ghaemiyeh.com
سرشناسه : مجلسی ، محمد باقربن محمدتقی ، 1037 - 1111ق.
عنوان قراردادی : بحار الانوار . برگزیده
عنوان و نام پدیدآور : مناهل الابرار فی تلخیص بحار الانوار/ التحقیق حسین درگاهی .
مشخصات نشر : قم : عالمه ، 1422ق . = 1380.
مشخصات ظاهری : 14ج.
یادداشت : عربی .
یادداشت : چاپ قبلی : الهدی ، 1378.
یادداشت : ج. 3 - 6 ، 8 و 9 (چاپ اول: 1422ق. = 1380).
موضوع : احادیث شیعه -- قرن 14
شناسه افزوده : درگاهی ، حسین ، 1331 -
رده بندی کنگره : BP135/م 3ب 3014 1380
رده بندی دیویی : 297/212
شماره کتابشناسی ملی : م 80-5243
این اثر با حمایت معاونت امور فرهنگی وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی به چاپ رسیده است
تم نشر هذا العمل بدعم من وكالة الشؤون الثقافية بوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
محرر الرقمي: محمد علي صادقي قوام آبادي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مناهل الأبرار
في تلخیص بحار الأنوار
التحقیق
حسین درگاهی
الجزء الثالث
مجلسی، محمد باقربن محمدتقی، 1037 - 1111 ق.
[بحارالانوار. برگزیده]
مناهل الابرار في تلخيص بحار الانوار/ التحقيق حسین درگاهی .- قم: عالمه، 1422ق. = 1380.
14ج.
-.(دوره): 420000 ریال. :ISBN 964-6798-35-7
شابک جلدسوم 1-38-6798-964 (ج. 1) ISBN 964-6798-38-1
فهرستنویسی بر اساس اطلاعات فیپا.
عربی.
عنوان. ج. عنوان: بحارالانوار. برگزیده .
297/212 3014 ب 3 م/ BP136
1380
کتابخانه ملّی ایران 5243 - 80م
محل نگهداری:
مناهل الابرار
في تلخيص بحار الانوار
الجزء الثالث
التحقیق: حسین درگاهی
الناشر: عالمه
الطبعة الاولى: جمادی الاولی 1422 ه-
المشرف على الشؤون الفنّيّة: حمیدرضا آژیر
تنضيد الحروف: محمّد علي علاقه مند - علي مير عبّاسي
تصحيح الأخطاء المطبعية: علي رضا الغفراني - جعفر البيّاني
العدد: 3000 نسخة
كافة الحقوق محفوظة للناشر
قم - ص. ب. 4161 - 37185 هاتف 7745070
قم - ص. پ. 4161-37185 تلفن 7745070
این اثر با حمایت معاونت امور فرهنگی وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی به چاپ رسیده است
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
1 - ج: و روي أنّ زين العابدين عليّ بن الحسين علیهما السلام مرّ على الحسن البصريّ و هو يعظ الناس بمنى فوقف عليه ثمّ قال: امسك أسألك عن الحال الّتي أنت عليها مقيم ، أترضاها لنفسك فيما بينك و بين الله للموت إذا نزل بك غداً؟ قال: لا، قال: أفتحدّث نفسك بالتحوّل و الانتقال عن الحال الّتي لا ترضاها لنفسك إلى الحال الّتي ترضاها؟ قال: فأطرق مليّاً ثمَّ قال: إنّي أقول ذلك بلاحقيقة، قال: أفترجو نبيّاً بعد محمّد يكون لك معه سابقة؟ قال: لا. قال أفترجو داراً غير الدار الّتي أنت فيها ترد إليها فتعمل فيها؟ قال: لا، قال: أفرأيت أحداً به مسكة عقل رضي لنفسه من نفسه بهذا؟ إنّك على حال لاترضاها، ولا تحدّث نفسك بالانتقال إلى حال ترضاها على حقيقة، ولا ترجو نبيّاً بعد محمّد، و لاداراً غير الدار الّتي أنت فيها فترد إليها فتعمل فيها، وأنت تعظ الناس! و في رواية اُخرى: فلم تشغل الناس عن الفعل و أنت تعظ الناس؟ قال: فلمّا ولّى علیه السلام قال الحسن: من هذا؟ قالوا: عليّ بن الحسين علیهما السلام ، قال : أهل بيت علم. فما رئي الحسن بعد ذلك يعظ الناس. (1)
1) الاحتجاج: 171. و هو خال عن قوله: «و في رواية» الى قوله: «تعظ الناس».
1 - فس: حدّثني أبي، عن إسماعيل بن أبان، عن عمرو بن عبدالله الثقفيّ قال أخرج هشام بن عبدالملک أبا جعفر محمّد بن عليّ علیه السلام من المدینة إلی الشام، و کان ینزل معه، فكان يقعد مع الناس في مجالسهم، فبينا هو قاعد و عنده جماعة من الناس يسألونه إذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبل هناك فقال: ما لهؤلاء القوم؟ ألهم عيد اليوم؟ قالوا لا يا ابن رسول الله، ولكنّهم يأتون عالماً لهم في هذا الجبل في كلّ سنة في هذا اليوم فيخرجونه و يسألونه عمّا يريدون و عمّا يكون في عامهم، قال أبو جعفر: وله علم؟ فقالوا: من أعلم الناس، قد أدرك أصحاب الحواريّين من أصحاب عيسى علیه السلام ، قال: فهلمَّ أن نذهب إليه، فقالوا: ذلك إليك يا ابن رسول الله، قال فقنّع أبو جعفر رأسه بثوبه و مضى هو و أصحابه فاختلطوا بالناس حتّى أتوا الجبل، قال: فقعد أبو جعفر وسط النصارى هو و أصحابه، فأخرج النصارى بساطاً ثمَّ وضعوا الوسائد، ثمَّ دخلوا فأخرجوا ثمَّ ربطوا عينيه فقلب عينيه كأنّهما عينا أفعيّ، ثمَّ قصد نحو أبي جعفر علیه السلام فقال له أسنّا أنت أو من الاُمّة المرحومة ؟ فقال أبو جعفر علیه السلام : من الاُمّة المرحومة، قال: أفمن علمائهم أنت أو من جهّالهم؟ قال: لست من جهّالهم، قال النصراني أسألك أو تسألني؟ قال أبو جعفر علیه السلام: سلني فقال: يا معشر
النصارى رجل من اُمّة محمّد يقول: سلني! إنّ هذا لعالم بالمسائل.
ثمَّ قال: يا عبد الله أخبرني عن ساعة ماهي من اللّيل ولاهي من النهار أيّ ساعة هي؟ قال أبو جعفر علیه السلام : ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، قال النصرانيّ: فإذا لم يكن من ساعات اللّيل و لا من ساعات النهار فمن أيّ الساعات هي ؟ فقال أبو جعفر علیه السلام: من ساعات الجنّة و فيها تفيق مرضانا، فقال النصرانيّ: أصبت ، فأسألك أو تسألني؟ قال أبو جعفر علیه السلام : سلني قال: يا معاشر النصارى إنّ هذا المليّ بالمسائل أخبرني عن أهل الجنّة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوَّطون أعطني مثله في الدنيا، فقال أبو جعفر علیه السلام: هو هذا الجنين في بطن اُمّه يأكل ممّا تأكل اُمّه ولا يتغوّط، قال النصرانيّ: أصبت، ألم تقل: ما أنا من علمائهم؟ قال أبو جعفر علیه السلام: إنّما قلت لك: ما أنا من جهّالهم، قال النصرانيّ: فأسألك أو تسألني؟
قال: يا معشر النصارى والله لأسألنّه يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوحل، فقال: اسأل، قال: أخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت بابنين جميعاً، حملتمها في ساعة واحدة و ماتا في ساعة واحدة، و دفنا في ساعة واحدة في قبر واحد، فعاش أحدهما خمسين ومائة سنة، وعاش الآخر خمسين سنة، من هما؟ قال أبو جعفر علیه السلام: هما عزير و عزره ، كان حمل اُمّهما ما وصفت، و وضعتهما على ما وصفت، و عاش عزره و عزیر، فعاش عزره و عزیر ثلاثين سنة، ثمَّ أمات الله عزيراً مائة سنة و بقي عزره يحيا، ثمَّ بعث الله عزيراً فعاش مع عزره عشرين سنة. قال النصرانيّ يا معشر النصارى ما رأيت أحداً قطّ أعلم من هذا الرجل، لا تسألوني عن حرف و هذا بالشام، ردّوني، فردّوه إلى كهفه و رجع النصارى مع أبي جعفر علیه السلام . (1)
2 - يج: روي عن الصادق علیه السلام أنّ عبد الملك بن مروان كتب إلى عامله بالمدينة - في رواية هشام بن عبدالملك -: أن وجّه إليّ محمّد بن عليّ، فخرج أبي و أخرجني معه فمضينا
1) تفسير القمي. و أخرجه الكلينی بالإسناد في كتاب الروضة: 122.
حتّى أتينا مدين شعيب، فإذا نحن بدير عظيم و على بابه أقوام عليهم ثياب صوف خشنة، فألبسني والدي و لبس ثياباً خشنة، فأخذ بيدي حتّى جئنا و جلسنا عند القوم فدخلنا مع القوم الدير، فرأينا شيخاً قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فنظر إلينا فقال لأبي: أنت منّا أم من هذا الاُمّة المرحومة؟ قال: لا بل من هذه الاُمّة المرحومة، قال: عن علمائها أو من جهّالها؟ قال أبي : من علمائها، قال: أسألك عن مسألة؟ قال: سل، قال: أخبرني عن أهل الجنّة إذا دخلوها و أكلوا من نعيمها هل ينقص من ذلك شيء؟ قال: لا، قال الشيخ: ما نظيره؟ قال أبي : أليس التوراة والإنجيل والزبور و الفرقان يؤخذ منها ولا ينقص منها شيء؟ قال: أنت من علمائها . ثمَّ قال: أهل الجنّة هل يحتاجون إلى البول و الغائط ؟ قال أبي : لا، قال و ما نظير ذلك؟ قال أبي : أليس الجنين في بطن اُمّه يأكل ويشرب و لا يبول ولا يتغوّط؟ قال: صدقت. قال: و سأل عن مسائل فأجاب أبي.
ثمَّ قال الشيخ: أخبرني عن توأمين ولدا في ساعة، و ماتا في ساعة، عاش أحدهما مائة و خمسين سنة، وعاش الآخر خمسين سنة، من كانا؟ وكيف قصّتها؟ قال أبي : هما عزير و عزره، أكرم الله تعالى عزيراً بالنبوّة عشرين سنة، وأماته مائة سنة، ثمّ أحياه فعاش بعده ثلاثين سنة، و ماتا في ساعة واحدة، فخرّ الشيخ مغشيّاً عليه، فقال: فقام أبي و خرجنا من الدير، فخرج إلينا جماعة من الدير وقالوا: يدعوك شيخنا، فقال أبي : مالي بشيخكم من حاجة، فإن كان له عندنا حاجة فليقصدنا، فرجعوا ثمّ جاؤوا به و اُجلس بين يدي أبي فقال: ما اسمك؟ قال علیه السلام: محمّد ، قال : أنت محمّد النبيّ؟ قال لا أنا ابن بنته، قال: ما اسم اُمّك؟ قال: اُمّي فاطمة، قال: من كان أبوك؟ قال: اسمه عليّ، قال: أنت ابن إليا بالعبرانيّة و عليّ بالعربيّة؟ قال: نعم، قال: ابن شبر أو شبير؟ قال: إنّي ابن شبير، قال الشيخ: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له و أنّ جدّك محمّداً صلی الله علیه و آله و سلم رسول الله.
ثمَّ ارتحلنا حتّى أتينا عبدالملك ، فنزل من سريره و استقبل أبي و قال: عرضت لي
مسألة لم يعرفها العلماء فأخبرني إذا قتلت هذه الاُمّة إمامها المفروض طاعته عليهم أيّ عبرة يريهم الله في ذلك اليوم؟ قال أبي: إذا كان كذلك لا يرفعون حجراً إلّا ويرون تحته دماً عبيطاً، فقبّل عبدالملك رأس أبي وقال: صدقت، إنّ في يوم قتل فيه أبوك عليّ بن أبي طالب علیه السلام كان على باب أبي مروان حجر عظيم فأمر أن يرفعوه فرأينا تحته دماً عبيطاً يغلي، وكان لي أيضاً حوض كبير في بستاني وكان حافّته حجارة سوداء فأمرت أن ترفع و يوضع مكانها حجارة بيض، وكان في ذلك اليوم قتل الحسين علیه السلام فرأيت دماً عبيطاً يغلي تحتها. أتقيم عندنا و لك من الكرامة ما تشاء أم ترجع؟ قال أبي: بل أرجع إلى قبر جدّي، فأذن له بالانصراف، فبعث قبل خروجنا بريداً يأمر أهل كلّ منزل أن لا يطعمونا شيئاً ولا يمكنونا من النّزول في بلد حتّى نموت جوعاً، فكلّما بلغنا منزلاً طردونا و فنى زادنا حتّى أتينا مدين شعيب، وقد اُغلق بابه فصعد أبي جبلاً هناك مطلّاً على البلد أو مكاناً مرتفعاً عليه فقرأ: «و إلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره و لا تنقصوا المكيال والميزان إنّي أريكم بخير و إنّي أخاف عليكم عذاب يوم محيط ٭ و يا قوم أوفوا المكيال و الميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تعثوا في الأرض مفسدين بقيّت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين» ثمَّ رفع صوته وقال: والله أنا بقيّة الله، فأخبروا الشيخ بقدومنا و أحوالنا فحملوه إلى أبي وكان لهم معهم من الطعام كثير فأحسن ضيافتنا، فأمر الوالي بتقييد الشيخ فقيّدوه ليحملوه إلى عبد الملك لأنّه خالف أمره ، قال الصادق علیه السلام : فاغتممت لذلك وبكيت، فقال والدي. ولا بأس من عبد الملك بالشيخ ولا يصل إليه فإنّه يتوفّى أوّل منزل ينزله، و ارتحلنا حتّى رجعنا إلى المدينة بجهد. (1)
3- كا: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بّن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن
1) الخرائج: 197 و فيه بجهه عظيم. و قد اخرج الكليني حديث وروده الشام على عبدالملك و احتجاجات معه و ما وقع بينه و بين أهل مدين في اصول الكافي في باب مولده علیه السلام.
الفضيل، عن أبي حمزة الثماليّ قال: كنت جالساً في مسجد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إذ أقبل رجل فسلّم فقال: من أنت يا عبد الله؟ فقلت: رجل من أهل الكوفة، فقلت: فما حاجتك؟ فقال لي: أتعرف أبا جعفر محمّد بن عليّ علیهما السلام؟ قلت: نعم، قال: فما حاجتك إليه؟ فقال: هيّأت له أربعين مسألة أسأله عنها، فما كان من حقّ أخذته، و ما كان من باطل تركته، قال أبو حمزة: فقلت: هل تعرف ما بين الحقّ و الباطل؟ فقال: نعم، فقلت له: فما حاجتك إليه إذا كنت تعرف ما بين الحقّ و الباطل؟ فقال لي: يا أهل الكوفة أنتم قوم ما تطاقون، إذا رأيت أبا جعفر علیه السلام فأخبرني، فما انقطع كلامه حتّى أقبل أبو جعفر علیه السلام و حوله أهل خراسان و غيرهم يسألونه عن مناسك الحجّ، فمضى حتّى جلس مجلسه و جلس الرجل قريباً منه.
قال أبو حمزة: فجلست بحيث أسمع الكلام و حوله عالم من الناس، فلمّا قضى حوائجهم و انصرفوا التفت إلى الرجل فقال له: من أنت؟ فقال: أنا قتادة بن دعامة البصريّ؛ فقال له أبو جعفر علیه السلام: أنت فقيه أهل البصرة؟ قال: نعم، فقال له أبو جعفر علیه السلام: ويحك يا قتادة إنّ الله تعالى خلق خلقاً من خلقه، فجعلهم حججاً على خلقه، و هم أوتاد في أرضه، قوّام بأمره، نجباء في علمه، اصطفاهم قبل خلقه أظلّة عن يمين عرشه.
قال: فسكت قتادة طويلاً ثمَّ قال: أصلحك الله والله لقد جلست بين يدي الفقهاء و قدّام ابن عبّاس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك! فقال أبو جعفر علیه السلام: أتدري أين أنت؟ بين يدي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه و يسبّح له فيها بالغدو و الآصال رجالٌ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأنت ثمَّ، و نحن اُولئك، فقال قتادة: صدقت والله جعلني الله فداك، و الله ما هي بيوت حجارة ولاطين.
قال قتادة: فأخبرني عن الجبن، فتبسّم أبو جعفر علیه السلام و قال: رجعت مسائلك إلى هذا؟ قال: ضلّت عنّي، فقال: لا بأس به، فقال: إنّه ربّما جعلت فيه أنفحة الميّت، قال: ليس بها بأس إنّ الأنفحة ليست لها عروق و لا فيها دم ولا لها عظم، إنّما تخرج من بين فرث و دم، ثمّ قال: و
إنّما الأنفحة بمنزلة دجاجة ميتة خرجت منها بيضة، فهل تأكل تلك البيضة؟ فقال القتادة : لا ولا آمر بأكلها، فقال له أبو جعفر علیه السلام: و لم ؟ قال: لأنّها من الميتة، قال له: فإن حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة أتأكلها؟ قال: نعم، قال: فما حرّم عليك البيضة و أحلّ لك الدجاجة ؟ ثمَّ قال : فكذلك الأنفحة مثل البيضة، فاشتر الجبن من أسواق المسلمين من أيدى المصلّين ولا تسأل عنه إلّا أن يأتيك من يخبرك عنه .(1)
4 - محمّد بن المنكدر: رأيت الباقر علیه السلام و هو متّكىء على غلامين أسودين، فسلّمت عليه فردّ عليّ على بهر، وقد تصبّب عرقاً، فقلت: أصلحك الله لوجاءك الموت و أنت على هذه الحال في طلب الدنيا؟ فخلّى الغلامين من يده و تساند و قال: لو جاءني أنا في طاعة من طاعات الله أكفُّ بها نفسي عنك وعن الناس ، و إنّما كنت أخاف الله لو جاءني و أنا على معصية من معاصي الله، فقلت: رحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني. (2)
5- وكان عبدالله بن ناف بن الأزرق يقول: لو عرفت أنّ بين قطريها أحداً تبلغني إليه الإبل يخصمني بأنّ عليّاً علیه السلام قتل أهل النهروان و هو غير ظالم لرحلتها إليها، قيل له: إيت ولده محمّد الباقر علیه السلام ، فأتاه فسأله فقال علیه السلام بعد كلام: الحمد لله الّذي أكرمنا بنبوّته، و اختصّنا بولايته، يا معشر أولاد المهاجرين والأنصار من كان عنده منقبة في أمير المؤمنين علیه السلام فليقم و ليحدّث ، فقاموا و نشروا من مناقبه، فلمّا انتهوا إلى قوله: «لاُعطينَّ الراية» الخبر سأله أبو جعفر علیه السلام عن صحّته، فقال: هو حقّ لاشكّ فيه، و لكنّ عليّاً أحدث الكفر بعد.
فقال أبو جعفر علیه السلام: أخبرني عن الله أحبّ عليّ بن أبي طالب علیه السلام يوم أحبّه و هو يعلم أنّه يقتل أهل النهروان، أم لم يعلم؟ إن قلت: لا كفرت، فقال: قد علم، قال: فأحبّه على أن
يعمل بطاعته، أم على أن يعمل بمعصيته؟ قال: على أن يعمل بطاعته، فقال أبو جعفر علیه السلام: قم مخصوماً، فقام و هو يقول: «حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود» الله يعلم حيث يجعل رسالته. (1)
6- فس: أبي، عن ابن محبوب، عن الثماليّ، عن أبي الربيع قال: حججت مع أبي جعفر علیه السلام في السنة الّتي حجَّ فيها هشام بن عبدالملك، وكان معه نافع بن الأزرق مولى عمر بن الخطّاب فنظر نافع إلى أبي جعفر في ركن البيت و قد اجتمع عليه الناس، فقال لهشام، يا أمير المؤمنين من هذا الّذي يتكافأ عليه الناس؟ فقال: هذا نبيّ أهل الكوفة! هذا محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين فقال نافع: لآتينّه و لأسألنّه عن مسائل لا يجيبني فيها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ أو ابن وصيّ نبيّ، فقال هشام: فاذهب إليه فسله فلعلّك أن تخجله، فجاء نافع فاتّكأ على الناس ثمَّ أشرف على أبي جعفر علیه السلام فقال: يا محمّد بن عليّ إنّي قد قرأت التوراة والإنجيل و الزبور و الفرقان، و قد عرفت حلالها و حرامها قد جئت أسألك عن مسائل لا يجيبني فيها إلّا نبيّ، أو وصيّ نبيّ، أو ابن وصيّ نبيّ.
فرفع إليه أبو جعفر علیه السلام رأسه فقال: سل. فقال: أخبرني كم بين عيسى و محمّد من سنة؟ قال: اُخبرك بقولي أم بقولك؟ قال: أخبرني بالقولين جميعاً، قال: أمّا بقولي فخمسمائة سنة، و أمّا بقولك فستّمائة سنة . قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: «و اسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون» من الّذي سأل محمد صلی الله علیه و آله و سلم و كان بينه و بين عيسى خمسمائة سنة؟ قال: فتلا أبو جعفر علیه السلام هذه الآية: «سبحان الّذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الّذي باركنا حوله لنريه من آياتنا» فكان من الآيات الّتي أراها الله محمّداً صلی الله علیه و آله و سلم حين أسرى به إلى بيت المقدس أن حشر الله الأوّلين و الآخرين من النبيّين و المرسلين، ثمّ أمر جبرئيل علیه السلام فأذّن شفعاً و أقام شفعاً ثمَّ قال في
1) مناقب ابن شهر آشوب 2: 289.
إقامته: حيّ على خير العمل، ثمَّ تقدّم محمّد صلی الله علیه و آله و سلم فصلّى بالقوم، فأنزل الله تعالى عليه «و اسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون» فقال لهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: علامَ تشهدون ؟ و ما كنتم تعبدون؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، و أنّك رسول الله ، اُخذت على ذلك مواثيقنا و عهودنا، قال نافع: صدقت یا ابن رسول الله يا أبا جعفر، أنتم والله أوصياء رسول الله وخلفاؤه في التوراة، وأسماؤكم في الإنجيل و في الزبور و في القرآن، و أنتم أحقّ بالأمر من غيركم. (1)
1) تفسير القميّ: 610 الزخرف.
1 - ج: من سؤال الزنديق الّذي سأل أبا عبد الله علیه السلام عن مسائل كثيرة: أن قال: كيف يعبد الله الخلق ولم يروه؟ قال علیه السلام: رأته القلوب بنور الإيمان، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف، ثمَّ الرسل و آياتها و الكتب و محكماتها، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته، قال: أليس هو قادراً أن يظهر لهم حتّى يروه و يعرفوه فيعبد على يقين؟ قال: ليس للمحال جواب، قال: فمن أين أثبتَّ أنبياءً و رسلاً؟ قال علیه السلام: إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيماً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا أن يلامسوه و لا أن يباشرهم و يباشروه و يحاجتهم و يحاجّوه ثبت أنّ له سفراء في خلقه و عباده يدلّونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم، فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه، و ثبت عند ذلك أنّ له معبّرين و هم الأنبياء وصفوته من خلقه، حكماء مؤدّبين بالحكمة، مبعوثين عنه، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب، مؤدّين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين و الشواهد: من إحياء
الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، فلا تخلوا الأرض من حجّة يكون معه علم يدلّ على صدق مقال الرسول و وجوب عدالته.
ثمَّ قال علیه السلام بعد ذلك: نحن نزعم أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، ولا تكون الحجّة إلّا من عقب الأنبياء، ما بعث الله نبيّاً قطّ من غير نسل الأنبياء، وذلك أنّ الله تعالى شرع لبني آدم طريقاً منيراً، وأخرج من آدم نسلا طاهراً طيّباً، أخرج منه الأنبياء والرسل، هم صفوة الله و خلّص الجوهر، طهّروا في الأصلاب، و حفظوا في الأرحام، لم يصبهم سفاح الجاهليّة ولا شاب أنسابهم، لأنّ الله عزّ وجلّ جعلهم في موضع لا يكون أعلى درجةً و شرفاً منه، فمن كان خازن علم الله و أمين غيبه و مستودع سرّه و حجّته على خلقه و ترجمانه و لسانه لا يكون إلّا بهذه الصفة، فالحجّة لا يكون إلّا من نسلهم يقوم مقام النبيّ في الخلق بالعلم الّذي عنده و ورثه عن الرسول، إن جحده الناس سكت، وكان بقاء ما عليه الناس قليلاً ممّا في أيديهم من علم الرسول على اختلاف منهم فيه، قد أقاموا بينهم الرأي و القياس، إن هم أقرّوا به وأطاعوه وأخذوا عنه ظهر العدل، و ذهب الاختلاف و التشاجر، واستوى الأمر، و أبان الدين ، و غلب على الشكّ اليقين، ولا يكاد أن يقرّ الناس به أو يحقّوا له بعد فقد الرسول، و ما مضى رسول و لا نبيّ قطّ لم يختلف اُمّته من بعده، و إنّما كان علّة اختلافهم خلافهم على الحجّة وتركهم إيّاه. قال: فما يصنع بالحجّة إذا كان بهذه الصفة؟ قال: قد يقتدى به و يخرج عنه الشيء بعد الشيء ممّا فيه منفعة الخلق وصلاحهم، فإن أحدثوا في دين الله شيئاً أعلمهم، وإن زادوا فيه أخبرهم، و إن نقصوا منه شيئاً أفادهم.
ثمَّ قال الزنديق: من أيّ شيء خلق الأشياء؟ قال علیه السلام: لا من شيء، فقال: فكيف يجيء من لاشيء شيء؟ قال علیه السلام: إنّ الأشياء لا تخلو أن تكون خلقت من شيء أو من غير شيء فإن كانت خلقت من شيء كان معه فإنّ ذلك الشيء شيء؟ قال علیه السلام: إنّ الأشياء لا تخلو أن تكون خلقت من شيء أو من غير شيء فإن كانت خلقت من شيء كان معه فإنّ
ذلك الشيء قديم، و القديم لا يكون حديثاً ولا يفنى ولا يتغيّر، ولا يخلو ذلك الشيء من أن يكون جوهراً واحداً ولوناً واحداً، فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة و الجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتّى؟ و من أين جاء الموت إن كان الشيء الّذي اُنشئت منه الأشياء حيّاً؟ أو من أين جاءت الحياة إن كان ذلك الشيء ميّتاً؟ ولا يجوز أن يكون من حيّ و ميّت قديمين لم يزالا، لأنّ الحيّ لا يجيء منه ميّت و هو لم يزل حيّاً، ولا يجوز أيضاً أن يكون الميّت قديماً لم يزل بما هو به من الموت، لأنّ الميّت لا قدرة له ولا بقاء.
قال: فمن أين قالوا إنّ الأشياء أزليّة؟ قال: هذه مقالة قوم جحدوا مدبّر الأشياء فكذّبوا الرسل و مقالتهم و الأنبياء و ما أنبؤوا عنه، وسمّوا كتبهم أساطير الأوّلين، و وضعوا لأنفسهم ديناً بآرائهم و استحسانهم، إنَّ الأشياء تدلّ على حدوثها من دوران الفلك بما فيه و هي سبعة أفلاك، و تحرّك الأرض و من عليها، و انقلاب الأزمنة و اختلاف الوقت و الحوادث الّتي تحدث في العالم من زيادة و نقصان و موت و بلى و اضطرار النفس إلى الإقرار بأنّ لها صانعاً و مدبّراً، أما ترى الحلو يصير حامضاً و العذب مرّاً، والجديد بالياً، وكلّ إلى تغیّر و فناء؟
قال: فلم يزل صانع العالم عالماً بالأحداث الّتي أحدثها قبل أن يحدثها؟ قال: لم يزل يعلم فخلق ما علم.
قال: أمختلفٌ هو أم مؤتلف؟ قال: لايليق به الإختلاف و لا الايتلاف، إنّما يختلف المتجزّىء، ويأتلف المتبعّض، فلا يقال له: مؤتلفٌ ولا مختلفٌ. قال: فكيف هو الله الواحد؟ قال: واحد في ذاته، فلا واحد كواحد، لأنّ ما سواه من الواحد متجزّىء، و هو تبارك و تعالى واحد لا متجزّىء ولا يقع عليه العدّ.
قال: فلأيّ علّة خلق الخلق و هو غير محتاج إليهم، ولا مضطرّ إلى خلقهم، ولا يليق به العبث بنا؟ قال: خلقهم لإظهار حكمته، وإنفاذ علمه، وإمضاء تدبيره.
قال: وكيف لا يقتصر على هذه الدار فيجعلها دار ثوابه و محتبس عقابه؟ قال: إنّ هذه الدار دار ابتلاء، و متجر الثواب، و مكتسب الرحمة، ملئت آفات، و طبّقت شهوات ليختبر فيها عبيده بالطاعة، فلا يكون دار عمل دار جزاء.
قال: أفمن حكمته أن جعل لنفسه عدوّاً و قد كان ولا عدوّ له؟ فخلق كما زعمت إبلیس فسلّطه على عبيده يدعوهم إلى خلاف طاعته، و يأمرهم بمعصيته، وجعل له من القوّة كما زعمت يصل بلطف الحيلة إلى قلوبهم فيوسوس إليهم فيشكّكهم في ربّهم و يلبّس عليهم دينهم، فيزيلهم عن معرفته حتّى أنكر قوم لمّا وسوس إليهم ربوبيّته و عبدوا سواه، فلم سلّط عدوّه على عبيده و جعل له السبيل إلى إغوائهم؟
قال: إنّ هذا العدوّ الّذي ذكرت لا يضرّه عداوته، ولا ينفعه ولايته؛ عدواته لا تنقص من ملكه شيئاً، و ولايته لا تزيد فيه شيئاً، وإنّما يتّقى العدوّ إذا كان في قوّة يضرّ وينفع، إن همّ بملك أخذه، أو بسلطان قهره، فأمّا إبلیس فعبد خلقه ليعبده و يوحّده ، و قد علم حين خلقه ما هو و إلى ما يصير إليه، فلم يزل يعبده مع ملائكته حتّى امتحنه بسجود آدم فامتنع من ذلك حسداً و شقاوةً غلبت عليه، فلعنه عند ذلك و أخرجه عن صفوف الملائكة؛ و أنزله إلى الأرض ملعوناً مدحوراً، فصار عدوّ آدم و ولده بذلك السبب، و ماله من السلطنة على ولده إلّا الوسوسة و الدّعاء إلى غير السبيل، وقد أقرّ مع معصيته لربّه بربوبيّته.
قال: أفيصلح السجود لغير الله؟ قال: لا. قال: فكيف أمر الله الملائكة بالسجود لآدم؟ قال: إنّ من سجد بأمر الله فقد سجد لله، فكان سجوده لله إذا كان عن أمر الله.
قال: فمن أين أصل الكهانة؟ و من أين يخبر الناس بما يحدث؟ قال: إنَّ الكهانة كانت في الجاهليّة في كلّ حين فترة من الرسل، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الاُمور بينهم فيخبرهم بأشياء تحدث و ذلك في وجوه شتّى: من فراسة العين، و ذكاء القلب، و وسوسة النفس، وفطنة الروح مع قذف في قلبه، لأنَّ ما يحدث في الأرض من
الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشيطان ويؤدّيه إلى الكاهن و يخبره بما يحدث في المنازل و الأطراف، و أمّا أخبار السماء فإنّ الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك و هي لا تحجب ولا ترجم بالنجوم، و إنّما منعت من استراق السمع لئلّا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء و لبّس على أهل الأرض ما جاءهم عن الله لإثبات الحجّة و نفي الشبه، وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث من الله في خلقه فيختطفها ثمَّ يهبط بها إلى الأرض فيقدقها إلى الكاهن، فإذا قد زاد من كلمات عنده فيختلط الحقّ بالباطل، فما أصاب الكاهن من خبر ممّا كان يخبر به فهو ما أدّاه إليه شيطانه ممّا سمعه، و ما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه، فمذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة، واليوم إنّما تؤدّي الشياطين إلى كهّانها أخباراً ممّا يتحدّثون به و ما يحدّثونه، و الشياطين تؤدّى إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق سرق، و قاتل قتل ، و غائب غاب، و هم بمنزلة الناس أيضاً صدوق و كذوب.
فقال: كيف صعدت الشياطين إلى السماء و هم أمثال الناس في الخلقة و الكثافة، وقد كانوا يبنون لسليمان بن داود من البناء ما يعجز عنه ولد آدم؟ قال غلّظوا السليمان كما سخّروا، و هم خلق رقيق غذاؤهم التنسّم، و الدليل على ذلك صعودهم إلى السماء لاستراق السمع، ولا يقدر الجسم الكثيف على الارتقاء إليها إلّا بسلّم أو سبب.
قال: فأخبرني عن السحر ما أصله؟ وكيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه و ما يفعل؟ قال إنّ السحر على وجوه شتّى: وجه منها بمنزلة الطبّ كما أنّ الأطبّاء وضعوا لكلّ داء دواءً فكذلك علم السحر احتالوا لكلّ صحّة آفة، ولكلّ عافية عاهة، ولكلّ معنى حيلة. و نوع منه آخر خطفة و سرعة و مخاريق وخفّة. و نوعٌ منه ما يأخذ أولياؤ الشياطين عنهم.
قال: فمن أين علم الشياطين السحر؟ قال: من حيث عرف الأطبّاء الطبّ، بعضه تجربة،
و بعضه علاج.
قال: فما تقول في الملكين: هاروت و ماروت و ما يقول الناس بأنّهما يعلّمان الناس السحر؟ قال: إنّهما موضع ابتلاء و موقف فتنة، تسبيحهما: اليوم لو فعل الإنسان كذا وكذا لكان كذا، ولو يعالج بكذا وكذا لصار كذا، أصناف سحر فيتعلّمون منها ما يخرج عنهما فيقولان لهم: إنّما نحن فتنة فلا تأخذوا عنّا ما يضرّكم و ٚلا ينفعكم.
قال: أفيقدر الساحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب و الحمار أو غير ذلك؟ قال: هو أعجز من ذلك و أضعف من أن يغيّر خلق الله، إنّ من أبطل ما ركّبة الله وصوّره و غيّره فهو شريك لله في خلقه، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهموم و الآفة و الأمراض، و لنفى البياض عن رأسه و الفقر عن ساحته؛ وإنَّ من أكبر السحر النميمة، يفرَّق بها بين المتحابّين، ويجلب العداوة على المتصافيين، و يسفك بها الدماء، ويهدم بها الدور، ويكشف الستور، والنّمام أشرّ من وطىء على الأرض بقدم، فأقرب أقاويل السحر من الصواب أنّه بمنزلة الطبّ، إنّ الساحر عالج الرجل فامتنع من مجامعة النساء، فجاء الطبيب فعالجه بغير ذلك العلاج فاُبرىء.
قال: فما بال ولد آدم فيهم شريف و وضيع؟ قال: الشريف: المطيع، والوضيع: العاصي، قال: أليس فيهم فاضل و مفضول؟ قال: إنّما يتفاضلون بالتقوى.
قال: فتقول: إنّ ولد آدم كلّهم سواء في الأصل لا يتفاضلون إلّا بالتقوى؟ قال: نعم إنّي وجدت أصل الخلق التراب، والأب آدم، والاُمّ حوّاء، خلقهم إلهٌ واحدٌ وهم عبيده، إنّ الله عزّ و جلّ اختار من ولد آدم أناساً طهّر ميلادهم، وطيّب أبدانهم، و حفظهم في أصلاب الرجال و أرحام النساء، أخرج منهم الأنبياء و الرسل، فهم أزكى فروع آدم، فعل ذلك لا لأمر استحقّوه من الله عزّ وجلّ، و لكن علم الله منهم حين درأهم أنّهم يطيعونه ويعبدونه ولا يشركون به شيئاً، فهؤلاء بالطاعة نالوا من الله الكرامة والمنزلة الرفيعة عنده، و هؤلاء
الّذين لهم الشرف و الفضل و الحسب، و سائر الناس سواء، ألا من اتّقى الله أكرمه و من أطاعه أحبّه، و من أحبّه لم يعذّبه بالنار.
قال: فأخبرني عن الله عزّ و جلّ كيف لم يخلق الخلق كلّهم مطيعين موحدّين وكان على ذلك قادراً؟ قال علیه السلام: لو خلقهم مطيعين لم يكن لهم ثواب، لأنّ الطاعة إذاً ما كانت فعلهم، و لم تكن جنّة ولانار، و لكن خلق خلقه فأمرهم بطاعته و نهاهم عن معصيته، و احتجَّ عليهم برسله و قطع عذرهم بكتبه ليكونوا هم الّذين يطيعون و يعصون و يستوجبون بطاعتهم له الثواب و بمعصيتهم إيّاه العقاب.
قال: فالعمل الصالح من العبد هو فعله؟ و العمل الشرّ من العبد هو فعله؟ قال: العمل الصالح العبد يفعله والله به أمره، و العمل الشرّ العبد يفعله والله عنه نهاه. قال: أليس فعله بالآلة الّتي ركّبها فيه؟ قال: نعم ولكن بالآلة الّتي عمل بها الخير قدر بها على الشرّ الّذي نهاه عنه.
قال: فإلى العبد من الأمر شيء؟ ما نهاه الله عن شيء إلّا وقد علم أنّه يطيق تركه و لا أمره بشيء إلّا وقد علم أنّه يستطيع فعله، لأنّه ليس من صفته الجور و العبث و الظلم و تكليف العباد ما لا يطيقون .
قال: فمن خلقه الله كافراً يستطيع الإيمان و له عليه بتركه الإيمان حجّة؟ قال علیه السلام: إنّ الله خلق خلقه جميعاً مسلمين، أمرهم و نهاهم، و الكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، و لم يخلق الله العبد حين خلقه كافراً، إنّه إنّما كفر من بعد أن بلغ وقتاً لزمته الحجّة من الله تعالى، فعرض عليه الحقّ فجحده، فبإنكار الحقّ صار كافراً.
قال: فيجوز أن يقدّر على العبد الشرّ و يأمره بالخير و هو لا يستطيع الخير أن يعمله و يعذّبه عليه؟ قال: إنّه لا يليق بعدل الله و رأفته أن يقدّر على العبد الشرّ ويريده منه، ثمَّ يأمره بما يعلم أنّه لا يستطيع أخذه والانتزاع عمّا لا يقدر على تركه، ثمّ يعذّبه على تركه أمره
الّذي علم أنّه لا يستطيع أخذه.
قال: فبماذا استحقّ الدّين أغناهم و أوسع عليهم من رزقه الغنى و السعة؟ و بماذا استحقّ الفقراء التقتير و الضيق؟ قال: اختبر الأغنياء بما أعطاهم لينظر كيف شكرهم، و الفقراء إنّما منعهم لينظر كيف صبرهم، و وجه آخر أنّه عجّل لقوم في حياتهم، و لقوم آخر ليوم حاجتهم إليه، و وجه آخر أنّه علم احتمال كلّ قوم فأعطاهم على قدر احتمالهم، و لو كان الخلق كلّهم أغنياء لخربت الدنيا و فسد التدبير وصار أهلها إلى الفناء، و لكن جعل بعضهم لبعض عوناً، وجعل أسباب أرزاقهم في ضروب الأعمال وأنواع الصناعات، و ذلك أدوم في البقاء و أصحّ في التدبير؛ ثمّ اختبر الأغنياء باستعطاف الفقراء كل ذلك لطف و رحمة من الحكيم الّذي لا يعاب تدبيره.
قال: فبما استحقّ الطفل الصغير ما يصيبه من الأوجاع و الأمراض بلاذنب عمله و لاجرم سلف منه؟ قال: إنّ المرض على وجوه شتّی: مرض بلوی، و مرض العقوبة، و مرض جعل عليه الفناء و أنت تزعم أنّ ذلك من أغذية رديئة، و أشربة وبيئة، أو من علّة كانت باُمّه، وتزعم أنّ من أحسن السياسة لبدنه و أجمل النظر في أحوال نفسه و عرف الضارّ ممّا يأكل من النافع لم يمرض، و تميل في قولك إلى من يزعم أنّه لا يكون المرض والموت إلّا من المطعم و المشرب، قد مات أرسطاطاليس معلّم الأطبّاء، و أفلاطون رئيس الحكماء، و جالینوس شاخ و دقّ بصره، و ما دفع الموت حين نزل بساحته، و لم يألوا حفظ نفسهم و النظر لما يوافقها، كم من مريض قد زاده المعالج سقماً! وكم من طبيب عالم و بصير بالأدواء و الأدوية ماهر مات، و عاش الجاهل بالطبّ بعده زماناً! فلا ذاك نفعه علمه بطبّه عند انقطاع مدّته و حضور أجله، ولا هذا ضرّه الجهل بالطبّ مع بقاء المدّة و تأخّر الأجل.
ثمَّ قال علیه السلام: إنّ أكثر الأطبّاء قالوا: إنّ علم الطبّ لم يعرفه الأنبياء، فما نصنع على قياس قولهم بعلم زعموا ليس تعرفه الأنبياء الّذين كانوا حجج الله على خلقه، و اُمناءه في أرضه،
و خزّان علمه و ورثة حكمته، والأدلّاء عليه، والدعاة إلى طاعته؟ ثمَّ إنّي وجدت أكثرهم يتنكّب في مذهبه سبل الأنبياء و يكذّب الكتب المنزلة عليهم من الله تبارك و تعالى، فهذا الّذي أزهدني في طلبه وحامليه.
قال: فكيف تزهد في قوم و أنت مؤدّبهم وكبيرهم؟ قال: إنّي لمّا رأيت الرجل منهم الماهر في طبّه إذا سألته لم يقف على حدود نفسه، و تأليف بدنه و تركيب أعضائه، و مجرى الأغذية في جوارحه و مخرج نفسه، و حركة لسانه، و مستقرّ كلامه، و نور بصره، و انتشار ذکره، و اختلاف شهواته، و انسكاب عبراته، و مجمع سمعه، و موضع عقله، و مسکن روحه، و مخرج عطسته، و هیج غمومه، و أسباب سروره، و علّة ما حدث فيه من بكم و صمم و غير ذلك لم يكن عندهم في ذلك أكثر من أقاويل استحسنوها و علل فيما بينهم جوّزوها.
قال: فأخبرني عن الله عزّ و جلّ أله شريك في ملكه، أو مضادّ له في تدبيره؟ قال: لا، قال: فما هذا الفساد الموجود في هذا العالم من سباع ضارية، و هو امّ مخوفة، و خلق كثير مشوّهة، ودود و بعوض و حیّات و عقارب، و زعمت أنّه لا يخلق شيئاً إلّا لعلّة لأنّه لا يعبث؟
قال: ألست تزعم أنّ العقارب تنفع من وجع المثانة والحصاة، و لمن يبول في الفراش، و أنّ أفضل الترياق ما عولج من لحوم الأفاعي، و أنّ لحومها إذا أكلها المجذوم لشبت نفعه، و تزعم أنّ الدود الأحمر الّذي يصاب تحت الأرض نافع للأكلة؟ قال: نعم، قال علیه السلام: فأمّا البعوض و البقّ فبعض سببه أنّه جعل أرزاق الطير، و أهان بها جبّاراً تمرّد على الله و تجبّر و نکر ربوبیّته ، فسلّط الله عليه أضعف خلقه لیری قدرته و عظمته و هي البعوض فدخلت في منخره حتّى وصلت إلى دماغه فقتلته. واعلم أنّا لو وقفنا على كلّ شيء خلقه الله لم خلقه و لأيّ شيء أنشأه لكنّا قدساويناه في علمه، وعلمنا كلّ ما يعلم و استغنينا عنه وكنّا و هو في
العلم سواء.
قال: فأخبرني هل يعاب شيء من خلق الله و تدبيره؟ قال: لا، قال: فإنّ الله خلق خلقه غرلاً، أذلك منه حكمة أم عبث؟ قال: بل حكمة منه، قال: غيّرتم خلق الله وجعلتم فعلكم في قطع القلفة أصوب ممّا خلق الله لها و عبتم الأقلف، والله خلقه، و مدحتم الختان و هو فعلكم، أم تقولون: إنّ ذلك من الله كان خطأً غير حكمة؟! قال علیه السلام: ذلك من الله حكمةٌ و صوابٌ غير أنّه سنّ ذلك و أوجبه على خلقه، كما أنّ المولود إذا خرج من بطن اُمّه وجدنا سرّته متّصلة بسرّة اُمّه، كذلك خلقها الحكيم، فأمر العباد بقطعها و في تركها فسادٌ بيّن للمولود والاُمّ، وكذلك أظفار الإنسان أمر إذا طالت أن تقلم، وكان قادراً يوم دبّر خلقة الإنسان أن يخلقها خلقة لاتطول، وكذلك الشعر من الشارب و الرأس يطول فيجزّ، و كذلك الثيران خلقها فحولة وإخصاؤها أوفق، و ليس في ذلك عيب في تقدير الله تعالى.
قال: ألست تقول: يقول الله: «ادعوني أستجب لكم» و قد نرى المضطرّ يدعوه فلا يستجاب له، والمظلوم يستنصره على عدوّه فلا ينصره. قال علیه السلام: ويحك ما يدعوه أحد إلّا استجاب له، أمّا الظالم فدعاؤه مردود إلى أن يتوب إليه، و أمّا المحقّ فإنّه إذا دعاه استجاب له وصرف عنه البلاء من حيث لا يعلمه، وادّخر له ثواباً جزيلاً ليوم حاجته إليه، و إن لم يكن الأمر الّذي سأل العبد خيرة له إن أعطاه أمسك عنه، والمؤمن العارف بالله ربّما عزّ عليه أن يدعوه فيما لا يدري أصواب ذلك أم خطاء، و قد يسأل العبد ربّه إهلاك من لم ينقطع مدّته، ويسأل المطروقتاً، و لعلّه أوان لا يصلح فيه المطر لأنّه أعرف بتدبير ما خلق من خلقه، و أشباه ذلك كثيرة؛ فافهم هذا.
قال: فأخبرني أيّها الحكيم ما بال السماء لا ينزل منها إلى الأرض أحدٌ، ولا يصعد من الأرض إليها بشرٌ، ولا طريق إليها ولا مسلك؟ فلو نظر العباد في كلّ دهر مرّة من يصعد إليها و ينزل لكان ذلك أثبت في الربوبيّة، و أنفى للشكّ، و أقوى لليقين و أجدر أن يعلم العباد
أنّ هناك مدبّراً، إليه يصعد الصاعد، و من عنده يهبط الهابط!
قال علیه السلام: إنّ كلّ ما ترى في الأرض من التدبير إنّما هو ينزل من السماء منها ما يظهر، أما ترى الشمس منها تطلع، و هي نور النهار، و فيها قوام الدنيا، ولو حبست حار من عليها و هلك؟ و القمر منها يطلع، و هو نور اللّيل، و به يعلم عدد السنين و الحساب و الشهور و الأيّام، و لو حبس لحار من عليها و فسد التدبير؟ و في السماء النجوم الّتي يهتدى بها في ظلمات البرّ و البحر، و من السماء ينزل الغيث الغيب الّذي فيه حياة كلّ شيء من الزرع و النبات و الأنعام، وكلّ الخلق لو حبس عنهم لما عاشوا، و الريح لو حبست أيّاماً لفسدت الأشياء جميعاً وتغيّرت؛ ثمَّ الغيم و الرعد والبرق و الصواعق كلّ ذلك إنّما هو دليل على أنّ هناك مدبّراً يدبّر كلّ شيء و من عنده ينزل، و قد كلّم الله موسى علیه السلام و ناجاه، و رفع الله عيسى بن مريم، و الملائكة تنزل من عنده، غير أنّك لا تؤمن بما لم تره بعينك، و فيما تراه بعينك كفاية أن تفهم و تعقل.
قال: فلو أنَّ الله ردّ إلينا من الأموات في كلّ مائة عام لنسأله عمّن مضى منّا إلى ما صاروا وكيف حالهم وماذا لقوا بعد الموت و أيّ شيء صنع بهم ليعمل الناس على اليقين اضمحلّ الشكّ و ذهب الغلّ عن القلوب. قال: إنّ هذه مقالة من أنكر الرسل وكذّبهم، ولم يصدّق بما به من عند الله إذا أخبروا وقالوا: إنّ الله أخبر في كتابه عزّ و جلّ على لسان الأنبياء حال من مات منّا، أفيكون أحد أصدق من الله قولاً و من رسله؟ و قد رجع إلى الدنيا ممّن مات خلق كثير، منهم أصحاب الكهف أماتهم الله ثلاث مائة عام و تسعة ثمّ بعثهم في زمان قوم أنكروا العبث ليقطع حجّتهم وليريهم قدرته وليعلموا أنّ البعث حقّ، وأمات الله ارميا النبيّ الذي نظر إلى خراب بيت المقدس و ما حوله حين غزاهم بخت نصّر فقال: أنّي يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثمّ أحياه، ونظر إلى أعضائه كيف تلتئم و كيف تلبس اللّحم و إلى مفاصله و عروقه کیف توصل، فلمّا استوى قاعداً قال: أعلم أنّ الله على
كلّ شيء قدير، و أحيا الله قوماً خرجوا عن أوطانهم هاربين من الطاعون لا يحصى عددهم فأماتهم الله دهراً طويلاً حتى بليت عظامهم و تقطّعت أوصالهم وصاروا تراباً، فبعث الله تعالى في وقت أحبَّ أن يري خلقه قدرته نبيّاً يقال له: حزقيل فدعاهم فاجتمعت أبدانهم و رجعت فيها أرواحهم، و قاموا كهيئة يوم ماتوا لا يفتقدون من أعدادهم رجلاً فعاشوا بعد ذلك دهراً طويلاً، و أنّ الله أمات قوماً خرجوا مع موسى حين توجّه إلى الله فقالوا: أرنا الله جهرة، فأماتهم الله ثمّ أحياهم.
قال: فأخبرني عمّن قال بتناسخ الأرواح من أيّ شيء قالوا ذلك؟ و بأيّ حجّة قاموا على مذاهبهم؟ قال: إنّ أصحاب التناسخ قد خلّفوا وراءهم منهاج الدين و زيّنوا لأنفسهم الضلالات، و أمرجوا أنفسهم في الشهوات، و زعموا أنَّ السماء خاوية ما فيها شيء ممّا يوصف، و أنّ مدبّر هذا العالم في صورة المخلوقين بحجّة من روى أنّ الله عزّ و جلّ خلق آدم على صورته، و أنّه لاجنّة و لانار ولا بعث ولانشور، و القيامة عندهم خروج الروح من قالبه و ولوجه في قالب آخر، إن كان محسناً في القالب الأوّل اُعيد في قالب أفضل منه حسناً في أعلى درجة الدنيا و إن كان مسيئاً أو غير عارف صار في بعض الدوابّ المتعبة في الدنيا أو هوامّ مشوّهة الخلقة، وليس عليهم صوم و لا صلاة ولاشيء من العبادة أكثر من معرفة من تجب عليه معرفته، وكلّ شيء من شهوات الدنيا مباح لهم من فروج النساء و غير ذلك من نکاح الأخوات و البنات والخالات و ذوات البعولة، وكذلك الميتة و الخمر و الدم، فاستقبح مقالتهم كلّ الفرق و لعنهم كلّ الاُمم، فلمّا سألوا الحجّة زاغوا و حادوا، فكذّب مقالتهم التوراة، و لعنهم الفرقان، و زعموا مع ذلك أنّ إلههم ينتقل من قالب إلى قالب، و أنّ الأرواح الأزليّة هي الّتي كانت في آدم، ثمّ هلمّ جرّاً تجري إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر، فإذا كان الخالق في صورة المخلوق فبما يستدلّ على أنّ أحدهما خالق صاحبه؟ و قالوا: إنّ الملائكة من ولد آدم، كلّ من صار في أعلى درجة دينهم خرج من منزلة الامتحان و
التصفية فهو ملك؛ فطوراً تخالهم نصارى في أشياء، و طورً دهريّة يقولون: إنّ الأشياء على غير الحقيقة؛ قد كان يجب عليهم أن لا يأكلوا شيئاً من اللّحمان، لأنّ الدوابَّ عندهم كلّها من ولد آدم حوِّلوا من صورهم، فلا يجوز أكل لحوم القرابات.
قال: و من زعم أنّ الله لم يزل و معه طينة موذية فلم يستطع التفصّي منها إلّا بامتزاجه بها و دخوله فيها، فمن تلك الطينة خلق الأشياء. قال: سبحان الله و تعالى ما أعجز إلهاً يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصّي من الطينة؟ إن كانت الطينة حيّة أزليّة فكانا إلهين قديمين فامتزجا و دبّرا العالم من أنفسهما، فإن كان ذلك كذلك فمن أين جاء الموت و الفناء؟ و إن كانت الطينة ميتة فلا بقاء للميّت مع الأزليّ القديم، و الميّت لا يجیء منه حيّ، هذه مقالة الديصانيّة أشدّ الزنادقة قولاً و أهملهم مثلاً، نظروا في كتب قد صنّفتها أوائلهم وحبّروها لهم بألفاظ مزخرفة من غير أصل ثابت ولاحجّة توجب إثبات ما ادّعوا، كلّ ذلك خلافاً على الله و على رسله و تكذيباً بما جاؤوا به عن الله، فأمّا من زعم أنَّ الأبدان ظلمة و الأرواح نور و أنّ النور لا يعمل الشرّ والظلمة لا تعمل الخير فلا تجب عليهم أن يلوموا أحداً على معصية، ولا ركوب حرمة و لا إتيان فاحشة، و أنّ ذلك على الظلمة غير مستنكر، لأنّ ذلك فعلها، ولا له أن يدعو ربّاً و يتضرّع إليه، لأنّ النور ربّ، و الربّ لا يتضرّع إلى نفسه و لا يستعيذ بغيره، ولا لأحد من أهل هذه المقالة أن يقول: أحسنت أو أسأت، لأنّ الإساءة من فعل الظلمة و ذلك فعلها، والإحسان من النور ولا يقول النور لنفسه: أحسنت يا محسن، و ليس هناك ثالث فكانت الظلمة على قياس قولهم أحكم فعلاً و أتقن تدبيراً و أعزّ أركاناً من النور، لأنّ الأبدان محكمة، فمن صوّر هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة؟ وكلّ شيء يرى ظاهراً من الزهر و الأشجار والثمار والطير و الدوابّ يجب أن يكون إلهاً، ثمَّ حبست النور في حبسها و الدولة لها.
و أمّا ما ادّعوا بأنَّ العاقبة سوف تكون للنور فدعوى، و ينبغي على قياس قولهم أن
لا يكون للنور فعل لأنّه أسير، وليس له سلطان فلا فعل له و لا تدبير، وإن كان له مع الظلمة تدبير فما هو بأسير بل هو مطلق عزيز، فإن لم يكن كذلك وكان أسير الظلمة فإنّه يظهر في هذا العالم إحسان و خير مع فساد و شرّ فهذا يدل على أنَّ الظلمة تحسن الخير و تفعله كما تحسن الشرّ و تفعله، فإن قالوا محال ذلك فلا نور يثبت ولاظلمة و بطلت دعواهم و رجع الأمر إلى أنّ الله واحد و ما سواه باطلٌ، فهذه مقالة ماني الزنديق و أصحابه، و أمّا من قال: النور والظلمة بينهما حكم، فلابد من أن يكون أكبر الثلاثة الحكم، لأنّه لا يحتاج إلى الحاكم إلّا مغلوب أو جاهل أو مظلوم، و هذه مقالة المدقونيّة، والحكاية عنهم تطول.
قال: فما قصّة ماني؟ قال: متفحّص أخذ بعض المجوسيّة فشابها ببعض النصرانيّة، فأخطأ الملّتين و لم يصب مذهباً واحداً منهما، و زعم أنّ العالم دبّر من إلهين: نور و ظلمة، و أنّ النور في حصار من الظلمة على ما حكينا منه، فكذّبته النصارى و قبلته المجوس.
قال: فأخبرني عن المجوس أبعث الله إليهم نبيّاً؟ فإنّي أجد لهم كتباً محكمة ومواعظ بليغة و أمثالاً شافية يقرّون بالثواب والعقاب و لهم شرائع يعملون بها. قال: ما من اُمّة إلّا خلافيها نذير و قد بعث إليهم نبيّ بكتاب من عند الله فأنكروه و جحدوا لكتابه. قال: و من هو فإنّ الناس يزعمون أنّه خالد بن سنان؟ قال علیه السلام: إنّ خالداً كان غريباً بدويّاً ما كان نبيّاً و إنّما ذلك شيء يقوله الناس.
قال: أفزردشت؟ قال: إنّ زردشت أتاهم بزمزمة و ادّعى النبوّة فآمن منهم قوم و جحده قوم فأخرجوه فأكلته السباع في بريّة من الأرض.
قال: فأخبرني عن المجوس كانوا أقرب إلى الصواب في دهرهم أم العرب؟ قال: العرب في الجاهليّة كانت أقرب إلى الدين الحنيفيّ من المجوس وذلك أنّ المجوس كفرت بكلّ الأنبياء و جحدت كتبها و أنكرت براهينها و لم تأخذ بشيء من سننها و آثارها، و أنّ كيخسرو ملك المجوس في الدهر الأوّل قتل ثلاثمائة نبيّ، وكانت المجوس لا تغتسل من الجنابة و العرب
كانت تغتسل و الاغتسال من خالص شرائع الحنيفيّة وكانت المجوس لا تختتن و هو من سنن الأنبياء، و أنّ أوّل من فعل ذلك إبراهيم خليل الله وكانت المجوس لا تغتسل موتاهم و لا تكفّنها وكانت العرب تفعل ذلك؛ وكانت المجوس ترمي الموتى في الصحارى و النواويس و العرب تواريها في قبورها و تلحدلها وكذلك السنّة على الرسل إنّ أوّل من حفر له قبر آدم أبوالبشر و اُلحد له لحد؛ وكانت المجوس تأتي الاُمّهات و تنكح البنات و الأخوات و حرَّمت ذلك العرب، وأنكرت المجوس بيت الله الحرام و سمّته بيت الشيطان و العرب كانت تحجّه و تعظّمه و يقول: بيت ربّنا؛ و تقرّ بالتوراة والإنجيل و تسأل أهل الكتاب وتأخذ عنهم، و كانت العرب في كلّ الأسباب أقرب إلى الدين الحنيفيّ من المجوس .
قال: فإنّهم احتجّوا بإتيان الأخوات أنّها سنّة من آدم. قال: فما حجّتهم في إتيان البنات و الاُمّهات وقد حرّم ذلك آدم و نوح و ابراهیم و موسی و عیسی و سائر الأنبياء علیهم السلام و كلّ ما جاء عن الله عزّ وجلّ.
قال: فلم حرّم الله تعالى الخمر ولا لذّة أفضل منها؟ قال: حرّمها لأنّها اُمّ الخبائث أو ليس كلّ شيء يأتي على شاربها ساعة يسلب لبّه ولا يعرف ربّه ولا يترك معصية إلّا ركبها ولا حرمة إلّا انتهكها ولا رحماً ماسّة إلّا قطعها ولا فاحشة إلّا أتاها، والكسران زمامه بيد الشيطان إن أمره أن يسجد للأوثان سجد و ينقاد حيث ما قاده.
قال: فلم حرّم الدم المسفوح؟ قال: لأنّه يورث القساوة، و يسلب الفؤاد رحمته، و يعفّن البدن ويغيّر اللّون، وأكثر ما يصيب الإنسان الجذام يكون من أكل الدم.
قال: فأكل الغدد؟ قال: يورث الجذام. قال: فالميتة لم حرّمها؟ قال: (صلوات الله عليه) فرقاً بينها و بين ما يذكر عليه اسم الله و الميتة قد جمد فيها الدم و تراجع إلى بدنها فلحمها ثقيل غير مري، لأنّها يؤكل لحمها بدمها.
قال: فالسمك ميتة؟ قال: إنّ السمك ذكاته إخراجه حيّاً من الماء ثمّ يترك حتّى يموت
من ذات نفسه و ذلك أنّه ليس له دم و كذلك الجراد.
قال: فلم حرّم الزنا؟ قال: لما فيه من الفساد و ذهاب المواريث و انقطاع الأنساب لا تعلم المرأة في الزنا من أحبلها و لا المولود يعلم من أبوه و لا أرحام موصولة و لا قرابة معروفة. قال: فلم حرّم اللّواط؟ قال: من أجل أنّه لو كان إتيان الغلام حلالاً لاستغنى الرجال عن النساء، وكان فيه قطع النسل و تعطيل الفروج وكان في إجازة ذلك فساد كثير.
قال: فلم حرّم إتيان البهيمة؟ قال علیه السلام: كره أن يضيّع الرجل ماءه و يأتي غير شكله و لو أباح ذلك لربط كلّ رجل أتاناً يركب ظهرها و يغشى فرجها فكان يكون في ذلك فساد كثير فأباح ظهورها و حرّم عليهم فروجها، و خلق للرجال النساء ليأنسوا بهنّ و يسكنوا إليهنّ و يكنَّ موضع شهواتهم و اُمّهات أولادهم.
قال: فما علّة الغسل من الجنابة وإنّ ما أتى حلال و ليس في الحلال تدنيس؟ قال علیه السلام: إنّ الجنابة بمنزلة الحيض، و ذلك أنَّ النطفة دم لا تستحكم، ولا يكون الجماع إلّا بحركة شديدة و شهوة غالبة، و إذا فرغ تنفّس البدن و وجد الرجل من نفسه رائحة كريهة فوجب الغسل لذلك، و غسل الجنابة مع ذلك أمانة ائتمن الله تعالى عليها عبيده ليختبرهم بها.
قال: أيّها الحكيم فما تقول فيمن زعم أنّ هذا التدبير الّذي يظهر في هذا العالم تدبير النجوم السبعة؟ قال: يحتاجون إلى دليل أنّ هذا العالم الأكبر و العالم الأصفر من تدبير النجوم الّتي تسبح في الفلك و تدور حيث دارت متعبةً لا تفتر، وسائرةً لا تقف. ثمَّ قال: وإنَّ كلَّ نجم منها موكّل مدبّر فهي بمنزلة العبيد المأمورين المنهيّين، فلو كانت قديمة أزليّة لم تتغيّر من حال إلى حال. قال: فمن قال: بالطبائع؟ قال: من لم يملك البقاء و لاصرف الحوادث و غيّرته الأيّام واللّيالي لا يردُّ الهرم ولا يدفع الأجل ما تصنع به؟
قال: فأخبرني عمّن زعم أنّ الخلق لم يزل يتناسلون و يتوالدون، و يذهب قرن و يجيء قرن، تفنيهم الأمراض و الأعراض و صنوف الآفات، يخبرك الآخر عن الأوّل و
ينبئك الخلف عن السلف و القرون عن القرون أنّهم وجدوا الخلق على هذا الوصف بمنزلة الشجر و النبات، في كلّ دهر يخرج منه حكيمٌ عليمٌ بمصلحة الناس بصيرٌ بتأليف الكلام، و يصنّف كتاباً قد حبّره بفطنته، و حسّنه بحكمته، قد جعله حاجزاً بين الناس، يأمرهم بالخير ويحثّهم عليه، وينهاهم عن السوء و الفساد ويزجرهم عنه، لئلّا يتهاوشوا ولا يقتل بعضهم بعضاً.
قال علیه السلام: ويحك إنّ من خرج من بطن اُمّه أمس و يرحل عن الدنيا غداً لا علم له بما كان قبله ولا ما يكون بعده، ثمَّ إنّه لا يخلو الإنسان من أن يكون خلق نفسه، أو خلقه غيره، أو لم يزل موجوداً، فما ليس بشيء لا يقدر على أن يخلق شيئاً و هو ليس بشيء، وكذلك ما لم يكن فيكون شيئاً يُسأل فلا يعلم كيف كان ابتداؤه، و لو كان الإنسان أزليّاً لم تحدث فيه الحوادث، لأنّ الأزليّ لا تغيّره الأيّام ولا يأتي عليه الفناء، مع أنّا لم نجد بناءً من غير بان، و لا أثراً من غير مؤثّر، ولا تأليفاً من غير مؤلّف، فمن زعم أنّ أباء خلقه قيل: فمن خلق أباه؟ ولو أنّ الأب هو الّذي خلق ابنه لخلقه على شهوته، وصوّره على محبّته، و لملك حياته، و الجار فيه حكمه؛ مرض فلم ينفعه، و مات فعجز عن ردّه، إنّ من استطاع أن يخلق خلقاً و ينفخ فيه روحاً حتّى يمشي على رجليه سويّاً يقدر أن يدفع عنه الفساد.
قال: فما تقول في علم النجوم؟ قال: هو علم قلّت منافعه وكثرت مضرّاته لأنّه لا يدفع به المقدور، ولا يتّقى به المحذور، إنّ أخبر المنجّم بالبلاء لم ينجه التحرّز من القضاء، وإن أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله، وإن حدث به سوء لم يمكنه صرفه، و المنجّم يضادّ الله في علمه بزعمه أنّه يردّ قضاء الله عن خلقه.
قال: فالرسول أفضل أم الملك المرسل إليه؟ قال: بل الرسول أفضل. قال: فما علّة الملائكة الموكّلين بعباده يكتبون عليهم ولهم، والله عالم السرّ و ما هو أخفى؟ قال: استعبدهم بذلك وجعلهم شهوداً على خلقه، ليكون العباد لملازمتهم إيّاهم أشدّ على طاعة الله مواظبةً،
و عن معصيته أشدّ انقباضاً، وكم من عبد يهمُّ بمعصية فيذكر مكانها فارعوى و كفّ، فيقول: ربّي يراني و حفظني عليَّ بذلك تشهد، و أنّ الله برأفته و لطفه أيضاً وكلّهم و بعباده يذبّون عنه مردة الشياطين، و هو امّ الأرض، و آفات كثيرة من حيث لا يرون بإذن الله إلى أن يجيء أمر الله عزّ وجلّ.
قال: فخلق الخلق للرحمة أم للعذاب؟ قال: خلقهم للرحمة و كان في علمه قبل خلقه إيّاهم أنّ قوماً منهم يصيرون إلى عذابه بأعمالهم الرديئة وجحدهم به. قال: يعذّب من أنكر فاستوجب عذابه بإنكاره، فبم يعذّب من وحّده و عرفه؟ قال: يعذّب المنكر لإلهيّته عذاب الأبد، و يعذّب المقرّ به عذاباً عقوبة لمعصيته إيّاه فيما فرض عليه، ثمَّ يخرج و لا يظلم ربّك أحداً.
قال: فبين الكفر والإيمان منزلة؟ قال: لا. قال: فما الإيمان و ما الكفر؟ قال: الإيمان أن يصدّق الله فيما غاب عنه من عظمة الله لتصديقه بما شاهد من ذلك وعاين، والكفر الجحود.
قال: فما الشرك و ما الشكّ؟ قال: الشرك أن يضمّ إلى الواحد الّذي ليس كمثله شيء آخر، و الشكّ ما لم يعتقد قلبه شيئاً.
قال: أفيكون العالم جاهلاً؟ قال: عالم بما يعلم، وجاهل بما يجهل. قال: فما السعادة و ما الشقاوة؟ قال: السعادة سبب خير تمسّك به السعيد فيجرّه إلى النجاة، و الشقاوة سبب خذلان تمسّك به الشقيّ فجرّه إلى الهلكة، وكلُّ بعلم الله تعالى.
قال: أخبرني عن السراج إذا انطفأ أين يذهب نوره؟ قال: يذهب فلا يعود. قال: فما أنكرت أن يكون الإنسان مثل ذلك إذا مات و فارق الروح البدن لم يرجع إليه أبداً كما لا يرجع ضوء السراج إليه أبداً إذا انطفأ؟ قال: لم تصب القياس، إنّ النار في الأجسام كامنة و الأجسام قائمة بأعيانها، كالحجر والحديد، فإذا ضرب أحدهما بالآخر سطعت من بينها نار يقتبس منها سراج له الضوء، فالنار ثابتةٌ في أجسامها و الضوء ذاهب؛ و الروح جسمٌ رقيقٌ
قد اُلبس قالباً كثيفاً، وليس بمنزلة السراج الّذي ذكرت، إنّ الّذي خلق في الرحم جنيناً من ماء صاف و ركّب فيه ضروباً مختلفةً من عروق و عصب و أسنان و شعر و عظام و غير ذلك هو يحييه بعد موته و يعيده بعد فنائه.
قال: فأين الروح؟ قال: في بطن الأرض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث. قال: فمن صلب أين روحه؟ قال: في كفّ الملك الّذي قبضها حتّى يودعها الأرض. قال: فأخبرني عن الروح أغير الدم؟ قال: نعم الروح على ما وصفت لك مادّته من الدم، و من الدم رطوبة الجسم، وصفاء اللّون، وحسن الصوت، وكثرة الضحك، فإذا جمد الدم فارق الروح البدن. قال: فهل يوصف بخفّة و ثقل و وزن؟ قال: الروح بمنزلة الريح في الزقّ إذا نفخت فيه امتلأ الزقّ منها فلا يزيد في وزن الزقّ ولوجها فيه ولا ينقصها خروجها منه، كذلك الروح ليس لها ثقل و لاوزن.
قال: فأخبرني ما جوهر الريح؟ قال: الريح هواء إذا تحرّك سمّي ريحاً، فإذا سكن سمّي هواءً، و به قوام الدنيا، و لو كفّت الريح ثلاثة أيّام لفسد كلّ شيء على وجه الأرض و نتن، و ذلك أنّ الريح بمنزلة المروحة تذبُّ و تدفع الفساد عن كلّ شيء و تطيّبه، فهي بمنزلة الروح إذا خرج عن البدن نتن البدن و تغيّر، تبارك الله أحسن الخالقين.
قال: أفيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء و تفنى فلاحسّ ولا محسوس، ثمَّ اُعيدت الأشياء كما بدأها مدبّرها، و ذلك أربعمائة سنة تسبت فيها الخلق و ذلك بين النفختين.
قال: و أنّى له بالبعث و البدن قد بلى، و الأعضاء قد تفرّقت، فعضو ببلدة يأكلها سباعها، و عضو باُخرى تمزقه هوامّها، و عضو قد صار تراباً بني به مع الطين حائط؟
قال: إنّ الّذي أنشأه من غير شيء وصوَّره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه. قال: أوضح لي ذلك. قال: إنّ الروح مقيمة في مكانها: روح المحسن في ضياء و
فسحة، و روح المسيء في ضيق وظلمة، و البدن يصير تراباً منه خلق، و ما تقذف به السباع و الهوامّ من أجوافها ممّا أكلته ومزّقته كلّ ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرّة في ظلمات الأرض، ويعلم عدد الأشياء و وزنها، وأنّ تراب الروحانيّين بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور فتربوا الأرض ثمّ تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللّبن إذا مخض، فيجتمع تراب كلّ قالب فينقل بإذن القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصوّر كهيئتها و تلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً.
قال: أخبرني عن الناس يحشرون يوم القيامة عراة؟ قال: بل يحشرون في أكفانهم.
قال: أنّى لهم بالأكفان و قد بليت؟ قال: إنَّ الّذي أحيا أبدانهم جدّد أكفانهم.
قال: فمن مات بلاكفن؟ قال: يستر الله عورته بما شاء من عنده.
قال: فيعرضون صفوفاً؟ قال: نعم هم يومئذ عشرون و مائة ألف صفّ في عرض الأرض. قال: أو ليس توزن الأعمال؟ قال علیه السلام: لا، إنّ الأعمال ليست بأجسام، وإنّما هي صفة ما عملوا، و إنّما يحتاج إلى وزن الشيء من جهل عدد الأشياء ولا يعرف ثقلها وخفّتها، و إنّ الله لا يخفى عليه شيء. قال: فما الميزان؟ قال: العدل. قال: فما معناه في كتابه: «فمن ثقلت موازینه»؟ قال: فمن رجح عمله.
قال: فأخبرني أو ليس في النار مقنع أن يعذّب خلقه بهادون الحيّات و العقارب؟ قال: إنّما يعذّب بها قوماً زعموا أنّها ليست من خلقه، إنّما شريكه الّذي يخلقه، فيسلّط الله تعالى عليهم العقارب والحيّات في النار ليذيقهم بها وبال ما كانوا عليه فجحدوا أن يكون صنعه.
قال: فمن أين قالوا: إنّ أهل الجنّة يأتي الرجل منهم إلى ثمرة يتناولها، فإذا أكلها عادت كهيئتها؟ قال: نعم ذلك على قياس السراج يأتي القابس فيقتبس منه فلا ينقص من ضوئه شيء وقد امتلأت الدنيا منه سرجاً. قال: أليسوا يأكلون ويشربون و تزعم أنّه لا تكون لهم
الحاجة؟ قال: بلى لأنّ غذاءهم رقيق لاثفل له، بل يخرج من أجسادهم بالعرق.
قال: فكيف تكون الحوراء في كلّ ما أتاها زوجها عذراء؟ قال: لأنّها خلقت من الطيب لا تعتريها عاهة، ولا تخالط جسمها آفة، ولا يجري في ثقبها شيء، ولا يدنّسها حيض، فالرحم ملتزقة، إذ ليس فيه لسوى الإحليل مجرى. قال: فهي تلبس سبعين حلّة و يرى زوجها مخّ ساقها من وراء حللها و بدنها؟ قال: نعم كما يرى أحدكم الدراهم إذا اُلقيت في ماء صاف قدره قيد رمح.
قال: فكيف ينعّم أهل الجنّة بما فيها من النعيم و ما منهم أحد إلّا وقد افتقد إبنه أو أباه أو حميمه أو اُمه؟ فإذا افتقدوهم في الجنّة لم يشكّوا في مصيرهم إلى النار، فما يصنع بالنعيم من يعلم أنّ حميمه في النار يعذّب؟ قال علیه السلام: إنّ أهل العلم قالوا: إنّهم ينسون ذكرهم، و قال بعضهم؛ انتظروا قدومهم و رجوا أن يكونوا بين الجنّة و النار في أصحاب الأعراف.
قال: فأخبرني عن الشمس أين تغيب؟ قال: إنّ بعض العلماء قالوا: إذا انحدرت أسفل القبّة دار بها الفلك إلى بطن السماء صاعدة أبداً إلى أن تنحطَّ إلى موضع مطلعها - يعني أنّها تغيب في عين حامئة ثمَّ تخرق الأرض راجعة إلى موضع مطلعها - فتحير تحت العرش حتّى يؤذن لها بالطلوع، ويسلب نورها كلّ يوم و يتجلّل نوراً آخر.
قال: فالكرسيّ أكبر أم العرش؟ كلّ شيء خلقه الله تعالى في جوف الكرسيّ خلا عرشه فإنّه أعظم من أين يحيط به الكرسيّ.
قال: فخلق النهار قبل اللّيل؟ قال: نعم خلق النهار قبل اللّيل، و الشمس قبل القمر، و الأرض قبل السماء، و وضع الأرض قبل الحوت، والحوت في الماء، والماء في صخرة مجوّفة، و الصخرة على عاتق ملك، و الملك على الثرى، و الثرى على الريح العقيم، و الريح على الهواء، و الهواء تمسكه القدرة، وليس تحت الريح العقيم إلّا الهواء و الظلمات، و لا وراء ذلك سعة ولاضيق ولا شيء يتوهّم؛ ثمَّ خلق الكرسيّ فحشاه السماوات والأرض، و الكرسيّ
أكبر من كلّ شيء خلق، ثمَّ خلق العرش فجعله أكبر من الكرسيّ.
2 - يد: الدقّاق عن أبي القاسم العلويّ، عن البرمكيّ، عن الحسين بن الحسن، عن إبراهيم بن هاشم القميّ، عن العبّاس بن عمرو الفقيميّ، عن هشام بن الحكم في حديث الزنديق الّذي أتى أبا عبد الله علیه السلام فكان من قول أبي عبد الله علیه السلام له: لا يخلو قولك: إنّهما اثنان من أن يكونا قديمين قويّين، أن يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويّاً والآخر ضعيفاً، فإن كانا قويّين فلم لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه و ينفرد بالتدبير؟ و إن زعمت أنّ أحدهما قويّ و الآخر ضعيف ثبت أنّه واحد كما نقول، للعجز الظاهر في الثاني، وإن قلت: إنّهما اثنان لم يخلوا من أن يكونا متّفقين من كلّ جهة، أو مفترقين من كلّ جهة، فلمّا رأينا الخلق منتظماً والفلك جارياً و اختلاف اللّيل والنهار والشمس و القمر دلّ صحة الأمر و التدبير و ائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحدٌ؛ ثمَّ يلزمك إن ادّعيت اثنين فلابدّ من فرجة بينهما حتّى يكونا اثنين فصارت الفرجة ثالثاً بينهما قديماً معهما فليزمك ثلاثة، و إن ادّعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الاثنين حتّى يكون بينهما فرجتان فيكون خمسة، ثمّ يتناهي في العدد إلى ما لانهاية في الكثرة.
قال هشام: فكان من سؤال الزنديق أن قال: فما الدليل عليه؟ قال أبو عبد الله علیه السلام: وجود الأفاعيل الّتي دلّت على أنّ صانعاً صنعها، ألا ترى أنّك إذا نظرت إلى بناء مشيّد مبنيّ علمت أنَّ له بانياً و إن كنت لم تر الباني و لم تشاهده؟
قال: فما هو؟ قال: هو شيء بخلاف الأشياء، ارجع بقولي: شيء إلى إثبات معنى و أنّه شيء بحقيقة الشيئيّة، غير أنّه لاجسم ولاصورة ، ولا يحسّ ولا يجسّ، ولا يدرك بالحواسّ الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، و لا يغيّره الزمان.
قال السائل: فتقول: إنّه سميع بصير؟ قال: هو سميعٌ بصيرٌ، سميع بغير جارحة، وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه، و يبصر بنفسه، ليس قولي: إنّه يسمع بنفسه و يبصر بنفسه أنّه
شيء و النفس شيء آخر، و لكن أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولاً، وإفهاماً لك إذ كنت سائلاً، و أقول: يسمع بكلّه، لا أنّ الكلّ منه له بعضٌ، و لكنّي أردت إفهامك و التعبير عن نفسي، و ليس مرجعي في ذلك إلّا إلى أنّه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات و لا اختلاف المعنى.
قال السائل: فما هو؟ قال أبو عبد الله علیه السلام: هو الربّ، و هو المعبود، و هو الله، و ليس قولي: (الله) إثبات هذه الحروف: ألف، لام، لاه، و لكنّي أرجع إلى معنى هو شيء خالق الأشياء وصانعها، وقعت عليه هذه الحروف، و هو المعنى الّذي يسمّى به الله و الرحمن و الرحيم و العزيز و أشباه ذلك من أسمائه، و هو المعبود جلّ و عزّ.
قال السائل: فإنّا لم نجد موهوماً إلّا مخلوقاً. قال أبو عبد الله علیه السلام: لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد عنّا مرتفعاً، لأنّا لم نكلّف أن نعتقد غير موهوم، و لكنّا نقول: كلّ موهوم بالحواسّ مدرك، فما تحدُّه الحواسّ وتمثّله فهو مخلوق، ولابدّ من إثبات صانع للأشياء خارج من الجهتين المذمومتين: إحداهما النفي إذ كان النفي هو الإبطال و العدم، و الجهة الثانية التشبيه من صفة المخلوق الظاهر التركيب و التأليف، فلم يكن بدّ من إثبات الصانع لوجود المصنوعين، و الاضطرار منهم إليه ثبت أنّهم مصنوعون، و أنّ صانعهم غيرهم وليس مثلهم إذ كان مثلهم شبيهاً بهم في ظاهر التركيب و التأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا، و تنقّلهم من صغر إلى كبر و سواد إلى بياض وقوّة إلى ضعف و أحوال موجودة لاحاجة بنا إلى تفسيرها لثباتها و وجودها.
قال السائل: فقد حدّدته إذ أثبتَّ وجوده ، قال أبو عبد الله علیه السلام: لم أحدّده و لكن أثبتّه، إذ لم يكن بين الإثبات والنفي منزلة.
قال السائل: فله إنّيّة ومائيّة؟ قال: نعم لا يثبت الشيء إلّا بإنّيّة ومائيّة.
قال السائل: فله كيفيّة؟ قال: لا، لأنّ الكيفيّة جهة الصفة و الإحاطة، ولكن لابدّ من
الخروج من جهة التعطيل والتشبيه، لأنّ من نفاه أنكره و دفع ربوبيّته و أبطله، و من شبّهه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الّذين لا يستحقّون الربوبيّة، و لكن لابدّ من إثبات ذات بلاكيفيّة لا يستحقّها غيره لا يشارك فيها ولا يحاط بها و لا يعلمها غيره.
قال السائل: فيعاني الأشياء بنفسه؟ قال أبو عبد الله علیه السلام: هو أجلّ من أن يعاني الأشياء بمباشرة ومعالجة، لأنّ ذلك صفة المخلوق الّذي لا تجيء الأشياء إليه إلّا بالمباشرة و المعالجة، و هو تعالى نافذ الإرادة و المشيّة، فعّال لما يشاء.
قال السائل: فله رضی و سخط؟ قال أبو عبد الله علیه السلام: نعم، وليس ذلك على ما يوجد في المخلوقين، و ذلك أن الرضى و السخط دخّال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال، و ذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين، و هو تبارك و تعالى العزيز الرحيم لاحاجة به إلى شيء ممّا خلق، و خلقه جميعاً محتاجون إليه، وإنّما خلق الأشياء من غير حاجة ولاسبب اختراعاً و ابتداعاً.
قال السائل: فقوله: «الرحمن على العرش استوى»؟ قال أبو عبد الله علیه السلام: بذلك وصف نفسه، وكذلك هو مستول على العرش، بائن من خلقه، من غير أن يكون العرش حاملاً له، و لا أن يكون العرش حاوياً له، و لا أنّ العرش محتازله، ولكنّا نقول: هو حامل العرش، و ممسك العرش، و نقول من ذلك ما قال: «وسع كرسيّه السموات والأرض» فثبّتنا من العرش والكرسيّ ماثبّته، و نفينا أن يكون العرش أو الكرسيّ حاوياً له، وأن يكون عزّ و جلّ محتاجاً إلى مكان أو إلى شيء ممّا خلق ، بل خلقه محتاجون إليه.
قال السائل: فما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء وبين أن تخفضوها نحو الأرض؟ قال أبو عبد الله علیه السلام: ذلك في علمه وإحاطته وقدرته سواء، و لكنّه عزّ و جلّ أمر أولياءه و عباده برفع أيديهم إلى السماء نحو العرش لأنّه جعله معدن الرزق، فثبّتنا ما ثبّته القرآن و الأخبار عن الرسول صلی الله علیه و آله و سلم حين قال: «ارفعوا أيديكم إلى الله عزّ و جلّ» و هذا يجمع عليه
فرق الاُمّة كلّها.
قال السائل: فمن أين أثبّت أنبياءً و رسلاً؟ قال أبو عبد الله علیه السلام: إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيماً لم يجز أن يشاهده خلقه و لا يلامسوه، ولا يباشرهم ولا يباشروه، و يحاجّهم و يحاجّوه فثبت أنّ له سفراء في خلقه و عباده يدلّونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم، فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه، و ثبت عند ذلك أن له معبّرين و هم الأنبياء وصفوته من خلقه، حكماء مؤدّبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة و الدلائل و البراهين و الشواهد: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، فلا تخلو أرض الله من حجّة يكون معه علم يدلّ على صدق مقال الرسول و وجوب عدالته. (1)
أقول: في بعض نسخه التوحيد بعد قوله: (فرق الاُمّة كلّها) زيادة: قال السائل فتقول: إنّه ينزل إلى السماء الدنيا؟ قال أبو عبد الله علیه السلام: نقول ذلك لأنّ الروايات قد صحّت به و الأخبار.
قال السائل: و إذا نزل أنيس قد حال عن العرش، و حؤوله عن العرش انتقال؟ قال أبو عبد الله علیه السلام: ليس ذلك على ما يوجد من المخلوق الّذي ينتقل باختلاف الحال عليه و الملالة و السأمة، و ناقل ينقله و يحوّله من حال إلى حال، بل هو تبارك و تعالى لا يحدث عليه الحال، و لا يجري عليه الحدوث، فلا يكون نزوله كنزول المخلوق الّذي متى تنحّى عن مكان خلا منه المكان الاُولى، و لكنّه ينزل إلى سماء الدنيا بغير معاناة ولاحركة فيكون هو كما في السماء السابعة على العرش كذلك هو في سماء الدنيا، إنّما يكشف عن عظمته و يري أولياءه نفسه حيث شاء، و يكشف ما شاء من قدرته، و منظره في القرب و البعد سواء. (2)
أقول: و في تلك النسخة الّتي فيها تلك الزيادة زيادة اُخرى بعد تمام الخبر و هي هذه: قال مصنّف هذا الكتاب قوله علیه السلام: (إنّه على العرش) ليس بمعنى التمكّن فيه، و لكنّه بمعنى التعالي عليه بالقدرة، يقال: فلان على خير، و استعانه على عمل كذا و كذا، ليس بمعنى التمكّن فيه والاستقرار عليه، ولكن ذلك بمعنى التمكّن منه و القدرة عليه.
و قوله: (في النزول) ليس بمعنى الانتقال و قطع المسافاة، و لكنّه على معنى إنزال الأمر منه إلى سماء الدنيا، لأنّ العرش هو المكان الّذي ينتهى إليه بأعمال العباد من السدرة المنتهى إليه، و قد يجعل الله عزّ و جلّ السماء الدنيا في الثلث الأخير من اللّيل و في ليالي الجمعة مسافة الأعمال في ارتفاعها أقرب منها في سائر الأوقات إلى العرش.
و قوله: (يري أولياءه نفسه) فإنّه يعني بإظهار بدائع فطرته، فقد جرت العادة بأن يقال للسلطان إذا أظهر قوّة وقدرةً وخيلاً و رجلاً: قد أظهر نفسه؛ و على ذلك دلّ الكلام و مجاز اللّفظ. انتهى. (1)
أقول: قد مضى تفاسير أجزاء الخبر في كتاب التوحيد، و هذا الخبر جزءٌ من الخبر السابق أيضاً فلا تغفل.
3 - من كتاب الغرر للسيّد المرتضى رضي الله عنه: قيل: إنّ الجعد بن درهم (2)جعل في قارورة ماءً و تراباً فاستحال دوداً و هوامّاً فقال لأصحابه: أنا خلقت ذلك، لأنّي كنت سبب كونه، فبلغ ذلك جعفر بن محمد علیهما السلام فقال: ليقل: كم هي؟ وكم الذكران منه و الإناث إن كان خلقه ؟ وكم وزن كلّ واحد منهنّ؟ و ليأمر الّذي سعى إلى هذا الوجه أن يرجع إلى غيره، فانقطع و هرب.
4 - فس: روي أنّه لمّا سأل رجل من الزنادقة أباجعفر الأحول فقال: أخبرني عن قول الله تعالى: «فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث و رباع فإن خفتم ألّا تعدلوا
فواحدة» و قال تعالى في آخر السورة: «و لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء و لو حرصتم فلا تميلوا كلّ الميل» فبين القولين فرق، فقال أبو جعفر الأحول: فلم يكن في ذلك عندي جواب، فقدمت المدينة فدخلت على أبي عبد الله علیه السلام فسألته عن الآيتين فقال: أمّا قوله:
«فإن خفتم ألّا تعدلوا فواحدة» فإنّما عنى في النفقة، وقوله: «و لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم» فإنّما عنى في المودّة، فإنّه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودّة؛ فرجع أبو جعفر الأحول إلى الرجل فأخبره، فقال: هذا حملته من الحجاز. (1)
5 - قب: أبو جعفر الطوسيّ في الأمالي و أبو نعيم في الحلية وصاحب الروضة بالإسناد - و الرواية يزيد بعضها على بعض - عن محمّد الصيرفي، و عن عبدالرحمن بن سالم أنّه دخل ابن شبرمة و أبو حنيفة على الصادق علیه السلام فقال لأبي حنيفة: اتّق الله ولا تقس الدين برأيك، فإنّ أوّل من قاس ابلیس، إذ أمره الله تعالى بالسجود فقال: أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين، ثمّ قال: هل تحسن أن تقيس رأسك من جسدك؟ قال: لا. قال: فأخبرني عن الملوحة في العينين، والمراة في الاُذنين، و البرودة في المنخرين، و العذوبة في الشفتين لأيّ شيء جعل ذلك؟ قال: لا أدري.
فقال علیه السلام: إنّ الله تعالى خلق العينين فجعلهما شحمتين، وجعل الملوحة فيهما منّاً على بني آدم، ولولا ذلك لذابتا؛ وجعل المرارة في الاُذنين منّاً منه على بني آدم ولو لا ذلك لقحمت الدوابّ فأكلت دماغه؛ و جعل الماء في المنخرين ليصعد النفس و ينزل و يجد منه الريح الطيّبة و الرديئة؛ وجعل العذوبة في الشفتين ليجد ابن آدم لذّة مطعمه و مشربه.
ثمَّ قال له: أخبرني عن كلمة أوّلها شرك و آخرها إيمان. قال: لا أدري. قال: «لا إله إلّا الله» ثمَّ قال: أيّما أعظم عند الله تعالى القتل أو الزنا؟ فقال: بل القتل. قال: فإنّ الله تعالى قد رضي في القتل بشاهدين و لم يرض في الزنا إلّا بأربعة.
1) تفسير القميّ: 143 سورة النساء.
ثمَّ قال: إنّ الشاهد على الزنا شهد على اثنين، و في القتل على واحد، لأنّ القتل فعل واحد، و الزنا فعلان. ثمَّ قال: أيّما أعظم عند الله تعالى: الصوم أو الصلاة؟ قال: لا بل الصلاة، قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة؟ ثمّ قال: لأنّها تخرج إلى صلاة فتداومها ولا تخرج إلى صوم. ثمَّ قال: المرأة أضعف أم الرجل؟ قال: المرأة. قال: فما بال المرأة و هي ضعيفة لها سهم واحد، و الرجل قويّ له سهان. ثمَّ قال: لأنّ الرجل يجبر على الإنفاق على المرأة، ولا تجبر المرأة على الإنفاق على الرجل.
ثمَّ قال: البول أقذر أم المنيُّ؟ قال: البول. قال: يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المنيّ، و قد أوجب الله تعالى الغسل من المنيّ دون البول. ثمَّ قال: لأنّ المنيّ اختيار و يخرج من جميع الجسد و يكون في الأيّام، و البول ضرورة و يكون في اليوم مرّات. قال أبو حنيفة: كيف يخرج من جميع الجسد و الله يقول: «يخرج من بين الصلب و الترائب» قال أبو عبد الله علیه السلام: فهل قال: لا يخرج من غير هذين الموضعين؟
ثمّ قال علیه السلام: لم لا تحيض المرأة إذا حبلت؟ قال: لا أدري، قال عليه السّلام والصلاة: حبس الله تعالى الدم فجعله غذاءً للولد . ثمَّ قال علیه السلام: أين مقعد الكاتبين؟ قال: لا أدري، قال: مقعدهما على الناجدين، و الفم الدواة، و اللّسان القلم، و الريق المداد. ثمّ قال: لم يضع الرجل يده على مقدّم رأسه عند المصيبة و المرأة على خدّها؟ قال: لا أدري، فقال علیه السلام: اقتداءً بآدم و حوّاء حيث اُهبطا من الجنّة، أما ترى أنّ من شأن الرجل الاكتآب عند المصيبة، و من شأن المرأة رفعها رأسها إلى السماء إذا بكت.
ثمَّ قال علیه السلام: ماترى في رجل كان له عبد فتزوّج و زوّج عبده في ليلة واحدة ثمَّ سافرا و جعلا امرأتيهما في بيت واحد فسقط البيت عليهم فقتل المرأتين و بقي الغلامان، أيّهما في رأيك المالك؟ وأيّهما المملوك؟ و أيّهما الوارث؟ و أيّهما الموروث؟ ثمَّ قال: فما ترى في رجل أعمى فقأعين صحيح، وأقطعٍ قطع يد رجل كيف يقام عليهما الحدّ؟ ثمَّ قال علیه السلام: فأخبرني
عن قول الله تعالى لموسى و هارون حين بعثها إلى فرعون: «لعلّه يتذكّر أو يخشى» لعلّ منك شكّ؟ قال: نعم، قال: وكذلك من الله شكّ إذ قال: «لعلّه»؟
ثمَّ قال أخبرني عن قول الله تعالى: «و قدّرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و أيّاماً آمنين» أيّ موضع هو؟ قال: هو ما بين مكّة والمدينة، قال علیه السلام: نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكّة والمدينة لا تأمنون على دمائكم من القتل، و على أموالكم من السرق؟ ثمَّ قال: و أخبرني عن قول الله تعالى: «و من دخله كان آمناً» أيّ موضع هو؟ قال: ذاك بيت الله الحرام، فقال: نشدتكم بالله هل تعلمون أنّ عبدالله بن الزبير و سعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل؟ قال: فاعفني يا ابن رسول الله؛ قال: فأنت الّذي تقول: ساُنزل مثل ما أنزل الله، قال: أعوذ بالله من هذا القول؛ قال: إذا سئلت فما تصنع؟ قال: اُجيب عن الكتاب، أو السنّة، أو الاجتهاد، قال: إذا اجتهدت من رأيك وجب على المسلمين قبوله؟ قال: نعم، قال: وكذلك وجب قبول ما أنزل الله تعالى، فكأنّك قلت: ساُنزل مثل ما أنزل الله تعالى.
6 - ما: جماعة، عن أبي المفضّل، عن الحسن بن عليّ بن عاصم، عن سليمان بن داود الشاذكونيّ، عن حفص بن غياث قال: كنت عند سيّد الجعافر جعفر بن محمّد علیهما السلام لمّا أقدمه المنصور فأتاه ابن أبي العوجاء وكان ملحداً فقال له: ما تقول في هذه الآية: «كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها»؟ هب هذه الجلود عصت فعذَّبت فما بال الغير يعذَّب؟ قال أبو عبد الله علیه السلام: ويحك هي هي، و هي غيرها. قال: اعقلني هذا القول. فقال له: أرأيت لو أنّ رجلاً عمد إلى لبنة فكسّرها ثمّ صبَّ عليها الماء وجبلها ثمّ ردّها إلى هيئتها الاُولى، ألم تكن هي هي و هي غيرها؟ فقال: بلى أمتع الله بك. (1)
1) المجالس والاخبار: 20.
1 - ل: حدّثنا أحمد بن محمّد بن الهيثم العجليّ، و أحمد بن الحسن القطّان، و محمّدبن أحمد السنانيّ، و الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب، و عبدالله بن محمّد الصائغ، و عليّ بن عبدالله الورّاق رضي الله عنهم قالوا: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن يحيى ابن زكريّا القطّان قال: حدّثنا بكر بن عبدالله بن حبيب، قال: حدّثنا تميم بن بهلول قال: حدّثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد علیه السلام قال: هذه شرائع الدين لمن تمسّك بها و أراد الله تعالى هداه: إسباغ الوضوء كما أمر الله عزّ وجلّ في كتابه الناطق، غسل الوجه و اليدين إلى المرفقين، و مسح الرأس والقدمين إلى الكعبين - مرّة مرّة و مرّتان جائز - و لا ينقض الوضوء إلّا البول والريح و النوم و الغائط و الجنابة، و من مسح على الخفّين فقد خالف الله تعالى و رسوله صلی الله علیه و آله و سلم وكتابه، و وضوؤه لم يتمّ، وصلاته غير مجزية.
و الأغسال منها: غسل الجنابة، و الحيض، و غسل الميّت، و غسل من مسّ الميّت بعد ما يبرد، و غسل من غسّل الميّت، و غسل يوم الجمعة، و غسل العيدين، و غسل دخول مكّة، و غسل دخول المدينة، و غسل الزيارة، و غسل الإحرام و غسل يوم عرفة، و غسل
ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، و غسل ليلة تسع عشرة من شهر رمضان، و غسل ليلة إحدى وعشرين منه، وليلة ثلاث وعشرين منه؛ أمّا الفرض فغسل الجنابة؛ و غسل الجنابة و الحيض واحد.
وصلاة الفريضة: الظهر أربع ركعات، و العصر أربع ركعات؛ و المغرب ثلاث ركعات، و العشاء الآخرة أربع ركعات، والفجر ركعتان، فجملة الصلوات المفروضة سبع عشرة ركعة، و السنّة أربع وثلاثون ركعة، منها أربع ركعات بعد المغرب، لا تقصير فيها في سفر ولا حضر، وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة تعدّان بركعة، و ثمان ركعات في السحر و هي صلاة اللّيل، و الشفع ركعتان، و الوتر ركعة، و ركعتا الفجر بعد الوتر، و ثمان ركعات قبل الظهر، و ثمان ركعات قبل العصر. و الصلاة تستحبّ في أوّل الأوقات. و فضل الجماعة على الفرد بأربعة و عشرين. ولا صلاة خلف الفاجر. ولا يقتدى إلّا بأهل الولاية. و لا يصلّى في جلود الميتة و إن دبّغت سبعين مرّة و لا في جلود السباع. ولا يسجد إلّا على الأرض، أو ما أنبتت الأرض إلّا المأكول والقطن و الكتّان. ويقال في افتتاح الصلاة: تعالى عرشك، و لا يقال: تعالى جدّك. ولا يقال في التشهّد الأوّل: السلام علينا و على عباد الله الصالحين، لأنّ تحليل الصلاة هو التسليم و إذا قلت هذا فقد سلّمت. و التقصير في ثمانية فراسخ، و هو بريدان. و إذا قصّرت أفطرت. و من لم يقصّر في السفر لم تجز صلاته، لأنّه قد زاد في فرض الله عزّ و جلّ. و القنوت في جميع الصلوات سنّةٌ واجبةٌ في الركعة الثانية قبل الركوع و بعد القراءة. والصلاة على الميّت خمس تكبيرات، فمن نقص منها فقد خالف السنّة. و الميّت يسلّ من قبل رجليه سلّاً، و المرأة تؤخذ بالعرض من قبل اللّحد. و القبور تربّع ولا تسنّم. و الإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة واجب. و فرائض الصلاة سبع:
الوقت، و الطهور، والتوجّه، و القبلة، والركوع، و السجود، و الدعاء.
والزكاة فريضة واجبةٌ على كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، و لا تجب فيما دون ذلك من
الفضّة. ولا تجب على مال زكاة حتّى يحول عليه الحول من يوم ملكه صاحبه. ولا يحلُّ أنّ تدفع الزكاة إلّا إلى أهل الولاية و المعرفة. و تجب على الذهب الزكاة إذا بلغ عشرين مثقالاً فيكون فيه نصف دينار. و تجب على الحنطة والشعير و التمر و الزبيب : إذا بلغ خمسة أو ساق -العشر إن كان سقي سيحاً، وإن سقي بالدوالي فعليه نصف العشر؛ والوسق ستّون صاعاً. والصاع أربعة أمداد. و تجب على الغنم الزكاة إذا بلغت أربعين شاة فتكون فيها شاة، فإذا بلغت مائة وعشرين و تزيد واحدة فتكون فيها شاتان إلى مائتين، فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياة إلى ثلاثمائة، ثمَّ بعد ذلك تكون في كلّ مائة شاةٍ شاةٌ. وتجب على البقر الزكاة إذا بلغت ثلاثين بقرة تبيعة حوليّة، فتكون فيها تبيع حوليّ إلى أن تبلغ أربعين بقرة، ثمَّ يكون فيها مسنّة إلى ستّين، ففيها تبيعان إلى أن تبلغ سبعين، ففيها تبيع و مسنّة إلى أن تبلغ ثمانين ثمّ يكون فيها مسنّتان إلى تسعين، ثمَّ يكون فيها ثلاث تبايع، ثمَّ بعد ذلك في كلّ ثلاثين بقرة تبيع، و في كلّ أربعين مسنّة. و يجب على الإبل الزكاة إذا بلغت خمسة فيكون فيها شاة، فإذا بلغت عشرة فشاتان، فإذا بلغت خمسة عشر فثلاث شياة، فإذا بلغت عشرين فأربع شياة، فإذا بلغت خمساً و عشرين فخمس شياة، فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض، فإذا بلغت خمساً وثلاثين و زادت واحدة ففيها بنت لبون، فإذا بلغت خمساً و أربعين و زادت واحدة ففيها حقّة، فإذا بلغت ستّين و زادت واحدة ففيها جذعة إلى ثمانين، فإن زادت واحدة ففيها ثني إلى تسعين، فإذا بلغت تسعين ففيها ابنتالبون، فإن زادت واحدة إلى عشرين ومائة ففيها حقّتان طروقتا الفحل، فإذا كثرت الإبل ففي كلّ أربعين بنت لبون، و في كلّ خمسين حقّة؛ و يسقط الغنم بعد ذلك؛ و يرجع إلى أسنان الإبل.
و زكاة الفطرة واجبة على كلّ رأس صغير أو كبير، حرّ أو عبد، ذكر أو أنثى أربعة أمداد من الحنطة والشعير و التمر و الزبيب و هو صاع تامّ، ولا يجوز دفع ذلك أجمع إلّا إلى أهل الولاية والمعرفة.
و أكثر أيّام الحيض عشرة أيّام، وأقلّها ثلاثة أيّام، و المستحاضة تغتسل و تحتشي و تصلّي، والحائض تترك الصلاة ولا تقضيها، و تترك الصوم و تقضيه.
و صيام شهر رمضان فريضةٌ يصام لرؤيته، و يفطر لرؤيته. ولا يصلّى التطوّع في جماعة لأنّ ذلك بدعةٌ وصلالةٌ، وكلّ ضلالة في النار. وصوم ثلاثة أيّام في كلّ شهر سنّة، و هو صوم خميسين بينهما أربعاء: الخميس الأوّل في العشر الأوّل، و الأربعاء من العشر الأوسط، و الخميس الأخير من العشر الأخير. وصوم شعبان حسن لمن صامه لأنّ الصالحين قد صاموه و رغبوا فيه، وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يصل شعبان بشهر رمضان. و الفائت من شهر رمضان إن قضى متفرّقاً جاز، و إن قضى متتابعاً فهو أفضل.
و حجّ البيت واجب لمن استطاع إليه سبيلاً، و هو الزاد والراحلة مع صحّة البدن و أن يكون للإنسان ما يخلفه على عياله و ما يرجع إليه بعد حجّه، ولا يجوز الحجّ إلّا تمتّعاً، و لا يجوز الإقران و الإفراد إلّا لمن كان أهله حاضري المسجد الحرام ولا يجوز الإحرام قبل بلوغ الميقات، ولا يجوز تأخيره عن الميقات إلّا لمرض أو تقيّة، وقد قال الله عزّ وجلّ: «و أتمّوا الحجَّ و العمرة لله» و تمامها اجتناب الرفث والفسوق و الجدال في الحجّ. ولا يجزي في النسك الخصيّ لأنّه ناقص، و يجوز الموجوء إذا لم يوجد غيره و فرائض الحجّ: الإحرام، و التلبية الأربع، و هي: «لبّيك اللّهمّ لبّيك، لبّيك، لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد و النعمة لك والملك لا شريك لك» والطواف بالبيت للعمرة فريضة، و ركعتاه عند مقام إبراهيم علیه السلام فريضة. و السعي بين الصفا والمروة فريضة. و طواف الحجّ فريضة، و ركعتاه عند المقام فريضة، و السعي بين الصفا والمروة فريضة، و طواف النساء فريضة، ولا يسعى بعده بين الصفا والمروة و الوقوف بالمشعر فريضةٌ، والهدي للتمتّع فريضةٌ، فأمّا الوقوف بعرفة فهو سنّةٌ واجبةٌ، والحلق سنّة، و رمي الجمار سنّة.
والجهاد واجبٌ مع إمام عادل. و من قتل دون ما له فهو شهيد. ولا يحلّ قتل أحد من
الكفّار و النصّاب في دار التقيّة إلّا قاتل أوساعٍ في فساد، و ذلك إذا لم تخف على نفسك ولا على أصحابك. و استعمال التقيّة في دار التقيّة واجب، و لاحنث ولا كفّارة على من حلف تقيّة يدفع بذلك ظلماً عن نفسه.
والطلاق للسنّة على ما ذكره الله عزّ و جلّ في كتابه وسنّة نبيّه، ولا يجوز طلاق لغير السنّة، وكلّ طلاق مخالف للكتاب فليس بطلاق، كما أنّ كلّ نكاح يخالف السنّة فليس بنكاح. ولا يجمع بين أكثر من أربع حرائر، وإذا طلّقت المرأة للعدّة ثلاث مرّات لم يحلَّ للرجل حتّى تنكح زوجاً غيره، وقد قال علیه السلام: و اتّقوا تزويج المطلّقات ثلاثاً في موضع واحد، فإنّهنّ ذوات أزواج.
والصلاة على النبي صلی الله علیه و آله و سلم واجبةٌ في كلّ المواطن وعند العطاس و الرياح و غير ذلك.
وحبّ أولياء الله واجبٌ، و الولاية لهم واجبةٌ، و البراءة من أعدائهم واجبةٌ، و من الّذين ظلموا آل محمّد صلّى الله عليهم، وهتكوا حجابه، و أخذوا من فاطمة علیها السلام فدك، و منعوها ميراثها، و غصبوها و زوجها حقوقهما، و همّوا بإحراق بيتها، و أسّسوا الظلم، و غيّروا سنّة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، و البراءة من الناكثين والقاسطين و المارقين واجبةٌ، والبراءة من الأنصاب والأزلام أئمّة الضلال وقادة الجور كلّهم أوّلهم وآخرهم واجبةٌ، والبراءة من أشقی الأوّلين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود قاتل أمير المؤمنين علیه السلام واجبةٌ، و البراءة من جميع قتلة أهل البيت علیهم السلام واجبةٌ.
والولاية للمؤمنين الّذين لم يغيّروا و لم يبدّلوا بعد نبيّهم واجبة، مثل سلمان الفارسيّ، و أبي ذرّ الغفاريّ، و المقداد بن الأسود الكنديّ، و عمّار بن ياسر، و جابر ابن عبدالله الأنصاريّ، وحذيفة بن اليمان، و أبي الهيثم بن التيّهان، و سهل بن حنيف، و أبي أيّوب الأنصاريّ، و عبدالله بن الصامت، و عبادة بن الصامت، و خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، و أبي سعيد الخدريّ و من نحا نحوهم و فعل مثل فعلهم، والولاية لأتباعهم والمقتدين بهم و
بهداهم واجبةٌ.
و برّ الوالدين واجبٌ، فإن كانا مشركين فلا تطعهما ولاغيرهما في المعصية، فإنّه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق. و الأنبياء و أوصياؤهم لا ذنوب لهم لأنّهم معصومون مطهّرون. و تحليل المتعتين واجب كما أنزلهما الله تعالى عزّ وجلّ في كتابه و سنّهما رسول الله: متعة الحجّ، و متعة النساء. و الفرائض على ما أنزل الله تبارك و تعالى.
والعقيقة للولد الذكر والاُنثى يوم السابع، و يسمّى الولد يوم السابع، و يحلق رأسه، و يتصدَّق بوزن شعره ذهباً أو فضّة، والله عزّ و جلّ لا يكلّف نفساً إلّا وسعها، ولا يكلّفها فوق طاقتها.
و أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لاخلق تكوين، و الله خالق كلّ شيء، ولا تقول بالجبر و لا بالتفويض، و لا يأخذ الله عزّ و جلّ البريء بالسقيم، ولا يعذّب الله عزّ وجلّ الأطفال بذنوب الآباء فإنّه تعالى قال في محكم كتابه: «ولا تزر وازرة وزر اُخرى» و قال عزّوجلّ: «و أن ليس للانسان إلّا ما سعى» و لله عزّ وجلّ أن يعفو و يتفضّل، و ليس له عزّ و جلّ أن يظلم ولا يفرض الله عزّ و جلّ على عباده طاعة من يعلم أنّه يغويهم و يضلّهم و لا يختار لرسالته و لا يصطفي من عباده من يعلم أنّه يكفر به و يعبد الشيطان دونه، ولا يتّخذ على خلقه حجّة إلّا معصوماً، والإسلام غير الإيمان، وكلّ مؤمن مسلم وليس كلّ مسلم مؤمناً. و لا يسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن. ولا يزني الزاني و هو مؤمن. و أصحاب الحدود مسلمون، لامؤمنون ولا كافرون، فإنّ الله تبارك و تعالى لا يدخل النار مؤمناً وقد وعده الجنّة، ولا يخرج من النار كافراً وقد وعده النار و الخلود فيها، و يغفر مادون ذلك لمن يشاء، فأصحاب الحدود فسّاق لامؤمنون ولا كافرون، ولا يخلّدون في النار و يخرجون منها يوماً ما، و الشفاعة جائزة لهم و للمستضعفين إذا ارتضى الله عزّ وجلّ دينهم.
والقرآن كلام الله تعالى ليس بخالق ولا مخلوق. و الدار اليوم دار تقيّة وهي دار الإسلام لادار كفر و لا دار إيمان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على من أمكنه و لم يخف على نفسه ولا على أصحابه. والإيمان هو أداء الفرائض و اجتناب الكبائر، والإيمان هو معرفة بالقلب، و إقرار باللّسان، و عمل بالأركان، و الإقرار بعذاب القبر و منکر و نکیر و البعث بعد الموت و الحساب و الصراط والميزان، ولا إيمان بالله إلّا بالبراءة من أعداء الله عزّ و جلّ.
والتكبير في العيدين واجب، أمّا في الفطر ففي خمس صلوات يبتدء به من صلاة المغرب ليلة الفطر إلى صلاة العصر من يوم الفطر، و هو أن يقال: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلّا الله والله أكبر، الله اكبر و لله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أبلانا» لقوله عزّ وجلّ : «و لتكملوا العدَّة ولتكبّروا الله على ما هديكم» و في الأضحى بالأمصار في دبر عشر صلوات، يبتدء به من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الغداة يوم الثالث، و بمنى دبر خمس عشر صلاة، يبتدء به من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الغداة يوم الرابع، و يزاد في هذا التكبير «والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام».
و النفساء لا تقعد أكثر من عشرين يوماً إلّا أن تطهر قبل ذلك، و إن لم تطهر بعد العشرين اغتسلت و احتشت و عملت عمل المستحاضة. و الشراب فكلّ ما أسكر كثيره فقليله وكثيره حرام. وكلّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير فأكله حرامٌ. و الطحال حرامٌ لأنّه دم، و الجرّيّ و المار ماهي و الطافي و الزمّير حرامٌ. وكلّ سمك لا يكون له فلوسٌ فأكله حرام، و يؤكل من البيض ما اختلف طرفاه، ولا يؤكل ما استوى طرفاه. ويؤكل من الجراد ما استقلّ بالطيران، و لا يؤكل منه الدبى لأنّه لا يستقلّ بالطيران. وذكاة السمك و الجراد أخذه.
والكبائر محرّمة، و هي: الشرك بالله عزّ وجلّ، وقتل النفس الّتي حرّم الله تعالى، و
عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و أكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البيّنة، وقذف المحصنات. و بعد ذلك: الزنا، واللّواط و السرقة، وأكل الميتة، و الدم، و لحم الخنزير، و ما اُهلّ لغير الله به من غير ضرورة، وأكل السحت، و البخس في المكيال و الميزان، و الميسر، و شهادة الزور، واليأس من روح الله، و الأمن من مكر الله، و القنوط من رحمة الله، و ترك معاونة المظلومين، و الركون إلى الظالمين، و اليمين الغموس، و حبس الحقوق من غير عسر، و استعمال الكبر و التجبّر، و الكذب، والإسراف، والتبذير، و الخيانة، و الاستخفاف بالحجّ، و المحاربة لأولياء الله عزّ و جلّ. والملاهي الّتي تصدّ عن ذكر الله تبارك و تعالى مكروهةٌ، كالغناء وضرب الأوتار، والإصرار على صغائر الذنوب. ثمَّ قال علیه السلام: إنّ في هذا البلاغاً لقوم عابدين.
قال الصدوق: الكبائر هي سبع، وبعدها فكلّ ذنب كبيرٌ بالإضافة إلى ما هو أصغر منه، و صغيرٌ بالإضافة إلى ما هو أكبر منه، و هذا معنى ما ذكره الصادق علیه السلام في هذا الحديث من ذكر الكبائر الزائدة على السبع ولا قوّة إلّا بالله . (1)
أقول: أجزاء الخبر مشروحة مفرّقة على الأبواب المناسبة لها.
1) الخصال 2: 150 - 155.
1 - ختص: يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير قال: قال ابو حنيفة لأبي جعفر مؤمن الطاق: ما تقول في الطلاق الثلاث؟ قال: أعلى خلاف الكتاب و السنّة؟ قال: نعم؛ قال أبو جعفر: لا يجوز ذلك، قال أبو حنيفة: ولم لا يجوز ذلك؟ قال: لأنّ التزويج عقدٌ عُقد بالطاعة فلا يحلّ بالمعصية، وإذا لم يجز التزويج بجهة المعصية لم يجز الطلاق بجهة المعصية، و في إجازة ذلك طعن على الله عزّ و جلّ فيها أمر به وعلى رسوله فيما سنَّ، لأنّه إذا كان العمل بخلافهما فلا معنى لهما، و في قولنا من شذَّ عنهما ردّ إليهما وهو صاغر. قال أبو حنيفة: قد جوّز العلماء ذلك، قال أبو جعفر: ليس العلماء الّذين جوّزوا للعبد العمل بالمعصية، و استعمال سنّة الشيطان في دین الله، ولا عالم أكبر من الكتاب و السنّة فلم تجوّزون للعبد الجمع بين ما فرّق الله من الطلاق الثلاث في وقت واحد ولا تجوّزون له الجمع بين ما فرّق الله من الصلوات الخمس؟ و في تجويز ذلك تعطيل الكتاب و هدم السنّة، وقد قال الله جلّ و عزّ: «و من يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه».
ما تقول يا أبا حنيفة في رجل قال: إنّه طالق امرأته على سنة الشيطان؟ أيجوز له ذلك الطلاق؟ قال أبو حنيفة: فقد خالف السنّة، وبانت منه امرأته، و عصى ربِّه. قال أبو جعفر: فهو
كما قلنا، إذا خالف سنّة الله عمل بسنة الشيطان، و من أمضى بسنّته فهو على ملّته ليس له في دين الله نصيب. قال أبو حنيفة: هذا عمر بن الخطّاب و هو من أفضل أئمّة المسلمين قال: إنّ الله جلّ ثناؤه جعل لكم في الطلاق أناة فاستعجلتموه، و أجزنا لكم ما استعجلتموه. قال أبو جعفر: إنّ عمر كان لا يعرف أحكام الدين، قال أبو حنيفة: وكيف ذلك؟ قال أبو جعفر: ما أقول فيه ما تنكره، أمّا أوّل ذلك فإنّه قال: لا يصلّي الجنب حتّى يجد الماء ولو سنة! و الاُمّة على خلاف ذلك، و أتاه أبوكيف العائذيّ فقال: يا أمير المؤمنين إنّي غبت فقدمت و قد تزوّجت امرأتي، فقال: إن كان قد دخل بها فهو أحقّ بها، وإن لم يكن دخل بها فأنت أولى بها، و هذا حكم لا يعرف، والاُمّة على خلافه.
وقضى في رجل غاب عن أهله أربع سنين أنّها تتزوّج إن شاءت، و الاُمّة على خلاف ذلك، إنّها لا تتزوّج أبداً حتّى تقوم البيّنة، أنّه مات أو طلّقها؛ و أنّه قتل سبعة نفر من أهل اليمن برجل واحد، و قال: لولا ما عليه أهل صنعا لقتلتهم به، و الاُمّة على خلافه؛ و اُتي بامرأة حبلى شهدوا عليها بالفاحشة فأمر برجمها، فقال له عليّ علیه السلام: إن كان لك السبيل عليها فما سبيلك على ما في بطنها؟ فقال: لولا عليٌّ لهلك عمر؛ و اُتي بمجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال له عليٌّ علیه السلام: أما علمت أنّ القلم قد رفع عنها حتّى تصحّ؟ فقال: لو لا عليّ لهلك عمر؛ وإنّه لم يدر الكلالة فسأل النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم عنها فأخبره بها فلم يفهم عنه، فسأل ابنته حفصة أن تسأل النبيّ عن الكلالة فسألته، فقال لها: أبوك أمرك بهذا؟ قالت: نعم، فقال لها: إنّ أباك لا يفهمها حتّى يموت؛ فمن لم يعرف الكلالة كيف يعرف أحكام الدين؟
1) للخليفة الثاني أضعاف هذه من شواذ الاراء و نوادرها! و سيأتى الايعاذ إليها في محله و لقد فصل العلامة الامينى في كتابه القيم «الغدير» فيها و خرجها من كتب العامة راجع ج 6، ص 83-332 .
و بعض ما روى عنه من جوامع العلوم
1 - ف: من كلام موسى بن جعفر علیه السلام مع الرشيد في خبر طويل ذكرنا منه موضع الحاجة إليه: دخل إليه وقد عمد على القبض عليه لأشياء كذبت عليه عنده؛ فأخرج طوماراً طويلاً فيه مذاهب و شنعة نسبها إلى شيعته فقرأه ثمَّ قال له: يا أمير المؤمنين نحن أهل بيت منينا بالتقوُّل علينا و ربّنا غفورٌ ستورٌ، أبى أن يكشف أسرار عباده إلّا في وقت محاسبته، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلّا من أتى الله بقلب سليم.
ثمَّ قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن عليّ، عن النبيّ صلوات الله عليهم: الرحم إذا مسّت الرحم اضطربت ثمَّ سكنت؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن تمسّ رحمي رحمه و يصافحني فعل. فتحوّل عند ذلك عن سريره و مدّ يمينه إلى موسى فأخذه بيمينه ثمَّ ضمّه إلى صدره فاعتنقه و أقعده عن يمينه، و قال: أشهد أنّك صادق، و أبوك صادق، و جدّك صادق، و رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم صادق، ولقد دخلت و أنا أشدّ الناس عليك حنقاً و غضباً لمارقي إليَّ فيك، فلمّا تكلّمت بما تكلّمت و صافحتني سري عنّي، و تحوَّل غضبي عليك رضىَّ. و سكت ساعة ثمّ قال له:
اُريد أن أسألك عن العبّاس و عليّ بما صار عليّ أولى بميراث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من العبّاس والعبّاس عمّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و صنو أبيه؟ فقال له موسى: اعفني، قال: لا والله لا أعفيتك فأجبني، قال: فإن لم تعفني فأمّنّي، قال: أمّنتك ، قال: إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم لم يورّث من قدر على الهجرة فلم يهاجر (وخ ل) إنّ أباك العبّاس آمن و لم يهاجر، و إنّ عليّاً آمن و هاجر، و قال الله: «الّذين آمنوا و لم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتّى يهاجروا» فالتمع لون هارون و تغيّر وقال: ما لكم لا تنسبون إلى عليّ و هو أبوكم، و تنسبون إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و هو جدّكم؟ فقال موسى علیه السلام: إنّ الله نسب المسيح عيسى بن مريم إلى خليله إبراهيم باُمّه مريم البكر البتول الّتي لم يمسّها بشر في قوله تعالى: «و من ذرّيّته داود وسليمان وأيّوب و یوسف و موسی و هارون وكذلك نجزي المحسنين ٭ و زكريّا و يحيى و عيسى و إلياس كلّ من الصالحين» فنسبه باُمّه وحدها إلى خليله إبراهيم كما نسب داود و سليمان و أيّوب و یوسف و موسی و هارون بآبائهم واُمّهاتهم فضيلةً لعيسى و منزلة رفيعة باُمّه وحدها، و ذلك قوله تعالى في قصّة مريم: «إنّ الله اصطفيك و طهّرك و اصطفيك على نساء العالمين» بالمسيح من غير بشر، وكذلك اصطفى ربّنا فاطمة علیها السلام وطهّرها وفضّلها على نساء العالمين بالحسن و الحسين سيّدي شباب أهل الجنّة.
فقال له هارون - وقد اضطرب وساءه ما سمع -: من أين قلتم: الإنسان يدخله الفساد من قبل النساء و من قبل الآباء لحال الخمس الّذي لم يدفع إلى أهله؟ فقال موسى علیه السلام: هذه مسألة ما سأل عنها أحد من السلاطين غيرك أميرالمؤمنين ولاتيم ولاعديّ ولا بنو اُميّة، و لاسئل عنها أحد من آبائي فلا تكشفني عنها. قال: فإنّ الزندقة قد كثرت في الإسلام، و هؤلاء الزنادقة الّذين يرفعون إلينا في الأخبار هم المنسوبون إليكم، فما الزنديق عندكم أهل البيت؟ فقال علیه السلام: الزنديق هو الرادّ على الله و على رسوله، و هم الّذين يحادُّون الله و رسوله، قال الله: «لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادَّ الله و رسوله ولو
كانوا آباءهم أو أبناء هم أو إخوانهم أو عشيرتهم» إلى آخر الآية، وهم الملحدون عدلوا عن التوحيد إلى الإلحاد.
فقال هارون: أخبرني عن أوّل من ألحد و تزندق؟ فقال موسى علیه السلام أوّل من ألحد و تزندق في السماء إبليس اللّعين، فاستكبر و افتخر على صفيّ الله ونجيّه آدم، فقال اللّعين: «أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين» فعتا عن أمر ربّه و ألحد فتوارث الإلحاد ذرّيّته إلى أن تقوم الساعة. فقال: ولإبليس ذرّيّة؟ فقال: نعم، ألم تسمع إلى قول الله: «إلّا إبلیس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه أفتتّخذونه و ذرّيّته أولياء من دوني وهم لكم عدوّ بئس للظالمين بدلاً ٭ ما أشهدتهم خلق السموات والأرض و لاخلق أنفسهم و ما كنت متّخذ المضلّين عضداً» لأنّهم يضلّون ذرّيّة آدم بزخارفهم و كذبهم، و يشهدون أن لا إله إلّا الله كما وصفهم الله في قوله تعالى: «و لئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولنّ الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون» أي أنّهم لا يقولون ذلك إلّا تلقيناً و تأديباً و تسمية، و من لم يعلم و إن شهد كان شاكّاً حاسداً معانداً، و لذلك قالت العرب: من جهل أمراً عاداه، و من قصّر عنه عابه وألحد فيه. لأنّه جاهل غير عالم. وكان له مع أبي يوسف القاضي كلام طويل ليس هذا موضع.
ثمَّ قال الرشيد: بحقّ آبائك لمّا اختصرت كلمات جامعة لما تجاريناه، فقال: نعم، و اُتي بدواة و قرطاس فكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم جميع اُمور الأديان أربعة: أمر لا اختلاف فيه و هو إجماع الاُمّة على الضرورة الّتي يضطرّون إليها، الأخبار المجمع عليها و هي الغاية المعروض عليها كلّ شبهة، و المستنبط منها كلّ حادثة؛ و أمرٌ يحتمل الشكّ والإنكار فسبيله استيضاح أهله لمنتحليه بحجّة من كتاب الله مجمع على تأويلها؛ و سنّة مجمع عليها لا اختلاف فيها؛ أو قياس تعرف العقول عدله و يسع خاصّة الاُمّة و عامّتها الشكّ فيه و الإنكار له، و هذان الأمران
من أمر التوحيد فمادونه و أرش الخدش فما فوقه، فهذا المعروض الّذي يعرض عليه أمر الدين، فما ثبت لك برهانه اصطفيته، و ما غمض عليك صوابه نفيته، فمن أورد واحدة من هذه الثلاث فهي الحجّة البالغة الّتي بيّنها الله في قوله لنبيّه: «قل فلله الحجّة البالغة فلوشاء لهديكم أجمعين» يبلغ الحجّة البالغة الجاهل فيعلمها بجهله، كما يعلمه العالم بعلمه، لأنّ الله عدل لا يجور، و يحتجّ على خلقه بما يعلمون، و يعدوهم إلى ما يعرفون، لا إلى ما يجهلون و ينكرون. فأجازه الرشيد وردّه، و الخبر طويل. (1)
أقول: سيأتي الخبر بإسناد آخر في أبواب تاريخه علیه السلام بتغيير، واعلم أنّ عدم توريث من لم يهاجر غير مشهور بين علمائنا، وسيأتي القول فيه في كتاب الميراث، و قد مرّ شرح آخر الخبر في كتاب العلم. (2)
2 - يج: روی أنّ قوماً من اليهود قالوا للصادق علیه السلام: أي معجز يدلّ على نبوّة محمّد صلی الله علیه و آله و سلم قال: كتابه المهيمن الباهر لعقول الناظرين مع ما اُعطي من الحلال والحرام و غيرهما ممّا لو ذكرناه لطال شرحه، فقال اليهود: كيف لنا أن نعلم أنّ هذا كما وصفت؟ فقال لهم موسى بن جعفر علیهما السلام -و هو صبيّ وكان حاضراً -: وكيف لنا بأن نعلم ما تذكرون من آیات موسى أنّها على ما تصفون؟ قالوا: علمنا ذلك بنقل الصادقين؛ قال لهم موسى بن جعفر علیهما السلام: فاعلموا صدق ما أنبأتكم به بخبر طفل لقّنه الله تعالى من غير تعليم ولا معرفة عن الناقلين، فقالوا: نشهد أن لا إله إلّا الله، و أنّ محمّداً رسول الله، وأنّكم الأئمّة الهادية و الحجج من عند الله على خلقه. فوثب أبو عبد الله علیه السلام فقبّل بين عيني موسى بن جعفر علیهما السلام ثمّ قال: أنت القائم من بعدي. فلهذا قالت الواقفة: إنّ موسى بن جعفر علیهما السلام حيّ و أنّه القائم، ثمّ كساهم أبو عبدالله و وهب لهم وانصرفوا مسلمين. ولا شبهة في ذلك لأنّ كلّ إمام يكون قائماً بعد أبيه، فأمّا القائم الّذي يملأ الأرض عدلاً فهو المهديُّ بن الحسن العسكريّ.
أقول: سيأتي احتجاجه علیه السلام على اليهود في بيان معجزات النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم بطوله في أبواب معجزاته صلی الله علیه و آله و سلم.
3 - کنز الكراجکی: روی محمّد بن سنان، عن داود الرقّيّ أنّ أبا حنيفة قال لابن أبي ليلى: مرّ بنا إلى موسى بن جعفر علیهما السلام لنسأله عن أفاعيل العباد، و ذلك في حياة الصادق علیه السلام، و موسى علیه السلام يومئذ غلام، فلمّا صارا إليه سلّما عليه ثمّ قالا له: أخبرنا عن أفاعيل العباد ممّن هي، فقال لهما: إنّ كانت أفاعيل العباد من الله دون خلقه فالله أعلى و أعزّ و أعدل من أن يعذّب عبيده على فعل نفسه. وإن كانت من الله و من خلقه فإنّه أعلى وأعزّ من أن يعذّب عبيده على فعل قد شاركهم فيه، وإن كانت أفاعيل العباد من العباد فإن عذّب فبعد له، و إن غفر فهو أهل التقوى وأهل المغفرة. ثمَّ أنشأ يقول (شعر):
لم تخل أفعالنا اللّاتي نذمّ بها ٭٭٭ إحدى ثلاث معان حين نأتيها
إمّا تفرّد بارينا بصنعتها ٭٭٭ فيسقط الذمّ عنّا حين ننشيها
أو كان يشركنا فيها فيلحقه ٭٭٭ منا سوف يلحقنا من لائم فيها
أو لم يكن لإلهي في جنايتها ٭٭٭ ذنب فما الذنب إلّا ذنب جانيها (1)
أقول: سيأتى أكثر مناظراته واحتجاجاته في أبواب تاريخه صلوات الله عليه، وكثير ممّا صدر عنه من جوامع العلوم في كتاب الروضة.
1) کنز الفوائد: 171.
1 - أخبرنا أحمد بن موسى بن جعفر بن أبي العبّاس قال: حدّثنا أبو جعفر ابن يزيد بن النضر الخراسانيّ من كتابه في جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانين ومائتين قال: حدّثنا عليّ بن الحسن بن عليّ بن عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیهم السلام، عن عليّ بن جعفر بن محمّد، عن أخيه موسى بن جعفر علیه السلام قال: سألت أبي جعفر بن محمّد عن رجل واقع امرأته قبل طواف النساء متعمّداً ما عليه؟ قال: يطوف و عليه بدنة.
و سألته عن رجل اُخذ و عليه ثلاثة حدود: الخمر، و السرقة، و الزنا، فما فيها من الحدود؟ قال: يبدء بحدّ الخمر، ثمّ السرقة، ثمّ الزنا.
و سألته عن خنثى دلّس نفسه لامرأته ما عليه؟ قال: يوجع ظهره و اُذيق تمهيناً، و عليه المهر كاملاً إن كان دخل بها، وإن لم يكن دخل بها فعليه نصف المهر.
وسألته عن ذبيحة اليهوديّ والنصرانيّ هل تحّل؟ قال: كلّ مما ذكر اسم الله عليه.
وسألته عن رجل أصاب شاة في الصحراء هل تحلُّ له: قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: هي لك أو لأخيك أو لذئب، خذها فعرّفها حيث أصبتها، فإن عرفت فردّها على صاحبها، وإن لم تعرفها فكلها، و أنت ضامن لها إن جاء صاحبها ويطلبها أن تردّ عليه ثمنها.
و سألته عن رجل صام من ظهار ثمَّ أيسر و قد بقي عليه من صومه يومان أو ثلاثة كيف يصنع؟ قال: إن صام شهراً و دخل في الثاني أجزأه الصوم و يتمّ صومه و لاعتق عليه.
و سألته عن رجل تتابع عليه رمضانان لم يصحّ فيهما ثمّ صحّ بعد، كيف يصنع؟ قال: يقضي الآخر بصوم ويقضي عن الأوّل بصدقة كلّ يوم مدّاً من طعام.
و سألته عن رجل خرج بطير من مكّة حتّى ورد به الكوفة كيف يصنع؟ قال: يردّه إلى مكّة ، وإن مات يتصدّق بثمنه.
و سألته عن رجل ترك طوافه حتّى قدم بلده و واقع النساء كيف يصنع؟ قال: يبعث ببدنة إن كان تركه في حجّ بعث بها في حجّ، وإن كان تركه في عمرة بعث في عمرة وكلّ من يطوف عنه عمّا كان ترك من طوافه.
و سألته عن رجل كان له أربع نسوة فماتت إحداهنّ، هل يصلح له أن يتزوّج مكانها اُخرى قبل أن تنقضي عدّة المتوفّى؟ قال: إذا مات فليتزوّج ما أحبّ.
و سألته عن صلاة الخوف كيف هي؟ قال: يقوم الإمام فيصلّى ببعض أصحابه ركعة، ثمَّ يقوم في الثانية و يقوم أصحابه فيصلّون الثانية معه، ثمّ يخفّفون و ينصرفون، و يأتي أصحابه الباقون فيصلّون معه الثانية، فإذا قعد في التشهّد قاموا فصلّوا الثانية لأنفسهم، ثمّ قعدوا فتشهّدوا معه، ثمّ سلّم و انصرف و انصرفوا.
و سألته عن صلاة المغرب في الخوف كيف هي؟ قال: يقوم الإمام فيصلّى ببعض أصحابه ركعة، ثمّ يقوم في الثانية و يقومون فيصلّون ركعتين يخفّفون و ينصرفون، و يأتي أصحابه الباقون فيصلّون معه الثانية، ثمّ يقوم بهم في الثانيّة فيصلّى بهم فتكون للإمام الثالثة
و للقوم الثانية، ثمّ يقعد و يتشهّد و يتشهّدون معه، ثمّ يقوم أصحابه والإمام قاعد فيصلّون الثالثة و يتشهّدون، ثمّ يسلّم و يسلّمون.
و سألته عن المتعة في الحجّ من أين إحرامها و إحرام الحجّ؟ قال: قد وقّت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لأهل العراق من العقيق، و لأهل المدينة وما يليها من الشجرة، و لأهل شام و ما يليها من الجحفة، ولأهل الطائف من قرن، و لأهل اليمن من يلملم، فليس ينبغي لأحد أن يعدو عن هذه المواقيت إلى غيرها.
و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصيد حمام الحرم في الحلّ فيذبحه فيدخله في الحرم فيأكله؟ قال: لا يصلح أكل حمام الحرم على حال.
و سألته عن الرجل هل يصلح له أن ينتف إبطه في رمضان و هو صائم؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل أيصلح له أن يصبّ الماء من فيه فيغسل به الشيء يكون في ثوبه؟ قال: لا بأس.
وسألته عن امرأة توفّي عنها زوجها و هي حامل فوضعت و تزوَّجت قبل أن ينقضي أربعة أشهر وعشراً ما حالها؟ قال: إن كان دخل بها زوجها فرّق بينهما فاعتدت ما بقي عليها من زوجها الأوّل، ثمّ اعتدت عدّة اُخرى من الزوج الأخير، ثمّ لا تحلّ له أبداً؛ وإن تزوّجت غيره فإن لم يكن دخل بها فرّق بينهما و اعتدت ما بقي عليها من عدّتها من المتوفّى عنها و هو خاطب من الخطّاب.
و سألته عن الدبى من الجراد هل يحلّ له أكله؟ قال: لا يحلّ أكله حتّى يطير.
و سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته فهوى الجدّ أن يزوّج أحدهما، و هوى أبوها الآخر، أيّهما أحقّ أن ينكح؟ قال: الّذي هوى الجدّ أحقّ بالجارية لأنّها وأباها لجدّها.
و سألته عن رجل كان له غنم وكان يعزل من جلودها الّذي من الميّت فاختلطت فلم يعرف الذكيّ من الميّت، هل يصلح له بيعه؟ قال: يبيعه ممّن يستحلّ بيع المیتة منه، و يأكل
ثمنه ولا بأس.
و سألته عن المرأة هل يصلح لها أن تعنق الرجل في شهر رمضان و هي صائمة، فتقبّل بعض جسده من غير شهوة؟ قال: لابأس.
و سألته عن المرأة يصلح لها أن تمسح على الخمار؟ قال: لا يصلح حتّى تمسح على رأسها.
و سألته عن الصائم هل يصلح له أن يصبَّ في اُذنه الدهن؟ قال: إذا لم يدخل حلقه فلا بأس.
و سألته عن رجل وطىء جارية فباعها قبل أن تحيض، فوطئها الَّذي اشتراها في ذلك الطهر فولدت له لمن الولد؟ قال: الولد للّذي هي عنده، فليصر لقول رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: «الولد للفراش».
و سألته عن امرأة أرضعت مملوكها ما حاله؟ قال: إذا أرضعت عتق.
و سألته عن المرأة هل يصلح لها أن تأكل من عقيقة ولدها؟ قال: لا يصلح لها الأكل منه فليتصدَّق بها كلّها.
و سألته عن مولود ترك أهله حلق رأسه في اليوم السابع هل عليه بعد ذلك حلقه و الصدقة بوزنه؟ قال: إذا مضى سبعة أيّام فليس عليهم حلقه، إنّما الحلق و العقيقة و الاسم في اليوم السابع.
و سألته عن الحجّ مفرداً هو أفضل أو الإقران؟ قال: إقران الحجّ أفضل من الإفراد.
و سألته عن المتعة و الحجّ مفرداً و عن الإقران أيّهما أفضل؟ قال: المتمتّع أفضل من المفرد و من القارن السائق. ثمَّ قال: إنّ المتعة هي الّتي في كتاب الله و الّتي أمر بها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، ثمَّ قال: إنّ المتعة دخلت في الحجّ إلى يوم القيامة. ثمَّ شبك أصابعه بعضها في بعض، قال: كان ابن عبّاس يقول: من أبي حالفته.
وسألته عن الرجل يسجد فيضع يده على نعله هل يصلح ذلك له؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل هل يصلح أن يزوّج ابنته بغير إذنها؟ قال: نعم ليس يكون للولد مع الوالد أمر إلّا أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك فتلك لا يجوز نكاحها إلّا أن تستأمر.
و سألته عن الرجل هل يحلّ له أن يصلّى خلق الإمام فوق دكّان؟ قال: إذا كان مع القوم في الصفّ فلا بأس.
و سألته عن المرأة هل تصلح لها أن تصلّي في ملحفة و مقنعة و لها درع؟ قال: لا يصلح لها إلّا أن تلبس درعها.
و سألته عن المرأة هل يصلح لها أن تصلّي في إزار و ملحفة و مقنعة ولها درع؟ قال: إذا وجدت فلا يصلح لها الصلاة إلّا و عليها درع.
و سألته عن المرأة هل تصلح لها أن تصلّي في إزار و ملحفة تقنّع بها ولها درع؟ قال: لا يصلح لها أن تصلّي حتّى تلبس درعها.
و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يؤمّ في سراويل و رداء؟ قال: لا بأس.
و سألته عن قيام شهر رمضان هل يصلح؟ قال: لا يصلح إلّا بقراءة القرآن، تبدء فتقرء فاتحة الكتاب، ثمّ تنصت لقراءة الإمام، فإذا أراد الركوع قرأت قل هو الله أحد وغيرها، ثمّ ركعت أنت إذا ركع، فكبّر أنت في ركوعك و سجودك كما تفعل إذا صلّيت وحدك وصلاتك وحدك أفضل.
و سألته عن السراويل هل تجزي مكان الإزار؟ قال: نعم.
و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي في إزار و قلنسوة و هو يجد رداءً؟ قال: لا يصلح.
و سألته عن الرجل هل يصلح أن يؤمَّ في سراويل و قلنسوة؟ قال: لا يصلح.
و سألته عن المحرم هل يصلح له أن يعقد إزاره على عنقه في صلاته؟ قال: لا يصلح أن
يعقد ولكن يثنيه على عنقه ولا يعقده.
و سألته عن الرجل هل يصلح أن يجمع طرفي ردائه على يساره؟ قال: لا يصلح جمعهما على اليسار و لكن أجمعهما على يمينك أودعهما متفرّقين.
وسألته عن الجرّيّ هل يحلّ أكله؟ قال: إنّا وجدنا في كتاب عليّ أمير المؤمنين علیه السلام حرام.
و سألته عن رجل ضرب بعظم في اُذنه فادّعى أنّه لا يسمع. قال: إذا كان الرجل مسلماً صدِّق.
و سألته عن المكارين الّذين يختلفون إلى النيل هل عليهم تمام الصلاة؟ قال: إذا كان مختلفهم فليصوموا وليتمّوا الصلاة إلّا أن يجدّ بهم السير فليفطروا وليقصروا.
و سألته عن رجل نكح امرأته و هو صائم في شهر رمضان ما عليه؟ قال: عليه القضاء و عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستّين مسكيناً، فإن لم يجد فليستغفر الله.
و سألته عن الرجل هل يصلح له و هو صائم في رمضان أن يقلّب الجارية فيضرب على بطنها و فخذها و عجزها، قال: إن لم يفعل ذلك بشهوة فلابأس به، فأمّا الشهوة فلا يصلح.
و سألته عن الصدقة فيما هي؟ قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: في تسعة: الحنطة، و الشعير، و التمر، والزبيب، و الذهب، و الفضّة، والابل، والبقر، والغنم، و عفي عمّا سوى ذلك.
و سألته عن الرجل المسلم هل يصلح له أن يسيح في الأرض أو يترهّب في بيت لا يخرج منه؟ قال: لا.
و سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميّت هل يصلح له الصلاة فيه قبل أن يغسله؟ قال: ليس عليه غسله فليصلّ فيه فلا بأس.
و سألته عن الرجل يقع ثوبه على كلب ميّت هل يصلح له الصلاة فيه؟ قال: ينضحه و يصلّي فيه فلا بأس.
و سألته عن رجل يدرك تكبيرة أو ثنتين على ميّت كيف يصنع؟ قال: يتمّ ما بقي من تكبيره، و يبادر الرفع و يخفّف.
وسألته عن الوباء يقع في الأرض هل يصلح للرجل أن يهرب منه؟ قال: يهرب منه ما لم يقع في مسجده الّذي يصلّي فيه، فإذا وقع في أهل مسجده الّذي يصلّي فيه فلا يصلح له الهرب منه.
و سألته عن الرجل يستاك و هو صائم فتقيّأ ما عليه؟ قال: إن كان تقيّأ متعمّداً فعليه قضاؤه، و إن لم يكن تعمّد ذلك فليس عليه شيء.
و سألته عن الدواء هل يصلح بالنبيذ؟ قال: لا.
و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي في قميص واحد و قباء واحدة؟ قال: ليطرح على ظهره شيئاً.
و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يؤمّ في ممطر وحده أوجبّة وحدها؟ قال: إذا كان تحتها قميص فلا بأس.
و سألته عن المحرم هل يصلح له أن يصارع؟ قال: لا يصلح مخافة أن يصيبه جرح أو يقع بعض شعره.
و سألته عن المحرم هل يصلح له أن يستاك؟ قال: لا بأس، و لا ينبغي أن يدمي فمه.
و سألته عن رجل أصاب ثوبه خنزير فذكر و هو في صلاته، قال: فليمض فلا بأس، و إن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلّا أن يكون فيه أثر فيغسله.
و سألته عن الرجل هل يصلح أن يؤمَّ في قباء وقميص؟ قال: إذا كانا ثوبين فلا بأس.
و سألته عن الرجل يرعف و هو يتوضّؤ فيقطر قطرة في إنائه هل يصلح له الوضوء
منه؟ قال: لا.
و سألته عن رجل رعف فامتخط فطار بعض ذلك الدم قطراً قطراً صغاراً فأصاب إناءه هل يصلح الوضوء منه؟ قال: إن لم يكن شيء يستبين في الماء فلابأس، وإن كان شيئاً بيّناً فلا يتوضّؤ منه. و سألته عن ذبيحة الجارية هل تصلح؟ قال: إذا كانت لا تنخع ولا تكسر الرقبة فلا بأس. وقال: قد كانت لأهل عليّ بن الحسين جارية تذبح لهم.
و سألته عن رجل محرم أصاب نعامة ما عليه؟ قال: عليه بدنة، فإن لم يجد فليتصدّق على ستين مسكيناً، فإن لم يجد فليصم ثمانية عشر يوماً.
و سألته عن محرم أصاب بقرة ما عليه؟ قال: بقرة، فإن لم يجد فليتصدّق على ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد فليصم تسعة أيّام.
و سألته عن محرم أصاب ظبياً ما عليه؟ قال: عليه شاة، فإن لم يجد فليتصدّق على عشرة مساكين، فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيّام.
و سأته عن رجل قال لآخر: هذه الجارية لك خيّرتك، هل يحلّ فرجها له؟ قال: إن كان حلّ له بيعها حلّ له فرجها، وإلّا فلا يحلّ له فرجها.
و سألته عن رجل جعل عليه عتق نسمة أيجزي عنه أن يعتق أعرج و أشلّ؟ قال: إذا كان ممّا يباع أجزأ عنه، إلّا أن يكون وقّت على نفسه شيئاً فعليه ما وقّت.
وسألته عن الحرّ تحته المملوكة هل عليه الرجم إذا زنى؟ قال: نعم.
وسألته عن الرجل يسلف في الفلوس أيصلح له أن يأخذ كفيلاً؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل يسلم في النخل قبل أن يطلع أيحلّ ذلك؟ قال: لا يصلح السلم في النخل.
و سألته عن بيع النخل. قال: إذا كان زهواً و استبان البسر من الشيص حلّ شراؤه و بيعه.
و سألته عن السلم في البرّ أيصلح؟ قال: إذا اشترى منك كذا وكذا فلابأس.
و سألته عن السلم في النخل قال: لا يصلح؛ وإن اشترى منك هذا النخل فلابأس - أي كيلاً مسمّى بعينه -.
و سألته عن الرجلين يشتركان في السلم أيصلح لهما أن يقتسما قبل أن يقبضا؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الحيوان بالحيوان نسية و زيادة دراهم، ينقد الدارهم و يؤخّر الحيوان أيصلح؟ قال: إذا تراضيا فلابأس.
و سألته عن الرجل يكاتب مملوكه على وصفاء و يضمن عند ذلك أيصلح؟ قال: إذا سمّى خماسيّاً أو رباعيّاً أو غيره فلا بأس.
و سألته عن الرجل يشتري الجارية فيقع عليها، أيصلح له أن يبيعها مرابحة؟ قال: لا بأس.
و سألته عن رجل له على آخر حنطة، أيأخذ بكيلها شعيراً؟ قال: إذا رضيا فلابأس.
و سألته عن رجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة أيأخذ قيمته الدراهم؟ قال: إذ قوَّمه دراهم فسد، لأنّ الأصل الّذي اشتراه دراهم، فلا یصلح دراهم بدراهم.
و سألته عن الرجل يشتري الطعام، أيحلُّ له أن يولّي منه قبل أن يقبضه؟ قال: إذا لم يربح عليه شيء فلابأس، وإن ربح فلا يصلح حتّى يقبضه. وسألته عن الرجل يشتري الطعام، أيصلح له بيعه قبل أن يقبضه؟ قال: إذا ربح لم يصلح حتّى يقبض، وإن كان يولّيه فلابأس.
و سألته عن رجل اشترى سمناً ففضل له أيحلّ له أن يأخذ مكانه رطلاً أو رطلين زيتاً؟ قال: إذا اختلفا و تراضيا فليأخذ ما أحبّ فلا بأس.
و سألته عن رجل استأجر أرضاً أو سفينةً بدرهمين فآجر بعضها بدرهم و نصف و
سكن فيما بقي، أيصلح ذلك؟ قال: لا بأس.
و سألته عن مملوكة بين رجلين زوّجها أحدهما و الآخر غائب هل يجوز النكاح؟ قال: إذا كره الغائب لم يجز النكاح.
و سألته عن رجل استأجر بيتاً بعشرة دراهم، فأتاه خيّاط أو غيره فقال: اعمل فيه الأجر بيني و بينك، و ما ربحت فلي ولك، فربح أكثر من أجر البيت أيحلّ له ذلك؟ قال: لا بأس.
و سألته عن رجل قال لرجل: اُعطيك عشرة دراهم و تعلّمني عملك و تشاركني هل يحلّ ذلك له؟ قال: إذا رضي فلابأس به.
و سألته عن رجل أعطى رجلاً مائة درهم يعمل بها على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقلّ أو أكثر، أيحلّ ذلك؟ قال: لا، هذا الربا محضاً.
و سألته عن رجل أعطى عبده عشرة دراهم أن يؤدّي إليه كلّ شهر عشرة دراهم، أيحلّ ذلك؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل يعطي عن زكاته عن الدراهم دنانير، و عن الدنانير دراهم بالقيمة، أيحلُّ ذلك؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل يبيع السلعة و يشترط أنَّ له نصفها ثمَّ يبيعها مرابحة أيحلّ ذلك؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل استأجر داراً بشيء مسمّى على أنّ عليه بعد ذلك تطيينها و إصلاح أبوابها، أيحلّ ذلك؟ قال: لا بأس.
و سألته عن رجل باع بيعاً إلى أجل فحلّ الأجل و البيع عند صاحبه فأتاه البيّع فقال: يعني الّذي اشتريت منّي وحطّ لي كذا وكذا فاُقاصّك من مالي عليك، أيحلّ ذلك؟ قال: إذا رضيا فلابأس.
وسألته عن الأضحى بمنى كم هو؟ قال: ثلاثة أيّام.
و سألته عن الأضحى في غير مني كم هو؟ قال: ثلاثة أيّام.
و سألته عن رجل كان مسافراً فقدم بعد الأضحى بيومين أيضحّي في اليوم الثالث؟ قال: نعم.
و سألته عن رجل كان له على آخر عشرة دراهم فقال له: اشتر ثوباً فبعه واتّضع ثمنه و ما اتّضعت فهو عليّ، أيحلّ ذلك؟ قال: إذا تراضيا فلابأس.
و سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم إلى أجل ثمّ اشتراه بخمسة دراهم بنقد قال: إذا لم يشترط و رضيا فلا بأس.
و سألته عن الرجل يكون خلف الإمام يجهر بالقراءة و هو يقتدي به هل له أن يقرأ خلفه؟ قال: لا، و لكن لينصت للقرآن.
و سألته عن الرجل يكون خلف الإمام يقتدي به في الظهر والعصر يقرء خلفه؟ قال: لا، و لكن يسبّح و يحمد ربّه و يصلّى على النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم و على أهل بيته.
و سألته عن الخاتم فيه نقش تماثيل سبع أو طير أيصلّى فيه؟ قال: لا.
و سألته عن الرجل أيحلّ له أن يفضّل بعض ولده على بعض؟ قال: قد فضّلت فلاناً على أهلي و ولدي فلابأس.
و سألته عن قوم اجتمعوا على قتل آخر ما حالهم؟ قال: يقتلون به.
وسألته عن قوم أحرار اجتمعوا على قتل مملوك ما حالهم؟ قال: يردّون ثمنه.
و سألته عن امرأة تزوّجت قبل أن تنقضي عدّتها. قال: يفرّق بينها و بينه، و يكون خاطباً من الخطّاب.
