهم النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، و جعلهم قادة لاُمّته، و قرنهم بمحكم التنزيل، و كانت ولادته في يثرب في اليوم الثالث من شهر صفر سنة (56ه-) (1).
و قيل: سنة (57 ه-) في غرّة رجب يوم الجمعة (2).
و قد ولد قبل قتل جدّه الإمام الحسين علیه السلام بثلاث سنين (3).
و قيل: بأربع سنين، كما أدلى علیه السلام الا بذلك (1).
و قيل: بسنتين و أشهر (2)، و هو قول شاذّ لا يعنى به.
و قد اُجريت له فور ولادته المراسيم الشرعيّة من الأذان و الإقامة في أُذنيه، كما أجريت له بعض المراسيم الأُخرى في اليوم السابع من ولادته من حلق رأسه و التصدّق بزنة شعره فضّة على المساكين، و العقّ عنه بكبش و التصدّق به على الفقراء.
و كانت ولادته في عهد معاوية و البلاد الإسلاميّة تعجّ بالظلم، و تموج بالكوارث و الخطوب من ظلم معاوية و جور ولاته الذين نشروا الارهاب و أشاعوا الظلم في البلاد، و قد تحدّث الإمام الباقر علیه السلام عن تلك المظالم الرهيبة، و سنذكر حديثه في غضون هذا الكتاب.
و سمّاه جدّه رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم بمحمّد، و كنّاه بالباقر قبل أن يولد بعشرات السنين، و كان ذلك من من علامات نبوّته، كما يقول بعض المحقّقين، و قد استشفّ صلّی الله علیه و آله و سلّم من وراء الغيب ما يقوم به سبطه من نشر العلم و إذاعته بين الناس، فبشّر به اُمّته، كما نقل له تحياته على يد الصحابي الجليل جابر الأنصاري، و سنلمح إلى ذلك فيما يأتي.
أمّا كنيته، فهي: « أبو جعفر» (3)و لا كنية له غيرها، لقد كنّي بولده الإمام
جعفر الصادق علیه السلام الذي بعث الروح و الحياة في هذه الاُمّة، و فجّر ينابيع الحكمة فى الأرض.
أمّا ألقابه الشريفة، فقد دلّت على ملامح شخصيّته العظيمة و نزعاته الرفيعة، و هي:
1- الأمين (1).
2- الشبيه: لأنّه كان يشبه جدّه رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم (2).
3- الشاكر (3).
4- الهادي (4).
5- الشاهد (5).
6- الباقر (6).
و هذا من أكثر ألقابه ذيوعاً و انتشاراً، و قد لقّب هو و ولده الإمام الصادق علیه السلام ب- (الباقرين)، كما لقّبا ب- (الصادقين) من باب التغليب (7).
1) دلائل الإمامة: 217.
2) الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة: 603. تذكرة الخواص: 326. مناقب آل أبي طالب: 4 : 210. نور الأبصار: 288. دلائل الإمامة: 216. أعيان الشيعة - القسم الأوّل: 4: 464.
3) كشف الغمّة: 2: 329.
4) كشف الغمّة: 2: 329.
5) ناسخ التواريخ - في أحوال الإمام الباقر علیه السلام ( فارسي ): 46.
6) تذكرة الحفّاظ: 1: 124. نزهة المجالس: 2: 36. مرآة الجنان: 1: 247. دائرة المعارف / وجدي: 3: 563.
7) جامع المقال / الشيخ الطريحي: 185.
و أجمع المؤرّخون و المترجمون للإمام على أنّه إنّما لقّب بالباقر لأنّه بقر العلم، أي شقّه، و توسّع فيه، فعرف أصله و علم خفيّه (1).
و فيه يقول الإمام الرضيّ:
يا باقِرَ العِلْمِ لأَهْلِ التُّقى *** وَ خَيرَ مَنْ لَبّى عَلى الأَجْبُلِ (2)
و كأنّهم نظروا في ذلك إلى ما أُثر عنه من سعة العلوم و المعارف، فجعلوا هذا اللقب مشعراً بها، و قيل: إنّما لقّب به لكثرة سجوده، فقد بقر جبهته، أي فتحها و وسّعها (3).
و قيل: إنّما لقّب بذلك لقوله: «اسْتَصْرَخَني الْحَقُّ وَ قَدْ حَوَاهُ الْبَاطِلُ فِي جَوْفِهِ، فَبَقَرْتُ عَنْ خاصِرَتِهِ، وَ أَطْلَعْتُ الْحَقِّ مِنْ حُجُبِهِ، حَتَّى ظَهَرَ وَ انْتَشَرَ بَعْدَما خَفِيَ» (4).
ولكنّ المشهور و الذائع بين المؤرّخين المعنى الأوّل دون غيره.
و يجمع المؤرّخون و الرواة على أنّ النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم حمّل الصحابي العظيم جابر بن عبدالله الأنصاري تحيّاته إلى سبطه الإمام الباقر، و كان جابر ينتظر ولادته بفارغ الصبر ليؤدّي إليه رسالة جدّه، فلما ولد الإمام و صار صبيّاً يافعاً التقى به جابر، فأدى إليه تحيّات النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم.
و قد روى المؤرّخون ذلك بصور متعدّدة، و هذه بعضها:
1- ما رواه أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله علیه السلام، قال: «إِنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصارِيَّ كانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم، وَ كَانَ رَجُلاً مُنْقَطِعاً إِلَيْنَا أَهْلَ البَيْتِ، وَ كانَ يَقْعُدُ في مَجْلِس رَسولِ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم وَ هُوَ مُعْتَجِرٌ (1)بِعِمامَةٍ سَوْداءَ، وَ كانَ يُنادي: يا باقِرَ الْعِلْمِ، يا باقِرَ الْعِلْمِ، فَكانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: جَابِرٌ يَهْجُرُ.
فَكانَ يَقولُ: وَ اللَّهِ ما أَهْجُرُ، وَلكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم يَقولُ: إِنَّكَ سَتُدْرِكُ رَجُلاً مِنّي اسْمُهُ إِسْمي، وَ شَمائِلُهُ شَمائِلِي، يَبْقُرُ الْعِلْمَ بَقْراً، فَذاكَ الَّذِي دَعاني إلى ما أَقولُ.
قالَ: فَبَيْنَما جابِرٌ يَتَرَدَّدُ ذاتَ يَوْمٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ إِذْ مَرَّ بِطَريقٍ، في ذاكَ الطَّريقِ كُتابٌ (2)فيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، فَلَمّا نَظَرَ إِلَيْهِ قالَ: يا غُلامُ، أَقْبِلْ، فَأَقْبَلَ، ثُمَّ َقالَ لَهُ: أَدْبِرُ، فَأَدْبَرَ.
ثُمَّ قَالَ: شَمَائِلُ رَسولِ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم وَ الَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، يَا غُلامُ، مَا اسْمُكَ؟
قالَ: اسْمي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَجَعَلَ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ، وَ يَقولُ: بِأَبي أَنْتَ
وَ أُمِّي، أبوكَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم يَقْرَأَكَ السَّلامُ.
قالَ: فَرَجَعَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى أَبِيهِ وَ هُوَ ذَعِرٌ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقالَ لَهُ: يا بُنَيَّ، قَدْ فَعَلَها جابِرُ.
قالَ: نَعَمْ.
قالَ: الْزَمْ بَيْتَكَ يا بُنَيَّ» (3).
أمّا محتويات هذه الرواية فهي:
إنّ شمائل الإمام الباقر علیه السلام و ملامحه كانت تضارع شمائل النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم.
إن النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم هو الذي سمّى سبطه محمّد، و أضفى عليه لقب الباقر، و أنّه يبقر العلم بقراً.
إنّ الإمام زين العابدين علیه السلام قد خاف على ولده ممّا أخبر به جابر، عن النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم في شأنه، و يعود السبب في ذلك إلى أنّ الحكومة الأمويّة قد فرضت الرقابة الشديدة على الإمام زين العابدين، فكانت تحصي عليه أنفاسه، و تتعرّف على من يخلفه و يقوم مقامه من بعده لتنكّل به، فخشي علیه السلام على ولده من أن يناله الأمويّون بسوء أو مكروه.
2- ما رواه ابن عساكر أنّ الإمام زين العابدين علیه السلام و معه ولده الباقر، دخل على جابر بن عبدالله الأنصاري، فقال له جابر: مَن معك يابن رسول الله؟
قال: مَعي ابْني مُحَمَّدُ، فأخذه جابر و ضمّه إليه و بكى، ثمّ قال: اقترب أجلي یا محمّد. رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم يقرأك السلام.
فسئل و ما ذاك؟
فقال: سمعت رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم يقول للحسين بن علي: يُولَدُ لابْنِي هذا ابْنٌ يُقالُ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَ هُوَ سَيِّدُ الْعابِدِينَ إِذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُنادي مُنادٍ: لِيَقُمْ سَيِّدُ الْعابِدِينَ، فَيَقومُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَ يُولَدُ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ابْنٌ يُقالُ لَهُ مُحَمَّدُ، إذا رَأَيْتَهُ - يا جابِرُ - فَاقْرَأْهُ مِنّي السَّلامُ.
يا جابِرُ اعْلَمْ أَنَّ الْمَهْدِيَّ مِنْ وُلْدِهِ، وَ اعْلَمْ - يا جابِرُ - أَنَّ بَقاءَكَ بَعْدَهُ قَليلٌ» (1).
3- ما رواه تاج الدين بن محمّد نقيب حلب بسنده عن الإمام الباقر علیه السلام، قال:
1) تاريخ مدينة دمشق: 54: 276.
«دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ لي: مَنْ أَنْتَ؟ وَ ذلِكَ بَعْدَ مَا كُفَّ بَصَرُهُ.
فَقُلْتُ لَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ.
فَقالَ: بِأَبي أَنتَ وَ أُمِّي، ادْنُ مِنّي، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَبَّلَ يَدِي، ثُمَّ أَهْوَىٰ إِلَى رِجْلي فَاجْتَذَبْتُها مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم يَقْرَأُكَ السَّلامَ.
فَقُلْتُ: وَ عَلَى رَسولِ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم السَّلامُ وَ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكاتُهُ، وَ كَيْفَ ذلِكَ يا جابِرُ؟
قالَ: كُنْتُ مَعَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقالَ لي: يا جابِرُ، لَعَلَّكَ تَبْقَىٰ حَتَّىٰ تَلْقِىٰ رَجُلاً مِنْ وُلْدِي يُقالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ يَهَبُ لَهُ اللهُ النَّورَ وَ الْحِكْمَةَ، فَاقْرَأْهُ مِنّي السَّلامَ» (1).
4- ما ذكره صلاح الدين الصفدي، قال: «كان جابر يمشي بالمدينة و يقول: يا باقر، متى ألقاك؟ فمرّ يوماً في بعض سكك المدينة، فناولته جارية صبيّاً في حجرها، فقال لها: مَن هذا؟
فقالت: محمّد بن عليّ بن الحسين، فضمّه إلى صدره، و قبّل رأسه و يديه، و قال: يا بنيّ، جدّك رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم يقرأ السلام، ثم قال: يا باقر، نعيت إليَّ نفسي، فمات في تلك الليلة» (2).
5- ما ذكره بعض الإسماعيليّة: «أنّ النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم قال لجابر: إِنَّكَ سَتَلْحَقْ وَلَدَ وَلَدِي هذا و أشار إلى الحسين، فَإِذا أَدْرَكْتَهُ فَاقْرَأْهُ عَنّي السَّلامَ، وَ قُلْ لَهُ: يَا بَاقِرَ الْعِلْمِ، ابْقُرْهُ، ففعل ذلك» (3).
6- ما رواه الحافظ نور الدين الهيثمي، عن أبي جعفر علیه السلام، قال: «أَ تاني جابِرُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ وَ أَنا في الكُتّابِ، فَقالَ: اكْشِفْ عَنْ بَطْنِكَ، فَكَشَفْتُ عَنْ بَطْني، فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلامُ» (1).
هذه بعض الروايات و هي قد اتّفقت على أنّ النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم حمل جابر بن عبدالله الأنصاري تحيّاته إلى الإمام الباقر علیه السلام، و قد استشفّ صلّی الله علیه و آله و سلّم من وراء الغيب ما يقوم به من نشر العلم و إذاعته بين الناس، و أنّه من جملة أوصيائه الذين يفجّرون الحكمة و النور في الأرض.
أمّا ملامحه الشريفة، فهي حسب ما يقول جابر بن عبدالله الأنصاري كانت کملامح رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم و شمائله (2).
و كما شابه جدّه النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم في هذه الظاهرة، فقد شابهه في معالي أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيّين.
و وصفه بعض المعاصرين له، فقال: «إنّه كان معتدل القامة، أسمر اللون (3)، رقيق البشرة، له خال، ضامر الكشح، حسن الصوت، مطرق الرأس» (4).
و كان علیه السلام في طفولته آية من آيات النبوغ و الذكاء، و يقول الرواة: إنّ جابر بن عبد الله الأنصاري على شيخوخته كان يأتيه فيجلس بين يديه فيعلّمه .. و قد بهر جابر
من سعة علوم الإمام و معارفه، و طفق يقول: «يا باقر، لقد اُوتيت الحكم صبيّاً» (1).
و قد عرف الصحابة ما يتمتّع به الإمام منذ نعومة أظفاره من سعة الفضل و العلم الغزير، فكانوا يرجعون إليه في المسائل التي لا يهتدون إليها، و يقول المؤرّخون أنّ رجلاً سأل عبد الله بن عمر عن مسألة، فلم يقف على جوابها، فقال للرجل: اذهب إلى ذلك الغلام - و أشار إلى الإمام الباقر علیه السلام - فاسأله، و أعلمني بما يجيبك.
فبادر نحوه و سأله، فأجابه علیه السلام عن مسألته، و خفّ إلى ابن عمر فأخبره بجواب الإمام، وراح ابن عمر يبدي إعجابه بالإمام قائلاً: إنّهم أهل بيت مفهمون (2).
لقد خصّ الله أئمّة أهل البيت علیهم السلام بالعلم و الفضل، و وهبهم الكمال المطلق الذي يهبه لأنبيائه و رسله، فكان كلّ فرد منهم لا تخفى عليه أيّة مسألة تعرض عليه.
و يقول المؤرّخون: إنّ الإمام كان عمره تسع سنين، و قد سئل عن أدقّ المسائل، فأجاب عنها.
و بدت على ملامح الإمام علیه السلام هيبة الأنبياء و وقارهم، فما جلس معه أحد إلّا هابه و أكبره، و قد تشرّف قتادة - و هو فقيه أهل البصرة - بمقابلته، فاضطرب قلبه من هيبته، و أخذ يقول له: «لقد جلست بين يدي الفقهاء و أمام ابن عبّاس، فما اضطرب قلبي من أي أحد منهم مثل ما اضطرب قلبي منك» (3).
لقد كان الإمام بقيّة الله في أرضه، و تجلّت في شخصيّته سمات أوليائه و أحبّائه
الذين أضفى عليهم الهيبة و الوقار، و ممّن غمرتهم هيبة الإمام الشاعر المغربي حيث يقول في وصفه له:
يابْنَ الَّذي بِلِسانِهِ وَ بَيانِهِ *** هُدِيَ الأَنامُ وَ نُزِّلَ التَّنْزِيلُ
عَنْ فَضْلِهِ نَطَقَ الكِتابُ وَ يَشَّرَتْ *** بِقُدومِهِ التَّوراةُ و الإنْجيلُ
لَوْلا انْقِطاعُ الوَحْيِ بَعدَ مُحَمَّدٍ *** قُلْنا مُحَمَّدُ مِنْ أبيهِ بَديلُ
هُوَ مِثلُهُ في الفَضْلِ إِلّا أَنَّهُ *** لَمْ يَأْتِهِ بِرِسالَةٍ جِبريلُ (1)
و روى المؤرّخون أن الإمام علیه السلام لم يُرَ ضاحكاً، و إذا ضحك يقول: «اللّهُمَّ لَا تَمْقُتْنى» (2). لقد ابتعد عن كلّ ما ينافي الوقار و سموّ الشخصيّة، و كان البارز من صفاته ذكر الله، ففي جميع أوقاته كان لسانه مشغولاً بذكر الله، و سنذكر ذلك عند البحث عن مظاهر شخصيّته.
أمّا نقش خاتمه، فهو: « العزّة لله جميعاً» (3).
و كان يتختّم بخاتم جدّه الإمام الحسين علیه السلام، و كان نقشه: «إنّ الله بالغ أمره» (4)، و ذلك ممّا يدلّ على انقطاعه التامّ إلى الله و شدّة تعلّقه به.
و أقام الإمام علیه السلام طيلة حياته في يثرب دار الهجرة، فلم يبرحها إلى بلد آخر،
و قد كان فيها المعلّم الأوّل، و الرائد الأكبر للحركات العلميّة و الثقافيّة، و قد اتّخذ
الجامع النبويّ مدرسة له، فكان فيه يلقي بحوثه على تلاميذه.
نشأ الإمام أبو جعفر علیه السلام في بيت الرسالة و مهبط الوحي، و مصدر الاشعاع في دنيا الإسلام، و كان جدّه الإمام الحسين علیه السلام و أبوه الإمام زين العابدين علیه السلام يغذّيانه بالمثل الكريمة، و يفيضان عليه ما استقرّ في نفسيهما من الخير و الهدى، و يعلّمانه السلوك النيّر، و الاتّجاه السليم ليكون قدوة لهذه الاُمّة، و فيما يلي عرض لنشأته في ظلال جدّه و أبيه.
و عنى الإمام الحسين علیه السلام بتربية حفيده، فأفرغ عليه أشعة من روحه المقدّسة التي أضاءت آفاق هذا الكون، و كان - فيما يرويه المؤرّخون - يجلسه في حجره و يوسعه تقبيلاً، و يقول له: «إنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم لا يَقْرَأُكَ السَّلامَ» (1).
و هو إشعار من الجدّ لحفيده بأنّ النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم ينتظر منه القيام بدوره القيادي لاُمّته و أن يفجّر في ربوعها ينابيع الحكمة، و يذيع فيها العلم، و يهديها إلى سواء السبيل، و شاهد الإمام الباقر علیه السلام و هو في غضون الصبا جدّه الإمام الحسين علیه السلام أيّام المحنة الكبرى التي طافت به حينما ابتلي بطاغية زمانه، و فرعون هذه الأُمّة يزيد بن معاوية الذي كان يشكّل أعظم خطر في الإسلام، و قد دعاه لبيعته ، و الخنوع لحكمه،
1) تاريخ مدينة دمشق: 51: 38. سير أعلام النبلاء: 4: 241.
فصرخ علیه السلام في وجهه، و انطلق في مسيرته الخالدة، ليرفع كلمة الله عالية في الأرض، و يؤدّي رسالته الإسلاميّة بأمانة و إخلاص، فضحّى بنفسه و أهل بيته و أصحابه بتلك التضحية المشرقة التي أقام بها مجد الإسلام، و قضى بها على خصومه و أعدائه، و قد زخرت بالقيم الكريمة و المثل العليا، و تفاعلت مع عواطف الناس و مشاعرهم، و هي تفيض بالعطاء السمح، و تقدّم أروع الدروس عن التضحية في سبيل الحقّ و الواجب، و ستبقى نديّة عاطرة في جميع الأحقاب و الآباد و هي تمثّل شرف الإنسان و سموّ قصده.
و قد جرت فصول تلك المأساة الخالدة أمام الإمام الباقر علیه السلام و هو في غضون الصبا. يقول علیه السلام: «قُتِلَ جَدِّي الْحُسَيْنُ وَلي أَرْبَعُ سِنِينَ، وَ إِنِّي لَأَذْكُرُ مَقْتَلَهُ، وَ مَا نَالَنَا فِي ذلِكَ الْوَقْتِ» (1).
و قد روى علیه السلام الكثير من فصولها، و روى الطبري بسنده عنه بعض صورها، كما ألّف جماعة من أعلام أصحابه كتباً أسموها «مقتل الحسين» دوّنوا فيها ما سمعوه منه، و من غيره علیه السلام أهوال كارثة كربلاء، ذكر الكثير منها ابن النديم في فهرسته.
و على أي حال، فإنّ تلك المأساة الخالدة قد تركت - من دون شكّ - في نفسه أعظم اللوعة و الحزن، و ظلّت مآسيها و أشجانها ملازمة له طوال حياته.
عاش الإمام أبو جعفر علیه السلام في كنف أبيه الإمام زين العابدين علیه السلام ما يزيد على (34) عاماً، و قد لازمه و صاحبه طيلة هذه المدّة فلم يفارقه، و قد تأثّر بهديه المشرق الذي يمثّل هدي الأنبياء و المرسلين، فما رأى الناس مثل الإمام زين العابدين علیه السلام
1) تاريخ اليعقوبي: 2: 61.
في تقواه و ورعه و زهده، و شدّة انقطاعه و إقباله على الله.
و نلمح إلى بعض أحواله و شؤونه لأنّ سيرته قد انطبعت في قرارة نفس الإمام الباقر علیه السلام، و ارتسمت في أعماق ذاته، و فيما يلي ذلك:
و أجمع رجال الفكر و العلم في عصر الإمام زين العابدين على تعظيمه و إكباره و تقديمه بالفضل على غيره، و هذه بعض كلماتهم:
و غمرت هيبة الإمام و عظمته سعيد بن المسيّب، فراح يقول: «ما رأيت قطّ أفضل من عليّ بن الحسين، و ما رأيته قطّ إلّا مقت نفسي، ما رأيته يوماً ضاحكاً» (1).
وهام الزهري بحبّ الإمام. يقول: «ما رأيت قرشيّاً أفضل منه» (2).
و قال: «ما رأيت أفقه من عليّ بن الحسين» (3).
يقول زيد بن أسلم: «ما رأيت مثل علىّ بن الحسين» (4).
و قال عمر بن عبد العزيز لمّا أتاه نعي الإمام: «ذهب سراج الدنيا، و جمال الإسلام، و زين العابدين» (1).
يقول أبو حازم: «ما رأيت هاشميّاً أفضل من عليّ بن الحسين» (2).
يقول مالك: «لم يكن في أهل بيت رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم مثل علىّ بن الحسين» (3).
و ممّن هامّ بحبّ الإمام الصحابي العظيم جابر بن عبد الله الأنصاري. يقول: «ما رؤي من أولاد الأنبياء مثل عليّ بن الحسين» (4).
يقول الواقدي: «كان عليّ بن الحسين من أورع الناس و أعبدهم و أتقاهم لله عزّ و جلّ» (5).
أمّا معالي أخلاقه، فإنّها نفحة من روح الله يهتدي بها الحائر، و يسترشد بها
الضالّ، و قد حاكى بهذه الظاهرة جدّه الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم الذي امتاز على سائر النبيّين بسموّ أخلاقه.
و كان علیه السلام - فيما أجمع عليه المؤرّخون - يقابل كلّ من أساء إليه بالعفو و الصفح الجميل، و يغدق عليه ببرّه و معروفه، ليقلع من نفسه جذور البغي و الاعتداء على الغير، و هذه بعض البوادر التي اُثرت عنه:
1- يقول المؤرّخون: إنّ إسماعيل بن هشام المخزومي كان والياً على يثرب، و كان من أعظم المبغضين و الحاقدين على آل البيت علیه السلام، و كان يبالغ في إيذاء الإمام زين العابدين، و يشتم آباءه على المنابر تقرّباً إلى حكّام دمشق، و لمّا ولى الوليد بن عبد الملك الخلافة بادر إلى عزله و الوقيعة به لهنات كانت بينه و بينه قبل أن يلي الملك و السلطان، و قد أوعز بإيقافه للناس لاستيفاء حقوقهم منه.
و فزع إسماعيل بن هشام أشدّ ما يكون الفزع من الإمام علیه السلام لكثرة إساءته للإمام، و قال: ما أخاف إلّا من عليّ بن الحسين، فإنّه رجل صالح يسمع قوله فيَّ.
ولكنّ الإمام عهد إلى أصحابه و مواليه أن لا يتعرّضوا له بمكروه، و خفّ إليه فقابله ببسمات فيّاضة بالبشر، و عرض عليه القيام بما يحتاج إليه في محنته قائلا له: يا بْنَ الْعَمِّ، عافاكَ اللهُ، لَقَدْ سَاءَني ما صُنِعَ بِكَ، فَادْعُنَا إِلَى مَا أَحْبَبْتَ.
و ذهل إسماعيل، و قال بإعجاب: الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء (1).
2- و من معالي أخلاقه هذه البادرة التي ترفعه إلى مستوى لم يبلغه أي مصلح
1) وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل: 208. و مقولة إسماعيل بن هشام اقتباس من الآية: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» الأنعام 6: 124.
كان، عدا آبائه، كما تدلّل على إمامته:
لقد روى المؤرّخون أنّه كان في كلّ يوم من شهر رمضان يذبح شاة و يطبخها و يوزّعها على الفقراء و المحرومين.
و في يوم حمل غلامه إناءً فيه شيء من المرق، و كان يغلي من شدّة الحرارة، فعثر الغلام بأحد أطفال الإمام، فتوفّى الطفل في الوقت، فارتفعت الصيحة من العلويّات، و كان الإمام يصلّي، فلمّا انفتل من صلاته اُخبر بوفاة ولده، فأسرع علیه السلام إلى الغلام فرآه يرعد من شدّة الخوف، فقابله بلطف و حنان، و قال له: لَقَدْ ظَنَنْتَ بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الظُّنونَ، ظَنَنْتَ أَنَّهُ يُعاقِبُكَ وَ يَقْتَصُّ مِنْكَ، اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَ هذِهِ أَرْبَعَةُ آلافِ دينارٍ هَدِيَّةٌ لَكَ، وَ اجْعَلْني في حِلَّ مِنَ الْخَوْفِ الذي داخَلَكَ مِنْ أَجْلِي (1).
أي نفس ملائكيّة هذه النفس، إنّها لتفوق نفوس عباد الله الصالحين الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان، لقد ورث هذه الأخلاق العظيمة من جدّه الرسول العظيم صلّی الله علیه و آله و سلّم الذي أسّس مكارم الأخلاق في الأرض.
3- و من معالي أخلاقه أنّه كان خارجاً من المسجد، فالتقى به رجل من شانئيه، فقابل الإمام بالسبّ و الشتم، فثار في وجهه بعض موالي الإمام و أصحابه، فنهرهم علیه السلام و أقبل على الرجل بلطف قائلاً: ما سُتِرَ عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِنَا أَكْثَرُ. أَ لَكَ حَاجَةٌ تُعينُكَ عَلَيْها؟
و استحيى الرجل و ودّ أنّ الأرض قد وارته، و بان عليه الانكسار و الندم، و بادر نحوه الإمام علیه السلام فألقى عليه خميصة، و أمر له بألف درهم، و طفق الرجل يقول: أشهد أنّك من بني الرسل (2).
هذه بعض البوادر من معالي أخلاقه التي تفيض بالرحمة و الحلم و نكران الذات. و الحقّ أنّ أخلاق أهل البيت علیه السلام مدرسة تقوم على الشرف و النبل و على كلّ ما يسمو به الإنسان.
و انصرف الإمام زين العابدين علیه السلام بعد كارثة كربلاء إلى نشر العلم و إذاعته بين الناس، و لم يقتصر على علم الحديث و الفقه، و إنّما عنى بالأخلاق و الآداب و الفلسفة و الحكمة.
و قد أمدّ الفكر الإسلامي بطاقات هائلة من العلم و الحكمة و آداب السلوك حفلت بها صحيفته و رسالته في الحقوق، و غيرهما من موسوعات الحديث و كتب الأخلاق، و قد قام بدور إيجابي و بنّاء في إبراز مثل الإسلام و قيمه و تعاليمه.
و كان علیه السلام يحثّ المسلمين على طلب العلم، و يدعوهم إلى المبادرة في تحصیله، لأنّه الأداة الخلّاقة لتطوّرهم و ازدهار حياتهم.
يقول علیه السلام: «لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ لَطَلَبُوهُ وَ لَوْ بِسَفْكِ الْمُهَجِ، وَ خَوْضِ اللُّجَجِ» (1).
و أوصى علیه السلام بعض أصحابه ببسط العلم و نشره، و أن لا يتجبّر على من يعلّمه.
يقول علیه السلام: «فَإِنْ أَنْتَ أَحْسَنْتَ في تَعْليم النَّاسِ، وَ لَمْ تَتَجَبَّرْ عَلَيْهِمْ، زادَكَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَ إِنْ أَنتَ مَنَعْتَ عِلْمَكَ، وَ أَخْرَقْتَ بِهِمْ عِنْدَ طَلَبِهِمُ الْعِلْمَ مِنْكَ كَانَ حَقًّاً عَلَى اللهِ
1) الكافي: 1: 35، الحديث 5. بحار الأنوار: 1: 185، الحدیث 109.
عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَسْلُبَكَ الْعِلْمَ وَ بَهاءَهُ، وَ يُسْقِطَ مِنَ الْقُلوبِ مَحَلَّكَ» (1).
و كان علیه السلام يعتني بطلّاب العلوم و يرفع مكانتهم، فإذا رأى أحداً منهم رحّب به و قال له: «مَرْحَباً بوَصِيَّةِ رَسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم» (2).
و يقول الإمام الباقر علیه السلام: «كانَ أَبي زَيْنُ الْعابِدِينَ إِذا نَظَرَ إِلَى الشَّبابِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ أَدْنَاهُمْ إِلَيْهِ، وَ قالَ: مَرْحَباً بِكُمْ، أَنْتُمْ وَ دائِعُ الْعِلْمِ، وَ يُوشِكُ إِذْ أَنْتُمْ صِغَارُ قَوْمٍ أَنْ تَكونوا كِبارَ آخَرينَ» (3).
و احتفّ القرّاء بالإمام زين العابدين، و كانوا لا يفارقونه، فقد كانوا يكتسبون منه العلوم و المعارف و الآداب، و تحدّث سعيد بن المسيّب، عن مدى ملازمتهم للإمام. يقول: «إنّ القرّاء كانوا لا يخرجون إلى مكّة حتّى يخرج عليّ بن الحسين، فخرج و خرجنا معه ألف راكب» (4).
و كان الإمام زين العابدين علیه السلام يعطف على الموالى أشدّ ما يكون العطف، فكان يشتريهم، و يشتري نساءهم، و يعتقهم جميعاً لينعموا بالحريّة و الكرامة، و إذا
أعتقهم منحهم الأموال الطائلة، و الثراء العريض، ليستغنوا عمّا في أيدي الناس.
و قد تبنّى طائفة من الموالي، فجعل يغذّيهم بأنواع العلوم و المعارف، و قد تخرّج على يده مجموعة منهم كانوا من كبار العلماء في ذلك العصر، و كان ذلك هو السبب في تزعّم الموالي للحركة العلميّة في تلك العصور، كما أنّ ذلك هو السبب في انتشار الولاء لأهل البيت علیهم السلام عندهم، و انضمامهم لكلّ حركة سياسيّة تدعو إلى التخلّص من الحكم الأموي، و إرجاع الخلافة لأهل البيت علیهم السلام، الذين كانوا الملجأ لكل بائس و محروم.
و كان الإمام زين العابدين علیه السلام من رهبان هذه الأُمّة في عبادته و تقواه، و قد لقّب بذي الثفنات لكثرة سجوده، كما لقّب بالمتهجّد، و زين العابدين، و سيّد العابدين (1)، و السجّاد و هي تشير إلى كثرة عبادته، و عظيم إقباله على الله.
و قد روى المؤرّخون أنّه إذا توضّأ اصفرّ لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟
فيقول لهم: أَ تَدْرونَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أُريدُ أَنْ أَقومَ؟ (2).
و قد دخل عليه ولده الباقر علیه السلام فرآه قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فقد اصفرّ لونه من السهر، و رمصت عيناه من البكاء، و دبرت جبهته من كثرة السجود، و ورمت ساقاه من القيام في الصلاة، فلم يملك ولده نفسه من البكاء، و كان الإمام زين العابدين في شغل عنه، فلمّا بصر بولده أمره أن يناوله بعض الصحف التي فيها عبادة جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، فناوله تلك الصحف، فجعل يتأمّل فيها، ثمّ تركها
ضجراً، وراح يقول: مَنْ يَقْوى عَلى عِبادَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (1)؟!
و كان علیه السلام إذا قام للصلاة بين يدي الله توجّه بقلبه و مشاعره نحو الخالق العظيم، فلا يشغله أي شأن من هذه الحياة، و يقول الإمام الباقر علیه السلام: «كانَ أَبي إذا وَقَفَ لِلصّلاةِ لَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِها، وَ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئاً لِشُغْلِهِ بها» (2).
و قد سقط بعض ولده فانكسرت يده، فصاح أهله و جيء بالمجبّر فجبّر يده و الصبي يصرخ من شدّة الألم، و الإمام لم يسمع، فلمّا أصبح و رأى الصبي قد شدّت يده فسأل عن ذلك، فأخبره أهله بذلك (3).
و قد أجهدته العبادة أي إجهاد، فقد حمّل نفسه من أمرها رهقاً، و قد خاف عليه أهله، فراحوا يتوسّلون إليه ليخفّف من عبادته، و هو يأبى ذلك.
يقول الإمام الباقر علیه السلام: «لَمّا رَأَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ الإمام أميرِ الْمُؤْمِنينَ علیه السلام ما يَفْعَلُ ابْنُ أَخيها عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بِنَفْسِهِ مِنَ الدَأْبِ فِي الْعِبادَةِ أَقْبَلَتْ إِلى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصارِيِّ، فَقَالَتْ لَهُ: يا صاحِبَ رَسولِ اللهِ، إِنَّا لَنا عَلَيْكُمْ حُقوقاً، وَ مِنْ حَقِّنَا عَلَيْكُمْ أَنْ إِذا رَأَيْتُمْ أحدنا يُهْلِكُ نَفْسَهُ اجْتِهَاداً أَنْ تُذَكَّروهُ اللَّهَ وَ تَدْعُوهُ إِلَى الْبُقْيَا عَلَى نَفْسِهِ، و هذا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بَقِيَّةُ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ قَدِ انْخَرَمَ أَنْفُهُ، وَ نُقِبَتْ جَبْهَتُهُ وَ رُكْبَتاهُ وَ راحَتَاهُ مِمّا دَأْبَ عَلى نَفْسِهِ فِي الْعِبادَةِ.
و انطلق جابر إلى الإمام زين العابدين علیه السلام فوجده في محرابه قد أَضنته العبادة، و أَجهدته الطاعة، و نهض الإمام فاستقبل جابر، و أَجلسه إلى جنبه، و سأله سؤالاً حفيّاً عن حاله، و أَقبل جابر عليه قائلاً: يابن رسول الله، أَما علمت أَنّ الله تعالى
إنّما خلق الجنّة لكم و لمن أَحبّكم، و خلق النار لمن أَبغضكم و عاداكم، فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك؟
فأجابه الإمام بلطف و حنان قائلاً: يا صاحِبَ رَسولِ اللهِ، أَما عَلِمْتَ أَنَّ جَدِّي رَسولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَ مَا تَأَخَّرَ، فَلَمْ يَدَعِ الْإِجْتِهَادَ لَهُ، وَ تَعَبَّدَ - بِأَبِي وَ أُمِّي - حَتَّى انْتَفَخَ ساقُهُ، وَ وَرِمَ قَدَمُهُ، وَ قَدْ قِيلَ لَهُ: أَ تَفْعَلُ هذا وَ قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ؟
فَقالَ: أَ فَلا أكونُ عَبْداً شكوراً.
و لمّا نظر جابر إلى الإمام لا يغني معه قول يميل به من الجهد و التعب، طفق يقول له: يابن رسول الله، البقيا عَلى نفسك، فإنّك من اُسرة بهم يستدفع البلاء، و بهم تستكشف الأهواء، و بهم تستمطر السماء.
فأجابه الإمام بصوت خافت: لا أزالُ عَلى مِنْهاج أَبَوَيَّ مُؤْتَسِياً بِهِما حَتَّى أَلْقَاهُما.
و بهر جابر، و أقبل عَلى مَن حوله قائلاً: ما رؤي من أَولاد الأنبياء مثل عليّ بن الحسين، إلّا يوسف بن يعقوب، و الله لذرّيّة الحسين أفضل من ذرّيّة يوسف بن يعقوب! إنّ منهم لمن يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً» (1).
لقد كان الإمام زين العابدين إمام المتّقين و المنيبين، فقد اجتهد في عبادته، و أخلص في طاعته، و لم يؤثر عن القدّيسين مثل ما اُثر عنه من الإقبال على الله تعالى.
و كان الإمام زين العابدين علیه السلام من أبرّ الناس بالضعفاء، و أرفقهم بالمساكين،
1) الإمام زين العابدين / أحمد فهمي: 72 و 73. مناقب آل أبي طالب: 4: 148.
و أرحمهم للبائسين، و كان يؤثر أصحاب الفاقة على نفسه و أهله، و قد أجمع المؤرّخون أنّه كان يحمل جراب الخبز على ظهره فيتصدّق به، و يقول: «إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» (1).
و كان يعول مائة بيت في المدينة (2).
و كان إذا ناول الفقير الصدقة قبّله، ثمّ ناوله (3)، و إنّما كان يفعل ذلك لئلّا يبدو على الفقير أثر الذلّ و الانكسار.
و يقول المؤرّخون: « إنّ الإمام أبا جعفر علیه السلام لمّا غسّل أباه نظر بعض مَن كان حاضراً تغسيله إلى مواضع المساجد من ركبتيه، و ظاهر قدميه كأنّهما مبارك البعير من كثرة سجوده، إلّا أنّهم نظروا إلى عاتقه فوجدوا مثل ذلك الأثر عليه، فسألوه عن ذلك، فقال علیه السلام: «أما إِنَّهُ لَوْ كانَ حَيّاً ما حَدَّثْتُكُمْ عَنْهُ، كَانَ لَا يَمُرُّ بِهِ يَوْمٌ مِنَ الْأَيَّامِ إِلَّا أَشْبَعَ فِيهِ مِسْكِيناً فَصاعِداً ما أَمْكَنَهُ، فَإذا كانَ اللَّيْلُ نَظَرَ إِلى مَا فَضَلَ عَنْ قُوتِ عِيالِهِ يَوْمَهُمْ ذلِكَ، فَجَعَلَهُ في جِرابٍ، فَإِذا هَدَأَ النَّاسُ وَضَعَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَ تَخَلَّلَ الْمَدِينَةَ وَ قَصَدَ قَوْماً لَا يَسْأَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً، فَوَصَلَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمونَ مَنْ هُوَ، وَ لَا يَعْلَمُ بِذلِكَ مِنْ أَهْلِهِ غَيْرِي، فَإِنِّي كُنْتُ اطَّلَعْتُ عَلى ذلِكَ مِنْهُ يَرْجُو بِذلِكَ فَضْلَ إِعْطَاءِ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ، وَ دَفَعَها سِرّاً، وَ كانَ يَقولُ: صَدَقَةُ السِّرّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» (4).
ويروي الإمام الباقر علیه السلام بعض مبرّات أبيه، فيقول: «كَانَ أَبِي رُبَّما يَشْتَرِي مِطْرَفَ الْخَزِّ بِخَمْسِينَ ديناراً، فَيَشْتو فِيهِ، وَ يَدْخُلُ بِهِ الْمَسْجِدَ فَإِذَا كَانَ الصَّيفُ أَمَرَ فَيَتَصَدَّقُ به، أو بيعَ فَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ» (5).
لقد كان الإمام زين العابدين (1)نسخة لا ثاني لها في تاريخ الإنسانيّة، فإنّ مقايسه الخُلقيّة، و فضائله النفسيّة لترفعه إلى مستوى لم يبلغه أي إنسان عدا آبائه.
و حجّ الإمام زين العابدين علیه السلام بيت الله الحرام، و كان قد حجّ هشام بن عبد الملك، و قد جهد هشام على استلام الحجر، فلم يستطع لزحام الناس على الحجر، و نصب له منبر فجلس عليه، و جعل ينظر إلى طواف الناس، و أقبل الإمام زين العابدين علیه السلام ليؤدّي طوافه.
فلما بصر به الحجّاج غمرتهم هيبته التي تحكي هيبة جدّه رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم و تعالت الأصوات بالتهليل و التكبير، و انفرج الناس له سماطين، و كان السعيد من يراه، و السعيد من يقبّل يده، و يلمس كتفه، فإنّه بقيّة الله في أرضه، و ذهل أهل الشام و بهروا، و تطلّعت إليه أعناقهم و أبصارهم، فإنّ هشام المرشّح للخلافة بعد أبيه مع ما اُحيط به من هالة التكريم من أهل الشام و احتفاف الشرطة به، فإنّه لم ينل أي لون من ألوان الحفاوة من الحجّاج، و بادر أحد أصحابه فقال له: من هذا الذي هابه الناس هذه المهابة؟
و تميّز هشام من الغيظ، و انتفخت أوداجه، فصاح بالرجل: لا أعرفه.
و إنّما أنكر معرفته للإمام مخافة أن يرغب فيه الناس، و كان الفرزدق حاضراً، فلم يملك صوابه، فقال لأهل الشام: أنا أعرفه.
فقالوا: مَن هو يا أبا فراس؟
و صاح هشام بالفرزدق قائلاً: أنا لا أعرفه.
قال الفرزدق: بلى تعرفه.
و نهض فأنشد هذه الرائعة التي كانت أشدّ وقعاً على هشام من ضرب السيوف
1) علیه السلام
و طعن الرماح قائلاً:
هذا سَليلُ حُسَينِ وَ ابْنُ فَاطِمَةٍ *** بنتُ الرَّسولِ الذي انجابَتْ بهِ الظُّلَمُ
هذا الَّذي تَعْرِفُ البَطْحاءُ وَطأتَهُ *** وَ البَيْتُ يَعْرِفُهُ وَ الحِلُّ وَ الحَرَمُ
هذا ابْنُ خَيْرِ عِبادِ اللهِ كُلِّهِمُ *** هذا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ
إِذا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قالَ قَائِلُها *** إلى مَكارِمِ هذا يَنْتَهي الْكَرَمُ
يَرْقى إلى ذِرْوَةِ الْعِزِّ الَّتي قَصُرَتْ *** عَنْ نَيْلِها عُرُبُ الْإِسلامِ وَ العَجَمُ
يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرفانُ راحَتِهِ *** رُكْنَ الحَطيمِ إذا ما جاءَ يَسْتَلِمُ
يُغْضي حَياءٌ وَ يُغْضَى مِنْ مَهابَتِهِ *** فَلَا يُكَلَّمُ إِلَّا حينَ يَبْتَسِمُ
بِكَفِّهِ خَيزرانٌ ريحُها عَبِقٌ *** مِنْ كَفَّ أَرْوَعَ في عِرنينِهِ شَمَمُ
مَنْ جَدُّهُ دانَ فَضْلُ الْأَنْبِياءِ لَهُ *** وَ فَضلُ أُمَّتِه دانَتْ لَهُ الأُمَمُ
يَنشَقُّ نورُ الْهُدى عَنْ نورِ غُرَّتِهِ *** كَالشَّمْسِ تَنْجَابُ عَنْ إِشْرَاقِها الظُّلَمُ
مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسولِ اللهِ نَبْعَتُهُ *** طابَتْ عَناصِرُهُ و الخيمُ وَ الشَّيَمُ
هذا ابْنُ فَاطِمَةٍ إِنْ كُنْتَ جاهِلَهُ *** بِجَدِّهِ أَنْبياءُ اللهِ قَدْ خُتِموا
اللهُ شَرَّفَهُ قِدْماً وَ فَضَّلَهُ *** جَرىٰ بِذاكَ لَهُ فِي لَوْحِهِ القَلَمُ
فَلَيسَ قَولُكَ مَنْ هذا بضائِرِهِ *** العُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أَنْكَرْتَ وَ الْعَجَمُ
كِلْتَا يَدَيْهِ غِياثٌ عَمَّ نَفْعُهُما *** يَسْتَوكِفان وَ لَا يَعْرُوهُما عَدَمُ
حَمّالُ أَثْقَالِ أَقْوامِ إِذا فُدِحوا *** حُلوُ الشَّمائِلِ تَحْلو عِندَهُ النِّعَمُ
لا يُخْلِفُ الْوَعْدَ مَيْمونٌ نَقيبَتُهُ *** رَحبُ الفِناءِ أُرْيبٌ حينَ يَعْتَزِمُ
مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دينٌ وَ يُغْضُهُمْ كُفَرٌ *** وَ قُرْبُهُمْ مَنْجى وَ مُعتَصَمُ
إِنْ عُدَّ أَهْلُ التُّقى كانوا أَئِمَّتَهُمْ *** أَوْ قِيلَ مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ قيلَ هُمُ
لا يَسْتَطيعُ جَوادٌ بُعدَ غايَتِهِمْ *** وَ لَا يُدانيهِمْ قَوْمٌ وَ إِنْ كَرُموا
هُمُ الغُيوثُ إِذا ما أَزْمَةٌ أَزِمَتْ *** وَ الأَسدُ أُسدُ الشَّرى وَ الْبَأْسُ مُحْتَدِمُ
لا يَنْقُصُ العُسْرُ بَسْطاً مِنْ أَكُفِّهِمُ *** سَيَّانَ ذلِكَ إِنْ أَثْروا وَ إِن عَدِموا
يُسْتَدْفَعُ السُّوءُ وَ الْبَلْوى بِحُبِّهِمُ *** وَ يُسْتَرَدُّ بِهِ الإِحْسانُ وَ النَّعَمُ
مُقَدَّمٌ بَعْدَ ذِكْر اللَّهِ ذِكْرُهُمُ *** في كُلِّ أَمْرٍ وَ مَخْتومٌ بِهِ الْكَلِمُ
يَأْبى لَهُمْ أَنْ يَحِلُّ الذُّلُّ ساحَتَهُمْ *** خِیمٌ كَريمٌ وَ أَيْدٍ بِالنَّدى هَضِمُ
أَيُّ الخَلائِقِ لَيْسَتْ في رِقابِهِمُ *** لأَوَّلِيَّةِ هذا أَوْ لَهُ نِعَمُ
مَنْ يَشْكُرِ الله يَشْكُرْ أَوَّلِيَّةَ ذا *** فَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هذا نالَهُ الأُمَمُ (1)
زهر الآداب: 1: 103. سرح العيون / ابن نباتة: 390. الفصول المهمّة / ابن الصبّاغ: 189. الاتحاف بحبّ الأشراف: 51. أخبار الدول / القرماني: 110. تاريخ دمشق: 41: 402. روضة الواعظين: 1: 239. دائرة المعارف / البستاني: 9: 356. أنوار الربيع: 4: 35، مع اختلاف في ترتيب الأبيات.
و ثار هشام و ودّ أنّ الأرض قد ساخت به و لا يسمع هذه القصيدة العصماء التي دلّلت على واقع الإمام العظيم، و عرّفته لأهل الشام الذين جهلوه و جهلوا آباءه، و أمر بالوقت باعتقال الفرزدق بعسفان بين مكّة و المدينة، و بلغ ذلك الإمام زين العابدين علیه السلام، فبعث إليه باثني عشر ألف درهم، فردّها الفرزدق، و اعتذر من قبولها، و قال: إنّما قلت فيكم غضباً الله و رسوله، فردّها الإمام عليه، فقبلها، و جعل الفرزدق يهجو هشاماً و كان ممّا هجاه به:
أ يَحبِسُنِي بَينَ المَدِينَةِ وَ الَّتي *** إليها قُلوبُ النَّاسِ يَهوى مُنيبُها
1) نهاية الإرب: 21: 327 - 331. و قد ذكرت هذه القصيدة كلّاً و بعضاً في كثير من مصادر الأدب و التاريخ و التراجم، نشير إلى بعضها:
يُقَلِّبُ رَأْساً لَمْ يَكُنْ رَأْسَ سَيْدٍ *** وَ عَينٌ لَهُ حَولاء بادٍ عُيوبُها (1)
و لم ينكب أحد في هذه الدنيا بمثل ما نكب به الإمام زين العابدين علیه السلام، فقد عانى أهوال كارثة كربلاء، و شاهد فصول تلك المأساة الخالدة في دنيا الأحزان، و كان مريضاً قد ألمّت به العلل و الأمراض، و قد أدمت قلبه تلك المشاهد الحزينة، فكانت تبعثه على الاستمرار في البكاء و اللوعة، و كان حزنه يزداد تحرّقاً و تأجّجاً كلّما تقدّمت الأيّام حتّى براه الحزن.
و بلغ من عظيم حزنه أنّه ما قدّم له طعام و لا شراب إلّا مزجه بدموع عينيه حزناً على أبيه (2).
و ألحّ عليه بعض مواليه أن يخلد إلى الصبر و يخفّف لوعة المصاب، فقال له: إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين.
فأجابه الإمام برفق و لطف قائلاً: «يا هذا، إِنَّما أَشْكُو بَثّي وَ حُزْنِي إِلَى اللهِ، وَ أَعْلَمُ ما لَا تَعْلَمُونَ. إِنَّ يَعقُوبَ كَانَ نَبِيَّاً فَغَيَّبَ اللهُ عَنْهُ وَاحِداً مِن أَولَادِهِ - وَ عِنْدَهُ اثنَا عَشَرَ وَلَداً - وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَيٌّ فَبَكَى عَلَيْهِ حَتَّى ابيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ، وَ إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى أَبِي وَ إِخْوَتِي وَ عُمُومَتِي وَ صَحْبِي مَقْتُولِينَ حَولِي، فَكَيْفَ يَنقَضِي حُزْنِي؟!
وَ إِنِّي لَأَذكُرُ مَصْرَعَ بَنِي فَاطِمَةَ إِلَّا خَنَفَتِنِي العَبْرَةُ، وَ إِذَا نَظَرْتُ إِلَى عَمَّاتِي وَ أَخَوَاتِي ذَكَرتُ فِرَارُهُنَّ مِنَ خَيمَةٍ إِلَى خَيمَةٍ، وَ مُنادِي الْقَوْمِ يُنادي: أَحْرِقوا بُيوتَ الظَّالِمِينَ» (3).
لقد كانت تلك المشاهد المفجعة التي تمّ تمثّلت على صعيد كربلاء تبعثه على الحزن و الأسى، حتّى عدّ من البكّائين الخمسة الذين مثّلوا الحزن و البكاء على مسرح الحياة في جميع الأحقاب و الآباد.
و كان الإمام الباقر علیه السلام ينظر إلى هذا الحزن المرهق الذي حلّ بأبيه فيجزع أشدّ ما يكون الجزع، و ربّما شاركه في بكائه و لوعته.
و زوّد الإمام العظيم ولده الباقر علیه السلام و سائر أبنائه بوصايا تربويّة حفلت بالآداب العالية، و القيم الكريمة التي تضمن لمن عمل بها السلامة و الراحة، و تهيّئ له جوّاً من الطمأنينة، و البعد عن مشاكل هذه الحياة، و هذه بعضها:
1- قال علیه السلام لولده الباقر علیه السلام: «يا بُنَيَّ، لَا تَصْحَبَنَّ خَمْسَةٌ، وَ لَا تُحادِثْهُمُ: لَا تَصْحَبَنَّ الْفَاسِقَ فَإِنَّهُ يَبيعُكَ بأَكْلَةٍ فَما دونَها. قُلْتُ: يا أَبَتِ، وَ ما دونَها؟
قالَ: يَطْمَعُ فيها ثُمَّ لَا يَنالُها.
وَ لَا تَصْحَبِ الْبَخيِلَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ بِكَ أَحْوَجُ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ.
وَ لَا تَصْحَبِ الْكَذَّابَ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السَّرابِ؛ يُبَعدُ عَنْكَ الْقَريبَ، وَ يُقَرِّبُ مِنْكَ الْبَعيدَ.
وَ لَا تَصْحَب الأَحْمَقَ فَإِنَّهُ يُريدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ، وَ قَدْ قِيلَ: عَدُوٌّ عاقِلٌ خَيْرٌ مِنْ صَديقٍ أَحْمَقٍ.
وَ لَا تَصْحَبْ قاطِعَ رَحِمٍ فَإِنَّهُ مَلْعُونٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعِ:
في سُورَةِ مُحَمَّدٍ صلّی الله علیه و آله و سلّم، قال تعالى: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ» (1).
1) محمّد الله 47: 22 و 23.
وَ في سُورَةِ الرَّعَدِ، حَيثُ يَقُولُ تَعَالَى: «وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ» (1).
وَ في سُورَةِ الْأَحْزَابِ، حيثُ يَقولُ اللهُ تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا» (2)» (3).
و قد حذّر الإمام علیه السلام في هذه الوصيّة من مزاملة هؤلاء الأشخاص المصابين في أخلاقهم خوفاً من انتقال أمراضهم النفسيّة إلى مَن يصحبهم، فإنّ للصحبة أثراً فعّالاً في تكوين السلوك الشخصي للفرد.
2- و أوصى علیه السلام ولده الإمام الباقر علیه السلام بهذه الوصيّة القيّمة، قال له: «افْعَل الْخَيْرَ إِلى كُلِّ مَنْ طَلَبَهُ مِنْكَ، فَإِنْ كانَ أَهْلاً فَقَدْ أَصَبْتَ مَوْضِعَهُ، وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَهْلٍ كُنْتَ أَنْتَ أَهْلَهُ، وَ إِنْ شَتَمَكَ رَجُلٌ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَىٰ يَسَارِكَ وَ اعْتَذَرَ إِلَيْكَ فَاقْبَلْ عُذْرَهُ» (4).
و حفلت هذه الوصيّة بمكارم الأخلاق التي طُبعت عليها نفوس أهل البيت علیهم السلام، فإنّ الحثّ على فعل الخير، و الصفح عن المسيء، كلّ ذلك من ذاتيّاتهم، و من أبرز ما عُرفوا به.
3- قال الإمام الباقر علیه السلام: «كانَ أَبي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَقولُ لِوَلَدِهِ: اتَّقوا الْكَذِبَ، الصَّغيرَ مِنْهُ وَ الْكَبِيرَ، فِي كُلِّ جِدٍّ وَ هَزَلٍ، لأنَّ الرَّجُلَ إِذا كَذَبَ فِي الصَّغِيرِ اجْتَرَأَ
عَلى الْكَبيرِ» (1).
لقد ربّى الإمام علیه السلام ولده بمحاسن الأعمال، و غرس في نفوسهم النزعات الشريفة، و نهاهم عن كلّ ما يوجب انحطاط الإنسان في سلوكه.
4- و أوصى علیه السلام ولده الإمام الباقر علیه السلام بهذه الوصيّة الرفيعة. قال علیه السلام: «يا بُنَيَّ، الْعَقْلُ َرائِدُ الرّوحِ، وَ الْعِلْمُ َرائِدُ الْعَقْلِ، وَ الْعَقْلُ تُرْجُمَانُ الْعِلْمِ، وَ اعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ أَبْقى، وَ اللِّسَانُ أَكْثَرُ هَذَراً، وَ إِنَّ إِصْلاحَ الدُّنْيا بِحَذافيرها فِي كَلِمَتَيْنِ بِهِمَا إِصْلَاحُ شَأْنِ الْمَعَائِشِ مِلْءُ مِكْتالِ ثُلْثَاهُ فِطْنَةٌ وَ ثُلُثَهُ تَعَافِلٌ (2)، لأَنَّ الْإِنْسانَ لَا يَتَغَافَلُ عَنْ شَيْءٍ قَدْ عَرَفَهُ فَفَطَنَ لَهُ، وَ اعْلَمْ أَنَّ السَّاعَاتِ تُذْهِبُ عُمْرَكَ، وَ أَنْتَ لَا تَنالُ نِعْمَةً إِلَّا بِفِراقِ أُخْرَى، وَ إِيَّاكَ وَ الْأَمَلَ الطُّويلَ، فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ لَا يَبْلُغُهُ، وَ جامِعِ مَالٍ لَا يَأْكُلُهُ، وَ مَانِعِ مَالٍ سَوْفَ يَتْرُكُهُ، وَ لَعَلَّهُ مِنْ باطِلٍ جَمَعَهُ، وَ هُمْ حَقٍّ مَنَعَهُ أَصابَهُ حَراماً وَ وَرِثَهُ عَدْواً وَ احْتَمَلَ إِصْرَهُ، وَ باءَ بِوِزْرِهِ، وَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ» (3).
هذه بعض وصاياه، و قد حفلت بالآداب الرفيعة، و الحكم القيمة، و التوجيه السليم، و لم يضعها لأبنائه فقط، و إنّما وضعها للناس جميعاً على اختلاف قوميّاتهم و أديانهم.
أمّا أدعية الإمام على وجه العموم، فإنّها تمثّل جانباً أصيلاً و مشرقاً من جوانب التربية الإسلاميّة، و هي من أفضل الوسائل لتهذيب النفوس، و تقويم الأخلاق.
لقد رأى الإمام العظيم الأُمّة في عصره قد غمرتها سحب قاتمة من التدهور الديني و الخُلقي و الاجتماعي، فوضع أدعيته التي عرفت بالسجّاديّة ليعالج بها الأمراض النفسيّة، و يعيد للأُمّة ما فقدته من أرصدتها الروحيّة و الفكريّة، و هي من أثمن الثروات الإسلاميّة بعد القرآن الكريم و نهج البلاغة.
إنّ أدعية الإمام علیه السلام تتفجّر بالعلم و الحكمة، و تفيض بروح الإيمان و الإسلام، و تمدّ الأُمّة بما تحتاجه من التعليم لضمان توازنها الاجتماعي و الفردي، و كان من بين أدعيته الشريفة هذا الدعاء الذي خصّ به ولده.
يقول علیه السلام: «اللَّهُمَّ وَ مُنَّ عَلَيَّ بِبَقاءِ وُلدي، وَ بِاصْلاحِهِمْ لِي وَ بِامْتَاعِي بِهِمْ، إلهي امْدُدْ لِي فِي أَعْمَارِهِمْ، وَ زِدْ لي في آجالِهِمْ، وَ رَبِّ لي صَغيرَهُمْ، وَ قَوِّ لي ضَعِيفَهُمْ، وَ أَصِحَّ لي أَبْدانَهُمْ وَ أَدْيَانَهُمْ، وَ أَخْلاقَهُمْ، وَ عَافِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَ فِي جَوارِحِهِمْ، وَ في كُلِّ ما عُنِيتُ بِهِ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَ أَدْرِرْ لي وَ عَلى يَدَيَّ أَرْزاقَهُمْ، وَ اجْعَلْهُمْ أَبْرَاراً أَنْقِياءَ بُصَراءَ سَامِعِينَ مُطيعينَ لَكَ، وَ لأَوْلِيَائِكَ مُحِبِّينَ مُناصِحِينَ، وَ لِجَمِيعِ أَعْدائِكَ مُعَانِدِينَ وَ مُبْغِضِينَ آمینَ.
اللّهُمَّ اشْدُدْ بِهِمْ عَضُدِي، وَ أَقِمْ بِهِمْ أَوَدي (1)، وَ كَثِّرْ بِهِمْ عَدَدِي، وَ زَيَّنْ بِهِمْ مَحْضَرِي، وَ أَحْيِ بِهِمْ ذِكْرِي، وَ اكْفِني بِهِمْ فِي غَيْبَتِي، وَ أَعِنِّي بِهِمْ عَلَى حَاجَتي، وَ اجْعَلْهُمْ لي مُحِبّينَ، وَ عَلَيَّ حَدِبِينَ (2)مُقْبِلِينَ مُسْتَقِيمينَ
لي، مُطيعينَ غَيْرَ عَاصِينَ وَ لَا عَاقِّينَ وَ لَا مُخالِفِينَ وَ لَا خَاطِئِينَ، وَ أَعِنِّي عَلى تَرْبِيَتِهِمْ وَ تَأْديبِهِمْ وَ بِرِّهِمْ، وَ هَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ مَعَهُمْ أَوْلاداً ذُكُوراً، وَ اجْعَلْ ذَلِكَ خَيْراً لي، وَ اجَعَلْهُمْ لي عَوْناً عَلَى مَا سَأَلْتُكَ.
وَ أَعِذْنِي وَ ذُرِّيَّتِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ، فَإِنَّكَ خَلَقْتَنَا وَ أَمَرْتَنَا وَ نَهَيْتَنَا، وَ رَغَبْتَنا في ثَوابِ ما أَمَرْتَنا، وَ رَهَّبْتَنا عِقابَهُ، وَ جَعَلْتَ لَنَا عَدُوّاً يَكيدُنا سَلَّطْتَهُ مِنَّا عَلَى مَا لَمْ تُسَلِّطْنَا عَلَيْهِ مِنْهُ، أَسْكَنْتَهُ صُدُورَنا، وَ أَجْرَيْتَهُ مَجارِيَ دِمائِنا، لا يَغْفُلُ إِنْ غَفَلْنَا، وَ لَا يَنْسى إِنْ نَسِينَا، يُؤْمِنُنَا عِقابَكَ، وَ يُخَوِّفُنَا بِغَيْرِكَ، إِنْ هَمَمْنَا بِفَاحِشَةٍ شَجَّعَنا عَلَيْهَا، وَ إِنْ هَمَمْنَا بِعَمَلٍ صَالِحٍ ثَبَّطَنَا عَنْهُ، يَتَعَرَّضُ لَنا بِالشَّهَوَاتِ، وَ يَنْصِبُ لَنَا بِالشُّبُهَاتِ، إِنْ وَعَدَنا كَذَبَنَا، وَ إِنْ مَنّانَا أَخْلَفَنَا، وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنَّا كَيْدَهُ يُضِلَّنَا، وَ إِلَّا تَقِنا خَبالَهُ يَسْتَزِلَّنا.
اللهُمَّ فَاقْهَرْ سُلْطَانَهُ عَنّا بِسُلْطانِكَ، حَتَّىٰ تَحْبِسَهُ عَنَّا بِكَثْرَةِ الدُّعاءِ لَكَ، فَتُصْبِحَ مِنْ كَيْدِهِ فِى الْمَعْصُومِينَ بِكَ.
اللَّهُمَّ أَعْطِني كُلَّ سُؤْلِي، وَ اقْضِ لي حَوائِجِي، وَ لَا تَمْنَعْنِي الْإِجابَةَ وَ قَدْ ضَمِنْتَها لي، وَ لَا تَحْجُبْ دُعائي عَنْكَ وَ قَدْ أَمَرَتَني بِهِ، وَ امْنُنْ عَلَيَّ بِكُلِّ ما يُصْلِحُني في دُنْيايَ وَ آخِرَتِي، مَا ذَكَرْتُ مِنْهُ وَ مَا نَسِيتُ، أَو أَظْهَرْتُ أَوْ أَخْفَيْتُ، أَوْ أَعْلَنْتُ أَوْ أَسْرَرْتُ.
وَ اجْعَلْني فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ بِسُؤالي إِيَّاكَ، الْمُنْجِحِينَ
بِالطَّلَبِ إِلَيْكَ، غَيْرِ الْمَمْنُوعِينَ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، الْمُعَوَّذينَ بِالتَّعَوُّذِ بِكَ، الرّابحينَ في التِّجارَةِ عَلَيْكَ، أَلْمُجارِينَ بِعِزّكَ، الْمُوَسَّع عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ الْحَلالُ مِنْ فَضْلِكَ الْواسِع بِجُودِكَ وَ كَرَمِكَ، الْمُعَزِّينَ مِنَ الذُّلِّ بِكَ، و الْمُجارِينَ مِنَ الظُّلْم بِعَدْلِكَ، وَ الْمُعافَيْنَ مِنَ الْبَلاءِ بِرَحْمَتِكَ، وَ الْمُغْنَيْنَ مِن الْفَقْرِ بِغناكَ، وَ الْمَعْصُومِينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَ الزَّلَلِ وَ الْخَطَأَ بِتَقْواكَ، و المُوَفَّقِينَ لِلْخَيْرِ و الرُّشْدِ وَ الصَّوابِ بِطاعَتِكَ، وَ الْمُحالِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الذُّنُوبِ بِقُدْرَتِكَ، التَّارِكِينَ لِكُلِّ مَعْصِيَتِكَ، السَّاكِنِينَ فِي جِوارِكَ.
اللَّهُمَّ أَعْطِنَا جَميعَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِكَ وَ رَحْمَتِكَ، وَ أَعِذْنَا مِنْ عَذابٍ السَّعِيرِ، وَ أَعْطِ جَميعَ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِمَاتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ مِثْلَ الَّذِي سَأَلْتُكَ لِنَفْسي وَ لِوَلدي في عاجِلِ الدُّنْيا وَ آجِلِ الْآخِرَةِ، إِنَّكَ قَريبٌ مُجِيبٌ، سَمِيعٌ عَلِيمٌ، عَفُوٌّ غَفُورٌ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ» (1).
لقد وضع الإمام العظيم مناهج التربية، و أخلاق الإسلام بهذا الدعاء الشريف الذي هو من نفحات النبوّة، و من عبقات الإمامة، و من الصفحات المشرقة من تراث أهل البيت علیهم السلام، فقد عنى فيه الإمام بتربية أبنائه تربية تقوم على تهذيب الأخلاق، و تطهير النفوس من الزيغ و الآثام.
و لقد دعا لهم بالصحّة في الأديان، و المعافاة من اقتراف ما حرّمه الله، و دعا لهم بالاستقامة و التوازن في سلوكهم ليكونوا قرّة عين له، و عوناً له على شؤون هذه
1) الصحيفة السجّادية: الدعاء 25.
الحياة. و من الطبيعي أنّ الأب إنّما يسعد بولده فيما إذا استقامت أخلاقه و كان صالحاً في هديه و سلوكه، و أمّا إذا شذّ عن ذلك فإنّه يحوّل حياة أبويه إلى جحيم لا تُطاق .
و أجهد الإمام العظيم نفسه في العبادة، و أخلص في طاعته الله أعظم ما يكون الإخلاص، فلم ير الناس مثله في تقواه و ورعه، و شدّة تحرّجه في الدين .. لقد كانت حياته مدرسة للتقوى و الإيمان، و منطلقاً للتهذيب و الاصلاح، و قد أكبره الناس أي إكبار لأنّه بقيّة النبوّة، و بقيّة الله في أرضه، فكان السعيد من يراه، و السعيد من يحظى بمجالسته، و الحديث معه.
وشقّ ذلك على الأمويّين الذين كانوا من أحقد الناس على الأُسرة النبويّة، فقد هالهم، و اقضّ مضجعهم إجماع الناس على إكباره، و تحدّثهم عن سعة علومه و معارفه، و ذيوع مثله التي تعنو لها الجباه، و كان من أعظم الحاقدين عليه الوليد بن عبدالملك، فقد روى الزهري أنّ الوليد قال له: لا راحة لي و عليّ بن الحسين موجود في دار الدنيا (1).
و أجمع رأي هذا الخبيث الدنس على اغتيال الإمام حينما آل إليه الملك و السلطان، و نعرض فيما يلي إلى ذلك مع ذكر الأحداث التي رافقت سمّ الإمام.
و قام الوليد بن عبدالملك بأخطر جريمة في الإسلام، فقد بعث سمّاً قاتلاً إلى عامله على يثرب، و أمره أن يدسّه إلى الإمام (2)، و نفّذ عامله ذلك، و حينما
سقى السمّ أخذ يعاني أقسى الآلام و أشدّها، و بقي حفنة من الأيّام على فراش المرض يبثّ شكواه إلى الله، و تزاحم الناس على عيادته، و هو علیه السلام يحمد الله و يشكره على ما رزقه من الشهادة على يد شرار بريّته.
و عهد علیه السلام بالإمامة إلى ولده الباقر علیه السلام، و نصّ عليه.
يقول الزهري: «دخلت إليه عائداً، فقلت له: إن وقع من أمر الله ما لا بدّ منه، فإلى مَن نختلف بعدك؟
فنظر الإمام إليه برفق و قال له: إلى ابْني هذا - و أشار إلى ولده الباقر علیه السلام - فَإِنَّهُ وَصِيِّي، وَ وارِثي، وَ عَيْبَةُ عِلْمِي، وَ هُوَ مَعْدِنُ الْعِلْمِ وَ بَاقِرُهُ.
هلّا أوصيت إلى أكبر ولدك؟
يا أَبا عَبْدِ اللهِ، لَيْسَتِ الْإِمَامَةُ بِالْكِبَرِ وَ الصَّغَرِ، هَكَذَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم، وَ هكذا وَجَدْنَاهُ فِي اللَّوْحَ وَ الصَّحِيفَةِ.
یابن رسول الله، عهد إليكم نبيّكم أن تكونوا الأوصياء بعده؟
وَجَدْنَا فِي الصَّحِيفَةِ وَ اللَّوْحِ اثْنَي عَشَرَ اسْماً مَكْتُوبَةً في اللَّوْحِ إمامَتَهُمْ وَ أَسْماءِ آبائِهِمْ وَ اُمّاتِهِمْ.
ثمّ قال: وَ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ مُحَمَّدٍ ابْنِي سَبْعَةٌ مِنَ الْأَوْصياءِ مِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ» (1).
و دخل عليه جماعة من أعلام شيعته فدلّهم على إمامة ولده الباقر علیه السلام، و نصبه مرجعاً و علماً لاُمّة جدّه، ثمّ دفع إليه سفطاً و صندوقاً فيه مواريث الأنبياء، و كان فيه
1) إثبات الهداة: 5: 264.
سلاح رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم و كتبه (1).
عهد الإمام زين العابدين علیه السلام إلى وصيّه و سيّد ولده الإمام الباقر علیه السلام بما أهمّه، و كان من جملة ما أوصى به:
1- إنَّه قال له: «إِنّى حَجَجْتُ عَلى ناقَتي هذِهِ عِشْرِينَ حَجَّةً لَمْ أَقْرَعُها بِسَوْطٍ، فَإِذا نَفَقَتْ فَادْفِنْهَا، لَا تَأْكُلْ لَحْمَهَا السِّباعُ، فَإِنَّ رَسولَ اللَّهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم قَالَ: مَا مِنْ بَعِيرٍ يوقَفُ عَلَيْهِ مَوْقِفَ عَرَفَةَ سَبْعَ حِجَجٍ إِلَّا جَعَلَهُ اللَّهُ مِنْ نَعَمِ الْجَنَّةِ، وَ بارَكَ في نَسْلِهِ» (2)، و نفّذ الإمام الباقر ذلك.
2- إنّه أوصاه بهذه الوصيّة القيّمة التي تكشف عن الجوانب المشرقة من نزعات أهل البيت علیهم السلام، فقد قال له: «يا بُنَيَّ، أَوْصيك بما أَوْصَانِي بِهِ أَبي حينَ حَضَرَتْهُ الْوَفاةُ، فَقَدْ قال لي: يا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَ ظُلْمَ مَنْ لَا يَجِدُ عَلَيْكَ ناصِراً إِلَّا اللَّهَ» (3).
3- إنّه عهد إليه أن يتولّى غسله و تكفينه (4)، و سائر شؤونه حتّى يواريه في مقره الأخير.
و ثقل حال الإمام، و اشتدّ به النزع، و قد أخبر أهل بيته أنّه في غلس الليل سوف ينتقل إلى جنّة المأوى، و قد أغمي عليه ثلاث مرّات، فلمّا أفاق قرأ سورة الواقعة،
و سورة إنّا فتحنا، ثم قال علیه السلام: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذى صَدَقَنا وَعْدَهُ، وَ أَوْرَثَنا الْجَنَّةَ نَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ نَشاءُ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ» (1).
ثمّ ارتفعت تلك الروح العظيمة إلى بارئها كما ترتفع أرواح الأنبياء و المرسلين، تحفّها ملائكة الرحمن، و تحفّها ألطاف الله و تحيّاته و رضوانه.
لقد سمت روحه إلى جنّة المأوى بعد أن أضاءت آفاق هذا الكون، و أشرقت بها عوالم الدنيا، و ذلك بما تركته من سيرة نديّة يهتدي بها الحائر، و يرشد بها الضالّ.
و قام الإمام أبو جعفر علیه السلام بتجهيز جثمان أبيه، فغسّل جسده الطاهر، و قد رأى الناس مواضع سجوده كأنّها مبارك الإبل من كثرة سجوده لخالقه، و نظروا إلى عاتقه كأنّه مبارك الإبل أيضاً، فسألوا الباقر علیه السلام عن ذلك، فأخبرهم أنّه من أثر الجراب الذي كان يحمله على عاتقه و يضع فيه الطعام و يوزّعه على الفقراء و المحرومين.
و بعد الفراغ من غسله أدرجه في أكفانه، و صلّى عليه الصلاة المكتوبة.
و شيّع الإمام بتشييع حافل لم تشهد له يثرب نظيراً، فقد شيّعه البرّ و الفاجر، و بكاه الناس جميعاً، فقد فقدوا بموته الخير الكثير، و فقدوا تلك الروحانيّة التي لم يخلق لها مثيل، و قد ازدحم الناس على الجثمان المقدّس، فالسعيد من يحظى برفعه.
و من الغريب أنّ سعيد بن المسيّب أحد الفقهاء السبعة في المدينة لم يفز بتشييع الإمام و الصلاة عليه، و أنكر عليه خشرم مولى أشجع، فقال له سعيد: أُصلّي ركعتين
1) الكافى: 1: 468، الحديث 5. مستدرك الوسائل: 2: 133، الحديث 1620.
في المسجد أحبّ إليَّ من أن أُصلّي على هذا الرجل الصالح في البيت الصالح (1)، و قد حرم سعيد من الفوز بتشييع الإمام الذي هو أتقى إنسان خلقه الله بعد آبائه الطاهرين.
و جيء بالجثمان العظيم في وسط هالة من التكبير و التحميد إلى بقيع الغرقد، فحفروا له قبراً بجوار قبر عمّه الزكيّ الإمام الحسن بن عليّ سيّد شباب أهل الجنّة، و أنزل الإمام الباقر علیه السلام جثمان أبيه فواراه في مقرّه الأخير، و قد وارى معه البرّ و التقوى و الحلم، و وارى روحانيّة الأنبياء و المتّقين.
و بعد الفراغ من دفنه هرع الناس نحو الإمام الباقر علیه السلام و هم يرفعون له تعازيهم الحارّة، و يشاركونه في لوعته و أساه، و الإمام علیه السلام مع إخوته و سائر بني هاشم يشكرونهم على ذلك.
و انصرف الإمام أبو جعفر علیه السلام إلى بيته بعد أن وارى أباه في بقيع الغرقد و هو غارق في البكاء، و قد احتفّ به بنو هاشم و أبناء الصحابة و سائر وجوه المسلمين، و هم يذرفون الدموع على الإمام زين العابدين علیه السلام، و يعدّدون مزاياه و مآثره، و يذكرون بمزيد من الأسى الخسارة العظمى التي مني بها المسلمون بفقده.
و قد تسلّم الإمام الباقر علیه السلام بعد وفاة أبيه القيادة الروحيّة و المرجعيّة العامّة للعالم الإسلامي، فقد انتقلت إليه الإمامة و الزعامة الدينيّة عند الشيعة (2).
و أخذ منذ تلك اللحظة ينشر العلم، و يلقي على العلماء الدروس الخاصّة في شؤون الشريعة الإسلاميّة و أحكام الدين.
و قد عاش الإمام الباقر علیه السلام في كنف أبيه 39 سنة، حسبما ذكره أكثر المؤرّخين (1).
و قد وهم المستشرق روايت م. رونلدس حيث ذكر أنّ عمره حينما انتقلت إليه الإمامة كان 19 سنة (2)، فإنّ ذلك نشأ من قلّة التتبّع و عدم التثبّت في شؤون التاريخ الإسلامي.
من الموضوعات ما رواه ابن عساكر في تاريخه بإسناده عن محمّد بن جعفر السامري، قال ما نصّه: سمعت أبا موسى المؤدّب يقول: قال قيس بن النعمان: خرجت يوماً إلى بعض مقابر المدينة فإذا أنا بصبيّ جالس عند قبر يبكي بكاءً شديداً، و إنّ وجهه ليلقي شعاعاً من نور، فأقبلت عليه، فقلت: أيّها الصبيّ، ما الذي أعقلت له من الحزن حتّى أفردك بالخلوة في مجالب الموتى، و البكاء على أهل البلاء، و أنت بغرارة (3)الحداثة، مشغول عن اختلاف الأزمان، و حنين الأحزان؟!
فرفع الصبيّ رأسه، و طأطأه و أطرق ساعة لا يحير جواباً، ثم رفع رأسه و هو يقول:
إِنَّ الصَّبِيَّ صَبِيُّ العَقلِ لا صِغَرٌ *** أَزْرِى بِذِي العَقْلِ فِينَا لَا وَ لَا كِبَرُ
ثمّ قال لي: يا هذا إنّك خليّ الذرع من الفكر، سليم الأحشاء من الحرقة، آمنت تقارب الأجل بطول الأمل، إنّ الذي أفردني بالخلوة في مجالب أهل البلاء يذكّرني قول الله عزّ و جلّ: «فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ» (4).
فقلت: بأبي أنت و اُمّي، مَن أنت ؟ فإنّي لأسمع كلاماً حسناً.
فقال: إنّ من شقاوة أهل البله قلّة معرفتهم بأولاد الأنبياء، أنا محمّد بن عليّ بن الحسين، و هذا قبر أبي، فأي اُنس آنس من قربه؟ و أي وحشة تكون معه؟
ثمّ أنشأ يقول:
ما غاضَ دَمْعى عِندَ نازِلَةٍ *** إلّا جَعَلْتُكَ لِلْبكا سَبَباً
إِنِّي أُجِلُّ ثَرى حَلَلْتَ بِهِ *** مِنْ أَنْ أرى بِسِواكَ مُكْتَئِبا
فَإِذا ذَكَرتُكَ سَامَحَتْكَ بِهِ *** منّي الدُّموعُ فَفَاضَ فَانْسَكَبا
قال قيس: فانصرفت، و ما تركت زيارة القبور منذ ذاك (1).
و الذي يدلّل على وضع هذه الرواية أنّها ذكرت أنّ الإمام كان صبيّاً بعد وفاة أبيه، و ممّا أجمع عليه المؤرّخون أنّ عمره الشريف في ذلك الوقت كان تسعاً و ثلاثين سنة، مع أنّ التأمّل في فصولها يوحي بأنّها من الموضوعات.
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن الإمام محمّد الباقر في ظلال جدّه و أبيه، و قد ورث منهما أجلّ ما تورّثه الأُصول للفروع، فقد ورث منهما العلم و الحكمة و فصل الخطاب.
1) تاریخ دمشق: 54: 281 و 282.
أمّا البحث عن شؤون السادة من إخوان الإمام الباقر و أبنائه، و مدى علاقتهم معه، فإنّه ضروري حسب الدراسات الحديثة، لأنّه يكشف جانباً من جوانب حياته في ظلال أُسرته التي تعدّ من المكوّنات التربويّة للشخص - حسبما يقول علماء التربية -، و فيما يلي ذلك:
أمّا علاقة الإمام بإخوته، فقد كانت وثيقة للغاية تسودها المحبّة و الاُلفة و اجتناب هجر الكلام و مرّه، و قد قيل له: أي إخوانك أحبّ إليك؟
فأجاب عليه السلام أنّه لا يفرّق بينهم، و أنّه يكن لهم جميعاً أعظم المودّة و الإخلاص قائلاً: «أَمَّا عَبْدُ اللَّهِ، فَيَدي الَّتى أَبْطِشُ بِها» (1).
وَ أَمّا عَمْرُ، فَبَصَرِي الَّذِي أَبْصِرُ بِهِ.
وَ أَمّا زَيْدٌ، فَلِسانى الذي أَنْطِقُ بِهِ.
وَ أَمّا الْحُسَيْنُ، فَحَلِيمٌ يَمْشَى عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً، وَ إِذا خَاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالوا
1) عبدالله: هو أخو الإمام الباقر لأُمّه و أبيه.
لقد توفّرت في إخوان الإمام علیه السلام جميع النزعات الكريمة من الورع و التقوى و الصلاح، قد غذّاهم أبوهم الإمام زين العابدين علیه السلام بهديه، و أفاض عليهم أشعّة من روحه، فأنارت قلوبهم بجوهر الإسلام و واقع الإيمان، و نقدّم عرضا موجزاً لبعض شؤونهم:
أمّا زيد الشهيد فهو ملء فم الدنيا في فضله و علمه و شممه و إبائه، و هو أحد أعلام الاُسرة النبويّة الذين رفعوا كلمة الله عالية في الأرض، و قدّموا أرواحهم قرابين خالصة لوجه الله ليحقّقوا العدالة الإسلاميّة، و يعيدوا بين الناس حكم القرآن، و يقضوا على معالم الظلم الاجتماعي التي أوجدها الحكم الأموي بين الناس، و نلمّح إلى بعض سيرته و شؤونه:
كانت ولادة زيد الشهيد سنة (78 ه-) (3).
و قيل سنة ( 75 ه-) (4).
و لمّا بشّر به أبوه الإمام زين العابدين علیه السلام أخذ القرآن الكريم و فتحه متفائلاً به،
فخرجت الآية الكريمة: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ» (1).
فطبقه و فتحه ثانياً، فخرجت الآية: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» (2).
و طبق المصحف ثمّ فتحه، فخرجت الآية: «وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ» (3).
و بهر الإمام علیه السلام وراح يقول: عُزّيتُ عَنْ هَذَا الْمَوْلودِ، وَ أَنَّهُ لَمِنَ الشُّهداءِ (4).
لقد تنبّأ الإمام علیه السلام بشهادة ولده، و أحاط أصحابه علماً بها، فلم يخامرهم شكّ في ذلك.
نشأ زيد في بيوت النبوّة و الإمامة، و تغذى بلباب الحكمة، فكان أبوه الإمام زين العابدين علیه السلام الذي هو أفضل إنسان في عصره يتعاهده بالآداب، و يرسم له طرق الهداية و الخير، فتأثّر بسلوكه، و انطبعت في دخائل نفسه نزعاته المشرقة، فكان البارز من صفاته - فيما يقول المؤرّخون - الزهد، و الورع، و التحرّج في الدين، فلم يتّبع قيادة نفسه، و إنّما آثر رضا الله و طاعته على كلّ شيء.
و قد لازم منذ نعومة أظفاره أخاه الإمام الباقر علیه السلام الذي هو خليفة أبيه و وصيّه، و وارث علمه، و من الطبيعي أنّ لهذه الصحبة أثراً فعالاً في سلوكه و تكوين
شخصيّته، فقد كان في هديه يضارع هدي آبائه الذين طهّرهم الله من الرجس و الزيغ، و أبعدهم عن مآثم هذه الحياة.
و أخلص زيد في العبادة و الإنابة الله، فكان من أبرز المتّقين في عصره.
يقول عاصم بن عبيد العمري: «رأيته و هو شابّ بالمدينة يذكر الله فيغشى عليه،
حتّى يقول القائل: ما يرجع إلى الدنيا» (1).
وكان يُعرف عند أهل المدينة بحليف القرآن (2).
و قد أثّر السجود بوجهه (3)لكثرة صلاته طوال الليل (4).
لقد اتّجه بعواطفه و مشاعره نحو الله، و سلك كلّ ما يقرّبه إليه زلفى.
و كان زيد من علماء عصره البارزين، و كان موسوعة في الحديث و الفقه و التفسير و اللغة و الأدب و علم الكلام، و قد سأل جابر الإمام الباقر علیه السلام عن زيد، فأجابه علیه السلام: سَأَلْتَني عَنْ رَجُلٍ مُلِئَ إيماناً وَ عِلْماً مِنْ أَطْرافِ شَعَرِهِ إِلى قَدَمِهِ (5).
و قال علیه السلام فيه: «إِنَّ زَيْداً أُعْطِيَ مِنَ الْعِلْمِ بَسْطَةً» (6).
و قد تحدّث زيد عن سعة علومه و معارفه حينما أعدّ نفسه لقيادة الأُمّة، و الثورة على الحكم الأموي، يقول: «و الله ما خرجت، و لا قمت مقامى هذا، حتّى قرأت القرآن، و أتقنت الفرائض، و أحكمت السنّة و الآداب، و عرفت التأويل كما عرفت التنزيل، و فهمت الناسخ و المنسوخ، و المحكم و المتشابه، و الخاصّ و العامّ، و ما تحتاج إليه الأُمّة في دينها ممّا لا بدّ لها منه، و لا غنى عنه، و إنّي لعلى بيّنة من ربّي» (1).
لقد كان زيد من أعلام الفقهاء، و من كبار رواة الحديث، و قد أخذ علومه من أبيه الإمام زين العابدين علیه السلام، و من أخيه الإمام الباقر علیه السلام الذي بقر العلم حسبما أخبر عنه جدّه الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم، و قد غذّياه بأنواع العلوم، و أخذ عنهما أُصول الاعتقاد و الفروع و التفسير، فكان من الطراز الأوّل في فضله فضله و علمه.
و إنّ من أوهى الأقوال ما ذهب إليه الشهرستاني من أنّه تتلمذ لواصل بن عطاء و أخذ عنه الاعتزال.
يقول: «أراد - يعني زيداً - أن يحصّل الأُصول و الفروع حتّى يتحلّى بالعلم، فتتلمذ في الأُصول لواصل بن عطاء رأس المعتزلة مع اعتقاد واصل بأنّ جدّه عليّ بن أبي طالب علیه السلام في حروبه التي جرت بينه و بين أصحاب الجمل و أصحاب الشام ما كان على يقين من الصواب، و أنّ أحد الفريقين منهما كان على خطأ لا بعينه، فاقتبس منه الاعتزال» (2).
أمّا هذا الرأي فلا يحمل أي طابع من التوازن و التحقيق، فإن زيداً لم يقتبس علومه من واصل، و إنّما أخذها من أبيه و أخيه اللذين أضاء الحياة الفكريّة و العلميّة في الإسلام.
و قد استمدّ الفقهاء و رؤساء المذاهب الإسلاميّة علومهم ممّا أخذوه من أئمّة أهل البيت علیهم السلام، أمّا مباشرة أو من أحد تلامذتهم، فكيف يذهب زيد إلى واصل (1)
وَ يَجْعَلُ البُرَّ قَمْحاً في تَصَرُّفِهِ *** وَ خالَفَ الرَّاءَ حَتَّى احتالَ لِلشَّعَرِ
وَ لَمْ يُطِقْ مَطَراً وَ الْقَولُ يُعْجِلُهُ *** فَعادَ بِالغَيْثِ إِشْفَاقاً مِنَ الْمَطَرِ
وفيات الأعيان: 6: 7 و 8
لأخذ العلم عنه؟و يذهب الشيخ أبو زهرة إلى أنّ التقاء زيد بواصل كان التقاء مذاكرة و ليس التقاء تلميذ عن أُستاذ، فإنّ السنّ متقاربة، و زيد كان ناضجاً.
و أضاف قائلاً: «إنّه تلقّى فروع الأحكام من أُسرته، و في المدينة مهد علم الفروع» (2).
لقد أخذ زيد علومه من أبيه و أخيه، و كان من أعلام الفقهاء في عصره، و قد روى عنه أبو خالد الواسطي مجموعة في الفقه تتناول العبادات و المعاملات أسماها ( مسند الإمام زيد)، و قد ذكرنا ما يواجه هذا الكتاب من المؤاخذات في دراستنا عن عقائد الزيديّة (3).
أمّا مكانة زيد الأدبيّة، فقد كان من الطراز الأوّل في الأدب و البلاغة، و كان يشبه جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في فصاحته و بلاغته (4).
و يقول المؤرّخون: «إنّه جرت بين زيد و بين جعفر بن الحسن منازعة في وصيّة،
فكانا إذا تنازعا انثال الناس عليهما ليسمعوا محاورتهما، فكان الرجل يحفظ على صاحبه اللفظة من كلام جعفر، و يحفظ الآخر اللفظة من كلام زيد، فإذا انفصلا و تفرّق الناس فيكتبون ما قالاه، ثمّ يتعلّمونه كما يتعلّم الواجب من الفرض، و النادر من الشعر، و السائر من المثل، و كانا اُعجوبة دهرهما، و اُحدوثة عصرهما» (1).
و كان سيبويه يحتجّ بما اُثر عن زيد من الشعر، و يستشهد به فيما يذهب إليه، و اعترف خصمه الطاغية هشام بقدراته الأدبيّة، و براعته في الكلام، فقال: إنّه حلو اللسان، شديد البيان، خليق بتمويه الكلام (2).
و قد حفلت مصادر الأدب و التاريخ بالشيء الكثير من روائع حكمه، و هي من غرر الكلام العربي.
و كان الإمام الباقر علیه السلام يجلّ أخاه زيداً و يكبره، و يحمل له في دخائل نفسه أعمق الودّ، و خالص الحبّ، لأنّه من أفذاذ الرجال، و صورة حيّة للبطولات النادرة، و قد روى المؤرّخون صوراً من ألوان ذلك الودّ و الإكبار، و هذه بعضها:
1- إنّه قال له: «لَقَدْ أَنْجَبَتْ أُمٌّ وَلَدَتْكَ يا زَيْدُ، اللهُمَّ اشْدُدْ أَزْرِي بِزَيْدِ» (3).
و هذا يدلّ على مدى إكبار الإمام و تعظيمه لزيد.
2- روى سدير الصيرفي، قال: «كنت عند أبي جعفر الباقر علیه السلام، فدخل زيد بن عليّ، فضرب أبو جعفر على كتفه، و قال له: هذا سَيِّدُ بَني هاشمٍ، إِذا دَعاكُمْ
فَأَجِيبوهُ، وَ إِذا اسْتَنْصَرَكُمْ فَانْصروهُ» (1).
و دلّ ذلك على دعوة الإمام إلى نصرته و الذبّ عنه، و الحكم بشرعيّة ثورته.
3- روى المؤرّخون عن رجل من بني هاشم، قال: «كنّا عند محمّد بن عليّ بن الحسين و أخوه زيد جالس، فدخل رجل من أهل الكوفة فقال له محمّد بن عليّ:
إِنَّكَ لَتَرْوِي طَرَائِفَ مِنْ نَوَادِرِ الشَّعْرِ، فَكَيْفَ قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لأَخِيهِ؟
فأنشده:
لَعَمرُكَ ما أَنْ أَبو مالكٍ *** بِوانٍ وَ لا بِضَعيفٍ قُواهُ
وَ لا بِأَلَدٍّ لَهُ نازِعٌ *** يُعادي أخاهُ إِذا ما نَهاهُ
ولكنَّهُ غَيرُ مِخْلافَةٍ *** كَريمُ الطَّبائِع حُلوٌ ثَناهُ (2)
وَ إِنْ سِدتَهُ سِدتَ مِطواعَةً *** وَ مَهْما وَكَلتَ إِلَيْهِ كَفاهُ
فوضع أبو جعفر يده على كتف زيد و قال له: هذِهِ صِفَتُكَ يا أَخي، وَ اُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَكونَ قَتِيلَ الْعِراقِ» (3).
و معنى هذه الأبيات التي وصف بها الإمام أخاه أنّه كان قوي الشكيمة، صلب الإرادة، ماضي العزيمة، و أنّه منقاد لأخيه، كريم في طبائعه، و أنّه مهما وكلّ إليه من أمر عظيم فإنّه أهل للقيام به، و لا يتّصف بهذه الصفات إلّا أفذاذ الناس و عمالقة الدهر.