وسألته عن رجل تزوّج جارية أخيه أو عمّه أو ابن أخيه فولدت، ما حال الولد؟ قال: إذا كان الولد يرث من مليكة شيئاً عنق.
و سألته عن نصرانيّ يموت ابنه و هو مسلم هل يرثه؟ قال: لا يرث أهل ملّة ملّة.
وسألته عن لحوم الحمر الأهليّة قال: نهى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، وإنّما نهى عنها لأنّهم يعملون عليها، وكره أكل لحومها لئلّا يفنوها.
و سألته عن المرأة أتحفّ الشعر عن وجهها؟ قال: لا بأس.
و سألته عن المرأة تزوّج على عمّها أو خالها؟ قال: لا.
و سألته عن الرجل يحلف على اليمين ويستثني، ما حاله؟ قال: هو على ما استثنى.
وسألته عن تفريج الأصابع في الركوع أسنّة هو؟ قال: إن شاء فعل، وإن شاء ترك.
و سألته عن المطر يجري في المكان فيه العذرة فيصيب الثوب أيصلّى فيه قبل أن يغسل؟ قال: إذا جرى به المطر فلابأس.
وسألته عن الثوب يقع في مربط الدابّة على بولها و روثها كيف يصنع؟ قال: إن علّق به شيء فليغسله وإن كان جافّاً فلا بأس.
و سألته عن الطعام يوضع على السفرة أو الخوان قد أصابه الخمر، أيؤكل؟ قال: إن كان الخوان يابساً فلا بأس.
و سألته عن أكل السلحفاة و السرطان و الجرّيّ قال: أمّا الجرّيّ فلا يؤكل، و لا السلحفاة ولا السرطان.
و سألته عن اللّحم الّذي يكون في أصداف البحر و الفرات أيؤكل؟ قال: ذلك لحم الضفدع فلا يصلح أكله.
و سألته عن الطين يطرح فيه السرقين يطيّن به المسجد أو البيت، أيصلّى فيه؟ قال: لا بأس.
وسألته عن الجصّ يطبخ بالعذرة أيصلح أن يجصّص به المسجد؟ قال: لابأس.
و سألته عن البوريا تبلّ فيصيبها ماء قذر فيصلّى عليها؟ قال: إذا يبس فلابأس.
و سألته عن امرأة أسلمت ثمَّ أسلم زوجها و قد تزوّجت غيره ما حالها؟ قال: هي للّذي تزوّجت، ولا تردُّ على الأوَّل.
و سألته عن امرأة أسلمت ثمَّ أسم زوجها، تحلّ له؟ قال: هو أحقّ بها ما لم تتزوّج، و لكنّها تخيّر فلها ما اختارت.
و سألته عن حدّ ما يقطع فيه السارق و ما هو؟ قال: قطع أمير المؤمنين علیه السلام في ثمن بيضة حديد درهمين أو ثلاثة.
و سألته عن رجل سرق جارية ثمّ باعها هل يحلّ فرجها لمن اشتراها؟ قال: إذا اتّهم أنّها سرقة فلا تحلّ له، وإن لم يعلم فلا بأس.
وسألته عن الكلب والفأرة إذا أكلا من الجبن أو السمن أيؤكل؟ قال: يطرح ما شمّاه و يؤكل مابقي.
و سألته عن فأرة أو كلب شرب من سمن أو زيت أو لبن أيحلّ أكله؟ قال: إن كان جرّة أو نحوها فلا يأكله، ولكن ينتفع به في سراج أو غيره، و إن كان أكثر من ذلك فلا بأس بأكله إلّا أن يكون صاحبه موسر. فليهرقه ولا ينتفعن به في شيء.
و سألته عن رجل تصدّق على بعض ولده بصدقة ثمَّ بدا له أن يدخل فيها غيره مع ولده، أيصلح ذلك له؟ قال: يصنع الوالد بمال ولده ماشاء، و الهبة من الوالد بمنزلة الصدقة لغيره.
و سألته عن رجلين نصرانيّين باع أحدهما صاحبه خنزيراً أو خمراً إلى أجل مسمّى فأسلما قل أن يقبض الثمن، هل يحلّ له ثمنه بعد إسلامه؟ قال: إنّما له الثمن فلا بأس بأخذه.
و سألته عن رجل شهد عليه ثلاثة رجال أنّه زنى بفلانة، و شهد الرابع أنّه قال لا أدري بمن زنى بفلانة أو غيرها. قال: ما حال الرجل إن كان أحصن أو لم يحصن لم يتمَّ الحديث.
و سألته عن رجل طلّق قبل أن يدخل بامرأته فادّعت أنّها حامل منه، ما حالها؟ قال: إن قامت البيّنة أنّه أرخى ستراً ثمَّ أنكر الولد لاعنها و بانت منه، و عليه المهر كاملاً.
و سألته عن الخبز أيصلح أن يطيّن بالسمن؟ قال: لابأس.
و سألته عن فراش اليهوديّ أينام عليه؟ قال: لا بأس.
وسألته عن ثياب النصرانيّ و اليهوديّ أيصلح أن يصلّي فيه المسلم؟ قال: لا.
و سألته عن رجل قذف امرأته ثمّ طلّقها ثمّ طلبت بعد الطلاق قذفه إيّاها، وقال إن أقرّ جلد، وإن كانت في عدّة لاعنها.
و سألته عن رجل مسلم تحته يهوديّة أو نصرانيّة أو أمة نفى ولدها و قذفها هل عليه لعان؟ قال: لا.
و سألته عن رجل قال لأمته وأراد أن يعتقها ويتزوّجها: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، قال: عتقت، و هي بالخيار إن شاءت تزوَّجت و إن شاءت فلا، و إن تزوَّجته فليعطها شيئاً، و إن قال: تزوّجتك و جعلت مهرك عتقك جاز النكاح، و إن أحبّ يعطيها شيئاً.
و سألته عن مكاتب بين قوم أعتق بعضهم نصيبه، ثمَّ عجز المكاتب بعد ذلك ما حاله، قال: عتق بما عتق منه و يستسعى فيما بقي.
و سألته عن رجل كاتب مملوكه و قال بعد ما كاتبه: هب لي بعض مكاتبتي و أعجل بعض مكاتبتي لك مكاني أيحلُّ ذلك؟ قال: إذا كانت هبة فلابأس؛ و إن قال: حطّ عنّي و أعجل لك فلا يصلح.
و سألته عن مكاتب أدّى نصف مكاتبته أو بعضها ثمَّ مات و ترك ولداً و مالاً كثيراً ما حاله؟ قال: إذا أدّى النصف عتق و يؤدّي مكاتبته من ماله و ميراثه لولده.
و سألته عن المسلم هل يصلح له أن يأكل مع المجوسيّ في قصعة واحدة، و يقعد معه
على فراشه أو في مسجده أو يصافحه؟ قال: لا.
و سألته عن المكاتب جنى جناية على من هي؟ قال: هي على المكاتب.
و سألته عن المكاتب عليه فطرة رمضان، أو على من كاتبه، أو تجوز شهادته؟ قال: الفطرة عليه، ولا تجوز شهادته.
و سألته عن رجل أعتق نصف مملوكه و هو صحيح ما حاله؟ قال: يعتق النصف، و يسعى في النصف الآخر يقوّم قيمة عدل.
و سألته عن الرجل أيصلح له أن يلبس الطيلسان فيه ديباج، و البرّ كان عليه حرير؟ قال: لا.
و سألته عن الديباج أيصلح لباسه للناس؟ قال: لا.
و سألته عن الخلاخيل أيصلح لبسها للنساء والصبيان؟ قال: إن كنّ صمّاً فلا بأس، و إن يكنَّ لها صوت فلا.
و سألته عن الرجل أيصلح أن يركب دابّة عليها الجلجل؟ قال: إن كان له صوت فلا، و إن أصمّ فلا بأس.
و سألته عن الفأرة تموت في السمن والعسل الجامد أيصلح أكله؟ قال: اطرح ما حول مكانها الّذي ماتت فيه، وكل ما بقي ولا بأس.
و سألته عن الماشية تكون لرجل فيموت بعضها، أيصلح له بيع جلودها و دباغها و يلبسها؟ قال: لا، وإن لبسها فلا يصلّي فيها.
و سألته عن الدابّة أيصلح أن يضرب وجهها أو يسمها بالنار؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل أيصلح أن يأخذ من لحيته؟ قال: أمّا من عارضيه فلا بأس و أمّا من مقدّمه فلا يأخذ.
و سألته عن أخذ الشاربين أسنّة هو؟ قال: نعم وسألته عن النثر للسكر في العرس أو
غيره أيصلح أكله؟ قال: يكره أكل ما انتهب.
وسألته عن جعل الآبق والضالّة، قال: لابأس.
و سألته عن بيع الولاء يحلُّ؟ قال: لا.
و سألته عن الرجل هل يصلح أن يصلّي في مسجد وحیطانه کوی کلّه قبلته و جانبیه و أمرأة تصلّى حياله يراها و لاتراه؟ قال: لا بأس.
وسألته عن المرأة تكون في صلاتها قائمة يبكي إنها إلى جنبها، هل يصلح لها أن تتناوله و تحمله و هي قائمة؟ قال: لا تحمل وهي قائمة.
وسألته عن الاُضحيّة، قال: ضحّ بكبش أملح أقرن فحلاً سميناً، فإن لم تجد كبشاً سميناً فمن فحولة المعزى و موجوء من الضأن أو المعزى، فإن لم تجد فنعجة من الضأن سمينة. وكان عليّ علیه السلام يقول: ضحّ بثني فصاعداً، واشتره سليم الاُذنين و العينين، واستقبل القبلة، وقل حين تريد أن تذبح: «وجّهت وجهي للّذي فطر السماوات و الأرض حنيفاً مسلماً و ما أنا من المشركين إنّ صلاتي ونسكي و محياي ومماتي لله ربّ العالمين، لاشريك له و بذلك اُمرت وأنا من المسلمين، اللّهم منك ولك، اللّهمّ تقبّل منّي، بسم الله الّذي لا إله إلّا هو والله أكبر وصلّى الله على محمّد و على أهل بيته» ثمّ كل و أطعم.
و سألته عن التكبير في أيّام التشريق، قال: يوم النحر صلاة الاُولى إلى آخر أيّام التشريق من صلاة العصر يكبّر يقول: «الله أكبر الله أكبر لا إله إلّا الله والله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام».
و سألته عن الرجل يكون لولده الجارية أيطؤها؟ قال: إن أحبّ أن يقوّمها على نفسه قيمة، و يشهد شاهدين على نفسه بثمنها، فيطؤها إن أحبّ، و إن كان لولده مال وأحبَّ أن يأخذ منه فليأخذ، وإن كانت الاُمّ حيّة فلا اُحبّ أن تأخذ منه شيئاً إلّا قرضاً.
و سألته عن الرجل يذبح على غير قبلة قال: لا بأس إذا لم يتعمّد، و إن ذبح ولم يسمّ
فلابأس أن يسمّي إذا ذكر بسم الله على أوّله وآخره ثمّ يأكل.
و سألته عن الزكاة أيعطاها من له المائة؛ قال: نعم، و من له الدار و العبد، فإنَّ الدار ليس نعدُّها مالاً.
و سألته عن الحائض قال: يشرب من سؤرها ولا يتوضّؤ منه.
و سألته عن المملوك يعطى من الزكاة؟ قال: لا.
و سألته عن الصرورة يحجّه الرجل من الزكاة؟ قال: نعم، وليس ينبغي لأهل مكّة أن يمنع الحاجّ شيئاً من الدور ينزلونها.
و سألته عن قول الله عزّ وجلّ: «اذكروا الله كثيراً» قال: قلت: من ذكر الله مائتي مرّة أكثير هو؟ قال: نعم.
و سألته عن النوم بعد الغداة، قال: لا حتّى تطلع الشمس.
قال: وذكر الخاتم قال: إذا اغتسلت فحوّله من مكانه، وإن نسيت حتّى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة.
و ذكر ذوالقرنين قلت: عبداً كان أم ملكاً؟ قال: عبد أحبّ الله فأحبّه، ونصح لله فنصحه الله.
و سألته عن الاختلاف في القضاء عن أمير المؤمنين علیه السلام في أشياء من المعروف إنّه لم يأمر بها و لم ينه عنها إلّا أنّه نهى عنها نفسه وولده؛ فقلت: كيف يكون ذلك؟ قال: أحلّتها آية، و حرّمتها آية. فقلت: هل يصلح إلّا بأنَّ إحداهما منسوخة أم هما محكمتان ينبغي أن يعمل بهما؟ قال: قد بيّن إذ نهى نفسه وولده. قلت له: فما منع أن يبيّن للناس؟ قال: خشي أن لا يطاع، ولو أنّ أمير المؤمنين علیه السلام ثبتت قدماه أقام كتاب الله كلّه، والحقّ كلّه. وصلّى حسن و حسين وراء مروان و نحن نصلّي معهم.
و سألته عمّن يروي عنكم تفسيراً و ثوابه عن رسول الله صلی الله علیه وآله و سلم في قضاء أو طلاق أو في
شيء لم نسمعه قطّ من مناسك أو شبهه في غير أن يسمّى لكم عدوّاً، أو يسعنا أن نقول في قوله: الله أعلم إن كان محمّد يقولونه، قال: لا يسعكم حتّى، تستيقنوا.
و سألته عن نبيّ الله هل كان يقول على الله شيئاً قطّ، أو ينطق عن هوىً، أو يتكلّف؟ فقال: لا، فقلت: أرأيتك قوله لعليّ علیه السلام: من كنت مولاه فعليّ مولاه، الله أمره به؟ قال: نعم، قلت: فأبرء إلى الله ممّن أنكر ذلك منذ يوم أمر به رسول الله صلی الله علیه وآله و سلم؟ قال: نعم، قلت: هل يسلم الناس حتّى يعرفوا ذلك؟ قال: لا، إلّا المستضعفين من الرجال والنساء و الولدان الّذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً. قلت: من هو؟ قال: أرأيتم خدمكم و نساءكم ممّن لا يعرف ذلك أتقتلون خدمكم و هم مقرّون لكم؟ و قال: من عرض عليه ذلك فأنكره فأبعده الله و أسحقه لا خير فيه.
و سألته عن رجل يقول: إن اشتريت فلاناً فهو حرّ، وإن اشتريت هذا الثوب فهو صدقة، وإن نكحت فهي طلاق، قال: ليس ذلك بشيء.
و سألته عن الرجل يطلّق امرأته في غير عدّة، فقال: إنّ ابن عمر طلّق امرأته على عهد رسول الله صلی الله علیه وآله و سلم وهي حائض، فأمره رسول الله صلی الله علیه وآله و سلم أن يراجعها و لم يحسب تلك التطليقة.
و سألته عن الرجل يقول لامرأته: أنت عليّ حرام. قال: هي يمين يكفّرها، قال الله تعالى لمحمّد صلی الله علیه وآله و سلم: «يا أيّها النبيّ لم تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلّة أيمانكم والله موليكم» فجعلها يميناً فكفّرها نبيُّ الله صلی الله علیه وآله و سلم.
و سألته بما يكفّر يمينه؟ قال: إطعام عشرة مساكين. فقلت: كم إطعام كلّ مسكين؟ فقال: مدّ.
و سألته عن رجل أكل رباً لا يرى إلّا أنّه حلال، قال: لا يضرّه حتّى يصيبه متعمّداً فهو رباء.
وسألته عن هذه الآية: «أو كسوتهم للمساكين» قال: ثوب يواري به عورته.
و سألته عن رجل يقول: عليَّ نذرٌ، ولا يسمّي شيئاً، قال: ليس بشيء.
و سألته عن الصيام في الحضر، قال: ثلاثة أيّام في كلّ شهر: الخميس في جمعة، و الأربعاء في جمعة، و الخميس في جمعة.
و سألته عن الرجل يموت و له اُمّ ولد وله معها ولد، أيصلح للرجل أن يتزوّجها؟ قال: اُخبرك ما أوصى عليّ علیه السلام في اُمّهات الأولاد؟ قلت: نعم، قال: إنّ عليّاً أوصى: أيّما امرأة منهنّع كان لها ولد فهي من نصيب ولدها.
و سألته عن كسب الحجّام، قال: إنّ رجلاً أتى رسول الله صلی الله علیه وآله و سلم يسأله عنه، فقال له: هل لك ناضح؟ قال: نعم، قال: اعلفه إيّاه.
و سألته عن الرجل يتعمّد الغناء يجلس إليه؟ قال: لا.
و سألته عن الرجل يتصدّق على ولده أيصلح له أن يردّها؟ قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله و سلم: الّذي يتصدّق بصدقة ثمَّ يرجع فيها مثل الّذي يقیء ثمَّ يرجع في قيئه.
و سألته عن رجل يمرّ على ثمرة فيأكل منها؟ قال: نعم، قد نهى رسول الله صلی الله علیه وآله و سلم أن تستر الحيطان برفع بنائها.
و سألته عن الرجل يعطي الأرض على أن يعمّرها ويكري أنهارها بشيء معلوم، قال: لا بأس.
و سألته عن أهل الأرض أيأكل في إنائهم إذا كانوا يأكلون الميتة و الخنزير؟ قال: لا، و لا في آنية الذهب و الفضة.
و سألته عن الكبائر الّتي قال الله عزّ وجلّ: «إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه» قال: الّتي أوجب الله عليها النار.
و سألته عن الرجل يصرم أخاه و ذا قرابته ممّن لا يعرف الولاية؟ قال: إن لم يكن عليه طلاق أو عتق فليكلّمه.
و سألته عمّن يرى هلال شهر رمضان وحده لا يبصره غيره، أله أن يصوم؟ قال: إذا لم يشكّ فيه فليصم وحده، و يصوم مع الناس إذا صاموا.
و سألته عن رجل طاف فذكر أنّه على غير وضوء فكيف يصنع؟ قال: يقطع طوافه، ولا يعتدّ بما طاف، و عليه الوضوء.
و سألته عن الرجل أيصلح أن يلمس و يقبّل و هو يقضي شهر رمضان؟ قال: لا.
و سألته عن الرجل يمشي في العذرة و هي يابسة فتصيب ثيابه أو رجله، أيصلح له أن يدخل المسجد فيصلّي ولم يغسل ما أصابه؟ قال: إذا كان يابساً فلا بأس.
وسألته عن الرجل يؤذّن أو يقيم و هو على غير وضوء أيجزيه ذلك؟ قال: أمّا الأذان فلا بأس، وأمّا الإقامة فلا يقيم إلّا على وضوء، قلت: فإن أقام و هو على غير وضوء أيصلّي بإقامته؟ قال: لا.
و سألته عن الرجل يكسر بيض الحمام أو بعضه و في البيض فراخ تتحرّك، ما عليه؟ قال: يتصدّق عمّا تحرّك منه بشاة، يتصدّق بلحمها إذا كان محرماً، و إن لم يتحرَّك الفراخ تصدّق بثمنه دراهم أو شبهه، أو اشترى به علفاً لحمام الحرم.
و سألته عن رجل أصاب بيض نعام فيه فراخ قد تحرَّكت، ما عليه؟ قال: لكلّ فرخ بعيرٌ ينحره بالمنحر.
وسألته عن النضوح يجعل فيه النبيذ أيصلح للمرأة أن تصلّي و هو على رأسها؟ قال: لا حتّى تغتسل منه.
و سألته عن الكحل يصلح أن يعجن بالنبيذ؟ قال: لا.
و سألته عن الرجل يلبس الثوب المشبع بالعصفر، قال: إذا لم يكن فيه طيب فلا بأس.
و سألته عن المرأة و هي مختضبة بالحنّاء و الوسمة، قال: إذا برز الفم و المنخر فلابأس.
و سألته عن الرجل لبس فراء الثعالب و السنانير، قال: لا بأس، ولا يصلّي فيه.
و سألته عن لبس السمور و السنجاب و الفنك و القاقم، قال: لا بأس، ولا يصلّي إلّا أن يكون ذكيّاً.
و سألته عن الإقران بين التين و التمر وسائر الفواكه أيصلح؟ قال: نهى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم عن الإقران، فإن كنت وحدك فكل ما أحببت، و إن كنت مع قوم فلا تقرن إلّا بإذنهم.
و سألته عن الرجل يقعد في المسجد و رجله خارج منه، أو انتقل من المسجد و هو في صلاته، أيصلح له؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الفضّة في الخوان و الصحفة و السيف و المنطقة و بالسرج أو اللّجام يباع بدراهم أقلّ من الفضّة أو أكثر يحلّ؟ قال: يبيع الفضّة بدنانير، و ما سوى ذلك بدراهم.
و سألته عن السرج و اللّجام فيه الفضّة أيركب به؟ قال: إن كان مموّهاً لا تقدر أن تنزع منه شيئاً فلا بأس و إلّا فلا تركب به.
وسألته عن السيف يعلّق في المسجد؟ قال: أمّا في القبلة فلا، وأمّا في جانبه فلا بأس.
و سألته عن ألبان الاُتن، أيشرب لدواء أو يجعل لدواء؟ قال: لابأس.
وسألته عن الشرب في الإناء يشرب فيه الخمر، قدح عيدان أو باطية أيشرب فيه؟ قال: إذا غسل فلا بأس.
و سألته عن الرجل يغتسل في المكان من الجنابة أو يبول ثمَّ يجفّ، أيصلح له أن يفترش؟ قال: نعم إذا كان جافّاً.
و سألته عن الرجل يمرّ بالمكان فيه العذرة فتهبّ الريح فتسفي عليه من العذرة فيصيب ثوبه و رأسه، أو يصلّي قبل أن يغسله؟ قال: نعم ينفضه ويصلّي فلا بأس.
و سألته عن الخمر يكون أوَّله خمراً ثمَّ يصير خلّاً، أيؤكل؟ قال: نعم إذا ذهب سكره فلا بأس.
و سألته عن حبّ الخمر أيجعل فيه الخلّ و الزيتون أو شبهه؟ قال: إذا غسل فلابأس.
و سألته عن العقيقة عن الغلام والجارية ما هي؟ قال: سواء كبش كبش، و يحلق رأسه في السابع، و يتصدّق بوزنه ذهباً أو فضّة، فإن لم يجد رفع الشعر أو عرف وزنه فإذا أيسر تصدّق بوزنه.
و سألته عن الرجل يدعو و حوله إخوانه يجب عليهم أن يأمّنوا؟ قال: إن شاؤوا فعلوا، و إن شاؤوا سكتوا، فإن دعا بحقّ و قال لهم: أمّنوا وجب عليهم أن يفعلوا.
و سألته عن الغناء أيصلح في الفطر والأضحى والفرح؟ قال: لا بأس ما لم يزمر به.
و سألته عن شارب الخمر ما حاله إذا سكر منها؟ قال: من شرب الخمر فمات بعده بأربعين يوماً لقى الله كعابد وثن.
و سألته عن النوح على الميّت أيصلح؟ قال: يكره.
و سألته عن الشعر أيصلح أن ينشد في المسجد؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الضالّة أيصلح أن تنشد في المسجد؟ قال: لا بأس.
و سألته عن فطرة شهر رمضان على كلّ إنسان هي، أم على من صام و عرف الصلاة؟ قال: كلّ صغير وكبير ممّن يعول.
و سألته عن قتل النملة أيصلح؟ قال: لا تقتلها إلّا أن تؤذيك.
وسألته عن قتل الهدهد، قال: لا تؤذيه و لا تذبحه فنعم الطير هو.
و سألته عمّن ترك قراءة اُمّ القرآن ما حاله؟ قال: إن كان متعمّداً فلا صلاة له، وإن كان نسي فلا بأس.
و سألته عن الضبّ و اليربوع أيحلّ أكله؟ قال: لا.
و سألته عمّن كان عليه يومان من شهر رمضان كيف يقضيها؛ قال: يفصل بينهما بيوم، و إن كان أكثر من ذلك فلا يقضيه إلّا متوالياً.
و سألته عن الرجل يلاعب المرأة أو يجرّدها أو يقبّلها فيخرج منه الشيء ما عليه؟ قال: إن جاءت الشهوة و خرج بدفق و فتر لخروجه فعليه الغسل، و إن كان إنّما هو شيء لا يجد له شهوة ولافترة لاغسل عليه، و يتوضّؤ للصلاة.
و سألته عن المرأة ألها أن تعطي من بيت زوجها شيئاً بغير إذنه؟ قال: لا إلّا أن يحلّلها.
وسألته عن الرجل يطوف بعد الفجر أيصلّي الركعتين خارجاً من المسجد؟ قال: يصلّي في مكّة لا يخرج منها إلّا أن ينسى فيخرج فيصلّي، فإذا رجع إلى المسجد فليصلّ أيّ ساعة شاء ركعتي ذلك الطواف.
و سألته عن الرجل يطوف الاُسبوع ولا يصلّي ركعتيه حتّى يبدوله أن يطوف اُسبوعاً، هل يصلح ذلك؟ قال: لا حتّى يصلّي ركعتي الاُسبوع الأوّل، ثمّ ليطف إن شاء ما أحبّ.
و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يقف بعرفات على غير وضوء؟ قال: لا يصلح له إلّا و هو على وضوء.
و سألته عن الرجل هل يصلح أن يقف على شيء من المشاعر و هو على غير وضوء؟ قال: لا يصلح إلّا على وضوء.
و سألته عن الرجل هل يصلح أن يقضي شيئاً من المناسك و هو على غير وضوء؟ قال: لا يصلح إلّا على وضوء.
و سألته عن الرجل يكون له الثوب قد أصابته الجنابة فلم يغسله، هل يصلح النوم فيه؟ قال: يكره.
و سألته عن الرجل يعرق في الثوب يعلم أنّ فيه جنابة كيف يصنع؟ هل يصلح له أن يصلّي قبل أن يغسل؟ قال: إذا علم أنّه إذا عرق أصاب جسده من تلك الجنابة الّتي في الثوب فليغسل ما أصاب جسده من ذلك، وإن علم أنّه قد أصاب جسده و لم يعرف مكانه فليغسل جسده كلّه.
و سألته عن القعود في العيدين و الجمعة و الإمام يخطب كيف هو؟ أيستقبل الإمام أو القبلة؟ قال: يستقبل الإمام.
و سألته عن العجوز و العاتق هل عليهما من التزيّن والتطيّب في الجمعة و العيدين ما على الرجال؟ قال: نعم.
و سألته عن الرجل يسهو فيبني على ما ظنّ كيف يصنع؟ أيفتح الصلاة أو يقوم فيكبّر و يقرء؟ و هل عليه أذان وإقامة؟ و إن كان قدسها في الركعتين الاُخراوين و قد فرغ من قراءته هل عليه أن يسبّح أو يكبّر؟ قال: يبني على ما كان صلّى إن كان فرغ من القراءة، فليس عليه قراءة وليس عليه أذان ولا إقامة، ولاسهو عليه.
وسألته عن التكبير أيّام التشريق هل ترفع فيه الأيدي أم لا؟ قال: ترفع يدك شيئاً أو تحرّكها.
و سألته عن التكبير أيّام التشريق أواجب هو؟ قال: يستحبّ، فإن نسيه فليس عليه شيء.
وسألته عن النساء هل عليهنّ التكبير أيّام التشريق؟ قال: نعم ولا يجهرن به.
و سألته عن الرجل يدخل مع الإمام وقد سبقه بركعة فيكبّر الإمام إذا سلّم أيّام التشريق كيف يصنع الرجل؟ قال: يقوم فيقضي مافاته من الصلاة، فإذا فرغ كبّر.
و سألته عن الرجل يصلّي وحده أيّام التشريق هل عليه تكبير؟ قال: نعم، و إن نسيه فلا بأس.
و سألته عن القول أيّام التشريق ما هو؟ قال: يقول: «الله أكبر الله أكبر لا إله إلّا الله والله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام».
و سألته عن النوافل أيّام التشريق هل فيها تكبير؟ قال: نعم، وإن نسى فلا بأس.
و سألته عن الرجل يسمع الأذان فيصلّي الفجر ولا يدري طلع الفجر أم لا، ولا
يعرفه غير أنّه يظنّ أنّه لمكان الأذان قد طلع هل يجزيه ذلك؟ قال: لا يجزيه حتّى يعلم أنّه قد طلع.
و سألته عن المسلم العارف يدخل بيت أخيه فيسقيه النبيذ أو شراباً لا يعرفه، هل يصلح له شربه من غير أن يسأله عنه؟ قال: إذا كان مسلماً عارفاً فاشرب ما أتاك به إلّا أن تنكره.
و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يتختّم بالذهب؟ قال: لا.
وسألته عن اللّعب بأربعة عشر و شبهها، قال: لا تستحبّ شيئاً من اللّعب غير الرهان و الرمي.
و سألته عن الرجل يفتتح السورة فيقرء بعضها ثمّ يخطىء فيأخذ في غيرها حتّى يختمها، ثمَّ يعلم أنّه قد أخطأ، هل له أن يرجع في الّذي افتتح و إن كان قد ركع وسجد؟ قال: إن كان لم يركع فليرجع إن أحبّ، وإن ركع فليمض.
وسألته عن الاُضحيّة يخطىء الّذي يذبحها فيسمّي غير صاحبها، هل تجزي صاحب الاُضحيّة؟ قال: نعم إنّما له مانوى.
و سألته عن الرجل يشتري الاُضحيّة عوراء ولا يعمل إلّا بعد شرائها، هل تجزي عنه؟ قال: نعم إلّا أن يكون هدياً فإنّه لا يجوز ناقص الهدي.
و سألته عن قوم سفينة لا يقدرون أن يخرجوا إلّا إلى الطين و ماء، هل يصلح لهم أن يصلّوا الفريضة في السفينة؟ قال: نعم.
و سألته عن قوم صلّوا جماعة في سفينة أين يقوم الإمام؟ و إن كان معه نساء كيف يصنعون؟ أقياماً يصلّون أو جلوساً؟ قال: يصلّون قياماً، فإن لم يقدروا على القيام صلّوا جلوساً، ويقوم الإمام أمامهم و النساء خلفهم، فإن ضاقت السفينة قعدن النساء وصلّى الرجال، ولا بأس أن تكون النساء بحيالهم.
و سألته عن الرجل يخطىء في التشهّد و القنوت، هل يصلح أن يردّده حتّى يذكره، أو ينصت ساعة ويتذكّر؟ قال: لا بأس أن يتردّد و ينصت ساعة حتّى يذكر، وليس في القنوت سهو كما في التشهّد.
و سألته عن الرجل يخطىء في قراءته، هل له أن ينصت ساعة ويتذكّر؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل أراد سورة فقرأ غيرها، هل يصلح له بعد أن يقرأ نصفها أن يرجعها إلى الّتي أراد؟ قال: نعم مالم تكن قل هو الله أحد وقل يا أيّها الكافرون.
و سألته عن رجل قرأ سورة واحدة في ركعتين من الفريضة و هو يحسن غيرها وإن فعل فما عليه؟ قال: إذا أحسن غيرها فلا يفعل، وإن لم يحسن غيرها فلا بأس، و إن فعل فلا شيء عليه ولكن لا يعود.
و سألته عن الرجل يقوم في صلاته هل يصلح له أن يقدّم رجلاً و يؤخّر اُخرى من غير مرض ولا علّة؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الاُوليين، هل يصلح له أن يتناول جانب المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف ولا علّة؟ قال: لا بأس.
و سألته عن المتمتّع يقدم يوم التروية قبل الزوال كيف يصنع؟ قال: يطوف و يحلّ فإذا صلّى الظهر أحرم.
وسألته عن الرجل يصيب اللّقطة دراهم أو ثوباً أو دابّة كيف يصنع؟ قال: يعرّفها سنة، فإن لم يعرّفها جعل في عرض ماله حتّى يجيء طالبها فيعطيه إيّاها، وإن مات أوصى بها، و هو لها ضامنٌ.
و سألته عن الرجل يصيب اللّقطة فيعرّفها سنة ثمَّ يتصدّق بها، ثمَّ يأتيه صاحبها، ما حال الّذي تصدّق بها و لمن الأجر؟ قال: عليه أن يردّها على صاحبها أو قيمتها. قال: هو
ضامن لها و الأجر له إلّا أن يرضى صاحبها فيدعها و له أجره.
وسألته عن المرأة تكون في صلاة فريضة و ولدها إلى جنبها فيبكي و هي قاعدة، هل يصلح لها أن تناوله فتقعده في حجرها تسكنه أو ترضعه؟ قال: لا بأس.
وسألته عن المرأة تكون بها الجروح في فخذها أو بطنها أو عضدها هل يصلح للرجل أن ينظر إليه يعالجه؟ قال: لا.
و سألته عن الرجل يكون ببطن فخذه أو إليته جرحٌ، هل يصلح للمرأة أن تنظر إليه و تداويه؟ قال: إذا لم تكن عورة فلابأس.
و سألته عن الدقيق يقع فيه خرؤ الفأر هل يصلح أكله إذا عجن مع الدقيق؟ قال: إذا لم یعرفه فلابأس، فإذا عرفه فليطرحه من الدقيق.
و سألته عن جلود الأضاحي هل يصلح لمن ضحّى بها أن يجعلها جراباً؟ قال: لا يصلح أن يجعلها جراباً إلّا أن يتصدّق بقيمته.
و سألته عن الرجل يكون على المصلّي أو على الحصير فيسجد فيقع كفّه على المصلي، أو أطراف أصابعه و بعض كفّه خارج عن المصلّي على الأرض، قال: لابأس.
و سألته عن الرجل يقرء في الفريضة بفاتحة الكتاب و بسورة في النفس الواحد، هل يصلح ذلك له؟ و ما عليه إن فعل؟ قال: إن شاء قرأ في نفس واحد، و إن شاء أكثر فلا شيء عليه.
و سألته عن الرجل يكون في صلاة فيسمع الكلام أو غيره فينصت و يستمع، ما عليه إن فعل ذلك؟ قال: هو نقص في الصلاة و ليس عليه شيء.
و سألته عن الرجل يقرء في صلاته هل يجزيه أن لا يخرج وأن يتوهّم توهّماً؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل يصلح له أن يقرأ في الفريضة فيمرّ بالآية فيها التخويف فيبكي و
يردّد الآية؟ قال: يردّد القرآن ماشاء، وإن جاءه البكاء فلابأس.
و سألته عن المرأة هل يصلح له أن يعمل بها إذا كانت لها حلقة فضّة؟ قال: نعم إنّما كره إناء شرب فيه أن يستعمل.
و سألته عن الرجل يحلّ له أن يكتب القرآن في الألواح و الصحيفة و هو على غير وضوء؟ قال: لا.
و سألته عمّا أصاب المجوس من الجراد و السمك أيحلّ أكله؟ قال: صيده ذكاته لا بأس.
و سألته عن الصبيّ يسرق ما عليه؟ قال: إذا سرق و هو صغير عفي عنه، فإن عاد قطّعت أنامله، وإن عاد قطّع أسفل من ذلك أو ماشاء الله. و سألته عن الصلاة في معاطن الإبل أتصلح؟ قال: لا تصلح إلّا أن تخاف على متاعك ضيعة، فاكنس ثمّ انضح بالماء ثمّ صلّ.
و سألته عن معاطن الغنم أتصلح الصلاة فيها؟ قال: نعم لابأس به.
و سألته عن شراء النخل سنتين أو أربعة أيحلّ؟ قال: لا بأس، يقول: إن لم يخرج العام شيئاً اُخرج القابل إن شاء الله .
و سألته عن شراء النخل سنة واحدة أيصلح؟ قال: لا يشترى حتّى تبلغ.
و سألته عن الإحرام بحجّة ما هو؟ قال: إذا أحرم فقال: بحجّة فهي عمرة تحلّ بالبيت فتكون عمرة كوفيّة و حجّة مكيّة.
و سألته عن العمرة متى هي؟ قال: يعتمر فيما أحبّ من الشهور.
و سألته عن القيام خلف الإمام في الصفّ ما حدُّه؟ قال: قم ما استعطت، فإذا قعدت فضاق المكان فتقدّم أو تأخّر فلابأس.
و سألته عن الرجل يكون في صلاته أيضع إحدى يديه على الاُخرى بكفّه أو ذراعه؟ قال: لا يصلح ذلك، فإن فعل فلا يعود له.
قال عليّ: قال موسى سألت أبي جعفر علیه السلام عن ذلك فقال: أخبرني أبي محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب علیهم السلام قال: ذلك عملٌ وليس في الصلاة عمل.
و سألته عن الدود يقع من الكنيف على الثوب أيصلّي فيه؟ قال: لا بأس إلّا أن يرى عليه أثراً فيغسله.
و سألته عن اليهوديّ والنصرانيّ يدخل يده في الماء أيتوضّؤ منه في الصلاة؟ قال: لا إلّا يضطرّ إليه.
و سألته عن النصرانيّ و اليهوديّ يغتسل مع المسلمين في الحمّام؟ قال: إذا علم أنّه نصرانيٌّ اغتسل بغير ماء الحمّام إلّا أن يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثمَّ يغتسل.
و سألته عن اليهوديّ والنصرانيّ يشرب من الدورق أيشرب منه المسلم؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الكوز و الدورق و القدح والزجاج و العيدان أيشرب منه قبل عروته؟ قال: لا يشرب من قبل عروة كوز ولا إبريق ولاقدح، ولا يتوضّؤ من قبل عروته.
و سألته عن المريض إذا كان لا يستطيع القيام كيف يصلّي؟ قال: يصلّي النافلة و هو جالس، و يحسب كلَّ ركعتين بركعة، و أمّا الفريضة فيحتسب كلّ ركعة بركعة و هو جالس إذا كان لا يستطيع القيام.
و سالته عن حدّ ما يجب على المريض ترك الصوم، قال: كلّ شيء من المرض أضرّ به الصوم فهو يسعه ترك الصوم.
و سألته عن الرجل ذبح فقطع الرأس قبل أن تبرد الذبيحة كان ذلك منه خطأً أو سبقه السكّين، أيؤكل ذلك؟ قال: نعم ولكن لا يعود.
و سألته عن الغلام متى يجب عليه الصوم والصلاة؟ قال: إذا راهق الحلم و عرف
الصوم والصلاة.
و سألته عن رجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عرياناً و حضرت الصلاة، كيف يصلّي؟ قال: إن أصاب حشيشاً يستر به عورته أتمّ صلاته بركوع و سجود، و إن لم يصب شيئاً يستر به عورته أومأ و هو قائم.
وسألته عن المرأة ليس لها إلّا ملحفة واحدة كيف تصلّي فيها؟ قال: تلتفّ فيها وتغطّي رأسها و تصلّي، فإن خرجت رجلها و لم تقدر على غير ذلك فلابأس.
و سألته عن الرجل يكون في صلاة في جماعة فيقرء إنسان السجدة كيف يصنع؟ قال: يومیء برأسه.
و سألته عن الصلاة في الأرض السبخة أيصلّي فيها؟ قال: لا إلّا أن يكون فيها نبت إلّا أن يخاف فوت الصلاة فيصلّي.
و سألته عن الرجل يلقاه السبع و قد حضرت الصلاة فلا يستطيع المشي مخافة السبع، و إن قام يصلّي خاف في ركوعه و سجوده و السبع أمامه على غير القبلة، فإن توجّه الرجل أمام القبلة خاف أن يثب عليه الأسد كيف يصنع؟ قال: يستقبل الأسد و يصلّي و يومىء إيماءً برأسه و هو قائم و إن كان الأسد على غير القبلة.
وسألته عن الرجل يكون في صلاته فيقرء آخر السجدة. قال: يسجد إذا سمع شيئاً من العزائم الأربع، ثمَّ يقوم فيتمّ صلاته إلّا أن يكون في فريضة فيومیء برأسه إيماءً.
و سألته عن الحديث بعد ما يصلّي الرجل العشاء الآخرة، قال: لا بأس.
وسألته عن الدمّل يسيل منه القيح كيف يصنع؟ قال: إن كان غليظاً و فيه خلط من دم فاغسله كلّ يوم مرّتين غداةً و عشيّةً، ولا ينقض ذلك الوضوء، فإن أصاب ثوبك قدر دينار من الدم فاغسله ولا تصلّ فيه حتّى تغسله.
و سألته عن الرجل يقول هو: اُهدي كذا وكذا، ما لا يقدر عليه، قال: إذا كان جعله
نذراً لله ولا يملكه فلا شيء عليه، و إن كان ممّا يملك غلام أو جارية أو شبهه باعه و اشترى بثمنه طيباً يطيّب به الكعبة، وإن كانت دابّة فليس عليه شيء.
و سألته عن رجل له امرأتان قالت إحداهما: ليلتي و يومي لك يوماً أو شهراً و ما كان نحو ذلك، قال: إذا طابت نفسها أو اشترى ذلك منها فلا بأس.
و سألته عن الرجل يكون في صلاته في الصفّ هل يصلح له أن يتقدّم إلى الثاني أو الثالث أو يتأخّر وراءً في جانب الصفّ الآخر؟ قال: إذا رأي خللاً فلا بأس به.
و سألته عن الأذان والإقامة أيصلح على الدابّة؟ قال: أمّا الأذان فلابأس، وأمّا الإقامة فلا حتّى ينزل على الأرض.
و سألته عن الغراب الأبقع و الأسود أيحلّ أكله؟ قال: لا يصلح أكل شيء من الغربان زاغ و لاغيره.
وسألته عن صوم الثلاثة أيّام في الحجّ و السبعة أبصومها متوالية أو يفرّق بينهما؟ قال: يصوم الثلاثة، لا يفرّق بينها ولا يجمع السبعة والثلاثة معاً.
وسألته عن كفّارة صوم اليمين يصومها جميعاً أو يفرّق بينها؟ قال: يصومها جميعاً.
و سألته عن الرجل أيصلح له أن يقبّل الرجل؟ أو المرأة تقبّل المرأة؟ قال: الأخ والابن و الاُخت و الابنة ونحو ذلك فلا بأس.
و سألته عن الرجل يبول في الطست يصلح له الوضوء فيها؟ قال: إذا غسلت بعد بوله فلا بأس.
و سألته عن الرجل أيصلح له أن ينام في البيت وحده؟ قال: تكره الخلوة و ما اُحبّ أن يفعل.
و سألته عن الرجل يكون في إصبعه أو في شيء من يده الشيء ليصلحه، له أن يبلّه ببصاقه و يمسحه في صلاته؟ قال: لا بأس.
و سألته عن المسك والعنبر يصلح في الدهن؟ قال: إنّي لأضعه في الدهن ولا بأس.
و سألته عن الرجل إذا همّ بالحجّ يأخذ من شعر رأسه و شاربه و لحيته ما لم يحرم؟ قال: لا بأس.
و سألته عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة، قال: إذا لم يحملوا سلاحاً فلا بأس.
و سألته عن رجل نسي القنوت حتّى ركع ما حاله؟ قال: تمّت صلاته ولاشيء عليه.
و سألته عن الجزور و البقرة عن كم يضحّى بها؟ قال: يسمّي ربّ البيت نفسه، و هو يجزي عن أهل البيت إذا كانوا أربعة أو خمسة.
وسألته عمّا حسر عنه الماء من صيد البحر و هو ميّت أيحلّ أكله؟ قال: لا.
و سألته عن صيد البحر يحبسه فيموت في مصيدته، قال: إذا كان محبوساً فكل فلابأس.
و سألته عن ظبي أو حمار وحش أو طير صرعه رجل ثمّ رماه بعد ما صرعه غيره فمات أيؤكل؟ قال: كله ما لم يتغيّر إذا سمّى و رمى.
و سألته عن رجل يلحق الظبي أو الحمار فيضربه بالسيف فيقطعه نصفين، هل يحلّ أكله؟ قال: إذا سمّى.
و سألته عن رجل يلحق حماراً أو ظبياً فيضربه بالسيف فيصرعه أيؤكل؟ قال: إذا أدرك ذكاته ذكّاه، وإن مات قبل أن يغيب عنه أكله.
و سألته عن رجل مسلم اشترى مشركاً و هو في أرض الشرك، فقال العبد: لا أستطيع المشي؛ فخاف المسلم أن يلحق العبد بالقوم أيحلّ قتله؟ قال: إذا خاف أن يلحق بالقوم - يعني العدوّ - حلّ قتله.
و سألته عن رجل كان له على آخر دراهم فجحده ثمّ وقعت للجاحد مثلها عند المجحود، أيحلّ أن يجحده مثل ما جحده؟ قال: نعم ولا يزداد.
و سألته عن الرجل يتصدّق على الرجل بجارية هل يحلّ فرجها له ما لم يدفعها إلى
الّذي تصدّق بها عليه؟ قال: إذا تصدّق بها حرمت عليه.
وسألته عن الصلاة على الجنازة إذا احمرّت الشمس أيصلح؟ قال: لا صلاة إلّا في وقت صلاة، وإذا وجبت الشمس فصلّ المغرب ثمّ صلّ على الجنازة.
و سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطول في التشهّد فيأخذه البول، أو يخاف على شيء يفوت، أو يعرض له وجع كيف يصنع؟ قال: يسلّم وينصرف و يدع الإمام.
وسألته عن المرأة ألها أن تخرج بغير إذن زوجها؟ قال: لا.
و سألته عن المرأة ألها أن تصوم بغير إذن زوجها؟ قال: لابأس.
و سألته عن الدين يكون على قوم مياسير إذا شاء صاحبه قبضه هل عليه زكاة؟ قال: لا حتّى يقبضه و يحول عليه الحول.
قال أبو الحسن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى: يضمّ سبوعين فثلاثة ثمَّ يصلّي لها و لا يصلّي عن أكثر من ذلك.
وسألته عن المريض أيكوى أو يسترقى؟ قال: لا بأس إذا استرقى بما يعرف.
و سألته عن المطلّقة ألها نفقة على زوجها حتّى تنقضي عدتها؟ قال: نعم.
و سألته عن امرأة بلغها أنّ زوجها توفّي فاعتدّت ثمّ تزوّجت فبلغها بعد أن تزوَّجت أنّ زوجها حيّ، هل تحلّ للآخر؟ قال: لا.
و سألته عن الرجل ينسي صلاة اللّيل فيذكر إذا قام في صلاة الزوال، كيف يصنع؟ قال: يبدء بالزوال، فإذا صلّى الظهر قضى صلاة اللّيل والوتر ما بينه و بين العصر أو متى ما أحبّ.
و سألته عن رجل احتجم فأصاب ثوبه فلم يعلم به حتّى كان من غد كيف يصنع؟ قال: إن كان رأي فلم يغسله فليقض جميع مافاته على قدر ما كان يصلّي لا ينقص منه شيئاً، و إن كان رآه و قد صلّى فليبدء بتلك الصلاة ثمَّ ليقض صلاته تلك.
و سألته عن فراش الحرير أو مرفقة الحرير أو مصلّى حرير و مثله من الديباج يصلح للرجل التكاءة عليه و الصلاة؟ قال: يفترشه و يقوم عليه ولا يسجد عليه.
و سألته عن الرجل يسهو في السجدة الآخرة من الفريضة، قال: يسلّم ثمَّ يسجدها و في النافلة مثل ذلك.
و سألته عن رجل افتتح الصلاة فبدأ بسورة قبل فاتحة الكتاب ثمَّ ذكر بعد ما فرغ من السورة كيف يصنع؟ قال: يمضي في صلاته ويقرء فاتحة الكتاب فيما يستقبل.
و سألته عن رجل افتتح بقراءة سوره قبل فاتحة الكتاب هل يجزيه ذلك إذا كان خطأً؟ قال: نعم.
و سألته عن الرجل هل يجزيه أن يسجد في السفينة على القير؟ قال: لابأس.
و سألته عن الرجل هل يصلح له أن ينظر و هو في صلاته في نقش خاتمه كأنّه يريد قراءته، أو في صحيفة أو في كتاب في القبلة؟ قال: ذلك نقص في الصلاة و ليس يقطعها.
و سألته عن الرجل هل يصلح (له خ ل) أن يقرأ في ركوعه أو سجوده الشيء يبقي عليه من السورة يكون يقرؤها؟ قال: أمّا في الركوع فلا يصلح، وأمّا في السجود فلابأس.
و سألته عن الرجل هل يصلح أن يقرأ في ركوعه أو سجوده من سورة غير سورته الّتي كان يقرؤها؟ قال: إن نزع بآية فلابأس في السجود.
و سألته عن رجل نسي أن يضطجع على يمينه بعد ركعتي الفجر فذكر حين أخذ في الإقامة كيف يصنع؟ قال: يقوم و يصلّي ويدع ذلك فلا بأس.
و سألته عن رجل يكون في صلاته و إلى جانبه رجل راقد فيريد أن يوقظه يسبّح و يرفع صوته لا يريد إلّا ليستيقظ الرجل، هل يقطع ذلك صلاته؟ أو ما عليه؟ قال: لا يقطع صلاته ولا شيء عليه ولا بأس به.
و سألته عن رجل يكون في صلاته فيستأذن إنسان على الباب فيسبّح فيرفع صوته
ليسمع خادمه فتأتيه فيريها بيده أنّ على الباب إنساناً، هل يقطع ذلك صلاته؟ و ما عليه؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل يكون على غير وضوء فيصيبه المطر حتّى يسيل من رأسه و جبهته و یدیه و رجليه، هل يجزيه ذلك من الوضوء؟ قال: إن غسله فهو يجزيه و يتمضمض ويستنشق.
و سألته عن الرجل يجنب هل يجزيه من غسل الجنابة أن يقوم في المطر حتّى يسيل رأسه و جسده و هو يقدر على الماء سوى ذلك؟ قال: إن كان يغسله كما يغتسل بالماء أجزأه ذلك إلّا أنّه ينبغي له أن يتمضمض ويستنشق، ويمرّ يده على ما نالت من جسده.
و سألته عن الرجل تصيبه الجنابة فلا يقدر على الماء فيصيبه المطر هل يجزيه ذلك؟ أو عليه التيمّم؟ قال: إن غسله أجزأه أن لا يتيمّم.
و سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء و هو يصيب ثلجاً و صعيداً أيّهما أفضل: التيمّم، أو يمسح بالثلج وجهه و جسده و رأسه؟ قال: الثلج إن بلّ رأسه و جسده أفضل، فإن لم يقدر على أن يغتسل بالثلج فليتيمّم.
و سألته عن الرجل أيصلح له أن يغمض عينيه متعمّداً في صلاته؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل يكون في صلاته فيعلم أنّ ريحاً خرجت منه ولا يجد ريحاً لا يسمع صوتاً كيف يصنع؟ قال: يعيد الصلاة والوضوء ولا يعتدُّ بشيء ممّا صلّى إذا علم ذلك يقيناً .
و سألته عن رجل وجد ريحاً في بطنه فوضع يده على أنفه فخرج من المسجد متعمّداً حتّى خرجت الريح من بطنه، ثمّ عاد إلى المسجد فصلّى و لم يتوضّأ أيجزيه ذلك؟ قال: لا يجزيه ذلك حتّى يتوضّأ، ولا يعتدُّ بشيء ممّا صلّى.
و سألته عن القيام من التشهّد في الركعتين الاُوليين كيف يقوم؟ يضع يديه و ركبتيه على الأرض ثمَّ ينهض؟ أو كيف يصنع ؟ قال: كيف شاء فعل ولا بأس.
و سألته عن الرجل هل يجزيه أن يسجد فيجعل عمامته أو قلنسوته بين جبهته و بين الأرض؟ قال: لا يصلح حتّى تقع جبهته على الأرض.
و سألته عن رجل ترك ركعتي الفجر حتّى دخل المسجد والإمام قائم في الصلاة كيف يصنع؟ قال: يدخل في صلاة القوم و يدع الركعتين، فإذا ارتفعت الشمس قضاها.
و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يرفع طرفه إلى السماء و هو في صلاته؟ قال: لا بأس.
و سألته عن المرأة المغاضبة زوجها هل لها صلاة؟ أو ما حالها؟ قال: لاتزال عاصية حتّى يرضى عنها.
و سألته عن القوم يتحدّثون حتّى يذهب ثلث اللّيل أو أكثر أيّهما أفضل: أيصّلون العشاء جميعاً، أو في غير جماعة؟ قال: يصلّونها في جماعة أفضل.
وسألته عن الرجل يقرء في الفريضة بسورة النجم يركع بها ثمَّ يقوم بغيرها، قال: يسجد بها ثمَّ يقوم فيقرء بفاتحة الكتاب ثمَّ يركع و ذلك زيادة في الفريضة فلا يعودنّ يقرء السجدة في الفريضة.
و سألته عن رجل يكون في صلاته فيظنُّ أنّ ثوبه قد انخرق، أو أصابه شيء، هل يصلح له أن ينظر فيه و يفتّشه و هو في صلاته؟ قال: إن كان في مقدّم الثوب أو جانبيه فلابأس، و إن كان في مؤخّره فلا يلتفت فإنّه لا يصلح له.
و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي خلف النخلة فيها حملها؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي في الكرم وفيه حمله؟ قال: لا بأس.
و سألته عن رجل مسَّ ظهر سنّور هل يصلح له أن يصلّي قبل أن يغسل يده؟ قال: لا بأس.
و سألته عن إمام أمَّ قوماً مسافرين كيف يصلّي المسافرون؟ قال: يصلّون ركعتين و
يقوم الإمام فيتمّ صلاته، فإذا سلّم فانصرف انصرفوا.
و سألته عن رجل هل يصلح له أن يصلّي و أمامه حمار واقف؟ قال: يضع بينه و بينه قصبة أو عوداً أو شيئاً يقيمه بينهما ثمّ يصلّي فلا بأس. قلت: فإن لم يفعل وصلّى أيعيد صلاته؟ أو ما عليه؟ قال: لا يعيد صلاته ولاشيء عليه.
و سألته عن رجل جعل ثلث حجّته لميّت و ثلثها لحيّ، قال: للميّت، فأمّا الحيّ فلا.
و سألته عن رجل جعل عليه أن يصوم بالكوفة شهراً و بالمدينة شهراً و بمكّة شهراً فصام أربعة عشر يوماً بمكّة، أله أن يرجع إلى أهله فيصوم ما عليه بالكوفة؟ قال: نعم لا بأس، وليس عليه شيء.
و سألته عن رجل زوّج ابنته غلاماً فيه لين وأبوه لا بأس به، قال: إن لم تكن به فاحشة فيزوّجه - يعني الخنث -.
و سألته عن قوم أحرار و مماليك اجتمعوا على قتل مملوك ما حالهم؟ قال: يقتل من قتله من المماليك، وتفديه الأحرار.
وسألته عن رجل قال: إذا متُّ ففلانة جاريتي حرّة، فعاش حتّى ولدت الجارية أولاداً ثمَّ مات ما حالهم؟ قال: عتقت الجارية، و أولادها مماليك.
و سألته عن الرجل يتوشّح بالثوب فيقع على الأرض أو يجاوز عاتقه أيصلح ذلك؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل يقول لمملوكه: يا أخي و يا ابني، أيصلح ذلك؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الدابّة تبول فيصيب بوله المسجد أو حائطه، أيصلّي فيه قبل أن يغسل؟ قال: إذا جفّ فلا بأس.
و سألته عن الرجل يجامع أو يدخل الكنيف وعليه خاتم فيه ذكر الله، أو شيءٌ من القرآن، أيصلح ذلك؟ قال: لا.
وسألته عن القعود والقيام والصلاة على جلود السباع وبيعها و ركوبها أيصلح ذلك؟ قال: لا بأس ما لم يسجد عليها.
و سألته عن الرجل يكون عليه الصيام الأيّام الثلاثة من كلّ شهر، أيصومها قضاءً و هو في شهر لم يصم أيّامه؟ قال: لا بأس.
و سألته عن رجل يؤخّر الصوم الأيّام الثلاثة من الشهر حتّى يكون في آخر الشهر فلا يدرك الخميس الآخر إلّا أن يجمعه مع الأربعاء، أيجزيه ذلك؟ قال: لا بأس.
و سألته عن صوم ثلاثة أيّام من الشهر يكون على الرجل يقضيها متوالية، أو يفرّق بينها؟ قال: أيّ ذلك أحبّ.
و سألته عن رجل طلّق أو ماتت امرأته ثمّ زنى هل عليه رجم؟ قال: نعم.
و سألته عن امرأة طلّقت ثمَّ زنت بعد ما طلّقت سنة أو أكثر هل عليها الرجم؟ قال: نعم.
وسألته عن الرجل يطوف بالبيت و هو جنب فيذكر و هو في طوافه هل عليه أن يقطع طوافه؟ قال: يقطع طوافه، ولا يعتدّ بشيء ممّا طاف.
و سألته عن الجنب يدخل يده في غسله قبل أن يتوضّأ و قبل أن يغسل يده ما حاله؟ قال: إذا لم يصب يده شيئاً من الجنابة فلا بأس؛ قال: و أن يغسل يده قبل أن يدخلها في شيء من غسله أحبّ إليّ.
و سألته عن ولد الزناء تجوز شهادته أو يؤمّ قوماً؟ قال: لا تجوز شهادته ولا يؤمّ.
و سألته عن اللّقطة إذا كانت جارية هل يحلّ لمن لقطها فرجها؟ قال: لا، إنّما حلّ له بيعها بما أنفق عليها.
و سألته عن فضل الشاة و البقر والبعير أيشرب منه و يتوضّؤ قال: لا بأس.
و سألته عن الكنيف يصبّ فيه الماء فينتضح على الثوب ما حاله؟ قال: إذا كان جافّاً
فلا بأس.
و سألته عن الجراد يصيده فيموت بعد ما يصيده أيؤكل؟ قال: لا بأس.
وسألته عن الجراد يصيبه ميّتاً في البحر أو في الصحراء أيؤكل؟ قال: لا تأكله.
و سألته عن الفراش يكون كثير الصوف فيصيبه البول كيف يغسل؟ قال: يغسل الظاهر ثمَّ يصبّ عليه الماء في المكان الّذي أصابه البول حتّى يخرج الماء من جانب الفراش.
و سألته عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر فكيف فيصيب الثياب أيصلّي فيها قبل أن يغسل؟ قال: إذا جرى من ماء المطر فلابأس يصلّي فيها.
و سألته عن الفأرة تصيب الثوب أيصلّي فيه؟ قال: إذا لم تكن الفأرة رطبة فلابأس، و إن كانت رطبة فاغسل ما أصاب من ثوبك، و الكلب مثل ذلك.
و سألته عن فضل الفرس و البغل و الحمار أيشرب منه و يتوضّؤ للصلاة؟ قال: لا بأس.
وسألته عن الصلاة على بواري النصارى و اليهود الّتي يقعدون عليها في بيوتهم أيصلح؟ قال: لاتصلّ عليها.
و سألته عن الفأرة و الدجاجة و الحمامة أو أشباههنّ تطؤ على العذرة ثمَّ تطؤ الثوب، أيغسل؟ قال: إن كان استبان من أثره شيء فاغسله وإلّا فلا بأس.
و سألته عن الدجاجة والحمامة و العصفور و أشباهه تطؤ في العذرة، ثمَّ تدخل في الماء أيتوضّؤ منه؟ قال: لا إلّا أن يكون ماءً كثيراً قدر كرّ. وسألته عن العظاية والوزغ و الحيّة تقع في الماء فلاتموت أيتوضّؤ منه للصلاة؟ قال: لا بأس.
و سألته عن العقرب و الخنفساء و شبهه يموت في الجبّ و الدنّ أيتوضّؤ منه؟ قال: لا بأس.
و سألته عن الرجل يدركه رمضان في السفر فيقيم في المكان هل عليه صوم؟ قال:
لاحتّى يجمع على مقام عشرة أيّام، فإذا أجمع صام وأتمّ الصلاة.
و سألته عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان و هو مسافر هل يقضي إذ أقام في المكان؟ قال: لاحتّى يجمع على مقام عشرة أيّام.
وسألته عن صلاة الكسوف ما حدّها؟ قال: يصلّي متى ما أحبّ، و يقرء ما أحبّ، غير أنّه يقرء و يركع، ويقرء و يركع، ويقرء و يركع أربع ركعات، ويسجد في الخامسة، ثمَّ يقوم فيفعل مثل ذلك.
و سألته عن المطلّقة كم عدّتها؟ قال: ثلاث حيض، و تعتدّ من أوّل تطليقة.
و سألته عن الرجل يطلّق تطليقة أو تطليقتين ثمَّ يتركها حتّى تنقضي عدّتها ما حالها؟ قال: إذا تركها على أنّه لا يريدها بانت منه، فلم تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره، و إن تركها على أنّه يريد مراجعتها ثمَّ مضى لذلك منه سنة فهو أحقّ برجعتها.
و سألته عن الصدقة إذا لم تقبض هل يجوز لصاحبها؟ قال: إذا كان أب تصدّق بها على ولد صغير فإنّها جائزة لأنّه يقبض لولده إذا كان صغيراً، و إذا كان ولداً كبيراً فلا يجوز له حتّى يقبض.
و سألته عن رجل تصدّق على رجل بصدقة فلم يحزها هل يجوز ذلك؟ قال: هي جائزة حيزت أو لم تحز.
و سألته عن رجل استأجر دابّة إلى مكان فجاز ذلك فنفقت الدابّة ما عليه؟ قال : إذا كان جاز المكان الّذي استأجر إليه فهو ضامن.
و سألته عن رجل استأجر دابّة فأعطاها غيره فنفقت ما عليه؟ قال: إن كان شرط أن لا يركبها غيره فهو ضامن لها، و إن لم يسمّ فليس عليه شيء.
و سألته عن رجل استأجر دابّة فوقعت في بئر فانكسرت ما عليه؟ قال: هو ضامن، كان يلزمه أن يستوثق منها، وإن أقام البيّنة أنّه ربطها و استوثق منها فليس عليه شيء.
و سألته عن بختيّ مغتلم قتل رجلاً فقام أخو المقتول فعقر البختيّ و قتله ما حالهم؟ قال: على صاحب البختيّ دية المقتول، ولصاحب البختيّ ثمنه على الّذي عقر بختيّه.
و سألته عن رجل تحته مملوكة بين رجلين فقال أحدهما: قد بدا لي أن أنزع جاريتي منك و أبيع نصيبي، فباعه، فقال المشتري: اُريد أن أقبض جاريتي، هل تحرم على الزوج؟ قال: إذا اشتراها غير الّذي كان أنكحها إيّاه فالطلاق بيده، إن شاء فرّق بينهما، و إن شاء تركها معه، فهي حلال لزوجها، و هما على نكاحها حتّى ينزعها المشتري، وإن أنكحها إيّاه نكاحاً جديداً فالطلاق إلى الزوج، و ليس إلى السيّد الطلاق.
و سألته عن الرجل زوّج ابنه و هو صغير فدخل الابن بامرأته، على من المهر؟ على الأب أو على الابن؛ قال: المهر على الغلام، وإن لم يكن له شيء فعلى الأب يضمن ذلك على ابنه أو لم يضمن إذا كان هو أنكحه و هو صغير.
و سألته عن رجل حرّ و تحته مملوكة بين رجلين أراد أحدهما نزعها منه هل له ذلك؟ قال: الطلاق إلى الزوج، لا يحلّ لواحد من الشريكين أن يطلّقها فيستخلص أحدهما.
و سألته عن حبّ ماء فيه ألف رطل وقع فيه وقية بول هل يصلح شربه أو الوضوء منه؟ قال: لا يصلح.
و سألته عن قدر فيها ألف رطل ماء فطبخ فيها لحم وقع فيها وقية دم هل يصلح أكله؟ قال: إذا طبخ فكل فلا بأس.
و سألته عن فأرة وقعت في بئر فماتت هل يصلح الوضوء عن مائها؟ قال: أنزع من مائها سبع دليّ، ثمَّ توضّأ ولا بأس.
و سألته عن فأرة وقعت في بئر فاُخرجت وقد تقطّعت، هل يصلح الوضوء من مائها؟ قال: ينزح منها عشرون دلواً إذا تقطعت ثمَّ يتوضّؤ و لا بأس.
و سألته عن صبيّ بال في بئر هل يصلح الوضوء منها؟ فقال: ينزح الماء كلّه.
و سألته عن رجل مسّ ميّتاً عليه الغسل؟ قال: إن كان الميّت لم يبرد فلاغسل عليه، و إن كان قد برد فعليه الغسل إذا مسّه.
و سألته عن بئر صبّ فيها الخمر هل يصلح الوضوء من مائها؟ قال: لا يصلح حتّى ينزح الماء كلّه.
و سألته عن الصدقة يجعلها الرجل لله مبتوتة، هل له أن يرجع فيها؟ قال: إذا جعلها لله فهي للمساكين و ابن السبيل، فليس له أن يرجع فيها.
وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي أو يصوم عن بعض موتاه؟ قال: نعم فيصلّي ما أحبّ و يجعل ذلك للميّت، فهو للميّت إذا جعل ذلك له.
1 - قال: و من حكايات الشيخ أدام الله عزّه قال: سئل هشام بن الحكم رحمة الله عليه عمّا يرويه العامّة من قول أمير المؤمنين علیه السلام: لمّا قبض عمر وقد دخل عليه و هو مسجّى: لوددت أن ألقى الله تعالى بصحيفة هذا المسجّى، و في حديث آخر: إنّي لأرجو أن ألقى الله تعالى بصحيفة هذا المسجّى. فقال هشام: هذا حديث غير ثابت و لامعروف الإسناد، وإنّما حصل من جهة القصّاص و أصحاب الطرقات، و لو ثبت لكان المعنى فيه معروفاً، وذلك أنّ عمر واطأ أبابكر و المغيرة و سالماً مولى أبي حذيفة و أباعبيدة على كتب صحيفة بينهم يتعاقدون فيها على أنّه إذا مات رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لم يورثوا أحداً من أهل بيته و لم يولّوهم مقامه من بعده و كانت الصحيفة لعمر إذ كان عماد القوم، فالصحيفة الّتي ودّ أمير المؤمنين علیه السلام و رجا أن يلقى الله عزّ و جلّ بها هي هذه الصحيفة ليخاصمه بها و يحتجّ عليه بمضمنها.
والدليل على ذلك ماروته العامّة عن اُبيّ بن كعب أنّه كان يقول في مسجد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بعد أن أفضى الأمر إلى أبی بكر بصوت يسمعه أهل المسجد: ألاهلك أهل العقدة، والله ما آسى عليهم إنّما أسى على من يضلّون من الناس. فقيل له: يا صاحب
رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من هؤلاء أهل العقدة و ما عقدتهم؟ فقال: قوم تعاقدوا بينهم إن مات رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لم يورثوا أحداً من أهل بيته و لم يولّوهم مقامه، أما والله لئن عشت إلى يوم الجمعة لأقومنَّ فيهم مقاماً اُبيّن للناس أمرهم، قال: فما أتت عليه الجمعة. (1)
1) الفصول المختارة 54:1 و 55.
1 - يد، ن: حدّثنا أبو محمّد جعفر بن عليّ بن أحمد الفقيه القميّ ثمَّ الأيلاقيّ رضي الله عنه، قال: أخبرنا أبو محمّد الحسن بن محمّد بن عليّ بن صدقة القميّ، قال: حدّثني أبو عمرو محمّد بن عمر بن عبدالعزيز الأنصاريّ الكجيّ، قال: حدّثني من سمع الحسن بن محمّد النوفليّ ثمّ الهاشميّ يقول: لمّا قدم عليّ بن موسى الرضا علیه السلام على المأمون أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق، ورأس الجالوت، و رؤساء الصابئين، والهربذ الأكبر، و أصحاب ذرهشت، و نسطاس الروميّ والمتكلّمين ليسمع كلامه و كلامهم. فجمعهم الفضل بن سهل ثمّ أعلم المأمون باجتماعهم، فقال المأمون: أدخلهم عليّ ففعل فرحّب بهم المأمون، ثمَّ قال لهم: إنّي إنّما جمعتكم لخير وأحببت أن تناظروا ابن عمّي هذا المدنيّ القادم عليّ فإذا كان بكرة فاغدوا عليّ ولا يتخلّف منكم أحد، فقالوا: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين نحن مبكرون إن شاء الله.
قال الحسن بن محمّد النوفليّ: فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا علیه السلام إذ
دخل علينا ياسر، وكان يتولّى أمر أبي الحسن الرضاء علیه السلام فقال له: يا سيّدي إنّ أمير المؤمنين يقرؤك السلام و يقول: فداك أخوك، إنّه اجتمع إليّ أصحاب المقالات و أهل الأديان والمتكلّمون من جميع الملل فرأيك في البكور علينا إن أحببت كلامهم، و إن كرهت ذلك فلا نتجشّم، و إن أحببت أن نصير إليك خفّ ذلك علينا.
فقال أبو الحسن علیه السلام: أبلغه السلام و قل له: قد علمت ما أردت وأنا صائر إليك بكرة إن شاء الله .
قال الحسن بن محمّد النوفليّ: فلمّا مضى ياسر التفت إلينا ثمَّ قال لي: يا نوفليّ أنت عراقيّ ورقّة العراقيّ غير غليظة، فما عندك في جمع ابن عمّك علينا أهل الشرك و أصحاب المقالات؟ فقلت: جعلت فداك يريد الامتحان و يحبّ أن يعرف ما عندك، و لقد بني على أساس غير وثيق البنيان، و بئس والله ما بني فقال لي: و ما بناؤه في هذا الباب؟ قلت: إنّ أصحاب الكلام و البدع خلاف العلماء، و ذلك أنّ العالم لا ينكر غير المنكر، و أصحاب المقالات والمتكلّمون وأهل الشرك أصحاب إنكار و مباهتة، إن احتججت عليهم بأنّ الله واحد قالوا: صحّح وحدانيّته، وإن قلت: إنّ محمّداً رسول الله، قالوا: أثبت رسالته، ثمّ يباهتون الرجل و هو يبطل عليهم بحجّته و يغالطونه حتّى يترك قوله، فاحذرهم جعلت فداك، قال: فتبسّم علیه السلام ثمَّ قال: يا نوفليّ أفتخاف أن يقطعوني عليّ حجّتي؟ قلت: لا والله ما خفت عليك قطُّ، و إنّي لأرجو أن يظفرك الله بهم إن شاء الله. فقال لي: يا نوفليّ أتحبّ أن تعلم متى يندم المأمون؟ قلت: نعم، قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، و على أهل الإنجيل بإنجيلهم، و على أهل الزبور و بزبورهم، و على الصابئين بعبرانيّتهم، و على الهرابذة بفارسيّتهم، و على أهل الروم بروميّتهم، و على أصحاب المقالات بلغاتهم، فإذا قطعت كلّ صنف و دحضت حجّته و ترك مقالته و رجع إلى قولي علم المأمون أنّ الموضع الّذي هو بسبيله ليس بمستحقّ له، فعند ذلك تكون الندامة منه، ولا حول ولاقوَّة إلّا بالله
العليّ العظيم.
فلمّا أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له: جعلت فداك ابن عمّك ينتظرك و قد اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه؟ فقال له الرضا علیه السلام: تقدّمني فإنّي صائر إلى ناحيتكم إن شاء الله، ثمَّ توضّأ علیه السلام وضوءه للصلاة، و شرب شربة سويق وسقانا منه، ثمَّ خرج و خرجنا معه حتّى دخلنا على المأمون، فإذا المجلس غاصّ بأهله، و محمّد بن جعفر في جماعة الطالبيّين و الهاشميّين و القوّاد حضور، فلمّا دخل الرضا علیه السلام قام المأمون و قام محمّد بن جعفر و جميع بني هاشم، فما زالوا وقوفاً و الرضا علیه السلام جالس مع المأمون حتّى أمرهم بالجلوس فجلسوا، فلم يزل المأمون مقبلاً عليه يحدّثه ساعة.
ثمَّ التفت إلى الجاثليق فقال: يا جاثليق هذا ابن عمّي عليّ بن موسى بن جعفر، و هو من ولد فاطمة بنت نبيّنا، و ابن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهما فاُحبّ أن تكلّمه و تحاجّه و تنصفه، فقال الجاثليق: يا أمير المؤمنين كيف اُحاجُّ رجلاً يحتجّ عليّ بكتاب أنا منكره، و نبيّ لا اُومن به؟ فقال له الرضا علیه السلام: يا نصرانيّ فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقرُّ به؟ قال الجاثليق: و هل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل؟ نعم و الله أقرُّ به على رغم أنفي، فقال له الرضا علیه السلام: سل عمّا بدا لك و افهم الجواب.
قال الجاثليق: ما تقول في نبوّة عيسى وكتابه؟ هل تنكر منها شيئاً؟ قال الرضا علیه السلام: أنا مقرّ بنبوّة عيسى وكتابه و ما بشّر به اُمّته وأقرّت به الحواريّون وكافر بنبوّة كلّ عيسى لم يقرّ بنبوّة محمّد صلی الله علیه و آله و سلم و بكتابه و لم يبشّر به اُمّته، قال الجاثليق: أليس إنّما تقطع الأحكام بشاهدي عدل؟ قال: بلى، قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملّتك على نبوّة محمّد ممّن لا تنكره النصارنيّة، و سلنا مثل ذلك من غير أهل ملّتنا.
قال الرضا علیه السلام: الآن جئت بالنصفة يا نصرانيّ، ألا تقبل منّي العدل المقدّم عند المسيح عیسی بن مريم؟ قال الجاثليق: من هذا العدل؟ سمّه لي، قال: ما تقول في يوحنّا الديلميّ؟
قال: بخ بخ، ذكرت أحبّ الناس إلى المسيح، قال علیه السلام: فأقسمت عليك هل نطق الانجيل أنَّ يوحنّا قال: إنَّ المسيح أخبرني بدين محمّد العربيّ، وبشّرني به أنّه يكون من بعده فبشّرت به الحواريّين فآمنوا به؟ قال الجاثلیق: قد ذكر ذلك يوحنّا عن المسيح و بشّر بنبوّة رجل و بأهل بيته و وصيّه و لم يلخّص متى يكون ذلك، و لم يسمّ لنا القوم فنعرفهم، قال الرضا علیه السلام: فإن جئناك بمن يقرء الإنجيل فتلا عليك ذكر محمّد و أهل بيته و اُمّته أتؤمن به؟ قال: شديداً، قال الرضا علیه السلام: لنسطاس الروميّ كيف حفظك للسفر الثالث من الإنجيل؟ قال: ما أحفظني له! ثمَّ التفت إلى رأس الجالوت فقال: ألست تقرء الإنجيل؟ قال: بلى لعمري، قال: فخذ عليّ السفر الثالث، فإن كان فيه ذكر محمّد و أهل بيته و اُمّته فاشهدوا لي، و إن لم يكن فيه ذكره فلاتشهدوا لي، ثمَّ قرأ علیه السلام السفر الثالث حتّى إذا بلغ ذكر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم وقف، ثمَّ قال: يا نصرانيّ إنّي أسألك بحقّ المسيح واُمّه أتعلم أنّي عالم بالإنجيل؟ قال: نعم، ثمَّ تلا علينا ذكر محمّد و أهل بيته و اُمّته، ثمّ قال: ما تقول يا نصرانيّ؟ هذا قول عيسى بن مريم، فإن كذّبت ما ينطق به الإنجيل فقد كذّبت موسی و عیسی علیهما السلام و متى أنكرت هذا الذكر وجب عليك القتل، لأنّك تكون قد كفرت بربّك وبنبيّك وبكتابك؛ قال الجاثليق: لا أنكر ما قد بان لي في الإنجيل، و إنّي لمقرّبه، قال الرضا علیه السلام: اشهدوا على إقراره.
ثمَّ قال: يا جاثليق سل عمّا بدا لك، قال الجاثليق: أخبرني عن حواريّ عيسى ابن مريم كم كان عدّتهم؟ و عن علماء الإنجيل كم كانوا؟ قال الرضا علیه السلام: على الخبير سقطت، أمّا الحواريّون فكانوا اثني عشر رجلاً، وكان أفضلهم و أعلمهم ألوقا، و أمّا علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال: يوحنّا الأكبر بأجّ ويوحنّا بقرقيسا و يوحنّا الديلميّ بزجار، و عنده كان ذكر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم، و ذكر أهل بيته و اُمّته، و هو الّذي بشّر اُمّة عيسى و بني إسرائيل به.
ثمَّ قال له: يا نصرانيّ والله إنّا لنؤمن بعيسى الّذي آمن بمحمّد صلی الله علیه و آله و سلم و ما ننقم على عيساكم شيئاً إلّا ضعفه وقلّة صيامه وصلاته، قال الجاثليق: أفسدت و الله علمك،
وضعفّت أمرك، و ما كنت ظننت إلّا أنّك أعلم أهل الإسلام، قال الرضا علیه السلام: وكيف ذاك؟ قال الجاثليق: من قولك: إنّ عيسى كان ضعيفاً قليل الصيام، قليل الصلاة، و ما أفطر عيسى يوماً قطّ، و لانام بليل قطّ، و ما زال صائم الدهر، قائم اللّيل؛ قال الرضا علیه السلام: فلمن كان يصوم ويصلّي؟ قال: فخرس الجاثليق و انقطع.
قال الرضا علیه السلام: یا نصرانيّ أسألك عن مسألة، قال: سل فإن كان عندي علمها أجبتك؛ قال الرضا علیه السلام: ما أنكرت أنّ عيسى كان يحيى الموتى بإذن الله عزّ وجلّ؟ قال الجاثليق: أنكرت ذلك من قبل أن من أحيا الموتى و أبرأ الأكمه والأبرص فهو ربّ مستحقّ لأن يعبد، قال الرضا علیه السلام: فإنّ اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى: مشى على الماء، وأحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص فلم تتّخذه اُمّته رباً، ولم يعبده أحد من دون الله عزّ وجلّ، و لقد صنع حزقيل النبيّ مثل ما صنع عيسى بن مريم فأحيا خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستّين سنة.
ثمَّ التفت إلى رأس الجالوت فقال له: يا رأس الجالوت أتجد هؤلاء في شبّاب بني إسرائيل في التوراة؟ اختارهم بخت نّصر من سبى بني إسرائيل حين غزابيت المقدس ثمَّ انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله تعالى عزّ و جلّ إليهم فأحياهم الله، هذا في التوراة لا يدفعه إلّا كافر منكم، قال رأس الجالوت: قد سمعنا به و عرفناه، قال: صدقت، ثمَّ قال: يا يهوديّ خذ عليّ هذا السفر من التوراة، فتلا علیه السلام علينا من التوراة آيات فأقبل اليهوديّ يتزجّح لقراءته و يتعجّب.
ثمّ أقبل على النصرانيّ فقال: يا نصرانيّ أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم؟ قال: بل كانوا قبله، قال الرضا علیه السلام: لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فسألوه أن يحيى لهم موتاهم، فوجّه معهم عليّ بن أبي طالب علیه السلام فقال له: اذهب إلى الجبّانة فناد بأسماء هولاء الرهط الّذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان، و يا فلان، و يا فلان، يقول لكم
محمّد رسول الله: قوموا بإذن الله عزّ وجلّ، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن اُمورهم، ثمَّ أخبروهم أنّ محمّد صلی الله علیه و آله و سلم قد بعث نبيّاً و قالوا: وددنا إنّا أدركناه فنؤمن به، و لقد أبرأ الأكمه والأبرص و المجانين، وكلّمه البهائم والطير و الجنّ و الشياطين، ولم نتّخذه ربّاً من دون الله عزّ وجلّ، و لم ننكر لأحد من هؤلاء فضلهم، فمتى اتّخذتم عيسى ربّاً جاز لكم أن تتّخذوا اليسع والحزقيل، لأنّهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى من إحياء الموتى و غيره، و إنّ قوماً من بني إسرائيل هربوا من بلادهم من الطاعون و هم اُلوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة، فعمد أهل تلك القرية فحظروا عليهم حظيرة فلم يزالوا فيها حتّى نخرت عظامهم وصاروا رميماً، فمرّ بهم نبيّ من أنبياء بني إسرائيل فتعجّب منهم و من كثرة العظام البالية، فأوحى الله عزّ و جلّ إليه: أتحبّ أن اُحييهم لك فتنذرهم؟ قال: نعم يا ربّ، فأوحى الله عزّ و جلّ إليه: أن نادهم، فقال: أيّتها العظام البالية قومي بإذن الله عزّ وجلّ، فقاموا أحياءً أجمعون، ينفضون التراب عن رؤوسهم، ثمّ إبراهيم خليل الرحمن حين أخذ الطير فقطّعهنّ قطعاً، ثمَّ وضع على كلّ جبل منهنّ جزءً، ثمَّ ناداهنّ فأقبلن سعياً إليه؛ ثمَّ موسى بن عمران و أصحابه السبعون الّذين اختارهم صاروا معه إلى الجبل فقالوا له: إنّك قد رأيت الله سبحانه، فأرناه كما رأيته، فقال لهم: إنّي لم أره، فقالوا: لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم؛ و بقي موسى وحيداً فقال: يا ربّ إنّي اخترت سبعين رجلاً من بني إسرائيل فجئت بهم و أرجع وحدي فكيف يصدّقني قومي بما اُخبرهم به؟ فلو شئت أهلكتهم من قبل و إيّاي، أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا؟ فأحياهم الله عزّ و جلّ من بعد موتهم؛ وكلّ شيء ذكرته لك من هذا لا تقدر على دفعه، لأنّ التورات و الإنجيل والزبور و الفرقان قد نطقت به، فإن كان كلّ من أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص و المجانين يتّخذ ربّاً من دون الله فاتّخذ هؤلاء كلّهم أرباباً، ما تقول يا يهوديّ؟ قال الجاثليق: القول قولك، و لا إله إلّا الله.
ثمّ التفت علیه السلام إلى رأس الجالوت فقال: يا يهوديّ أقبل عليّ أسألك بالعشر الآيات الّتي اُنزلت على موسى بن عمران، هل تجد في التوراة مكتوباً نبأ محمّد و اُمّته: «إذا جاءت الاُمّة الأخيرة أتباع راكب البعير يسبّحون الربّ جدّاً جدّاً تسبيحاً جديداً في الكنائس الجدد فليفزع بنو إسرائيل إليهم و إلى ملكهم لتطمئنّ قلوبهم، فإنّ بأيديهم سيوفاً ينتقمون بها من الاُمم الكافرة في أقطار الأرض» أهكذا هو في التوراة مكتوب؟ قال رأس الجالوت: نعم إنّا لنجده كذلك. ثمَّ قال للجاثليق: يا نصرانيّ كيف علمك بكتاب شعيا؟ قال: أعرفه حرفاً حرفاً، قال لهما: أتعرفان هذا من كلامه: «يا قوم إنّي رأيت صورة راكب الحمار لابساً جلابيب النور، و رأيت راكب البعير ضوؤه مثل ضوء القمر»؟ فقالا: قد قال ذلك شعيا.
قال الرضا علیه السلام: يا نصرانيّ هل تعرف في الإنجيل قول عيسى: «إنّي ذاهب إلى ربّكم و ربّي و البارقليطاجاء، هو الّذي يشهد لي بالحقّ كما شهدت له، و هو الّذي يفسّر لكم كلّ شيء، و هو الّذي يبدي فضائح الاُمم، و هو الّذي يكسر عمود الكفر»؟ فقال الجاثليق: ما ذكرت شيئاً في الإنجيل إلّا و نحن مقرّون به، قال: أتجد هذا في الإنجيل ثابتاً يا جاثليق؟ قال: نعم.
قال الرضا علیه السلام: يا جاثليق ألا تخبرني عن الإنجيل الأوّل حين افتقدتموه عند من وجدتموه؟ و من وضع لكم هذا الإنجيل؟ قال له: ما افتقدنا الإنجيل إلّا يوماً واحداً حتّى وجدناه غضّاً طريّاً فأخرجه إلينا يوحنّا و متّى، فقال له الرضا علیه السلام: ما أقلّ معرفتك بسرّ الإنجيل و علمائه؟ فإن كان هذا كما تزعم فلم اختلفتم في الإنجيل؟ وإنّما وقع الاختلاف في هذا الإنجيل الّذي في أيديكم اليوم، فلو كان على العهد الأوّل لم تختلفوا فيه، و لكنّي مفيدك علم ذلك، اعلم أنّه لما افتقد الإنجيل الأوّل اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا لهم: قتل عيسى بن مريم، و افتقدنا الإنجيل و أنتم العلماء فما عندكم؟ فقال لهم ألوقا و مرقابوس: إنّ الإنجيل في صدورنا و نحن نخرجه إليكم سفراً سفراً في كلّ أحد فلا تحزنوا عليه، ولا تخلّوا
الكنائس، فإنّا سنتلوه عليكم في كلّ أحد سفراً سفراً حتّى نجمعه كلّه، فقعد ألوقا و مرقابوس و يوحنّا و متّى فوضعوا لكم هذا الإنجيل بعد ما افتقدتم الإنجيل الأوّل، وإنّما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ التلاميذ الأوّلين، أعلمت ذلك؟ قال الجاثليق: أمّا هذا فلم أعلمه، و قد علمته الآن، و قد بان لي من فضل علمك بالإنجيل، وسمعت أشياء ممّا علمته شهد قلبي أنّها حقٌّ فاستزدت كثيراً من الفهم، فقال له الرضا علیه السلام: فكيف شهادة هؤلاء عندك؟ قال: جائزة، هؤلاء علماء الإنجيل، وكلّ ما شهدوا به فهو حقّ، فقال الرضا علیه السلام للمأمون و من حضره من أهل بيته و من غيرهم: اشهدوا عليه، قالوا: قد شهدنا.
ثمَّ قال للجاثليق: بحقّ الابن واُمّه هل تعلم أنّ متّى قال: «إنّ المسيح هو ابن داود بن إبراهيم بن إسحاق بن يعقوب بن يهود ابن حضرون» و قال مرقابوس في نسبة عيسى بن مريم: «إنّه كلمة الله أحلّها في الجسد الآدميّ فصارت إنساناً» و قال ألوقا: «إنّ عيسى بن مريم و اُمّه كانا إنسانين من لحم ودم فدخل فيها روح القدس» ثمّ إنّك تقول من شهادة عيسى على نفسه: «حقّاً أقول لكم يا معشر الحواريّين: إنّه لا يصعد إلى السماء إلّا من نزل منها إلّا راكب البعير خاتم الأنبياء فإنّه يصعد إلى السماء و ينزل» فما تقول في هذا القول: قال الجاثليق: هذا قول عيسى لا ننكره، قال الرضا علیه السلام: فما تقول في شهادة ألوقا و مرقابوس و متّى على عيسى و ما نسبوه إليه؟ قال الجاثليق: كذبوا على عيسى، قال الرضا علیه السلام: يا قوم أليس قد زكّاهم و شهد أنّهم علماء الإنجيل و قولهم حقّ؟
فقال الجاثلیق: يا عالم المسلمين اُحبّ أن تعفيني من أمر هؤلاء، قال الرضا علیه السلام: فإنّا قد فعلنا، سل يا نصرانيّ عمّا بدا لك، قال الجاثلیق: ليسألك غيري، فلا وحقّ المسيح ما ظننت أنّ في علماء المسلمين مثلك.
فالتفت الرضا علیه السلام إلى رأس الجالوت فقال له: تسألني أو أسألك؟ فقال: بل أسألك، و لست أقبل منك حجّة إلّا من التوراة ، أو من الإنجيل، أو من زبور داود، أو بما في صحف
إبراهيم وموسى، قال الرضا علیه السلام: لا تقبل منّي حجّة إلّا بما تنطق به التوراة على لسان موسی بن عمران، و الإنجيل على لسان عيسى بن مريم، و الزبور على لسان داود؛ فقال رأس الجالوت: من أين تثبت نبوّة محمّد؟ قال الرضا علیه السلام: شهد بنبوّته موسى بن عمران و عیسی بن مریم و داود خليفة الله عزّ و جلّ في الأرض، فقال له: ثبّت قول موسى بن عمران، قال الرضا علیه السلام: هل تعلم يا يهوديّ أنّ موسى ابن عمران أوصى بني إسرائيل فقال لهم: إنّه سيأتيكم نبيّ من إخوانكم، فبه فصدّقوا و منه فاسمعوا، فهل تعلم أنّ لبني إسرائيل إخوة غير ولد إسماعيل، إن كنت تعرف قرابة إسرائيل من إسماعيل، و النسب الّذي بينهما من قبل إبراهيم؟ فقال رأس الجالوت: هذا قول موسى لاندفعه، فقال له الرضا علیه السلام: هل جاءكم من إخوة بني إسرائيل نبيّ غير محمد؟ قال: لا، قال الرضا علیه السلام: أفليس قد صحّ هذا عندكم؟ قال: نعم و لكنّي أحبّ أن تصحّحه لي من التوراة، فقال له الرضا علیه السلام: هل تنكر أنّ التوراة تقول لكم: «قد جاء النور من جبل طور سيناء و أضاء لنا من جبل ساعير، و استعلن علينا من جبل فاران» قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات و ما أعرف تفسيرها، قال الرضا علیه السلام: أنا اُخبرك به، أمّا قوله: «جاء النور من قبل طور سيناء» فذلك وحي الله تبارك و تعالى الّذي أنزله على موسى على جبل طور سيناء، و أمّا قوله: «وأضاء الناس من جبل ساعير» فهو الجبل الّذي أوحى الله عزّ و جلّ إلى عيسى بن مريم و هو عليه، و أمّا قوله: «واستعلن علينا من جبل فاران» فذاك جبل من جبال مكّة بينه و بينها يوم. وقال شعيا النبيّ فيما تقول أنت و أصحابك في التوراة: «رأيت راكبين أضاء لهما الأرض، أحدهما على حمار، و الآخر على جمل» فمن راكب الحمار؟ و من راكب الجمل؟ قال رأس الجالوت: لا أعرفهما فخبّرني بهما، قال علیه السلام: أمّا راكب الحمار فعيسى، و أمّا راكب الجمل فمحمّد، أتنكر هذا من التوراة؟ قال: لا، ما اُنكره.
ثمَّ قال الرضا علیه السلام: هل تعرف حيقوق النبيّ؟ قال: نعم إنّي به لعارف، قال علیه السلام: فإنّه
قال و كتابكم ينطق به: «جاء الله بالبيان من جبل فاران، و امتلأت السماوات من تسبيح أحمد و اُمّته، يحمل خيله في البحر كما يحمل في البرّ، يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس» يعني بالكتاب القرآن، أتعرف هذا و تؤمن به؟ قال رأس الجالوت: قد قال ذلك حيقوق النبيّ و لا ننكر قوله، قال الرضا علیه السلام: فقد قال داود في زبوره و أنت تقرؤه: «اللّهمّ ابعث مقيم السنّة بعد الفترة» فهل تعرف نبيّاً أقام السنّة بعد الفترة غير محمّد؟ قال رأس الجالوت: هذا قول داود نعرفه و لا ننكره، و لكن عنى بذلك عيسى، وأيّامه هي الفترة، قال له الرضا علیه السلام: جهلت، إنّ عيسى لم يخالف السنّة، وكان موافقاً لسنّة التوراة حتّى رفعه الله إليه، و في الإنجيل مكتوب: إنّ ابن البرّة ذاهب و البارقليطا جاء من بعده، و هو يخفّف الآصار، و يفسّر لكم كلّ شيء، و يشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالأمثال، و هو يأتيكم بالتأويل، أتؤمن بهذا في الإنجيل؟ قال: نعم، لا اُنكره : فقال له الرضا علیه السلام: يا رأس الجالوت أسألك عن نبيّك موسی بن عمران، فقال: سل، قال علیه السلام: ما الحجّة على أنّ موسى ثبتت نبوّته؟ قال اليهوديّ: إنّه جاء بما لم يجیء به أحد من الأنبياء قبله، قال له: مثل ماذا؟ قال: مثل فلق البحر، وقلبه العصا حيّة تسعى، و ضربه الحجر فانفجرت منه العيون، و إخراجه يده بيضاء للناظرين، وعلامات لا يقدر الخلق على مثلها.
قال له الرضا علیه السلام: صدقت في أنّه كانت حجّته على نبوّته أنّه جاء بما لا يقدر الخلق على مثله، أفليس كلّ من ادّعى أنّه نبيّ ثمَّ جاء بما لا يقدر الخلق على مثله وجب عليكم تصديقه؟ قال: لا، لأنّ موسى لم يكن له نظير لمكانه من ربّه، و قربه منه، ولا يجب علينا الإقرار بنبوّة من ادّعاها حتّى يأتي من الأعلام بمثل ما جاء به، قال الرضا علیه السلام: فكيف أقررتم بالأنبياء الّذين كانوا قبل موسى ولم يفلقوا البحر، ولم يفجّروا من الحجر اثنتي عشرة عيناً، ولم يخرجوا بأيديهم مثل إخراج موسى يده بيضاء، ولم يقلّبوا العصا حيّة تسعى؟ قال له اليهوديّ: قد خبّرتك أنّه متى ما جاؤوا على نبوّتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على مثله
ولو جاؤوا بما لم يجىء به موسى أو كان على غير ما جاء به موسى وجب تصديقهم، قال: قال الرضا علیه السلام: يا رأس الجالوت فما يمنعك من الإقرار بعيسى بن مريم و قد كان يحيى الموتى، و يبرىء الأكمه والأبرص، و يخلق من الطين كهيئة الطير ثمّ ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ؟ قال رأس الجالوت: يقال: إنّه فعل ذلك، و لم نشهده، قال الرضا علیه السلام: أرأيت ما جاء به موسى من الآيات شاهدته؟ أليس إنّما جاءت الأخبار من ثقات أصحاب موسى أنّه فعل ذلك؟ قال: بلى، قال: فكذلك أيضاً أتتكم الأخبار المتواترة بما فعل عيسى بن مريم، فكيف صدّقتم بموسى و لم تصدّقوا بعيسى؟ فلم يحرجواباً، قال الرضا علیه السلام: وكذلك أمر محمّد صلی الله علیه و آله و سلم و ما جاء به، و أمر كلّ نبيّ بعثه الله، و من آياته أنّه كان يتيماً فقيراً راعياً أجيراً لم يتعلّم كتاباً و لم يختلف إلى معلّم ثمَّ جاء بالقرآن الّذي فيه قصص الأنبياء و أخبارهم حرفاً حرفاً، و أخبار من مضى و من بقي إلى يوم القيامة، ثمّ كان يخبرهم بأسرارهم و ما يعلمون في بيوتهم، و جاء بآيات كثيرة لا تحصى، قال رأس الجالوت: لم يصحّ عندنا خبر عیسی و لاخبر محمّد؟ ولا يجوز لنا أن نقرّ لهما بما لم يصحّ، قال الرضا علیه السلام: فالشاهد الّذي شہد لعيسى و لمحمّد صلّى الله عليهما شاهد زور؟ فلم يحر جواباً.
ثمَّ دعى بالهربذ الأكبر فقال له الرضا علیه السلام: أخبرني عن ذرهشت الّذي تزعم أنّه نبيّ ما حجّتك على نبوّته؟ قال: إنّه أتى بما لم يأتنا به أحد قبله و لم نشهده و لكنَّ الأخبار من أسلافنا وردت علينا بأنّه أحلّ لنا ما لم يحلّه غيره فاتّبعناه، قال: أفليس إنّما أتتكم الأخبار فاتّبعتموه؟ قال: بلى، قال: فكذلك سائر الاُمم السالفة أتتهم الأخبار بما أتى به النبيّون و أتى به موسی و عیسی و محمّد صلوات الله عليهم، فما عذركم في ترك الإقرار لهم؟ إذ كنتم إنّما أقررتم بزرهشت من قبل الأخبار المتواترة بأنّه جاء بما لم يجیء به غيره، فانقطع الهربذ مكانه.
فقال الرضا علیه السلام: يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الإسلام و أراد أن يسأل فليسأل
غير محتشم، فقام إليه عمران الصابیء وكان واحداً من المتكلّمين فقال: يا عالم الناس لولا أنّك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل، فلقد دخلت الكوفة والبصرة و الشام و الجزيرة و لقيت المتكلّمين فلم أقع على أحد يثبت لي واحداً ليس غيره قائمً بوحدانيّته، أفتأذن لي أن أسألك؟ قال الرضا علیه السلام: إن كان في الجماعة عمران الصابیء فأنت هو، قال: أنا هو، قال: سل یا عمران و عليك بالنصفة، وإيّاك و الخطل و الجور، قال: والله يا سيّدي ما اُريد إلّا أن تثبت لي شيئاً أتعلّق به فلا أجوزه، قال: سل عمّا بدا لك، فازدحم الناس و انضمّ بعضهم إلى بعض، فقال عمران الصابیء: أخبرني عن الكائن الأوّل و عمّا خلق، قال: سألت فافهم، أمّا الواحد فلم يزل واحداً كائناً لاشيء معه بلاحدود و لا أعراض، ولا يزال كذلك، ثمّ خلق خلقاً مبتدعاً مختلفاً بأعراض و حدود مختلفة، لا في شيء أقامه، ولا في شيء حدّه، ولا على شيء حذّاه و مثّله له، فجعل الخلق من بعد ذلك صفوة و غير صفوة، و اختلافاً و ايتلافاً، و ألواناً و ذوقاً و طعماً، لالحاجة كانت منه إلى ذلك، و لالفضل منزلة لا يبلغها إلّا به، و لا رأي لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصاناً، تعقل هذا يا عمران؟ قال: نعم والله يا سيّدي.
قال: و اعلم يا عمران إنّه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلّا من يستعين به على حاجته، و لكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق، لأنّ الأعوان كلّما كثروا كان صاحبهم أقوى، و الحاجة يا عمران لا يسعها لأنّه لم يحدث من الخلق شيئاً إلّا حدثت فيه حاجة اُخرى، ولذلك أقول: لم يخلق الخلق لحاجة، و لكن نقل بالخلق الحوائج بعضهم إلى بعض، و فضّل بعضهم على بعض بلاحاجة منه إلى من فضّل، ولا نقمة منه على من أذلّ فلهذا خلق.
قال عمران: يا سيّدي هل كان الكائن معلوماً في نفسه عند نفسه؟ قال الرضا علیه السلام: إنّما يكون المعلمة بالشيء لنفي خلافه، وليكون الشيء نفسه بما نفي عنه موجوداً، ولم يكن هناك شيء يخالفه فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد ما علم منها، أفهمت يا
عمران؟ قال: نعم والله يا سيّدي، فأخبرني بأيّ شيء علم ما علم؟ أبضمير أم بغير ذلك؟ قال الرضا علیه السلام: أرأيت إذا علم بضمير هل تجد بدّاً من أن تجعل لذلك الضمير حدّاً تنتهي إليه المعرفة؟ قال عمران: لابدّ من ذلك، قال الرضا علیه السلام: فما ذلك الضمير؟ فانقطع عمران و لم يحر جواباً. قال الرضا علیه السلام: لا بأس إن سألتك عن الضمير نفسه تعرّفه بضمير آخر، فقلت: نعم أفسدت عليك قولك و دعواك، يا عمران أليس ينبغي أن تعلم أنّ الواحد ليس يوصف بضمير و ليس يقال له أكثر من فعل و عمل و صنع؟ وليس يتوهّم منه مذاهب و تجربة كمذاهب المخلوقين و تجربتهم؟ فاعقل ذلك و ابن عليه ما علمت صواباً.
قال عمران: يا سيّدي ألا تخبرني عن حدود خلقه كيف هي؟ و ما معانيها؟ و على كم نوع تكون؟ قال: قد سألت فافهم، إنّ حدود خلقه على ستّة أنواع: ملموس و موزون و منظور إليه وما لاذوق له و هو الروح، و منها منظور إليه و ليس له وزن ولا لمس ولاحسّ ولالون ولاذوق و التقدير و الأعراض و الصور و الطول والعرض، و منها العمل و الحركات الّتي تصنع الأشياء و تعملها وتغيّرها من حال إلى حال و تزيدها و تنتقصها، فأمّا الأعمال والحركات فابنّها تنطلق لأنّه لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج إليه، فإذا فرغ من الشيء انطلق بالحركة و بقي الأثر، و يجري مجرى الكلام الّذي يذهب و يبقى أثره.
قال له عمران: يا سيّدي ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحداً لاشيء غيره ولا شيء معه أليس قد تغيّر بخلقه الخلق؟ قال له الرضا علیه السلام: لم يتغيّر عزّ و جلّ بخلق الخلق، ولكنَّ الخلق يتغيّر بتغييره. قال عمران: فبأيّ شيء عرفناه؟ قال: بغيره. قال: فأيّ شيء غيره؟ قال الرضا علیه السلام: مشيّته و اسمه و صفته و ما أشبه ذلك، وكلّ ذلك محدث مخلوق مدبّر ، قال عمران: يا سيّدي فأيّ شيء هو؟ قال: هو نور بمعنى أنّه هاد لخلقه من أهل السماء و أهل الأرض، و ليس لك عليّ أكثر من توحيدي إيّاه.
قال عمران: يا سيّدي أليس قد كان ساكتاً قبل الخلق لا ينطق ثمّ نطق، قال
الرضا علیه السلام: لا يكون السكوت إلّا عن نطق قبله. و المثل في ذلك أنّه لا يقال للسراج: هو ساکت لا ينطق، ولا يقال: إنّ السراج ليضيء فيما يريد أن يفعل بنا، لأنّ الضوء من السراج ليس بفعل منه ولاكون، و إنّما هو ليس شيء غيره، فلمّا استضاء لنا قلنا: قد أضاء لنا حتّى استضأنا به، فهذا تستبصر أمرك.
قال عمران: يا سيّدي فإنّ الّذي كان عندي أنّ الكائن قد تغيّر في فعله عن حاله بخلقه الخلق، قال الرضا علیه السلام: أحلت یا عمران في قولك: إنّ الكائن يتغيّر في وجه من الوجوه حتّى يصيب الذات منه ما يغيّره، يا عمران هل تجد النار يغيّرها تغيّر نفسها؟ أو هل تجد الحرارة تحرق نفسها؟ أو هل رأيت بصيراً قطّ رأي بصره؟ قال عمران: لم أر هذا، ألا تخبرني يا سيّدي أهو في الخلق أم الخلق فيه؟ قال الرضا علیه السلام: جلّ يا عمران عن ذلك، ليس هو في الخلق و لا الخلق فيه، تعالى عن ذلك، وساُعلّمك ما تعرفه به ولا قوَّة إلّا بالله، أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك؟ فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأيّ شيء استدللت بها على نفسك؟ قال عمران: بضوء بيني و بينها، قال الرضا علیه السلام: هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر ممّا تراه في عينك؟ قال: نعم، قال الرضا علیه السلام فأرناه، فلم يحر جواباً، قال علیه السلام: فلا أرى النور إلّا وقد دلّك ودلّ المرآة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما، ولهذا أمثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالاً، ولله المثل الأعلى.
ثمَّ التفت إلى المأمون فقال: الصلاة قد حضرت، فقال عمران: يا سيّدي لا تقطع عليّ مسألتي فقدرقّ قلبي، قال الرضا علیه السلام: نصلّي ونعود، فنهض و نهض المأمون فصلّى الرضا علیه السلام داخلاً، وصلّى الناس خارجاً خلف محمّد بن جعفر، ثمَّ خرجا فعاد الرضا علیه السلام إلى مجلسه و دعا بعمران فقال: سل يا عمران، قال: يا سيّدي ألا تخبرني عن الله عزّ و جلّ هل يوحّد بحقيقة أو يوحّد بوصف؟ قال الرضا علیه السلام: إن الله المبدىء الواحد الكائن الأوّل لم يزل واحداً لاشيء معه، فرداً لاثاني معه، لا معلوماً ولا مجهولاً، ولا محكماً ولا متشابهاً، ولا
مذكوراً ولا منسيّاً، ولا شيئاً يقع عليه اسم شيء من الأشياء غيره، ولا من وقت كان، ولا إلى وقت يكون، ولا بشيء قام، ولا إلى شيء يقوم، ولا إلى شيء استند، ولا في شيء استكنّ، و ذلك كلّه قبل الخلق إذ لا شيء غيره، و ما أوقعت عليه من الكلّ فهي صفات محدثة و ترجمة يفهم بها من فهم، واعلم أنّ الإبداع و المشيّة و الإرادة معناها واحد و أسماؤها ثلاثة وكان أوّل إبداعه وإرادته و مشيّته الحروف الّتي جعلها أصلاً لكلّ شيء، و دليلاً على كلّ مدرك، و فاصلاً لكلّ مشكل، وبتلك الحروف تفريق كلّ شيء من اسم حقّ و باطل، أو فعل أو مفعول، أو معنى أو غير معنى، و عليها اجتمعت الاُمور كلّها، ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها يتناهي ولا وجود لها لأنّها مبدعة بالإبداع، و النور في هذا الموضع أوّل فعل الله الّذي هو نور السماوات والأرض، والحروف هي المفعول بذلك الفعل، و هي الحروف الّتي عليها الكلام و العبارات كلّها من الله عزّ وجلّ، علّمها خلقه و هي ثلاثة و ثلاثون حرفاً، فمنها ثمانية وعشرون حرفاً تدلّ على لغات العربيّة، و من الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفاً تدلّ على لغات السريانيّة والعبرانيّة، ومنها خمسة أحرف متحرّفه في سائر اللّغات من العجم لأقاليم اللّغات كلّها، و هي خمسة أحرف تحرّفت من الثمانية و العشرين الحرف من اللّغات فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفاً، فأمّا الخمسة المختلفة فحجج لا يجوز ذكرها أكثر ممّا ذكرناه، ثمَّ جعل الحروف بعد إحصائها و إحكام عدّتها فعلاً منه كقوله عزّ وجلّ: «كن فيكون» وكن منه صنع، و ما يكون به المصنوع، فالخلق الأوّل من الله عزّ و جلّ الإبداع لاوزن له ولاحركة ولا سمع ولالون و لاحسّ، و الخلق الثاني الحروف لاوزن لها ولالون وهي مسموعة موصوفة غير منظور إليها، و الخلق الثالث ما كان من الأنواع كلّها محسوساً ملموساً ذا ذوق منظور إليه، و الله تبارك و تعالى سابق للإبداع لأنّه ليس قبله عزّ و جلّ شيء، ولا كان معه شيء، والإبداع سابق للحروف و الحروف لا تدلّ على غير نفسها.
قال المأمون: وكيف لا تدلّ على غير نفسها؟ قال الرضا علیه السلام: لأنّ الله تبارك و تعالى لا يجمع منها شيئاً لغير معنى أبداً، فإذا ألّف منها أحرفاً أربعة أو خمسة أو ستّة أو أكثر من ذلك أو أقلّ لم يؤلّفها لغير معنى، و لم يك إلّا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئاً.
قال عمران: فكيف لنا بمعرفة ذلك؟ قال الرضا علیه السلام: أمّا المعرفة فوجه ذلك وبيانه أنّك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير نفسها ذكرتها فرداً فقلت: ا ب ت ث ج ح خ حتّى تأتي على آخرها، فلم تجد لها معنى غير أنفسها، فإذا ألّفتها و جمعت منها أحرفاً وجعلتها اسماً و صفة لمعنى ما طلبت و وجه ما عنيت كانت دليلة على معانيها، داعيةً إلى الموصوف بها، أفهمته؟ قال: نعم، قال الرضا علیه السلام: واعلم أنّه لا تكون صفة لغير موصوف، ولا اسم لغير معنى، ولا حدّ لغير محدود، و الصفات و الأسماء كلّها تدلّ على الكمال و الوجود، ولا تدلّ على الإحاطة، كما تدلّ على الحدود الّتي هي التربيع والتثليث و التسديس، لأنَّ الله عزّ و جلّ تدرك معرفته بالصفات و الأسماء و لاتدرك بالتحديد بالطول و العرض و القلّة و الكثرة و اللّون و الوزن و ما أشبه ذلك، وليس يحلّ بالله جلّ و تقدّس شيء من ذلك حتّى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضرورة الّتي ذكرنا، ولكن يدلّ على الله عزّ و جلّ بصفاته، و يدرك بأسمائه، و يستدلُّ عليه بخلقه حتّى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين ولا استماع اُذن ولا لمس كفّ و لا إحاطة بقلب، فلو كانت صفاته جلَّ ثناؤه لا تدلّ عليه و أسماؤه لا تدعو إليه و المعلمة من الخلق لاتدركه لمعناه كانت العبادة من الخلق لأسمائه و صفاته دون معناه، فلولا أنَّ ذلك كذلك لا تدركه لمعناه كانت العبادة من الخلق لأسمائه و صفاته دون معناه، فلولا أنَّ ذلك كذلك لكان المعبود الموحّد غير الله، لأنّ صفاته و أسماءه غيره، أفهمت؟ قال: نعم يا سيّدي زدني.
قال الرضا علیه السلام: إيّاك و قول الجهّال أهل العمى والضلال الّذين يزعمون أنَّ الله جلّ و تقدّس موجود في الآخرة للحساب و الثواب والعقاب، و ليس بموجود في الدنيا للطاعة و
الرجاء، و لو كان في الوجود لله عزّ و جلّ نقص و اهتضام لم يوجد في الآخرة أبداً، و لكنَّ القوم تاهوا و عموا وصمّوا عن الحقّ من حيث لا يعلمون، و ذلك قوله عزّ و جلّ: «و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى و أضلّ سبيلاً» يعني أعمى عن الحقائق الموجودة، و قد علم ذووالألباب أنَّ الاستدلال على ما هناك لا يكون إلّا بما ههنا، من أخذ علم ذلك برأيه وطلب وجوده وإدراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلّا بعداً، لأنَّ الله عزّ و جلّ جعل علم ذلك خاصّة عند قوم يعقلون و يعلمون و يفهمون.
قال عمران: يا سيّدي ألا تخبرني عن الإبداع أخلق هو أم غير خلق؟ قال له الرضا علیه السلام: بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون، و إنّما صار خلقاً لأنّه شيء محدث، والله الّذي أحدثه فصار خلقاً له، وإنّما هو الله عزّ و جلّ و خلقه لاثالث بينهما، ولا ثالث غيرهما، فما خلق الله عزّ و جلّ لم يعدّ أن يكون خلقه، وقد يكون الخلق ساكناً و متحرّكاً ومختلفاً و مؤتلفاً و معلوماً و متشابهاً، وكلّ ما وقع عليه حدٌ فهو خلق الله عزّ وجلّ، واعلم أنَّ كلّ ما أوجدتك الحواسُّ فهو معنى مدرك للحواسّ، وكلّ حاسّة تدلّ على ما جعل الله عزّ و جلّ لها في إدراكها، و الفهم من القلب بجميع ذلك كلّه.
و اعلم أنَّ الواحد الّذي هو قائم بغير تقدير و لا تحديد خلق خلقاً مقدّراً بتحديد و تقدير، وكان الّذي خلق خلقين اثنين: التقدير والمقدّر، وليس في واحد منهما لون ولاوزن ولا ذوق فجعل أحدهما يدرك بالآخر، و جعلهما مدركين بنفسهما، و لم يخلق شيئاً فرداً قائماً بنفسه دون غيره للّذي أراد من الدلاله على نفسه وإثبات وجوده، فالله تبارك و تعالى فردٌ واحدٌ لاثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يكنّه، والخلق يمسك بعضه بعضاً بإذن الله و مشيّته، و إنّما اختلف الناس في هذا الباب حتّى تاهوا و تحيّروا و طلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحقّ بعداً، ولو وصفوا الله عزّ وجلّ بصفاته و وصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين و لما اختلفوا، فلمّا طلبوا من ذلك ما تحيّروا
فيه ارتكبوا فيه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
قال عمران: يا سيّدي أشهد أنّه كما وصفت، و لكن بقيت لي مسألة، قال: سل عمّا أردت، قال: أسألك عن الحكيم في أيّ شيء هو؟ و هل يحيط به شيء؟ و هل يتحوّل من شيء إلى شيء، أو به حاجة إلى شيء؟ قال الرضا علیه السلام: اُخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه فإنّه من أغمض ما يرد على المخلوقين في مسائلهم، وليس يفهمهه المتفاوت عقله العازب حلمه، ولا يعجز عن فهمه اُولو العقل المنصفون، أما أوّل ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول: يتحوّل إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك، و لكنّه عزّ و جلّ لم يخلق شيئاً لحاجة، ولم يزل ثابتاً لا في شيء ولا على شيء إلّا أنَّ الخلق يمسك بعضه بعضاً، و يدخل بعضه في بعض، و يخرج منه، والله جلّ و تقدّس بقدرته يمسك ذلك كلّه، و ليس يدخل في شيء ولا يخرج منه، ولا يؤوده حفظه، ولا يعجز عن إمساكه، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك إلّا الله عزّ وجلّ، و من أطلعه عليه من رسله، و أهل سرّه و المستحفظين لأمره، و خزّانه القائمين بشريعته، وإنّما أمره كلمح بالبصر أو هو أقرب، إذا شاء شيئاً فإنّما يقول له: كن فيكون بمشيّته وإرادته، وليس شيء من خلقه أقرب إليه من شيء، ولاشيء أبعد منه من شيء أفهمت يا عمران؟ قال: نعم يا سيّدي قد فهمت، و أشهد أنَّ الله على ما وصفته و وحّدته، وأنَّ محمّداً عبده المبعوث بالهدى ودين الحقّ، ثمَّ خرّ ساجداً نحو القبلة و أسلم.
قال الحسن بن محمّد النوفليّ فلمّا نظر المتكلّمون إلى كلام عمران الصابیء وكان جدلاً لم يقطعه عن حجّته أحد قطّ لم يدن من الرضا علیه السلام أحدٌ منهم، و لم يسألوه عن شيء، و أمسينا ، فنهض المأمون و الرضا علیه السلام فدخلا و انصرف الناس، وكنت مع جماعة من أصحابنا إذ بعث إلىّ محمّد بن جعفر فأتيته فقال لي: يا نوفليّ أما رأيت ما جاء به صديقك، لا والله ما ظننت أنّ عليّ بن موسى علیهما السلام خاض في شيء من هذا قطّ ولا عرفناه به، إنّه كان
يتكلّم بالمدينة أو يجتمع إليه أصحاب الكلام؟ قلت: قد كان الحاجّ يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم و حرامهم فيجيبهم، و ربّما كلّم من يأتيه يحاجّه.
فقال محمّد بن جعفر: يا أبا محمّد إنّي أخاف عليه أن يحسده هذا الرجل فيسمّه أو يفعل به بليّة فأشر عليه بالإمساك عن هذه الأشياء، قلت: إذاً لا يقبل منّي، و ما أراد الرجل إلّا امتحانه ليعلم هل عنده شيء من علوم آبائه علیهم السلام، فقال لي: قل له: إنّ عمّك قد كرة هذا الباب و أحبّ أن تمسك عن هذه الأشياء لخصال شتّى. فلمّا انقلبت إلى منزل الرضا علیه السلام أخبرته بما كان من عمّه محمّد بن جعفر فتبسّم ثمّ قال: حفظ الله عمّى ما أعرفني به، لم كره ذلك؟ يا غلام صر إلى عمران الصابیء فأتني به، فقلت: جعلت فداك أنا أعرف موضعه و هو عند بعض إخواننا من الشيعة، قال: فلا بأس، قرّبوا إليه دابّة، فصرت إلى عمران فأتيته به فرحّب به و دعا بكسوة فخلعها عليه و حمله و دعا بعشرة آلاف درهم فوصله بها، فقلت: جعلت فداك حكيت فعل جدّك أمير المؤمنين علیه السلام، قال: هكذا يجب. ثمَّ دعا علیه السلام بالعشاء فأجلسني عن يمينه، و أجلس عمران عن يساره حتّى إذا فرغنا قال لعمران: انصرف مصاحباً، و بكّر علينا نطعمك طعام المدينة. فكان عمران بعد ذلك يجتمع إليه المتكلّمون من أصحاب المقالات فيبطل أمرهم حتّى اجتنبوه، و وصله المأمون بعشرة آلاف درهم، و أعطاه الفضل مالاً و حمله، و ولّاه الرضا علیه السلام صدقات بلخ فأصاب الرغائب. (1)
ج: مرسلاً مثله إلّا أنّه أسقط بعض المطالب الغامضة. (2)
أقول: هذا الخبر من متشابهات الأخبار الّتي لا يعلم تأويلها إلّا الله والراسخون في العلم، ولا يلزمنا فيها سوى التسليم، وإنّما ذكرنا فيها ما ذكرنا على سبيل الاحتمال على قدر ما يصل ابليه فهمي الناقص، مع أنَّ في تلك الأخبار الطويلة المشتملة على المعاني المعضلة
كثيراً ما يقع التحريف و الإسقاط من الرواة. والله يعلم وحججه صلوات الله عليهم حقائق كلامهم.
2 - ن: الهمدانيّ والمكتّب و الورّاق، عن أبيه، عن عليّ، عن صفوان بن يحيى صاحب السابريّ قال: سألني أبوقرَّة صاحب الجاثلیق أن اُوصله إلى الرضا علیه السلام فاستأذنته في ذلك، فقال: أدخله عليّ، فلمّا دخل عليه قبّل بساطه و قال: هكذا علينا في ديننا أن نفعل بأشراف أهل زماننا، ثمَّ قال له: أصلحك الله ما تقول في فرقة ادّعت دعوى فشهدت لهم فرقة اُخرى معدّلون؟ قال: الدعوى لهم، قال: فادّعت فرقة اُخرى دعوى فلم يجدوا شهوداً من غيرهم؟ قال: لا شيء لهم، قال فإنّا نحن ادّعينا أنّ عيسى روح الله و كلمته، فوافقنا على ذلك المسلمون، و ادّعى المسلمون أنّ محمّداً نبيٌّ فلم نتابعهم عليه، و ما أجمعنا عليه خير ممّا افترقنا فيه، فقال له الرضا علیه السلام: ما اسمك؟ قال يوحنّا، قال: يا يوحنّا إنّا آمنّا بعيسى روح الله وكلمته الّذي كان يؤمن بمحمّد و يبشّر به و يقرّ على نفسه أنّه عبد مربوب، فإن كان عيسى الّذي هو عندك روح الله وكلمته ليس هو الّذي آمن بمحمّد و بشّر به، ولا هو الّذي أقرَّ لله بالعبوديّة و الربوبيّة فنحن منه برآء، فأين اجتمعنا؟ فقام فقال لصفوان بن يحيى: قم فما كان أغنانا عن هذا المجلس؟! (1)
3- ج: عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرَّة المحدّث صاحب شيرمة أن اُدخله إلى أبي الحسن الرضا علیه السلام فاستأذنته فأذن له، فدخل فسأله عن أشياء من الحلال والحرام و الفرائض و الأحكام حتّى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال له: أخبرني جعلني الله فداك عن كلام الله لموسى، فقال: الله أعلم بأيّ لسان كلّمه، بالسريانيّة أم بالعبرانيّة فأخذ أبوقرَّة بلسانه فقال: إنّما أسألك عن هذا اللّسان، فقال أبو الحسن علیه السلام: سبحان الله عمّا تقول، و معاذ الله أن يشبه خلقه أو يتكلّم بمثل ما هم متكلّمون، و لكنّه تبارك و تعالى ليس كمثله شيء
1) عيون الاخبار: 345.
ولا كمثله قائل فاعل، قال: كيف ذلك؟ قال: كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق، ولا يلفظ بشقّ فم ولالسان، و لكن يقول له: كن، فكان بمشيّته ما خاطببن موسى من الأمر والنهي من غير تردّد في نفس.
فقال أبوقرّة: فما تقول في الكتب؟ فقال أبو الحسن علیه السلام: التوراة والإنجيل و الزبور و الفرقان وكلّ كتاب اُنزل كان كلام الله تعالى، أنزله للعالمين نوراً وهدى و هي كلّها محدثة و هي غير الله، حيث يقول: «أو يحدث لهم ذكراً» و قال: «ما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدث إلّا استمعوه و هم يلعبون» والله أحدث الكتب كلّها الّتي أنزلها، فقال أبوقرَّة: فهل يفنى؟ فقال أبو الحسن علیه السلام: أجمع المسلمون على أنّ ما سوى الله فان و ما سوى الله فعل الله، و التوراة والإنجيل والزبور و الفرقان فعل الله تعالى، ألم تسمع الناس يقولون: ربّ القرآن؟ و إنّ القرآن يقول يوم القيامة: يا ربّ هذا فلان - و هو أعرف به - قد أظمأت نهاره، و أسهرت ليله، فشفّعني فيه؟ وكذلك التوراة والإنجيل والزبور كلّها محدثة مربوبة، أحدثها من ليس كمثله شيء، هدى لقوم يعقلون، فمن زغم أنّهنّ لم يزلن فقد أظهر أن الله ليس بأوّل قديم ولا واحد، و أنّ الكلام لم يزل معه و ليس له بدؤ و ليس بإله، قال أبوقرَّة: وإنّا روينا أنّ الكتب كلّها تجيء يوم القيامة و الناس في صعيد واحد، صفوف قيام لربّ العالمين، ينظرون حتّى ترجع فيه، لأنّها منه و هي جزء منه فإليه تصير، قال أبو الحسن علیه السلام: فهكذا قالت النصارى في المسيح: إنّه روحه جزء منه و يرجع فيه، وكذلك قالت المجوس في النار و الشمس: إنّهما جزء منه يرجع فيه، تعالى ربّنا أن يكون متجزّئاً أو مختلفاً، وإنّما يختلف و يأتلف المتجزىء لأنَّ كلّ متجزّءٍ متوهّم والقلّة و الكثرة مخلوقة دالّة على خالق خلقها.
فقال أبو قرّة: فإنّا روينا أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيّين، فقسّم لموسى الكلام، و لمحمّد صلی الله علیه و آله و سلم الرؤية، فقال أبو الحسن علیه السلام: فمن المبلّغ عن الله إلى الثقلين من الجنّ والإنس: إنّه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علماً، و ليس كمثله شيء؟ أليس محمّد؟ قال: بلى، قال
أبو الحسن علیه السلام: فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله، و أنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول: إنّه لاتدركه الأبصار، ولا يحيطون به علماً، وليس كمثله شيء، ثمَّ يقول: أنا رأيته بعيني، و أحطت به علماً، و هو على صورة البشر؟ أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون أتى عن الله بأمر ثمَّ يأتي بخلافه من وجه آخر! فقال أبوقرَّة: فإنّه يقول: «ولقد رآه نزلة اُخرى» فقال أبو الحسن علیه السلام: إنَّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأي حيث يقول: «ما كذب الفؤاد ما رأى» يقول: ما كذب فؤاد محمّد صلی الله علیه و آله و سلم ما رأت عيناه، ثمَّ أخبر بما رأت عيناه فقال: «لقد رأى من آيات ربّه الكبرى» فآيات الله غير الله. وقال: «ولا يحيطون به علماً» فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم و وقعت المعرفة، فقال أبوقرَّة فتكذّب بالرواية؟ فقال أبو الحسن علیه السلام: إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذّبتها، و ما أجمع المسلمون عليه أنّه لا يحاط به علماً، ولاتدركه الأبصار، و ليس كمثله شيء.
و سأله عن قول الله: «سبحان الّذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام» فقال أبو الحسن: قد أخبر الله تعالى أنّه أسرى به، ثمّ أخبر لم أسرى به فقال: «لنريه من آياتنا» فآيات الله غير الله، لقد أعذر وبيّن لم فعل به ذلك و ما رآه، فقال: «فبأيّ حديث بعد الله و آياته يؤمنون» فأخبر أنّه غير الله.
فقال أبوقرّة: فأين الله؟ فقال أبو الحسن علیه السلام: الأين مكان، وهذه مسألة شاهد عن غائب، والله تعالى ليس بغائب، ولا يقدمه قادم، و هو بكلّ مكان موجود، مدبّر صانع حافظ ممسك السماوات والأرض.
فقال أبو قرَّة: أليس هو فوق السماء دون ما سواها؟ فقال أبو الحسن علیه السلام: هو الله في السماوات و في الأرض، و هو الّذي في السماء إله و في الأرض إله، و هو الّذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء، و هو معكم أينما كنتم، و هو الّذي استوى إلى السماء و هي دخان، و هو الّذي استوى إلى السماء فسوّاهن سبع سماوات، و هو الّذي استوى على العرش، قد كان
ولا خلق، وهو كما كان إذ لاخلق، لم ينتقل مع المنتقلين.
فقال أبوقرّة: فما بالكم إذا دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء؟ فقال أبو الحسن علیه السلام: إنّ الله استعبد خلقه بضروب من العبادة، و لله مفازع يفزعون إليه و يستعبد فاستعبد عباده بالقول والعلم و العمل و التوجيه و نحو ذلك، استعبدهم بتوجيه الصلاة إلى الكعبة، ووجّه إليها الحجّ و العمرة، و استعبد خلقه عند الدعاء و الطلب و التضرّع ببسط الأيدي و رفعها إلى السماء لحال الاستكانة و علامة العبوديّة و التذلّل له.
فقال أبوقرّة: فمن أقرب إلى الله؟ الملائكة أو أهل الأرض؟ قال أبو الحسن علیه السلام: إن كنت تقول بالشبر و الذراع فإنّ الأشياء كلّها بابٌ واحدٌ هي فعله، لا يشتغل ببعضها عن بعض، يدبّر أعلى الخلق من حيث يدبّر أسفله، و يدبّر أوّله من حيث یدبّر آخره، من غير عناء ولا كلفة ولا مؤونة و لامشاورة و لا نصب، و إن كنت تقول: من أقرب إليه في الوسيلة؟ فأطوعهم له، وأنتم تروون أنّ أقرب ما يكون العبد إلى الله و هو ساجد، و رويتم أنّ أربعة أملاك التقوا أحدهم من أعلى الخلق، و أحدهم من أسفل الخلق، و أحدهم من شرق الخلق، و أحدهم من غرب الخلق، فسأل بعضهم بعضاً فكلّهم قال: من عند الله، أرسلني بكذا وكذا، ففي هذا دليل على أنّ ذلك في المنزلة دون التشبيه و التمثيل.
فقال أبوقرَّة: أتقرّ أنَّ الله تعالى محمولٌ؟ فقال أبو الحسن علیه السلام: كلّ محمول مفعولٌ و مضاف إلى غيره محتاجٌ، فالمحمول اسم نقص في اللّفظ، و الحامل فاعلٌ، و هو في اللّفظ ممدوح، وكذلك قول القائل: فوق وتحت و أعلى و أسفل، وقد قال الله تعالى: «و الله الأسماء الحسنى فادعوه بها» و لم يقل في شيء من كتبه أنّه محمول، بل هو الحامل في البرّ و البحر، و الممسك للسماوات والأرض، و المحمول ما سوى الله، و لم نسمع أحداً آمن بالله و عظّمه قطّ قال في دعائه: يا محمول.
قال أبو قرَّة: أفتكذّب بالرواية: إنّ الله إذا غضب إنّما يعرف غضبه، إنّ الملائكة الّذين
يحملون العرش يجدون ثقله على كو اهلهم فيخرُّون سجّداً، فإذا ذهب الغضب خفّ فرجعوا إلى مواقفهم؟ فقال علیه السلام: أخبرني عن الله تبارك و تعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا و إلى یوم القيامة غضبان هو على إبليس و أوليائه أوراضٍ عنهم؟ فقال: نعم هو غضبان عليه، قال فمتى رضي فخفّف و هو في صفتك لم يزل غضبان عليه و على أتباعه؟! ثمَّ قال: ويحك كيف تجترىء أن تصف ربّك بالتغيّر من حال إلى حال، و أنّه يجري عليه ما يجري على المخلوقين؟ سبحانه لم يزل مع الزائلين، و لم يتغيّر مع المتغيّرين. قال صفوان: فتحيّر أبو قرّة ولم يحر جواباً حتّى قام و خرج. (1)
1) الاحتجاج: 221 و 222.
1 - ن: حدّثنا عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس النيسابوريّ رضي الله عنه بنيسابور في شعبان سنة اثنتين و خمسين وثلاثمائة، قال: حدَّثنا عليّ بن محمّد بن قتيبة النيسابوريّ عن الفضل بن شاذان قال: سأل المأمون عليّ بن موسى الرضا علیه السلام أن يكتب له محض الإسلام على الإيجاز و الاختصار فكتب علیه السلام.
إنّ محض الإسلام شهادة أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً أحداً صمداً قيّوماً سميعاً بصيراً قديراً قديماً باقياً، عالماً لا يجهل، قادراً لا يعجز، غنيّاً لایحتاج، عدلاً لا يجور، وإنّه خالق كلّ شيء، و ليس كمثله شيء، لاشبه له ولا ضدّ له ولا كفوله، و أنّه المقصود بالعبادة و الدعاء و الرغبة و الرهبة، و أنّ محمّداً صلی الله علیه و آله و سلم عبده و رسوله، و أمينه و صفيّه، و صفوته من خلقه، و سيّد المرسلين و خاتم النبيّين، و أفضل العالمين، لانبيّ بعده، ولا تبديل لملّته، ولا تغيير لشريعته، و أنّ جميع ما جاء به محمّد بن عبدالله هو الحقّ المبين، والتصديق به و بجميع من مضى قبله من رسل الله وأنبيائه و حججه، و التصديق بكتابه الصادق العزيز الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، و
أنّه المهيمن على الكتب كلّها، و أنّه حقّ من فاتحته إلى خاتمته، نؤمن بمحكمه و متشابهه و خاصّه و عامّه و وعده و وعیده و ناسخه و منسوخه و قصصه و أخباره، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله.
و أنّ الدليل بعده و الحجّة على المؤمنين و القائم بأمر المسلمين و الناطق عن القرآن و العالم بأحكامه أخوه وخليفته و وصيّه و وليّه، الّذي كان منه بمنزلة هارون من موسى عليّ بن أبي طالب علیه السلام أمير المؤمنين، و إمام المتّقين، وقائد الغرِّ المحجّلين، و أفضل الوصيّين، و وارث علم النبيّين و المرسلين؛ و بعده الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، ثمَّ عليّ بن الحسين زين العابدين، ثمَّ محمّد بن عليّ باقر علم الأوّلين، ثمَّ جعفر بن محمّد الصادق وارث علم الوصيّين، ثمَّ موسى بن جعفر الكاظم، ثمَّ عليّ بن موسى الرضا، ثمَّ محمّد بن عليّ، ثمَّ عليّ بن محمّد، ثمَّ الحسن بن عليّ، ثمَّ الحجّة القائم المنتظر ولده صلوات الله عليهم أجمعين، أشهد لهم بالوصيّة والإمامة، و أنّ الأرض لا تخلو من حجّة الله تعالى على خلقه كلّ عصر و أوان، وأنّهم العروة الوثقی، و أئمّة الهدى، والحجّة على أهل الدنيا إلى أن يرث الله الأرض و من عليها.
و أنّ كلّ من خالفهم ضالّ مضلّ، تارك للحقّ والهدى، وأنهم المعبّرون عن القرآن، و الناطقون عن الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بالبيان، من مات و لم يعرفهم مات ميتة جاهليّة. و أنَّ من دينهم الورع و العفّة، و الصدق و الصلاح، والاستقامة والاجتهاد، وأداء الأمانة إلى البرّ و الفاجر، و طول السجود، وصيام النهار، وقيام اللّيل، و اجتناب المحارم، و انتظار الفرج بالصبر، وحسن العزاء، وكرم الصحبة.
ثمَّ الوضوء كما أمر الله عزّ وجلّ في كتابه: غسل الوجه و اليدين إلى المرفقين و مسح الرأس والرجلين مرّة واحدة، ولا ينقض الوصوء إلّا غائط أو بول أو ريح أو نوم أو جنابة، و إن مسح على الخفّين فقد خالف الله تعالى ورسوله صلی الله علیه و آله و سلم و ترك فريضته و كتابه.
و غسل يوم الجمعة سنّةٌ، و غسل العيدين و غسل دخول مكّة والمدينة و غسل الزيارة و غسل الإحرام و أوَّل ليلة من شهر رمضان وليلة سبعة عشر وليلة تسعة عشر و ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان هذه الأغسال سنّةٌ، و غسل الجنابة فريضةٌ، و غسل الحيض مثله.
و الصلاة الفريضة الظهر أربع ركعات، و العصر أربع ركعات، و المغرب ثلاث ركعات، و العشاء الآخرة أربع ركعات، و الغداة ركعتان، هذه سبع عشرة ركعة؛ و السنّة أربع و ثلاثون ركعة: ثمان ركعات قبل فريضة الظهر، و ثمان ركعات قبل العصر، و أربع ركعات بعد المغرب، و ركعتان من جلوس بعد العتمة تعدّان بركعة و ثمان ركعات في السحر، و الشفع والوتر ثلاث ركعات تسلّم بعد الركعتين، و ركعتا الفجر.
والصلاة في أوّل الوقت، و فضل الجماعة على الفرد أربع و عشرون، ولاصلاة خلف الفاجر، ولا يقتدى إلّا بأهل الولاية، ولا تصلّي في جلود السباع، ولا يجوز أن تقول في التشهّد الأوّل: السلام علينا و على عباد الله الصالحين، لأنَّ تحليل الصلاة التسليم فإذا قلت هذا فقد سلّمت . و التقصير في ثمانية فراسخ و مازاد، و إذا قصّرت أفطرت، و من لم يفطر لم يجز عنه صومه في السفر و عليه القضاء لأنّه ليس عليه صوم في السفر، و القنوت سنّة واجبة في الغداة و الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة. و الصلاة على الميّت خمس تكبيرات، فمن نقص فقد خالف، و الميّت يسلُّ من قبل رجليه و يرفق به إذا اُدخل قبره. و الإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنّة.
والزكاة الفريضة في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، ولا يجب فيمادون ذلك شيء ولا تجب الزكاة على المال حتّى يحول عليه الحول، ولا يجوز أن يعطى الزكاة غير أهل الولاية المعروفين، و العشر من الحنطة والشعير و التمر و الزبيب إذا بلغ خمسة أو ساق، و الوسق ستّون ساعاً، و الصاع أربعة أمداد؛ و زكاة الفطر فريضة، على كل رأس صغير أو كبير حرّ أو
عبد ذكر أو اُنثى من الحنطة والشعير و التمر و الزبيب صاع، و هو أربعة أمداد، ولا يجوز دفعها إلّا على أهل الولاية.
وأكثر الحيض عشرة أيّام، وأقلّه ثلاثة أيّام، والمستحاضة تحتشي و تغتسل و تصلّي، و الحائض تترك الصلاة و لاتقضي، و تترك الصوم و تقضي. و صيام شهر رمضان فريضةٌ، يصام للرؤية ويفطر للرؤية، ولا يجوز أن يصلّى تطوّع في الجماعة، لأنّ ذلك بدعة، وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار، وصوم ثلاثة أيّام في كلّ شهر سنّة، في كلّ عشرة أيّام يوم: أربعاء بين خميسين. و صوم شعبان حسن لمن صامه، و إن قضيت فوائت شهر رمضان متفرّقاً أجزأ.
وحجّ البيت فريضة على من استطاع إليه سبيلاً، والسبيل: الزاد والراحلة مع الصحّة، ولا يجوز الحجّ إلّا تمتّعاً، لا يجوز القران والإفراد الّذي يستعمله العامّة إلّا لأهل مكّة و حاضريها، ولا يجوز الإحرام دون الميقات، قال الله عزّ وجلّ: «و أتمّوا الحجّ و العمرة لله» ولا يجوز أن يضحّى بالخصيّ لأنّه ناقص، و يجوز الوجيء. و الجهاد واجب مع الإمام العادل، و من قتل دون ماله فهو شهيد، ولا يجوز قتل أحد من الكفّار و النصّاب في دار التقيّة إلّا قاتل أو ساعٍ في فساد، و ذلك إذا لم تخف على نفسك و على أصحابك، و التقيّة في دار التقيّة واجبة، ولا حنث على من حلف تقيّة يدفع بها ظلماً عن نفسه.
والطلاق للسنّة على ما ذكره الله عزّ وجلّ في كتابه و سنّة رسوله صلی الله علیه و آله و سلم، ولا يكون طلاق لغير السنّة، وكلُّ طلاق يخالف الكتاب فليس بطلاق، كما أنّ كل نكاح يخالف الكتاب فليس بنكاح، ولا يجوز الجمع بين أكثر من أربع حرائر، و إذا طلّقت المرأة للعدّة ثلاث مرّات لم تحلّ لزوجها حتّى تنكح زوجاً غيره.
و قال أمير المؤمنين علیه السلام: اتّقوا تزويج المطلّقات ثلاثاً في موضع واحد، فإنّهنَّ ذوات أزواج. و الصلاة على النبيّ و آله علیهم السلام واجبةٌ في كلّ موطن و عند العطاس و الذبائح و غير
ذلك.
وحبّ أولياء الله عزّ و جلّ واجب، وكذلك بغض أعداء الله والبراءة منهم و من أئمّتهم. و برّ الوالدين واجبٌ و إن كانا مشركين، ولا طاعة لهما في معصية الخالق ولا لغيرهما، فإنّه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق. وذكاة الجنين ذكاة اُمّه إذا أشعر و أوبر.
و تحليل المتعتين اللّتين أنزلهما الله عزّ وجلّ في كتابه و سنّهما رسول الله عليه و على آله السلام: متعة النساء ، و متعة الحجّ.
و الفرائض على ما أنزل الله عزّ وجلّ في كتابه ، و لا عول فيها، ولا يرث مع الولد و الوالدين أحد إلّا الزوج والمرأة ، و ذو السهم أحقّ ممّن لاسهم له، و ليست العصبة من دين الله عزّ و جلّ.
والعقيقة عن المولود الذكر والاُنثى واجبةٌ، وكذلك تسميته، و حلق رأسه يوم السابع، و يتصدّق بوزن الشعر ذهباً أو فضّة، والختان سنّة واجبة للرجال، و مكرمة للنساء.
و أنّ الله تبارك وتعالى لا يكلّف نفساً إلّا وسعها، و أنّ أفعال العباد مخلوقة لله خلق تقدير لاخلق تكوين، والله خالق كلّ شيء، ولا يقول بالجبر و التفويض ، و لا يأخذ الله عزّ و جلّ البريء بالسقيم، ولا يعذّب الله تعالى الأطفال بذنوب الآباء، و لاتزر وازرة وزر اُخرى، وأنّ ليس للإنسان إلّا ما سعى، ولله عزّ و جلّ أن يعفو و يتفضّل ولا يجور ولا يظلم لأنّه تعالى منزَّه عن ذلك، ولا يفرض الله تعالى طاعة من يعلم أنّه يضلّهم و يغويهم، ولا يختار لرسالته و لا يصطفي من عباده من يعلم أنّه يكفر به و بعبادته و يعبد الشيطان دونه.
و إنَّ الإسلام غير الإيمان، وكلّ مؤمن مسلم، و ليس كلّ مسلم مؤمناً، ولا يسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن، و أصحاب الحدود مسلمون لامؤمنون ولا كافرون، والله عزّ و جلّ لا يدخل النار مؤمناً وقد وعده الجنّة،
ولا يخرج من النار كافراً وقد أوعده النار والخلود فيها، ولا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، و مذنبوا أهل التوحيد يدخلون في النار و يخرجون منها، و الشفاعة جائزة لهم، وإنّ الدار اليوم دار تقيّة و هي دار الإسلام، لادار كفر و لادار إيمان، والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجبان إذا أمكن ولم يكن خيفة على النفس، و الإيمان هو أداء الأمانة، و اجتناب جميع الكبائر، و هو معرفة بالقلب ، و إقرار باللّسان، و عمل بالأركان.
و التكبير في العيدين واجب في الفطر في دبر خمس صلوات، و يبدء به في دبر صلاة المغرب ليلة الفطر؛ و في الأضحى في دبر عشر صلوات، يبدء به من صلاة الظهر يوم النحر و بمنى في دبر خمس عشرة صلاة.
والنفساء لا تقعد عن الصلاة أكثر من ثمانية عشر يوماً، فإن طهرت قبل ذلك صلّت، و إن لم تطهر حتّى تجاوزت ثمانية عشر يوماً اغتسلت وصلّت و عملت ما تعمل المستحاضة.
و تؤمن بعذاب القبر و منكر ونكير و البعث بعد الموت و الميزان والصراط. و البراءة من الّذين ظلموا آل محمّد علیهم السلام و همّوا بإخراجهم و سنّوا ظلمهم وغيّروا سنّة نبيّهم صلی الله علیه و آله و سلم والبراءة من الناكثين والقاسطين و المارقين الّذين هتكوا حجاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ونكثوا بيعة إمامهم و أخرجوا المراءة و حاربوا أمير المؤمنين علیه السلام وقتلوا الشيعة رحمة الله عليهم واجبة، والبراءة ممّن نفى الأخيار وشرّدهم و آوى الطرداء اللّعناء وجعل الأموال دولة بين الأنبياء و استعمل السفهاء مثل معاوية و عمروبن العاص لَعيني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، و البراءة من أشياعهم الّذين حاربوا أمير المؤمنين علیه السلام: وقتلوا الأنصار والمهاجرين وأهل الفضل و الصلاح من السابقين، و البراءة من أهل الاستيثار و من أبي موسى الأشعريّ و أهل ولايته الّذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، اُولئك الّذين كفروا بآيات ربّهم بولاية أمير المؤمنين و لقائه علیه السلام، كفروا بأن لقوا الله بغير إمامته، فحبطت أعمالهم فلانقيم لهم يوم القيامة وزناً فهم كلاب أهل النار، والبراءة من الأنصاب والأزلام
أئمّة الضلال وقادة الجور كلّهم أوّلهم وآخرهم، و البراءة من أشباه عاقري الناقة أشقياء الأوّلين والآخرين و ممّن يتولّاهم.
والولاية لأمير المؤمنين والّذين مضوا على منهاج نبيّهم صلی الله علیه و آله و سلم و لم يغيّروا و لم يبدّلوا مثل سلمان الفارسيّ، و أبي ذرّ الغفاريّ، والمقدادبن الأسود، و عمّار بن ياسر، و حذيفة بن اليمان، و أبي الهيثم بن التيّهان و سهل بن حنيف، وعبادة بن الصامت، و أبي أيّوب الأنصاريّ، و خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، و أبي سعيد الخدريّ و أمثالهم رضي الله عنهم، و الولاية لأتباعهم و أشياعهم والمهتدين بهداهم السالكين منهاجهم رضوان الله عليهم و رحمته.
و تحريم الخمر قليلها وكثيرها، و تحريم كلّ شراب مسكر قليله وكثيره، و ما أسكر كثيره فقليله حرام، والمضطرّ لا يشرب الخمر لأنّها تقتله.
و تحريم كلّ ذيناب من السباع، وكلّ ذي مخلب من الطير، و تحريم الطحال فإنّه دم، و تحريم الجرّيّ و السمك الطافي و المارماهي و الزمّير وكلّ سمك لا يكون له فلس.
واجتناب الكبائر و هي قتل النفس الّتي حرّم الله عزّ وجلّ، والزناء، والسرقة، و شرب الخمر ، و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و أكل مال اليتيم ظلماً، و أكل الميتة والدم ولحم الخنزير و ما اُهلّ لغيرالله به من غير ضرورة، وأكل الربا بعد البيّنة، و السحت، و الميسر و هو القمار، و البخس في المكيال والميزان، و قذف المحصنات، واللّواط، و شهادة الزور، واليأس من روح الله ، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله ، و معونة الظالمين، و الركون إليهم، و اليمين الغموس، و حبس الحقوق من غير عسر، والكذب، و الكبر، و الإسراف و التبذير، و الخيانة، والاستخفاف بالحجّ، والمحاربة لأولياء الله تعالى، و الاشتغال بالملاهي، و الإصرار على الذنوب.
وحدّثني بذلك حمزة بن محمّد بن أبي جعفر بن محمّد بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام قال: حدّثني أبو نصر قنبر بن عليّ بن شاذان، عن أبيه، عن الفضل بن شاذان،
عن الرضا علیه السلام: أنّه لم يذكر في حديثه أنّه كتب ذلك إلى المأمون، و ذكر فيه: الفطرة مدين من حنطة وصاع من الشعير و التمر و الزبيب. و ذكر فيه: أنّ الوضوء مرّة مرّة فريضة، و اثنتان إسباغ. وذكر فيه: أنّ ذنوب الأنبياء علیهم السلام صغائرهم موهوبة. وذكر فيه: أنّ الزكاة على تسعة أشياء: على الحنطة والشعير والتمر و الزبيب و الإبل والبقر والغنم والذهب و الفضّة.
و حدیث عبدالواحد بن محمّد بن عبدوس رضي الله عنه عندي أصحّ ولاقوّة إلّا بالله. وحدّثنا الحاكم أبو محمّد جعفر بن نعيم بن شاذان رضي الله عنه عن عمّه أبي عبدالله محمّد بن شاذان، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا علیه السلام مثل حديث عبدالواحد بن محمّد بن عبدوس. (1)
2 - ف: روي أنّ المأمون بعث الفضل بن سهل ذاالرياستين إلى الرضا علیه السلام فقال له: إنّي أحبّ أن تجمع لي من الحلال والحرام و الفرائض والسنن، فإنك حجّة الله على خلقه و معدن العلم، فدعا الرضا علیه السلام بدواة و قرطاس و قال للفضل: اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم حسبنا شهادة أن لا إله إلّا الله أحداً صمداً لم يتّخذ صاحبة ولا ولداً، قيّوماً سميعاً بصيراً قويّاً قائماً باقياً نوراً، عالماً لا يجهل، قادراً لا يعجز، غنيّاً لا يحتاج، عدلاً لا يجور، خلق كل شيء، ليس كمثله شيء لاشبه له ولا ضدّ ولاندّ ولا كفو، و أنّ محمّداً عبده و رسوله و أمينه و صفوته من خلقه، سيّد المرسلين، و خاتم النبيّين، وأفضل العالمين، لا نبيّ بعده، ولا تبديل لملّته و لاتغيير، و أنّ جميع ما جاء به محمّد صلی الله علیه و آله و سلم هو الحقّ المبين، نصدق به و بجميع من مضى قبله من رسل الله وأنبيائه و حججه، و نصدّق بكتابه الصادق الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأنّه كتابه المهيمن على الكتب كلّها، وأنّه حقّ من فاتحته إلى خاتمته، و نؤمن بمحكمه و متشابهه و خاصّه و عامّه و وعده و وعیده و ناسخه و منسوخه و قصصه و أخباره، لا يقدر واحد
1) عيون الاخبار: 265 - 269.
من المخلوقين أن يأتي بمثله؛ و أنّ الدليل و الحجّة من بعده عليّ أمير المؤمنين، والقائم باُمور المسلمين، والناطق عن القرآن، و العالم بأحكامه، أخوه وخليفته و وصيّه، و الّذي كان منه بمنزلة هارون من موسى عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، و يعسوب المؤمنين، و أفضل الوصيّين بعد النبيّين، و بعده الحسن و الحسين علیهما السلام واحد بعد واحد إلى يومنا هذا عترة الرسول، و أعلمهم بالكتاب و السنّة، و أعدلهم بالقضيّة، و أولاهم بالإمامة كلّ عصر و زمان، و أنّهم العروة الوثقی، و أئمّة الهدى و الحجّة على أهل الدنيا، حتّى أن يرث الله الأرض ومن عليها و هو خير الوارثين، وأنّ كلّ من خالفهم ضالّ مضلّ، تارك للحقّ والهدى، وأنّهم المعبّرون عن القرآن، الناطقون عن الرسل بالبيان، من مات لا يعرفهم ولا يتولّاهم بأسمائهم و أسماء آبائهم مات ميتة جاهليّة، و أنَّ من دينهم الورع و العفّة و الصدق و الصلاح والاجتهاد و أداء الأمانة إلى البرّ و الفاجر، و طول السجود، والقيام باللّيل، و اجتناب المحارم، و انتظار الفرج بالصبر، و حسن الصحبة، و حسن الجوار، وبذل المعروف و كفّ الأذى، وبسط الوجه و النصيحة و الرحمة للمؤمنين.
ثمَّ الوضوء كما أمر الله تعالى في كتابه غسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرجلين، واحد فريضة و اثنان إسباغ، و من زاد أثمَّ ولم يوجر، ولا ينقض الوضوء إلّا الريح و البول و الغائط والنوم والجنابة، و من مسح على الخفّين فقد خالف الله و رسوله وكتابه، ولم يجز عنه وضوؤه، و ذلك أنَّ عليّاً خالف القوم في المسح على الخفّين، فقال له عمر: رأيت النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم يمسح، فقال عليّ علیه السلام: قبل نزول سورة المائدة أو بعدها؟ قال: لا أدري، قال عليّ علیه السلام لكنّني أدري، إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لم يمسح على خفّيه منذ نزلت سورة المائدة.
والاغتسال من الجنابة والاحتلام و الحيض، و غسل من غسّل الميّت فرض، و الغسل يوم الجمعة و العيدين ودخول مكّة والمدينة و غسل الزيارة و غسل الإحرام و يوم عرفة وأوّل ليلة من شهر رمضان و ليلة تسع عشرة منه وإحدى و عشرین و ثلاث و عشرین
منه سنّة.