لقد أضفى الإمام علیه السلام على أخيه أسمى النعوت، و منحه ودّه الخالص، و لم يكن بذلك مدفوعاً بدافع الاخوة، فإنّ مقامه الروحي بعيد كلّ البعد من الاندفاع
وراء العواطف و الرغبات، و إنّما رأى أخاه من أروع صور التكامل الإنساني، فمنحه هذا اللون من الودّ و التكريم.
و عُرف هشام بن عبد الملك بالحقد على الأُسرة النبويّة، و البغض لها، و قد عهد للمباحث و رجال الأمن بمراقبة العلويّين، و التعرّف على تحرّكاتهم، و الوقوف على نشاطاتهم السياسيّة، و قد أحاطته استخباراته علماً بسموّ مكانة زيد، و أهميّة مركزه الاجتماعي، و ما يتمتّع به من القابليّات الفذّة التي أوجبت احتفاف الجماهير حوله، و تطلّعهم إلى حكمه، و أخذ هشام يبغي له الغوائل، و يكيد له في غلس الليل و في وضح النهار، و عهد إلى عامله على يثرب بإشخاصه إليه.
و لمّا شخص إلى دمشق حجبه عنه مبالغة في توهينه و الاستهانة به، و قد احتفّ به أهل الشام لمّا رأوا ما اتّصف به من سموّ الخلق، و بليغ المنطق، و قوّة الحجّة، و التحرّج في الدين، و بلغ ذلك هشاماً فتميّز من الغيظ، فاستشار بعض مواليه، و طلب منه الرأي للحطّ من شأنه، و توهينه أمام أهل الشام، فأشار عليه أن يأذن للناس إذناً عامّاً، و يحجب زيداً، ثمّ يأذن له في آخر الناس، فإذا دخل عليه و سلّم فلا يرد عليه سلامه، و لا يأمره بالجلوس، و حسب أنّ ذلك موجب للحطّ من شأنه، و التوهين بشخصيّته.
و فعل هشام ذلك، فلمّا دخل زيد و سلّم لم يردّ عليه سلامه، فثار زيد في وجهه - فيما يقول بعض المؤرّخين - و خاطبه بعنف قائلاً: «السلام عليك يا أحول، فإنّك
ترى نفسك أهلاً لهذا الاسم» (1).
و نسفت هذه الكلمات جبروت الطاغية، و أطاحت بغلوائه، فصاح بزید:
1) تهذیب ابن عساکر: 6: 22.
«بلغني أنّك تذكر الخلافة و تتمنّاها، و لست أهلاً لها، و أنت ابن أمة».
و انبرى زيد يسخر منه، و يدلي بحجّته في تفنيد قول هشام قائلاً: «إنّ الأُمّهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، و قد كانت أُمّ إسماعيل أمة لاُمّ إسحاق، فلم يمنعه ذلك أن بعثه الله نبيّاً، و جعله أبا للعرب، و أخرج من صلبه خير الأنبياء محمّد صلّی الله علیه و آله و سلّم» (1).
و فقد هشام توازنه أمام هذا المنطق الفيّاض، و سرت الرعدة في أوصاله، فراح يتهجّم على الإمام محمّد الباقر عليه السلام، فقال له: ما يصنع أخوك البقرة؟
و لا يلجأ إلى هذا المنطق الرخيص إلّا كلّ جاهل يعوزه الدليل و البرهان، و شعر زيد بألم حينما سبّ أخاه، فالتفت إلى الطاغية قائلاً: «سمّاه رسول الله الباقر، و تسمّيه البقرة، لشدّ ما اختلفتما، لتخالفنّه في الآخرة كما خالفته في الدنيا، فيرد الجنّة و ترد النار» (2).
و زعزعت هذه الكلمات عرش الطاغية، و أبرزته أمام أهل الشام كأقذر مخلوق لا يستحقّ أن يكون شرطيّاً، فكيف يكون خليفة على المسلمين مع مخالفته لرسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم؟ هو و فقد هشام صوابه فصاح بجلاوزته أن يخرجوا زيداً من مجلسه (3).
و خرج زيد و قد ملئ قلب هشام غيظاً و ألماً، وراح الطاغية يقول لأُسرته: «ألستم تزعمون أنّ أهل البيت قد بادوا، لا لعمري ما انقرض قوم هذا خلفهم» (4).
و خرج زيد و قد امتلأت نفسه حماساً و عزماً على إعلان الثورة على الحكم الأموي الذي كفر بجميع القيم الإنسانيّة، و استهان بكرامة الناس، و قد أعلن زيد شرارة الثورة بكلمته الخالدة التي أصبحت شعاراً للثوّار و نشيداً لهم على الخوض
في ميادين الكفاح و النضال قائلاً: «ما كره قوم حرّ السيوف إلّا ذلّوا».
و قد جرت هذه المقابلة بين زيد و هشام في حياة الإمام الباقر عليه السلام، و لم تشر المصادر التي بأيدينا إلى السنة التي وقعت فيها، و على أي حال، فمنذ تلك اللحظة عزم زيد على الثورة، و القيام بمناهضة الحكم الأموي.
يقول بعض شيعته: «دخلت عليه فسمعته يتمثّل بقول الشاعر:
وَ مَنْ يَطلُبِ المَجدَ المُمَنَّعَ بِالقَنا *** يَعِشْ ماجِداً أَوْ تَحْتَرِمْهُ المَخارِمُ
مَتى تَجمَعِ القَلبَ الذَّكِيَّ وَ صارماً *** وَ أَنْفاً حَمِيّاً تَجْتَنِيْكَ المَظَالِمُ
وَ كُنتُ إِذا قَومٌ غَزَوْنِي غَزَوْتُهُمْ *** فَهَلْ أَنا في ذا يالَ هَمْدانَ ظالِمُ (1)
و دلّ هذا الشعر على تصميمه على الثورة، و الخوض في ميدان الكفاح المسلّح ليعش ماجداً كريماً تجتنبه المظالم، و يصدّ عنه كيد المعتدين. لست أيّها الثائر العظيم ظالماً و لا باغياً، و إنّما أنت منقذ و محرّر للأُمّة العربيّة و الإسلاميّة من الظلم و الجور و الاستبداد.
ورالشيء المحقّق أنّ زيداً لم يفجّر ثورته الكبرى أشراً و لا بطراً، و لا ظالماً و لا مفسداً، و إنّما كان يبغي وجه الله، و يلتمس الدار الآخرة، فقد رأى ظلماً شائعاً، وجوراً شاملاً، و رأى حكّام بني أُميّة لم يبقوا الله حرمة إلّا انتهكوها، فخرج داعياً إلى الله، و طالباً بالحقّ.
يقول الرواة: إنّه لمّا أزمع على الخروج جاءه جابر بن يزيد الجعفي، فقال له: إنِّي سمعت أخاك أبا جعفر يقول: إنّ أخي زيد بن عليّ خارج و مقتول،، و هو على
1) مقاتل الطالبيّين: 132.
الحقِّ، فالويل لمن خذله، و الويل لمن حاربه، و الويل لمن يقتله.
فقال له زيد: ياجابر، لم يسعن أن أسكت، و قد خولف كتاب الله تعالى، و تحوكم بالجبت و الطاغوت، و ذلك أنّي شاهدت هشاماً و رجل عنده يسبّ رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم.
فقلت للسابّ: ويلك يا كافر، أما إنّي لو تمكّنت منك لاختطفت روحك، و عجّلتك إلى النار.
فقال لي هشام: مه جليسنا يا زيد، فوالله لو لم يكن إلّا أنا و يحيى ابني لخرجت عليه، و جاهدته حتّى أفنى (1).
و أثنى الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام على عمّه ثناءً عاطراً، و مجّد ثورته الإصلاحيّة، فكان فيما يقول الرواة قد قال لأصحابه: «لَا تَقُولُوا خَرَجَ زَيْدٌ، فَإِنَّ زَيْداً كان عالماً، وَ كانَ صَدوقاً، وَ لَمْ يَدْعُكُمْ إِلى نَفْسِهِ، إِنَّمَا دَعَاكُمْ إِلَى الرِّضا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ عليهم السلام، وَ لَوْ ظَهَرَ لَوَفِى بِمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ، إِنَّمَا خَرَجَ إِلَى سُلْطَانٍ مُجْتَمِعِ لِيَنْقُضَهُ» (2).
و قد دفع عليه السلام إلى عبد الرحمن بن سيّابة ألف دينار، و أمره أن يقسّمها في عيال مَن أُصيب مع زيد (3).
و لو كانت الثورة غير مشروعة لما صنع ذلك، فإنّ شأنه أسمى من أن يندفع وراء التيّارات العاطفيّة.
و شجبت بعض الروايات ثورة زيد، و وسمتها بأنّها غير مشروعة، إلّا أنّ سيّدنا الأُستاذ الخوئي قدّس سرّه قد عرض إليها (4)، فأثبت أنّ سندها ضعيف لا يمكن التعويل
عليها في الطعن بشخصيّة زيد و ثورته.
و على أي حال، فقد أحدثت ثورة زيد تحوّلاً اجتماعيّاً و فكريّاً في المجتمع الإسلامي، و هيّأته إلى الثورة على الحكم الأموي، فلم تمرّ إلّا سنين يسيرة و إذا بالرايات السود تخفق في خراسان، و هي تزحف إلى احتلال الأقاليم الإسلاميّة، و تطهّرها من عملاء السلطة الأمويّة حتّى أطاحت بالعرش الأموي، و قضت على معالم زهوه و جبروته.
و ثار زيد على الحكم الأموي بوحي من عقيدته التي تمثّل روح الإسلام و هديه، فقد رأى باطلاً يحيى، و صادقاً يكذّب، و إثرة بغير تقى، و رأى جوراً شاملاً، و استبداداً في أُمور المسلمين، فلم يسعه السكوت.
يقول بعض شیعته: «خرجت معه إلى مكّة، فلمّا كان نصف الليل، و استوت الثريا، قال لي: أما ترى هذه الثريّا؟ أ ترى أحداً ينالها؟
قلت: لا.
قال: و الله لوددت أنّ يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض أو حيث أقع فأتقطّع قطعة قطعة، و أنّ الله يصلح بين أُمّة محمّد الله صلّی الله علیه و آله و سلّم» (1).
و دلّ حديثه على مدى نزعته الإصلاحيّة، و إخلاصه العظيم لأُمّة جدّه صلّی الله علیه و آله و سلّم، و تفانيه في سبيل الإصلاح العامّ.
و روى عيسى بن عبدالله، عن جدّه محمّد بن عمر بن عليّ علیه السلام، قال: «كنت مع زيد بن عليّ حين بعث بنا هشام إلى يوسف بن عمر، فلمّا خرجنا من عنده و سرنا
1) مقاتل الطالبيّين: 129.
حتّى كنّا بالقادسيّة، قال زيد: اعزلوا متاعي عن أمتعتكم.
فقال له ابنه: ما تريد أن تصنع؟
قال: أُريد أن أرجع إلى الكوفة، فوالله لو علمت أنّ رضى الله عزّ و جلّ عنّى في أن أقدح ناراً بيدي حتّى إذا اضطرمت رميت نفسي فيها لفعلت! ولكن ما أعلم شيئاً أرضى الله عزّ و جلّ عنّي من جهاد بني أُميّة» (1).
إنّه لم يفجّر ثورته الكبرى طمعاً بالخلافة و الملك، و إنّما كان يبغي وجه الله و الدار الآخرة، و قد رأى أنّ مناهضة أُولئك الظالمين من أعظم ما يقرّبه إلى الله.
و يمّم زيد وجهه نحو الكوفة لأنّها المركز العامّ للشيعة، و أنّ أهلها طلبوا منه القدوم إليهم ليأخذ منهم البيعة على مناهضة الحكم الأموي و الاطاحة به.
و يقول المؤرّخون: «إنّ جماعة من المخلصين لزيد حذّروه من القدوم إلى الكوفة، و عذلوه من الوثوق بالكوفيّين لما عُرفوا به من الغدر و نقض العهود، إلّا أنّه لم يعن بذلك، فإنّه لم يجد موطناً تتوفّر فيه الاستراتيجيّة للثورة سوى الكوفة، و جعل زيد يتمثّل بقول عنترة العبسي:
بَكَرَتْ تُخَوِّفُني المَنونَ كَأَنَّني *** أَصْبَحْتُ عَنْ عَرَضِ الحَياةِ بِمَعزَلِ
فَأَجَبْتُها أَنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ *** لا بُدَّ أَنْ أَسْقَى بِكَأْسِ المَنْهَلِ (2)
و دلّ هذا الشعر على عزمه و تصميمه على الخوض في ميادين الكفاح المسلّح، و أنّه يسعى بكلّ جرأة و إقدام ليحتسي كأس المنيّة و لا يعيش ذليلاً مضاماً، شأنه شأن جدّه الإمام الحسين علیه السلام سيّد الأحرار و الاُباة في الإسلام.
و لمّا انتهى زيد إلى الكوفة بادر أهلها إليه، فرحّبوا به ترحيباً حارّاً، و أسرعوا إليه
يبايعونه حتّى بلغ عدد المبايعين خمسة عشر ألفاً، و قيل: أكثر من ذلك، و بايعه الفقهاء و القضاة و أعلام الفكر و الأدب، كالأعمش و مسعر بن كدام و قيس بن الربيع و الحسن بن عمارة، و غيرهم.
و سئل أبو حنيفة عن خروج زید، فقال: «ضاهی خروج رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم يوم بدر»، و قال: «لو علمت أنّ الناس لا يخذلونه كما خذلوا أباه لجاهدت معه؛ لأنّه إمام بحقّ، ولكن أعينه بمال» (1).
أمّا صيغة البيعة التي أخذها زيد على مَن بايعه فهي: «إنّا ندعوكم إلى كتاب الله و سنّة نبيّه، و جهاد الظالمين، و الدفع عن المستضعفين، و إعطاء المحرومين، و قسم هذا الفيء بين أهله، و ردّ المظالم، و نصرة أهل الحقّ ...» (2).
و تعطي هذه الصيغة صورة عن المبادئ الأصليّة التي ثار من أجلها زيد، و هي: 1- الدعوة إلى إحياء كتاب الله و سنّة نبيّه، فقد أقصتهما السياسة الأمويّة عن واقع الحياة.
2- جهاد الظالمين من حكّام بني أُميّة الذين ساسوا المسلمين بالظلم و الجور و أرغموهم على ما يكرهون.
3- الدفاع عن حقوق المستضعفين، و توفير العطاء للمحرومين، فقد حرموا من جميع حقوقهم الشرعيّة طيلة الحكم الأموي.
4- قسمة الفيء و سائر الحقوق الماليّة على المسلمين بالسواء، فقد نهبها الأمويّون، و أنفقوها على ملاذهم و رغباتهم الخاصّة.
5- نصرة دعاة الحقّ الذين يعنون بشؤون الأُمّة، و يسهرون على صالحها،
و هم الهداة من أهل البيت علیهم السلام.
لقد ثار من أجل أن يحقّق هذه الأهداف العظيمة في ربوع الوطن الإسلامي الكبير، و ينقذ الأُمّة من عسف الأمويّين و ظلمهم و بطشهم.
و بعد ما توفّرت لزيد القوّة العسكريّة الهائلة التي بلغ عددها - فيما يقول بعض المؤرّخين - أربعين ألفاً، رأى أن يفجّر الثورة، و يزحف بجيوشه إلى احتلال الكوفة و الاطاحة بالحكم الأموي.
و انطلقت جيوشه من جبّانة سالم (1)و هي تهتف بحياة زعيمها العظيم زيد، و سقوط الحكم الأموي، و تنادي بشعار الشيعة: «يا منصور، أمت» (2).
و لمّا رأى زيد الرايات تخفق على رأسه، قال: «الحمد لله الذي هداني، و الله إنّي كنت أستحيي من رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم أن أرد عليه الحوض غداً و لم آمر في أُمّته بمعروف و لا أنهى عن منكر» (3).
و خطب في جيوشه، فقال لهم: «عليكم بسيرة أمير المؤمنين عليّ بالبصرة و الشام، لا تتّبعوا مدبراً، و لا تجهزوا على جريح، و لا تفتحوا مغلقاً، و الله على ما نقول وكيل» (4).
و بدأت الحرب في ليلة شديدة البرد (5)السبع بقين من المحرّم سنة (122ه-)، و جرت مناوشات و اصطدام مسلّح بين أتباع زيد و بين الجيوش الأمويّة تحت قيادة و الي الكوفة يوسف بن عمر.
و خان أهل الكوفة يزيد و غدروا به بعدما عاهدوا الله على نصرته، و الذبّ عنه، فقد أسلموه عند الوثبة، و تركوه مع القلّة من أصحابه فى ميدان الجهاد، و لمّا رأى زيد تخاذلهم راح يقول: «فعلوها حسينيّة».
لقد غدروا به كما غدروا بجدّه الحسين علیه السلام من قبل، و أيقن زيد بفشل ثورته، و استبان له أن لا ذمّة لأهل الكوفة و لا وفاء لهم، و قد خاض مع أصحابه الحرب في شوارع الكوفة و أزقّتها، و أبلى في المعركة بلاءاً حسناً، و ما رأى الناس قطّ فارساً أشجع منه (1).
و أبدى زيد من البسالة و البطولة ما يفوق حدّ الوصف، فقد أخذ يلاحق الجيوش و ينزل بها أفدح الخسائر، و لم يستطع الجيش الأموي أن يصمد أمام الضربات المتلاحقة التي يصبّها عليهم زيد، و كان يحمل عليهم و يتمثّل بقول الشاعر:
أذلُّ الحَياةِ و عِزُّ المَماتِ *** و كُلّاً أراهُ طَعاماً وَبِيلا
فَإنْ كانَ لا بُدَّ مِن واحدٍ *** فَسِيري إلى المَوْتِ سَيراً جَمِيلا
لقد آثر زيد عزّ الممات على ذلّ الحياة كما آثر ذلك آباؤه، فلم يخضع للذلّ و العبوديّة و مات عزيزاً تحت ظلال السيوف و الرماح.
و لمّا جنح الليل رُمي زيد بسهم فأصاب جبهته (2)، و وصل إلى دماغه الشريف
الذي ما فكّر إلّا في صالح الإنسان و سعادته.
و حلّت الكارثة بأصحابه، و هاموا في تيّارات مذهلة من الأسى و الحزن، و طلبوا له طبيباً، فانتزع منه السهم فتوفّي من فوره، و قد انطفأت بذلك الشعلة الوهّاجة التي كانت تضيء الطريق و توضّح القصد للمسلمين.
لقد استشهد زيد من أجل أن يحقّق العدالة الاجتماعيّة في الأرض، و يحقّق للمسلمين الفرص المتكافئة، و يوزّع خيرات الأرض على الفقراء و المحرومين الذين كفرت السلطة الأمويّة بجميع حقوقهم.
و يقول المؤرّخون: «إنّ أصحاب زيد حاروا في مواراة جثمانه خوفاً عليه من السلطة التي لا تتورّع من التمثيل الآثم به، و بعد المداولة صمّموا على مواراته في نهر هناك، فانطلقوا إلى النهر فقطعوا ماءه، و حفروا فيه قبراً و واروا الجسد الطاهر فيه، ثمّ أجروا الماء، و انصرفوا و هم يذرفون الدموع على القائد العظيم الذي تبنّى حقوق المظلومين و المضطهدين.
و كان مع أصحاب زيد أحد عيون السلطة يراقب تحرّكاتهم، فبادر مسرعاً إلى الكوفة و أخبر حاكمها بموضع الدفن، فأمر بنبش القبر و إخراجه منه، فأخرج، و حمل إلى قصر الكوفة، و أمر بصلبه منكوساً في سوق الكناسة، و عمدوا إلى احتزاز رأسه الشريف، و أُرسل هديّة إلى طاغية الشام هشام بن عبدالملك، و أمر الرجس بوضع الرأس في مجلسه، و أمر جميع من يدخل عليه أن يطأه بحذائه (1)مبالغة في توهينه، و جعلت الدجاج تنقر دماغه، و في ذلك يقول الشاعر:
اطْرُدِ الدِّيك عن ذُؤابَةِ زَيدٍ *** طَالَما كانَ لا تَطأهُ لِلدَّجاج (2)
ابنُ بِنتِ النَّبِي أَكْرمُ خَل-ْ *** -قِ اللهِ زَينِ الوفودِ وَ الحُجّاجِ
حَمَلوا رأسَهُ إِلَى الشَّامِ رَكْضاً *** بالسُّرَى وَ البُكُورِ وَ الإِدلاجِ (1)
و أمر الطاغية بنصب الرأس الشريف على باب دمشق، ثمّ أرسل إلى المدينة (2)فنصب عند قبر النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم يوماً و ليلة (3)، ثمّ أرسله إلى مصركلّ ذلك لإذاعة الخوف و الارهاب بين الناس، و إعلامهم على قدرة السلطة على سحق أيّة معارضة تقوم ضدّها.
وكتب طاغية دمشق إلى السفّاك يوسف بن عمر حاكم الكوفة بأن يبقي زيداً مصلوباً، و لا ينزله عن خشبته قاصداً بذلك إذلال العلويّين و الاستهانة بشيعتهم، و قد فاته أنّ ذلك قد أوقد نار الثورة في نفوسهم، و زادهم عزماً و تصميماً على
التضحية في سبيل مبادئهم.
و قد افتخر الأمويّون بإبقاء جثّة زيد مصلوبة، و قد اعتزّ بذلك وغد من عملائهم، و هو الحكيم بن عيّاش بقوله:
صَلَبْنا لَكُم زيداً على جذعِ النَّخْلَةِ *** و لَمْ نَرَ مَهْدِيّاً عَلَى الجِذْعِ يُصْلَبُ
و قِسْتُم بِعُثمانٍ عَليّاً سَفاهَةٌ *** و عُثمَانُ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ وَ أَطْيَبُ
حفنة من التراب في فيه، فإنّ زيداً إنّما صلب دفاعاً عن حقوق المظلومين و المضطهدين، و صلب من أجل أن يحقّق العدالة الاجتماعيّة في الأرض، و يقضي على الغبن الاجتماعي و التلاعب بمقدّرات الأُمّة و خيراتها.
و لمّا بلغ هذا الشعر الإمام أبا عبد الله الصادق علیه السلام تألّم أشدّ ما يكون التألّم،
و رفع يديه بالدعاء قائلاً: اللهُمَّ إِنْ كانَ عَبْدُكَ كَاذِبًا فَسَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَاً مِنْ كِلابِكَ.
و استجاب الله دعاء الإمام علیه السلام، فافترسه أسد و هو يدور في سكك الكوفة، و لمّا انتهى خبره إلى الإمام سجد لله شاكراً و هو يقول: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذي أَنْجَزَنا وَعْدَهُ (1).
و أمعنت السلطة الأمويّة بعدما قضت على ثورة زيد في إشاعة الذعر والخوف في الكوفة، فأخذت البريء بالسقيم، و المقبل بالمدبر، و عمدت إلى التنكيل القاسي بأنصار زيد، فأشاعت فيهم القتل و الإعدام، و أسرفت في ذلك إلى حدّ بعيد، و تعدّى التنكيل من الرجال إلى النساء، و كان ذلك محظوراً حتّى في العرف الجاهلي، إلّا أنّ الأمويّين قد استباحوا ذلك في سبيل أهدافهم السياسيّة.
و يقول المؤرّخون: «إنّ الطاغية السفّاك يوسف بن عمر أمر بإلقاء القبض على امرأة كانت قد أعانت زيداً، و لما مثلت عنده أمر بقطع يدها و رجلها، فطلبت قطع رجلها أوّلاً حتّى تجمع عليها ثيابها، فما استجابوا لها، فقطعوا يدها و رجلها، و أخذ دمها ينزف حتّى ماتت، ثمّ إنّه أمر بإحضار زوجها و ضرب عنقه، فنفّذ فيه ذلك» (2).
كما أوعز بإلقاء القبض على امرأة كانت قد زوّجت بنتها إلى زيد، فأمر بشقّ ثيابها، و جلدها بالسياط، فجلدت و توفّيت تحت السياط، و رموا بجثّتها في الصحراء، فأخذها قومها و دفنوها في مقابرهم (3).
و اقترف الطاغية كثيراً من أمثال هذه الجرائم التي تنمّ عن أنّه إنسان ممسوخ،
ميّت الضمير و الاحساس.
و سخط المسلمون لمقتل الشهيد العظيم زيد، و نقموا على بني أميّة أشدّ ما تكون النقمة، فقد انتهكوا في قتله حرمة الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم التي هي أوْلى بالرعاية و العطف من كلّ شيء.
فلم تمض حفنة من السنين على اقتراف الأمويّين لمجزرة كربلاء الرهيبة، و إذا بهم قد عمدوا إلى قتل زيد الذي هو من أعلام الأُسرة النبويّة، و لم يكتفوا بقتله، و إنّما نبشوا قبره و صلبوه على الجذع، و لم يسمحوا بمواراته لإظهار التشفّي الآثم بأهل البيت علیهم السلام، و قد خالفوا بذلك ما أمر به النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم من المودّة لأهل بيته، كما خالفوا ما أمر به الإسلام من احترام الأموات و تحريم المثلة بهم.
لقد كانت فاجعة زيد المروّعة من الأحداث الجسام التي ذعر منها المسلمون، و استعظموها، و قد اندفع شعراؤهم إلى رثائه بما صوّر مدى الحزن و اللوعة التي مني بها المسلمون.
يقول الفضل بن العبّاس:
أَلا يا عَيْنُ لا تَرْقَى وَجودِي *** بِدَمعِكِ لَيسَ ذا حِينُ الجُمودِ
غَداةَ ابْنُ النَّبِيِّ أَبو حُسَيْنٍ *** صَليبٌ بِالكُناسَةِ فَوقَ عودِ
يَظُلُّ عَلَى عَمودِهِمْ وَ يُمْسي *** بِنَفْسي أَعْظُمٌ فَوقَ العَمودِ
تَعَدّى الكافِرُ الجَبّارُ فيهِ *** فَأَخْرَجَهُ مِنَ القَبرِ اللَّحيدِ
فَظَلُّوا يَنبشون أبا حُسَينِ *** خَضِيباً بَينَهُمْ بِدَمٍ جَسَيدِ
فَطالَ بهِ تَلَعُّبُهُمْ عُتُوَاً *** وَ ما قَدَروا عَلى الرّوح الصَّعيدِ
وَ جاوَرَ في الجِنانِ بَني أبيهِ *** وَ أَجْدَاداً هُمُ خَيرُ الجُدودِ
فَكَمْ مِنْ والِدٍ لأَبي حُسَيْنٍ *** مِنَ الشُّهَداءِ أَوْ عَمَّ شَهِيدِ
وَ مِنْ أَبْناءِ أَعْمَامٍ سَيَلْقى *** هُمُ أَوْلَى بِهِ عِندَ الوُرودِ
دَعاهُ مَعْشَرٌ نَكَثوا أَباهُ *** حُسَيناً بَعدَ تَوكيدِ العُهودِ
فَسارَ إِلَيْهِمْ حَتَّى أَتَاهُمْ *** فَما أَرْعَوا عَلَى تِلكَ الْعُقودِ (1)
هذه بعض القصيدة، و قد صوّر فيها الشاعر حزنه العميق على الشهيد العظيم الذي ثكل به المسلمون، فهو يطلب من عينيه أن يجودا بالدموع، و لا يضنّا عليه، و ذلك لعظم الخطب الفادح، ثمّ هو يستعظم أشدّ ما يكون الاستعظام على إخراج زيد من قبره و صلبه.
ولكن ممّا يهوّن عليه الخطب أنّهم و إن تلاعبوا بجسد الثائر العظيم، إلّا أنّهم لم يقدروا على إرغام روحه الطاهرة التي صارعت الباطل، و قاومت المنكر و الجور، و أنّها قد أقامت في الجنان مع أرواح الشهداء الخالدين الذين صرعوا في كربلاء، دفاعاً عن حقوق المظلومين و المضطهدين.
ثمّ إنّه بعد ذلك ينعى على أهل الكوفة غدرهم بزيد، كما غدروا من قبل جدّه الحسين علیه السلام، فكان الغدر من خصائص الكوفيّين و ذاتيّاتهم.
و ممّن رثى زيداً بذوب روحه أبو ثميلة الأبّار يقول:
أَبا الحُسَيْنِ أَعَارَ فَقدُكَ لَوْعَةٌ *** مِنْ يَلقَ ما لاقيتَ مِنْها يُكمَدِ
فَغَدا السُّهادُ وَ لَوْ سِواكَ رَمَتْ بِهِ *** الأَقْدارُ حَيثُ رَمَتْ بِهِ لَمْ يَشْهَدِ
وَ نَقولُ لَا تَبعُدْ وَ يُعدُكَ داؤُنا *** وَ كَذاكَ مَنْ يَلقَ المَنِيَّةِ يَبْعُدِ
كُنتَ المُؤَمَّلَ لِلعَظَائِمِ وَ النُّهى *** تُرجى لأَمرِ الأُمَّةِ المُتَأَوِّدِ
فَقُتِلتَ حينَ رَضيتَ كُلَّ مُناضِلٍ *** وَ صَعَدتَ في العَلياءِ كُلَّ مُصَعَّدِ
1) مقاتل الطالبيّين: 148 و 149.
فَطَلَبتَ عَايَةَ سابقينَ فَنِلتَها *** بِاللهِ في سَيرٍ كَريمِ المَوردِ
وَ أَبى إِلهُكَ أَنْ تَموتَ وَ لَمْ تَسِرْ *** فيهِمْ بِسيرَةِ صادِقٍ مُستَنْجِدِ
وَ القَتلُ في ذاتِ الإِلَهِ سَجِيَّةٌ *** مِنْكُمْ وَ أَحْرى بِالفِعالِ الأَمْجَدِ
وَ النّاس قَدْ أَمِنوا وَ آلُ مُحَمَّدٍ *** مِنْ بَيْنِ مَقتولٍ و بَينِ مُشَرَّدِ
نُصُبٌ إِذا أَلقى الظَّلامُ سُورَهُ *** رَقَدَ الحَمامُ وَلَيلُهُمْ لَمْ يَرقُدِ
يا ليتَ شِعْري وَ الخُطوبُ كَثيرَةٌ *** أَسْباب مَوردِها وَ ما لَمْ يورَدِ
م احُجَّةُ المُسْتَبْشِرينَ بِقَتلِهِ *** بِالأَمسِ أَوْ مَا عُذرُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ (1)
و قد رسم الشاعر في هذه الأبيات شجونه و أحزانه المرهفة على زيد الثائر العظيم، و ذكر الخسارة العظمى التي منيت بها الأُمّة بفقدها لزيد، فقد كان المؤمّل لشدائدها و أزماتها، و أضاف أنّ بشهادته قد أنار الطريق للمناضلين و الأحرار، و ملأ قلوبهم رضا و مسرّة بنهضته الجبّارة التي استهدفت القضايا المصيريّة لأُمّته، و قد نال زید بشهادته الغاية القصوى التي نالها الشهداء الممجّدون من آبائه الذين رفعوا راية الحقّ ملطّخة بدمائهم الزكيّة.
و أضاف: أنّ الله أبى لزيد أن يموت و لا يسير بين الناس بسيرة المنقذين و المحرّرين لأُمّتهم و أوطانهم، فإنّ القتل في سبيل الله كان سجيّة العلويّين، و قد اُثر عن بعضهم أنّه قال: «الْقَتْلُ لَنا عادَةٌ، وَ كَرامَتُنا مِنَ اللهِ الشَّهَادَةُ».
و عرض أبو ثميلة في أبياته الأخيرة إلى المحن القاسية التي عاناها العلويّون من حكّام بني اُميّة، و التي كان منها أنّهم قد حرموا من الأمن، فإنّهم بين مقتول و مشرّد يطارده الرعب و الفزع و الخوف، في حين أنّ الطير ترقد في ليلها آمنة مطمئنّة و آل النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم لم يرقدوا في ليلهم خوفاً من بني اُميّة.
1) مقاتل الطالبيّين: 150.
و ندّد بالمستبشرين بقتل زيد الذي ثار لتحقيق العدالة الاجتماعيّة في الأرض، كما ندّد بالذين بايعوه و خذلوه، فدخلوا جامع الكوفة، و قد طلب منهم أن يقوموا بنجدته و حماية ثورته، فلم يستجيبوا له.
و بقى جثمان زيد مرفوعاً على أعواد المشانق، و هو يضيء للناس طريق الحريّة و الكرامة، و يدفعهم إلى التمرّد على الذلّ و الخنوع، و يبعث في نفوسهم روح الثورة على الظلم و الجور، و قد وضعت عليه السلطة الحرس، و عددهم أربعمائة، و جعلت الرقابة في كلّ ليلة لمائة رجل، و بنيت للحرس حول الجذع بناية خوفاً من أن يختلس الجثمان العظيم و يوارى في التراب (1).
و لمّا هلك الطاغية هشام، و ولي الحكم من بعده الوليد بن يزيد فاجر بني أُميّة كتب إلى حاكم الكوفة يوسف بن عمر كتاباً يأمره بأن يُنزل الجثمان المقدّس من الخشبة و يحرقه بالنار (2).
و قام السفّاك بتنفيذ ما عهد إليه، فأحرق الجسد الطاهر الذي ثار ليطهّر الأرض من الظالمين و يعيد للإنسان كرامته و حقّه في الحياة.
و بعدما أحرق الجثمان العظيم عمد الباغي يوسف بن عمر فذرّه في الفرات و هو يقول: «و الله يا أهل الكوفة، لأدعنّكم تأكلونه فى طعامكم، و تشربونه في مائكم» (3).
لقد كان جزاء النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم الذي حرّر أُمّته من حياة التيه في الصحراء، أن عمد
الأمويّون إلى قتل ذرّيّته و عترته، و التمثيل بهم تمثيلاً آثماً لا مبرّر له سوى أنّهم كانوا يطالبون بحقوق الأُمّة و أمنها و رخائها.
يقي هنا شيء، و هو أن المؤرّخ الكبير المسعودي ذكر أنّ زيداً شاور أخاه أبا جعفر في الخروج إلى العراق لإعلان الثورة على الأمويّين، فأشار عليه الإمام علیه السلام بأن لا يركن لأهل الكوفة لأنّهم أهل غدر و مكر، فقد قتلوا جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، و طعنوا عمّه الحسن، و قتلوا جدّه الحسين، فأبي زيد إلّا ما عزم عليه من المطالبة بالحقّ، فقال له أبو جعفر: إِنِّي أَخافُ أَنْ تَكونَ غَداً الْمَصْلوبُ بِكُنَاسَةِ الْكُوفَةِ، و ودّعه أبو جعفر و أعلمه أنّهما لا يلتقيان (1).
و يشعر كلامه بأنّ الإمام الباقر علیه السلام كان حيّاً حال خروج زيد، كما فهم ذلك بعض من كتب عن زيد، و هذا لا واقع له، فإنّ الإمام أبا جعفر توفّي سنة ( 114 ه-) (2)، و استشهد زيد سنة (122ه-)، و لعلّ المسعودي أراد أنّ زيداً في ذلك الوقت حدّثته نفسه بالخروج على بني أُميّة، و هذا له مجال من الصحّة.
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن حياة زيد و ثورته التي هي من ألمع الثورات في ذلك العصر، و أكثرها عطاء للمجتمع.
الحسين الأصغر ابن الإمام زين العابدين علیه السلام. أُمّه أُمّ ولد (3)، و كان من مفاخر الأُسرة النبويّة فى فضله و تقواه و سائر مواهبه.
و فيما يلي بعض شؤونه:
كان من العلماء البارزين في عصره، و قد روى حديثاً كثيراً عن أبيه و عمّته السيّدة فاطمة بنت الإمام الحسين علیه السلام، و أخيه الإمام أبي الجعفر علیه السلام (1).
و روى عنه محمّد ابنه الحديث الوارد عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم في الإخبار عن قتل ولده الإمام الحسين علیه السلام (2).
و كان الحسين علیه السلام حليماً و قوراً تمثّلت فيه هيبة المتّقين و الصالحين، و علت وجهه أسارير النور، و وصفه الإمام أبو جعفر علیه السلام، فقال: «أَمَّا الْحُسَيْنُ فَحَلِيمٌ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً، وَ إِذا خَاطَبَهُمُ الْجاهِلونَ قالوا سَلاماً» (3).
كان ورعاً، تقيّاً، شديد الخوف من الله.
يقول سعيد صاحب الحسن بن صالح: «لم أرَ أحداً أخوف من الله من الحسن بن صالح حتّى قدمت المدينة فرأيت الحسين بن عليّ بن الحسين، فلم أرَ أشدّ خوفاً منه، كأنّما أُدخل النار ثمّ أُخرج منها لشدّة خوفه» (4).
و روى أحمد بن عيسى، عن أبيه، قال: «كنت أرى الحسين بن عليّ بن الحسين
يدعو، فكنت أقول: لا يضع يده حتّى يستجاب له في الخلق أجمعين» (1).
لقد نشأ الحسين في مركز الورع و التقوى، و معدن الحكمة و الفضيلة في الإسلام، و قد غذّاه أبوه الإمام زين العابدين علیه السلام بمثله و كمالاته النفسيّة، فكان كأبيه في إقباله على الله تعالى، و زهده في الدنيا، و تحرّجه في الدين.
توفّي في يثرب عن عمر يناهز (57) عاماً (2).
و قيل: ( 7) عاماً (3)، و دفن ببقيع الغرقد مجاوراً لأبيه زين العابدين و أخيه الإمام الباقر علیه السلام.
ابن الإمام زين العابدين الله علیه السلام، و هو أخو الإمام الباقر لأُمّه و أبيه، و هو من مفاخر أبناء الأئمّة الطاهرين في علمه و ورعه و تقواه، و نعرض بإيجاز لبعض شؤونه:
لقّب بالباهر لجماله و حسنه، و يقول المؤرّخون: «إنّه ما جلس مجلساً إلّا بصر جماله» (4)، و ما رآه أحد إلّا هابه و أكبره.
كان من العلماء البارزين، فقد عني بتربيته أبوه زين العابدين، فغذّاه بعلومه
و فضله، و يقول المؤرّخون: «إنّه كان من فقهاء أهل البيت علیهم السلام، و روى عن آبائه عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم أخباراً كثيرة، و حدّث الناس، و حملوا عنه الآثار (1).
كما روى مرسلاً عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، و عن جدّه لأُمّه الإمام الحسن علیه السلام، و روى عنه عمارة بن غزيّة، و موسى بن عقبة، و عيسى بن دینار، و يزيد ابن أبي زياد، و عدّه ابن حبّان من الثقات، و صحّح الترمذي و الحاكم حديثه (2).
و تولّى عبدالله بالنيابة عن إخوانه صدقات النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم و صدقات الإمام أمير المؤمنين علیه السلام (3)، و توزيع وارداتهما حسب ما جاء في وصيّتهما صلوات الله عليهما.
انتقل إلى حظيرة القدس، و عمره سبع و خمسون سنة (4)، و لم تعيّن المصادر التي بأيدينا السنة التي توفّي فيها، و المكان الذي دفن فيه.
ابن الإمام زين العابدين علیه السلام، و أُمّه أمة اشتراها المختار بمائة ألف درهم، و بعث بها إلى الإمام زين العابدين علیه السلام، فأولدت له عمراً و زيداً و عليّاً (5)، و كان عمر الأشرف من أفاضل الناس و خيارهم، أمّا أخباره و شؤونه فهي:
لقّب بالأشرف بالنسبة إلى عمر الأطرف عمّ أبيه؛ و ذلك لما ناله من شرف و فضيلة بالنسبة لولادة جدّه الحسين علیه السلام من سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء علیها السلام بخلاف عمر الأطرف، فإنّه نال الشرف من طرف أبيه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام. هذا ما قاله السيد المهنّا.
و علّق عليه سيّدنا الإمام الخوئى قدّس سرّه بقوله: « أقول: و هو أشرف من الأطرف بحسبه و فضله، و ورعه أيضاً» (3).
و كان عالماً، فاضلاً. عدّه الشيخ من أصحاب أخيه الإمام الباقر علیه السلام، و قد روى عن أبيه، و روى عنه فطر بن خليفة (4).
تولّى صدقات النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، و صدقات جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، و يقول الحسين بن زيد: «رأيت عمر عمّي يشترط على مَن ابتاع صدقات عليّ أن يثلم في
الحائط كذا و كذا، لا يمنع من دخله أن يأكل» (1).
و دلّ ذلك على سخائه و نبله و سموّ إنسانيّته.
انتقل إلى الرفيق الأعلى و عمره خمس و ستّون سنة (2)، و لم تشر المصادر التي عثرنا عليها إلى السنّة التي توفّي فيها، و المكان الذي دُفن فيه، فقد أهملت ذلك.
ابن الإمام زين العابدين، توفّي بينبع (3)و دفن بها، و عمره ثلاثون سنة (4)و لم نعثر على ترجمة ملمّة بحياته، فقد أهملت مصادر التراجم و النسب البحث عنه، و بهذا ينتهي بنا الحديث عن السادة الأبرار من إخوان الإمام.
1) سفينة البحار: 2: 273.
2) عمدة الطالب: 305.
3) ينبع: يقع عن يمين رضوى لمن كان منحدراً من المدينة إلى البحر، و هي لبني الإمام الحسن علیه السلام، فيها عيون عذاب غزيرة، و قال بعضهم: إنّه حصن به نخیل، و ماء و زرع، و بها وقوف للإمام أمير المؤمنين علیه السلام يتولّاها ولده. معجم البلدان: 5: 450.
4) سرّ السلسلة العلويّة: 76.
أمّا أبناء الإمام الباقر عليه السلام، فكانوا من حسنات الأُسرة النبويّة، و من مفاخر أبناء المسلمين في هديهم و صلاحهم و ابتعادهم عن مآثم هذه الحياة، قد ربّاهم الإمام بمكارم أخلاقه، و غرس في نفوسهم نزعاته الكريمة، و مثله العليا، فكانوا امتداداً مشرقاً لذاته العظيمة التي طبق شذاها العالم.
أمّا ذرّيّته الطاهرة من الذكور، فهم:
ابن الإمام الباقر عليه السلام، و أُمّه أُمّ حكيم بنت أسيد بن المغيرة بن الأخنس الثقفى (1)، و لم نقف على أيّة معلومات عنه.
هو سيّد ولد أبيه، و وصيّه، و الإمام القائم من بعده، و كان من مفاخر هذه الدنيا، و في طليعة عباقرة العالم، و ذلك بما حقّقه على الصعيد الفكري و العلمي من التطوّر الهائل في الميادين العلميّة و التي كان منها الابداع في علم الكيمياء الذي ألقى بحوثه على جابر بن حيّان مفخرة الشرق العربي، و يعتبر هذا العلم الأداة الخلّاقة للتقدّم التكنولوجي في العالم، و لا تزال الكثير من النظريّات التي أدلى بها الإمام في هذا الفنّ لم تكتشفها العلوم الحديثة، و ما توصّل لمعرفتها الاختصاصيّون (2).
أمّا البحوث الفلسفيّة و الكلاميّة فيعتبر الإمام الصادق عليه السلام من الروّاد الأوائل فيها، و قد تخرّج على يده فيها هشام بن الحكم الذي يعتبر الانموذج الرائع في هذه البحوث.
أمّا الفقه فإنّه المؤسّس له، و الواضع لقواعده و اُصوله بعد آبائه الطاهرين، و قد عنى بهذا العلم عناية بالغة، فوجّه جلّ اهتمامه نحوه، و قد حفلت الموسوعات
الفقهيّة بما أُثر عنه بحيث تعدّ معظم أبواب الفقه و فروعه قد رويت عنه.
و إذا نظرنا إلى سائر العلوم الإسلاميّة الأُخرى، كعلم الحديث و التفسير و الأخلاق و غيرها، فنجد أكثرها قد أخذ عنه .. و لا يعرف التاريخ الإنساني من هو أعظم منه علماً و فضلاً عدا آبائه عليهم السلام، أمّا الحديث عن نواحي شخصيّته مفصّلاً فإنّه يستدعي موسوعة كبيرة.
ابن الإمام الباقر عليه السلام، و أُمّه أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر (1).
قام بتربيته أبوه و عنى بتهذيبه، فكان من أفاضل العلويّين و أنبههم، و قد توفّي
شهيداً، سقاه السمّ رجس من أرجاس بني أُميّة.
يقول المؤرّخون: إنّه دخل عليه فأوجس منه عبدالله خيفة، فقال له: لا تقتلني
أكن الله عليك عيناً، و أكن لك على الله عوناً (2).
فلم يعن به الأموي، و أجبره على تناول السمّ، فلمّا سقي تقطّعت أمعاؤه، و لم يلبث إلّا قليلاً حتّى فارق الحياة (3). لقد مضى إلى الله شهيداً شأنه شأن آبائه
الذين أجهزت عليهم القوى الشريرة و النفوس الآثمة الحاقدة على ذوي الأحساب الأصيلة التي رفعت منار الكرامة الإنسانيّة.
و أُمّه أُمّ حكيم بنت أسيد بن المغيرة الثقفيّة (1). توفّي في حياة أبيه (2). و لم نعثر له على ترجمة وافية في المصادر التي بأيدينا.
ابن الإمام الباقر عليه السلام. عاش في كنف أبيه، و تربّى على هديه و سلوكه، فنشأ مثالاً للفضل و الكمال، لقب بالطاهر لطهارة نفسه و عظيم شأنه. توفّي بالقرب من بغداد في قرية من أعمال الخالص. أدلى بذلك محبّ الدين بن النجّار في تاريخه، قال: «مشهد الطاهر يقع في قرية من أعمال الخالص قريبة من بغداد، ظهر فيها قبر قديم عليه صخرة فيها مكتوب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذا ضريح الطاهر عليّ بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
و قد انقطع باقي الصخرة، فبني عليه قبّة من لبن، ثمّ عمّره بعد ذلك شيخ من الكتّاب يقال له: عليّ بن نعيم كان يتولّى كتابة ديوان الخالص، فزوّقه و زخرفه،
و علّق فيه قناديل من الصفر، و بنى حوله رحبة واسعة، و صار من المشاهد التي تزار (1).
و نقل عن صاحب رياض العلماء أنّ قبره في (كاشان)، و عليه قبّة رفيعة عظيمة، و له كرامات ظاهرة (2).
أمّا السيّدات من بناته فهنّ: السيّدة زينب، و أُمّها أُمّ ولد.
و السيّدة أُمّ سلمة (3)، و أُمّها أُمّ ولد، و هى أُمّ إسماعيل بن الأرقط، و قد مرض ولدها إسماعيل فهرعت إلى الإمام الصادق علیه السلام فزعة، فأمرها أن تصعد فوق البيت و تصلّي ركعتين و تدعو الله بهذا الدعاء: اللهمَّ إِنَّكَ وَهَبْتَهُ لِي وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً، اللَّهُمَّ وَ إِنِّي اسْتَوْهِبَكَهُ فَأَعِرْنِيه» (4).
ففعلت ذلك فعافاه الله.
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن السادة الأبرار من أبناء الإمام علیه السلام.
و أجمع رجال الفكر و العلم من المعاصرين للإمام و غيرهم من البحّاث و المؤلّفين على تعظيم الإمام الباقر علیه السلام و الاعتراف له بالفضل و التفوّق العلمي على غيره، و قد اتّفقت كلماتهم على أنّه أسمى شخصيّة علميّة عرفها العالم العربي و الإسلامي، و هذه بعض كلماتهم التي تحمل انطباعاتهم عنه.
قال الإمام أبو عبد الله الصادق علیه السلام: «كانَ أَبي خَيْرَ مُحَمَّدِيِّ يَوْمَئِذٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ» (1).
و معنى ذلك أنّ الإمام الباقر علیه السلام كان أفضل مسلم - في عصره - في علمه و تقواه، و تحرّجه في الدين، و غير ذلك ممّا يسمو به الإنسان المسلم.
قال عبد الحميد بن أبي الحديد: «كان محمّد بن عليّ الباقر سيّد فقهاء الحجاز، و منه و من ابنه جعفر تعلّم الناس الفقه، و هو الملقّب بالباقر، لقّبه به رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، و لم يخلق بعد، و بشّر به، و وعد جابر برؤيته» (2).
قال ابن تيميّة: كان محمّد الباقر أعظم الناس زهداً و عبادة، بقر السجود جبهته، و كان أعلم أهل وقته، سمّاه رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم الباقر، و ذكر حديث جابر» (1).
إلّا أنّه بعد ذلك عدل عمّا قاله، و أنكر تسمية النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم للإمام الباقر بهذا الاسم و قال: «لا أصل له عند أهل العلم، بل هو من الأحاديث الموضوعة» (2).
لقد عرف ابن تيميّة بالبغض لأهل البيت علیهم السلام، و الحقد على شيعتهم، فقد ألصق بهم - بدون تورّع - كلّ أُحدوثة و خرافة، و حسابه في ذلك على الله، و على العلم و التاريخ، و لعلّ أعظم عقاب ناله فقدان الثقة بما كتبه، فلا ينظر إليه المؤرّخون إلّا نظرة ريبة و شكّ في جميع ما كتبه.
قال شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي: «أبو جعفر محمّد الباقر، سمّي بذلك من بقر الأرض أي شقّها، و أنار مخبّئاتها و مكامنها، فلذلك هو أظهر من مخبّئات كنوز المعارف، و حقائق الأحكام و الحكم و اللطائف ما لا يخفى إلّا على منطمس البصيرة، أو فاسد الطويّة و السريرة، و من ثمّ قيل فيه هو باقر العلم و جامعه، و شاهر علمه و رافعه، صفا قلبه، و زكا علمه و عمله، و طهرت نفسه، و شرف خلقه، و عمرت أوقاته بطاعة الله، و له من الرسوم في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين، و له كلمات كثيرة في السلوك و المعارف لا تحتملها هذه العجالة» (3).
و حدّدت هذه الكلمات بعض الجوانب المشرقة من حياة الإمام أبي جعفر علیه السلام،
و التي منها قيامه بإبراز كنوز المعارف، و حقائق الأحكام بعد أن خفي أمرها على الناس، و هذا ما سنتحدّث عنه في البحوث الآتية.
قال جمال الدين أحمد بن عليّ بن الحسين بن المهنّا بن عنبة: «كان محمّد الباقر واسع العلم، وافر الحلم، و جلالة قدره أشهر من أن ينبّه عليها» (1).
و ترجم أبو الفداء الحافظ ابن كثير الإمام الباقر علیه السلام و قال فيه: «هو تابعي، جليل القدر، كبير، أحد أعلام هذه الأُمّة علماً و عملاً و سيادة و شرفاً .. سمّي الباقر لبقره العلوم، و استنباطه الحكم، و كان ذاكراً خاشعاً، صابراً، و كان من سلالة النبوّة، رفيع النسب، عالي الحسب، و كان عارفاً بالخطرات، كثير البكاء و العبرات، معرضاً عن الجدال و الخصومات» (2).
و تحدّث ابن كثير عن سعة علوم الإمام علیه السلام، و عبادته و صبره، و سموّ حسبه و نسبه، و كثرة بكائه من خشية الله، و إعراضه عن الجدل و الخصومات، و نال الإمام علیه السلام بهذه الصفات إعجاب العلماء و إكبارهم و تقديرهم.
قال الشيخ أبو الحسن الطبرسي: «قد اشتهر الباقر في العالم تبريزه على الخلق في العلم و الزهد و الشرف ما لم يؤثر عن أحد من أولاد الرسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم من علم القرآن
و الآثار و السنن، و أنواع العلم و الحكم و آداب ما أُثر عنه، و اختلف إليه كبار الصحابة و وجوه التابعين و فقهاء المسلمين، و عرفه رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم باقر العلم على ما رواه نقلة الآثار» (1).
قال أبو زرعة: «إن أبا جعفر لمن أكبر العلماء» (2).
قال الشيخ أبو زهرة: «و كان محمّد ابنه - أي ابن الإمام زين العابدين - وريثه في إمامة العلم، و نيل الهداية، و لذا كان مقصد العلماء من كلّ البلاد الإسلاميّة، و ما زار أحد المدينة إلّا عرج على بيت محمّد الباقر يأخذ عنه» (3).
قال الشيخ أحمد فهمي: « الإمام الباقر هو خامس الأئمّة عند الإماميّة، و كان رضي الله عنه أصدق الناس، و أحسنهم بهجة، و أبدعهم لهجة» (4).
قال الداعي إدريس القرشي «محمّد بن عليّ أوّل من حاز شرف الأصلين، و اجتمعت له ولادة الحسن و الحسين، و نشأ على الفضل و الطهارة و الرئاسة و السيادة
و العلم، و احتذى سيرة آبائه الطاهرين، و لم يزل في درجات الفضائل منتقلاً،
و للمفاخر السامية متوغّلاً» (1).
قال تاج الدين بن محمّد نقیب حلب: «أبو جعفر باقر العلم هو أوّل من اجتمعت له ولادة الحسن و الحسين، كان واسع العلم، وافر الحلم، روي عنه حديث كثير، و نقل عنه علم جمّ» (2).
قال التلمساني: «محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، و هو والد جعفر الصادق. يقال له الباقر، سمّي باقراً لتبحّره في العلم، و هو الشقّ و التوسعة، تابعي، عدل، ثقة، و إمام مشهور» (3).
و اشتهر الصحابي العظيم جابر بن عبد الله الأنصاري بالولاء لأهل البيت علیهم السلام، و التفاني بحبّهم، و هو الذي حمل تحيّات النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم إلى الإمام أبي جعفر علیه السلام - كما ذكرنا ذلك -، و هو ممّن وعى مكانة الإمام علیه السلام، فكان يجلّه و يعظّمه و الإمام صبيّ يافع، فكان إذا خاطبه قال له: «أنت ابن خير البريّة، و جدّك سيّد شباب أهل الجنّة» (4).
جابر بن يزيد الجعفي من أشهر علماء المسلمين، و من أجلّ رواة الحديث، و هو ممّن تتلمذ عند الإمام أبي جعفر علیه السلام، و روى عنه سبعين ألف حديث - حسبما يقول الذهبي - و كان ممّن عرف مقام الإمام و وقف على مكانته، فكان إذا حدّث عنه يقول: «حدّثني وصيّ الأوصياء، و وارث علم الأنبياء» (1).
قال جمال الدين يوسف بن تغري بردي الأتابكي: «محمّد أبو جعفر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشمي العلوي، سيّد بني هاشم في زمانه، و هو أحد الأئمّة الاثني عشر الذين تعتقد الرافضة عصمتهم» (2).
و ترجم الذهبي في كثير من مؤلّفاته الإمام علیه السلام، إلّا إنّه شذّ في بعض أقواله، و فيما يلي ذلك:
و الثقة و الرزانة، و كان أهلاً للخلافة، و هو أحد الأئمّة الاثني عشر الذين تبجّلهم الشيعة الإماميّة، و تقول بعصمتهم، و بمعرفتهم بجميع الدين.
و لقد كان أبو جعفر إماماً مجتهداً، تالياً لكتاب الله، كبير الشأن، ولكن لا يبلغ في القرآن درجة ابن كثير و نحوه، و لا في الفقه درجة أبي الزناد و ربيعة، و لا في الحفظ و معرفة السنن درجة قتادة و ابن شهاب» (1).
و انحرف الذهبي عن الحقّ في تقديمه لابن كثير و أبي الزناد و ربيعة و قتادة و ابن شهاب على الإمام، فإنّ هؤلاء الأعلام لا يقاسون بتلاميذه، كزرارة بن أعين و محمّد بن مسلم و جابر بن يزيد الجعفي، فإنّ ما أُثر عنهم من الفضل و العلم يفوق بكثير ممّا أُثر عن ابن كثير و جماعته، و قد كان قتادة قد خاصمه الإمام، و احتجّ عليه، فولّى منهزماً لا يعرف ما يقول، و لا يدري كيف يتخلّص ممّا هو فيه .. ولكنّ الذهبي كان يملك ضميراً متحجّراً مترعاً بالكراهية و الحقد على آل النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم و شيعتهم، كما أعلن ذلك في كثير من بحوثه، و ما أبدع ما قيل فيه:
سُمِّيتَ بِالذَّهَبِي اليَومَ تَسْمِيَةً *** مُشْتَقَّةٌ مِنْ ذَهَابِ العَقْلِ لا الذَّهَبِ
و سديف المكّي من أصحاب الإمام أبي جعفر علیه السلام، و قد اتّصل به، و هو ممّن أبدى إكباره و إعجابه به. يقول: «ما رأيت محمّديّاً قطّ يعدله» (2).
قال عبد القادر الشيخاني: «محمّد الباقر كان أشهر أهل زمانه، و أكملهم فضلاً،
و أعظمهم نبلاً، و لم يظهر في زمنه عند أحد من علم الدين و السنن، و علم القرآن و السير و فنون الآداب مثل ما ظهر منه» (1).
قال السيد عبّاس بن علىّ المكيّ: «الباقر أحد الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة، و كان عالماً سيّداً كبيراً، و ما سمّي الباقر إلّا لأنّه تبقّر في العلم، أي توسّع فيه» (2).
قال عبد الحميد بن العماد الحنبلي في ترجمته للإمام علیه السلام: «كان من فقهاء المدينة، و قيل له: الباقر، لأنّه بقر العلم، أي شقّه و توسّع فيه، و هو أحد الأئمّة الاثني عشر على اعتقاد الإماميّة» (3).
قال عبد القادر الحلبي: «الباقر أوّل علويّ ولد بين علويّين، تابعي، جليل القدر، إمام بارع مجمع على إمامته و جلالته، معدود في فقهاء المدينة و أئمّتهم» (4).
و تحدّث عبدالله بن عطاء عن إكبار العلماء و تعظيمهم للإمام علیه السلام و تواضعهم
1) أخبار الدول: 111. الصراط السوي: 194، من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام.
2) نزهة المجالس: 2: 36.
3) شذرات الذهب: 1: 149.
4) ينابيع المودّة: 3: 158. تاریخ ابن خلّكان: 2: 23. الحديث المفحص عن شرف نسل الإمام عليّ علیه السلام: 139، من مخطوطات مكتبة الإمام كاشف الغطاء قدّس سرّه العامّة.
أمامه. يقول: «ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم عند أبي جعفر محمّد بن عليّ لتواضعهم له، و معرفتهم بحقّه و علمه، و اقتباسهم منه، و لقد رأيت الحكم بن عتيبة على جلالته و سنّه، و هو بين يديه يتعلّم منه، و يأخذ عنه كالصبي بين يدي المتعلّم» (1).
و أدلى مرّة أُخرى عن مشاهدته للحكم عند الإمام، قال: «رأيت الحكم عنده كأنّه عصفور مغلوب على أمره» (2).
و لابدّ لنا من وقفة قصيرة عند الحكم بن عتيبة لنرى مكانته و منزلته العلميّة ليتبيّن لنا مدى سعة علوم الإمام علیه السلام و سموّ مكانته عند العلماء ..
لقد كان الحكم - فيما يقول الرواة - من أجلّ علماء عصره، و أنبههم شأناً.
يقول مجاهد بن رومي: رأيت الحكم في مسجد الخيف و علماء الناس عيال عليه.
و نقل جرير عن المغيرة أنّ الحكم إذا قدم المدينة أخلوا له سارية النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم يصلّي إليها (3).
و قال ابن سعد: كان ثقة ثقة، فقيهاً، عالماً رفيعاً، كثير الحديث.
و إذا كان الحكم و هو بهذه المنزلة من سعة العلم و جلالة القدر كأنّه الصبيّ المغلوب على أمره بين يدي الإمام، فلابدّ أن يكون أعلم أهل عصره، و أكثرهم إحاطة في جميع العلوم. و هذا ما تذهب إليه الشيعة، و تدلّل عليه من سعة علوم الإمام علیه السلام.
و تحدّث الوزير عليّ بن عيسى الأربلي الأربلي عن معالي سيرة أبي جعفر علیه السلام، و ختم حديثه بقوله: «إنّ مناقبه أكثر من أن يأتي الحصر عليها، و مزاياه أعلى من أن تتوجّه الإحاطة بها، و مفاخره إذا عددت خرّت المفاخر و المحامد لديها، لأنّ شرفه تجاوز الحدّ، و بلغ النهاية، و جلال قدره استولى على الأمد، و أدرك الغاية، و محلّه من العلم و العمل رفع له ألف راية، و كم له من علامات سؤدد، و سيما رياسة، و آية سماحة و حماسة، و شرف منصب، و علوّ نسب، و فخر حسب، و طهارة أُمّ و أب، و الأخذ من الكرم و الطهارة بأقوى سبب لو طال السماء لطالها، أو رام الكواكب في أوجها لنالها» (1).
قال فريد وجدي: «كان الباقر عالماً نبيلاً، و سيّداً جليلاً، و سمّي الباقر لأنّه بقر العلم، أي توسّع فيه» (2).
و ترجم أحمد بن يوسف القرماني الإمام، قال: «إنّما سمّي الباقر لأنّه بقر العلم.. و كان خليفة أبيه من بين إخوته و وصيّه، و القائم بالإمامة من بعده، و لم يظهر عن أحد من أولاد الحسن و الحسين من علم الدين و السنن و علم القرآن و السير و فنون الأدب ما ظهر عن أبي جعفر. روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة، و وجوه التابعين» (3).
قال السيّد كاظم اليماني: «الإمام الباقر هو ثاني سبط، و خامس إمام معصوم على رأي من رأى ذلك، و رابع تقيّ على رأي الإجماع، و هو المكنّى أبا جعفر» (1).
قال كمال الدين الشافعي: «هو باقر العلم و جامعه، و شاهر علمه و رافعه، و متوفّق درّه و راضعه، صفا قلبه، و زكا عمله، و طهرت نفسه، و شرفت أخلاقه، و عمرت بطاعة الله أوقاته، و رسخت في مقام التقوى قدمه، و ظهرت عليه سيمات الازدلاف، و طهارة الاحتباب، فالمناقب تسبق إليه، و الصفات تشرف به» (2).
قال الشيخ المجلسي: «لم يظهر عن أحد من أولاد الحسن و الحسين من العلوم ما ظهر منه - أي الباقر - من التفسير و الكلام و الفتيا و الحلال و الحرام .. و قد روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة و وجوه التابعين، و رؤساء فقهاء المسلمين.
فمن الصحابة جابر بن عبدالله الأنصاري.
و من التابعين نحو جابر بن يزيد الجعفي، و كيسان السختياني صاحب الصوفيّة.
و من الفقهاء نحو: ابن المبارك، و الزهري، و الأوزاعي، و أبي حنيفة، و مالك، و الشافعي، و زياد بن المنذر، و النهدي.
و من المصنّفين نحو: الطبري ، و البلاذري، و الخطيب في تواريخهم.
و في الموطّأ، و شرف المصطفى و الإبانة، و حلية الأولياء، و سنن أبي داود،
و مسند أبي حنيفة، و ترغيب الاصفهاني، و بسيط الواحدي، و تفسير العيّاشي، و الزمخشري، و معرفة أُصول السمعاني، و كانوا يقولون: محمّد بن عليّ، و ربّما قالوا: محمّد الباقر» (1).
و ألمّ كلام المجلسي بالناحية العلميّة من شخصيّة الإمام العظيم التي استوعبت جميع المعارف، و قد انتهل من نمير علومه علماء المسلمين، فأخذوا عنه الفقه و التاريخ و التفسير و علم الكلام و فنون الحكم و الآداب، ممّا يعتبر عاملاً جوهريّاً في نشأة التطوّر و الابداع في الفكر الإسلامي.
قال محمّد بن أبي بكر - المعروف بابن حمّاد دكين - (المتوفّى سنة 700ه-): «سيّدنا الإمام محمّد ابن الإمام زين العابدين علیها السلام برز بالفضل في العلم و الزهد و السؤدد، و كان نبيه الذِكر، عظيم القدر، جليل الشأن، لم يظهر عن أحد من ولد الحسن و الحسين علیها السلام من علم الدين و الآثار و السنّة و علم القرآن و السيرة و فنون الآداب ما ظهر عن أبي جعفر. روى عنه علماء الدين و بقايا الصحابة و وجوه التابعين، و رؤساء فقهاء المسلمين، و صار بالفضل علماً تضرب به الأمثال، و تسير بوصفه الآثار و الأشعار» (2).
و كان محمّد بن المنكدر ممّن عاصر الإمام زين العابدين و ولده الإمام الباقر علیها السلام، و قد أدلى بانطباعاته عنه. يقول: ما كنت أرى أنّ مثل عليّ بن الحسين يدع خلفاً
لفضله و غزارة علمه و حلمه حتّى رأيت ابنه محمّداً» (1).
قال محمّد بن محمّد الجزري: «محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب أبو جعفر الباقر، لأنّه بقر العلم - أي شقّه - و عرف ظاهره و خفيّه، و كان سيّد بني هاشم علماً و فضلاً و سنّة» (2).
قال محمّد الصبّان: «و أمّا محمّد الباقر فهو صاحب المعارف، و أخو الدقائق و اللطائف، ظهرت كراماته، و كثرت في السلوك إشاراته، و لقّب بالباقر لأنّهبقر العلم، أي شقّه فعرف أصله و خفيّه» (3).
و تحدّث الإمام الباقر علیه السلام عن قائم آل محمّد صلّی الله علیه و آله و سلّم و مهديّ هذه الأُمّة، و كان في المجلس المنصور الدوانيقي فبهر من ذلك، وراح يحدّث سيف بن عمير بما سمعه من الإمام قائلاً: «لو حدّثني أهل الأرض كلّهم ما قبلت منهم، ولكنّه محمّد بن عليّ» (4).
و دلّ هذا الكلام على مدى إكباره و تعظيمه للإمام، فلو حدّثه أهل الأرض جميعاً
بمقالة الإمام لما قبل منهم و صدّقهم، ولكنّ الإمام حدّثه بذلك و هو - حسب اعترافه - يفوق الناس جميعاً في صدقه و وثاقته.
قال الشيخ المفيد: «كان الباقر محمّد بن علي بن الحسين من بين إخوته خليفة أبيه و وصيّه، و القائم بالإمامة من بعده، و برز على جماعتهم بالفضل في العلم و الزهد و السؤدد، و كان أنبههم ذكراً، و أجلّهم في العامّة و الخاصّة، و أعظمهم قدراً، و لم يظهر عن أحد من ولد الحسن و الحسين علیها السلام من علم الدين و الآثار و السنّة وعلم القرآن و السيرة و فنون الآداب ما ظهر عن أبي جعفر.
و روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة، و وجوه التابعين، و رؤساء فقهاء المسلمين، و صار بالفضل به علماً لأهله، تضرب به الأمثال، و تسمو بوصفه الآثار و الأشعار» (1).
قال محمود بن وهيب البغدادي: «سمّي الباقر من بقر الأرض، أي شقّها، و أنار مخبّئاتها و مكامنها، فلذلك هو أظهر من مخبّآت كنوز المعارف، و حقائق الأحكام و الحكمة و اللطائف ما لا يخفى إلّا على منطمس البصيرة، و من ثمّ قيل باقر العلم و جامعه و رافعه، صفا قلبه، و زكا علمه و عمله، و ظهرت نفسه، و شرف خلقه، و عمرت أوقاته بطاعة الله، و له من الرسوم في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين» (2).
قال الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني: «محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين، أحد أئمّة ساداتنا آل البيت الكرام، و أحد أعيان العلماء الأعلام» (1).
قال النووي: «الباقر تابعي جليل، إمام بارع، مجمع على جلالته، معدود في فقهاء المدينة و أئمّتهم» (2).
أمّا هشام بن عبد الملك فكان من أعظم الحاقدين على الإمام، و من ألدّ أعدائه، إلّا أنّه اعترف بسموّ مكانة الإمام، و عظيم شأنه، فقد خاطبه قائلاً: «يا محمّد، لا تزال العرب و العجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك» (3).
هذه بعض الكلمات التي أدلى بها كبار العلماء و البحاث في حقّ الإمام علیه السلام، و هي كما سجّلت إكبارهم لشخصيّة الإمام، كذلك كشفت عن بعض الجوانب من حياته المشرقة، و التي كان منها:
أوّلاً: تقدّم الإمام في الفضل و العلم على جميع علماء عصره، و إنّه لم يكن هناك أحد يدانيه في مواهبه و ملكاته العلميّة، و إنّه يفوق في فضله و علمه إخوانه، و أبناء عمومته و سائر أبناء الأُسرة النبويّة التي هي مصدر النور و الوعي في الأرض.
ثانياً: تصاغر علماء عصره أمامه اعترافاً منهم بسموّ مقامه العلمي و الروحي،
و إنّه المرجع الأعلى للعالم الإسلامي.
ثالثاً: سعة علوم الإمام و معارفه لا في الفقه الإسلامي فحسب، و إنّما كان ملمّاً بجميع العلوم من علم الكلام و الفلسفة و التفسير و التاريخ و الحكم و الآداب، و غير ذلك ممّا أصبح به المنار المشرق للعلوم الإسلاميّة.
رابعاً: إنّه أظهر مخبّآت بعض العلوم، و كشف النقاب عن كنوز المعارف التي كانت خافية على الناس.
خامساً: إنّه كان الرائد الأوّل للحركة العلميّة في عصره، فمن نمير علمه اقتبس العلماء، و من إفاضاته استمدّ البحّاث و المؤلّفون و الكتّاب.
سادساً: تحرّج الإمام في الدين أشدّ ما يكون التحرّج، و شدّة ورعه و خوفه من الله ممّا جعله من أئمّة المتّقين و المنيبين.
و توفّرت في شخصيّة الإمام أبي جعفر علیه السلام الصفات الكريمة التي تؤهّله لزعامة هذه الأُمّة و قيادتها الروحيّة و الزمنيّة، فكلّ صفة من صفاته ترفعه إلى القمّة التي لا يبلغها إلّا أفذاذ الناس و عمالقة الدهر، فهو كما قال الشاعر:
مِنْ هَاشِمٍ في ذُراها وَهيَ صاعِدَةٌ *** إِلَى السَّمَاءِ تُميتُ النَّاسَ بِالحَسَدِ
قَومٌ أَبي اللَّهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُمْ *** مَكارِمُ الدِّينِ وَ الدُّنْيا بِلا أَمَدِ
لقد كان الإمام العظيم بمواهبه و عبقريّاته صورة متميّزة من بين صور العظماء و المصلحين، فقد تميّز بفضائله النفسيّة و مآثره الخالدة، و تميّز بحسبه الوضّاح، و تميّز بكلّ ما يسمو به هذا الإنسان، و من بين ما تميّز به:
و حباه الله بالإمامة، و خصّه بالنيابة العامّة عن جدّه الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم، فهو أحد خلفائه و أوصيائه الاثني عشر، الذين جعلهم النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم سفن النجاة، و أمن العباد، و قرنهم بمحكم التنزيل، و نصبهم أعلاماً لأُمّته صيانة لها من الفرقة، و وقاية لها من الفتن و الأزمات.
لقد احتاط النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم أشدّ ما يكون الاحتياط في شأن أُمّته، و أهاب بها من أن تكون في ذيل قافلة الأُمم و الشعوب، فقد أراد لها العزّة و الكرامة، و أراد أن تكون
خير أُمّة أُخرجت للناس، فأولى الخلافة و الإمامة المزيد من اهتمامه، و نادى بها أكثر ممّا نادى بأيّ فرض من الفروض الدينيّة، لأنّها القاعدة الصلبة لتطوّر أُمّته في مجالاتها الفكريّة و الاجتماعيّة و السياسيّة، و قد خصّها بالأئمّة الطاهرين من أهل بيته الذين لم يخضعوا بأي حال من الأحوال لأيّة نزعة مادّيّة، و إنّما آثروا طاعة الله و مصلحة الأُمّة على كلّ شيء.
و قد تحدّث الإمام الباقر علیه السلام عن الإمامة بصورة موضوعيّة و شاملة، سنعرض لها عند البحث عن تراثه الفكري و العلمي.
أمّا إمامته علیه السلام فقد دلّت عليها النصوص العامّة و الخاصّة، و التي كان منها نصّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام على إمامته، و إمامة الأئمّة الطاهرين من بعده (1)، و غير ذلك من النصوص التي سنعرض لها في البحوث الآتية.
و من أسمى مظاهر ذاتيّات الإمام أبي جعفر علیه السلام العصمة من الذنوب و الآثام، و طهارته من الزيغ و الرجس.
إنّ العصمة لطف من الله تعالى يهبها لمن يشاء من عباده ممّن امتحن قلوبهم بالإيمان، و زكّاهم و اختارهم لأداء رسالته، و إصلاح عباده، و هي من أهمّ العقائد الراسخة عند الشيعة، و إحدى المبادئ الأساسيّة للإمامة عندهم، و نتحدّث بإيجاز عنها.
و عرّف المتكلّمون من الشيعة العصمة بتعاريف متعدّدة، كان من بينها تعريف
1) بصائر الدرجات / الصفّار: 108.
الشيخ المفيد، فقد عرّفها «بأنّها الامتناع بالاختيار عن فعل الذنوب و القبائح عند اللطف الذي يحصل من الله تعالى في حقّه، و هو لطف يمتنع من يختصّ به من فعل المعصية، و ترك الطاعة مع القدرة عليهما» (1).
و يقول العلّامة الحلّي في تعريفها: «بأنّها لطف من الله تعالى يفيضه على المكلّف لا يكون له مع ذلك داعٍ إلى ترك الطاعة و ارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك» (2).
و عرّفها شيخ الطائفة الشيخ الطوسي: «بأنّها ما يمتنع المكلّف من المعصية في حال تمكّنه منها» (3).
و العصمة على ضوء هذه التعاريف عبارة عن الكمال المطلق للنفس، و تحرّرها التامّ من كلّ نزعة من نزعات الهوى و الغرر و الطيش، و الامتناع من اقتراف أيّة جريمة أو ذنب، سواء أ كان على سبيل العمد أم السهو، و من الطبيعي أنّه لا يتّصف بذلك إلّا من اختاره الله لأداء رسالته و هداية عباده، نبيّاً كان أم إماماً.
و استدلّت الشيعة على ما ذهبوا إليه من اعتبار العصمة في الإمام بأدلّة كثيرة مقنعة لا مجال للشكّ فيها، و لعلّ من أروع من استدلّ عليها من متكلّميهم هشام بن الحكم، قال: «إنّ جميع الذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها: الحرص، الحسد، الغضب، الشهوة، و هذه الصفات كلّها منفيّة عن الإمام.
فلا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا، و هي تحت خاتمه، فهو خازن أموال المسلمين، فعلى ماذا يحرص؟
و لا يجوز أن يكون حسوداً، لأنّ الإنسان إنّما يحسد من فوقه، و ليس فوقه أحد، فكيف يحسد من دونه؟
و لا يجوز أن يغضب لشيء من اُمور الدنيا، إلّا أن يكون غضبه الله عزّ و جلّ، قد فرض عليه إقامة حدوده.
و لا يجوز أن يتّبع الشهوات، و يؤثر الدنيا على الآخرة، لأنّ الله حبّب إليه الآخرة كما حبّب إلينا الدنيا، فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا، فهل رأيت أحداً ترك وجهاً حسناً لوجه قبيح، و طعاماً طيّباً لطعام مرّ، و ثياباً ليّنة لثوب خشن، و نعمة دانية باقية لدنيا زائلة فانية» (1).
و أقامت الشيعة على ضرورة العصمة للأئمّة مجموعة كبيرة من الأدلّة الوثيقة العقليّة و النقليّة، حفلت بها كتبهم الكلاميّة (2).
و يرى (دونالدسن) أنّ فكرة العصمة عند الشيعة قد أدّت إلى تطوّر علم الكلام و ازدهاره في الإسلام .. كما أنّ لهم الفضل في بحث هذا الموضوع لا في الإسلام فحسب، بل في جميع الديانات الاُخرى (3).
فقد كانوا أوّل من فتق باب الجدل و الحوار العلمي المبنيّ على الأدلّة العقليّة المثبتة لشؤون مبادئهم الأساسيّة في الإمامة.
و اُثير حول العصمة كثير من الشكوك و الأوهام، و اتّهمت الشيعة بالجمود و الغلوّ،
و قال الناقدون لهم: إنّ الأئمّة كبقيّة الناس يطيعون الله و يعصونه، و تصدر المعصية عنهم عمداً أو سهواً من دون أن يكون هناك أي فرق بينهم و بين سائر الناس.
و أكبر الظنّ أنّ الحملات المسعورة التي واجهتها الشيعة في التزامهم بعصمة أئمّتهم إنّما كانت لتبرير ملوك بني اُميّة و بني العبّاس الذين أضفوا عليهم النعوت العظيمة و الألقاب الكريمة، فادّعوا أنّهم سدنة الشريعة، و خلفاء الله في أرضه، و لا مانع مع ذلك أن تصدر عنهم المعاصي و الذنوب، فليست العصمة إذن شرطاً فيمن يتولّى شؤون المسلمين، و قد أنكرت الشيعة ذلك أشدّ الإنكار، و ذهبت إلى أنّ خلافة أُولئك الملوك لا تحمل أي طابع من الشرعيّة، و ذلك لما أُثر عنهم من الأعمال التي لا تتّفق مع أبسط قواعد الدين الإسلامي، فقد أسرفوا إلى حدّ بعيد في الدعارة و اللهو و المجنون، و تحوّلت قصورهم إلى مسارح للهو و الرقص و الفساد، و في ذلك يقول الشاعر في المهدي العبّاسي:
بَنو أُمَيَّةَ هُبّوا طالَ نَوْمُكُمُ *** إنَّ الخَليفَةَ يَعقوبُ بْنَ داوُدِ
ضاعَتْ خِلافَتُكُمْ يَا قَومِ فَالْتَمِسوا *** خَليفَةَ اللهِ بَيْنَ النّايِ وَ العُودِ
و إذا كان الخليفة قد صرعه الهوى فصار حليفاً للناي و العود، كيف يكون إماماً للمسلمين، و خليفة الله في أرضه؟!
لقد احتاط الإسلام أشدّ ما يكون الاحتياط في شأن الخلافة الإسلاميّة باعتبارها المركز الحسّاس لسعادة المسلمين و تقدّمهم، و تطوّر حياتهم، فليس من المنطق في شيء أن يضفى على أُولئك الملوك خلفاء الله في أرضه، و أُمنائه على عباده، و أن يقال بشرعيّة خلافتهم.
لقد قالت الشيعة بعصمة أئمّتهم لأنّهم الأُنموذج الأعلى للتكامل الإنساني، و لم يؤثر عن أحد منهم - فيما أجمع عليه المؤرّخون - أنّه قد شدّ في سلوكه عن الطريق القويم أو خالف الله فيما أوجب أو نهى.
ألم يقل الإمام أمير المؤمنين علیه السلام: «و اللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِها، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُها جُلْبَ شَعِيرَةٍ ما فَعَلْتُ» (1).
و هذه هي العصمة التي تدّعيها الشيعة لأئمّتهم علیهم السلام، فليس فيها غلوّ و لا جمود، و إنّما كانت مطابقة للواقع المحكيّ عن سيرة أئمّة أهل البيت علیهم السلام، الذين تحرّجوا أشدّ ما يكون التحرّج في أُمور دينهم، و آثروا طاعة الله على كلّ شيء، و قد أعلن الكتاب الكريم عصمتهم و طهارتهم من الزيغ و الإثم. قال تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا » (2).
و قرنهم الرسول الأعظم صلّی الله علیه و آله و سلّم بمحكم التنزيل، قال صلّی الله علیه و آله و سلّم: « إِنِّي تَارِكٌ فِيْكُمُ الثَّقَلَيْنِ ما إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي ...» (3).
فكما أن الكتاب العزيز «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ» (4)، كذلك العترة الطاهرة، و إلّا لما صحّت المقارنة بينهما.
أمّا الحلم فقد كان من أبرز صفات الإمام أبي جعفر علیه السلام، فقد أجمع المؤرّخون على أنّه لم يسيء إلى من ظلمه و اعتدى عليه، و إنّما كان يغدق عليه بالبرّ و المعروف، و يقابله بالصفح و الإحسان، و قد روى المؤرّخون صوراً كثيرة من عظيم حلمه، كان منها:
1- إنّ رجلاً كتابيّاً هاجم الإمام، و اعتدى عليه، و خاطبه بمرّ القول: أنت بقر.
فلطف به الإمام و قابله ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً: لا، أَنا باقِرُ.
و راح الكتابي يهاجم الإمام قائلاً: أنت ابن الطبّاخة.
فتبسّم الإمام و لم يثره هذا الاعتداء و قال له: ذاكَ حِرْفَتُها.
و لم ينته الكتابي عن غيّه، و إنّما راح يهاجم الإمام قائلاً: أنت ابن السوداء الزغنة النديّة.
و لم يغضب الإمام و إنّما قابله باللطف قائلاً: إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ غَفَرَ اللهُ لَكَ، وَ إِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ.
و بهت الكتابي و بهر من معالي أخلاق الإمام التي تضارع أخلاق الأنبياء، فأعلن إسلامه (1)، و رجع إلى حضيرة الحقّ.
2- و من تلك الصور الرائعة المدهشة من حلمه أنّ شاميّاً كان يختلف إلى مجلسه، و يستمع إلى محاضراته، و قد أُعجب بها، فأقبل يشتدّ نحو الإمام و قال له: يا محمّد، إنّما أغشى مجلسك لا حبّاً منّي إليك، و لا أقول إنّ أحداً أبغض إليَّ منكم أهل البيت، و اعلم أنّ طاعة الله تعالى و طاعة أمير المؤمنين في بغضكم، و لكنّي أراك رجلاً فصيحاً، لك أدب، و حسن لفظ، فإنّما أختلف إليك لحسن أدبك.
و نظر إليه الإمام بعطف و حنان، و أخذ يغدق عليه ببرّه و معروفه حتّى استقام الرجل و تبيّن له الحقّ، فتبدّلت حالته من البغض إلى الولاء للإمام، و ظلّ ملازماً له حتّى حضرته الوفاة، فأوصى أن يصلّى عليه (2).
و حاكى الإمام بهذه الأخلاق الرفيعة جدّه الرسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم الذي استطاع بسموّ أخلاقه أن يؤلّف ما بين القلوب، و يوحّد ما بين المشاعر و العواطف، و يجمع الناس
على كلمة التوحيد بعدما كانوا فرقاً و أحزاباً «كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» (1)
لقد كان الصبر من الصفات الذاتيّة للأئمّة الطاهرين من أهل البيت علیهم السلام، فقد صبروا على مكاره الدهر، و نوائب الأيّام، و صبروا على تجرّع الخطوب التي
تعجز عنها الكائنات، فقد كان الإمام الحسين علیه السلام على صعيد كربلاء يستقبل المحن الشاقّة التي تذهل كلّ كائن حيّ، و هو يقول: «صَبْرَاً عَلَى قَضَائِكَ لَا إِلَهَ سِوَاكَ، يا غِيَاثَ المُستَغِيثِينَ، مَالِي رَبٌّ سِوَاكَ وَ لَا مَعْبُودٌ غَيْرُكَ. صَبْرَاً عَلَىٰ حُكْمِكَ؛ يَا غِيَاثَ مَن لا غَيَاثَ لَهُ ...» (2).
و صبر الإمام الباقر علیه السلام كآبائه على تحمّل المحن و الخطوب، و قد كان منها ما يلي:
1- انتقاص السلطة لآبائه الطاهرين، و إعلان سبّهم على المنابر و المآذن، و هو علیه السلام لا يسمع ذلك و لا يتمكّن أن ينبس ببنت شفة، فصبر على كظم الغيظ، و أوكل الأمر إلى الله الحاكم بين عباده بالحقّ.
السلام
2- و من بين المحن الشاقّة التي صبر عليها التنكيل الهائل بشيعة أهل البيت علیهم السلام و قتلهم تحت كلّ حجر و مدر بأيدي الجلّادين من عملاء السلطة الأمويّة، و هو لا يتمكّن أن يحرّك ساكناً، قد فرضت عليه السلطة الرقابة الشديدة، و أحاطته بمباحثها، و لم تستجب لأي طلب له في شأن شيعته.
3- و روى المؤرّخون عن عظيم صبره أنّه كان جالساً مع أصحابه، إذ سمع صيحة عالية في داره، فأسرع إليه بعض مواليه فأسرّه.
فقال علیه السلام: الْحَمْدُ لِلهِ عَلى ما أَعْطى، وَ لَهُ ما أَخَذَ. انْهَهُمْ عَنِ الْبُكاءِ وَ خُذُوا فِي جَهَازِهِ، وَ اطْلُبُوا السَّكِينَةَ، وَ قُولُوا لَها: لَا ضَيْرَ عَلَيْكِ أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللهِ لِمَا تَداخَلَكِ مِنَ الرَّوْعِ.
و رجع إلى حديثه، فتهيّب القوم سؤاله، ثمّ أقبل غلامه فقال له: قد جهّزناه، فأمر أصحابه بالقيام معه للصلاة على ولده و دفنه، و أخبر أصحابه بشأنه فقال لهم: إِنَّهُ قَدْ سَقَطَ مِنْ جَارِيَةٍ كانَتْ تَحْمِلُهُ فَمَاتَ» (1).
تدول الدول، و تفنى الحضارات، و هذه الأخلاق العلويّة أحقّ بالبقاء، و أجدر بالخلود من كلّ شيء لأنّها تمثّل شرف الإنسانيّة و قيمها الكريمة.
4- و يقول المؤرّخون: إنّه كان للإمام ولد، و كان أثيراً عنده، فمرض فخشي على الإمام لشدّة حبّه له، و توفّي الولد فسكن صبر الإمام، فقيل له: خشينا عليك يابن رسول الله؟
فأجاب بالاطمئنان و الرضا بقضاء الله قائلاً: إِنَّا نَدْعو اللهَ فِيما يُحِبُّ، فَإِذَا وَقَعَ ما تَكْرَهُ لَمْ نُخالِفِ الله فيما يُحِبّ (2).
لقد تسلّح الإمام بالصبر، و قابل نوائب الدنيا و كوارث الدهر بإرادة صلبة، و إيمان راسخ، و تحمّل الخطوب في غير ضجر و لا سأم محتسباً في ذلك الأجر عند الله.
و من معالي أخلاقه أنّه كان يبجّل الفقراء، و يرفع من شأنهم لئلّا يرى عليهم ذلّ الحاجة، و يقول المؤرّخون: إنّه عهد لأهله إذا قصدهم سائل أن لا يقولوا له:
یا سائل خذ هذا، و إنّما يقولون له: يا عبد الله، بورك فيك (1).
و قال: سَمّوهُمْ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِمْ (2).
إنّها أخلاق النبوّة التي جاءت لتسمو بالإنسان، و تغذّيه بالعزّة و الكرامة، و تنفي عنه الخنوع و الذلّ.
و كان الإمام العظيم شغوفاً بعتق العبيد، و إنقاذهم من رقّ العبوديّة، فقد أعتق أهل بيت بلغوا أحد عشر مملوكاً (3)، و كان عنده ستّون مملوكاً، فأعتق ثلثهم عند موته (4).
و كان أحبّ شيء للإمام في هذه الدنيا صلته لإخوانه، فكان لا يملّ من صلتهم و صلة قاصديه و راجيه و مؤمّليه (5).
و قد عهد لابنه الإمام الصادق علیه السلام أن ينفق من بعده على أصحابه و تلاميذه ليتفرّغوا إلى نشر العلم و إذاعته بين الناس.
و كان الإمام علیه السلام كثير البرّ و المعروف على فقراء يثرب، و قد أُحصيت صدقاته
1) عيون الأخبار: 208.
2) البيان و التبيين: 3: 157. أعيان الشيعة - القسم الأوّل: 1: 651.
3) شرح شافية أبي فراس: 2: 176، من مصوّرات مكتبة الحكيم قدّس سرّه.
4) شرح شافية أبي فراس: 2: 176، من مصوّرات مكتبة الحكيم قدّس سرّه.
5) شرح شافية أبي فراس: 2: 176. البيان و التبيين: 3: 157 و 158. أعيان الشيعة: 1: 651. كشف الغمّة: 2: 339.
عليهم فبلغت ثمانية آلاف دينار (1).
و كان يتصدّق عليهم في كلّ يوم جمعة بدينار، و يقول: «الصَّدَقَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تُضاعِفُ الْفَضْلَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ» (2).
أمّا الكرم فهو من العناصر الأوّليّة لأئمّة أهل البيت علیهم السلام، فقد بسطوا أيديهم بسخاء نادر إلى الفقراء و السائلين، و فيهم يقول الشاعر:
لَوْ كانَ يُوجَدُ عُرفُ مَجدٍ قَبلَهُمْ *** لوَجَدتَهُ مِنهُمْ عَلَى أَمْيَالِ
إن جِئْتَهُمْ أَبْصَرْتَ بَينَ بُيوتِهِمْ *** كَرَماً يَقيكَ مَواقِفَ التَّسْآلِ
نُورُ النُّبُوَّةِ وَ المَكارِمِ فيهِمُ *** مُتَوَقِّدٌ في الشَّيبِ وَ الأَطْفال (3)
و يقول فيهم الكميت:
وَ الْغيوثُ اللُّيوثُ إِنْ أَمْحَلَ *** النّاسُ فَمَأْوى حَواضِنِ الْأَيْتام
و يقول الكميت:
إذا أَنْشَأَتْ مِنْهُمْ بِأَرْضٍ سَحابَةٌ *** فَلا النَّبْتُ مَحْظورٌ وَ لا البَرقُ خِلَّبُ
و ما أبدع ما قيل ممّا ينطبق عليهم:
كَرُموا وَ جادَ قَبيلُهُمْ مِنْ قَبْلِهِمْ *** و بَنوهُمُ مِنْ بَعدِهِمْ كُرَماء
فَالنَّاسُ أَرضٌ في السَّمَاحَةِ وَ النَّدى *** وَ هُمُ إِذا عُدَّ الكرامُ سَماءُ
لقد فطر الإمام على حبّ الخير، و صلة الناس، و إدخال السرور عليهم. يقول ابن الصبّاغ: «كان محمّد بن عليّ بن الحسين مع ما هو عليه من العلم و الفضل و الرئاسة و الإمامة ظاهر الجود في الخاصّة و العامّة، مشهور بالكرم في الكافّة، معروف بالفضل و الإحسان مع كثرة عياله، و توسّط حاله» (1).
و يقول المؤرّخون: إنّه كان أقلّ أهل بیته مالاً، و أعظمهم مؤونة (2).
و مع ذلك فكان يجود بما عنده لإنعاش الفقراء و المحرومين، و قد نقل الرواة بوادر كثيرة من كرمه، و من بينها:
1- حدّث كلّ من عبدالله بن عبيد و عمرو بن دينار، قالا: «ما لقينا أبا جعفر محمّد بن عليّ إلّا و حمل إلينا النفقة و الكسوة، و يقول علیه السلام: هذِهِ مُعَدَّةٌ لَكُم قَبْلَ أَنْ تَلْقَوْني» (3).
2- روی سلیمان بن قرم، قال: «كان أبو جعفر يجيزنا الخمسمائة درهم إلى الستّمائة درهم إلى الألف، و كان لا يملّ من صلة الإخوان و قاصديه و راجيه (4).