وصلاة الفريضة، الظهر أربع ركعات، و العصر أربع ركعات، و المغرب ثلاث ركعات، و العشاء الآخرة أربع ركعات، و الفجر ركعتان، فذلك سبع عشرة ركعة، و السنّة أربع و ثلاثون ركعة: منها ثمان قبل الظهر، و ثمان بعدها، و أربع بعد المغرب، و ركعتان من جلوس بعد عشاء الآخرة تعدّان بواحدة، و ثمان في السحر، و الوتر ثلاث ركعات، و ركعتان بعد الوتر، والصلاة في أوّل الأوقات، وفضل الجماعة على الفرد بكلّ ركعة ألفي ركعة، ولا تصلّ خلف فاجر، لا تقتدى إلّا بأهل الولاية، ولا تصلّ في جلود الميتة ولاجلود السباع، و التقصير في أربع فراسخ بريد ذاهب، و بريد جاءٍ اثناعشر ميلاً، وإذا قصرت أفطرت، و القنوت في أربع صلوات : في الغداة، و المغرب، و العتمة، و يوم الجمعة صلاة الظهر، وكلّ القنوت قبل الركوع و بعد القراءة، و الصلاة على الميّت خمس تكبيرات، وليس في صلاة الجنائز تسليم، لأنّ التسليم في صلاة الركوع والسجود، و ليس لصلاة الجنازة ركوع ولاسجود؛ و يربّع قبر الميت ولا يسنّم؛ والكهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة مع فاتحة الكتاب.
والزكاة المفروضة من كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، ولا تجب فيما دون ذلك، و فيما زاد في كلّ أربعين درهماً درهم و لايجب فيمادون الأربعينات شيء، و لا تجب حتّى يحول الحول، ولا تعطى إلّا أهل الولاية والمعرفة و في كلّ عشرين ديناراً نصف دينار.
و الخمس من جميع المال مرّة واحدة، و العشر من الحنطة والشعير و التمر و الزبيب و كلّ شيء يخرج من الأرض من الحبوب إذا بلغت خمسة أوسق ففيه العشر إن كان يسقى سيحاً، وإن كان يسقى بالدوالي ففيها نصف العشر للمعسر و الموسر، و يخرج من الحبوب القبضة و القبضتان، لأنّ الله لا يكلّف نفساً إلّا وسعها، ولا يكلّف العبد فوق طاقته، و الوسق: ستّون صاعاً، الصاع: ستّة أرطال و هو أربعة أمداد، والمدُّ رطل و ربع برطل العراقيّ،
و قال الصادق علیه السلام: هي تسعة أرطال بالعراقيّ، وستّة أرطال بالمدنيّ، وزكاة الفطر فريضةٌ على رأس كلّ صغير أوكبير، حرّ أو عبد، من الحنطة نصف صاع، و من التمر و الزبيب صاع، ولا يجوز أن تعطى غير أهل الولاية لأنّها فريضةٌ، و أكثر الحيض عشرة أيّام، وأقلّه ثلاثة أيّام، والمستحاضة تغتسل وتصلّي، والحائض تترك الصلاة و لا تقضي، و تترك الصيام و تقضيه.
و يصام شهر رمضان لرؤيته، و يفطر لرؤيته، ولا يجوز التراويح في جماعة، وصوم ثلاثة أيّام في كلّ شهر من كلّ عشرة أشهر شهر، خميس من العشر الأوّل، و الأربعاء من العشر الأوسط ، و الخميس من العشر الآخر؛ وصوم شعبان حسن و هو سنة، قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: شعبان شهري، و شهر رمضان شهر الله. و إن قضيت فائت شهر رمضان متفرّقاً أجزأك.
وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً، و السبيل زاد و راحلة، ولا يجوز الحجّ إلّا متمتّعاً، ولا يجوز الإفراد و القران الّذي يعمله العامّة، والإحرام دون الميقات لا يجوز، قال الله «وأتمّوا الحجّ و العمرة لله» ولا يجوز في النسك الخصيّ لأنّه ناقص و يجوز الموجوء.
والجهاد مع إمام عادل، و من قاتل فقتل دون ماله و رحله و نفسه فهو شهيد ولا يحلّ قتل أحد من الكفّار في دار التقيّة إلّا قاتل أو باغ، ذلك إذا لم تحذر على نفسك، و لا أكل أموال الناس من المخالفين وغيرهم، و التقيّة في دار التقيّة واجبة. ولا حنث على من حلف تقيّة يدفع بها ظلماً عن نفسه.
والطلاق بالسنّة على ما ذكر الله جلَّ و عزَّ و سنّه نبيّه، ولا يكون طلاق بغير سنّة، وكلّ طلاق يخالف الكتاب فليس بطلاق، وكلّ نكاح يخالف السنّة فليس بنكاح، ولا تجمع بين أكثر من أربع حرائر، وإذا طلّقت المرأة ثلاث مرّات للسنّة لم تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره وقال أمير المؤمنين علیه السلام: اتّقوا المطلّقات ثلاثاً فإنّهنّ ذوات أزواج.
والصلاة على النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم في كلّ المواطن عند الرياح و العطاس و غير ذلك. وحبُّ أولياء الله و أوليائهم و بغض أعدائه والبراءة منهم و من أئمّتهم.
و برّ الوالدين، و إن كانا مشركين فلاتطعها، وصاحبهما في الدنيا معروفاً لأنّ الله يقول: «اشكر لي ولوالدين إليّ المصير و إن جاهداك على أن تشرك بی ما ليس لك به علم فلاتطعهما» قال أمير المؤمنين علیه السلام: ما صاموا لهم ولا صلّوا و لكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم، ثمَّ قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقول: من أطاع مخلوقً في غير طاعة الله عزّ و جلّ فقد كفر و اتّخذ إلهاً من دون الله. وذكاة الجنين ذكاة اُمّه. و ذنوب الأنبياء علیهم السلام صغار موهوبة لهم بالنبوَّة.
والفرائض على ما أمر الله لاغول فيها، ولا يرث مع الوالدين والولد أحد إلّا الزوج والمرأة، و ذوالسهم أحقّ ممّن لاسهم له، وليست العصبة من دين الله.
والعقيقة عن المولود الذكر والاُنثى يوم السابع، و يحلق رأسه يوم السابع، ويسمّى يوم السابع، ويتصدَّق بوزن شعره ذهباً أو فضّة يوم السابع.
و إنّ أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لاخلق تكوين، ولا تقل بالجبر ولا بالتفويض، ولا يأخذ الله البريء بجرم السقيم، ولا يعذّب الله الأبناء والأطفال بذنوب الآباء، وإنّه قال: «و لا تزر وازرة وزر اُخرى و أن ليس للإنسان إلّا ما سعى» والله يغفر ولا يظلم، ولا يفرض الله على العباد طاعة من يعلم أنّه يظلمهم ويغويهم، ولا يختار لرسالته و يصطفي عباده من يعلم أنّه يكفر و يعبد الشيطان من دونه.
و إنّ الإسلام غير الإيمان، كلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مسلم مؤمناً، لا يسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن، ولا يشرب الشارب حين يشرب الخمر و هو مؤمن، ولا يقتل النفس الّتي حرّم الله بغير الحقّ، و هو مؤمن، و أصحاب الحدود لامؤمنون ولا كافرون وإنّ الله لا يدخل النار مؤمناً و قد وعده الجنّة و الخلود فيها، و من وجبت له النار بنفاق أو فسق
أو كبيرة من الكبائر لم يبعث مع المؤمنين ولا منهم، ولا تحيط جهنّم إلّا بالكافرين، وكلّ إثمَّ دخل صاحبه بلزومه النار فهو فاسق، و من أشرك أو كفر أو نافق أو أتى كبيرة من الكبائر، و الشفاعة جائزة للمستضعفين.
والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر باللّسان واجب، و الإيمان أداء الفرائض، و اجتناب المحارم، و الإيمان هو معرفة بالقلب، وإقرار باللّسان، و عمل بالأركان.
والتكبير في الأضحى خلف عشر صلوات يبتدؤ من صلاة الظهر من يوم النحر، و في الفطر في خمس صلوات يبتدؤ بصلاة المغرب من ليلة الفطر.
والنفساء تقعد عشرين يوماً لا أكثر منها، فإن طهرت قبل ذلك صلّت وإلّا فإلى عشرين يوماً ثمَّ تغتسل وتصلّي و تعمل عمل المستحاضة.
و تؤمن بعذاب القبر، و منكر ونكير، و البعث بعد الموت والحساب، و الميزان، و الصراط، و البراءة من أئمّة الضلال وأتباعهم، و الموالات لأولياء الله، وتحريم الخمر قليلها وكثيرها، وكلُّ مسكر خمرٌ، وكلُّ ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ، و المضطرّ لا يشرب الخمر فإنّها تقتله، و تحريم كلّ ذي ناب من السباع، وكلّ ذي مخلب من الطير، و تحريم الطحال فإنّه دم، و الجرّيّ و الطافي و المارماهي و الزمّير، وكلّ شيء لا يكون له قشور، و من الطير ما لا يكون قانصة له، و من البيض كلّ ما اختلف طرفاه فحلال أكله، و ما استوى طرفاه فحرام أكله، و اجتناب الكبائر: وهي قتل النفس الّتي حرّم الله، وشرب الخمر، و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و أكل مال اليتامى ظلماً، و أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما اُهلّ لغير الله به من غير ضرورة به، و أكل الربا و السحت بعد البيّنة، و المسير ،و البخس في الميزان و المكيال، و قذف المحصنات، و الزنا، و اللّواط، و شهادات الزور، واليأس من روح الله، و الأمن لمكر الله والقنوط من رحمة الله، و معاونة الظالمين و الركون إليهم، و اليمين الغموس، و حبس الحقوق من غير عسر، والمكر والكفر، والإسراف، والتبذير، والخيانة،
وكتمان الشهادة، والملاهي الّتي تصدّ عن ذكر الله مثل الغناء وضرب الأوتار، والإصرار على الصغائر من الذنوب؛ فهذا اُصول الدين و الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على نبيّه و آله و سلّم تسليماً. (1)
أقول: ورأيت هذا الخبر برواية اُخرى عن أبي عليّ محمّد بن الحسين بن الفضل عن أحمد بن عليّ بن حاتم، عن أبيه، عن عليّ بن جعفر، عن عليّ بن أحمد بن حمّاد، و الفضل بن سنان الهاشميّ، عن محمّد بن يقطين، و ابراهيم بن محمّد رووا كلّهم عن الرضا علیه السلام، و جمع بين الروايتين و إن كانت بالأخيرة أوفق، تركناها حذراً من التكرار، و أوّل الرواية هكذا، أمّا بعد أوّل الفرائض شهادة أن لا إله إلّا الله.
1) تحف العقول: 415 - 423.
1 - ثمَّ قال رضي الله عنه: و من حكايات الشيخ وكلامه: قال الشيخ أيّده الله: وقد كان الفضل بن شاذان رحمه الله استدلّ على إمامة أمير المؤمنين علیه السلام بقول الله تعالى: «و اُولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين و المهاجرين» قال: وإذا أوجب الله تعالى للأقرب برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الولاية و حكم بأنّه أولى به من غيره وجب أنَّ أمير المؤمنين علیه السلام كان أولى بمقام رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من كلّ أحد، قال الفضل: فإنّ قال قائل: فإن العبّاس كان أقرب إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من عليّ علیه السلام قيل له: إنَّ الله تعالى لم يذكر الأقرب بالنبيّ صلی الله علیه و آله و سلم دون أن علّقه بوصف فقال: «النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجه اُمّهاتهم و اُولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين» فشرط في الأولى بالرسول الإيمان و الهجرة، و لم يكن العبّاس من المهاجرين و لا كانت له هجرة باتّفاق.
قال الشيخ رحمه الله: و أقول: إنّ أمير المؤمنين علیه السلام كان أقرب إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من العبّاس و أولى بمقامه منه إن ثبت أنّ المقام موروثٌ، وذلك أنّ عليّاً علیه السلام كان ابن عمّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لأبيه و اُمّه، و العبّاس رحمه الله عمّه لأبيه، و من تقرّب بسببين كان أقرب ممّن يتقرّب بسبب واحد. و أقول: إنّه لولم تكن فاطمة علیها السلام موجودة بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم
لكان أمير المؤمنين أحقّ بتركته من العبّاس رحمه الله ، ولو ورث مع الولد أحد غير الأبوين و الزوج والزوجة لكان أمير المؤمنين أحقّ بميراثه صلی الله علیه و آله و سلم مع فاطمة علیها السلام من العبّاس بما قدّمت من انتظامه القرابة من جهتين، و اختصاص العبّاس بها من جهة واحده.
قال الشيخ أيّده الله: و لست أعلم بين أهل العلم خلافاً في أنّ عليّاً علیه السلام ابن عمّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لأبيه واُمّه، و أنّ العباس رضي الله عنه كان عمّه لأبيه خاصّة، و يدلُّ على ذلك ما رواه نقلة الآثار و هو أنّ أبا طالب رحمه الله مرّ على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و عليّ علیه السلام إلى جنبه، فلمّا سلّم قال: ما هذا يا ابن أخ؛ فقال له رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: شيء أمرني به ربّي يقرّ بني إليه، فقال لابنه جعفر: يا بنيّ صلّ جناح ابن عمّك، فصلّى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بعليّ و جعفر علیهما السلام يومئذ، فكانت أوّل صلاة جماعة في الإسلام؛ ثمَّ أنشأ أبو طالب يقول:
إنَّ عليّاً و جعفراً ثقتي ٭٭٭ عند ملمّ الزمان و الكرب
والله لاأخذل النبيّ ولا ٭٭٭ يخذله من بنيّ ذوحسب
لاتخذ لاوانصرا ابن عمّكما ٭٭٭ أخي لاُمّي من بينهم و أبی
و من ذلك ما رواه جابر بن عبدالله الأنصاريّ رحمه الله قال: سمعت عليّاً علیه السلام ينشد و رسول الله يسمع:
أنا أخو المصطفى لاشكّ في نسبي ٭٭٭ معه ربّيت و سبطاهما ولدي
جدّي وجدّ رسول الله منفرد ٭٭٭ و فاطمة زوجتي لاقول ذي فند
فالحمدلله شكراً لا شريك له ٭٭٭ البرّ بالعبد و الباقي بلا أمد
قال: فتبسّم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و قال له: صدقت يا عليّ. و في ذلك أيضاً يقول الشاعر:
إنّ عليّ بن أبي طالب ٭٭٭ جدّاً رسول الله جدّاه
أبو عليّ و أبوالمصطفى ٭٭٭ من طينة طيّبها الله (1)
1) الفصول المختارة 115:1 و 116.
1 - فس: محمّد بن الحسن، عن محمّد بن عون النصيبيّ قال: لمّا أراد المأمون أن يزوّج أبا جعفر محمّد بن عليّ بن موسى علیهم السلام ابنته اُمّ الفضل اجتمع عليه أهل بيته الأدنين منه فقالوا: يا أمير المؤمنين ننشدك الله أن تخرج عنّا أمراً قد ملكناه، و تنزع عنّا عزّاً قد ألبسنا الله، فقد عرفت الأمر الّذي بيننا و بين آل عليّ علیه السلام قديماً وحديثاً، فقال المأمون: اسكتوا فوالله لاقبلت من أحد منكم في أمره، فقالوا: يا أمير المؤمنين أفتزوّج قرّة عينك صبيّاً لم يتفقّه في دين الله، ولا يعرف فريضةً من سنّة، ولا يميّز بين الحقّ و الباطل؟ - و لأبي جعفر علیه السلام يومئذ عشر سنين، أو إحدى عشرة سنة - فلو صبرت عليه حتّى يتأدّب و يقرأ القرآن و يعرف فرضاً من سنّة، فقال لهم المأمون: والله إنّه أفقه منكم، و أعلم بالله وبرسوله و فرائضه و سننه وأحكامه، وأقرء لكتاب الله، و أعلم بمحكمه و متشابهه و خاصّه و عامّه و ناسخه و منسوخه و تنزیله و تأويله منكم، فاسألوه فإن كان الأمر كما قلتم قبلت منكم في أمره، وإن كان كما قلت علمتم أنّ الرجل خير منكم، فخرجوا من عنده و بعثوا إلى يحيى بن أكثم و أطمعوه في هدايا أن يحتال على أبي جعفر علیه السلام بمسألة لا يدري كيف الجواب فيها عند المأمون إذا اجتمعوا للتزويج، فلمّا حضروا و حضر أبو جعفر علیه السلام قالوا: يا أمير المؤمنين هذا
يحيى بن أكثم إن أذنت له سأل أبا جعفر علیه السلام عن مسألة، فقال المأمون: يا يحيى سل أبا جعفر عن مسألة في الفقه لننظر كيف فقهه.
فقال يحيى: يا أبا جعفر أصلحك الله ما تقول في محرم قتل صيداً؟ فقال أبو جعفر علیه السلام: قتله في حلّ أو في حرم؟ عالماً أو جاهلاً؟ عمداً أو خطأً؟ عبداً أو حرّاً، صغيراً أو كبيراً مبدئاً أو معيداً؟ من ذوات الطير أو من غيرها؟ من صغار الصيد أو من كبارها؟ مصرّاً عليها أو نادماً؟ باللّيل في وكرها أو بالنهار عياناً؟ محرماً للحجّ أو للعمرة؟ قال: فانقطع يحيى بن أكثم انقطاعاً لم يخف على أهل المجلس، وكثر الناس تعجّباً من جوابه، و نشط المأمون. فقال: تخطب يا أبا جعفر؟ فقال أبو جعفر علیه السلام : نعم يا أمير المؤمنين، فقال المأمون:
الحمد لله إقراراً بنعمته، ولا إله إلّا الله إخلاصاً لعظمته، و صلّى الله على محمّد عن ذكره، و قد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام فقال: «و أنكحوا الأيامى منكم و الصالحين من عبادكم و إمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله و الله واسعٌ عليمٌ» ثمَّ إنّ محمّد بن عليّ ذكر اُمّ الفضل بنت عبد الله، و بذل لها من الصداق خمس مائة درهم، و قد زوّجت، فهل قبلت يا أبا جعفر؟ فقال أبو جعفر علیه السلام: نعم يا أمير المؤمنين قد قبلت هذا التزويج بهذا الصداق، ثمَّ أولم عليه المأمون ، و جاء الناس على مراتبهم في الخاصّ والعامّ، قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كلاماً كأنّه كلام الملّاحين في مجاوباتهم، فإذا نحن بالخدم يجرّون سفينة من فضّة فيها نسائج من أبريسم مكان القلوس، والسفينة مملوءة غالية فضمخوا لحى أهل الخاصّ بها ثمّ مدوّها إلى دار العامّة فطيّبوهم.
فلمّا تفرّق الناس قال المأمون: يا أبا جعفر إن رأيت أن تبيّن لنا ما الّذي يجب على كلّ صنف من هذه الأصناف الّتي ذكرت في قتل الصيد، فقال أبو جعفر علیه السلام: نعم يا أمير المؤمنين، إنَّ المحرم إذا قتل صيداً في الحلّ والصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه شاة و إذا أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، وإذا قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل قد فطم،
وليس عليه قيمته لأنّه ليس في الحرم، و إذا قتله في الحرم فعليه الحمل و قيمته لأنّه في الحرم، فإذا كان من الوحوش فعليه في حمار وحش بدنة، وكذلك في النعامة، فإن لم يقدر فإطعام ستّين مسكيناً، فإن لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوماً، و إن كانت بقرة فعليه بقرة، فإن لم يقدر فعليه إطعام ثلاثين مسكيناً، فإن لم يقدر فليصم تسعة أيّام، و إن كان طيباً فعليه شاة، فإن لم يقدر فعليه إطعام عشرة مساكين، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيّام، و إن كان في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة حقّاً واجباً عليه أن ينحره، فإن كان في حجّ بمنى حيث ينحر الناس، و إن كان في عمرة ينحره بمكّة، ويتصدّق بمثل ثمنه حتّى يكون مضاعفاً، وكذلك إذا أصاب أرنباً فعليه شاة، وإذا قتل الحمامة تصدّق بدرهم، أو يشتري به طعاماً لحمام الحرم، و في الفرخ نصف درهم، و في البيضة ربع درهم، وكلّ ما أتى به المحرم بجهالة فلا شيء عليه فيه إلّا الصيد، فإنّ عليه الفداء بجهالة كان أو بعلم، بخطأ كان أو بعمد، و كلّ ما أتى العبد فكفّارته على صاحبه بمثل ما يلزم صاحبه، وكلّ ما أتى به الصغير الّذي ليس ببالغ فلا شيء عليه فيه، وإن كان ممّن عاد فهو ممّن ينتقم الله منه، ليس عليه كفّارة، و النقمة في الآخرة، و إن دلّ على الصيد و هو محرّم فقتل فعليه الفداء، والمصرّ عليه يلزمه بعد الفداء عقوبة في الآخرة، و النادم عليه لاشيء عليه بعد الفداء، و إذا أصاب ليلاً في وكرها خطأً فلاشيء عليه إلّا أن يتعمّده، فإن تعمّد بليل أو نهار فعليه الفداء، و المحرم للحجّ ينحر الفداء بمنى حيث ينحر الناس، و المحرم للعمرة ينحر بمكّة.
فأمر المأمون أن يكتب ذلك كلّه عن أبي جعفر علیه السلام، قال: ثمَّ دعا أهل بيته الّذين أنكروا تزويجه عليه فقال لهم: هل فيكم أحد يجيب بمثل هذا الجواب؟ قالوا: لا والله ولا القاضي، ثمَّ قال: ويحكم أهل هذا البيت خلو منكم و من هذا الخلق، أو ما علمتم أنَّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بايع الحسن و الحسين علیهما السلام و هما صبيّان غير بالغين، و لم يبايع طفلاً غيرهما؟ أو ما علمتم أنَّ أباه عليّاً علیه السلام آمن بالنبيّ صلی الله علیه و آله و سلم و هو ابن عشرة سنة؟ و قبل الله و
رسوله منه إيمانه و لم يقبل من طفل غيره، ولا دعا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم طفلاً غيره إلى الإيمان؟ أو ما علمتم أنّها ذرّيّة بعضها من بعض يجري لآخرهم مثل ما يجري لأوّلهم؟ فقالوا: صدقت يا أمير المؤمنين كنت أنت أعلم به منّا.
قال: ثمَّ أمر المأمون أن ينثر على أبي جعفر علیه السلام ثلاثة أطباق رقاع زعفران و مسك معجون بماء الورد، جوفها رقاع، على طبق رقاع عمالات، و الثاني ضياع طعمة لمن أخذها، و الثالث فيه بدر، فأمر أن يفرّق الطبق الّذي عليه عمالات على بني هاشم خاصّة، و الّذي عليه ضياع طعمة على الوزراء، و الّذي عليه البدر على القوّاد، ولم يزل مكرماً لأبي جعفر علیه السلام أيّام حياته حتّى كان يؤثره على ولده. (1)
ف: مرسلاً مثله. (2)
ختص: عليّ بن إبراهيم رفعه و ذكر مثله. (3)
2 - ف: قال المأمون لیحيى بن أكثم: اطرح على أبي جعفر محمّدبن الرضا علیه السلام مسألة تقطعه فيها، فقال يحيى: يا أبا جعفر ما تقول في رجل نكح امرأة على زنىً أتحلّ له أن يتزوّجها؟ فقال علیه السلام : يدعها حتّى يستبرأها من نطفته و نطفة غيره، إذ لا يؤمن منها أن تكون قد أحدثت مع غيره حدثاً كما أحدثت معه، ثمَّ يتزوّج بها إن أراد، فإنّما مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراماً ثمَّ اشتراها فأكل منها حلالاً. فانقطع يحيى، فقال له أبو جعفر علیه السلام : يا أبا محمّد ما تقول في رجل حرمت عليه امرأة بالغداة، وحلّت له ارتفاع النهار، و حرمت عليه نصف النهار، ثمَّ حلّت له الظهر، ثمَّ حرمت عليه العصر، ثمَّ حلّت له المغرب، ثمَّ حرمت
1) تفسير القمّي: 169 و 172.
2) تحف العقول: 451-453.
3) الاختصاص مخطوط. و اخرجه ايضاً المفيد في الارشاد ص 342-346 باسناده عن الحسن بن محمّد بن سليمان عن عليّ بن إبراهيم عن ابيه عن الريان بن شبيب. والطبرى في دلائل الامامة ص 206-208 و الاربلى في كشف الغمة ص 285-286 و الطبرسی في الاحتجاج ص 245-246، و الفتال في الروضة مع اختلاف في الالفاظ.
عليه نصف اللّيل، ثمَّ حلّت له مع الفجر، ثمَّ حرمت عليه ارتفاع النهار، ثمَّ حلّت له نصف النهار؟ فبقي يحيى و الفقهاء بلساً خرساً، فقال المأمون: يا أبا جعفر أعزّك الله بيّن لنا هذا، قال: هذا رجل نظر إلى مملوكة لاتحلُّ له فاشتراها فحلّت له، ثمّ أعتقها فحرمت عليه، ثمّ تزوّجها فحلّت له، فظاهر منها فحرمت عليه، فكفّر للظهار فحلّت له، ثمّ طلّقها تطليقة فحرمت عليه، ثمَّ راجعها فحلّت له، فارتدّ عن الإسلام فحرمت عليه، فتاب و رجع إلى الإسلام فحلّت له بالنكاح الأوّل، كما أقرّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم نكاح زينب مع أبي العاص بن الربيع حيث أسلم على النكاح الأوّل. (1)
1) تحف العقول: 454.
1 - ف: قال موسى بن محمّد بن الرضا: لقيت يحيى بن أكثم في دار العامّة فسألني عن مسائل فجئت إلى أخي عليّ بن محمّد فدار بيني و بينه من المواعظ ما حملني و بصّرني طاعته، فقلت له: جعلت فداك إنّ إبن أكثم كتب يسألني عن مسائل لاُفتيه فيها، فضحك ثمّ قال: فهل أفتيته؟ قلت: لا، قال: ولم؟ قلت: لم أعرفها، قال: وما هي؟ قلت: كتب يسألني عن قول الله: «و قال الّذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك» نبيّ الله كان محتاجاً إلى علم أصف؟
و عن قوله تعالى: «و رفع أبويه على العرش وخرّوا له سجّداً» أسجد يعقوب و ولده ليوسف و هم أنبياء؟ و عن قوله: فإن كنت في شكّ ممّا أنزلنا إليك فاسئل الّذين يقرءون الكتاب» من المخاطب بالآية؟ فإن كان المخاطب النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم فقد شكّ و إن كان المخاطب غيره فعلى من إذاً اُنزل الكتاب؟
و عن قوله تعالى: «ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام و البحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله» ما هذه الأبحر؟ و أين هي؟ و عن قوله تعالى: «فيها ما تشتهي الأنفس و تلذُّ الأعين» فاشتهت نفس آدم أكل البرّ فأكل و أطعم فكيف عوقب؟ و عن
قوله: «أو يزوّجهم ذكراناً وإناثاً» يزوّج الله عباده الذكران فقد عاقب قوماً فعلوا ذلك؟!
و عن شهادة المرأة جازت وحدها و قد قال الله : «و أشهدوا ذوي عدل منكم». و عن الخنثى و قول عليّ: «يورث من المبال» فمن ينظر إذا بال إليه مع أنّه عسى أن يكون امرأة و قد نظر إليها الرجال، أو عسى أن يكون رجلاً و قد نظرت إليه النساء و هذا ما لا يحلّ.
و شهادة الجارّ إلى نفسه لا تقبل. و عن رجل أتى إلى قطيع غنم فرأي الراعي ينزو على شاة منها، فلمّا بصر بصاحبها خلّى سبيلها فدخلت بين الغنم، كيف تذبح؟ و هل يجوز أكلها أم لا، و عن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة و هي من صلاة النهار، وإنّما يجهر في صلاة اللّيل. و عن قول عليّ علیه السلام لابن جرموز: «بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار» فلم لم يقتله و هو إمام؟
و أخبرني عن عليّ علیه السلام لم قتل أهل صفّين و أمر بذلك مقبلين و مدبرين، و أجاز على الجرحى، وكان حكمه يوم الجمل أنّه لم يقتل مولّياً، و لم يجز عى جريح، و لم يأمر بذلك، و قال: «من دخل داره فهو آمن، و من ألقی سلاحه فهو آمن» لم فعل ذلك؟ فإن كان الحكم الأوّل صواباً فالثاني خطاء. و أخبرني عن رجل أقرّ باللّواط على نفسه أيحدّ أم يدرء عنه الحدّ؟
قال: اكتب إليه، قلت: و ما أكتب؟ قال: اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، و أنت فألهمك الله الرشد أتاني كتابك و ما امتحنتنا به من تعنّتك لتجد إلى الطعن سبيلاً إن قصّرنا فيها، والله يكافئك على نبيّتك، وقد شرحنا مسائلك فأصغ إليها سمعك، و ذلّل لها فهمك ، و اشغل بها قلبك، فقد لزمتك الحجّة، و السلام.
سألت عن قول الله جلّ و عزّ: «قال الّذي عنده علم من الكتاب» فهو آصف ابن برخيا، و لم يعجز سليمان عن معرفة ما عرف آصف، لكنّه صلوات الله عليه أحبّ أن يعرف اُمّته من الجنّ والإنس أنّه الحجّة من بعده، و ذلك من علم سليمان علیه السلام أودعه آصف بأمر
الله ففهّمه ذلك لئلّا يختلف عليه في إمامته و دلالته، كما فهّم سليمان في حياة داود علیهما السلام لتعرف نبوّته وإمامته من بعده لتأكّد الحجّة على الخلق.
و أمّا سجود يعقوب و ولده كان طاعة لله ومحبّة ليوسف، كما أنّ السجود من الملائكة لآدم لم يكن لآدم و إنّما كان ذلك طاعة لله ومحبّة منهم لآدم، فسجد يعقوب علیه السلام و ولده و يوسف معهم شكراً لله باجتماع شملهم، ألم تره يقول في شكره ذلك الوقت: «ربّ قد آتيتني من الملك وعلّمتني من تأويل الأحاديث» إلى آخر الآية.
و أمّا قوله: «فإن كنت في شكّ ممّا أنزلنا إليك فاسئل الّذين يقرءون الكتاب» فإنّ المخاطب به رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، و لم يكن في شكّ ممّا اُنزل إليه؛ و لكن قالت الجهلة: كيف لم يبعث الله نبيّاً من الملائكة إذ لم يفرِّق بين نبيّه و بيننا في الاستغناء عن المآكل و المشارب و المشي في الأسواق؛ فأوحى الله تعالى إلى نبيّه: «فاسئل الّذين يقرءون الكتاب» بمحضر الجهلة هل بعث الله رسولاً قبلك إلّا و هو يأكل الطعام، و يمشي في الأسواق، و لك بهم اُسوة، و إنّما قال: «فإن كنت في شکّ» و لم يكن و لكن للنصفة، كما قال تعالى: «تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم و نساءنا ونساءكم و أنفسنا و أنفسكم ثمَّ نبتهل فنجعل لعنةالله على الكاذبين» ولو قال: عليكم لم يجيبوا إلى المباهلة، وقد علم الله أنّ نبيّه يؤدّي عنه رسالاته و ما هو من الكاذبين، فكذلك عرف النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم أنّه صادق فيما يقول، و لكن أحبّ أن ينصف من نفسه.
و أمّا قوله: «و لو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام و البحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نقدت كلمات الله» فهو كذلك، لو أنّ أشجار الدنيا أقلام و البحر يمدّه سبعة أبحر و انفجرت الأرض عيوناً لنفدت قبل أن تنفد كلمات الله، و هي: عين الكبريت، و عين النمر، و عين البرهوت، و عين طبريّة، وحمّة ماسبذان، و حمّة إفريقيّة يعدى لسان، و عين بحرون؛ و نحن كلمات الله الّتي لا تنفد ولاتدرك فضائلنا.
و أمّا الجنّة فإنّ فيها من المآكل و المشارب والملاهي ما تشتهي الأنفس و تلذّ الأعين، و أباح الله ذلك كلّه لآدم، والشجرة الّتي نهى الله عنها آدم و زوجته أن يأكلا منها شجرة
الحسد، عهد إليهما أن لا ينظرا إلى من فضّل الله على خلائقه بعين الحسد، فنسي و نظر بعين الحسد و لم نجد له عزماً.
و أمّا قوله: «أو يزوّجهم ذكراناً وإناثا» أي يولد له ذكور، ويولد له إناث، يقال لكلّ اثنين مقرنين: زوجان، كلُّ واحد منهما زوج، و معاذ الله أن يكون عنى الجليل ما لبّست به على نفسك، و تطلب الرخص لارتكاب المآثم، و من يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهاناً إن لم يتب.
و أمّا شهادة المرأة وحدها الّتي جازت فهي القابلة جازت شهادتها مع الرضى، فإن لم يكن رضیً فلا أقلَّ من امرأتين، تقوم المرأة بدل الرجل للضرورة، لأنَّ الرجل لايمكنه أن يقوم مقامها، فإن كانت وحدها قبل قولها مع يمينها.
و أمّا قول علي علیه السلام في الخنثى فهي كما قال: ينظر قوم عدول يأخذ كلّ واحد منهم مرآة و يقوم الخنثى خلفهم عريانة وينظرون في المرايا فيرون الشبح فيحكمون عليه.
و أمّا الرجل الناظر إلى الراعي و قد نزا على شاة فإن عرفها ذبحها و أحرقها، و إن لم يعرفها قسّم الغنم نصفين و ساهم بينهما فإذا وقع على أحد النصفين فقد نجا النصف الآخر، ثمَّ يفرّف النصف الآخر فلا يزال كذلك حتّى تبقى شاتان فيقرع بينهما فأیّها وقع السهم بها ذبحت و اُحرقت و نجا سائر الغنم.
و أمّا صلاة الفجر فالجهر فيها بالقراءة ، لأنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم كان يغلّس بها فقراءتها من اللّيل.
و أمّا قول عليّ علیه السلام «بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار» فهو لقول رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و كان ممّن خرج يوم النهر فلم يقتله أمير المؤمنين علیه السلام بالبصرة لأنّه علم أنّه يقتل في فتنة النهروان.
وأمّا قولك : إنّ عليّاً قتل أهل صفّين مقبلين و مدبرين، و أجاز على جريحهم و أنّه يوم الجمل لم يتبع مولّياً و لم يجز على جريح، و من ألقی سلاحه آمنه، و من دخل داره آمنه، فإنَّ أهل الجمل قتل إمامهم، و لم تكن لهم فئة يرجعون إليها، وإنّما رجع القوم إلى منازلهم غير
محاربين و لا مخالفين ولا منابذين، رضوا بالكفّ عنهم، فكان الحكم فيهم رفع السيف عنهم و الكفّ عن أذاهم، إذ لم يطلبوا عليه أعواناً، و أهل صفّين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدّة، و إمام يجمع لهم السلاح و الدروع و الرماح و السيوف، و يسني لهم العطاء، و يهيّء لهم الأنزال، و يعود مريضهم و يجبر كسيرهم و يداوي جريحهم، و يحمل راجلهم، و يكسو حاسرهم، و يردّهم فيرجعون إلى محاربتهم و قتالهم؛ فلم يساو بين الفريقين في الحكم لما عرف من الحكم في قتال أهل التوحيد لكنّه شرح ذلك لهم فمن رغب عرض على السيف أو يتوب من ذلك.
و أمّا الرجل الّذي اعترف باللّواط فإنّه لم تقم عليه بيّنة، و إنّما تطوّع بالإقدار من نفسه، وإذا كان للإمام الّذي من الله أن يعاقب عن الله كان له أن يمنّ عن الله، أما سمعت قول الله: «هذا عطاؤنا» الآية قد أنبئناك بجميع ما سألتناه فاعلم ذلك. (1)
ختص: محمّد بن عيسى بن عبيد البغداديّ، عن محمّد بن موسى مثله. (2)
أقول: قد أوردنا هذه الأجوبة بأدنى تغيير في أبواب تاريخه علیه السلام: و شرح أجزاء الخبر مفرَّق على الأبواب المناسبة لها.
2 - و روى السيّد المرتضى رحمه الله عن شيخه المفيد رضي الله عنه قال: دخل أبوهاشم داود بن القاسم الجعفريّ على محمّد بن طاهر بعد قتل يحيى بن عمر المقتول بشاهي فقال له: أيّها الأمير إنّا قد جئناك لنهنّاك بأمر لو كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حيّاً لعزّيناه به. (3)
1 - قب: أبو القاسم الكوفيّ في كتاب التبديل إنّ إسحاق الكنديّ كان فيلسوف العراق في زمانه، أخذ في تأليف تناقض القرآن و شغل نفسه بذلك و تفرّد به في منزله، وإنّ بعض تلامذته دخل يوماً على الإمام الحسن العسكريّ علیه السلام، فقال له أبو محمّد علیه السلام: أما فيكم رجل رشيد يردع اُستادكم الكنديّ عمّا أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟ فقال التلميذ: نحن من تلامذته كيف يجوز منّا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره، فقال له أبو محمّد علیه السلام : أتؤدّي إليه ما اُلقيه إليك؟ قال: نعم، قال: فصر (فسر خ) إليه و تلطّف في مؤانسته و معونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعت المؤانسة في ذلك فقل: قد حضرتني مسألة، أسألك عنها؟ فإنّه يستدعي ذلك منك، فقل له: إن أتاك هذا المتكلّم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلّم به منه غير المعاني الّتي قد ظننتها أنّك ذهبت إليها؟ فإنه سيقول: إنّه من الجائز، لأنّه رجل يفهم إذا سمع، فإذا أوجب ذلك فقل له: فما يدريك لعلّه قد أراد غير الّذي ذهبت أنت إليه، فتكون واضعاً لغير معانيه. فصار الرجل إلى الكنديّ و تلطّف إلى أن ألقى عليه هذه المسألة، فقال له: أعد عليّ، فأعاد عليه فتفكّر في نفسه و رأي ذلك محتملاً في اللّغة، وسائغاً
في النظر. (1)
أقول: قد أوردنا و سنورد عمدة احتجاجاتهم علیهم السلام و حلّها في أبواب تاريخهم صلوات الله عليهم، و أبواب المواعظ و الحكم، و أبواب التوحيد و العدل و المعاد، و سائر أبواب الكتاب، وإنّما أوردنا ههنا مالا يخصُّ باباً من الأبواب، وسيأتي احتجاجات القائم و ما روي عنه علیه السلام من جوامع العلوم في كتاب الغيبة إن شاء الله تعالى.
1) مناقب آل ابي طالب 459:2.
1 - و من كلام الشيخ أدام الله عزّه: سئل في مجلس الشريف أبي الحسن أحمد بن القاسم العلويّ المحمّديّ أدام الله عزّه فقيل له: ما الدليل على أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام كان أفضل الصحابة؟ فقال: الدليل على ذلك قول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم «اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر» (1)فجاء أمير المؤمنين علیه السلام وقد ثبت أنّ أحبَّ الخلق إلى الله عزّ و جلّ أعظمهم ثواباً عند الله تعالى، و أنّ أعظم الناس ثواباً لا يكون إلّا لأنّه أشرفهم أعمالاً و أكثرهم عبادةً لله تعالى، و في ذلك برهان على فضل أمير المؤمنين علیه السلام : على الخلق كلّهم سوى الرسول عليه و آله السّلام.
فقال له السائل: ما الدليل على صحّة هذا الخبر و ما أنكرت أن يكون غير معتمد لأنّه إنّما رواه أنس بن مالك وحده، و أخبار الآحاد ليست بحجّة فيما يقطع على الله عزّ وجلّ بصوابه؟
فقال الشيخ أدام الله عزَّه: هذا الخبر وإن كان من أخبار الآحاد على ما ذكرت من أنّ
1) سيأتى الخبر بأسانيده الكثيرة في أبواب الفضائل.
أنس بن مالك رواه وحده فإنّ الاُمّة بأجمعها قد تلقّته بالقبول، و لم يروا أنّ أحداً ردّه على أنس و لا أنكر صحّته عند روايته، فصار الإجماع عليه هو الحجّة في صوابه، و لم يخلّ ببرهانه كونه من أخبار الآحاد بما شرحناه، مع أنّ التواتر قد ورد بأنّ أمير المؤمنين علیه السلام : احتجّ به في مناقبه يوم الدار، فقال: «اُنشدكم الله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر فجاء أحد غيري؟ قالوا: اللّهم لا، قال: اللّهمّ اشهد، فاعترف الجميع بصحّته، ولم يك أمير المؤمنين علیه السلام ليحتجَّ بباطل، لاسيّما و هو في مقام المنازعة و التوصّل بفضائله إلى أعلى الرتب الّتي هي الإمامة و الخلافة للرسول صلی الله علیه و آله و سلم، وإحاطة علمه بأنّ الحاضرين معه في الشورى يريدون الأمر دونه، مع قول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم: «عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور حيثما دار» و إذا كان الأمر على ما وصفناه دلّ على صحّة الخبر حسبما بيّنّاه.
فاعترض بعض المجبّرة فقال: إنّ احتجاج الشيعة برواية أنس من أطرف الأشياء و ذلك أنّهم يعتقدون تفسيق أنس بل تكفيره، فيقولون: إنّه كتم الشهادة في النصّ حتّى دعا عليه أمير المؤمنين علیه السلام ببلاء لايواريه الثياب، فبرص على كبر السنّ و مات و هو أبرص، فكيف يستشهد برواية الكافرين؟
فقالت المعتزلة: قد أسقط هذا الكلام الرجل، و لم يجعل الحجّة في الرواية أنساً، وإنّما جعلها الإجماع، فهذا الّذي أوردته هذيان وقد تقدّم إيطاله.
فقال السائل: هب إنّا سلّمنا صحّة الخبر ما أنكرت أن لا يفيد ما ادّعيت من فضل أمير المؤمنين علیه السلام على الجماعة؟ وذلك أنّ المعنى فيه: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي، يريد أحبّ الخلق إلى الله عزّ وجلّ في الأكل معه، دون أن يكون أراد أحبّ الخلق إليه في نفسه لكثرة أعماله، إذ قد يجوز أن يكون الله سبحانه يحبّ أن يأكل مع نبيّه من غيره أفضل منه، و يكون ذلك أحبّ إليه للمصلحة؛ فقال لاشيخ أدام الله عزّه: هذا الّذي
اعترضت به ساقط، و ذلك أنّ محبّة الله تعالى ليست ميل الطباع، و إنّما هي الثواب، كما أنّ بغضه و غضبه لیسا باهتياج، وإنّما هما العقاب و لفظ أفعل في أحبّ وأبغض لا يتوجّه إلّا إلى معناهما من الثواب والعقاب، و لا معنى على هذا الأصل لقول من زعم أنّ أحبّ الخلق إلى الله عزّ و جلّ يأكل مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم توجّه إلى محبّة الأكل و المبالغة في ذلك بلفظ أفعل، لأنّه يخرج اللّفظ عمّا ذكرناه من الثواب إلى ميل الطباع، و ذلك محال في صفة الله سبحانه.
و شيء آخر: و هو أنّ ظاهر الخطاب يدلّ على ما ذكرناه دون ما عارضت به أن لوكانت المحبّة على غير معنى الثواب، لأنّه صلی الله علیه و آله و سلم قال: «اللّهمَّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر» و قوله: بأحبّ خلقك إليك كلام تامّ، وبعده: يأكل معي من هذا الطائر كلامٌ مستأنفٌ و لا يفتقر الأوّل إليه، و لو كان أراد ما ذكرت لقال: اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك في الأكل معي، فلمّا كان اللّفظ على خلاف هذا وكان على ما ذكرناه لم يجز العدول عن الظاهر إلى محتمل على المجاز.
و شيء آخر: و هو أنّه لو تساوى المعنيان في ظاهر الكلام لكان الواجب عليك تحميلها اللّفظ معاً دون الاقتصار على أحدهما إلّا بدليل، لأنّه لا يتنافي الجمع بينهما فيكون أراد بقوله: «أحبّ خلقك إليك» في نفسه و للأكل معي، وإذا كان الأمر على ما بيّنّاه سقط اعتراضك.
فقال رجل من الزيديّة - كان حاضراً - للسائل: هذا الاعتراض ساقط على أصلك و أصلنا، لأنّا نقول جميعاً إنّ الله تعالى لا يريد المباح، و الأكل مع النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم مباحٌ وليس بفرض و لانفل، فيكون الله يحبّه فضلاً عن أن يكون بعضه أحبّ إليه من بعض، و هذا السائل من أصحاب أبي هاشم فلذلك أسقط الزيديّ كلامه على أصله، إذ كان يوافقه في الاُصول على مذهب أبي هاشم.
فخلّط السائل هينئة ثمّ قال للشيخ أدام الله عزَّه: فأنا أعترض باعتراض آخر: وهو أن
أقول ما أنكرت أن يكون هذا القول إنّما أفاد أنَّ عليّاً علیه السلام كان أفضل الخلق في يوم الطائر، و لكن بمَ تدفع أن يكون قد فضله قوم من الصحابة عند الله تعالى بكثرة الأعمال و المعارف بعد ذلك؟ و هذا الأمر لا يعلم بالعقل، وليس معك سمع في نفس الخبر يمنع من ذلك، فدلّ على أنّه علیه السلام أفضل من الصحابة كلّهم إلى وقتنا هذا، فإنّا لم نسألك عن فضله عليهم وقتاً بعينه؛ فقال الشيخ أدام الله عزَّه: هذا السؤال أوهن ممّا تقدّم ، والجواب عنه أيسر، و ذلك أنَّ الاُمّة مجمعة على إيطال قول من زعم أنّ أحداً اكتسب أعمالاً زادت على الفضل الّذي حصل لأمير المؤمنين علیه السلام على الجماعة، من قبل أنّهم بين قائلين: فقائل يقول: إنّ أمير المؤمنين علیه السلام كان أفضل من الكلّ في وقت الرسول صلی الله علیه و آله و سلم لم يساوه أحد بعد ذلك، و هم الشيعة الإماميّة و الزيديّة و جماعة من شيوخ المعتزلة و جماعة من أصحاب الحديث؛ و قائل يقول: إنّه لم يبن لأمير المؤمنين علیه السلام في وقت من الأوقات فضلٌ على سائر الصحابة يقطع به على الله تعالى و يجزم الشهادة بصحّته، ولابان لأحد منهم فضل عليه، وهم الواقفة في الأربعة من المعتزلة، منهم: أبو عليّ و أبوهاشم و أتباعها؛ و قائل يقول: إنّ أبابكر كان أفضل من أمير المؤمنين علیه السلام في وقت الرسول صلی الله علیه و آله و سلم و بعده، و هم جماعة من المعتزلة و بعض المرجئة وطوائف من أصحاب الحديث؛ وقائل يقول: إنَّ أمير المؤمنين علیه السلام خرج عن فضله بحوادث كانت منه فساواه غيره، و فضل عليه من أجل ذلك مَن لم يكن له فضل عليه، و هم الخوارج و جُميعة من المعتزلة، منهم: الأصمّ والجاحظ و جماعة من أصحاب الحديث أنكروا قتال أهل القبلة؛ و لم يقل أحد من الاُمّة أنَّ أمير المؤمنين علیه السلام كان أفضل عند الله سبحانه من الصحابة كلّهم و لم يخرج عن ولاية الله عزّ و جلّ و لا أحدث معصية الله تعالى ثمّ فضل عليه غيره بعمل زاد به ثوابه على ثوابه، ولاجوَّز ذلك فيكون معتبراً، فإذا بطل الاعتبار به للاتّفاق على خلافه سقط، وكان الإجماع حجّة يقوم مقام قول الله تعالى في صحّة ما ذهبنا إليه؛ فلم يأت بشيء.
و ذاكرني الشيخ أدام الله عزّه هذه المسألة بعد ذلك فزادني فيها زيادة ألحقتها: و هي أن قال: إنّ الّذي يسقط ما اعترض به السائل من تأويل قول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم : «اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك» على المحبّة للأكل معه دون محبّته في نفسه بإعظام ثوابه بعد الّذي ذكرناه في إسقاطه: أنّ الرواية جاءت عن أنس بن مالك أنّه قال: «لمّا دعا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن يأتيه الله تعالى بأحبّ الخلق إليه قلت: اللّهمّ اجعله رجلاً من الأنصار ليكون لي الفضل بذلك، فجاء عليّ علیه السلام فرددته، وقلت له: رسول الله على شغل، فمضى ثمَّ عاد ثانية فقال لي: استأذن على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، فقلت له: إنّه على شغل، فجاء ثالثة فاستأذنت له و دخل، فقال له النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم :قد كنت سألت الله تعالى أن يأتيني بك دفعتين، ولو أبطأت عليَّ الثالثة لاُقسمت على الله عزّ و جلّ أن يأتيني بك» فلولا أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم سأل الله عزّ و جلّ أن يأتيه بأحبّ خلقه إليه في نفسه و أعظمهم ثواباً عنده وكانت هذه من أجل الفضائل لما آثر أنس أن يختصّ بها قومه، و لولا أنَّ أنساً فهم ذلك من معنى كلام الرسول صلی الله علیه و آله و سلم لما دافع أمير المؤمنين علیه السلام عن الدخول ، ليكون ذلك الفضل لرجل من الأنصار فيحصل له جزء منه.
و شيء آخر: و هو أنّه لو احتمل معنى لا يقتضي الفضيلة لأمير المؤمنين علیه السلام لما احتجّ به أمير المؤمنين علیه السلام يوم الدار، و لاجعله شاهداً على أنّه أفضل من الجماعة، وذلك أنّه لولم يكن الأمر على ما وصفناه و كان محتملاً لما ظنّه المخالفون من أنّه سأل ربّه تعالى أن يأتيه بأحبّ الخلق إليه في الأكل معه لما أمن أمير المؤمنين علیه السلام من أن يتعلّق بذلك بعض خصومه في الحال، أو يشتبه ذلك على إنسان، فلمّا احتجّ به علیه السلام على القوم و اعتمده في البرهان دلّ على أنّه لم يك مفهوماً منه إلّا فضله، وكان إعراض الجماعة أيضاً عن دفاعه عن ذلك بتسليم ما ادّعى دليلاً على صحّة ما ذكرناه، و هذا بعينه يسقط قول من زعم أنّه يجوز مع إطلاق النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم في أمير المؤمنين علیه السلام ما يقتضي فضله عند الله تعالى على الكافّة وجود من هو أفضل منه في المستقبل، لأنّه لو جاز ذلك لما عدل القوم عن الاعتماد عليه، و لجعلوه شبهة
في منعه ممّا ادّعاه من القطع على نقصانهم عنه في الفضل، و في عدول القوم عن ذلك دليل على أنّ القول مفيد بإطلاقه فضله علیه السلام ، و مؤمن من بلوغ أحد منزلته في الثواب بشيء من الأعمال، و هذا بيّن لمن تدّبره . (1)
1) الفصول المختارة 59:1 - 64.
1 - فس: «كان النّاس اُمّة واحدةً» قال: قبل نوح على مذهب واحد فاختلفوا فبعث الله النبيّين مبشّرین و منذرين. (1)
2 - فس: «والمؤتفكة أهوى» قال: المؤتفكة: البصرة، والدليل على ذلك قول أمير المؤمنين علیه السلام -: ياأهل البصرة و ياأهل المؤتفكة -إلى قوله علیه السلام -: ائتفكت بأهلها مرّتين، وعلى الله تمام الثالثة وتمام الثالثة في الرّجعة. (2)
3 - يد: الدقّاق، عن أبي القاسم العلويّ، عن البرمكيّ، عن الحسين بن الحسن عن إبراهيم بن هاشم القميّ، عن الفقيميّ، عن هشام بن الحكم قال: سأل الزّنديق الّذي أتى أبا عبد الله علیه السلام فقال: من أين أثبتَّ أنبياءً ورسلاً؟ قال أبو عبد الله علیه السلام: إنّا لمّا أثبتنا أنَّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه، ولا يباشرهم ولا يباشروه، ويحاجّهم ويحاجّوه، فثبت أنّ له سفراء في
خلقه يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والنّاهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أنّه له معبّرين وهم الأنبياءِ وصفوته من خلقه، حكماء مؤدَّبين بالحكمة، مبعوثين، بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد من إحياءِ الموتى وإبراءِ الأكمه والأبرص، فلا تخلو أرض الله من حجّة يكون معه علمٌ يدلّ على صدق مقال الرسول ووجوب عدالته. (1)
ع: حمزة بن محمّد العلويّ، عن عليّ، عن أبيه، عن العبّاس بن عمر الفقيميّ مثله. (2)
ج: مرسلاً مثله.
4 - ص: في رواية سماعة قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام قوله تعالى: «فاصبر كما صبر اُولو العزم من الرّسل» قال: هم أصحاب الكتب، إنّ نوحاً جاء بشريعة، وذكر مثل مامرّ. (3)
5 - ل، ن، ع: سأل الشاميّ أمير المؤمنين علیه السلام عن خمسة من الأنبياءِ تكلّموا بالعربيّة، فقال: هود وصالح، وشعيب، وإسماعيل ومحمّد صلوات الله عليهم. وسأله مَن ولد من الأنبياءِ مختوناً؟ فقال: خلق الله آدم مختوناً، وولد شيث مختوناً، وإدريس ونوح وسام ابن نوح وإبراهيم وداود وسليمان ولوط وإسماعيل وموسى وعيسى ومحمّد صلوات الله عليهم.
وسأله عن ستّة لم يركضوا في رحم، فقال: آدم و حوّاء و كبش إبراهيم وعصا موسى وناقة صالح والخفّاش الّذي عمله عيسى بن مريم وطار بإذن الله عزّوجلّ. وسأله عن ستّة من الأنبياءِ لهم اسمان فقال: يوشع بن نون وهو ذو الكفل، ويعقوب وهو إسرائيل، والخضر وهوتاليا، ويونس وهو ذوالنون، وعيسى وهو المسيح، ومحمّد وهو أحمد صلوات الله
عليهم. (1)
6 - ع: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن الحسين بن عليّ، عن عمروبن أبي المقدام، عن إسحاق بن غالب، عن أبي عبد الله علیه السلام في كلام له يقول فيه: الحمد لله المحتجب بالنور دون خلقه في الاُفق الطامح، والعزّ الشامخ، والملك الباذخ، فوق كلّ شيءِ علا، ومن كلّ شيءِ دنا، فتجلّى لخلقه من غير أن يكون يرى، وهو يرى وهو بالمنظر الأعلى، فأحبّ الاختصاص بالتوحيد إذا احتجب بنوره، وسما في علوّه، واستتر عن خلقه، لتكون له الحجّة البالغة، و انبعث فيهم النّبيِّين ومنذرين ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيى من حيّ عن بيّنة، وليعقل العباد عن ربّهم ما جهلوا، وعرفوه بربوبيّته بعد ما أنكروا، ويوحّدوه بالإلهيّة بعدما أضدوه. (2)
7 - ع: الدقّاق، عن الأسديّ، عن النخعيّ، عن عمّه النوفليّ، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه سأله رجل فقال: لأيّ شيءِ بعث الله الأنبياء والرسل إلى الناس؟ فقال: لئلّا يكون للناس على الله حجّة من بعد الرّسل، ولئلّا يقولوا: ماجاءنا من بشير ولانذير، ولتكون حجّة الله عليهم، ألا تسمع الله عزّوجلّ يقول حكايةً عن خزنة جهنّم واحتجاجهم على أهل النار بالأنبياءِ والرّسل: «ألم يأتكم نذيرٌ ٭ قالوا بلى قدجاءنا نذيرٌ فكذّبنا وقلنا ما نزَّل الله من شيءِ إن أنتم إلّا في ضلال كبير». (3)
8 - ع ، ن: في علل الفضل، عن الرضا علیه السلام فإن قال: فلَم وجب عليهم معرفة الرّسل والاقرار بهم والإذعان لهم بالطاعة؟ قيل: لأنّه لمّا لم يكن في خلقهم وقواهم ما يكملوا لمصالحهم وكان الصانع متعالياً عن أن يرى وكان ضعفهم وعجزهم عن إدراكه ظاهراً لم يكن بدٌّ من رسول بينه وبينهم معصوم يؤدّي إليهم أمره ونهيه وأدبه ويقفهم على ما يكون
به إحراز منافعهم ودفع مضارّهم إذ لم يكن في خلقهم ما يعرفون به ما يحتاجون إليه منافعهم ومضارّهم، فلو لم يجب عليهم معرفته وطاعته لم يكن لهم في مجيء الرّسول منفعةٌ ولاسدّ حاجة، ولكان يكون إتيانه عبثاً لغير منفعة ولاصلاح، وليس هذا من صفة الحكيم الّذي أتقن كلّ شيءِ. (1)
9 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ماجيلويه، عن محمّد العطّار، عن ابن أبان، عن ابن اُورمة، عمّن ذكره، عن العلاءِ، عن الفضيل قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : لم يبعث الله عزَّوجلَّ من العرب إلّا خمسة أنبياءِ: هوداً، وصالحاً، وإسماعيل، وشعيباً، ومحمّداً خاتم النبيّين صلی الله علیه و آله و سلم. (2)
10 - ير: محمّد بن هارون، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن هشام بن سالم، ودرست بن أبي منصور الواسطيّ عنهما علیهما السلام قالا : الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات: فنبيّ منبّؤٌ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبيّ يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاين في اليقظة ولم يبعث إلى أحد وعليه إمام، مثل ما كان إبراهيم على لوط، ونبيّ يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك وقد أرسل إلى طائفة قلّوا أو كثروا، كما قال الله: «فأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون» قال: يزيدون ثلاثين ألفاً، ونبيّ يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل اُولي العزم، وقد كان إبراهيم علیه السلام نبيّاً وليس بإمام حتّى قال: «إنّي جاعلك للناس إماماً ٭ قال ومن ذرّيّتي» بأنّه يكون في ولده كلّهم «قال لا ينال عهدي الظالمين» أي من عبد صنماً أو وثناً. (3)
11 - سن: عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : قول الله: «فاصبر كما صبر اُولوالعزم من الرّسل» فقال: نوح وإبراهيم وموسى و عيسى ومحمّد صلوات الله
عليهم وعلى جميع أنبياءِ الله ورسله، قلت: كيف صاروا اُولي العزم؟ قال: لأنّ نوحاً بعث بكتاب وشريعة، فكلّ من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه حتّى جاء إبراهيم علیه السلام بالصحف وبعزيمة ترك كتاب نوح لاكفراً به، فكلّ نبيّ جاء بعد إبراهيم جاء بشريعته ومنهاجه وبالصحف حتّى جاء موسى بالتوراة وبعزيمة ترك الصحف، فكلّ نبيّ جاء بعد موسى أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه حتّى جاء المسيح بالإنجيل وبعزيمة ترك شريعة موسى ومنهاجه، فكلّ نبيّ جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه حتّى جاء محمّد صلی الله علیه و آله و سلم فجاء بالقرآن وشريعته ومنهاجه، فحلاله حلالٌ إلى يوم القيامة، وحرامه حرامٌ إلى يوم القيامة فهؤلاءِ اُولو العزم من الرّسل. (1)
12 - يب: أحمد بن محمّد، عن يعقوب بن عبدالله، عن إسماعيل بن زيد، عن الكاهليّ عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام: مسجد الكوفة صلّى فيه سبعون نبيّاً وسبعون وصيّاً أنا أحدهم. (2)
13 - ما: ابن عبدون، عن ابن الزّبير، عن عليّ بن فضّال، عن العبّاس بن عامر، عن عليّ بن معمّر، عن رجل من جعفى قال: كنّا عند أبي عبد الله علیه السلام فقال رجل: اللّهمّ إنّي أسألك رزقاً طيّباً، قال: فقال أبو عبد الله علیه السلام : هيهات هيهات هذا قوت الأنبياءِ، ولكن سل ربّك رزقاً لا يعذّبك عليه يوم القيامة، هيهات إنّ الله يقول: «يا أيّها الرّسل كلوا من الطيّبات واعملوا صالحاً». (3)
14 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: نزلت التوراة في ستّ مضت من شهر رمضان، ونزل الإنجيل في اثنتي عشرة. ليلة مضت من شهر رمضان، ونزل الزبور
في ليلة ثماني عشرة مضت من شهر رمضان، ونزل القرآن في ليلة القدر.
15 - نهج: قال أمير المؤمنين علیه السلام في خطبة طويلة يذكر فيها آدم علیه السلام : فأهبطه إلى دارالبليّة، وتناسل الذرّيّة، واصطفى سبحانه من ولده أنبياء، أخذ على الوحي ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لمّا بدّل أكثر خلقه عهدالله إليهم فجهلوا حقّه واتّخذوا الأنداد معه، واجتالتهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسيّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدّرة من سقف فوقهم مرفوع ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتتابع عليهم، ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبيّ مرسل، أو كتاب منزل، أو حجّة لازمة، أو محجّة قائمة، رسل لايقصّربهم قلّة عددهم، ولا كثرة المكذّبين لهم، من سابق سمّي له من بعده، أو غابر عرّفه من قبله، على ذلك نسلت القرون، ومضت الدّهور، وسلفت الآباء، وخلقت الأبناء إلى أن بعث الله سبحانه محمّداً لإنجاز عدته، وتمام نبوّته إلى آخر الخطبة. (1)
1) نهج البلاغة: القسم الاول الخطبة الاولى، و هي طويلة يأتى قطعة منها في باب مبعث الرسول صلی الله علیه و آله و سلم، و تمامه في باب الخطب.
1 - ن، لى: أبي، عن سعد، عن البرقيّ، عن محمّد بن عليّ الكوفيّ، عن الحسن بن أبي العقبة، عن الحسين بن خالدالصيرفيّ قال: قلت لأبي الحسن عليّ بن موسى الرضا علیه السلام ، الرجل يستنجي وخاتمه في إصبعه، ونقشه: «لا إله إلّا الله» فقال: أكره ذلك له، فقلت: جعلت فداك أوليس كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وكلّ واحد من آبائك علیهم السلام يفعل ذلك وخاتمة في إصبعه؟ قال: بلى، ولكن اُولئك كانوا يتختّمون في اليد اليمنى، فاتّقواالله وانظروا لأنفسكم، قلت: ما كان نقش خاتم أمير المؤمنين علیه السلام؟ فقال: ولم لا تسألني عمّن كان قبله؟ قلت: فإنّي أسألك، قال: كان نقش خاتم آدم «لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله» هبط به معه.
وإنَّ نوحاً لمّا ركب السفينة أوحى الله عزَّوجلّ إليه، يانوح إن خفت الغرق فهلّلني ألفاً ثمّ سلني النجاة اُنجك من الغرق ومن آمن معك، قال: فلمّا استوى نوح و من معه في السفينة ورفع القلس عصفت الرّيح عليهم، فلم يأمن نوح الغرق فأعجلته الريح فلم يدرك أن يهلّل ألف مرّة، فقال بالسريانيّة: «هلوليا ألفاً ألفاً ياماريّا أتقن» قال: فاستوى القلس، واسمرّت السفينة، فقال نوح علیه السلام : إنَّ كلاماً نجّاني الله به من الغرق لحقيقٌ أن لا يفارقني، قال: فنقش
في خاتمه لا إله إلّا الله ألف مرّة يا ربّ أصلحني.
قال: وإنَّ إبراهيم علیه السلام لمّا وضع في كفّة المنجنيق غضب جبرئيل علیه السلام فأوحى الله عزَّوجلّ إليه: ما يغضبك ياجبرئيل؟ قال: ياربّ خليلك ليس من يعبدك على وجه الأرض غيره سلّطت عليه عدوّك وعدوّه؛ فأوحى الله إليه عزّوجلّ: اسكت، إنّما يعجل العبد الّذي يخاف الفوت مثلك، فأمّا أنا فإنّه عبدي آخذه إذا شئت، قال: فطابت نفس جبرئيل علیه السلام فالتفت إلى إبراهيم علیه السلام فقال: هل لك من حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا فأهبط الله عزَّوجلَّ عندها خاتماً فيه ستّة أحرف، «لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، لاحول ولاقوّة إلّا بالله، فوّضت أمري إلى الله، أسندت ظهري إلى الله، حسبي الله» فأوحى الله جلّ جلاله إليه أن تختمّ بهذا الخاتم فإنّي أجعل النّار عليك برداً وسلاما.
قال وكان نقش خاتم موسى علیه السلام حرفين اشتقّهما من التوراة: «اصبر توجر اصدق تنج» قال: وكان نقش خاتم سليمان علیه السلام : «سبحان من ألجم الجنّ بكلماته» وكان نقش خاتم عيسى علیه السلام حرفين اشتقّهما من الإنجيل: «طوبی لعبد ذكر الله من أجله، وويل لعبد نسي الله من أجله» وكان نقش خاتم محمّد صلی الله علیه و آله و سلم: «لا إله إلّا الله محمّد رسول الله» وكان نقش حاتم أمير المؤمنين علیه السلام : «الملك لله» وكان نقش خاتم الحسن علیه السلام «العزّة لله» وكان نقش خاتم الحسين علیه السلام «إنّ الله بالغ أمره» وكان عليّ بن الحسين علیهما السلام يتختّم بخاتم أبيه الحسين علیه السلام ، وكان محمّد بن عليّ علیه السلام يتختّم بخاتم الحسين علیه السلام ، وكان نقش خاتم جعفر بن محمّد علیه السلام «الله وليّي وعصمتي من خلقه» وكان نقش خاتم أبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام «حسبي الله» قال الحسين بن خالد: وبسط أبو الحسن الرضا علیه السلام كفّه وخاتم أبيه علیهما السلام في إصبعه حتّى أراني النقش. (1)
2 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن عليّ بن محمّد الحسنيّ، عن جعفربن محمّدبن
1) عيون الاخبار: 217 - 218؛ امالی الصدوق: 273 -274.
عيسى، عن عبيد الله بن عليّ، عن الرضا، عن آبائه، عن عليّ علیهم السلام، قال: رؤيا الأنبياءِ وحي. (1)
3 - عج: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطّاب، عن محمّد بن سنان، عن محمّد بن عطيّة قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: إنّ الله عزّوجلّ أحبّ لأنبيائه علیهم السلام من الأعمال الحرث والرعي، لئلّا يكرهوا شيئاً من قطر السّماءِ. (2)
4 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن فضّال، عن مروان بن مسلم، عن عقبة، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: ما بعث الله نبيّاً قطّ حتّى يسترعيه الغنم يعلّمه بذلك رعيه الناس. (3)
5 - ك: أبي، عن أحمد بن إدريس ومحمّد العطّار معاً، عن الأشعريّ، عن محمّدبن يوسف التميميّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه علیهما السلام عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال: عاش آدم أبوالبشر تسعمائه وثلاثين سنة، وعاش نوح ألفي سنة وأربع مائة سنة وخمسين سنة، وعاش إبراهيم علیه السلام مائة وخمساً وسبعين سنة، وعاش إسماعيل بن إبراهيم علیه السلام مائة وعشرين سنة، و عاش إسحاق بن إبراهيم علیه السلام مائة و ثمانين سنة، و عاش يعقوب مائة سنة و عشرين سنة، وعاش يوسف مائة وعشرين سنة، وعاش موسى علیه السلام مائة وستّ وعشرين سنة، وعاش هارون مائة وثلاثين سنة، وعاش داود علیه السلام مائة سنة منها أربعون سنة ملكه، وعاش هارون مائة وثلاثين سنة، وعاش داود علیه السلام مائة سنة منها أربعون سنة ملكه، وعاش سليمان بن داود سبعمائة سنة وإثني عشر سنة. (4)
6- كا: عدَّةٌ من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن موسى بن عمر الصيقل، عن محمّد بن عيسى، عن السكونيّ، عن عليّ بن إسماعيل الميثميّ، عن رجل، عن أبي عبدالله
عليه السلام قال: ما بعث الله عزَّوجلّ نبيّاً إلّا حسن الصوت. (1)
7- كا: عدَّةٌ من أصحابنا، عن أحمدبن محمّدبن خالد، عن أبيه، أو غيره، عن سعدابن سعد، عن الحسن بن الجهم، عن أبي الحسن علیه السلام قال: من أخلاق الأنبياءِ التنظّف والتطيّب وحلق الشعرو كثرة الطروقة. (2)
8- كا: عدَّةٌ من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام : عشاءِ الأنبياءَ بعد العتمة. (3)
9 - كا: عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الحسن الرّضا علیه السلام قال: ما من نبيّ إلّا وقد دعا لأكل الشعير وبارك عليه، ومادخل جوفاً إلّا وأخرج كلّ داءِ فيه، وهو قوت الأنبياءِ وطعام الأبرار، أبي الله تعالى أن يجعل قوت أنبيائه إلّا شعيراً. (4)
10 - كا: عليّ بن محمّد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن عثمان بن عيسى، عن خالدبن نجيح، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: السويق طعام المرسلين، أو قال النّبيّين. (5)
11 - كا: عليّ، عن أبيه، عن النوفليّ، عن السكونيّ، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: كان أحبّ الأصباغ إلى رسول الله الخلّ والزيت، وقال: هو طعام الأنبياء. (6)
12 - وبهذا الإسناد قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام : ماافتقر أهل بيت يأتدمون بالخلّ الزيت وذلك اُدم الأنبياء. (7)
13 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمدبن محمّدبن عيسى، عن محمّد بن خالد والحسين بن سعيد جميعاً، عن القاسم بن عروة، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبدالله علیه السلام قال: السواك
من سنن المرسلين. (1)
14 - كا: عدَّةٌ من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن زيادبن أبي الحلال، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: مامن نبيّ ولا وصيّ نبيّ يبقی في الأرض أكثر من ثلاثة أيّام حتّى يرفع روحه وعظمه ولحمه إلى السماء، وإنّما يؤتى مواضع آثارهم، ويبلّغونهم من بعيد السلام، ويسمعونهم في مواضع آثارهم من قريب. (2)
1 - ع، ن: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن أبي عبدالله السيّاريّ، عن أبي يعقوب البغداديّ قال: قال ابن السكّيت لأبي الحسن الرّضا علیه السلام : لماذا بعث الله موسى بن عمران بيده البيضاء والعصا وآلة السحر؟ وبعث عيسى بالطبّ؟ وبعث محمّداً صلی الله علیه و آله و سلم بالكلام والخطب؟
فقال له أبو الحسن علیه السلام إنَّ الله تبارك وتعالى لمّا بعث موسى علیه السلام كان الأغلب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله عزَّوجلَّ بمالم يكن في وسع القوم مثله، وبما أبطل به سحرهم وأثبت به الحجّة عليهم، وأنّ الله تبارك وتعالى بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطبّ، فأتاهم من عند الله عزَّوجلَّ بمالم يكن عندهم مثله، وبما أحيالهم الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجّة عليهم، وإنّ الله تبارك وتعالى بعث محمّداً في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام وأظنّه قال: والشعر - فأتاهم من كتاب الله عزَّ وجلَّ ومواعظه وأحكامه ماأبطل به قولهم وأثبت الحجّة عليهم، فقال ابن السكّيت: تالله ما رأيت مثل اليوم قطّ، فما الحجّة على الخلق اليوم؟ فقال علیه السلام : العقل تعرف به الصادق على الله فتصدّقه، والكاذب على الله فتكذّبه، فقال ابن
السكّيت: هذا والله الجواب. (1)
ج: مرسلاً مثله. (2)
2 - ع: عليّ بن أحمد، عن محمّد بن أبي عبدالله، عن موسى بن عمران، عن عمّه، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : لأيّ علّة أعطى الله عزَّ وجلّ أنبياءه ورسله وأعطاكم المعجزة ؟ فقال: ليكون دليلاً على صدق من أتى به، والمعجزة علامة لله لا يعطيها إلّا أنبياءه ورسله وحججه ليعرف به صدق الصادق من كذب الكاذب. (3)
1 - لى: الهمدانيّ، عن عليّ بن إبراهيم، عن القاسم بن محمّد البرمكيّ، عن أبي الصلت الهرويّ قال: لمّا جمع المأمون لعليّ بن موسى الرضا علیه السلام أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين وسائر أهل المقالات فلم يقم أحد إلّا وقد ألزم حجّته كأنّه قد اُلقم حجراً، فقام إليه عليّ بن محمّد بن الجهم فقال له: يابن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء؟ قال: بلى، قال: فما تعمل في قول الله عزَّوجلَّ: «وعصى آدم ربّه فغوى» وقوله عزّوجلَّ: «وذالنون إذذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه» وقوله في يوسف: «و لقد همّت به وهمّ بها» وقوله عزَّوجلَّ في داود: «وظنّ داود أنّما فتنّاه» وقوله في نبيّه محمّد صلى الله علیه و آله و سلم: «و تخفي في نفسك ما الله مبديه و تخشى الناس والله أحقّ أن تخشاه»؟
فقال مولانا الرّضا علیه السلام : ويحك يا عليّ اتّق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ولا تتأوّل كتاب الله برأيك، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: «و ما يعلم تأويله إلّا الله والراسخون في العلم» أمّا قوله عزّ و جلّ في آدم علیه السلام : «و عصى آدم ربّه فغوى فإنّ الله عزّ و جلّ خلق آدم حجّة في أرضه، وخليفته في بلاده، لم يخلقه للجنّة، وكانت المعصية من آدم في الجنّة لافي الأرض لتتمّ مقادير أمر الله عزَّوجلّ، فلمّا اُهبط إلى الأرض وجعل حجّة وخليفة عصم
بقوله عزوجلّ «إنّ الله اصطفى آدم و نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين».
وأمّا قوله عزّوجلّ: «وذالنون إذذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه» إنّما ظنّ أنّ الله عزّوجلّ لا يضيق عليه رزقه ألا تسمع قول الله عزّوجلّ: «وأمّا إذا ماابتلاه فقدر عليه رزقه»؟ أي ضيّق عليه، ولو ظنّ الله لا يقدر عليه لكان قد كفر.
وأمّا قوله عزّوجلّ في يوسف: «ولقد همّت به وهمّ بها» فإنّها همّت بالمعصية، وهمّ يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ماداخله، فصرت الله عنه قتلها والفاحشة، وهو قوله: «كذلك لنصرف عنه السّوء» يعني القتل «والفحشاء» يعني الزّنا.
وأمّا داود فما يقول من قبلكم فيه؟ فقال عليّ بن الجهم: يقولون: إنّ داود كان في محرابه يصلّي إذ تصوّر له إبليس على صورة طيرٍ أحسن ما يكون من الطّيور، فقطع صلاته وقام ليأخذ الطّير فخرج إلى الدار، فخرج في أثره فطار الطير إلى السّطح، فصعد في طلبه فسقط الطّير في دار، فخرج في أثره فطار الطير إلى السّطح، فصعد في طلبه فسقط الطّير في دار اُوريابن حنّان، فاطّلع داود في أثر الطّير فإذا بامرأة اُوريا تغتسل، فلمّا نظر إليها هواها، وكان اُوريا قد أخرجه في بعض غزاوته، فكتب إلى صاحبه أن قدّم اُوريا أمام الحرب، فقدّم فظفر أوريا بالمشركين، فصعب ذلك على داود، فكتب الثّانية أن قدّمه أمام التّابوت، فقتل اُوريا رحمه الله، وتزوّج داود بامرأته، فضرب الرّضا علیه السلام بيده على جبهته وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، لقد نسبتم نبيّاً من أنبياءِ الله إلى التّهاون بصلاته حتّى خرج في أثر الطّير، ثمّ بالفاحشة، ثمّ بالقتل! فقال: يابن رسول الله فما كانت خطيئته؟ فقال: ويحك إنّ داود إنّما ظنّ أن ما خلق الله عزّوجلّ خلقاً هو أعلم منه، فبعث الله عزّوجلّ إليه الملكين فتسوّرا المحرب فقالا: «خصمان بغی بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحقّ ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصّراط ٭ إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجةٌ واحدةٌ فقال أكفلنيها وعزّني في الخطاب» فعجّل داود علیه السلام على المدّعى عليه فقال: «لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه»
فلم يسأل المدّعي البيّنة على ذلك، ولم يقبل على المدّعى عليه فيقول: ما تقول؟ فكان هذا خطيئة حكمه، لا ما ذهبتم إليه، ألا تسمع قول الله عزّوجلّ يقول: «يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين النّاس بالحقّ» إلى آخر الآية، فقلت: يابن رسول الله فما قصّته مع اُوريا؟ فقال الرّضا علیه السلام إنّ المرأة في أيّام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوّج بعده أبداً، وأوّل من أباح الله عزّوجلّ له أن يتزوّج بامرأة قتل بعلها داود، فذلك الّذي شقّ على اُوريا.
وأمّا محمّد نبيّه صلی الله علیه و آله و سلم وقول الله عزّوجلّ له: «و تخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى النّاس والله أحقّ أن تخشاه» فإنّ الله عزّوجلّ عرَّف نبيّه أسماء أزواجه في دار الدّنيا، وأسماء أزواجه في الآخرة، وأنّهنّ اُمّهات المؤمنين، وأحد من سمّى له زينب بنت جحش وهي يومئذ تحت زيدين حارثة، فأخفی صلی الله علیه و آله و سلم اسمها في نفسه ولم يبدله لكيلا يقول أحد من المنافقين: إنّه قال في امرأة في بيت رجل: إنّها أحد أزواجه من اُمّهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين، قال الله عزّوجلّ: «والله أحقّ أن تخشاه» في نفسك، وأنّ الله عزّوجلّ ما تولّى تزويج أحد من خلقه إلّا تزويج حوّاء من آدم، وزينب من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وفاطمة من عليّ علیه السلام . قال: فبكى عليّ بن الجهم وقال: يابن رسول الله أنا تائب إلى الله عزّوجلّ أن أنطق في أنبياءِ الله عزّوجلّ بعد يومي هذا إلّا بما ذكرته. (1)
ن: الهمداني والمكتّب والورّاق جميعاً عن عليّ بن إبراهيم إلى آخر الخبر. (2)
2 - ل: أبي، عن أحمد بن إدريس ومحمّد العطّار معاً، عن الأشعريّ رفعه إلى أبي عبد الله علیه السلام قال: ثلاث لم يعرمنها نبيّ فمن دونه: الطّيرة، والحسد، والتّفكّر في الوسوسة في الخلق.
قال الصدوق رحمه الله: معنى الطّيرة في هذا الموضع هو أن يتطيّر منهم قومهم، فأمّا هم علیهم السلام فلا يتطيّرون، وذلك كما قال الله عزّوجلّ عن قوم صالح: «قالوا اطّيّرنا بك وبمن معك قال طائركم عندالله» (1)و كما قال آخرون لأنبيائهم: «إنّا تطيّرنابكم لئن لم تنتهوا لرجمنّكم» (2)الآية، وأمّا الحسد في هذا الموضع هو أن يحسدوا، لا أنّهم يحسدون غيرهم، وذلك كما قال الله عزّوجلّ: «أم يحسدون النّاس على ما آتاهم من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة و آتيناهم ملكاً عظيماً» (3)و أمّا التّفكّر في الله من الوسوسة في الخلق فهو بلواهم علیه السلام بأهل الوسوسة لاغير ذلك، وذلك كما حكى الله عن الوليد بن المغيرة المخزوميّ: «إنّه فكّر وقدّر ٭ فقتل كيف قدَّر» (4)يعني قال للقرآن: «إن هذا إلّا سحر يؤثر ٭ إن هذا إلّا قول البشر». (5)
3 - مع: أبي، عن محمّد العطّار، عن الأشعريّ، عن إبراهيم بن هاشم، عن صالح بن سعيد، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: سألته عن قول الله عزّوجلّ في قصّة إبراهيم علیه السلام «قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون» قال: ما فعله كبيرهم، وما كذب إبراهيم علیه السلام : فقلت: وكيف ذاك؟ قال: إنّما قال إبراهيم علیه السلام : «فسئلوهم إن كانوا ينطقون» إن نطقوا فكبيرهم فعل، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئاً، فما نطقوا وما كذب إبراهيم علیه السلام . فقلت قوله عزّوجلّ في يوسف: «أيّتها العير إنّكم لسارقون» قال: إنّهم سرقوا يوسف من أبيه، ألا ترى أنّه قال لهم حين قال: «ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك» ولم يقل سرقتم صواع الملك، إنّما عنى سرقتم يوسف من أبيه. فقلت قوله: «إنّي سقيم»؟ قال: ما كان إبراهيم سقيماً وما كذب، إنّما عنى سقيماً في دينه مرتاداً.
وقد روي أنّه عنى بقوله: «إنّي سقيم» أي سأسقم، وكلّ ميّت سقيم، وقد قال الله عزّوجلّ لنبيّه صلی الله علیه و آله و سلم : «إنّك ميّت» أي ستموت.
وقد روي أنّه عنى: إنّي سقيم بما يفعل بالحسين بن عليّ علیه السلام. (1)
ج: مرسلاً مثله إلى قوله: مرتاداً. (2)
4 - ن: تميم القرشيّ، عن أبيه عن حمدان بن سليمان، عن عليّ بن محمّدبن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرّضا عليّ بن موسى علیه السلام فقال له المأمون: يابن رسول الله أليس من قولك إنّ الأنبياء معصومون؟ قال: بلى، قال: فما معنى قول الله عزّوجلّ: «وعصى آدم ربِّه فغوى»؟ فقال علیه السلام : إنّ الله تبارك وتعالى قال لآدم: «اسكن أنت وزوجك الجنّة وكلا منها رغداً حيث شئتها ولا تقربا هذه الشجرة» وأشار لهما إلى شجرة الحنطة «فتكونا من الظالمين» ولم يقل لهما لا تأكلا من هذه الشجرة، ولا ممّا كان من جنسها، فلم يقربا تلك الشجرة، وإنّما أكلا من غيرها لمّا أن وسوس الشيطان إليهما وقال: «ما نهكما ربّكما عن هذه الشجرة» وإنّما نها كما أن تقربا غيرها، ولم ينهكما عن الأكل منها «إلّا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ٭ وقاسمها إنّي لكما لمن النّاصحين» ولم يكن آدم و حوّاء شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذباً «فدلّاهما بغرور» فأكلامنها ثقةً بيمينه بالله، وكان ذلك من آدم قبل النبوّة ولم يكن ذلك بذنب كبير استحقّ به دخول النّار، وإنّما كان من الصغائر الموهوبة الّتي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم، فلمّا اجتباه الله وجعله نبيّاً كان معصوماً لا يذنب صغيرة ولا كبيرة، قال الله عزّوجلّ: «و عصى آدم ربّه فغوی ٭ ثمّ اجتباه ربِّه فتاب عليه و هدی» و قال عزّوجلّ: «إنّ الله اصطفى آدم و نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين» فقال له المأمون: فما معنى قول الله عزّوجلّ: «فلمّا آتاهما صالحاً جعلاله شركاء فيما آتاهما»؟ فقال الرّضا علیه السلام : إنّ حوّا ولدت خمسمائة بطن، في كلّ بطن ذكراً و أُنثى، وإنّ آدم و
حوّاء عاهدا الله عزّ و جلّ و دعواه، و قالا: «لئن آتیتنا صالحاً لنكوننَّ من الشاكرين فلما آتاهما صالحاً من النسل خلقاً سويّاً بريّاً من الزّمانة والعاهة كان ما آتاهما صنفين: صنفاً ذكراناً وصنفاً إناثاً، فجعل الصنفان لله تعالى ذكره شركاء فيما آتاهما، ولم يشكراه كشكر أبويهما له عزّوجلّ، قال الله عزّوجلّ: «فتعالى الله عمّا يشركون».
فقال المأمون: أشهد أنّك ابن رسول الله حقّاً، فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ في إبراهيم علیه السلام : «فلمّا جنّ عليه اللّيل رأى كوكباً قال هذا ربّي» فقال الرّضا علیه السلام : إنّ إبراهيم علیه السلام وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزّهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشّمس، وذلك حين خرج من السرب الّذي اُخفي فيه، فلمّا جنّ عليه اللّيل فرأى الزّهرة فقال: «هذا ربّي» على الإنكار والاستخبار «فلمّا أفل» الكوكب «قال لا اُحبّ الآفلين» لأنّ الاُفول من صفات الحدث لا من صفات القدم «فلمّا رأى القمر بازغاً قال هذا ربّي» على الإنكار والاستخبار «فلمّا أفل قال لئن لم يهدني ربّي لأكوننّ من القوم الضالّين» يقول: لولم يهدني ربّي لكنت من القوم الضّالّين «فلمّا» أصبح و «رأى الشمس بازغةً قال هذا ربّي هذا أكبر» من الزّهرة والقمر على الإنكار والاستخبار لا على الإخبار والإقرار «فلمّا أفلت» قال للأصناف الثلاثة من عبدة الزّهرة والقمر والشمس: «ياقوم إنّي بريء ممّا تشكرون ٭ إنّي وجّهت وجهي للّذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين» وإنّما أراد إبراهيم بما قال أن يبيّن لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم أنّ العبادة لا تحقّ لما كان بصفة الزّهرة والقمر والشّمس، وإنّما تحقُّ العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض، وكان ما احتجَّ به على قومه بما ألهمه الله عزّوجلّ وآتاه، كما قال عزّوجلّ: «وتلك حجّتنا آتيناها إبراهيم على قومه».
فقال المأمون: لله درُّك يابن رسول الله، فأخبرني عن قول إبراهيم: «ربّ أرني كيف تحيي الموتى ٭ قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي» قال الرّضا علیه السلام . إنّ الله تبارك
وتعالى كان أوحى إلى إبراهيم علیه السلام: أنّي متّخذٌ من عبادي خليلاً إن سألني إحياء الموتى أجبته؛ فوقع في نفس إبراهيم علیه السلام : أنّه ذلك الخليل، فقال: «ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي» على الخلّة «قال فخذ أربعة من الطير فصرهنّ إليك ثمّ اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءً ثمّ ادعهنّ يأتينك سعياً واعلم أنّ الله عزيزٌ حكيم» فأخذ إبراهيم علیه السلام نسراً وبطّاً وطاووساً وديكاً، فقطّعهنّ وخلّطهنّ ثمّ جعل على كلّ جبل من الجبال الّتي حوله - وكانت عشرة - منهنّ جزءً، وجعل مناقيرهنّ بين أصابعه، ثمّ دعاهنّ بأسمائهنّ ووضع عنده حبّاً وماءً، فتطائرت تلك الأجزاء، بعضها إلى بعض حتّى استوت الأبدان، وجاء كلّ بدن حتّى انضمّ إلى رقبته ورأسه، فخلّى إبراهيم علیه السلام عن مناقيرهنّ، فطرن ثمّ وقعن فشربن من ذلك الماء والتقطن من ذلك الحبّ. وقلن: يانبيّ الله أحييتنا أحياك الله، فقال إبراهيم علیه السلام : بل الله يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير.
قال المأمون: بارك الله فيك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ: «فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان» قال الرّضا علیه السلام : إنّ موسى علیه السلام دخل مدينةً من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها وذلك بين المغرب والعشاء «فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوّة فاستغاثه الّذي من شيعته على الّذي من عدوّه» فقضى موسى علیه السلام على العدوّ بحكم الله تعالى ذكره «فوكزه» فمات «قال هذا من عمل الشيطان» يعني الاقتتال الّذي كان وقع بين الرجلين، لاما فعله موسى علیه السلام من قتله «إنّه» يعني الشيطان «عدوٌّ مضلٌّ» قال المأمون: فما معنى قول موسى «ربّ إنّي ظلمت نفسى فاغفر لي»؟ قال: يقول: إنّي وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة «فاغفرلي» أي استرني من أعدائك لئلّا يظفروا بي فيقتلوني «فغفر له إنّه هو الغفور الرحيم قال موسى ربّ بما أنعمت عليّ» من القوّة حتّى قتلت رجلاً بوكزة «فلن أكون ظهيراً للمجرمين» بل اُجاهد في سبيلك بهذه القوّة حتّى ترضى «فأصبح» موسى «في المدينة خائفاً يترقّب فإذا الّذي
استنصره بالأمس يستصرخه» على آخر «قال له موسى إنّك لغويّ مبين» قاتلت رجلاً بالأمس وتقاتل هذا اليوم لاُؤدّبنّك، وأراد أن يبطش به «فلمّا أراد أن يبطش بالّذي هو عدوّ لهما» وهو من شيعته «قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلّا أن تكون جبّاراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين».
قال المأمون: جزاك الله خيراً يا أبا الحسن، فما معنى قول موسى لفرعون: «فعلتها إذاً وأنا من الضّالّين» قال الرّضا علیه السلام : إنّ فرعون قال لموسى لمّا أتاه: «وفعلت فعلتك الّتي فعلت وأنت من الكافرين» لي، قال موسى: «فعلتها إذاً وأنا من الضّالّين» عن الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك «ففررت منكم لمّا خفتكم فوهب لي ربّي حكماً وجعلني من المرسلين» وقد قال الله عزّوجلّ لنبيّه محمّد صلی الله علیه و آله و سلم : «ألم يجدك يتيماً فآوى» يقول: ألم يجدك وحيداً فآوى إليك النّاس؟ «ووجدك ضالّاً» يعني عند قومك «فهدى» أى هداهم إلى معرفتك؟ «ووجدك عائلاً فأغنى» يقول: أغناك بأن جعل دعاءك مستجاباً.
قال المأمون: بارك الله فيك يابن رسول الله، فما معنى قول الله عزّوجلّ: «ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربِّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني» الآية، كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران لايعلم أنّ الله تعالى ذكره لا تجوز عليه الرؤية حتّى يسأله هذا السؤال؟ فقال الرّضا علیه السلام : إنّ كليم الله موسى بن عمران علیه السلام علم أنّ الله تعالى أعزّ من أن یرى بالأبصار، ولكنّه لمّا كلّمه الله عزّوجلّ وقرّبه نجيّاً رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ الله عزّ وجلّ كلّمه وقرّبه ناجاه فقالوا: لن نؤمن لك حتّى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفاً، ثمّ اختار منهم سبعة آلاف، ثمّ اختار منهم سبعمائة، ثمَّ اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربِّه، فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل وصعد موسى علیه السلام إلى الطور، وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلّمه ويسمعهم كلامه، فكلّمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء و أمام، لأنّ
الله عزّ و جلّ أحدثه في الشجرة وجعله منبعثاً منها حتّى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: «لن نؤمن لك» بأنَّ هذا الّذي سمعناه كلام الله «حتّى نرى الله جهرةً» فلمّا قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عزّوجلّ عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى: ياربّ ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنّك ذهبت بهم فقتلتهم لأنّك لم تكن صادقاً فيما ادّعيت من مناجات الله إيّاك؟ فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: إنّك لو سألت الله أن يزيك تنظر إليه لأجابك، وكنت تخبرنا كيف هو نعرفه حقّ معرفته، فقال موسى علیه السلام : يا قوم إنّ الله لا يرى بالأبصار ولا كيفيّة له، وإنّما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتّى تسأله، فقال موسى علیه السلام : ياربّ إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: ياموسى سلني ما سألوك فلن اُؤاخذك بجهلم. فعند ذلك قال موسى: «ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فان استقرّ مكانه» وهو يهوي «فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل» بآية من آياته «جعله دكّاً وخرّ موسى صعقاً ٭ فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك» يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي «وأنا أوّل المؤمنين» منهم بأنّك لاترى.
فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ: «ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه» فقال الرّضا علیه السلام : لقد همّت به ولو لا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها كما همّت، لكنّه كان معصوماً، والمعصوم لايهمّ بذنب ولا يأتيه، ولقد حدّثني أبي عن أبيه الصّادق علیه السلام أنّه قال: همّت بأن تفعل، وهمّ بأن لا يفعل.
فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: «وذا النّون إذ ذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه» قال الرّضا علیه السلام : ذاك يونس بن متى علیه السلام «ذهب مغاضباً» لقومه «فظنّ» بمعنى استيقن «أن لن نقدر عليه» أن لن نضيّق على رزقه، و منه قول الله عزّ وجلّ: «و أمّا إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه» أى ضيّق وقتر «فنادى في الظّلمات» ظلمة
اللّيل وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت «أن لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين» بتركي مثل هذه العبادة الّتي قد فرّغتني لها في بطن الحوت، فاستجاب الله له وقال عزّوجلّ: «فلولا أنّه كان من المسبّحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون».
فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: «حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا جاءهم نصرنا» قال الرّضا علیه السلام : يقول عزَّوجلّ حتّى إذا استيأس الرّسل من قومهم وظنّ قوهم أنّ الرّسل قدكذبوا جاء الرّسل نصرنا.
فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ: «ليغفرلك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر» قال الرّضا علیه السلام : لم يكن أحدٌ عند مشركي أهل مكّة أعظم ذنباً من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لأنّهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستّين صنماً، فلمّا جاءهم صلی الله علیه و آله و سلم بالدّعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا: «أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنّ هذا لشيءٌ عجاب ٭ والنطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إنّ هذا لشيءٌ يراد ٭ ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إن هذا إلّا اختلاق» فلمّا فتح الله عزّوجل علی نبيّه مكّة قال له: «يا محمّد «إنّا فتحنا لك» مكّة «فتحاً مبيناً ٭ ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر» عند مشركي أهل مكّة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدّم و ما تأخّر لأنّ مشركي مكّة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكّة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا النّاس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفوراً بظهوره عليهم.
فقال المأمون: لله درّك يا أباالحسن، فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ: «عفا الله عنك لم أذنت لهم» قال الرّضا علیه السلام : هذا ممّا نزل بإيّاك أعني واسمعي يا جارة، خاطب الله عزّوجلّ بذلك نبيّه صلی الله علیه و آله و سلم وأراد به اُمّته، فكذلك قوله عزّوجلّ: «لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكوننّ من الخاسرين» وقوله عزّوجلّ: «ولو لا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً» قال: صدقت يابن رسول الله، فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ: «وإذ تقول للّذي أنعم
الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتّق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى النّاس والله أحقّ أن تخشاه» قال الرّضا علیه السلام : إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قصد دار زيد بن حارثة بن شراجيل الكلبيّ في أمر أراده، فرأى امرأته تغتسل، فقال لها: سبحان الّذي خلقك، وإنّما أراد بذلك تنزيه الله تبارك وتعالى عن قول من زعم أنّ الملائكة بنات الله. فقال الله عزّوجلّ: «أفأصفيكم ربّكم بالبنين واتّخذ من الملائكة إناثاً إنّكم لتقولون قولاً عظيماً» فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم لمّا رآها تغتسل: سبحان الّذي خلقك أن يتّخذ ولداً يحتاج إلى هذا التّطهير والاغتسال، فلمّا عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيءِ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وقوله لها: سبحان الّذي خلقك، فلم يعلم زيد ما أراد بذلك، وظنّ أنّه قال ذلك لما أعجبه من حسنها، فجاء الى النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلم فقال له: يا رسول الله إنّ امرأتي في خلقها سوءٌ وإنّي اُريد طلاقها، فقال له النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلم: «أمسك عليك زوجك واتّق الله» وقد كان الله عزّوجلّ عرّفه عدد أزواجه، وأنّ تلك المرأة منهنّ، فأخفی ذلك في نفسه ولم يبده لزيد، وخشي النّاس أن يقولوا: إنّ محمّداً يقول لمولاه: إنّ امرأتك ستكون لي زوجة فيعيبونه بذلك فأنزل الله عزّوجلّ: «وإذ تقول للّذي أنعم الله عليه»، يعني بالإسلام «وأنعمت عليه» يعني بالعتق «أمسك عليك زوجك واتّق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى النّاس والله أحقّ أن تخشاه» ثمّ إنّ زيد بن حارثة طلّقها واعتدّت منه، فزوّجها الله عزّوجلّ من نبيّه محمّد صلی الله علیه و آله و سلم وأنزل بذلك قرآناً فقال عزّوجلّ: «فلمّا قضى زيد منها وطراً وكان أمر الله مفعولاً» ثمّ علم عزَّوجلَّ أنّ المنافقين سيعيبونه بتزويجها فأنزل: «ما كان على النّبيّ من حرج فيما فرض الله له».
فقال المأمون: لقد شفيت صدري يابن رسول الله وأوضحت لي ما كان ملتبساً عليّ، فجزاك الله عن أنبيائه وعن الإسلام خيراً.
قال عليّ بن محمّد بن الجهم: فقام المأمون إلى الصّلاة، وأخذ بيد محمّد بن جعفر بن محمّد وكان حاضر المجلس وتبعتهما، فقال له المأمون: كيف رأيت ابن أخيك؟ فقال: عالم ولم نره
يختلف إلى أحد من أهل العلم.
فقال المأمون: إنّ ابن أخيك من أهل بيت النّبيّ الّذين قال صلی الله علیه و آله و سلم فيهم: (ألا إنّ أبرار عترتي وأطائب اُرومتي أحلم النّاس صغاراً، وأعلم الناس كباراً، لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم، لا يخرجونكم من باب هدى، ولا يدخلونكم في باب ضلال) وانصرف الرّضا علیه السلام إلى منزله، فلمّا كان من الغدغدوت عليه وأعلمته ماكان من قول المأمون وجواب عمّه محمّد بن جعفر له، فضحك علیه السلام ثمّ قال: يابن الجهم لا يغرَّنّك ما سمعته منه فإنّه سيغتالني والله ينتقم لي منه.
قال الصّدوق رحمه الله: هذا الحديث عجيب من طريق عليّ بن محمّد بن الجهم مع نصبه وبغضه وعداوته لأهل البيت علیهم السلام. (1)
ج: مرسلاً مثله. (2)
5 - شی: عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما علیهما السلام قال في إبراهيم علیه السلام إذ رأى كوكباً قال: إنّما كان طالباً لربّه ولم يبلغ كفراً وإنّه من فكّر من النّاس في مثل ذلك فإنّه بمنزلته . (3)
6 - شی: عن حجر قال: أرسل العلاءبن سيّابة يسأل أبا عبد الله علیه السلام عن قول إبراهيم علیه السلام: «هذا ربّي» وقال: إنّه من قال هذا اليوم فهو عندنا مشرك، قال علیه السلام : لم يكن من إبراهيم شركٌ إنّما كان في طلب ربّه، وهو من غيره شركٌ. (4)
1 - ج: عن أبي بصير قال: سأل طاوس اليمانیّ أبا جعفر علیه السلام : لمَ سمّى آدم آدم؟ قال: لأنّه رفعت طينته من أديم الأرض السّفلى، قال: فلمَ سمّيت حوّاء حوّاء؟ قال: لأنّها خلقت من ضلع حيّ، يعني ضلع آدم. (1)
2 - ع: أبي، عن الحميريّ، عن ابن عيسى، عن البزنطيّ، عن أبان، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّما سمّي آدم آدم لأنّه خلق من أديم الأرض.
قال الصدوق رحمه الله: اسم الأرض الرابعة أديم، وخلق آدم منها فلذلك قيل: خلق من أديم الأرض. (2)
3 - ع: في خبر ابن سلام أنّه سأل النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم عن آدم لمَ سمّي آدم؟ قال: لأنّه خلق من طين الأرض وأديمها، قال: فآدم خلق من الطّين كلّه أو من طين واحد؟ قال: بل من الطّين كلّه، ولو خلق من طين واحد لما عرف النّاس بعضهم بعضاً، وكانوا على صورة واحدة، قال: فلهم في الدنيا مثل؟ قال: التراب فيه أبيض وفيه أخضر وفيه أشقر وفيه أغبر وفيه أحمر وفيه أزرق وفيه عذب وفيه ملح وفيه خشن وفيه ليّن وفيه أصهب، فلذلك صار النّاس فيهم ليّن وفيهم خشن وفيهم أبيض وفيهم أصفر وأحمر وأصهب وأسود على ألوان التراب.
قال: فأخبرني عن آدم خلق من حوّاء أو خلقت حوّاء من آدم؟ قال: بل حوّاء خلقت من آدم، ولوكان آدم خلق من حوّاء لكان الطّلاق بيد النساء، ولم يكن بيد الرجال.
قال: فمن كلّه خلقت أم من بعضه؟ قال: بل من بعضه، ولو خلقت من كلّه لجاز القصاص في النّساء كما يجوز في الرّجال.
قال: فمن ظاهره أو باطنه؟ قال: بل من باطنه، ولو خلقت من ظاهره لانكشفن النساء كما ينكشف الرّجال، فلذلك صار النّساء مستترات.
قال: فمن يمينه أو من شماله؟ قال: بل من شماله، ولو خلقت من يمينه لكان للاُنثى كحظّ الذكر من الميراث، فلذلك صار للاُنثى سهمٌ وللذّكر سهمان، وشهادة امرأتين مثل شهادة رجل واحد.
قال: فمن أين خلقت؟ قال: بل من الطينة الّتي فضلت من ضلعه الأيسر. (1)
4 - ع: الدقّاق، عن الكلينيّ، عن علّان رفعه قال: أتى أمير المؤمنين يهوديٌّ فقال: لمَ سمّي آدم آدم، وحوّاء حوّاء؟ قال: إنّما سمّى آدم آدم لأنّه خلق من أديم الأرض، وذلك أنّ الله تبارك وتعالى بعث جبرئيل علیه السلام وأمره أن يأتيه من أديم الأرض بأربع طينات: طينة بيضاء، وطينة حمراء، وطينة غبراء، وطينة سوداء، وذلك من سهلها وحزنها، ثمّ أمره أن
1) علل الشرائع: 161.
يأتيه بأربع مياه: ماء عذب، وماء ملح، وماء مرّ، وماء منتن، ثمّ أمره أن يفرغ الماء في الطّين، وأدمه الله بيده فلم يفضل شيء من الطّين يحتاج إلى الماء، ولا من الماء شيء يحتاج إلى الطّين، فجعل الماء العذب في حلقه، وجعل الماء المالح في عينيه، وجعل الماء المرّ في اُذنيه، وجعل الماء المنتن في أنفه، وإنّما سمّيت حوّاء حوّاء لأنّها خلقت من الحيوان. الخبر. (1)
5 - ختص: المعلّى بن محمّد، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ أوّل من قاس إبليس، فقال: «خلقتني من نار وخلقته من طين» ولو علم إبليس ما جعل الله في آدم لم يفتخر عليه، ثمّ قال: إنّ الله عزّوجلّ خلق الملائكة من نور، وخلق الجانَّ من النّار، وخلق الجنّ صنفاً من الجانّ من الرّيح، وخلق الجنّ صنفاً من الجنّ من الماءِ، وخلق آدم من صفحة الطّين، ثمّ أجرى في آدم النّور والنّار والرّيح والماء، فبالنّور اُبصر وعقل وفهم، وبالنّار أكل وشرب، ولولا أنّ النّار في المعدة لم يطحن المعدة الطّعام، ولولا أنّ الرّيح في جوف ابن آدم تلهب النّار المعدة لم تلتهب، ولولا أنَّ الماء في جوف ابن آدم يطفىء حرّ نار المعدة لأحرقت النّار جوف ابن آدم، فجمع الله ذلك في آدم الخمس خصال، وكانت في إبليس خصلة فافتخر بها. (2)
6 - فس: أبي، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن ثابت الحذّاءِ، عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر الباقر، عن آبائه، عن عليّ علیهم السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أراد أن يخلق خلقاً بيده وذلك بعدما مضى من الجنّ والنّسناس في الأرض سبعة آلاف سنة، وكان من شأنه خلق آدم كشط عن أطباق السّماوات وقال للملائكة: انظروا إلى أهل الأرض من خلقي من الجنّ والنّسناس، فلمّا رأواما يعملون من المعاصي وسفك الدّماء والفساد في الأرض بغير الحقّ عظم ذلك عليهم وغضبوا الله وتأسّفوا على أهل الأرض ولم يملكوا غضبهم فقالوا: ربّنا أنت العزيز القادر الجبّار القاهر العظيم الشّأن، وهذا خلقك الضّعيف
الذّليل يتقلّبون في قبضتك ويعيشون برزقك و يستمتعون بعافيتك وهم يعصونك بمثل هذه الذّنوب العظام لا تأسّف عليهم، ولا تغضب، ولا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم وترى، وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه فيك، قال: فلمّا سمع ذلك من الملائكة «قال إنّي جاعل في الأرض خليفة» يكون حجّةً في أرضي على خلقي، فقالت الملائكة: «سبحانك أتجعل فيها من يفسد فيها» كما أفسد بنوالجانّ ويسفكون الدّماء كما سفكت بنو الجانّ، ويتحاسدون ويتباغضون، فاجعل ذلك الخليفة منّا فإنّا لا نتحاسد ولا نتباغض ولا نسفك الدّماء «ونسبّح بحمدك ونقدّس لك» فقال جلّ وعزّ: «إنّي أعلم مالا تعلمون» إنّي اُريد أن أخلق خلقاً بيدي، وأجعل من ذرّيّته أنبياء ومرسلين، وعباداً صالحين، وأئمّة مهتدين، أجعلهم خلفاء عل خلقي في أرضي ينهونهم عن معصيتي، وينذرونهم من عذابي، ويهدونهم إلى طاعتي، ويسلكون بهم سبيلى، وأجعلهم لي حجّة عليهم وعذراً ونذراً، واُبين النّسناس عن أرضي واُطهّرها منهم، وأنقل مردة الجنّ العصاة عن بريّتي وخلقي وخيرتى، واُسكّنهم في الهواءِ وفي أقطار الأرض فلا يجاورون نسل خلقي، وأجعل بين الجنّ وبين خلقي حجاباً فلايرى نسل خلقي الجنّ ولا يجالسونهم ولا يخالطونهم، فمن عصاني من نسل خلقي الّذين اصطفيتهم اُسكّنهم مساكن العصاة وأوردتهم مواردهم ولا اُبالي. قال: فقالت الملائكة: يا ربّنا افعل ماشئت «لا علم لنا إلّا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم» قال: فباعدهم الله من العرش مسيرة خمسمائة عام، قال: فلاذوا بالعرش فأشاروا بالأصابع، فنظر الرّبّ جلّ جلاله إليهم ونزلت الرّحمة فوضع لهم البيت المعمور فقال: طوفوا به، ودعوا العرض فإنّه لي رضا. فطافوا به وهو البيت الّذي يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبداً، فوضع الله البيت المعمور توبةً لأهل السّماء، ووضع الكعبة توبة لأهل الأرض، فقال الله تبارك وتعالى: «إنّي خالقٌ بشراً صلصال من حمأ مسنون ٭ فاذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له
ساجدين» قال: وكان ذلك من الله تقدمة في آدم قبل أن يخلقه واحتجاجاً منه عليهم، قال: فاغترف ربّنا تبارك و تعالى غرفة بيمينه من الماء العذب الفرات - وكلتا يديه يمين - فصلصلها في كفّه حتّى جمدت، فقال لها: منك أخلق النّبيين والمرسلين وعبادي الصّالحين والأئمّة المهتدين والدّعاة إلى الجنّة وأتباعهم إلى يوم اليقامة ولا اُبالي. ولا اُسأل عمّا أفعل وهم يسألون، ثمّ اغترف غرفة اُخرى من الماء المالح الاُجاج فصلصلها في كفّه فجمدت ثمّ قال لها: منك أخلق الجبّارين والفراعنة والعتاة وإخوان الشّياطين والدّعاة إلى النّار إلى يوم القيامة وأشياعهم ولا اُبالي ولا اُسأل عمّا أفعل وهم يسألون، قال: وشرط في ذلك البداء فيهم، و لم يشترط في أصحاب اليمين البداء ثمّ خلط المائين جميعاً في كفّه فصلصلها ثمّ كفأهما قدّام أمر الملائكة الأربعة: الشّمال والجنوب والصّبا والدّبور أن يجولوا على هذه السلالة الطّين فأبدوها و أنشؤوها ثمّ أبروها و جزّوها وفصّلوها وأجروا فيها الطّبائع الأربعة: الرّيح والدّم والمرّة والبلغم، فجالت الملائكة عليها وهي الشّمال والجنوب والصّبا والدّبور وأجروا فيها الطّبائع الأربعة فالريح من الطبائع الأربعة من البدن من ناحية الشّمال، والبلغم في الطّبائع الأربعة من ناحية الصّبا، والمرّة في الطّبائع الأربعة من ناحية الدبور، والدم في الطّبائع الأربعة من ناحية الجنوب، قال: فاستقلّت النِسمة وكمل البدن، فلزمه من ناحية الرّيح حبّ النّساء وطول الأمل والحرص، ولزمه من ناحية البلغم حبّ الطّعام والشّراب والبرّ والحلم والرّفق، ولزمه من ناحية المرّة الغضب والسفه والشيطنة و التجبّر والتمرّد والعجلة، ولزمه من ناحية الدم حبُّ النساء واللّذّات وركوب المحارم والشهوات؛ قال أبو جعفر علیه السلام : وجدنا هذا في كتاب أمير المؤمنين علیه السلام . (1)
ع: ابن الوليد، عن الصّفار، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر مثله . (2)وقد أوردناه بلفظه في باب قوام بدن الإنسان.
ع، ن: سأل الشّامي أمير المؤمنين علیه السلام : لمَ سمّي آدم آدم؟ قال: لأنّه خلق من أديم الأرض. (1)
7 - ع: الدقّاق، عن الأسديّ، عن النّخعيّ، عن النّوفليّ، عن عليّ بن سالم، عن أبيه، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : لأيّ علّة خلق الله عزّوجلّ آدم علیه السلام من غير أب و اُمّ، وخلق عيسى من غير أب؟ وخلق سائر النّاس من الآباء والاُمّهات فقال: ليعلم النّاس تمام قدرته وكمالها، ويعلموا أنّه قادر على أن يخلق خلقاً من اُنثى من غير ذكر، كما هو قادرٌ على أن يخلقه من غير ذكر ولا اُنثى، وأنّه عزّوجلّ فعل ذلك ليعلم أنّه على كلّ شيء قدير. (2)
8 - ع: عليّ بن حبشيّ بن قوني، عن حميد بن زياد، عن القاسم بن إسماعيل، عن محمّد بن سلمة، عن يحيى بن أبي العلاء الرازيّ أنّ رجلاً دخل على أبي عبد الله علیه السلام فقال: جعلت فداك أخبرني عن قول الله عزّوجلّ: «ن والقلم وما يسطرون» وأخبرني عن قول الله عزّوجلّ لابليس: «فإنّك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم» وأخبرني عن هذا البيت كيف صار فريضةً على الخلق أن يأتوه؟ قال: فالتفت أبو عبد الله علیه السلام إليه وقال: ما سألني عن مسألتك أحد قطّ قبلك، إنّ الله عزّوجلّ لمّا قال للملائكة: «إنّي جاعل في الأرض خليفة» ضجّت الملائكة من ذلك وقالوا: ياربّ إن كنت لابدّ جاعلاً في أرضك خليفة فاجعله منّا من يعمل في خلقك بطاعتك، فردّ عليهم «إنّي أعلم ما لا تعلمون» فظنّت الملائكة أنّ ذلك سخط من الله عزّوجلّ عليهم، فلا ذوا بالعرش يطوفون به، فأمر الله عزّوجلّ لهم ببيت من مرمر سقفه ياقوتة حمراء، وأساطينه الزّبرجد، يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يدخلونه بعد ذلك إلى يوم الوقت المعلوم، قال: ويوم الوقت المعلوم يوم ينفخ في الصّور نفخة واحدة، فيموت إبلیس ما بين النّفخة الاُولى والثّانية. وأمّا (نون) فكان نهراً في
الجنّة أشدّ بياضاً من الثّلج وأحلى من العسل، قال الله عزّوجلّ له: كن مداداً، فكان مداداً، ثمّ أخذ شجرةً فغرسها بيده - ثمّ قال: واليد: القوّة، وليس بحيث تذهب إليه المشبّهة - ثمّ قال لها: كوني قلماً، ثمّ قال له: اكتب، فقال: يا ربّ وما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة، ففعل ذلك، ثمّ ختم عليه وقال: لا تنطقنّ إلى يوم الوقت المعلوم . (1)
9 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن عليّ بن حديد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما علیهما السلام أنّه سئل عن ابتداء الطواف، فقال: إنّ الله تبارك وتعالى لمّا أراد خلق آدم علیه السلام قال «للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة» فقال ملكان من الملائكة: «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء» فوقعت الحجب فيما بينها وبين الله عزّوجلّ، وكان تبارك وتعالى نوره ظاهراً للملائكة، فلمّا وقعت الحجب بينه وبينهما علما أنّه سخط قولهما، فقالا للملائكة: ما حيلتنا؟ وما وجه توبتنا؟ فقالوا: مانعرف لكما من التوبة إلّا أن تلوذا بالعرش، قال: فلا ذابالعرش حتّى أنزل الله عزّوجلّ توبتهما ورفعت الحجب فيما بينه وبينهما، وأحبّ الله تبارك وتعالى أن يعبد بتلك العبادة فخلق الله البيت في الأرض وجعل على العباد الطواف حوله، وخلق البيت المعمور في السماء يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. (2)
10 - ع، ن: في علل محمّد بن سنان قال: كتب الرّضا علیه السلام إليه: علّة الطواف بالبيت أنّ الله تبارك وتعالى قال للملائكة: «إنّي جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء» فردّوا على الله تبارك وتعالى هذا الجواب، فعلموا أنّهم أذنبوا فندموا فلاذوا بالعرش واستغفروا، فأحبّ الله عزّوجلّ أن يتعبّد بمثل ذلك العباد، فوضع في السماء الرّابعة بيتاً بحذاء العرش يسمّى الضراح، ثمّ وضع في السماء الدّنيا بيتاً يسمّى المعمور بحذاء الضراح، ثمّ وضع البيت بحذاء البيت المعمور، ثمّ أمر آدم علیه السلام فطاف به، فتاب الله عليه
وجرى ذلك في ولده إلى يوم القيامة. (1)
11 - ل: ابن الوليد عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل، عن الحسن ابن ظريف، عن أبي عبدالرحمن، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: الآباء ثلاثة: آدم ولد مؤمناً، والجانّ ولدكافراً، وإبلیس ولد كافراً، وليس فيهم نتاج، إنّما يبيض ويفرخ، وولده ذكورٌ ليس فيهم إناث. (2)
12 - ص: الصدوق، عن ابن المتوكّل وماجيلويه معاً عن محمّد العطّار، عن ابن أبان، عن ابن اُورمة، عن عمرو بن عثمان، عن العبقريّ، عن عمر بن ثابت، عن أبيه، عن حبّة العرنيّ، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام قال: إنّ الله تعالى خلق آدم علیه السلام من أديم الأرض فمنه السباخ والمالح والطيّب، ومن ذرّيّته الصالح والطالح وقال: إنّ الله تعالى لمّا خلق آدم ونفخ فيه من روحه نهض ليقوم فقال الله: «وخلق الإنسان عجولاً».
وهذا علامة للملائكة إنَّ من أولاد آدم علیه السلام يكون من يصير بفعله صالحاً، ومنهم من يكون طالحاً بفعله، لا أنّ من خلق من الطيّب لا يقدر على القبيح، ولا أنّ من خلق من السبخة لا يقدر على الفعل الحسن. (3)
13 - شی: عن محمّد بن عيسى العلويّ، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين علیه السلام قال: خلقت حوّاء من قصيرا جنب آدم – والقصيرا هو الضلع الأصغر - و أبدل الله مكانه لحماً. (4)
14 - شی: عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله علیه السلام وما علم الملائكة بقولهم: «أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدّماء» لولا أنّهم قدكانوا رأوا من يفسد فيها ويسفك
الدّماء. (1)
15 - م: قوله عزّوجلّ: «وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة ٭ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيه ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إنّي أعلم مالا تعلمون ٭ وعلّم آدم الأسماء كلّها ثمّ عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاءِ إن كنتم صادقين ٭ قالوا سبحانك لاعلم لنا إلّا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم ٭ قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ماتبدون وماكنتم تكتمون» قال الإمام: لمّا قيل لهم: «هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً» الآية، قالوا: متى كان هذا؟ فقال الله عزّوجلّ: «وإذقال ربّك» ابتدائي هذا الخلق أي ما في الأرض جميعاً لكم حين قال ربّك للملائكة الّذين كانوا في الأرض مع ابليس وقد طردوا عنها الجنّ بني الجانّ وحقّت العبادة: «إنّي جاعلٌ في الأرض خليفة» بدلاً منكم، و رافعكم منها، فاشتدّ ذلك عليهم لأنّ العبادة عند رجوعهم إلى السماء تكون أثقل عليهم فقالوا ربّنا «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء» كما فعلته الجنّ بنو الجانّ الّذين قد طردناهم عن هذه الأرض «ونحن نسبّح بحمدك» ننزّهك عمّا لا يليق بك من الصّفات «ونقدّس لك» نطهّر أرضك ممّن يعصيك، قال الله تعالى: «إنّي أعلم مالاتعلمون» إنّي أعلم من الصّلاح الكائن فيمن أجعلهم بدلاً منكم مالاتعلمون، وأعلم أيضاً أنّ فيكم من هو كافر في باطنه مالاتعلمونه وهو إبلیس - لعنه الله - ثمّ قال: «و علّم آدم الأسماء كلّها» أسماء أنبياء الله وأسماء محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والطيّبين من ألهما، وأسماء رجال من خيار شيعتهم وعصاة أعدائهم «ثمّ عرضهم» عرض محمّداً وعليّاً والأئمّة «على الملائكة» أي عرض أشباحهم وهم أنوار في الأظلّة «فقال انبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين» أنّ جميعكم تسبّحون وتقدّسون، وأنَّ ترككم ههنا أصلح من إيراد من بعدكم، أي فكما لم
1) تفسير العياشی مخطوط.
تعرفوا غيب من في خلالكم فبالحريّ أن لا تعرفوا الغيب الّذي لم يكن كما لاتعرفون أسماء أشخاص ترونها، قالت الملائكة: «سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم» العليم بكلّ شيء، الحكيم المصيب في كلّ فعل، فقال الله تعالى: «يا آدم» أنبي هؤلاء الملائكة «بأسمائهم» أسماء الأنبياء والأئمّة علیهم السلام «فلمّا أنبأهم» عرفوها أخذ عليهم العهد والميثاق بالإيمان بهم والتّفضيل لهم، قال الله تعالى عند ذلك: «ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السموات والأرض» سرّهما «وأعلم ما تبدون وماكنتم تكتمون» ما كان يعتقده إبليس من الإباء على آدم إذامرّ بطاعته وإهلاكه إن سلّط عليه، ومن اعتقادكم أنّه لاأحد يأتي بعدكم إلّا وأنتم أفضل منه، بل محمّد وآله الطيّبون أفضل منكم الّذين أنبأكم آدم بأسمائهم.
16 - كا: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن أبي عبّاد عمران ابن عطيّة، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: بينا أبي علیه السلام وأنا في الطّواف إذ أقبل رجل سرحب من الرّجال - فقلت: وما السرّحب أصلحك الله؟ فقال: الطّويل - فقال: السلام عليكم وأدخل رأسه بيني وبين أبي، قال: فالتفت إليه أبي وأنا فرددنا عليه السلام ثمَّ قال: أسألك رحمك الله؟ فقال له أبي: نقضي طوافنا ثمّ تسألني، فلمّا قضى أبي الطواف دخلنا الحجر فصلّينا الرَّكعات ثمّ التفت فقال: أين الرّجل يابنيَّ؟ فإذا هو وراءه قدصلّى، فقال: ممّن الرّجل؟ فقال: من أهل الشام، فقال: ومن أيّ أهل الشام؟ فقال: ممّن يسكن بيت المقدس، فقال: قرأت الكتابين، قال: نعم، قال: سل عمّا بدالك، فقال: أسألك عن بدءِ هذا البيت، وعن قوله: «ن والقلم ومايسطرون» وعن قوله: «والّذين في أموالهم حقّ معلوم للسّائل والمحروم» فقال: يا أخا أهل الشام اسمع حديثنا ولا تكذب علينا، فإنّ من كذب علينا في شيء فإنّه كذب على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، ومن كذب على رسول الله فقد كذب على الله، ومن كذب على الله عذّبه الله عزّ وجلّ، أمّا بدؤ هذا البيت فإنّ الله تبارك و تعالى قال للملائكة: «إنّي جاعل في الأرض خليفة» فردّت الملائكة على الله عزّ وجلّ، فقالت: «أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك
الدّماء» فأعرض عنها فرأت أنّ ذلك من سخطه فلاذت بعرشه، فأمر الله ملكاً من الملائكة أن يجعل له بيتاً في السّماء السادسة يسمّى الضّراح بإزاء عرشه فصيّره لأهل السّماء يطوفون به، يطوف به سبعون ألف ملك في كلّ يوم لا يعودون ويستغفرون، فلمّا أن هبط آدم إلى الدّنيا أمره، بمرمّة هذا البيت وهو بازاءِ ذلك، فصيّره لآدم وذرّيّته كما صيّر ذلك لأهل السّماء، قال: صدقت یابن رسول الله. (1)
17 - أقول: قال السيّد بن طاوس في كتاب سعد السعود: من صحائف إدريس النبيّ علیه السلام قال في صفة خلق آدم: إنّ الأرض عرّفها الله جلّ جلاله أنّه يخلق منها خلقاً، فمنهم من يطيعه ومن يعصيه، فاقشعرّت الأرض واستعطفت الله، وسألته لا يأخذ عنها من يعصيه ويدخل النّار، وأنّ جبرئيل أتاها ليأخذ منها طينة آدم علیه السلام فسألته بعزّة الله أن لا يأخذ منها شيئاً حتّى تتضرّع إلى الله تعالى وتضرّعت فأمره الله تعالى بالانصراف عنها، فأمر الله ميكائيل فاقشعرّت و تضرّعت وسألت فأمره الله تعالى بالانصراف عنها، فأمر الله تعالى إسرافيل بذلك فاقشعرّت وسألت و تضرّعت فأمره الله بالانصراف عنها، فأمر عزرائيل فاقشعرّت وتضرّعت فقال: قد أمرني ربّي بأمر أناماض له، سرَّك ذاك أم ساءك، فقبض منها كما أمر الله، ثمّ صعدبها إلى موقفه فقال الله له: كما ولّيت قبضها من الأرض وهي كارهة كذلك تلي قبض أرواح كلّ من عليها وكلّ ما قضيت عليه الموت من اليوم إلى يوم القيامة، فلمّا كان صباح يوم الأحد الثاني اليوم الثامن من خلق الدّنيا فأمر الله ملكاً فعجن طينة آدم فخلط بعضها ببعض، ثمّ خمّرها أربعين سنة، ثمَّ جعلها لازباً، ثمَّ جعلها حمأً مسنوناً أربعين سنة، ثمّ جعلها صلصالاً كالفخّار أربعين سنة، ثمَّ قال للملائكة بعد عشرين ومائة سنة مذ خمّر طينة آدم: «إنّي خالق بشراً من طين فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين» فقالوا: نعم، فقال في الصّحف ما هذا لفظه: فخلق الله آدم على صورته الّتي
1) فروع الكافی: 1: 215 - 216.
صوّرها في اللّوح المحفوظ.
يقول عليّ بن طاوس: فأسقط بعض المسلمين بعض هذا الكلام وقال: (إنّ الله خلق آدم على صورته) فاعتقد الجسم، فاحتاج المسلمون إلى تأويلات الحديث.
وقال في الصّحف: ثمّ جعلها جسداً ملقى على طريق الملائكة الّتي (الّذي خ ل) تصعد فيه إلى السّماء أربعين سنه. ثمّ ذكر تناسل الجنّ وفسادهم، وهرب إبليس منهم إلى الله وسؤاله أن يكون مع الملائكة وإجابة سؤاله، وما وقع من الجنّ حتّى أمر الله إبليس أن ينزل مع الملائكة لطرد الجنّ فنزل وطردهم عن الأرض الّتي أفسدوا فيها، وشرح كيفيّة خلق الرّوح في أعضاء آدم واستوائه جالساً، وأمر الله الملائكة بالسجود فسجدوا له إلّا إبليس كان من الجنّ فلم يسجد له، فعطس آدم فقال الله: یا آدم قل: الحمد لله ربّ العالمين فقال: الحمد لله ربّ العالمين، قال الله: رحمك الله، لهذا خلقتك لتوحّدني وتعبدني وتحمدني وتؤمن بي، ولا تكفربي ولا تشرك بي شيئاً. (1)
اقول: تمامه في كتاب السّماء والعالم.
18 - نهج: في صفة خلق آدم: ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها تربةً سنّها بالماءِ حتّى خلصت، ولاطها بالبلّة حتّى لزبت، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول و أعضاء وفضول، أجمدها حتّى استمسكت ،وأصلدها حتّى صلصلت، لوقت معدود، وأجل معلوم، ثمّ نفخ فيها من روحه فمثلت إنساناً ذا أذهان يجيلها، وفكر يتصرّف بها. وجوارح يختدمها، وأدوات يقلّبها، ومعرفة يفرّق بها بين الحقّ والباطل، والأذواق والمشامّ والألوان والأجناس معجوناً بطينة الألوان المختلفة، والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية، والأخلاط المتباينة، من الحرّ والبرد والبلّة والجمود والمساءة والسّرور، واستأدى الله سبحانه وتعالى الملائكة وديعته لديهم، وعهد وصيّته إليهم في
1) سعد السعود: 33-34.
الإذعان بالسجود له، والخنوع لتكرمته، فقال سبحانه وتعالى: اسجدوا لآدم فسجدوا إلّا إبليس وقبيله اعترتهم الحميّة، وغلبت عليهم الشقوة، وتعزّزوا بخلقة النار، واستوهنوا خلق الصلصال، فأعطاه الله النظرة الستحقاقاً للسخطة، واستتماماً للبليّة، وإنجازاً للعدة، فقال: «إنّك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم» ثمّ أسكن سبحانه آدم داراً أرغد فيها عيشه وآمن فيها محلّته، وحذّره إبليس وعداوته، فاغترّه عدوّه نفاسةً عليه بدار المقام، ومرافقة الأبرار، فباع اليقين بشكّه، والعزيمة بوهنه، واستبدل بالجدل وجلاً، وبالاغترار ندماً، ثمّ بسط الله سبحانه له في تبوته، ولقّاه كلمة رحمته، ووعده المردّ إلى جنّته، فأهبطه إلى دار البليّة، وتناسل الذرّيّة. إلى آخر الخطبة. (1)
19 - ص: بالإسناد إلى الصّدوق بإسناده عن ابن محبوب، عن مقاتل بن سليمان قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام : كم كان طول آدم على نبيّنا وآله و عليه السلام حين هبط به إلى الأرض وكم كانت طول حوّاء؟ قال: وجدنا في كتاب عليّ علیه السلام أنَّ الله عزَّ وجلَّ لمّا أهبط آدم و زوجته حوّاء على الأرض كانت رجلاه على ثنيّة الصفا، ورأسه دون اُفق السّماء وأنّه شكا إلى الله ما يصيبه من حرّ الشمس فصيّر طوله سبعين ذراعاً بذراعه، و جعل طول حوّاء خمسة وثلاثين ذراعاً بذراعها. (2)
كا: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب مثله إلى قوله: من حرّ الشمس، فأوحى الله عزّوجلّ إلى جبرئيل علیه السلام : أنّ آدم قد شكا ما يصيبه من حرّ الشّمس، فأغمزه غمزة وصيّر طوله سبعين ذراعاً بذراعه، وأغمز حوّاء غمزةً فصيّر طولها خمسة وثلاثين ذراعاً بذراعها. (3)
1 - ج: في جواب مسائل الزّنديق عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه سأل أيصلح السجود لغير الله؟ قال: لا، قال: فكيف أمر الله الملائكة بالسّجود؟ فقال: إنَّ من سجد بأمر الله فقد سجد الله فكان سجوده لله إذ كان عن أمر الله . ثمّ قال علیه السلام : فأمّا إبليس فعبدٌ خلقه ليعبده ويوحّده، وقد علم حين خلقه ماهو وإلى ما يصير، فلم يزل يعبده مع ملائكته حتّى امتحنه بسجود آدم، فامتنع من ذلك حسداً وشقاوةً غلبت عليه فلعنه عند ذلك، وأخرجه عن صفوف الملائكة، وأنزله إلى الأرض مدحوراً، فصار عدوّ آدم وولده بذلك السبب، وماله من السّلطنة على ولده إلّا الوسوسة والدّعاء إلى غير السبيل، وقد أقرّ مع معصيته لربّه بربوبيّته. (1)
2 - ج: عن موسى بن جعفر، عن آبائه علیهم السلام أنّ يهوديّاً سأل أمير المؤمنين علیه السلام عن معجزات النّبيّ في مقابلة معجزات الأنبياء، فقال: هذا آدم أسجد الله له ملائكته، فهل فعل بمحمّد شيئاً من هذا؟ فقال عليّ علیه السلام : لقد كان ذلك، ولكن أسجد الله لآدم ملائكته، فإنّ
1) الاحتجاج: 184-185.
سجودهم لم يكن سجود طاعة إنّهم عبدوا آدم من دون الله عزَّ وجلَّ، ولكن اعترافاً لآدم بالفضيلة، ورحمةً من الله له، ومحمّد صلی الله علیه و آله و سلم اُعطي ما هو أفضل من هذا، إنّ الله جلّ وعلا صلّى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها، وتعبّد المؤمنون بالصّلاة عليه، فهذه زيادة له يا يهودي. (1)
3 - ن : الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشميّ، عن فرات بن إبراهيم، عن محمّد بن أحمد ابن عليّ الهمدانيّ، عن العبّاس بن عبدالله البخاريّ، عن محمّد بن القاسم بن إبراهيم، عن أبي الصلت الهرويّ، عن الرّضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين علیهم السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إنّ الله فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين، وفضّلني على جميع النبيّين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا عليّ وللأئمّة من بعدك - وساق الحديث إلى أن قال -: ثمّ إنّ الله تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه، وأمر الملائكة بالسّجود له تعظيماً تعظيماً لنا وإكراماً وكان سجودهم الله عزَّوجلَّ عبوديّةً ولآدم إكراماً و طاعةً، لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلّهم أجمعون؟ الخبر. (2)
4 - فس: خلق الله آدم فبقي أربعين سنة مصوّراً، وكان يمرُّ به إبليس اللّعين فيقول: لأمر ما خلقت، فقال العالم علیه السلام : فقال إبليس لئن أمرني الله بالسّجود لهذا لعصيته، قال: ثمّ نفخ فيه فلمّا بلغت فيه الروح إلى دماغه عطس فقال : الحمد لله، فقال الله له: يرحمك الله، قال الصادق عليه السلام : فسبقت له من الله الرحمة، ثمّ قال الله تبارك وتعالى للملائكة: اسجدوا لآدم فسجدوا له، فأخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد، فأبي أن يسجد فقال الله عزَّوجلَّ: «ما منعك ألّا تسجد إذ أمرتك» فقال: «أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين» قال الصادق علیه السلام : فأوّل من قاس إبليس واستكبر، والاستكبار هو أوّل معصية عصي الله بها، قال: فقال إبليس : ياربّ اعفني من السّجود لآدم وأنا أعبدك عبادةً لم يعبد
كها ملكٌ مقرّبٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ، فقال الله: لاحاجة لي إلى عبادتك، إنّما اُريد أن اُعبد من حيث اُريد لا من حيث تريد، فأبي أن يسجد فقال الله تبارك وتعالى: «اخرج منها فإنّك رجيم ٭ وإنّ عليك لعنتي إلى يوم الدّين» قال إبليس: ياربّ فكيف وأنت العدل الّذي لا تجور فثواب عملي بطل؟ قال: لا ولكن سلني من أمر الدّنيا ماشئت ثواباً لعملك اُعطك، فأوّل ماسأل البقاء إلى يوم الدّين، فقال الله: قد أعطيتك، قال: سلّطني عل ولد آدم، قال: سلّطتك، قال: أجرني فيهم مجرى الدّم في العروق، قال: قد أجريتك، قال: لا يولد لهم واحد إلّا ولد لي إثنان، وأراهم ولا يروني، وأتصوّر لهم في كل صورة شئت، فقال: قد أعطيتك، قال: ياربّ زدني قال: قد جعلت لك ولذرّيّتك صدورهم أوطاناً، قال: ربّ حسبي، قال إبليس عند ذلك: «فبعزّتك لاُغوينّهم أجمعين إلّا عبادك منهم المخلصين ٭ ثمّ لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين». (1)
5 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي عبد الله علیه السلام قال : لمّا أعطى الله تبارك وتعالى إبلیس ما أعطاه من القوّة قال آدم: ياربّ سلّطت إبليس على ولدي، وأجريته فيهم مجرى الدّم في العروق، وأعطيته ما أعطيته، فما لي ولولدي؟ فقال: لك ولولدك السيّئة بواحدة والحسنة بعشرة أمثالها، قال: ياربّ زدني، قال: التوبة مبسوطة إلى أن تبلغ الحلقوم، قال: ياربّ زدني، قال: أغفر و لا اُبالي، قال: حسبي. قال: قلت: جعلت فداك بماذا استوجب إبلیس من الله أن أعطاه ما أعطاه؟ فقال: بشيء كان منه شكره الله عليه، قلت: وما كان منه جعلت فداك؟ قال: ركعتين ركعهما في السّماء في أربعة آلاف سنة. (2)
6 - كتاب فضائل الشّيعة للصّدوق رحمه الله بإسناده عن أبي سعيد الخدريّ قال: كنّا جلوساً مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إذ أقبل إليه رجل فقال: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزَّوجلَّ لإبليس: «أستكبرت أم كنت من العالين» فمن هم يا رسول الله الّذين هم أعلى من
الملائكة؟ فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : أنا وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، كنّا في سرادق العرش نسبّح الله وتسبّح الملائكة بتسبيحنا قبل أن خلق الله عزَّ وجلَّ آدم بألفي عام، فلمّا خلق الله عزَّوجلَّ آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له ولم يأمرنا بالسّجود، فسجدت الملائكة كلّهم أجمعون إلّا إبليس فإنّه أبى أن يسجد، فقال الله تبارك وتعالى: «أستكبرت أم كنت من العالين» أي من هؤلاءِ الخمس المكتوب أسماؤهم في سرادق العرش؛ الخبر. (1)
7 - ل: أبي وابن الوليد معاً، عن سعد والحميريّ معاً، عن ابن عيسى والبرقيّ، وابن أبي الخطّاب جميعاً، عن ابن محبوب، عن محمّدبن إسحاق، عن أبي جعفر محمّدبن عليّ، عن آبائه، عن عليّ علیهم السلام، عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال: إنّما كان لبث آدم و حوّاء في الجنّة حتّى اُخرجا منها سبع ساعات من أيّام الدّنيا حتّى أهبطهما الله من يومهما ذلك. (2)
8 - ع: بالإسناد إلى وهب قال: لمّا أسجد الله عزَّوجلَّ الملائكة لآدم علیه السلام وأبي إبلیس أن يسجد قال له ربّه عزَّوجلَّ: «اخرج منها فإنّك رجيم ٭ وإنّ عليك لعنتي إلى يوم الدّين» ثمّ قال عزَّ وجلَّ لآدم: يا آدم انطلق إلى هؤلاء من الملائكة فقل: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فسلّم عليهم فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله بركاته، فلمّا رجع إلى ربّه عزَّوجلَّ قال له ربِّه تبارك وتعالى: هذه تحيّتك وتحيّة ذرّيّتك من بعدك فيما بينهم إلى يوم القيامة. (3)
9 - ع: ابن الوليد، عن الصفّار، عن إبراهيم بن هاشم، عن عثمان، عن الحسن ابن بشّار، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: سألته عن جنّة آدم، فقال: جنّة من جنان الدّنيا يطلع عليها الشمس و القمر، ولو كانت من جنان الخلد ما خرج منها أبداً. (4)
10 - فس: أبي رفعه قال: سئل الصّادق علیه السلام عن جنّة آدم أمن جنان الدّنيا كانت أم
من جنان الآخرة؟ فقال: كانت من جنان الدنيا تطلق فيها الشّمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ماخرج منها أبداً. (1)
11 - ص: بالاسناد عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الصّادق علیه السلام قال: أمر إبليس بالسجود لآدم، فقال: ياربّ وعزّتك إن أعفيتني من السجود لآدم لأعبدنّك عبادة ماعبدك أحد قطّ مثلها، قال الله جلّ جلاله: إنّي اُحبّ أن اُطاع من حيث اُريد. وقال: إنّ إبلیس رنّ أربع رنّات أوّلّهن يوم لعن، ويوم اُهبط إلى الأرض، وحيث بعث محمّد صلی الله علیه و آله و سلم على فترة من الرسل، وحين اُنزلت اُمّ الكتاب؛ ونخر نخرتين حين أكل آدم من الشجرة، وحين اُهبط من الجنّة. وقال في قوله تعالى: «فبدت لهما سوآتهما» كانت سوآتها لاترى فصارت ترى بارزة. وقال: الشجرة الّتي نهي عنها آدم هي السنبلة. (2)
12 - ك: ابن المتوكّل، عن الأسديّ، عن البرمكيّ، عن جعفر بن عبدالله، عن الحسن بن سعيد، عن محمّد بن زياد، عن أيمن بن محرز، عن الصادق علیه السلام إنّ الله تبارك وتعالى علّم آدم علیه السلام أسماء حجج الله كلّها، ثمّ عرضهم وهم أرواح على الملائكة فقال: «انبئوني بأسماء هؤلاءِ إن كنتم صادقين» أنّكم أحقّ بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم «قالوا سبحانك لا علم لنا إلّا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم» قال الله تبارك وتعالى: «يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم» وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله تعالى ذكره فعلموا أنّهم أحقّ بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريّته، ثمّ غيّبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبّتهم وقال لهم: «ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وماكنتم تكتمون».
وحدّثنا بذلك القطّان، عن السكّريّ، عن الجوهريّ، عن ابن عمّارة، عن أبيه، عن
الصادق علیه السلام. (1)
13 - فس: «و علّم آدم الأسماء كلّها» قال: أسماء الجبال والبحار والأودية والنبات والحيوان. (2)
أقول: الأظهر الحمل على المعنى الأعمّ، و ما ذكر في خبر ابن محرز بيان لبعض أفراد المسميّات وأشرفها وأرفعها.
14 - شى: عن أبي العبّاس، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: سألته عن قول الله: «و علّم آدم الأسماء كلّها» ماذا علّمه؟ قال: الأرضين والجبال والشعاب والأودية؛ ثمّ نظر إلى بساط تحته فقال: وهذا البساط ممّا علّمه. (3)
15 - شی: عن الفضل بن عبّاس، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: سألته عن قول الله عزَّوجلَّ: «وعلّم آدم الأسماء كلّها» ماهي؟ قال: أسماء الأدوية والنبات والشجر والجبال من الأرض. (4)
16 - شی: عن داود بن سرحان العطّار قال: كنت عند أبي عبدالله علیه السلام فدعا بالخوان فتغدّينا، ثمّ جاؤوا بالطشت والدست سنانه، فقلت جعلت فداك: قوله: «و علّم آدم الأسماء كلّها» الطست والدست سنانه منه؟ فقال: الفجاج والأودية وأهوى بيده كذا وكذي. (5)
17 - شی: عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا أن خلق الله آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له. فقالت الملائكة في أنفسها: ما كنّا نظنّ أنّ الله خلق خلقاً أكرم عليه منّا. فنحن جيرانه ونحن أقرب خلقه إليه. فقال الله: «ألم أقل لكم إنّي أعلم ما تبدون وماتكتمون» فيما أبدوا من أمر بني الجانّ. وكتموا ما في أنفسهم. فلاذت الملائكة الّذين قالوا ما قالوا بالعرش. (6)
18 - شی: عن جميل بن درّاج قال سألت أبا عبد الله علیه السلام أن إبلیس أكان من الملائكة
أوكان يلي شيئاً من أمر السماء؟ فقال: لم يكن من الملائكة، وكانت الملائكة ترى أنّه منها، وكان الله يعلم أنّه ليس منها، ولم يكن يلي شيئاً من أمر أسماء ولا كرامة، فأتيت الطّيّار فأخبرته بما سمعت فأنكر، وقال: كيف لا يكون من الملائكة والله يقول للملائكة: «اسجدوا لآدم فسجدوا إلّا إبليس» فدخل عليه الطّيار فسأله وأنا عنده فقال له: جعلت فداك قول الله عزَّوجلَّ: «يا أيّها الّذين آمنوا» في غير مكان في مخاطبة المؤمنين يدخل في هذه المنافقون؟ فقال: نعم يدخلون في هذه المنافقون والضّلال وكلّ من أقرّ بالدعوة الظاهرة. (1)
19 - شی: عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : إنّ أوّل كفر كفر بالله، حيث خلق آدم كفر إبلیس حيث ردّ على الله أمره، وأوّل الحسد حيث حسد ابن آدم أخاه، وأوّل الحرص حرص آدم، نهي عن الشجرة فأكل منها فأخرجه حرصه من الجنّة. (2)
20 - شی: عن بدربن خليل الأسديّ، عن رجل من أهل الشام قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام : أوّل بقعة عبدالله عليها ظهر الكوفة لمّا أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم سجدوا على ظهر الكوفة. (3)
21 - فس: محمّد بن أحمد بن ثابت، عن القاسم بن اسماعيل الهاشميّ، عن محمّد بن سيّار، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لو أنَّ الله خلق الخلق كلّهم بيده لم يحتج في آدم أنّه خلقه بيده فيقول: «ما منعك أن لا تسجد لما خلقت بيديَّ» أفترى الله يبعث الأشياءِ بيده! (4)
1 - ع، لی: ماجيلويه، عن عمّه، عن البرقيّ، عن عليّ بن الحسين البرقيّ، عن عبدالله بن جبلة، عن معاوية بن عمّار، عن الحسن بن عبدالله، عن أبيه، عن جدّه الحسن بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فسألوه عن مسائل فكان فيما سألوه: أخبرني عن الله لأيّ شيءِ وقّت هذا الصّلوات الخمس في خمس مواقيت على اُمّتك في ساعات اللّيل والنّهار؟ فأجاب علیه السلام إلى أن قال: وأمّا صلاة العصر فهي الساعة الّتي أكل فيها آدم من الشّجرة فأخرجه الله من الجنّة، فأمر الله ذرّيّته بهذه الصلاة إلى يوم القيامة، واختارها لاُمّتي فهي من أحبّ الصّلوات إلى الله عزّوجلّ وأوصاني أن أحفظها من بين الصّلوات، وأمّا صلاة المغرب فهي السّاعة الّتي تاب الله فيها على آدم، وكان بين ما أكل من الشّجرة وبين ما تاب الله عليه ثلاثمائة سنة من أيّام الدّنيا وفي أيّام الآخرة يوم كألف سنة من وقت صلاة العصر إلى العشاء، فصلّى آدم ثلاث ركعات: ركعة لخطيئته، ركعة لخطيئة حوّاء، وركعة لتوبته، فافترض الله عزّوجلّ هذه الثلاث الركعات على اُمّتي.
ثمّ قال: فأخبرني لأيّ شيء تُوضّؤ هذه الجوارح الأربع وهي أنظف المواضع في
الجسد؟ قال النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلم : لمّا أن وسوس الشّيطان إلى آدم ودنا آدم من الشجرة ونظر إليها ذهب ماء وجهه، ثمّ قام و هو أوّل قدم مشت إلى الخطيئة، ثمّ تناول بيده ثمَّ مسّها فأكل منها فطار الحليُّ والحلل عن جسده، ثمّ وضع يده على اُمّ رأسه وبكی، فلمّا تاب الله عزّوجلّ عليه فرض الله عزّوجلّ عليه وعلى ذرّيّته الوضوء على هذه الجوارح الأربع، و أمره أن يغسل الوجه لمّا نظر إلى الشّجرة، وأمره بغسل السّاعدين إلى المرفقين لمّا تناول منها، وأمره بمسح الرأس لمّا وضع يده على رأسه، وأمره بمسح القدمين لمّا مشى إلى الخطيئة. ثمّ قال أخبرني لأيّ شيء فرض الله عزّوجلّ الصّوم على اُمّتك بالنّهار ثلاثين يوماً، وفرض على الاُمم أكثر من ذلك؟ قال النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلم إنّ آدم لمّا أكل من الشجرة بقي في بطنه ثلاثين يوماً، وفرض الله على ذرّيّته ثلاثين يوماً الجوع والعطش، والّذي يأكلونه تفضّل من الله عزّوجلّ عليهم، وكذلك كان على آدم ففرض الله عزّوجلّ على اُمّتي ذلك، ثمّ تلا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم هذه الآية: «كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون ٭ أيّاماً معدودات». (1)
2 - فس: أبي رفعه قال: سئل الصّادق علیه السلام عن جنّة آدم، أمن جنان الدّنيا كانت أم من جنان الآخرة؟ فقال: كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشّمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ماخرج منها أبداً،قال: فلمّا أسكنه الله الجنّة أتى جهالة إلى الشجرة، لأنّه خلق خلقه لا تبقی إلّا بالأمر والنّهي والغذاء واللّباس والأكنان والتّناكح، ولا يدرك ما ينفعه ممّا يضرّه إلّا بالتوقيف، فجاءه إبلیس فقال له: إنّكما إن أكلتما من هذه الشّجرة الّتي نهاكما الله عنها صرتما ملكين وبقيتما في الجنّة أبداً، وإن لم تأكلا منها أخرجكما الله من الجنّة وحلف لهما أنّه لهما ناصح، كما قال الله تعالى حكاية عنه: «ما نهكما ربّكما عن هذه الشجرة إلّا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ٭ وقاسمهما إنّي لكما لمن الناصحين» فقبل آدم قوله فأكلا من
1) علل الشرائع: 120 و 103 و 132؛ الامالى: 114-116.
الشّجرة وكان كما حكى الله «بدت لهما سوآتهما» وسقط عنهما ما ألبسهما الله تعالى من لباس الجنّة، وأقبلا يستتران من ورق الجنّة «وناديهما ربّهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إنّ الشيطان لكما عدوٌّ مبينٌ» فقالا كما حكى الله عزّوجلّ عنها: «ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين» فقال الله لهما: «اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ ولكم في الأرض مستقرٌّ ومتاعٌ إلى حين» قال: إلى يوم القيامة.
قوله: «فأزلّهما الشّيطان عنها فأخرجهما ممّا كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ ولكم في الأرض مستقرٌ ومتاعٌ إلى حين» قال: فهبط آدم على الصّفا وإنّما سمّيت الصّفا لأنّ صفوة الله نزل عليها، ونزلت حوّاء على المروة وإنّما سمّيت المروة لأنّ المرأة نزلت عليها، فبقي آدم أربعين صباحاً ساجداً يبكي على الجنّة، فنزل عليه جبرئيل علیه السلام فقال: يا آدم ألم يخلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجدلك ملائكته؟ قال: بلى، قال: وأمرك أن لا تأكل من الشّجرة فلم عصيته؟ قال: يا جبرئيل إنّ إبلیس حلف لي بالله إنّه لي ناصح، وما ظننت أنّ خلقاً يخلقه الله يحلف بالله كاذباً. (1)
3 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنَّ موسى سأل ربّه أن يجمع بينه وبين آدم علیه السلام فجمع فقال له موسى: يا أبه ألم يخلقك الله بيده و نفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأمرك أن لا تأكل من الشجرة فلم عصيته؟ قال: يا موسى بكم وجدت خطيئتي قبل خلقي في التوراة؟ قال: بثلاثين سنة، قال: فهو ذلك، قال الصادق علیه السلام : فحجّ آدم موسی علیهما السلام. (2)
4 - ن: تميم القرشيّ، عن أبيه، عن حمدان بن سليمان، عن عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرّضا عليّ بن موسى علیه السلام فقال له المأمون: يا ابن رسول الله أليس من قولك: إنَّ الأنبياء معصومون؟ قال: بلى، قال: فما معنى قول الله عزَّوجلَّ «وعصى
آدم ربّه فغوى» فقال علیه السلام : إنَّ الله تبارك وتعالى قال لآدم علیه السلام : «اسكن أنت وزوجك الجنّة وكلامنها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة» وأشار لهما إلى شجرة الحنطة «فتكونا من الظالمين» ولم يقل لهما: لاتأكلا من هذه الشجرة ولاممّا كان من جنسها فلم يقربا تلك الشجرة، وإنّما أكلا من غيرها لمّا أن وسوس الشيطان إليهما وقال: «ما نهكما ربّكما عن هذه الشجرة» وإنّما نهاكما أن تقربا غيرها ولم ينهكما عن الأكل منها «إلّا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ٭ وقاسمهما إنّي لكما لمن النّاصحين» لم يكن آدم وحوّاء شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذباً «فدلّها بغرور» فأكلامنها ثقة بيمينه بالله، وكان ذلك من آدم قبل النبوَّة، ولم يكن ذلك بذنب كبير استحقّ به دخول النار، وإنّما كان من الصغائر الموهوبة الّتي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم، فلمّا اجتباه الله تعالى وجعله نبيّاً كان معصوماً لايذنب صغيرة ولا كبيرة، قال الله عزَّوجلَّ: «عصى آدم ربّه فغوى ٭ ثمّ اجتباه ربِّه فتاب عليه وهدى» وقال الله عزَّوجلَّ: «إنَّ الله اصطفی آدم و نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين». (1)
5 - مع، ن: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن الهرويّ قال: قلت للرضا علیه السلام : يا ابن رسول الله أخبرني عن الشجرة الّتي أكل منها آدم و حوّاء ما كانت؟ فقد اختلف الناس فيها: فمنهم من يروي أنّها الحنطة، ومنهم من يروي أنّها العنب، ومنهم من يروي أنّها شجرة الحسد، فقال: كل ذلك حقّ. قلت: فما معنى هذه الوجوه على اختلافها؟ فقال: يا أبا الصلت إنَّ شجر الجنّة تحمل أنواعاً فكانت شجرة الحنطة وفيها عنبٌ، و لیست كشجر الدّنيا ، وإنَّ آدم علیه السلام لمّا أكرمه الله تعالى ذكره بإسجاد ملائكته له وبإدخاله الجنّة قال في نفسه: هل خلق الله بشراً أفضل منّي؟ فعلم الله عزَّوجلَّ ما وقع في نفسه، فناداه: ارفع رأسك يا آدم فانظر إلى ساق عرشي، فرفع آدم رأسه فنظر إلى ساق العرش فوجد
1) عيون الاخبار: 108-109.
عليه مكتوباً: «لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، وزوجه فاطمة سيّدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة» فقال آدم علیه السلام : ياربّ من هؤلاء؟ فقال عزَّوجلَّ: من ذرّيّتك وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولو لاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنّة والنار ولا السماء والأرض، فإيّاك أن تنظر إليهم بعين الحسد فاُخرجك عن جواري. فنظر إليهم بعين الحسد وتمنّى منزلتهم فتسلّط الشيطان عليه حتّى أكل من الشجرة الّتي نهي عنها. وتسلّط على حوّاء لنظرها إلى فاطمة علیها السلام بعين الحسد حتّى أكلت من الشجرة كما أكل آدم فأخرجها الله عزَّوجلّ عن جنّته، وأهبطهما عن جواره إلى الأرض. (1)
ص: بالإسناد إلى الصدوق عن ابن عبدوس إلى قوله: (وليست كشجر الدنيا). (2)
6- ع: أبي، عن سعد، عن عبد الله بن محمّد، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمر بن مصعب، عن فرات بن أحنف، عن أبي جعفر الباقر علیه السلام قال: لولا أنّ آدم أذنب ما أذنب مؤمن أبداً، ولولا أنّ الله عزَّوجلَّ تاب على آدم ما تاب على مذنب أبداً. (3)
7 - ع، ن: سأل الشّاميّ أمير المؤمنين علیه السلام لم صار الميراث للذّكر مثل حظّ الاُنثيين؟ قال: من قبل السنبلة كان عليها ثلاث حبّات فبادرت إليها حوّاء فأكلت منها حبّة، وأطعمت آدم حبّتين، فمن أجل ذلك ورث الذكر مثل حظّ الاُنثيين. (4)
8 - ع: أبي، عن عليّ بن سليمان الرّازيّ، عن ابن أبي الخطّاب، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر و عبدالكريم بن عمرو، عن عبدالحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنَّ الله تبارك وتعالى لمّا أراد أن يتوب على آدم علیه السلام أرسل إليه جبرئيل فقال له: السلام عليك يا آدم الصابر على بليّته، التائب عن خطيئته، إنّ الله تبارك وتعالى بعثني إليك لاُعلّمك المناسك الّتي يريد أن يتوب عليك بها، وأخذ جبرئيل بيده وانطلق به حتّى أتى
البيت فنزل عليه غمامة من السماء فقال له جبرئيل علیه السلام : خطّ برجلك حيث أظلّك هذا الغمام، ثمَّ انطلق به حتّى أتى به منى فأراه موضع مسجد منى فخطّه، وخطّ الحرم بعد ماخطّ مكان البيت ثمَّ انطلق به إلى عرفات فأقامه على العرف وقال له: إذا غربت الشمس فاعترف بذنبك سبع مرّات، ففعل ذلك آدم ولذلك سمّي المعرف لأنّ آدم اعترف عليه بذنبه، فجعل ذلك سنّة في ولده يعترفون بذنوبهم كما اعترف أبوهم، ويسألون الله عزَّوجلَّ التوبة كما سألها أبوهم آدم علیه السلام، ثمَّ أمره جبرئيل فأفاض من عرفات فمرّ على الجبال السبعة، فأمره أن يكبّر على كلّ جبل أربع تكبيرات ففعل ذلك آدم، ثمَّ انتهى به إلى جمع ثلث اللّيل فجمع فيها بين المغرب وبين صلاة العشاءِ الآخرة، فلذلك سمّيت جمعاً لأنّ آدم جمع فيها بين الصلاتين، فهو وقت العتمة تلك اللّيل ثلث اللّيل في ذلك الموضع، ثمَّ أمره أن ينبطح في بطحاء جمع فتبطّح حتّى انفجر الصيّح، ثمَّ أمره أن يصعد على الجبل جبل جمع وأمره إذا طلعت الشّمس أن يعترف بذنبه سبع مرّات ويسأل الله عزَّوجلَّ التوبة والمغفرة سبع مرّات، ففعل ذلك آدم كما أمره جبرئيل، وإنّما جعل اعترافين ليكون سنّة في ولده، فمن لم يدرك عرفات و أدرك جمعاً فقد وفى بحجّه، فأفاض آدم من جمع إلى منى فبلغ منى ضحى فأمره أن يصلّي ركعتين في مسجد منى، ثمَّ أمره أن يقرّب إلى الله عزَّ وجلَّ قرباناً ليقبل الله منه ويعلم أنَّ الله قد تاب عليه، ويكون سنّة في ولده بالقربان، فقرّب آدم علیه السلام قرباناً فقبل الله منه قربانه و أرسل الله عزَّوجلَّ ناراً من السماء فقبضت قربان آدم، فقال له جبرئيل: إنَّ الله تبارك وتعالى قدأحسن إليك إذ علّمك المناسك الّتي تاب عليك بها وقبل قربانك فاحلق رأسك تواضعاً لله عزَّوجلَّ إذ قبل قربانك، فحلق آدم رأسه تواضعاً لله تبارك وتعالى ثمّ أخذ جبرئيل بيد آدم فانطلق به إلى البيت فعرض له إبليس عند الجمرة فقال له: يا آدم أين ترید؟ قال جبرئیل: یا آدم ارمه بسبع حصيات وكبّر مع كلّ حصاة تكبيرة، ففعل آدم ذلك كما أمره جبرئيل فذهب إبليس، ثمَّ أخذ بيده في اليوم الثاني فانطلق به إلى الجمرة فعرض له
إبلیس فقال له جبرئيل: ارمه بسبع حصيات وكبّر مع كلّ حصاة تكبيرةً، ففعل آدم ذلك فذهب إبلیس، ثمَّ عرض له عند الجمرة الثانية فقال له: يا آدم أين تريد؟ فقال له جبرئيل: ارمه بسبع حصيات وكبّر مع كلّ حصاة تكبيرة، ففعل ذلك آدم فذهب إبلیس، ثمَّ عرض له عند الجمرة الثالثة فقال له: يا آدم أين تريد؟ فقال له جبرئيل: ارمه بسبع حصيات وكبّر مع كلّ حصاة تكبيرة، ففعل ذلك آدم فذهب إبلیس، ثمَّ فعل ذلك به في اليوم الثالث والرّابع فذهب إبليس، فقال له جبرئيل: إنّك لن تراه بعد مقامك هذا أبداً، ثمَّ انطلق به إلى البيت فأمره أن يطوف بالبيت سبع مرّات ففعل ذلك آدم، فقال له جبرئيل: إنَّ الله تبارك وتعالى قد غفر لك وقبل توبتك وحلّت لك زوجتك. (1)
9 - ص: بالإسناد عن الصّدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: هبط آدم علیه السلام على الصّفا ولذلك سمّي الصفا، لأنّ المصطفى هبط عليه، قال الله تعالى: «إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً» وهبطت حوّاء على المروة وإنّما سمّيت المروة لأنّ المرأة هبطت عليها، وهما جبلان عن يمين الكعبة وشمالها، فاعتزلها آدم حين فرّق بينهما فكان يأتيها بالنّهار فيتحدّث عندها فإذا كان اللّيل خشي أن تغلبه نفسه فيرجع فمكث بذلك ماشاء الله، ثمّ أرسل إليه جبرئيل علیه السلام : فقال: السّلام عليك يا آدم. وساق الحديث كما مرّ. (2)
10 - ع: عن عليّ بن الحاتم، عن حميد بن زياد، عن عبيدالله بن أحمد، عن عليّ بن الحسن الطّاهريّ، عن محمّد بن زياد، عن أبي خديجة قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: مرّ بأبي علیه السلام رجل وهو يطوف فضرب بيده على منكبه ثمّ قال: أسألك عن خصال ثلاث لا يعرفهنّ غيرك وغير رجل آخر، فسكت عنه حتّى فرغ من طوافه، ثمّ دخل الحجر فصلّى ركعتين وأنا معه فلمّا فرغ نادى: أين هذا السائل؟ فجاء وجلس بين يديه فقال له: سل
فسأله عن «ن والقلم وما يسطرون» فأجابه، ثمّ قال: حدّثني عن الملائكة حين ردّوا على الربّ حيث غضب عليهم كيف رضي عنهم؛ فقال: إنّ الملائكة طافوا بالعرش سبع سنين يدعونه ويستغفرونه ويسألونه أن يرضى عنهم فرضي عنهم بعد سبع سنين، فقال: صدقت، ثمّ قال: حدّثني عن رضى الربّ عن آدم، فقال: إنّ آدم اُنزل فنزل في الهند وسأل ربّه عزّوجلّ هذا البيت فأمره أن يأتيه فيطوف به اُسبوعاً ويأتي منى و عرفات فيقضي مناسكه كلّها، فجاء من الهند وكان موضع قدميه حيث يطأ عليه عمران، وما بين القدم إلى القدم صحارى ليس فيها شيء، ثمّ جاء إلى البيت فطاف اُسبوعاً وأتى مناسكه فقضاها كما أمره الله فقبل الله منه التّوبة وغفر له، قال: فجعل طواف آدم لما طافت الملائكة بالعرش سبع سنين، فقال جبرئيل: هنيئاً لك يا آدم قد غفر لك، فقد طُفتُ بهذا البيت قبلك بثلاث آلاف سنة، فقال آدم: يا ربّ اغفرلي ولذرّيّتي من بعدي، فقال: نعم من آمن منهم بي وبرسلي. فقال: صدقت ومضى، فقال أبي علیه السلام : هذا جبرئيل أتاكم يعلّمكم معالم دينكم. (1)
11 - مع: أحمد بن الهيثم، عن ابن زكريّا القطّان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : إنّ الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، فجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة بعدهم صلوات الله عليهم، فعرضها على السّماوات والأرض والجبال فغشيها نورهم، فقال الله تبارك وتعالى للسّماوات والأرض والجبال: هؤلاء أحبّائي وأوليائي وحججي على خلقي وأئمّة بريّتي، ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منهم، لهم ولمن تولّاهم خلقت جنّتي، ولمن خالفهم وعاداهم خلقت ناري، فمن ادّعى منزلتهم منّي ومحلّهم من عظمتي عذّبته عذاباً لا اُعذّبه أحداً من العالمين، وجعلته والمشركين في أسفل درك من ناري، ومن أقرّ بولايتهم ولم يدع منزلتهم منّي ومكانهم من عظمتي جعلته معهم في
1) علل الشرائع: 140-141.
روضات جنّاتي، وكان لهم فيها ما يشاؤون عندي وأبحتهم كرامتي، وأحللتهم جواري وشفّعتهم في المذنبين من عبادي وإمائي، فولايتهم أمانةٌ عند خلقي، فأيّكم يحملها بأثقالها ويدّعيها لنفسه دون خيراتي؟ فأبت السّماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن من ادّعاءِ منزلتها وتمنّي محلّها من عظمة ربّها، فلمّا أسكن الله عزّوجلّ آدم وزوجته الجنّة قال لهما: «كلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشّجرة» يعني شجرة الحنطة «فتكونا من الظَّالمين» فنظر إلى منزلة محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة بعدهم فوجداها أشرف منازل أهل الجنّة فقالا: يا ربّنا لمن هذه المنزلة؟ فقال الله جلّ جلاله: ارفعا رؤوسكما إلى ساق عرشي، فرفعا رؤوسهما فوجدا اسم محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين علیهم السلام والائمّة صلوات الله عليهم مكتوبةً على ساق العرش بنور من نور الجبّار جلّ جلاله، فقالا: يا ربّنا ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك! وما أحبّهم إليك! وما أشرفهم لديك! فقال الله جلّ جلاله: لولاهم ما خلقتكما، هؤلاءِ خزنة علمي واُمنائي على سرّي، إيّاكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد، وتتمنّيا منزلتهم عندي، ومحلّهم من كرامتي فتدخلا بذلك في نهيي وعصياني «فتكونا من الظّالمين» قالا: ربّنا ومن الظّالمون؟ قال: المدّعون لمنزلتهم بغير حقّ، قالا: ربّنا فأرنا منازل ظالميهم في نارك حتّى نراها كما رأينا منزلتهم في جنّتك، فأمر الله تبارك وتعالى النّار فأبرزت جميع ما فيها من ألوان النّكال والعذاب، وقال الله عزّوجلّ: مكان الظّالمين لهم المدّعين لمنزلتهم في أسفل درك منها كلّما أرادوا أن يخرجوا منها اُعيدوا فيها وكلّما نضجت جلودهم بدّلوا سواها ليذوقوا العذاب، يا آدم و يا حوّاء لا تنظرا إلى أنواري وحججي بعين الحسد فاُهبطكما عن جواري وأحلَّ بكما هواني «فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ماووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهيكما ربّكما عن هذه الشّجرة إلّا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ٭ وقاسمهما إنّي لكما لمن النّاصحين ٭ فدلّها بغرور» وحملها على تمنّي منزلتهم فنظر إليهم بعين الحسد فخذلا حتّى أكلا من شجرة الحنطة، فعاد مكان ما أكلا
شعيراً، فأصل الحنطة كلّها ممّا لم يأكلاه، وأصل الشعير كلّه ممّا عاد مكان ما أكلاه، فلمّا أكلا من الشجرة طار الحليّ والحلل عن أجسادهما وبقيا عريانين «وطفقا يخصفان عليها من ورق الجنّة وناديهما ربّهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إنّ الشيطان لكما عدوّ مبينٌ ٭ فقالا ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترجمنا لنكوننّ من الخاسرين» قال: اهبطا من جواري فلا يجاورني في جنّتي من يعصيني فهيطا موكولين إلى أنفسهما في طلب المعاش، فلمّا أراد الله عزَّوجلَّ أن يتوب عليها جاءهما جبرئيل فقال لهما: إنّكما إنّما ظلمتما أنفسكما بتمنّي منزلة من فضّل عليكما فجزاؤ كما ماقد عوقبتما به من الهبوط من جوار الله عزَّوجلَّ إلى أرضه، فسلا ربّكما بحقّ الأسماء الّتي رأيتموها على ساق العرش حتّى يتوب عليكما، فقالا: «اللّهمّ إنّا نسألك بحقّ الأكرمين عليك: محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة إلّا تبت علينا ورحمتنا» فتاب الله عليهما إنّه هو التوّاب الرّحيم، فلم تزل أنبياء الله بعد ذلك يحفظون هذه الإمانة ويخبرون بها أوصياءهم والمخلصين من اُممهم فيأبون حملها ويشفقون من ادّعائها وحملها الانسان الّذي قد عرف، فأصل كلّ ظلم منه إلى يوم القيامة، وذلك قول الله عزَّوجلَّ: «إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلوما جهولاً». (1)
12 - مع، ل: حدّثنا أبو الحسن عليّ بن الفضل بن العبّاس البغداديّ قال: قرأت على أحمد بن محمّد بن محمّد بن سليمان بن الحارث قلت: حدّثكم محمّد بن عليّ بن خلف العطّار، قال: حدّثنا الحسين بن الأشقر قال: حدّثنا عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: سألت النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم عن الكلمات الّتي تلقّی آدم من ربّه فتاب عليه قال: سأله بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت عليّ فتاب عليه. (2)
13 - مع: ابن المتوكل: عن محمّد العطّار، عن الأشعريّ، عن ابن معروف، عن بكر بن
محمّد، عن أبي سعيد المدائنيّ، يرفعه في قول الله عزَّوجلَّ: «فتلقّی آدم من ربِّه كلمات» قال: سأله بحقّ محمّد و عليّ وفاطمة والحسن والحسين علیهم السلام. (1)
ص: مرسلاً مثله. (2)
14 - مع: الدقّاق، عن حمزة العلويّ، عن الفزاريّ، عن محمّد بن الحسين الزيّات، عن الأزديّ، عن المفضّل، عن الصّادق جعفر بن محمّد علیهما السلام قال: سألته عن قول الله عزَّوجلَّ: «وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات» ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلمات الّتي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه وهو أنّه قال: «ياربّ أسألك بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت عليّ» فتاب الله عليه إنّه هو التوّاب الرّحيم، فقلت له: يا ابن رسول الله فما يعني عزَّ وجلَّ بقوله: «أتمّهنّ»؟ قال: يعني أتمّهنّ إلى القائم علیه السلام اثنا عشر إماماً تسعة من ولد الحسين علیه السلام الخبر. (3)
أقول: المعتمد ماورد في الأخبار المعتبرة الّتي أوردتها في هذا الباب، والجمع بينها بالحمل على الجمع بينها و إن كانت العمدة ما دلّ عليه أكثرها و هو التّوسّل بأنوار الائمّة علیهم السلام.
15 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن الصادق علیه السلام أنّه قال في قوله تعالى: «وبدت لهما سوآتهما»: كانت سوآتهما لاترى فصارت ترى بارزة، وقال: الشجرة الّتي نهي عنها آدم هي السنبلة. (4)
16 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن ابن عليّ الخزّاز، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبدالله علیه السلام قال: قال آدم علیه السلام : «ياربّ بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت عليّ» فأوحى الله تعالى إليه: يا آدم وما
علمك بمحمّد؟ فقال: حين خلقتني رفعت رأسي فرأيت في العرش مكتوباً: محمّد رسول الله عليّ أمير المؤمنين علیه السلام. (1)
17 - ص: بالإسناد إلى الصدوق عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن البزنطيّ، عن أبان بن عثمان، عن محمّدبن مسلم، عن أبي جعفر علیه السلام قال: الكلمات الّتي تلقّی بهنّ آدم ربّه فتاب عليه، قال: اللّهم لا إله إلّا أنت سبحانك وبحمدك إنّي عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفرلي إنّك أنت التوّاب الرّحيم لا إله إلّا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنّك أنت خير الغافرين. (2)
18 - شی: عن عطاء، عن أبي جعفر علیه السلام، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ علیهم السلام عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال: إنّما كان لبث آدم وحوّاء في الجنّة حتّى خرج منها سبع ساعات من أيّام الدّنيا حتّى أكلا من الشّجرة، فأهبطهما الله إلى الأرض من يومهما ذلك، قال: فحاجّ آدم ربّه فقال: ياربّ أرأيتك قبل أن تخلقني كنت قدّرت عليّ هذا الذّنب وكلّ ماصرت وأنا صائر إليه، أو هذا شيء فعلته أنا من قبل لم تقدّره عليّ، غلبت عليّ شقوتي فكان ذلك منّي وفعلي لامنك ولا من فعلك؟ قال له: يا آدم أنا خلقتك وعلّمتك أنّي اُسكنك وزوجتك الجنّة، وبنعمتي وما جعلت فيك من قوّتي قويت بجوارحك على معصيتي، ولم تغب عن عيني، ولم يخل علمي من فعلك ولا ممّا أنت فاعله، قال آدم: ياربّ الحجّة لك عليّ، ياربّ فحين خلقتني وصوّرتني ونفخت فيَّ من روحي، وأسجدت لك ملائكتي، ونوّهت باسمك في سماواتي، وابتدأتك بكرامتي، وأسكنتك جنّي، ولم أفعل ذلك إلّا برضىً منّي عليك أبلوك بذلك من غير أن تكون عملت لي عملاً تستوجب به عندي ما فعلت بك، قال آدم: ياربّ الخير منك والشرّ منّي. قال الله: يا آدم أنا الله الكريم، خلقت الخير قبل الشّرّ، وخلقت رحمتي قبل غضبي، وقدّمت بكرامتي قبل هواني، وقدّمت باحتجاجي قبل عذابي، يا آدم ألم
أنهك عن الشّجرة؟ واُخبرك أنّ الشيطان عدوّ لك و لزوجتك؟ واُحذّر كما قبل أن تصيرا إلى الجنّة، واُعلّمكما أنّكما إن أكلتما من الشّجرة كنتما ظالمين لأنفسكما عاصيين لي؟ يا آدم لا يجاورني في جنّتي ظالمٌ عاص لي، قال: فقال: بلى ياربّ الحجّة لك علينا، ظلمنا أنفسنا وعصينا وإلّا تغفرلنا وترحمنانكن من الخاسرين، قال: فلمّا أقرّا لربّهما بذنبهما وأنّ الحجّة من الله لهما تداركهما رحمة الرّحمن الرّحيم فتاب عليهما ربّهما إنّه هو التّوّاب الرّحيم.
قال الله: يا آدم اهبط أنت وزوجك إلى الأرض، فإذا أصلحتما أصلحتكما، وإن عملتما لي قوّيتكما، وإن تعرّضتما لرضاي تسارعت إلى رضاكما، وإن خفتما منّي آمنتكما من سخطي، قال: فبكيا عند ذلك وقالا: ربّنا فأعنّا على صلاح أنفسنا وعلى العمل بما يرضيك عنّا، قال الله لهما: إذا عملتما سوءاً فتوبا إليّ منه أتب عليكما وأنا الله التّواب الرّحيم.
قال: فأهبطنا برحمتك إلى أحبّ البقاع إليك؛ قال: فأوحى الله إلى جبرئيل: أن أهبطهما إلى البلدة المباركة مكّة، قال: فهبط بهما جبرئيل فألقی آدم على الصّفا. وألقى حوّاء على المروة، قال: فلمّا اُلقياقاما على أرجلهما ورفعا رؤوسهما إلى السّماءِ وضجّا بأصواتهما بالبكاء إلى الله تعالى وخضعا بأعناقهما، قال: فهتف الله بهما: ما يبكيكما بعد رضاي عنكما؟ قال: فقالا: ربّنا أبكتنا خطيئتنا، وهي أخرجتنا عن جوار ربّنا، وقد خفي عنّا تقديس ملائكتك لك ربّنا؛ وبدت لنا عوراتنا واضطرَّنا ذنبنا إلى حرث الدّنيا ومطعمها ومشربها، ودخلتنا وحشةٌ شديدةٌ لتفريقك بيننا، قال: فرحمهما الرّحمن الرّحيم عند ذلك وأوحى إلى جبرئيل: أنا الله الرّحمن الرّحيم، وأنّي قد رحمت آدم و حوّاء لمّا شكيا إليّ فاهبط عليهما بخيمة من خيام الجنّة، وعزّهما عنّي بفراق الجنّة، واجمع بينهما في الخيمة فإنّي قدرحمتهما لبكائهما و وحشتهما و وحدتهما، وانصب لهما الخيمة على الترعة الّتي بين جبال مكّة، قال: والترعة مكان البيت وقواعده الّتي رفعتها الملائكة قبل ذلك، فهبط جبرئيل على آدم بالخيمة على مقدار أركان البيت وقواعده فنصبها، قال: وأنزل جبرئيل آدم من الصّفا وأنزل حوَّاء من
المروة وجمع بينهما في الخيمة، قال: وكان عمود الخيمة قضيب ياقوت أحمر فأضاء نوره وضوؤه جبال مكّة وماحولها، قال: وامتدّ ضوء العمود فجعله الله حرماً فهو مواضع الحرم اليوم، كلّ ناحية من حيث بلغ ضوء العمود فجعله الله حرماً لحرمة الخيمة والعمود لأنّهما من الجنّة، قال: ولذلك جعل الله الحسنات في الحرم مضاعفةً والسيّئات فيه مضاعفة، قال: ومدّت أطناب الخيمة حولها فمنتهي أوتادها ماحول المسجد الحرام، قال: وكانت أوتادها من غصون الجنّة، وأطنابها من ظفائر الاُرجوان، قال: فأوحى الله إلى جبرئيل: اهبط على الخيمة سبعين ألف ملك يحرسونها من مردة الجنّ، ويؤنسون آدم وحوّاء، ويطوفون حول الخيمة تعظيماً للبيت والخيمة، قال: فهبطت الملائكة فكانوا بحضرة الخيمة يحرسونها من مردة الشياطين والعتاة، و يطوفون حول أركان البيت و الخيمة كلّ يوم وليلة كما كانوا يطوفون في السّماء حول البيت المعمور، قال: وأركان البيت الحرام في الأرض حيال البيت المعمور الّذي في السّماء.
قال: ثمَّ إنّ الله أوحى إلى جبرئيل بعد ذلك: أن اهبط إلى آدم و حوّاء فنحّهما عن مواضع قواعد بيتي فإنّي اُريد أهبط في ظلال من ملائكتي إلى أرضي فأرفع أركان بيتي لملائكتي و لخلقي من ولد آدم، قال: فهبط جبرئيل على آدم و حوّاء فأخرجهما من الخيمة و نحّاهما عن ترعة البيت الحرام و نحّى الخيمة عن موضع الترعة، قال: و وضع آدم على الصّفا، و وضع حوّاء على المروة، و رفع الخيمة إلى السماء، فقال آدم و حوّاء: يا جبرئيل بسخط من الله حوّلتنا وفرّقت بيننا أم برضىً تقديراً من الله علينا؟ فقال لهما: لم يكن ذلك سخطاً من الله عليكما، ولكنّ الله لايسأل عمّا يفعل، يا آدم: إنّ السّبعين ألف ملك الّذين أنزلهم الله إلى الأرض ليؤنسوك و يطوفون حول أركان البيت والخيمة سألوا الله أن يبني لهم مكان الخيمة بيتاً على موضع التّرعة المباركة حيال البيت المعمور فيطوفون حوله كما كانوا يطوفون في السّماء حول البيت المعمور، فأوحى الله إليّ: أن اُنحيّك و حوّاء وأرفع الخيمة إلى السّماء، فقال
آدم: رضينا بتقدير الله و نافذ أمره فينا، فكان آدم على الصّفا و حوّاء على المروة، قال: فدخل آدم لفراق حوّاء وحشةٌ شديدةٌ و حزنٌ قال: فهبط من الصّفا يريد المروة شوقاً إلى حوّاء وليسلّم عليها وكان فيما بين الصّفا والمروة واد وكان آدم يرى المروة من فوق الصّفا، فلمّا انتهى إلى موضع الوادي غابت عنه المروة فسعى في الوادي حذراً لما لم ير المروة مخافة أن يكون قد ضلّ عن طريقه، فلمّا أن جاز الوادي وارتفع عنه نظر إلى المروة فمشى حتّى انتهى إلى المروة فصعد عليها فسلّم على حوّاء، ثمّ أقبلا بوجههما نحو موضع التّرعة ينظران هل رفع قواعد البيت و يسألان الله أن يردّهما إلى مكانهما حتّى هبط من المروة فرجع إلى الصّفا نفعل عليه مثل ما فعل في المرّة الاُولى، ثمّ انّه هبط من الصّفا إلى المروة ففعل مثل ما فعل في المرّتين الاُوليين، ثمّ رجع إلى الصّفا فقام عليه و أقبل بوجهه نحو موضع التّرعة فدعا الله، ثمَّ إنّه اشتاق إلى حوّاء فهبط من الصّفا يريد المروة ففعل مثل ما فعله في المرّة الاُولى، ثمَّ رجع إلى الصّفا ففعل عليه مثل ما فعل في المرّة الاُولى، ثمّ انّه هبط من الصّفا إلى المروة ففعل مثل ما فعل في المرّتين الاُوليين، ثمّ رجع إلى الصّفا فقام عليه و دعا الله أن يجمع بينه و بين زوجته حوّاء، قال: فكان ذهاب آدم من الصّفا إلى المروة ثلاث مرّات و رجوعه ثلاث مرّات فذلك ستّة أشواط، فلمّا أن دعيا الله و بكيا إليه و سألاه أن يجمع بينهما استجاب الله لهما من ساعتهما من يومهما ذلك مع زوال الشّمس، فأتاه جبرئيل و هو على الصّفا واقفٌ يدعو الله مقبلاً بوجهه نحو التّرعة فقال له جبرئيل علیه السلام : انزل يا آدم من الصّفا فالحق بحوّاء، فنزل آدم من الصّفا إلى المروة ففعل مثل ما فعل في الثلاث المرّات حتّى انتهى إلى المروة فصعد عليها و أخبر حوّاء بما أخبره جبرئيل علیه السلام ففرحا بذلك فرحاً شديداً و حمدا الله و شكراه، فلذلك جرت السنّة بالسّعي بين الصّفا والمروة، ولذلك قال الله: «إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما».
قال: ثمّ إنّ جبرئيل أتاهما فأنزلهما من المروة و أخبرهما أنّ الجبار تبارك و تعالى قد هبط إلى الأرض فرفع قواعد البيت الحرام بحجر من الصّفا، و حجر من المروة و حجر من
طور سيناء، و حجر من جبل السّلام و هو ظهر الكوفة، فأوحى الله إلى جبرئيل أن ابنه و أتّمه، قال: فاقتلع جبرئيل الأحجار الأربعة بأمر الله من مواضعهنّ بجناحيه فوضعهما حيث أمره الله في أركان البيت على قواعده الّتي قدّرها الجبّار و نصب أعلامها، ثمّ أوحى الله إلى جبرئيل: أن ابنه و أتممه بحجارة من أبي قبيس، واجعل له بابين: باب شرقيّ، و باب غربيّ، قال: فأتّمه جبرئيل، فلمّا أن فرغ منه طافت الملائكة حوله، فلمّا نظر آدم و حوّاء إلى الملائكة يطوفون حول البيت انطلقا فطافا بالبيت سبعة أشواط، ثمّ خرجا يطلبان ما يأكلان وذلك من يومهما الّذي هبط بهما فيه. (1)
19 - شی: عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال: الكلمات الّتي تلقّاهنّ آدم من ربّه فتاب عليه و هدى قال: «سبحانك اللّهمّ وبحمدك إنّي عملت سوءاً و ظلمت نفسي فاغفر لي إنّك أنت الغفور الرّحيم اللّهمّ إنّه لا إله إلّا أنت سبحانك وبحمدك إنّي عملت سوءاً و ظلمت نفسي واغفرلي إنّك أنت خير الغافرين اللّهمّ إنّه لا إله إلّا أنت سبحانك و بحمدك إنّي عملت سوءاً و ظلمت نفسي فاغفرلي إنّك أنت الغفور الرّحيم». (2)
20 - شی: عن عبدالرّحمن بن كثير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «إنّ الله تبارك و تعالى عرض على آدم في الميثاق ذرّيّته، فمرّ به النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلم و هو متّكیء على عليّ علیه السلام : و فاطمة صلوات الله عليها تتلوهما، والحسن والحسين علیهما السلام يتلون فاطمة، فقال الله يا آدم إيّاك أن تنظر إليه بحسد اُهبطك من جواري، فلمّا أسكنه الله الجنّة مثّل له النّبيّ و عليّ وفاطمة و الحسن و الحسين صلوات الله عليهم فنظر إليهم بحسد ثمّ عرضت عليه الولاية فأنكرها فرمته الجنّة بأوراقها، فلمّا تاب إلى الله من حسده و أقرّ بالولاية و دعا بحقّ الخمسة: محمّد و عليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم غفر الله له، و ذلك قوله: «فتلقّی آدم من
ربّه كلمات» الآية. (1)
21 - شی: عن محمّد بن عيسى بن عبد الله العلويّ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ علیه السلام قال: الكلمات الّتي تلقّاها آدم من ربّه قال: يا ربّ أسألك بحقّ محمّد لمّا تبت عليّ، قال: وما علمك بمحمّد؟ قال: رأيته في سرادقك الأعظم مكتوباً و أنا في الجنّة. (2)
22 - شی: عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر علیه السلام في قوله: «ولا تقربا هذه الشجرة» يعني لا تأكلا منها. (3)
23 - شی: عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله علیه السلام رفعه إلى النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلم أنّ موسى سأل ربّه أن يجمع بينه و بين أبيه آدم حيث عرج إلى السّماء في أمر الصّلاة ففعل، فقال له موسى: يا آدم أنت الّذي خلقك الله بيده، و نفخ فيك من روحه، و أسجد لك ملائكته، و أباح لك جنّته، و أسكنك جواره، وكلّمك قُبُلاً، ثمَّ نهاك عن شجرة واحدة فلم تصبر عنها حتّى اُهبطت إلى الأرض بسببها فلم تستطع أن تضبط نفسك عنها حتّى أغراك إبلیس فأطعته، فأنت الّذي أخرجتنا من الجنّة بمعصيتك. فقال له آدم: ارفق بأبيك أي بنيّ فيما لقي في أمر هذه الشّجرة، يا بنيّ إنّ عدوّي أتاني من وجه المكر و الخديعة فحلف لي بالله إنّه في مشورته عليّ إنّه لمن النّاصحين، وذلك إنّه قال لي منتصحاً: إنّي لشأنك يا آدم لمغمومٌ، قلت: و كيف؟ قال: قد كنت آنست بك و بقربك منّي، و أنت تخرج ممّا أنت فيه إلى ما ستكرهه، فقلت له: و ما الحيلة؟ فقال: إنّ الحيلة هو ذا هو معك، أفلا أدلّك على شجرة الخلد و ملك لا يبلى؟ فكلا منها أنت و زوجك فتصيرا معي في الجنّة أبداً من الخالدين، وحلف لي بالله كاذباً إنّه لمن النّاصحين، و لم أظنّ يا موسى أنّ أحداً يحلف بالله كاذباً فوثقت بيمينه، فهذا عذري، فأخبرني يا بنيّ هل تجد فيما أنزل الله إليك أنَّ خطيئتي كائنة من قبل أن اُخلق؟ قال
له موسى: بدهر طويل. قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : فحجّ آدم موسى، قال ذلك ثلاثاً. (1)
24 - م: قوله عزّ وجلّ: «و قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة و كلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظّالمين ٭ فأزلّهما الشيطان عنها فأخرجهما ممّا كانافيه و قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌّ و لكم في الأرض مستقرٌّ و متاعٌ إلى حين ٭ فتلقّى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه إنّه هو التّوّاب الرحيم ٭ قلنا اهبطوا منها جميعاً فإمّا يأتينّكم منّي هدى فمن تبع هداي فلاخوفٌ عليهم ولاهم يحزنون ٭ والّذين كفروا وكذّبوا بآياتنا اُولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون» قال الإمام علیه السلام : وإنّ الله عزّ و جلّ لما لعن إبلیس بإبائه و أكرم الملائكة لسجودها لآدم وطاعتهم لله عزوّجل أمر بآدم وحوّاء إلى الجنّة و قال: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة و كلا من الجنّة رغداً واسعاً حيث شئتما بلا تعب، و لا تقربا هذه الشّجرة، شجرة العلم، شجرة علم محمّد و آل محمّد، آثرهم الله تعالى به دون سائر خلقه، فقال الله تعالى: «ولا تقربا هذه الشّجرة» شجرة العلم فإنّها لمحمّد و آله خاصّة دون غيرهم، لا يتناول منها بأمر الله إلّا هم و منها ما كان يتناوله النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلم و عليّ وفاطمة و الحسن و الحسين صلوات الله عليهم أجمعين بعد إطعامهم المسكين و اليتيم و الأسير حتّى لم يحسّوا بعد بجوع ولا عطش ولا تعب ولا نصب، و هي شجرة تميّزت من بين أشجار الجنّة، إنّ سائر أشجار الجنّة كان كلّ نوع منها يحمل نوعاً من الثّمار والمأكول، وكانت هذه الشّجرة و جنسها تحمل البُرّ و العنب و التّين و العنّاب و سائر أنواع الثمار والفواكه و الأطعمة، فلذلك اختلف الحاكون بذكر الشّجرة فقال بعضهم: هي بُرّة، وقال آخرون: هي عنبة، وقال آخرون: هي تينة و قال آخرون: هي عنّابة، و قال الله: «ولا تقربا هذه الشّجرة» تلتمسان بذلك درجة محمّد و آل محمّد في فضلهم، فإنّ الله عزّ و جلّ خصّهم بهذه الدّرجة دون غيرهم، و هي الشّجرة الّتي من تناول منها بإذن الله اُلهم على الأوّلين و الآخرين من غير
1) مخطوط.
تعلّم، و من تناول منها بغير إذن الله خاب من مراده و عصى ربّه «فتكونا من الظّالمين» بمعصيتكما و التماسكما درجة قد أوثربها غيركما إذا رمتما بغير حكم الله، قال الله تعالى: «فأزلهما الشيطان عنها» عن الجنّة بوسوسته و خديعته وإيهامه و غروره بأن بدأ بآدم فقال: «ما نهكما ربّكما عن هذه الشّجرة إلّا أن تكونا ملكين» إن تناولتما منها تعلمان الغيب و تقدران على ما يقدر عليه من خصّه الله تعالى بالقدرة «أو تكونا من الخالدين» لاتموتان أبداً «و قاسمهما» حلف لهما «إنّي لكما لمن النّاصحين» و كان إبلیس بين لحيي. الحيّة أدخلته الجنّة، وكان آدم يظنّ أنّ الحيّة هي الّتي تخاطبه، ولم يعلم أنّ إبليس قد اختبأ بين لحييها، فردّ آدم على الحيّة: أيّتها الحيّة هذا من غرور إبلیس كيف يخوننا ربّنا؟ أم كيف تعظّمين الله بالقسم به و أنت تنسبينه إلى الخيانة و سوء النّظر و هو أكرم الأكرمين؟ أم كيف أروم التوصّل إلى ما منعني منه ربّي و أتعاطاه بغير حكمة؟ فلمّا أيس إبلیس من قبول آدم منه عاد ثانيةً بين لحيي الحيّة فخاطب حوّاء من حيث يوهمها أنّ الحيّة هي الّتي تخاطبها وقال: يا حوّاء أرأيت هذه الشجرة الّتي كان الله عزّ و جلّ حرّمها عليكما قد أحلّها لكما بعد تحريمها لما عرف من حسن طاعتكماله وتوقير كما إيّاه؟ و ذلك أنّ الملائكة الموكّلين بالشجرة الّتي معها الحراب يدفعون عنها سائر حيوانات الجنّة لا يدفعونكما عنها إن رمتما فاعلما بذلك أنّه قد أحلّ لك، و ابشري بأنّك إن تناولتها قبل آدم كنت أنت المسلّطة عليه، الآمرة الناهية فوقه. فقالت حوّاء: سوف أجرّب هذا، فرامت الشجرة فأرادت الملائكة أن يدفعوها عنها بحرابها فأوحى الله إليها: إنّما تدفعون بحرابكم مالا عقل له يزجر، و أمّا ماجعلته ممكّناً مميّزاً مختاراً فكلوه إلى عقله الّذي جعلته حجّةً عليه فإن أطاع استحقّ ثوابي، وإن عصى و خالف أمري استحقّ عقابي و جزائي، فتركوها و لم يتعرّضوا لها بعد ما همّوا بمنعها بحرابهم، فظنّت أنّ المخاطب لها هي الحيّة، فتناولت منها و لم تنكر من نفسها شيئاً، فقالت لآدم: ألم تعلم أنّ الشجرة المحرّمة علينا قد اُبيحت لنا؟ تناولت منها و لم تمنعي أملاكها، و لم أنكر شيئاً من
حالي، فلذلك اغترَّ آدم و غلط فتناول فأصابهما ما قال الله تعالى في كتابه: «فأزلّهما الشيطان عنها،» بوسوسته و غروره «فأخرجهما ممّا كانا فيه» من النعيم.
«و قلنا» یا آدم و یا حوّاء و يا أيّها الحيّة و يا إبليس «اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌّ» آدم و حوّاء و ولدهما عدوّ للحيّة وإبليس، و الحيّة و أولادهما أعداؤكم «و لكم في الأرض مستقرٌّ» منزلٌ و مقرٌّ للمعاش «و متاع» منفعةٌ «إلى حين» الموت، قال الله تعالى: «فتلقّى آدم من ربّه كلمات» يقولها فقالها «فتاب» الله «عليه» بها «إنّه هو التّوّاب الرّحيم» التّوّاب القابل التّوبات، الرّحيم بالتّائبين «قلنا اهبطوا منها جميعاً» كان أمر في الأوّل أن يهبطا، و في الثّاني أمرهم أن يهبطوا جميعاً لا يتقدّم أحدهم الآخر، والهبوط إنّما هو هبوط آدم و حوّاء من الجنّة، و هبوط الحيّة أيضاً منها فإنّها كانت من أحسن دوابّها، و هبوط إبلیس من حواليها فإنّه كان محرّماً عليه دخول الجنّة «فإمّا يأتينّكم منّي هدى» يأتيكم و أولادكم من بعدكم منّي هدی یا آدم و یا إبلیس «فمن تبع هداي فلاخوف عليهم ولاهم يحزنون» لاخوفٌ عليهم حين يخاف المخالفون، ولا يحزنون إذا يحزنون، قال: فلمّا زالت من آدم الخطيئة اعتذر إلى ربّه عزّ و جلّ و قال: ربّ تب عليّ، واقبل معذرتي، و أعدني إلى مرتبتي، و ارفع لديك درجتي فلقد تبيّن نقص الخطيئة و ذلّها في أعضائي وسائر بدني، قال الله تعالى: يا آدم أما تذكر أمري إيّاك أن تدعوني بمحمّد و آله الطيّبين عند شدائدك و دواهيك و في النّوازل تبهظك؟ قال آدم: یا ربّ بلی، قال الله عزّ و جلّ فبهم و بمحمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين صلوات الله عليهم خصوصاً فادعني اُجبك إلى ملتمسك، و أزدك فوق مرادك، فقال آدم: يا ربّ يا إلهي و قد بلغ عندك من محلّهم أنّك بالتوسّل إليك بهم تقبل توبتی و تغفر خطيئتي و أنا الّذي أسجدت له ملائكتك و أبحته جنّتك، وزوّجته حوّاء أمتك، و أخدمته كرام ملائكتك؛ قال الله تعالى: يا آدم إنّما أمرت الملائكة بتعظيمك بالسّجود لك إذ كنت وعاءً لهذه الأنوار، ولو كنت سألتني بهم قبل خطيئتك أن أعصمك منها و أن اُفطّنك لدواعي
عدوّك إبليس حتّى تحترز منها لكنت قد جعلت لك ، و لكنَّ المعلوم في سابق علمي يجري موافقاً لعلمي، فالآن فادعني بهم لاُجيبك، فعند ذلك قال آدم: «اللّهمّ بجاه محمّد و آله الطيّبين، بجاه محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين والطيّبين من آلهم لمّا تفضّلت بقبول توبتي و غفران زلّتي و إعادتي من كرامتك إلى مرتبتي» قال الله عزّ و جلّ: قد قبلت توبتك، و أقبلت برضواني عليك، و صرّفت آلائي و نعمائي إليك و أعدتك إلى مرتبتك من كراماتي، و وفّرت نصيبك من رحماتي، فذلك قوله عزّ و جلّ: «فتلقّى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه إنّه هو التّوّاب الرّحيم» ثمَّ قال الله تعالى للّذين أهبطهم من آدم و حوّاء و إبلیس والحيّة «و لكم في الأرض مستقرّ» مقامٌ فيها تعيشون، و تحثّكم لياليها وأيّامها، إلى السّعي للآخرة، فطوبى لمن يروضها لدار البقاء «و متاعٌ إلى حين» لكم في الأرض منفعةٌ إلى حين موتكم، لأنّ الله تعالى منها يخرج زروعكم و ثماركم و بها ينزّهكم وينعمكم، وفيها أيضاً بالبلايا يمتحنكم، يلذّذكم بنعيم الدّنيا تارةً لتذكروا نعيم الاُخرى الخالص ممّا ينغّص نعيم الدّنيا و يبطله و يزهّد فيه و يصغّره و يحقّره، و يمتحنكم تارة ببلايا الدّنيا الّتي قد تكون في خلالها الرحمات، و في تضاعيفها النّعم الّتي تدفع عن المبتلى بها مكاره ليحذّركم بذلك عذاب الأبد الّذي لا يشوبه عافيةٌ، ولا يقع في تضاعفيه راحةٌ ولارحمةٌ «و قلنا اهبطوا» قد فسّر، ثمَّ قال الله عزّ و جلّ : «والّذين كفروا وكذّبوا بآياتنا» الدالّات على صدق محمّد على ما جاء به من أخبار القرون السّالفة و على ما أدّاء إلى عبادالله من ذكر تفضيله لعليّ علیه السلام و آله الطيّبين خير الفاضلين والفاضلات بعد محمّد سيّد البريّات «اُولئك» الدّافعون لصدق محمّد في أنبائه والمكذّبون له في تصديقه لأوليائه عليّ سيّد الأوصياء و المنتجبين من ذرّيّته الطيّبين الطاهرين. (1)
25 - كا: عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسين بن يزيد، عن الحسن بن
1) تفسير الامام: 90-91.
عليّ بن أبي حمزة، عن أبي إبراهيم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ الله عزّ و جلّ لمّا أصاب آدم و زوجته الحنطة أخرجهما من الجنّة وأهبطهما إلى الأرض فأهبط آدم على الصفا و أهبطت حوّاء على المروة، و إنّما سمّي صفا لأنّه شقّ له من اسم آدم المصطفى، و ذلك لقول الله عزّ و جلّ: «إنّ الله اصطفى آدم و نوحاً» و سمّيت المروة مروة لأنّه شقَّ لها من اسم المرأة، فقال آدم: ما فرّق بيني وبينها إلّا لأنّها لاتحلّ لي، ولو كانت تحلّ لي هبطت معي على الصّفا، و لكنّها حرمت عليّ من أجل ذلك وفرّق بينى و بينها، فمكث آدم معتزلاً حوّاء فكان يأتيها نهاراً فيتحدّث عندها على المروة، فإذا كان اللّيل و خاف أن تغلبه نفسه يرجع إلى الصّفا فيبيت عليه، ولم يكن لآدم أنس غيرها، ولذلك سمّين النساء من أجل أنّ حوّاء كانت أنساً لآدم، لا يكلّمه الله و لا يرسل إليه رسولاً ، ثمَّ إِنَّ الله عزّ و جلّ منّ عليه بالتوبة و تلقّاه بكلمات، فلمّا تكلّم بها تاب الله عليه و بعث إليه جبرئيل علیه السلام فقال: السلام عليك يا آدم التائب من خطيئته، الصابر لبليّته إنّ الله عزّ و جلّ أرسلني إليك لاُعلّمك المناسك الّتي تطهر بها، فأخذ بيده فانطلق به إلى مكان البيت، وأنزل الله عليه غمامة فأظلّت مكان البيت، و كانت الغمامة بحيال البيت المعمور، فقال: يا آدم خطّ برجلك حيث أظلّت عليك هذه الغمامة، فإنّه سيخرج لك بيتاً من مهاة يكون قبلتك وقبلة عقبك من بعدك، ففعل آدم علیه السلام و أخرج الله له تحت الغمامة بيتاً من مهاة، وأنزل الله الحجرالأسود فكان أشدّ بياضاً من اللبن، و أضوأ من الشمس و إنّما اسودَّ لأنّ المشركين تمسّحوا به ، فمن نجس المشركين اسودّ الحجر و أمره جبرئيل علیه السلام أن يستغفر الله من ذنبه عند جميع المشاعر و يخبره أنّ الله عزّ و جلّ قد غفرله، و أمره أن يحمل حصيات الجمار من المزدلفة، فلمّا بلغ موضع الجمار تعرّض له ابليس فقال له: يا آدم أين تريد؟ فقال له جبرئيل: لاتكلّمه وارمه بسبع حصيات و كبّر مع كلّ حصاة، ففعل آدم حتّى فرغ من رمي الجمار، وأمره أن يقرّب القربان و هو الهدي قبل رمي الجمار، و أمره أن يحلق رأسه تواضعاً لله عزّ و جلّ ففعل آدم ذلك، ثمّ
أمره بزيارة البيت و أن يطوف به سبعاً، و (أن خ ل) يسعى بين الصفا والمروة اُسبوعاً يبدء بالصّفا و يختم بالمروة، ثمّ يطوف بعد ذلك اُسبوعاً بالبيت و هو طواف النّساء لايحلّ لمحرم أن يباضع حتّى يطوف طواف النساء، ففعل آدم ، فقال له جبرئيل: إنّ الله عزّ و جلّ قد غفر ذنبك، وقبل توبتك، و أحلّ لك زوجتك فانطلق آدم و قد غفر له ذنبه، و قبلت منه توبته و حلّت له زوجته. (1)
1) فروع الكافی 216:1-217.
1 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: رنّ إبليس أربع رنّات: أوّلهنّ يوم لعن، وحين اُهبط إلى الأرض، و حين بعث محمّد صلی الله علیه و آله و سلم على حين فترة من الرّسل، وحين اُنزلت اُمّ الكتاب. و نخر نخرتين: حين أكل آدم من الشّجرة، و حين اُهبط من الجنّة. (1)
2 - ع: ابن الوليد عن الحفّار، عن ابن معروف، عن محمّد بن سهل البحرانيّ يرفعه إلى أبي عبد الله علیه السلام قال: البكّاؤون خمسة: آدم: و يعقوب، و يوسف، و فاطمة بنت محمّد و عليّ بن الحسين علیهم السلام، فأمّا آدم فبكى على الجنّة حتّى صار في خدّيه أمثال الأودية. الخبر. (2)
3 - ع: أبي و ابن الوليد، عن سعد و الحميريّ معاً، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا أهبط الله عزّ و جلّ آدم علیه السلام من الجنّة اُهبط معه عشرون ومائة قضيب، منها أربعون ما يؤكل داخلها و خارجها، و أربعون منها ما يؤكل
داخلها و يرمى بخارجها، وأربعون منها ما يؤكل خارجها و يرمى بداخلها. و غرارة فيها بذر كلّ شيء. (1)
4 - عن، ن: أبي عن عليّ بن سليمان الزراريّ عن ابن أبي الخطّاب، عن البزنطيّ عن الرّضا علیه السلام قال: قلت: كيف كان أوّل الطيب؟ فقال لي: ما يقول من قبلكم فيه؟ قلت: يقولون: إنّ آدم لمّا هبط بأرض الهند فبكى على الجنّة سالت دموعه فصارت عروقاً في الأرض فصارت طيباً ، فقال علیه السلام : ليس كما يقولون، و لكن حوّاء كانت تغلّف قرونها من أطراف شجرة الجنّة، فلمّا هبطت إلى الأرض و بليت بالمعصية رأت الحيض فاُمرت بالغسل فنقضت قرونها، فبعث الله عزّ و جلّ ريحاً طارت به وخفضته فذرت حيث شاتء الله عزوجلّ، فمن ذلك الطيب. (2)
5 - ع: أبي، عن سعد، عن البرقيّ، عن أبيه ، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر و عبدالكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال : سمّي الصفا صفا لأنّ المصطفى آدم هبط عليه، فقطع للجبل اسم من اسم آدم على نبيّنا و آله و علیه السلام ، يقول الله عزّ و جلّ: «إنّ الله اصطفی آدم و نوحاً» وهبطت حوّاء على المروة، وإنّما سمّيت المروة مروة لأنّ المرأة هبطت عليها ، فقطع للجبل اسم من اسم المرأة. (3)
6 - ع: بإسناد العلويّ عن أمير المؤمنين علیه السلام أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم سئل ممّا خلق الله عزّ و جلّ الكلب؟ قال: خلقه من بزاق إبلیس؛ قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال لمّا أهبط الله عزّ و جلّ آدم و حوّاء إلى الأرض أهبطهما كالفرخين المرتعشين، فعدا إبليس الملعون إلى السباع و كانوا قبل آدم في الأرض فقال لهم: إنّ طيرين قد وقعا من السماء لم ير الراؤون
أعظم منهما تعالوا فكلوهما، فتعادت السباع معه و جعل إبليس يحثّهم و يصيح و يعدهم بقرب المسافة، فوقع من فيه من عجلة كلامه بزاق فخلق الله عزّ و جلّ من ذلك البزاق كلبين: أحدهما ذكرٌ، و الآخر اُنثى، فقاما حول آدم و حوّاء: الكلبة بجدّة، والكلب بالهند، فلم يتركوا السباع أن يقربوهما، و من ذلك اليوم الكلب عدوّ السبع و السبع عدوّ الكلب. (1)
7 - ع: ابن المتوكّل، عن الحميريّ، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن محمّدبن إسحاق، عن أبي جعفر علیه السلام، عن آبائه علیهم السلام إنّ الله عزّ و جلّ أوحى إلى جبرئيل علیه السلام : أنا الله الرّحمن الرّحيم، إنّي قد رحمت آدم و حوّاء لمّا اشتكيا إليَّ ما شكيا فاهبط عليهما بخيمة من خيم الجنّة فإنّي قد رحمتهما لبكائهما و وحشتهما و وحدتهما، فاضرت الخيمة على النزعة بين جبال مكّة، قال: و النزعة مكان البيت و قواعده الّتي رفعتها الملائكة قبل آدم، فهبط جبرئيل على آدم علیه السلام بالخيمة على مقدار أركان البيت و قواعده فنصبها، قال: و أنزل جبرئيل علیه السلام آدم من الصفا و أنزل حوّاء من المروة وجمع بينهما في الخيمة، قال: وكان عمود الخيمة قضيباً من ياقوت أحمر فأضاء نوره و وضوؤه جبال مكّة و ما حولها، قال: فامتدّ ضوء العمود فهو مواضع الحرم اليوم من كلّ ناحية من حيث بلغ ضوؤه، قال: فجعله الله عزّ و جلّ حرماً لحرمة الخيمة والعمود لأنّهما من الجنّة، قال: ولذلك جعل الله عزّ و جلّ الحسنات في الحرم مضاعفات و السيِّئات مضاعفة، قال: و مدّت أطناب الخيمة حولها فمنتهى أوتادها ما حول المسجد الحرام، قال: وكانت أوتادها صخراً من عقيان الجنّة، و أطنابها من ظفائر الاُرجوان، قال: و أوحى الله عزّ و جلّ إلى جبرئيل علیه السلام : اهبط على الخيمة بسبعين ألف ملك يحرسونها من مردة الشيطان، ويؤنسون آدم، و يطوفون حول الخيمة تعظيماً للبيت و الخيمة، قال: فهبط بالملائكة فاكنوا بحضرة الخيمة يحرسونها من مردة الشيطان و يطوفون حول أركان البيت و الخيمة كلّ يوم وليلة كما كانوا يطوفون في
1) علل الشرائع: 169.
السماء حول البيت المعمور قال: و أركان البيت الحرام في الأرض حيال البيت المعمور الّذي في السّماء، قال: ثمّ إنَّ الله تبارك و تعالى أوحى إلى جبرئيل علیه السلام بعد ذلك: أن اهبط إلى آدم و حوّاء فنحّهما عن موضع قواعد بيتي، و ارفع قواعد بیتي لملائكتي و لخلقي من ولد آدم، فهبط جبرئيل علیه السلام على آدم و حوّاء فأخرجهما من الخيمة و نحّاهما عن نزعة البيت و نحّى الخيمة عن موضع النزعة، قال: ووضع آدم على الصفا و حوّاء على المروة، فقال آدم على نبيّنا و آله و علیه السلام : يا جبرئيل أبسخطُ من الله تعالى جلّ ذكره حوّلتنا و فرّقت بيننا، أم برضىً تقديراً علينا؟ فقال لهما: لم يكن بسخط من الله تعالى ذكره عليكما، ولكن عزّ و جلّ لايسأل عمّا يفعل، يا آدم إنّ السبعين ألف ملك الّذين أنزلهم الله عزّ و جلّ إلى الأرض ليؤنسوك و يطوفوا حول أركان البيت و الخيمة سألوا الله عزوجلَّ أن يبني لهم مكان الخيمة بيتاً على مواضع النزعة المباركة حيال البيت المعمور فيطوفون حوله كما كانوا يطوفون في السّماءِ حول البيت المعمور، فأوحى الله تبارك و تعالى إليَّ: أن اُنحّيك وأرفع الخيمة، فقال آدم علیه السلام : رضينا بتقدير الله عزّ و جلّ و نافذ أمره فينا، فرفع قواعد البيت بحجر من الصّفا و حجر من المروة و حجر من طور سيناء و حجر من جبل السّلام و هو ظهر الكوفة، فأوحى الله عزّ و جلّ إلى جبرئيل علیه السلام : أن ابنه وأتمّه، فاقتلع جبرئيل علیه السلام الأحجار الأربعة بأمر الله عزّ و جلّ من مواضعها بجناحه، فوضعها حيث أمره الله تعالى في أركان البيت على قواعده الّتي قدّرها الجبّار جلّ جلاله، و نصب أعلامها، ثمَّ أوحى الله إلى جبرئيل: ابنه و أتمّه من حجارة من أبي قبيس و اجعل له بابين: باباً شرقاً، وباباً غرباً، قال: فأتمّه جبرئيل علیه السلام ، فلمّا فرغ طافت الملائكة حوله، فلمّا نظر آدم و حوّاء إلى الملائكة يطوفون حول البيت انطلقا فطافا سبعة أشواط ثمَّ خرجا يطلبان ما يأكلان. (1)
8 - ن، ع: سأل الشّاميّ أمير المؤمنين علیه السلام عن أكرم واد على وجه الأرض، فقال له:
1) علل الشرائع: 146.
واد يقال له سرنديب سقط فيه آدم من السّماء. (1)
9 - ص: بالإسناد عن الصّدوق، عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن إبراهيم بن هاشم، عن عمرو بن عثمان، عن أبي جميلة، عن عامر، عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: إنّ الله عزّ و جلّ حين أهبط آدم علیه السلام من الجنّة أمره أن يحرث بيده فيأكل من كدّها بعد نعيم الجنّة، فجعل يجأر و يبكي على الجنّة مائتي سنة، ثمّ إنّه سجد لله سجدة فلم يرفع رأسه ثلاثة أيّام ولياليها. (2)
10 - ص: بالإسناد إلى الصّدوق بإسناده إلى وهب قال: مهبط آدم على جبل في شرقيّ أرض الهند يقال له باسم، ثمَّ أمره أن يسير إلى مكّة فطوى له الأرض فصار على كلّ مفازة يمرّ به خطوة و لم يقع قدمه في شيء من الأرض إلّا صار عمراناً، و بكى على الجنّة مائتي سنة، فعزّاه الله بخيمة من خيام الجنّة فوضعها له بمكّة في موضع الكعبة، و تلك الخيمة من ياقوتة حمراء لها بابان: شرقيّ و غربيّ من ذهب منظومان، معلّق فيها ثلاث قناديل من تبر الجنّة، تلتهب نوراً، ونزل الرّكن و هو ياقوتة بيضاء من ياقوت الجنّة و كان كرسيّاً لآدم علیه السلام يجلس عليه، و إنّ خيمة آدم لم تزل في مكانها حتّى قبضه الله تعالى، ثمَّ رفعها الله إليه و بني بنو آدم في موضعها بيتاً من الطين والحجارة ولم يزل معموراً و اُعتق من الغرق ولم يخرّبه الماء حتّى ابتعث الله تعالى إبراهيم علیه السلام . (3)
11 - شی: عن جابر، عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : إنّ الله حين أهبط آدم إلى الأرض أمره أن يحرث بيده فيأكل من كدّه بعد الجنّة ونعيمها، فلبث يجأر و يبكي على الجنّة مائتي سنة، ثمَّ إنّه سجد لله سجدةً فلم يرفع رأسه ثلاثة أيّام ولياليها، ثمَّ قال: أي ربّ ألم تخلقني؟ فقال الله: قد فعلت، فقال: ألم تنفخ فيَّ من روحك؟ قال: قد فعلت، قال : ألم
تسكنيّ جنّتك؟ قال: قد فعلت، قال: ألم تسبق لي رحمتك غضبك؟ قال الله : قد فعلت، فهل صبرت أو شكرت؟ قال آدم: «لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي إنّك أنت الغفور الرّحيم» فرحمه الله بذاك و تاب عليه إنّه هو التّوّاب الرّحيم. (1)
12 - شی: عن جابر ، عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم قال: كان إبليس أوّل من ناح، و أوّل من تغنّى، و أوّل من حدا، قال: لما أكل آدم من الشّجرة تغنّى، قال: فلمّا اُهبط حدا به، فلمّا استقرَّ على الأرض ناح فأذكره ما في الجنّة، فقال: آدم ربّ هذا الّذي جعلت بيني و بينه العداوة لم أقو عليه و أنا في الجنّة، و إن لم تعنّي عليه لم أقو عليه، فقال الله: السيّئة بالسيّئة و الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة، قال: ربّ زدني، قال: لا يولد لك ولدٌ إلّا جعلت معه ملكاً أو ملكين يحفظانه، قال: ربّ زدني، قال: التّوبة مفروضةٌ في الجسد مادام فيها الرّوح، قال: ربّ زدني، قال: أغفر الذّنوب و لااُبالي، قال: حسبي؛ قال: فقال إبلیس: ربّ هذا الّذي كرّمت عليّ و فضّلته وإن لم تفضّل عليّ لم أقو عليه، قال: لا يولد له ولدٌ إلّا ولدٌ لك ولدان، قال: ربّ زدني، قال: تجرى منه مجرى الدمّ في العروق، قال: ربّ زدني، قال: تتّخذ أنت و ذرّيّتك في صدورهم مساكن، قال: ربّ زدني، قال: تعدهم و تمنّيهم و ما يعدهم الشّيطان إلّا غروراً. (2)
13 - كا: عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسين بن يزيد، عن الحسن ابن عليّ بن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ الله تبارك وتعالى لمّا أهبط آدم علیه السلام طفق يخصف من وروق الجنّة، و طار عنه لباسه الّذي كان عليه من حال الجنّة، فالتقط ورقة فستربها عورته، فلمّا هبط عبقت رائحة تلك الورقة بالهند بالنبت فصار في الأرض من سبب تلك الورقة الّتي عبقت بها رائحة الجنّة، فمن هناك الطيب بالهند، لأنّ الورقة هبّت عليها ريح الجنوب فأدّت رائحتها إلى المغرب، لأنّها احتملت رائحة الروقة في الجوّ، فلمّا ركدت الرّيح بالهند عبق (علق خ ل) بأشجارهم و نبتهم فكان أوّل بهيمة اُرتعت
من تلك الورقة ظبي المسك فمن هناك صار المسك في سرّة الظبي، لأنّه جرى رائحة النبت في جسده و في دمه حتّى اجتمعت في سرّة الظَّبي. (1)
14 - كا: العدّة، عن سهل، عن ابن محبوب، عن الحسن بن عمّارة، عن مسمع، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا هبط بآدم إلى الأرض احتاج إلى الطعام والشراب، فشكا ذلك إلى جبرئيل فقال له جبرئيل: يا آدم کن حرّاثاً ، قال: فعلّمني دعاء قال: قل: اللّهمّ اكفني مؤونة الدنيا و كلّ هول دون الجنّة، و ألبسني العافية حتّى تهنّئني المعيشة. (2)
1 - ع: ابن الوليد، عن أحمد بن إدريس و محمّد العطّار معاً، عن الأشعريّ، عن أحمد ابن الحسن بن فضّال، عن أحمدبن إبراهيم بن عمّار، عن ابن نويه، عن زرارة قال سئل أبو عبد الله علیه السلام كيف بدأ النسل من ذرّيّة آدم علیه السلام فإنّ عندنا أناساً يقولون: إنّ الله تبارك و تعالى أوحى إلى آدم علیه السلام : أن يزوّج بناته من بنيه، و أنّ هذه الخلق كلّهم أصله من الإخوه و الأخوات: قال أبو عبد الله علیه السلام : سبحان الله، و تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، يقول من يقول هذا: إنّ الله عزّ و جلّ جعل أصل صفوة خلقه و أحبّائه وأنبيائه و رسله و المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات من حرام، و لم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال، و قد أخذ ميثاقهم على الحلال و الطهر الطيّب؟ والله لقد تبيّنت أنّ بعض البهائم تنكّرت له اُخته فلمانزا عليها و نزل كشف له عنها و علم أنّها اُخته أخرج غرموله ثمَّ قبض عليه بأسنانه ثمَّ قلعه ثمَّ خرّ ميّتاً. قال زرارة: ثمَّ سئل علیه السلام عن خلق حوّاء وقيل له: إنّ اُناساً عندنا يقولون: إنّ الله عزّ و جلّ خلق حوّاء من ضلع آدم الأيسر الأقصى، قال: سبحان الله و تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً! يقول من يقول هذا: إنّ الله تبارك و تعالى لم يكن له من القدرة
ما يخلق لآدم زوجة من غير ضلعه، وجعل لمتكلّم من أهل التشنيع سبيلاً إلى الكلام، يقول: إنّ آدم كان ينكح بعضه بعضاً إذا كانت من ضلعه، ما لهؤلاء؟ حكم الله بيننا و بينهم. ثمّ قال: إنّ الله تبارك و تعالى لمّا خلق آدم من طين أمر الملائكة فسجدوا له و ألقى عليه السّبات ثمَّ ابتدع له خلقاً، ثمّ جعلها في موضع النقرة الّتي بين ركبتيه، و ذلك لكي تكون المرأة تبعاً للرجل، فأقبلت تتحرَّك فانتبه لتحرّكها فلمّا انتبه نوديت أن تنحّي عنه، فلمّا نظر إليها نظر إلى خلق حسن يشبه صورته غير أنّها اُنثى، فكلّمها فكلّمته بلغته فقال لها: من أنت؟ فقالت: خلق خلقني الله كماترى، فقال آدم عند ذلك: يا ربّ من هذا الخلق الحسن الّذي قد آنسني قربه و النظر إليه؟ فقال الله: هذه أمتي حوّاء، أفتحبّ أن تكون معك فتؤنسك و تحدّثك و تأتمر لأمرك؟ قال: نعم يا ربّ ولك بذلك الشكر و الحمد ما بقيت، فقال تبارك و تعالى: فاخطبها إليّ فإنّها أمتي و قد تصلح أيضاً للشهوة، وألقى الله عليه الشهوة، وقد علّم قبل ذلك المعرفة، فقال: يا ربّ فإنّي أخطبها إليك فما رضاك لذلك؟ قال: رضاي أن تعلّمها معالم ديني، فقال: ذلك لك يا ربّ إن شئت ذلك، فقال عزّ و جلّ: قد شئت ذلك و قد زوّجتكها فضمّها إليك، فقال: أقبلي، فقالت: بل أنت فاقبل إليّ، فأمر الله عزّ و جلّ لآدم أن يقوم إليها فقام، ولولا ذلك لكنَّ النساء هنّ يذهبن إلى الرجال حين خطبن على أنفسهنَّ فهذه قصّة حوّاء صلوات الله عليها. (1)
أقول: يمكن أن يقال: المراد بالخلق من نفس واحدة الخلق من أب واحد، كما يقال: بنو تميم كلّهم نشؤوا من تميم، ولا ينافيه شركة الاُمّ كما لا ينافيه اشتراط سائر الشرائط و اشتراك غيرها من الليل. ثمَّ اعلم أنّه يحتمل أن يكون «من» في قوله: «منها» تعليليّة أي لأجلها.
2 - ب: ابن عيسى، عن البزنطيّ قال: سألت الرضا علیه السلام عن الناس كيف تناسلوا
1) علل الشرائع: 17-18.
من (عن خ) آدم علیه السلام؟ فقال: حملت حوّاء هابيل و اُختاً له في بطن، ثمّ حملت في البطن الثانيّ قابيل و اُختاً له في بطن، فزوّج هابيل الّتي مع قابيل و تزوّج قابيل الّتي مع هابيل، ثمَّ حدث التحريم بعد ذلك. (1)
3 - فس: عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن الثّماليّ، عن ثويربن أبي فاختة قال: سمعت عليّ بن الحسين علیه السلام يحدّث رجلاً من قريش قال: لمّا قرّب أبناء آدم القربان قرّب أحدهما أسمن كبش كان في ضأنه، وقرّب الآخر ضغثاً من سنبل فتقبّل من صاحب الكبش و هو هابيل، و لم يتقبّل من الآخر، فغضب قابيل فقال لهابيل: والله لأقتلنّك، فقال هابيل: «إنّما يتقبّل الله من المتّقين ٭ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنّي أخاف الله ربّ العالمين ٭ إنّي اُريد أن تبوء بإثمي و إثمك فتكون من أصحاب النار و ذلك جزاء الظالمين ٭ فطوّعت له نفسه قتل أخيه» فلم يدر كيف يقتله حتّى جاء إبلیس فعلّمه فقال: ضع رأسه بين حجرين ثمّ اشدخه، فلمّا قتله لم يدر ما يصنع به فجاء غرابان فأقبلا يتضاربان حتّى اقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، ثمّ حفر الّذي بقي الأرض بمخالبه و دفن فيه صاحبه، قال قابيل: «يا ويلتی أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فاُواري سوأة أخي فأصبح من النّادمين» فحفر له حفيرةً و دفن فيها فصارت سنّة يدفنون الموتى، فرجع قابيل إلى أبيه فلم ير معه هابيل فقال له آدم: أين تركت ابني؟ قال له قابيل: أرسلتني عليه راعياً؟ فقال آدم: انطلق معي إلى مكان القربان و أحسّ قلب آدم بالّذي فعل قابيل، فلمّا بلغ مكان القربان استبان قتله، فلعن آدم الأرض الّتي قبلت دم هابيل، و اُمر آدم أن يلعن قابيل، و نودي قابيل من السّماء: لعنت كما قتلت أخاك ولذلك لا تشرب الأرض الدم، فانصرف آدم فبكى على هابيل أربعين يوماً و ليلة، فلمّا جزع عليه شكا ذلك إلى الله فأوحى الله إليه: إنّى واهب لك ذكراً يكون خلفاً من هابيل، فولدت حوّاء غلاماً زكيّاً
1) الاحتجاج: 171.
مباركاً، فلمّا كان يوم السابع أوحى الله إليه: يا آدم إنَّ هذا الغلام هبة منّي لك فسمه هبة الله، فسمّاه آدم هبة الله. (1)
4- فس: أبي، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر علیه السلام قال: جاء رجل إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم فقال: يا رسول الله رأيت أمراً عظيماً؛ فقال: و ما رأيت؟ قال: كان لي مريض و نعت له ماء من بئر الأحقاف يستشفى به في برهوت، قال: فتهيّأت و معي قربة و قدح لآخذ من مائها و أصبّ في القربة إذا شيء قد هبط من جوّ السماءِ كهيئة السلسلة و هو يقول: يا هذا اسقني الساعة أموت، فرفعت رأسي و رفعت إليه القدح لاُسقيه فإذا رجلٌ في عنقه سلسلةٌ فلمّا ذهب اُناوله القدح اجتذب حتّى علّق بالشمس، ثمَّ أقبلت على الماءِ أغرف إذ أقبل الثانية و هو يقول: العطش العطش يا هذا اسقني الساعة أموت، فرفعت القدح لاُسقيه فاجتذب حتّى علّق بالشمس حتّى فعل ذلك الثالثة فشدّدت قربتي و لم اُسقه، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: ذاك قابيل بن آدم قتل أخاه و هو قوله عزّ و جلّ: «والّذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلّا كباسط كفّيه إلى الماء إلى قوله: «إلّا في ضلال». (2)
5 - ع، ل، ن: سأل الشاميّ أمير المؤمنين علیه السلام عن قول الله عزّ و جلّ: «يوم يفرّ المرء من أخيه» فقال علیه السلام : قابيل يفرّ من هابيل. و سأله علیه السلام عن يوم الأربعاء و التطيّر منه، فقال علیه السلام : هو آخر أربعاء و هو المحاق، وفيه قتل قابيل هابيل أخاه. (3)
6 - ل: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن معروف، عن ابن محبوب، عن حنان بن سدير، عن رجل من أصحاب أبي عبد الله علیه السلام قال: سمعته يقول: إنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة لسبعة نفر أوّلهم ابن آدم الّذي قتل أخاه، و نمرود الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه، و اثنان في بني إسرائيل هوّدا قومهمّ و نصّراهم، و فرعون الّذي قال «أنا ربّكم الأعلى» و اثنان في
هذه الاُمّة . (1)
7 - ع، ن، ل: سأل الشاميّ أمير المؤمنين علیه السلام عن أوّل من قال الشعر قال آدم، فقال: و ما كان شعره؟ قال: لمّا اُنزل إلى الأرض من السماء فرأي تربتها وسعتها و هواها و قتل قابيل هابيل فقال آدم علیه السلام :
تغيّرت البلاد و من عليها ٭٭٭ فوجه الأرض مغبرٌّ قبيح
تغيّر كلّ ذي لون و طعم ٭٭٭ وقلّ بشاشة الوجه المليح
فأجابه ابلیس:
تنحّ عن البلاد و ساكنيها ٭٭٭ في بالخلد ضاق بك الفسيح
و كنت بها و زوجك في قرار ٭٭٭ و قلبك من أذى الدنيا مريح
فلم تنفّكَّ من كيدي و مكري ٭٭٭ إلى أن فاتك الثمن الربيح
فلولا رحمة الجبّار أضحت ٭٭٭ بكفّك من جنان الخلد ريح (2)
تتميم: أقول: زاد المسعوديّ في مروج الذّهب في شعر آدم علیه السلام بعد قوله: وقلَّ بشاشة الوجه الصبيح:
و بدّل أهلها أثلاً و خمطاً ٭٭٭ بجنّات من الفردوس قيح
و جاورنا عدوّاً ليس ينسى ٭٭٭ لعين ما يموت فنستريح
و يقتل قاين هابيل ظلماً ٭٭٭ فوا أسفا على الوجه المليح
فما لي لا أجود بسكب دمعي ٭٭٭ و هابيل تضمّنه الضريح
أرى طول الحياة عليّ غمّاً ٭٭٭ و ما أنا من حياتي مستريح (3)
أقول: قوله: قيح إمّا بالقاف جمع القاحة بمعنى الساحة، أو بالفاء من الفيح بمعنى السعة، وقاين أحد ما قيل في اسم الولد القاتل، و في أكثر نسخ التفاسير و التواريخ بالباء الموحّدة، و في مروج الذهب بالمثنّاة من تحت، وقيل: قابين بالموحّدة ثمّ المثنّاة والمشهور قابيل باللّام.
8 - ع: الدقّاق، عن الكلينيّ، عن علّان رفعه قال: سأل يهوديٌّ أمير المؤمنين علیه السلام : لم قيل للفرس أجد؟ و لم قیل للبغل عد؟ و لم قيل للحمار حرّ فقال علیه السلام : إنّما قيل للفرس أجد لأنّ أوّل من ركب الخيل قابيل يوم قتل أخاه هابيل و أنشأ يقول:
اجد اليوم و ما ٭٭٭ ترك الناس دماً
فقيل للفرس أجد لذلك، وإنّما قيل للبغل عد لأنّ أوّل من ركب البغل آدم علیه السلام ، و ذلك أنّه كان له ابن يقال له معد وكان عشوقاً للدوابّ، وكان يسوق بآدم علیه السلام ، فإذا تقاعس البغل نادى: يا معد سقها، فاُلقبت البغلة اسم معد، فترك النّاس معد و قالوا: عد. و إنّما قيل للحمار حرّ لأنّ أوّل من ركب الحمار حوّاء وذلك أنّه كان لها حمارة و كانت تركبها لزيارة قبر ولدها هابيل فكانت تقول في مسيرها: و احرّاه فإذا قالت هذه الكلمات سارت الحمارة، و إذا أمسكت تقاعست فترك الناس ذلك و قالوا حرّ الخبر. (1)
أقول: لعلّ الاُولى والثلاثة كانا لزجر الدابّتين فاستعملنا للإبل، يحتمل أن تكون من أسامى تلك الدوابّ فتركت فلذا لم يذكرها اللّغويون.
و قوله: اجد اليوم إما أمر من الإجارة، أو من أجد بمعنى اجتهد في الأمر، أي أجد السعى، أوجد فيه فإن الناس لايتركون الدم بل يطلبونه، أو على صيغة التكلم بالتشديد فيرجع إلى ما مرّ، أو بالتحويف من الوجدان، أي أجد الناس اليوم لا يتركون الدم، قولها: و احرّاه ندبة على ولدها، و في بعض النسخ: و احرة خطاباً للحمارة و الأوّل أظهر.
9 - ع: أبي، عن محمّد العطّار، عن الأشعريّ، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن
1) علل الشرائع: 12.
الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن عليّ، عن آبائه، عن عليّ علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : إنّ الله عزّ و جلّ حين أمر آدم أن يهبط هبط آدم و زوجته، و هبط إبلیس و لازوجة له، وهبطت الحيّة و لازوج لها، فكان أوّل من يلوط بنفسه إبلیس فكانت ذرّيّته من نفسه، وكذلك الحيّة، وكانت ذرّيّة آدم من زوجته فأخبرهما أنّهما عدوّان لهما . (1)
10 - فس: قال أمير المؤمنين علیه السلام : أيّها الناس إنّ أوّل من بغى على الله عزّ و جلّ على وجه الأرض عناق بنت آدم، خلق الله لها عشرين إصبعاً في كلّ إصبع منها ظفران طويلان كالمنجلين العظيمين. و كان مجلسها في الأرض موضع جريب، فلمّا بغت بعث الله لها أسداً كالفيل و ذئباً كالبعير و نسراً كالحمار و كان ذلك في الخلق الأوّل فسلّطهم الله عليها فقتلوها. (2)
11 - ص: بالإسناد إلى الصّدوق، عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن أبي الخطّاب، عن محمّد، عن إسماعيل بن جابر و عبدالكريم معاً، عن عبدالحميدبن أبي الدّيلم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: كان هابيل راعي الغنم، وكان قابيل حرّاثاً، فلمّا بلغا قال لهما آدم علیه السلام : إنّي اُحبّ أن تقرّبا إلى الله قرباناً لعلّ الله يتقبّل منكما، فانطلق هابيل إلى أفضل كبش في غنمه فقرّ به التماساً لوجه الله و مرضاة أبيه، فأمّا قابيل فإنّه قرَّب الزّوان الّذي يبقى في البيدر الّذي لا يستطيع البقر أن تدوسه فقرّب ضغثاً منه لا يريد به وجه الله تعالى ولارضى أبيه، فقبل الله قربان هابیل، و ردّ على قابیل قربانه، فقال إبليس لقابيل: إنّه يكون لهذا عقب يفتخرون على عقبك، بأن قبل قربان أبيهم، فاقتله حتّى لا يكون له عقب، فقلته فبعث الله تعالى جبرئيل فأجنّه، فقال قابیل: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب، يعني به مثل هذا الغريب الّذي لا أعرفه جاء و دفن أخي و لم أهتد لذلك، و نودي قابيل من السّماء: لعنت لما
قتلت أخاك و بكى آدم على هابيل أربعين يوماً و ليلة. (1)
12 - ص: بالإسناد إلى الصّدوق، عن ابن المتوكّل، عن الحميريّ، عن ابن عيسى عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستانيّ، عن أبي جعفر علیه السلام قال: لما قرّب ابنا آدم علیه السلام القربان فتقبّل من هابيل و لم يتقبل من قابيل دخل قابيل من ذلك حسد شديد و بغى قابيل على هابیل، فلم يزل يرصده و يتّبع خلواته حتّى خلابه متنحّياً عن آدم علیه السلام فوثب عليه فقتله، وكان من قصّتهما ما قد بيّنه الله في كتابه من المحاورة قبل أن قتله. (2)
13 - ص: بالإسناد عن الصّدوق، عن ابن المتوكّل، عن الأسديّ، عن النخعيّ، عن النّوفليّ، عن عليّ بن سالم، عن أبيه، عن أبي بصير قال. كان أبو جعفر الباقر عليه الصلاة و السّلام جالساً في الحرم و حوله عصابةّ من أوليائه إذ أقبل طاوس اليمانيّ في جماعة، فقال: من صاحب الحلقة؟ قيل: محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة والسّلام، قال: إيّاه أردت، فوقف بحياله و سلّم و جلس ثمَّ قال: أتأذن لي في السؤال؟ فقال الباقر علیه السلام : قد آذنّاك فسل، قال: أخبرني بيوم هلك ثلث الناس، فقال: وهمت يا شيخ أردت أن تقول ربع النّاس وذلك يوم قتل هابيل، كانو أربعة: قابيل وهابيل و آدم و حوّاء علیهما السلام فهلك ربعهم، فقال: أصبت و وهمتُ أنا، فأيّهما كان الأب للناس القاتل أو المقتول؟ قال: لا واحد منهما، بل أبو هم شيث بن آدم علیه السلام. (3)
14 - و روي أنّه لم يوارسوأة أخيه و انطلق هارباً حتّى أتى وادياً من أودية اليمن في شرقيّ عدنٍ، فكمن فيه زماناً ، و بلغ آدم علیه السلام ما صنع قابيل بهابيل، فأقبل فوجده قتيلاً ثمَّ دفنه، و فيه وفي إبلیس نزلت: «ربّنا أرنا اللّذين أضلّانا من الجنّ و الإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين» لأنّ قابيل أوّل من سنَّ القتل، ولا يقتل مقتولٌ إلى يوم القيامة
إلّا كان فيه له شركة. (1)
15 - وسئل الصادق علیه السلام عن قوله تعالى: «و قال الّذين كفروا ربّنا أرنا اللّذين أضلّانا من الجنّ و الإنس» قال: هما هما. (2)
16 - ير: عليّ بن إسماعيل، عن محمّدبن عمرو الزيّات، عن أبيه، عن ابن مسكان عن سدير الصيرفيّ قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: إنّي لأعرف رجلاً من أهل المدينة أخذ قبل انطباق الأرض إلى الفئة الّتي قال الله تعالى في كتابه: «و من قوم موسى اُمّة يهدون بالحقّ و به يعدلون» لمشاجرة كانت فيما بينهم و أصلح بينهم و رجع و لم يقعد فمرّ بنطفكم فشرب منها يعني الفرات، ثمَّ مرّ عليك يا أباالفضل يقرع عليك بابك، و مرّ برجل علیه مسوح معقّل به عشرة موكّلون يستقبل في الصّيف عين الشمس و يوقد حوله النيران و يدورون به حذاء الشمس حيث دارت، كلّما مات من العشرة واحد أضاف إليه أهل القرية واحداً، الناس يموتون والعشرة لا ينقصون، فمرّ به رجل فقال: ما قصّتك قال له الرجل: إن كنت عالماً فما أعرفك بأمري؟! و يقال: إنّه ابن آدم القاتل. و قال محمّد ابن مسلم: وكان الرجل محمّدبن عليّ علیه السلام. (3)
17 - شی: عن عيسى بن عبدالله العلويّ، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ علیه السلام قال: إنَّ ابن آدم الّذي قتل أخاه كان القابيل الّذي ولد في الجنّة. (4)
1 - لي: أبي، عن الكميدانيّ، عن ابن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن عاصم ابن حميد، عن محمّدبن قيس، عن أبي جعفر علیه السلام قال: أوحى الله تبارك و تعالى إلى آدم علیه السلام : يا آدم إنّي أجمع لك الخير كلّه في أربع كلمات: واحدةٌ منهنّ لي، وواحدةٌ لك، و واحدة فيما بيني و بينك، و واحدةٌ فيما بينك و بين النّاس، فأمّا الّتي لي فتعبدني ولاتشرك بي شيئاً، و أمّا الّتي لك فاُجازيك بعملك أحوج ما تكون إليه، و أمّا الّتي بيني و بينك فعليك الدّعاء و عليّ الإجابة، و أمّا الّتي فيما بينك و بين الناس فترضى للنّاس ما ترضى لنفسك. (1)
2 - اقول: قال السيّد في سعد السعود: وجدت في صحف إدريس النبيّ علیه السلام عند ذكر أحوال آدم على نبيّنا و آله و علیه السلام ما هذا لفظه: حتّى إذا كان الثلث الأخير من اللّيل ليلة الجمعة لسبع و عشرين خلت من شهر رمضان أنزل الله عليه كتاباً بالسريانيّه و قطع الحروف في إحدى و عشرين ورقة ، و هو أوّل كتاب أنزل الله في الدنيا، أنزل الله عليه الألسن كلّها، فكان فيه ألف ألف لسان لا يفهم فيه أهل لسان عن أهل لسان حرفاً واحداً بغير تعليم، فيه دلائل الله و فروضه و أحكامه و شرائعه و سننه و حدوده. (2)
1 - ع: ابن المتوكّل، عن الحميريّ، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن مالك ابن عطيّة، عن أبي حمزة الثماليّ، عن أبي جعفر الباقر علیه السلام إنّ الله عزّ و جلّ عرض على آدم أسماء الانبياء وأعمارهم، قال: فمرّ بآدم اسم داود النبيّ علیه السلام فإذا عمره في العالم أربعون سنة، فقال آدم علیه السلام : يا ربّ ما أقلّ عمر داود و ما أكثر عمري! يا ربّ إنّ أنازدت داود من عمري ثلاثين سنة أتثبت له ذلك؟ قال: نعم يا آدم، قال: فإنّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة فأنفذ ذلك له و أثبتها له عندك و اطرحها من عمري، قال أبو جعفر علیه السلام : فأثبت الله عزّ و جلّ لداود في عمره ثلاثين سنة وكانت له عند الله مثبتة فذلك قول الله عزّ و جلّ «يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده اُمّ الكتاب» قال: فمحا الله ما كان عنده مثبتاً لآدم و أثبت لداود ما لم يكن عنده مثبتاً، قال: فمضى عمر آدم علیه السلام فهبط ملك الموت لقبض روحه فقال له آدم: يا ملك الموت إنّه قد بقي من عمري ثلاثون سنة، فقال له ملك الموت: يا آدم ألم تجعلها لابنك داود النبيّ علیه السلام و طرحتها من عمرك حين عرض عليك أسماء الأنبياء من ذرّيّتك و عرضت عليك أعمارهم و أنت يومئذ بوادي الدخياء؟ قال: فقال له آدم علیه السلام : ما أذكر هذا، قال: فقال له ملك الموت: يا آدم لاتجحد، ألم تسأل الله عزّ و جلّ أن يثبتها لداود و يمحوها من
عمرك فأثبتها لداود في الزبور و محاها من عمرك في الذكر؟ قال آدم علیه السلام : حتّى أعلم ذلك. قال أبو جعفر علیه السلام : و كان آدم صادقاً لم يذكر و لم يجحد، فمن ذلك اليوم أمر الله تبارك و تعالى العباد أن يكتبوا بينهم إذا تداينوا و تعاملوا إلى أجل مسمّی لنسیان آدم و جحوده ما جعل على نفسه. (1)
2 - ل: أبي ، عن سعد، عن ابن عيسى و البرقيّ معاً، عن ابن فضّال، عن يونس ابن يعقوب، عن سفيان بن السمط، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ آدم علیه السلام اشتكى فاشتهی فاكهةً فانطلق هبة الله يطلب له فاكهة فاستقبل جبرئيل فقال له: أين تذهب يا هبة الله، فقال: إنّ آدم يشتكي و إنّه اشتهى فاكهة، قال له: فارجع فإنّ الله عزّ و جلّ قد قبض روحه، قال: فرجع فوجده قد قبضه الله فغسّلته الملائكة، ثمّ وضع و أمر هبة الله أن يتقدّم و يصلّي عليه، فتقدّم فصلّى عليه و الملائكة خلفه، و أوحى الله عزّ و جلّ إليه أن يكبّر عليه خمساً، وأن يسلّه و أن يسوّي قبره، ثمّ قال: هكذا فاصنعوا بموتاكم. (2)
3 - مع، ل: في خبر أبي ذرّ، عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم أنّ أربعة من الأنبياء سريانيّون: آدم و شيث و إدريس و نوح، و أنّ الله تعالى أنزل على شيث خمسين صحيفة. (3)
4 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن المتوكّل، عن الحميريّ، عن ابن عيسى عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستانيّ، عن أبي جعفر علیه السلام قال: لمّا علم آدم علیه السلام بقتل هابيل جزع عليه جزعاً شديثداً فشكا ذلك إلى الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه أنّي واهب لك ذكراً يكون خلفاً من هابيل، فولدته حوّاء فلمّا كان يوم السابع سمّاه آدم علیه السلام شيثاً، فأوحى الله تعالى إليه: يا آدم إنّما هذا الغلام هبة منّي إليك فسمّه هبة الله، فسمّاه آدم به، فلمّا جاء وقت وفاة آدم علیه السلام أوحى الله تعالى إليه: أنّي متوفّيك فأوص إلى
خير ولدك و هو هبتي الّذي وهبته لك فأوص إليه و سلّم إليه ما علّمتك من الأسماء فإنّي اُحبّ أن لايخلو الأرض من عالم يعلم علمي و يقضي بحكمي، أجعله حجّةً لي على خلقي، فجمع آدم علیه السلام ولده جميعاً من الرّجال والنّساء ثمَّ قال لهم: يا ولدي إنّ الله تعالى أوحى إليّ أنّي متوفّيك و أمرني أن أوصي إلى خير ولدي و إنّه هبة الله و إنّ الله اختاره لي و لكم من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا أمره فإنّه وصيّي وخليفتي عليكم، فقالوا جميعاً: نسمع له و نطيع أمره و لانخالفه، قال: و أمر آدم علیه السلام بتابوت ثمَّ جعل فيه علمه و الأسماء والوصيّة ثمَّ دفعه إلى هبة الله فقال له: انظر إذا أنامتّ يا هبة الله فاغسلني وكفّنّي وصلّ عليّ و أدخلني حفتري، و إذا حضرت وفاتك و أحسست بذلك من نفسك فالتمس خير ولدك وأكثرهم لك صحبة و أفضلهم فأوص إليه بما أوصيت به إليك. و لا تدع الأرض بغير عالم منّا أهل البيت يا بنيّ إنّ الله تعالى أهبطني إلى الأرض و جعلني خليفة فيها و حجّةً له على خلقه، و جعلتك حجّة الله في أرضه من بعدي، فلاتخرجنّ من الدّنيا حتّى تجعل لله حجّةً على خلقه و وصيّاً من بعدك، وسلّم إليه التابوت و ما فيه كما سلّمت إليك، و أعلمه أنّه سيكون من ذرّيّتي رجلٌ نبيٌّ اسمه نوح يكون في نبوّته الطوفان والغرق فأوص وصيّك أن يحتفظ بالتابوت و بما فيه فإذا حضرته وفاته فمُره أن يوصي إلى خير ولده وليضع كلّ وصيّ وصيّته في التّابوت و ليوص بذلك بعضهم إلى بعض، فمن أدرك منهم نبوّة نوح فليركب معه و ليحمل التّابوت و ما فيه إلى فلكه ولا يتخلّف عنه واحد، و احذر يا هبة الله و أنتم يا ولدي الملعون قابيل.
فلمّا كان اليوم الّذي أخبره الله أنّه متوفّيه تهيّأ آدم علیه السلام للموت و أذعن به فهبط ملك الموت فقال آدم: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّي عبدالله وخليفته في أرضه ابتدأني بإحسانه، وأسجد لي ملائكته، و علّمني الأسماء كلّها، ثمّ أسكنني جنّته ولم يكن جعلها لي دار قرار ولا منزل استيطان، وإنّما خلقني لأسكن الأرض للّذي أراد من التّقدير و التدبير، و قد كان نزل جبرئيل علیه السلام بكفن آدم من الجنّة و الحنوط والمسحاة معه،
قال: و نزل مع جبرئيل سبعون ألف ملك ليحضروا جنازة آدم، فغسله هبة الله و جبرئيل و كفّنه و حنّطه ثمَّ قال جبرئيل لهبة الله: تقدّم فصلّ على أبيك و كبّر عليه خمساً و سبعين تكبيرةً، فحفرت الملائكة ثمّ أدخلوه حفرته، فقام هبة الله في ولد أبيه بطاعة الله تعالى، فلمّا حضرته وفاته أوصى إلى ابنه قينان و سلّم إليه التابوت، فقام قينان في إخوته و ولد أبيه بطاعة الله تعالى و تقدّس، فلمّا حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يرد و سلّم إليه التابوت و جميع ما فيه، و تقدّم إليه في نبوَّة نوح علیه السلام فلمّا حضرت وفاة يرد أوصى إلى ابنه اُخنوخ و هو إدريس و سلّم إليه التابوت وجميع ما فيه و الوصيّة، فقام اُخنوخ به فلمّا قرب أجله أوحى الله تعالى إليه: إنّي رافعك إلى السّماء فأوص إلى ابنك خرقاسيل ففعل، فقام خرقاسيل بوصيّة اُخنوخ، فلمّا حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه نوح علیه السلام و سلّم إليه التابوت، فلم يزل التابوت عند نوح حتّى حمله معه في سفينته فلمّا حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه سام و سلّم إليه التابوت و جميع ما فيه. (1)
شی: عن هشام، عن حبيب مثله مع زيادات أوردناها في باب ذكر الأوصياء من لدن آدم في كتاب الإمامة. (2)
5 - مل: محمّدبن يعقوب، عن أبي عليّ الأشعري، عمّن ذكره، عن محمّدبن سنان؛ و حدّثني محمّد الحميريّ، عن أبيه، عن ابن أبي الخطّاب، عن محمّدبن سنان، عن المفضّل، عن أبي عبدالله علیه السلام قال: إنّ الله تبارك و تعالى أوحى إلى نوح علیه السلام و هو في السّفينة أن يطوف بالبيت أسبوعاً فطاف بالبيت اُسبوعاً كما أوحى الله إليه، ثمّ نزل في الماء إلى ركبتيه فاستخرج تابوتاً فيه عظام آدم علیه السلام فحمل التابوت في جوف السّفينة حتّى طاف بالبيت ماشاء الله أن يطوف، ثمّ ورد إلى باب الكوفة في وسط مسجدها ففيها قال الله للأرض: «ابلعي ماءك» فبلعت ماءها من مسجد الكوفة كما بدأ الماء من مسجدها و تفرّق الجمع
الّذي كان مع نوح في السفينة فأخذ نوح التابوت فدفنه في الغريّ. (1)
6 - مل: أبي ، عن أحمد بن إدريس، و محمد بن يحيى معاً عن الأشعريّ، عن محمّد بن يوسف التميميّ، عن الصّادق عن آبائه علیهم السلام قال: قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم : عاش آدم أبو البشر تسعمائة وثلاثين سنة. (2)
أقول: يمكن رفع التنافي بين خبري الفضيل و التميميّ بأن يكون علیه السلام أسقط النيّف في الخبر الأخير بأن يكون الغرض ذكر أصل العقود سوى الكسور، على أنّه يحتمل أن يكون الإسقاط من الرواة.
1 - ك: أبي و ابن الوليد و ابن المتوكّل جميعاً، عن سعد و الحميريّ و محمّد العطّار، عن ابن عیسی و ابن هاشم جميعاً، عن ابن محبوب، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر علیه السلام قال: كان بدء نبوّة إدريس علیه السلام أنّه كان في زمانه ملك جبّار وإنّه ركب ذات يوم في بعض نزهه فمرّ بأرض خضرة نضرة لعبد مؤمن من الرافضة فأعجبته، فسأل وزراءه: لمن هذه الأرض؟ قالوا: لعبد من عبيد الملك فلان الرافضيّ، فدعا به فقال له: أمتعني بأرضك هذه، فقال لها: عيالي أحوج إليها منك، قال: فسمني بها أثمن لك، قال: لا أمتعك و لا أسومك دع عنك ذكرها، فغضب الملك عند ذلك و أسف وانصرف إلى أهله و هو مغمومٌ مفكّرٌ في أمره، وكانت له امرأة من الأزارقة وكان بها معجباً يشاورها في الأمر إذا نزل به، فلمّا استقرّ في مجلسه بعث إليها ليشاورها في أمر صاحب الأرض فخرجت إليه فرأت في وجهه الغضب، فقالت له: أيّها الملك ما الّذي دهاك حتّى بدا الغضب في وجهك قبل فعلك فأخبرها بخبر الأرض و ما كان من قوله لصاحبها و من قول صاحبها له فقالت: أيّها الملك إنّما يغتمّ و يأسف من لا يقدر على التغيير و الانتقام وإن كنت تكره أن تقتله بغير حجّة فأنا أكفيك أمره و اُصيّر أرضه بيدك بحجّة لك فيها العذر عند أهل مملكتك، قال: و ما
هي؟ قالت: أبعث إليه أقواماً من أصحابي أزارقة حتّى يأتوك به فيشهدوا عليه عنك إنّه قد برىء من دينك فيجوز لك قتله و أخذ أرضه، قال: فافعلي ذلك قال: فكان لها أصحاب من الأزارقة على دينها يرون قتل الرافضة من المؤمنين، فبعثت إلى قوم منهم فأتوهم فأمرتهم أن يشهدوا على فلان الرافضيّ عند الملك أنّه قد برىء من دين الملك فشهدوا عليه أنّه قد بریء من دین الملك فقتله و استخلص أرضه، فغضب الله للمؤمن عند ذلك فأوحى الله إلى إدريس علیه السلام أن انت عبدي هذا الجبّار فقل له: أما رضيت أن قتلت عبدي المؤمن ظلماً حتّى استخلصت أرضه خالصةً لك فأحوجت عياله من بعده و أجعتهم؟ أما و عزّتي لأنتقمنّ له منك في الآجل، و لأسلبنّك ملكك في العاجل، ولاُخرّبنّ مدينتك، ولاُذلّنّ عزّك، ولاُطعمنّ الكلاب لحم امرأتك، فقد غرّك يا مبتلى حلمي عنك. فأتاه إدريس علیه السلام برسالة ربّه و هو في مجلسه و حوله أصحابه فقال: أيّها الجبّار إنّي رسول الله إليكم و هو يقول لك: أمّا رضيت أن قتلت عبدي المؤمن ظلماً حتّى استخلصت أرضه خالصة لك، و أحوجت عياله من بعده و أجعتهم؟ أما و عزّتي لأنتقمنّ له منك في الآجل، و لأسلبنّك ملكك في العاجل، و لاُخرّبنّ مدينتك، ولاُذلّنّ عزّك، ولاُطعمنّ الكلاب لحم أمرأتك فقال الجبّار: اخرج عنّي يا إدريس فلن تسبقني بنفسك، ثمَّ أرسل إلى امرأته فأخبرها بما جاء به إدريس فقالت: لا يهولنّك رسالة إله إدريس، أنا اُرسل إليه من يقتله فتبطل رسالة إلهه وكلّ ما جاءك به ، قال: فافعلي، وكان لإدريس أصحاب من الرّافضة مؤمنون يجتمعون إليه في مجلس له فيأنسون به و يأنس بهم، فأخبرهم إدريس بما كان من وحي الله عزّ و جلّ إليه و رسالته إلى الجبّار و ما كان من تبليغ رسالة الله إلى الجبّار، فأشفقوا على إدريس و أصحابه و خافوا عليه القتل، و بعثت امرأة الجبّار إلى إدريس أربعين رجلاً من الأزارقة ليقتلوه فأتوه في مجلسه الّذي كان يجتمع إليه فيه أصحابه فلم يجدوه، فانصرفوا وقد رآهم أصحاب إدريس فحسّوا أنّهم أتوا إدريس ليقتلوه فتفرَّقوا في طلبه فلقوا فقالوا له: خذ حذرك يا
إدريس فإنّ الجبّار قاتلك، قد بعث اليوم أربعين رجلاً من الأزارقة ليقتلوك فاخرج من هذه القرية، فتنحّى إدريس عن القرية من يومه ذلك و معه نفر من أصحابه، فلمّا كان في السّحر ناجى إدريس ربِّه فقال: يا ربّ بعثتني إلى جبّار فبلّغت رسالتك، وقد توعّدني هذا الجبّار بالقتل، بل هو قاتلي إن ظفر بي، فأوحى الله إليه أن تنحّ عنه و اخرج من قريته و خلّني وإيّاه، فوعزّتي لاُنفذنّ فيه أمري، ولاُصدّقنّ قولك فيه و ما أرسلتك به إليه.
فقال إدريس: يا ربّ إنّ لي حاجة، قال الله: سلها تعطها ، قال: أسألك أن لا تمطر السماء على أهل هذه القرية و ما حولها و ما حوت عليه حتّى أسألك ذلك، قال الله عزّ و جلّ : يا إدريس إذاً تخرّب القرية و يشتدّ جهد أهلها و يجوعون، فقال إدريس: و إن خربت و جهدوا و جاعوا، قال الله: فإنّي قد أعطيتك ما سألت و لن اُمطر السماء عليهم حتّى تسألني ذلك و أنا أحقّ من وفي بعهده، فأخبر إدريس أصحابه بما سأل الله عزّ و جلّ من حبس المطر عنهم وبما أوحى الله إليه و وعده أن لا يمطر السماء عليهم حتّى أسأله ذلك، فاخرجوا أيّها المؤمنون من هذه القرية إلى غيرها من القرى، فخرجوا منها وعدّتهم يومئذ عشرون رجلاً فتفرّقوا في القرى، وشاع خبر إدريس في القرى بما سأل الله تعالى، و تنحّى إدريس إلى كهف في الجبل شاهق فلجأ إليه و وكّل الله عزّ وجلّ به ملكاً يأتيه بطعامه عند كلّ مساء و كان يصوم النهار فيأتيه الملك بطعامه عند كلّ مساء، وسلب الله عزوجلّ عند ذلك ملك الجبّار وقتله و أخرب مدينته وأطعم الكلاب لحم امرأته غضباً للمؤمن، وظهر في المدينة جبّار آخر عاص فمكثوا بذلك بعد خروج إدريس من القرية عشرين سنة لم تمطر السماء قطرةً من مائها عليهم، فجهد القوم و اشتدّت حالهم وصاروا يمتارون الأطعمة من القرى من بعد، فلمّا جهدوا مشى بعضهم إلى بعض فقالوا: إنّ الّذي نزل بنا ممّا ترون بسؤال إدريس ربّه أن لا يمطر السماء علينا حتّى يسأله هو، و قد خفي إدريس عنّا ولا علم لنا بموضعه والله أرحم بنا منه، فأجمع أمرهم على أن يتوبوا إلى الله ويدعوه و يفزعوا إليه و یسألوه أن يمطر
السّماء عليهم و على ما حوت قريتهم، فقاموا على الرماد ولبسوا المسوح، وحثوا على رؤوسهم التراب و رجعوا إلى الله عزّ و جلّ بالتّوبة والاستغفار و البكاء و التضرّع إليه، و أوحى الله عزّ و جلّ إليه: يا إدريس أهل قريتك قد عجّوا إليّ بالتوبة والاستغفار و البكاء والتضرّع، و أنا الله الرّحن الرحيم أقبل التوبة و أعفو عن السيّئة و قد رحمتهم، و لم يمنعني إجابتهم إلى ما سألوني من المطر إلّا مناظرتك فيما سألتني أن لا اُمطر السماء عليهم حتّى تسألني، فاسألني يا إدريس حتّى اُغيثهم واُمطر السماء عليهم.
قال إدريس: اللّهمّ إنّي لا أسألك ذلك، قال الله عزّ وجلّ : ألم تسألني يا إدريس فسلني، قال إدريس: اللّهم إنّي لا أسألك، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى الملك الّذي أمره أن يأتي إدريس بطعامه كلّ مساء أن احبس عن إدريس طعامه ولا تأته به، فلمّا أمسى إدريس في ليلة ذلك اليوم فلم يؤت بطعامه حزن و جاع فصبر، فلمّا كان في اليوم الثاني فلم يؤت بطعامه اشتدّ حزنه و جوعه، فلمّا كانت اللّيلة من اليوم الثالث فلم يؤت بطعامه اشتدَّ جهده وجوعه و حزنه و قلّ صبره فنادى ربّه: یا ربّ حبست عنّي رزقي من قبل أن تقبض روحي؟! فأوحى الله عزّ و جلّ إليه : يا إدريس جزعت أن حبست عنك طعامك ثلاثة أيّام ولياليها، ولم تجزع و لم تنكر جوع أهل قريتك و جهدهم منذ عشرين سنة؟! ثمَّ سألتك عن جهدهم و رحمتي إيّاهم أن تسألني أن أمطر السماء عليهم فلم تسألني و بخلت عليهم بمسألتك إيّاي فأذقتك الجوع فقلّ عند ذلك صبرك و ظهر جزعك، فاهبط من موضعك فاطلب المعاش لنفسك فقد وكلتك في طلبه إلى حيلك، فهبط إدريس من موضعه إلى غيره يطلب اُكلةً من جوع، فلمّا دخل القرية نظر إلى دخان في بعض منازلها فأقبل نحوه فهجم على عجوز كبيرة و هي ترقّق قرصتين لها على مقلاة فقال لها: أيّتها المرأة أطعميني فإنّي مجهود من الجوع، فقالت له: يا عبدالله ما تركت لنا دعوة إدريس فضلاً نطعمه أحداً - و حلفت أنّها ما تملك شيئاً غيره - فاطلب المعاش من غير أهل هذه القرية، قال لها: أطعميني ما اُمسك به روحي و تحملني به
رجلي إلى أن أطلب، قالت: إنّهما قرصتان: واحدةٌ لي و الاُخرى لابني فإن أطعمتك قوتي متُّ، و إن أطعمتك قوت ابني مات، و ما هنا فضل اُطعمكاه، فقال لها: إنّ ابنك صغير يجزيه نصف قرصة فيحيى بها و يجزيني النصف الآخر فأحيى به و في ذلك بلغةٌ لي وله، فأكلت المرأة قرصها وكسرت القرص الآخر بين إدريس و بين ابنها، فلمّا رأى ابنها إدريس يأكل من قرصه اضطرب حتّى مات، قالت اُمّه: يا عبد الله قتلت عليّ ابني جزعاً على قوته؟! قال: إدريس: فأنا اُحیيه بإذن الله تعالى فلا تجزعي، ثمّ أخذ إدريس بعضدي الصبيّ ثمَّ قال: أيّتها الروح الخارجة من بدن هذا الغلام بإذن الله ارجعي إلى بدنه بإذن الله و أنا إدريس النبيّ، فرجعت روح الغلام إليه بإذن الله فلمّا سمعت المرأة كلام إدريس و قوله: أنا إدريس و نظرت إلى ابنها قد عاش بعد الموت قالت: أشهد أنّك إدريس النبيّ، و خرجت تنادي بأعلى صوتها في القرية: ابشروا بالفرج فقد دخل إدريس قريتكم، ومضى إدريس حتّى جلس على موضع مدينة الجبار الأوّل وهي على تلّ فاجتمع إليه اُناس من أهل قريته فقالوا له: يا إدريس أما رحمتنا في هذه العشرين سنة الّتي جهدنا فيها ومسّنا الجوع و الجهد فيها؟ فادع الله لنا أن يمطر السماء علينا، قال: لا حتّى يأتيني جبّاركم هذا و جميع أهل قريتكم مشاةً حفاةً فيسألوني ذلك، فبلغ الجبّار قوله فبعث إليه أربعين رجلاً يأتوه بإدريس، فأتوه فقالوا له: إنّ الجبّار بعث إليك لتذهب إليه فدعا عليهم فماتوا، فبلغ الجبّار ذلك فبعث إليه خمسمائة رجل لیأتوه به فقالوا له: يا إدريس إنّ الجبّار بعثنا إليك لنذهب بك إليه، فقال لهم إدريس: انظروا إلى مصارع أصحابكم، فقالوا له: يا إدريس قتلتنا بالجوع منذ عشرين سنة ثمّ تريد أن تدعو علينا بالموت! أمالك رحمة؟ فقال: ما أنا بذاهب إليه، و لا أنا بسائل الله أن يمطر السماء عليكم حتّى يأتيني جبّاركم ماشياً حافياً و أهل قريتكم، فانطلقوا إلى الجبّار فأخبروه بقول إدريس و اسألوه أن يمضي معهم و جميع أهل قريتهم إلى إدريس حفاةً مشاةً، فأتوه حتّى وقفوا بين يديه خاضعين له طالبين إليه أن يسأل الله لهم أن يمطر السماء عليهم، فقال لهم
إدريس: أمّا الآن فنعم، فسأل الله تعالى إدريس عند ذلك أن يمطر السماء عليهم و على قريتهم ونواحيها فأظلّتهم سحابة من السماء و أرعدت و أبرقت و هطلت عليهم من ساعتهم حتّى ظنّوا أنّها الغرق فما رجعوا إلى منازلهم حتّى أهمّتهم أنفسهم من الماء. (1)
ص: بإسناده إلى الصدوق مثله. (2)
2 - ل، مع: في خبر أبي ذرّ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : أنزل الله على إدريس ثلاثين صحيفة. (3)
3 - ج: فيما احتجّ به أمير المؤمنين علیه السلام على يهوديّ الشام: إنّ إدريس علیه السلام رفعه الله مكاناً عليّاً، واُطعم من تحف الجنّة بعد وفاته. (4)
4 - ص: بهذا الإسناد عن ابن اُورمة، عن عبد الله بن المغيرة، عن محمّد بن مروان عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: كان إدريس النبيّ علیه السلام يسيح النهار و يصومه و يبيت حيث ما جنّه اللّيل و يأتيه رزقه حيث ما أفطر، وكان يصعد له من العمل الصالح مثل ما يصعد لأهل الأرض كلّهم، فسأل ملك الموت ربّه في زيارة إدريس علیه السلام و أن يسلّم عليه، فأذن له فنزل و أتاه، فقال: إنّي اُريد أن أصحبك فأكون معك، فصحبه و كانا يسيحان النّهار و يصومانه فإذا جنّهما اللّيل اُتي إدريس فطره فيأكل و يدعو ملك الموت إليه فيقول: لا حاجة لي فيه، ثمّ يقومان يصلّيان، و إدريس يصلّي و يفتر و ينام، و ملك الموت يصلّي ولا ينام ولا يفتر، فمكثا بذلك أيّاماً ثمَّ إنّهما مرّا بقطيع غنم وكرم قد أينع، فقال ملك الموت: هل لك أن تأخذ من ذلك حملاً أو من هذا عناقيد فنفطر عليه؟ فقال: سبحان الله أدعوك إلى ما لي فتأبي فكيف تدعوني إلى مال الغير !؟ ثمَّ قال إدريس علیه السلام : قد صحبتني و أحسنت فيما بيني و بينك من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، قال إدريس: لي إليك حاجة، فقال: و ما هي؟ قال: تصعد بي
إلى السّماء، فاستأذن ملك الموت ربّه في ذلك فأذن له، فحمله على جناحه فصعد به إلى السماء، ثمَّ قال له إدريس علیه السلام : إنّ لي إليك حاجة اُخرى، قال: و ما هي؟ قال: بلغني من الموت شدّة فاُحبّ أن تذيقني منه طرفاً فأنظر هو كما بلغني، فاستأذن ربّه له فأذن فأخذ بنفسه ساعة ثمّ خلّى عنه، فقال له: كيف رأيت؟ قال: بلغني عنه شدّة و أنّه لأشدّ ممّا بلغني، ولي إليك حاجة اُخرى تريني النار، فاستأذن ملك الموت صاحب النّار، ففتح له فلمّا رآها إدريس علیه السلام سقط مغشيّاً عليه، ثمَّ قال: لي إليك حاجة اُخرى تريني الجنّة ، فاستأذن ملك الموت خازن الجنّة فدخلها فلمّا نظر إليها قال: يا ملك الموت ما كنت لأخرج منها، إنّ الله تعالى يقول: «كلّ نفس ذائقة الموت» و قد ذقنه، ويقول: «و إن منكم إلّا واردها» و قد وردتها، و يقول في الجنّة: «و ما هم بخارجين منها». (1)
5 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن الصّائغ، عن ابن زكريّا القطّان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن ابن مهران، عن الصّادق علیه السلام قال: إذا دخلت الكوفة فأت مسجد السّهلة فصلّ فيه واسأل الله حاجتك لدينك ودنياك، فإنّ مسجد السهلة بيت إدريس النبيّ علیه السلام الّذي كان يخيط فيه ويصلّي فيه، و من دعا الله فيه بما أحبّ قضى له حوائجه و رفعه يوم القيامة مكاناً عليّاً إلى درجة إدريس علیه السلام ، و اُجير من مكروه الدنيا و مكائد أعدائه. (2)
1 - ن، لى: أبي، عن سعد، عن البرقيّ، عن محمّد بن عليّ الكوفيّ، عن الحسن ابن عليّ بن أبي العقبة (العقب خ) عن الحسين بن خالد، عن الرضا علیه السلام قال: إنّ نوحاً علیه السلام لمّا ركب السفينة أوحى الله عزّ و جلّ إليه: يا نوح إن خفت الغرق فهلّلنى ألفاً ثمَّ سلني النجاة اُنجك من الغرق و من آمن معك، قال: فلمّا استوى نوح و من معه في السفينة و رفع القلس عصفت الريح عليهم فلم يأمن نوح الغرق فأعجلته الريح فلم يدرك أن يهلّل ألف مرّة، فقال بالسريانيّة: «هلوليا ألفاً ألفاً يا ماريّاً أتقن» قال: فاستوى الفلس و استمرّت السفينة، فقال نوح علیه السلام : إنّ كلاماً نجّاني الله به من الغرق لحقيقٌ أن لا يفارقني، قال: فنقش في خاتمه «لا إله
إلا الله - ألف مرّة - يا ربّ أصلحني» الخبر. (1)
ل: أبي، عن أحمدبن إدريس، عن الأشعريّ، عن عبد الله بن أحمد، عن محمّدبن عليّ الصيرفيّ عن الحسين بن خالد مثله. (2)
2 - لی: الهمدانيّ، عن عليّ، عن أبيه، عن عليّ بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن الصادق جعفر بن محمّد علیهما السلام قال: عاش نوح علیه السلام ألفي سنة و خمسمائة سنة، منها ثمانمائة سنة و خمسون سنة قبل أن يبعث، و ألف سنة إلّا خمسين عاماً و هو في قومه يدعوهم و مائتا عام في عمل السفينة، و خمسمائة عام بعد ما نزل من السفينة و نضب الماء فمصرّ الأمصار و أسكن ولده البلدان، ثمَّ إنّ ملك الموت جاءه و هو في الشمس فقال: السّلام عليك، فردّ عليه نوح علیه السلام و قال له: ما حاجتك يا ملك الموت؟ فقال: جئت لأقبض روحك، فقال له: تدعني أدخل من الشمس إلى الظلّ؟ فقال له: نعم، فتحوّل نوح علیه السلام ثمَّ قال: يا ملك الموت فكان ما مرّ بي في الدنيا مثل تحوّلي من الشمس إلى الظلّ فامض لما اُمرت به، قال: فقبض روحه علیه السلام. (3)
ص: بالإسناد إلى الصدوق عن أبيه، عن سعد، عن ابن هاشم، عن عليّ بن الحكم، عن بعض أصحابنا عنه علیه السلام مثله. (4)
ك: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن عليّ بن الحكم مثله. (5)
أقول: قال الطبرسيُّ رحمه الله في مجمع البيان: روى عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن عليّ ابن الحكم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله علیه السلام و ذكر مثله. (6)
3 - ع، ن: سأل الشاميّ أمير المؤمنين علیه السلام عن اسم نوح علیه السلام ما كان؟ فقال: اسمه
السكن و إنّما سمي نوحاً لأنّه ناح على قومه ألف سنة إلّا خمسين عاماً. (1)
4 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب قال: إنّ نوحاً علیه السلام كان نجّاراً، و كان إلى الاُدمة ما هو، دقيق الوجه، في رأسه طول ، عظيم العينين، دقيق الساقين، كثيراً لحم الفخذين، ضخم السرّة، طويل اللّحية، عريضاً طويلاً جسيماً، وكان في غضبه و انتهاره شدّة، فبعثه الله و هو ابن ثمانمائة وخمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله تعالى، فلا يزدادون إلّا طغياناً، ومضى ثلاثة قرون من قومه، وكان الرجل منهم يأتي بابنه و هو صغير فيقفه على رأس نوح علیه السلام فيقول: يا بنيّ إن بقيت بعدي فلا تطيعنّ هذا المجنون. (2)
5 - ك: ماجيلويه و ابن المتوكّل و العطّار جميعاً عن محمّد العطّار، عن ابن أبان، عن ابن اُورمة، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر و عبدالكريم بن عمرو معاً، عن عبد الحميدبن أبي الديلم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: عاش نوح علیه السلام بعد النزول من السفينة خمسين سنة، ثمَّ أتاه جبرئيل علیه السلام فقال: يا نوح إنّه قد انقضت نبوّتك و استكملت أيّامك فانظر الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوّة الّتي معك فادفعها إلى ابنك سام فإنّي لا أترك الأرض إلّا و فيها عالم يعرف به طاعتي، و يكون نجاة فيما بين قبض النبيّ و بعث النبيّ الآخر، و لم أكن أترك الناس بغير حجّة وداع إليّ و هاد إلى سبيلي و عارف بأمري، فإنّي قد قضيت أن أجعل لكلّ قوم هادياً أهدي به السعداء، و يكون حجّة على الأشقياء، قال: فدفع نوح علیه السلام الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوّة إلى ابنه سام، فأمّا حام و يافث فلم يكن عندهما علم ينتفعان به، قال: و بشّرهم نوح بهود علیه السلام و أمرهم باتّباعه و أمرهم أن يفتحوا الوصيّة كلّ عام فينظروا فيها فيكون ذلك عيداً لهم كما أمرهم آدم علیه السلام، قال: و ظهرت الجبريّة في ولد حام و يافث، و استخفى ولد سام بما عندهم من العلم و جرت على
سام بعد نوح الدولة لحام و یافث و هو قول الله عزّ و جلّ : «و تركنا عليه في الآخرين» يقول: تركت على نوح دولة الجبّارين، و يعزّي الله محمّداً صلی الله علیه و آله و سلم بذلك، و و ولد الحام السند و الهند و الحبش، و ولد السام العرب و العجم، وجرت عليهم الدولة، وكانوا يتوارثون الوصيّة عالم بعد عالم حتّى بعث الله عزّ و جلّ هوداً. (1)
أقول: ذكر في ص بهذا الإسناد إلى قوله: «كما أمرهم آدم علیه السلام» إلّا أنّ فيه خمسمائة سنة بدل خمسين سنة، و هو الصواب كما يدلّ عليه ما مرّ من الأخبار، ورواه في الكافي أيضاً عن محمّدبن أبي عبدالله، عن محمّد بن الحسين، عن محمّدبن سنان؛ و فيه أيضاً: خمسمائة سنة. (2)
1 - ن: بالأسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه، عن عليّ بن الحسين علیهم السلام قال: أخذ الناس ثلاثة من ثلاثة: أخذوا الصبر عن أيّوب، و الشكر عن نوح، و الحسد عن بني يعقوب. (1)
2 - ع: أبي ، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطيّ، عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر علیه السلام قال: إنّ نوحاً إنّما سمّي عبداً شكوراً لأنّه كان يقول إذا أصبح و أمسى: اللّهمّ إنّي أشهد أنّه ما أمسى و أصبح بي من نعمة أو عافية في دين أودنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد و الشكر بها عليّ حتّى ترضى إلهنا. (2)
3 - فس: أبي ، عن أحمدبن النضر، عن عمروبن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر علیه السلام قال: كان نوح إذا أمسى و أصبح يقول: «أمسيت أشهد أنّه ما أمسى بي من نعمة في دين أو دنيا فإنّها من الله وحده لا شريك له، له الحمد بها عليّ و الشكر كثيراً» فأنزل الله: «إنّه كان عبداً شكوراً» فهذا كان شكره. (3)
1 - فس: أبي ، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: بقي نوح في قومه ثلاث مائة سنة يدعوهم إلى الله فلم يجيبوه، فهمّ أن يدعو عليهم فوافاه عند طلوع الشمس اثناعشر ألف قبيل من قبائل ملائكة سماء الدنيا و هم العظماء من الملائكة، فقال لهم نوح: ما أنتم؟ فقالوا نحن اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السماء الدنيا و إنّ غلظ مسيرة سماء الدنيا خمسمائة عام و من سماء الدنيا إلى الدنيا مسيرة خمسمائة عام، و خرجنا عند طلوع الشمس و وافيناك في هذا الوقت، فنسألك أن لاتدعو على قومك، قال نوح: أجلّتهم ثلاثمائة سنة؛ فلمّا أتى عليهم ستّمائة سنة و لم يؤمنوا همّ أن يدعو عليهم فوافاه اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة سماء الثانية فقال نوح: من أنتم؟ قالوا نحن اثناعشر ألف قبيل من قبائل ملائكة سماء الثانية، و غلظ سماء الثانية مسيرة خمسمائة عام، و من سماء الثانية إلى سماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، و غلظ سماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، و من السماء الدنيا إلى الدنيا مسيرة خمسمائة عام، خرجنا عند طلوع الشمس و وافيناك ضحوةً، نسألك أن لاتدعو على قومك، فقال نوح: قد أجلّتهم ثلاثمائة سنة؛ فلمّا أتى عليهم تسعمائة سنة و لم يؤمنوا همّ أن يدعو عليهم فأنزل الله عزّ و جلّ : «إنّه لن يؤمن من قومك إلّا من قد آمن فلا
تبتئس بما كانوا يفعلون» فقال نوح: «ربّ لاتذر على الأرض من الكافرين ديّاراً ٭ إنّك إن تذرهم يضلّوا عبادك ولايلدوا إلّا فاجراً كفّاراً» فأمره الله عزّ و جلّ أن يغرس النخل فأقبل يغرس النخل فكان قومه يمرّون به فيسخرون منه و يستهزؤون به و يقولون: شیخ قد أتى له تسعمائة سنة يغرس النخل، و كانوا يرمونه بالحجارة فلمّا أتى لذلك خمسون سنة و بلغ النخل و استحكم أمر بقطعه فسخروا منه، و قالوا: بلغ النخل مبلغه قطعه، إنّ هذا الشيخ قد خرف و بلغ منه الكبر و هو قوله: «و كلّما مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منّا فإنّا نسخر منكم ما تسخرون فسوف تعلمون» فأمره الله أن يتّخذ السفينة و أمر جبرئيل أن ينزل عليه و يعلّمه كيف يتّخذها، فقدّر طولها في الأرض ألفاً و مائتي ذراع، وعرضها ثمان مائة ذراع، و طولها في السماء ثمانون ذراعاً، فقال: يا ربّ من يعينني على اتّخاذها؟ فأوحى الله إليه: ناد في قومك: من أعانني عليها ونجرمنها شيئاً صار ما ينجره ذهباً وفضّة، فنادى نوح فيهم بذلك فأعانوه عليهم و كانوا يسخرون منه و يقولون: يتّخذ سفينة في البرّ.
2 - فس: قال: فحدّثني أبي، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا أراد الله عزّ و جلّ هلاك قوم نوح عقم أرحام النساء أربعين سنة فلم يلد فيهم مولود، فلمّا فرغ نوح من اتّخاذ السفينة أمره الله أن ينادي بالسريانية: لا يبقى بهيمةٌ ولاحيوان إلّا حضر، فأدخل من كلّ جنس من أجناس الحيوان زوجين في السفينة، و كان الّذين آمنوا به من جميع الدنيا ثمانين رجلاً فقال الله عزّ و جلّ: «احمل فيها من كلّ زوجين اثنين و أهلك إلّا من سبق عليه القول و من آمن و ما آمن معه إلّا قليل» وكان نجر السفينة في مسجد الكوفة، فلمّا كان في اليوم الّذي أراد الله هلاكهم كانت امرأة نوح تخبز في الموضع الّذي يعرف بفار التّنور في مسجد الكوفة، و قد كان نوح اتّخذ لكلّ ضرب من أجناس الحيوان موضعاً في السفينة، و جمع لهم فيها ما يحتاجون إليه من الغذاء ، فصاحت امرأته لمّا فار التّنور فجاء نوح إلى التّنور، فوضع عليها طيناً و ختمه حتّى أدخل جميع الحيوان السفينة، ثمّ جاء إلى التّنور
ففضّ الخاتم و رفع الطين، و انكسفت الشمس، وجاء من السماء ماء منهمر صبّ بلاقطر، و تفجّرت الأرض عيوناً، و هو قوله عزّ و جلّ: «ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ٭ و فجّرنا الأرض عيوناً فالتقی الماء على أمر قد قدر ٭ و حملناه على ذات ألواح و دسر» قال الله عزّ و جلّ: «اركبوا فيها بسم الله مجرئها و مرسها» يقول: مجراها أي مسيرها، و مرساها أي موقفها، فدارت السفينة و نظر نوح إلى ابنه يقع و يقوم فقال له: «يا بنيّ اركب معنا ولاتكن مع الكافرين» فقال ابنه كما حكى الله عزّ و جلّ: «سآوي إلى جبل يعصمني من الماء» فقال نوح: «لا عاصم اليوم من أمر الله إلّا من رحم» ثمّ قال نوح: «ربّ انّ ابني من أهلي و إنّ وعدك الحقّ و أنت أحكم الحاكمين» فقال الله: «يا نوح إنّه ليس من أهلك إنّه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين» فقال نوح كما حكى الله تعالى: «ربّ إنّي أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم و إلّا تغفر لي و ترحمني أكن من الخاسرين» فكان كما حكى الله: «و حال بينهما الموج فكان من المغرقين» فقال أبو عبد الله علیه السلام : فدارت السفينة وضربتها الأمواج حتّى وافت مكّة، و طافت بالبيت و غرق جميع الدنيا إلّا موضع البيت، و إنّما سمّي البيت العتيق لأنّه اُعتق من الغرق، فبقي الماء ينصبّ من السماء أربعين صباحاً، و من الأرض العيون حتّى ارتفعت السفينة فمسحت السماء، قال: فرفع نوح يده ثمَّ قال: (یارهمان اتقن) و تفسيرها ربّ أحسن، فأمر الله الأرض أن تبلغ ماءها و هو قوله: «وقيل يا أرض ابلعي ماءك و يا سماء أقلعي» أي أمسكي «و غيض الماء و قضي الأمرواستوت على الجوديّ» فبلعت الأرض ماءها فأراد ماء السماء أن يدخل في الأرض فامتنعت الأرض من قبولها و قالت: إنّما أمرني الله عزّ و جلّ أن أبلع مائي، فبقي ماء السماء على وجه الأرض، و استوت السفينة على جبل الجوديّ و هو بالموصل جبلٌ عظيم، فبعث الله جبرئيل فساق الماء إلى البحار حول الدنيا، و أنزل الله على نوح: «یا نوح اهبط بسلام منّا و بركات عليك و على اُمم ممّن معك و اُمم سنمتّعهم ثمّ يمسّهم
منّا عذابٌ أليمٌ» فنزل نوح بالموصل من السفينة مع الثمانين و بنوا مدينة الثمانين، وكانت لنوح بنت ركبت معه السفينة فتناسل الناس منها، و ذلك قول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم : نوح أحد الأبوين، ثمَّ قال الله عزّ و جلّ لنبيّه صلی الله علیه و آله و سلم «تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت و لاقومك من قبل هذا فاصبر إنّ العاقبة للمتّقين». (1)
3 - ب: ابن سعد، عن الأزديّ قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: «و نادى نوح ابنه» أي ابنها وهي لغة طيّ. (2)
أقول: الأخبار في ذلك مختلفة و يظهر من بعض الأخبار أنّ روايات النفي محمولة على التقيّة والله يعلم.
4 - ن، ع، ل: سأل الشاميّ أمير المؤمنين علیه السلام عن قول الله عزّ وجلّ : «يوم يفرّ المرء من أخيه و اُمّه وأبيه وصاحبته و بنيه» من هم؟ فقال علیه السلام : قابيل يفرّ من هابيل، والّذي يفرُّ من اُمّه موسى، و الّذي يفرّ من أبيه إبراهيم، والّذي يفرّ من صاحبته لوط، والّذي يفرّ من ابنه نوح يفرّ من ابنه كنعان. (3)
أقول: قد مرّت الأخبار في نقش خاتمه علیه السلام فارجع إليها فإنّها تتضمنّ قصّة الطوفان.
5 - كا: محمّد بن يحيى، عن حمدان بن سليمان النيسابوريّ، عن محمّدبن يحيى بن زكريّا، و عدّة من أصحابنا، عن أحمدبن أبي عبدالله، عن أبيه جميعاً، عن محمّدبن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي سعيد عقيصا، عن الحسن و الحسين صلوات الله عليهما أنّهما قالا: إنّ الله تبارك و تعالى لمّا آسفه قوم نوح فتح السماء بماء منهمر، و أوحى إلى الأرض فاستعصت عليه عيون فلعنها و جعلها ملحاً اُجاحاً. (4)
6 - ل: ابن موسى ، عن ابن زكريّا القطّان، عن ابن حبيب، عن عبدالرحيم الجبليّ و عبد الله بن الصلت، عن الحسن بن نصر الخزّاز، عن عمروبن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس فيما سأل اليهوديّ أمير المؤمنين علیه السلام قال: فما الخمسون؟ قال: لبث نوح علیه السلام في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاماً، قال: فما الثمانون؟ قال: قرية بالجزيرة يقال لها ثمانون، منها قعد نوح في السفينة واستوت على الجوديّ و أغرق الله القوم، قال: فما التسعون؟ قال: الفلك المشحون اتّخذ نوح علیه السلام فيه تسعين بيتا للبهائم. (1)
7 - ن: السنانيّ، عن الأسديّ، عن أبي الفيض صالح بن أحمد، عن سهل، عن صالح ابن أبي حمّاد، عن الحسين بن موسى الوشّاء، عن الرضا علیه السلام قال: قال لي : كف تقرؤون «قال يا نوح إنّه ليس من أهلك إنّه عمل غير صالح»؟ فقلت: من الناس من يقرء «إنّه عمل غير صالح» نفاه عن أبيه، فقال علیه السلام : كلّا ، لقد كان ابنه، و لكن لمّا عصى الله عزّ و جلّ نفاه عن أبيه . الخبر. (2)
8 - ع، ن: الهمدانيّ، عن عليّ، عن أبيه، عن الهرويّ، عن الرضا علیه السلام قال: قلت له: لأيّ علّة أغرق الله عزّ و جلّ الدنيا كلّها في زمن نوح علیه السلام و فيهم الأطفال، و فيهم من لا ذنب له؟ فقال علیه السلام : ما كان فيهم الأطفال، لأنّ الله عزّ و جلّ أعقم أصلاب قوم نوح علیه السلام و أرحام نسائهم أربعين عاماً فانقطع نسلهم فغرقوا ولا طفل فيهم، و ما كان الله عزّ و جلّ ليهلك بعذابه من لاذنب له، و أمّا الباقون من قوم نوح علیه السلام فاُغرقوا لتكذيبهم لنبيّ الله نوح علیه السلام وسائرهم اُغرقوا برضاهم بتكذيب المكذّبين، و من غاب عن أمر فرضي به كان كمن شهده و أتاه. (3)
9 - ع: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل، عن حنان ابن
سدير، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام : أرأيت نوحاً علیه السلام حين دعا على قومه فقال: «ربّ لاتذر على الأرض من الكافرين ديّاراً إنّك إن تذرهم يضلّوا عبادك و لا يلدوا إلّا فاجراً كفّاراً» قال علیه السلام : علم أنّه لا ينجب من بينهم أحد، قال: قلت: و كيف علم ذلك؟ قال: أوحى الله إليه «أنّه لن يؤمن من قومك إلّا من قد آمن» فعند هذا دعا عليهم بهذا الدعاء. (1)
10 - ص: بهذا الإسناد، عن ابن اُورمة، عن محمّد بن عليّ الكوفيّ، عن أحمد بن محمّد، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر علیه السلام قال: مكث نوح علیه السلام في قومه يدعوهم سرّاً وعلانية فلمّا عتوا و أبوا قال: «ربّ إنّي مغلوبٌ فانتصر» فأوحى الله تعالى إليه: أن اصنع الفلك، و أمره بغرس النوى، فمرّ عليه قومه فجعلوا يضحكون و يسخرون و يقولون: قد قعد غرّاساً، حتّى إذا طال و صار طوالاً قطعه و نجره فقالوا: قد قعد نجّاراً، ثمّ ألّفه فجعله سفينة فمرّوا عليه فجعلوا يضحكون و يسخرون ويقولون: قد قعد ملّاحاً في أرض فلاة حتّى فرغ منها. (2)
11 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطيّ، عن أبان، عن أبي حمزة، عن أبي رزين الأسديّ، عن عليّ علیه السلام قال: لمّا فرغ نوح من السفينة فكان ميعاده علیه السلام فيما بينه و بين ربّه تعالى في إهلاك قومه أن يفور التّنور ففار، فقالت امرأته له: إنّ التّنور قد فار. فقام إليه فختمه فقام الماء فأدخل من أراد أن يدخل، ثمّ أتى إلى خاتمه فنزعه و قال تعالى: «فتحنا أبواب السماء بماء منهمر ٭ و فجّرنا الأرض عيوناً». (3)
12 - يه: قال أبو جعفر الباقر علیه السلام : إنّ الحيض للنساء نجاسة رماهنّ الله عزّ و جلّ بها و قد كنّ النساء في زمن نوح علیه السلام إنّما تحيض المرأة في كلّ سنة حيضة حتّى خرج نسوةٌ من مجانهنّ و كنّ سبعمائة امرأة، فانطلقن فلبسن المعصفرات من الثياب و تحلّين و تعطّرن ثمَّ
خرجن فتعرّفن في البلاد، فجلسن مع الرجال و شهدن الأعياد معهم، و جلسن في صفوفهم، فرماهنّ الله عزّ و جلّ بالحيض عند ذلك في كلّ شهر، يعني اُولئك النسوة بأعيانهنّ، فسالت دماؤهنّ فاُخرجن من بين الرجال، فكنّ يحضن في كلّ شهر حيضةً فشغلهنّ الله تعالى بالحيض وكسر شهوتهنّ. قال: وكان غيرهنّ من النساء اللّواتي لم يفعلن مثل ما فعلن يحضن في كلّ سنة حيضة،قال: فتزوّج بنو اللّاتي يحضن في كلّ شهر حيضة بنات اللّاتي يحضن في كلّ سنة حيضة، فامتزج القوم فحضن بنات هؤلاء و هؤلاء في كلّ شهر حيضة، وكثر أولاد اللّاتي يحضن في كلّ شهر حيضة لاستقامة الحيض، وقلَّ أولاد اللاّتي يحضن في السنة حيضة لفساد الدم؛ قال: فكثر نسل هؤلاء، و قلَّ نسل اُولئك. (1)
13 - ك: الطالقانيّ، عن محمّد بن هشام، عن أحمد بن زياد الكوفيّ، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثميّ عن عبد الله بن الفضل الهاشميّ قال: قال الصادق جعفر بن محمّد علیه السلام : لمّا أظهر الله تبارك و تعالى نبوّة نوح علیه السلام و أيقن الشيعة بالفرج اشتدّت البلوى و عظمت الفرية إلى أن آل الأمر إلى شدّة شديدة نالت الشيعة، و الوثوب إلى نوح بالضرب المبرّح، حتّى مكث علیه السلام في بعض الأوقات مغشيّاً عليه ثلاثة أيّام يجري الدم من اُذنه ثمَّ أفاق و ذلك بعد سنة ثلاثمائة من مبعثه، و هو في خلال ذلك يدعوهم ليلاً ونهاراً فيهربون و يدعوهم سرّاً فلا يجيبون، ويدعوهم علانية فيولّون، فهمّ بعد ثلاث مائة سنة بالدعاء عليهم، وجلس بعد صلاة الفجر للدعاء فهبط إليه وفد من السماء السابعة و هو ثلاثة أملاك فسلّموا عليه، ثمّ قالوا له: يا نبيّ الله لنا حاجة، قال: و ما هي؟ قالوا: تؤخّر الدعاء على قومك فإنّها أوّل سطوة الله عزّ و جلّ في الأرض، قال: قد أخّرت الدعاء عليهم ثلاث مائة سنة اُخرى، و عاد إليهم فصنع ما كان يصنع و يفعلون ما كانوا يفعلون حتّى إذا انقضت ثلاث مائة سنة اُخرى و يئس من إيمانهم جلس في وقت ضحى النهار للدعاء فهبط
1) من لا يحضر الفقيه: 20.
عليه وفد من السماء السادسة فسلّموا عليه فقالوا: خرجنا بكرة و جئناك ضحوة، ثمَّ سألوه مثل ما سأله وفد السماء السابعة فأجابهم إلى مثل ما أجاب اُولئك إليه، وعاد علیه السلام إلى قومه يدعوهم فلا يزيدهم دعاؤه إلّا فراراً حتّى انقضت ثلاثمائة سنة تتمّة تسعمائة سنة فصارت إليه الشيعة و شكوا ما ينالهم من العامّة و الطواغيت و سألوا الدعاء بالفرج، فأجابهم إلى ذلك وصلّى و دعا، فهبط عليه جبرئيل علیه السلام فقال له : إنّ الله تبارك و تعالى قد أجاب دعوتك فقل للشيعة: يأكلوا التمر و يغرسوا النوى و يراعوه حتّى يثمر، فإذا أثمر فرّجت عنهم، فحمد الله و أثنى عليه وعرَّفهم ذلك فاستبشروا فأخبرهم نوح بما أوحى الله تعالى إليه ففعلوه ذلك وراعوه حتّى أثمر ، ثمّ صاروا بالثمر إلى نوح علیه السلام وسألوه أن ينجز لهم الوعد، فسأل الله عزّ و جلّ عن ذلك فأوحى إليه: قل لهم: كلوا هذا التمر و اغرسوا النوى فإذا أثمرت فرَّجت عنكم، فلمّا ظنّوا أنّ الخلف قد وقع عليهم ارتدَّ منهم الثلث و ثبت الثلثان فأكلوا التمر و غرسوا النوى حتّى إذا أثمر أتوا به نوحاً علیه السلام فأخبروه و سألوه أن ينجز لهم الوعد فسأل الله عزّ و جلّ عن ذلك فأوحى إليه: قل لهم: كلوا هذا التمر واغرسوا النوى فارتدَّ الثلث الآخر و بقي الثلث فأكلوا التمر وغرسوا النوى، فلمّا أثمر أتوا به نوحاً علیه السلام ثمَّ قالوا له: لم يبق منّا إلّا القليل و نحن نتخوّف على انفسنا بتأخّر الفرج أن نهلك، فصلّى نوح علیه السلام ثمّ قال: يا ربّ لم يبق من أصحابي إلّا هذه العصابة و إنّي أخاف عليهم الهلاك إن تؤخّر الفرج عنهم، فأوحى الله عزّ و جلّ إليه: قد أجبت دعوتك فاصنع الفلك، فكان بين إجابة الدعاء و بين الطوفان خمسون سنة. (1)
14 - سن: القاسم الزيّات، عن أبان بن عثمان، عن مؤمن بن العلاء، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا حسر الماء عن عظام الموتى فرأى ذلك نوح علیه السلام فجزع جزعاً شديداً و اغتمَّ لذلك فأوحى الله إليه: أن كل العنب الأسود ليذهب غمّك. (2)
15 - شی: عن سلمان الفارسيّ، عن أمير المؤمنين علیه السلام في حديث له في فضل مسجد الكوفة: فيه نجر نوح سفينته، و فيه فار التّنور، و به کان بیت نوح و مسجده. (1)
16 - شی: عن الأعمش يرفعه إلى عليّ علیه السلام في قوله: «حتّى إذا جاء أمرنا و فار التّنور» فقال: أما والله ما هو تنّور الخبز. ثمّ أومأ بيده إلى الشمس فقال: طلوعها. (2)
17 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه علیهم السلام قال: قال عليّ علیه السلام: صلّى نبيّ الله نوح علیه السلام و من معه ستّة أشهر قعوداً لأنّ السفينة كانت تنكفیء بهم. (3)
1 - ص: هو هود بن عبدالله بن رباح بن جلوث بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح. (1)
أقول: كذا ذكره صاحب الكامل أيضاً ثمَّ قال: و من الناس من يزعم أنّ هود هو عابربن شالخ بن أرفخشدبن سام بن نوح. (2)
2 - فس: «و إلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إنّ أنتم إلّا مفترون ٭ يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلّا على الّذي فطرني أفلا تعقلون» قال: إنّ عاداً كانت بلادهم في البادية من الشقوق إلى الأجفر أربعة منازل، وكان لهم ذرع و نحل كثير، و لهم أعمار طويلة و أجسام طويلة، فعبدوا الأصنام، و بعث الله إليهم هوداً يدعوهم إلى الإسلام و خلع الأنداد فأبوا و لم يؤمنوا بهود و آذوه، فكفّ السماء عنهم سبع سنين حتّى قحطوا، وكان هود زرّاعاً و كان يسقي الزرع فجاء قوم إلى بابه يريدونه، فخرجت عليهم امرأته شمطاء عوراء فقالت: من أنتم؟ فقالوا: نحن من بلاد كذا و كذا، أجدبت بلادنا فجئنا إلى هود نسأله أن يدعوا الله لنا حتّى تمطر و تخصب بلادنا، فقالت: لو
استجيب لهود لدعا لنفسه فقد احترق زرعه لقلّة الماء، قالوا: فأين هو؟ قالت: هو في موضع كذا وكذا، فجاؤوا إليه فقالوا: يا نبيّ الله قد أجدبت بلادنا و لم نمطر فاسأل الله أن تخصب بلادنا و نمطر، فتهيّأ للصلاة وصلّى ودعا لهم فقال لهم: ارجعوا فقد اُمطرتم فأخصبت بلادكم، فقالوا: يا نبيّ الله إنّا رأينا عجباً، قال: و ما رأيتم؟ قالوا: رأينا في منزلك امرأة شمطاء عوراء، قالت لنا: من أنتم؟ و من تريدون؟ قلنا: جئنا إلى نبيّ الله هود ليدعوا الله لنا فنمطر، فقالت: لو كان هود داعياً لدعا لنفسه فإنّ زرعه قد احترق، فقال هود: ذاك امرأتي و أنا أدعو الله لها بطول البقاء، فقالوا: فكيف ذلك؟ قال: لأنّه ما خلق الله مؤمناً إلّا وله عدوّ يؤذيه و هي عدوّتي، فلئن يكون عدوّي ممّن أملكه خير من أن يكون عدوّي ممّن يملكني، فبقي هود في قومه يدعوهم إلى الله وينهاهم عن عبادة الأصنام حتّى تخصب بلادهم و أنزل الله عليهم المطر و هو قوله عزّ و جلّ: «و يا قوم استغفروا ربّكم ثمَّ توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً و يزدكم قوّة إلى قوّتكم ولا تتولّوا مجرمين» فقالوا كما حكى الله عزّ و جلّ: «يا هود ما جئتنا ببيّنة و ما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك و ما نحن لك بمؤمنين» إلى آخر الآية، فلمّا لم يؤمنوا أرسل الله عليهم الريح الصرصر يعني الباردة و هو قوله في سورة القمر: «كذّبت عاد فكيف كان عذابي و نذر ٭ إنّا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمرّ» و حكى في سورة الحاقّة فقال: «و أمّا عاد فاُهلكوا بريح صرصر عاتية ٭ سخّرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيّام حسوماً» قال: كان القمر منحوساً بزحل سبع ليال و ثمانية أيّام، فحدّثني أبي عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خرّبوذ، عن أبي جعفر علیه السلام قال: الريح العقيم تخرج من تحت الأرضين السبع و ما خرج منها شيء قطّ إلّا على قوم عاد حين غضب الله عليهم، فأمر الخزّان أن يخرجوا منها مثل سعة الخاتم فعصت على الخزنة فخرج منها مثل مقدار منخر الثور تغيّظاً منها على قوم عاد، فضجَّ الخزنة إلى الله من ذلك و قالوا: يا ربّنا إنّها قد عتت علينا و نحن نخاف أن يهلك من لم يعصك من خلقك و
عمّار بلادك فبعث الله جبرئيل فردّها بجناحه و قال لها: اخرجي على ما اُمرت به، فرجعت و خرجت على ما اُمرت به فاُهلكت قوم عاد و من كان بحضرتهم. (1)
أقول: لعلّ الخبر مبنيّ على القول الأخير إن كان تفسيراً لقوله تعالى: «حسوماً» كما هو الظاهر.
3 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان، عن معروف بن خرّبوذ، عن أبي جعفر علیه السلام قال: إنّ لله تعالى رياح رحمة و رياح عذاب، فإن شاء الله أن يجعل العذاب من الرياح رحمةً فعل، قال: و لن يجعل الرحمة من الريح عذاباً، قال: و ذلك أنّه لم يرحم قوماً قطّ أطاعوه وكانت طاعتهم إيّاه وبالاً عليهم إلّا من بعد تحوّلهم من طاعته، قال: وكذلك فعل بقوم يونس لمّا آمنوا رحمهم الله بعد ما قد كان قدّر عليهم العذاب و قضاه، ثمّ تداركهم برحمته فجعل العذاب المقدّر عليهم رحمةً فصرفه عنهم و قد أنزله عليهم و غشيهم، و ذلك لمّا آمنوا به و تضرّعوا إليه، قال: و أمّا الريح العقيم فإنّها ريح عذاب لا تلقح شيئاً من الأرحام ولا شيئاً من النبات، و هي ريح تخرج من تحت الأرضين السبع و ما خرجت منها ريح قطّ إلّا على قوم عاد. و ساق الحديث إلى آخر ما مرّ.
4 - فس: «واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف» و الأحقاف من بلاد عاد من الشقوق إلى الأجفر و هي أربعة منازل، قال: حدّثني أبي قال: أمر المعتصم أن يحفر بالبطاينة بئر، فحفروا ثلاث مائة قامة فلم يظهر الماء فتركه و لم يحفره، فلمّا ولّى المتوكّل أمر أن يحفر ذلك البئر أبداً حتّى يبلغ الماء فحفروا حتّى وضعوا في كلّ مائة قامة بكرة حتّى انتهوا إلى صخرة فضربوها بالمعول فانكسرت فخرج عليهم منها ريحٌ باردةٌ فمات من كان بقربها، فأخبروا المتوكّل بذلك فلم يعلم ما ذاك، فقالوا: سل ابن الرضا عن ذلك و هو أبو الحسن عليّ بن محمّد العكسريّ علیه السلام فكتب إليه يسأله عن ذلك، فقال أبو الحسن: تلك بلاد
1) تفسير القمى: 305-306.
الأحقاف و هم قوم عاد الّذين أهلكهم الله بالريح الصرصر، ثمَّ حكى الله قول قوم عاد: «قالوا أجئتنا لتأفكنا» أي تزيلنا بكذبك «عمّا كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا» من العذاب «إن كنت من الصادقين» و كان نبيّهم هود، وكانت بلادهم كثيرة الخير خصبة فحبس الله عنهم المطر سبع سنين حتّى أجدبوا، و ذهب خيرهم من بلادهم و كان هود يقول لهم ما حكى الله: «استغفروا ربّكم ثمّ توبوا إليه» إلى قوله: «ولا تتولّوا مجرمين» فلم يؤمنوا وعتوا، فأوحى الله إلى هود أنّه يأتيهم العذاب في وقت كذا وكذا ريحٌ فيها عذابٌ أليمٌ، فلمّا كان ذلك الوقت نظروا إلى سحاب قد أقبلت ففرحوا فقالوا: «هذا عارضٌ ممطرنا» الساعة يمطر، فقال لهم هود علیه السلام : «بل هو ما استعجلتم به» في قوله: «ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين» «ريح فيها عذابٌ أليم ٭ تدمّر كلّ شيء بأمر ربّها» فلفظه عامّ و معناه خاصّ لأنّها تركت أشياء كثيرة لم تدمّره، وإنّما دمّرت ما لهم كلّه، فكان كما قال الله : «فأصبحوا لا يرى إلّا مساكنهم: و كلّ هذه الأخبار من هلاك الاُمم تخويف و تحذير لاُمّة محمّد صلی الله علیه و آله و سلم.
و أمّا قوله: «و لقد مكّنّاهم» الآية، أي قد أعطيناهم فكفروا فنزل بهم العذاب فاحذروا أن ينزل بكم ما نزل بهم. (1)
5 - يه: قال عليّ علیه السلام : الرّياح خمسة منها العقيم فنعوذ بالله من شرّها. (2)
و قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : ما خرجت ريح قطّ إلّا بمكيال إلّا زمن عاد فإنّها عتت على خزّانها فخرجت في مثل خرق الإبرة فأهلكت قوم عاد. (3)
6 - كا: محمّد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب و هاشم بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي جعفر علیه السلام قال: إنّ لله جنوداً من الرياح يعذّب بها من يشاء ممّن عصاه، ولكلّ ريح منها ملكٌ موكّلٌ بها، فإذا أراد الله أن يعذّب قوماً بنوع من العذاب أوحى
إلى الملك الموكّل بذلك النوع من الريح الّتي يريد أن يعذّبهم بها، قال: فيأمر بها الملك فتهيج كما يهيج الأسد المغضب، قال: و لكلّ ريح منهنّ اسم، أما تسمع قوله تعالى: «كذّبت عاد فكيف كان عذابي و نذر ٭ إنّا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمرّ» و قال تعالى: «الريح العقيم» و قال: «ريح فيها عذابٌ أليمٌ» و قال: «و أصابها إعصار فيه نارٌ فاحترقت» و ما ذكر من الرياح الّتي يعذّب الله بها من عصاه؛ الخبر. (1)
7 - ع: بالإسناد عن وهب قال: إنّ الريح العقيم تحت هذه الأرض الّتي نحن عليها قد زمّت بسبعين ألف زمام من حديد، قد وكّل بكلّ زمام سبعون ألف ملك، فلمّا سلّطها الله عزّ و جلّ على عاد استأذنت خزنة الريح ربّها عزّ و جلّ أن تخرج منها مثل منخري الثور، ولو أذن الله عزّ و جلّ لها ما تركت شيئاً على ظهر الأرض إلّا أحرقته فأوحى الله عزّ و جلّ الجبال إلى خزنة الريح أن أخرجوا منها مثل ثقب الخاتم فأهلكوا بها، و بها ينسف الله عزّ و جلّ نسفاً و التلال والآكام و المدائن و القصور يوم القيامة، وذلك قوله عزّ وجلّ: «و يسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربّي نسفاً ٭ فيذرها قاعاً صفصفاً ٭ لاترى فيها عوجاً ولا أمتا» و القاع: الّذي لانبات فيه. والصفصف: الّذي لاعوج فيه. والأمت: المرتفع، وإنّما سمّيت العقيم لأنّها تلقّحت بالعذاب و تعقّمت عن الرحمة كتعقّم الرجل إذا كان عقيماً لا يولد له، و طحنت تلك القصور و الحصون و المدائن و المصانع حتّى عاد ذلك كلّه رملاً دقيقاً تسفيه الريح، فذلك قوله عزّ وجلّ : «ما تذر من شيء أتت عليه إلّا جعلته كالرميم» و إنّما كثر الرمل في تلك البلاد لأنّ الريح طحنت تلك البلاد، عصفت عليهم «سبع ليال و ثمانية أيّام حسوماً فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية» والحسوم: الدائمة، ويقال: المتتابعة الدائمة. وكانت ترفع الرجال و النساء فتهبّ بهم صعداً ثمَّ ترمي بهم من الجوّ فيقعون على رؤوسهم منكّبين، تقلع الرجال و النّساء من تحت أرجلهم ثمّ ترفعهم، و فذلك
1) الروضة: 91.