3- قال الحسن بن كثير: «شكوت إلى أبي جعفر محمّد بن عليّ الحاجة، و جفاء الاخوان، فتأثّر، و قال علیه السلام: بِئْسَ أَخٌ يَرْعاكَ غَنِيّاً، وَ يَقْطَعُكَ فَقيراً.
ثمّ أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمائة درهم، و قال علیه السلام: اسْتَنْفِقْ هَذِهِ، فَإِذا نَفِدَتْ فَأَعْلِمْني» (5).
4- و كان علیه السلام يحبو قوماً يغشون مجلسه من المائة إلى الألف، و كان يحبّ مجالستهم، منهم عمرو بن دينار، و عبد الله بن عبيد، و كان يحمل إليهم الصلة
و الكسوة، و يقول: هَيَّأْناها لَكُمْ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ (1).
5- روت مولاته سلمی، قالت: «كان يدخل عليه إخوانه فلا يخرجون من عنده حتّى يطعمهم الطعام الطيّب، و يلبسهم الثياب الحسنة، و يهب لهم الدراهم، و قد عذلته سلمى عن ذلك، فقال لها: يا سُلْمى، ما يُؤَمَّلُ فِي الدُّنْيا بَعْدَ الْمَعارِفُ وَ الْإخْوانُ. و كان يقول علیه السلام: ما حَسَّنَتِ الدُّنْيا إِلَّا صِلَةُ الْإِخْوانِ وَ الْمَعارِف (2).
هذه بعض البوادر التي أُثرت عن كرمه و سخائه علیه السلام، و هي تكشف عن أنّ الإحسان و البرّ كانا من عناصره و من مقوّماته.
كان الإمام أبو جعفر علیه السلام من أئمّة المتّقين في الإسلام، فقد عرف الله معرفة استوعبت دخائل نفسه، فأقبل على ربّه بقلب منيب، و أخلص في طاعته كأعظم ما يكون الإخلاص، أمّا مظاهر عبادته:
و روى المؤرّخون أنّه إذا أقبل على الصلاة اصفرّ لونه (3)خوفاً من الله و خشية منه، فقد عرف عظمة الله تعالى، خالق الكون و واهب الحياة، فعبده عبادة المتّقين و المنيبين.
و كان كثير الصلاة، فكان - فيما يقول الرواة - يصلّي في اليوم و الليلة مائة و خمسين
ركعة (1)، و لم تشغله شؤونه العلميّة، و مرجعيّته العامّة للأُمّة عن كثرة الصلاة، فقد كانت أعزّ شيء عنده لأنّها الصلة بينه و بين الله.
جاء في الحديث: «أَقْرَبُ ما يَكونُ الْعَبْدُ إِلى رَبِّهِ وَ هُوَ سَاجِدٌ» (2)، فكان الإمام علیه السلام في سجوده يتّجه بقلبه و عواطفه نحو الله و يناجيه بانقطاع و إخلاص، و قد أُثرت عنه بعض الأدعية، و هذه بعضها:
1- ما رواه إسحاق بن عمّار، عن أبي عبدالله الصادق علیه السلام، قال: «كُنْتُ أُمَهَّدُ لأبى فِراشَهُ فَأَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَأْتِي، فَإِذا أَوى إِلى فِراشِهِ وَ نَامَ قُمْتُ إِلَى فِرَاشِي، وَ قَدْ أَبْطَأَ عَلَيَّ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَأَتَيْتُ الْمَسْجِدَ في طَلَبِهِ، وَ ذلِكَ بَعْدَما هَدَأَ النَّاسُ، فَإِذا هُوَ فِي الْمَسْجِدِ ساجِدٌ، وَ لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُهُ، فَسَمِعْتُ حَنينَهُ وَ هُوَ يَقولُ:
«سُبْحانَكَ اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي حَقّاً حَقًّاً، سَجَدْتُ لَكَ يا رَبِّي تَعَبُّداً وَرِقّاً.
اللَّهُمَّ إِنَّ عَمَلِي ضَعِيفٌ فَضاعِفْهُ لِي. اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبادَكَ، وَ تُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (3).
2- ما رواه أبو عبيدة الحذّاء، قال: «سمعت أبا جعفر يقول و هو ساجد:
أَسْأَلُكَ بِحَقِّ حَبيبِكَ مُحَمَّدٍ إِلَّا ما بَدَّلْتَ سَيِّئَاتِي حَسَناتٍ، وَ حَاسَبْتَني حِساباً يَسيراً.
ثمّ قال في السجدة الثانية:
أَسْأَلُكَ بِحَقِّ حَبيبِكَ مُحَمَّدٍ، إِلَّا كَفَيْتَني مَؤُونَةَ الدُّنْيَا، وَ كُلَّ هَوْلٍ دونَ الْجَنَّةِ.
ثمّ قال فى الثالثة:
أَسْأَلُكَ بِحَقِّ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ لَما غَفَرْتَ لِي الْكَثِيرَ مِنَ ذُنُوبِي وَ الْقَلِيلَ، وَ قَبِلْتَ مِنِّي الْعَمَلَ الْيَسِيرَ.
ثمّ قال في الرابعة:
أَسْأَلُكَ بِحَقِّ حَبيبِكَ مُحَمَّدٍ لَما أَدْخَلْتَني الْجَنَّةَ، وَ جَعَلْتَني مِنْ سُكّانِها، وَ لَما نَجَّيْتَني مِنْ سَفَعات النّارِ (1)بِرَحْمَتِكَ، وَ صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ» (2).
و كشفت هذه الأدعية عن شدّة تعلّقه بالله، و عظيم إنابته إليه، و تمسّكه بطاعته عزّ و جلّ.
و أُثرت عنه بعض الأدعية التي كان يدعو بها في قنوته، و هي:
1- اللَّهُمَّ إِنَّ عَدُوّي قَدِ اسْتَسَنَّ فِي عُدْوانِهِ، وَ اسْتَمَرَّ فِي عُدْوانِهِ، وَ أَمِنَ بِما شَمِلَهُ مِنَ الْحِلْمِ عاقِبَةَ جُرْأَتِهِ عَلَيْكَ، وَ تَمَرَّدَ فِي مُبايَنَتِكَ،
وَ لَكَ اللَّهُمَّ لَحَظاتُ سَخَطٍ بَياتاً وَ هُمْ نائِمونَ، وَ نَهَاراً وَ هُمْ غافِلُونَ، وَ جَهْرَةً وَ هُمْ يَلْعَبونَ، وَ بَغْتَةً وَ هُمْ سَاهُونَ، وَ إِنَّ الْخِناقَ قَدِ اشْتَدَّ، وَ الْوثاقَ قَدِ احْتَدَّ، وَ الْقُلوبَ قَدْ مُحِيَتْ، وَ الْعُقولَ قَدْ تَنَكَّرَتْ، وَ الصَّبْرَ قَدْ أَوْدى، وَ كَادَتْ تَنْقَطِعُ حَبائِلُهُ، فَإِنَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ مِنَ الظَّالِمِ، وَ مُشاهَدَةٍ مِنَ الْكاظِم، لَا يُعَجِّلُكَ فَوْتُ دَرْكٍ، وَ لَا يُعْجِزُكَ احْتِجازُ مُحْتَجِزٍ.
وَ إِنَّما مُهِّلَ اسْتِثْباتاً، وَ حُجَّتُكَ عَلَى الْأَحْوَالِ الْبَالِغَةِ الدّامِغَةِ، وَ بِعُبَيْدِكَ ضَعْفُ الْبَشَرِيَّةِ وَ عَجْزُ الْإِنْسانِيَّةِ، وَ لَكَ سُلْطانُ الإلهِيَّةِ، وَ مَلَكَةُ الْبَرِيَّةِ، وَ بَطْشَةُ الْأَناةِ، وَ عُقوبَةُ التَّأْبِيدِ.
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ فِي الْمُصابَرَةِ لِحَرارَةِ الْمُعَانِ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَ كَمَدِ مَنْ يُشاهَدُ مِنَ الْمُبَدِّلِينَ رِضاً لَكَ، وَ مَثْوبَةً مِنْكَ، فَهَبْ لَنا مَزيداً مِنَ التَّأييد، وَ عَوْناً مِنَ التَّسْديدِ إِلى حين نُفُوذِ مَشيئَتِكَ فِيمَنْ أَسْعَدْتَهُ وَ أَشْفَيْتَهُ مِنْ بَرِيَّتِكَ، وَ امْنُنْ عَلَيْنا بِالتَّسْلِيم لِمَحْتُوماتِ أَقْضِيَتِكَ، وَ التَّجَرُّعِ لِوارِداتِ أَقْدارِكَ، وَ هَبْ لَنَا مَحَبَّةً لِما أَحْبَبْتَ في مُتَقَدَّمٍ وَ مُتَأَخَّرٍ، وَ مُتَعَجِّلٍ وَ مُتَأَجَّلٍ، وَ الْإِيثَارَ لِمَا اخْتَرْتَ فِي مُسْتَقْرَبٍ وَ مُسْتَبْعَدٍ، وَ لَا تُخْلِنَا مَعَ ذَلِكَ مِنْ عَواطِفِ رَأْفَتِكَ وَ رَحْمَتِكَ وَ كِفَايَتِكَ وَ حُسْنِ كَلاءَتِكَ بِمَنَّكَ وَ كَرَمِكَ (1).
لا أكاد أعرف وثيقة سياسيّة حفلت بتحديد الأوضاع الراهنة في البلاد في ذلك
1) بحار الأنوار: 82: 217. مهج الدعوات: 51.
العصر كهذا الدعاء الذي تحدّث فيه الإمام علیه السلام عن الأزمات السياسيّة التي عاناها المسلمون أيّام الحكم الأموي المعاصر له، خصوصاً عهد الطاغية عبدالملك بن مروان الذي جهد على إذلال المسلمين، و إرغامهم على ما يكرهون، و قد سلّط عليهم الطاغية الحجّاج بن يوسف الثقفي الذي عاث في دينهم و دنياهم، و سعى في الأرض فساداً، فلم يترك لوناً من ألوان الظلم إلّا صبّه على المسلمين حتّى طاشت الأحلام ، و بلغت القلوب الحناجر، و أودى الصبر و انقطعت حبائله، و الإمام يطلب من الله أن ينقذ المسلمين من محنتهم، و ينزل عقابه الصارم بالمردة الظالمين.
2- كان علیه السلام يدعو بهذا الدعاء في قنوته:
«يا مَنْ يَعْلَمُ هَواجِسَ السَّرائِرِ، وَ مَكامِنَ الضَّمَائِرِ، وَ حَقائِقَ الْخَواطِرِ. يا مَنْ هُوَ لِكُلِّ غَيْبٍ حَاضِرٌ، وَ لِكُلِّ مَنْسِيٍّ ذاكِرٌ، وَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قادِرٌ، وَ إِلَى الْكُلِّ ناظِرٌ بَعْدَ الْمُهَلُ، وَ قَرُبَ الْأَجَلُ، وَ ضَعْفَ الْعَمَلُ، وَ أَرْأَبَ الْأَمَلُ وَ آنَ الْمُنْتَقَلُ.
وَ أَنْتَ يا اللهُ آخِرُ كَما أَنْتَ الْأَوَّلُ، مُبْدِئُ مَا أَنْشَأْتَ، وَ مُصَيِّرُهُمْ إِلَى الْبِلى، وَ مُقَلِّدُهُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَ مُحَمِّلُها ظُهُورَهُمْ إِلَى وَقْتِ نُشورِهِمْ مِنْ بَعْثَةِ قُبُورِهِمْ عِنْدَ نَفْخَةِ الصُّورِ، وَ انْشِقاقِ السَّمَاءِ بِالنّورِ، وَ الْخُروج بِالْمَنْشَرِ إِلى سَاحَةِ الْمَحْشَرِ، لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ، مُتَراطِمينَ فِي غُمَّةٍ مِمَّا أَسْلَفوا، وَ مُطالِبينَ بِمَا احْتَقَبوا، وَ مُحاسَبينَ هُناكَ عَلَى مَا ارْتَكَبُوا، الصَّحائِفُ فِي الْأَعْناقِ مَنْشُورَةٌ، وَ الْأَوْزارُ عَلَى الظُّهورِ مَأْزُورَةٌ، لَا انْفِكاكَ وَ لَا مَناصَ وَ لَا مَحيصَ عَن الْقِصاصِ، قَدْ أَفْحَمَتْهُمُ الْحُجَّةُ، وَ حَلُّوا فِي حَيْرَةِ الْمَحَجَّةِ، هَمَسُوا الضَّجَّةَ، مَعْدولٌ بِهِمْ عَنِ
الْمَحَجَّةِ، إِلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنى، فَنُجِّيَ مِنْ هَوْلِ الْمَشْهَدِ، وَ عَظيمِ الْمَوْرِدِ، وَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ فِي الدُّنْيا تَمَرَّدَ، وَ لَا عَلَىٰ أَوْلِياءِ اللَّهِ تَعَنَّدَ، وَ لَهُمُ اسْتَعْبَدَ، وَ عَنْهُمْ بِحُقُوقِهِمْ تَفَرَّدَ.
اللَّهُمَّ فَإِنَّ الْقُلوبَ قَدْ بَلَغَتِ الْحَناجِرَ، وَ النُّفوسَ قَدْ عَلَتِ التَّراقِيَ، وَ الْأَعْمَارَ قَدْ نَفَدَتْ بِالْإِنْتِظارِ، لَا عَنْ نَقْصِ اسْتِبْصارٍ، وَ لَا عَنْ اتَّهَامِ مِقْدارٍ، وَلكِنْ لِما تُعاني مِنْ رُكوبِ مَعاصِيكَ، وَ الْخِلافِ عَلَيْكَ في أَوامِرِكَ وَ نَواهِيكَ، وَ التَّلَعُّبِ بِأَوْلِيائِكَ، وَ مُظَاهَرَةِ أَعْدائِكَ.
اللهُمَّ فَقَرَّبْ ما قَدْ قَرُبَ، وَ أَوْرِدْ ما قَدْ دَنا، وَ حَقَّقْ ظُنونَ الْمُوقِنِينَ، وَ بَلَّغ الْمُؤْمِنِينَ تَأْمِيلَهُمْ مِنْ إِقَامَةِ حَقِّكَ، وَ نَصْرِ دينِكَ، وَ إِظْهَارِ حُجَّتِكَ، و الْإِنْتِقامِ مِنْ أَعْدائِكَ» (1).
و حفل هذا الدعاء الشريف بإعطاء صورة عن سعة علم الله و إحاطته بكلّ شيء، الظاهر و الخفي، كما حفل بذكر المعاد، و حشر الناس جميعاً يوم القيامة لعرضهم للحساب أمام الله، و هم يحملون على ظهورهم وزر ما عملوه في دار الدنيا، و أنّهم مطالبون بما اقترفوه، و محاسبون على ما عملوه، و لا ينجو من أهوال ذلك المشهد الرهيب إلّا من سبقت له من الله الحسنى، و لم يكن من المتمرّدين في دار الدنيا، و لا من المستعبدين لعباد الله، و فيه تعرض بحكّام الأمويّين الذين اتّخذوا مال الله دولاً، و عباد الله خولاً، و أنّ القلوب قد بلغت الحناجر من ظلمهم و جورهم حسبما يقول علیه السلام.
1) مهج الدعوات: 52.
و كان الإمام أبو جعفر علیه السلام إذا حجّ البيت الحرام انقطع إلى الله و أناب إليه، و تظهر عليه آثار الخشوع و الطاعة، و قد روى مولاه أفلح، قال: «حججت مع أبي جعفر محمّد الباقر، فلمّا دخل إلى المسجد رفع صوته بالبكاء، فقلت له: بأبي أنت و أُمّي، إنّ الناس ينظرونك فلو خفضت صوتك قليلاً.
فلم يعن به الإمام و راح يقول له: وَيْحَكَ يا أَفْلَحُ! إِنِّي أَرْفَعُ صَوْتِي بِالْبُكَاءِ لَعَلَّ اللَّهَ يَنْظُرُ إِلَيَّ بِرَحْمَةٍ فَأَفُوزَ بِها غَداً.
ثمّ إنّه طاف بالبيت، و جاء حتّى ركع خلف المقام، فلمّا فرغ و إذا بموضع سجوده قبل ابتلّ من دموع عينيه» (1).
و حجّ علیه السلام مرّة و قد احتفّ به الحجّاج، و ازدحموا عليه و هم يستفتونه عن مناسكهم، و يسألونه عن أمور دينهم، و الإمام يجيبهم، و بهر الناس من سعة علومه، و أخذ بعضهم يسأل بعضاً عنه، فانبرى إليهم شخص من أصحابه فعرّفه لهم قائلاً: «ألّا إنّ هذا باقر علم الرسل، و هذا مبيّن السبل، و هذا خير من رسخ في أصلاب أصحاب السفينة، هذا ابن فاطمة الغرّاء العذراء الزهراء، هذا بقيّة الله في أرضه، هذا ناموس الدهر، و هذا ابن محمّد و خديجة و علي و فاطمة، هذا منار الدين القائمة» (2).
و لم تذكر المصادر التي بأيدينا عدد حجّه إلى بيت الله الحرام، فقد أهملت ذلك.
كان الإمام علیه السلام يناجي الله تعالى في غلس الليل البهيم، و كان ممّا قاله في
مناجاته: أَمَرْتَني فَلَمْ أَئْتَمِرْ، وَ زَجَرْتَنِي فَلَمْ أَنْزَجِرْ، هَا أَنَذا عَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ» (1).
ذِكره علیه السلام الله تعالى
و يقول المؤرخون: إنّه كان دائم الذكر الله، و كان لسانه يلهج بذكر الله في أكثر أوقاته، فكان يمشي و يذكر الله، و يحدّث القوم، و ما يشغله ذلك عن ذكره تعالى، و كان يجمع ولده و يأمرهم ولده بذكر الله حتّى تطلع الشمس، كما كان يأمرهم بقراءة القرآن، و من لا يقرأ منهم أمره بذكر الله (2).
و زهد الإمام أبو جعفر علیه السلام في جميع مباهج الحياة، و أعرض عن زينتها، فلم يتّخذ الرياش في داره، و إنّما كان يفرش في مجلسه حصيراً (3).
لقد نظر إلى الحياة بعمق و تبصّر في جميع شؤونها، فزهد في ملاذّها، و اتّجه نحو الله تعالى بقلب منيب.
يقول جابر بن يزيد الجعفي: «قال لي محمّد بن عليّ: يا جَابِرُ، إِنِّي لَمَحْزُونٌ، وَ إِنِّي لَمُشْتَغِلُ الْقَلْب.
فانبرى إليه جابر قائلاً: ما حزنك و ما شغل قلبك؟
فأجابه علیه السلام بما أحزنه و زهّده في هذه الحياة قائلاً: يا جابِرُ، إِنَّهُ مَنْ دَخَلَ قَلْبَهُ صافِي دينِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ شَغَلَهُ عَمّا سِواهُ.
یا جابِرُ، ما الدُّنْيَا، وَ مَا عَسَى أَنْ تَكونَ؟ هَلْ هِيَ إِلَّا مَرْكَبُ رَكِبْتَهُ، أَوْ ثَوْبٌ لَبِسْتَهُ، أَوِ امْرَأَةٌ أَصَبْتَها» (1).
و أُثرت عنه كلمات كثيرة في الحثّ على الزهد، و الإقبال على الله، و التحذير من غرور الدنيا و آثامها، يعرض لها هذا الكتاب، و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض مظاهر شخصيّته المشرقة.
1) تاریخ دمشق: 54: 280 - 281. البداية و النهاية: 9: 310.
و تفجّرت مواهب الإمام أبي جعفر علیه السلام و عبقريّاته بطاقات هائلة من العلم شملت جميع أنواع العلوم و المعارف من الحديث و الفلسفة و علم الكلام و الفقه و الحكم العالية و الآداب السامية، مضافاً إلى الملاحم و هي الأحداث التي أخبر عنها قبل وقوعها، ثمّ تحقّقت بعد ذلك على مسرح الحياة.
و الذي يدلّل على مدى سعة علومه أنّه مع كثرة ما انتهل العلماء من نمير علومه، فإنّه كان يجد في نفسه ضيقاً و حرجاً لكثرة ما عنده من العلوم التي لم يجد لبثّها و نشرها سبيلاً، فكان - فيما يقول الرواة - يصعّد آهاته و يقول بحسرات: لَوْ وَجَدْتُ لِعِلْمِي الَّذِي آتَانِيَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ، لَنَشَرْتُ التَّوْحِيدَ وَ الْإِسْلامَ وَ الدِّينَ وَ الشَّرائِعَ، وَ كَيْفَ لي بِذلِكَ، وَ لَمْ يَجِدْ جَدّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام حَمَلَةٌ لِعِلْمِهِ حَتّى كانَ يَتَنَفَّسُ الصُّعَداءَ وَ يَقولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلوني قَبْلَ أَنْ تَفْقِدوني، فَإِنَّ بَيْنَ الْجَوانِح عِلْماً جَمّاً (1).
و أجمع المؤرّخون و الرواة على أنّه كان من أثرى رجال الفكر و العلم في عصره في مواهبه و قدراته العلميّة، و أنّه ممّن رفع منار العلم، و أبرز حقائقه، و أظهر كنوزه حسبما أدلى به المترجمون له.
كما المعنا إلى ذلك في البحوث السابقة .. و قبل البحث عن العلوم التي خاضها نتعرّض إلى بعض النقاط التي ترتبط بالموضوع:
1) التوحيد: 92. بحار الأنوار: 3: 225.
و منيت الحركة العلميّة - في عصر الإمام - بكثير من الجمود و الخمول، فلم يعد لها أي ظلّ على واقع الحياة، فقد جرفت الناس التيّارات السياسيّة، و تهالكت البيوتات الرفيعة على الظفر بالحكم، فزجّت بطاقاتها البشريّة و الماليّة في حروب طاحنة مريعة و مذهلة منيت الأُمّة فيها بأفدح الخسائر و أفظع النكبات.
لقد اتّجهت الأمّة اتّجاهاً عسكريّاً مدمّراً فيما بينها، و لم يكن فيها أي بصيص لنور العلم و الفكر، فقد خبأ ذلك النور الذي فجّره الإسلام في العالم، و أراد للبشريّة أن تسير على ضوئه لتحقّق أهدافها من الأمن و الرخاء و التطوّر.
أطلّ الإمام أبو جعفر علیه السلام على عالم مليء بالفتن و الاضطرابات و الأحداث، و رأى الأُمّة الإسلاميّة قد فقدت جميع مقوّماتها، و لم تعد كما يريدها الله في وحدتها و تكاملها و تطوّرها في ميادين العلم و الانتاج.
و وجّه الإمام علیه السلام بحكم قيادته الروحيّة جهده لإعادة مجد الأُمة، و بناء كيانها الحضاري، فرفع منار العلم، و أقام صروح الفكر، و قد انصرف عن كلّ تحرّك سياسي، و اتّجه صوب العلم وحده متفرّغاً له.
يقول المستشرق (روايت م. رونلدس): «و عاش مكرّماً متفرّغاً للعلم في عزلته بالمدينة، و كان الناس يأتونه فيسألونه عن الإمامة» (1).
و قد خفّ إليه زمرة من أعيان الأُمّة لتلقّي العلوم منه، و كان ممّن وفد عليه العالم الكبير جابر بن يزيد الجعفي، فقد قال له الإمام في أوّل التقائه به: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟
1) عقيدة الشيعة: 123.
و قد أخذت الوفود العلميّة تترى إليه لتأخذ عنه العلوم و المعارف. يقول الشيخ أبو زهرة: «و ما قصد أحد من العلماء مدينة النبىّ صلّی الله علیه و آله و سلّم إلّا عرج عليه ليأخذ عنه معالم الدین» (2).
و قد أخذ عنه أهل الفقه ظاهر الحلال و الحرام (3).
و على أيّ حال، فقد استمدّ العالم الإسلامي من الإمام جميع مقوّمات نهوضه و ارتقائه، و لم يقتصر المدّ الثقافي الذي يستند إليه على عصره، و إنّما امتدّ إلى سائر العصور التي تلت بعده، فقد تبلورت الحياة العلميّة، و تطوّرت العلوم تطوّراً هائلاً ممّا ازدهرت به الحياة العلميّة في الإسلام.
إنّ الحياة الثقافيّة في الإسلام مدينة لهذا الإمام العظيم، فهو الباعث و القائد لها على امتداد التاريخ.
و خاض الإمام عدّة علوم في بحوثه التي ألقاها على العلماء في الجامع النبويّ أو في بهو بيته، و كان من بينها:
و أوْلى الإمام أبو جعفر علیه السلام المزيد من اهتمامه في الحديث الوارد عن جدّه رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، و عن آبائه الأئمّة الطيّبين علیهم السلام، فهو المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، و له الأهميّة البالغة في الشريعة الإسلاميّة، فهو يتولّى تخصيص عمومات الكتاب، و تقييد مطلقاته، و بيان ناسخه من منسوخه، و مجمله من مبيّنه.
كما يعرض لأحكام الفقه من العبادات و المعاملات، و إعطاء القواعد الكلّيّة التي يتمسّك بها الفقهاء في استنباطهم للحكم الشرعي، و بالإضافة إلى ذلك كلّه فإنّ فيه بنوداً مشرقة لآداب السلوك، و قواعد الاجتماع، و تنظيم الأُسرة، و صيانتها من التلوّث بجرائم الآثام، إلى غير ذلك ممّا يحتاج إليه الناس في حياتهم الفرديّة و الاجتماعيّة، فلذلك عنى به الإمام أبو جعفر علیه السلام، و تبنّاه بصورة إيجابيّة، و قد روى عنه جابر بن يزيد الجعفي سبعين ألف حديث، و أبان بن تغلب مجموعة كبيرة، كما روى عنه غيرهما من أعلام أصحابه طائفة كبيرة من الأخبار.
و الشيء المهمّ أنّ الإمام أبا جعفر علیه السلام قد اهتمّ بفهم الحديث، و الوقوف على معطياته، و قد جعل المقياس في فضل الراوي هو فهمه للحديث و معرفة مضامينه، فقد روى يزيد الرزّاز عن أبيه، عن أبي عبد الله علیه السلام، عن أبيه، أنّه قال له: «اعْرِفْ مَنازِلَ الشَّيعَةِ عَلَى قَدْرِ رِوايَاتِهِمْ وَ مَعْرِفَتِهِمْ، فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ هِيَ الدّرايَةُ لِلرِّوايَةِ، وَ بِالدِّرايَةِ لِلرّوايَةِ يَعْلُو الْمُؤْمِنُ إلى أَقْصى دَرَجاتِ الْإِيْمَانِ.
إِنِّي نَظَرْتُ في كِتابِ لِعَلِيٍّ فَوَجَدْتُ فِي الْكِتابِ أَنَّ قيمَةَ كُلِّ امْرِى وَ قَدْرَهُ مَعْرِفَتُهُ أَنَّ
اللهَ تَعَالَى يُحاسِبُ النّاسَ عَلَى قَدْرِ ما آتَاهُمْ مِنَ الْعِقولِ في دارِ الدُّنْيا» (1).
إنّ وعي الراوي للحديث و وقوفه على معناه ممّا يستدلّ به على سموّ منزلته، و عظيم مكانته العلميّة.
و لشدّة اهتمام الإمام علیه السلام و عنايته بالحديث فقد وضع بعض القواعد لتمييز الصحيح من غيره عند تعارض الأخبار، سنذكرها عند البحث عن علم الأُصول الذي خاضه الإمام علیه السلام.
أمّا روايات الأئمّة الطاهرين علیهم السلام التي أُثرت عنهم في عالم التشريع و الأحكام، فهي لا تحكي آراءهم الخاصّة، و إنّما هي امتداد لقول الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم و رأيه، و لذا ألحقت بالسنّة - عند الشيعة - و قد ألمع إلى ذلك الإمام أبو جعفر علیه السلام في حديثين له مع جابر بن يزيد الجعفي:
1- قال علیه السلام الجابر: «إِنَّا لَوْ كُنَّا نُحَدِّثِكُمْ بِرَأْيِنا لَكُنّا مِنَ الْهالِكينَ، وَ لكِنّا تُحَدِّثُكُمْ بِأَحاديثَ نَكْنِزُها عَنْ رَسُولِ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم كَما يَكْنِزُ هَؤُلاءِ ذَهَبَهُمْ وَ فِضَّتَهُمْ» (2).
2- قال علیه السلام الجابر: «وَ الله يا جابِرُ لَوْ كُنَّا نُحَدِّثُ النَّاسَ أَوْ حَدَّثْنَاهُمْ بِرَأْينا لَكُنّا مِنَ الْهالِكينَ، وَلكِنَّا نُحَدِّثُهُمْ بِآثَارٍ عِنْدَنَا مِنْ رَسولِ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم يَتَوَارَثُها كَابِرٌ عَنْ كابِرٍ، نَكْنِزُها كَما يَكْنِزُ هؤُلاءِ ذَهَبَهُمْ وَ فِضَّتَهُمْ» (3).
إذن فلم تستند أحاديث أئمّة أهل البيت علیهم السلام، و إنّما تستند إلى جدّهم
الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم، و هم الذين حافظوا على تراثه العلمي فكنزوه كما يكنز الناس الذهب و الفضّة.
أمّا أحاديث الإمام أبي جعفر علیه السلام عن جدّيه رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم و الإمام أمير المؤمنين علیه السلام فهي على قسمين:
القسم الأوّل: مرسلة، و هي التي لم يذكر فيها رجال السند، و ينسب الإمام علیه السلام الحديث رأساً إلى النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، أو للإمام أمير المؤمنين علیه السلام، و قد سئل علیه السلام عن سنده في ذلك، فقال: إِذا حَدَّثْتُ بِالْحَدِيثِ فَلَمْ أَسْنِدْهُ فَسَنَدِي فِيهِ أَبِي زَيْنُ الْعَابِدِينَ، عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم، عَنْ جَبْرَئِيلَ، عَنِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ (1).
القسم الثاني: المسندة، و هي التي يذكر فيه سنده عن آبائه الطاهرين، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم.
و سواء أ كانت روايته مرسلة أم مسندة فهي حجّة بلا خلاف عند الشيعة إن صحّ طريق سندها إليه، و إلّا فتعامل معاملة بقيّة الأخبار التي فيها الضعيف و الموثّق
و الحسن.
أمّا أحاديثه علیه السلام عن النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم فهي تتعلّق تارة بالفقه الإسلامي، و قد عرضت لها موسوعات الفقه و الحديث، و أُخرى بآداب السلوك و الأخلاق، كما عرضت بعضها لفضل العترة الطاهرة و لزوم مودّتها، و فيما يلي ذلك:
1) إعلام الورى: 1: 509.
1- روی علیه السلام عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم أنّه قال: «فَضْلُ الْعِلْمِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ فَضْلِ الْعِبادَةِ، وَ أَفْضَلُ دِينَكُمُ الْوَرَعُ» (1).
و في هذا الحديث دعوة إلى طلب العلم، و الحثّ عليه، فهو أفضل من العبادة التي لا ينتفع بها إلّا صاحبها، كما فيه الحثّ على الورع عن محارم الله، و الاجتناب عن المآثم التي تؤدّي إلى سقوط الشخص و انحرافه عن الطريق القويم.
2- روى علیه السلام عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم أنّه قال: «ما جُمِعَ شَيْءٌ إِلَى شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ حِلْمٍ إِلَى عِلْمٍ» (2).
إنّ الاتّصاف بالعلم و الحلم ممّا يرفع مستوى الشخص، و يميّزانه عن غيره، فليس هناك شيء أفضل من هاتين الخصلتين.
3- روی علیه السلام بسنده عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، أنّه قال: «فَوْقَ كُلَّ بِرٌّ بِرٌّ، فَإِذا قُتِلَ في سَبيلِ اللهِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ بِرٌّ، وَ فَوْقَ كُلِّ عُقوقٍ عُقوقٌ، حَتّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ َأحَدَ والِدَيْهِ، فَإِذا قَتَلَ أَحَدَهُما فَلَيْسَ فَوْقَهُ عُقوقٌ» (3).
إنّ منتهى البرّ و غايته هي الشهادة في سبيل الله، فإذا استشهد الشخص من أجل ذلك فقد انتهى إلى غاية البرّ، كما أنّ منتهى الإثم و العقوق هي قتل الرجل أحد والديه، فإذا فعل ذلك فقد سقط في حضيض من الإثم ليس له من قرار.
4- روى علیه السلام عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، أنّه قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ نَشَرَ اللهُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ فِي رَحْمَتِهِ: حُسْنُ خُلُقٍ يَعيشُ بِهِ فِي النَّاسِ، وَ رِفْقٌ بِالْمَكْرُوبِ، وَ شَفَقَةٌ عَلَى الْوالِدَيْنِ، وَ إِحْسَانٌ إِلَى الْمَمْلُوكِ» (4).
و في هذا الحديث دعوة إلى مكارم الأخلاق، و حسن السلوك بين الناس، و الرفق و الرحمة بالمعذّبين و المنكوبين.
5- روى علیه السلام عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، أنّه قال: «أَرْبَعٌ يُمِتْنَ الْقَلْبَ: الذَّنْبُ عَلَى الذَّنْبِ، وَ كَثْرَةُ مُناقَشَةِ النِّساءِ - يعني محادثتهنّ - وَ مُمَارَاةُ الْأَحْمَقِ، تَقولُ وَ يَقولُ، وَ لَا يَرْجِعُ إِلَى خَيْرٍ أَبَداً، وَ مُجالَسَةُ الْمَوْتَى.
فَقِيلَ لَهُ: يا رَسولَ اللهِ، وَ ما الْمَوْتى؟
قالَ: كُلُّ مُتْرَفٍ» (1).
و حذّر النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم عن هذه الأُمور لأنّها تميت الضمير، و يقسو بها القلب، و قد حرص الإسلام كلّ الحرص على ضمير الإنسان فأراده أن يكون واعياً متفتّحاً متنوّراً رحيماً.
6- روى علیه السلام عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، أنّه قال: «أَرْبَعٌ مِنْ عَلَامَاتِ الشَّقاءِ: جُمُودُ الْعَيْنِ، وَ قَسْوَةُ الْقَلْبِ، وَ شِدَّةُ الْحِرْصِ في طَلَبِ الرِّزْقِ، وَ الْإِصْرارُ عَلَى الذَّنْبِ» (2).
و حذّر النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم من هذه الأمور التي تبعد الإنسان عن ربّه، و تلقيه في شرّ عظيم.
7- روى علیه السلام عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، أنّه قال: «لَا تَزولُ قَدَمَ عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فيما أَفْناهُ، وَ عَنْ شَبابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَ فيما أَنْفَقَهُ، وَ عَنْ حُبِّنا أَهْلَ الْبَيْت» (3).
إنّ الله تعالى ليسأل هذا الإنسان في يوم حشره عن كلّ شأن من شؤون حياته في
الدنيا، فيسأله عن عمره، هل أنفقه في طاعته و رضاه ليجزل له الثواب، أو أنّه صرفه في اقتراف الإثم و ظلم العباد ليعاقبه عليه، و كذلك يسأله بصورة خاصّة عن شبابه فيما أبلاه كما يحاسبه على أمواله هل اكتسبها بصورة مشروعة حتّى لا يؤاخذ عليها، أو أنّه اكتسبها من الحرام ليعاقب عليها، و كذلك يسأله عن الولاء لأهل البيت علیهم السلام الذين هم مصدر النور و الخير في الأرض، فإن كان متمسّكاً بولائهم فقد فاز و نجا، و إن كان منحرفاً عنهم فقد ظلّ و غوى.
8- روى علیه السلام عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، أنّه قال: «مَنْ باعَ وَ اشْتَرى فَلْيَجْتَنِبْ خَمْسَ خِصَالٍ، وَ إِلَّا فَلَا يَبيعَنَّ وَ لَا يَشْتَرِيَنَّ: الرِّبا، وَ الْحَلْفَ، وَ كِتْمَانَ الْعَيبِ، وَ الْمَدْحَ إِذا باعَ، وَ الذَّمَّ إِذا اشْتَرى» (1).
و على ضوء هذا النصّ أفتى الفقهاء في كتاب البيع بما يلي:
1- أن يتفقّه البائع و المشتري في شؤون المعاملات ليتجنّبا المعاملات الربويّة التي هي من أعظم المحرّمات في الإسلام.
2- أن يجتنبا اليمين في المعاملة، فإنّهما إذا كانا صادقين فيكره لهما ذلك، و أمّا إذا كانا كاذبين فإنّهما يقترفان الإثم و الحرام.
3- أن لا يكتما العيب، سواء أ كان ذلك في الثمن أم في المثمّن، و إذا حصل الكتمان و ظهر أمره فللمغرور خيار الفسخ و نقض المعاملة.
4- أن يجتنب البائع مدح سلعته.
5- أن لا يذمّ المشتري ما اشتراه إذا كان سليماً.
9- روى علیه السلام عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، أنّه قال في وصيّته للإمام أمير المؤمنين علیه السلام: «يا عَلِيُّ، أَرْبَعَةٌ يَذْهَبْنَ ضَياعاً: الأكلُ بَعْدَ الشَّبْعِ، وَ السِّراجُ فِي الْقَمَرِ،
1) الخصال: 285، الحديث 38.
وَ الزَّرْعُ فِي الْأَرْضِ السَّبْخَةِ، وَ الصَّنِيعَةُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِها» (1).
10- روى علیه السلام عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، أنّه قال: «خَمْسٌ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّىٰ الْمَماتِ: الأَكْلُ عَلَى الْحَضِيضِ (2)مَعَ الْعَبِيدِ، وَ رُكوبِ الْحِمارَ مُؤْكَفاً (3)، وَ حَلْبُ الْعَنْزِ بِيَدِي، وَ لِبْسُ الصُّوفِ، وَ التَّسْلِيمُ عَلَى الصَّبْيانِ لِتَكونَ سُنَّةً مِنْ بَعْدي» (4).
و هذه الأُمور من معالي أخلاقه صلّی الله علیه و آله و سلّم التي ساد بها على سائر النبيّين، و جلب بها الناس إلى حضيرة الإيمان و الإسلام.
11- روى علیه السلام عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، أنّه قال في وصيته إلى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام: «يا عَلِيُّ، بادِرْ بِأَرْبَعٍ قَبْلَ أَرْبَعِ: بِشَبَابِكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَ صِحَّتِكِ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَ غِناكَ قَبْلَ فَقْركَ، وَ حَياتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» (5).
و دعا النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم إلى المبادرة لفعل الخير، و اغتنام الفرص للعمل إلى ما يقرّب العبد إلى خالقه، قبل أن يفوت الأوان، فيخسر الإنسان ما أعدّه الله له من النعم في دار الآخرة.
12- روی علیه السلام عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، أنّه قال على منبره: «أَلا إِنَّ خَيْرَ الْأَسْمَاءِ عَبْدُ اللهِ، وَ عَبْدُ الرَّحْمنِ، وَ حارِثَةُ، وَ هَمَّامُ، وَ شَرَّ الْأَسْمَاءِ ضِرارٌ، وَ مُرَّةٌ وَ حَرْبٌ، وَ ظالِمٌ» (6).
و أحبّ النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم للمسلمين أن يسمّوا أبناءهم بتلك الأسماء الكريمة، و كره لهم أن يسمّوهم بتلك الأسماء الكريهة التي تحمل طابع الشرّ و السوء.
13- روى علیه السلام عن آبائه: «أَنَّ رَسولَ اللهِ الله صلّی الله علیه و آله و سلّم خَطَبَ النَّاسَ فِي آخِرِ جُمْعَةٍ مِنْ شَهْرٍ شَعْبانَ، فَحَمِدَ اللهَ وَ أَثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
أَيُّها النَّاسُ، قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَ هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَرَضَ اللَّهُ صِيامَهُ، وَ جَعَلَ قِيامَ لَيْلَةٍ فِيهِ بِتَطَوُّعٍ صَلاةً كَمَنْ تَطَوَّعَ بِصَلَاةٍ سَبْعِينَ لَيْلَةً فِيمَا سِواهُ مِنَ الشُّهور، وَ جَعَلَ لِمَنْ تَطَوَّعَ فيهِ بِخِصْلَةٍ مِنْ خِصالِ الْخَيْر وَ الْبرِّ كَأَجْر مَنْ أَدَّى فَريضَةً مِنْ فَرائِضِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ مَنْ أَدَّى فِيهِ فَريضَةً مِنْ فَرائِضِ اللَّهِ كَانَ كَمَنْ أَدّى فِيهِ سَبْعِينَ فَريضَةً فيما سِواءٌ مِنَ الشُّهورِ، وَ هُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَ إِنَّ الصَّبْرَ ثَوابُهُ الْجَنَّةُ، وَ هُوَ شَهْرُ الْمُواساة (1)، وَ هُوَ شَهْرٌ يَزيدُ اللهُ فِيهِ أَرْزاقَ (2)الْمُؤْمِنِينَ، وَ مَنْ فَطَّرَ فِيهِ مُؤْمِناً صَائِمَاً كَانَ لَهُ بِذلِكَ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَ مَغْفِرَةٌ لِذنوبِهِ فيما مضى».
فَقِيلَ لَهُ: يا رَسولَ اللهِ، لَيْسَ كُلُّنا نَقْدِرُ عَلى أَنْ نُفَطِّرَ صائماً.
فَقالَ: إِنَّ اللهَ تَعالى كَريمٌ يُعْطي هذَا الثَّوابَ مِنْكُمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَى مَذْقَةٍ (3)مِنْ لَبَنٍ يُفَطَّرُ بِها صائِماً، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ عَذْبٍ، أَوْ تُمَيْرَاتٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ذلِكَ، وَ مَنْ خَفَّفَ فِيهِ عَنْ مَمْلُوكِهِ خَفَّفَ اللهُ عَنْهُ حِسَابَهُ، وَ هُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَ وَسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَ آخِرُهُ إِجابَةٌ، وَ الْعِتْقُ مِنَ النّارِ، وَ لَا غِنىً بِكُمْ فِيهِ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: خِصْلَتَيْنِ تُرْضُونَ اللهَ تَعالى بهما، وَ خِصْلَتَيْنِ لَا غِنىً بِكُمْ عَنْهُما.
أَمّا اللَّتانِ تُرْضونَ الله تعالى بهما، فَشَهادَةٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ،
وَ أَمّا اللَّتانِ لَا غِنىّ بِكُمْ عَنْهُما، فَتَسْأَلُونَ اللهَ فيهِ حَوائِجَكُمْ وَ الْجَنَّةَ، وَ تَسْأَلُونَ الله فيهِ الْعافِيَةَ، وَ تَتَعَوَّذونَ بِهِ مِنَ النَّارِ» (1).
إنّ لشهر رمضان قداسة و حرمة عند الله، ففضّله على سائر الشهور، و دعا فيه الرسول إلى الطاعة و البرّ و الإحسان على الفقراء، و خصّه بكثير من المميّزات على بقيّة الشهور.
14- قال علیه السلام: «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم عَنْ خِيارِ الْعِبادِ؟ فَقَالَ: الَّذِينَ إِذا أَحْسَنوا اسْتَبْشَروا، وَ إِذا أَساءُوا اسْتَغْفَرُوا، و إذا أُعْطوا شَكَروا، وَ إِذا ابْتُلُوا صَبَروا، وَ إِذا غَضِبوا غَفَروا» (2).
15- روى علیه السلام عن آبائه: «أَنَّ النَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله و سلّم قال في وَصِيَّتِهِ لِعَلِيٍّ: يَا عَلِيُّ، في الزِّنا سِتُّ خِصالٍ، ثَلاثٌ مِنْها فِي الدُّنْيَا، وَ ثَلاثٌ فِي الْآخِرَةِ.
فَأَمَّا الَّتي في الدُّنْيا: فَيَذْهَبُ بِالْبَهاءِ، وَ يُعَجِّلُ الْفَناءَ، وَ يَقْطَعُ الرِّزْقَ.
وَ أَمَّا الَّتي في الْآخِرَةِ فَسوءُ الْحِسابِ، وَ سَخَطُ الرَّحْمَنِ، وَ الْخُلودُ فِي النَّارِ» (3).
إنّ الزنا آفة اجتماعيّة، و كارثة مدمّرة للأخلاق، و قد شدّد الإسلام فيه و توعّد
من يقترفه بأنواع العذاب في الدار الآخرة.
16- روى علیه السلام عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، أنّه قال: «الْحُكْرَةُ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءٍ: في الْحِنْطَةِ، وَ الشَّعِيرِ، وَ التَّمْرِ، وَ الزَّبيبِ، وَ السَّمْنِ، وَ الزَّيْتِ» (4).
الاحتكار هو أحد العوامل المؤدّية إلى شلّ الحركة الاقتصاديّة في البلاد، و إلى شيوع الفقر و الحاجة بين الناس، و قد حاربه الإسلام و شدّد في أمره أعظم ما يكون التشدّد، و ألزم ولاة أمر المسلمين بتسعير السلع، و عدم الاجحاف في حقّ المواطنين فيها.
17- روى علیه السلام عن آبائه، عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، أنّه قال: «السُّحْتُ ثَمَنُ الْمَيْتَةِ، وَ ثَمَنُ الْكَلْبِ، وَ ثَمَنُ الْخَمْرِ، وَ مَهْرُ الْبَغِيِّ، وَ الرَّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ، وَ أَجْرَةُ الْكاهِنِ» (1).
و حرّم الإسلام بذل المال بازاء هذه الأُمور، و جعل التعامل بها من أكل المال
بالباطل، لأنّها تؤدّي إلى تسيّب الأخلاق، و شيوع الفساد في الأرض.
18- روى علیه السلام عن آبائه: «أَنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم قَالَ: سِتَّةٌ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ كُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٍ: الزّائِدُ في كِتابِ اللهِ، وَ الْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللهِ، وَ التّارِكُ لِسُنَّتِي، وَ الْمُسْتَحِلُّ لِعِتْرَتي ما حَرَّمَ الله، وَ الْمُتَسَلَّطُ بِالْجَبَرُوتِ لِيُذِلُّ مَنْ أَعَزَّهُ اللهُ، وَ يُعِزُّ مَنْ أَذَلُّهُ اللهُ، وَ الْمُسْتَأْثِرُ بِفَيْءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَحِلُّ لَهُ» (2).
19- روى علیه السلام عن آبائه: «أَنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم قَالَ لِعَلِيٍّ: يَا عَلِيُّ، حُرِّمَ مِنَ الشَّاةِ سَبْعَةُ أَشْياءٍ: الدَّمُ، وَ الْمَذاكِيرُ، وَ الْمَثانَةُ، وَ النُّخاعُ، وَ الْغُدَدُ، وَ الطَّحالُ، وَ الْمَرَارَةُ» (3).
و في تحريم الإسلام لهذه الأُمور وقاية للصحّة العامّة، و ضمان للمجتمع من أن يصاب بالأمراض، و قد ثبت في الطبّ الحديث أنّها ممّا يضرّ بالصحّة العامّة، و إنّ اجتنابها أمر لازم.
20- روى علیه السلام عن آبائه: «أَنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ لِعَلِيٍّ: يَا عَلِيُّ، إِنَّ اللَّهَ
تَبَارَكَ وَ تَعالى أَعْطاني فیك سَبْعَ خِصَالٍ: أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ مَعي، وَ أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَقِفُ عَلَى الصِّراطِ مَعي، وَ أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يُكْسَىٰ إِذا كُسِيتُ، وَ يَحْيى إِذا حَیِيتُ، وَ أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَسْكُنُ مَعي فِي عِلِّيِّينَ، وَ أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَشْرَبُ مَعِي مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتومِ الَّذي خِتامُهُ مِسْكٌ» (1).
عليه
21- روى علیه السلام عن آبائه: «أَنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم قالَ: لَمْ يُعْبَدِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ.
وَ لَا يَكونُ الْمُؤْمِنُ عاقِلاً حَتَّى تَجْتَمَعَ فِيهِ عَشْرُ خِصَالٍ: الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمولٌ، وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمونٌ، وَ يَسْتَكْثِرُ قَليلَ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِهِ، وَ يَسْتَقِلُّ كَثيرَ الْخَيْرِ مِنْ نَفْسِهِ، وَ لَا يَسْأَمُ مِنْ طَلَبِ الْعِلْم طُولَ عُمُرِهِ، وَ لَا يَتَبَرَّمُ بِطلابِ الْحَوائِجِ قِبَلَهُ، الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعِزَّ، وَ الْفَقْرُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنى، نَصيبُهُ مِنَ الدُّنْيا الْقُوتُ. وَ الْعَاشِرَةُ وَ ما الْعاشِرَةُ؟ لَا يَرى أَحَداً إِلَّا قالَ: هُوَ خَيْرٌ مِنّي وَ أَتْقَى.
إِنَّما النَّاسُ رَجُلانِ، فَرَجُلٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَ أَتْفَى، وَ آخَرُ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَ أَدْنَى، فَإِذَا رَأَىٰ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَ أَتْقَى تَواضَعَ لَهُ لِيَلْحَقَ بِهِ، وَ إِذا رَأَى الَّذِي هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَ أَدْنَىٰ قَالَ: عَسَى خَيْرُ هذا باطِنٌ وَ شَرُّهُ ظَاهِرٌ، عَسَى أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِخَيْرِ فَإِذا فَعَلَ ذلِكَ فَقَدْ عَلا مَجْدُهُ، وَ سادَ أَهْلَ زَمانِهِ» (2).
و في هذا الحديث و أمثاله من الأحاديث النبويّة دعوة إلى إصلاح النفس، و تهذيبها بمكارم الأخلاق و محاسن الأعمال لتكون مصدر هداية للناس.
22- روى علیه السلام عن آبائه: «أَنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: لُعِنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةٌ: غَارِسُها، وَ حارِسُها، وَ عاصِرُها، وَ شارِبُها، و ساقِيها، وَ حامِلُها، وَ الْمَحْمولَةُ إِلَيْهِ، وَ بائِعُها
وَ مُشْتَرِيها، وَ آكِلُ ثَمَنِها» (1).
و شدّد الإسلام في أمر الخمر أعظم ما يكون التشدّد، فحرّم إيجاده و صنعه، كما حرّم تعاطيه، فإنّ الخمر من أعظم الآفات الاجتماعيّة التي تضرّ بالصحّة العامّة، و تسبّب انتكاسة القيم و تدهور الأخلاق.
23- روى علیه السلام عن آبائه: «أَنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم قال: الْبَرَكَةُ عَشْرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةُ أَعْشَارِها في التِّجارَةِ، وَ الْعُشْرُ الْباقي في الْجُلُودِ - يعني الغنم -» (2).
24- روى علیه السلام عن النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، أنّه قال: «إذا سَأَلْتُمُ الله فَاسْأَلوهُ بِباطِنِ الْكَفَّيْنِ، وَ إِذا، اسْتَعَذْتُموهُ فَلَا تَسْتَعِيذُوهُ بِظَاهِرِهِما» (3).
25- روى علیه السلام عن آبائه: «أَنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم قالَ: إِذا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشَرَةَ خِصْلَةٌ حَلَّ بها الْبَلاءُ: إِذا أَكَلُوا الْأَمْوالَ دُوَلاً، وَ اتَّخَذوا الْأَمانَةَ مَغْنَماً، وَ الزَّكَاةَ مَغْرَماً، وَ أَطاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَ عَقَّ أُمَّهُ، وَ بَرَّ صَدِيقَهُ وَ جَفا أَخَاهُ، وَ ارْتَفَعَتِ الْأَصْواتُ في الْمَسَاجِدِ، وَ أُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخافَةَ شَرِّهِ وَ كَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَ إِذَا لُبِسَ الْحَرِيرُ، وَ شُرِبَتِ الْخُمورُ، وَ اتُّخِذَتِ الْقِيانُ وَ الْمَعازِفُ، وَ لَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا فَلْيَتَرَقَّبوا بَعْدَ ذلِكَ ثَلاثَ خِصالٍ: ريحاً حَمْراءٌ وَ مَسْخاً وَ خَسْفاً» (4).
و هذه الأُمور التي حذّر عنها النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم هي من مدمّرات الأُمم، و من محطّمات الشعوب، و إذا اقترفتها الأُمّة الإسلاميّة فسوف يحلّ بها عذاب الله، و تجتاحها نقماته.
26- روى علیه السلام عن آبائه: «أَنَّ النَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله و سلّم قالَ: مَنْ باتَ كَالّاً مِنْ طَلَبِ الْحَلالِ باتَ مَغْفُوراً لَهُ» (1).
و حثّ الإسلام على الكسب الحلال، و اعتبره جهاداً و شرفاً لصاحبه، و إنّ من سعى لعياله و هو مكدود متعوب بات مغفوراً له.
27- روى علیه السلام عن آبائه: «أَنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم قَالَ: مَنْ أَرادَ التَّوَسُّلَ إِلَيَّ، وَ أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ أَشْفَعُ لَهُ بِها يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلْيَصِلْ أَهْلَ بَيْتي وَ يُدْخِلِ السُّرورَ عَلَيْهِمْ» (2).
28- روى علیه السلام: عن آبائه: «أَنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم قَالَ لِعَلِيٍّ: يَا عَلِيُّ، أَنا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَ أَنْتَ الْبابَ، وَ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَصِلُ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَّا مِنَ الْبابِ» (3).
29- روی علیه السلام بسنده عن أُمّ سلمة: «أَنَّ رَسولِ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم قَالَ: الْحَجُّ جِهادُ كُلِّ ضَعيفٍ» (4).
30- روی علیه السلام بسنده عن آبائه: «أَنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم قَالَ: إِنِّي وَ إِثْنَي عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتي، أَوَّلُهُمْ عَلِيُّ، أَوْتَادُ الْأَرْضِ الَّتِي أَمْسَكَهَا اللهُ بِهَا أَنْ تَسِيخَ بِأَهْلِهَا، فَإِذَا ذَهَبَتِ الْإِثْنَا عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتي ساخَتِ الْأَرْضُ بِأَهْلِها» (5).
31- قال علیه السلام: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ خِيارِ الْعِبادِ؟
فَقالَ صلّی الله علیه و آله و سلّم: الَّذينَ إِذا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَروا، وَ إِذا أَعْطُوا شَكَروا، وَ إِذا ابْتُلُوا صَبَرُوا،
وَ إِذا غَضِبوا غَفَروا» (1).
إنّ مَن يتّصف بهذه الأخلاق الرفيعة فإنّه يكون من خيار الناس و أشرافهم، و إنّه قد ملك زمام نفسه، و سيطر عقله على هواه.
32- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: مِنَ الْمُروءَةِ اسْتِصْلاحُ الْمَالِ» (2).
و حثّ الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم أصحاب رؤوس الأموال على استثمار أموالهم في الوجوه المشروعة لازدهار الاقتصاد العامّ و زيادة الدخل الفردي، و نفي الحاجة من البلاد، و نهاهم عن التبذير أو حبس الأموال و عدم تشغيلها، فإنّ ذلك ممّا يعود بأضرار بالغة على اقتصاد البلاد.
33- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَىٰ أَهْدِى إِلَيَّ وَ إِلَىٰ أُمَّتِي هَدِيَّةٌ لَمْ يَهْدِها إِلى أَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ كَرَامَةً مِنَ اللهِ لَنا.
فَقالَ أَصْحابُهُ: وَ ما ذاكَ يا رَسولَ اللهِ؟
قالَ: الْإِفْطارُ في السَّفَرِ، وَ التَّقْصيرُ في الصَّلاةِ» (3).
حقّاً إنّ تقصير الصلاة و الافطار في السفر من ألطاف الله تعالى على هذه الأُمّة، فإنّ المسافر في عناء و جهد، فإذا وجب عليه الصوم و إتمام الصلاة فقد أضاف إلى عنائه عناءً، و إلى مشقّته مشقّة أُخرى.
34- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: أَلا إِنَّ شِرارَ أُمَّتِي الَّذِينَ يُكْرَمُونَ مَخافَةَ شَرِّهِمْ، أَلا وَ إِنَّ مَنْ أَكْرَمَهُ النَّاسُ اتَّقاءَ شَرِّهِ فَلَيْسَ مِنّى» (4).
إنّ شرار هذه الأُمّة الذين يكرمون و يعظّمون لا لفضيلة فيهم أو إحسان أسدوه إلى الناس، و إنّما لاتّقاء شرورهم، و مخافة ظلمهم، فإنّ هؤلاء ليسوا من الإسلام الذي جاء بالرحمة و الإحسان إلى الناس.
35- قال علیه السلام: «قَالَ رَسولُ الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: رَأْسُ العَقْلِ بَعْدَ الإِيمَانِ بِاللهِ عَزَّ وَ جَلَّ التَّحَبُّبُ إلَى النَّاسِ» (1).
ما أروع هذه الحكمة و ما أجلّها! ! فإنّ التحبّب إلى الناس إمّا بقضاء حوائجهم، أو جلب الخير لهم، و دفع الظلم عنهم، أو مقابلتهم بالأخلاق الرفيعة ممّا يوجب شيوع المحبّة بين الناس، و ربط الهيئة الاجتماعيّة بعضها ببعض، و هذا ما يحرص عليه الإسلام، و ممّا أقام مجتمعه عليه.
36- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: يا مَعاشِرَ قُرّاءِ الْقُرْآنِ، اتَّقوا اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ فيما حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْؤولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْؤولونَ، إِنِّي مَسْؤولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتَسْأَلُونَ عَمّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتابِ اللهِ وَ سُنَّتي» (2).
و في هذا الحديث دعوة إلى القرّاء و إلى سائر رجال الدين للقيام بدورهم في
تحمّل المسؤوليّة بإرشاد الناس و هدايتهم، و تبليغهم بما أمر الله به و عمّا نهى عنه.
37- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: خُلِقْتُ أَنا وَ عَلِيٍّ مِنْ نُورٍ وَاحِدٍ» (3).
إنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم و عليّاً علیه السلام خلقا من نور واحد أضاء آفاق هذا الكون، فهما مصدر الفكر و الوعي لهذه الأُمّة، و هما رائدا الإنسانيّة لكلّ ما تسمو به.
38- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ وَ غَضَبِي عَلَى مَنْ أَهْراقَ
دَمي وَ آذَانِي فِي عِتْرَتِي» (1).
الويل كلّ الويل للزمرة الخائنة التي لم تحفظ وصيّة رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم في عترته و أهل بيته، فأبادتهم، و قطعت أوصالهم، و سبت ذراريهم، و انتهكت حرمتهم.
39- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: يُحْشَرُ أبي إِبْراهِيمُ وَ عَلِيٌّ وَ يُنادي مُنادٍ:يا مُحَمَّدُ، نِعْمَ الْأَبُ أَبوكَ، وَ نِعْمَ الْأَخُ أَخوكَ» (2).
ألا بوركت تلك الابوّة الزاكيّة لإبراهيم خليل الرحمن، و تلك الاخوّة الصادقة للإمام أمير المؤمنين إلى رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، و ينادى بهما يوم حشر الناس على صعيد الحقّ و العدل لإظهار فضلهما، و سموّ مكانتهما عند الله.
40- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ الله صلّی الله علیه و آله و سلّم لِعَلِيٍّ: لَوْلاكَ مَا عُرِفَ الْمُؤْمِنونَ بَعْدِي» (3).
لقد كان الإمام أمير المؤمنين علیه السلام هو المقياس للإيمان، و المقياس للحقّ و العدل، فما آمن به إلّا كلّ من آمن بربّه و وطنه و أُمّته، و ما جحده إلّا كلّ من تنكّر للعدل، و تنكّر لصالح أُمّته، و أعرض عن ذكر الله و اتّخذ آياته هزواً.
41- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم تُحْشَرُ ابْنَتي فاطِمَةُ وَ مَعَهَا ثِيَابٌ مَصْبوغَةٌ، فَتَعَلَّقُ بِقائِمَةِ الْعَرْشِ وَ تَقولُ: يا جَبَّارُ احْكُمْ بَيْنِي وَ بَيْنَ قاتِل وَلَدي - يعني الحسين علیه السلام - فَيَحْكُمُ لابْنَتى وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ» (4).
لقد أذاع النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم بين المسلمين في كثير من مواقفه عن مقتل سبطه العظيم الإمام الحسين علیه السلام، و أعلن - في هذا الحديث - أنّ بضعته سيّدة نساء العالمين فاطمة
الزهراء علیها السلام سترفع يوم القيامة قميص ولدها الملطّخ بدمائه الزكيّة، و تطالب الحاكم العدل أن يحكم بينها و بين قاتله، فالويل كلّ الويل لمن كانت العترة الطاهرة خصماً له في ذلك اليوم الذي يخسر فيه المبطلون.
42- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: إِنَّ اللهَ جَعَلَ ذُرِّيَّةَ مُحَمَّدٍ صلّی الله علیه و آله و سلّم مِنْ صُلْبِ عَلِيٍّ» (1).
ألا بوركت تلك الذرّيّة الطاهرة التي أعزّ الله بها كلمة الحقّ، و أضاء بها الطريق، و أوضح بها القصد، و جعلها الأدلّاء على طاعته، و القادة إلى سبيله.
43- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: مَنْ أَسْبَغَ وُضوءَهُ، وَ أَحْسَنَ صَلاتَهُ، وَ أَدّى زَكاةَ له مالِهِ، وَ كَفَّ غَضَبَهُ، وَ سَجَنَ لِسَانَهُ، وَ بَذَلَ مَعْرُوفَهُ، وَ اسْتَغْفَرَ لِذَنْبِهِ، وَ أَدّى النَّصِيحَةَ لأهْلِ بَيْتِي فَقَدِ اسْتَكْمَلَ حَقَائِقَ الْإِيْمَانِ، وَ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ لَهُ مُفَتَّحَةٌ» (2).
إنّ هذه الأعمال ممّا تقرّب العبد إلى خالقه، و يصل بها الإنسان إلى حقيقة الإيمان، و يستوجب بها الجنان.
44- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: غَريبَتانِ فَاحْتَمِلُوهُما: كَلِمَةُ حِكْمَةٍ مِنْ سَفيهٍ فَاقْبَلُوها، وَ كَلِمَةُ سَفَةٍ مِنْ حَكِيمٍ فَاغْفِروها» (3).
إنّ صدور الحكمة من السفيه لغريب، و لو صدرت منه للزم الأخذ بها، و لا يعنى بقائلها، كما أنّ صدور السفه من الحكيم لغريب باعتبار كماله و حكمته، فإذا نطق بذلك فينبغي أن لا يؤاخذ عليه.
45- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: نِعْمَتانِ مَكْفُورَتانِ: الْأمْنُ وَ الْعافِيَةُ» (4).
لقد كفر الناس بهاتين النعمتين اللتين لا تطيب الحياة من دونهما، و إنّهم لم يؤدّوا لله شكراً عليهما.
46- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي إِذا صَلُحا صَلُحَتْ أُمَّتِي، وَ إِذا فَسَدا فَسَدَتْ أُمَّتِي.
قيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَ مَنْ هُما؟
قالَ: الْفُقَهَاءُ وَ الْأُمَراءُ» (1).
إنّ الإصلاح الاجتماعي يتوقّف على صلاح هذين الصنفين، فإذا صلحا فقد سعدت الأُمّة، و حقّقت ما تصبو إليه، و إذا شذّا عن سنن الحقّ، و انحرفا عن العدل أُصيبت الأُمّة بتدهور سريع في جميع مجالاتها.
47- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: إِنَّ الْجَنَّةَ لَيوجَدُ رِيحُهَا مِنْ مَسيرَةِ خَمْسِمَائَةِ عامٍ، وَ لَا يَجِدُها عاقٌّ، وَ لَا دَيَوثٌ.
قبل: يا رسول الله، و ما الدَّيّوثُ؟
قالَ: الَّذِي تَزْنِي امْرَأَتُهُ وَ هُوَ يَعْلَمُ» (2).
إنّ العاقّ لأبويه، و الديّوث الذي لا شرف له لا يستحقّان أن ينعما بالفردوس الأعلى الذي هو مقرّ الأنبياء و الصالحين، بل لا يليق بهما إلّا أن يكونا مقرنين بالأصفاد في النار.
48- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: لَا خَيْرَ فِى الْعَيْشِ إِلّا لِرَجُلَيْنِ: عَالِمٌ مُطاعٌ، أَوْ مُسْتَمِعٌ واعٍ» (3).
إنّ الخير في هذه الحياة إنّما هو للعالم الذي يُطاع فيما يأمر به من القيم الكريمة و المثل الرفيعة، فإذا تمّ له ذلك فقد نجح في أداء رسالته، و حقّق ما يصبو إليه، و كذلك الخير في الحياة إنّما هو للمستمع الواعي الذي يعي الأهداف النبيلة في رسالة المصلحين و يعمل بها.
49- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: مَنْ واسَى الْفَقيرَ، وَ أَنْصَفَ النّاسَ مِنْ نَفْسِهِ، فَذلِكَ الْمُؤْمِنُ حَقّاً» (1).
إنّ مواساة الفقراء ماديّاً و معنويّاً دليل على قوّة الإيمان و تكامله، كما أنّ إنصاف الناس آية على سموّ الشخص و تجرّده من الأنانيّة و سائر الأمراض النفسيّة، و هذا هو واقع الإيمان و جوهر الإسلام.
50- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: يَلْزَمُ الْوالِدَيْنِ مِنَ الْعُقوقِ لِوَلَدِهِمَا إِذَا كَانَ الْوَلَدُ صالِحاً ما يَلْزَمُ الْوَلَدَ لَهُما» (2).
إنّ العقوق لا يقتصر على الولد تجاه أبويه، و إنّما يشملهما فيما إذا أساء إليه على غير وجه مشروع، فإنّهما يتحمّلان إثم ما اقترفاه تجاهه.
51- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: ما أَنْفَقَ مُؤْمِنٌ نَفَقَةً هِيَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ فِي الرّضا وَ الْغَضَبِ» (3).
ما أروع هذه الحكمة. إنّها دستور الإسلام الذي يؤثر الحقّ و العدل بين الناس على كلّ شيء.
52- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَا نَصِيبَ لَهُما فِي الْإِسْلَامِ:
الْغُلاةُ وَ الْقَدَرِيَّةُ» (1).
أمّا الغلاة فهم الذين يزعمون أنّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام هو الله تعالى، أو أنّه ابن الله، فهؤلاء ليسوا من فِرق الإسلام - عند الشيعة - و إنّما هم من الكفّار و يعاملون معاملتهم.
قال السيّد الحميري في هجائهم:
قَوْمٌ غَلُوا في عَلِيّ لَا أَبالَهُمُ *** وَ أَجْشَموا أَنْفُساً في حُبِّهِ تَعَبا
قالوا هُوَ ابْنُ الإلهِ جَلَّ خالِقُنا *** مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ أَوْ يَكونَ أَبا (2)
أمّا القدريّة: فهم القائلون بأنّ الخير و الشرّ كلّه من الله و بتقديره و مشيئته (3)، و هؤلاء ليس لهم نصيب من الإسلام.
53- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: ثَلاثُ خِصالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ أَوْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِي ظِلٍّ عَرْشِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلّا ظِلُّهُ: رَجُلٌ أَعْطَى النّاسَ مِنْ نَفْسِهِ ما هُوَ سائِلُهُمْ، وَ رَجُلٌ لَمْ يُقَدِّمْ رِجْلاً وَ لَمْ يُؤَخِّرْ رِجْلاً أُخْرى حَتَّىٰ يَعْلَمَ أَنَّ ذلِكَ لِلَّهِ فِيهِ رِضَىّ أَوْ سَخَطٌ، وَ رَجُلٌ لَمْ يَعِبْ أَخاهُ الْمُسْلِمَ بِعَيْبٍ حَتَّى يَنْفِيَ ذلِكَ الْعَيْبَ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي مِنْهَا عَيْباً إِلَّا بَدا لَهُ عَيْبٌ، وَ كَفَى بِالْمَرْءِ شُغْلاً بِنَفْسِهِ عَنِ النَّاسِ» (4).
و في هذا الحديث دعوة إلى مكارم الأخلاق، و حسن السلوك مع الناس،
و التحذير من ذكر مساوئ الناس.
54- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: ثَلاثٌ يَحْسُنُ فِيهِنَّ الْكِذْبُ: الْمَكِيدَةُ في الله الْحَرْب، وَ عِدَتُكَ زَوْجَتَكَ، وَ الْإصْلاحُ بَيْنَ النَّاسِ.
وَ ثَلاثٌ يَقْبُحُ فِيهِنَّ الصِّدْقُ: النَّمِيمَةُ، وَ إِخْبارَكَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِهِ بِمَا يَكْرَهُ، وَ تَكْذِيبُكَ الرَّجُلَ عَنِ الْخَيْرِ.
وَ ثَلَاثَةٌ مُجالَسَتُهُمْ تُمِيتُ الْقَلْبَ: مُجالَسَةُ الأَنْذالِ، وَ الْحَدِيثُ مَعَ النِّساءِ، وَ مُجالَسَةُ الأغْنِياءِ» (1).
و سوّع النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم الكذب في تلك المواضع نظراً للمصالح التي تترتّب عليها، و قد قال العلماء: إنّ الكذب ليس علّة تامّة للقبح، و إنّما هو مقتض له، فإذا وجد ما يرفع قبحه من المصالح جاز للمكلّف فعله، و كذلك يقبح الصدق في تلك المواضع نظراً للمفاسد التي تترتّب عليه.
55- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: كُلُّ عَيْنِ باكِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا ثَلَاثَ أَعْيُنٍ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَ عَيْنٌ غَضَّتْ عَنْ مَحارِمِ اللهِ، وَ عَيْنٌ بِاتَتْ سَاهِرَةٌ فِي سَبِيلِ الله» (2).
56- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: «إِنَّ أَسْرَعَ الخَيْرِ ثَواباً البِرُّ، وَ إِنَّ أَسْرَعَ الشَّرِّ عُقوَبةً الْبَغْيُ، وَ كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْباً أَنْ يُبْصِرَ مِنَ النَّاسِ مَا يَعْمَىٰ عَنْهُ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ يُعَيَّرَ النّاسَ بِما لا يَسْتَطِيعُ تَرْكَهُ، أَوْ يُؤْذِي جَلِيسَهُ بِما لا يَعْنِيهِ» (3).
و في هذا الحديث الحثّ على فعل الخير، و التحذير من الشرّ، و البغي على
الناس، و التنديد بمن ينظر إلى عيوب الناس، و لا ينظر إلى ما فيه من نقص.
57- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: لَا سَهَرَ إِلّا في ثَلاثٍ: مُتَهَجِّدٌ بِالْقُرْآنِ، أَوْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، أَوْ عَروسٌ تُهْدَى إِلى زَوْجِها» (1).
58- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: ثَلاثٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلَيْسَ مِنِّي، وَ لَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.
قيل: يا رسولَ اللهِ، وَ ما هُنَّ؟
قالَ: حِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ الْجاهِلِ، وَ حُسْنُ خَلُقٍ يَعيشُ بِهِ فِي النَّاسِ، وَ وَرَعٌ يَحْجِزُهُ عَنْ مَعاصي اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ» (2).
و يدعو هذا الحديث إلى تكوين شخصيّة المسلم على أُسس رفيعة من الحلم و حسن الأخلاق و الورع عن محارم الله.
59- قال علیه السلام: قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: ثَلاثَةٌ يَشْفَعُونَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَيُشَفَّعُونَ: الْأَنْبياءُ، ثُمَّ الْعُلَماءُ، ثُمَّ الشُّهَداءُ» (3).
60- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: الْإِيْمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَ إِقْرَارٌ بِاللِّسانِ، وَ عَمَلٌ بِالْأَرْكان» (4).
ليس الإيمان لفظاً تلوكه الألسن، و إنّما هو أمر مستقرّ في أعماق القلب، و دخائل النفس، و يدفع الإنسان إلى العمل عن يقين و إخلاص.
61- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم لأبي ذَرٍّ: يا أبا ذَرّ، إِيَّاكَ وَ السُّؤالَ، فَإِنَّهُ ذُلٌّ
حاضِرٌ، وَ فَقْرٌ تَتَعَجَّلُهُ، وَ فِيهِ حِسابٌ طَوِيلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
يا أبا ذَرٍّ، تَعيشُ وَحْدَكَ، وَ تَموتُ وَحْدَكَ، وَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَحْدَكَ، يَسْعَدُ بِكَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِراقِ يَتَوَلَّوْنَ غُسْلَكَ وَ تَجْهِيزَكَ وَ دَفْنَكَ.
يا أَبا ذَرٍّ، لَا تُسْأَلْ بِكَفِّكَ، وَ إِنْ أَتَاكَ شَيْءٌ فَاقْبَلْهُ.
ثُمَّ قَالَ صلّی الله علیه و آله و سلّم الأَصْحَابِهِ: أَ لا أُخْبِرُكُمْ بِشِرارِكُمْ؟
بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ.
الْمَشّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْباغونَ لِلْبُراءِ الْعَيْبَ» (1).
لقد أوصى النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم أبا ذرّ بالعفّة و الاباء، و استشفّ صلّی الله علیه و آله و سلّم من وراء الغيب عمّا يعانيه هذا المصلح العظيم من التنكيل و الارهاق في سبيل أداء رسالته الاصلاحيّة الخالدة، فقد أعلن أبوذرّ سخطه على الأمويّين الذين تنكّروا لحقوق الأُمّة، و استبدّوا بثرواتها ، فاتّخذوا مال الله دولاً، و عباد الله خولاً، فكان أبو ذرّ اللسان الناطق بحقوق المظلومين و المضطهدين، و المترجم لآلامهم، و قد ضاق الأمويّون منه ذرعاً، فنفوه إلى الربذة، و فرضت عليه الإقامة الجبريّة في تلك البقعة الجرداء التي انعدمت فيها جميع وسائل الحياة، و توفّي هذا الثائر العظيم جائعاً منفيّاً عن وطن الله و وطن رسوله.
لقد توفّي أبو ذر جائعاً و في أيدي الأمويّين ذهب الأرض و ثروات الأُمّة، ينفقونها على شهواتهم و ملاذّهم.
لقد مات أبوذرّ من أجل أن يحقّق العدالة الاجتماعيّة، و يحقّق الفرص المتكافئة بين الناس، و ينفي عنهم شبح الفقر و كابوس الظلم، و يعيد فيهم حكم القرآن و عدالة الإسلام.
1) الخصال: 183، الحديث 249.
62- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ الله صلّی الله علیه و آله و سلّم لِعَلِيٍّ: يا عَلِيُّ، أَرْبَعَةٌ لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ: إمامٌ عادِلٌ، وَ والِدٌ لِوَلَدِهِ، وَ الرَّجُلُ يَدْعو لأخيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، وَ الْمَظْلُومُ يقولُ لَهُ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ عِزَّتِي وَ جَلالي، لَأَنْتَصِرَنَّ لَكَ وَ لَوْ بَعْدَ حِينٍ» (1).
63- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم لِعَلِيٍّ: يا عَلِيُّ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَشْرَفَ عَلَى الدُّنْيا فَاخْتارَنِي فِيهَا عَلَى رَجَالِ الْعَالَمِينَ.
ثُمَّ اطَّلَعَ الثَّانِيَةَ فَاخْتارَكَ عَلَى رَجالِ الْعَالَمِينَ بَعْدِي.
ثُمَّ اطَّلَعَ الثَّالِثَةَ فَاخْتارَ الْأَئِمَّةَ مِنْ وُلْدِكَ عَلَى رِجالِ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ اطَّلَعَ الرَّابِعَةَ فَاخْتَارَ فاطِمَةَ عَلَى نِساءِ الْعالَمِينَ» (2).
لقد اختار الله تعالى نبيّه العظيم و أوصيائه الأئمّة الطاهرين من بين خلقه، فجعلهم خزنة لعلمه، و مستودعاً لحكمته، و أركاناً لتوحيده، و مناراً في بلاده، و أدلّاء على مرضاته و طاعته، فصلوات الله عليهم.
64- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ في نُورِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ: مَنْ كَانَ عِصْمَةُ أَمْرِهِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَ مَنْ إِذا أَصابَتْهُ مُصِيبَةٌ قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، وَ مَنْ إِذا أَصابَ خَيْراً قالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَ مَنْ إذا أَصابَ خَطِيئَةً قالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَ أَتُوبُ إِلَيْهِ» (3).
65- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى عَشَرَةِ أَسْهُمٍ: عَلَىٰ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَ هِيَ الْمِلَّةَ، وَ الصَّلاةِ وَ هِيَ الْفَرِيضَةُ، وَ الصَّوْمِ وَ هُوَ الْجَنَّةُ، وَ الزَّكاةِ وَ هِيَ الطُّهْرُ، وَ الْحَجِّ وَ هُوَ الشَّرِيعَةُ، وَ الْجِهَادِ وَ هُوَ الْغَزْرُ، وَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ هُوَ الْوَفاءُ،
وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ هُوَ الْحُجَّةُ، وَ الْجَمَاعَةِ وَ هِيَ الأَلْفَةُ، وَ الْعِصْمَةِ وَ هِيَ الطَّاعَةُ» (1).
66- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعوا النَّاسَ بِأَمْوالِكُمْ فَسَعوهُمْ بِأَخْلاقِكُمْ» (2).
ما أسمى هذه الحكمة التي تجمع الناس على صعيد المحبّة و الاُلفة، و توحّد ما بین مشاعرهم و عواطفهم، إنّ سلطان المال لا يمكن أن يحقّق ذلك، ولكنّ الأخلاق هي أقوى مؤثّر في بناء المجتمع و إقامته على أُسس سليمة.
67- قال علیه السلام: «و قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ، وَ لَا تُكَرِّهوا عِبادَةَ اللَّهِ إِلَى عِبادِ اللهِ فَتَكونوا كَالرّاكِبِ الْمُنْبَتِّ الَّذِي لَا سَفَراً قَطَعَ، وَ لَا ظَهْراً أَبْقى» (3).
68- قال علیه السلام: «أتى رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله و سلّم فَقالَ لَهُ: ما لي لَا أحِبُّ الْمَوْتَ؟
فَقالَ صلّی الله علیه و آله و سلّم: أَ لَكَ مالٌ؟
قالَ: نَعَمْ.
قالَ: فَقَدَّمْتَهُ؟
قال: لا.
قالَ: فَمِنْ ثُمَّ لَا تُحِبُّ الْمَوْتَ» (4).
إنّ هذا الإنسان لو قدّم لآخرته و سعى لها لأحبّ الدار الآخرة ليستوفى أجر ما عمله، و لكنّه لم يفعل شيئاً ممّا يقرّبه إلى الله زلفى، فلذاكره الموت، و كره ملاقاة
الله تعالى.
69- قال علیه السلام: «مَرَّ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم بِقَوْمٍ يَرْبَعُونَ حَجَراً، فَقالَ: ما هذا؟
قالوا: نَعْرِفُ بِذلِكَ أَشَدَّنا وَ أَقْوانا.
فَقالَ صلّی الله علیه و آله و سلّم: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشَدُكُمْ وَ أَقْواكُمْ؟
قالوا: بَلى.
قالَ صلّی الله علیه و آله و سلّم: أَشَدُّكُمْ وَ أَقْواكُمُ الَّذِي إِذا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضاهُ في إِثْمِ وَ لَا َباطِلٍ، وَ إِذا سَخِطَ لَمْ يُخْرِجْهُ سَخَطُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ، وَ إِذا قَدَرَ لَمْ يَتَعَاطَ ما لَيْسَ بِحَقَّ» (1).
إنّ الإسلام لا يعنى إلّا بقوّة الضمير و صلابته إزاء الحقّ، و أمّا الاعتزاز بقوّة العضلات فهي من الأعراف الجاهليّة التي حاربها الإسلام.
70- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: مُجالَسَةُ أَهْل الدِّينِ شَرَفُ الدُّنْيا وَ الآخِرَةِ» (2).
لقد ثبت في علم الاجتماع أنّ الحياة الاجتماعيّة حياة تأثير و تأثّر، فكلّ إنسان يتأثّر و يؤثّر فيمن حوله. و من الطبيعي أنّ مزاملة الأخيار و المتحرّجين في دينهم تؤثّر فيمن يتّصل بهم تأثيراً مباشراً فتصونهم من رذائل الصفات، و تحبّب لهم الخير، و ينالون بذلك شرف الدنيا و شرف الآخرة.
71- قال علیه السلام: «و قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: إِنَّ هَذَا الدِّين مَتينٌ فَأُوغِلوا فيه بِرِفْقٍ، وَ لَا تُكَرِّهوا عِبادَةَ اللهِ إِلى عِبادِ اللهِ فَتَكُونُوا كَالرّاكِبِ الْمُنْبَتِّ الَّذي لَا سَفَراً قَطَعَ، وَ لَا ظَهْراً أبْقى» (3).
72- روی علیه السلام عن آبائه: «أَنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم قَالَ لِعَلِيٍّ: يا عَلِيُّ، أَنا مَدينَةُ الْعِلْمِ
و أنت الباب، و كذب من زعم أنّه يصل إلى المدينة إلّا من الباب» (1)
73- قال علیه السلام: «قالَ رَسُولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: مَنْ نَقَلَهُ اللهُ مِنْ ذُلِّ الْمَعَاصِي إِلَى عِزّ التَّقْوَىٰ أَغْناهُ بِلا مالٍ، وَ أَعَزَّهُ بِلَا عَشيرَةٍ، وَ آنَسَهُ بِلا أَنيسٍ، وَ مَنْ خَافَ اللَّهَ أَخَافَ اللَّهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَ مَنْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ أَحَافَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَ مَن رَضِيَ مِنْ مَالِ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ فَقَدْ رَضِيَ مِنْهُ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ» (2).
74- قال علیه السلام: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: مِنْ أَهْلِ بَيْنِي إِثْنَا عَشَرَ نَقِيباً مُحَدِّثونَ،مِنْهُمُ الْقائِمُ بِالْحَقِّ يَمْلَأُهَا عَدْلاً كَما مِلِئَتْ جَوْراً» (3).
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض رواياته عن جدّه النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، و المتتبّع یجد أضعاف هذه الأحاديث التي يرويها الإمام عن جدّه صلّی الله علیه و آله و سلّم.
روى علیه السلام عن آبائه طائفة من حكم جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، و هذه بعضها:
1- قال علیه السلام: «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام: الْفِتَنُ ثَلاتٌ: حُبُّ النِّساءِ وَ هُوَ سَيْفُ الشَّيْطَانِ، وَ شِرْبُ الْخَمْرِ وَ هُوَ مُخُّ الشَّيْطَانِ، وَ حُبُّ الدِّينارِ وَ الدِّرْهَم وَ هُوَ سَهْمُ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ النِّسَاءَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعَيْشِهِ، وَ مَنْ أَحَبَّ الْأَشْرِبَةَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ، وَ مَنْ أَحَبَّ الدِّينارَ وَ الدِّرْهَمَ فَهُوَ عَبْدُ الدُّنْيا.
وَ أَضافَ علیه السلام يَقولُ: قالَ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ: بِالدِّينارِ داءُ الدِّينِ، وَ الْعَالِمُ طَبيبُ الدِّينِ،
فَإِذا رَأَيْتُمُ الطَّبِيبَ يَجُرُّ الدّاءَ عَلَى نَفْسِهِ فَاتَّهِمُوهُ، وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ غَيْرُ ناصِحٍ لِغَيْرِهِ» (1).
2- قال علیه السلام: «قال أميرُ الْمُؤْمِنينَ علیه السلام: قِوامُ الدّينِ بِأَرْبَعَةٍ: بِعالِم ناطِقٍ مُسْتَعْمل لَهُ، وَ بَغَنِيٍّ لَا يَبْخَلُ بِفَضْلِهِ عَلَى أَهْلِ ِدينِ اللهِ، وَ بِفَقِيرٍ لَا يَبيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ، وَ بِجاهِلٍ لَا يَتَكَبَّرُ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، فَإِذا كَتَمَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ، وَ بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَالِهِ، وَ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ، وَ اسْتَكْبَرَ الْجَاهِلُ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، رَجَعَتِ الدُّنْيا إِلَى وَرَائِهَا الْقَهْقَرَى، فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ الْمَسَاجِدِ وَ أَجْسَادِ قَوْمٍ مُخْتَلِفَةٍ.
قيلَ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ الْعَيْشُ فِي ذلِكَ الزَّمَانِ!
قال علیه السلام: خالِطُوهُمْ بِالْبَرّانِيَّةِ - يعني في الظاهر - وَ خالِفُوهُمْ فِي الْبَاطِنِ، لِلْمَرْءِ ما اكْتَسَبَ، وَ هُوَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَ انْتَظِرُوا مَعَ ذلِكَ الْفَرَجَ مِنَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ» (2).
إنّ صلاح الدنيا و ازدهار الحياة بهؤلاء الأصناف فيما إذا قاموا بمسؤوليّاتهم، و أدّوا ما عليهم، و أمّا إذا انحرفوا عن ذلك فإنّ الحياة العامّة تصاب بنكسة و تتدهور فيها جميع القيم العليا.
3- قال علیه السلام: «قال أميرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام: إِنَّ قُلوبَ الْجُهّالِ تَسْتَفِرُّها الأَطْمَاعُ، وَ تَرْتَهِنُها الْمُنى، وَ تَسْتَعْلِقُها الْخَدائِعُ» (3).
و صوّر هذا الحديث واقع الجهّال، و ألمّ باتّجاهاتهم، و التي كان منها أنّ الأطماع تسيطر على مشاعرهم و عواطفهم، و انّ المنى ترتهن قلوبهم، و الخدائع بسهولة تستولى عليهم و ذلك لقلّة خبرتهم و معرفتهم.
4 - قال علیه السلام: «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام: جُمِعَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي ثَلاثِ خِصَالٍ: النَّظَرُ،
وَ السُّكوتُ، وَ الْكَلامُ، فَكُلُّ نَظَرِ لَيْسَ فِيهِ اعْتِبارٌ فَهُوَ سَهْوٌ، وَ كُلُّ سُكوتٍ لَيْسَ فِيهِ فِكْرَةٌ فَهُوَ غَفْلَةٌ، وَ كُلُّ كَلامٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ فَهُوَ لَغْوٌ، فَطُوبىٰ لِمَنْ كَانَ نَظَرُهُ عِبْرَةً، وَ سُكوتُهُ فِكْراً، وَ كَلامُهُ ذِكْراً، وَ بَكَى عَلى خَطِيئَتِهِ، وَ أَمِنَ النَّاسُ شَرَّهُ» (1).
و هذه صفات العارفين بربّهم، و المنيبين إلى خالقهم، و هي لا تنطبق إلّا على أئمّة أهل البيت علیهم السلام و على المهتدين بهديهم.
5- قال علیه السلام: «قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام: إِنَّا أَهْلُ الْبَيْتِ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، وَ مَوْضِعُ الرِّسالَةِ، وَ مُخْتَلَفُ الْمَلائِكَةِ، وَ بَيْتُ الرَّحْمَةِ، وَ مَعْدِنُ الْعِلْمِ» (2).
6- قال علیه السلام: «في كتاب عَلِيٍّ ثَلاثُ خِصالٍ لَا يَموتُ صاحِبُهُنَّ أَبَداً حَتَّى يَرى وَ بالَهُنَّ: الْبَغْيُ، وَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَ الْيَمِينُ الْكاذِبَةُ يُبارِزُ اللَّهَ بِهَا، وَ إِنَّ أَعْجَلَ الطَّاعَةِ ثَواباً لَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَ إِنَّ الْقَوْمَ لَيَكونوا فُجّاراً فَيَتَواصَلونَ فَتَنْمِي أَمْوَالُهُمْ، وَ يَبِرُّونَ فَتَزْدادُ أَعْمَارُهُمْ.
وَ إِنَّ الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ وَ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ لَتَذرانِ الدِّيارَ بَلاقِعَ مِنْ أَهْلِهَا، وَ يُثَقِّلَانَ الرَّحِمَ، وَ إِنَّ تَثَقَّلَ الرَّحِمِ انْقِطَاعُ النَّسْلِ» (3).
و حفلت هذه القطعة من كتاب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام بالوصيّة بالبرّ و التقوى، و بما يعود على الإنسان من خير عميم في هذه الحياة.
7- قال علیه السلام: «قامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَى الْإمام أميرِ الْمُؤْمِنينَ علیه السلام فَقالَ لَهُ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنَا عَنِ الْإِخْوانِ.
فَأَجَابَهُ الإمامُ علیه السلام: الإِخْوانُ صِنْفَانِ: إِخْوانُ الثَّقَةِ، وَ إِخْوانُ الْمُكاشَرَةِ، فَأمَا إِخْوانُ
الثِّقَةِ فَهُمُ الْكَفُّ وَ الْجَناحُ، وَ الْأَهْلُ وَ الْمالُ، فَإِنْ كُنْتَ عَلَى حَدِّ الثِّقَةِ فَابْذُلْ لَهُ مَالَكَ وَ بَدَنَكَ، وَ صافِ مَنْ صافاهُ، وَ عادِ مَنْ عاداهُ، وَ اكْتُمْ سِرَّهُ وَ عَيْبَهُ، وَ أَظْهِرْ مِنْهُ الْحَسَنَ.
وَ اعْلَمْ أَيُّها السّائِلُ أَنَّهُمْ أَقَلُّ مِنَ الْكِبْريتِ الْأَحْمَرِ.
وَ أَمَّا إِخْوانُ الْمُكاشَرَةِ فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهُمْ لَذَّتَكَ، فَلَا تَقْطَعَنَّ ذلِكَ مِنْهُمْ، وَ لَا تَطْلُبَنَّ ما وَراءَ ذلِكَ مِنْ صَغيرِهِمْ، وَ ابْذُلْ لَهُمْ ما بَذَلوا لَكَ، مِنْ طَلاقَةِ الْوَجْهِ وَ حَلاوَةِ اللِّسانِ» (1).
أمّا اخوان المكاشرة في هذا العصر فهم الأكثريّة الساحقة، تسيّرهم الأطماع و الرغبات، و تدفعهم المصالح و الأهواء، أمّا مظاهر صداقتهم فهي طلاقة الوجه و عذوبة اللسان، كما قال الإمام علیه السلام.
8- قال علیه السلام: «سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام كَمْ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ؟
فقالَ علیه السلام: أَرْبَعُ أَصابعٍ، وَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى أُذنِهِ وَ عَيْنِهِ، فَقَالَ: مَا رَأَتْهُ عَيْنَاكَ فَهُوَ الْحَقُّ، وَ ما سَمِعَتْهُ أذْناكَ فَأَكْثَرُهُ الْباطِلُ» (2).
9- قال علیه السلام: «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام يَقولُ: إِنَّ لأَهْلِ التَّقْوى عَلاماتٍ يُعْرَفونَ بِها: صِدْقُ الْحَديثِ، وَ أَداءُ الْأَمَانَةِ، وَ الْوَفاءُ بِالْعَهْدِ، وَ قِلَّةُ الْفَخْرِ وَ الْبُخْلِ، وَ صِلَةُ الْأَرْحَامِ، وَ رَحْمَةُ الضُّعَفَاءِ، وَ قِلَّةُ المواتاة لِلنِّساءِ، وَ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ، وَ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَ سَعَةُ الْحِلْمِ، وَ اتِّباعُ الْعِلْمِ، فيما يقَرِّبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ، طُوبىٰ لَهُم وَ حُسْنُ مَآبٍ» (3).