قوله عزّ و جلّ : «تنزع الناس كأنّهم أعجاز نخل منقعر» و النزع: القلع، وكانت الريح تعصف الجبل كما تعصف المساكن فتطحنها ثمَّ تعود رملاً دقيقاً، فمن هناك لا يرى في الرمل جبل، و إنّما سمّيت عاد إرم ذات العماد من أجل أنّهم كانوا يسلخون العمد من الجبال فيجعلون طول العمد مثل طول الجبل الّذي يسلخونه من أسفله إلى أعلاه ثمَّ ينقلون تلك العمد فينصبونها، ثمّ يبنون القصور عليها فسمّيت ذات العماد لذلك . (1)
8 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب قال: كان من أمر عاد أنّ كلّ رمل على ظهر الأرض وضعه الله لشيء من البلاد كان مساكن في زمانها و قد كان الرمل قبل ذلك في البلاد و لكن لم يكن كثيراً حتّى كان زمان عاد وإنَّ ذلك الرمل كانت قصوراً مشيّدة و حصوناً و مدائن و مصانع و منازل و بساتين، و كانت بلاد عاد أخصب بلاد العرب و أكثرها أنهاراً و جناناً، فلمّا غضب الله عليهم و عتوا على الله تعالى وكانوا أصحاب الأوثان يعبدونها من دون الله فأرسل الله عليهم الريح العقيم، و إنّما سمّيت العقيم لأنّها تلقّحت بالعذاب، و عقمت عن الرحمة، وطحنت تلك القصور والحصون والمدائن والمصانع حتّى عاد ذلك كلّه رملاً دقيقاً تسفيه الريح، وكانت تلك الريح ترفع الرجال و النساء فتهبُّ بهم صعداً ثمّ ترمي بهم من الجوّ فيقعون على رؤوسهم منكّسين، وكانت عاد ثلاثة عشر قبيلة و كان هود علیه السلام في حسب عاد و ثروتها، و كان أشبه ولد آدم بآدم صلوات الله عليهما، و دعا كان رجلاً آدم كثير الشعر حسن الوجه و لم يكن أحد من الناس أشبه بآدم منه إلّا ما كان من يوسف بن يعقوب علیه السلام . فلبث هود فيهم زماناً طويلاً يدعوهم إلى الله و ينهاهم عن الشرك بالله تعالى و ظلم الناس ويخوّفهم بالعذاب، فلجّوا وكانوا يسكنون أحقاف الرمال، وإنّه لم يكن اُمّة أكثر من عاد ولا أشدّ منهم بطشاً، فلمّا رأوا الريح قد أقبلت عليهم قالوا لهود:
أتخوّفنا بالريح؟ فجمعوا ذراريهم و أموالهم في شعب من تلك الشعاب، ثمَّ قاموا على باب
1) علل الشرائع: 23.
ذلك الشعب يردُّون الريح عن أموالهم وأهاليهم، فدخلت الريح من تحت أرجلهم بينهم و بين الأرض حتّى قلعتهم فهبّت بهم صعداً، ثمَّ رمت بهم من الجوّ، ثمّ رمت بهم الريح في البحر، و سلّط الله عليهم الذرّ فدخلت في مسامعهم، وجاءهم من الذرّ ما لا يطاق قبل أن يأخذهم الريح، فسيّرهم من بلادهم و حال بينهم وبين موادّهم حتّى أتاهم الله، فقد كان سخّر لهم من قطع الجبال و الصخور و العمد و القوّة على ذلك و العمل به شيئاً لم يسخّره لأحد كان قبلهم ولا بعدهم، وإنّما سمّيت ذات العماد من أجل أنّهم يسلخون العمد من الجبال فيجعلون طول العمد مثل طول الجبل الّذي يسلخونه منه من أسفله إلى أعلاه، ثمَّ ينقلون تلك العمد فينصبونها، ثمَّ يبنون فوقها القصور، وقد كانوا ينصبون تلك العمد أعلاماً في الأرض على قوارع الطريق، وكان كثرتهم بالدهناء ويبرين و عالج إلى اليمن إلى حضر موت.
وسئل وهب عن هود أكان أبا اليمن الّذي ولّدهم؟ فقال: لا ولكنّه أخو اليمن الّذي في التوراة تنسب إلى نوح علیه السلام ، فلمّا كانت العصبيّة بين العرب و فخرت مضر بأبيها إسماعيل ادّعت اليمن هوداً أباً ليكون لهم أب و والد من الأنبياء، وليس بأبيهم و لكنّه أخوهم، ولحق هود و من آمن معه بمكّة فلم يزالوا بها حتّى ماتوا، وكذلك فعل صالح علیه السلام بعده و قد سلك فجّ الروحاء سبعون ألف نبيّ حجّاجاً عليهم ثياب الصوف مخطمين إيلهم بحبال الصوف، يلبّون الله بتلبية شتّى، منهم هود و صالح و ابراهیم و موسی و شعیب و یونس صلوات الله عليهم، وكان هود رجلاً تاجراً. (1)
9 - ك: أبي و ابن الوليد معاً عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر وكرام بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا بعث الله تعالى هوداً أسلم له العقب من ولد سام، و أمّا الآخرون فقالوا: من أشدّ منا قوّه فاُهلكوا بالريح العقيم، و أوصاهم هود وبشّرهم بصالح علیه السلام. (2)
10 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى ابن طريف، عن ابن نباتة قال: خرجنا مع أمير المؤمنين علیه السلام إلى نخيلة فإذا اُناس من اليهود معهم ميّت لهم، فقال أمير المؤمنين علیه السلام للحسن: انظر ما يقول هؤلاء في هذا القبر، فقال: يقولون: هو هود علیه السلام، فقال: كذبوا أنا أعلم به منهم، هذا قبر يهودابن يعقوب، ثمَّ قال: من ههنا من مهرة؟ فقال: شيخ كبير أنا منهم فقال لهم: أين منزلك؟ فقال: في مهرة على شاطيء البحر، فقال: أين هو من الجبل الّذي عليه الصومعة، قال: قريبٌ منه، فقال: ما يقول قومك فيه؟ فقال: يقولون: قبر ساحر، فقال: كذبوا أنا أعلم به منهم ذلك قبر هود علیه السلام و هذا قبر يهودا. (1)
11 - و روى أبو الفتح الكراجكيّ في كنز الفوائد عن الأصبغ بن نباتة في حديث رجل من حضر موت أتى أمير المؤمنين علیه السلام في أيّام أبي بكر فأسلم على يده، قال: فسأله أمير المؤمنين علیه السلام يوماً و نحن مجتمعون فقال: أعالم أنت بحضرموت؟ فقال الرجل: إن جهلتها لم أعلم شيئاً، قال: أفتعرف موضع الأحقاف؟ قال: كأنّك تسأل عن قبر هود النبيّ علیه السلام؟ قال: لله درّك ما أخطأت، قال: نعم خرجت في عنفوان شبابي في علّة من الحيّ و نحن نريد أن نأتي قبره لبعد صوته فينا وكثرة من يذكره، فسرنا في بلاد الأحقاف أيّاماً و فينا رجل قد عرف الموضع حتّى انتهى بنا ذلك الرجل إلى كهف فدخلنا فامعنّا فيه طويلاً فانتهينا إلى حجرين قد اُطبق أحدهما فوق الآخر وبينهما خلل يدخل منه الرجل النحيف فتحارفت فدخلت فرأيت رجلاً على سرير شديد الاُدمة، طويل الوجه، كثّ اللّحية قد يبس، فإذا مسست شيئاً من جسده أصبته صلباً لم يتغيّر، و رأيت عند رأسه كتاباً بالعبرانيّة فيه مكتوب: أنا هود النبيّ، آمنت بالله، و أشفقت على عاد بكفيرها، و ما كان لأمر الله من مردّ. فقال لنا أمير المؤمنين علیه السلام : وكذلك سمعته من أبي القاسم صلی الله علیه و آله و سلم. (2)
12 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن محمد بن هارون، عن معاذ بن المثنّى، عن عبدالله بن أسماء، عن جويريّة ، عن سفيان بن منصور، عن أبي وائل، عن وهب قال: لمّا تمّ لهود علیه السلام أربعون سنة أوحى الله تعالى إليه: أن انت قومك فادعهم إلى عبادتي و توحيدي فإن أجابوك زدتهم قوّة و أموالاً، فبيناهم مجتمعون إذا أتاهم هود فقال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، فقالوا: يا هود لقد كنت عندنا ثقةً أميناً، قال: فإنّي رسول الله إليكم دعوا عبادة الأصنام، فلمّا سمعوا ذلك منه بطشوا به و خنقوه و تركوه كالميّت: فبقي يومه و ليلته مغشيّاً عليه، فلمّا أفاق قال: يا ربُ إنّي قد عملت و قدترى ما فعل بي قومي، فجاء جبرئيل علیه السلام فقال: يا هود إنّ الله تعالى يأمرك أن لا تفتر عن دعائهم وقد وعدك أن يلقي في قلوبهم الرعب فلا يقدرون على ضربك بعدها، فأتاهم هود فقال لهم: قد تجبّرتم في الأرض وأكثرتم الفساد، فقالوا: يا هود اترك هذا القول فإنّا إن بطشنا بك الثانية نسيت الاُولى فقال: دعوا هذا و ارجعوا إلى الله و توبوا إليه، فلمّا رأى القوم ما لبسهم من الرعب علموا أنّهم لا يقدرون على ضربه الثانية، فاجتمعوا بقوّتهم، فصاح بهم هود علیه السلام صيحة فسقطوا لوجوههم، ثمَّ قال هود: يا قوم قد تماديتم في الكفر كما تمادى قوم نوح، و خليق أن أدعو عليكم كما دعا نوح على قومه، فقالوا: يا هود إنّ آلهة قوم نوح كانوا ضعفاء، و إنّ آلهتنا أقوياء، وقد رأيت شدّة أجسامنا، وكان طول الرجل منهم مائة وعشرين ذراعاً بذراعهم، و عرضه ستّين ذراعاً، وكان أحدهم يضرب الجبل الصغير فيقطعه، فمكث على هذا يدعوهم سبعمائة وستّين سنة، فلمّا أراد الله تعالى إهلاكهم حقف الأحقاف حتّى صارت أعظم من الجبال، فقال لهم هود: يا قوم ألا ترون هذه الرمال كيف تحقّفت؟ إنّي أخاف أن يكون مأمورة، فاغتمّ هود علیه السلام لمّا رأي من تكذيبهم، ونادته الأحقاف: قرّيا هود عيناً فإنَّ
لعاد منّا يوم سوء، فلمّا سمع هود ذلك قال: يا قوم اتّقوا الله واعبدوه، فإن لم تؤمنوا صارت هذه الأحقاف عليكم عذاباً و نقمة، فلمّا سمعوا ذلك أقبلوا على نقل الأحقاف فلا تزيد إلّا كثرة فرجعوا صاغرين، فقال هود: يا ربّ قد بلّغت رسالاتك فلم يزدادوا إلّا كفراً، فأوحى الله إليه: يا هود إنّي اُمسك عنهم المطر، فقال هود علیه السلام : يا قوم قد وعدني ربّي أن يهلككم، و مرَّ صوته في الجبال و سمع الوحش صوته و السباع و الطير فاجتمع كلّ جنس معها يبكي و يقول: يا هود أتهلكنا مع الهالكين؟ فدعا هود ربّه تعالى في أمرها، فأوحى الله تعالى إليه: أنّي لا اُهلك من لم يعص بذنب من عصاني، تعالى الله علوّاً كبيراً. (1)
13 - ع، ن، ل: في أسئلة الشاميّ عن أمير المؤمنين علیه السلام قال: أخبرني عن يوم الأربعاء و التطيّر منه، فقال علیه السلام : آخر أربعاء في الشهر و هو المحاق - و ساق الحديث إلى أن قال: - و يوم الأربعاء أرسل الله عزّ و جلّ الريح على قوم عاد، و يوم الأربعاء أخذتهم الصيحة. (2)
14 - ن: ابن المتوكّل، عن الحميريّ، عن ابن هاشم، عن أحمد بن عامر الطائيّ عن الرضا علیه السلام قال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمرّ. (3)
15 - ل: محمّد بن أحمد البغداديّ، عن عليّ بن محمّد بن عنسبة، عن دارم بن قبيصة، عن الرضا علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمرّ. (4)
16 - ل: ابن الوليد، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعريّ، عن إبراهيم بن إسحاق عن القاسم، عن جدّه، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله، عن آبائه علیهم السلام قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام ، يوم الأربعاء يوم نحس مستمرّ. (5)
و بإسناد آخر عن محمّد بن مسلم عنه علیه السلام مثله. (6)
1 - ك: وجدت في كتاب المعمّرين أنّه حكى عن هشام بن السعد الرحّال قال وجدنا بالإسكندريّة مكتوب فيه: أنا شدّاد بن عاد، أنا الّذي شيّدت العماد الّتي لم يخلق مثلها في البلاد، و جنّدت الأجناد، و سدّدت بساعدي الواد، فبنيتهنّ إذ لاشيب ولاموت، و إذ الحجارة في اللّين مثل الطين، وكنزت كنزاً في البحر على اثني عشر منزلاً لن يخرجه أحد حتّى تخرجه اُمّة محمّد صلی الله علیه و آله و سلم. (1)
1) كمال الدين: 308-307.
1 - شى: عن أبي حمزة الثماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ علیه السلام قال: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم سأل جبرئيل كيف كان مهلك قوم صالح؟ فقال: يا محمّد إنّ صالحاً بعث إلى قومه و هو ابن ستّ عشر سنة، فلبث فيهم حتّى بلغ عشرين ومائة سنة لا يجيبونه إلى خير، قال وكان لهم سبعون صنماً يعبدونها من دون الله، فلمّا رأى ذلك منهم قال: يا قوم إنّي قد بعثت إليكم و أنا ابن ستّ عشر سنة و قد بلغت عشرين ومائة سنة و أنا أعرض عليكم أمرين: إن شئتم فاسألوني حتّى أسأل إلهي فيجيبكم فيما تسألوني، وإن شئتم سألت آلهتكم فإن أجابتني بالّذي أسألها خرجت عنكم فقد شنأتكم و شنأتموني، فقالوا: قد أنصفت يا صالح فاتّعدوا اليوم يخرجون فيه، قال: فخرجوا بأصنامهم إلى ظهرهم ثمّ قرَّبوا طعامهم و شرابهم فأكلوا وشربوا، فلمّا أن فرغوا دعوه فقالوا: يا صالح سل، فدعا صالح كبير أصنامهم فقال: ما اسم هذا؟ فأخبروه باسمه، فناداه باسمه فلم يجب، فقال صالح: ما له لا يجيب؟ فقالوا له: ادع غيره، فدعاها كلّها بأسمائها فلم يجبه واحدٌ منهم! فقال: يا قوم قد ترون قد دعوت أصنامكم فلم يجبني واحدٌ منهم فاسألوني حتّى أدعوا إلهي فيجيبكم الساعة، فأقبلوا على أصنامهم فقالوا لها: ما بالكنّ لا تجبن صالحاً؟ فلم تجب، فقالوا: صالح تنحّ عنّا و دعنا و
أصنامنا قليلاً، قال: فرموا بتلك البسط الّتي بسطوها، وبتلك نية وتمرّغوا في التراب و قالوا لها: لئن لم تجبن صالحاً اليوم لنفضحنّ، ثمَّ دعوه فقالوا: يا صالح تعال فسلها، فعاد فسألها فلم تجبه، فقالوا: إنّما أراد صالح أن تجيبه وتكلّمه بالجواب قال: فقال: يا قوم هو ذاترون قد ذهب النهار و لا أرى آلهتكم تجيبني، فاسألوني حتّى أدعوا إلهي فيجيبكم الساعة، قال: فانتدب له سبعون رجلاً من كبرائهم و عظمائهم والمنظور إليهم منهم فقالوا: يا صالح نحن نسألك، قال: فكلّ هؤلاء يرضون بكم؟ قالوا نعم فإن أجابوك هؤلاء أجبناك، قالوا: يا صالح نحن نسألك فإن أجابك ربّك اتّبعناك و أجبناك و تابعك جميع أهل قريتنا، فقال لهم صالح: سلوني ما شئتم، فقالوا: انطلق بنا إلى هذا الجبل - و جبل قريب منه - حتّى نسألك عنده، قال: فانطلق و انطلقوا معه فلمّا انتهوا إلى الجبل قالوا: يا صالح اسأل ربّك أن يخرج لنا الساعة من هذا الجبل ناقةً حمراء شقراء و براء عشراء - و في رواية محمّد بن نصر: حمراء شعراء بين جنبيها ميل - قال: قد سألتموني شيئاً يعظم عليّ و يهون على ربّي، فسأل الله ذلك فانصدع الجبل صدعاً كادت تطير منه العقول لمّا سمعوا صوته، قال: و اضطرب الجبل كما تضطرب المرأة عند المخاض ثمَّ لم يفجأهم إلّا و رأسها قد طلع عليهم من ذلك الصدع، فما استتمّت رقبتها حتّى اجترَّت ثمَّ خرج سائر جسدها ثمَّ استوت على الأرض قائمةً، فلمّا رأوا ذلك قالوا: يا صالح ما أسرع ما أجابك ربّك! فسله أن يخرج لنا فصيلها، قال: فسأل الله تعالى ذلك فرمت به فدبّ حولها، فقال: يا قوم أبقي شيءٌ؟ قالوا: لا انطلق بنا إلى قومنا نخبرهم ما رأينا و يؤمنوا بك، قال: فرجعوا فلم يبلغ السبعون الرجل إليهم حتّى ارتدّ منهم أربعة و ستّون رجلاً و قالوا: سحرٌ، وثبت الستّة وقالوا: الحقّ ما رأينا، قال: فكثر كلام القوم و رجعوا مكذّبين إلّا الستّة ثمَّ ارتاب من الستّة واحدٌ فكان فيمن عقرها، و زاد محمّد ابن نصر في حديثه: قال سعيد بن يزيد: فأخبرني أنّه رأي الجبل الّذي خرجت منه بالشام فرأي
جنبها قد حكّ الجبل فأثّر جنبها فيه، و جبل آخر بينه و بين هذا ميلٌ. (1)
كا: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن الثماليّ مثله. (2)
2 - نهج: قال أمير المؤمنين علیه السلام : أيّها النّاس إنّما يجمع الناس الرضى و السخط و إنّما عقر ناقة ثمود رجلٌ واحدٌ فعمّهم الله بالعذاب لمّا عمّوه بالرضی، فقال سبحانه: «فعقروها فأصبحوا نادمين» فما كان إلّا أن خارت أرضهم بالخسفة خوار السكّة المحماة في الأرض الخوّارة. (3)
3 - ل، ع، ن: سأل الشاميّ (4)أمير المؤمنين علیه السلام عن ستّة لم يركضوا في رحم فقال: آدم و حوّاء و كبش إبراهيم و عصا موسى و ناقة صالح و الخفّاش الّذي عمله عيسى بن مريم فطار بإذن الله عزّ و جلّ. (5)
4 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن محمّد العطّار، عن ابن أبان، عن ابن اُورمة، عن عليّ بن محمّد الخيّاط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله تعالى: «كذّبت ثمود بالنذر» فقال: هذا لمّا كذّبوا صالحاً علیه السلام ، و ما أهلك الله قوماً قطّ حتّى يبعث إليهم الرسل قبل ذلك فيحتجّوا عليهم، فإذا لم يجيبوهم اُهلكوا، وقد كان بعث الله صالحاً علیه السلام فدعاهم إلى الله تعالى فلم يجيبوه و عتوا عليه فقالوا: لن نؤمن حتّى تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء، وكانت صخرة يعظّمونها ويذبحون عندها في رأس كلّ سنة و يجتمعون عندها، فقالوا له: إن كنت كما تزعم نبيّاً رسولاً فادع الله يخرج لنا ناقة منها، فأخرجها لهم كما طلبوا منه، و أوحى الله تعالى إلى صالح أن قل لهم: إنَّ الله جعل لهذه الناقة
شرب يوم ولكم شرب يوم، فكانت الناقة إذا شربت يومها شربت الماء كلّه فيكون شرابهم ذلك اليوم من لبنها فيحلبونها فلا يبقی صغير ولا كبير إلّا شرب من لبنها يومه ذلك، فإذا كان اللّيل و أصبحوا غدوا إلى مائهم فشربوا هم ذلك اليوم ولا تشرب الناقة، فمكثوا بذلك ماشاء الله حتّى عتوا و دبّروا في قتلها فبعثوا رجلاً أحمر أشقر أزرق لا يعرف له أبٌ ولد الزنا يقال له قدار ليقتلها، فلمّا توجّهت الناقة إلى الماء ضربها ضرباً ثمَّ ضربها اُخرى فقتلها، و مرّ فصيلها حتّى صعد إلى جبل فلم يبق منهم صغيرٌ ولا كبيرٌ إلّا أكل منها، فقال لهم صالح علیه السلام : أعصيتم ربّكم إنَّ الله تعالى يقول: إن تبتم قبلت توبتكم، و إن لم ترجعوا بعثت إليكم العذاب في اليوم الثالث، فقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، قال: إنّكم تصبحون غداً وجوهكم مصفرَّة و اليوم الثاني محمرّة، و اليوم الثالث مسودّة؛ فاصفرّت وجوههم فقال بعضهم: يا قوم قد جاءكم ما قال صالح: فقال العتاة: لانسمع ما يقول صالح ولو هلكنا، وكذلك في اليوم الثاني والثالث، فلمّا كان نصف اللّيل أتاهم جبرئيل علیه السلام فصرخ صرخةً خرقت أسماعهم، و قلقلت قلبوهم، فماتوا أجمعين في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم، ثمّ أرسل الله عليهم ناراً من السماء فأحرقتهم. (1)
أقول: ما ذكر في هذا الخبر من اصفرار وجوههم في اليوم الأوّل هو الموافق لسائر الأخبار وكلام المفسّرين والمورّخين، و الابيضاض الّذي ذكره عليّ بن إبراهيم مؤوّل.
5 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن أبي الخطّاب، عن ابن أسباط، عن ابن أبي عمير، عن الشحّام، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنَّ صالحاً علیه السلام غاب عن قومه زماناً، وكان يوم غاب كهلاً حسن الجسم، وافر اللّحية، ربعة من الرجال، فلمّا رجع إلى قومه لم يعرفوه، وكانوا على ثلاث طبقات: طبقة جاحدة لا ترجع أبداً، و اُخرى شاكّة، واُخرى على يقين، فبدأ حين رجع بالطبقة الشاكّة فقال لهم: أنا صالح، فكذّبوه
1) مخطوط.
و شتموه و زجروه و قالوا: إنّ صالحاً كان على غير صورتك و شكلك، ثمَّ أتى إلى الجاحدة فلم يسمعوا منه و نفروا منه أشدَّ النفور، ثمَّ انطلق إلى الطبقة الثالثة و هم أهل اليقين فقال لهم: أنا صالح، فقالوا: أخبرنا خبرً لانشكّ أنّك صالح، إنّا نعلم أنّ الله تعالى لخالق يحوِّل في أيّ صورة شاء و قد اُخبرنا و تدارسنا بعلامات صالح علیه السلام إذا جاء؛ فقال: أنا الّذي أتيتكم بالناقة، فقالوا: صدقت و هي الّتي نتدارس ، فما علامتها؟ قال: لها شرب يوم و لكم شرب يوم معلوم، فقالوا: آمّنا بالله و بما جئتنا به؛ قال عند ذلك الّذين استكبروا و هم الشكّاك و الجحّاد: إنّا بالّذي آمنتم به کافرون. قال زيد الشحّام: قلت: يا ابن رسول الله هل كان ذلك اليوم عالم؟ قال: الله أعدل من أن يترك الأرض بلاعالم، فلمّا ظهر صالح علیه السلام اجتمعوا عليه، و إنّما مثل عليّ والقائم صلوات الله عليهما في هذه الاُمّة مثل صالح علیه السلام. (1)
أقول: سيأتي منقولاً عن ك في أبواب الغيبة مع زيادات، و فيه: كهلاً مبدَّح البطن، حسن الجسم، وافر اللّحية، خميص البطن، خفيف العارضين، مجتمعاً ربعة من الرجال.
المبدّح لعلّ المراد به الواسع العظيم ولا ينافيه خميص البطن أي ضامره، إذ المراد به ما تحت البطن حيث يشدّ المنطقة. والربعة: المتوسّط بين الطول و القصر، و غيبته علیه السلام كان بعد هلاك كفّار قومه، وكان رجوعه إلى من آمن به ونجا معه من العذاب.
6 - كا: في الروضة: عليّ بن محمّد، عن عليّ بن عبّاس، عن الحسن بن عبدالرحمن عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قلت له: «كذّبت ثمود بالنذر ٭ فقالوا أبشراً منّا واحداً نتّبعه إنّا إذاً لفي ضلال و سعر ٭ ءاُلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذّاب أشر» قال: هذا كان بما كذّبوا صالحاً، و ما أهلك الله عزّ و جلّ قوماً حتّى يبعث إليهم قبل ذلك الرسل فيحتجّوا عليهم، فبعث الله إليهم صالحاً فدعاهم إلى الله فلم يجيبوه وعتوا عليه عتوًّا وقالوا: لن نؤمن لك حتّى تخرج إلينا من هذه الصخرة ناقة عشراء، وكانت
1) قصص الانبياء مخطوط.
الصخرة يعظّمونها و يعبدونها و يذبحون عندها في رأس كلّ سنة و يجتمعون عندها، فقالوا له: إن كنت كما تزعم نبيّاً رسولاً فادع لنا إلهك حتّى يخرج لنا من هذه الصخرة الصماّء ناقة عشراء، فأخرجها الله كما طلبوا منه، ثمّ أوحى الله تبارك و تعالى إليه: أن يا صالح قل لهم: إنّ الله قد جعل لهذه الناقة شرب يوم ولكم شرب يوم، فكانت الناقة إذا كان يوم شربها شربت الماء ذلك اليوم فيحلبونها فلا يبقی صغير ولا كبير إلّا شرب من لبنها يومهم ذلك، فإذا كان اللّيل و أصبحوا غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم و لم تشرب الناقة ذلك اليوم، فمكثوا بذلك ما شاء الله، ثمّ إنّهم عتوا على الله و مشى بعضهم إلى بعض وقالوا: اعقروا هذه الناقة و استريحوا منها، لا نرضى أن يكون لنا شرب يوم و لها شرب يوم. ثمّ قالوا: من الّذي يلي قتلها و نجعل له جعلاً ما أحبّ؟ فجاءهم رجل أحمر أشقر أزرق ولد زنا لا يعرف له أب يقال له قدار، شقّي من الأشقياء، مشؤوم عليهم، فجعلوا له جعلاً، فلمّا توجّهت الناقة إلى الماء الّذي كانت ترده تركها حتّى شربت الماء و أقبلت راجعة فقعد لها في طريقها فضربها بالسيف ضربة فلم تعمل شيئاً، فضربها ضربة اُخرى فقتلها، وخرّت إلى الأرض على جنبها، و هرب فصيلها حتّى صعد على الجبل فرغا ثلاث مرّات إلى السماء، و أقبل قوم صالح فلم يبق أحد إلّا شركه في ضربته، و اقتسموا لحمها فيما بينهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلّا أكل منها، فلمّا رأى ذلك صالح أقبل إليهم فقال: يا قوم ما دعاكم إلى ما صنعتم؟ أعصيتم ربِّكم؟ فأوحى الله تبارك و تعالى إلى صالح علیه السلام أنّ قومك قد طغوا و بغوا وقتلوا ناقة بعثتها إليهم حجّة عليهم، ولم يكن عليهم فيها ضررٌ، وكان لهم أعظم المنفعة، فقال لهم: إنّي مرسل عليكم عذابي إلى ثلاثة أيّام، فإن هم تابوا و رجعوا قبلت توبتهم و صددت عنهم، وإن هم لم يتوبوا ولم يرجعوا بعثت عليهم عذابي في اليوم الثالث. فأتاهم صالح علیه السلام فقال لهم: يا قوم إنّي رسول ربِّكم إليكم و هو يقول لكم: إن أنتم تبتم و رجعتم و استغفرتم غفرت لكم و تبت عليكم. فلمّا قال لهم ذلك كانوا أعتى ما كانوا و أخبث و قالوا: يا صالح
ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، قال: يا قوم إنّكم تصبحون غداً و وجوهكم مصفرّة، و اليوم الثاني وجوهكم محمرَّة، واليوم الثالث وجوهكم مسودَّة، فلمّا أن كان أوّل يوم أصبحوا و وجوههم مصفرّة، فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: قد جاءكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: لانسمع قول صالح و لا نقبل قوله و إن كان عظيماً، فلمّا كان اليوم الثاني أصبحت وجوههم محمرَّة فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا: يا قوم قد جاءكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: لو اُهلكنا جميعاً ما سمعنا قول صالح ولاتركنا آلهتنا الّتي كان آباؤنا يعبدونها، و لم يتوبوا و لم يرجعوا، فلمّا كان اليوم الثالث أصبحوا و وجوههم مسودّة يمشي بعضهم إلى بعض فقالوا: يا قوم أتاكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: قد أتانا ما قال لنا صالح، فلمّا كان نصف اللّيل أتاهم جبرئيل علیه السلام فصرخ بهم صرخة خرقت تلك الصرخة أسماعهم، و فلقت قلوبهم، و صدعت أكبادهم، و قد كانوا في تلك الثلاثة أيّام قد تحنّطوا و تكفّنوا و علموا أنَّ العذاب نازلٌ بهم فماتوا أجمعين في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم فلم يبق لهم ثاغية ولاراغية و لا شيء إلّا أهلكه الله، فأصبحوا في ديارهم و مضاجهم موتى أجمعين، ثمَّ أرسل الله عليهم مع الصيحة النار من السماء فأحرقتهم أجمعين وكانت هذه قصّتهم. (1)
7 - ع، ن، ل: في أسئلة الشاميّ قال: أخبرني عن يوم الأربعاء و التطيّر منه، فقال أمير المؤمنين علیه السلام : هو آخر أربعاء من الشهر - و ساق الحديث إلى أن قال -: و يوم الأربعاء قال الله : إنّا دمّرناهم و قومهم أجمعين ، و يوم الأربعاء أخذتهم الصيحة، ويوم الأربعاء عقروا الناقة. (2)
1 - ج: عن موسى بن جعفر علیه السلام في خبر اليهودیّ الّذي سأل أمير المؤمنين علیه السلام عن معجزات النبي صلی الله علیه و آله و سلم إنّه قال: تقّيظ إبراهيم بالاعتبار على معرفة الله و أحاطت دلائله بعلم الإيمان به و هو ابن خمسة عشر سنة.
2 - ل: ابن إدريس، عن أبيه، عن الأشعري، عن أبي عبدالله الرازيّ، عن ابن أبي عثمان، عن موسى بن بكر، عن أبى الحسن الأوّل علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إن الله اختار من كلّ شيء أربعة: اختار من الأنبياء للسيف إبراهيم و داود و موسى و أنا؛ و اختار من البيوتات أربعة فقال عزّوجلّ: «إنّ الله اصطفى آدم و نوحاً و آل ابراهيم و آل عمران على العالمين» الخبر. (1)
3 - ع، ن: سأل الشاميّ أمير المؤمنين علیه السلام عمّن خلق الله عزّوجلّ من الأنبياء مختوناً، فقال: خلق الله عزّوجلّ آدم مختوناً، و ولد شيث مختونا، و ادریس و نوح و سام بن نوح و إبراهیم و داود و سلیمان و لوط و إسماعيل و موسی و عیسی و محمّد صلی الله علیه و آله و سلم و سأله عن أوّل من أمر بالختان، فقال: إبراهيم علیه السلام . (2)
4 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن عليّ بن محمّد الحسينيّ، عن جعفر بن محمّد ابن عيسى، عن عبيد الله بن عليّ، عن الرضا، عن آبائه، عن علّي علیهم السلام قال: كان إبراهيم أوّل من أضاف الضيف، و أوّل من شاب، فقال: ما هذه؟ قيل: وقارٌ في الدنيا، و نور في الآخرة. (1)
5 - ع: ابن الوليد، عن محمّد العطّار، عن ابن أبان، عن ابن اُورمة، عن عبدالله ابن محمَد، عن داود بن أبي يزيد، عن عبدالله بن هلال، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا جاء المرسلون إلى إبراهيم جاءهم بالعجل فقال: كلوا، فقالوا: لأ ناكل حتّى تخبرنا ماثمنه فقال: إذا أكلتم فقولوا: بسم الله، و إذا فرغتم فقولوا، الحمدلله، فقال فالتفت جبرئيل إلى أصحابه و كانوا أربعة و جبرئيل رئيسهم فقال، حقٌ لله أن يتّخذ هذا خليلاً، قال أبو عبد الله علیه السلام لمّا اُلقي إبراهيم علیه السلام : في النار تلقّاه جبرئيل في الهواء و هو يهوي فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا . (2)
6 - فس: أبي، عن سليمان الديلميّ، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إذا كان يوم القيامة دعي محمّد فيكسى حلّة ورديّة ثمّ يقام عن يمين العرش، ثمّ يدعى بإبراهيم فيكسى حلّة بيضاء فيقام عن يسار العرش، ثمّ يدعى بعليّ أمير المؤمنين فيكسى حلّة ورديّة فيقام عن يمين النبي. ثمّ يدعي بإسماعيل فيكسى حلّة بيضاء فيقام عن يسار إبراهيم، ثمّ يدعى بالحسن فيكسى حلّة ورديّة فيقام عن يمين أمير المؤمنين، ثم يدعى بالحسين فيكسى حلّة ورديّة فيقام عن يمين الحسن، ثمّ يدعى بالأئمّة فيكسون حللاً ورديّة فيقام كلّ واحد عن يمين صاحبه، ثمّ يدعى بالشيعة فيقومون أمامهم، ثم يدعى بفاطمة علیها السلام ونسائها من ذرّيتها و شيعتها فيدخلون الجنّة بغير حساب، ثم ينادي مناد من بطنان العرش من قبل ربّ العزّة والأفق الأعلى: نعم الأب أبوك يا محمّد و هو إبراهيم، و نعم الأخ أخوك و هو عليّ بن أبي طالب، ونعم السبطان سبطاك و هو الحسن و الحسين، و نعم الجنين جنينك و هو
محسن، و نعم الأئمة الراشدون ذرّيتك و هو فلان و فلان، و نعم الشيعة شيعتك، ألا إنّ محمّداً و وصيّه و سبطيه والأئمة من ذرّيته هم الفائزون، ثمّ يؤم بهم إلى الجنّة، و ذلك قوله: «فمن زحزح عن النار و اُدخل الجنّة فقد فاز». (1)
7 - فس: «واتبّع ملّة إبراهيم حنيفاً» قال: هي الحنيفيّة العشرة الّتي جاء بها إبراهيم الّتي لم تنسخ إلى يوم القيامة. (2)
8 - فس: «إنّ إبراهيم كان اُمة قانتاًلله حنيفاً» أي طاهراً «اجتبنه» أي اختاره «وهداه إلى صراط مستقيم» قال: إلى الطريق الواضح، ثمّ قال لنبيّه: «ثمّ أوحينا إليك أن اتبّع ملّة إبراهيم حنيفاً» و هى الحنيفيّة العشرة الّتي جاء بها إبراهيم علیه السلام خمسة في الرأس و خمسة في البدن فالّتي فى الرأس: فطمّ الشعر وأخذ الشارب، و إعفاء اللّحى، والسواك، والخلال؛ و أما الّتي في البدن: فالغسل من الجنابة والطهور بالماء و تقليم الأظفار، و حلق الشعر من البدن، والختان و هذه لم تنسخ إلى يوم القيامة. (3)
9 - ع: ابن الوليد ،عن الصفّار، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن الحسين ابن عمّار، عن نعيم عن أبي جعفر علیه السلام قال: أصبح إبراهيم علیه السلام فرأى في لحيته شيباً شعرة بيضاء، فقال: الحمد لله ربّ العالمين الّذي بلغني هذا المبلغ و لم أعص الله طرفة عين. (4)
10 - ع: عليّ بن حاتم، عن جعفر بن محمّد، عن يزيد بن هارون، عن عثمان الزنجانيّ، عن جعفر بن الزمان، عن الحسن بن الحسين، عن خالد بن إسماعيل بن أيّوب المخزومي، عن جعفر بن محمّد علیه السلام أنّه سمع أباالطفيل يحدّث: إنّ عليّا علیه السلام يقول: كان الرجل يموت و قد بلغ الهرم ولم يشب، فكان الرجل يأتي النادي فيه الرجل و بنوه فلا يعرف الأب من الابن، فيقول أبوكم؟ فلمّا كان زمان إبراهيم قال: اللّهم اجعل لي شيباً اُعرف به، قال: فشاب و
ابيضّ رأسه و لحيته. (1)
11 - و بهذا الإسناد قال: علي علیه السلام قيل لإبراهيم: تطهّر، فأخذ شاربه، ثمّ قيل له: تطهّر فنتف تحت جناحه، ثمّ قيل له: تطهّر فحلق عانته، ثمّ قيل له: تطهّر فاختتن. (2)
12 - شی: عن عبيد الله الحلبيّ، عن أبي عبد الله صلی الله علیه و آله و سلم قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام : «ما كان إبراهيم يهوديّاً و لا نصرانيّاً» لا يهوديّاً يصلّي إلى المغرب، و لا نصرانيًّا يصلّي إلى المشرق «ولكن كان حنيفاً مسلماً» يقول كان حنيفاً مسلماً على دين محمّد صلی الله علیه و آله و سلم. (3)
13 - كا: محمد بن الحسن، عمّن ذكره، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سنان، عن زيدالشحّام قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: إنّ الله تبارك و تعالى اتّخذ إبراهيم علیه السلام عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، و إن الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخده رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، و إنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلمّا جمع له الأشياء قال: «إنّي جاعلك للناس إماماً» قال: فمن عظمها في عين إبراهيم قال: «و من ذرّيّتي قال لا ينال يهدي الظالمين» قال: لا يكون السفيه إمام التقي. (4)
14 - كا: عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسين، عن إسحاق بن عبدالعزيز بن أبي السفاتج، عن جابر، عن أبي جعفر علیه السلام قال سمعته يقول: إنّ الله اتّخذ إبراهيم علیه السلام عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، واتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، واتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، واتّخذه خليلاً قبل أن يتّخذه إماماً، فلمّا جمع له هذه الأشياء و قبض يده قال له: «يا إبراهيم إنّي جاعلك للناس إماماً»، فمن عظمها في عين إبراهيم علیه السلام قال: يا ربّ و من ذرّيّتي قال لا ينال عهدي الظالمين. (5)
1 - فس: أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : إنّ آزر أبا إبراهيم كان منجّماً لنمرود بن كنعان فقال له: إنّي أرى في حساب النجوم أنّ هذا الزمان يحدث رجلاً فينسخ هذا الدين و يدعو إلى دين آخر، فقال له نمرود: في أيّ بلاد يكون؟ قال: في هذه البلاد، وكان منزل نمرود بکوثی ربی، فقال له نمرود: قد خرج إلى الدنيا؟ قال آزر: لا، قال: فينبغي أن يفرّق بين الرجال و النساء، فقرّق بين الرجال و النساء، وحملت اُمّ إبراهيم علیه السلام بإبراهيم علیه السلام و لم يبيّن حملها، فلمّا حانت ولادتها قالت: يا آزر إنّي قد اعتلك و اُريد أن أعتزل عنك، وكان في ذلك الزمان المرأة إذا اعتلّت اعتزلت عن زوجها، فخرجت و اعتزلت في غار و وضعت بإبراهيم علیه السلام و هيّأته و قمّطته و رجعت إلى منزلها و سدّت باب الغار بالحجارة، فأجرى الله لإبراهيم علیه السلام لبناً من إبهامه و كانت تأتيه اُمّه و وكّل نمرود، بكلّ امرأة حامل، فكان يذبّح كلّ ولد ذكر، فهر بت اُمّ إبراهيم بإبراهيم من الذبح، و كان يشبّ إبراهيم علیه السلام في الغار يوماً كما يشبّ غيره في الشهر حتّى أتى له في الغار ثلاث عشرة سنة، فلمّا كان بعد ذلك زارته اُمّه فلمّا أرادت أن تفارقه تشبّت بها فقال: يا اُمّي
أخرجيني، فقالت له: يا بنيّ إنّ الملك إن علم أنّك ولدت في هذا الزمان قتلك، فلمّا خرجت اُمّه خرج من الغار وقد غابت الشمس نظر إلى الزهرة في السماء فقال: «هذا ربّي» فلمّا غابت الزهرة فقال: لو كان هذا ربّي ما تحرّك و لا برح، ثمّ قال: «لا اُحبّ الآفلين» و الآفل: الغائب. فلمّا نظر إلى المشرق رأى و قد طلع القمر قال: «هذا ربّي هذا أكبر و أحسن فلمّا تحرّك وزال قال: «لئن لم يهدني ربّي لأكوننّ من القوم الضالّين» فلمّا أصبح و طلعت الشمس و رأى ضوءها و قد أضاءت الشمس الدنيا لطلوعها قال: «هذا ربّي هذا أكبر» و أحسن فلمّا تحرّكت و زالت كشط الله عن السماوات حتّى رأى العرش و من عليه و أراه الله ملكوت السماوات و الأرض، فعند ذالك قال: «يا قوم إنّي بريّ ممّا تشركون ٭ إنّي وجّهت وجهي للّذي فطر السموات والأرض حنيفاً و ما أنا من المشركين» فجاء إلى اُمّه و أدخلته دارها و جعلته بين أولادها. (1)
وسئل أبو عبد الله علیه السلام عن قول إبراهيم: «هذا ربّي» لغير الله هل أشرك في قوله: «هذا ربّي»؟ فقال: من قال هذا اليوم فهو مشركٌ، و لم يكن من إبراهيم شرك، وإنّما كان في طلب ربّه، و هو من غيره شرك، فلمّا أدخلت اُمّ إبراهيم إبراهيم دارها نظر إليه آزر فقال: من هذا الّذي قد بقي فی سلطان الملك و الملك يقتل أولاد الناس؟ قالت: هذا ابنك ولدته وقت كذا و كذا حين اعتزلت؛ فقال: ويحك إن علم الملك هذا زالت منزلتنا عنده، و كان آزر صاحب أمر نمرود و وزيره، وكان يتّخذ الأصنام له و للناس ويدفعها إلى ولده فيبيعونها وكان على دار الأصنام، فقالت اُمّ إبراهيم لآذر، لا عليك إن لم يشعر الملك به بقي لنا ولدنا و إن شعربه كفيتك الاحتجاج عنه، وكان آزر كلّما نظر إلى إبراهيم أحبّه حبّاً شديداً و كان يدفع إليه الأصنام ليبيعها كما يبيع إخوته، فكان يعلّق في أعناقها الخيوط و يجرّها على الأرض و يقول: من يشتري ما لا يضرّه ولا ينفعه؟! ويغرقها في الماء و الحماة و يقول لها: اشربي و
1) تفسير القمى: 194-195.
تكلّمي، فذكرا إخوته ذلك لأبيه فنهاه فلم ينته فحسبه في منزله و لم يدعه يخرج.
«وحاجّه قومه فقال» إبراهيم «أتحاجّونيّ في الله وقد هدان» أي بيّن لي «و لا أخاف ما تشركون به إلّا أن يشاء ربّي شيئاً وسع ربّي كلّ شيء علماً أفلا تتذكّرون» ثمّ قال لهم: «و كيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنّكم أشركتم بالله ما لم ينزّل به عليكم سلطاناً فأيّ الفريقين أحقٌ بالأمن إن كنتم تعلمون» أي أنا أحقّ بالأمن حيث أعبدالله أو أنتم الّذين تعبدون الأصنام. (1)
2 - كا: العدّة، عن سهل، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الأوّل علیه السلام قال: في أوّل يوم من ذي الحجّة ولد أبراهيم خليل الرحمن علیه السلام . (2)
3 - فس: «و لقد آتينا إبراهيم رشده من قبل» إلى قوله: «بعد أن تولّوا مدبرين» قال: فلمّا نهّاهم إبراهيم علیه السلام و احتجّ عليهم في عبادتهم الأصنام فلم ينتهوا حضر عيدٌ لهم و خرج نمرود و جميع أهل مملكته إلى عيدلهم، و كره أن يخرج إبراهيم معه، فوكّله ببيت الأصنام، فلمّا ذهبوا عمد إبراهيم إلى طعام فأدخله بيت أصنامهم، فكان يدنو من صنم صنم فيقول له: كل و تكلّم، فإذا لم يجبه أخذ القدوم فكسر يده و رجله حتّى فعل ذلك بجميع الأصنام، ثمّ علّق القدوم في عنق الكبير منهم الّذي كان في الصدر، فلمّا رجع الملك و من معه من العيد نظروا إلى الأصنام مكسّرةً، فقالوا: «من فعل هذا بآلهتنا أنّه لمن الظاّلمين» فقالوا: ههنا «فتى يذكرهم يقال له إبراهيم» و هو ابن آزر فجاؤوا به إلى نمرود فقال نمرود لآزر: خنتني وكتمت هذا الولد عنّي، فقال: أيّها الملك هذا عمل اُمّه و ذكرت أنّها تقوم بحجّته، فدعا نمرود اُمّ إبراهيم فقال لها: ما حملك على أن كتمتني أمر هذا الغلام حتّى فعل بآلهتنا ما فعل؟ فقالت أيّها الملك: نظراً منّي لرعيتّك، قال: وكيف ذلك؟ قالت: رأيتك تقتل أولاد رعيّتك فكان يذهب النسل فقلت: إن كان هذا الّذي يطلبه دفعته إليه ليقتله و يكفّ عن
قتل أولاد الناس، و إن لم يكن ذلك فبقي لنا ولدنا، و قد ظفرت به فشأنك، فكفّ عن أولاد الناس فصوّب رأيها، ثمّ قال لإبراهيم: «من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم» قال إبراهيم: «فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون» فقال الصادق علیه السلام : و الله ما فعله كبيرهم و ما كذب إبراهيم، فقيل: فكيف ذلك؟ فقال: إنّما قال: فعله كبيرهم هذا إن نطق، و إن لم ينطق فلم يفعل كبيرهم هذا شيئاً، فاستشار نمرود قومه في إبراهيم فقالوا له: «حرّقوه و انصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين» فقال الصادق علیه السلام : كان فرعون إبراهيم و أصحابه لغير رشدة، فإنّهم قالوا لنمرود: ««حرّقوه و انصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين» وكان فرعون موسى و أصحابه لرشدة فإنّه لمّا استشار أصحابه في موسى قالوا: «أرجه و أخاه و أرسل في المدائن حاشرين ٭ يأتوك بكلّ سحّار عليم» فحبس إبراهيم و جمع له الحطب حتّى إذا كان اليوم الّذي ألقی فيه نمرود إبراهيم في النار برز نمرود و جنوده، و قد كان بني لنمرود بناء ينظر منه إلى إبراهيم كيف تأخذه النار، فجاء إبلیس و اتّخذ لهم المنجنيق لأنّه لم يقدر أحد أن يتقارب من النار، وكان الطائر إذا مرّ في الهواء يحترق، فوضع إبراهيم علیه السلام في المنجنيق و جاء أبوه فلطمه لطمةً و قال له: ارجع عمّا أنت عليه، و أنزل الربّ إلى السماء الدنيا، و لم يبق شيء إلّاطلب إلى ربّه، و قالت الأرض: يا ربّ ليس على ظهري أحد يعبدك غيره فيحرق، و قالت الملائكة: يا ربّ خليلك إبراهيم يحرق، فقال الله عزّوجلّ: أما إنّه إن دعاني كفيته، و قال جبرئیل: يا ربّ خليلك إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره، سلّطت عليه عدوّه يحرقه بالنار، فقال: اسكت إنّما يقول هذا عبدٌ مثلك يخاف الفوت، هو عبدي آخذه إذا شئت، فإن دعاني أجبته، فدعا إبراهيم علیه السلام ربِّه بسورة الإخلاص: «يا الله يا واحد يا أحد يا صمد يا من لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفواً أحد نجّني من النار برحمتك» قال: فالتقی معه جبرئيل في الهواء و قد وضع في المنجنيق فقال: يا إبراهيم هل لك إليّ من حاجة؟ فقال إبراهيم: أمّا إليك فلا، وأمّا إلى ربّ العالمين فنعم، فدفع إليه خاتماً عليه مكتوب: «لا إله إلّا الله محمّد رسول الله ألجأت
ظهري إلى الله و أسندت أمري إلى الله و فوّضت أمري إلى الله» فأوحى الله إلى النار: «كوني برداً» فاضطربت أسنان إبراهيم من البرد حتّى قال: «و سلاماً على إبراهيم» وانحطّ جبرئيل و جلس معه يحدِّثه في النار و نظر إليه نمرود فقال: من اتّخذ إلها فليتّخذ مثل إله إبراهيم، فقال عظيم من عظماء أصحاب نمرود: إنّي عزّمت على النار أن لا تحرقه، فخرج عمود من النار نحو الرجل فأحرقه، و نظر نمرود إلى إبراهيم في روضة خضراء في النّار. مع شيخ يحدّثه، فقال لأزر: يا آزر ما أكرم ابنك على ربّه! قال: وكان الوزغ ينقخ في نار إبراهيم و كان الضفدع يذهب بالماءِ ليطفىء به النار، قال: و لمّا قال الله تبارك و تعالى للنّار: «كوني برداً وسلاماً» لم تعمل النار في الدنيا ثلاثة أيّام «و نجّيناه و لوطاً إلى الأرض الّتي باركنافيها للعالمين» إلى الشام و سواد الكوفة. (1)
4 - فس: «ألم تر إلى الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه أن آتيه الله الملك» الآية، فإنّه لمّا ألقی نمرود إبراهيم في النار وجعلها الله عليه برداً وسلاماً قال نمرود: يا إبراهيم من ربّك؟ قال: «ربّي الّذي يحيي ويميت قال» له نمرود: «أنا اُحيي و اُميت» فقال له إبراهيم كيف تحيي و تميت؟ قال: أعمد إلى رجلين ممّن قد وجب عليهما القتل فاُطلق عن واحد، و أقتل واحداً، فأكون قد أمتّ و أحييت، فقال ابراهيم: إن كنت صادقاً فأحي الّذي قتلته، ثمّ إبراهيم: دع هذا فإنّ ربّي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فكان كما قال الله: «فبهت الّذي كفر» أي انقطع، وذلك أنّه علم أنَّ الشمس أقدم منه. (2)
5 - لى، ن: أبي عن سعد، عن البرقيّ، عن محمّد بن عليّ الكوفيّ، عن الحسن ابن أبي العقبة الصيرفيّ، عن الحسين بن خالد، عن الرّضا علیه السلام قال: إنّ إبراهيم علیه السلام لمّا وضع فى كفّة المنجنيق غضب جبرئيل علیه السلام ، فأوحى الله عزّ و جلّ: ما يغضبك يا جبرئيل؟ قال: يا ربّ خليلك ليس من يعبدك على وجه الأرض غيره، سلّطت عليه عدوّك و عدوّه؛ فأوحى الله
عزّ و جلّ إليه: اسكت إنّما يعجل العبد الّذي يخاف الفوت مثلك فأمّا أنا فإنّه عبدي آخذه إذا شئت، قال فطابت نفس جبرئيل علیه السلام فالتفت إلى إبراهيم علیه السلام فقال: هل لك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا، فأهبط الله عزّ و جلّ عندها خاتماً فيه ستّة أحرف: «لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، لا حول و لا قوّة إلّا بالله، فوّضت أمري إلى الله، أسندت ظهري إلى الله» حسبي الله، فأوحى الله، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: أن تختّم بهذا الخاتم فإنّي أجعل النار عليك برداً و سلاماً. (1)
ل: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعريّ، عن عبدالله بن أحمد، عن محمّد بن عليّ الصيرفيّ، عن الحسين بن خالد، عنه علیه السلام مثله. (2)
6 - ل: ابن المتوكّل، عن الأسديّ، عن البرمكيّ، عن عبدالله بن أحمد الشاميّ، عن إسماعيل بن الفضل الهاشميّ قال: سألت أبا عبد الله الصادق علیه السلام عن موسى بن عمران علیه السلام لمّا رأى حبالهم و عصيّهم كيف أوجس في نفسه خيفة و لم يوجسها إبراهيم علیه السلام حين وضع في المنجنيق و قذف به في النّار؟ فقال علیه السلام : إنّ إبراهيم علیه السلام حين وضع في المنجنيق كان مستنداً إلى ما في أنوار حجج الله عزّ و جلّ، و لم يكن موسى علیه السلام كذلك، فلهذا أوجس في نفسه خيفة، ولم يوجسها إبراهيم علیه السلام. (3)
7 - ل: ابن البرقيّ، عن أبيه، عن جدّه رفعه إلى عبد الله علیه السلام قال: ملك الأرض كلّها أربعة: مؤمنان و كافران، فأمّا المؤمنان فسليمان بن داود و ذوالقرنين، و الكافران نمرود و بخت نصّر، و اسم ذوالقرنين عبدالله بن ضحّاك بن معد. (4)
8 - ل، ع، ن: سأل الشاميٌّ أمير المؤمنين علیه السلام عن قول الله عزّ و جل: «يوم يفرّ المرء من أخيه و اُمّه و أبيه و صاحبته و بنيه، من هم؟ فقال علیه السلام : قابيل يفرّ من هابيل، و الّذي
يفرّ من اُمّه موسى، و الّذي يفرّ من أبيه أبراهيم، و الّذي يفرّ من صاحبته لوط، و الّذي يفرّ من ابنه نوح يفرّ من ابنه كنعان. (1)
9 - ل: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن معروف، عن ابن محبوب، عن حنان بن سدير، عن رجل من أصحاب أبي عبد الله علیه السلام قال: سمعته يقول: إنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة لسبعة نفر: أوّلهم ابن آدم الّذي قتل أخاه، و نمرود الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه، و اثنان في بنى إسرائيل هوّداقومهم و نصّراهم، و فرعون الّذي قال: أنا ربّكم الأعلى و اثنان في هذه الاُمّة. (2)
10 - ع، ل، ن: قال أمير المؤمنين علیه السلام في جواب أسئلة الشاميّ: يوم الأربعاء اُلقي إبراهيم الخليل علیه السلام في النار، و يوم الأربعاءِ وضعوه في المنجنيق، و يوم الأربعاء سلّط الله على نمرود البقّة، و يوم الأربعاءِ خرّ عليهم السقف من فوقهم. (3)
11 - ل: ابن الوليد، عن الصفّار، عن عبادبن سليمان، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن موسى علیه السلام أنّه قال: يا إسحاق إنّ في النار لوادياً يقال له سقر لم يتنفّس منذخلقه الله لو أذن الله عزّ و جلّ له في التنفّس بقدر مخيط لاحترق ما على وجه الأرض، و إنّ أهل النار ليتعوّذون من حرّ ذلك الوادي و نتنه و قذره و ما أعد الله فيه لأهله، و إنّ في ذلك الوادي لجبلاً يتعوّذ جميع أهل ذلك الوادي من حرّ ذلك الجبل و نتنه و قذره و ما أعدّ الله فيه لأهله، وإنّ في ذلك الجبل لشعباً يتعوّذ جميع أهل ذلك الجبل من حرّ ذلك الشعب و نتنه و قذره و ما أعدّ الله فيه لأهله، وإنّ في ذلك الشعب لقليباً يتعوّذ جميع أهل ذلك الشعب من حرّ ذلك القليب و نتنه و قذره و ما أعدّ الله فيه لأهله، وإنّ في ذلك
القليب لحيّة يتعوّذ جميع أهل ذلك القليب من خبث تلك الحيّة ونتنها وقدرها و ما أعدّ الله في أنيابها من السمّ لأهلها: و إنّ في جوف تلك الحيّة لسبعة صناديق فيها خمسة من الاُمم السالفة و اثنان من هذه الاُمّة، قال: قلت: جعلت فداك الخمسة؟ و من الاثنان؟ قال: فأمّا الخمسة فقابيل الّذي قتل هابيل، و نمرود الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه فقال: أنا اُحيي و اُميت، و فرعون الّذي قال: أنا ربّكم الأعلى، ويهود الّذي هوّد اليهود، و بولس الّذي نصّر النصارى، و من هذه الاُمّة أعرابيّان. (1)
أقول: قد مضى و سيأتي مثله بأسانيد في كتاب المعاد و كتاب الفتن.
12 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن محمّد العطّار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن الحسين بن عليّ، عن عمر، عن أبان، عن حجر، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: خالف إبراهيم علیه السلام قومه و عادى آلهتهم حتّى اُدخل على نمرود فخاصمه، فقال إبراهيم: «ربّي الّذي يحيي ويميت» الآية، وكان في عيد لهم دخل على آلهتهم، قالوا: ما اجترأ عليها إلّا الفتى الّذي يعيبها و يبرء منها، فلم يجدوا مثلة أعظم من النار، فأخبروا نمرود فجمع له الحطب و أوقد عليه ثمّ وضعه في المنجنيق ليرمي به في النار، و إنّ إبلیس دلّ علىٰ عمل المنجنيق لإبراهيم علیه السلام. (2)
13 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: أخبرني أبي عن جدّي عن النبيّ علیه السلام عن جبرئيل قال: لمّا أخذ نمرود إبراهيم ليلقيه في النار قلت: يا ربّ عبدك و خليلك ليس في أرضك أحد يعبدك غيره، قال الله تعالى: هو عبدي آخذه إذا شئت. و لمّا اُلقي إبراهيم علیه السلام في النار تلقّاه جبرئيل علیه السلام في الهواء و هو يهوي إلى النار، فقال: يا إبراهيم لك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا، وقال: «يا الله يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد
نجّني من النار برحمتك» فأوحى الله تعالى إلى النار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. (1)
14 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن النقّاش، عن ابن عقدة، عن عليّ بن الحسن ابن فضّال، عن أبيه، عن الرضا علیه السلام قال: لمّا رمي إبراهيم في النار دعا الله بحقّنا فجعل الله النار عليه برداً وسلاماً. (2)
15 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده عن ابن عيسى، عن ابن فضّال، علیه السلام عن يونس بن يعقوب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا دخل يوسف علیه السلام على الملك يعني نمرود قال: كيف أنت يا إبراهيم؟ قال: إنّي لست بإبراهيم، أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: و هو صاحب الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه، قال: وكان أربعائة سنة شابّاً. (3)
16 - سن: أبي، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عليّ بن محمّد، عن زكريّا بن يحيى رفعه إلى عليّ بن الحسين علیه السلام أنّ هاتفاً يهتف به فقال: يا عليّ بن الحسين أيّ شیّء كانت العلامة بين يعقوب و يوسف؟ فقال: لمّا قذف إبراهيم علیه السلام في النار هبط عليه جبرئيل علیه السلام بقميص فضّة فألبسه أبّاه ففرّت عنه النار و نبت حوله النرجس، فأخذ إبراهيم علیه السلام القميص في فجعله في عنق إستحقاق في قصبة فضّة و علّقها إسحاق في عنق يعقوب، و علّقها يعقوب عنق يوسف علیه السلام و قال له: إن نزع هذا القميص من بدنك علمت أنّك ميّت أوقد قتلت، فلمّا دخل عليه إخوته أعطاهم القصبة و أخرجوا القميص فاحتملت الريح رائحته فألقتها على وجه يعقوب بالاُردن فقال: إنّي لأجد ريح يوسف لولا أن تفنّدون. (4)
17 - شی: عن حنان بن سدير، عن رجل من أصحاب أبي عبد الله علیه السلام قال: سمعته يقول: إنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة لسبعة نفر: أوّلهم ابن آدم الّذي قتل أخاه و نمرود بن
كنعان الّذي حاج إبراهيم في ربّه. (1)
أقول: روى الشيخ أحمد بن فهد في المهذّب و غيره بأسانيدهم عن المعلّى بن خنيس عن أبي عبد الله علیه السلام قال: يوم النيروز هو اليوم الّذي كسّر فيه إبراهيم علیه السلام أصنام قومه . (2)
18 - شی: عن الحارث، عن عليّ بن أبي طالب علیه السلام قال: إنّ نمرود أراد أن ينظر إلى ملك السماء فأخذ نسوراً أربعة فربّاهن و جعل تابوتاً من خشب و أدخل فيه رجلاً، ثمّ شدّ قوائم النسور بقوائم التابوت، ثمّ جعل في وسط التابوت عموداً و جعل في رأس العمود لحماً، فلمّا رأى النسور اللّحم طرن و طرن بالتابوت و الرجل فارتفعن إلى السماء فمكث ماشاء الله، ثمّ إنّ الرجل أخرج من التابوت رأسه فنظر إلى السماء فإذا هي على حالها، ونظر إلى الأرض فإذا هو لا يرى الجبال إلا كالذرّ، ثمّ مكث ساعة فنظر إلى السماء فإذا هي على حالها، و نظر إلى الأرض فإذا هو لا يرى إلّا الماء، ثمّ مكث ساعة فنظر إلى السماء فإذا هي على حالها، و نظر إلى الأرض فإذا هو لا يرى شيئاً، ثمّ وقع في ظلمة لم ير مافوقه و ما تحته ففزع فألقى اللّحم فاتّبعته النسور منقضات، فلمّا نظرت الجبال إليهنّ و قد أقبلن منقضات و سمعت حفيفهنّ فزعت وكادت أن تزول مخافة أمر السماء و هو قول الله: «و إن كان مكرهم لتزول منه الجبال». (3)
19 - كا: في الروضة: عليّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن البزنطيّ، عن أبان بن عثمان، عن نجر، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: خالف ابراهيم علیه السلام قومه و عاب آلهتهم حتّى اُدخل على نمرود فخاصمهم، فقال إبراهيم علیه السلام «ربّي الّذي يحيي ويميت قال أنا اُحیي و اُميت قال إبراهيم فإنّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الّذي كفرو الله لا يهدي القوم الظالمين» و قال أبو جعفر علیه السلام : عاب آلهتهم و نظر نظرة في النجوم فقال: إنّي
سقيم، قال أبو جعفر علیه السلام : و الله ما كان سقياً وما كذب، فلمّا تولّوا عنه مدبرين إلى عيدلهم دخل إبراهيم علیه السلام إلى آلهتهم يقدوم فكسرها إلّا كبيراً لهم، و وضع القدوم في عنقه فرجعوا إلى آلهتهم فنظروا إلى ما صنع بها فقالوا: لا و الله ما اجترأ عليها ولا كسّرها إلّا الفتى الّذي كان يعيبها و يبرء منها، فلم يجدوا له قتلة أعظم من النار، فجمع له الحطب و استجادوه حتّى إذا كان اليوم الّذي يحرق فيه برزله نمرود و جنوده و قد بني له بناء لينظر إليه كيف تأخذه النار، و و وضع إبراهيم علیه السلام في المنجنيق وقالت الأرض: يا ربّ ليس على ظهري أحد يعبدك غيره يحرق بالنار، قال الربّ: إن دعاني كفيته. (1)
20 - كا: عليّ، عن أبيه، و عدّة من أصحابنا عن سهل جميعاً، عن ابن محبوب، عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخيّ قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: إنّ إبراهيم علیه السلام كان مولده بكوثی ربى و كان أبوه من أهلها، و كانت اُمّ إبراهيم و اُمّ لوط سارة و ورقة و في نسخة رقبة اُختين و هما ابنتان للاحج، وكان لاحج نبيّاً منذراً و لم يكن رسولاً، و كان إبراهيم علیه السلام في شبيبته على الفطرة الّتي فطر الله عزّ و جلّ الخلق عليها حتّى هداه الله تبارك و تعالى إلى دينه و اجتباه، وإنّه تزوّج سارة ابنة لاحج و هي ابنة خالته، وكانت سارة صاحبة ماشية كثيرة و أرض واسعة و حال حسنة، وكانت قد ملّكت إبراهيم جميع ما كانت تملكه، فقام فيه و أصلحه وكثرت الماشية و الزرع حتّى لم يكن بأرض كوثى ربى رجل أحسن حالاً منه، وإنّ إبراهيم علیه السلام لمّا كسّر أصنام نمرود و أمر به نمرود فأوثق و عمل له حيراً و جمع له فيه الحطب و ألهب فيه النار ثمّ قذف إبراهيم علیه السلام في النار لتحرقه، ثمّ اعتزلوها حتّى خمدت النار ثمّ أشرفوا على الحير فإذاهم بإبراهيم سليماً مطلقاً من وثاقه، فاُخبر نمرود خبره فأمرهم أن ينفوا إبراهيم من بلاده، و أن يمنعوه من الخروج بماشيته و ماله، فحاجّهم إبراهيم علیه السلام عند ذلك فقال: إن أخذتم ماشيتي و مالي فإنّ حقّي عليكم أن تردّوا عليّ ماذهب من عمري في
1) الروضة 368-369.
بلادكم، و اختصموا إلى قاضي نمرود فقضى على إبراهيم علیه السلام أن يسلّم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم، وقضى على أصحاب نمرود أن يردّوا على إبراهيم علیه السلام ما ذهب من عمره في بلادهم، و اُخبر بذلك نمرود فأمرهم أن يخلّوا سبيله وسبيل ما شيته و ماله و أن يخرجوه، و قال: إنّه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم و أضرّ بآلهتكم، فأخرجوا إبراهيم و لوطاً معه من بلادهم إلى الشام، فخرج إبراهيم و معه لوط لا يفارقه وسارة، و قال لهم: «إنّي ذاهب إلى ربّي سيهدين» يعني إلى بيت المقدس، فتحمّل إبراهيم علیه السلام بماشيته و ماله و عمل تابوتاً و جعل فيه سارة و شدّ عليها الأغلاق غيرةً منه عليها، و مضى حتّى خرج من سلطان نمرود و سار إلى سلطان رجل من القبط يقال له عرارة، فمرّ بعاشر له فاعترضه العاشر ليعشر ما معه، فلمّا انتهى إلى العاشر و معه التابوت قال العاشر لإبراهيم علیه السلام افتح هذا التابوت حتّى نعشر ما فيه، فقال له إبراهيم علیه السلام : قال ما شئت فيه من ذهب أو فضّة حتّى نعطي عشره و لا نفتحه، قال: فأبى العاشر إلّا فتحه، قال: و غضب إبراهيم علیه السلام على فتحه، فلمّا بدت له سارة وكانت موصوفة بالحسن و الجمال قال له العاشر : ما هذه المرأة منك؟ قال إبراهيم علیه السلام هي حرمتي و ابنة خالتي فقال له العاشر: فما دعاك إلى أن خبيتها في هذا التابوت؟ فقال إبراهيم علیه السلام : الغيرة عليها أن يراها أحد، فقال له العاشر: لست أدعك تبرح حتّى أعلم الملك حالها و حالك، قال: فبعث رسولاً إلى الملك فأعلمه فبعث الملك رسولاً من قبله ليأتوه بالتابوت فأتوا ليذهبوا به، فقال لهم إبراهيم علیه السلام : إنّي لست اُفارق التابوت حتّى يفارق روحي جسدي، فأخبروا الملك بذلك فأرسل الملك أن احملوه والتابوت معه، فحملوا إبراهيم علیه السلام و التابوت وجميع ما كان معه حتّى اُدخل على الملك، فقال له الملك: افتح التابوت، فقال له إبراهيم علیه السلام : أيّها الملك إنّ فيه حرمتي و بنت خالتي و أنا مفتد فتحه بجميع ما معي، قال: فغصب الملك إبراهيم على فتحه، فلمّا رأى سارة لم يملك حلمه سفهه أن مدّ يده إليها، فأعرض إبراهيم علیه السلام وجهه عنها وعنه غيرةَ منه وقال: اللّهمّ احبس يده عن
حرمتي و ابنة خالتي، فلم تصل يده إليها و لم ترجع إليه، فقال له الملك: إنّ إلهك هو الّذي فعل بي هذا؟ فقال له : نعم إنّ إلهي غيور يكره الحرام، و هو الّذي حال بينك و بين ما أردت من الحرام؟ فقال له الملك: فادع إلهك يردّ عليّ يدي فإن أجابك فإن أجابك فلم أعرض لها، فقال ابراهيم علیه السلام : إلهي ردّ إليه يده ليكفّ عن حرمتي، قال: فردّ الله عزّ وجلّ إليه يده فأقبل الملك نحوها ببصره ثمّ عاد بيده نحوها، فأعرض إبراهيم عنه بوجهه غيرة منه وقال: اللّهم احبس يده عنها، قال: فیبست یده و لم تصل إليها، فقال الملك لإبراهيم علیه السلام : إنّ إلهك لغيور و إنّك لغيور فادع إلهك يردّ عليّ يدي فإنّه إن فعل لم اُعد، فقال إبراهيم علیه السلام : أسأله ذلك على أنّك إن عدت لم تسألني أن أسأله، فقال له الملك: نعم، فقال إبراهيم: اللّهمّ إن كان صادقاً فردّ يده عليه فرجعت إليه يده، فلمّا رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى و رأى الآية في يده عظّم إبراهيم وهابه وأكرمه و أتقاه وقال له: قد أمنت من أن أعرض لها أو لشيء ممّا معك فانطلق حيث شئت، و لكن لي إليك حاجة، فقال إبراهيم علیه السلام : ما هي؟ فقال له: اُحبّ أن تأذن لي أن اُخدمها قبطيّة عندي جميلة عاقلة تكون لها خادماً، قال: فأذن له إبراهيم فدعابها فوهبها لسارة و هي هاجر اُمّ إسماعيل، فسار إبراهيم بجميع ما معه، و خرج الملك معه يمشي خلف إبراهيم إعظاماً لإبراهيم علیه السلام و هيبةً له، فأوحى الله تبارك و تعالى إلى إبراهيم: أن قف و لا تمش قدّام الجبّار المتسلّط و يمشي و هو خلفك، و لكن اجعله أمامك وامش خلفه و عظّمه وهبه فإنّه مسلّط، و لابدّ من إمرة في الأرض برّة أو فاجرة، فوقف إبراهيم علیه السلام وقال للملك: امض فإنّ إلهي إليّ الساعة أن اُعظّمك وأهابك و أن اُقدّمك أمامي و أمشي خلفك إجلالاً لك، فقال له الملك، أوحى أوحى إليك بهذا؟ فقال: له إبراهيم: نعم، فقال له الملك: أشهد أن إلهك لرفيقٌ حليمٌ كريمٌ، وأنّك ترغّبني في دينك، قال: و ودّعه الملك فسار إبراهيم حتّى نزل بأعلى الشامات، و خلّف لوطاً علیه السلام في أدني الشامات، ثمّ إنّ إبراهيم علیه السلام لمّا أبطأ عليه الولد قال لسارة: لو شئت لبعتيني هاجر لعلّ الله أن يرزقنا منها ولداً فيكون لنا خلفاً،
فابتاع إبراهيم علیه السلام هاجر من سارة فوقع عليها فولدت إسماعيل علیه السلام . (1)
أقول: ثمّ ذكر لتوجيه ذلك وجوها إلى أن قال: والوجه الرابع أن والد إبراهيم كان تارخ و آزر كان عمّاله، والعمّ قد يطلق عليه لفظ الأب كما حكى الله عن أولاد يعقوب أنهم قالوا: «نعبد الهلك، و آله آبائك إبراهيم وإسماعيل و إسحاق». (2)و معلوم أنّ إسماعيل كان عمّا ليعقوب، وقد أطلقوا عليه لفظ الأب فكذا ههنا.
أقول: ثمّ قال بعد كلام: قالت الشيعه أنّ أحداً من آباء الرسول و أجداده ما كانوا كافراً و أنكروا أن والد إبراهيم كان كافراً، وذكروا أن آزركان عمّ إبراهيم و ماكان والدا له و احتجّوا على قولهم بوجوه: الحجهّ الأولى: أنّ آباء نبيّنا ما كانوا كفاراً و يدلّ عليه وجوه:
منها، قوله تعالى: «الذيّ يراك حين تقوم وتقلّبك في الساجدين» (3)قيل: معناه أنّه كان ينقل روحه من ساجد ألى ساجد، و بهذا التقدير فالآية دالّة على أنّ جميع آباء محمّد صلوات الله عليهم أجمعين كانوا مسلمين، وحينئذ يجب القطع بأنّ والد إبراهيم كان مسلماً، ثمّ قال: ممّا يدلّ أيضاً على أنّ أحداً من آباء محمّد صلوات الله عليهم ما كانوا مشركين قوله صلی الله علیه و آله و سلم : «لم أزل اُنقل من أصلاب الطاهرين ألى أرحام الطاهرات» و قال تعالى، «إنما المشركون نجس» (4)و ذلك يوجب أن يقال: إنّ أحداً من أجداده ما كان من المشركين انتهى. (5)
و قال الشيخ الطبرسيّ قدّس الله روحه بعد نقل مامّر من كلام الزجّاج: و هذا الّذي قاله الزجّاج يقوي ما قاله أصحابنا إن آزر كان جدّ إبراهيم لاُمّه أو كان عمّه من حيث صحّ عندهم أنّ أباه النبيّ صلوات الله عليهم إلى آدم كلّهم كانوا موحدّين، وأجمعت الطائقة على ذلك انتهى.
أقول: الأخبار الدالّة على إسلام آباء النبيّ صلوات عليهم من طرق الشيعة مستفيضةٌ بل متواترةٌ، وقد عرفت إجماع الفرقة المحقّة على إسلام ولو إبراهيم بنقل المخالف والمؤالف، فالأخبار الدالّة على أنّه كان أباء حقيقة محمولة على التقية.
الثانية: في قول إبراهيم علیه السلام «إنّي سقيم» و اختلف في معناه على أقوال:
أحدها: أنّه علیه السلام نظرفى النجوم فاستدلّ بها على وقت حمّى كانت تعتورة، فقال «إنّي سقيم» أراد أنّه قد حضر وقت علّته و زمان نوبتها، فكأنّه قال: إنّي سأسقم لا محالة وحان الوقت الّذي يعتريني فيه الحمّى، وقد يسمّى المشارف للشيء، باسم الداخل فيه قال الله تعالى: «إنّك ميّت و إنّهم ميّتون». (1)
و ثانيها: أنّه نظر في النجوم كنظر هم لأنّهم كانوا يتعاطون علم النجوم فأوهمهم أنّه يقول بمثل قولهم فقال عند ذلك: «إنّى سقيم» فتركوه ظنّاً منهم أنّ نجمه يدلّ على سقمه.
و ثالثها: أن يكون الله أعلمه بالوحي أنّه سيسقمه في وقت مستقبل، وجعل العلامة على ذلك إمّا طلوع نجم على وجه مخصوص، أو اتّصاله بآخر على وجه مخصوص، فمّا رأى إبراهيم تلك الأمارة قال: «إنّي سقيمٌ» تصديقاً لما أخبره الله تعالى.
و رابعها: أنّ معنى قوله: «إنّي سقيمٌ» إنّي سقيم القلب أو الرأي حزناً من إصرار القوم على عبادة الأصنام و هي لا تسمع ولا تبصر، و يكون على هذا معنى نظره في النجوم فكرته في أنّها محدثة مخلوقة مدبّرة، وتعجبّه في أنّه كيف ذهب على العقلاءِ ذلك من حالها حتّى عبدوها.
و خامسها: أنّ معناه: نظر في النجوم نظر تفكّر فاستدّل بها كما قصّه الله في سورة الأنعام على كونها محدثة غير قديمة ولا آلهة، و أشار بقوله: «إنّي سقيمٌ» إلى أنّه في حال مهلة النظر، و ليس على يقين من الأمر ولاشفاءِ من العلم، وقد يسمّى الشكُّ بأنّه سقم كما
1) الزمر / 30.
يسمّى العلم بأنّه شفاء ذكره أبو مسلم، ولا يخفى ضعفه. هذا ما ذكره القوم من الوجوه، و قد عرفت ممّا أوردنا من الأخبار في هذا الباب وباب العصمة أنّ الظاهر منها أنّه علیه السلام أوهمهم بالنظر في النجوم موافقتهم وقال: إنّي سقيم» توريةً، و قد وردت أخبار كثيرة في تجويز الكذب و التورية عند التقيّة و فيها الاستدلال بهذه الآية و بيان أنّها لكونها على جهة التورية والمصلحة ليست بكذب، و ما ذكر من الوجوه يصلح للتورية، و قد مرّ أنّه كان مراده حزن القلب بما يفعل بالحسين علیه السلام ؛ وقيل: يمكن أن يكون على وجه التعريض بمعنى أنّ كلّ من كتب عليه الموت فهو سقيم و إن لم يكن به سقم في الحال.
الثالثة قوله علیه السلام : «هذا ربّي» و في تأويله وجوه:
الأوّل: أنّه علیه السلام إنّما قال ذلك عند كمال عقله في زمان مهلة النظر فإنّه تعالى لمّا أكمل عقله و حرّك دواعيه على الفكر و التأمّل رأى الكوكب فأعظمه و أعجبه نوره و حسنه و بهاؤه، وقد كان قومه يعبدون الكواكب فقال: «هذا ربّي» على سبيل الفكر، فلمّا غاب علم أنّ الأفول لا يجوز على الإله، فاستدلّ بذلك على أنّه محدث مخلوق وكذلك كانت حاله في رؤية القمر و الشمس، و قال في آخر كلامه: «يا قوم إنّي بريء ممّا تشركون» و كان هذا القول منه عقيب معرفته بالله تعالى و علمه بأنّ صفات المحدثين لا تجوز عليه، و يحتمل أن يكون هذا قبل البلوغ والتكليف و بعده، و الأوّل هو مختار الأكثر و هو أظهر، و إلى هذا الوجه يشير بعض الأخبار السالفة، و يكمن حملها على بعض الوجوه الآتية كما لا يخفى.
الثاني: أنّه علیه السلام كان عارفاً بعدم صلاحيتّها للربوبيّة، و لكن قال ذلك في مقام الاحتجاج على عبدة الكواكب على سبيل الفرض الشائع عند المناظرة، فكأنّه أعاد كلام الخصم ليلزم عليه المحال، و يؤيّده قوله تعالى بعد ذلك: «و تلك حجّتنا آتيناهم إبراهيم».
الثالث: أن يكون المراد: هذا ربّي في زعمكم و اعتقادكم، ونظيره أن يقول الموحّد
للمجسّم: إنّ إلهه جسم محدود، أي في زعمه و اعتقاده، و قوله تعالى: «و انظر إلى إلهك الّذي ظلت عليه عاكفاً»
الرابع: أنّ المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار إلّا أنّه أسقط حرف الاستفهام عنه كما هو الشائع.
الخامس: أن يكون القول مضمراً فيه، والتقدير: قال: يقولون هذا ربّي، وإضمار القول كثير، كقوله تعالى: «و إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت و إسماعيل ربّنا» (1)أي يقولان.
السادس: أن يكون قوله ذلك على سبيل الاستهزاء كما يقال لذليل ساد قوماً: هذا سيّدكم! على وجه الهزؤ.
السابع: أنّه علیه السلام أراد أن يبطل قولهم بربوبيّة الكواكب إلّا أنّه كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم و بعد طبائعهم عن قبول الدلائل أنّه لو صرّح بالدعوة إلى الله لم يقبلوه و لم يلتفتوا إليه، فمال إلى طريق به يستدرجهم إلى استماع الحجّة، و ذلك بأنّه ذكر كلاماً يوهم كوفه مساعداً لهم على مذهبهم، مع أنّ قلبه كان مطمئنّاً بالإيمان فكأنّه بمنزلة المكره على إجراء كلمة الكفر على اللّسان على وجه المصلحة لإحياء الخلق بالإيمان.
الرابعة وجه استدلاله علیه السلام بالاُفول على عدم صلاحيّتها للربوبيُّة، قال الرازيّ في تفسيره: الاُفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره. و إذا عرفت هذا فلسائل أن يقول: الاُفول إنّما يدلّ على الحدوث من حيث إنّه حركة، و على هذا يكون الطلوع أيضاً دليلاً على الحدوث، فلم ترك إبراهيم علیه السلام الاستدلال على حدوثها بالطلوع، و عوّل في إثبات هذا المطلوب على الاُفول؟ والجواب أنّه لاشك أنّ الطلوع و الغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلّا أنّ الدليل الّذي يحتجُّ به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلّهم إلى الإله لا بدّ و أن يكون ظاهراً جليّاً بحيث يشترك في فهمه الذكّي و الغبّي والعاقل، و دلالة الحركة على
1) البقرة /127.
الحدوث و إن كانت يقينيّة إلّا أنّها دقيقة لا يعرفها إلّا الأفاضل من الخلق، وأمّا دلالة الاُفول فكانت على هذا المقصود أتمّ؛ وأيضاً قال بعض المحقّقين: الهويّ في خطيرة الإمكان اُقول، و أحسن الكلام ما يحصل فيه حصّة الخواصّ و حصّة الأوساط و حصّة العوامّ، فالخواصُّ يفهمون من الاُفول الإمكان، وكلّ ممكن محتاج، والمحتاج لا يكون مقطعاً للحاجة، فلابدّ من الانتهاء إلى ما يكون منزّهاً عن الإمكان حتّى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال: «و أنّ إلى ربّك المنتهى» (1)و أمّا الأوساط فإنّهم يفهمون من الاُفول مطلق الحركة، فكلّ متحرّك محدث، وكلّ محدث فهو محتاج إلى القديم القادر، فلا يكون الآفل إلهاً بل الإله هو الّذي احتاج إليه هذا الآفل، وأمّا العوامّ فإنّهم يفهمون من الاُفول الغروب و هم يشاهدون أنّ كلّ كوكب يقرب من الاُقول، فإنّه يزول نوره و ينتقص ضوؤه و يذهب سلطانه و يصير كامعدوم، و من كان كذلك فإنّه لم يصلح للإلهيّة، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله: «لا اُحبّ الآفلين» كلمة مشتملة على نصيب المقرّبين و أصحاب اليمين و أصحاب الشمال، فكانت أكمل الدلائل و أفضل البراهين، و فيه دقيقة اُخرى و هي أنّه علیه السلام إنّما كان يناظرهم و هم كانوا منجّمين، و مذهب أهل النجوم أنّ الكواكب إذا كان في الربع الشرقيّ و يكون صاعداً إلى وسط السماء كان قويّاً عظيم التأثير، و أمّا إذا كان غربيّاً و قريباً من الاُفول فإنّه يكون ضعيف الأثر، قليل القوّة ، فنبّه بهذه الدقيقة على أنّ الإله هو الّذي لا يتغيّر قدرته إلى العجز، و كماله إلى النقص، ومذهبكم أنّ الكوكب حال كونه في الربع الغربيّ يكون ضعيف القوّة ناقص التأثير، عاجزاً عن التدبير، و ذلك يدلّ على القدح في إلهيّته، فظهر أنّ على قول المنجّمين للاُقول مزيد اختصاص في كوفه موجباً للقدح في الإلهيّة انتهى. (2)
أقول: يمكن إرجاع كلامه علیه السلام إلى الدليل المشهور بين المتكلّمين من عدم الانفكاك
عن الحوادث، و الاستدلال به على إمكانها و افتقارها إلى المؤثّر، أو إلى أنّها محلّ للتغيّرات و الحوادث، و الواجب تعالى لا يكون كذلك، أو إلى أنّ الاُفول و الغروب نقص و هو لا يجوز على الصانع، أو إلى أنّ هذه الحركة الدائمة المستمرَّة تدلّ على أنّها مسخّرة لصانع كما مرّ في كتاب التوحيد، و العقل يحكم بأنّ الصانع مثل هذا الخلق لا يكون مصنوعاً، أو أنّ الغيبة و الحضور و الطلوع و الاُفول من خواصّ الأجسام و يلزمها الإمكان لوجوه شتّى، و لعلّ الوجه الثاني والثالث بتوسّط ما ذكره الرازيّ أخيراً أظهر الوجوه، و أمّاماسواهما فلا يخفى بعدها، و لنقتصر على ذلك فإنَّ بسط القول في تلك البراهين يوجب الإطناب الّذي عزمنا على تركه في هذا الكتاب.
الخامسة: تأويل قوله تعالى: «بل لعله كبيرهم» و يمكن توجيهه بوجوه:
الأوّل: ما ذكره السيّد المرتضى قدّس الله روحه و هو أنّ الخبر مشروط غير مطلق لأنّه قال: «إن كانوا ينطقون» و معلوم أنّ الأصنام لا تنطق، و أنّ النطق مستحيل عليها، فما علّق بهذا المستحيل من الفعل أيضاً مستحيل، وإنّما أراد إبراهيم علیه السلام بهذا القول تنبيه القوم و توبيخهم و تعنيفهم بعبادة من لاسميع و لايبصر و لاينطق و لاقدر أن يخبر عن نفسه بشيء، فقال: إن كانت هذه الأصنام تنطق فهي الفاعلة للتكسير، لأنّ من يجوز أن ينطق يجوز أن يفعل، و إذا علم استحالة النطق عليها علم استحالة الفعل، و علم باستحالة الأمرين أنّه لا يجوز أن تكون آلهة معبودة، و أنّ من عبدها ضالّ مضلّ، ولا فرق بين قوله: إنّهم فعلوا ذلك إن كانوا ينطقون و بين قوله: إنّهم ما فعلوا ذلك و لا غيره لأنّهم لا ينطقون و لا يقدرون، و أمّا قوله: «فاسئلوهم» فإنّما هو أمر بسؤالوهم أيضاً على شرط، والنطق منهم شرط في الأمرين فكأنّه قال: إن كانوا ينطقون فاسألوهم فإنّه لا يمتنع أن يكونوا فعلوه، و هذا يجري مجرى قول أحدنا لغيره: من فعل هذا الفعل؟ فيقول: زيد إن كان فعل كذا و كذا، و يشير إلى فعل يضيفه السائل إلى زيد، و ليس في الحقيقة من فعله و يكون غرض المسؤول
نفي الأمرين عن زيد، و تنبيه السائل على خطائه في إضافة ما أضافه إلى زيد، و قد قرأ محمّد بن السميع اليمانيّ: «فعلّه كبيرهم» بتشديد اللّام، و المعنى فلعلّه، أي فلعلَّ فاعل ذلك كبيرهم، وقد جرت عادة العرب بحذف اللّام الاُولى من لعلّ انتهى. (1)
الثاني: أنّه لم يكن قصد إبراهيم علیه السلام إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، و إنّما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على وجه تعريضيّ، وهذا كما لو قال لك صاحبك و قد كتبت كتاباً بخطّ رشيق و أنت تحسن الخطّ: أنت كتبت هذا؟ و صاحبك اُمّيّ لا يحسن الخطّ، فقلت له: بل كتبت أنت! كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء، لا نفيه عنك.
و الثالث: أنّ إبراهيم علیه السلام غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصفّفة مرتبّة، فكان غيظه من كبيرتها أشدّ لما رأى من زيادة تعظيمهم لها، فأسند الفعل إليه لأنّه هو السبب في استهانته و حطمه لها، و الفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه.
و الرابع: أن يكون حكاية لما يلزم على مذهبهم، كأنّه قال: نعم ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإنّ من حقّ من يعبد أو يدعى إلهاً أن يقدر على هذا و أشدّ منه، أو أنّه يلزمكم على قولكم أن لا يقدر على كسرهم إلّا إله أكبر منهم، فإنَّ غير الإله لا يقدر أن يكسر الإله.
و الخامس: أنّه كنايةٌ عن غير مذكور، أي فعله من فعله، و كبيرهم ابتداء كلام.
و السادس: ما يروى عن الكسائيّ أنّه كان يقف عند قوله: «كبيرهم» ثمّ يبتدء فيقول: «هذا فاسئلوهم» و المعنى: بل فعله كبيرهم و عنى نفسه لأنّ الإنسان أكبر من كلّ صنم.
أقول: قد مضى في باب العصمة الخبر الدالّ على الوجه الأوّل، و يظهر من كثير من الأخبار أنّ هذا صدر عنه علیه السلام على وجه التورية والمصلحة، ويمكن توجيه التورية ببعض الوجوه المتقدّمة، وروى الكلينيّ، عن أبي عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن الحجّال، عن ثعلبة، عن معمّر بن عمر، عن عطا، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال
1) تنزيه الانبياء: 24.
رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : تلا كذب على مصالح ثمّ تلا «أيّتها العير إنّكم لسارقون» فقال: و الله ما سرقوا و ما كذب، ثمّ تلا «بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون»، ثمّ قال: و الله ما فعلوه و ما كذب.
وروى عن عليّ بن إبراهيم، عن البزنطيّ، عن حمّاد بن عثمان، عن الحسن الصيقل قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام إنّا قدروينا عن أبي جعفر علیه السلام في قول يوسف علیه السلام : «أيّتها العير إنّكم لسارقون» فقال: و الله ما سرقوا و ما كذب. و قال إبراهيم: «بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون» فقال: و الله ما فعلوا و ما كذب. قال: فقال أبو عبد الله علیه السلام : ما عندكم فيها يا صيقل؟ قلت: ما عندنا فيها إلّا التسليم، قال: فقال: إنّ الله أحبّ اثنين، و أبغض الخطر في الطرقات، و أبغض الكذب في غير الإصلاح، إنّ إبراهيم علیه السلام قال: «بل فعله كبيرهم» و هذا إرادة الإصلاح، ودلالة على أنّهم لا يعقلون، و قال يوسف علیه السلام إرادة الإصلاح.
و روى عن عدّة من أصحابه، عن البرقيّ، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : التقيّة من دين الله، قلت: من دين الله؟ قال: إي و الله من دین الله قال يوسف: «أيّتها العير إنّكم لسارقون» والله ما كانوا سرقوا شيئاً، و لقد قال إبراهيم: «إنّي سقيم» و الله ما كان سقیماً.
1 - فس: «و إذا بتلى إبراهيم ربّه بكلمات» قال: هو ما ابتلاه الله به ممّا أراه في نومه بذبح ولده فأتمّها إبراهيم علیه السلام، و ساق مثل ما ذكره الطبرسيّ إلى قوله: و هو قوله: «و اتّبع ملّة إبراهيم حنيفاً». (1)
2 - ع: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال:
لمّا رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض التفت فرأى رجلاً يزني فدعا عليه فمات، ثمّ رأى آخر فدعا عليه فمات. حتّى رأى ثلاثة فدعا عليهم فماتوا، فأوحى الله عزّ و جلّ إليه: يا إبراهيم دعوتك مجابة، فلا تدعو على عبادي فإنّي لو شئت لم أخلقهم، إنّي خلقت خلقي على ثلاثة أصناف: عبداً يعبدني لا يشرك بي شيئاً فاُثيبه؛ و عبداً يعبد غيري فلن يفوتني؛ و عبداً يعبد غيري فاُخرج من صلبه من يعبدني.
1) تفسير القمی: 50.
ثمّ التفت فرأى جيفةً على ساحل البحر بعضها في الماء و بعضها في البرّ، تجيء سباع البحر فتأكل ما في الماء، ثمّ ترجع فيشتمل بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضاً، و يجيء سباع البرّ فتأكل منها فيشتمل بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضاً، فعند ذلك تعجّب إبرهيم ممّا رأى وقال: يا ربّ أرني كيف تحيي الموتى هذه اُمم يأكل بعضها بعضاً، قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى و لكن ليطمئنّ قلبي - يعني حتّى أرى هذا كما رأيت الأشياء كلّها - قال: خذ أربعة من الطير فقطّعهنّ و اخلطهن كما اختلطت هذه الجيفة في هذه السباع الّتي أكل بعضها بعضاً فخلط ثمّ اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءاً ثمَّ ادعهنّ يأتينك سعياً فلمّا دعاهنّ أجبنه وكانت الجبال عشرة. قال: وكانت الطيور الديك و الحمامة و الطاووس و الغراب. (1)
فس: أبي، عن أبي عمير إلى قوله: من يعبدني. (2)
شی: عن أبي بصير مثله. (3)
3- كا: عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن الحسين بن الحكم قال: كتبت إلى العبد الصالح علیه السلام اُخبره أنّي شاكّ و قد قال إبراهيم: «ربّ أرني كيف تحيي الموتى» وإنّي اُحبّ أن تريني شيئاً، فكتب علیه السلام إليّ: أنّ إبراهيم كن مؤمناً و أحبّ أن يزداد إيماناً و أنت شاكٌّ والشاكّ لا خير فيه. (4)
4 - ل: ماجيلويه، عن عمّه، عن الكوفيّ، عن موسى بن سعدان، عن عبدالله بن القاسم، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عزّوجلّ: «فخذ أربعةً من الطير فصرهنّ إليك ثمّ اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءاً» الآية، قال: أخذ الهدهد و الصرد و الطاووس و الغراب فذبحهنّ و عزل رؤوسهنّ ثمّ نحز أيدانهنّ في المنحاز بريشهنّ و لحومهنّ و عظامهنّ حتّى اختلطت، ثمّ جزّأهنّ عشرة أجزاء على عشرة أجبل، ثمّ وضع عنده حبّاً و
ماءً ثمّ جعل مناقيرهنّ بين أصابعه، ثمّ قال: ايتين سعياً بإذن الله عزّ و جلّ، فتطاير بعضها إلى بعض اللّحوم و الريش و العظام حتّى استوت الأبدان كما كانت، وجاء كلّ بدن حتّى التزق برقبته الّتي فيها رأسه و المنقار، فخلّى إبراهيم عن مناقيرهنّ فوقعن و شربن من ذلك الماء، و التقطن من ذلك الحبّ، ثمّ قلن: يا نبيّ الله أحييتنا أحياك الله، فقال إبراهيم: بل الله يحيي و يميت، فهذا تفسير الظاهر.
فال علیه السلام : وتفسيره في الباطن: خذ أربعة ممّن يحتمل الكلام فاستودعهم علمك، ثمّ ابعثهم في أطراف الأرضين حججاً لك على الناس، و إذا أردت أن يأتوك دعوتهم بالاسم الأكبر يأتوك سعياً بإذن الله عزّ و جلّ.
قال الصدوق رضي الله عنه: الّذي عندي في ذلك أنّه علیه السلام اُمر بالأمرين جميعاً، و روي أنّ الطيور الّتي اُمر بأخذها: الطاووس و النسر و الديك و البطّ. (1)
5 - يد، ن: تميم القرشيّ، عن أبيه، عن حمدان بن سليمان، عن عليّ بن محمّد بن الجهم قال: سأل مأمون الرضا علیه السلام عن قول إبراهيم علیه السلام: «ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى و لكن ليطمئنّ قلبي» قال الرضا علیه السلام : إنَّ الله تبارك و تعالى كان أوحى إلى ابراهيم علیه السلام : أنّي متّخذ من عبادي خليلاً إن سألني إحياء الموتى أجبته، فوقع في نفس إبراهيم علیه السلام أنّه ذلك الخليل، فقال: «ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى و لكن ليطمئنّ قلبي» على الخلّة «قال فخذ أربعة من الطير فصرهنّ إليك ثمّ اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءاً ثمّ ادعهنّ يأتينك سعياً و اعلم أنّ الله عزيزٌ حكيمٌ» فأخذ إبراهيم علیه السلام : نسراً وبطّاً و طاووساً و ديكاً فقطّعهن فخلطهنّ، ثمّ جعل على كلّ جبل من الجبال الّتي حوله - وكانت عشرة - منهنّ جزءاً، و جعل مناقيرهنّ بين أصابعه ثمّ دعاهنّ بأسمائهنّ و وضع عنده حبّاً و ماءً، فتطايرت تلك الأجزاء بعضها إلى بعض حتّى استوت الأبدان، و
1) الخصال 127/1.
جاء كلّ بدن حتّى انضمّ إلى رقبته و رأسه، فخلّى إبراهيم علیه السلام عن مناقيرهنَّ فطرن ثمّ وقعن فشربن من ذلك الماء و التقطن من ذلك الحبّ وقلن: يا نبيّ الله أحييتنا أحياك الله، فقال إبراهيم علیه السلام : بل الله يحيي الموتى و هو على كلّ شيءِ قدير. الخبر . (1)
ج: مرسلاً مثله. (2)
6 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام : إنّ إبراهيم علیه السلام نظر إلى جيفة على ساحل البحر تأكلها سباع البرّ و سباع البحر، ثمّ يتب السباع بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضاً، فتعجّب إبراهيم علیه السلام فقال: «ربّ أرنى كيف تحيي الموتى» فقال الله له: «أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهنّ إليك ثمّ اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءاً ثمّ ادعهنّ يأتينك سعياً و اعلم أنّ الله عزيزٌ حكيمٌ» فأخذ إبراهيم الطاووس و الديك و الحمام و الغراب، قال الله عزّ و جلّ: «فصرهنّ إليك» أي قطّعهنّ ثمّ اخلط لحماتهنّ وفرّقها على عشرة جبال ثمّ خذ مناقيرهنّ و ادعهنّ يأتينك سعياً، ففعل إبراهيم ذلك و فرّقهنّ على عشرة جبال ثمّ دعاهنّ فقال: اجيبيني بإذن الله تعالى، فكانت يجتمع و يتألّف لحم كلّ واحد و عظمه إلى رأسه، وطارت إلى إبراهيم، فعند ذلك قال إبراهيم: إنَّ الله عزيزٌ حكيمٌ. (3)
7 - ل: ابن موسى، عن العلويّ، عن جعفر بن محمّد بن مالك الكوفيّ، عن محمّد ابن الحسين بن زيد الزيّات، عن محمّد بن زياد الأزديّ: عن المفضّل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمّد علیه السلام قال: سألته عن قول الله عزّوجلّ: «و إذابتلى إبراهيم ربّه بكلمات» ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلمات الّتي تلقّاها آدم علیه السلام من ربّه فتاب عليه. و هو أنّه قال: «يا ربّ أسألك بحقّ محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين إلّا تبت عليّ» فتاب الله عليه إنّه
هو التوّاب الرحيم؛ فقلت له: يا ابن رسول الله فما يعني عزّ و جلّ بقوله: «فأتمّهنّ»؟ قال: يعني فأتمّهنّ إلى القائم علیه السلام اثني عشر إماماً، تسعة من ولد الحسين علیه السلام قال المفضّل: فقلت له: يا ابن رسول الله فأخبرني عن قول الله عزّ و جلّ: «و جعلها كلمةٌ باقية في عقبه» قال: يعني بذلك الإمامة جعلها الله في عقب الحسين علیه السلام إلى يوم القيامة، قال: فقلت له: يا ابن رسول الله فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن و هما جميعاً ولدا رسول الله و سبطاه وسيّدا شباب أهل الجنّة ؟ فقال علیه السلام إنّ موسى وهارون كانا نبييّن مرسلين أخوين، فجعل الله النبوّة في صلب هارون دون صلب موسى، و لم يكن لأحد أن يقول: لم فعل الله ذلك؟ فإنّ الإمامة خلافة الله عزّ و جلّ ليس لأحد أن يقول: لم جعلها الله في صلب الحسين دون صلب الحسن؟ لأنَّ الله هو الحكيم في أفعاله لا يسأل عمّا يفعل و هم يسألون.
و لقول الله تبارك و تعالى «و إذابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهّنّ» وجه آخر و ما ذكرناه أصله. و الابتلاء على ضربين:
أحدهما مستحيل على الله تعالى ذكره و الآخر جائز، فأمّا ما يستحيل فهو أن يختبره ليعلم ما تكشف الأيّام عنه و هذا ما لا يصحّ، لأنّه عزّوجلّ علّام الغيوب. و الضرب الآخر من الابتلاء أن يبتليه حتّى يصبر فيما يبتليه به فيكون ما يعطيه من العطاء على سبيل الاستحقاق، ولينظر إليه الناظر فيقتدي به فيعلم من حكمة الله عزّ و جلّ أنّه لم يكل أسباب الإمامة إلّا إلى الكافي المستقلّ الّذي كشفت الأيّام عنه بخير. فأمّا الكلمات فمنها ما ذكرناه و منها اليقين، و ذلك قول الله عزّ و جلّ: «وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض و ليكون من الموقنين».
و منها المعرفة بقدم بارئه و توحيد و تنزيهه عن التشبيه حين نظر إلى الكوكب و القمر و الشمس، و استدلّ باُفول كلّ واحد منها على حدثه، و بحدثه على محدثه، ثمّ علمه بأنّ الحكم بالنجوم خطأ في قوله عزّ و جلّ: «فنظر نظرةً في النجوم فقال إنّي سقيم» وإنّما قيّده الله
سبحانه بالنظرة الواحدة لأنّ النظرة الواحدة لا توجب الخطاء إلّا بعد النظرة الثانية بدلالة قول النبيّ علیه السلام لمّا قال لأمير المؤمنين علیه السلام : يا عليّ أوّل النظرة لك، و الثانية عليك لالك.
و منها الشجاعة و قد كشفت الأصنام عنه بدلالة قوله عزّ و جلّ: «إذ قال لأبيه و قومه ما هذه التماثيل الّتي أنتم لها عاكفون ٭ قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ٭ قال لقد كنتم أنتم و آباءكم في ضلال مبين ٭ قالوا أجئتنا بالحقّ أم أنت من اللّاعبين ٭ قال بل ربّكم ربّ السموات والأرض الّذي فطرهنّ و أنا على ذلكم من الشّاهدين ٭ و تالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين ٭ فجعلهم جذاذاً إلّا كبيراً لهم لعلّهم إليه يرجعون» و مقاومة الرجل الواحد اُلوفاً من أعداء الله عزّ و جلّ تمام الشجاعة. ثمّ الحلم مضمّن معناه في قوله عزّوجلّ: «إنّ إبراهيم لحليمٌ أوّاه منيب، ثمّ السخاء و بيانه في حديث ضعيف إبراهيم المكرمين. ثمّ العزلة عن أهل البيت و العشيرة مضمّن معناه في قوله: «و أعتزلكم و ما تدعون من دون الله» الآية. والأمر بالامعروف و النهي عن المنكر بيان ذلك في قوله عزّ و جلّ «يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ٭ يا أبت إنّي قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سويّاً ٭ يا أبت لا تعبد الشيطان إنّ الشيطان كان للرحمن عصيّاً ٭ يا أبت إنّي أخاف أن يمسّك عذابٌ من الرحمن فتكون للشيطان وليّاً» ودفع السيّئة «بالحسنة و ذلك لمّا قال أبوه: «أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنّك و اهجرني مليّاً» فقال في جواب أبيه: «سأستغفر لك ربّي إنّه كان بي حفيّاً» والتوكّل بيان ذلك في قوله: «الّذي خلقني فهو يهدين ٭ والّذي هو يطعمني و يسقين ٭ و إذا مرضت فهو يشفين ٭ و الّذي يميتني ثمّ يحيين ٭ و الّذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين».
ثمّ الحكم و الانتماء إلى الصالحين في قوله: «ربّ هب لي حكماً و ألحقني بالصالحين» يعني بالصالحين الّذين لا يحكمون إلّا بحكم الله عزّ و جلّ و لا يحكمون بالآراء و المقائيس
حتّى يشهد له من يكون بعده من الحجج بالصدق، بيان ذلك في قوله: «و اجعل لي لسان صدق في الآخرين» أراد به هذه الاُمّة الفاضلة، فأجابه الله و جعل له و لغيره من أنبيائه لسان صدق في الآخرين» و هو عليُّ بن أبي طالب علیه السلام و ذلك قوله عزّ و جلّ: «و جعلنا لهم لسان صدق عليّاً» والمحنة في النفس حين جعل في المنجنيق و قذف به في النار ثمّ المحنة في الولد حين اُمر بذبح ابنه إسماعيل. ثمّ المحنة بالأهل حين خلّص الله عزّوجلّ حرمته من عزازة القبطيّ في الخبر المذكور في هذه القصّة.
ثمّ الصبر على سوء خلق سارة. ثمّ استقصار النفس في الطاعة في قوله: «ولا تخزني يوم يبعثون» ثمّ النزاهة في قوله عزّ وجلّ: «ما كان إبراهيم يهوديّاً ولا نصرانيّاً و لكن كان حنيفاً مسلماً و ما كان من المشركين» ثمّ الجمع لأشراط الطاعات في قوله: «إنّ صلاتي و نسكي و محياي ومماتي لله ربّ العالمين ٭ لا شريك له و بذلك اُمرت و أنا أوّل المسلمين» فقد جمع في قوله: «محياي ومماتي لله ربّ العالمين» جميع أشراط الطاعات كلّها حتّى لا يعزب عنها عازبة، و لا تغيب عن معانيها منها غائبة. ثمّ استجابة الله عزّوجلّ دعوته حين قال: «ربّ أرني كيف تحيي الموتى»؟ وهذه آية متشابهة معناها أنّه سأل عن الكيفيّة، و الكيفيّة من فعل الله عزّ و جلّ، متى لم يعلمها العالم لم يلحقه عيبٌ ولا عرض في توحيده نقصٌ فقال الله عزّ و جلّ: «أولم تؤمن قال بلى» هذا شرط عامّ من آمن به متى سئل واحدٌ منهم أولم تؤمن؟ وجب أن يقول: بلى كما قال إبراهيم علیه السلام و لمّا قال الله عزّ و جلّ لجميع أرواح بني آدم: «ألست بربّكم قالوا بلى» قال: أوّل من قال بلى محمّد صلی الله علیه و آله و سلم فصار بسبقه إلى بلى سيّد الأوّلين و الآخرين و أفضل النبيّين و المرسلين، فمن لم يجب عن هذه المسألة بجواب إبراهيم فقد ملّته، قال الله عزّوجلّ: «و من يرغب عن ملّة إبراهيم إلّا من سفه نفسه» ثمّ اصطفاء الله عزّ و جلّ إيّاه في الدنيا ثمّ شهادته في العاقبة إنّه من الصالحين في قوله عزّ وجلّ: «و لقد اصطفيناه في الدنيا و إنّه في الآخرة لمن الصالحين» و الصالحون هم النبيّ و الأئمّة
صلوات الله عليهم، الآخذون عن الله أمره ونهيه، و الملتمسون للصلاح من عنده، و المجتنبون للرأي والقياس في دينه في قوله عزّ و جلّ: «إذ قال له ربِّه أسلم قال أسلمت لربّ العالمين» ثمّ اقتداء من بعده من الأنبياء علیهم السلام في قوله عزّ و جلّ: «و وصّى إبراهيم بنيه و يعقوب يا بنيّ إنّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلّا و أنتم مسلمون» و في قوله عزّ و جلّ النبيّه صلی الله علیه و آله و سلم: «ثمّ أوحينا إليك أن اتّبع ملّة إبراهيم حنيفاً و ما كان من المشركين» و في قوله عزّ و جلّ: «ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل» و أشراط كلمات الإمام مأخوذة من جهته ممّا يحتاج إليه الاُمّة من مصالح الدنيا والآخرة و قول إبراهيم علیه السلام: «و من ذرّيّتي» من حرف تبعيض ليعلم أنّ من الذرّيّة من يستحقّ الإمامة، و منهم من لا يستحقُّ الإمامة هذا من جملة المسلمين و ذلك أنّه يستحيل أن يدعو إبراهيم علیه السلام بالإمامة للكافر أو للمسلم الّذي ليس بمعصوم، فصحَّ أنَّ باب التبعيض وقع على خواصّ المؤمنين، و الخواصّ إنّما صاروا خواصّاً بالبعد من الكفر، ثمّ من اجتنب الكبائر صار من جملة الخواصّ أخصّ ثمّ المعصوم هو الخاصّ الأخصّ، و لو كان للتخصيص صورة أدنى عليه لجعل ذلك من أوصاف الإمام.
و قد سمّى الله عزّ و جلّ عيسى من ذرّيّة إبراهيم وكان ابن ابنته من بعده، و لمّا صحّ أن ابن البنت ذريّة و دعا إبراهيم لذريّته بالإمامة وجب على محمّد صلی الله علیه و آله و سلم الاقتداء به في وضع الإمامة في المعصومين من ذرّيّته حذو النعل بالنعل بعد ما أوحى الله عزّ و جلّ إليه و حكم عليه بقوله: «ثمّ أوحينا إليك أن اتّبع ملّة إبراهيم حنيفاً» الآية، ولو خالف ذلك لكان داخلاً في قوله عزّ و جلّ: «ومن يرغب عن ملّة إبراهيم إلّا من سفه نفسه» جلّ نبيّ الله عن ذلك، و قال الله عزّ و جلّ: «إنّ أولى الناس بإبراهيم للّذين اتّبعوه و هذا النبيّ والّذين آمنوا» و أمير المؤمنين أبو ذرّيّة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم ، و أوضع الإمامة فيه وضعها في ذرّيّة المعصومين، و قوله عزّوجلّ: «لا ينال عهدي الظالمين» عنى به أنّ الإمامة لا تصلح لمن قد عبد صنماً أو وثناً أو
أشرك بالله طرفة عين و إن أسلم بعد ذلك، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، و أعظم الظلم الشرك قال الله عزّ و جلّ: «إنّ الشرك لظلمٌ عظيمٌ» وكذلك لا يصلح الإمامة لمن قد ارتكب من المحارم شيئاً صغيراً كان أو كبيراً و إن تاب منه بعد ذلك، وكذلك لا يقيم الحدَّ من في جنبه حدّ، فاذاً لا يكون الإمام إلّا معصوماً، ولا تعلم عصمته إلّا بنصّ الله عليه على لسان نبيّه صلی الله علیه و آله و سلم لأنّ العصمة ليست في ظاهر الخلفة فترى كالسواد و البياض و ما أشبه ذلك، و هي مغيبة لا تعرف إلّا بتعريف علّام الغيوب عزّوجلّ. (1)
مع: الدقّان، عن العلويّ مثله إلى آخر ما أصناف إليه من كلامه. (2)
8 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن حفض بن البختريّ، عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عزّ و جلّ: «و إبراهيم الّذي وفّى» قال: إنّه كان يقول إذا أصبح و أمسى: «أصبحت و ربّي محمود، أصبحت لا اُشرك بالله شيئاً، و لا أدعو مع الله إلهاً آخر، ولا أتّخذ من دونه وليّاً» فسمّي بذلك عبداً شكوراً. (3)
9 - ل، مع: عليّ بن عبد الله الأسواريّ، عن أحمد بن محمّد بن قيس الشجريّ عن عمرو بن حفص، عن عبد الله بن أسد، عن الحسين بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد البصريّ، عن ابن جريح، عن عطا، عن عتبة بن عمير اللّيثيّ، عن أبي ذرّ رحمه الله عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم قال: أنزل الله على إبراهيم عشرين صحيفة، قلت: يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم؟ قالت: كانت أمثالاً كلّها، وكان فيها: أيّها الملك المبتلى المغرور إنّي لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض و لكن بعثتك لتردّ عنّي دعوة المظلوم، فإنّي لا أردّها و إن كانت من كافر، و على العاقل مالم يكن مغلوباً أن يكون له ثلاث ساعات، ساعة يناجي فيها ربّه عزّ و جلّ، و ساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكّر فيما صنع الله عزّ و جلّ إليه، وساعة يخلو فيها بخطّ
نفسه من الحلال، فإنّ هذه الساعة عون لتلك الساعات، و استجمام للقلوب و توزيع لها، و على العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه فإنّ من حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلّا فيما يعنيه، وعلى العاقل أن يكون طالباً لثلاث: مرمّة لمعاش، أو تزوّد لمعاد، أو تلذّذ في غير محرّم، قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى علیه السلام؟ قال: كانت عبراً كلّها، وفيها: عجب لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟ و لمن أيقن بالنار لم يضحك؟ و لمن يرى الدنيا وتقلّبها بأهلها لم يطمئنّ إليها؟ و لمن يؤمن بالقدر كيف ينصب؟ و لمن أيقن بالحساب لم لا يعمل؟ قلت: يا رسول الله هل في أيدينا ممّا أنزل الله عليك شيء ممّا كان في صحف إبراهيم و موسى؟ قال: يا أباذرّ اقرء «قد أفلح من تزکّی ٭ و ذكر اسم ربّه فصلّی ٭ بل تؤثرون الحيوة الدّنيا ٭ و الآخرة خير وأبقى ٭ إنّ هذا لفي الصحف الاُولى ٭ صحف إبراهيم و موسى».(1)
10 - ير: محمّد، عن الجحّال، عن ثعلبة، عن عبد الرحيم، عن أبي جعفر علیه السلام في هذه الآية: «و كذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والارض و ليكون من الموقنين» قال: كشط له عن الأرض رآها و من فيها، و عن السماء حتّى رآها و من فيها والملك الّذي يحملها، و العرش و من عليه، وكذلك أرى صاحبكم. (2)
شی: عن زرارة مثله. (3)
11 - شی: روى أبو بصير عن أبي عبد الله علیه السلام قال: كانت الجبال عشرة و كانت الطيور و الديك و الحمامة و الطاووس و الغراب، و قال: فخذ أربعة من الطير فصرهنّ فقطّعهن بلحمهنّ وعظامهنّ و ريشهنّ، ثمّ أمسك رؤوسهنّ، ثمّ فرّقهنّ على عشرة جبل منهنّ جزءاً؛ فجعل ما كان في هذا الجبل يذهب إلى هذا الجبل برأسه و لحمه و دمه، ثمّ يأتيه
حتّى يضع رأسه في عنقه حتّى فرغ من أربعتهنَّ. (1)
12 - شی: عن معروف بن خرّبوذ قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول:
إنّ الله لمّا أوحى إلى إبراهيم علیه السلام أن خذ أربعة من الطير عمد إبراهيم فأخذ النعامة و الطاووس و الوزّة و الديك، فنتف ريشهنّ بعد الذبح، ثمّ جعلهنّ في مهراسة فهرسهنّ، ثمّ فرَّقهنّ على جبال الاُردنّ، وكانت يومئذ عشرة أجبال، فوضع على كلّ جبل منهنّ جزءاً، ثمّ دعاهنّ بأسمائهنّ فأقبلن إليه سعياً - يعني مسرعات - فقال إبراهيم عند ذلك: أعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير. (2)
13 - شى: عن عليّ بن أسباط، أنّ أبا الحسن الرضا علیه السلام سئل عن قول الله: «قال بلى و لكن ليطمئنّ قلبي» أكان في قلبه شكّ؟ قال: لا و لكنّه أراد من الله من الله الزيادة في يقينه قال: و الجزء واحد من عشرة. (3)
14 - شی: عن عبد الصمد بن بشير قال: جمع لأبي جعفر جميع القضاء فقال لهم: رجل أوصى بجزء من ماله فكم الجزء؟ فلم يعلمواكم الجزء واشتكوا إليه فيه، فأبرد بريداً إلى صاحب المدينة أن يسأل جعفر بن محمّد علیه السلام : رجل أوصى بجزء من ماله فكم الجزء فقد أشكل ذلك على القضاة فلم يعلمواكم الجزء؟ فإن هو أخبرك به و إلّا فاحمله على البريد و وجّهه إليّ فأتى صاحب المدينة أبا عبد الله علیه السلام فقال له: إنّ أبا جعفر بعث إليّ أن أسألك عن رجل أوصى بجزء من ماله وسأل من قبله القضاة فلم يخبروه ما هو، و قد كتب إليّ إن فسّرت ذلك له و إلّا حملتك على البريد إليه فقال أبو عبد الله علیه السلام : هذا في كتاب الله بيّن إنّ الله يقول - لمّا قال إبراهيم ربّ أرني كيف تحيي الموتى - : إلى كلّ جبل منهنَّ جزءاً فكانت الطّير أربعة و الجبال عشرة، يخرج الرجل من كلّ عشرة أجزاء جزءاً واحداً؛ و إنّ إبراهيم
دعا بمهراس فدقّ فيه الطيور جميعاً و حبس الرؤوس عنده، ثمّ إنّه دعا بالّذي أمر به فجعل ينظر إلى الريش كيف يخرج و إلى العروق عرقاً عرقاً حتّى تمّ جناحه مستوياً فأهوى نحو إبراهيم، فقال إبراهيم ببعض الرؤوس فاستقبله به، فلم يكن الرأس الّذي استقبله به لذلك البدن حتّى انتقل إليه غيره فكان موافقاً للرأس فتمّت العدّة و تمّت الأبدان. (1)
15 - كا: عليّ عن أبيه، عن حمّاد، عن أبان بن تغلب قال: قال أبو جعفر علیه السلام: الجزء واحد من عشرة لأنّ الجبال كانت عشرة و الطيور أربعة. (2)
16 - كا: بإسناده عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم: اُنزل صحف إبراهيم علیه السلام في أوّل ليلة من شهر رمضان. (3)
1 - لی: ماجيلويه، عن محمّد العطّار، عن الأشعريّ، عن محمّد بن عمران، عن أبيه عمران بن إسماعيل، عن أبي عليّ الأنصاريّ، عن محمّد بن جعفر التميميّ قال: قال الصادق جعفر بن محمّد علیه السلام : بينا إبراهيم خليل الرحمن علیه السلام في جبل بيت المقدس يطلب مرعى لغنمه إذ سمع صوتاً، فإذا هو برجل قائم يصلّي، طوله اثنا عشر شبراً، فقال له: يا عبدالله لمن تصلّي؟ قال: لإله السماء، فقال له إبراهيم علیه السلام : هل بقي أحد من قومك غيرك؟ قال: لا، قال: فمن أين تأكل؟ قال: ؟أجتني من هذا الشجر في الصيف و آكله في الشتاء قال له: فأين منزلك؟ قال: فأومأ بيده إلى جبل، فقال له ابراهيم علیه السلام هل لك أن تذهب بي معك فأبيت عندك الليلة؟ فقال: إنّ قدّامي ماء لا يخاض، قال: كيف تصنع؟ قال أمشي عليه، قال: فاذهب بي معك فلعلّ الله أن يرزقني ما رزقك، قال: فأخذ العابد بيده فمضيا جميعاً حتّى انتهيا إلى الماء فمشى و مشى إبراهيم علیه السلام معه حتّى انتهيا إلى منزله، فقال له إبراهيم علیه السلام : أيّ الأيّام أعظم؟ فقال له العابد: يوم الدين، يوم يدان الناس بعضهم من بعض، قال: فهل لك أن ترفع يدك و أرفع يدي فندعو الله عزّ و جلّ أن يؤمننا من شرّ ذلك اليوم؟ فقال: و ما تصنع بدعوتي فو الله إنّ لي لدعوة منذ ثلاث سنين فما اُجبت فيها بشيء؟ فقال له
إبراهيم علیه السلام: أولا اُخبرك لأيّ شيء احتبست دعوتك؟ قال: بلى، قال له: إنّ الله عزّ و جلّ إذا أحبّ عبداً احتبس دعوته ليناجيه و يسأله و يطلب إليه، و إذا أبغض عبداً عجّل له دعوته أو ألقى اليأس في قلبه منها. ثمّ قال له: و ما كانت دعوتك؟ قال: مرّبي غنم ومعه غلام له ذؤابة فقلت: يا غلام لمن هذا الغنم؟ فقال: لإبراهيم خليل الرحمن، فقلت: اللّهمّ إن كان لك في الأرض خليل فأرنيه، فقال له إبراهيم: فقد استحاب الله لك إنا إبراهيم خليل الرحمن، فعانقه، فلمّا بعث الله محمّداً صلی الله علیه و آله و سلم جاءت المصافحة. (1)
2 - ع: ماجيلويه، عن عليّ بن إبراهيم، عن عثمان بن عيسى، عن أبي الجارود رفعه فيما يروى إلى عليّ علیه السلام قال: إنّ إبراهيم علیه السلام مرّ ببانقيا فكان يزلزل بها فبات بها فأصبح القوم و لم يزلزل بهم، فقالوا: ما هذا و ليس حدث؟ قالوا، ههنا شيخ و معه غلام له، قال: فأتوه فقالوا له: يا هذا إنّه كان يزلزل بنا كلّ ليلة و لم يزلزل بنا هذه اللّيلة فبت عندنا، فبات فلم يزلزل بهم، فقالوا: أقم عندنا و نحن نجري عليك ما أحببت، قال: لا و لكن تبيعوني هذا الظهر و لا يزلزل بكم، قالوا: فهو لك، قال: لا آخذه إلّا بالشرى، قالوا: فخذه بما شئت، فاشتراه بسبع نعاج و أربعة أحمرة، فلذلك سمّي بانقيا لأنّ النعاج بالنبطيّة نقيا، قال: فقال له غلامه: يا خليل الرحمن ما تصنع بهذا الظهر ليس فيه زرع و لا ضرع؟ فقال له: اسكت فإنّ الله عزّوجلّ يحشر من هذا الظهر سبعين ألفاً يدخلون الجنّة بغير حساب يشفع الرجل منهم لكذا وكذا . (2)
أقول: المراد به ظهر الكوفة و هوا الغريّ.
3 - ع، لى: الدقّاق، عن الصوفّي، عن عبدالله بن موسى الطبريّ، عن محمّد بن الحسين الخشّاب، عن محمّد بن محصن، عن يونس بن ظبيان، عن الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين علیهم السلام قال: لمّا أراد الله تبارك و تعالى قبض روح إبراهيم علیه السلام أهبط إليه ملك
الموت فقال: السلام عليك يا إبراهيم، قال: و عليك السلام يا ملك الموت أداع أم ناع؟ قال:بل داع یا ابراهیم فأجب، قال إبراهيم: فهل رأيت خليلاً يميت خليله؟ قال: فرجع ملك الموت حتّى وقف بين يدي الله جلّ جلاله فقال: إلهي قد سمعت ما قال خليلك إبراهيم، فقال الله جلّ جلاله: يا ملك الموت اذهب إليه و قل له: هل رأيت حبيباً يكره لقاء حبيبه، إنّ الحبيب يحبّ لقاء حبيبه. (1)
4 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطيّ، عن أبان بن عثمان ،عن أبي بصير، عن أبي جعفر أو أبي عبدالله علیه السلام قال: إنّ إبراهيم علیه السلام لمّا قضى مناسكه رجع إلى الشام فهلك، وكان سبب هلاكه أنّ ملك الموت أتاه ليقبضه فكره إبراهيم الموت فرجع ملك الموت إلى ربّه عزّ و جلّ فقال: إنّ إبراهيم كره الموت، فقال: دع إبراهيم فإنّه يحبّ أن يعبدني؛ قال: حتّى رأى إبراهيم شيخاً كبيراً يأكل و يخرج منه ما يأكله فكره الحياة و أحبّ الموت فبلغنا أنّ إبراهيم أتى داره فإذا فيها أحسن صورة مارآها قطّ، قال: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، قال: سبحان الله من الّذي يكره قربك و زيارتك و أنت بهذه الصورة؟ فقال: يا خليل الرحمن إنّ الله تبارك و تعالى إذا أراد بعبد خيراً بعثني إليه في هذه الصورة، و إذا أراد بعيد شرًّا بعثني إليه في غير هذه الصورة، فقبض علیه السلام بالشام، و توفّي بعده إسماعيل و هو ابن ثلاثين ومائة سنة، فدفن في الحجر مع اُمّه. (2)
1 - فس: قوله: «طهّراً بيتي» قال الصادق علیه السلام : يعني نحّ عنه المشركين، وقال: لمّا بنى إبراهيم علیه السلام البيت و حجّ الناس شكت الكعبة إلى الله تبارك و تعالى ما يلقی من أنفاس المشركين، فأوحى الله إليها قرّي كعبة فإنّي أبعث في آخر الزمان قوماً يتنظّفون بقضبان الشجر و يتخلّلون. قوله: «و ارزق أهله» فإنّه دعا إبراهيم ربّه أن يرزق من آمن به، فقال الله: يا إبراهيم «و من كفر» أيضاً أرزقه «فاُمتّعه قليلاً ثمّ أضطرّه إلى عذاب النار». (1)
قوله: «ربّنا وابعث فيهم رسولاً» فإنّه يعني من ولد إسماعيل علیه السلام فلذلك قال رسول الله علیه السلام أنا دعوة أبي إبراهيم علیه السلام. (2)
2 - فس: قوله: «ربّ اجعل هذا البلد آمناً» يعني مكّة «ربّ إنّهنّ أظلن» فإنّ الأصنام لم تضلّ، وإنّما ضلّ الناس بها، قوله: «و ارزقهم من الثمرات» أي من ثمرات القلوب «لعلّهم يشكرون» يعني لكي يشكروا. و حدّثني أبي، عن حنان، عن أبي جعفر علیه السلام في قوله «ربّنا إنّي أسكنت» الآية قال: نحن و الله بقيّة تلك العترة. (3)
قوله: «ربّنا اغفر لي ولوالديّ» قال: إنّما نزلت: ولولديّ إسماعيل وإسحاق. (1)
3 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن عليّ بن مهزيار، عن الحسن بن سعيد، عن عليّ بن منصور، عن كلثوم بن عبد المؤمن الحرّ انيّ، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: أمر الله عزّ و جلّ إبراهيم علیه السلام أن يحجَّ و يحجَّ بإسماعيل معه و يسكنه الحرم، قال: فحجّا على جمل أحمر ما معها إلّا جبرئيل، فلمّا بلغا الحرم قال له جبرئيل علیه السلام : يا إبراهيم انزلا فاغتسلا قبل أن تدخلا الحرم، فنزلا و اغتسلا، وأراهما كيف تهيّئا للإحرام ففعلا، ثمّ أمرهما فأهلّا بالحجّ و أمرهما بالتلبية الأربع الّتي لبّي بها المرسلون، ثمّ سار بهما حتّى أتى بهما باب الصفا فنزلا عن البعير وقام جبرئيل بينهما فاستقبل البيت فكبّر و كبّرا، و حمد الله و حمدا، و مجّد الله و مجّدا، و أثنى عليه ففعلا مثل ما فعل، و تقدّم جبرئيل و تقدّما يثنون على الله ويمجّدونه حتّى انتهى بهما إلى موضع الحجر فاستلم جبرئيل علیه السلام (الحجرخ ل) وأمرهما أن يستلما، وطاف بهما اُسبوعاً، ثمّ قام بهما في موضع مقام إبراهيم فصلّى ركعتين وصلّيا، ثمّ أراهما المناسك وما يعملانه فلمّا قضيا نسكهما أمر الله عزّوجلّ إبراهيم بالانصراف، و أقام إسماعيل وحده ما معه أحد غيره، فلمّا كان من قبل قابل أذن الله عزّ و جلّ لإبراهيم في الحجّ و بناءِ الكعبة وكانت العرب تحجّ إليه و كان ردماً إلّا أنّ قواعده معروفة، فلمّا صدر الناس جمع إسماعيل الحجارة و طرحها في جوف الكعبة، فلمّا أن أذن الله عزّوجلّ في البناء قدم إبراهيم فقال: يا بنيّ قد أمرنا الله عزّ و جلّ ببناء الكعبة، فكشفا عنها فإذا هو حجر واحد أحمر، فأوحى الله عزّ و جلّ إليه: ضع بناءها عليه، وأنزل الله عزّ و جلّ عليه أربعة أملاك يجمعون له الحجارة فصار إبراهيم و إسماعيل يضعان الحجارة و الملائكة تناولها حتّى تمّت اثنا عشر ذراعاً و هيّئا له باباً يدخل منه، و باباً يخرج منه، و وضع عليه عتبة و شريجاً من حديد على أبواب، وكانت الكعبة عريانة، فلمّا ورد عليه الناس أتى امرأة
1) تفسير القمی: 347-348.
من حمير أعجبته جمالها، فسأل عزّ و جلّ أن يزوّجها إيّاه وكان لها بعمل، فقضى الله عزّ و جلّ على بعلها الموت فأقامت بمكّة فأقامت بمكّة حزناً على بعلها فأسلى الله عزّ و جلّ ذلك عنها و زوّجها إسماعيل، و قدم إبراهيم علیه السلام للحجّ و كانت امرأة موافقة و خرج إسماعيل إلى الطائف يمتار لأهله طعاماً، فنظرت إلى شيخ شعث فسألها عن حالهم فأخبرته بحسن حالهم، وسألها عنه خاصّة فأخبرته بحسن حاله، وسألها ممّن أنت؟ فقال: امرأة من حمير، فسار إبراهيم علیه السلام و لم يلق إسماعيل، و قد كتب إبراهيم كتاباً فقال: ادفعي هذا الكتاب إلى بعلك إذا أتي إن شاء الله، فقدم عليها إسماعيل علیه السلام فدفعت إليه الكتاب فقرأه و قال: أتدرين من ذلك الشيخ؟ فقالت: لقد رأيته جميلاً فيه مشابهة منك قال: ذاك أبي: فقالت يا سوأتاه منه، قال: و لم؟ نظر إلى شيء من محاسنك؟ قالت: لا ولكن خفت أن أكون قد قصرّت. وقالت له امرأته و كانت عاقلة: فهلّا نعلّق على هذين البابين سترين: ستراً من ههنا و ستراً من ههنا، قال: نعم فعملاله سترين طولهما اثنا عشر ذراعاً فعلّقهما ما على البابين فأجبها ذلك فقالت: فهلّا أحوك للكعبة ثياباً و نسترها كلّها فإنّ هذه الأحجار سمجة؟ فقال لها إسماعيل: بلى، فأسرعت في ذلك و بعثت إلى قومها بصوف كثير تستغزل بهنّ، قال أبو عبد الله علیه السلام: و إنّما وقع استغزال النساء بعضهنّ من بعض لذلك، قال: فأسرعت و استعانت في ذلك، فكلّما فرغت من شقّة علّقتها، فجاء الموسم وقد بقي وجه من وجوه الكعبة، فقالت الإسماعيل علیه السلام : كيف نصنع بهذا الوجه الّذي لم ندركه بكسوة فنكسوه خصفاً، فجاء الموسم فجاءته العرب على حال ما كانت تأتيه فنظروا إلى أمر فأعجبهم فقالوا: ينبغي لعامر هذا البيت أن يهدى إليه، فمن ثمّ وقع الهدي، فأتي كلّ فخذ من العرب بشيء تحمله من ورق و من أشياء غير ذلك حتّى اجتمع شيّ كثير فنزعوا ذلك الخصف و أتمّوا كسوة البيت، وعلّقوا عليها بابين، وكانت الكعبة ليست بمسقّفة، فوضع إسماعيل عليها أعمدة مثل هذه الأعمدة الّتي ترون من خشب فسقّفها إسماعيل بالجرائد و سوّاها بالطين،
فجاءت العرب من الحول فدخلوا الكعبة و رأوا عمارتها فقالوا: ينبغي لعامر هذا البيت أن يزاد، فلمّا كان من قابل جاءه الهدي فلم يدر إسماعيل كيف يصنع به، فأوحى الله عزّ و جلّ إليه: أن انحره وأطعمه الحاجّ.
قال: وشكا إسماعيل قلّة الماء إلى إبراهيم علیه السلام فأوحى الله عزّ و جلّ إلى إبراهيم علیه السلام أن احتفر بئراً يكون فيها شرب الحاجّ، فنزل جبرئيل علیه السلام فاحتفر قليبهم يعني زمزم حتّى ظهر ماؤها، ثمّ قال جبرئيل: انزل يا إبراهيم، فنزل بعد جبرئیل علیه السلام، فقال: اضرب يا إبراهيم في أربع زوايا البئر و قل: بسم الله، قال: فضرب بعد إبراهيم علیه السلام في الزاوية الّتي تلي البيت و قال: بسم الله فانفجرت عيناً، ثمّ ضرب في الاُخرى و قال بسم الله فانفجرت عيناً ثمّ ضرب في الثالثة و قال بسم الله فانفجرت عيناً، ثمّ ضرب في الرابعة و قال: بسم الله فانفجرت عيناً فقال جبرئيل علیه السلام: شرب يا إبراهيم وادع لولدك فيها بالبركة: فخرج إبراهيم علیه السلام و جبرئيل جميعاً من البئر فقال له: افض عليك يا إبراهيم وطف حول البيت فهذه سقياً سقاها الله ولدك إسماعيل، و سار إبراهيم و شيّعه إسماعيل حتّى خرج من الحرم، فذهب إبراهيم و رجع إسماعيل إلى الحرم فرزقه الله من الحميريّة ولداً و لم يكن له عقب.
قال: و تزوّج إسماعيل علیه السلام من بعدها أربع نسوة فولد له من كلّ واحدة أربعة غلمان، و قضى الله على إبراهيم الموت فلم يره إسماعيل ولم يخبر بموته حتّى كان أيّام الموسم، و تهيّأ إسماعيل علیه السلام لأبيه إبراهيم فنزل عليه جبرئيل علیه السلام فعزّاه بإبراهيم علیه السلام فقال له: يا إسماعيل لا تقول في موت أبيك ما يسخط الربّ، وقال: إنّما كان عبداً دعاء الله فأجابه، و أخبره أنّه لاحق بأبيه، وكان لإسماعيل ابن صغير يحبّه وكان هوى إسماعيل فيه فأبى الله عليه ذلك، فقال: يا إسماعيل هو فلان، قال: فلمّا قضى الموت على إسماعيل دعا وصيّه فقال: يا بنيّ إذا حضرك الموت فافعل كما فعلت فمن ذلك ليس يموت إمام إلّا أخبره الله إلى من
يوصي. (1)
4 - فس: أبي، عن النضر، عن هشام، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ إبراهيم علیه السلام كان نازلاً في بادية الشام فلمّا ولدله من هاجر إسماعيل علیه السلام اغتمّت سارة من ذلك غمّاً شديداً لأنّه لم يكن له منها ولد، وكانت تؤذي إبراهيم في هاجر فتغمّه فشكا إبراهيم ذلك إلى الله عزّ وجلّ، فأوحى الله إليه: إنّما مثل المرأة مثل الضلع العوجاء إن تركتها استمتعت بها، و إن أقمتها كسرتها. ثمّ أمره أن يخرج إسماعيل علیه السلام واُمّه عنها، فقال: ياربّ إلى أيّ مكان؟ قال: إلى حرمي و أمني و أوّل بقعة خلقتها من الأرض و هي مكّة، فأنزل الله عليه جبرئيل بالبراق فحمل هاجر و إسماعيل و إبراهيم علیه السلام و كان إبراهيم لا يمرّ بموضع حسن فيه شجر و نخل و زرع إلّا و قال: يا جبرئيل إلى ههنا إلى ههنا، فيقول جبرئيل: لا امض امض، حتّى وافى به مكّة، فوضعه في موضع البيت، و قد كان إبراهيم علیه السلام عاهد سارة أن لا ينزل حتّى يرجع إليها، فلمّا نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجر ، فألقت هاجر على ذلك الشجر كساءً كان معها فاستظلّوا تحته، فلمّا سرحهم إبراهيم و وضعهم و أراد الانصراف عنهم إلى سارة قالت له هاجر: يا إبراهيم لم تدعنا في موضع ليس فيه أنيس و لا ماء ولا زرع؟ فقال ابراهيم: الّذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان هو يكفيكم، ثمّ انصرف عنهم، فلمّا بلغ كدى هو هو جبل بذي طوى التفت إليهم إبراهيم فقال: «ربّنا إنّي أسكنت من ذريّتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم ربّنا ليقيموا الصلوة فاجعل أفئدةً من النّاس تهوي إليهم و ارزقهم من الثمرات لعلّهم يشكرون» ثمّ مضى و بقيت هاجر، فلمّا ارتفع النهار عطش إسماعيل و طلب الماء فقامت هاجر في موضع المسعى فنادت: هل في الوادي من أنيس؟ فغاب إسماعيل عنها فصعدت على الصفا و لمع لها السراب في الوادي وظنّت أنّه ماء، فنزلت في بطن الوادي وسعت فلمّا بلغت المسعى غاب عنها إسماعيل ثمّ لمع لها السراب في ناحية الصفا فهبطت إلى
1) علل الشرائع: 195-196.
الوادي تطلب الماء فلمّا غاب عنها إسماعيل عادت حتّى بلغت الصفا فنظرت حتّى فعلت ذلك سبع مرّات، فلمّا كان في الشوط السابع و هي على المروة نظرت إلى إسماعيل و قد ظهر الماء من تحت رجليه، فعدت حتّى جمعت حوله رملاً فإنّه كان سائلاً فزمتّه بما جعلته حوله فلذلك سميّت زمزم، و كان جرهم نازلة بذي المجاز و عرفات فلمّا ظهر الماء بمكّة عكفت الطير و الوحش على الماء، فنظرت جرهم إلى تعكّف الطير على ذلك المكان و اتّبعوها حتّى نظروا إلى امرأة وصبيّ نازلين في ذلك الموضع قد استظلّا بشجرة وقد ظهر الماء لهما، فقالوا لهاجر: من أنت؟ و ما شأنك و شأن هذا الصبيّ؟ قالت أنا اُمّ ولد إبراهيم خليل الرحمن، و هذا ابنه أمره الله أن ينزلنا ههنا، فقالوا لها: فتأذنين لنا أن نكون بالقرب منكم؟ قالت لهم: حتّى يأتي إبراهيم علیه السلام : فلمّا زارهم إبراهيم يوم الثالث قالت هاجر: يا خليل الله إنّ ههنا قوماً من جرهم يسألونك أن تأذن لهم حتّى يكونوا بالقرب منّا، أفتأذن لهم في ذلك؟ فقال إبراهيم: نعم، فأذنت هاجر لجرهم فنزلوا بالقرب منهم وضربوا خيامهم فأنست هاجر و إسماعيل بهم، فلمّا زارهم إبراهيم في المرّة الثالثة نظر إلى كثرة الناس حولهم فسرّ بذلك سروراً شديداً، فلمّا ترعرع إسماعيل علیه السلام و كانت جرهم قد وهبوا لإسماعيل كلّ واحد منهم شاةً و شاتين وكانت هاجر و إسماعيل يعيشان بها، فلمّا بلغ إسماعيل مبلغ الرجال أمر الله إبراهيم علیه السلام أن يبني البيت فقال: يا ربّ في أيّة بقعة قال: في البقعة الّتي اُنزلت على آدم القبّة فأضاه لها الحرم، فلم تزل القبّة الّتي أنزلها الله على آدم قائمة حتّى كان أيّام الطوفان أيّام نوح علیه السلام ، فلمّا غرقت الدنيا رفع الله تلك القبّة وغرقت الدنيا إلّا موضع البيت، فسميّت البيت العتيق لأنّه اُعتق من الغرق، فلمّا أمر الله عزّ و جلّ إبراهيم أن يبني البيت لم يدر في أيّ مكان يبنيه، فبعث الله جبرئيل علیه السلام فخطّ له موضع البيت، فأنزل الله عليه القواعد من الجنّة، وكان الحجر الّذي أنزل الله على آدم أشدّ بياضاً من الثلج، فلمّا مسّته أيدي الكفّار اسودّ، فبنى إبراهيم البيت و نقل إسماعيل الحجر من ذي طوى، فرفعه في السماء تسعة أذرع،
ثمّ دلّه على موضع الحجر فاستخرجه إبراهيم و وضعه في موضعه الّذي هو فيه الآن، وجعل له بابين باباً إلى المشرق، و باباً إلى المعرب، و الباب الّذي إلى المغرب يسمّي المستجار، ثمّ ألقی عليه الشجر و الأذخر، و علّقت هاجر على بابه كساءاًكان معها، وكانوا يكونون تحته، فلمّا بناه و فرغ منه حجّ إبراهيم وإسماعيل ونزل عليهما جبرئيل يوم التروية لثمان من ذي الحجّة فقال: يا إبراهيم قم فارتو من الماء، لأنّه لم يكن بمنى و عرفات ماء فسميّت التروية لذلك، ثمّ أخرجه إلى منى فبات بها ففعل به ما فعل بآدم علیه السلام، فقال إبراهيم علیه السلام لمّا فرغ من بناء البيت: «ربّ اجعل هذا بلداً آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر» قال: من ثمرات القلوب، أي حبّبهم إلى الناس لينتابوا إليهم و يعودوا إليه. (1)
أقول: قوله: (فلذلك سميّت) يحتمل أن يكون مبنيّاً على أنّ زمزم يكون بمعنى الخبس و المنع، أو الماء الممنوع من الجريان و إن لم يذكره اللّغويّون، و يحتمل أن يكون المراد أنّها لكثرتها وسيلانها قبل الزمّ سميّت زمزم، أو أنّها لمّا منعت من السيلان و احتبست كثرت في مكان واحد فلذلك سميّت به.
و قال الفيروز آباديّ: جرهم كقنفذ: حيّ من اليمن تزوّج فيهم إسماعيل علیه السلام و قال: ترعرع الصبيّ: تحرّك و نشأ. و الضمير في قوله: (اليه) راجع إلى البيت.