10- قال علیه السلام: كانَ عَلِيٌّ يَقولُ: الْعامِلُ بالظُّلْم، وَ الْمُعِينُ عَلَيْهِ، وَ الرّاضِي بِهِ شُرَكَاءُ:
ثَلاثَتُهُم» (1).
11- روى علیه السلام عن آبائه: «أَنَّ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه و آله و سلّم عَشْرُ خِصَالٍ، ما أَحَبُّ لى بِإِحْدَاهُنَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، قالَ لي: أَنْتَ أَخي في الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ، وَ أَقْرَبُ الْخَلائِقِ مِنّي فِي الْمَوْقِفِ، وَ أَنْتَ الْوَزِيرُ وَ الْوَصِيُّ وَ الْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَ الْمَالِ، وَ أَنْتَ آخِذُ لِوائي في الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ، وَلِيُّكَ وَلِیِّي، وَ وَلیّي وَلِيُّ اللَّهِ، وَ عَدُوُّكَ عَدُوّي وَ عَدُوّى عَدُوٌّ اللهِ» (2).
لقد خصّ الله الإمام أمير المؤمنين علیه السلام بفضائل كثيرة، و منحه المزيد من ألطافه و التي كان منها ما ذكره النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم في هذا الحديث.
روى علیه السلام عن أبيه، عن جدّه الإمام الحسين علیه السلام، قال: سَمِعْتُ جَدِّي رَسولَ الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يَقولُ لِي: اعْمَلْ بِفَرائِضِ اللَّهِ تَكُنْ أَتْقَى النَّاسِ، وَ ارْضَ بِقَسَمِ اللَّهِ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَ كُفَّ عَنْ مَحارِمِ الله تَكُنْ مُؤْمِناً، وَ أَحْسِنْ مُصاحَبَةَ مَنْ صاحَبَكَ تَكُنْ مُسْلِماً» (3).
روى عن أبيه عليّ بن الحسين علیه السلام، أنّه قال: «أَيُّمَا مُؤْمِنِ دَمِعَتْ عَيْناهُ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ حَتَّى تَسِيلَ عَلَى خَدِّهِ بَوَّأَهُ اللهُ فِي الْجَنَّةِ غُرَفاً يَسْكُنُها أَحْقاباً، وَ أَيُّما مُؤْمِنٍ دَمِعَتْ عَيْناهُ فيما مَسَّنَا مِنَ الأذى مِنْ عَدُوِّنَا فِي الدُّنْيا بَوَّاهُ اللَّهُ مُنْزَلَ صِدْقٍ، وَ أَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَسَّهُ أَذىً فينا فَدَمِعَتْ عَيْناهُ حَتَّى تَسِيلَ عَلَى خَدَّيْهِ مِنْ مَضاضَةِ ما أُوذِيَ فِينا صَرَفَ اللهُ
عَنْ وَجْهِهِ الْأَذى، وَ آمَنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَخَطِ النَّارِ» (1).
و روى علیه السلام عن جابر بن عبد الله مجموعة من الأخبار و الأحاديث من بينها:
1- روى علیه السلام عن جابر: «أَنّ رَسولُ اللهِ صلّى الله عليه و آله و سلّم كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفا يُكَبِّرُ ثَلاثاً، وَ يَقولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَصْنَعُ ذلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ وَ يَصْنَعُ مِثْلَ ذلِكَ عَلَى الْمَرْوَةِ» (2).
2- روى علیه السلام عن جابر: «أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه و آله و سلّم كَانَ يَتَخَتَّمُ بِيَمِينِهِ» (3).
3- سأل علیه السلام جابراً عمّا جرى بين عليّ و عائشة، فقال جابر: ذهبت يوماً إلى عائشة و سألتها ما تقولين فى حقّ علىّ؟ فأطرقت برأسها ثمّ رفعته و أنشدت:
إذا ما التِّبرُ حُكَّ عَلى مَحَكٍّ *** تَبَيِّنَ غِشُّهُ مِنْ غَير شَكٍّ
وَ فِينا الغِشُّ وَ الَّذهَبُ المُصَفّى *** عَلِيٌّ بَيْنَنَا شِبْهُ المَحَكِّ (4)
روايته علیه السلام عن عمر
و روی علیه السلام بسنده عن عمر بن الخطّاب، قال: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه و آله و سلّم يَقولُ: كُلُّ سَبَبٍ وَ نَسَبٍ يَنْقَطِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا سَبَبي وَ نَسَبي» (5).
و روى علیه السلام بسنده عن عبد الله بن عبّاس، أنّه قال: «نظر عليّ في وجوه الناس فقال: إِنِّي لأخو رَسولِ اللهِ صلّى الله عليه و آله و سلّم وَ وَزِيرُهُ، وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنّي أَوَّلُكُمْ إيماناً بِاللهِ وَ رَسولِهِ، ثُمَّ دَخَلْتُمْ بَعْدِي فِي الْإِسْلامِ رِسْلاً، وَ إِنِّي لابْنُ عَمِّ رَسولِ اللهِ صلّى الله عليه و آله و سلّم وَ أَخوهُ وَ شَرِيكُهُ في نَسَبِهِ، وَ أَبو وَلَدِهِ، وَ زَوْجُ ابْنَتِهِ سَيِّدَةٍ وَلَدِهِ، وَ سَيِّدَةِ نِساءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَ لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّا مَا خَرَجْنَا مَعَ رَسولِ اللهِ صلّى الله عليه و آله و سلّم مَخْرَجاً قَطُّ إِلَّا رَجَعْنَا وَ أَنَا أَحَبُّكُمْ إِلَيْهِ، وَ أَوْ ثَقُكُمْ فِي نَفْسِهِ، وَ أَشَدَّكُمْ نِكَايَةً لِلْعَدُوِّ، وَ آثَرُ فِي الْعَدَدِ.
وَ لَقَدْ رَأَيْتُمْ بِعْثَتَهُ إِيَّايَ بِبَراءَةٍ.
وَ لَقَدْ آخى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَمَا اخْتارَ أَحَداً غَيْرِي.
وَ لَقَدْ قالَ لي: أَنْتَ أَخي وَ أَنا أَخوكَ في الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ.
وَ لَقَدْ أَخْرَجَ النَّاسَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَ تَرَكَني.
وَ لَقَدْ قالَ لي أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونُ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» (1).
و روى علیه السلام عن زيد بن أرقم، قال: «كنّا جلوساً بين يدي النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم، فقال صلّى الله عليه و آله و سلّم: أَلَا أَدْلُّكُمْ عَلَى مَنْ إِذا اسْتَرْشَدْتُموهُ لَنْ تَضِلُّوا، وَ لَنْ تَهْلَكوا.
قالوا: بَلَى يَا رَسولَ اللهِ.
قال: هذا - و أشار إلى عليّ بن أبي طالب -.
ثُمَّ قالَ: وَ اخوهُ، وَ وازِروهُ، وَ صَدَّقوهُ، وَ انصحوه، فَإِنَّ جَبْرَئِيلَ أَخْبَرَنِي بِما قُلْتُ
1) مناقب عليّ بن أبي طالب علیه السلام: 111 و 112. المناقب / الخوارزمي: 226.
لَكُمْ» (1).
و روى علیه السلام الطائفة من كلمات المصلح العظيم الصحابي أبي ذرّ، منها قوله:
«يا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ لَا يَشْغَلُكَ أَهْلٌ وَ لَا مالٌ عَنْ نَفْسِكَ، أَنْتَ يَوْمَ تُفَارِقُهُمْ كَضَيْفٍ بِتَّ فَيهِمْ، ثُمَّ غَدَوْتَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ .. الدُّنْيا وَ الْآخِرَةُ كَمَنْزِلٍ تَحَوَّلْتَ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَ ما بَيْنَ الْمَوْتِ وَ الْبَعْثِ إِلَّا كَنَوْمَةٍ نِمْتَهَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْتَ مِنْهَا.
يا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ، إِنَّ قَلْباً لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ كَالْبَيْتِ الْخَرابِ» (2).
هذه بعض الأحاديث التي أُثرت عنه، و هي تتعلّق بآداب السلوك و الأخلاق، و بفضل العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم.
من العلوم التي خاضها الإمام أبو جعفر علیه السلام في محاضراته تفسير القرآن الكريم، فقد خصّص له وقتاً من أوقاته، تناول فيه جميع شؤونه، و قد أخذ عنه علماء التفسير - على اختلاف آرائهم و ميولهم - الشيء الكثير، فكان علیه السلام من ألمع المفسّرين في الإسلام، و كان من جملة ما عرض له أثناء بحوثه عن القرآن ما يلي:
و حثّ الإمام أبو جعفر علیه السلام على تلاوة الكتاب العزيز لأنّه المنبع الفيّاض لهداية الناس و استقامتهم، و هو ممّا يحيي القلوب، و يمدّها بطاقات من النور و الوعي، و قد روى علیه السلام ما قاله جدّه رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم في فضل تلاوته، قال صلّى الله عليه و آله و سلّم:
«قالَ رَسولُ اللهِ صلّى الله عليه و آله و سلّم: مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آياتٍ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ.
وَ مَنْ قَرَأَ خَمْسِينَ آيَةٌ كُتِبَ مِنَ الذَّاكِرِينَ.
وَ مَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ.
وَ مَنْ قَرَأَ مَائَتَي آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْخَاشِعينَ.
وَ مَنْ قَرَأَ ثَلاثَمَائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْفَائِزِينَ.
وَ مَنْ قَرَأَ خَمْسَمَائَةِ آيَةٍ كُتِبَ فِي الْمُجْتَهِدِينَ.
وَ مَنْ قَرَأَ أَلْفَ آيَةٍ كُتِبَ لَهُ قِنْطَارٌ مِنْ تِبْرٍ» (1).
و وردت أخبار مماثلة لهذا الحديث عن أئمّة أهل البيت علیهم السلام، و هي تحثّ
1) البيان في تفسير القرآن: 25.
المسلمين على تلاوة القرآن، و تحفّزهم على الامعان في آياته، و التأمّل في أسراره، و هي من دون شكّ تنمّي العقول، و تهذّب النفوس، و تصونها من الانحراف، و تهديها إلى سواء السبيل.
أمّا الترجيع بقراءة القرآن، و تلاوته بالصوت الحسن، فإنّه ينفذ إلى أعماق القلب و دخائل النفس، و يتفاعل مع العواطف، و ذلك لما اشتمل عليه من الحكم و المعارف التى لا غنى للحياة عنها.
و قد عنى أئمّة أهل البيت علیهم السلام بتلاوة القرآن الكريم، فكان الإمام أبو جعفر علیه السلام من أحسن الناس صوتاً بقراءته للقرآن (1).
و روى أبو بصير، قال: «قلت لأبي جعفر: إذا قرأت القرآن فرفعت صوتي جاءني الشيطان فقال: إنّما ترائي بهذا أهلك و الناس.
فقال علیه السلام: يا أبا مُحَمَّدٍ، اقْرَأْ قِراءَةً ما بَيْنَ الْقِراءَتَيْنِ تُسْمِعُ أَهْلَكَ، وَ رَجِّعْ بِالْقُرْآنِ صَوْتَكَ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يُرَجَّعُ فِيهِ تَرْجيعاً» (2).
القرآن الكريم هو معجزة الإسلام الكبرى «كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» (3)، «ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ» (4).
و ليس فيه أي تناقض في أحكامه و لا تناف في آياته: «وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا» (1)، و هو «يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» (2)، و «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ» (3).
و قد فسّر هذه الآية الإمام أبو جعفر علیه السلام، قال: ««لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ» مِنْ قِبَلِ التَّوْراةِ، وَ لَا مِّن قِبلِ الْإِنْجِيلِ وَ الزَّبورِ، «لَا مِنْ خَلْفِهِ» أَيْ لَا يَأْتِيهِ مِنْ بَعْدِهِ كِتابٌ يُبْطِلُهُ».
و في رواية عن الصادقين علیهما السلام أنّه: «لَيْسَ في إخبارِهِ عَمَّا مَضى باطِلٌ، وَ لَا في إِخْبَارِهِ عَمَّا يَكونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ باطِلٌ».
و ذمّ الإمام أبو جعفر علیه السلام المحرّفين لكتاب الله، و هم الذين يؤوّلون آياته حسب أهوائهم، فقد كتب علیه السلام في رسالته إلى سعد الخير:
«وَ كانَ مِنْ نَبْذِهِمُ الْكِتابَ أَنْ أَقاموا حُروفَهُ، وَ حَرَّفوا حُدودَهُ، فَهُمْ يَرَوْنَهُ وَ لَا يَرْعَوْنَهُ، وَ الْجُهّالُ يُعْجِبُهُمْ حِفْظُهُمْ لِلرَّوايَةِ، وَ الْعَلَماءُ يُحْزِنُهُمْ تَرْكُهُمْ لِلرِّعَايَةِ» (4).
و شاع الاستعمال المجازي في لغة العرب، و ذاع أمره في كثير من أنحاء الاستعمال كالإسناد المجازي، و المجاز في الكلمة، و منه باب الكنايات التي قيل
إنّها أبلغ من التصريح، و يعتبر ذلك من لطائف هذه اللغة و محاسنها.
و في القرآن الكريم طائفة كبيرة من الآيات كان الاستعمال فيها مجازيّاً، منها قوله تعالى: «يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» (1)، فإنَّ المنصرف من اليد هو العضو المخصوص، و يستحيل ذلك عليه تعالى لاستلزامه التجسيم و هو ممّا يمتنع عقلاً على الله تعالى، و قد سأل محمّد بن مسلم الإمام أبا جعفر عن ذلك، فأجابه علیه السلام: الْيَدُ في كَلامِ الْعَرَبِ الْقُوَّةُ وَ النِّعْمَةُ.
قالَ تَعالى: «وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ» (2).
وَ قالَ: «وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ» (3)، أَيْ بِقُوَّةٍ.
وَ قالَ: «وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» (4)، وَ يُقالُ: لِفُلانٍ عِنْدِي أَيادٍ كَثِيرَةٍ، أَيْ فَواضِلُ وَ إِحْسانٌ، وَ لَهُ عِنْدي يَد بَيْضاءُ، أَيْ نِعْمَةٌ» (5).
و معنى ذلك أنّ اليد لم تستعمل في معناها المنصرف، و إنّما استعملت في غيره، إمّا مجازاً أو حقيقة، بناءً على أنّها مشتركة اشتراكاً لفظيّاً في هذه المعاني التي ذكرها الإمام.
و ذهب الإمام أبو جعفر علیه السلام و سائر أئمّة أهل البيت علیهم السلام إلى أنّ البسملة جزء من سور القرآن الكريم، و تبعهم على ذلك جمهور غفير من علماء المسلمين،
و قرّاؤهم (1)، و قد كتب يحيى بن أبي عمران الهمداني رسالة إلى الإمام أبي جعفر علیه السلام جاء فيها: «جعلت فداك، ما تقول في رجل ابتدأ ب- «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» في صلاته وحده في أُمّ الكتاب، فلمّا صار إلى غير أُمّ الكتاب من السورة تركها؟ فقال العبّاسي: ليس بذلك بأس.
فأجابه علیه السلام برسالة جاء فيها: يُعيدُها مَرَّتَيْنِ عَلى رَغْمِ أَنْفِهِ - يعني العبّاسي -» (2).
و تظافرت الأخبار من الفريقين بجزئيّتها، و قد شذّ من أنكر ذلك.
و شاع بين المفسّرين أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، و قد استندوا في ذلك إلى ما روي عن أبي جعفر علیه السلام من أنّه قال: «إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» (3).
و قد كثرت الأقوال في هذه الجهة حتّى أنّ أبا حاتم ذكر أنّ الأقوال بلغت خمساً و ثلاثين قولاً (4).
و لا بدّ لنا من وقفة قصيرة للنظر إلى معانى الأحرف السبعة و مدى صحّتها و نسبتها إلى الإمام الباقر علیه السلام.
أمّا الحروف السبعة فقد اختلفت الأقوال في المراد منها، و هذه بعضها:
1) تفسير روح المعاني / الآلوسي: 1: 39. تفسير فتح القدير / الشوكاني: 1: 7.
2) فروع الكافي: 3: 312، الحديث 2، و معنى قوله علیه السلام: «يعيدها مرّتين» يعني أنّه كرّر لفظ الإعادة من باب التأكيد.
3) غاية النهاية في طبقات القرّاء: 2: 202. القراءات القرآنيّة: 420.
4) تفسير الجامع لأحكام القرآن / القرطبي: 1: 9.
1- إنّها الوعد و الوعيد، و الأمر و النهي، و القصص و المجادلة و الأمثال، و قد ضعف هذا الوجه ابن عطيّة، و قال: «إنّ هذا لا يسمّى أحرفاً» (1).
2- إنّها المعاني المتقاربة التي ترد بألفاظ مختلفة نحو أقبل و هلمّ، أو عجّل و اسرع، و قد اختار هذا الوجه الطبري (2)، إلّا أنّ ذلك لا يحمل أي طابع من التحقيق، فإنّ للإنسان على هذا الوجه أن يقرأ القرآن على أشكال مختلفة، و ذلك يؤدّي إلى اختلاف كبير من إضافة آية أو حذفها، لأنّ الاختلاف في الألفاظ يستتبع الاختلاف في الجمل حسبما يقول القرطبي (3).
3- إنّ المراد بها الأبواب السبعة التي نزل بها القرآن، و هي: الزجر، و الأمر، و الحلال و الحرام، و المحكم، و المتشابه، و الأمثال (4).
و يرد عليه أنّ هذه لا تسمّى أحرفاً، مضافاً إلى أنّ الزجر و الحرام شيء واحد فلا تكون سبعة.
4- إنّها اللغات الفصيحة من لغات العرب، و هي متفرّقة في القرآن، فبعضها بلغة قريش، و بعضها بلغة هذيل، و بعضها بلغة هوازن، و بعضها بلغة اليمن، و بعضها
بلغة كنانة، و بعضها بلغة تميم، و بعضها بلغة ثقيف، و نسب هذا القول إلى البيهقي و الأبهري و صاحب القاموس .. إلّا أنّ هذا الوجه ينافيه ما ورد عن عمر من أنّ القرآن نزل بلغة مضر (5).
5- إنّها سبع قراءات، و أشكل على ذلك سيّدنا الأُستاذ بأنّه إن أُريد منها السبع
المشهورة فهي غير ثابتة حسبما حقّقه عند البحث عن تواتر القراءات، و إن أُريد بها السبع على إطلاقها فمن الواضح أنّ عدد القراءات أكثر من ذلك بكثير (1).
هذه بعض الأقوال، و قد عدّ سيّدنا الأُستاذ عشرة أقوال، إلّا أنّه فنّدها، و أثبت أنّها لا ترجع إلى محصّل، و قد ألّف أبو شامة كتاباً في هذه المعاني، و أبطل معظمها.
و أنكر الإمام أبو جعفر علیه السلام الأحرف السبعة، و لم يصحّ ما نسب إليه أنّه رواها، فقد روى في الصحيح عنه زرارة أنّه قال: «إِنَّ الْقُرْآنَ واحِدٌ، نَزَلَ مِنْ عِنْدِ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّ الإِخْتِلافَ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ الرُّواةِ» (2).
و أُثر عن الإمام الصادق علیه السلام إنكار ذلك، فقد سأله الفضيل بن يسار، فقال له: إنّ الناس يقولون: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف.
فقال علیه السلام: كَذِبوا - أَعْداءُ اللَّهِ - وَلَكِنَّهُ نَزَلَ عَلَى حَرْفٍ واحِدٍ مِنْ عِنْدِ الْوَاحِدِ» (3).
و اختلفت اتّجاهات المفسّرين للقرآن الكريم، و قد سلكوا في ذلك طرقاً مختلفة، منها:
و نعني به تفسير القرآن بما أُثر عن النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم و أئمّة الهدى، و هذا ما سلكه أغلب
مفسّري الشيعة، كتفسير القمّي و العسكري و البرهان و غيرها، و حجّتهم في ذلك أنّ أهل البيت علیهم السلام هم المخصوصون بعلم القرآن على واقعه و حقيقته، و ليس لغيرهم في ذلك أي نصيب، و قد أشار إلى ذلك الإمام أبو جعفر علیه السلام بقوله: ما يَسْتَطيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ عِنْدَهُ جَميعَ القُرْآنِ كُلَّهُ، ظَاهِرَهُ وَ باطِنَهُ، غَيْرُ الْأَوْصِياءِ» (1).
فالأوصياء هم الذين عندهم علم الكتاب، ظاهره و باطنه، و قد تظافرت الأدلّة على وجوب الرجوع إليهم في تفسير القرآن.
يقول الشيخ الطوسي: «إن تفسير القرآن لا يجوز إلّا بالأثر الصحيح عن النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم و عن الأئمّة الذين قولهم حجّة كقول النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم» (2).
و یراد به الأخذ بالاعتبارات العقليّة الظنّيّة الراجعة إلى الاستحسان (3)، و قد ذهب إلى ذلك المفسّرون من المعتزلة و الباطنيّة، فلم يعنوا بما أُثر عن أوصياء رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم في تفسيرهم، و إنّما استندوا إلى ما يروونه من الاستحسانات العقليّة، و قد نهى عن ذلك الإمام أبو جعفر علیه السلام، فقد دخل عليه قتادة الفقيه المشهور فقال له الإمام: أَنْتَ فَقيهُ أَهْل الْبَصْرَةِ؟
نعم، هكذا يزعمون.
بَلَغَنى أَنَّكَ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ؟
نعم.
فأنكر عليه الإمام ذلك قائلاً: يا قَتادَةُ، إِنْ كُنْتَ قَدْ فَسَّرْتَ الْقُرْآنَ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِكَ
فَقَدْ هَلَكْتَ وَ أَهْلَكْتَ، وَ إِنْ كُنْتَ قَدْ فَسَّرْتَهُ مِنَ الرَّجالِ فَقَدْ هَلَكْتَ وَ أَهْلَكْتَ.
يا فَتادَةُ، وَيْحَكَ! إِنَّما يَعْرفُ الْقُرْآنَ مَنْ خُوطِبَ بِهِ» (1).
و قد قصر الإمام الباقر علیه السلام معرفة الكتاب العزيز على أهل البيت علیهم السلام، فهم الذين يعرفون المحكم من المتشابه، و الناسخ من المنسوخ، و ليس عند غيرهم هذا العلم.
و قد أُثر عن الأئمّة علیهم السلام القول: «إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَبْعَدُ مِنْ عُقولِ الرِّجالِ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، الْآيَةُ يَكونُ أَوَّلُها في شَيْءٍ وَ آخِرُها في شَيْءٍ، وَ هُوَ كَلامٌ مُتَّصِلٌ يَنْصَرِفُ إِلَى وُجوهٍ» (2).
أمّا الأخذ بظواهر الكتاب فلا يعدّ من التفسير بالرأي المنهيّ عنه، و قد خالف في حجّيّتها بعض المحدّثين، و تمسّكوا بأدلّة قد فنّدت من قبل علماء الأُصوليّين (3).
و ألّف الإمام أبو جعفر علیه السلام كتاباً في تفسير القرآن الكريم نصّ عليه محمّد بن إسحاق النديم في (الفهرست) عند عرضه للكتب المؤلّفه في تفسير القرآن الكريم، قال: «كتاب الباقر محمّد بن عليّ بن الحسين رواه عنه أبو الجارود زياد بن المنذر رئيس الجاروديّة»
و قال السيّد حسن الصدر: «و قد رواه عنه أيّام استقامته جماعة من ثقاة الشيعة، منهم أبو بصير يحيى بن القاسم الأسدي، و قد أخرجه عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّي في تفسيره من طريق أبي بصير (4).
و يقول الرواة: إنّ جابر بن يزيد الجعفي ألّف كتاباً في تفسير القرآن أخذه من الإمام (1).
و روى عنه المفسّرون الشيء الكثير من تفسير آيات القرآن الكريم، و هذه بعضها:
1 >> قَالَ تَعَالَى: «وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (2).
قال علیه السلام في تفسيره للآية: إِنَّهُ تَعَالَى أَعْظَمُ وَ أَعَزُّ وَ أَجَلُّ وَ أَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَ، وَلكِنَّهُ خَلَطَنَا بِنَفْسِهِ فَجَعَلَ ظُلْمَنا ظُلْمَهُ، وَ ولايَتَنا وَلايَتَهُ، حَيْثُ يَقولُ: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا» (3)يَعْنِي الْأَئِمَّةَ مِنّا، ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (4).
2 >> قَالَ تَعَالَى: «فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا» (5).
سأل بريد العجلي الإمام أبا جعفر علیه السلام عن هذه الآية.
فقال علیه السلام: جَعَلَ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ الرُّسُلَ وَ الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَئِمَّةَ، فَكَيْفَ يُقِرّونَهُ في آلِ إِبْراهِيمَ، وَ يُنْكِرُونَهُ فِي آلِ مُحَمَّدٍ صلّی الله علیه و آله و سلّم؟
قال بريد: و ما المراد «وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا»؟
قال: الْمُلْكُ الْعَظِيمُ أَنْ جَعَلَ فِيهِمْ أَئِمَّةً مَنْ أَطاعَهُمْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَ مَنْ عَصَاهُمْ عَصَى اللهَ، فَهُوَ الْمُلْكُ الْعَظيمُ (1).
3 >> قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» (2).
قال علیه السلام: يَعْني بِذلِكَ تَبْليغَ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ صلّی الله علیه و آله و سلّم فِي فَضْلِ عَلِيٍّ (3).
و قد روى علیه السلام: أَنَّ اللهَ أَوْحَى إِلى نَبِيِّهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلِيّاً، فَكانَ يَخافُ أَنْ يَشُقَّ ذلِكَ عَلَى جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ تَشْجيعاً لَهُ عَلَى الْقِيامِ بِما أَمَرَهُ اللهُ بِأَدائِهِ (4).
4 >> قَالَ تَعَالَى: «لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ» (5).
قال علیه السلام لجابر الجعفي: ما يَقولُ فُقَهَاءُ الْعِراقِ في هَذِهِ الْآيَةِ؟
قال جابر: رأى يعقوب عاضّاً على إبهامه.
فقال علیه السلام: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ الْبُرْهَانَ الَّذِي رَآهُ أَنَّهَا حِينَ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها أَي طَمِعَ فيها، فَقامَتْ إِلى صَنَمٍ مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ وَ الْيَاقوتِ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوسِبٍ أَبْيَضٍ خَشْيَةَ أَنْ يَرَاهَا أَوِ اسْتِحْياءاً مِنْهُ.
فَقالَ لَها يُوسُفُ: ما هذا؟
فَقالَتْ: إلهي أَسْتَحِي مِنْهُ أَنْ يَرَانِي عَلَى هَذِهِ الصّورَةِ.
فَقالَ يُوسُفْ: تَسْتَحي مِنْ صَنَمٍ لَا يَنْفَعْ وَ لَا يَضُرُّ، وَ لَا يُبْصِرُ، أَ فَلَا أَسْتَجِي أَنَا مِنْ إلهي الَّذي هُوَ قائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ.
ثُمَّ قالَ: وَ اللَّهِ لَا تَنالِينَ مِنّي أَبَداً، فَهُوَ الْبُرْهانُ (1).
5 >> قَالَ تَعَالَى: «قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ» (2).
سأل بريد بن معاوية الإمام علیه السلام عن المعنيّين بقوله تعالى: «وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ»؟
فقال علیه السلام: إِيَّانَا عَنى، وَ عَلِيٌّ أَوَّلُنَا، وَ أَفْضَلُنا، وَ خَيْرُنا بَعْدَ النَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله و سلّم (3).
6 >> قَالَ تَعالى: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» (4).
سئل علیه السلام عن الروح، فقال: هِيَ الْقُدْرَةُ (5).
7 >> قَالَ تَعالى: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» (6).
قال علیه السلام: «قالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام: كانَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم الْمُتَوَسِّمُ، وَ أَنَا مِنْ بَعْدِهِ،
وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِي الْمُتَوَسِّمونَ» (1).
8 >> قَالَ تَعَالَى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (2).
روی محمّد بن مسلم، قال: «قلت للإمام أبي جعفر: إنّ من عندنا يزعمون أنّ المعنيّين بالآية هم اليهود و النصارى؟
قال: إِذاً يَدْعونَكُمْ إِلى دِينِهِمْ، ثمّ أشار إلى صدره فقال: نَحْنُ أَهْلُ الذِّكْرِ، وَ نَحْنُ الْمَسْؤُولونَ (3).
9 >> قَال تَعالى: «يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ» (4).
روى جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر علیه السلام، قال: «لَمّا نَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ قالَ الْمُسْلِمُونَ يا رَسولَ اللهِ، أَ لَسْتَ إِمَامَ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَجْمَعِينَ؟
فَقالَ صلّی الله علیه و آله و سلّم: أَنا رَسولُ اللهِ إِلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلكِنْ سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي أَئِمَّةٌ عَلَى النَّاسِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَقومونَ في النَّاسِ فَيُكَذَّبُونَ، وَ يَظْلِمُهُمْ أَئِمَّةُ الْكُفْر وَ الضَّلال وَ أَشْياعُهُمْ، فَمَنْ والاهُمْ وَ اتَّبَعَهُمْ وَ صَدَّقَهُمْ فَهُوَ مِنّي وَ مَعي وَ سَيَلْقاني، وَ مَنْ ظَلَمَهُمْ وَ كَذَّبَهُمْ فَلَيْسَ مِنّي وَ لَا مَعي، وَ أَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ» (5).
10 >> قَالَ تَعَالَى: «وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى» (6).
سئل أبو جعفر علیه السلام عن غضب الله؟
فقال علیه السلام: طَرْدُهُ وَ عِقابُهُ (1).
11 >> قَالَ تَعَالَى: «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى» (2).
فسّر علیه السلام الهداية بالولاية لأئمّة أهل البيت علیهم السلام و قال: فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ رَجُلاً عَبَدَ الله عُمَرَهُ ما بَيْنَ الرُّكْنِ وَ الْمَقامِ، وَ لَمْ يَجِيء بولايَتِنا إِلَّا أَكَبَّهُ اللهُ في النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ (3).
12>> قَالَ تَعالى: «أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا» (4).
قال علیه السلام: الْغُرْفَةُ: هِيَ الْجَنَّةُ، وَ هِيَ جَزاءٌ لَهُمْ بِما صَبَرُوا عَلَى الْفَقْرِ فِي الدُّنْيا (5).
13 >> قَال تَعَالَى: «فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ» (6).
المراد من الآية أنّ الغاوين و القوى الكافرة يجمعون و يطرح بعضهم على بعض في النار.
قال الإمام أبو جعفر علیه السلام: إِنَّهَا نَزَلَتْ في قَوْمٍ وَصَفَوا عَدْلاً بِأَلْسِنَتِهِمْ، ثُمَّ خَالَفَوهُ إِلَى غَيْرِهِ (7).
14 >> قَالَ تَعَالَى: «بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» (1).
فسّر الإمام أبو جعفر علیه السلام «الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» بأئمّة أهل البيت علیهم السلام (2).
و روى أبو بصير: «أنّ الإمام أبا جعفر قرأ هذه الآية، و أومأ بيده إلى صدره» (3).
15 >> قَالَ تَعَالَى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ» (4).
و سأل سالم الإمام أبا جعفر عن هذه الآية، فقال علیه السلام: السَّابِقُ بِالْخَيْراتِ الْإِمَامُ، وَ الْمُقْتَصِدُ الْعارِفُ لِلإمام، وَ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ الَّذي لَا يَعْرِفُ الْإِمامُ (5).
و روى زياد بن المنذر عنه علیه السلام أنّه قال: «أَمّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً، وَ أَمّا الْمُقْتَصِدُ فَهُوَ الْمُتَعَبِّدُ الْمُجْتَهِدُ.
وَ أَمّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فَعَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ، وَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلّی الله علیه و آله و سلّم شهيداً» (6).
16 >> قَالَ تَعَالَى: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ» (7).
قال علیه السلام: نَحْنُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ، وَ عَدُوُّنَا الَّذِينَ لَا يَعْلَمونَ، وَ شِيعَتُنا أُولوا الأَلْبَابِ (1).
17 >> قَالَ تَعَالَى: «وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا» (2).
قال علیه السلام: «يَعْني لَوِ اسْتَقَامُوا عَلى وَلايَةِ عَلِيِّ بن أبي طالبٍ أَميرِ الْمُؤْمِنينَ علیه السلام وَ الْأَوْصِياءِ مِنْ وَلَدِهِ، وَ قَبِلُوا طَاعَتَهُمْ فِي أَمْرِهِمْ وَ نَهْيِهِمْ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً، يَعْني أَشْرَبْنَا قُلُوبَهُمُ الْإِيْمَانَ، وَ الطَّريقَةُ: هِيَ الْإِيْمَانَ بِوَلايَةِ عَلِيٍّ وَ الْأَوْصِياءِ» (3).
18 >> قَالَ تَعالى: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا» (4).
نزلت هذه الآية في الوليد بن المغيرة المخزومي الذي اتّهم النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم بالسحر، و كان الوليد يسمّى في قومه الوحيد، و الآية سيقت على وجه التهديد له، و قد روى محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر، أنّه قال: «الْوَحيدُ وَلَدُ الزّنا».
و قال زرارة: «ذکر لأبي جعفر أنّ أحد بني هشام قال في خطبته: أنا ابن الوحيد، فقال: وَيْلَهُ، لَوْ عَلِمَ مَا الْوَحِيدُ ما فَخَرَ بِها.
فقلنا له: و ما هو؟
قال: مَنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ» (5).
19 >> قَالَ تَعَالَى: «تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» (6).
قال علیه السلام: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الْكَتَبَةُ إِلى سَماءِ الدُّنْيا فَيَكْتُبُونَ ما يَكونُ فِي السَّنَةِ مِنْ أُمور ما يُصِيبُ الْعِبادَ، وَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ مَوْقوفٌ لَهُ فِيهِ عَلَى الْمَشِيئَةِ، فَيُقَدِّمُ ما يَشاءُ، وَ يُؤَخِّرُ ما يَشَاءُ، وَ يَمْحُو ما يَشاءُ، وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (1).
هذه بعض الآيات التي فسّرها الإمام أبو جعفر علیه السلام، و بها ينتهي بنا الحديث عن تفسيره للقرآن الكريم.
1) دعائم الإسلام: 1: 228، الحديث 1075.
و بحث الإمام أبو جعفر علیه السلام في كثير من محاضراته المسائل الكلاميّة، و سئل عن أعقد المسائل و أدقّها في بحوث هذا العلم، فأجاب عنها.
و من الجدير بالذكر أنّ عصر الإمام كان من أشدّ العصور الإسلاميّة حسّاسيّة، فقد امتدّ فيه الفتح الإسلامي إلى أغلب مناطق العالم و شعوب الأرض، فأثار ذلك موجة من الحقد في نفوس المعادين للإسلام من الشعوب المغلوبة على أمرها، و من غيرها، فقاموا بحملة دعائيّة ضدّ العقيدة الإسلاميّة، فأذاعوا الشكوك و الأوهام بين أبناء المسلمين، و قد شجّعت الحكومات الأمويّة الأفكار المعادية للإسلام، فلم يؤثر عن أي أحد من ملوك بني أُميّة أنّه قاومها أو تصدّى لإيقافها و عدم نشرها بين المسلمين، و لم يكن هناك أحد قد انبرى إلى إنقاذ المسلمين في ذلك العصر سوى الإمام أبي جعفر علیه السلام، فقد تصدّى إلى تزييفها و الردّ عليها ببالغ الحجّة و البرهان، و سنعرض تفصيل ذلك عند البحث عن عصر الإمام علیه السلام.
و على أي حال، فهذه بعض البحوث الكلاميّة التي خاضها الإمام، و هي:
و تناول الإمام أبو جعفر علیه السلام أهمّ مسائل التوحيد، فكشف الغطاء عنها، و فنّد ما أُثير حولها من أوهام و شكوك، و كان من بين ما عرض له:
و الشيء الذي لا جدال فيه أنّ الإنسان بجميع ما يملك من طاقات فكريّة، فإنّه عاجز عن معرفة حقيقة الله، لأنّ العقول في جميع تصوّراتها محدودة.
يقول الشافعي: «إنّ للعقل حدّاً ينتهي إليه، كما أنّ للبصر حدّاً ينتهي إليه».
إن جميع الأشياء التي يتوصّل إليها حسّ الإنسان لا بدّ أن توجد في مكان، و يجري عليها الزمان، و لا يستطيع العقل أن يتخيّل موجودات لا مكان لها أو أشياء لا يجري عليها الزمان، و ذات الله تعالى يعجز العقل أن يدرك واقعها، لأنّها لا يجري عليها الزمان و لا المكان، فإنّه تعالى هو الذي خلقهما، و بالإضافة إلى ذلك فإنّ في الكون أُموراً كثيرة قد عجز العقل عن الإحاطة بكنهها، و التي منها الحقيقة الغيبيّة، فإنّ العقل لم يهتد إلى معرفتها.
إنّ ذات الله تعالى لا تدركها أوهام القلوب على مدى ما تحمل من سعة الخيال فضلاً عن إدراكها بالعين الباصرة، فإنّ كلّاً منهما محدود بحسب الزمان و المكان، و قد أدلى بذلك الإمام أبو جعفر علیه السلام حيث سئل عن قوله تعالى: «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ» (1).
فقال علیه السلام: أَوْهامُ الْقُلوبِ أَدَقُّ مِنْ إِبْصارِ الْعُيونِ، أَنْتَ قَدْ تُدْرِكُ بِوَهْمِكَ السَّنْدَ وَ الْهِنْدَ وَ الْبُلْدَانَ الَّتي لَمْ تَدْخُلُها وَ لَا تُدْرِكُها بِبَصَرِكَ، وَ أَوْهامُ الْقُلُوبِ لَا تُدْرِكُهُ فَكَيْفَ إِبْصَارُ الْعُيونِ؟ (2).
إنّ البصر ينقلب خاسئاً و هو حسير في تصوّره لذات الله تعالى، خالق الكون و واهب الحياة.
يقول ابن أبي الحديد:
فيكَ يا أُعْجوبةَ الْكَونِ *** غَدا الفِكْرُ عَليلا
كُلّما قَدَّمْتُ فِكْري *** فيك شِبْراً فَرَّ ميلا
أَنتَ حَيَّرت ذَوي الل-ُّ *** -بِّ وَ بَلْبَلْتَ الْعُقولا (1)
إنّه ليس هناك شيء أبعد من إدراك ذات الله تعالى، فإنّها تمتنع على العقول، و تعجز من أن تلمّ بأيّ جانب من جوانبها، و قد سأل عبد الرحمن بن أبي نجران الإمام أبا جعفر عن الله تعالى فقال: إنّى أتوهّم شيئاً.
فقال علیه السلام له: نَعَمْ غَيْرُ مَعْقولٍ، وَ لَا مَحْدُودٍ، فَما وَقَعَ وَهْمُكَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ خِلَافُهُ وَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وَ لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ.
كَيْفَ تُدْرِكُهُ الْأَوْهامُ وَ هُوَ خِلافُ ما يُعْقَلُ، وَ خِلافُ ما يُتَصَوَّرُ في الْأَوْهامِ، إِنَّما يُتَوَهَّمُ شَيْءٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَ لَا مَحْدُودٍ (2).
أمّا أزليّة واجب الوجود فهي من أدقّ البحوث الكلاميّة و الفلسفيّة، و قد عرضت على أبي جعفر علیه السلام، فقد سأله رجل فقال له: أخبرني عن ربِّك متى كان؟
فأجابه الإمام: «وَيْلَكَ! إِنَّمَا يُقالُ لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مَتَى كَانَ؟
إِنَّ رَبِّي تَبارَكَ وَ تَعَالَى كَانَ وَ لَمْ يَزَلْ حَيَّاً بِلَا كَيْفٍ، وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كانَ، وَ لَا كَانَ لِكَوْنِهِ كَوْنٌ، كَيْفَ وَ لَا كَانَ لَهُ أَيْنٌ، وَ لَا كَانَ فِي شَيْءٍ، وَ لَا كَانَ عَلَى شَيْءٍ، وَ لَا ابْتَدَعَ لِمَكانِهِ مَكاناً، وَ لَا قَوِيَ بَعْدَ مَا كَوَّنَ الْأَشْيَاءَ، وَ لَا كَانَ ضَعِيفاً قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَ شَيْئاً، وَ لَا كَانَ مُسْتَوْحِشاً قَبْلَ أَنْ يَبْتَدِعَ شَيْئاً
وَ لَا يُشْبِهُ شَيْئاً مَذْ ُكوراً، وَ لَا كَانَ خِلُواً مِنَ الْمُلْكِ قَبْلَ إِنْشَائِهِ، وَ لَا يَكُونُ مِنْهُ خِلُواً بَعْدَ ذَهَابِهِ.
لَمْ يَزَلْ حَيَّاً بِلَاحَياةٍ، وَ مَلِكا قادِراً قَبْلَ أَنْ يُنْشِئَ شَيْئاً، وَ مَلِكاً جَبّاراً بَعْدَ إِنْشَائِهِ لِلْكَوْنِ.
فَلَيْسَ لِكَوْنِهِ كَيْفٌ، وَ لَا لَهُ أَيْنٌ، وَ لَا لَهُ حَدٌ، وَ لَا يُعْرَفُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُهُ، وَ لَا يَهْرَمُ لِطُولِ الْبَقاءِ، وَ لَا يَصْعَقُ (1)لِشَيْءٍ، بَلْ لِخَوْفِهِ تَصْعَقُ الْأَشْياءُ كُلُّها.
كانَ حَيَّا بِلَا حَياةٍ حَادِثَةٍ، وَ لَا كَوْنٍ مَوْصُوفٍ، وَ لَا كَيْفٍ مَحْدُودٍ، وَ لَا أَيْنٍ مَوْقِوفٍ عَلَيْهِ، وَ لَا مَكانٍ جَاوَرَ شَيْئًا، بَلْ حَيٌّ يُعْرَفُ، وَ مَلِكٌ لَمْ يَزَلْ، لَهُ الْقُدْرَةُ وَ الْمُلْكُ، أَنْشَأَ ما شاءَ حِينَ شَاءَ بِمَشيئَتِهِ، لَا يُحَدُّ وَ لَا يُبَعَّضُ، وَ لَا يَفْنى.
كانَ أَوَّلاً بِلَا كَيْفٍ، وَ يَكُونُ آخِراً بِلَا أَيْنٍ، وَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمينَ.
وَيْلَكَ أَيُّها السّائِلُ! إِنَّ رَبِّي لَا تَغْشَاهُ الْأَوْهامُ، وَ لَا تَنْزِلُ بِهِ الشُّبُهَاتُ، وَ لَا يَحارُ، وَ لَا يُجاوِزُهُ شَيْءٌ، وَ لَا تَنْزِلُ بِهِ الْأَحْداثُ، وَ لَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ، وَ لَا يَنْدَمُ عَلَى شَيْءٍ، وَ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لَا نَوْمٌ، لَهُ ما فِي السَّمَواتِ وَ مَا فِي
1) يصعق: يهلك و يضعف.
الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى» (1).
و ألمّت هذه القطعة الذهبيّة من كلام الإمام العظيم بأزليّة واجب الوجود و توحيده و تنزيهه عن المشابهة لمخلوقاته التي يحدّها الجنس و الفصل، و التي تخضع في وجودها و عدمها إلى العلّة، و تفتقر إلى الزمان و المكان، و تعالى الله عن جميع ذلك، فإنّه الأوّل و الآخر، و الظاهر و الباطن، و هو بكلّ شيء عليم.
و قد سئل بعض المحقّقين عن الله ما هو؟
فقال: الأوحد.
فيقل له: كيف هو؟
فقال: ملك قادر.
فقيل له: أين هو؟
فقال: بالمرصاد.
فقال السائل: ليس عن هذا أسألك.
فقال: ما أجبتك به هو صفة الحقّ، فأمّا غيره فصفة الخلق.
لقد أرادوا أن يتعرّفوا على ذات الله تعالى حتّى كأنّه شيء من الأشياء التي تخضع للحواسّ و سائر المدركات العقليّة، و لم يعلموا أنّ الله تعالى فوق ما يدركه العقل، و فوق ما تتصوّره الأوهام، لا إله إلّا هو الحيّ القيّوم.
و على أي حال، فإنّ كلام الإمام علیه السلام قد عرض لأدقّ المسائل الكلاميّة التي لم يطرقها أحد من متكلّمى المسلمين و فلاسفتهم سوى جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، أمّا الإحاطة بكلام الإمام علیه السلام و إيضاحه فإنّه يحتاج إلى دراسة مفصّلة، و قد عنى
1) أُصول الكافي: 1: 88 - 89، الحدیث 3.
فلاسفة الإسلام بالاستدلال على النقاط التي وردت في حديث الإمام (1).
و نهى الإمام أبو جعفر علیه السلام عن الحديث و الخوض في ذات الله تعالى؛ لأنّ ذلك مبنيّ على فلسفة عميقة لا تتحمّلها عقول البسطاء الذين لا يملكون رصيداً من العلم، فإنّهم يقعون في حبائل الشيطان، و يخرجون من حضيرة الإيمان إلى حضيض الشرك.
يقول علیه السلام: «تَكَلَّموا في كُلِّ شَيْءٍ، وَ لَا تَتَكَلَّموا في ذاتِ اللهِ» (2).
و قال علیه السلام: «تَكَلَّمُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ وَ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي اللهِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي اللَّهِ لَا يَزْدادُ صاحِبُهُ إِلَّا تَحَيُّراً» (3).
إنّ الحديث عن ذات الله تعالى لا يزيد الإنسان إلّا تحيّراً و إلقاءً في المهالك و الشبهات، أمّا التفكّر في مخلوقات الله، و التأمّل في دقائق هذا الكون، فإنّه يدعو إلى حتميّة الإيمان بالله، فإنّ كلّ مخلوق بحسب صنعته و تركيبه يدلّل على الخالق العظيم.
يقول دارون: «إنّي أرى فيما يظهر لي أنّ الأحياء التي عاشت على هذه الأرض جميعها من صورة واحدة أزليّة نفخ الخالق فيها نسمة الحياة» (4).
و إنّ من الخرافة القول بأنّ هذه العوالم وجدت من باب الصدفة، فإنّ من غير الممكن أن توجد الصدفة نظاماً دقيقاً قائماً على العلم، فلماذا لم تخلق الصدفة الطائرة أو الآلات الحديثة التي أوجدها الفكر و العلم؟
إنّ الله تعالى أحاط بكلّ شيء علماً، و إنّ علمه بالأشياء قبل تكوينها و بعد تكوينها على حدّ سواء، لأنّه الخالق و المكوّن لها، كما أنّه العالم بما تنطوي عليه النفوس، و تضمره القلوب.
و قد روى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام، أنّه قال:
«كانَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا شَيْءَ غَيْرَهُ، وَ لَمْ يَزَلْ عَالِماً بِما يَكونُ، فَعِلْمُهُ بِهِ قَبْلَ كَوْنِهِ كَعِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ كَوْنِهِ» (1).
و طلب جابر بن يزيد الجعفي من الإمام أبي جعفر علیه السلام أن يعلّمه شيئاً من التوحيد، فقال علیه السلام:
«إِنَّ اللهَ تَبَارَكَتْ أَسْماؤُهُ الَّتي يُدعى بِهَا، وَ تَعَالَى فِي عُلُوِّ كُنْهِهِ وَاحِدٌ، تَوَحَّدَ بِالتَّوْحِيدِ فِي تَوَحُّدِهِ، ثُمَّ أَجْراهُ عَلى خَلْقِهِ، فَهُوَ وَاحِدٌ، صَمَدٌ، قُدُوسٌ، يَعْبُدُهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَ يَصْمِدُ إِلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ...» (2).
إن صفات الخالق الحكيم هي عين ذاته، و ليس بينهما تعدّد حسب ما دلّل عليه في علم الكلام، و قد ظلّ قوم من أهل العراق عن طريق الحقّ، فأشاعوا أنّه تعالى يسمع بغير ما يبصر، و يبصر بغير الذي يسمع شأنه في ذلك شأن مخلوقاته، و قد عرض ذلك محمّد بن مسلم على الإمام أبي جعفر، فقال علیه السلام:
كَذِبوا وَ أَلْحَدُّوا وَ شَبَّهوا، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذلِكَ. إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، يَسْمَعُ بِما يُبْصِرُ، وَ يُبْصِرُ بِما يَسْمَعُ.
فقال محمّد بن مسلم: يزعمون أنّه بصير على ما يعقلونه.
فردّ علیه السلام مزاعمهم و قال: تَعَالَى اللهُ، إِنَّما يُعْقَلُ ما كَانَ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِ، وَ لَيْسَ اللهُ كَذلِكَ (1).
إنّ الشكّ في وجود الله تعالى فاطر السماوات و الأرض، و جحوده له مضاعفاته السيّئة، و التي منها أنّه لا يقبل من الشاكّ و الجاحد أي عمل خير، و لا ينفعه يوم حشره و نشره.
يقول علیه السلام: «لَا يَنْفَعُ مَعَ الشَّكِّ وَ الْجُحودِ عَمَلٌ» (2).
الإمامة نفحة من روح الله، و رحمة من رحماته أنعم بها على هذا الإنسان لتدلّه
على الإيمان، و تلهمه الخير، و تهديه إلى سواء السبيل، و هي من أُصول الدين، و أركان الإسلام عند الشيعة الإماميّة، لأنّها القاعدة الصلبة التي تتركّز عليها العدالة الاجتماعيّة في الإسلام، و قد تحدّث الإمام أبو جعفر علیه السلام عن كثير من جوانب الإمامة، و كان من بينها ما يلي:
الإمامة ضرورة من ضروريّات الحياة الإسلاميّة، لا تستقيم شؤون المجتمع من دونها، و قد أجمع المسلمون على لزومها و ضرورتها، و قد سأل جابر بن يزيد الجعفي الإمام علیه السلام عن الحاجة إلى النبيّ و الإمام.
فقال علیه السلام: لِبَقَاءِ الْعالِم عَلى صَلاحِهِ، وَ ذلِكَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَرْفَعُ الْعَذابَ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضَ إِذا كانَ فِيها نَبِيٌّ أَوْ إِمَامٌ. قالَ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ:
«وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» (1).
وَ قالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: النُّجومُ أَمانٌ لأَهْلِ السَّماءِ، وَ أَهْلُ بَيْتي أَمانٌ لأَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِذا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى أَهْلُ السَّمَاءِ مَا يَكْرَهُونَ، وَ إِذا ذَهَبَ أَهْلُ بَيْتي أَتَى أَهْلَ الْأَرْضِ مَا يَكْرَهُونَ.
يَعْنِي بِأَهْلِ بَيْتِهِ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ قَرَنَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ طَاعَتَهُمْ بِطَاعَتِهِ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (2)، وَ هُمُ المَعْصومونَ المُطَهَّرُونَ الَّذينَ لَا يُذْنِبونَ وَ لَا يَعْصُونَ،
وَ هُمُ الْمُؤَيَّدونَ الْمُوَفَّقونَ الْمُسَدَّدون.
بِهِمْ يَرْزُقُ اللهُ عِبادَهُ، وَ بِهِمْ تَعْمُرُ بِلادُهُ، وَ بِهِمْ يَنْزِلُ الْقَطْرُ مِنَ السَّماءِ، وَ بِهِمْ تَخْرُجُ بَرَكاتُ الْأَرْضِ، وَ بِهِمْ يُمْهَلُ أَهْلُ الْمَعاصى، وَ لَا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالْعُقوبَةِ وَ الْعَذابِ، وَ لَا تُفارِقُهُمْ روحُ الْقُدُسِ، وَ لَا يُفارِقُونَهُ، وَ لَا يُفارِقونَ الْقُرْآنَ، وَ لَا يُفارِقُهُمْ، صَلواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ (1).
و حفل حديث الإمام علیه السلام بضرورة الإمامة لأنّها تنشد صلاح العالم، و تقيم اعوجاج الدين، كما أشاد بالأئمّة الطاهرين من أهل البيت علیهم السلام، و أنّهم أمان لأهل الأرض، و بهم يستدفع البلاء، و ينزل الغيث، و تخرج بركات الارض.
و تظافرت الأحاديث عن النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم و عن سدنة علومه الأئمّة الطاهرين في لزوم معرفة إمام العصر، و إنّ من مات و لم يعرفه مات ميتة جاهليّة - حسب النصّ النبويّ - و قد أُثرت عن الإمام أبي جعفر علیه السلام أخبار كثيرة بذلك، كان منها:
1- روی جابر بن يزيد الجعفي، قال: «سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: إِنَّما يَعْرِفُ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يَعْبُدُهُ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ وَ عَرَف إِمَامَهُ مِنّا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَ مَنْ لَا يَعْرِفْ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ لَا يَعْرِفُ الإِمامَ مِنّا أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّما يَعْرِفُ وَ يَعْبُدُ غَيْرَ الله هكذا وَ اللهِ ضَلالاً» (2).
2- روی محمّد بن مسلم، قال: «سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: كُلُّ مَنْ دانَ اللَّهَ
عَزَّ وَ جَلَّ بِعِبادَةٍ يُجْهِدُ فيها نَفْسَهُ، وَ لَا إِمَامَ لَهُ مِنَ اللَّهِ فَسَعْيُهُ غَيْرُ مَقْبولٍ، وَ هُوَ ضالٌّ مُتَحَيِّرٌ، وَ الله شانِيٌّ لأعْمالِهِ، وَ مَثَلُهُ كَمَثَل شاةٍ ضَلَّتْ عَنْ راعِيها وَ قَطيعها فَهَجَمَتْ (1)ذاهِبَةً وَ جَائِيَةً يَوْمَها.
فَلَمّا جَنَّهَا اللَّيْلُ بَصُرَتْ بِقَطِيعِ غَنَمٍ مَعَ راعِيها، فَحَنَّتْ إِلَيْهَا وَ اغْتَرَّتْ بِهَا، فَبَاتَتْ مَعَهَا في مَرْبِضِها، فَلَمّا أَنْ ساقَ الرّاعي قطيعَهُ أَنْكَرَتْ راعِيها وَ قَطِيعَها فَهَجَمَتْ مُتَحَيَّرَةً تَطْلُبُ راعِيها و قَطيعَها، فَبَصُرَتْ بِغَنَمٍ مَعَ راعِيها فَحَنَّتْ إِلَيْهَا وَ اغْتَرَّتْ بِها، فَصاحَ بِها الراعي: إِلْحَقِي بِراعِيكِ وَ قَطِيعِكِ فَأَنْتِ تائِهَةٌ مُتَحَيِّرَةٌ عَنْ رَاعِيكِ وَ قَطِيعِكِ، فَهَجَمَتْ ذَعِرَةً مُتَحَيَّرَةً تائِهَةً لَا رَاعِيَ لَها يَرْشُدُها إِلى مَرْعاها أَوْ يَرُدُّها، فَبَيْنَمَا هِيَ كَذلِكَ إِذِ اغْتَنَمَ الذِّئْبُ ضَيْعَتَها فَأَكَلَها.
وَ كَذلِكَ وَ اللهِ يا مُحَمَّدُ مَنْ أَصْبَحَ مِنْ هذِهِ الاُمَّةِ لَا إِمَامَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ظَاهِرٌ عادِلٌ أَصْبَحَ ضالّاً تائِهَا، وَ إِنْ ماتَ عَلى هَذِهِ الْحَالَةِ مَاتَ مِيتَةَ كُفْرٍ وَ نِفَاقٍ.
وَ اعْلَمْ يا مُحَمَّدُ أَنَّ أَئِمَّةَ الْجَوْرِ وَ أَتْبَاعَهُمْ لَمَعْزولونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَ أَضَلُّوا، فَأَعْمَالُهُمُ الَّتي يَعْمَلُونَها كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعيدُ (2)» (3).
إنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام هم الذين تجب معرفتهم لأنّهم سدنة الوحي و أوصياء الرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و خلفاؤه على أمّته، لا ملوك بني أُميّة و ملوك بني العبّاس الذين تمرّغوا في الإثم، و أشاعوا الجور و الفساد في الأرض.
1) هجمت: أي تعبت بلا رويّة، فهى متحيّرة في أمرها.
2) إشارة إلى قوله تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ» إبراهيم 14: 18.
3) أُصول الكافي: 1: 183 و 184، الحديث 8.
و طاعة الإمام واجب ديني أعلنه القرآن الكريم. قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (1).
و تظافرت الأخبار بذلك، روى زرارة عن أبي جعفر علیه السلام أنّه قال: ذُرْوَةُالْأَمْرِ وَ سَنامُهُ، وَ مِفْتَاحُهُ، وَ بَابُ الأَشْياءِ، وَ رِضا الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى، الطَّاعَةُ لِلْإِمَامِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ.
إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعالى يَقولُ: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا» (2).
إنّ في طاعة أئمّة الهدى علیه السلام نظاماً للدين، و إقامة للعدل لأنّهم لا يأمرون إلّا بالحقّ و به يحكمون.
إنّ للإمام على الناس حقّاً، كما أنّ لهم عليه حقّاً، و قد تحدّث الإمام أبو جعفر علیه السلام عن ذلك، فقد سأله أبو حمزة قائلاً: ما حقّ الإمام على الناس؟
حَقُّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْمَعُوا وَ يُطيعوا.
ما حقّهم عليه؟
يُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَ يَعْدِلُ في الرَّعِيَّةِ (3).
إنّ حق الإمام على الناس السمع و الطاعة لأوامره الهادفة لسعادتهم و صلاحهم،
و أمّا حقّهم عليه فهو أن يقسّم أموال الله بينهم بالسويّة، فلا يؤثر قوماً على آخرين، و أن يبسط فيهم العدل الذي هو ظلّ الله في أرضه.
إنّ للإمام كرامة عند الله و منزلة لا يبلغها أي أحد من عباده، و قد تحدّث عنها الإمام أبو جعفر علیه السلام، قال علیه السلام لجابر بن يزيد الجعفى: إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ نَبِيّاً، وَ اتَّخَذَهُ نَبِيّاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ رَسولاً، وَ اتَّخَذَهُ رَسُولاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَليلاً، وَ اتَّخَذَهُ خَليلاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ إماماً.
فَلَمّا جَمَعَ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَ قَبَضَ يَدَهُ (1)قالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا»، فَمَنْ عِظَمِها فِي عَيْنِ إِبْرَاهِيمَ قالَ: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (2). (3).
و معنى هذا الحديث أنّ الإمامة أرقى منزلة عند الله لا يصل إليها الأنبياء و المرسلون، و قد خصّ الله بها خليله إبراهيم، و جعلها من مکمّلات ذاتيّاته المشرقة، و خصّ الله بها الأئمّة الطاهرين من أهل البيت الذين هم سدنة الوحي، و أبواب الهداية و الرحمة لهذه الأُمّة.
إنّ الولاية للأئمّة الطاهرين جزء من الإسلام، و عنوان للإيمان، و قد أذاع
الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم بين أُمّته هذا الفرض الديني المقدّس، و ألزم الأُمّة به، و عنى به أكثر
ممّا عني بأيّ واجب ديني.
يقول الإمام أبو جعفر علیه السلام: «بُنِيَ الْإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى الصَّلاةِ، وَ الزَّكاةِ، وَ الصَّوْمِ، وَ الْحَجِّ، وَ الْوَلَايَةِ، وَ لَمْ يُنَادَ بِشَيْءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلَايَةِ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِأَرْبَعٍ وَ تَرَكوا هذِهِ يَعْنِي الْوَلايَةَ» (1).
إنّ الواجب على كلّ مسلم أن يكنّ في دخائل نفسه الولاء للأئمّة الطيّبين الذين هم مصدر النور في الأرض، و من أظهر الولاء لهم الأخذ بما أُثر عنهم من الأحكام
و قواعد الأخلاق و الآداب.
و أشاد الإمام أبو جعفر علیه السلام في كثير من أحاديثه بالأئمّة الطيّبين، و تحدّث عن سموّ منزلتهم، و كان من بين أحاديثه ما يلي:
1- قال علیه السلام: «نَحْنُ وُلاةُ أَمْرِ اللهِ، وَ خُزّانُ عِلْمِ اللهِ، وَ وَرَثَةُ وَحْيِ اللهِ، وَ حَمَلَةُ كِتابِ اللهِ، طاعَتُنا فَريضَةٌ، وَ حُبُّنا إِيْمَانٌ، وَ بُغْضُنا كُفْرٌ. مُحِبُّنا في الْجَنَّةِ، وَ مُبْغِضُنافي النّارِ» (2).
2- قال علیه السلام: «نَحْنُ جَنْبُ اللهِ تَعَالَى، نَحْنُ صَفْوَةُ اللهِ، نَحْنُ اُمَناءُ اللهِ، نَحْنُ مُسْتَوْدَعُ مَوَارِيثِ الْأَنْبِياءِ، نَحْنُ حُجَجُ اللَّهِ، نَحْنُ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ، نَحْنُ صِراطُ اللهِ الْمُسْتَقِيمُ. قالَ اللهُ تَعَالَى: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ » (3).
نَحْنُ رَحْمَةُ اللهِ لِلْمُؤْمِنينَ، بِنا يَفْتَحُ اللهُ، وَ بِنا يَخْتِمُ اللهُ. مَنْ تَمَسَّكَ بِنا نَجا، وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنَّا غَوى.
نَحْنُ الْقادَةُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ. مَنْ عَرَفَنا وَ عَرَفَ حَقًّنا، وَ أَخَذَ بِأَمْرِنا فَهُوَ مِنّا وَ إِلَيْنا» (1).
3- قال علیه السلام: «نَحْنُ خَزَنَةُ عِلْمِ اللهِ، وَ نَحْنُ وُلاةُ أَمْرِ اللهِ. بَنا فَتَحَ الْإِسْلامَ، وَ بِنا يَخْتِمُهُ، وَ مِنّا تَعَلَّموا، فَوَاللَّهِ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا عِلْمُ اللهِ في أَحَدٍ إِلَّا فينا، وَ ما يُدْرَكُ ما عِنْدَ اللهِ إِلّا بنا» (2).
4- قال علیه السلام: «نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ الرَّحْمَةِ، وَ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، وَ مَعْدِنُ الْحِكْمَةِ، وَ مَوْضِعُ الْمَلائِكَةِ، وَ مَهْبِطُ الْوَحْى» (3).
5- قال علیه السلام: «وَ اللَّهِ إِنَّا لَخَزّانُ اللهِ في سَمائِهِ وَ أَرْضِهِ لَا عَلَى ذَهَبٍ وَ لَا عَلَى فِضَّةٍ إلَّا عَلى عِلْمِهِ» (4).
6- قال علیه السلام: «نَحْنُ خُزّانُ عِلْمِ اللهِ، وَ نَحْنُ تَراجِمَةُ وَحْيِ اللهِ، وَ نَحْنُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى مَنْ دونَ السَّمَاءِ، وَ مَنْ فَوْقَ الْأَرْضِ» (5).
و تظافرت الأخبار من النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم و هي تحمل هذا الطابع الخاصّ في فضل الأئمّة الطاهرين، و ما منحهم الله من مزيد الفضل، فقد جعلهم ينابيع الحكمة، و ورثة علوم الأنبياء، و خصّهم بكلّ كرامة، و هو حقّ لا شبهة فيه، فإنّ من راجع سيرتهم،
و ما أُثر عنهم من الهدي و الصلاح و سائر الكمالات النفسيّة يؤمن بأنّهم سادات الخلق، و أوصياء النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، وحملة علومه، و ليس في هذا القول أي غلوّ أو انحراف عن الحقّ، فقد وهب الله أنبياءه العلم و الحكمة و فصل الخطاب، و هم ليسوا بأفضل من أئمّة أهل البيت علیهم السلام الذين أخلصوا الله، و قدّموا في سبيل طاعته و دينه من التضحيات ما لم يقدّمه أي مصلح في الأرض.
و أعلن الإمام أبو جعفر علیه السلام عدد الأئمّة الطاهرين الذين هم خلفاء النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم على أُمّته، و أوصياؤه، و حملة علومه، و فيما يلي بعض ما روي عنه:
1- روى زرارة عن أبي جعفر علیه السلام أنّه قال: «الأئِمَّةُ إِثْنَا عَشَرَ إماماً، مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ، ثُمَّ الْأَئِمَّةُ مِنْ وَلَدِ الْحُسَيْنِ» (1).
2- روى أبو بصير: «أنّ الإمام أبا جعفر علیه السلام قال: نَحْنُ إِثْنا عَشَرَ مُحَدِّثاً» (2).
3- روى عنه أبو بصير، أنّه قال: «تَكونُ تِسْعَةُ أَئِمَّةٍ بَعْدَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، تاسِعُهُمْ
قائِمُهُمْ» (3).
و قد أذاع ذلك الرسول الأعظم صلّی الله علیه و آله و سلّم، و تواترت الأخبار عنه، فقد روى سلمان الفارسي، قال: «كنّا مع رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم و الحسين بن عليّ على فخذه، إذ تفرّس في وجهه و قال له: يا أبا عَبْدِ اللهِ، أَنْتَ سَيِّدٌ مِنْ سادَةٍ، وَأَنْتَ إمامٌ ابْنُ إمامٍ أَخو إمامٍ، أَبو أَئِمَّةٍ تِسْعَة، تاسِعُهُمْ قائِمُهُمْ، أَعْلَمُهُمْ، أَحْكَمُهُمْ، أَفْضَلُهُمْ» (4).
و روى عبدالله بن عمر، قال: «سمعت رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم يقول: يَكونُ خَلْفِي إِثْنا عَشَرَ خَليفَةً» (1).
و علّق الشيخ أبو عبدالله أحمد بن عيّاش على هذا الحديث بقوله: «فإذا كانت هذه العدّة المنصوصة عليها لم توجد في القائمين بعد رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، و لا في بني أُميّة لأنّ عدّة خلفائهم تزيد على اثني عشر، و لا في القائمين من بعدهم إلّا زائدة عليهم، و لم تدع فرقة من فرق هذه الأُمّة هذه العدّة في أئمّتها غير الإماميّة دلّ ذلك على أن أئمّتهم هى المعتدّة بها» (2).
و قد عدّهم الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، و ذكر أسماءهم واحداً بعد واحد حتّى انتهى إلى القائم (3).
و قال بعض الشعراء:
إِنَّ الْأَئِمَّةَ تِسْعَةٌ وَ ثَلاثَةٌ *** نَقْلاً عَنِ الهادي البَشيرِ المُنذِرِ
لا زائِدٌ فيهمْ وَ لَيسَ بِناقصٍ *** مِنْهُمْ كَما قَدْ قِيلَ عَدُّ الأَشْهُر
مِثْلُ النُّبُوَّةِ صُيِّرَتْ في مَعْشَرٍ *** وَ كَذَا الإِمَامَةُ صُيِّرَتْ فِي مَعْشَرٍ (4)
و قال الشاعر عبدالله بن أيّوب الخريبي مخاطباً للإمام الجواد علیه السلام بعد وفاة أبيه علیه السلام:
يابْنَ الذَّبيح وَ یابْنَ أَعْراقِ الثَّرَى *** طابَتْ أَرومَتُهُ وَ طابَ عُروقا
يابْنَ الوَصِيِّ وَصِيٍّ أَفْضَلِ مُرسَلٍ *** أَعْني النَّبِيَّ الصَّادِقَ المَصْدوقا
ما لُفَّ في خِرَقِ القَوابِل مِثْلُهُ *** أَسَدٌ يُلَفُّ مَعَ الخَرِيقِ خَريقا
يا أَيُّهَا الْحَبلُ الْمَتِينُ مَتى أَعُذْ *** يَوْماً بِعَقْوَتِهِ أَجِدْهُ وَثيقا
أنا عَائِذٌ بِكَ فِي القِيامَةِ لائِذٌ *** أَبْغِي لَدَيكَ مِنَ النَّجاةِ طَريقا
لَا يَسْبِقَنّي فِي شَفَاعَتِكُمْ غَداً *** أَحَدٌ فَلَسْتُ بِحُبِّكُمْ مَسْبوقا
يابْنَ الثَّمَانِيَةِ الْأَئِمَّةِ غُرَّبوا *** وَ أَبا الثَّلاثَةِ شُرِّقوا تَشْريقا
إِنَّ المَشارِقَ وَ المَغارِبَ أَنتُمْ *** جاءَ الكِتابُ بذلِكُمْ تَصْديقا (1)
و الشيء المحقّق أنّ خلفاء النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم الاثني عشر الذين تواترت فيهم الأخبار إنّما هم الأئمّة الطيّبون من أهل البيت علیهم السلام، فهم الذين يمثّلون هدي النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم و سمته.
و تحدّث الإمام أبو جعفر علیه السلام مع حمران عن المحن و الخطوب التي ألمّت بالأئمّة الطاهرين من طواغيت زمانهم، و أنّهم سلام الله عليهم لو سألوا الله تعالى أن يكشفها عنهم لاستجاب لهم، ولكنّهم لم يسألوه لينالوا المنزلة الكريمة عنده.
يقول علیه السلام: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ - أي الأئمّة - يا حُمْرانُ حَيْثُ نَزَلَ بِهِمْ مَا نَزَلَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ إِظْهَارِ الطَّواغيتِ عَلَيْهِمْ سَأَلُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَدْفَعَ ذلِكَ عَنْهُمْ، وَ أَلَحّوا في إِزالَةِ تِلْكِ الطَّواغيتِ، وَ ذَهَابِ مُلْكِهِمْ إِذَنْ لَأَجَابَهُمْ، وَ رَفَعَ ذلِكَ عَنْهُمْ، ثُمَّ كَانَ انْقِضاءُ مُدَّةِ الطَّواغيتِ، وَ ذَهابُ مُلْكِهِمْ أَسْرَعَ مِنْ رَفْعِ سِلْكٍ مَنْظُومِ انْقَطَعَ فَتَبَدَّدَ، ما كانَ ذلِكَ الَّذِي أَصابَهُمْ - يَا حُمْرانُ - لِذَنْبٍ اقْتَرَفوهُ، وَ لَا لِعُقوبَةِ مَعْصِيَةٍ خالفوا اللهَ فِيهَا، وَلَكِنْ لِمَنازِلٍ وَ كَرَامَةٍ
1) مقتضب الأثر: 51.
مِنَ اللهِ أَنْ يَبْلُغوها، فَلَا تَذْهَبْ فِيكَ الْمَذاهِبُ فيهِمْ» (1).
وكان علیه السلام يحثّ الرواة و المحدّثين على إذاعة مآثر أئمّة أهل البيت علیهم السلام، و نشر فضائلهم، لأنّهم القدوة الحسنة لهذه الأُمّة. يقول سعد الاسكاف: «قلت لأبي جعفر: إنّي أجلس فأقصّ، و أذكر حقّكم و فضلكم، فشكر علیه السلام مساعيه و قال له: وَدَدْتُ أنَّ عَلَى كُلِّ ثَلاثين ذراعاً قاصّاً مِثْلَكَ» (2).
و آمنت الشيعة منذ فجر تأريخها حتّى يوم الناس هذا بأنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام قد وهبهم الله العلم و الحكمة و فصل الخطاب، كما وهب أنبياءه و رسله «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» (3).
و قد أجمع المؤرّخون و الرواة على أنّ الأئمّة علیهم السلام كانوا يملكون طاقات هائلة من العلم لم يملكها أي أحد من الناس، و أنّهم قد فاقوا بمواهبهم و عبقريّاتهم جميع العلماء الذين عاصروهم و غيرهم، و ليس في هذا الإيمان و لا في هذه الدعوى أيّة مؤاخذة بعد ما توفّرت الأدلّة على ذلك.
أ لم يذع سيّد العترة و زعيمها الإمام أمير المؤمنين علیه السلام من على منبر الكوفة قوله: «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَلَأَنا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ» (4)، و معنى
ذلك أنّ علومه و معارفه قد تجاوزت شؤون هذا الكوكب الذي يعيش عليه الإنسان إلى شؤون الفضاء و المجرّات و سائر الكواكب، و أنّه قد أحاط علماً بأسرار الكون، و دقائق الطبيعة.
ألم يقل هذا العملاق العظيم: لَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الْوَسادَةُ فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا لَأَنْتَيْتُ أَهْلَ التَّوْراةِ بِتَوْراتِهِمْ حَتَّى تَنْطِقَ التَّوْراةُ فَتَقُولَ: صَدَقَ عَلِيٌ مَا كَذَبَ، لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيَّ. وَ أَفْتَيْتُ أَهْلَ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ حَتَّى يَنْطِقَ الإنْجِيلُ فَيَقُولَ: صَدَقَ عَلِيٌّ مَا كَذَبَ، لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيَّ. وَ أَفْتَيْتُ أَهْلَ الْقُرْآنِ بِقُرآنِهِمْ حَتَّىٰ يَنْطِقَ الْقُرْآنَ فَيَقُولَ: صَدَقَ عَلِيٌّ مَا كَذَبَ، لَقَدْ أَفْتَاكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيَّ» (1).
و هذا يدلّ بوضوح على إحاطته التامّة بشؤون جميع الشرائع و الأديان، و وقوفه على ما في تلك الكتب السماويّة من أحكام.
ألم يكن عليّ صاحب نهج البلاغة الذي هو أثرى كتاب عالمي عرفته الإنسانيّة بعد القرآن الكريم، هذا هو زعيم العترة الطاهرة باب مدينة علم النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم و وصيّه، الذي فاق جميع علماء الدنيا في مواهبه و علومه.
و على هذا الطراز من سعة العلم الذي لا يحدّ سائر الأئمّة الطاهرين علیهم السلام، فهذا الإمام عليّ بن موسى الرضاء علیه السلام حينما نصّبه المأمون وليّ عهده، فأوعز إلى جميع علماء الدنيا بالحضور إلى خراسان لامتحان الإمام و اختباره ريثما يظهر عليه العجز فيتّخذ ذلك وسيلة إلى هدم مذهب التشيّع، و إبطال ما ذهب إليه الشيعة من أنّ الإمام أفضل أهل عصره، و أعلم أهل زمانه.
و لمّا اجتمع العلماء في خراسان أجزل لهم المأمون العطاء، و ندبهم إلى مهمّته، و كان المدوّن لمسائلهم عليّ بن عيسى، يقول: «و قد سئل الإمام عن أربعة و عشرين
1) بحار الأنوار: 89: 78.
ألف مسألة، و قد دوّنتها، و تناولت علوماً مختلفة من علم الفلك و النجوم و الطبّ و الفيزياء و الفلسفة و علم الكلام و غيرها، و قد أجاب الإمام عنها، و ما التقى به وفد من العلماء و خرج إلّا و هو يقول بإمامة الرضا».
و عقّب عليّ بن عيسى كلامه بقوله: «و مَن قال إنّ الله خلق أفضل من عليّ بن
موسی فلا تصدّقه» (1).
و هذا ولده الإمام محمّد الجواد علیه السلام حينما آلت إليه الإمامة بعد وفاة أبيه علیه السلام كان عمره الشريف لا يتجاوز العشر سنين، فقرّبه المأمون و عظّمه، فحسده العبّاسيّون، و كلّموا المأمون في أمره، فعرّفهم بإمامته، و أنّ الله منحه العلم و الفضل، و ميّزه على الخلق أجمعين، فأنكروا ذلك عليه، فعهد إليهم باختباره و امتحانه، فخفّوا إلى يحيى بن أكثم الذي تقلّد رئاسة القضاء، و هو ألمع شخصيّة علميّة في بغداد، و طلبوا منه امتحان الإمام علیه السلام، فأجابهم إلى ذلك، و عقدوا مؤتمراً علميّاً في البلاط العبّاسي حضره كبار العلماء، و أقبل يحيى بن أكثم فسأل الإمام عن أعقد المسائل و أشكلها، فأخذ الإمام علیه السلام يحلّل كلّ مسألة إلى عدّة فروع، و يسأل يحيى عن أي فرع أراده ليجيبه عنه، و ذهل يحيى و بان عليه العجز، و طلب من الإمام أن يجيبه عن تلك الفروع التي شقّقها على مسألته. فأجابه علیه السلام عنها، و انفضّ المؤتمر، و قد آمن جميع من حضر فيه بقدراته العلميّة التي لا تحدّ.
و قد روى جميع المؤرّخين هذه البادرة حتّى ابن حجر ذكرها في صواعقه المحرقة، فبأي شيء تعلّل هذه الطاقات العلميّة عند الإمام الجواد علیه السلام و هو في سنّه المبكّرة؟
و على أي حال، فإنّ علم الأئمّة علیهم السلام کعلم الأنبياء من دون أن يكون أي فرق بينهما، و قد عرض لذلك الإمام أبو جعفر علیه السلام، فقد قال لبعض شيعته: ما تَقولُ
1) عيون أخبار الرضا علیه السلام: 2: 184.
الشَّيعَةُ فِي عَلِيٍّ وَ مُوسَى وَ عِيسَى؟
جعلت فداك، عن أي الحالات تسألني؟
أَسْأَلُكَ عَنِ الْعِلْمِ.
هو و الله أعلم منهما.
أَلَيْسَ يَقولونَ: إِنَّ لِعَلِيٍّ ما لِرَسولِ اللهِ الا صلّی الله علیه و آله و سلّم مِنَ الْعِلْم؟
ولكن لا يقدّمون على أُولي العزم من الرسل أحداً.
فَخَاصِمْهُمْ بِكتابِ اللهِ.
في أي موضع منه؟
يَقولُ تَعَالَى لِمُوسَى علیه السلام: «وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (1).
وَ قالَ لِعيسى علیه السلام: «وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ» (2).
بينما قال لمحمّد صلّی الله علیه و آله و سلّم:«وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ»، كما قال في نفس الآية: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ» (3).
و قد تظافرت الأخبار أنّ علم الأئمّة مستمدّ من علم جدّهم الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم، فقد ورّث صلّی الله علیه و آله و سلّم علومه إلى وصيّه و باب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، و قد ورثها من بعده الأئمّة الطاهرون من أبنائه.
و أجمع المؤرّخون و الرواة على أنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام قد أخبروا عن وقوع كثير من الملاحم و الأحداث، و تحقّقت بعد ذلك على مسرح الحياة كما أخبروا عنها، فقد أخبر الإمام أمير المؤمنين علیه السلام بما سيجري على الصحابي العظيم حجر بن عدي من صنوف التنكيل و القتل من قِبل معاوية، و جرى عليه ذلك.
و أخبر علیه السلام عن حكومة مروان بن الحكم القصيرة الأمد، فقال علیه السلام: «لَيَحْمِلَنَّ رايَةَ ضَلالَةٍ بَعْدَما يَشيبُ صِدْغاهُ، وَ لَهُ إمْرَةٌ كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ» (1).
و أخبر علیه السلام عن حكومة بني العبّاس، فقد روى المبرّد و غيره، قال: «لمّا ولد عليّ بن عبدالله بن العبّاس جاء به أبوه إلى الإمام عليّ علیه السلام فقال له: ما سَمَّيْتَهُ؟
فقال عبد الله: أوَ يجوز لي أن أُسمّيه قبلك؟
فقال علیه السلام: قَدْ سَمَّيْتُهُ بِاسْمِي، وَ كَنَّيْتُهُ بِكُنْيَتي، وَ هُوَ أَبو الأَمْلاكِ» (2).
و أخبر علیه السلام عن مصرع ولده أبي الشهداء الإمام الحسين علیه السلام، فقد روى الأصبغ، قال: «أتينا مع عليّ علیه السلام فمررنا بموضع قبر الحسين علیه السلام، فقال عليّ: هاهنا مُناخُ رِكابِهِمْ، وَ هاهُنا مَوْضِعُ رِحالِهِمْ، وَ هَاهُنَا مِهْراقُ دِمائِهِمْ، فِتْيَةٌ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلّی الله علیه و آله و سلّم يُقْتَلُونَ بَهذِهِ الْعَرَصَةِ تَبْكي عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ» (3).
كما أخبر علیه السلام عن الأحداث التي تجري آخر الزمان، و ما يخترعه الإنسان من الآلات و الأجهزة الحديثة، و سائر ألوان التقدّم التكنولوجي في العالم، كلّ ذلك أخبر
عنه الإمام علیه السلام.
و لم تقتصر هذه الظاهرة على الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، و إنّما شملت جميع أئمّة أهل البيت علیهم السلام، فهذا الإمام الصادق علیه السلام قد قال للمنصور الدوانيقي: «تَتَلاعَبُ بِها - أي الخلافة - الصِّبيانُ مِنْ وَلَدِكَ» (1).
و قال علیه السلام لابن عمّه عبد الله بن الحسن أنّه لا يلي الخلافة، و إنّما يليها السفّاح، و تحقّق جميع ما أخبر به.
و قد اعترف ابن خلدون بهذه الظاهرة لأئمّة أهل البيت علیهم السلام، يقول: «و إذا كانت الكرامة تقع لغيرهم، فما ظنّك بهم علماً و ديناً، و آثاراً من النبوّة، و عناية بالأصل الكريم، تشهد لفروعه الطيّبة، و الشريعة قد قرّرت أنّ البشر محجوبون عن الغيب، إلّا من أطلعه الله عليه من عنده في نوم أو ولاية، و قد وقع لجعفر و أمثاله من أهل البيت كثير من ذلك مستندهم فيه - و الله أعلم - الكشف بما كانوا من الولاية، فهم أوْلى الناس بهذه الرتب الشريفة، و الكرامات الموهوبة» (2).
أمّا الملاحم التي أخبر عنها الإمام أبو جعفر فهذه بعضها:
1- إنّه تنبّأ بدولة بني العبّاس. يقول أبو بصير: «كنت مع محمّد بن عليّ إذ دخل المنصور و داود بن سليمان قبل أن يفضي الملك لبني العبّاس، فجاء داود إلى الإمام محمد الباقر فسلّم عليه، فقال علیه السلام له: ما مَنَعَ الدَّوانِيقِيَّ أَنْ يَأْتِيَ؟
فاعتذر داود بن سليمان، و قال: إنّه فيه جفاءاً.
و أحاطه الإمام علیه السلام علماً بما يصير إليه المنصور قائلاً: لَا تَذْهَبُ الأَيَّامُ حَتَّى يَلِيَ هذَا الرَّجُلُ أَمْرَ الْخَلْقِ، فَيَطَأَ أَعْناقَ الرِّجالِ، وَ يَمْلِكَ شَرْقَهَا وَ غَرْبَهَا، وَ يَطُولُ عُمْرُهُ حَتَّىٰ
يَجْمَعَ مِنْ كُنوزِ الْمَالِ ما لَا يَجْمَعُ غَيْرُهُ.
و بادر داود نحو المنصور، و هو يحمل إليه البشرى بما قاله الإمام، و خفّ المنصور مسرعاً نحو الإمام ليتبيّن مقالته فيه، و أبدى للإمام معاذيره في عدم السلام عليه قائلاً: ما منعني من الجلوس إليك إلّا إجلالاً لك، ثمّ سأله عمّا أخبر به داود، فقال علیه السلام: هُوَ كَائِنٌ.
وراح المنصور يطلب المزيد من الايضاح قائلاً: ملكنا قبل ملككم؟
نَعَمْ.
و يملك أحد بعدي من ولدي؟
نَعَمْ.
فمدّة بني أُميّة أطول أم مدّتنا؟
مُدَّتُكُمْ أَطْوَلُ، لَيَلْعَبَنَّ بِهَذَا الْمُلْكِ صِبْيانُكُمْ كَما يَلْعَبُونَ بِالْكُرَةِ، بِهذا عَهِدَ إِلَيَّ أَبي.
و انصرف المنصور و هو جذلان مسرور قد صار على يقين بأنّ الملك سيؤول إليه، و ظلّت مقالة الإمام علیه السلام تراوده في جميع أوقاته، فلمّا صارت إليه الخلافة تعجّب من تنبّؤ الإمام (1).
و يقول الدوانيقي: «كنت هارباً من بني أُميّة أنا و أخي أبو العبّاس، فمررنا بمسجد النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم و محمّد بن عليّ جالس، فقال علیه السلام لرجل إلى جانبه: كَأَنِّي بِهَذَا الْأَمْرِ قَدْ صارَ إِلى هذيْنِ، و أشار إلينا، فجاء الرجل و أخبرنا بمقالته، فملنا إليه و قلنا له: يابن رسول الله، ما الذي قلت؟
فقال علیه السلام: هذَا الأَمْرُ صائِرٌ إِلَيْكُمْ عَنْ قَريبٍ، وَلكِنَّكُمْ تُسِيئُونَ إِلَىٰ ذُرِّيَّتِي وَ عِتْرَتي،
1) الخرائج و الجرائح: 1: 273. جامع كرامات الأولياء: 1: 97. الدرّ المسكوك (مخطوط).
فَالْوَيْلُ لَكُمْ» (1).
فكان كما أخبر علیه السلام، و قد أساء المنصور حينما ولي الخلافة إلى ذرّيّة رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم و عترته، فنكّل بهم أفظع ما يكون التنكيل، و قد قاست عترة رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم في عهد هذا الطاغية من صنوف العذاب ما لم تقاسه في عهد الأمويّين، فقد كانت أيّامه عليهم كلّها محنة و ألماً و عذاباً.
2- و ممّا أنبأ عنه الإمام أبو جعفر علیه السلام أنّه أخبر عن الحجر الأسود، و أنّه يعلّق في الجامع الأعظم في الكوفة (2).
و تحقّق ذلك أيّام القرامطة، فقد أخذوه من الكعبة و جعلوه في جامع الكوفة، باعتقادهم أنّ الحجّ يدور مداره، و قد أرادوا أن يكون الحجّ إلى مسجد الكوفة و بقي فيه مدّة تقرب من عشرين عاماً، ثم أُرجع إلى مكانه.
3- و من الملاحم التي أخبر عنها غزو نافع بن الأزرق يثرب، و إباحتها لجنوده. يقول الإمام الصادق علیه السلام: «كانَ أَبي في مَجْلِسٍ عامٍّ إِذْ أَطْرَقَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهُ وَ قالَ: يَا قَوْمِ، كَيْفَ أَنْتُمْ إِذا جاءَكُمْ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مَدِينَتَكُمْ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ حَتَّىٰ يَسْتَعْرِضَكُمْ عَلَى السَّيْفِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ، فَيَقْتُلُ مُقاتِلَكُمْ، وَ تَلْقَوْنَ مِنْهُ بَلَاءً لَا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وَ لَا عَلى دَفْعِهِ، وَ ذلِكَ مِنْ قابلٍ - أي السنّة التي تأتي - فَخُذوا حِذْرَكُمْ، وَ اعْلَمُوا أَنَّ الَّذى قُلْتُ لَكُمْ هُوَ كائِنٌ لا بُدَّ مِنْهُ.
فلم يلتفت أهل المدينة إلى كلامه، و قالوا: لا يكون هذا أبداً.
فلمّا كانت السنة المقبلة حمل أبو جعفر عياله، و صحب معه جماعة من بني هاشم، و خرجوا من المدينة، فجاء نافع بن الأزرق فدخلها في أربعة آلاف
و استباحها ثلاثة أيّام، و قتل فيها خلقاً كثيراً (1).
و استبان لأهل المدينة مدى صدق الإمام في تنبّؤه.
4- و أخبر علیه السلام عن شهادة أخيه زيد الشهيد العظيم، فقد روی زید بن حازم، قال: «كنت مع أبي جعفر علیه السلام فمرّ بنا زيد بن عليّ، فقال لي أبو جعفر: أَما رَأَيْتَ هذا؟ لَيَخْرُجَنَّ بِالْكُوفَةِ، وَ لَيُقْتَلَنَّ، وَ لَيْطَافَنَّ بِرَأْسِهِ» (2).
و لم تمض الأيّام حتّى قُتل زيد بالكوفة، و طيف برأسه في الأقطار و الأمصار.
5- و من الأحداث التي تنبّأ عنها أنّه أخبر بهدم دار هشام بن عبدالملك، و هي من أضخم الدور في يثرب، و كان قد بناها بأحجار الزيت، قال علیه السلام: أَما وَ اللهِ لَتُهْدَمَنَّ، أَما وَ اللهِ لَتَنْدُرُ أَحْجارُ الزَّيْتِ.
يقول أبو حازم: لمّا سمعت هذا تعجّبت منه و قلت: من يهدمها و أمير المؤمنين هشام قد بناها!
فلمّا مات هشام و ولي الخلافة من بعده الوليد أمر بهدمها، و نقل أحجار الزيت منها حتّى ندرت في يثرب (3).
6- و من الملاحم التي أنبأ عنها ما رواه الفضيل، قال: «سألت أبا جعفر فقلت له: بلغنا أنّ لآل جعفر راية، و لآل العبّاس رايتين، فهل انتهى إليك من ذلك شيء؟
فقال علیه السلام: أَمَا آلُ جَعْفَرٍ فَلَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ، وَ لَا لِأَهْلِ بَيْتِي شَيْءٌ، وَ أَمّا اَلُ الْعَبَاسِ
فَإِنَّ لَهُمْ مُلْكاً عَظيماً، يُقَرِّبونَ فيهِ الْبَعيدَ، وَ يُبَعِّدونَ فيهِ الْقَريبَ، وَ سُلْطانُهُمْ عُسْرٌ لَيْسَ فِيهِ يُسْرٌ حَتَّى إِذا أَمِنوا مَكْرَ اللهِ، وَ أَمِنوا عِقابَهُ صِيحَ فيهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً لَا يَبْقَى لَهُمْ مَنْزِلٌ يَجْمَعُهُمْ، وَ لَا أُذُنٌ تَسْمَعُهُمْ، وَ هُوَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ: «حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا» (1)» (2).
هذه بعض البوادر من الملاحم التي أخبر عنها الإمام علیه السلام، و هي تلقي الأضواء على مدى سعة علوم الإمام علیه السلام، و إحاطته بمثل هذه الأُمور التي منحها الله تعالى للأنبياء و أوصيائهم.
و من الطبيعي أنّ الإقرار للأئمّة علیهم السلام بهذه الظاهرة يحتاج إلى إيمان راسخ و يقين ثابت، و قد أشار الإمام أبو جعفر علیه السلام، إلى ذلك بقوله: « إِنَّ حَدِيثَنا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ، لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ» (3).
هذه بعض البحوث الكلاميّة و إخباره علیه السلام عن المغيّبات التي خاض فيها الإمام علیه السلام، و له بحوث أُخرى في غير هذه المجالات سنذكرها عند البحث عن عصره.
أمّا فقه أهل البيت علیه السلام فقد أخذ معظمه من الإمامين الباقر و ولده الصادق علیهما السلام، و قد حفلت موسوعات الفقه الإمامي - كالحدائق و الجواهر و مستمسك العروة الوثقى - بالروايات الكثيرة التي أُثرت عنهما، و إليها يرجع فقهاء الإماميّة في استنباطهم للأحكام الشرعيّة و في إصدارهم للفتوى.