5 - ب: أبو البختري، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ علیه السلام إنّ الجمار إنّما رميت إنّ جبرئيل علیه السلام حين أرى إبراهيم علیه السلام المشاعر برزله إبليس فأمره جبرئيل أن يرميه فرماه بسبع حصيات، فدخل عند الجمرة الاُولى تحت الأرض فأمسك، ثمّ إنّه برزله عند الثانية فرماه بسبع حصيات اُخر فدخل تحت الأرض في موضع الثانية، ثمّ برزله في موضع الثالثة فرماه بسبع حصيات فدخل موضعها. (2)
6 - ن: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن إسماعيل بن همام عن الرضا علیه السلام أنّه قال
لرجل: ايّ شيء السكينة عندكم؟ فلم يدر القوم ماهي، فقالوا: جعلنا الله فداك ماهي؟ قال: ريح تخرج من الجنّة طيّبة، لها صورة كصورة الإنسان، تكون مع الأنبياء عليهم السلام و هي الّتي اُنزلت على إبراهيم علیه السلام حين بنى الكعبة فجعلت تأخذ كذا و كذا و يبني الأساس عليها. (1)
کا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد عن ابن فضّال، عنه علیه السلام مثله. (2)
عليّ، عن أبيه، عن ابن أسباط مثله. (3)
7 - ب: ابن عيسى، عن ابن أسباط قال: قلت لأبي الحسن علیه السلام : أصلحك الله ما السكينة؟ قال: ريح تخرج من الجنّة، لها صورة كصورة الإنسان، و رائحة طيّبة، و هي الّتي اُنزلت على إبراهيم علیه السلام فأقبلت تدور حول أركان البيت و هو يضع الأساطين الخبر. (4)
8 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن عليّ بن فضّال، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا أمر الله عزّ و جلّ إبراهيم و إسماعيل علیه السلام ببنيان البيت و تمّ بناؤه أمره أن يصعد ركناً ثمّ ينادي في الناس: ألاهلمّ الحجّ، فلونادى هلمّوا إلى الحجّ لم يحجَّ إلّا من كان يومئذ إنسيّاً مخلوقاً، و لكن نادى هلمّ الحجّ، فلبّی الناس في أصلاب الرجال: لبيّك داعي الله لبّيك داعي الله، فمن لبّى عشراً حجّ عشراً، و من لبّی خمساً حجّ خمساً، و من لبّی أكثر فبعدد ذلك، و من لبّی واحداً حجّ واحداً، و من لم يلبَّ لم يحجَّ. (5)
كا: العدّة، عن ابن عيسى مثله. (6)
9 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ إبراهيم علیه السلام لمّا خلّف إسماعيل بمكّة عطش الصبيّ و كان فيما بين الصفا
و المروة شجر فخرجت اُمّه حتّى قامت على الصفا فقالت: هل بالوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحدٌ، فمضت حتّى انتهت إلى المروة فقالت: هل بالوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحدُ، ثمّ رجعت إلى الصفا فقالت كذلك حتّى صنعت ذلك سبعاً، فأجرى الله ذلك سنّة، فأتاها جبرئيل علیه السلام فقال لها: من أنت؟ فقالت أنا اُمّ ولد إبراهيم. فقال: إلى من وكلكم؟ فقالت: أما إذا قلت ذلك فقد قلت له حيث أراد الذهاب: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ فقال: إلى الله عزّ و جلّ ، فقال جبرئيل علیه السلام : لقد وكلكم إلى كاف، قال: وكان الناس يتجنّبون الممّر بمكّة لمكان الماء، ففحص الصبيّ برجله فنبعت زمزم، و رجعت من المروة إلى الصبيّ و قد نبع الماء فأقبلت تجمع التراب حوله مخافة أن يسيح الماء و لو تركته لكان سيحاً، قال: فلمّا رأت الطير الماء حلقت عليه، قال: فمرّ ركب من اليمن فلمّا رأوا الطير حلقت عليه قالوا: ما حلقت إلّا على ماء فأتوهم فسقوهم من الماء و أطعموهم الركب من الطعام وأجرى الله عزّ و جلّ لهم بذلك رزقاً، فكانت الركب تمرّ بمكّة فيطعمونهم من الطعام و يسقونهم من الماء. (1)
كا: عليٌّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير مثله. (2)
10 - ع: أبي، عن سعد، عن أيّوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية ابن عمّار، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: صار السعي بين الصفا والمروة لأن إبراهيم علیه السلام عرض له إبليس فأمره جبرئيل علیه السلام فشدّ عليه، فهرب منه فجرت به السنّة، يعنى به الهرولة. (3)
11 - ع: أبي، عن سعد، عن أحمد و عبدالله ابني محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام : لم جعل السعي بين الصفا والمروة؟ قال: لأنّ الشيطان تراءى لإبراهيم علیه السلام في الوادي فسعى، و هو منازل الشيطان. (4)
12 - ع: حمزة العلويّ، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار قال:
سألت أبا عبد الله علیه السلام عن عرفات لم سميّت عرفات؟ فقال: إنّ جبرئيل علیه السلام خرج بإبراهيم علیه السلام يوم عرفة، فلمّا زالت الشمس قال له جبرئيل: يا إبراهيم اعترف بذنبك و اعرف مناسك، فسميّت عرفات لقول جبرئيل علیه السلام له: اعترف، فاعترف. (1)
13 - ع: أبي، عن سعد، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه عليّ بإسناده قال: قال أبو الحسن علیه السلام في الطائف: أتدري لمَ سمّي الطائف؟ قلت: لا، فقال: أنّ إبراهيم علیه السلام دعا ربّه أن يرزق أهله من كلّ الثمرات، فقطع لهم قطعة من الاُردّن فأقبلت حتّى طافت بالبيت سبعاً، ثمّ أقرّها الله عزّ وجلّ في موضعها ، فإنّها سميّت الطائف للطواف بالبيت. (2)
14 - ع: أبي، عن محمّد بن العطّار، عن العمركيّ، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى علیه السلام قال: سألته عن رمي الجمار لمَ جعل؟ قال: لأنّ إبليس اللّعين كان يتراءى لإبراهيم علیه السلام في موضع الجمار فرجمه إبراهيم فجرت السنّة بذلك. (3)
15 - ص: بالإسناد إلى الصّدوق عن أبيه، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله علیه السلام قال: كان لإبراهيم علیه السلام ابنان فكان أفضلهما ابن الأمة. (4)
16 - ص: بهذا الإسناد عن ابن أبي عمير، عن عبدالرحمن بن الحجّاج، عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله تعالى: «و امرأته قائمة فضحكت» یعنی حاضت و هي يومئذ ابنة تسعين سنة، و إبراهيم ابن مائة و عشرين سنة، قال: وإنّ قوم إبراهيم نظروا إلى إسحاق علیه السلام و قالوا: ما أعجب هذا و هذه! - يعنون إبراهيم وسارة أخذا - صبيّاً، و قالا: هذا ابننا يعنون إسحاق، فلمّا كبر لم يعرف هذا و هذا لتشابههما حتّى صار إبراهيم يعرف بالشيب قال: فثنّى إبراهيم لحيبته فرأى فيها طاقة بيضاء فقال: اللّهمّ ما هذا؟ فقال: وقار،
فقال: اللّهمّ زدني وقاراً. (1)
17 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن محمّد العطّار، عن ابن أبان، عن ابن اُورمة، عن عمر و بن عثمان، عن العبقريّ، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة ابن مضرّب، عن عليّ علیه السلام قال: شبّ إسماعيل و إسحاق فتسابقا، فسبق إسماعيل، فأخذه إبراهيم فأجلسه في حجره و أجلس إسحاق إلى جنبه، فغضبت سارة و قالت: أما إنّك قد جعلت أن لا تسوّي بينهما فاعزلها عنّي، فانطلق إبراهيم بإسماعيل وباُمّه هاجر حتّى أنزلهما مكّة فنفد طعامهم، فأراد إبراهيم أن ينطلق فيلتمس لهم طعاماً فقالت هاجر، إلى من تكلنا؟ :فقال: أكلكم إلى الله تعالى، و أصابهما جوع شديد فنزل جبرئيل و قال لهاجر: إلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله، قال: لقد وكلكما إلى كاف، و وضع جبرئيل يده في زمزم ثمّ طواها فإذا الماء قد نبع، فأخذت هاجر قربة مخافة أن يذهب، فقال جبرئيل: إنّها تبقی، فادعي ابنك فأقبل فشربوا وعاشوا حتّى أتاهم إبراهيم فأخبرته الخبر فقال: هو جبرئيل علیه السلام. (2)
18 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبان، عن عقبة، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ إسماعيل علیه السلام تزوّج امرأته من العمالقة يقال لها سامة، وإنّ إبراهيم علیه السلام اشتاق إليه فركب حماراً، فأخذت عليه سارة أن لا ينزل حتّى يرجع، قال: فأتاه و قد هلكت اُمّه فلم يوافقه و وافق امرأته فقال لها: أين زوجك؟ فقالت: خرج يتصيّد، فقال: كيف حالكم؟ فقالت: حالنا شديدةٌ و عيشنا شديدٌ، قال: ولم تعرض عليه المنزل فقال: إذا جاء زوجك فقولي له: جاء ههنا شيخ و هو يأمرك أن تغيّر عتبة بابك، فلمّا أقبل إسماعيل وصعد الثنية وجد ريح أبيه فأقبل إليها وقال: أتاك أحد؟ قالت: نعم شيخ قد سألني عنك، فقال لها: هل أمرك بشيء؟ قالت: نعم قال لي: إذا دخل
زوجك فقولي له: جاء شيخ و هو يأمرك أن تغيّر عتبة بابك، قال: فخلّى سبيلها، ثمّ إنّ إبراهيم علیه السلام ركب إليه الثانية فأخذت عليه سارة أن لا ينزل حتّى يرجع فلم يوافقه و وافق امرأته فقال: أين زوجك؟ قالت: خرج عافاك الله للصيد، فقال: كيف أنتم؟ فقالت: صالحون، قال: وكيف حالكم؟ قالت: حسنة و نحن بخير انزل يرحمك الله حتّى يأتي، قال: فأبى و لم تنزل به تريده على النزول فأبى، قالت: أعطني رأسك حتّى أغسله فإنّي أراه شعثاً، فجعلت له غسولاً ثمّ أدنت منه الحجر فوضع قدمه عليه فغسلت جانب رأسه، ثمّ قلّبت قدمه الاُخرى فغسلت الشقّ الآخر، ثمّ سلّم عليها وقال: إذا جاء زوجك فقولي له: قد جاء ههنا شيخ و هو يوصيك بعتبة بابك خيراً، ثمّ إنّ إسماعيل علیه السلام أقبل فلمّا انتهى إلى الثنية وجد ريح أبيه فقال لها: هل أتاك أحدُ؟ قالت: نعم شيخ و هذا أثر قدميه، فأكبّ على المقام و قبّله، و قال: شكا إبراهيم إلى الله تعالى ما يلقى من سوء خلق سارة فأوحى الله تعالى إليه إنّ مثل المرأة مثل الضلع الأوج، إن تركته استمتعت به، و إن أقمته كسرته، وقال: إنّ إبراهيم علیه السلام تزوّج سارة و كانت من أولاد الأنبياء على أن لا يخالفها و لا يعصي لها أمراً فيما وافق الحقّ، و إنّ إبراهيم كان يأتي مكّة من الحيرة في كلّ يوم. (1)
19 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ابن المتوكّل، عن الحميريّ، عن ابن محبوب، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: إنّ إبراهيم علیه السلام استأذن سارة أن يزور إسماعيل بمكّة فأذنت له على أن لا يبيت عنها ولا ينزل عن حماره قلت: كيف كان ذلك؟ قال: طويت له الأرض. (2)
20 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ماجيلويه، عن عمّه، عن البرقيّ، عن أحمد ابن محمّد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ إسماعيل علیه السلام توفّي و هو ابن مائة و ثلاثين سنة، ودفن بالحجر مع اُمّه، فلم يزل بنو إسماعيل ولاة الأمر يقيمون للناس حجّهم و
أمر دينهم يتوارثونها كابر عن كابر حتّى كان زمن عدنان بن اُدد. (1)
21 - ك: أبي، عن أحمد بن إدريس و محمّد العطّار، عن الأشعريّ، عن محمّد بن يوسف التميميّ، عن الصادق، عن أبيه، عن جدّه، عن جدّه علیهم السلام ، عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال: عاش إسماعيل بن إبراهيم علیه السلام مائة و عشرين سنة، و عاش إسحاق بن إبراهيم علیه السلام مائة و ثمانين سنة. (2)
22 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار قال: سألته عن السعي فقال: إنّ إبراهيم علیه السلام لمّا خلّف هاجر و إسماعيل بمكّة عطش إسماعيل فبكى فخرجت حتّى علت على الصفا و بالوادي أشجار، فنادت: هل بالوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحدٌ فانحدوت حتّى علت على المروة فنادت: هل بالوادي من أنيس؟ فلم تزل تفعل ذلك حتّى فعلته سبع مرّات. فلمّا كانت السابعة هبط عليها جبرئيل علیه السلام فقال لها: أيّتها المرأة من أنت؟ فقالت: أناها جراُمّ ولد إبراهيم، قال لها: وإلى من خلّفك؟ قالت: أمّا إذا قلت ذلك لقد قلت له: يا إبراهيم إلى من تخلّفني ههنا؟ فقال: إلى الله عزّ و جلّ اُخلّفك فقال لها جبرئيل علیه السلام : نعم ما خلّفك إليه، لقد وكلكم إلى كاف فارجعي إلى ولدك، فرجعت إلى البيت و قد نبعت زمزم و الماء ظاهر يجري فجمعت حوله التراب فحبسه، قال أبو عبد الله علیه السلام : لو تركته لكان سيحاً . ثمّ قال: مرّ ركب من اليمن ولم يكونوا يدخلون مكّة فنظروا إلى الطير مقبلة على مكّة من كلّ فجّ فقالوا: ما أقبلت الطير على مكّة إلّا وقد رأت الماء فمالوا إلى مكّة حتّى أتوا موضع البيت فنزلوا و استقوا من الماءِ و تزودّوا ما يكفيهم و خلّفوا عندهما من الزاد ما يكفيهما، فأجرى الله لهم بذلك رزقاً. (3)
23 - كا: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان الأحمر،
عن محمّد الواسطيّ قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : إنّ إبراهيم شكا إلى الله عزّ و جلّ ما يلقی من سوء خلق سارة، فأوحى الله عزّ و جلّ إليه: إنّما مثل المرأة مثل الضلع المعوج، إن أقمته كسرته، و إن تركته استمتعت به اصبر عليها. (1)
24 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن الحجر أمن البيت هو أو فيه شيء من البيت؛ فقال: لا و لاقلامة ظفر، و لكن إسماعيل علیه السلام دفن اُمّه فيه فكره أن توطأ فحجّر عليه حجراً و فيه قبور أنبياء. (2)
25 - كا: عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الوليد شباب الصيرفيّ عن معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد الله علیه السلام دفن في الحجر ممّا يلي الركن الثالث عذارى بنات إسماعيل. (3)
1 - ن، ل: القطّان، عن أحمد الهمدانيّ، عن عليّ بن الحسن بن فضّال، عن أبيه قال: سألت أبا الحسن الرّضا علیه السلام عن معنى قول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم : أنا ابن الذبيحين، قال: يعني إسماعيل بن إبراهيم الخليل، و عبدالله بن عبد المطلّب أمّا إسماعيل فهو الغلام الحليم الّذي بشّر الله به إبراهيم «فلمّا بلغ معه السمي قال يا بنيّ إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك فانظر ماذاترى قال يا أبت افعل ما تؤمر» و لم يقل له يا أبت افعل ما رأيت «ستجدني إن شاء الله من الصابرين» فلمّا عزم على ذبحه فداه الله بذبح عظيم بكبش أملح يأكل في سواد، و يشرب في سواد، و ينظر في سواد، و يمشى في سواد، و يبول و يبعر في سواد، وكان يرتع قبل ذلك في رياض الجنّة أربعين عاماً، و ما خرج من رحم أنثى، وإنّما قال الله جلّ و عزّ له: کن فکان، لیفتدی به إسماعيل، فكلّما يذبح بمنى فهو فدية لإسماعيل إلى يوم القيامة، فهذات أحد الذبيحين.
أقول: ثمّ ساق الخبر و ذكر قصّة عبدالله و سيجيء الخبر بتمامه. (1)
ثمّ قال الصدوق رحمه الله: قد اختلف الروايات في الذبيح، فمنها ما ورد بأنّه إسماعيل، و منها ما ورد بأنّه إسحاق، ولا سبيل إلى ردّ الأخبار متى صحّ طرقها، وكان الذبيح إسماعيل
1) عيون الاخبار: 117؛ الخصال 29:1.
لكنّ إسحاق لمّا ولد بعد ذلك تمنّى أن يكون هو الّذي اُمر أبوه بذبحه فكان يصبر لأمر الله و يسلم له كصبر أخيه و تسليمه فينال بذلك درجته في الثواب، فعلم الله عزّ و جلّ ذلك من قلبه فسماّه بين ملائكته ذبيحاً لتمنيّه لذلك.
و حدّثنا بذلك محمّد بن عليّ بن بشّار، عن المظفّر بن أحمد القزوينيّ، عن محمّد بن جعفر الكوفيّ الأسديّ، عن محمّد بن إسماعيل البرمكيّ، عن عبدالله بن داهر، عن أبي قتادة الحرّاني، عن وكيع ابن الجرّاح، عن سليمان بن مهران، عن أبي عبدالله الصادق جعفربن محمّد علیه السلام.
و قول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم: «أنا ابن الذبيحين» يؤيّد ذلك، لأنّ العمّ قد سماّه الله عزّ و جلّ أباً في قوله: «أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك و إله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق» (1)وكان إسماعيل عمّ يعقوب فسماّه الله في هذا الموضع أباً، وقد قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم : «العمّ والدٌ» فعلى هذا الأصل أيضاً يطّرد قول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم : «أنا ابن الذبيحين» أحدهما ذبيحُ بالحقيقة، والآخر ذبيحٌ بالمجاز، و استحقاق الثواب على النيّة و التمنّي، فالنبيّ صلی الله علیه و آله و سلم هو ابن الذبيحين من وجهين على ما ذكرناه.
و للذبح العظيم وجه آخر: حدّثنا ابن عبدوس، عن ابن قتبية، عن الفضل قال: سمعت الرضا علیه السلام يقول: لمّا أمر الله عزّ و جلّ إبراهيم أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الّذي أنزله عليه تمنّى إبراهيم أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده، وأنّه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجع إلى قلب الوالد الّذي يذبح أعزّ ولده عليه بيده فيستحقّ بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، فأوحى الله عزّ و جلّ إليه: يا إبراهيم من أحبّ خلقي إليك؟ فقال: يا ربّ ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ من حبيبك محمّد، فأوحى الله إليه: أفهو أحبّ إليك أم نفسك؟ قال بل هو أحبّ إليّ من نفسي، قال: فولده أحبّ إليك أم ولدك؟ قال: بل ولده، قال:
1) البقره / 133.
فذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟ قال: يا ربّ بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي قال: يا إبراهيم فإنّ طائفة تزعم أنّها من اُمّة محمّد ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يذبح الكبش، و يستوجبون بذلك سخطي؛ فجزع إبراهيم لذلك و توجّع قلبه و أقبل يبكي، فأوحى الله عزّ و جلّ: يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين و قتله، و أوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، وذلك قول الله عزّ و جلّ: «وفديناه بذبح عظيم». (1)
أقول: قدروى هذا الخبر في «ن» أيضاً. (2)
2 - فس: أبي، عن فضالة بن أيّوب، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبدالله علیه السلام إنّ إبراهيم أتاه جبرئيل علیه السلام عند زوال الشمس من يوم التروية، فقال، يا إبراهيم ارتو من الماء لك و لأهلك، و لم يكن بين مكّة و عرفات ماء فسميّت التروية لذلك، فذهب به حتّى انتهى به إلى منى فصلّى به الظهر و العصر و العاشئين و الفجر حتّى إذا بزغت الشمس خرج إلى عرفات فنزل بنمرة و هي بطن عرنة، فلمّا زالت الشمس خرج و قد اغتسل فصلّى الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين، وصلّى في موضع المسجد الّذي بعرفات و قد كانت ثمّ أحجاز بيض فاُدخلت في مسجد الّذي بنى، ثمّ مضى به إلى الموقف فقال: يا إبراهيم اعترف بذنبك، و اعرف مناسكك؛ ولذلك سميّت عرفة، و أقام به حتّى غربت الشّمس، ثمّ أفاض به فقال: يا إبراهيم ازدلف إلى المشعر الحرام فسميّت المزدلفة، و أتى به المشعر الحرام فصلّى به المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين ثمّ بات بها حتّى إذا صلّى بها صلاة الصبح أراه الموقف، ثم أفاض به إلى منى فأمره فرمي جمرة العقبة، و عندها ظهر له إبليس، ثمّ أمره بالذّبح و إنّ إبراهيم علیه السلام حين أفاض من عرفات بات على المشعر الحرام و هو قزح فرأي في النوم أن يذبح ابنه، وقد كان حجّ بوالدته فلمّا انتهى إلى منى رمي الجمرة هو و أهله، و أمر
سارة أن زوري البيت، و احتبس الغلام فانطلق به إلى موضع الجمرة الوسطى فاستشار ابنه و قال كما حكى الله: «يا بنيّ إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك فانظر ماذا ترى» فنال الغلام كما ذكر الله: امض لما أمرك الله به «يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين» و سلّما لأمر الله و أقبل شيخ فقال: يا إبراهيم ما تريد من هذا الغلام؟ قال: اُريد أن أذبحه، فقال: سبحان الله تذبح غلاماً لم يعص الله طرفة عين، فقال إبراهيم: إنّ أمرني بذلك، فقال: ربّك ينهاك عن ذلك، و إنّما أمرك بهذا الشيطان، فقال له إبراهيم: ويلك إنّ الّذي بلغني هذا المبلغ هو الّذي أمرني به و الكلام الّذي وقع في اُذني فقال: لا والله ما أمرك بهذا إلّا الشيطان، فقال إبراهيم: لا و الله لا اُكلّمك، ثمّ عزم على الذبح فقال: يا إبراهيم إنّك إمام يقتدى بك، وإنّك إن ذبحته ذبح الناس أولادهم، فلم يكلّمه و أقبل على الغلام و استشاره في الذبح فلمّا أسلما جميعاً لأمر الله قال الغلام: يا أبتاه خمّر وجهي، و شدّ وثاقي، فقال إبراهيم: يا بنيّ الوثاق مع الذبح؟ لا والله لا أجمعها عليك اليوم، فرمى له بقرطان الحمار، ثمّ أضجعه عليه، وأخذ المدية فوضعها على حلقه و رفع رأسه إلى السماء، ثمّ انتحى عليه المدية و قلب جبرئيل المدية على قفاها، و اجترّ الكبش من قبل ثبير و أثار الغلام من تحته، و وضع الكبش مكان الغلام، و نودي من ميسرة مسجد الخيف: «أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا إنّا كذلك نجزي المحسنين ٭ إنّ هذا لهو البلاء المبين» قال: و لحق إبليس باُمّ الغلام حين نظرت إلى الكعبة في وسط الوادي بحذاء البيت فقال لها: ما شيخ رأيته؟ قالت: ذاك بعلي، قال: فوصيف رأيته معه؟ قالت: ذاك ابني، قال: فإنّي رأيته و قد أضجعه و أخذ المدية ليدبحه، فقالت: كذبت إنَّ إبراهيم أرحم الناس كيف يذبح ابنه؟! قال: فو ربّ السّماء و الأرض و ربّ هذا البيت لقدرأيته أضجعه و أخذ المدية، فقالت: و لم؟ قال : زعم أنّ ربّه أمره بذلك، قالت: فحقّ له أن يطيع ربّه؛ فوقع في نفسها أنّه قد اُمر في ابنها بأمر، فلمّا قضت نسكها أسرعت في الوادي راجعة إلى منى و هي واضعة يدها على رأسها تقول: يا ربّ لا تؤاخذني بما عملت باُمّ إسماعيل. قلت:
فأين أراد أن يذبحه؟ قال: عند الجمرة الوسطى. قال: ونزل الكبش على الجبل الّذي عن يمين مسجد منى نزل من السماء و كان يأكل في سواد، و يمشي في سواد، أقرن. قلت: ما كان لونه؟ قال: كان أملح أغبر.
3 - كا: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد؛ و الحسين ابن محمّد، عن عبدويه بن عامر جميعاً، عن البزنطيّ، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر و أبي عبدالله علیهما السلام مثل مامرّ في خبر معاوية، و فيه: ثمّ انتحى عليه فقلبها جبرئيل عن حلقه فنظر إبراهيم فإذا هي مقلوبة، فقلبها إبراهيم على حدّها، و قلّبها جبرئيل على قفاها، ففعل ذلك مراراً، ثمّ نودي من ميسرة مسجد الخيف: يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا، واجترّ الغلام من تحته. و في آخره: قال: فلمّا جاءت سارة فأخبرت الخبر قامت إلى ابنها تنظر فإذاً أثّر السكّين خدوشاً في حلقه، ففزعت و اشتكت و كان بدو مرضها الّذي هلكت فذكر أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر علیه السلام قال: أراد أن يذبحه في الموضع الّذي حملت اُمّ رسول الله عند الجمرة الوسطى، فلم يزل مضربهم يتوارثونه كابراً عن كابر حتّى كان آخر من ارتحل منه عليّ بن الحسين علیه السلام في شيء كان بين بني هاشم و بين بني اُميّة فارتحل فضرب بالعرين. (1)
4 - ب: محمّد بن عبدالحميد، عن الحسن بن عليّ بن فضّال قال: سأل الحسين بن أسباط باالحسن الرّضا علیه السلام - و أنا أسمع - عن الذبيح إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: إسماعيل أما سمعت قول الله تبارك و تعالى: «و بشّرناه بإسحق»؟ (2)
5 - ل، ع، ن: سأل الشاميّ أمير المؤمنين علیه السلام عن ستّة لم يركضوا في رحم، فقال: آدم و حوّاء، و كبش إبراهيم، و عصا موسى، وناقة صالح، و الخفّاش الّذي عمله عيسى ابن
مريم فطار بإذن الله عزّ و جلّ. (1)
6 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن جعفر بن عنبسة بن عمرو، عن سليمان ابن يزيد، عن الرضا، عن آبائه عن عليّ علیهم السلام قال: الذبيح إسماعيل. (2)
7 - مع: ابن المتوكّل، عن الحميريّ، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن داودبن كثير الرقّيّ قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : أيّهما كان أكبر إسماعيل أو إسحاق؟ و أيّهما كان الذبيح؟ فقال: كان إسماعيل أكبر من إسحاق بخمس سنين، وكان الذبيح إسماعيل، وكانت مكّة منزل إسماعيل، و إنّما أراد إبراهيم أن يذبح إسماعيل أيّام الموسم بمنى. قال: وكان بين بشارة الله لإبراهيم بإسماعيل و بين بشارته بإسحاق خمس سنين، أما تسمع لقول إبراهيم علیه السلام حيث يقول: «ربّ هب لي الصالحين» إنّما سأل الله عزّ و جلّ أن يرزقه غلاماً من الصالحين، وقال في سورة الصافّات: «فبشّرناه بغلام حليم» يعني إسماعيل من هاجر، قال: ففذي إسماعيل بكبش عظیم، فقال ابو عبد الله علیه السلام : ثمّ قال: «و بشّرناه بإسحاق نبيّاً من الصّالحين ٭ و باركنا عليه و على إسحق» يعني بذلك إسماعيل قبل البشارة بإسحاق، فمن زعم أنّ إسحاق أكبر من إسماعيل و أنّ الذّبيح إسحاق فقد كذب بما أنزل الله عزّ و جلّ في القرآن من نبأهما. (3)
ص: بإسناده إلى الصدوق مثله. (4)
8 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن سعد بن سعد، عن أبي الحسن علیه السلام قال: لو علم الله عزّ و جلّ شيئاً أكرم من الضأن لفدى به إسماعيل علیه السلام. (5)
9 - كا: عليّ، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد و ابن محبوب، عن العلاء، عن محمّد قال:
سألت أبا جعفر علیه السلام أين أراد إبراهيم علیه السلام أن يذبح ابنه؟ قال: على الجمرة الوسطى، و سألته عن كبش أبراهيم علیه السلام : ما كان لونه؟ و أين نزل؟ فقال: أملح، وكان أقرن، ونزل من السماء على الجبل الأيمن من مسجد منى، وكان يمشي في سواد، ويأكل في سواد و ينظر و يبعر و يبول في سواد.
فوائد لابدّ من التعرّض لها.
الاولى: في تعيين الذبيح، قال الرازيّ في تفسيره: اختلفوا في أنّه هذا الذبيح من هو؟ فقيل: إنّه إسحاق وقيل: إنّ هذا قول عمرو عليّ و العبّاس بن عبد المطّلب و ابن مسعود و كعب الأحبار وقتادة و سعيد بن جبير و مسروق و عكرمة والزهريّ والسديّ و مقاتل: و قيل: إنّه إسماعيل و هو قول ابن عبّاس و ابن عمرو سعيد بن المسيبّ و الحسن و الشعبيّ و مجاهد و الكلبيّ.
واحتجّ القائلون بأنّه إسماعيل بوجوه:
الأوّل: أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال: «أنا ابن الذبيحن» وقال له أعرابيُّ: يا ابن الذبيحن فتبسم فسئل عن ذلك فقال: إن عبدالمطلب لمّا حفر بئر زمزم نذر إن سهّل الله له أمرها ليذبحنّ أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله و قالواله: افد ابنك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل؛ والذبيح الثاني إسماعيل.
الحجّة الثانيه: نقل عن الأصمعي أنّه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: أباأصمعي أين عقلك؟ ومتى كان إسحاق بمكة؟ و إنّما كان إسماعيل بمكة و هو الّذي بنى البيت مع أبيه و النحر بمكة.
الحجّة الثالثة: أنّ الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر دون إسحاق في قوله: «و إسماعيل و اليسع وذالكفل كلّ من الصابرين» و هو صبره على الذبح فوفي به.
الحجّة الرابعة: قوله تعالى: «وبشّرناه بإسحق و من وراء إسحق يعقوب» فنقول:
لو كان الذبيح إسحاق لكان الأمر بذبحه قبل ظهور يعقوب منه أو بعد ذلك، والأوّل باطل لأنّه تعالى لمّا بشّره باسحاق و بشّر معه بأنّه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه و إلّا حصل الخلف في قوله: «ومن وراء إسحق يعقوب» والثاني باطل لأنّ قوله: «فلمّا بلغ معه السعي قال يا بنيّ إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك» يدلّ على أنّ ذلك الابن لمّا قدر على السعي و وصل إلى حدّ القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه، وهذه تنافي وقوع هذه القصّة في زمان آخر، فثبت أنّه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحاق.
الحجّة الخامسه: حكى الله تعالى عنه أنّه قال: «إنّه ذاهب إلى ربي سيهدين» ثّم طلب من الله تعالى ولداً ليستأنس به في غربته قال: «ربّ هب لي من الصالحين» و هذا السوال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد، لأنه لو حصل ولد واحد لما طلب الولد الواحد لأن طلب الحاصل محالٌ وقوله: «هب لي من الصالحين» لا يفيد إلّا طلب الواحد، وكلمة من للتبعيض وأقلّ درجات البعضية الواحد، فكان قوله: «من الصالحين» لا يفيد إلّا طلب الولد الواحد، قثبت أنّ هذا السؤال لا يحسن إلّا عند عدم كلّ الأولاد فثبت أنّ هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأوّل و أجمع الناس على أنّ إسماعيل متقدّم في الوجود على إسحق فثبت أنّ المطلوب بهذا الدعاء هو إسماعيل: ثّم إن الله تعالى ذكر عقيبه قصّه الذبح، فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل.
الحجّة السادسة: الأخبار كثيرة في تعليق قرني الكبش بالكعبة وكان الذبح بمكةّ ولوكان الذبيح إسحاق لكان الذبح بالشام.
واحتجّ من قال بأنّه إسحاق بأن أوّل الآية وآخرها يدلّ على ذلك، أمّا أولها فإنّه تعالى حكى عن إبراهيم علیه السلام قبل هذه الآية أنّه قال: «إني ذاهب إلى ربّي سيهدين» وأجمعوا على أنّ المراد مهاجرته إلى الشام، ثّم قال: «فبشرناه بغلام حليم» فوجب أن يكون هذا الغلام الحليم قد حصل له في الشام، و ذلك الغلام ليس إلّا إسحاق، ثمّ قال: بعده، «فلمّا بلغ معه
السعي» هو ذلك الغلام الّذي حصل في الشام، فثبت أنّ مقدمة هذه الآية تدلّ على أنّ الذبيح هو إسحاق و أمّا مؤخّرة الآية فهي أيضاً تدلّ على ذلك لأنّه تعالى لمّا تمّم قصّة الذبيح قال بعده: «وبشرناه بإسحاق نبيّاً من الصالحين» ومعناه أنّه بشّره بكونه نبيّاً من الصحالين، و ذكر هذه البشارة عند حكاية تلك القصّة يدلّ على أنّه تعالى إنّما بشّره بهذه النبوّة لأجل أنّه تحمّل الشدائد في قصّة الذبح فثبت لما ذكرنا أنّ الآية و آخرها يدلّ على أنّ الذبيح هو إسحاق علیه السلام.
الحجّة الثانيه: ما اشتهر من كتاب يعقوب علیه السلام من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبیح الله ابن إبراهيم خليل الله .
فهذا جملة الكلام في هذا الباب، وكان الزجّاج يقول الله أعلم أيّهما الذبيح.
و اعلم أنّه يتفرّع على ما ذكرناه اختلافهم في موضع الذبح فالّذين قالوا: الذبيح هو إسماعيل قالوا: المذبح بمنى، والّذين قالوا: إنّه إسحاق قالوا: هو بالشام، وقيل: بيت المقدس. والله أعلم انتهى. (1)
و قال الشيخ أمين الدين الطبرسي قدّس الله روحه بعد ذكر القولين: وكلا القولين قدرواه أصحابنا عن أئمّتنا علیهم السلام إلّا أنّ الأظهر في الرواايت أنّه إسماعيل، ثّم ذكر بعض ما مرّ من الوجوه ثم قال: و حجّة من قال: إنّه إسحاق أنّ أهل الكتابين أجمعوا على ذلك، و جوابه أنّ إجماعهم ليس بحجة، وقولهم غير مقبول، و روی محمّد بن إسحاق عن محمّد بن كعب القرظيّ قال: كنت عند عمر بن عبدالعزيز فسألني عن الذبيح، فقلت: إسماعيل و استدللت بقوله: «وبشرناه بإسحق نبيّاً من الصالحين» فأرسل إلى رجل بالشام كان يهوديّاً وأسلم و حسن إسلامه وكان يرى أنّه من علماء اليهود فسأله عمر بن عبدالعزيز عن ذلك و أنا عنده فقال: إسماعيل، ثمّ قال: والله يا أمير المؤمنين إنّ اليهود ليعلم ذلك ولكنّهم
1) مفاتيح الغيب 155:7-156.
يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أبوكم الّذي كان من أمر الله فيه ماكان، فهم يجحدون ذلك و يزعمون أنّه إسحاق لأنّ إسحاق أبوهم انتهى. (1)
أقول: لا يخفى ضعف ما احتجوّا به على القول الأخير سوى الأخبار الدالّة على ذلك لكن يعارضها ما هو أكثر وأصحّ منها، ويويّدها ما ذكر من الوجوه أوّلاً وإن كان بعضها لا يخلو من وهن، واشتهار هذا القول بين علماء الشيعة و محدّثيهم في جميع الأعصار. و أمّا الجمع بين الأخبار فيمكن حمل الأخبار الدالّة على المذهب الثاني على التقيّة بأن يكون زمان صدور الخبر هذا القول أشهر بين علماء المخالفين، و يمكن حمل بعضها على ما مرّ في الخبر من تمنّي الذبح، و يمكن الجمع أيضاً بالقول بوقوعها معاً إن لم ينعقد إجماع على كون الذبيح أحدهما.
و قال الكلينيّ بعد أن رواية عقبة بن بشير عن أحدهما علیهما السلام ، إنّ إبراهيم علیه السلام أذّن في الناس بالحجّ، وكان أوّل من أجابه من أهل اليمن، قال: و حجّ إبراهيم علیه السلام هو و أهله و ولده؛ و قال: فمن زعم أنّ الذبيح هو إسحاق فمن ههنا كان ذبحه.
و ذكر عن أبي بصير أنّه سمع أبا جعفر و أبا عبد الله علیهما السلام يزعمان أنّه إسحاق، وأمّا زرارة فزعم أنّه إسماعيل. (2)
و غرضه رحمه الله من هذا الكلام رفع استبعاد عن كون إسحاق ذبيحاً بأنّ إسحاق كان بالشام، والّذي كان بمكّة إسماعيل علیه السلام ، فكون إسحق ذبيحاً مستبعدٌ، فذفع هذا الاستبعاد بأنّ هذا الخبر يدلّ على أنّ إبراهيم علیه السلام قد حجّ معه أهله و ولده، فيمكن أن يكون الأمر بذبح إسحاق في هذا الوقت، ويظهر منه رحمه الله أنّه في ذلك من المتوقّفين.
و قال الطبرسيّ رحمه الله و من قال: إنّ الذبيح إسماعيل فمنهم محمّد بن إسحاق بن بشّار، و ذكر أنّ إبراهيم كان إذا زار إسماعيل و هاجر حمل على البراق فيغدو من الشام
فيفيل بمكّة، و يروح من مكّة فيبيت عند أهله بالشّام حتّى إذا بلغ السعي اُري في المنام أن يذبحه، فقال له: يا بنيّ خذ الحبل و المدية ثمّ انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب فلمّا خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما قد ذكره الله عنه، فقال: يا أبت اشدد رباطي حتّى لا أضطرب، واكفف عنّي ثيابك حتّى لا ينتضح من دمي شيء فتراه اُمّي، و اشحذ شفرتك، و اسرع مرّ السكّين على حلقي ليكون أهون عليّ، فإنّ الموت شديدٌ، فقال له إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله؛ ثمّ ذكر نحواً ممّا تقدّم ذكره.
وروى العيّاشيّ بإسناده عن بريد بن معاوية العجليّ قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : كم كان بين بشارة إبراهيم بإسماعيل و بين بشارته بإسحاق؟ قال: كان بين البشارتين خمس سنين، قال الله سبحانه: «فبشّرناه بغلام حليم» يعني إسماعيل، و هي أوّل بشارة بشّر الله بها إبراهيم في الولد، و لمّا ولد لإبراهيم إسحاق من سارة وبلغ إسحاق ثلاث سنين أقبل إسماعيل الى إسحاق و هو في حجر إبراهيم فنحّاه و جلس في مجلسه فبصرت به سارة فقالت: يا إبراهيم ينحيّ ابن هاجر ابني من حجرك و يجلس هو مكانه! لا والله لا يجاورني هاجر و ابنها في بلاد أبداً، فنحّهما عنّي، وكان إبراهيم مكرماً لسارة يعزّها و يعرف حقّها، و ذلك أنّها كانت من ولد الأنبياء و بنت خالته، فشقّ ذلك على إبراهيم و اغتمّ لفراق إسماعيل، فلمّا كان في اللّيل أتى إبراهيم آت من ربّه فأراه الرؤيا في ذبح ابنه إسماعيل بموسم مكّة، فأصبح إبراهيم حزيناً للرّؤيا الّتي رآها، فلمّا حضر موسم ذلك العام حمل إبراهيم هاجر إسماعيل في ذي الحجّة من أرض الشام فانطلق بهما إلى مكّة ليذبحه في الموسم فبدأ بقواعد البيت الحرام، فلمّا رفع قواعده و خرج إلى منى حاجّاً و قضى نسكه بمنى رجع إلى مكّة فطافا بالبيت اُسبوعاً ثمّ انطلق إلى السعى، فلمّا صارا في المسعى قال إبراهيم لإسماعيل: يا نبيّ إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك في الموسم عامي هذا، فما ذاترى؟ قال: يا أبت افعل ما تؤمر، فلمّا فرغا من سعيهما انطلق به إبراهيم إلى منى وذلك يوم النحر، فلمّا انتهى به إلى الجمرة الوسطى
و أضجعه لجنبه الأيسر وأخذ السكّين ليذبحه نودي: «أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا» إلى آخره، و فدي إسماعيل بكبش عظيم فذبحه و تصدّق بلحمه على المساكين.
و عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه سئل عن صاحب الذبح، قال: هو إسماعيل.
و عن زياد بن سوقة عن أبي جعفر علیه السلام قال: سألته عن صاحب الذبح فقال: إسماعيل علیه السلام انتهى. (1)
اقول: هذه الأخبار المعتبرة أيضاً مصرّحة بكون الذبيح إسماعيل، وسيأتي في كتاب الدعاء وكتاب المزار في تضاعيف الدعوات و الزيارات ما يدلّ على ذلك أيضاً.
الثانية في كيفيّة هذا الأمرو رفعه:
قال الرازيّ اختلف الناس في أنّ إبراهيم علیه السلام هل كان مأموراً بماذا، وهذا الاختلاف متفرّع على مسألة من مسائل اُصول الفقه، و هي أنّه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور مدّة الامتثال؟ فقال: أكثر أصحابنا أنّه يجوز، وقالت المعتزلة وكثيرٌ من فقهاء الشافعيّة و الحنفيّة: إنّه لا يجوز، فعلى القول الأوّل إنّ الله تعالى أمره بالذبح، و على القول الثاني لم يأمره بالذبح و إنّما أمره بمقدّمات الذبح، و هذه مسألة شريفة من مسائل باب النسخ، و احتجّ أصحابنا على أنّه يجوز نسخ الأمر قبل مجيء مدّة الامتثال بأنّ الله تعالى أمر إبراهيم علیه السلام بذبح ولده، ثمّ إنّه تعالى نسخه عنه قبل إقدامه عليه، و ذلك يفيد المطلوب؛ و إنّما قلنا إنّه تعالى أمره بذبح الولد لوجهين:
الأوّل: أنّه علیه السلام قال لولده: «إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك» فقال الولد: «افعل ما تؤمر» و هذا يدلّ على أنّه علیه السلام ما كان مأموراً بمقدَّمات الذبح بل بنفس الذبح، ثمّ إنّه أتى بمقدّمات الذبح و أدخلها في الوجود، فحينئذ يكون قد اُمر بشيء و قد أتى به، و في هذا الموضع لا
1) مجمع البيان 454:8-455 .
يحتاج إلى الفداء، لكنّه احتاج إلى الفداء بدليل قوله تعالى: «وفديناه بذبح عظيم» فدلّ هذا على أنّه لما أتى بالمأمور به و قد ثبت أنّه أتى بكلّ مقدّمات الذبح، فهذا يدلّ على أنّه تعالى كان قد أمره بنفس الذبح، فإذا ثبت هذا فنقول: إنّه تعالى نسخ ذلك الحكم قبل إثباته، وذلك يدلّ على المقصود.
و قالت المعتزلة: لا نسلّم أنّ الله تعالى أمره بذبح الولد، بل نقول: إنّه تعالى أمره بمقدّمات الذبح، و يدلّ عليه وجوه:
الأوّل: أنّه ما أتى بالذبح و إنّما أتى بمقدّمات الذبح، ثمّ إنّ الله تعالى أخبر عنه بأنّه أتى ما اُمر به بدلیل قوله تعالى: «و ناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا» و ذلك يدلّ على أنّه تعالى إنّما أمره في المنام بمقدّمات الذبح لا بنفس الذبح، و تلك المقدّمات عبارة عن إضجاعه و وضع السكّين على حلقه و العزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل.
الثاني: الذبح عبارةٌ عن قطع الحلقوم، فلعلّ إبراهيم علیه السلام قطع الحلقوم إلّا أنّه كلّما قطع جزءاً أعاده الله التأليف، فلهذا السبب لم يحصل الموت.
و الوجه الثالث: و هو الّذي عليه تعويل القوم أنّه تعالى لو أمر شخصاً معيّناً بإيقاع فعل معيّن في وقت معيّن فهذا يدلّ على أنّ إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت حسنٌ، فإذا نهي عنه فذلك النهي يدلّ على أنّ أيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت قبيح، فلو حصل هذا النهي عقيب ذلك الأمر لزم أحد أمرين، لأنّه تعالى إن كان عالماً بحال ذلك الفعل لزم أن يقال: أمر بالقبيح أونهى عن الحسن، و إن لم يكن عالماً به لزم جهل الله تعالى و إنّه محال فهذا تمام الكلام في هذا الباب.
و الجواب عن الأوّل أنّا قد دلّلنا على أنّه تعالى إنّما أمره بالذبح، أمّا قوله تعالى: «قد صدّقت الرؤيا» فهذا يدلّ على أنّه اعترف يكون ذلك الرؤيا واجب العمل به، و لا يدلّ على أنّه أتى بكلّ مارآه في ذلك المنام.
و أمّا قوله ثانياً: كلّما قطع إبراهيم علیه السلام جزءاً أعاد الله التأليف إليه فنقول: هذا باطل لأنّ إبراهيم علیه السلام لو أتى بكلّ ما اُمر به لما احتاج إلى الفداء و حيث احتاج إليه علمنا أنّه لم يأت بما اُمر به.
و أمّا قوله ثالثاً: إنّه يلزم إمّا الأمر بالقبيح و إمّا الجهل فنقول: هذا بناء على أنّ الله تعالى لا يأمر إلّا بما يكون حسناً في ذاته، و لا ينهی إلّا عمّا يكون قبيحاً في ذاته، و هذا قولك بناءً على تحسين العقل و تقبيحه و هو باطل، و أيضاً إنّا نسلّم ذلك إلّا أنّا نقول: لم لا يجوز أن يقال: إنّه تعالى الآمر بالشيء تارةً يأمر لكون المأمور به حسناً، وتارةً يأمر لأجل أنَّ ذلك الأمر يفعل لمصلحة من المصالح و لو لم يكن المأمور به حسناً، ألا ترى أنّ السيّد إذا أراد أن يروض عبده فإنّه يقول له: إذا جاء يوم الجمعة فافعل الفعل الفلاني، و يكون ذلك الفعل من الأفعال الشاقّة، و يكون مقصود السيّد من ذلك الأمر ليس أن يأتي ذلك العبد بذلك الفعل بل أن يوطّن العبد نفسه على الانقياد و الطاعة، ثمّ إنّ السيّد إذا علم منه أنّه وطّن نفسه على الطاعة فقد يزيل عنه ذلك التكليف، فكذا ههنا، فلمّا لم تقيموا الدلالة على فساد هذا الاحتمال لم يتمّ كلامكم. والله أعلم انتهى. (1)
أقول: لا ريب في وقوع مثل ذلك الأمر الّذي رفع قبل وقت الامتثال، وإنّما الخلاف في توجيهه، فذهبت المعتزلة وأكثر المتكلّمين من الإماميّة إلى أنّ رفع التكليف قبل الامتثال قرينة دالّة على أنّ الأمر لم يكن على ظاهره، بل كان المراد به أمراً آخر غير ما كان متبادراً منه كما في قصّة الذبح، فإنّ رفع التكليف به قرينة على أنّ الأمر إنّما كان متوجّها إلى مقدّمات الذبح، وأمّا الآخرون فقالوا: إنّ الأمر كان متوجّهاً إلى نفس الذبح لكنّه كان مشروطاً بعدم النسخ قبل الفعل، فالفريقان متّفقان في أنّه قد ظهر بعد ذلك أمر كان المتبادر قبل ذلك خلافه، و أنّ ثمرة هذا التكليف ليس إلّا العزم وتوطين النفس على الفعل، و إنّ الفداء كان
1) مفاتيح الغيب 151:7-152.
لأمر قد ظهر عدم تعلّق التكليف به، إمّا لنسخه و كونه مشروطاً بعدم النسخ، أو لانكشاف أنّ الأمر إنّما كان متوجّهاً إلى مقدّمات الفعل، فإذا تأمّلت فيما ذكرنا يظهر لك أنّ الإشكالات الموردة في هذا المقام مشتركة بين الفريقين، و أنّ الخلاف في ذلك قليل الجدوى، و تفصيل القول في ذلك يطلب من مظانّه.
الثالثة: قال البيضاويّ في قوله تعالى: «فلمّا بلغ معه السعي» أي فلمّا وجد و بلغ أن يسعى معه في أعماله، و «معه» متعلّق بمحذوف دلّ عليه «السعي» لأنّ صلة المصدر لا يتقدّمه، و لا يبلغ فإنّ بلوغهما لم يكن معاً انتهى. 1
أقول: قد ظهر من بعض الأخبار السالفة أنّه يحتمل أن يكون المراد بالسعي النسك المعروف بين الصفا والمروة، فلا يحتاج إلى ما تكلّفه، إذ يحتمل تعلّقه ببلغ كما لا يخفى.
1 - ل، ع، ن: سأل الشامي أمير المؤمنين علیه السلام عن قوله تعالى: «يوم يفرّ المرء من أخيه و اُمّه و أبيه و صاحبته و بنيه» من هم؟ فقال علیه السلام : قابيل يفرّ من هابيل علیه السلام ، والّذي يفرّ من اُمّه موسى علیه السلام ، و الّذي يفرُّ أبيه إبراهيم علیه السلام ، والّذي يفرّ من صاحبته لوط علیه السلام ، والّذي يفرّ من ابنه نوح علیه السلام يفرّ من ابنه كنعان. (1)
2 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن أبي جميلة، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ قال: سمعت عليّاً علیه السلام يقول: ستّة في هذه الاُمّة من أخلاق قوم لوطٌ، الجلاهق و هو البندق، و الخذف، و مضغ العلك، وإرخاء الإزار خيلاء، و حلّ الإزرار من
القباء و القميص. (2)
3 - ع، ن: سأل الشاميّ أمير المؤمنين علیه السلام عمّن خلق الله من الأنبياء مختوناً، فقال: خلق الله آدم مختوناً، و ولد شيث مختوناً، و إدريس و نوح و سام بن نوح و إبراهیم و داود و سليمان و لوط و إسماعيل و موسی و عیسی و محمّد صلوات الله عليه و عليهم. و سأله علیه السلام
عن يوم الأربعاءِ و التطيّر منه، فقال علیه السلام : آخر أربعاء من الشهر إلى أن قال: و يوم الأربعاء جعل الله عزّ و جلّ أرض قوم لوط عاليها سافلها، و يم الأربعاء أمطر عليهم حجارةً من سجّيل. (1)
4 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطيّ، عن أبان، عن أبي بصير و غيره، عن أحدهما قال، إنّ الملائكة لمّا جاءت في هلاك قوم لوط قالوا: «إنّا مهلكوا أهل هذه القرية» قالت سارة - و عجبت من قلّتهم و كثرة أهل القرية - فقالت: و من يطيق قوم لوط؟ فبشّروها بإسحاق و من وراء إسحاق يعقوب فصكّت وجهها قالت، عجوز عقيم! و هي يومئذ ابنة تسعين سنة، و إبراهيم يومئذ ابن عشرين ومائة سنة، فجادل إبراهيم عنهم و قال: إنّ فيها لوطاً، قال جبرئيل: نحن أعلم بمن فيها، فزاده إبراهيم فقال جبرئيل: يا إبراهيم أعرض عن هذا إنّه قد جاء أمر ربّك و إنّهم آتيهم عذاب غير مردود. قال: و إنّ جبرئيل لمّا أتى لوطاً في هلاك قومه فدخلوا عليه و جاؤوا قومه يهرعون إليه قام فوضع يده على الباب ثمّ ناشدهم فقال: اتّقوا الله ولا تخزون في ضيفي قالوا أولم ننهك عن العالمين؟ ثمّ عرض عليهم بناته نكاحاً قالوا: مالنا في بنائك من حقّ وإنّك لتعلم ما نريد، قال: فما منكم رجل رشيد؟ قال: فأبوا فقال: لو أنّ لي بكم قوّةً أو أوي إلى ركن شديد، قال: و جبرئيل ينظر إليهم فقال: لو يعلم أيّ قوّة له، ثمّ دعاه فأتاه ففتحوا الباب و دخلوا فأشار إليهم جبرئيل بيده فرجعوا عمياناً يلتمسون الجدار بأيديهم، يعاهدون الله لئن أصبحنا لا نستبقي أحداً من آل لوط، قال: لمّا قال جبرئيل: «إنّا رسل ربّك» قال له لوط: يا جبرئيل عجّل، قال: نعم، قال: يا جبرئیل عجّل، قال: «إنّ موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب» ثمّ قال جبرئيل: يا لوط اخرج منها أنت و ولدك حتّى تبلغ موضع كذا وكذا، قال: يا جبرئيل إنّ حمري ضعاف، قال: ارتحل فاخرج منها، فارتحل حتّى إذا كان السحر نزل إليها جبرئيل
1) علل الشرائع: 199؛ العيون: 134.
فأدخل جناحه تحتها حتّى إذا استعلت قلّبها عليهم، و رمی جدران المدينة بحجارة من سجّيل، و سمعت امرأة لوط الهدّة فهلكت منها. (1)
شی: عن أبي بصير مثله. (2)
5 - ع: أبي عن محمّد العطّار، عن الأشعريّ، عن موسى بن جعفر البغداديّ، عن عليّ بن معبد، عن الدهقان، عن درست، عن عطيّة، عن أبي عبد الله علیه السلام قال في المنكوح من الرجال: هم بقيّة سدوم، أما إنّي لست أعني بقيّتهم أنّهم ولده و لكن من طينتهم، قلت: سدوم الّذي قلبت عليهم؟ قال: هي أربعة مدائن: سدوم، و صديم، ولدنا و عميراء، قال: فأتاهم جبرئيل علیه السلام و هنّ مقلوبات إلى تخوم الأرضين السابعة، فوضع جناحه تحت السفلى منهنّ و رفعهنّ جميعاً حتّى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم ثمّ قلّبها. (3)
كا: عليّ، عن أبيه، عن عليّ بن معبد مثله. (4)
6 - ص: بهذا الإسناد، عن ابن فضّال، عن داود بن يزيد، عن رجل، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا جاءت الملائكة في هلاك قوم لوط مضوا حتّى أتوا لوطاً و هو في زراعة له قرب المدينة، فسلّموا عليه، فلمّا رآهم رأى هيئةً حسنة و عليهم ثياب بيض و عمائم بيض، فقال لهم: المنزل؟ قالوا: نعم، فتقدّمهم و مشوا خلفه فندم على عرضه عليهم المنزل فالتفت إليهم فقال: إنّكم تأتون شرار خلق الله. وكان جبرئيل قال الله له: لا تعذّبهم حتّى يشهد عليهم ثلاث شهادات، فقال جبرئيل: هذه واحدة، ثمّ مشى ساعة فقال: إنّكم تأتون شراراً من خلق الله، فقال جبرئيل: هذه ثنتان، ثمّ مشى فلمّا بلغ باب المدينة التفت إليهم فقال: أنّكم تأتون شراراً من خلق الله ، فقال جبرئيل: هذه ثلاث، ثمّ دخل و دخلوا معه منزله فلمّا بصربهم امرأته أبصرت هيئةً حسنة فصعدت فوق السطح فصفقت فلم يسمعوا
فدخنت فلمّا رأوا الدخان أقبلوا يهرعون إليه حتّى وقفوا بالباب، فقال لوط: «اتّقوا الله ولا تخزون في ضيفي» ثمّ كابروه حتّى دخلوا عليه، قال: فصاح جبرئيل: يا لوط دعهم يدخلوا، قالوا: فدخلوا فأهوى جبرئيل أصبعيه و هو قوله: «فطمسنا أعينهم» ثمّ قال جبرئيل: «إنّا رسل ربّك لن يصلوا إليك». (1)
7 - و قال أبو عبد الله علیه السلام : قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: اللّواط ما دون الدبر و هو لواط و الدبر هو الكفر.
8 - شی: عن يزيد بن ثابت قال: سأل رجل أمير المؤمنين علیه السلام : أيؤتى النساء في أدبارهنّ؟ فقال: سفلت سفل الله بك، ما سمعت الله يقول: «أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين». (2)
9 -كا: عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن أبي حمزة، عن يعقوب ابن شعيب، عن أبي عبد الله علیه السلام في قول لوط علیه السلام : «هؤلاءِ بناتي هنّ أطهر لكم» قال: «عرض عليهم التزويج». (3)
10 - يب: عليّ، عن أبيه، عن النوفليّ، عن السكونيّ، عن الصّادق، عن آبائه علیهم السلام إنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم قال: الخذف في النادي من أخلاق قوم لوط، ثمّ تلا علیه السلام : «و تأتون في ناديكم المنكر» قال: هو الخذف.
1 - ص: كان اسم ذي القرنين عيّاشاً، وكان أوّل الملوك بعد نوح علیه السلام ملك ما بين المشرق و المغرب. (1)
2 - وسئل أمير المؤمنين علیه السلام عن ذي القرنين أنبيّاً كان أم ملكاً؟ فقال: لا نبيّاً ولا ملكاً بل عبداً أحبّ الله فأحبّه، ونصح الله فنصح له، فبعثه إلى قومه فضربوه على قرنه الأيمن. فغاب عنهم ما شاء الله أن يغيب، ثمّ بعثه الثانية فضربوه على قرنه الأيسر فغاب عنهم ما شاء الله أن يغيب، ثمّ بعثه الله الثالثة فمكّن الله له في الأرض وفيكم مثله - يعني نفسه - فبلغ مغرب الشمس فوجدها تغرب في عين حمئة و وجد عندها قوماً «قلنا يا ذاالقرنين إمّا أن تعذّب و إمّا أن تتّخذ فيهم حسناً قال» ذوالقرنين: «أمّا من ظلم فسوف تعذّبه ثمّ يردّ إلى ربّه فيعذّبه عذاباً نكراً» إلى قوله: «ثمّ أتبع سبباً» أي دليلاً «حتّى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً» قال: لم يعلموا صنعة ثياب «ثمّ أتبع سبباً» أي دليلاً «حتّى إذا بلغ بين السدّين وجد من دونها قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ٭ قالوا يا ذاالقرنين إنّ يأجوج و مأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك
1) مخطوط.
خرجاً على أن تجعل بيننا و بينهم سدّاً» فقال ذو القرنين: «ما مكّنّي فيه ربّي خير فأعينوني بقوّة أجعل بينكم وبينهم ردماً أتوني زبر الحديد» فأمرهم أن يأتوه بالحديد فأتوا به فوضعه بين الصدفين يعني بين الجبلين حتّى سوّى بينهما، ثمّ أمرهم أن يأتوا بالنار فأتوا بها فنفخوا تحت الحديد حتّى صار مثل النار، ثمّ صبَّ عليه القطر و هو الصفر حتّى سدّه و هو قوله: «حتّى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتّى إذا جعله ناراً» إلى قوله: «نقباً» فقال ذو القرنين: «هذا رحمةٌ من ربّي فإذا جاء وعد ربّي جعله دكّاء و كان وعد ربّي حقّاً».
قال: إذا كان قبل يوم القيامة في آخر الزمان انهدم ذلك السدّ و خرج يأجوج و مأجوج إلى الدنيا و أكلوا الناس و هو قوله: «حتّى إذا فتحت يأجوج و مأجوج و هم من كلّ حدب ينسلون» قال: فسار ذوالقرنين إلى ناحية المغرب فكان إذا مرّ بقرية زأر فيها كما يزأر الأسد المغضب، فينبعث في القرية ظلمات و رعد و برق و صواعق يهلك من ناواه و خالفه، فلم يبلغ مغرب الشمس حتّى دان له أهل المشرق والمغرب، فقال أمير المؤمنين علیه السلام : وذلك قول الله عزّ وجلّ: «إنّا مكّنّا له في الأرض و آتيناه من كلّ شیّء سبباً» أي دليلاً.
فقيل له: إنّ الله في أرضه عيناً يقال لها عين الحياة لا يشرب منها ذوروح. إلّا لم يمت حتّى الصيحة، فدعا ذوالقرنين الخضر وكان أفضل أصحابه عنده و دعا ثلاث مائة وستّين رجلاً و دفع إلى كلّ واحد منهم سمكة وقال لهم: اذهبوا إلى موضع كذا وكذا فإنّ هناك ثلاث مائة وستّين عيناً، فليغسل كلّ واحد منكم سمكته في عين غير عين صاحبه فذهبوا يغسلون، و قعد الخضر يغسل فانسابت السمكة منه في العين و بقي الخضر متعجّباً ممّا رأى، و قال في نفسه: ما أقول لذي القرنين؟ ثمّ نزع ثيابه يطلب السمكة فشرب من مائها و اغتمس فيه و لم يقدر على السمكة، فرجعوا إلى ذي القرنين فأمر ذوالقرنين بقبض السمك من أصحابه، فلمّا انتهوا إلى الخضر لم يجدوا معه شيئاً فدعاه و قال له: ما حال السمكة؟ فأخبره الخبر، فقال له: فصنعت ماذا؟ قال: اغتمست فيها فجعلت أغوص و أطلبها فلم
أجدها، قال: فشربت من مائها؟ قال: نعم، قال: فطلب ذوالقرنين العين فلم يجدها، فقال للخضر: كنت أنت صاحبها. (1)
3 - شی، ج: عن الأصبغ قال: قام ابن الكوّاء إلى عليّ علیه السلام : و هو على المنبر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن ذي القرنين أنبيّاً كان أم ملكاً؟ و أخبرني عن قرنيه أم من ذهب كان أم من فضّة؟ فقال له عليّ علیه السلام : لم يكن نبيّاً و لا ملكاً، و لم يكن قرناه من ذهب ولا من فضّة، و لكنّه كان عبداً أحب الله فأحبّه، ونصح الله فنصح الله له، وإنّما سميّ ذوالقرنين لأنّه دعا قومه إلى الله عزّ و جلّ فضربوه على قرنه فغاب عنهم حيناً، ثمّ عاد إليهم فضربوه بالسيف على قرنه الآخر، و فيكم مثله. (2)
ع: أبي عن محمّد العطّار، عن ابن أبان، عن ابن اُرومة، عن القاسم بن عروة، عن بريد العجليّ، عن الأصبغ مثله. (3)
ك: العطّار، عن أبيه. (4)
4 - ل: ابن الوليد، عن الصفّار، عن البرقيّ، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم عمّن ذكره، عن أبي جعفر علیه السلام قال: إنّ الله تبارك و تعالى لم يبعث أنبياء ملوكاً في الأرض إلّا أربعة بعد نوح: ذوالقرنين و اسمه عيّاش، و داود و سلیمان و يوسف علیهم السلام، فأمّا عيّاش فملك ما بين المشرق و المغرب، و أمّا داود فملك ما بين الشامات إلى بلاد إصطخر، و كذالك ملك سلمان، و أمّا يوسف فملك مصر و براريها لم يجاوزها إلى غيرها. (5)
شى: عن الثماليّ عنه علیه السلام مثله. (6)
قال الصدوق رحمه الله: جاء هذا الخبر هكذا، والصحيح الّذي أعتقده في ذي القرنين
أنّه لم يكن نبيّاً، وإنّما كان عبداً صالحاً أحبّ الله. ونصح الله فنصحه الله، قال أمير المؤمنين علیه السلام : و فيكم مثله، و ذوالقرنين ملك مبعوث و ليس برسول و لا نبيّ كما كان طالوت، قال الله عزّ و جلّ: «و قال لهم نبيّهم إنّ الله قد بعث لكم طالوت ملكاً» و قد يجوز أن يذكر في جملة الأنبياء من ليس بنبيّ، كما يجوز أن يذكر في جملة الملائكة من ليس بملك، قال الله جلّ ثناؤه: «و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلّا إبليس كان من الجنّ». (1)
5 - ل: ابن البرقيّ، عن أبيه، عن جدّه أحمد، عن أبيه محمّد بن خالد رفعه إلى أبي عبد الله علیه السلام قال: ملك الأرض كلّها أربعة: مؤمنان، و كافران، فأمّا المؤمنان فسليمان ابن دواد و ذوالقرنین، و الکافران نمرود و بخت نصّر؛ و اسم ذوالقرنين عبدالله بن ضحّاك بن معد. (2)
6 - ع: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن الأشعريّ، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سليمان، عن الثماليّ، عن الباقر علیه السلام قال: أوّل اثنين تصافحا على وجه الأرض ذوالقرنين و إبراهيم الخليل، استقبله إبراهيم فصافحه، و أوّل شجرة نبتت على وجه الأرض النخلة.
7 - ير: أحمد بن محمّد، عن ابن سنان، عن أبي خالد و أبي سلام، عن سورة، عن أبي جعفر علیه السلام : إنّ ذا القرنين قد خيّر السحابين واختار الذلول، و ذخر لصاحبكم الصعب قال: قلت: و ما الصعب؟ قال: ما كان من سحاب فيه رعدٌ و صاعقةٌ أو برقٌ، فصاحبكم يركبه، أما إنّه سيركب السحاب و يرقى في الأسباب أسباب السماوات السبع و الأرضين السبع: خمس عوامر، و اثنتان خرابان. (3)
8 - ك: أحمد بن محمّد البزّاز، عن محمّد بن يعقوب بن يوسف، عن أحمد بن عبد
الجبّار، عن يونس بن بكير، عن محمّد بن إسحاق، عن بشّار المدينيّ، عن عمرو بن ثابت، عن سماك بن حرب، عن رجل من بني أسدقال: سأل رجل عليّاً علیه السلام ، أرأيت ذاالقرنين كيف استطاع أن يبلغ المشرق و المغرب؟ قال: سخّر الله له السحاب، و مدّ له في الأسباب و بسط له النور فكان اللّيل و النهار عليه سواء. (1)
9 - ك: عن المظفّر العلويّ، عن ابن العيّاشي، عن أبيه، عن محمّد بن عيسى، عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفيّ، عن جابر بن عبدالله قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقول: إنّ ذاالقرنين كان عبداً صالحاً جعله الله حجّة على عباده، فدعا قومه إلى الله عزّ و جلّ و أمرهم بتقواه فضربوه على قرنه، فغاب عنهم زماناً حتّى قيل: مات أوهلك، بأيّ واد سلك؟ ثمّ ظهر و رجع إلى قومه فضربوه على قرنه الآخره، ألا و فيكم من هو على سنّته و إنّ الله عزّ و جلّ مكّن له في الأرض و آتاه من كلّ شيء سبباً، و بلغ المشرق و المغرب، و إنّ الله تبارك و تعالى سيجري سنّته في القائم من ولدي، ويبلّغه شرق الأرض و غربها حتّى لا يبقی سهلٌ و لا موضعٌ من سهل و لا جبل وطئه ذوالقرنين إلّا وطئه، و يظهر الله له كنوز الأرض و معادنها، وينصره بالرعب، يملؤالأرض قسطاً و عدلاً كما ملئت جوراً و ظلماً. (2)
10 - سن: اليقطينيّ، عن الدهقان، عن درست، عن إبراهيم بن عبدالحميد، عن أبي الحسن موسى علیه السلام قال: ملك ذوالقرنين و هو ابن اثني عشر، و مكث في ملكه ثلاثين سنة.
11 - شی: عن أبي الطفيل قال: سمعت عليّاً علیه السلام يقول: إنّ ذاالقرنين لم يكن نبيّاً و لا رسولاً عبداً أحبَّ الله فأحبّه، و ناصح الله فنصحه؛ دعا قومه فضربوه على أحد قرنيه فقتلوه، ثمّ بعثه الله فضربوه على قرنه الآخر فقتلوه. (3)
12 - شی: عن ابن الورقاء قال: سألت أمير المؤمنين علیه السلام عن ذي القرنين ماكان
قرناه؟ فقال: لعلّك تحسب كان قرنه ذهباً أو فضّة، أو كان نبيّاً؟ بل كان عبداً صالحاً بعثه الله إلى اُناس فدعاهم إلى الله و إلى الخير، فقام رجل منهم فضرب قرنه الأيسر فمات، ثمّ بعثه فأحياه و بعثه إلى اُناس فقام رجل فضرب قرنه الأيمن، فمات فسمّاه ذاالقرنين. (1)
13 - شی: عن حارث بن حبيب قال: أتى رجل عليّاً علیه السلام فقال له: يا أمير المؤمنين أخبرني عن ذي القرنين، فقاله له: سخّر له السحاب، و قربت له الأسباب، و بسط له في النور، فقال له الرجل: كيف بسط له في النور؟ فقال عليّ علیه السلام كان يبصر باللّيل كما يبصر بالنهار، ثمّ قال عليّ علیه السلام للرّجل: أزيدك فيه؟ فسكت. (2)
14 - شی: عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين علیه السلام قال: سئل عن ذي القرنين قال: كان عبداً صالحاً و اسمه عيّاش اختاره الله و ابتعثه إلى قرن من القرون الاُولى في ناحية المغرب و ذلك بعد طوفان نوح، فضربوه على قرن رأسه الأيمن فمات منها، ثمّ أحياه الله بعد مائة عام، ثمّ بعثه إلى قرن من القرون الاُولى في ناحية المشرق، فكذّبوه فضربوه ضربة على قرنه الأيسر فمات منها، ثمّ أحياه الله بعد مائة عام وعوّضه من الضربتين اللّتين على رأسه قرنين في موضع الضربتين أجوفين، وجعل عزّ ملكه و آية نبوّته في قرنيه، ثمّ رفعه الله إلى السماء الدنيا فكشط له عن الأرض كلّها جبالها و سهولها و فجاجها حتّى أبصر ما بين المشرق و المغرب، و آتاه الله من كلّ شيء علماً يعرف به الحقّ و الباطل، و أيّده في قرنيه بكسف من السماء فيه ظلمات و رعد و برق، ثمّ أهبط إلى الأرض و أوحى إليه: أن سر في ناحية غرب الأرض و شرقها فقط طويت لك البلاد و ذلّلت لك العباد فأرهبتهم منك فسار ذوالقرنين إلى ناحية المغرب فكان إذا مرّ بقرية زأرفيها كما يزأر الأسد المغضب، فيبعث من قرنيه ظلمات و رعد و برق و صواعق تهلك من ناواه و خالفه، فلم يبلغ مغرب الشمس حتّى دان له أهل المشرق و المغرب، قال: و ذلك قول الله: «إنّا مكّنّا له في الأرض و
آتيناه من كلّ شيء سبباً» فسار «حتّى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة» إلى قوله: «أمّا من ظلم» و لم يؤمن بربّه «فسوف نعذّبه» في الدنيا بعذاب الدنيا «ثمّ يردّ إلى ربِّه» في مرجعه «فيعذّبه عذاباً نكراً» إلى قوله: «وسنقول له من أمرنا يسراً ٭ ثمّ أتبع سبباً» ذوالقرنين من الشمس سبباً.
ثمّ قال أمير المؤمنين إنَّ ذاالقرنين لمّا انتهى مع الشمس إلى العين الحامية وجد الشمس تغرب فيها و معها سبعون ألف ملك يجرّونها بسلاسل الحديد و الكلاليب، يجرّونها من قعر البحر في قطر الأرض الأيمن كما يجري السفينة على ظهر الماء، فلمّا انتهى معها الى مطلع الشمس سبباً وجدها تطلع على قوم إلى «بما لديه خبراً» فقال أمير المؤمنين علیه السلام : إنّ ذاالقرنين ورد على قوم قد أحرقتهم الشمس و غيّرت أجسادهم وألوانهم حتّى صيّرتهم كالظلمة، ثمّ أتبع ذو القرنين سبباً في ناحية الظلمة حتّى إذا بلغ بين السدّين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً قالوا يا ذاالقرنين إنّ يأجوج و مأجوج خلق هذين الجبلين و هم يفسدون في الأرض إذا كان إبّان زروعنا و ثمارنا خرجوا علينا من هذين السدّين، فرعوا في ثمارنا و زروعنا حتّى لا يبقون منها شيئاً، فهل نجعل لك خرجاً نؤدّيه إليك في كلّ عام على أن تجعل بيننا و بينهم سدّاً إلى قوله: «زبر الحديد» قال: فأحتفر له جبل حديد فقلعوا له أمثال اللّبن، فطرح بعضه على بعض فيما بين الصدفين، وكان ذوالقرنين هو أوّل من بنى ردماً على الأرض، ثمّ جمع عليه الحطب و ألهب فيه النار و وضع عليه المنافيخ فنفخوا عليه، فلمّا ذاب قال: أتوني بقطر و هو المسّ الأحمر، قال: فاحتفروا له جبلاً من مسّ فطرحوه على الحديد فذاب معه و اختلط به، قال: «فما اسطاعوا أن يظهروه و ما استطاعوا له نقباً» يعني يأجوج و مأجوج «قال هذا رحمة من ربّي فإذا جاء وعد ربّي جعله دكّاء و كان وعد ربّي حقًّا» إلى ههنا رواية عليّ بن الحسين و رواية محمّد ابن نصر.
و زاد جبرئيل بن أحمد في حديثه بأسانيد عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ بن
أبي طالب علیه السلام : «و تركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض» يعني يوم القيامة، وكان ذوالقرنين عبداً صالحاً وكان من الله بمكان نصح الله فنصح له، و أحبّ الله فأحبّه، و كان قد سبّب له في البلاد و مكّن له فيها حتّى ملك ما بين المشرق و المغرب، وكان له خليل من الملائكة يقال له: رقائيل ينزل إليه فيحدّثه و يناجيه، فبينا هو ذات يوم عنده إذ قال له ذوالقرنين: يا رقائيل كيف عبادة أهل السماء؟ و أين هي من عبادة أهل الأرض؟ قال رقائيل: يا ذاالقرنين و ما عبادة أهل الأرض؟ فقال: أمّا عبادة أهل السماء ما في السماوات موضع قدم إلّا و عليه ملك قائم لا يقعد أبداً، أو راكع لا يسجد أبداً، أو ساجد لا يرفع رأسه أبداً، فبكی ذوالقرنين بكاءً شديداً فقال: يا رقائيل إنّي اُحبّ أن أعيش حتّى أبلغ من عبادة ربّي و حقّ طاعته ما هو أهله، قال رقائيل: يا ذا القرنين إنّ لله في الأرض عيناً تدعى عين الحياة فيها عزيمة من الله، إنّه من يشرب منها لم يمت حتّى يكون هو الّذي يسأل الله الموت، فإن ظفرت بها تعش ما شئت، قال: و أين ذلك العين؟ و هل تعرفها؟ قال: لا غير أنّا نتحدّث في السماء أنّ لله في الأرض ظلمة لم يطأها إنس ولاجانّ، فقال ذو القرنين: و أين تلك الظلمة؟ قال رقائيل: ما أدري، ثمّ صعد رقائيل فدخل ذاالقرنين حزنٌ طويلٌ من قول رقائيل و ممّا أخبره عن العين و الظلمة و لم يخبره بعلم ينتفع به منهما، فجمع ذو القرنين فقهاء أهل مملكته و علماءهم و أهل دراسة الكتب و آثار النبوّة فلمّا اجتمعوا عنده قال ذوالقرنين: يا معشر الفقهاء و أهل الكتب و آثار النبوّة هل وجدتم فيها قرأتم من كتب الله و في كتب من كان قبلكم من الملوك أنّ الله عيناً تدعى عين الحياة، فيها من الله عزيمة إنّه من يشرب منها لم يمت حتّى يكون هو الّذى يسأل الله الموت؟ قالوا: لا يا أيّها الملك، قال: فهل وجدتم فيما قرأتم من الكتب أنّ لله في الأرض ظلمة لم يطأها إنس ولاجانّ؟ قالوا: لا أيّها الملك فحزن عليه ذوالقرنين حزناً شديداً و بكى إذ لم يخبر عن العين والظلمة بما يحبُّ، وكان فيمن حضره غلامٌ من الغلمان من أولاد الأوصياء: أوصياء الأنبياء، وكان ساكتاً لا يتكلّم حتّى إذا آيس ذوالقرنين منهم
قال له الغلام: أيّها الملك إنّك تسأل هؤلاء عن أمر ليس لهم به علم، و علم ما تريد عندي، ففرح ذوالقرنين فرحاً شديداً حتّى نزل عن فراشه و قال له: ادن منّي فدنا منه، فقال: أخبرني، قال: نعم أيّها الملك، إنّي وجدت في كتاب آدم الّذي كتب يوم سمّي له ما في الأرض من عين أو شجر، فوجدت فيه أنّ لله عيناً تدعى عين الحياة، فيها من أمر الله عزيمة، إنّه من يشرب منها لم يمت حتّى يكون هو الّذي يسأل الله الموت بظلمة لم يطأها إنس ولاجانّ، ففرح ذوالقرنين و قال: ادن منّي يا أيّها الغلام تدري أين موضعها؟ قال: نعم، وجدت في كتاب آدم أنّها على قرن الشمس - يعني مطلعها - ففرح ذوالقرنين و بعث إلى أهل مملكته فجمع أشرافهم و فقهاءهم و علماءهم و أهل الحكم منهم فاجتمع إليه ألف حكيم و عالم و فقيه، فلمّا اجتمعوا عليه تهيّأ للمسير وتأهّب له بأعدّ العدّة و أقوى القوّة، فسار بهم يريد مطلع الشمس يخوض البحار و يقطع الجبال و الفيافي و الأرضين و المفاوز فساراثني عشر سنة حتّى انتهى إلى طرف الظلمة، فإذا هي ليست بظلمة ليل ولادخان و لكنّها هواء يفور سدّ ما بين الاُفقين، فنزل بطرفها و عسكر عليها، و جمع علماء أهل عسكره و فقهاءهم و أهل الفضل منهم، فقال: يا معشر الفقهاء والعلماء إنّي اُريد أن أسلك هذه الظلمة، فخرّوا له سجدّاً فقالوا: أيّها الملك إنّك لتطلب أمراً ما طلبه و لا سلكه أحد كان قبلك من النبيّين و المرسلين و لا من الملوك، قال: إنّه لا بدَّلي من طلبها، قالوا: أيّها الملك إنّا لو نعلم أنّك إذا سلكتها ظفرت بحاجتك منها بغير عنت عليك لأمرنا و لكنّا نخاف أن يعلق بك منها أمر يكون فيه هلاك ملكك، و زوال سلطانك، و فساد من الأرض، فقال: لابدّ من أن أسلكها، فخرّوا سجّداً لله و قالوا: إنّا نتبرَّء إليك ممّا يريد ذو القرنين.
فقال ذو القرنين: يا معشر العلماء أخبروني بأبصر الدوابّ، قالوا: الخيل الإناث البكارة أبصر الدوابّ، فانتخب من عسكره فأصاب ستّة آلاف فرس إناثاً أبكاراً و أنتخب من أهل العلم و الفضل و الحكمة ستّة آلاف رجل، فدفع إلى كلّ رجل فرساً و ولّى فسحر - و
هو الخضر - على ألفي فرس، فجعلهم على مقدَّمته، وأمرهم أن يدخلوا الظلمة، و سار ذوالقرنين في أربعة آلاف و أمر أهل عسكره أن يلزموا معسكره اثني عشر سنة، فإن رجع هو إليهم إلى ذلك الوقت و إلّا تفرّقوا في البلاد ولحقوا ببلادهم أو حيث شاؤوا، فقال الخضر: أيّها الملك إنّا نسلك في الظلمة لا يرى بعضنا بعضاً كيف نصنع بالضلال إذا أصابنا؟ فأعطاه ذوالقرنين خرزةً حمراء كأنّها مشعلة لها ضوء، فقال: خذ هذه الخرزة فإذا أصابكم الضلال فارم بها إلى الأرض فإنّها تصيح، فإذا صاحت رجع أهل الضلال إلى صوتها، فأخذها الخضر و مضى في الظلمة، وكان الخضر يرتحل و ينزل ذو القرنين، فبينا الخضر يسير ذات يوم إذا عرض له واد في الظلمة فقال لأصحابه : قفوا في هذا الموضع لا يتحرّكن أحدٌ منكم عن موضعه، و نزل عن فرسه فتناول الخرزة فرمى بها في الوادي فأبطأت عنه بالإجابة حتّى خاف أن لا يجيبه، ثمّ أجابته فخرج إلى صوتها فإذا هي على جانب العين، و إذا ماؤها أشدّ بياضاً من اللّبن، و أصفى من الياقوت، و أحلى من العسل، فشرب منه ثمّ خلع ثيابه فاغتسل منها، ثمّ لبس ثيابه ثمّ رمى بالخرزة نحو أصحابه فأجابته، فخرج إلى أصحابه و ركب و أمرهم بالمسير فساروا، و مرّ ذوالقرنين بعده فأخطأ الوادي فسلكوا تلك الظلمة أربعين يوماً و أربعين ليلة، ثمّ خرجوا بضوء ليس بضوء نهار و لاشمس ولا قمر و لكنّه نور، فخرجوا إلى أرض حمراء رملة خشخاشة فركة كان حصاها اللّؤلؤ، فإذا هو بقصر مبنيّ على طول فرسخ.
فجاء ذو القرنين إلى الباب فعسكر عليه، ثمّ توجّه بوجهه وحده إلى القصر فإذا طائر و إذا حديدة طويلة قد وضع طرفاها على جانبي القصر، و الطير أسود معلّق في تلك الحديدة بين السماء و الأرض كأنّه الخطّاف أو صورة الخطاف أو شبيه بالخطّاف أو هو خطّاف، فلمّا سمع الطائر خشخشة ذي القرنين قال: من هذا؟ قال: أنا ذوالقرنين، فقال الطائر: يا ذالقرنين أما كفاك ما وراءك حتّى وصلت إلى حدّ بابي هذا، ففرق ذوالقرنين فرقاً شديداً، فقال: يا ذاالقرنين لاتخف و أخبرني، قال: سل، قال: هل كثر في الأرض بنيان الآجرّ والجصّ؟ قال:
نعم، قال: فانتفض الطير وامتلأ حتّى ملأ من الحديدة ثلثها، ففرق ذوالقرنين فقال: لا تخف و أخبرني، قال: سل، قال: هل كثرت المعازف؟ قال: نعم، قال: فانتفض الطير و امتلأ حتّى ملأ من الحديدة ثلثيها، ففرق ذوالقرنين فقال: لا تخف و أخبرني، قال: سل، قال: هل ارتكب الناس شهادة الزور في الأرض؟ قال: نعم، فانتفض انتفاضة و انتفخ فسدّ ما بين جداري القصر، قال: فاتملأ ذوالقرنين عند ذلك فرقاً منه، فقال له: لا تخف و أخبرني، قال: سل، قال هل ترك الناس شهادة أن لا إله إلّا الله؟ قال: لا، فانضمَّ ثلثه ثمّ قال: يا ذاالقرنين لاتخف و أخبرني، قال: سل، قال: هل ترك الناس الصلاة المفروضة؟ قال: لا، قال: فانضمّ ثلث آخر، ثمّ قال: يا ذاالقرنين لا تخف و أخبرني، قال: سل، قال: هل ترك الناس الغسل من الجنابة؟ قال: لا، قال: فانضمَّ حتّى عاد إلى حاله الأوّل، فإذا هو بدرجة مدرجة إلى أعلى القصر.
فقال الطير: يا ذاالقرنين اسلك هذه الدرجة، فسلكها و هو خائف لا يدري ما يهجم عليه حتّى استوى على ظهرها، فإذا هو بسطح ممدود مدّ البصر، و إذا رجل شابّ أبيض مضيء الوجه عليه ثياب بيض حتّى كأنّه رجل أو في صورة رجل أو شبيه بالرجل أو هو رجل، و إذا هو رافع رأسه إلى السماء ينظر إليها واضع يده على فيه، فلمّا سمع خشخشة ذي القرنين قال: من هذا؟ قال: أنا ذوالقرنين، قال: يا ذاالقرنين أما كفاك ماوراءك حتّى وصلت إليّ؟! قال ذوالقرنين: ما لي أراك واضعاً يدك على فيك؟ قال: يا ذا القرنين أنا صاحب الصور، و إنّ الساعة قد اقتربت و أنا أنتظر أن اُومر بالنفخ فأنفخ، ثمّ ضرب بيده فتناول حجراً فرمى به إلى ذي القرنين كأنّه حجر أو شبه حجر أو هو حجر فقال: يا ذاالقرنين خذها فإن جاع جعت، و إن شبع شبعت فارجع، فرجع ذوالقرنين بذلك الحجر حتّى خرج به إلى أصحابه فأخبرهم بالطير وما سأله عنه و ما قال له و ما كان من أمره، و أخبرهم بصاحب السطح و ما قال له و ما أعطاه، ثمّ قال لهم: إنّه أعطاني هذا الحجر، وقال لي: إن جاع جعت وإن شبع شبعت، قال: أخبروني بأمر هذا الحجر، فوضع في إحدى الكفّين فوضع حجر مثله في الكفّة الاُخرى ثمّ رفع الميزان فإذا الحجر الّذي جاء به
أرجح بمثل الآخر فوضعوا آخر فمال به حتّى وضعوا ألف حجر كلّها مثله، ثمّ رفعوا الميزان فمال بها و لم يستمل به الألف حجر فقالوا: يا أيّها الملك لا علم لنا بهذا.
فقال له الخضر: أيّها الملك إنّك تسأل هؤلاء عمّا لا علم لهم به، و قد اُوتيت علم هذا الحجر، فقال ذو القرنين: فأخبرنا به وبيّنه لنا، فتناول الخضر الميزان فوضع الحجر الّذي جاء به ذوالقرنين في كفّة الميزان، ثمَّ وضع حجراً آخر في كفّة اُخرى، ثمّ وضع كفّة تراب على حجر ذي القرنين يزيده ثقلاً ثمّ رفع الميزان فاعتدل، و عجبوا و خرّوا سجّداً لله تعالى و قالوا: أيّها الملك هذا أمر لم يبلغه علمنا و إنّا لنعلم أنّ الخضر ليس بساحر فكيف هذا و قد وضعنا معه ألف حجر كلّها مثله فمال بها و هذا قد اعتدل به و زاده تراباً؟ قال ذوالقرنین: بیّن يا خضر لنا أمر هذا الحجر، قال الخضر: أيّها الملك إنّ أمر الله نافذ في عباده، وسلطانه قاهر، و حكمه فاصل و إنّ الله ابتلى عباده بعضهم ببعض، و ابتلى العالم بالعالم، والجاهل بالجاهل، و العالم بالجاهل، والجاهل بالعالم، وإنّه ابتلاني بك، و ابتلاك بي، فقال ذو القرنين: يرحمك الله يا خضر إنّما تقول: ابتلاني بك حين جعلت أعلم منّي و جعلت تحت يدي أخبرني يرحمك الله عن أمر هذا الحجر، فقال الخضر: أيّها الملك إنّ هذا الحجر مثل ضربه لك صاحب الصور، يقول: إنّ مثل بني آدم مثل هذا الحجر الّذي وضع و وضع معه ألف حجر فمال بها، ثمّ إذا وضع عليه التراب شبع و عاد حجراً مثله، فيقول: كذلك مثلك أعطاك الله من الملك ما أعطاك فلم ترض به حتّى طلبت أمراً لم يطلبه أبداً من كان قبلك، و دخلت مدخلاً لم يدخله إنس ولا جانّ، يقول: كذلك ابن آدم و لا يشبع حتّى يحثى عليه التراب، قال: فبكى ذوالقرنين بكاءً شديداً و قال: صدقت يا خضر يضرب لي هذا المثل، لاجرم إنّي لا أطلب أثراً في البلاد بعد مسلكي هذا، ثمّ انصرف راجعاً في الظلمة فبيناهم يسيرون إذ سمعوا خشخشة تحت سنابك خيلهم، فقالوا: أيّها الملك ما هذا؟ فقال: خذوا منه، فمن أخذ منه ندم، و من تركه ندم، فأخذ بعضٌ و ترك بعضٌ، فلمّا خرجوا من الظلمة إذا هم بالزبرجد فندم
الآخذ و التارك، و رجع ذوالقرنين إلى دومة الجندل و كان بها منزله، فلم يزل بها حتّى قبضه الله إليه. قال: وكان صلی الله علیه و آله و سلم إذا حدّث بهذا الحديث قال: رحم الله أخي ذاالقرنين ما كان مخطئاً إذ سلك ما سلك وطلب ما طلب. ولو ظفر بوادي الزبرجد في مذهبه لما ترك فيه شيئاً إلّا أخرجه إلى الناس لأنّه كان راغباً، و لكنّه ظفر به بعد ما رجع فقد زهد. (1)
15 - شی: عن جابر، عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام تغرب الشمس في عين حامية في بحر دون المدينة الّتي ممّا يلي المغرب - يعني جابلقا -. (2)
1 - فس: قال عليّ بن إبراهيم: فقال لاوي: ألقوه في هذا الجبّ يلتقطه بعض السيّارة إن كنتم فاعلين، فأدنوه من رأس الجبّ فقالوا له: انزع قميصك، فبكى فقال: يا إخوتي تجرّ دوني؟ فسلّ واحد منهم عليه السكّين فقال: لئن لم تنزعه لأقتلنّك، فنزعه فدلّوه في اليمّ و تنحّوا عنه، فقال يوسف في الجبّ: «يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ارحم ضعفي و قلّة حيلتي وصغري» فنزلت سيّارة من أهل مصر فبعثوا رجلاً ليستقي لهم الماء من الجبّ، فلمّا أدلى الدلو على يوسف تشبّث بالدلو فجرّوه فنظروا إلى غلام من أحسن الناس وجهاً فعدوا إلى صاحبهم فقالوا: «يا بشرى هذا غلام» فنخرجه و نبيعه و نجعله بضاعة لنا، فبلغ إخوته فجاؤوا فقالوا: هذا عبدلنا أبق، ثمّ قالوا اليوسف: لئن لم تقرّ بالعبوديّة لنقتلنّك، فقالت السيّارة ليوسف: ما تقول؟ قال: أنا عبدهم، فقالت السيّارة: فتبيعوه منّا؟ قالوا: نعم، فباعوه منهم على أن يحملوه إلى مصر «و شروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين» قال: الّذي بيع بها يوسف ثمانية عشر درهماً، وكان عندهم كما قال الله: «و كانوا فيه من الزاهدين».
أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر،
عن الرّضا علیه السلام في قول الله: «و شروه بثمن بخس دراهم معدودة» قال: كانت عشرين درهماً، و البخس: النقص، و هي قيمة كلب الصيد إذا قتل، كان قيمته عشرين درهماً. (1)
ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن عيسى مثله. (2)
2 - فس: قال عليّ بن إبراهيم: ثمّ إنّ الملك رأى رؤياً فقال لوزرائه: إنّي رأيت في نومي سبع بقرات ثمان يأكلهنّ سبع عجاف أي مهازيل و رأيت سبع سنبلات خضر و اُخر يابسات؛ و قرأ أبو عبد الله علیه السلام سبع سنابل خضر، ثمّ قال: «يا أيّها الملؤ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون، فلم يعرفوا تأويل ذلك، فذكر الّذي كان على رأس الملك رؤياه الّتي رآها و ذکر یوسف بعد سبع سنين و هو قوله: «و قال الّذي نجا منها وادّكر بعد اُمّة» أي بعد حين «أنا اُنبّئكم بتأويله فأرسلون» فجاء إلى يوسف فقال: «أيّها الصدّيق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهنّ سبع عجاف و سبع سنبلات خضر و اُخر يابسات» فقال يوسف: «تزرعون سبع سنين دأباً» أي ولياً «فما حصدتم فذروه في سنبله إلّا قليلاً ممّا تأكلون» أي لا تدوسوه فإنّه يفسد في طول سبع سنين، فإذا كان في سنبله لا يفسد «ثمّ يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدّمتهم لهنّ» أي سبع سنين مجاعة شديدة يأكلن ما قدّمتم لهنّ في سبع سنين الماضية. و قال الصادق علیه السلام : إنّما نزل «ما قرَّبتم لهن».
«ثمّ يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون» أي يمطرون، و قال أبو عبدالله علیه السلام : قرأ رجل على أمير المؤمنين علیه السلام : «ثمّ يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس و فيه يعصرون» فقال: ويحك أيّ شيء يعصرون؟ أيعصر الخمر؟ قال الرجل يا أمير المؤمنين: كيف أقرؤها؟ فقال: أنّما نزلت «عام فيه يغاث الناس و فيه يعصرون» أي يمطرون بعد سني المجاعة، و الدليل على ذلك قوله: «و أنزلنا من المعصرات ماءً ثجّاجاً». (3)
أقول: لعلّ المعنى الأوّل ذكره مع قع النظر عن الخبر؛ و قال البيضاويّ: «فيه يغاث الناس» يمطرون من الغيب، أو يغاثون من القحط من الغوث «و فيه يعصرون» ما يعصر كالعنب و الزيتون لكثرة الثمار، وقيل: يحلبون الضروع، و قرىء على بناء المفعول من عصره: إذا أن جاه، و يحتمل أن يكون المبنيُّ للفاعل منه، أي يغيثهم الله و يغيث بعضهم بعضاً، أو من أعصرت السحابة عليهم فعدّي بنزع الخافض، أو بتضمينه معنى المطر. (1)
3 - فس: فلمّا رجعوا إخوة يوسف إلى أبيهم و أخبروه بخبر أخيهم قال يعقوب: «بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنّه هو العليم الحكيم» ثمّ «تولّى عنهم و قال ياأسفى على يوسف و ابيضّت عيناه من الحزن، يعني عميت من البكاءِ «فهو كظيم» أي محزون، و الأسف: أشدّ الحزن، وسئل أبو عبدالله علیه السلام ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف؟ قال: حزن سبعين ثكلى بأولادها، وقال: إنّ يعقوب لم يعرف الاسترجاع فمنها قال: واأسفاه على يوسف، فقالوا له: «تالله تفتؤ تذكر يوسف» أي لا تفتؤ عن ذكر يوسف «حتّى تكون حرضاً» أي ميّتاً «أو تكون من الهالكين» فقال إنّما أشكو بثّي و حزني إلى الله و أعلم من الله مالا تعلمون». (2)
أقول: على ما فسّر عليّ بن إبراهيم «الحرض» لعلّه حمل الهلاك على الهلاك المعنويّ بترك الصبر.
4 - فس: حدّثني أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر علیه السلام قال: قلت له: أخبرني عن يعقوب حين قال لولده: «اذهبوا فتحسّسوا من يوسف و أخيه» أكان علم أنّه حيّ و قد فارقه منذ عشرين سنة و ذهبت عيناه عليه من البكاء، قال: نعم علم أنّه حيّ أنّه دعا ربّه في السحر أن يهبط عليه ملك الموت، فهبط عليه ملك الموت بأطيب رائحة و أحسن صورة، فقال له: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، أليس سألت الله أن ينزلني عليك؟
قال: نعم، قال: ما حاجتك يا يعقوب؟ قال له: أخبرني عن الأرواح تقبضها جملة أو تفاريقاً؟ قال: تقبضها أعواني متفرقّة و تعرض عليّ مجتمعة، قال يعقوب: فأسألك بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب هل عرض عليك في الأرواح روح يوسف؟ فقال: لا فعند ذلك علم أنّه حيّ، فقال لولده: «اذهبوا فتحسّسوا من يوسف و أخيه و لا تيأسوا من روح الله إنّه لا ييأس من روح الله إلّا القوم الكافرون» و كتب عزيز مصر إلى يعقوب.
أمّا بعد فهذا ابنك اشتريته بثمن بخس دراهم و هو يوسف و اتّخذته عبداً، و هذا ابنك بنيامين قد سرق و أخذته فقد وجدت متاعي عنده واتّخذته عبداً. فما ورد على يعقوب شيء كان أشدّ عليه من ذلك الكتاب، فقال للرسول: مكانك حتّى اُجيبه، فكتب عليه یعقوب علیه السلام.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحٖيم. من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، أمّا بعد فقد فهمت كتابك تذكر فيه أنّك اشتريت ابني واتّخذته عبداً، وإنّ البلاء موكّل ببني آدم إنّ جدّي إبراهيم ألقاه نمرود ملك الدنيا في النار فلم يحترق و جعلها الله عليه برداً و سلاماً و إنّ أبي إسحاق أمر الله جدّي أن يذبحه بيده فلمّا أراد أن يذبحه فداه الله بكبش عظيم، و إنّه كان لي ولد لم يكن في الدنيا أحد أحبّ إليّ منه وكان قرّة عيني و ثمرة فؤادي فأخرجوه إخوته ثمّ رجعوا إليّ و زعموا أنّ الذئب أكله فاحدودب لذلك ظهري، و ذهب من كثرة البكاء عليه بصري، وكان له أخ من اُمّه كنت آنس به فخرج مع إخوته إلى ما قبلك ليمتاروا لنا طعاماً فرجعوا إليّ وذكرواأنّه سرق صواع الملك و قد حبسته، وإنّا أهل بيت لا يليق بنا السرق و لاالفاحشة، و أنا أسألك بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب إلّا مننت عليّ به و تقرّبت إلى الله ورددته إليّ.
فلمّا ورد الكتاب إلى يوسف أخذه و وضعه على وجهه و قبّله و بكى بكاءً شديداً ثمّ نظر إلى إخوته فقال لهم: «هل علمتم ما فعلتم بيوسف و أخيه إذا أنتم جاهلون» «فقالوا
أئنّك لأنت يوسف قال أنا يوسف و هذا أخي قد منّ الله علينا إنّه من يتّق و يصبر فإنّ الله لا يضيع أجر المحسنين» فقالوا له كما حكى الله عزّ و جلّ: «لقد آثرك الله علينا و إن كنّا لخاطئين ٭ قال لا تثريب عليكم اليوم» أي لا تخليط «يغفر الله لكم و هو أرحم الراحمين» قال: فلمّا ولّى الرسول إلى الملك بكتاب يعقوب رفع يعقوب يده إلى السماء فقال «يا حسن الصحبة، يا كريم المعونة، يا خير إله ائتني بروح منك و فرج من عندك» فهبط جبرئيل عليه فقال له: يا يعقوب ألا أعلّمك دعوات يردّ الله عليك بصرك و ابنيك؟ قال: نعم، قال: قل: «يا من لم يعلم أحد كيف هو إلّا هو، يا من سدّ السماء بالهواء، وكبس الأرض على الماء، و اختار لنفسه أحسن الأسماه، ائتني بروح منك و فرج من عندك» قال: فما انفجر عمود الصبح حتّى اُتي بالقميص فطرح عليه و ردّ الله عليه بصره و ولده. (1)
أقول: لعلّ مراده بالتخليط ما يرجع إلى الإفساد.
5 - فس: وقال: و لمّا أمر الملك بحبس يوسف في السجن ألهمه الله تأويل الرؤيا فكان يعبّر لأهل السجن، فلمّا سألاه الفتيان الرؤيا و عبّر لهما وقال للّذي ظنّ أنّه ناج منهما: اذكرني عند ربّك و لم يفزع في تلك الحال إلى الله فأوحى الله إليه: من أراك الرؤيا الّتي رأيتها؟ قال يوسف: أنت يا ربّ، قال: فمن حببّك إلى أبيك؟ قال: أنت يا ربّ، قال: فمن وجّه إليك السيّارة الّتي رأيتها؟ قال: أنت يا ربّ، قال: فمن علّمك الدعاء الّذي دعوت به حتّى جعلت لك من الجبّ فرجاً؟ قال: أنت يا ربّ، قال: فمن أنطق لسان الصبيّ بعذرك؟ قال: أنت يا ربّ، قال: فمن ألهمك تأويل الرؤيا؟ قال: أنت يا ربّ، قال: فكيف استعنت بغيري ولم تستعن بي؟ و أمّك عبداً من عبيدي ليذكرك إلى مخلوق من خلقي و في قبضتي و لم تفزع إليّ؟ البث في السجن بضع سنين. فقال يوسف: أسألك بحقّ آبائي عليك إلّا فرّجت عنّي، فأوحى الله إليه: يا يوسف و أيّ حقّ لآبائك عليّ؟ إن كان أبوك آدم خلقته بيدي و نفخت فيه من
1) تفسير القمى: 328-329.
روحي و أسكنته جنّتي و أمرته أن لا يقرب شجرةً منها فعصاني و سألني فتبت عليه، وإن كان أبوك نوح انتجبته من بين خلقي وجعلته رسولاً إليهم فلمّا عصوا و دعاني فاستجبت له و غرقتهم و أنتجبته من النار و جعلتها عليه برداً و سلاماً، وإن كان أبوك يعقوب و هبت له اثني عشر ولداً فغيّبت عنه واحداً فما زال يبكي حتّى ذهب بصره و قعد على الطريق يشكوني إلى خلقي، فأيّ حقّ لآبائك عليّ؟ قال: فقال له جبرئيل: قل يا يوسف: «أسألك بمنّك العظيم و إحسانك القديم و لطفك العميم يا رحمن يا رحيم» فقالها فرأى الملك الرؤيا فكان فرجه فيها.
و حدّثني أبي، عن العبّاس بن هلال، عن أبي الحسن الرضا علیه السلام قال: قال السبحان ليوسف: إنّي لاُحبّك، فقال يوسف: ما أصابني إلّا من الحبّ إن كان خالتي أحبّتني سرّقفتني و إن كان أبي أحبّني فحسدوني إخوتى، وإن كانت امرأة العزيز أحبّتني فحبستني، قال: و شكا يوسف في السجن إلى الله فقال: يا ربّ بماذا استحققت السجن؟ فأوحى الله إليه: أنت اخترته حين قلت: «ربّ السجن أحبّ إليّ ممّا يدعونني إليه» هلا قلت العافية أحبّ إليّ ممّا يدعونني إليه؟!! (1)
شی: عن العبّاس مثله. (2)
6 - فس: حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن الحسن بن عمّارة، عن أبي سيّار، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا طرح إخوة يوسف يوسف في الجبّ دخل عليه جبرئيل و هو في الجبّ فقال: يا غلام من طرحك في هذا الجبّ؟ فقال له يوسف: إخوتي لمنزلتي من أبي حسدوني، و لذلك في الجبّ طرحوني، قال: فتحبّ أن تخرج منها؟ فقال له يوسف: ذاك إلى إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، قال: فإنّ إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لك: قل اللّهمّ إنّي أسألك بأنّ (فإنّ خ ل) لك الحمد كلّه، لا إله إلّا أنت الحنّان المنّان بديع السماوات و
الأرض ذو الجلال والإكرام، صلّ على محمّد و آل محمّد، واجعل لي من أمري فرجاً و مخرجاً، و ارزقني من حيث أحتسب و من حيث لا أحتسب» فدعا ربّه فجعل الله له من الجبّ فرجاً، و من كيد المرأة مخرجاً، و أعطاه ملك مصر من حيث لم يحتسب. (1)
ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى ابن محبوب مثله. (2)
شی: عن أبي سيّار مثله. (3)
7 - فس: أخبرنا الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن الحسن بن بنت إلياس و إسماعيل ابن همام، عن أبي الحسن علیه السلام قال : كانت الحكومة في بني إسرائيل إذا سرق أحد شيئاً استرقّ به، وكان يوسف عند عمّته و هو صغير وكانت تحبّه، وكانت لإسحاق منطقة ألبسها یعقوب و كانت عند أخته، و إنّ يعقوب طلب يوسف ليأخذه من عمّته فاغتمّت لذلك و قالت: دعه حتّى اُرسله إليك، و أخذت المنطقة و شدّت بها وسطه تحت الثياب، فلمّا أتى يوسف أباه جاءت و قالت: قد سرقت المنطقة فقّشته فوجدتها معه في وسطه، فلذلك: قالت إخوة يوسف لمّا حبس يوسف أخاه حيث جعل الصاع في وعاء أخيه فقال يوسف: ما جزاء من وجد في رحله؟ قالوا: هو جزاؤه - السنّة الّتي تجري فيهم - فلذلك قال إخوة يوسف: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرّها يوسف في نفسه و لم يبدها لهم. (4)
ع، ن: المظفّر العلويّ، عن ابن العيّاشيّ، عن أبيه، عن عبدالله بن محمّد بن خالد عن الوشّاء مثله. (5)
شی: عن الوشّاء بسندين مثله. (6)
8- فس: قال عليّ بن إبراهيم ثمّ رحل يعقوب و أهله من البادية بعد ما رجع إليه
بنوه بالقميص فألقوه على وجهه فارتدّ بصيراً، فقال لهم: ألم أقل لكم إنّي أعلم من الله ما لا تعلمون؟ قالوا له: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنّا كنّا خاطئين، فقال لهم: سوف أستغفر لكم ربّي إنّه هو الغفور الرحيم. قال: أخّرهم إلى السحر لأنّ الدعاء و الاستغفار مستجاب فيه، فلمّا وافى يعقوب و أهله و ولده مصر قعد يوسف على سريره و وضع تاج الملك على رأسه فأراد أن يراه أبوه على تلك الحالة، فلمّا دخل أبوه لم يقم له فحرّوا كلّهم له سجّداً، فقال يوسف: «يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قدجعلها ربّي حقّاً وقد أحسن بي إذا أخرجني من السجن و جاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني و بين إخوتي إنّ ربي لطيف لما يشاء إنّه هو العليم الحكيم».
و حدّثني محمّد بن عيسى عن يحيى بن أكثم سأل موسى بن محمّد بن عليّ بن موسى مسائل فعرضها على أبي الحسن علیه السلام فكان أحدها: أخبرني عن قول الله عزّ و جلّ: «و رفع أبويه على العرش و خرّوا له سجّداً» أسجد يعقوب و ولده ليوسف و هم أنبياء؟ فأجاب أبو الحسن علیه السلام : أمّا سجود يعقوب و ولده فإنّه لم يكن ليوسف، وإنّما كان ذلك من يعقوب و ولده طاعة الله و تحيّة ليوسف، كما كان السجود من الملائكة لآدم و لم يكن لآدم و إنّما كان منهم ذلك طاعةً لله و تحيّةً لآدم، فسجد يعقوب و ولده و یوسف معهم شكر الله لاجتماع شملهم، ألم ترأنّه يقول في شكره ذلك الوقت: «ربّ قد أتيتني من الملك و علّمتني من تأويل الاحاديث فاطر السموات و الأرض أنت ولیّي في الدنيا و الآخرة توفّني مسلماً و ألحقني بالصالحين». (1)
ف: عنه علیه السلام مثله. (2)
شی: عن محمّد بن سعيد الأزديّ صاحب موسى بن محمّد بن الرضا، عن موسى أنّه قال لأخيه: إنّ يحيى بن أكثم كتب إليه يسأله عن مسائل، فقال: أخبرني عن قول الله «و رفع
أبويه» و ذكر نحوه. (1)
9 - لي: ابن المتوكّل، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّادبن عثمان عمّن سمع أبا سيّار يقول: سمعت أبا عبدالله الصادق علیه السلام يقول: جاء جبرئيل علیه السلام إلى يوسف علیه السلام وهو في السجن، فقال، قل في دبر كلّ صلاة مفروضة: «اللّهم اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، و ارزقني، من حيث أحتسب و من حيث لاأحتسب» ثلاث مرّات. (2)
10 - ل: ابن المتوكّل، عن السعد آبادي، عن البرقي ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله علیه السلام قال: كان في قميص يوسف ثلاث آيات في قوله تعالى: «و جاءواعلى قميصه بدم كذب» وقوله عزّوجل: «إن كان قميصه من قبل» الآية و قوله: «اذهبوا بقميصی هذا» الآية. (3)
11 - لی: الطالقاني، عن أحمد الهمداني، عن المنذر بن محمّد، عن جعفر بن سليمان، عن عبدالله بن المفضل ،عن أبان بن عثمان، عن ابن تغلب، عن ابن جيبر، عن ابن عباس قال: لمّاأصاب آل يعقوب ماأصاب الناس من ضيق الطعام جمع يعقوب بنيه فقال لهم: يابنيّ إنّه بلغني أنّه يباع بمصر طعام طيب و أن صاحبه رجل صالح لا يحبس الناس فاذهبوا إليه و اشتروا منه طعاماً فانه سيحسن إليكم إن شاء الله، فتجهزوا وساروا حتىّ وردوا مصر فادخلوا على يوسف علیه السلام فعرفهم و هم له منكرون، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا نحن أولاد يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم خليل الرحمن، و نحن من جبل كنعان، قال يوسف: ولدكم، اذاً ثلاثة أنبياء و ما أنتم بحلماء، ولا فيكم وقارّ و لا خشوع فلعلّكم جواسيس لبعض الملوك جئتم إلى بلادي؟ فقالوا: أيها الملك للسنا بجواسيس ولاأصحاب الحرب ولو تعلم بأبينا إذاً لكرمنا عليك، فإنّه نبي الله وابن أنبيائه و إنّه لمحزون، قال لهم يوسف: فممّا حزنه و هو نبي
و ابن أنبياء والجنّة مأواء، و هو ينظر إليكم في مثل عددكم وقوّتكم؟ فلعلّ حزنه إنّما هو من قبل سفهكم وجهلكم وكذبكم وكيدكم ومكركم؟ قالوا: أيّها الملك لسنا بجهّال و لاسفهاء و لاأتاه الحزن من قبلنا، ولكن كان له ابن كان أصغرنا سنّا يقال له يوسف فخرج معنا إلى الصيد فأكله الذئب يزل بعده كئيناً باكياً، فقال لهم يوسف علیه السلام : كلّكم من أب واحد؟ قالوا: أبونا واحد و اُمّهاتناشتّى، قال: فما حمل أباكم على أن سرّحكم كلّكم إلّاحبس منكم واحداً يأنس به و يستريح إليه؟ قالوا: قد فعل، قد حبس منّا واحداً هو أصغرنا سنّاً، قال: و لمّ اختاره لنفسه من بينكم؟ قالوا: لأنّه أحبّ أولاده إليه بعد يوسف.
فقال لهم يوسف علیه السلام ، إنّي أحبس منكم واحداً يكون عندي و ارجعوا إلى أبيكم و اقرؤوه منّي السلام و قولوا له: يرسل إليّ بابنه الّذي زعمتم أنّه حبسه عنده ليخبرني عن حزنه ما الّذي أحزنه؟ و عن سرعة الشيب إليه قبل أوان مشيبه؟ و عن بكائه و ذهاب ببصره؟ فلمّا قال هذا اقترعوا بينهم فخرجت القرعة على شمعون، فأمر به فحبس، فلمّا ودّعوا شمعون قال لهم: يا إخوتاه انظروا ماذا و قعت فيه، و اقرؤوا والدي منّي السلام؛ فودّعوه وساروا حتّى و رودا الشام و دخلوا على يعقوب علیه السلام وسلّموا عليه سلاماً ضعيفاً، فقال لهم: يا بنيّ مالكم تسلّمون سلاماً ضعيفاً؟ و مالي لا أسمع فيكم صوت خليلي شمعون؟ قالوا: يا أبانا إنّا جئناك من عند أعظم الناس ملكاً، لم ير الناس مثله حكماً و علماً و خشوعاً و سكينةً و وقاراً، و لئن كان لك شبيه فإنّه لشبيهك، و لكنّا أهل بيت خلقنا للبلاء اتّهمنا الملك و زعم أنّه لا يصدّقنا حتّى ترسل معنا بابن يامين برسالة منك يخبره عن حزنك و عن سرعة الشيب إليك قبل أوان المشيب، و عن بكائك و ذهاب بصرك، فظنّ يعقوب أنّ ذلك مكر منهم فقال لهم: يا بنيّ بنيّ بئس العادة عادتكم، كلّما خرجتم في وجه نقص منكم واحد، لا اُرسله معكم، فلمّا فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردّت إليهم من غير علم. منهم أقبلوا إلى أبيهم فرحين قالوا: يا أبانا مارأى الناس مثل هذا الملك أشدّ اتّقاءً للإثم منه، ردّ علينا
بضاعتنا مخافة الإثم، و هي بضاعتنا ردّت إلينا، و نمير أهلنا، و نحفظ أخانا و نزداد كيل بعير ذلك كيل يسير؛ قال يعقوب: قد علمتم أنّ ابن يامين أحبّكم إليّ بعد أخيكم يوسف و به اُنسي، و إليه سكوني من بين جماعتكم، فلن اُرسله معكم حتّى تؤتون موثقاً من الله لتأتنّني به إلّا أن يحاط بكم، فضمنه يهودا فخرجوا حتّى وردوا مصر فدخلوا على يوسف علیه السلام فقال لهم: هل بلّغتم رسالتي؟ قالوا: نعم و قد جئناك بجوابها مع هذا الغلام فسله عمّا بدالك، قال له يوسف: بما أرسلك أبوك إليّ يا غلام؟ قال: أرسلني إليك يقرؤك السلام و يقول: إنّك أرسلت إليّ تسألني عن حزني و عن سرعة الشيب إليّ قبل أوان المشيب، و عن بكائي و ذهاب بصري، فإنّ أشدّ الناس حزناً و خوفاً أذكرهم للمعاد، و إنّما أسرع الشيب إليّ قبل أوان المشيب لذكر يوم القيامة، وأبكاني وبيّض عيني الحزن على جيبي يوسف، و قد بلغني حزنك بحزني و اهتمامك بأمري، فكان الله جازياً و مثيباً؛ و إنّك لن تصلني بشيء أنا أشدّ فرحاً به من أن تعجّل عليّ ولدي ابن يامين، فإنّه أحبّ أولادي إليّ بعد يوسف، فاُونس به وحشتي، و أصل به وحدتي، تعجل عليّ بما أستعين به على عيالي. فلمّا قال هذا خنقت يونس علیه السلام العبرة و لم يصبر حتّى قام فدخل البيت و بكى ساعة ثمّ خرج إليهم و أمر لهم بطعام، و قال: ليجلس كلّ بني اُمّ على مائدة، فجلسوا و و بقي ابن يامين قائماً، فقال له يوسف: مالك لم تجلس؟ فقال له: ليس لي فيهم ابن اُمّ، فقال له يوسف: أفما كان لك ابن اُمّ؟ فقال له ابن يامين: بلى، فقال له يوسف: فما فعل؟ قال: زعم هؤلاء أنّ الذئب أكله، قال: فما بلغ من حزنك عليه؟ قال: ولد لي اثناعشر ابناً كلّهم اشتقّ له اسماً من اسمه، فقال له يوسف علیه السلام : أراك قد عانقت النساء و شممت الولد من بعده؟! فقال له ابن يامين: إنّ لي أباً صالحاً و إنّه قال لي: تزوّج لعلّ الله عزّ و جلّ يخرج منك ذرّيّة يثقل الأرض بالتسبيح، فقال له يوسف: تعال فاجلس على مائدتي، فقال إخوة يوسف: لقد فضّل الله يوسف و أخاه حتّى أنّ الملك قد أجلسه معه على مائدته، فأمر يوسف أن يجعل صواع الملك في رحل ابن يامين.
فلمّا تجهّزوا «أذّن مؤذّن أيّتها العير إنّكم لسارقون ٭ قالوا و أقبلوا عليهم ماذا تفتدون ٭ قالوا تفقدون ٭ قالوا نفقد صواع الملك و لمن حاء به حمل بعير و أنابه زعيم ٭ قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض و ما كنّا سارقين» و كان الرسم فيهم و الحكم أنّ السارق يسترقّ و لا يقطع «قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ٭ قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين ٭ فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثمّ استخرجها من وعاء أخيه» فحبسه، فقال إخوته لمّا أصابوا الصواع في وعاء ابن يامين: «إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرّها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شرّ مكاناً و الله أعلم بما تصفون قالوا يا أيّها العزيز إنّ له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه إنّا نريك من المحسنين ٭ قال معاذالله إن نأخذ إلّا من وجدنا متاعنا عنه إنّا إذاً للظالمون فلمّا استيأسوا منه خلصوا نجيّاً قال كبيرهم ألم تعلموا أنّ أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله و من قبل ما فرّطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتّى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي و هو خير الحاكمين ٭ ارجعوا إلى أبيكم فقالوا يا أبانا إن ابنك سرق و ما شهدنا إلّا بما علمنا و ما كنّا للغيب حافظين و أسئل القرية الّتي كنّا فيها و العير الّتي أقبلنا فيها و إنا لصادقون» فلمّا رجعوا إلى أبيهم قالوا ذلك له قال: إنّ ابني لا يسرق «بل سوّلت لكم انفسكم امراً فصبر جميلٌ عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنّه هو العليم الحكيم».
ثمّ أمر بنيه بالتجهيز إلى مصر، فساروا حتّى أتوا مصر فدخلوا على يوسف و دفعوا إليه كتاباً من يعقوب يستعطفه فيه و يسأله ردّ ولده عليه، فلمّا نظر فيه خنقته العبرة و لم يصبر حتّى قام فدخل البيت فبكى ساعة ثمّ خرج إليهم فقالوا له: «يا أيّها العزيز مسّنا و أهلنا الضرّ وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل و تصدّق علينا إنّ الله يجزي المتصدّقين فقال لهم يوسف: «هل علمتم ما فعلتم بيوسف و أخيه إذا أنتم جاهلون ٭ قالوا أئنّك لأنت يوسف قال أنا يوسف و هذا أخي قد منّ الله علينا إنّه من يتّق و يصبر فإنّ الله لا يضيع أجر
المحسنين ٭ قالوا تاالله لقد آثرك الله علينا و إن كنّا لخاطئين ٭ قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم و هو أرحم الراحمين.
ثمّ أمرهم بالانصراف إلى يعقوب و قال لهم «اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً و أتوني بأهلكم أجمعين» فهبط جبرئيل على يعقوب علیه السلام فقال: يا يعقوب ألا اُعلّمك دعاءً يردّ الله عليك به بصرك، و يردّ عليك ابنيك؟ قال: بلى، قال: قل ما قاله أبوك آدم فتاب الله عليه، و ما قاله نوح فاستوت به سفينته على الجوديّ و نجا من الغرق و ما قاله أبوك إبراهيم خليل الرّحمن حين اُلقي في النار فجعله الله عليه برداً وسلاماً، فقال يعقوب: و ما ذاك يا جبرئيل؟ فقال: قل: «يا ربّ أسألك بحقّ محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين أن تأتيني بيوسف و ابن يامين جميعاً و تردّ عليّ عيني» فما استتمّ يعقوب هذا الدعاء حتّى جاء البشير فألقی قميص يوسف عليه فارتدّ بصيراً، فقال لهم: «ألم أقل لكم إنّي أعلم من الله ما لا تعلمون ٭ قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنّا كنّا خاطئين ٭ قال سوف أستغفر لكم ربّي إنّه هو الغفور الرحيم» فروي في خبر عن الصادق علیه السلام أنّه قال: أخّرهم إلى السحر، فأقبل يعقوب إلى مصر و خرج يوسف ليستقبله فهمّ بأن يترجّل ليعقوب ثمّ ذكر ما هو فيه من الملك فلم يفعل، فنزل عليه جبرئيل علیه السلام فقال له: يا يوسف إنَّ الله عزّ و جلّ يقول لك: ما منعك أن تنزل إلى عبدي الصالح؟ ما كنت فيه؟ ابسط يدك، فبسطها فخرج من بين أصابعه نور، فقال: ما هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا إنّه لا يخرج من صلبك نبيّ أبداً عقوبة بما صنعت بيعقوب إذ لم تنزل إليه فقال يوسف: «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ٭ و رفع أبويه على العرش و خرّواله سجّداً» فقال يوسف ليعقوب: «يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربّي حقّاً، إلى قوله: «توفّني مسلماً و ألحقني بالصالحين» فروي في خبر عن الصادق علیه السلام أنّه قال: دخل يوسف السجن و هو ابن اثنتي عشرة سنة، و مكث فيه ثمان
عشرة سنة، و بقي بعد خروجه ثمانين سنة، فذلك مائة سنة و عشر سنين. (1)
12 - ل: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن معروف، عن محمّد بن سهل البحرانيّ يرفعه إلى أبي عبد الله علیه السلام قال: البكّاؤون خمسة: آدم و يعقوب و يوسف و فاطمة بنت محمّد صلی الله علیه و آله و سلم و عليّ بن الحسين علیهم السلام . فأمّا آدم فبكى الجنّة حتى صار فى خدَّيه أمثال الأودية؛ و أمّا يعقوب فبكى على يوسف حتّى ذهب بصره و حتّى قيل له: «تالله تفتؤ تذكر يوسف حتّى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين» و أمّا يوسف فبكى على يعقوب حتّى تأذّى به أهل السجن فقالوا له: إمّا أن تبكي اللّيل و تسكت بالنهار ، و إمّا أن تبكي النهار و تسكت باللّيل، فصالحهم على واحدة منهما؛ و أمّا فاطمه فبكت على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حتّى تأذّى به أهل المدينة فقالوا لها: قد آذيتنا بكثرة بكائك، فكانت تخرج إلى المقابر مقابر الشهداء فتبكي حتّى تنقضي حاجتها ثمّ تنصرف؛ و أمّا عليّ بن الحسين علیهما السلام فبكى على الحسين عشرين سنة أو أربعين سنة، ما وضع بين يديه طعام إلّا بكى حتّى قال له مولى له: جعلت فداك يا ابن رسول الله إنّي أخاف عليك أن تكون من الجاهلين قال إنّما أشكوبثيّ وحزني إلى الله و أعلم من الله مالا تعلمون» إنّي ما أذكر مصرع بني فاطمة إلّا خنقتني لذلك عبرة. (2)
13 - سن: عدَّة من أصحابنا، عن ابن أسباط، عن عمّه يعقوب بن سالم، عن إسحاق ابن عمّار، عن الكاهلي قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: إنّ يعقوب لمّا ذهب منه ابن يامين نادى: يا ربّ أما ترحمني؟ أذهبت عينيّ، و أذهبت ابنيّ، فأوحى الله تبارك و تعالى إليه: لو أمتّهما لأحييتهما حتّى أجمع بينك و بينهما، و لكن أما تذكر الشاة ذبحتها و شوّيتها و أكلت و فلان إلى جنبك صائم لم تنله منها شيئاً؟ قال ابن أسباط: قال يعقوب: حدّثني الميثميّ، عن أبي عبد الله علیه السلام أنّ يعقوب بعد ذلك كان ينادي مناديه كلّ غداة من منزله على فرسخ: ألا
من أراد الغداء فليأت آل يعقوب، و إذا أمسى نادى: ألا من أراد العشاء فليأت آل يعقوب. (1)
14 - ل: ابن الوليد، عن الصفّار، عن البرقيّ، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم عمّن ذكره، عن أبي جعفر علیه السلام قال: إنّ الله تبارك و تعالى لم يبعث أنبياء ملوكاً في الأرض إلّا أربعة بعد نوح: ذوالقرنين واسمه عيّاش، و داود و سلیمان و یوسف علیهم السلام فأمّا عيّاش فملك ما بين المشرق والمغرب، و أمّا داود فملك ما بين الشامات إلى بلاد إصطخر، وكذالك ملك سليمان، و أمّا يوسف فملك مصر و براريها لم يجاوزها إلى غيرها. (2)
15 - ع: القطّان، عن السكّريّ، عن الجوهريّ، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: كان يعقوب و عيص توأمين فولد عيص ثمّ ولد يعقوب فسميّ يعقوب لأنّه خرج بعقب أخيه عيص، و يعقوب هو إسرائيل، و معنى إسرائيل: عبدالله، لأنّ الإسرا هو عبد، وإيل هو الله عزّ و جلّ. وروي في آخر أنّ الإسرا هو القوّة، وإيل هو الله عزّ و جلّ، فمعنى إسرائيل: قوّة الله عزّ و جلّ. (3)
16 - كا: عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد و سهل بن زياد جميعاً، عن ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبد الله علیه السلام: جاء رجل إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقال: يا نبيّ الله إنّ لي ابنة عمّ قد رضيت جمالها و حسنها و دينها و لكنّها عاقر، فقال: لا تتزوجّها، إنَّ يوسف بن يعقوب لقي أخاه فقال: يا أخي كيف استطعت أن تتزوّج النساء بعدي؟ فقال: إنّ أبي أمرني وقال: إن استطعت أن تكون لك ذريّة تثقل الأرض بالتسبيح فافعل.(4)
17 - كا: العدّة، عن البرقيّ، عن التفليسيّ، عن السمنديّ، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: خير وقت دعوتم الله فيه الأسحار، وتلاهذه الآية في قول يعقوب علیه السلام :
«سوف أستغفر لكم ربّي» فقال: أخّرهم إلى السحر. (1)
18 - دعوات الراوندى: عن أبي عبدالله بن موسى قال: لمّا كان من أمر إخوة يوسف ما كان - وساق الحديث إلى قوله -: من يعقوب اسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله - إلى قوله -: وكان لي ابن وكان من أحبّ الناس إليّ قوله -: و هو من المحبوسين عندك، إنّي اُخبرك أنّي لم أسرق ولم ألد سارقاً. فلمّا قرأ يوسف كتابه بكى وكتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا.
فلمّا انتهى الكتاب إلى يعقوب قال: والله ما هذا بكلام الملوك و الفراعنة، بل هو كلام الأنبياء وأولاد الأنبياء، فحينئذ قال: «يا بنيّ اذهبوا فتحسّسوا من يوسف». (2)
19 - ع: ابن المتوكّل، عن الحميريّ، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن الثماليّ قال: صلّيت مع عليّ بن الحسين علیه السلام الفجر بالمدينة يوم جمعة، فلمّا فرغ من صلاته و سبحته نهض إلى منزله و أنا معه، فدعا مولاة له تسمّى سكينة فقال لها: لا يعبر على بابي سائل إلا أطعمتموه، فإنّ اليوم يوم الجمعة، قلت له: ليس كلّ من يسأل مستحقّاً، فقال: يا ثابت أخاف أن يكون بعض من يسألنا مستحقّاً فلا نطعمه و نردّه فينزل بنا أهل البيت ما نزل بيعقوب و آله، أطعموهم أطعموهم، إنّ يعقوب كان يذبح كلّ يوم كبشاً فيتصدّق منه، ويأكل هو و عياله منه، وإنّ سائلاً مؤمناً صوّاماً مستحقّاً (؛) له عند الله منزلة و كان مجتازاً غريباً اعترَّ على باب يعقوب عشيّة جمعة عند أوان إفطاره يهتف على بابه: أطعموا السائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم، يهتف بذلك على بابه مراراً و هم يسمعونه قد جهلوا حقّه و لم يصدّقوا قوله، فلمّا يئس أن يطعموه و غشيّه اللّيل استرجع و استعبر وشكا جوعه إلى الله عزّ و جلّ وبات طاوياً، وأصبح صائماً جائعاً صابراً حامداً لله تعالى، و باب یعقوب و آل يعقوب شباعاً وبطاناً و أصبحوا و عندهم فضلة من طعامهم.
قال: فأوحى الله عزّ و جلّ إلى يعقوب في صبيحة تلك اللّيلة: لقد أذللت يا يعقوب عبدي ذلّة استجررت بها غضبي، و استوجبت بها أدبي و نزول عقوبتي و بلواي عليك و على ولدك، يا يعقوب إنّ أحبّ أنبيائي إليّ وأكرمهم عليّ من رحم مساكين عبادي و قرَّبهم إليه وأطعمهم و كان لهم مأوى و ملجأ، يا يعقوب أما رحمت ذميال عبدي، المجتهد في عبادته القانع باليسير من ظاهر الدنيا عشاء أمس لمّا اعترّ ببابك عند أوان إفطاره؟ وهتف بكم: أطعموا السائل الغريب المجتاز القانع، فلم تطعموه شيئاً، فاسترجع و استعبر و شكا ما به إليّ، وبات طاوياً حامداً لي، وأصبح لي صائماً، و أنت يا يعقوب و ولدك شباع، وأصبحت عندكم فضلة من طهامكم؟ أو ما علمت يا يعقوب أنّ العقوبة و البلوى إلى أوليائي أسرع منها إلى أعدائي؟ و ذلك حسن النظر مني - أوليائي، واستدراج منّي لأعدائي، أما و عزّتي لاُنزل بك بلواي، و لأجلعنّك و ولدك غرضاً لمصائبي، و لاُوذينّك بعقوبتي، فاستعدّوا البلواي و ارضوا بقضائي و اصبروا للمصائب؛ فقلت لعليّ بن الحسين علیه السلام جعلت فداك متى رأى يوسف الرؤيا؟ فقال: في تلك اللّيلة الّتي بات فيها يعقوب و آل يعقوب شباعاً، و بات فيها ذميال طاوياً جائعاً، فلمّا رأى يوسف الرؤيا و أصبح يقصّها على أبيه يعقوب فاغتّم يعقوب لمّا سمع من يوسف مع ما أوحى الله عزّ و جلّ إليه: أن استعدّ للبلاء، فقال يعقوب ليوسف: لا تقصص رؤياك هذه على إخوتك فإنّي أخاف أن يكيدوا لك كيداً، فلم يكتم يوسف رؤياه و قصّها على إخوته؛ قال عليّ بن الحسين علیه السلام وكانت أوّل بلوى نزلت بیعقوب و آل يعقوب الحسد ليوسف لمّا سمعوا منه الرؤيا.
قال: فاشتدّت رقّة يعقوب على يوسف و خاف أن يكون ما أوحى الله عزّ و جلّ إليه من الاستعداد للبلاء هو في يوسف خاصّة، فاشتدّت رقّته عليه من بين ولده، فلمّا رأى إخوة يوسف ما يصنع يعقوب بيوسف و تكرمته إيّاه و ايثاره إيّاه عليهم اشتدَّ ذلك عليهم، و بدا البلاء فيهم، فتآمروا فيما بينهم وقالوا: إنّ يوسف و أخاه أحبّ إلى أبينا منّا و نحن عصبة
إنّ أبانا لفي ضلال مبين، اقتلوا يوسف أو طرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين، أي تتوبون. فعند ذلك قالوا: «يا أبانا مالك لا تأمنّا على يوسف وإنّا له لناصحون ٭ أرسله معنا غداً يرتع» فقال يعقوب: «إنّي ليحزنني أن تذهبوا به و أخاف أن يأكله الذئب» فانتزعه حذراً عليه منه من أن تكون البلوى من الله على يعقوب في يوسف خاصّة لموقعه من قبله و حبّه له، قال: فغلبت قدرة الله و قضاؤه و نافذ أمره في يعقوب و يوسف وإخوته، فلم يقدر يعقوب على دفع البلاء عن نفسه و لا عن يوسف و ولده فدفعه إليهم و هو لذلك كار، متوقّع للبلوى من الله في يوسف، فلمّا خرجوا من منزلهم لحقهم مسرعاً فانتزعه من أيديهم فضمّه إليه و اعتنقه و بكى و دفعه إليهم، فانطلقوا به مسرعين مخافة أن يأخذه منهم و لا يدفعه إليهم، فلمّا أمعنوا به أتوا به غيضة أشجار فقالوا: نذبحه و نلقيه تحت هذه الشجرة فيأكله الذئب اللّيلة.
فقال كبيرهم: «لا تقتلوا يوسف» و لكن «ألقوه في غيابت الجبّ يلتقطه بعض السيّارة إن كنتم فاعلين» فانطلقوا به إلى الجبّ فألقوه و هم يظنّون أنّه يغرق فيه، فلمّا صار في قعر الجبّ ناداهم: يا ولد رومین اقرؤوا يعقوب عنّي السلام، فلمّا سمعوا كلامه قال بعضهم لبعض: لا تزالوا من ههنا حتّى تعلموا أنّه قدمات، فلم يزالوا بحضرته حتّى أمسوا و رجعوا إلى أبيهم عشاءً يبكون «قالوا يا أبانا أنّا ذهبنا نستبق و تركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب» فلمّا سمع مقالتهم استرجع و استعبر و ذكر ما أوحى الله عزّ و جلّ إليه من الاستعداد للبلاء، فصبر و أذعن للبلوی و قال لهم: «بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً» و ما كان الله ليطعم لحم يوسف الذئب من قبل أن أرى تأويل رؤياه الصادقة.
قال أبو حمزة: ثمّ انقطع حديث عليّ بن الحسين علیهم السلام عند هذا، فلمّا كان من الغد غدوت عليه فقلت له: جعلت فداك إنّك حدّثتني أمس بحديث ليعقوب و ولده ثمّ قطعته، ما كان من قصّة إخوة يوسف وقصّة يوسف بعد ذلك؟ فقال: إنّهم لمّا أصبحوا قالوا: انطلقوا بنا
حتّى ننظر ما حال يوسف، أمات أم هو حيّ؟ فلمّا انتهوا إلى الجبّ و جدوا بحضرة الجبّ سيّارةً و قد أرسلوا واردهم فأدلى دلوه، فلمّا جذب دلوه إذا هو بغلام متعلّق بدلوه فقال لأصحابه: «يا بشرى هذا غلام» فلمّا أخرجوه أقبلوا إليهم إخوة يوسف، فقالوا: هذا عبدنا سقط منّا أمس في هذا الجبّ، وجئنا اليوم لنخرجه، فانتزعوه من أيديهم و تنحّوا به ناحية فقالوا: إمّا أن تقرّ لنا أنّك عبدلنا فنبيعك بعض هذه السيّارة أو نقتلك، فقال لهم يوسف علیه السلام : لا تقتلوني واصنعوا ما شئتم، فأقبلوا به إلى السيّارة فقالوا: منكم من يشتري منّا هذا العبد؟ فاشتراه رجل منهم بعشرين درهماً، وكان إخوته فيه من الزاهدين، وسار به الّذي اشتراه من البدو حتّى أدخله مصر فباعه الّذي اشتراه من البدو من ملك مصر و ذلك قول الله عزّ و جلّ: «و قال الّذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتّخذه ولداً».
قال أبو حمزة: فقلت لعليّ بن الحسين علیهما السلام : ابن كم كان يوسف يوم ألقوه في الجبّ؟ فقال: كان ابن تسع سنين، فقلت: كم كان بين منزل يعقوب يومئذ و بين مصر؟ فقال: مسيرة اثني عشر يوماً، قال: و كان يوسف من أجمل أهل زمانه، فلمّا راهق يوسف راودته امرأة الملك عن نفسه، فقال لها: معاذ الله أنا من أهل بيت لا يزنون، فغلّقت الأبواب عليها و عليه و قالت: لا تخف و ألقت نفسها عليه، فأفلت منها هارباً إلى الباب ففتحه فلحقته فجذبت قميصه من خلفه فأخرجته منه، فأفلت يوسف منها في ثيابه «و ألفيا سيّدها لدى الباب ٭ قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلّا أن يسجن أو عذاب أليم» قال: فهمّ الملك بيوسف ليعذّبه فقال له يوسف: و إله يعقوب ما أردت بأهلك سوءاً، بل هي راودتني عن نفسي فاسأل هذا الصبيّ أيّنا راود صاحبه عن نفسه، قال: وكان عندها من أهلها صبيّ زائر لها، فأنطلق الله الصبيّ لفصل القضاء فقال: أيّها الملك انظر إلى قميص يوسف فإن كان مقدوداً من قدّامه فهو الّذي راودها، وإن كان مقدوداً من خلفه فهي الّتي راودته، فلمّا سمع الملك كلام
الصبيّ و ما اقتصّ أفزعه ذلك فزعاً شديداً فجيء بالقميص فنظر إليه فلمّا رآه مقدوداً من خلفه قال لها: «إنّه من كيد كنّ إنّ كيد كنّ عظيم» و قال ليوسف: «أعرض عن هذا» و لا يسمعه منك أحد و اكتمه، قال: فلم يكتمه يوسف وأذاعه في المدينة حتّى قلن نسوة منهنّ: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه، فبلغها ذلك فأرسلت إليهنّ وهيّأت لهنّ طعاماً و مجلساً ثمَّ أتتهنّ باُترج و أتت كلّ واحدة منهنّ سكّيناً، ثمّ قالت ليوسف: «اخرج عليهنّ فلمّا رأينه أكبرنه و قطّعن أيديهنّ و قلن» ما قلن، فقالت لهنّ هذا الّذي لمتنّني فيه - يعني في حبّه و خرجن النسوة من عندها فأرسلت كلّ واحدة منهنّ إلى يوسف سرّاً من صاحبتها تسأله الزيارة فأبى عليهنّ، و قال: «إلّا تصرف عنّي كيدهنّ أصب إليهنّ و أكن من الجاهلين» فصرف الله عنه كيدهنّ، فلمّا شاع أمر يوسف و أمر امرأة العزيز والنسوة في مصر بدا للملك بعد ما سمع قول الصبيّ ليسجننّ يوسف، فسجنه في السجن، و دخل السجن مع يوسف فتيان، وكان من قصّتهما وقصّة يوسف ما قصّة الله في الكتاب. قال أبو حمزة: ثمّ انقطع حديث عليّ ابن الحسين علیه السلام. (1)
شی: عن الثماليّ مثله. (2)
20 - ع: سمعت محمّد بن عبدالله بن طيفور يقول في قول يوسف علیه السلام : «ربّ السجن أحبّ إليّ ممّا يدعونني إليه»: إنّ يوسف رجع إلى اختيار نفسه فاختار السجن فوكل إلى اختياره، و التجىء نبيّ الله محمّد محمّد صلی الله علیه و آله و سلم إلى الخيار فتبرّأ من الاختيار و دعا دعاء الافتقار فقال على رؤية الاضطرار: «يا مقلّب القلوب و الأبصار ثبّت قلبي على طاعتك» فعوفي من العلّة و عصم، فاستجاب الله له و أحسن إجابته، و هو أنّ الله عصمه ظاهراً و باطناً.
و سمعته يقول في قول يعقوب: «هل آمنكم عليه إلّا كما أمنتكم على أخيه من قبل» إنّ
هذا مثل قول النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم: «لا يسمع المؤمن من حجر مرّتين» فهذا معناه و ذلك أنّه سلّم يوسف إليهم فغشّوه حين اعتمد على حفظهم له، و انقطع في رعايته إليهم، فألقوه في غيابة الجبّ باعوه، و لمّا انقطع إلى الله عزّ و جلّ في الابن الثاني وسلّمه و اعتمد في حفظه عليه و قال: «فالله خيرٌ حافظاً و هو أرحم الراحمين» أقعده على سرير المملكة، وردّ يوسف إليه و خرج القوم من المحنة و استقامت أسبابهم.
و سمعته يقول في قول يعقوب: «يا أسفى على يوسف» إنّه عرض في التأسّف بيوسف، و قد رأى في مفارقته فراقاً آخر، و في قطيعته قطيعته اُخرى، فتلهّب عليها و تأسّف من أجلها، كفول الصادق علیه السلام في معنى قوله عزّ و جلّ: «و لنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر»: إنّ هذا فراق الأحبّة في دار الدنيا ليستدلّوا به على فراق المولى، فلذلك يعقوب تأسّف على يوسف من خوف فراق غيره، فذكر يوسف لذلك. (1)
21 - ع: أبي، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله علیه السلام في قول يوسف «أيّتها العير إنّكم لسارقون» قال ما سرقوا و ما كذب. (2)
22 - ع: بالإسناد عن ابی أبي عمير، عن أخي مرازم، عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عزّ و جلّ: «و لمّا فصلت العير قال أبوهم إنّي لأجد ريح يوسف لو لا أن تفنّدون» قال: وجد يعقوب ريح فميص إبراهيم حين فصلت العير من مصر و هو بفلسطين. (3)
شی: عن أخي مرازم مثله. (4)
23 - ع: الطالقانيّ، عن أحمد الهمدانيّ، عن المنذر بن محمّد، عن إسماعيل بن إبراهيم الخزّاز، عن إسماعيل بن الفضل الهاشميّ قال: قلت لجعفر بن محمّد علیه السلام أخبرني عن يعقوب علیه السلام لمّا قال له بنوه: «يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنّا كنّا خاطئين ٭ قال سوف أستغفر
لكم ربّي» فأخّر الاستغفار لهم، و يوسف علیه السلام لمّا قالواله: «تالله لقد آثرك الله علينا و إن كنّا لخاطئين» قال: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم و هو أرحم الراحمين» قال: لأنّ قلب الشابّ أرقّ من قلب الشيخ، وكانت جناية ولد يعقوب على يوسف، و جنايتهم على يعقوب إنّما كانت عنايتهم على يوسف، فبادر يوسف إلى العفو عن حقّه و أخّر يعقوب العفو، لأنّ عفود إنّما كان عن حقّ غيره، فأخّرهم إلى السحر ليلة الجمعة.
و أمّا العلّة الّتى كانت من أجلها عرف يوسف إخوته ولم يعرفوه لمّا دخلوا عليه فإنّي سمعت محمّد بن عبد الله بن محمّد بن طيفور يقول في قول الله عزّ و جلّ: «و جاء إخوة يوسف فدخلوا علهی فعرفهم و هم له منكرون»: إنّ ذلك لتركهم حرمة يوسف، وقد يمتحن الله المرأ بتركه الحرمة، ألاترى يعقوب علیه السلام حين ترك حرمة غيّبوه عن عينه، فامتحن من حيث ترك الحرمة بغيبته عن عينه لاعن قلبه عشرين سنة، و ترك إخوة يوسف حرمته في قلوبهم حيث عادوه و أرادوا القطيعة للحسد الّذي في قلوبهم فامتحنوا في قلوبهم كأنّهم يرونه ولا يعرفونه، ولم يكن لأخيه من اُمّه حسد مثل ما كان لإخوته، فلمّا دخل قال: «إنّي أنا أخوك» على يقين عرفه فسلم من المحن فيه حين لم يترك حرمته و هكذا العباد. (1)
24 - ع: ماجيلويه، عن محمّد العطّار، عن ابن أبان، عن ابن اُورمة، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا أقبل يعقوب علیه السلام إلى مصر خرج یوسف علیه السلام ليستقبله، فلمّا رآه يوسف همّ بأن يترجلّ ليعقوب ثمّ نظر إلى ما هو فيه من الملك فلم يفعل، فلمّا سلّم على يعقوب نزل عليه جبرئيل علیه السلام فقال له: يا يوسف إنّ الله تبارك و تعالى يقول لك: ما منعك أن تنزل إلى عبدي الصالح؟ ما أنت فيه؟ ابسط يدك، فبسطها فخرج من بين أصابعه نور، فقال: ما هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا إنّه لا يخرج من صلبك نبيّ أبداً عقوبة لك بما صنعت بيعقوب إذ لم تنزل إليه. (2)
25 - ع: أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن محمّد بن أحمد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن أحمد عن الحسن بن عليّ، عن يونس، عن الحسين بن عمر بن يزيد، عن أبيه، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ بني يعقوب لمّا سألوا أباهم يعقوب أن يأذن ليوسف في الخروج معهم قال لهم: «إنّي أخاف أن يأكله الذئب و أنتم عنه غافلون» قال: فقال أبو عبد الله علیه السلام : قرّب يعقوب لهم العلّة اعتلّوا بها في يوسف علیه السلام . (1)
26 - ع، ن: سأل الشامي أمير المؤمنين علیه السلام عن أكرم الناس نسباً، فقال: صدّيق الله يوسف بن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله. (2)
27 - مع: معنى يعقوب أنّه كان و عيص توأمين فولد عيص ثمّ ولد يعقوب يعقب أخاه عيص، و معنى إسرائيل عبد الله لأنّ إسرا هو عبد، وإيل هو الله عزّ و جلّ. وروي في خبر آخر: إنّ إسرا هو القوّة، وإيل هو الله، فمعنى إسرائيل قوّة الله، و معنى يوسف مأخوذ من آسف يؤسف، أي أغضب يغضب إخوته، قال الله عزّ و جلّ: «فلمّا آسفونا انتقمنا منهم» و المراد بتسميته يوسف أنّه يغضب إخوته ما يظهر من فضله عليهم. (3)
28 - كا: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد خالد، عن محمّد بن عليّ، عن عليّ بن أسباط، عن يعقوب بن سالم، عن الميثميّ، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إن يعقوب علیه السلام كان له منادينادي كلّ غداة من منزله إلى فرسخ: ألا من أراد الغداء فليأت إلى منزل يعقوب علیه السلام، و إذا أمسى ينادي: ألا من أراد العشاء فليأت إلى منزل يعقوب علیه السلام. (4)
29 - ك: ماجيلويه، عن محمّد العطّار، عن ابن أبان، عن ابن اُرومة، عن أحمد ابن محسن، عن الحسن الواسطيّ، عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله علیه السلام قال: قدم أعرابيّ على
يوسف ليشتري منه طعاماً فباعه، فلمّا فرغ قال له يوسف: أين منزلك؟ قال له: بموضع كذا و كذا، قال: فقال له: إذا مررت بوادي كذا وكذا فقف فناد: يا يعقوب يا يعقوب، فإنّه سيخرج إليك رجلٌ عظيمٌ جميلٌ وسيمٌ، فقل له: لقيت رجلاً بمصر و هو يقرؤك السلام و يقول لك: إنّ وديعتك عند الله عزّ و جلّ لن تضيع، قال: فمضى الأعرابيّ حتّى انتهى إلى الموضع فقال لغلمانه: احفظوا عليّ الإبل، ثمّ نادی: یا یعقوب یا یعقوب، فخرج إليه رجل أعمى طويلٌ جسیمٌ جميلٌ يتّقي الحائط بيده حتّى أقبل، فقاله له الرجل: أنت يعقوب؟ قال: نعم، فأبلغه ما قال له يوسف، فسقط مغشيّاً عليه ثمّ أفاق، وقال للأعرابيّ: يا أعرابيّ ألك حاجة إلى الله تعالى؟ فقال له: نعم إنّي رجل كثير المال ولي ابنة عمّ لم يولد لي منها، و اُحبّ أن تدعو الله أن يرزقني ولداً، فتوضّاً يعقوب وصلّى ركعتين ثمّ دعا الله عزّ و جلّ فرزق أربعة بطون - أو قال: ستّة بطون - في كلّ بطن اثنان، فكان يعقوب علیه السلام يعلم أنّ يوسف حيّ لم يمت، و أنّ الله تعالى ذكره سيظهره له بعد غيبة، وكان يقول لبنيه: «إنّي أعلم من الله ما لا تعلمون» وكان بنوه يفنّدونه على ذكره ليوسف حتّى أنّه لمّا وجد ريح يوسف قال: «إنّي لأجد ريح يوسف لو لا أن تفنّدون ٭ قالوا تالله» و هو يهودا ابنه «إنّك لفي ضلالك القديم» فلمّا أن جاء البشير فألقی قميص يوسف على وجهه فارتدّ بصيراً «قال ألم أقل لكن إنّي أعلم من الله ما لا تعلمون». (1)
30 - ك: والدليل على أنّ يعقوب علیه السلام علم بحياة يوسف و أنّه إنّما غيّب عنه لبلوى و اختيار أنّه لمّا رجع إليه بنوه یبكون قال لهم: يا بنيّ ما لكم تبكون وتدعون بالويل؟ و مالي لا أرى فيكم حبيبي يوسف؟ قالوا: «يا أبانا إنّا ذهبنا نستبق و تركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب و ما أنت بمؤمن لنا و لو كنّا صادقين» و هذا قميصه قد أتيناك به، قال: ألقوه إليّ، فألقوه إليه، و ألقاه على وجهه و خرّ مغشيّاً عليه، فلمّا أفاق قال لهم: يا بنيّ ألستم تزعمون
1) كمال الدين 84-85.
أنّ الذئب أكل حبيبي يوسف؟ قالوا: نعم، قال: مالي لا أشمّ ريح لحمه؟ و مالي أرى قميصه صحيحاً؟ هبوا أنّ القميص انكشف من أسفله، أرأيتم ماكان في منكبيه و عنقه كيف يخلص إليه الذئب من غير أن يخرقه؟ إنّ هذا الذئب لمكذوب عليه، وإنّ ابني لمظلوم «بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبرٌ جميل و الله المستعان على ما تصفون» و تولّى عنهم ليلتهم تلك. و أقبل يرثي يوسف و يقول: حبيبي يوسف الّذي كنت اُؤثره على جميع أولادي فاختلس منّي، حبيبي يوسف الّذي كنت أرجوه من بين أولادي فاختلس منّي، حبيبي يوسف الّذي كنت اُوسّده يميني و اُدثّره بشمالي فاختلس منّي، حبيبي يوسف الّذي كنت اُؤنس به وحشتي و أصل به وحدتي فاختلس منّي، حبيبي يوسف ليت شعري في أيّ الجبال طرحوك، أم في أيّ البحار غرقوك؟ حبيبي يوسف ليتني كنت معك فيصيبني الّذي أصابك.
و من الدليل على أنّ يعقوب علیه السلام علم بحياة يوسف علیه السلام و أنّه في الغيبة قوله: «عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً» و قوله لبنيه: «اذهبوا افتحسّسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنّه لا يبأس من روح الله إلّا القوم الكافرون». (1)
31 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر علیه السلام قال: لمّا فقد يعقوب يوسف علیه السلام اشتدّ حزنه، و تغيّر حاله، وكان يمتار القمح من مصر لعياله في السنة مرّتين: في الشتاء والصيف، فإنّه بعث عدّة من لوده ببضاعة يسيرة مع رفقة خرجت، فلمّا دخلوا على يوسف علیه السلام عرفهم و لم يعرفوه، فقال: هلمّوا بضاءتكم حتّى أبدأ بكم قبل الرفاق، وقال لفتيانه: عجّلوا لهؤلاء بالكيل، و أقروهم واجعلوا بضاعتهم في رحالهم إذا فرغتم، و قال يوسف لهم: كان أخوان من أبيكم فما فعلا؟ قالوا: أمّا الكبير منهما فإنّ الذئب أكله، وأمّا الأصغر فخلّفناه عند أبيه و هو به ضنين، و عليه شفيق، قال: إنّي اُحبّ أن تأتوني به معكم إذا جئتم لتمتاروا، ولمّا
1) كمال الدين 85-86.
فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم فيها: «قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردّت إلينا».
فلمّا احتاجوا إلى الميرة بعد ستّة أشهر بعثهم معهم ابن يامين ببضاعة يسيرة، فأخذ عليهم موثقاً من الله لتأتنّني به، فانطلقوا مع الرفاق حتّى دخلوا على يوسف فهيّأ لهم طعاماً، و قال: ليجلس كلّ بني اُمّ على مائدة، فجلسوا و بقي ابن يامين قائماً، فقال له يوسف: مالك لم تجلس؟ فقال: ليس لي فيهم ابن اُمّ، فقال يوسف: فمالك ابن اُمّ؟ قال: بلى زعم هؤلاء أنّ الذئب أكله، قال: فما بلغ من حزنك عليه؟ قال: ولدلي أحد عشر ابناً لكلّهم اشتقّ اسماً من اسمه. قال: أراك قد عانقت النساء فشمت الولد من بعده، فقال: إنّ لي أباً صالحاً قال لي: تزوّج لعلّ الله أن يخرج منك ذرّيّة يثقل الأرض بالتسبيح، قال يوسف تعال فاجلس معي على مائدتي، فقال اخوة يوسف: لقد فضّل الله يوسف و أخاه حتّى أنّ الملك قد أجلسه معه على مائدته، و قال يوسف لابن يامين «إنّي أخوك فلا تبتئس» بما تراني و أفعل، واكتم ما أخبر تك و لا تحزن و لا تخف، ثمّ أخرجه إليهم و أمر فتيته أن يأخذوا بضاعتهم و يعجّلوا لهم الكيل، وإذا فرغوا فاجعلوا المكيال في رحل أخيه ابن يامين، ففعلوا ذلك و ارتحل القوم مع الرفقة فمضوا و لحقهم فتية يوسف فنادوا: أيّتها العير إنّكم لسارقون، قالوا: ماذا تفقدون؟ قالوا: نفقد صواع الملك، قالوا: ما كنّا سارقين قالوا: فما جزاؤه إن كنتم كاذبين؟ قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه، فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثمّ استخرجها من وعاء أخيه، قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، ثمّ قالوا: يا أيّها العزيز إنّ أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه، قال: معاذ الله أن نأخذ إلّا من وجدنا متاعنا عنده، قال كبيرهم: إنّي لست أبرح الأرض حتّى يأذن لي أبي.
فمضى إخوة يوسف حتّى دخلوا على يعقوب صلوات الله عليها فقال لهم: أين ابن يامين، فقالوا: سرق مكيال الملك فحبسه عنده، فاسأل أهل القرية و العير حتّى يخبروك بذلك، فاسترجع يعقوب و استعبر حتّى تقوّس ظهره، فقال يعقوب: يا بنيّ اذهبوا
فتحسّسوا من يوسف و أخيه فخرج منهم نفرٌ و بعث معهم ببضاعة و كتب معهم كتاباً إلى عزیز مصر بعطفه على نفسه و ولده، فدخلوا على يوسف بكتاب أبيهم فأخذه و قبّله و بكى، ثمّ أقبل عليهم فقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف و أخيه قالوا: ءأنت يوسف؟ قال أنا يوسف و هذا أخي و قال يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم اذهبوا بقميصي هذا بلّته دموعي فألقوه على وجه أبي و أتوني بأهلكم أجمعين فأقبل ولد يعقوب يحثّون السير بالقميص: فلمّا دخلوا عليه قال لهم؛ ما فعل ابن يامين؟ قالوا: خلّفناه عند أخيه صالحاً، فحمد الله عند ذلك يعقوب و سجد لربّه سجدة الشكر و اعتدل ظهره، و قال لولده: تحمّلوا إلى يوسف من يومكم، فساروا في تسعة أيّام إلى مصر، فلمّا دخلوا اعتنق يوسف أباه، و رفع خالته، ثمّ دخل منزله و أدهن و لبس ثباب الملك، فلمّا رأوه سجدوا شكر الله، و ما تطيّب يوسف في تلك المدّة و لا مسّ النساء حتّى جمع الله ليعقوب شمله. (1)
32 - ص: بهذا الاسناد عن ابن عيسى، عن ابن بزيع: عن حنان بن سدير قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام أكان أولاد يعقوب أنبياء؟ قال: لا ولكنّهم كانوا أسباطاً أولاد أنبياء ولم يفارقوا إلّا سعداء تابوا و تذكّروا ممّا صنعوا. (2)
شى: عن حنان عن أبيه مثله. (3)
33 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن أبيه عن الصفّار، عن أيوب بن نوح، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : ما بلغ من حزن يعقوب على یوسف؟ قال: حزن سبعين ثكلى، قال: ولمّا كان يوسف علیه السلام في السجن دخل عليه جبرئيل فقال: إن الله ابتلاك و ابتلى أباك، وإنّ الله ينجّيك من هذا السجن فاسأل الله بحقّ محمّد و أهل بيته أن يخلّصك ممّا أنت فيه فقال يوسف: «اللّهم إني أسالك بحقّ محمّد و أهل بيته إلّا عجّلت
فرجي و أرحتني ممّا أنا فيه» قال جبرئيل علیه السلام : فابشر أيّها الصديق فإنّ الله تعالى أرسلني إليك بالبشارة بأنّه يخرجك من السجن إلى ثلاثه أيّام، ويملّكك مصر و أهلها، يخدمك أشرافها، و يجمع إليك إخوتك وأباك، فابشر أيّها الصديق إنّك صفي الله و ابن صفيّه، فلم يلبث يوسف علیه السلام إلّا تلك اللّية حتّى رأى الملك رؤياً أفزعته فقصها على أعوانه فلم يدروا ما تأويلها، فذكر الغلام الّذي نجا من السجن يوسف فقال له: أيّها الملك أرسلني إلى السجن فإن فيه رجلاً لم ير مثله حلماً و علماً و تفسيراً، وقد كنت أنا و فلان غضبت علينا و أمرت بحبسنا رأينا رؤياً فعبّرها لنا وكان كما قال، ففلان صلب، و أمّا أنا فنجوت. فقال له الملك: انطلق إليه، فدخل وقال: يوسف! أفتنا في سبع بقرات، فلمّا بلغ رسالة يوسف الملك قال: «ائتوني به أستخلصه لنفسي» فلمّا بلغ يوسف رسالة الملك قال: كيف أرجو كرامته و قد عرف براءتي و حبسني سنين؟! فلمّا سمع الملك أرسل إلى النسوة فقال: ما خطبكنّ؟ فقلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء، فأرسل إليه وأخرجه من السجن، فلمّا كلّمه أعجبه كماله و عقله، فقال له: اقصص رؤياي فإنّي اُريد أن أسمعها منك، فذكره يوسف كما رأى و فسّره، قال الملك: صدقت، فمن لي بجمع ذلك و حفظه؟ فقال يوسف: إنّ الله تعالى أوحى إليّ أنّي مدبّره و القيّم به في تلك السنين، فقال له الملك: صدقت دونك خاتمي و سريري و تاجي، فأقبل يوسف على جمع الطعام في السنين السبع الخصيبة يكبسه في الخزائن في سنبله، ثمّ أقبلت السنون الجدبة أقبل يوسف علیه السلام على بيع الطهام فباعهم في السنة الاُولى بالدارهم و الدنانير حتّى لم يبق بمصر و ما حولها دينارٌ ولا درهمٌ إلّا صار في مملكة يوسف علیه السلام و باعهم في السنة الثانية بالحليّ و الجواهر حتّى لم يبق بمصر و ما حولها حليّ و لا جواهرٌ إلّا صار في مملكته، و باعهم في السنة الثالثة بالدوابّ والمواشي حتّى لم يبق بمصر و ما حولها دابّة ولا ماشية إلّا صارت في مملكة يوسف، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتّى لم يبق بمصر و ما حولها عبد ولا أمةٌ إلّا صارت في مملكة يوسف، وباعهم في السنة الخامسة
بالدور و العقار حتّى لم يبق بمصر و ما حولها دارٌ و لا عقار إلّا صار في مملكة يوسف، و باعهم في السنة السادسة بالمزارع والأنهار حتّى لم يبق بمصر وما حولها نهر ولا مزرعة إلّا صار في مملكة يوسف علیه السلام و باعهم في السنة السابعة برقابهم حتّى لم يبق بمصر و ما حولها عبد و لا حرّ إلّا صار في مملكة يوسف وصاروا عبيداً له، فقال يوسف للملك: ماترى فيما خوّلني ربّي؟ قال: الرأي رأيك. قال: إنّي اُشهد الله و اُشهدك يا أيّها الملك أنّي أعتقت أهل مصر كلّهم، ورددت عليهم أموالهم و عبيدهم، ورددت عليك خاتمك و سريرك و تاجك على أن لا تسير إلّا بسيرتي، ولا تحكم إلّا بحكمي، فالله أنجاهم عليّ، فقال الملك: إنّ ذلك لديني و فخري، و أنا أشهد أن لا إله إلّا الله. وحده لا شريك له و أنّك رسوله؛ وكان من إخوة يوسف و أبيه علیه السلام ما ذكرته. (1)
34 - ص: بهذا الإسناد عن بعض أصحابنا، عن زرارة، عن أبي عبدالله علیه السلام أنّه قال: إنّ يوسف لمّا تزوّج امرأة العزيز وجدها عذراء، فقال لها: ما حملك على الّذي صنعت؟ قالت: ثلاث خصال: الشباب، والمال، و أنّي كنت لا زوج لي - يعنى كان الملك عنيناً. (2)
35 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا يرفعه قالت: إنّ امرأة العزيز احتاجت فقيل لها: لو تعرّضت ليوسف علیه السلام فقعدت على الطريق، فلمّا مرّبها قالت: الحمد لله الّذي جعل العبيد بطاعتهم لربّهم ملوكاً، والحمد لله الّذي جعل بمعصيته الملوك عبيداً، قال: من أنت؟ قالت: أنا زليخا. فتزوّجها. (3)
36 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده عن ابن عيسى، عن ابن فضّال، عن يونس ابن يعقوب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا دخل يوسف علیه السلام على الملك
-يعنى نمرود - قال: كيف أنت يا إبراهيم؟ قال: إنّي لست بإبراهيم، أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. قال: و هو صاحب إبراهيم الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه، قال: وكان أربعمائة سنة شابّاً. (1)
37 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن أبيه، عن محمّد العطّار، عن الأشعريّ، عن موسى بن جعفر، عن ابن معبد، عن الدهقان، عن درست، عن أبي خالد، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: دخل يوسف علیه السلام السجن و هو ابن اثني عشرة سنة، و مكث فيه ثماني عشر سنة، و بقي بعد خروجه ثمانين سنة، فذلك مائة وعشر سنين. (2)
38 - ك: أبي، عن أحمد بن إدريس و محمّد بن يحيى، عن الأشعريّ، عن محمّد بن يوسف التميميّ، عن الصادق، عن آبائه علیهم السلام، عن النبيّ صلوات الله علیه قال: عاش يعقوب مائة وعشرين سنة، وعاش يوسف مائة وعشرين سنة. (3)
39 - و بهذا الإسناد عن الرضا علیه السلام قال: كانت الدراهم عشرين درهماً و هي قيمة كلب الصيد إذا قتل، و البخس: النقص. (4)
40 - شى: عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله قال: قال له بعض أصحابنا: ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف؟ قال: حزن سبعين ثكلى حرّى. (5)
41 - شی: عن محمّد بن سهل البحرانيّ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: البكّاؤون خمسة: آدم و يعقوب و يوسف و فاطمة بنت محمّد و عليّ بن الحسين صلوات الله عليهم أمّا يعقوب فبكى على يوسف حتّى ذهب بصره و حتّى قيل له: تفتؤ تذكر يوسف حتّى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين. (6)
42 - ل، ع، ن: في أسئلة الشاميّ عن أمير المؤمنين علیه السلام أنّه علیه السلام قال: يوم الأربعاء اُدخل يوسف السجن. (1)
1) الخصال 2: 298؛ علل الشرائع: 199؛ عیون الاخبار: 137.
1 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشّاء، عن درست قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : إنّ أيّوب ابتلي من غير ذنب. (1)
2 - ل: القطّان، عن السكّريّ، عن الجوهريّ، عن ابن عمّارة، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه علیه السلام قال: إنّ أيّوب ابتلي سبع سنين من غير ذنب، و إنّ الأنبياء لا يذنبون، لأنّهم معصومون مطهّرون لا يذنبون ولا يزيغون ولا يرتكبون ذنباً صغيراً و لا كبيراً. و قال علیه السلام : إنّ أيّوب من جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة، و لا قبحت له صورة، و لاخرجت منه مدّة من دم ولاقيح، ولا استقذره أحد رآه، و لا استوحش منه أحد شاهده، و لا تدوّد شيء من جسده، و هكذا يصنع الله عزّ و جلّ بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرّمين عليه، و إنّما اجتنبه الناس لفقره و ضعفه في ظاهر أمره لجهلهم بما له عند ربّه تعالى ذكره من التأييد و الفرج، وقد قال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم : أعظم الناس بلاءً الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل، وإنّما ابتلاء الله عزّ و جلّ بالبلاء العظيم الّذي يهون معه على جميع الناس لئلّا يدّعوا له الربوبيّة إذا شاهدوا ما أراد الله أن يوصله إليه من عظائم نعمه تعالى متى شاهدوه، و ليستدلّوا بذلك
1) علل الشرائع: 37.
على أنّ الثواب من الله تعالى ذكره على ضربين: استحقاق و اختصاص، و لئلّا يحتقروا ضعيفاً لضعفه، ولا فقيراً لفقره، ولا مريضاً لمرضه، و ليعلموا أنّه يسقم من يشاء، و يشفي من يشاء متى شاء كيف شاء بأيّ سبب شاء، و يجعل ذلك عبرة لمن شاء، وشقاوة لمن شاء، و سعادة لمن شاء، و هو عزّ و جلّ في جميع ذلك عدل في قضائه و حكيم في أفعاله، لا يفعل بعباده الّا الأصلح لهم، ولا قوّة لهم إلّا به. (1)
3 - ما: الحسين بن إبراهيم القزوينيّ، عن محمّد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن عليّ الزعفرانيّ، عن البرقيّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال أيّوب النبيّ علیه السلام حين دعا ربّه، يا ربّ كيف ابتليتني بهذا البلاء الّذي لم تبتل له أحداً؟ فوعزّتك إنّك تعلم أنّه ما عرض لي أمران قطّ كلاهما لك طاعة إلّا عملت بأشدّهما على بدني، قال: فنودي: و من فعل ذلك بك يا أيّوب؟ قال فأخذ التراب فوضعه على رأسه ثمّ قال: أنت يا ربّ. (2)
4 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن الحسن ابن عليّ، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: ذكر أيّوب علیه السلام فقال: قال الله جلّ جلاله: إنّ عبدي أيّوب ما اُنعم عليه بنعمة إلّا ازداد شكراً، فقال الشيطان لو نصبت عليه البلاء فابتليته كيف صبره؟ فسلّطه على إبله و رقيقه فلم يترك له شيئاً غير غلام واحد، فأتاه الغلام فقال: يا أيّوب ما بقي من إبلك و لا من رقيقك أحدٌ إلّا وقد مات، فقال أيّوب: الحمد لله الّذي أعطاه و الحمد لله الّذي أخذه؛ فقال الشيطان: إنّ خيله أعجب إليه فسلّط عليها فلم يبق منها شیّء إلّا هلك، فقال أيّوب: الحمد لله الّذي أعطى و الحمد لله الّذي أخذ، و كذلك ببقره و غنمه و مزارعه و أرضه وأهله و ولده حتّى مرض مرضاً شديداً فأتاه أصحاب له فقالوا يا أيّوب ماكان أحد من الناس في أنفسنا و لا خير علانية خيراً عندنا
منك، فلعلّ هذا الشيء كنت أسررته فيما بينك و بين ربّك لم تطلع عليه أحداً فابتلاك الله من أجله؟ فجزع جزعاً شديداً و دعا ربّه فشفاه الله تعالى وردّ عليه ما كان له من قليل أو كثير في الدنيا. قال: و سألته عن قوله تعالى: «ووهبنا له أهله و مثلهم معهم رحمة» فقال: الّذين كانوا ماتوا. (1)
5 - ل، ع، ن: في أسئلة الشاميّ عن أمير المؤمنين علیه السلام أنّه قال: يوم الأربعاه يعني آخر الشهر ابتلى الله أيّوب بذهاب ماله و ولده. (2)
6 - ص: بالإسناد إلى الصدوق عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّاطال بلاء أيّوب و رأى إبليس صبره أتى إلى أصحاب له كانوا رهباناً في الجبال، فقال لهم: مرّوا إلى هذا العبد المبتلى نسأله عن بليّته، قال: فركبوا وجاؤوه فلمّا قربوا منه نفرت بغالهم فقرّبوها بعضاً إلى بعض ثمّ مشوا إليه، وكان فيهم شابّ حدث فسلّموا على أيّوب و قعدوا و قالوا: يا أيّوب لو أخبرتنا بذنبك فلا نرى تبتلي بهذا البلاء إلّا لأمر كنت تسرّه، قال أيّوب علیه السلام : و عزّة ربّي إنّه ليعلم أنّي ما أكلت طعاماً قطّ إلّا و معي يتيم أو ضعيف يأكل معي، و ما عرض لي أمران كلاهما طاعة إلّا أخذت بأشدّهما على بدني، فقال الشابّ: سوءة لكن عمدتم إلى نبيّ الله فعنفتموه حتّى أظهر من عبادة ربّه ما كان يستره؛ فعند ذلك دعا ربّه و قال: «ربّ إنّي مسّني الشيطان بنصب و عذاب» و قال: قيل لأيوب علیه السلام بعد ما عافاه الله تعالي أيّ شيء أشدّ ما مرّ عليك؟ قال: شماتة الأعداه . (3)
7 - ص: بالإسناد عن الصدوق، بإسناده عن وهب بن منبّه إن أيّوب كان في زمن
يعقوب بن إسحاق صلوات الله عليهم وكان صهراً له تحته ابنة يعقوب يقال لها إليا، وكان أبوه ممّن آمن بإبراهيم علیه السلام ، و كانت اُمّ أيّوب ابنة لوط، وكان لوط جدّ أيّوب صلوات الله عليهما أبا اُمّه، و لمّا استحكم البلاء على أيّوب من كلّ وجه صبرت عليه امرأته، فحسد إبليس على ملازمتها بالخدمة، وكانت بنت يعقوب، فقال لها : ألست اُخت يوسف الصدّيق علیه السلام قالت: بلى، قال: فما هذا الجهد؟ و ما هذه البلية الّتي أراكم فيها؟ قالت: هو الّذي فعل بنا ليؤجزنا بفضله علينا، لأنّه أعطاه بفضله منعماً، ثمّ أخذه ليبتلينا، فهل رأيت منعماً أفضل منه؟ فعلى إعطائه نشکره، و علی ابتلائه نحمده، فقد جعل لنا الحسنيين كلتيهما، فابتلاه ليرى صبرنا، ولا نجد على الصبر قوّة إلّا بمعونته وتوفيقه، فله الحمد والمنّة ما أولانا و أبلانا، فقال لها: أخطأت خطاءً عظيماً ليس من ههنا ألحّ عليكم البلاء، و أدخل عليها شبهاً دفعتها كلّها، و انصرفت إلى أيّوب علیه السلام مسرعة و حكت له ما قال اللّعين، فقال أيّوب: القائل إبليس، لقد حرص على قتلي إنّي لاُقسم بالله لأجلدنّك مائة - لم أصغيت إليه - إن شفاني الله - قال وهب: قال ابن عبّاس: فأحيى الله لهما أولادهما وأموالهما وردّ عليه كلّ شيء لهما بعينه، و أوحى الله تعالى إليه: «و خذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث» فأخذ ضغثاً من قضبان دقاق من شجرة يقال لها الثمام فبرّبه يمينه و ضربها ضربة واحدةٌ، وقيل: أخذ عشرةً منها فضربها بها عشر مرّات، وكان عمر أيّوب ثلاثاً و سبعين قبل أن يصيبها البلاء فزادها الله مثلها ثلاثاً و سبعين سنة اُخرى. (1)
1) مخطوط.
1 - ع: الطالقانيّ، عن عمر بن يوسف بن سليمان، عن القاسم بن إبراهيم الرقيّ، عن محمّد بن أحمد بن مهديّ الرقيّ، عن عبد الرزّاق، عن معمّر، عن الزهريّ، عن أنس قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : بکی شعیب علیه السلام من حبّ الله عزّ و جلّ حتّى عمي، فردّ الله عزّ و جلّ عليه بصره، ثمّ بكى حتّى عمي فردّ الله عليه بصره، ثمّ بكى حتّى عمي فردّ الله عليه بصره، فلمّا كانت الرابعة أوحى الله إليه: يا شعيب إلى متى يكون هذا؟ أبداً منك؟ إن يكن هذا خوفاً من النار فقد آجرتك، و إن يكن شوقاً إلى الجنّة فقد أبحتك؛ فقال: إلهي وسيّدي أنت تعلم أنّي ما بكيت خوفاً من نارك، و لا شوقاً إلى جنّتك، و لكن عقد حبّك على قلبي فلست أصبر أو أراك، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: أمّا إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا ساُخدمك كليمي موسى بن عمران.
قال الصدوق رضي الله عنه: يعني بذلك: لا أزال أبكي أو أراك قد قبلتني حبيباً. (1)
2 - فس: بعث الله شعيباً إلى مدين و هي قرية على طريق الشام فلم يؤمنوا به، و حكى الله قولهم: «قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا» إلى قوله: «الحليم
1) علل الشرائع: 30-31.
الرشيد» قال: قالوا: إنّك لأنت السفيه الجاهل، فحكى الله عزّ و جلّ قولهم: «إنّك لأنت الحليم الرشيد» و إنّما أهلكهم الله تعالى بنقص المكيال و الميزان. (1)
أقول: ما ذكر في تفسير عليّ بن إبراهيم غير الوجهين، و حاصله أنّه تعالى عبّر عمّا قالوه بضدّ قولهم إيماءً إلى أنّ ما قالوه ممّا لايمكن ذكره لاستهجانه و رکاکته.
3 - مع: أبي، عن سعد، عن سلمة بن الخطّاب، عن إبراهيم بن محمّد الثقفيّ، عن إبراهيم بن ميمون، عن مصعب بن سعد، عن الأصبغ، عن عليّ علیه السلام في قول الله عزّ و جلّ: «و قالوا ربّنا عجّل لنا قطّنا قبل يوم الحساب» قال: نصيبهم من العذاب. (2)
4 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ابن المتوكّل، عن السعد آباديّ، عن البرقيّ عن ابن محبوب، عن هشام، عن سعد الإسكاف، عن عليّ بن الحسين علیه السلام قال: إنّ أوّل من عمل المكيال و الميزان شعيب النبيّ علیه السلام : عمله بيده، فكانوا يكيلون و يوفون، ثمّ إنّهم بعد طفّفوا في المكيال و بخسوا في الميزان فأخذتهم الرجفة فعذّبوا بها فأصبحوا في دارهم جائمين. (3)
5 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب قال: إنّ شعيباً النبيّ و أيّوب صلوات الله عليهما و بلعم بن باعوراء كانوا من ولده رهط، آمنوا لإبراهيم يوم اُحرق فنجا و هاجروا معه إلى الشام، فزوّجهم بنات لوط، فكلّ نبيّ كان قبل بني اسرائيل و بعد إبراهيم علیه السلام من نسل اُولئك الرهط، فبعث الله شعيباً إلى أهل مدين و لم يكونوا فصيلة شعيب و لا قبيلة الّتي كان منها. ولكنّهم كانوا اُمّة من الاُمم بعث إليهم شعيب، وكان عليهم ملك جبّار، و لا يطيقه أحدٌ من ملوك عصره، وكانوا ينقصون المكيال الميزان، و يبخسون الناس أشياءهم مع كفرهم بالله، و تكذيبهم لنبيّه و عتوّهم، وكانوا يستوفون إذا كتالوا لأنفسهم أو وزنوا له، فكانوا في سعة من العيش، فأمرهم الملك باحتكار الطعام و نقص مكائيلهم و موازينهم، و وعظهم شعيب فأرسل إليه الملك: ما تقول فيما صنعت؟ أراض أنت
أم ساخطٌ؟ فقال شعيب: أوحى الله تعالى إليّ أنّ الملك إذا صنع مثل ما صنعت يقال له: ملكٌ فاجرٌ، فكذّبه الملك و أخرحه و قومه من مدنية، قال الله تعالى حكاية عنهم: «النخرجنّك يا شعیب و الّذين آمنوا معك من قريتنا» فزادهم شعيب في الوعظ، فقالوا: «يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء» فآذوه بالنفي من بلادهم، فسلّط الله عليهم الحرّ و الغيم حتّى أنضجهم الله، فلبثوا فيه تسعة أيّام، وصار ماؤهم حميماً لا يستطيعون شربه، فانطلقوا إلى غيضة لهم و هو قوله تعالى: «و أصحاب الأيكة» فرفع الله لهم سحابة سوداء فاجتمعوا في ظلّها، فأرسل الله عليهم ناراً منها فأحرقتهم فلم ينج منهم أحداً، وذلك قوله تعالى: «فأخذهم عذاب يوم الظلّة» وإنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إذا ذكر عنده شعيب قال: «ذلك خطيب الأنبياء يوم القيامة» فلمّا أصاب قومه ما أصابهم لحق شعيب و الّذين آمنوا معه بمكّة، فلم يزالوا بها حتّى ماتوا.
و الرواية الصحيحة أنّ شعيباً علیه السلام صار منها إلى مدين، فأقام بها و بها لقیه موسی ابن عمران صلوات الله عليهما. (1)
6- ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ماجيلويه، عن محمّد العطّار، عن ابن أبان، عن ابن اُورمة، عن بعض أصحابنا، عن سعيد بن جناح، عن أيّوب بن راشد رفعه إلى عليّ علیه السلام قال: قيل: يا أمير المؤمنين حدّثنا، قال: إنّ شعيباً النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم دعا قومه إلى الله حتّى كبر سنّة، و دقّ عظمه، ثمّ غاب عنهم ماشاء الله، ثمّ عاد إليهم شابّاً، فدعاهم إلى الله تعالى فقالوا: ما صدّقناك شيخاً فكيف نصدّقك شابّاً؟ وكان عليّ علیه السلام يكرّر عليهم الحديث مراراً كثيرة. (2)
7 - ص: بهذا الإسناد عن ابن اُرومة، عمّن ذكره، عن العلاء، عن الفضيل قال: أبو عبد الله علیه السلام: لم يبعث الله عزّ و جلّ من العرب إلّا خمسة: هوداً و صالحاً و إسماعيل و شعيباً و محمّداً خاتم النبيّين صلوات الله عليهم، وكان شعيب بكّاءً. (3)
8 - كا: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابنا عن بشير بن عبدالله، عن أبي عصمة قاضي مرو، عن جابر، عن أبي جعفر علیه السلام قال: أوحى الله إلى شعيب النبيّ: أنّي معذّب من قومك مائة ألف: أربعين ألفاً من شرارهم، و ستّين ألفاً من خيارهم، فقال علیه السلام : يا ربّ هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عزّ و جلّ إليه: داهنوا أهل المعاصي و لم يغضبوا الغضبي. (1)
9 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن الطالقانيّ، عن أحمد بن عمران، عن يحيى ابن عبدالحميد، عن عيسى بن راشد، عن عليّ بن خزيمة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: إنّ الله تعالى بعث شعيباً إلى قومه و كان لهم ملك فأصابه منهم بلاء، فلمّا رأى الملك أنّ القوم قد خصبوا أرسل إلى عمّاله فحبسوا على الناس الطعام، و أغلوا أسعارهم، ونقصوا مكائيلهم و موازينهم، و بخسوا الناس أشياءهم، وعتوا عن أمر ربّهم، فكانوا مفسدين في الأرض، فلمّا رأى ذلك الشعيب علیه السلام قال لهم: «لا تنقصوا المكيال و الميزان إنّي أريكم بخير و إنّي أخاف عليكم عذاب يوم محيط» فأرسل الملك إليه بالإنكار، فقال شعيب: إنّه منهيّ في كتاب الله تعالى و الوحي الّذي أوحى الله إليّ به، إنّ الملك إذا كان بمنزلتك الّتي نزلتها ينزل الله بساحته نقمته، فلمّا سمع الملك ذلك أخرجه من القرية، فأرسل الله إليهم سحابة فأظلّتهم، فأرسل عليهم في بيوتهم السموم، و في طريقهم الشمس الحارّة و في القرية، فجعلوا يخرجون من بيوتهم و ينظرون إلى السحابة الّتي قد أظلّتهم من أسفلها، فانطلقوا سريعاً كلّهم إلى أهل بیت كانوا يوفون المكيال والميزان ولا يبخسون الناس أشاءهم، فنصحهم الله وأخرجهم من بين العصاة، ثمّ أرسل على أهل القرية من تلك السحابة عذاباً و ناراً فأهلكتهم، وعاش شعیب علیه السلام مائتين و اثنين و أربعين سنة. (2)
1 - فس: أبي عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السلام في خبر المعراج عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم قال: ثمّ صعدنا إلى السماء الخامسة فإذا فيها رجل كهل عظيم العين، لم أركهلاً أعظم منه، حوله ثلاثة من اُمّته، فأعجبتني كثرتهم، فقلت: من هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا المجيب لقومه هارون بن عمران، فسلّمت عليه و سلّم عليّ، واستغفرت له استغفر لي، و إذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات ثمّ صعدنا إلى السماء السادسة و إذا فيها رجل آدم طويل كأنّه من شبوة، و لو أنّ عليه قميصين لنفذ شعره فيهما، و سمعته يقول: يزعم بنو إسرائيل أنّي أكرم ولد آدم على الله، و هذا رجل أكرم على الله منّي، فقلت: من هذا يا جبرئيل؟ فقال أخوك موسى ابن عمران، فسلّمت عليه و سلّم عليّ، و استغفرت له و
استغفرلي، و إذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات. (1)
2 - ل: في خبر أبي ذرّ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : أوّل نبيّ من بني إسرائيل موسى، و آخرهم عيسى و ستّمائة نبيّ. (2)
أقول: قد مرّ نقش خاتمه في نقوش خواتيم الأنبياء.
3 - ما: المفيد، عن المظفّربن محمّد الخراسانيّ، عن محمّد بن جعفر العلويّ، عن الحسن ابن محمّدبن جمهور العميّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: أوحى الله إلى موسى بن عمران علیه السلام : أتدري يا موسى لم انتجبتك من خلقي و اصطفيتك لكلامي؟ فقال: لا يا ربّ، فأوحى الله إليه: إنّي اطّلعت إلى الأرض فلم أجد عليها أشدّ تواضعاً لي منك، فخرّ موسى ساجداً و عفّر خدّيه في التراب تذلّلاً منه لربّه عزّوجلّ، فأوحى الله إليه: ارفع رأسك يا موسى، و أمر يدك في موضع سجودك، و امسح بها وجهك و ما نالته من بدنك، فإنّه أمان من كلّ سقم وداء و آفة و عاهة. (3)
4 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن عليّ بن يقطين، عن رجل، عن أبي جعفر علیه السلام قال: أوحى الله عزّوجلّ إلى موسى علیه السلام : أتدري لما اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ فقال موسى: لا يا ربّ، فقال: يا موسى إنّي قلّبت عبادي ظهر البطن فلم أجد فيهم أحداً أذلّ لي منك نفساً، يا موسى إنّك صلّيت وضعت خدّيك على التراب. (4)
ص: بإسناده إلى الصدوق عن أبيه، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير. (5)
5 - فس: أبي، عن النضر، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام إنّ بني إسرائيل كانوا يقولون: ليس لموسى ما للرجال، وكان موسى إذا أراد الاغتسال ذهب إلى
موضع لا يراه فيه أحد من الناس، وكان يوماً يغتسل على شطّ نهر و قد وضع ثيابه على صخرة، فأمر الله الصخرة فتباعدت عنه حتّى نظر بنو إسرائيل إليه، فعلموا أنّه ليس كما قالوا فأنزل الله: «يا أيّها الّذين آمنوا لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه الله ممّا قالوا» إلى قوله: «وجيهاً». (1)
أقول: بعد ورود الخبر الحسن كالصحيح لا يتّجه الجزم ببطلانه، إذ ليس فيه من الفضيحة بعد كونه لتبرّيه عمّا نسب إليه ما يلزم الحكم بنفيها، و الله يعلم.
1) تفسير القمى: 535.
1 - خص: بإسناده إلى المفضّل بن عمر، عن الصادق علیه السلام قال: إنّ بقاع الأرض تفاخرت، ففخرت الكعبة على البقعة بكربلاء فأوحى إليها: اسكتي و لا تفخري عليها فإنّها البقعة المباركة الّتي نودي موسى منها من الشجرة.
2 - فس: أبي، عن ابن محبوب، عن العلاء، عن محمّد، عن أبي جعفر علیه السلام قال: إنّ موسی علیه السلام لمّا حملت اُمّه به لم يظهر حملها إلّا عند وضعه، وكان فرعون قد وكّل بنساء بني إسرائيل نساءً من القبط تحفظهنّ، و ذلك أنّه لمّا كان بلغه عن بني إسرائيل أنّهم يقولون: إنّه يولد فينا رجل يقال له موسى بن عمران يكون هلاك فرعون و أصحابه على يديه، فقال فرعون عند ذلك: لأقتلنّ ذكور أولادهم حتّى لا يكون ما يريدون و فرّق بين الرجال و النساء، و حبس الرجال في المحابس، فلمّا وضعت اُمّ موسی بموسی علیه السلام نظرت و حزنت و اغتمّت و بكت و قالت: يذبح الساعة، فعطف الله قلب الموكّلة بها عليه، فقالت لاُمّ موسى: مالك قد اصفرّ لونك: فقالت: أخاف أن يذبح ولدي، فقالت: لا تخافي: و كان موسى لا يراه أحد إلّا أحبّه و هو قول الله عزّ و جلّ: «و ألقيت عليك محبّة منّي» فأحبّته القبطيّة الموكّلة به، و أنزل الله على اُمّ موسى التابوت و نوديت: ضعه في التابوت فاقذفيه في اليمّ و هو البحر، و
لا تخافي و لا تحزني إنّا رادّوه إليك و جاعلوه من المرسلين؛ فوضعته في التابوت و أطبقت عليه و ألقته في النيل، وكان لفرعون قصر على شطّ النيل متنزّه فنظر من قصر - و معه آسية امرأته - إلى سواد في النيل ترفعه الأمواج و تضربه الرياح حتّى جاءت به على باب قصر فرعون، فأمر فرعون بأخذه فأخذ التابوت و رفع إليه فلمّا فتحه وجد فيه صبيّاً، فقال: هذا إسرائيليّ، فألق الله في قلب فرعون لموسى محبّة شديدة و كذلك في قلب آسية، وأراد أن يقتله فقالت آسية: «لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتّخذه ولداً» و هم لا يشعرون أنّه موسى و لم يكن لفرعون ولد، فقال: التمسواله ظئراً أتربيّه، فجاؤوا بعدّة نساء قد قتل أولادهنّ فلم يشرب لبن أحد من النساء، و هو قول الله: «و حرّمنا عليه المراضع من قبل» و بلغ اُمّه أنّ فرعون قد أخذه فحزنت و بكت كما قال الله: «و أصبح فؤاد اُمّ موسى فارغاً إن كادت لتبدي به» يعني كادت أن تخبرهم بخبره، أو تموت ثمّ ضبطت نفسها، فكانت كما قال: «لو لا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين» ثمّ قالت لاُخت موسى: قصيّه، أي اتّبعيه، فجاءت اُخته إليه فبصرت به عن جنب، أي عن بعد و هم لا يشعرون، فلمّا لم يقبل موسى بأخذ ثدي أحد من النساء اغتمّ فرعون غمّاً شديداً فقالت اُخته: «هل أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم و هم له ناصحون» فقالوا: نعم، فجاءت باُمّه، فلمّا أخذته في حجرها و ألقمته ثديها التقمه و شرب ففرح فرعون و أهله وأكرموا اُمّه فقالوا لها: ربّيه لنا فإنّا نفعل بك و نفعل و ذلك قول الله: «فرددناه إلى اُمّه كي تقرّعينها و لا تحزن و لتعلم أنّ وعد الله حقّ و لكنّ أكثرهم لا يعلمون» و كان فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل كلّ ما يلدون، و يربّي موسى و يكرمه، و لا يعلم أنّ هلاكه على يده؛ فلمّا درج موسى كان يوماً عند فرعون فعطس موسى فقال: «الحمد الله ربّ العالمين» فأنكر فرعون ذلك عليه و لطمه وقال: ما هذا الّذي تقول؟ فوثب موسى على لحيته وكان طويل اللّحية فهلبها أي قلعها، فهمّ فرعون يقتله، فقالت امرأته: غلام حدث لا يدري ما يقول، و قد لطمته بلطمتك إيّاه، فقال فرعون:
بل يدري فقالت له: ضع بين يديك تمراً و جمراً، فإن ميّز بينهما فهو الّذي تقول، فوضع بين بديه تمراً و جمراً فقال له: كل، فمدّيده إلى التمر فجاء جبرئيل فصرفها إلى الجمر في فيه فاحترق لسانه فصاح و بكی، فقالت آسية لفرعون: ألم أقل لك أنّه لا يعقل؟ فعفى عنه.
قال الرواي: فقلت لأبي جعفر علیه السلام : فكم مكث موسى غائباً عن اُمّه حتّى ردّه الله عليها؟ قال: ثلاثة أيّام، فقلت: وكان هارون أخا موسى لأبيه واُمّه؟ قال: نعم، أما تسمع الله يقول: «يابن اُمّ لا تأخذ بلحيتي و لا برأسي» فقلت: فأيّهما كان أكبر سنّاً؟ قال: هارون، فقلت: وكان الوحي ينزل عليهما جميعاً؟ قال: كان الوحي ينزل على موسى، و موسى يوحيه إلى هارون، فقلت له: أخبرني عن الأحكام والقضاء و الأمر و النهي، أكان ذلك إليهما؟ قال: كان موسى الّذي يناجي ربّه و يكتب العلم، و يقضي بين بني إسرائيل و هارون يخلفه إذا غاب عن قومه للمناجاة، قلت: فأيّهما مات قبل صاحبه؟ قال: مات هارون قبل موسى علیه السلام و ماتا جميعاً في التيه، قلت: و كان لموسى ولد؟ قال: لا، كان الولد لهارون و الذريّة له.
قال: فلم يزل موسى عند فرعون في أكرم كرامة حتّى بلغ مبلغ الرجال، وكان ينكر عليه ما يتكلّم به موسى من التوحيد حتّى همّ به فخرج موسى من عنده و دخل المدينة فإذا رجلان يقتتلان: أحدهما يقول بقول موسى، و الآخر يقول بقول فرعون، فاستغاثه الّذي هو من شيعته، فجاء موسى فوكز صاحبه فقضى عليه و توارى في المدينة، فلمّا كان من الغد جاء آخر فتشبّث بذلك الرجل الّذي يقول يقول موسى، فاستغاث بموسى، فلمّا نظر صاحبه إلى موسى قال له: «أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس» فخلّى صاحبه و هرب، وكان خازن فرعون مؤمناً بموسى قد كتم إيمانه ستّمائه سنة و هو الّذي قال الله: «و قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه تقتلون رجلاً أن يقول ربّي الله» و بلغ فرعون خبر قتل موسى الرجل فطلبه ليقتله فبعث المؤمن إلى موسى: «إنّ الملأ يأتمرون يك ليقتلوك فاخرج إنّي لك
من الناصحين» فخرج منها كما حكى الله «خائفاً يترقّب» قال: يلتفت يمنةً ويسرةً و يقول: «ربّ نجّني من القوم الظالمين» و مرّ نحو مدین و كان بينه و بين مدين مسيرة ثلاثة أيّام، فلمّا بلغ باب مدين رأى بئراً يستقي الناس منها لأغنامهم و دوابّهم، فقعد ناحيةً و لم يكن أكل منذ ثلاثة أيّام شيئاً، فنظر إلى جاريتين في ناحية و معهما غنيمات لا تدنوان من البئر، فقال لهما: مالكما لا تستقيان؟ فقالتا كما حكى الله: «حتّى يصدر الرعاء و أبونا شيخٌ كبيرٌ» فرحمها موسى ودنا من البئر فقال لمن على البئر: أستقي لي دلواً و لكم دلواً، وكان الدلو يمدّه عشرة رجال، فاستقى وحده دلواً لمن على البئر، و دلواً لبنتي شعيب و سقی أغنامهما «ثمّ تولّى إلى الظلّ فقال ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقير» و كان شديد الجوع.
و قال أمير المؤمنين علیه السلام : إنّ موسى كليم الله حيث سقى لهما ثمّ تولّى إلى الظلّ فقال: «ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقير» و الله ما سأل الله إلّا خبزاً يأكل، لأنّه كان يأكل بقلة الأرض، و لقد رأوا خضرة البقل من صفاق بطنه من هزا له، فلمّا رجعتا ابنتا شعيب إلى شعيب قال لهما: أسرعتما الرجوع! فأخبرتاه بقصّة موسى و لم تعرفاه، فقال شعيب لواحدة منهما: اذهبي فادعيه لنجزيه أجر ما سقى لنا، فجاءت إليه كما حكى الله «تمشي على استحياء» فقالت له: «إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا» فقام موسى علیه السلام معها فمشت أمامه فسفقتها الرياح فبان عجزها، فقال لها موسى: تأخّري و دلّيني على الطريق بحصات تلقيها أمامي أتبعها، فأنا من قوم لا ينظرون في أدبار النساء، فلمّا دخل على شعيب قصّ عليه قصّته فقال له شعيب: «لا تخف نجوت من القوم الظالمين» قالت إحدى بنات شعيب: «يا أبت استأجره إنّ خير من استأجرت القويّ الأمين» فقال لها شعيب: أمّا قوّته فقد عرفته بسقي الدلو وحده، افيم عرفت أمانته؟ فقالت: إنّه قال لي: تأخّري عنّي و دلّيني على الطريق فأنا من قوم لا ينظرون في أدبار النساء عرفت أنّه ليس من القوم الّذين ينظرون في أعجاز النساء، فهذه أمانته، فقال له شعيب «إنّي اُريد أن اُنكحك إحدى ابنتيّ
هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك و ما اُريد أن أشقّ عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين» فقال له موسى: «ذلك بيني و بينك أيّما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ» أي لا سبيل عليّ إن عملت عشر سنين أو ثماني سنين، فقال موسى: «الله على ما نقول وكيل».
قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : أيّ الأجلين قضى؟ قال: أتمّهما عشر حجج، قلت له: فدخل بها قبل أن يمضي الأجل أو بعد؟ قال: قبل، قلت: فالرحل يتزوّج المرأة و يشترط لأبيها إجارة شهرين يجوز ذلك؟ قال: إنّ موسى علیه السلام علم أنّه يتمّ له شرطه، فكيف لهذا أن يعلم أنّه يبقى حتّى يفي؟! قلت له: جعلت فداك أيّتهما زوّجه شعيب من بناته؟ قال: الّتي ذهبت إليه فدعته وقالت لأبيها: «يا أبت استأجره إنّ خير من استأجرت القويّ الأمين».
فلمّا قضى موسى الأجل قال لشعيب: لا بدّ لي أن أرجع إلى وطني و اُمّي و أهل بيتي، فمالي عندك؟ فقال شعيب: ما وضعت أغنامي في هذه السنة من غنم بلق فهو لك، فعمد موسى عند ما أراد أن يرسل الفحل على الغنم إلى عصاه فقشر منه بعضه و ترك بعضه و عزره في وسط مريض الغنم و ألقى عليه كساء أبلق، ثمّ أرسل الفحل على الغنم فلم تضع الغنم في تلك السنة إلّا بلقاً، فلمّا حال عليه الحول حمل موسى امرأته وزوّده شعیب من عنده و ساق غنمه، فلمّا أراد الخروج قال لشعيب: أبغي عصاً تكون معي، وكانت عصيّ الأنبياء عنده قد ورثها مجموعة في بيت، فقال له شعيب: ادخل هذا البيت و خذعصاً من بيت تلك العصيّ، فدخل فوثبت عليه عصا نوح و إبراهيم علیهما السلام و صارت في كفّه فأخرجها و نظر إليها شعيب فقال: ردّها وخذ غيرها، فردّها ليأخذ غيرها فوثبت إليه تلك بعينها فردّها حتّى فعل ذلك ثلاث مرّات، فلمّا رأى شعيب ذلك قال له: اذهب فقد خصّك الله بها، فساق غنمه فخرج يريد مصر، فلمّا صار في مفازة و معه أهله أصابهم بردٌ شديدٌ و ريحٌ و ظلمةٌ و قد جهنّم اللّيل و نظر موسى إلى نار قد ظهرت كما قال الله: «فلمّا قضى موسى الأجل و سار
بأهله آنس من جانب الطور ناراً قال لأهله امكثوا إنّي آنست ناراً لعلّي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلّكم تصطلون» فأقبل نحو النار يقتبس فإذا شجرة و نار تلتهب عليها، فلمّا ذهب نحو النار يقتبس منها أهوت إليه ففزع منها وعدا و رجعت النار إلى الشجرة فالتفت إليها و قد رجعت إلى الشجرة فرجع الثانية ليقتبس فأهوت نحوه فعدا و تركها ثمّ التفت و قد رجعت إلى الشجرة، فرجع إليها الثالثة فأهوت إليه فعدا و لم يعقبّ أي لم يرجع، فناداه الله: أن يا موسى إنّي أنا الله ربّ العالمين قال موسى علیه السلام : فما الدليل على ذلك؟ قال الله: ما في يمينك يا موسى؟ قال: هي عصاي قال: ألقها يا موسى، فألقاها فصارت حيّة ففزع منها موسى وعدا، فناداه الله: خذها و لا تخف إنّك من الآمنين، اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، أي من غير علّة، وذلك أنّ موسى علیه السلام كان شديد السمرة فأخرج يده من جيبه فأضاءت له الدنيا، فقال الله عزّوجلّ: «فذانك برهانان من ربّك إلى فرعون و ملائه إنّهم كانوا قوماً فاسقين» فقال موسى كما حكى الله: «ربّ إنّي قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون ٭ و أخي هارون هو أفصح منّي لساناً فأرسله معي ردءاً يصدّقني إنّي أخاف أن يكذّبون ٭ قال سنشدّ عضدك بأخيك و نجعل لكم سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما و من اتّبعكما الغالبون.» (1)
3 - كا: محمّدبن يحيى، عن أحمدبن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبي جميلة قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإنّ موسى علیه السلام ذهب يقتبس ناراً فانصرف إليهم و هو نبيٌّ مرسلٌ. (2)
4 - يه: عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن علیه السلام في قول الله عزّوجلّ: «يا أبت استأجره إنّ خير من استأجرت القويّ الأمين» قال: قال لها شعيب: يا بنيّة هذا قويُّ قد عرفته بدفع الصخرة، الأمين من أين عرفته؟ قالت: يا أبت إنّي مشيت قدّامه فقال: امشي
من خلفي فإن ضللت فأرشديني إلى الطريق، فإنّا قوم لاننظر في أدبار النساء. (1)
5 - ك: أبي و ابن الوليد، معاً عن سعد و الحميريّ و محمّد العطّار و أحمدبن إدريس جميعاً عن ابن عيسى، عن البزنطيّ، عن أبان بن عمثان، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبدالله علیه السلام قال: إنّ يوسف بن يعقوب صلوات الله عليهما حين حضرته الوفاة جمع آل يعقوب و هم ثمانون رجلاً فقال: إنّ هؤلاء القبط سيظهرون عليكم، و يسومونكم سوء العذاب، و انّما ينجّيكم الله من أيديهم برجل من ولد لاوي بن يعقوب اسمه موسى بن عمران، غلام طويل جعد آدم، فجعل الرجل من بني إسرائيل يسميّ ابنه عمران، و يسميّ عمران ابنه موسی.
فذكر أبان بن عثمان، عن أبي الحصين، عن أبي بصير، عن أبي جعفر علیه السلام أنّه قال: ما خرج موسى حتّى خرج قبله خمسون كذّاباً من بني اسرائيل كلّهم يدّعي أنّه موسى بن عمران، فبلغ فرعون أنّهم يرجفون به و يطلبون هذا الغلام، و قال له كهنته و سحرته: إنّ هلاك دينك و قومك على يدي هذا الغلام الّذي يولد العام في بني إسرائيل، فوضع القوابل على النساء وقال: لا يولد العام غلام إلّا ذبح، و وضع على اُمّ موسى قابلة، فلمّا رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا: إذا ذبح الغلمان و استحيي النساء هلكنا فلم نبق، فتعالوا لا نقرب النساء، فقال عمران أبو موسى : بل باشروهنّ فإنّ أمر الله واقع ولو كره المشركون، اللّهمّ من حرّمه فإنّي لا اُحرّمه، و من تركه فإنّي لا أتركه و باشر اُمّ موسى فحملت به، فوضع على اُمّ موسى قابلة تحرسها، فإذا قامت قامت و إذا قعدت قعدت، فلمّا حملته اُمّه وقعت عليها المحبّة، و كذلك حجج الله على خلقه، فقالت لها القابلة: مالك يا بنيّة تصفرين و تذوبين؟ قالت: لا تلوميني فإنّي إذا ولدت اُخذ ولدي فذبح، قالت: فلا تحزني فإنّي سوف أكتم عليك، فلم تصدّقها.
1) علل الشرائع: 200.
فلمّا أن ولدت التفتت إليها وهي مقبلة فقالت ما شاء الله، فقالت لها: ألم أقل: إنّي سوف أكتم عليك، ثمّ فأدخلته المخدع و أصلحت أمره، ثمّ خرجت إلى الحرس فقالت: انصرفوا - و كانوا على الباب فإنّه خرج دم منقطع، فانصرفوا فأرضعته، فلمّا خافت عليه الصوت أوحى الله إليها: اعملي التابوت ثمّ اجعليه فيه، ثمّ أخرجيه ليلاً فاطرحيه في نيل مصر، فوضعته في التابوت ثمّ دفعته في اليمّ، فجعل يرجع إليها وجعلت تدفعه في الغمر و إنّ الريح ضربته فانطلقت به، فلمّا رأته قد ذهب به الماء همّت أن تصيح فربط الله على قلبها، قال: وكانت المرأة الصالحة امرأة فرعون من بني إسرائيل قالت لفرعون: إنّها أيّام الربيع فأخرجني و اضرب لي قبّة على شطّ النيل حتّى أتنزّه هذه الأيّام، فضرب لها قبّة على شطّ النيل إذ أقبل التابوت يريدها، فقالت ما ترون ماأرى على الماء؟ قالوا: إي و الله يا سيّدتنا إنّا لنرى شيئاً، فلمّا دنا منها قامت إلى الماء فتناولته بيدها، وكاد الماء يغمرها حتّى تصايحوا عليها فجذبته فأخرجته من الماء فأخذته فوضعته في حجرها فإذا غلام أجمل الناس و أسرّهم فوقعت عليه منها محبّة فوضعته في حجرها، وقالت هذا ابني، فقالوا: إي و الله أي سيّدتنا مالك ولد و لا للملك فاتّخذي هذا ولداً.
فقامت إلى فرعون فقالت:، إنّي أصبت غلاماً طيّباً حلواً نتّخذه ولداً فيكون قرّة عين لي ولك فلا تقتله، قال: و من أين هذا الغلام؟ قالت: لا والله ما أدري إلّا أنّ الماء جاء به، فلم تزل به حتّى رضي، فلمّا سمع الناس أنّ الملك قد تبنّى ابناً لم يبق أحد من رؤوس من كان مع فرعون إلّا بعث إليه امرأته لتكون له ظئراً أو تحضنه، فأبى أن يأخذ من امرأة منهنّ ثدياً، قالت امرأة فرعون: اطلبوا لا بني ظئراً و لا تحقروا أحداً، فجعل لا يقبل من امرأة منهنّ، فقالت اُمّ موسى لاُخته: قصيّه، انظري أترين له أثراً، فانطلقت حتّى أتت باب الملك، فقالت: قد بلغني أنّكم تطلبون ظئراً و ههنا امرأة صالحة تأخذ ولدكم و تكفله لكم، فقالت: أدخلوا، فلمّا دخلت قالت لها امرأة فرعون: ممّن أنت؟ قالت: من بني إسرائيل، قالت: اذهبي
يا بنيّة فليس لنا فيك حاجة، فقال لها النساء: عافاك الله انظري هل يقبل أو لا يقبل، فقالت امرأة فرعون: أرأيتم لو قبل هر يرضى فرعون أن يكون الغلام من بني إسرائيل و المرأة من بني إسرائيل؟ - يعني الظئر - لا يرضى، قلن: فانظري يقبل أو لا يقبل، قالت امرأة فرعون: فاذهبي فادعيها، فجاءت إلى اُمّها فقالت: إنّ امرأة الملك تدعوك، فدخلت عليها فدفع إليها موسى فوضعته في حجرها ثمّ ألقمته ثديها، فإذا قحم اللّبن في حلقه، فلمّا رأت امرأة فرعون أنّ ابنها قد قبل قامت إلى فرعون فقالت: إنّي قد أصبت لابني ظئراً و قد قبل منها، فقال: و ممّن هي؟ قالت: من بني إسرائيل، قال فرعون: هذا ممّا لا يكون أبداً، الغلام من بني اسرائيل و الظئر من بني اسرائيل! فلم تزل تكلّمه فيه وتقول: ما تخاف من هذا الغلام، إنّما هو ابنك ينشؤ في حجرك حتّى قلّبته عن رأيه و رضي فنشأ موسى في آل فرعون وكتمت اُمّه خبره و اُخته و القابلة حتّى هلكت اُمّه و القابلة الّتي قبلته، فنشأ لا يعلم به بنو إسرائيل، قال: و كانت بنو إسرائيل. تطلبه و تسأل عنه فيعمى عليهم خبره.
قال: فبلغ فرعون أنّهم يطلبونه ويسألون عنه، فأرسل إليهم فزاد في العذاب عليهم و فرّق بينهم ونهاهم عن الإخبار به و السؤال عنه، قال: فخرجت بنو إسرائيل ذات ليلة مقمرة إلى شيخ لهم عنده علمٌ فقالوا: قد كنّا نستريح إلى الأحاديث فحتّى متى وإلى متى نحن في هذا البلاء؟ قال: والله إنّكم لا تزالون حتّى يجيء الله تعالى ذكره بغلام من ولد لاوي ابن يعقوب اسمه موسى بن عمران، غلام طوالٌ جعدٌ، فبيناهم كذلك إذ أقبل موسى علیه السلام يسير على بغلة حتّى وقف عليهم، فرفع الشيخ رأسه فعرفه بالصفة، فقال له: ما اسمك يرحمك الله؟ فقال: موسی، قال: ابن من؟ قال: ابن عمران، فوثب إليه الشيخ فأخذ بيده فقبّلها، و ثاروا إلى رجليه يقبّلونها فعرفهم و عرفوه و اتّخذ شيعة و مكث بعد ذلك ما شاء الله، ثمّ خرج فدخل مدينة لفرعون فيها رجل من شيعته يقاتل رجلاً من آل فرعون من القبط، فاستغاثه الّذي من شيعته على الّذي من عدوّه القبطيّ، فوكزه موسى فقضى عليه، وكان موسى قد
اُعطي بسطةً في الجسم وشدّة في البطش، فذكره الناس و شاع أمره، وقالوا: إنّ موسى قتل رجلاً من آل فرعون. فأصبح في المدينة خائفاً يترقّب، فلمّا أصبحوا من الغد إذاً الرجل الّذي استنصره بالأمس يستصرخه على آخر، قال له موسى: إنّك لغويٌّ مبينٌ، بالأمس رجل و اليوم رجل؟ «فلمّا أن أراد أن يبطش بالّذي هو عدوّ لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلّا أن تكون جبّاراً في الأرض و ما تريد أن تكون من المصلحين ٭ و جاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنّي لك من الناصحين ٭ فخرج منها خائفاً يترقّب» فخرج من مصر بغير ظهر و لا دابّة و لا خادم، تخفضه أرض وترفعه اُخرى حتّى أتى إلى أرض مدين، فانتهى إلى أصل شجرة فنزل، فإذا تحتها بئر و إذا عندها اُمّة من الناس يسقون، فإذا جاريتان ضعیفتان و إذا معهما غنيمةٌ لهما، فقال: ما خطبكما؟ قالتا: أبونا شيخ كبير، و نحن جاريتان ضعيفتان لا نقدر أن نزاحم الرجال، فإذا سقى الناس سقينا، فرحمها موسى علیه السلام فأخذ دلوهما و قال لهما: قدّما غنمكما، فسقى لهما، ثمّ رجعتا بكرةً قبل الناس، ثمّ أقبل موسى إلى الشجرة فجلس تحتها وقال: «ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقيرٌ» فروي أنّه قال ذلك و هو محتاج إلى شقّ تمرة، فلمّا رجعتا إلى أبيهما قال: ما أعجلكما في هذه الساعة! قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحيماً فسقی لنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي فجاءته تمشي على استحياء قالت إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فروي أنّ موسى علیه السلام قال لها: وجّهيني إلى الطريق و امشي خلفي، فإنّا بنو يعقوب لاننظر في أعجاز النساء، فلمّا جاءه و قصّ عليه القصص قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين، قالت إحداهما: يا أبت استأجره إنّ خير من استأجرت القويّ الأمين، قال: إنّي اُريد أن انكحك إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتمت عشراً فمن عندك، فروي أنّه قضى أتمّهما لأنّ الأنبياء لا يأخذون إلّا بالأفضل و التمام.
فلمّا قضى موسى الأجل و سار بأهله نحو بيت المقدس أخطأ الطريق ليلاً فرأى ناراً فقال لأهله: امكثوا إنّي آنست ناراً لعلّي آتيكم منها بقبس أو خبر من الطريق، فلمّا انتهى إلى النار فإذا شجرة تضطرم من أسفلها إلى أعلاها، فلمّا دنا منها تأخّرت عنه فرجع وأوجس في نفسه خيفة ثمّ دنت منه الشجرة فنودي من شاطیءِ الواد الأمين في البقعة المباركة من الشجرة: أن يا موسى إني أنا الله ربّ العالمين، وأن ألق عصاك فلمّا رآها تهتزّ كأنّها جانّ ولّى مدبراً ولم يعقّب، فإذا حيّة مثل الجذع لأنيابها صرير يخرج منها مثل لهب النار، فولّى مدبراً فقال له ربّه عزّوجلّ: ارجع، فرجع وهو يرتعدور كبتاه تصطكّان، فقال: إلهي هذا الكلام الّذي أسمع كلامك؟ قال: نعم فلا تخف، فوقع عليه الأمان فوضع رجله على ذنبها ثمّ تناول لحيتها فإذا يده في شعبة العصا قد عادت عصا، و قيل له: اخلع نعليك إنّك بالواد المقدّس طوى، فروي أنّه اُمر بخلعهما بأنّهما كانتا من جلد حمار ميّت، وروي في قوله عزّوجلّ: «فاخلع نعليك» أي خوفيك: خوفك من ضياع أهلك وخوفك من فرعون، ثمّ أرسله الله
عزّوجلّ إلى فرعون وملائه بآيتين: يده و العصا.
فروي عن الصادق علیه السلام أنّه قال لبعض أصحابه: كن لما ترجو أرجى منك لما ترجو فإنّ موسى بن عمران علیه السلام خرج ليقتبس لأهله ناراً فرجع إليهم و هو رسول نبيّ فأصلح الله تبارك و تعالى أمر عبده و نبيّه موسى في ليلة، وكذا يفعل الله تعالى بالقائم الثاني عشر من الأئمة علیهم السلام يصلح الله أمره في ليلة كما أصلح الله أمر موسى علیه السلام ، و يخرجه من الحيرة و الغيبة إلى نور الفرج و الظهور. ص: عليّ بن عبد الصمد، عن أبيه، عن السيّد أبي البركات، عن الصدوق مثله مع اختصار. (1)
6 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي
1) مخطوط.
عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: ألقى الله تعالى من موسى على فرعون و امرأته المحبّة، قال: وكان فرعون طويل اللّحية فقبض موسى عليها فجهدوا أن يخلّصوها من يد موسى فلم يقدروا على ذلك حتّى خلّاها، فأراد فرعون قتله فقالت له امرأته، إنّ هنا أمراً تستبين به هذا الغلام، ادع بجمرة و دينار فضعهما بين يديه، ففعل فأهوى موسى إلى الجمرة و وضع يده عليها فأحرقتها، فلمّا وجد حرّ النار وضع يده على لسانه فأصابته لغثة، وقد قال في قوله تعالى: «أيّما الأجلين قضيت» قضى أوفاهما وأفضلهما. (1)
7 - ك: محمّد بن عليّ بن حاتم، عن أحمد بن عيسى الوشّاء، عن أحمد بن طاهر، عن محمّد بن يحيى بن سهل، عن عليّ بن الحارث، عن سعد بن منصور، عن أحمد بن عليّ البديليّ عن أبيه، عن سدير الصيرفيّ، عن الصادق علیه السلام قال: إنّ فرعون لمّا وقف على أنّ زوال ملكه على يد موسى أمر بإحضار الكهنة فدلّوه على نسبه و أنّه من بني اسرائيل، فلم يزل يأمر أصحابه بشقّ بطون الحوامل من بني إسرائيل حتّى قتل في طلبه نيّفاً وعشرين ألف مولود، و تعذّر عليه الوصول إلى قتل موسى لحفظ الله تبارك و تعالى إيّاه. (2)
أقول: تمامه في أبواب الغيبة.
8 - نهج: قال أمير المؤمنين علیه السلام بعد الحثّ على التأسّي بالرسول: و إن شئت ثنيّت بموسى كليم الله علیه السلام إذ يقول: «ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقيرٌ» والله ما سأله إلّا خبزاً يأكله، لأنّه كان يأكل بقلة الأرض، و لقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله و تشذّب لحمه.
9 - نهج: الّذي كلّم موسى تكليماً، و أراه من آياته عظیماً، بلا جوارح و لا أدوات و لا نطق ولا لهوات.
أقول: قال الثعلبي في كتاب عرائس المجالس: لمّا مات الريّان بن الوليد فرعون مصر
الأول صاحب يوسف علیه السلام و هو الّذي ولّى يوسف علیه السلام خزائن أرضه و أسلم على يديه، فلمّا مات ملك بعده قابوس بن مصعب صاحب يوسف الثاني، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى وكان جبّاراً و قبض الله تعالى يوسف علیه السلام في ملكه و طال ملكه ثمّ هلك، وقام بالملك بعده أخوه أبو العبّاس الوليد بن مصعب بن الريّان بن أراشة بن ثروان بن عمروبن فاران بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح؛ وكان أعتى من قابوس وأكبر و أفجر، وامتدّت أيّام ملكه، و أقام بنو إسرائيل بعد وفاة يوسف علیه السلام وقد نشروا وكثروا و هم تحت أيدي العمالقة و هم على بقايا من دينهم ممّا كان يوسف و يعقوب و إسحاق و إبراهيم شرعوا فيهم من الإسلام متمسّكين به حتّى كان فرعون موسى الّذي بعثه الله إليه، وقد ذكرنا اسمه و نسبه و لم يكن منهم فرعونٌ أعتى على الله تعالى و لا أعظم قولاً و لا أقسى قلباً و لا أطول عمراً في ملكه و لا أسوأ ملكة لبني إسرائيل منه، وكان يعذّبهم و يستعبدهم فجعلهم خدماً و خولاً، و صنفهم في أعماله: فصنف يبنون، وصنف يحرسون، وصنف يتولّون الأعمال القذرة، و من لم يكن من أهل العمل فعليه الجزية، كما قال الله تعالى: «يسومونكم سوء العذاب» و قد استنكح فرعون منهم امرأة يقال لها آسية بنت مزاحم من خيار النساء المعدودات، ويقال: بل هي آسية بنت مزاحم بن الريّان بن الوليد فرعون يوسف الأوّل فأسلمت على يدي موسى علیه السلام.
قال مقاتل: و لم يسلم من أهل مصر إلّا ثلاثة: آسية و خربیل و مريم بنت ناموساء الّتي دلّت موسى على قبر يوسف علیه السلام فعمر فرعون، و هم تحت يديه عمراً طويلاً يقال: أربعمائة سنة يسومونهم سوء العذاب. فلمّا أراد الله تعالى أن يفرّج عنهم بعث موسى علیه السلام و كان بدء ذلك السدّيّ عن رجاله أنّ فرعون رأى في منامه أنّ ناراً قد أقبلت من بيت المقدس حتّى اشتملت على بيوت مصر فأخربتها وأحرقت القبط، و تركت بني إسرائيل، فدعا فرعون السحرة والكهنة والمعبّرين و المنجّمين وسألهم عن رؤياه، فقالوا: إنّه يولد في
بني إسرائيل غلام يسلبك ملكك، و يغلبك على سلطانك، و يخرجك و قومك من أرضك، و يبدّل دينك، و قد أظلّك زمانه الّذي يولد فيه، قال: فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل، و جمع القوابل من نساء أهل مملكته فقال لهنّ: لا يسقطن على أيديكنّ غلام من بني اسرائيل إلّا قتلتنّه، و لا جارية إلّا تركتنّها، ووكّل بهنّ فكنّ يفعلن ذلك، قال مجاهد: لقد ذكر لي أنّه كان يأمر بالقصب فيشقّ حتّى يجعل أمثال الشفار، ثمّ يصفّ بعضها إلى بعض ثمّ يؤتى بالحبالى من بني إسرائيل فيوقعن فتحزُّ أقدامهنّ حتّى أنّ المرأة منهنّ لتضع ولدها فيقع بين رجليها، فتظلّ تطأه تتّقي به حدّ القصب عن رجلها لما بلغ من جهدها، فكان يقتل الغلمان الّذين كانوا في وقته، ويقتل من يولد منهم، و يعذّب الحبالى حتّى يضعن ما في بطونهنّ، واُسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل، فدخل رؤوس القبط على فرعون فقالوا له: إنّ الموت قد وقع في بني إسرائيل وأنت تذبح صغارهم و يموت كبارهم، فيوشك أن يقع العمل علينا، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة و يتركوا سنة، فولد هارون في السنة الّتي لا يذبحون فيها فترك، و ولد موسى في السنّد الّتي يذبحون فيها؛ قالوا: فولدت هارون اُمّه علانيةً آمنةً، فلمّا كان العام المقبل حملت بموسى فلمّا أرادت وضعه حزنت من شأنه و اشتدّ غمّها فأوحى الله تعالى إليها وحي إلهام: «أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ ولا تخافي و لا تحزني إنّا رادّوه إليك و جاعلوه من المرسلين» فلمّا وضعته في خفية أرضعته، ثمّ اتّخذت له تابوتاً، و جعلت مفتاح التابوت من داخل و جعلته فيه.
قال مقاتل: وكان الّذي صنع التابوت خربيل مؤمن آل فرعون؛ وقيل: إنّه كان من برديّ فاتّخذت اُمّ موسى التابوت و جعلت فيه قطناً محلوجاً ووضعت فيه موسى و قيّرت رأسه وخصاصه، ثمّ القته في النيل، فلمّا فعلت ذلك وتوارى عنها ابنها أتاها الشيطان لعنه الله و وسوس إليها فقالت في نفسها: ماذا صنعتُ با بني؟ لوذبح عندي فواريته وكفّنته كان أحبّ إليّ من أن اُلقيه بيدي إلى دوابّ البحر، فعصمها الله تعالى، و انطلق الماء بموسى يرفعه
الموج مرّة و يخفضه أخرى حتّى أدخله بين أشجار عند دار فرعون إلى فرضة وهي مستقی جواري آل فرعون، و كان يشرب منها نهر كبير في دار فرعون بستانه، فخرجت جواري آسية يغتسلن و يسقين فوجدن التابوت فأخذته وظننّ أنّ فيه مالاً فحملنه كهيئته حتّى أدخلنه على آسية فلمّا فتحته و رأت الغلام فألقى الله تعالى عليه محبّة منها فرحمته آسية و أحبّته حبّاً شديداً، فلمّا سمع الذّباحون أمره أقبلوا على آسية بشفارهم ليذبحوا الصبيّ، فقالت آسيد للذبّاحين: انصرفوا فإنّ هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، فآتي فرعون فأستوهبه إيّاه فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم، و إن أمر بذبحه لم ألمكم فألقت به وقالت: «قرّة عين لي ولك لا تقتله عسى أن ينفعنا أو نتّخذه ولداً» فقال فرعون: قرّة عين لك، فأمّا أنا فلا حاجة لي فيه.
فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : و الّذي يحلف به لو أقرّ فرعون أن يكون قرّة عين كما أقرّت به لهدأه الله تعالى كما هدى به امرأته و لكنّ الله تعالى حرّمه ذلك.
قالوا: فأراد فرعون أن يذبحه و قال: إنّي أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل، و أن يكون هذا هو الّذي على يديه هلاكنا و زوال ملكنا، فلم تزل آسية تكلّمه حتّى وهبه لها، فلمّا أمنت آسية أرادت أن تسميّه باسم اقتضاه حاله و هو موشى لأنّه وجد بين الماء و الشجر و «مو» بلغة القبط الماء و «الشا» الشجر فعرّب فقيل موسى.
وروي عن ابن عبّاس أنّ بني إسرائيل لمّا كثروا بمصر استطالوا على الناس و عملوا بالمعاصي، ووافق خيارهم شرارهم، و لم يأمروا بالمعروف و لم ينهوا عن المنكر، فسلّط الله عليهم القبط فاستضعفوهم و ساموهم سوء العذاب، وذبحوا أبناءهم؛ وقال وهب: بلغني أنّه ذبح في طلب موسى سبعين ألف وليد.
و عن ابن عبّاس أنّ اُمّ موسى لمّا تقارب ولادتها و كانت قابلة من القوابل مصافية لها، فلمّا ضربها الطلق أرسلت إليها فأتتها وقبلتها، فلمّا أن وقع موسى بالأرض هالها نور بين
عيني موسى، فارتعش كلّ مفصل منها و دخل حبّه قلبها، ثمّ قالت لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلّا و من رأيي قتل مولودك و إخبار فرعون بذلك، و لكن وجدت لابنك هذا حبّاً ما وجدت مثله قطّ، فاحفظي فإنّه هو عدوّنا، فلمّا خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاؤوا إلى بابها ليدخلوا على اُمّ موسى، فقالت اُخته: هذه الحرس بالباب، فطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع خوفاً عليه، فلفّته في خرقة و وضعته في التنّور - وهو مسجور - بإلهامه تعالى، فدخلوا فإذا التنّور مسجور.
وروي أنّ اُمّ موسى لم يتغيّر لها لون ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافيةٌ لي فدخلت عليّ زائرةٌ، فخرجوا من عندها فرجع إليها عقلها فقالت لاُخت موسى: فأين الصبيّ؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبيّ من التنّور فانطلقت إليه و قد جعل الله النار عليه برداً و سلاماً، فاحتملته.
و عن ابن عبّاس قال: انطلقت اُمّ إلى نجّار من قوم فرعون فاشترت مه تابوتاً صغيراً، فقال لها: ما تصنعين به؟ قالت: ابن لي أخبؤه فيه، و كرهت أن تكذب فانطلق النجّار إلى الذّباحين ليخبرهم بأمرهم، فلمّا همّ بالكلام أمسك الله لسانه و جعل يشير بيده فلم يدر الاُمناء ، فلمّا أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه فضربوه، فضربوه و أخرجوه، فوقع في واد يهوى فيه حيران، فجعل الله عليه أن ردّ لسانه و بصره إن لا يدلّ عليه و يكون معه يحفظه، فردّ الله عليه بصره و لسانه، فآمن به و صدّقه، فانطلقت اُمّ موسى و ألقته في البحر، وذلك بعد ما أرضعته ثلاثة أشهر، وكان لفرعون يومئذ بنت ولم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان بها برصٌ شديدٌ وقد قالت أطبّاء المصر والسحرة: إنّها لا تبرأ إلّا من قبل البحر يوجد منه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فليطخ به برصها فتبرء من ذلك، و ذلك في يوم كذا و ساعة كذا حين تشرَّق، فلمّا كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل و معه آسية، فأقبلت بنت فرعون في جواريها حتّى جلست على شاطىء
النيل مع جواريها تلاعبهنَّ إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فأخذوه فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نوراً لم يره غيرها، للّذي أراد الله أن يكرمها، فعالجته ففتحت الباب، فإذا نوره بين عينيه، و قد جعل الله تعالى رزقه تعالى في إبهامه يمصّه لبناً، فألقی الله حبّه في قلبها و أحبّه فرعون، فلمّا أخرجوه عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه فلطخت به برصها فبرئت، فقبّلته وضمّته إلى صدرها؛ فقال الغواة من قوم فرعون: أيّها الملك إنّا نظنّ أنّ ذلك المولود الّذي تحذر منه من بني اسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقاً منك، فهمّ فرعون بقتله فاستوهبته آسية فوهبه لها، ثمّ قال لها: سميّه، فقالت: سميّته موشی لأنّه وجد بين الماء و الشجر.
قالوا: وقالت اُمّ موسى لاُخته - و كانت تسمّى مريم - : قصّيه، أي اتبعي أثره و اطلبيه هل تسمعين له ذكراً؟ أحيّ ابني أم قد أكلته دوابّ البحر؟ و نسيت وعد الله تعالى «فبصرت به عن جنب و هم لا يشعرون» أنّها اُخته فلمّا امتنع أن يأخذ من المراضع ثدياً قالت: «هل أدّلكم على أهل بيت يكفلونه لكم و هم له ناصحون» فلمّا أتت باُمّه ثار إلى ثديها حتّى امتلأ جنباه، فقالت: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فقالت: لا أستطيع أن أدع بيتي و ولدي فإن طابت نفسك أن تعطيني فأذهب به إلى بيتي لا آلوه خيراً، فعلت و ذكرت اُمّ موسى وعدالله تعالى فرجعت به إلى بيتها من يومها؛ وقيل: كانت غيبة موسى عن اُمّه ثلاثة أيّام فلمّا جاءت اُمّه به إلى بيتها كادت تقول: هو ابني، فعصمها الله تعالى و ذلك قوله تعالى «إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبه» فلمّا ترعرع قالت امرأة فرعون لاُمّ موسى: اُحبُّ أن تريني ابني، فوعدتها يوماً تريها إيّاه، فقالت لحواضنها و قهارمتها: لا تبقينّ منكم أحد إلّا استقبل ابني بهديّة وكرامة، فلم تزل الهدايا و التحف تستقبله من حين اُخرج من بيت اُمّه إلى أن اُدخل على امرأة فرعون، فأكرمته و فرحت به، فلمّا اُدخل على فرعون تناول لحيته و نتف منها، ويقال: إنّه لطم وجهه، و في بعض الروايات أنّه كان يلعب بين يدي فرعون و
بيده قضيب صغيره يلعب به إذ ضرب على رأس فرعون، فغضب غضباً شديداً و تطيرّ منه و قال: هذا عدوّي، فأرسل إلى الذبّاحين، فقالت امرأته: إنّما هو صبيّ لا يعقل و إنّي أجعل بيني و بينك أمراً تعرف فيه الحقّ، أضع له حليّاً من الذهب، و أضع له جمراً، فإن أخذ الياقوت فهو يعقل، فلمّا حوّل جبرئيل يده إلى الجمر قبضها و طرحها في فيه فوضعها على لسانه فأحرقته، فذلك الّذي يقول، «و احلل عقدةً من لساني» فكفّ عن قتله وحببّه الله تعالى إليه و إلى الناس كلّهم.
و قال أهل السير: لمّا بلغ موسى علیه السلام أشدّه و كبركان يركب مراكب فرعون، و يلبس ما يلبس فرعون وكان إنّما يدعى موسى بن فرعون، و امتنع به بنو إسرائيل من كثير من الظلم، فركب فرعون ذات يوم فركب موسى في أثره فأدركه المقيل بأرض يقال لها منف، فدخلها نصف النهار وقد غلقت أسواقها و ليس في طرقها أحدٌ، و ذلك قوله تعالى، «على حين غفلة من أهلها» فبينا هو يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان: أحدهما من بني إسرائيل، و الآخر من آل فرعون، و الّذي من شيعته يقال إنّه السامريّ، و الّذي من عدوّه كان خبّازاً لفرعون و اسمه قاثون، وكان اشترى حطباً للمطبخ فسخر السامريّ ليحمله، فامتنع، فلمّا مرّبها موسی استغاث به، فقال موسى للقبطيّ: دعه، فقال الخبّاز: إنّما آخذه لعمل أبيك، فأبى أن يخلّي سبيله، فغضب موسى فبطش و خلّص السامريّ من يده، فنازعه القبطيّ فوكزه موسى فقتله و هو لا يريد قتله، قالوا: و لمّا قتل لم يرهما إلّا الله تعالى و الإسرائيليّ، فأصبح في المدينة خائفاً يترقّب الأخبار، فاُتي فرعون فقيل له: إنّ بني إسرائيل قد قتلوا رجلاً من آل فرعون فخذ لنا بحقّنا، فقال: ائتوني بقاتله و من يشهد عليه، فطلبوا ذلك فبيناهم يطوفون إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيليّ: يقاتل فرعونيّاً، فاستغاثه على الفرعونيّ، فصادف موسى، و قد ندم على ما كان منه بالأمس، وكره الّذي رأى، فغضب موسى فمدّ يده و هو يريد أن يبطش بالفرعونيّ، فقال للإسرائيليّ «إنّك لغويٌّ
مبينٌ» ففرق الإسرائيليّ من موسى أن يبطش به من أجل أنّه أغلط له الكلام، فظنّ أنّه يريد قتله، فقال له: «يا موسى أتريد أن تقتلني» الآية، و إنّما قال ذلك مخافة من موسى و ظنّاً أن يكون إيّاه أراد، و إنّما أراد الفرعونيّ، فتتاركا، و ذهب إلى فرعون و أخبره بما سمع من الإسرائيليّ، فأرسل فرعون الذّباحين و أمرهم بقتل موسى و قال لهم: اطلبوه في بنيّات الطريق فإنّه غلام لا يهتدي إلى الطريق، فجاءه رجل من أقصى المدينة من شيعته يقال له خربيل وكان على بقيّة من دين إبراهيم الخليل علیه السلام وكان أول من صدّق بموسى و آمن به.
و قد روي عن رسول الله أنّه قال: سبّاق الاُمم ثلاثة، لم يكفروا بالله طرفة عين: خربيل مؤمن آل فرعون، و حبيب النّجار صاحب ياسين، و عليّ بن أبي طالب علیه السلام و هو أفضلهم.
قالوا: فجاء خربيل فاختصر طريقاً قريباً حتّى سبق الذّباحين إليه و أخبره بما همّ به فرعون، فذلك قوله تعالى: «و جاء رجلٌ من أقصى المدينة» الآية، فتحيّر موسى و لم يدر أين يذهب، فجاء ملك على فرس بيده عنزة فقال له: اتّبعني، فاتّبعه فهداه إلى مدين.
و عن ابن عبّاس أنّه خرج من مصر إلى مدين و بينهما مسيرة ثمان ليال، ويقال: نحو من كوفة إلى البصرة، و لم يكن له طعام إلّا ورق الشجر، فما وصل إليها حتّى وقع خفّ قدميه، وإنّ خضرة البقل تتراءى من بطنه، قالت العلماء: لمّا انتهى موسى إلى أرض مدين في ثمان ليال نزل في أصل شجرة، وإذا تحتها بئر، وهي الّتي قال الله تعالى: «و لمّا ورد ماء مدين وجد عليه اُمّه من الناس يسقون و وجد من دونهم امرأتين تذودان» أي تحبسان أغنامها، فقال لهما: «ما خطبكما قالتا لا نسقي حتّى يصدر الرعاء» لأنّا امرأتان ضعيفتان، لا نقدر على مزاحمة الرعاء، فإذا سقوا مواشيهم سقينا أغنامنا من فضول حياضهم «و أبونا شيخ كبير» تعنيان شعيباً.
و عن ابن عبّاس قال: اسم أب امرأة موسى الّذي استأجره يثرون صاحب مدين ابن أخي شعيب علیه السلام و اسم إحدى الجاريتين ليّا و يقال حنونا واسم الاُخرى صفوراء و هي
امرأة موسى، فلمّا قالتا ذلك رحمهما، وكان هناك بئر و على رأسها صخرة، و كان نفر من الرجال يجتمعون عليها حتّى يرفعوها عن رأسها، وقيل: إنّ تلك البئر غير البئر الّتي يستقی منها الرعاء، قالوا: فرفع موسى الصخرة عن رأسها و أخذ دلواً لهما فسقی لهما أغنامهما، فرجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس، وتوّلى موسى إلى ظلّ الشجرة فقال: «ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقير».
قال ابن عبّاس: لقد قال ذلك موسى علیه السلام و لو شاء إنسان أن ينظر إلى خضرة أمعائه من شدّة الجوع لنظر، ما يسأل الله تعالى إلّا اُكلة.
و قال أبو جعفر الباقر علیه السلام : لقد قالها و إنّه لمحتاج إلى شقّ تمرة. قالوا: فلمّا رجعتا إلى أبيهما قال لهما: ما أعجلكما! قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقی لنا أغنامنا فقال لإحداهما: فاذهبي فادعيه إليّ، و هي الّتي تزوّجها موسى، فجاءته إحداهما تمشي على استحياء فقالت له: إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فقام موسى علیه السلام و تقدّمته و هو يتبعها، فهبّت ريح فألزقت ثوب المرأة بردفها، فقال لها: امشي خلفي و دلّيني على الطريق، فإن أخطأت فارمي قدّامي بحصاة، فإنّا بني يعقوب لا ننظر في أعجاز النساء، فنعتت له الطريق إلى منزل أبيها و مشت خلفه حتّى دخلا على شعیب، فسأله عن حاله فأخبره فقال: «لا تخف نجوت من القوم الظالمين» فقالت إحداهما وهي الّتي كانت الرسول إلى موسى: «يا أبت استأجره إنّ خير من استأجرت القويّ الأمين» و إنّما قالت: القويّ لأنّه أزال الحجر الّذي كان يرفعه ثلاثون أو أربعون رجلاً، فقال لها أبوها: فما علمك بأمانته؟ فأخبرت أباها بما أمرها به موسی من استدبارها إيّاه.
قالوا: فلمّا قضى موسى علیه السلام أتمّ الأجلين وسار بأهله منفصلاً من أرض مدين يؤمُّ الشام و معه أغنامه و امرأته و هي في شهرها لا تدري أليلاً تضع أم نهاراً فانطلق في برّيّة الشام عادلاً عن المدائن والعمران مخافة الملوك الّذين كانوا بالشام، وكان أكبر همّه يومئذ
أخاه هارون وإخراجه من مصر، فسار موسى علیه السلام في البرّيّة غير عارف بطرقها، فأجاءه المسير إلى جانب الطور الغربيّ الايمن في عشيّة شاتية شديدة البرد، و أظلم عليه اللّيل، و أخدت السماء ترعد و تبرق و تمطر و أخذ امرأته الطلق، فعمد موسى إلى زنده و قدحه مرّات فلم تور، فتحيّر و قام و قعد و أخذ يتأمّل ما قرب و بعد تحيّراً و ضجراً، فبينا هو كذلك إذ آنس من جانب الطور ناراً، فحسبه ناراً فقال لأهله: امكثوا إنّي آنست ناراً لعلّي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدىً يعني من يدلّني على الطريق و كان قدضلّ الطريق، فلمّا أتاها رأى نوراً عظيماً ممتدّاً من عنان السماء إلى شجرة عظيمة هناك، واختلفوا فيها فقيل: العوسجة؛ وقيل: العنّاب، فتحيّر موسی و ارتعدت مفاصله حيث رأى ناراً عظيمةً ليس لها دخان، تلتهب و تشتعل من جوف شجرة خضراء، لا تزداد النار إلّا عظماً، و لا الشجرة إلّا خضرة و نضرةً، فلمّا دنا استأخرت عنه، فخاف عنها و رجع، ثمّ ذكر حاجته إلى النار فرجع إليها فدنت منه فنودي من شاطیءِ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة: «أن يا موسى» فنظر فلم ير أحداً فنودي: «إنّي أنا الله ربّ العالمين» فلمّا سمع ذلك علم أنّه ربّه، فناداه ربِّه أن ادن و اقترب، فلمّا قرب منه و سمع النداء ورأى تلك الهيبة خفق قلبه وكلّ لسانه و صعفت متنه، و صارحیّاً کمیّت، فأرسل الله سبحانه إليه ملكاً يشدّ ظهره، ويقوّي قلبه، فلمّا تاب إليه نودي: «اخلع نعليك إنّك بالواد المقدّس طوى» ثمّ قال الله سبحانه تسكيناً لقلبه و إذهاباً لدهشته: «و ما تلك بيمينك» إلى قوله تعالى: «مآرب اُخرى».
واختلف في اسم العصا فقال ابن جبير: اسمها ما شاء الله وقال مقاتل: اسمها نفعة، و قيل غياث؛ وقيل عليق. و أمّا صفتها و المآرب الّتي فيها لموسى علیه السلام فقال أهل العلم بأخبار الماضين: كان لعصا موسى شعبتان و محجن في أصل الشعبتين، و سنان حديد في أسفلها، فكان موسى علیه السلام إذا دخل مفازة ليلاً و لم يكن قمر تضيء شعبتاها كالشعبتين من
نور، تضيئان له مدّ البصر، وكان إذا أعوز الماء أدلاها في البئر فجعلت تمتدّ إلى مقدار قعر البئر و تصير في رأسها شبه الدلو يستقي، و إذا احتاج إلى الطعام ضرب الأرض بعصاه فيخرج ما يأكل يومه، وكان إذا اشتهی فاكهة من الفواكه غرزها في الأرض فتغصّنت أغصان تلك الشجرة الّتي اشتهى موسى فاكهتها و أثمرت له من ساعتها، ويقال: كان عصاه من اللّوز، فكان إذا جاع ركزها في الأرض فأورقت و أثمرت وأطعمت فكان يأكل منها اللّوز، وكان إذا قاتل عدوّه يظهر على شعبتيها تنّينان يتناضلان وكان يضرب على الجبل الصعب الوعر المرتقی و على الشجر و العشب و الشوك فينفرج، و إذا أراد عبور نهر من الأنهار بلاسفينة ضربها عليه فانفلق و بداله طريق مهيع يمشي فيه، وكان يشرب أحياناً من إحدى الشعبتين اللّبن و من الآخر العسل، وكان إذا أعيا في طريقه يركبها فتحملها إلى أيّ موضع شاء من غير ركض و لا تحريك رجل، وكانت تدلّه على الطريق و تقاتل أعداءه، وإذا احتاج موسى إلى الطيب فاح منها الطيب حتّى يتطيّب ثوبه، وإذا كان في طريق فيه لصوص تخشى الناس جانبهم تكلّمه العصا و تقول له: خذ جانب كذا، وكان يهشّ بها على غنمه، و يدفع بها السباع و الحيّات و الحشرات، و إذا سافر وضعها على عاتقه و علّق عليها جهازه و متاعه و مخلاته و مقلاعه وكساءه و طعامه و سقاءه.
قال مقاتل بن حيّان: قال شعيب لموسى حين زوّج ابنته و سلّم إليه أغنامه يرعاها: اذهب بهذه الأغنام، فإذات بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك و لا تأخذ على يمينك، و إن كان الكلاء بها أكثر فإنَّ هناك تنيّناً عظيماً أخشى عليك و على الأغنام منه؛ فذهب موسى بالأغنام فلمّا بلغ مفرق الطريقين أخذت الأغنام ذات اليمين فاجتهد موسى على أن يصرفها إلى ذات الشمال فلم تطعه، فنام موسى و الأغنام ترعى، فإذا بالتنيّن قد جاء فقامت عصا موسى فحاربته فقتلته، و أتت فاستلقت على جنب موسى و هي دامية، فلمّا استيقظ موسى علیه السلام رأى العصا دامية و التنّين مقتولاً، فعلم أنّ في تلك العصا لله تعالى قدرة، و عرف أنّ لها شأناً، فهذه مآرب موسى فيها إذا كانت عصا، فأمّا إذا ألقاها موسى فيرى أنّها
تنقلب حيّة كأعظم ما يكون من التنّانين سوداء مدلهمّة تدبّ على أربع قوائم، تصير شعبتاها فمها، و فيه اثنا عشر أنياباً و أضراساً، لها صريف و صرير، يخرج منها لهب النار، فتصير محجنها عرفاً لها كأمثال النيازك تلتهب وعيناها تلمعان كما يلمع البرق، تهبّ من فيها ريح السموم، لا تصيب شيئاً إلّا أحرقته، تمرّ بالصخرة مثل الناقة الكوماء فتبتلعها حتّى أنّ الصخور في جوفها تتقعقع و تمرُّ بالشجرة فتفطرها بأنيابها ثمّ تحطمها و تبتلعها، وجعلت تتلمّظ و تترمرم كأنّها تطلب شيئاً تأكل وكان تكون في عظم الثعبان و خفّة الجانّ، ولين الحيّة، و ذلك موافق لنصّ القرآن حيث قال في موضع: «فإذا هي ثعبان مبين» و قال في موضع آخر: «كأنّها جانُّ» و قال في موضع آخر: «فإذا هي حيّة تسعى» قالوا: فلمّا ألقاها صارت شعبتاها فمها، ومحجنها عرفاً لها في ظهرها وهي تهتزّ لها أنياب و هي كما شاء الله أن يكون، فرأى موسى أمراً فظيعاً فولّى مدبراً و لم يعقّب، فناداه ربّه تعالى: أن يا موسى أقبل و لا تخف إنّك من الآمنين. قالوا: وكان على موسى جبّة من صوف فلفّ كمّه على يده و هو لها هائب فنودي: أن احسر عن يدك، فحسر كمّه عن يده ثمّ أدخل يده بين لحييها، فلمّا قبض فإذا هو عصاه في يده و يده بين شعبتيها حيث كان يضعها، ثمّ قال له: «أدخل يدك في جيبك» فأدخلها ثمّ أخرجها فإذا هي نور تلتهب يكلّ عنه البصر، ثمّ ردّها فخرجت كما كانت على لون يديه.
ثمّ قال له: «اذهب إلى فرعون إنّه طغى» فقال موسى: «ربّ إنّي قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون ٭ و أخي هارون هو أفصح منّى لساناً فأرسله معي ردءاً يصدّقني إنّي أخاف أن يكذّبون» قال الله تعالى: «سنشدُّ عضدك بأخيك» الآية، وكان على موسى يومئذ مدرعة قد خلّها بخلال و جبّة من صوف، و ثياب من صوف، و قلنسوة من صوف، و الله سبحانه يكلّمه و يعهد إليه ويقول له: يا موسى انطلق برسالتي وأنت بعينی وسمعي، ومعك قوّتي ونصرتى، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر من نعمتي و آمن مكري، و غرّته الدنيا حتّى جحد حقّي، وأنكر ربوبيّتي، وزعم أنّه لا يعرفني، وعزّتي وجلالي لو لا الحجّة و
العذر اللّذان جعلتها بيني و بين خلقي لبطشت به بطشة جبّار تغضب لغضبه المساوات و الأرض و البحار و الجبال و الشجر و الدوابُّ، فلو أذنت للسماء لحصبته، أو للأرض لابتلعته أو للجبال لدكدكته، أو للبحار لغرقته، ولكن هان عليّ وصغر عندي و وسعه حلمي، وأنا الغنىّ عنه وعن جميع خلقي، وأنا خالق الغني والفقير، لا غنيّ، إلّا من أغنيته، ولا فقير إلّا من أفقرته، فبلّغه رسالتي و ادعه إلى عبادتي و توحيدي و الإخلاص لي، وحذّره نقمتي و بأسي، وذكّره أيّامي، و أعلمه أنّه لا يقوم لغضبي شيء وقل له فيما بين ذلك قولاً ليّناً لعلّه يتذكّر أو يخشى، وكنّه في خطابك إيّاه و لا يروعنّك ما ألبسته من لباس الدنيا، فإنّ ناصيته بيدي، ولا يطرف و لا ينطق ولا يتنفّس إلّا بعلمي، و أخبره بأنّي إلى العفو و المغفرة أسرع إلى الغضب و العقوبة، و قال له: أجب ربّك فإنّه واسع المغفرة قد أمهلك طول هذه المدّة و أنت في كلّها تدّعي الربوبيّة دونه، و تصدّ عن عبادته، وفي كلّ ذلك تمطر عليك المساء، و تنبت لك الأرض، ويلبسك العافية، ولو شاء لعاجلك بالنقمة، ولسلبك ما أعطاك، ولكنّه ذو حلم عظيم. ثمَّ اُمسك عن موسى سبعة أيّام، ثمّ قيل له بعد سبع ليال: أجب ربّك يا موسى فيما كلّمك فقال: «ربّ اشرح لي صدري» الآية، فلمّا رجع موسى شيّعته الملائكة، فكان قلب موسى مشتغلاً بولده، و أراد أن يختنه فأمر الله عزّوجلّ ملكاً فمدَّ يده و لم يزل قدمه عن موضعها حتّى جاء به ملفّفاً في خرقته، و تناوله موسى، فأخذ حجرتين فحكّ أحدهما بالآخر حتّى حدّده كالسكّين فختن بهما ابنه، فتفل الملك عليه و برىء، من ساعته، ثمَّ ردّه الملك إلى موضعه، ولم يزل أهل موسى في ذلك الموضع حتّى مرّ داع من أهل مدين فعرفهم و احتملهم وردّهم إلى مدين، وكانوا عند شعيب حتّى بلغهم خبر موسى علیه السلام بعد ما فلق البحر و جاوزه بنو إسرائيل، و غرق الله فرعون فبعثهم شعيب إلى موسى علیه السلام بمصر. (1)
1) عرائس الثعلبی: 105-114.
1 - ع: ابن الوليد: عن الصفّار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال الله عزّوجلّ لموسى علیه السلام : «فاخلع نعليك لأنّها كانت من جلد حمار ميّت. (1)
مع: مرسلاً مثله. (2)
2 - ع: محمّد بن عليّ بن نصر النجاريّ، عن أبي عبدالله الكوفيّ بإسناد متّصل إلى الصادق جعفر بن محمّد علیه السلام أنّه قال في قول الله عزّوجلّ لموسى علیه السلام : «فاخلع نعليك» قال: يعني ارفع خوفيك، يعني خوفه من ضياع أهله و قد خلّفها بمخض و خوفه من فرعون.
قال الصدوق رحمه الله، و سمعت أبا جعفر محمّد بن عبد الله بن طيفور الدامغانيّ الواعظ يقول في قول موسى علیه السلام : «و احلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي» قال: يقول: إنّي أستحيي أن اُكلّم بلساني الّذي كلّمتك به غيرك فيمنعني حيائي منك عن محاورة غيرك، فصارت هذه الحال عقدة على لساني فاحللها بفضلك «و اجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي» معناه
أنّه سأل الله عزّوجلّ أن يأذن له في أن يعبّر عنه هارون فلا يحتاج أن يكلّم فرعون بلسان كلّم الله عزّوجلّ به. (1)
1) علل الشرائع: 34.
1 - فس: «يذبّحون أبناءكم» إنّ فرعون لمّا بلغه أنّ بني إسرائيل يقولون: يولد فينا رجلٌ يكون هلاك فرعون وأصحابه على يده كان يقتل أولادهم الذكور و يدع الإناث. (1)
2 - ص: الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن الحجّال، عن عبدالرحمن بن حمّاد، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ فرعون بنى سبع مدائن فتحصّن فيها من موسى، فلمّا أمره الله يأتي فرعون جاءه و دخل المدينة، فلمّا رأته الاُسود بصبصت بأذنابها، ولم يأن مدينة إلّا انفتح له حتّى انتهى إلى الّتي هو فيها، فقعد على الباب و عليه مدرعة من صوف و معه عصاه، فلمّا خرج الآذن قال له موسى علیه السلام إنّي رسول ربّ العالمين إليك، فلم يلتفت، فضرب بعصاه الباب فلم يبق بينه و بين فرعون باب إلّا انفتح فدخل عليه وقال: أنا رسول ربّ العالمين، فقال: ائتني بآية، فألقی عصاه، وكان لها شعبتان فوقعت إحدى الشعبتين في الأرض، و الشعبة الاُخرى في أعلى القبّة، فنظر فرعون
1) تفسير القمی: 39.
إلى جوفها و هي تلتهب ناراً و أهوت إليه، فأحدث فرعون و صاح: ياموسى خذها، و لم يبق أحد من جلساء فرعون إلّا هرب، فلمّا أخذ موسى العصا و رجعت إلى فرعون نفسه همّ بتصديقه فقام إليه هامان وقال: بينا أنت إله تُعبد إذ أنت تابعٌ لعبد؟! و اجتمع الملأ و قالوا: هذا ساحرٌ عليمٌ، فجمع السحرة لميقات يوم معلوم، فلمّا ألقوا حبالهم و عصيّهم ألقی موسی عصاه فالتقمتها كلّها، وكان في السحرة اثنان و سبعون شيخاً خرُّوا سجّداً، ثمَّ قالوا لفرعون: ما هذا سحرُ لو كان سحراً لبقيت حبالنا وعصيّنا، ثمّ خرج موسى علیه السلام ببني إسرائيل يريد أن يقطع بهم البحر فأنجى الله موسى و من معه، و غرق فرعون و من معه، فلمّا صار موسى في البحر اتّبعه فرعون وجنوده فتهيّب فرعون أن يدخل البحر، فمثّل جبرئيل على ماديانة، وكان فرعون على فحل، فلمّا رأى قوم فرعون الماديانة اتّبعوها فدخلوا البحر و غرقوا، و أمر الله البحر فلفظ فرعون ميّتاً حتّى لا يظنّ أنّه غائب و هو حيّ، ثمّ إنّ الله تعالى أمر موسى أن يرجع ببني إسرائيل إلى الشام، فلمّا قطع البحر بهم مرّ على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا: «يا موسى اجعل لنا إلهاً كمالهم آلهة قال إنّكم قوم تجهلون» ثمّ ورث بنو إسرائيل ديارهم وأموالهم، فكان الرّجل يدور على دور كثيرة، و يدور على النساء. (1)
3 - ص: في تسع آيات موسى: لمّا اجتمع رأي فرعون أن يكيد موسى فأوّل ما كاده به عمل الصرح: فأمر هامان ببنائه حتّى اجتمع فيه خمسون ألف بنّاء سوى من يطبخ الآجرّ، و ينجر الخشب و الأبواب و يضرب المسامير حتّى رفع بنياناً لم يكن مثله منذ خلق الله الدنيا، و كان أساسه على جبل فزلزله الله تعالى فانهدم على عمّاله و أهله و كلّ من كان عمل فيه من القهارمة والعمّال، فقال فرعون لموسى علیه السلام : إنّك تزعم أن ربّك عدل لا يجور، أفعدله الّذى أمر؟ فاعتزل الآن إلى عسكرك فإنّ الناس لحقوا بالجبال و الرمال فاذا اجتمعوا تسمعهم رسالة ربّك، فأوحى الله تعالى إلى موسى علیه السلام أخّره و دعه، فإنّه يريد أن يجنّد لك
1) قصص الانبياء مخطوط.
الجنود فيقاتلك، واضرب بينك و بينه أجلاً، و ابر زإلى معسكرك يأمنوا بأمانك ثّم ابنوا بنياناً واجعلوابيوتكم قبلة؛ فضرب موسى بينه و بين فرعون أربعين ليلة فأوحى إلى موسى أنّه يجمع لك الجموع فلا يهولنّك شأنه، فإنّي أكفيك كيده فخرج موسى علیه السلام من عند فرعون و العصا معه على حالها حيّة تتبعه و تنعق و تدور حوله و الناس ينظرون إليه متعجبين و قد ملئوا رعباً حتّى دخل موسى عسكره وأخذه برأسها فإذا هي عصا، و جمع قومه و بنوا مسجداً، فلمّا مضى الأجل الّذي كان بين موسى و فرعون أوحى الله تعالى الله إلى موسى علیه السلام أن اضرب بعصاك النيل، وكانوا يشربون منه، فضربه فتحوّل دماً عبيطاً، فإذا ورده بنوا إسرائيل استقوا ماء صافياً وإذا ورده آل فرعون اختضبت أيديهم وأسقيتهم بالدم، فجهدم العطش حتّى أنّ المرأة من قوم فرعون تستقي من نساء بني إسرائيل، فإذا سكبت الماء لفرعونيّة تحوّل دماً، فلبثوا في ذلك أربعين ليلة وأشرفوا على الموت، و استغاث فرعون و آله بمضغ الرطبة فصيرماؤها مالحاً، فبعث فرعون إلى موسى: ادع لنا ربّك يعيد لنا هذا الماء صافياً، فضرب موسى بالعصا النيل فصار ماء خالصاً، هذا قصّة الدم.
و أمّا قصّة الضفادع: فإنّه تعالى أوحى إلى موسى أن يقوم على شفير النيل حتّى يخرج كلّ ضفدع خلقه الله تعالى من ذلك الماء فأقبلت تدبّ سراعاً تؤمّ أبواب المدينة فدخلت فيها حتّى ملأت كل شيء، فلم يبق دارٌ ولا بيت ولا إناءٌ إلّا امتلأت ضفادع، ولا طعام، ولا شرابٌ إلّا فيه ضفادع حتّى غمّهم ذلك وكادوا يموتون، فطلب فرعون إلى موسى أن يدعو ربّه ليكشف البلاء واعتذر إليه من الخلف، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن أسعفه، فأناف موسى بالعصا فلحق جميع الضفادع بالنيل.
وأمّا قصّة الجراد و القمّل: فإنّه أوحى إلى موسى أن ينطلق إلى ناحية من الأرض و يشير بالعصا نحو المشرق و اُخرى نحو المغرب فانبثق الجراد من الأفقين جميعاً، فجاء مثل الغمام الأسود، وذلك في زمان الحصاد فملّأكلّ شيء و عمّ الزرع فأكله وأكل خشب البيوت
و أبوابها، و مسامير الحديد والأقفال و السلاسل، ونكث موسى الأرض بالعصا فامتلأت قمّلاً فصار وجه الأرض أسود و أحمر حتّى ملئت ثيابهم ولحفهم و آنيتهم فتجي و متواصلة و تجي من رأس الرجل ولحيته، وتأكل كلّ شي، فلمّا رأاوا الّذي نزل من البلاء اجتمعوا إلى فرعون و قالوا: ليس من بلاء إلأ و يمكن الصبر عليه إلّا الجوع، فإنّه. بلاء فاضح لاصبر لأحد عليه، ما أنت صانع؟ فأرسل فرعون إلى موسى علیه السلام يخبره أنّه لم يجتمع له أمره الّذى أراد، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن لا يدع له حجّة وأن ينظره، فأشاره بعصاه فانقشع الجراد و القمّل من وجه الأرض.
و أمّا الطمس: فإنّ موسى لمّا رأى آل فرعون لا يزيدون إلّاكفراً دعا موسى عليهم فقال: «ربّنا إنّك آتيت فرعون و ملأه زينة و أموالاً في الحيوة الدنيا ربّنا اطمس على أموالهم» فطمس الله أموالهم حجارةً فلم يبق لهم شيئاً ممّا خلق الله تعالى يملكونه لا حنطة و لاشعيراً ولاثوباً ولا سلاحاً ولا شيئاً من الاشياء إلّاصار حجارة.
و أمّا الطاعون: فإنّه أوحى الله تعالى إلى موسى علیه السلام أنّى مرسل على أبكار آل فرعون في هذه اللّيلة الطاعون، فلا يبقى بآل فرعون من إنسان ولا دابّة إلّا قتله، فبشّر موسى قومه بذلك فانطلقت العيون إلى فرعون بالخبر، فلمّا بلغه الخبر قال لقومه: قولو البني إسرائيل إذا أمسيتم فقدّمو أبكاركم، وقدّموا أنتم أبكار كم، و اقرنوا كلّ بكرين في سلسلة فإنّ الموت يطرقهم ليلاً فاذا وجدهم مختلطين لم يدر بأيّهم يبطش، ففعلوا فلمّا جهّم اللّيل أرسل الله تعالى الطاعون فلم يبق منهم إنساناً ولا دابّةً إلّا قتله فأصبح أبكار آل فرعون جيفاً، و أبكار بني إسرائيل أحياء سالمين، فمات منهم ثمانون ألفاً سوى الدوابّ، و كان لفرعون من أثاث الدنيا و زهرتها وزينتها و من الحلّي والحلل ما لا يعلمه إلّاالله تعالى. فأوحى الله جلّت عظمته إلى موسى علیه السلام أنّى مورّث بني إسرائيل ما في أيدي آل فرعون، فقل ليستعيروا منهم الحليّ والزينة، فإنّهم لا يمتنعون من خوف البلاء، وأعطى فرعون جميع زينة أهله و ولده وما
كان في خزائنه، فأوحى الله تعالى إلى موسى بالمسير بجميع ذلك حتّى كان من الغرق بفرعون و قومه ماکان. (1)
أقول: ما في القصص يحتمل كلاًّ من الوجهين الأخيرين، وأن يكون المعنى كون بيوتهم محاذية للكعبة وأناف على الشي: أشرف، والمراد الإشارة بالعصا. وانقشع: تفرّق
4 - فس: أبي، عن ابن فضّال ،عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا بعث الله موسى إلى فرعون أتى بابه فاستأذن عليه و لم يؤذن له، فضرب بعصاه الباب فاصطکّت الأبواب مفتّحة، ثّم دخل على فرعون فأخبره أنّه رسول من ربّ العالمين وسأله أن يرسل معه بني إسرائيل، فقال له فرعون كما حكى الله: «ألم نربّك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين ٭ وفعلت فعلتك الّتي فعلت» أي قتلت الرجل «وأنت من الكافرين» يعني كفرت نعمتي، فقال موسى كما حكى الله: «فعلتها إذاً و أنا من الضّالين ففررت منك إلى قوله: «أن عبّدت بني إسرائيل» فقال فرعون: «و ما ربّ العالمين» و إنّما سأله عن كيفيّة الله، فقال موسى: «ربّ السموات والأرض وما بينهما إن كنتم مؤمنين» فقال فرعون متعجّباً لأصحابه: «ألا تستمعون» أسأله عن الكيفية فيجيبنى عن الخلق! فقال موسى: «ربّكم و ربّ آبائكم الأوّلين » ثّم قال لموسى: «لئن اتّخذت إلهاً غيري لأ جعلنّك من المسجونين» قال موسى: «أولو جئتك بشي مبين» قال فرعون: «فأت به إن كنت من الصادقين ٭ فألقی عصاه فإذا هي ثعبانُ مبينٌ» فلم يبق أحد من جلساء فرعون إلّا هرب و دخل فرعون من الرعب مالم يملك نفسه، فقال فرعون: يا موسى أَنشدك الله والرضاع إلّا ما كفقتها عنّي، فكفّها، ثمّ نزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين، فلمّا اُخذ موسى العصا رجعت إلى فرعون نفسه و همّ بتصديقه فقام إليه هامان فقال له: بينما أنت إله تعبد إذصرت تابعاً لعبد؟!
ثمّ قال فرعون للملأ الّذي حوله: «إنّ هذا لساحر عليمٌ ٭ يريد أن یخرجکم من
1) قصص الانبياء مخطوط.
أرضكم بسحره فماذا تأمرون» إلى قوله: «الميقات يوم معلوم» وكان فرعون و هامان قد تعلّماالسحر و إنّما غلباالناس بالسحر، وادّعى فرعون الربوبيّة بالسحر، فلمّا أصبح بعث في المدائن حاشرين، مدائن مصر كلّها، وجمعوا ألف ساحر، و اختاروا من الألف مائة ومن المائة ثمانين، فقال السحرة لفرعون: قد علمت أنّه ليس في الدنيا أسحر منّا، فان علبنا موسى فما يكون لنا عندك؟ قال: «إنّكم إذاً لمن المقربين» عندي اُشارككم في ملكي، قالوا: فإن غلبنا موسى و أبطل سحرنا علمنا أنّ ماجاء به ليس من قبل السحر ولا من قبل الحيلة، آمنّا به وصدّقناه فقال فرعون: إن غلبكم موسى صدّقته أنا أيضاً معكم، ولكن أجمعوا كيدكم أي حيلتكم، قال: وكان موعدهم يوم عيد لهم.
فلمّا ارتفع النهار من ذلك اليوم، و جمع فرعون الخلق و السحرة، وكانت له قبة طولها في السماء ثمانون ذراعاً، وقد كانت لبست الحديد الفولاد، وكانت إذا وقعت الشمس عليها لم يقدر أحد أن ينظر إليها من لمع الحديد و وهج الشمس، وجاء فرعون و هامان وقعدا عليها ينظران، وأقبل موسى ينظر إلى السماءُ فقالت السحرة لفرعون: إنّا نرى رجلاً ينظر إلى السّماء ولم يبلغ سحرنا السماء، وضمنت السحرة من في الأرض، فقالوالموسى: إمّا أن تلقي و إمّا أن نكون نحن الملقين، قال لهم موسى: «ألقوا ما أنتم ملقون ٭ فألقوا حبالهم و عصيّهم» فأقبلت تضطرب مثل الحيّات وهاجت، فقالوا: «بعزة فرعون إنّا لنحن الغالبون» «فأوجس في نفسه خيفة موسى» فنودي: «لا تخف إنّك أنت الأعلى ٭ وألق ما في يمينك تلقف ماصنعوا انّما صنعوا كيدساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى» فألقى موسى العصا فذابت في الأرض مثل الرصاص ثّم طلع رأسها و فتحت فاها و وضعت شدقها العليا على رأس قبّة فرعون، ثّم دارت والتقمت عصي السحرة و حبالها و غلب كلّهم وانهزم الناس حين رأوها و عظمها و هولها ممّا لم ترالعين ولا وصف الواصفون مثله قبل، فقتل في الهزيمة من وطء الناس بعضهم بعضاً عشرة آلاف رجل و امرأة وصبيّ ودارت على قبّة فرعون، قال: فأحدث فرعون و
هامان في ثيابهما و شاب رأسهما و غشي عليهما من الفزع. ومرّ موسى في الهزيمة مع الناس فناداه الله خذها و لا تخف سنعيدها سيرتها الأولى، فرجع موسى ولفّ على يده عباءة كانت عليه ثّم أدخل يده في فمها فإذاهى عصا كما كانت، و كان كما قال الله: «فالقي السحرة ساجدين» لمّا رأوا ذلك «قالوا آمنّا بربّ العالمين ربّ موسی و هارون» فغضب فرعون عند ذلك غضباً شديداً و قال: «آمنتم له قبل أن آذن لكم إنّه لكبير كم» يعنى موسى «الّذي علّمكم السحر فسوف تعلمون لا قطّعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لاصلبنّكم أجمعين» فقالوا له كما حكى الله عزّوجلّ: «لاضير إنّا إلى ربّنا لمنقلبون ٭ إنّا نطمع أن يغفرلنا ربّنا خطايانا أن كنّا أوّل المؤمنين».
فحبس فرعون من آمن بموسى في السجن حتّى أنزل الله عليهم الطوفان و الجراد والقمّل والضفادع والدم فأطلق عنهم فأوحى الله إلى موسى: أن أسربعبادي إنّكم متبّعون» فخرج موسى ببنى إسرائيل ليقطع بهم البحر، و جمع فرعون أصحابه و بعث في المدائن حاشرین، و حشر الناس و قدّم مقدّمته في ستمائة ألف، و ركب هو في ألف ألف، و خرج كما حكى الله عزّوجلّ: «فأخرجنا هم من جنّات و عيون ٭ و كنوز و مقام كريم ٭ كذلك و أورثناها بنی إسرائيل ٭ فأتبعوهم مشرقين فلمّا قرب موسى من البحر و قرب فرعون من موسى قال أصحاب موسى: «وإنّا لمدركون» فقال موسى: «كلّا إنّ معي ربّي سيهدين» أي سينجين، فدنا موسى علیه السلام من البحر فقال له: انفرق فقال له البحر: استكبرت يا موسى أن تعصي وقد علمت أن آدم اُخرج من الجنة بمعصية و إنّما لعن إبليس بمعصية، فقال البحر: عظيم ربّي مطاع أمره، ولا ينبغي لشي و أن يعصيه.
فقال يوشع بن نون فقال لموسى، يا رسول الله ما أمرك ربّك؟ فقال: بعبور البحر، فأقحم يوشع فرسه الماء و أوحى الله إلى موسى: «أن اضرب بعصاك البحر» فضربه «فانفلق فكان كلّ فرق كالطود العظيم» أي كالجبل العظيم، فضرب له في البحر اثناعشر طريقاً، فاخذ كلّ
سبط في طريق: فكان الماء قدار تفع و بقيت الأرض يابسة طلعت فيها الشمس فيبست كما حكى الله عزّوجلّ: «فاضرب لهم طريفاً في البحر يبساً لا تخاف در کاً ولا تخشى» و دخل موسى و أصحابه البحر، وكان أصحابه اثني عشر سبطاً، فضرب الله لهم في البحر اثنى عشر طريقاً فأخذ كلّ سبط في طريق، وكان الماء قد ارتفع على رؤوسهم مثل الجبال فجزعت الفرقة الّتي كانت مع موسى فى طريقه فقالوا: يا موسى أين إخواننا؟ فقال لهم: معكم في البحر، فلم يصدّقوه، فأمر الله البحر فصارت طاقات حتّى كان ينظر بعضهم إلى بعض و يتحدّثون، و أقبل فرعون وجنوده فلمّا انتهى إلى البحر قال لأصحابه: ألا تعلمون أنّي ربِّكم الأعلى قد فرج لي البحر؟ فلم يجسر أحد أن يدخل البحر و امتنعت الخيل منه لهول الماء فتقحّم فرعون حتّى جاء إلى ساحل البحر، فقال له منجمّه: لا تدخل البحر، و عارضه فلم يقبل منه، و أقبل على فرس حصان فامتنع الفرس أن يدخل الماء، فعطف عليه جبرئيل و هو على ماديانة فتقدّمه و دخل، فنظر الفرس إلى الرمكة فطلبها و دخل البحر و اقتحم أصحابه خلفه، فلمّا دخلوا كلّهم حتّى كان آخر من دخل من أصحابه و آخر من خرج من أصحاب موسى أمر الله الرياح فضربت البحر بعضه ببعض فأقبل الماء يقع عليهم مثل الجبال فقال فرعون عند ذلك: «آمنت أنّه لا اله إلّا الّذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين» فأخذ جبرئيل كفّاً من حمأة فدسّها في فيه ثمّ قال: «الآن وقد عصيت قبل و كنت من المفسدين». (1)
5 - ل، ع، ن: سأل الشاميّ أمير المؤمنين علیه السلام عن ستّة لم يركضوا في رحم فقال: آدم وحوّاء و كبش إبراهيم و عصا موسى و ناقة صالح والخفّاش الّذي عمله عيسى بن مريم فطار بإذن الله عزّوجلّ. (2)
6 - ع، ن: و سأله عن أوّل شجرة غرست في الأرض، فقال: العوسجة و منها عصا موسى. (1)
7 - كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد عن محمّد بن هشام، عمّن أخبره، عن أبي عبد الله علیه السلام
قال: إنّ قوماً ممّن آمن بموسى علیه السلام قالوا: لو أتينا عسكر فرعون فكنّا فيه و نلنا من دنياه، فاذا كان الّذي نرجوه من ظهور موسى علیه السلام صرنا إليه، ففعلوا، فلمّا توجّه موسى و من معه هاربين من فرعون ركبوا دوابّهم و أسرعوا في السير ليلحقوا موسى و عسكره فيكونوا معهم فبعث الله ملكاً فضرب وجوه دوابّهم فردّهم إلى عسكر فرعون، فكانوا فيمن غرق مع فرعون. (2)
ين: النضر مثله. (3)
8 - كا: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن بكر بن محمّد عن الجعفريّ، عن أبي الحسن علیه السلام قال: كان رجلٌ من أصحاب موسى أبوه من أصحاب فرعون، فلمّا لحقت خيل فرعون موسى تخلّف عنهم ليعظ أباه فيلحقه بموسى فمضى أبوه و هو يراغمه حتّى بلغا طرفاً من البحر فغرقا جميعاً، فأتى موسى الخبر فقال: هوفي رحمة الله، ولكنّ النقمة إذا نزلت لم يكن لها عمّن قارب المذنب دفاع. (4)
9 - ل: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن معروف، عن ابن محبوب، عن حنان ابن سدير قال: حدّثني رجلٌ من أصحاب أبي عبد الله علیه السلام قال: سمعته يقول: إنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيمة لسبعه نفر: أوّلهم ابن آدم الّذي قتل أخاه، و نمرود الّذي حاجّ إبراهيم فى ربّه، و اثنان
في بني إسرائيل هوّدا قومهم و نصّراهم، و فرعون الّذي قال: أنا ربّكم الأعلى، واثنان في هذه الاُمّة. (1)
10 - ل: أبي، عن سعد، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه عليّ، عن عيسى بن محمّد عن بعض أصحابنا عن عبد الله بن محمّد عن أبي جميلة، عن زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام قال: أملى الله عزّوجلّ لفرعون ما بين الكلمتين أربعين سنة ثّم أخذه الله نكال الآخرة والأولى، وكان بين أن قال الله ع.ّوجلّ لموسى وهارون: «قداُ جيبت دعوتكما» و بين أن عرّفه الله الإجابة أربعين سنة. ثّم قال: قال جبرئيل: نازلت ربّي في فرعون منازلة شديداً فقلت ياربّ تدعه وقد قال: أنا ربّكم الأعلى؟ فقال: إنّما يقول هذا عبد مثلك. (2)
11 - ع: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن أبي الخطّاب، عن ابن أسباط، عن إسماعيل بن منصور، عن رجل، عن أبي عبد الله علیه السلام في قول فرعون: «ذروني أقتل موسى» من کان يمنعه؟ قال: منعته رشدته، ولا يقتل الأنبياء و أولاد الأنبياء إلّا أولاد الزنا. (3)
12 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفّارعن ابن عيسى، عن الوشّاء، عن أبي جميلة، عن محمّد بن مروان، عن العبد الصالح علیه السلام قال: کان من قول موسى علیه السلام حين دخل على فرعون: «اللّهم إنّي أدرء بك في نحره و أستجيربك من شره و أستعين بك» فحوّل الله ماكان في قلب فرعون من الأمن خوفاً. (4)
13 - ل، ع، ن: سأل الشاميّ أمير المؤمنين علیه السلام عن يوم الأربعاء و التطيّر منه، فقال علیه السلام : آخر أربعاء في الشهر و هو المحاق - و ساق الحديث إلى أن قال -: و يوم الأربعاء طلب فرعون موسى ليقتله، و يوم الأربعاء أمر فرعون بذبح الغلمان، ويوم الأربعاء أظلّ
قوم فرعون أوّل العذاب. (1)
14 - مع: القطّان، عن السكّري عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن سفيان بن سعيد قال: سمعت أباعبدالله جعفر بن محمّد الصادق علیه السلام - وكان والله صادقاً كما سمّي - يقول: ياسفيان عليك بالتقيّة فانها سنّة إبراهيم الخليل علیه السلام ، وإنّ الله عزّوجلّ قال لموسى و هارون علیه السلام «اذهبا إلى فرعون إنّه طغى فقولا له قولاً لينّاً لعله يتذكرأويخشى» يقول الله عزّوجلّ: كنّياه . و قولا له: يا أبا مصعب، وإنّ رسول الله كان إذا أراد سفراً ورّى بغيره. وقال علیه السلام : أمرني ربّي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض ولقد أدّبه الله عزّوجلّ بالتقية فقال: «ادفعّ بالّتي هي أحسن فاذا الّذي بينك و بينه عداوة كانّه وليّ حميم ٭ و ما يلقّاها إلّا الَّذين صبروا و ما يلقّاها إلّا ذو حظّ عظيم» يا سفيان من استعمل التقية في دين الله فقد تسنمّ الذروة العليا من العزّ إنّ عزّ، المؤمن في حفظ لسانه، و من لم يملك لسانه ندم. قال سفيان: فقلت له: يا ابن رسول الله هل يجوز أن يطمع الله عزّوجلّ عباده في كون مالا يكون؟ قال: لا فقلت: فكيف قال الله عزوجلّ لموسى و هارون علیهما السلام «لعلّه يتذكر أو يخشى» و قد علم أن فرعون لا يتذكر ولا يخشى؟ فقال: إن فرعون قد تذكّر وخشي ولكن عند رؤيه الباس حيث لم ينفعه الايمان، ألا تسمع الله عزّوجل يقول: «حتّى إذا أدركه الفرق قال آمنت أنّه لا إله إلّا الذي آمنت به بنو إسرائيل و أنا من المسلمين» فلم يقبل الله عزّوجلّ إيمانه، و قال: «آلآن وقد عصیت قبل و كنت من المفسدين فاليوم ننجّيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية» يقول: نلقيك على نجوة من الأرض لتكون لمن بعدك علامة و عبرةٌ. (2)
15 - ع: المكتّب، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمیر، عن أبان الأحمر قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن قول الله عزّوجلّ: «فرعون ذي الأوتاد» لأي شيء سمّى ذا الأوتاد؟
قال: لأنّه كان إذا عذّب رجلاًبسطه على الأرض على وجهه، و مدّیدیه و رجليه فأوتدها بأربعة أوتاد في الأرض، ربّما بسطه على خشب منبسط فوّتد رجليه و يديه بأربعة أوتاد، ثّم تركه على حاله حتّى يموت، فسماّه الله عزّوجلّ فرعون ذاالأوتاد لذلك. (1)
16 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطابّ، عن يزيدبن إسحاق شعر، عن هارون الغنويّ، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: سألته عن التسع الآيات الّتي اُوتي موسى علیه السلام فقال: الجراد و القمّل و الضفادع والدم والطوفان والبحر و الحجر والعصا ويده. (2)
17 - ل: أبي عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن محمّدبن النعمان، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر علیه السلام في قول الله عزّ و جلّ: «ولقد آتينا موسى تسع آیات بينّات» قال: الطوفان و الجراد و القمّل و الضفادع و الدم و الحجر و البحر والعصا ويده. (3)
18 - شی: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: كان بين قوله «قداجیبت دعوتكما» وبين أن اُخذ فرعون أربعون سنة. (4)
19 - شی: عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا يرفعه قال: لمّا صار موسى في البحر أتبعه فرعون و جنوده، قال: فتهيّب فرس فرعون أن يدخل البحر، فتمثّل له جبرئيل على رمكة، فلمّا رأى فرس فرعون الرمكة أتبعها فدخل البحر هو وأصحابه فغرقوا. (5)
20 - نهج: فأوجس موسى خيفة على نفسه أشفق من غلبة الجهّال و دول الضّلال.
21 - نهج: قأل أمير المؤمنين علیه السلام في الخطبة القاصعة: إنّ الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم، ولقد دخل موسى بن عمران و معه أخوه هارون علیهما السلام على فرعون عليهما مدارع الصوف، و بأيديهما العصيّ، فشرطاله إن
أسلم بقاء ملكه و دوام عزّه، فقال: ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العزّ وبقاء الملك و هما بما ترون من حال الفقر والذلّ؟ فهلّا لُّقی عليهما أساورة من ذهب إعظاماً للذهب وجمعه، و احتقاراً للصوف و لبسه، ولو أرادالله سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان و معادن العقيان و مغارس الجنان و أن يحشر معهم طير السماء و وحوش الأرض لفعل، ولو فعل لسقط البلاء، وبطل الجزاء، واضمحلّ الأنباء، و لما وجب للقابلين اُجور المبتلين، ولا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنين.
1 - ل: محمّد بن عليّ بن إسماعيل، عن أبي القاسم بن منيع، عن شيبان بن فروخ، عن داودبن أبي الفرات، عن علباء بن أحمد، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: خطّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أربع خطط في الأرض وقال: أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله و رسوله أعلم، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : أفضل نساء الجنة أربع: خديجة بنت خويلد، و فاطمة بنت محمّد، و مريم بنت عمران، و آسیه بنت مزاحم امرأة فرعون. (1)
2 - فس: «وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه» قال: كتم إيمانه ستّمأئه سنة، قال: و كان مجذوماً مكنّعاً، و هو الّذي قد وقعت أصابعه، و كان يشير إلى قومه بيديه المكنوعتين و يقول: «ياقوم اتّبعوني أهدكم سبيل الرشاد». (2)
قوله: «فوقاه الله سيئات ما مكروا» يعنى مؤمن آل فرعون، فقال أبو عبد الله علیه السلام : و الله لقد قطعوه إرباً إرباً ولكن وقاه الله أن يفتنوه في دينه. (3)
3 - ص: حزبيل هومؤمن آل فرعون، أرسل فرعون رجلين في طلبه فانطلقا في طلبه
فوجداه قائماً يصلّي بين الجبال و الوحوش خلفه، فأرادا أن يعجّلاه عن صلاته، فأمر الله دابّة من تلك الوحوش كأنّها بعير أن تحول بينهما و بين المؤمن فطردتهما عنه حتّى قضى صلاته، فلمّا رآهما أوجس في نفسه خيفة وقال: «ياربّ أجرني من فرعون فإنّك إلهي، عليك توكّلت وبك آمنت، وإليك أنبت أسألك يا إلهي إن كان هذان الرجلان يريدان بي سوءاً فسلّط عليهما فرعون و عجّل ذلك، وإن هما أراداني بخير فاهدهما» فانطلقا حتّى دخلا على فرعون ليخبراه بالّذي عايناه، فقال أحدهما: ما الّذي نفعك أن يقتل، فكتم عليه فقال الآخر : وعزّة فرعون لا أكتم عليه و أخبر فرعون على رؤوس الناس بمارأى و كتم الآخر، فلمّا دخل حزبيل قال فرعون للرجلين: من ربّكما؟ قالا: أنت، فقال لحزبيل: و من ربّك؟ قال ربّي ربّهما، فظنّ فرعون أنّه يعينه فوقاه الله سيّئات ما مكروا و حاق بآل فرعون سوء العذاب، وسرّ فرعون و أمر بالأوّل فصلب فنجّی الله المؤمن و آمن الآخر بموسى علیه السلام حتّى قتل مع السحرة. (1)
سن: أبي عن عليّ بن النعمان، عن أيّوب بن الحرّ، عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله: «فوقاه الله سيئات مامكروا» قال: أما لقد سطوا عليه و قتلوه، ولكن أتدرون ما وقاه؟ وقاه أن يفتنوه في دينه. (2)
1 - فس: «وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعفكون على أصنام لهم» فإنّه لمّا غرق الله فرعون وأصحابه و عبر موسى و أصحابه البحر نظر أصحاب موسى إلى قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى: «يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة» فقال موسى: «إنّكم قوم تجهلون ٭ إنّ هؤلاء متبّرما هم فيه و باطلٌ ما كانوا يعملون ٭ قال أغيرالله أبغيكم إلهاً و هو فضّلكم على العالمين» إلى قوله: «وفي ذلكم بلاءٌ من ربّكم عظيم» و هو محكم. (1)
أقول: روى الثعلبيّ، عن محمّدبن قيس قال: جاء يهوديّ إلى عليّ بن أبي طالب علیه السلام فقال: يا أباالحسن ما صبرتم بعد نبيّكم إلّا خمساً و عشرين سنة حتّى قتل بعضكم بعضاً، قال: بلى ولكن ماجفّ أقدامكم من البحرحتّى قلتم: «يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة». (2)
1 - ن، ع: سأل الشاميّ أمير المؤمنين علیه السلام عن الثور ما باله غاض طرفه لا يرفع رأسه إلى السماء؟ قال: حياءً من الله عزّ و جلّ لمّا عبد قوم موسى العجل نكس رأسه. (1)
2 - فس: «فإنّا قدفتنا قومك» قال: اختبرناهم من بعدك «وأضلّهم السامريّ» قال: بالعجل الذي عبدوه، وكان سبب ذلك أنّ موسى علیه السلام لمّا وعده الله أن ينزل عليه التوارة والألواح إلى ثلاثين يوماً أخبر بنی إسرائيل بذلك، و ذهب إلى الميقات وخلّف هارون على قومه، فلمّا جاءت الثلاثون يوماً ولم يرجع موسى إليهم عصوا و أرادوا أن يقتلوا هارون قالوا: إنّ موسى كذبنا و هرب منّا، فجاءهم إبليس في صورة رجل فقال لهم: إنّ موسى قد هرب منكم و لا يرجع إليكم أبداً، فاجمعوا إلىّ حليّكم حتّى أتّخذ لكم إلهاً تعبدونه، وكان السامريّ على مقدّمة موسى يوم أغرق الله فرعون و أصحابه، فنظر إلى جبرئيل وكان على حيوان في صورة رمكة، وكانت كلّما وصعت حافرها على موضع من الأرض يتحرك ذلك الموضع، فنظرإليه السامريّ وكان خيار أصحاب موسى فاخذ التراب من حافررمكة
1) عيون الاخبار: 134؛ علل الشرائع: 198.
جبرئيل، وكان يتحرّك فصرّه في صّرّة، وكان عنده يفتخربه على بني إسرائيل، فلمّا جاءهم إبليس واتّخذوا العجل قال السامريّ: هات التراب الّذي معك، فجاء به السامريّ إبليس في جوف العجل، فلمّا وقع التراب في جوفه تحرّك و خار و نبت عليه الوبر و الشعر، فسجد له بنو إسرائيل، فكان عدد الّذين سجدوا سبعين ألفاً من بني إسرائيل، فقال لهم هارون كما حكى الله: «يا قوم إنما فتنتم به و إنّ ربّكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتّى يرجع الينا موسى» فهموا بهارون حتىّ هرب من بينهم و بقوا في ذلك حتّى ثمّ ميقات موسى أربعين ليلة، فلمّا كان يوم عشرة من ذي الحجّة أنزل الله عليه الألواح فيه التوارة و ما يحتاجون إليه من أحكام السير و القصص.
ثمّ أوحى الله إلى موسى «إنّا قد فتنّا قومك من بعدك وأضلّهم السامريّ» وعبدوا العجل وله خوار، فقال موسى علیه السلام : يا ربّ العجل من السامريّ فالخوار ممّن؟ قال: منّي يا موسى، أنا لمّا رأيتهم قد ولّوا عنّى إلى العجل أحببت أن أزيدهم فتنه، فرجع موسى كما حكى الله إلى قومه غضبان أسفاً قال: «يا قوم ألم يعدكم ربّكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحلّ عليكم غضب من ربّكم فأخلفتم موعدي» ثّم رمى بالألواح وأخذ بلحية أخيه هارون و رأسه يجرّه إليه فقال له: «ما منعك إذ رأيتهم ظلّوا ألّا تتّبعن أفعصيت أمري» فقال هارون كما حكى الله: «يبنؤم لا تأخذ بلحيتي و لا برأسى إنّي خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل و لم ترقب قولي» فقال له بنو إسرائيل، «ما أخلفنا موعدك بملكنا» قال: ما خالفناك ولكنّا حمّلنا أوزاراً من زينة القوم» يعني من حليّهم «فقذفناها» قال: التراب الذي جاء به السامري طرحناه في جوفة، ثمّ أخرج السامريّ العجل و له خوار فقال له موسى «ما خطبك يا سامريّ» قال السامري «بصرت بمالم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول» يعني من تحت حافر رمكة جبرئيل في البحر «فنبذتها» أي أمسكتها «وكذلك سوّلت لي نفسي» أي زيّنت فأخرج موسى العجل فأحرقه بالنار و ألقاه في البحر، ثم قال موسی
للسامري: «اذهب فإن لك في الحيوة أن تقول لامساس» يعني مادمت حيّاً و عقبك هذه العلامة فيكم قائمة أن تقول: لامساس حتّى تعرفوا أنّكم سامريّة فلا يغترّوا بكم الناس، فهم إلى الساعة بمصر والشام معروفين بلامساس، ثمّ همّ موسى بقتل السامري فأوحى الله إليه: لا تقتله يا موسى فإنّه سخّي، فقال له موسى: «انظر إلى إلهلك الّذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنّه ثم لننسفنّه في اليم نسفاً إنّما إلهكم الله الّذي لااله إله إلّا هو وسع كلّ شي علماً». (1)
أقول: يمكن أن يكون قوله : (التراب الذي) تفسيراً لقوله: «فكذلك ألقى السامري» و إن لم يذكر و هكذافسّر في عيون التفاسير.
ثمّ قال البيضاوي: «فأخرج لهم عجلاً جسداً» من تلك الحليّ المذابة «له خوار» صوت العجل «فقالوا» يعني السامري و من افتتن به: «هذا إلهكم وإله موسى فنسي» أي فنسيه موسى و ذهب يطلبه عند الطور، أوفنسي السامري، أي ترك ما كان عليه من إظهار الايمان «إنّما فتنتم به» أي بالعجل «عليه» أي على العجل و عبادته «عاكفين» مقيمين «أن لاتتّبعن» أي تتّبعني في الغضب لله و المقابلة مع من كفر به، أو أن تأتي عقبي و تلحقني و «لا مزيدة «أفعصيت أمري» بالصلابة في الدين و المحاماة عليه «قال يبنئومّ» خصّ الاُمّ استعطافاً و ترقيقاً؛ وقيل: لأنّه كان أخاه من الاُمّ والجمهور على أنّهما من أب و اُمّ «لا تأخذ بلحيتي و لا برأسي» أي بشعر رأسي، قبض عليهما يجرّ إليه من شدةّ غضبه لله «ولم ترقب قولي» حين قلت: اخلفني في قومي وأصلح «فما خطبك» أي ما طلبك له؟ و ما الّذي حملك عليه؟ قال: «بصرت بما لم يبصروا به» أي علمت مالم يعلموه، و فطنت بما لم يفطنوا به، و هو أنّ الرسول الّذي جاءك به روحاني محض لا يمسّ أثره شيئاً إلّا أحياه، أورأيت ما لم يروه و هو أنّ جبرئيل جاءك على فرس الحياة، قيل: إنّما عرفه لأنّ اُمة ألقته حين ولدته خوفاً من فرعون، و كان جبرئيل يغذّيه حتّى استقلّ! «فقبضت قبضة من أثر الرسول» من تربة
1) تفسير القمى: 420 - 422.
موطئة فنبذتها في الحليّ المذابة «وكذلك سوّلت لي نفسي» زيّنته و حسّنته لي. (1)
قوله: «لامساس» قال الطبرسيّ رحمه الله: اختلف في معناه فقيل: إنّه أمر الناس بأمرالله أن لا يخالطوه ولا يجالسوه ولا يؤاكلوه تضييقاً عليه و المعنى: لك أن تقول: لاأمس ولا أمس مادمت حيّاً؛ وقال ابن عباس: لك و لولدك والمساس فعال من المماسّة ومعنى لا مساس: لا يمسّ بعضنا بعضاً، فصار السامري يهيم في البرّيةّ مع الوحش والسباع لا يمسّ أحداً و لا يمسّه أحد، عاقبه الله تعالى بذلك، وكان إذا لقي أحداً يقول: «لامساس» أي لا تمسّني و لا تقربني، وصار ذلك عقوبة له ولولده حتّى أنّ بقاياهم اليوم يقولون ذلك و إن مسّ واحد من غيرهم واحداً منهم حمّ كلاهما في الوقت؛ وقيل: إنّ السامريّ خاف و هرب فجعل يهيم في البرّيّة لا يجد أحداً من الناس يمسّه حتّى صار لبعده عن الناس كالقائل لامساس، عن الجبّائي. (2)
3 - ج، يد، ن: في خبر ابن الجهم أنّه سأل المأمون الرضا علیه السلام عن معنى قوله عزّوجلّ: «ولمّا جاءموسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال رب أرني أنظرإليك قال تراني» الآية، كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران علیه السلام لايعلم أنّ الله تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتّى يسأله هذا السؤال؟ فقال الرضا علیه السلام : إنّ كليم الله موسى بن عمران علیه السلام علم الله أن تعالى عزّ عن أن يرى بالأبصار، ولكنّه لمّا كلّمه الله عزّوجلّ و قربّه نجيّاً رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ الله عزّوجلّ كلّمه و قربّه و ناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتّى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفاّ، ثمّ اختار منهم آلاف، ثمّ اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل وصعد موسى إلى الطور، وسأل الله عزّوجل أن يكلّمه ويسمعهم كلامه، فكلّمه الله تعالى ذكره و سمعوا كلامه من فوق و أسفل ويمين و شمال و وراء وأمام، لأنّ الله عزّوجلّ أحدثه في
الشجرة وجعله منبعثاً منها حتّى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن لك بأنّ هذا الذّي سمعناه كلام الله حتّى نرى الله جهرة، فلمّا قالوا هذا القول العظيم واستكبروا و عتوا بعث الله عزّوجلّ عليهم صاعقة فأخدتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى علیه السلام : ياربّ ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنّك ذهبت بهم فقتلتهم لأنّك لم تكن صادقاً فيما ادّعيت من مناجات الله عزّ وجلّ إياك؟ فأحياهم الله و بعثهم معه، فقالوا: إنّك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه لأجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حقّ معرفته فقال موسى علیه السلام : يا قوم إنّ الله لا يرى بالأبصار ولا كيفية له، وإنّما يعرف بآياته و يعلم بأعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتىّ تسأله، فقال موسى علیه السلام ، ياربّ إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل و أنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله عزّوجلّ: يا موسى اسألني ما سألوك فلن اُؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى علیه السلام : «ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه» و هو يهوي «فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل» بآية من آياته «جعله دكّاً وخرّ موسى صعقاً فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك» يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي «وأنا أوّل المؤمنين» منهم بأنّك لاترى. (1)
أقول: قد مضى الكلام في ذلك مفصّلاً في كتاب التوحيد.
4 - يب: باسناده عن الثمالي عن أبي جعفر علیه السلام أنّه قال: كان في وصيّة أمير المؤمنين علیه السلام أن أخرجوني إلى الظهر، فإذا تصوّبت أقدامكم واستقبلتكم ريح فادفنوني و هو أوّل طور سيناء. (2)
5 - ارشاد القلوب: روي عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال: الغريّ قطعة من الجبل الذّي كلّم الله عليه موسى تكليماً. (3)
6 - ير: أحمد بن محمّد السيّاري، عن عبيد بن أبي عبدالله الفارسيّ و غيره رفعوه إلى أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ الكرّوبيين قوم من شيعتنا من الخلق الأوّل جعلهم الله خلف العرش، لوقسّم نور واحد منهم على أهل الارض لكفاهم، ثمّ قال: إنّ موسى علیه السلام لمّا أن سأل ربّه ما سال أمر واحداً من الكروبيّين فتجلّي للجبل فجعله دكّاً. (1)
7 - ير: عليّ بن خالد، عن ابن يزيد، عن عبّاس الورّاق، عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان، عن ليث المراديّ، عن سدير قال: كنت عند أبي جعفر علیه السلام فمرّ بنا رجل ممن أهل اليمن فسأله أبو جعفر علیه السلام عن اليمن فأقبل يحدّث فقال له أبو جعفر علیه السلام : عن هل تعرف دار كذا وكذا؟ قال: نعم ورأيتها، قال: فقال له أبو جعفر علیه السلام : هل تعرف صخرة عندها في موضع کذا و كذا؟ قال: نعم و رأيتها، فقال الرجل: مارأيت رجلاٌ اعرف بالبلاد منك فلمّا قام الرجل قال لي أبو جعفر علیه السلام : يا أبالفضل تلك الصخرة الّتي غضب موسى فألقى الألواح، فما ذهب من التوراة التقمته الصخرة، فلمّا بعث الله رسوله أدّته إليه و هي عندنا. (2)
أقول: ستأتي الاخبار الكثيرة في كتاب الإمامة في أنّ عندهم التوراة و الألواح و الانجيل و سائر كتب الأنبياء.
8 - کا: محمّد بن يحيى، عن محمّدبن عبد الجبار، عن محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن النعمان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال لي: يا أبا محمّد إنّ الله لم يعط الأنبيا شيئاً إلّا وقد أعطاه محمّداً، وعندنا الصحف الّتي قال الله عزّوجلّ: «صحف إبراهيم و موسی» قلت: جعلت فداك هي الألواح؟ قال: نعم. (3)
9 - ير: أبو محمّد، عن عمران بن موسى البغداديّ، عن ابن أسباط، عن محمّد بن الفضيل، عن الثمالىّ، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ في الجفر: إنّ الله تبارك و تعالى لمّا أنزل
ألواح موسى علیه السلام أنزلها عليه و فيها تبيان كلّ شي و ماهو كائن إلى أن تقوم الساعة، فلمّا انقضت أيّام موسى أوحى الله إليه أن استودع الألواح - و هي زبرجدة من الجنة - الجبل فأتى موسى الجبل فانشقّ له الجبل فجعل فيه الألواح ملفوقه، فلمّا جعلها فيه انطبق الجبل عليها، فلم تزل في الجبل حتّى بعث الله نبيّه محمّداً صلی الله علیه و آله و سلم، فأقبل ركب من اليمن يريدون النبي صلی الله علیه و آله و سلم فلمّا انتهوا إلى الجبل انفرج وخرجت الألواح ملفوقه كما وضعها موسى علیه السلام ، فأخذها القوم فدفعوها إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم . (1)
أقول: تمامه في باب أنّ كتب الانبياء وآثارهم عند الأئمة علیهم السلام ، وسيأتي فيه أيضاً عن حبّة العرني، عن أمير المؤمنين علیه السلام أنّه قال: إنّ يوشع بن نون كان وصيّ موسى علیه السلام وكانت ألواح موسى من زمرّد أخضر، فلمّا غضب موسى علیه السلام ألقى الألواح من يده فمنها ما تكسّر و منها مابقي ومنها ما ارتفع فلمّا ذهب عن موسى الغضب قال: يوشع أعندك تبيان ما في الألواح؟ قال: نعم فلم يزل يتوارثها رهط من بعد رهط حتّي وصلت إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم و دفعها إلىّ.
10 - شی: عن أبي بصير، عن أبي جعفر علیه السلام في قول الله: «واُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم» قال: لمّا ناجى موسى علیه السلام ربّه أوحى الله إليه: أن يا موسى قد فتنت قومك، قال: وبماذا ياربّ؟ قال: بالسامريّ قال: وما فعل السامري؟ قال: صاغ لهم من حليّهم عجلاً قال: يارب إنّ حليّهم لتحتمل أن يصاغ منه غزال أو تمثال أو عجل، فكيف فتنتهم؟ قال: إنّه صاغ لهم عجلاً فخار، قال: يا ربّ و من أخاره؟ قال: أنا، فقال عندها موسى: «إنّ هي الّا فتنتك تضلّ بها من تشاء وتهدي من تشاء» قال: فلمّا انتهى موسى إلى قومه ورآهم يعبدون العجل ألقى الالواح من يده فتكسّرت، فقال أبو جعفر علیه السلام كان ينبغي أن يكون ذلك عند إخبار الله إيّاه قال: فعمد موسى فبرد العجل من أنفه إلى طرف ذنبه، ثمّ أحرقه بالنار فذرّه في اليمّ، قال:
1) بصائر الدرجات: 38.
فكان أحدهم ليقع في الماء و مابه إليه من حاجة فيتعرّض بذلك للرماد فيشربه و هو قول الله: «واُشربوافي قلوبهم العجل بكفرهم». (1)
شی: عن أبي بصير، عن أبي جعفر علیه السلام مثله إلى قوله: و تهدي من تشاء. (2)
11 - وفي رواية اُخرى: أنّ النار أحاطت به موسى لئلّا يهرب لهول ما رأي، وقال لمّا خرّ موسی صعقاً مات، فلمّا أن ردّالله روحه أفاق، فقال: سبحانك تبت إليك و أنا أوّل المؤمنين. (3)
12 - م: قوله عزّوجلّ: «و إذا أخذنا ميثاقكم و رفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوّة و اسمعوا قالوا سمعنا و عصينا و اُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين» قال الإمام علیه السلام : قال الله عزّوجلّ: اذكروا إذ فعلنا ذلك بأسلافكم لمّا أبو اقبول ما جاءهم به موسى علیه السلام من دين الله وأحكامه، و من الأمر بتفضيل محمّدو عليّ و خلفائهما على سائر الخلق «خذوا ما آتيناكم» قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم من هذه الفرائض بقوّة قد جعلناها لكم، ومكّنّاكم بها، و أزحنا عللكم في تركيبها فيكم «و اسمعوا» ما يقال لكم و تؤمرون به «قالوا سمعنا» قولك «و عصينا» أمرك، أي أنّهم عصوا بعده، و أضمروا في الحال أيضاً العصيان «و اُشربوا في قلوبهم العجل» اُمروا بشرب العجل الّذي كان قد ذرئت سحالته في الماء الّذي اُمروا بشربه ليبيّن لهم من عبده ممّن لم يعبده «بكفرهم» لأجل كفرهم اُمروا بذلك «قل» يا محمّد: «بئسما يأمركم به إيمانكم» بموسى كفركم بمحمّد و عليّ و أولياء الله من أهلهما «إن كنتم مؤمنين» بتوراة موسى، و لكن معاذ الله لا يأمركم إيمانكم بالتوراة الكفر بمحمّد و عليّ علیهما السلام .
قال الإمام علیه السلام : قال أمير المؤمنين علیه السلام : إنّ الله تعالى ذكّر بني إسرائيل في عصر محمّد صلی الله علیه و آله و سلم أحوال آبائهم الّذين كانوا في أيّام موسى علیه السلام كيف أخذ عنهم العهد والميثاق لمحمّد و عليّ و آلهما الطيّبين المنتجبين للخلافة على الخلائق و لأصحابهما و شيعتهما و سائر اُمّة محمّد عليه الصلاة والسلام.
فقال: «و إذ أخذنا ميثاقكم» اذكروا إذ أخذنا ميثاق آبائكم «و رفعنا فوقكم الطور» الجبل لمّا أبوا قبول ما اُريد منهم و الاعتراف به «خذوا ما آتيناكم» أعطيناكم «بقوّة» يعني بالقوة الّتي أعطيناكم تصلح لذلك «و اسمعوا» أي أطيعوا فيه «قالوا سمعنا» بآذاننا و عصينا بقلوبنا، فأمّا في الظاهر فأعطوا كلّهم الطاعة داخرين صاغرين، ثمّ قال: «و اُشربوا في قلوبهم العجل» عرضو الشرب العجل الّذي عبدوه حتّى وصل ما شربوا من ذلك إلى قلوبهم، وقال: إنّ بني إسرائيل لمّا رجع إليهم موسى و قد عبدوا العجل تلقّوه بالرجوع عن ذلك، فقال لهم موسى: من الّذي عبده منكم حتّى اُنفذ فيه حكم الله؟ خافوا حكم الله الّذي ينفذه فيهم فجحدوا أن يكونوا عبدوه، و جعل كلّ واحد منهم يقول: أنا لم أعبده و عبده غيري، و وشى بعضهم ببعض، فلذلك ما حكى الله عن موسى من قوله للسامريّ: «و انظر إلى إلهك الّذي ظلت عليه عاكفاً لنحرّقنّه ثمّ لننسفنّه في اليمّ نسفاً» فأمره الله فبرده بالمبارد أخذ سحالته فذرأها في البحر العذب، ثمّ قال لهم: اشربوا منه، فشربوا فكلّ من كان عبده اسودّ شفتاه و أنفه ممّن كان أبيض اللّون، و من كان منهم أسود اللّون ابيض شفتاه وأنفه فعند ذلك أنفذ فيهم حكم الله.
ثمّ قال الله تعالى للموجودين من بني إسرائيل في عصر محمّد صلی الله علیه و آله و سلم على لسانه: «قل» يا محمّد لهؤلاء المكذّبين بك بعد سماعهم ما اُخذ على أوائلهم لك و لأخيك عليّ و لآلكما و لشيعتكما «بئسما يأمركم به إيمانكم» أن تكفروا بمحمّد و تستخفّوا بحقّ عليّ و آله و شيعته «إن كنتم مؤمنين» كما تزعمون بموسى و التوراة.
قال علیه السلام : وذلك أنّ موسى علیه السلام كان وعد بني إسرائيل أنّه يأتيهم بكتاب من عند الله يشتمل على أوامره و نواهيه و حدوده و فرائضه بعد أن ينجّيهم الله من فرعون وقومه، فلمّا نجّاهم وصاروا بقرب الشام جاءهم بالكتاب من عند الله كما وعدهم، و كان فيه: إنّي لا أتقبّل عملاً ممّن لا يعظّم محمّداً و عليّاً و ألهما الطيّبين و لم يكرم أصحابهما ومحبّيهما حقّ تكريمهم، يا عبيد الله ألا فاشهدوا أنّ محمّداً خير خليقتي و أفضل بريّتي، و أنّ عليّاً أخوه و وصیّه و وارث علمه و خليفته في اُمّته و خير من يخلفه بعده، و أنّ آل محمّد أفضل آل النبييّن أصحاب محمّد أفضل صحابة المرسلين، و اُمّة محمّد خير الاُمم أجمعين.
فقال بنو إسرائيل: لا نقبل هذا يا موسى، هذا عظيم يثقل علينا، بل نقبل من هذه الشرائع ما يخفّ علينا، وإذا قبلناها قلنا: إنّ نبيّنا أفضل نبيّ، و آله أفضل آل، وصحابة أفضل صحابته، و نحن اُمّته أفضل من اُمّة محمّد، و لسنا نعترف بالفضل لقوم لا نراهم و لا نعرفهم، فأمر الله جبرئيل فقطع بجناح من أجنحته من جبل من جبال فلسطين على قدر معسكر موسى علیه السلام و كان طوله في عرضه فرسخاً في فرسخ، ثمّ جاء به فوقفه على رؤوسهم، وقال: إمّا أن تقبلوا ما أتاكم به موسى و إمّا وضعت عليكم الجبل فطحطحتكم تحته، فلحقهم من الجزع و الهلع ما يلحق أمثالهم ممّن قوبل بهذه المقابلة، فقالوا: يا موسى كيف نصنع؟ قال موسى: اسجدوا لله على جباهكم ثمّ عفّروا خدودكم اليمني ثمّ اليسرى في التراب، و قولوا: يا ربّنا سمعنا و أطعنا و قبلنا و اعترفنا و سلّمنا و رضينا، قال: ففعلوا هذا الّذي قال لهم موسى قولاً وفعلاً غير أنّ كثيراً منهم خالف قلبه ظاهر أفعاله و قال بقلبه: سمعنا و عصينا مخالفاً لما قال بلسانه؛ و عفّروا خدودهم اليمنى و ليس قصدهم التذلّل لله تعالى و الندم على ما كان منهم من الخلاف، ولكنّهم فعلوا ذلك ينظرون هل يقع عليهم الجبل أم لا، ثمّ عفّروا خدودهم اليسرى ينظرون كذلك، ولم يفعلوا ذلك كما اُمروا.
فقال جبرئيل لموسى علیه السلام : أما إنّ أكثرهم لله تعالى عاصون، و لكنّ الله تعالى أمرني أن
اُزيل عنهم هذا الجبل عند ظاهر اعترافهم في الدنيا فإنّ الله إنّما يطالبهم في الدنيا بظواهرهم لحقن دمائهم، وإيقاء الذمّة لهم، وإنّما أمرهم إلى الله في الآخرة يعذّبهم على عقودهم و ضمائرهم، فنظر القوم إلى الجبل و قد صار قطعتين: قطعة منه صارت لؤلؤة بيضاء فجعلت تصعد و ترقى حتّى خرقت المساوات و هم ينظرون إليها إلى أن صارت إلى حيث لا يلحقها أبصارهم، وقطعة صارت ناراً و وقعت على الأرض بحضرتهم فخرقتها و دخلتها و غابت عن عيونهم، فقالوا: ما هذان المفترقان من الجبل؟ فرق صعد لؤلؤاً و فرق انحطّ ناراً؟ قال لهم موسى: أمّا القطعة الّتي صعدت في الهواء فإنّها وصلت إلى السماء فخرقتها إلى أن لحقت بالجنّة فأضعفت أضعافاً كثيرة لا يعلم عددها إلّا الله، و أمر الله أن يبنى منها للمؤمنين بما في هذا الكتاب قصور و دور و منازل و مساكن مشتملة على أنواع النعمة الّتي وعدها المتّقين من عباده، من الأشجار و البساتين و الثمار و الحور الحسان والمخلّدين من الولدان كاللّا لي المنثورة، وسائر نعيم الجنّة وخيراتها، و أمّا القطعة الّتي انحطّت إلى الأرض فخرقتها ثمّ الّتي تليها إلى أن لحقت بجهنّم فأضعفت أضعافاً كثيرة، و أمر الله تعالى أن يبنى منها للكافرين بما في هذا الكتاب قصور و دور و مساكن و منازل مشتملة على أنواع العذاب الّتي وعدها الكافرين من عباده، من بحار نيرانها و حیاض غسلينها و غسّاقها وأودية قيحها و دمائها و صديدها و زبانيتها بمرزباتها وأشجار زقّومها وضريعها وحيّاتها وعقاربها و أفاعيها و قيودها وأغلالها وسلاسلها وأنكالها وسائر أنواع البلايا و العذاب المعدّفيها ثمّ قال محمّد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لبني إسرائيل: أفلا تخافون عقاب ربِّكم في جحدكم لهذه الفضائل الّتي اختصّ بها محمّداً و عليّاً و آلهما الطيّبين؟. (1)
13 - کش: خلف بن حامد، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي عمير، عن يحيى الحلبيّ، عن أيّوب بن الحرّ، عن بشير، عن أبي عبد الله علیه السلام ؛ و حدّثني ابن مسعود، عن الحسن بن
1) تفسير العسکری: 170 - 173.