أمّا موسوعات الحديث، كوسائل الشيعة و التهذيب و من لا يحضره الفقيه و غيرها، فأغلب ما فيها من الأحاديث قد أُخذت عنهما، و قد شكّلت تلك الموسوعات دائرة معارف للفقه الإسلامي هي من أروع و أثرى ما قنّن في عالم التشريع.
لقد جهد الإمام الباقر و ولده الصادق علیهما السلام على نشر الفقه الإسلامي، و تبنّياه بصورة إيجابيّة في وقت كان المجتمع الإسلامي غارقاً في الأحداث السياسيّة، و قد أهملت الحكومات في تلك العصور الشؤون الدينيّة إهمالاً تامّاً، فلم تعد الشعوب الإسلاميّة تفقه من أُمور دينها القليل و لا الكثير.
يقول الدكتور علىّ حسن: «و قد أدّى تتبّعنا للنصوص التاريخيّة إلى أمثلة كثيرة تدلّ على هذه الظاهرة - أي إهمال الشؤون الدينيّة - التي كانت تسود القرن الأوّل، سواء لدى الحكّام أو العلماء أو الشعب، و نعني بها عدم المعرفة بشؤون الدين، و التأرجح، و عدم الجزم و القطع فيها، حتّى في العبادات.
فمن ذلك ما روي: «أنّ ابن عبّاس خطب في آخر رمضان على منبر البصرة فقال: أخرجوا صدقة صومكم، فكان النّاس لا يعلمون.
فقال: من هاهنا من أهل المدينة، فقوموا إلى إخوانكم فعلّموهم، فإنّهم
لا يعلمون من زكاة الفطرة الواجبة شيئاً» (1).
ممّا يدلّ على أنّ أهل البلاد الإسلاميّة لم يكونوا يعرفون شؤون دينهم معرفة مفصّلة، و قد كان يوجد في بلاد الشام من لا يعرف عدد الصلوات المفروضة، فراحوا يسألون الصحابة عن ذلك (2).
و هذه مسألة أوقات الصلاة لم تكن معروفة عند عمر بن عبد العزيز (3)و بعض أهل العلم، فكان العلماء يرون سنّة مخصوصة في ذلك، و كانت الحكومة ترى رأياً مخالفاً، و على هذا جاء الحديث: «سَيَأتي في آخِرِ الزَّمانِ أُمَراءٌ يُميتونَ الصَّلاةَ، فَأَدُّوا الصَّلاةَ في وَقْتِها».
و المؤرّخون المتقدّمون إذا لم يعرفوا كيف يشرحون لنا هذه الحالة فانّهم لم يجدوا أمامهم إلّا سبباً مفروضاً، و هو أنّ الأمويّين قد غيّروا أوقات الصلاة برأيهم.
ولكنّ الحقيقة هو إنّه في أثناء عصر بني أُميّة الذين كانوا لا يهتمّون كثيراً بأُمور الدين كان الشعب في الواقع قليل الفهم و المعرفة للفقه و مسائل الدين، و لم يكن يعرف من هذه الشؤون إلّا أهل المدينة و حدهم (4)» (5).
إنّ الدور المشرق الذي قام به الإمام الباقر و الصادق علیهما السلام في نشر الفقه و بيان
1) الإحكام في أُصول الأحكام / ابن حزم: 2: 131.
2) سنن أبي داود: 1: 143. سنن النسائي: 1: 42.
3) إنّ خفاء أوقات الصلاة على عمر بن عبد العزيز من الموضوعات و المفتريات عليه، و سنعرض لذلك عند البحث عن سيرته.
4) يراجع في كيفيّة صلاة عمر بن عبد العزيز الطبقات الكبرى: 5: 47. الإمامة و السياسة: 2: 143. و للاطّلاع على عصر عبدالملك بن مروان فإنّه لم تكن مسائل الحجّ قد عرفت تماماً. راجع: الطبقات الكبرى: 5: 170. تاريخ اليعقوبي: 2: 358.
5) نظرة عامّة في تاريخ الفقه الإسلامي: 110.
أحكام شريعة الله كان من أعظم الخدمات التي قدّمت للعالم الإسلامي، و لولاهما لخسر المسلمون أعظم ثروة دينيّة لهم.
و على أي حال، فإنّه لمّا لم يكن في العالم الإسلامي - في تلك العصور - من هو أدرى بشؤون الشريعة و أحكام الدين غير الإمامين علیهما السلام فقد أسرع إلى الأخذ من علومهما أبناء الصحابة و التابعون، و رؤساء المذاهب الإسلاميّة، كأبي حنيفة و مالك و غيرهما، و قد تخرّج على يد الإمام أبي جعفر جمهرة كبيرة من الفقهاء، كزرارة بن أعين و محمّد بن مسلم و أبان بن تغلب، و إليهم يرجع الفضل في تدوين أحاديث الإمام علیه السلام، كما كانوا من مراجع الفتيا بين المسلمين، و بذلك فقد أعاد الإمام أبو جعفر علیه السلام للإسلام نضارته، و حافظ على ثرواته الدينيّة من الضياع.
و من الجدير بالذكر أنّ الشيعة هي أوّل من سبق إلى تدوين الفقه. يقول مصطفى عبد الرزّاق: «و من المعقول أن يكون النزوع إلى تدوين الفقه كان أسرع إلى الشيعة لأنّ اعتقادهم العصمة في أئمّتهم أو ما يشبه العصمة كان حريّاً إلى تدوين أقضيتهم و فتاواهم» (1).
و بذلك فقد ساهمت الشيعة في بناء الصرح الإسلامي، و حافظت على أهمّ ثرواته. و لا بدّ لنا من وقفة قصيرة للنظر في فقه أهل البيت علیهم السلام الذي هو مستمد من الرسول الأعظم صلّی الله علیه و آله و سلّم.
و يمتاز فقه أهل البيت علیهم السلام بمميّزات رائعة جعلته فى قمّة الفقه الإسلامي و غيره، و هذه بعضها:
1) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة: 202.
و الشيء المهمّ في فقه أهل البيت علیهم السلام أنّه يتّصل اتّصالاً مباشراً بالنبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، فطريقه إليه أئمّة أهل البيت علیهم السلام، الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً، و جعلهم النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم سفن النجاة، و أمن العباد، و عدلاء الذكر الحكيم حسبما تواترت الأخبار بذلك.
و ممّا لا شبهة فيه أنّهم سلام الله عليهم ألصق الناس برسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، و أدرى بشؤون شريعته و أحكامه من غيرهم، فروايتهم عن جدّهم صلّی الله علیه و آله و سلّم إن صحّ طريق سندها إليه فهي أصحّ الروايات إليهم، و أقربها إلى الواقعيّة و براءة الذمّة.
و هذا ممّا دعا فقهاء الإماميّة إلى الاقتصار على روايات الأئمّة في استنباطهم للأحكام الشرعيّة، باعتبارها قد حازت على وثاقة الدليل و أصالته اللذين يعتمد عليهما الفقيه.
و قد عرض الإمام أبو جعفر علیه السلام إلى روايات الأئمّة علیهم السلام، و أنّها لم تكن و إنّما هي مأخوذة عن النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم يقول علیه السلام: «لَوْ إِنَّنا حَدَّثْنَا بِرَأْيِنا ضَلَلْنا كَما ضَلَّ مَنْ قَبْلَنا، وَ لَكِنّا حَدَّثنا بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّنَا لِنَبِيِّهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم فَبَيَّنَها لَنا» (1).
و سئل عن الحديث الذي يرسله و لا يسنده، فقال علیه السلام: «إِذا حَدَّثْتُ بِالْحَديثِ فَلَمْ أُسْنِدْ فَسَنَدِي فِيهِ أَبي زَيْنُ الْعابِدِينَ، عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ، عَنْ رَسولِ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم، عَنْ جَبْرَئِيلَ، عَنِ اللهِ» (2).
و هل هناك سند أشرق من هذا السند أو أصحّ منه؟
و هل يجد المسلم الذي يبتغي وجه الله و الدار الآخرة طريقاً يوصله إلى الله أعلم و أضمن من هذا الطريق؟
و فقه أهل البيت علیهم السلام يساير الحياة، و يواكب التطوّر، و لا يشذّ عن الفطرة، و يتمشّى مع جميع متطلّبات الحياة، فليس فيه - و الحمد الله - حرج و لا ضيق، و لا ضرر و لا ضرار، و إنّما فيه الصالح العامّ، و التوازن في جميع مناحي تشريعاته، و قد نال إعجاب جميع رجال القانون، و اعترفوا بأنّه من أثرى ما قنّن في عالم التشريع عمقاً و أصالة و إبداعاً.
إنّ فقه أهل البيت علیهم السلام ثبت يضيء للباحثين القوّة التشريعيّة الدافعة للتقدّم العلمي و الحضاري، و هو آية للعدل المطلق، و الحقّ المحض لأنّه نابع من صميم الواقع، فقد استعرض خلايا جسم الأُمّة، فوضع الحلول الحاسمة لجميع مشاكلها.
و الشيء الذي تميّز به فقه أهل البيت علیهم السلام عن بقيّة الفقه الإسلامي هو فتح باب الاجتهاد، فقد دلّل ذلك على أصالة فقه أهل البيت، و تفاعله مع الحياة، و استمراره في العطاء لجميع شؤون الإنسان، و أنّه لا يقف مكتوفاً أمام الأحداث المستجدّة التي يبتلي بها الناس، خصوصاً في هذا العصر الذي استجدّت فيه كثير من الأحداث التي لم تكن موجودة في العصور السابقة كالتلقيح الصناعي و غرس الأعضاء، و غير ذلك من الأُمور التي لا يوجد لها حلّ على غير مائدة فقه أهل البيت.
و قد أدرك كبار علماء المسلمين من الأزهر مدى الحاجة الملحّة إلى فتح باب الاجتهاد، و متابعة الشيعة في هذه الظاهرة.
يقول أحمد أمين: «و قد أُصيب المسلمون بحكمهم على أنفسهم بالعجز و قولهم بإقفال باب الاجتهاد؛ لأنّ معناه لم يبق في الناس من تتوفّر فيه شروط المجتهد، و لا يرجى أن يكون ذلك في المستقبل و إنّما قال هذا القول بعض المقلّدين لضعف
ثقتهم بأنفسهم و سوء ظنّهم بالناس» (1).
و يقول السيّد رشيد رضا: «و لا نعرف في ترك الاجتهاد منفعة ما، و أمّا مضاره فكثيرة، و كلّها ترجع إلى إهمال العقل، و قطع طريق العلم، و الحرمان من استغلال الفكر، و قد أهمل المسلمون كلّ علم بترك الاجتهاد فصاروا إلى ما نرى» (2).
إنّ الإسلام - و الحمد الله - قد نعي على الفكر الجمود، و دعاه إلى الانطلاق في ميادين الفكر و العلم، و ليس من الحكمة في شيء إقفال باب الاجتهاد و فرض التقليد؛ إذ ليس في الاجتهاد استحالة، و لا فيه خروج على المنطق و الدليل، و أمّا إقفال بابه فقد كان في وقت خاصّ فرضته الحكومات القائمة في تلك العصور، حسبما يقوله المحقّقون.
و انفرد فقهاء الإماميّة عن بقيّة المذاهب الإسلاميّة فاعتبروا العقل أحد المدارك الأربعة لاستنباط الأحكام الشرعيّة، و قد أضفوا عليه أسمى ألوان التقديس، فاعتبروه رسول الله الباطني، و أنّه ممّا يعبد به الرحمن، و يكتسب به الجنان.
و من الطبيعي أنّ الرجوع إلى حكم العقل إذا لم يكن في المسألة نصّ، و إلّا فهو حاكم عليه، و أنّ للعقل مسرحاً كبيراً في علم الأُصول الذي يتوقّف عليه الاجتهاد، إذ أكثر مسائل الفقه يستند فيها الفقهاء إلى ما تقتضيه القواعد الأُصوليّة فيها، و على ضوء حكم العقل فقد حكموا بوجوب مقدّمة الواجب، و أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، كما حكموا بحجّيّة الظنّ المطلق بناءً على الحكومة لا على الكشف، و أرجعوا الخبرين المتعارضين إلى حكم العقل، فإن أيّد أحدهما فيؤخذ به
حسبما دلّت عليه الأخبار، إلى غير ذلك من المسائل التي يرتبط موضوعها بحكم العقل، و هذا ممّا يدعو إلى الاعتزاز و الفخر بحيويّة الفقه الإمامي و أصالته.
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن مميّزات الفقه الإمامي.
و ليس من المستطاع لي تدوين ما أثر عن الإمام أبي جعفر علیه السلام من المسائل الفقهيّة، فإنّ ذلك يستدعي تدوين موسوعة فقهيّة كبيرة، فإنّ معظم أبواب الفقه و بحوثه قد رويت عنه، إلّا أنّا نذكر عرضاً موجزاً لبعض المسائل التي أُثرت عنه، و هي:
و تحدّث الإمام أبو جعفر علیه السلام عن حكم القتال و الحرب في الإسلام حينما سأله رجل من شيعته عن حروب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، فقال له:
بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً صلّی الله علیه و آله و سلّم بِخَمْسَةِ أَسْيَافٍ: ثَلاثَةٌ مِنْها شَاهِرَةٌ لَا تُغْمَدُ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَ لَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَها حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها، فَإِذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها أَمِنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، فَيَوْمَئِذٍ «لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا» (1)، وَ سَيْفٌ مَكْفُوفٌ، وَ سَيْفٌ مِنْها مَغْمُودٌ سَلُّهُ إِلَى غَيْرِنا، وَ حُكْمُهُ إِلَيْنا.
1) الأنعام 6: 158.
فَأَمّا السُّيوفُ الثَّلاثَةُ الشَّاهِرَةُ:
فَسَيْفٌ عَلَى مُشْرِكي الْعَرَبِ. قالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ: «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ» (1)، «فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ» (2)، هؤُلاءِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَتْلُ أَوِ الدُّخولُ في الْإِسْلامِ، وَ أَمْوالُهُمْ فَيْءٌ، وَ ذَراريهِمْ سَبْيٌ عَلَى مَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم، فَإِنَّهُ سَبِى وَ عَفا، وَ قَبِلَ الْفِداءِ.
وَ السَّيْفُ الثَّاني: عَلى أَهْلِ الذِّمَّةِ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» (3)، نَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ فى أَهْلِ الذَّمَّةِ، وَ نَسَخَها قَوْلُهُ: «قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ» (4)، فَمَنْ كانَ مِنْهُمْ في دارِ الْإِسْلامِ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ إِلَّا الْجِزْيَةُ أَوِ الْقَتْلُ، وَ مالُهُمْ فَيْءٌ، وَ ذَراريهِمْ سَبْيٌ، فَإِذا قَبِلوا الْجِزْيَةَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ حَرُمَ عَلَيْنَا سَبْتُهُمْ، وَ حَرُمَتْ أَمْوالُهُمْ، وَ حَلَّتْ لَنا مَناكِحُهُمْ (5)، وَ مَنْ كانَ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَلَّ لَنا سَبْیُهُمْ وَ أَمْوالُهُمْ،
وَ لَمْ تَحِلَّ لَنا مُناكَحَتُهُمْ، وَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ إِلَّا دُخولُ دارِ الْإِسْلامِ وَ الْجِزْيَةُ أَوِ الْقَتْلُ.
وَ السَّيْفُ الثَّالِثُ: عَلى مُشْرِكي الْعَجَمِ كَالتُّرْكِ وَ الدَّيْلَم وَ الْخَزَرِ. قالَ الله عَزَّ وَ جَلَّ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ الَّتِي يَذْكُرُ فِيهَا الَّذِينَ كَفَرُوا فَقَصَّ قِصَّتَهُمْ، ثُمَّ قالَ: «فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا» (1).
فَأَمّا قَوْلُهُ: «فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ» يَعْنِي بَعْدَ السَّبْي مِنْهُمْ «وَإِمَّا فِدَاءً» يَعْني الْمُفاداةُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلام، فَهَؤُلاءِ لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَتْلُ أَوِ الدُّخولُ فِي الْإِسْلامِ، وَ لَا يَحِلُّ لَنَا نِكَاحُهُمْ ما داموا فِي الْحَرْبِ.
وَ أَمّا السَّيْفُ الْمَكْفُوفُ: فَسَيْفٌ عَلى أَهْلِ الْبَغْيِ وَ التَّأْوِيلِ. قَالَ اللهُ: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ» (2)، فَلَمّا نَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يقاتِلُ بَعْدِي عَلَى التَّأْوِيلِ كَما قاتَلْتُ عَلَى التَّنْزِيلِ.
فَسُئِلَ النَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله و سلّم: مَن هُوَ؟
فَقالَ: خاصِفُ النَّعْلِ - يعني أمير المؤمنين -.
وَ قالَ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ: قاتَلْتُ بِهَذِهِ الرّايَةِ مَعَ رَسولِ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم ثَلاثاً (1)، وَ هَذِهِ الرّابعَةُ، وَ اللهِ لَوْ ضَرَبونا حَتَّى يَبْلُغوا بنا السَّعَفاتِ مِنْ هَجَرَ (2)لَعَلِمْنَا أَنَّا عَلَى الْحَقِّ، وَ أَنَّهُمْ عَلَى الْباطِل، وَ كانَتِ السَّيْرَةُ فِيهِمْ مِنْ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام مِثلَ ما كانَ مِنْ رَسولِ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم فِي أَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ فَتْحِها فَإِنَّهُ لَمْ يَسْبِ لَهُمْ ذُرِّيَّةً، وَ قالَ: مَنْ أَغْلَقَ بابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَ مَنْ أَلْقَى سِلاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَ كَذلِكَ قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ علیه السلام يَوْمَ الْبَصْرَةِ، نادى فيهِمْ: لَا تَسْبوا لَهُمْ ذُرِّيَّةً، وَ لَا تُدَفِّفوا عَلى جَريح (3)، وَ لَا تُتْبِعوا مُدْبِراً، وَ مَنْ أَغْلَقَ بابَهُ، وَ أَلْقَى سِلاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ.
وَ السَّيْفُ الْمَغْمودُ: فَالسَّيْفُ الَّذي يُقامُ بِهِ الْقِصَاصُ. قالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ» (4)، فَسَلُّهُ إِلى أَوْلِياءِ الْمَقْتولِ وَ حُكْمُهُ إلَيْنا.
فَهَذِهِ السُّيوفُ الَّتي بَعَثَ اللَّهُ بِها مُحَمَّداً صلّی الله علیه و آله و سلّم، فَمَنْ جَحَدَها أَوْ جَحَدَ واحِداً مِنْها أَوْ شَيْئاً مِنْ سِيَرِها وَ أَحْكامِها فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَىٰ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّه» (5).
1) الثلاث التي قاتل الصحابي العظيم عمّار بن ياسر مع رسول الله بتلك الراية هي: يوم بدر، و يوم أُحد، و يوم حنين، و كان يتزعّم تلك الحروب أبو سفيان عميد الأمويّين.
2) هجر - بالتحريك -: بلدة باليمن، كما أنّها اسم لجميع أرض البحرين.
3) لا تدفّفوا على جريح: أي لا تجهزوا عليه.
4) المائدة 5: 45.
5) تحف العقول: 288 - 290، و رواه الصدوق في الخصال: 274 - 276، الحديث 18، و الكليني في فروع الكافي: 5: 10 - 12، الحدیث 2، و الطوسي في التهذيب: 4: 114 - 116، الحديث 336.
و استمدّ فقهاء المسلمين الأحكام التي رتّبوها على قتال أهل البغي من سيرة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في حرب الجمل، كما أخذوا عن أئمّة الهدى علیهم السلام الكثير من الأحكام في هذه المسألة.
و جوّز فقهاء المذاهب الإسلاميّة المسح على الخفّين في الوضوء، و لم يعتبروا مماسة اليد لظاهر القدمين (1)، أمّا أئمّة أهل البيت علیهم السلام فاعتبروا المماسّة و لم يسوّغوا غيرها.
يقول الربيع: «سألت أبا إسحاق عن المسح؟ فقال: أدركت الناس يمسحون - يعني على الخفّين - حتّى لقيت رجلاً من بنى هاشم لم أرَ مثله قطّ يقال له محمّد بن عليّ بن الحسين، فسألته عن المسح؟ فنهاني عنه، و قال: لَمْ يَكُنْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنينَ علیه السلام يَمْسَحُ، وَ كانَ يَقولُ: سَبَقَ الْكِتابُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» (2).
لقد دلّ الكتاب العظيم على اعتبار المماسّة. قال تعالى: «وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ» (3)، و الآية ظاهرة أشدّ الظهور فيما حكم به أهل البيت علیهم السلام.
و ذهب الشافعي إلى أنّ مسّ الفرج من نواقض الوضوء، و تمسّك بذلك بما روي عن ابن عمر و سعد بن أبي وقّاص و أبي هريرة و عائشة و سعيد بن المسيّب و سليمان
ابن يسار من أنّ مسّ الفرج من نواقض الوضوء.
أمّا الإمام أبو جعفر علیه السلام و سائر أئمّة أهل البيت علیهم السلام فإنّهم لا يرون ذلك. روى زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام، أنّه قال: «لَيْسَ فِي الْقُبْلَةِ، وَ لَا الْمُباشَرَةِ، وَ لَا مَسِّ الْفَرْج وضوءٌ» (1).
و يضاف إلى ذلك ثبوت حكم الطهارة و جريان استصحابها، و إنّ نقضها يحتاج إلى دليل.
و ذهب فقهاء المذاهب الإسلاميّة إلى أنّ الجهر في صلاة الاخفات أو الاخفات في صلاة الجهر متعمّداً غير مبطل للصلاة، أمّا في فقه مذهب أهل البيت علیهم السلام فإنّه مبطل للصلاة، فقد روى زرارة عن الإمام أبي جعفر علیه السلام في رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه أو أخفت فيما لا ينبغي الإخفات فيه.
فقال علیه السلام: إِنْ فَعَلَ ذلِكَ مُتَعَمِّداً فَقَدْ نَقَضَ صَلاتَهُ، وَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَ إِنْ فَعَلَ ذلِكَ ناسِياً أَوْ سَاهِياً أَوْ لَا يَدْرِي، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَ قَدْ تَمَّتْ صَلاتُهُ» (2).
و ذهب أكثر فقهاء المسلمين إلى وجوب الصلاة على النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم في التشهّد، و قد روى جابر الجعفي عن الإمام أبي جعفر علیه السلام، أنّه قال: «قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم: مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يُصَلِّ فيها عَلَيَّ، وَ لَا عَلى أَهْلِ بَيْتي لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ» (3).
هذه بعض المسائل الفقهيّة التي أدلى بها الامام أبو جعفر علیه السلام، و معظم أبواب الفقه أُصولاً و فروعاً قد أخذت منه، كما ذكرنا ذلك.
من العلوم التي فتق أبوابها الإمام الباقر علیه السلام علم الأُصول، و هو من أجلّ العلوم الإسلاميّة بعد علم الفقه، لأنّ الاجتهاد يتوقّف عليه، فإنّه لا يكون المجتهد قد حصل على ملكة الاجتهاد حتّى يجتهد في بحوث هذا العلم (1).
و قد اتّفق البحاث و العلماء على أنّ الإمام أبا جعفر علیه السلام هو أسبق من أسّس هذا العلم، و أرسى قواعده.
يقول السيّد حسن الصدر: «إنّ أوّل من فتح بابه - أي باب علم الأُصول - و فتق مسائله هو باقر العلوم الإمام أبو جعفر محمّد بن علي الباقر علیه السلام، و بعده ابنه أبو عبدالله الصادق علیه السلام، و قد أمليا فيه على جماعة من تلامذتهما قواعده و مسائله، جمعوا من ذلك مسائل رتّبها المتأخّرون على ترتيب مباحثه ككتاب (أُصول آل الرسول)، و كتاب (الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة) و كتاب (الأُصول الأصيلة) كلّها بروايات الثقات مسندة متّصلة الاسناد إلى أهل البيت علیهم السلام» (2).
و فيما يلي بعض القواعد الأُصوليّة التي أسّسها الإمام علیه السلام، أو نقلها عن أجداده الطاهرين، و إليها يرجع الفقهاء عند عدم النصّ على الحكم الشرعي. و إن كانت الكثير منها قواعد فقهيّة، إلّا أنّ علماء الأُصول ذكروها استطراداً في علم الأصول، و نحن نذكرها كذلك.
و هو أحد الأصول الأربعة التي يرجع إليها الشاكّ في مقام العمل، أمّا سبب شكّه فيرجع إمّا إلى فقدان النصّ أو إجماله، أو إلى تعارض النصوص و تساقطها فيما إذا تكافأت، و لم يكن أحدهما أرجح من الآخر، و لا يجري الاستصحاب حتّى يتوفّر في المستصحب اليقين السابق و الشكّ اللّاحق.
و قد نصّ الإمام علیه السلام على حجّيّة الاستصحاب في كثير من المسائل التي سئل عنها، خصوصاً في أبواب الشكّ في الصلاة، و قد ذكرت تلك الأخبار في (وسائل الشيعة) و غيرها من الموسوعات الفقهيّة.
و تعني هذه القاعدة الحكم بوجود الشيء المشكوك بعد الدخول في غيره ممّا هو مترتّب عليه (1)، كما إذا شكّ في القراءة و قد ركع، و قد تظافرت الأخبار عن الإمام الباقر علیه السلام و ولده الإمام الصادق علیه السلام في عدم العناية بالشكّ و المضيّ في الصلاة.
و هي عبارة عن الحكم بصحّة الفعل الموجود في ظرف الشكّ في صحّته (2).
و قد استفيدت هذه القاعدة من موثّق محمّد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر علیه السلام،قال: «كُلُّ ما شَكَكْتَ فِيهِ مِمَّا قَدْ مَضى فَامْضِهِ كَمَا هُوَ» (3).
كما دلّت على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم، عنه علیه السلام، جاء فيها: «كُلَّما شَكَكْتَ
فيهِ بَعْدَ ما تَفْرَغْ مِنْ صَلاتِكَ فَامْضِ وَ لَا تَعُدْ» (1).
و على ضوء الموثّقة و الصحيحة أفتى فقهاء الإماميّة بعدم الاعتناء بالشكّ في أفعال الصلاة بعد الفراغ منها.
من القواعد المهمّة في التشريع الإسلامي قاعدة (نفي الضرر)، و مفادها نفي الحكم المؤدّي إلى الضرر - كما يرى ذلك الشيخ الأنصاري قدّس سرُّه - و يترتّب عليها كثير من الأحكام ذكرها الفقهاء.
و قد نصّ الإمام أبو جعفر علیه السلام على مدرك هذه القاعدة، فقد قال علیه السلام لزرارة: إِنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدَبٍ (2)
كان من سماسرة معاوية و أعوانه على نشر الظلم و الارهاب، استعمله زياد بن أبيه والياً على البصرة فأسرف في قتل الأبرياء، فقتل - فيما يقول المؤرّخون - ثمانية آلاف.
و في الأُمم و الملوك: 6: 632: أنّ أبا سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة و أربعين رجلاً ممّن جمع القرآن.
و قد تحدّثنا بصورة مفصّلة عن جرائمه في كتابنا (حياة الإمام الحسن بن عليّ علیهما السلام: 2: 192 - 196).
كَانَ لَهُ عَذْقٌ (3)فِي حَائِطٍ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَ كَانَ مَنْزِلُ الْأَنْصارِيِّ بِبَابِ الْبُسْتانِ، وَ كانَ سَمُرَةُ يَمُرُّ إِلى نَخْلَتِهِ وَ لَا يَسْتَأْذِنُ، فَكَلَّمَهُ الْأَنْصَارِيُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ إِذا جاءَ، فَأَبِي سَمُرَةُ، فَلَمّا تَأَبَى جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله و سلّم فَشَكَا إِلَيْهِ وَ أَخْبَرَهُ بِالْخَبَرِ.فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم إِلَيْهِ وَ أَخْبَرَهُ بِقَوْلِ الْأَنْصَارِيِّ وَ مَا شَكَا وَ قَالَ لَهُ: إِذا أَرَدْتَ
الدُّخولَ فَاسْتَأْذِنْ، فَأَبي.
فَلَمّا أَبي ساوَمَهُ حَتَّى بَلَغَ مِنَ الثَّمَنِ ما شاءَ اللهُ، فَأَبِى أَنْ يَبيعَهُ، فَقَالَ صلّی الله علیه و آله و سلّم: لَكَ بِها عَذْقٌ فِي الْجَنَّةِ، فَأَبِى أَنْ يَقْبَلَ.
فَقالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم لِلْأَنصاريِّ: اذْهَبْ فَاقْلَعْهَا، وَارْمِ بِهَا إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ وَ لَا ضِرارَ» (1).
و قد ذكر الأُصوليّون مفاد هذا الحديث، و شرحوا مفردات ألفاظه، و ما يترتّب
عليه من الأحكام.
و وردت أخبار كثيرة عن أئمّة أهل البيت علیهم السلام المتعارضة في مدلولها بين النفي و الايجاب في موضوع واحد، و من المعلوم استحالة هذا اللون من التناقض في أحاديث الأئمّة.
أمّا سبب التعارض فلا يخلو من أحد أمرين:
الأوّل: صدور أحدهما للتقيّة، فقد ابتلي الأئمّة الطاهرون بفراعنة زمانهم الذين جهدوا على ظلمهم، و التنكيل بهم و بشيعتهم، و قد أحاطوا مجالسهم بمباحثهم لحجبهم عن المسلمين، فكانت ظروفهم قاسية و حرجة، فإذا سئلوا عن مسألة، و شكّوا في أمر السائل، أو كان في المجلس من يخافون منه أفتوا بالمسألة على وفق رأي الجمهور حذراً من التنكيل.
و سنتحدّث عن هذه الجهة بالتفصيل في البحوث الآتية.
1) الكافي: 5: 292 و 293، الحدیث 2. تهذيب الأحكام: 7: 146 و 147، الحديث 651. ايضاح الكفاية 3: 439 (مخطوط للمؤلّف).
الثاني: أن يكون أحد الخبرين من الموضوعات عليهم، فإنّ وضع الحديث و افتعاله قد كثر في تلك العصور، و سنعرض لذلك عند البحث عن مشاكل عصر الإمام علیه السلام. و كانت معرفة الخبر الصحيح و تميّزه عن غيره في مجالات التعارض تهمّ المتحرّجين في دينهم من الرواة، فخفّوا إلى الإمام أبي جعفر علیه السلام و سألوه عن ذلك، فوضع علیه السلام البرامج العلاجيّة لذلك، و هي:
و نعني بها الشهرة في الرواية لا في الفتوى، فإذا كان أحد الخبرين المتعارضين مشهوراً بين الرواة فيؤخذ به، و أمّا الشاذّ النادر من الخبرين فيطرح.
يقول علیه السلام لزرارة: «يا زُرارَةُ، خُذْ بِما اشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ، وَ دَعَ الشَّاذَّ النَّادِرَ» (1).
و معنى هذا أنّ الشاذّ النادر من الخبرين يطرح و لا يؤخذ به، و يعوّل على الخبر المشهور بين الرواة.
و المقياس الثاني الذي وضعه الإمام أبو جعفر لعلاج التعارض هو عرض الخبرين المتعارضين على الكتاب و السنّة، فإن اتّفق أحدهما مع منطوق الكتاب و السنّة فيؤخذ به، و يطرح الآخر.
يقول علیه السلام لبعض أصحابه: «لَا تُصَدِّقْ عَلَيْنا إِلَّا بِما يُوافِقُ كِتابَ اللهِ وَ سُنَّةَ نَبِيِّهِ» (2).
الطريق الثالث لمعرفة الخبر الصحيح هو النظر في صفات الراوي من حيث
الوثاقة و العدالة، فتقدّم روايته على مَن لا تتوفّر فيه هذه الصفات.
يقول الإمام أبو جعفر لزرارة: «خُذْ بما يَقولُهُ أَعْدَلُهُما عِنْدَكَ وَ أَوْثَقُهُما» (1).
و دلّت هذه الرواية على أنّ عدالة الراوي و وثاقته من موجبات الترجيح لأحد الخبرين المتعارضين على الآخر.
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن القواعد الأُصوليّة التي ألقاها الإمام علیه السلام في بحوثه و محاضراته.
1) فرائد الأصول: 4: 188.
و عرض الإمام علیه السلام في محاضراته و سيرته إلى أهمّ المباحث الاقتصاديّة، و هذه بعضها:
و دعا الإمام علیه السلام إلى الجدّ و السعي في طلب المعيشة لينعم الإنسان مع عائلته بالرفاه و الرخاء، و يتجنّب الفقر و البؤس.
قال علیه السلام: «مَنْ تَسَلَّحَ لِطَلَبِ الْمَعِيشَةِ خَفَّتْ مَؤُونَتُهُ، وَ رَخا بالُهُ، وَ نَعِمَ عِيالُهُ».
و قال علیه السلام: «بِسَعَةِ الْخُلُقِ تَطيبُ الْمَعِيشَةُ» (1).
إنّ التسلّح لطلب المعيشة و الجدّ فيها ممّا يوفّر للإنسان الحياة الاقتصاديّة الحافلة بالرخاء و النعم، و هدوء البال و الاستقرار، و إنّ الحياة إنّما تطيب و تنعم إذا كانت في ظلال الرخاء لا فى ظلال البؤس و الشقاء.
و حذّر الإمام أبو جعفر علیه السلام من الكسل لأنّه موجب لشلّ الحركة الاقتصاديّة، و تجميد الطاقات الإنسانيّة، و نشر الفساد في الأرض.
يقول علیه السلام: «الْكَسَلُ يَضُرُّ بالدِّين وَ الدُّنْيا» (2).
أما إنّ الكسل يضرّ بالدين فإنّه يمنع من ذكر الله، و أداء فرائضه و واجباته،
فإنّ الكسول يتقاعس عن الإتيان بالواجبات الدينيّة، و أي ضرر أعظم من هذا الضرر؟
و أمّا إنّه يضرّ بالدنيا فإنّ الكسول دائماً يميل إلى الخمول، و يرغب أن يعيش حياة بائسة تسودها الحاجة و الفقر، و لا يدخل في ميادين العمل التي تضمن له الرخاء و السعادة.
و حذّر علیه السلام بعض أبنائه من الكسل فقال له: «إِيَّاكَ وَ الْكَسَلَ وَ الضَّجَرَ، فَإِنَّهُمْا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ، مَنْ كَسِلَ لَمْ يُؤَدِّ حَقًّاً، وَ مَنْ ضَجِرَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ» (1).
إنّ الإسلام بكلّ اعتزاز يريد انطلاق الإنسان في هذه الحياة، يريده أن يعمل و ينتج، كما يريد له أن يؤدّي حقوق الناس، و يرتبط معهم، و يؤدّي ما عليه من الواجبات، و من الطبيعي إنّ الانسان إذا أُصيب بداء الكسل فإنّه يهمل حقوق الله و حقوق الناس.
كان الإمام أبو جعفر علیه السلام يمقت تارك العمل لأنّه يؤدّي إلى ضعف الانتاج، و زيادة البطالة، و انتشار الأزمات الاقتصاديّة في البلاد.
يقول علیه السلام: «إِنِّي أَجِدُنِي أَمْقُتُ الرَّجُلَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْمَکاسِبُ، فَيَسْتَلْقِي عَلَى قَفَاهُ وَ يَقولُ: اللهُمَّ ارْزُقْني، وَ يَدَعْ أَنْ يَنتَشِرَ فِي الْأَرْضِ، وَ يَلْتَمِسَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ الذَّرَّةُ (2)تَخْرُجُ مِنْ جُحْرِها تَلْتَمِسُ رِزْقَها» (3).
و كان الإمام أبو جعفر علیه السلام يرى أنّ العمل طاعة الله، فكان علیه السلام يعمل بنفسه في إصلاح أرض له، يقول محمّد بن المنذر: «خرجت إلى بعض نواحي المدينة، فلقيني أبو جعفر محمّد بن عليّ علیه السلام، و كان بادناً ثقيلاً، و هو متّكئ على غلامين أسودين، و موليين، فقلت في نفسي: سبحان الله! شيخ من أشياخ قريش في هذه الحالة، و في هذه الساعة يخرج في طلب الدنيا! أما إنّي لأعظنّه، فدنوت منه فسلّمت عليه، و هو يتصابّ عرقاً، فقلت له: أصلحك الله، شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة يخرج لطلب الدنيا؟! أرأيت لو جاء أجلك على هذه الحالة ما كنت تصنع؟
فأجابه الإمام بمنطق الإسلام قائلاً: لَوْ جَاءَنِي الْمَوْتُ وَ أَنَا فِي طَاعَةٍ مِنْ طَاعَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَعْمَلُ فَأَكُفُّ نَفْسي وَ عِيالي عَنْكَ وَ عَنِ النَّاسِ، وَ إِنَّمَا كُنْتُ أَخَافُ لَوْ جَاءَنِي الْمَوْتُ وَ أَنا عَلَى مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ.
فخجل محمّد و لم يطق جواباً، و انبرى يقول: صدقت يرحمك الله، أردت أن أعظك فوعظتني» (1).
إنّ العمل طاعة من طاعات الله على حدّ تعبير الإمام، لأنّ به كفّ النفس، و كفّ العيال من الاحتياج إلى ما في أيدي الناس.
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض البحوث الاقتصاديّة التي خاضها الإمام علیه السلام كما ينتهي بنا الحديث عن العلوم التي عرضها في بحوثه و محاضراته.
1) الكافي: 5: 73 و 74، الحديث 1.
و تحدّث الإمام أبو جعفر علیه السلام كثيراً عن أهميّة العلم، و حثّ على طلبه لأنّه الدعامة الأُولى الذي ترتكز عليه حياة الأُمم و الشعوب، كما أشاد علیه السلام بفضل العلماء لأنّهم مصدر الوعي و التوجيه للأُمّة، و فيما يلي بعض ما أُثر عنه في ذلك.
و مجّد الإمام أبو جعفر علیه السلام العلم، و دعا إليه، و حثّ على طلبه، و أثنى على طلابه.
يقول علیه السلام: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ جُنَّةٌ، وَ طَلَبَهُ عِبادَةٌ، وَ مُذاكَرَتَهُ تَسْبيحٌ، وَ الْبَحْثَ عَنْهُ جهادٌ، وَ تَعليمَهُ صَدَقَةٌ، وَ بَذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ.
وَ الْعِلم مَنارُ الْجَنَّةِ، وَ أُنْسٌ فِي الْوَحْشَةِ، و صاحِبٌ فِي الْغُرْبَةِ، وَ رَفِيقٌ في الْخَلْوَةِ، وَ دَليلٌ عَلَى السَّرَّاءِ، وَ عَوْنٌ عَلَى الضَرّاءِ، وَ زَيْنٌ عِنْدَ الْأَخِلّاءِ، وَ سِلَاحٌ عَلَى الْأَعْداءِ، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ قَوْماً فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ أَئِمَّةً، يُقْتَدى بِفِعَالِهِمْ، وَ تُقْتَصُّ آثارُهُمْ، وَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ كُلُّ رَطْبٍ وَ يَابِسٍ، وَ حيتانُ الْبَحْرِ وَ هَوامُّهُ، وَ سِباعُ الْبَرِّ وَ أَنْعَامُهُ» (1).
لا أعرف كلمة مجّدت العلم، و قيّمت أهله، و أحاطت بثمراته و فوائده كهذه الكلمة الذهبيّة التي من حقّها أن ترسم في معاهد العلم و جامعاته.
1) التذكرة الحمدونيّة: 268.
و أشاد علیه السلام بفضل العالم، و بيّن مكانته الاجتماعيّة، و ما أعدّ الله له من مزيد الأجر، و فيما يلي بعض ما أُثر عنه:
1- قال علیه السلام: «عَالِمٌ يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ عابِدٍ» (1).
2- قال علیه السلام: «مَنْ عَلَّمَ بابَ هُدىً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهِ، وَ لَا يُنْقَصُ أُولئِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً.
وَ مَنْ عَلَّمَ بابَ ضَلالٍ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزارِ مَنْ عَمِلَ بِهِ، وَ لَا يُنْقَصُ أُوْلَئِكَ مِنْ أَوْزارِهِمْ شَيْئاً» (2).
3- قال علیه السلام: «ما مِنْ عَبْدِ يَغْدو في طَلَبِ الْعِلْمِ وَ يَروحُ إِلَّا خَاضَ الرَّحْمَةَ خَوْضاً» (3).
و حثّ الإمام علیه السلام على مجالسة العلماء و المتحرّجين في دينهم للاستفادة من هديهم و سلوكهم.
يقول علیه السلام: «لَمَجْلِسٌ أَجْلِسُهُ إِلَى مَنْ أَثَقُ بِهِ، أَوْثَقُ فِي نَفْسِي مِنْ عَمَلِ سَنَةٍ» (4).
و دعا علیه السلام إلى المذاكرة في العلوم لأنّها تفتح آفاقاً واسعة في ميادين المعرفة و العلم.
يقول علیه السلام: «تَذاكُرُ الْعِلْمِ دِرَاسَةٌ، وَ الدّراسَةُ صَلاةٌ حَسَنَةٌ» (1).
و وضع علیه السلام البرامج الرائعة لآداب المتعلّمين.
يقول علیه السلام: «إِذا جَلَسْتَ إلى عالِم فَكُنْ عَلى أَنْ تَسْمَعَ أَحْرَصَ مِنْكَ عَلَى أَنْ تَقُولَ، وَ تَعَلَّمْ حُسْنَ الْإِسْتِماعِ كَمَا تَتَعَلَّمْ حُسْنَ الْقَوْلِ، وَ لَا تَقْطَعْ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ» (2).
و دعا علیه السلام إلى بذل العلم و إشاعته بين الناس حتّى لا يبقى جاهل.
يقول علیه السلام: «زَكاةُ الْعِلْمِ أَنْ تُعَلِّمَهُ عِبادَ اللهِ» (3).
و قال علیه السلام: «إِنَّ الَّذي يُعَلِّمُ الْعِلْمَ مِنْكُمْ لَهُ أَجْرٌ مِثْلُ أَجْرِ الَّذي يُعَلِّمُهُ، وَ لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْهِ، تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ، وَ عَلِّموهُ إِخْوانَكُمْ كَما عَلَّمَكُمُ الْعُلَماءُ» (4).
و حثّ الإمام على التعلّم و السؤال من أهل العلم.
يقول علیه السلام: «الْعِلْمُ خَزائِنٌ، وَ الْمَفاتيحُ السُّؤالُ، فَاسْأَلُوا يَرْحَمُكُمُ اللهُ، فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ فِي الْعِلْمِ أَرْبَعَةٌ: السّائِلُ، وَ الْمُتَكَلَّمُ، وَ الْمُسْتَمِعُ، وَ الْمُحِبُّ لَهُمْ» (5)
و دعا علیه السلام إلى التفقّه في الدين، و معرفة الحلال و الحرام.
قال علیه السلام: «الْكَمالُ كُلُّ الْكَمالِ التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ، وَ الصَّبْرُ عَلَى النَّائِبَةِ، وَ تَقْدِيرُ المعيشة» (1).
إنّ التفقّه في الدين ممّا يحفظ توازن الإنسان و سلوكه، و يبعده عن اقتراف أي
شذوذ أو انحراف عن الدين.
و حثّ علیه السلام أهل العلم بتطبيق ما علموه على واقع حياتهم.
يقول علیه السلام: «إِذا سَمِعْتُمُ الْعِلْمَ فَاسْتَعْمِلُوهُ، وَ لْتَتَّبسِعْ قُلُوبُكُمْ، فَإِنَّ الْعِلْمَ إِذَا كَثُرَ فِي قَلْبِ رَجُلٍ لَا يَحْتَمِلُهُ قَدَرَ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ، فَإِذا خاصَمَكُمُ الشَّيْطَانُ فَأَقْبِلُوا عَلَيْهِ بِمَا تَعْرِفُونَ، فَإِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعيفاً.
فقال له ابن أبي ليلى: و ما الذي نعرفه؟
قال علیه السلام: خاصِموهُ بِما ظَهَرَ لَكُمْ مِنْ قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ» (2).
و المعرفة شرط في قبول العمل، فمن يعمل من دون معرفة الله و لا للواجب الذي يؤدّيه فلا أثر لعمله.
قال علیه السلام: «لَا يُقْبَلُ اللهُ عَمَلاً إِلَّا بِمَعْرِفَةٍ، وَ لَا مَعْرِفَةٍ إِلَّا بِعَمَلٍ، فَمَنْ عَرَفَ دَلَّتْهُ
الْمَعْرِفَةُ عَلَى الْعَمَلِ، وَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا مَعْرِفَةَ لَهُ، أَلَا إِنَّ الْإِيمَانَ بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ» (1).
و حذّر الإمام أبو جعفر علیه السلام من المباهاة و الافتخار بطلب العلم، و حثّ أهل العلم أن يجهدوا أنفسهم على التقرّب به إلى الله، و أن يلتمسوا به الدار الآخرة.
قال علیه السلام: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُباهِي بِهِ الْعُلَماءَ، أَوْ يُمَارِي بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. إِنَّ الرِّئَاسَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لأَهْلِها» (2).
إنّ هذه الدواعي الفاسدة، و الأغراض السقيمة لتحبط الأجر الجزيل الذي أعدّه الله لطالب العلم الديني الذي هو داعية الله في الأرض، و عليه إن أراد النجاح في الدنيا و السعادة في الآخرة أن يخلص في نيّته الله، و لا يبتغي غير وجهه.
و أُثرت عن الإمام أبي جعفر علیه السلام عدّة أحاديث تنهى عن الفتيا بغير علم، لأنّها مصدر لغواية الناس و ضلالهم، و هذا بعض ما أُثر عنه:
1- قال علیه السلام: «مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لَا هُدىً لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَ مَلَائِكَةُ الْعَذاب، وَ لَحِقَهُ وِزُرُ مَنْ عَمِلَ بِفَتْياهُ» (3).
2- قال علیه السلام: «ما عَلِمْتُمْ فَقُولُوا، وَ ما لَمْ تَعْلَموا فَقُولوا: اللهُ أَعْلَمُ. إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْتَزِعُ الآيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَخِرُّ فيها أَبْعَدُ ما بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ (4).
3- سأل زرارة الإمام أبا جعفر علیه السلام، فقال له: ما حقّ الله على العباد؟
قال علیه السلام: أَنْ يَقولوا ما يَعْلَمُونَ، وَ يَقِفوا عِنْدَما لَا يَعْلَمُونَ (1).
4- قال علیه السلام: «لِلْعالِم إِذا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، وَ لَيْسَ لِغَيْرِ الْعالِم أَنْ يَقولَ ذلِكَ» (2).
و تحدّث الإمام أبو جعفر علیه السلام في كثير من أحاديثه عن صفات العلماء، و هذه بعضها:
1- قال علیه السلام: «لَا يَكونُ الْعَبْدُ عَالِماً حَتَّى لَا يَكونَ حاسداً لِمَنْ فَوْقَهُ، وَ لَا مُحَقِّراً لِمَنْ دونَهُ» (3).
إنّ العالم إنّما يكون عالماً فيما إذا صفت نفسه من الحسد الذي هو من أعظم الآفات النفسيّة، فهو الذي يلقي الناس في البلاء، و يجرّ لهم الويلات و الخطوب، كما أنّ العالم لا يكون عالماً فيما إذا احتقر من دونه، فإنّه ينمّ عن عدم انتفاعه بالعلم الذي يدعو إلى تكريم الناس، و مقابلتهم بالأخلاق الرفيعة، فإنّ الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم إنّما بعث ليتمّم مكارم الأخلاق، و إذا تجرّد العالم من هذه الظاهرة فقد شذّ عن سنن الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم و أخلاقه.
2- قال علیه السلام: «إِنَّ الْفَقيه حَقَّ الْفَقِيهِ الزَّاهِدُ في الدُّنْيا، الرّاغِبُ في الآخِرَةِ، الْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله و سلّم» (4).
3- قال علیه السلام: «إذا رَأَيْتُمُ الْقارِئَ - أي العالِم - يُحِبُّ الْأغْنِيَاءَ فَهُوَ صاحِبُ دُنْيا، وَ إِذا رَأَيْتُموهُ يَلْزَمُ السُّلْطَانَ مِنْ غَيْر ضَرورَةٍ فَهُوَ لِصٌّ» (1).
إنّ حبّ العالم للأغنياء إنّما هو للطمع في أموالهم، و ما يستفيده منهم، و هذا ليس من أخلاق العلماء الذين أمروا أن يرجوا ما عند الله، و لا يرجون غيره، و أمّا ملازمة السلطان من غير حاجة، و لا ضرورة فإنّه ينمّ عن عدم واقعيّة ذلك العالم، و أنّه لصّ - على حدّ تعبير الإمام -.
و هجا محمود الورّاق العلماء الذين لازموا دوائر السلطان بقوله:
رَكبوا المَرَاكِبَ وَاغْتَدَوار*** زُمَراً إِلى بابِ الخَليفَة
وَصَلوا البُكورَ إلى الرَّواح *** لِيَبْلُغوا الرُّتَبَ الشَّرِيفَة
حتّى إذا ظَفَروا بما طَلَبوا *** منَ الحالِ اللَّطيفَة
وَ غَدا المُوالي مِنهُمْ فَرِحاً *** بِما تَحْوي الصَّحيفَة
وَ تَعَسَّفُوا مَنْ تَحتَهُمْ *** بِالظُّلم وَ السِّيرِ العَنيفَة
خانوا الخَليفَةَ عَهدَهُ *** بِتَعسُّفِ الطَّرُقِ المَخوفَة
باعُوا الأَمانَةَ بِالْخِيانَةِ *** وَ اشْتَرَوا بِالْأَمنِ جيفَة
عَقَدوا الشُّحومَ وَ أَهْزَلوا *** تِلكَ الأمانات السَّخيفَة
ضاقَتْ قُبورُ القَومِ وَاتَّ- *** -سَعَتْ قُصورُهُمُ المُنيفَة
مِنْ كُلِّ ذي أَدَبٍ وَ مَع- *** رِفَةٍ وَ آراءٍ حَصيفَة
مُتَفَقَّهٌ جَمَعَ الْحَدي- *** -ثَ إلى قِياسِ أَبي حَنيفَة
فَأَتاكَ يَصلُحُ لِلقَض- *** -ا بِلحيفَةٍ فَوقَ الوَظيفَة
لَمْ يَنْتَفِعْ بِالْعِلْمِ إِذْ *** شَغَفَتْهُ دُنْياهُ الشَّغوفَة
1) أعيان الشيعة: 1: 656.
نَسِي الإل-ه وَلاذَ في *** الدُّنْيا بِأَسْبابٍ ضَعيفَة (1)
و قال أبو العتاهية في هجائهم:
عَجَباً لأَرْبابِ العُقولِ *** وَ الحِرص في طَلَبِ الفُضولِ
سَلّابُ أَكْسِيَةِ الْأَرا *** مِلِ وَ اليَتامى وَ الْكُهولِ
وَ الجامِعينَ المُكْثِري- *** -نَ مِنَ الخِيانَةِ وَ الغُلولِ
وَ المُؤْثِرِينَ لِدارِ رِحْلَتِهِمْ *** عَلى دارِ الحُلولِ
وَضَعوا عُقولَهُمُ مِنَ الدُّ *** نْيا بِمَدْرَجَةِ السُّيولِ
وَ لَهوا بِأَطرافِ الفُر *** وعِ وَ أَغْفَلُوا عِلْمَ الأُصولِ
وَ تَتَّبعوا جَمْعَ الحُط- *** امِ وَ فارقوا أَثَرَ الرَّسولِ (2)
و بهذا ينتهي بنا الحديث عمّا أُثر عن الإمام علیه السلام في فضل العلم، و تكريم حملته، و ما ينبغي أن يتّصفوا به من معالي الأخلاق ليكونوا قدوة الأُمّة.
و حلّل الإمام أبو جعفر علیه السلام في أحاديثه حقيقة الإيمان و مراتبه، و تحدّث عن صفات المتّقين و نِعم الله عليهم، و غير ذلك. و هذا بعض ما أُثر عنه:
و حدّد الإمام علیه السلام حقيقة الإيمان بقوله: «الْإيمانُ ثابِتٌ في القُلوبِ، وَ الْيَقينُ خَطَراتٌ، فَيَمُرُّ الْيَقينُ بِالْقَلْبِ فَيَصيرُ كَأَنَّهُ زُبُرُ الْحَديدِ، وَ يَخْرُجُ مِنْهُ فَيصِيرُ كَأَنَّهُ خِرْقَةٌ بالِيَةٌ» (1).
إنّ الإيمان إذا استقرّ في أعماق القلوب و دخائل النفوس فإنّها تكون في صلابتها كزبر الحديد فتتحمّل الأهوال، و تخوض الشدائد في سبيل ما تذهب إليه، و قد كان ذلك الإيمان الراسخ هو السمت البارز في سيرة الأنبياء و العظماء و المصلحين الذين قدّموا أرواحهم قرابين لمبادئهم و آرائهم.
و إذا خرج اليقين من القلب فإنّه يكون خرقة بالية قد فقد إرادته و اختياره، و صار خالياً من الشعور و الإحساس.
و تحدّث الإمام علیه السلام عن مراتب الإيمان بقوله: «إِنَّ الْمُؤْمِنينَ عَلى مَنازِلَ، مِنْهُمْ عَلى وَاحِدَةٍ، وَ مِنْهُمْ عَلَى اثْنَتَيْنِ، وَ مِنْهُمْ عَلى ثَلاثٍ، وَ مِنْهُمْ عَلَى أَرْبَعٍ، وَ مِنْهُمْ عَلَى خَمْسٍ، وَ مِنْهُمْ عَلَى سِتٍّ، وَ مِنْهُمْ عَلَى سَبْعٍ.
1) حلية الأولياء: 3: 180.
فَلَوْ ذَهَبْتَ تَحْمِلُ عَلى صاحِبِ الْواحِدَةِ ثِنْتَيْن لَمْ يَقْوَ، وَ عَلَى صاحِبِ الثِّنْتَيْنِ ثَلاثاً لَمْ يَقْوَ، وَ عَلى صاحِبِ الثَّلاثِ أَرْبَعاً لَمْ يَقْوَ، وَ عَلى صاحِبِ الْأَرْبَعِ خَمْساً لَمْ يَقْوَ، وَ عَلَى صاحِبِ الْخَمْسِ سِتّاً لَمْ يَقْوَ، وَ عَلى صاحِبِ السِّتِّ سَبْعاً لَمْ يَقْوَ، وَ عَلى هذِهِ الدَّرَجاتِ» (1).
إنّ مراتب اليقين و المعرفة بالله متفاوتة أشدّ ما يكون التفاوت، فقد أحاط الله تعالى بعض أنبيائه علماً بأسرار الكون و حقائق الوجود، و ما يحدث في هذه الدنيا من الأحداث بما لم يحط به غيرهم من الأنبياء لأنّهم لا يقوون على حملها.
و من هذا القبيل كان الإمام أمير المؤمنين علیه السلام الذي هو باب مدينة علم النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، و مستودع أسراره و حكمه قد أحاط بعض حواريه، كميثم التمّار، علماً بما سيجري عليه من الخطوب و الكوارث من بني أُميّة، و أطلعه على كثير من الأسرار، و على ما سيجري في آخر الزمان في حين أنّه لم يخبر بذلك عبد الله بن عبّاس، و هو حبر الأُمّة لعلمه علیه السلام بعدم قدرته على تحمّلها.
و على مقدار الإيمان كانت محن الأنبياء و المصلحين من قِبل طواغيت زمانهم متفاوتة، و كان أشدّهم إيذاءً و أعظمهم محنة النبيّ محمّد صلّی الله علیه و آله و سلّم، فقد أُوذي من قِبل طواغيت قريش و جهّالها بما لم يؤذه أي نبيّ من أنبياء الله.
و أُوذي صلّی الله علیه و آله و سلّم من بعد وفاته بعترته، فقد عانت من الظلم و التنكيل ما يقصم الأصلاب و يذهل الألباب، فلم تراع حرمته صلّی الله علیه و آله و سلّم في عترته، فلم يمض على وفاته إلّا خمسون عاماً، و إذا برؤوس أبنائه على الحراب، و بناته سبايا من بلد إلى بلد، فأيّ محنة و أي بلاء أعظم من هذه المحنة و هذا البلاء؟
1) أُصول الكافي: 2: 45، باب درجات الإيمان، الحديث 3.
و تحدّث علیه السلام في جملة من أحاديثه عن معالي صفات المتّقين، و هذا بعض ما أُثر عنه:
1- قال علیه السلام : «أَهْلُ التَّقْوى أَيْسَرُ أَهْلِ الدُّنْيا مَؤُوَنَةٌ، وَ أَكْثَرُهُمْ مَعونَةٌ، إِنْ نَسِيْتَ ذَكَّرُوكَ، وَ إِنْ ذَكَرْتَ أعانوكَ، قَوّالِينَ بِحَقِّ اللهِ، قَوَّامِينَ بِأَمْرِ الله» (1).
و هذه صفات الأفذاذ الذين هم قوّة الإنسانيّة، و مثلها الأعلى، و قادتها إلى سبل الرشاد.
2- قال علیه السلام: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ إِذا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي إِثْمِ وَ لَا بَاطِلٍ، وَ إِذَا سَخِطَ لَمْ يُخْرِجْهُ سَخَطُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ، وَ الْمُؤْمِنُ إِذا قَدَرَ لَمْ تُخْرِجْهُ قُدْرَتُهُ إِلَى التَّعَدِّي إِلَى ما لَيْسَ بِحَقٍّ» (2).
إنّ من أميز صفات المؤمن بربّه أن يكون متماسكاً في شخصيّته، و متميّزاً في سلوكه، و رائده الحقّ في جميع حالاته و شؤونه.
3- قال علیه السلام : «الْغَنِى وَ الْعِزُّ يَجولانِ في قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا وَصَلا إِلَى مَكانٍ فِيهِ التَّوَكُّلُ اسْتَوْطَناه» (3).
و نظم هذه الحكمة الرائعة اليافعي بقوله:
يَجول الغِنى وَ الْعِزُّ في قَلْبِ مُؤْمِن *** فَإِنْ أَلْفَيا جَوفَ الْقُلوبِ تَوَكُّلا
أَقاما فَأَمْسَى الْعَبْدُ بِاللَّهِ ذاعِناً *** عَزيزاً وَ إِنْ لَمْ يَلْقَياهُ تَرَحَّلا (4)
4- و تحدّث علیه السلام عن الفرق بين الإيمان و الإسلام، فقال: «الْإِيْمَانُ ما كانَ في الْقَلْبِ، وَ الْإِسْلامُ ما عَلَيْهِ التَّناكُحُ وَ التَّوارُثُ، وَ حُقِنَتْ بِهِ الدِّماء، و الإيمانُ يَشْرَكُ الْإِسْلامَ، وَ الْإِسْلامُ لَا يَشْرَكُ الْإيمانَ» (1).
إنّ الإيمان يقيم في ضمائر المتّقين و المنيبين إلى الله تعالى، به یخشونه و يخافون عقابه، فلا يتركون واجباً، و لا يقترفون إثماً، أمّا الإسلام فهو التلفّظ بكلمة التوحيد، و إذا نفذ إلى أعماق القلب صار للمسلم مؤمناً، و إلّا فلا.
و إلى هذا تشير الآية الكريمة: «قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ» (2).
و صرّح علیه السلام بكلام آخر عن الفرق بينهما يقول علیه السلام: «الْإِيْمَانُ إقرارٌ وَ عَمَلٌ، وَ الْإِسْلامُ إِقْرارٌ بِلا عَمَلٍ» (3).
6- و منح الله المؤمنين المزيد من ألطافه و فضله، و قد تحدّث الإمام علیه السلام عن العطاء الذي أفاضه عليهم بقوله: «إِنَّ اللهَ أَعْطَى الْمُؤْمِنَ ثَلَاثَ خِصَالٍ: الْعِزَّ فِي الدُّنْيا في دينِهِ، وَ الْفَلَجَ فِي الْآخِرَةِ، وَ الْمَهَابَةَ فِي صُدورِ العالَمينَ» (4).
هذه بعض أحاديثه عن حقيقة الإيمان و واقعه.
و كان الإمام أبو جعفر علیه السلام و سائر أئمّة أهل البيت علیهم السلام حريصين كلّ الحرص على أن تكون شيعتهم مقتدين بهديهم، و متميّزين في سلوكهم، و متورّعين في
مكاسبهم، و متحرّجين في أُمور دينهم أشدّ ما يكون التحرّج ليكونوا قدوة لبقيّة المسلمين بما يحملونه من طاقات إسلاميّة مشرقة، تضيء الطريق، و تهدي الحائر، و تدلّل على واقع أهل البيت علیهم السلام.
و قد أُثر عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال لبعض شيعته: «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذا وَرعَ في دينِهِ، وَ صِدْقِ الْحَديثِ، وَ أَدّى الْأَمانَةَ، وَ حَسَّنَ خُلُقَهُ مَعَ النَّاسِ، قيلَ هذا جَعْفَرِيٌّ، وَ يَسُرُني ذلِكَ، وَ يَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرورُ، و قيلَ: هذا أَدَبُ جَعْفَرٍ، وَ إِذا كَانَ عَلَى غَيْرِ ذلِكَ دَخَلَ عَلَيَّ بَلاؤُهُ وَ عَارُهُ، وَ قِيلَ: هذا أَدَبُ جَعْفَرٍ ...» (1).
و رأى الإمام موسى بن جعفر علیهما السلام بعض شيعته قد شذّ في سلوكه، و ارتكب ما حرّم الله، فوجّه إليه هذه النصيحة الرائعة قائلاً له: إِنَّ الْحَسَنَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ حَسَنٌ وَ مِنْكَ أَحْسَنُ، وَ الْقَبيحَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ قَبيحٌ وَ مِنْكَ أَقْبَحُ، نَظَراً لاتِّصالِكَ بِنا أَهْلَ الْبَيْتِ (2).
أما الإمام أبو جعفر علیه السلام فقد اهتمّ أشدّ ما يكون الاهتمام في تربية الشيعة و تهذيبهم، و قد وجّه لهم النصائح الرفيعة، و التعاليم الكريمة التي يجب أن يسيروا عليها و يقتدوا بها، و هذا بعض ما أُثر عنه:
إنّ من الواجب على مَن انتحل مبدأ أهل البيت علیه السلام أن يأخذ بهذه الوصيّة الخالدة، و يعمل بما تضمّنته من بنود مشرقة ليكون مثالاً للإنسانيّة، و أُنموذجاً يقتدى به، و هذا نصّ وصيّته:
يا مَعْشَرَ شِيعَتنا، اسْمَعوا وَ افْهَموا وصايانا، وَ عَهْدَنا إلى أَوْلِيَائِنا،
اصْدُقوا في حَديثِكُمْ، وَ بِرُّوا فِي أَيْمَانِكُمْ لأَوْلِيائِكُمْ وَ أَعْدائِكُمْ، وَ تَواسَوا بأَمْوالِكُمْ، وَ تَحابّوا بِقُلوبِكُمْ، وَ تَصَدَّقوا عَلَى فُقَرائِكُمْ، وَ اجْتَمِعوا عَلَى أَمْرِكُمْ، وَ لَا تُدْخِلُوا غِشّاً وَ لَا خِيانَةً عَلى أَحَدٍ، وَ لَا تَشُكّوا بَعْدَ الْيَقِينِ، وَ لَا تَوَلَّوا بَعْدَ الْإِقْدامِ جُبْناً، وَ لَا يُوَلَّ أَحَدُكُمْ أَهْلَ مَوَدَّتِهِ قَفاهُ، وَ لَا تَكونَنَّ شَهْوَتُكُمْ فِي مَوَدَّةِ غَيْرِكُمْ، وَ لَا مَوَدَّتُكُمْ فِي سِواكُمْ، وَ لَا عَمَلُكُمْ لِغَيْرِ رَبِّكُمْ، وَ لَا إِيمَانُكُمْ وَ قَصْدُكُمْ لِغَيْرِ نَبِيِّكُمْ، وَ اسْتَعينوا بِاللهِ، وَ اصْبِرُوا، فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (1).
و أضاف علیه السلام قائلاً:
إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ وَ أَوْلِيَاءَ رَسولِهِ مِنْ شِيعَتِنا مَنْ إِذا قَالَ صَدَقَ، وَ إِذا وَعَدَ وَفى، وَ إِذا ائْتُمِنَ أَدّى، وَ إِذا حُمِّلَ احْتَمَلَ فِي الْحَقِّ، وَ إِذا سُئِلَ الْواجِبَ أَعْطى، وَ إِذا أُمِرَ بِالْحَقِّ فَعَلَ.
شِيعَتُنا مَنْ لَا يَعْدو عِلْمُهُ سَمْعَهُ، شَيعَتُنا مَنْ لَا يَمْدَحُ لَنا مُعِيباً، وَ لَا يُواصِلُ لَنا مُبْغِضاً، وَ لَا يُجالِسُ لَنا خَائِناً، إِنْ لَقِيَ مُؤْمِناً أَكْرَمَهُ، وَ إِنْ لَقِيَ جَاهِلاً هَجَرَهُ.
شِيعَتُنا مَنْ لَا يَهِرُّ هَرِيرَ الْكَلْبِ، وَ لَا يَطْمَعُ طَمَعَ الْغُرَابِ، وَ لَا يَسْأَلُ أَحَداً إِلَّا مِنْ إِخْوَانِهِ وَ إِنْ ماتَ جَوْعاً.
1) إشارة إلى الآية الكريمة: «اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» الأعراف 7: 128.
شِيعَتُنا مَنْ قالَ بِقَوْلِنَا، وَ فارَقَ أَحِبَّتَهُ فِينَا، وَ أَدْنَى الْبُعَداءَ فِي حُبِّنا، وَ أَبْعَدَ الْقُرَباءَ فِي بُغْضِنا.
و بهر بعض الجالسين من وصف الامام علیه السلام لشيعته وراح يقول له: أين يوجد مثل هؤلاء؟
فأجابه الإمام: في أَطْرافِ الْأَرْضِينَ، أَوْلِئكَ الْخَفِيضُ عَيْشُهُمْ، القريرَةُ أَعْيُنَهُمْ، إِنْ شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفوا، وَ إِنْ غابوا لَمْ يُفْتَقَدوا ، وَإِنْ مَرِضوا لَمْ يُعادوا، وَ إِنْ خَطَبوا لَمْ يُزَوَّجوا، وَ إِنْ وَرَدوا طريقاً تَنَكَّبوا، وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالوا سَلاماً، وَ يَبيتونَ لِرَبِّهِمْ سُجَدّاً وَ قِياماً (1).
وراح بعض الجالسين يندّد بالشيعة ممّن عاصروا الإمام قائلاً: يابن رسول الله، و كيف بالمتشيّعين بألسنتهم و قلوبهم على خلاف ذلك؟
و انبرى الإمام فأجابه: التَّمْحيصُ يَأْتي عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ تُفْنِيهِمْ، وَ ضغائِنَ تُبيدُهُمْ، وَ اخْتِلافٍ يَقْتُلُهُمْ، أَما وَ الَّذِي نَصَرَنا بِأَيْدي مَلائِكَتِهِ، لَا يَقْتُلُهُمْ اللهُ إِلَّا بِأَيْدِيهِمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالإقْرَارُ إِذا حَدَّثْتُمْ، وَ تَرْكِ الْخُصومَةِ فَإِنَّها تُقصيكُمْ.
وَ إِيَّاكُمْ أَنْ يَبْعَثَكُمْ قَبْلَ وَقْتِ الْأَجَل فَتُطَلُّ دِماؤُكُمْ، وَ تَذْهَبُ أَنْفُسُكُمْ، وَ يَذُمُّكُمْ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكُمْ، وَ تَصيروا عِبْرَةً لِلنَّاظِرِينَ، وَ إِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ
1) إشارة إلى الآية الكريمة: «وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا» الفرقان 25: 63 و 64.
فِعْلاً مَنْ فَارَقَ أَهْلَ الدُّنْيا مِنْ والِدٍ وَ وَلِيٍّ وَ ناصِحٍ، وَ كَافِي إِخْوانَهُ فِي اللَّهِ، وَ إِنْ كَانَ حَبَشِيّاً أَوْ زَنْجِيَّاً، وَ إِنْ كَانَ لَا يُبْعَثُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْوَدٌ، بَلْ يَرْجِعونَ كَالْبَرَدِ قَدْ غُسِلُوا بِمَاءِ الْجِنانِ، وَ أَصابوا النَّعيمَ المُقيمَ، وَ جالَسوا الْمَلائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ، وَ رافَقُوا الْأَنْبِيَاءَ الْمُرْسَلِينَ، وَ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عَبْدٍ شُرِّدَ وَ طُرِدَ فِي اللَّهِ حَتَّىٰ يَلْقَى اللَّهَ، عَلَى ذلِكَ شِيعَتُنا الْمُنْذِرُونَ فِي الْأَرْضِ سُرُجٌ وَ عَلاماتٌ، وَ نورٌ لِمَنْ طَلَبَ ما طَلَبوا، وَ قادَةٌ لأَهْلِ طَاعَةِ اللهِ، شُهَداءُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ مِمَّنِ ادَّعى دَعْواهُمْ، سَكَنٌ لِمَنْ أَتَاهُمْ، لُطَفاءُ بِمَنْ والاهُمْ، سُمَحاءُ، أَعْفّاءُ، رُحَمَاءُ، فَذلِكَ صِفَتُهُمْ في التَّوراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.
إِنَّ الرَّجُلَ الْعَالِمَ مِنْ شِيعَتِنا إِذا حَفِظَ لِسَانَهُ، وَ طابَ نَفْساً بِطَاعَةِ أَوْلِيائِهِ، وَ أَظْهَرَ الْمُكايَدَةَ لِعَدُوِّهِ بِقَلْبِهِ، وَ يَغدو حينَ يَغْدُو وَ هُوَ عَارِفٌ بِعُيوبِهِمْ، وَ لَا يُبْدِي مَا فِي نَفْسِهِ لَهُمْ، يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ إِلى أَعْمَالِهِمُ الرَّدِيَّةَ، وَ يَسْمَعُ بِإِذْنِهِ مَساوِئَهُمْ، وَ يَدْعو بِلِسَانِهِ عَلَيْهِمْ، مُبْغِضوهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ، وَ مُحِبّوهُمْ أَعْداؤُهُ».
و انطلق رجل من الحاضرين فقال للإمام: بأبي أنت و أُمّي، ما ثواب من وصفت إذا كان يمشي آمناً، و يصبح آمناً، و يبيت محفوظاً، فما منزلته و ثوابه؟
فقال علیه السلام: تُؤمَرُ السَّماءُ بِإِظْلالِهِ، وَ الْأَرْضُ بِإِكْرَامِهِ، وَ النُّورُ بِبُرْهانِهِ.
فقيل للإمام علیه السلام: فما صفته في الدنيا؟
قال علیه السلام: إِنْ سُئِلَ أَعْطى، وَ إِنْ دُعِيَ أَجابَ، وَ إِنْ طَلَبَ أَدْرَكَ، وَ إِنْ نَصَرَ
مَظْلُوماً أَعَزَّ» (1).
لا أكاد أعرف وصيّة أُثرت عن أئمّة المتّقين مثل هذه الوصيّة الحافلة بالتعاليم الرفيعة التي تسمو بالإنسان، و ترفعه إلى أرقى ما يصل إليه الأبرار و المتّقون، ففيها الدعوة إلى التحلّي بالأخلاق الكريمة، و التجنّب عن مساوئ الأخلاق، و التخلّي عن النزعات السيّئة، و لو سار المسلمون على ضوئها لكانوا سادة الأُمم، و قادة الشعوب.
إنّ هذه الوصيّة من كنوز الإسلام، و هي تحمل جوهره و واقعه، و ما ينشده من خير و رحمة و هدى إلى الناس، فمن واجب كلّ مسلم أن يجعلها منهاجاً يسير عليها في حياته.
و أشاد الإمام أبو جعفر علیه السلام بالشيعة الأوائل، و بيّن معالي أخلاقهم، و ما اتّصفوا به من الصفات الرفيعة و الخيّرة.
فقال علیه السلام: أَوْلياؤُنا وَ شِيعَتُنا فيما مَضى خَيْرُ مَنْ كانوا فيهِ، إِنْ كانَ إِمامُ مَسْجِدٍ فِي الْحَيِّ كانَ مِنْهُمْ، وَ إن كانَ مُؤَذِّنٌ فِي الْقَبِيلَةِ كَانَ مِنْهُمْ، وَ إِنْ كانَ صاحِبُ وَديعَةٍ كانَ مِنْهُمْ، وَ إِنْ كانَ صاحِبُ أَمانَةٍ كانَ مِنْهُمْ، وَ إِنْ كانَ عالِمٌ في النَّاسِ يَقْصُدونَهُ لِدينهِمْ وَ مَصالِح أُمورِهِمْ كانَ مِنْهُمْ» (2).
و ألمّت هذه الوصيّة بما اتّصف به الشيعة الأوائل من النسك و الورع و التقوى
و الحريجة في الدين، حتّى نالوا ثقة الناس، فائتمّوا بهم في صلاتهم، و ائتمنوهم على أموالهم و دينهم، و قد عرفوا بهذا السمت من الورع و الصلاح، و ذاع عنهم ذلك.
و من طريف ما ينقل أنّ شيعيّاً مثل شاهداً أمام القضاء ، فردّ القاضي عليه شهادته لأنّه من الرافضة، فأغرق في البكاء، فبهر القاضي و توهّم أنّ بكاءه لردّ شهادته، و سأله عن ذلك، فأجابه بما مضمونه: إنّك حدت عن الحقّ فنسبتني إلى طائفة لا ينتسب إليها إلّا الأنبياء و المتّقون.
و أدلى علیه السلام في كثير من أحاديثه عن الصفات الرفيعة التي ينبغي أن يتحلّى بها من انتحل مذهب أهل البيت علیهم السلام. و هذا بعض ما أُثر عنه:
1- قال علیه السلام: «ما شِيعَتُنا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وَ أَطَاعَهُ، وَ ما كانوا يُعْرَفونَ إِلَّا بِالتَّواضُع، وَ التَّخَشُّع، وَ أَداءِ الْأَمَانَة، وَ كَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، وَ الصَّوْمِ، وَ الصَّلاةِ، وَ الْبِرِّ بِالْوالِدَيْنِ، وَ تَعَهُّدِ الْجِيرانِ مِنَ الْفُقَراءِ، وَ ذَوي الْمَسْكَنَةِ، وَ الْغارِمِينَ، وَ الْأَيْتامِ، وَ صِدْقِ الْحَديثِ، وَ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَ كَفِّ الْأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَ كانوا أُمَناءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ» (1).
و لا يتحلّى بهذه الصفات إلّا الأبرار و المتّقون الذين يخشون الله و يخافون عقابه.
2- قال علیه السلام: «إِنَّما شِيعَةُ عَلِيٍّ علیه السلام الْمُتَبَاذِلُونَ فِي وَلَايَتِنا، الْمُتَحابّونَ في مَوَدَّتِنا، الْمُتَزاوِرونَ لإِحْياءِ أَمْرِنا، الَّذِينَ إِذا غَضِبوا لَمْ يَظْلِموا،
1) تحف العقول: 295.
وَ إِذا رَضُوا لَمْ یُسْرِفوا، بَرَكَةٌ عَلى مَنْ جاوَرَهُمْ، وَ سِلْمٌ لِمَنْ خالطوا» (1).
و من توفّرت فيهم هذه الصفات من الشيعة فإنّهم يكونون بركة و رحمة لمن جاورهم، و أمناً و سلماً لمن خالطهم، إذ لا تصدر منهم بادرة من بوادر الظلم سوى الخير العميم إلى الناس.
3- و تحدّث علیه السلام مع أبي المقدام عن شيعة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، و ما اتّصفوا به من معالى الأخلاق.
قال علیه السلام: «يا أَبا الْمِقْدامِ، إِنَّما شِيعَةُ عَلِيِّ الشَّاحِبونَ، النَّاحِلُونَ، الذّابِلونَ، ذابِلَةٌ شِفاهُهُمْ، خَميصَةٌ بُطُونُهُمْ، مُتَغَيَّرَةٌ أَلْوانُهُمْ، مُصْفَرَّةٌ وُجوهُهُمْ، إِذا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ اتَّخَذوا الْأَرْضَ فِراشاً، وَ اسْتَقْبَلُوا الْأَرْضَ بِجِباهِهِمْ، كَثيرٌ سُجودُهُمْ، كَثيرَةٌ دُموعُهُمْ، كَثيرٌ دُعاؤُهُمْ، كَثيرٌ بُكاؤُهُمْ، يَفْرَحُ النَّاسُ وَ هُمْ يَحْزَنونَ» (2).
و هذه صفات عبّاد الشيعة و نسّاكهم أمثال عمّار بن ياسر، و أبي ذرّ و حجر بن عدي، و ميثم التمّار، و نظرائهم من هداة هذه الأُمّة و قادتها.
و زوّد الإمام أبو جعفر علیه السلام الشيعة بكثير من نصائحه الرفيعة، و تعاليمه القيّمة، و من بينها:
1- روى جابر بن يزيد الجعفي، قال: «كنّا جماعة فدخلنا على أبي جعفر علیه السلام
بعد ما قضينا مناسكنا فودّعناه، و قلنا له: أوصنا بشيء يابن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم.
فوجّه علیه السلام لهم هذه النصيحة القيّمة.
قال علیه السلام: «لِيُعِنْ قَوِيُّكُمْ ضَعيفَكُمْ، وَ لِيَعْطِفْ غَنِيُّكُمْ عَلى فَقيرِكُمْ، وَ لِيَنْصَح الرَّجُلُ أَخاهُ كَنَصِيحَتِهِ لِنَفْسِهِ، وَ اكْتُموا أَسْرارَنا، وَ لَا تَحْمِلُوا النَّاسَ عَلَى أَعْنَاقِنَا، وَ انْظُرُوا أَمْرَنا وَ ما جَاءَكُمْ عَنّا، فَإِنْ وَجَدْتموهُ لِلْقُرْآنِ مُوافِقاً فَخُذُوا بِهِ، وَ إِنْ لَمْ تَجِدُوهُ مُوافِقاً فَرُدُّوهُ، وَ إِنِ اشْتَبَهَ عَلَيْكُمُ الْأَمْرُ فَقِفوا عِنْدَهُ، وَ رُدُّوهُ إِلَيْنَا حَتَّى نَشْرَحَ لَكُمْ مِنْ ذلِكَ ما شُرِحَ لَنَا» (1).
لقد أوصاهم بمعالي الأخلاق، و دلّهم على ما يصلحهم في دنياهم و آخرتهم، كما أوصاهم بعرض ما أُثر عن الأئمّة من الأخبار على كتاب الله، فما وافقه فيأخذون به، و ما شذّ عنه فيطرحونه، و إنّما عهد لهم بذلك لأنّ كثيراً من الأخبار قد افتعلت عليهم، فقد وضعها من لا حريجة له في الدين لتشويه واقع أهل البيت علیهم السلام و تشويه أحكامهم.
2- قال علیه السلام: «عَلَيْكُمْ بِالْوَرَعَ وَ الْإِجْتِهادِ، وَ صِدْقِ الْحَديثِ، وَ أَداءِ الْأَمَانَةِ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكُمْ، بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِراً، فَلَوْ أَنَّ قاتِلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ائْتَمَنَني عَلَى أَمَانَةٍ لأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ» (2).
و هل هناك أسمى و أرفع من هذه النصائح القيّمة التي تنشد خير الإنسان و توازنه في سلوكه مع الناس.
3- و أوفد علیه السلام بعض أصحابه إلى جماعة من شيعته، و أمره أن يبلّغهم بما يلي:
قال علیه السلام: «بَلِّغْ شِيْعَتَنَا السَّلَامَ، وَ أَوْصِهِمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَ بِأَنْ يَعُودَ غَنِیُّهُمْ عَلى فَقِيرِهِمْ، وَ يَعُودَ صَحِيحُهُمْ عَلِيْلَهُمْ، وَ يَحْضُرَ حَیُّهُمْ جَنازَةَ مَيِّتِهِمْ، وَ يَتَلَاقَوا فِي بُيُوتِهِمْ فَإِنَّ لِقاءَ بَعْضِهِمْ بَعْضاً حَيَاةٌ لِأَمْرِنا. رَحِمَ اللهُ امْرِءاً أَحْيا أَمْرَنَا وَ عَمِلَ بِأَحْسَنِهِ. وَ قُلْ لَهُمْ: إِنَّا لَنْ نُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِلَّا بِعَمَلٍ صَالِحٍ، وَ لَنْ يَنالُوا وَ لَا يَتَنا إِلَّا بِالْوَرَعِ وَ الْإِجْتِهَادِ، وَ إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمَنْ وَصَفَ عَمَلاً ثُمَّ خالَفَهُ إِلى غَيْرِهِ» (1).
لقد أوصاهم بالخير بجميع رحابه و مفاهيمه، و أمرهم بالتماسك و التضامن، و ما يصون جماعتهم من الاختلاف و الفرقة.
4- قال علیه السلام: «رَحِمَ اللهُ عَبْداً حَبَّبَنا إِلَى النَّاسِ، وَ لَمْ يُبَغِّضْنا إِلَيْهِمْ، أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ يَرْوُونَ عَنّا ما نَقولُ وَ لَا يُحَرِّفونَهُ، وَ لَا يُبَدِّلونَهُ عَلَيْنا بِرَأْيِهِمْ ما اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، وَلكِنَّ أَحَدَهُمْ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُنيطُ إِلَيْها عَشْراً، وَ يَتَأَوَّلُها عَلى ما يَراهُ، فَرَحِمَ اللهُ عَبْداً سَمِعَ مِنْ مَكْنونِ سِرِّنا فَدَفَنَهُ فِي قَلْبِهِ، وَ اللَّهِ لَا يَجْعَلُ اللهُ مَنْ عادانا وَ مَنْ تَوَلّانا في دارٍ واحِدَةٍ» (2).
و حذّر علیه السلام بهذا الحديث من تحريف أخبارهم و تبديلها، لأنّها تعود بالأضرار البالغة على أهل البيت علیهم السلام، فإنّ فيها تشويهاً لسيرتهم و واقعهم.
حبّ أهل البيت عليهم السلام
و تحدّث الإمام أبو جعفر علیهم السلام في جملة من أحاديثه مع جماعة من شيعته عن
حبّ أهل البيت علیهم السلام، و ما يترتّب عليه من مزيد الأجر عند الله تعالى، و فيما يلي ذلك:
1- وفد عليه جماعة من شيعته من خراسان، فنظر علیه السلام إلى رجل منهم و قد تشقّقت رجلاه، فقال علیه السلام له: ما هذا؟
فقال: بعد المسافة يابن رسول الله، و الله ما جاءني من حيث جئت إلّا محبّتكم أهل البيت.
فقال علیه السلام: أَبْشِرْ فَأَنْتَ وَ اللَّهِ مَعَنا تُحْشَرُ.
و طار الخراساني فرحاً وراح يقول: معكم يابن رسول الله؟
قال علیه السلام: نَعَمْ، ما أَحَبَّنا عَبْدٌ إِلَّا حَشَرَهُ اللهُ مَعَنا، وَ هَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُبُّ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقولُ فِي كِتَابِهِ: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» (1). (2).
2- وفد زياد الأسود على الإمام أبي جعفر علیه السلام و قد قصده من مسافة طويلة، و مكان بعيد، و قد جهد في طريقه من كثرة السير حتّى تشقّقت رجلاه.
فقال له الإمام أبو جعفر: ما هذا يا زيادُ؟
فقال زياد: يا مولاي، أقبلت على بكر لي (3)ضعيف، فمشيت عامّة الطريق، و ذلك أنّه لم يكن عندي ما أشتري به مسنّاً، و إنّما ضممت شيئاً إلى شيء حتّى اشتريت هذا البكر.
ورقّ الإمام أبو جعفر علیه السلام على حاله، و جرت دموع عينيه، و قال له زياد: جعلني
الله فداك، إنّي و الله كثير الذنوب، مسرف على نفسي، حتّى ربّما قلت: قد هلكت، ثمّ اذكر ولايتي إيّاكم و حبّي لكم أهل البيت فأرجو بذلك المغفرة.
فأقبل عليه الإمام بوجهه و قال له بعطف و حنان: سُبْحانَ اللهِ! وَ هَلِ الدِّيْنُ إِلَّا الْحُبُّ. إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقولُ فِي كِتَابِهِ: «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ» (1).
وَ قالَ: «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» (2).
وَ قالَ: «يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ» (3).
إِنَّ أَعْرابِيّاً أَتَى النَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله و سلّم فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبّ الْمُصَلِّينَ وَ لَا أَصَلِّي، وَ أحِبُّ الصَّائِمينَ وَ لَا أَصومُ، يَعْني لَا أَصَلِّي وَ لَا أَصومُ التَّطَوُّعَ - أي المندوب -.
فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ.
ما الَّذِي تَبْعَونَ؟ أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ وَقَعَ أَمْرٌ يَفْزَعُ النَّاسُ لَهُ مَا فَزِعْتُمْ إِلَّا إِلَيْنَا، وَ لَا فَزِعْنَا إِلَّا إِلَى نَبِيِّنَا، إِنَّكُمْ مَعَنا فَأَبْشِرُوا ثُمَّ أَبْشِرُوا وَ اللَّهِ مَا يُساوِيكُمُ اللَّهُ وَ غَيْرَكُمْ، لَا وَ اللهِ وَ لَا كَرامَةَ» (4).
3- قال علیه السلام: «إِنَّ الْجَنَّةَ لَتَشْتاقُ وَ يَشْتَدُّ ضَوْءُها لِمُحِبّى آلِ مُحَمَّدٍ صلّی الله علیه و آله و سلّم
وَ شِيعَتِهِمْ، وَ لَوْ أَنَّ عَبْداً عَبَدَ اللَّهَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَ الْمَقامِ حَتَّى تَتَقَطَّعَ أَوْصالُهُ وَ هُوَ لَا يَدينُ بِحُبِّنا وَ وَلايَتِنا أَهْلَ الْبَيْتِ مَا قُبِلَ مِنْهُ» (1).
4- قال علیه السلام لجماعة من شيعته: «إِنَّما يَغْتَبِطُ أَحَدُكُمْ إِذا بَلَغَتْ نَفْسُهُ هَاهُنا - و أومأ بيده إلى حلقه - يَنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقول لَهُ: أَمّا ما كُنْتَ تَرْجُوهُ فَقَدْ أُعْطِيتَهُ، وَ أَمّا ما كُنْتَ تَخافُهُ فَقَدْ أَمِنْتَ مِنْهُ، وَ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلى مَنْزِلِهِ مِنَ الْجَنَّةِ فَيَقولُ لَهُ: انْظُرْ إِلى مَسْكَنِكَ مِنَ الْجَنَّةِ، فَهذا رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم وَ عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ علیهم السلام هُمْ رُفَقاؤُكَ، وَ هُوَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ: «الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ» (2). (3).
و تواترت الأخبار عن النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم و عن الأئمّة الطاهرين بهذا المضمون، و قد ذكرتها مصادر الحديث و الأخبار.
و حدّث أبو بصير، قال: «قلت لأبي جعفر: جعلت فداك ، اسم سمّينا به استحلّت به الولاة دماءنا و أموالنا و عذابنا.
قال: ما هُوَ؟
قال علیه السلام - بعد حديث له -: إنَّ ذلِكَ إِسْمٌ قَدْ نَحَلَكُمُوهُ اللهُ» (4).
لقد أصبح هذا الاسم علماً للشيعة الذين هم دعاة الاصلاح الاجتماعي في الأرض، و قد أخذ يعيبهم به من لا خلاق له.
إنّ الشيعة لتعتزّ بهذا الاسم، و تفخر به، فقد أصبح لهم و ساماً لحبّهم و إخلاصهم لآل البيت علیهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً، و قد فخر به الإمام الشافعي بقوله:
إِنْ كانَ رَفْضاً حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ *** فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ إِنِّي رافِضي
و كان الإمام أبو جعفر علیه السلام يخلص لشيعته أعظم ما يكون الإخلاص، و كان يدعو لهم بهذا الدعاء:
یا دانٍ غَيْرَ مُتَوانٍ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ، اجْعَلْ لِشِيعَتِي مِنَ النَّارِ وِقاءً لَهُمْ، وَ لَهُمْ عِنْدَكَ رِضاً، وَ اغْفِرْ ذُنوبَهُمْ، وَ يَسِّرْ أُمورَهُمْ، وَ اقْضِ دُيونَهُمْ، وَ اسْتُرْ عَوْرَاتِهِمْ، وَ هَبْ لَهُمُ الْكَبَائِرَ الَّتي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ، يَا مَنْ لَا يَخافُ الضَّيْمَ، وَ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لَا نَوْمٌ، اجْعَلْ لي مِنْ كُلِّ غَمٍّ فَرَجاً وَ مَخْرَجاً» (1).
و كان علیه السلام يدعو لشيعته بهذا الدعاء: اللّهُمَّ إِنْ كانَ لى رِضْوانٌ وَ وُدٌّ فَاغْفِرْ لي وَ لِمَنْ تَبِعَنِي مِنْ إِخْوانِي وَ شِيعَتِي، وَ طَيِّبْ مَا فِي صُلْبي، بِرَحْمَتِكَ يا ارْحَمَ الرّاحِمِينَ (2).
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن الإمام أبي جعفر علیه السلام مع شيعته.
و تحدّث الإمام أبو جعفر علیه السلام كثيراً عن حكم الأنبياء و سننهم، و قد نقل عنه المختصّون بهذه البحوث الشيء الكثير، و فيما يلي بعضها:
و عرض الإمام علیه السلام لأصحابه ما أوحى الله به لآدم علیه السلام من الحكم و معالي الأخلاق.
قال علیه السلام: «أَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَآدَمَ: إِنِّي أَجْمَعُ لَكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي أَرْبَع كَلِمَاتٍ: واحِدَةٌ مِنْهُنَّ لِي، وَ واحِدَةٌ لَكَ، وَ واحِدَةٌ فيما بَيْنِي وَ بَيْنَكَ، وَ واحِدَةٌ فيما بَيْنَكَ وَ بَيْنَ النَّاسِ.
فَأَمَّا الَّتي لي فَتَعْبُدُنِي وَ لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً، وَ أَمّا الَّتِي لَكَ فَأُجازيكَ بِعَمَلِكَ فِي وَقْتٍ أَحْوَجَ ما تَكونُ إِلَيْهِ، وَ أَمَّا الَّتِي بَيْنِي وَ بَيْنَكَ فَعَلَيْكَ الدُّعاءُ وَ عَلَيَّ الْإِجابَةُ، وَ أَمَّا الَّتي بَيْنَكَ وَ بَيْنَ النَّاسِ فَتَرضى لِلنَّاسِ ما تَرْضَى لِنَفْسِكَ» (1).
و حكى علیه السلام لأصحابه حكمة رائعة لنبيّ الله سليمان بن داود علیه السلام.
قال علیه السلام: «قالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدٍ: أُوْتِينَا مَا أُوتِيَ النَّاسُ وَ ما لَمْ يُؤْتوا،
1) أمالي الصدوق: 706، الحديث 969.
وَ عُلِّمْنا ما عُلِّمَ النَّاسُ وَ ما لَمْ يَعْلَموا، فَلَمْ نَجِدْ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ في الْغَيْبِ وَ الْمَشْهَدِ، وَ الْقَصْدِ فِى الْغِنى وَ الْفَقْرِ، وَ كَلِمَةِ الْحَقِّ فِى الرّضا وَ الْغَضَبِ، وَ التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كُلِّ حالٍ» (1).
و هذه الحكمة تجمع خصال الخير، ففيها الدعوة إلى خشية الله و الخوف منه، و الحثّ على الاقتصاد، و عدم التبذير و الإسراف في الأموال، كما فيها الدعوة إلى قول الحقّ، و إيثاره على كلّ شيء، و الالتجاء إلى الله تعالى الذي بيده مصير العباد.
و نقل علیه السلام لأصحابه حكمة مكتوبة في التوراة.
قال علیه السلام: «إِنَّ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتوباً: يا مُوسَىٰ، إِنِّي خَلَقْتُكَ وَ اصْطَفَيْتُكَ وَ قَوَّيْتُكَ وَ أَمَرْتُكَ بِطَاعَتِي، وَ نَهَيْتُكَ عَنْ مَعْصِيَتِي، فَإِنْ أَطَعْتَني أَعَنْتُكَ عَلَى طَاعَتِي، وَ إِنْ عَصَيْتَنِي لَمْ أَعِنْكَ عَلَىٰ مَعْصِيَتِي.
يا مُوسى، وَ لِيَ الْمِنَّةُ عَلَيْكَ في طَاعَتِكَ لي، وَ لِيَ الْحُجَّةُ عَلَيْكَ في مَعْصِيَتِكَ لِي» (2).
روى محمّد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر علیه السلام أنّه قال: «إِنَّ نُوحاً إِنَّما سُمِّيَ عَبْداً شَكُوراً لأَنَّهُ كَانَ يَقولُ إِذا أَمْسَى وَ أَصْبَحَ: اللهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ
ما أَمْسَى وَ أَصْبَحَ بي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ عَافِيَةٍ، في دينٍ أَوْ دُنْيَا، فَمِنْكَ وَحْدَكَ لا شَريكَ لَكَ، لَكَ الْحَمْدُ وَ الشُّكْرُ بِها عَلَيَّ حَتَّىٰ تَرْضى» (1).
سأل سدير الإمام أبا جعفر علیه السلام عن دعاء نوح علیه السلام على قومه، فقال له: أرأيت نوحاً حين دعا على قومه فقال: «رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا» (2)إِنَّه كان عالماً بهم؟
فأجابه علیه السلام: أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ (3)، فَعِنْدَ ذلِكَ دَعا عَلَيْهِمْ بِهَذَا الدُّعاءِ (4).
و نقل الإمام أبو جعفر علیه السلام لأصحابه أنّ نبيّ الله إسماعيل علیه السلام هو أوّل من فتق لسانه باللغة العربيّة.
قال علیه السلام: «أَوَّلُ مَنْ فَتَقَ لِسانَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ المُبينَةِ إِسْمَاعِيلُ، وَ هُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنينَ» (5).
و حكى الإمام لأصحابه مناجاة الله تعالى مع نبيّه موسى علیه السلام.
قال علیه السلام: «في التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ: فيما ناجَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ مُوسَى بْنَ عِمْرانَ علیه السلام: يَا مُوسَى، خِفْني في سِرِّ أَمْرِكَ أَحْفَظْكَ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَتِكَ، وَ اذْكُرْني في خَلَواتِكَ، وَ عِنْدَ سُرورِ لَذّاتِكَ أَذْكُرْكَ عِنْدَ غَفْلَاتِكَ، وَ أَمْلِكْ غَضَبَكَ عَمّنْ مَلَّكْتُكَ عَلَيْهِ أَكُفُّ عَنْكَ غَضَبِي، وَ اكْتُمْ مَكْنُونَ سِرّي فِي سَرِيرَتِكَ، وَ أَظْهِرْ فِي عَلانِيَتِكَ الْمُداراةَ عَنِّي لِعَدُوّي وَ عَدُوِّكَ مِنْ خَلْقِي، وَ لَا تَسْتَسِبَّ لِي عِنْدَهُمْ بِإِظْهَارِكَ مَكْنُونَ سِرِّي فَتَشْرَكَ عَدُوَّكَ وَ عَدُوّي فِي سَبّي» (1).
روى عليّ بن أسباط، قال: «قلت لأبي جعفر: إنّ الناس يزعمون أنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم لم يكتب و لم يقرأ؟
فأنكر علیه السلام ذلك و قال: أَنَّى يَكونُ ذلِكَ؟! وَ قَدْ قالَ اللهُ تَعَالَى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ» (2)، كَيْفَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ لَيْسَ يُحْسِنُ أَنْ يَقْرَأْ وَ يَكْتُبَ؟
و انبرى عليّ بن أسباط فقال للإمام: لِمَ سمّي النبيّ الأُمّيّ؟
فأجابه الإمام: لأَنَّهُ نُسِبَ إِلى مَكَّةَ، وَ ذلِكَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ: «وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا» (1)، فَاُمّ الْقُرى مَكَّةُ، فَقِيلَ: أُمِّيٌّ» (2).
نوح علیه السلام و إبليس
و حكى الإمام أبو جعفر علیه السلام محاورة جرت بين نبيّ الله نوح علیه السلام حينما دعا على قومه و بين إبليس، و هي:
إِبْلِيسُ: يَا نُوحُ، إِنَّ لَكَ عِنْدِي يَداً أُرِيدُ أَنْ أُكَافِئَكَ عَلَيْهَا.
نُوحُ: وَ اللَّهِ إِنِّي لَبَعْيضٌ إِلَيَّ أَنْ تَكُونَ لِي عَلَيْكَ يَدٌ فَمَا هِيَ؟
إبْليسُ: بَلَى دَعَوْتَ اللهَ عَلَى قَوْمِكَ فَأَغْرَقْتَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ فَأَغْويهِ، فَأَنا مُسْتَريحٌ حَتَّى يَنْشَأَ قَرْنٌ أَخَرٌ فَأَغْويَهُمْ.
نُوحُ: ما الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تُكَافِتَني بِهِ؟
إِبْلِيسُ: اذْكُرْنِي فِي ثَلَاثَةِ مَواطِنِ فَإِنِّي أَقْرَبُ مَا أَكونُ إِلَى الْعَبْدِ إِذا كانَ في إِحْدَاهُنَّ: اذْكُرْنِي إِذا غَضِبْتَ، وَ اذْكُرْنِي إِذَا حَكَمْتَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَ اذْكُرْني مَعَ امْرَأَةٍ خالِياً لَيْسَ مَعَكُما أَحَدٌ (3).
و حقّاً إنّ إبليس إنّما يغزو الإنسان في هذه المواطن الثلاثة، فهي التي تجرّه إلى
اقتراف الإثم و العصيان، أعاذنا الله من شروره.
و روى الإمام أبو جعفر علیه السلام لأبي بصير موت نبي الله سليمان علیه السلام، فقال:
أَمَرَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ علیهما السلام الْجِنَّ فَصَنَعوا له ف قُبَّةً مِنْ قَواريرٍ، فَبَيْنَما هُوَ مُتَكِيٌّ عَلَى عَصَاهُ فِي الْقُبَّةِ يَنْظُرُ إِلَى الْجِنِّ كَيْفَ يَعْمَلُونَ، وَ هُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ إِذْ حانَتْ مِنْهُ الْتِفاتَةٌ، فَإِذا رَجُلٌ مَعَهُ فِي الْقُبَّةِ، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟
قالَ: أَنَا الَّذى لَا أَقْبَلُ الرُّشا، وَ لَا أَهابُ الْمُلوكَ، أَنا مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَبَضَهُ وَ هُوَ قائِمٌ مُتَّكِيٌّ عَلى عَصَاهُ فِى الْقُبَّةِ، وَ الْجِنُّ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَمَكَثوا سَنَةً يَدْأَبُونَ لَهُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الأَرْضَةَ فَأَكَلَتْ مِنْسَأَتَهُ وَ هِيَ الْعَصا، «فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ» (1). (2).
و روى الإمام أبو جعفر علیه السلام قصّة التقاء يعقوب بيوسف علیهما السلام.
قال علیه السلام: «إِنَّ يَعْقُوبَ قَالَ لِوَلَدِهِ: تَحْمِلُوا إِلى يُوسُفَ مِنْ يَوْمِكُمْ هذا بِأَهْلِيكُمْ أَجْمَعِينَ، فَساروا إِلَيْهِ وَ يَعْقُوبُ مَعَهُمْ، وَ خالَةٌ يُوسُفَ أُمُّ يامين، فَحَثّوا السَّيْرَ فَرَحاً وَ سِرُوراً تِسْعَةَ أَيَّامٍ إِلَى مِصْرَ.
فَلَمّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ فى دارِ الْمَلِكِ اعْتَنَقَ أَبَاهُ وَ قَبَّلَهُ، وَ بَكَى وَ رَفَعَهُ وَ رَفَعَ خالَتَهُ عَلَى سَرِيرِ الْمَلِكِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَ اكْتَحَلَ وَ ادَّهَنَ، وَ لَبِسَ ثِيابَ الْعِزَّ وَ الْمُلْكِ.
فَلَمّا رَأَوْهُ سَجَدُوا جَميعاً إِعْظاماً لَهُ وَ شُكْراً لِلَّهِ عِنْدَ ذَاكَ وَ لَمْ يَكُنْ يُوسُفُ في تِلْكَ الْعِشْرِينَ سَنَةً يَدَّهِنُ، وَ لَا يَكْتَحِلُ، وَ لَا يَتَطَيَّبُ حَتَّى جَمَعَ الله بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَبِيهِ وَ إِخْوَتِهِ» (1).
و سأل محمّد بن مسلم الإمام أبا جعفر علیه السلام عن مدى حياة يعقوب علیه السلام بمصر.
فقال علیه السلام: عاشَ يَعْقُوبُ مَعَ يُوسُفَ بِمِصْرَ حَوْلَيْنِ.
فقال له محمّد بن مسلم: فمن كان الحجّة الله في الأرض يعقوب أم يوسف؟
قال علیه السلام: كانَ يَعْقُوبُ الْحُجَّةَ، وَ كانَ الْمُلْكُ لِيُوسُفَ، فَلَمّا ماتَ يَعْقُوبُ حَمَلَهُ يُوسُفُ في تابوتٍ إِلى أَرْضِ الشَّامِ فَدَفَنَهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَكانَ
يُوسُفُ بَعْدَ يَعْقوبَ الْحُجَّةَ.
قال محمّد: و كان يوسف رسولاً نبيّاً؟
قال علیه السلام: نَعَمْ أَما تَسْمَعُ قَوْلَهُ عَزَّ وَ جَلَّ: «وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ» (2). (3).
و روى الإمام أبو جعفر علیه السلام الشيء الكثير من شؤون السيرة النبويّة، و قد أخذ عنه المدوّنون لها، و فيما يلي بعض ما رووه عنه.
و روى الطبري بسنده عن الإمام أبي جعفر علیه السلام، قال: «لَمّا أَجْمَعَ رَسولُ
اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم السَّيْرَ إِلى هَوازِنَ لِيَلْقاهُمْ ذُكِرَ لَهُ أَنَّ عِنْدَ صَفْوانَ بْن أُمَيَّةَ أَدْراعاً و سِلاحاً، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ - وَ هُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ - أَعِرْنا سِلاحَكَ هذا نَلْقَ فِيهِ عَدُوَّنا غَداً.
فَقالَ لَهُ صَفْوانُ: أَغَصْباً يا مُحَمَّدٌ؟
قالَ: بَلْ عارِيَةً مَضْمُونَةٌ، حَتَّىٰ نُؤَدِّيَهَا إِلَيْكَ.
قالَ: لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ، فَأَعْطَاهُ مائَةَ دِرْع بِمَا يُصْلِحُها مِنَ السِّلاحِ، وَ زَعَمُوا أَنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم سَأَلَهُ أَنْ يَكْفِيَهُ حَمْلَها فَفَعَلَ.
قال الإمام أبو جعفر: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْعارِيَةَ مَضْمُونَةٌ» (1).
و قد ألمع الإمام إلى أنّ هذه الحادثة قد استفيد منها القاعدة الفقهيّة، و هو أنّ العارية مضمونة مع التفريط، فمن استعار شيئاً فقد ضمنه حتّى يؤديه إلى صاحبه.
1) تاريخ الأُمم و الملوك: 2: 346.
و روی ابن هشام بسنده عن الإمام أبي جعفر علیه السلام:
إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلى بَني جَذيمَةَ حِينَ فَتَحَ مَكَّةَ داعِياً إِلَى اللَّهِ، وَ لَمْ يَبْعَثْهُ مُقاتِلاً إِلَّا أَنَّ خَالِداً غارَ عَلَيْهِمْ، فَأَوْجَسوا مِنْهُ خِيفَةً، فَبادروا إِلى أَسْلِحَتِهِمْ فَحَمَلوها.
فَلَمّا رَأَى خَالِدُ ذلِكَ قَالَ لَهُمْ: ضَعوا السِّلاحَ، فَإِنَّ النّاسَ قَدْ أَسْلَموا، وَ وَثِقوا بِقَوْلِهِ، فَوَضَعوا سِلاحَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُ غَدَرَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِتَكْتِيفِهِمْ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى السَّيْفِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ.
وَ لَمّا انْتَهَى خَبَرُهُمْ إِلَى النَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله و سلّم بَلَغَ بِهِ الْحُزْنُ أَقْصاهُ وَ رَفَعَ يَدَيْهِ بِالدُّعاءِ وَ قالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ.
وَ دَعا النَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله و سلّم الْإِمَامَ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ إِلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ، فَانْظُرْ فِي أَمْرِهِمْ، وَ اجْعَلْ أَمْرَ الْجاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْكَ.
وَ خَرَجَ عَلِيٌّ حَتَّى جَاءَهُمْ وَ مَعَهُ مالٌ، فَوَدّى لَهُمُ الدَّماءَ، وَ ما أُصِيبَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْوالِ، حَتَّى أَنَّهُ لَيَدِي مَيْلَغَةَ الْكَلْبِ (1)حَتَّىٰ إِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَ لَا مَالٍ إِلَّا وَدّاهُ، وَ بَقِيَتْ مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنَ الْمَالِ، فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ: هَلْ بَقِيَ لَكُمْ بَقِيَّةٌ مِنْ دَمٍ أَوْ مالٍ لَمْ يُؤَدَّ لَكُمْ؟
قالوا: لا.
1) الميلغة: الإناء يلغ فيه الكلب أو يسقى فيه.
قالَ: فَإِنّي أعْطيكُمْ هَذِهِ الْبَقِيَّةَ مِنْ هذَا الْمَالِ احْتِياطاً لِرَسولِ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم مِمَّا يَعْلَمُ وَ لَا تَعْلَمُونَ، فَأَعْطاهُمْ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَسولِ اللَّهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ.
فقال صلّی الله علیه و آله و سلّم: أَصَبْتَ وَ أَحْسَنْتَ، وَ قامَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ شَاهِراً يَدَيْهِ، حَتَّى كانَ يُرى ما تَحْتَ مَنْكِبَيْهِ، وَ هُوَ يَقولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَ كَرَّرَ ذلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ (1).
هذه بعض رواياته عن السيرة النبويّة، أمّا ذكر جميع ما روي عنه فإنّه يستدعي الاطالة، و قد آثرنا الايجاز في أمثال هذه البحوث.
1) السيرة النبويّة / ابن هشام: 2: 429 و 430.
تحدّث الإمام أبو جعفر عليه السلام في كثير من أحاديثه عن سيرة جدّه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام رائد الحقّ و العدالة فى الأرض، و كان من بين ما رواه هذه البادرة.
روى زرارة بن أعين، عن أبيه، عن الإمام أبي جعفر عليه السلام، قال: كانَ عَلىٌّ عليه السلام إذا صَلَّى الْفَجْرَ لَمْ يَزَلْ مُعَقِّباً إِلى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذا طَلَعَتِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْفُقَراءُ وَ الْمَسَاكِينُ وَ غَيْرُهُمْ مِنَ النَّاسِ فَيُعَلِّمُهُمْ الْفِقْهَ وَ الْقُرْآنَ، وَ كانَ لَهُ وَقْتٌ يَقومُ فِيهِ مِنْ مَجْلِسِهِ ذلِكَ.
فَقامَ يَوْماً فَمَرَّ بِرَجُلٍ فَرَمَاهُ بِكَلِمَةِ هَجْرٍ - و لم يسمّ أبو جعفر عليه السلام ذلك الرجل - فَرَجَعَ الْإِمَامُ وَ صَعَدَ الْمِنْبَرَ، وَ أَمَرَ فَنُودِيَ الصَّلاةُ جَامِعَة، فَلَمّا حَضَرَ النَّاسُ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنى عَلَيْهِ، وَ صَلَّى عَلى نَبِيِّهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّها النَّاسُ، إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَى اللهِ، وَ لَا أَعَمُّ نَفْعاً مِنْ حِلْمٍ إِمَامٍ وَ فِقْهِهِ، وَ لَا شَيْءٌ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ، وَ لَا أَعَمُّ ضَرَراً مِنْ جَهْلِ إِمَامٍ وَ خَرْقِهِ، أَلَا وَ إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ واعِظٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، أَلَا وَ إِنَّهُ مَنْ أَنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا عِزّاً، أَلَا وَ إِنَّ الذُّلَّ في طاعَةِ اللَّهِ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ مِنَ التَّعَزُّزِ في مَعْصِيَتِهِ.
ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ الْمُتَكَلِّمُ آنِفاً؟ فَلَمْ يَسْتَطِعِ الْإِنْكَارَ، فَقَالَ: هَا أَنَذا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَوْ أَشَاءُ لَقُلْتُ.
فَقالَ: إِنْ تَعْفُ وَ تَصْفَحْ فَأَنْتَ أَهْلٌ لِذلِكَ.
فَقالَ: قَدْ عَفَوْتُ وَ صَفَحْتُ» (1).
و ليس في تاريخ الإنسانيّة على الاطلاق مثل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في عدله و رحمته، و صفحه عمّن أساء إليه.
لقد كان المؤسّس الأوّل بعد النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم لمكارم الأخلاق و نكران الذات، و قد ساس الناس أيّام خلافته سياسة قوامها العدل الخالص و الحقّ المحض، فآثر طاعة الله على كلّ شيء.
و تواترت الأخبار عن الإمام أمير المؤمنين بقتل ولده الإمام الحسين عليه السلام، و من بين تلك الأخبار ما رواه الإمام أبو جعفر عليه السلام.
قال عليه السلام: خَطَبَ عَلِيٌّ عليه السلام في الْكُوفَةِ، فَلَمّا قالَ: سَلوني قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ فِئَةٍ تُضِلُّ مائَةً، وَ تَهْدي مائَةً، إِلَّا أَنْبَأَتُكُمْ بِناعِقِها وَ سَائِقِهَا، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فِي رَأْسِي وَ لِحْيَتِي مِنْ طَاقَةِ شَعَرٍ.
فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَ اللَّهِ لَقَدْ حَدَّثَنِى خَليلي - يعني رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم - أَنَّ عَلَى كُلِّ طاقَةِ شَعَر مِنْ رَأْسِكَ مَلَكاً يَلْعَنُكَ، وَ إِنَّ عَلَى كُلِّ طَاقَةِ شَعَرِ مِنْ لِحْيَتِكَ شَيْطاناً يُغْوِيكَ، وَ أَنَّ فِي بَيْتِكَ سَخَلاً يَقْتُلُ ابْنَ رَسُولِ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم، وَ كَانَ ابْنُهُ
1) شرح نهج البلاغة: 4: 109 و 110.
قاتِلُ الْحُسَيْنِ يَوْمَئِذٍ طِفْلاً يَحْبو، وَ هُوَ سِنانُ بْنُ أَنَسِ النَّخْعِيُّ (1).
و تحقّق ما أخبر به الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فلم تمض حفنة من السنين و إذا بالخبيث الدنس سنان بن أنس صار من القتلة المجرمين لريحانة رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم و سبطه.
وسأل إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة الإمام أبا جعفر عن صفة جدّه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
فقال عليه السلام: رَجُلٌ آدَمُ شَدِيدُ الْأَدْمَةِ، ثَقِيلُ الْعَيْنَيْنِ، عَظِيمُهُما، ذَو بَطْنٍ أَصْلَعُ هُوَ إِلَى الْقِصَرِ أَقْرَبُ» (2).
و روى الإمام أبو جعفر عليه السلام الكثير من أحداث صفّين، و قد نقلها عنه نصر بن مزاحم، و الطبري و ابن أبي الحديد، و غيرهم من المؤرّخين، و فيما يلي بعضها:
و زحف معاوية بجنوده إلى صفّين قبل أن يقدم إليها جيش الإمام، و قد أجمع رأيه على احتلال الفرات، فأحاطه بقوى مكثّفة لمنع أصحاب الإمام من الاستستقاء منه، و لمّا قدمت جيوش الإمام رأوا الفرات قد احتلّته قوّات معاوية، و هي تمنعهم
أشد المنع من الدنوّ منه، وقد روى الإمام أبو جعفر عليه السلام الكيفيّة احتلاله من قِبل جيش الإمام عليه السلام.
قال عليه السلام: وَ نادى الْأَشْعَثُ عَمْرَو بْنُ الْعاصِ، فَقالَ: وَيْحَكَ يابْنَ الْعاصِ! خَلَّ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْمَاءِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَتَأْخُذَنَا وَ إِيَّاكُمُ السُّيوفُ.
فَقَالَ عَمْرو: وَ اللَّهِ لَا نُخَلّي عَنْهُ حَتَّى تَأْخُذَنا السُّيوفُ وَ إِيَّاكُمْ، فَيَعْلَمَ رَبُّنا أَیّنا أَصْبَرُ الْيَوْمَ.
فَتَرَجَّلَ الْأَشْعَثُ وَ الْأَشْتَرُ وَ ذَوو الْبَصَائِرِ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ عليه السلام، وَ تَرَجَّلَ مَعَهُما إِثْنا عَشَرَ أَلْفاً، فَحَمِلُوا عَلَى عَمْرُو وَ أَبِي الْأَعْوَرِ وَ مَنْ مَعَهُما مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَأَزالوهُمْ عَنِ الْماءِ، حَتَّى غَمَسَتْ خَيْلُ عَلِيٍّ سَنابِكَها في الْماءِ» (1).
و من الجدير بالذكر أنّ جيش الإمام لمّا احتلّ الفرات أرادوا أن يقابلوا أهل الشام بالمثل فيمنعونهم عنه، كما صنعوا ذلك معهم، إلّا أنّ الإمام لم يسمح لهم بذلك، و عاملهم معاملة المحسن الكريم، فخلّى بينهم و بين الماء.
و روى الإمام أبو جعفر عليه السلام حديثاً دار بين معاوية و عمرو بن العاص.
قال عليه السلام: طَلَبَ مُعاوِيَةُ إِلى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنْ يُسَوِّيَ صُفوفَ أَهْلِ الشَّامِ، فَقَالَ لَهُ عَمْروٌ: عَلى أَنَّ لي حُكْمِي إِنْ قَتَلَ اللهُ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ،
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد: 3: 324.
286
وَ اسْتَوْسَقَتْ لَكَ الْبِلادُ.
قالَ: أَلَيْسَ حُكْمُكَ فِي مِصْرَ؟
قالَ: وَ هَلْ مِصْرُ تَكونُ عِوَضاً عَنِ الْجَنَّةِ، وَ قَتْلُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ ثَمَناً لِعَذابِ النّارِ الَّذى لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسونَ؟
فَقالَ مُعاوِيَةُ: إِنَّ لَكَ حُكْمَكَ أَبا عَبْدِ اللَّهِ إِنْ قُتِلَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ، رُوَيْداً لَا يَسْمَعُ النَّاسُ كَلامَكَ.
فَقالَ لَهُمْ - أي لأهل الشام - عَمْرُو: يا مَعْشَرَ أَهْلِ الشَّامِ، سَوُّوا صُفوفَكُمْ، وَ أَعيروا رَبَّكُمْ جَمَاجِمَكُمْ، وَ اسْتَعينوا بِاللهِ إِلهِكُمْ، وَ جَاهِدُوا عَدُوَّ اللهِ وَ عَدُوَّكُمْ، وَ اقْتُلُوهُمْ قَتَلَهُمُ اللهُ وَ أَبادَهُمْ «وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (1).
و بهذا الخداع و التضليل استطاع معاوية أن يناجز الإمام أمير المؤمنين علیه السلام الرائد الحكمة و الحقّ في الأرض.
و روى الإمام أبو جعفر علیه السلام الخطبة لجدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام خطبها بصفّين، و قد تحدّث فيها عن سموّ أخلاق النبيّ العظيم صلّی الله علیه و آله و سلّم، و مدى الخسارة العظمى التي منیت بها الإنسانيّة بفقده صلّی الله علیه و آله و سلّم، كما ذكر فيها مكانته و منزلته عند النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، ثمّ دعا فيها إلى جهاد عدوّه معاوية بن أبي سفيان، و هذا نصّها:
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ الْفَاضِلَةِ عَلى جَميعِ مَنْ خَلَقَ مِنَ الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ،
1) الأعراف 7: 128.
وَ عَلَى حُجَجِهِ الْبَالِغَةِ عَلَى خَلْقِهِ، مَنْ أَطَاعَهُ فِيهِمْ وَ مَنْ عَصَاهُ، إِنْ رَحِمَ فَبِفَضْلِهِ وَ مَنِّهِ، وَ إِنْ عَذَّبَ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ، وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
أَحْمَدُهُ عَلَى حُسْنِ الْبَلاءِ، وَ تَظاهُرِ النَّعْمَاءِ، وَ أَسْتَعِينُهُ على ما نابَنا مِنْ أَمْرِ دُنْيا أَوْ آخِرَةٍ، وَ أُؤْمِنُ بِهِ، وَ أَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَ كَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً.
وَ أَشْهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ، ارْتَضاهُ لِذلِكَ، وَ كانَ أَهْلَهُ، وَ اصْطَفَاهُ عَلَى جَميعِ الْعِبادِ لتبليغ رِسالَتِهِ، وَ جَعَلَهُ رَحْمَةً مِنْهُ عَلَى خَلْقِهِ، فَكانَ كَعِلْمِهِ فَيهِ رَؤُوفاً رَحِيماً، أَكْرَمُ خَلْقِ اللَّهِ حَسَباً، وَ أَجْمَلُهُ مَنْظراً، وَ أَسْخَاهُ نَفْساً، وَ أَبَرُّهُ بِوَالِدٍ، وَ أَوْصَلُهُ لِرَحِمٍ، وَ أَفْضَلُهُ عِلْماً، وَ أَثْقَلُهُ حِلْماً، وَ أَوْفاهُ بِعَهْدٍ، وَ آمَنُهُ عَلَى عَقْدٍ، لَمْ يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ وَ لَا كَافِرٌ بِمَظْلِمَةٍ قَطُّ، بَلْ كانَ يُظْلَمُ فَيَغْفِرُ، وَ يَقْدِرُ فَيَصْفَحُ وَ يَعْفُو.
حَتَّى مَضى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مُطيعاً لِلَّهِ، صابراً عَلى ما أَصابَهُ، مُجاهِداً في اللَّهِ حَقِّ جِهادِهِ، حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ صلّی الله علیه و آله و سلّم، فَكَانَ ذَهابُهُ أَعْظَمَ الْمُصيبَةِ عَلَى جَميعِ أَهْلِ الْأَرْضِ الْبَرِّ وَ الْفاجِرِ، ثُمَّ تَرَكَ كِتابَ اللهِ فِيكُمْ يَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَ يَنْهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم عَهْداً فَلَسْتُ أَحِيدُ عَنْهُ، وَ قَدْ حَضَرْتُمْ عَدُوَّكُمْ، وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَنْ رَئيسُهُمْ مُنافِقُ ابْنُ مُنافِقٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى النَّارِ، وَ ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ مَعَكُمْ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ يَدْعوكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَ إِلى طَاعَةِ رَبِّكُمْ، وَ يَعْمَلُ بِسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ صلّی الله علیه و آله و سلّم، فَلا سَواءَ
مَنْ صَلَّى قَبْلَ كُلِّ ذَكَرٍ، لَمْ يَسْبِقْني بِصَلَاتِي مَعَ رَسولِ اللهِ أَحَدٌ، وَ أَنَا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَ مُعَاوِيَةٌ طَلِيقٌ ابْنُ طَلِيقٍ، وَ اللَّهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى حَقٍّ، وَ إِنَّهُمْ لَعَلى باطِلٍ، فَلَا يَكونَنَّ الْقَوْمُ عَلى باطِلِهِمُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَ تَفَرَّقُونَ عَنْ حَقَّكُمْ، حَتَّى يَغْلِبَ باطِلُهُمْ حَقَّكُمْ «قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ» (1)، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا يُعَذِّبْهُمْ بِأَيْدِي غَيْرِكُمْ.
فَأَجَابَهُ أَصْحَابُهُ قائِلِينَ: يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ، انْهَضْ بِنَا إِلَى عَدُوِّنَا وَ عَدُوِّكَ إِذا شِئْتَ، فَوَ اللَّهِ ما نُريدُ بِكَ بَدَلاً نَموتُ مَعَكَ، وَ نَحْيا مَعَكَ.
فَقالَ لَهُمْ عَلِيٌّ: وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَنَظَرَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم أَضْرِبُ قُدّامَهُ بِسَيْفي فَقالَ: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقارِ، وَ لَا فَتى إِلَّا عَلِيٌّ.
وَ قالَ: يا عَلِيُّ، أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدى، وَ مَوْتُكَ وَ حَياتُكَ يا عَلِيُّ مَعي.
وَ اللهِ ما كَذِبْتُ وَ لَا كُذِّبْتُ، وَ لَا ضَلَلْتُ وَ لَا ضُلَّ بِي، وَ ما نَسيْتُ ما عُهِدَ إِلَيَّ، وَ إِنِّي لَعَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَ إِنِّي لَعَلَى الطَّريقِ الْواضِح، أَلْفُظُهُ لَفْظاً (2).
و كان من أعظم أيّام صفّين و أشدّها محنة يوم الهرير، و هو اليوم الأعظم - كما
يسمّيه المؤرّخون - فقد استعرت فيه نار الحرب و اشتدّ أوارها، حتّى خيّم الفزع و الموت على الناس.
و قد تحدّث عنه الإمام أبو جعفر علیه السلام قال: لَمّا كانَ الْيَوْمُ الْأَعْظَمُ قَالَ أَصْحابُ مُعاوِيَةَ: وَ اللَّهِ لَا تَبْرَحُ الْيَوْمَ الْعَرْصَةَ حَتَّى نَموتَ أَوْ يُفْتَحُ لَنا.
وَ قالَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ علیه السلام: لَا نَبْرَحُ الْيَوْمَ الْعَرْصَةَ حَتَّى نَموتَ أَوْ يُفْتَحُ لَنا.
فَبَادَرُوا الْقِتالَ غُدْوَةً فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الشَّعْرِى (1)، طَوِيلٌ، شَدِيدُ الْحَرِّ، فَتَرامَوا حَتَّى فَنِيَتِ النّبالُ، وَ تَطَاعَنوا حَتَّىٰ تَقَصَّفَتِ الرِّماحُ.
ثُمَّ نَزَلَ الْقَوْمُ عَنْ خُيولِهِمْ، وَ مَشَى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ بِالسُّيوفِ، حَتَّىٰ كُسِّرَتْ جُفونُها، وَ قامَ الْفُرْسانُ في الرُّكَبِ، ثُمَّ اضْطَرَبوا بِالسُّيوفِ، وَ بِعَمَدِ الْحَدِيدِ، فَلَمْ يَسْمَعِ السَّامِعونَ إِلَّا تَغَمْغُمَ الْقَوْمِ، وَ صَليلَ الْحَديدِ في الْهام، وَ تَكادُمَ الْأَفْوَاهِ، وَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ، وَ ثَارَ الْقَتامُ، وَ ضَلَّتِ الأَلْوِيَةُ وَ الرّاياتُ، وَ مَرَّتْ مَواقِيتُ أَرْبَع صَلَواتٍ مَا يُسْجَدُ فيهِنَّ لِلَّهِ إِلَّا تَكْبيراً، وَ نَادَتِ الْمَشْيَخَةُ فِي تِلْكَ الْغَمَرَاتِ: يا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، اللهَ اللَّهَ فِي الْحُرُماتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَناتِ.
و لمّا انتهى أبو جعفر علیه السلام إلى هذه الكلمات بكى (2)، فقد طافت به تلك الذكريات
الحزينة التي تذيب من هولها القلوب، فقد مثلت أمامه محنة أمير المؤمنين علیه السلام حينما ابتلي بتلك الزمرة الخائنة التي عملت على محو الإسلام، و إزالة مكاسبه، و إعادة الحياة الجاهليّة في الأرض.
إنّ من أبشع مهازل التاريخ البشري هي مكيدة ابن العاص في رفع المصاحف، و قد وصفها (راوحوست میلر) بأنّها من أشنع المهازل و أسوئها في التاريخ البشري (1).
فقد أشرف جيش الإمام على الفتح، و تفلّلت جميع قوى معاوية، و أراد أن يلوذ بالفرار، و لجأ إلى ابن العاص يطلب منه الرأي، فأشار عليه برفع المصاحف، و هي مكيدة مدبّرة قد حكيت أُصولها، و وضعت مخطّطاتها بين ابن العاص و بين الأشعث بن قيس الماكر الخبيث في جيش الإمام.
و قد تحدّث الإمام أبو جعفر عن عدد المصاحف التي رفعت.
فقال علیه السلام: اسْتَقْبَلُوا عَلِيّاً بِمَائَةِ مُصْحَفٍ وَ وَضَعوا فِي كُلِّ مُجَنِّبَةٍ (2)مائَتَيْ مُصْحَفٍ، فَكانَ جَميعُها خَمْسَمائَةِ مُصْحَفٍ.
وَ قامَ فَرِيقٌ مِنْ أَتْباعِ مُعاوِيَةَ فَنادَوا فِي الْمُعَسْكَرِ الْعِراقِيِّ: يا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، الله الله ض فِي النِّساءِ وَ الْبَناتِ وَ الْأَبْنَاءِ مِنَ الرَّومِ وَ الْأَتْرَاكِ وَ أَهْلِ فارِسَ غَداً إِذا فَنِيْتُمْ. الله الله في دينِكُمْ هذا كِتابُ اللهِ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ.
وَ الْتاعَ الْإِمَامُ وَ انْبرى قائِلاً: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا الْكِتابَ يُريدونَ، فَاحْكُمْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَكَمُ الْحَقُّ الْمُبِينُ» (3).
و قد أطاحت هذه المكيدة بالنصر الذي أحرزه جيش الإمام، فقد انقلب على أعقابه و ماج في الفتنة، و اضطرب أشدّ ما يكون الاضطراب، و كان من المتوقّع أن تمنى حكومة الإمام بانقلاب عسكري يتزعّمه الأشعث بن قيس، و قد أدرك الإمام هذا الوضع المتفجّر فأبدى من الأناة و الصبر ما لا يوصف، فقد استجاب - علی کره - إلى إيقاف القتال، و أوعز إلى قائد قوّاته المسلّحة الزعيم مالك الأشتر بالانسحاب عن ساحة الحرب بعد أن أشرف على الفتح، و صار أمراً محتوماً.
و بعد أن أُجبر الإمام على التحكيم الذي أنقذ حكومة معاوية، و أطاح بحكومة الإمام علیه السلام، فقد تسابق زعماء الفتنة في جيش الإمام مع أهل الشام إلى تسجيل ما يرومونه من الشروط التي تنهي الحرب مؤقّتاً حتّى يجتمع الحكمان، و قد روى الإمام أبو جعفر علیه السلام نصّ الوثيقة، و أخذها عنه المؤرّخون لهذه الأحداث، و هذا نصّها بعد البسملة:
هذا ما تَقاضى عَلَيْهِ عَلِيَّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيانَ، قاضى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى أَهْلِ الْعِراقِ، وَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ شِيعَتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمينَ.
وَ قاضَىٰ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ شِيعَتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمِينَ.
إِنَّنا نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ اللهِ تَعَالَى وَ كِتابِهِ، وَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَنَا إِلَّا إِيَّاهُ، وَ إِنَّ كِتابَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى بَيْنَنَا مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى حَاتِمَتِهِ، نُحْيِي مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ، وَ نُمِيتُ ما أَماتَ الْقُرْآنُ، فَإِنْ وَجَدَ الْحَكَمانِ ذلِكَ فِي كِتابِ اللهِ
اتَّبَعاهُ، وَ إِنْ لَمْ يَجِداهُ أَخَذا بِالسُّنَّةِ الْعادِلَةِ غَيْرِ الْمُفَرَّقَةِ، وَ الْحَكَمانِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ وَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَ قَدْ أَخَذَ الْحَكَمَانِ مِنْ عَلِيٍّ وَ مُعَاوِيَةَ وَ مِنَ الْجُنْدَيْنِ أَنَّهُما أَمينانِ عَلَى أَنْفُسِهِما وَ أَمْوَالِهِما وَ أَهْلِهِما، وَ الأُمَّةُ لَهُما أَنْصارٌ.
وَ عَلَى الَّذِي يَقْضِيانِ عَلَيْهِ، وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ عَهْدُ اللهِ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا يَقْضِيانِ عَلَيْهِ مِمّا وافَقَ الْكِتابَ وَ السُّنَّةَ، وَ أَنَّ الْأَمْنَ وَ الْمُوادَعَةَ وَ وَضْعَ السَّلاح مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ إِلى أَنْ يَقَعَ الْحُكْمُ، وَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَكَمَيْنِ عَهْدُ اللهِ لَيَحْكُمَنَّ بِالأُمَّةِ بِالْحَقِّ لَا بِالْهَوى، وَ أَجَلُ الْمُوادَعَةِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ، فَإِنْ أَحَبَّ الْحَكَمَانِ أَنْ يُعَجِّلا الْحُكْمَ عَجَّلَاهُ.
وَ إِنْ تُوُفِّيَ أَحَدُهُما فَلأَمِيرِ شِيعَتِهِ أَنْ يَخْتارَ مَكانَهُ رَجُلاً، لَا يَأْلو الْحَقَّ وَ الْعَدْلَ.
وَ إِنْ تُوُفِّيَ أَحَدُ الْأَمِيرَيْنِ كَانَ نَصْبُ غَيْرِهِ إِلَىٰ أَصْحَابِهِ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ أَمْرَهُ، وَ يَحْمَدُونَ طَرِيقَتَهُ.
اللهُمَّ إِنَّا نَسْتَنْصِرُكَ عَلى مَنْ تَرَكَ ما في هذِهِ الصَّحيفَةِ وَ أَرادَ فيها إلْحاداً وَ ظُلْماً» (1).
و وقّع الفريقان على هذه الوثيقة، و لم تتعرّض إلى مطالبة معاوية بدم عثمان ذلك الدم الذي اتّخذه شعاراً لتمرّده و بغيه على حكومة الإمام.
1) شرح نهج البلاغة: 2: 233 و 234.
و من المؤكّد أنّه لم يكن يهتمّ بعثمان، فقد استنجد به حينما حاصره الثوّار فأعاره أذناً صمّاء حتّى قتل، فاتّخذ قتله وسيلة لنيل أطماعه.
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن روايات الإمام أبي جعفر لأحداث صفّين. تلك الأحداث المؤلمة التي جرّت للمسلمين أعظم المحن و الخطوب، و ألقتهم في شرّ عظیم.
و فزع المسلمون أشدّ ما يكون الفزع من مأساة الحسين علیه السلام التي انتهكت فيها حرمة الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم في أبنائه و عترته، فقد عمد الجيش الأموي إلى استئصال آل النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم،و اقترفوا معهم من الفضائع ما لم يمرّ مثلها في جميع مراحل هذه الحياة.
و كان الإمام أبو جعفر عليه السلام صبيّاً يافعاً، قد حضر يوم الطفّ، و شاهد المحن الكبرى التي تواكبت على آل البيت عليهم السلام و قد وعاها، و ارتسمت فصولها الحزينة في أعماق نفسه و دخائل ذاته، و ظلّت مناظرها الرهيبة ملازمة له و لأبيه الإمام زين العابدين عليهما السلام طوال حياتهما.
و أقبل علماء المسلمين و رواتهم على الإمام أبي جعفر عليه السلام و هم يسألونه عمّا شاهده و ما سمعه من أبيه من رزايا كربلاء، و ما جرى على العترة الطاهرة من صنوف القتل و التنكيل، و كان عليه السلام يزوّدهم بمعلوماته عنها و هم يدوّنونها.
و قد دوّن العلماء في ذلك العصر و ما تلاه حوالي ستّين مؤلّفاً كلّها بعنوان (مقتل الحسين).
و يروي الطبري أنّ عمّار الدهني وفد على الإمام أبي جعفر عليه السلام يسأله عن مقتل الحسين عليه السلام.
فأجابه عليه السلام، و قد روى الطبري الرواية متقطّعة غير متّصلة، و نحن نجمع بين فصولها، و لنا فيها مواقع للنظر نذكرها في آخر الرواية، و هذا نصّها:
حدّثني زكريا بن يحيى الضرير، قال: حدّثنا أحمد بن جناب المصيصي - و يكنّى أبا الوليد - قال: حدّثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القسري، قال : حدّثني عمّار
الدهني، قال: «قلت لأبي جعفر: حدّثني بمقتل الحسين حتّى كأنّي حضرته؟
قال عليه السلام: ماتَ مُعاوِيَةُ وَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيانَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَقالَ لَهُ: أَخِّرْني وَ ارْفُقْ، فَأَخَّرَهُ.
فَخَرَجَ إِلى مَكَّةَ، فَأَتَاهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَ رُسُلُهُمْ: إِنَّا قَدْ حَبَسْنا أَنْفُسَنا عَلَيْكَ، وَ لَسْنَا نَحْضَرُ الْجُمُعَةَ مَعَ الْوالي، فَأَقْدِمْ عَلَيْنَا. وَ كَانَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرِ الْأَنْصَارِيُّ عَلَى الْكُوفَةِ.
قالَ: فَبَعَثَ الْحُسَيْنُ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ابْنِ عَمِّهِ، فَقَالَ لَهُ: سِرْ إِلَى الْكُوفَةِ فَانْظُرْ مَا كَتَبوا بِهِ إِلَيَّ، فَإِنْ كَانَ حَقًّاً خَرَجْنَا إِلَيْهِمْ.
فَخَرَجَ مُسْلِمٌ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَأَخَذَ مِنْها دَلِيلَيْن، فَمَرّا بهِ فِى الْبَرِّيَّةِ فَأَصابَهُمْ عَطَشٌ، فَمَاتَ أَحَدُ الدِّلِيلَيْنِ، وَ كَتَبَ مُسْلِمٌ إِلَى الْحُسَيْنِ يَسْتَعْفِيهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ: أَنِ امْضِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَخَرَجَ حَتَّىٰ قَدِمَها، وَ نَزَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِها يُقالُ لَهُ ابْنُ عَوْسَجَةَ (1).
قالَ: فَلَمّا تَحَدَّثَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِمَقْدَمِهِ دَبُّوا إِلَيْهِ فَبَايَعوهُ، فَبَايَعَهُ إِثْنا عَشَرَ أَلْفاً.
قالَ: فَقامَ رَجُلٌ مِمَّنْ يَهْوى يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، فَقالَ لَهُ: إِنَّكَ ضَعِيفٌ أَوْ مَتَضَعِّفٌ، قَدْ فَسَدَ الْبِلادُ.
فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ: أَنْ أَكُونَ ضَعِيفاً وَ أَنَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ
1) المعروف بين المؤرّخين إنّ مسلم أوّل ما نزل في دار المختار.
أَكونَ قَوِيّاً في مَعْصِيَتِهِ، وَ مَا كُنْتُ لأَهْتِكَ سِتْراً سَتَرَهُ اللَّهُ.
فَكَتَبَ بِقَوْلِ النُّعْمَانِ إِلى يَزِيدَ، فَدَعا مَوْلَىً يُقالُ لَهُ: سَرْجونُ - وَ كَانَ يَسْتَشيرُهُ - فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ لَهُ: أَكُنْتَ قَابِلاً مِنْ مُعَاوِيَةَ لَوْ كَانَ حَيّاً؟
قالَ: نَعَمْ.
قالَ: فَاقْبَلْ مِنّي فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْكُوفَةِ إِلَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ زِيادٍ، فَوَلِّهَا إِيَّاهُ - وَ كَانَ يَزِيدُ عَلَيْهِ ساخِطَاً، وَ كَانَ هَمَّ بِعَزْلِهِ عَنِ الْبَصْرَةِ - فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِرِضَائِهِ، وَ أَنَّهُ قَدْ وَلّاهُ الْكُوفَةَ مَعَ الْبَصْرَةِ، وَ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ فَيَقْتُلَهُ إِنْ وَجَدَهُ.
قالَ: فَأَقْبَلَ عُبَيْدُ اللهِ فِي وُجوهِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ حَتَّى قَدِمَ الْكوفَةَ مُتَلَثِّماً، وَ لَا يَمُرُّ عَلى مَجْلِسٍ مِنْ مَجالِسِهِمْ فَيُسَلِّمُ إِلَّا قالوا: عَلَيْكَ السّلامُ يَابْنَ بِنْتِ رَسولِ اللهِ - وَ هُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ - حَتَّى نَزَلَ الْقَصْرَ، فَدَعا مَوْلىً لَهُ فَأَعْطَاهُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَ قالَ لَهُ: اذْهَبْ حَتَّىٰ تَسْأَلَ عَنِ الرَّجُلِ الَّذي يُبايِعُ لَهُ أَهْلُ الْکوفَةِ فَأَعْلِمْهُ أَنَّكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ جِئْتَ لِهَذَا الْأَمْرِ، وَ هَذَا مَالٌ تَدْفَعُهُ إِلَيْهِ لِيَتَقَوَىٰ.
فَلَمْ يَزَلْ يَتَلَطَّفْ وَ يَرْفُقْ بِهِ، حَتَّى دَلَّ عَلَى شَيْخ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَلِي الْبَيْعَةَ، فَلَقِيَهُ فَأَخْبَرَهُ، فَقالَ لَهُ الشَّيْخُ: لَقَدْ سَرَّني لِقاؤُكَ إِيَّايَ، وَ قَدْ ساءَني، فَأَمّا ما سَرَّني مِنْ ذلِكَ فَما هَداكَ اللهُ لَهُ، وَ أَمّا ما ساءَنى فَإِنَّ أَمْرَنا لَمْ يَسْتَحْكِمْ بَعْدُ فَأَدْخَلَهُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ الْمَالَ وَ بايَعَهُ وَ رَجَعَ إِلى عُبَيْدِ اللهِ فَأَخْبَرَهُ.
فَتَحَوَّلَ مُسْلِمُ حِينَ قَدِمَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مِنَ الدَّارِ الَّتِي كَانَ فِيهَا إِلَى مَنْزِلِ هاني بْنِ عُرْوَةَ الْمُرَادِيِّ، وَ كَتَبَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ علیهما السلام يُخْبِرُهُ بِبَيْعَةِ اثْنَي عَشَرَ أَلْفاً مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَ يَأْمُرُهُ بِالْقُدوم، وَ قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ لِوُجوهِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: ما لي أَرى هَانِيَ بْنَ عُرْوَةَ لَمْ يَأْتِني فيمَنْ أَتاني!
قالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ فِي نَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَ هُوَ عَلَىٰ بَابِ دارِهِ، فَقالوا: إِنَّ الْأَميرَ قَدْ ذَكَرَكَ وَ اسْتَبْطَأَكَ فَانْطَلِقْ إِلَيْهِ.
فَلَمْ يَزالوا بِهِ حَتَّى رَكِبَ مَعَهُمْ، وَ سارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللهِ وَ عِنْدَهُ شُرَيْحُ الْقَاضِي، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ لِشُرَيْحٍ: أَتَتْكَ بِخَائِنِ رِجْلاهُ، فَلَمّا سَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ: يا هاني، أَيْنَ مُسْلِمُ؟
قالَ: ما أَدْرِي، فَأَمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ مَوْلاهُ صَاحِبَ الدَّرَاهِم فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَلَمّا رَآهُ قُطِعَ بِهِ، فَقالَ: أَصْلَحَ اللهُ الأميرَ، وَ اللهِ ما دَعَوْتُهُ إِلَى مَنْزِلي، وَلَكِنَّهُ جَاءَ فَطَرَحَ نَفْسَهُ عَلَيَّ.
قالَ: ائْتِني بِهِ.
قالَ: وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَا رَفَعْتُهُما عَنْهُ.
قالَ: أَدْنوهُ إِلَيَّ، فَأُدْنِيَ، فَضَرَبَهُ عَلَىٰ حَاجِبِهِ فَشَجَّهُ.
قالَ: وَ أَهْوى هاني إِلى سَيْفِ شَرَطِيِّ لِيَسُلَّهُ، فَدُفِعَ عَنْ ذلِكَ، وَ قالَ: قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ دَمَكَ.
فَأَمَرَ بِهِ فَحُبِسَ فِي جَانِبِ الْقَصْرِ (1).
و روى الطبري بعد هذا حديثاً فيما يتعلّق بتفصيل الحادثة، ثمّ ذكر كلام الإمام أبي جعفر علیه السلام، قال:
«فَبَيْنا هُوَ كَذلِكَ إِذْ خَرَجَ الْخَبَرُ إِلى مَذْحِجِ، فَإِذا عَلَى بَابِ الْقَصْرِ جَلَبَةٌ سَمِعَها عُبَيْدُ اللهِ، فَقالَ: ما هذا؟
فَقالوا: مَذْحجٌ.
فَقالَ لِشُرَيْحٍ: اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَأَعْلِمْهُمُ أَنِّي إِنَّمَا حَبَسْتُهُ لأَسْأَلَهُ، وَ بَعَثَ عَيْناً عَلَيْهِ مِنْ مَوالِيهِ يَسْمَعُ مَا يَقولُ، فَمَرَّ بِهاني بْنِ عُرْوَةَ، فَقالَ لَهُ هاني: اتَّقِ اللَّهَ يَا شُرَيْحٍ، فَإِنَّهُ قاتِلي.
فَخَرَجَ شُرَيْحٌ حَتَّىٰ قامَ عَلَى بَابِ الْقَصْرِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْهِ، إِنَّما حَبَسَهُ الأميرُ لِيَسْأَلَهُ.
فقالوا: صَدَقَ، لَيْسَ عَلَى صاحِبكُمْ بَأْسٌ، فَتَفَرَّقوا، فَأَتَى مُسْلِماً الْخَبَرُ، فَنادِى بِشِعَارِهِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَدَّمَ مُقَدِّمَتَهُ، وَ عَبّى مَيْمَنَتَهُ وَ مَيْسَرَتَهُ، وَ صارَ فِى الْقَلْبِ إِلى عُبَيْدِ اللهِ، وَ بَعَثَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى وُجُوهِ أَهْلِ الْکوفَةِ فَجَمَعَهُمْ عِنْدَهُ فِي الْقَصْرِ، فَلَمّا سَارَ إِلَيْهِمْ مُسْلِمُ فَانْتَهى إِلى بابِ القَصْرِ أَشْرَفوا عَلَىٰ عَشَائِرِهِمْ فَجَعَلُوا يُكَلِّمُونَهُمْ وَ يُردّونَهُمْ، فَجَعَلَ أَصْحَابُ مُسْلِمٍ يَتَسَلَّلُونَ حَتَّىٰ أَمْسَى فِي خَمْسِمائَةٍ،
1) تاريخ الأُمم و الملوك: 4: 257 - 259.
فَلَمَّا اخْتَلَطَ الظَّلامُ ذَهَبَ أَوْلِئِكَ أَيْضاً.
فَلَمّا رَأَى مُسْلِمٌ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ وَحْدَهُ جَعَلَ يَتَرَدَّدُ في الطُّرُقِ، فَأَتى باباً فَنَزَلَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ، فَقَالَ لَهَا: اسْقيني، فَسَقَتْهُ.
ثُمَّ دَخَلَتْ فَمَكَثَتْ ما شاءَ اللهُ ثُمَّ خَرَجَتْ، فَإِذَا هُوَ عَلَى الْبَابِ، قَالَتْ: يا عَبْدَ اللهِ، إِنَّ مَجْلِسَكَ مَجْلِسُ رِيبَةٍ، فَقُمْ.
قالَ: إِنِّي مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ، فَهَلْ عِنْدَكِ مَأْوى؟
قالَتْ: نَعَمْ، ادْخُلْ.
وَ كانَ ابْنُها مَوْلَى لِمُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِ الْغُلَامُ انْطَلَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ فَأَخْبَرَهُ، فَانْطَلَقَ مُحَمَّدٌ إِلى عُبَيْدِ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُ، فَبَعَثَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَمْرو بْنَ حُرَيْثٍ الْمَخْرُومِيَّ - وَ كَانَ صَاحِبَ شَرَطِهِ - إِلَيْهِ وَ مَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَلَمْ يَعْلَمْ مُسْلِمٌ حَتَّىٰ أُحِيطَ بِالدّارِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ خَرَجَ إِلَيْهِمْ بِسَيْفِهِ فَقاتَلَهُمْ، فَأَعْطاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَمَانَ، فَأَمْكَنَ مِنْ يَدِهِ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُصْعِدَ إِلَى أَعْلَى الْقَصْرِ فَضُرِبَتْ عُنْقُهُ، وَ أَلْقَى جُثَّتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَ أَمَرَ بِهاني فَسُحِبَ إِلَى الْكُنَاسَةِ، فَصُلِبَ هُنالِكَ.
وَ قالَ شَاعِرُهُمْ فِي ذلِكَ:
إذَا كُنتِ لاتَدرِينَ مَا المَوتُ فَانظُرِى *** إِلَى هَاني فِي السُّوقِ وَ ابْنِ عَقِيلِ
أَصَابَهُمَا أَمرُ الأَمِيرِ فَأَصْبَحَا *** أَحَادِيثَ مِن يَسرِي بِكُلِّ سَبيلِ
أَيَركَبُ أَسْمَاءُ الهَمَالِيجَ (1)
الذحول - جمع ذحل -: طلب الثأر. لسان العرب: 5: 27.
آمِناً *** وَقَدْ طَلِبَتَهُ مَذحِجٌ بِذُحُولِ (2)ثمّ يذكر الطبري روايات أُخرى عن أبي مخنف و غيره في تفصيل الأحداث، ثمّ عقب ذلك بقوله: حدّثنا خالد بن يزيد بن عبد الله القسري، قال: حدّثنا عمّار الدهني، قال: «قلت لأبي جعفر: حدّثني عن مقتل الحسين حتّى كأنّي حضرته.
قال: فَأَقْبَلَ حُسَيْنُ بْنُ عَلَيٍّ بِكِتابِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيل كَانَ إِلَيْهِ حَتَّى إِذا كانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَمْيالٍ، لَقِيَهُ الْحُرُّ بْنُ يَزِيدٍ التَّمِيمِيُّ، فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟
قالَ: أُريدُ هَذَا الْمِصْرَ.
قالَ لَهُ: ارْجِعْ فَإِنِّي لَمْ أَدَعْ لَكَ خَلْفِي خَيْراً أَرْجُوهُ، فَهَمَّ أَنْ يَرْجِعَ، وَ كانَ مَعَهُ أُخْوَةُ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ، فَقَالُوا: وَ اللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّىٰ نُصِيبَ بِثَأْرِنا أَوْ نُقْتَلَ.
1) الهماليج - جمع هملاج -: و هو نوع من البرذون. لسان العرب: 15: 136 - هملج.
2) في مروج الذهب: 3: 60 أنّها لشاعر مجهول. و كذلك في الأغاني: 14: 161. و في مقاتل الطالبييّن: 109، أنّها لعبد الله بن الزبير الأسدي. و كذلك في تاريخ الأُمم و الملوك: 4: 259 - 260، و قيل: إنّها للفرزدق. و في الأخبار الطوال: 242، إنّها لعبد الرحمن بن الزبير الأسدي. و في لسان العرب: 8: 199، أنّها لسليم بن سلام الحنفي.
فَقالَ: لَا خَيْرَ فِي الْحَياةِ بَعْدَكُمْ، فَسَارَ فَلَقِيتَهُ أَوائِلُ خَيْلٍ عُبَيْدِ اللهِ، فَلَمّا رَأى ذلِكَ عَدَلَ إِلَى كَرْبَلاء فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى قَصَبٍ وَ حَلَفَ أَلّا يُقاتِلَ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَنَزَلَ وَ ضَرَبَ أَبْنِيَتَهُ وَ كانَ أَصْحَابُهُ خَمْسَةً وَ أَرْبَعِينَ فارِساً، وَ مائَةَ رَاجِلٍ، وَ كانَ عُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقّاصٍ قَدْ وَلّاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ الرَّيَّ، وَ عَهِدَ إِلَيْهِ عَهْدَهُ، فَقالَ: اكْفِنى هذَا الرَّجُلَ.
قالَ: اعْفِني فَأَبَى أَنْ يَعْفِيَهُ، قَالَ: فَأَنْظِرْنِي اللَّيْلَةَ فَأَخَّرَهُ فَنَظَرَ فِي أَمْرِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدا عَلَيْهِ رَاضِياً بِمَا أَمَرَ بِهِ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، فَلَمّا أَتَاهُ قالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: اخْتَرْ واحِدَةً مِنْ ثَلاثٍ: أَمّا أَنْ تَدَعْنِى فَأَنْصَرِفَ مِنْ حَيْثُ جِئْتُ، وَ أَمَّا أَنْ تَدَعْنِي فَأَذْهَبَ إِلى يَزِيدَ، وَ أَمَّا أَنْ تَدَعْنِي فَأَلْحَقَ بِالثَّغورِ.
فَقَبِلَ ذلِكَ عُمَرُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللهِ: لَا وَ لَا كَرامَةَ، حَتَّىٰ يَضَعَ يَدَهُ فِي يَدى.
فَقالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: عَشر شابّاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَ جاءَ سَهُمٌ فَأَصابَ ابْناً لَهُ مَعَهُ في حِجْرِهِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْهُ وَ يَقولُ: اللّهمَّ احْكُمْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمٍ دَعَوْنَا لِيَنْصُرونَا فَقَتَلُونا، ثمَّ أَمَرَ بَحِبْرَةٍ فَشَقَّها ثُمَّ لَبِسَها، وَ خَرَجَ بِسَيْفِهِ، فَقاتَلَ حَتَّىٰ قُتِلَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ مَذْحِجٍ وَ احْتَزَّ رَأْسَهُ وَ انْطَلَقَ بهِ إِلى عُبَيْدِ اللهِ وَ قالَ:
أَوْقِرْ رِكَابِي فِضّةً وَ ذَهَبَا *** إِنِّي قَتَلْتُ السَّيّدَ المُحَجَّبَا
قَتَلتُ خَيْرَ النَّاسِ أُمَّاً وَ أَبَا *** وَ خَيْرَهُم إِذْ يَنسِبُونَ النَّسَبَا
وَ أَوْفَدَهُ إِلَىٰ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَ مَعَهُ الرَّأْسُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ عِنْدَهُ
أَبو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِالْقَضِيبِ عَلَى فِيهِ وَ يَقُولُ:
يُفَلِّقَنَ هَامَاً مِن رِجَالٍ أعِزَّةٍ *** عَلَيْنَا وَ هُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَ أَظْلَمَا
فَقالَ لَهُ أَبو بَرْزَةَ: إِرْفَعْ قَضيبَكَ، فَوَاللَّهِ لَرُبَّما رَأَيْتُ فاهَ رَسولِ اللهِ صلّى الله عليه و آله و سلّم عَلَى فِيهِ يَلِثِمُهُ، وَ سَرَّحَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ بِحَرَمِهِ وَ عِيالِهِ إِلَى عُبَيْدِ اللهِ، وَ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ علیه السلام إِلَّا غُلامٌ كَانَ مَريضاً مَعَ النِّساءِ، فَأَمَرَ بِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ لِيُقْتَلَ، فَطَرَحَتْ زَيْنَبُ نَفْسَها عَلَيْهِ، وَ قالَتْ: وَ اللَّهِ لَا يُقْتَلُ حَتَّىٰ تَقْتُلُونِي! فَرَقَّ لَها، فَتَرَكَهُ وَ كَفَّ عَنْهُ.
قالَ: فَجَهَّزَهُمْ وَ حَمَلَهُمْ إِلى يَزِيدَ، فَلَمّا قَدِموا عَلَيْهِ جَمَعَ مَنْ كانَ بِحَضْرَتِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ أَدْخَلوهُمْ فَهَنَّئوهُ بِالْفَتْح، قالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَزْرَقٌ أَحْمَرُ، وَ نَظَرَ إِلَى وَصِيفَةٍ مِنْ بَنَاتِهِمْ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَبْ لِي هذِهِ.
فَقَالَتْ زَيْنَبُ: لَا وَ اللهِ، وَ لَا كَرامَةَ لَكَ وَ لَا لَهُ، إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ دينِ اللهِ، قالَ: فَأَعادَها الأَزْرَقُ، فَقالَ لَهُ يَزيدُ: كُفَّ عَنْ هذا، ثُمَّ أَدْخَلَهُمْ عَلَى عِيالِهِ فَجَهَّزَهُمْ، وَ حَمَلَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا دَخَلُوهَا خَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ناشِرَةً شَعْرَها، واضِعَةً كُمَّها عَلَى رَأْسِهَا تَلَقَّاهُمْ، وَ هِيَ تَبْكي وَ تَقولُ:
مَاذَا تَقُولُونَ إِن قَالَ النَّبِيُّ لَكُم *** مَاذَا فَعَلْتُم وَ أَنْتُمْ آخِرُ الأُمَمِ
بِعِتْرَتي وَ بِأَهْلي بَعْدَ مُفْتَقَدِي *** مِنهُم أُسَارَى وَ قَتلَى ضُرِّجُوا بِدَمِ
مَا كَانَ هَذَا جَزَائِي إِذْ نَصَحْتُ لَكُم *** أَن تَحْلِفُونِي بِسُوءٍ فِي ذَوِي رَحِمِي» (1)
و انتهت بذلك رواية عمّار الدهني عن الإمام أبي جعفر علیه السلام في ذكر كارثة كربلاء.
المؤاخذات
و تواجه هذه الرواية عدّة من المؤاخذات منها ما يلي:
1- إنّ عمّار الدهني طلب من الإمام علیه السلام أن يحدّثه بالتفصيل عن مقتل الإمام الحسين علیه السلام، كأنّه قد حضره، أمّا الجواب فقد كان موجزاً، و لم يشر إلى كثير من الأحداث لا بقليل و لا بكثير، فقد طويت فيه أكثر فصول تلك المأساة، و من الطبيعي أنّ هذا لا يتناسب مع السؤال الذي يطلب فيه المزيد من المعلومات.
2- إنّه جاء في هذه الرواية أن الإمام الحسين علیه السلام حينما اجتمع بابن سعد طلب منه أحد هذه الأمور:
1- أن يسمحوا له بالرجوع إلى يثرب.
2- أن يذهب إلى يزيد.
3- أن يلحق بالثغور.
و من المقطوع به عدم صحّة الأمرين الأخيرين، فإنّ الإمام علیه السلام لو فرض أنّه أدلى بهما لما قدم الجيش الأموي على قتاله و حربه، و قد تحدّث عن افتعال ذلك عقبة بن سمعان، و هو ممّن صاحب الإمام من المدينة إلى مكّة ثمّ إلى العراق، و ظلّ ملازماً له حتّى قتل يقول: «صحبت الحسين علیه السلام من المدينة إلى مكّة، و منها إلى العراق، و لم أُفارقه حتى قتل، و قد سمعت جميع كلامه، فما سمعت منه ما يتذاكر فيه الناس
1) أنساب الأشراف 3: 420. تاريخ مدينة دمشق 69: 178 - 179. تذكرة الخواص: 240. و قد ورد الشعر في الإرشاد / المفيد: 2: 124، و روضة الواعظين: 163، أنّه لأُم لقمان بنت عقيل. و في بعض المصادر: نسبه لامرأة من بني عبدالمطلب و لم يسمها.
من أن يضع يده في يد يزيد، و لا أن يسير إلى ثغر من الثغور لا في المدينة، و لا في مكة، و لا في العراق، و لا في عسكره إلى حين قتل. نعم، سمعته يقول: دَعُونى فَلَأَذْهَبْ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ العَرِيضَةِ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ مَا يَصِيرُ النَّاسُ» (1).
و نظراً لاشتمال الرواية على هذه البنود فلا تصحّ نسبتها إلى الإمام أبي جعفر علیه السلام، و من المحتمل أنّ الرواية بناءً على صحّتها قد نقص منها الشيء الكثير و زيد فيها، ممّا جعلها مضطربة لا يمكن التعويل عليها.
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض ما أُثر عنه من نقل السيرة النبويّة، و سائر الأحداث التي جرت في العصر الإسلامي الأوّل.
1) تاريخ الأُمم و الملوك: 4: 313. مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: 20.
و أُثرت عن الإمام أبي جعفر علیه السلام وصايا كثيرة، وجه بعضها لأبنائه، و بعضها لأصحابه و هي حافلة بالقيم الكريمة، و المثل العليا، و زاخرة بآداب السلوك، و التوجيه الصالح الذي يصون الإنسان من الانحراف و السلوك في المنعطفات، و فيما يلي ذلك:
و زوّد الإمام أبو جعفر علیه السلام ولده الصادق علیه السلام بجمهرة من الوصايا القيّمة، و من بينها:
1- قال علیه السلام: «يا بُنَيَّ، إِنَّ اللَّهَ خَبَّأَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءٍ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ: خَبَّأَ رِضاهُ فِي طَاعَتِهِ، فَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الطَّاعَةِ شَيْئاً، فَلَعَلَّ رِضاءَهُ فِيهِ.
وَ خَبَّأَ سَخَطَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ، فَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْصِيَةِ شَيْئاً، فَلَعَلَّ سَخَطَهُ فيهِ.
وَ خَبَّأَ أَوْلِيَاءَهُ فِي خَلْقِهِ، فَلَا تَحْقِرَنَّ أَحَداً فَلَعَلَّهُ ذلِكَ الْوَلي» (1).
و حفلت هذه الوصيّة بمعالي الأخلاق، ففيها الترغيب في طاعة الله و الحثّ عليها، و فيها التحذير من المعصية و التشديد في أمرها، و فيها الحثّ على تكريم الناس و عدم الاستهانة بأي أحد منهم.
2- حكى الإمام الصادق علیه السلام إحدى وصايا أبيه إلى سفيان الثوري، فقد قال له:
1) الفصول المهمّة: 29. وسيلة المآل فى عدّ مناقب الآل: 208.
يا سُفْيَانُ، أَمَرَني أَبِي بِثَلاثٍ، وَ نَهَانِي عَنْ ثَلاثٍ، فَكانَ فيما قالَ لي:
يا بُنَيَّ، مَنْ يَصْحَبُ صاحِبَ السّوءِ لَا يَسْلَمْ، وَ مَنْ يَدْخُلْ مَداخِلَ السّوءِ يُتَّهَمُ، وَ مَنْ لَا يَمْلِكُ لِسَانَهُ يَنْدَمْ، ثُمَّ أَنْشَدَني:
عَوِّدْ لِسانَكَ قَوْلَ الْخَيْر تَحْظَ بِهِ *** إِنَّ اللِّسانَ لِما عَوَّدتَ يَعْتادُ
مُوَكَّلٌ بَتَقاضي ما سَنَنْتَ لَهُ *** في الخَيْرِ و الشَّرِّ فانْظُرْ كيفَ تَعْتادُ (1)
و هذه الوصايا من روائع الحكم، و من خيرة وصايا المصلحين لأبنائهم، فقد حفلت بجميع مقوّمات الآداب و الفضائل.
و أوصى بعض أبنائه بهذه الوصيّة، فقال له:
يا بُنَيَّ، إِذا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكَ نِعْمَةً فَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَ إِذا حَزَبَكَ (2)أَمْرٌ فَقُلْ: لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وَ إِذا أَبْطَأَ عَنْكَ رِزْقُكَ، فَقُلْ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ» (3).
و حينما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز طلب من الإمام أبي جعفر علیه السلام أن يزوّده بوصيّة ينتفع بها، و يسوس بها دولته.
فقال علیه السلام له: أَوْصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَ أَنْ تَتَّخِذَ صَغِيرَ الْمُسْلِمِينَ وَلَداً، وَ أَوْسَطَهُمْ أَخاً، وَ كَبِيرَهُمْ أَباً، فَارْحَمْ وَلَدَكَ، وَ صِلْ أَخَاكَ، وَ بِرَّ أَباكَ، وَ إِذا صَنَعْتَ مَعْرُوفاً فَرَبِّهِ (1)» (2).
و بهر عمر بهذه الحكمة الجامعة وراح يبدي إعجابه قائلاً: «جمعت و الله ما إن أخذنا به، و أعاننا الله عليه استقام لنا الخير إن شاء الله» (3).
و أروع كلمة جامعة لشؤون السياسة العادلة هذه الكلمة القيّمة، فإنّ رئيس الدولة إذا ساس رعيّته بسياسة العدل و الانصاف، و اعتبر أبناء الأُمّة من أفراد أُسرته، و عاملهم كما يعامل الرجل أهله، فيشيع فيهم الخير، و يبسط فيهم العدل، فإنّ الحكومة و الشعب يسعدان، و يستقيم لهما الخير.
و زوّد الإمام أبو جعفر علیه السلام التلميذه العالم جابر بن يزيد الجعفي بهذه الوصيّة الخالدة الحافلة بجميع القيم الكريمة و المثل العليا التي يسمو بها الإنسان فيما لو طبّقها على واقع حياته، و هذا بعض ما جاء فيها:
اُوْصِيكَ بِخَمْسٍ: إِنْ ظُلِمْتَ فَلا تَظْلِمْ، وَ إِنْ خانوكَ فَلا تَخُنْ، وَ إِنْ كُذَّبْتَ فَلا تَغْضَبْ، وَ إِنْ مُدِحْتَ فَلا تَفْرَحْ، وَ إِنْ ذُمِمْتَ فَلَا تَجْزَعْ.
وَ فَكِّرْ فيما قِيلَ فِيكَ، فَإِنْ عَرَفْتَ مِنْ نَفْسِكَ ما قيلَ فيكَ فَسُقوطُكَ مِنْ عَيْنِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَ غَضَبِكَ مِنَ الْحَقِّ أَعْظَمُ عَلَيْكَ مُصِيبَةً مِمَّا خِفْتَ
مِنْ سُقوطِكَ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ.
وَ إِنْ كُنْتَ عَلَى خِلافِ ما قيل فيكَ، فَثَوابٌ اكْتَسَبْتَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتْعَبَ بَدَنُكَ.
وَ اعْلَمْ بِأَنَّكَ لَنْ تَكونَ لَنا وَلِيّاً حَتَّى لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْكَ أَهْلُ مِصْرِكَ، و قالوا: إِنَّكَ رَجُلُ سُوءٍ لَمْ يَحْزُنْكَ ذلِكَ، وَ لَوْ قالوا: إِنَّكَ رَجُلٌ صالِحٌ لَمْ يَسُرُّكَ ذلِكَ، وَلكِنِ اعْرِضْ نَفْسَكَ عَلى كِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كُنْتَ سالِكاً سَبيلَهُ، زاهِداً في تَزْهِيدِهِ، راغِباً في تَرْغيبِهِ، خَائِفاً مِنْ تَخْوِيفِهِ، فَاثْبُتْ وَ أَبْشِرْ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ ما قيلَ فِيكَ، وَ إِنْ كُنْتَ مُبَائِنَاً لِلْقُرْآنِ، فَمَاذَا الَّذِي يَغُرُّكَ مِنْ نَفْسِكَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ مَعْنِيٌّ بِمُجاهَدَةِ نَفْسِهِ لِيَغْلِبَها عَلَى هَواها، فَمَرَّةً يُقيمُ أَوْدَها وَ يُخالِفُ هَواها في مَحَبَّةِ اللَّهِ، وَ مَرَّةً تَصْرَعُهُ نَفْسُهُ فَيَتَّبِعُ هَواها فَيُنْعِشَهُ اللهُ، فَيَنْتَعِشُ، وَ يُقيلُ اللهُ عَثْرَتَهُ فَيَتَذَكَّرُ، وَ يَفْزَعُ إِلَى التَّوْبَةِ وَ الْمَحَافَةِ فَيَزْدادُ بَصِيرَةً وَ مَعْرِفَةً لِما زِيدَ فِيهِ مِنَ الْخَوْفِ وَ ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يَقولُ: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ» (1).
يا جابِرُ، اسْتَكْثِرْ لِنَفْسِكَ مِنَ اللَّهِ قَليلَ الرِّزْقِ تَخَلُّصاً إِلَى الشُّكْرِ، وَ اسْتَقْلِلْ مِنْ نَفْسِكَ كَثيرَ الطَّاعَةِ لِلَّهِ إِزْراءاً عَلَى النَّفْسِ (2)، وَ تَعَرُّضاً
لِلْعَفْوِ، وَ ادْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ حَاضِرَ الشَّرِّ بِحاضِرِ الْعِلْمِ، وَ اسْتَعْمِلْ حاضِرَ الْعِلْمِ بِخالِصِ الْعَمَلِ، وَ تَحَرَّزْ فِي خَالِصِ الْعَمَلِ مِنْ عَظِيمٍ الْغَفْلَةِ بِشِدَّةِ التَّيَقُّظِ، وَ اسْتَجْلِبْ شِدَّةَ التَّيَقُّظِ بِصِدْقِ الْخَوْفِ، وَ احْذَرْ خَفِيَّ التَّزَيُّنِ بِحاضِرِ الْحَياةِ، وَ تَوَقَّ مُجازَفَةَ الْهَوى بِدلالَةِ الْعَقْلِ، وَقِفْ عِنْدَ غَلَبَةِ الْهَوَى بِاسْتِرْشَادِ الْعِلْمِ، وَ اسْتَبْقِ خالِصَ الْأَعْمَالِ لِيَوْمِ الْجَزاءِ، وَ انْزِلْ ساحَةَ الْقَناعَةِ بِاتِّقاءِ الْحِرْصِ، وَ ادْفَعْ عَظيمَ الْحِرْصِ بِإِيثَارِ الْقَناعَةِ، وَ اسْتَجْلِبْ حَلاوَةَ الزَّهَادَةِ بِقِصَرِ الْأَمَلِ، وَ اقْطَعْ أَسْبَابَ الطَّمَع بِبُرْدِ الْيَأْسِ، وَ سُدَّ سَبيلَ الْعُجْبِ بِمَعْرِفَةِ النَّفْسِ، وَ تَخَلَّص إلى راحَةِ النَّفْسِ بِصِحَّةِ التَّفْويض.
وَ اطْلُبْ راحَةَ الْبَدَنِ بِإِجْمامِ (1)الْقَلْبِ، وَ تَخَلَّصْ إِلى إِجْمَامِ الْقَلْبِ بِقِلَّةِ الْخَطَأِ، وَ تَعَرَّضْ لِرِقَّةِ الْقَلْبِ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ فِي الْخَلَواتِ، وَ اسْتَجْلِبْ نورَ الْقَلْبِ بِدَوامِ الْحُزْنِ، وَ تَحَرَّزْ مِنْ إِبْلِيسَ بِالْخَوْفِ الصَّادِقِ.
وَ إِيَّاكَ وَ الرَّجاءَ الْكَاذِبِ فَإِنَّهُ ُيوقِعُكَ فِي الْخَوْفِ الصَّادِقِ، وَ تَزَيَّنْ لِلَّهِ وَ جَلَّ بِالصِّدْقِ فِى الْأَعْمَالِ، وَ تَحَبَّبْ إِلَيْهِ بِتَعْجِيلِ الْإِنْتِقالِ.
وَ إِيَّاكَ وَ التَّسْوِيفَ فَإِنَّهُ بَحْرٌ يَغْرَقُ فِيهِ الْهَلْكى.
وَ إِيَّاكَ وَ الْغَفْلَةَ فَفِيها تَكونُ قَسَاوَةُ الْقَلْبِ.
وَ إِيَّاكَ وَ التَّوانِيَ فيما لَا عُذْرَ لَكَ فيهِ، فَإِلَيْهِ يَلْجَأُ النّادِمونَ، وَ اسْتَرْجِعْ
1) الجمام - بالفتح -: الراحة.
سالِفَ الذُّنوبِ بِشِدَّةِ النَّدَمِ، وَ كَفْرَةِ الْإِسْتِغْفَارِ، وَ تَعَرَّضْ لِلرَّحْمَةِ وَ عَفْوِ اللَّهِ بِحُسْنِ الْمُراجَعَةِ، وَ اسْتَعِنْ عَلى حُسْنِ الْمُراجَعَةِ بِخالِص الدُّعاءِ، وَ الْمُناجاةِ فِي الظُّلَم، وَ تَخَلَّصْ إِلى عَظيم الشُّكْرِ بِاسْتِكْثَارِ قَليلِ الرِّزْقِ، وَ اسْتِقْلالِ كَثِيرِ الطَّاعَةِ، وَ اسْتَجْلِبْ زِيادَةَ النِّعَمِ بِعَظيمِ الشُّكْرِ، وَ التَّوَسُّلِ إِلَى عَظيمِ الشُّكْرِ بِخَوْفِ زَوالِ النَّعَم، وَ اطْلُبَ بَقاءَ الْعِزّ بِإِماتَةِ الطَّمَع، وَ ادْفَعْ ذُلَّ الطَّمَع بِعِزَّ الْيَأْسِ، وَ اسْتَجْلِبْ عِزَّ الْیَأْسِ بِبُعْدِ الْهِمَّةِ، وَ تَزَوَّدْ مِنَ الدُّنْيا بِقِصَرِ الْأَمَل، وَ بادِرْ بِانْتِهازِ الْبُغْيَةِ عِنْدَ إِمْكَانِ الْفُرْصَةِ، وَ لَا إِمْكَانَ كَالْأَيَّامِ الْخالِيَةِ مَعَ صِحَّةِ الْأَبْدانِ.
وَ إِيَّاكَ وَ الثَّقَةَ بِغَيْرِ الْمَأْمونِ، فَإِنَّ لِلشَّرِّ ضَراوَةً كَضَراوَةِ الْغِذاءِ.
وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا عِلْمَ كَطَلَبِ السَّلامَةِ، وَ لَا سَلامَةَ كَسَلامَةِ الْقَلْبِ، وَ لَا عَقْلَ كَمُخالَفَةِ الْهَوى، وَ لَا خَوْفَ كَخَوْفَ حَاجِزِ، وَ لَا رَجَاءَ كَرَجاءِ مُعينٍ، وَ لَا فَقْرَ كَفَقْرِ الْقَلْبِ، وَ لَا غِنىً كَغِنَى النَّفْسِ، وَ لَا قُوَّةَ كَغَلَبَةِ الْهَوى، وَ لَا نورَ كَنورِ الْيَقينِ، وَ لَا يَقِينَ كَاسْتِصْغَارِكَ لِلدُّنْيا، وَ لَا مَعْرِفَةَ كَمَعْرِفَتِكَ بِنَفْسِكَ، وَ لَا نِعْمَةَ كَالْعَافِيَةِ، وَ لَا عافِيَةَ كَمُساعَدَةِ التَّوْفِيقِ، وَ لَا شَرَفَ كَبُعْدِ الْهِمَّةِ، وَ لَا زُهْدَ كَقِصَرِ الْأَمَلِ، وَ لَا حِرْصَ كَالْمُنافَسَةِ فِي الدَّرَجاتِ، وَ لَا عَدْلَ كَالْإِنْصافِ، وَ لَا تَعَدِّيَ كَالْجَوْرِ، وَ لَا جَوْرَ كَمُوافَقَةِ الْهَوى، وَ لَا طَاعَةَ كَأَداءِ الْفَرائِضِ، وَ لَا خَوْفَ كَالْحُزْنِ، وَ لَا مُصيبَةَ كَعَدَمِ الْعَقْلِ، وَ لَا عَدَمَ عَقْلٍ كَقِلَّةِ الْيَقينِ، وَ لَا قِلَّةَ يَقينٍ كَفَقْدِ الْخَوْفِ، وَ لَا فَقْدَ خَوْفٍ كَقِلَّةِ الْحُزْنِ عَلَى فَقْدِ الْخَوْفِ، وَ لَا مُصيبَةَ كَاسْتِهانَتِكَ بِالذَّنْبِ،
وَ رِضاكَ بِالْحالَةِ الَّتي أَنْتَ عَلَيْها، وَ لَا فَضيلَةَ كَالْجِهَادِ، وَ لَا جِهَادَ كَمُجاهَدَةِ الْهَوى، وَ لَا قُوَّةَ كَرَدَّ الْغَضَبِ، وَ لَا مَعْصِيَةَ كَحُبِّ الْبَقاءِ، وَ لَا ذُلَّ كَذُلِّ الطَّمَعِ.
وَ إِيَّاكَ وَ التَّفْرِيطَ عِنْدَ إِمْكَانِ الْفُرْصَةِ، فَإِنَّهُ مَيْدانٌ يَجُرُّ لأَهْلِهِ الْخُسْرانَ» (1).
و دلّلت هذه الوصيّة الرائعة الحافلة بجواهر الحكم على إمامة الإمام أبي جعفر علیه السلام، و أضاءت جانباً كبيراً من مواهبه و عبقريّاته، و لو لم تكن له إلّا هذه الوصيّة لكفت في الاستدلال على عظمته و ما يملكه من طاقات علميّة لا تحدّ، لقد نظر الإمام العظيم إلى أعماق النفوس، و سبر أغوارها، و حلّل أبعادها، و عرف ما ابتلي به الإنسان من الأمراض و الآفات.
لقد ابتلي الإنسان بالجهل و الغرور و الكبرياء و الجشع و الطمع و طول الأمل، و غير ذلك ممّا يدفعه إلى الاغراق في المعاصي، و اقتراف الآثام، و الانحراف عن طريق الحقّ، و عدم الاستقامة في سلوكه.
درس الإمام علیه السلام هذه الأمراض فوضع لها العلاج الحاسم، و وصف لها الدواء السليم الذي يقضي على جراثيمها، و إذا أخذ الإنسان بهذه الوصفة فإنّه يعود إنساناً مثالياً مهذّباً، قد صان نفسه، و اتّصل بخالقه الذي إليه مرجعه و مآله، و لولا خوف الاطالة لشرحنا بنودها شرحاً مفصّلاً، و دلّلنا على ما فيها من الحكم و الأسرار.
وفد عليه علیه السلام رجل من المسلمين و طلب منه أن يمنحه بوصيّة يسير على
1) تحف العقول: 284 - 286.
ضوئها، فقال علیه السلام له: هَيِّئْ جَهازَكَ، وَ قَدَّمْ زادَكَ، وَ كُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ» (1).
لقد دلّه على ما يقرّبه إلى الله زلفى، و ما يضمن له السلامة في دار البقاء و الخلود، إنّ الإنسان إذا هيّأ جهازه و قدّم زاده كان على سلامة من دينه، و ضمان آخرته.
و أراد بعض أصحاب الإمام علیه السلام السفر، فزوّده علیه السلام بهذه الوصيّة القيّمة.
قال له علیه السلام: لَا تَسيرَنَّ سَيْراً وَ أَنْتَ حافي، وَ لَا تَنْزِلَنَّ عَنْ دابَّتِكَ لَيْلاً لِقَضاءِ حاجَةٍ إِلَّا وَ رِجْلُكَ فِي خُفٍّ، وَ لَا تَبولَنَّ فِي نَفَقٍ، وَ لَا تَذوقَنَّ بَقْلَةً وَ لَا تَشُمَّها حَتَّى تَعْلَمَ مَا هِيَ، وَ لَا تَشْرَبْ مِنْ سِقاءٍ حَتَّىٰ تَعْرِفَ مَا فِيهِ، وَ احْذَرْ مَنْ تَعْرِفْ، وَ لَا تَصْحَبْ مِنْ لَا تَعْرِفْ (2).
لقد أوصاه الإمام علیه السلام المناهج الصحيّة، و الدروس الأخلاقيّة التي تضمن له الصحّة و السلامة.
أمّا ما يتعلّق بالصحّة و الوقاية من الأمراض، فهي:
1- أمره أن لا يسير حافياً، فإنّ المشي حافياً كثيراً ما يجلب للإنسان بعض الأمراض التي انتشرت جراثيمها في الأرض، و هي ممّا تنفذ بسرعة إلى مسام القدمين مثل البلهارزيا.
2- أوصاه أن لا ينزل من دابّته في الليل حافياً لقضاء حاجته، لأنّه لا يؤمن أن تلدغه بعض هوام الأرض الكامنة في التراب و هو لا يدري.
3- حذّره من أن يبول في النفق لأنّه غالباً ما تكمن فيه بعض الحيوانات القاتلة
فتنساب إليه و تسبّب هلاكه.
4- نهاه عن تناول أحد البقول المنتشرة في الصحراء، ما لم يعرفها، فإنّها قد تكون سامّة و هو لا يعلم فتسبّب تسمّمه و تودي بحياته أو مرضه.
5- نهاه عن الشرب من السقاء حتّى يعلم ما فيه لأنّه قد يكون شراباً فاسداً و مضرّاً بصحّته، فيسبّب هلاكه أو سقمه.
هذه بعض المناهج الصحيّة التي أمره بها.
و أمّا الدروس الأخلاقيّة، فقد أوصاه بأمرين:
1- أن يحذر من يعرف، فلا يبيح له أسراره، كما أنّ عليه أن يحسن صحبته خوفاً منه، فإنّ السفر يكشف عن حقيقة الشخص، و يظهر كوامن سرّه، و كم سافر جماعة كانت بينهم أعمق المودّة فعادوا و هم أعداء يلعن بعضهم بعضاً، فعلى الإنسان المستقيم أن يكون في سفره على حذر ممّن يعرفه و ممن لا يعرفه.
2- نهاه عن السفر مع من لا يعرف، فإنّه قد يسبّب له كثيراً من المشاكل التي قد تؤدّي إلى هلاكه، و قد وقع ذلك بكثرة للمسافرين مع من لا يعرفونهم.
هذه بعض وصاياه علیه السلام القيّمة.
و وجّه الإمام أبو جعفر علیه السلام إلى شيعته المواعظ التي وعظ بها الأوصياء أُممهم، فحذّرهم من غرور الدنيا و فتنها، و بصّرهم صولة الدهر، و فجائع الأيّام، و دعاهم إلى التفكّر و التبصّر فيما يصيرون إليه من مفارقة الدنيا إلى القبور المظلمة، و اللحود الموحشة التي لا ينفع فيها إلّا ما ادّخره الإنسان من العمل الصالح، و هذه بعض مواعظه عليه السلام
1- قال عليه السلام: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ فِي هَذِهِ الدّارِ أَغْراضٌ تَنْتَضِلُ فيكُمُ الْمَنايا، لَنْ يَسْتَقْبِلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَوْماً جديداً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِانْقِضَاءِ آخَرَ مِنْ أَجْلِهِ.
فَأَيَّةُ أَكْلَةٍ لَيْسَ فيها غُصَصٌ؟ أَمْ أَيُّ شُرْبَةٍ لَيْسَ فِيها شَرَقٌ؟
اسْتَصْلِحوا ما تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ بِما تَظْعَنونَ عَنْهُ، فَإِنَّ الْيَوْمَ غَنِيمَةٌ، وَ غَداً لَا تَدْرِى لِمَنْ هُوَ .
أَهْلُ الدُّنْيا فِي سَفَرٍ يَحُلّونَ عُقَدَ رِحالِهِمْ فِي غَيْرِها، قَدْ خَلَتْ مِنّا أُصولٌ نَحْنُ فُروعُهَا، فَمَا بَقاءُ الْفَرْعِ بَعْدَ أَصْلِهِ.
أَيْنَ الَّذِينَ كانوا أَطْوَلَ أَعْماراً مِنْكُمْ، وَ أَبْعَدَ آمالاً؟!
أَتَاكَ يَابْنَ آدَمَ ما لَا تَرُدُّهُ، وَ ذَهَبَ عَنْكَ ما لا يَعودُ، فَلا تَعُدَّنَّ عَيْشاً مُنْصَرِفاً عَيْشاً، ما لَكَ مِنْهُ إِلَّا لَذَّةُ تَزْدَلِفُ بِكَ إِلى حِمامِكَ، وَ تُقَرِّبُكَ مِنْ أَجَلِكَ؟ فَكَأَنَّكَ قَدْ صِرْتَ الْحَبيبَ الْمَفْقُودَ، وَ السَّوادَ الْمُخْتَرِمَ.
فَعَلَيْكَ بِذاتِ نَفْسِكَ، وَ دَعْ ما سواها وَ اسْتَعِنْ بِاللهِ يُعِنْكَ» (1).
2- و حضر عنده جماعة من الشيعة فوعظهم، و حذّرهم عقاب الله، فلم يحفلوا بكلامه فغاظه ذلك، و أطرق برأسه مليّاً إلى الأرض، ثمّ رفع رأسه، فجعل يعاتبهم، و يعظهم مرّة أخرى قائلاً:
إِنَّ كَلامِي لَوْ وَقَعَ طَرَفٌ مِنْهُ فِي قَلْبِ أَحَدِكُمْ لَصَارَ مَيِّتاً، أَلَا يا أَشْباحاً بِلَا أَرْواح، وَ ذُبَاباً بِلَا مِصْباحٍ، كَأَنَّكُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، وَ أَصْنامٌ مَريدَةٌ، أَلَا تَأْخُذُونَ الذَّهَبَ مِنَ الْحَجَرِ، أَلَا تَقْتَبِسونَ الضّياءَ مِنَ النُّورِ الْأَزْهَرِ، أَلَا تَأْخُدُونَ اللُّؤْلُؤَ مِنَ الْبَحْرِ. خُذوا الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ مِمّنْ قالَها وَ إِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِها، فَإِنَّ اللَّهَ يَقولُ: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ» (2).
وَيْحَكَ يا مَغْرُورُ! أَلَا تَحْمَدُ مَنْ تُعْطِيهِ فانياً، وَ يُعْطيكَ باقياً، دِرْهَمٌ يَفْنَى بِعَشْرَةٍ تَبْقَى إِلَى سَبْعِمَانَةِ ضِعْفٍ مُضَاعَفَةٍ مِنْ جَوادٍ كَرِيمٍ، أَتَاكَ اللَّهُ عِنْدَ مُكافَأَةٍ هُوَ مُطْعِمُكَ وَ ساقِيكَ، وَ كاسيكَ، وَ مُعافيكَ، وَ كافيكَ، وَ ساتِرُكَ مِمَّنْ يُراعيكَ، مَنْ حَفِظَكَ فى لَيْلِكَ وَ نَهارِكَ، وَ أَجابَكَ عِنْدَ اضْطِرارِكَ، وَ عَزَمَ لَكَ عَلَى الرُّشْدِ فِي اخْتِبارِكَ، كَأَنَّكَ قَدْ نَسِيتَ لَيَالِيَ أَوْجَاعِكِ وَ خَوْفِكَ، دَعَوْتَهُ فَاسْتَجابَ لَكَ، فَاسْتَوْجَبَ بِجَمِيلِ صَنيعِهِ الشُّكْرَ، فَنَسِيتَهُ فيمَنْ ذَكَرَ، وَ خالَفْتَهُ فيما أَمَرَ.