عليّ ابن فضّال، عن العبّاس بن عامر، عن أبان بن عثمان، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله علیه السلام قالا: قلنا لأبي عبد الله علیه السلام : إنّ عبد الله بن عجلان مرض مرضه الّذي مات فيه، و كان يقول: إنّي لا أموت من مرضي هذا، فقال أبو عبد الله علیه السلام : أيهات أيهات أنّى ذهب ابن عجلان؟ لا عرّفه الله قبيحاً من عمله إنّ موسى بن عمران اختار من قومه سبعين رجلاً، فلمّا أخذتهم الرجفة كان موسى أوّل من قام منها، فقال: يا ربّ أصحابي، فقال: يا موسى إنّي اُبدلك منهم خيراً، قال: ربّ إنّي وجدت ريحهم و عرفت أسماءهم، قال ذلك ثلاثاً، فبعثهم الله أنبياء. (1)
شی: محمّد بن سالم بيّاع القصب، عن الحارث بن المغيرة مثله. و فيه: لا عرّفه الله شيئاً من ذنوبه، و فيه: إنّي اُبدلك بهم من هو خير لك منهم. (2)
شی: عن أبان بن عثمان، عن الحارث مثله إلّا أنّه ذكر: فلمّا أخذتهم الصاعقة و لم يذكر الرجفة. (3)
1 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ رجلاً من خيار بني إسرائيل وعلمائهم خطب امرأة منهم فأنعمت له، وخطبها ابن عمّ لذلك الرجل وكان فاسقاً رديئاً فلم ينعموا له، فحسد ابن عمّه الّذي أنعموا له فقعد له فقتله غيلة، ثمّ حمله إلى موسى علیه السلام ، فقال: يا نبيّ الله هذا ابن عمّي فقد قتل، فقال موسى علیه السلام : من قتله؟ قال: لا أدري، وكان القتل في بني إسرائيل عظيماً جدّاً، فعظم ذلك على موسى فاجتمع إليه بنو إسرائيل فقالوا: ماترى يانبيّ الله؟ وكان في بني إسرائيل رجل له بقرة وكان له ابن بارّ، وكان عند ابنه سلعة فجاء قوم يطلبون سلعته وكان مفتاح بيته تحت رأس أبيه وكان نائماً، وكره ابنه أن ينبّهه وينغّص عليه نومه فانصرف القوم فلم يشتروا سلعته، فلمّا انتبه أبوه قال له: يا بنيّ ماذا صنعت في سلعتك؟ قال: هي قائمة لم أبعها، لأنّ المفتاح كان تحت رأسك فكرهت أن اُنبّهك واُنغّص عليك نومك، قال له أبوه: قد جعلت هذه البقرة لك عوضاً عمّا فاتك من ربح سلعتك، وشكر الله لابنه ما فعل بأبيه وأمر موسى بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها، فلمّا اجتمعوا إلى موسى وبكوا وضجّوا قال لهم موسى: «إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة» فتعجّبوا وقالوا: «أتتّخذنا هزواً» نأتيك بقتيل فتقول: اذبحوا بقرة فقال لهم موسى: «أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين» فعلموا أنّهم قد أخطؤوا فقالوا: «ادع لنا ربّك يبيّن
لنا ماهي قال إنّه يقول إنّها بقرة لا فارض ولا بكر» والفارض الّتي قد ضربها الفحل ولم تحمل، والبكر الّتي لم يضربها الفحل، فقالوا: «ادع لنا ربّك يبيّن لنا ما لونها قال إنّه يقول إنّها بقرة صفراء فاقع لونها» أي شديدة الصفرة تسرّ الناظرين إليها «قالوا ادع لنا ربّك يبيّن لنا ماهي إنّ البقر تشابه علينا وإنّا إن شاء الله لمهتدون ٭ قال إنّه يقول إنّها بقرة لاذلول تثير الأرض» أي لم تذلل «ولا تسقي الحرث» أي لاتسقي الزرع «مسلّمة لاشية فيها» أي لانقطة فيها إلّا الصفرة «قالوا الآن جئت بالحقّ» هي بقرة فلان فذهبوا ليشتروها فقال: لا أبيعها إلّا بملء جلدها ذهباً، فرجعوا إلى موسى علیه السلام فأخبروه فقال لهم موسى: لابدّ لكم من ذبحها بعينها، فاشتروها بملء جلدها ذهباً فذبحوها، ثمّ قالوا: يا نبيّ الله ما تأمرنا؟ فأوحى الله تبارك و و تعالى إليه قل لهم اضربوه ببعضها وقولوا: من قتلك؟ فأخذوا الذنب فضربوه به وقالوا: من قتلك يا فلان؟ فقال: فلان ابن فلان ابن عمّي الّذي جاء به، وهو قوله: «فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلّكم تعقلون». (1)
أقول: المعنى الّذي ذكره عليّ بن إبراهيم للفارض لم أعثر عليه، ويمكن أن يكون كناية عن غاية كبرها حيث لا تحمل، والعوان: الوسط بين الصغيرة والكبيرة. قوله: «فاقع لونها» أي شديدة صفرة لونها؛ وقيل: خالص الصفرة؛ وقيل: حسن الصفرة.
وروى الكلينيُّ، عن عدّة من أصحابه، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن بعض أصحابه بلغ به جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر علیه السلام قال: من لبس نعلاً صفراء لم يزل ينظر في سرور مادامت عليه، لأنّ الله عزّوجلّ يقول: «صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين». (2)
قوله: «بقرة لاذلول» قال البيضاويّ: أي لم تذلل للكراب وسقي الحروث، و (لا) ذلك صفة لبقرة، بمعنى غير ذلول، و (لا) الثانية مزيدة لتأكيد الاُولى، والفعلان صفتا ذلول، كأنّه قيل: لاذلول مثيرة وساقية «مسلّمة» سلّمها الله من العيوب، أو أهلها من العمل، أو أخلص
لونها، من سلم له كذا: إذا خلص له «لاشية فيها» لا لون فيها يخالف لون جلدها، وهي في الأصل مصدر وشاه وشياً وشية إذا خلط بلونه لوناً آخر «وما كادوا يفعلون» لتطويلهم وكثرة مراجعتهم. (1)
وقال الطبرسيّ رحمه الله: أي قرب أن لا يفعلوا ذلك مخافة اشتهار فضيحة القاتل؛ وقيل: كادوا أن لا يفعلوا ذلك لغلاء ثمنها؛ فقد حكي عن ابن عبّاس أنّهم اشتروها بملء جلدها ذهباً من مال المقتول؛ وعن السدّيّ: بوزنها عشر مرّات ذهباً؛ وقال عكرمة: وما كان ثمنها إلّا ثلاثة دنانير. انتهى.
وقال البيضاويّ: ولعلّه تعالى إنّما لم يحيه ابتداءً وشرط فيه ما شرط لما فيه من التقرّب وأداء الواجب ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكّل والشفقة على الأولاد، و إنّ من حقّ الطالب أن يقدّم قربة، ومن حقّ المتقرّب أن يتحرّى الأحسن و يغالي بثمنه، وإنّ المؤثّر في الحقيقة هو الله تعالى والأسباب أمارات لا أثر لها، وإنّ من أراد أن يعرف أعدى عدوّه الساعي في إماتته الموت الحقيقيّ فطريقه أن يذبح بقرة نفسه الّتي هي القوّة الشهويّة حين زال عنها شره الصبا ولم يلحقها ضعف الكبر، وكانت معجبة رائقة المنظر، غير مذلّلة في طلب الدنيا، مسلّمة عن دنسها، لاسمة بها من مقابحها بحيث يصل أثره إلى نفسه فيحيى حياة طيّبة، ويعرب عمّا به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدار، والنزاع. (2)
2 - ص: بهذا الإسناد عن ابن عيسى، عن عليّ بن سيف، عن محمّد بن عبيدة، عن الرضا علیه السلام قال: إنّ بني إسرائيل شدّدوا فشدّد الله عليهم، قال لهم موسى علیه السلام : اذبحوا بقرة، قالوا: مالونها؟ فلم يزالوا شدّدوا حتّى ذبحوا بقرة بملء جلدها ذهباً. (3)
3 - شی: عن ابن محبوب، عن عليّ بن يقطين، قال: سمعت أبا الحسن علیه السلام يقول: إنّ الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة، و إنّما كانوا يحتاجون إلى ذنبها فشدّد الله عليهم. (4)
1 - فس: لمّا أخبر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قريشاً بخبر أصحاب الكهف قالوا: أخبرنا عن العالم الّذي أمر الله موسى أن يتّبعه و ما قصّته، فأنزل الله عزّوجلّ: «و إذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتّى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً» قال: وكان سبب ذلك أنّه لمّا كلّم الله موسى تكليماً و أنزل الله عليه الالواح وفيها كما قال الله: «وكتبنا له في الألواح من كلّ شي موعظة و تفصيلاً لكلّ شيّ» و رجع موسى إلى بني إسرائيل فصعد المنبر فأخبرهم أنّ الله قد أنزل عليه التوراة وكلّمه، قال في نفسه: ما خلق الله خلقاً أعلم منّي، فأوحى الله إلى جبرئيل: أدرك موسى فقد هلك، و أعلمه أنّ عند ملتقى البحرين عند الصخرة رجلٌ أعلم منك فصر إليه و تعلّم من علمه، فنزل جبرئيل على موسى علیه السلام و أخبره فذلّ موسى في نفسه و علم أنّه أخطأ و دخله الرعب، و قال لوصيّه يوشع: إنّ الله قد أمرني أن أتّبع رجلاً عند ملتقى البحرين و أتعلّم منه، فتزوّد يوشع حوتاً مملوحاً و خرجا، فلمّا خرجا و بلغا ذلك المكان وجدا رجلاً مستلقياً على قفاه فلم يعرفاه، فأخرج وصيّ موسى الحوت و غسله بالماء و وضعه على الصخرة و مضيا و نسيا الحوت، وكان ذلك الماء ماء الحيوان فحيي الحوت و
دخل في الماء فمضى موسى علیه السلام و يوشع معه حتّى عيبا، فقال لوصيّه: «آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً» أي عناءً، فذكر وصيّه السمكة فقال لموسى: إنّي نسيت الحوت على الصخرة، فقال موسى: ذلك الرجل الّذي رأيناه عند الصخرة هو الّذي نريده، فرجعا على آثارهما قصصاً إلى عند الرجل و هو في الصلاة، فقعد موسى حتّى فرغ عن الصلاة فسلّم عليهما.
فحدّثني محمّد بن عليّ بن بلال، عن يونس، قال: اختلف يونس و هشام بن إبراهيم في العالم الّذي أتاه موسى علیه السلام أيّهما كان أعلم؟ وهل يجوز أن يكون على موسى حجّة في وقته و هو حجّة الله على خلقه؟ فقال قاسم الصيقل: فكتبوا إلى أبي الحسن الرضا علیه السلام يسألونه عن ذلك، فكتب في الجواب: أتى موسى العالم فأصابه في جزيرة من جزائر البحر إمّا جالساً و إمّا متّكئاً، فسلّم عليه موسى فأنكر السلام إذ كان بأرض ليس بها سلام، فقال: من أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران، قال: أنت موسى بن عمران الّذي كلّمه الله تكليماً؟ قال: نعم، قال: فما حاجتك؟ قال: جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشداً، قال: إنّي وكلتُ بأمر لا تطيقه، و وكلت بأمر لا اُطيقه، ثمّ حدّثه العالم بما يصيب آل محمّد من البلاء حتّى اشتدّ بكاؤهما، ثمّ حدّثه عن فضل آل محمّد حتّى جعل موسى يقول: يا ليتني كنت من آل محمّد، و حتّى ذكر فلاناً و فلاناً و مبعث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إلى قومه، و ما يلقی منهم و من تكذيبهم إيّاه، و ذكر له تأويل هذه الآية: «و نقلّب أفئدتهم وأبصارهم كمالم يؤمنوا به أوّل مرّة» حين أخذ الميثاق عليهم فقال موسى: «هل أتّبعك على أن تعلّمن مما علّمت رشداً» فقال الخضر: «إنّك لن تستطيع معي صبراً و كيف تصبر على ما لم تحط به خبراً» فقال موسى: «ستجدني إن شاء الله صابراً و لا أعصي لك أمراً» قال الخضر: «فإنّ اتّبعتني فلا تسألني عن شيء حتّى اُحدث لك منه ذكراً» يقول: لاتسألني عن شيء أفعله و لا تنكره عليّ حتّى اُخبرك أنا بخبره، قال: نعم، فمرّوا ثلاثتهم حتّى انتهوا إلى ساحل البحر، و قد شحنت سفينة و هي تريد أن تعبر، فقال أرباب
السفينة: تحمل هؤلاء الثلاث نفر فإنّهم قوم صالحون، فحملوهم فلمّا جنحت السفينة في البحر قام الخضر إلى جوانب السفينة فكسّرها وحشاها بالخرق و الطين، فغضب موسى علیه السلام غضباً شديداً، و قال للخضر: «أخرفتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً» فقال له الخضر: «ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً» قال موسى: «لا تؤاخذني بما نسيت و لا ترهقني من أمري عسراً».
فخرجوا من السفينة فنظر الخضر إلى غلام يلعب بين الصبيان حسن الوجه كأنّه قعطة قمر، و في اُذنيه درّتان، فتأمّله الخضر ثمّ أخذه وقتله، فوثب موسى إلى الخضر و جلد به الأرض فقال: «أقتلت نفساً زكيّة بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً» فقال الخضر له: «ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي» صبراً قال موسى: «لئن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذراً» فانطلقا حتّى إذا أتيا بالعشيّ قرية تسمّى الناصرة. و إليها تنسب النصارى و لم يضيّفوا أحداً قطّ ولم يطعموا غريباً، فاستطعموهم فلم يطعموهم و لم يضيّفوهم، فنظر الخضر علیه السلام إلى حائط قد زال لينهدم، فوضع الخضر يده عليه، وقال: قم بإذن الله فقام، فقال موسى علیه السلام: لم ينبغ أن تقيم الجدار حتّى يطعمونا و يؤوونا و هو قوله: «لو شئت لتّخذت عليه أجراً» فقال له الخضر علیه السلام : «هذا فراق بيني و بينك ساُنبّئك بتأويل مالم تستطع عليه صبراً» أمّا السفينة الّتي فعلت بها ما فعلت فإنّها كانت لقوم مساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراء السفينة ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصباً. كذا نزلت، وإذا كانت السفينة معيوبة لم يأخذ منها شيئاً.
«و أمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين» و طبع كافراً، كذا نزلت، فنظرت إلى جبينه و عليه مكتوب: طبع كافراً «فخشينا أن يرهقهما طغياناً و كفراً فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيراً منه زكوةً و أقرب رحماً» فأبدل الله والديه بنتاً ولدت سبعين نبيّاً.
«و أمّا الجدار، الّذي أقمته «فكان لغلامين يتيمين في المدينة و كان تحته كنز لهما وكان
أبوهما صالحاً فأراد ربّك أن يبلغا أشدّهما» إلى قوله: «ذلك تأويل مالم تسطع عليه صبراً». (1)
أقول: قال البيضاويّ: وقيل: البحران موسی و خضر علیهما السلام ، فإنّ موسى كان بحر علم الظاهر و خضر كان بحر علم الباطن، وقال في قوله: «أو أمضي حقباً»: أو أسير زماناً طويلاً، و المعنى: حتّى يقع إمّا بلوغ المجمع أو مضيّ الحقب أو حتّى أبلغ إلى أن أمضي زماناً أتيقّن معه فوات المجمع، والحقب: الدهر؛ وقيل: ثمانون سنة، وقيل: سبعون.
و روي أنّ موسى خطب الناس بعد هلاك القبط و دخوله المصر خطبةً بليغة فأعجب بها فقيل له: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ فقال: لا، فأوحى الله إليه بلى عبدنا الخضر و هو بمجمع البحرين، وكان الخضر في أيّام إفريدون، وكان على مقدّمة ذي القرنين الأكبر، و بقي إلى أيّام موسى، وقيل: إنّ موسى سأل ربّه: أيّ عبادك أحبّ إليك؟ فقال: الّذي يذكرني و لا ينساني، قال: فأيّ عبادك أقضى؟ قال: الّذي يقضي بالحقّ ولا يتّبع الهوى، قال: فأيّ عبادك أعلم؟ قال: الّذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى أو تردّه عن ردى، قال: إن كان في عبادك أعلم منّي فادللني عليه، قال: أعلم منك الخضر، قال أين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة قال: كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتاً في مكتلك، فحيث فقدته فهو هناك، فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني، فذهبا يمشيان «فلمّا بلغا مجمع بينهما» أي مجمع البحرين و (بينها) ظرف اُضيف إليه على الاتّساع، أو بمعنى الوصل «نسيا حوتهما» نسي موسى أن يطلبه و يتعرّف حاله، و يوشع أن يذكر له ما رأى من حياته و وقوعه في البحر.
وروي أنّ موسى رقد فاضطرب الحوت المشويّ و وثب في البحر معجزة لموسى أو الخضر؛ وقيل: توضّأ يوشع من عين الحياة فانتضح الماء عليه فعاش و وثب في الماء؛ وقيل: نسيا تفقّد أمره و ما يكون منه أمارة على الظفر بالمطلوب «فاتّخذ سبيله في البحر سرباً»
1) تفسير القمی: 398 - 401.
فاتّخذ الحوت طريقه في البحر مسلكاً من قوله: «و سارب بالنهار» و قيل: أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه «فلمّا جاوزا» مجمع البحرين «قال لفتاه آتنا غداءنا ما نتغدّى به «لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً» قيل: لم ينصب حتّى جاوز الموعد فلمّا جاوزه و سار اللّيلة و الغد إلى الظهر اُلقي عليه الجوع و النصب؛ وقيل: لم يعي موسى في سفر غيره، و يؤيّده التقييد باسم الإشارة «قال أرأيت» ما دهاني «إذ أوينا إلى الصخرة» يعني الصخرة الّتي رقد عندها موسى؛ و قيل: هي الصخرة الّتي دون نهر الزيت «فإنّي نسيت الحوت» فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت منه «و ما أنسانيه إلّا الشيطان أن أذكره» أي و ما أنساني ذكره إلّا الشيطان، و لعلّه نسي ذلك لا نجذاب شراشره إلى جناب القدس، و إنّما نسبه إلى الشيطان هضماً لنفسه، أو لأنّ عدم احتمال القوّة للجانبين و اشتغالها بأحدهما عن الآخر يعدّ من نقصان «واتّخذ سبيله في البحر عجباً» سبيلاً عجباً وهو كوفه كالسرب؛ أو اتّخاذاً عجباً، والمفعول الثاني هو الظرف؛ و قيل: هو مصدر فعله المضمر، أي قال يوشع في آخر كلامه أو موسى في جوابه: عجباً، تعجّباً في تلك الحال و قيل: الفعل لموسى، أي اتّخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجباً، «قال ذلك» أي أمر الحوت «ما كنّا نبغ» نطلب لأنّه أمارة المطلوب «فارتدّا على آثارهما» فرجعا في الطريق الّذي جاء فيه «قصصاً» أي يتّبعان آثارهما اتّباعاً، أو مقتصّين حتّى أتيا الصخرة «فوجد عبداً من عبادنا» الجمهور على أنّه الخضر و اسمه بلیابن ملکان؛ و قیل: الیسع و قيل: إلياس «آتيناه رحمة من عندنا» هي الوحي و النبوة «وعلّمناه من لدنّا علماً» ممّا يختصّ بنا و لا يعلم إلّا بتوفيقنا و هو علم الغيوب «ممّا علّمت رشداً» علماً ذارشد، و لا ينافي نبوّته و كونه صاحب شريعة أن يتعلّم من غيره مالم يكن شرطاً في أبواب الدين فإنّ الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممّن اُرسل إليه فيما بعث به من اُصول الدين و فروعه لا مطلقاً «وكيف تصبر على مالم تحط به خبراً» أي كيف تصبر و أنت نبيّ عى ما أتولّى من اُمور ظواهرها منا كير و بواطنها لم يحط بها خبرك «حتّى إذا ركبا في
السفينة خرقها» أخذ الخضر فأساً فخرق السفينة بأن قطع لوحين من ألواحها «لقد جئت شيئاً إمراً» أتيت أمراً عظيماً من أمر الأمر: إذا عظم «قال لا تؤاخذني بما نسيت» بالّذي نسيته أو بشیء نسيته، يعني وصيّته بأن لا يعترض عليه، أو بنسياني إيّاها، و هو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها؛ وقيل: أراد بالنسيان الترك، أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيّتك أوّل مرّة؛ وقيل: إنّه من معاريض الكلام، و المراد شيء آخر نسيه «و لا ترهقني من أمري عسراً» و لا تغشني عسراً من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسيّ فإنّ ذلك يعسّر عليّ متابعتك «فانطلقا» أي بعد ما خرجا من السفينة «حتّى إذالقيا غلاماً فقتله» قيل: فتل عنقه؛ وقيل: ضرب برأسه الحائط؛ و قيل: أضجعه فذبحه و الفاء للدلالة على أنّه لمّا لقيه قتله من غير تروّ و استكشاف حال و لذلك قال: «أقتلت نفساً زكيّة بغير نفس» أي طاهرة من الذنوب «شيئاً نكراً» أي منكراً «قد بلغت من لدنّي عذراً» أي قد وجدت عذراً من قبلي لمّا خالفتك ثلاث مرّات.
و عن رسول الله: رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك، لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب.
قوله: «أهل قرية» قرية أنطاكية؛ وقيل اُبلّة بصرة؛ وقيل: باجروان إرمينة و أضافه وضيّفه: أنزله « يريد أن ينقضّ» يداني أن يسقط، فاستعيرت الإرادة للمشارفة «فأقامه» بعمارته، أو بعمود عمده به؛ وقيل: مسحه بیده فقام؛ و قیل: نقضه و بناه، قال: «لو شئت لتّخذت عليه أجراً» تحريصاً علي أخذ الجعل لينتعشا به، أو تعريض بأنّه فضول لما في (لو) من النفي، كأنّه لما رأى الحرمان و مساس الحاجة و اشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه «فكانت المساكين» لمحاويج و هو دليل على أنّ المسكين يطلق على من يملك شيئاً إذا لم يكفه؛ وقيل: سمّوا مساكين لعجزهم عن دفع الملك أو لزمانتهم فإنّها كانت لعشرة إخوة: خمسة زمنى و خمسة يعملون في البحر «فأردت أن أعيبها» أجعلها ذات عیب «و كان
وراءهم ملك» قدّامهم أو خلفهم وكان رجوعهم عليه، وقرئ: «كلّ سفينة صالحة غصباً».
«أن يرهقها» أن يغشاهما «طغياناً و كفراً» لنعمتهما بعقوقه فيلحقهما شرّا، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان و طاغ كافر، أو يعدّيهما بعلّته فيرتدّا بإضلاله او بمالاته على طغيانه وكفره حبّاً «أن يبدلهما ربّهما» أن يرزقهما بدله ولداً «خيراً منه زكوة» طهارة من الذنوب و الأخلاق الرديئة «و أقرب رحماً» رحمة و عطفاً على والديه: قيل: ولدت لهما جارية فتزوّجها نبيّ فولدت نبيّاً هدى الله به اُمّة من الاُمم «الغلامين يتيمين» قيل: اسمهما أصرم و صريم «و كان تحته كنزٌ لهما» من ذهب أو فضّة، روي ذلك مرفوعاً؛ وقيل: من كتب العلم؛ وقيل: كان لوحاً من ذهب مكتوب فيه: عجب لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟! و عجب لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب؟! و عجب لمن يؤمن بالموت كيف يفرح؟! و عجب لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل؟! و عجب لمن يعرف الدنيا و تقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها؟! لا إله إلّا الله محمّد رسول الله. انتهى. (1)
قوله علیه السلام : (إمّا جالساً و إمّا متكّئاً) أي قد و قد؛ أو إشارة إلى اختلاف الرواية بين المخالفين، وكون الترديد من الراوي بعيد، قوله: (حين أخذ الميثاق) تأويل لقوله: (أوّل مرّة).
قوله: (و طبع كافراً) قال الطبرسيّ رحمة الله: روي عن اُبيّ و ابن عبّاس أنّهما كانا يقرءان: و أمّا الغلام فكان كافراً و أبواه مؤمنين، روي ذلك عن أبي عبدالله علیه السلام. (2)
2 - فس: أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال: كان ذلك الكنز لوحاً من ذهب فيه مكتوب: بسم الله لا إله إلّا الله محمّد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم عجبت لمن يعلم أنّ الموت حقّ كيف يفرح؟! عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يفرق؟! عجبت لمن يذكر النار كيف يضحك؟! عجبت لمن يرى الدنيا و تصرّف أهلها حالاً بعد حال كيف يطمئنُّ إليها.
3 - و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر علیه السلام في قوله: «و إذ قال موسى لفتاه» و هو يوشع بن نون، و قوله: «لا أبرح» يقول: لا أزال «حتّى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً» و الحقب: ثمانون سنة. وقوله: «لقد جئت شيئاً إمراً» هو المنكر، و كان موسى ينكر الظلم، فأعظم ما رأی. (1)
4 - ع: سمعت أبا جعفر محمّد بن عبدالله طيفور الدامغانيّ الواعظ بفرغانة يقول في خرق الخضر علیه السلام السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدران: تلك إشارات من الله تعالى لموسى علیه السلام و تعريضات إلى ما يريده من تذكيره لمنن سابقة الله عزّوجلّ نبّهه عليها و على مقدارها من الفضل، ذكّره بخرق السفينة أنّه حفظه في الماء حين ألقته اُمّه في التابوت وألقت التابوت في اليمّ و هو طفل ضعيف لا قوّة له، فأراد بذلك أنّ الّذي حفظك في التابوت الملقی في اليمّ هو الّذي يحفظهم في السفينة، و أمّا قتل الغلام فإنّه كان قد قتل رجلاً في الله عزّوجلّ، و كانت تلك زلّة عظيمة عند من لم يعلم أنّ موسى علیه السلام نبيٌّ، فذكّره بذلك منّة عليه حين دفع عنه كيد من أراد قتله به؛ و أمّا إقامة الجدار من غير أجر فإن الله عزّوجلّ ذكّره بذلك فضله فيما أتاه في ابنتي شعيب حين سقى لهما و هو جائع و لم يبتغ على ذلك أجراً مع حاجته إلى الطعام، فنبّهه الله عزّوجلّ على ذلك ليكون شاكراً مسروراً؛ و أمّا قول الخضر لموسى علیه السلام : «هذا فراق بيني و بينك» فإنّ ذلك كان من جهة موسى علیه السلام حيث قال: «إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني» فموسى علیه السلام هو الّذي حكم بالمفارقة لمّا قال له: «فلا تصاحبني» و إنّ موسى علیه السلام اختار سبعين رجلاً من قومه لميقات ربّه فلم يصبروا بعد سماع كلام الله عزّوجلّ حتّى تجاوزوا الحدّ بقولهم: «لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة» فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا، و لو اختارهم الله عزّوجلّ لعصمهم، و لما اختار من يعلم منه تجاوز الحدّ. فإذا لم يصلح موسى علیه السلام للاختيار مع فضله و محلّه فكيف تصلح الاُمّة لاختيار
1) تفسير القمى: 401.
الإمام بآرائها؟ وكيف يصلحون لاستنباط الأحكام و استخراجها بعقولهم الناقصة و آرائهم المتفاوتة و هممهم المتباينة وإراداتهم المختلفة؟! تعالى الله عن الرضى باختيارهم علوّاً كبيراً، وأفعال أمير المؤمنين علیه السلام مثلها مثل أفاعيل الخضر و هي حكمة وصواب و إن جهل الناس وجه الحكمة و الصواب فيها. (1)
5 - ع: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين ابن علوان، عن الأعمش، عن عباية الأسديّ قال: كان عبدالله بن العبّاس جالساً على شفير زمزم يحدّث الناس، فلمّا فرغ من حديثه أتاه رجل فسلّم عليه، ثمّ قال: يا عبدالله إنّي رجل من أهل الشام، فقال: أعوان كلّ ظالم إلّا من عصم الله منكم، سل عمّا بدالك، فقال: يا عبدالله بن عبّاس إنّي جئتك أسألك عمّن قتله عليّ بن أبي طالب من أهل لا إله إلّا الله لم يكفروا بصلاة ولا بحجّ ولا بصوم شهر رمضان ولا بزكاة، فقال له عبدالله: ثكلتك اُمّك، سل عمّا يعنيك ودع مالا يعنيك، فقال: ما جئتك أضرب إليك من حمص للحجّ ولا للعمرة، و لكنّي أتيتك لتشرح لي أمر عليّ بن أبي طالب و فعاله، فقال له: ويلك إنّ علم العالم صعب لا يحتمله ولا تقرُّ به القلوب الصدئة، اُخبرك أنّ عليّ بن أبي طالب علیهما السلام كان مثله في هذه الاُمّة كمثل موسى و العالم علیه السلام ، و ذلك أنّ الله تبارك و تعالى قال في كتابه: «يا موسى إنّي اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ٭ وكتبنا له في الألواح من كلّ شيء موعظة وتفصيلاً لكلّ شيء» فكان موسى يرى أنّ جميع الأشياء قد اُثبتت له، كما ترون أنتم أنّ علماءكم قد أثبتوا جميع الأشياء. فلمّا انتهى موسى إلى ساحل البحر فلقي العالم فاستنطق بموسى ليضلّ علمه ولم يحسده كما حسدتم أنتم عليّ بن أبي طالب و أنكرتم فضله، فقال له موسى علیه السلام : «هل أتّبعك على أن تعلّمني ممّا علّمت رشداً» فعلم العالم أنّ موسى لا يطيق بصحبته و لا يصبر على علمه فقال له: «إنّك لن تستطيع معي صبراً
1) علل الشرائع : 32 - 33.
٭ و كيف تصبر على مالم تحط به خبراً» فقال له موسى: «ستجدني إن شاء الله صابراًو لا أعصي لك أمراً» فعلم العالم أنّ موسى لا يصبر على علمه فقال: «فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيء حتّى اُحدث لك منه ذكراً» قال: فركبا في السفينة فخرقها العالم، وكان خرقها لله عزّ وجلّ رضىً و سخطاً لموسى، و لقي الغلام فقتله فكان قتله لله عزّوجلّ رضىً و سخطاً لموسى، وأقام الجدار فكانت إقامته لله عزّوجلّ رضىً و سخطاً لموسى، كذلك كان عليّ بن أبي طالب علیه السلام لم يقتل إلّا من كان قتله لله عزّوجلّ رضىً و لأهل الجهالة من الناس سخطاً. (1)
6 - لى: ابن البرقيّ، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ابراهيم ابن محمّد الأشعريّ، عن أبان بن عبدالملك، عن الصادق جعفر بن محمّد علیه السلام قال: إنّ موسى بن عمران علیه السلام حين أراد أن يفارق الخضر علیه السلام قال له: أوصني، فكان ممّا أوصاه أن قال له: إيّاك و اللّجاجة، أو أن تمشي في غير حاجة، أو أن تضحك من عير عجب، و اذكر خطيئتك، و إيّاك و خطايا الناس. (2)
7 - مع: ابن الوليد، عن محمّد العطّار، عن الأشعريّ، عن الحسن بن عليّ رفعه إلى عمروبن جميع رفعه إلى عليّ علیه السلام في قوله الله عزّوجلّ: «و كان تحته كنز لهما» قال: كان ذلك الكنز لوحاً من ذهب فيه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، عجبت لمن يعلم أنّ الموت حقّ كيف يفرح؟! عجبت لمن يؤمن: لقدر كيف يحزن؟! عجبت لمن يذكر النار كيف يضحك؟! عجبت لمن يرى الدنيا و تصرّف أهلها حالاً بعد حال كيف يطمئنّ إليها ؟! (3)
8 - كا: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن شريف بن سابق، أو رجل
عن شريف، عن الفضل بن أبي قرّة، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا أقام العالم الجدار أوحى الله تبارك و تعالى إلى موسى علیه السلام إنّي مجازي الأبناء بسعي الآباء، إن خيراً فخير و إن شرّاً فشرّ، لا تزنوا فتزني نساؤكم، و من وطىء فراش امرء مسلم وطُیء فراشه ،كما تدين تدان. (1)
9 - فس: أبي، عن يوسف بن أبي حمّاد، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لمّا اُسري برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إلى السماء وجد ريحاً مثل ريح المسك الأذفر، فسأل جبرئيل عنها فأخبره أنّها تخرج من بيت عذّب فيه قوم في الله حتّى ماتوا، ثمّ قال له: إنّ الخضر كان من أبناء الملوك فآمن بالله و تخلّى في بيت في دار أبيه يعبد الله، ولم يكن لأبيه ولد غيره، فأشاروا على أبيه أن يزوّجه فلعلّ الله أن يرزقه ولداً فيكون الملك فيه و في عقبه، فخطّب له امرأة بكراً و أدخلها عليه فلم يلتفت الخضر إليها، فلمّا كان اليوم الثاني قال لها: تكتمين عليّ أمري؟ فقالت: نعم، قال لها: إن سألك أبي هل كان منّي إليك ما يكون من الرجال إلى النساء فقولي: نعم، فقالت: أفعل فسألها الملك عن ذلك فقالت: نعم، و أشار عليه النساء أن يأمر الناس أن يفتّشنها، فأمر فكانت على حالتها، فقالوا: أيّها الملك زوّجت الغرّ من الغرّة، زوجّه امرأة ثيّباً، فزوَّجه، فلمّا اُدخلت عليه سألها الخضر أن تكتم عليه أمره، فقالت: نعم، فلمّا أن سألها الملك قالت: أیّها الملك إنّ ابنك امرأة فهل تلد المرأة من المرأة؟! فغضب عليه فأمر بردم الباب علیه فردم، فلمّا كان اليوم الثالث حرَّ كته رقّة الآباء فأمر بفتح الباب ففتح فلم يجدوه فيه، و أعطاه الله من القوّة أن يتصوّر كيف ساء، ثمّ كان على مقدّمة ذي القرنين، و شرب من الماء الّذي من شرب منه بقي إلى الصيحة، قال: فخرج من مدينة أبيه رجلان في تجارة في البحر حتّى وقعا إلى جزيرة من جزائر البحر، فوجدا فيها الخضر قائماً يصلّي، فلمّا انفتل دعاهما فسألهما عن خبرهما فأخبراه، فقال لهما: هل تكتمان عليّ أمري إن أنا رددتكما في يومكما هذا إلى
1) فروع الكافى 2 : 73 و 74.
منازلكما؟ فقالا: نعم، فنوى أحدهما أن يكتم أمره، و نوى الآخر إن ردّه إلى منزله أخبر أباه بخبره، فدعا الخضر سحابة فقال لها: احملي هذين إلى منازلهما، فحملتهما السحابة حتّى وضعتهما في بلدهما من يومهما، فكتم أحدهما أمره، و ذهب الآخر إلى الملك فأخبره بخبره فقال له الملك: من يشهد لك بذلك؟ قال: فلان التاجر، فدلّ على صاحبه، فبعث الملك إليه فلمّا أحضروه أنكره وأنكر معرفة صاحبه، فقال له الأوّل: أيّها الملك ابعث معي خيلاً إلى هذه الجزيرة و احبس هذا حتّى آتيك بابنك، فبعث معه خيلاً فلم يجدوه، فأطلق عن الرجل الّذي كتم عليه.
ثمّ إنّ القوم عملوا بالمعاصي فأهلكهم الله وجعل مدينتهم عاليها سافلها، و ابتدرت الجارية الّتي كتمت عليه أمره و الرجل الّذي كتم عليه كلّ واحد منهما ناحية من المدينة؛ فلمّا أصبحا التقيا فأخبر كلّ واحد منهما صاحبه بخبره، فقالا: ما نجونا إلّا بذلك، فآمنا بربّ الخضر، و حسن إيمانهما و تزوّج بها الرجل، ووقعا إلى مملكة ملك آخر و توصّلت المرأة إلى بيت الملك، وكانت تزيّن بنت الملك فبينا هي تمشطها يوماً إذ سقط من يدها المشط فقالت: لا حول و لا قوّة إلّا بالله، فقالت لها بنت الملك: ما هذه الكلمة؟ فقالت لها: إنّ لي إلهاً تجري الاُمور كلّها بحوله وقوّته، فقالت لها: ألك إله غير أبي؟ فقالت: نعم و هو إلهك و إله أبيك، فدخلت بنت الملك إلى أبيها فأخبرت أباها بما سمعت من هذه المرأة، فدعاها الملك فسألها عن خبرها فأخبرته، فقال لها: من على دينك؟ قالت: زوجي و ولدي، فدعاهم الملك و أمرهم بالرجوع عن التوحيد فأبوا عليه، فدعا بمرجل منماه فسخّنه و ألقاهم فيه و أدخلهم بيتاً و هدم عليهم البيت، فقال جبرئيل لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : فهذه الرائحة الّتي تشمّها من ذلك البيت. (1)
10 - ك: المظفّر العلويّ، عن ابن العيّاشيّ، عن أبيه، عن جعفر بن أحمد، عن ابن فضّال،
1) تفسير القمى: 403 - 405.
عن الرضا علیه السلام قال: إنّ الخضر شرب من ماء الحياة فهو حيّ لا يموت حتّى ينفخ في الصور، وإنّه ليأتينا فيسلّم علينا فنسمع صوته و لانرى شخصه، وإنّه ليحضر حيث ذكر، فمن ذكره منكم فليسلّم عليه، وإنّه ليحضر المواسم فيقضي جميع المناسك و يقف بعرفة فيؤمّن على دعاء المؤمنين، و سيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته، ويصل به وحدته. (1)
11- ك: بهذا الإسناد عن الرضا علیه السلام قال: لمّا قبض رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم جاء الخضر فوقف على باب البيت و فيه عليّ وفاطمة والحسن والحسين علیهم السلام ، و رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قد سجّي بثوب فقال: السلام عليكم يا أهل البيت كلّ نفس ذائقة الموت وإنّما توفّون اُجوركم القيامة، إنّ في الله خلفاً من كلّ هالك، و عزاءً من كلّ مصيبة، و دركاً من كلّ فائت فتوكّلوا عليه و ثقوا به، و استغفروا الله لي و لكم فقال أمير المؤمنين علیه السلام : هذا أخي الخضر جاء يعزّيكم بنبيّكم. (2)
أقول: قد أوردنا بعض أخباره في باب أحوال ذي القرنين.
12 - كا: العدّة عن أحمد بن محمّد، عن أحمدبن أبي داود، عن عبدالله بن أبان، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: مسجد السهلة مناخ الراكب، قيل: و من الراكب؟ قال: الخضر علیه السلام. (3)
13 - شی: عن أبي حمزة، عن أبي جعفر علیه السلام قال: كان وصيُّ موسى بن عمران يوشع ابن نون، و هو فتاه الّذي ذكره الله في كتابه. (4)
14 - شی: عن ليث بن سليم، عن أبي جعفر علیه السلام قال: شكا موسى إلى ربّه الجوع في ثلاثة مواضع: «آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً؛ لتّحذت عليه أجراً؛ ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقير». (5)
15 - شی: عن محمّد بن عمر، عن رجل، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ الله ليحفظ ولد المؤمن إلى ألف سنة، و إنّ الغلامين كان بينهما و بين أبويهما سبعمائة سنة. (1)
16 - شی: عن عثمان، عن رجل، عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله: «فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيراً منه زكوةً و أقرب رحماً» قال: ولدت لهما جارية فولدت غلاماً فكان نبيّاً. (2)
17 - شی: عن أبي يحيى الواسطيّ رفعه إلى أحدهما في قول الله: «و أمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين» إلى قوله: « و أقرب رحماً» قال أبدلهما مكان الابن بنتاً فولدت سبعين نبيّاً. (3)
18 - وروى الديلميّ في كتاب أعلام الدين عن أبي أمامة أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله سلم قال ذات يوم لأصحابه: ألا اُحدّثكم عن الخضر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: بينا هو يمشي في سوق من أسواق بني إسرائيل إذ بصر به مسكين فقال: تصدّق عليّ بارك الله فيك، قال الخضر: آمنت بالله، ما يقضي الله يكون، ما عندي من شيء اُعطيكه، قال المسكين: بوجه الله لمّا تصدّقت عليّ إنّي رأيت الخير في وجهك و رجوت الخير عندك، قال الخضر: آمنت بالله إنّك سألتني بأمر عظيم ما عندي من شيء اُعطيكه إلّا أن تأخذني فتبيعني، قال المسكين: و هل يستقيم هذا؟ قال: الحقّ أقول لك إنّك سألتني بأمر عظيم. سألتني بوجه ربّي عزّوجلّ، أما إنّي لا اُخيّبك في مسألتني بوجه ربّي فبعني، فقدّمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشتري ز لا يستعمله في شيء، فقال الخضر علیه السلام : إنّما ابتعتني التماس خدمتي فمرني بعمل، قال: إنّي أكره أن أشقّ عليك إنّك شيخ كبير، قال: لست تشقُّ عليّ، قال: فقم فانقل هذه الحجارة - قال: وكان لا ينقلها دون ستّة نفر في يوم - فقام فنقل الحجارة في ساعته فقال له: أحسنت و أجملت و أطقت مالم يطقه أحد قال: ثمّ عرض للرجل سفر فقال: إنّي أحسبك أميناً فاخلفني في أهلي خلافة حسنة، و إنّي أكره أن أشقّ عليك، قال: لست تشقّ
عليّ، قال: فاضرب من اللّبن شيئاً حتّى أرجع إليك، قال: فخرج الرجل لسفره و رجع و قد شيّد بناءه، فقال له الرجل: أسألك بوجه الله ما حسبك و ما أمرك؟ قال: إنّك سألتني بأمر عظیم بوجه الله عزّوجلّ، و وجه الله عزّوجلّ أوقعني في العبوديّة وساُخبرك من أنا، أنا الخضر الّذي سمعت به، سألني مسكين صدقة و لم يكن عندي شيء اُعطيه، فسألني بوجه الله عزّوجلّ فأمكنته من رقبتي، فباعني فاُخبرك أنّه من سئل بوجه الله عزّوجلّ فردّ سائله و هو قادر على ذلك وقف يوم القيامة ليس لوجهه جلد و لا لحم ولادم إلّا عظم يتقعقع، قال الرجل: شققت عليك و لم أعرفك قال: لا بأس اُبقيت و أحسنت، قال: بأبي أنت و اُمّي احكم في أهلي و مالي بما أراك الله عزّوجلّ، أم اُخيّرك فاُخلّي سبيلك؟ قال: أحبّ إليّ أن تخلّي سبيلي فأعبد الله على سبيله، فقال الخضر علیه السلام : الحمد الله الّذي أوقعني في العبوديّة فأنجاني منها. (1)
1) أعلام الدين مخطوط.
1 - لی: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستانيّ، عن أبي جعفر الباقر علیه السلام قال: إنّ في التوراة مكتوباً: يا موسى إنّي خلقتك و اصطنعتك و قوّيتك و أمرتك بطاعتي و نهيتك عن معصيتي، فإنّ أطعتني أعنتك على طاعتي، و إن عصيتني لم اُعنك على معصيتي، يا موسى ولي المنّة عليك في طاعتك لي، ولي الحجّة عليك في معصيتك لي. (1)
2 - لی: حمزة العلويّ، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستانيّ، عن أبي جعفر الباقر علیه السلام قال: في التوراة مكتوب فيما ناجى الله عزّوجلّ به موسی به عمران علیه السلام : يا موسى خلفني في سرّ أمرك أحفظك من وراء عورتك، و اذكرني في خلواتك و عند سرور لذّاتك أذكرك عند غفلاتك، و املك غضبك عمّن ملّكتك عليه أكفّ عنك غضبي، واكتم مكنون سرّي في سريرتك، و أظهر في علانيتك المداراة عنّي
1) امالی الصدوق: 185 - 186.
لعدوّي و عدوّك من خلقي، ولا تستسب لي عندهم بإظهارك مكنون سرّي فتشرك عدوّك و عدوّي في سبّي. (1)
جا: أحمدبن الوليد، عن أبيه، عن الصفّار، عن ابن معروف، عن ابن مهزیار، عن ابن محبوب مثله. (2)
ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ابن المتوكّل، عن الحميريّ، عن محمّدبن الحسين، عن ابن محبوب إلى قوله: من خلقي، يا موسى إنّي خلقتك و اصطفيتك و قوّيتك و أمرتك بطاعتي، و نهيتك عن معصيتي، فإن أنت أطعتني أعنتك على طاعتي، و إن أنت عصيتني لم اُعنك على معصيتي ولي عليك المنّة في طاعتك، ولي عليك الحجّة في معصيتك إيّاي، وقال: قال موسى: يا ربّ من يسكن حظيرة القدس؟ قال: الّذين لم ترأعينهم الزنى، و لم يخالط أموالهم الربى، و لم يأخذوا في حكمهم الرشی، وقدقال:ياموسى لا تستذلَّ الفقير، و لا تغبط الغنيّ بالشيء اليسير. (3)
3 - لی: أبي عن سعد، عن ابن أبي الخطّاب، عن محمّدبن سنان، عن المفضّل قال: سمعت مولاي الصادق علیه السلام يقول: كان فيما ناجى الله عزّوجلّ به موسی به عمران علیه السلام أن قال له: يا ابن عمران كذب من زعم أنّه يحبّني فإذا جنّه اللّيل نام عنّي، أليس كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه؟ ها أناذا يا ابن عمران مطّلع على أحبّائي إذا جهنّم اللّيل حوّلت أبصارهم من قلوبهم، و مثّلت عقوبتي بين أعينهم، يخاطبوني عن المشاهدة، و يكلّموني عن الحضور، يا ابن عمران هب لي من قلبك الخشوع و من بدنك الخضوع، و من عينيك الدموع في ظلم اللّيل، وادعني فإنّك تجدني قريباً مجيباً. (4)
4- لی: بإسناده عن الحسن بن عليّ علیه السلام قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم
و ساق الحديث الطويل إلى أن قال - قال اليهوديّ فأخبرني عن خمسة أشياء مكتوبات في التوراة - و ساقه إلى أن قال - فقال النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم : أوّل ما في التوراة مكتوب: محمّد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و هي بالعبرانيّة طاب، ثمَّ تلا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم هذه الآية: «يجدونه مكتوباً عندهم في التورية والإنجيل، و مبشّراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد» و في السطر الثاني اسم وصبّي عليّ بن أبي طالب، و في الثالث والرابع سبطيّ الحسن و الحسين، و في السطر الخامس اُمّهما فاطمة سيّدة نساء العالمين، و في التوراة اسم وصيّي إليا، و اسم السبطين شبّر و شبير و همانورا فاطمة. قال اليهوديّ: صدقت يا محمّد. (1)
5 - ف: مناجاة الله عزّوجلّ لموسٰى بن عمران علیه السلام : یا موسى لا تطل في الدنيا أملك فيقسو قلبك، و قاسي القلب منّي بعيد، أمت قلبك بالخشية، و كن خلق الثياب، جديد القلب، تخفى على أهل الأرض و تعرف بين أهل السماء، وصح إليّ من كثرة الذنوب صياح الهارب من عدوّه، و استعن بي على ذلك فإنّي نعم المستعان. يا موسى إنّي أنا الله فوق العباد و العباد دوني و كلّ لي داخرون، فاتّهم نفسك على نفسك، و لا تأمن ولدك على دينك إلّا أن يكون ولدك مثلك يحبّ الصالحين. يا موسى اغسل و اغتسل و اقترب من عبادي الصالحين يا موسى كن إمامهم في صلاتهم و فيما يتشاجرون، و احكم بينهم بالحقّ بما أنزلت عليك، فقد أنزلته حكماً بيّناً، و برهاناً نيّراً، و نوراً ينطق بما في الأوّلين و بما هو كائن في الآخرين. يا موسى اُوصيك وصيّة الشفيق المشفق بابن البتول عيسى بن مريم صاحب الأتان و البرنس و الزيت و الزيتون و المحراب، و من بعده بصاحب الجمل الأحمر الطيّب الطاهر المطهّر، فمثله في كتابك أنّه مؤمن مهيمن على الكتب، و أنّه راكع ساجد راغب راهب إخوانه المساكين، و أنصاره قوم آخرون، وسيكون في زمانه أزل و زلازل و قتل، اسمه أحمد و محمّد الأمين من الباقين الأوّلين، يؤمن بالكتب كلّها، ويصدّق جميع المرسلين، اُمّته مرحومة مباركة، لهم
1) امالی الصدوق: 115 - 116.
ساعات موقّتات يؤدنّون - بالصلوات. فبه صدّق فإنّه أخوك. يا موسى إنّه أميني و هو عبد صدق مبارك له فيما وضع يده عليه، ويبارك عليه، كذلك كان في علمي، وكذلك خلقته، به أفتح الساعة، و باُمّته أختم مفاتيح الدنيا، فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا اسمه و لا يخذلو . سم لفاعلون، وحبّه لي حسنة، وأنا معه و أنا من حزبه و هو من حزبي و حزبي هم الغالبون. يا موسى أنت عبدي و أنا إلهك، لا تستذلَّ الحقير الفقير، و لا تغبط الغنيّ بشيء يسير، وكن عند ذكري خاشعاً، وعند تلاوة رحمني طامعاً، فأسمعني لذاذة التوراة بصوت خاشع حزين، اطمئنّ عند ذكري، و اعبدني ولا تشرك بي، إنّي أنا السيّد الكبير، إنّي خلفتك من نطفة من ماء مهين من طينة أخرجتها من أرض ذليلة ممسوحة فكانت بشراً فأناصانعها خلقاً، فتبارك وجهي، و تقدّس صنعي، ليس كمثلي شيء، و أنا الحيّ الدائم لا أزول. يا موسى كن إذا دعوتني خائفاً مشفقاً رجلاً، و ناجني حين تناجيني بخشية من قلب وجل، وأحي بتوراتي أيّام الحياة، و أعلم الجاهلين محامدي، و ذكّرهم آلائي و نعمي، و قل لهم: لا يتمادون في غيّ ما هم فيه، فإنّ أخذي أليمٌ شديدٌ.
يا موسى إن انقطع حبك منّي لم يتّصل بحبل غيري، فاعبدني و قم بين يديّ مقام العبد الحقير، ذمّ نفسك و هي أولى بالذّم، ولا تتطاول على بني إسرائيل بكتابي، فكفى بهذا واعظاً لقلبك و منيراً، و هو كلام ربّ العالمين جلّ و تعالى.
يا موسى متى ما دعوتني وجدتنی، فإنّي سأغفرلك على ما كان منك، السماء تسبّح لي وجلاً، و الملائكة من مخافتي مشفقون، و أرضي تسبّح لي طمعاً، و كلّ الخلق يسبّحون لي داخرين، ثمّ عليك بالصلاة فإنّها منّي بمكان، و لها عندي عهد و ثيق، و ألحق بها ما منها زكاة القربان من طيّب المال و الطعام فإنّي لا أقبل إلّا الطيّب يراد به وجهي، اقرن مع ذلك صلة الأرحام، فإنّي أنا الله الرحمن الرحيم، و الرحم إنّي خلقتها فضلاً من رحمتي ليتعاطف بها العباد و لها عندي سلطان في معاد الآخرة، و أنا قاطع من قطعها، و واصل من وصلها، و
كذلك أفعل بمن ضيّع أمري.
يا موسى أكرم السائل إذا أتاك بردّ جميل أو إعطاء يسير، فإنّه يأتيك من ليس بإنس و لا جانّ، ملائكة الرحمن يبلونك كيف أنت صانع فيما أوليتك، وكيف مواساتك فيما خوّلتك، فاخشع لي بالتضرّع، واهتف بولولة الكتاب، و العلم أنّي أدعوك دعاء السيّد مملوكه ليبلغ به شرف المنازل، وذلك من فضلي عليك و على آبائك الأوّلين.
يا موسى لا تنسني على كلّ حال، و لا تفرح بكثرة المال فإنّ نسياني يقسي القلوب و مع كثرة المال كثرة الذنوب، الأرض مطيعة، و السماء مطيعة، و البحار مطيعة، فمن عصاني شقي، فأنا الرحمن رحمن كلّ زمان، آتي بالشدّة بعد الرخاء، و بالرخاء بعد الشدّة، و بالملوك بعد الملوك ، و ملكي قائم دائم لا يزول، و لا يخفى عليّ شيء في الأرض ولا في السماء، وكيف يخفى عليّ ما منّي مبتدؤه؟! وكيف لا يكون همّك فيما عندي و إليّ ترجع لا محالة؟!
یا موسى اجعلني حرزك، وضع عندي كنزك من الصالحات، وخفني و لا تخف غيري إليّ المصير.
يا موسى عجّل التوبة، و أخّر الذنب، و تأنّ في المكث بين يديّ في الصلاة، و لا ترج غيري، اتّخذني جنّة للشدائد، و حصناً لملمّات الاُمور.
یا موسی نافس في الخير أهله، فإنّ الخير كاسمه، ودع الشرّ لكلّ مفتون.
يا موسى اجعل لسانك من وراء قلبك تسلم، و أكثر ذكري باللّيل والنهار تغنم. و لا تتّبع الخطايا فتندم، فإنّ الخطايا موعدها النار. يا موسى أطب الكلام لأهل الترك للذنوب، و كن لهم جليساً، واتّخذهم لغيبك إخواناً، وجد معهم يجدون معك.
يا موسى ما اُريد به وجهي فكثير قليله، و ما اُريد به غيري فقليل كثيره، و إنّ أصلح أيّامك الّذي هو أمامك، فانظر أيّ يوم هو فأعدّ له الجواب فإنّك موقوف و مسؤول، وخذ موعظتك من الدهر و أهله فإنّ الدهر طويله قصير، و قصيره طويل، و كلّ شيء فان،
فاعمل كأنّك ترى ثواب عملك لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة، فإنّ ما بقي من الدنيا كما ولّى منها، وكلّ عامل يعمل على بصيرة و مثال، فكن مرتاداً لنفسك. يا ابن عمران لعلّك تفوز غداً يوم السؤال، و هنالك يخسر المبطلون.
يا موسى طب نفساً عن الدنيا و انطو عنها، فإنّها ليست لك و لست لها، مالك ولدار الظالمين إلّا لعامل فيها بخير فإنّها له نعم الدار.
يا موسى الدنيا و أهلها فتن بعضها لبعض، فكلُّ مزيّن له ما هو فيه، و المؤمن زيّنت له الآخرة فهو ينظر إليها ما يفتر؛ قد حالت شهوتها بينه و بين لذّة العيش فأدلجته بالأسحار كفعل الراكب السابق إلى غايته، يظلّ كئيباً، ويمسي حزيناً، فطوبى له، لو قد كشف الغطاء ماذا يعاين من السرور؟!
يا موسى إذا رأيت الغنى مقبلاً فقل: ذنب عجّلت عقوبته، و إذا رأيت الفقر مقبلاً فقل: مرحباً بشعار الصالحين، و لا تكن جبّاراً ظلوماً، و لا تكن للظالمين قريناً.
يا موسى ما عمر و إن طال ما يذمّ آخره، و ما ضرَّك ما زوي عنك إذا حمدت مغبّته.
يا موسى صرخ الكتاب إليك صراخاً بما أنت إليه صائر، فكيف ترقد على هذا العيون أم كيف يجد قوم لذّة العيش لو لا التمادي في الغفلة و التتابع في الشهوات، و من دون هذا جزع الصدّيقون؟!
ياموسى مر عبادي يدعوني على ماكان بعد أن يقرّوا بي إنّي أرحم الراحمين، اُجيب المضطرّين و أكشف السوء، واُبدّل الزمان، و آتي بالرخاء و أشكر اليسير، و اُثيب الكثير، واُغني الفقير، و أنا الدائم العزير القدير، فمن لجأ إليك و انضوى إليك من الخاطئين فقل: أهلاً و سهلاً بأرجب الفناء نزلت، بفناء ربّ العالمين، واستغفر لهم و كن كأحدهم، و لا تستطل عليهم بما أنا اُعطيتك فضله، و قل لهم: فليسألوني من فضلي و رحمتي فإنّه لا يملكها أحد غيري، و أنا ذو الفضل العظيم، كهف الخاطئين، وجليس المضطرّين، و مستغفر للمذنبين،
إنّك منّي بالمكان الرضيّ، فادعني بالقلب النقيّ، و اللّسان الصادق، و كن كما أمرتك، أطع أمري، و لا تستطل على عبادي بما ليس منك مبتدؤه، و تقرّب إليَّ فإنّي منك قريب، فإنّي لم أسألك ما يؤذيك ثقله ولا حمله، إنّما سألتك أن تدعوني فاُجيبك و أن تسألني فاُعطيك، و أن تتقرّب بما منّي أخذت تأويله و عليّ تمام تنزيله.
يا موسى انظر إلى الأرض فإنّها عن قريب قبرك، وارفع عينيك إلى السماء فإنّ فوقك فيها ملكاً عظيماً، وابك على نفسك ما كنت في الدنيا، و تخوّف العطب و المهالك و لا تغرّنّك زينة الدنيا و زهرتها، ولا ترض بالظلم و لا تكن ظالماً فإنّي للظالم بمرصد حتّى اُديل منه المظلوم.
يا موسى إنّ الحسنة عشرة أضعاف، و من السيّئة الواحدة الهلاك، لا تشرك بي، لا يحلُّ لك أن تشرك بي، قارب و سدّد، ادع دعاء الطامع الراغب فيما عندي، النادم على ما قدّمت یداه، فإنّ سواد اللّيل يمحوه النهار، كذلك السيّئة تمحوها الحسنة، و عشوة اللّيل تأتي على ضوء النهار، و كذلك السيّئة تأتي على الحسنة فتسوّدها. (1)
كا: عليُّ بن ابراهيم عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن عليّ بن عيسى رفعه قال: إنّ موسى علیه السلام ناجاه الله تبارك و تعالى فقال في مناجاته: يا موسى لا تطوّل في الدنيا أملك و ذكر نحوه مع زيادات ستأتي مع شرحها في كتاب الروضة. (2)
6 - ل: القطّان، عن أحمد الهمدانيّ، عن عليّ بن الحسن بن فضّال، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن ثابت بن أبي صفيّة، عن سعد الخفّاف، عن الأصبغ بن نباتة قال: أمير المؤمنين علیه السلام : قال الله تبارك و تعالى لموسى علیه السلام : ياموسى احفظ وصيّتي لك بأربعة أشياء: اُولاهنّ: ما دمت لاترى ذنوبك تغفر فلا تشتغل بعيوب غيرك، و الثانية: مادمت لاتری کنوزي قد نفدت فلا تغتمَّ بسبب رزقك، و الثالثة: ما دمت لاترى زوال ملكي فلا
ترج أحداً غيري، والرابعة: ما دمت لاترى الشيطان ميّتاً فلا تأمن مكره. (1)
ضه: عنه علیه السلام مثله. (2)
7 - ن: بالأسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه علیهم السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : إنّ موسى علیه السلام سأل ربّه عزّوجلّ فقال: يا ربّ اجعلني من اُمّة محمّد، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى إنّك لا تصل إلى ذلك. (3)
8 - ما:ما المفيد، عن ابن قولويه، عن الكلينيّ، عن عليّ بن ابراهيم، عن اليقطينيّ عن يونس، عن محمّدبن زياد، عن رفاعة قال: سمعت أبا عبدالله يقول: أربع في التوراة و إلى جنبهنّ أربع: من أصبح على الدنيا حزيناً فقد أصبح على ربّه ساخطاً، و من أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنّما يشكو ربّه، و من أتى غنيّاً فتضعضع له ليصيب من دنياه فقد ذهب ثلثا دينه، و من دخل النار ممّن قرأ القرآن فإنّما هو ممّن كان يتّخذ آيات الله هزواً. و الأربع الّتي إلى جنبهنّ: كما تدين تدان، و من ملك استأثر، و من لم يستشر ندم، و الفقر هو الموت الأكبر. (4)
جا: أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفّار، عن ابن معروف، عن ابن مهزیار، عن رفاعة مثله. (5)
9 - ثو: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن الوصّافيّ، عن أبي جعفر علیه السلام قال: كان فيما ناجى الله به موسى علیه السلام على الطور: أن يا موسى أبلغ قومك أنّه ما يتقرّب إليّ المتقرّبون بمثل البكاء من خشيتي، و ما تعبد لي المتعبّدون بمثل الورع عن محارمي، و ما تزيّن لي المتزينّون بمثل الزهد في الدنيا عمّا بهم الغنى عنه، قال، فقال
موسى: يا أكرم الأكرمين فماذا أثبتهم على ذلك؟ فقال: يا موسى أمّا المتقرّبون إليّ بالبكاء من خشيتي فهم في الرفيق الأعلى لا يشركهم فيه أحد، و أمّا المتعبّدون لي بالورع عن محارمي فإنّي اُفتّش الناس عن أعمالهم ولا اُفتّشهم حياءً منهم، و أمّا المتقرّبون إليّ بالزهد في الدنيا فإنّي اُبيحهم الجنّة بحذافيرها يتبوَّؤون منها حيث يشاؤون. (1)
10 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن أبي بصير، عن أبي عبدالله صاحب السابريّ، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: أوحى الله تعالى إلى موسى علیه السلام يا موسى اشكرني حقّ شكري، فقال: يا ربّ كيف أشكرك حقّ شكرك و ليس من شكر أشكرك به إلّا و أنت أنعمت به عليّ؟ قال: يا موسى شكرتني حقّ شكري حين علمت أنّ ذلك منّي. (2)
11 - كا: عليّ، عن أبيه، عن الإصبهانيّ، عن المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن الصادق علیه السلام قال: بينا موسى بن عمران يعظ أصحابه إذقام رجل فشقّ قميصه، فأوحى الله عزّوجلّ إليه: يا موسى قل له: لا تشقّ قميصك، و لكن اشرح لي عن قلبك. ثمّ قال: مرّ موسى بن عمران برجل من أصحابه و هو ساجد فانصرف من حاجته و هو ساجد على حاله، فقال له موسى: لو كانت حاجتك بيدي لقضيتها لك، فأوحى الله عزّوجلّ إليه: يا موسى لو سجد حتّى ينقطع عنقه ما قبلته حتّى يتحوّل عمّا أكره إلى ما اُحبّ. (3)
12 - ص: بهذا الإسناد، عن ابن أبي عمير، عن أبي عليّ، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر علیه السلام قل: أوحى الله تعالى إلى موسى علیه السلام : إنّ من عبادي من يتقرّب إليّ بالحسنة فاُحكّمه في الجنّة، قال: و ما تلك الحسنة؟ قال: يمشي في حاجة مؤمن. (4)
13 -كا: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن إسحاق ابن عمّار
قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام إنّ في التوراة مكتوباً: ابن آدم! اذكرني حين تغضب أذكرك عند غضبي فلا أمحقك فيمن أمحق، فإذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري لك فإنّ انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك. (1)
1) اصول الكافى 304/2.
1 - يب: ذكر أحمد بن محمّدبن داود القميّ رحمه الله في نوادره قال: روى محمّد ابن عيسى، عن أخيه جعفربن عيسى، عن خالدبن سدير أخي حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجل شقّ ثوبه على أبيه أو اُمّه أو على أخيه أو على قريب له، فقال: لا بأس بشقّ الثوب قد شقّ موسى بن عمران على أخيه هارون علیه السلام . (1)
2 - يب: أخبرنی الشيخ عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن حريز، عن محمّدبن مسلم، عن أحدهما علیهما السلام قال: الغسل في سبعة عشر موطناً - وساق الحديث إلى أن قال - و ليلة إحدى و عشرين، أي من شهر رمضان، و هي رمضان، و هي اللّيلة الّتي اُصيب فيها أوصياء الأنبياء، و فيها رفع عیسی بن مریم علیه السلام و قبض موسی علیه السلام . (2)
3 - ك، لى: القطّان، عن السكّريّ، عن الجوهريّ، عن ابن عمارة، عن أبيه قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد علیه السلام : أخبرني بوفاة موسى بن عمران علیه السلام ، فقال له: إنّه لمّا أتاه أجله
و استوفى مدّته وانقطع أكله أتاه ملك الموت فقال له: السلام عليك يا كليم الله، فقال موسى: و عليك السلام من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، قال: ماالّذي جاء بك؟ قال: جئت لأقبض روحك، فقال له موسى علیه السلام : من أين تقبض روحی؟ قال: من فمك، قال له موسى علیه السلام : كيف و قد كلّمت ربّي جلّ جلاله؟ قال: فمن يديك، قال: كيف و قد حملت بهما التوراة؟ قال: فمن رجليك، قال: كيف و قد وطئت بهما طور سيناء؟ قال: فمن عينيك، قال: كيف و لم تزل إلى ربّي بالرجاء ممدودة؟ قال: فمن اُذنيك، قال: وكيف و قد سمعت بهما كلام ربّي جلّ و عزّ؟ قال: فأوحى الله تبارك و تعالى إلى ملك الموت: لا تقبض روحه حتّى يكون هو الّذي يريد ذلك، وخرج ملك الموت فمكث موسى ما شاء الله أن يمكث بعد ذلك، و دعا يوشع بن نون فأوصى إليه وأمره بكتمان أمره و بأن يوصي بعده إلى من يقوم بالأمر، و غاب موسى علیه السلام عن قومه فمرّ في غيبته برجل و هو يحفر قبراً، فقال له: ألااُعينك على حفر هذا القبر؟ فقال له الرجل: بلى، فأعانه حتّى حفر القبر و سوّى اللّحد، ثمّ اضطجع فيه موسى بن عمران علیه السلام لينظر كيف هو، فكشف له عن الغطاء فرأى مكانه من الجنّة، فقال: يا ربّ اقبضني إليك، فقبض ملك الموت روحه مكانه، و دفنه في القبر، وسوّى عليه التراب، وكان الّذي يحفر القبر الملك في صورة آدميّ، وكان ذلك في التيه، فصاح صائح من السماء: مات موسى كليم الله، فأيّ نفس لا تموت؟
فحدّثني أبي، عن جدّي، عن أبيه علیهم السلام أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم سئل عن قبر موسى علیه السلام أين هو؟ فقال: عند الطريق الأعظم، عند الكثيب الأحمر.
ثمّ إنّ يوشع بن نون قام بالأمر بعد موسى صابراً من الطواغيت على اللأوّاء والضرّاء و الجهد والبلاء حتّى مضى منهم ثلاثة طواغيت فقوي بعدهم أمره، فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى بصفراء بنت شعيب امرأة موسى علیه السلام في مائة ألف رجل فقاتلوا يوشع بن نون فغلبهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وهزم الباقين بإذن الله تعالى ذكره و أسر سفراء بنت
شعيب، و قال لها: قد عفوت عنك في الدنيا إلى أن فلقی نبيّ الله موسى فأشكو مالقيت منك و من قومك، فقالت صفراء: واويلاه، و الله لو اُبيحت لي الجنّة لاستحييت أن أرى فيها رسول الله و قد هتکت حجابه و خرجت على وصیّه بعده. (1)
أقول: لم يكن في «لي» ثم إنّ يوشع إلى آخر مانقلنا، ولكن نقلناه عن «ك» و له تتمّة سيأتي في أبواب أحوال داود علیه السلام.
ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن القطّان، عن السكّريّ، عن الجوهريّ، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن الصادق علیه السلام قال: إنّ يوشع بن نون قام بالأمر؛ إلى آخر الخبر. (2)
4 - ك: عليّ بن أحمد الدقّاق، عن حمزة بن القاسم، عن عليّ بن الجنيد الرازيّ، عن أبي عوانة، عن الحسين بن عليّ، عن عبدالرزّاق، عن أبيه، عن مينا مولى عبدالرحمن ابن عوف، عن عبدالله بن مسعود قال: قلت للنبيّ علیه السلام : يا رسول الله من يغسّلك إذامتّ؟ فقال: يغسّل كلّ نبيّ وصيّه، قلت: فمن وصيّك يا رسول الله؟ قال: عليّ بن أبي طالب، فقلت: كم يعيش بعدك يا رسول الله؟ قال: ثلاثين سنة، فإنّ يوشع بن نون وصيّ موسى عاش من بعده ثلاثين سنة، و خرجت عليه صفراء بنت شعيب زوج موسى فقالت: أنا أحقّ بالأمر منك، فقاتلها فقتل مقاتلتها وأسرها فأحسن أسرها، وإنّ ابنة أبي بكر ستخرج على عليّ في كذا وكذا ألفاً من اُمّتى فيقاتلها فيتقل مقاتلتها و يأسرها فيحسن أسرها، وفيها أنزل الله تعالى: «و قرن في بيوتكنّ ولا تبرّجن تبرّج الجاهليّة الاُولى» يعني صفراء بنت شعيب. (3)
5 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال موسى علیه السلام لهارون علیه السلام : امض بنا إلى جبل طور سيناء، ثمّ خرجا فإذا بيت على بابه شجرة عليها ثوبان، فقال موسى لهارون: اطرح ثيابك و
ادخل هذا البيت و البس هاتين الحلّتين و نم على السرير، ففعل هارون فلمّا أن نام على السرير قبضه الله إليه، و ارتفع البيت و الشجرة، و رجع موسى إلى بني إسرائيل فأعلمهم أنّ الله قبض هارون و رفعه إليه فقالوا: كذبت أتت قتلته، فشكا موسى علیه السلام ذلك إلى ربِّه، فأمر الله تعالى الملائكة فأنزلته على سرير بين السماء و الأرض حتّى رأته بنو إسرائيل فعلموا أنّه مات.
6 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن محمّد العطّار، عن ابن أبان ،عن ابن اُورمة بإسناده إلى أبي جعفر علیه السلام قال: إنّ امرأة موسى علیه السلام خرجت على يوشع ابن نون راكبة زرافة، فكان لها أوّل النهار و له آخر النهار فظفر بها، فأشار عليه بعض من حضره بما لا ينبغي فيها، فقال: أبعد مضاجعة موسى لها؟ و لكن أحفظه فيها. (1)
7 - ك: أبي، عن أحمدبن إدريس و محمّدبن يحيى معاً عن الأشعريّ، عن محمّدبن يوسف التميميّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه علیهم السلام عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم قال: عاش موسى مائة و ستاً و عشرين سنة، و عاش هارون علیه السلام مائة و ثلاثة وثلاثين سنة. (2)
8 - صفوة الصفات للكفعميّ: روي عن الباقر علیه السلام أنّ يوشع بن نون وصيّ موسى علیه السلام لمّا حارب العماليق وكانوا في صور هائلة ضعفت نفوس بني اسرائيل عنهم، فشكوا إلى الله عزّوجلّ، فأمر الله تعالى يوشع علیه السلام أن يأمر الخواصّ من بني اسرائيل أن يأخذ كلّ واحد منهم جرّة من الخزف فارغة على كتفه الأسير باسم عمليق، و يأخذ بيمينه قرناً مثقوباً من قرون الغنم ويقرأ كلّ واحد منهم في القرن هذا الدعاء - يعني دعاء السمات. لئلّا يسترق السمع بعض شياطين الجنّ و الإنس فيتعلّموه، ثمّ يلقون الجرار في عسكر العماليق آخر اللّيل و يكسرونها، ففعلوا ذلك فأصبح العماليق كأنّهم أعجاز نخل خاوية منتفخي الأجواف، موتى. الخبر.
ثمّ قال: و لقد وجدت هذا الحديث بعينه مرويّاً عن الصادق علیه السلام إلّا أنّه ذكر أنّ محاربة العمالقة كانت مع موسى علیه السلام ، روى ذلك عنه عثمان بن سعيد العمريّ. (1)
أقول: قال صاحب الكمال: أوحى الله تعالى في التيه إلى موسى علیه السلام : إنّي متوفّ هارون، فانطلق به إلى جبل كذا وكذا، فانطلقا نحوه فإذا هما بشجرة لم يريا مثلها، و فيه بيت مبنيّ، و سریر علیه فرش، و ريح طيّبة، فلمّا رآه هارون أعجبه، فقال: يا موسى إنّي اُحبّ أن أنام على هذا السرير، فقال له موسى: نم، قال: إنّي أخاف ربّ هذا البيت أن يأتي فيغضب عليّ، قال موسى: لا تخف أنا أكفيك، قال: فنم معي، فلمّا ناما أخذ هارون الموت فلمّا وجد حسّه قال: يا موسى خدعتني فتوفّي و رفع على السرير إلى السماء، و رجع موسى إلى بني إسرائيل فقال له بنو إسرائيل: إنّك قتلت هارون لحبّنا إيّاه فقال: ويحكم أفتروني أن أقتل أخي؟ فلمّا أكثروا عليه صلّى و دعا الله تعالى فنزل بالسرير حتّى نظروا إليه ما بين السماء و الأرض، فأخبرهم أنّه مات و أنّ موسى لم يقتله، فصدّقوه فكان موته في التيه.
قال: وكان جميع عمر موسى مائة وعشرين سنة، وقيل: بينما موسى علیه السلام يمشي و معه يوشع بن نون فتاه إذا أقبلت ريح سوداء، فلمّا نظر إليها يوشع ظنّ أنّها الساعة فالتزم موسى و قال: لاتقوم الساعة و أنا ملتزم نبيّ الله، فاستلَّ موسى من تحت القميص، وبقي القميص في يدي يوشع، فلمّا جاء يوشع بالقميص أخذه بنو إسرائيل و قالوا: قتلت نبيّ الله، فقال: ما قتلته و لكنّه استلّ منّي، فلم يصدّقوه، قال: فإذا لم تصدّقوني فأخّروني ثلاثة أيّام، فوكلوا به من يحفظه، فدعا الله فاُتي كلّ رجل كان يحرسه في المنام فاُخبر أنّ يوشع لم يقتل موسى، و أنّا رفعناه إلينا، فتركوه؛ وقيل: إنّه مرّ منفرداً برهط من الملائكة يحفرون قبراً. وذكر نحواً ممّا مر في الأخبار .
ثمّ قال: و لمّا توفّي موسى علیه السلام بعث الله يوشع بن نون بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب بن
1) صفوة الصفات مخطوط.
إسحاق بن إبراهيم نبيّاً إلى بني إسرائيل، و أمر بالمسير إلى أريحا مدينة الجبّارين.
فاختلف العلماء في فتحها على يد من كان، فقال ابن عبّاس: أمّا هارون و موسى توفّيا في التيه، و توفّي فيه كلّ من دخله و قد جاوز العشرين سنة غير يوشع بن نون و كالب بن يوفنا، فلمّا انقضى أربعون سنة أوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون يأمره بالمسير إليها و فتحها ففتحها؛ ومثله قال قتادة و السدّيّ و عكرمة؛ وقال آخرون: إنّ موسى علیه السلام عاش حتّى خرج من التيه و سار إلى مدينة الجبّارين، و على مقدّمته يوشع بن نون و کالب بن يوفنا و هو صهره على اُخته مريم بنت عمران، فلمّا بلغوها اجتمع الجبّارون إلى بلعم بن باعورا و هو من ولد لوط فقالوا له: إنّ موسى قد جاء ليقتلنا و يخرجنا من ديارنا، فادع الله عليهم، وكان بلعم يعرف اسم الله الأعظم فقال لهم: كيف أدعو على نبيّ الله و المؤمنين و معهم الملائكة؟ فراجعوه في ذلك و هو يمتنع عليهم، فأتوا امرأته و أهدوا لها هديّة فقبلتها وطلبوا إليها أن تحسّن لزوجها أن يدعو على بني إسرائيل، فقالت له في ذلك فامتنع فلم تزل به حتّى قال: أستخير ربّي، فاستخار الله تعالى فنهاه في المنام فأخبرها بذلك، فقالت: راجع ربّك، فعاود الاستخارة فلم يرد إليه جواب، فقالت: لو أراد ربّك لنهاك، و لم تزل تخدعه حتّى أجابهم، فركب حماراً له متوجّهاً إلى جبل يشرف على بني إسرائيل ليقف عليه و يدعو عليهم فما سار عليه إلّا قليلاً حتّى ربض الحمار، فنزل عنه فضربه حتّى قام فركبه فسار به قليلاً فربض، فعل ذلك ثلاث مرّات، فلمّا اشتدّ ضربه في الثاثته أنطقه الله فقال له: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الملائكة تردّني؟ فلم يرجع، فأطلق الله الحمار حينئذ فسار عليه حتّى أشرف على بني إسرائيل، فكان كلّما أراد أن يدعو عليهم ينصرف لسانه إلى الدعاء لهم، و إذا أراد أن يدعو لقومه انقلب الدعاء عليهم، فقالوا له في ذلك، فقال: هذا شيء غلبنا الله عليه، و اندلع لسانه فوقع على صدره فقال لهم: الآن قد ذهبت منّي الدنيا والآخرة، ولم يبق إلّا المكر والحيلة، و أمرهم أن يزيّنوا النساء ويعطوهنّ السلع للبيع، و يرسلوهنّ إلى
العسكر، و لا تمنع امرأة نفسها ممّن يريدها، وقال: إن زنى منهم رجل واحد وكفيتموهم، ففعلوا ذلك و دخل النساء عسكر بني إسرائيل فأخذ زمري بن شلوم و هو رأس سبط شمعون بن يعقوب امرأة و أتى بها موسى فقال له: أظنّك تقول: إنّ هذا حرام! فو الله لانطيعك، ثمّ أدخلها خيمة فوقع عليها، فأنزل الله عليهم الطاعون، و كان فنحاص بن العيزاربن هارون صاحب أمر عمّه موسى غائباً، فلمّا جاء رأى الطاعون قداستقرّ في بني إسرائيل و اُخبر الخبر و كان ذاقوّة و بطش فقصد زمري فرآه و هو مضاجع المرأة فطعنهما بحربة بيده فانتظمهما، و رفع الطاعون، و قد هلك في تلك الساعة عشرون ألفاً، وقيل: سبعون ألفاً، فأنزل الله في بلعم: «واتل عليهم نبأ الّذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين».
ثمّ إنّ موسى قدّم يوشع بن نون إلى أريحا في بني إسرائيل فدخلها، و قتل بها الجبّارين، و بقيت منهم بقيّة و قد قاربت الشمس الغروب، فخشي أن يدركهم اللّيل فيعجزوه فدعا الله تعالى أن يحبس عليه الشمس ففعل و حبسها حتّى استأصلهم، و دخلها موسى، فأقام بها ماشاء الله أن يقيم، وقبضه الله تعالى إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلق؛ و أمّا من زعم أنّ موسى كان توفّي قبل ذلك فقال: إنّ الله تعالى أمر يوشع بالمسير إلى مدينة الجبّارين، فسار ببني إسرائيل ففارقه رجل منهم يقال له بلعم بن باعور، وكان يعرف الاسم الأعظم، وساق من حديثه نحو ما تقدّم، فلمّا ظفر يوشع بالجبّارين أدركه المساء ليلة السبت فدعا الله تعالى فردّ الشمس عليه، و زاد في النهار ساعة فهزم الجبّارين، و دخل مدينتهم و جمع غنائمهم ليأخذها القربان، فلم تأت النار، فقال يوشع: فيكم غلول، فبايعوني، فبايعوه فلصقت يده في يد من غلّ، فأتاه برأس ثور من ذهب مكلّل بالياقوت فجعله في القربان، و جعل الرجل معه فجاءت النار و أكلتهما، وقيل: بل حصرها ستّة أشهر، فلمّا كان السابع تقدّموا إلى المدينة فصاحوا صيحةً واحدة فسقط السور فدخلوها و هزموا الجبّارين أقبح هزيمة، و
قتلوا فيهم فأكثروا، ثمّ اجتمع جماعة من ملوك الشام و قصدوا يوشع بن نون فقاتلهم و هزمهم و هرب الملوك إلى غار فأمر بهم يوشع فقتلوا وصلبوا. ثمّ ملك الشام جميعه فصار لبني إسرائيل وفرّق فيه عمّاله، ثمّ توفّاه الله، فاستخلف على بني إسرائيل كالب بن يوفنا، و كان عمر يوشع مائة و ستّاً وعشرين سنة، وكان قيامه بالأمر بعد موسى علیه السلام سبعاً و عشرين سنة. انتهى. (1)
و قال المسعوديّ: سار ملك الشام و هو السميدع بن هزير بن مالك إلى يوشع ابن نون، فكانت له معه حروب إلى أن قتله يوشع و احتوى على ملكه، وألحق به غيره من الجبابره و العماليق، وشنّ الغارات بأرض الشام، وكانت مدّة يوشع بعد موسى تسعاً و عشرين سنة، و قد كان بقرية من قرى البلقاء من بلاد الشام رجل يقال له بلعم من باعور، وكان مستجاب الدعوة، فحمله قومه على الدعاء على يوشع، فلم يتأتّ له ذلك و عجز عنه، فأشار إلى بعض ملوك العماليق أن يبرز الحسان من النساء نحو عساكر يوشع ففعلوا ذلك، فزنوا بهم فوقع فيهم الطاعون فهلك منهم تسعون ألفاً و قيل: أكثر من ذلك؛ وقيل إنّ يوشع قبض وهو ابن مائة و عشر سنين، وقام في بني إسرائيل بعد يوشع كالب بن يوفنا. (2)
1 - فس: «واتل عليهم نبأ الّذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين» فإنّها نزلت في بلعم بن باعورا، وكان من بني إسرائيل. وحدّثني أبي، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرضا علیه السلام أنّه اُعطي بلعم بن باعورا الاسم الأعظم، و كان يدعو به فيستجيب له فمال إلى فرعون، فلما مرّ فرعون في طلب موسى و أصحابه قال فرعون لبلعم: ادع الله على موسى و أصحابه ليحبسه علينا، فركب حمارته ليمرّ في طلب موسی فامتنعت عليه حمارته. فأقبل يضربها فأنطقها الله عزّوجلّ فقالت: ويلك على ماذا تضربنی؟ أتريد أن أجيء معك لتدعو على نبيّ الله وقوم مؤمنين؟ فلم يزل يضربها حتّى قتلها، و انسلخ الاسم من لسانه، و هو قوله: «فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ٭ و لو شئنا لرفعناه بها و لكنّه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث» وهو مثل ضربه.
فقال الرضا علیه السلام : فلا يدخل الجنّة من البهائم إلّا ثلاثة: حمارة بلعم، وكلب أصحاب الكهف، و الذئب، وكان سبب الذئب أنّه بعث ملك ظالم رجلاً شرطيّاً ليحشر قوماً من
المؤمنين و يعذّبهم، وكان للشرطيّ ابن يحبّه، فجاء ذئب فأكل ابنه فحزن الشرطيّ عليه، فأدخل الله ذلك الذئب الجنّة لما أحزن الشرطي. (1)
2 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد و محمّد العطّار، عن ابن عيسى عن البزنطيّ، عن عبد الرحمن بن سيّابة، عن معاوية بن عمّار رفعه قال: فتحت مدائن الشام على يوشع بن نون، ففتحها مدينة مدينة حتّى انتهى إلى البلقاء، فلقوا فيها رجلاً يقال له بالق، فجعلوا يخرجون يقاتلونه لا يقتل منهم رجل، فسأل عن ذلك فقيل: إنّ فيهم امرأة عندها علم، ثمّ سألوا يوشع الصلح، ثمّ انتهى إلى مدينة اُخرى فحصرها و أرسل صاحب المدينة إلى بلعم و دعاه فركب حماره إلى الملك فعثر حماره تحته فقال: لم عثرث؟ فكلّمه الله: لم لاأعثر و هذا جبرئيل بيده حربة ينهاك عنهم؟ و كان عندهم أنّ بلعم اُوتي الاسم الأعظم، فقال الملك: ادع عليهم - و هو المنافق الّذي روي أنّ قوله تعالى: «واتل عليهم نبأ الّذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها» نزل فيه - فقال لصاحب المدينة: ليس للدعاء عليهم سبيل، و لكن اُشير عليك أن تزيّن النساء وتأمرهنّ أن يأتين عسكرهم فيتعرّضن للرجال، فإنّ الزناء لم يظهر في قوم قطّ إلّا بعث الله عليهم الموت فلمّا دخل النساء العسكر وقع الرجل بالنساء، فأوحى الله إلى يوشع: إن شئت سلّطت عليهم العدوّ، وإن شئت أهلكتهم بالسنين، و إن شئت بموت حثيث عجلان، فقال: هم بنو إسرائيل لا اُحبّ أن يسلّط الله عليهم عدوّهم، و لا أن يهلكهم بالسنين، ولكن بموت حثيث عجلان، قال: فمات في ثلاث ساعات من النهار سبعون ألفاً بالطاعون. (2)
1 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن عمربن يزيد عنهما علیهما السلام في قوله تعالى: «ألم تر إلى الّذين خرجوا من ديارهم و هم اُلوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثمّ أحياهم» قال: إنّ هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشام من بني إسرائيل، وكانوا سبعين ألف بيت، وكان الطاعون يقع فيهم في كلّ أوان، فكانوا إذا أحسّوا به خرج من المدينة الأغنياء، و بقي فيها الفقراء لضعفهم، فكان الموت يكثر في الّذين أقاموا، و يقلّ في الّذين خرجوا، فصاروا رميماً عظاماً، فمرّ بهم نبيّ من الأنبياء يقال له حزقيل فرآهم و بكى و قال: يا ربّ لو شئت أحييتهم الساعة، فأحياهم الله. و في رواية أنّه تعالى أوحى إليه: أن رش الماء عليهم، ففعل فأحياهم. (1)
أقول: روى الشيخ أحمد بن فهد المهذّب و غيره بأسانيدهم عن المعلّى بن خنيس، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: يوم النيروز هو اليوم الّذي أحيا الله فيه القوم الّذين خرجوا من ديارهم و هم اُلوف حذر الموت، فقال لهم الله موتوا ثمّ أحياهم، و ذلك أنّ نبيّاً من الأنبياء سأل ربّه أن يحيي القوم الّذين خرجوا من ديارهم و هم اُلوف حذر الموت فأماتهم الله،
1) قصص الانبياء مخطوط.
فأوحى إليه: أن صبّ عليهم السماء في مضاجعهم. فصبّ عليهم الماء في هذا اليوم فعاشوا و هم ثلاثون ألفاً، فصار صبّ الماء في يوم النيروز سنّة ماضية لا يعرف سببها إلّا الراسخون في العلم. (1)
1) المهذب مخطوط.
1 - ن، ع: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أشيم، عن الجعفريّ، عن أبي الحسن الرضا علیه السلام قال: أتدري لم سمّي إسماعيل صادق الوعد؟ قلت: لا أدري، قال: وعد رجلاً فجلس له حولاً ينتظره. (1)
مع: مرسلاً مثله. (2)
2 - ع: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير و محمّدبن سنان، عمّن ذكراه، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إنّ إسماعيل الّذي قال الله عزّوجلّ في كتابه: «و اذكر في الكتاب إسماعيل إنّه كان صادق الوعد و كان رسولاً نبيّاً لم يكن إسماعيل ابن ابراهيم ، بل كان نبيّاً من الأنبياء بعثه الله عزّوجلّ إلى قومه فأخذوه فسلخوا فروة رأسه و وجهه، فأتاه ملك فقال: إنّ الله جلّ جلاله بعثني إليك فمرني بما شئت، فقال: لي اُسوة بما يصنع بالحسين علیه السلام . (3)
مل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، و ابن أبي الخطّاب و ابن يزيد جميعاً، عن محمّد ابن سنان مثله. (1)
1) كامل الزيارات: 64.
1 - كا: عليّ بن محمّد، و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، محمّدبن سنان، عن مفضّل بن عمر قال: أتينا باب أبي عبدالله علیه السلام و نحن نريد الإذن عليه فسمعناه يتكلّم بكلام ليس بالعربيّة، فتوهّمنا أنّه بالسريانيّة، ثمّ بكافبكينا لبكائه، ثمّ خرج إلينا الغلام فأذن لنا فدخلنا عليه، فقلت: أصلحك الله أتيناك نريد الإذن عليك فسمعناك تتكلّم بكلام ليس بالعربيّة فتوهّمنا أنّه بالسريانيّة ثمّ بكيت فبكينا لبكائك، فقال: نعم ذكرت إلياس النبيّ علیه السلام وكان من عبّاد أنبياء بنی إسرائيل، فقلت كما كان يقول في سجوده، ثمّ اندفع فيه بالسريانيّة فما رأينا و الله قسّاً و لا جاثليقاً أفصح لهجة منه به، ثمّ فسّره لنا بالعربيّة فقال: كان يقول في سجوده: «أتراك معذّبي و قد أظمأت لك هواجري؟ أتراك معذّبي و قد عفّرت لك في التراب وجهي؟ أتراك معذّبي و قد اجتنبت لك المعاصي؟ أتراك معذّبي و قد أسهرت لك ليلي؟» قال: فأوحى الله إليه: أن ارفع رأسك فإنّي غير معذّبك قال: فقال: إن قلت: لا اُعذّبك ثمّ عذّبتني ماذا؟ ألست عبدك و أنت ربّي؟ فأوحى الله إليه: أن ارفع رأسك فإنّي غير معذّبك، فإنّي إذا وعدت وعداً وفيت به. (1)
1) اصول الكافى 227/1 و 228.
2 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده عن وهب بن منبّه، عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: إنّ يوشع بن نون بوّأ بني إسرائيل الشام بعدموسى علیه السلام و قسّمها بينهم فسار منهم سبط ببعلبكّ بأرضها، و هو السبط الّذي منه إلياس النبيّ، فبعثه الله إليهم وعليهم يومئذ ملك فتنهم بعبادة صنم يقال له بعل، وذلك قوله: «و إنّ إلياس لمن المرسلين ٭ إذ قال لقومه ألا تتّقون ٭ أتدعون بعلاً و تذرون أحسن الخالقين ٭ الله ربّكم وربّ آبائكم الأوّلين ٭ فكذّبوه» و كان للملك زوجة فاجرة يستخلفها إذا غاب فتقضي بين الناس، و كان لها كاتب حكيم قد خلّص من يدها ثلاث مائة مؤمن كانت تريد قتلهم، ولم يعلم على وجه الأرض اُنثى أزنى منها، وقد تزوّجت سبعة ملوك من بني إسرائيل حتّى ولدت تسعين ولداً سوى ولد ولدها، وكان لزوجها جار صالح من بني إسرائيل، وكان له بستان يعيش به إلى جانب قصر الملك، وكان الملك يكرمه، فسافر مرّة فاغتنمت امرأته وقتلت العبد الصالح و أخذت بستانه غصباً من أهله و ولده، وكان ذلك سبب سخط الله عليهم، فلمّا قدم زوجها أجرته الخبر فقال لها: ما أصبحت، فبعث الله إلياس النبيّ يدعوهم إلى عبادة الله فكذّبوه و طردوه و أهانوه و أخافوه، وصبر عليهم واحتمل أذاهم و دعاهم إلى الله تعالى فلم يزدهم إلّا طغياناً، فآلى الله على نفسه أن يهلك الملك و الزانية إن لم يتوبوا إليه، وأخبرهما بذلك، فاشتدّ غضبهم عليه و همّوا بتعذيبه و قتله، فهرب، منهم فلحق بأصعب جبل فبقي فيه وحده سبع سنين، يأكل من نبات الأرض و ثمار الشجر و الله يخفي مكانه، فأمرض الله ابناً للملك مرضاً شديداً حتّى يئس منه، و كان أعزّ ولده إليه، فاستشفعوا إلى عبدة الصنم ليستشفعوا له فلم ينفع، فبعثوا الناس إلى حدّ الجبل الّذي فيه إلياس علیه السلام فكانوا يقولون: اهبط إلينا و اشفع لنا، فنزل إلياس من الجبل و قال: إنّ الله أرسلني إليكم و إلى من ورائكم، فاسمعوا رسالة ربّكم، يقول الله: ارجعوا إلى الملك فقولوا له: إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا إله بني إسرائيل الّذي خلقهم، و أنا الّذي أرزقهم و اُحييهم و اُميتهم و أضرّهم و أنفعهم،
وتطلب الشفاء لابنك من غيري؟ فلمّا صاروا إلى الملك و قصّوا عليه القصّة امتلأ غيظاً فقال: ما الّذي منعكم أن تبطشوا به حين لقيتموه و توثقوه و تأتوني به فإنّه عدوّي، قالوا: لمّا صار معنا قذف في قلوبنا الرعب عنه، فندب خمسين من قومه من ذوي البطش و أوصاهم بالاحتيال له و إطماعه في أنّهم آمنوا به ليغترّبهم فيمكّنهم من نفسه، فاطلقوا حتّى ارتقوا ذلك الجبل الّذي فيه إلياس علیه السلام ثمّ تفرّقوا فيه و هم ينادونه بأعلى صوتهم و يقولون: يا نبيّ الله ابرز لنا فإنّا آمنّا بك، فلمّا سمع إلياس مقالتهم طمع في إيمانهم فكان في مغازة فقال: اللّهم إن كانوا صادقين فيما يقولون فأذن لي في النزول إليهم، و إن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم بنار تحرفهم، فما استتمَّ قوله حتّى حصبوا بالنار من فوقهم فاحترقوا، فبلغ الملك خبرهم فاشتدّ غيظه فانتدب كاتب امرأته المؤمن و بعث معه جماعة إلى الجبل و قال له: قد آن أن أتوب، فانطلق لنا إليه حتّى يرجع إلينا يأمرنا و ينهانا بما يرضى ربّنا، و أمر قومه فاعتزلوا الأصنام، فانطلق كاتبها و الفئة الّذين أنفذهم معه حتّى علا الجبل الّذي فيه إلياس، ثمّ ناداه فعرف إلياس صوته فأوحى الله تعالى إليه: أن ابرز إلى أخيك الصالح و صافحه و حيّه. فقال المؤمن: بعثني إليك هذا الطاغي و قومه، و قصّ عليه ما قالوا، ثمّ قال: وإنّي لخائف إن رجعتُ إليه ولستَ معي أن يقتلني، فأوحى الله تعالى جلّ و عزّ إلى إلياس: إنّ كلّ شيء جاءك منهم خداع ليظفروا بك، وإنّي أشغله عن هذا المؤمن بأن اُميت ابنه، فلمّا قدموا عليه شدّ الله الوجع على ابنه و أخذ الموت بكظمه و رجع إلياس سالماً إلى مكانه، فلمّا ذهب الجزع عن الملك بعد مدّة سأل الكاتب عن الّذي جاء به، فقال: ليس لي به علم.
ثمّ إنّ إلياس علیه السلام نزل و استخفى عند اُمّ يونس بن متى ستّة أشهر و يونس مولود، ثمّ عاد إلى مكانه فلم يلبث إلّا يسيراً حتّى مات ابنها حين فطمته فعظمت مصيبتها فخرجت في طلب إلياس و رقت الجبال حتّى وجدت إلياس فقالت: إنّي فجعت بموت ابني و ألهمني و الله تعالى عزّ وعلا الاستشفاع بك إليه ليحيي لي ابني فإنّي تركته بحاله و لم أدفنه و أخفيت
مكانه، فقال لها: و متى مات ابنك؟ قالت: اليوم سبعة أيّام، فانطلق إلياس و سار سبعة أيّام اُخرى حتّى انتهى إلى منزلها، فرفع يديه بالدعاء و اجتهد حتّى أحيا الله تعالى جلّت عظمته بقدرته يونس علیه السلام فلمّا عاش انصرف إلياس، و لمّا صار ابن أربعين سنة أرسله الله إلى قومه كما قال: «و أرسلنا إلى مائة ألف أو يزيدون».
ثمّ أوحى الله تعالى جلّ و علا إلى إلياس بعد سبع سنين من يوم أحيا الله يونس سلني اُعطك، فقال: تميتني فتلحقني بآبائي فإنّي قد مللت بني إسرائيل و أبغضتهم فيك، فقال تعالى جلّت قدرته: ما هذا باليوم الّذي اُعري منك الأرض و أهلها، وإنّما قوامها بك، و لكن سلني اُعطك، فقال إلياس: فأعطني ثاري من الّذين أبغضوني فيك، فلا تمطر عليهم سبع سنين قطرةً إلّا بشفاعتي، فاشتدّ على بني إسرائيل الجوع و ألحّ عليهم البلاء، وأسرع الموت فيهم، واعلموا أنّ ذلك من دعوة إلياس، ففزعوا إليه وقالوا: نحن طوع يدك، فهبط إلياس معهم و معه تلميذ له اليسع و جاء إلى الملك فقال: أفنيت بني إسرائيل بالقحط، فقال: قتلهم الّذي أغواهم، فقال: ادع ربِّك يسقيهم، فلمّا جنّ اللّيل قام إلياس علیه السلام و دعا الله، ثمّ قال لليسع: انظر في أكناف السماء ماذا ترى؟ فنظر فقال: أرى سحابة، فقال: ابشروا بالسقاء، فليحرزوا أنفسهم و أمتعتهم من الغرق، فأمطر الله عليهم السماء و أنبتت لهم الأرض، فقام إلياس بين أطهرهم و هم صالحون، ثمّ أدركهم الطغيان و البطر فجهدوا حقّه و تمرّدوا، فسلّط الله عليهم عدوّاً قصدهم و لم يشعروا به حتّى رهقهم فقتل الملك و زوجته و ألقاهما في بستان الّذي قتلته زوجة الملك، ثمّ وصّى إلياس إلى اليسع و أنبت الله لإلياس الريش و ألبسه النور و رفعه إلى السماء، وقذف بكسائه من الجوّ على اليسع، فنبّأه الله على بني إسرائيل و أوحى إليه و أيّده، فكان بنو إسرائيل يعظّمونه و يهتدون بهداه. (1)
3 - كا: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن محمّدبن عيسى أو غيره، عن
1) قصص الانبياء مخطوط.
قتيبة بن مهران، عن حمّاد بن زكريّا، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : عليكم بالكرفس، فإنّه طعام إلياس و اليسع و يوشع بن نون. (1)
4 - م: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لزيد بن أرقم: إذا أردت أن يؤمنك الله من الغرق و الحرق والشرق فقل إذا أصبحت: «بسم الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلّا الله، بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلّا الله، بسم الله ما شاء الله ما يكون من نعمة فمن الله، بسم الله ما شاء الله لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم، بسم الله ما شاء الله صلّى الله على محمّد و آله الطيّبين» فإنّ من قالها ثلاثاً إذا أصبح أمن من الحرق و الغرق و الشرق حتّى يمسي، ومن قالها ثلاثاً إذا أمسى أمن من الحرق و الغرق و الشرق حتّى يصبح، و إنّ الخضر و إلياس علیهما السلام يلتقيان في كلّ موسم فإذا تفرّقا تفرّقا عن هذه الكلمات. (2)
5 - ص: الصدوق: عن أبيه، عن سعد، عن أحمدبن الحسن، عن عمروبن سعيد، عن مصدّق، عن عمّار ،عن الصادق علیه السلام قال: كان في زمان بني إسرائيل رجل يسمّى إليا رئيس على أربع مائة من بنى إسرائيل، وكان ملك بني إسرائيل هو امرأة من قوم يعبدون الأصنام من غير بني إسرائيل فخطبها، فقالت: على أن أحمل الصنم فأعبده في بلدتك، فأبى عليها ثمّ عاودها مرّة بعد مرّة حتّى صار إلى ما أرادت فحوّلها إليه و معها صنم، و جاء معها ثمان مائة رجل يعبدونه، فجاء إليا إلى الملك فقال: ملّكك الله و مدّلك في العمر فطغيت و بغيت! فلم يلتفت إليه فدعا الله إليا أن لا يسقيهم قطرةً، فنالهم قحط شديد ثلاث سنين حتّى ذبحوا دوابّهم فلم يبق لهم من الدوابّ إلا بزذون يركبه الملك، و آخر يركبه الوزير، وكان قد استتر عند الوزير أصحاب إليا يطعمهم في سرب، فأوحى الله تعالى جلّ ذكره إلى إليا: تعرّض للملك فإنّي اُريد أن أتوب عليه، فأتاه فقال: يا إليا ما صنعت بنا؟ قتلت بني إسرائيل، فقال إليا: تطيعني فيما آمرك به؟ فأخذ عليه العهد، فأخرج أصحابه و تقرّبوا إلى الله
تعالى بثورين، ثمّ دعا بالمرأة فذبحها و أحرق الصنم وتاب الملك توبة حسنة حتّى لبس الشعر و اُرسل إليه المطر و الخصب. (1)
6 - ير: محمّد بن الحسين، عن أحمدبن الحسن الميثميّ، عن أبان بن عثمان، عن موسى النميريّ قال: جئت إلى باب أبي جعفر علیه السلام لأستأذن عليه، فسمعنا صوتاً حزيناً يقرء بالعبرانيّة، فبكينا حيث سمعنا الصوت، وظننّا أنّه بعث إلى رجل من أهل الكتاب يستقرئه، فأذن لنا فدخلنا عليه فلم نر عنده أحداً، فقلنا: أصحلك الله سمعنا صوتاً بالعبرانيّة فظننّا أنّك بعثت إلى رجل من أهل الكتاب تستقرئه، قال: لا، و لكن ذكرت مناجاة إليا لربّه فبكيت من ذلك، قال: قلنا: و ما كان مناجاته جعلني الله فداك؟ قال: جعل يقول: يا ربّ أتراك معذّبي بعد طول قيامي لك؟ أتراك معذّبي بعد طول صلاتي لك» و جعل يعدّد أعماله، فأوحى الله إليه: إنّي لست اُعذّبك، قال: فقال: ياربّ و ما يمنعك أن تقول لا بعد نعم و أنا عبدك و في قبضتك؟ قال: فأوحى الله إليه: إنّي إذا قلت قولاً وفيت به. (2)
7 - ج، يد، ن: في خبر طويل، رواه الحسن بن محمّد النوفليّ، عن الرضا علیه السلام فيما احتجّ به على جاثليق النصارى أن قال علیه السلام : إنّ اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى علیه السلام : مشى على الماء و أحيا الموتى و أبرأ الأكمه والأبرص فلم تتّخذه اُمّته ربّاً الخبر. (3)
1 - ص: الصدوق، عن الدقّان، عن الأسديّ، عن سهل، عن عبد العظيم الحسنيّ قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام أسأله عن ذي الكفل ما اسمه؟ و هل كان من المرسلين؟ فكتب صلوات الله وسلامه عليه: بعث الله تعالى جلّ ذكره مائة ألف نبيّ و أربعة و عشرين ألف نبيّاً، المرسلون منهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلاً، وإنّ ذا الكفل منهم صلوات الله عليهم، وكان بعد سليمان بن داود علیه السلام ، و كان يقضي بين الناس كما كان يقضي داود، ولم يغضب إلّا لله عزّوجلّ، وكان اسمه عويديا و هو الّذي ذكره الله تعالى جلّت عظمته في كتابه حيث قال: «و اذكر إسماعيل و اليسع و ذا الكفل و كلّ من الأخيار». (1)
أقول: وقال بعض المؤرّخين أنّه بشربن أيّوب الصابر و ذهب أكثرهم إلى أنّه كان وصيّ اليسع، وقد مرّ في الباب الأوّل أنّه يوشع، و قد مرّمنّا فيه كلام، وإنّما أوردناه في تلك المرتبة تبعاً لأكثر المؤرّخين، و إن كان يظهر من الخبر أنّه كان بعد سليمان علیه السلام و ذكر المسعودي أنّ حزقيل و إلياس و ذا الكفل و أيّوب كانوا بعد سليمان علیه السلام و قبل المسيح علیه السلام .
1) قصص الانبياء مخطوط.
و قال الثعلبيّ في كتاب العرائس: وقال بعضهم: ذو الكفل بشربن أيّوب الصابر، بعثه الله بعد أبيه رسولاً إلى أرض الروم، فآمنوا به و صدّقوه و اتّبعوه، ثمّ إنّ الله تعالى أمره بالجهاد فكاعوا عن ذلك وضعفوا، و قالوا: يا بشر إنّا قوم نحبّ الحياة و نكره الموت، و مع ذلك نكره أن نعصي الله و رسوله، فإن سألت تعالى أن يطيل أعمارنا و لا يميتنا إلّا إذا شئنا لنعبده و نجاهد أعداءه، فقال لهم بشر بن أيّوب: لقد سألتموني عظيماً وكلّفتوني شططاً، ثمّ إنّه قام وصلّی و دعا و قال: «إلهي أمرتني أن نجاهد أعداءك و أنت تعلم أنّي لا أملك إلّا نفسي، و إنّ قومي قد سألوني ما أنت أعلم به منّي، فلا تأخذني بجريرة غيري، فإنّي أعوذ برضاك من سخطك، و بعفوك من عقوبتك» قال: و أوحى الله تعالى إليه: يا بشر إنّي سمعت مقالة قومك، و إنّي قد أعطيتهم ما سألوني، فطوّلت أعمارهم فلا يموتون إلّا إذا شاؤوا، فكن كفيلاً لهم منّي بذلك، فبلّغهم بشر رسالة الله فسمّي ذا الكفل، ثمّ إنّهم توالدوا وكثروا و نموا حتّى ضاقت بهم بلادهم، و تنغّصت عليهم معيشتهم، و تأذّوا بكثرتهم، فسألوا بشراً أن يدعو الله تعالى أن يردّهم إلى آجالهم، فأوحى الله تعالى إلى بشر: أما علم قومك إنّ اختياري لهم خير من اختيارهم لأنفسهم؟ ثمّ ردّهم إلى أعمارهم فماتوا بآجالهم، قال: فلذلك كثرت الروم حتّى يقال: إنّ الدنيا خمسة أسداسها الروم، وسمّوا روماً لأنّهم نسبوا إلى جدّهم روم به عيص بن إسحاق بن إبراهيم علیه السلام ، قال وهب: وكان بشر بن أيّوب مقيماً بالشام عمره حتّى مات، وكان عمره خمساً و تسعين سنة. (1)
و قال السيّدين طاوس في سعد السعود: قيل: إنّه تكفّل لله تعالى جلّ جلاله أن لا يغضبه قومه فسمّي ذا الكفل؛ وقيل: تكفّل لنبيّ من الأنبياء أن لا يغضب فاجتهد إبليس أن يغضبه بكلّ طريق فلم يقدر فسمّي ذا الكفل لوفائه لنبيّ زمانه أنّه لا يغضب. (2)
1 - فس: أبي، عن القاسم بن محمّد، عن المنقريّ، عن حمّاد قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن لقمان و حكمته الّتي ذكرها الله عزّوجلّ، فقال: أما و الله ما اُوتي لقمان الحكمة بحسب و لا مال و لا أهل ولا بسط في جسم و لا جمال، ولكنّه كان رجلاً قويّاً في أمر الله، متورّعاً في الله، ساكتاً، سكيناً، عميق النظر، طويل الفكر، حديد النظر، متغن بالعبر، لم ينم نهاراً قطّ، و لم يره أحد من الناس على بول و لا غائط و لا اغتسال لشدّة تستّره و عموق نظره و تحفّظه في أمره، و لم يضحك من شيء قطّ مخافة الإثم، و لم يغضب قطّ، و لم يمازح إنساناً قطّ، ولم يفرح لشيء إن أتاه من أمر الدنيا، و لا حزن منها على شيء قطّ، قد نكح من النساء و ولدله الأولاد الكثيرة وقدّم أكثرهم إفراطاً فما بكى على موت أحد منهم، ولم يمرّ برجلين يختصمان أو يقتتلان إلّا أصلح بينهما، و لم يمض عنهما حتّى تحاجزا، و لم يسمع قولاً قطّ من أحد استحسنه إلّا سأل عن تفسيره و عمّن أخذه، وكان يكثر مجالسة الفقهاء و الحكماء و كان يغشى القضاة و الملوك والسلاطين فيرثي للقضاة ممّا ابتلوابه، ويرحم الملوك و السلاطين لغرّتهم بالله و طمأنينتهم في ذلك، و يعتبر و يتعلّم ما يغلب به نفسه، و يجاهد به هواه، و يحترز به من الشيطان، وكان يداوي قلبه بالتفكّر، و يداري نفسه بالعبر، وكان لا
يظعن إلّا فيما يعنيه، فبذلك اُوتي الحكمة، و منح العصمة، و إنّ الله تبارك و تعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار و هدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع و لا يراهم فقالوا: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض، تحكم بين الناس؟ فقال لقمان: إن أمرني ربّي بذلك فالسمع والطاعة، لأنّه إن فعل بي ذلك أعانني عليه و علّمني وعصمني، و إن هو خيّرني قبلت العافية، فقالت الملائكة: يا لقمان لم؟ قال: لأنّ الحكم بين الناس بأشدّ المنازل من الدين، و أكثر فتناً و بلاءً ما يخذل و لا يعان، و يغشاه الظلم من كلّ مكان، و صاحبه منه بين أمرين: إن أصاب فيه الحقّ فبالحريّ أن يسلم، و إن أخطأ أخطأ طريق الجنّة، و من يكن في الدنيا ذليلاً وضعيفاً كان أهون عليه في المعاد من أن يكون فيه حكماً سريّاً شريفاً، و من اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما، تزول هذه و لا تدرك تلك. قال: فتعجّبت الملائكة من حكمته، فغشّاه بها من قرنه إلى قدمه و هو نائم، وغطّاه بالحكمة غطاءً، فاستيقظ و هو أحكم الناس في زمانه، و خرج على الناس ينطق بالحكمة و يبيّنها فيها، قال: فلمّا اُوتي الحكم و لم يقبلها أمر الله الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها و لم يشترط فيها بشرط لقمان، فأعطاه الله الخلافة في الأرض و ابتلي فيها غير مرّة، وكلّ ذلك يهوي في الخطاء يقيله الله و يغفر له، وكان لقمان يكثر زيارة داود علیه السلام و يعظه بمواعظه و حكمته و فضل علمه، وكان يقول داود له: طوبى لك يا لقمان اُوتيت الحكمة، وصرفت عنك البليّة، و اُعطي داود الخلافة، و ابتلي بالخطاء و الفتنة.
ثمّ قال أبو عبد الله في قول الله: «و إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنيّ لا تشرك بالله إنّ الشرك لظلم عظيم» قال: فوعظ لقمان ابنه بآثار حتّى تفطّر وانشقّ، و كان فيما وعظه به يا حمّاد أن قال: يا بنيّ إنّك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها و استقلبت الآخرة، فدارٌ أنت إليها تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد. يا بنيّ جالس العلماء وازحمهم بركبتيك، و لا تجادلهم فيمنعوك، وخذ من الدنيا بلاغاً، ولا ترفضها فتكون عيالاً على الناس، ولا تدخل
فيها دخولاً يضرّ بآخرتك، و صم صوماً يقطع شهوتك، و لا تصم صياماً يمنعك من الصلاء، فإنّ الصلاة أحبّ إلى الله من الصيام. يا بنيّ إنّ الدنيا بحرٌ عميقٌ، قد هلك فيها عالمٌ كثيرٌ، فاجعل سفينتك فيها الإيمان، و اجعل شراعها التوكّل، و اجعل زادك فيها تقوى الله، فإن نجوت فبرحمة الله، و إن هلكت فبذنوبك، يا بنيّ إن تأدَّبت صغيراً انتفعت به كبيراً، و من عنى بالأدب اهتمّ به، و من اهتمّ به تكلّف علمه، و من تكلّف علمه اشتدّله طلبه، و من اشتدَّله طلبه أدرك منفعته فاتّخذه عادةً، فإنّك تخلف في سلفك، و تنفع به من خلفك، و يرتجيك فيه راغب، و يخشى صولتك راهب، وإيّاك والكسل عنه بالطلب لغيره، فإن غلبت على الدنيا فلا تغلبنّ على الآخرة، فإذا فاتك طلب العلم في مظانّه فقد غلبت على الآخرة، واجعل في أيّامك ولياليك و ساعاتك لنفسك نصيباً في طلب العلم ، فإنّك لم تجدله تضييعاً أشدّ من تركه، و لا تمارينَّ فيه لجوجاً و لا تجادلنّ فقيهاً، ولا تعادينّ سلطاناً، ولا تماشينّ ظلوماً، ولا تصادقنّه، و لا تؤاخينّ فاسقاً، ولا تصاحبنّ متّهماً، و اخزن علمك كما تخزن ورقك.
يا نبيّ خف الله خوفاً لو أتيت يوم القيامة ببرّ الثقلين خفت أن يعذّبك، وارج الله رجاءً لو وافيت القيامة بإثم الثقلين رجوت أن يغفر الله لك.
فقال له ابنه: يا أبه وكيف اُطيق هذا و إنّما لي قلب واحد؟ فقال له لقمان: يا بنيّ لو استخرج قلب المؤمن فشقّ لوجد فيه نوران: نور للخوف، و نور للرجاء، لو وزنا مارجح أحدهما على الآخر بمثقال ذرّة، فمن يؤمن بالله يصدّق ما قال الله ومن يصدق ماقال الله يفعل ما أمر الله، و من لم يفعل ما أمر الله، لم يصدّق ما قال الله، فإنّ هذه الأخلاق يشهد بعضها لبعض، فمن يؤمن بالله إيماناً صادقاً يعمل لله خالصاً ناصحاً، ومن يعمل لله خالصاً ناصحاً فقد آمن بالله صادقاً و من يطع الله خافه، و من خافه فقد أحبّه، و من أحبّه اتّبع أمره، و من اتّبع أمره استوجب جنّته ومرضاته، و من لم يتّبع رضوان الله فقدهان عليه
سخطه، نعوذ بالله من سخط الله.
يا بنيّ لا تركن إلى الدنيا، ولا تشغل قلبك بها، فما خلق الله خلقاً هو أهون عليه منها، ألا ترى أنّه لم يجعل نعيمها ثواباً للمطيعين، ولم يجعل بلاءها عقوبةً للعاصين. (1)
2 - لی: ابن المتوكّل، عن السعد آباديّ، عن البرقيّ، عن القاسانيّ، عن المنقريّ عن حمّادبن عيسى، عن الصادق جعفر بن محمّد علیهما السلام قال: كان فيما أوصى به لقمان ابنه ناتان أن قال له: يا بنيّ ليكن ممّا تتسلّح به على عدوّك فتصرعه المماسحة وإعلان الرضى عنه، و لا تزاوله بالمجانبة فيبدوله ما في نفسك فيتأهّب لك؛ يا بنيّ خف الله خوفاً لووافيته ببرّ الثقلين خفت أن يعذّبك الله، وارج الله رجاءً لو وافيته بذنوب الثقلين رجوت أن يغفر لك؛ يا بنيّ إنّي حملت الجندل والحديد و كلّ حمل ثقيل فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء، و ذقت المرارات كلّها فلم أذق شيئاً أمرّ من الفقر. (2)
3 - ل: أبي، عن سعد، عن الإصفهانيّ، عن المنقريّ، عن حمّادبن عيسى، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام : كان فيا وعظ به لقمان ابنه أن قال له: يا بنيّ ليعتبر من قصر يقينه وضعفت نيّته في طلب الرزق أنّ الله تبارك و تعالى خلقه في ثلاثة أحوال من أمره و أتاه رزقه و لم يكن له في واحدة منها كسب و لا حيلة، إنّ الله تبارك و تعالى سيرزقه في الحال الرابعة، أمّا أوّل ذلك فإنّه كان في رحم اُمّه يرزقه هناك في قرار مكين حيث لا يؤذيه حرّ و لا برد، ثمّ أخرجه من ذلك و أجرى له رزقاً من لبن اُمّه يكفيه به ويربيّه و ينعشه من غير حول به ولا قوّة، ثمّ فطم من ذلك فأجرى له رزقاً من كسب أبويه برأفة و رحمة له من قلوبهما لا يملكان غير ذلك حتّى أنّهما يؤثرانه على أنفسهما في أحوال كثيرة، حتّى إذاكبر و عقل و اكتسب لنفسه ضاق به أمره و ظنّ الظنون بربّه وجحد الحقوق في ماله، وقتر على نفسه و عياله مخافة إقتار رزق، وسوء يقين بالخلف من الله تبارك و تعالى في
العاجل و الآجل، فبئس العبد هذا يا بنيَّ. (1)
ص: مرسلاً مثله. (2)
4 - ب: هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر، عن أبيه علیهما السلام قال: قيل للقمان: ما الّذي أجمعت عليه من حكمتك؟ قال: قال: لا أتكلّف ما قد كفيته، و لا اُضيّع ما ولّيته. (3)
5 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن ابن عامر ، عن الإصفهانی، عن المنقرّي، عن حمّادبن عيسى، عن أبي عبد الله علیهما السلام قال: كان فيما وعظ لقمان ابنه أن قال له: يا بنيَّ اجعل في أيّامك ولياليك و ساعاتك نصيباً لك في طلب العلم، فإنّك لن تجدله تضييعاً مثل تركه. (4)
6 - مع: أبي، عن سعد، عن البرقيّ رفعه، قال: قال لقمان لابنه: يا بنيّ صاحب مائةً و لا تعاد واحداً، يا بنيّ إنّما هو خلاقك و خلقك، فخلاقك دينك، و خلقك بينك و بين الناس، فلا تبتغض إليهم، وتعلّم محاسن الأخلاق، يا بنيّ كن عبداً للأخيار و لا تكن ولداً للأشرار، يا بنيّ أدّ الأمانة تسلم لك دنياك و آخرتك، و كن أميناً تكن غنيّاً. (5)
7 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن درست، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن علیه السلام قال: كان لقمان علیه السلام يقول لابنه: يا بنيّ إنّ الدنيا بحر و قد غرق فيها جيل كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله تعالى، و ليكن جسرك إيماناً بالله، و ليكن شراعها التوكّل، لعلّك يا بنيّ تنجو و ما أظنّك ناجياً! يا بنيّ كيف لا يخاف الناس ما يوعدون وهم ينتقصون في كلّ يوم، وكيف لا يعدّ لما يوعد من كان له أجل ينفد، يا بنيّ خذ من الدنيا بلغة، و لا تدخل فيها دخولاً تضرّ فيها بآخرتك، و لا ترفضها فتكون عيالاً على الناس، وصم صياماً يقطع شهوتك، و لا تصم صياماً يمنعك من
الصلاة، فإنّ الصلاة أعظم عندالله من الصوم؛ يا بنيّ لا تتعلّم لتباهي به العلماء، أو تماري به السفهاء، أو ترائي به في المجالس، و لا تترك العلم زهادة فيه و رغبة في الجهالة؛ با بنيّ اختر المجالس على عينيك، فإن رأيت قوماً يذكرون الله فاجلس إليهم، فإنّك إن تكن عالماً ينفعك علمك و يزيدوك علماً، و إن تكن جاهلاً يعلّموك، ولعلّ الله تعالى أن يظلّهم برحمة فيعمّك معهم. و قال: قيل للقمان: ما يجمع من حكمتك؟ قال: لا أسأل عمّا كفيته، و لا أتكلّف ما لا يعنيني. (1)
8 - ص: بهذا الإسناد عن الصادق علیه السلام قال: قال لقمان: يا بنيّ إن تأدّبت صغيراً انتفعت به كبيراً، و من عنى بالأدب اهتمَّ به، و من اهتمَّ به تكلّف علمه، و من تكلّف علمه استدّله طلبه، و من استدّله طلبه أدرك به منفعة فاتّخذه عادةً، وإيّاك والكسل منه و الطلب بغيره، و إن غلبت على الدنيا فلا تغلبنّ على الآخرة، و إنّه إن فاتك طلب العلم فإنّك لن تجد تضييعاً أشدّ من تركه، يا بنيّ استصلح الأهلين و الإخوان من أهل العلم إن استقاموا لك على الوفاء، واحذرهم عند انصراف الحال بهم عنك، فإنّ عداوتهم أشدّ مضرّةً من عداوة الأباعد لتصديق الناس إيّاهم لاطّلاعهم عليك. (2)
9 - ص: بالإسناد المتقدّم عن الصادق علیه السلام قال: قال لقمان: يا بنيّ إيّاك و الضجر و سوء وقلّة الصبر فلا يستقيم على هذه الخصال صاحب، و ألزم نفسك التؤدة في اُمورك، و صبّر على مؤومنات الإخوان نفسك، و حسّن مع جميع الناس خلقك؛ يا بنيّ إن عدمك ما تصل به قرابتك و تتقضّل به على إخوانك فلا يعدمنّك حسن الخلق الخلق وبسط البشر، فإنّه من أحسن خلقه أحبّه الأخبار و جانبه الفجّار، واقنع بقسم الله ليصفو عيشك، فإن أردت أن تجمع عزّ الدنيا فاقطع طمعك ممّا في أيدي الناس، فإنّما بلغ الأنبياء و الصدّيقون ما بلغوا بقطع طمعهم.
و قال الصادق علیه السلام : قال لقمان علیه السلام : يا بنيّ إن احتجت إلى سلطان فلا تكثر الإلحاح عليه، و لا تطلب حاجتك منه إلّا في مواضع الطلب، وذلك حين الرضى وطيب النفس، و لا تضجرنّ بطلب حاجة فإنّ قضاءها بيد الله و لها أوقات، ولكن ارغب إلى الله وسله و حرّك إليه أصابعك؛ يا بنيّ إنّ الدنيا قليل و عمرك قصير؛ يابنيّ احذر الحسد فلا يكوننّ من شأنك، و اجتنب سوء الخلق فلا يكوننّ من طبعك، فإنّك لا تضرّ بهما إلّا نفسك، و إذا كنت أنت الضارُّ لنفسك كفيت عدوّك أمرك، لأنّ عداوتك لنفسك أضرّ عليك من عداوة غيرك؛ يا بنيّ اجعل معروفك في أهله وكن فيه طالباً لثواب الله، وكن مقتصداً، ولا تمسكه تقتيراً، و لا تعطه تبذيراً.
يا بنيّ سيّد أخلاق الحكمة دين الله تعالى، و مثل الدين كمثل شجرة، نابتة، فالإيمان بالله ماؤها، و الصلاة عروقها، والزكاة جذعها، و التأخيّ في الله شعبها، و الأخلاق الحسنة ورقها، و الخروج عن معاصي الله ثمرها، و لا تكمل الشجرة إلّا بثمرة طيّبة، كذلك الدين لا يكمل إلّا بالخروج عن المحارم، يا بنيّ لكلّ شيء علامة يعرف بها و إنّ للدين ثلاث علامات: العفّة، و العلم، والحلم. (1)
10 - ص: عن سليمان بن داود، عن يحيى بن سعيد القطّان قال: سمعت الصادق علیه السلام يقول: قال لقمان علیه السلام : حملت الجندل والحديد و كلّ حمل ثقيل فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء، و ذقت المرارات كلّها فما ذقت شيئاً أمرّ من الفقر، يابنيّ لا تتّخذ الجاهل رسولاً، فإن لم تصب عاقلاً حكيماً يكون رسولك فكن أنت رسول نفسك، يا بني اعتزل الشرّ يعتزلك.
و قال الصادق صلوات الله عليه: قال أمير المؤمنين علیه السلام : قيل للعبد الصالح لقمان: أيّ الناس أفضل؟ قال: المؤمن الغنيّ، قيل: الغنيّ من المال؟ فقال: لا، و لكن الغنيّ من العلم الّذي إن احتيج إليه انتفع بعلمه، فإن استغنى عنه اكتفى؛ وقيل: فأيّ الناس أشرّ؟ قال: الّذي لا
1) قصص الانبياء مخطوط.
يبالي أن يراه الناس مسيئاً. (1)
11 - نبه: قال لقمان: يا بنيّ كما تنام كذلك تموت، و كما تستيقظ كذلك تبعث. (2)
و قال: يا بنيّ كذب من قال: إنّ الشرّ يطفأ بالشرّ، فإن كان صادقاً فليوقد نارين، هل تطفیء إحداهما الاُخرى؟ وإنّما يطفیء الخير الشرّ كما يطفىء الماء النار.
و قال يا بنيّ بع ديناك بآخرتك تربحهما جميعاً، و لا تبع آخرتك بدنياك تخسرهما جميعاً.
وكان لقمان يطيل الجلوس وحده فكان يمرّبه مولاه فيقول: يا لقمان إنّك تديم الجلوس وحدك فلو جلست مع الناس كان آنس لك، فيقول لقمان: إنّ طول الوحدة أفهم للفكرة، و طول الفكرة دليل على طريق الجنّة. (3)
1 - فس: أبي، عن النضر، عن يحيي الحلبيّ، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر علیه السلام إنّ بني إسرائيل بعد موسى عملوا بالمعاصي و غيّروا دين الله و عتوا من أمر ربّهم، وكان فيهم نبيّ يأمرهم وينهاهم فلم يطيعوه، و روي أنّه أرميا النبيّ، فسلّ الله عليهم جالوت وهو من القبط فأذلّهم و قتل رجالهم و أخرجهم من ديارهم و أخذ أموالهم واستعبد نساءهم، ففزعوا إلى نبيّهم وقالوا: سل الله أن يبعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، و كانت النبوّة في بني إسرائيل في بيت، والملك والسلطان في بيت آخر، لم يجمع الله لهم النبوّة و الملك في بيت واحد، فمن ذلك قالوا: «ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله» فقال لهم نبيّهم: «هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألّا تقاتلوا قالوا و مالنا ألّا نقاتل في سبيل الله وقد اُخرجنا من ديارنا و أبنائنا» و كان كما قال الله تبارك و تعالى: «فلمّا كتب عليهم القتال تولّوا إلّا قليلاً منهم» فقال لهم نبيّهم: «إنّ الله قد بعث لكم طالوت ملكاً» فغضبوا من ذلك وقالوا: «أنّى يكون له الملك علينا و نحن أحقّ بالملك منه و لم يؤت سعة من المال» وكانت النبوّة في ولد لاوي، والملك في ولد يوسف، و كان طالوت من ولد ابن يامين أخي يوسف لاُمّه، لم يكن من بيت النبوّة، ولا من بيت المملكة، فقال لهم نبيّهم: «إنّ الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة
في العلم و الجسم و الله يؤتي ملكه من يشاء و الله واسع عليم» و كان أعظمهم جسماً و كان شجاعاً قويّاً و كان أعلمهم إلّا إنّه كان فقيراً فعابوه بالفقر، فقالوا: «لم يؤت سعة من المال» فقال لهم نبيّهم: «إنّ آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربّكم و بقيّة ممّا ترك آل موسى و آل هارون تحمله الملائكة» وكان التابوت الّذى أنزله الله على موسى فوضعته فيه اُمّه و ألقته في اليمّ، فكان في بني إسرائيل يتبرّكون به، فلمّا حضر موسى الوفاة وضع فيه الألواح و درعه و ما كان عنده من آيات النبوّة و أودعه يوشع وصيّه فلم يزل التابوت بينهم حتّى استخفّوابه، وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات، فلم يزل بنو إسرائيل في عزّ و شرف مادام التابوت عندهم، فلمّا عملوا بالمعاصي و استخفّوا بالتابوت رفعه الله عنهم، فلمّا سألوا النبيّ و بعث الله إليهم طالوت ملكاً يقاتل معهم ردّ الله عليهم التابوت، كما قال الله «إنّ آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربِّكم وبقيّة ممّا ترك آل موسى و آل هارون تحمله الملائكة» قال: البقيّة: ذرّيّة الأنبياء ،و قوله: «فيه سكينةٌ من ربّكم» فإنّ التابوت كان يوضع بين يدي العدوّ و بين المسلمين فتخرج منه ريح طيّبة لها وجه كوجه الإنسان.
حدّثني أبي، عن الحسين بن خالد، عن الرضا علیه السلام أنّه قال: السكينة ريح من الجنّة لها وجه كوجه الإنسان، و كان إذا وضع التابوت بين يدي المسلمين والكفّار فإن تقدّم التابوت رجل لا يرجع حتّى يغلب أو يقتل، ومن رجع عن التابوت كفر و قتله الإمام، فأوحى الله إلى نبيّهم إنّ جالوت يقتله من يستوي عليه درع موسى علیه السلام و هو رجل من ولد لاوي بن يعقوب علیه السلام اسمه داودبن إيشا، وكان إيشا راعياً و كان له عشرة بنين أصغرهم داود، فلمّا بعث طالوت إلى بني إسرائيل و جمعهم لحرب جالوت بعث إلى إيشا أن احضر و احضر ولدك، فلمّا حضروا دعا واحداً واحداً من ولده فألبسه الدرع درع موسى علیه السلام فمنهم من طال عليه، و منهم من قصر عنه، فقال لإيشا: هل خلّفت من ولدك أحداً؟ قال: نعم أصغرهم تركته في الغنم راعياً، فبعث إليه فجاء به فلمّا دعي أقبل و معه مقلاع، قال: فناداه
ثلاث صخرات في طريقه، فقالت: يا داود خذنا، فأخذها في مخلاته، وكان شديد البطش، قويّاً في بدنه شجاعاً، فلمّا جاء إلى طالوت ألبسه درع موسی فاستوی علیه ففصل طالوت بالجنود، وقال لهم نبيّهم: يا بني إسرائيل : إنّ الله مبتليكم بنهر في هذه المفازة، فمن شرب منه فليس من حزب الله، و من لم يشرب فهو من الله إلّا من اغترف غرفة بيده، فلمّا وردوا النهر أطلق الله لهم أن يغرف كلّ واحد منهم غرفة بيده فشربوا منه إلّا قليلاً منهم، فالّذين شربوا منه كانوا ستّين ألفاً، و هذا امتحان امتحنوا به كما قال الله.
و روي عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال: القليل الّذين لم يشربوا و لم يغترفوا ثلاث مائة و ثلاثة عشر رجلاً، فلمّا جاوزوا النهر ونظروا إلى جنود جالوت قال الّذين شربوا: «لا طاقة لنا اليوم بجالوت و جنوده» و قال الّذين لم يشربوا: «ربّنا أفرغ علينا صبراً و ثبّت أقدامنا و انصرنا على القوم الكافرين» فجاء داود علیه السلام فوقف بحذاء جالوت و كان جالوت على الفيل، و على رأسه التاج، و في جبهته ياقوتة يلمع نورها، و جنوده بين يديه، فأخذ داود علیه السلام من تلك الأحجار حجراً فرمى به في ميمنة جالوت فمرّ في الهواء فوقع عليهم فانهزموا، و أخذ حجراً آخر فرمى به في ميسرة جالوت فوقع عليهم فانهزموا، و رمی جالوت بحجر فصكّت الياقوتة في جبهته و وصلت إلى دماغه و وقع إلى الأرض ميّتاً، و هو قوله: «فهزموهم بإذن الله و قتل داود جالوت». (1)
2 - مع: أبي عن محمّد العطّار، عن الأشعريّ، عن السنديّ بن محمّد، عن العلاء، عن محمّد، عن أبي جعفر علیه السلام قال: السكينة الإيمان. (2)
3 - ك: القطّان، عن السكّريّ، عن الجوهريّ، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن الصادق، عن آبائه علیهم السلام قال: إنّ يوشع بن نون قام بالأمر بعد موسى علیه السلام صابراً من الطواغيت على الأوّاء والضرّاء و الجهد و البلاء حتّى مضى منهم ثلاثة طواغيت فقوي بعدهم أمره فخرج
عليه رجلان من منافقي قوم موسى بصفراء بنت شعيب امرأة موسى في مائة ألف رجل، فقاتلوا يوشع بن نون فغلبهم و قتل منهم مقتلة عظيمة و هزم الباقين بإذن الله تعالى ذكره، و أسر صفراء بنت شعيب و قال لها: قد عفوت عنك في الدنيا إلى أن نلقی نبي الله موسى فأشكو ما لقيت منك و من قومك، فقالت صفراء: واويلاه، و الله لو اُبيحت لي الجنّة لاستحييت أن أرى فيها رسول الله و قد هتكت حجابه و خرجت على وصيّه بعده، فاستتر الأئمة بعد يوشع إلى زمان داود علیه السلام أربعمائة سنة، وكانوا أحد عشر، و كان قوم كلّ واحد منهم يختلفون إليه في وقته و يأخدون عنه معالم دينهم حتّى انتهى الأمر إلى آخرهم فغاب عنهم، ثمّ ظهر فبشّرهم بداود علیه السلام ، و أخبرهم أنّ داود علیه السلام هو الّذي يطهّر الأرض من جالوت و جنوده، و يكون فرجهم في ظهوره، وكانوا ينتظرونه فلمّا كان زمان داود علیه السلام كان له أربعة إخوة و لهم أب شيخ كبير، وكان داود علیه السلام من بينهم خامل الذكر، وكان أصغر إخوته لا يعلمون أنّه داود النبيّ المنتظر الّذى يطهّر الأرض من جالوت و جنوده، وكانت الشيعة يعلمون أنّه قد ولد و بلغ أشدّه و كانوا يرونه و يشاهدونه و لا يعلمون أنّه هو، فخرج داود علیه السلام و إخوته و أبوهم لمّا فصل طالوت بالجنود، و تخلّف عنهم داود، وقال: ما يصنع بي هذا الوجه؟ و استهان به إخوته و أبوه وأقام في غنم أبيه يرعاها، فاشتدّت الحرب و أصاب الناس جهد فرجع أبوه و قال لداود: احمل إلى إخوتك طعاماً يتقوّون به على العدوّ، و كان علیه السلام رجلاً قصيراً، قليل العشر، طاهر القلب، أخلاقه نقيّة، فخرج والقوم متقاربون بعضهم من بعض قد رجع كلّ واحد منهم إلى مركزه ،فمرّ داود على حجر فقال الحجر له بنداء رفيع: يا داود خذني فاقتل بي جالوت، فإنّي إنّما خلقت لقتله، فأخذه و وضعه في مخلاته الّتي كانت يكون فيها حجارته الّتي كان يرمي بها غنمه، فلمّا دخل العسكر سمعهم يعظّمون أمر جالوت، فقال لهم: ما تعظّمون من أمره؟ فوالله إن عاينته لأقتلنّه، فتحدّثوا بخبره حتّى اُدخل على طالوت، فقال له: يافتى ما عندك من القوّة و ما جرّبت من نفسك؟ قال: قد كان الأسد
يعدو على الشاة من غنمي فاُدركه و آخذ برأسه و اُقلّب لحيه عنها فآخذها من فيه، وقد كان الله تبارك وتعالى أوحى إلى طالوت أنّه لا يقتل جالوت إلّا من لبس درعك فملأها، فدعا بدرعه فلبسها داود فاستوت عليه، فراع ذلك طالوت و من حضره من بني إسرائيل، فقال: عسى الله أن يقتل جالوت به، فلمّا أصبحوا و التقى الناس قال داود: اُروني جالوت، فلمّا رآه أخذ الحجر فرماه به فصك به بين عينيه فدمغه و تنكّس عن دابّته، فقال الناس: قتل داود جالوت، وملّكه الناس حتّى لم يكن يسمع لطالوت ذكر، واجتمعت عليه بنو إسرائيل و أنزل الله تبارك و تعالى عليه الزبور، و علّمه صنعة الحديد فليّنه له، و أمر الجبال و الطير أن تسبّح معه، و أعطاه صوتاً لم يسمع بمثله حسناً، و اُعطي قوّة في العبادة، و أقام في بني إسرائيل نبيّاً.
ثمّ إنّ داود علیه السلام أراد أن يستخلف سليمان علیه السلام لأنّ الله عزّوجلّ أوحى إليه يأمره بذلك، فلمّا أخبر بني إسرائيل ضجّوا من ذلك، و قالوا: يستخلف علينا حدثاً وفينا من هو أكبر منه! فدعا أسباط بني إسرائيل فقال لهم: قد بلغتني مقالتكم فأروني عصيّكم، فأيّ عصا أثمرت فصاحبها وليُّ الأمر بعدي، فقالوا: رضينا، و قال: ليكتب كلّ واحد منكم اسمه على عصاه فكتبوا، ثمّ جاء سليمان بعصاه فكتب عليها اسمه ثمّ اُدخلت بيتاً و اُغلق الباب و حرسه رؤوس أسباط بني إسرائيل، فلمّا أصبح صلّى بهم الغداة، ثمّ أقبل ففتح الباب فأخرج عصيّهم و قد أورقت عصا سليمان و قد أثمرت، فسلّموا ذلك لداود، فاختبره بحضرة بني إسرائيل فقال له: يا بنيّ أيّ شيء أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس و عفو الناس بعضهم عن بعض، قال: يا بنيّ فأيّ شيء أحلى؟ قال: المحبّة و هي روح الله في عباده، فافترّ داود ضاحكاً فسار به في بني إسرائيل فقال: هذا خليفتي فيكم من بعدي ثمّ أخفى سليمان بعد ذلك أمره و تزوّج بامرأة واستتر من شيعته ما شاء الله أن يستتر، ثمّ إنّ امرأته قالت له ذات يوم: بأبي أنت واُمّي ما أكمل خصالك وأطيب ريحك! و لا أعلم لك خصلة أكرهها إلّا أنّك في مؤونة
أبي، فلو دخلت السوق فتعرّضت لرزق الله رجوت أن لا يخيبك. فقال لها سليمان: إنّي والله ما عملت عملاً قطّ و لا اُحسنه، فدخل السوق فجال يومه ذلك ثمّ رجع فلم يصب شيئاً، فقال لها: ما أصبت شيئاً، قالت: لا عليك إن لم يكن اليوم كان غداً، فلمّا كان من الغد خرج إلى السوق فجال فيه فلم يقدر على شيء و رجع فأخبرها فقالت: يكون غداً إن شاء الله، فلمّا كان في اليوم الثالث مضى حتّى انتهى إلى ساحل البحر فإذا هو بصيّاد فقال له: هل لك أن اُعينك و تعطينا شيئاً؟ قال: نعم ، فأعانه فلمّا فرغ أعطاه الصيّاد سمكتين فأخذهما و حمدالله عزّوجلّ، ثمّ إنّه شقّ بطن إحداهما فإذا هو بخاتم في بطنها، فأخذه فصيّره في ثوبه و حمد الله، و أصلح السمكتين و جاء بهما إلى منزله، و فرحت امرأته بذلك، وقالت له: إنّي اُريد أن تدعو أبويّ حتّى يعلما أنّك قد كسبت، فدعاهما فأكلامعه، فلمّا فرغوا قال لهم: هل تعرفوني؟ قالوا: لاو الله إلّا أنّا لم نر خيراً منك، فأخرج خاتمه فلبسه فخرّ عليه الطير و الريح و غشيه الملك و حمل الجارية و أبويها إلى بلاد إصطخر، واجتمعت إليه الشيعة و استبشروا به ففرّج الله عنهم ما كانوا فيه من حيرة غيبته، فلمّا حضرته الوفاة أوصى إلى آصف بن برخيابإذن الله تعالى ذكره، فلم يزل بينهم تختلف إليه الشيعة و يأخدون عنه معالم دينهم، ثمّ غيّب الله عزّوجلّ آصف غيبة طال أمدها ، ثمّ ظهر لهم فبقي بين قومه ما شاء الله، ثمّ إنّه ودّعهم فقالوا له، أين الملتقی؟ قال: على الصراط ،و غاب عنهم ما شاء الله، و اشتدّت البلوى على بني إسرائيل بغيبته و تسلّط عليهم بخت نصّر فجعل يقتل من يظفر به منهم و يطلب من يهرب، و يسبي ذراريّهم، فاصطفى من السبي من أهل بيت يهودا أربعة نفر فيهم دانيال، و اصطفى من ولد هارون عزيراً، و هم حينئذ صبية صغار، فمكثوا في يده و بنو إسرائيل في العذاب المهين، و الحجّة دانيال أسير في يد بخت نصّر تسعين سنة، فلمّا عرف فضله و سمع أنّ بني إسرائيل ينتظرون خروجه و يرجون الفرج في ظهوره و على يده أمر أن يجعل في جبّ عظيم واسع و يجعل معه الأسيد ليأكله، فلم يقربه، و أمر أن لا يطعم، فكان الله تعالى يأتيه بطعامه
و شرابه على يد نبيّ من أنبياء بني إسرائيل، فكان يصوم دانيال النهار، و يفطر اللّيل على ما يدلى إليه من الطعام، واشتدّت البلوى على شيعته و قومه المنتظرين لظهوره، و شكّ أكثرهم في الدين لطول الأمد، فلمّا تناهى البلاء بدانيال و بقومه رأی بخت نصرّ في المنام كأنّ ملائكة من السماء قد هبطت إلى الأرض أفواجاً إلى الجبّ الّذي فيه دانيال مسلّمين عليه، يبشّرونه بالفرج، فلمّا أصبح ندم على ما أتى إلى دانيال، فأمر أن يخرج من الجبّ فلمّا اُخرج اعتذر إليه ممّا ارتكب منه من التعذيب، ثمّ فوّض إليه النظر في اُمور ممالكه و القضاء بين الناس، فظهر من كان مستتراً من بني إسرائيل، ورفعوا رؤوسهم، و اجتمعوا إلى دانيال علیه السلام موقنين بالفرج فلم يلبث إلّا القليل على تلك الحال حتّى مضى لسبيله، و أفضى الأمر بعده إلى عزير، وكانوا يجتمعون إليه، و يأنسون به. و يأخذون عنه معالم دينهم، فغيّب الله عنهم شخصه مائة عام، ثمّ بعثه و غابت الحجج بعده، و اشتدّت البلوى على بني إسرائيل حتّى ولد يحيى بن زكريّا علیه السلام و ترعرع و ظهر وله سبع سنين، فقام في الناس خطيباً فحمد الله و أثنى عليه وذكّرهم بأيّام الله، وأخبرهم أنّ محن الصالحين إنّما كانت لذنوب بني إسرائيل، و أنّ العاقبة للمتّقين، و وعدهم الفرج بقيام المسيح علیه السلام بعد نيّف و عشرين سنة من هذا القول، فلمّا ولد المسيح أخفى الله ولادته و غيّب شخصه لأنّ مريم علیها السلام لمّا حملته انتبذت به مكاناً قصيّاً.
ثمّ إنّ زكريّا وخالتها أقبلا يقصّان أثرها حتّى هجما عليها و قد وضعت ما في بطنها و هي تقول: «يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسيّاً» فأطلق الله تعالى ذكره لسانه بعذرها و إظهار حجّتها، فلمّا ظهر اشتدت البلوى و الطلب على بني إسرائيل و أكبّ الجبابرة و الطواغيت عليهم، حتّى كان من أمر المسيح ما قد أخبر الله به، و استتر شمعون ابن حمون والشيعة حتّى أفضى بهم الاستتار إلى جزيرة من جزائر البحر فأقاموا بها ففجر لهم فيها العيون العذبة، و اُخرج لهم من كلّ الثمرات، و جعل لهم فيها الماشية، و بعث إليهم سمكة
تدعى القمد لالحم لها و لا عظم، و إنّما هي جلد و دم فخرجت من البحر، و أوحى الله عزّوجلّ إلى النحل أن تركبها، فركبتها فأتت النحل إلى تلك الجزيرة، و نهض النحل و تعلّق بالشجر فعرش و بنى و كثر العسل، و لم يكونوا يفقدون شيئاً من أخبار المسيح علیه السلام. (1)
4 - ل، ع، ن: سأل الشاميّ أمير المؤمنين علیه السلام عن يوم الأربعاء الّذي يتطيّر منه، فقال علیه السلام : آخر أربعاء في الشهر - و ساق الحديث إلى أن قال - : و يوم الأربعاء أخذت العماليق التابوت. (2)
5 - كا: عدّة من أصحابنا، عن محمّد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن معاوية ابن وهب، عن سعيد السّمان قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : إنّما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل أيّ أهل بيت وجد التابوت على بابهم اُوتوا النبوّة، فمن صار إليه السلاح منّا اُوتي الإمامة. (3)
باب 10 ⬜ مناظرات عليّ بن الحسين علیهما السلام و احتجاجاته ... 5
باب 11 ⬜مناظرات محمّد بن على الباقر و احتجاجاته علیه السلام ... 6
باب 12 ⬜ احتجاجات الصّادق صلوات الله عليه على الزنادقة و المخالفين و مناظراته معهم ... 14
باب 13 ⬜ ما بيَّن علیه السلام من المسائل في اصول الدين و فروعه برواية الاعمش ... 43
باب 14 ⬜ احتجاجات اصحابه علیه السلام على المخالفين ... 51
باب 15 ⬜ احتجاجات موسی بن جعفر علیهما السلام على ارباب الملل و الخلفاء و بعض ما روى عنه من جوامع العلوم ... 53
باب 16 ⬜ ما وصل الينا من أخبار علی بن جعفر، عن أخيه موسى علیه السلام بغير رواية الحميرى، نقلناها مجتمعة لما بينها و بين أخبار الحميری من اختلاف يسير، و فرّقنا ما ورد برواية الحميری على الابواب ... 58
باب 17 ⬜ احتجاجات أصحابه على المخالفين ... 100
باب 18 ⬜ مناظرات الرضا عليّ بن موسى صلوات الله عليه، و احتجاجه على أرباب الملل المختلفة والاديان المتشته في مجلس المأمون وغيره ... 102
باب 19 ⬜ ما كتبه صلوات الله عليه للمأمون من محض الاسلام و شرایع الدین و سایر ما روى عنه علیه السلام من جوامع العلوم ... 126
باب 20 ⬜ مناظرات أصحابه و أهل زمانه صلوات الله عليه ... 140
باب 21 ⬜ احتجاجات أبي جعفر الجواد و مناظراته صلوات الله عليه ... 142
باب 22 ⬜ احتجاجات أبي الحسن عليّ بن محمّد النقى - صلوات الله عليه و أصحابه وعشائره - على المخالفين و المعاندين ... 147
باب 23 ⬜ احتجاج أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ علیهما السلام ... 152
باب 24 ⬜ نوادر الاحتجاجات والمناظرات من علمائنا رضوان الله عليهم في زمن الغيبة ... 154
باب 1 ⬜ معنى النبوة و علة بعثة الانبياء و بيان عددهم و أصنافهم و جمل أحوالهم و جوامعها صلوات الله عليهم أجمعين ... 163
باب 2 ⬜ نقش خواتيمهم وأشغالهم وأمزجتهم وأحوالهم في حياتهم وبعد موتهم صلوات الله عليهم ... 169
باب 3 ⬜ علة المعجزة و انّه لم خصّ الله كلّ نبيّ بمعجزة خاصة ... 174
باب 4 ⬜ عصمة الانبياء علیهم السلام، وتأويل مايوهم خطأهم وسهوهم ... 176
أبواب قصص آدم و حواء و أولادهما صلوات الله عليهما
باب 1 ⬜ فضل آدم و حواء و علل تسميتهما، و بعض أحوالهما، و بدء خلقهما و سؤال الملائكة في ذلك ... 188
باب 2 ⬜ سجود الملائكة ومعناه ومدة مكثه علیه السلام في الجنة، و أنها أية جنة كانت، ومعنى تعليمه الاسماء ... 201
باب 3 ⬜ ارتكاب ترك الاولى ومعناه وكيفيته ، وكيفية قبول توبته والكلمات التي تلقاها من ربه ... 208
باب 4 ⬜ كيفية نزول آدم علیه السلام من الجنة وحزنه على فراقها و ماجری بینه و بین ابلیس لعنه الله ... 231
باب 5 ⬜ تزويج آدم حواء و كيفية بدء النسل منهما و قصة قابيل و هابیل و سائر أولادهما ... 238
باب 6 ⬜ ما اوحى الى آدم علیه السلام ... 247
باب 7 ⬜ عمر آدم و وفاته و وصيته الى شيث و قصصه علیه السلام ... 248
باب 8 ⬜ قصص ادريس ... 253
ابواب قصص نوح على نبيّنا و آله و علیه السّلام
باب 1 ⬜ مدة عمره و ولادته و وفاته و علل تسميته و نقش خاتمه وجمل أحواله علیه السلام ... 260
باب 2 ⬜ مكارم أخلاقه و ما جرى بينه و بين ابليس و أحوال أولاده و ما اوحى اليه و صدر عنه من الحكم و الادعية و غيرها ... 264
باب 3 ⬜ بعثته علیه السلام على قومه و قصة الطوفان ... 265
باب 4 ⬜ قصة هود علیه السلام و قومه عاد ... 274
باب 5 ⬜ قصة شداد و ارم ذات العماد ... 284
باب 6 ⬜ قصة صالح علیه السلام و قومه ... 285
ابواب قصص إبراهيم علیه السلام
باب 1 ⬜ علل تسميته و سنته و فضائله و مکارم اخلاقه و سننه و نقش خاتمه علیه السلام ... 292
باب 2 ⬜ قصص ولادته علیه السلام الى كسر الاصنام، و ما جرى بینه و بین فرعونه، و بيان حال أبيه ... 296
باب 3 ⬜ اراءته علیه السلام ملكوت السماوات و الارض و سؤاله احياء الموتى و الكلمات التی سأل ربه و ما اوحى اليه و صدر عنه من الحكم ... 317
باب 4 ⬜ جمل أحواله و وفاته علیه السلام ... 329
باب 5 ⬜ احوال أولاده و أزواجه صلوات الله عليهم و بناء البيت ... 332
باب 6 ⬜ قصة الذبح و تعيين الذبيح ... 346
باب 7 ⬜ قصص لوط علیه السلام و قومه ... 361
باب 8 ⬜ قصص ذی القرنين ... 365
باب 9 ⬜ قصص يعقوب و يوسف على نبيناوآله وعليهما الصلاة والسلام ... 378
باب 10 ⬜ قصص ايوب علیه السلام ... 409
باب 11 ⬜ قصص شعیب ... 413
أبواب قصص موسی و هارون علیهما السلام
باب 1 ⬜ نقش خاتمهما و علل تسميتهما و فضائلهما و سننهما و بعض أحوالهما ... 417
باب 2 ⬜ احوال موسى علیه السلام من حين ولادته الى نبوته ... 420
باب 3 ⬜ معنى قوله تعالى: «فاخلع نعليك» و قول موسى علیه السلام و «احلل عقدة من لسانى» و أنّه لم سمى الجبل طور سيناء ... 444
باب 4 ⬜ بعثة موسى وهارون صلوات الله عليهما على فرعون، و احوال فرعون وأصحابه و غرقهم، و ما نزل عليهم من العذاب قبل ذلك و ايمان السحرة و أحوالهم ... 446
باب 5 ⬜ أحوال مؤمن آل فرعون و امرأة فرعون ... 459
باب 6 ⬜ خروجه علیه السلام من الماء مع بنى اسرائيل و أحوال التيه ... 461
باب 7 ⬜ نزول التوراة، وسؤال الرؤية، وعبادة العجل و ما يتعلق بها ... 462
باب 8 ⬜ قصة ذبح البقرة ... 474
باب 9 ⬜ قصة موسى علیه السلام حين لقى الخضر و سائر قصص الخضر علیه السلام و أحواله ... 477
باب 10 ⬜ ما ناجی به موسی علیه السلام ربه و ما اوحى اليه من الحكم و المواعظ و ماجری بینه و بین إبلیس لعنه الله، و فيه بعض النوادر ... 492
باب 11 ⬜ وفاة موسى وهارون علیهما السلام و موضع قبرهما، و بعض أحوال يوشع بن نون علیه السلام ... 502
باب 12 ⬜ تمام قصّة بلعم بن باعور، و قد مضى بعضها في الباب السابق ... 510
باب 13 ⬜ قصة حزقيل علیه السلام ... 512
باب 14 ⬜ قصص اسماعيل الذی سماه الله صادق الوعد و بيان أنه غير اسماعيل بن إبراهيم ... 514
باب 15 ⬜ قصص الياس و اليا و اليسع علیهم السلام ... 516
باب 16 ⬜ قصص ذی الكفل علیه السلام ... 522
باب 17 ⬜ قصص لقمان و حكمه ... 524
باب 18 ⬜ قصة الشمويل علیه السلام و طالوت و جالوت و تابوت السكينة ... 532
فهرست ما في هذا الجزء ... 540
الرموز الواردة في كلّ الاجزاء ... 545
الرموز الواردة في كلّ الاجزاء
الصورة