وَيْلَكَ! إِنَّما أَنْتَ لِصٌّ مِنْ لُصوص الذُّنوبِ، كُلَّما عَرَضَتْ لَكَ شَهْوَةٌ، أَوِ ارْتِكَابُ ذَنْبٍ سَارَعْتَ إِلَيْهِ، وَ أَقْدَمْتَ بِجَهْلِكَ عَلَيْهِ، فَارْتَكَبْتَهُ كَأَنَّكَ لَسْتَ بِعَيْنِ اللهِ أَوْ كَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَكَ بِالْمِرْصَادِ!
يا طالِبَ الْجَنَّةِ، ما أَطْوَلَ نَوْمَكَ، وَ أَكَلَّ مَطِيَّتَكَ، وَ أَوْهی هِمَّتَكَ، فَلِلَّهِ أَنْتَ مِنْ طَالِبٍ وَ مَطْلوبٍ، وَ يا هَارِباً مِنَ النَّارِ مَا أَحَثَّ مَطِيَّتَكَ إِلَيْهَا، وَ ما أَكْسَبَكَ لِما يُوقِعُكَ فيها!
انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ الْقُبورِ سُطوراً بِأَفْنَاءِ الدُّورِ، تَدانَوا في خِطَطِهِمْ، وَ قَرُبوا في مَزارِهِمْ، وَ بَعُدوا في لِقائِهِمْ، عَمَّروا فَخَرَّبوا، وَ آنسوا فَأَوْحَشوا، وَ سَكَنوا فَازْعِجوا، وَ قَطَنوا فَرَحَلوا، فَمَنْ سَمِعَ بِدانٍ بَعِيدٍ وَ شاحِطٍ (1)قَريبٍ، وَ عامِرٍ مَخْربٍ، وَ آنِسٍ مُوحِشٍ، وَ ساكِنٍ مُزْعَجٍ، وَقاطِنٍ مُرْحَلٍ غَيْرِ أَهْلِ الْقُبورِ!
يابْنَ الْأَيَّامِ الثَّلاثِ: يَوْمِكَ الَّذي وُلِدْتَ فِيهِ، وَ يَوْمِكَ الَّذِي تَنْزِلُ فِيهِ قَبْرَكَ، وَ يَوْمِكَ الَّذِي تَخْرُجُ فِيهِ إِلى رَبِّكَ، فَيا لَهُ مِنْ يَوْمٍ عَظِيمٍ يا ذَوِي الْهَيْئَةِ الْمُعْجِبَةِ، وَ الْهِيمِ الْمُعْطَنَةِ (2)، ما لي أرى أَجْسَامَكُمْ عامِرَةً، وَ قُلوبَكُمْ دامِرَةً، أَما وَ اللهِ لَوْ عَايَنْتُمْ ما أَنْتُمْ مُلاقوهُ، وَ مَا أَنْتُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ لَقَلْتُمْ: «يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (3).
قالَ جَلَّ مِنْ قائِل: «بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» (1)» (2).
لقد أنكر الإمام أبو جعفر علیه السلام على هؤلاء القوم انصرافهم عن وعظه، و إرشاداته الهادفة إلى استقامتهم و حسن سلوكهم، و ظفرهم بخير الدنيا و الآخرة، و قد وجّه إليهم هذه الموعظة البالغة فدعاهم إلى الله، و التمسّك بطاعته، فإنّه بيده الخير و الحرمان.
لقد وعظهم بهذه المواعظ التي تخشع لها النفوس، و تتوجّل منها القلوب ليرجعهم إلى حضيرة الإيمان و واقع الإسلام.
3- و وعظ الإمام بعض أصحابه، فأحاطه علماً بواقع هذه الحياة.
فقال علیه السلام له: أَنْزِلِ الدُّنْيا كَمَنْزِلٍ نَزَلْتَهُ وَ ارْتَحَلْتَ عَنْهُ، أَوْ كَمَالٍ أَصَبْتَهُ فِي مَنامِكَ فَاسْتَيْقَظْتَ، وَ لَيْسَ مَعَكَ مِنْهُ شَيْءٌ (3).
إنّ الإنسان لو نظر إلى الدنيا بهذه النظرة الصائبة، و تعرف على واقعها و حالها لما أُصيب بداء الغرور و الأنانيّة، و الجشع و الطمع، و غير ذلك من الآفات النفسيّة التي تضلّه عن طريق الحقّ.
4- و من مواعظه علیه السلام أنّه قال: «ما اغْرَوْرَقَتْ عَيْنٌ بِمَائِهَا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ إِلَّا وَ حَرَّمَ اللهُ وَجْهَ صاحِبِها عَلَى النَّارِ، فَإِنْ سالَتْ عَلَى الْخَدَّيْنِ دُموعُهُ لَمْ يَرْهَقْ وَجْهَهُ قَتَرٌ وَ لَا ذِلَّةٌ، وَ مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الدَّمْعَةَ، فَإِنَّ اللهَ
يُكَفِّرُ بِها بُحورَ الْخَطايا» (1).
لقد دعا علیه السلام إلى البكاء من خشية الله، فإنّه من علامة الإيمان، و هو يكشف عن اتّصال العبد بربّه و خالقه.
5- قال علیه السلام: «أَكْثِرُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُكْثِرْ إِنسَانُ ذِكْرَ الْمَوْتِ إِلَّا زَهَدَ فِي الدُّنْيا» (2).
إنّ الإنسان متى ذكر الموت و جعله أمام عينيه فإنّه يزهد في هذه الدنيا، و ينصرف عن مباهجها و ملاذّها.
6- و سئل الإمام أبو جعفر علیه السلام عن أشدّ الناس زهداً؟
فقال علیه السلام: مَنْ لَا يُبالي الدُّنْيا فِي يَدِ مَنْ كَانَتْ.
فقيل له: من أخسر الناس صفقة؟
فقال علیه السلام: مَنْ باعَ الْبَاقِيَ بِالْفاني.
قيل له: من أعظم الناس قدراً؟
فقال علیه السلام: مَنْ لَا يَرَى الدُّنْيا لِنَفْسِهِ قَدْراً (3).
7- و وعظ علیه السلام أصحابه فقال لهم: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقولُ: يَابْنَ آدَمَ، تَطَوَّلْتُ عَلَيْكَ بِثَلاثٍ: سَتَرْتُ عَلَيْكَ ما لَوْ يَعْلَمْ بِهِ أَهْلُكَ ما داروكَ، وَ أَوْسَعْتُ عَلَيْكَ فَاسْتَقْرَضْتَ مِنْكَ فَلَمْ تُقَدِّمْ خَيْراً، وَجَعَلْتُ لَكَ نَظِرَةٌ فِي تُلُثِكَ
فَلَمْ تُقَدَّمْ خَيْراً» (1).
هذه بعض النماذج من مواعظه القيّمة و قد ساقها علیه السلام إلى معالجة النفوس و تهذيبها، و كانت هذه الظاهرة التربويّة من أبرز القيم في تعاليم أئمّة أهل البيت علیهم السلام.
و تحدّث الإمام أبو جعفر علیه السلام عن فضل العقل، و إنّه من أعظم ما خلق الله تعالى.
قال علیه السلام: لَمّا خَلَقَ اللهُ الْعَقْلَ اسْتَنْطَقَهُ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: وَ عِزَّتِي وَ جَلالي ما خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ، وَ لَا أَكْمَلْتُكَ إِلَّا فِيمَنْ أُحِبُّ أَما إِنِّي إِيَّاكَ آمُرُ، وَ إِيَّاكَ أَنْهى، وَ إِيَّاكَ أُعاقِبُ، وَ إِيَّاكَ أُثيبُ» (2).
إنّ بالعقل ترتفع قيمة الإنسان، و لولاه لما كان هناك أي فرق بينه و بين الحيوان السائم، و هو من الشرائط الأوليّة في صحّة التكليف - كما يقول الفقهاء -.
و أشاد الإمام أبو جعفر علیه السلام بالفطنة، و جعلها المصدر الوحيد لسعادة الإنسان، و صلاح معيشته.
قال علیه السلام: «صَلاحُ جميع التَّعايُشِ وَ التَّعاشُرِ مِلْءُ مِكْيالٍ ثُلْثاهُ فِطْنَةٌ، وَ ثُلُثُهُ تَغافُلْ، فَلَمْ يُجْعَلْ لِغَيْرِ الْفِطْنَةِ نَصِيباً مِنَ الْخَيْرِ، وَ لَا حَظّاً في
الصَّلاحِ، لأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَغافَلُ إِلَّا عَنْ شَيْءٍ قَدْ فَطِنَهُ وَ عَرَفَهُ» (1).
و ما أروع هذه الكلمة، و قد علّق عليها بعض العلماء فقال: «إنّها جمعت صلاح شأن الدنيا بحذافيرها».
و دعا علیه السلام إلى إجالة الفكر و انطلاقه.
قال علیه السلام: «بإجالَةِ الْفِكْرِ يُسْتَدَرُّ الرَّأْيُ الْمُعْشِبُ» (2).
و هذه الكلمة من روائع الحكم، فإنّ الرأي الأصيل و السديد إنّما يصل إليه الإنسان بعد إجالة فكره في الأُمور، و كذلك الحقائق العلميّة و المخترعات إنّما هي وليدة التفكّر و الدراسة للأُمور، فإنّه من غير الممكن أن يتوصّل الإنسان لذلك من دون إجالة الفكر و إمعانه.
و اهتمّ الإمام أبو جعفر علیه السلام بنشر مكارم الأخلاق و إذاعتها بين الناس، لأنّها من العناصر الذاتيّة في بناء المجتمع الإسلامي، و قد حفلت مصادر الحديث و غيرها بالشيء الكثير من كلماته الحكيمة، و فيما يلي ذلك:
أمّا الإحسان إلى الناس فإنّه من أوثق الأسباب إلى تماسك المجتمع و ترابطه و شيوع المحبّة و الأُلفة بين أبنائه، و قد ندب إليه الإسلام، و حثّ عليه.
قال الإمام أبو جعفر علیه السلام: «ما تُذُرِّعَ إِلَيَّ بِذَرِيعَةٍ، وَ لَا تُوُسِّلَ بِوَسِيلَةٍ هِيَ أَقْرَبُ لَهُ إِلَى مَا يُحِبُّ مِنْ يَدٍ سالِفَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ أَتْبَعَتْها أُخْتُها لِتُحْسِنَ حِفْظَهَا وَ رَیَّهَا؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْأَواخِرِ يَقْطَعُ لِسَانَ شَكْرِ الْأَوائِلِ، وَ مَا سَمِحَتْ لي نَفْسي بِرَدِّ بِكْرِ
الْحَوائِجِ» (1).
إنّ أحبّ الأشياء إلى الإمام علیه السلام مواصلة الإحسان و تكراره ليغرس به المودّة و الحبّ في قلوب الناس.
و حثّ الإمام علیه السلام على فعل المعروف إلى الناس في كثير من أحاديثه، و من بين ما
1) تحف العقول: 296 و 297.
1- قال علیه السلام: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْمَعْرُوفِ أَهْلاً مِنْ خَلْقِهِ، حَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ، وَ حَبَّبَ إِلَيْهِمْ فَعالَهُ، وَ وَجَّهَ لِطُلّاب الْمَعْرُوفِ الطَّلَبَ إِلَيْهِمْ، وَ يَسَّرَ إِلَيْهِمْ قَضَاءَهُ، كَمَا يَسَّرَ الْغَيْتَ لِلْأَرْضِ الْمُجْدِبَةِ لِيُحْيِيهَا، وَ يُحْيِي أَهْلَهَا، وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْمَعْرُوفِ أَعْداءً مِنْ خَلْقِهِ بَغَّضَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ، وَ بَغَّضَ إِلَيْهِمْ فِعالَهُ، وَ حَظَرَ عَلى طُلّابِ الْمَعْرُوفِ التَّوَجُّهَ إِلَيْهِمْ، وَ حَظَرَ عَلَيْهِمْ قَضاءَهُ كَما يَحْظُرُ الْغَيْثَ عَن الْأَرْضِ الْمُجْدِبَةِ لِيُهْلِكَها وَ يُهْلِكَ أَهْلَها، وَ ما يَعْفُو اللهُ عَنْهُ أَكْثَرَ» (1).
2- قال علیه السلام: «صَنائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقى مَصارِعَ السُّوءِ، وَ كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ في الدُّنْيا هُم أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ، وَ أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الدُّنْيا أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الْآخِرَةِ، وَ أَوَّلُ أَهْلِ الْجَنَّة دُخولاً إِلَى الْجَنَّةِ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ، وَ إِنَّ أَوَّلَ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً إِلَى النَّارِ أَهْلُ الْمُنْكَرِ» (2).
و أوصى علیه السلام أصحابه بمقابلة المعروف بالمزيد من الإحسان.
قال علیه السلام: «مَنْ صَنَعَ مِثْلَ ما صُنِعَ إِلَيْهِ فَقَدْ كافاهُ، وَ مَنْ أَضْعَفَ كانَ شَكوراً، وَ مَنْ شَكَرَ كانَ كَريماً، وَ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ ما صَنَعَ كانَ إِلى نَفْسِهِ لَمْ يَسْتَبْطِئِ النَّاسَ فِي شُكْرِهِمْ، وَ لَمْ يَسْتَزِدْهُمْ فِي مَوَدَّتِهِمْ، فَلَا تَلْتَمِسُ
مِنْ غَيْرِكَ شُكْرَ ما أَتَيْتَهُ إِلى نَفْسِكَ، وَ وَقَيْتَ بِهِ عِرْضَكَ، وَ اعْلَمْ أَنَّ طَالِبَ الْحَاجَةِ لَمْ يُكْرِمْ وَجْهَهُ عَنْ مَسْأَلَتِكَ، فَأَكْرِمْ وَجْهَكَ عَنْ رَدِّهِ» (1).
و بعد ما أوصى علیه السلام بمقابلة المعروف بالإحسان دعا إلى صنع المعروف بما هو معروف، و أن لا يبغي صاحبه جزاءاً، فإنّه قد صنع ذلك لنفسه، و وقى به شرفه و عِرضه.
1) تحف العقول: 300 و 301.
و حثّ الإمام علیه السلام على آداب السلوك الاجتماعي مع الناس، و كان من بين ذلك:
و أمر علیه السلام بمقابلة الناس بطلاقة الوجه و البشرى بهم.
قال علیه السلام: «الْبِشْرُ الْحَسَنُ، وَ طَلَاقَةُ الْوَجْهِ مَكْسَبَةٌ لِلْمَحَبَّةِ، وَ قُرْبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وَ عُبُوسُ الْوَجْهِ، وَ سُوءُ الْبِشْرِ مَكْسَبَةٌ لِلْمَقْتِ، وَ بُعْدٌ مِنَ اللهِ» (1).
و حثّ علیه السلام على معاملة الناس بالحسنى، و اجتناب هجر الكلام معهم.
قال علیه السلام: «قُولُوا لِلنَّاسِ أَحْسَنَ ما تُحِبّونَ أَنْ يُقالَ لَكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ اللَّعّانَ السَّبّابَ الطَّعّانَ عَلَى الْمُؤْمِنينَ، الْفَاحِشِ المُتَفَحِّشِ، السّائِلِ الْمُلْحِفِ، وَ يُحِبُّ الْحَيِيَّ الْحَلِيمَ، الْعَفيفَ الْمُتَعَفِّفَ» (2).
و أدلى علیه السلام بالحقوق التي شرّعها الإسلام للمسلم تجاه أخيه المسلم.
قال علیه السلام: «أَحْبِبْ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ، وَ أَحْبِبْ لَهُ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَ اكْرَهُ لَهُ
ما تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ، وَ إِذا احْتَجْتَ فَسَلْهُ، وَ إِذا سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَ لَا تَدَّخِرْ عَنْهُ خَيْراً فَإِنَّهُ لَا يَدَّخِرُهُ عَنْكَ، كُنْ لَهُ ظَهْراً فَإِنَّهُ لَكَ ظَهْرٌ، إِنْ غابَ فَاحْفَظْهُ فِي غَيْبَتِهِ، وَ إِنْ شَهِدَ فَزُرْهُ، وَ أَجِلَّهُ، وَ أَكْرِمْهُ، فَإِنَّهُ مِنْكَ وَ أَنْتَ مِنْهُ، وَ إِنْ كَانَ عَلَيْكَ عاتباً فَلَا تُفارِقْهُ حَتَّى تَسُلَّ سَخيمَتَهُ (1)وَ ما فِى نَفْسِهِ، وَ إِذا أَصابَهُ خَيْرٌ فَاحْمَدِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَ إِنْ ابْتُلِيَ فَاعْضُدْهُ، وَ تَمَحَّلْ لَهُ» (2).
و لو طبّق المسلمون هذه التعاليم الحيّة على واقع حياتهم لصاروا من أقوى شعوب العالم، و ما تداعت الأُمم على غزوهم و استعبادهم، و نهب ثرواتهم.
لقد انحرفوا عن هذه المبادئ الأصيلة فهانوا و ذلّوا و تفرّقوا شيعاً و أحزاباً «كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» (3).
و ندب الإمام الباقر علیه السلام المسلمين إلى قضاء حوائج إخوانهم، و حذّر من تركها.
قال علیه السلام: «ما مِنْ عَبْدٍ يَمْتَنِعُ عَنْ مَعَونَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَ السَّعْي لَهُ فِي حاجَتِهِ، قُضِيَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تُقْضَ، إِلَّا ابْتُلِيَ بِالسَّعْيِ في حاجَةِ فيما يَأْثَمُ وَ لَا يُؤْجَرُ وَ مَا مِنْ عَبْدٍ يَبْخَلُ بِنَفَقَةٍ يَنْفِقُها فيما يُرضي اللَّهَ إِلَّا ابْتُلِيَ بِأَنْ يُنْفِقَ أَضْعافَها فيما أَسْخَطَ الله» (4).
و عنى الإسلام بصلة الأرحام، و ندب إليها، لأنّها توجب تماسك الأُسرة و ارتباطها، و تعود على الأُمّة بأروع الثمرات، و قد حثّ عليها الإمام أبو جعفر علیه السلام.
قال علیه السلام: «صِلَةُ الْأَرْحَامِ تُزَكِّي الْأَعْمَالَ، وَ تُنْمِي الْأَمْوالَ، وَ تَدْفَعُ الْبَلْوى، وَ تُيَسِّرُ الْحِسَابَ، وَ تُنْسِئُ فِي الْأَجَلِ» (1).
و أكّد الإمام علیه السلام على الصدقة، و ذكر الفوائد التي يظفر بها المتصدّق، و قد أدلى بذلك أمام أصحابه.
قال علیه السلام: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذا فَعَلْتموهُ يُبْعِدُ السُّلْطَانَ وَ الشَّيْطَانَ مِنْكُمْ.
فقال له أبو حمزة: بلى أخبرنا حتّى نفعله.
قال علیه السلام: عَلَيْكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَبَكِّروا بها، فَإِنَّهَا تُسَوِّدُ وَجْهَ إِبْلِيسَ، وَ تَكْسِرْ شَرَهَ السُّلْطَانِ الظَّالِم عَنْكُمْ فِي يَوْمِكُمْ ذلِكَ، وَ عَلَيْكُمْ بِالْحُبِّ لِلَّهِ، وَ التَّوَدُّدِ وَ الْمُوازَرَةِ عَلَى الْعَمَلِ الصّالِحٍ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ دَابِرَهُما - يعني الشيطان و السلطان - وَ أَلِحّوا في الْإِسْتِغْفَارِ فَإِنَّهُ مَمْحاةٌ لِلذُّنوبِ» (2).
و دعا الإمام علیه السلام إلى العطف على اليتيم و البرّ بالضعيف.
قال علیه السلام: «أَرْبَعٌ مِنْ كُنَّ فِيهِ بَنَى اللهُ تَعَالَى لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ: مَنْ آوَى
الْيَتِيمَ، وَ رَحِمَ الضَّعِيفَ، وَ أَشْفَقَ عَلَى وَالِدَيهِ، وَ رَفَقَ بِمَمْلُوكِه» (1).
و تحدّث الإمام أبو جعفر علیه السلام عن محاسن الصفات التي تقرّب الإنسان من الله،و تبعده عن سخطه و عذابه.
قال علیه السلام: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَمُلَ إِسْلَامُهُ، وَ أُعِينَ عَلَى إِيمَانِهِ، وَ مُحِّصَتْ ذُنُوبُهُ، وَ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هُوَ عَنْهُ راضٍ، وَ لَوْ كَانَ فِيمَا بَيْنَ قَرْنِهِ إِلَىٰ قَدَمَيْهِ ذُنُوبٌ حَطَّهَا اللَّهُ عَنْهُ، وَ هِيَ الْوَفاءُ بِمَا يَجْعَلُ لِلَّهِ عَلَىٰ نَفْسِهِ، وَ صِدْقُ اللِّسانِ مَعَ النَّاسِ، وَ الحَياءُ بِما يَقْبَحُ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ النَّاسِ، وَ حُسْنُ الْخُلُقِ مَعَ الْأَهْلِ وَ النَّاسِ.
وَ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْكَنَهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ فِي أَعْلَىٰ عِلِّيِّينَ فِي غُرَفٍ فَوْقَ الْغُرَفِ: مَنْ آوَى الْيَتِيمَ، وَ نَظَرَ لَهُ وَ كانَ لَهُ أباً، وَ مَنْ رَحِمَ الضَّعيفَ، وَ أَعانَهُ وَ كَفَاهُ، وَ مَنْ أَنْفَقَ عَلى وَالِدَيْهِ وَ تَرَفَّقَ بِهِما وَ سَرَّهُما، وَ لَمْ يُحْزِنُهُما وَ مَنْ لَمْ يَخْرَقْ مَمْلوكُهُ فَأَعانَهُ عَلى ما يُكَلِّفُه» (2).
لقد أمر الإمام علیه السلام بكلّ ما يقرّب الإنسان من ربّه، و قد أرشده إلى محاسن الأعمال التي يحبّها الله، و يجزل عليها ثوابه، و تستوجب المزيد من ألطافه.
و دعا علیه السلام إلى الصمت و عدم الخوض فيما لا يكسب فيه الإنسان فائدة أو خيراً .
قال علیه السلام: «إِنَّ هذا اللِّسانَ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ وَ شَرٍّ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَخْتِمَ لِسانَهُ كَمَا يَخْتِمُ عَلَى ذَهَبِهِ وَ فِضَّتِهِ، فَإِنَّ رَسولَ اللهِ صلّی الله علیه و آله و لّم قالَ: رَحِمَ اللهُ مُؤْمِناً أَمْسَكَ لِسَانَهُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ، فَإِنَّ ذلِكَ صَدَقَةٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ، لَا يَسْلَمُ أَحَدٌ مِن ض الذُّنوبِ حَتَّى يَخْزُنَ لِسانَهُ» (1).
1) تحف العقول: 298.
و حذّر الإمام علیه السلام من الاتّصاف بالصفات السيّئة، و الأعمال المنكرة، و هذا بعض ما أثر عنه:
1- قال علیه السلام: «مَا دَخَلَ قَلْبُ امْرِئٍ شَيْءٌ مِنَ الْكِبْرِ إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ مِثْلُ ما دَخَلَهُ مِنْ ذلِكَ، قَلَّ ذلِك أَوْ كَثُر» (1).
و قال علیه السلام: «الْمُتَكَبِّرُ يُنازِعُ اللهَ رِداءَهُ» (2).
إنّ الكبرياء ينمّ عن الجهل و نقصان العقل، فإنّ الإنسان لو عرف مآله و ما يصير إليه من مفارقة هذه الحياة، و نسيان ذكره، و استحالة جسمه الذي يزهو به إلى كتلة من التراب المهين، لو أدرك ذلك و تبصّر فيه لما تكبّر على خلق الله.
2- و ذمّ الإمام علیه السلام الإنسان المنافق الذي يكون ذا وجهين و لسانين.
قال علیه السلام: «بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَكُونُ ذَا وَجْهَيْنِ، وَ ذَا لِسانَيْنِ يُطْرِي أَخاهُ شاهِداً، وَ يَأْكُلُهُ غَائِباً، إِنْ أُعْطِيَ حَسَدَهُ، وَ إِنِ ابْتُلِيَ خَذَلَهُ» (3).
إنّ هذا الانحراف يكشف عن خبث السريرة، و سوء الطويّة، و أنّ صاحبه لا خلق له، و لا ايمان له بربّه.
3- و حذّر الإمام من الاتّصاف بالصفات التالية.
قال علیه السلام: «ما أَقْبَحَ الْأَسْرَ عِنْدَ الظَّفَرِ، وَ الْكَآبَةَ عِنْدَ النَّائِبَةِ، وَ الْغِلْظَةَ عَلَى
الْفَقيرِ، وَ الْقَسْوَةَ عَلَى الْجارِ، وَ مُشاحَّةَ الْقَرِيبِ، وَ الْخِلافَ عَلَى الصّاحِبِ، وَ سُوءَ الْخُلُقِ عَلَى الْأَهْلِ، وَ الْإِسْتِطَالَةَ بِالْقُدْرَةِ، وَ الْجَشَعَ مَعَ الْفَقْرِ، وَ الْغَيْبَةَ لِلْجَلِيسِ، وَ الْكَذِبَ فِي الْحَديثِ، وَ السَّعْيَ بِالْمُنْكَر، وَ الْغَدْرَ مِنَ السُّلْطَانِ، وَ الْخَرْقَ مِنْ ذَوي الْمُروَءَةِ، مَنْ سَأَلَ فَوْقَ قَدْرِهِ اسْتَحَقَّ الْحِرْمَانَ، صَلاحُ مَنْ جَهِلَ الْكَرَامَةَ فِي هَوَانِهِ، الْمُسْتَرْسِلُ مَرْقِيٌّ، وَ الْمُحْتَرِس مَلْقِيٌّ» (1).
و من تجنّب هذه الصفات فقد تحلّى بمعالي الأخلاق الرفيعة، و صار من أفذاذ الناس و خيارهم.
4- و نهى الإمام علیه السلام عن ارتكاب ما يلي.
قال علیه السلام: «ثَلاثُ خِصالٍ لَا يَمُوتُ صاحِبُهُنَّ أَبَداً حَتَّى يَرى وَ بالَهُنَّ: الْبَغْيُ، وَ قَطيعَةُ الرَّحِمِ، وَ الْيَمينُ الْكاذِبَةُ يُبارِزُ اللَّهَ بِها.
وَ إِنَّ أَعْجَلَ الطَّاعَةِ ثَواباً لَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَ أَنَّ الْقَوْمَ لَيَكونوا فُجّاراً فَيَتواصَلونَ فَتَنْمِي أَمْوالُهُمْ.
وَ إِنَّ الْيَمِينَ الْكاذِبَةَ وَ قَطِيعَةَ الرَّحِمَ لَيَذرانِ الدِّيارَ بَلاقِعَ مِنْ أَهْلِها، وَ يُثَقِّلانِ الرَّحِمَ، وَ إِنَّ تَثَقُّلَ الرَّحِمِ انْقِطَاعُ النَّسْلِ» (2).
5- و كره الإمام علیه السلام اتّصاف الإنسان بما يلي من الصفات:
قال علیه السلام: «أَرْبَعَةٌ أَسْرَعُ شَيْءٍ عُقوبَةٌ: رَجُلٌ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ وَ يُكافيكَ
بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ إِساءَةً، وَ رَجُلٌ لَا تَبْغِي عَلَيْهِ وَ يَبْغِي عَلَيْكَ، وَ رَجُلٌ عَاهَدْتَهُ عَلَى أَمْر فَمِنْ أَمْرِكَ الْوَفاءُ لَهُ وَ مِنْ أَمْرِهِ الْغَدْرُ بِكَ، وَ رَجُلٌ يَصِلُ قَرابَتَهُ وَ يَقْطَعونَهُ» (1).
6- و حذّر الإمام علیه السلام من شرب الخمر الذي هو من أعظم المحرّمات.
قال علیه السلام: «إِنَّ مُدْمِنَ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنِ، وَ يورِثُهُ الْإِرْتِعاشَ، وَ يَهْدِمُ مُروءَتَهُ، وَ يَحْمِلُهُ عَلَى التَّجَسُّرِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَ رُكوب الزِّنا» (2).
إنّ الخمر مصدر لكلّ رذيلة و موبقة، و هو من الآفات الاجتماعيّة التي تسبّب فقدان الشرف، و الوقوع في جميع المحرّمات، أمّا أضراره الجسميّة فقد تحدّثنا عنها في بعض مؤلّفاتنا.
7- و ذمّ الإمام علیه السلام الفاحش بقوله: «إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ» (3).
و فرّق الإمام علیه السلام بين الغيبة و البهتان بقوله: «الغِيْبَةُ أَنْ تَقُولَ في أَخِيكَ ما سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْأمْرُ الظَّاهِرُ مِنْهُ مِثْلُ الْحِدَّةِ وَ الْعَجَلَةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَقُولَهُ، وَ إِنَّ الْبُهْتانَ أَنْ تَقُولَ فِي أَخيِكَ ما لَيْسَ فِيهِ» (4).
و حذّر الإمام علیه السلام من الغضب و وضع له علاجاً.
قال علیه السلام: «إِنَّ هَذَا الْغَضَبَ جَمْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تُوقَدُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، وَ إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذا غَضِبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَ انْتَفَخَتْ أَوْداجُهُ، وَ دَخَلَ الشَّيْطَانُ فيهِ، فإِذا خافَ أَحَدُكُمْ ذلِكَ مِنْ نَفْسِهِ فَلْيَلْزَمِ الْأَرْضَ، فَإِنَّ رِجْزَ الشَّيْطانِ لَيَذْهَبُ عَنْهُ عِنْدَ ذلِكَ» (1).
و قد شدّد الإمام أبو جعفر علیه السلام في أمر الغضب، و حذّر من عواقبه.
قال الإمام الصادق علیه السلام: «كانَ أَبي يَقولُ: أَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِنَ الْغَضَبِ، إِنَّ الرَّجُلَ لِيَغْضَبُ فَيَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتى حَرَّمَ اللهُ وَ يَقْذِفُ الْمُحْصَنَةَ» (2).
و قال الإمام أبو جعفر علیه السلام: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ فَما يَرْضى أَبَداً حَتَّى يَدْخُلَ النّارَ» (3).
قال علیه السلام: «عَجَباً لِلْمُخْتالَ الفَخُورِ، إِنَّما خُلِقَ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ يَعُودُ جيفَةً، وَ هُوَ فِيما بَيْنَ ذلِكَ لَا يَدْري ما يُصْنَعُ بِهِ» (4).
و في أدعية أئمّة أهل البيت عليهم السلام التراث رائع، و مناجم أخّاذة تكمن فيها جواهر الحكم و الآداب، و هي تمثّل مدى اتّجاه الأئمّة عليهم السلام نحو الله، و اتّصالهم به، و انقطاعهم إليه، كما تمثّل الرصيد الروحي الذي يملكونه من النسك و التقوى و الحريجة في الدين، و بالإضافة لذلك فإنّها من الثروات الكبرى للأخلاق و الفلسفة و علم الكلام.
و قد أُثرت عن الإمام أبي جعفر عليه السلام كثير من الأدعية، و هذه بعضها:
1- روى أبو حمزة الثمالي هذا الدعاء عن الإمام أبي جعفر عليه السلام، و كان يسمّيه (الجامع)، و قد جاء فيه بعد البسملة:
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسولُهُ، آمَنْتُ بِاللَّهِ وَ بِجَميع رُسُلِ اللَّهِ، وَ بِجَميع مَا أُنْزِلَ بِهِ جَمِيعُ رُسُلِ اللهِ، وَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَ لِقاءَهُ حَقٌّ، وَ صَدَقَ اللهُ، وَ بَلَّغَ الْمُرْسَلونَ، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ، وَ سُبْحانَ اللهِ كُلَّما سَبَّحَ اللَّهَ شَيْءٌ، وَ كَما يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يُسَبَّحَ، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا حَمِدَ اللَّهَ شَيْءٌ، وَ كَما يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يُحْمَدَ، وَ لَا إِلهَ إلَّا اللهُ كُلَّما هَلَّلَ اللهَ شَيْءٌ، وَ كَما يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يُهَلَّلَ، وَ اللهُ أَكْبَرُ كُلَّما كَبَّرَ اللهَ شَيْءٌ، وَ كَمَا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يُكَبَّرَ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مَفاتيحَ الْخَيْرِ وَ خَواتِيمَهُ وَ شَرَائِعَهُ، وَ سَوابِغَهُ وَ فَوائِدَهُ وَ بَرَكاتِهِ، وَ مَا بَلَغَ عِلْمُهُ عِلْمي، وَ مَا قَصُرَ عَنْ إِحْصَائِهِ حِفْظي، اللهُمَّ انْهَجْ
لي أَسْبَابَ مَعْرِفَتِهِ، وَ افْتَحْ لِي أَبْوابَهُ، وَ غَشِّني بِبَرَكاتِ رَحْمَتِكَ، وَ مُنَّ عَلَيَّ بِعِصْمَةٍ عَنِ الْإِزالَةِ عَنْ دينِكَ، وَ طَهِّرْ قَلْبي مِنَ الشَّكِّ، وَ لَا تُشْغِلْ قَلْبِي بِدُنْيَايَ، وَ عاجِلَ مَعاشي عَنْ آجِلِ ثَوابِ آخِرَتِي، وَ أَشْغِلْ قَلْبِي بِحِفْظِ ما لَا تَقَبَلُ مِنّي جَهْلَهُ، وَ ذَلِّلْ لِكُلِّ خَيْرٍ لِسانِي، وَ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ الرِّياءِ وَ السُّمْعَةِ، وَ لَا تُجْرِهِما في مَفاصِلي، وَ اجْعَلْ عَمَلي خالِصاً لَكَ.
اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ، وَ أَنْواعِ الْفَوَاحِشِ كُلِّهَا، ظَاهِرِهَا وَ بَاطِنِها وَ غَفَلَاتِها، وَ جَميع ما يُريدُني بِهِ الشَّيْطانُ الرَّجيمُ، وَ ما يُريدُني بِهِ السُّلْطانُ الْعَنيدُ، مِمّا أَحَطْتَ بِعِلْمِهِ، وَ أَنْتَ الْقَادِرُ عَلَى صَرْفِهِ عَنِّي.
اللهُمَّ إِنِّي أَعوذُ بِكَ مِنْ طَوارِقِ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ زَوابِعِهِمْ وَ بَوائِقِهِمْ وَ مَكائِدِهِمْ وَ مَشاهِدِ الْفَسَقَةِ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ، وَ أَنْ أُسْتَزَلَّ عَنْ دينى، فَتَفْسُدَ عَلَيَّ آخِرَتي، وَ أَنْ يَكونَ ذلِكَ مِنْهُمْ ضَرراً عَلَيَّ في مَعاشي، أَوْ بِعَرَضِ بَلَاءٍ يُصِيبُني مِنْهُمْ، لَا قُوَّةَ لي بِهِ، وَ لَا صَبْرَ لي عَلَى احْتِمَالِهِ، فَلَا تَبْتَلِني يا إلهي بِمُقاساتِهِ (1)، فَيَمْنَعُني ذلِكَ عَنْ ذِكْرِكَ، وَ يُشْغِلُني عَنْ عَبَادَتِكَ، أَنْتَ الْعاصِمُ الْمَانِعُ، وَ الدَّافِعُ الْواقِي مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ.
أَسْأَلُكَ اللهُمَّ الرَّفاهِيَّةَ في مَعيشَتي مَا أَبْقَيْتَنِي، مَعِيشَةً أَقْوىٰ بِهَا عَلَىٰ طاعَتِكَ، وَ أَبْلُغُ بِها رِضْوانَكَ، وَ أصيرُ بِها بِمَنّكَ إِلى دارِ الْحَيَوانِ غَداً،
1) أي بمكابدته و تحمّل مشقّته.
وَ لَا تَرْزُقْني رِزْقاً يُطْغينِي، وَ لَا تَبْتَلِنِي بِفَقْرٍ أَشْقَى بِهِ، مُضَيِّقاً عَلَيَّ، اعْطِني حَظّاً وافراً في آخِرَتي، وَ مَعاشاً واسعاً هَنيئاً مَريئاً في دُنْيايَ، وَ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيا عَلَيَّ سِجْناً، وَ لَا تَجْعَلْ فِراقَها عَلَيَّ حُزْناً، أَجِرْنِي مِنْ فِتْنَتِها سَليماً، وَ اجْعَلْ عَمَلي فيها مَقْبُولاً، وَ سَعْيِي فِيها مَشْكوراً.
اللَّهُمَّ وَ مَنْ أَرَادَني بِسوءٍ فَأَرِدْهُ بِمِثْلِهِ، وَ مَنْ كَادَنِي فِيهَا فَكِدْهُ، وَ اصْرِفْ عَنِّي هَمَّ مَنْ أَدْخَلَ عَلَيَّ هَمَّهُ، وَ امْكُرْ بِمَنْ مَكَرَ بِي، فَإِنَّكَ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، وَافْقَأَ عَنّي عُيونَ الْكَفَرَةِ الظُّلَمَةِ الطُّغاةِ وَ الْحَسَدَةِ. اللَّهُمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ، وَ أَنْزِلْ عَلَيَّ مِنْكَ سَكِينَةً، وَ أَلْبِسْنِي دِرْعَكَ الْحَصِينَةَ، وَ احْفَظْني بِسِتْرِكَ الواقي، وَ جَلِّلْني عافِيَتَكَ النَّافِعَةَ، وَ صَدِّقْ قَوْلي و فِعالي، وَ بَارِكْ لي في أَهْلي وَ مالى وَ وَلَدى وَ ما قَدَّمْتُ وَ ما أَخَّرْتُ وَ ما أَغْفَلْتُ وَ ما تَعَمَّدْتُ وَ ما تَوانَيْتُ وَ ما أَعْلَنْتُ وَ مَا أَسْرَرْتُ، فَاغْفِرْ لى، يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ، وَ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّاهِرينَ الطَّيِّبينَ، كَما أَنْتَ أَهْلُهُ يا وَلِيَّ الْمُؤْمِنينَ (1).
و يكشف هذا الدعاء عن مدى انقطاع الإمام إلى الله، و شدّة اتّصاله به، فقد ألجأ جميع أُموره إليه، و استعاذ به من فتن الدنيا و غرورها، خوفاً أن تصدّه عن ذكره تعالى.
2- روى الربيع عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن الإمام أبي جعفر علیه السلام أنّه قال له: أَلا أُعَلِّمُكَ دُعاءً لَا نَدْعو بِهِ نَحْنُ أَهْلُ الْبَيْتِ إذا أَكْرَبَنا أَمْرٌ، وَ تَخَوَّفْنا
1) أُصول الكافي: 2: 587 - 589، الدعاء 26. مهج الدعوات: 216 - 218.
مِنْ شَرِّ السُّلْطَانِ إِلَّا قُبِلَ لَنَا بِهِ؟
بلى بأبي أنت و أُمّي.
قُلْ: يَا كَائِناً قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَ يَا مُكَوِّنَ كُلِّ شَيْءٍ، وَ يا باقياً بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ ... ثُمَّ تَذْكُرُ حَاجَتَكَ» (1).
و ذكرت له أدعية أُخرى، و هي تدلّل على مدى روحانيّته، و عظيم اتّصاله بخالقه.
و حثّ الإمام علیه السلام على الدعاء إلى الله.
قال علیه السلام: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ إِلْحَاحَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَ أَحَبَّ ذلِكَ لِنَفْسِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنْ يُسْأَلَ، وَ يُطْلَبَ ما عِنْدَهُ» (2).
و أُثرت عن الإمام أبي جعفر علیه السلام روائع الحكم القصار الحافلة بالقيم الكريمة و الحكم الصائبة و التجارب النافعة، و هذه بعضها:
1- قال علیه السلام: «إِذا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ فِيكَ خَيْراً فَانْظُرْ إِلى قَلْبِكَ، فَإِنْ كَانَ يُحِبُّ أَهْلَ طَاعَةِ اللهِ، وَ يُبْغِضُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ فَفِيكَ خَيْرٌ، وَ اللَّهُ يُحِبُّكَ، وَ إِنْ كَانَ يُبْغِضُ أَهْلَ طَاعَةِ اللهِ، وَ يُحِبُّ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ فَلَيْسَ فِيكَ خَيْرٌ، وَ اللَّهُ يُبْغِضُكَ، وَ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (1).
2- قال علیه السلام: «إِذا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَأَيْنَ عُتَقاءُ اللَّهِ مِنَ
النَّارِ، إِنَّ لِلَّهِ عُتَقاءً مِنَ النَّارِ» (2).
3- قال علیه السلام: «إِذا شَبعَ الْبَطْنُ طَغَى» (3).
4- قال علیه السلام: «إذا كانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ نادى مُنادٍ: أَيْنَ الصَّابِرُونَ؟ فَيَقومُ فِئامٌ مِنَ النّاسِ، ثُمَّ يُنادي مُنادٍ: أَيْنَ الْمُتَصَبِّرُونَ؟ فَيَقومُ فِنامٌ مِنَ النَّاسِ.
فقيل له: ما الصابرون و المتصبّرون؟
قال علیه السلام: الصَّابِرُونَ عَلَى أَداءِ الْفَرائِضِ، وَ الْمُتَصَبِّرُونَ عَلَى تَرْكِ الْمَحارِمِ» (4).
5- قال علیه السلام: «أَرْبَعٌ مِنْ كُنوز الْبِرِّ: كِتْمَانُ الْحَاجَةِ، وَ كِتْمَانُ الصَّدَقَةِ، وَ كِتْمَانُ
الْوَجَعِ، وَ كِتْمَانُ الْمُصِيبَةِ» (1).
6- قال علیه السلام: «أَشَدُّ الْأَعْمَالِ ثَلاثَةٌ: مُواساةُ الْإِخْوانِ في المالِ، وَ إِنْصافُ النّاسِ مِنْ نَفْسِكَ، وَ ذِكْرُ اللهِ عَلى كُلِّ حالٍ» (2).
7- قال علیه السلام: «الاصْبِرْ لِلنَّوائِبِ، وَ لَا تَتَعَرَّضُ لِلْحُقوقِ، وَ لَا تُعْطِ أَحَداً مِنْ نَفْسِكَ ما ضَرُّهُ عَلَيْكَ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ» (3).
8- قال علیه السلام: «اعْرِفِ الْمَوَدَّةَ فِي قَلْبِ أَخِيكَ بِما لَهُ في قَلْبِكَ» (4).
9- قال علیه السلام: «أَفْضَلُ الْعِبادَةِ عِفَّةُ الْبَطْنِ وَ الْفَرْجِ» (5).
10- قال علیه السلام: «اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى الدُّنْيا بِالْغِنى، وَ عَلَى الْآخِرَةِ بِالْعَفْوِ» (6).
11- قال علیه السلام: «إن اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تُعامِلَ أَحَداً إِلَّا وَ لَكَ الْفَضْلُ عَلَيْهِ، فَافْعَلْ» (7).
12- قال علیه السلام: «إِنَّ اللَّهَ قَضى قَضاءً حَتْماً أَلّا يُنْعِمَ عَلَى الْعَبْدِ نِعْمَةً فَيَسْلُبَهَا إِيَّاهُ حَتَّى يُحْدِثَ الْعَبْدُ ذَنْباً يَسْتَحِقُّ بذلك النُّقْمَةَ» (8).
13- قال علیه السلام: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِفْشاءَ السَّلامِ» (9).
14- قال علیه السلام: «و إِنَّ اللهَ يُعْطي الدُّنْيا مَنْ يُحِبُّ وَ يُبْغِضُ، وَ لَا يُعْطِي دِينَهُ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ» (1).
15- قال علیه السلام: «إِنَّ حَدِيثَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ، لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلإِيمَانِ» (2).
16- قال علیه السلام: «إِنَّ الْكَذِبَ هُوَ خَرابُ الْإِيمَانِ» (3).
17- قال علیه السلام: «إِنَّ اللَّهِ عِباداً مَيامِينَ مَياسِيرَ يَعيشُونَ وَ يَعيشُ النَّاسُ فِي أَكْنافِهِمْ، وَ هُمْ فِي عِبَادِهِ مِثْلُ الْقَطْرِ.
وَ لِلَّهِ عِبَادٌ مَلاعِينُ مَناكِيدُ لَا يَعيشونَ وَ لَا يَعيشُ النَّاسُ في أَكْنَافِهِمْ، وَ هُمْ في عِبادِهِ مِثْلُ الْجَرادِ لَا يَقَعُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلّا أَتوا عَلَيْهِ» (4).
18- قال علیه السلام: «إِنَّ لِلَّهِ عُقوباتٍ في القُلوبِ وَ الْأَبْدانِ، ضَنَكٌ فِي الْمَعِيشَةِ، وَ وَهْنٌ في الْعِبادَةِ، وَ ما ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقوبَةٍ أَعْظَمْ مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ» (5).
19- قال علیه السلام: «إِنَّما مَثَلُ الْحَاجَةِ إلى مَنْ أَصابَ مالاً حَديثاً - يَعْنى بِهِ مُسْتَحْدَثَ النِّعْمَةِ - كَمَثَلِ الدَّرْهَم في فَمِ الْأَفْعَى أَنْتَ إِلَيْهِ مُحْوِجٌ، وَ أَنْتَ مِنْهَا عَلى خَطَرٍ» (6).
20- قال علیه السلام: «إِنَّ مِنْ خُطُواتِ الشَّيْطَانِ الْخَلْفَ بِالطَّلاقِ، وَ النَّذْرَ فِي الْمَعاصِي
وَ كُلَّ يَمينِ بِغَيْرِ اللهِ تَعالى» (1).
21- قال علیه السلام: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَخو الْمُؤْمِنِ، لَا يَشْتِمُهُ، وَ لَا يَحْرِمُهُ، وَ لَا يُسِيءُ بِهِ الظَّنَّ» (2).
22- قَالَ علیه السلام: «إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيا تَعاطاها الْبَرُّ وَ الْفاجِرُ، وَ إِنَّ هَذَا الدِّينَ لَا يُعْطِيهِ اللَّهُ إِلَّا أَهْلَ خَاصَّتِهِ» (3).
23- قَالَ علیه السلام: «الْإِيمَانُ حُبٌّ وَ بُغْضٌ» (4).
24- قال علیه السلام: «بِئْسَ الْأَخُ أَخٌ يَرْعاكَ غَنِيّاً وَ يَقْطَعُكَ فَقيراً» (5).
25- قال علیه السلام: «بَلِيَّةُ النَّاسِ عَلَيْنا عَظيمَةٌ، إِنْ دَعَوْنَاهُمْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَنا، وَ إِنْ تَرَكْنَاهُمْ لَمْ يَهْتَدُوا بِغَيْرِنا» (6).
26- قال علیه السلام: «التَّواضُعُ الرِّضا بِالْمَجْلِسِ دونَ شَرَفِهِ، وَ أَنْ تُسَلَّمَ عَلى مَنْ لَقيتَ، وَ أَنْ تَتْرُكَ الْمِراءَ وَ إِنْ كُنْتَ مُحِقِّاً» (7).
27- قال علیه السلام: «الْحَياءُ وَ الْإِيْمَانُ مَقْرونانِ في قَرْنٍ، فَإِذا ذَهَبَ أَحَدُهُما تَبِعَهُ صاحِبُهُ» (8).
28- قال علیه السلام: «سِلاحُ اللَّئامِ قَبِيحُ الْكَلامِ» (1).
و نظم بعض الشعراء هذه الحكمة الرائعة بقوله:
لَقَدْ صَدَقَ الباقِرُ المُرْتَضى *** سَليلُ الْإِمَامِ عَلَيْهِ السَّلامُ
بِما قالَ في بَعضِ أَلْفاظِهِ *** قَبيحُ الْكَلامِ سِلاحٌ اللِّئامِ (2)
29- قَالَ علیه السلام: «شَرُّ الْآباءِ مَنْ دَعاهُ الْبِرُّ إِلَى الْإِفْراطِ، وَ شَرُّ الْأَبْنَاءِ مَنْ دَعَاهُ التَّقْصِيرُ إِلَى الْعُقوقِ» (3).
30- قَالَ علیه السلام: «شِیْعَتُنا مَنْ أَطاعَ الله» (4).
31- قَالَ علیه السلام: «صانع الْمُنافِقَ بِلِسانِكَ، وَ أَخْلِصْ مَوَدَّتَكَ لِلْمُؤْمِنِ، وَ إِنْ جالَسَكَ يَهُودِيٌّ فَأَحْسِنْ مُجالَسَتَهُ» (5).
32- قَالَ علیه السلام: «صُحْبَةُ عِشْرِينَ سَنَةً قَرابَةٌ» (6).
33- قَالَ علیه السلام: «الصَّواعِقُ تُصِيبُ الْمُؤْمِنَ وَ غَيْرَ الْمُؤْمِن، وَ لَا تُصِيبُ الذَّاكِرَه» (7).
34- قال علیه السلام: «عَظِّموا أَصْحابَكُمْ وَ وَفُروهُمْ، وَ لَا يَتَهَجَّمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَ لَا تَضاروا، وَ لَا تَحاسَدوا، وَ إِيَّاكُمْ وَ الْبُخْلَ، كُونوا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ» (8).
35- قَالَ علیه السلام: «في كُلِّ قَضاءِ اللهِ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ» (1).
36- قال علیه السلام: «قُمْ بِالْحَقِّ، وَ اعْتَزِلْ ما لَا يُعْنيكَ، وَ تَجَنَّبْ عَدُوَّكَ، وَ احْذَرْ صديقَكَ مِنَ الْأَقْوامِ، إِلَّا الأمينَ مَنْ خَشِيَ اللهَ، وَ لَا تَصْحِبِ الْفاجِرَ، وَ لَا تُطْلِعْهُ عَلَى سِرِّكَ، وَ اسْتَشِرْ فِي أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللهَ» (2).
37- قال علیه السلام: «كانَ لي أَخٌ في عَيْنِي عَظِيمٌ، وَ كَانَ الَّذِي عَظَّمَهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيا في عَيْنَيْهِ» (3).
38- قال علیه السلام: «و كَفَى بِالْمَرْءِ غِشّاً لِنَفْسِهِ أَنْ يُبْصِرَ مِنَ النَّاسِ مَا يَعْمَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ نَفْسِهِ أَوْ يَعِيبَ غَيْرَهُ بِما لَا يَسْتَطِيعُ تَرْكَهُ، أَوْ يُؤْذِي جَليسَهُ بِما لَا يُعْنيهِ» (4).
39- قال علیه السلام: «كَمْ مِنْ رَجُل لَقِيَ رَجُلاً فَقالَ لَهُ: كَبَّ اللَّهُ عَدُوَّكَ، وَ ما لَهُ مِنْ عَدوٍّإِلَّا اللهُ» (5).
40- قال علیه السلام: «لا خَيْرَ فِيمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ» (6).
41- قال علیه السلام: «لَا يَزالُ الرَّجُلُ يَزْدادُ في رَأْيِهِ ما نَصَحَ لِمَنْ اسْتَشارَهُ» (7).
42- قَالَ علیه السلام: «لَا يَقْبَلُ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ حَجّاً وَ لَا عُمْرَةً مِنْ مالٍ حَرامٍ» (8).
43- قَالَ علیه السلام: «لِكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ، وَ آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيانُ» (1).
44- قَالَ علیه السلام: «لَوْ صُمْتُ النَّهارَ لَا أَفْطُرُ، وَ صَلَّيْتُ اللَّيْلَ لَا أَقْتُرُ، وَ أَنْفَقْتُ مالي في سَبيلِ اللهِ عِلْقاً عِلْقاً، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِي قَلْبِي مَحَبَّةٌ لأَوْلِيَائِهِ، وَ لَا بِغْضَةٌ لأَعْدائِهِ ما نَفَعَنى ذلِكَ شَيْئاً» (2).
45- قَالَ علیه السلام: «لَوْ يَعْلَمُ السَّائِلُ ما فى الْمَسْأَلَةِ ما سَأَلَ أَحَدٌ أَحَداً، وَ لَوْ يَعْلَمُ الْمَسْؤولُ ما فِي الْمَنْعِ ما مَنَعَ أَحَدٌ أَحَداً» (3).
46- قَالَ علیه السلام: «لَيْسَ فِي الدُّنْيا شَيْءٌ أَعْوَنُ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَى الْإِخْوانِ» (4).
47- قَالَ علیه السلام: «ما أَحْسَنَ الْحَسَناتِ بَعْدَ السَّيِّئاتِ، وَ مَا أَقْبَحَ السَّيِّئاتِ بَعْدَ الْحَسَناتِ» (5).
48- قَالَ علیه السلام: «ما شِيبَ شَيْءٌ بِشَيْءٍ أَحْسَنَ مِنْ حِلْمٍ بِعِلْمٍ» (6).
49- قَالَ علیه السلام: «ما عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ عِفَّةِ بَطْنٍ وَ فَرْجٍ» (7).
50- قَالَ علیه السلام: «ما عَرَفَ اللَّهَ مَنْ عَصَاهُ، وَ أَنْشَدَ:
تَعْصي الإِلهَ وَ أَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ *** هذا لَعَمْرُكَ فِي الْفِعَالِ بَديعُ
لَوْ كانَ حُبُّكَ صادقاً لأَطَعْتَهُ *** إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ أَحَبَّ مُطيعُ (8)
51- قَالَ علیه السلام: «ما مِنْ شَيْءٍ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ مِنْ بَطْنِ مَمْلُوء» (1).
52- قَالَ علیه السلام: «ما مِنْ نَكْبَةٍ تُصيبُ الْعَبْدَ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَ ما يَعْفُو اللهُ أَكْثَرُ» (2).
53- قَالَ علیه السلام: «ما يَضُرُّ مَنْ عَرَّفَهُ اللهُ الْحَقُّ أَنْ يَكُونَ عَلَىٰ قُلّةِ جَبَلٍ يَأْكُلُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ» (3).
54- قَالَ علیه السلام: «مَنِ اسْتَفادَ أَخاً في اللهِ عَلى إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَ وَفاءٍ بِإِخائِهِ طَلَبَاً لِمَرْضاةِ اللهِ، فَقَدِ اسْتَفادَ شعاعاً مِنْ نورِ اللهِ، وَ أَمَاناً مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَ حُجَّةً يَفْلُجُ بِها يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَ عِزّاً باقياً، وَ ذِكْراً نامياً، لأَنَّ الْمُؤْمِنَ مِنَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَا مَوْصولٌ وَ لَا مَفْصولٌ.
قيل له: ما معنى لا موصول و لا مفصول؟
قال علیه السلام: لَا مَوْصولٌ بِهِ أَنَّهُ هُوَ، وَ لَا مَفْصُولٌ مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ» (4).
55- قَالَ علیه السلام: «مَنْ أَصابَ مالاً مِنْ أَرْبَعِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي أَرْبَعِ: مَنْ أَصابَ مالاً مِنْ غُلولٍ أَوْ رِباً أَوْ خِيانَةٍ أَوْ سَرِقَةٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي زَكَاةٍ، وَ لَا صَدَقَةٍ وَ لَا فِي حَجٍّ، وَ لَا فِي عُمْرَةٍ» (5).
56- قَالَ علیه السلام: «مَنْ أَعْطِيَ الْخُلُقَ وَ الرِّفْقَ فَقَدْ أُعْطِيَ الْخَيْرَ وَ الرَّاحَةَ، وَ حَسُنَ حالُهُ في دُنْيَاهُ وَ آخِرَتِهِ، وَ مَنْ حُرِمَ الْخُلُقَ وَ الرِّفْقَ كَانَ ذلِكَ سَبِيلاً إِلَى كُلِّ شَرٍّ
وَ بَلِيَّةٍ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللهُ» (1).
57- قَالَ علیه السلام: «مَنْ صَدَقَ لِسانُهُ زَكا عَمَلُهُ، وَ مَنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ زِيدَ فِي رِزْقِهِ، وَ مَنْ حَسُنَ بِرُّهُ فِي أَهْلِهِ زِيدَ فِي عُمْرِهِ» (2).
58- قَالَ علیه السلام: «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيا اسْتِعْفافاً عَنِ النّاسِ، وَ سَعْياً عَلى أَهْلِهِ، وَ تَعَطَّفَاً عَلَى جَارِهِ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ وَجْهُهُ مِثْلُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» (3).
59- قَالَ علیه السلام: «مَنْ قُسِمَ لَهُ الْخُرْقُ حُجِبَ عَنْهُ الْإِيْمَانُ» (4).
60- قَالَ علیه السلام: «مَنْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَرْجَحُ مِنْ باطِنِهِ خَفَّ ميزانُهُ» (5).
61- قَالَ علیه السلام: «مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظَاً، فَإِنَّ مَوَاعِظَ النَّاسِ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُ شَيْئاً» (6).
62- قَالَ علیه السلام: «إِنِّي لأَكْرَهُ أَنْ يَكونَ مِقدارُ لِسانِ الرَّجُلِ فَاضِلاً عَلَى مِقْدارِ عِلْمِهِ كَما أَكْرَهُ أَنْ يَكونَ مِقْدَارُ عِلْمِهِ فَاضِلاً عَلَى مِقْدارِ عَقْلِهِ» (7).
63- قَالَ علیه السلام: «يَقُولُ اللهُ: بِابْنَ آدَمَ، اجْتَنِبْ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ تَكُنْ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ» (8).
1) كشف الغمّة: 2: 133.
2) الكافي: 2: 105، الحدیث 11. تحف العقول: 388.
3) أُصول الكافي: 5: 78، الحديث 5. تهذيب الأحكام: 6: 324، الحديث 890.
4) أُصول الكافي: 2: 321، الحديث 1. تحف العقول: 296.
5) تحف العقول: 294.
6) تحف العقول: 294.
7) شرح نهج البلاغة: 7: 92.
8) تحف العقول: 296. أُصول الكافي: 2: 77، الحديث 7.
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض كلماته الحكميّة التي تمثّل أصالة الفكر و الابداع.
و لم تنصّ المصادر المترجمة للإمام أبي جعفر عليه السلام على أنّه كان ينظم الشعر، و إنّما نصّت على أنّه فتق أبواباً كثيرة من العلوم، و أسّس معظم قواعدها، و أنّه ممّن أُوتي الحكمة و فصل الخطاب، غير أنّ السيّد عليّ صدر المدني نسب له هذه الأبيات:
عجِبتُ مِنْ مُعجَبٍ بِصورَتِهِ *** وَ كانَ مِنْ قَبلُ نُطْفَةً مَذرَة
وَ في غَدٍ بَعدَ حُسنِ صورتِهِ *** يَصيرُ في القَبرِ جيفَةً قَذِرَة
وَ هوَ عَلى عُجبِهِ وَ نَخوَتِهِ *** ما بَينَ جَنْبَيْهِ يَحْمِلُ الْعَذَرَة (1)
و سواء أصحّ أنّ الإمام عليه السلام كان ينظم الشعر أم لم يصحّ، فإنّ من المقطوع به أنّه كان في طليعة البلغاء، و قد دلّلت على ذلك المجموعة الضخمة من كلماته الحكميّة التي هي من الطراز الأوّل في فصاحتها و بلاغتها.
و قبل أن أطوي الحديث عن مواهب الإمام أبي جعفر عليه السلام أرى من الحقّ أن أُبيّن أنّي لم أذكر إلّا نماذج يسيرة، و صوراً موجزة من علومه و معارفه و حكمه، و لا أزعم أنّي أحطت بها أو ألممت ببعضها، فذلك من غير الممكن لي، فقد تركت الباب مفتوحاً لغيري من البحّاث للكشف عنها و عن سائر جوانب حياته المشرقة التي هي امتداد ذاتي لحياة آبائه العظام عليهم السلام الذين أضاءوا الحياة الفكريّة للناس.
1) أنوار الربيع: 6: 300.
و كانت للشاعرين الشهيرين كثير عزّة، و الكميت الأسدي اتّصالات وثيقة بالإمام أبي جعفر علیه السلام، فكلاهما يدينان بإمامته، و وجوب طاعته، و الانقطاع إليه، و قد شاع ذلك عنهما، و عرفا به عند جميع الأوساط، و نعرض - بإيجاز - لبعض شؤونهما، و مدى ارتباطهما بالإمام علیه السلام:
أمّا كثير عزّة فهو أبو حمزة الخزاعي المدني، أحد عشّاق العرب المشهورين، هام بحب عزّة بنت جميل، و له معها أخبار كثيرة، ذكرها المعنيّون بترجمته، و كان في مواهبه الشعريّة أشعر أهل الإسلام، كما يقول ابن إسحاق (1).
كان كثير شديد الولاء لأهل البيت علیه السلام متعصّباً لهم، و لم يخف تشيّعه على الأمويّين، فقد أقسم عليه عبدالملك بن مروان بحقّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام أن يحدّثه هل رأى أحداً هو أعشق منه؟
فقال له كثير: لو سألتني بحقّك أخبرتك، فأقسم عليه، فأخبره عن غرام بعض
1) الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: 587.
العشّاق (1).
كان الشاعر كثير يكنّ في أعماق نفسه خالص الحبّ و الولاء للإمام أبي جعفر علیه السلام، و يدين بإمامته و فضله، و يقول المؤرّخون: إنّ رجلاً نظر إليه و هو راكب و الإمام أبو جعفر علیه السلام يمشي، فأنكر عليه ذلك و قال له: أ تركب و أبو جعفر يمشي؟!
فأجابه كثير جواب المؤمن بدينه، المتبصّر في عقيدته قائلاً: هو أمرني بذلك، و أنا بطاعته في الركوب أفضل من عصياني إيّاه بالمشي (2).
و دلّت هذه البادرة على حسن أدبه، و كمال عقيدته، فإنّ طاعة الإمام واجبة ليس إلى مخالفتها من سبيل.
و اختصّ كثير عزّة ببني مروان، فكانوا يعظّمونه و يكرمونه (3)، و نظم في مدحهم عدّة قصائد ذكرت في (ديوانه)، إلّا أنّه لم يكن في مدحه لهم جادّاً، و لا مؤمناً بما يقول، و إنّما مدحهم طمعاً بأموالهم و هباتهم، و كان يسخر منهم، فكان يشبّههم بالحيّات و العقارب، فقد روى المؤرّخون أنّه وفد على الإمام أبي جعفر علیه السلام فقال علیه السلام له: تَزْعَمُ أَنَّكَ مِنْ شِيعَتِنا وَ تَمْدَحُ آلَ مَرْوانَ ؟!
فانبرى كثير قائلاً: إنّما أسخر منهم، و أجعلهم حيّات و عقارب، ألم تسمع إلى قولي في عبد العزيز بن مروان:
وَ كُنْتَ عَتَبتَ مَعتِبَةً فَلَجَّتْ *** بي الغَلواءُ في سِنِّ العقابِ
وَ يُرقيني لَكَ الرّاقونَ حَتَّى *** أجابَكَ حَيَّةٌ تَحتَ الْحِجاب
و فهم ذلك عبدالملك، فقال لأخيه عبد العزيز: ما مدحك، إنّما جعلك راقياً للحيّات، و نقل لي ذلك عبد العزيز فقلت له: و الله لأجعلنّه حيّة، ثمّ لا ينكر ذلك فقلت فيه:
يُقَلِّبْ عَيْنَي حَيَّةٍ بِمَجارَةٍ *** أَضَافَ إِلَيْهَا السَّارِياتِ سَبيلُها
يَصيدُ وَ يُغضي وَ هُوَ لَيْثٌ خُفيَةً *** إذا أَمْكَنَتْهُ عَدوَةٌ لَا يُقيلُها
و لمّا تلوت ذلك على عبدالملك أجزل لي العطاء، و خفي عليه ما قصدته (1)، فلم يكن كثير في مديحه لبني مروان جادّاً، و لا مؤمناً بما يقول و إنّما كان ساخراً و هازئاً، فقد خادعهم ليكسب منهم الأموال التي اختلسوها بغير حقّ، و لم تكن له مندوحة لأخذ شيء منها إلّا بهذه الوسيلة.
توفّى سنة 105ه-، و قد توفّى فى اليوم الذي توفّي فيه عكرمة، و صلّي عليهما في موضع واحد بعد الظهر، فقال الناس: مات أفقه الناس، و أشعر الناس (2).
و قد شيّع بتشييع حافل، و كان من جملة المشيّعين لجنازته الإمام أبو جعفر علیه السلام.
و ذكر بعض المؤرّخين رواية - فيما نحسب - أنّها من الموضوعات فقد رووا عن
يزيد بن عروة، أنّه قال: «غلبت النساء على جنازة كثير و هنّ يبكينه، و يذكرن عزة في ندبتهنّ.
فقال أبو جعفر محمّد بن عليّ: افرجوا لي عن الجنازة لأدفعها.
قال: فجعلنا ندفع عنها النساء، و جعل أبو جعفر يضربهنّ بكمّه، و يقول: تنحّين یا صويحبات یوسف، فانتدبت امرأة منهنّ و أقبلت على الإمام فقالت له: يابن رسول الله، لقد صدقت إنّا لصويحبات يوسف، و قد كنّا خيراً منكم له.
فقال أبو جعفر لبعض مواليه: احتفظ بها حتّى نجيء، فلمّا فرغوا من دفن جنازة كثير جيء له بالمرأة فقال علیه السلام لها: أنت القائلة: إنّكنّ خير منّا؟
نعم، تؤمنني غضبك يابن رسول الله؟
أنت آمنة من غضبي فابيني.
نحن يابن رسول الله دعوناه إلى اللذات من المطعم و المشرب و التمتّع، و أنتم معاشر الرجال ألقيتموه في الجبّ، و يعتموه بأبخس الأثمان، و حبستموه في السجن، فأيّنا كان به أحنّ، و عليه أرأف؟
و أبدى الإمام إعجابه بها فقال لها: لله درّك لن تغالب امرأة إلّا غلبت، ثمّ قال لها: ألك بعل؟
لي من الرجال من أنا بعله.
صدقت مثلك من تملك زوجها و لا يملكها.
و انصرفت المرأة فقال رجل من القوم و كان يعرفها: هذه زينب بنت معیقب الأنصاريّة (1).
و الذي يواجه هذه الرواية من المؤاخذات ما يلي:
1) الدرجات الرفيعة: 590.
1- ما معنى تجمهر السيّدات من النساء حول جثمان كثير، و إحاطتهنّ به حتّى صعب على الإمام الوصول إليه، فاضطرّ حتّى أمر بكشفهنّ عنه، مع العلم أنّ المرأة لم يعهد أنّها تشترك في مثل هذه المراسيم، فقد أُمرت أن تقرّ في بيتها.
2- و ممّا يدعو إلى الاطمئنان بوضع الرواية تهجّم الإمام على السيّدات اللاتي ازدحمن على جنازة كثير، فإنّه علیه السلام كان المثل الأعلى للآداب الرفيعة و الأخلاق الفاضلة، و من المستحيل أن تصدر منه أيّة كلمة نابية.
3- و ممّا يدعم وضع الرواية هو الحوار الذي دار بين الامام و بين السيّدة الأنصاريّة، و سؤاله منها أنّها لها زوج، و هل يتناسب مع قدسيّة الإمام. و الحقّ أنّها إلى الخيال أقرب منه إلى الواقع.
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن ترجمة كثير (1).
1) توجد ترجمة كثير في كلّ من الأغاني: 8: 25. شذرات الذهب: 1: 131. سير أعلام النبلاء: 5: 125. خزانة الأدب / البغدادي: 2: 381. معجم الشعراء / المرزباني: 350. أخبار الشيعة: 62. وفيات الأعيان: 3: 265 - 270.
الكميت بن زيد بن خنيس (أبو المستهل) الأسدي، شاعر الأوّلين و الآخرين - على حدّ تعبير الفرزدق (1)- و لولا شعره لم يكن للّغة ترجمان، و لا للبيان لسان - حسبما يقول عكرمة الضبيّ (2)-.
و هو في طليعة رجال الفكر و الأدب في عصره، و قد ساهم مساهمة إيجابيّة في تطوّر الثقافة العربيّة و ازدهار الحركة العلميّة في الإسلام، و نعرض لبعض البنود المشرقة من جوانب حياته:
ولد الكميت سنة 61 ه-، و هي السنة التي فجعت بها الأُمّة الإسلاميّة بقتل سيّد الشهداء الإمام الحسين علیه السلام (3)، و قد انطبعت في نفسه صورة تلك المأساة المروعة، و أخذت تتفاعل مع مشاعره و عواطفه، و ظهر أثر ذلك في شعره الحزين الذي يرثي به الإمام الحسين علیه السلام.
أمّا نشأته فقد نشأ بالكوفة التي هي عاصمة الشيعة، و ينبوع التشيّع، و منجم الثورات على بني أُميّة، و تربّى على حبّ أهل البيت علیهم السلام، فكان حبّهم من عناصره و مقوّماته.
كان الكميت من أفذاذ التاريخ، و من أعلام الأُمّة العربيّة، و كان يتمتّع بمواهب شريفة و صفات رفيعة، عدّها بعضهم بعشر خصال، قال: «كان في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر: كان خطيب أسد، و فقيه الشيعة، حافظ القرآن العظيم، ثبت الجنان، و كان كاتباً حسن الخطّ، و كان نسّابة، و كان جدلاً، و هو أوّل من ناظر في التشيّع، و كان رامياً لم يكن في بني أسد أرمى منه، و كان فارساً شجاعاً ديّناً، و كان مشهوراً في التشيّع مجاهراً في ذلك» (1).
و هذه الصفات قد رفعته إلى القمّة، و ميّزته على جميع أُدباء عصره.
أمّا شعره فهو من مناجم الأدب العربي، و من أروع ما قاله شعراء العرب على الاطلاق، فلم يكن في شعره يميل إلى الدعابة و المجون، و بذلك فقد فارق شعراء العصر الأموي و العبّاسي الذين اتّجهوا بمواهبهم الفكريّة و الأدبيّة إلى اللهو و العبث و فساد الأخلاق.
أمّا الكميت فقد صرف فكره إلى ساداته من بني هاشم، فأخذ ينشر مآثرهم، و يذيع فضائلهم بأروع ما نظم في الأدب العربي.
و يقول المؤرّخون: كان الكميت لا يذيع شعره بين الناس حتّى يرضى به، و يطمئنّ إليه، فلذا كان لوحة فنّيّة تحكي الابداع و الفنّ و الفكر.
أمّا هاشميّاته، فقد كبرت عن التحديد و التقييم، و قد ضمّنها الاستدلال على مذهبه الذي لا يقبل الجدل و التشكيك، و كانت هاشميّاته إحدى الوسائل الثقافيّة في تلك العصور لما فيها من الخصب و غزارة الفكر و الأدب، و كانت تروى في
1) خزانة الأدب: 1: 99.
الأندية و المجالس و يحفظها الناس.
و يروي المؤرّخون: أنّ الكميت لمّا نظم (الهاشميّات) سترها و لم يذعها بين الناس، و رأى أن يعرضها على شاعر العرب الأكبر الفرزدق بن غالب ليرى رأيه فيها، فقصده، و بعد أن استقرّ به المجلس قال له: يا أبا فراس، إنّك شيخ مضر و شاعرها، و أنا ابن أخيك الكميت بن زيد الأسدي.
صدقت أنت ابن أخي، فما حاجتك؟
نفث على لساني فقلت شعراً، فأحببت أن أعرضه عليك، فإن كان حسناً أمرتني بإذاعته، و إن كان قبيحاً أمرتني بستره، و كنت أوّل من ستره علَيَّ.
و عجب الفرزدق من حسن أدبه، فطفق يقول له: أمّا عقلك فحسن، و إنّي لأرجو أن يكون شعرك على قدر عقلك، فانشدني ما قلت.
و انبرى الكميت يتلو عليه رائعته قائلاً: «طَرِبْتُ (1)وَ ما شَوْقاً إِلَى الْبيضِ (2)أَطْرَبُ»، فقطع الفرزدق عليه كلامه قائلاً: فيم تطرب يابن أخي؟
فقال: «وَ لَا لَعِباً مِنّي وَ ذُو الْشَّيْبِ يَلْعَبُ» ؟!
و راح الفرزدق يقول: بلى يابن أخي فالعب، فإنّك في أوان اللعب، فقال:
وَ لَمْ يُلْهِني دارٌ وَ لَا رَسْمُ مَنْزِلٍ (3)*** وَ لَمْ يَتَطَرَّبني بَنانٌ مُخَضَّبُ (4)
و أكبر الفرزدق هذا الشعر، و انطلق يقول: ما يطربك يابن أخي؟
فقال:
وَ لَا أَنَا مِمَّنْ يَزْجُرُ الطَّيْرُ هَمُّهُ *** أصاحَ غُرابٌ أَمْ تَعَرَّضَ ثَعْلَبُ
وَ َلا السّانِحاتُ الْبارِحاتُ (1)
البارح: ما يجيء من ميامنك فيوليك مياسره.
عَشِيَّةً *** أَمَرَّ سَلِيمُ الْقَرن (2)الأعضب: المكسور أحد القرنين، و هو ما يتشاءم به.
أَمْ مَرَّ أَعْضَبُفقال الفرزدق: أجل لا تتطيّر.
فقال الكميت:
وَلَكِنْ إِلَىٰ أَهْلِ الْفَضَائِلِ وَ التُّقَى *** وَ خَيْرِ بَني حَوّاءَ وَ الْخَيْرُ يُطْلَبُ
و اهتزّ الفرزدق من روعة هذا الأدب العالي، فراح يقول: من هؤلاء ويحك؟!
قال الكميت:
إِلَى النَّفَرِ الْبِيضِ (3)الَّذِينَ بِحُبِّهِمْ *** إِلَى اللهِ فيما نالَني أَتَقَرَّبُ
و استولى على مشاعر الفرزدق و عواطفه فصاح: أرحني ويحك مَن هؤلاء؟
قال الكميت:
بَني هاشِمٍ رَهْطُ النَّبِيِّ فَإِنَّني *** بهِمْ وَ لَهُمْ أَرْضى مراراً وَ أَغْضَبُ
خَفَضْتُ لَهُمْ مِنِّى جَناحَيْ مَوَدَّةٍ (4)*** إلى كَنَفٍ عِطْفَاهُ أَهْلُ وَ مَرْحَبُ (5)
و ملك هذا الشعر أحاسيس الفرزدق، و انطلق يقول: يابن أخي، اذع، ثمّ أذع، فأنت و الله أشعر من مضى، و أشعر من بقي (1).
و يمتاز شعر الكميت بأنّه كان مسرحاً للقيم الدينيّة التي تعبّر أصدق التعبير عن عواطفه تجاه ساداته بني هاشم الذين أخلص لهم في مودّته و حبّه، فقد فرضت عليه ذلك الأدلّة الشرعيّة التي لا تقبل الجدل و النقاش.
أمّا الظواهر التي امتاز بها شعره، فمن بينها:
1- إنّ شعره في بني هاشم لم يكن عاطفيّاً، و إنّما قام على الجدل و الاقناع.
يقول شوقي ضيف: «و هكذا لم يعد الشعر عند الكميت يعبّر عن الشعور فحسب، بل أصبح يعبّر أيضاً عن الفكر، و أصبح يشفع بكلّ ما وصل إليه العقل العربي في هذا العصر من قدرة على الجدال و الاقناع» (2).
«بل لعلّ تعبيره عن الفكر أهمّ من تعبيره عن العواطف» (3).
و هذه لوحة من إحدى روائعه التي تمثّل هذا الاتّجاه:
و قالوا وَرِثْناها (4)أَبانا و أُمَّنا *** وَ ما وَرَّثَتْهُمْ ذاكَ أُمِّ وَ لَا أَبُ
يَرَوْنَ لَهُمْ حَقّاً عَلَى النَّاسِ واجِباً *** سَفاهاً وَ حَقُّ الْها شِمِيّينَ أَوْجَبُ (5)
و شجب الكميت بهذين البيتين دعوى الذين انتحلوا الخلافة، و فرضوا لهم حقّاً على الناس لأنّهم من قريش أُسرة النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، فإنّ هذه الجهة التي توصّلوا بها إلى الخلافة قد توفّرت في آل البيت علیهم السلام على أكمل صورها، فهم ألصق الناس به، و أقربهم إليه.
و يأخذ الكميت بعد هذين البيتين في الثناء على الرسول الأعظم صلّی الله علیه و آله و سلّم، ثمّ يعرج على ما ذهب إليه من أحقّيّة آل البيت علیهم السلام بالخلافة فيقول:
يَقولونَ لَمْ يُورَثْ وَ لَوْلَا تُراثُهُ *** لَقَدْ شَرِكَتْ فيهِ بَكِيْلٌ وَ أَرْحَبُ (1)
وَ عَكٌّ وَ لَخْمٌ وَ السَّكونُ وَ حِمْيرٌ *** وَ كِنْدَةُ وَ الْحَيّانِ بَكْرٌ وَ تَغْلِبُ (2)
و قد أراد بهذين البيتين إبطال ما زعموه أنّ النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم لم يورّث، فإن كان ذلك حقّاً، فإنّ القبائل المذكورة لها نصيب في الخلافة، بل كانت الناس فيها سواء - حسبما يقول شارح الهاشميات - و لا وجه لاختصاص قريش بها، و هو منطق رصين يقوم على المنطق و الفكر.
لقد كان الكميت بهذا الاستدلال فقيهاً، فقد صاغ شعره صياغة العالم الفقيه الذي يعرف كيف يناقش المسائل، و يثبتها و يدلّل عليها كما يقول الدكتور يوسف خليف (3).
2- و أقام الكميت شعره في مدح بني هاشم على الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم تدلّل على ما ذهب إليه.
يقول مخاطباً بني هاشم:
وَجَدْنَا لَكُمْ في آلِ حاميمَ آيَةً *** تَأَوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ وَ مُعْرِبُ
و في غَيرِها آياً و آياً تَتابَعَتْ *** لَكُمْ نَصَبٌ فِيها لِذي الشَّكِّ مُنْصِبُ (1)
إنّه يشير في البيت الأوّل إلى قوله تعالى: «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» (2).
و في البيت الثاني إلى قوله تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (3).
و قوله تعالى: «وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ» (4).
و قوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى» (5).
لقد دعم الكميت ما ذهب إليه في فضل ساداته بني هاشم بآيات من القرآن الكريم الذي «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ» (6)، فهو حجّة قاطعة لا ريب فيه.
3- و اتّسم شعر الكميت في مدحه لأهل البيت علیهم السلام بأنّه صادق اللهجة، قويّ العاطفة، مبعثه الإيمان الخالص الذي لا يشوبه أي عرض من أعراض الدنيا، فقد كان يبغي فيه وجه الله و الدار الآخرة و يدلّل على ذلك قوله:
إلى النَّفَرِ البِيضِ الَّذِينَ بِحُبِّهِمْ *** إلى اللهِ فيما نالَني أَتَقَرَّبُ
لقد أخلص الكميت في هواه و حبّه لأهل البيت علیهم السلام لأنّه لم يرَ وسيلة تقرّبه إلى
الله زلفى سوى الاخلاص في المودّة لهم.
4- و الظاهرة التي يمتاز بها شعر الكميت في بني هاشم أنه لم يستند فيما نظمه فيهم إلى ما يسمعه عنهم من المآثر و الفضائل، و إنّما يستند إلى مشاهداته فقد عاصرهم، و نظر إلى مثلهم العليا التي طبق شذاها العالم بأسره، فهام بها، شأنه شأن الأحرار الذين يقدّسون الفضيلة، و يكبرون من اتّصف بها.
لقد كان شعر الكميت صورة حيّة يحكي الواقع المشرق لأهل البيت علیهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً.
هذه بعض مميّزات شعر الكميت، أمّا الحديث عن مظاهره الفنيّة فإنّه يستدعي الاطالة، و قد آثرنا الايجاز في أكثر هذه البحوث.
كان الكميت صلب العقيدة، راسخ الإيمان، قد أقام عقيدته على الواقع العلمي الذي لا يقبل الجدل و النقاش، فهو شاعر العقيدة الشيعيّة، و المعبّر عن آرائها و مبادئها، و يجمع الرواة على أنّه أوّل من فتق باب الاحتجاج للشيعة في هاشميّاته، و أنّه كان لسانهم و المدافع عنهم، و المحتجّ لهم، و قد صوّرت هاشميّاته الجانب الفكري و العقائدي للشيعة، و أحاطت بوضوح بشؤون الإمامة التي تعتبر من العناصر الأساسيّة في مبادئهم.
و اختصّ الكميت بالإمام أبي جعفر علیه السلام، فكان شاعره الخاصّ، و قد تلا عليه بعض هاشميّاته و قصائده التي نظمها في حقّ أهل البيت علیهم السلام، فأخذت موقعها من نفس الإمام علیه السلام، فشكره و دعا له بالمغفرة و الرضوان.
و كان الكميت لا يرى أحداً في هذه الدنيا يستحقّ الولاء و التقدير غير سيّده
الإمام أبي جعفر علیه السلام، فقد دخل عليه و هو يقول:
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ *** لَمْ يَبقَ إِلَّا شامِتٌ أَوْ حَاسِدُ
وَ بَقى على ظَهْر البَسيطَةِ واحِدٌ *** فَهُوَ المُرادُ وَ أَنتَ ذاك الواحِدُ (1)
كان الكميت مقيماً في الكوفة، فاشتدّ به الوجد إلى رؤيا الإمام، فسافر إلى يثرب، و لمّا مثل عند الإمام علیه السلام تلا عليه قصيدته التي يذكر فيها تعطّشه لرؤياه. يقول فيها:
كَمْ جُزْتُ فيكَ مِنْ أَحوازٍ و إيقاعِ *** وَ أَوْقَعَ الشَّوقُ بي قاعاً إلى قاعٍ
يا خَيرَ مَنْ حَمَلَتْ أُنْثَى وَ مَنْ وَضَعَتْ *** بِهِ إِلَيْكَ غَدا سَيْرِي وَ إيضاعي
أَما بَلَغْتُكَ ما لا قالَ بالِغَةٌ *** بِنا إلى غايَةٍ يَسْعَى لَها السّاعي
مِنْ مَعْشَرٍ شيعَةِ لِلّهِ ثُمَّ لَكُمْ *** صَوَرٌ إِلَيْكُمْ بِابْصار وَ أَسْماعي
دُعاةُ أَمْرٍ وَ نَهْي عَنْ أَئِمَّتِهِمْ *** يُوصي بها مِنْهُمُ واعٍ إلى واعي
لَا يَسْأَمونَ دُعاءَ الخَيرِ رَبَّهُمْ *** أَنْ يُدركوا فَيُلَبّوا دَعوَةَ الدّاعي (2)
و في أعيان الشيعة - القسم الأوّل: 4: 516: «إنّ هذه الأبيات قالها أخو الكميت
الورد بن زيد الأسدي أمام الإمام أبي جعفر علیه السلام، و ليست للكميت».
و ذكر ذلك أحمد بن محمّد بن عيّاش في مقتضب الأثر: 46.
و صوّرت هذه الأبيات عظيم ولائه للإمام علیه السلام، و ما عاناه من جهد الطريق، و عناء السفر في سبيل رؤيته و الالتقاء به.
و كان الكميت قد ولد في السنة التي استشهد بها أبو الأحرار الإمام الحسين علیه السلام، و لمّا ترعرع و فهم الحياة رأى الناس قد ذهلتهم أهوال تلك المأساة الخالدة في دنيا الأحزان، و هم يردّدون في أنديتهم و مجالسهم ما عاناه ريحانة رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم من فوادح المحن و الخطوب، و قد هزّت مشاعره و عواطفه، و ملأت نفسه ألماً عاصفاً، و قد رثاه بذوب روحه في كثير من شعره.
و يقول الرواة: إنّه نظم قصيدة في رثاء الحسين علیه السلام و وفد على الإمام أبي جعفر علیه السلام ليتلوها عليه، فلمّا مثل عنده قال له: يابن رسول الله، قد قلت فيكم أبياتاً من الشعر، أفتأذن لي في إنشادها؟
إِنَّها أَيَّامُ الْبِيضِ (1)الَّتي يُكْرَهُ فيها إِنْشَادُ الشِّعْرِ.
هي فيكم خاصّة.
هاتِ ما عِنْدَكَ.
فانبرى يقول:
أَضْحَكَني الدَّهْرُ وَ أَبْكاني *** وَ الدَّهْرُ ذو صَرفٍ وَ أَلوانِ
لِتِسعَةٍ بِالطَّفِّ قَدْ غُودروا *** صاروا جَميعاً رَهْنَ أَكْفانِ
و تألّم الإمام علیه السلام أشدّ ما يكون التألّم حينما سمع رثاء جدّه الإمام الحسين علیه السلام، و أغرق في البكاء و بكى معه ولده الإمام الصادق علیه السلام، كما بكت العلويّات من وراء الخباء، و لمّا بلغ إلى قوله:
1) الأيّام البيض: يراد بها أيّام الليالي البيض، و هي الثالث عشر و الرابع و الخامس عشر، و سمّيت لياليها بيضاً لأنّ القمر يطلع فيها من أوّلها إلى آخرها.
وَ سِتَّةٌ لا يُتَجارى بهِمْ *** بَنو عَقِيلٍ خَيرٌ فُرْسانِ
ثُمَّ عَلِيُّ الخَيرِ مَوْلاهُمُ *** ذِكْرُهُمُ هَيَّجَ أَحْزاني
بكى الإمام أبو جعفر علیه السلام أمرّ البكاء، و ذكر له ما أعدّ الله من الثواب الجزيل لمن يذكر أهل البيت، و يحزن لحزنهم.
و لمّا بلغ قوله:
مَنْ كانَ مَسْروراً بِما مَسَّكُمْ *** أوْ شامِتاً يَوْماً مِنَ الآنِ
فَقَدْ ذَلَلْتُمْ بَعدَ عَزَّ فَما *** أَدفَعُ ضَيْماً حينَ يَغْشاني
أخذ الإمام علیه السلام بيد الكميت و أخذ يدعو له قائلاً: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْكُمَيْتِ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَ ما تَأَخَّرَ».
و لمّا بلغ قوله:
متى يَقومُ الْحَقُّ فيكُمْ مَتى *** يَقومُ مَهْدِيُّكُمُ الثّاني
التفت إليه الإمام و عرّفه بأنّ الإمام المهدي علیه السلام هو الإمام المنتظر الذي يملأ الأرض عدلاً و قسطاً بعدما ملئت ظلماً و جوراً.
و سأله الكميت عن زمان خروجه؟
فقال علیه السلام: لَقَدْ سُئِلَ رَسولُ اللهِ صلّی الله علیه و آله و سلّم عَنْ ذلِكَ فَقالَ: إِنَّمَا مَثَلُهُ كَمَثَلِ السَّاعَةِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً (1).
1) الغدير 2: 200.
و أنشد الكميت بحضرة الإمام أبي جعفر علیه السلام الميميّة من هاشميّاته، و هي من أروع الشعر العربي و أرقاه، فهي تصوّر بوضوح انطباعاته الخاصّة عن أهل البيت علیهم السلام تصويراً رائعاً يستند إلى مشاهداته لمآثرهم الرفيعة و مثلهم العليا، يقول فيها:
مَنْ لِقَلْبٍ مُتَيَّمٍ مُسْتَهامِ *** غَيْرَ ما صَبْوَةٍ وَ لَا أَحْلامِ (1)
طارِقاتٍ وَ لَا ادِّكارِ غَوانٍ (2)
الادّكار: من ادّكر الشيء ادّكاراً، أي ذكره بعد نسيان.
جمع غانية، و هي التي غنيت بجمالها عن الزينة.
*** واضحاتِ الْخُدودِ كَالْأَرْآمِ (3)الأرام: جمع رئم، و هو الظبي الخالص البياض.
بَلْ هَوَايَ الَّذِي أَجُنُّ (4)وَ أُبْدي *** لِبَني هاشِمٍ فُروعِ الْأَنامِ (5)
لِلْقَريبينَ مِنْ نَدىً (6)وَ الْبَعيدينَ *** مِنَ الجورِ في عُرى الأَحْكام
وَ المُصيبينَ بابَ ما أَخْطأَ النّا *** سُ وَ مُرْسَى قَواعِدِ الإِسلام
وَ الْحُماةِ الْكُفاةِ (7)فى الْحَربِ *** إِن لَفَّ ضِرامٌ (8)وَ قَودَهُ ما بِضَرام
وَ الْغُيوثِ (1)الَّذِينَ إِنْ أَمْحَلَ النّا *** سُ فَمَأوى حَواضِنِ الأَيتام (2)
حواضن الأيتام: يريد بهنّ أُمّهات الأيتام.
وَ الْوُلاةِ الْكُفاةِ لِلْأَمْرِ إِنْ طَرَّ *** قَ يَتْناً بِمُجْهَضِ (3)
الذي ألقته أُمّه قبل تمامه، و هو الجهيض أيضاً.
أَوْ تَماموَ الْأُساةِ (4)الشُّفاةِ للدّاءِ ذي *** الرِّيبَةِ وَ الْمُدْرِكِينَ بِالْأَوْغامِ (5)
وَ الرَّوايا (6)الَّتي بِها يَحْمِلُ النّا *** سُ وَ سُوقَ الْمُطَبَّعاتِ العِظامِ (7)
المطبعات: المملوآت.
وَ الْبُحورِ الَّتي بها تُكشَفُ الْحِر *** ةُ وَ الدّاءُ مِنْ غَليلِ الْأَوامِ (8)
الغلّة و الغليل: شدّة العطش أو حرارة الجوف.
الأوام: حرارة العطش.
لِكَثيرينَ طَيِّبينَ مِنَ النَّا *** سِ وَ بَرِّينَ صادِقينَ كِرام (9)
وَاضِحي أَوْجُهٍ كِرامِ جُدودٍ (10)*** واسِطي نِسْبَةٍ لِهامٍ فَهامِ (11)
يقال: فلان هامة قومه، و الهامة هنا أعلى الرأس.
1) الغيث: المطر و الخصب.
2) أمحل الناس: أجدبوا، و المحل: الجدب و القحط.
3) التتن الولاد: المنكوس تخرج رجلا المولود قبل رأسه و يديه. و طرقت المرأة - و كلّ حامل - إذا خرج شيء من المولود ثمّ نشب و لم يسهل خروجه. فيقال: طرّقت.
4) الأساة: جمع آسى، و هو الطبيب المعالج، من أسوت الجرح آسوه أسواً: إذا داويته.
5) الأوغام: جمع و غم، و هو الذحل. و المدركين بالأوغام: أي لا يفوتهم الأخذ بالثأر.
6) الروايا: الإبل الحوامل للماء.
7) الوسوق: الأحمال، الواحد وسق.
8) الحرّة: العطش.
9) البرّ و البارّ واحد. يقال: فلان برّ بأهله و بارّ بهم.
10) الواضح: البيّن.
11) و واسطي: نسبة، أي قد توسّطت و تداخلت في كلّ نسبة.
لِلذُّرَى فَالذُّرَى مِنَ الْحَسَبِ الثّا (1)
الحسب: الشرف.
*** قِبِ بَيْنَ الْقَمْقامِ فَالْقَمْقامِ (2)القمقام: السيّد الشريف.
راجِحي الْوَزْنِ كَامِليِ الْعَدْلِ في ال- *** سِّيرَةِ طَبِّينَ بِالْأُمورِ العِظامِ (3)
راجحي الوزن: أي أنّهم أرباب عقول كبيرة راجحة.
فَضَلوا النَّاسَ فِي الْحَدِيثِ حَدِيثاً *** وَ قَديماً في أَوَّلِ الْقُدّام (4)
الهاشميّات: 8 - 11. الروضة المختارة: 9 و 10.
لقد ذكر في مطلع قصيدته هيامه في الحبّ، و أنّه قد استولى على مشاعره و عواطفه، فصار أسيراً لا يملك من أمر نفسه شيئاً، ولكن لمن هذا الحبّ العارم الذي وقع في شبكه؟
إنّه ليس للغانيات التي يفتتن الناس بجمالهنّ، و إنّما لأرفع الناس شأناً، و أسماهم مكانةً، إنّهم بنو هاشم الذين بهم جميع عناصر الشرف و المجد، و فاقوا جميع الناس بمواهبهم و عبقريّاتهم، فقد قصر عليهم إخلاصه و هواه الذي يجنه و يبديه.
و لم يندفع الكميت بحبّ ساداته بني هاشم وراء العاطفة، و إنّما رآهم صورة رائعة لا ثاني لها في تاريخ البشريّة، فقد رأى و شاهد و لمس أروع صور الإنسانيّة التي رفعتهم إلى القمّة السامقة، قمّة الفكر و القيادة العليا في الإسلام.
رأى الكميت من صفات أسياده التي هام بها ما يلي:
1- إنّهم معدن الجود و الكرم و السخاء، فقد جادوا بجميع ما يملكونه لإنعاش المحرومين و إنقاذ البائسين.
2- إنّهم مصدر العدل بين الناس، فلا يؤثرون قريباً على بعيد، و إنّما الناس جميعاً عندهم على حدّ سواء، فلا يعرفون المحسوبيّة، و لا سائر الاعتبارات الأُخرى التي يأخذ بها الناس اندفاعاً مع العاطفة و الهوى.
3- إنّهم أشجع من خلق الله، فلم يمر الخوف على نفوسهم، فقد خاضوا غمرات الحروب، و أبدوا من صنوف البسالة، ما لم يشاهد مثله في جميع فترات التاريخ، فكان الإمام أمير المؤمنين علیه السلام مضرب المثل في الدنيا في شجاعته و بسالته، و كذلك الإمام الحسين علیه السلام سيّد الأُباة و الأحرار في الأرض، فقد أبدى يوم عاشوراء من قوّة البأس و روعة التصميم ما حيّر العقول و أذهل الألباب، و تطعّم بهذه الروح العالية سائر أبناء الأُسرة النبويّة، فقد ملكوا من الشجاعة ما لا يملكها أي أحد من الناس.
4- إنّهم كانوا الملجأ و المأوى لأيتام الناس و سائر الفقراء و المحرومين إن أمحل الناس، و لم يجدبوا فليس هناك من يعطف عليهم سوى أهل البيت علیهم السلام.
5- إنّهم ولاة الأُمور للناس إن التبست عليهم الأُمور أو طرقتهم الأزمات و الأحداث، فليس هناك من يستطيع التغلّب عليها سواهم، فهم الذين يملكون العقول النيّرة، و الأفكار الصائبة التي يحلّون بها مشاكل الناس و أزماتهم.
6- إنّهم الحكماء الماهرون في معالجة أمراض النفوس، و إزالة ما فيها من جراثيم الزيغ و الانحراف، فقد درسوا واقع هذا الإنسان، و سبروا أعماق نفسه، و دخائل ذاته، و وقفوا على اندفاعاته نحو الحرص و الطمع و الجشع و إيثاره للهوى على الحقّ، فوضعوا العلاج الحاسم لجميع أمراضه و آفاته، و تجد في كلماتهم روائع الحكم و المواعظ الهادفة إلى إصلاح الناس و تهذيبهم.
7- إنّهم الروايا الذين يحملون الحكمة و الحياة إلى الناس، فإليهم يلجأ الظامئ، و من ساحل كرمهم وجودهم ينتهل كلّ من يريد الحياة.
8- إنّهم البحور الذين يرتوي منهم كلّ من أشرف على الهلاك، فهم مصدر السعادة و الخير لهذا الإنسان.
9- إنّهم أطيب الناس برّاً و صدقاً و كرماً، و أصبح الناس وجوهاً، و أكرمهم جدوداً، و أعلاهم شأناً و نسباً.
10- إنّهم أرجح الناس وزناً، و أكملهم في العدل بين الناس، و أخبرهم بالأمور العظام.
11- إنّهم فاقوا الناس في جميع مراحل التاريخ، فاقوهم في صدق حديثهم، و أصالة فكرهم، و خصب رأيهم.
و يسترسل الكميت بعد هذه الأبيات في ذكر مآثر ساداته بني هاشم و فضائلهم التي هام بها فيقول:
مُسْتَفيدينَ مُثْلِفِينَ (1)مَواهِي- *** -بَ مَطاعيمَ غَيْرَ ما إِبْرامِ (2)
غير ما ابرام: إشارة إلى أنّهم مقدمون في الناس، أولو مكانة و منزلة رفيعة. و الإبرام جمع برم، و هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر و لا يهدي حين يهدي إليه لدناءته و بخله.
مُسْعِفينَ مُفْضِلِينَ مَسامِي- *** -حَ مَراجِيحَ في الْخَميسِ اللُّهامِ (3)
مراجيح: أي حلماء.
الخميس: الجيش.
اللهام: الذي يلتهم كلّ شي.
وَ مَدارِيكَ لِلذُّ حولِ مَتاري- *** -كَ وَ إِنْ أُحْفِظوا لِعُورِ الْكَلامِ (1)
أحفظ أي اغضب، و الحفيظة: الغضب.
عور الكلام عورانه: أي قبائحه، واحدته عوراء، فيقال: كلمة عوراء أي قبيحة.
لَا حُباهُم تُحَلُّ لِلْمَنْطِقِ الشَّغْبِ (2)*** وَ لَا لِلّطَامِ يَوْمَ اللِّطام
أَبْطَحِيِّينَ أَرْيَحِيِّينَ (3)
الأريحي: السخي.
كَالْأَنْجُ- *** -مِ ذاتِ الرُّجُومِ وَ الْأَعْلامِ (4)غَالِبيِّينَ هاشِميِّينَ (5)في العِلْ- *** -مِ رَبَوا مِنْ عَطِيَّةِ الْعَلّامِ
وَ مُصَفَّيْنَ (6)فى الْمَناصِبِ مُحْضِي- *** -نَ خِضَمِّينَ كَالْقُرومِ السَّوامِ (7)
الخضم: الكثير المعروف.
القروم: الفحول، الواحد قرم.
السوامي: جامع سامي، و هي الرافعة رؤوسها.
وَ إِذا الْحَرْبُ أَوْ مَضَتْ بِسَنا (8)
السنا: الضوء.
الْحَرْ *** بِ وَ سارَ الْهُمَامُ نَحْوَ الْهُمامِفَهُمُ الْأُسْدُ فِي الْوَغَى لَا اللَّواتي (9)*** بَيْنَ خِيْسِ الْعَرِينِ وَ الْآجَامِ (10)
العرين: مأواه.
الآجام: جمع أجمة، و هي الغابة التي يألفها الأسد.
.1) الذحول: جمع ذحل، و هو الثأر.
2) الحبي: جمع حبوة، و هي الثياب التي يحتبي بها، و الاحتباء: الاشتمال.
3) الأبطحيّين: نسبة إلى الأبطح، و البطحاء: مسيل الوادي، أراد أنّهم من قريش البطاح.
4) ذات الرجوم: التي يرجم بها.
5) غالبيّين: نسبة إلى غالب بن فهر.
6) المصفّى: الذي صفى نسبه من الدنس.
7) المحض: الخالص من كلّ شيء.
8) أومضت: أبرقت.
9) الوغى: الحرب.
10) الخيس: الموضع الذي يكون فيه السبع.
أَسْدُ حَرْبٍ غُيوثُ جَدْبٍ بَهالِي- *** -لُ (1)مَقاوِيلُ غَيْرَ ما إِفْدامِ (2)
أفدام: جمع فدم، و هو الثقيل الغبي.
لا مَهاذِيرَ في النَّدِيِّ (3)مَكاثِي- *** -رَ وَ لَا مُصْمَتِينَ بِالْإِفْحامِ (4)
سادَةٌ ذادَةٌ (5)
الخرد: جمع خريدة، و هي المرأة الحسناء.
عَنِ الْخُرَّدِ الْبِي- *** -ضِ إِذا الْيَوْمُ صارَ كَالْأَيّامِ (6)وَ مَغاييرُ (7)عِنْدَهُنَّ مَغاو *** يرُ (8)مَساعِيرُ لَيْلَةَ الْإِلْجامِ (9)
ليلة الإلجام: أي ليلة الحرب التي يستعدّون فيها لإلجام الخيل.
لَا مَعازيلَ (10)في الْحُروبِ تَنا *** بِيلَ (11)وَ لَا رَائِمينَ بَوَّ اهْتِضامِ (12)
البوّ: جلد الفصيل يحشى تبناً بعد سلخه لكي إذا قرب لأُمّه ترأمه و تحنّ.
الاهتضام و الهضم: الذلّ. يقال: فلان مهتضم و مهضوم الحقّ.
1) البهاليل: جمع بهلول، و هو الضحوك.
2) مقاويل: جمع مقول. يقال: رجل مقول إذا كان متكلّماً بيّناً ظريف اللسان.
3) مهاذير: جمع مهذار، و هو الكثير الكلام. و الندى و النادي و المنتدى واحد، و هو الاجتماع.
4) مكاثير: جمع مكثار.
5) ذادة: جمع ذائد، و هو الذي يذود، أي يمنع و يحمي عن أهله.
6) أي صار يوم حرب كأيّام العرب المشهورة بالوقائع.
7) مغايير: جمع مغيار، الشديد الغيرة.
8) مغاوير: جمع مغوار، الذين يغورون، من الغارة.
9) مساعير: جمع مسعار، الذين يسعرون، أي يوقدون نيران الحرب.
10) معازيل: جمع معزال، و هو الأعزال الذي لا سلاح معه.
11) التنابيل: جمع تنبال القصار.
12) رئمت الناقة ولدها: أي عطفت عليه و لزمته، و كلّ من لزم شيئاً ألفه فقد رئمه.
وَ هُمُ الْآخِذونَ مِنْ ثِقَةِ الْأَ *** مْرِ بِتَقْواهُمُ عُرىّ لَا انْفِصامِ
وَ الْمُصيبُونَ وَ الْمُجِيبُونَ لِلدَّ *** عْوَةِ وَ الْمُحْرِزُونَ خَصْلَ التَّرامي (1)
الخصل و الخصلة في النضال: أن يقع السهم بلزق القرطاس، و هو الإصابة في الرمي. يقال: رمى فأخصل و أصاب خصله، و أحرز خصله أي غلب على الرهان.
وَ مُحِلُّونَ مُحْرمونَ (2)مُقِرُّو *** نَ لِحِلِّ قَرارِهِ وَ حَرامِ
و عرض الكميت في هذه الأبيات إلى الصفات الرفيعة الماثلة في أهل البيت علیهم السلام، و هي:
1- إنّ الأموال التي تردهم يبذلونها بسخاء و طيب نفس إلى ذوي الحاجة لا يبغون جزاءً و لا شكوراً.
2- إنّهم إذا وتروا فهم غير قاصرين و لا عاجزين من الأخذ بثأرهم، و لكنّهم تركوا ذلك إيثاراً لما عند الله، و إن نالهم من أعدائهم قبيح الكلام.
3- و وصف الكميت بقوله: «لا حباهم تحلّ للمنطق الشغب» سعة حلمهم، و أنّهم لا تطيش أحلامهم عند المشاغبة فلا يحلّون حباهم و لا يتحرّكون.
4- و عرض بقوله: «أبطحيّين أريحيّين» إلى أنّهم أشراف قريش بما اتّصفوا به من الأريحيّة فهم كالنجوم و الأعلام التي يهتدي بها الضالّ.
5- و أراد بقوله: «غالبيّين هاشميّين في العلم» أنّهم ينتمون إلى سيّد العرب غالب بن فهر، ثمّ إلى هاشم، و أنّهم نالوا من العلم ما لم ينله أحد، فقد منحهم ذلكالله تعالى الذي بيده الخير.
6- و عرض بقوله: «و مصفّين في المناصب ... الخ» إلى أنّهم في مناصبهم
و مكانتهم قد خلصوا من الدنس، و نزهوا من كلّ عيب، فرفعوا رؤوسهم اعتزازاً لأنّهم لم يحيدوا عن الحقِّ، و لم يقترفوا أي باطل أو إثم.
7- و عرض بقوله: «و إذا الحرب أومضت بسنا الحرب» و بالبيتين اللذين بعده إلى شجاعة العلويّين، و أنّ الحرب إذا استعرت و اشتدّ أوارها، فإنّهم يخوضون غمارها ببسالة و صمود و قوّة بأس لا يعرفون الفزع و لا الخوف، و إنّما يستقبلون الموت بثغورهم الباسمة.
8- و أراد بقوله: «لا مهاذير في الندى» أنّهم إذا ضمّهم النادي فلا يبتذلون بكثرة الكلام، و إنّما يصمتون في مواضع الصمت من غير إفحام.
9- و أعرب بقوله: «سادة ذادة عن الخرد» إلى أنّهم الحماة الذين يحمون أهلهم عن الضيم في أحلك الأيّام المشهورة بالحروب و الوقائع.
10- و عرض بقوله: «و مغايير عندهنّ مغاوير» و بالبيت الذي بعده إلى أنّهم أسد الحروب الذين يوقدون نارها و يسعرون لهبها، و يقذفون بنفوسهم فيها، و ليسوا بمعازيل و لا بتنابيل، و إنّما هم الأعلام، و القادة و الرؤوس.
11- و أعطى الكميت بقوله: «و هم الآخذون من ثقة الأمر» صورة عن تكامل شخصيّة أهل البيت علیهم السلام بأنّهم يأخذون بأوثق الأمور و أشدّها صلة بالحقّ، و لا يأخذون بما التبس عليهم أو شكّوا في مشروعيّته، و ذلك لشدّة تقواهم و ورعهم.
و عرض في البيت الذي يليه إلى أنّهم أوّل من أجاب دعوة الحقّ التي أعلنها الرسول الأعظم صلّی الله علیه و آله و سلّم، فقد كان الإمام أمير المؤمنين علیه السلام السيّد العترة الطاهرة هو أوّل من سبق إلى الإسلام، كما كان المدافع الأوّل عن النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم و المحامي عن دعوته.
و عرض الكميت بعد هذا المدح للعلويّين إلى هجاء خصومهم الأمويّين. يقول:
ساسَةٌ لا كَمَنْ يَرعى النّا *** سِ سَواءً وَرَعيةَ الأَنْعام (1)
لا كَعَبدِ المَليكِ، أو كَوليدٍ *** أو كَسُلَيمانَ بَعدُ أو كَهشامِ
رَأْيُهُ (2)فِيهِمُ كَرَأْي ذَوِي الثُّلَّ- *** -ةِ في الثّائِجاتِ (3)
جنح الظلام: إذا جنح على الأرض، و الجنوح الميل.
جُنْحَ الظَّلامِجَزُّ ذِي الصُّوفِ وَ انْتِقَاءُ (4)لِذِي الْمُخَّ- *** نَعْقاً وَ دَعْدَعاً بِالْبِهامِ (5)
نعقاً: أي ينعق نعقاً: يصيح في الغنم.
الدعدعة: زجر البهائم.
مَنْ يَمُتْ لَا يَمُتْ فَقيداً وَ مَنْ يَحْ- *** -يَ فَلا ذُو إِلِّ وَ لَا ذو ذِمامِ (6)
لا أكاد أعرف هجاءً أمضّ، و لا أصدق من هذا الهجاء، فقد كشف النقاب عن سوء السياسة الأمويّة، التي ساست الناس سياسة لم يألفوها، فقد نظرت إليهم كالأنعام، و لم تؤمن بأي حقٌ من حقوقهم، فصبّت عليهم وابلاً من العذاب الأليم، و عرض إلى من مات من ملوك الأمويّين، و أنّه لا ذكر لهم، لأنّهم لم يقيموا حقّاً، و لم يؤسّسوا عدلاً، فلذا لا يذكرهم الناس بخير، و إنّما يمقتون ظلمهم، و يذكرون جورهم و بطشهم.
و يواصل الكميت مدحه لبني هاشم فيقول:
1) يقول: إنّهم يتعهّدون الناس بحسن السياسة لا يدعونهم عملاً كالأنعام، و قوله: لا كمن يرعى الناس: يعني بني أُميّة.
2) رأيه: أي رأي الواحد من هؤلاء الخلفاء كرأي أصحاب القطع الكثيرة من الغنم.
3) الثائجات: الضأن، أي الصائحات. يقال: ثاجت الغنم ثواجاً.
4) انتقاء: اختيار.
5) ذى المخة: أراد السمينة من الغنم.
6) من مات منهم فلا ذكر له، و من عاش ففي أحكامه لا يرقب في مؤمن إلّا و لا ذمّة، و الال: العهد، و الآل: القرابة. و الذمام : الذمّة و الحقّ.
فَهُمُ الْأَقْربونَ مِنْ كُلِّ خَيْرِ *** وَ هُمُ الْأَبْعَدونَ مِنْ كُلِّ ذامِ (1)
وَ هُمُ الأَوْفونَ بِالنَّاسِ في الرَّأْ *** فَةِ وَ الْأَحْلَمونَ في الأَحْلامِ
بَسَطوا أيديَ النَّوالِ (2)وَ كَفُّوا *** أَيْدِيَ الْبَغْيِ عَنْهُمُ وَ الْعُرامِ (3)
أَخَذوا الْقَصْدَ (4)فَاسْتَقَامُوا عَلَيْهِ *** حينَ مالَتْ زَوامِلُ الْآثامِ (5)
عِيَراتُ (6)الْفَعالِ وَ الْحَسَبِ الْعَوْ *** دِ إِلَيْهِمْ مَحْطوطَةُ الْأَعْكامِ (7)
العود: القديم. و العود في الأصل الجمل المسنّ.
الأعكام: جمع عكم، العدل - بالكسر -.
أُسْرَةُ الصَّادِقِ الْحَدِيثِ أَبي الْقا *** سمِ فَرْعُ الْقَدامِسِ القُدّامِ (8)
القدام: المتقدّم.
و صوّرت هذه الأبيات المثل العليا التي اتّصف بها أهل البيت علیهم السلام من قربهم إلى الخير، و بعدهم عن كلّ ما يوجب الذمّ، و وفائهم بكلّ عهد، و رأفتهم بالناس، و سعة حلمهم، و غير ذلك من الصفات التي جعلتهم مهوى الأفئدة، و موضع تقديس الناس و إكبارهم.
و يأخذ الكميت في رائعته بمدح النبيّ العظيم صلّی الله علیه و آله و سلّم فيقول:
1) الذام و الذيم و الذم واحد، و هو العيب.
2) النوال: العطاء.
3) العرام: الجهل، و رجل عارم: جاهل.
4) القصد: الاعتدال و التوسّط في الأمور.
5) الزوامل: الإبل التي تحمل عليها الحمولة، فشبه الأنام بالزوامل.
6) عيرات: هكذا في وردت، و لعلّه أراد عيارات جميع عَير، و هي الحمير التي يُحمل عليها الميرة.
7) الحسب: ما يعدّه الإنسان من مفاخر الآباء.
8) القدامس و القدموس: السيّد الشريف، و قيل: الشداد.
خَيْرُ حَيٍّ وَ مَيَّتٍ مِنْ بَني آ *** دَمَ طُرّاً مَأْمومِهِمْ وَ الْإِمامِ
كانَ مَيْتاً جَنازَةٌ خَيْرَ مَيْتٍ *** غَيَّبَتْهُ مَقابِرُ الْأَقْوامِ (1)
وَ جَنيناً وَ مُرْضِعاً ساكِنَ الْمَهْ- *** -دِ وَ بَعْدَ الرّضاع عِنْدَ الْفِطامِ
خَيْرَ مُسْتَرْضَع وَ خَيْرَ فَطيمٍ *** وَ جَنينِ أُقِرَّ في الْأَرْحَامِ
وَ غُلاماً وَ ناشِئَاً ثُمَّ كَهْلاً *** خَيْرَ كَهْلٍ وَ ناشئٍ وَ غُلامٍ
أَنْقَذَ اللهُ شِلْوَنا (2)مِنْ شَفا النّا *** رِ بِهِ نِعْمَةً مِنَ الْمِنْعامِ
لَوْ فَدَى الْحَيُّ مَيَّتاً قُلْتُ نَفْسي *** وَ بَنِيَّ الْفِدا لِتِلْكَ الْعِظامِ
طَيِّبُ الْأَصْلِ طَيِّبُ الْعُودِ فِي الْبُنْ- *** -يَةِ وَ الْفَرْعِ يَثْربيٌّ تُهامي
أَبْطحيٌّ بِمَكَّةَ اسْتَثْقَبَ (3)
استثقب الله بالنبيّ: أي أضاء به و كشف حجب العمى الجهالة عن الأُمّة.
اللّ- *** -هُ ضِياءَ الْعَما بهِ وَ الظَّلامِوَ إِلَى يَثْرِبَ التَّحَوُّلُ عَنْها (4)*** لِمُقامٍ مِنْ غَيْرِ دارِ مُقامِ (5)
هِجْرَةٌ حَوَلَتْ إِلَى الْأَوْسِ وَ الْخَزْ *** رَجِ أَهْلِ الْفَسِيلِ وَ الْآطامِ (6)
الآطام: جمع أطم، و هي الحصون المبنيّة بالحجارة.
غَيْرُ دُنْيا مُحالِفاً (7)
و الحلف: العهد.
وَ اسْمُ صِدْقٍ *** باقِياً مَجْدُهُ بَقاءَ السَّلامِ (8)1) أي أنّه صلّی الله علیه و آله و سلّم كان خير ميّت و أكمل إنسان من لدن كان جنيناً إلى أن انتقل إلى الدار الباقية.
2) الشلو: الجلد و الجسد من كلّ شيء. و الجمع: أشلاء.
3) أبطحي نسبة إلى أبطح مكّة.
4) التحوّل عنها: أي تحوّل عن مكّة و هاجر إلى يثرب.
5) المقام: من الإقامة.
6) الفسيل: و هي صغار النخيل، و يجمع على فسائل أيضاً، و الفسلان: جمع الجمع.
7) غير دنيا مخالفاً: أي لم يغترّ بزخارف الدنيا فيميل إليها، و لم يحالف غير الصدق و الشرف.
8) السلام - بالكسر -: الحجارة، جمع سلمة.
و بعد هذا الثناء العاطر على النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم أخذ في مدح الشهيد العظيم جعفر الطيّار ابن عمّ النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، و مدح عمّ النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم الشهيد الخالد حمزة. يقول:
ذُو الْجَناحَيْنِ وَ ابْنُ هالَةَ (1)
ابن هالة: هو حمزة بن عبدالمطّلب عمّ رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم استشهد في غزوة أُحُد، و أُمّه هالة بنت أهيب.
مِنْهُمْ *** أَسَدُ اللهِ وَ الْكَمِيُّ الْمُحامي (2)لَا ابْنُ عَمٍّ (3)يُرى كَهَذا وَ لَا عَ- *** -مٌ (4)كَهذاكَ سَيِّدُ الأَعْمامِ
و يعرض الكميت بعد هذا إلى مدح سيّد الأوصياء، و باب مدينة علم النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم الإمام أمير المؤمنين علیه السلام يقول:
وَ الْوَصِيُّ (5)الَّذِي أَمالَ التَّجُو *** بيُّ بِهِ عَرْشَ أُمَّةٍ لانْهِدامِ (6)
العرش: سرير الملك.
كانَ أَهْلَ الْعَفَافِ وَ الْمَجْدِ وَ الْخَيْ- *** -رِ وَ نَقْضِ الأُمورِ وَ الإِبْرامِ (7)
وَ الْوَصِيَّ الْوَلِيَّ وَ الْفَارِسَ الْمُعْ- *** -لِمَ تَحْتَ الْعَجاجَ غَيْرَ الْكَهام (8)
الكهام: الكليل من الرجال و السيوف. يقال: سيف كهام.
1) ذو الجناحين: هو جعفر بن أبي طالب، و قتل في غزوة مؤتة سنة ثمان للهجرة.
2) الكمي: الشجاع.
3) لا ابن عمّ: يعني جعفر.
4) و لا عمّ: يعني حمزة.
5) الوصيّ هنا الذي يوصّى له، و المراد به عليّ بن أبي طالب علیه السلام.
6) التجوبي: نسبة إلى تجوب، و هي من قبائل اليمن. و قيل: من حمير، و عدادهم في مراد، و هو عبد الرحمن بن ملجم قاتل عليّ علیه السلام.
7) الإبرام: إحكام الفتل. يقال: أبرمت الفتل، و حبر مبرم: أي مفتول، و أمر مبرم أي محكم.
8) العجاج: الغبار.
كَمْ لَهُ ثُمَّ كَمْ لَهُ مِنْ قَتيلٍ *** وَ صَريعٍ تَحْتَ السَّنابِكِ دامي (1)
وَ خَميسٍ (2)يَلْفُّهُ بِخَميسٍ *** وَ فئامٍ حَواهُ بَعْدَ فِئامِ (3)
وَ عَميدٍ مُتَوَّجِ حَلَّ عَنْهُ عِقْ- *** -دَ التّاجِ بِالصَّنيعِ الْحُسامِ (4)
قَتَلوا يَوْمَ ذاكَ إِذْ قَتَلوهُ *** حكَماً لَا كَغَابِرِ الْحُكّامِ
راعياً كانَ مُسْجِحاً (5)فَفَقَدنا *** هُ وَ فَقدُ المُسيم هَلْكُ السَّوامِ (6)
نالَنا فَقْدُهُ وَ نالَ سِوانا *** باجْتِداعِ مِنَ الْأُنوفِ اصْطِلامِ
وَ أَشَتَّتْ بِنا مَصادِرُ شَتّى *** بَعْدَ نَهْج السَّبيل ذي الآرام (7)
جَرَّدَ السَّيْفَ تارَتَيْنِ مِنَ الدَّه-ْ *** -رِ عَلى حينِ دِرَّةٍ مِنْ صَرامِ (8)
صرام: من أسماء الحرب.
في مُرِيدِينَ (9)مُخْطِئِينَ هُدَى اللّ- *** -هِ وَ مُسْتَقْسِمِينَ بِالْأَزْلامِ (10)
فإذا أراد الرجل سفراً أو أمراً ضرب تلك القداح، فإن خرج السهم الذي عليه أمرني ربّي مضى لحاجته، و إن خرج الذي عليه نهاني ربّي لم يمض في أمره.
1) السنابك: جمع سنبك، و هي أطراف الحوافر.
2) الخميس: الجيش الكثير.
3) الفئام: الجماعة من الناس لا يكون من غيرهم.
4) الصنيع: السيف الجيّد.
5) المسجح: الرقيق.
6) المسيم: الذي يسيم إبله أو غنمه ترعى.
7) الآرام: جمع ارم: الأعلام. و هي حجارة تجمع و تنصب في المفازة يهتدى بها.
8) الدرة: كثرة اللبن و سيلانه.
9) مريدين: يعني الخوارج.
10) الأزلام: سهام كانت لأهل الجاهلية مكتوب على بعضها: أمرني ربّي، و على بعضها: نهاني ربّي.
و انبرى إلى ذكر الإمام الحسن علیه السلام سيّد شباب أهل الجنّة و ريحانة رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، قال:
وَ وَصِيُّ الْوَصِيُّ (1)ذِي الْخُطَّةِ الْفَصْ- *** -لِ وَ مُرْدِي الْخُصومَ يَوْمَ الْخِصامِ
و عرج بعد ذلك إلى ذكر مأساة الإمام الحسين علیه السلام تلك المأساة المروعة التي تركت أعظم اللوعة و الأسى في النفوس. قال:
و قَتيلٌ بِالطَّفِّ غُودِرَ مِنْهُ *** بَيْنَ غَوْغاءِ أُمَّةٍ وَ طَغامٍ (2)
الطغام: أراذل الناس.
و حينما سمع الإمام أبو جعفر علیه السلام هذا البيت تناثرت دموعه و بكى، و قال له: كما قال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم لحسّان بن ثابت: لا زلت مؤيّداً بروح القدس ما ذببت عنّا أهل البيت (3).
و يستمرّ الكميت في تلاوة رثائه للإمام الحسين علیه السلام، يقول:
تَرْكَبُ الطَّيْرُ كَالمَجاسِدِ (4)مِنْهُ *** مَعَ هَابٍ مِنَ التُّرابِ هُيامِ (5)
الهيام: الكثير الذي لا يتماسك.
وَ تُطيلُ الْمُرَزّآتُ (6)
المقاليت من النساء: جمع مقلاة، اللواتي لا يبقى لهنّ أولاد.
الْمَقالِي- *** -تَ عَلَيْهِ الْقُعودَ بَعْدَ الْقِيامِيَتَعَرَّفْنَ حُرَّ وَجهٍ عَلَيْهِ *** عُقْبَةُ السَّرْوِ ظَاهِراً وَ الْوِسامِ (1)
قَتَلَ الْأَدْعِياءُ (2)إِذْ قَتَلُوهُ *** أَكْرَمَ الشَّارِبِينَ صَوْبَ الْغَمَامِ
و عرض بعد ذلك إلى محمّد بن الحنفيّة، قال:
وَ سَمِيُّ النَّبِيِّ (3)بِالشُّعْبِ ذِي الْخَيْ- *** -فِ طَريدُ الْمُحِلِّ بِالْإِحْرامِ
يشير بذلك إلى ما تعرّض إليه محمّد من التنكيل من قِبل ابن الزبير لأنّه امتنع من بیعته، فحصره بالخيف، و هدّده و من معه بالحرق إن لم يبايعوه.
و ذكر بعد ذلك الشهيد العظيم أبا الفضل العبّاس ابن الإمام أمير المؤمنين علیهما السلام الذي استشهد دفاعاً عن أخيه سيّد الأحرار الإمام الحسين علیه السلام، يقول:
وَ أَبو الْفَضْلِ (4)إِنَّ ذِكْرَهُمُ الْحُلْ- *** -وَ بِفيَّ الشِّفاءُ لِلأَسْقام (5)
وَ أَبو الفَضْلِ إِنَّ ذِكْرَهُمُ الْحُلْوَ *** شِفاءُ النُّفوسِ مِنْ أَسْقَامِ
قَتَلَ الأَدْعِياءُ إِذْ قَتَلُوهُ *** أَكَرَمَ الشَّارِبِينَ صَوْبَ الغَمَامِ
و ذكر شارح الهاشميّات أنّ المراد بأبي الفضل هو العبّاس عمّ النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، و هو اشتباه محض نشأ من قلّة التتبّع.
و يعرض بعد ذلك إلى مدى ولائه العميق لأهل البيت علیه السلام، يقول:
فَبِهِمْ كُنْتُ لِلْبَعيدينَ عَمّاً *** وَ اتَّهَمْتُ الْقَرِيبَ أَيَّ اتِّهامِ (6)
1) السرو: المروءة و الشرف. و عقبة السرو: أي سيماه و علامته.
2) الأدعياء: جمع دعي، من الدعوة - بالكسر - ادّعاء الولد غير أبيه، و المراد به هنا عبيد الله بن زياد بن سميّة أخو معاوية بن أبي سفيان.
3) سميّ النبيّ: محمّد بن الحنفيّة بن عليّ أمير المؤمنين.
4) هو العبّاس عمّ النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم.
5) في مقاتل الطالبيّين: 84:
6) قيل إنّه يعني القريب علقمة الحضرمي الذي اتّهمه.
صَدَقَ النَّاسَ (1)في حُنَيْنٍ بِضَرْبٍ *** شابَ مِنْهُ مَفارِقُ الْقَمْقامِ (2)
القمقام: السيّد.
وَ تَناوَلْتُ مَنْ تَناوَلَ بِالْغَيْ- *** -بَةِ أَعْراضَهُمْ وَ قَلَّ اكْتِتامي
وَ رَأَيْتُ الشَّرِيفَ في أَعْيُنِ النّ- *** -اسِ وَضِيعاً وَ قَلَّ مِنْهُ احْتِشامي
مُعْلِنَاً لِلْمُعالِنينَ مُسِرّاً *** لِلْمُسِرِّينَ غَيْرَ دَحْضِ الْمَقامِ
مُبْدِياً صَفْحَتِي عَلَى الْمَرْقَبِ الْمُعْ- *** -لَمِ بِاللهِ عزَّتي وَ اعْتِصامي
ما أُبالي إذا حَفِظت أَبا الْقا *** سِمِ فيهم مَلامَةَ اللوّامِ
لَا أُبالى وَ لَنْ أُبَالِي فِيهِمْ *** أَبَداً رَغْمَ ساخِطِينَ رِغامِ (3)
الرغام: هو التراب، و يقال: أرغم الله أنفه: إذا ألصقها بالتراب.
فَهُمُ شِيعَتِي وَ قِسْمي (4)مِنَ الْاُ *** مَّةِ حَسْبي مِنْ سائِرِ الْأَقْسامِ
إِنْ أَمُتْ لَا أَمُتْ وَ نَفْسِيَ نَفْسا *** نِ مِنَ الشَّكِّ فِي عَمَىّ أَوْ تَعَامي
عادِلاً غَيْرَهُمْ (5)مِنَ النَّاسِ طُرّاً *** بِهِمُ لَا هَمامِ بي لَا هَمامِ (6)
لَمْ أَبِعْ دينيَ الْمُسَاوِمِ (7)بِالْوَكْ *** -سِ وَ لَا مُغْلِياً مِنَ السُّوّامِ (8)
مغلياً: أي و لا أبيع ديني لمن يُغلي الثمن و يفرط في السوم.
1) يعني أبا الفضل، و كان ممّن غزا و ثبت في وقعة حنين.
2) المفارق: وسط الرأس.
3) يقال: فعلت رغم أنفه: أي قسراً عنه.
4) القسم و المِقسم و القسيم: الحظّ و النصيب من الخير، و الجمع أقسام.
5) عادلاً غيرهم: أي لا أعدل بهم أحداً، و لا اتّخذ سواهم لي أولياء.
6) لا همام: أي لا أُهمّ بذلك و لا أفعله.
7) المساوم: الذي يسوم الشيء للشراء.
8) الوكس: النقص. يقال: بعت السلعة بالوكس أي بالنقصان.
و عبّر بهذه الأبيات عن أصدق الولاء لبني هاشم، فقد أخلص للبعيد الذي يخلص لهم و عادى القريب الذي يعاديهم، و كان ذلك منتهى الإيمان.
و لمّا بلغ الكميت إلى قوله:
أَخْلَصَ اللهُ لِي هَوايَ فَمَا أُغْ- *** -رِقُ نَزْعاً وَ لَا تَطيشُ سِهامي (1)
الاغراق في النزع: مثل يضرب للغلوّ و الإفراط، فقوله: «فما أغرق نزعاً» لا يناسب المقام، لأنّ معناه أنّه لا يبالغ في محبّة أهل البيت علیهم السلام، مع أنّ المناسب المبالغة فيها فلهذا غيّر الإمام الشعر من النفي إلى الإيجاب.
قال له الإمام: قل: «فقد أغرق نزعاً و لا تطيش سهامي» التفت الكميت إلى
النكتة في ذلك، فقال للإمام: أنت أشعر منّي في هذا المعنى.
و لمّا فرغ الكميت من إنشاد رائعته توجّه الإمام نحو الكعبة، و أخذ يدعو له قائلاً: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْكُمَيْتَ وَ اغْفِرْ لَهُ».
و كرّر الدعاء بالمغفرة له ثلاث مرّات، ثمّ قال له: يا كُمَيْتُ، هذِهِ مائَةُ أَلْفٍ قَدْ جَمَعْتُها لَكَ مِنْ أَهْلِ بَيْتي، فأبى الكميت من قبولها، و اعتذر بأنّه يطلب المكافأة من الله تعالى، و طلب من الإمام علیه السلام أن يتكرّم عليه بقميص من قمصه، فأعطاه ذلك (2).
و خرج الكميت من الإمام فقصد عبد الله بن الحسن فأنشده رائعته، فأعجب بها عبد الله و قال له: يا أبا المستهلّ، إنّ لي ضيعة أُعطيت فيها أربعة آلاف دينار، و هذا كتابها، و قد أشهدت بذلك شهوداً. و ناوله الكتاب.
فقال الكميت: بأبي أنت و أُمّي، إنّي كنت أقول الشعر في غيركم أُريد به الدنيا، و لا و الله ما قلت فيكم إلّا لله، و ما كنت لأخذ على شيء جعلته الله مالاً و لا ثمناً.
فألحّ عليه عبد الله، فأخذ الكميت الكتاب و مضى أيّاماً، ثمّ قصد عبد الله فقال له: إنّ لى حاجة.
ما هي؟ كلّ حاجة لك مقضيّة.
كائنة ما كانت؟
نعم.
هذا الكتاب تقبله، و ترجع الضيعة. و ناوله الكتاب فقبله عبد الله، و نهض عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فأخذ جلداً و دفعه إلى أربعة من غلمانه، و جعل يدخل دور بني هاشم و هو يرفع عقيرته قائلاً: يا بني هاشم، هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم، و عرّض دمه لبني أُميّة فأثيبوه بما قدرتم.
و أخذ العلويّون يطرحون في الجلد ما يقدرون عليه من الدنانير و الدراهم، و علمت السيّدات من العلويّات فكن يبعثن إليه ما يتمكن عليه حتّى كانت العلويّة تخلع الحليّ من جسدها و تدفعه، و اجتمع عنده من المال ما قيمته مائة ألف درهم، فجاء بها إلى الكميت، و قال له: يا أبا المستهلّ، أتيناك بجهد المقل، و نحن في دولة عدوّنا، و قد جمعنا هذا المال، و فيه حلىّ النساء، فاستعن به على دهرك.
و أبى الكميت من قبوله قائلاً: بأبي أنتم و أمّي، قد أكثرتم و أطيبتم، و ما أردت
بمدحي إيّاكم إلّا الله و رسوله، و لم أك لآخذ ثمناً من الدنيا، فاردده إلى أهله.
و جهد عبد الله أن يقبل الكميت تلك الأموال فأبى و امتنع (1).
1) مروج الذهب: 3: 230.
و أنشد الكميت اللاميّة من هاشميّاته أمام الإمام أبي جعفر علیه السلام، و قد أخذت منه مأخذاً عظيماً، فقد تركت في نفسه أعظم الأثر، فقد عرض فيها إلى الأحداث السياسيّة المؤلمة في ذلك العصر، و ما حلّ بأهل البيت علیهم السلام من صنوف التنكيل و الارهاق. يقول في أوّلها:
أَلَا هَلْ عَمٍ (1)في رَأْيِهِ مُتَأَمِّلُ *** وَ هَلْ مُدْبِرٌ بَعْدَ الإِساءَةِ مُقْبِلُ
وَ هَلْ أُمَّةٌ مُسْتَيْقِظُونَ لِرُشْدِهِمْ *** فَيَكْشِفَ عَنْهُ النَّعْسَةَ الْمُتَزَمِّلُ (2)
المتزمّل: النائم المتلفّف بثيابه.
فَقَدْ طالَ هذا النَّوْمُ وَ اسْتَخْرَجَ الْكَرَى (3)*** مَساوِيَهُمْ لَوْ كانَ ذا المَيْلُ يُعْدَلُ
و دعا الكميت بهذه الأبيات المسلمين إلى اليقظة من سباتهم، و أهاب بهم من الجمود و الخمول، و قد حفّزهم على الثورة للتخلّص من ظلم الأمويّين و جورهم، فقد جهدوا على الاستبداد بشؤون الناس و إرغامهم على ما يكرهون.
و يقول الكميت في هذه الرائعة:
وَ عُطِّلَتِ الأحْكامُ حَتّى كَأَنَّنا *** عَلى مِلَّةٍ غَيرِ الَّتي نَتَنَحَّلُ (4)
نتنحّل: من النحلة، و هي الدعوى.
كَلامُ النَّبِيِّينَ الْهُداةِ كَلامُنا *** وَ أَفْعَالَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ نَفْعَلُ
رَضِينا بِدُنْيا لَا نُريدُ فِراقَها *** عَلى أَنَّنا فيها نَموتُ وَ نُقْتَلُ
وَ نَحْنُ بِها مُسْتَمْسِكُونَ كَأَنَّها *** لَنا جُنَّةٌ مِمَّا نَخافُ وَ مَعْقِلُ (1)
و عرض في البيت الأوّل إلى تعطيل الأمويّين للأحكام الدينيّة، و تجميدهم لمبادئ الإسلام حتّى صار المسلمون بشكل مؤسف كأنّهم قد انتحلوا ديناً غير دين الإسلام.
أمّا البيت الثاني فقد قدح فيه في ولاة الحكم الأموي، و أنّهم يقولون كلام الهداة المصلحين إلّا أنّ أعمالهم تتجافى مع أقوالهم، فهم يعملون أعمال أهل الجاهليّة الأُولى، أمّا البيتان الأخيران فإنّه يعزو فيهما الحالة الراهنة التي مني بها المسلمون إلى حبّهم للحياة و إيثارهم للعافية، و تمسّكهم بالدنيا، فلم يهبّوا للجهاد و الثورة على الحكم الأموي.
و يقول الكميت:
فَتِلْكَ أُمورُ النّاسِ أَضْحَتْ كَأَنَّها *** أُمورُ مُضِيعٍ آثَرَ النَّوْمَ بُهَّلُ (2)
فَياساسَةً هَاتُوا لَنا مِنْ حَدِيثِكُمْ *** فَفيكُمْ لَعَمْرِي ذُو أَفَانِينَ مَقْوَلُ (3)
المقول: اللسان البليغ.
أَ أَهلُ كِتابٍ نحنُ فيهِ وَ أَنتُمُ *** عَلَى الحَقِّ نَقْضى بِالْكِتابِ وَ نَعدِلُ (4)
و يعرض في البيت الأوّل إلى إهمال الحكّام الأمويّين لشؤون الرعيّة حتّى غدت كأنّها الإبل المهملة تسرح و لا راعي لها يحفظها من الضياع، و يسأل في البيتين الأخيرين أُولئك الساسة القابضين على زمام الحكم، هل أنّهم أهل كتاب يقضون
بالحقّ، و على ضوئه يسوسون شؤون رعيّتهم؟ و إذا كانوا كذلك فما بالهم قد شدّوا في سياستهم عن الدين، و ابتعدوا عن تعاليمه.
و يستمرّ الكميت في محاسبة الأمويّين، و تحميلهم المسؤوليّة عمّا أصاب الأُمّة من الظلم و الجور، و يعدّد مثالبهم، و يدعو المسلمين إلى الانتفاضة على حكمهم، و بعد ذلك عرج على رثاء أبي الأحرار الإمام الحسين علیه السلام قائلاً:
كَأَنَّ حُسَيْناً وَ الْبَهالِيلَ (1)حَوْلَهُ *** لأَسْيافِهِمْ ما يَخْتَلي الْمُتَبَقِّلُ (2)
يَخُضْنَ بِهِ مِنْ آلِ أَحْمَدَ فِي الْوَغَى (3)
الوغى: الصوت و الجلبة في الحرب.
*** دَماً ظَلَّ مِنْهُمْ كَالْبَهِيمِ الْمُحَجَّلُوَ غابَ نَبِيُّ اللهِ عَنْهُمْ وَ فَقْدُهُ *** عَلَى النَّاسِ رِزْءٌ ما هنُاكَ مُجُلَّلُ (4)
المجلّل: الجليل.
لقد كان الكميت صادق اللهجة و العاطفة في رثائه للحسين علیه السلام، و قد تركت أبياته أعظم الأثر في نفس الإمام أبي جعفر علیه السلام، و لمّا انتهى الكميت إلى هذا البيت:
يُصيبُ بِهِ الرَّامونَ (5)عَنْ قَوْسٍ غَيْرِهِمْ *** فَيا آخِراً أَسْدَى لَهُ الْغَيَّ أَوَّلُ (6)
أسدى: أعطى و منح.
اشتدّ حزن الإمام علیه السلام، و قد أراد الكميت بهذا البيت أنّ جميع ما حلّ بأهل البيت علیهم السلام من الرزايا و الخطوب فإنّه يستند إلى الصدر الأوّل، فإنّهم هم الذين
سمحوا للأموييّن أن يقفزوا إلى الحكم، و مكنوهم من رقاب المسلمين، و لمّا سمع الإمام علیه السلام هذا البيت بلغ به الحزن أقصاه، و رفع يده إلى السماء، و جعل يدعو للكميت قائلاً: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْكُمَيتِ» (1).
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن لاميّة الكميت، و قد جاء فيها أنّه قد رثا الإمام أبا جعفر علیه السلام حيث قال:
أَمَوْتاً عَلى حَقَّ كَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ *** أَبو جَعْفَر (2)دونَ الَّذِي كُنْتَ تَأْمُلُ
و من المؤكّد أنّه نظم هذا البيت و ما بعده بعد وفاة الإمام أبي جعفر علیه السلام و ألحق ذلك بلاميّته.
و هذه رائعة أُخرى من هاشميّاته، و قد وفد على الإمام أبي جعفر علیه السلام ليتلوها عليه، فقال له: إنّي قد قلت شعراً إن أظهرته خفت القتل، و إن كتمته خفت الله تعالى، ثمّ أنشد الإمام علیه السلام هذه الرائعة:
نَفَى عَنْ عَيْنِكَ الْأَرَقُ الْهُجُوعا (1)*** وَ هَمٌّ يَمْتَري مِنْها الدُّمُوعا (2)
دَخيلٌ في الْفُؤادِ يَهِيجُ سُقْماً (3)*** وَ حُزْناً كَانَ مِنْ جَذَلٍ مَنُوعا (4)
لِفُقْدانِ الْخَصَارِمِ مِنْ قُرَيْشٍ (5)*** وَ خَيْرِ الشَّافِعِينَ مَعاً شَفِيعا
و وصف في هذه الأبيات ما حلّ به من هم مقيم، و آلام عميقة جعلته دائماً أرقاً لا يألف إلّا الحزن و الأسى، و ذلك لما حلّ بأسياده العلويّين من الرزايا و الخطوب، فقد كوت قلبه، و جعلته هائماً في تيّارات مذهلة من الأسى و الشجون.
و يقول الكميت في عينيّته يصف سيّده الإمام أمير المؤمنين علیه السلام:
لَدى الرَّحْمَنِ يَصْدَعُ بِالْمَثاني *** وَ كانَ لَهُ أَبو حَسَنٍ قَرِيعا
حَطُوطاً فى مَسَرَّتِهِ وَ مَوْلىً (6)
المولى: ابن العمّ، و المولى: السيّد.
*** إِلى مَرْضاةِ خالِقِهِ سَرِيعاحَطوطاً في مَسَرَّتِهِ وَ مَوْلىً *** إل مَرْضاةِ خالِقِهِ سَرِيعا
وَ أَصْفاهُ النَّبِيُّ عَلَى اخْتِيارِ *** بِما أَعْيَ الرَّفُوضَ لَهُ الْمُذِيعا (1)
وَ يَوْمَ الدَّوْحِ دَوْحِ غَدِيرٍ خُمٍّ (2)*** أَبَانَ لَهُ الْوِلايَةَ لَوْ أَطِيعا
وَلَكِنَّ الرّجالَ تَبايَعُوها *** فَلَمْ أَرَ مِثْلَها خَطَراً مَبِيعا
فَلَمْ أَبْلُغْ بِها لَعْناً وَلكِنْ *** أَساءَ بذاكَ أَوَّلُهُمْ صَنِيعا
فصارَ بذاكَ أَقْرَبُهُمْ لِعَدْلٍ *** إِلى جَوْرٍ وَ أَحْفَظُهُمْ مُضيعا
أَضاعُوا أَمْرَ قَائِدِهِمْ فَضَلُّوا *** وَ أَقْوَمِهِمْ لَدَى الْحَدَثَانِ ريعا (3)
الريع: الطريق.
تَناسَوا حَقَّهُ وَ بَغَوا عَلَيْهِ *** بِلَا تِرَةٍ وَ كانَ لَهُمْ قَرِيعا (4)
القريع: السيّد.
و عرض الكميت في هذه القطعة من قصيدته إلى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، فذكر مناصرته للنبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم حينما فجّر دعوته المشرقة، فقد كان الإمام إلى جانبه يحميه و يذبّ عنه، و يردّ عنه كيد المعتدين و الظالمين.
و كان الإمام علیه السلام في جهاده و دفاعه لا يبتغي إلّا وجه الله، و لا يلتمس إلّا الدار الآخرة، و نظراً لما يتمتّع به الإمام علیه السلام من الطاقات الروحيّة الهائلة فقد اصطفاه النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم و جعله وزيراً و خليفة من بعده، أعلن ذلك في مؤتمره العامّ الذي عقده في غدير خم، فقلّده و سام الخلافة و الإمامة، و قال فيه:
«مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ. اللّهُمَّ والِ مَنْ والاهُ، وَ عادِ مَنْ عاداهُ، وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ» (1).
و من المؤسف حقّاً أنّ هذه البيعة التي عقدها الله و رسوله للإمام أمير المؤمنين القائد الأوّل للمسيرة الإسلاميّة لم تتّفق مع رغبات القوم و ميولهم، فعقدوا مؤتمر السقيفة، و تجاهلوا بيعتهم للإمام، و تناسوا مقامه، و قد حفلت مصادر التاريخ بذكر الحادث المؤلم و تفصيل شؤونه.
و مضى الكميت في رائعته يقول:
فَقُلْ لِبَني أُمَيَّةَ حَيْثُ حَلُّوا *** و إِن خِفْتُ الْمُهَنَّدَ وَ الْقَطيعا (2)
القطيع: السوط.
أَلَا أُفٍّ لِدَهْرِ كُنْتُ فيهِ *** هِداناً طائعاً لَكُمْ مُطيعا (3)
أَجاعَ اللهُ مَنْ أَشْبَعْتُمُوهُ *** وَ أَشْبَعَ مَنْ بِجَوْرِكُمْ أُجِيعا
وَ يَلْعَنُ فَذَّ أُمَّتِهِ جِهاراً (4)*** إذا ساسَ الْبَرِيَّةَ وَ الْخَلِيعا (5)
بِمَرْضِيِّ السَّيَاسَةِ هاشِمِيٍّ *** يَكونُ حَيّاً لأُمَّتِهِ رَبيعا (6)
وَ لَيْثاً في الْمَشاهِدِ غَيْرَ نِكْسٍ (7)*** لِتَقْويمِ الْبَرِيَّةِ مُسْتَطيعا
1) حديث الغدير متواتر، أجمع المسلمون على روايته، و ذكرته الصحاح كافّة.
2) المهنّد: السيف الهندي.
3) الهدان: الجبان.
4) الفذّ: الفرد، و هو أوّل القداح يريد به قاتل عليّ.
5) الخليع: الوليد بن عبدالملك.
6) الحَيَا: الخصب، و ربيع أي كالربيع يعمّ الرعيّة بالخيرات.
7) النكس: الدنيء المقصّر، و أصل ذلك في السهام، و ذلك أنّ السهم إذا ارتدع أو نالته آفة نُكس في الكنانة ليعرف من غيره.
يُقيمُ أُمورَها وَ يَذُبُّ عَنْها *** وَ يَتْرُكُ جَدْبَها أَبَداً مَرِيعا (1)
المريع: الخصب. الهاشميّات: 78 و 80.
و عرض الكميت في هذه الأبيات لبني أُميّة فدعا بالجوع و الحرمان على عملائهم و أذنابهم الذين اتخمت بطونهم من أموال الأمويّين و هباتهم، كما دعا لمن حرمتهم السلطة الأمويّة من العطاء بالثراء و سعة العيش، كما عرض لبني هاشم، و أنّهم ساسة الأُمّة و أنّها في ظلال حكمهم تجد الرفاهيّة و العيش الرغيد.
و يقول المؤرّخون: إنّ الإمام أبا جعفر علیه السلام لمّا سمع هذه القصيدة العصماء أخذ منه الاعجاب مأخذاً عظيماً و انطلق يقول: «اللَّهُمَّ اكْفِ الْكُمَيْتَ». و كرّر الإمام هذا الدعاء ثلاث مرّات، و قد أنجاه الله ببركة دعائه فتخلّص من سجن الأمويّين (2).
و ناضل الكميت نضالاً مريراً في الدفاع عن عقيدته، و الذبّ عن مبادئه، و قد انطلق كالمارد الجبّار في أحلك الظروف و أشدّها قسوة و محنة على أهل البيت علیهم السلام فأخذ يذيع مآثرهم، و يشيد بفضائلهم، و يدعو الناس إلى الالتفاف حولهم، و يدفعهم إلى التمرّد على الحكم الأموي، و التخلّص من جوره و طغيانه.
لقد قام الكميت بدور إيجابي و فعّال في زعزعة الكيان الأموي، و إسقاط هيبته، و كان من أبرز ما قام به في هذا المجال ما يلي:
و مدح الكميت أهل البيت علیهم السلام مدحاً عاطراً، و عدّد مناقبهم و مآثرهم في
هاشميّاته التي هي من أثمن اللوحات الفنيّة في الأدب العربي، و قد لعبت دوراً خطيراً في بلورة الوعي العربي و الإسلامي، و أوجدت شعوراً عامّاً يتّسم بالكراهية و البغض لبني أُميّة.
لقد مدح الكميت أهل البيت علیهم السلام في وقت كانت الحكومة الأمويّة قد منعت منعاً رسميّاً الإشادة بهم، و فرضت سبّهم على المنابر و المآذن، و أوعزت إلى معاهد التعليم القيام بتغذية النشء ببغضهم.
كما عهدت إلى لجان الوضّاعين بافتعال الحديث للحطّ من شأنهم، و فرضت أشدّ العقوبات و أكثرها صرامة على من يذكرهم بخير، فقيام الكميت بمدحهم يعتبر من أبرز ألوان النضال الديني لأنّه قد قاوم رغبات السلطة، و ناهض سياستها.
و قام الكميت بدور خطير في مناهضة الأمويّين، فقد هجا ملوكهم، و عدّد مثالبهم، و أبرزهم في شعره كأقذر المخلوقات، و قد حفظ الناس ما قاله فيهم، فزهدوا في بني أُميّة، و نقموا على حكمهم و سلطانهم، و يعتبر هجاؤه لهم من الأسباب التي أطاحت بملكهم، و من قوله فيهم:
فَقُلْ لِبَني أُمَيَّةَ حَيْثُ حَلُّوا *** وَ إِنْ خِفْتُ الْمُهَنَّدَ وَ الْقَطيعا
أَجاعَ اللهُ مَنْ أَشْبَعْتُمُوهُ *** وَ أَشْبَعَ مَنْ بِجَوْرِكُمُ أُجِيعا
و قد قرأ هذه الأبيات على الإمام أبي جعفر علیه السلام فدعا له بالمغفرة و الرضوان (1)، و هجا هشام بن عبد الملك بقوله:
مُصيبٌ عَلَى الْأَعْوادِ يَوْمَ رُكوبها *** لِما قالَ فيها مُخْطِيٌّ حينَ يَنزِلُ
1) معجم الشعراء: 348.
كَلامُ النَّبِيِّينَ الْهُداةِ كَلامُنا *** وَ أَفْعالَ أَهْلِ الْجاهِلِيَّةِ نَفْعَلُ (1)
و لم يقتصر الكميت في هجائه للأمويّين، و إنّما هجا أنصارهم و أعوانهم، فقد هجا الحكيم بن عيّاش الكلبي، و قد اعتزّ الكميت في هجائه ببني أميّة، و كان ذلك موضع دهشة و استغراب.
و قد خفّ إليه ولده المستهلّ فأنكر عليه اعتزازه ببنى اُميّه قائلاً: يا أبة، إنّك هجوت الكلبي، و غمزت عليه، ففخرت ببني أُميّة، و أنت تشهد عليهم بالكفر، فهلّا فخرت بعليّ و بني هاشم الذين تتولّاهم؟!
فأجابهم الكميت جواب العالم الخبير قائلاً: يا بنيّ، أنت تعلم انقطاع الكلبي إلى بني أُميّة، و هم أعداء عليّ، فلو ذكرت عليّاً لترك ذكري، و أقبل على هجائه فأكون قد عرضت عليّاً له، و لا أجد له ناصراً من بني أُميّة، ففخرت عليه ببني أُميّة و قلت: إن نقضها علَيَّ قتلوه، و إن أمسك قتلته غمّاً و غلبته.
و كان كما قال الكميت، فقد أمسك الكلبي في جوابه إلّا أنّه ترك الحزن و الأسى يحزّان في نفسه (2).
و قام الكميت بدور خطير في تحطيم الدولة الأمويّة، فقد ألقى الخصومة و أجّج نار الفتنة بين اليمانيّة و النزاريّة، و هما من أهمّ القبائل العربيّة عدداً و نفوذاً، و كانتا من أعظم المؤيّدين للحكم الأموي، و قد هجا الكميت في شعره اليمانيّين و عدّد مثالبهم، فلم يترك حيّاً من أحيائهم إلّا هجاه بأقسى ألوان الهجاء، أمّا سبب هجائه لهم فقد روى المسعودي أنّه قصد عبد الله بن الحسن فطلب منه أن ينشأ شعراً يثير به
حفائظ النفوس بين العرب، لعلّ فتنة تحدث فتكون سبباً إلى زوال دولة الأمويّين، فاستجاب الكميت، و انطلق ينظم قصائد من الشعر الحماسي الرائع يمجّد فيها اليمانيّين، و يذكر مناقبهم، و يهجو القحطانيّين، و ممّا قاله:
لَنا قَمَرُ السَّماءِ وَ كُلُّ نَجْمٍ *** تُشيرُ إِلَيْهِ أَيْدي المُهْتَدِينا
وَجَدتُ اللهَ إِذْ سَمّى نِزاراً *** وَ أَسْكَنَهُمْ بِمَكَّةَ قاطِنينا
لَنا جَعَلَ المَكارِمَ خالِصاتٍ *** وَ لِلنَّاسِ القَفا و لَنا الجَبينا (1)
و أثّر شعره في القلوب تأثيراً عظيماً، حتّى ثارت الحفائظ بين القبيلتين، و شاع البغض و العداء بينهما، و انتصر للقحطانيّين شاعر أهل البيت دعبل الخزاعي، و أكبر الظنّ أنّه كان بينهما اتّفاق سرّي على ذلك، فإنّهما معاً من شعراء أهل البيت علیهم السلام، و كلّ منهما قد ضرب الرقم القياسي في الولاء لهم، و ممّا قاله دعبل في الردّ على الكميت:
أَفيقى مِنْ مَلامِكِ يا ظَعينا *** كَفاكِ اللَّومَ مَرُّ الأَرْبَعينا
أَلَمْ تَحْزُنْكِ أَحْداثُ اللَّيالي *** يُشَيِّيْنَ الذُّوائِبَ وَ القُرونا
أُحَيِّي الغُرَّ مِنْ سَرَواتِ قَوْمِي *** لَقَدْ حُيِّيتِ عَنّا يا مَدينا
فَإِنْ يَكُ آل إِسْرَائِيلَ مِنْكُمْ *** وَ كُنتُمْ بِالأَعاجِمِ فاخِرينا
إلى أن يقول:
وَ ما طَلَبَ الكُمَيتُ طِلابَ وتْرٍ *** وَلكِنّا لِنَصْرَتِنا هُجينا
لَقَدْ عَلِمَتْ نِزارٌ أَنَّ قَوْمِي *** إلى نَصْرِ النُّبُوَّةِ فاخِرينا
و أخذت كلّ قبيلة تفتخر على الأُخرى و تدلي بمناقبها و مكارمها، و تنتقص القبيلة
1) مروج الذهب: 2: 230 و 231.
الأخرى حتّى اتّسع العداء بينهما و شمل سكّان القرى و البادية، و قد تخرّبت القلوب، و انفصمت عرى الوحدة بين الأُسرتين، و نتج من ذلك أنّ مروان بن محمّد الجعدي آخر ملوك بني أُميّة قد تعصّب للنزاريّين، ممّا سبّب انحراف اليمانيّين عن بني أُميّة، و انضمامهم إلى الدعوة العبّاسيّة، و بذلك فقد انهارت الدولة الأمويّة (1).
و يقول أحمد أمين: «و سقطت بعده - أي بعد الكميت - الدولة الأمويّة بقليل» (2).
و شاع هجاء الكميت لليمانيّين، و صار أحدوثة الأندية و المجالس، و بلغ ذلك حاكم الكوفة خالد بن عبد الله القسري، و كان يتعصّب لليمانيّين، فقال: و الله لأقتلنّه.
و يقول المؤرّخون: إنّه اشترى جارية في نهاية الحسن، فرواها هاشميّات الكميت، فلمّا حفظتها أهداها إلى هشام بن عبد الملك، و كتب إليه بأخبار الكميت، و هجائه لبني أُميّة، و أنفذ إليه قصيدته التي يقول فيها:
قيارَبِّ هَلْ إِلَّا بِكَ النَّصْرُ يُبتَغَى *** وَ يا رَبِّ هَلْ إِلَّا عَلَيْكَ المُعَوَّلُ
و هي قصيدة طويلة يرثي فيها الشهيد العظيم زيد بن عليّ، و ابنه الشهيد الخالد الحسين بن زيد، كما يمدح فيها بني هاشم، و لمّا وصلت إلى هشام، و قرئت عليه غضب أشدّ ما يكون الغضب.
فكتب إلى خالد يأمره بقطع لسان الكميت و يده، و أوعز خالد القسري إلى الشرطة باعتقاله، فألقت عليه القبض و أُودع في السجن، لينفذ فيه حكم الإعدام، و بقى في السجن حفنة من الأيّام و هو يعاني قسوة السجن و مرارته (3).
و بقي الكميت في السجن وجلاً مضطرباً قد طافت به الهموم و الآلام، فلا يدري متى ينفّذ فيه حكم الإعدام؟ و يقول المؤرّخون: إنّه كان له صديق حميم هو أبان بن الوليد العجلي، و كان عاملاً على واسط من قِبل الأمويّين، فلمّا انتهت إليه أنباء الكميت أرسل بالفور إليه غلامه، و أمره بالاسراع إليه، و حمله رسالة عرّفه فيها بأنّ مصيره القتل، و إنّه لا خلاص له منه إلّا بأن يحتال فيرسل بأسرع وقت خلف زوجته إلى السجن، و يلبس لباسها، و تكون مكانه في السجن من حيث لا يعلم السجّانون، و يكون بذلك نجاته، و فعل الكميت ذلك، و هرب من السجن بعد أن لبس لباس زوجته، و قد ظنّ السجّان أنّه زوجة الكميت فلم يفتّشه، و قد نجا بذلك من القتل المحتّم، و أنشأ الكميت بعد هروبه هذين البيتين:
خَرَجتُ خُروجَ القِدْحِ قِدْحِ ابن مُقْبلِ *** عَلَى الرَّغْمِ مِنْ تِلكَ النَّوابِح وَ المُثْلى (1)عَلَىَّ ثِيابُ الغانِياتِ وَ تَحتَها *** عَزيمةُ أَمرٍ أَشبَهَتْ سَلَّةَ النَّصْلِ
و بقي الكميت متوارياً عن أنظار السلطة متخفّياً، و هي تمعن بالتفتيش عنه، إلّا أنّها لم تهتد إلى معرفته، و قد عزم الكميت على مدح هشام و بني أُميّة لينجو ممّا هو فيه، و قبل أن ينظم فيهم أرسل ورداً مع ابن أخيه زيد إلى الإمام أبي جعفر علیه السلام يستأذنه فيما عزم عليه، فأذن له الإمام علیه السلام و قفل ورد إلى عمّه فعرّفه برضاء الإمام (2).
و اتّجه الكميت مع جماعة من بني أسد إلى دمشق، فلمّا انتهوا إليها قصدوا جماعة من أشراف قريش، و أحاطوهم علماً بالأمر، فأجابوهم، و خفّوا جميعاً سوى الكميت إلى عنبسة بن سعيد بن العاص، فقالوا له: يا أبا خالد، هذه مكرمة أتاك الله بها، هذا الكميت بن زيد لسان مضر، و كان أمير المؤمنين قد كتب في قتله فنجا حتّى تخلّص إليك و إلينا.
و استجاب لهم عنبسة، و اتّجه إلى مسلمة بن هشام، فقال له: يا أبا شاكر، مكرمة أتيتك بها تبلغ بها الثريّا.
فقال له مسلمة: ما هي؟
فأخبره بالأمر، فأجاره مسلمة (1).
و شاع ذلك، فلمّا بلغ هشام دعا بولده مسلمة فصاح به: أتجير على أمير المؤمنين بغير أمره؟
كلّا ولكنّي انتظرت سكون غضبه.
أحضرنيه الساعة فإنّه لا جوار لك.
و قام مسلمة من مجلس أبيه، و مضى نحو الكميت، فقال له: يا أبا المستهلّ، إنّ أمير المؤمنين قد أمرني بإحضارك.
فقال الكميت: أتسلّمني يا أبا شاكر؟
و مهّد مسلمة الطريق إلى نجاته، فقال له: إنّ معاوية بن هشام مات قريباً، و قد جزع عليه جزعاً شديداً، فإذا كان من الليل فاضرب رواقك على قبره، و أنا أبعث لك بنيه يكونون معك في الرواق، فإذا دعا بك تقدّمت عليهم أن يربطوا
1) الغدير: 2: 206.
ثيابهم بثيابك، و يقولون: هذا استجار بقبر أبينا، و نحن أحقّ بإجارته، ثمّ تركه و انصرف.
و اتّجه الكميت في الليل نحو قبر معاوية فضرب رواقه عليه، و لمّا أصبح هشام
تطلّع من قصره إلى قبر ولده، فقال: ما هذا؟
فقالوا له: لعلّه مستجير بالقبر.
فقال: يجار كلّ من كان إلّا الكميت، فإنّه لا جوار له.
فقيل له: إنّه الكميت.
فأمر بإحضاره، فأُحضر و قد ربط صبيان معاوية ثيابهم بثيابه، فلمّا نظر إليهم هشام أغرق في البكاء، و قد رفعت الصبية أصواتهم قائلين له: يا أمير المؤمنين، استجار بقبر أبينا، و قد مات، و مات حظّه من الدنيا، فاجعله هبة له و لنا، و لا تفضحنا فيمن استجار به، فبكى هشام، ثمّ أقبل على الكميت فقال له: أنت القائل:
وَ إِلَّا فَقولوا غَيرها تَتَعَرَّفوا *** نَواصِيَها تُرْوى بِنا وَ هيَ شزَّبُ (1)
و اعتذر الكميت، فصاح به هشام فقال له: إيه يا كميت، ألست القائل:
فَيا مُوقِداً ناراً لِغَيرِكَ ضَوؤُها *** وَ با خاطِباً في غَيْرِ حَبلِكَ تَحْطبُ
إِلَى آلِ بَيتِ أَبي مالِكٍ *** مناخٌ هُوَ الأَرحَبُ الأَسْهَلُ
نَمُتُّ بِأَرْحامِنَا الدّاخِلا *** تِ مِنْ حَيثُ لَا يُنكَرُ الْمَدخَلُ
بِمرَّةَ وَ النَّضرِ وَ الْمالِكي- *** -ن رَهطٌ هُمُ الأَنبَلُ الأَنبَلُ
وَجَدْنا قُرَيشاً قُرَيشَ البِطاحِ *** عَلى ما بَني الأَوَّلُ الأَوَّلُ
1) شازب القوم على الأمر: أي كان لكلّ واحد منهم حظّ ينتظره. يقال: هم متشازبون.
لا كَعَبدِ المَليكِ أَو كَوليدٍ *** أو سُلَيمانَ بَعْدُ أَو كَهِشامِ
مَنْ يَمُتْ لَا يَمُت فَقيداً وَ مَنْ يَحْ- *** -ي فَلا ذو إِلٍّ وَ لا ذو ذِمامٍ
و يلك يا كميت! جعلتنا ممّن لا يرقب في مؤمن إلّا ول ا ذمّة.
قال الكميت: بل أنا القائل:
فَالآنَ صِرتُ إِلَى أُمَيَّ- *** -ةَ وَ الأُمورُ إِلى المَصائِرْ
وَ الآنَ صِرتُ بها إلى المُ- *** -صيبِ كَمُهتَدٍ بِالأَمْسِ حائِرْ
قال هشام: ألست القائل:
فَقُلْ لِبَني أُمَيَّةَ حَيْثُ حَلُّوا *** وَ إِنْ خِفْتُ المُهَنَّدَ وَ القَطيعا
أَجاعَ اللَّهُ مَنْ أَشْبَعْتُمُوهُ *** وَ أَشْبَعَ مَنْ بِجَوْرِكُمْ أُجِيعا
بِمَرْضِيِّ السِّياسَةِ هاشِميٍّ يَكونُ حَياً لأُمَّتِهِ رَبِيعا
قال الكميت: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تمحو عنّي قولي الكاذب؟
بماذا؟
بقولي الصادق:
أَورَثَتْهُ الحَصانُ أُمُّ هِشامٍ *** حَسَباً ثاقباً وَ وَجْهاً نَضيرا
وَ تَعاطى به ابنُ عائِشَةَ البَد *** رَ فأمسى لَهُ رَقيباً نَظيراً
وَ كَساه أَبو الخَلايفِ مَروا *** نُ سَناءَ المَكارمِ المَأْثورا
لَمْ تَجَهَّمْ (1)لَهُ البِطاحُ وَلكِنْ *** وَجَدتها لَهُ مَعاناً (2)وَ دورا
و غزت هذه الأبيات قلب هشام، و أزالت عنه الغيظ، فاستوى جالساً و أخذ يبدي إعجابه بهذه الأبيات قائلاً: هكذا فليكن الشعر! قد رضيت عنك يا كميت.
و شكره الكميت، و طلب منه أن لا يجعل لخالد بن عبدالله القسري إمارة عليه، فأجابه إلى ذلك، و أمر له بأربعين ألف درهم، و ثلاثين ثوباً هشاميّة، و كتب إلى خالد أن يخلي سبيل امرأته، و يعطيها عشرين ألف درهم، و ثلاثين ثوباً، ففعل خالد (1).
لقد استطاع الكميت أن يتغلّب على الأحداث بلباقته، و قوّة بيانه، و بليغ منطقه، و تماسك شخصيّته، فلم ينهار أمام الطاغية هشام، و لم يراوده الخوف و الفزع، و إنّما كان كالجبل في صلابة إرادته، و قوة عزيمته، و لم يكتف بما ظفر به من السلامة و النجاة، و إنّما طلب من هشام أن لا يجعل لحاكم الكوفة عليه سلطاناً و سبيلاً، و يتركه و حرّيّته فيما يقول و يعمل.
و وفد الكميت على الإمام أبي جعفر علیه السلام فرحّب به، و قرّب مجلسه، و تبسّم في وجهه و عاتبه عتاباً رقيقاً، قال له: يا كُمَيْتُ، أَنْتَ الْقائِلُ:
فَالآنَ صِرتُ إلى أُمَيَّ- *** -ةَ وَ الأُمورُ إِلى المَصَائِرْ
و اعتذر الكميت، و أجاب جواب العالم الفقيه قائلاً: نعم، قد قلت ذلك، و لا و الله ما أردت به إلّا الدنيا، لقد عرفت فضلكم.
و منحه الإمام الباقر الرضا و القبول، و قال له: أما إِنْ قُلْتَ ذلِكَ تَقِيَّةً إِنَّ التَّقِيَّةَ
لَتَجلُّ (2).
و هذا إنّما يتمّ بناءً على عدم استئذانه من الإمام في مدح الأمويّين، لقد كان الكميت صادق المودّة و الولاء لأهل البيت علیهم السلام و قد امتحن في سبيلهم أعظم ما يكون الامتحان، فتعرّض لسخط الأمويّين و نقمتهم، و قضى شطراً من حياته في السجن يلاحقه الفزع و الرعب، و هو لم يبتغ بذلك إلّا وجه الله و الدار الآخرة.
و شاء الله لهذا العملاق العظيم الذي نافح عن حقوق أهل البيت علیهم السلام أن يرزق الشهادة على يد شرار بريّته، فقد دخل على والى العراق يوسف بن عمر بعد عزل خالد القسري الذي نكلّ به، فأنشده قصيدة يثني فيها عليه، و يعرّض بالقسري جاء فيها:
خَرَجتَ لَهُمْ تَمْشِي البَراحَ وَ لَمْ تَكُنْ *** كَمَنْ حِصنُهُ فِيهِ الرِّتاجُ المُضَبَّبُ
وَ ما خالِدٌ يَستَطِعِمُ المَاءَ فاغِراً *** بِعَدلِكَ وَ الدّاعي إِلى المَوتِ يَنعَبُ
و كان الحرس الذين على رأس يوسف متعصّبين لخالد، فوضعوا سيوفهم في بطنه، و قالوا: أتنشد الأمير، و لم تستأمره، فأخذه نزيف الدم (1)، و أخرج و هو يجود بنفسه، و أُغمي عليه، ثمّ أفاق و هو يقول: «اللّهمّ آل محمّد، اللّهمّ آل محمّد» (2).
ثمّ فاضت نفسه الزكيّة، و ارتفعت إلى بارئها كما ترتفع أرواح الأولياء تحفّها ملائكة الله و رضوانه.
و بهذا ينتهي بنا الحديث عن هذا العملاق العظيم الذي و هب مشاعره و عواطفه
لآل النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم، وصاغ فكره و عقيدته فيهم على أساس العلم و المنطق، فلم يندفع
في ولائه لهم وراء العاطفة، و إنّما استند في ذلك إلى الأدلّة الحاسمة من القرآن و السنّة، حسب ما أشار إليها في هاشميّاته التي هي من أثمن الثروات الفكريّة و العلميّة في الأدب العربي و الإسلامي.
و قبل أن أطوي الصفحة الأخيرة من الجزء الأوّل من هذا الكتاب أرى من الحقِّ علَىَّ أن أُشيد بالملاحظات الفنيّة و العلميّة التي تكرّم بها علَيَّ سماحة الحجّة الأخ الشيخ هادي القرشي، سائلاً من الله تعالى أن يجزيه عنّي خير ما يجزي أخاً عن أخيه، و بهذا ينتهي بنا المطاف الجزء الأوّل من هذا الكتاب.
أمّا الجزء الثاني فأودّ أن أُبيّن أنّ من بين ما يعرض له البحث عن ملوك الأمويّين الذين عاصرهم الإمام أبو جعفر علیه السلام، فقد بسطنا الحديث عنهم، و ذكرنا ما أُثر عنهم من الأعمال التي لا تتّفق مع قواعد هذا الدين و أُصوله، و التي منها ما عاناه الناس من الظلم الهائل، و عدم الاعتراف بأي حقّ من حقوقهم الفرديّة و الاجتماعيّة، فقد حوّلوا البلد إلى مزرعة خاصّة لهم يصيبون منها ما شاءوا، فالسواد - على حدّ تعبير ابن العاص - بستان قريش، و قد أجحفوا في جباية الخراج، و ساموا الناس سوء العذاب.
و كان من الضروري جدّاً عرض ذلك لأنّه يصوّر الحياة الاجتماعيّة و السياسيّة التي عاشها الإمام، و قد أصبحت دراسة مثل هذه البحوث ممّا لا بدّ منها في الدراسات الحديثة.
كما عرضنا إلى عصر الإمام علیه السلام ذلك العصر الذي هو أكثر العصور الإسلاميّة حسّاسيّة، فقد نشأت فيه الفرق الإسلاميّة التي كانت من أخطر الظواهر الفكريّة و الاجتماعيّة في ذلك العصر، كما تصاعدت
فيه حدّة الصراع الفكري و العقائدي بين الأحزاب التي تصارعت بصورة مذهلة على الوصول إلى الحكم، و كان من نتائج ذلك الصراع إيقاف المسيرة الإسلاميّة، و وضع السدود و الحواجز أمام الزحف الإسلامي المقدّس.
هذا بعض ما سيجده القارئ في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
اَلْحَمدُ للهِ رَبّ العالَمين
و صَلّى الله على سَيّدنا مُحمّدٍ وَ على آلِهِ الطَّاهِرينَ
الإهداء ... 7
التقديم ... 9
الوَليدُ العَظيمُ
17 - 30
الأُمّ ... 19
الأب ... 20
الوليد العظيم ... 20
تسميته علیه السلام ... 21
كنيته علیه السلام ... 21
ألقابه علیه السلام ... 22
تحيّات النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم إلى الباقر علیه السلام ... 23
ملامحه علیه السلام ... 27
ذكاؤه علیه السلام المبكّر ... 27
هيبته و وقاره علیه السلام ... 28
نقش خاتمه علیه السلام ... 29
إقامته علیه السلام ... 29
في ظِلَالِ جَدّه وَ أبيهُ علیهم السلام
31 - 61
في ظلال جدّه علیه السلام ... 33
في ظلال أبيه علیه السلام ... 34
إكبار و تعظيم ... 35
1- سعيد بن المسيّب ... 35
2- الزهري ... 35
3- زيد بن أسلم ... 35
4- عمر بن عبدالعزيز ... 36
ه- أبو حازم ... 36
6- مالك ... 36
7- جابر بن عبدالله ...36
8- الواقدي ... 36
سموّ أخلاقه علیه السلام ...37
نشره علیه السلام للعلم ... 39
حثّه علیه السلام على طلب العلم ... 39
تکريمه علیه السلام لطلاب العلوم ... 40
احتفاف القرّاء به علیه السلام ... 40
عتقه علیه السلام للموالي ... 40
عبادته و تقواه علیه السلام ...41
صدقاته و برّه علیه السلام ... 43
رائعة الفرزدق ... 45
الحزن العميق ... 48
وصاياه علیه السلام لولده الباقر علیه السلام ... 49
أدعيته علیه السلام لولده ... 51
في ذمّة الخلود ... 55
اغتيال الإمام علیه السلام ... 55
نصّه على إمامة الباقر علیه السلام ... 56
وصيّته لولده الباقر علیه السلام ... 57
إلى الرفيق الأعلى ... 57
تجهيزه علیه السلام 58
تشييعه علیه السلام ... 58
في مقرّه الأخير ... 59
أُسطورة ... 60
إخوَتُهُ وَ اَبناؤُهُ علیه السلام
63 - 98
إخوَتُهُ علیه السلام ... 65
زيد الشهيد ... 66
ولادته ... 66
نشأته ... 67
عبادته و تقواه ... 68
علمه و أدبه ... 68
إكبار الإمام الباقر علیه السلام لزيد ... 71
مع هشام بن عبدالملك ... 73
مشروعيّة الثورة ... 75
الثورة الكبرى ... 77
الخيانة و الغدر ... 81
في ذمّة الخلود ... 81
التنكيل بأنصار زيد ... 84
سخط المسلمين ... 85
حرق الجثمان العظيم ... 88
مع المسعودي ... 89
الحسين الأصغر ... 89
علمه ... 90
حلمه و وقاره ... 90
تقواه و ورعه ... 90
وفاته ... 91
عبدالله الباهر ... 91
لقبه ... 91
علمه ... 91
ولايته على صدقات النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم ... 92
وفاته ... 92
عمر الأشرف ... 92
کنیته ... 93
لقبه .. 93
علمه ... 93
ولايته على صدقات النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم ... 93
وفاته ... 94
عليّ ... 94
أبناء الإمام الباقر علیه السلام ... 95
1- إبراهيم ... 95
2- الإمام جعفر علیه السلام ... 95
3- عبدالله ... 96
4- عبدالله ... 97
5- عليّ ... 97
السيّدات من بناته علیه السلام ... 98
عليه واله
انطباعَاتٌ عَن شَخصِیَتهِ علیه السلام
99 - 116
1- الإمام الصادق علیه السلام ... 101
2- ابن أبي الحديد ... 101
3- ابن تيميّة ... 102
4- ابن حجر الهيتمي ... 102
5- ابن عنبة ... 103
6- ابن كثير ... 103
7- أبو الحسن الطبرسي ... 103
8- أبو زرعة ... 104
9- أبو زهرة ... 104
10- أحمد فهمي ... 104
11- إدريس القرشي ... 104
12- تاج الدين ... 105
13- التلمساني ... 105
14- جابر بن عبدالله ... 105
15- جابر بن یزید ... 106
16- جمال الدين ... 106
17- الذهبي ... 106
18- سديف المكّي ... 107
19- الشيخاني ... 107
20- عباس المكّي ... 108
21- عبد الحميد الحنبلي ... 108
22- عبد القادر الحلبي ... 108
23- عبدالله بن عطاء ... 108
24- على بن عيسى الأربلي ... 110
25- فريد وجدي ... 110
26- القرماني ... 110
27- محمّد كاظم اليماني ... 111
28- كمال الدين الشافعي ... 111
29- المجلسي ... 111
30- محمّد بن أبي بكر ... 112
31- محمّد بن المنكدر ... 112
32 - محمّد الجزرى ... 113
33- محمّد الصبان ... 113
34- المنصور الدوانيقي ... 113
35- الشيخ المفيد ... 114
36- محمود بن وهيب ... 114
37- النبهاني ... 115
38- النووي ... 115
39- هشام بن عبدالملك ... 115
مَظاهر شَخصِیَّتِه علیه السلام
117 - 139
إمامته علیه السلام ... 119
العصمة ... 120
تعريف العصمة ... 120
الاستدلال بها ... 121
شكوك و أوهام ... 122
حلمه علیه السلام ... 124
صبره علیه السلام ... 126
تكريمه علیه السلام للفقراء ... 127
عتقه علیه السلام للعبيد ... 128
صلته علیه السلام لأصحابه ... 128
صدقاته علیه السلام على فقراء المدينة ... 128
كرمه و سخاؤه علیه السلام ... 129
عبادته علیه السلام ... 131
1- خشوعه علیه السلام في صلاته ... 131
2- كثرة صلاته علیه السلام ... 131
3- دعاؤه علیه السلام في سجوده ... 132
4- دعاؤه علیه السلام في قنوته ... 133
حجّه علیه السلام ... 137
مناجاته علیه السلام مع الله ... 137
ذكره علیه السلام لله تعالى ... 138
زهده علیه السلام في الدنيا ... 138
مَوَاهِبُهُ وَ عَبقَرِیَّاتُه علیه السلام
141 - 347
الحياة العلميّة في عصره علیه السلام ... 144
الدور المشرق للإمام علیه السلام ... 144
العلوم التي بحثها علیه السلام ... 146
الحديث ... 146
روايات الأئمّة علیهم السلام ... 147
أحاديث الإمام الباقر علیه السلام ... 148
رواياته علیه السلام عن النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم ... 148
رواياته علیه السلام عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ... 172
روايته علیه السلام عن جدّه الحسين علیه السلام ... 176
روايته علیه السلام عن أبيه علیه السلام ... 176
روايته علیه السلام عن جابر الأنصاري ... 177
روايته علیه السلام عن عمر ... 177
روايته علیه السلام عن ابن عبّاس رضي الله عنه ... 178
روايته علیه السلام عن زيد بن أرقم ... 178
روايته علیه السلام عن أبي ذر رضي الله عنه ... 179
تفسير القرآن الكريم ... 180
فضل قراءة القرآن ... 180
الترجيع بقراءة القرآن ... 181
تنزيه القرآن من الباطل ... 181
ذمّ المحرّفين للقرآن ... 182
الاستعمالات المجازيّة في القرآن ... 182
البسملة جزء من سور القرآن ... 183
نزول القرآن على سبعة أحرف ... 184
الحروف السبعة ... 184
إنكار الإمام للأحرف السبعة ... 186
طرق التفسير ... 186
التفسير بالمأثور ... 186
التفسير بالرأي ... 187
تفسير الإمام الباقر علیه السلام ... 188
نماذج من تفسيره علیه السلام ... 189
علم الكلام ... 197
التوحيد ... 197
الأملا محمد القارة الجزء السابع عشر
1- عجز العقول عن إدراك حقيقة الله ... 197
2- أزليّة واجب الوجود ... 199
3- النهي عن الكلام في ذات الله ... 202
4- علم الله ... 203
5- واقع التوحيد ... 203
6- صفات الله ... 204
7- الشكّ و الجحود .. 204
الإمامة ... 204
الحاجة إلى الإمام ... 205
وجوب معرفة الإمام ... 206
وجوب طاعة الإمام ... 208
حقّ الإمام على الناس ... 208
عظمة الإمامة ... 209
الولاية لأئمّة أهل البيت علیهم السلام ... 209
الإشادة بالأئمّة علیهم السلام ... 210
عدد الأئمّة علیهم السلام ... 212
محن الأئمّة علیه السلام ... 214
حثّه على نشر مآثر الأئمّة علیهم السلام ... 215
علم الأئمّة علیه السلام ... 215
الملاحم التي أخبر عنها ... 219
علم الفقه ... 225
مميّزاته ... 227
1- اتّصاله بالنبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم ... 228
2- مرونته ... 229
3- فتح باب الجهاد ... 229
4- الرجوع إلى حكم العقل ... 230
مسائل فقهيّة ... 231
حكم القتال في الإسلام ... 231
المسح على الخفّين ... 235
مسّ الفرج لا ينقض الوضوء ... 235
الجهر في صلاة الاخفات ... 236
الصلاة على آل النبيّ في التشهّد ... 236
علم الأُصول ... 238
الاستصحاب ... 239
قاعدة التجاوز ... 239
قاعدة الفراغ ... 239
قاعدة نفي الضرر ... 240
علاج التعارض ... 241
1- الشهرة ... 242
2- موافقة الكتاب و السنّة ... 242
3- الترجيح بالصفات ... 242
بحوث اقتصاديّة ... 244
ضرورة تحسين المعيشة ... 244
التحذير من الكسل ... 244
مقته علیه السلام لتارك العمل ... 245
العمل طاعة لله ... 246
أهمّيّة العلم و العلماء ... 247
فضل العلم ... 247
فضل العالم ... 248
مجالسة العلماء و المتّقين ... 248
مذاكرة العلم ... 248
آداب المتعلّم ... 249
بذل العلم ... 249
الحثّ على التعلّم ... 249
التفقّه في الدين ... 250
العمل بالعلم ... 250
قبول العمل بالمعرفة ... 250
ذمّ المباهاة بطلب العلم ... 251
الفتوى بغير علم ... 251
صفات العالِم ... 252
في رحاب الإيمان ... 255
حقيقة الإيمان ... 255
مراتب الإيمان ... 255
صفات المتّقين ... 257
مع الشيعة ... 258
وصيّته علیه السلام لشيعته ... 259
الشيعة الأوائل ... 263
صفات الشيعة ... 264
نصائحه علیه السلام للشيعة ... 265
حبّ أهل البيت علیه السلام ... 267
تسمية الشيعة بالرافضة ... 270
دعاؤه علیه السلام لشيعته ... 271
سنن و حكم الأنبياء ... 272
من وحي الله لآدم علیه السلام ... 272
حكمة لسليمان علیه السلام ... 272
حكمة في التوراة ... 273
تسمية نوح بالعبد الشكور ... 273
دعاء نوح علیه السلام على قومه ... 274
إسماعيل أوّل من تكلّم بالعربيّة ... 274
مناجاة الله مع موسى علیه السلام ... 275
نفي الأميّة عن النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم ... 275
نوح علیه السلام و إبليس ... 276
موت سليمان علیه السلام ... 277
التقاء يعقوب بيوسف علیه السلام ... 277
مدّة حياة يعقوب بمصر ... 278
مع السيرة النبويّة ... 279
استعارة النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم السلاح من صفوان ... 279
مسيرة خالد إلى بني جذيمة ... 280
سيرة الإمام علىّ علیه السلام ... 282
إخبار أمير المؤمنين علیه السلام بقتل الحسين علیه السلام ... 283
صفة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ... 284
أحداث صفّين ... 284
فكّ الحصار عن الماء ... 284
معاوية مع ابن العاص ... 285
خطبة للإمام علیه السلام بصفّين ... 286
يوم الهرير ... 288
وثيقة التحكيم ... 291
مأساة الإمام الحسين علیه السلام ... 294
رواية عمّار الدهني ... 294
وصاياه علیه السلام القيّمة ... 305
وصاياه لولده الصادق علیه السلام ... 305
وصيته علیه السلام لبعض أبنائه ... 306
وصيته علیه السلام لعمر بن عبدالعزيز ... 306
وصيته علیه السلام لجابر الجعفي ... 307
وصيته علیه السلام لرجل ... 311
وصيته علیه السلام لبعض أصحابه ... 312
مواعظه ... 314
فضل العقل ... 319
الفطنة ... 319
إجالة الفكر ... 320
مكارم الأخلاق ... 321
الإحسان ... 321
فعل المعروف ... 321
مقابلة المعروف بالإحسان ... 322
آداب السلوك ... 324
طلاقة الوجه ... 324
معاملة الناس بالحسنى ... 324
حقوق المسلم ... 324
قضاء حاجة المسلم ... 325
صلة الأرحام ... 326
الصدقة ... 326
العطف على اليتيم ... 326
محاسن الصفات ... 327
الصمت ... 328
مساوئ الصفات و الأعمال ... 329
الغيبة و البهتان ... 331
الغضب و علاجه ... 332
العجب ... 332
أدعيته علیه السلام ... 333
الحثّ على الدعاء ... 336
روائع الحكم ... 337
نظمه علیه السلام للشعر ... 347
مع كثير عزَّةَ وَ الكُمَيْتِ
349 - 405
كُثيِّر عَزَّة ... 351
ولاؤه لأهل البيت علیهم السلام ... 351
مع الإمام الباقر علیه السلام ... 352
مدحه لبني مروان ... 352
وفاته ... 353
رواية موضوعة ... 353
الكميت الأسدي ... 356
ولادته و نشأته ... 356
مواهبه ... 357
شعره ... 357
الكميت مع الفرزدق ... 358
مميّزات شعره ... 360
صلابته في عقيدته ... 363
مع الإمام الباقر علیه السلام ... 363
تعطّشه لرؤيا الإمام علیه السلام ... 364
رثاؤه للحسين علیه السلام ... 365
الميميّة من هاشميّاته ... 367
اللاميّة من هاشميّاته ... 386
العينيّة من هاشميّاته ... 390
نضاله المرير ... 393
1- مدحه لأهل البيت علیهم السلام ... 393
2- هجاء الأمويّين ... 394
3- إثارة العصبيّة بين اليمنيّة و النزاريّة ... 395
اعتقاله ... 397
هربه من السجن ... 398
العفو عنه ... 398
عتاب و اعتذار ... 402
إلى جنّة المأوى ... 403
محتويات الكتاب ... 407